الجزء الرابع
261
ص44 الصدر، محمد.
تقريرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج4 (336ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1738/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1738) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
0-14-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
تقريرات في
علم أصول الفقه
تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ
آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء الرابع
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
مبحث الضد
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الكلام في اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه.
وقبل الدخول في أصل البحث أي في اقتضاء الأمر بالشيء والنهي عن ضده، يقع الكلام في أمور:
إن هذه المسألة من المسائل الأصولية العقلية، لا من المسائل الفقهية ولا من المبادئ. [وفيه شُعبتان:]
أمّا أنَّها ليست من المسائل الفقهيّة، فلأنّ البحث فيها لا يقع عن حرمة الضدّ ابتداءً، وأنَّ ضدّ الواجب هل هو حرامٌ أو لا؟ بل البحث فيها عن الملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضدّه، كما كان الأمر كذلك في مبحث
ــــــــــ[11]ــــــــــ
(1) كانت بداية الشروع في مباحث الضدّ 23/4/1384، 1/9/1964.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
مقدّمة الواجب، وقلنا(1): إنَّ البحث فيها ليس في الوجوب ابتداءً، بل عن الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، ويترتّب على هذه الملازمة وجوب المقدّمة عند وجوب ذيها خارجاً، فيُقال: لو كان واجباً لوجبت مقدّمته، ولكنّه واجبٌ، إذن فمقدّمته واجبةٌ.
وهنا أيضاً يقالُ: لو كان هذا واجباً لحرم ضدّه، لكنّه واجبٌ، فضدّه محرّمٌ، فحرمة الضدّ من نتائج هذا البحث، بع ضمّ الصغرى إلى هذه الكبرى، بعد ضم: (إنَّ الشيء الفلاني واجبٌ) إلى الكبرى وهو: (الملازمة بين وجوب الضدّ وحرمة ضدّه)، يثبت أنَّ ضدّ هذا الواجب حرامٌ.
فليست هذه المسألة من المسائل الفقهيّة التي يُبحث فيها عن وجوب الشيء وحرمته ابتداءً، بل يُبحث فيها عن الملازمة بين الأمرين.
ويدلّنا على ذلك -مضافاً إلى وضوح الأمر في كون البحث عن الملازمة لا عن الحرمة ابتداءً- أنّ هذا البحث -كمبحث مقدّمة الواجب- لا ينحصر في الوجوب، بل يجري في مطلق الطلب، فإذا قلنا: إنَّ وجوب الشيء يقتضي وجوب مقدّمته، فكذلك نقول في الاستحباب، لأنَّ الملازمة إنَّما تكون بين طلبٍ وطلبٍ -يعني: بين طلب الشيء وطلب مقدّمته- وخصوصيّة المنع من الترك وعدمه لا دخل لها في الملازمة.
والمقام أيضاً كذلك، فإذا قلنا: إنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، فلا يختصّ ذلك بالوجوب، بل يشمل الأمر الاستحبابيَّ أيضاً، غاية الأمر: أنَّ
ــــــــــ[12]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه: 3: 16، 17.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
كلّ أمرٍ يقتضي النهي المناسب له، فإذا كان الأمر استحبابيّاً كان النهي تنزيهيّاً، وإذا كان الأمر وجوبيّاً كان النهي تحريميّاً. فهذا البحث ليس خاصّاً بحرمة الضدّ، بل يُبحث فيه عن الملازمة بين طلب شيءٍ والنهي عن ضدّه، فإذا كان الأمر وجوبيّاً كان النهي إلزاميّاً، فيثبت التحريم، وإن كان الأمر استحبابيّاً كان النهي تنزيهيّاً.
فيثبت بذلك أنَّ هذه المسألة ليست من المسائل الفقهيّة.
أمّا أنَّ هذه المسألة ليست من المبادئ، فالوجه في ذلك: أنَّها ممّا لا يترتّب عليها نتيجةٌ فقهيّةٌ، وإنَّما تترتّب -النتيجة الفقهيّة- على مسألة: أنّ النهي عن العبادة يقتضي فسادها وأنَّ النهي عن شيءٍ يقتضي فساده، فإنَّ ما يكون مبعّداً عن المولى يستحيل أن يكون مقرّباً، ولا يمكن التقرّب له بما هو مبغوضٌ لديه ومنهيٌّ عنه مِن قِبله. وهذه هي المسألة الأصوليّة، فتكون مسألتنا من مبادئ تلك المسألة، ومثبتةً لصغراها، وهي: أنّ الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه أو لا؟
فعلى تقدير الاقتضاء تكون صغرى لتلك المسألة، فيقال: إنَّ الصلاة
-مثلاً- منهيّاً عنها لأنَّها ضدٌّ للواجب الفعليّ -كالإزالة- الذي هو واجبٌ فوريٌّ، وضدّ الواجب حرامٌ، لأنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، فالصلاة منهيٌّ عنها.
فتكون مسألتنا صغرى للمسألة الأصوليّة، وهي اقتضاء النهي عن العبادة للفساد، فيُحكم بفساد العبادة على تقدير ثبوت الملازمة، ومع قطع النظر عن
ــــــــــ[13]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
أنَّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد، لا يترتّب على هذه المسألة أثرٌ.
وقد ذكرنا -غير مرّة-: أنَّ العبرة في كون المسألة أصوليّةً أن تترتّب عليها نتيجةٌ فقهيّةٌ بلا واسطةٍ، وأن تكون منشأً لحكمٍ شرعيٍّ بعد ضمّ صغرى المسألة إلى الكبرى المبحوث عنها، ومسألتنا ليست كذلك، فمجرّد ثبوت الملازمة بين الأمر بالشيء والنهي عن ضدّه لا يترتّب عليه فساد العبادة، إذ لا بُدَّ من ضمّ مسألةٍ أخرى، وهي مسألة: أنَّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد، وهي المسألة التي يترتّب عليها حكمٌ فقهيٌّ كلّيٌّ، وهو: أنَّ الصلاة -مثلاً- محكومةٌ بالبطلان عند مزاحمة الواجب الفعليّ كالإزالة.
فالمسألة الأصوليّة هي: أنَّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد. أمّا هذه المسألة فهي مثبتةٌ لصغرى من صغريات تلك المسألة، ولا يترتّب عليها -وحدها- نتيجةٌ فقهيّةٌ، فتكون من المبادئ لا محالة. وكونها من المبادئ متوقّفٌ على أن يكون المقصود من النهي في قولنا: (إنَّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد)، الأعمّ من النهي النفسيّ والغيريّ، أمّا إذا كان النهي مختصّاً بالنهي النفسيّ فلا تنتهي مسألتنا إلى حكمٍ شرعيٍّ أبداً حتّى بضمّ تلك المسألة، لأنَّ النهي في قولنا: (إنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه) ليس نهياً نفسيّاً، بل هو نهيٌ غيريٌّ تبعيٌّ كوجوب مقدّمة الواجب.
نعم، تترتب الثمرة الفقهية فيما إذا كان النهي أعمّ من النفسي والغيري. أمّا لو كان المقصود به النهي النفسي وهو الذي يقتضي الفساد دون النهي الغيري فلا تترتب ثمرةٌ عمليّةٌ على مسألتنا أصلاً. وعلى كِلا التقديرين فليست المسألة من
ــــــــــ[14]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
المسائل الأصولية بل تكون من المبادئ ومثبتة لصغرى تلك المسألة هكذا قيل.
ولكنّا قد ذكرنا في أوائل بحث الأصول(1) -في تمييز المسائل الأصوليّة عن غيرها-: أنَّ العبّرة في المسألة الأصوليّة هي ترتّب نتيجةٍ فقهيّةٍ عليها، وإن كان ذلك على أحد طرفيها، نفياً أو إثباتاً، ولا يلزم ترتّب النتيجة الفقهيّة على كلا الطرفين فيها، بل ترتّب النتيجة على أحد الطرفين كافٍ في كون المسألة أصوليّةً، إذ يمكن أن تكون المسألة واقعةً في طريق الاستنباط في أحد طرفيها.
وأكثر المسائل الأصوليّة من هذا القبيل، كمباحث الحجّة، من قبيل: حجيّة خبر الواحد أو عن حجيّة ظواهر الكتاب أو حجيّة الشهرة أو الإجماع المنقول.
فإذا قلنا: إنَّ خبر الواحد حجّة، فبضمّ الصغرى إلى هذه الكبرى نستنتج وجوب السورة في الصلاة -مثلاً- فنقول: إنَّ الرواية الصحيحة دلّت على أنَّ السورة جزءٌ من الصلاة وهي حجّةٌ شرعاً، لأنَّ خبر الواحد حجّةٌ، فيثبت أنَّ السورة جزءٌ من الصلاة.
وكذلك الحال في مباحث الألفاظ، فإذا قلنا: إنَّ الأمر ظاهرٌ في الوجوب، يثبت بذلك حكمٌ شرعيٌّ، فنقول: إنَّ الله قد أمرنا في كتابه أو في الرواية الصحيحة بكذا، والأمر ظاهرٌ في الوجوب، فيثبت وجوب هذا الأمر.
وأمّا إذا قلنا: إنَّ خبر الواحد ليس بحجّةٍ، فأيّ أثرٍ يترتّب على هذا البحث، وأيّ نتيجةٍ فقهيّةٍ تترتّب على هذه المسألة؟ فالنتيجة إنَّما تترتّب على القول بالحجّيّة لا على القول بعدمها. وكذلك إذا قلنا: إنَّ الأمر ليس ظاهراً في
ــــــــــ[15]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه: 1: 89 – 93.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الوجوب، فإنَّ عدم الدلالة لا يترتّب عليه حكمٌ شرعيٌّ.
فمن ذلك نعلم: أنَّ المسألة الأصوليّة لا يلزم فيها أن تكون النتيجة مترتبّةً على كلا الطرفين وعلى كلا تقديري المسألة -أعني: النفي والإثبات- بل يكفي ترتّبها على أحد الطرفين.
ومسألتنا هذه على تقدير الاقتضاء -وإن لم يكن الأمر كذلك- لا يترتّب عليها الفساد على القول بالاقتضاء فقط، بل لا بُدَّ من ضمّ مسألةٍ أخرى إليها، وهي دلالة النهي على الفساد على نحوٍ أعمّ من النهي النفسيّ والغيريّ، ومجرّد ثبوت الملازمة بين وجوب الشيء والنهي عن ضدّه لا يوجب ثبوتَ حكمٍ شرعيٍّ.
وأمّا إذا قلنا: إنَّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه، فلا مانع من صحّة العبادة من دون ضمّ أيّة مقدّمةٍ من المقدّمات، إذ المفروض أنَّ الإطلاقات الشاملة لصورة المزاحمة كافيةٌ للحكم بصحّة هذه العبادة المزاحَمة بالإزالة، والمانع هو وجود النهي. فلو فرضنا أنَّها غير منهيٍّ عنها وقلنا بأنَّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه، يحكم بصحّتها، إذ المفروض أنَّها عبادةٌ وليست منهيّاً عنها، فتكون صحيحةً من دون أيّ مقدّمةٍ أُخرى.
فعلى ما تقدّم، لا وجه للالتزام بأنَّ هذه المسألة من المبادئ، بل هي من المباحث الأصوليّة، لأنَّ النتيجة الفقهيّة تترتّب على نفس هذه المسألة من دون ضميمة، وذلك على القول بعدم الاقتضاء. وأمّا على القول بالاقتضاء، فإنّ الفساد لا يترتب على هذه المسألة فقط، بل لا بدَّ من ضمّ أمرٍ آخر إليها.
ــــــــــ[16]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ثمَّ إنَّ مسألتنا هذه من المسائل الأصوليّة العقليّة وليست من المباحث اللفظيّة، وإن كان ظاهر العنوان -وهو أنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه- يقتضي ذلك، إلَّا أنَّ الأمر في المقام عبارة عن مبرز الوجوب والطلب والاعتبار النفسيّ، فالوجوب ليس هو الأمر وإنَّما هو مدلول الأمر ومُبرَزٌ به، فإنَّ ظاهر العنوان وإن كان يقتضي أن يكون البحث من مباحث الألفاظ، يعني: بحثاً عن دلالة لفظ الأمر على النهي عن ضدّه، إلَّا أنَّه ليس كذلك، فإنَّ كلامنا في الملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضدّه، سواءٌ أكان الوجوب مستفاداً من اللفظ أم من دليلٍ عقلّيٍّ أم لبّيٍّ، فإنَّ عمدة ما ذكره القائلون بالدلالة هو الملازمة بين هذين الأمرين: بين وجوب الشيء وحرمة ضدّه. أمّا أنَّ الوجوب مستفادٌ من اللفظ أم لا، فهذا خارج محلّ البحث.
فتحصّل: أنَّ هذه المسألة من المسائل الأصوليّة -بالبيان الأوّل-(1) ومن المسائل العقليّة -بهذا البيان- وأنَّها ليست من مباحث الألفاظ وإن كان التعارف الخارجي على ذكر هاتين المسألتين: هذه المسألة والتي قبلها، في مباحث الألفاظ، وإلّا ففي الواقع ليستا من مباحث الألفاظ، وإنّما هما من المباحث العقليّة ومن المسائل الأصوليّة.
ــــــــــ[17]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات علم أصول الفقه: 92 ، 93.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
المراد بالضدّ في المقام -أي: في بحث اقتضاء الأمر النهي عن ضدّه- لا يختصّ بالأمر الوجوديّ، بل المراد به الأعمّ من الأمر الوجوديّ المعيّن والجامع بين الأضداد الخاصّة والترك الذي هو أمرٌ عدميٌّ.
فيقال: إنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ الذي لا يجتمع معه في الوجود أو هو يقتضي النهي عن الجامع بين الأضداد الخاصّة، أو عن ضدّه العامّ وهو الترك، ليكون معنى الأمر بالصلاة النهي عن تركها، ويكون معنى (صلِّ): لا تترك الصلاة؟
فالكلام في الجامع بين هذه الأمور، وأنَّ الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ، أو عن الجامع بين الأضداد الخاصّة، أو عن ضدّه العامّ
-أعني: الترك- ليكون معنى الأمر بالشيء النهي عن تركه.؟ أم أنَّ هناك تفصيلاً بين هذه الأمور، فالنزاع يعمّ جميع هذه الأقسام، فهل المراد بالضدّ: الأعمّ من الضدّ الخاصّ، والجامع بين الأضداد الخاصّة، والترك المعبّر عنه بالضدّ العامّ؟ أم لا اقتضاء في البين أصلاً؟
ليس المراد بالاقتضاء -هنا- الاستدعاء والاستلزام، وهو معناه الظاهر، بل الأعمّ من أن يكون على نحو العينيّة أو الجزئيّة أو الاستلزام، فكلّ ذلك داخلٌ في محلّ البحث.
ــــــــــ[18]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فنتكلم عن أنَّ الأمر بالشيء هل هو عين ضدّه أو أنَّ النهي عن الضدّ جزء الأمر بضدّه، أو أنَّ الأمر بالضدّ يستلزم النهي عن ضدّه أو لا يستلزم؟
ثمَّ إنَّ الكلام في المقام تارةً يقع في الضدّ الخاصّ وأخرى يقع في الضدّ العامّ.
ــــــــــ[19]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
يقع الكلام أوّلاً في الضدّ الخاصّ أو الجامع بين الأضداد بملاكٍ واحد، وأنَّ الأمر بشيءٍ هل فيه نحو من الاقتضاء -بأيّ وجهٍ كان- للنهي عن ضدّه الخاصّ؟ أم أنَّ فيه اقتضاءً للنهي عن الجامع بين الأضداد؟ أم ليس فيه اقتضاءٌ أصلاً؟
في المسألة قولان: الاقتضاء وعدمه.
استدلّ القائلون بالاقتضاء بمقدّمتين:
الأولى: تقدّم الكلام فيها، وهي: أنَّ مقدّمة الواجب واجبةٌ، وعلى تقدير عدم تسليمها -وهو كذلك- فلا أثر للمقدّمة الثانية نعم. على تقدير تسليمها يكون حينئذٍ للمقدّمة الثانية أثرٌ في المقام.
الثانية: إثبات الصغرى لهذه الكبرى، وهي: أنَّ عدم أحد الضدّين مقدّمةٌ للضدّ الآخر. وبضمّ هذه الصغرى إلى الكبرى المتقدّمة ينتج: أنَّ عدم أحد الضدّين واجبٌ -فإذا كان الضدّ الآخر واجباً كان هذا العدم- أي: ترك هذا الضدّ -واجباً- فلو وجبت الإزالة في المسجد وهي واجبٌ فوريٌّ، كان ترك الصلاة واجباً، لأنَّه مقدّمةٌ للإزالة، ومقدّمة الواجب واجبةٌ.
فنستنتج من هاتين المقدّمتين -أي: مقدّمية ترك أحد الضدّين للآخر
ــــــــــ[21]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ووجوب مقدّمة الواجب-: أنَّ ترك الصلاة واجبٌ إذا كانت الإزالة واجبةً فعلاً، فإذا كان ترك الصلاة واجباً كان فعلها منهيّاً عنه، إذ لا نعني بالنهي عن الفعل إلَّا الأمر بتركه، فيثبت: أنَّ الأمر بشيء -كالإزالة- يقتضي النهي عن ضدّه، وهو الصلاة.
وعمدة الكلام في المقام في إثبات هذه المقدّمة: بأنَّ عدم أحد الضدّين مقدّمة للضدّ الآخر. وليس في المقدّمة الأخرى -أي: مقدّمة الواجب واجبة- كلام، إذ المشهور سلّم بها.
أحدهما: أنَّ عدم المانع من مقدّمات وجود الشيء، فإنَّ العلّة التامّة مركّبةٌ من المقتضي والشرط وعدم المانع، فإذا لم يكن المقتضي موجوداً فلا وجود للمعلول، وإن كان المقتضي موجوداً إلَّا أنَّ الشرط غير موجودٍ فلا وجود للمعلول أيضاً، وكذلك إذا كان كلاهما موجوداً إلَّا أنَّ هناك مانعاً من التأثير
-وهو أمرٌ خارجي- يزاحم المقتضي في تأثيره بمقتضاه، فلا يوجد المقتضي ولا يتحقّق الأثر خارجاً.
فإذا كانت النار غير موجودةٍ فالإحراق غير موجودٍ لا محالة. وإذا كانت المماسّة غير موجودةٍ فلا إحراق أيضاً، إذ إنَّ من شروط الإحراق المماسّة، وإلَّا فلا يتحقّق الإحراق. وقد يفرض أنَّ النار والمماسّة كلٌّ منهما موجودٌ، ولكنّ وجود مانعٍ وهو الرطوبة -مثلاً- يمنع من الإحراق. فالعلّة التامّة إذن لا بُدَّ فيها من وجود المقتضي والشرط وعدم المانع. وهذا ظاهر. وعلى ذلك: فكبرى
ــــــــــ[22]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
أنَّ عدم المانع من المقدّمات ممّا لا إشكال فيها.
ثانيهما: أنَّ الضدّين متمانعان، لاستحالة اجتماعهما، فمتى ما وجد أحدهما استحال وجود الآخر، وهذا هو معنى التمانع، بأن يمنع أحدهما وجود الآخر ويزاحمه، لاستحالة الجمع بين الضدّين.
فإذا ثبت أنَّ أحد الضدّين مانعٌ من الضدّ الآخر -ومن الواضح: أنَّ عدم المانع من المقدّمات- ثبت أنَّ عدم أحدهما مقدّمةٌ للضدّ الآخر. فإذا قلنا بوجوب المقدّمة يثبت أنَّ إيجاب ضدٍّ يقتضي إيجاب عدم الآخر وتركه، فإذا وجب تركه كان فعله منهيّاً عنه ومحرّماً، وهذا معنى قولنا: إنَّ الأمر بشيء يقتضي النهي عن ضدّه -أي: اقتضاءً استلزاميّاً- باعتبار أنَّ عدم الضدّ من المقدّمات. ومقدّمة الواجب واجبةٌ.
فعمدة الكلام في المقام إنَّما هو في إثبات: أنَّ عدم أحد الضدّين هل هو من مقدّمات الضدّ الآخر أو لا، بعد الفراغ عن أنَّ عدم المانع من المقدّمات؟ ولنفترض التسليم بكبرى مقدمة الواجب واجبة، وحينئذٍ يقع الكلام في مقدّمية عدم أحد الضدين للضدّ الآخر.
وقد وقع الخلاف في ذلك، فأثبته جمعٌ، بدعوى أنَّ ذلك من الضروريّات، وأنَّ التمانع بين الضدّين كالنار على المنار، فإنَّ الضدّين يستحيل اجتماعهما فكلّما كان أحدهما متحقّقاً لم يكن الآخر متحقّقاً، فالتمانع بينهما واضحٌ.
ونفاه آخرون، بدعوى: أنَّ عدم الضدّ لا يكون من المقدّمات وإن كان عدم المانع من المقدّمات المسلّمة.
وذكر غير واحدٍ من المحقّقين أنَّ التمانع في المقام غير معقولٍ، ولا يمكن أن يكون أحد الضدّين مانعاً عن الآخر، فلا تكون بينهما أيّةُ مقدّميّة.
وذكرنا انَّ القائل باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه استند فيه إلى مقدمتين:
أحدهما: تقدم الكلام عنها. وهي انَّ مقدمة الواجب واجبة. وهذه المقدّمة تكلمنا فيها نفياً وإثباتاً. فلنفرضها الآن مسلّمة.
ثانيها: إنَّ كلّاً من الضدّين متوقفٌ على عدم الآخر. أي: أنَّ عدم وجود ضدٍّ مقدمةٌ من مقدّمات وجود الضدّ الآخر.
وقد تمسّك بأمرين:
أحدهما: أنَّ عدم المانع من المقدمات، وذلك: لأن وجود كل شيء كما يتوقف على وجود المقتضي ووجود الشرط، كذلك يتوقف على عدم المانع. فعدم المانع من أجزاء العلة. لا بمعنى انَّ العدم يؤثر في وجود شيء. بل إنَّ تأثير المقتضي في المقتضى يتوقّف على وجود المانع والمزاحم عن اقتضائه له.
ثانيهما: إنَّ وجود كلٍّ من الضدّين مانع عن وجود الضدّ الآخر إذ يتوقّف وجود كلٍّ منهما على عدم الآخر. أمّا كبرى أنَّ عدم المانع من المقدّمات فأيضاً مما لا اشكال فيه فإنّها مسلمةٌ ولا كلام لنا فيها. والقائل بذلك ادعى الضرورة في هذا، وأنَّ التمانع بين الضدّين كالنار على المنار. فإنَّ الضدّين إذا كان يستحيل اجتماعهما فكلّما كان أحدهما متحققاً فإنه لا محالة لا يكون الآخر متحققاً. فالتمانع بينهما واضحٌ.
ــــــــــ[24]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
إذن. عندنا مقدمتان:
الأولى: أنَّ مقدّمة الواجب واجبة.
الثانية: أنَّ عدم كلّ ضدٍّ مقدّمةٌ للضدّ الآخر، لأنَّ الضدّ مانع وعدم المانع من المقدمات. إذن، إذا وجب أحدهما كان ترك الآخر واجباً. وإذا كان تركه واجباً كان فعله حراماً لا محالة. إذ لا نعني بحرمة الشيء الاّ الأمر بتركه. فيكون تركه واجباً. فيثبت أنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه.
هذا ملخص ما ذكره القائل باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه الخاص او عن أحد اضداده الوجودية، بمعنى الجامع بين الأضداد الوجوديّة.
وذكرنا أنه لا كلام لنا في انَّ عدم المانع من المقدمات، إنّما الكلام في الأمر الثاني وهو ان الضدّين متمانعان او لا؟ فذكر غير واحدٍ من المحقّقين أنَّ التمانع في المقام غير معقولٍ، ولا يمكن أن يكون أحد الضدّين مانعاً عن الآخر، فلا تكون بينهما أيّةُ مقدّمية.
وذكروا في ذلك: أنَّ التمانع بمعنى استحالة الاجتماع في الخارج، وهو معنى المضادّة بين شيئين، فمعنى الضدّين: أنَّهما لا يجتمعان في شيءٍ واحدٍ، فكأنَّ القائل: (أنَّ التمانع بين الضدّين كالنار على المنار)، أراد هذا المعنى، وهو من الواضحات ولا إشكال فيه، فإنَّ الضدّين لا يجتمعان في موردٍ واحدٍ، وكلّما كان أحدهما موجوداً لم يكن الآخر موجوداً لا محالة، وكلّما كان أحدهما غير موجودٍ كان الآخر موجوداً لا محالة، هذا في الضدّين اللذين لا ثالث لهما، فيما لو كان الجامع موجوداً، إذ لا يمكن فراغ المحلّ عن أحد الأضداد. فالتمانع بهذا المعنى ممّا لا إشكال فيه، إلَّا
ــــــــــ[25]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
أنَّه لا يقتضي المقدّميّة، بأن يكون عدم أحدهما مقدّمةً لوجود الآخر.
نعم، ما هو ضروريٌّ هو استحالة اجتماعهما، وأنَّه كلّما فُرض أحدهما موجوداً كان الآخر منتفياً وبالعكس. فهذا ممّا لا إشكال فيه.
إنَّما الإشكال في كون عدم أحد الضدّين مقدّمةً للضدّ الآخر، في مرتبةٍ سابقةٍ عليه، كما هو الحال في عدم المانع الذي هو من أجزاء العلّة.
والمستدلّ على أنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه لم يأتِ بما يثبت ذلك، غير دعوى أنَّ التمانع بين الضدّين كالنار على المنار.
نعم، هذا صحيحٌ، ولكن كيف يلازم هذا تقدّم أحد الضدّين على الآخر حتّى يكون مقدّمةً له ليتوقّف وجوده عليه.
فما ذُكر إنَّما هو مجرّد دعوى بلا برهان.
وقد تصدّى جمع من العلماء لإثبات استحالة ذلك وأنَّ الضدّين وإن كان يستحيل اجتماعهما، وأنَّ التمانع بهذا المعنى موجودٌ، إلَّا أنَّه لا يقتضي توقّف وجود أحدهما على عدم الآخر، ليكون عدم أحد الضدّين واجباً بوجوب الضدّ الآخر، فيكون الفعل منهيّاً عنه، وذكروا في ذلك وجوهاً:
وقد أفاد في وجه ذلك أمرين:
الأمر الأوّل: إنَّ استناد عدم تحقّق الشيء إلى وجود المانع إنَّما يكون في
ــــــــــ[26]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 255، 256.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
مرتبة وجود المقتضي واجتماع الشرائط، فحينئذٍ يكون عدمه مستنداً إلى وجود المانع، إذ لولا المانع لكان موجوداً لوجود المقتضي والشرائط.
وحاصل ما أفاده: أنَّ أجزاء العلّة وإن كانت مركّبةً من المقتضي والشرط وعدم المانع، إذ إنَّ وجود المعلول يتوقّف على تحقّق كلّ هذه الأمور، فلا بدَّ له من مقتضٍ وشرطٍ وأن لا يكون هناك مانعٌ ومزاحمٌ له، إلَّا أنَّ استناد عدم المعلول إلى عدم هذه الأمور ليس على حدٍّ سواء، وليس من سنخٍ واحدٍ، وإنَّما يختلف باختلاف الجهة، فمرّةً يكون عدم المعلول لعدم المقتضي، ومرّةً لانعدام الشرط، ومرّةً لوجود المانع.
فإنّا إذا فرضنا أنَّ الشيء لا مقتضيَ له، كان عدمه مستنداً إلى عدم المقتضي، ولا معنى لأن يقال: إنَّ عدمه مستندٌ إلى وجود المانع، فإنَّ المانع هو ما يزاحم المقتضي في تأثيره، فإذا لم يكن هناك مقتضٍ من الأوّل، فأيّ شيءٍ يزاحمه المانع؟ فعدم المعلول هاهنا يكون مستنداً إلى عدم المقتضي، لا إلى وجود المانع.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ المقتضي كان موجوداً ولكنّ الشرط غير موجودٍ، وهو ما يكون له دخلٌ في فاعليّة الفاعل وقابليّة القابل -أي: المحلّ- فإنَّ المقتضي وإن كان موجوداً في الفاعل إلَّا أنَّه قاصر الفاعليّة، وذلك كعدم القدرة على الفعل. هنا أيضاً لا يمكن أن يستند عدم الشيء إلى وجود المانع، فمع فرضنا لعدم المانع لا يكون هذا موجوداً أيضاً، لعدم قدرة نفس الفاعل، فعدم الفعل ليس مستنداً إلى وجود المانع في الخارج، بل إلى عدم تماميّة الفاعليّة في طرف المقتضي لعدم وجود الشرط، أو لأنَّ المحلّ لم يكن قابلاً لذلك وكان فيه قصورٌ
ــــــــــ[27]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وإن كان المقتضي تامّ الفاعليّة لا قصور فيه، وذلك كالمحاذاة بالنسبة إلى الإحراق، فلو فرضنا أنَّ النّار كانت موجودةً ولا قصور في فاعليّتها، إلَّا أنَّ الجسم القابل للاحتراق بعيدٌ عنها، فالقابلية هنا غير تامّةٍ وإن كان الجسم في نفسه قابلاً للاحتراق. فالقابليّة فيه شأنيّة، إذ يعتبر في قابليّة الجسم للاحتراق مماسّة النار له، وأمّا إذا كان بعيداً فلا يحترق. فيكون هنا عدم المعلول مستنداً إلى عدم الشرط، وهو قابليّة المحلّ للاحتراق.
أمّا لو فرضنا أنَّ كلا الأمرين -أعني: المقتضي والشرط- كان موجوداً، لا قصور من ناحية المقتضي ولا من ناحية الشرط، إلَّا أنَّ هناك مانعاً يمنع عن تأثير المقتضي وعن فعليّة الأثر، فعدم المعلول هنا مستندٌ إلى وجود المانع. فلو فرضنا أنَّ جسماً فيه المقتضي لأن يتحرّك إلى ناحيةٍ ما، مع توفّر جميع الشرائط لذلك، إلَّا أنَّ هناك مانعاً يمنعه من الحركة، فعدم الحركة هاهنا يكون مستنداً إلى ذلك المانع.
فتلخّص ممّا سبق: أنَّ استناد عدم المعلول يختلف باختلاف الموارد، فإذا لم يكن المقتضي موجوداً كان عدمه مستنداً إلى عدم المقتضي، وإذا كان المقتضي موجوداً ولم يكن الشرط موجوداً كان عدمه مستنداً إلى عدم الشرط، أمّا إذا كان كلاهما متحقّقاً، فحينئذٍ يكون عدم المعلول مستنداً إلى وجود المانع لا محالة.
ولا فرق في ذلك بين الأمور الخارجة عن الاختيار وبين الأفعال الاختياريّة، إلَّا أنَّ الأمر في الأفعال الاختياريّة أوضح.
ــــــــــ[28]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فإنّنا تارةً: نفرض أنَّ زيداً لا داعي له إلى الفعل الاختياريّ أصلاً، فحينئذٍ نقول: إنَّ عدم الفعل مستندٌ إلى عدم الإرادة وعدم الاختيار، فإنَّه لم يقم لأنَّه لم يرد القيام. فعدم الفعل الاختياريّ يكون مستنداً إلى عدم إرادة الفاعل التي هي المقتضي، فيكون عدم المعلول مستنداً إلى عدم المقتضي.
وأُخرى: نفرض أنَّ الإرادة -ونريد بها الشوق- موجودةٌ، ولكنّ زيداً لعجزه لا يتمكّن من إيجاد هذا الفعل، فحينئذٍ يكون عدم هذا الفعل مستنداً إلى عدم الشرط، فإنَّ الفعل قابلٌ لأن يوجد، إلَّا أنَّ الفاعل غير تامّ الفاعليّة، لأنَّه غير قادرٍ على إيجاده، فيكون عدم الفعل الاختياريّ مستنداً إلى عدم القدرة، إذ القدرة شرطٌ في الفعل الاختياريّ، ومع عدم الشرط لا وجود للفعل.
وثالثةً: نفرض أنَّ كلاً من المقتضي والشرط موجودٌ، فهو يشتاق إلى الفعل وقادرٌ على إيجاده، ولكن هناك مزاحمٌ له يمنعه عن إيجاد الفعل، كما لو أراد زيدٌ أن يحرّك جسماً إلى ناحيةٍ، فيكون الشوق متعلّقاً به، وهو قادرٌ على إيجاده، إلَّا أنَّ شخصاً آخر قد أخذ بيده أو بالجسم، فيمنعه عن الحركة، فحينئذٍ يكون عدم الحركة مستنداً إلى وجود المانع.
فمن ناحية الوجود وإن كان وجود الشيء يستند إلى العلّة التامّة، وهي مركّبةٌ من مجموع هذه الأمور: المقتضي والشرط وعدم المانع، إلَّا أنَّ الأمر في طرف العدم ليس كذلك، فإنَّ عدم المعلول لا يكون مستنداً إلى عدم هذه الأشياء مجتمعةً، وإنَّما إلى عدم أيّ واحدٍ منها، فيكفي: عدم المقتضي، وعدم الشرط، ووجود المانع.
ــــــــــ[29]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فالعدم إنَّما يستند إلى أحد هذه الأمور لا إلى مجموعها، والنسبة إلى كلٍّ منها مختلفةٌ، فإنَّ عدمه يكون مستنداً إلى عدم المقتضي إذا لم يكن هو موجوداً، وإلَّا كان مستنداً إلى عدم الشرط إذا لم يكن الشرط موجوداً، وكان المقتضي متحقّقاً، ولا يكون استناد عدمه إلى وجود المانع، إلَّا بعد تحقّق كلٍّ من المقتضي والشرط مع وجود المانع.
هذه هي الكبرى التي ذكرها، وهي: أنَّ استناد العدم إلى عدم أجزاء العلّة ليس على حدٍّ سواء وفي مراتب مختلفةٍ.
واستنتج: أنَّ الضدّ لا يمكن أن يكون مانعاً، فعدم أحد الضدّين لا يكون مستنداً إلى وجود الضدّ الآخر أبداً، وإذا لم يكن العدم مستنداً إليه فلا يكون مانعاً.
الأمر الثاني(1): وهو استحالة وجود مقتضيين للضدّين، بأن يكون لكلّ منهما مقتضٍ ليكون عدم أحدهما مستنداً إلى المانع، وهو الضدّ الآخر.
والوجه في ذلك: أنَّ اجتماع الضدّين مستحيلٌ خارجاً، والشيء المستحيل لا يمكن أن يوجد له مقتضٍ، فإنَّ اقتضاء المحال محالٌ، فلا يمكن أن يُفرَض مقتضٍ للضدّين، بحيث يكون مقتضي كلٍّ من الضدّين موجوداً، ليستند عدم أحدهما إلى وجود الآخر، لأنَّه مانع، فإنَّ عدم المعلول هاهنا يكون مستنداً إلى عدم المقتضي.
ــــــــــ[30]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 255-258.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وذكر أنَّ هذا الأمر واضحٌ في الأفعال الاختياريّة، فإنَّ الفعل الاختياريّ إنَّما يوجد بالاختيار والإرادة، ومن الواضح أيضاً عدم إمكان تعلّق الإرادة من شخصٍ واحدٍ بالضدّين، فإن وجدت الإرادة بالنسبة إلى أحدهما كان الآخر معدوماً، لعدم تعلّق الإرادة به، فمَن يريد القيام لا يريد الجلوس في نفس الحال، فعدم الجلوس هاهنا مستندٌ إلى عدم إرادته لا إلى وجود ضدّه، وهو القيام.
فهذا المعنى ظاهرٌ فيما إذا كان الضدّان من الأفعال الاختياريّة، إذ لو كان مقتضي أحدهما موجوداً لم يكن مقتضي الآخر موجوداً.
وكذا بالنسبة إلى تحقّق الإرادة من شخصين، فإنَّه وإن كان ممكناً في نفسه، بأن تتعلّق إرادة عمرٍو بتحريك جسمٍ إلى جانبٍ وتتعلّق إرادة بكرٍ بتحريكه إلى جانبٍ آخر مضادٍّ للجانب الأوّل، إلَّا أنَّ اجتماعهما غير ممكنٍ، ولا بُدَّ من أن تكون إحدى الإرادتين غالبةً وقاهرةً والأخرى مغلوبةً، وحينئذٍ يستند عدم أحد الضدّين إلى مغلوبيّة الإرادة وكونها ناقصة الاقتضاء، إذ لا قدرة لها على المزاحمة، فعدم أحد الضدّين هنا يكون مستنداً إلى قصور المقتضي.
وكيفما كان، فبما أنَّ وجود مقتضي المحال محالٌ، فيستحيل أن يُفرض لكلٍّ من الضدّين مقتضٍ، ليكون عدم أحدهما مستنداً إلى وجود المانع، وهو الضدّ الآخر.
ثمَّ ذكر بعد ذلك أنَّ المنافرة بين الضدّين لو كانت مقتضيةً لتوقّف عدم أحدهما على وجود الآخر توقّفُ الشيء على عدم مانعه، لكان النقيضان أولى
ــــــــــ[31]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بذلك، إذ المنافرة بين الضدّين من تبعات المنافرة بين النقيضين، ومن الواضح أنَّ النقيضين لا يتوقّف وجود أحدهما على عدم الآخر، فيعلم منه أنَّ المنافرة لا تقتضي ذلك -يعني: توقّف أحدهما على عدم الآخر- وإلَّا لكان أحد النقيضين متوقّفاً على عدم نقيضه، وهذا باطلٌ بالضرورة(1).
هذا ملخَّص ما أفاده.
أمّا بالنسبة إلى مناقشة الميرزا في هذه المسألة كأنَّه خلط بين أن يكون للأمر المحال مقتضٍ وبين أن يكون لكلٍّ من الضدّين المستحيل اجتماعهما مقتضٍ، فإنَّ الأوّل هو المستحيل دون الثاني.
فقد يفرض أنَّ المقتضي الواحد يكون مقتضياً لكلا الضدّين معاً -أي: يقتضي الجمع بينهما- وهذا مستحيلٌ بالضرورة، فإنَّ المستحيل لا يمكن أن يكون له مقتضٍ، وإنَّما يكون المقتضي للممكن لا للمستحيل، لأنَّ استحالته مانعةٌ عن وجود المقتضي له، كوجود المقتضي للدور أو التسلسل.
وقد يفرض أنَّ أحد الضدّين موجودٌ، وهناك مقتضٍ للضدّ الآخر على تقدير وجود الضدّ الأوّل ومع فرض وجوده، فهذا أيضاً محالٌ، لأنَّ وجود أحد الضدّين مع ضدّه مستحيلٌ، واقتضاء المستحيل مستحيلٌ.
وأمّا محلّ الكلام فهو خارجٌ عن الأمرين معاً، فإنَّ المفروض فيه أنَّ كلاً من الضدّين له مقتضٍ في نفسه لا مع اجتماعه مع الضدّ الآخر، فهو ليس مقيّداً
ــــــــــ[32]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 256.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بذلك، وإنَّما يكون لكلّ ضدٍّ مقتضٍ في الخارج في نفسه، كما لو كان هناك مقتضٍ يقتضي حركة الجسم إلى ناحيةٍ وكان هناك مقتضٍ يقتضي حركته إلى ناحيةٍ أُخرى، فالمقتضي لكلّ منهما مستقلّ ومنفرد، لا حال اجتماعه مع الآخر.
هذا أمرٌ ممكن، وليس فيه أيّ محذور، فإنَّ كلاً من الضدّين في نفسه أمرٌ ممكن، والممكن يمكن أن يُفرض له مقتضٍ، فيكون لكلٍّ من الضدّين مقتضٍ يقتضي وجوده في نفسه، ولكن بحسب النتيجة لا بُدَّ من أحد الضدّين، لاستحالة اجتماعهما، وإنَّما ذلك من جهة وجود المانع، لا من جهة عدم المقتضي.
فكم فرقٌ بين أن يكون الشيء مقتضياً للمحال -وهو غير معقول- وبين أن يقتضي الشيء شيئاً ممكناً في نفسه، ويقتضي الشيء الآخر أمراً ممكناً في نفسه، مع أنَّ تأثير المقتضيين معاً من المحال. فهذا أمرٌ ممكن، والاستحالة تكون من جهة تأثير المقتضيين معاً، لا في وجودهما في الخارج.
وهذا يمكن فرضه بالإضافة إلى شخصين -كما يمكن بالإضافة إلى شخصٍ واحد- فلو تعلّق شوق زيدٍ بتحريك جسمٍ إلى جهةٍ وتعلّقت إرادة عمرٍو بتحريكه إلى جهةٍ أُخرى، فالمقتضي في كلٍّ منهما موجودٌ، وكلٌّ من المقتضيين تامّ الاقتضاء، ولكنّ أحد الضدّين غير موجودٍ، لعدم الشرط أو لوجود المانع، وعدم الشرط يرجع إلى وجود المانع، وهو وجود المزاحم الأقوى، فلا يؤثّر المقتضي، لا أنَّه لا مقتضي له.
وأمّا فرضه في شخصٍ واحدٍ فكما لو رأى شخصٌ ابنه وأخاه يغرقان، وهو
ــــــــــ[33]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
لا يتمكّن إلَّا من إنقاذ أحدهما، فالمقتضي هنا موجودٌ لإنقاذ الابن ولإنقاذ الأخ، إلَّا أنَّ شدّة الشفقة على الابن تكون مانعةً من إنقاذ الأخ، فترك إنقاذ الأخ هاهنا يكون مستنداً إلى وجود المانع، لا إلى عدم المقتضي.
وكيفما كان، فهذا الأمر ظاهرٌ وهو إمكان أن يُفرض لكلّ من الضدّين مقتضٍ، ويكون عدم أحدهما مستنداً إلى وجود المانع، لا إلى عدم المقتضي.
ولو فرضنا أنَّ وجود المقتضي للضدّين من المحال، فمعنى ذلك استحالة وجود المانع في العالم، لا في الضدّين ولا في غيرهما.
الوجه في ذلك: إنَّ ما فرضناه مانعاً إمّا أن يكون مقتضاه مضادّاً لما يقتضيه الآخر أو لا، بمعنى: أنَّ ما أسميناه مانعاً إمّا أن يكون له اقتضاءٌ مضادٌّ بالنسبة إلى الممنوع أو لا.
فإذا لم تكن بينهما مضادّةٌ استحالت المانعيّة، ويكون كلاهما موجوداً. فلماذا يكون هذا مانعاً عن الآخر؟ فإنَّ المانعيّة لا تكون جزافاً.
ولو فرضنا عدم وجود تعارض أو تمانعٍ بينهما، فلماذا يكون هذا مانعاً عن الآخر، فإذا لم يكن هذا مانعاً لم يكن ما يقتضيه منافياً لما نسمّيه بالممنوع، فما وجه المانعيّة؟
ولو كان مضادّاً ومنافياً له لوُجد المقتضي للضدّين لا محالة، فإنَّ لكلًّ من المانع والممنوع مقتضياً يخالف الآخر، والمانع يمنع الممنوع عن تأثيره بمقتضاه، فكيف يمكن أن يقال بعدم وجود مقتضيين للأمرين المتضادّين والمتناقضين، فمع هذا لا يمكن أن نتصوّر مانعاً في الخارج، فإنَّ المانع إنَّما يكون كذلك
ــــــــــ[34]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
باعتبار أنَّ ما يقتضيه ينافي ما يقتضيه الآخر الممنوع، وإلَّا لو لم يكن بينهما تنافٍ وتناقضٌ، فلماذا يكون مانعاً؟
فما أفاده من استحالة وجود المقتضيين بالنسبة إلى الضدّين لا يمكن المساعدة عليه، ولا يمكن تسليم هذه المقدّمة.
فتبيّن ممّا سبق: أنَّه لا مانع من استناد عدم أحد الضدّين إلى وجود الضدّ الآخر، لكونه مانعاً عن تحقّقه، إذ المقتضي له موجودٌ، فيستند عدمه إلى وجود المانع، وهو الضدّ الآخر.
وأمّا ما ذكره من أنَّ التضادّ والتنافر بين شيئين لا يقتضي تقدّم عدم أحدهما على وجود الآخر وتوقّفه عليه، وأنَّ هذا ليس ممّا يقتضيه التضادّ والتنافر بين الوجودين، إذ لو كان الأمر كذلك لكان ثابتاً في النقيضين بطريقٍ أولى، فإنَّ استحالة اجتماع الضدّين تنشأ من استحالة اجتماع النقيضين، وهو الأساس له، باعتبار أنَّ كلاً من الضدّين يلازم عدم الآخر، فلو اجتمعا فقد اجتمع وجود الضدّ وعدمه، وهو من اجتماع النقيضين وغير معقولٍ. ونحن نرى أنَّ التنافر بين النقيضين لا يقتضي توقّف وجود أحدهما على عدم الآخر بالضرورة، فلا يكون هذا ثابتاً في الضدّين أيضاً.
فهو عجيبٌ، لأنَّ عدم أحد الضدّين ملازمٌ لوجود الضدّ الآخر، وإلَّا فهما متعدّدان خارجاً، فليس عدم البياض عين وجود السواد خارجاً او بالعكس، بل هما أمران متلازمان في الضدّين اللذين لا ثالث لهما، وإلَّا كان اللزوم من طرفٍ واحدٍ، فإنَّ البياض يستلزم عدم السواد، إلَّا أنَّ عدم السواد لا يستلزم
ــــــــــ[35]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وجود البياض، لإمكان أن تكون الصفرة ثابتةً مثلاً، فوجود السواد ليس هو عين عدم البياض، ولا عدم البياض عين وجود السواد، وهذا واضحٌ، كما في غير الضدّين كالجواهر، فإنَّ وجود الإنسان ليس هو عين عدم البقر، ولا وجود البقر هو عين عدم الإنسان.
فعلى ذلك، يمكن أن يدّعى أنَّ عدم أحد الضدّين مقدّمةٌ لوجود الضدّ الآخر، للتعدّد بينهما، فيمكن أن يقال في أحدهما إنَّه من مبادئ الآخر ومتوقّفٌ عليه.
وأمّا في النقيضين، فليس الأمر كذلك بالضرورة، إذ كيف يمكن أن يقال: إنَّ عدم الوجود مقدّمةٌ لنقيضه وهو العدم، فإنَّ العدم هو نقيض الوجود، وليس نقيض الوجود والعدم شيئان في الخارج، ليكون أحدهما مقدّمةً للآخر، ويكون الآخر متوقّفاً عليه. فلا يمكن أن يقال: إنَّ أحد النقيضين، وهو العدم، يتوقّف على عدم نقيضه، فإنَّ عدم نقيضه هو نفسه وليس شيئاً آخر، وهذا واضحٌ بالضرورة.
نعم، ما ذكره صحيحٌ، فإنَّ منشأ المنافرة بين الضدّين المنافرة بين النقيضين، إلَّا أنَّ التوقّف يشترط فيه تعدّد المتوقّف والمتوقّف عليه، فلو كان واحداً لا تعدّد فيه فلا معنى للتوقّف، إذ لا يُقال: إنَّ عدم الوجود متوقّفٌ على عدم الوجود، فإنَّ العدم هو بنفسه نقيضٌ للوجود.
وكذا الحال في الطرف الآخر، فكيف يقال: إنَّ الوجود متوقّفٌ على عدم نقيضه وهو عدم العدم، فإنَّ عدم العدم هو نفس الوجود وإن كان مغايراً له
ــــــــــ[36]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
مفهوماً، إلَّا أنَّه نفس الوجود خارجاً، وإلَّا لتسلسل، إذ ليس في الخارج إلَّا الوجود والعدم، فإنَّ الخارج ظرفٌ لأحد هذين الأمرين، ولا ثالث لهما، فلا يعقل أن يقال: إنَّ الوجود متوقّفٌ على عدم العدم، لأنَّ معناه توقّف الوجود على الوجود، إذ عدم العدم هو الوجود، فكيف يكون الشيء متوقّفاً على نفسه. والتعبير عن الوجود بعدم العدم أحياناً من باب التغيير في العبارة والاختلاف في المفهوم. فإنَّ النقيضين متقابلان لا محالة، فإذا كان أحدهما نقيض الآخر كان الآخر نقيضه، فإذا كان الوجود نقيض العدم كان نقيض العدم هو الوجود لا عدم العدم، وإلَّا فلا ينتهي الأمر إلى حدٍّ معيّنٍ، فيكون نقيضُ عدمِ العدمِ عدمَ عدمِ العدم، ونقيضُ ذلك هو عدمُ عدمِ عدمِ العدم، وهكذا إلى غير نهاية، وحينئذٍ لا يمكن فرض التناقض بين شيئين أبداً، وإنَّما يكون التناقض من طرفٍ واحدٍ، ونقيض العدم إذا لم يكن هو الوجود فلا يكونان نقيضين، بل يكون أحدهما -فقط- نقيضاً للآخر.
وأين هذا من الضدّين؟ فإنَّ أحد الضدّين ليس هو عين عدم الآخر، بل هو ملازمٌ له، فيمكن أن يُدّعى أنَّ الوجود متوقّفٌ على العدم الملازم له، وهذا أمرٌ ممكن لولا ما نذكره من عدم المقدّميّة في المقام.
وفيما يلي الوجه الثاني(1) من وجوه إبطال المقدّميّة في المقام، وهو: أنَّ عدم الضدّ لا يمكن أن يكون مقدّمةً للضدّ الآخر، وهذا الوجه أخصر وأمتن.
ــــــــــ[37]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 254.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وحاصله: أنَّ كلّ أمرين متضادّين لا يخلو أمرُهما من صورٍ ثلاثٍ، لا رابع لها:
بلا فرق في ذلك بين الأفعال الاختياريّة وغير الاختياريّة.
ففي الفعل الاختياريّ كالصلاة والذهاب إلى السوق، إمّا أن يكون المقتضي -وهو الإرادة والشوق- موجوداً لكليهما، أو موجوداً لأحدهما دون الآخر، أو لا يكون موجوداً فيهما معاً.
وكذا الأمر في الموجود تكويناً (الخارج عن الاختيار)، كسواد الجسم وبياضه، فبحسب التكوين والنواميس الطبيعيّة إمّا أن يكون مقتضي كلٍّ من السواد والبياض موجوداً، أو لا وجود للمقتضي لهما، أو يكون مقتضي السواد موجوداً دون البياض، أو العكس. فالأمر لا يخلو من إحدى هذه الصور الثلاث.
فإذا فرضنا أنَّ المقتضي لم يكن موجوداً بالإضافة إلى هذا ولا بالإضافة إلى ذاك، فلا يكون أيٌّ منهما موجوداً، لعدم المقتضي، فيستحيل أن يكون الضدّ مانعاً عن الضدّ الآخر، لعدم كلٍّ منهما، وكلٌّ منهما هو عدمٌ لعدم المقتضي.
فإذا فرضنا احد الضدّين له مقتضي دون الآخر، فما لا مقتضي له لا يكون
ــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
موجوداً لعدم المقتضي. حتى لو فرضنا أنَّ الضدّ الآخر لم يكن موجوداً، فهنا يستند ما لا مقتضي له إلى عدم مقتضيه لا إلى وجود الضدّ الآخر. وهذا لما ذكرناه من أنَّ عدم الشيء إنّما يستند إلى المانع مع وجود مقتضيه. أمّا مع عدم وجوده فيستند إلى عدم المقتضي لا إلى وجود المانع. فلو لم يكن المقتضي موجوداً أصلاً، لم يوجد أيٌّ من الضدّين، إذ يستحيل أن يوجد الشيء بلا سببٍ ولا مقتضٍ، فإذا كان الجسم ساكناً ولا شيء يقتضي حركته إلى جانب الشرق أو الغرب، فمن المؤكّد أنَّه سيبقى في مكانه، ولا يتحرّك إلى أيّ جانبٍ، وحينئذٍ يكون عدم الحركة إلى الجانب الشرقيّ أو إلى الجانب الغربيّ مستنداً إلى عدم المقتضي، ولا معنى لأن يقال: إنَّه لم يتحرّك إلى الجانب الشرقيّ لأنَّه تحرّك إلى الجانب الغربيّ، وأنَّ الحركة إلى الجانب الغربيّ مانعةٌ من تلك الحركة، إذ المفروض أنَّ الحركة إلى الجانب الغربيّ غير موجودةٍ كما أنَّ الحركة إلى الجانب الشرقي غير موجودةٍ أيضاً، فكلاهما معدومٌ، فيستحيل أن يكون أحدهما مانعاً عن الآخر.
فلو فرضنا -في الأفعال الاختياريّة الإراديّة- أنَّ زيداً لا مقتضي له ولا داعي عنده إلى السفر إلى مكانٍ ما ولا داعي عنده إلى السفر إلى مكانٍ آخر، فالسفران وإن كانا متضادّين إلَّا أنَّ شيئاً منهما لن يوجد في الخارج، فإنَّه سيبقى في منزله ووطنه من دون سفرٍ، لعدم المقتضي له وهو الإرادة والاختيار، وهو ما يعبَّر عنه بالشوق.
وحينئذٍ لا يمكن أن يقال: إنَّ عدم السفر إلى الجنوب لم يوجد لأجل السفر إلى الشمال، فإنَّ السفر إلى الشمال لم يتحقّق كالسفر الآخر المضادّ، لعدم المقتضي
ــــــــــ[39]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
في شيءٍ منهما. فالمانعيّة هنا غير معقولةٍ، ولا يمكن أن يفرض أحدهما مانعاً من الآخر، لعدم المقتضي وانعدام كلٍّ منهما. وهذا واضحٌ.
وإذا فرضنا أنَّ أحد الضدّين له مقتضٍ دون الآخر، فما لا مقتضي له لا يكون موجوداً، لعدم المقتضي.
ففي الأفعال الاختياريّة لو اشتاق زيدٌ إلى السفر إلى كربلاء، فمن المؤكّد أنَّه لن يسافر إلى الحلّة، فما له الاقتضاء يوجد في الخارج. وما ليس له الاقتضاء لن يوجد. ولكنّ عدم وجود ما ليس له اقتضاء لا يكون مستنداً إلى وجود ضدّه، بل إلى عدم مقتضيه، فلا يستند عدمه إلى وجود الضدّ الآخر ليكون مانعاً عنه. وهنا أيضاً المانعيّة غير معقولةٍ.
وكذلك في الأوصاف التكوينيّة الخارجة عن الاختيار، كما في الجسم الذي فيه مقتضي الحركة إلى طرفٍ وليس فيه مقتضي الحركة إلى طرفٍ آخر، فمن المؤكّد أنَّ ما فيه المقتضي هو الذي يكون موجوداً. وهنا أيضاً لا تكون هذه الحركة مانعةً عن الحركة إلى الطرف الآخر، لأنَّ عدم الحركة إلى الطرف الآخر مستندةٌ إلى عدم مقتضيها، إلى هذه الحركة، فلو لم تكن هذه الحركة موجودةً لم تكن الأخرى موجودةً، لعدم المقتضي لها. ففي هذا القسم: المانعيّة تكون مستحيلةً، وعدم إحدى الحركتين يكون مستنداً إلى عدم المقتضي.
إنَّما الكلام في الصورة الثالثة، أي: فيما إذا كان لكلٍّ من الضدّين مقتضٍ، وكان كلا المقتضيين موجوداً.
وقد ذكرنا انَّ هذا ممكن لا كما ذكره شيخنا الاستاذ من استحالة وجود
ــــــــــ[40]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
المقتضي لكل من الضدّين في الأمور الاختيارية وغير الاختيارية.
ولا يخلو الأمر -هاهنا- من أن يكون المقتضيان في مرتبةٍ واحدةٍ من القّوة بحيث لا يزيد أحدهما على الآخر، أو انَّ أحدهما أقوى من الآخر فبطبيعة الحال لا يوجد هذا ولا ذاك، ومثاله: انَّ الجسم إذا كان ساكناً في مكان فوجد المقتضي لتحريكه إلى ناحية ووجد ايضاً مقتضي لتحريكه إلى ناحية غيرها، وكان المقتضيان بقوةٍ واحدة، فلا يتحرك الجسم ويبقى ساكناً في مكانه، لأن مقتضى كل مقتضٍ مضاد لمقتضى الآخر، ويستحيل أن يوجد المقتضيان معاً لاستحالة اجتماع الضدّين. فالمانعية موجودة فهذا المقتضي يمنع من تأثير المقتضي الآخر في مقتضاه وكذلك المقتضي الآخر بالنسبة إلى الأول. فكل مقتضي إذا لوحظ بالنسبة إلى المقتضي الآخر يكون مانعاً عن تأثيره. فيصحّ ان يقال إنَّ الحركة إلى الشرق لم توجد لمانعية المقتضي للحركة إلى الغرب عنها. وكذلك الحركة إلى الغرب لم توجد لمانعية المقتضي للحركة إلى الشرق عنها. فعدم كلٍّ من الحركتين يستند إلى وجود المقتضي للحركة الأخرى المضادة لها. فالمانعية معقولة إلاّ ان المانع هو وجود المقتضي للضدّ لا نفس الضدّ الآخر فانه لم يوجد والمعدوم كيف يكون مانعاً؟ فالمانعية غير ثابتة لنفس الضدّين بل ثابتة لمقتضي الضدّين فلا يوجد الضدّان لاقتران كلٍّ منهما بالمانع.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ أحدهما أقوى من الآخر في التأثير، فمن المحتوم أن يوجد مقتضى المقتضي القويّ، لعدم صلاحيّة الضعيف لمزاحمته، فإنَّه لا يمكن أن يكون مانعاً منه، فإذا كان المقتضي لحركة الجسم إلى الشرق إنساناً قويّاً جدّاً،
ــــــــــ[41]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وكان مقتضي الحركة إلى الجانب الغربي ضعيفاً بالإضافة إلى الأوّل، كانت الحركة إلى الجانب الشرقيّ موجودةً، لوجود المقتضي لها بلا مانعٍ، فإنَّ المقتضي الضعيف لا يكون مانعاً عن تأثير القويّ.
والحركة إلى الجانب الغربيّ لا يمكن وجودها، لوجود المانع، وهو المقتضي القويّ، لا الحركة إلى الطرف الشرقيّ، فنفس الضدّ ليس بمانعٍ، فلو لم يكن ذلك الضدّ أقوى لم يوجد هذا الضدّ أيضاً، كما عرفنا في صورة تساويهما، فإنَّ المانع هو وجود المقتضي للطرف الآخر، فيكون عدم هذه الحركة مستنداً إلى وجود المانع، وهو المقتضي للحركة إلى الجانب الشرقيّ، لا أنَّ العدم يكون مستنداً إلى نفس وجود الحركة.
وبعبارة أخرى: إنَّ هذا الجسم لم يتحرّك إلى الجانب الغربيّ، لوجود ما يمنعه من ذلك، وهو الإنسان القويّ، الذي يقتضي الحركة إلى الطرف الشرقيّ، وأمّا نفس الحركة إلى الجانب الغربيّ فهي من آثار المقتضي ومعلولاته، وسواءٌ وجد هذا المعلول أم لم يوجد فالحركة إلى الجانب الغربيّ لا يمكن وجودها.
وعين هذا البيان يجري في الأفعال الاختياريّة، كما لو فرضنا أنَّ هناك مقتضياً لفعلٍ يوجد في الخارج، كإنقاذ الأخ، مع مقتضٍ آخر لإنقاذ شخصٍ آخر وهو ابنه، فإذا دار الأمر بينهما اختار الإنسان انقاذ ولده، لأنَّ الشفقة والمحبّة بالنسبة إلى الابن أقوى منها بالنسبة إلى الأخ، ففي مثل ذلك سيوجد مقتضى المقتضي القويّ لا محالة، لوجود مقتضيه من دون مانعٍ، فإنَّ الضعيف لا يزاحم القويّ، والمحبّة الضعيفة لا يكون مقتضاها موجوداً، لابتلائها بالمزاحم،
ــــــــــ[42]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وهو المحبّة الأقوى والشفقة الشديدة على الابن.
ففي هذه الصورة يظهر عدم إمكان فرض موردٍ يستند فيه عدم أحد الضدّين إلى وجود الضدّ الآخر، فإنَّ عدمه إنما يستند إلى مقتضي الضدّ الآخر.
إذن، لا يمكن أن يكون الضدّ الآخر مانعاً بالمعنى المصطلح، لا مجرّد المنافرة وعدم الاجتماع في الوجود، فإذا استحال أن يتّصف وجود الضدّ بالمانعيّة فكيف يكون عدمه مقدّمةً لوجود الضدّ الآخر؟ فإنَّ ذلك إنَّما كان كذلك بملاك المانعيّة، ولأجل توهّم أنَّ وجود أحد الضدّين مانعٌ عن الضدّ الآخر، فيكون عدمه من المقدّمات، ومع عدم اتّصاف الضدّ بالمانعيّة لا يكون عدمه مقدّمةً.
وهو أحد الوجوه التي ذكروها لإثبات عدم مقدّمية أحد الضدّين لوجود الضدّ الآخر، وأنَّه لا تقدّم ولا تأخّر بين وجود الضدّ وعدم الضد الآخر.
وحاصله: أنَّ كون الضدّين في مرتبةٍ واحدةٍ يعني: أنَّه لا تقدّم ولا تأخّر بين وجود ضدٍّ ووجود الضدّ الآخر، فإنَّ استحالة اجتماعهما تقتضي أن يكونا في مرتبةٍ واحدةٍ، وكلّما وُجد أحد الضدّين كان وجود الآخر مستحيلاً، وهذا معنى استحالة اجتماع الضدّين. فلا تقدّم ولا تأخّر بينهما، كما أنَّ النقيضين كذلك، إذ لا تقدّم ولا تأخّر بين وجود كلّ شيءٍ وعدم ذلك الشيء. والتقدّم والتأخر إنَّما يتوهّم بين عدم الضدّ ووجود الضدّ الآخر من جهة المانعيّة، فقيل
ــــــــــ[43]ــــــــــ
(1) كفاية الأصول: 130.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بأنَّ عدم الضدّ مقدّمةٌ لوجود الضدّ الآخر، إلَّا أنَّ اتّحاد الرتبة بين الضدّين ضروريٌّ، وكذلك الحال في المتناقضين، فهما متحدّان في الرتبة، إذ المفروض أنَّ عدم الشيء بديلٌ للوجود، فإنَّ الشيء إمّا موجودٌ أو معدومٌ، واجتماع النقيضين وارتفاعهما مستحيلٌ، فالنقيضان المقيسان لشيءٍ واحدٍ هما في مرتبةٍ واحدةٍ، لا العدم متقدّمٌ على الوجود ولا الوجود متقدّمٌ على العدم.
ونتيجة هذين الأمرين -أعني: أنَّ الضدّين في مرتبةٍ واحدةٍ وكذا النقيضين-: أنَّ عدم أحد الضدّين ووجود الضدّ الآخر أيضاً في مرتبةٍ واحدةٍ من جهة قياس المساواة.
بيان ذلك: أنَّ عدم السواد ووجوده في مرتبةٍ واحدةٍ لا محالة، حيث إنَّهما نقيضان، والنقيضان في مرتبةٍ واحدةٍ، فلا تقدّم لعدم السواد على وجوده، ولا لوجوده على عدمه، وهكذا الأمر بالنسبة لوجود السواد، فإنَّه متّحدٌ في الرتبة مع وجود البياض، لأنَّ الضدّين متّحدان في الرتبة.
فينتج: أنَّ عدم السواد في مرتبة وجود البياض، لأنَّ المتّحد مع المتّحد متّحدٌ لا محالة، فلو فرضنا أنَّ عدم السواد متّحدٌ مع وجوده في الرتبة لأنَّهما نقيضان، ووجود السواد متّحدٌ في الرتبة مع وجود البياض لأنَّهما ضدّان، فالمتّحد مع المتّحد متحدٌ لا محالة. وعليه، يكون عدم السواد -الذي هو نقيض السواد- متّحداً مع البياض -الذي هو ضدّ له- فلا وجه إذن لتقدّم عدم السواد على البياض، ولا لتقدّم البياض على عدم السواد.
وإلى ذلك استند شيخنا الأستاذ، أي: إلى اتّحاد الرتبة بين النقيضين
ــــــــــ[44]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وبين الضدّين، فإنَّ ذلك يوجب اتّحاد الرتبة بين عدم الشيء ووجود ضدّه.
ويمكن المناقشة في هذا الوجه بما تقدّم ذكره في بعض الأبحاث السابقة، وحاصله: أنَّ التقدّم والتأخّر قد يلاحظ بالنسبة إلى الزمان، بأن يكون الشيء واقعاً في زمانٍ متقدّمٍ على الزمان الثاني، حيث إنَّ الزمان تدريجيٌّ بنفسه، ولا يمكن أن يُفرض جزءان من الزمان موجودين معاً، بل لا بُدَّ أن يوجد أحدهما فينعدم فيوجد الموجود الثاني، وهذا هو معنى التصرّم، وبهذا ينقسم الزمان إلى الماضي والحاضر والمستقبل.
والموجودات الزمانيّة التي تكون في الزمان بتبعه يكون بعضها سابقاً على بعضٍ بالزمان، والتقدّم والتأخر في الزمان ذاتيٌّ، أي: انَّ الزمان في ذاته ونفسه كذلك، أمّا الموجودات الاخرى فالأمر فيها ليس كذلك، فإنّه ليس بينها تقدّمٌ وتأخّرٌ في أنفسهما، وإنمّا تقدّمها وتأخرها باعتبار الزمان، كالتقدّم بالتبع وبالعرض، فالموجود الواقع قبل خمسين سنة والموجود الواقع في هذه السنة في ذاتيهما ليس بينهما أيّ تقدّمٍ أو تأخّرٍ، ولكن باعتبار أنَّ ذاك كان موجوداً في زمانٍ متقدّمٍ والآخر وُجد في زمانٍ متأخّرٍ، يكون ذاك مقدّماً على الوجود الثاني، فإنَّه وقع في زمانٍ متقدّمٍ على الزمان الذي وقع فيه الحادث الثاني، وبهذا يُعرف أنَّ هذا الحادث متقدّمٌ على ذاك أو متأخّرٌ عنه أو مقارنٌ له. ولو فرضنا موجودين وُجدا في زمانٍ واحدٍ، فهما متقارنان، ليس بينهما تقدّمٌ وتأخّرٌ، باعتبار أنَّ الزمان الذي وقع فيه أحدهما هو بعينه الزمان الذي وقع فيه الآخر.
ــــــــــ[45]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فالموجودات تنقسم إلى متقدّمٍ ومتأخّرٍ ومقارنٍ بالنسبة إلى الزمان، وإلَّا فلو قطعنا النظر عن الزمان [الذي هو متصرّمٌ في ذاته]، فليس بينها تقدّمٌ ولا تأخّرٌ أصلاً، إذ لا تقدّم ولا تأخّر بينها بالذات، وإنَّما يكون ذلك باعتبار الزمان الذي هو ظرفها، فيقال: إنَّ الموجود الكذائي متقدّمٌ على الموجود الآخر، أو أنَّه متأخّرٌ عنه، أو مقارنٌ له، باعتبار أنَّ زمانه متأخّرٌ عنه، أو متقدّمٌ عليه، أو مقارنٌ له.
وهذا بخلافه في الزمان وأشباهه كالحركة، فإنَّه في نفسه متّصفٌ بالتقدّم والتأخّر، مع قطع النظر عن كلِّ شيءٍ في العالم، ويعبَّر عن الزمان والحركة بالموجودات المتصرّمة، فذاتُ الحركة وطبيعيُّها تقتضي أن يوجد منها جزءٌ ويتصرّم فيوجد جزءٌ آخر، وإلَّا كان سكوناً، ولم يكن حركةً، هذا خلفٌ. ففي مثل هذه الأمور -الزمان والحركة- التقدّم ذاتيٌّ، فإنَّ بعض الأجزاء في ذاتها متقدّمةٌ على بعضٍ.
فإذا كان الأمر في الزمان كذلك، فلو فرضنا أنَّ أحد شيئين متقدّمٌ على الآخر زماناً ومقارنٌ مع موجودٍ ثالثٍ زماناً، كان المقارن مع المتقدّم متقدّماً لا محالة، فإنَّ ملاك التقدّم فيما له التقدّم بعينه موجودٌ في مقارنه أيضاً، إذ الملاك هو التقدّم في الزمان، وإنَّما صار المتقدّم متقدّماً باعتبار وقوعه في زمانٍ متقدّمٍ، ومقارنه أيضاً كذلك. فالمقارن مع المتأخّر أو مع المتقدّم متأخّرٌ أو متقدّمٌ لا محالة، والمقارن مع المقارن مقارنٌ لا محالة.
والوجه في ذلك واضحٌ، فإنَّ التقدّم والتأخّر -في أمثال ذلك- لم يكن لملاكٍ في أنفسهما، وإنَّما كان بملاك الوقوع في الزمان، فإذا كان الملاك في أحد
ــــــــــ[46]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
المتضادّين موجوداً فهو موجودٌ في المقارن الآخر أيضاً. فتقدّم قيام زيدٍ على قيام عمرٍو لأنَّ قيام زيدٍ كان يوم السبت وقيام عمرٍو كان يوم الأحد، فلو كان قيام بكرٍ يوم السبت أيضاً، وكان مقارناً لقيام زيدٍ، لكان متقدّماً بالضرورة بعين الملاك. وكذلك الحال في المتأخّر والمقارن. ففي التقدّم والتأخّر والتقارن الزمانيّ قياسُ المساواة صحيحٌ، بمعنى: أنَّ المقارن للمتقدّم متقدّمٌ، والمقارن للمتأخّر متأخّرٌ، والمقارن للمقارن مقارنٌ.
وأمّا في غير التقدّم الزمانيّ الذي كان التقدّم والتأخّر في نفس الشيء لا باعتبار الزمان وأمرٍ مغايرٍ لذاته، بل هو في ذاته متقدّمٌ ومتأخّرٌ، كالزمان في أجزائه إذا نُسِب بعضها إلى بعض. فلو فرضنا أنَّ التقدّم والتأخّر كان في ذات الشيء ولم يكن بلحاظ أمرٍ خارجٍ عن ذلك. كتقدّم العلّة على المعلول، وهو تقدّمٌ ذاتيٌّ، فإنَّه وإن وجد تقارن زمانيّ بينهما، إلَّا أنَّ المعلول يترشّح من العلّة، فيقال: وُجدت العلّة فوجد المعلول، وإنَّ هذا الوجود مترتّبٌ على ذاك الوجود، وهذا هو معنى التقدّم والتأخّر الذاتي، يعني: أنَّ المعلول مترتِّبٌ والعلّة مترتَّبٌ عليها، فبينهما تقدّمٌ وتأخّرٌ ذاتيٌّ، لا من جهة الوقوع في الزمان أو لأمرٍ خارجٍ عن مقام الذات.
وأمثلة ذلك كثيرةٌ، منها: تقدّم النار على الحرارة، إذا وُجدت النار وُجدت الحرارة، وكذا تقدّم الخوف على الاصفرار، إذا وُجد الخوف وُجد الاصفرار في الوجه. نعم، الخوف والاصفرار يوجدان في زمانٍ واحدٍ إلَّا أنَّ أحدهما ينشأ من الآخر، فله تقدّمٌ علّيٌّ بالرتبة والمنشئيّة. وكذا التقدّم بين الشرط والمشروط، فإنَّ
ــــــــــ[47]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الشرط من أجزاء العلّة. ومثلها التقدّم بين عدم المانع ووجود المعلول، فإنَّه أيضاً -كما ذكرنا- من أجزاء العلّة، فيقال: لم يكن المانع موجوداً فوُجد المعلول.
كلُّ ذلك من جهة التقدّم الذاتيّ الرتبيّ، فهذا الموجود متقدّمٌ بذاته ومرتبته على الموجود الثاني وإن كانا يوجدان في زمانٍ واحدٍ، إلَّا أنَّ أحدهما ينشأ من الآخر أو له دخلٌ في وجوده، كالشرط وعدم المانع.
فلو فرضنا عدم وجود مثل هذا التقدّم والتأخّر بين شيئين كالنار والبرودة، فلو لاحظنا هذين الوجودين في الخارج لا نرى أيَّ تقدّمٍ أو تأخّرٍ بينهما، فيقال: إنَّ النار ليست متقدّمةً رتبةً على البرودة، ولا البرودة متقدّمة رتبةً على النار، إذ ليس بينهما علّيّةٌ ولا معلوليّةٌ، فأحدُهما أجنبيٌّ عن الآخر تماماً. فإذا لاحظنا الذاتين في أنفسهما لم نجد بينهما أيّ تقدّمٍ وتأخّرٍ، فيقال: إنَّهما متحدّان في المرتبة، ومعنى الاتّحاد في الرتبة: ألّا تقدّم بينهما ولا تأخّر، فكلٌّ منهما مستغنٍ عن الآخر، لا هذا يتقدّم على ذاك ولا ذاك يتقدّم على هذا.
بعبارة أخرى: إذا لاحظنا الذاتين فإنَّنا لا نرى فيهما ما يقتضي تقدّم أحدهما على الآخر. فالملاك في التقدّم والتأخّر بلحاظه في نفس الذات، لا بلحاظ أمرٍ خارجٍ عنها. فكلُّ ما يكون فيه هذا الملاك يُحكم عليه بالتقدّم والتأخّر، وكلُّ ما لم يكن فيه هذا الملاك لم يُحكم عليه بالتقدّم والتأخّر، فإنَّهما متحدّان في الرتبة، ومعنى ذلك: ألّا تقدّم ولا تأخّر بينهما.
فإذا لاحظنا العلّة والمعلول نرى العلّة متقدّمةً رتبةً على المعلول، لأنَّها توجد فيوجد المعلول، أمّا عدم العلّة بالنسبة إلى وجود المعلول فليس بينهما أيُّ
ــــــــــ[48]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
تقدّمٍ أو تأخّرٍ، إذ لا ارتباط بينهما، لأنَّ هذا لا ينشأ من ذاك، ولا ذاك ينشأ من هذا. فعند لحاظ هذين الأمرين لا نرى بينهما أيَّ تقدّمٍ أو تأخّرٍ، فيكون ملاك التقدّم والتأخّر منحصراً بوجود العلّة والمعلول، أمّا عدم العلّة ووجود المعلول فليس بينهما ذلك التقدّم والتأخّر.
وكذلك لا تقدّم ولا تأخّر بين وجود العلّة وعدم المعلول، لأنَّ وجود المعلول مترشّحٌ من العلّة، وأمّا عدمه فلا يترشّح منها، فإنَّ وجود العلّة وعدمها وإن كانا في رتبةٍ واحدةٍ، إلَّا أنَّ ذلك لا يستلزم أن يكون عدم العلّة متقدّماً على وجود المعلول، باعتبار أنَّ عدمها سابقٌ عليه، فإنَّ قياس المساواة لا يجري هنا. ولا يمكن أن يُقال: إنَّ عدم العلّة في مرتبة وجود العلّة ووجودها متقدّمٌ على المعلول، فعدم العلّة متقدّمٌ على المعلول في الرتبة أيضاً، لأنَّ وجود العلّة إنَّما كان متقدّماً على وجود المعلول بملاك التوقّف والترتّب، وهذا غير موجودٍ في عدم العلّة، فإنَّ المعلول لا يتوقّف على عدم العلّة، فلماذا يكون عدم العلّة متقدّماً في الرتبة؟ وقولنا: إنَّ وجود العلّة وعدمها في مرتبةٍ واحدةٍ، معناه: أن لا تقدّم ولا تأخّر ذاتيّ بينهما -وهو ملاك التقدّم والتأخّر- لأنَّهما نقيضان.
وكذا الحال في طرف المعلول، فإنَّ وجوده وعدمه في مرتبةٍ واحدةٍ، ومع ذلك لا يكون عدمه في مرتبةٍ متأخّرةٍ عن وجود العلّة، باعتبار أنَّ وجوده في مرتبةٍ متأخّرةٍ، وذلك لعدم وجود الملاك.
والحاصل: أنَّ قياس المساواة في التقدّم والتأخّر الرتبيّ باطلٌ. فقولنا: إنَّ عدم أحد الضدّين ووجوده في مرتبةٍ واحدةٍ صحيحٌ، إذ لا موجب للتقدّم
ــــــــــ[49]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
والتأخّر، وكذا الحال في وجود الضدّين، فهما في مرتبةٍ واحدةٍ، إذ لا موجب للتقدّم والتأخّر، ولكن لا يترتّب على هذا أنَّ عدم أحد الضدّين في مرتبة وجود الضدّ الآخر، إذ لا مانع من أن يكون الشيء متقدّماً علي شيءٍ رتبةً ولا يكون عدمه كذلك.
وحاصله: أنَّ التضادّ والتنافر بين الضدّين لا يقتضي توقّف وجود أحدهما على عدم الآخر، فإنَّ بينهما كمال الملاءمة، وليس لأحدهما تقدّمٌ على الآخر.
ظاهر هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه بوجهٍ.
وقد اعترض عليه شيخنا الأستاذ(2) بأنَّ الملاءمة بين شيئين لا تقتضي كونهما في مرتبةٍ واحدةٍ أو أنَّ أحدهما متوقفٌ على الآخر، فإنَّ بين العلّة والمعلول كمال الملاءَمة، مع أنَّ أحدها علّةٌ والآخر معلولٌ. وكذا في أجزاء العلّة بالنسبة إلى المعلول، إذ ليس بينهما تنافرٌ أصلاً، بل بينهما كمال الملاءمة، ومع ذلك يتوقّف أحدهما على الآخر.
نعم، ظاهر هذا الكلام واضح الفساد، ولكنّه يريد معنىً آخر.
فحاصل ما ذكره: أنَّ الضدّين حيث إنَّهما متضادّان ويستحيل اجتماعهما، فكما يستحيل اجتماعهما في الوجود، بحيث إذا تحقّق وجود أحدهما يتحقّق عدم الآخر لا محالة، لأنَّ مقتضى التنافر بينهما هو ذلك، كذلك الحال بحسب الرتبة،
ــــــــــ[50]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول130.
