أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
أصول الخوئي الجزء (5)

تقريرات في علم أصول الفقه

الجزء الخامس



261

ص44 الصدر، محمد.

تقريرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج5 (304ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1739/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1739) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

7-15-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com



تقريرات في 

علم أصول الفقه

تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ 

آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي

بقلم 

سماحة الحجة آية العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن محمد الصدر 

الجزء الخامس  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 




بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

 

الكلام في الفرق بين التعارض والتزاحم

 

  • الكلام في موارد التنافي بين الحكمين
  • المرجّحات عند التعارض والتزاحم

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5



الكلام في الفرق بين التعارض والتزاحم(1)

 

ذكرنا غير مرّة: أنَّ الحكم المجعول في الشريعة المقدّسة إنّما يجعل على نحو القضيّة الحقيقيّة، بأن يُفرض هناك موضوعٌ موجود في الخارج ليكون الحكم مجعولاً عليه، ولا يعتبر في ثبوت هذا الحكم وجود الموضوع وتحقّقه خارجاً، فلو فرضنا أن الموضوع لم يكن موجوداً لأمكن جعل الحكم على تقديرٍ، فيجعل وجوب الحجّ على المستطيع وإن لم يكن هناك مستطيع في الخارج، أو يجعل حرمة السرقة والقتل في الشريعة وإن كان جميع المسلمين متديّنين، ليس فيهم قاتل أو سارق. فيصحّ حينئذٍ أن يُقال: إنَّ قتل النفس حرام في الشريعة، وأنَّ القاتل يُقتصُّ منه أو تُؤخذُ منه الدِّيَة، وإن فرض عدم وجود القاتل بحسب الخارج أصلاً.

وهذا الحكم لا يرتفع إلا بالنسخ، ومع عدم نسخه فهو باقٍ في الشريعة، وعدم تحقّق الموضوع في الخارج غير موجب لرفعه في مرحلة ثبوته.

هذه هي المرحلة الأولى من مرحلتي ثبوت الحكم، وهي مرحلة الجعل، حيث يكون فيها إنشاء الحكم على موضوعٍ مقدَّر الوجود.

وهناك مرحلة أخرى: وهي مرحلة الفعليّة في الخارج، والتي نسمّي الحكم 

ــــــــــ[11]ــــــــــ

() كان الشروع في المباحث يوم الأحد 12/10/1384، 14/2/1965.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فيها فعليّاً، وذلك في قبال المرحلة الأولى التي يكون الحكم فيها إنشائيّاً. على أنَّ الحكم إنَّما يكون فعليّاً بفعليّة الموضوع بجميع خصوصيّاته وشرائطه، فلو قتل رجلٌ رجلاً، فإنَّ الحكم الإنشائي الذي كان مجعولاً على الموضوع المفروض الوجود يخرج حينئذٍ من عالم الفرض والتقدير إلى عالم الفعليّة والتحقّق. وحينئذٍ يصحّ أن يُقال: إنّ هذا القاتل يُقتصُّ منه، أو تُؤخذُ منه الدِّيَة، أو أنّ المستطيع يجب عليه الحجّ. فالوجوب الفعلي إنّما يدور مدار فعليّة الموضوع بجميع شرائطه وخصوصيّاته.

وقبل هذا يصحّ أن يُقال: أنّ زيداً لم يكن الحجّ واجباً عليه، والآن وجب عليه، فإنّ الموضوع لم يكن موجوداً فوجد فتحقق الموضوع بتحقّقه، سواء كان زيد مستطيعاً أم لا. فيصح أن يقال: إنَّ الحجّ واجب إذ لم يفرض وجود الموضوع في الخارج بل كان بنحو القضية الشرطية:(إذا وجد مستطيع في الخارج فيجب عليه الحجّ). فوجود الحكم في مرحلة الإنشاء يدور مدار الفرض، ووجوده في مرحلة الفعليّة يدور مدار تحقّق الموضوع، فإذا لم يكن الموضوع محقّقاً لم يكن الحكم متحقّقاً حقيقة، بمعنى تحقّقه في مرحلة الفعليّة.

وهكذا بقية الموضوعات والأحكام المترتّبة عليها، فإذا لاقى ثوب زيدٍ نجاسة صحّ أن يُقال: إنّ هذا الثوب نجس في الشريعة، وقبله لم يكن نجساً، فإنّ موضوع النجاسة هو ملاقاة النجس، ولم يكن هذا الموضوع -وهو الملاقاة- متحقّقاً، فلم يكن الحكم بالنجاسة متحقّقاً، ثُمَّ وُجد الموضوع فوجدت النجاسة.

ــــــــــ[12]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فرفع الحكم في مرحلة الفعليّة إنّما هو بانعدام الموضوع، فكما أنّ تحقّق الحكم بوجود الموضوع، كذلك ارتفاعه بارتفاعه، فلو غسل الثوب لا يحكم بالنجاسة، لأنَّ موضوع النجاسة هو الملاقي الذي لم يُغسل، وأمّا الذي غُسل فليس موضوعاً لها، فلا يكون الحكم حينئذٍ مترتّباً. فارتفاع الحكم في مرحلة الفعليّة بارتفاع الموضوع، كما أنَّ ثبوته بثبوته.

أمّا في مرحلة الإنشاء، فلا دخل في ثبوت الحكم وارتفاعه لوجود الموضوع وعدمه، سواء كان المستطيع موجوداً أو لم يكن فالحكم ثابت في الشريعة المقدّسة، ووجود الموضوع وعدمه غير دخيل في تحقّق الحكم في مرحلة الإنشاء، بل قوامه في هذه المرحلة فرض الموضوع موجوداً وجعل الحكم بنحو القضيّة الشرطيّة، ورفعه إنّما يكون بالنسخ.

ونظير هذا في الأحكام العرفية والأحكام الوضعيّة، كما في باب الوصيّة، إذ يوصي زيدٌ بأن يُعطى من ماله مقدارٌ لعمرو على تقدير موته، فإنشاء الوصيّة يكون من الآن، ويصحّ أن يُقال: إنَّ زيداً أوصى بمقدار من ماله لعمرو، فقد أنشأت وثبتت الوصيّة في مرحلة الجعل والإنشاء، ولا ينسخ هذا الحكم إلَّا بفسخ الموصي، ورفعه اليد عمّا أوصى به، ولا دخل لوجوده وعدمه في موت الموصي وعدمه. 

نعم، للموت دخل في فعليّة هذا الحكم، فلو مات الموصي فقد صار ما كان مفروضاً فعليّاً ومتحقّقاً في الخارج، وما كان مترتّباً على الموت كملكيّة المال أو صرفه في جهة من الجهات يكون فعليّاً، فالآن يصح أن يُقال: إنَّ ثلث هذا المال 

ــــــــــ[13]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

لعمرو، أو: إنَّ ثلث هذا يجب صرفه في جهة من الجهات التي أُوصى بها.

هذا هو الفارق بين مرحلة الإنشاء ومرحلة الفعليّة.

وبعد وضوح هذا، نقول: إنَّ الحكمين تارة يكون أحدهما أجنبيّاً عن الآخر بالكليّة، لا يرتبط أحدهما بالآخر، فلا يمكن أن تقع بينهما معارضة أو مزاحمة كإباحة شرب الماء مع استحباب الصلاة على النبيّ ووجوب الصلاة اليوميّة مع حرمة شرب الخمر مثلاً.

هذه الأحكام بعضها أجنبي عن الآخر، وليس بينها أي منافاة، لا من جهة الجعل ولا من جهة المجعول.

ــــــــــ[14]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5





الكلام في موارد التنافي بين الحكمين

 

أمّا إذا فرضنا أنَّ بينهما منافاة من جهة ما، فحينئذٍ لا يمكن أن يجتمعا في تلك الجهة:

1. التعارض

قد يكون عدم الاجتماع في مرحلة الجعل، يعني: لا يمكن أن يكون الحكمان مجعولين في الشريعة، بل:

  1. إمّا أن يكون المجعول أحدهما خاصّةً.
  2. أو أن يكونا كلاهما غير مجعولين.

كما في موارد تنافي الحكمين من جهة التضادّ أو التناقض ولو بالعرض.

فلو فرضنا أنَّ المجعول في الشريعة هو إباحة شيء في الواقع، فلا يمكن أن تكون الحرمة مجعولة له أيضاً، لأنّ جعل الإباحة والحرمة على موضوع واحد غير ممكن.

ولا يمكن أن يكون الجعل متحققاً كصحة هذه المعاملة وفسادها بعينها.

فحين يكون التنافي بينهما في مرحلة الجعل والإنشاء، بأن يقطع بأنَّ هذين الحكمين غير مجعولين معاً، وأنَّ المجعول إمّا أحدهما أو لا هذا ولا ذاك، أو يحتمل أن لا يكون هذا الفعل واجباً ولا حراماً، بل المجعول فيه هو الإباحة، 

ــــــــــ[15]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ويسمى هذا بالتعارض.

فهذا المورد يكون داخلاً في باب التعارض، أي: أن يكون ثبوت أحد الحكمين مستلزماً لنفي الآخر في مرحلة الجعل وفي مرحلة الإنشاء.

2. التزاحم

قد لا تكون هناك منافاة في مرحلة الجعل، فيمكن أن يكون كلا الحكمين مجعولاً، فإنَّ الجعل في مرحلة الإنشاء إنَّما هو على موضوع مقدّر الوجود، ولا يتوقّف على تحقّق الموضوع بحسب الخارج، فيمكن ألّا يكون الموضوع ثابتاً، ويكون الجعل -مع ذلك- ثابتاً.

كما في جعل الشريعة وجوب الصلاة اليوميّة ووجوب صلاة الآيات أو وجوب الإزالة عن المسجد ووجوب إنقاذ الغريق مثلاً، فكلا الحكمين يمكن أن يكون مجعولاً على القادر المتمكّن على نهج القضيّة الحقيقيّة الشرطيّة، فغير المتمكّن لا يجب عليه شيء(1)، فوجوب صلاة الآيات مجعول على نحو القضيّة الحقيقيّة على كلّ متمكّن، فلو لم يتمكّن من أدائها لمانع من الموانع لا تجب عليه. فجعل الحكم إنّما هو على القادر على نهج القضيّة الحقيقيّة.

فلو فرضنا أنَّه ليس بقادر، لم يكن ذلك منافياً للجعل، فلو لم يكن هناك مستطيع، لم يكن هناك مانع من جعل الوجوب على المستطيع، وإن كان زيد غير مستطيع، ولكنّ الله سبحانه جعل الحجّ على كلّ مَن استطاع، سواء كان زيد 

ــــــــــ[16]ــــــــــ

() إذا وجد هناك قادر على الصلاة اليوميّة فتجب عليه. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

مستطيعاً أم غيرَ مستطيع. هذا أجنبيٌّ عن مرحلة الجعل، وكذلك كون زيد قادراً على الإتيان بصلاة الآيات أو غير قادر، فهو أجنبي عن جعل الحكم على القادر، فالحكم في مرحلة الجعل لم يُجعل على الموضوع المحقّق الوجود، بل على الموضوع المفروض الوجود، وعلى فرض التمكّن وتقديره.

فإذا كانت القدرة مأخوذة في مرحلة الجعل على نحو القضيّة الحقيقيّة وكان الحكم غير ثابت لغير القادر، فلا تنافي في مرحلة الجعل بين جعل الوجوب للصلاة اليوميّة وجعل الوجوب لصلاة الآيات.

فلو فُرض: أنَّ المكلّف لا يستطيع الجمع بينهما لضيق الوقت، أو أنّه لا يستطيع الجمع بين الإزالة والإنقاذ، لم يكن عدم التمكّن مضرّاً بمرحلة الجعل، فيكون كلا الحكمين ثابتاً في مرحلة الجعل، إلَّا أنَّ كلاً منهما ثابت على فرض قدرة المكلّف في الخارج، والمفروض أنَّه غير قادر.

فعدم أحد الحكمين ليس لعدم الجعل، بل لعدم الموضوع في الخارج، فإنَّ المفروض أنّ للمكلّف قدرةً واحدة، يستطيع صرفها في عمل واحد، ويكون حينئذٍ عاجزاً عن الإتيان بالآخر، إذ ليس هناك قدرتان ليكون كلا الحكمين فعليّاً خارجاً، فلا بُدَّ من أن يكون أحدهما غير فعليٍّ، ولكن عدم فعليّته من عدم فعليّة موضوعه خارجاً، من دون أن يكون له مساس بمرحلة الجعل أصلاً. وهذا ما نسميه بالتزاحم.

إذن، التنافي في مرحلة الجعل يرجع إلى التعارض، بأن يستلزم ثبوت أحد الحكمين نفي الحكم الآخر في مرحلة الجعل، فإذا كان المجعول صحّة بيع 

ــــــــــ[17]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

السَلَم -مثلاً- فيقطع بعدم جعل فساده. وأما في مرحلة الفعليّة، فثبوت أحد الحكمين -دون الثاني- لا يستلزم عدم جعل الحكم الثاني، بل هو -أي: الحكم الثاني- مجعول، ولكنه ليس بفعلي، لعدم الموضوع له.

فالتزاحم معناه التنافي في مرحلة الفعليّة، والتعارض معناه التنافي في مرحلة الجعل.

 ولمزيد من الإيضاح، نقول: إنّ الحكم في مقام الجعل لا بُدَّ من أن يكون أحدَ الحكمين، يعني: أحد المدلولين للدليلين المتعارضين، فلو دلّ أحدهما على إباحة شيء والآخر على حرمته، أو دلّ أحدهما على وجوب شيء ودلّ الآخر على إباحته أو استحبابه أو حرمته، فلا محالة يكون المجعول في مقام الجعل أحد الحكمين، ويكون الثاني كاذباً لا محالة، فيلزم من صدق أحدهما كذب الآخر، وقد يكون كلاهما كاذباً، يعني -في الواقع-: لا هذا مجعول ولا ذاك، وأنّ المجعول أمرٌ ثالث.

نَحْوَا التعارض: التعارض قد يكون من جهة المدلولين بنفسهما، يعني: يكون التنافي بينهما ذاتيّاً، كما في موارد النقيضيّن والضدّين، إذ لا يكون شيء واحد محكوماً بالوجوب والحرمة أو بالوجوب وعدمه. فالدليلان اللذان يدلّان على ثبوت الحكمين معاً، أحدهما كاذب قطعاً، والآخر يحتمل كذبه، كما في مورد الضدّين. وأمّا في النقيضيّن، فلا بُدَّ من أن يكون أحدهما صادقاً، لاستحالة ارتفاع النقيضيّن.

وقد يكون التنافي عرضيّاً، فلا يكون الحكمان في أنفسهما متعارضين، كما في 

ــــــــــ[18]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

موارد العلم الإجمالي بعدم جعلهما معاً، وإلاّ فلا تنافي بين الحكمين في أنفسهما، كما في الظهر والجمعة، فلو دلّ دليل على وجوب صلاة الجمعة في يوم الجمعة، ودلّ دليل آخر على أنّ الواجب هو صلاة الظهر في يوم الجمعة، فلا تنافي بين هذين الدليلين، إذ يمكن أن يكون هذا واجباً والآخر واجباً أيضاً، إلَّا أنّنا نعلم من الخارج أنّ الواجب هو صلاة واحدة، إذ لا يجب على المكلّف في اليوم والليلة إلَّا خمس صلوات، فلا يمكن أن يكون كلاً من الظهر والجمعة واجباً، بل الواجب أحدهما دون الآخر، فصدق أحد الدليلين يستلزم كذب الآخر من جهة العلم الإجمالي.

وكذلك في موارد القصر والتمام، فلو دلّ دليل على أنَّ مَن سافر أربعة فراسخ غير قاصد للرجوع ليومه، ويرجع دون العشرة وظيفته القصر، ودلّ دليل آخر على أنّ وظيفته التمام، كان الحكمان متعارضين أيضاً، إذ لا نحتمل أن يكون الواجب عليه القصر والتمام معاً، بل الواجب أحدهما لا محالة، وصدق أحد الدليلين يستلزم كذب الآخر.

إذن، فالتعارض هو تنافي الدليلين من جهة تنافي المدلولين في مقام الجعل، فإمّا أن يكون المجعول هذا أو ذاك. 

هذه هي موارد التعارض ويرجع الأمر فيها إلى الشكّ فيما جعله الشارع وفيما جهل من الشريعة.

وقد قلنا: إنَّ الحكم إذا ثبت في الشريعة لا يرتفع إلَّا بالنسخ، وإلَّا فوجود الموضوع في الخارج وعدمه أجنبي عن ثبوت الحكم في مرحلة الجعل، فإنّ 

ــــــــــ[19]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الحكم مجعول على نحو القضيّة الحقيقيّة، فلو لم يوجد مستطيع لم يكن هذا رافعاً لذلك الوجوب على المستطيع المفروض وجوده. فعدم الموضوع خارجاً لا يوجب رفع الحكم في مرحلة الجعل، بل رفعه إنّما يكون بالنسخ. فهذه هي حقيقة التعارض.

وأمّا التزاحم، فهو التنافي بين الحكمين في مرحلة الفعليّة، وهو أجنبي عن فعل الشارع، ولا ربط له بالآمر، فإنّه إنّما جعل الحكم على الموضوع المقدّر الوجود. ومن جملة ما أُخذ قيداً في الحكم -بحكم العقل- هو القدرة على الامتثال، حيث إنّ تكليف العاجز غير ممكن، فالعقل يعتبر القدرة في مرحلة الامتثال وفي مرحلة فعليّة التكليف.

فإذا فرضنا أنَّ المكلّف لا يتمكّن من امتثال الحكمين، فلا يكشف ذلك عن عدم جعل أحدهما، بل كلاهما مجعول، ولكنّ جعله على الموضوع المفروض وجوده، وهو القادر، وهنا الموضوع غير محقّق، فإنّه قادر على أحدهما دون الآخر، فإذا فرضنا أنّه قدّم أحدهما أو اختار أحدهما بحكم العقل، فينتفي الآخر بانتفاء موضوعه، ولا يكون قادراً على امتثاله من جهة حكم العقل بوجوب تقديم أحدهما أو وجوب اختيار أحدهما، فيكون الآخر غير مقدور، وإذا لم يكن مقدوراً فلا وجوب له، لا من جهة القصور في الجعل، بل لعدم الموضوع خارجاً، فإنّ موضوع الحكم إنّما هو القادر، وهذا ليس بقادر. فنفي الحكم من جهة انتفاء موضوعه لا ربط له بمرحلة الجعل أصلاً، فإنّ الحكم الشرعي لا يتعرض لنفي موضوعه أو إثباته، وإنَّما يثبت الموضوع من الخارج، 

ــــــــــ[20]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فدليل حرمة شرب الخمر – مثلاً- لا يتعرّض إلى أنَّ المائع الخارجي خمر أو لا، ودليل وجوب الحجّ لا يكون متعرّضاً إلى أنَّ زيد مستطيع أو لا.

ومن هنا، لا يكون التزاحم موجباً للتكاذب بين الدليلين، بل يكون كلاهما صادقاً، لكن على تقدير ثبوت موضوعه، ولأحدهما موضوع في الخارج، والآخر لا يكون له موضوع.

كما لو وقعت المزاحمة بين وجوب الإزالة وبين صلاة الكسوف، ولا يتمكّن المكلّف من الجمع بينهما، فهذا التزاحم لا يوجب رفع اليد عن جعل وجوب الإزالة، فإنّه مجعول جزماً وليس دليله كاذباً، كما أنّ الدليل على وجوب صلاة الكسوف صادق أيضاً، والحكم به مجعول جزماً أيضاً، غاية الأمر: أنّ زيداً غير قادر على امتثال كلا الحكمين معاً، فيكون حينئذٍ أحدهما منتفياً بانتفاء موضوعه.

وارتفاع الحكم في مرحلة الفعليّة إنّما يكون بانتفاء الموضوع، فإذا كان الشيء طاهراً لم يرتفع حكمه بالطهارة إلَّا بملاقاة النجاسة، وإذا كان نجساً لم يترفع حكمه بالنجاسة إلَّا بالغسل مثلاً، فرافع الحكم في مرحلة الفعليّة هو انتفاء الموضوع، فإذا وجد الموضوع بتمام قيوده فلا محالة يكون الحكم فعليّاً، بمعنى: أنَّ العقل يلزم بامتثاله، وإذا كان الموضوع منتفياً -ولو بقيد من قيوده- لا يكون الجعل شاملاً له لا محالة.

ومن هنا، يظهر أن تقديم أحد الحكمين على الآخر في باب التزاحم إنّما هو بحكم العقل، فإذا تقّدم أحدهما ينتفي الحكم الآخر بانتفاء موضوعه.

ــــــــــ[21]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

كلام للنائيني

وكان شيخنا الأستاذ يقول(1) -حول ما إذا كان الأصل عند التنافي هو التعارض ليرجع إلى مرجّحات باب التعارض أم هو التزاحم ليرجع إلى مرجّحات باب التزاحم-: إنّ هذا يشبه القول بأنّ الأصل في الأشياء هو الطهارة أو الكشف في بيع الفضولي، حيث إنَّ أحدهما أجنبي عن الآخر لا محالة، فهذان البابان مختلفان من جميع الجهات، ولا يرجع أحدهما إلى الآخر.

فالتعارض إنّما هو في مرحلة الجعل، ويكون الدليل الدالّ على أحد الحكمين دالّاً على كذب الآخر. أمّا التزاحم، فهو في مرحلة الفعليّة والامتثال.

ولذلك قد يكون الحكم الثابت بخبر الواحد مقدّماً على الحكم الثابت بدليل القرآن، أو في السنة القطعيّة، إذا لم يتمكّن المكلّف من امتثالهما معاً، وكان الحكم الثابت بخبر الواحد أهمّ من الحكم الثابت في الكتاب. فإنّ الحكم الثابت من الكتاب كان ثابتاً للقادر، والمفروض أنه ليس بقادر، بمقتضى فعليّة ذلك الحكم.

ولا يرجع هذا إلى التكاذب بين الدليلين لكي يقال: كيف يقدم خبر الواحد على كتاب الله تعالى، فإنَّ التزاحم لا يرجع إلى التكاذب، بل كلا الحكمين مجعول وصحيح، إلَّا أنّه من جهة الأهمّيّة يقدّم الحكم الأهمّ، وإن كان ثابتاً بخبر الواحد، ويكون فعلياً، وحينئذٍ يكون المكلّف عاجزاً عن امتثال الحكم الثابت بالكتاب.

ــــــــــ[22]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 270، 271.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ومثال ذلك باب الاستطاعة وأداء الدين، فلو فرض أنَّه كان عند المكلّف مال يكفيه للحجّ، وكان عليه دين مطالب به، فهل يشكّ أحد أنَّ الدين هو الذي يتقدّم على الحجّ؟ إلَّا أنّ تقديمه لا يكشف عن عدم ثبوت الحجّ على المستطيع، بل إنَّ هذا المكلّف حيث إنَّه ليس بقادر فيرتفع الموضوع بالنسبة إليه، فإنَّ الله تبارك وتعالى جعل هذا الحكم على القادر، وهذا ليس بقادر، فإنّه مأمور بأداء دينه.

فالتنافي في باب التزاحم يكون في مرحلة الفعليّة، والحاكم بتقديم أحد الحكمين على الآخر هنا أو التخيير بينهما هو العقل. وأمّا في باب التعارض، فالتنافي من جهة الجعل، ويكون صدق أحدهما مستلزماً لكذب الآخر لا محالة، وقد يكون كلاهما كاذباً.

وبهذا يكون الفرق بين التعارض والتزاحم واضحاً.

التزاحم في الملاكات

ما سبق الحديث عنه هو التزاحم في مقام الامتثال وهو في طول جعل الأحكام.

وهناك تزاحم آخر -مغاير للأوّل- يكون متقدّماً رتبة على مرتبة جعل الحكم.

وهو التزاحم في الملاكات، إذ قد يكون هناك ملاكان، كلٌّ منهما يقتضي جعل حكم، فيقع بينهما تزاحم، فهنا -مثلاً- مقتضٍ لجعل الوجوب وهو المصلحة، وهنا -أيضاً- مفسدة تقتضي جعل الحرمة، أو مقتضٍ للوجوب 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ومقتضٍ للإباحة، فلكلٍّ من الجعلين مقتضٍ، فلا محالة يكون أحدهما مانعاً من تأثير الآخر، كما تقدّم في مبحث أنَّ الأمر بشيء يقتضي النهي عن ضدّه، حيث قلنا: إنّه كلّما كان هناك مقتضيان، كلٌّ منهما يقتضي شيئاً، وكان مقتضي أحدهما ينافي مقتضي الآخر -يعني: لا يجتمع معه خارجاً- فحينئذٍ يقع التمانع بينهما لا محالة، فيمنع أحدهما من تأثير الآخر.

وهذا التزاحم في مرتبة متقدّمة على الامتثال، ومرتبة سابقة على الجعل، وهو مقتضٍ للجعل، وحيث لا يمكن لكلا الجعلين أن يوجدا معاً في الخارج، فلا محالة يكون المؤثر هو أحد المقتضيين دون المقتضي الآخر، أو لا يؤثر هذا ولا ذاك.

والتزاحم في هذه المرتبة يختصّ بمسلك العدلية، إذ يرون تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد. أمّا على مسلك الأشعري الذي لا يرى ذلك -ولا يعتقد أن الوجوب نشأ من مصلحة تقتضي جعله، وأن الحرمة نشأت من مفسدة تقتضي جعلها- فلا معنى للتزاحم في رتبة سابقة حينئذٍ، إذ لا موضوع له، بل يكون التزاحم منحصراً بالتزاحم في مرتبة متأخّرة هي مرتبة الامتثال، فالالتزام بهذا التزاحم إنّما يتم على مسلك العدليّة في التبعيّة.

ثّم إنّ التزاحم في هذه المرتبة لا ينتهي أمره إلى التخيير أبداً، كما في التزاحم في المرتبة ا لمتأخّرة وهو التزاحم في مقام الامتثال، إذ لا يخلو الحال فيه من الترجيح أو التخيير، بمقتضى حكم العقل بعدم جواز تفويت كلا الملاكين، وصرف القدرة على امثتال أحدهما.

ــــــــــ[24]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وأما التزاحم الذي يكون في مرتبة متقدّمة على مرحلة الجعل، فلا يعقل فيه التخيير، فإذا كان أحد المقتضيين أقوى، كان هو المؤثر دون الآخر، ويكون الجعل على طبقه لا محالة.

وأما إذا فرضنا أنَّ المقتضيين متساويان، ليس في أحدهما أهمّيّة على الآخر، فيسقطان معاً، فلا يؤثر لا هذا ولا ذاك، لا أنَّ المولى يتخيّر بينهما، ويختار أحدهما، لأنّه ترجيح بلا مرجّح. فلو فرضنا أنّ الفعل فيه مصلحة مقتضية لجعل الوجوب فيه، وفيه -أيضاً- مفسدة مقتضية لجعل الحرمة، ووقع التزاحم بينهما، ولم يكن أحدهما أقوى من الآخر، فلا معنى لتخييّر المولى وأن يكون الأمر على طبق إرادته، فإن جعل الوجوب كان له ذلك وإن جعل الحرمة كان له ذلك، بل لا يكون الوجوب والحرمة مجعولين، لأنّ مقتضي كلٍّ منهما مبتلىً بالمانع والمزاحم، فلا يكون هذا مؤثراً ولا ذاك، والنتيجة: أنهّما -المقتضيان- يسقطان معاً عن التأثير.

وقد تكون نتيجة هذا جعل حكم آخر، فبعد سقوط مقتضي الوجوب والحرمة يجعل الشارع الإباحة وهي الترخيص، لعدم المقتضي -أعني: المقتضي الذي هو بلا مانع- للأمر ولا للنهي فيكون المجعول هو الإباحة لا محالة، لأنّ جعل الإباحة لا يحتاج إلى مقتضٍ. نعم، قد تكون الإباحة ناشئة من مقتضٍ يقتضيها، لكن في الغالب لا يحتاج جعل الإباحة إلى وجود المقتضي، بل عدم المقتضي لجعل الوجوب أو الحرمة كافٍ في جعلها، فيكون الفعل محكوماً بالإباحة لا محالة.

ــــــــــ[25]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وقد يكون الحكم مجعولاً على طبق أحد المقتضيين، لا من باب تقديم أحدهما على الآخر، لأنّهما سقطا بعد التمانع، وذلك كما إذا كان في الفعل مصلحة تقتضي جعل الوجوب، وكانت فيه مصلحة نوعية تقتضي جعل الإباحة، فالمقتضيان يتزاحمان، فلا يؤثران، والنتيجة أنّه لا مقتضي لجعل الوجوب، فيجعل الشارع الإباحة، لعدم المقتضي، لا لمقتضي الجعل، فتكون النتيجة نتيجة مقتضي الإباحة، فإنَّ الإباحة لا تحتاج إلى المقتضي، بل يكفي في جعلها عدم المقتضي للوجوب والتحريم، وحيث فرض أنَّ مقتضي الوجوب لم يتمّ، لأنَّه مبتلٍ بالمزاحم، فيكون الفعل محكوماً بالإباحة لا محالة.

وقد يكون المجعول في هذه المرحلة حكماً آخر مخالفاً لكلٍّ من المقتضيين، مخالف لهما بالخصوصيّة لا بالذات. كما لو فرضنا أنّ هناك مقتضياً لجعل وجوب صلاة الجمعة، وكان هذا المقتضي تامَّ الاقتضاء، وكان هناك مقتضٍ لجعل وجوب صلاة الظهر، فهناك فعلان يغاير أحدهما الآخر، وفي كلٍّ منهما مقتضٍ للوجوب، إلَّا أنَّ الجمع بينهما مقرون بالمانع، فلا يتمكّن المولى من إيجاب هذا وإيجاب ذاك، فماذا يصنع؟ إنَّه يجعل هنا وجوباً تخييريّاً، لا أنّه يختار أحدهما، بأن يخصّص الوجوب بخصوص الظهر أو بخصوص الجمعة، لأنّ هذا ترجيح بلا مرجّح، فإنّ كلاً منهما مشتمل على الملاك الملزم بالمحافظة على كلا الملاكين. فيأمر بالجامع ويلغي الخصوصيّة.

نتيجة التزاحم في الملاكات

وكيف كان، فلا ينتهي الأمر في التزاحم في الملاكات إلى التخيير أبداً، بل لا بُدَّ من جعل حكم، فإمّا أن يسقطا معاً فيجعل حكماً ثالثاً، أو يجعل حكماً 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

موافقاً لأحد المقتضيين كما في الإباحة، أو مخالفاً لكلا الحكمين، إلَّا أنَّه مخالف لهما بالخصوصيّة لا في الجامع، فيجرّد الوجوب من خصوصيّة التعيين ويجعله تخييريّاً. فهذا التزاحم يغاير التزاحم في مرحلة الامتثال لهذه الجهة.

ثّم إن التزاحم في مرحلة الجعل يرجع أمره إلى المولى لا إلى العبد، وليس للعبد أن يتدخّل في شؤون المولى، وفيما يجعله، فإنّ ذلك خارج عن وظيفة العبوديّة، بخلاف التزاحم في مرحلة الامتثال، فإنّه راجع إلى العبد فقط، فوظيفة المولى هي جعل الحكم، وقد جعله على القادر، والمفروض أنّ المكلّف غير قادر على امتثال كلا الحكمين، فيكون أحدهما فعليّاً، والآخر غير فعلي.

فالتزاحم في مرحلة الجعل ترجيح أحد المقتضيين على الآخر أو عدم ترجيحه من شؤون المولى، وليس للعبد أن يتدخل في شؤونه بوجه أصلاً.

والسرّ في ذلك: أنّ العبد لا طريق له لإحراز الملاكات الواقعيّة من المصالح والمفاسد، إلَّا عن طريق الأمر. فكيف له أن يكشف أقوائية ملاك التحريم أو ملاك الوجوب، إن لم يرَ أنَّ الشارع قد أوجبه أو حرّمه، فمع قطع النظر عن تكليف الشارع لا طريق للمكلّف إلى إحراز الملاك الواقعي.

وعلى تقدير إحرازه، ليس له أن يتدخّل في شؤون المولى، ويناقش جعله، فلو فرضنا أنّ مولى من الموالي العرفيّة اشتبه عليه الأمر، فجعل الوجوب، فهل يجوز للعبد أن يترك الواجب، ويعتذر بأنّه اكتشف أنّ ذلك الفعل لا ملاك له؟ انظر فإنَّ ذلك غير ممكن أبداً، بل هو عاصٍ لمولاه، ويستحقّ منه العقاب.

ومن هذا القبيل: القوانين المجعولة من قبل الحكومات الوضعيّة، فليس 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

لأحد أن يخالف القانون، معتذراً بأنّه لم ينشأ عن مصلحة في متعلّقه، كما هو الغالب، فلا يُقبل منه هذا العذر، بل يعاقب على المخالفة. فبحكم العقلاء الأمر كذلك.

فليس للعبد أن يتدخّل في شؤون مولاه، بل لا بُدَّ من أن يتّبع الدليل، فأيّ شيء حكم المولى بوجوبه اتّبعه، وما لم يحكم بوجوبه كان منه في مندوحة.

فعلى هذا، يكون البحث في باب التزاحم في المرتبة السابقة، ملغىً بالكليّة، ولا أثر يترتّب عليه، فإنَّه أجنبي عن وظيفة العبد.

نعم، لو فرضنا أنَّ المولى جعل حكماً وبيّن أهمّيّة حكمه، كشف هذا عن أنّ الملاك فيه أهمّ، كما لو أمر بواجب كالصلاة، وذكر أنَّها هي الفارق بين المؤمن والكافر، وأنَّها إذا قُبلت قُبِل ما سواها، وأنّها عماد الدين، كما في الروايات، استكشفنا أنَّ لها أهمّيّة كبيرة وأنّ الملاك فيها قويٌّ جداً، فلو وقعت المزاحمة بينها وبين الإزالة في ضيق الوقت، قدّمنا الصلاة لأنَّنا استكشفنا أهمّيّة ملاكها.

ولكنّ هذا من التزاحم في الامتثال وليس من التزاحم في الجعل، إلَّا أنَّ استكشافنا للأهمّيّة الموجبة للتقديم، نشأ من إحراز الأهمّيّة في الملاك، فما استكشفناه من جعل المولى وحكمه، وإلَّا فمع قطع النظر عن بيان المولى لا طريق لنا إلى استكشاف الأهمّيّة في الملاك.

وهذا الذي ذكرناه كان مبنيّاً على تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد في المتعلّقات، فلو فرضنا أنَّ مصلحة ومفسدة كان كلٌّ منهما يقتضي ما يقتضيه من وجوب وتحريم، فالنتيجة: أنَّ المقتضيين يسقطان، ولا بُدَّ من جعل 

ــــــــــ[28]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الإباحة لعدم المقتضي.

وأمّا إذا فرضنا أنَّ المصالح والمفاسد كانت في نفس الجعل والتكليف كما التزم به بعضهم(1)، ومنهم صاحب الكفاية(2)، إذ ذكر أنَّه لا يلزم أن يكون المتعلّق فيه مصلحة توجب جعل الحكم له، فقد تكون المصلحة في نفس الجعل والحكم، لا في المتعلّق.

فلو كانت هناك مصلحة تقتضي جعل الوجوب ومصلحة تقتضي حكماً آخر كالتحريم أو الإباحة مثلاً، ففي مثل ذلك: لا يمكن للمولى أن يفوّت كلا المصلحتين، ولا بُدَّ له من اختيار إحداهما، إذ يمكن التخيير في مرتبة متقدّمة على التكليف، لكنّ هذا على مبنى غير المبنى الذي ذكرناه، وهو كون المصلحة في نفس التكليف، لا في المتعلّق، ففي الحقيقة: هنا جعلان للمولى، كلّ منهما مشتمل على ملاك ملزم، ولا يمكن صدور كلّ منهما منه، فيتخيّر بينهما لعدم الترجيح.

هذا تمام كلامنا في التزاحم في مرحلة الجعل (التزاحم في الملاكات).

المعاني التي ذكرها النائيني للتزاحم

وقد ذكر شيخنا الأُستاذ(3) أنَّ التزاحم قد ينشأ من عدم قدرة المكلّف على الامتثال، وقد ينشأ من منشأ آخر غير ذلك.