(2) انظر: أجود التقريرات 1: 256.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ففي أيّة مرتبةٍ كان أحد الضدّين مفروضاً، كان عدم الآخر مفروضاً أيضاً.
فكمال الملاءمة بهذا المعنى: (أنَّ ضروريّة أحدهما تقتضي ضروريّة الآخر)، يعني: أنَّ هناك ضرورةً بين وجود أحدهما وعدم الآخر، وهذا هو مقتضى التنافر والتنافي بينهما واستحالة اجتماعهما، وهذه الاستحالة تقتضي أنَّه متى فُرض أحدهما موجوداً كان الآخر معدوماً، وهذا الأمر في الوجود الخارجيّ وفي المرتبة على حدٍّ سواء، ففي أيّة مرتبةٍ فُرض وجود أحد الضدّين فلا بدَّ من فرض عدم الآخر من دون توقّفٍ، وإلَّا لو لم يكن عدم الآخر في هذه المرتبة مفروضاً، فإنَّ وجود الآخر في هذه المرتبة إمّا أن يكون مفروضاً أو يكون لا وجوده وعدمه مفروضاً.
أمّا الأخير فهو من ارتفاع النقيضين، وهو غير معقولٍ. وأمّا إذا فرضنا أنَّ وجود الضدّ الآخر في هذه المرتبة مفروضٌ، كان ذلك من اجتماع الضدّين، وقد فرضنا أنَّه محالٌ.
فإذا فُرض البياض في مرتبةٍ، فلا بدَّ من فرض عدم السواد في هذه المرتبة، إذ لو لم يكن عدم السواد متحقّقاً فيها، فإمّا أن يكون السواد موجوداً فيها، وهو من اجتماع الضدّين، إذ المفروض أنَّ البياض موجودٌ، فكيف يكون السواد موجوداً أيضاً، مع أنَّ الفرض تنافرهما وتضادّهما، وإذا فرضنا أنَّ كلاً من وجود السواد وعدمه ليس مفروضاً في هذه المرتبة، فهذا من ارتفاع النقيضين، وهو غير معقولٍ.
فمعنى التنافي والتنافر بين الضدّين هو أن يكون عدم أحدهما ملائماً
ــــــــــ[51]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
لوجود الآخر: في الوجود الخارجي، وفي الرتبة معاً. فمتى ما فُرض أحدهما موجوداً، كان عدم الآخر مفروضاً معه، فهما متلازمان في كلٍّ من الإمكان والفعليّة والضرورة، فإمكان وجود البياض يقتضي إمكان عدم السواد، وكذلك فعليّة وجود البياض تقتضي فعليّة عدم السواد، وضرورة وجود البياض تقتضي ضرورة عدم السواد.
ومن ذلك يتبيّن: أنَّ بينهما كمال الملاءمة والارتباط، وأنَّ وجود أحد الضدّين لا ينفكّ عن عدم الآخر، أي: إنَّ الوجود لا ينفكّ عن العدم، لا العكس، فإنَّ العدم قد ينفكّ عن الوجود إذا كان لهما ثالثٌ، إلَّا إذا أرجعناه إلى أحد الأضداد فلا ينفكّ حينئذٍ.
فالظاهر: أنَّ مراد صاحب الكفاية من قوله “أنَّ بينهما كمال الملاءمة” أنَّ وجود أحد الضدّين ملازمٌ لعدم الآخر في الوجود الخارجيّ وبحسب الرتبة أيضاً، فكلّ مرتبةٍ فُرض فيها وجود البياض كان عدم السواد مفروضاً فيها، وإلَّا لزم اجتماع الضدّين أو النقيضين، كما مرّ.
وقد شبّه الضدّين بالنقيضين(1)، وذكر: أنَّ أحدهما ملازمٌ لعدم الآخر وملائمٌ له من دون أن يكون هناك توقّفٌ. ومن المؤكّد: أنَّه يريد من ذلك فرض الوجود مع عدم العدم، فإنّا إذا فرضنا الوجود متحقّقاً فلا بدَّ من فرض تحقّق عدم نقيضه، وهو عدم عدمه، ففي أيّة مرتبةٍ فُرض فيها وجود الإنسان كان عدم عدمه مفروضاً أيضاً، وإلَّا لكان عدم الإنسان مفروضاً، لاستحالة ارتفاع
ــــــــــ[52]ــــــــــ
(1)انظر: كفاية الأصول: 130.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
النقيضين، ومعنى هذا: أنَّ الوجود والعدم متحقّقان في مرتبةٍ واحدةٍ، وهو مستحيلٌ، لاستحالة اجتماع الضدّين.
فيتبيّن: أنَّ نظره كان من جهة الوجود فقط، وأمّا من جهة العدم فهذا المعنى غير جارٍ، لأنَّ عدم الإنسان بنفسه نقيض الوجود، ولا معنى لأن يقال: إنَّ عدم الشيء ملائمٌ لنقيض وجود ذلك الشيء، فإنَّه هو هو نفسه، ولا معنى لملاءمة الشيء لنفسه، ونفي توقّف الشيء على نفسه. أمّا من ذلك الطرف فيمكن أن يقال: إنَّ وجود الشيء يتوقّف على عدم نقيضه، حيث إنَّ عدم العدم مغاير للوجود مفهوماً وان كان متّحداً معه خارجاً. وقد سبق انَّ التناقض من الطرفين، كما أنَّ الوجود نقيض العدم فكذلك العدم نقيض الوجود، لا انَّ نقيض العدم هو عدم العدم. والا لم يتحقّق التناقض بينهما اصلاً فيصبح نقيض العدم هو عدم عدم العدم فيتسلسل إلى ما لا نهاية.
فأساس كلامه: أنَّ التنافي والتنافر بين الضدّين والنقيضين كما أنَّه ثابتٌ في الوجود الخارجيّ كذلك هو ثابتٌ في الرتبة، فإذا فُرض أحد الضدّين موجوداً -في رتبةٍ ما- كان عدم الضدّ الآخر مفروضاً لا محالة. فكيف يمكن أن يقال: إنَّ أحدهما متوقّفٌ على الآخر، إذ لا موجب لهذا التوقّف، بعد أن كان عدم كلٍّ من الضدّين من لوازم وجود الضدّ الآخر، ومتحقّقاً في مرتبته.
ولكنّ ما ذكره يندفع بأنَّ المعاندة تقتضي أن يكون عدم أحدهما متحقّقاً مع وجود الآخر في الخارج، فإنَّ التضاد إنَّما هو في الوجود الخارجيّ ليس إلَّا،
ــــــــــ[53]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فيستحيل أن يتّصف شيءٌ واحدٌ في زمانٍ واحدٍ بالسواد والبياض معاً، أو أن يتّصف بالوجود والعدم معاً، فالضدّان والنقيضان لا يجتمعان بحسب الخارج.
وأمّا بحسب الرتبة فليس هناك أيُّ تضادٍّ، فلا مانع من أن يكون عدم السواد متقدّماً على البياض بحسب الرتبة، وواقعاً في سلسلة علله، توقّف الشيء على عدم مانعه.
أمّا ما ذكرناه من أنَّ عدم السواد إذا لم يكن موجوداً في مرتبة البياض فلا بدَّ من أن يكون السواد موجوداً، فيلزم اجتماع الضدّين، فممّا لا ضير فيه، ولا بأس في اجتماعهما معاً، بمعنى: أن نلتزم بأنَّ البياض والسواد في مرتبةٍ واحدةٍ، ومعنى ذلك -على ما تقدّم في الوجه الثالث-: ألّا تقدّم ولا تأخّر بينهما أصلاً، فوجود الشيء وعدمه في مرتبةٍ واحدةٍ، ولا يلزم من ذلك أيّ استحالةٍ، فإنَّ النقيضين لا يجتمعان في الخارج، لا في الرتبة الواحدة.
والوجه في ذلك ظاهرٌ، فإنَّ نقيض الوجود هو العدم البديل له، ونقيض العدم هو الوجود البديل له. واجتماع النقيضين في الرتبة ليس مستحيلاً، ومعنى اجتماعهما ألّا تقدّم ولا تأخّر لأحدهما على الآخر في الرتبة، فأيّة رتبةٍ نفرض فيها الوجود نفرض فيها العدم أيضاً، لكنّ المتحقّق خارجاً هو إمّا هذا وإمّا ذاك، إذ يستحيل اجتماعهما خارجاً، فالنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان خارجاً، وأمّا بحسب الرتبة فالنقيضان قابلان للاجتماع والارتفاع.
فبالنسبة إلى الاجتماع، ففي مثل ذلك -إذا لاحظنا التناقض بين شيئين- لا نرى وجهاً لتقدّم العدم على الوجود أو الوجود على العدم، فهما في رتبةٍ واحدةٍ.
ــــــــــ[54]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وأمّا بالنسبة إلى الارتفاع -وهو بالنسبة إلى ذات كلّ ماهيّةٍ- فإنَّنا لو لاحظناها بذاتها فهي لا معدومةٌ ولا موجودةٌ، فكلٌّ من الوجود والعدم خارجٌ عن الذات، وأمّا الذات بلحاظ الخارج فهي إمّا موجودةٌ وإمّا معدومةٌ لا محالة، ولا يمكن أن تكون الماهيّة لا موجودةً ولا معدومةً. وأمّا إذا قصرنا النظر على ذاتها -أعني: جنسها وفصلها- فنرى أنَّ الوجود والعدم لم يؤخذا فيهما، فليس أحدهما فصلاً لها ولا جنساً، وهي في ذاتها ليست موجودةً ولا معدومةً، ولا يلزم من ذلك ارتفاع النقيضين أبداً، فالتناقض والتنافر إنَّما هو بالنسبة إلى الوجود الخارجيّ، وأمّا في مقام الذات فلم يؤخذ شيءٌ منهما فيه.
إذن، فكما يمكن ارتفاع النقيضين في المرتبة، كذلك يمكن اجتماعهما، فيصحّ أن يقال: إنَّ وجود الإنسان وعدمه في مرتبةٍ واحدةٍ، كما يصحّ أن يقال: إنَّ الوجود والعدم يرتفعان في مرتبةٍ واحدةٍ.
فما ذكره مبنيٌّ على أنَّ التنافر ثابتٌ في المرتبة، كما هو ثابتٌ في الوجود الخارجيّ.
اذن. ما ذكره من عدم التوقّف بين البياض وعدم السواد بحسب الرتبة، بحيث إنَّ كلّ مرتبةٍ فرضنا البياض فيها اقتضى ذلك فرض عدم السواد لا محالة، غير صحيحٍ، بعد أن علمنا إمكان اجتماعهما في الرتبة.
وأمّا بلحاظ الخارج، فيمكن أن يكون عدم السواد في مرتبةٍ سابقةٍ على البياض، وكذلك عدم العدم يكون سابقاً على الوجود رتبةً. هذا بقطع النظر عمّا ذكرناه من كونه -عدم العدم- عين الوجود، لا أمراً مغايراً له.
فهذا الوجه غير تامٍّ أيضاً.
ــــــــــ[55]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وحاصله: أنَّ التقدّم والتأخّر بين عدم الضدّ ووجود الآخر إنَّما كان لأجل المانعيّة، باعتبار أنَّ وجود أحدهما مانعٌ عن وجود الآخر، فيكون عدمه مقدّمةً من مقدّمات وجود الآخر، لأنَّ العلّة مركّبةٌ من المقتضي والشرط وعدم المانع، فتوهّم التوقّف إنَّما كان باعتبار أنَّ وجود الضدّ مانعٌ عن وجود الآخر، فيكون عدمه مقدّمةً لوجود الآخر.
فإذا فرضنا أنَّ وجود أحد الضدّين كان مانعاً، كان وجود الآخر مانعاً أيضاً، لأنَّ التمانع والمزاحمة يكون من الجانبين لا من جانبٍ واحدٍ. فكما أنَّ وجود هذا الضدّ مانعٌ عن الآخر -أي: يقتضي عدمه- كذلك وجود الضدّ الآخر يستلزم عدم هذا الضدّ. ما يعني لزوم الدور، أي: يلزم أن يكون عدم أحد الضدّين مقدّمةً لوجود الآخر، باعتباره من المقدّمات، وهذا يقتضي أن يكون هذا العدم بعينه متوقّفاً على ذلك الوجود، باعتبار أنَّ الوجود مانعٌ، والمانع مقتضٍ للعدم الممنوع.
فالبياض والسواد -مثلاً- متضادّان، ولذلك كان عدم البياض مقدّمةً للسواد، لأنَّ عدم المانع من المقدّمات. وإذا كان الأمر كذلك كان وجود البياض مانعاً عن السواد، وإذا كان البياض مانعاً عن السواد كان السواد أيضاً مانعاً عن البياض، لأنَّ التمانع من الجانبين، فمعنى كون السواد مانعاً عن البياض: أنَّ وجود السواد منشئٌ لعدم البياض وسببٌ له، فيكون وجود السّواد في مرتبةٍ
ــــــــــ[56]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول 130.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
سابقةٍ على عدم البياض، حيث إنَّه مقتضٍ وذاك مقتضى له. وقد فرضنا أنَّ عدم البياض كان مقدّمةً لوجود السواد، وكان عدم البياض في مرتبةٍ سابقةٍ، فيلزم من ذلك أن يكون من أجزاء علّته ما هو معلولٌ له، وهذا غير معقولٍ.
على أنَّ الدور الذي أفاده صحيحٌ وواضحٌ، فليس هنا شيءٌ يوجب تقدّم أحد الضدّين على الآخر، إلَّا باعتبار أنَّ وجود الضدّ مانعٌ عن وجود الضدّ الآخر، فإذا كان أحدهما مانعاً عن الآخر، كانت مرتبة المانع مقدّمةً على مرتبة الممنوع، فيكون عدم الممنوع مستنداً إلى وجود المانع، ويكون هذا العدم معلولاً لوجود المانع، وقد فرضنا أنَّ هذا العدم جزءٌ من علّة وجود الضدّ الآخر، لأنَّ عدم المانع من المقدّمات، فيلزم أن يكون ما هو من أجزاء علّته معلولاً له، فيكون عدم البياض -في مثالنا- مقدّمةً لوجود السواد، لأنَّ البياض مانعٌ من السواد، وقد فرضنا أنَّ وجود السواد مانعٌ من البياض، فيكون عدم السواد مقدّمةً للبياض، وهذا دورٌ واضحٌ.
ولازم كون التمانع من الطرفين: أن يكون وجود كلٍّ من الضدّين متوقّفاً على عدم الآخر، وعدم الآخر متوقّفاً على وجود الأوّل، لأنَّ وجود الأوّل مانعٌ ووجود الثاني ممنوعٌ، فيكون عدم الثاني معلولاً لوجود الأوّل. فيلزم الدور. وهذا واضحٌ. والأمر كما ذكره.
ومع ذلك أُشكل عليه: بأنَّ التوقّف من أحد الجانبين فعليٌّ، وفي الجانب الآخر ليس بفعليٍّ، فلا دور.
ــــــــــ[57]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وقد قيل -كما في الكفاية-(1): إنَّ وجود الشيء يتوقّف على تمام علّته، أي: على وجود المقتضي والشرط وعدم المانع. فتوقّف وجود أحدهما على عدم الآخر فعليٌّ، فإنَّ وجود أحد الضدّين لا بُدَّ فيه من وجود المقتضي له والشرائط مع كون عدم المانع مفروضاً، فالتوقّف فعليٌّ.
وأمّا عدم الضدّ الآخر فليس التوقّف من هذه الجهة فعليّاً، إذ يكفي في عدم الشيء عدم واحدٍ من أجزاء علّته، لا عدم جميع أجزائها، فإذا فرضنا أنَّ المقتضي ليس موجوداً أو كان المقتضي موجوداً ولم تكن الشرائط موجودةً، فلا محالة يكون المعلول معدوماً، ولا يلزم استناد عدم المعلول إلى عدم المانع، بل يكفي في عدم الشيء عدم جزءٍ من العلّة، وتوقّف عدم أحد الضدّين على وجود الآخر إنَّما يُتصوّر حين يكون المقتضي لذلك الضدّ موجوداً وكذا فرض وجود الشرائط، ليستند حينئذٍ عدمه إلى وجود المانع، وهو الضدّ الآخر.
إلَّا أنَّ هذا الفرض غير متحقّقٍ في الخارج، فإنَّ المتحقّق هو أنَّ أحد الضدّين غير موجودٍ، لعدم المقتضي أو عدم الشرط، لا لوجودهما ووجود المانع لكي يستند عدمه إلى وجود المانع. أمّا في إرادة شخصٍ واحدٍ في الأفعال الاختيارية فظاهر، فإنَّه متى ما أراد أحدٌ فعلاً وأعملَ قدرته فيه فلا محالة لن يوجد الفعل الآخر، فعدم الفعل الآخر يكون مستنداً إلى عدم إرادته، أي: إلى عدم المقتضي.
وأمّا في إرادة شخصين لتحريك حجرٍ -مثلاً- إلى جانبين مختلفين، فلو
ــــــــــ[58]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول:130.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فرضنا أنَّ إحدى الإرادتين أثّرت والأخرى لم تؤثّر، كان عدم الضدّ غير مستندٍ إلى وجود ضدّه بل إلى قصورٍ في مقتضيه، حيث إنَّه ضعيفٌ ولا يقوى على مزاحمة المقتضي الأقوى. فعدم الضدّ هنا لا يكون مستنداً إلى وجود المانع بل إلى عدم المقتضي أو عدم الشرط. وإن شئت قلت: عدم الضدّ مستندٌ إلى قصور المقتضي.
وعلى كلا التقديرين، لم يتحقّق استناد عدم أحد الضدّين إلى وجود الضدّ الآخر، ليكون مانعاً منه، وليتوقّف هذا العدم على ذلك الوجود. فأين الدور؟ فإنَّه إنَّما يتحقّق إذا كان التوقّف من كلا الجانبين فعليّاً.
أمّا إذا كان توقّف الوجود على العدم فعليّاً، باعتبار أنَّ الوجود لا بُدَّ فيه من تماميّة العلّة، ومنها عدم المانع، وأمّا من الطرف الآخر فليس التوقّف فعليّاً، لأنَّ عدم أحدهما إنَّما يكون مستنداً إلى الضدّ الآخر إذا كان المقتضي له والشرائط موجودةٌ، وهذا الفرض غير متحقّقٍ في الخارج، فلا يصحّ هذا الوجه إلَّا فرضاً، بأنْ نفرض أنَّ المقتضي لذلك الضدّ المعدوم موجودٌ والشرائط موجودةٌ أيضاً وحينئذٍ يستند عدمه إلى وجود الضدّ الآخر، إلَّا أنَّه فرضٌ محضٌ، غير مطابقٍ للخارج. وعليه، فلا يكون التوقّف من الجانبين فعليّاً، فلا دور.
وأجاب صاحب الكفاية(1) عن ذلك -وجوابه صحيحٌ- بما حاصله: أنَّنا لو فرضنا أنَّ عدم أحد الضدّين كان مستنداً إلى وجود الضدّ الآخر ولو في موردٍ واحدٍ، فإذا تحقّق هذا الاستناد في الخارج ولو مرّةً واحدةً كان كلامنا في هذا
ــــــــــ[59]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 131.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الاستناد على هذا الفرض -الذي استند فيه عدم أحد الضدّين إلى وجود الآخر- وقد فرضنا أنَّ نفس هذا العدم من مقدّمات ذلك الوجود، فحينئذٍ توقّف الشيء على عدم مانعه، وهو دورٌ واضحٌ.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ هذا غير معقولٍ، وقلنا بعدم تحقّق أيّ موردٍ يستند فيه عدم أحد الضدّين إلى وجود الآخر، كما هو الصحيح -على ما بيّناه في الوجه الثاني، حيث قلنا هناك: إنَّ هذا الاستناد يستحيل أن يتحقّق في الخارج- كانت المانعيّة غير معقولةٍ، ومعنى ذلك: أنَّ أحد الضدّين يستحيل أن يكون مانعاً من الضدّ الآخر، فإذا استحال كونه مانعاً، فلماذا يكون عدمه من المقدّمات؟ وإنَّما كان عدمه من المقدّمات لأنَّ وجوده مانعٌ عن الضدّ الآخر، فإذا لم يكن مانعاً لم يكن عدمه مقدّمةً. وتوهّم مقدّميّة عدم أحد الضدّين لوجود الآخر إنَّما نشأ من مانعيّة الوجود، فإذا فرضنا أنَّ المانعيّة مستحيلةٌ، فلماذا يكون عدمه من المقدّمات؟ وهذا يعني استحالة المانعيّة، وهو مساوق لإنكار المقدّميّة.
فممّا سبق نعرف: أنَّ هناك مغالطةً لفظيّةً، فالتمانع يُستعمل بمعنيين:
الأوّل: المنافرة إلَّا أنَّ المنافرة بهذا المعنى لا توجب مقدّميّة عدم أحد الضدّين للضدّ الآخر.
والثاني: هو أن يكون وجود كلٍّ منهما مقتضياً لعدم الآخر، وهذا المعنى غير متحقّقٍ في الضدّين، ولا يكون أحدهما سبباً لعدم الآخر، فإنَّ عدمه يكون مستنداً إلى عدم المقتضي أو عدم الشرائط، كما تقدّم مفصّلاً.
فالقياس القائل: إنَّ وجود أحد الضدّين مانعٌ عن وجود الضدّ الآخر،
ــــــــــ[60]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وكلّ مانع من المقدمات، فيه مغالطةٌ واضحةٌ، فإنَّ التمانع في الضدّين بمعنى استحالة اجتماعهما، لا يقتضي أن يكون عدم أحدهما مقدّمةً للآخر، كما كان هو الحال في النقيضين، وأمّا المانع في الكبرى فهذا المانع بمعنىً آخر، وليس هو نفس المعنى الأوّل. فهذا القياس يتضمّن مغالطةً لفظيّةً من خلال استعمال اللفظ المشترك في معنيين.
فالمتحصّل ممّا مرّ: ألّا مقدّميّة بين أحد الضدّين وعدم الضدّ الآخر، فلا يتوقّف وجود أحدهما على عدم الآخر، ولا عدم أحدهما على وجود الآخر. أمّا الثاني فلما مرّ من أنَّ العدم يستند إلى عدم المقتضي وعدم الشرائط، لا إلى وجود المانع، وهو الضدّ الآخر. وأمّا الأوّل فلأنَّ منشأ ذلك هو توهّم المانعيّة للوجود، فإذا كانت المانعيّة مستحيلةً، فلا وجود لهذا التوقّف.
فالعمدة في ذلك -أي: في إثبات عدم المقدّميّة- هو الوجه الثاني لصاحب الكفاية، وأمّا الوجوه الثلاثة الأُخر، فقد تقدّم أنَّها غير تامّةٍ.
قد يفصّل بين الضدّ الموجود وغيره(1)، فيقال: إنَّ الضدّين إذا لم يكن شيءٌ منهما موجوداً، فحينئذٍ لا توقّف لأحدهما على الآخر بالبيان المتقدّم، وكذا فيما لو كان أحدهما موجوداً فقط، فليس هنا أيّ توقّفٍ من ناحية الضدّ الموجود، ولا يتوقّف بقاؤه على الضدّ الآخر، وأمّا المعدوم فوجوده -لا محالة- يتوقّف على ارتفاع الضدّ الموجود.
ــــــــــ[61]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار 104 – 108.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
والوجه في الضدّين المفروض أنَّهما معدومان: ما تقدّم من أنَّه إمّا أن يكون لأحدهما مقتضٍ دون الآخر أو لكليهما أو ليس لكلٍّ منهما مقتضٍ. ففي جميع هذه الصور لا يتوقّف وجود أحدهما على عدم الآخر، ولا عدم الآخر على وجود ضدّه، فليس بينهما أيُّ تقدّمٍ ولا تأخّرٍ. وكذا فيما لو فُرض أنَّ أحدهما كان موجوداً وكان الآخر معدوماً، فإنَّ بقاء هذا الموجود لا يتوقّف على عدم الآخر، لأنَّ العدم إنَّما يستند إلى عدم المقتضي أو إلى مغلوبيّته.
وأمّا وجود ما فرضناه معدوماً، فهو يتوقّف على ارتفاع الضدّ الموجود.
وقيل في وجه ذلك(1): إنَّ تحقّق أيّ عرضٍ في موضوعه يتوقّف على قابليّة المحلّ له، فإذا لم يكن المحلّ قابلاً له استحال عروضه عليه، فقابليّة المحلّ من شرائط وجود العرض، وحيث فرضنا أنَّ أحد الضدّين موجودٌ، ففي فرض وجوده لا يكون المحلّ قابلاً للعرض الآخر المضادّ له على الفرض، لاستحالة اجتماع الضدّين. فإذا فرضنا أنَّ الجسم كان متّصفاً بالبياض، فمع فرض اتّصافه بذلك لا يكون قابلاً لعروض السواد، لأنَّ ذلك يؤدي إلى اجتماع الضدّين، وهو مستحيلٌ. فاتّصاف الجسم بالسواد يتوقّف على أن يكون قابلاً لعروض السواد عليه، وذلك لا يتحقّق إلَّا إذا ارتفع البياض.
إذن، يُعتبر في وجود أحد الضدّين إن كان الضدّ الآخر موجوداً: أن يرتفع الضدّ الموجود ليكون المحلّ قابلاً للضدّ الثاني، وهذا هو معنى التوقّف -توقّف الضدّ المعدوم على ارتفاع الموجود- فتوقّف وجود المعدوم على ارتفاع الضدّ
ــــــــــ[62]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار 112.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الموجود لأجل قابليّة المحلّ.
وبهذا يرتفع الدور الذي ذكرناه فيما سبق، فإنَّه يحصل إذا كان وجود أحد الضدّين متوقّفاً على عدم الآخر، وعدم الآخر متوقّفاً على وجود الأوّل من جهة المانعيّة. إلَّا أنّنا قلنا الآن: إنَّ الضدّ الموجود لا يتوقّف على المعدوم، لعدم المقتضي للمعدوم أو لعدم شرطٍ من شرائطه. وأمّا وجود الضدّ المعدوم فإنَّه -لا محالة- يتوقّف على ارتفاع الموجود لأجل حصول شرط وجوده، وهو قابليّة المحلّ لأنْ يتّصف بهذا العرض، وقابليّته لذلك متوقّفةٌ على ارتفاع الضدّ الآخر من جهة استحالة اجتماع الضدّين، فوجود هذا الضدّ يكون متوقّفاً على ارتفاع ذاك الضدّ، ولكنّ بقاء ذاك لا يتوقّف على وجود هذا، فلا دور. هكذا قيل.
وهذا التفصيل مبنيٌّ على أمرٍ باطلٍ، وهو: أنَّ الباقي لا يحتاج في بقائه إلى مقتضٍ ومؤثّرٍ، وأنَّ الشيء إذا وُجد يبقى إلى الأبد، ويحتاج في ارتفاعه إلى مقتضٍ يرفعه، وإلَّا فهو باقٍ إلى الأبد ولا يحتاج في بقائه إلى سببٍ.
نعم، إذا صحّ هذا الأمر كان التفصيل المذكور صحيحاً، فالضدّ الموجود لا يحتاج في بقائه إلى علّةٍ، بل هو باقٍ بطبعه، وإنَّما يحتاج في ارتفاعه إلى سببٍ. وأمّا الضدّ المعدوم، فإنَّه يحتاج إلى سببٍ ومقتضٍ لوجوده، فلا يتحقّق وجوده إلَّا إذا كان المحلّ قابلاً لعروضه عليه، ولا يكون المحلّ كذلك إلَّا إذا ارتفع الضدّ الآخر، فيتوقّف في وجوده على ارتفاع الضدّ الموجود، لأجل أن يكون المحلّ قابلاً.
وأمّا إذا بنينا على بطلان ذلك باعتبار أنَّ البقاء عبارةٌ عن الوجود الثاني بعد الوجود الأوّل، فعند التحليل ليس من بقاءٍ أبداً، وهذا اللفظ إنَّما وُضع
ــــــــــ[63]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
للحادث الثاني إذا كان مسبوقاً بالحدوث، وإلَّا فالإفاضة -بالدّقة- متجدّدة آناً فآناً، وكلّ حادثٍ محتاجٌ إلى سببٍ يقتضيه.
ومثال ذلك ما نشاهده في القوّة الكهربائيّة، فإنّا نرى بأنَّ هذا النور بحسب الصورة باقٍ، ولكنّا عند التدقيق نعرف أنَّ هذا النور الموجود ليس هو النور الأوّل، فإنَّ النور الأوّل ارتفع وانعدم، وهذا نورٌ جديدٌ، فإنَّه آناً فآناً فيه تجدّدٌ وحدوثٌ، ويحتاج في كلّ آنٍ إلى إفاضةٍ جديدةٍ، وإن كان يُطلق عليه البقاء بحسب الصورة.
وعلى كلا التقديرين -تقدير بقاء الوجود الحادث وتقدير عدم بقائه، وأنَّ هناك حدوثاتٍ متواليةً- فهو محتاجٌ إلى مقتضٍ وسببٍ في استمراره. حينئذٍ يأتي نفس الكلام الأوّل: بأنَّ مقتضى بقاء الضدّ الموجود ومقتضى حدوث الضدّ المعدوم، إمّا أن يكون كلاهما موجوداً أو كلاهما غير موجودٍ أو أحدهما موجوداً دون الآخر، إلى آخر ما ذكرناه، على ما تقدّم.
فإذا لم يكونا موجودين فلا وجود لذاك الضدّ ولا بقاء لهذا، وإنَّما يوجد شيءٌ ثالثٌ، فلو كان الجسم أبيض، وكان مقتضي البقاء منتفياً ومقتضي حدوث السواد غير موجودٍ، لم يتّصف الجسم بأحدهما، وإنَّما يتّصف بشيءٍ ثالثٍ أو ينعدم الجسم. وأمّا إذا كان المقتضي لأحدهما موجوداً فلا جرم يتحقّق مقتضاه. وإذا كان كلا المقتضيين موجوداً تحقّق الأقوى منهما. وعلى هذا القول: وهو أنَّ البقاء يحتاج إلى سببٍ ومؤثّرٍ، أو أنّنا لا نتصوّر البقاء أصلاً، بل البقاء لفظٌ وضع للحادث المسبوق بحادث مثله. والاّ فليس هنا بالدقّة بقاء، ففي كلّ آنٍ حدوث جديد بسببٍ جديدٍ.
ــــــــــ[64]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فعلى كلا التقديرين الكلام هو الكلام، إذ لا يتوقّف حدوث أحدهما على عدم بقاء الضدّ الآخر، ولا بقاء الضدّ الآخر على عدم حدوث الأوّل. وهذا الكلام مبتنٍ على استغناء الباقي عن المؤثّر، إلَّا أنَّ هذا الأساس باطلٌ عند التدقيق.
تارة: يقع الكلام في الأفعال الاختياريّة، وأنَّ الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه أم لا؟ فإذا وقعت المضادّة بين فعلين اختياريّين، أحدهما واجب والآخر مضادٌّ له، فهل يكون الأمر بالشيء مقتضياً للنهي عن ضدّه أم لا؟
ويقع البحث أيضاً في أنَّ بقاء الفعل الاختياريّ هل هو مستغنٍ عن المؤثّر أم أنَّه يحتاج إلى مؤثّرٍ كحدوثه، أم أنَّ البقاء بالدقّة لا وجود له أصلاً، كما ذكرنا؟
وأخرى: يقع الكلام في غير الأفعال الاختياريّة من الموجودات التكوينيّة، غير الواقعة في حيّز التكليف، ممّا هو خارجٌ عن محلّ كلامنا، نتكلّم على أنَّ هذه الأمور هل هي في بقائها مستغنيةٌ عن المؤثّر أم لا؟ ومن ذلك يظهر الحال في جميع الموجودات حتّى الجواهر.
لا ينبغي الشكّ في أنَّ الفعل الاختياريّ مسبوقٌ بالإرادة والاختيار، والمراد بالاختيار -ما سبق أن ذكرناه في بحث اتّحاد الإرادة والطلب-: إعمال
ــــــــــ[65]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
القدرة فيما يراه القادر خيراً في حقّه، فيُعمِل قدرته فيه، فيحرّك عضلاته نحوه، فيوجده في الخارج.
فكلّ جزءٍ من الفعل الاختياريّ بالضرورة يصدر بقصدٍ واختيارٍ من المكلّف، وإلَّا لم يكن اختياريّاً، وعلى ذلك فكما يحتاج الفعل الاختياريّ في حدوثه إلى إعمال القدرة، كذلك بقاؤه. فالتكلّم -مثلاً- من الأفعال الاختياريّة، وكلّ حرفٍ حرفٍ يصدر من المتكلّم باختيارٍ وإرادةٍ، وحسب الصدق العرفيّ، نقول: إنَّه مستمرٌّ في تكلّمه، إلَّا أنَّه -حقيقةً- لا بقاء هنا، فإنَّ ما كان موجوداً انقضى وانعدم، والذي يتكلّم به فعلاً كلامٌ جديدٌ غير الكلام السابق، وُجد بإرادةٍ واختيارٍ جديدين، فالحاصل هنا هو حدوثٌ بعد حدوثٍ. وحتّى على تقدير تسليم البقاء، فإنَّ الفعل الاختياريّ كما أنَّ حدوثه بالاختيار كذلك بقاؤه، لا أنَّه يتكلّم أوّلاً باختياره ثمَّ يستمرّ بالتكلّم من دون اختيارٍ.
وكذا الحال المركبات ذات الأجزاء غير المتماثلة كالصلاة، فكما انَّ الجزء الأول لا بُدَّ في صدوره من إرادة واختيار، كذلك الجزء الثاني، فلو أعمل قدرته وكبّر مبتدئاً الصلاة، فقراءة الحمد أيضاً تحتاج إلى إعمال قدرةٍ واختيارٍ، وكذلك الركوع والسجود، فجميع الأجزاء مستندةٌ إلى الإرادة والاختيار، وليس حدوث الصلاة خارجاً كافياً في بقائها، بل بقاؤها يحتاج أيضاً إلى إعمال القدرة والإرادة. إذن، لا فرق في الآن الثاني -بعد التكبير- بين أن يوجِد القراءة أو أن
ــــــــــ[66]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
يوجِد ما هو ضدٌّ للقراءة، فكلاهما تحت اختياره وقدرته، وله أن يوجد هذا وله أن يوجد ذاك.
امّا في المركبات ذات الأجزاء المتماثلة مثل الحركة فالقدم الأول صدر بالإرادة والاختيار، فكذا القدم الآخر.
فعلى ذلك، الفعلان المتضادّان كلٌّ منهما يحتاج إلى مقتضٍ، فلا توقّف بين الضدّ الموجود والضدّ المعدوم، لأنَّ الموجود انعدم على الفرض من حيث بقائه، وهذا حادثٌ جديدٌ، إلَّا أنَّه يحتاج إلى مقتضٍ، كما أنَّ المعدوم يحتاج إلى مقتضٍ في حدوثه، فيجري نفس الكلام المتقدّم.
إذن، فلا موجب لدعوى: أنَّ وجود الضدّ المعدوم يتوقّف على ارتفاع الضدّ الموجود، إلَّا أنَّ الموجود لا يتوقّف على المعدوم. فهذا التفصيل ليس في محلّه، فإنَّ عدم التوقّف في الضدّين على حدٍّ سواءٍ.
وبعبارة أخرى: لا فرق بين الضدّ الموجود والضدّ المعدوم من هذه الجهة، فإنَّ المحلّ في الآن الثاني قابلٌ لكلٍّ منهما على البدل لا جمعاً، قابلٌ لأن يعرضه هذا الضدّ أو أن يعرضه ذاك الضدّ، لأنَّ كلاً منهما يحدث باختيار الفاعل، وقابليّة المحلّ على البدل لكلٍّ منهما مفروضةٌ، فلا موجب لتوهّم توقّف وجود المعدوم على عدم الموجود، كما لم يكن عدم هذا متوقّفاً على عدم الآخر، فإنَّ كلاً منهما متوقّفٌ على وجود المقتضي له مع الشرط وعدم المانع.
ففي الأفعال الاختياريّة الأمر واضح.
ونتطرّق استطراداً إلى غير الأفعال الاختيارية من الحوادث الكونيّة، فهل الأمر فيها كذلك؟ فهل يحتاج البقاء إلى مؤثّر أم أنَّه لا يحتاج إلى سببٍ ومؤثّرٍ،
ــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بل الشيء بحدوثه يبقى بطبعه إلى أن يوجد سببٌ يؤثّر في إعدامه؟
لا فرق بين الأفعال الاختياريّة وغيرها من هذه الجهة، وإن قلنا: إنَّ الأمر في الأفعال الاختياريّة واضحٌ، فإنَّ الحادث غير الاختياريّ إذا فرضناه ممكناً
-كما هو محلّ الكلام- فكما أنَّ حدوثه كان ممكناً، كذلك بقاؤه. وليس البقاء في الممكن الحادث ضروريّاً، فإذا فرض أنَّ البقاء ممكنٌ فالحال فيه هو الحال في الحدوث.
ومن المعلوم: أنَّ الممكن لا يوجد مِن قِبل نفسه، بل لا بُدَّ له من سببٍ، وعلّة الحاجة إلى السبب مشتركةٌ بين الحدوث والبقاء، وهي إمكان الشيء.
بعبارة أخرى: إنَّ الحاجة والافتقار إلى سببٍ من ذاتيّات الوجود الإمكانيّ لا من عوارضه الخارجيّة، فهو بذاته -بقطع النظر عن أيّ شيءٍ- محتاجٌ إلى سببٍ.
والوجه في ذلك: أنّا إذا نظرنا إلى أيّ موجودٍ من الموجودات الممكنة، فهذا الموجود إمّا أن يكون في مقام ذاته مفتقراً إلى الغير أو لا يكون مفتقراً إلى الغير، ولا ثالث، لاستحالة ارتفاع النقيضين، فإذا لم يكن في ذاته محتاجاً إلى الغير فهو غنيٌّ بالذات، وهذا معنى الوجوب، فهو واجبٌ في ذاته ومستغنٍ عن الغير، وهذا خلاف ما فرضناه من الإمكان. وإذا فرضناه في ذاته مفتقراً إلى الغير، فالافتقار منتزعٌ من مقام الذات لا من الخارج، وإلَّا لكان في ذاته واجباً، هذا خلفٌ. فكلّ ما يُفرض من الوجود الإمكانيّ لا بُدَّ من أن يكون مفتقراً في ذاته مع قطع النظر عن أيّ شيءٍ في العالم، وهذا معنى الانتزاع من الذات.
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فالأوصاف تختلف من هذه الجهة، فإذا لاحظنا الإنسان لا نرى وجوب اتّصافه بالبياض أو السواد، فكلٌّ من البياض والسواد غير منتزَعٍ من مقام ذاته، فهو بذاته ليس بأبيض ولا أسود، وهذان الوصفان عارضان عليه من الخارج، والحاجة والفقر ليس من هذا القبيل، لأنّنا إذا لاحظنا الإنسان في ذاته نرى الحاجة فيه إلى الغير منتزعةٌ من مقام ذاته وإلَّا لكان في ذاته واجباً، إذ لا ثالث. فنعرف من ذلك أنَّ الإمكان مساوقٌ للحاجة. وإذا كان الأمر كذلك، فلا فرق بين الحدوث والبقاء، فكما أنَّ الشيء في حدوثه ممكنٌ كذلك هو في بقائه، ولا ينقلب الممكن في حدوثه واجباً في بقائه، بل يبقى على إمكانه، فالبقاء أيضاً محتاجٌ إلى سببٍ وفاعلٍ وموجبٍ، لأنَّه ليس بواجبٍ. فالملاك الذي يقتضي حاجة الممكن في حدوثه إلى سببٍ، هو بنفسه موجودٌ في البقاء أيضاً.
ومن هنا ذكرنا في بعض أبحاثنا السابقة: أنَّ الربط في الوجودات الإمكانيّة جميعاً -جواهرها وعوارضها- ينتزع من مقام ذاتها، فهي بذاتها ربطٌ وتعلّقٌ بالإضافة إلى الواجب تعالى، لا أنَّها شيءٌ له الربط، وشيءٌ له الافتقار، بل الافتقار ذاتيٌّ لها، ومنتزعٌ من مقام الذات للوجود الإمكاني، فهو عين الافتقار والارتباط، وليس هو شيئاً له الارتباط، بمعنى: أنَّ مقام ذاته غير مفتقرٍ ويُعرض عليه الافتقار من الخارج.
ومن ذلك يتّضح: أنَّه لا فرق بين الأفعال الاختياريّة وغيرها من جهة أنَّ كلاً منهما في بقائه محتاج إلى مؤثّرٍ، سواءٌ في ذلك الجواهر والأعراض.
وعلى ذلك، فلا يتوقّف وجود الضدّ المعدوم على عدم الضدّ الموجود كما
ــــــــــ[69]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
لا يتوقّف الموجود على المعدوم، فالبقاء محتاجٌ إلى مقتضٍ، والحدوث أيضاً محتاجٌ إلى مقتضٍ، فإذا كان أحد المقتضيين موجوداً دون الآخر كان مقتضاه موجوداً دون الآخر، وإذا كان كلاهما موجوداً وُجد الأقوى منهما، ويكون المقتضي الآخر مغلوباً، كما هو الحال في الضدّين المعدومين من الأوّل، فكما كان لا يعقل أن يكون أحد الضدّين مانعاً عن الآخر، كذلك في المقام، فإنَّ عدم كلّ من الضدّين يكون مستنداً إلى عدم المقتضي أو الشرط أو إلى وجود المانع، وهو مقتضى الضدّ الآخر لا الضدّ الآخر نفسه.
بل إنَّ الاستغناء عن المؤثّر أساساً باطلٌ، حتّى في غير الأفعال الاختياريّة من الموجودات، لما قلناه من أنَّ الممكن مرتبطٌ بالغير ومتعلّقٌ به في نفسه، فهو بنفسه ربطٌ واحتياجٌ إلى الغير، فلا يُعقل استغناؤه في الآن الثاني، كما لم يكن مستغنياً في الآن الأوّل.
ويترتّب على ذلك: أنَّ الممكن لو كان قديماً، غيرَ مسبوقٍ بعدم في الخارج
-كما يدّعيه الفلاسفة في العقول بل وفي غير العقول- فحتّى لو سلّمنا هذا محالاً، فمع ذلك: الممكن أيضاً يحتاج إلى العلّة والموجد، لأنَّ الممكن في ذاته فاقدٌ للوجود، ومحتاجٌ إلى الغير، ولا بُدَّ له من علّةٍ وسببٍ، فهو فقيرٌ في ذاته، لا أنَّ الفقر عرضه من الخارج ليكون في ذاته غنيّاً.
أمّا على القول بالاستغناء، وأنَّ الحاجة إلى العلّة من جهة الحدوث، لا الإمكان، فلازمه أن لا يكون القديم محتاجاً إلى علّةٍ وفاعلٍ، وهذا محال غير معقولٍ، لأنّا فرضناه ممكناً قديماً، وبما أنَّه ممكنٌ فلا بدَّ له من خالقٍ أَمْ خُلِقُوا
ــــــــــ[70]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ(1)، ومن البديهيّ: أنَّ الممكن لا يمكن له أن يخلق نفسه، ولا يمكن أن يوجد بلا سببٍ، وهذا هو معنى الإمكان. والإمكان بالنسبة إلى الماهيّة هو تساوي طرفي الوجود والعدم بالنسبة إليها، والإمكان في الوجود هو كونه محتاجاً إلى الغير، وليست الضرورة منتزعةً من نفسه، بل تطرأ عليه من الخارج.
وكيفما كان، فهذا القول فاسدٌ، ولو سلّمناه في غير الأفعال الاختياريّة، ففي محلّ كلامنا واضح الفساد.
بعبارة أوضح: إنَّ التفصيل المذكور في المقام من أنَّ الضدّ الموجود لا يتوقّف على عدم الضدّ الآخر، وأنَّ الضدّ المعدوم يتوقّف وجوده على ارتفاع الموجود، مبتنٍ على استغناء البقاء عن المؤثّر، لأنَّ الضدّ الموجود حينئذٍ غير محتاج إلى علّةٍ في بقائه، إلَّا أنَّ المعدوم من الضدّين يحتاج إلى علّةٍ لوجوده، وأحد أجزاء علّته هو عدم المانع الذي هو الضدّ الآخر.
وأمّا بناءً على ما هو الصحيح من أنَّ البقاء مفتقرٌ إلى سبب في بقائه، فإنَّ بقاء الحادث الأوّل وحدوث المعدوم، كلاهما يحتاج إلى المقتضي، فلا فرق حينئذٍ بين الضدّ الموجود والمعدوم من حيث إنَّ كلّاً منهما لا يتوقّف على عدم الآخر، ولا عدم الآخر يتوقّف عليه.
على أنَّ عدم استغناء البقاء عن المؤثّر واضح في الأفعال الاختياريّة التي هي محلّ كلامنا، ولو سلّمناه في غيرهما من الموجودات التكوينية، فإنَّ الكلام في
ــــــــــ[71]ــــــــــ
(1) الطور: 35.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الحرام والواجب في اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه، وكلّاً من الحرام والواجب من الأفعال الاختياريّة، والفعل الاختياري لا يستغني عن الإرادة والاختيار حدوثاً ولا بقاءً، فلا أثر لهذا التفصيل.
وقد ادّعي أنَّ البقاء مستغنٍ عن المؤثّر في بعض الموارد، إذ نرى البنّاء يبني عمارةً فتبقى بعد البناء سنين عديدةً، فهو في حدوثه وإن كان محتاجاً إلى البنّاء ليبنيه، ولكنّه في بقائه غير محتاجٍ إلى ذلك. وكذا الحال في الأمور التكوينيّة الأخرى، حيث نرى أنَّها حدوثاً محتاجةٌ إلى فاعلٍ وعلّةٍ، ولكنّها بقاءً ليست كذلك، كالمنسوجات وغيرها من المصنوعات، وهذا أمرٌ واضحٌ، فإنَّ الحداد
-مثلاً- يصنع كأساً، فيبقى الكأس بعد موته سنين متطاولةً. فالموجودات التكوينيّة بالوجدان نرى أنَّها تبقى مع زوال السبب، فنعرف من ذلك أنَّ البقاء لا يحتاج إلى المؤثّر.
وهذا اشتباهٌ وخلطٌ بين ما يكون مسبّباً عن فعل هذا الفاعل وما يكون مسبّباً عن سببٍ آخر، فالفعل الصادر من البنّاء -بالمعنى المصدريّ- متقوّمٌ بتحريك عضلاته، ومتى انتفى التحريك وانتفت الإرادة والاختيار انتفى البناء بالمعنى المصدري، ولا يمكن أن يبقى البناء ولا بنّاء في الخارج، أو أن يكون الصنع موجوداً ولا صانع في الخارج، فإنَّ العرض يبقى بمعروضه، ولا يمكن أن يبقى بعد زواله، وهذا واضحٌ. والذي يكون باقياً في الخارج هو النتيجة الحاصلة من العمل، وهو كون هذه الأحجار والحديد موضوعةً بشكلٍ معيّنٍ،
ــــــــــ[72]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وهذا غير معلولٍ لعمل العامل، بل معلولٌ لأمورٍ أخرى كجاذبيّة الأرض، وشكل نفس الشيء، وغير ذلك ممّا له دخلٌ في بقاء الهيئة الخارجيّة. فعمل البنّاء معدٌّ من المعدّات، لا أنَّه علّة لهذا الشيء، وهذا يعني: أنَّ بقاء البناء سنين متطاولةً معلولٌ لعلّةٍ أُخرى.
نعم، من مبادئ البناء وجود هذا العمل في الخارج، فهو معدٌّ لا موجدٌ. فلو كانت القوّة التي اعتمد عليها البناءُ ضعيفةً لانهدم ولم يبقَ، وهذا الأمر ليس باختيار البنّاء، وبقاء البناء ليس معلولاً لعمله، بل معلولٌ لأمورٍ خارجيّةٍ تكوينيّةٍ، كقوّة أساسه وغير ذلك. والعبرة بالعلّة المبقية وليس بفعل الفاعل.
فمن هنا يختلف الحال في بقاء العمارات بعضها عن بعضٍ، فمنها ما يبقى سنةً، ومنها ما يبقى عشر سنين، أو مائة سنةٍ أو ألف سنةٍ، وذلك للاستحكام والقوّة التي لها دخلٌ في بقاء هذا الشيء. وأمّا عمل العامل فلم يكن إلاّ علّةً معدّةً من دون أن يكون علّةً تامّةً له، فالبناء واحدٌ ومع ذلك تختلف العمارات.
ولأجل ذلك نرى في أيّامنا هذه أنَّ القمر الصناعيّ يدور حول الأرض بصورةٍ مستمرّةٍ إلى أن تنتهي طاقته، وهذا من جهة الجاذبيّة، فالحركة معلولةٌ للجاذبيّة الموجودة في الأرض وفي بقيّة الأجرام السماويّة، ومتى انتفت الجاذبيّة انتفى المعلول، وإلَّا بقي إلى الأبد.
ومن هنا قال بعضهم(1): فإنّا إذا فرضنا أنَّ الأرض كانت مسطّحةً ولم تكن بعض المواضع أعلى من بعضٍ أو أخفض، بل كانت مسطّحةً صافيةً كالزجاج،
ــــــــــ[73]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 260.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فلو دحرجنا حجراً مدوّراً عليها لبقي يدور، لأنَّ جاذبيّة الأرض تجذبه دائماً، فلا يكون له سكونٌ وتكون الحركة فيه دائمةً. وهذا لا يدلّ على أنَّ البقاء مستغنٍ عن المؤثّر، فإنَّ بقاء الحركة مستندٌ إلى جاذبيّة الأرض، وهذا واضحٌ.
وعلى ذلك، فهذا القول -استغناء البقاء عن المؤثّر- باطلٌ جزماً، وعلى تقدير تسليمه فلا أثر له فيما هو محلّ الكلام.
هذا تمام كلامنا في عدم مقدّميّة عدم أحد الضدّين للضدّ الآخر، فلا مقتضي لحرمة الضدّ من جهة المقدّميّة.
قد يقال: إنَّ الامر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه لا من جهة مقدّمية أحد الضدّين للضدّ الآخر، بل للملازمة بين وجود أحد الضدّين وعدم الآخر، إذ لا يعقل أن يوجد الضدّ إلَّا عند عدم ضدّه قضاءً لحقّ المضادّة، بلا فرقٍ بين أن يكون الضدّان ممّا لا ثالث لهما أو لهما ثالث، إذ لو وُجد أحدهما فالآخر غير موجودٍ لا محالة، وإلَّا لم يكونا ضدّين.
نعم، فيما ليس لهما ثالثٌ يكون التلازم من الطرفين، بمعنى: أنَّ عدم الضدّ يقتضي وجود ضدّه، ووجود الضدّ يقتضي عدم ضدّه، إذ المفروض أنَّه لا ثالث لهما، كالحركة والسكون في الأجسام، فإن كانت الحركة موجودةً كان السكون غير موجودٍ، وإذا كان السكون موجوداً لم تكن الحركة موجودةً.
وأمّا فيما لهما ثالثٌ، فالملازمة من طرف الوجود دون طرف العدم، فإذا كان القيام موجوداً فالجلوس ليس موجوداً، ولكن لا عكس، فعدم الجلوس لا
ــــــــــ[74]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
يلازمه وجود القيام، بل قد يكون مستلقياً أو راكعاً. فإذا كان كلّ ضدٍّ ملازماً لعدم الضدّ الآخر، فان كان ملازماً له وفرض أنَّ أحدهما واجبٌ كان الآخر حراماً لا محالة، وهذا يعني: أنَّ عدم الضدّ الآخر يكون واجباً أيضاً، وإذا كان واجباً كان وجوده حراماً، إذ لا نعني بالحرام إلَّا ما يطلب تركه، فترك ذلك الضدّ واجبٌ وفعله حرامٌ.
الوجه في ذلك: أنَّ المتلازمين يستحيل انفكاكهما في الحكم، فلا يمكن أن يكون أحدهما محكوماً بحكم ويكون ملازمه محكوماً بحكمٍ آخر، لأنَّه تكليفٌ بما لا يطاق، فلا يمكن أن يكون استقبال القبلة في العراق واجباً واستدبار الجدي حراماً أو مكروهاً، لأنَّ مثل هذا الحكم غير قابلٍ للامتثال.
وعليه، فلا نحتاج في إثبات أنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه إلى إثبات مقدّميّة أحد الضدّين للضدّ الآخر، بل يكفي في ذلك الملازمة بينهما بالصورة المتقدّمة، وإن كانا في رتبةٍ واحدةٍ، فوجود الصلاة وعدم الإزالة متلازمان، فلا بدَّ من أن يكون ترك أحدهما واجباً أيضاً، وإلَّا لزم أن يكون المتلازمان مختلفين في الحكم، وهو غير معقولٍ.
هذا، وقد استدلّوا على ذلك بوجهٍ آخر(1)، وهو: أنَّ وجود أحد الضدّين ملازمٌ لعدم الضدّ الآخر لا محالة، قضاءً لحقّ المضادّة، فإذا استحال اجتماع الضدّين كان وجود أحدهما ملازماً لعدم الآخر، ويستحيل انفكاك الملزوم عن اللازم في الحكم، فإذا كان الملزوم محكوماً بحكم كان اللازم أيضاً محكوماً بذلك
ــــــــــ[75]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار 2: 360.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الحكم، وإلَّا يلزم التكليف بما لا يطاق. فلا يمكن أن يأمر المولى بشيءٍ ويأمر بضدّه أيضاً، ولا يمكن أن يكون اللازم والملزوم مختلفين في الحكم، فيكون أحدهما واجباً والآخر حراماً أو مكروهاً، فإنَّه تكليفٌ بما لا يطاق. فإذا كان أحدهما واجباً فلا بدَّ من أن يكون الآخر حراماً -بمعنى: أنَّ تركه واجبٌ- وإلَّا لزم كون المتلازمين مختلفين في الحكم، وهو غير ممكنٍ. هكذا ذكروا.
إلَّا أنَّ ذلك يندفع بأنَّ الملازمة بين شيئين وكون شيء ملازماً لآخر لا يقتضي ذلك، فإنَّ اختلاف المتلازمين في الحكم إن أريد به أنَّ أحدهما يكون واجباً والآخر يكون منهيّاً عنه، إمّا نهيّاً تحريميّاً أو نهياً تنزيهيّاً، فهذا الكلام صحيحٌ، إذ لا يمكن أن يكون شيءٌ واجباً ويكون لازمه حراماً أو مكروهاً، فإنَّ هذا الحكم غير قابلٍ للامتثال، فإنَّ المفروض أنَّه لازمه ولا ينفكّ عنه، فإذا أمرَنا المولى باستقبال القبلة فهذا يلزم منه استدبار الجدي في العراق، وأن يكون اليمين إلى المغرب والشمال إلى المشرق، لأنَّ القبلة إلى الجنوب، فلا يمكن أن يأمرنا باستقبال القبلة وينهانا عن استدبار الجدي، فإنَّه تكليفٌ بما لا يطاق، أو أن ينهى عنه نهياً تنزيهيّاً، فإنَّه أيضاً أمرٌ غير قابلٍ للامتثال، فإنَّ نفس الفعل الواجب وهو الاستقبال يلزمه ذلك لا محالة، ولا بُدَّ من تحقّقه في الخارج، فإذا كان تحقّقه ممّا لا بُدَّ منه تشريعاً فكيف يمكن أن يكون منهيّاً عنه نهياً تحريميّاً أو تنزيهيّاً؟
فإن أراد من ذلك أنَّ النهي عن الملازم يستحيل أن يكون مع الأمر بلازمه، فهذا صحيحٌ، إلَّا أنَّه لا يترتّب عليه ما ذُكر من أنَّ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه، فترك الضدّ لا يمكن أن يكون منهيّاً عنه، لا أنَّه لا بُدَّ له من أن
ــــــــــ[76]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ينهى عنه، فاللازم أو الملازم لا يمكن أن يكون منهيّاً عنه مع الأمر بالآخر، فالأمر بالضدّ يلزمه عدم النهي عن ترك الضدّ، ولا يلزمه النهي عنه. وبين الأمرين فرقٌ ظاهر.
فإن أريد منه عدم اختلاف المتلازمين بالحكم فهو غير مفيد.
وإن أريد بذلك أنَّ إرادة شيءٍ تستلزم إرادة لازمه، فهنا إرادتان: إحداهما: تتعلّق بالملزوم، والأُخرى: تتعلّق باللازم أو الملازم، فاللازم يكون متعلّقاً للإرادة كالملزوم.
فإن كان المراد من الإرادة هنا الشوق النفسانيّ، وأنَّ الشوق إلى شيءٍ يستلزم الشوق إلى لازمه -كما هو معروفٌ من أنَّ إرادة شيءٍ تستلزم إرادة لازمه- فإن كانت الدعوى هي الملازمة بين الإرادتين، كما ادّعي ذلك في مقدّمة الواجب، وقيل: إنَّ إرادة ذي المقدّمة ملازمةٌ لإرادة مقدّمته، فلو سلّمنا هذا وقلنا: إنَّ مَن يشتاق إلى شيءٍ يشتاق إلى لازمه، لأنَّه لا ينفكّ عنه، وإن كان الاشتياق تبعيّاً قهرياً، فإنَّ ذلك لا يترتّب عليه أيّ أثرٍ، فإنَّ كلامنا في الوجوب والتحريم والحكم الشرعيّ، والشوق من الأمور النفسيّة غير المجعولة، فلو فرضنا أنَّ الشوق إلى فعل نفس الإنسان أو فعل الغير يستتبعه الشوق إلى اللازم -كما قد سلّمنا ذلك في مقدّمة الواجب- فمع ذلك يكون خارجاً عن محلّ الكلام، لأنَّ محلّ الكلام في ثبوت الملازمة بين الحكمين: (الوجوب والتحريم)، وأنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه.
فإن كانت الدعوى هي دعوى الملازمة بين الشوقين، وأنَّ الشوق إلى
ــــــــــ[77]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الملازم يستلزم الشوق إلى اللازم، فليس كلامنا في الصفات النفسيّة، بل في الأحكام المجعولة الشرعيّة.
فإن أريد بالإرادة هنا -إرادة الشيء تستلزم إرادة لازمه- الشوق فهو خارجٌ عن محلّ الكلام، حتّى مع تسليم الملازمة.
وإن أريد بها إعمال القدرة، وهو ما عبّرنا عنه بالاختيار -ويقال: إنَّ إعمال القدرة في الملزوم ملازمٌ لإعمالها في لازمه، فإذا تحرّك المكلّف إلى استقبال القبلة وأعمل قدرته فيه فلا بدَّ من أن يعملها في استدبار الجدي- فهذا وإن كان صحيحاً، إلَّا أنَّه أيضاً خارجٌ -كالوجه السابق- عن محلّ الكلام، فإنّا قلنا غير مرّةٍ: إنَّ إعمال القدرة إنَّما يكون في الأفعال المباشريّة التي تصدر من نفس الإنسان، ولا معنى لإعمالها في فعل الغير، فإنَّه خارجٌ عن اختيار الآمر، وداخلٌ تحت اختيار المأمور، ففعل الغير لا يمكن إعمال القدرة فيه، حتّى يقال: إنَّ اختيار اللازم يستلزم اختيار الملزوم، وهو معنى إعمال القدرة فيه.
والحاصل: أنَّ الكبرى صحيحةٌ، وهي: أنَّ اختيار الملزوم ملازمٌ لاختيار اللازم، فإذا أعمل قدرته في الملزوم فهو موجبٌ لصدور اللازم منه باختياره، لا بالاضطرار لا محالة، فالملازمة بين الإرادتين -بمعنى الاختيار- وإن كانت ثابتةً، إلَّا أنَّها خارجةٌ عن محلّ الكلام، لاستحالة تعلّق الإرادة بهذا المعنى بفعل الغير، فإنَّ الاختيار بمعنى طلب الخير، وهو يتعلّق بفعل نفس الإنسان، ولا يتعلّق بفعل الغير حتّى يقال: إنَّ اختيار الملازم ملازمٌ لاختيار اللازم، وهذا واضحٌ.
ــــــــــ[78]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وإن أريد بالإرادةِ الإرادةُ التشريعية -أي: الحكم المجعول شرعاً- فقد قلنا غير مرّةٍ: إنَّ الحكم هو الاعتبار النفسي المبرز في الخارج بمبرزٍ بقولٍ أو فعلٍ أو إيماء. فإذا ادّعي أنَّ اعتبار شيءٍ على ذمّة المكلّف يقتضي النهي عن ضدّه، بمعنى: أن يتعبّد المكلّف بعدم هذا الشيء ويسدّ بابه تشريعاً عنه، فهذا معنى التحريم.
فإذا أريد هذا فلا ملازمة بين الأمرين، لا ملازمة بين اعتبار شيءٍ على ذمّة المكلّف وإبرازه بمبرزٍ وبين اعتبار لازمه في ذمّته أيضاً ليترتّب عليه حرمة ضدّه، فاعتبار الملزوم لا يقتضي اعتبار اللازم.
فدعوى: أنَّ المتلازمين لا يختلفان في الحكم، إن أريد بها ما تقدّم من أنَّه لا يمكن أن يكون الملزوم واجباً واللازم حراماً أو مكروهاً فهو صحيحٌ. وإن أريد بها أنَّ الملزوم إن كان واجباً فلا بدَّ من أن يكون لازمه واجباً، فهو بلا موجبٍ، فإنَّ غاية ما هناك: أنَّ اللازم لا يمكن أن يكون منهيّاً عنه، لأنَّه تكليفٌ بما لا يطاق، فإنَّ التكليف بما لا يطاق يرتفع محذوره بعدم التكليف باللازم أصلاً، بأن يأمره بشيءٍ ولا يأمره بملازمه ولا ينهاه عنه فإنَّ النهي غير معقولٍ والأمر بلا موجبٍ.
فإن أراد بذلك: أنَّ اللازم لا يمكن أن يكون منهيّاً عنه، فهو صحيحٌ، إلَّا أنّنا لا ندّعي أنَّ اللازم منهيٌّ عنه. وإن أراد أنَّ اللازم لا بُدَّ من أن يكون محكوماً بنفس حكم الملزوم فلا موجب لذلك، إذ يمكن أن يكون الملزوم واجباً ولا يكون ضدّه محكوماً بحكمٍ أصلاً، فإنَّ كلّ فعلٍ واجبٍ يلزمه أعدامٌ كثيرة
ــــــــــ[79]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
لا نهاية لها بحسب التصوّر، ولا يلزم أن تكون هذه الأعدام واجبةً.
بالإضافة إلى أنَّ الإيجاب لغوٌ محضٌ، لما تقدّم في بحث مقدّمة الواجب، من أنَّ الأمر المتعلّق بذي المقدّمة كافٍ لتحريك المكلّف نحو المقدّمة بحكم العقل، والأمر بالمقدّمة أمرٌ غيريٌّ، وهو لغوٌ محضٌ، ولا يترتّب عليه أثرٌ.
وعين هذا البيان يأتي هنا أيضاً، فإنَّ الأمر بالملزوم يكفي لتحريك المكلّف نحو المأمور به، والأمر بلازمه وهو عدم الضدّ أو الاضداد -فيما له أضدادٌ كثيرةٌ- لغوٌ محضٌ، ولا يترتّب عليه أيُّ أثرٍ، فما الداعي إلى هذا الاعتبار؟ والجعل بلا داعٍ لغوٌ ظاهرٌ.
فظهر إلى هنا: أنَّ الأمر بشيءٍ لا يقتضي الأمر بلازمه، وهو عدم الضدّ. نعم، يقتضي عدم النهي عن لازمه، لما ذكرناه من أنَّه تكليفٌ بما لا يطاق.
ثمَّ لا يفرّق فيما ذكرناه بين أن يكون الضدّان لهما ثالث وبين ما ليس لهما ثالثٌ، فالكلام هو الكلام بعينه، فلو أمرنا بالحركة -والحركة والسكون ضدّان ليس لهما ثالثٌ، إذ يستلزم وجود أحدهما عدم الآخر، وعدمه وجود الآخر- فليس هذا الأمر أمراً بترك السكون، لاستحالة أن يتحقّق الأمر بالحركة والنهي عن السكون نهياً تحريميّاً أو تنزيهيّاً، وأمّا أن يكون ترك السكون مأموراً به بالجعل التشريعيّ، بحيث يعتبر المولى على ذمّة المكلّف شيئين، أحدهما الحركة والآخر عدم السكون، فهذا بلا موجبٍ، وهو لغوٌ لا يصدر من الحكيم.
هذا البيان بعينه يجري في الضدّين اللذين لهما ثالثٌ، وكذلك يجري في النقيضين، لأنّا إذا أُمرنا بشيءٍ فعدم العدم لازم له، فلا يكون واجباً. وفي العدم
ــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
والملكة كذلك، فإذا أُمرنا بشيءٍ فلا ملزم للأمر بعدم عدم الملكة، وهو لغوٌ محضٌ، فلو فرضنا أنَّ السكون أمرٌ عدميٌّ ممّا شأنه الحركة -مثلاً- فالأمر بالحركة لا يقتضي الأمر بعدم السكون، لأنَّه لغوٌ، واللغو لا يصدر من الحكيم.
ولا فرق بين جميع هذه الوجوه.
نعم، هناك فرقٌ بين الضدّين اللذين لهما ثالثٌ وبين بقيّة الأقسام، إذ الملازمة ثابتةٌ في أحد الطرفين في الضدّين اللذين لهما ثالثٌ، وفي غيرهما الملازمة ثابتةٌ من الطرفين، ففي مثل الصلاة والإزالة -اللذين لهما ثالثٌ- وجود أحدهما يلزمه عدم الضدّ الآخر، لاقتضاء التضادّ ذلك، أمّا عدم الآخر فلا يقتضي وجود الضدّ، لوجود ثالثٍ في البين، فترك الإزالة لا يستلزم وجود الصلاة، إلَّا أنَّ وجود الصلاة يستلزم عدم الإزالة، لأنَّهما متضادّان، فالاستلزام من طرفٍ واحدٍ.
أمّا فيما ليس لهما ثالثٌ، أو في الملكة والعدم أو في النقيضين، فالملازمة تكون من الطرفين، فكما أنَّ وجود أحدهما يستلزم عدم الآخر، كذلك عدم الآخر يستلزم وجود الأوّل، فكما أنَّ عدم الحركة يستلزم السكون، كذلك عدم السكون يستلزم الحركة.
وهذا الفرق ليس بفارقٍ في المقام، فلو تمّت الكبرى المتقدّمة من أنَّ الملزوم واللازم لا يختلفان في الحكم، فهو لا يتوقّف على ثبوت الملازمة من الطرفين، بل يكفي ثبوتها من طرفٍ واحدٍ. فالمتلازمان لا يختلفان في الحكم، سواءٌ كان عدم الإزالة مستلزماً لوجود الصلاة أو غير مستلزمٍ. فإذا تمّت الكبرى سرت إلى جميع هذه الصور، وإذا لم تتمّ -كما هو الصحيح- فقد قلنا: بأنَّ الملازمة
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
تقتضي أن لا يختلفا في الحكم، لا أن يتّفقا فيه.
ومن هنا يظهر: أنَّ التفصيل الذي ذهب إليه شيخنا الأستاذ -من أنَّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه من جهة التلازم إذا كان لهما ثالثٌ، وأمّا إذا لم يكن لهما ثالثٌ، فإنَّه يستلزم النهي عن ضدّه باللزوم البيّن بالمعنى الأعمّ، بل ذكر أنَّ الأمر بالشيء في باب الملكات والأعدام وفي النقيضين يستلزم النهي عن الآخر باللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ- لا وجه له، لأصل اللزوم، فضلاً عن أن يكون بالمعنى الأخصّ، فإنَّ اللزوم البيّن بالمعنى الأعمّ غير ثابتٍ، لعدم المقتضي كما ذكرناه، بل لوجود المانع وهو اللغويّة، فإذا أمرَنا المولى بالتكلّم كان نهيه عن السكوت لغواً محضاً، وقد فرضنا أنَّ السكوت لا مفسدة فيه، وأنَّ النهي عنه كان لأجل المضادّة -أي: المضادّة بالمعنى الأعمّ- مع التكلّم. مع أنَّ الأمر بالتكلّم كافٍ للبعث والتحريك، فهذا النهي التبعيّ من جهة الملازمة ليس له مقتضٍ، فيكون لغواً، فليس هنا لزوم أصلاً، فضلاً عن أن يكون اللزوم هنا لزوماً بيّناً بالمعنى الأخصّ.
هذا تمام كلامنا في أنَّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ، لا بملاك المقدّمية، ولا بملاك التلازم ولا الملازمة.
أنكر الكعبي وجود المباح في العالم أصلاً، والتزم بأنَّ كلّ ما يصدر من المكلّف أمره دائرٌ بين الحرام والواجب، وهذه الدعوى مبنيّةٌ على أحد أمرين على سبيل منع الخلوّ:
ــــــــــ[82]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ولا فرق في هذا بين الحدوث والبقاء، لما هو الصحيح من أنَّ الحادث لا يستغني عن العلّة بقاءً، فالفعل الذي يرتكبه المكلّف واجبٌ حدوثاً وبقاءً، لأنَّ ترك الحرام يتوقّف على إيجاد هذا الفعل، فيتوقّف حدوثه على حدوثه وبقاؤه على بقائه، فيتّصف الفعل بالوجوب حدوثاً وبقاءً، غاية الأمر: أنَّ اتّصافه لا يكون بشخصه، بل لأنَّه أحد الأضداد الوجوديّة، فإذا كانت الغيبة محرّمةً فأحد أضدادها واجبٌ على نحو التخيير، فيكون واجباً تخييريّاً.
وعلى كلا التقديرين فقد ظهر جوابه ممّا سبق، حيث قلنا: أن لا مقدّميّة بين الضدّين، فأحد الضدّين لا يكون مانعاً عن الضدّ الآخر، وعدم الضدّ إمّا أن يكون مستنداً إلى عدم المقتضي أو إلى مقتضي الضدّ الآخر، لا إلى نفس الضدّ،
ــــــــــ[83]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فعدم وجود الحرام إمّا لعدم إرادته أو لأنَّ إرادة الحلال أقوى من إرادته، ولا يكون عدم الحرام مستنداً إلى وجود الواجب. وعلى ذلك فلا مقتضي لدعوى: أنَّ كلّ ما يصدر من المكلّف من الأفعال واجبٌ، لأنَّه مقدّمة لامتثال الحرام.
وقد ذكرنا بطلان دعوى الملازمة فعلاً، فإنَّ ما يحكم به العقل من أنَّ المتلازمين لا
يختلفان في الحكم، بمعنى: أن لا يكون أحدهما حراماً والآخر واجباً أو مستحبّاً. أمّا أن يكونا متّفقين في الحرمة فهذا لا مقتضي له، فالحرمة النفسيّة لا موجب لها، لعدم المفسدة، والحرمة التبعيّة لا مقتضي لها، بل هي لغوٌ صرفٌ.
فتندفع شبهة الكعبيّ بما ذكرناه، مع أنَّ الأفعال تنقسم إلى جميع الأحكام الخمسة.
نعم، لو علم المكلّف من حاله أنَّه إذا لم يرتكب الفعل المباح لوقع بمحرّمٍ يقيناً لأجل الملازمة الخارجيّة، كما لو علم أنَّه لو لم يشتغل بالكتابة لاستمع إلى غناء -الاستماع والإصغاء لا مجرّد السماع- في مثل ذلك يحكم بوجوب الفعل المباح، لكنّه ليس وجوباً شرعيّاً من باب المقدّمة أو الملازمة، بل هو وجوبٌ عقليٌّ من باب الإطاعة، فإطاعة الحكم وترك الحرام لا يتحقّق إلَّا بهذا الفعل، فالعقل الحاكم في باب الإطاعة والعصيان يحكم بلزوم الإتيان به، إلَّا أنَّه حكمٌ عقليٌّ محضٌ، ولا ربط له بالحكم الشرعيّ أصلاً. فالأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه بوجهٍ، كما أنَّ المباح مباحٌ ما لم يحكم العقل بوجوبه.
هذا تمام كلامنا في الضدّ الخاصّ.
ــــــــــ[84]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ذكرنا أنَّ الكلام في المقام تارةً يقع في اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه الخاصّ، وأخرى يقع في اقتضائه للنهي عن ضدّه العامّ المعبَّر عنه بالترك، فيقال: إنَّ الأمر بشيءٍ يقتضي النهي عن تركه، وهذا أيضاً وقع فيه الكلام في أنَّ الأمر بشيءٍ هل يقتضي النهي عن تركه أو لا يقتضي؟
فقد ذهب جماعةٌ إلى عدم الاقتضاء(1) كما في المقام الأوّل، أي: كالضدّ الخاصّ، وذهب جماعةٌ إلى الاقتضاء إلَّا أنَّهم اختلفوا في ذلك.
فمنهم: مَن ذهب إلى أنَّ الأمر بشيءٍ عين النهي عن ضدّه العامّ(2).
ومنهم مَن ذهب إلى أنَّه جزؤه(3).
ومنهم من ذهب إلى أنَّه لازمٌ له، إمّا باللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ كما اختاره شيخنا الأستاذ(4)، أو باللزوم البيّن بالمعنى الأعمّ، كما ذهب إليه جمعٌ آخرون(5).
ــــــــــ[85]ــــــــــ
(1) انظر: الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 85، 86.
(2) انظر: منهاج الأصول2: 78، انظر: الفصول الغرويّة: 92.
(3) انظر: معالم الدين وملاذ المجتهدين: 64.
(4) انظر: فوائد الأصول(النائيني) 1: 303.
(5)انظر: قوانين الأصول 116، وانظر: فوائد الأصول(النائيني) 1: 305، انظر: أجود التقريرات 1: 252.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
والظاهر: أنَّ الأمر بشيءٍ لا يقتضي النهي عن ضدّه العامّ أيضاً، كما كان هو الحال في الضدّ الخاصّ، وليس هنا وجهٌ للاقتضاء بوجهٍ.
أمّا دعوى الاقتضاء بنحو العينيّة، حيث يقال: إنَّ الأمر بشيءٍ عين النهي عن ضدّه العامّ، فإن أريد بذلك العينيّة في مقام الإثبات وأنَّ وجوب شيءٍ كما قد يعبَّر عنه بإيجابه إمّا بلفظ الوجوب أو بصيغة الأمر أو بألفاظ أخرى تدلّ على الوجوب، كذلك قد يعبَّر عن وجوب شيءٍ بالنهي عن تركه، فيُستفاد منه وجوب الفعل كما يستفاد ذلك من الأمر، فالنهي عن الترك عين الأمر بالفعل في الدلالة، والمدلول واحدٌ، وإنَّما الاختلاف في الدالّ وفي التعبير، وإلَّا فالمستفاد من الكلام واحدٌ.
إن أريد هذا المعنى فهو صحيحٌ، إذ كما قد يعبَّر عن وجوب شيءٍ بالأمر به، كذلك قد يعبَّر عنه بالنهي عن تركه، كما ورد في بعض الروايات، كقوله: “لا تدع الصلاة على حالٍ“(1) فهو نهيٌ عن الترك، والغرض منه إيجاب الصلاة، فالنهي عن الترك عين الأمر بالفعل، فكأنَّه قال: تصلّي على كلّ حال، وهكذا ورد في غير الصلاة، نحو: “لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر…”(2)، وهو عبارةٌ أخرى عن الأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ــــــــــ[86]ــــــــــ
()انظر: الكافي 3 : 99: باب النُّفساء : الحديث 4.
(2) انظر: الكافي 7: 52، باب صدقات النبيّ وفاطمة والأئمة ووصاياهم، الحديث7.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وهذا واضحٌ، وهو شائعٌ في كلمات الفقهاء، إذ يقال: لا يترك الاحتياط، ومرادهم الاحتياط الوجوبيّ، ويعبَّر عنه بالنهي عن الترك.
كما أنَّه شائعٌ في التعبيرات العرفيّة المتعارفة، كما لو أمر المولى عبده أو غير عبده بأن لا يترك الفعل الفلانيّ، فالنهي وإن كان نهياً صورةً، ولكنّ الواقع أنَّه أمرٌ بالشيء وليس هنا نهيٌ أصلاً، بل الفعل مأمورٌ به، وهذا ظاهرٌ.
فإن أريد من العينيّةِ العينيّةُ في مقام الإثبات فهذا المعنى صحيحٌ، إلَّا أنَّه أمرٌ واضحٌ ولا ينبغي أن يكون محلاً للبحث بين الأعلام، فيتنازع في اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن تركه بهذا المعنى، فإنَّه ممّا لا ينبغي أن يقع مورداً للبحث فضلاً عن البحث الأصوليّ.
فالتعبير بالنهي عن الأمر صحيح او غير صحيح لا ربط له بالمسألة الأصولية كما هو واضحٌ.
وإن أريد بالعينيّةِ العينيّةُ في مقام الثبوت -لا في مقام الإثبات والدلالة- بمعنى: أنَّ الأمر بشيءٍ في الواقع ونفس الأمر يقتضي النهي عن تركه، فبحسب الواقع هناك أمران: أحدهما أمرٌ به، والآخر نهيٌ عن تركه. إن أريد ذلك، فإمّا أن يراد بالنهي معناه المجازيّ، وهو الأمر بالترك، فقد ينهى الشارع عن شيءٍ ولكن لا على نحو النهي الحقيقيّ -أي: الزجر عن متعلّق النهي- بل المراد به الأمر بتركه، كما هو الحال في باب الصوم، حيث نُهي عن عدّة من المفطّرات، إلَّا أنَّه في الواقع ليس هنا زجرٌ عن هذه الأمور الوجوديّة، بل هناك أمرٌ بتركها، فإنَّ الصوم أمرٌ وجوديٌّ وهو الكفّ عن هذه الأمور، فهو من الواجبات،
ــــــــــ[86]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ومكوّنٌ من عدّة تروكٍ. فهذا النهي ليس حقيقيّاً، وليس زجراً عن الفعل، بل هو أمرٌ بالترك.