ــــــــــ[29]ــــــــــ

(1) انظر: حاشية الجرجاني على شرح مختصر المنتهى الأصولي 2: 39.  

(2) انظر: كفاية الأصول: 277، 278. 

(3) انظر: أجود التقريرات 2: 504، 505.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

القسم الأوّل: التزاحم من جهة عدم القدرة

وذكر له خمسة أقسام:

الأوّل: أنَّ التزاحم قد ينشأ من عدم القدرة اتّفاقاً لضيق الوقت أو غير ذلك، بحيث لا يتمكّن المكلّف من الجمع بين الأمرين، كالغريقين اللذين لا يتمكّن من إنقاذهما معاً، أو المريضين في الصحراء ولا يتمكّن من حملهما معاً، وغير ذلك من الأمثلة.

الثاني: وقد يكون منشأ التزاحم هو التضادّ الاتفاقي، بأن يكون بين الأمرين مضادة خارجاً، وإن كان بحسب الذات ليس بينهما مضادة، كما إذا كان الوقت ضيقاً ولا يمكن الإتيان بصلاة الخسوف والفريضة لضيق وقتهما معاً، فلا يتمكّن من الإتيان بهما، للتضاد الاتفاقي، الذي أوجبه ضيق الوقت.

الثالث: هو مورد اجتماع الأمر والنهي، بناء على الجواز، يعني: فيما إذا كان المأمور به مغايراً للمنهي عنه، ولكنّهما اجتمعا اتفاقاً في مورد واحد، وقلنا بالجواز، وبأنَّ النهي لا يسري من متعلّقه إلى مقارنه، ولا الأمر يسري من متعلّقه إلى مقارنه.

ففي مثل ذلك: يقع التزاحم بين الأمر والنهي، كما في الصلاة في الدار المغصوبة، إذا بنينا على أنَّ الصلاة غير متحدة مع الغصب خارجاً، وأنَّ ما هو مصداق للصلاة هو غير ما هو مصداق الغصب، ولكنّ هذين المصداقين لا ينفكّان في الخارج، والمفروض: أنَّ أحدهما مأمور به والآخر منهيٌّ عنه، فلا محالة يقع التزاحم بينهما، لأنَّه إذا أراد أن يمتثل الواجب يقع في الحرام، وإذا 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

أراد أن يمتثل النهي ترك الواجب.

وأما لو فرضنا أنَّ متعلّق الأمر بعينه هو متعلّق النهي، أي: مورد واحد تعلّق به الأمر من جهة والنهي من جهة أخرى، كما لو أمر المولى بإكرام العالم، ونهى عن إكرام الفاسق، فاتّحد العنوانان في مورد واحد، فكان هناك عالم فاسق والعياذ بالله، والمفروض: أنَّ الإكرام فعل واحد، وهو مضاف إلى شخص متّصف بوصفين، فهذا لا يكون من موارد التزاحم، بل من موارد التعارض، على ما سيجيء البحث فيه في بحث اجتماع الأمر والنهي وتحقيق موارده إن شاء الله تعالى.

وكذلك لو بنينا على أنَّ متعلّق الأمر غير متعلّق النهي، كما في الصلاة والغصب، وبنينا على أنَّ الأمر يسري إلى ما يكون معه، والنهي يسري إلى ما يكون معه، فحينئذٍ لا يمكن الالتزام ببقاء الوجوب والتحريم، ولا يكون هذا من باب التزاحم، بل لا بُدَّ من أن يكون أحد الحكمين ساقطاً، إذ لا يعقل أن يكون فعل واحد متصفاً بحكمين في وقت واحد، وهذا أيضاً يدخل في باب التعارض، وتمام الكلام فيه في بحث اجتماع الأمر والنهي.

وأما على الوجه الذي ذكرناه، وهو فيما إذا كان متعلّق الأمر مغايراً لمتعلّق النهي، ولم نبنِ على سراية الحكم إلى ما يكون معه، فيكون كلاً من متعلّق الوجوب ومتعلّق الحرمة متّصفاً بحكمه، إلَّا أنَّ المكلّف لا يقدر على امتثالهما خارجاً، فيقع التزاحم بينهما لا محالة.

الرابع: ما إذا كان الحرام مقدّمة للواجب، كما لو توقّف إنقاذ غريق على 

ــــــــــ[31]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

التصرّف بمال الغير -بأرض أو غيرها من الآلات التي يستعان بها على الإنقاذ- من دون رضاه، فهنا تقع المزاحمة بين حرمة التصرّف ووجوب الإنقاذ، فهذا من موارد التزاحم، وحينئذٍ يقدّم الأهمّ لا محالة.

ومن هذا القبيل: موارد الحرق، فلو فرضنا أنَّ إنساناً أو مالاً محترماً احترق، وكان الماء مملوكاً لشخص لا يرضى بالتصرّف فيه، وإطفاء النار متوقّف على الماء، فالحرام هنا يكون مقدّمة للواجب، ويقع التزاحم بينهما.

الخامس: الملازمة الاتّفاقية، فيما إذا فرضنا أنَّ الواجب يستلزم أمراً محرماً -مجرّد الاستلزام لا من جهة المقدّميّة، بل من باب الاتّفاق- كما لو فرضنا أنَّ استدبار الجدي كان محرّماً، واستقبال القبلة كان واجباً في حكم من الأحكام، فيقع التزاحم بينهما بالنسبة إلى من في العراق ومن كان مسامتاً له في الأفق، لأنَّهما أمران متلازمان، لا لكلّ أحد، بل لمن في العراق وما شابهه في الأفق.

هذه هي الموارد التي ذكرها.

مناقشة تقسيم الشيخ النائيني

ولكن الظاهر أن هذا التقسيم لا يرجع إلى محصّل.

والوجه في ذلك: أنَّ الملاك في التزاحم هو عدم قدرة المكلّف على الامتثال، أمّا منشأ عدم القدرة، فهو أجنبيٌّ عن البحث، وهذا يعني: أنَّ تقسيم موارد التزاحم بهذا التقسيم ولو فرضنا أنَّه صحيح، إلَّا أنَّه لا أثر له، فإن ما هو الأساس في التزاحم هو عدم القدرة على الامثتال بعد إمكان جعل كِلا الحكمين، فيكون منشأ هذا: التوقّف أو الملازمة أو غير ذلك. وهذا أجنبي عن البحث.

ــــــــــ[32]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ويمكننا على هذا تقسيم التزاحم إلى غير ذلك من الأقسام بأن نقول: إنَّ التزاحم إمّا أن يقع بين حكمين وجوبيين، أو تحريميين، أو بين حكم وجوبي وحكم تحريمي. إلَّا أنَّ هذا التقسيم لا أثر له أيضاً، إذن فأصل التقسيم بلا موجب.

على أنَّ الأقسام لا تكون خمسة، فإنّ القسم الثاني الذي ذكره شيخنا الأستاذ، وهو التضادّ الاتفاقي -كما إذا ضاق وقت الفريضة ووقت صلاة الكسوف- داخل في عدم القدرة الاتفاقيّة، وليس مقابلاً للقسم الأول، الذي هو أن لا يكون قادراً على الامتثال من جهة الاتّفاق، كما في إنقاذ الغريقين، فعين هذا هو مورد المزاحمة بين الصلاتين، فإن التضادّ في كليهما اتّفاقي، إذ لا نعني بالتضادّ إلَّا عدم إمكان الجمع بينهما.

فجعل هذا قسماً آخر في قبال القسم الأول -بأنّ يُقال هناك تزاحم ناشئ من عدم القدرة الاتّفاقي، وتزاحم ناشئ من التضادّ الاتفاقي- لا وجه له، لأنّ عدم القدرة الاتّفاقي إنّما يكون من جهة التضادّ، وإلَّا فلماذا لا يقدر المكلّف؟ باعتبار التضادّ العرضي والاتّفاقي، لأنّ قدرته قاصرة عن إعمالها في كلا الأمرين.

وأما ما ذكره في القسم الثالث -وهو موارد اجتماع الأمر والنهي وسيجيء الكلام فيه، بناء على أنَّ المأمور به مغاير للمنهي عنه، وأنّ النهي لا يسري إلى متعلّق الأمر ولا الأمر يسري إلى متعلّق النهي- فقد نفرض أنَّ هنا مندوحة، وأنّ المكلّف يتمكّن من الصلاة في غير الدار المغصوبة.

فحينئذٍ من الواضح أنّه لا تزاحم، فإنّ كلاً من الأمر بالصلاة والنهي عن 

ــــــــــ[33]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

التصرّف بالغصب موجود، والمكلّف متمكّن من امتثال كلا الحكمين معاً، بأن يصلّي خارج الدار المغصوبة، فأين التزاحم؟ إنّ التزاحم إنّما يكون في موارد عدم القدرة.

وإذا فرضنا أنَّ المندوحة ليست موجودة، فصحيح أنَّ التزاحم محقّق، إلَّا أنَّ هذا عين القسم الخامس، وهو كون الحرام مستلزماً لترك الواجب وبالعكس، يعني: كان الواجب والحرام -من باب الاتّفاق- أحدهما يستلزم الآخر، فإذا أراد إيجاد الواجب فلا محالة يوجد الحرام، وإذا أراد امتثال النهي فإنَّه يترك الواجب. فأين القسم الثالث؟

فعلى هذا تكون الأقسام ثلاثة، يعني: أنَّ منشأ التزاحم:

  1. إمّا أن يكون هو التضادّ الاتفاقي.
  2. أو أن يكون الحرام مقدمة للواجب.
  3. أو يكون الواجب والحرام متلازمين.
تحقيق الحال فيما إذا كان التضادّ بين الأمرين دائمياً

إنَّ التضادّ بين الأمرين، إن كان اتفاقياً ولم يكن دائمياً، وكان وجود كلّ منهما مستلزماً لعدم الآخر -اتفاقاً- كما هو معنى التضاد، كان المورد داخلاً في باب التزاحم، كما في إنقاذ الغريقين أو صلاة الكسوف عند مزاحمتها الفريضة، أو غير ذلك من الأمثلة التي يجب فيها على المكلّف أمران لا يتمكّن من امتثالهما معاً، فهذا تضادّ اتفاقي، حيث يتمكّن المكلّف من أداء الصلاتين في سائر الأحوال، كما هو الغالب.

ــــــــــ[34]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وأما إذا كان التضادّ دائمياً بحيث لا يتمكّن أيّ مكلّف من الجمع بين الأمرين، فإمّا أن يأتي بهذا أو أن يأتي بذاك.

ذكر شيخنا الأستاذ(1) أن هذا يدخل في باب التعارض، لعدم إمكان التكليف بهما معاً، والمفروض: أنَّ أيَّ مكلّف لا يتمكّن من إيجاد كلا الفعلين، فجعل الوجوب لأحدهما يكون لغواً لا محالة، لأنّه غير قابل للامتثال من قبل أيّ مكلّف، فلا بُدَّ من معاملتهما معاملة المتعارضين.

فلو دلّ دليل على وجوب هذا، ودلّ آخر على وجوب ذاك، وكان هذا وذاك متضادّين بالذات أو بالعرض، كشف ذلك عن أنَّ الحكم مجعول على أحدهما لا على كليهما، فيقع الكلام في تعيين المجعول، ولا بُدَّ -حينئذٍ- من الرجوع إلى قواعد التعارض لتعيين المجعول.

وما ذكره صحيح في الجملة، لا مطلقاً.

بيان ذلك: إذا كان هناك تضادّ بين فعلين فقد يُفرض أنَّهما متضادان ولا ثالث لهما، فإمّا أن يوجد هذا أو يوجد الآخر حالهما حال النقيضين، لا يثبتان معاً ولا يرتفعان معاً، غايته: أنَّهما أمران وجوديّان، لا أنَّ أحدهما أمرٌ وجودي والآخر عدمي، حتى يكونا نقيضين. وذلك كالحركة والسكون، والجهر والإخفات بعد فرض القراءة، والسفر والحضر، فإنَّ المكلّف إمّا مسافر وإمّا حاضر، ولا ثالث لهما.

فإذا كان التضادّ بهذا النحو، ودلّ دليل على وجوب هذا الضدّ ودلّ دليل 

ــــــــــ[35]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 505.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

آخر على وجوب الآخر، كان هذا من باب المعارضة لا محالة، فإنَّ جعلهما معاً غير معقول، لأنّه غير قابل للامتثال، فالمجعول أحدهما لا محالة، وحيث لم يُعلم أيُّهما المجعول، فلا بُدَّ من الرجوع إلى قواعد التعارض لتعيين المجعول منهما.

وأما إذا أمكن فرض ثالث للمتضادّين، فإذا دلّ دليل على وجوب أحدهما ودلّ آخر على وجوب الآخر، وقد فرضنا أنَّ التضادّ بينهما دائمي، فلا يكون هذا داخلاً في باب التعارض، فإنَّ الدليلين غير متعارضين، لإمكان أن يكون كلّ منهما مجعولاً، حيث يمكن أن يكون هذا واجباً وذاك واجباً أيضاً، غاية الأمر: أنَّه تقع المعارضة في الإطلاق، حيث إنَّ ظاهر الدليل هو أنَّ الوجوب غير مشروط، وأنَّ الواجب تعييني، حيث تقدّم في مبحث الأوامر أنَّ الإطلاق يقتضي كون الوجوب مطلقاً(1) وكون الواجب تعيينياً(2) فتقع المعارضة بين الإطلاقين، إذ لا يمكن أن يكون وجوب هذا الضدّ مطلقاً والواجب تعيينياً وأن يكون وجوب الآخر كذلك، فإنَّه غير قابل للامتثال.

وأما أصل الدليل الدالّ على وجوب الضدّين، فلا تكاذب بينهما ويمكن أن يكونا صادقين، ولكن نرفع اليد عن الإطلاق، إمّا بالالتزام بأنّ كلاً منهما من قبيل الواجب المشروط لا من قبيل الواجب المطلق، أي: أنَّ كلاً منهما واجب على تقدير ترك الآخر، فالوجوبان مشروطان، ولا تمانع بينهما، وعلى تقدير ترك أحدهما يكون الآخر واجباً. كما التزمنا بهذا في الترتّب بالنسبة إلى 

ــــــــــ[36]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 2: 302.

(2) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 2: 304.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

المهمّ، مع أنَّ الأهمّ والمهمّ متضادان، حيث قلنا بأنَّ تقييد الوجوب في أحد الطرفين والالتزام بكونه مشروطاً يرفع التنافي، إذا كان وجوب أحد الواجبين مطلقاً وهو الأهمّ، وكان وجوب الآخر -مع أنَّه ضدّ له- مشروطاً، فبهذا يرتفع التنافي، فيمكن جعل كلا التكليفين، فإذا كان هذا ممكناً فيما إذا كان أحد التكليفين مشروطاً فبطريق أولى فيما إذا كان كلاهما مشروطاً.

أو يلتزم بالإطلاقين من هذه الجهة، أي: من جهة الإطلاق والاشتراط، إلَّا أنَّه يقيّد كلاً من الواجبين بعدم الآخر، وتكون النتيجة هي الوجوب التخييري بمفاد(أو)، أي: أن الواجب هذا أو ذاك، فالأمر بكليهما فعلي والوجوب مطلق، ولكن الواجب أحد الأمرين، فيقال: هذا واجب أو ذاك واجب، على نحو الوجوب التخييري.

فإذا كان هناك واجبان متضادّان، وكان لهما ثالث، وكان كلاً منهما مأموراً به، فيحمل الوجوب على الوجوب التخييري، فيرتفع التضادّ، فلا تعارض، ولا تزاحم.

فالمتحصّل: أنَّه إذا كان هناك أمرٌ بالضدّين وكان لهما ثالث، فيلتزم بالتقييد، ونرفع اليد عن إطلاق الوجوب من دون محذور. فهذا خارج عن باب التعارض والتزاحم، وهو من قبيل الجمع الدلالي، وهو كثير في الفقه.

ومن أمثلة ذلك: مسألة القصر والإتمام، وهما من الضدّين اللذين لهما ثالث، بأن لا يقصر ولا يتمّ، كأن يسلّم في الركعة الثالثة كما ذكرنا فيما سبق، فلو أمرنا في موردٍ بالقصر وفي موردٍ آخر بالإتمام، وعلمنا أنَّه لا يجب علينا 

ــــــــــ[37]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

صلاتان، إذ لا يجب على المكلّف في اليوم والليلة إلَّا خمس صلوات، فتقع المضادّة بينهما -لا محالة- فإذا كان أحدهما واجباً فالآخر غير واجب، ففي مثل ذلك يحمل الأمر على التخيير.

إذن، ما ذكره شيخنا الأُستاذ من أنَّ التضادّ إذا كان دائميّاً، يعامل معاملة باب التعارض، ليس -على إطلاقه- صحيحاً، وإنّما يرجع إلى قواعد التعارض فيما إذا كان الضدّان ليس لهما ثالث، فإنّه هنا لا يمكن الوجوب التخييري ولا الواجب المشروط، فإنَّ أحد الضدّين ممّا لا بُدَّ منه، فإذا لم يكن سكون فالحركة موجودة لا محالة، وإذا لم تكن حركة فالسكون موجود أيضاً، فالنتيجة هي التعارض.

في عدم انحصار الكلام في التزاحم على مذهب العدليّة

تحصّل ممّا ذكرنا: أنَّ بحثَي التعارض والتزاحم لا تنحصر تماميتهما على مسلك العدليّة القائلين بتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد، بل هذا يجري على مسلك الأشعري أيضاً، وهو القائل بعدم تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد وإنّما الأحكام بإرادة المولى واختياره، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، من دون أن تكون هناك مصلحة داعية إلى الإيجاب أو التحريم.

فالأشعري -أيضاً- لا بُدَّ من أن يلتزم بأنَّ الفعل الواحد لا يعقل أن يكون واجباً وحراماً، أو واجباً ومباحاً معاً، فإذا دلّ على وجوبه دليل ودلّ دليل آخر على أنَّه ليس بواجب، فلا محالة يكون الدليلان متعارضين، فلا بُدَّ من الأخذ بأحدهما أو طرح كليهما معاً.

ــــــــــ[38]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ولا يفرّق في هذا بين القول بتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد أو عدم القول بالتبعيّة، فإنّ جعل الوجوب والتحريم معاً على موضوع واحد أمر غير ممكن، وهذا واضح، والأشعري لا يجوّز اجتماع الضدّين أو النقيضين، وإنَّ هذا الشيء واجب وليس بواجب.