بعبارةٍ أخرى: إنَّ المصلحة متعلّقةٌ بهذه التروك فهي واجبةٌ، لا أنَّ مفسدةً متعلّقةً بالفعل ليكون محرّماً. وكذلك الأمر في الحجّ، فهناك نهيٌ عن عدّة أمورٍ في الإحرام، إلَّا أنَّ هذه النواهي ترجع في مقام الثبوت إلى الأمر بهذه التروك، ففي الحقيقة التروك واجبةٌ، لا أنَّ الفعل حرامٌ.
فالقائل بأنَّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه العامّ في مقام الثبوت، فذلك يعني: أنَّ الأمر بشيءٍ عين النهي بترك تركه، لأنَّ متعلق النهي هو الترك، فإذا كان معنى الأمر هو النهي عن ترك الترك فيكون الأمر بشيءٍ عين الأمر بترك تركه، وهذا لا محصل له، لأنَّ المتحقّق في عالم الكون والخارج إمّا الوجود أو العدم، فإنَّ الخارج ظرفٌ لنفس العدم أو الوجود، وكلّ ماهيّةٍ إمّا أن تكون موجودةً وإمّا أن تكون معدومةً، والواقع لا يخلو من ذلك، وعدم العدم وترك الترك ليس له واقعٌ أصلاً، وإلَّا لم تتناه الأعدام فيقال: عدم العدم وعدم عدم العدم، وهكذا إلى غير نهاية، فكلّ هذه ألفاظٌ ليس تحتها معانٍ، وإنَّما هي أمورٌ انتزاعيّة، وما هو المتحقّق خارجاً هو وجود شيءٍ أو عدمه البديل له، وأمّا عدم العدم فهو أمرٌ يُنتزع من الوجود وليس له تحقّقٌ في عالم الكون، وأيّ معنىً لقولنا: إنَّ الأمر بشيءٍ يقتضي الأمر بعدم عدمه، الذي هو منتزعٌ من نفس الوجود، وهذا يعني أنَّ الأمر بشيءٍ يقتضي الأمر بنفسه، وهو معنىً غير معقولٍ.
ــــــــــ[88]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وإن أريد بالعينيّة في مقام الثبوت النهي الحقيقيّ، أي: الزجر عن المتعلّق، وهو الترك في المقام، فيقال: إنَّ الأمر بشيءٍ عين الزجر عن تركه بحسب الواقع، فهذا لا معنى له أيضاً، لأنَّ الأمر بشيءٍ ينشأ من مصلحةٍ فيه، والزجر عن شيءٍ ينشأ من مفسدةٍ فيه، وتلك المصلحة تورث شوقاً إلى ما فيه المصلحة، والمفسدة تورث كراهةً إلى ما فيه المفسدة، وينشأ منهما صفةٌ نفسانيّةٌ، يعبَّر عن إحداهما بالشوق وعن الأخرى بالكراهة، وبعد ذلك إذا كان متعلّقهما فعلَ شخصٍ آخر -كما هو المفروض في المقام- ينشأ من الشوق إلى الشيء الذي فيه مصلحة إيجاب ذلك الشيء، وهو إبراز اعتبارٍ بمبرزٍ خارجيٍّ، وينشأ من المفسدة اعتبار محروميّة ذلك الشخص من الفعل الذي نعبِّر عنه بالتحريم المجعول، والمولى بعد شوقه أو كراهته يجعل الوجوب أو يجعل التحريم.
فالتحريم والوجوب مختلفان من ناحية الاعتبار، ومن ناحية الصفة النفسانيّة، ومن ناحية منشأ الصفة النفسانيّة (المصلحة والمفسدة). فهل يمكن أن يقال: إنَّ مصلحة الفعل عين مفسدة الترك، أو إنَّ الشوق إلى الفعل عين كراهة الترك، أو إنَّ اعتبار الوجوب عين اعتبار الترك؟ كلّ هذا غير ممكن. فهما أمران متقابلان، لا جامع بينهما. فلا معنى لهذا الوجه أصلاً.
فالقول بأنَّ الأمر بشيءٍ يقتضي النهي عن ضدّه بنحو العينيّة لا معنى له أصلاً، سواءٌ أريد بالنهي النهي الحقيقيّ، أي: الزجر، أو المجازيّ، أي: الأمر بالترك.
هذا تمام كلامنا في العينيّة.
ــــــــــ[89]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ذهب بعضهم(1) إلى أنَّ النهي عن الترك جزء من الأمر والوجوب، لما هو المعروف من أنَّ الوجوب هو الأمر بالشيء مع المنع من الترك، فالوجوب مركب من جزئين: أحدهما طلب الشيء. والآخر: المنع من الترك، فيكون المنع من الترك جزءاً من الوجوب ومقدماً له.
وممّا ذكرنا من الوجه في بطلان القول بالعينيّة يظهر بطلان القول بالجزئيّة أيضاً، فإنَّ الوجوب باعتبار مبدئه -وهو اشتمال الفعل على المصلحة- أو باعتبار وجود صفةٍ نفسانيّةٍ -وهي الشوق إلى الفعل الذي فيه مصلحةٌ- أو باعتبار نفس الوجوب الذي هو الاعتبار المبرز بمبرزٍ في الخارج. ففي جميع هذه الجهات لا يكون المنع من الترك جزءاً من الوجوب.
أمّا باعتبار المبدأ -وهو وجود المصلحة فيه- فمعلومٌ أنَّ المصلحة والمفسدة متغايران متقابلان، وليست مفسدة الترك جزءاً من مصلحة الترك، فهما أمران متغايران، وليس أحدهما عين الآخر أو جزأه.
وأمّا باعتبار الصفة النفسيّة -وهي الشوق والكراهة- فليست الكراهة جزءاً من الشوق إلى الشيء، بل هما صفتان متغايرتان أيضاً. فكيف يمكن أن يُدّعى أنَّ كراهة الشيء جزءٌ من الشوق إلى الشيء؟ هذا واضح الفساد.
وأمّا بالنسبة إلى نفس الوجوب، فالأمر واضحٌ، لأنَّ اعتبار شيءٍ على ذمّة المكلّف أمرٌ في غاية البساطة، ولا يكون اعتبارٌ آخر على تقدير وجوده -كما لو
ــــــــــ[90]ــــــــــ
(1) انظر: معالم الدين وملاذ المجتهدين 64.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
اعتبر المولى (اعتباراً ثانياً) محروميّة المكلّف من الترك الذي هو معنى التحريم والمنع من الترك- جزءاً من الاعتبار الآخر، فإنَّ كلاًّ من الاعتبارين موجودٌ مستقلٌّ بحياله، ولا يكون هذا جزءاً منه.
وأمّا ما ذكروه من أنَّ الوجوب هو الأمر بالشيء مع المنع من الترك، فهو تعريفٌ لفظيٌّ لمرتبة الطلب، وأنَّه بحدٍّ بحيث لا يرخّص المولى في تركه، لا أنَّ الوجوب مركّبٌ من الأمر بالشيء ومن النهي عن تركه.
فعلى ما تقدّم يكون القول بالجزئيّة -كالقول بالعينيّة- واضح الفساد.
بقي الكلام في دعوى الملازمة، وأنَّ الأمر بشيءٍ يقتضي النهي عن ضدّه على نحو الملازمة، إذ الأمر بشيءٍ أمراً وجوبيّاً يلزمه المنع من الترك منعاً تحريميّاً.
ذهب إلى هذا القول جماعةٌ، تارةً: بدعوى أنَّه يقتضيه بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ، كما ذهب إليه شيخنا الأستاذ(1)، وأخرى: بدعوى أنَّه يستلزمه بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعمّ.
وكلا القولين فاسدٌ، إلَّا أنَّه ليس بنحو فساد الوجوه السابقة.
أمّا وجه فساد اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ، فإنّا نرى أنّنا نأمر بشيءٍ ونغفل عن تصوّر تركه بالكلّيّة، فكيف يثبت اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ مع
ــــــــــ[91]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه آنفاً في أوّل مبحث الضدّ.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
أنَّ الترك مغفولٌ عنه، فضلاً عن النهي عن الترك، فهذا لا يجتمع مع اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ، إذ لو كان هذا اللزوم موجوداً لكان تصوّر أحدهما ملازماً لتصوّر الآخر، وليس الأمر كذلك بالضرورة، فإنّا قد نتصوّر الفعل ولا نتصوّر تركه، فضلاً عن المنع من تركه.
وأمّا دعوى اللزوم البيّن بالمعنى الأعمّ، فهي تعني: أنّا إذا تصوّرنا اللازم والملزوم والملازمة، نصدّق بالملازمة. فلا وجه لهذه الدعوى ههنا، فإنَّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن تركه، حتّى بهذا المعنى من اللزوم.
الوجه في ذلك: أنَّ النهي عن الترك الذي يُدّعى أنَّه لازم للأمر بالشيء إمّا أن يراد به النهي النفسيّ أو أن يراد به النهي التبعيّ الغيريّ:
أمّا النهي النفسيّ فهو ظاهر الفساد، لأنَّه إنَّما ينشأ عن مفسدةٍ في متعلّقه، ومن المعلوم أنَّ الأمر بشيءٍ لا ينشأ إلَّا عن مصلحةٍ وجوبيّةٍ في المتعلّق اقتضت الأمر به، فإذا ترك الواجب فقد ترك ما هو محبوبٌ، لا أنَّ الترك مشتملٌ على مبغوضيّةٍ ومفسدةٍ زائدةٍ على محبوبيّة الفعل، فليس هنا أمران: مصلحة في الفعل، ومفسدة في الترك. نعم، يمكن أن يتحقّق هذا في الخارج، فيكون في الفعل مصلحةٌ وفي الترك مفسدةٌ، إلَّا أنَّ هذا ليس على نحو الكبرى الكلّيّة، بأنَّ كلّ ما فيه مصلحةٌ لزوميّةٌ من الأفعال يكون في تركه مفسدةٌ زائداً على مصلحة الفعل، فتصوّر اللازم والملزوم والملازمة لا يعني التصديق بالملازمة -بل لا
ــــــــــ[92]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
نصدّق بها- إذ يكفي في وجوب الشيء أن يكون فيه مصلحةٌ إلزاميّةٌ، وأمّا وجود مفسدةٍ إلزاميّةٍ في تركه، فليس أمراً ثابتاً.
وإن أريد بالنهي النهي الغيريّ، فإنَّه إنَّما ينشأ من المقدّميّة، وقد ذكرنا عدم المقدّميّة في المقام. أو ينشأ من الملازمة، ومن أنَّ الأمر بشيءٍ يقتضي الأمر بلازمه، وقد قلنا: إنَّ هذا غير متحقّقٍ، فليس هنا نهيٌ متعلّقٌ بالترك.
على أنّا ذكرنا: إنَّ ترك الترك -الذي هو لازمٌ للفعل- عنوانٌ انتزاعيٌّ، وليس لازماً للوجود، ليكون الأمر بالملزوم أمراً باللازم، لأنَّ المتلازمين لا يختلفان في الحكم أصلاً.
وهذا التوهّم إنَّما يأتي في الضدّ الخاصّ، باعتبار أنَّ وجود كلّ ضدٍّ يستلزم عدم الآخر.
أمّا في الضدّ العامّ فلا معنى لأنْ يقال: إنَّ الوجود يلازم عدم العدم، فإنَّ عدم العدم أمرٌ انتزاعيٌّ من نفس الوجود، فيكون معناه: أنَّ الوجود يستلزم نفسه. وهذا غلطٌ لا محالة.
فقد قلنا: إنَّ ما هو متحقّقٌ في الخارج هو الوجود أو العدم، وليس عندنا عدمٌ وعدمٌ للعدم… وهكذا إلى غير نهاية.
وعلى ذلك، فليس هنا ملاكٌ للنهي الغيريّ، لا من جهة المقدّميّة، لأنّا بيّنّا ذلك في الضدّ الخاصّ، فضلاً عن الضدّ العامّ، فلا يكون وجود الضدّ مقدّمةً لعدم الضدّ ولا العكس، ولا بملاك الملازمة، باعتبار أنَّ المتلازمين لا يختلفان
ــــــــــ[93]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
في الحكم، فإنَّ الملازمة إنَّما تقوّم بين شيئين، وقد قلنا: إنَّه ليس عندنا شيئان: أحدهما الوجود والآخر عدم العدم. إذن، لا مقتضي للنهي الغيريّ.
على أنَّ النهي الغيريّ كسابقه -وكما قلنا في الوجوب المقدّميّ- لغوٌ محضٌ، فإنَّ هذا الاعتبار من قبل المولى زائداً على الاعتبار الأوّل لا يترتّب عليه أثرٌ أصلاً فيكون لغواً.
وممّا مرّ يتبيّن: أنَّ الأمر بشيءٍ كما لا يقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ كذلك لا يقتضي النهي عن ضدّه العامّ، فالترك ليس منهيّاً عنه، وإنَّما ينشأ الوجوب عن مصلحةٍ في الفعل، والمخالفة مخالفةٌ لتكليفٍ واحدٍ، وهو الوجوب، لا أنَّ ذلك ينحلّ إلى حكمين: وجوب الفعل وحرمة الترك، فكلّ حكمٍ ليس هو إلَّا حكماً واحداً، كما هو الحال في التحريم، فإنَّه لا ينحلّ إلى أمرين: تحريم الفعل وإيجاب تركه، بل الفعل حرامٌ فقط. والعقل مستقلٌّ بلزوم الإتيان بالواجب والاجتناب عن الحرام من دون أن يكون هناك حكمٌ آخر بلزوم ضدّه.
هذا تمام كلامنا في الضدّ العامّ، وبه يتمّ الكلام في أصل الاقتضاء وعدمه.
ويقع الكلام في ثمرة المسألة، والمعروف أنَّها تظهر في موردين:
المورد الأوّل: فيما إذا كان هناك واجبٌ موسّعٌ وزاحمه واجبٌ مضيّقٌ، كما إذا كان وقت الصلاة موسّعاً، وزاحمه واجبٌ فوريٌّ كوجوب صلاة الآيات وكان وقتها مضيّقاً، أو قد يفرض العكس فيكون وقت الصلاة اليوميّة مضيّقاً ووقت صلاة الآيات موسّعاً، فيقع التزاحم بين الواجب الموسّع والواجب
ــــــــــ[94]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
المضيّق. قيل: إنَّ هذا مبنيَّ على بحثنا فإن بنينا على أنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه فيحكم بفساده، فإنّه عملٌ منهيٌّ عنه من قبل المولى. وما يكون منهياً عنه لا يمكن التقرّب به.
المورد الثاني: فيما إذا كان هناك واجبان مضيّقان وكان أحدهما أهمّ من الآخر، ولا بدَّ من ترك أحدهما إذ لا يمكن للمكلف الجمع بينهما فلا محالة يكون الأمر الفعليّ مختصّاً بالأهمّ، فلو قلنا باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه كان المهمّ فاسداً، وإن لم نقل بالاقتضاء كان صحيحاً، لأنَّه عبادةٌ قابلةٌ للتقرّب بها، وليست منهيّاً عنها.
نوقشت هذه الثمرة بوجهين متقابلين على طرفي النقيض:
قيل: إنَّه لا ثمرة للمسألة، إذ يحكم بفساد العبادة المضادّة للمضيّق أو للأهمّ، سواءٌ أقلنا إنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه أم لم نقل به، فعلى كلا التقديرين يُحكم بفساد العبادة. وهذا الوجه منسوبٌ إلى الشيخ البهائي(1)، وكأنَّه أوّل مَن التفت إلى ذلك.
الوجه في ذلك: أنَّ الأمر وإن لم يكن مقتضياً للنهي عن ضدّه، فإنَّه -لا محالة- يقتضي عدم الأمر به، إذ لا يعقل الأمر بالضدّين، لأنَّه تكليفٌ بما لا
ــــــــــ[95]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 1: 312، 313.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
يطاق، فالأمر بالمضيّق أو بالأهمّ يقتضي عدم الأمر بالموسّع والمهمّ، فإذا لم يقع مأموراً به وقع فاسداً، إذ يعتبر في صحّة العبادة أن تكون مأموراً بها، ومجرّد عدم النهي من قبل المولى لا يكفي في صحّتها، بل لا بُدَّ في صحّتها من وجود الأمر بها، وإلَّا وقعت فاسدة.
العبادة صحيحة على كلا التقديرين سواءٌ أقلنا إنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه أم لا. وهذا الوجه ذكره جماعةٌ منهم شيخنا الأستاذ(1).
الوجه في ذلك: أنَّه بناءً على عدم اقتضاء الأمر للنهي عن ضدّه، فالحكم بصحّتها يكون من جهة الملاك، ولا تتوقّف صحّتها على الأمر بها، فإنَّها لو كانت واجدةً للملاك، بمعنى: أنَّها كانت محبوبةً للمولى في ذاتها، ومع فرض أنَّ المولى لم يأمر بها لمانع، إلَّا أنَّ عدم الأمر بها إنَّما يكون لوجود المانع لا لعدم المقتضي، وعدم الأمر بهذه العبادة المضادّة للأهمّ أو المضيّق لم يكن لأجل عدم المقتضي، كما هو الحال في الصلاة ذات الخمس ركعات، فإنَّها غير مأمورٍ بها، والصلاة بنصف ركعة، فإنَّها أيضاً غير مأمورٍ بها، فتقع فاسدةً. فعدم الأمر في المقام لم يكن لعدم المقتضي، بل للاقتران بالمانع وكون الأمر الفعليّ مقترناً بالأهمّ أو بالمضيّق، فالموسّع والمهمّ على ما هو عليه من المحبوبيّة والملاك -وإن لم يكن مأموراً بهما- يحكم بصحّته بناءً على أنَّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه.
ــــــــــ[96]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 1: 315، 316.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وكذلك إذا قلنا إنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، فإنَّ هذه العبادة يحكم بصحّتها وإن كانت منهيّاً عنها، لأنَّ هذا النهي لم ينشأ عن مفسدةٍ في المتعلّق ليكون مبعّداً، والمبعّد لا يكون مقرّباً، بل هو نهيٌ نشأ عن المقدّميّة أو عن الملازمة -ملازمة أحد الضدّين للآخر في الحكم-، ومثل هذا النهي لا يقتضي فساد متعلّقه. فالنهي الذي يقتضي الفساد هو النهي الذي ينشأ عن مبغوضيّةٍ في الفعل، والمفروض في المقام: أنَّ الموسّع والمهمّ ليس مبغوضاً في نفسه، بل هو محبوبٌ في نفسه، غاية الأمر: أنَّ المولى نهى عنه، مقدّمةً لحصول الأهمّ أو المضيّق. فهذا النهي نهيٌ مقدّميٌّ لم ينشأ عن مفسدةٍ في متعلّقه، فيحكم بصحّة العبادة.
إذن، يحكم بصحّة العبادة على القول بعدم اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه، وهو واضحٌ، وعلى القول بالاقتضاء أيضاً، لأنَّ النهي نهيٌ مقدّميٌّ لا يوجب الفساد.
ولا بدَّ لتحقيق الحال في هذين الوجهين من التكلّم في موردين:
أحدهما: الواجب الموسّع إذا زاحمه المضيّق.
والثاني: الواجب المهمّ إذا وقع مورداً للمزاحمة مع الأهمّ، وكان كلا الواجبين مضيّقاً، بحيث لا يتمكّن المكلّف من الجمع بينهما في مرحلة الامتثال، وحينئذٍ لا بُدَّ من أن يكون الأمر الفعليّ مختصّاً بالأهمّ، فيتكلّم عمّا إذا أتى بالمهمّ دون الأهمّ، فهل يقع صحيحاً أم فاسداً على تقدير القول بالاقتضاء والقول بعدمه؟
ــــــــــ[97]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الكلام الآن في المورد الأوّل -في الواجب الموسّع إذا زاحمه الواجب المضيّق- فهل يحكم فيه بصحّة العبادة أو لا؟
ذكروا أنَّه لا مانع من الحكم بالصحة بناءً على عدم الاقتضاء، أمّا إذا ما بنينا على أنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه فيحكم بالفساد. وقد نسب هذا التفصيل للمحقق الثاني(1) بتقريب: أنَّ الأمر إنّما يتعلق بالطبيعة الجامعة بين الأفراد الطوليّة والعرضيّة للواجب. فالخصوصيات المشخصة والمصنفة خارجة عن حيّز الأمر. وهي من لوازم الوجود، لأنَّ الطبيعة لا تتحقّق في الخارج إلَّا وهي متخصّصةٌ بخصوصيّةٍ. فالفرد بما هو فردٌ غير مأمورٍ به، وإنَّما هو فردٌ من المأمور به. فالأمر يتعلّق بالطبيعيّ الجامع، ولا يسري منه إلى الفرد، ولكن إطلاق هذه الطبيعة بالنسبة إلى الأفراد لا بُدَّ منه. فإذا لم يكن الإطلاق شاملاً ولو لفردٍ، فلا يمكن الامتثال به، فإنَّه ليس من أفراد المأمور به، وإن كان فرداً من الطبيعة. فلو أُمرنا بإكرام الإنسان العالم، فلا يمكن إكرام الإنسان كيفما كان، لأنَّ المأمور به ليس هو إكرام الإنسان بما هو، بل هو الإنسان المقيَّد بالعالم، فالفرد وإن لم يتعلّق به الأمر إلَّا أنَّه لا بُدَّ وأن يكون مصداقاً للطبيعة.
فإذا قلنا: إنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، فلا يمكن أن يكون
ــــــــــ[98]ــــــــــ
(1) انظر: جامع المقاصد في شرح القواعد 5: 13، 14.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الفرد الموسّع مصداقاً للمأمور به، لأنَّه منهيٌّ عنه. وإذا كان كذلك فلا يمكن أن تشمله الطبيعة المأمور بها، فيخرج هذا الفرد المنهيُّ عنه عن حيّز الإطلاق وعن ترخيص المولى في تطبيق الطبيعة على أيّ فردٍ شاء المكلّف، فالأمر يوجب تقييد الطبيعة بغير هذا الفرد، فإنَّ الفرد المحرّم لا يكون مصداقاً للواجب بالضرورة، وإذا كانت الطبيعة مقيّدةً بغير هذا الفرد -كما هو مقتضى النهي- فلا يتحقّق الامتثال به، فهو وإن كان من أفرادها، إلَّا أنَّه ليس من الطبيعة المأمور بها، فإنَّها قد قيّدت بغير هذه الحصّة، فيحكم بفسادها، كما لو أُمرنا بالصيام في الحضر، فصمنا في السفر، فإنَّ هذا لا يكفي في الإجزاء، وتحقّق الامتثال لا يتمّ بالإتيان بفردٍ من الطبيعة كيفما كان، بل لا بُدَّ من الإتيان بفردٍ من الطبيعة المتعلّقة للأمر.
فإذا بنينا على الاقتضاء تقيّد المأمور به بغير الحصّة المنهيّ عنها، فلا يجزى الإتيان به، لأنَّه ليس من أفراد المأمور به.
وأمّا الدعوى الثانية، فالوجه فيها: أنّا إذا بنينا على عدم الاقتضاء وأنَّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه، فالإطلاق لا مانع منه، إذ يمكن أن يكون إطلاق الطبيعة بالنسبة إلى هذا الفرد جارياً أيضاً، فيكون مأموراً به بلا مانعٍ، وانطباق الطبيعة عليه يكون قهريّاً، لأنَّه من أفرادها، والإجزاء عقليٌّ، لأنَّ من أتى بفردٍ من الطبيعة المأمور بها يكون مجزياً، والطبيعة غير مقيدّةٍ بقيدٍ يمنع انطباقها على هذا الفرد، وليس هذا الفرد هو المأمور به، حتّى يقال بعدم إمكان الأمر بالمتضادّين: الأمر بالواجب المضيّق، والأمر بواجبٍ موسّعٍ، فإنَّ المفروض أنَّ الفرد لم يتعلّق به الأمر، لا في حال المزاحمة ولا في غيرها، فلو أتى بفردٍ من الصلاة فهذا الفرد ليس هو المأمور به بالضرورة، ولهذا كان للمكلّف
ــــــــــ[99]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ألّا يأتي بهذا الفرد، وأن يأتي بغيره، فإنَّ الأمر قد تعلّق بالطبيعيّ الجامع، ولا مانع من الأمر بالجامع بين الفرد المزاحم وغيره، والعقل لا يرى مانعاً من ذلك. وعلى ذلك يكون الإطلاق محفوظاً، ومن دون شيءٍ يقتضي تقييده، فإنَّ المزاحم هو الفرد، وهو لم يتعلّق به أمرٌ لتتحقّق المزاحمة بينه وبين الواجب المضيّق أصلاً. وما تعلّق به الأمر، وهو الجامع، ليس بينه وبين الواجب المضيّق مزاحمةٌ أصلاً.
فإذا لم نقل بالاقتضاء فهذا الفرد باقٍ على جوازه الأصليّ، إذ يمكننا أن نأتي به بداعي الأمر بالطبيعة، لا بداعي الأمر بالفرد، فإنَّه غير مأمورٍ به في المزاحمة وغيرها. والفرد وإن كان غير مقدورٍ شرعاً، لأنَّ الشارع أمر بضدّه المضيّق، فإنَّ عدم القدرة لا بأس به، لأنَّه غير مأمورٍ به، حتّى يُقال: إنَّ القدرة شرطٌ في التكليف، وما تعلّق به الأمر هو الجامع، وليس بينه وبين الواجب المضيّق أيّة مزاحمةٍ ليكون مقيّداً بالقدرة. فيحكم بصحّة الفرد المأتيّ به.
فتحصّل ممّا سبق: أنَّ المحقّق الثاني فصّل في هذا القسم -وهو مزاحمة فردٍ من الموسّع مع الواجب المضيّق- بين القول بالاقتضاء وعدمه، فعلى الأوّل حكم بالفساد، وعلى الثاني حكم بالصحّة.
ذهب شيخنا الأستاذ(1) إلى المنع من هذا التفصيل، وذكر أنَّه لا يتمّ إذا لم نلتزم بصحّة العبادة بالملاك، فإنَّه وإن كان قد أثنى على هذا الوجه وقال: إنَّه
ــــــــــ[100]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 1: 316.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بمثل هذا سمّي بالمحقّق الثاني، إلَّا أنَّه تنظّر فيه، وقال: إنَّه لا يتمّ إلَّا على ما هو المعروف من شرط القدرة في التكليف، باعتبار حكم العقل بقبح خطاب العاجز، وقبح التكليف بما لا يطاق.
فلو بنينا على هذا، تمّ ما قاله المحقّق الثاني، فإنّنا إذا قلنا بأنَّ ضدّ المأمور به منهيٌّ عنه لتقيّد المأمور به، لأنَّ الحرام لا يكون مصداقاً للواجب.
وأمّا إذا لم نقل بالاقتضاء، فالقول بالصحّة يكون متوقّفاً على حكم العقل بقبح تكليف العاجز، والتكليف متعلّقٌ بالجامع، ولا قبح بالتكليف بالجامع بين المقدور وغيره، والفرد ليس هو المأمور به حتى يُقال: إنَّه غير مقدورٍ، فإنَّ الأمر تعلّق بالطبيعيّ الجامع، والمفروض أنَّه مقدورٌ. غاية الأمر: أنَّ المكلّف بسوء اختياره طبّقه على الحرام، فيعاقَب من جهة تركه الواجب المضيّق، لا من جهة تطبيق الطبيعة على هذا الفرد. فلو كانت القدرة شرطاً في التكليف من جهة حكم العقل بقبح تكليف العاجز، صحّ هذا التفصيل بين القول بالاقتضاء وعدمه.
وأمّا إذا قلنا: إنَّ اعتبار القدرة في متعلّق التكليف من جهة اقتضاء نفس الخطاب، فالخطاب والتكليف بنفسه يقتضي اعتبار القدرة في المكلّف، فكأنَّه قال: إذا كنت قادراً فافعل. فالتكليف من أوّل الأمر موجّهٌ إلى القادرين، فتكون الطبيعة المأمور بها مقيّدةً بما إذا كان مقدوراً دون غيره، ويكون التكليف متعلّقاً بالحصّة المقدورة لاقتضاء نفس الخطاب، لا بحكم العقل.
فلا بدَّ للمكلّف من الإتيان بفردٍ من الطبيعة المأمور بها، وما يكون مزاحماً
ــــــــــ[101]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
مع الواجب المضيّق ليس بمقدورٍ على الفرض، فإنَّ الشارع أمر بضدّه وألغى قدرة المكلّف عليه، فلا يكون من أفراد الطبيعة المأمور بها، حتّى يُقال: إنَّ انطباق الطبيعة عليه قهريٌّ، والإجزاء عقليٌّ.
وببيان آخر لما أفاده(1) نقول: إنَّ هذا التفصيل -تفصيل المحقّق الثاني- إنَّما يتمّ على القول باعتبار القدرة في التكليف من ناحية حكم العقل، وأنَّ المولى لا يمكنه تكليف العاجز، لحكم العقل بقبح التكليف بما لا يطاق. وأمّا إذا بنينا على أنَّ اعتبار القدرة إنَّما هو من ناحية اقتضاء نفس التكليف، فإنَّ البعث نحو غير المقدور غير ممكنٍ، والبعث بنفسه يقتضي القدرة، فهو عبارةٌ عن جعل الداعي لدى المكلّف بتحريك عضلاته نحو الفعل، والعضلات لا تتحرّك نحو غير المقدور، والداعي لا يحصل نحوه. وهذا بنفسه يقتضي أن يكون متعلّق التكليف مقدوراً، إذ القدرة على الفعل من مقتضيات نفس التكليف.
وعليه، فالمأمور به هو الحصّة المقدورة، وهذا الفرد المزاحم للواجب المضيّق وإن كان فرداً من الطبيعة، إلَّا أنَّه ليس فرداً منها بقيد كونها مأموراً بها، فإنَّ الطبيعة المأمور بها هي المقيّدة بالقدرة، وهذا ليس فرداً منها، فكيف يمكن
ــــــــــ[102]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 264.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
أن يقال: إنَّ الانطباق قهريٌّ والإجزاء عقليٌّ، لأنَّ الطبيعة لم تنطبق على هذا الفرد. فعلى ذلك، يكون التفصيل الذي ذكره ليس بصحيحٍ، بل يُحكم بفساد العبادة على كلا التقديرين: الاقتضاء وعدمه.
أمّا من جهة الاقتضاء، فلأنَّ الواجب يتقيّد بغير الحرام، والحرام لا يكون مصداقاً للواجب. وأمّا على القول بعدم الاقتضاء، فالواجب قيّد بالقدرة بمقتضى نفس التكليف، وهذا الفرد خارجٌ عن دائرة المأمور به، فيحكم بفساده. إذن تفصيل المحقق الثاني لا يكون صحيحاً.
ثمَّ ذكر: أنَّ هذا الذي ذكره من الحكم بالبطلان على كلا التقديرين يبتني على اعتبار قصد الأمر في متعلّق التكليف، وأن تكون العبادة مأموراً بها، وأن يقصد المكلّف في الامتثال التقرّب إلى المولى.
وأمّا على اعتبار قصد الملاك، وأنَّه لا يعتبر في الحكم بالصحّة أن يكون متعلّقاً للأمر، بل يكفي فيها وجود الملاك، فنحكم بصحّة العبادة المزاحمة للواجب المضيّق، بلا فرقٍ بين القول بالاقتضاء وعدمه.
فعلى القول بعدم الاقتضاء الوجه واضحٌ، فإنَّ هذا العمل عبادةٌ سائغةٌ في نفسها، وغير منهيٍّ عنها من قبل المولى، والمفروض أنَّها مشتملةٌ على الملاك، غاية الأمر: أنَّه لم يأمر بها لمانعٍ، فيحكم بالصحّة إذا أتى المكلّف بها متقرّباً بها إلى المولى.
وعلى القول بالاقتضاء وأنَّ الأمر بشيءٍ يقتضي النهي عن ضدّه، فالأمر كذلك أيضاً، فإنَّ هذه العبادة وإن كانت محرّمةً، إلَّا أنَّ هذا التحريم لا يوجب تقييد الواجب بغيره، فإنَّه غيريٌّ تبعيٌّ، لتقييد الواجب بغير هذا الفرد، فالنهي الغيريّ لا يوجب الفساد ولا زوال المحبوبيّة الذاتيّة التي كانت للعمل، والمولى إنَّما نهى عنه للتوصّل به إلى الواجب المضيّق، فهو نهيٌ غيريٌّ من جهة التوصّل
ــــــــــ[103]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
إلى الأهمّ، وإلَّا فالعبادة في نفسها لا حزازة فيها ولا مفسدة، فكيف يكون هذا النهي موجباً لتقييد الواجب بغير هذا الفرد، فالواجب باقٍ على حاله، وهو الطبيعة الجامعة بين هذا الفرد وغيره مأمورٌ بها. نعم، المولى لا يرخّص فعلاً في تطبيق الطبيعة على هذا الفرد للمزاحمة، فلنفرض التطبيق غير جائزٍ، وهذا الفرد محرّمٌ، إلَّا أنَّه تحريمٌ غيريٌّ لا يوجب المفسدة، بل الصحة باقيةٌ على حالها، فإذا أتى بالعمل بقصد المحبوبيّة صحّ عمله.
أنّا إذا بنينا على أنَّ قصد الملاك كافٍ والعمل واجدٌ للملاك فلا ثمرة للمسألة، فإنَّه على كلا التقديرين يحكم بصحّة العبادة.
وأمّا إذا اعتبرنا قصد الأمر في صحّة العبادة، وأنَّ اعتبار القدرة في فعليّة التكليف من ناحية حكم العقل، فيصحّ تفصيل المحقّق الثاني في المقام. وأمّا إذا بنينا على أنَّ اعتباره القدرة من ناحية نفس التكليف فنحكم بالفساد على كلا التقديرين، مع قطع النظر عن الملاك، لأنَّ الفرد ليس من مصاديق المأمور به، أمّا على القول بالاقتضاء فواضحٌ، وأمّا على القول بعدمه فلأنَّه ليس من أفراد الطبيعة.
فهذه هي المسالك في المسألة، ولا بُدَّ من البحث فيها.
يقع الكلام في تصحيح العبادة بالملاك، على كلا التقديرين: على القول بالاقتضاء وعلى القول بعدمه.
ــــــــــ[104]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فعلى القول بأنَّ الأمر بشيءٍ لا يقتضي النهي عن ضدّه، تكون هذه العبادة غير منهيٍّ عنها على الفرض، إلَّا أنَّ الأمر أيضاً لم يتعلّق بها، فمع قطع النظر عن مسلك المحقّق الثاني وتسليم عدم إمكان الإتيان بالعبادة بداعي الأمر، فهل يمكن أن يصحّ هذا الفرد باعتبار أنَّه مشتملٌ على الملاك الملزم والمحبوبيّة الذاتيّة، فيصحّ الإتيان به وإن لم يقصد به امتثال الأمر، بل قصد امتثال الملاك؟
وهذا يبتنى على أمرين:
الأوّل: عدم اعتبار قصد الأمر بخصوصه في صحّة العبادة، بل المعتبر في صحّتها إضافتها إلى المولى بوجهٍ، وأن يؤتى بالفعل لأجله، وأمّا خصوص الأمر فلا دليل على اعتبار قصده، بل يكفي في صحّة العبادة الإتيان بها قربيّاً على أيّ وجهٍ كان، وقد سبق أن ذكرنا في مبحث التعبّديّ والتوصّليّ أن لا دليل يدلّ على اعتبار قصد الأمر بخصوصه(1).
الثاني: أنَّ هذا الفرد المزاحم للواجب المضيّق مشتملٌ على الملاك، فبأيّ دليلٍ يمكن كشف الملاك ليأتي بالعبادة بقصد محبوبيتها.
وقد ذُكر لذلك وجوهٌ:
وحاصل ما ذكره(2) دعوى الجزم والقطع بأنَّ هذا الفرد لا يفترق عن سائر الأفراد في اشتماله على الملاك الملزم، وأنَّ عدم الأمر به كان لمانعٍ، وهو
ــــــــــ[105]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم الأصول 2: 274 – 276.
(2) انظر: كفاية الأصول: 136، 137.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وجود المزاحم، فعدم الأمر به للمانع، لا لعدم المقتضي، فلو لم يكن مانعٌ لكان الأمر شاملاً له بالضرورة، والعقل يحكم بأنَّه واجدٌ للملاك كسائر الأفراد من هذه الجهة، ولذا يُحكم بصحّته، لاشتماله على الملاك الملزم والمحبوبيّة الذاتيّة.
هذا ملخّص ما أفاده.
ويمكن مناقشة ذلك بأنَّ اشتمال الفعل على الملاك الملزم والمحبوبيّة ليس أمراً بديهيّاً يدرَك بالبداهة، بلا إقامة دليلٍ أو برهان، بل هو أمرٌ نظريٌّ، لا بُدَّ في إثباته من برهانٍ شرعيٍّ أو عقليٍّ، وليس عندنا دليلٌ شرعيٌّ ولا عقليٌّ يقتضي ذلك، ويدلّنا على أنَّ الفرد المزاحم كسائر الأفراد محبوبٌ للمولى، فإنَّ عدم الأمر قد يكون لأجل المانع، وقد يكون لأجل عدم المقتضي، إذ يمكن -في علم الله تعالى- أن يكون هذا الفرد المزاحم للواجب المضيّق لا مقتضي له، وهذا أمرٌ ممكنٌ في نفسه، فكيف يمكن الجزم باشتماله على الملاك، وأنَّ عدم الأمر به كان لوجود المانع لا لعدم المقتضي. ونحتمل أنَّه لعدم الملاك، وكلٌّ منهما ممكنٌ.
نعم، من المعلوم أنَّ هذا الفرد لو لم يكُ مزاحماً لكان مأموراً به، إلَّا أنَّه يكون حينئذٍ مقدوراً.
بعبارةٍ أخرى: إذا سلّمنا أنَّ الفرد المزاحم غير مقدورٍ شرعاً وإن كان مقدوراً تكويناً، لأنَّ الشارع يلزمنا بالواجب المضيّق، وحينئذٍ لا يمكننا الإتيان بشيءٍ آخر، فنحتمل بحسب مقام الثبوت أن تكون القدرة دخيلةً في الملاك، وأنَّ المحبوبيّة قائمةٌ بالفعل الصادر من القادر، وهذا الأمر يختلف باختلاف
ــــــــــ[106]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
المكلّفين، فإنَّ القيام في الصلاة -مثلاً- مشتملٌ على المصلحة لدى القادر عليه، فإن كان عاجزاً عنه كان الجلوس هو المشتمل على المصلحة، وهنا أيضاً نحتمل أن تكون مصلحة الصلاة قائمةً بالفرد المقدور دون غيره.
فلو فُرض أنَّ المكلّف لا يتمكّن من هذا الفرد شرعاً، للإلزام بالمضيّق، فنحتمل أن لا يكون فيه ملاكٌ ملزمٌ ومحبوبيّةٌ في نفسه، بل نحتمل أنَّ المحبوبيّة مشروطةٌ بالقدرة أيضاً، كما هو الحال في التكليف.
بعبارةٍ ثالثة: إنَّ اشتمال الفعل على الملاك غير مدرَكٍ بإحدى الحواسّ الظاهريّة أو الباطنيّة، ولا بُدَّ من أن يُستكشف من دليلٍ شرعيٍّ يقوم عليه، وهو أمر المولى بالفعل، فإذا سقط الأمر للتزاحم، كيف يمكننا استكشاف أنَّ هذا الفعل واجدٌ للملاك ليصحّ الإتيان به بقصد المحبوبيّة؟
وأمّا دعوى الوجدان والجزم والقطع بأنَّ العقل لا يفرّق بين هذا الفرد وبين بقيّة الأفراد، فهي دعوى بلا دليلٍ، إذ لا طريق للعقل إلى ذلك، وإنَّما يُستكشف ذلك عن دليلٍ شرعيٍّ، ومع عدمه فكيف يمكن كشف الملاك؟
حاصله: أنَّ الوجوب إذا تعلّق بفعلٍ فنستكشف -من هذا- بطريق الإنّ (كشف المعلول عن علّته): إنَّ الفعل واجدٌ للملاك، بناءً على مذهب العدليّة من تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد.
ــــــــــ[107]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 269، مجمع الأفكار ومطرح الأنظار 1: 327 – 329، منهاج الأصول 2: 75- 77.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فيكون للكلام حينئذٍ دلالتان:
دلالةٌ مطابقيّةٌ على أنَّ هذا الفعل واجبٌ.
ودلالةٌ التزاميّةٌ على أنَّه واجدٌ للملاك.
وكلا الدلالتين مطلقتان، لكنّ الدلالة المطابقيّة اقتضى حكم العقل تقييدها بحال القدرة، إذ التكليف بما لا يطاق غير ممكنٍ، على عكس الدلالة الالتزاميّة، إذ لم يثبت لها تقييدٌ، فمن المحتمل أن يكون الفعل على إطلاقه المقدور وغير المقدور مشتملاً على الملاك. فعندنا دلالةٌ لفظيّةٌ وهي حجّةٌ ما لم يقم دليلٌ على خلافها، وحيث لم يقم دليلٌ على تقييد الملاك بالقدرة، فيؤخذ بإطلاق الدلالة الالتزاميّة.
ذكر هذا الوجه صاحب الكفاية في مبحث التعادل والتراجيح(1)، وذكر: أنَّ الدليلين المتعارضين إذا سقطا من حيث الدلالة المطابقيّة يؤخذ بمدلولهما الالتزاميّ، فإذا دلّ دليلٌ على وجوب شيءٍ ودلّ دليلٌ آخر على حرمته، فإنَّ كلاً منهما يثبت شيئاً وينفي شيئاً آخر، فما دلّ على الوجوب يدلّ بالمطابقة على أنَّ الفعل واجبٌ وبالالتزام على عدم الجواز بالمعنى الأخصّ، وما دلّ على الحرمة يدلّ بالمطابقة على أنَّ الفعل حرامٌ وبالالتزام على عدم الجواز بالمعنى الأخصّ. فالمعارضة بين الدليلين من جهة الدلالة المطابقيّة، فتسقط الدلالتان. أمّا من جهة الدلالة الالتزاميّة فليس بينهما معارضةٌ، فتبقى ثابتةٌ على حجّيّتها.
ــــــــــ[108]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 439.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ومن هنا ذكر: أنَّ الدليلين المتعارضين وإن سقطا في مدلولهما المطابقيّ فإنَّهما ينفيان الدليل الثالث بمدلولهما الالتزاميّ، لعدم المعارضة من هذه الجهة.
وكيفما كان، فقد ذكروا أنَّ الدلالة الالتزاميّة غير تابعةٍ للمطابقيّة، فإذا سقطت المطابقيّة بقيت الالتزاميّة على حالها، والمقام صغرى لذلك، حيث يدلّ الأمر بشيءٍ على وجوبه بالمطابقة، وعلى اشتماله على الملاك بالالتزام، فإذا سقط الوجوب تبقى الدلالة الالتزاميّة الكاشفة عن الملاك، فيؤخذ بها، فيُحكم بصحّة العبادة وإن قلنا إنَّها غيرُ مأمورٍ بها.
بعبارة أخرى: إنَّ لكلّ لفظٍ دلالتين:
دلالةً مطابقيّةً على مدلوله.
ودلالةً التزاميّةً، فإنَّ ثبوت المدلول يلزمه ثبوت لازمه، فإذا اكتشفنا ثبوت الملزوم بدليلٍ لزمه اللازم قهراً، وهذا ما يسمّى بالدلالة الالتزاميّة.
وبما أنَّ هذه الدلالة تابعةٌ للدلالة المطابقيّة باعتبار أنَّها تابعةٌ لدلالة اللفظ على ثبوت الملزوم، فلا بدَّ فيها من إثبات أمرين:
أحدهما: دلالة اللفظ على ثبوت الملزوم.
ثانيهما: إثبات الملازمة.
ويترتّب على هذين الأمرين: الكشفُ عن اللازم، فالدلالة الالتزاميّة تابعةٌ للدلالة المطابقيّة في التحقّق والثبوت، وما لم يثبت الملزوم لا يثبت اللازم.
فالدلالة الالتزاميّة تابعةٌ للمطابقيّة ومتفرّعةٌ عنها خارجاً، إلَّا أنَّها غير تابعةٍ لها في الحجيّة، فبعدما فرضنا أنَّ للّفظ ظهورين: ظهوراً في ثبوت الملزوم،
ــــــــــ[109]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وظهوراً في ثبوت اللازم، وكلّ ظهورٍ بحكم العقلاء موضوعٌ للحجيّة، فإذا سقط المدلول المطابقي عن الحجيّة، ولم نستكشف من اللفظ ثبوت الملزوم من جهة القرينة الخارجيّة، يبقى ظهور الكلام في دلالته الالتزاميّة حجّةً، فإنَّ الدليل دلّ على نفي الملزوم، لا على نفي اللازم، فالدلالة الالتزاميّة وإن كانت حدوثاً تابعةً للدلالة المطابقيّة، إلَّا أنَّها بقاءً غير تابعةٍ لها، إذ يمكن أن تكون الدلالة المطابقيّة ساقطةً عن الحجّيّة، فلا يكون الّلفظ بقاءً كاشفاً عن إرادة المولى وعن الملزوم، ولكنّ الدلالة الالتزاميّة باقيةٌ على حجّيّتها، فهي تابعةٌ للدلالة المطابقيّة في الحدوث دون البقاء، وهو ظهورٌ مستقلٌّ بالحجّيّة بحكم العقلاء ما لم تقم قرينةٌ على الخلاف.
وقد استند صاحب الكفاية إلى هذا الوجه في نفي الدليل الثالث بالخبرين المتعارضين، حيث إنَّهما متعارضان فيتساقطان في مدلولهما المطابقيّ، إلَّا أنَّه لا تعارض في المدلول الالتزاميّ، فينفى الثالث لحجّيّتهما في الدلالة الالتزاميّة.
ويمكن تطبيق هذه الكبرى في مورد البحث، فيقال: إنَّ الّلفظ الدالّ على وجوب شيءٍ على الإطلاق يكشف بالدلالة الالتزاميّة عن وجود الملاك على الإطلاق، لأنَّه لم يقيّد بحالٍ دون حالٍ، فإذا كان اللفظ دالاً على ثبوت الوجوب على الإطلاق بالدلالة المطابقيّة، ودلّ على ثبوت الملاك على الإطلاق بالدلالة الالتزاميّة، قامت قرينةٌ خارجيّةٌ من العقل أو من اقتضاء نفس التكليف على أنَّه -أي: التكليف- لا يمكن أن يثبت حال العجز، وأنَّه مختصٌّ بحال القدرة على الامتثال، فيسقط الإطلاق المستفاد من الدلالة المطابقيّة، ويختصّ التكليف بالقدرة.
ــــــــــ[110]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
أمّا الدلالة الالتزاميّة، فليس لنا من دليلٍ على تخصيصها بحال القدرة، فيبقى إطلاق الدليل في المدلول الالتزاميّ على حاله، فهذا الفرد وغيره سيّان في اشتمالهما على الملاك، فتثبت الصغرى بذلك، إذن نأتي به بداعي المحبوبيّة الموجودة فيه وإن كان الأمر به ساقطاً، لعدم القدرة عليه تشريعاً، لأنَّ الأمر به أمرٌ بالضدّين، وهو غير معقولٍ.
هذا ملخّص ما اعتمد عليه جمعٌ من المحقّقين في إثبات الملاك بالدلالة الالتزاميّة.
ذكرنا أنَّ الدلالة الالتزاميّة كما أنَّها تابعةٌ للدلالة المطابقيّة حدوثاً فهي تابعةٌ لها بقاءً، ولا يمكن أن يكون اللازم ثابتاً مع عدم ثبوت الملزوم، وكذا حجّيّة الكلام في المدلول الالتزاميّ فهي تابعةٌ لحجّيّته بالمدلول المطابقيّ، فإذا سقط عن الحجّيّة بالنسبة إلى المدلول المطابقيّ سقط بالنسبة إلى المدلول الالتزاميّ أيضاً.
ويمكن المناقشة في ذلك نقضاً وحلاً.
أمّا نقضاً، وقد ذكرنا في الدورة السابقة(1) نقوضاً وأنَّه لا يمكن الالتزام بحجية المدلول الإلتزامي مع سقوط المدلول المطابقي عنها.
ومن جملة النقوض: أنَّه إذا قامت بيّنةٌ أو أخبر ذو اليد عن نجاسة شيءٍ لملاقاته البول، ولكنّا علمنا من الخارج بكذب هذا الخبر واشتباه المخبر، وأنَّ
ــــــــــ[111]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الأصول 1: 587 ، 588.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الثوب لم يلاقِ بولاً، فلا إشكال في عدم ترتّب النجاسة البوليّة وفقاً لهذه البيّنة أو إخبار ذي اليد، لأنّا نقطع بخلافه، وقد علمنا بخطأ صاحب اليد والبيّنة بإخبارهما. فهل يحكم بنجاسة الثوب إذا احتملنا أنَّه نجسٌ بملاقاة شيءٍ آخر كالدم، وهل يمكن أن يقال: إنَّ إخبار صاحب اليد عن ملاقاة البول إخبارٌ عن النجاسة بالدلالة الالتزاميّة، فالدلالة المطابقيّة سقطت بالخطأ، ولكنّا لا نعلم خطأه في الإخبار بالنجاسة الذي هو المدلول الالتزاميّ؟ وهل يمكن لنا الحكم بنجاسة الثوب باعتبار أنَّ صاحب اليد أخبر عن نجاسته بالدلالة الالتزاميّة، ونحتمل أنَّ خبره صحيح، وإن كان خبره عن ملاقاة البول غير صحيحٍ قطعاً؟ كلُّ هذا ممّا لا يمكن الالتزام به بالضرورة.
ومنها: ما إذا قامت بينّةٌ على أنَّ المال لزيدٍ، وقامت بينّةٌ أخرى على أنَّه لعمرٍو، مع أنَّ المال بيد بكرٍ، فتتعارض البيّنتان، فتسقطان في مدلولهما المطابقيّ، ولكنّ مدلولهما الالتزاميّ -وهو أنَّ يد بكرٍ ليست بيد مالكٍ على المال- باقٍ على حاله، فيعامل المال معاملة مجهول المالك ويؤخذ منه.
فهل يمكن الالتزام بذلك، فيُقال -بعد سقوط البيّنتين-: إنَّ اليد قد سقطت عن الحجّيّة للدلالة الالتزاميّة في كلتا البيّنتين، ولا تعارض بينهما في الدلالة الالتزاميّة، فإذا سقطتا عن الحجيّة في المدلول المطابقيّ فإنَّه يؤخذ بهما في المدلول الالتزاميّ، فيُحكم بأنَّ يد بكرٍ ساقطةٌ، فكأنَّ المال مجهول المالك؟ هذا -أيضاً- ممّا لا يمكن الالتزام به جزماً.
ومنها: ما إذا كان المال بيد بكرٍ، وشهد شخصٌ عادلٌ بأنَّه لزيدٍ، وشهد
ــــــــــ[112]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
آخر بأنَّه لعمرٍو، فإخبار كلٍّ منهما بالمدلول المطابقيّ ليس بحجّةٍ، إذ لا عبرة بشهادة الواحد في مقابل اليد، ولكنّ المدلول الالتزاميّ لهما -وهو أنَّ هذا المال ليس لبكرٍ وأنَّ يده عليه ليست يد ملكٍ- متحقّقٌ، فهل يمكن أن يقال: إنَّهما وإن لم يكونا حجّتين في مدلولهما المطابقيّ، إلَّا أنَّهما حجّةٌ في مدلولهما الالتزاميّ، فيكون المال مجهول المالك؟
ومنها: ما إذا قامت البيّنة على أنَّ المال الذي بيد زيدٍ لعمرٍو، ولكنّ عمراً أقرّ بأنَّه ليس له، فتسقط البيّنة عن الحجّيّة، لأنَّ الإقرار مقدّمٌ على البيّنة، فلا حجّة لها في مدلولها المطابقيّ، ولكنّ هل المدلول الالتزاميّ -وهو أنَّ يد زيدٍ ليست يد ملكٍ- باقٍ على حجّيّته، فنأخذ به، فيعامل المال معاملة مجهول المال؟
إلى غير ذلك من الأمثلة التي يظهر منها أنَّ هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه، فإنَّ المدلول الالتزاميّ كما هو تابعٌ للمطابقيّ حدوثاً، كذلك هو تابعٌ له بقاءً، فإذا سقطت الدلالة المطابقيّة سقطت الالتزاميّة.
أمّا حلّاً، فإنَّ المدلول الالتزاميّ تابعٌ للمدلول المطابقيّ، وهو يتوقّف على مقدّمتين:
الأولى: ثبوت الملازمة بين شيءٍ وشيءٍ.
والثانية: ثبوت الملزوم.
فإذا تمّت المقدّمتان ثبت اللازم.
وأمّا إذا لم يثبت الملزوم أو لم تثبت الملازمة فإنَّ اللازم لا يثبت، فثبوت اللازم
ــــــــــ[113]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
متوقّفٌ على هاتين المقدّمتين، فإذا لم يثبت الملزوم كيف يمكننا إثبات اللازم؟
والسرّ في ذلك: أنَّ البيّنة إذا أخبرت عن ملاقاة مائعٍ للبول، فهي وإن كانت تخبر عن نجاسة المائع، إلَّا أنَّها لا تخبر عن النجاسة المطلقة، المسببّة عن البول وغيره، وإنَّما تخبر عن النجاسة اللازمة للبول، فمعنى قول البيّنة: (أنَّ هذا المائع لاقى بولاً): أنَّه تنجّس بالنجاسة الناشئة عن البول.
فلو فرضنا أنَّنا أثبتنا أنَّ الماء لم يتنجّس بالبول، فهل تنجّس بغيره؟ البيّنة لم تخبر بذلك، فهي أخبرت عن هذه النجاسة بالخصوص، ولم تخبر عن كلّ نجاسةٍ.
وكذلك إذا أخبرت البيّنة بأنَّ المال الذي بيد زيدٍ لعمرٍو، فهي تخبر عن عدم ملكيّة زيدٍ، إلَّا أنَّها أخبرت عن الحصّة الخاصّة من عدم ملكيّته، وهي ملازمةٌ لملكيّة عمرٍو، فلو لم يكن المال ملكاً لعمرٍو، فإنَّ البيّنة لم تخبر عن ملكيّة زيدٍ، فالإخبار بالملزوم إخبارٌ باللازم في خصوص الحصّة الملازمة، وليس إخباراً عن اللازم على الإطلاق. وهكذا في جميع موارد الدلالة الالتزاميّة.
فلو أخبر زيدٌ أنَّ عمراً أكل سمّاً، فهذا إخبارٌ عن الموت، لكنّه إخبارٌ عن الموت المسبَّب عن السمّ خاصّة، فلو فُرض أنَّه كان مشتبهاً ولم يكن عمرٌو قد شرب سمّاً، فهو لم يخبر عن موته بسببٍ آخر كالقتل ونحوه.
فالمدلول الالتزاميّ تابعٌ للمدلول المطابقيّ بمقدار الملازمة، لا أزيد من ذلك، وكلّ ملزومٍ ملازمٌ لحصّةٍ خاصّةٍ من اللازم، فالحرارة القائمة بالنار غير الحرارة القائمة بالشمس، وهكذا بقيّة الموارد.
ــــــــــ[114]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فإذا لم يثبت الملزوم، فإنَّ اللازم لهذا الملزوم أيضاً لا يكون ثابتاً. فلو علمنا أنَّ البيّنة كانت مخطئةً في إخبارها عن الملاقاة للبول، فإنَّنا نعلم أنَّها كانت مخطئةً بإخبارها عن النجاسة، فسقوط الدلالة المطابقيّة عن الحجيّة يستلزم سقوط الدلالة الالتزاميّة أيضاً. وأمّا احتمال نجاسة المائع بسببٍ آخر، فهو خارجٌ عن المدلول الالتزامي، لأنَّ البيّنة لم تُخبر عن نجاسةٍ أخرى، وإنَّما أخبرت عن النجاسة البوليّة، فما أخبرت عنه البيّنة قد سقط، وغيره لم تخبر عنه.
وملخّص كلامنا: أنَّ الدلالة الالتزاميّة ليست مطلقةً، وليست بأوسع من الدلالة المطابقيّة، فهي بمقدارها وعلى حدّها، فإذا سقطت الدلالة المطابقيّة عن الحجّيّة سقطت الدلالة الالتزاميّة أيضاً، لأنَّها تابعةٌ لها.
فالإخبار عن الوجوب إخبارٌ عن الملاك في موارد ثبوت الوجوب. أمّا في موردٍ لم يكن الوجوب ثابتاً، فالإخبار عن الملاك أيضاً غير ثابتٍ، فإنَّه تابعٌ له، وإذا دلّ دليلٌ على وجوب شيءٍ، فإنَّه يدلّ على ثبوت الملاك في موارد ثبوت ذلك الوجوب، وأمّا إذا لم يكن الوجوب ثابتاً فلا يكون هذا الدليل متكفّلاً لإثبات الملاك.
وببيان أوضح: إنَّ الدلالة الالتزاميّة -وهي ثبوت الملاك- إنَّما تكون في موارد الإرادة الجديّة، ومجرّد الكلام الإنشائيّ لا يكشف عن الملاك، فالذي يكشف عن الملاك هو واقع الوجوب -بناءً على مسلك العدليّة-. أمّا المدلول الإنشائيّ غير المطابق للإرادة الجدّيّة فلا يستلزم الملاك.
ومن هنا، لو ورد عامٌّ يثبت الحكم على نحو الشمول لجميع الأفراد،
ــــــــــ[115]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
واستكشفنا بالدلالة الالتزاميّة وجود الملاك في كلّ فردٍ، ثمَّ خُصّص هذا العامّ بمخصّص، وعلمنا أنَّ الإرادة الجدّيّة غير موجودةٍ في كلّ الأفراد، فهل يمكن أن نحكم بوجود الملاك، حتّى موارد التخصيص، وعدم وجود الإرادة الجدّيّة؟ ولذا لا نلتزم في موارد التخصيص بجواز الإتيان بالعبادة بقصد الملاك، باعتبار أنَّ الدليل العامّ قد دلّ على وجوبها، وهو وإن كان مخصّصاً، إلَّا أنّنا نحتمل أنَّ التخصيص إنَّما كان لمانعٍ لا لعدم المقتضي.
وهذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه.
والسرّ فيه: أنَّ الملاك تابعٌ لما أوجبه المولى جدّاً أو حرّمه جدّاً، فكلّ موردٍ ثبت فيه الوجوب أو الحرمة يستكشف وجود الملاك فيه من إرادةٍ أو كراهةٍ، وأمّا إذا لم يثبت الحكم جدّاً بل كان ثابتاً إنشاءً وفي مرحلة الاستعمال، فكيف نستكشف الملاك من الإرادة الاستعماليّة؟
ومقامنا من هذا القبيل، فإنّنا إذا عرفنا أنَّ إنشاء الوجوب ليس على إطلاقه، واللفظ إنَّما يكشف عن وجود الوجوب الواقعيّ عند القدرة، فالملاك يستكشف في موارد ثبوت الوجوب فعلاً، وأمّا في غير ذلك فليس هناك إلَّا الإرادة الاستعماليّة، وهي لا تكشف عن الملاك. وهذا واضحٌ جدّاً. إذن، لا يمكن أن نحكم بثبوت الملاك بالدلالة الالتزاميّة في موردٍ سقطت فيه الدلالة المطابقيّة عن الحجيّة.
ونظير ما ذكرناه ما صدر من بعضهم في الجمع بين الصلاتين وكنّا نستغرب من ذلك حتّى صدر منّا أيضاً.
ــــــــــ[116]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فقد وردت عند العامّة روايةٌ صحيحةٌ عندهم -أي: على شرط الشيخين: البخاري ومسلم-: بأنَّ النبيّ جمع بين صلاتي الظهر والعصر من دون عذرٍ ولا سفرٍ(1)، مع أنَّ هذا من مواضع انتقادهم للشيعة، فإنَّ النبي كان يفرّق بين الصلاتين، فلماذا يجمع الشيعة بينهما، وهذه الرواية تدلّنا على أنَّ الجمع بينهما مستحبٌّ وليس بواجب؟
وقد ذكر ابن تيميّة هذه الرواية في كتاب (المنتقى)، واعترف بأنَّها صحيحةٌ عندهم، وذكر أنَّ للرواية دلالتين: دلالةً مطابقيّةً وهي أنَّه جمع بين الصلاتين من غير عذرٍ ولا سفرٍ، ودلالةً أخرى وهي دلالةٌ بالفحوى وهي قسمٌ من الدلالة الالتزاميّة- مفادها: أنَّ الجمع بين الصلاتين في حال العذر والسفر جائزٌ بطريق أولى.
قال(2): ونحن نأخذ بالرواية في مدلولها الالتزاميّ، ونرفع اليد عن مدلولها المطابقيّ، ونقول: إنَّه لا يجوز الجمع في غير موارد العذر والسفر.
وهذا الكلام غريبٌ جدّاً، فإذا ثبت أنَّ النبي قد جمع بين الصلاتين من غير عذرٍ ولا سفرٍ، فكيف يمكن رفع اليد عنه؟ وإذا لم يثبت ذلك فكيف نقول بالأولويّة ونقول بالجواز مطلقاً؟
وعلى أيّ حالٍ، فالقول ببقاء الدلالة الالتزاميّة بعد سقوط المطابقيّة لا
ــــــــــ[117]ــــــــــ
(1) مصنّف عبد الرزاق الصنعاني 2: 555 ، الحديث 4434. وقد ورد في الأصل ما لفظه: “من غير سفرٍ ولا مطر”.
(2) المنتقى في الأحكام الشرعية من كلام خير البرية 289.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
يمكن المساعدة عليه، فإنَّ اللازم لا يثبت إلَّا إذا ثبت الملزوم.
هذا تمام كلامنا في الوجه الثاني.
ممّا لا إشكال فيه: أنَّ سقوط الدلالة المطابقيّة لا يستلزم سقوط الدلالة التضمّنيّة، فإنَّها تبقى على الحجّيّة. فإذا قامت البيّنة على أنَّ جميع ما في يد زيدٍ لعمرٍو، وعلمنا أنَّ بعض ما في يد زيدٍ ليس لعمرٍو، لإقرار عمرٍو بذلك أو لسببٍ آخر، فلا ينبغي الشكّ في بقاء البيّنة على حجّيّتها بالنسبة إلى الباقي.
وكذلك إذا شهدت البيّنة على نجاسة إناءين لملاقاتهما البول، وعلمنا من الخارج أنَّ أحدهما لم يلاقِ البول، فلا ينبغي الشكّ في بقاء البيّنة على الحجيّة بالنسبة إلى الإناء الثاني.
ومن هذا القبيل تخصيص العامّ بمخصّصٍ، فإذا ورد عامٌّ يثبت الحكم لجميع الأفراد، وورد عليه مخصّصٌ، وعلمنا أنَّ العموم ليس مراداً جدّيّاً، فحينئذٍ لا تكون الدلالة المطابقيّة حجّةً، وأمّا الدلالة التضمّنيّة وثبوت الحكم لباقي الأفراد فتبقى على حالها، ولا بُدَّ من العمل بالعموم بالنسبة إليها.
فما الفارق بين الدلالة التضمّنيّة والدلالة الالتزاميّة؟ فإمّا أن تثبتا معاً أو تسقطا معاً، لأنَّ كلتا الدلالتين تابعةٌ للدلالة المطابقيّة.
والجواب عن ذلك: إنَّ الدلالة التضمّنيّة غير تابعةٍ للدلالة المطابقيّة، وإنَّما هي من جهة الجمع في الدلالة.
توضيحه: أنَّ المخبر عن أمور كثيرة، لا يتوقّف إخباره عن ثبوت حكمٍ في
ــــــــــ[118]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فردٍ على إخباره بثبوت هذا الحكم في فردٍ آخر، وإنَّما هو جمعٌ في مقام الكشف والدلالة والإخبار، فإذا أخبرت البيّنة عن نجاسة إناءين فلا يكون إخبارها عن نجاسة إناءٍ تابعاً لإخبارها عن نجاسة الإناء الآخر، وكذلك العكس.
ففي مرحلة الثبوت لا تلازم بين الحكمين، ولا يكون أحدهما متوقّفاً على الآخر أصلاً، وإنَّما جمعت البيّنة بينهما في مقام الإثبات وأخبرت عنهما بإخبارٍ واحدٍ، وكان لها أن تخبر عن نجاسة كلٍّ منهما مستقلاً. وكذلك عند شهادة البيّنة على أنَّ ما في يد عمرٍو لزيدٍ، فالأمر كذلك، فإنَّها تخبر عن أنَّ الثوب الذي بيد عمرٍو لزيدٍ والدار التي بيد عمرٍو لزيدٍ وهكذا، وإخبارها عن ملكيّة زيدٍ لما في يد عمرٍو من الأموال ليس على نحوٍ بحيث يكون الإخبار عن بعضها تابعاً للإخبار عن البعض الآخر، فكلّ واحدٍ من الأموال محكومٌ بحكمٍ مستقلٍّ على أنَّه لزيدٍ مع أنَّها بيد عمرٍو، والبيّنة قد جمعت بين هذه الإخبارات، فأخبرت بإخبارٍ واحدٍ، وكشفت بكاشفٍ واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، فالاتّحاد إنَّما في الكشف والكاشف، وأما المكشوف فهو أمرٌ متعدّدٌ، ولذا ينحلّ إلى إخباراتٍ عديدةٍ.
هذا في الإخبارات والأحكام الاستقلاليّة في غاية الوضوح، كالأمثلة المتقدّمة، كما لو أخبرت البيّنة عن نجاسة إناءين أو عدالة رجلين، أو ملكيّة زيدٍ لمالين بيد عمرٍو.
وأمّا الأحكام الضمنيّة، فلو فرضنا أنَّ البيّنة أخبرت عن حكمٍ واحدٍ ثابتٍ للمجموع، أو أنَّ الرواية دلّت على ثبوت حكمٍ واحدٍ لأجزاءٍ مرتبطٌ بعضها ببعضٍ، وهذا ما نسمّيه بالعموم المجموعيّ، وعلمنا من الخارج أنَّ هذا الحكم
ــــــــــ[119]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بالنسبة إلى بعض الأجزاء غير ثابتٍ، فهل يلحق هذا بالدلالة الالتزاميّة، ولا بُدَّ لنا من رفع اليد عن الدليل بالكلّيّة؟ أم يلحق بالدلالة التضمّنيّة من القسم الأوّل -أي: الأحكام الاستقلاليّة الانحلاليّة- فنرفع اليد عن خصوص ما نعلم بعدم مطابقته للواقع ونأخذ بالبعض الآخر؟
الظاهر: أنَّ بناء العقلاء على الأخذ بالدلالة التضمّنيّة، وأنَّ سقوط الدلالة بالنسبة إلى بعض الأجزاء لا يوجب سقوطها بالنسبة إلى البعض الآخر، فلو قام الدليل على وجوب الأذان والإقامة معاً، فاستكشفنا منه أنَّ من شروط صحّة الصلاة الإتيان بهما معاً، ودلّ دليلٌ خارجيٌّ على أنَّ الأذان ليس بواجبٍ، فحينئذٍ لا مانع من الأخذ بالدليل في وجوب الإقامة.
وكذلك في غير هذا المورد، ممّا يستفاد من الدليل ثبوت وجوبٍ واحدٍ على عدّة أشياء، وعلمنا أنَّ بعضها ليس بواجبٍ، ففي مثله يؤخذ بالدلالة التضمّنيّة في غير ما عُلم خروجه.
الوجه في ذلك: أنَّ الإخبار هنا أيضاً ينحلّ إلى عدّة إخبارات:
وثبوت أحد الوجوبين ليس تابعاً لثبوت الآخر، وإنَّما هو جمعٌ في الدلالة، فنستكشف من الرواية الدالّة على وجوب الأذان والإقامة معاً أنَّ الإقامة لها دخلٌ في الصلاة، وأنَّ الأذان له دخلٌ في الصلاة، وأنَّه لا يكتفى بأحدهما دون
ــــــــــ[120]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الآخر، وعلمنا من الخارج أنَّ الأذان ليس بواجبٍ، ووجوب الإقامة لا يرتبط بوجوب الأذان، فيبقى وجوب الإقامة على حاله.
والأمر كذلك في الشبهات الموضوعيّة، كما لو أخبرت البيّنة عن أنَّ زيداً مديونٌ لعمرٍو بعشرة دراهم، لأنَّه اشترى منه شيئاً بعشرة، وعلمنا من الخارج أو بإقرار الدائن أنَّه يطلب تسعة دراهم لا عشرة، فالكلام هو الكلام بعينه، إذ أخبرت البيّنة عن تسعة دراهم في ذمّة زيدٍ لعمرٍو، منضمّاً إلى واحدٍ، وعلمنا من الخارج أنَّ هذا الانضمام ليس مطابقاً للواقع فيسقط، وأمّا التسعة الباقية فلا مانع من الأخذ بالبيّنة في ثبوته.
السرّ في ذلك: أنَّ الدلالة التضمنيّة وإن كانت حكماً واحداً ثبت لأجزاءٍ متعدّدةٍ، إلَّا أنَّ ثبوته لبعض الأجزاء ليس تابعاً لثبوته للأجزاء الأخرى، فهي في عرضٍ واحدٍ، والجمع إنّما هو في مقام الدلالة والكشف، فإذا سقطت الدلالة بالنسبة إلى البعض بقيت على حالها في البعض الآخر.
والظاهر: أنَّ السيرة العقلائيّة قائمةٌ على ذلك، فإنَّ سقوط الدلالة المطابقيّة عن الحجّيّة لا يوجب سقوطها في التضمّنيّة، بل تبقى على حالها، فنأخذ بما لا نعلم مخالفته للواقع، ولا نأخذ بما نعلم بمخالفته للواقع، من الدليل الخارجيّ.
وأمّا في الدلالة الالتزاميّة فلم يثبت بناء العقلاء -ولا بدَّ من عدم ثبوته- فإنَّ الدلالة الالتزاميّة ليست دلالةً مستقلّةً، بل هي تابعةٌ لثبوت الملزوم، فإذا لم يثبت الملزوم وعلمنا أنَّ الإخبار به غير مطابقٍ للواقع، فاللازم أيضاً لم يثبت، فلا يمكن الأخذ به.
ــــــــــ[121]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ما ذكره شيخنا الأستاذ(1) واعتمد عليه، وحاصله: أنَّه لا إشكال في اشتراط التكليف بالقدرة، وأنَّه يقبح التكليف بما ليس بمقدور، لأنَّه تكليفٌ بما لا يطاق، ولا يصدر من الحكيم.
إلَّا أنَّ اعتبارها في متعلّق التكليف وفعليّته ليس مختلفٌ، فقد يكون ذلك من جهة جعل الشارع الفعل المقدور متعلّقاً للتكليف، فتكون القدرة مأخوذةً في مرتبةٍ سابقةٍ على التكليف، بمعنى: أنَّه يفرض الفعل مقدوراً، ثُمَّ يتعلّق التكليف به. وتسمّى هذه القدرة بالقدرة الشرعيّة، لأنَّ اعتبارها اعتبارٌ شرعيٌّ، فيُقال: إنَّها معتبرةٌ في التكليف شرعاً، وذلك قد يكون بالدلالة المطابقيّة كقوله تعالى: وَللَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(2)، فقد أُخذت الاستطاعة في موضوع التكليف، وهذا بمعنى: يجب الحجّ على من استطاع، فالاستطاعة هنا مفروضة الوجود، وبعد تحقّقها يؤمر المكلّف بالحجّ، وهذا هو المراد من أخذ القدرة في التكليف شرعاً، أي: أخذها مفروضة الوجود في المرتبة السابقة على تعلّق التكليف بالموضوع. وكقوله: “إذا قوي فليقم”(3)، فقد
ــــــــــ[122]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 265.
(2) آل عمران: 97.
(3) الكافي 3: 410، باب صلاة الشيخ الكبير والمريض، الحديث 3، وسائل الشيعة 5: 495، الباب 6: باب حدّ العجز عن القيام وسقوطه مع تجدّد العجز ووجوبه في الفريضة مع تجدّد القدرة في أثناء الصلاة، الحديث 3.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
أُخذ في موضوع الأمر بالقيام القدرة عليه.
وقد يكون هذا بالدلالة الالتزاميّة، لا بالدلالة المطابقيّة، كأمره تعالى بالغسل والوضوء عند القيام إلى الصلاة، وتقييد الأمر بالتيمّم -بعد ذلك- بعدم وجود الماء يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(1)، فأُخذ في موضوع التيمّم عدم وجدان الماء، وبالدلالة العرفيّة: يُفهم أنَّ الأمر بالوضوء مقيّدٌ بالوجدان، فإنَّ التقسيم قاطعٌ للشركة، لأنَّه أمر جماعةً من الناس بالوضوء وجماعةً أخرى بالتيمّم، فيُعلم منه أنَّهما غير مشتركين في شيءٍ واحدٍ، وحيث إنَّ الأمر بالتيمّم قيّد بعدم وجدان الماء، فيُفهم منه أنَّ الأمر بالوضوء إنَّما هو في فرض وجدان الماء، إذ لا يخلو المكلّف من وجدانه للماء أو عدمه، لعدم إمكان ارتفاع النقيضين. فيُفهم من الآية أنَّ الأمر بالوضوء أو بالاغتسال مختصٌّ بواجد الماء، وليس المراد من الوجدان في الآية
-بقرينة ذكر المريض فيها- وجود الماء عنده، وإلَّا فالمريض كثيراً ما يكون واجداً للماء، بل المراد من الوجدان القادر والمتمكّن من استعماله.
ــــــــــ[123]ــــــــــ
(1) المائدة: 6.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فالمتحصّل من الآية: أنَّ من لا يقدر على استعمال الماء -إمّا لعدمه أو لعدم التمكّن من استعماله مع وجوده كالمريض- مكلّفٌ بالتيمّم، فإذا كان الماء موجوداً وكان المكلّف متمكّناً من استعماله يؤمر بالوضوء والاغتسال. إذن، فالقدرة مأخوذةٌ في التكليف ومفروضة الوجود في مرتبةٍ سابقةٍ عليه.
ففي هذين القسمين -فيما إذا كانت القدرة مأخوذةً في الموضوع بالدلالة المطابقيّة أو بالدلالة الالتزاميّة- نستكشف أنَّ الملاك إنَّما يختصّ بالقادر، ففي فرض القدرة يكون الفعل واجداً للملاك، وإلَّا كان أخذ قيد القدرة في الموضوع لغواً وبلا فائدة -مع أنَّ التكليف مشروطٌ بالقدرة عقلاً- فيكون أخذها في الموضوع كاشفاً عن ثبوت التكليف للموضوع بهذا المقدار، ولا مقتضي له إلَّا في الفعل المقدور.
نعم، إذا قامت قرينةٌ خارجيّةٌ على أنَّ أخذ القدرة في موضوع التكليف إنَّما هو للإرشاد إلى حكم العقل -لا لأجل المولويّة- فلا يُستكشف منه اختصاص الملاك بالفعل المقدور، لأنَّه حكمٌ عقليٌّ، وليس تقييداً شرعيّاً.
فتلخّص ممّا سبق: أنَّ القدرة إذا كانت مأخوذة قيداً شرعاً -لا إرشاداً إلى حكم العقل بقبح تكليف العاجز- كان الملاك ثابتاً في الفعل المقدور فقط، ولا يمكن كشف الملاك في أزيد من ذلك، كما في غير القدرة من سائر القيود، فإذا كانت الصلاة مأموراً بها بعد الوقت فلا يمكن استكشاف الملاك في غير هذه الصورة، حتّى يقال: إنَّ الصلاة واجدةٌ للملاك حتّى قبل دخول الوقت. وكذا الحال في أخذ القدرة في موضوع التكليف، إذ لا يمكن كشف الملاك في غير هذا الموضوع.
ــــــــــ[124]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
إذن، إذا لم يتمكّن المكلّف من استعمال الماء فلا يمكن استكشاف أنَّه واجدٌ للملاك، ولذا حكم ببطلان الوضوء بالنسبة إلى المأمور بالتيمّم حتّى على القول بجواز الترتّب -على ما نتكلّم فيه إن شاء الله تعالى- فإنَّه حتّى على القول بجواز الترتّب وإمكان أن يأمر الشارع بالضدّين على نحو الترتّب: بأن يأمر بأحدهما ويأمر بالآخر على تقدير عصيان الأوّل، فإنَّما يكون ذلك إذا كان الفعل واجداً للملاك وكان المانع من ناحية الأمر فقط، وأمّا إذا كان فاقداً للملاك فلا مقتضي للأمر. فالقول بجواز الترتّب لا يصحّح الأمر بما لا ملاك فيه.
فحال القدرة المأخوذة شرعاً في موضوع تكليفٍ، حالُ بقيّة القيود في اعتبارها في الملاك وأنَّها دخيلةٌ فيه.
وقد يرد التكليف على الإطلاق، من دون قيدٍ مولويٍّ بالقدرة -أي: إنَّ الموضوع غير مقيّدٍ بالقدرة في لسان الدليل لا مطابقةً ولا التزاماً- ولكن الفعل يتقيّد بالقدرة حال عروض التكليف، بمعنى: أنَّ التقييد بالقدرة يكون في مرتبة حال عروض التكليف، لا في مرتبة الموضوع، وهي في مرتبةٍ سابقةٍ على عروض التكليف، لما بينّاه سابقاً من أنَّ القضيّة الحقيقيّة لا بُدَّ فيها من فرض الموضوع خارجاً عند الحكم عليه.