فالتعارض كما يمكن بناء على مسلك العدليّة، كذلك يمكن على مسلك الأشعري.

وكذلك الأمر في التزاحم، فلو فرضنا أنَّ الحكمين قد جعلا، ولكنّ المكلّف غير قادر على الامتثال كمثال الغريقين، فهنا أيّ فرق بين الأشعري وغيره؟ فإنَّه لا محالة لا بُدَّ أن يكون أحد التكليفين فعلياً دون الآخر.

فملاك التزاحم والتعارض لا يفرق فيه الحال بين القول بتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد وعدم القول بذلك.

ومن هنا يظهر: أنَّ ما ذكره صاحب الكفاية-في بحث اجتماع الأمر والنهي من أنَّ الملاك إذا كان واحداً، ولم يعلم أنّه متحقّق في هذا الفعل أو في ذلك الفعل، كان هذا داخلاً في باب التعارض، أما إذا علمنا أنَّ كلاً منهم واجد للملاك، فيدخل في باب التزاحم- لا أساس له، فإنّ التزاحم والتعارض لا يدوران مدار الملاك، فجعل حكمين متناقضين أو متضادين ممتنع، سواء كان الحكم تابعاً للملاك أو لا. وجعل الحكمين من دون تضادّ أو تناقض ممكن، قلنا بالملاك أو لم نقل. غاية الأمر: أن المكلّف لا يقدر على امتثالهما معاً.

نعم، هناك تزاحم في مرتبة سابقة على مرتبة جعل الأحكام، وهذا التزاحم 

ــــــــــ[39]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

يرجع أمره إلى المولى لا إلى العبد، وهو ليس مقابل التعارض، بل المقابل له الذي يرجع أمره إلى المكلّف هو التزاحم في المرتبة المتأخّرة عن جعل الحكم، لا التزاحم في الملاكات، فإنّ هذا التزاحم أجنبي عن وظيفة المكلّف وليس مقابلاً للتعارض.

إذن، فالتزاحم والتعارض أمران متغايران، لا يشتركان في شيء إلَّا في عنوان التنافي، والتنافي في أحدهما شيء وفي الآخر هناك في شيء آخر، بلا فرق بين القول بالتبعيّة وعدم القول بها.

فتحصّل مما ذكرناه: أنَّ التعارض يتحقّق بالتنافي بين الدليلين في مقام الإثبات، من جهة أن جعل الحكمين معاً غير ممكن، فجعل أحدهما مستلزمٌ لعدم جعل الآخر، وقد يكون كلاهما غير مجعول. ففي مثله لا بُدَّ من الرجوع إلى قواعد التعارض، لتعيين الحكم المجعول من غيره تعييناً أو تخييراً.

وهذا قد يكون من جهة التناقض بين الحكمين، وجعل الحكمين المتناقضين غير معقول، كما لو كان مفاد دليل ثبوت حكم (صم) ومفاد الدليل الآخر عدم ذلك الحكم، أو كان مفاد دليل صحة معاملة وكان مفاد الآخر عدم صحتها. ومن الواضح عدم إمكان جعل هذين الأمرين، فيكون الدليلان متعارضين.

وقد يكون ذلك من جهة التضادّ، فإذا دلّ دليل على استحباب عمل، ودلّ آخر على كراهته أو وجوبه أو إباحته، فيكون الدليلان داخلين في باب التضادّ، أو إذا فرضنا أنّه لا تناقض ولا تضاد بين الحكمين، إلَّا أنّنا علمنا من الخارج أن 

ــــــــــ[40]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

أحدهما غير مجعول، فهذا يكون من التنافي بالعرض، وهذا أيضاً يكون داخلاً في باب التعارض. كما إذا كان أحد الدليلين مفاده ثبوت القصر في سفر، وكان مفاد الدليل الآخر هو ثبوت التمام، وعلمنا من الخارج أن المجعول هو أحدهما، ولا نحتمل وجوب كلٍّ بخصوصه. فإذا احتملنا التخيير نجمع بينهما كما ذكرناه، وإذا لم نحتمله فثبوت أحدهما ينفي الآخر لا محالة. وهذا منحصر في صورة العلم الإجمالي بكذب أحدهما من الخارج.

نظير الشبهات الموضوعية إذا علمنا نجاسة أحد الإنائين لا بعينه، فطهارة أحدهما يستلزم نجاسة الآخر، لكن لا بالذات، إذ يمكن أن يكون كلاهما طاهراً، لكن بعد العلم الإجمالي كانت طهارة أحدهما مستلزمة لنجاسة الآخر لا محالة.

والشبهات الحكمية من هذا القبيل، فإذا علمنا أن الواجب أحد الفعلين، أما القصر وأما التمام، فما دلّ على وجوب القصر ينفي ما دلّ على ثبوت التمام وبالعكس، ففي مثل ذلك يكون الدليلان متعارضين من جهة التنافي العرضي بين الحكمين.

ولا يفرّق في ذلك بين القول بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد أو أن المصالح إنّما هي في نفس جعل الأحكام، أو أنّه لا تبعية أصلاً، وإنّما الأحكام بإرادة المولى واختياره، وأنّه يضع الأحكام من دون مصلحة أو تجنب مفسدة.

مع جميع هذه المباني يتم ما ذكرناه، فإنّ جعل الحكمين المتنافيين بالذات أو بالعرض غير معقول، كانت الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد أو لم تكن.

ــــــــــ[41]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ثُمَّ إنّه قلنا: أنّه إذا دلّ دليل على وجوب ضدّ، ودلّ دليل على آخر على وجوب الضد الآخر، ولا يمكن الجمع بينهما، إذا كان هذان الضدّان لا ثالث لهما يدخل أيضاً في باب التعارض، إذ كما لا يمكن جعل حكمين متضادين كذلك لا يمكن الأمر بالضدّين. إذن أمّا أن يكون المجعول هو هذا أو هو الآخر، ولا يمكن الجمع بين الدليلين بالحمل على التخيير أو الوجوب المشروط، إذ إنّ كليهما غير معقول.

إذ التخيير بين ضدّين لا ثالث لهما غير معقول، فإنّ أحدهما حاصل لا محالة، شأنهما في ذلك شأن النقيضين. كذلك الوجوب المشروط، بأن يكون إيجاب أحدهما مشروطاً بعدم الآخر، هذا أيضاً غير معقول، لأنّه تحصيل للحاصل، فإنّه إذا كان أحدهما معدوماً كان الآخر موجوداً، ولا معنى لطلبه.

إذن يكون كل من الحكمين تعيينياً، وهذا لا يمكن، إذ لا يعقل طلب الجمع بين الضدّين، فيقع التنافي بين الدليلين، فيدخل في باب التعارض، للعلم بأن أحد الحكمين غير مجعول.

إذ يستحيل الأمر بالضدين، فكما لا يمكن الجمع بين حكمين متضادين، يعني نفس الحكمين متضادان، كذلك لا يمكن الجمع بين حكمين يكون متعلّق كل منهما مضاد للآخر، فإن الأمر بالضدين تكليف بما لا يطاق، وأمر غير معقول، فيحصل بذلك التعارض بين الدليلين لا محالة

وأما إذا كان للضدّين ثالث فأنّه حينئذٍ لا يدخل في باب التعارض، إذ لا مانع من الأمر بالضدّين معاً أمراً مقيداً مشروطاً، أو يكون متعلّق الأمر هو 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الجامع بين الضدين، ليكون الوجوب تخييرياً، إذ يمكن رفعهما والإتيان بضد ثالث، فيصح الأمر بهما تخييراً أو مشروطاً، فلا يدخل في باب التعارض. وإن كان شيخنا الأستاذ أدرجه فيه. وقلنا: إنَّ التعارض إنّما هو في الإطلاق، لا في ثبوت أصل الحكم، فنرفع اليد عن إطلاق كل من الدليلين، أمّا من جهة الوجوب فنلتزم بالوجوب المشروط، وأمّا من جهة التكليف فنلتزم بالوجوب التخييري.

فمجموع ما يكون من الدليلين المتعارضين يرجع إلى أحد هذه، وليس هنا قسم آخر.

هذا ما يرجع إلى التعارض.

وأما التزاحم فقد ظهر أنّه أجنبي عن التنافي في مقام الجعل، بل كل من الحكمين مجعول على نحو القضيّة الحقيقيّة على المكلّف القادر على الامتثال، فإذا لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين الامتثالين، فموضوع أحد الحكمين يكون متحقّقاً لا محالة دون موضوع الآخر، لأن المفروض أنَّ القدرة واحدة، وهذه القدرة إذا صرفت في أحد الواجبين فلا محالة يكون عن الآخر عاجزاً، فانتفاء الحكم بانتفاء موضوعه، لا أنّه غير مجعول من الأول.

وقد تحصل من ذلك: أنّ التزاحم يرجع إلى عدم قدرة المكلّف على الامتثال لا محالة، أي: لا يتحقّق التزاحم بين الحكمين إلا بذلك. فإذا كان الحكمان متنافيين من جهة عدم القدرة فيكونان متزاحمين، وأمّا إذا كان التنافي في مقام الجعل فيكونان متعارضين.

ــــــــــ[43]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

القسم الثاني: التزاحم من غير جهة عدم القدرة

وذكر شيخنا الأُستاذ(1) قسماً آخر للتزاحم لم ينشأ من عدم القدرة بل من أمر آخر، وقال: إنَّه قليل، والغالب في التزاحم أن يكون ناشئاً من عدم القدرة، ومثّل لذلك بباب الزكاة.

ولا إشكال في أنَّ الزكاة مجعولة في الشريعة المقدّسة على الإبل بحسب النصب، فالنصاب الأوّل: أن يملك خمسة من الإبل، والثاني: أن يملك عشرة، والثالث: خمسة عشر، والرابع: عشرين، والخامس: خمساً وعشرين، فإذا ملك الإنسان النصاب الخامس وجب عليه أن يدفع خمس شياه على تقدير مضي سنة.

فلو ملك هذا النصاب بأي سبب كان، وبعد مضي ستة أشهر -مثلاً، يعني: في أثناء السنة، وقبل مضي أحد عشر شهراً والدخول في الثاني عشر- ملك ناقة واحدة، فصار المجموع ستة وعشرين، وهو النصاب السادس الذي يجب فيه بنت مخاض، فمقتضى هذا أنَّه بعد ستة أشهر من ملك الناقة الأخرى يجب عليه خمس شياه، إذ يكون قد مضى على ملكه للخمسة والعشرين سنةٌ كاملةٌ، فيجب عليه الزكاة وهي خمس شياه، فإذا مضى ستة أشهر أخرى فصار من أول ملكه للخمسة والعشرين ثمانية عشر شهراً كان مقتضى ما دل على وجوب بنت مخاض فيما إذا ملك ستة وعشرين، أنّه يجب عليه ذلك، لأنَّه مضى عليه سنة وهو مالك لستة وعشرين.

ــــــــــ[44]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 504.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وهذان الحكمان يمكن للمكلّف أن يجمع بين امتثاليهما، ولا مانع من ذلك، بأن يدفع خمس شياه في رأس السنة، ويدفع بنت مخاض بعد مضي ثمانية عشر شهراً من الأول، فهذا أمر ممكن لا محالة، وليس في الجمع بين الحكمين تضادّ ولا تناقض.

ولكنّا علمنا من الروايات أنَّ المال الواحد لا يزكّى في السنة مرّتين، فالستة أشهر التي وقعت في الوسط لا يمكن أن تحسب مرّتين، بأن نضمّها تارة إلى الستة أشهر الأولى فيجب خمس شياه، ونضمّها تارة أخرى إلى الستة أشهر الأخيرة فيجب بنت مخاض، فهذا غير ممكن، لأنّ معناه أنَّ المال الواحد قد زُكّي في السنة مرّتين، وهذا ممّا يعلم بطلانه وأنَّه غير واجب.

وعلى ذلك، يكون الحكمان متزاحمين، فإمّا أن يكون هذا فعليّاً أو ذاك، مع أنَّ المكلّف قادر على امتثال كلا الحكمين.

هذا ملخص ما أفاده.

ولم يذكر مثالاً آخر لهذا القسم من التزاحم.

مناقشة الميرزا

إلَّا أنَّ هذا لا يمكن المساعدة عليه، فإنَّ الحكمين وإن كانا متنافيين، وأنّ المال الواحد لا يزُكى مرّتين في السنة، وإنّ الستة أشهر الوسطى لا بُدَّ من احتسابها في إحدى الطرفين، لا احتسابها مرّة مع الستة أشهر الأولى ومرّة مع الأخيرة.

إلَّا أنّ مقتضى ذلك هو العلم بعدم جعل أحد الحكمين، فإمّا أن يجب عليه 

ــــــــــ[45]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

أن يحتسب الستة أشهر الوسطى مع الأولى ويدفع خمس شياه ولا يجب عليه دفع بنت مخاض بعد ذلك، أو أنّه يجب عليه أن يحتسب الستة أشهر الوسطى مع الأخيرة فيدفع بنت مخاض، ولا يجب أن يدفع خمس شياه قبل ذلك.

فيكون حاله حال القصر والتمام، والجهر والإخفات، والأمر بالجمعة أو الظهر، من الموارد التي علمنا أنّ المجعول فيها أحد الحكمين دون الآخر، وأين هذا من التزاحم بينهما؟

وهذا يعني أنّ التنافي ليس في مقام الفعليّة، وأنّنا نعلم أنّ أحد الحكمين لم يجعل في الشريعة في هذا الفرض، أي: نعلم بعدم الجعل. وأين هذا من التزاحم بين الحكمين؟ وأمّا إذا كانا مجعولين وهو قادر على امتثالهما، فلا ربط لهذا بالتزاحم.

فالتنافي هاهنا في مقام الجعل، ولكنه تنافٍ بالعرض لا بالذات، للعلم بعدم جعل أحد الحكمين، فأمّا أن يكون المجعول هو الأوّل أو الثاني، وهذا يدخل في باب التعارض لا في باب التزاحم.

هذا تمام كلامنا في التفرقة بين هذين البابين.

ــــــــــ[46]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5







المرجّحات عند التعارض والتزاحم

 

يقع الكلام فيما يقتضيه الأصل عند التعارض أو التزاحم، وفيما يرجح به أحد الحكمين على الآخر في مورد التزاحم أو التعارض.

أوّلاً: المرجّحات في باب التعارض

البحث في التعارض مفصّلاً، نتكلم فيه في بحث التعادل والتراجيح كما قد تكلمنا فيه في الدورات السابقة، وهنا نشير إليه إشارة.

قد ذكرنا في بحث التعارض أنّه بناء على الطريقيّة وأنّ جعل الحجية إنّما هو من جهة كونه منجّزاً للواقع، وحقيقة الحجيّة يرجع إلى اعتبار العلم لما ليس هو بعلم تكوينّاً، بأن يجعل المولى المكلّف عالماً بالواقع، فيعتبره عالماً به وواصلاً إليه، وهذا معنى الحجيّة بناء على مسلك الطريقيّة. ونتيجة ذلك: تنجّز الواقع على المكلّف، ولو بعلم إجمالي أو غيره، ويكون هذا معذّراً له على تقدير المخالفة وعدم إصابته للواقع.

بناءً على هذا المسلك -وهو الصحيح في الحجّيّة- وأنّ جعل الحجّيّة إنّما هو طريقي، لا أن تجعل هناك مصلحة على سلوك الأمارة الظنيّة.

ذكرنا هناك: أنّ مقتضى القاعدة هو سقوط المتعارضين عن الحجّيّة، فلا يكون هذا حجّة ولا ذاك حجّة.

ــــــــــ[47]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الوجه في ذلك: أنّ دليل الحجية لخبر الواحد لا يمكن أن يكون شاملاً لكلا الخبرين المتعارضين معاً، لاستحالة جعل الحجّيّة بالنسبة إلى المتناقضين أو المتضادّين، فإنّه لا يمكن التعبّد بأنّ هذا الفعل واجب وليس بواجب، وجعل المكلّف عالماً بما هو مستحيل الجعل غير معقول. وشموله لأحدهما معيّناً ترجيح بلا مرجّح، وشموله لأحدهما تخيّيراً لا دليل عليه، لأنّ دليل الحجّيّة إنّما كان شاملاً لكلّ خبر، وعنوان أحدهما لا بعينه عنوان انتزاعي، وليس هنا خبر ثالث زائداً على هذين الخبرين المتعارضين. فهذا العنوان الانتزاعي لم يتحقّق في الخارج ليشمله دليل الحجّيّة، بل الموجود في الخارج هو هذا الخبر بخصوصه وذاك الخبر بخصوصه، وهما معاً لا يمكن أن يكونا مشمولين لدليل الحجّيّة، وترجيح أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح.

فيسقط دليل الحجّيّة وكأنَّه لم يكن من الأول، وحينئذٍ لا بُدَّ من الرجوع إلى عموم أو إطلاق فوق ذلك، فإن كان فيرجع إليه، ولو فرضنا أنَّه لا عموم ولا إطلاق، فيرجع إلى الأصول العمليّة.

فهذا هو مقتضى القاعدة عند تعارض حجّتيّن ذاتيّتين، بمعنى: أنّ كلاً منهما في ذاتها حجّة لولا المعارضة، إلَّا أنّه بعد التعارض لا يمكن جعل الحجّيّة لكلا المتعارضين، فإنّه مستحيل، لأنّه تنجيز للمتناقضين أو المتضادين وهو محال: وجعل الحجيّة لأحدهما معيّناً ترجيح بلا مرجح، وجعل الحجيّة لأحدهما لا بعينه وإن كان ممكناً لأنّه ليس فرداً ثالثاً غير نفس المتعارضين اللذين لا يمكن أن تشملهما الحجيّة. إذن فلا بُدَّ من الالتزام بالتساقط، 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

والرجوع إلى الإطلاق أو العموم الفوقاني، وإذا لم يكن فالأصل العملي.

هذا ما يقتضيه القاعدة والأصل الأوليّ في المقام.

أمّا بالنسبة إلى غير خبر الواحد، كما عند تعارض إطلاقين من الكتاب أو السنة القطعيّة، فلو فرضنا المعارضة بين إطلاق آية مباركة وبين إطلاق آخر من كتاب أو سنة قطعيّة، فإنّه تجري هذه القاعدة أيضاً، فيفرض الإطلاق كأنّه لم يكن ويرجع إلى الإطلاق أو العموم الفوقاني أو إلى الأصل العملي.

فبالنسبة إلى المتعارضين من غير خبر الواحد، لا بُدَّ من الالتزام بالتساقط أيضاً.

المرجّح عند تعارض أخبار الآحاد

ولكن عند تعارض الخبرين من أخبار الآحاد، لا يمكن الالتزام بذلك، بل لا بُدَّ من العمل بأحد المرجّحات، فإن كان هنا مرجّح فيعمل بالراجح ويطرح الآخر، وذلك من جهة الروايات.

وأما إذا لم يكن هناك ترجيح لأحدهما على الآخر، فهل يلتزم بالتخيير، أو لا يلتزم -كما ذكرنا- وإنّما يتساقطان، فيرجع إلى العموم الفوقاني أو الأصل العملي؟ سيأتي البحث عنه في بحث التعادل والتراجيح، فقد قلنا(1) هناك: إنّه لم يدلّ دليل على التخيير، وأدلّة التخيير كلّها مخدوشة، بل إن كان هناك مرجّح فيؤخذ به، وإلَّا فيسقط الخبران عن الحجّيّة.

إذن، يقع الكلام في الترجيح، وأنّه بأيّ شيء يترجّح أحد الخبرين على ــــــــــ[49]ــــــــــ

(1) انظر: مصباح الأصول 2: 426.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الآخر، فيجب العمل على طبقه.

ذكروا هنا عدة مرجّحات:

  1. منها: الشهرة.
  2. منها: صفات الراوي: فيدخل فيها الأعدليّة والافقهيّة.

ولأجل ذلك يقدّمون الخبر الصحيح على الخبر الموثّق، يعني: إذا كان راوي أحدهما شيعيّاً إماميّاً عادلاً، فإنّ خبره يتقدّم على خبر غير الشيعي، وإن كان ثقة في حديثه متحرّجاً عن الكذب.

ولكنّا ذكرنا هناك: أنَّ كلّ ذلك لا دليل عليه، بل الخبر إذا كان متّصفاً بالحجية في نفسه، وإن فرضنا أن راويه ليس إماميّاً إلَّا أنّه ثقة، كبني الفضّال وغيرهم من الثقات، أو أحمد بن محمّد بن سعيد، الذي هو من أعاظم الرواة الثقات، وإن لم يكن شيعيّاً بالمعنى الأخصّ. فلا يفرّق فيه الحجّيّة بين أن يكون الراوي شيعيّاً إثني عشرياً أم لا، ولا وجه في مقام المعارضة لتقديم ما يكون صحيحاً على غيره، لعدم الدليل على ذلك، بل مقتضى القاعدة هو التساقط كما ذكرنا، وعدم العمل بهما.

هذا إذا لم يكن فيهما مرجّح، وحينئذٍ لا بُدَّ من الرجوع إلى أخبار الترجيح، والذي يثبت فيه الترجيح، أحد أمرين:

المرجّح الأوّل: موافقة الكتاب

فكلَّ رواية كانت موافقة لإطلاق أو عموم كتابي قدّمت على غيرها، فلو دلّت رواية على تخصيص الكتاب ودلّت الأخرى على عدم تخصيصه، فلو 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

كانت الرواية الدالّة على التخصيص مجرّدة عن المعارض أخذنا بها، إذ يجوز تقييد الكتاب بخبر الواحد إذا كان حجّة. ولكنّها ابتليت بالمعارض، فيدور الأمر بين أن نأخذ بالرواية المخصّصة للكتاب فنخصّصه بها، أو نأخذ الأخرى فلا نخصّصه، ونحن مأمورون بالأخذ بما وافق الكتاب، فنأخذ بالموافق، ونطرح المخالف الدالّ على التقييّد ولا نعمل به.

وأمّا إذا لم يذكر الحكم في القرآن أصلاً، وكانت الروايتان متعارضتين، وحينئذٍ نرجع إلى:

المرجّح الثاني: وهو مخالفة العامّة 

فنلاحظ فتاوى العامّة وأقوالهم، فنأخذ بما كان مخالفاً لهم، ونطرح الحكم الموافق لهم.

وهذان المرجّحان قد ثبتا بدليل دلّ على ذلك، والعمدة في ذلك صحيحة القطب الراوندي التي ذكرها الشيخ الأنصاري في روايات الترجيح(1).

وهنا روايات كثيرة دلّت على أنّ مخالف الكتاب ليس بحجّة في نفسه، 

ــــــــــ[51]ــــــــــ

() انظر: فرائد الأصول 2: 774، والصحيحة هي … عن أبي عبد الله أنَّه قال: “إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فذروه، فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعروضهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه، وما خالف أخبارهم فخذوه“. 

وسائل الشيعة 18: 25 الباب 9: باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة، الحديث: 28.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

حيث أمر بردّه، بلسان: لا تصدقوه(1) 

ولم نقله(2)، وغير ذلك(3)، وقد قلنا في مبحث التعادل والتراجيح: إنَّه لا بُدَّ من حملها على ما كان مخالفاً للكتاب والسنّة على نحوٍ لا يمكن الجمع بينه وبين الكتاب، كما في موارد التباين أو العموم من وجه، بحيث يعدّ الخبر معارضاً للكتاب أو السنّة القطعيّة، فمثل هذه الرواية لا تكون حجّة في نفسها من دون أن يكون لها معارض، ولا بُدَّ من طرحها وضربها عرض الجدار.

مناقشة المرجّح الأوّل

أمّا المرجّح الأوّل -وهو موافقة الكتاب- فإنَّ خبر الواحد إذا كان منافياً لإطلاق الكتاب أو عمومه يكون حجّة، لا أنّه في نفسه ليس بحجّة، للعلم القطعي بصدور تقيّيدات وتخصيصات منهم، فكيف يمكن حمل قوله: ما خالف كتاب الله لا تصدقوه(4) أولم نقله على المخالفة بنحو التقيّيد والتخصيص، مع القطع بصدور هذه الروايات منهم.

ويدلّنا على ذلك نفس روايات الترجيح، حيث جعلوا موافقة الكتاب من الترجيح، فكأنَّ الرواية لو كانت بلا معارض لوجب العمل على 

ــــــــــ[52]ــــــــــ

() وقد ورد في الأصل ما لفظه: (فدعوه)، الأمالي (الصدوق) المجلس الثامن والخمسون الحديث: 16، الكافي 1: 172 باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب، الحديث: 1. 

(2) بحار الأنوار 44: 68، 69 باب 19، كيفية مصالحة الحسن بن علي (صلوات الله عليهما) مع معاوية وما جرى بينهما قبل ذلك، الحديث: 13.

(3) واضربوا به عرض الجدار. (المقرّر).

(4) تقدم تخريجه.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

طبقها، إلَّا أنّها من جهة المعارض تسقط عن الحجّيّة.

إذن، أحد معاني المخالفة هو سقوط الرواية عن الحجّيّة في نفسها، وهي المخالفة بنحو التباين أو العموم من وجه والمخالفة بمعنى آخر -وهو المخالفة للعموم أو الإطلاق- لا تضرّ بحجّيّة الرواية، فلو كانت بلا معارض، وكانت واجدة لشرائط الحجّيّة، لخصّصنا بها الكتاب، ولكن لا يمكننا الأخذ بها من جهة المعارض، بل نأخذ بمعارضها الموافق للكتاب.

هذا بالنسبة إلى المرجّح الأول.

مناقشة المرجّح الثاني

وأمّا المرجّح الثاني -وهو مخالفة العامّة وموافقتهم- فهو أيضاً كذلك، فلو فرضنا أنّ الرواية كانت موافقة للعامّة، ولم يكن لها معارض، لأخذنا بها، فإذا كان رواتها ثقاتٍ، إذ ليس كلّ حكم حكم به العامّة مخالفاً للواقع، فإنّ كثيراً من الأحكام مشتركة توجد بيننا وبينهم بلا خلاف، فنفس موافقة العامّة لا يضرّ بحجّيّة الرواية، إلَّا إذا كانت هناك رواية مخالفة لهم ورواية موافقة، ولم يمكن الأخذ بكلا الروايتين، من جهة المعارضة، فهنا أمرونا بالأخذ بالمخالف وطرح الموافق، لكشف المخالف على أنّ الموافق صدر من جهة التقيّة لا من جهة بيان الحكم الواقعي.

فهذان المرجّحان لا إشكال فيهما.

المرجّحات الأخرى في باب التعارض

وأمّا بقيّة ما ذكر في المقام من مرجّحات لأحد المتعارضين، كالترجيح 

ــــــــــ[53]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

بالشهرة أو بصفات الراوي، كالأعدليّة والأورعيّة والأصدقيّة والأفقهيّة، فكلّ ذلك لم يثبت كونه من المرجّحات، وذلك لأنّ ما استدلّ به على هذه الأمور منحصر في المرفوعة والمقبولة، مرفوعة زرارة(1)، ومقبولة عمر بن حنظلة(2).

مناقشة مرفوعة زرارة

أما المرفوعة فمصدرها كتاب عوالي اللئالي، فلا تكون حجّة جزماً، حتّى إنّ صاحب الحدائق ناقش في سندها، وناقشها من جهة صاحب الكتاب، ومن جهة نفس الرواية، مع العلم أنَّه ليس من دأبه المناقشة في سند الروايات.

على أنَّ هذه المرفوعة معارضة بالمقبولة من جهة التقديم والتأخير، تقديم الشهرة على صفات الراوي.

مناقشة مقبولة عمر بن حنظلة

وأما المقبولة، فسندها غير تامّ، وذلك لأنّ عمر بن حنظلة لم يردّ عنه توثيق، فهو مجهول الحال، لا نعرف حاله، وإن سميت روايته مقبولة، بقبول 

ــــــــــ[54]ــــــــــ

(1) عوالي اللئالي 4: 133، الخاتمة، الجملة الثانية: في الأحاديث المتعلّقة بالعلم وأهله وحامليه، الحديث: 229، بحار الأنوار 2: 245، 246، كتاب العقل والعلم والجهل، الباب 29، الحديث: 57، الوافي 1: 291، كتاب العقل والعلم والتوحيد، أبواب العقل والعلم، في ذيل الحديث 230.

(2) الكافي 1: 67، 68، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث، الحديث: 10، تهذيب الأحكام 6: 301، 302، كتاب القضايا والأحكام، الباب 92، الحديث: 52، وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، الباب 9، الحديث: 1.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الأصحاب لها إلَّا أنّ ذلك لا يكفي بعد أن لم يرد توثيق للراوي. إلَّا في رواية واحدة، كما سيأتي في باب الأوقات، حيث يقول الإمام: إذن لا يكذب علينا(1). وهو توثيق صريح منه لعمر بن حنظلة، فلو كانت هذه الرواية معتبرة ورواتها ثقاتٍ، لقلنا إنَّ عمر بن حنظلة ثقة وأيّ ثقة، لأنّ الإمام يوثّقه، إلَّا أنّها رواية ضعيفة، فلا تُثبت توثيقه، فلا يمكن العمل بروايته.

فهذه الرواية من ناحية السند غير تامّة.

كذلك من جهة الدلالة، فإنَّ الترجيح بالشهرة لا يمكن، إذ الشهرة المذكورة في هذه الرواية ليست بمعنى الشهرة المصطلحة، بمعنى: ذهاب أكثر الفقهاء إلى حكم وذهاب غير الأكثر إلى ضدّه، كما يذكرون: أنَّ المشهور يرى نجاسة الغسالة، ويرى جماعةٌ طهارتها.

فليست الشهرة في الرواية هي المصطلحة كما ذكر ذلك الشيخ الأنصاري في باب خبر الواحد(2)، بل الشهرة مستعملة في معناها اللغوي، فالمشهور بمعنى الظاهر، فشهر سيفه بمعنى سلّه من غمده وأظهره، فالشهرة بمعنى الظهور.

وعلى هذا أمر الإمام في الرواية -لو صحّت- بالأخذ بما هو المشهور بين الأصحاب، أي بما هو ظاهر وواضح صدوره من الإمام، وعليه فالرواية المخالفة تطرح، لأنّها مخالفة للسنّة القطعيّة، وعليه فلا يكون هذا من المرجّحات، بل يكون من باب تميّيز الحجّة عن غير الحجّة، فما كان مشهوراً 

ــــــــــ[55]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 2: 20، كتاب الصلاة، الباب 4، الحديث: 7.

(2) انظر: فرائد الأصول 1: 107.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

يكون حجّة، وغيره لا يكون حجّة ولا يُعتنى به.

ويدلّ على ذلك -مضافاً إلى أنّ معنى الشهرة هو هذا- قوله بعد ذلك: فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه(1). أي: الذي وقع عليه الاتّفاق، ونقله كلّ الرواة، لا ريب فيه. ثّم ذكر -بعد ذلك- قول رسول الله: الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشدّه، وأمر بيّن غيّه، وشبهات بين ذلك(2) وجعل الرواية المشهورة من الأمر البيّن رشدّه، وأنّه يطرح الشاذّ النادر الذي ليس بمشهور. وأين هذا من الشهرة المصطلحة؟

فهذا خارج عن محل الكلام في الترجيح بين المتعارضين، فإنّ هذه الشهرة توجب سقوط الرواية المخالفة لها عن الحجّيّة في نفسها، لأنّها مخالفة للسنّة، وأمّا الترجيح بالشهرة بالمعنى الاصطلاحي فلم يردّ عليه دليل، حتّى خبر ضعيف.

وأمّا صفات الراوي، من الأعدليّة، والأفقهيّة، والأصدقيّة، والأورعيّة، فهذه الصفات جُعلت في الرواية من مرجّحات الحاكم والقاضي، لا من مرجّحات الراوي، فبعد أن صدر حكمين مختلفين من حاكمين، يوصي الإمام -لو صحّت الرواية- بالأخذ بحكم أعدلهما وأفقههما، فهذه من مرجّحات القاضي والحاكم، لا من مرجّحات الراوي، وأنّ الراوي إذا كان أعدل أو أفقه تُرجّح روايته ويؤخذ بقوله، فلم يرد هذا في المقبولة، بل الوارد 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

(1) الكافي 1: 68 باب اختلاف الحديث، الحديث: 10.

(2) نفس المصدر.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فيها هو ترجيح حكم الحاكم الأفقه على غيره، وكذلك في بقيّة الصفات. ولاسيّما في زماننا هذا، إذ لا طريق لنا إلى حكم الإمام إلَّا بعدّة وسائط: خمسة أو ستة، إلى زمان الشيخ الطوسي، وما بعده وإلى زماننا، فثلاثون أو أربعون.

فربما يكون الراوي الأوّل في هذه الرواية أفقه من الراوي الأوّل في الرواية الثانية، والراوي الثاني في الأولى أعدل من الثاني في الثانية، وهكذا. فكيف يمكن الترجيح بهذه الصفات، إذ ليس الراوي واحداً ليأخذ بالأعدل والأصدق والأورع، بل الرواة متعدّدون في الرواية، فبلحاظ أي راوٍ يكون الترجيح؟ قد يكون الراوي الأوّل أعدل في هذه الرواية، والثاني أفقه في تلك، والثالث أورع في الثالثة وهكذا. 

فالإنصاف: أن المقبولة لا تدلّ على الترجيح بصفات الراوي.

إذن، لا فرق بين الخبر الصحيح والخبر الموثّق، يعني إذا كان الرواة كلهم عدول إثنا عشرية، أو لم يكونوا كذلك إلَّا أنّهم ثقات، حتّى لو كانوا من أرباب المذاهب الفاسدة، كالفطحيّة والزيديّة والواقفيّة، فإن ثقات الواقفيّة كثيرون، نأخذ بروايتهم ولو كانوا غير عدول.

هذا ما تقتضيه القاعدة في الترجيح من حيث الشهرة وصفات الراوي، وتمام الكلام في بحث التعادل والتراجيح.

ثانياً: المرجّحات في باب التزاحم

تارة: يقع الكلام فيما إذا لم يكن لأحد المتزاحمين ترجيح على الآخر، فيكون الحكمان في مرتبة واحدة من دون ترجيح، وأخرى: فيما إذا كان لأحدهما 

ــــــــــ[57]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ترجيح على الآخر، فيقع الكلام فيما هو المرجّح.

أوّلاً: إذا لم يكن مرجّح

إذا لم يكن هناك مرجّح، فلا إشكال في أنّ العقل يحكم بالتخيير بين الواجبين، فلو كان بين الواجبين تزاحم يتخيّر المكلّف بين أن يأتي بأيّهما شاء.

وليس الحال في التزاحم كالحال في التعارض، من أنّ القاعدة تقتضي التساقط والرجوع إلى دليل آخر، فإنّا قد ذكرنا أنّه عند التعارض هناك احتمال بأن لا يكون شيء من الحكمين مجعولاً في الشريعة المقدّسة فيحتمل كذب الدليلين، ودليل الحجّيّة غير شامل لهما معاً ولا لأحدهما تعييناً ولا تخييراً، فكأنّه لا دليل في البين، على هذا الحكم، وعلى الحكم الآخر، فيتساقطان فيرجع إلى دليل آخر، وهو إمّا العموم أو الإطلاق، وإذا لم يوجد شيء منهما فالأصل العملي.

هذا الكلام لا يجري في موارد التزاحم، إذ المفروض أنَّ كلا الحكمين مجعول على موضوعه المقدّر الوجود، وهو القادر. فكلا الحكمين مجعول، إلَّا أنّ المكلّف لا يقدر عليهما معاً، فلا يلزم العقل بامتثال كلا الحكمين، لعدم القدرة على ذلك، لكنّ أحد الحكمين بعد فرض تحقّق موضوعه لا يرخّص العقل بتركه.

وحيث لا ترجيح في البين يكون المكلّف مخيّراً بينَ أن يصرف قدرته في هذا فيكون عاجزاً عن امتثال الآخر، وبينَ أن يمتثل الثاني فيكون عاجزاً عن امتثال الأول، وعلى كلا التقديرين لا يكون التكليف ساقطاً، إذ المفروض: أنَّ الحكم 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

مجعول وفعلي من جهة القدرة على امتثاله، فليس للمكلّف أن يرفع اليد عن كلا الحكمين.