فإذا لم يكن الموضوع مقيّداً بقيدٍ مولويٍّ -لا بالمطابقة ولا بالالتزام- وكان التقييد في مرتبة عروض الحكم، فنتمسّك بالإطلاق في مرتبة الموضوع، وبه نستكشف أنَّ الفعل واجدٌ للملاك مطلقاً، وإلَّا كان على المولى البيان وتقييد الموضوع بالقدرة، وحيث إنَّه لم يقيّد، بل جعل حكمه على الموضوع على
ــــــــــ[125]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
إطلاقه، نستكشف أنَّ الفعل واجدٌ للملاك على نحو الإطلاق، وإن كان قيد القدرة مأخوذاً في مرتبة عروض الحكم.
فلو فرضنا أنَّ الواجب الموسّع -كما هو محلّ كلامنا- غير مشروطٍ بالقدرة شرعاً، فالقدرة لم تؤخذ في موضوع التكليف، وفرضنا أنَّ فرداً من هذه الطبيعة وجد في الخارج فإنَّنا نحكم بصحّته، لأنَّه واجدٌ للملاك بمقتضى إطلاق المتعلّق وعدم تقييده بالقدرة.
وملخّص ما أفاده، وجعله ميزاناً كلّيّاً: أنَّه فيما إذا كانت القدرة مأخوذةً في الموضوع شرعاً، اختصّ الملاك بالفعل المقدور، وفيما إذا لم تؤخذ كذلك فالمقتضي موجودٌ على الإطلاق، والملاك متحقّقٌ على الإطلاق، وإن كان التكليف مشروطاً بحال القدرة.
ثمَّ أورد على نفسه وجوهاً، وأجاب عنها(1):
الوجه الأوّل: أنَّ التفرقة بين اعتبار القدرة شرعاً وبين اعتبارها عقلاً، إنَّما تصحّ على مسلك من يرى أنَّ اعتبار القدرة إنَّما هو بحكم العقل، من جهة قبح تكليف العاجز، فحينئذٍ يتمّ هذا التفصيل، فيقال: إنَّ القدرة إن أُخذت في الموضوع شرعاً كشف هذا عن أنَّ الملاك قائمٌ بالمقدور فقط، وإن لم تؤخذ في الموضوع كشف هذا عن أنَّ الملاك قائمٌ بالموضوع على الإطلاق من جهة عدم
ــــــــــ[126]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 267- 269.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
تقييد المولى، إذ يُستكشف من عدم تقييد المولى الموضوع بالقدرة في مقام الإثبات عدم تقييده بها في مقام الثبوت.
قال: وأمّا على ما سلكتم من أنَّ اعتبار القدرة في التكليف إنَّما هو لاقتضاء نفس الخطاب، فإنَّ الخطاب بنفسه يقتضي أن يكون متعلّقه مقدوراً، إذ لا يمكن البعث نحو شيءٍ غير مقدور، فإنَّ إمكانه يلازمه إمكان الانبعاث، فإذا كان الإنبعاث مستحيلاً كان البعث مستحيلاً، فالبعث نحو شيءٍ والأمر به هو بنفسه يقتضي مقدوريّة متعلّقه.
فعلى ذلك: تكون القدرة مأخوذةً في موضوع التكليف شرعاً دائماً، بلا فرق في ذلك بين ما يصرّح الشارع به وبين ما لا يصرّح به، فإنَّه قد يصرّح بذلك كما في آية الحجّ، فتؤخذ الاستطاعة في الموضوع، وقد لا يكون هناك تصريحٌ، وإنَّما يستفاد ذلك من الدليل باعتبار الدلالة العقليّة، فإنَّ البعث نحو شيءٍ غير ممكنٍ إلَّا أن يكون ذلك الشيء مقدوراً، فكأنَّه قيل في مقام الخطاب: أوجِد الطبيعة المقدور عليها. فالقدرة مأخوذةٌ في التكليف لاقتضاء نفس التكليف، لا لأمرٍ خارجيٍّ. فأيّ إطلاق في الكلام ليتمسّك به ويقال: إنَّ الفعل واجد للملاك سواءٌ أكان مقدوراً أم لم يكن؟
الوجه الثاني: على تقدير التسليم بأنَّ اقتضاء نفس التكليف لاعتبار القدرة لا يقيّد متعلّق التكليف من جهة الملاك، إلَّا أنَّه لا إشكال في أنَّ هذا الاقتضاء صالحٌ لاعتماد المتكلّم عليه من جهة تقييد ما يشتمل عليه الملاك، فيكون داخلاً في الكبرى المسلّمة، وهي: أنَّ الكلام إذا كان محفوفاً بما يصلح للقرينيّة لا ينعقد
ــــــــــ[127]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
له ظهورٌ في الإطلاق، ولا في غير الإطلاق.
وحيثُ إنَّ كشف الملاك من جهة الإطلاق وسكوت المولى في مقام البيان، فإذا احتمل أنَّه اعتمد في التقييد على اقتضاء نفس الخطاب لذلك، فالملاك خاصٌّ بالحصّة المقدورة، إلَّا أنَّ المولى لم يبيّن ذلك اعتماداً على اقتضاء نفس التكليف لذلك، فيكون داخلاً في موضوع احتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة، فلا ينعقد له ظهورٌ في الإطلاق.
الوجه الثالث: أنَّ التمسّك بالإطلاق في المقام غير ممكنٍ، فإنَّ من جملة مقدّمات الحكمة أن يلزم من عدم التقييد في مقام الإثبات نقض الغرض إذا كان الحكم مقيّداً في الواقع، ونقض الغرض قبيحٌ، فيستكشف من عدم التقييد في مقام الإثبات الإطلاقُ في مقام الثبوت.
ومن الظاهر: أنَّ عدم التقييد في المقام لا يلزم منه نقض الغرض أبداً، فالمكلّف لا يستطيع الإتيان بالفعل غير المقدور حتّى يكون سكوت المولى عن التقييد بالمقدور -مع فرض دخل القدرة في الملاك- نقضاً للغرض.
فالتمسّك بالإطلاق إنَّما يصحّ فيما لو كان كلّ من الفردين -المقيّد وغير المقيّد- مقدوراً للمكلّف، كما إذا أمر المولى بشيءٍ ولم يقيّده باستقبال القبلة، فيستكشف من إطلاق الكلام: أنَّ الأمر ليس مقيّداً بالاستقبال، إذ لو كان مقيّداً به ولم يبيّنه المولى فقد يأتي المكلّف بالفعل من دونه، فلا يكون المولى قد استوفى غرضه، فيلزم منه نقض الغرض.
فالتمسك بالإطلاق إنّما يكون فيما إذا كان كل من الفردين داخلين تحت
ــــــــــ[128]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
قدرة المكلف. أمّا إذا كان القيد هو اعتبار القدرة، فمتى يتمكن المكلف من الإتيان بغير المقدور حتّى يقال: إنَّ القدرة لو كانت دخيلةً لكان على المولى أن يبيّنها، وإلَّا يلزم منه نقض الغرض، لأنَّ المكلّف قد يأتي بالفعل غير المقدور، والمفروض أنَّ المكلّف لا يمكنه الإتيان إلَّا بالمقدور، فلا يلزم من عدم التقييد نقض الغرض، فلا يمكن استكشاف الإطلاق لحال القدرة وعدمها.
وأجاب عن هذه الوجوه(1):
أمّا عن الوجه الأوّل، فبما حاصله: أنَّ اقتضاء التكليف لاعتبار القدرة وإن كان مقيّداً للأمر، إلَّا أنَّ التقييد إنَّما هو في مرتبة عروض التكليف لا في مرتبةٍ متقدّمةٍ عليه، وهي مرتبة اشتماله على الملاك.
وكلامنا في الشكّ في أنَّ الفعل واجدٌ للملاك على الإطلاق أم واجدٌ له في فرض القدرة فقط؟ ومرتبة القدرة متقدّمةٌ على مرتبة عروض التكليف، لأنَّها مرتبة الموضوع، والتقييد إنَّما هو في مرتبةٍ لاحقةٍ، وهي مرتبة عروض التكليف، فالتقييد في المرتبة اللاحقة لا يمكن أن يكون قيداً لمرتبةٍ سابقةٍ، ولا يسري إليها. وعليه، فلا يعقل أن يكون اقتضاء التكليف لاعتبار القدرة موجباً لتقييد الفعل بالقدرة، فإنَّ هذا في مرتبةٍ متأخّرة عن مرتبة القدرة.
وهذا بعينه أجاب به عن الوجه الثاني: إذا لم يمكن تقييد الأمر بشيءٍ متأخّرٍ، فلا يكون صالحاً للقرينيّة، فإنَّ هذا قيدٌ للأمر المتأخر، والقيد في المرتبة المتأخّرة لا يسري إلى المرتبة المتقدّمة. فلا يمكن التقييد من حيث القدرة لا
ــــــــــ[129]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 263- 269.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
جزماً ولا احتمالاً، فلا مانع من التمسّك بالإطلاق.
وأما عن الوجه الثالث (أنَّه لا يلزم من هذا نقض الغرض):
فأوّلاً: بأنَّ هذا إنَّما يصحّ إذا شككنا في دخل القدرة في ملاك الفعل غير المقدور تكويناً، وأمّا في فرض المزاحمة -على ما هو محلّ الكلام- فيكون مقدوراً تكويناً، إلَّا أنَّه غير مقدور تشريعاً، باعتبار أنَّ الشارع سلب القدرة عنه، لأمره بالواجب المضيّق، فالمكلّف يستطيع أن يأتي بالصلاة أو الإزالة، فهو متمكّن من الإتيان بالفعل غير المقدور تكويناً مع أنَّه غير مقدور تشريعاً، وهذا يلزم منه نقض الغرض، فإنَّ المولى إذا لم يقيّد متعلّق أمره بالقدرة، فحينئذٍ يتمسّك المكلّف بالإطلاق، ويأتي بالفعل غير المقدور شرعاً، فيلزم من ذلك نقض الغرض، فمن عدم التقييد نستكشف الإطلاق.
فهذه الشبهة إنَّما تكون بالنسبة إلى غير المقدور تكويناً، وأمّا غير المقدور تشريعاً فيلزم من عدم أخذه قيداً نقض الغرض.
وثانياً: أنَّ لزوم نقض الغرض ليس من مقدّمات الحكمة، إذ لا يعتبر فيها لزوم نقض الغرض من عدم التقييد، فإنَّ ما أُخذ في مقدّمات الحكمة: أنَّ المولى إذا كان في مقام البيان ولم يبيّن القيد كشف عدم التقييد في مقام الإثبات عن عدم التقييد في مقام الثبوت، وإلَّا لزم الخلف، وهو أنَّه في مقام البيان ومع ذلك لم يبيّن.
فمن تبعيّة مقام الإثبات لمقام الثبوت ومن عدم وجود التقيّيد في مقام الإثبات، نستكشف عدم التقييد في مقام الثبوت، وإلَّا لزم الخلف، وأنَّ المولى لم
ــــــــــ[130]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
يكن في مقام البيان، سواءٌ لزم من ذلك نقض الغرض أم لم يلزم. فنقض الغرض ليس من مقدّمات الحكمة.
هذا ملخصّ ما ذكره.
فتحصّل: أنَّنا نستكشف الإطلاق في كلِّ مورد لم تكن القدرة مأخوذةً في موضوع الدليل بالدلالة المطابقيّة -كآية الحجّ- ولا بالدلالة الالتزاميّة -كآية الوضوء- فالفعل واجدٌ للملاك على الإطلاق، غاية الأمر: أنَّ الأمر والإيجاب إنَّما هو في فرض القدرة، وأمّا مع عدمها فلا تكليف، إلَّا أنَّ الفعل في هذا الحال واجدٌ للملاك.
إلَّا أنَّ ما أفاده لا يمكن المساعدة عليه، فإنَّ الإطلاق الذي أراد أن يتمسّك به إن كان هو الإطلاق المصطلح، وهو التمسّك بمقدّمات الحكمة لإثبات أنَّ مقام الثبوت مطلقٌ كمقام الإثبات، كما هو ظاهر جملة من كلماته:
فإن كان الإطلاق إطلاقاً لفظيّاً، وأنَّ اللفظ ظاهرٌ في هذا المعنى، فيدخل في باب حجيّة الظهور، إلَّا أنَّ ذلك لا يمكن المساعدة عليه:
أوّلاً: أنَّ من جملة مقدّمات الحكمة أن يكون المولى في مقام البيان، ومن الواضح أنَّ الآمر إنَّما هو في مقام بيان ما يتعلّق به تكليفه من الواجب والحرام، وأمّا ما يتقوّم به الملاك فليس في مقام البيان أبداً، والموالي العرفيّة كثيراً ما يغفلون عن ذلك ولا يلتفتون إلى اشتمال الفعل على الملاك، حتّى يتمسّك بالإطلاق من هذه الجهة. فالتمسّك بالإطلاق إنَّما يكون بالنسبة إلى الحكم،
ــــــــــ[131]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فيقال: إنَّ الحكم ورد على طبيعةٍ غير مقيّدةٍ بشيءٍ، والمولى في مقام البيان، ولو كان للقيد دخلٌ في متعلّق حكمه لبيّنه، فمن عدم البيان يستكشف عدم الدخل، فيكون الكلام ظاهراً في أنَّ الإرادة الجدّيّة قد تعلّقت بالمطلق، فيثبت الإطلاق. وأمّا الملاك، فالمولى ليس في مقام بيان ما يكون مشتملاً عليه، ومقدّمات الحكمة غير جاريةٍ فيه، فالتمسّك بالإطلاق غير ممكن.
وثانياً: إنّنا لو فرضنا أنَّ المولى كان في مقام البيان من جهة الاشتمال على الملاك أيضاً، فمع ذلك لا يمكن التمسّك بالإطلاق، لأنَّ المولى إذا كان في مقام البيان، فهو في مقام بيان اشتمال الفعل على الملاك فيما تعلّقت به الإرادة الجدّيّة، لا فيما تعلّقت به الإرادة الاستعماليّة.
فلو فرضنا أنَّ المولى بيّن أنَّ كلّ ما أمر به واجدٌ للمصلحة، فما تعلّقتْ به الإرادة الجديّة يكون مشتملاً على الملاك، وأمّا ما لم تتعلّق به فلا يكون مشتملاً عليه، وإن كان متعلّقاً للإرادة الاستعماليّة في مقام الإثبات.
غايتُه: أنَّ كلّ ما هو متّصفٌ بالوجوب وقد أراده المولى جدّاً فهو واجدٌ للملاك، فإذا فرضنا أنَّ متعلّق الوجوب -بحكم العقل أو لاقتضاء نفس التكليف- إنَّما هو الحصّة المقدورة، فكيف يمكن كشف الملاك في غير المقدور، مع أنَّ الإرادة الجدّيّة قد تعلّقت بالمقدور لاقتضاء نفس الخطاب ذلك أو لحكم العقل به. فيُعلم أنَّ الإرادة الجدّيّة والوجوب -مثلاً- قد تعلّق بالمقدور، وأمّا غيره فليس بواجبٍ ولم تتعلّق به الإرادة الجدّيّة، فكيف يمكننا كشف الملاك بالنسبة إليه؟
ــــــــــ[132]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فعلى تقدير كون المولى في مقام البيان، يكون التقييد بحكم العقل أو لاقتضاء الخطاب، كافياً في عدم جواز التمسّك بالإطلاق. وعلى ذلك، فالتمسّك بالإطلاق غير ممكنٍ، إمّا لأنَّ المولى ليس في مقام البيان، أو لأنَّه على تقدير كونه في مقام البيان، فالبيان خاصٌّ بالإرادة الجدّيّة، وغيره لا يمكن كشف الملاك فيه.
نعم، هذا -أي: الإشكال الثاني- إنَّما يتمّ على تقدير اعتبار القدرة في نفس الخطاب في متعلّق التكليف كما ذكره، أو بحكم العقل كما هو المعروف.
أمّا على ما بيّناه إجمالاً -ولعلّنا نبيّنه تفصيلاً بعد ذلك- فإنَّ القدرة غير معتبرةٍ في الخطاب، ولا هي شرطٌ من شرائط التكليف، وإنَّما هي معتبرةٌ في موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال، ففي فرض عدمها لا يحكم العقل بلزوم الإطاعة، وإلَّا فإنَّ اعتبار شيءٍ على ذمّة المكلّف وإبرازه في الخارج لا يتوقّف على كون الفعل مقدوراً، بل يمكن أن يكون الفعل الثابت في ذمّة المكلّف غير مقدورٍ، إلَّا أنَّ هذا الاعتبار لا بُدَّ من أن ينشأ من مصلحة، لئلّا تلزم اللغويّة، كما هو الحال في تكليف الميّت بأداء الدين، فإنَّ هذا ليس لغواً، لأنَّ أثره إخراج الدين من التركة أو وجوب إفراغ ذمّة الميّت -من الصلاة والصوم- على الولد الأكبر أو سائر الأولاد أو سائر المؤمنين.
فالقدرة غير مأخوذةٍ لا باقتضاء نفس التكليف ولا بحكم العقل في متعلّق التكليف، وما يحكم به العقل هو قبح عقاب العاجز، بأن يأمر المولى بشيءٍ ويعاقب العاصي العاجز، فالقدرة معتبرةٌ في مرحلة الامتثال، لا في مرحلة التكليف. إذن، لم يلزم اللغويّة من الاعتبار.
ــــــــــ[133]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وعليه، فالإشكال الثاني غير واردٍ، فلو كان المولى في مقام البيان، لكان متعلّق الحكم مطلقاً وغير مقيّدٍ بالقدرة، فيمكننا بذلك إثبات الملاك حال عدمها.
وأمّا الإشكال الأوّل فهو باقٍ على حاله، وهو أنَّ المولى ليس في مقام البيان من جهة الملاك.
وإن أراد من التمسّك بالإطلاق غير الإطلاق اللفظي أنَّ الإرادة الجديّة ومقام الثبوت مطابقٌ لمقام الإثبات، فكما أنَّ مقام الإثبات مطلقٌ فكذلك مقام الثبوت. بل أراد معنىً آخر كما في بعض كلماته، وهو أنَّ الخطاب والتكليف يستكشف منه إنّاً (كشف المعلول عن علته) أنَّ متعلّقه واجدٌ للملاك، وإن لم يكن المولى في مقام البيان، فإذا كان الفعل واجباً فهو مشتملٌ على الملاك لا محالة، وبإطلاق المتعلّق -حيث إنَّ القدرة إنَّما اعتبرت في مرحلة التكليف لا في مرحلةٍ متقدّمةٍ على ذلك- فنستكشف أنَّ الفعل واجدٌ للملاك مطلقاً، وإن كان التكليف خاصّاً بفرض القدرة ولا يحتاج إلى كون المولى في مقام البيان حتّى يقال بعدم إمكان أن يكون في مقام البيان أبداً.
فإن أراد هذا المعنى من التمسّك بالإطلاق، فهو عين الأخذ بالدلالة الالتزاميّة فيه مع سقوط الدلالة المطابقيّة.
وبعبارة أخرى: إنَّ الملاك هنا لم يستكشف من الدلالة اللفظيّة وإنَّما كشف عنه كشف المعلول عن علّته، فدلّ الأمر بالدلالة المطابقيّة على الوجوب وبالالتزاميّة على أنَّه واجدٌ للملاك.
وقد ذكرنا عدم إمكان الأخذ بالدلالة الالتزاميّة بعد سقوط الدلالة المطابقيّة، وفرضنا أنَّ الوجوب مختصٌّ بحال القدرة إمّا بحكم العقل أو
ــــــــــ[134]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
لاقتضاء نفس التكليف ذلك، فتكون الدلالة الالتزاميّة بهذا المقدار، فمتى ثبت الوجوب يستكشف منه الملاك. أمّا إذا لم يثبت -كما في حال العجز عن الامتثال- فلا يمكن استكشاف العلّة من المعلول، مع أنَّ المعلول غير ثابتٍ.
إذن، لا يمكن كشف الملاك بأيّ وجهٍ من الوجوه الثلاثة فلا يمكن تصحيح الفرد المزاحم، وهو الفرد من الواجب الموسّع إذا زاحمه واجبٌ مضيّق، مع بنائنا على سقوط الأمر، فلا يمكننا الحكم بصحّة هذا الفرد من جهة الملاك، لعدم إحراز الملاك في هذا الفرد.
بقي أمران، تقدّم أحدهما وهو: أن شيخنا الأستاذ قد ذكر(1) أنَّ إحراز الملاك بوجهٍ من الوجوه يدلّ على صحّة الفعل، وإن كان منهيّاً عنه، لاقتضاء الأمر بشيء النهي عن ضدّه، وعليه. فلا تتحقّق -عنده- ثمرةٌ لهذه المسألة، حيث إنَّ العبادة محكومةٌ بالصحّة مع عدم النهي، وهذا واضحٌ، وعلى تقدير النهي أيضاً فإنَّه نهيٌ غيريٌّ لم ينشأ لمفسدةٍ في متعلّقه، بل لأجل التوصّل إلى امتثال الواجب المضيّق، فإذا لم يأتِ بالمضيّق فهو باقٍ على محبوبيّته وقابلٌ للتقرّب به، فيقع الفعل صحيحاً.
وهذا الذي أفاده صحيحٌ ومتينٌ لو استكشفنا الملاك وأمكننا إحرازه في هذه العبادة، فإنَّنا نحكم بصحّتها حتّى لو كان منهيّاً عنها، لأنَّ النهي الغيريّ لا يزيل المحبوبيّة الذاتيّة.
ــــــــــ[135]ــــــــــ
(1) انظر: اجود التقريرات 1: 264.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
أمّا الأمر الثاني، فقد ذكر(1): أنَّه إذا لم يمكننا استكشاف الملاك -كما إذا كانت القدرة مأخوذةً في موضوع الحكم في لسان الدليل بالدلالة المطابقيّة أو الالتزاميّة- فلا يمكن الالتزام بالترتّب، فيُحكم بفساد العبادة حتّى على القول بجواز الترتّب.
إلَّا أنَّ هذا لا يمكن المساعدة عليه، فإنَّ القول بالترتّب لا يتوقّف على إحراز الملاك، بل يمكن تصحيح العبادة بالترتّب ولو لم يحرز الملاك، فلو لم يكن الوضوء مأموراً به، وتعلّق الأمر بالتيمّم، وعصى المكلّف وتوضّأ، أمكننا تصحيح هذا الفعل بالترتّب في الموارد التي لا يكون فيها الوضوء محرّماً ولا مبغوضاً كالوضوء بالماء المغصوب، فلو كان عدم الأمر به لأجل المزاحم فقط، كما لو كان الوقت ضيّقاً لا يسع الوضوء، وكان مأموراً بالتيمّم، فعصى وتوضّأ، يحكم بصحّة العبادة بالترتّب وإن لم يمكن إحراز الملاك في هذا الحال، فإنَّ الملاك يستكشف من الأمر نفسه. وتفصيل الكلام في بحث الترتّب.
هذا تمام كلامنا في تصحيح العبادة بالملاك.
يقع الكلام فيما ذكره المحقّق الثاني(2) من تصحيح العبادة باعتبار أنَّ المأتيّ به فردٌ من الطبيعة المأمور بها تكويناً، وجواز الإتيان بالواجب الموسّع امتثالاً للأمر المتعلّق بالطبيعة.
ــــــــــ[136]ــــــــــ
(1) انظر: اجود التقريرات 1: 309.
(2) انظر: جامع المقاصد في شرح القواعد 5: 13، 14.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وحاصل ما أفاده: الحكمُ بصحّة هذا الفرد على تقدير القول بعدم اقتضاء الأمر بشيءٍ للنهي عن ضدّه، لأنَّ الأمر بشيءٍ إذا كان يقتضي النهي عن ضدّه، فهذا الفرد منهيٌّ عنه، وإن كان النهي غيريّاً، وما كان منهيّاً عنه لا يمكن أن يشمله الأمر بالطبيعة، فيكون الواجب مقيّداً بغير هذا الفرد، ولا يكون الإتيان به امتثالاً للأمر بالطبيعة، وقد فرض عدم الحكم بصحّته من جهة الملاك، فيقع فاسداً.
وبعبارةٍ أخرى: أنَّ الأمر بالضدّ يوجب تقييد الواجب بغير ضدّه، لأنَّ المفروض أنَّ الأمر بشيء مقتضٍ للنهي عن ضدّه، والأمر والنهي والبعث والزجر يستحيل اجتماعهما في موردٍ واحدٍ، سواءٌ كان النهي نفسيّاً أم غيريّاً، فالطبيعة المأمور بها مقيّدةٌ بغير المنهيّ عنه، فيقع هذا الفرد فاسداً.
أمّا إذا لم نقل بأنَّ الأمر بشيءٍ يقتضي النهي عن ضدّه، فلا مانع من الحكم بصحّة هذا الفرد، لأنَّ أفراد الطبيعة المأمور بها لا يكون كلّ فردٍ منها مأموراً به بنفسه، إذ المفروض أنَّ الأمر قد تعلّق بالطبيعيّ الجامع بين الأفراد، والخصوصيّات كلّها خارجةٌ عن حيّز الأمر. ففي مثل ذلك -أي: إذا لم يكن الفرد المزاحم منهيّاً عنه نهياً نفسيّاً ولا نهياً غيريّاً- يكون إطلاق المأمور به شاملاً لهذا الفرد، ويكون جزءاً من الطبيعة المأمور بها. والفرد لا يكون مأموراً به في فرض المزاحمة ولا في فرض عدم المزاحمة، فإنَّ الأمر متعلّقٌ بالطبيعيّ الجامع بين هذا الفرد والأفراد الأخرى.
ودعوى: أنَّ هذا الفرد غير مقدورٍ لأجل الأمر بضدّه المضيّق فلا يشمله الأمر بالطبيعة.
ــــــــــ[137]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
مدفوعة بأنَّ المعتبر هو القدرة على الطبيعيّ، والطبيعيّ المأمور به في المقام مقدورٌ، والفرد وإن لم يكن مقدوراً إلَّا أنَّ الأمر لم يكن متعلّقاً به وإنَّما كان متعلّقاً بالطبيعيّ الجامع، والقدرة معتبرةٌ فيما يتعلّق به الأمر دون غير ما تعلّق بالأمر، والأمر تعلّق بالطبيعيّ الجامع وهو مقدورٌ، وانطباق هذه الطبيعة على هذا الفرد قهريٌّ، والإجزاء عقليٌّ، فلا فرق بين الفرد المزاحَم وغيره.
فعلى ما أفاده المحقّق الثاني تظهر ثمرة المسألة، وهي مسألة اقتضاء الأمر بشيءٍ للنهي عن ضدّه في الفرد الموسّع المزاحم للمضيّق. فعلى القول بالاقتضاء يُحكم بالفساد، وعلى القول بعدمه يُحكم بالصحّة. بناءً على عدم إمكان كشف الملاك من غير ناحية الأمر، كما هو الصحيح.
ذكر شيخنا الأستاذ(1): أنَّ الذي أفاده المحقّق الثاني إنَّما يتمّ على مسلك المشهور، من أنَّ اعتبار القدرة في متعلّق التكليف نشأ من حكم العقل بقبح تكليف العاجز، فبناءً عليه يتمّ ما ذكره المحقّق الثاني، فإنَّ العقل لا يعتبر القدرة في الفرد المأتيّ به، وإنَّما يعتبرها في متعلّق التكليف، والمفروض أنَّ التكليف قد تعلّق بالطبيعيّ الجامع، لا بهذا الفرد، فليس هناك محذورُ قبحِ تكليفِ العاجز، إذ المفروض أنَّ المأمور به هو الطبيعيّ الجامع، وهو مقدورٌ.
فعلى هذا المسلك يكون ما ذكره المحقق الثاني صحيحاً، فإنَّه على
ــــــــــ[138]ــــــــــ
(1) انظر: اجود التقريرات 1: 263، 264.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الاقتضاء للنهي عن الضدّ نحكم بالفساد، لأنَّ النهي يوجب الإتيان بضدّ الواجب، وأمّا على القول بعدم الاقتضاء فيمكن الإتيان بالفرد بداعي الأمر بالطبيعة، فيُحكم بصحّته.
وأمّا بناءً على ما اختاره من أنَّ اعتبار القدرة ليس من ناحية حكم العقل بقبح تكليف العاجز، فإنَّ هذا وإن كان صحيحاً، إلَّا أنَّه لا يكون موجباً لاشتراط القدرة في متعلّق التكليف، فإنَّ العلّة في ذلك أمرٌ أسبق من ذلك، والشيء ينسب إلى أسبق علله، والعلّة السابقة لاعتبار القدرة هي: أنَّ التكليف بنفسه يقتضي اعتبار القدرة في المتعلّق، وهذا ذاتيٌّ في التكليف، فإذا كان ذاتيّاً فلا ينتهي الأمر إلى التعليل بأمرٍ عرضيٍّ، وهو حكم العقل بقبح تكليف العاجز. فنفس الخطاب يقتضي القدرة على متعلّقه، فإنَّ إمكان البعث يستلزم إمكان الانبعاث، ولا معنى للبعث نحو شيءٍ يستحيل الانبعاث نحوه، والتكليف تحريكٌ لعضلات العبد نحو شيءٍ، فإذا كانت العضلات لا تتحرّك نحو الشيء، فكيف يمكن التحريك، فإمكان التحريك ملازمٌ لإمكان التحرّك، واستحالة التحريك ملازمةٌ لاستحالة التحرّك، فالتحريك والتحرّك والبعث والانبعاث متلازمان في الإمكان والامتناع.
فإذا كان الأمر كذلك، وكان التكليف بنفسه يقتضي اعتبار القدرة في المتعلّق، وهذا أمرٌ ذاتيٌّ، فلا ينتهي الأمر إلى الأمر العرضي وهو حكم العقل، فالقدرة مأخوذةٌ في نفس الدليل، ولكن في مرتبة الحكم لا في مرتبة الموضوع، فالبعث إنَّما تعلّق بالحصّة المقدورة.
ــــــــــ[139]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
إذن، تفصيل المحقّق غير صحيحٍ على كلا التقديرين، فسواءٌ قلنا بأنَّ الامر بشيءٍ يقتضي النهي عن ضدّه أم لم نقل، يُحكم بفساد هذه العبادة، مع عدم النظر إلى الملاك، لأنَّ هذا الفرد مزاحمٌ للمضيّق فهو غير مقدورٍ، وليس هو من أفراد الطبيعة المأمور بها، لأنَّ المأمور به قُيّدَ في نفس الدليل بالقدرة، فالأمر بالصلاة أمرٌ بالصلاة المقدورة، وهذا الفرد ليس مقدوراً، فهو ليس من الطبيعة المأمور بها.
والنتيجة هي الحكم بالفساد بلا فرقٍ بين القول بالاقتضاء وعدمه.
وممّا سبق يتبين صحّة ما ذكره الشيخ البهائي(1) من أنَّ الأمر بشيءٍ وإن لم يكن يقتضي النهي عن ضدّه، فإنَّه مقتضٍ لعدم الأمر بضدّه، وهذا يكفي في الفساد، فإنَّ الطبيعة المأمور بها مقيّدةٌ بالقدرة، ومعه لا تنطبق على المأتيّ به، فيُحكم بفساده.
ما ذكره الشيخ الأستاذ غير تامٍّ على مسلكه، ولا بُدَّ له من أن يلتزم
-على مسلكه- بالفساد على كلا التقديرين، سواءٌ كان اعتبار القدرة في متعلّق التكليف لاقتضاء نفس الخطاب أو لأمر خارجيٍّ.
الوجه في ذلك: أنَّه يرى أنَّ التكليف لا يكون فعليّاً إلَّا إذا أمكن للمكلّف أن يأتي بالواجب في ظرف التكليف، فظرف الامتثال وظرف
ــــــــــ[140]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 1: 312، 313.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
التكليف واحدٌ، وزمان الامتثال وزمان التكليف واحدٌ، ولا يمكن أن ينفكّ أحدهما عن الآخر ليكون التكليف في زمانٍ ويكون الامتثال في زمانٍ آخر، ولذلك أنكر الواجب التعليقي. فعلى ما سلكه من إنكار الواجب المعلّق، وأنَّ زمان التكليف وزمان الامتثال واحدٌ وأنَّهما لا ينفكّان، كيف يمكن له أن يلتزم -في المقام- بالصحّة على تقدير أن يكون اعتبار القدرة في متعلّق التكليف من ناحية حكم العقل بقبح تكليف العاجز.
هَبْ أنّنا بنينا على هذا، وحكمنا بأنَّ القدرة مأخوذةٌ في متعلّق التكليف من ناحية حكم العقل بقبح تكليف العاجز، والعقل لا يرى أزيد من القدرة على الطبيعة، ولو باعتبار بعض أفرادها، ولا يعتبرها على تمام الأفراد، وهذا ظاهرٌ. إلَّا أنَّ هذا يتمّ فيما لو كان بعض الأفراد العرضيّة مقدوراً، وبعضها غير مقدورٍ، كما هو الحال في جميع الواجبات، إذ لا يوجد واجبٌ يكون جميع أفراده مقدورةً، فلا محالة توجد فيه أفرادٌ غير مقدورةٍ، فالصلاة -مثلاً- مقدورةٌ في المكان القريب وغير مقدورةٍ في المكان البعيد.
وحينئذٍ يمكن أن يقال: إنَّ التكليف متعلّقٌ بالجامع بين المقدور وغير المقدور، والعقل لا يرى قبحاً في التكليف بالطبيعة التي يكون بعض أفرادها مقدوراً وبعضها غير مقدورٍ.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الأفراد العرضيّة كلّها غير مقدورةٍ، وكلّ أفراد الطبيعة غير مقدورٍ على الإتيان بها في زمانٍ، فكيف يمكن -في هذا الزمان- التكليف مع عدم إمكان الانبعاث، لعدم القدرة على جمع أفرادها؟
ــــــــــ[141]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّ جميع أفراد الواجب الموسّع عند وجوب الواجب المضيّق في هذا الزمان لا يمكن الإتيان بأيّ فردٍ منها، فأفراد الواجب الموسع في هذا الزمان خارجةً عن القدرة، فكيف يمكن أن يقال: إنَّ الطبيعة مأمورٌ بها في هذا الزمان، فإنَّ الجامع بين المقدور وغير المقدور يمكن التكليف نحوه، وقد فرضنا أنَّ المكلّف غير قادرٍ على الإتيان بأيّ فردٍ منه.
وعليه، يكون التفصيل ساقطاً على مسلكه الذي يدّعي فيه بأنَّ زمان الامتثال لا بُدَّ من أن يكون هو نفسه زمان التكليف. هذا غير معقولٍ، لأنَّ زمان التكليف هو زمان الابتلاء بالمزاحم المضيّق، وزمان الامتثال بعد ذلك، وفي وقت المضيّق لا يكون الواجب الموسّع مقدوراً بتمام أفراده.
فعلى مسلكه لا أمر في هذا الزمان، فكيف يمكن الإتيان بالفرد من الواجب الموسّع بداعي الأمر المتعلّق بالطبيعة.
فما ذكره من تماميّة تفصيل المحقّق الثاني على تقدير أن يكون أخذ القدرة في متعلّق التكليف من ناحية حكم العقل غير ممكنٍ على مسلكه، بل لا بُدَّ له من الحكم بالفساد، سواءٌ قلنا إنَّ القدرة معتبرة في متعلّق التكليف بحكم العقل أم من ناحية اقتضاء نفس التكليف لذلك، إذ على كلا التقديرين ليس هنا حكمٌ فعليٌّ متعلّقٌ بالموسّع، لاستحالة امتثاله في هذا الزمان، فإنَّ جميع أفراده العرضيّة خارجةٌ عن القدرة، وليس للموسّع فردٌ مقدورٌ في هذا الزمان ليكون مصحّحاً للتكليف بالجامع حتّى على اعتبار القدرة من ناحية حكم العقل. هذا من ناحية.
ــــــــــ[142]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ومن ناحية أخرى: ذكر في بحث التعبّدي والتوصّلي(1): أنَّ استحالة التقييد مستلزمةٌ لاستحالة الإطلاق، لأنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد من تقابل الملكة والعدم، فكلّما كان التقييد مستحيلاً كان الإطلاق مستحيلاً، فإنَّ الإطلاق هو عدم التقييد فيما من شأنه التقييد، وإذا لم يمكن التقييد لم يمكن الإطلاق. وهذا أيضاً يقتضي أن يلتزم بالبطلان في المقام، حتّى بناءً على القول بالواجب المعلّق. فيقال: إنَّ الإتيان بالفرد المزاحم من الواجب الموسّع باطلٌ، سواءٌ كان اعتبار القدرة في متعلّق التكليف من ناحية حكم العقل، أم لاقتضاء نفس التكليف.
والوجه في ذلك ظاهرٌ، فإنَّ التكليف بهذا الفرد الموسّع المزاحم للواجب المضيّق غير معقولٍ، لأنَّه تكليفٌ بما لا يطاق، ولا يمكن للمولى أن يأمر بالإزالة ويأمر بالصلاة المقيّدة بزمان الإزالة، فهو من التكليف بالضدّين. فإذا كان التقييد مستحيلاً كان الإطلاق مستحيلاً -على مبناه- فكيف يمكن الإتيان بالفرد بداعي الأمر بالطبيعة؟ فلا بدَّ من أن يكون الأمر بالطبيعة مقيّداً بغير هذا الفرد المزاحم، فلا تكون الطبيعة شاملةً له باعتبارها مأموراً بها. فأيّ أثرٍ لكون اعتبار القدرة من ناحية حكم العقل، أو أنَّه ينشأ من نفس اقتضاء التكليف، بعد أن لم يكن الإطلاق شاملاً لهذا الفرد على كلا التقديرين؟
فعلى مسلكه في هذين الأمرين -أي: إنكاره للواجب المعلّق، وأنَّ زمان التكليف لا بُدَّ من أن يتّحد مع زمان الامتثال ولا يمكن انفكاكه عنه،
ــــــــــ[143]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 520، 521.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
والتزامه بأنَّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق إذ لازم أحد هذين الأمرين الحكم ببطلان هذا الفرد فإنَّه خارج عن حيّز الطبيعة بما هي مأمورٌ بها.
فهذا التفصيل بين ما إذا كانت القدرة معتبرةً في المتعلّق بحكم العقل أو من ناحية اقتضاء نفس التكليف لاعتبارها، فيحكم بالصحّة على الأوّل وبالفساد على الثاني، غير صحيحٍ، إذ لا بُدَّ له على كلا الأمرين من الحكم ببطلان هذا الفرد.
أمّا على مسلكنا من إمكان الواجب التعليقيّ، وإمكان أن يكون زمان التكليف منفكّاً عن زمان المكلّف به، فيكون التكليف متقدّماً والمكلّف به متأخّراً، وكذا على القول بأنَّ استحالة التقييد لا تستلزم استحالة الإطلاق، وأنَّ الإطلاق قد يكون ضروريّاً وإن كان التقييد مستحيلاً، فحينئذٍ يكون تفصيل المحقّق الثاني في محلّه.
فإذا قلنا بأنَّ الأمر بشيءٍ يقتضي النهي عن ضدّه، فهذا الفرد من الواجب الموسّع المزاحم للمضيّق كان منهيّاً عنه لا محالة، فلا يشمله إطلاق الأمر، فيُحكم بفساده.
أمّا إذا قلنا بعدم الاقتضاء، فيكون هذا الفرد مشمولاً للمطلق، ويُحكم بصحّته، بلا فرقٍ بين أن يكون اعتبار القدرة في متعلّق التكليف من ناحية حكم العقل أو لاقتضاء نفس الخطاب، فإنَّ الإطلاق على كلا التقديرين شاملٌ لهذا الفرد، فنحكم بصحّته، ويمكن الإتيان به بداعي الأمر بالطبيعة.
ــــــــــ[144]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الوجه في ذلك: أنَّ الإطلاق شاملٌ له على كلا التقديرين، لأنَّ المورد ليس من موارد التزاحم ولا من موارد التعارض، ولا تنافي بين الواجب الموسّع والواجب المضيّق، لا في مرحلة الجعل، ولا في مرحلة الامتثال.
أمّا في مرحلة الجعل، فمن الواضح أنَّه لا تنافي بين إيجاب الصلاة من أوّل الوقت إلى آخره، وبين إيجاب إزالة النجاسة عن المسجد، ولا يستلزم جعل أحدهما عدم جعل الآخر، ولا يستلزم صدق دليل أحدهما كذب دليل الآخر، كما هو الملاك في المعارضة. فالمقام خارجٌ عن باب المعارضة، إذ ليس بين دليل الموسّع ودليل المضيّق أيّة منافاةٍ، وهذا يعني: أنَّ كلاً منهما يمكن أن يكون قطعيَّ الصدور إذا استفيد من الكتاب أو السنّة القطعيّة، وليس بين الحكمين تنافٍ في مرحلة الجعل.
وأمّا التزاحم فهو أيضاً غير متحقّقٍ، فإنَّه إنَّما يتحقّق إذا لم يتمكّن المكلّف من امتثال كلا الخطابين، ولا بُدَّ له من ترك أحدهما وامتثال الآخر، فلا بُدَّ من أن يكون أحد التكليفين ساقطاً، لانتفاء موضوعه، وهو القدرة، وهذا هو ملاك التزاحم بين الحكمين، كما في الغريقين اللذين لا يتمكّن المكلّف من إنقاذهما معاً، فهو عاجزٌ عن امتثالهما معاً، لكنّه قادرٌ على امتثال أحدهما.
ومقامنا ليس من هذا القبيل، فإنَّ الموسّع -كما بيّنا- قد تعلّق التكليف فيه بالجامع بين الأفراد. أمّا خصوصيات الأفراد الطوليّة والعرضيّة، فهي خارجةٌ عن حيّز الأمر، فلا تزاحم بين امتثال هذا الأمر الذي تعلّق بالجامع وبين امتثال الأمر بالمضيّق؟ بل هو قادرٌ على الامتثال بالضرورة، إذ لم يقيّد الأمر بهذا الفرد
ــــــــــ[145]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بخصوصه، وإنَّما تعلّق بالجامع. والمكلّف قادرٌ على أن يأتي بالجامع وأن يأتي بالمضيّق، فالمولى لم يلزم بالجامع. فمن ناحية المولى لم يقع العبد في إلزام ولا ضيقٍ أصلاً، وإنَّما بسوء اختياره ترك هذا الفرد المضيّق وأتى بالموسّع، فهو تركٌ اختياريٌّ لا اضطراريٌّ من قبل الشارع. وعلى ذلك، فالتزاحم في المقام غير موجودٍ أيضاً، لأنَّه إنَّما يتحقّق فيما إذا لم يتمكّن المكلّف من امتثال كلا الحكمين، والمكلّف هنا قادرٌ على ذلك، إلَّا أنَّه باختياره يختار امتثال الموسّع، وذلك يستلزم ترك الواجب المضيّق، فهو عصيانٌ بالاختيار والإرادة. فلا تزاحم في مفروض الكلام، كما لم يكن هناك تعارضٌ.
وأمّا الترخيص في تطبيق الجامع على هذا الفرد -كما هو لازم الإطلاق- فلا ينافيه الإلزام بالمضيّق، فعلى القول بعدم اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه فإنَّ هذا الضدّ باقٍ على حكمه الأوّل -أي: مرخّصاً فيه- كباقي المباحات، فلو عصى الأمر بالإزالة واشتغل بالكتابة، فهذا لا يعني حرمة الكتابة، فإنَّها تبقى على إباحتها الأوّليّة، وكذا إذا ترك الإزالة وأتى بالواجب الموسّع. فالضدّ باقٍ على حكمه الأوّل وهو الإباحة والترخيص في تطبيق الجامع على هذا الفرد، كما هو في سائر الترخيصات في الأفعال المضادّة للمضيّق، والعقاب إنَّما يكون من جهة ترك الواجب، لا من جهة الإتيان بهذا الامتثال.
إذن، لا مانع من التمسّك بإطلاق دليل الواجب الموسّع وتطبيقه على هذا الفرد، فإنَّ الترخيص غير الإلزام، فالإلزام يوقع المكلّف بالضيق فلا يتمكّن
ــــــــــ[146]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
من الإتيان بالمأمور به وبضدّه، ولكنّه في المقام مرخّصٌ في تطبيق الجامع على هذا الفرد، كما لو كان هناك ترخيصٌ مولويٌّ يجتمع مع الإلزام بضدّه، ولا مانع من ذلك.
فعلى ما سبق يُحكم بصحّة العبادة، ويتمّ تفصيل المحقّق الثاني من أنَّه على القول بالاقتضاء يُحكم بالفساد، وعلى القول بعدمه يُحكم بالصحّة. ولا فرق في ذلك بين اعتبار القدرة في متعلّق التكليف بمقتضى حكم العقل بقبح تكليف العاجز، أو لاقتضاء نفس التكليف اعتبارها، فإنَّه يتمسك بالإطلاق.
الوجه في ذلك: أنَّ اقتضاء التكليف للقدرة في متعلّقه ليس معناه أخذها مفروضة الوجود، كما لو كانت مأخوذةً في لسان الدليل بالمطابقة، أو بالالتزام، فليس معناه: أنَّها مأخوذةٌ في موضوع التكليف في المرتبة السابقة على التكليف، بل معناه: أنَّها مأخوذةٌ في المتعلّق باعتبار امتناع البعث نحو غير المقدور، فالقدرة مأخوذةٌ في مرتبة عروض التكليف، فإذا فرضنا أنَّ المطلوب هو الطبيعيّ، فإنَّه هو مقدورٌ، ولم يتعلّق البعث بهذا الفرد حتّى يُقال: إنَّه لا يمكن البعث نحوه، لعدم إمكان امتثاله لابتلائه بالمزاحم. بل تعلّق التكليف بالطبيعيّ الجامع، وهو مقدورٌ.
وكم فرقٍ بين أن يتعلّق الطلب بغير المقدور وبين أن يتعلّق بالجامع بين المقدور وغير المقدور، فالأوّل مستحيلٌ وطلبه محالٌ، فإنَّ البعث يقتضي تحرّك عضلات العبد نحو الفعل، وإذا كان التحرّك مستحيلاً كان التحريك مستحيلاً. وأمّا الجامع بين المقدور وغيره فهو مقدورٌ لا محالة، والبعث يقتضي
ــــــــــ[147]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
تحريكه نحو هذا الجامع لا نحو خصوص هذا الفرد.
إذن، فلا بأس من التمسّك بالإطلاق عند وجود المزاحمة بين الواجب الموسّع والواجب المضيّق، كما مرّ.
إذن، أثر للتفصيل بين اعتبار القدرة بحكم العقل أو لاقتضاء نفس التكليف، فإنَّ المكلّف به مقدورٌ وهو الجامع، ولم يلزم الشارع بهذا الفرد ليكون المكلّف عاجزاً عن الامتثال، غايته: أنَّه بسوء اختياره يطبّق الجامع على هذا الفرد، فيستلزم من ذلك ترك المضيّق.
فلا فرق بين الوجهين في اعتبار القدرة، وكلاهما بالنسبة إلى المقام على حدٍّ سواءٍ في الحكم، وهذا يعني: أنَّ الأمر متعلّقٌ بالطبيعيّ الجامع، وهو مقدورٌ، ولا بأس بالتمسّك بإطلاقه بالنسبة إلى هذا الفرد، فبناءً على مسلكنا: من أنَّ استحالة التقييد لا تستلزم استحالة الإطلاق.
وعلى ما تقدّم يكون تفصيل المحقّق الثاني -أي: الحكم بالصحّة بناءً على أن الأمر بشيءٍ لا يقتضي النهي عن ضدّه، وبالفساد بناءً على الاقتضاء- صحيحاً.
فتحصّل ممّا ذكرناه: أنَّه لا تزاحم بين الواجب الموسّع والواجب المضيّق، كما لا تعارض بينهما، إذ لا مانع من فعليّة الأمرين معاً من دون لزوم أيّ محذورٍ، فبما أنَّ الفرد المزاحم للمضيّق ليس مأموراً به فلا يقع المكلّف بضيقٍ من هذه الجهة، وإنَّما يقع في الضيق بسوء اختياره أو تركه الواجب المضيّق اختياراً. أمّا الواجب الموسّع فلا إلزام بالإتيان بهذا الفرد بخصوصه، ولا محذور في
ــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الترخيص بالإتيان به بناءً على عدم اقتضاء الأمر بشيءٍ للنهي عن ضدّه، شأنه في ذلك شأن سائر الأفعال المباحة التي يأتي بها عند ترك الواجب المضيّق،
إذن، يُحكم بصحّة هذا الفرد من جهة إطلاق المأمور به وشموله له، من دون فرقٍ بين القول باعتبار القدرة في متعلّق التكليف من ناحية حكم العقل أو من ناحية اقتضاء نفس التكليف لذلك، فإنَّ الطبيعيّ مقدورٌ، والترخيص في تطبيقه على هذا الفرد لا محذور فيه، فيصحّ الإتيان به بداعي الأمر المتعلّق بالطبيعة.
ومنه نعرف: أنَّ ما ذكره البهائيّ من الحكم بالفساد لأجل أنَّ الأمر بشيءٍ إذا لم يقتضِ النهي عن ضدّه، فهو مقتضٍ لعدم الأمر به لا محالة، فاسد جزماً، لأنّا لا نحتاج في تصحيحه إلى الأمر به بخصوصه، بل يكون الأمر بالطبيعة وانطباقها على هذا الفرد كافياً في الحكم بصحّته، وكلاهما حاصلٌ، فإنَّ الأمر بالطبيعة موجودٌ، وانطباقها عليه قهريٌّ.
بقي الكلام في تحقيق أنَّ اعتبار القدرة في متعلّق التكليف هل هو لحكم العقل بقبح تكليف العاجز أم لاقتضاء نفس التكليف ذلك؟ فإنَّه وإن لم يكن له أثرٌ في مقامنا، إلَّا أنَّ هذه المسألة تستحقّ البحث.
ذهب المشهور إلى أنَّ مفاد الأمر هو الطلب والبعث، فالمولى حين يأمر المكلّف بالفعل، فهو يطلبه منه ويبعثه نحوه، إذ يستحيل أن يتعلّق الطلب بالمحال من قِبل الحكيم، فالعقل يحكم بأنَّ المكلّف به لا بُدَّ من أن يكون مقدوراً.
ــــــــــ[149]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وذكر شيخنا الأستاذ: أنَّ هذا تعليلٌ بأمرٍ عرضيٍّ ولا نحتاج إليه، فالطلب بنفسه يقتضي اعتبار القدرة في المتعلّق، فهو تحريكٌ نحو المتعلّق، وإمكان التحريك يلازم إمكان التحرّك، واستحالتُه تلازم استحالتَه، فنفس الأمر يقتضي أن يكون متعلّقه مقدوراً، والقدرة مفروضةٌ في نفس التحريك والبعث، من دون حاجةٍ إلى حكم العقل بذلك(1).
وكلا هذين القولين مبنيٌّ على أن يكون مدلول صيغة الأمر هو الطلب والبعث، وقد ذكرنا في مبحث الأوامر(2): أنَّ المدلول ليس هو هذا، فإنَّ الطلب والبعث أمرٌ يُنتزع من استعمال اللفظ في المعنى.
وذكرنا -أيضاً-: أنَّ مدلول الأمر هو الكشف عن اعتبار أمرٍ في نفس الآمر، فيعتبر الفعل على ذمّة المكلّف، فكما أنَّ المال يمكن أن يُعتبر في ذمّة شخصٍ، فيُقال: إنَّه مديونٌ بالمال، كما في الاستقراض وموارد الضمان مطلقاً، فيعتبر العقلاء والشارع أنَّ هذا المال ثابتٌ في ذمّة زيدٍ، فكذلك الفعل يعتبره الشارع ثابتاً في ذمّة المكلّف، فيقال: إنَّه في ذمّته إذا اعتبره من له الاعتبار من الموالي العرفيّة أو المولى الحقيقيّ، فيكون الفعل ثابتاً على ذمّته، ويعبَّر عن ذلك في بعض الموارد بـ(على)، كما في قوله عزّ من قائل: وَللَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ(3).
وهذا الاعتبار أمرٌ قائمٌ بالنفس، معتبره المولى العرفيّ أو المولى الحقيقيّ،
ــــــــــ[150]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 264، 265.
(2) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 2: 213 – 216.
(3) آل عمران: 97.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وهو يحتاج إلى مبرزٍ كصيغة (افعل) ونحوها، فمدلول الأمر ليس إلَّا إبراز هذا الأمر النفسانيّ، وليس هنا طلبٌ ولا بعثٌ، فإنَّ العقل يدرك بأنَّ العبد لا بُدَّ من أن يخرج عن عهدة ما يعتبره المولى في ذمّته، فالإلزام والوجوب يُنتزع من حكم العقل بوجوب الاطاعة ووجوب المضيّ على طريق العبوديّة والمولويّة والقيام بوظيفتها خير قيامٍ.
وليس هنا شيءٌ يدلّ على اعتبار القدرة في متعلّق الاعتبار، وأنَّ ذلك الفعل لا بُدَّ من أن يكون مقدوراً، إلَّا من جهة اللغويّة، كما إذا اعتبرنا فعلاً كالطيران إلى السماء على ذمّة شخصٍ لا يتمكّن من تفريغ ذمّته عنه، فإنَّ هذا لغوٌ محضٌ.
فإذا فرضنا أنَّ الفعل مقدورٌ ولو بالقدرة على بعض أفراده كما هو الغالب في الواجبات، بل لا يتحقّق إلَّا ذلك، فإنَّ الأفراد العرضيّة للواجب لا تكون جميعها مقدورةً، ولا نرى أيّ محذورٍ في اعتبار طبيعيٍّ على ذمّة المكلّف يكون بعض أفراده مقدوراً وبعضها غير مقدورٍ، فإذا أمر عبده بالإتيان بماءٍ، ومعلومٌ أنَّ جميع أفراد الماء لا يتمكّن العبد من الإتيان بها، فإنَّه إنّما يتمكّن من الإتيان ببعضها دون بعضٍ، فالأفراد العرضيّة -فضلاً عن الطوليّة- ليست جميعها تحت اختيار المكلّف. فالعقل لا يرى مانعاً من اعتبار فعل على ذمّة المكلّف إلَّا إذا كان الاعتبار لغواً، كما إذا كان جميع أفراد هذه الطبيعة غير مقدورٍ.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ للطبيعة فردين وحصّتين، إحداهما مقدورةٌ والأُخرى غير مقدورةٍ، واعتبار الجامع بين المقدور وغير المقدور لا محذور فيه، وليس فيه لغويّةٍ. غاية الأمر: أنَّ العبد لا يقدر على الإتيان ببعض الأفراد، فيأتي بالمقدور
ــــــــــ[151]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
منها حينئذٍ، لا لأجل أنَّ الأمر خاصٌّ بهذا الفرد، فإنَّ خصوصية القدرة غير دخيلة في الأمر، بل لأنَّ الإلزام العقليّ بوجوب الطاعة مختصٌّ بهذا الفرد. فلو قلنا: إنَّ الفرد المزاحم للواجب المضيّق غير مقدورٍ -بمعنى: أنَّ المكلّف لا يتمكّن من فعله- الّا أنَّ الأمر بالجامع بين المقدور وغير المقدور ممكناً.
على أنَّ لنا كلاماً في عدم القدرة على هذا الفرد، فإنَّ الممنوع شرعاً خارجٌ عن القدرة شرعاً، وإن كان مقدوراً تكويناً، إلاَّ أنَّنا إذا فرضنا أنَّ الأمر بشيءٍ لا يقتضي النهي عن ضدّه، فهذا الفرد كما هو مقدورٌ تكويناً كذلك مقدور تشريعاً، إذ قد فرضنا أنَّ هذا الفرد ليس منهيّاً عنه وهو مباحٌ في نفسه ومرخّصٌ فيه في نفسه، فكيف لا يكون مقدوراً.
فدعوى: أنَّ هذا الفرد غير مقدورٍ، لا أساس لها. بل هو مقدورٌ، غاية الأمر: أنَّ المكلّف ممنوعٌ من ترك الواجب المضيّق، لا من الإتيان بملازمه، وهو فرد الواجب الموسّع.
فهذه الدعوى من أساسها باطلةٌ، ولا نحتاج إلى إثبات أنَّ المأمور به هو الجامع بين المقدور وغيره، فحتّى لو كان المأمور به هو المقدور، فإنّنا لا نعني بالقدرة إلاَّ أن يكون مقدوراً تكويناً وتشريعاً، وهذا الفرد كذلك، غاية الأمر: أنَّ الفرد الملازم له وهو الواجب المضيّق ممنوعٌ تركه. أمّا الفعل فهو باقٍ على ترخيصه وإباحته. نعم، هذا غير قابلٍ لأنْ يؤمر به فعلاً، إلَّا أنَّ المفروض أنَّ الأمر متعلّقٌ بالجامع.
وبعبارة أخرى: إنَّ حال هذا الفعل حال سائر الأفعال المباحة، فكما أنَّ
ــــــــــ[152]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
إباحتها لم تسقط من جهة الأمر بالمضيّق فهذا أيضاً كذلك، وليس هو بخصوصيّته مأموراً به حتى يُقال كيف يمكن الأمر بالضدّين، والأمر إنَّما تعلّق بالطبيعي، ولا تنافي بين الأمر بالطبيعيّ والأمر بالواجب المضيّق أصلاً.
هذا تمام كلامنا في الواجب الموسّع المزاحم بواجبٍ مضيّقٍ.
إذا فرضنا أنَّ هناك واجبين مضيّقين، وكان أحدهما أهمّ، ففي هذه الحالة يكون الأمر الفعليّ في جانب الأهمّ لا محالة، والمضيّق المهمّ لا يكون مأموراً به، لاستحالة الأمر بالضدّين.
في هذا الفرض يكون كلام الشيخ البهائي متيناً جدّاً، وهو الحكم بفساد غير الأهمّ، سواءٌ قلنا إنَّ الأمر بشيءٍ يقتضي النهي عن ضدّه أم قلنا إنَّه لا يقتضي ذلك(1)، وذلك لأنَّ الأمر بالأهمّ وإن لم يكن مقتضياً للنهي عن المهمّ، إلَّا أنَّه مقتضٍ لعدم الأمر به، لاستحالة الأمر بالضدّين، فغير الأهمّ غير مأمورٍ به، وهذا يكفي في الحكم بفساده، فالصحّة تدور مدارَ الأمر، وإذا كان غير مأمورٍ به فعلاً فكيف يمكن الحكم بصحّته. وعليه، فالصحّة من جهة الأمر غير ممكنةٍ، فينحصر ذلك بجهة اشتماله على الملاك وإن لم يكن مأموراً به، فتكون الثمرة متحقّقةً، فإذا قلنا بالاقتضاء فإنَّه يحكم بفساده، وإذا لم نقل بالاقتضاء يحكم بصحّته من جهة الملاك.
ولكنّ هذه الثمرة غير صحيحةٍ.
ــــــــــ[153]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه آنفاً.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الوجه في ذلك: أنّنا إذا تمكّنا من إثبات الملاك بوجهٍ من الوجوه السابقة فنحكم بالصحّة، سواء قلنا بأنَّ الأمر بشيء يقتضي النهي عن ضدّه أم لم نقل، فإنَّ هذا النهي غيريٌّ، والنهي الغيريّ لا يوجب فساد العبادة، لأنَّه لم ينشأ من مفسدةٍ في المتعلّق، وإنَّما نشأ لأجل التوصّل إلى امتثال الواجب الأهمّ، فهو لا يقتضي فساد المنهيّ عنه إذا كان المنهيّ عنه مشتملاً على الملاك، وهو -في إمكان التقرّب به إلى المولى- كسائر الأفراد غير المنهيّ عنها.
وأمّا إذا لم يمكن إثبات الملاك -كما هو الصحيح كما تقدّم- ولم يكن لنا طريقٌ إلى كشف الملاك بالنسبة إلى الواجب المزاحم للأهمّ، فحينئذٍ كيف يمكن الحكم بصحّته؟ والمفروض: أنَّ الأمر ساقطٌ، والملاك لا يمكن إثباته، فيحكم بفساده على كلا التقديرين: سواءٌ قلنا بالاقتضاء أم لم نقل، فإنَّ الأمر بالأهمّ وإن لم يقتضِ النهي عن المهمّ، إلَّا أنَّه مقتضٍ لعدم الأمر به، وهو كافٍ للحكم بالفساد، إذ لا طريق لنا إلى كشف الملاك.
وعلى ذلك، فينحصر الوجه في الحكم بالصحّة بناءً على عدم كشف الملاك فيما إذا قلنا بجواز الأمر بالضدّين على نحو الترتّب، وأنَّ الأمر إنَّما يقتضي عدم الأمر بضدّه في عرضه، أمّا عدم الأمر به في طوله: على تقدير عصيان الأهمّ، فجائز، فيمكن الأمر بالضدّين: بأحدهما مطلقاً وبالآخر على تقدير عصيان الأوّل، فيقع الكلام في مقامين:
المقام الأوّل: في إمكان الترتّب، وهل يمكن للمولى أن يأمر بالضدّين، ويكون كلا الأمرين فعليّين، فيأمر بواجبٍ أهمّ، ويأمر بضدّه المهمّ على تقدير عصيانه. فإذا أمكن ذلك، نتكلّم في:
ــــــــــ[154]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
المقام الثاني: في وقوع هذا الممكن وعدم وقوعه بمعنى أنَّ الفرد المهمّ يمكن الأمر به، فهل هو مأمور به أو لا؟
فإذا تمّ هذان المقامان نحكم بصحّة الفرد المهمّ المزاحم، ونقول: إنَّ هذا الفرد محكومٌ بالصحّة وإن اعتبرنا الأمر في صحّة العبادة.
ــــــــــ[155]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بحث الترتّب
ــــــــــ[157]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
يقع الكلام أوّلاً في المقام الأوّل، أي: إمكان الترتّب وعدمه.
ولكن قبل ذلك لا بُدَّ من بيان أُمورٍ:
إنَّ الحاجة إلى هذا البحث إنَّما تكون فيما إذا لم يمكن تصحيح العبادة بالملاك:
أمّا الجهة الأولى، فقد تقدّم الكلام فيها، وقلنا: إنَّ العبادة لا تحتاج في صحّتها إلى قصد الأمر، بل يكفي فيها قابليّتها للتقرّب بها إلى المولى، ولا دليل على خصوص قصد الأمر في العبادة.
وأمّا الجهة الثانية، فقد ذكرنا عدم إمكان إحراز الملاك في عبادةٍ إلَّا من أمر الشارع، فإذا سقط الأمر فلا يمكن إحرازه، إذ كما يمكن سقوطه لأجل وجود
ــــــــــ[159]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
المانع كذلك يمكن سقوطه لعدم المقتضي.
فهذا البحث إنَّما نحتاج إليه بناءً على ما ذكرناه من عدم وجود طريق إلى إحراز الملاك في عبادة إذا زاحمها واجبٌ آخر مضيّقٌ أو أهمّ.
ــــــــــ[160]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ثمَّ إنَّ هذا البحث إنَّما يجري في الواجبين المضيّقين، وأمّا إذا فرضنا أنَّ كلّاً من الواجبين كان موسّعاً فليس هنا مجالٌ للمزاحمة وللالتزام بالترتّب أصلاً، فإنَّ للمكلّف أن يقدّم أيّهما شاء ويؤخّر الآخر، كما لو فرضنا وقوع صلاة الآيات في وقت صلاة الفريضة، وكان كلاهما موسّعاً، وكان زمان وقت الفريضة مقدار ساعةٍ أو أكثر، فيكون كلا الأمرين فعليّاً من دون أن يكون بينهما مزاحمةٌ أصلاً، فلا حاجة إلى الترتّب، وأيّ منهما أتى به أوّلاً كان صحيحاً وبلا مزاحمٍ.
إنَّما الإشكال فيما إذا كان أحد الواجبين موسّعاً والآخر مضيّقاً، فهل لبحث الترتّب أثرٌ فيه أم لا؟
وهذا يبتني على ما تقدّم من أنَّ استحالة الإطلاق هل هي لازمةٌ لاستحالة التقييد أم لا؟ فإذا قلنا بالملازمة وأنَّ التقييد إذا كان محالاً كان الإطلاق محالاً، فيكون التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة، وإذا كانت الملكة مستحيلةً كان العدم مستحيلاً، على ما هو مختار شيخنا الأستاذ(1).
إذا كان البناء على ذلك وكان أحد الواجبين مضيّقاً -كوجوب إزالة
ــــــــــ[161]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 520.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
النجاسة عن المسجد- فالفرد المزاحم لهذا الواجب المضيّق من الواجب الموسّع -كالصلاة- لا يمكن أن يكون الأمر به فعليّاً -أي: مقيّداً بزمان الإزالة-، لأنَّه من الأمر بما لا يطاق. فإذا لم يمكن التقييد لم يمكن الإطلاق على هذا المبنى. وعليه، لا يكون الأمر بالطبيعة شاملاً لهذا الفرد، حيث إنَّ الإطلاق مستحيلٌ.
وشمول الإطلاق لهذا الفرد يحتاج إلى القول بإمكان الترتّب ووقوعه، بمعنى: أنَّ الأمر الفعليّ متعلّق بالإزالة، ولكن على تقدير عصيانه يكون الأمر بالصلاة شاملاً لهذا الفرد، فالترتّب يقع على الإطلاق لا على نفس الأمر، فأصل الأمر بالصلاة لا يزاحم الأمر بالإزالة، لأنَّ زمان الإزالة مضيّق وزمان الصلاة موسّعٌ، فيمكن الإتيان بالصلاة في غير هذا الوقت. فذات الأمرين ليس بينهما مزاحمةٌ لنحتاج إلى الترتّب، بل يكون كلا الأمرين فعليّاً والمزاحمة واقعةٌ بين إطلاق الأمر بالصلاة الشاملة للفرد المزاحم، وبين الواجب المضيّق، فإذا كان الإطلاق غير ممكنٍ فلا محالة يكون هذا الإطلاق ساقطاً. فيتوقّف تصحيح هذا الفرد على القول بالترتّب، ويكون الأمر بالصلاة مطلقاً على تقدير الأمر بالإزالة.
فلا فرق في الالتزام بالترتّب بين هذا وبين ما إذا كانت المزاحمة مع أصل الأمر، كما في الواجبين المضيّقين، ففي صلاتي الفريضة والآيات عند ضيق وقتهما، لو فرضنا أنَّ الفريضة كانت أهمّ -كما هو كذلك- فالتكليف الفعليّ يكون متعلّقاً بالصلاة اليوميّة، ولكن على تقدير العصيان وترك صلاة الفريضة تكون صلاة الآيات مأموراً بها على نحو الترتّب.
ــــــــــ[162]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فعلى القول بإمكان الترتّب ووقوعه نلتزم بأنَّ صلاة الآيات أيضاً مأمورٌ بها، لكن لا في عرض الفريضة، بل في طولها ومترتّباً على عصيانها.
فالترتّب إذن ينفعنا في مقامين: في الواجبين المضيّقين باعتبار أصل الأمر، وفي الواجب الموسّع المزاحم للمضيّق، باعتبار إطلاق الموسّع لهذا الفرد. هذا على مسلك شيخنا الأستاذ.
وأمّا إذا بنينا على أنَّ استحالة التقييد لا تستلزم استحالة الإطلاق، وأنَّ الإطلاق أو التقييد بالعدم ضروريٌّ، كان القولُ بأنَّ المتقابلين تقابل العدم والملكة إذا كان أحدهما مستحيلاً كان الآخر مستحيلاً، لا أساس له، كما تقدّم في مبحث التعبّديّ والتوصّليّ، حيث ذكرنا هناك جملةً من النقوض تكون الملكة مستحيلةً فيها، ولكن العدم ضروريٌّ، فالعلم بذات الباري عزّ وجلّ مستحيلٌ على البشر، إلَّا أنَّ الجهل به ضروريٌّ، ويصدق أنّا جاهلون بذاته تبارك وتعالى، وكذا القدرة على الطيران إلى السماء، فإنَّه مستحيلٌ، ولكن العجز عن ذلك ضروريٌّ، فيصحّ أن يُقال: إنّا نعجز عن الطيران.
فالقول باستلزام استحالة أحدهما لاستحالة الآخر لا أساس له، بل يكون الآخر ضروريّاً.
وبما أنَّ التقييد في المقام مستحيلٌ، ولا يمكن الأمر بالإزالة وبالصلاة مقيّدةً بزمان الإزالة، فإمّا أن يقيّد المأمور به بعدم هذا الفرد، وإمّا أن يبقى على إطلاقه، وحيث إنَّه لا تقييد، فالأمر باقٍ على إطلاقه.
وقد قلنا فيما سبق: إنَّ الإطلاق لا يعني الجمع بين الخصوصيّات، وكون
ــــــــــ[163]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
جميع الخصوصيّات داخلةً في متعلّق الأمر، بل معناه رفض القيود، وأنَّ الأمر تعلّق بصرف الطبيعة من دون خصوصيّةٍ. ولا محذور عقلي في أن يتعلّق الأمر بالطبيعيّ الجامع للصلاة وأن يتعلّق الأمر بالإزالة فعلاً، إذ لا تزاحم بينهما أبداً، وإنَّما المكلّف بسوء اختياره يطبّق الواجب الموسّع على هذا الفرد.
فعلى هذا، لا نحتاج إلى البحث في الواجبين الموسّع والمضيّق، فينحصر البحث في الترتّب فيما إذا كان الواجبان مضيّقين:
ونتائج هذا البحث في المسائل الفقهيّة كثيرةٌ في الواجبين المضيّقين إذا ترك الأهمّ واشتغل بالمهمّ، وأمّا إذا كان الواجب الآخر موسّعاً، ولم يكن مضيّقاً، فعلى ما سلكناه لا حاجة إلى بحث الترتّب، بل يمكن تصحيحه بنفس الأمر الأوّل، لبقاء الإطلاق على حاله. نعم، لو كان ما ذكره شيخنا الأُستاذ من استحالة الإطلاق عند استحالة التقييد صحيحاً، فحينئذٍ نحتاج إلى الترتّب.
ــــــــــ[164]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
يقع الكلام في الملازمة بين إمكان الترتّب ووقوعه، فنقول: إنَّ إمكان الترتّب ملازمٌ لوقوعه، فلا نحتاج إلى البحث عن الوقوع إذا ثبت الإمكان، فإنَّه إذا أمكن فهو واقعٌ لا محالة.
الوجه في ذلك: أنَّ الواجبين المضيَّقين اللذين يكون لدليل كلٍّ منهما دلالةٌ على ثبوت أصل الوجوب، وكانت له دلالةٌ على الإطلاق، ففي صلاة الفريضة وصلاة الآيات -مثلاً- ما دلّ من الكتاب والسنّة على وجوب الفريضة يدلّ على أصل الوجوب، ويدل بإطلاقه وبسكوت المتكلّم في مقام البيان وبتماميّة مقدّمات الحكمة على أنَّ الفريضة واجبةٌ، سواءٌ كانت الآية موجودةً أو لم تكن، وسواءٌ كانت الشمس مكسوفةً أو لم تكن. فهذا الدليل يدلّ على أصل الوجوب وعلى إطلاقه، ولكن بدلالتين: فإطلاق الوجوب مستفادٌ من مقدّمات الحكمة، وأصله مستفادٌ من نفس الدليل.
وكذلك الدليل الثاني الدالّ على وجوب صلاة الآيات، وأنَّ الشمس إذا كُسفت وجبت صلاة الآيات، فإنَّه يدلّ على أمرين: أحدهما: أنَّ صلاة الآيات واجبةٌ في نفسها. والثاني: أنَّ وجوبها مطلقٌ، سواءٌ أكان مزاحماً بصلاة الفريضة أم يكن، أي: سواءٌ أكانت ذمّة المكلّف مشغولةً بالفريضة أم لم تكن.
ــــــــــ[165]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فكلّ من الدليلين له إطلاقٌ وله دلالةٌ على أصل الوجوب، فإذا قلنا باستحالة الترتّب، وفرضنا أنَّ مدلول أحد الدليلين تقدّم على الدليل الآخر من جهة أهميّته، وفرضنا أنَّ الواجب الفعليّ هو الفريضة -كما هو كذلك- فنأخذ بأصل الدليل وبإطلاقه، فنقول: إنَّ الفريضة واجبةٌ فعلاً، سواءٌ صلّى الآيات أو لم يصلِّ. فوجود صلاة الآيات وعدمها غير دخيلٍ في إطلاق هذا الوجوب، وبهذا نأخذ بأصل الوجوب وبإطلاقه.
فإذا قلنا باستحالة الترتّب سقط الأمر بصلاة الآيات، لاستحالة الأمر بالضدّين، ويبقى الأمر بالفريضة فعليّاً ومطلقاً.
وأمّا إذا قلنا بإمكانه، وأنَّه يمكن الأمر بالضدّين على نحو الترتّب، فالإطلاق في دليل وجوب صلاة الآيات -وهو كونها واجبةً سواءٌ جاء بالفريضة أم لا- يكون ساقطاً قطعاً ويقيناً، فإنَّه غير معقولٍ، لأنَّه من الأمر بالضدّين، وهو تكليفٌ بما لا يطاق، مع أنَّ المكلّف لا يتمكّن من الجمع بين الامتثالين. فيكون إطلاق دليل صلاة الآيات ساقطاً جزماً، فلو صلّى المكلّف الفريضة فهو معذورٌ في تركه لصلاة الآيات، ولا يؤاخذ على ذلك، لأنَّه غير قادرٍ إلَّا عليه.
أمّا أصل الوجوب، فهل يسقط بالعصيان وترك الفريضة، ولو ترك الفريضة فهل يكون وجوب صلاة الآيات ساقطاً أم لا؟ بعد الشكّ في السقوط نتمسّك بالإطلاق، فإذا كان الترتّب ممكناً فهو واقعٌ لا محالة، إذ لا موجب لرفع اليد عن دليل صلاة الآيات إلَّا بالمقدار اللازم، وهو صورة المجيء بالأهمّ.
ــــــــــ[166]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وأمّا بالنسبة إلى العاصي، فيشكّ في سقوط الإطلاق بالنسبة له، فيتمسّك به.
وببيانٍ آخر: لا موجب لرفع اليد عن أصل دليل الأهمّ ولا عن إطلاقه، وهذا واضحٌ، وهو ممّا يشترك به القائل بإمكان الترتّب والقائل بامتناعه، فإنَّه لا مزاحم له إلَّا الأمر بالمهمّ، وهو غير قابلٍ لإسقاط الأمر بالأهمّ، بل يبقى الأمر بالأهمّ على حاله، أصله وإطلاقه.
أمّا المهمّ، فإنَّ له إطلاقاً بالنسبة إلى من يأتي بالأهمّ ومَن لا يأتي به، حيث إنَّ هذا التقسيم من التقسيمات الأوّليّة، وذكرنا غير مرّة: أنَّ كلّ تكليفٍ له إطلاقٌ بالنسبة إلى تقسيمات موضوعه.
فلو فرضنا أنَّ الواجب الأهمّ هو الفريضة اليوميّة وأنَّ الواجب المهمّ هو صلاة الآيات، وقد تزاحما، فلا يمكن للمكلّف الجمع بينهما لضيق الوقت، فالفريضة الفعليّة بما أنّها أهمّ فهي تبقى ولا تسقط، كما يبقى إطلاق وجوبها، ومعنى ذلك: أنَّها واجبةٌ سواءٌ أتى بصلاة الآيات أم لم يأتِ بها الفريضة الفعليّة غير ساقطةٍ، فإذا خالف المكلّف هذا الوجوب عوقب عليه، لأنَّ أصل التكليف وإطلاقه في طرف الواجب الأهمّ باقٍ على حاله، ولا موجب لسقوطه.
أمّا المهمّ وهو صلاة الآيات، فهو بحسب التكليف مطلقٌ، بمعنى: أنَّه واجبٌ سواءٌ أتى بالصلاة اليوميّة أم لم يأتِ بها، فإنَّ صلاة الآيات واجبٌ مستقلٌّ، وغير مربوطٍ بالفريضة اليوميّة. فوجوب صلاة الآيات مطلقٌ بالنسبة إلى المطيع والعاصي بالنسبة إلى فريضة الوقت. والإطلاق في مثل هذا الدليل
ــــــــــ[167]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
غير ممكنٍ في ضيق الوقت، فإنَّ المكلّف لو أتى بالفريضة لم تكن صلاة الآيات واجبةً في حقّه يقيناً، لعدم قدرته على الامتثال، فالتكليف بصلاة الآيات بالنسبة إلى الممتثل لفريضة الوقت ساقطٌ، لأنَّ التكليف بصلاة الآيات مشروطٌ بالقدرة، وهذا غير قادرٍ عليها، فيسقط إطلاق وجوبها بالنسبة إلى هذا الشخص قطعاً، من جهة المزاحمة وعدم قدرته على الامتثال.
أمّا إذا لم يأتِ بالفريضة، وكان إطلاق وجوب صلاة الآيات شاملاً له، فما الموجب لسقوطه؟ فإذا أمكن ذلك فلماذا نرفع اليد عن وجوب صلاة الآيات؟ وإذا كان هذا ممكناً في مقام الثبوت، فهو في مرحلة الإثبات كذلك، فما الموجب لرفع اليد عنه؟ فنتمسّك بالإطلاق، ويصحّ الواجب المهمّ في ظرف عصيان الأهمّ. فالإمكان مساوقٌ للوقوع باعتبار أنَّ الإطلاق شاملٌ له، ولا موجب لرفع اليد عنه.
وببيان ثالث: إنَّ رفع اليد عن الوجوب في باب التزاحم من جهة العجز وعدم القدرة، وإلَّا فكلٌّ من الدليلين من حيث كشفه عن مدلوله مصدّقٌ، وكلا الوجوبين ثابتٌ في الشريعة المقدّسة: وجوب صلاة الآيات ووجوب الصلاة اليوميّة، وليس بينهما أيُّ تنافٍ في مقام الثبوت والجعل، وإنَّما التنافي في مرحلة الامتثال، فالسقوط إنَّما يستند إلى العجز لا إلى عدم الجعل، وإلَّا فإنَّ كليهما مجعولٌ.
فإذا كان الأمر كذلك -أي: إذا كان السقوط مستنداً إلى العجز- فلو أتى بالفريضة كان عاجزاً عن صلاة الآيات، فيسقط وجوبها لا محالة، لأنَّ المكلّف
ــــــــــ[168]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
لا يتمكّن من الجمع بين الضدّين، فمَن يأتي بالفريضة تسقط عنه صلاة الآيات من جهة العجز.
وأمّا في فرض عدم الإتيان بها فهو غير عاجزٍ عن الإتيان بصلاة الآيات، فلا يكون هناك موجبٌ لسقوط وجوبها للعجز، فإنَّ العجز إنَّما يكون في فرض الإتيان بالفريضة. أمّا في فرض عصيانها، فهو قادرٌ على أن يأتي بصلاة الآيات أو بأيّ فعلٍ آخر، فتكون صلاة الآيات مقدورةً على هذا التقدير. فإذا لم يكن عاجزاً عن الإتيان بصلاة الآيات في فرض عدم الإتيان بالفريضة، فلا موجب لسقوط وجوبها، فإنَّ الموجب للسقوط إنَّما هو العجز، ولا عجز في مثل ذلك.
إذن، على القول بصحّة الترتّب وإمكانه -أي: إمكان الأمر بالضدّين على نحوٍ يكون أحدهما مشروطاً بعدم الإتيان بالآخر- يكون واقعاً جزماً.
فيقع الكلام في مرحلة الإمكان، إمكان أن يأمر بالضدّين ويكون أمره في كلّ منهما فعلياً، ويكون أحدهما مطلقاً والآخر مشروطاً بعصيان الأوّل، فهل هذا ممكن أو لا؟ فإن أمكن فلا بُدَّ من الالتزام به، وإلَّا فلا بُدَّ من الالتزام بسقوط الأمر بالمهمّ أصلاً، إذ لا يمكن الأمر بالضدّين، وقد فرضنا أنَّ الملاك لا يمكن كشفه أيضاً.
فعمدة الكلام إذن في مرحلة الثبوت وأنَّ الترتّب ممكنٌ في الواقع ونفس الأمر، أو غير ممكن؟
هذا تمام كلامنا في مرحلة الوقوع، وأنَّ الإمكان ملازمٌ للوقوع.
ــــــــــ[169]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
يقع الكلام في تشخيص محلّ النزاع في مسألة الترتّب.
ذكر شيخنا الأستاذ(1): أنَّ الواجبين المتزاحمين، قد يفرض أنَّ كليهما مشروط بالقدرة عقلاً، وقد يفرض أنَّ أحدهما مشروط بالقدرة عقلاً لكن الثاني مشروط بها شرعاً، وقد يفرض أنَّ كلاً منهما مشروط بالقدرة شرعاً. والكلام الآن في القسمين الأولين فعلاً -فإنَّ الكلام في القسم الثالث سيقع في مبحث الفرق بين التعارض والتزاحم- فإنَّه قد يفرض أنَّ القدرة لم تؤخذ في لسان الدليل الشرعي كأكثر الواجبات فإذا وقع التزاحم بين الواجبين نستكشف أنَّ كليهما واجدٌ للملاك، لأنَّ القدرة غير معتبرة في موضوع الدليل. ولكن المولى لا يمكنه الأمر به فعلاً، لمكان التزاحم، فإذا قلنا باستحالة الترتّب سقط الأمر عن المهم بالكليّة، وإذا قلنا بإمكانه فنلتزم بتعلق الأمر به عند عصيان الأهم. وأمّا إذا كان أحد الواجبين مشروطاً بالقدرة عقلاّ. وكان الآخر مشروطاً بها شرعاً، فهنا الترتّب غير جارٍ، أي: القائل بالترتّب لا يلتزم به في المقام.
ــــــــــ[170]ــــــــــ
() انظر: أجود التقريرات 1: 298-299.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وملخص ما ذكره يرجع إلى وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ الترتّب والالتزام بالأمر على تقدير عصيان الأمر بالآخر -وهو الأهمّ- إنَّما يكون إذا كان الفعل واجداً للملاك، وحينئذٍ يقع الكلام في الأمر به وعدمه، فلا بُدَّ من أن يكون المقتضي تامّاً ليقع البحث عن وجود المانع، وأنَّ الأمر بالأهمّ مانعٌ عن الأمر بالمهمّ مطلقاً، أو أنَّه مانع من إطلاقه. وأنَّه لا محذور فيه عند عصيانه، فالمقتضي لا بُدَّ أن يكون مفروغاً عنه ليقع الكلام في المانع.
وأمّا إذا فرض عدم المقتضي للأمر، فلا ملاك للفعل حينئذٍ، فإنَّه إنَّما يتحقّق فيما لو كان الفعل مقدوراً شرعاً، والمفروض أنَّه غير مقدورٍ شرعاً، للأمر بالأهمّ، فلا ملاك له إذن، فيكون عدم الأمر حينئذٍ لعدم المقتضي لا لوجود المانع وهو الأمر بالأهمّ، والموضوع من الأوّل قاصرٌ، فالوضوء إنَّما يجب إذا كان المكلّف متمكّناً من الماء وكان الماء موجوداً لديه، فإذا لم يكن متمكّناً من استعماله لوجود الأمر باستعماله في شيءٍ آخر فلا مقتضي للأمر بالوضوء ولا ملاك له.
فالقول بجواز الترتّب لا يُثبت الأمر بالوضوء على تقدير عصيان الأهمّ، فإنَّ الوضوء بلا ملاكٍ، ولا موجب للأمر بشيءٍ بلا ملاك.
والجواب عن هذا ما تقدم: أنّنا لا طريق لنا إلى كشف الملاك في موردٍ من موارد الأحكام الشرعيّة إلَّا وجود الأمر، بناءً على ما ذهب إليه العدليّة من تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد.
ــــــــــ[171]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فلو كان الأمر كما ذكره وكان القول بالترتّب متوقّفاً على إحراز الملاك ليكون البحث من جهة المانع لا من جهة المقتضي، فلا بُدَّ إذن من الالتزام بعدم وقوع الترتّب في جميع الموارد لا في خصوص هذا المورد، فإنَّ القدرة إذا كانت مأخوذةً شرطاً عقلاً وغير مأخوذةٍ شرعاً يكون التكليف ساقطاً، ولا يمكننا كشف الملاك في مثل هذا المورد الذي لا يتمكّن المكلّف فيها من الإتيان بالمأمور به.
وعلى ذلك، فلا يمكن كشف الملاك. والوجوه المتقدّمة لإثباته مع عدم الأمر قد تقدّم فسادها جميعاً. وعليه، لا يمكن الالتزام بالترتّب لا في موارد اعتبار القدرة في موضوع التكليف شرعاً، ولا في بقيّة الموارد التي لم تؤخذ فيها القدرة شرطاً شرعاً، وإنَّما اعتبرها العقل في فعليّة التكليف من جهة قبح خطاب العاجز، فلا فرق في هذه الموارد، إذ لو كان القول بالترتّب متوقّفاً على إحراز الملاك لما أمكن القول به في جميعها، فإنّا بالبيان المتقدّم من أنَّ الترتّب لا بُدَّ من وقوعه نستكشف الملاك من نفس الأمر، إذ لا موجب لسقوط الأمر عند العصيان، وإنَّما العقل يحكم بسقوطه عند الامتثال، لأنَّ المكلّف حينئذٍ يكون عاجزاً عن الإتيان بالمهمّ، فيسقط الأمر به. وأمّا إذا لم يمتثل وعصى فهو قادرٌ على الإتيان بالمهمّ، فالإطلاق شاملٌ له، ويكون الأمر ثابتاً، فنستكشف الملاك من جهة الأمر. وعليه، فالترتّب لا يتوقّف على إحراز الملاك، وإنَّما إحراز الملاك يكون من جهة الالتزام بالترتّب.
إذن، لا فرق بين مورد أخذ القدرة في متعلّق التكليف شرعاً وأخذها عقلاً.
ــــــــــ[172]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الوجه الثاني -وهو العمدة في المقام-: أنَّ القدرة إذا كانت مأخوذةً في موضوع الدليل شرعاً -كما في آيتي الحجّ والوضوء- كان الأمر بالأهمّ معجّزاً مولويّاً عن المهمّ. ومثّل له بالوضوء والتيمّم، فإنَّ المستفاد من الآية الكريمة أنَّ الوضوء يجب في حقّ من كان واجداً للماء ومتمكّناً من استعماله، على ما بيّناه فيما تقدّم(1). وليس المراد من عدم الوجدان عدم الوجود خارجاً، وذلك لذكر المريض في الآية وللروايات. فالمستفاد من الوجدان هو الوجود الخاصّ وهو وجود الماء الذي يكون المكلّف متمكّناً من استعماله.
فإذا أمر المولى بصرف الماء في شيءٍ آخر غير الوضوء، كرفع عطش المؤمن، فالعبد لا يتمكّن بعد هذ الأمر من صرف الماء في غير ذلك المورد، فإنَّ المولى لم يرخّص فيه، وألزم العبد بصرفه في جهةٍ خاصّةٍ، فيكون قد عجّز العبد بتكليفه هذا، فإذا كان عاجزاً عن الوضوء من جهة الأمر، فمن أوّل الأمر لا يكون الإطلاق شاملاً له، والأمر بالوضوء مختصٌّ من أوّل الأمر بمن كان متمكّناً منه شرعاً وعقلاً، كما استفدنا ذلك من الآية، وقد فرضنا أنَّ المولى ألزمنا بصرف الماء في جهةٍ أخرى، فلا ترخيص في صرفه في الوضوء، ولا فرق في ذلك بين حال العصيان والإطاعة، فعلى كلا التقديرين: لم يرخّص لنا المولى في صرف الماء بالوضوء، فالمكلّف غير واجدٍ للماء شرعاً، وبعصيانه لا يكون واجداً له، يعني: أنَّ المولى يأمر بصرف الماء في جهةٍ أخرى سواءٌ عصى المكلّف أو أطاع، والمكلّف حينئذٍ مأمورٌ بالتيمّم، وبالعصيان لا يسقط هذا الأمر، فلو عصى فقد
ــــــــــ[173]ــــــــــ
(1) راجع الصفحة: 123.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
خالف ذلك الأمر، ولا يكون الوضوء مأموراً به.
وعلى ذلك، فلا يمكننا تصحيح الوضوء بالترتّب في أيّ مورد حتّى موارد اعتبار القدرة عقلاً.
وكذلك الحال في الحجّ، فإذا كان عنده مالٌ يفي بزاده وراحلته، وكان له موردٌ واجبٌ لصرف هذا المال، كالنفقة الواجبة أو الدين المطالب به، فهذا ليس بمستطيعٍ، فإنَّه لا يجد مالاً يصرفه في الحجّ بنحوٍ مرخّصٍ فيه من قبل المولى، فهو عاجزٌ عن ذلك، فلا يكون مستطيعاً، وبالعصيان لا ينقلب الموضوع، ولا يكون غير المستطيع مستطيعاً، فلا يجري الترتّب، فلو عصى وحجّ لا يحكم بصحّة حجّه.
فتحصّل: أنَّ الفرق بين موارد أخذ القدرة شرعاً وأخذها عقلاً، فعند أخذها في المتعلّق عقلاً يكون الموضوع محقّقاً وجداناً، ويكون المكلّف قادراً تكويناً على الإتيان بالمهمّ، فلا موجب للتقييد، فيتمسّك بإطلاق دليل المهمّ. والعجز في موارد اعتبار القدرة عقلاً إنَّما يتحقّق بامتثال الأمر بالأهمّ، فيكون المكلّف حينئذٍ عاجزاً عن امتثال الأمر بالمهمّ، فيسقط الأمر به.
أمّا في موارد أخذ القدرة شرعاً فنفس التكليف يكون معجّزاً، ولا يتمكّن معه من الإتيان بالمهمّ، سواءٌ في ذلك عصيانه وعدمه، فعلى كلا التقديرين يكون غير قادرٍ وفاقداً للماء، وبالعصيان لا ينقلب الموضوع ليكون مأموراً بالوضوء. ففي موارد أخذ القدرة شرعاً يكون نفس الخطاب والتكليف معجّزاً للمكلّف عن الإتيان بالمهمّ، وفي فرض أخذ القدرة عقلاً في المتعلّق كان الإتيان بالأهمّ معجّزاً عن ذلك، فإذا عصى يكون متمكّناً منه تكويناً.
ــــــــــ[174]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
يقع الكلام في مسألة الوضوء فيما لو كان مأموراً بالتيمّم من جهة كونه واجباً أهمّ، وعصى وتوضّأ، فهل يكون وضوؤه صحيحاً؟
ذكر أنَّ وضوءَه يكون باطلاً، سواءٌ قلنا بالترتّب أم لم نقل، ولذا ذهب -على ما ذكر شيخنا الأستاذ- السيّد الشيرازي إلى البطلان مع قوله بالترتّب(1)، لاعتقاده أنَّ مثل هذا المورد خارجٌ عن بحث الترتّب، فإنَّ التكليف بالتيمّم وبصرف الماء في الأهمّ أو في التطهير بنفسه رافعٌ لموضوع الأمر بالوضوء، إذ موضوعه هو الواجد للماء، وهذا ليس واجداً له حتّى لو عصى التكليف بالأهمّ.
ونسب إلى صاحب العروة أنَّه ذهب إلى صحّة الوضوء في هذه الموارد وأمثالها. وخطّأه في ذلك، وقال: إنَّه ليس من موارد الترتّب(2).
والحقُّ: أنَّ هذه النسبة إلى السيّد الطباطبائي مخالفةٌ للواقع، إذ التزم (في عروته) في هذه الفروض ونظائرها بالبطلان(3)، وعلّل ذلك بأنَّ الأمر بالشيء
ــــــــــ[175]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 300.
(2) انظر: أجود التقريرات 1: 310.
(4) انظر: العروة الوثقى 1: 477، 478.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وإن لم يكن مقتضياً للنهي عن ضدّه إلَّا أنَّ الوضوء باطلٌ، لأنَّ المكلّف مأمورٌ بالتيمّم لا بالوضوء، فلا يقع الوضوء مأموراً به.
ــــــــــ[176]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
أمّا الكلام في أصل مسألة جريان الترتّب في موارد الوضوء وعدم جريانها، فنقول:
إنَّ بحث الترتّب جوازاً ومنعاً إنَّما يكون في تكليفين الزاميين أو وجوبين ويكون كلٌّ منها متعلقاً بفعلٍ، والمكلّف قادرٌ على امتثال أحدهما، ولا يتمكّن من الجمع بينهما من جهة التزاحم، فحينئذٍ لا بُدَّ من أن يكون التكليف الساقط هو التكليف بالمهمّ، ويبقى التكليف بالأهمّ على حاله. فيقع الكلام في أنَّه على تقدير عصيان الأمر بالأهمّ، هل يكون التكليف الآخر مأموراً به في ظرف العصيان أو لا يكون؟
أمّا في التكليف الواحد فيستحيل فرض التزاحم، فإذا كان عندنا وجوبٌ واحدٌ متعلّقٌ بشيءٍ واحدٍ فكيف يقال بالترتّب؟ وأيّ تكليف يكون مترتّباً على تكليفٍ آخر؟ فالصلاة بالنسبة إلى أجزائها وشرائطها من هذا القبيل، فهناك تكليفٌ واحدٌ تعلّق بالصلاة مع طهارة اللباس والبدن والوضوء على تقدير وجدان الماء، والتيمّم على تقدير فقدانه.
وبين المثالين اللذين ذكرهما فرقٌ واضحٌ.
ففي مثال التطهير والوضوء: المكلّف في نفسه واجدٌ للماء ومتمكّنٌ من
ــــــــــ[177]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الوضوء، ولكنّه إن توضّأ لا بُدَّ من أن يصلّي بالنجاسة لعجزه عن الطهارة الخبثيّة، وكذلك هو متمكّنٌ من الطهارة الخبثيّة مع التيمّم، والجمع بين الأمرين غير ممكنٍ، أي: لا يمكن الإتيان بالمأمور به تامّ الأجزاء والشرائط، فيكون هذا الأمر -لا محالة- ساقطاً من جهة العجز عن امتثاله.
ولكنّا علمنا من الخارج أنَّ التكليف بالصلاة لا يسقط بحالٍ، ولا بُدَّ للمكلّف من أن يصلّي متحفّظاً على المقدار الممكن من الأجزاء والشرائط، فإمّا أن يصلّي مع طهارة البدن واللباس ويتيمّم، أو يتوضّأ ويصلّي مع النجاسة. فالمجعول في المقام أحد هذين الأمرين: إمّا خصوص الأوّل أو خصوص الثاني أو التخيير بينهما، فالتكليف واحدٌ.
فلو بنينا على أنَّ هذا التكليف الواحد قد تعلّق بالصلاة عن طهارةٍ خبثيّةٍ مع التيمّم -كما هو مختاره مع أنَّ المسألة خلافيّةٌ- وقلنا بوجوب صرف الماء في تطهير بدنه مع التيمّم، فلو عصى ولم يأتِ بالواجب، وتوضّأ، فالوضوء لم يكن مأموراً به ليقع التزاحم بين واجبين، حتّى نتكلّم -على تقدير عصيان أحدهما- عن إمكان التكليف بالواجب الآخر.
بعبارةٍ أُخرى: الترتّب إنَّما يقع في فرض المزاحمة بين تكليفين لو كان المكلّف قادراً على امتثال الخطابين معاً لوجب عليه ذلك. وفي المقام: لا يمكن الأمر بالوضوء والتيمّم معاً حتّى لو كان متمكّناً منهما، فإنَّ هذا لا معنى للقول به، حتى يقال: إنَّه على تقدير عصيان التيمّم، فهل يكون الوضوء مأموراً به أم لا؟ فليس هذا من باب الترتّب، بل هو أمرٌ واحدٌ، قد تعلّق بالصلاة مع التيمّم،
ــــــــــ[178]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بعد أن قدّمنا اعتبار طهارة البدن واللباس على الوضوء، فلو عصى ذلك لا يحدث أمرٌ آخر، فإنَّ الأمر هنا واحدٌ، وليس هو أمرين لا يتمكّن المكلّف من امتثالهما، والأمر الواحد لا معنى لوقوع الترتّب فيه.
فما ذكره -هنا- من عدم جريان الترتّب باعتبار أخذ القدرة شرعاً في موضوع التكليف، غير تامٍّ، لأنَّ الترتّب غير جارٍ، لكن لا لأجل ذلك، بل لعدم موضوعه، فإنَّ موضوع الترتّب هو وجود أمرين يجب امتثالهما معاً عند التمكّن، وعند العجز يكون المنجّز هو الثاني، فيُتكلّم عن صحّة المهمّ عند عصيان الأهمّ.
نعم، يمكن تصحيح الوضوء بالترتّب في هذه المسألة أيضاً، لكن لا بالأمر الغيري وقيديّة الوضوء للصلاة، بل من جهة أنَّ الوضوء بنفسه مستحبٌّ، فهو مستحبٌّ في نفسه وقيد للصلاة، والوضوء مقدّمةٌ وقيدٌ للصلاة، كما ذكرنا في بحث مقدّمة الواجب. فإذا كان الوضوء مستحبّاً نفسيّاً، وفرضنا أنَّه من ناحية الصلاة غير مأمورٍ به فعلاً، وأنَّ الأمر قد تعلّق بالصلاة مع التيمّم وتطهير الثوب أو البدن، فلو فرضنا أنَّ المكلّف عصى هذا التكليف، ولم يطهّر ثوبه، فهل يسقط الاستحباب النفسي، أو يبقى على حاله؟
بعبارةٍ أخرى: الترتّب غير جارٍ من جهة الوجوب الغيريّ ومن ناحية قيديّة الوضوء للصلاة، فإنَّ التكليف واحدٌ، إلَّا أنَّ هنا تكليفاً آخر، وهو الأمر بالوضوء في نفسه وبالغسل في نفسه، فلو فرضنا أنَّه لم يصلِّ هذا اليوم، فإذا اغتسل فأيُّ مانعٍ من صحّة غسله على تقدير عصيان الأمر بالصلاة؟
ــــــــــ[179]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فبالأمر النفسيّ الاستحبابيّ يمكن القول بصحّة الوضوء، فإنَّ الترتّب كما يجري بين واجبٍ وواجبٍ آخر، كذلك يجري بين واجبٍ ومستحبٍّ، فإذا عصى الواجب الأهمّ، فعلى القول بالترتّب، يجوز الأمر بالواجب المهمّ، أو الأمر بشيء آخر كالأمر الاستحبابيّ. نعم، يسقط الأمر الاستحبابيّ على تقدير امتثال الواجب، لأنَّ المكلّف على تقدير الامتثال يكون عاجزاً عن الإتيان بالفعل المستحبّ، والتكليف مطلقاً -سواءٌ كان وجوبيّاً أم استحبابيّاً- مشروطٌ بالقدرة، فالأمر الاستحبابيّ على تقدير امتثال الوجوب يكون ساقطاً، ولكن على تقدير عصيانه لا مانع من بقائه.
فتبين أنَّ تصحيح الوضوء في هذه المسألة لا يكون من جهة التزاحم بين الطهارة المائيّة وتطهير الثوب أو البدن، بل من جهة أنَّ الوضوء مستحبٌّ نفسيٌّ، وعلى القول بجواز الترتّب لا يسقط الاستحباب رأساً، وإنَّما يسقط في ظرف امتثال الواجب، فلو عصى بقي الاستحباب على حاله.
إذن، لا فرق في جريان الترتّب بين ما إذا كانت القدرة مأخوذةً في موضوع التكليف شرعاً، وبين ما إذا كانت مأخوذةً في موضوعه عقلاً.
أمّا بالنسبة لمثال وجوب صرف الماء في واجب أهمّ كحفظ النفس، فالمورد موردٌ للتزاحم، فإنَّ هنا تكليفين، أحدهما الصلاة مع الطهارة المائيّة، لأنَّه واجد للماء، فهذا الماء يكفي للوضوء، والمفروض أنَّه غير ممنوع من التصرّف به عقلاً ولا شرعاً، فيكون موضوع وجوب الوضوء متحقّقاً في الخارج.
والتكليف الآخر هو حفظ النفس، فهو مأمورٌ بصرف الماء لحفظ النفس
ــــــــــ[180]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وإرواء عطش المؤمن، والحفظ واجبٌ عليه، وهو متمكّنٌ منه أيضاً، فيمكنه أن يصرف الماء في حفظ النفس. فالباب باب التزاحم.
فلو فرضنا أنَّ حفظ النفس كان أهمّ من الوضوء -كما هو كذلك- فيتعيّن حينئذٍ صرفه في الحفظ، ويجب عليه التيمّم للصلاة. ولكن هل يجري هذا على الإطلاق حتّى إذا عصى وجوب حفظ النفس وأبقى الماء عنده؟ كلّا، إذ لا مقتضي لذلك، لأنَّه إذا لم يصرف الماء في الحفظ، كان قادراً على صرفه في الوضوء، إذ لا مانع من صرف الماء فيه كالغصب وغيره، وإنَّما كان مأموراً بصرف الماء في شيءٍ أهمّ، فليس الأمر هنا في نفسه معجّزاً وإنَّما امتثاله هو المعجّز، فلو لم يصرف الماء في حفظ النفس فأيّ وجهٍ للقول بالتيمّم مع أنَّ عنده ماءً، وهو متمكّنٌ من استعماله في الوضوء؟
وكون القدرة مأخوذةً في موضوع التكليف شرعاً أو عقلاً، لا أثرٍ له في المقام، فبعدما كانت القدرة متحقّقةً تكويناً في الخارج -والمفروض أنَّ الشارع لم يمنع من ذلك- لم يكن هناك مانعٌ للأمر بالوضوء على نحو الترتّب، فيأمر المولى بصرف الماء في حفظ النفس ويأمر بالوضوء عند العصيان.
فالإنصاف: هو عدم المانع من جريان الترتّب حتّى لو كانت القدرة مأخوذةً في الموضوع شرعاً، لكن بشرط أن يكون هناك تكليفان لا يتمكّن المكلّف من امتثالهما معاً، وأمّا في موارد التكليف الواحد، كما في الصلاة وأجزائها وشرائطها، فهو خارجٌ عن الترتّب موضوعاً، ولا معنى لوقوعه في التكليف الواحد.
ــــــــــ[181]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
تعتبر هذه المسألة من المسائل التي بحثها المتأخرون، ويترتّب عليها فروعٌ كثيرةٌ في أبواب الفقه، وأوّل من تعرّض لها -فيما نعلم- هو الشيخ الكبير كاشف الغطاء(1)، فقد صحّح الأمر بالصلاة تماماً في مواضع الجهل بالتفصيل بالترتّب. وهذا المورد وإن لم يكن من موارد الترتّب على ما سنبيّن، إلَّا أنَّه قد نقّح الكبرى، وإن كانت الصغرى لا تخلو من إشكالٍ.
وأنكره شيخنا الأنصاريّ غاية الإنكار(2)، وقال: إنَّنا لا نعقل الترتّب، وإنَّ الترتّب أمرٌ غير معقولٍ. إلَّا أنَّ كثيراً من المحقّقين بعده ذهبوا إلى جوازه، وخالف في ذلك صاحب الكفاية فذهب إلى الامتناع(3).
ــــــــــ[182]ــــــــــ
(1) انظر: كشف الغطاء 1: 171.
(2) انظر: فرائد الأصول 2: 524.
(3) انظر: كفاية الأصول: 134، 135.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
لابدَّ -أوّلاً- من بيان محلّ الكلام في بحث الترتّب، وهو أن يكون هناك أمران: أحدهما متعلّقٌ بواجبٍ أهمّ، والآخر متعلّقٌ بواجبٍ مهمٍّ، إلَّا أنَّ الوجوب الأوّل يكون مطلقاً، والوجوب الثاني يكون مشروطاً بعصيان الأمر الأوّل، فيكون كلا الأمرين فعليّاً عند عصيان الأمر الأوّل، أمّا الأمر الأوّل فبإطلاقه، وأمّا الأمر الثاني فلحصول شرطه.
أمّا الأمر الأوّل -وهو الأمر بالأهمّ- فلأنَّه مطلقٌ لحالَي عصيانه وإطاعته، ولم يكن مشروطاً بطاعته، وإلَّا لزم طلب الحاصل، وصدق العصيان يقتضي فعليّة الأمر، وإلَّا إذا لم يكن الأمر فعليّاً فأيّ شيءٍ يعصي المكلّف؟
وأمّأ الأمر الثاني -وهو الأمر المهمّ- فلحصول شرطه، وهو عصيان الأمر بالأهمّ.
فالكلام قد وقع في اجتماع الأمرين في زمانٍ واحدٍ، وتعلّق كلٍّ منهما بشيءٍ يضادّ متعلّق الآخر، إذ المفروض أنَّ المتعلّقين لا يجتمعان في زمانٍ واحدٍ، فلو حصل اجتماع الطلبين على هذا النحو فهل يكون من طلب الجمع بين الضدّين ليكون مستحيلاً، أو لا يكون من طلب الجمع، ولا يمكن أن يكون كذلك، فهو أمرٌ ممكنٌ؟
ــــــــــ[183]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ونتيجة ذلك: إنَّ المكلّف لو لم يأتِ بالمهمّ حال عصيان الأهمّ فقد عصى الأمرين معاً، أمّا الأهمّ فلأنَّه كان مطلقاً، وأمّا المهمّ فلأنَّ شرطه كان حاصلاً.
فالنزاع هو في إمكان فعليّة الأمرين مع تعلّقهما بالضدّين، مع كون أحدهما مطلقاً والثاني مشروطاً بعصيان الأمر الأوّل، فهل هو من طلب الجمع أو لا؟
هذا هو محلّ الكلام.
ويترتّب على ذلك: أنَّ الأمر الثاني إذا كان بعد سقوط الأمر الأول بمعنى: أنَّ المكلّف عصى الأمر الأوّل، فسقط، فوجد أمر آخر مضادّاً للأمر الأوّل- فلا يكون هذا من الترتّب في شيءٍ، إذ لا بُدَّ في الترتّب من أن يكون زمان كلّ أمرٍ مقارناً لزمان الآخر، وهنا لم يجتمع الأمران في زمانٍ واحدٍ، فإنَّ الموجود أحدهما، فإذا سقط الأوّل بعصيانٍ أو غيره وُجد أمرٌ آخر غير الأمر الأوّل.
وهذا لا إشكال في إمكانه ولم يقع فيه كلام، ضرورة أنَّ الأمرين لم يتعلّقا بالضدّين في زمانٍ واحدٍ، فأحد الضدّين مأمورٌ به في زمان، والضدّ الآخر مأمورٌ به في زمانٍ آخر.
ومن ذلك: الأمر بالقضاء عند فوات الفريضة في الوقت، فإنَّ الأمر بالقضاء أو بالإتيان بالصلاة خارج الوقت والأمر بالإتيان بها داخل الوقت لم يجتمعا في زمانٍ واحدٍ، إذ الموجود أوّلاً هو الأمر الأوّل بالأداء، فإذا سقط حدث أمرٌ آخر بالقضاء خارج الوقت، فزمان أحد الأمرين غير زمان الآخر.
ومن ذلك أيضاً: أنَّه إذا كان عنده ماء، وكان متمكّناً من الوضوء أو الاغتسال، ولكنّه لم يتوضّأ ولم يغتسل، بل أراق الماء، فانعدم الموضوع، ووجب
ــــــــــ[184]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
عليه التيمّم، فهذا ليس من الترتّب في شيء، فإنَّ الأمر الأوّل سقط وارتفع، ووجد أمرٌ ثانٍ، فالأمر بالطهارة المائيّة والأمر بالطهارة الترابيّة أمران حدث أحدهما بعد سقوط الآخر، وهذا ليس من الأمر بالضدّين يقيناً، لعدم اجتماعهما في زمانٍ واحدٍ. وأمثلة ذلك كثيرة.
ومحلّ الكلام فيما إذا كان الأمر الثاني في زمان عصيان الأوّل وحاله، فعند أمر المولى بالأهمّ يأمر بالمهمّ على تقدير عصيان الأهمّ، بمعنى: أنَّه يأمر المكلّف بأمرين: بالأهمّ لأنَّه مطلقٌ، وبالمهمّ لأنَّ شرطه حاصلٌ.
ومن هنا يظهر أنَّ الواجب الأهمّ إذا كان آنيَّ الحصول -يعني: إذا كان زمان الامتثال آناً واحداً- ولم يحتج إلى مضيّ زمانٍ، وإنَّما كان: إن فعله المكلّف في هذا الآن فهو وإلَّا سقط، كما في بعض موارد إنقاذ الغريق، فلو فرضنا أنَّه مدّ يده لإنقاذه فهو متمكّنٌ من إنقاذه، وأمّا إذا لم يكن متمكّناً لعدم تمكّنه من السباحة -مثلاً- فقد سقط تكليف الإنقاذ، فلا يكون من موارد الترتّب، فإنَّ المكلّف لو عصى وسقط الأمر بالأهمّ، وحدث أمرٌ آخر مهمّ، فقد حدث هذا الأمر بعد سقوط الأمر الأوّل، وهذا لا يكون داخلاً في محلّ الكلام.
نعم، الأمر بالمهمّ في ذلك الآن -الذي كان مأموراً فيه بالإنقاذ، وهو زمان العصيان- داخلٌ في الترتّب، فلو فرضنا أنَّ الأمر بالأهمّ والأمر بالمهمّ كلاهما آنيٌّ، وعصى الأهمّ وأتى بالمهمّ، كما لو غرق شخصان، أحدهما يتعيّن إنقاذه لأهمّيّته فيكون هو الواجب، وكان الثاني غير مهمّ، وفي الآن الذي كان يتمكّن فيه من إنقاذ الأوّل، عصى وأنقذ الثاني، فمثل هذا يجري فيه الترتّب، فإنَّه في
ــــــــــ[185]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الآن الواحد مكلّفٌ بإنقاذ الفرد الأهمّ لأهمّيّته، وهو مكلّفٌ بإنقاذ الفرد الثاني لحصول شرطه، وهو عصيان الأمر الأوّل.
فمحلّ البحث: في أن يكون زمان كلا الأمرين زماناً واحداً، أحد الأمرين يتعلّق بالأهمّ، والآخر يتعلّق بالمهمّ، ويكون الأوّل فعليّاً لإطلاقه، ويكون الثاني فعليّاً أيضاً لحصول شرطه.
ــــــــــ[186]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بعد بيان محلّ الكلام، يتبيّن: أنَّ الصحيح هو إمكان الترتّب، بل سنبيِّن أنَّ هذا من الواضحات بعد الالتفات إلى واقع الترتّب، وأنَّه ليس من طلب الجمع. وبعد أن نتصوّر الترتّب بجميع خصوصيّاته يكون التسليم بإمكانه ضروريّاً، وليس هنا ما يوجب استحالته، بل هو ممكنٌ وواقعٌ، ويدلّ على ذلك:
فإنّا نرى بالوجدان -بالنسبة إلى ما يتعلّق به شوقنا وإرادتنا- أنّنا نشتاق ونريد أمرين متضادّين، يكون أحدهما مطلقاً، ويكون الآخر مراداً على تقدير عدم الأوّل، فهذا أمرٌ وجدانيٌّ لا نرى فيه أيَّ محذور. وذلك كما لو أمر الوالد ابنه بفعلٍ كأن يذهب إلى المدرسة، ويقول له: إن عصيت ولم تذهب إلى المدرسة فابقَ في الدار، فهذا من الأمر بالضدّين، لأنَّ البقاء في الدار لا يمكن أن يجتمع مع الذهاب إلى المدرسة، إلَّا أنَّ بقاءه ليس مأموراً به على الإطلاق، بل على تقدير عدم الذهاب إلى المدرسة، فالمأمور به أوّلاً هو الذهاب إلى المدرسة لتعلّم العلوم الدينيّة والأحكام الشرعيّة، وعلى تقدير عصيانه يأمره الوالد بالبقاء في البيت للاشتغال بأمور البيت. فهذا لا محذور فيه، ولا يستنكر الولد على والده فيقول له: إنَّ هذا تكليفٌ بالضدّين، ولا يمكنني
ــــــــــ[187]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الجمع بين الذهاب إلى المدرسة والبقاء في البيت.
بعبارة أخرى: إنّا بالوجدان لا نرى مانعاً من الأمر بالضدّين إذا كان على نحو الترتّب، فمن أنكره لم يتصوّره على حقيقته، إذ لو تُصوِّر الترتّب على حقيقته وأنَّ أحد الأمرين مترتّبٌ على عصيان الأمر الآخر، على نحوٍ لا يلزم منه طلب الجمع بين الضدّين، لم يكن منه مانعٌ أصلاً، وإنَّما منعه المانع لتخيّل لزوم الجمع بين الضدّين، وهو مستحيلٌ.
أمّا عرفاً، فأمثلته كثيرة، كما في المثال السابق.
وأمّا شرعاً، فأوضح مصداق للترتّب مسألة ما إذا وجب قصد الإقامة في مكان لنذرٍ أو حلفٍ أو شرطٍ في ضمن عهدٍ أو غير ذلك ممّا يوجب قصد الإقامة في بلدٍ عشرة أيّام.
فلو فرضنا أنَّه عصى هذا الأمر ولم يقصد الإقامة في هذا البلد، فهل يجوز له الصوم أو يجب عليه الإفطار لأنَّه مسافر غير قاصدٍ للإقامة؟
لابدَّ من الالتزام بالثاني، وبعدم صحّة صومه ووجوب الإفطار عليه، لأنَّه لو صام وهو ناوٍ البقاء لما دون العشرة لم يكن صومه صحيحاً، لأنَّه مسافرٌ وغير قاصدٍ للإقامة، وحكم مثله هو الإفطار، ولا يجوز له الصيام.
والكلام في أثناء سفره لا من أوّل الأمر، فلو ذهب ثمانية فراسخ أو أكثر، كما لو سافر من النجف إلى بغداد، ووجب عليه أن يبقى في كربلاء عشرة أيّام، ولكنّه عصى هذا الخطاب وبنى على البقاء مدّةً أقلّ، فهل يجب عليه الصوم؟ لا
ــــــــــ[188]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
يمكن الالتزام بذلك، لأنَّه مسافرٌ غير قاصدٍ للإقامة. وهل يجب عليه الإفطار؟ نعم، فهو مأمورٌ بضدّين في آنٍ واحدٍ، لأنَّه في كلّ آنٍ يجب عليه قصد الإقامة، وعلى تقدير العصيان يجب عليه الإفطار.
وهذا من أوضح مصاديق الترتّب، فإنَّ الإقامة والإفطار متضادّان، لا يجتمعان، ولا نظنّ فقيهاً يقول بوجوب الصوم حال السفر مع عدم قصد الإقامة، ففي هذا المورد هو مأمورٌ بالإفطار والإقامة معاً، وأحد الأمرين في طول الآخر، فلا استحالة.
وكذا في الصلاة فيما لو وجبت الإقامة على مكلّفٍ، وعصى، ولم يقصد الإقامة، فهل يقصّر في الصلاة أو يتمّ؟ أمّا التمام فلا يمكن الالتزام به، لأنَّه مسافرٌ غير قاصدٍ للإقامة، فتكون وظيفته التقصير، والتقصير وقصد الإقامة متضادّان، ولا يمكن للشارع أن يأمر بهما معاً، إلَّا أنَّه يأمر بهما طولاً، فيأمره بالإقامة، وعلى تقدير العصيان يأمره بالتقصير. فلا مانع من ذلك، وهو واقعٌ جزماً.
ولو فرضنا عكس ذلك، أي: أنَّ الواجب على المسافر هو الاستمرار في سفره، وعدم جواز قصد الإقامة في مكان ما، فلو عصى وقصد الإقامة، فلا إشكال في أنَّ قصد الإقامة في بلدٍ والسفر من ذلك البلد متضادّان، فلا يمكن للشارع أن يأمر بهما معاً، وإنَّما يأمره أوّلاً بالسفر، فلو عصى وقصد الإقامة فهل يأمره بالصلاة تماما أو قصراً؟ لا يمكن الالتزام بالقصر، لأنَّه قاصدٌ للإقامة، فكيف يجوز له التقصير، وأمّا إذا قلنا إنَّ عليه الإتمام، فهذا هو عين الترتّب،
ــــــــــ[189]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بمعنى: أنَّه يجب عليه أن يسافر، ولكن على تقدير عصيان هذا الأمر وقصد الإقامة يجب عليه الإتمام، فكان الأمر بالسفر والأمر بالإتمام في عين الوقت طولاً، وهذا عين الترتّب. إذن، لا مانع من الأمر بالضدّين على هذا النحو.
كذلك بالنسبة إلى الصوم، على فرض أنَّ مَن يجب عليه الاستمرار في السفر عصى هذا الأمر، وقصد الإقامة بعد الزوال، ولم يحدث شيئاً بعد ذلك، فلم يأكل ولم يشرب، فهل يجب عليه الصوم أو لا؟
إن قلنا بعدم الوجوب مع كونه قاصداً للإقامة، وهذا غير ممكنٍ، فهما لا يجتمعان. فلا بُدَّ من القول بوجوب الصوم عليه، فهو أمرٌ بالسفر وبالصوم، لا على نحوٍ يلزم منه الجمع بين الضدّين، بل يأمره بالسفر أوّلاً، ويأمره بالصوم على تقدير العصيان، فيجتمع بذلك وجوب السفر مع وجوب الصوم، ولكنّ أحدهما مترتّبٌ على عصيان الآخر.
هذه الفروع تدلّنا على أنَّ الأمر بشيئين متضادّين -بمعنى أنَّهما لا يجتمعان ولو بحكم الشارع (أي كونهما ضدّين شرعاً)- لا مانع منه على نحوٍ لا يكون طلباً للجمع، فإنَّ الشارع لا يأمر بالسفر والصوم معاً، بل يأمر بالسفر، وعلى تقدير عدمه يأمر بالصوم.
فلا بُدَّ فيها من الالتزام بالترتّب.
هذا هو الدليل الثاني لوقوع الترتّب، فإنَّ الوقوع أخصّ من الإمكان، فإذا وقع في موردٍ وجاز فيه، جاز في جميع الموارد، فإنَّ الجواز والامتناع لا يختصّان بموردٍ دون موردٍ، وهذا مفاد الكبرى المعروفة من أنَّ حكم الأمثال فيما يجوز
ــــــــــ[190]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وما لا يجوز واحدٌ، والمراد من الجواز فيها هو الجواز عقلاً، فإذا كان شيءٌ واقعاً وجائزاً في موردٍ، فهو جائزٌ في سائر الموارد، وكذلك في الترتّب، فإنَّ وقوعه أدلّ دليل على إمكانه، لأنَّ المستحيل لا يقع.
وإذا جاز الترتّب وأمكن وجب، على ما بيّناه من أنَّ وقوع الترتّب مساوقٌ لوجوبه.
العمدة في بيان جواز التّرتب هو الدليل اللمّي، ومفاده: كيف يكون الترتّب جائزاً، ولا يكون فيه طلبٌ للجمع بين الضدّين؟
قد ذكرنا: أنَّ الترتّب لا يجري إذا كان الواجب الأهمّ آنيّاً، وحصل عصيانه، وفي الآن الثاني أمرنا بالمهمّ. وقلنا: إنَّ هذا خارجٌ عن مورد الترتّب، فإنَّ حدوث أمرٍ بعد سقوط أمرٍ آخر من البديهيّات، ولا معنى للكلام فيه. وإنَّما محلّ البحث ما إذا اجتمع الأمران في زمانٍ واحدٍ، لا أن ينعدم أحدهما وبعد ذلك يثبت أمرٌ آخر.
ومن هذا القبيل -أن يكون أحد الأمرين ساقطاً، ثمَّ يحدث أمرٌ آخر-: ما ذكرناه من الأمر بالتيمّم على تقدير عصيان الأمر بالاغتسال أو الوضوء، فهو خارجٌ عن محلّ الكلام، إذ لم يجتمع الأمران في زمانٍ واحدٍ، بل سقط الأمر بالوضوء، وبعده حصل الأمر بالتيمّم، ونظير ذلك كثيرٌ، ففي الواجبات الآنيّة، إذا عصى في الآن الأوّل، يؤمر في الآن الثاني بالمهمّ لا محالة، فلو غرق الغريق في الآن الأوّل ولم يمكن إنقاذه فبعد العصيان يؤمر بواجبٍ آخر، وهذا ليس من الترتّب.
ــــــــــ[191]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
نعم، لو فرضنا أنَّه أتى بالمهمّ في آن عصيان الأهمّ فهنا يجري الترتّب، فإنَّه في الآن الأوّل كان يجب عليه الأهمّ، وعصى وأتى بالمهمّ، فيجري بحث الترتّب.
ومن ذلك يظهر: أنَّ الواجبين التدريجيّين إذا كان عصيان أحدهما شرطاً في وجوب الآخر، ليس المراد من العصيان هو العصيان في الآن الأوّل فقط، كما في الإزالة والصلاة فيما لو كانت الإزالة أهمّ، وكان الأمر الفعليّ متعلّقاً بها، إلَّا أنَّه عصى وصلّى، فليس المراد من قولنا إنَّ عصيان الأهمّ شرطٌ في وجوب المهمّ في الآن الأوّل، بمعنى: أنَّه إذا عصى الأمر بالإزالة في الآن الأوّل يؤمر بالصلاة، إذ هو من طلب الجمع بين الضدّين، وهو في غاية الوضوح، إذ لو عصى في الآن الأوّل فوُجد الأمر بالصلاة، ففي الآن الثاني الأمر بالإزالة موجودٌ، فإنَّ المفروض أنَّه لم يسقط، والأمر بالصلاة موجودٌ لتحقّق شرطه، وهو العصيان في الآن الأوّل، ففي الآن الثاني اجتمع الأمران، وهذا من طلب الجمع الواضح.
ولا يمكن أن يقال: إنَّ محذور طلب الجمع مفقودٌ في المقام، وذلك لأنَّ المكلّف باختياره أوقع نفسه في المحذور، فلماذا عصى ليبتلي بذلك، فإنَّ هذا واضح الفساد كما ذكر صاحب الكفاية(1)، فإنَّ الأمر بالضدّين لا يصدر من الحكيم حتّى لو كان مترتّباً على سوء اختيار المكلّف، وإلَّا لجاز للشارع أن يقول: إذا صعدتَ إلى السطح فاجمع بين النقيضين، فإنَّ للمكلّف ألّا يصعد، فهل يصحّ أن يأمر بالمحال على تقدير فعلٍ اختياريّ؟
ــــــــــ[192]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 134، 135.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بل محلّ بحثنا جوازاً وامتناعاً هو أن يكون العصيان حدوثاً وبقاءً شرطاً في وجوب المهمّ، فكما أنَّ عصيان الأمر بالإزالة في آن شرط في وجوب الصلاة، فكذلك عصيان الإزالة، فإنَّ المكلّف يؤمر في كلّ آنٍ بالإزالة ورفع اليد عن الصلاة، ولكن على تقدير العصيان وخلوّ الزمان من الإزالة وفراغ المحلّ، يأمره بالصلاة، وإلَّا فلا يؤمر بالصلاة مع الأمر بالإزالة. فكما يأمره -حدوثاً- بالإزالة وعلى تقدير عصيانها يطلب منه إقامة الصلاة، فكذلك بقاءً، فلو رفع يده عن الصلاة ابتداءً واشتغل بالإزالة، لم تكن الصلاة مأموراً بها، إذ الأمر بها مشروطٌ بعصيان الأمر بالإزالة حدوثاً وبقاءً، فالعصيان المستمرّ هو الشرط لوجوب الصلاة، لا العصيان آناً ما.
إذن، فليس هذا من طلب الجمع بين الضدّين، فإنَّ الشارع لا يقول في كلّ آنٍ من الآنات: صلِّ وأزل، بل يقول: أزل، وعلى تقدير خلّو المحلّ عن الإزالة وتركها، ففي ذلك الظرف صلّ.
ففي الواجبات التدريجيّة -كما هو الغالب في الواجبات وفي سائر الموارد التي لا يكون الوجوب فيها آنيّاً- العصيان الذي هو شرطٌ للأمر بالصلاة هو العصيان المستمرّ.
ويُعلم من هذا أنَّه لا محذور في مثل هذين الطلبين، بحيث يكون أحدهما مطلقاً وهو الأمر بالأهمّ، ويكون الأمر بالثاني مشروطاً بعصيان الأمر الأوّل، ولا يكون هذا من طلب الجمع بين الضدّين.
وممّا سبق يظهر فساد ما في كلمات بعض المنكرين للترتّب، من أنَّ المشروط
ــــــــــ[193]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
إذا حصل شرطه يكون مطلقاً، وبعد العصيان يكون هناك واجبان مطلقان، أمّا الواجب الأهمّ فلإطلاقه، وأمّا المهم فلحدوث شرطه، ومن الواضح أنَّ الوجوبين المطلقين لا يتعلّقان بالضدّين، فإنَّ الشرط ليس هو العصيان آناً مّا، حتى يكون الواجب المهمّ مطلقاً وغير مشروطٍ، بل الشرط هو العصيان المستمرّ والقدرة المستمرّة، فكيف يكون المشروط مطلقاً، فهو مشروطٌ حدوثاً وبقاءً.
ففي الإزالة والصلاة حينما يأمر المولى المكلّف بالإزالة في كلّ آنٍ، وفي كلّ آن يأمره بالصلاة على تقدير ترك الإزالة، فهذا التقدير كما هو تقديرٌ حدوثاً كذلك هو تقديرٌ بقاءً، فالأمر بالصلاة إنَّما يتحقّق ويبقى على تقدير حدوث العصيان وبقائه، فلو عدل في أثناء الصلاة إلى الإزالة، ينكشف أنَّ الأمر بالصلاة لم يكن من الأوّل، فكما لا يتحقّق الأمر بالمهمّ إلَّا بالعصيان، كذلك لا يبقى إلَّا به.
وهذا بناءً على ما ذكرناه من إمكان الشرط المتأخّر والواجب التعليقيّ في غاية الوضوح كما تقدّم(1)، فقد قلنا: إنَّ كلّ واجبٍ تدريجيّ -كالصلاة والصوم والحجّ- ممّا يعتبر فيه التدرّج، لا يمكن تصويره إلَّا بنحو الشرط المتأخّر وبالالتزام بالواجب التعليقيّ.
الوجه في ذلك: أنَّ الواجب بما أنَّه ارتباطيٌّ فالوجوب المتعلّق بالتكبيرة مشروطٌ ببقاء القدرة إلى آخر الصلاة، فلو مات المكلّف في أثنائها أو حاضت
ــــــــــ[194]ــــــــــ
(1) تقريرات في علم أصول الفقه 3: 71.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
المرأة، ينكشف أنَّ الصلاة لم تكن مأموراً بها من الأوّل، إذن يشترط في فعليّة الأمر بالصلاة بقاء الشرط إلى الآخر، وهو عين الالتزام بالشرط المتأخّر.
والمكلّف حال الأمر بالتكبيرة مكلّفٌ بالسلام أيضاً الذي هو الجزء الأخير، فيكون الأمر بالجزء الأخير في ظرفه فعليّاً، وهو عين الالتزام بالواجب التعليقيّ، أي: إنَّ الإتيان بالسلام والسجدة الأخيرة في ظرفه مأمورٌ بهما من الآن، فالآن تعلّق الأمر بأمرٍ متأخّرٍ.
فبناءً على جواز الشرط المتأخّر والواجب التعليقيّ يكون هذا في غاية الوضوح.
إذن، الأمر بالأهمّ ثابتٌ على وجه الإطلاق، ولكنّ الأمر بالمهمّ ثابتٌ ومشروطٌ بالقدرة إلى الآخر، والقدرة مساوقةٌ لعصيان الأمر بالأهمّ، إذ لو امتثل الأهمّ لم يكن قادراً على إيجاد المهمّ، فالعصيان كما هو شرطٌ حدوثاً، كذلك هو شرطٌ بقاءً.
أمّا على مسلك شيخنا الأستاذ من إنكار الواجب التعليقيّ والشرط المتأخّر، فلا بدَّ من التمحّل في المقام، كما قد تمحّل في الواجبات التدريجيّة، وأخذ القدرة المتعقّبة للقدرة على سائر الأجزاء شرطاً، فالأمر بالتكبيرة مشروطٌ بالقدرة على التكبيرة المتعقّبة بالقدرة على باقي الأجزاء. فالشرط هو التعقّب، وهو موجودٌ فعلاً.
ولكنّا ذكرنا في محلّه: أنَّ الالتزام بأنَّ الشرط هو التعقّب لا وجه له ولم يدلّ عليه دليلٌ، فإنَّ الدخيل في التكليف هو واقع القدرة لا العنوان الانتزاعيّ
ــــــــــ[195]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
كالسبق واللحوق والتعقّب، إذ لم يقم دليلٌ على أخذ مثل هذه العناوين الانتزاعيّة، فالقدرة شرطٌ في الامتثال عقلاً، وما يعتبره العقل شرطاً هو واقع القدرة لا عنوان التعقّب.
فإذا كانت القدرة هي المأخوذة شرطاً، وكان الواجب تدريجيّاً، فكذلك تكون القدرة عليه تدريجيّةً أيضاً، فالقدرة التدريجيّة شرطٌ في الواجب التدريجيّ، فلا بُدَّ من الالتزام بالشرط المتأخّر وبالواجب التعليقيّ، ومعنى هذا أنَّ الوجوب فعليٌّ، ولكنّ الواجب متأخّرٌ، كالسلام والسجدتين الأخيرتين من الصلاة.
وكذا الحال في الصوم، فلو مات المكلّف أو حاضت المرأة، ينكشف أنَّه لا أمر بالصوم من الأوّل، وكذلك في سائر شرائط الصوم من الحياة وطهارة المرأة والصحّة والحضور قبل الزوال، فلو مرض أيضاً ينكشف أنَّه لم يكن مأموراً به من الأوّل، وإن كان مأموراً بالإمساك إلَّا أنَّ ذلك أمرٌ آخر، فالأمر بالصوم مشروطٌ ببقاء سائر شرائط التكليف بالصوم إلى الآخر، فلو سافر قبل الزوال ينكشف أنَّه لم يكن مأموراً به من الأوّل، وإن كان يجب عليه الإمساك كما ذكرنا. فالصوم الذي هو واجبٌ تدريجيٌّ ومركّبٌ من إمساكاتٍ متعدّدةٍ بتعدّد آنات النهار، مشروطٌ بالقدرة التدريجيّة، وببقاء سائر الشرائط إلى الغروب في بعضها كالصحّة، أو إلى الزوال في البعض الآخر كالسفر.
ففي مثل هذه الموارد: لا مناص من الالتزام بالشرط المتأخّر والواجب التعليقيّ. وأمّا الالتزام بالتعقّب وأنَّ الشرط هو الحياة المتعقّبة بالحياة حال
ــــــــــ[196]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الأجزاء الاخرى، أو هو القدرة المتعقّبة بالقدرة على الأجزاء الأخرى، فلا وجه له، ولا دليل على شرطيّة عنوان التعقّب، إذ القدرة شرطٌ بحكم العقل، والعقل يرى التقيّيد بواقع القدرة، لا بعنوان التعقّب.
يدّعي القائل بالترتّب أنَّ الأمر بالمهمّ والأمر بالأهمّ مجتمعان في زمانٍ واحدٍ، وكلٌّ منهما يتعلّق بمتعلّقه من دون أن يستلزم ذلك طلب الجمع أو تعلّق الأمر بالضدّين، فإنَّ كيفيّة التعلّق على نحوٍ لا يلزم منها ذلك. أمّا ثبوت الأمر بالمهمّ بعد سقوط الأمر بالأهمّ فهو ممّا لا كلام فيه، ولا إشكال في جوازه.
ويترتّب على ذلك -أي: كون الأمرين مجتمعين في زمانٍ واحدٍ-: أنَّ زمان امتثال الأمر بالمهمّ وزمان نفس الأمر، وزمان الأمر بالأهمّ وزمان عصيانه، كلّ ذلك زمانٌ واحدٌ. فالزمان الذي يتحقّق بامتثال الأمر بالمهمّ هو زمان الأمر بالمهمّ أيضاً، وهذا يعني أنَّ زمان الامتثال وزمان الأمر واحدٌ، وهو نفسه زمان عصيان الأمر بالأهمّ وزمان نفس الأمر بالأهمّ.
فالقائل بالترتّب يدّعي وحدة الزمان بالنسبة إلى هذه الأشياء الزمانيّة، فكلّها مجتمعةٌ في زمانٍ واحدٍ، وليس ذلك بلحاظ تقدّمها وتأخّرها الرتبيّ، فإنَّ القائل لا يدّعي جوازه من حيث التقدّم والتأخّر في الرتبة كما توهّم.
وقد ذكرنا -غير مرّة- أنَّ التقدّم والتأخّر الرتبيّين لا أثر لهما فيما يرجع إلى الاستحالة أو الإمكان بالنسبة إلى الوجود الخارجيّ، فإنَّ الوجود الخارجيّ إنَّما يكون بلحاظ الزمان لا بلحاظ الرتبة.
ــــــــــ[197]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
والقائل بجواز الترتّب لا يدّعيه من جهة الطوليّة بين الأمر بالمهمّ والأمر بالأهمّ، فإنَّ المحذور إنَّما هو في طلب الجمع، وإذا ثبت طلب الجمع فلا بُدَّ من الالتزام باستحالة الترتّب، وإن فرضنا أنَّ أحد الأمرين في طول الآخر، فإنَّ الطوليّة لا أثر لها بعد أن كان لازم الترتّب هو طلب الضدّين.
وإذا فرضنا أنَّ الأمرين لم يلزم منهما طلب الجمع -كما هو كذلك- كان الأمران ممكنين، على أن يكون أحدهما مطلقاً والآخر مقيّداً بعصيان الأمر بالأهمّ، وهما مجتمعان في زمانٍ واحدٍ، وهو لا يوجب الاستحالة بعد أن لم يكن طلباً للجمع.
ولبيان اجتماعهما في زمانٍ واحدٍ نقول: إنَّ متعلّق الأمر مطلقٌ من حيث زمان الامتثال وزمان العصيان بالضرورة، فحينما يمتثل التكليف أو يعصيه فالتكليف موجودٌ حال العصيان وحال الامتثال، وإلَّا فالامتثال لأيّ تكليف؟ فإذا فُرض أنَّ الوجوب أو التحريم غير موجودٍ بالفعل فالامتثال والعصيان يكونان امتثالاً وعصياناً لأيّ شيءٍ؟ فلا بُدَّ أن يُفرض أمرٌ فعليٌّ يمكن للمكلّف أن يمتثله وأن يعصيه، فيختار أحدهما، وعند اختياره لأحدهما يكون التكليف موجوداً لا محالة.
وهذا واضحٌ على مسلكنا، من أنَّ الإطلاق والتقييد ليس بينهما ثالثٌ، ولا بُدَّ من أحدهما بالنسبة إلى أيّ تقسيمٍ يمكن أن ينقسم إليه المتعلّق أو موضوع التكليف.
والوجه في الوضوح: أنَّ تقييد الأمر بالإطاعة وكون الأمر مخصوصاً
ــــــــــ[198]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بصورة الإتيان بالمتعلّق غير معقولٍ، إذ لا يمكن أن يأمر بالصلاة إذا أتى بها في الخارج، بأن يكون الإتيان بها شرطاً في وجوبها، فهذا طلبٌ للحاصل، وهو غير معقولٍ، فتقييد الأمر بالإتيان بمتعلّقه أمرٌ مستحيلٌ.
كما أنَّ تقييده بترك متعلّقه، بأن يأمر المولى بالصيام على تقدير ترك الصيام غير معقول، لأنَّه مستلزمٌ لطلب شيءٍ عند فرض نقيضه، وهو مستلزمٌ للجمع بين النقيضين، وهو مستحيلٌ، فعند ترك الصوم في الخارج يستحيل إيجاده مع الترك، فكيف يأمر به مقيّداً بهذا الزمان. فالتقييد بالفعل وبالترك مستحيلٌ، ولا مناص من الإطلاق، أي: إنَّ الطبيعة متعلّقةٌ للأمر فهي ليست مقيّدةً بفعله ولا بتركه، وقد ذكرنا -غير مرّةٍ- أنَّ الإطلاق ليس هو الجمع بين الخصوصيّات، بل هو رفض الخصوصيّات، فإنَّ الإتيان بالفعل خارجاً وعدمه لا دخل له في غرض المولى، فعلى كلا التقديرين الطلب موجودٌ، ولا دخل لعصيان المكلّف وامتثاله في فعليّة التكليف.
فعلى ما ذكرناه من عدم إمكان خلوّ التكليف من الإطلاق والتقييد، لأنَّ الإهمال ممتنعٌ في الواقع: لا مناص من الإطلاق بعد استحالة التقييد، فالتكليف بالأهمّ ثابت في ظرف عصيانه وفي ظرف امتثاله، لإطلاق الدليل، لأنَّ التقييد غير معقولٍ، فيكون الإطلاق ضروريّاً.
أمّا على مسلك شيخنا الأستاذ -من أنَّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق، لأنَّ التقابل بينهما هو تقابل العدم والملكة، فإذا كان التقييد غير ممكنٍ كان الإطلاق مستحيلاً أيضاً- فلا بدَّ من التمحّل بوجهٍ آخر، حيث لا يمكن
ــــــــــ[199]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الالتزام بانتفاء التكليف حال الامتثال أو حال العصيان، إذ لو كان الأمر كذلك فما هو متعلّق العصيان والامتثال؟ فلا بُدَّ -إذن- من ثبوت التكليف حال الامتثال والعصيان حتى يمكن أن يقال: إنَّ المكلّف يعصي أو يطيع، أي: يأتي بمتعلّق التكليف أو يتركه.
ولذلك تمسّك بوجهٍ آخر، هو الالتزام بنتيجة الإطلاق، حيث التزم بأنَّ الإطلاق إذا كان مستحيلاً لاستحالة التقييد، فبحسب الواقع لا بُدَّ من عملٍ تكون نتيجته نتيجة الإطلاق أو نتيجة التقييد، وحيث إنَّه لا يمكن الالتزام هنا بنتيجة التقييد، وهي أنَّ العاصي أو الممتثل ليس مكلّفاً، فبنتيجة الإطلاق: نثبت وجود التكليف في كلا الحالين.
هذا بالنسبة إلى الأمر بالأهمّ.
ومنه يظهر الحال في الأمر بالمهمّ، فإنَّه أيضاً ثابتٌ حال امتثاله وحال عصيانه، بعين بياننا على مسلكنا وبيان شيخنا الأستاذ على مسلكه، فعندنا يثبت ذلك بالإطلاق لكونه ضروريّاً بعد استحالة التقييد، وأمّا على مسلك شيخنا الأستاذ فبنتيجة الإطلاق نثبت الحكم في كلا الحالين.
أمّا وحدة زمان الأمر بالمهمّ مع عصيان الأمر بالأهمّ، فواضحٌ، لأنَّ عصيان الأمر بالأهمّ موضوعٌ له وشرطٌ في تحقّقه، لأنّا فرضنا أنَّ فعليّة الأمر بالمهمّ مشروطةٌ بعصيان الأمر بالأهمّ، فعصيان الأمر بالأهمّ شرطٌ في فعليّة الأمر بالمهمّ، ومن الواضح أنَّ الموضوع مع حكمه لا يختلفان في الزمان خارجاً، فتكون فعليّة الحكم وفعليّة الموضوع في زمانٍ واحدٍ.
ــــــــــ[200]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فتحصّل: أنَّ الزمان الواحد هو زمانٌ لامتثال الأمر بالمهمّ، وزمانٌ لنفس الأمر بالمهمّ، من جهة الإطلاق على ما ذكرنا، وزمانٌ للأمر بالأهمّ، ولعصيان الأمر بالأهمّ، بعين البيان المتقدّم.
فجميع هذه الأمور موجودةٌ في زمانٍ واحدٍ، ومع ذلك لا يلزم طلب الجمع، فإنَّ المولى في زمانٍ واحدٍ يأمر بالأهمّ على الإطلاق ويأمر بالمهمّ على تقدير عصيان الأهمّ، ومع ذلك لا يلزم طلب الجمع.
إنَّ التنافي بين كلّ تكليفين إمّا أن يكون في مرحلة الجعل، كما في موارد التعارض، إذ لا يُعقل أن يكون شيءٌ واحدٌ محكوماً بالحرمة والوجوب أو بالإباحة والحرمة أو الوجوب في وقتٍ واحدٍ، ويعبَّر عن التنافي بحسب مقام الجعل بالتعارض، وهو يعني: أنَّ ثبوت أحد التكليفين يكون مستلزماً لعدم الآخر، وصدق أحدهما يستلزم كذب الآخر، ولا بُدَّ من أن يكون الراوي مشتبهاً في إحدى الروايتين، ولا يمكن أن يكون كلٌّ من الحكمين صادراً من الإمام، أو أن يكون التنافي في مرحلة الامتثال، إذ لا تنافي في الجعل في نفسه، ولكنّ الامتثال غير ممكنٍ، لأنَّ التكليف بغير المقدور غير ممكنٍ، فلا بُدَّ من أن يكون ثبوت أحدهما ملازماً لعدم الآخر. فإذا لزم من التكليف محذور التكليف بما لا يطاق، فلا بُدَّ من أن يكون أحد التكليفين غير مجعولٍ، وهذا هو التنافي بحسب عالم الامتثال.
فإذا دلّت روايةٌ على وجوب شيءٍ ودلّت روايةٌ أُخرى على وجوب ضدّه،
ــــــــــ[201]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
كان بينهما تعارضٌ لا محالة، كما لو دلّت الأولى على وجوب استقبال القبلة، ودلّت الأخرى على وجوب استدبارها، فلا بُدَّ -هنا- أن يكون أحدهما غير صادرٍ من الشارع، إذ لا يمكن الأمر بما لا يطاق وبما لا يمكن امتثاله خارجاً.
والمدّعى في باب الترتّب: أنَّه لا محذور من فعليّة الأمرين، لا من ناحية الجعل، ولا من ناحية الامتثال.
أمّا من ناحية الجعل فواضحٌ، إذ لا مانع من الأمر بالأهمّ على تقدير القدرة، ومن الأمر بالمهمّ على تقديرها، فكلا الحكمين مجعولٌ على موضوعه ومشروطٌ بالقدرة، ولا يستلزم ثبوت أحدهما نفي الآخر في مرحلة الجعل، فلا تنافي بينهما، إذ إنَّهما لم يردا على موضوعٍ واحدٍ، فمن هذه الناحية لا محذور في ذلك.
وأمّا من ناحية الامتثال، وأنَّ الترتّب مستلزمٌ للتكليف بما لا يطاق -على ما يدّعيه القائل باستحالته، لأنَّه مستلزمٌ للأمر بالضدّين، وهو غير ممكنٍ، لأنَّه تكليفٌ بما لا يطاق- فأمرٌ فاسدٌ.
بيان ذلك: أنَّ متعلّق كلّ تكليفٍ من الأمر بالمهمّ والأمر بالأهمّ -كما في كلّ متضادّين- له حالاتٌ، فتارةً: يفرض أنَّ كلّ أمرٍ بالنسبة إلى الإتيان بمتعلّق الآخر وعدمه مطلقٌ، كما لو أمر المولى بالقيام وأمر بالجلوس، وكان كلٌّ من الأمرين مطلقاً من ناحية الإتيان بمتعلّق الأمر الآخر، فلا محالة تكون نتيجة ذلك طلب الجمع بينهما، إذ المفروض أنَّه مكلّفٌ بإيجاد القيام وبإيجاد الجلوس، والمفروض عدم إمكان الجمع بينهما في زمانٍ واحدٍ، وكلٌّ منهما مطلقٌ بالنسبة
ــــــــــ[202]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
إلى الإتيان بمتعلّق الآخر، وهذا معناه الأمر بالقيام والجلوس معاً، وهو تكليفٌ بما لا يطاق، فإنَّه غير مقدورٍ. هذا لا إشكال فيه.
وكذا لو فرضنا أنَّ أحد الأمرين مطلقٌ والآخر مقيّدٌ بالإتيان بمتعلّق الأول، كما لو أمر المولى بالقيام وأمر بالجلوس حال القيام -أي: حال امتثال الأمر الآخر- فهذا الفرض يلزم منه الجمع بين الضدّين، فإنَّ المكلّف إذا امتثل الأمر بالقيام كان الأمر بالجلوس فعليّاً، كونه مقيّداً بامتثال الأمر الآخر، فيكون كلٌّ من الأمرين فعليّاً، أمّا الأوّل فلإطلاقه، وأمّا الآخر فلحصول قيده، ولازمه طلب الجمع بين الضدّين.
وكذا لو فرضنا أنَّ كلاًّ من الأمرين مقيّدٌ بامتثال الآخر، فمن الواضح: أنَّه يلزم طلب الجمع بين الضدّين، كما لو كان الأمر بالجلوس مقيّداً بامتثال الأمر بالقيام، وكان الأمر بالقيام مقيّداً بامتثال الأمر بالجلوس، فكأنَّه يقول: إذا جلست فقم وإذا قمت فاجلس. وهذا غير معقولٍ، لأنَّه من طلب الجمع.
وأمّا لو فرضنا أنَّ أحد الأمرين أمرٌ بأحد الضدّين على الإطلاق والأمر الآخر أمرٌ بالضدّ الآخر على تقدير عدم الإتيان بالأوّل، فإذا لم يكن هذا الضدّ موجوداً في الخارج كان الضدّ الآخر مطلوباً، فهذا لا يلزم منه طلب الجمع أبداً.
والوجه فيه: أنَّ الترتّب لا يستلزم طلب الجمع بين الضدّين وأنَّ المولى لا يريده بخلاف الصور المتقّدمة، فإنّا لو فرضنا أنَّ المتعلّقين ليسا بمتضادّين بل كانا أمرين يمكن للمكلّف أن يجمع بينهما كالدخول إلى المسجد والدعاء مثلاً،
ــــــــــ[203]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ولكنّ المولى لم يأمر بهما على الإطلاق، بل أمر بدخول المسجد وأمر بالدعاء على تقدير عدم الدخول إلى المسجد، بأن يقول: ادخل المسجد، فإن لم تدخل إليه فادْعُ، أو فاقرأ القرآن. وفرضنا أنَّه دخل ودعا، فهل يكون قد امتثل كلا الأمرين ويصدق عليه أنَّه جمع بينهما، باعتبار أنَّ الجمع بينهما ممكنٌ، أو أنَّ الدعاء في هذا الحال غير مطلوبٍ، لأنَّ الأمر تعلّق به على تقدير عدم الدخول إلى المسجد، أمّا عند الدخول فهو غير مطلوبٍ.
فالمكلّف حينئذٍ وإن جمع بين المتعلّقين: (الدخول والدعاء)، فإنَّهما لا يجتمعان على صفة المطلوبيّة معاً، ولا يمكن أن يُقال: إنَّه امتثل كلا الأمرين معاً، لأنَّ الأمر بالدعاء مشروطٌ بعدم دخول المسجد. فلا يقعان معاً على صفة المطلوبيّة.
وهذا دليلٌ واضحٌ على أنَّ الترتّب لا يستلزم طلب الجمع بين الضدّين، إذ لو كان مستلزماً له لوقع الأمران في المثال على صفة المطلوبيّة، حيث إنَّ المكلّف قد جمع بينهما، فالترتّب على طرف النقيض من طلب الجمع، لا أنَّه مستلزمٌ له. فلا محذور في أن يأمر المولى بأحد الضدّين، ويأمر بالضدّ الآخر على تقدير ترك ضدّه وعدم الإتيان به، وليس في ذلك محذور طلب الجمع، إذ لو كان طالباً للجمع لكان الأمران -في المثال المتقدّم- واقعين على صفة المطلوبيّة، وهو فاسدٌ على ما تقدّم.
والسرّ في ذلك -أي: في أنَّ الترتّب لا يلزم منه طلب الجمع، وأنَّ هذا الوجه يجري في كلّ متضادّين ولو لم يكن هناك مهمٌّ وأهمّ-: أنَّ الأمر بالأهمّ
ــــــــــ[204]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بالنسبة إلى العصيان غير مشروطٍ بوجوده ولا بعدمه، بل هو مطلقٌ من هذه الجهة على ما تقدّم. ومعنى الإطلاق هو رفض القيود، لا أخذها كلّها. والمطلوب في الأمر بالأهمّ هو وجود متعلّقه في الخارج، وعدم عصيانه، فهو مقتضٍ للامتثال وعدم العصيان، وهو عبارةٌ أُخرى عن الامتثال، فالأمر بالإزالة يقتضي وجودها خارجاً وعدم عصيانها، وهو عبارة أُخرى عن امتثالها، وهذا الأمر لا ينظر إلَّا إلى وجود الإزالة، وإلى تحقّق خصوص متعلّقه.
وأمّا لو فرضنا أنَّ المكلّف بسوء اختياره عصى هذا التكليف ولم يُزِل، فلا يكون هذا الأمر حينئذٍ ناظراً إليه، إذ ليس له اقتضاء -إذا لم يحدث متعلّقه خارجاً- في تعيين ماذا يفعل المكلّف من أضداد هذا الواجب، كالصلاة والنوم والمطالعة.
ففي فرض عصيان الأمر بالإزالة وعدم تحقّقها خارجاً لا يكون لهذا لأمر أيّ اقتضاءٍ لشيء آخر، وإنَّما يبعث المكلّف نحو الإزالة، لإيجادها في الخارج حتّى لا يتحقّق عصيانها، وأمّا إذا تحقّق العصيان، فأيّ فعلٍ يرتكبه المكلّف، وأيّ فعلٍ لا يرتكبه، الأمر غير ناظرٍ إليه.
أمّا الأمر بالمهمّ -كالأمر بالصلاة- فقد أُخذ عصيان الأمر بالإزالة موضوعاً له، فيستحيل أن يكون ناظراً إلى العصيان وعدمه من جهة الاقتضاء، فهذا الأمر لا يقتضي ترك الإزالة وعصيانها، إذ المفروض أنَّ عصيانها مأخوذٌ فيه موضوعاً، فعصيانها شرطٌ في فعليّة الحكم بالصلاة، ولا يكون للأمر بالصلاة أيّ اقتضاءٍ بالنسبة إلى عصيان الأهمّ، ولا يكون ناظراً نحو العصيان
ــــــــــ[205]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ولا نحو عدمه، فإنَّه ساكتٌ من هذه الجهة، شأنه شأن سائر الأوامر المشروطة بأمورٍ اختياريّةٍ، كالحجّ المشروط بالاستطاعة، والقصر المشروط بالسفر، ففي مثل ذلك لا تكون القضية ناظرةً إلى وجود موضوع الحكم نفياً ولا إثباتاً، فإنَّ دليل القصر في السفر لا يبعث المكلّف على السفر ولا على عدمه، وكذا دليل وجوب الحجّ، فهو لا يبعث المكلّف إلى تحصيل الاستطاعة ولا إلى عدم تحصيلها.
فالأمر بالمهمّ لا اقتضاء له بالنسبة إلى عصيان الأمر بالأهمّ وعدم عصيانه، فمن هذه الجهة لا تنافي بينهما، إذ الأمر بالأهمّ يقتضي عدم العصيان والأمر بالمهمّ لا يقتضي وجود العصيان لتتحقّق المنافاة، فهو لا اقتضاء من هذه الناحية.
وأمّا بالنسبة إلى متعلّق الأمر بالمهمّ، فالأمر بالمهمّ يقتضي وجود متعلّقه على تقدير عصيان الأمر بالأهمّ خارجاً، وقد فرضنا أنَّ الأمر بالأهمّ في فرض العصيان ليس له اقتضاءٌ بالنسبة إلى سائر الأضداد، فإذا ترك المكلّف الإزالة لا يكون لهذا العصيان اقتضاءٌ لما يفعله، هل يصلّي أو ينام أو يطالع مثلاً…
فلا تنافي من جهة اقتضاء الأمر بالأهمّ، لأنَّه غير ناظرٍ إلى أضداده حال عصيانه، ومن جهة اقتضاء الأمر بالمهمّ لا تنافي أيضاً، لأنَّه غير ناظرٍ إلى صورة عصيان الأمر بالأهمّ نفياً ولا إثباتاً، فكلٌّ منهما يقتضي شيئاً، والأمر الآخر لا يقتضي خلافه. فكيف يمكن أن يقال: إنَّ هذا يقتضي الجمع بين الضدّين؟
فليس هناك أمرٌ بالضدّين، بل هناك أمرٌ بالإزالة مطلقاً، وأمرٌ بالصلاة إذا
ــــــــــ[206]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
لم تتحقّق الإزالة، والأمر بالمهمّ لا يأمر بعصيان الأهمّ ليكون منافياً له، وعند تحقّق عصيان الأهمّ يكون الأمر بالمهمّ مقتضياً لوجود الصلاة، ولا يكون الأمر بالإزالة مقتضياً لعدم الصلاة.
فمقتضى كلّ من الأمرين أجنبيٌّ عن الآخر، وليس بينهما أيّة منافاةٍ، فما يقتضيه الأمر بالأهمّ لا يزاحمه الأمر بالمهمّ، وما يقتضيه الأمر بالمهمّ لا ينافيه الأمر بالأهمّ. فلا محذور في ذلك.
بعبارة أوضح: أنّنا إذا فرضنا أنَّ هناك تنافياً بين الحكمين في مقام الامتثال بمعنى أنَّ المكلّف لا يمكنه امتثالهما معاً، وكان ذلك -التنافي- بسبب أخذ عدم أحد الحكمين في موضوع الآخر، فهذا هو بحث الترتّب. فإذا أمكن جعل الحكمين كذلك فلا يكون داخلاً في باب التزاحم ولا في باب التعارض، إذ ليس بينهما تعاندٌ أصلاً، بل يكون أحدهما في مرحلة الجعل مقيداً بعدم الآخر. فإذا جعل الحكم كذلك، بأن جعل أحدهما وهو وجوب الإزالة مطلقاً بالإضافة إلى متعلّق الآخر، وإلَّا فإنَّه مشروطٌ بالقدرة لا محالة، فالإزالة مطلوبة مطلقاً متى كانت ممكنةً. ولكنّ الأمر بالصلاة التي هي مضادّةٌ للإزالة مقيّدٌ بعدم الإزالة خارجاً، ففي مرحلة الجعل قيّد موضوع أحد الحكمين بترك متعلّق الحكم الآخر، فتارك الإزالة هو المأمور بالصلاة.
وفي مثل ذلك لا محالة يجتمع الأمران عند ترك الأهمّ، وهو الإزالة، إذ المفروض أنَّ الأمر بالإزالة مطلقٌ، غير مقيّدٍ بالإتيان بالصلاة وعدمها، فالأمر بالإزالة موجودٌ، والمفروض أنَّ الأمر بالصلاة موجودٌ أيضاً، لأنَّ موضوعه
ــــــــــ[207]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وهو ترك الإزالة متحقّقٌ في الخارج، فيكون كلا الأمرين فعليّين.
فيقع الكلام في أنَّ هذين الأمرين الفعليين، هل بينهما تنافٍ وتعاندٌ في مرحلة الجعل أو في مرحلة الامتثال، أو ليس بينهما تعاندٌ أصلاً؟
المنكر للترتّب -كصاحب الكفاية– يقول باستحالة ذلك، لأنَّه من الأمر بالجمع بين الضدّين، بدعوى: أنَّ هذا التكليف وإن كان مقيّداً، إلَّا أنَّ الآخر مطلقٌ، وهو موجودٌ في ظرف الأمر بالتكليف بالمقيّد، ففي هذا الظرف اجتمع الأمران، وهو معنى الأمر بالضدّين، وهو غير معقولٍ(1).