وقد تبيّن ممّا ذكرناه في مبحث الترتّب(1): بأنّه لا مانع من الأمر بالضدّين إذا لم يلزم طلب الجمع، وكلا الأمرين فعليٌّ في المقام، لا أنَّ أحدهما فعلي والآخر غير فعلي، حتى يُقال: إنّه لا يكون أحدهما معيناً فعليّاً لعدم الترجيح، ولا أحدهما لا بعينه فعليّاً، فإنّ الواجب هو كلّ واحد بخصوصه، لا أحدهما لا بعينه.

فيتبيّن من مبحث الترتّب أنَّ الأمر بالضدين لا مانع منه إذا لم يلزم منه محذور الجمع، وقلنا هناك: إنَّ الواجبين المتزاحمين إذا كان أحدهما أهمّ، كان التكليف الفعلي على طبقه لا محالة، لفرض القدرة عليه تكويناً وتشريعاً، لأنّ المهمّ لا يمكن أن يكون مانعاً من الأمر بالأهمّ، فالواجب الأهمّ فعليّ، ويكلّف مع ذلك بالمهمّ، لكن لا على الإطلاق، بل مقيّداً بعدم الإتيان بالأهمّ.

وليس هذا تقيّيداً حادثاً يحكم به العقل، بل هو موجود من أوّل الأمر، فإنّ التكاليف مشروطة بالقدرة، إذا امتثل المكلّف الواجب الأهمّ فهو غير قادر على امتثال الواجب المهمّ، فيسقط من جهة عدم القدرة على امتثاله، وإذا لم يمتثل الواجب الأهمّ، كان موضوع المهمّ -وهو القدرة- باقياً، فيجب امتثاله.

وهذا كان أساس كلامنا في الترتّب، من أنَّ الأمر بالضدّين لا يلزم منه طلب الجمع، وإنّما هو جمع في الطلب، فكلاهما مطلوب، لكنّ أحدهما مطلوب على الإطلاق والآخر مطلوب مقيداً بعدم الإتيان بالأول.

ــــــــــ[59]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 4: 190.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وأمّا إذا فرضنا أنَّه لا أهمّيّة في البين، فحينئذٍ يكون الترتّب من الطرفين، فمتى ما أتى بأحدهما يكون الآخر غير مقدور فيرتفع موضوعه، لا أنَّ الحكم الأوّل هو التعيّين، فتبدّل بالحكم التخيّيري، بأن كان الوجوب تعيينيّاً ثم صار تخييريّاً.

فلا نريد بالتخيير هنا أنَّ الوجوب كان تعيينيّاً، وعند المزاحمة يكون تخييرياً بحكم العقل أو الشرع، بل الحكم باقٍ على تعيينيّته، إلَّا أنّ الحكم من أوّل الأمر كان مشروطاً بالقدرة ويسقط عند العجز، فلو تزاحم التكليفان عند مكلّف ولم يتمكّن من الجمع بينهما، فعند ترك أحدهما يكون قادراً على الآخر، فيكون هذا مطلوباً على تقدير ترك الآخر، ويكون الآخر مطلوباً على تقدير ترك الأول. وهذا من الجمع في الطلب لا من طلب الجمع.

ونتيجة ذلك: الالتزام بالترتّب في المتزاحمين، فإذا لم يكن أحدهما أهمّ من الآخر فإنّنا نلتزم بالترتّب من الجانبين، فالأمر بهذا مشروط بعدم الإتيان بذاك، والأمر بذاك مشروط بعدم الإتيان بهذا.

وحينئذٍ، يخيّر العقلُ المكلّفَ في إعمال القدرة في أيّهما شاء، فإذا أتى بهذا فهو معذّر عن الآخر، وإذا أتى بالآخر فهو معذّر عن الأول، بحكم العقل، لأنّه عاجز عن الامتثال.

وهذا هو المراد بالتخيير هنا، لا أنّ الحكم الأول تبدّل من التعيين إلى التخيير.

هذا هو ما تقتضيه القاعدة، إذا لم يكن مرجّح.

ــــــــــ[60]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ثانياً: إذا كان لأحد المتزاحمين مرجّح

وأمّا إذا كان هناك مرجّح لأحدهما على الآخر، فيتقدّم ما فيه المرجّح، ويكون الحكم الفعلي على طبقه، ويكون التكليف بالآخر مشروطاً بعدم الإتيان بالأول.

وقد ذكروا جملة من المرجّحات، نتعرّض لها تِباعاً:

1. المرجّح الأول: تقديم ما لا بدل له

ذكر شيخنا الأُستاذ(1) أن المرجّح الأول في باب التزاحم هو أن يكون لأحد الواجبين بدل، والواجب الآخر ليس له بدل. وقد يفرض هذا في البدل العرضي، كما يفرض في البدل الطولي.

أوّلاً: البدل العرضي الاختياري

أمّا البدل العرضي الاختياري(2)، فكالواجبات التخييريّة، فإنّ الواجبات التخييريّة كلّ منها له عدل وبدل، والعقل لا يلزم باختيار هذا الفرد بعد أن كان الشارع قد خيّر المكلّف بين الأفراد، سواء كان الواجب من طبيعة واحدة كالواجبات الموسّعة، أو من طبائع متعدّدة كموارد التخيير الشرعي كخصال الكفّارة.

فلو تزاحم التكليف التعييني مع التخييري، فيتقدّم ما ليس له بدل على 

ــــــــــ[61]ــــــــــ

(1) انظر: فوائد الأصول 1: 322.

(2) المصدر نفسه.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

غيره، والعقل يحكم بأن يختار المكلّف فرداً غير مبتلى بالمزاحمة، توصلاً لامتثال كلا الواجبين.

فلو فرضنا أنّه كان مبتلىً بالدَين، وكان مطالباً به، وكانت عليه كفّارة أيضاً، والكفّارة يمكن أن تتحقّق بإطعام ستين مسكيناً أو بعتق رقبة أو بصيام شهرين متتابعين، وهذا المكلّف لا مال عنده يفي بأداء الدين والكفّارة، فإذا وفّى دينه لا يتمكّن من دفع الكفّارة، وإذا صرفه في الإطعام أو شراء العبد ليعتقه لا يتمكّن من أداء الدين. فهنا لا محالة يكون المورد من موارد تزاحم أحد أطراف الواجب التخييري مع الواجب التعييني، فيلزم العقل المكلّف بأن يختار الصوم من خصال الكفّارة ويفي دينه أو ينفق على مَن يجب عليه نفقته ليكون ممتثلاً لكلا الواجبين.

والسرّ في هذا التقدّم: هو أنّ الواجب التخييري بالنسبة إلى بعض الأفراد ليس له اقتضاء، وإنّما أمره باختيار المكلّف، فإنّ المولى لم يلزم المكلّف بهذا الفرد ولم يلزمه بالإطعام، فهذا الوجوب التخييري بالنسبة إلى هذا العِدل لا اقتضاء له.

ولكن الواجب التعييني المزاحم له اقتضاء بالنسبة إلى متعلّقه، وهذا المال بمقتضى التكليف يجب صرفه بأداء الدين ودفعه إلى الدائن، ومن الظاهر: أنّ ما له الاقتضاء يقدّم على ما ليس له اقتضاء بالضرورة، ففي مثل ذلك يتقدّم ما ليس له البدل. وعليه، فالعقل يلزم باختيار العِدل غير المزاحم للواجب التعييني من الواجب التخييري، ليكون المكلّف ممتثلاً لكلا التكليفين. غاية الأمر أنّه يختار الفرد الآخر.

ــــــــــ[62]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ومن جملة المصاديق: الواجبات الموسّعة، كما لو فرض وقوع المزاحمة بين الفريضة وصلاة الكسوف، وكان وقت صلاة الكسوف مضيّقاً، ووقت الفريضة موسّعاً، فلا بُدَّ له حينئذٍ من تقديم صلاة الكسوف، فإنّ الأمر بها يقتضي الإتيان بها في هذا الوقت، ولكن الأمر بالفريضة لا يقتضي الإتيان بها في هذا الوقت بخصوصه، حيث يمكنه أن يؤخّرها بعد الانتهاء من صلاة الآيات. فالأمر بالنسبة إلى صلاة الآيات له اقتضاء بالنسبة إلى الإتيان بها في هذا الوقت، وأمّا الفريضة فلا اقتضاء لها من هذه الناحية، وما لا اقتضاء له لا يزاحم ما له الاقتضاء، فيتقدّم ما ليس له بدل على ما له بدل.

هذا الذي أفاده في غاية الوضوح، ولا يمكن المناقشة فيه في نفسه.

مناقشة البدل العرضي

إلَّا أنّ إدراج هذا في باب التزاحم، وجعل ما ليس له بدل راجحاً، وما له بدل غير راجح، فيه مسامحة ظاهرة.

فإنّا قد ذكرنا: أنّ التزاحم يتقوّم بعدم قدرة المكلّف على امتثال كلا التكليفين، بعد الفراغ عن الجعل، وأنّ كلا الحكمين مجعول في الشريعة على الموضوع المقدر الوجود، فلا يمكن الجمع للمكلّف في مقام الامتثال بين الامتثالين، فالتزاحم متقوّم بذلك. وأين المقام من التزاحم؟

فإنّ الوجوب في الواجب التخييري تعلّق بالجامع بين الأمرين أو الأمور مع إلغاء الخصوصيات، وأيّ تزاحم بين الإتيان بذلك الجامع وبين الإتيان بما ليس له بدل، والمفروض أن المكلّف قادر على امتثال كليهما؟

ــــــــــ[63]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فلو فرضنا في الواجب التخييري أنَّ المكلّف لا يتمكّن من الإتيان بفرد واحد، كالعتق في زماننا هذا، فإنّ الواجب يبقى على تخييريّته، ولا ينقلب تعيينيّاً، فإنَّ المطلوب هو الجامع، ولا دخل للخصوصيّة في الوجوب، وإن كان المكلّف لا يتمكّن إلَّا من فرد واحد.

فمتعلّق الوجوب هو الطبيعي الجامع بين الفردين أو الأفراد، وليس بين التكليف بهذا الجامع وبين التكليف بالواجب الآخر تزاحم، إذ المفروض أنّه يتمكّن من امتثالهما، والعقل يلزمه بالإتيان بهما، ويكون ذلك باختياره الفرد الآخر غير المزاحم.

وهذا ليس من باب التزاحم، بل هو خارج عن موضوع باب التزاحم، وليس من التزاحم في شيء، فإنّ التزاحم إنّما يتحقّق إذا لم يتمكّن المكلّف من امتثال كلا التكليفين، فإذا لم يكن ترجيح يتخيّر بالمعنى المتقدّم، وإذا كان لأحدهما بدل تعيّن بدله.

ثانياً: البدل الطولي الاضطراري

وأمّا إذا كان البدل -فيما له بدل- بدلاً اضطراريّاً لا بدلاً اختياريّاً، فكأن يكون هنا واجبان أحدهما له بدل، والثاني له بدل إلَّا أنّ بدليّته مختصّة بحال الاضطرار.

وهنا أيضاً اختار(1) تقديم ما ليس له بدل، بدعوى: إنّ إطلاق دليل ما 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

(1) انظر: فوائد الأصول 1: 327، 328.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ليس له بدل يوجب تعيينه، فلو تزاحم التكليفان كان المكلّف مضطراً إلى اختيار البدل في الطرف الآخر.

وذكر لذلك مثالين:

  1. الأوّل: فيما إذا كان عنده مقدار من الماء، لا يفي بالطهارة الحدثيّة وتطهير ثوبه، فإن صرفه في الطهارة الحدثيّة فلا بُدَّ من أن يصلي بالثوب النجس، وإذا صرفه في تطهير ثوبه فلا بُدَّ له من التيمّم، ولا يمكنه الجمع بينهما، إلَّا أنّ تطهير الثوب لا بدل له، ولكن الطهارة المائيّة لها بدل، وهو التيمّم، فهنا تصل النوبة إلى اختيار هذا الفرد وهو الطهارة الترابيّة.

وإطلاق وجوب استعمال الماء في تطهير الثوب والبدن يقتضي استعمال الماء في تطهير الثوب، ويكون حينئذٍ عاجزاً عن استعمال الماء في الوضوء، لاستلزامه وقوع الصلاة في الثوب النجس، فيلزم عليه حينئذٍ تطهير ثوبه أو بدنه ويصرف الماء في ذلك، ويتيمّم، لأنّه فاقد للماء شرعاً.

  1. والثاني: ما إذا ضاق الوقت ولم يتمكّن من الإتيان بأربع ركعات داخل الوقت، ودار الأمر بين أن يتوضّأ أو يغتسل ويصلي ركعة في الوقت، والباقي خارج الوقت، وبين أن يتيمّم ويقع تمام الصلاة داخل الوقت.

وهنا اختار لزوم التيمّم، لعين الدعوى، أي: من جهة أنَّ الصلاة في الوقت ليس لها بدل، وهو الصلاة خارج الوقت، بخلاف الطهارة المائيّة، فإنّها لها بدل.

ثُمَّ أورد على نفسه في هذا المثال: إنّ هذا له بدل أيضاً، لأدلّة التنزيل، 

ــــــــــ[65]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وقولهم: مَن أدرك من الوقت ركعة… الخ(1)  فمن أتى بركعة واحدة في الوقت فكأنّه أتى بتمام الركعات في الوقت، باعتبار التنزيل.

وأجاب عنه بأنّه وإن كان كذلك، إلَّا أنّه في غير المتمكّن من الإتيان بالصلاة تامّة في الوقت، والمفروض: أنّه متمكّن من ذلك، ولا يمكن أن يجعل نفسه غير متمكّن إلَّا بركعة واحدة.

فهو بالفعل قادر على تمام الوقت، فلا تصل النوبة إلى بدليّة الركعة الواحدة، بل ينتهي الأمر إلى اختيار التيمّم، ويكون هو المتعيّن.

هكذا أفاد.

مناقشة البدل الطولي

وفيه:

أوّلاً: أنّا قد أشرنا سابقاً إلى أنَّ هذه الموارد خارجة من موارد التزاحم بالكليّة، فإنّ التزاحم إنّما يتصوّر بين الواجبين النفسييّن، أو بين واجب وحرام أو بين حرامين لا يتمكّن المكلّف من تركهما معاً، فيقع التزاحم بين الحرمتين، أو يقع التزاحم بين واجب وحرام، فإمّا أن يأتي بالحرام أو يترك الواجب، كما لو كان الواجب متوقّفاً على حرام، ولا يتمكّن من الإتيان بالواجب إلَّا الإتيان بالحرام، أو يكون التزاحم بين واجبين، لا يتمكّن المكلّف من الإتيان بهما معاً.

ــــــــــ[66]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 2: 38 الباب الرابع، أوقات الصلاة وعلامة كل وقت، الحديث: 70.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

هذه هي موارد التزاحم على ما تقدّم الكلام فيه، وتشترك جميع هذه الصور في عدم تمكّن المكلّف من امتثال التكليفين المتزاحمين اللزوميين، فلا بُدَّ له من امتثال تكليف لزومي واحد، وجوبيّاً كان أم تحريميّاً.

مناقشة المثال الأوّل

فإذا لم يكن التكليف لزومياً أو لم يكن مولويّاً، فأين يقع التزاحم في هذه الموارد؟ فإنّ الأمر في هذه الموارد إرشاد إلى الشرطيّة، وليس هو أمراً مولوياً لزوميّاً، بمعنى: أنَّ الطهارة المائيّة معتبرة في الصلاة شرطاً وكذلك طهارة اللباس، لا أنّ الطهارة المائيّة وتطهير الثوب أمر واجب في نفسه، حتى يقع التزاحم بينهما، ففي الحقيقة: لا يتمكّن المكلّف هاهنا من الإتيان بالصلاة مع الطهارة المائيّة التي هي شرط فيها، ومع طهارة الثوب التي هي شرط فيها أيضاً.

فلو كانت هناك مزاحمة فهي بين الأمر بالصلاة مع الطهارة المائيّة والأمر بها مع طهارة الثوب، لا بين الأمر الضمني والأمر الشرطي، الذي تعلّق بالطهارة المائيّة وتطهير الثوب، وليس هذا أمراً مولوياً، بل هو إرشادي مفاده شرطيّة الطهارة الحدثيّة والخبثيّة للصلاة.

ولا معنى لدعوى وقوع التزاحم بين الأمرين الإرشادييّن، فإن كان هنا تزاحم فهو بين الأمر بالصلاة مع الطهارة المائيّة، وبين الأمر بها مع طهارة البدن، وهو لا يتمكّن من امتثال كلا الأمرين.

وإذا سلّم التزاحم بينهما، فلكلٍّ من الواجبين بدل، فإنّ الصلاة مع الطهارة 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الترابيّة بدل عن الصلاة في الطهارة المائيّة، بمقتضى الآية الكريمة والروايات، فشرطيّة الطهارة المائيّة ليست مطلقة، بل منحصرة في حال الاختيار. فينتهي الأمر إلى الصلاة مع الطهارة المائيّة.

وكذلك الصلاة مع نجاسة الثوب أو عارياً على الكلام في هذه المسألة، فلو كان له ثوب واحد نجس، فهل يصلّي فيه أو يصلّي عارياً طاهراً؟ والمسألة محلّ إشكال وكلام، تكلمنا فيه في بحث الفقه(1)، على كلا القولين، الصلاة في النجاسة أو عارياً، بدلاً عن الصلاة في ثوب طاهر.

إذن، فلكلٍّ منهما بدل، فلماذا يتقدّم أحدهما بعينه، أي: لماذا يجب عليه أن يغسل ثوبه ويتيمّم؟ لماذا لا ينعكس الأمر، فيتوضأ ويصلي عاريّاً، أو في الثوب النجس؟

فلو فرضنا أنَّ هنا تزاحماً، فهو بين الواجبين النفسيّين، وهما الأمر بالصلاة مع الطهارة المائيّة، والأمر بها مع طهارة الثوب. أما نفس الأمر بالطهارة المائيّة والطهارة الترابيّة فهو إرشادي، ولا يعقل وقوع التزاحم بين الأمرين الإرشاديين.

وثانياً: أن هذه الموارد خارجة عن موارد التزاحم أصلاً، حتى بالنسبة إلى الأمر النفسي.