ولكنّ القائل بجواز الترتّب يرى أنَّ هذا وإن كان من الأمر بالضدّين، فإنَّ الأمرين فعليّان وكلٌّ منهما متعلّقٌ بشيءٍ مضادٍّ للآخر، فإنَّ الأمر بالضدّين لا محذور فيه إذا لم يكن الأمر متعلّقاً بالجمع بينهما، فنفس عنوان الأمر بالضدّين لا محذور فيه، وإنَّما المحذور هو التكليف بما لا يطاق، فإن كان متعلقهما هو الجمع بين الضدّين، وأنَّ المولى يطلب هذا الضدّ مع ذلك الضدّ، فهذا مستحيلٌ، لأنَّه تكليفٌ بما لا يطاق، وأمّا إذا كان تعلّق الأمرين بالضدّين على نحوٍ لا يلزم منه طلب الجمع، فلا محذور في ذلك.
فلا مانع من طلب الضدّين بطلبين -ويكون الأمران فعليين متعلّقين بضدّين- وكلٌ من الضدّين مطلوبٌ بالفعل، وأن يكون الأمران متقارنين زماناً، ويكون متعلقاهما متضادّين إذا لم يكن طلباً للجمع، بمعنى: أنَّ المولى لا يطلب إيجاد هذا الضدّ مع الضدّ الآخر حتى يلزم التكليف بما لا يطاق.
ــــــــــ[208]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 134 – 136.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فإذا كان أحد الطلبين مشروطاً بترك الآخر فهذا ينافي طلب الجمع بينهما، لأنَّ الأمر بالمطلق، وهو الأهمّ، لا تعرّض له لحال تركه، وعند ترك المكلّف له لا يقتضي شيئاً كالنوم أو الصلاة وغيرها من الأفعال، بل يقتضي إيجاد متعلّقه وعدم موضوع العصيان، ولا ينظر إلى فرض تحقّق العصيان وأنَّ المكلّف ماذا يعمل حينئذٍ.
فالأمر بالصلاة لا ينظر إلى تحقّق العصيان خارجاً، فهو لا يأمر بترك الإزالة وعصيان الأمر بها في الخارج، إذ المفروض أنَّ العصيان موضوعٌ له، فإنَّ المكلّف على تقدير العصيان مأمورٌ بالصلاة، فالأمر بالصلاة ليس له نظرٌ إلى العصيان وإلى تحقّق موضوعه من عدمه، وهو في ذلك كغيره من الأوامر المشروطة بأمرٍ اختياريٍّ، نحو: إذا استطعتَ فحجّ، أو: إذا سافرتَ فقصّر. فالأمر بالتقصير في السفر لا ينظر إلى وقوع السفر خارجاً وعدم وقوعه، فهو ساكتٌ من هذه الناحية.
والعصيان بالنسبة إلى التكليف الآخر، حاله حال السفر بالنسبة إلى القصر، فإنَّ الأمر بالصلاة لا يقتضي تحقّق العصيان خارجاً ولا يأمرنا به، بل لا اقتضاء له من هذه الجهة، وإنَّما يقتضي إيجاد فعل الصلاة في قبال بقيّة الأضداد على تقدير عدم الأهمّ خارجاً، ومن الواضح أنَّ الأمر بالأهمّ لا اقتضاء له في هذا الظرف، فإنَّه في ظرف العصيان لم يكن يأمرنا بإيجاد أيّ ضدّ من أضداده، بل كان ناظراً إلى وجوب الإزالة فقط.
فإذا كان مقتضى أحد الأمرين والحكمين لا يزاحم مقتضى الأمر الآخر في
ــــــــــ[209]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
شيءٍ وكان أجنبيّاً عنه، فالأمر بالإزالة إنَّما يقتضي وجود الإزالة وعدم عصيان أمرها، والأمر بالصلاة لا يزاحمه ولا يأمر بالعصيان، كما أنَّ الأمر بالصلاة يأمرنا بالصلاة الملازمة لعدم الإزالة، ولم يكن للأمر بالإزالة اقتضاء في ظرف تركه وعصيانه لشيءٍ، وإنَّما كان مقتضاه تحقّق الإزالة وعدم عصيانها- فكيف يكون الأمران من الأمر بالجمع بين الضدّين؟ متى أراد المولى من المكلّف أن يصلّي مع الإزالة خارجاً، حتّى يكون طلباً للجمع؟ فإنَّ نفس الترتّب معاندٌ للجمع، فلو تمكّن -محالاً- من الصلاة والإزالة، فلا يقع هذا مأموراً به، إذ المفروض أنَّ الصلاة أُمر بها في حال ترك الإزالة لا معها، فالترتّب يقتضي عدم طلب الجمع، لا طلبه.
نعم، التكليفان هاهنا فعليّان ومتعلّقان بالضدّين، إلَّا أنَّ ذلك لا محذور فيه، فإنَّه إنَّما يكون إذا كان مقتضى الأمرين طلب الجمع، كما لو كان كلّ منهما مطلقاً، فيكون مقتضى هذا إيجاد الإزالة حتّى على تقدير الصلاة، ويكون مقتضى ذاك إيجاد الصلاة حتّى على تقدير الإزالة، وهذا تكليفٌ بما لا يطاق. وأمّا إذا كان الطلب المتعلّق بأحدهما مقيّداً بعدم الإتيان بالآخر ومشروطاً بعصيانه، فأين يقع طلب الجمع؟
ولذلك قلنا: إذا كان متعلّق الأمرين كذلك في غير الضدّين كما لو أمره المولى بدخول المسجد وأمره بالدعاء على تقدير عصيانه الأمر بالدخول، وهنا يمكن الجمع بين هذين المتعلّقين؟ فلو دخل المسجد ودعا لا يقع الفعلان مأموراً بهما، فإنَّ المفروض أنَّ الدعاء كان مأموراً به في فرض عدم دخوله
ــــــــــ[210]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
المسجد، فلا يكون الدعاء الواقع في المسجد مأموراً به، لتقيّده بعدم ذلك.
كذلك الحال في الضدّين، فلو فرضنا -في التكوينيّات- أنَّ مقتضيين اقتضى أحدهما تحريك جسم إلى طرفٍ واقتضى الآخر تحريكه إلى طرفٍ آخر غير الأوّل، فلا محالة تقع بينهما المزاحمة، ولا يعقل أن يؤثّر كلا المقتضيين، فإذا كان أحدهما أقوى كان هو المؤثّر دون الآخر، وإلَّا لم يؤثّر أيٌّ منهما.
فلو كان اقتضاء أحد المقتضيين في ظرف عدم تأثير المقتضي الآخر، فهذا لا يزاحم اقتضاء المقتضي الآخر، كما لو كان أحد المقتضيين يقتضي تحريك الجسم إلى طرفٍ وكان الآخر يقتضي تحريكه إلى الطرف الآخر على تقدير عدم تأثير الأوّل، هنا لا يكون بينهما أيّ تنافٍ وتعاندٍ، فلو وُجد المقتضي الأوّل وأثّر أثره فهو، ولا موضوع للمقتضي الثاني، لأنَّ اقتضاءه مقيّدٌ بعدم تأثير هذا الشيء، وإذا لم يؤثّر المقتضي الأوّل كان الثاني هو المؤثّر دون مزاحمة الأوّل له، لأنَّ المفروض أنَّه لم يؤثّر في مقتضاه.
ففي عالم التكوين والخارج لا منافاة أبداً بين هذين المقتضيين، لأنَّ أحدهما مشروطٌ بعدم الآخر، فالمفروض أنَّ اقتضاء أحد المقتضيين في طول الآخر، وفي فرض عدم تأثيره.
وكذا الحال في باب المبايعات، فلو أراد اثنان شراء شيءٍ واحدٍ فسيقع بينهما التزاحم، لعدم إمكان وقوع شرائين على شيءٍ واحدٍ.
وقد يريد أحد الشخصين شراءه ولكنّ الآخر لا يريد شراءه على الإطلاق، بل على تقدير عدم شراء الأوّل له، فلا يكون بينهما تدافعٌ وتمانعٌ، فإنَّ
ــــــــــ[211]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
المشتري الثاني ينظر، فإن اشترى المشتري الأوّل ذلك الشيء فحينئذٍ لا يبقى عنده مقتضٍ للشراء، وعلى تقدير عدم شراء الأوّل فهو يريد شراءه، فلا تمانع بين هاتين الإرادتين.
فإذا كان الأمر كذلك في التكوينيّات -أي: أن يكون المقتضيان على نحوٍ لا يكون بينهما تمانعٌ بل يكون مقتضى أحدهما هو التأثير في ظرف عدم تأثير الآخر- فهو كذلك في التشريعيّات بطريقٍ أولى.
فالأمر بالأهمّ يقتضي تأثيره في الخارج، فإن أثّر فلا يبقى موضوع للأمر الثاني، فإنَّه كان موضوعاً على تارك الإزالة، وقد أزال المكلف النجاسة، وإذا لم يؤثّر الأمر بالأهمّ يكون الأمر الثاني مقتضياً لإيجاد الصلاة في فرض عدم الأوّل، فلا يكون هذا مزاحماً لهذا ولا العكس.
أمّا عدم مزاحمة الأمر الأوّل للأمر الثاني فواضح. وما ذكره صاحب الكفاية من أنَّه موجودٌ في رتبته واضح الفساد، فإنَّه ليس كذلك، فالأوّل لا يزاحم الثاني ولا يطارده، بل هو مقتضٍ لرفع موضوعه، فهو يقتضي وجود الإزالة، وإذا وُجدت فلا موضوع للصلاة حينئذٍ، لأنَّها مشروطةٌ بالعصيان. ففي فرض تحقّق الإزالة خارجاً وامتثال الأمر الأوّل لا موضوع للأمر الثاني.
وأمّا عدم مزاحمة الأمر الثاني للأمر الأوّل فلأنَّ الثاني لا يقتضي وجود العصيان، بل يقتضي أمراً آخر في ظرف العصيان، فلا تزاحم بين المقتضيين بوجهٍ.
فلا إشكال في أنَّ هذا من الأمور الواضحة، ولكن على فرض التدبّر والتأمّل فيما يقتضيه الأمران.
ــــــــــ[212]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وملخّص الكلام: أنَّ القائل بالترتّب لا ينكر فعليّة كلٍّ من الأمرين: الأمر بالأهمّ والأمر بالمهمّ، ولا ينكر أنَّ متعلّق كلٍّ منهما مضادٌّ لمتعلّق الآخر، إلَّا أنَّه يدّعي أنَّ كيفيّة التعلّق كيفيّةٌ لا يلزم منها محذور طلب الجمع، بل يكون كلٌّ منهما فعليّاً على تقدير القدرة، فالتكليف بالإزالة فعليٌّ لأنَّه مطلقٌ، والتكليف الثاني غير مقدورٍ إلَّا في فرض ترك الإزالة، فإذا ترك المكلّف الإزالة كان قادراً على امتثال التكليف الثاني، فيكون فعليّاً، فإذا رفع اليد عن الأمر الثاني نستكشف أنَّه لا أمر به من الأوّل، فإنَّ الأمر من الأوّل كان متعلّقاً بالإزالة.
وبعبارة أخرى: قد يفرض أنَّ الأمر الواحد يتعلق بالضدين، بأن يكون كلً منهما جزءاً من الواجب الذي تعلّق الأمر به، وهذا لا يمكن تحققه في الخارج وكلّ ما لا يمكن تحققه في الخارج يستحيل طلبه والبعث إليه.
وقد يفرض طلبان كلٌّ منهما تعلّق بغير ما تعلّق به الآخر، وكان بين المتعلّقين تضادٌّ في الخارج. وهنا أيضاً لا يمكن الجمع بين الطلبين. وان كان كلٌّ منهما ممكناّ في نفسه، فإنَّ متعلّقه مقدور، وكذلك الآخر، الاّ أنَّ الجمع بينهما يقتضي صرف قدرة المكلف فيهما. وقد فرض أنَّ له قدرة واحدة فقط.
والحاصل: أنَّ القدرة الواحدة لا يمكن صرفها في أمرين متضادّين. ومن هنا كان الطلبان المتعلّقين بضدّين محال أيضاً.
أمّا إذا فرضنا أنَّ الطلب المتعلّق بأحد الضدّين ليس في عرض الآخر، بل مشروط بعصيان الأمر الأوّل، وهنا لا مانع من صرف القدرة الواحدة فيهما ترتباً لا معاً.
ــــــــــ[213]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وعلى هذا، يظهر أنَّ القائل بالترتب يدّعي عدم استلزامه الجمع بين الضدّين كما ذكرنا. لا أنَّه يستلزمه وحيث هو مستند إلى اختيار المكلّف عندما عصى الأمر الأهم وأوقع نفسه في المحذور من جهة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار. فهذا الكلام فاسدٌ جزماً، فإنَّ طلب المستحيل يمتنع تحقّقه في الخارج، فيستحيل صدوره من الحكيم سواء كانت مقدّمته اختيارية أم لا.
عدم توقف القول بجواز الترتب على إنكار الواجب التعليقي والشرط المتأخر
ليُعلم أنَّ القول بجواز الترتّب لا يتوقّف على إنكار الواجب التعليقيّ والشرط المتأخّر. ودعوى: أنَّ الأمر بالمهمّ إنَّما هو في زمان عصيان الأمر بالأهمّ، فكما ذكرنا سابقاً، حيث قلنا: إنَّ زمان الأمر بالأهمّ وزمان عصيانه وزمان الأمر بالمهمّ وزمان امتثاله، كلّها في زمانٍ واحدٍ، وإنَّما التقدّم والتأخّر بالرتبة.
فجواز الترتّب لا يتوقّف على هذا، فلو فرضنا أنَّ الأمر لم يكن كذلك، بل كان الأمر بالشيء متقدّماً عليه زماناً -وإن كان لا وجه له على ما تقدّم في بعض المباحث السابقة- وفرضنا أنَّ الأمر بالصلاة موجودٌ قبل أن يتحقّق العصيان، وقبل أن يشتغل بالصلاة الذي هو زمان العصيان، فلو فرضنا أنَّه الآن -وقبل نصف ساعة من العصيان- يأمره بالإزالة وبالصلاة على تقدير ترك الإزالة، فكأنَّ الأمرين موجودان قبل تحقّق العصيان خارجاً، وقبل تحقّق الصلاة خارجاً، إمّا من جهة الواجب التعليقيّ، يعني: أنَّ الصلاة مقيّدةٌ بزمان العصيان، وزمان العصيان متأخّرٌ عن زمان الوجوب، وإمّا من جهة الشرط المتأخّر، وأنَّ العصيان المتأخّر
ــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
شرطٌ في وجوب الصلاة فعلاً. فهذا لا محذور فيه.
ولكن قد يُتوهّم: أنَّ الأمرين إذا كانا فعليَّين قبل العصيان، فلا بُدَّ من أن يكون ذلك مقتضياً للجمع بين الضدّين، لأنَّ المولى يأمره بالإزالة وبالفعل أيضاً يأمره بالصلاة على الفرض، فمقتضاه طلب الجمع، وهو مستحيلٌ.
وبما ذكرناه من البيان المتقدّم عُلم أنَّ هذا غير لازمٍ، فإنَّ الصلاة وإن كانت مطلوبةً من الآن، إلَّا أنَّها غير مطلوبةٍ على الإطلاق، بل المطلوب منها هو الحصّة الملازمة مع ترك الإزالة والمقارنة مع عصيانها. فلو كانت الصلاة مطلوبةً على الإطلاق -أزال أو لم يزل- لكان هذا من طلب الجمع، بالبيان المتقدّم. وأمّا لو كانت الصلاة المأمور بها مقيّدةً بالعصيان، فأين طلب الجمع هنا؟ فهو من الآن يأمره بالإزالة وأن لا يتحقّق عصيانها، ويأمره بالصلاة على تقدير عدم ذلك.
فلا فرق -إذن- بين أن يكون الأمران كلاهما في زمان الفعل وفي زمان الامتثال وفي زمان العصيان كما قدّمنا أو أن يكونا في زمانٍ متقدّمٍ. فليس القول بالترتّب متوقّفاً على القول بامتناع الواجب التعليقيّ والشرط المتأخّر، بحيث لو قلنا بجوازهما لا يكون الترتّب ممكناً.
والسرّ الموجب للقول بالترتّب هو: أنَّ الأمرين لا يؤدّيان إلى طلب الجمع بين الضدّين، لأنَّ أحدهما مشروطٌ بعصيان الآخر، ففي ظرف الامتثال ليس هناك أمرٌ بالآخر، وفي فرض العصيان وإن كان الأمر موجوداً إلَّا أنَّه لا يزاحم الأمر الأوّل، لأنَّه -أي: العصيان- موضوعٌ له، والحكم لا يكون مقتضياً لموضوعه.
ــــــــــ[215]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وممّا تقدّم يتبيّن: أنَّه لا فرق بين القول بجواز الشرط المتأخّر وامتناعه، وبين القول بجواز الواجب التعليقيّ وامتناعه، في القول بجواز الترتّب.
كلُّ تكليفين تعلّق أحدهما بفعلٍ وتعلّق الآخر بفعلٍ آخر، إذا لم يكن بين الفعلين تعاندٌ وتضادٌّ، بحيث يتمكّن المكلّف من إتيانهما في الخارج، فإمّا أن يكون أحدهما مشروطاً بعدم الإتيان بمتعلّق الآخر، أو أن يكون كلٌّ منهما مطلقاً بالإضافة إلى الآخر، فعلى الثاني يجب عليه الجمع بينهما -يعني: الإتيان بكلٍّ منهما- كلٌّ بمقتضى وجوبه. أمّا على الأوّل فيستحيل أن يقع الفعلان على صفة المطلوبيّة كما تقدّم(1)، فإذا أتى المكلّف بالواجب الأوّل فقد امتثله، ولا موضوع للتكليف الثاني، وإذا عصاه كان مكلّفاً بالتكليف الآخر، فيجب عليه الإتيان بمتعلّق الثاني.
والمنكر للترتّب لا ينكر هذا، فإنَّه ليس من الأمر بالجمع بين الضدّين، فلا موجب لتوهّم لزوم الجمع من طلب هذين الفعلين، وهذا واضحٌ وسنستشهد به فيما سيأتي من أنَّ لازم القول بالترتّب استحقاق عقابين(2)، مع أنَّ المفروض أنَّ المكلّف لا يتمكّن من الجمع بينهما. هذا إذا كان الجمع بين المتعلّقين ممكناً في الخارج.
ــــــــــ[216]ــــــــــ
(1) انظر الصفحة: 201.
(2) انظر الصفحة: 240.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وأمّا إذا فرضنا التعاند والتضادّ بين المتعلّقين، فقد لا يكون أحدهما مشروطاً بعدم الإتيان بالآخر بحسب لسان الدليل، بأن يكون مطلقاً: أزل سواءٌ صلّيت أو لا، وصلِّ سواءٌ أزلت أو لا. ففي مثله قد يكون التضادّ بين الفعلين تضادّاً دائميّاً كالقيام والجلوس، فإذا دلّ دليلٌ على وجوب القيام ودلّ آخر على وجوب الجلوس، أو دلّ دليل على وجوب استقبال القبلة ودلّ آخر على وجوب استدبارها، وهما أمران لا يجتمعان أبداً، وكان كلٌّ منهما مطلقاً، فهذا بإطلاقه يقتضي لزوم الإتيان بمتعلّقه، وذاك بإطلاقه يقتضي لزوم الإتيان بمتعلّقه، فلا محالة يدخل هذا في باب التعارض، إذ لا يمكن جعل الحكمين على نحو الإطلاق، فبحسب مرحلة الجعل يكون هذا الجعل لغواً، فإنَّهما حكمان غير قابلين للامتثال في الخارج، وجعل حكم لا يمكن امتثاله في الخارج لغوٌ ظاهرٌ.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ التضادّ بينهما اتّفاقيٌّ، وليس هناك بحسب مرحلة الجعل أيّ تنافٍ بين التكليفين، كالإزالة والصلاة، فيجعل وجوب الصلاة على كلّ قادرٍ على الإتيان بها، ويجعل وجوب الإزالة على كلّ قادرٍ على الإتيان بها، ولا يكون أحدهما نافياً للآخر بحسب مرحلة الجعل، غايته: أنَّ المكلّف في مرحلة الامتثال لا يتمكّن من الجمع بينهما، فهذا يدخل في كبرى باب التزاحم، بمعنى: أنَّ التكليفين ليس بينهما تعاندٌ في مرحلة الجعل، فكلّ حكمٍ مجعولٌ على القادر، والمفروض أنَّ القدرة قدرةٌ واحدةٌ، ولا يمكن صرفها في كلا الأمرين، فحينئذٍ يكون أحد التكليفين لا موضوع له، لعدم القدرة على متعلّقه، لعدم القدرة عليهما معاً، فيدخل في باب التزاحم.
ــــــــــ[217]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فإذا فرضنا أنَّه لا أهمّيّة في البين، وكان كلا التكليفين متساويين في الأهمّيّة، فنتيجة ذلك لزوم الإتيان بأحدهما لا بعينه، لعدم المرجّح في البين، وذلك على نحو التخيير -وكون هذا التخيير عقليّاً أو شرعيّاً فبحثه في محلّه- وإلَّا فأصل التخيير ممّا لا شكّ فيه، سواءٌ قلنا بالترتّب أو لم نقل ولكن هناك فرقٌ بين القول بالترتب وبين عدم القول به. سوف نتكلّم فيه في باب التزاحم إن شاء الله.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ أحد الواجبين أهمّ من الآخر، فحينئذٍ لا موجب لسقوط وجوب الأهّم، ويبقى الكلام في الوجوب الآخر، وأنَّه هل يسقط كلّه على الإطلاق كما يدّعيه المنكر لجواز الترتّب؟ أو أنَّ إطلاقه يسقط ويبقى أصل الوجوب مشروطاً بعدم الإتيان بمتعلّق الأهمّ، كما يدّعيه القائل بجواز الترتّب؟
ونتيجة القول بالترتّب تظهر في مثل ذلك -عند تزاحم واجبٍ أهمّ وواجبٍ مهمّ- حيث لا إشكال في أنَّ وجوب الأهمّ لا يسقط على كلا القولين، وأنَّ الوجوب الفعليّ على طبق الأهمّ، ويعاقب المكلّف على مخالفته.
أمّا على تقدير العصيان وعدم الإتيان بالأهمّ، فهل يجب الآخر، فيكون الساقط هو إطلاق دليل المهمّ، لا أصل دليله؟ فالقائل بالترتّب يدّعي ذلك، إذ يمكن الجمع بينهما بهذا النحو، فلا موجب لسقوط التكليف بالمهمّ. والمنكر للترتّب يرى سقوطه حيث استحالة التكليف بالجمع بين الضدّين حتّى على نحو الترتّب.
وهذه هي نتيجة بحث الترتّب.
ــــــــــ[218]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فإذا قلنا بعدم السقوط -كما هو الصحيح- يكون كلٌّ من الأمرين فعليّاً، لكنّ أحدهما على نحو الإطلاق والآخر على نحو الاشتراط بعصيان الأهمّ.
وإذا فرضنا أنَّ أحد التكليفين كان مشروطاً بعدم التكليف الآخر، أي: بعدم أصل التكليف لا بعدم امتثاله، فلا فرق بين القول بالترتّب وبين عدمه، في أنَّ التكليف الآخر لا يتحقّق حال وجود الأوّل، لانعدام موضوعه، وهو الأمر الأوّل، فهو مشروطٌ بعدمه، فإذا كان الأمر الأوّل موجوداً فليس هناك موضوعٌ للأمر الثاني. فالجمع بين الأمرين مستحيلٌ في مثل ذلك، لا من جهة استحالة طلب الجمع بين الضدّين، إذ قلنا: إنَّ الترتّب لا يستلزم طلب الجمع، بل من جهة عدم الموضوع للتكليف الثاني، وهذا هو الذي نعبّر عنه بأنَّ أحد التكليفين يعدم موضوع التكليف الآخر، يعدمه بنفسه لا بامتثاله.
وهذا خارجٌ عن باب الترتّب، ولا يمكن تصحيح العبادة بالترتّب في المقام، إذ لا موضوع للتكليف الثاني بعد أن كان التكليف الأوّل موجوداً، والمفروض أنَّ الثاني مشروطٌ بعدم الأوّل، لا بعدم امتثاله، فالأوّل رافعٌ لموضوع الثاني بنفسه لا بامتثاله. ومحلّ البحث في الترتّب فيما إذا كان رفع الموضوع بالامتثال لا بنفس التكليف.
وهذا بحسب الكبرى لا إشكال فيه، فإذا كان أحد التكليفين مشروطاً بعدم الآخر، لا يمكن الجمع بينهما، إذ لو لم يكن التكليف الأوّل موجوداً كان الثاني وحده موجوداً، وإذا كان الأوّل موجوداً كان الثاني غير موجودٍ.
ــــــــــ[219]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الكلام في أنَّ هذه الكبرى هل لها صغرى؟ هل هناك في المسائل الفقهيّة ما يكون أحد التكليفين مشروطاً بعدم التكليف الآخر، بحيث يكون وجود التكليف معدماً لموضوع الآخر بنفسه لا بامتثاله؟
ذكر شيخنا الأستاذ(1) لذلك عدّة من الموارد التي لا يمكن الحكم بالترتّب فيها، لاستحالة اجتماع الحكمين في الخارج، لا لاستحالة طلب الجمع، بل لأنَّ أحدهما مشروطٌ بعدم الآخر.
ذكر في بحث الأصول(2) وفي تعليقته على العروة(3): أنَّ مورد الحجّ خارجٌ عن مسألة الترتّب، فلو فُرض أنَّ لدى المكلّف مقداراً من المال كافياً لمصارف الحجّ، فهو بنفسه مستطيع، فيجب عليه الحجّ بمقتضى الآية الكريمة والروايات الواردة في الباب، ولكنّ هذا المكلّف مدينٌ لشخصٍ آخر بدينٍ مطالب به، ويجب عليه الأداء، فلو فرضنا أنَّه عصى ولم يؤدِّ هذا الدين، وحجَّ، فهل يحكم بصحّة حجّه من جهة الترتّب، بأن يقال: بأنَّ أداء الدين واجبٌ أهمّ، وقد تعلّق به الوجوب الفعليّ، ولا يمكنه الجمع بين الوجوبين، لأنَّهما متضادّان على الفرض، لقصور ماله عن الجمع بين الحجّ وأداء الدين، فإذا عصى هذا التكليف
ــــــــــ[220]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 301، 302.
(2) انظر: المصدر السابق.
(3) تعليقة على العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام) 4: 379.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وحجّ، فهل يقال: إنَّه وقع صحيحاً من جهة جواز الترتّب، إذ نرفع اليد عن إطلاق دليل وجوب الحجّ كما ذكرناه في الإزالة بالنسبة إلى الصلاة، أو يُقال: إنَّه لم يقع صحيحاً لعدم جريان الترتّب؟
ذكر أنَّ الترتّب لا يجري هنا، لأنَّ موضوع وجوب الحجّ هو المستطيع المتمكّن عقلاً وشرعاً من صرف المال في الحجّ، فإذا كان المكلّف مديناً ويجب عليه صرف المال في الدين، لم يكن مستطيعاً شرعاً، فالأمر بالأداء رافعٌ لموضوع الاستطاعة، وبالعصيان لا يكون مستطيعاً، بل يبقى غير مستطيعٍ عصى أم لم يعصِ، أدّى أم لم يؤدِّ، فلو عصى وجوب الوفاء بالدين ولم يؤدِّ دينه، ومع ذلك حجّ، لم يُحكم بصحة حجّه، وليس ذلك من حجّة الإسلام في شيء، فإنَّه غير مستطيعٍ.
ولكنّ الأمر ليس كذلك، فإنَّ فيه:
أوّلاً: أنَّ ما أفاده مبنيٌّ على ما هو المشهور المعروف من تفسير الاستطاعة بالقدرة، وأنَّ معنى الاستطاعة في الآية وَللَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً: أن يكون متمكّناً من أداء هذه الوظيفة، وقادراً على أدائها، فعلى هذا يمكن أن يقال: إنَّه ليس بقادرٍ، بل هو عاجز، باعتبار الإلزام الشرعيّ بصرف هذا المال في الدَّين، وهذا الإلزام يكون معجّزاً شرعاً عن الإتيان بالحجّ.
وبعبارةٍ أخرى: يمكن أنَّ يقال: إنَّ المراد بالقدرة أعمّ من القدرة الشرعيّة والعقلية، وهذا المكلف المبتلى بأداء الدين الواجب لا يقدر على الحج، إذ لا مال
ــــــــــ[221]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
عنده يفي بالحج وبالدين معاً.
ولكنّ الأمر ليس كذلك، فإنَّ الاستطاعة مفسَّرةٌ في الروايات(1) بمن كان عنده زادٌ وراحلةٌ، أو مالٌ يفي بالزاد والراحلة، فمعنى الاستطاعة في قوله تعالى: وَللَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً: أن يكون عنده زادٌ وراحلةٌ أو مالٌ بقدر ذلك.
فيكون المورد من موارد التزاحم، فإنَّ دليل وجوب أداء الدين يلزم المكلّف بالدين، ودليل وجوب الحجّ بمقتضى إطلاقه يلزمه بالحجّ، والمكلّف لا يمكنه امتثالهما معاً، فلا بدَّ من رعاية الأهمّ في المقام، وأداء الدين أهمّ، لأنَّه حقّ الناس، فيقدَّم على غيره، ويكون الحكم الفعليّ على طبقه، فيجب أداؤه مطلقاً، ونرفع اليد عن دليل وجوب الحجّ، فإذا امتثل المكلّف هذا التكليف وأدّى دَينه، كان غير قادرٍ على الحجّ، وأمّا إذا لم يمتثل فلا مانع من وجوب الحجّ عليه كما هو الحال في بقيّة موارد الترتّب، إذ لا موجب لرفع اليد عن أصل الوجوب، وإنَّما يرفع اليد عن إطلاقه بمقدار ما يقتضيه التزاحم.
فلا فرق بين هذا المثال وبين بقيّة موارد الترتّب.
وثانياً: لو سلّمنا أنَّ المراد من الاستطاعة هو القدرة -ولم يرد فيها تفسيرٌ من المعصومين– فلا مانع من الالتزام بالترتّب، لأنَّ القدرة في المقام محفوظةٌ، والمكلّف قادرٌ على الحجّ، كما هو قادرٌ على أداء الدين.
ــــــــــ[222]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 11: 33، 35، أبواب وجوب الحج وشرائطه، الباب 8، الحديث: (4، 5، 6، 7، 8).
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ودعوى: أنَّ وجوب الأداء سالبٌ للقدرة -كما كان يصرّح به كثيراً- فلا نعقل له معنىً، فالقدرة التكوينيّة موجودةٌ لدى المكلّف، والقدرة الشرعيّة موجودةٌ أيضاً، إذ لا معنى للقدرة الشرعيّة إلَّا جواز الفعل.
نعم، تحريم الفعل يوجب سلب القدرة عنه، فإنَّ الممنوع شرعاً كالممتنع عقلاً، والمكلّف غير قادرٍ على الإتيان به. ولكنّا ذكرنا أنَّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه، فالأمر بالأداء لا يوجب سلب القدرة عن ضدّه، وهو صرف المال في الحجّ، فكيف يكون الحجّ غير مقدورٍ للمكلّف؟
نعم، إذا امتثل وجوب الأداء، وأدّى المال إلى الدائن، فحينئذٍ يكون عاجزاً، ولا يجب عليه الحجّ، وأمّا إذا لم يمتثل فهو قادرٌ تكويناً وتشريعاً، فإنَّ الشارع لم يمنع من صرف المال في الحجّ حتى يكون غير مقدورٍ شرعاً، ويكون غير المقدور شرعاً كغير المقدور عقلاً.
ثالثاً: أنَّه قد التزم بأنَّ القدرة إذا أُخذت في موضوع التكليف فلا يمكن كشف الملاك بالنسبة إلى غير القادر، وفي المقام: حيث إنَّ المكلّف ليس عنده قدرتان بل عنده قدرةٌ واحدةٌ، والمولى أمره بصرفها في أداء الدين، فهو بالنسبة إلى التكليف الآخر عاجزٌ، وإذا أُخذت القدرة في موضوع التكليف فلا يمكن كشف الملاك في غير القادر، وإذا لم نستكشف الملاك فلا يمكن الالتزام بالترتّب، لأنَّه متفرّع على وجود الملاك في المهم.
وقد تقدّم هذا الكلام، وقلنا: إنَّه لا طريق لنا إلى كشف الملاك في أيّ موردٍ من الموارد، سواءٌ في ذلك موارد التزاحم وغيرها، إلَّا عن طريق الأمر، فلو كان
ــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
هذا معتبراً في الالتزام بالترتّب لم يمكن الالتزام به في أيّ موردٍ أصلاً، فإنّا نستكشف الملاك من الأمر بالمهمّ على تقدير عصيان الأهمّ وقد قلنا: إنَّ التزاحم يقتضي رفع اليد عن إطلاق دليل المهمّ، لا عن أصل دليله، فيكون مقتضى الجمع بين دليله ودليل الأهمّ الأمر بما لا يطاق، حيث إنَّ كلاً منهما مشروطٌ بالقدرة، والمكلّف لا يقدر على الجمع بينهما، فإطلاق دليل المهمّ يكون ساقطاً قطعاً، لأنَّه مستلزمٌ للتكليف بما لا يطاق، أمّا أصل دليل المهمّ -مشروطاً بعصيان الأمر الآخر وبعدم الإتيان بمتعلّقه- فلا مقتضي لرفع اليد عنه، فإذا ثبت الأمر نستكشف الملاك منه.
إذا فسّرنا الاستطاعة في المقام -في مسألة الحجّ- بالقدرة، كان الحجّ مقدوراً تكويناً ومقدوراً شرعاً. غايته: أنَّ ضدّه الأهمّ مأمورٌ به، إلَّا أنَّ هذا الأمر لا يقتضي النهي عن ضدّه ليكون الحجّ منهيّاً عنه. فإذا امتثل الدَّين فهو عاجزٌ تكويناً عن الحجّ، إذ ليس عنده مالٌ، أمّا إذا عصى فالقدرة التكوينيّة موجودةٌ، والقدرة الشرعيّة موجودةٌ، فإذا أتى بالحجّ، فقد أتى بحجّة الإسلام.
هذا تمام الكلام في مسألة الحجّ.
ذكر أنَّ من هذا القبيل(1) ما إذا ملك المكلّف عشرين شاةً، وليس في هذا المقدار زكاةٌ، لأنَّه لم يبلغ النصاب -وهو أربعون شاةً- فلو ملك بعد شهرٍ أو بعد شهرٍ ويومين عشرين شاةً أخرى، ومضى على العشرين الأولى سنةٌ، فلا محالة يجب
ــــــــــ[224]ــــــــــ
( ) انظر: أجود التقريرات 1: 301.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فيها الخمس، فيجب عليه أداؤه، بأن يدفع أربع شياهٍ من العشرين الأولى، فيبقى عنده ستّة عشر منها، فإذا أضيفت إلى العشرين الثانية يكون المجموع ستّاً وثلاثين، فلا يبلغ النصاب بعد مضيّ سنةٍ أخرى، ولا تجب الزكاة.
فالتكليف بأداء الخمس -وهو أربع شياهٍ بعد تماميّة السنة من أوّل العشر الأولى- بنفسه رافعٌ لموضوع وجوب الزكاة، وهو كونه مالكاً لأربعين.
وكذلك لو ملك أثناء سنة التجارة عشرين شاةً أو اكثر دون الأربعين، فإذا تمّت سنة التجارة وجب الخمس فيها، فإذا ملك عشرين أخرى لم تجب الزكاة، لأنَّ العشرين الأوَل لم تبقَ على ملكه، بل خرج منها مقدار الخمس، وبضمّ الباقي إلى العشرين الثانية لا يتمّ مقدار النصاب.
وما ذكره من الحكم -في الموردين- من عدم وجوب الزكاة على المكلّف صحيحٌ، ولكن لا لما ذكره من أنَّ أحد الخطابين يكون رافعاً لموضوع الخطاب الآخر بنفسه لا بامتثاله.
أمّا في المثال الأوّل: وهو ما لو ملك عشرين شاةً، ثمَّ بعد شهرٍ ويومٍ أو يومين أو أكثر، ملك عشرين أخرى، ففي باب الخمس الربح من الأوّل يدخل في ملك أرباب الخمس، لا أنَّه بعد تمام السنة يجب دفع الخمس، ويكون الخطاب رافعاً لموضوع الخطاب الآخر، فإنَّ المستفاد من أدلّة الخمس، وهو ممّا التزم به، وذكره السيّد الطباطبائي في العروة في باب الخمس(1): أنَّ الخمس يتعلّق بالأرباح
ــــــــــ[225]ــــــــــ
(1) انظر: العروة الوثقى 2: 293.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
من الأوّل لا أنَّه يتعلّق بالمال بعد تماميّة السنة، فمن أوّل ظهور الربح في المال يكون الخمس لأهل الخمس، غايته: أنَّ الأئمّة -من باب الرفق- رخّصوا للمالك التصرّف في المال، فهو لا يملك إلاّ غير مقدار الخمس، فلا يدخل من الأوّل في موضوع الزكاة، وإن كان وجوب الدفع لا يكون إلَّا في آخر السنة.
فليس الرافع لموضوع الزكاة هو وجوب أداء الخمس، بل في المقام أحد الوضعين رافعٌ لموضوع التكليف الثاني، لا أنَّ التكليف الأوّل رافعٌ له، فإنَّ المفروض أنَّ العشرين الأُوَل بمجرّد دخولها في ملك المالك -وهي من الأرباح- تعلّق بها الخمس من الأوّل، ولا يحتاج إلى مضيّ السنة. فمتى ملك هذا الشخص أربعين شاةً لتتعلّق بها الزكاة تكليفاً أو وضعاً؟ فالموضوع قد ارتفع من الأوّل، لا أنَّ التكليف بإخراج الخمس بعد مضيّ سنة يكون رافعاً لموضوع الزكاة، كما هو صريح كلامه.
وأمّا المثال الثاني: وهو ما إذا ملك أثناء سنة التجارة كميّةً من الشياه دون الأربعين، فيجب عليه بعد تماميّة السنة الخمس فيها، فيكون هذا الوجوب رافعاً لموضوع الزكاة، من حيث تماميّة السنة، فالكلام هو الكلام، فإنَّ الخمس يتعلّق من أوّل الأمر بالربح، ولا يحتاج إلى مضيّ سنة. وما ذهب إليه من جعل زمان الوجوب هو انتهاء سنة التجارة فغير تامٍّ، لأنَّ سنة التجارة لا أساس لها في الروايات، والمعتبر هو سنة الربح لا سنة التجارة، فلو ربح في أثناء سنة التجارة حسبت السنة من الآن، فإذا ربح بعد خمسة أشهرٍ من سنة التجارة حسبت سنة الربح من حين ربحه لا من حين المبدأ. وهذه مسألةٌ فقهيّةٌ محلّ كلامٍ بين الفقهاء.
ــــــــــ[226]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وعليه، فتكون مسألة الخمس والزكاة خارجةً عن محلّ الكلام، إذ المدّعى أن يكون أحد الحكمين رافعاً لموضوع الحكم الآخر، وهو غير متحقّقٍ في المقام، فإنَّ الرافع في المقام هو الوضع وتحقّق الربح سواءٌ مضت عليه سنةٌ أو لا.
ومن الموارد التي ذ كرها شيخنا الأستاذ: الأمرُ بأداء الزكاة أثناء سنة التجارة، فلو تعلّقت الزكاة أثناء السنة بالمال -كما في الزرع والتمر والعنب- كان وجوبها موجباً لخروج المال عن ملكه، فلا يكون ملكاً له، لأنَّه مكلّفٌ بأدائه إلى الفقير، فإذا انتهت سنة التجارة لم يجب الخمس في المال بمقدار الزكاة، ولا فرق في ذلك بين الامتثال وعدمه(1).
والجواب عنه: قد ظهر ممّا تقدّم، فإنَّ رفع الموضوع هنا غير مستندٍ إلى الخطاب، وإنَّما يكون من جهة خروج هذا المال عن ملكه، فالمفروض أنَّ عُشر هذا المال أو نصف عُشره قد خرج عن ملكه، وهو ملك الفقير من باب الزكاة، فلا يبقى ملكاً له، ويكون غير داخلٍ في أرباحه، فالرافع للموضوع هو الحكم بالملكيّة، لا الخطاب بأداء الزكاة.
وذكر منها: ما لو صرف المكلّف في مؤونته ما هو دينٌ عليه، أو كان مصرفه في المؤونة بالدَّين، كما لو اشترى خبزاً أو لحماً بالدَّين، فإنَّنا قد نفرض أنَّه
ــــــــــ[227]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 301.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
يستقرض مالاً فيصرفه في مؤنته، وقد نفرض أنَّ نفس المال الذي يصرفه في المؤنة دَينٌ، أي: إنَّه يشتري الخبز واللحم وغيره نسيئةً، فيبقى ثمنه في ذمّته.
فإذا كان له ربحٌ في آخر السنة استثنى منه ما صرفه في مؤونته، فيكون الأمر بأداء الدين موجباً لرفع موضوع الحكم بوجوب خمس المؤونة، فلا يجب الخمس في هذا المقدار. فإن استوعب الدين مقدار الربح لم يجب عليه شيءٌ، وإلَّا كان الخمس واجباً في المقدار الزائد عن الدين، فيكون الأمر بالأداء رافعاً لموضوع الخمس.
وهذا أيضاً ظهر جوابه ممّا تقدّم، فإنَّ الرافع للموضوع ليس هو وجوب أداء الدين، فلو لم يجب الأداء، كما لو رخّص الدائن في التأخير، أو أيّ مانع آخر(1)، فليس الرافع للموضوع في هذا المورد -كسائر الموارد المتقدّمة- هو الحكم التكليفيّ، وإنَّما يرتفع الموضوع لأنَّه لا ربح له. فلو فرضنا أنَّ ربحه بمقدار دَينه فهو بالنسبة إلى رأس ماله كما كان أوّلاً. فإذا كان رأس ماله قبل سنة مئة دينار، ففي هذه السنة لم يزد شيئاً وإن كان الموجود بمقدار مئة وخمسين ديناراً، إذ المفروض أنَّه مدينٌ بخمسين ديناراً منها، وقد صرفه في مؤونته، فلا زائد له، والخمس إنَّما يكون في الزائد.
وعليه، فهذا المثال لا تنطبق عليه الكبرى المتقدّمة.
ــــــــــ[228]ــــــــــ
() لم يجب الخمس أيضاً، فإنَّ الحكم التكليفيّ وإن كان مرفوعاً حينئذٍ، إلَّا أنَّ الحكم الوضعي موجودٌ، وهو المناط في رفع موضوع وجوب الخمس. كذا يجب أن تكمل العبارة، إلَّا أنَّ عبارة المحاضرة لا تخلو من نقص. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وأمّا الديون التي تتعلّق بالذمّة في سنة التجارة أو سنة الربح من غير المؤونة من جهة الإتلاف أو من جهة اليد أو غير ذلك، فهل يكون حكمها حكم ما صَرف في المؤونة أم أنَّها تغايرها حكماً، فإذا أدّى هذا الدين لم يجب عليه الخمس، وإذا لم يؤدِّ فيجب؟ وهل يكون الرافع لموضوع الخمس، هو نفس الدَّين أو أنَّ الرافع هو الأداء؟
جواب ذلك: أنَّه على كلا التقديرين يكون خارجاً عن الكبرى المتقدّمة، وهي: أن يكون التكليف بنفسه رافعاً لموضوع التكليف الآخر، فالتكليف هنا ليس هو الرافع لموضوع الحكم الآخر، بل هو نفس الدين، أو الأداء الخارجيّ.
بقي موردٌ واحدٌ، وهو أحسن ما ذُكر في المقام صغرى لتلك الكبرى، وهو: ما لو فرضنا أنَّ مقدّمة التصرّف في الماء الموجود عند المكلّف محرّمةٌ، كما لو كان في إناءٍ مغصوبٍ أو كان في إناءٍ من الذهب أو الفضّة، وأخْذ الماء من مثل هذا الإناء يُعدّ تصرّفاً فيه. ففي مثل ذلك، لا إشكال في أنَّ وظيفة المكلّف الفعليّة هي التيمّم، لأنَّه لا يُؤمر بالعصيان وبالتصرّف في مال الغير أو استعمال إناء الذهب والفضّة.
وقد يُفرض أنَّ المكلّف يأخذ من الماء الموجود في الإناء دفعةً واحدةً، بمقدارٍ يكفي وضوءه وغسله، فلا إشكال في أنَّ الموضوع ينقلب بعد الآن ويكون واجداً للماء، فيجب عليه الوضوء أو الغسل، وإن كان الحكم سابقاً هو التيمّم.
ــــــــــ[229]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وقد يُفرض أنَّ الطريق إلى الماء مغصوب فعصى ووصل إلى الماء، وكان محلّه غير مغصوبٍ، فهنا أيضاً لا إشكال في وجوب الوضوء أو الغسل، ولا تكون حرمة المقدّمة بعد العصيان موجبةً لسقوط التكليف، بعد أن كان واجداً للماء بالفعل.
وهذا ممّا لا إشكال فيه.
وقد يُفرض أنَّه يأخذ الماء بشكلٍ تدريجيٍّ، فيأخذ كفّاً منه يغسل به وجهه، ويأخذ كفّاً آخر يغسل به يده، أو يغتسل به تدريجاً مرتّباً. وهذا هو محلّ الكلام.
فقد يكون عنده -في مثل ذلك- ماءٌ آخر، غير هذا الماء، ويمكنه أن يتوضّأ به أو يغتسل به، ولكنّه لا يفعل ذلك، بل يأخذ الماء من الإناء المغصوب، ويتوضّأ فيه أو يغتسل، في هذه الصورة لا إشكال في صحّة وضوئه وغسله، لأنَّ الأمر بالوضوء والغسل موجودٌ، غاية الأمر: أنَّ هذا الفرد من الماء مقدّمته محرّمةٌ، وإلَّا فطبيعيّ الماء ليس له مقدّمةٌ محرّمةٌ، فهو مكلّفٌ بالوضوء أو الغسل، إلَّا أنَّه في مقام الامتثال يختار الفرد ذا المقدّمة المحرّمة، فيحكم في مثله بالصحّة، لوجود الأمر بهما فهذا الفرض لا إشكال فيه أيضاً.
إنَّما الإشكال فيما لو توضّأ أو اغتسل بأخْذ الماء تدريجاً من هذا الإناء مع أنَّه منحصرٌ فيه. فلو تيمّم هذا المكلّف كان تيمّمه صحيحاً قطعاً، لأنَّه فاقدٌ للماء، لأنَّ مقدّمته محرّمة، والمولى لا يأمر بالحرام، فالمكلّف عاجزٌ عن امتثال الأمر بالوضوء لكونه فاقداً للماء، فيدخل في قوله تعالى:فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا. إنَّما الكلام فيما لو عصى الخطاب التحريميّ وتصرّف في الإناء
ــــــــــ[230]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وتوضّأ أو اغتسل به، فهل يُحكم بصحّته أم لا؟ هذا من جملة الموارد التي قال فيها شيخنا الأستاذ(1) وآخرون(2) ببطلان الوضوء، فإنَّ المكلّف حينئذٍ مأمورٌ بالتيمّم لا الوضوء، وبالعصيان لا يكون مكلّفاً بالوضوء، لأنَّ موضوع التيمّم مغايرٌ لموضوع الوضوء، فهذا لفاقد الماء وذاك لواجده، والشخص الواحد لا يكون واجداً وفاقداً للماء في وقتٍ واحدٍ، فإذا كان مكلّفاً بالتيمّم فهو فاقدٌ للماء، وإذا كان فاقداً للماء لم يكن موضوع وجوب الوضوء متحقّقاً في الخارج، فكيف يمكن الحكم بصحّة وضوئه؟ ولا فرق في بطلان وضوئه بين العصيان وغيره، فبالعصيان لا يكون مأموراً بالوضوء، فإنَّ التكليف التحريميّ في التصرّف بالإناء رافعٌ لموضوع الوضوء، وهو وجدان الماء، والمكلّف فاقد للماء غير واجدٍ له، وبالعصيان لا يكون واجداً. ولهذا حكموا بالفساد في هذه الصورة، فيكون هذا المورد من صغريات تلك الكبرى.
ولكنّ الأمر ليس كذلك -كما ذكرناه في بحث الفقه(3)– لأنَّ الوجدان عبارةٌ عن وجود الماء مع جواز التصرّف فيه، في مقابل الفاقد الذي لا ماء عنده، أو لا يجوز له التصرّف فيه.
فلو فرضنا أنَّ التصرّف في الماء في نفسه لا محذور فيه، وعندما يأخذ غرفةً منه لا مانع من غسل يده أو وجهه منها، فالمحرّم هو مقدّمة هذا التصرّف في
ــــــــــ[231]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 309، 310.
(2) انظر: مطارح الأنظار: 56، 57، بدائع الأفكار: 324، 325.
(3) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 4: 268، 269.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الماء وهو الأخذ، حيث إنَّ الإناء مغصوبٌ والتصرّف في المغصوب حرامٌ، فليس هناك أمرٌ من المولى بأخذ الماء. فلو فرضنا أنَّه عصى وأخذ الماء، فبعد أخذه وعصيانه لا مانع من التصرّف في هذا الماء، ولا يكون منهيّاً عنه، فلا مانع من الأمر بالوضوء على تقدير العصيان.
وملخّص الكلام: أنَّ التصرّف في الماء قد يكون غير ممكن تكويناً، وهذا أظهر مصداق لعدم الوجدان، أو يكون المكلّف غير متمكّنٍ من التصرّف فيه تشريعاً، كما لو نهى الشارع عن التصرّف فيه، كالماء المغصوب، أو كان ملكاً لشخصٍ لا يرضى بالتصرّف فيه، فيكون هذا المكلّف فاقداً للماء، لأنَّ المنع الشرعيّ كالامتناع العقليّ.
أمّا إذا كان كلٌّ من التمكّن العقليّ والتمكّن الشرعيّ موجوداً، فالتصرّف في هذا الماء جائزٌ، فأيّ مانعٍ من الأمر بالوضوء على تقدير الأخذ من الماء، وقد علمنا من الآية أنَّ الوضوء مقيّدٌ بوجدان الماء، حيث إنَّ التيمّم مقيّدٌ بعدم الوجدان، فلو فرضنا أنَّه أخذ الماء تدريجاً عصياناً، فعلى تقدير العصيان لا مانع من التكليف بالوضوء. فيكون مكلّفاً بالفعل بحرمة التصرّف بالإناء، وعلى تقدير عصيانه وتصرّفه به يكون واجداً للماء فيتوضّأ، وليس بين هذين الحكمين أيّة منافاةٍ على القول بصحّة الترتّب.
نعم، يبقى هنا شيءٌ، وهو فيما لو أخذ غرفةً من الماء وغسل بها وجهه، فحينئذٍ يُسأل عن أنَّ الأمر الذي تعلّق به غسل الوجه هل هو ضمنيٌّ أم استقلاليٌّ؟
ــــــــــ[232]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
لا شكّ أنَّه لا يمكن أن يكون استقلاليّاً، لانَّ غسل الوجه وحده ليس من مقدّمات الصلاة، ولا يمكن أن يكون ضمنيّاً، إذ لا يمكن أن يؤمر بأخذ غرفةٍ أخرى لغسل يديه، فكيف يؤمر بالوضوء؟
وقد مرّ الجواب عن هذا عند الكلام في الواجبات التدريجيّة في أوّل مبحث الترتّب(1)، حيث قلنا: إنَّ شرط الواجب التدريجيّ هو القدرة التدريجيّة، لا القدرة الفعليّة، فإنَّ المعتبر فيه هو القدرة على كلّ جزءٍ حين الإتيان به، فلا مانع من أن يأمر المولى بالصلاة عن وضوءٍ على تقدير العصيان التدريجيّ، فيقول: إذا عصيت تدريجاً فتوضّأ تدريجاً.
فليست القدرة الفعليّة هي الشرط فيها حتّى يقال: إنَّ المكلّف بعد أخذ مقدارٍ من الماء لا يكون قادراً على الوضوء، بل الشرط هو القدرة التدريجيّة، وهي متحقّقة على الفرض.
ومن هنا يُعلم: أنَّ كلّ هذه الموارد ليست من تلك الكبرى -أعني: أنَّ أحد التكليفين بنفسه رافعٌ لموضوع التكليف الآخر- ولم نجد لها صغرى في المسائل الفقهيّة، إلَّا أنَّ الكبرى بنفسها صحيحةٌ، ولا يكون موردها داخلاً في الترتّب، سواء عصى أم امتثل، فإنَّ الترتّب إّنما يكون في موردٍ يستند فيه ارتفاع موضوع أحد الحكمين إلى امتثال الآخر، لا إلى وجوده بنفسه.
ــــــــــ[233]ــــــــــ
(1) انظر الصفحة: 196.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وقد استند القائلون باستحالة الترتّب إلى أربعة وجوه:
إنَّ الترتّب يستلزم طلب الجمع بين الضدّين، وهو محالٌ عقلاً، فطلب المحال لا يصدر من الحكيم، وإن كان هذا الطلب مستنداً إلى اختيار المكلّف، وكانت مقدّمته اختياريّةً، إلَّا أنَّ هذا لا يصحّح الجمع بين الضدّين. وهذا الجمع لا يمكن إيجاده في الخارج ولا يقدر عليه المكلّف، وطلب ما لا يقدر عليه المكلّف محالٌ. وهذا ظاهر.
وقد ذكر صاحب الكفاية(1) في تقريب هذا الوجه:
إنَّ الجمع بين الطلبين أمرٌ ظاهرٌ، والقائل بالترتّب لا بُدَّ له من الالتزام به، لأنَّ التكليف بالأهمّ -بإطلاقه- يشمل صورة العصيان، فإنَّ الطلب كما هو موجودٌ في زمن الإطاعة، كذلك هو موجودٌ في زمن العصيان، فالطلب المقارن مع العصيان موجودٌ لا محالة، والمفروض أنَّ طلب المهمّ موجودٌ أيضاً، لحصول
ــــــــــ[234]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 134، 135.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
شرطه، وهو عصيان الأمر بالأهمٌ، وبذلك يجتمع الطلبان في الخارج.
وأمّا استلزام الترتّب لطلب الجمع بين الضدّين فذكر في وجهه: بما أنَّ أحد الطلبين متعلّقٌ بأمرٍ والآخر متعلقٌّ بضدّه، فالأمر بالضدّ -لا محالة- يطارد الأمر الآخر الذي تعلّق بضدّه، فيكون مقتضى الأمر بالأهمّ ترك المهمّ، ومقتضى الأمر بالمهمّ ترك الأهمّ، فكلٌّ منهما يطارد الآخر، لأنَّ متعلّقه ضدٌّ لمتعلّق الآخر، ومع المطاردة من الجانبين كيف تكون فعليّة الطلبين معاً متحقّقةً؟ فهذا من طلب الجمع لا محالة.
وقد تنزّل عن ذلك فقال -ما مضمونه-: لو سلّمنا أنَّ الأمر بالمهمّ لا يطارد الأهمّ، فمع ذلك تبقى المطاردة من طرف الأمر بالأهمّ موجودةً، فإنَّه بإطلاقه يقتضي عدم الإتيان بالمهمّ من جهة المضادّة، ولذا قلنا فيما سبق: إنَّ الأمر بالضدّ إذا لم يكن مقتضياً للنهي عن ضدّه فعلى أقلّ تقديرٍ يكون مقتضياً لعدم الأمر به، فالأمر بالأهمّ يطارد الأمر بالمهمّ، بمعنى: أنَّه يقتضي أن لا يؤتى بمتعلّق المهمّ، وقد فرضنا أنَّ الأمر بالمهمّ يقتضي الإتيان بمتعلّقه، والمطاردة من جانبٍ واحدٍ تكفي في الاستحالة، ولا يشترط أن تكون من الجانبين، والمطاردة من جانبٍ واحدٍ موجودةٌ لا محالة، والمفروض أنَّ الأمر بالأهمّ موجودٌ حال العصيان، وهذا يقتضي عدم الأمر بالمهمّ، والمفروض أنَّ الأمر بالمهمّ موجودٌ أيضاً.
ففي فرض العصيان يلزم طلب المحال، وهو يكفي في الاستحالة. هذا ملخّص كلامه.
ــــــــــ[235]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وبما ذكرناه في بيان الترتّب يظهر فساد هذا الكلام، ومع ذلك نشير إليه إجمالاً.
وحاصله: أنَّ الأمر بالأهمّ وإن كان يقتضي عدم الإتيان بجميع أضداده، إلَّا أنَّه يقتضي عدم الإتيان بها ليؤتى به، فطلب الأهمّ -ولنفرضه الإزالة- يطارد -لا محالة- كلّ ضدٍّ ويقتضي عدم الأمر بضدّه، كلّ هذا في مرتبته، فلو أمر بضدّه فيها لزم طلب الجمع بين الضدّين، ولكنّا لو فرضنا أنَّ المكلّف يعصي ولم يأتِ بمتعلّق الأهمّ، فهل لذلك اقتضاء لترك بقيّة الأضداد، وترك الفعل الذي لا يكون مجتمعاً مع الإزالة؟ هذا الترك أجنبيٌّ عمّا يقتضيه الأمر بالإزالة، فعلى تقدير عدم وجود الأهمّ في الخارج ماذا يفعل المكلّف؟ فليس للأمر بالأهمّ اقتضاءٌ من هذه الجهة، فالأمر بالأهمّ وإن كان يطارد جميع أضداده إلَّا أنَّه يطاردها في عرضها، حيث لا يكون ذلك الضدّ موجوداً ليكون هذا موجوداً. لكنّا لو فرضنا أنَّ الأمر بالأهمّ غير موجودٍ ولو بسوء اختيار المكلّف، فحينئذٍ لا يقتضي الأمر بالأهمّ -بالنسبة إلى بقيّة الأضداد- شيئاً أبداً. فماذا يصنع المكلّف إذا ترك هذا الواجب؟ الأمر بالأهمّ ساكتٌ عن ذلك، وليس له اقتضاءٌ أبداً.
فعلى ما ذكرناه، الأمر بالأهمّ يقتضي عدم العصيان، أمّا على تقدير العصيان في الخارج فلا يقتضي شيئاً.
وأمّا الأمر بالمهمّ فعدم طرده واضحٌ، ولا يحتاج إلى تفسير، فإنَّه إنَّما يكون
ــــــــــ[236]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
موجوداً في فرض العصيان، وعند تحقّق العصيان خارجاً يوجد الأمر بالمهمّ، فكيف يكون مقتضياً لوجود العصيان في الخارج، فالأمر بالصلاة لا يقتضي ترك الإزالة ليكون منافياً ومطارداً له، وإنَّما يكون فعليّاً في فرض ترك الإزالة، فما هو مفروض الوجود وشرطٌ في الأمر كيف يكون الأمر بالمهمّ مقتضياً له. فأيّ تنافٍ بين الأمر بالأهمّ والأمر بالمهمّ؟
فكيف يُقال: إنَّ ذلك يقتضي طلب الجمع؟ إذ متى طلب المولى الجمع بين الطلبين -أي: أمر بالإزالة والصلاة معاً-؟ فإنَّه يأمر بالإزالة ويأمر بالصلاة على تقدير عدم الإزالة.
ومن هنا قلنا: إنَّ مثل هذا الأمر لو كان ممّا يمكن جمعه ولم يكن المتعلّقان ضدّين، كما لو أمره المولى بدخول المسجد، وأمره بالدعاء عند عدم دخوله، على تقدير عصيانه، ففي مثله يمكن للمكلّف الجمع بينهما، إلَّا أنَّه مع ذلك لا يكون مطلوباً، لأنَّ المفروض أنَّ الأمر الثاني أُخذ في موضوعه عصيان الأمر الأوّل، وترك متعلّقه.
فكيف يمكن أن يقال: إنَّ المطلوب هو الجمع، فإنَّ المطلوب هو الأهمّ، وعند تركه يكون شيءٌ آخر مطلوباً، وهو المهمّ المشروط بعصيانه حدوثاً وبقاءً على ما تقدّم.
إنَّنا لو سلّمنا إمكان اجتماع الأمرين، ولم يكن هذا -فرضاً- من طلب الضدّين، ولم يمكننا إقامة البرهان بنحو اللّمّ على استحالته، إلَّا أنَّه يمكننا
ــــــــــ[237]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
البرهنة بنحو الـ(الإنّ)(1) على بطلانه.
ذكر صاحب الكفاية في وجهه -ما مضمونه-(2): أنَّنا إذا التزمنا بالترتّب، فهل نلتزم بتعدّد العقاب أم نلتزم بكونه عقاباً واحداً؟ فإذا قلنا: إنَّه عقابٌ واحدٌ، فما معنى الأمر الثاني؟ وكيف يكون الشيء مطلوباً ولا عقاب عليه؟
فلو ترك المكلّف كلّاً من الأهمّ والمهمّ، فمع القول بأنَّ هناك عقاباً واحداً فهو على الأهمّ لا محالة، فما هو الموجب للأمر الثاني مع عدم العقاب على مخالفته؟
أمّا إذا التزمنا بتعدّد العقاب وأنَّ المكلّف يعاقب على ترك كلٍّ منهما، فكيف يمكن العقاب على ترك الجمع بين الضدّين، مع أنَّ هذا مستحيلٌ، وكيف يعاقب العاقل على ترك أمرٍ لا يقدر عليه؟
فمن استحالة تعدّد العقاب نستكشف عدم الأمر بالمهمّ، إذ لو كان الأمر بالمهمّ موجوداً لكان أمراً مولويّاً يستحقّ على تركه العقاب، وحيث إنَّه لا يمكن العقاب، نستكشف وجود أمرٍ واحدٍ، هو الأمر بالأهمّ.
وذكر(3): أنَّ هذا الإشكال أورد على السيّد الشيرازي الكبير وكان بصدد الجواب عنه.
ــــــــــ[238]ــــــــــ
(1) المقصود هو: البرهان الإنّي.
(2) انظر: كفاية الأصول: 135، 136.
(3) انظر: كفاية الأصول: 136.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وهذا أيضاً يندفع بما ذكرناه، فإنَّ العقاب ليس على ترك الجمع، إذ الطلب لم يتعلّق بالجمع ليكون العقاب على ترك هذا الواجب، بل العقاب على الجمع بين التركين، وفرقٌ بين ترك الجمع أو الجمع بالترك، وإنَّما يعاقب على جمعه في الترك، أي: ترك الأهمّ والمهمّ معاً، وضمّ ترك المهمّ إلى ترك الأهمّ، وهذا فعلٌ اختياريٌّ، فإنَّ ترك الأهمّ اختياريٌّ لا محالة، والمكلّف باختياره أيضاً ضمّ ترك المهمّ إلى ترك الأهمّ، فإنَّه عند ترك الإزالة كان له أن يصلّي وله أن لا يصلّي، فتركها فعلٌ اختياريٌّ لا محالة، وهذا الترك منضمّاً إلى تركه للإزالة يستحقّ العقاب عليه، لأنَّ الترك فعلٌ اختياريٌّ، له أن يفعله وأن لا يفعله، فالعقاب يكون عليه.
فنقطع -لما ذكرناه من المقدّمات-: أنَّ هذا يكون من الأمور الواضحة، فإنَّه ممّا يدركه العقل بعد التأمّل في هذه المقدّمات، فإنَّ القائل بالترتّب لا يدّعي بأنَّ الأمر بالمهمّ في عرض الأمر بالأهمّ، ومنضمّاً إليه، فإنَّ الأمر بالأهمّ وإن كان موجوداً في زمان الأمر بالمهمّ، إلَّا أنَّ متعلّق الأمر بالمهمّ ليس مقيّداً بوجود متعلّق الأمر بالأهمّ، فهو لا يطلب الصلاة مع الإزالة، بل يطلبها على فرض ترك الإزالة، فالأمر بالصلاة مقيّدٌ بفرض عدمها. فإن كان كلٌّ منهما مطلوباً، والإزالة مقدورةً، فإن تركها يعاقب عليها، ومع تركها يكون فعل الصلاة مقدوراً وعدمها مقدوراً أيضاً، فإن تركها استحقّ العقاب، فالعقاب يكون على أمرٍ اختياريٍّ، وهو ضمّ تركٍ إلى تركٍ آخر، وهذا أمرٌ ظاهرٌ جدّاً.
وببيان آخر للوجه الثاني نقول: إنَّ العقاب لا بُدَّ من أن يكون على أمرٍ
ــــــــــ[239]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
اختياريٍّ، يتمكّن المكلّف من فعله وتركه، فيعاقَب على الفعل أو الترك، وأمّا ما يكون خارجاً عن القدرة فلا يصحّ العقاب عليه. ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّ المكلّف لا يمكنه الجمع بين المتعلّقين، بل هو قادرٌ على كلّ واحدٍ منهما على نحو البدل، لا عليهما معاً، فلا يمكن العقاب على ترك كلٍّ منهما، فإنَّه عقابٌ على ما لا يتمكّن المكلّف منه.
فلا بُدَّ -إذن- من أن يكون هنا عقابٌ واحدٌ، وهو على ترك الأهمّ، فلا يمكن الأمر بغيره، لعدم استحقاق العقاب على مخالفته، إذ لا معنى لوجود أمرٍ مولويٍّ لا يستحقّ المكلّف العقاب على مخالفته.
ولذلك لا يمكن الالتزام بالترتّب، بل لو فُرض أنَّ الشارع أمر بالمهمّ على تقدير ترك الأهمّ، فلا بُدَّ من أن يُحمل أمره على الإرشاد إلى أنَّه واجدٌ للملاك الملزم، أمّا حمله على الأمر المولويّ فلا.
ولكنّ هذا يرتفع -وقد فرض عدم استحقاق عقابين مفروغاً عنه. حتىّ قال: كنا نورده على سيدنا الأستاذ وكان بصدد الجواب عنه- بما ذكرناه من عدم المانع من الالتزام باستحقاق عقابين على كلا الواجبين.
والسرّ في ذلك: أنَّ العقاب ليس على ترك الجمع بين الضدّين، بل على ترك الأهمّ، وعلى ترك المهمّ عند ترك الأهمّ -أي: على مقارنة هذا الترك مع ذاك- فهو عقابٌ على الجمع بين التركين، لا على ترك الجمع بين الضدّين، وفرقٌ بينهما.
فالجمع بين التركين أمرٌ مقدورٌ لا محالة، فإنَّ المكلّف قادرٌ على الإزالة وعلى تركها، فإذا لم يُزل يعاقب، وهو عقابٌ على ترك مقدورٍ، فإذا ترك الإزالة
ــــــــــ[240]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بسوء اختياره كان العقاب على أمرٍ اختياريٍّ، وعلى تقدير ترك الإزالة فيمكنه أن يصلّي وأن لا يصلّي، كأن يكتب أو يأكل إلى آخر الأضداد الكثيرة، فالمكلّف في فرض ترك الإزالة قادرٌ على الصلاة وعلى تركها، وتركها أيضاً مقدورٌ حال العصيان، فإذا عاقبه المولى كان عقاباً على ترك أمرٍ اختياريٍّ يتمكّن منه، فلا عقاب هنا على أمرٍ غير اختياريّ.
وليس العقاب هنا على ترك الجمع، فلا يُقال له: لماذا لم تصلِّ مع الإزالة، إذ لو كان مزيلاً لم يتوجّه إليه خطاب الصلاة أصلاً، لانتفاء موضوعه، لأنَّ موضوعه هو العاصي لا المطيع، فلو أزال فلا يؤمر بالصلاة أصلاً، فالعقاب ليس على عدم الجمع بينهما، لأنَّه غير مقدورٍ، بل العقاب على ترك الإزالة، باعتبار أنَّه مقدورٌ له، ولم يفعل، فيقال له: لماذا لم تُزل؟ فيعاقب. ويُقال له أيضاً: على تقدير أنَّك عصيت ولم تُزل فلماذا لم تصلّ وقد كنت قادراً على الصلاة؟ فيكون العقاب على ترك الصلاة حال ترك الإزالة، لا العقاب عليها مع الإزالة ليلزم العقاب على ترك الجمع بين الضدّين.
وهذا واضحٌ، إذ لا مانع من تعدّد العقاب حينئذٍ، لأنَّه يكون على أمرٍ اختياريّ.
ونظير ما ذكرناه هنا يأتي في الواجب الكفائيّ، فإنَّ المطلوب فيه إنَّما هو صدور الفعل من طبيعيّ المكلّف، ونتيجته عقابٌ لكلّ واحدٍ منهم على تركه، فإنَّ الفعل وإن كان غير مطلوبٍ من الجميع على نحو الجمع، ولا سيَّما إذا لم يكن صدوره من الجميع مطلوباً، فإنَّ الواجبات الكفائيّة يمكن صدورها من الجميع،
ــــــــــ[241]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
كالصلاة على الميّت، ويمكن صدورها من الفرد كإزالة النجاسة عن المسجد، وإنقاذ الغريق، وغيرها من الواجبات الكفائيّة التي لا يقوم بها إلَّا مكلّفٌ واحد، إلَّا أنَّهم جميعاً يعاقبون على الترك، باعتبار أنَّ الترك مقدورٌ لكلّ واحدٍ منهم، كما أنَّ الفعل مقدورٌ لكلّ واحدٍ، فمع أنَّ المطلوب ليس هو الجمع بين الأفعال، إلَّا أنَّ الجمع في الترك -أي: ترك أفراد المكلّفين- يوجب العقاب، فإنَّ الترك مقدورٌ لكلّ واحدٍ منهم، وإن كان الفعل غير مقدورٍ مع فعل الآخر له.
ومقامنا هذا في تعدّد العقاب يشبه تعدّده في الواجب الكفائيّ، غاية الأمر: أنَّ المكلّف هنا متعدّدٌ والواجب واحدٌ، وفي المقام المكلّف واحدٌ والواجب متعدّدٌ، إلَّا أنَّ الملاك واحدٌ، وهو أنَّ العقاب على أمرٍ اختياريٍّ، وهو العقاب على ترك واجبٍ مقدورٍ. فالعقاب في الواجب الكفائيّ على ترك واجبٍ مقدورٍ، والعقاب هنا أيضاً على ترك واجبٍ مقدورٍ، وإن لم يكن الجمع بين الفعلين مقدوراً، فإنَّ المطلوب ليس هو الجمع، بل المطلوب هو الأهمّ، والمهمّ على تقدير ترك الأهمّ، وهذا ظاهرٌ.
هذا هو الوجه الثاني لمنكر الترتّب والردّ عليه.
إنَّ فعليّة الأمر ملازمةٌ لداعويّته بالفعل، ولا معنى للتكليف إذا لم يدعُ بالفعل إلى متعلّقه، وقد ذكرنا -غير مرّة-: أنَّ الأمر بوجوده الإنشائيّ قبل فعليّة موضوعه وإن لم يكن داعياً وغير قابل للداعويّة، كجعل الحجّ على
ــــــــــ[242]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 134.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
المستطيع في الآية، فإنَّه لا يمكن أن يكون داعياً للمكلّف إلى الفعل ما لم يتحقّق موضوعه خارجاً. وكوجوب دفع الزكاة على تقدير بلوغ المال النصاب، فلو لم يكن عنده مالٌ أو لم يبلغ النصاب، لا يكون هذا الحكم داعياً له. فهذا الخطاب -في الحقيقة- لم يتوجّه بالإضافة إليه، لأنَّ الموضوع بمنزلة الشرط، وعلى تقدير تحقّقه يكون الحكم مجعولاً، فمرحلة الجعل هي مرحلة الفرض، والتقدير: إذا كان كذا فالحكم هو كذا، والحكم فيها ليس بفعلي، وإنَّما يخرج من مرحلة الفرض إلى مرحلة الوجود والتحقّق، إذا كان الموضوع موجوداً بشرائطه، فإذا تحقّق الحكم بشرائطه حينئذٍ يكون هذا الحكم داعياً من قبل المولى إلى الإتيان بمتعلّقه في الخارج، فتكون فعليّة الحكم مساوقةً لداعويتّه.
فإذا فرضنا أنَّ هناك طلبين فعليين -كما يدّعيه القائل بالترتّب، فإنَّه يرى أنَّ الأمر بالأهمّ فعليٌّ والأمر بالمهمّ فعليٌّ أيضاً- وفرضنا أنَّ العصيان متحقّقٌ، وموضوع الأمر بالمهمّ متحقّق، فالمولى هنا جعل داعيين، كلٌّ منهما تعلّق بضدّ ما تعلّق به الآخر، وهل يعقل وجود الضدّين خارجاً ليجعل الداعي إليهما؟
بعبارة أخرى: لو فرضنا أنَّ الحكمين فعليّان معاً، أحدهما فعليٌّ في عرض الآخر الفعليّ، بمعنى: أنَّ المولى قد جعل داعيين، كلٌّ منهما قد تعلّق بضدّ، وهل يمكن جعل الداعي إلى الضدّين مع استحالة الجمع بينهما؟
فمن هذه الجهة لا يمكن القول بالترتّب، إذ جعل الداعي نحو الضدّين غير معقولٍ. فيكون القول بالترتّب باطلاً، وإن فرضنا أنَّه لا يستلزم طلب الجمع، فإنَّ جعل الداعي نحو ضدّين أمرٌ غير معقولٍ.
ــــــــــ[243]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
إلَّا أنَّ هذا يندفع بما بينّاه، من أنَّ جعل داعيين إلى الضدّين لا مانع منه أبداً إذا فرضنا أنَّ متعلّق كلٍّ منهما على نحوٍ لا يقتضي الجمع مع الآخر.
نعم، لو كان جعل الداعي إلى الضدّين بنحوٍ جعل الداعي إلى الجمع بين الضدّين كان ذلك مستحيلاً، إلَّا أنَّ المطلوب ليس هو الجمع، فإنَّ جعل الداعي نحو ضدّ وجعله نحو ضدٍّ آخر على تقدير عدم هذا الضدّ لا مانع منه، فلا مانع من كون الداعويّة فعليّةً في المقام، ولا مانع من أن يجعل المولى الداعي نحو الأهمّ ويجعل الداعي نحو المهمّ على تقدير عدم الأهمّ.
بعبارةٍ أوضح: إنّا فرضنا أنَّ الأهمّ مقدورٌ وأنَّ المهمّ في ظرف ترك الأهمّ مقدورٌ أيضاً، وجعل الداعي إنَّما هو نحو المقدور، ولم يجعل الداعي في المقام على نحوٍ يلزم منه جعله على أمرٍ غير مقدورٍ، فإنَّ ذلك غير ممكنٍ. أمّا جعل الداعي إلى الضدّين على نحوٍ لا يلزم منه ذلك -جعل الداعي نحو غير المقدور- فهو أمرٌ ممكن، والمولى قد جعل الداعي نحو المقدور في طرف الأهمّ ونحو المقدور في طرف المهمّ، فلا محذور أبداً. ومجرّد أنَّهما ضدّان لا يستلزم: أن لا يتعلّق بهما طلبان، أو أن لا يُجعل لهما داعيان: جعل الداعي نحو هذا ونحو ذاك في عرضٍ واحدٍ وزمانٍ واحدٍ، وهو زمان العصيان.
أجاب شيخنا الأستاذ(1) عن هذا: بأنَّ جعل داعيين إلى ضدّين مع
ــــــــــ[244]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 306.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
اختلاف الرتبة بينهما لا مانع منه، وحيث إنَّ الامر بالمهمّ في مرتبةٍ لاحقةٍ عن الأمر بالأهمّ بمرتبتين، فإنَّه متأخّرٌ عن عصيان الأمر بالأهمّ بمرتبةٍ، وكذلك عصيان الأمر بالأهمّ موضوعٌ للأمر بالمهم، ومرتبة الموضوع متقدّمةٌ على مرتبة الحكم لا محالة، كما أنَّ العصيان أيضاً متأخّرٌ عن الأمر بالأهمّ بمرتبةٍ، حيث إنَّ الأمر بالأهمِّ في مرتبةٍ سابقةٍ على عصيانه وامتثاله. فيكون الأمر بالمهمّ متأخراً بمرتبتين عن الأمر بالأهمّ، ومع اختلاف الرتبة لا مانع من فعليّتهما معاً، إذ ليسا في عرضٍ واحدٍ بحسب الرتبة، بل أحدهما متأخّرٌ عن الآخر.
إلَّا أنَّ هذا -وان كان الجواب الصحيح على ما تقدم هو الذي أسس أساسه وبينه على نحو مستوفى- لا يمكن المساعدة عليه.
والوجه فيه: ما تقدّم مراراً من أنَّ أحكام الاستحالة والإمكان تترتّب على الموجودات الزمانيّة، فإنَّ اجتماع الضدّين في زمانٍ واحدٍ مستحيلٌ، واجتماع النقيضين أو ارتفاعهما في زمانٍ واحدٍ مستحيلٌ، وهذا من لوازم الزمان، وليس من أحكام الرتبة.
فلو فرضنا أنَّ المولى أمر بضدٍّ وأمر بضدٍّ آخر مشروطاً بفعليّة هذا الأمر، كان الأمر الثاني متأخّراً عن هذا الأمر لا محالة، كما إذا أمر بالقيام وأمر بالجلوس على تقدير وجوب القيام عليه، فالأمر الثاني متأخّرٌ عن الأوّل لا محالة، ومع ذلك لا يمكن الأمر بهما معاً، لأنَّه من طلب الضدّين.
وكذا لو فرضنا أنَّ الأمر الثاني أُخذ في موضوعه امتثال الأمر الأوّل، كما لو أمر بالصلاة بشرط امتثال الأمر بالإزالة، فهذا أيضاً غير معقولٍ يقيناً، لأنَّه من الأمر بالضدّين.
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فمجرّد تأخّر أحد الأمرين عن الآخر بمرتبةٍ واحدةٍ أو بمرتبتين، لا يصحّح الأمر بالضدّين، فالملاك في الإمكان والاستحالة هو مرجع الأمرين، فلو أدّى إلى طلب الجمع بين الضدّين كان مستحيلاً، سواءٌ كانا في مرتبةٍ واحدةٍ أم في مرتبتين. وأمّا إذا لم يكن مرجعهما إلى طلب الضدّين حيث إنَّ الأمر بالأهم يقتضي هدم العصيان، ولكنّه على تقدير العصيان لا اقتضاء، كما أنَّ الأمر بالمهمّ يقتضي وجود المهمّ على تقدير العصيان، ولا يقتضي تحقّق العصيان، لأنَّ الحكم لا يقتضي موضوعه. فإذا صحّ هذا -أي: إنَّ الأمر بالأهمّ والأمر بالمهمّ لا يرجعان إلى طلب الجمع بين الضدّين- كان الترتّب جائزاً، سواءٌ كان أحدهما في طول الآخر أو لم يكن في طوله، فاختلاف الرتبة واتّحادها لا أثر له في الإمكان والاستحالة.
فمّما تقدّم يتّضح: أنَّ الوجه الثالث لا محصّل له أيضاً.
وقد ذُكر وجه آخر لاستحالة الترتّب(1)، وحاصله: أنَّ العصيان -الذي أُخذ شرطا للأمر بالمهمّ وموضوعه-:
فإذا أُخذ العصيان بوجوده الخارجيّ الفعليّ شرطاً، كان هذا خلف القول
ــــــــــ[246]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 291، 292.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بالترتّب، فإنَّ معنى الترتّب هو اجتماع الأمرين في زمانٍ واحدٍ، وهذا لا يتحقّق إذا كان العصيان بوجوده الخارجيّ شرطاً للأمر بالمهمّ، إذ العصيان مسقطٌ للتكليف لا محالة، ففي فرض العصيان يكون التكليف بالأهمّ ساقطاً، فلا أمر به ليجتمع مع الأمر بالمهمّ، على ما يدّعيه القائل بالترتّب الذي يلتزم بفعليّة الأمرين معاً.
فأخذ العصيان بوجوده الخارجيّ شرطاً في الأمر بالمهمّ، معناه: إنكار الترتّب، فهو يعني: أنَّ الأمر بالأهمّ قد سقط، وحدث أمرٌ آخر بالمهمّ. وقد سبق أن قلنا: إنَّ مورد الترتّب هو اجتماع الأمرين في زمانٍ واحدٍ، وأمّا إذا كان هناك أمرٌ وبعد سقوطه وجد الأمر الآخر، فهذا ممّا لا كلام في إمكانه.
وأمّا إذا التزمنا أنَّ العصيان شرطٌ متأخرٌ، بمعنى: أنَّ الأمر بالصلاة متحقّقٌ قبل العصيان، إلَّا أنَّ العصيان أُخذ شرطاً متأخّراً في الأمر بالصلاة، أو أنَّ وصف التعقّب بالعصيان الذي هو أمرٌ فعليٌّ أُخذ شرطاً في وجوب المهمّ، فمعنى ذلك: أنَّ الأمرين قبل العصيان كانا فعليَّين، فالأمر بالأهمّ يدعو إلى وجوده في الخارج، والأمر بالمهمّ المشروط بالعصيان المتأخّر -والمفروض أنَّ العصيان سيتحقّق خارجاً- يدعو إلى تحقّق المهمّ في الخارج، فيكون عندنا أمران تعلّقا بضدّين في زمانٍ واحدٍ، ولازم ذلك طلب الجمع، وهو مستحيلٌ.
إذن، الأمر يدور بين أن نلتزم بأنَّ العصيان شرطٌ مقارنٌ، وهذا خلف الترتّب، وبين أن نلتزم بأخذ العصيان بنحو الشرط المتأخّر، أو بجعل الشرط عنوان التعقّب، وأنَّ الأمر بالصلاة كان موجوداً قبل تحقّق العصيان، وكلا
ــــــــــ[247]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الفرضين يلزم منه طلب الضدّين في زمانٍ واحدٍ -أي: قبل العصيان- وهو من طلب الجمع المحال.
فالمتحصّل ممّا سبق: عدم إمكان الالتزام بالترتّب.
ولكنّ جواب ذلك ظهر ممّا قدّمناه، فإنَّ الصحيح أنَّ العصيان شرطٌ مقارنٌ، وقد سبق أن قلنا: إنَّ الترتّب على تقدير إمكانه لا يحتاج إلى دليلٍ، فإنَّ مقتضى القاعدة حتميّة الالتزام به، لأنَّ التكليف مشروطٌ بالقدرة، إمّا عقلاً أو لاقتضاء نفس التكليف أو لاعتبار العقل القدرة في مرحلة الامتثال، ولأجل ذلك لا يمكن الأمر بالضدّين في عرضٍ واحدٍ ومرتبةٍ واحدةٍ، بأن يكون كلٌّ من الأمرين مطلقاً بالنسبة إلى الإتيان بمتعلّق الآخر، لأنَّ نتيجة ذلك طلب الجمع بينهما، وهو غير مقدورٍ. فلا بُدَّ -من جهة حكم العقل- أنْ نرفع اليد عن إطلاق أحد التكليفين، ودليل وجوب الأهمّ لا يمكن رفع اليد عن إطلاقه، لعدم المقتضي لذلك، فهو باقٍ على إطلاقه، فسواءٌ صلّى أم لم يصلّ فالإزالة واجبةٌ.
وأمّا الدليل الآخر -وهو دليل إطلاق المهمّ وهو الصلاة- فلا بُدَّ من رفع اليد عن إطلاقه، فإنَّ التحفّظ عليه يستلزم طلب الجمع، فيقيّد دليل وجوب الصلاة بعدم تحقّق الإزالة، فإذا أزال المكلّف لم يتوجّه التكليف بالصلاة إليه ولم يتحقّق بالنسبة له، لأنَّه غير قادرٍ عليه على الفرض.
فيدور الأمر بين رفع اليد عن أصل وجوب الصلاة حتّى على تقدير عدم
ــــــــــ[248]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الإزالة، أو أن نلتزم بأصل الوجوب ونرفع اليد عن إطلاق دليله. ولا موجب لرفع اليد عن أصله، فإنَّ القدر المتيقّن هو رفع اليد عن إطلاق دليل الوجوب.
ومن الظاهر أنَّ ما هو شرطٌ للقدرة على المهمّ هو ترك الأهمّ خارجاً، ففي ظرف تركه خارجاً يكون المكلّف قادراً على امتثال المهمّ، فلو أتى المكلّف بالإزالة كان عاجزاً عن امتثال الأمر بالصلاة، فيسقط الأمر بها. أمّا إذا عصى الأمر بالإزالة وتركها خارجاً، فحينئذٍ يكون قادراً على الإتيان بالصلاة وعلى تركها، فإذا كان قادراً عليها كان الأمر بها باقياً على حاله، ولا موجب لرفع اليد عنه، فنتحفّظ على أصل وجوبها.
ونتيجة ذلك: الالتزام بشرطيّة نفس العصيان للتكليف بالمهمّ، فإنَّ المكلّف حين ترك هذا الضدّ -وهو الإزالة- يكون قادراً على الإتيان بالضدّ الآخر وعلى تركه.
فالمتحصّل ممّا ذكرناه: -من أنَّ الترتّب لا يحتاج إلى دليلٍ، وأنَّ نفس دليل الوجوب يقتضي ذلك، وأنَّ التزاحم يقتضي رفع اليد عن الإطلاق لا عن نفس الوجوب- الالتزامُ بشرطيّة العصيان على نحو الشرط المقارن، وأنَّ المكلّف إذا ترك الضدّ يكون قادراً على الضدّ الآخر، فيكلّف به بمقتضى الدليل.
ولا مقتضي للالتزام بكون العصيان شرطاً متأخّراً أو أن يكون وصف التعقّب هو الشرط، فكلّ ذلك بلا دليل، فما قام عليه الدليل هو أن يكون العصيان شرطاً بنحو الشرط المقارن، فنلتزم بهذا.
إلَّا أنَّ المستدلّ ادّعى أنَّ ذلك يلزم منه محذور سقوط الأمر بالأهمّ حال
ــــــــــ[249]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
العصيان، فلا يجتمع التكليفان في زمانٍ واحدٍ، لأنَّ العصيان مسقطٌ للتكليف.
والأمر ليس كذلك، فإنَّ العصيان لا يكون مسقطاً للتكليف أبداً، وكيف يمكن أن يقال بعدم وجود تكليفٍ زمان العصيان، فإذا لم يكن تكليفٌ، فلا عصيان، فإنَّ الأمر المعدوم غير قابلٍ للعصيان، ولا بُدَّ من أن يكون العصيان لأمرٍ فعليٍّ قابلٍ للامتثال، فيكون بدلاً عن الامتثال، فإنَّهما أمران يردان على تكليفٍ واحدٍ. أمّا إذا فرضنا أنَّه لا أمر في ظرف الامتثال أو العصيان، لأنَّه قد سقط، فبأيّ أمرٍ يتعلّق كلٌّ من الامتثال والعصيان، وأيّ أمرٍ يُمتَثل أو يُعصَى في الخارج، والمفروض أنَّه قد سقط ولا وجود له؟
وعلى ذلك، فمدّعى أنَّ العصيان مسقطٌ للتكليف لا أساس له أصلاً، فإنَّ سقوط التكليف يستند إلى أحد أمرين، لا ثالث لهما:
أحدهما: الامتثال، وقد تقدّم في مبحث الإجزاء(1)، حيث قلنا: إنَّ التكليف يسقط بامتثاله خارجاً، وإنَّ الإتيان بالمأمور به يُسقط أمره، وقد برهنّا عليه هناك، وقلنا: إنَّ الأمر معلولٌ لداعٍ من الدواعي، ولنفرضه المصلحة في المأمور به كما يدّعيه العدليّة، الذين ذهبوا إلى أنَّ الأوامر تابعةٌ لمصالح في متعلّقاتها والنواهي تابعةٌ لمفاسد في متعلّقاتها.
فسواءٌ قلنا بتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد أو قلنا بوجود داعٍ آخر، فالأمر فعلٌ اختياريٌّ للمولى، ولا بُدَّ من أن يكون هناك غرضٌ دعاه إليه.
ــــــــــ[250]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأصول 1: 220.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فلو وُجد المأمور به في الخارج، وحصل الغرض الداعي إلى هذا الأمر فقد تحقّق الغرض، وبعد ذلك كيف يمكن أن يبقى الأمر، فإذا بقي كان من بقاء الشيء بلا سببٍ ولا موجبٍ، وهذا مستحيلٌ، فإنَّ ما كان علّةً حدوثاً قد انتفى بقاءً، فيسقط الأمر لا محالة.
ثانيهما: عجز المكلّف عن الامتثال بعد ذلك بحيث لا يقدر على الامتثال، فإنَّ التكليف مشروطٌ بالقدرة بأحد الأسباب السابقة، فإمّا أن يكون بنفسه يقتضي اعتبار القدرة في المتعلّق، أو أنَّ العقل يحكم بذلك، أو أن تكون القدرة معتبرةً في مرحلة الامتثال -كما في المقام- فإن لم يتمكّن من الامتثال لمانعٍ من الموانع، كما لو كان التكليف موقّتاً وقد مضى وقته، أو لانتفاء موضوعه، كما لو لم يصلِّ على الميّت -ولو عمداً- حتّى أكله السبع.
والحاصل: أنَّ سقوط التكليف لا بُدَّ من أن يستند إلى أحد هذين الأمرين، إمّا إلى الامتثال أو إلى عدم قدرة المكلّف عليه، فإذا لم يكن قادراً عليه في الآن الأوّل ففي الآن الثاني، وإن لم يكن في الآن الثاني ففي الآن الثالث وهكذا.
فلو عصى الأمر بالإزالة، واشتغل بالصلاة، فكيف يمكن أن يقال: إنَّ الأمر بالإزالة قد سقط؟ بل هو باقٍ حتماً، ففي كلّ آنٍ من آنات الصلاة يأمره المولى برفع اليد عن الصلاة والاشتغال بالإزالة، وعلى تقدير الاستمرار على العصيان يأمره بالصلاة.
فهذان الأمران توأمان حدوثاً وبقاءً، فإنَّه يأمره حدوثاً بالإزالة، وعلى تقدير عدمها يأمره بالصلاة، وكذلك بقاءً، ففي أيّة ركعةٍ رفع اليد عن الصلاة
ــــــــــ[251]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
واشتغل بالإزالة، ترتفع الصلاة موضوعاً.
فعلى ما تقدّم يرتفع ما ذكره من الإشكال، ويثبت أنَّ العصيان شرطٌ مقارنٌ والأمر موجودٌ حال العصيان، فاجتمع الأمران في زمانٍ واحدٍ، ولا تنافي بين مقتضى الأمرين، ولا يلزم من ذلك طلب الجمع، لما ذكرناه من أنَّ مقتضى تقييد مطلوبيّة المهمّ بعدم الأهمّ يناقض طلب الجمع، لا أنَّه يقتضيه.
نعم، قد يُفرض العصيان شرطاً متأخّراً بمقتضى حكم العقل باشتراط القدرة في التكليف، فيما إذا فرضنا أنَّ الواجب المهمّ يحتاج إلى زمانٍ أوسع ممّا يحتاجه الواجب الأهمّ، كما لو فرضنا أنَّ الواجب الأهمّ لا يحتاج إلى أكثر من دقيقتين، والواجب المهمّ يحتاج إلى أكثر من ذلك.
فلنفرض الوقت ضيّقاً، ولا يتمكّن المكلّف من تأخير الصلاة، مع أنَّه مسافرٌ أيضاً، ولم يبقَ من الوقت إلَّا مقدار أربع ركعاتٍ، ولم يصلّ بعدُ صلاة العصر، وهي ركعتين قصراً، وتحتاج إلى دقيقتين، فلو شرع في صلاة قضاء أربع ركعاتٍ فاتته في الحضر، والمفروض أنَّ الباقي من الوقت أربع ركعاتٍ، فهو متمكّن من القضاء خلال الوقت.
فالأمر بالقضاء موجودٌ على تقدير عصيان الأمر الأدائي، وعصيانه إنَّما يكون بعد دقيقتين، فإنَّ الوقت لازال واسعاً الآن، والباقي منه أربع دقائق مثلاً، وسوف يتضيّق بعد دقيقتين، فالأمر بالقضاء مشروطٌ بأن لا يرفع اليد عنه ويشتغل بصلاة العصر. فلو رفع يده عن القضاء بعد ركعتين وعند تضيّق وقت الفريضة، وأتى بالفريضة لئلّا تفوت في وقتها، لكان له ذلك. فالأمر
ــــــــــ[252]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بالقضاء مشروطٌ بعصيان الأمر الأدائيّ وأن لا يأتي بصلاة العصر(1).
وهذا على طبق القاعدة، وهو الالتزام بالشرط المتأخّر، ولكن بملاك حكم العقل باشتراط القدرة في متعلّق التكليف، لا بملاكٍ آخر، إذ لو لم يعصِ الأمر الأدائي لم يكن متمكّناً من القضاء، فيكون التكليف بالقضاء تكليفاً بما لا يطاق.
وعليه، فالأمر بالأداء مع الأمر بالقضاء متنافيان، والأمر بالأداء أهمّ، فيبقى على إطلاقه، ويكون القضاء مشروطاً بعدم الأداء، باعتبار أنَّ المكلّف لا يكون قادراً على القضاء إلَّا عند عصيان الأداء. ففي هذه الموارد نلتزم بالشرط المتأخّر، وليس هذا بالأمر الجديد، فإنّا قلنا فيما سبق: إنَّ كلّ أمرٍ تدريجيٍّ مشروطٌ بالشرط المتأخّر. فإذا فرضنا أنَّ القضاء يحتاج إلى زمانٍ أكثر من زمان الأداء، وهو مشروطٌ ببقاء القدرة إلى الآخر، وبقاؤها إلى الآخر إنَّما يكون بعصيان الواجب الأهمّ، فإنَّه لو امتثله -أي: الواجب الأهمّ- لكان عاجزاً عن القضاء، فيسقط أمره.
والمتحصّل من ذلك: أنَّ العصيان شرطٌ مقارنٌ إلَّا في الواجب التدريجيّ، فيكون الواجب المهمّ متوقّفاً على ترك الواجب الأهمّ.
ثمَّ لو تنزّلنا وبنينا على أنَّ العصيان من الشرط المتأخّر، أو أنَّ التعقّب
ــــــــــ[253]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ صحّة الركعتين الأوليين غير متوقّفةٍ على وجود العصيان المتأخّر لصلاة العصر، وإنَّما هي متوقّفةٌ على صحّة الركعتين الأخيرتين، ككلّ واجبٍ مركّبٍ، وصحّة الركعتين الأخيرتين متوقّفةٌ على العصيان المقارن لهما، لا على عصيانٍ متأخّرٍ، فعلى القول بالترتّب يكون القضاء صحيحاً من دون التزامٍ بالشرط المتأخّر. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بالعصيان شرطٌ على خلاف القاعدة، لكانت نتيجة ذلك: اجتماع الأمرين قبل العصيان، ويكون كلٌّ منهما فعليّاً.
فهل يلزم من ذلك طلب الجمع أو لا؟
ظهر ممّا تقدّم: -مراراً- عدم لزوم طلب الجمع منه، فمع أنَّ الأمرين فعليّان، إلَّا أنَّ أحدهما يقتضي عدم العصيان، وهو الأمر بالأهمّ، أمّا تقدير العصيان المتأخّر فلا يقتضي هذا الأمر شيئاً. والأمر بالمهمّ لا يقتضي العصيان، فإنَّه مشروطٌ به، وإذا كان مشروطاً به -ولو بالشرط المتأخّر- فيستحيل أن يكون مقتضياً له، وإنَّما يقتضي أمراً آخر على تقدير تحقّق العصيان. فأيّ منافاةٍ بينهما بعد أن فرضنا أنَّ مقتضى أحدهما مقيّدٌ بالآخر، وليس بينهما أيّ تمانعٍ أو تنافٍ، فإنَّ أحدهما مشروطٌ بالآخر؟
فإذا لم يلزم طلب الجمع من فعليّة الأمرين، فلا محذور فيه، لأنَّ المحذور هو طلب الجمع، وطلب ما لا يتمكّن المكلّف من الإتيان به. وأمّا إذا لم يكن الأمر كذلك، وإنَّما طلب المولى منه أن يأتي بالأهمّ، ويهدم موضوع العصيان، وعلى تقدير العصيان فيما بعد، يطلب منه شيئاً آخر في مقابل باقي الأشياء، فأيّ محذور في ذلك؟
فإذا لم يرجع هذا إلى طلب الجمع، وطلب الجمع يناقض الترتّب، فمع الإتيان بالأهمّ لا موضوع للمهمّ، فلا يكون من طلب الجمع. فلا فرق في جواز ذلك -أعني: الترتّب- بين أن نلتزم بأنَّ العصيان شرطٌ مقارن كما هو الصحيح، أو أن نلتزم بأنَّه شرطٌ متأخّرٌ أو ما في حكمه.
وعلى ذلك يكون هذا الوجه ساقطاً.
ــــــــــ[254]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ذكر بعضهم(1): أنَّ الشرط لوجوب المهمّ هو العزم على العصيان لا نفس العصيان. وذلك مبنيٌّ على تخيّل أن يكون العصيان مسقطاً للتكليف، فلا يكون هناك تكليفٌ في فرض العصيان خارجاً، فجعل الشرط لوجوب المهمّ هو العزم على عصيان الأهمّ. والحال في ذلك -وإن كان قد ظهر ممّا تقدّم- سنذكره توضيحاً. فالكلام هنا يقع:
هل هناك مقتضٍ لجعل العزم على العصيان شرطاً دون نفس العصيان؟
ظهر ممّا تقدّم أنَّه لا مقتضي لذلك، فإنَّ الترتّب لم يدلّ عليه دليلٌ بخصوصه، وإنَّما قلنا به لأنَّه مقتضى القاعدة، وهو مقتضى حكم العقل باشتراط القدرة في التكليف، ومن هنا قلنا: بأنَّ الساقط بحكم العقل إنَّما هو إطلاق دليل المهمّ في صورة الإتيان بالأهمّ، إذ لا يمكن الإتيان بالمهمّ مع
ــــــــــ[255]ــــــــــ
(1) انظر: كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء 1: 171.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الإتيان بالأهمّ، فالتكليف بذلك تكليفٌ بما لا يطاق. وأمّا الإتيان بالمهمّ مع ترك الأهمّ فلا محذور فيه. فنتمسّك بإطلاق الدليل لهذه الصورة، إذ لا مقتضى لرفع اليد عن أصل الدليل بعد رفع اليد عن إطلاقه.
وأمّا العزم على العصيان، فهو أجنبيٌّ عن حكم العقل باشتراط القدرة في التكليف، فيكون الالتزام به بلا موجبٍ وبلا دليلٍ يدلّ عليه.
وأمّا من ناحية المانع، فهل هناك مانعٌ من اشتراط التكليف بالمهمّ بالعزم على عصيان الأهمّ؟
قد يُقال بوجود المانع، باعتبار أنَّ المكلّف إذا عزم على عدم الإتيان بالأهمّ وعلى عصيانه، فحال العزم يكون شرط المهمّ موجوداً، فإذا كان الشرط بالمهمّ موجوداً، كان الأمر به موجوداً بالفعل، وقد فرضنا أنَّ الأمر بالأهمّ موجودٌ أيضاً، فاجتمع الأمران في زمانٍ واحدٍ، ولا يُعقل تعلّق الطلب بالضدّين معاً، فإنَّه ممّا لا يطاق.
ولكن ظهر ممّا ذكرناه: أنَّ هذا لا يلزم منه طلب الجمع، وإن كان لا مقتضي للالتزام به. ومع الالتزام به فلا يلزم منه أيّ محذور، فإنَّ الأمر بالأهمّ يهدم هذا الموضوع. فلو أمر بالأهمّ والعقل يحكم بوجوب الامتثال، فهذا الأمر كما يهدم موضوع العصيان، كذلك يهدم العزم عليه أيضاً.
أمّا على تقدير تحقّق العزم عليه خارجاً، الملازم للعصيان خارجاً، إذ لا يعقل أن يكون العزم شرطاً مع عدم العصيان، ففي هذا الفرض: الأمر بالأهمّ
ــــــــــ[256]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
لا يقتضي شيئاً بالنسبة إلى الأضداد الأُخر، والأمر بالمهمّ اقتضاؤه بهذا القدر، وهو الإتيان بمتعلّقه حال العزم على عصيان الأهمّ، فأين طلب الجمع؟ فكيف يمكن أن يكون هنا طلب الجمع، مع فرض أنَّ المهمّ مقيّدٌ بالعزم على العصيان، فمتى أمر المولى بالأهمّ والمهمّ معاً في الخارج، مع أنَّ المهمّ مشروطٌ بالعزم على عصيان الأهمّ؟
ولعلّ هذا التوهّم نشأ من تخيّل أنَّ الشرط هو العزم على العصيان آناً ما، لأنَّه يكون من التكليف بما لا يطاق، فإنَّ المكلّف إذا عزم على العصيان آناً ما كان التكليف بالمهمّ -بما أنَّه مشروطٌ بذلك- موجوداً، ويكون شاملاً لصورة الإتيان بالأهمّ وعدم الإتيان به، والمفروض أنَّ الأهمّ موجودٌ أيضاً ومطلقٌ، فيكون هذا من طلب الجمع. وهذا صحيحٌ.
إلَّا أنَّنا ذكرنا أنَّ العصيان إذا كان شرطاً فليس هو العصيان آناً ما، حتى يكون الأمر بالمهمّ بعد ذلك باقياً وإن عدل من العصيان إلى الإطاعة، وإنَّما العصيان شرطٌ حدوثاً وبقاءً، لأنَّ شرطيّته قد استفيدت من شرطيّة القدرة، والمهمّ مقدورٌ في فرض العصيان(1).
والعزم كذلك، فإذا التزمنا بشرطيّته فكما يكون العزم على عصيان الأهمّ شرطاً في الأمر بالمهمّ حدوثاً، كذلك هو شرطٌ له بقاءً، فمتى ما رفع يده عن
ــــــــــ[257]ــــــــــ
() والشرط للقدرة على المهمّ ليس العصيان آناً مّا، بل العصيان حدوثاً وبقاءً، ففي أيّ آنٍ انتقل من العصيان إلى الإطاعة وامتثل الأهمّ كان المهمّ غير مقدورٍ فيسقط، وبهذا يتمّ ما في المتن. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
العزم على عصيان الأهمّ وعزم على الإتيان به ارتفع موضوع المهمّ، فيكون الأمر بالمهمّ مشروطاً بالعزم على العصيان حدوثاً وبقاءً، وهذا لا يكون من طلب الجمع بين الضدّين.
إلَّا أنَّه لا مقتضي للالتزام بذلك -كما ذكرنا- فإنَّ ما يكون شرطاً بحكم العقل هو العصيان، وذكرنا أنَّ العصيان ليس بمسقطٍ للتكليف، فاجتمع هنا أمران: أمرٌ بالأهمّ وهو مطلقٌ، وأمرٌ بالمهمّ وهو مشروطٌ بعصيان الأهمّ.
هذا تمام الكلام في بحث الترتّب وجوازه.
والمتحصّل ممّا سبق: أنَّ جواز الترتّب -بعد التأمّل في موضوعه وكيفيّة تعلّق الأمر بالمهمّ، وكونه متفرّعاً على اعتبار القدرة في التكليف- أمرٌ ظاهرٌ بيّنٌ، فإنَّ تصوّره بجميع جهاته ملازمٌ للتصديق به.
ــــــــــ[258]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بقي الكلام في أمورٍ:
الأمر الأوّل: أنَّ قاعدة (لا تعاد) جاريةٌ بالنسبة إلى الناسي، بلا إشكالٍ ولا كلامٍ، فإذا نسي شيئاً من شرائط الصلاة أو أجزائها أو أتى بمانعٍ نسياناً، حُكم بصحّة صلاته، ولا حاجة إلى الإعادة، فضلاً عن القضاء خارج الوقت، إلَّا في موارد مخصوصةٍ، هي الخَمس التي استثنيت في نفس الصحيحة، في قوله: “لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ إِلَّا مِنْ خَمْسَةٍ: الطَّهُورِ وَالْوَقْتِ وَالْقِبْلَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ“(1)، وغيرها من الأدلّة الخاصّة، كمن نسي القيام حال التكبير أو نسي الجلوس حاله إذا كان مكلّفاً بالجلوس، فمثل هذا يعيد صلاته، وهذه أمورٌ ثابتةٌ بالنصّ.
ففي كلّ موردٍ ثبت بنصٍّ خاصٍّ وجوب الإعادة أو القضاء، نتبع الدليل، وإلَّا فإنَّ قاعدة (لا تعاد) تكون جاريةً عليه، ومن ذلك نعلم أنَّ نقصان الصلاة
ــــــــــ[259]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 279، باب القبلة، الحديث 857، تهذيب الأحكام 2: 152، الباب 9: باب تفصيل ما تقدّم ذكره في الصلاة من المفروض والمسنون وما يجوز فيها وما لا يجوز، الحديث 55.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
لبعض الأجزاء أو الشرائط أو الإتيان بمانعٍ من الموانع نسياناً، لا يكون مبطلاً للصلاة، وهذا لا إشكال فيه.
والأمر كذلك بالنسبة إلى الجاهل القاصر -على المختار- فإنَّه إذا لم يأتِ بشيءٍ من أجزاء الواجب، وكان عدم إتيانه به مستنداً إلى جهله، وكان معذوراً في جهله، ولم يكن الواقع منجّزاً عليه، ثمَّ انكشف له بعد الانتهاء من العمل، فلا تجب الإعادة هنا بحسب القاعدة، كما لو كان المكلّف يرى -باجتهادٍ أو تقليدٍ- أنَّ السورة غير واجبةٍ في الصلاة، فصلّى عالماً عامداً من دونها، ولكنّه ترك بحجّةٍ شرعيّةٍ.
أمّا في الشرائط فكما لو بنى -اجتهاداً أو تقليداً- على جواز الصلاة فيما يشكّ في كونه مأكول اللحم، ثمَّ عدل عن فتواه -إذا كان مجتهداً- أو قلّد مجتهداً آخر يرى بطلانها. فهنا أيضاً نلتزم بجريان قاعدة «لا تعاد»، وأنَّ مثل هذا المكلّف لا يحتاج إلى الإعادة، لأنَّه كان معذوراً أثناء العمل، وبعد العمل لا تجب الإعادة، للقاعدة.
ولكنّ شيخنا الأستاذ(1) لم يرتضِ ذلك، وذكر أنَّ هذه القاعدة خاصّةٌ بالناسي، وأمّا الجاهل القاصر فغير مشمولٍ بها، والقول بعدم الإعادة والقضاء ليس على طبق القاعدة وإنَّما هو بدليلٍ آخر، وإلَّا فمقتضى القاعدة إعادة العمل إذا انكشف الخلاف، وأنَّ المأمور به لم يكن منطبقاً على ما أتى به في الخارج.
وذكر في وجه ذلك ما حاصله: أنَّ الأمر بالإعادة -بمقتضى الظهور
ــــــــــ[260]ــــــــــ
(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 319.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
العرفيّ- أمرٌ في موردٍ لا يكون الأمر فيه بنفس ذلك الشيء ثابتاً ومحقّقاً، وإلَّا فلا معنى للإعادة، بل يأمر المولى بنفس ذلك الشيء، فالأمر بالإعادة لا يكون في موردٍ مأمورٍ فيه بنفس الشيء.
ومن الظاهر: أنَّ الجاهل القاصر، وإن لم يكن الحكم الواقعيّ منجّزاً عليه في نفسه، إلَّا أنَّه مأمور به، فإنَّ التكليف مشتركٌ بين الجاهل والعالم، فهو مأمورٌ بالإتيان بنفس الواقع في صلاته، فلا يكون مشمولاً لحديث (لا تعاد)، لأنَّ ظاهر هذا الحديث أنَّ الأمر مختصٌّ بالإعادة حين لا يكون الفرد مكلّفاً بنفس الشيء كما في الناسي الذي لا يكلّف بالواقع، لأنَّه غير مقدورٍ له، فالتكليف متوجّهٌ إليه بالإعادة، لا بالإتيان بالمأمور به. أمّا الجاهل القاصر فهو مكلّفٌ بالإتيان بنفس المأمور به، فلا يكون مشمولاً للحديث.
ولكنّا ذكرنا -في محلّه(1)-: أنَّ هذا وإن كان صحيحاً بالنسبة إلى مقدارٍ من الصلاة -يعني: بالنسبة إلى زمانٍ ما- الّا أنَّه بالنسبة إلى ما بعد هذا الزمان لا يكون هناك أمرٌ -على تقدير الفساد- إلَّا بالإعادة، فيكون مشمولاً لحديث (لا تعاد) من هذا الزمان، وإن لم يكن مشمولاً له قبل ذلك.
فلو بنى على أنَّ السورة غير واجبةٍ في الصلاة -اجتهاداً أو تقليداً- فهو حين تركها غير مأمورٍ بالإعادة ولا بعدمها، وإنَّما هو مأمورٌ بالإتيان بالسورة، وحيث إنَّه جاهلٌ قاصرٌ فالأمر الواقعيّ موجودٌ، إلَّا أنَّه غير منجّزٍ، وله أن يحتاط -ولو احتياطاً استحبابيّاً- فيأتي بالسورة حال القنوت، فإنَّه مأمورٌ
ــــــــــ[261]ــــــــــ
(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 319، 320.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بالإتيان بها، ولا موضوع للإعادة ولا لعدمها، فلا يقال: أعِد أو لا تُعد، وإنَّما تعلّق الأمر بالإتيان بنفس السورة، فيقال له: اقرأ السورة. ولكنّه إذا ركع فلا محالة يكون هذا الأمر ساقطاً، إذ لا يعقل أن يؤمر بالسورة بعد الدخول في الركوع، فإذا حكمنا بصحّة صلاته فلا يجب عليه شيء، وأمّا إذا لم نحكم بصحّتها فيجب عليه الإعادة، لعدم إمكان التدارك بعد الدخول في الركن، فإذا لم يكن قابلاً للتدارك فقد سقط الأمر، لأنَّ المكلّف غير قادرٍ على الامتثال، وإنَّما يكون امتثاله بالإعادة، فيكون الحديث شاملاً له من حين الدخول في الركوع، فمن الآن يُقال له: (لا تعاد الصلاة إلَّا من خمسة) والسورة ليست منها، فتكون مشمولةً للحديث. وتمام الكلام في محلّه.
أمّا إذا كان الجاهل مقصّراً، وكان ملتفتاً -ولو بنحو العلم الإجمالي- إلى وجود أحكامٍ إلزاميّة في الشريعة، ومع ذلك ترك التعلّم، ولم يحتط -وهذا هو معنى الجاهل المقصّر- فالمعروف المشهور(1) أنَّ حديث (لا تعاد)(2) غير شاملٍ له، بل ادّعي على ذلك الإجماع(3). ونحن وإن كنّا لا نعتمد على الإجماعات المنقولة في هذه الموارد، إلَّا أنَّ الصحيح هو ما ذهبوا إليه.
وذلك أنَّ أكثر الروايات الواردة في الأجزاء والشرائط جاءت بعنوان
ــــــــــ[262]ــــــــــ
(1) انظر: منهاج الأصول 4: 321.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 279، باب القبلة، الحديث 857، تهذيب الأحكام 2: 152، الباب 9: باب تفصيل ما تقدّم ذكره في الصلاة من المفروض والمسنون وما يجوز فيها وما لا يجوز، الحديث 55.
(3) انظر: مجمع الأفكار ومطرح الأنظار 3: 585.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الإعادة، بمعنى: أنَّ الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة استفيدت من الأمر بالإعادة، ولا يمكن حملها على العالم العامد، كما في قوله: “مَنْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ أَعَادَ“(1)، فهل يمكن حملها على من تكلّم عامداً عالماً بمبطليّة التكلّم، فإنَّ هذا لا يحتاج إلى سؤالٍ، وهو أمرٌ واضحٌ، فإنَّ مَن تكلّم عمداً يعيد الصلاة.
ولا يمكن تخصيص هذه الروايات -التي دلّت على وجوب إعادة الصلاة لأجل ترك جزءٍ أو شرطٍ أو الإتيان بمانعٍ كالتكلّم- بالعالم العامد، فلا بُدَّ من فرض أنَّ هذه الروايات واردةٌ في الجاهل المقصّر -كما هو الغالب- وهو الذي لا يعتني بالعلم الإجمالي، بل إنَّ نفس الاحتمال والشبهة الحكميّة تكون منجّزةً عليه قبل الفحص. فهذه الروايات تدلّنا على وجوب الإعادة والقضاء بالنسبة إلى الجاهل المقصّر.
فهذه الدعوى صحيحةٌ من جهة الروايات، لا من جهة الإجماع.
إذن، لا تجري قاعدة (لا تعاد) في الجاهل المقصّر. وهذا الحكم ممّا تسالم عليه الفقهاء.
غير أنَّ الأعلام قد استثنوا من هذه الكبرى -وهي عدم عذر الجاهل المقصّر- موردين:
أ. الجهر في موضع الإخفات والإخفات في موضع الجهر.
ب. والإتمام في موضع القصر والقصر في موضع الإتمام.
ــــــــــ[263]ــــــــــ
(1) دعائم الإسلام 1: 172.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فقالوا: إنَّ المكلّف لو أتمّ في مورد القصر أو جهر في مورد الإخفات أو بالعكس، فلا تجب عليه الإعادة، بمقتضى النصّ الصريح الصحيح الوارد في المقام، وهذا ممّا لا إشكال فيه.
وهناك موردٌ ثالثٌ ذهب إليه جماعةٌ من الفقهاء(1)، وهو صحيحٌ ويكون ملحقاً بالموردين، وهو ما إذا قصّر في صلاته في موضع الإتمام، فإذا كان قاصداً الإقامة عشرة أيّام، وهو لا يدري بوجوب الإتمام عليه، وتخيّل أنَّ حكم القصر باقٍ، فقصّر في موضع الإتمام، فهذا لا يحتاج إلى الإعادة،
بمقتضى النصّ الصريح(2)، وإن لم يلتزم المشهور به.
يقع الكلام في إمكان هذا الجعل، وكيف يمكن الحكم بالصحّة مع الحكم باستحقاق العقاب، كما هو مقتضى كون الجهل عن تقصيرٍ، فإنَّ معنى ذلك أنَّ الواقع منجّزٌ عليه، فيعاقَب على مخالفته، وقد ذكرنا أنَّ العمل صحيحٌ ولا يحتاج إلى الإعادة، فكيف يمكن الجمع بين هذين الأمرين؟ فالحكم بالصحّة وعدم الأمر بالإعادة والوقت باقٍ، والحكم باستحقاق العقاب على مخالفة الواقع، لا يجتمعان.
ومن هنا تصدّى جماعة لتصوير إمكان الجمع بين هذين الحكمين.
ــــــــــ[264]ــــــــــ
(1) انظر: العروة الوثقى 2: 162.
(2) تهذيب الأحكام 3: 221، 222 الباب 23: باب الصلاة في السفر، الحديث 61، وسائل الشيعة 8: 499، الباب 15: باب أنَّ المسافر إذا نوى الإقامة عشرة أيام وجب عليه الإتمام في الصلاة والصيام، الحديث 4.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فمن ذلك ما عن الشيخ الكبير كاشف الغطاء حيث التزم بالترتّب(1)، وأنَّ الأمر متعدّدٌ ابتداءً، والمكلّف مأمورٌ بالصلاة تماماً -مثلاً- ولكنّه حينما يعصي هذا الحكم -والمفروض أنَّ الجهل عن تقصيرٍ- يؤمر بالصلاة قصراً، فيكون الحكم بالصحّة من جهة أنَّه مأمورٌ بالقصر المترتّب على العصيان، والعقاب على تفويت الواجب الأوّل، وهو التمام.
وكذلك إذا قصّر في مورد التمام -على القول به- في مورد نيّة إقامة عشرة أيّامٍ، فأيضاً يلتزم بالترتّب، فيكون الواجب الفعليّ عليه هو التمام، وإذا عصى وجب عليه القصر، فالحكم بالصحّة لأجل وجوب القصر عليه عند العصيان، والحكم باستحقاق العقاب لأجل مخالفة الحكم الأوّليّ بالتمام.
وكذا الحال في مورد الجهر والإخفات. إذن يندفع الإشكال، ولا تكون هناك أيّةُ منافاةٍ بين الالتزام بصحّة ما أتى به من جهة أنَّه مأمورٌ به، وبين استحقاقه العقاب على تركه الواقع. فيجتمع الأمران.
ــــــــــ[265]ــــــــــ
() كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرّاء 1: 171.
9/شعبان/ 1384
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ذكر في جوابه ما حاصله: أنَّ الترتّب غير معقولٍ(1)، إذ لا يمكن أن يكون الأمر متوجّهاً إلى الضدّين بنحوٍ يكون أحدهما واجباً عند عصيان الآخر.
أما شيخنا الأستاذ(2)، فإنَّه وإن وافق شيخنا الأنصاريّ في عدم جريان الترتّب في خصوص المقام -على ما نبيّن- إلَّا أنَّه أشكل عليه بأنَّه ملتزمٌ بالترتّب في مورد آخر، ولكن بواقع الترتّب لا بعنوانه، وهذا المورد -كما ذكره– هو باب التعادل والتراجيح على القول بالسببيّة(3)، فإنَّه حين تعرّض لما تقتضيه القاعدة في المتعارضين، وأنَّها تقتضي التوقّف أو التخيير أو غيرهما، التزم بأنَّ القاعدة هي التساقط على القول بالطريقيّة، ولكنّه لم يلتزم بالتساقط على القول بالسبّبيّة، والتزم بوجوب العمل بكلٍّ منهما حال ترك الآخر. وذكر في بيان ذلك نفس ما ذكرناه في بحث الترتّب -أي: إنَّ الدليل نفس الدليل- حيث ذكر إنَّ التكاليف مشروطةٌ بالقدرة، فإذا كان المأمور به شيئاً واحداً فإنَّ الأمر به يكون فعليّاً إذا كان مقدوراً بلا مانعٍ عقليٍّ أو شرعيٍّ. أمّا إذا كان هناك مانعٌ من امتثاله فيسقط للعجز. وأمّا إذا فُرض أنَّ المأمور به اثنان، كلٌّ منهما واجبٌ في نفسه لو كان وحده، إلَّا أنَّه اجتمع مع الآخر، ولا
ــــــــــ[266]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار: 56، 57.
(2) انظر: أجود التقريرات 1: 287.
(3) انظر: فرائد الأصول 4: 37، 38.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
يتمكّن المكلّف من الجمع بينهما، فإنَّهما متضادّان خارجاً.
فلو فرضنا أنَّهما متساويان في المرتبة -وإن لم يذكر الشيخ في عبارته ذلك، إلَّا أنَّ كلامه في ما إذا كان وجوب هذا ووجوب ذاك من حيث الملاك متساويين، وليس في أحدهما مزيّةٌ على الآخر، فمورد كلامه هو القول بالسببيّة، وأنَّ كل أمارة تحدث مصلحةً في متعلّقها، ومن المعلوم أنَّه لا ترجيح لأمارةٍ على أمارةٍ أُخرى في المصلحة، فإنَّ امتثال كلٍّ منهما من باب تطبيق العمل على قول العادل الثقة مثلاً- ولم يتمكّن المكلّف من الجمع بينهما، فلا موجب لسقوط كلا التكليفين. والمفروض أنَّه قادرٌ على الإتيان بأحدهما، وإن كان عاجزاً عن الجمع بينهما، وحينئذٍ لا يتعيّن أحدهما بالسقوط، لعدم الترجيح، فيسقط إطلاق كلٍّ منهما، فيأتي المكلّف بهذا على تقدير ترك الآخر، ويأتي بالآخر على تقدير ترك هذا، لأنَّ الإتيان بكلٍّ منهما حين ترك الآخر مقدورٌ، فلا موجب لسقوط التكليف حينئذٍ، لأنَّ المسقط للتكليف هو العجز، والمكلّف عاجزٌ عن الجمع، فيسقط. أمّا الأمر بكلٍّ منهما حال ترك الآخر فهو أمرٌ ممكنٌ، لأنَّ الفعل مقدورٌ، فيشمله دليل الوجوب، ولا موجب لسقوطه.
فالمتحصّل من كلام الشيخ: التزامه بالترتّب من الجانبين، بمعنى: أنَّ هذا الحكم مشروطٌ بترك الآخر، والآخر مشروطٌ بترك الأوّل. فكيف أمكن الترتّب من الجانبين، ولم يمكن من جانبٍ واحدٍ، ومحلّ بحثنا هو الترتّب من جانبٍ واحدٍ، بأن يكون الأمر بالأهمّ فعليّاً، ولكنّ الأمر بالمهمّ مشروطٌ بعدم الإتيان بالأهمّ، فالتكليف بالمهمّ مشروطٌ بترك الأهمّ. فكيف أمكن الأوّل، وهو وجود حكمين فعلييّن يكون كلٌّ منهما مشروطاً بعدم الآخر، ولم يلزم منه
ــــــــــ[267]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
طلب الجمع، كما سلّمه، ولم يمكن الثاني وهو طلب المهمّ حال عصيان الأهمّ، مع أنَّ هذا من طرفٍ واحدٍ وذاك من طرفين؟
وسيأتي في باب التزاحم: أنَّ الثابت في موارده هو الالتزام بذلك، لعدم الترجيح، فإذا كان الواجبان متزاحمين وكان أحدهما أهمّ، يبقى على إطلاقه، ويكون مقدوراً شرعاً وعقلاً. أمّا المهمّ فلا يكون مقدوراً عند امتثال الأهمّ، فيسقط وجوبه لا محالة للعجز، وعند عصيان الأهمّ يكون مقدوراً، فيبقى على وجوبه.
أمّا لو كان الواجبان متساويين، فلا يبقى أي منهما على إطلاقه، إذ لا مرجّح في البين، فيسقط الإطلاقان معاً، ويكون كلٌّ منهما مشروطاً بعدم الآخر، فيكون الترتّب من الجانبين.
هذا حكمٌ على القاعدة، ومن موارده القول بالسببيّة، فلو التزمنا بأنَّ كلّ أمارةٍ تحدث مصلحةً في متعلّقها لكان من موارد التزاحم، فيجري فيه ما ذكرناه.
فما أفاده من أنَّ ما ذكره الشيخ هو التزامٌ بالترتّب، لا بعنوانه بل بلفظٍ آخر، صحيحٌ.
ثمَّ أجاب(1) عمّا ذكره الشيخ كاشف الغطاء: بأنَّ الترتّب وإن كان صحيحاً -كما ذكرناه- وهو مقتضى القاعدة، حيث قلنا بأنَّ إمكانه يساوق وقوعه، إلَّا أنَّ هذا المورد في القصر والإتمام والجهر والإخفات لا يكون من موارد الترتّب. وذكر في ذلك وجوهاً:
ــــــــــ[268]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 310، 311.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
إنَّ الترتّب إنَّما يكون فيما إذا كان التضادّ اتفاقيّاً، بمعنى: أنَّ جعل كلّ من الحكمين على الموضوع المقدّر وجوده وهو القادر أمرٌ ممكن ولا ينافي الجعل الآخر كذلك، كما في موارد التزاحم، فإنَّ جعل وجوب الإزالة على القادرين وجعل وجوب الصلاة على القادرين أمرٌ ممكن، وليس هناك تنافٍ بين التكليفين أصلاً، فقد تجب الإزالة ولا تجب الصلاة، وقد تجب الصلاة من دون أن تجب الإزالة، وقد يتّفق أن يجتمع الحكم بوجوب الإزالة مع وجوب الصلاة في ضيق الوقت أو في سعته، فالتضادّ أمرٌ اتّفاقيٌّ، وإلَّا فقد يقدر على الإزالة والصلاة كما في أيّامنا هذه، مع وجود آلات سحب الماء، فإنَّها تمكّن المكلّف من إزالة النجاسة عن المسجد أثناء الصلاة بلا منافاةٍ بينهما.
فهذا هو مورد التزاحم، وهو أن لا يكون هناك أيُّ مانعٍ من جعل الحكمين، ولكن يتّفق أنَّ المكلّف في مرحلة الامتثال لا يقدر على الجمع بين الامتثالين، فيقع التزاحم، فنلتزم بالترتّب.
أمّا إذا كان التضادّ دائميّاً فلا يجتمع الأمران دائماً، لا أنَّهما يجتمعان في موردٍ ولا يجتمعان في موردٍ آخر، وذلك كاستقبال القبلة واستدبارها، فلو ورد الأمر باستقبالها في مورد وورد الأمر باستدبارها في ذلك المورد، لكانا من المتعارضين، إذ لا يتمكّن أحدٌ من الامتثال والجمع بين الأمرين. وكما لو ورد أمرٌ في روايةٍ بالقيام في آنٍ ووردت روايةٌ أخرى تأمر بالجلوس في ذلك الآن، والقيام والجلوس لا يمكن اجتماعهما في آنٍ واحدٍ، فالجعل بنفسه غير معقولٍ،
ــــــــــ[269]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
إذ لا يوجد موردٌ يتمكّن المكلّف به من الامتثال.
فإذا كان التضادّ دائميّاً، كان جعل الحكمين غير معقولٍ، إذ لا يمكن أن يأمر المولى بضدٍّ ثمَّ يأمر بضدّه الآخر، ويكون كلا الحكمين مطلقين لجميع المكلّفين، فإنَّ المجعول إمّا أحدهما تعيينّاً أو أحدهما تخييراً، فيكون الواجب هو عنوان أحدهما القابل للانطباق على هذا وعلى ذاك.
ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّ الجهر والإخفات، والقصر والتمام، لا يجتمعان في أيّ موردٍ فرضناه، فإنَّ الصلاة إمّا أن تكون جهريّة وإمّا أن تكون إخفاتيّةً، كما لا يمكن الجمع بين الإتمام والقصر في صلاةٍ واحدةٍ، فإذا كانا متضادّين دائماً، فالتضادّ الدائميّ لا يكون من موارد التزاحم، بل يكون مورداً للتعارض، فلو دلّ دليلٌ على وجوب الجهر ودلّ دليلٌ على وجوب الإخفات كانا متعارضين. وهذا خارجٌ عن محلّ الكلام.
أمّا ما ذكره من أنَّ موارد التضادّ الدائميّ لا تكون مورداً للتزاحم، بل تكون مورداً للتعارض، فالأمر كما ذكر.
فإذا دلّ دليلٌ على وجوب شيءٍ في موردٍ ودلّ آخر على وجوب ضدّه في ذلك المورد، كما لو دلّ دليلٌ على وجوب استقبال القبلة في وقتٍ ودلّ آخر على وجوب استدبارها في نفس الوقت، فحينئذٍ لا يمكن الحكم بصحّة كلا الأمرين، وثبوت كلا الحكمين في الشريعة المقدّسة، فلا بُدَّ من أن يكون الثابت أحدهما، فينتهي الأمر إلى التعارض.
فإمّا أن يجمع بينهما جمعاً دلاليّاً، فيرفع اليد عن إطلاق كلٍّ منهما الظاهر
ــــــــــ[270]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بالوجوب التعيينيّ، والوجوب التعيينيّ إنَّما ثبت بإطلاق الدليل، وإلَّا فإنَّه ليس جزءاً من المعنى وجزءاً من الموضوع له كما سبق أن ذكرنا في مبحث الأوامر، إذ قلنا: إنَّما يستفاد التعيين من الدليل الدالّ على الوجوب بالإطلاق، حيث إنَّه لم يقيّد وجوبه بعدم الإتيان بالآخر، فهو واجبٌ، سواءٌ أتى بالآخر أم لم يأتِ به، فالوجوب تعيينيٌّ بمقتضى الإطلاق، وكذلك الوجوب في الآخر. وعليه، فلا يمكن جعل حكمين لهما معاً، فإنَّه غير معقولٍ، فنرفع اليد عن إطلاق الدليلين، ويثبت الوجوب التخييريّ، ونتيجة ذلك: أنَّ الواجب هو أحدهما. وهذا ما يسمّى بالجمع الدلاليّ، وهو الصحيح.
وإذا لم يمكن ذلك، وعلمنا من الخارج أنَّ الوجوب ليس بتخييريٍّ وأنَّه وجوبٌ تعيينيٌّ، أو قلنا بأنَّ هذا ليس جمعاً عرفيّاً كما ذكره بعضهم، فحينئذٍ لا بُدَّ من الرجوع إلى المرجّحات لأحد الدليلين على الآخر، فيؤخذ به ويطرح الآخر.
فالباب باب التعارض كما ذكره فإنَّ التضادّ إذا كان دائميّاً لم يمكن جعل حكمين تعيينيّين بالإضافة إلى الضدّين معاً، وحينئذٍ يكون داخلاً في باب التعارض، فإمّا أن يجمع بينهما جمعاً دلاليّاً أو أن يرجع إلى المرجّحات السنديّة.
ثُمَّ إنَّ القول بأنَّ الترتّب لا يجري في باب التعارض أصلاً وأنَّه منحصرٌ في باب التزاحم، ممّا لا يمكن المساعدة عليه، إذ لا مانع من الالتزام بالترتّب في باب التعارض، كما التزمنا به في باب التزاحم، فإنَّهما من بابٍ واحدٍ. وهذا ظاهر، فإنَّ نتيجة الأمرين أن يكون أحدهما مطلقاً والآخر مقيّداً بعدم الأوّل،
ــــــــــ[271]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فإمّا أن يكون هذا مستلزماً لطلب الجمع بين الضدّين، وهذا كما أنَّه غير معقولٍ في باب التعارض فهو غير معقولٍ في باب التزاحم أيضاً، لأنَّه من طلب المحال، وإن كان المكلّف باختياره أوقع نفسه في محذور طلب الجمع، إلَّا أنَّ هذا الطلب بنفسه محالٌ، ولا يصدر من الحكيم، وإن كان يمكن للمكلّف التخّلص منه بالإتيان بالأهمّ.
وأمّا إذا لم يكن الأمر بالضدّين -على نحو الترتّب- مستلزماً لطلب الجمع بين الضدّين كما ذكرنا، بل كان كلٌّ من الضدّين متعلّقاً بشيءٍ مقدورٍ في ظرفه، أحدهما وجوبه مطلقٌ والمكلّف قادرٌ عليه، والثاني مقدورٌ حين ترك هذا الواجب، فلا مانع من الأمر به مقيّداً بترك المأمور به الأوّل، فهذا أمرٌ ممكنٌ. فملاك الإمكان كما هو ثابتٌ في باب التزاحم، كذلك ثابت في باب التعارض. وعليه، نلتزم بالترتّب في باب التعارض أيضاً، فما دلّنا على الجواز في باب التزاحم يدلّنا عليه في باب التعارض.
نعم، هناك فرقٌ بين الترتّب في باب التزاحم والترتّب في باب التعارض، فإنَّه في باب التزاحم على طبق القاعدة، ولذلك ذكرنا أنَّ إمكانه مساوقٌ لوقوعه، حيث إنَّ الأمر تعلّق بكلٍّ منهما مشروطاً بالقدرة، وأحدهما المطلق مقدورٌ على الفرض، والثاني مقدورٌ في حال ترك الأوّل، فلا مانع من فعليّة الأمرين، فالترتّب إذن على طبق القاعدة، ولا يحتاج إلى دليلٍ على وقوعه بعد عدم لزوم طلب الجمع.
أمّا في باب التعارض، فليس الأمر كذلك، فإنَّ الكلام هنا في المجعول، وهل
ــــــــــ[272]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
هو حكمٌ واحدٌ أو حكمان: أحدهما مطلقٌ والآخر مقيّدٌ بعدم الإتيان بالأول؟ فلا بُدَّ هنا من قيام الدليل على الترتّب، فمجرّد إمكان جعل حكمين على هذا النحو غير كافٍ، فإنَّ الشكّ في أصل الجعل، ومعه نحتاج إلى دليلٍ يدلّ عليه.
أمّا في باب التزاحم فلم يكن الشكّ في أصل الجعل، فإنَّنا نعلم بوجود الجعلين وأنَّ موضوعهما هو القادر، ولذا التزمنا بأنَّه لا موجب لرفع اليد عن دليل المهمّ رأساً، وإنَّما نرفع اليد عنه عند الإتيان بالأهمّ، فإنَّه حينئذٍ لا يكون مقدوراً، وفي غير ذلك الحين يكون مقدوراً، فيشمله الدليل.
وأمّا في مرحلة الجعل فمن أين لنا هذا الدليل، إذ لا بُدَّ من إثبات أنَّ الحكم الثاني أيضاً مجعولٌ، وإن كان جعله مشروطاً بعدم امتثال الأوّل، فمجرّد الإمكان غير كافٍ، ولا بُدَّ من دليلٍ عليه.
والمفروض أنَّ الدليل وافٍ وكافٍ، فإنَّ صحيحة زرارة دلّت على صحّة الصلاة عند جهل وجوب الجهر أو الإخفات أو القصر أو التمام، فمن جهة الدليل لا إشكال فيه. إنَّما الكلام في تصوير صحّة الصلاة مع استحقاق العقاب على ترك الواقع عند الجهل تقصيراً، وإذا كان الترتّب في المقام ممكناً فهذا الدليل وافٍ به، فلماذا لا نلتزم به؟
إذن، لا مانع ممّا ذكره الشيخ الكبير كاشف الغطاء، بأن نلتزم بحكمين، فتكون الصلاة قصراً مأموراً بها، والتمام أيضاً مأموراً بها، لكن لا مطلقاً، بل مشروط بعدم الإتيان بالقصر.
نعم، بين هذا الترتّب والترتّب المتقدّم في باب التزاحم فرقٌ من جهة أخرى -بعد تماميّة الدليل إثباتاً على وقوعه- ففي الترتّب في موارد التزاحم
ــــــــــ[273]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
-كما ذكرناه- كان الأمر الثاني -أي: المهمّ- مشروطاً بعصيان الأهمّ، فمع العلم بوجوب الأهمّ لا مانع من الإتيان بالمهمّ، فإنَّه يعلم أنَّ وظيفته الفعليّة هي الإزالة ومع ذلك يعصي عالماً عامداً ويصلّي، فالحكم بصحّتها -هاهنا- لا مانع منه، لأنَّها مأمورٌ بها.
لكن في هذا الحال لا يمكن الحكم بصحّتها تماماً إذا كان عالماً بوجوبها قصراً، فيحكم ببطلان صلاته حينئذٍ، ولا نلتزم بالترتّب، لأنَّ الحكم بالصحّة غير ممكنٍ بالنسبة إلى العالم، لعدم الدليل عليه، وإنَّما دلّ الدليل على الصحّة في فرض الجهل فقط.
فنلتزم بالترتّب هنا في خصوص الجاهل بطريق اولى، فيكون موضوع وجوب التمام هو مَن ترك القصر جهلاً، لا مَن تركها عالماً عامداً، وكذا الحال في موضوع الجهر والإخفات، وموضوع التمام في موضوع القصر في المقيم عشرة أيّام.
وهذا الفرق يرجع إلى الفرق الأوّل، فإنَّ الدليل هنا دلّ على وقوع الترتب وقد دلّ على خصوص الجاهل، والزائد على ذلك لم يدلّ دليلٌ على صحّته، ولذلك لا نلتزم بالترتّب بالنسبة إلى العالم، فيختصّ بالجاهل فقط.
ذكر(1) أنَّ الترتّب مبنيٌّ على أساس أنَّ الضدّ يكون مقدوراً عند ترك الضدّ الآخر، ليكون التكليف به تكليفاً بأمرٍ مقدور، فيشمله إطلاق الدليل، فيثبت الحكم للضدّ الآخر عند عدم الإتيان بالضدّ الأوّل، وهذا هو مقتضى
ــــــــــ[274]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 311.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
اعتبار القدرة في متعلّق التكليف بالبيان المتقدّم. فلا بُدَّ إذن من فرض كون الضدّ مقدوراً مع فرض ترك الآخر، فلو لم يكن مقدوراً عندئذٍ فلا يمكن أن يتعلّق به الأمر.
وعلى هذا يترتّب: أنَّ الترتّب إنَّما يتصوّر في الضدّين اللذين لهما ثالث، كالصلاة والإزالة، فإنَّ المكلّف يمكنه أن لا يصلّي وأن لا يزيل، وهذه هي موارد الترتّب، فإذا كان مأموراً بأحدهما أمكن الأمر بالآخر، إذ يمكنه أن يأتي بالضدّ الأوّل، وعند عدم الإتيان به يكون قادراً على الإتيان بالضدّ الثاني، فلا مانع من الأمر به في هذه الحال.
وأمّا في الضدّين اللذين ليس لهما ثالثٌ، كالحركة والسكون، فلا يمكن الالتزام بالترتّب هاهنا، بأن يؤمر بالحركة ويؤمر بالسكون على تقدير عدم الحركة، لأنَّ السكون على تقدير عدم الحركة يكون ضروريّاً، وليس هذا إلَّا من طلب ما هو مفروض الوجود في الخارج، وهو ممّا لا معنى له. فما معنى الأمر بالحركة على تقدير عدم السكون؟ هذا غير معقولٍ، فعلى تقدير عدم أحدهما يكون الضدّ الآخر ضروريَّ الوجود.
والحال في مثل هذين الضدّين كالحال في النقيضين، حيث لا يمكن طلب أحدهما على تقدير عدم الآخر، فلا يمكن أنَّ نقول: إذا لم يكن عدمٌ فأوجد، أو: إذا لم يكن وجودٌ فاترك، فإنَّ العمل متروكٌ بالضرورة إذا لم يكن هناك وجودٌ، فحال الضدّين اللذين ليس لهما ثالثٌ حال النقيضين، فإنَّ أحدهما يكون ضروريّاً عند عدم الآخر، وما فُرض وجوده يستحيل طلب عدمه، كما أنَّ ما
ــــــــــ[275]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فُرض عدمه يستحيل طلب وجوده.
والأمر لا يتعلّق بما هو مفروض الوجود أو مفروض العدم، إذ لا يعقل أن يكون الموجود موجوداً ثانياً، أو أن يكون مفروض العدم موجوداً.
والأمر كذلك في مسألتنا -في الجهر والإخفات والقصر والتمام- لأنَّهما ليس بينهما ثالثٌ، فالقراءة إمّا أن تكون جهريّة، أو تكون إخفاتيّةً(1) ولا ثالث، فلا يمكن الأمر بالجهر، وعلى تقدير عدم الجهر يؤمر بالإخفات، إذ على تقدير عدم الجهر يكون الإخفات موجوداً لا محالة. وكذلك بالعكس.
والصلاة أيضاً لا تخلو من القصر والتمام، فإذا لم تكن مقصورةً فهي لا محالة تامّةٌ، وليس هناك ثالثٌ بينهما، فيكونان من الضدّين اللذين ليس لهما ثالثٌ.
وعليه، فلا يمكن الالتزام بالترتّب في هذه المسألة، وإن بنينا على جريانه في مرحلة الجعل أيضاً.
لو سلّمنا ما تقدّم، فإنَّه إنَّما يسلَّم في الجهر والإخفات، حيث إنَّ القراءة لا تخلو من أحد هذين الأمرين، فإنَّها إمّا أن تكون جهريّةً وإمّا أن تكون إخفاتيّةً.
وأمّا بالنسبة إلى الصلاة، فمن الواضح أنَّ الأمر ليس كذلك، لأنَّ الصلاة لا تنحصر بالقصر والتمام، فإنَّ بينهما واسطةً، إذ يمكن للمكلّف أن يصلّي
ــــــــــ[276]ــــــــــ
() هذا إذا أعطينا للجهر والإخفات معنىً محدّداً، وإلَّا فيمكن أن يقال: بأنَّ درجةً معيّنةً من الصوت لا تسمّى -عرفاً- جهراً ولا إخفاتاً، فلا يكون من الضدّين اللذين ليس لهما ثالثٌ، فيمكن الحكم بالترتّب حينئذٍ. (المقرر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ثلاث ركعاتٍ، فلا تكون الصلاة قصراً ولا تماماً(1). فلا مانع من الأمر بالصلاة قصراً، وعلى تقدير أنَّ المكلّف لم يسلّم في الثانية -وهو معنى القصر- فيجب عليه أن يسلّم في الرابعة، وليس له أن يسلّم في الثالثة -مثلاً- فهذا أمرٌ ممكن.
فيكون هذا من موارد الضدّين اللذين لهما ثالث، ولذلك التزمنا بالتخيير في جملةٍ من الموارد، وهي المواضع الأربعة، حيث يكون المأمور به أحدهما، فإذا سلّم في الثانية صحّ، فإذا تجاوز التسليم في الثانية فعليه أن يسلّم في الرابعة، وإذا سلّم في الركعة الثالثة بطل. فيمكن أن يكون كلٌّ من القصر والإتمام واجباً تعيينيّاً، بأن يكون أحدهما هو الواجب أوّلاً، وعلى تقدير عدمه يكون الثاني واجباً، فهذا الإشكال لو تمّ فإنَّما يتمّ في الجهر والإخفات، فإنَّهما ليس لهما ثالث، لا في القصر والإتمام.
والصحيح: أنَّه غير تامٍّ، لا في هذا ولا في ذاك.
الوجه في ذلك: أنَّ الترتّب ليس بين وصفي الإتمام والقصر، بأن تكون الصلاة مفروضة الوجود ويكون الأمر متعلّقاً بالتقصير، وعلى تقدير عدمه يتعلّق بالإتمام، فالأمر ليس كذلك. وكذا في القراءة، إذ لم يتعلّق الأمر بالجهر وعلى تقدير عدمه يؤمر بالإخفات. فالقائل بالترتّب لا يدّعي هذا، بل يدّعي
ــــــــــ[277]ــــــــــ
() التضادّ هنا وإن كان غير موجودٍ تكويناً، إلَّا أنَّ الصلاة -وهي موضوعٌ شرعيٌّ- ليس لها إلَّا هاتان الحالتان: القصر والإتمام، ولا ثالث لها شرعاً، فلا يمكن الحكم بالترتّب
-إذا تمّ دليل المحقّق النائيني في ذلك- على نحو ما إذا قال: إذا لم تصم فافطر، فإنَّ هذا غير ممكن؛ لأنَّ حالة المكلّف شرعاً لا تخلو من أحدهما، وإن كان تكويناً يقدر على شيءٍ آخر، وهو الإمساك بدون نيّة، فكذلك في الصلاة. (المقرر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
أنَّ الأمر تعلّق بالقراءة الجهريّة ثمَّ بالقراءة الإخفاتيّة: اقرأ جهراً وعلى تقدير عدم قراءتك جهراً فاقرأ اخفاتاً، مع أنَّ بين القراءتين ثالثٌ، وهو أن لا يقرأ: لا جهراً ولا إخفاتاً، فإنَّ ما هو جزءٌ من الصلاة هو القراءة لا الجهر، فالجهر صفةٌ للقراءة -والإخفات كذلك- والمأمور به هو الموصوف لا الصفة وحدها، فالفاتحة هي جزءٌ من الصلاة، ولكن حصّةٌ خاصّةٌ منها، وهي القراءة الجهريّة، فأيّ مانعٍ من الأمر بها؟ وعلى تقدير عدمها يؤمر بالإخفات، مع أنَّ بينهما ثالثٌ، وهو أن لا يقرأ، أو يقرأ سورةً أُخرى من القرآن أو يدعو الله أو يسبّح. فهذا ليس من الضدّين اللذين ليس لهما ثالث.
نعم، الجهر والإخفات ليس بينهما ثالثٌ، إلَّا أنَّ القراءة الجهريّة والقراءة الإخفاتيّة ليست كذلك، والمأمور به هو القراءة، فيمكن أن يؤمر بالقراءة جهراً وإلَّا فإخفاتاً، وبالعكس. وفي الصلاة كذلك، فالأمر متعلّقٌ بالصلاة لا بالإتمام، ولا بالتقصير، فيمكن أن يُقال: صلِّ قصراً وإلَّا فصلِّ تماماً، وبين هاتين الصلاتين واسطةٌ، وهي أن يشتغل بأمرٍ آخر، فالتقصير والإتمام ليسا من الضدّين اللذين ليس لهما ثالثٌ.
وشيخنا الأستاذ كأنَّه فرض الكلام في نفس صفة الإتمام والتقصير، بعد فرض الصلاة خارجاً، فكأنَّ المولى قال: إذا صليّت فقصّر وإلَّا فأتم، أو: إذا قرأت فاجهر وإلَّا فأخفت. ومن المعلوم أنَّه بعد فرض القراءة لا بُدَّ من أن يكون أحدهما موجوداً، ولكنّ الأمر لم يتعلّق بالإخفات والجهر، بل بالقراءة الجهريّة والإخفاتية، وكذلك في القصر والتمام.
إذن، لا مانع من الالتزام بالترتّب، بأن يؤمر بالقراءة الجهرية وإلَّا
ــــــــــ[278]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فبالقراءة الإخفاتيّة أو بالعكس، وكذا الحال في القصر والتمام.
والسّر في هذه الموارد هو: أنَّ الأمر النفسيّ إنَّما تعلّق بمجموع هذه الأجزاء والشرائط، ولم يتعلّق بكلِّ جزءٍ وشرطٍ بخصوصه، ففي الجهر والإخفات: يطلب المولى الإتيان بالصلاة المشتملة على القراءة الجهريّة، فإذا لم يأتِ بها أتى بالقراءة الإخفاتيّة، وكذا الحال في القصر والتمام. فلا إشكال في الالتزام بالترتّب هنا.
أورد(1) على كاشف الغطاء: بأنَّ هذا ليس من موارد الترتّب، فإنَّ الالتزام بالترتّب إنَّما يُعقل في الموارد التي يكون التكليف الواقعيّ فيها منجّزاً على المكلّف، على أن يكون العصيان متحقّقاً في الخارج ومُحرزاً. فإذا لم يتحقّق عصيانٌ في الخارج أو تحقّق -العصيان- ولكن المكلّف لم يكن محرزاً له، فلا يمكن أن يأمر المولى بأمرٍ ثانٍ. فإذا تحقّقت هذه الأمور الثلاثة أمكن الالتزام بالترتّب، ويكون الأمر موجّهاً إلى أحد المتعلّقين أوّلاً، وعلى تقدير عصيانه يأمر المولى بالآخر.
وبيان ذلك:
أوّلاً: أن يكون الحكم الواقعي منجّزاً: كلّ حكمٍ مجعولٍ في الشريعة أو غيرها من الأحكام الصادرة عن عاقلٍ إنَّما يكون منجّزاً وقابلاً لاستحقاق
ــــــــــ[279]ــــــــــ
(1)انظر: أجود التقريرات 1: 311 – 313.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
العقاب على مخالفته فيما إذا أمكن امتثاله في الخارج، فإذا أمكن ذلك كان قابلاً للجعل، وكلّ حكم غير قابل للامتثال في الخارج لا يكون قابلاً للجعل.
ومن هنا قلنا في مبحث البراءة والاشتغال: إنَّ الحكم لا يمكن أن يُجعل على الناسي بعنوانه، فيقال: (أيّها الناسي افعل كذا)، لأنَّ مثل هذا الحكم لا يمكن أن يكون واصلاً إلى المكلّف وداعياً له إلى العمل في الخارج، إذ لو التفت إلى أنَّه ناسٍ انقلب الموضوع، فلا يكون ناسياً. أمّا إذا لم يلتفت وبقي ناسياً، فحينئذٍ لا يمكن أن يكون الحكم محرّكاً له.
الوجه في ذلك: أنَّ الحكم لا يمكن أن يكون قابلاً للدعوة وباعثاً للمكلّف إلى الامتثال إلَّا بوصول الكبرى المجعولة ووصول الصغرى، ففي مقام الامتثال لا بُدَّ من ضمّ صغرى إلى كبرى ليتمكّن المكلّف من الانبعاث، ويكون الحكم باعثاً له على الامتثال.
فلو فرضنا أنَّه جاهلٌ بالكبرى، ولا يدري أنَّ الخمر حرامٌ فحينئذٍ لا يمكن أن تكون حرمة الخمر المجعولة في الشريعة زاجرةً له عن ارتكاب العمل، فإنَّ النهي إذا لم يصلْ لم يكن قابلاً للزاجريّة، كما أنَّ الأمر إذا لم يصل لم يكن قابلاً للباعثيّة.
وكذا فيما لو لم تصلْ الصغرى، كما لو علم أنَّ الخمر حرام، ولكنّه لم يعلم أنَّ هذا المائع الخارجيّ خمرٌ، فالكبرى الكلّيّة بحرمة الخمر لا يمكن أن تكون محرّكةً له وزاجرةً له، لأنَّه لم يعلم حرمة هذا المائع، فالكبرى بالحرمة لا تكفي في المحرّكيّة والزاجريّة إذا لم يعلم بالانطباق.
ــــــــــ[280]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فلا بُدَّ -إذن- في زاجريّة النهي وداعويّة الأمر من أن يكون الحكم واصلاً صغرىً وكبرىً.
إذن، لا يمكن جعل الحكم على الناسي بعنوان كونه ناسياً، لأنَّه غير قابلٍ للوصول، فإذا التفت إلى نسيانه انقلب الموضوع وأصبح متذكّراً، وارتفع الموضوع، وإذا لم يلتفت فكيف يكون الحكم غير الملتفت إليه داعياً أو زاجراً له؟
وعلى هذا، فلا يمكن الالتزام بالترتّب في هذه الموارد، فإنَّ المكلّف وإن كان بحسب الواقع تاركاً للجهر أو للقصر -ممّا هو واجبٌ عليه واقعاً، ويعاقب على إيجاب الاحتياط أو على تركه التعلّم، فإنَّ هذا الحكم منجّزٌ عليه، لأنَّ الجهل عن تقصير على الفرض، فيجب عليه الفحص ولم يفحص- إلَّا أنَّ المفروض أنَّه غير ملتفتٍ إلى عصيانه، فلو كان ملتفتاً لم يحكم بصحّة صلاته تماماً، لأنَّ الحكم بصحّتها مشروطٌ بالجهل بوجوب التقصير. فلو كان عالماً بأنَّه يخالف الواقع لانقلب الموضوع، ولا يمكن الحكم بالصحّة حينئذٍ. وقد فُرض أنَّه جاهلٌ بالواقع، ولا يدري أنَّ الواجب في حقّه هو الجهر أو الإخفات أو القصر أو الإتمام، فإذا لم يكن عالماً بذلك لم يكن محرزاً للعصيان، فكيف يمكن أن يؤمر بأمرٍ آخر بعنوان عصيان الخطاب الأوّل، فيقال له: (إذا عصيت الأمر الأوّل بالقصر فأتمّ)، لأنَّه إذا التفت إلى عصيانه لم يقع التمام صحيحاً، فإنَّ الصحّة مشروطةٌ بالجهل، وأمّا إذا لم يكن ملتفتاً إلى ذلك وتخيّل أنَّ وظيفته هي التمام فكيف يمكن أن يؤمر بالتمام على تقدير عصيان الأمر بالقصر.
فإذا لم يكن الحكم الواقعيّ منجّزاً -وإن كان ثابتاً في محلّه- فلا معنى
ــــــــــ[281]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
للالتزام بالترتّب، فإنَّه إنَّما يكون في موارد التزاحم وعدم التمكّن من الامتثال، وأمّا إذا فرضنا أنَّ التكليف الواقعيّ غير واصلٍ -وإن كان هو الأهمّ- فلا يكون حينئذٍ معجّزاً للمكلّف عن الإتيان بأمرٍ مضادٍّ له، فلا يكون هناك مانعٌ من التكليف بالضدّ، وإن كان الحكم ثابتاً في الواقع، لأنَّ الحكم مع عدم وصوله وكون المكلّف معذوراً عنه لا يلزم إيقاع المكلّف في محذور طلب الجمع أو طلب ما لا يطاق، لأنَّ التكليف الواقعيّ غير قابلٍ للمحرّكيّة.
وعلى ذلك صحّح منكر الترتّب الصلاة إذا كان المسجد نجساً وصلّى المكلّف فيه مع جهله بالنجاسة -ولم يستشكل أحدٌ في صحّة صلاة مثله- إذ لا مانع من الصحّة إذا لم يكن التكليف الواقعيّ بالإزالة منجّزاً، وإن كان ثابتاً في الواقع وفعليّاً بفعليّة موضوعه، إلَّا أنَّه غير منجّزٍ على المكلّف، لجهله به.
إذن، الالتزام بالترتّب إنَّما يكون إذا كان الحكم الواقعيّ ثابتاً في الواقع، ومنجّزاً بحيث يمكن أن يستحقّ العقاب على مخالفته.
ثانياً: أن يكون العصيان متحقّقاً في الخارج: فلو لم يتحقّق العصيان فلا موضوع للأمر بالمهمّ، لأنَّ موضوعه هو العصيان، وما لم يتحقّق العصيان في الخارج لا يكون الأمر المترتّب عليه فعليّاً، فإنَّ فعليّة كلّ حكمٍ بفعليّة موضوعه.
ورتّب عليه: أنّا لو فرضنا أنَّ الحكم الواقعيّ كان منجّزاً إلَّا أنَّه غير واصلٍ -كما في الشبهات الحكميّة قبل الفحص، وكذا في موارد وجوب الاحتياط أو وجوب التعلّم- لم يتحقّق العصيان في الخارج، لأنَّ التكليف الواقعي مجهولٌ،
ــــــــــ[282]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ومع الجهل به لا يكون قابلاً للداعويّة، سواءٌ كان التكليف منجّزاً أم لم يكن، لأنَّ الداعويّة من آثار وصول التكليف، فإذا لم يصل لم يكن قابلاً للداعويّة، واستحقاق العقاب يكون من جهة إيجاب التعلّم أو إيجاب الاحتياط. وأمّا مخالفة الواقع بما هي مخالفةٌ للواقع فلا يمكن العقاب عليها، لأنَّ التكليف ما لم يكن قابلاً للداعويّة لا يمكن العقاب على مخالفته. والتكليف حال الجهل به لا يمكن أن يكون داعياً ومحرّكاً، سواءٌ كان منجّزاً أم لم يكن.
إذن، ففي موارد الجهل عن تقصير: التكليفُ الواقعيُّ غير واصلٍ، وإن فرضناه منجّزاً، فلا يتحقّق العصيان. ومع عدم تحقّقه لا يمكن أن يكون التكليف الثاني فعليّاً، فإنَّ موضوعه هو عصيان الأمر الأوّل، وهو غير متحقّقٍ.
وعليه، فالقول بالترتّب يتوقّف -مضافاً إلى تنجّز الواقع- على وصول التكليف الواقعيّ، إمّا وجداناً وتكويناً كما في موارد القطع، أو وصولاً تعبّديّاً كما في موارد الأمارات والأصول المحرزة كالاستصحاب، فإنَّ المكلّف حينئذٍ يكون عالماً بحكم الشارع.
أمّا في غير هذه الموارد، فلا معصية. واستحقاق العقاب إنَّما يكون من جهة حكمٍ آخر متمّمٍ للجعل الأوّل.
ثالثاً: أن يكون المكلّف محرزاً للعصيان: فمجرّد تحقّق العصيان خارجاً إذا لم يكن المكلّف عالماً به، لا يكفي للالتزام بالترتّب، فإذا كان الواقع منجّزاً والعصيان متحقّقاً، إلَّا أنَّ المكلّف غير محرزٍ للعصيان، فلا يمكن الالتزام بالترتّب، كما في موارد العلم الإجماليّ فيما لو تعلّق بأحد الأمرين، فلو علمنا
ــــــــــ[283]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بوجوب الظهر أو الجمعة، أو بوجوب القصر أو التمام، فالتكليف في هذه الموارد معلومٌ، والشك إنَّما يكون في انطباقه على أحد الطرفين، فالتكليف الواقعيّ منجّزٌ على الفرض من جهة العلم الإجماليّ، وبما أنَّه واصلٌ بالعلم الإجماليّ فالمعصية متحقّقةٌ، فلو صلّى الظهر أو صلّى قصراً دون الجمعة أو التمام، وكان ما تركه هو الواجب في الواقع، كان العصيان متحقّقاً، لأنَّ ذلك مخالفةٌ عن علمٍ وعمدٍ، غاية الأمر: أنَّه علمٌ إجماليٌّ، ولا فرق في الوصول بين العلم الإجماليّ وبين العلم التفصيليّ، فالتكليف الواقعيّ منجّزٌ وواصلٌ، إلَّا أنَّ المكلّف غير محرزٍ للعصيان، لاحتمال أن يكون ما أتى به هو الواجب واقعاً، وأنَّ هذا ليس بعصيانٍ.