والوجه في ذلك: ما تقدّم من أنّ التزاحم إنّما يتحقّق فيما إذا كان هناك تكليفان مجعولان، كلّ منهما مجعول في نفسه، ولا تكاذب بينهما، ولكنّ المكلّف 

ــــــــــ[68]ــــــــــ

(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 358-364.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

لا يتمكّن من الجمع بين الحكمين، لعدم قدرته على الجمع بين الواجبين المتزاحمين. 

ومقامنا ليس من هذا القبيل، ضرورة أن الله تعالى لم يوجب صلاتين على المكلّف، لكيلا يتمكّن من الجمع بينهما، بل الواجب عليه هي صلاة واحدة، تامّة الأجزاء والشرائط، ومن جملة الشرائط الطهارة المائيّة على تقدير التمكّن، ومنها الطهارة الخبثيّة على تقدير التمكّن، وحيث إنّه لا يتمكّن من امتثال هذا الواجب، وهو الصلاة تامّة الأجزاء والشرائط، فيسقط لا محالة، لعدم قدرته عليه.

ولو لم يكن عندنا أدلّة خاصّة على بدليّة الطهارة الترابيّة عن المائيّة، وبدليّة الإتيان بالصلاة في ثوب متنجّس أو عرياناً عن الإتيان بها في ثوب طاهر، ولولا قيام الدليل القطعي على أنَّ الصلاة لا تسقط بحال من الأدلّة الخاصّة الدالّة على ذلك، ومن الأدلّة العامّة الدالّة على أنّ الصلاة عمود الدين(1) ونحو ذلك، لقلنا: إنّها لا تجب عليه الصلاة في هذا اليوم، لأنّه لا يستطيع أن يأتي بها جامعة للأجزاء والشرائط، والمشروط عدم عند عدم شرطه. ولكن، حيث دلّتنا الأدلّة أنّه لا بُدَّ من أن يصلي، فيدور الأمر بين:

أ- بينَ أن تكون الصلاة الواجبة عليه فعلاً مشروطة بخصوص الطهارة المائيّة، فلا بُدَّ له أن يصلي بالثوب المتنجس أو عاريّاً.

ــــــــــ[69]ــــــــــ

(1) المحاسن 1: 286، باب الشرائع 46، وسائل الشيعة 4: 27 الباب السادس، تحريم الاستخفاف بالصلاة والتهاون، الحديث: 12.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ب- وبينَ أن تكون مشروطة بطهارة الثوب، فلا بُدَّ له أن يتيمّم.

وحينئذٍ، لا بُدَّ من الرجوع إلى الأدلّة، وأنَّ يلاحظ ما هو المستفاد من الدليل هل هو شرطيّة الطهارة المائيّة لأنّه متمكّن من الوضوء بالفعل وجداناً، أو هو طهارة اللباس والبدن، لأنّه قادر على طهارته.

فيكون هذا من التعارض لا من التزاحم، وهذا يعني: أنَّ المجعول أحد الأمرين:

  1. إمّا شرطيّة الطهارة المائيّة، وتكون شرطيّة طهارة البدن واللباس ساقطة.
  2. أو المجعول هو شرطيّة طهارة اللباس، وتكون شرطيّة الطهارة المائيّة غير مجعولة، بل المجعول الطهارة الترابيّة، فإذا دار الأمر بين هذا وذاك، فلا بُدَّ من النظر في الأدلّة: ما هو المُستفاد منها.

وهذا الكلام جارٍ في جميع الموارد التي لا يتمكّن المكلّف فيها من الإتيان بجميع الأجزاء والشرائط، فيدور الأمر بين أن يترك جزءاً أو أن يترك شرطاً، أو يدور أمره بين ترك جزء وجزء أو بين ترك شرط وشرط. كل ذلك يدخل في باب المعارضة، ولا بُدَّ من الرجوع فيه إلى الدليل.

والذي ينبغي أن يُقال في المقام -أعني: في مسألة دوران الأمرين بين جزأين أو بين شرطين، أو بين جزء وشرط-: إنّه لا بُدَّ من ملاحظة الدليل:

  1. فقد يكون: الدالّ على اعتبار أحدهما -أعمّ من الجزء أو الشرط- عموماً لفظيّاً، ويكون الدالّ على اعتبار الآخر إطلاقاً مستفاداً من السكوت في 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

مقام البيان، لا عموماً، وإن كان إطلاقاً شموليّاً.

فإذا كان الأمر كذلك، تقع المعارضة بين العموم والإطلاق، وقد ذكرنا -غير مرّة- أنّه في موارد تعارض العموم والإطلاق يتقدّم العموم على الإطلاق، لأنّ العموم بيان لفظي، وبه يرتفع موضوع الإطلاق، فإنّ الظهور الإطلاقي متقوّم بعدم البيان، والعموم قابل لأن يكون بياناً، فيؤخذ بمدلول العامّ، وترفع اليد عن الإطلاق.

  1. وقد يفرض: أنَّ دلالة كلّ من الدليلين إنّما هي بالعموم، فهنا مدلول لفظي يدلّ على الجزئيّة أو الشرطيّة المطلقة في هذا الطرف، وكذلك في الطرف الآخر المدلول اللفظي بعمومه يدلّ على الجزئيّة أو الشرطيّة المطلقة، وحيث لا يمكن العمل بكليهما معاً، للعلم بعدم اعتبار أحدهما في محلّ الكلام، فالدليلان متعارضان، ولا بُدَّ من الرجوع إلى مرجّحات باب المعارضة، من موافقة الكتاب أو مخالفة العامّة.
  2. وقد يفرض: أنَّ دلالة كلا الدليلين إنَّما هي الإطلاق، فيسقط الإطلاقان معاً، لا هذا ولا ذاك، وكأنّه لم يكن في المقام إطلاق.

ونحن نعلم باعتبار شيء في البين، ولا ندري هل هو هذا أم ذاك؟ ولا نحتمل وجود كليهما، فالقدر المتيقّن: هو اعتبار أحد الأمرين، والخصوصيّة لكلٍّ منهما مجعولة. إذن، يُرجع إلى البراءة عن خصوصيّة كلّ منهما، والنتيجة هي التخيير، فيكون المكلّف مخيّراً بين أن يأتي بأيّ منهما. والتخيير معناه: أنَّ أحد الأمرين هو الشرط أو هو الجزء.

ــــــــــ[71]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ومثالنا من هذا القبيل، فإنّ ما دلّ على اعتبار الطهارة المائيّة عند التمكّن إنّما هو الإطلاق، بإطلاق الآية المباركة إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ…(1) أو غيرها، فالإطلاق يشمل محلّ الكلام، أي: فاغسلوا حتّى إذا كان الثوب نجساً، ولم يتمكّن من الوضوء والتطهير معاً. وكذلك ما دلّ على لزوم تطهير الثوب:

أ- إمّا من الآية المباركة وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(2) على تقدير أن يكون المراد منها الطهارة في الصلاة، لا طهّر بمعنى قصّر، فالإطلاق يشمل المقام.

ب- وإمّا من الروايات القريبة من التواتر القطعي، الدالّة على أنَّ طهارة اللباس والبدن شرط في الصلاة، فمقتضى الإطلاق هو اعتبار هذا الشرط حتّى لو لم يتمكّن المكلّف من استعمال الماء في كلّ من الوضوء والتطهير.

فإذا كان كلّ من الشرطين مستفاداً من الإطلاق، فيسقط الإطلاقان معاً، والنتيجة هي التخيير بين أنّ يصرف الماء في الوضوء ويصلي بالثوب النجس أو عاريّاً، أو أن يصرف الماء في طهارة الثوب ويتيمّم.

هذا هو مقتضى القاعدة في المقام.

ولأجل هذا قلنا بالتخيير فيما إذا دار الأمر بين صرف الماء في الوضوء أو صرفه في تطهير الثوب والبدن(3). وإن كان الأحوط ما ذكره شيخنا 

ــــــــــ[72]ــــــــــ

(1) المائدة: 6.

(2) المدّثر: 4.

(3) انظر: منهاج الصالحين (الخوئي) 1: 98.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الأُستاذ(1) وغيره من صرف الماء في تطهير الثوب، فيكون المكلّف غير قادر حينئذٍ على استعمال الماء تكويناً، فيتيمّم.

هذا هو الكلام فيما إذا دار الأمر بين الوضوء أو تطهير الثوب.

مناقشة المثال الثاني

أما إذا دار الأمر بين التيمّم وإدراك تمام الصلاة في الوقت، أو الوضوء فيدرك ركعة واحدة في الوقت، فقد ذكرنا أنَّه لا يمكن إدراجه في صغرى قاعدة: من دار أمره بين واجب له بدل وواجب ليس له بدل، إذ لا وجه له هنا. ولكن -مع ذلك-: الحكم كما ذكره، أي: لا بُدَّ من التيمّم والإتيان بتمام الصلاة في الوقت، ولا يجوز تأخيرها ولا يجزئ الإتيان ببعضها اختياراً خارج الوقت، والمفروض: أنّه متمكّن من الإتيان بتمام الصلاة في الوقت.

والوجه في ذلك: أنّ المستفاد من الآية الكريمة أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ(2) والروايات الكثيرة الواردة في المقام: أنّه لا بُدَّ من إيقاع الصلاة في الوقت المعيّن لها، وقد جعل الشارع لكلٍّ منها وقتاً معيناً لا يجوز تأخيرها عنه، فأيّما صلاة عينّ لها وقت فلا يجوز تأخيرها عنه، فالصلاة كتاب موقوت معين، لا يجوز تأخيرها عن وقتها.

ثّم إنّ الله سبحانه وتعالى بعد التوقيت وجعل الوقت لكلّ صلاة أمر بالتوضوء أو الاغتسال للصلاة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

(1) انظر: العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام) 2: 181. 

(2) الإسراء: 78.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا...(1) فعلمنا أنّ هذا الواجب لا بُدَّ من أن يؤتى به على طهارة، ولا يصحّ من دونها كما في روايات: لا صلاة إلَّا بطهور(2)، فلا تتحقّق الصلاة من دونه.

فلو كنّا نحن وهذا المقدار، وفرضنا: أنّ المكلّف غير متمكّن من الوضوء أو الغُسل، لقلنا بسقوط الصلاة، لأنّها لا تصحّ إلَّا بهما، والمكلّف غير متمكّن منهما.

ولكنَّه سبحانه وتعالى حيث جعل طهارة ثانية مترتّبة على العجز عن الطهارة الأُولى، وهي الطهارة الترابيّة، فقال عزّ اسمه … فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا(3) علمنا أنَّ الصلاة غير مشروطة بالطهارة المائيّة فقط، بل هذا على تقدير التمكّن، أما على تقدير عدمه، فالتراب يقوم مقام الماء، وهو أحد الطهورين.

إذن، مَن لم يتمكّن من الإتيان بتمام الركعات مع الطهارة المائيّة فإنَّ وظيفته التيمّم، إذ هو فاقد للطهارة المائيّة وغير متمكّن منها، فينتهي الأمر إلى بدله وهو 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

(1) المائدة: 6.

(2) المحاسن 1: 78 عقاب من تهاون بالوضوء، تهذيب الأحكام 1: 50، الباب الثالث، آداب الأحداث الموجبة للطهارات، الحديث: 83، وسائل الشيعة 1: 365، الباب الأول، وجوب الصلاة ونحوها، الحديث: 1.

(3) المائدة: 6.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الطهارة الترابيّة، فلا بُدَّ من الصلاة في الوقت بمقتضى الآية والروايات، وحيث إنّه لا يتمكّن من الطهارة المائيّة، ينتقل إلى الطهارة الترابيّة.

ولا تصل النوبة إلى أن يأتي المكلّف بركعة في الوقت بالطهارة المائيّة ويؤخّر الصلاة عن الوقت اختياراً، فهذا في نفسه غير مشروع، فإنّ تأخيرها عن الوقت حتّى بجزءٍ واحد منها محرّم، فضلاً عن الركعات.

فلا يشمله حديث مَن أدرك(1)، لأنّ ذلك وظيفة مَن لم يتمكّن من الصلاة في الوقت، وغير جارٍ في من يتمكّن من الإتيان بها داخله، فيجوز أن يؤخّر الصلاة ويأتي بركعة في الوقت والباقي في خارجه، فإنّ هذا ليس توسعة وجعلاً للحكم باختيار المكلّف.

وما جاء في حديث مَن أدرك وظيفةُ من لا يتمكّن من إدراك تمام الركعات في الوقت، ولم يتمكّن إلَّا من إدراك ركعة، فالشارع تفضلاً وامتناناً جعل الركعة بمنزلة الإتيان بالصلاة بتمامها. وأين هذا ممّن يؤخّرها متعمّداً؟ فهذا غير مشمول للروايات، فإنّ تأخير الصلاة عمداً غير جائز بمقتضى الروايات.

ونفس هذه الروايات ظاهرة في هذا المعنى، فإنّها عبرت بالإدراك، وهو يطلق على من لم يكن متمكّناً إلَّا بهذا المقدار، فيُقال: أدرك غريمه، أي: لم يكن متمكّناً منه فتمكّن منه، فيُقال: إنّه أدركه، لا مَن كان متمكّناً منه وتباطئ عنه إلى الساعة الأخيرة. وحكم من أدرك إنما يختصّ بمن لم يكن واجداً ثّم وجد، 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 2: 38، الباب الرابع، أوقات الصلاة وعلامة كل وقت منها، الحديث: 70.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فهذا حكم من لم يتمكّن إلَّا بهذا المقدار، فيُقال أدرك ركعة. أمّا مَن كان متمكّناً من الصلاة بتمامها، فلا يكون مشمولاً لقوله: مَن أدرك.

إذن، هذه الروايات مختصّة بالمعذور، وغير المتمكّن، كالناسي والغافل والنائم، فإذا انتبه ولم يبقَ من الوقت إلَّا مقدار ركعة، كانت وظيفتُه -إذا كان متوضئاً- الإتيان بالصلاة، وإلاّ فيتيمّم ويصلّي.

وكيفما كان، فليست هذه الروايات في مقام التوسعة وتجويز التأخير الاختياري، حتى يكون إدراك ركعة بمنزلة إدراك التمام، فإنّ هذا لا يُستفاد من نفس الروايات، ولا سيّما مع الضميمة الخارجيّة، حيث علمنا من الخارج حرمة تأخير الصلاة عن وقتها ولو بجزء واحد، فضلاً عن ركعة أو ركعات.

فعلى ذلك، تكون النتيجة كما ذكرها شيخنا الأُستاذ وغيره، من أنّه في مثل هذا المورد يتعيّن التيمّم، ولا تصل النوبة إلى الوضوء.

شبهة وردّها

نعم، إنّ هنا شبهة ذكرها بعض المحدّثين(1): أنّا لو فرضنا أنَّ الوقت ضيّق، 

ــــــــــ[76]ــــــــــ

(1)  نسبه السيد الخوئي إلى الشيخ حسين آل عصفور في كتاب التنقيح في شرح العروة الوثقى، 5: 357. واستظهر أيضاً من سيد المدارك القائل: لو كان الماء موجوداً عنده فأخلّ باستعماله حتى ضاق الوقت عن الطهارة المائية والأداء، فهل يتطهر ويقضي أو يتيمم ويؤدي؟ فيه قولان، أظهرهما الأول. وهو خيرة المصنف في المعتبر لأنّ الصلاة واجب مشروط بالطهارة. والتيمم إنما يسوغ مع العجز عن استعمال الماء، والحال أنّ المكلف واجد للماء، متمكن من استعماله، غاية الأمر أنّ الوقت لا يتسع لذلك ولم يثبت كون ذلك مسوغاً. مدارك الأحكام 2: 185.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ولا يسع الوضوء مع الصلاة، ولو بمقدار ركعة واحدة، فهل يشرع له التيمّم؟ هل ضيق الوقت من مسوّغات التيمّم؟ أم أنّه ليس من المسوّغات، بل وظيفة المكلّف أن لا يصلّي، لأنّه فاقد للطهورين، أمّا الوضوء والغسل، فالمفروض: أنّ الوقت لا يتسع لهما، وأمّا الطهارة الترابيّة، فلا دليل على مشروعيّتها في هذا الحال. إذن، فهو فاقد للطهورين، فلا يصلّي؟

وذكر في وجهه: أنّ التيمّم وظيفة فاقد الماء، والمفروض أنّه واجد للماء، فإنّ لديه ماءً مباحاً، وهو متمكّن منه خارجاً، ولا مانع من وضوئه وغسله، وإنّما الوقت لا يتسع لذلك. إذن، فكيف يكون هذا المكلّف فاقداً للماء، والله تعالى إنّما شرّع التيمّم لمن كان فاقداً للماء وهذا عنده ماء. فلم يدلّ دليل على أنّ ضيق الوقت مجوّز للتيمّم، فهو فاقد للطهورين.

ولو تمّ هذا فلا بُدَّ من أن يتوضأ أو يغتسل لكي يدرك الركعة، لعدم مشروعيّة التيمّم.

ولكن هذا فاسد قطعاً، والوجه في ذلك: أنّ المراد من عدم الوجدان، ليس هو عدم الوجدان تكويناً، بل المراد منه عدم وجود مانع من استعمال الماء، بحسب القدرة التكوينيّة والتشريعيّة معاً، لا مجرّد عدم وجود الماء خارجاً.

وهذا استفدناه من نفس الآية، ومن الروايات الواردة في المقام.

أمّا الآية، فقد ذكر فيها المرض، قال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

طَيِّبًا(1)، وهو قرينة ظاهرة على أنَّ المراد بعدم الوجدان، ليس هو عدم الوجدان تكويناً، فإنّ المسافر وإن كان قد يتّفق أن يكون في برّ أو في جبل ولا يجد ماءً أصلاً وقد يموت عطشاً، ولكن بالنسبة إلى المريض فليس كذلك، فإنّ الأغلب في أفراد المريض أن يكون الماء موجوداً عندهم، إلَّا أنَّ المريض لا يتمكّن من استعماله شرعاً لمرضه، لأنه يضرّه.

فعدم الوجدان ليس المراد منه عدم وجود الماء، وإلاّ لكان ذكر المريض لغواً، فإنّ الصحيح والمريض على حدّ سواء في ذلك، فذكر المريض قرينة على أنَّ المراد من عدم الوجدان عدم التمكّن من الاستعمال في الوضوء والغسل، فقد علمنا أنّ المراد من عدم الوجدان ليس هو عدم الوجود حتى يُقال: إنّ الماء في ضيق الوقت موجود.