فلو صادف أنَّ ما تركه هو الواقع فالعصيان وإن كان متحقّقاً، إلَّا أنَّه غير محرزٍ، ومعه لا يكون التكليف الثاني فعليّاً، فإنَّ ذلك مترتّبٌ على عنوان العصيان، وقد قلنا: إنَّ داعويّة الحكم يشترط فيها أن يكون العصيان محرزاً صغرىً وكبرىً، وإحراز أحدهما لا يكفي في فعليّة الحكم، وإحراز العصيان في موارد العلم الإجماليّ غير ممكنٍ، لأنَّ العلم إجماليٌّ على الفرض، وبترك أحد الطرفين لا يُحرَز العصيان، إذ من المحتمل أن يكون ما أتى به هو الواقع. ففي هذا المورد لا يمكن الالتزام بالترتّب، لعدم إحراز موضوعه في الخارج.
فالمتحصّل: أن الترتّب غير ممكنٍ إلَّا بالشروط الثلاثة المتقدّمة:
ــــــــــ[284]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ومن ذلك نعرف: أنَّ الترتّب غير ممكنٍ في مسألتنا -أي: القصر والتمام والجهر والإخفات- لأنَّ العصيان غير متحقّقٍ، فإنَّه إنَّما يتحقّق مع وصول الحكم إمّا تكويناً أو تعبّداً، وفي المقام: لم يصل الحكم إلى المكلّف على الفرض، وإن كان مستحقّاً للعقاب من جهة عصيان الاحتياط أو التعلّم.
ولو فرضنا -تنزّلاً- تحقّق العصيان، فهو غير محرزٍ في المقام، ولا يعقل أن يحرز، وذلك لأنَّه: إذا أحرز العصيان لا يجوز الحكم بصحّة الصلاة تماماً، لأنَّها مشروطةٌ -على الفرض- بالجهل بوجوب القصر، فلو كان عالماً بوجوب القصر وأنَّه عاصٍ بالتمام لم تصحّ الصلاة تماماً، إذن، فقد أُخذ في موضوع الصحّة الجهل بوجوب الآخر، وإحراز هذا الموضوع مستحيلٌ، وكلّما استحال إحراز موضوع الحكم خارجاً استحال جعل مثل هذا الحكم، لأنَّه لا يكون فعليّاً أبداً، ولا يكون داعياً في أيّ مورد من الموارد.
ولأجل ذلك حكموا باستحالة جعل الحكم على الناسي، لأنَّ عنوان النسيان لا يمكن إحرازه في الخارج، فلو فرضنا أنَّ المكلّف أحرز كونه ناسياً فعندئذٍ ينقلب الموضوع في الخارج، فعنوان النسيان غير قابلٍ للإحراز، ومعه لا يمكن جعل حكمٍ على الموضوع.
ومقامنا من قبيل النسيان، إذ أُخذ في الموضوع الجهل بالحكم، وحينئذٍ لا يمكن للمكلّف إحراز العصيان للتكليف الأوّل، وعليه يكون جعل الحكم مستحيلاً، فلا يجري الترتّب.
ــــــــــ[285]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
أمّا ما ذكره من أنَّ استحقاق العقاب على مخالفة التكليف الطريقيّ من إيجاب الاحتياط أو وجوب التعلّم، فقد تكلّمنا فيه في بحث البراءة(1)، وسيأتي -إن شاء الله- أنَّ العقاب إنَّما يكون على مخالفة الواقع، ولا منافاة بين أن يكون العقاب على مخالفة الواقع، وبين أن يكون الواقع غير واصلٍ، ولا يمكن أن يكون حال الجهل داعياً، إلَّا أنَّ المكلّف قادرٌ على إحراز الامتثال على تقدير ثبوته.
وذكرنا أنَّ الحاكم بعدم استحقاق العقاب في فرض الجهل هو العقل الحاكم بقبح العقاب بلا بيانٍ، وليس المقصود من البيان هنا البيان الواصل، بل المقصود منه البيان الصادر من المولى، ومن المعلوم أنَّ إيجاب التعلّم أو الاحتياط هو نِعْمَ البيان، فيقال له: (يجب عليك التعلّم، وإذا لم تتعلّم ووقعت في المخالفة تعاقَب، أو يجب عليك الاحتياط، وإذا لم تحتط ووقعتَ في المخالفة تعاقب)، وليس في هذا أيّة مخالفةٍ لحكم العقل، فالعقاب عقابٌ على مخالفة الواقع، وهذا الحكم طريقيٌّ محضٌ، ومعنى الوجوب الطريقيّ أن يكون منجّزاً للواقع، بحيث يستحقّ العقاب عليه.
فقوله: إنَّ العصيان غير معقولٍ في هذه الموارد، غير مسلَّم، فإنَّ العصيان متحقّقٌ، إذ لا نريد به إلَّا مخالفة العبد تكليفاً حكم المولى بتنجّزه عليه، وهو منجّزٌ عليه من جهة وجوب التعلّم، فيعاقَب على مخالفته.
ــــــــــ[286]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الأصول 1: 583.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وأمّا ما ذكره من أنَّ العصيان غير قابلٍ للإحراز، فهو صحيحٌ، إذ لا يمكن أن يحرز المكلّف عصيانه وكونه مخالفاً للحكم الواقعيّ المنجّز، إلَّا أنَّه لا ملزم لنا -في الترتّب- لأخذ العصيان في موضوع الحكم الآخر، فلا ملزم للالتزام بأنَّ موضوع الأمر بالمهمّ هو عصيان الأمر بالأهمّ.
نعم، فيما سبق قلنا: إنَّ الأمر بالمهم مشروطٌ بعصيان الأمر بالأهمّ، إلَّا أنَّ الغرض من ذلك لم يكن إثبات أنَّ العصيان بوصفه عصياناً مأخوذٌ في الموضوع، فهذا لا دليل عليه، فإنَّ الترتب أمرٌ على طبق القاعدة، ولا حاجة إلى دليلٍ لذلك، والقاعدة لا تقتضي أخذ عنوان العصيان في الموضوع، بل العقل حكم بأنَّ طلب الجمع بين الضدّين محالٌ. وعليه، فلا بُدَّ من رفع اليد عن أحد الدليلين -إمّا عن أصله أو عن إطلاقه- فيبقى الأمر بالأهمّ على إطلاقه، ويقيَّد الأمر بالمهمّ لئلّا يلزم طلب الجمع بين الضدّين، ولكنّه لا يقيّد بعصيان الأمر بالأهمّ، فإنَّ هذا بلا دليلٍ، بل يقيّد بعدم الإتيان بالأهمّ، وإن كان جاهلاً به. وإن كان مع العلم يكون عصياناً، إلَّا أنَّ العصيان لا خصوصيّة له، وإنَّما الخصوصيّة هي في تصوير الأمرين على نحوٍ لا يلزم منه طلب الجمع، فلو أمر بالإزالة وأمر بالصلاة على تقدير ترك الإزالة، فلا يلزم منه طلب الجمع على تقدير الترك أبداً.
والترتّب ليس هو مقتضى دليلٍ لفظيٍّ أو غيره قد أُخذ في موضوعه العصيان بوصفه عصياناً، بل الدليل دلّ على تقييد الأمر بالمهمّ على نحوٍ لا يلزم منه طلب الجمع، وفي تقييده بترك الأهمّ يرتفع هذا المحذور لا محالة.
ــــــــــ[287]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
على هذا، فلا مانع من الالتزام بالترتّب في المقام، فإنَّ فاعل التمام محرزٌ أنَّه ترك القصر، إلَّا أنَّه لا يدري أنَّه مأمورٌ به. فأيّ محذورٍ في أن يؤمر بالصلاة قصراً وبالصلاة تماماً على تقدير تركه القصر؟ فالمفروض أنَّه محرزٌ لتركه القصر، غاية الأمر: أنَّه لم يحرز أنَّ هذا عصيانٌ، ومع إحراز الترك يمكن الأمر الثاني بالتمام.
فيصحّ كلام الشيخ الكبير من أنَّ المكلّف يستحقّ العقاب على مخالفته الأمر الواقعيّ المنجّز عليه، وتقع الصلاة صحيحةً للأمر بها تماماً، المترتّب على كونه تاركاً للقصر، وترك القصر محرزٌ له في الخارج.
والإنصاف: أنَّ ما ذكره الشيخ الكبير لا مانع من الالتزام به، وإن كان بالإمكان حلّ الإشكال بغير الالتزام بالترتّب، كما بيّناه في محلّه(1).
ما مرّ من الكلام مبتنٍ على القول باستحقاق العقاب بالنسبة إلى الجاهل المقصّر، من جهة مخالفة التكليف الواقعيّ، الذي كان يمكنه الوصول إليه، ولم يصل بتقصيرٍ منه. إلَّا أنَّ هذا الكلام موردٌ للمناقشة، بل هو ممنوعٌ.
بناءً على هذا، يرتفع الإشكال من أصله، فلا نلتزم باستحقاق العقاب، لنقع في إشكال الجمع بين الأمرين: بين الحكم بالصحّة وبين استحقاق العقاب، حيث لا يمكننا إقامة الدليل على استحقاقه، بل الدليل قائمٌ على خلافه، والإشكال -فيما سبق- مبتنٍ على ثبوت هذين الأمرين:
ــــــــــ[288]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الأصول 1: 588.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فإذا قلنا بأنَّ استحقاق العقاب غير متحقّقٍ كان العمل صحيحاً، ولا إشكال.
وقد تكلّمنا حول هذا في مبحث البراءة والاشتغال مفصّلاً(1)، ونتكلم هنا في الجملة.
وحاصل ما ذكرناه: أنَّ استحقاق العقاب من جهة التجرّي ومخالفة العبد إلزام العقل بالخروج عن عهدة المولى، وأنَّ المكلّف متجرٍّ بالنسبة إلى المولى، لأنَّه مع احتمال وجود التكليف لم يفحص، وبعد ذلك أتى بالصلاة قصراً في موضع الإتمام أو الجهر في موضع الإخفات، فبناءً على القول بأنَّ المتجرّي يستحقّ العقاب يكون المكلّف مستحقّاً له.
وهذا أيضاً من مصاديقه، فإنَّ الجاهل المقصّر متجرٍّ، غير مبالٍ بأمر مولاه، فمع احتماله الابتلاء ببعض المسائل التي لم يفحص عنها، فيستحقّ العقاب على مخالفته، حتّى على فرض مطابقة ما أتى به للواقع، فإنَّه يعاقب على التجرّي، بناءً على استحقاق العقاب على التجرّي، كما هو الصحيح. إلَّا أنَّ استحقاق العقاب على التجرّي لا ينافي الحكم بصحّة العمل، فإنَّ ما أتى به مطابقٌ للأمر الواقعيّ ويقع صحيحاً، وإن كان المكلّف متجرّياً كما في غير ذلك من موارد العبادات، كما لو احتمل الحرمة وأتى بالعمل ولم يكن محرّماً.
ــــــــــ[289]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الأصول 1: 588 – 590.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
والسرّ في ذلك: إنَّ الصحّة أمرٌ مرتبطٌ بمطابقة العمل للواقع، والتجرّي مرتبطٌ بالتمرّد على المولى ومخالفة حكم العقل بالخروج عن عهدة التكليف المولويّ، فمن هذه الجهة لا محذور.
وأمّا من جهة استحقاق العقاب على مخالفة الواقع، كما هو المعروف المشهور، حيث التزموا -في هذا المورد وغيره- بأنَّ الواقع محفوظٌ وأنَّ المكلّف يعاقب على مخالفته، ومع ذلك يحكم بكون العمل صحيحاً، فهذا لا دليل عليه، فإنَّ الدليل قائمٌ على خلافه، وأن لا مخالفة للواقع هنا.
وحاصل ما ذكرناه هناك: أنَّه بعد الاتّفاق على صحّة الصلاة جهراً في موضع الإخفات وبالعكس، وصحّتها في القصر والتمام، فإنَّ هذا وإن كان صحيحاً بلا خلاف، إلَّا أنّا لو فرضنا أنَّ مثل هذا الجاهل صلّى قصراً وقد تمشّى منه قصد القربة، ولكنّه لم يكن عالماً بوجوب القصر، بل أتى بالصلاة قصراً اتّفاقاً، ولم يقصد عنوان القصر أو التمام، بل قصد عنوان الفريضة الواقعيّة التي أمر بها الله تعالى، فكان المتحقّق في الخارج هو الصلاة قصراً، إلَّا أنَّه لم يأتِ بها بعنوان القصر، وهو جاهلٌ بوجوبه.
ففي مثل ذلك هل يُحكم بصحّة هذه الصلاة أم يُحكم ببطلانها؟ فإذا انكشف له -بعد ذلك- أنَّه كان جاهلاً بوجوب القصر، وإن كان ما أتى به هو صلاة القصر، فهل يُحكم بالفساد ووجوب الإعادة ثانيةً، يعني: أن يصلّي قصراً مرّةً أخرى؟
فإذا قلنا بذلك، انكشف أنَّ المأمور به في الحال الأوّل لم يكن إلَّا الصلاة
ــــــــــ[290]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
تماماً، ولم يكن القصر في الواقع مأموراً به أصلاً، ولذا نحكم بفسادها، إذ لو كانت الصلاة قصراً مأموراً بها فلماذا تجب الإعادة، فمِن بطلانها ينكشف أنَّ الواجب كان هو خصوص الصلاة تماماً، وقد فرضنا أنَّه أتى بالتمام في بقيّة الموارد، فلماذا يعاقب؟
فلو صلّى قصراً، جاهلاً بتكليفه، وحكمنا ببطلانه، لانكشف أنَّ المأمور به هو خصوص التمام، ومعه فعلى أيّ شيءٍ يستحقّ العقاب؟ فإذا لم يكن القصر واجباً في الواقع فأيّ شيءٍ يكون منشأ للعقاب؟ حيث إنَّ الجهل عن تقصيرٍ، كما هو المفروض.
فعلى هذا، لا يمكن الالتزام باستحقاق العقاب، إذ لا تكليف في الواقع إلَّا بالصلاة تماماً، فلماذا يعاقب؟
وأمّا إذا قلنا بعدم وجوب الإعادة، وأنَّ الذي أتى به كان هو المأمور به في الواقع، وفرضنا أنَّه إذا أتى بالتمام كان أيضاً آتياً بالمأمور به، ويحكم بصحّة صلاته، فلازم ذلك الالتزام بالوجوب التخييريّ، ومعناه: أنَّ المكلّف حال الجهل بوجوب القصر أو التمام عليه، فهو في الواقع مخيّرٌ بين التمام والقصر. وكلاهما صحيحٌ في الواقع، وإن كان لا يدري بهذا التخيير، ويتخيّل أنَّ الواجب هو خصوص الصلاة تماماً، ولذا أتى به، لكنّ العلم بالتخيير لا دخل له في صحّة العمل، فهو مكلّفٌ بالجامع بين القصر والتمام، ومخيّرٌ بينهما، فبأيٌّ منهما أتى به كان مصداقاً لذلك الجامع.
وليس هنا شقٌّ ثالثٌ، فإمّا أنَّ الصلاة التي أتى بها قصراً، فلتزم بوجوب
ــــــــــ[291]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
إعادتها قصراً أو لا. وعلى كلا التقديرين يكون التكليف الواقعيّ متعلّقاً إمّا بالصلاة تماماً أو بالجامع بين القصر والتمام، وقد فرضنا أنَّه امتثل ما هو الواجب عليه، وأتى بوظيفته التعيينيّة أو التخييريّة، فبعد هذا على أيّ شيءٍ يعاقَب؟
وليس في شيءٍ من الروايات إشعارٌ -فضلاً عن الدلالة- على العقاب، وإنَّما هو أمرٌ ذكره الفقهاء.
أوّلاً: بأنَّ استحقاق العقاب لم يذكره كثير من الفقهاء، فإنَّ القدماء منهم ذهبوا إلى صحّة صلاته دون الإشارة إلى العقاب.
وثانياً: بأنَّ استحقاق العقاب ليس أمراً شرعيّاً يمكن إثباته بالإجماع أو غيره، بل هو أمرٌ يثبت بحكم العقل من جهة مخالفة تكليف المولى، فإذا لم يخالف العبد، فعلى أيّ شيءٍ يعاقَب؟
فالإنصاف: أنَّ الالتزام باستحقاق العقاب في المقام بلا موجبٍ في هذه الموارد: مسألة الإتمام في موضع القصر أو القصر في موضع الإتمام عند قصد الإقامة، وكذلك الجهر والإخفات أحدهما في موضع الآخر.
وممّا يؤكّد ما ذكرناه -من أنَّه في فرض الجهل لا عقاب، وأنَّ التكليف الواقعيّ قد أُخذ فيه العلم بالوجوب- ويدلّ عليه: الرواية الصحيحة الدالّة على بطلان الصلاة فيما إذا جهر في موضع الإخفات، أو أخفت في موضع الجهر، فإنَّها دلّت على أنَّ مَن جهر في موضع الإخفات أو بالعكس فقد نقض
ــــــــــ[292]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
صلاته(1) أو نقصها، فتكون باطلةً. وأمّا إذا كان ناسياً أو جاهلاً أو غافلاً أو لا يدري، فلا شيء عليه، وقد تمّت صلاته.
وتعبير (تمّت صلاته) تعبيرٌ عن أنَّ الصلاة لم تنقص، وأنَّها تامّةٌ وواجدة للشرط، فيستكشف من الصحيحة أنَّ كلّاً من الجهر والإخفات حال الجهل لا يكون شرطاً، وأنَّ الصلاة تامّةٌ.
إذن، أيُّ موردٍ لاستحقاق العقاب؟ وأيّ تكليفٍ واقعيٍّ خالفه المكلّف ليعاقب على مخالفته؟ فإنَّ الصلاة تامّةٌ، ولم ينقص منها شيءٌ. ومعنى التمام وجدان تمام الأجزاء والشرائط. وعلى ذلك، فلا موجب للعقاب إلَّا بالتجرّي، كما تقدّم.
فالظاهر في هذه المسائل: أنَّ العلم بوجوب القصر مأخوذٌ في موضوع وجوب القصر، وهو أمرٌ ممكن -كما سنبيّنه في بحث القطع- فيكون القصر واجباً على مَن يعلم بوجوبه، غاية الأمر: أنَّ هناك اختلافاً في المرتبة، فإذا قُرئت آية التقصير على المكلّف وفُسّرت له، وجب عليه التقصير، وإلَّا فتكليفه التمام أو التخيير بين التمام والقصر.
ــــــــــ[293]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 344، باب أحكام السهو في الصلاة، الحديث 1003، تهذيب الأحكام 2: 162، الباب 9: باب تفصيل ما تقدّم ذكره في الصلاة من المفروض والمسنون وما يجوز فيها وما لا يجوز، الحديث 93، وسائل الشيعة 6: 86، الباب 26: باب وجوب الإعادة على من ترك الجهر والإخفات في محلّهما عمداً وعدم وجوب الإعادة على من تركهما نسياناً أو سهواً أو جهلاً، الحديث 1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
إذن، يبقى الموضوعٌ بلا إشكالٍ أصلاً، فإنَّ الإشكال كان مبنياً على استحقاق العقاب مع الحكم بصحّة العمل.
نعم، لو فرضنا أنَّ استحقاق العقاب كان ثابتاً بدليلٍ قطعيٍّ، فلا بُدَّ حينئذٍ من الالتزام بما ذكره الشيخ الكبير كاشف الغطاء من القول بالترتّب في المقام، فالجوابان طوليان، فلا نلتزم باستحقاق العقاب. وعلى تقدير التسليم بثبوته بدليل قطعي نلتزم بالترتّب ولا إشكال في ذلك أصلاً.
ونتيجة ذلك: أنَّنا لا نلتزم باستحقاق العقاب، وعلى تقدير التسليم بثبوته بدليلٍ قطعيٍّ نلتزم بالترتّب. ولا إشكال في ذلك أصلاً.
ذكرنا في أوّل بحث الترتّب -إجمالاً-: أنَّ كلّاً من الواجب المهمّ والواجب الأهمّ قد يكون مضيّقاً، ولا إشكال في جريان الترتّب حينئذٍ، وأنَّ الوجوب الفعليّ هو التكليف بالأهمّ، لعدم التمكّن من المهمّ، وأنَّ صحّة هذا الواجب على تقدير ترك الأهمّ مبتنية على القول بالترتّب.
وكذا إذا كان الواجب الأهمّ مضيّقاً، وكان الواجب الآخر ليس بمضيّقٍ وله فردٌ آخر مقدورٌ، فالكلام هو الكلام.
وقلنا: إنَّ هذا ليس مثل الأوّل، ولا تتوقّف صحّة العبادة هنا على القول بالترتّب، بناءً على ما سلكناه من أنَّ القدرة -غير معتبرةٍ في متعلّق التكليف لا بحكم العقل، ولا باقتضاء نفس التكليف لذلك- أمرٌ يعتبره العقل في مرحلة الامتثال.
ــــــــــ[294]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وعليه، لا مقتضي لتقييد المأمور به بالمقدور، فيمكن أن يكون الواجب هو الطبيعيّ القابل للانطباق على هذا الفرد وعلى فردٍ آخر.
وقلنا أيضاً: إنَّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه، فالتكليف بالمهمّ لا يجعل هذا الفرد غير مقدورٍ، بل هو مقدورٌ تكويناً وتشريعاً، غاية الأمر: أنَّه مزاحَمٌ بضدٍّ أهمّ.
وبناءً على ذلك، لا نحتاج إلى الالتزام بالترتّب في تصحيح الواجبات الموسّعة إذا ضايقها واجبٌ أهمّ، وكان الأهمّ مضيّقاً، بحيث يفوت بالإتيان بالمهمّ. وهذا هو ما ذكره المحقّق الثاني(1)، من أنَّ الانطباق قهريٌّ والإجزاء عقليٌّ، وقد مرّ الكلام فيه مفصّلاً.
والحقيقة: أنَّه لا تزاحم بين هذين الواجبين، إذ المفروض أنَّ المهمّ ليس هو خصوص المزاحم للأهمّ، بل هو جامعٌ بين الأفراد الطوليّة والعرضيّة، والمكلّف قادرٌ على الإتيان به، إلَّا أنَّه بسوء اختياره طبّق هذا الجامع على ما يفوت معه الأهمّ، وإلَّا فالفعل مقدورٌ تكويناً وتشريعاً، والواجب هو الطبيعيّ الجامع، وقد أتى به.
وعلى هذا لا نحتاج في تصحيح العبادة إلى الالتزام بالترتّب، إذ لا مزاحمة بين الواجبين على هذا المسلك، فكلاهما قابلٌ للامتثال، وليس هنا تزاحمٌ بينهما، لا في مرحلة الامتثال، كما لم يكن بينهما تزاحمٌ في مرحلة الجعل، ومعنى ذلك: أنَّ هذا المورد غير داخلٍ في باب التزاحم ولا في باب التعارض.
ــــــــــ[295]ــــــــــ
(1) جامع المقاصد 5: 13، 14.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
أمّا إذا لم نقل بذلك، واعتبرنا القدرة في متعلّق التكليف، وقلنا إنَّ التكليف بنفسه يقتضي اعتبارها، وأنَّ المأمور به هو غير هذه الحصّة، وأنَّ الحصّة التي ليس لها مزاحمٌ هي الداخلة تحت الطلب، وأمّا الحصّة المزاحمة للأهمّ فهي خارجةٌ عن الأمر، فبناءً عليه، يكون تصحيح هذه العبادة متوقّفاً على دعوى إحراز الملاك في هذا الفرد كما ادّعاه في الكفاية(1)، وقال: بأنّا نعلم جزماً بأنَّه لا فرق بين هذا الفرد وبين سائر الأفراد في الوفاء بالملاك، غاية الأمر: أنَّ الوجوب لم يسَع هذا الفرد ولم يشمله. وحينئذٍ لا يحتاج إلى القول بالترتّب لتصحيح العمل، إذ يمكن ذلك من جهة أنَّه قابلٌ للتقرّب به إلى المولى وإن فرض أنَّه غير مأمورٍ به.
وأمّا إذا قلنا بأنَّ القدرة مأخوذةٌ في متعلّق التكليف، وأنَّ المأمور به هو خصوص الحصّة المقدورة، وأنَّ ما كان مزاحماً ليس بمقدور، وكان إحراز الملاك غير ممكنٍ -كما هو الصحيح- حيث قلنا بعدم إمكان إحرازه في الفرد الذي لا يسعه الأمر، فتكون صحّة هذا الفرد المزاحم للأهمّ متوقّفةً على الالتزام بالترتّب.
غاية الأمر: أنَّ هناك فرقاً بين هذا الترتّب والترتّب في الواجبين المضيّقين، إذ كان الترتّب في المضيّقين بين الأمر بالأهمّ والأمر بالمهمّ، فأصل الأمر بالمهمّ كان مترتّباً على عصيان الأمر بالأهمّ. وأمّا هنا فلا يكون الأمر مترتّباً على العصيان، إذ المفروض أنَّ الأفراد المقدورة موجودةٌ، ولكنّ إطلاق هذا الأمر وشموله لهذا
ــــــــــ[296]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 136، 137.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الفرد مبنيٌّ على الالتزام بالترتّب، فينتج أنَّ المولى أمر ابتداءً بالأهمّ، وعلى تقدير عصيانه أجاز تطبيق الواجب الموسّع على هذا الفرد المزاحم، بمعنى: أنَّ الأمر بطبيعيّ الصلاة إنَّما نرفع اليد عن إطلاقه إذا أتى بالواجب الأهمّ، وأمّا إذا لم يأتِ به عصياناً، فلا مانع من الأمر به بخصوصه، فضلاً عن شمول الإطلاق له، فإذا صحّ شمول الإطلاق له، كان العمل صحيحاً.
فالفرق بينهما إنَّما يكون بهذا المقدار، فإنَّ الترتّب في الأمرين المضيقين بين نفسيهما، أمّا في هذا القسم فالترتب بين إطلاقه والأمر بالأهّم، فيقيّد إطلاق الأمر بالمهمّ بعدم الإتيان والعصيان للأهمّ، فتُرفع اليد عن الإطلاق في فرض امتثال الواجب الأهمّ.
ولكنّ الصحيح هو ما ذكرناه، من أنَّ هذا الفرض خارجٌ عن موارد التزاحم أصلاً، سواءٌ قلنا بالترتّب أم لم نقل، وسواءٌ صحّحنا العبادة بالملاك أم لم نصحّح، إذ لا مانع من الحكم بصحّة هذا الفرد، ولا مانع من شمول الإطلاق له، فإنَّ القدرة غير معتبرةٍ في متعلّق التكليف، لا بحكم العقل ولا بحكم الشرع. وعلى تقدير الاعتبار، فهذا الفرد مقدورٌ، لا أنَّه غير مقدورٍ، لأنَّ عدم القدرة يكون بأحد أمرين: إمّا بالعجز التكوينيّ أو العجز التشريعيّ.
أمّا العجز التكوينيّ فواضحٌ.
وأمّا العجز التشريعيّ فالمفروض أنَّ الفعل مباحٌ في نفسه، والمكلّف قادرٌ عليه، غاية الأمر: أنَّه ملازمٌ لترك الواجب الأهمّ، ولا يكون ذلك سالباً للقدرة بعد القول بعدم اقتضاء الأمر بشيءٍ للنهي عن ضدّه.
ــــــــــ[297]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فصّل شيخنا الأستاذ(1) في مسألة الصلاة مع الابتلاء بوجوب إزالة النجاسة عن المسجد -فيما إذا كان الواجب المهمّ مزاحماً للأهمّ، وترك المكلّف الأهمّ واشتغل بالمهمّ- بين ما إذا كان التكليف موجوداً من الأوّل وكان المكلّف عالماً به، وبين ما إذا لم يكن التكليف من الأوّل، بل حدث بعد ذلك، أو أنَّ التكليف كان من الأوّل ولكنّ المكلّف لم يكن عالماً به، وعلم به بعد ذلك.
فقد يفرض أنَّ المسجد تنجّس وعلم المكلّف بذلك، لكنّه لم يُزل النجاسة مع قدرته عليها، واشتغل بالصلاة، فالحكم بالصحّة هنا يكون متوقّفاً على القول بالترتّب -على ما يرى- أو على فرض أن يكون الواجب مضيّقاً.
وقد يُفرض أنَّ النجاسة حدثت في أثناء الصلاة. وقد يُفرض أنَّ المسجد كان متنجّساً من الأوّل، ولكنّ المكلّف لم يكن يعلم بذلك، بل علم به في أثناء صلاته. فهل يحكم بصحّة الصلاة في مثل هذين الفرضين؟ وهل يتوقّف القول بالصحّة على القول بالترتّب، أو يمكن بدونه؟
وقد اختار أنَّ ذلك لا يتوقّف على القول بالترتّب.
والوجه في ذلك: أنَّ العبادة إذا فرضناها من العبادات التي يجوز رفع اليد عنها بعد اشتغال المكلّف بها، كالنافلة وقراءة القرآن، فحينئذٍ يكون الكلام هو الكلام، إذ لا فرق بين الحدوث والبقاء، لعدم إمكان الجمع بين الأمر بإتمام هذا
ــــــــــ[298]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 315، 316.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
العمل والأمر بالإزالة، لأنَّه من طلب الضدّين، وقد فرضنا أنَّ ذلك الواجب أهمّ، فمشروعيّة هذه العبادة إذا كانت نافلةً أو الأمر بها إذا كانت واجبةً يتوقّف على القول بإمكان الترتّب، بأن يكون الأمر بالإزالة مطلقاً والأمر بالاستمرار بهذه العبادة مقيّداً بعصيان الأمر الأوّل.
وأمّا إذا فرضنا أنَّها عبادةٌ لو شرع فيها وجب الإتمام كما في الصلاة فريضةً، حيث لا يجوز قطعها، فإذا فرضنا أنَّ هذا واجبٌ، فحينئذٍ تكون المزاحمة بين الواجبين المضيّقين، حيث تكون الإزالة واجبةً، وإتمام الصلاة واجباً أيضاً، والمفروض أنَّه ليس بموسّعٍ بل مضيّقٌ.
وهنا لا نحتاج إلى القول بالترتّب، إذ لم يدلّ دليلٌ على أهميّة وجوب الإزالة، ليكون الوجوب الفعلي مختصّاً به، ويكون الأمر بالصلاة مترتّباً على عصيانه، فإنَّ عمدة الدليل على وجوب الإزالة هو الإجماع والتسالم، ولم يعلم أنَّ الإجماع شاملٌ لهذا المورد -فيما إذا كان للواجب الأهمّ مزاحمٌ وهو أيضاً واجبٌ مضيّقٌ- وعليه، فلا مانع من إتمام صلاته حتّى مع فرض عدم جريان الترتّب.
وأمّا إذا قلنا بأنَّ دليل الإزالة ليس هو الإجماع، كما استدلّوا بقوله تعالى: إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ(1) وإن كان في دلالتها كلامٌ، إلَّا أنَّه لا إشكال في أنَّ فورية وجوب الإزالة بالإجماع، وحيث إنَّ الإجماع دليلٌ لبّيٌّ، فيقتصر فيه على القدر المتيقّن، وهو ما إذا لم يزاحمه واجبٌ فعليٌّ، فإذا زاحمه
ــــــــــ[299]ــــــــــ
(1) التوبة: 28.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
واجب فعليٌّ -كما في المقام- حيث إنَّ قطع الصلاة محرّمٌ، فلا أمر بالإزالة حينئذٍ. فلا حاجة إلى الترتّب، فنحكم بصحّة الصلاة إذا أتمّها سواءٌ قلنا به أم لم نقل، ولو فرضنا تأخّر الإزالة إلى ما بعد الصلاة.
ما ذكره مبنيٌّ على القول بحرمة قطع الصلاة، مع كون دليل الحرمة لفظيّاً، فقد استدلّ بالروايات الدالّة على أنَّ الصلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم(1)، حيث دلّت على أنَّ المصلّي إذا كبّر يحرم عليه التكلّم ولا يحلّ له حتّى يسلّم، فبمقتضى ثبوت التحريم بالتكبير وسقوطه بالتسليم، نستكشف وجوب إتمامها، فلا يجوز للمكلّف تكليفاً أن يتكلّم متعمّداً في الصلاة، وأنَّ الكلام حرامٌ.
فإذا كان قطع الصلاة حراماً، فلا يمكن رفع اليد عن الصلاة من جهة فوريّة الإزالة، لأنَّ دليلها الإجماع، والقدر المتيقّن فيه غير هذه الصورة، فيؤخذ بإطلاق هذا الدليل، ويجب إتمام الصلاة وإن تأخّرت الإزالة.
على هذا يتمّ ما أفاده.
وأمّا إذا قلنا -كما هو الصحيح-: إنَّ هذه الروايات لا دلالة فيها على الحرمة والحلّيّة التكليفيّة، فإنَّ المراد بالتحريم والتحليل فيها التحريم والتحليل
ــــــــــ[300]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 69، باب النوادر، الحديث 2، من لا يحضره الفقيه 1: 33، باب افتتاح الصلاة وتحريمها وتحليلها، الحديث 68، وسائل الشيعة 1: 366، الباب 1: باب وجوبه للصلاة ونحوها، الحديث 4.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الوضعيّين، وأنَّه إذا كبّر فدخل في الصلاة فلا يجوز له التكلّم وضعاً، وأنَّ عدم التكلّم معتبر في الصلاة، فإذا تكلّم فيها بطلت صلاته، وهذا التحريم الوضعيّ يرتفع بالتسليم، فالكلام المتأخّر لا يبطل الصلاة المتقدّمة.
وفي جملة من الروايات: (أنَّ افتتاحها التكبير وختامها التسليم)(1)، وما يدلّ على أنَّ التحليل والتحريم المذكور في تلك الروايات هو حكمٌ وضعيٌّ لا تكليفيٌّ: استدلالُنا بها على مانعيّة التكلّم في النافلة، مع أنَّها لا يحرم قطعها، ولا يجب إتمامها قطعاً، مع أنَّ هذه الروايات شاملةٌ لها، فإنَّ الحكم فيها حكمٌ لطبيعيّ الصلاة لا لخصوص الفريضة. وما ورد من أنَّ (أوّلها التكبير وآخرها التسليم)(2)، و(أنَّ افتتاحها التكبير وختامها التسليم)، و(أنَّ تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)(3)، كلّ ذلك بيانٌ لحقيقة الصلاة، وأنَّها كذلك سواءٌ كانت نافلةً أم فريضةً. فلا إشكال في أنَّ النافلة لا يحرم قطعها ولا يجب إتمامها،
ــــــــــ[301]ــــــــــ
() الكافي 8: 140، حديث عيسى بن مريم، الحديث 103، الأمالي(الصدوق): 521، المجلس الثامن والسبعون، الحديث 1، وسائل الشيعة 6: 415، الباب 1: باب وجوبه في آخر الصلاة، الحديث 2وقد ورد ما لفظه: “يفتتح بالتكبير ويختتم بالتسليم”.
() وسائل الشيعة 4: 646 الباب 19، باب كيفية الأذان والاقامة، الحديث 15. وقد ورد ما لفظه: كما جعل في أولها التكبير.
() الكافي 3: 69، باب النوادر، الحديث 2، من لا يحضره الفقيه 1: 33، باب افتتاح الصلاة وتحريمها وتحليلها، الحديث 68، وسائل الشيعة 1: 366، الباب 1: باب وجوبه للصلاة ونحوها، الحديث 4.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
فكيف يمكن أن يكون تحريمها التكبير، حكماً تكليفياً؟
فلا بدَّ إذن من الحمل على الوضع، إذ لا دلالة في هذه الروايات على حرمة قطع الصلاة.
فيبقى الدليل على ذلك -لو سلّمناه- هو الإجماع، وفيه كلامٌ أيضاً.
إذن، لا فرق بين الإزالة وحرمة قطع الصلاة من هذه الجهة، فإنَّ المدرك في كليهما هو الإجماع، فكما أنَّ القدر المتيقّن في وجوب الإزالة هو عدم مزاحمتها بواجبٍ كالصلاة، فكذلك العكس، فإنَّ القدر المتيقّن من حرمة قطع الصلاة هو ما إذا لم يكن المصلّي مبتلىً بواجبٍ آخر مزاحمٍ له كالإزالة، فالإجماع لا يشمل إتمام الصلاة ولا يشمل الإزالة، لأنَّ لكلٍّ منهما قدراً متيقّناً هو غير مورد الابتلاء بالمزاحمة.
فالحكم هنا يكون هو التخيير، فله أن يتمّ الصلاة ويزيل بعد ذلك، إذ لا دليل على الفوريّة بهذا المقدار، وله أن يقطع الصلاة ويشتغل بالإزالة، ويعيد الصلاة بعد ذلك، لعدم الدليل على الحرمة حينئذٍ، هذا إذا كانت الصلاة فريضةً.
وأمّا إذا كانت الصلاة نافلةً، فالنافلة لا يحرم قطعها يقيناً، ولا يجب الاستمرار بها، ولا إشكال في هذا، فعلى مسلكه يكون هذا داخلاً في بحث الترتّب، فإذا أتمّ النافلة ولم يزل فقد عصى واجباً فعليّاً هو الإزالة، وأتى بشيءٍ آخر، ولا فرق في جريان الترتّب بين أن يكون الأمر المترتّب على عصيان الواجب الفعليّ وجوبيّاً وبين أن يكون استحبابيّاً.
ــــــــــ[302]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
إذا توضّأ المكلّف من الماء المغصوب أو من الإناء المغصوب أو من الأواني المصنوعة من الذهب أو الفضّة، أو توضّأ في مكانٍ مغصوبٍ، أو في فضاءٍ مغصوبٍ -وإن لم يكن المحلّ مغصوباً-، فهل يمكن الحكم بصحّة الوضوء في جميع هذه الفروض أو في بعضها من جهة الترتّب، فيقال بالصحّة إذا عصى وخالف التكليف التحريميّ الفعليّ، فلو توضّأ أو اغتسل هل يمكن الحكم بصحّته من جهة الترتّب أو لا؟
يقع الكلام في مسائل:
إذا توضّأ أو اغتسل بماءٍ مغصوبٍ، فهل يحكم بصحّة هذا الوضوء أو الغسل، مع النهي عن التصرّف بهذا الماء، وعلى تقدير العصيان يؤمر بالوضوء أو الاغتسال؟
هذا غير ممكنٍ.
والوجه في ذلك: أنَّ التصرّف بهذا الماء بأيّ نحوٍ من أنحاء التصرّف محرّمٌ، فإنَّه تصرّفٌ في ملك الغير، والمفروض عدم الإذن، فيكون التصرّف به غصباً، ولا يمكن أن يكون الحرام مأموراً به، بأن يؤمر بالحرام وبجواز التصرّف فيه، إلَّا أن يرفع اليد عن التحريم، ويجيز التصرّف في ملك الغير، كما في بعض الموارد للضرورة أو الإكراه.
فإذا فرضنا أنَّ التحريم فعليٌّ، فكيف يمكن أن يكون هذا مصداقاً للمأمور
ــــــــــ[303]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
به في الوضوء أو الغسل؟ ففي مثل هذا المورد يُحكم بالفساد، سواءٌ قلنا بالترتّب أم لم نقل، فهو خارجٌ عن موارد الترتّب، إذ إنَّ وظيفة المكلّف عند انحصار الماء بالمغصوب هي التيمّم، فلو توضّأ كان باطلاً.
إذا كان الوضوء أو الغُسل من إناءٍ يحرم التصرّف فيه، إذ قد يقع في إناءٍ مغصوب، وقد يقع في إناءٍ من الذهب أو الفضّة، فهل يحكم بصحّة وضوئه؟
إذا فرضنا أنَّ الإناء كان مغصوباً إلَّا أنَّ الماء الموجود فيه مباحٌ، وقد يُفرض أنَّ الماء غير منحصرٍ به، وأنَّ هناك ماءً آخر يمكنه أن يتوضّأ به أو يغتسل، إلَّا أنَّه بسوء اختياره توضّأ من الماء الأوّل، فلو عُدّ الوضوء أو الغسل تصرّفاً في الإناء خارجاً كما لو كان الوضوء أو الغسل ارتماسيّاً، فلا إشكال في أنَّه تصرّفٌ في الإناء، فيكون حراماً، والحرام لا يكون مصداقاً للواجب، سواءٌ كان هناك ماءٌ آخر أم لم يكن، وكذا الحال إذا قلنا: إنَّ الإغتراف استعمالٌ للإناء، وقد توضّأ فيه.
لكنّ هذه الدعوى باطلةٌ، ولم يدّعِها أحدٌ، فبعد أخذ الماء من الإناء لا يكون صبّه على البدن أو غسل الوجه به تصرّفاً في الإناء، وإنَّما التصرّف كان بأخذ الماء منه، فيدخل مثل هذا الوضوء أو الغسل في مصداق الواجب ذي المقدّمة المحرّمة، إذ كان بمقدّمةٍ محرّمةٍ، وهو التصرّف في الإناء المغصوب، وقد فرضنا أنَّ الماء غير منحصرٍ به، وأنَّ هناك ماءً آخر، فالأمر بالوضوء باقٍ على
ــــــــــ[304]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
حاله، ولا تصل النوبة إلى التيمّم، ولكنّه بسوء اختياره أوجد المقدّمة المحرّمة، وتوضّأ بهذا الماء، وحينئذٍ لا مانع من الحكم بصحّة الوضوء أو الغسل، وإن ارتكب محرّماً.
وقد يُفرض أنَّ الماء منحصرٌ بماءٍ في إناء مغصوب ولا يمكن التصرّف في ذلك الماء بدون التصرّف في الإناء، فوظيفة المكلّف هنا هي التيمّم، لأنَّه فاقدٌ للماء شرعاً، وإن كان واجداً له تكويناً، وقد ذكرنا أنَّ المراد منه الوجدان والفقدان تكويناً وتشريعاً، بأن يكون غير ممنوعٍ من التصرّف فيه، فإذا كانت مقدّمة الوضوء أو الغُسل محرّمةً، فلا أمر بالوضوء حينئذٍ، بل هو مكلف بالتيمم وفاقدٌ للماء.
فإذا توضّأ على هذا الحال، وقد فرضنا أنَّ الوضوء بنفسه ليس مصداقاً للتصرّف، وإنَّما المقدّمة محرّمةٌ، فصبُّ الماء على الوجه ليس بمحرّمٍ، ولا المسح بالرطوبة الباقية محرّمٌ، وإنَّما المحرّم هو أخذه الماء من الإناء، فإذا تصرّف هذا التصرّف المحرّم وتوضّأ فهل يُحكم بصحّة وضوئه أو لا؟
إذا أخذ الماء بمقدارٍ يكفي لتمام غسله أو وضوئه، فهنا لا ينبغي الإشكال في الصحّة، لأنَّ الموضوع قد انقلب، فإنَّه بعد هذا التصّرف المحرّم صار واجداً للماء بمقدار ما يتوضّأ به، وهذا نظير ما إذا كانت هناك مقدّمة أخرى محرّمةٌ، كما لو كان الطريق إلى الماء مغصوباً، فتصرّف في الأرض المغصوبة ومشى فيها، ووصل إلى الماء المباح وتوضّأ، فمثل هذا الوضوء -أيضاً- لا ينبغي الإشكال في صحّته.
ــــــــــ[305]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
إنَّما الإشكال فيما إذا كان وضوؤه وغسله بالتدريج، بأن يأخذ مقداراً من الماء لا يفي بوضوئه، بل يكفي لغسل وجهه فقط، فيحتاج حينها إلى اغترافاتٍ أخرى حتّى يتمّ وضوءَه، فلو توضّأ على هذا الحال، فهل يحكم بصحّة ذلك الوضوء بالترتّب أو لا؟
ذكر شيخنا الأستاذ(1) وغيره(2): أنَّ مثل هذا الوضوء باطلٌ، لأنَّ المكلّف ليس مأموراً بالوضوء، وإنَّما هو مأمورٌ بالتيمم، لأنَّه فاقدٌ للماء، والوضوء من فاقد الماء غير مطلوبٍ، فيُحكم بفساده، لأنَّه غير مأمورٍ به.
إذا كان المراد من الوجدان -الذي هو شرط في الوضوء، بمقتضى الآية الكريمة والروايات- أن يكون واجداً للماء من أوّل الوضوء أو الغسل إلى آخره، بأن يكون متمكّناً منه بتمامه على نحوٍ مباحٍ، فما ذكروه صحيحٌ، ولا إشكال فيه، لأنَّ هذا غير واجدٍ للماء من أوّل الأمر، فإنَّه من أوّل الوضوء ليس عنده ماءٌ يجوز التصرّف فيه، والماء الذي يحلّ التصرّف فيه ليس إلَّا بمقدار غسل الوجه بعد أن غرفه من الإناء المغصوب، مع أنَّ المقدّمة كانت محرّمةً، والشارع ينهى عن الاغتراف الثاني والثالث، فتكون وظيفته التيمّم، لأنَّ الوضوء غير مأمورٍ به.
وأمّا إذا قلنا: إنَّ الأمر التدريجي يتوقّف على القدرة التدريجيّة لا على
ــــــــــ[306]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 1: 378، 379.
(2) انظر: مطارح الأنظار 56، بدائع الأفكار: 324، 325، العروة الوثقى 1: 477، 478.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
القدرة الفعليّة، وإن فرض أنَّ المكلّف لم يكن قادراً من الأوّل على الإتيان بتمام العمل، فمع ذلك لا مانع من مثل هذا الأمر.
والوجه في ذلك: أنَّ كلّ أمرٍ متعلّقٍ بمركّبٍ تدريجيّ لا بُدَّ من أن يكون الشرط فيه هو القدرة التدريجيّة، ولا بُدَّ من الالتزام بالشرط المتأخّر في الواجبات التدريجيّة، ضرورة أنَّ الأمر بالصلاة -مثلاً- حيث إنَّها واجبٌ تدريجيٌّ، فمن أوّل الأمر مشروطٌ بالركوع الأخير والتشهّد الأخير، فلو طرأ عليه العجز أثناء الصلاة يُستكشف أنَّه لا أمر من الأوّل، لأنَّه واجبٌ ارتباطيٌّ، وليس واجباً استقلاليّاً.
ففي الواجبات التدريجيّة: لا مناص من الالتزام بالشرط المتأخّر، فإنَّ تكبيرة الإحرام -مثلاً- مشروطةٌ ببقاء القدرة إلى إتمام الصلاة، فلو مات في أثنائها أو حاضت المرأة نستكشف أنَّه لا أمر من الأوّل. وهذا واضحٌ.
فإذا بنينا على أنَّ الشرط هو القدرة التدريجيّة، فلا دليل على لزوم وجودها من الأوّل، بل يمكن أن تكون القدرة على بعض الأجزاء موجودةً وبالنسبة إلى الأجزاء الأُخر غير موجودةٍ، ولكنّها توجد شيئاً فشيئاً.
وأمثلة ذلك كثيرةٌ من التكوينيّات والتشريعيّات:
فمن التكوينيّات: ما لو كان عنده ماءٌ بقدر غسل وجهه فقط، فالآن ليس عنده ماءٌ يكفي للوضوء، ولكنّه يعلم أنَّه عند غسل وجهه يحدث عنده مقدارٌ من الماء يفي بغسل يده اليمنى، ويعلم أنَّه عند غسلها يحدث عنده ماءٌ يفي بغسل يده اليسرى، فهل يحتمل أن يُقال: إنَّ وظيفة مثل هذا المكلّف هي
ــــــــــ[307]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
التيمّم، لأنَّه غير واجدٍ لماء يفي بوضوئه، فإنَّنا في أيِّ زمانٍ فرضناه فهو غير واجدٍ للماء تكويناً، مع أنَّ التمكّن من الماء يحدث شيئاً فشيئاً؟
وكذا لو فرضنا أنَّ عنده ماءً يفي بمقدار غسل بعض بدنه، ولكنّه يعلم جزماً بأنَّ شخصاً ما سيأتيه بماءٍ أثناء الغُسل، يكفي للباقي. فهل يحتمل أن يكون مثل هذا غير مكلّفٍ بالغسل، لأنَّه لم يمرّ عليه زمانٌ عنده ماءٌ يكفي لتمام غسله؟
وكذا لو فرضنا أنَّ الماء ينبع له من الأرض وليس لديه إناءٌ، إلَّا أنَّ ذلك الماء لا يكفي لتمام الغُسل، وإنَّما هو بمقدار غرفةٍ أو غرفتين، ولكنّه إذا أخذ منه خرج ماءٌ جديدٌ، فليس هنا زمانٌ يمرّ عليه وهو واجدٌ لماءٍ يكفي لغسله. فهل يحتمل أنَّ هذا مكلّفٌ بالتيمم؟
كلّ ذلك غير ممكنٍ.
ومن التشريعيّات: ما لو كان مالك الماء شخصاً آخر، ولم يأذن له من الأخذ منه إلَّا بمقدار غرفةٍ واحدةٍ، ولكنّ المكلّف يعلم أنَّه بعد أخذ هذا المقدار سوف يأذن له المالك بأخذ مقدارٍ ثانٍ. أفلا يجوز له أن يتوضّأ بهذا المقدار، مع أنَّه غير قادرٍ على ماءٍ يكفي لوضوئه أو غسله في جميع الآنات؟
هذا غير ممكنٍ أيضاً.
والسرّ فيه: ما ذكرناه من أنَّ الشرط هو القدرة التدريجيّة، لا القدرة الفعليّة، إذ لا يعتبر في صحّة الوضوء أو الغُسل أن يكون لديه من الماء ما يكفي له دفعةً واحدةً، بل القدرة التدريجيّة كافيةٌ.
ــــــــــ[308]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وعليه، يمكن الحكم بصحّة الوضوء أو الغُسل في محلّ الكلام بناءً على الترتّب، فإنَّ هذا المكلّف قادرٌ على الوضوء أو الاغتسال بماء يجوز التصرّف فيه جوازاً تدريجيّاً لا دفعيّاً، فما يأخذه من الماء يجوز له التصرّف فيه، وهكذا.
فبناءً على جواز الترتّب وإمكانه، يكون هذا المكلّف واجداً للماء، ولكنّ وجدانه له مشروطٌ بالعصيان، فلا مانع من الأمر بالتيمّم فعلاً، فإذا تيمّم كان صحيحاً، ولكن على تقدير عصيان حرمة التصرّف في الغصب -الذي نشأ منه الأمر بالتيمّم-: يكون قادراً على التصرّف في الماء وواجداً له، فيُحكم بصحّة وضوئه، وإن كان عاصياً لحرمة الغصب.
الظاهر -بناءً على جواز الترتّب-: عدم الفرق بين ما إذا كان الماء منحصراً في الإناء المغصوب، أو كان له ماءٌ آخر، ولم يكن الوضوء تصرّفاً في الإناء المغصوب.
فعلى هذا، يكون غسل وجهه ويديه جائزاً، إلَّا أنَّه عصى وارتكب محرّماً آخر وهو التصرّف بالغصب، وذلك لا يضرّ بصحّة الوضوء.
هذا إذا توضّأ من الإناء المغصوب.
أمّا الوضوء أو الاغتسال في أواني الذهب والفضّة، فإن قلنا: إنَّ التحريم فيها مختصٌّ بالأكل والشرب، وأنَّه لا يجري في باقي الاستعمالات، فالأمر واضحٌ، وهو الحكم بالصحّة في الوضوء أو الاغتسال الارتماسيّ، فضلاً عن الترتيبيّ، فإنَّ المحرّم هو الأكل والشرب من هذه الأواني. أمّا سائر التصرّفات
ــــــــــ[309]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الأُخر كالوضوء والاغتسال وغسل الثياب فيها وغير ذلك من التصرّفات ممّا يكون خارجاً عن الأكل والشرب -إذا بنينا على أنَّها غير محرّمةٍ- فلا إشكال في صحّة الوضوء أو الغسل من أواني الذهب أو الفضّة، وإن فرضنا أنَّه كان تصرّفاً فيها، فإنَّ الإشكال في صحّة الوضوء مبنيٌّ على القول بحرمة جميع الاستعمالات، حتّى غير الأكل والشرب.
ثمَّ إنَّ الإشكال في الصحّة إنَّما يكون فيما لو لم يتمكّن المكلّف من تفريغ الماء على نحوٍ لا يعدُّ تصرّفاً في الإناء واستعمالاً له.
فإن فرّغه على نحوٍ يعدّ استعمالاً للإناء، كتفريغ الماء من الحِبّ إلى الكأس، أو من القدر إلى الإناء، كان هذا تصرّفاً في الحِبّ والقدر، ومعلومٌ أنَّه لا أحد يأكل في القدر ولا يشرب من الحِبّ، وإنَّما يفرغ الماء من الحبّ إلى إناءٍ آخر ليشرب، ويفرغ الطعام من القدر إلى إناءٍ آخر ويأكل.
فإن كان التفريغ على هذا النحو فهو محرّمٌ بناءً على هذا. أمّا إذا كان التفريغ على نحوٍ لا يُعدّ تصرّفاً، كما لو جعل غيره الماء في إناء الذهب أو الفضّة، وفرّغه إلى إناءٍ آخر، فمع التفريغ على هذا الوجه -أي: بشكلٍ لا يُعدّ تصرّفاً- يصحّ الوضوء به بلا إشكالٍ، حتّى لو كان الماء منحصراً بذلك، فإنَّ المفروض أنَّ المكلّف متمكّنٌ من الوضوء والغسل، وهو قادرٌ عليه من دون أن يتصرّف تصرّفاً محرّماً بالتفريغ المحرّم. فإذا أمكن هذا فهو واجدٌ للماء، ومتمكّنٌ من الوضوء أو الغسل.
وأمّا إذا لم يفرّغ وعصى، ولكنّه توضّأ تدريجاً، فيدخل هذا فيما إذا لم يكن
ــــــــــ[310]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الماء منحصراً به، فإنَّ الملاك واحدٌ، وهو التمكّن من الوضوء من دون ارتكاب محرّمٍ، وهذا المكلّف متمكّنٌ من ذلك على الفرض، فهو قادرٌ على الوضوء، إلَّا أنَّه عصى في مقدّمته.
فالإشكال في أواني الذهب والفضّة مبنيٌّ على هذين الأمرين:
وإلَّا فإنَّه يخرج من هذا الباب، فمع هذين الفرضين يكون حكمه حكم الأواني المغصوبة، وما ذكرناه هناك يجري هنا، من دون أيّ فرقٍ، فمع عدم انحصار الماء بهذا الإناء: لا إشكال في صحّة الوضوء والاغتسال.
أمّا إذا كان منحصراً به كانت وظيفته الفعليّة هي التيمّم، ولكنّه لو عصى وتوضّأ، أمكن تصحيح وضوئه على القول بإمكان الترتّب.
ثمَّ إنَّ شيخنا الأستاذ قد حكم -وفاقاً لصاحب العروة(1)– بالفساد في هذا الفرض -فرض التوضّؤ من أواني الذهب والفضّة- والتزم بعدم جريان الترتّب في المقام، فإنَّ الترتّب إنَّما يجري فيما إذا كانت القدرة شرطاً عقلاً في التكليف، لا في الموارد التي تكون القدرة الشرعيّة شرطاً فيها، كما في المقام، فإنَّ القدرة في الوضوء مأخوذةٌ في موضوع الخطاب، على ما تقتضيه الآية المباركة -كما تقدّم- فإنَّ التفصيل قاطعٌ للشركة، وحيث أمرت الآية أوّلاً
ــــــــــ[311]ــــــــــ
(1) انظر: العروة الوثقى 1: 156 المسألة 4، أجود التقريرات 1: 316، 317.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
باستعمال الماء في الوضوء والغسل، ثمَّ قالت: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا(1)، فعلمنا أنَّ الوضوء وظيفة واجد الماء، وأنَّ الفاقد وظيفته التيمّم.
إذن، يعتبر في صحّة الوضوء أن يكون المكلّف واجداً للماء، وهذا المكلّف غير واجدٍ له -كما تقدّم- إلَّا إذا أخذ الماء دفعةً واحدةً، فحينئذٍ ينقلب الموضوع، ويكون متمكّناً، وبخلافه يكون غير متمكّنٍ من التصرّف في الماء، ولا يكون قادراً شرعاً على الوضوء.
وقد ظهر جوابه ممّا تقدّم، فإنَّ وجدان الماء المعتبر في صحّة الوضوء والغسل ليس هو الوجدان حين الشروع في العمل، إذ لا يلزم أن يكون واجداً للماء من الأوّل، فإنَّ هذا غير معتبرٍ لا في القرآن ولا في غيره، بل المعتبر هو أن يكون المكلّف متمكّناً من استعمال الماء عقلاً وشرعاً، عند كلّ فعلٍ من أفعال الوضوء، كلٌّ في ظرفه، والمفروض أنَّه متمكّنٌ كذلك، فإنَّه عند غسل الوجه كان متمكّناً منه بهذا المقدار، وكذلك عند غسل يده اليمنى واليسرى، فهو عند غسل أيّ جزءٍ ليس فاقداً للماء. وأمّا الوجدان بالنسبة إلى الأجزاء الأُخر من الوضوء أو الغسل إلى آخره، فهو غير معتبرٍ في صحّة الوضوء أو الغسل.
وبالجملة، فإنَّ المعتبر من القدرة هو القدرة التدريجيّة، وهي موجودةٌ في المقام، كما إذا كانت القدرة تدريجيّةً تكويناً، كالأمثلة المتقدّمة، فلا إشكال من هذه الجهة.
ــــــــــ[312]ــــــــــ
(1)النساء، الآية: 43، والمائدة، الآية: 6.
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وأشكل شيخنا الأستاذ ثانياً ببيانٍ آخر: بأنَّ هذه الموارد لا يمكن الالتزام فيها بالترتّب، لعدم إحراز الملاك في الواجب المهمّ، وهو الوضوء في محلّ الكلام، فإنَّ طريق إحراز الملاك هو إطلاق متعلّق الخطاب، فإذا أُخذت القدرة شرطاً عقلاً ولم تؤخذ شرطاً في لسان الدليل، فإنَّنا نستكشف أنَّ الملاك ثابتٌ مطلقاً، إلَّا أنَّ جعل التكليف غير ممكنٍ إلَّا على الحصّة المقدورة، فالتقييد إنَّما يكون في مرتبة عروض الحكم، لا في مرتبةٍ سابقةٍ على عروضه، فيثبت أنَّ الملاك ثابتٌ مطلقاً، والأفراد المقدورة وغير المقدورة على حدٍّ سواءٍ في الوفاء بالملاك. وإن كان التكليف خاصّاً بحصّةٍ معيّنةٍ، فحينئذٍ نلتزم بالترتّب، إذ لا مانع من الأمر بالمهمّ عند عصيان الأهمّ، لأنَّ المهمّ واجدٌ للملاك.
أمّا إذا كانت القدرة مأخوذةً في موضوع الخطاب شرعاً -كما في آيتي الوضوء والحجّ- فحينئذٍ لا يمكن الالتزام بالترتّب، لعدم إحراز الملاك، فإنّا لا ندري ما إذا كان الوضوء من أواني الذهب والفضّة واجداً للملاك أو غير واجدٍ له، فكيف يمكن الالتزام بالترتّب في هذه الموارد مع الشكّ في غرض المولى؟
هذا حاصل ما أفاده.
قد تقدّم جوابه مفصّلاً، حيث قلنا فيما سبق: إنّنا لا يمكننا إحراز الملاك من غير جهة الأمر بوجهٍ، ولا فرق في ذلك بين ما إذا كانت القدرة مأخوذةً
ــــــــــ[313]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
شرطاً عقلاً أو شرعاً، فحتّى لو كانت القدرة شرطاً عقلاً فإنّا نحتمل اختصاص الملاك بالفرد المقدور، إذ الكاشف عن الملاك هو الأمر، والتمسّك بالإطلاق غير ممكنٍ.
فإذا قلنا بأنَّ الترتّب متوقّفٌ على إحراز الملاك فلا يمكن الالتزام بالترتّب في جميع الموارد التي لم يحرز فيها.
أمّا إذا كان الترتّب ممكناً وكان مصحّحاً للعمل، فلا حاجة لنا حينئذٍ إلى إحراز الملاك، فإنَّ القدر المتيقّن الذي نرفع اليد عنه هو صورة امتثال الأمر بالأهمّ، فإذا امتثل المكلّف النهي عن التصرّف ولم يتصرّف في الإناء المغصوب أو الذهب والفضّة، فحينئذٍ لا يكون مأموراً بالوضوء بلا إشكال، إذ لا يمكن الأمر بالضدّين.
وإذا عصى وتوضّأ أو اغتسل من هذه الأواني، وتحقّق موضوع الوضوء أو الغُسل، وهو وجدان الماء، فحينئذٍ لا مانع من شمول الأمر له.
والدليل على الترتّب لم يكن متوقّفاً على إحراز الملاك، وإنَّما استكشفناه من إطلاق الدليل، فإنَّ القدر المتيقّن الذي نرفع اليد عنه هو صورة امتثال الأهمّ. أمّا صورة عصيانه، فلا دليل على رفع اليد عن وجوب المهمّ فيها.
وهذا كما يجري في موارد اشتراط القدرة عقلاً، كذلك يجري في موارد اشتراطها شرعاً، كما في المقام، بعين البيان وبملاكٍ واحدٍ.
فعلى ما تقدّم، يجري الترتّب في المقام، ولا مانع من الحكم بصحّة الوضوء أو الاغتسال، وإن كان عصياناً للمولى من هذه الجهة.
ــــــــــ[314]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
قد يفرض أنَّ كلاً من الماء والإناء مباحٌ، إلَّا أنَّ مكان الوضوء مغصوبٌ، يحرم التصرّف فيه -وإن كان الفضاء مباحاً- ومن ذلك: ما إذا كان الفراش مغصوباً، فيتوضّأ فيه.
ولا إشكال في أنَّ التصرّف في المكان المغصوب والكون فيه والتمكّن فيه حرامٌ، لأنَّه تصرّفٌ في مال الغير من دون إذنه أو مع نهيه عنه، وهذا التصرّف حرامٌ.
فإن قلنا: بأنَّ الحرام والواجب -وهو الوضوء- متّحدان في الخارج، وأنَّ التصرّف الوضوئيّ هو مصداقٌ للتصرّف في المكان باعتبار تمكّن المكلّف فيه، كما قيل في الصلاة كذلك، فلا إشكال حينئذٍ في بطلان الوضوء، فإنَّ مصداق الحرام لا يكون مصداقاً للواجب، إلَّا أنَّ هذا لم يقل به أحدٌ، فإنَّ التمكّن في المكان أمرٌ، ووصول الماء إلى البشرة أمرٌ آخر، وليس هناك اتّحادٌ في المصداق بين الواجب والحرام، فمن هذه الجهة -أي: اتّحاد المأمور به والمنهيّ عنه- لا إشكال.
وقد نفرض أنَّ المكان غير منحصرٍ في ذلك، ولكنّ المكلّف بسوء اختياره توضّأ في المكان المغصوب. وقد قلنا: إنَّ الوضوء لا ينطبق عليه عنوان الغصب، وليس هو مصداقاً للحرام، فيمكن للمكلّف أن يأتي بعملين: أحدهما واجبٌ والآخر حرامٌ، وحرمة الحرام لا تسري إلى ما يقارنه من الواجب إذا كان غير منحصرٍ به، فالأمر بالوضوء موجودٌ، إلَّا أنَّه بسوء اختياره يأتي به في مكانٍ محرّمٍ -مقترناً بالحرام- والاقتران بالحرام لا يضرّ بالواجب، فيُحكم
ــــــــــ[315]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
بصحّة وضوئه وإن كان وضوؤه في مكانٍ مغصوبٍ، بعد أن لم يكن الوضوء بنفسه تصرّفاً في المحلّ، وحرمة تصرّفه لا توجب بطلان الوضوء، وقد قلنا: إنَّ الأمر بالوضوء موجودٌ، لتمكّنه من الوضوء في مكانٍ مباحٍ.
وقد يفرض أنَّ المكان منحصرٌ فيه، وأنَّه لا يتمكّن من الوضوء إلَّا في ذلك المكان المغصوب، فحينئذٍ تكون وظيفته الفعليّة هي التيمّم بلا إشكالٍ، لأنَّه غير متمكّنٍ من الوضوء شرعاً. نعم، هو متمكّنٌ منه عقلاً، إلَّا أنَّ الوضوء بعد أن كان ملازماً لحرام، والمكلّف بحسب الخارج عاجز عن إيجاد الوضوء إلَّا بعد ارتكاب المحرّم الإلهيّ، فلا يكون متمكّناً منه شرعاً، فينتقل الأمر إلى التيمّم.
ولكنّه لو عصى، ودخل المكان المغصوب، وتوضّأ فيه، فبناءً على ما ذكرناه من جريان الترتّب حتّى في الوضوء، وأنَّ القدرة المأخوذة في الوضوء هي القدرة التدريجيّة لا القدرة الدفعيّة، إذ لا يعتبر وجدانه للماء الكافي لتمام الوضوء دفعةً واحدةً، بل يكفي وجدانه له تدريجاً، وإذا قلنا: بأنَّ الترتّب أمرٌ لا بُدَّ من الالتزام بإمكانه ووقوعه، فلا مانع حينئذٍ من الحكم بصحّة الوضوء، وأنَّه مصداق للمأمور به، ولكن مترتّباً على العصيان.
وقد ظهر الحال في ذلك في التوضّؤ أو الاغتسال من الإناء المغصوب، أو إناء الذهب أو الفضّة.
إذا فرض أنَّ المكان ليس بمغصوبٍ، ولكنّ الفضاء كان محرّماً، لا يجوز التصرّف فيه، فمرّةً: نفرض أنَّ الوضوء تجرّد عن المسح بل غسل وجهه ويديه في
ــــــــــ[316]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الفضاء المغصوب، ثمَّ يخرج إلى الفضاء المباح ومسح رأسه ورجليه. ومرّة أخرى: نفرض أنَّ المسح يتمّ في الفضاء المغصوب. فهل يحكم بصحّة الوضوء أم لا؟
الكلام هنا بعينه في الوضوء والاغتسال في المكان المغصوب، فلو فرضنا أنَّ الفضاء ليس بمنحصرٍ، ويمكن للمكلّف الوضوء بفضاءٍ آخر، إلَّا أنَّ المكلّف بسوء اختياره اختار هذا المكان، فالأمر بالوضوء موجودٌ، غاية الأمر: أنَّه توضّأ بسوء اختياره في هذا المكان، وارتكب محرّماً، إلَّا أنَّ هذا الحرام لا يسري إلى الوضوء، فإنَّه ليس مصداقاً للتصرّف، بل هو عبارةٌ عن وصول الماء إلى البشرة، وهو مغايرٌ للتصرّف في الفضاء المغصوب، فلا تسري حرمة اللازم إلى الملزوم، ولا مانع حينئذٍ من الحكم بصحّته، فالأمر به موجودٌ.
وإذا فرضنا أنَّ التوضّؤ غير ممكنٍ إلَّا في الفضاء المغصوب، فوظيفة المكلّف الفعليّة حينئذٍ هي التيمّم، إلَّا أنَّه لو عصى وأشغل الفضاء المغصوب، فلا مانع حينئذٍ من الوضوء، لأنَّ الغَسل ليس مصداقاً للتصرّف، بل المصداق له هو إشغال هذا المكان، وحرمة الإشغال لا تسري إلى العمل، فبناءً على الترتّب يصحّ الوضوء.
وأمّا إذا مسح في الفضاء المغصوب، فحينئذٍ يكون وضوؤه باطلاً، لأنَّ إمرار اليد أمرٌ معتبرٌ في المسح، فإنَّه ليس مجرّد وصول الرطوبة إلى الممسوح، بل هو إمرار اليد على الرأس والرجلين، وهذا الأمر تصرّفٌ في الفضاء المغصوب، فلا يمكن أن يكون مصداقاً للواجب، لأنَّه حرام، والحرام لا يكون مصداقاً للواجب.
ــــــــــ[317]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ولا يفرّق في ذلك بين القول بالترتّب وعدمه، وبين الانحصار وعدمه، فلو لم يكن الفضاء منحصراً والمكلّف بسوء اختياره توضّأ فيه، كان إمرار اليد على الرأس والرجلين تصرّفاً في الفضاء المغصوب، ومن جهة كونه مصداقاً للحرام لا يكون مصداقاً للواجب.
أمّا الغَسل فإنَّه وإن كان فيه إمرارٌ، إلَّا أنَّه ليس جزءاً من الوضوء، بل هو مقدّمةٌ خارجيّةٌ اختارها المكلّف، فالواجب إنَّما هو وصول الماء إلى البشرة، وليس هذا مصداقاً للحرام، بخلافه في المسح، فإنَّ نفس الواجب ينطبق عليه الحرام، وهو الإمرار، فإنَّه بنفسه تصرّف في مال الغير، ولا يمكن أن يكون مصداقاً للواجب.
ومن ثمَّ يختلف الحكم بين الغُسل والوضوء، فيحكم بصحّة الغُسل، وبفساد الوضوء إذا وقع كلّه في الفضاء المغصوب. نعم، إذا غسل وجهه ويديه فيه، ومسح في الخارج يحكم بصحّة وضوئه.
ومن هنا يظهر الحال في التيمّم في الفضاء المغصوب، إذ يُحكم بفساده، وليس حاله حال الغُسل، فإنَّ المسح مأمورٌ به في التيمّم، وحيثُ يُعتبر في المسح الإمرار، والإمرار مصداقٌ للتصرّف في الفضاء المغصوب، وهو حرامٌ، فلا يكون مصداقاً للواجب.
هذا تمام كلامنا في مسألة الترتّب.
***
ــــــــــ[318]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
وبهذا يتمّ هذا الدفتر الذي بين يديك بحسن توفيق الله العليّ العظيم وجميل آلائه، من المحاضرات في علم أصول الفقه لسيّد الأمّة ونائب الأئمّة آية الله العظمى سيّدنا السيّد أبو القاسم الخوئي (أدام الله ظلّه)، وقد وقع الفراغ منه بتاريخ آخر محاضرةٍ منه. [السبت 28/8/1384، 2/1/1964].
يحتوي هذا الدفتر على اثنين وستّين محاضرة، وفّقني الله تعالى لكتابتها أثناء إلقائها، إلَّا المحاضرة ما قبل الأخيرة المرقّمة 269، فقد أخذتها من المسجّلة بعد أن لم أستطع حضور الدرس لألمٍ ألمّ بي، ولا بأس أن نشير إلى أنَّه في المحاضرة المرقّمة 260 الملقاة يوم الاثنين التاسع من شعبان 1384 يكمل بها سنتين من بدء سيّدنا الأستاذ بدورته الحاليّة في علم الأصول، والله الموفّق.
تمّ والحمد لله ربِّ العالمين
بيد المحتاج إلى رحمة ربّه الكريم
محمّد بن محمّد صادق الصدر.
النجف الأشرف – العراق
ــــــــــ[319]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
* القران الكريم
ــــــــــ[321]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ــــــــــ[322]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ــــــــــ[323]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
ــــــــــ[324]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
مبحث الضدّ 11
[مقدّمة في بيان أمور] 11
الأمر الأول: [في كون المسألة من المسائل الأصولية]. 11
[الشعبة الأولى: في أنَّها ليست من المسائل الفقهيّة ولا من المبادئ] 11
الشعبة الثانية: في عدم كون المسألة من المباحث اللفظيّة 17
الأمر الثاني: المراد من الضد 18
الأمر الثالث: المراد من الاقتضاء 18
الضدّ الخاصّ 21
دليل القائلين باقتضاء النهي عن ضدّه الخاصّ 21
والمستدلّ جعل هذا أيضاً مبنيّاً على أمرين 22
الوجه الأوّل: ما ذكره النائيني. 26
مناقشة الوجه الأوّل: 32
الوجه الثاني: ما ذكره النائيني 37
الوجه الثالث: ما ذكره الآخوند 43
ــــــــــ[325]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
مناقشة الوجه الثالث 45
الوجه الرابع: ما ذكره صاحب الكفاية 50
مناقشة الوجه الرابع: 53
الوجه الخامس: ما ذكره صاحب الكفاية 56
مناقشة الوجه الخامس 57
رد صاحب الكفاية على الإشكال 59
التفصيل بين الضدّ الموجود والضدّ المعدوم 61
الكلام في الأفعال الاختياريّة وغير الأفعال الاختياريّة 65
الكلام في الأفعال الاختياريّة 65
الكلام في غير الأفعال الاختياريّة 67
توهّم استغناء البقاء عن المؤثّر في بعض الموارد 72
الكلام في الاقتضاء من جهة الملازمة بين وجود ضدّ وعدم الآخر 74
شبهة الكعبيّ 82
الضدّ العامّ 85
القول بالعينية ومناقشته 86
القول بالجزئية ومناقشته 90
القول بالملازمة ومناقشته 91
ــــــــــ[326]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
النهي النفسي 92
النهي الغيري 93
الكلام في ثمرة المسألة 94
مناقشة الثمرة 95
الوجه الأوّل: الفساد على كلّ تقدير 95
الوجه الثاني: الصحّة على كلّ تقدير 96
الكلام في الواجب الموسع إذا زاحمه واجبٌ مضيقٌ 98
رأي المحقّق الثاني 98
إيراد الميرزا النائيني 100
بيان آخر لإيراد شيخنا الأستاذ 102
محصّل كلام شيخنا الأستاذ 104
تصحيح العبادة بالملاك 104
الوجه الأوّل: ما ذكره صاحب الكفاية 105
مناقشة هذا الرأي 106
الوجه الثاني: ما عليه جماعة من المحقّقين 107
مناقشة الوجه الثاني 111
المناقشة نقضاً 111
ــــــــــ[327]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
المناقشة حلاً 113
الفرق بين الدلالة الالتزاميّة والتضمّنيّة 118
الوجه الثالث: ما ذكره الميرزا النائيني 122
الوجوه التي أوردها على نفسه وجوابها 126
مناقشة ما ذكره النائيني 131
مناقشة ما ذكره شيخنا الأستاذ في كشف الملاك 135
الكلام في ما ذكره المحقق الثاني لتصحيح العبادة 136
مناقشة النائيني للمحقّق الثاني 138
خلاصة المناقشة 140
مناقشتنا للميرزا النائيني 140
الكلام بناءً على مسلكنا 144
القدرة المأخوذة في متعلق التكليف 149
التزاحم بين واجبين مضيقين أحدهما أهم 153
بحث الترتّب 159
الأمر الأول: الحاجة إلى البحث 159
الأمر الثاني: في مورد جريان الترتّب 161
الملازمة بين إمكان الترتّب ووقوعه 165
تشخيص محلّ النزاع 170
ــــــــــ[328]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
الكلام في الوضوء 175
مناقشة ما ذكره النائيني 177
مسألة: في إمكان الترتب واستحالته 182
بيان المسألة 183
أدلة جواز الترتب 187
أوّلاً: الوجدان 187
ثانياً: وقوعه عرفاً وشرعاً 188
ثالثاً: الدليل اللمّي 191
في وحدة زمان الأمر بالمهمّ وبالأهمّ وعصيانهما 197
أساس القول بجواز الترتب مع عدم لزوم محذور الجمع 201
صور طلب الجمع 216
الكلام في تطبيقات الكبرى 220
مناقشة الأمثلة 225
ــــــــــ[329]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
أدلّة القول بامتناع الترتّب 234
الوجه الأول 234
تقريب الآخوند 234
مناقشته 236
الوجه الثاني 237
تقريب الآخوند 238
مناقشته 239
الوجه الثالث 242
مناقشته 244
جواب شيخنا الأستاذ 244
الوجه الرابع 246
مناقشته 248
شرطية العزم على العصيان ومناقشتها 255
الكلام في أمور 259
الأمر الأوّل: في شمول قاعدة لا تعاد للجاهل المقصّر 259
استثناء الجهر موضع الإخفات والقصر موضع الإتمام وبالعكس 263
ــــــــــ[330]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
تصوير اجتماع الحكم بالصحّة مع استحقاق العقاب 264
ما ذكره الشيخ كاشف الغطاء في المقام 265
جواب الشيخ الأنصاريّ 266
إشكال الميرزا النائينيّ على الأنصاريّ 266
في مناقشة شيخنا الأستاذ لكاشف الغطاء 268
الوجه الأوّل: 269
الكلام في جريان الترتّب في باب التعارض 271
الوجه الثاني 274
مناقشة الوجه الثاني 276
الوجه الثالث 279
مناقشة الوجه الثالث 286
التحقيق في مسألة الجهر والإخفات والقصر والإتمام 288
ودعوى الإجماع في المقام مردودةٌ: 292
الأمر الثاني: في جريان الترتب إذا كان الواجب المهمّ موسّعاً 294
الأمر الثالث: التفصيل بين وجود الأمر بالأهمّ من الأول وبين تجدّده 298
مناقشة ما ذكره الشيخ النائيني 300
الوضوء بالمغصوب أو بالإناء الذي يحرم التصرّف فيه 303
ــــــــــ[303]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج4
المسألة الأولى: الوضوء بماءٍ مغصوبٍ 303
المسألة الثانية: الوضوء بالإناء الذي يحرم التصرّف فيه 304
الجهة الأولى: الوضوء من إناءٍ مغصوب 304
الجهة الثانية: الوضوء بأواني الذهب والفضّة 309
رأي الشيخ النائيني 311
الردّ على ما ذكره الشيخ النائينيّ 312
إشكال للشيخ النائيني 313
جواب الإشكال 313
المسألة الثالثة: الوضوء في المكان المغصوب 315
المسألة الرابعة: الوضوء في الفضاء المغصوب 316
فهرس المصادر 321
فهرس المحتويات 325