بالإضافة إلى أنَّ قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا يعني: فإن لم تجدوا ماءً للوضوء أو الغسل، لا لأمر آخر، حيث أمر في الآية بغسل الوجه واليدين والمسح وأمر بالاغتسال بقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا، فعدم الوجدان إنّما هو بالإضافة إلى الوضوء أو الغسل من جهة الصلاة.

فلو كان هناك ماء ملك للغير، وجوّز له مالكه جميع التصرّفات فيه غير الوضوء أو الغسل، أليس وظيفة المكلّف حينئذٍ أن يتيمّم، لأنّه فاقد للماء، وإن كان واجداً له بالإضافة إلى غير الوضوء والغسل؟

فالمستفاد من الآية: أنّ كلّ من لم يتمكّن من الوضوء أو الاغتسال لأجل 

ــــــــــ[78]ــــــــــ

(1) المائدة: 6.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الصلاة فإنَّ وظيفته التيمّم.

فيظهر من ذلك: أنَّ ضيق الوقت من مسوّغات التيمّم، فإنّه مع ضيق الوقت يصحّ أن يُقال: أنّه غير واجدٍ للماء، أي: لا يتمكّن من استعماله في الوضوء أو الغسل للصلاة، لأنّ الوقت لا يسع، فينتقل الأمر إلى التيمّم لا محالة.

2. المرجّح الثاني: تقديم المشروط بالقدرة العقليّة

وقد ذكره شيخنا الأُستاذ(1) ويأتي بعد انتقاض المرجّح الأوّل.

وهو أن يكون أحد الواجبين مشروطاً بالقدرة عقلاً دون الثاني، فإنّ الواجبين المتزاحمين لا يخلو أمرهما من أن تكون القدرة معتبرة في كلّ منهما شرعاً، أو أن تكون معتبرة في كلّ منهما عقلاً، أو أن تكون معتبرة في أحدهما شرعاً وفي الآخر عقلاً.

القسم الأوّل: التزاحم بين المشروط بالقدرة شرعاً والمشروط بها عقلاً

في هذا القسم يتقدّم ما تكون القدرة فيه معتبرة عقلاً على الآخر.

والوجه في ذلك -على ما ذكره شيخنا الأستاذ(2)– هو: أنَّ الملاك فيما تعتبر فيه القدرة عقلاً تامّ، بلا نقص في الملاك، فلو ترك المكلّف هذا الواجب فقد فوّت على نفسه ملاكاً ملزماً، وأما في الطرف الآخر -وهو الواجب الذي 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

(1) انظر: فوائد الأصول 1: 322.

(2) المصدر نفسه.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

تعتبر فيه القدرة شرعاً- فوجود الملاك فيه متوقّف على القدرة على الإتيان به، فإذا أتى بالواجب الآخر كان عاجزاً عن الإتيان بهذا الواجب، فلا يكون فيه ملاك أصلاً.

فإذا دار الأمر:

  1. بينَ امتثال حكم ليس فيه ملاك، ولا يتمّ ملاكه إلَّا على تقدير القدرة، ولا تتمّ القدرة عليه إلَّا بترك الواجب الآخر التامّ الملاك.
  2. وبينَ ترك هذا الواجب الآخر الذي تمّ ملاكه، ويكون عصيانه تفويتاً للملاك الملزم.

تعين الثاني، ولا بُدَّ من أن يترك ما ليس فيه ملاك ملزم، إذ ليس في ذلك محذور، شأنه في ذلك شأن المباحات، فكما إذا وقع تزاحم بين واجب ومباح قدم الواجب لا محالة، كذلك إذا أتى بالواجب المشروط بالقدرة عقلاً فإنّه يكون عاجزاً عن هذا الواجب، ومع العجز عنه لا يكون فيه ملاك، فلا محذور في تركه. بخلاف ما إذا فوّت الواجب الآخر، لأنّه يكون قد فوّت على نفسه ملاكاً ملزماً.

وعلى هذا الأساس بنى -كما تقدّم في الترتّب- على أنَّ الترتّب لا يجري في هذه الموارد(1)، فلو عصى وترك الواجب المشروط بالقدرة العقليّة، وأتى بهذا الواجب، وصرف الماء في الوضوء ولم يصرفه في حفظ النفس، لم يصحّ وضوئه حتى على القول بالترتّب، وذلك لعدم الملاك في هذا الفعل، فإن 

ــــــــــ[80]ــــــــــ

(1) انظر: فوائد الأصول 1: 322 – 325.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الملاك كان مشروطاً بالقدرة على الامتثال، وهو بالفعل عاجز شرعاً عن صرف الماء في الوضوء، إذ المفروض: أنّه يجب صرفه في حفظ النفس. فالوضوء لا يكون صحيحاً حتى على القول بالترتّب، مضافاً الى أنّه يفوّت على نفسه ملاكاً ملزماً.

مناقشة ما ذكره

أما ما ذكره من عدم جريان الترتّب في هذه الموارد فقد تقدّم أنّه لا مانع من الالتزام بالترتّب فيها، فإنّ العجز إنّما هو في فرض الإتيان بالآخر، أمّا في صورة عدم الإتيان به، فيكون هذا الواجب مقدوراً تكويناً وتشريعاً:

أ- أمّا تكويناً فظاهر.

ب- وأمّا تشريعاً، فلعدم النهي عن هذا الفعل، غاية الأمر: أنَّه مضاد لما هو واجب بالفعل، وهذا لا يُخرج الفعل من القدرة إلى العجز.

وأمّا ما ذكره، من أنَّ امتثال الواجب المشروط بالقدرة الشرعيّة وعصيان الآخر، تفويتٌ للملاك الملزم الموجود في الآخر، والإتيان بما ليس فيه ملاك أصلاً، فهذا غير تامٍّ:

أوّلاً: لأنّا ذكرنا أنَّ بحث التزاحم والتعارض لا يبتنيان على القول بتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد، فإنَّه يجري حتى على مسلك الأشعري من عدم تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد وعدم تبعيّتها للملاكات في متعلّقاتها، فلو دلّ دليل على وجوب شيء ودلّ دليل آخر على عدم وجوبه، كانا متعارضين لا محالة، سواء قلنا بالملاك أم لم نقل، كما لو فرضنا واجبين لا يتمكّن المكلّف من 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الإتيان بهما معاً، كان هذا من التزاحم، سواء قلنا بأنّ الوجوب ينشئ من مصلحة في متعلّقه أو لا.  وعليه، فلا وجه لما أفاده من جعل التقديم مبنياً على تحقّق الملاك في متعلّق الحكم.

وثانياً: أنّا ذكرنا(1) في بحث الضدّ أنّه لا طريق لنا إلى استكشاف الملاكات الواقعيّة إلَّا من ناحية أمر المولى، فمتى ثبت أمر فإنّنا نستكشف وجود الملاك في متعلّقه. ومتى لم يثبت فلا طريق لنا الى استكشاف الملاك في متعلّقه، والمفروض أنّ المكلّف لا يتمكّن إلَّا من فعل واحد، فكيف استكشفنا أنّ ما لا تكون القدرة معتبرة فيه شرعاً واجدٌ للملاك بالفعل، وأنّ غيره غير واجد له؟ إذ لعلّه بالعكس، بأن يكون الواجب المشترط بالقدرة الشرعيّة واجداً للملاك دون الآخر، فإنّا لو فرضنا أنَّ الشارع لم يوجب حفظ النفس، كان الآخر واجباً وكان له ملاك تامّ لا محالة.

ــــــــــ[82]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 4: 121.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وكلامنا في القدرة الكلّيّة، لا في خصوص هذا المثال، حيث علمنا من ذوق الشارع أنّ حفظ النفس أهمّ لديه من سائر الواجبات، فيتقدّم على ما كان مشترطاً بالقدرة عقلاً، فضلاً عما يكون مشترطاً بها شرعاً.

فكلامنا في الكبرى، وهو ما إذا دار الأمر بين واجبين أحدهما مشروط بالقدرة عقلاً والآخر مشروط بالقدرة شرعاً. ودعوى: أنَّ فيه تركاً للملاك الملزم فيما إذا عصى الواجب المشروط بالقدرة عقلاً، فمن أين استكشفنا ذلك؟

نعم، هو بحسب المصاديق معلوم، كما في حفظ النفس.

أما في غير هذه الموارد ممّا يكون الحكم المزاحم معلوم الأهمّيّة، كما لو دار أمر صرف الماء بين صرفه في الوضوء وبين صرفه في تطهير المسجد، فذاك واجب لا تعتبر فيه القدرة إلا عقلاً وهذا واجب تعتبر فيه القدرة شرعاً، فمن أين استكشفنا أنّه لا ملاك في الوضوء إذا عصى الحكم الآخر وامتثل الوضوء؟

فلا طريق لنا إلى استكشاف ذلك إلَّا من ناحية الأمر، والمفروض أنّا نشكّ في الترجيح في المقام، ولعلّ الملاك في علم الله تعالى متحقّق في الواجب المشروط بالقدرة شرعاً دون المشروط بالقدرة عقلاً.

فالكلام في هذا المرجّح غير تامٍّ، كما كان المرجّح الأوّل.

تحقيق الحال في المقام

نعم، أصل الكلام لا إشكال فيه، يعني: أنَّ ما يعتبر فيه القدرة عقلاً يتقدّم على ما يعتبر فيه القدرة شرعاً، لا من جهة الملاك بل لأمر آخر.

وقد تعرّضنا لهذا الأمر في عدّة موارد، منها مسألة الشكّ السببي والمسببي(1)، وبحث في العموم والخصوص(2).

كما إذا كان عندنا عامّان، أو عامّ واحد باعتبار أفراده، وكان هناك فردان، أحدهما فرد للعامّ بالوجدان، ولا تتوقّف فرديّته على شيء، ولكنّ الفرد الثاني تتوقّف فرديّته لهذا العامّ أو لعامّ آخر على عدم شمول حكم العامّ للفرد الأوّل، فهنا لا يمكن فرض تماميّة كلا الأمرين، بل يتقدّم العامّ الأوّل لا محالة.

ــــــــــ[83]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأصول 4: 253 255. 

(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 5: 242، 243.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وفي موارد الشكّ السببي والمسببي: لو توضّأ بماء يشكّ في طهارته، ويشك بعد ذلك في ارتفاع الحدث، إذ لعلّ الماء كان نجساً، فمقتضى الاستصحاب هو بقاء الحدث، فيدور الأمر:

أ- بينَ رفع اليد عن الاستصحاب، والحكم بصحة الوضوء، من جهة قاعدة الطهارة.

ب- وبينَ رفع اليد عن قاعدة الطهارة، من جهة الاستصحاب.

وكذلك إذا غسل ثوبه بماء يشكّ في طهارته، فيدور الأمر:

أ- بينَ أن نرفع اليد عن استصحاب النجاسة، لأصالة الطهارة.

ب- وبينَ رفع اليد عن الطهارة، لاستصحاب النجاسة.

وغير ذلك من موارد الشكّ السببي والمسببي، وفيها نقول بتقدّم الشكّ السببي، ولا يجري الأصل المسببي، فإنّ الشكّ في طهارة الماء ونجاسته أمر وجداني  تكويني، ولا تتوقّف فرديّته -لعموم قاعدة الطهارة- على شيء، وأمّا فرديّة الشكّ الثاني -أي: الشكّ في طهارة الثوب أو الطهارة من الحدث- فصدق كون المكلّف شاكّاً في طهارة الثوب ونجاسته، وفي بقاء الحدث وعدمه، يتوقّف على أن لا تكون قاعدة الطهارة شاملة للماء، وأن لا يحكم بطهارة الماء، إذ لو كانت القاعدة شاملة له، وقد حكم بطهارة الماء، فلا شكّ، لأنّه قد توضأ بماء طاهر بحكم الشارع. فالشكّ في كونه محدثاً والشكّ في كون الثوب نجساً متوقّف على عدم شمول القاعدة -أي: قاعدة الطهارة- لهذا الماء، وإلَّا فلا شكّ.

ــــــــــ[84]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ففرديّة هذا الشكّ -أي: الشكّ بارتفاع الحدث، وطهارة الثوب، لعموم دليل الاستصحاب- تتوقّف على عدم شمول عموم قاعدة الطهارة للشكّ الأوّل.

أمّا عدم شموله للشكّ الأوّل -أي: الشكّ في طهارة الماء-: فإن كان بلا سبب، فهذا لا معنى له.

وإن كان لشمول دليل الاستصحاب للشكّ الثاني، فهذا دور واضح، حيث تتوقّف فردية الشك الثاني لِدليل الاستصحاب على عدم فردية الشك الأول لقاعدة الطهارة. فلوتوقف عدم فردية الشك الأول للقاعدة على شمول دليل الاستصحاب للشك الثاني وفرديته لكان دوراً. 

ومقامنا من هذا القبيل، فإنّ الواجب المشروط بالقدرة عقلاً مطلوب وجداناً، وفرد من أفراد الواجب، على الاطلاق، ودليله غير قاصر الشمول له مثل: الإزالة عن المسجد، إذ لم يعتبر فيها إلَّا قدرة المكلّف على الامتثال، والمفروض أنّه قادر تكويناً، إذن فهو فرد من العامّ ويشمله الحكم.

وأمّا الواجب المشروط بالقدرة شرعاً -وهو الوضوء- ففرديّته لهذا العموم أو الإطلاق -وهو الأمر بالوضوء- يتوقّف على عدم شمول دليل وجوب الإزالة لهذا المورد، وإلَّا -يعني: إذا شمل دليل الإزالة هذا المورد- لم يكن قادراً عليه، إذ لا يمكن الجمع بين الضدّين.

فشمول دليل وجوب الوضوء لهذا المورد متوقّف على عدم شموله للآخر له، وإلَّا لو شمله فهذا ليس فرداً له، لأنَّه عاجز عن الوضوء وفاقد للماء.

ــــــــــ[85]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

إذن فأحد الحكمين موضوعه محرز وجداناً، وموضوع الحكم الثاني متوقّف على عدم شمول الدليل له، فإنّ شموله له يكون مانعاً عن فرديّته للعامّ الثاني، بخلاف العكس، فإنّ شمول دليل الوضوء لهذا المورد لا يكون مانعاً عن شمول دليل الإزالة.

فيحكم بوجوب الإزالة، ويكون المكلّف -حينئذٍ- عاجزاً عن الوضوء، فلا يحكم بوجوبه، لعدم موضوعه.

القسم الثاني: تقديم المشروط بالقدرة الشرعيّة على مثله بتقدّم الزمان

 وهو ما إذا كان الواجبان مشروطين بالقدرة شرعاً، ولم يتمكّن المكلّف من امتثالهما، فقد يفرضان في زمان واحد، وقد يفرض زمان أحدهما مقدّماً على زمان الآخر.

فإذا كان زمان أحدهما مقدّماً على زمان الآخر، فيتقدّم على الآخر.

والوجه في ذلك واضح، فإنّ موضوع هذا الوجوب فعلي، لأنّ القدرة التكوينيّة موجودة، ولا مانع من الأمر به، والواجب المتأخّر عليه ليس فعليّاً، فلا يكون مزاحماً له، ولا موجب لحفظ القدرة له، إذ المفروض أنَّ القدرة مأخوذة في الواجب شرعاً، ولا يجب إيجادها. إذن، لا مانع من فعليّة الوجوب بالنسبة إلى الواجب الأوّل، لأنّه مقدور تكويناً، والمفرض أنّه لا مانع منه شرعاً، فيكون الوجوب فعليّاً، فإذا امتثل هذا الواجب كان عاجزاً عن امتثال الواجب الآخر، فلا يكون له موضوع، فلا يكون فعليّاً.

فلو كان عنده ماء قليل لا يكفي إلا لوضوء واحد، ويعلم أنّه إذا توضأ به 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فلا بُدَّ له من أن يتيمّم للصلاة الثانية، فلو توضأ لصلاة الفجر، فلا بُدَّ من أن يتيمّم لصلاة الظهر التي لم يدخل وقتها، والمفروض أنّه لا يبقى على طهارته إلى ذلك الزمان، بل -لا محالة- تنتقض طهارته بالحدث، فلا بُدَّ من أن يصلي الظهر متيمّماً، فيدور أمره:

أ- بينَ أن يصلي الفجر بتيمّم ويحفظ الماء لكي يتوضّأ لصلاة الظهر.

ب- وبينَ أن يتوضأ للفجر، وحيث لا ماء عنده للظهر فيتيمّم لها.

فالأمر دائر:

أ- بين صرف القدرة في الواجب الأسبق.

ب- وبين صرفها في الواجب المتأخّر.

والمفروض: أن المكلّف لا يتمكّن من الجمع بينهما.

وفي هذه الحال: لا ينبغي الشكّ في لزوم تقديم المتقدّم زماناً، لأنَّه متمكّن من امتثاله ومتمكّن من الطهارة المائيّة في مفروض المثال، فيجب عليه الوضوء، وموضوع التيمم غير متحقّق فيه، لأنّه واجد للماء تكويناً وتشريعاً، أمّا تكويناً فواضح، وأمّا تشريعاً فلأنه ليس هنا وجوب آخر مزاحم، متعلّق بصرف الماء في وجه آخر، والمفروض: أن المكلّف إذا توضّأ الآن سيكون عاجزاً عن الوضوء للواجب المتأخّر وفاقداً للماء، فلا يجوز له الآن أن يتيمّم ويحفظ الماء للصلاة الثانية، بل يتوضأ للصلاة الأولى، ومن ثّم يكون فاقداً للماء في الصلاة الثانية فيتيمّم. وهذا ظاهر.

فيقدّم الواجب الأسبق زماناً -فيما تكون القدرة معتبرة شرعاً فيه- لفعليّة 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

موضوعه، وبذلك يرتفع موضوع الواجب الثاني لا محالة.

ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون الواجب المتأخّر أهمّ من المتقدّم أو لا، فحتى الواجب الأهمّ بمراتب لا يجب حفظ القدرة له، فإنَّ الأهمّيّة إنّما تكون معتبرة فيما إذا كان التكليف فعليّاً، لكنّ المفروض أنّ الأهمّيّة مسلوبة بسلب موضوعها، لأنّ موضوعها هو الوجوب، وهو مسلوب، إذ موضوع الوجوب هو القادر، وهو غير متحقّق في ظرف العمل، فلا أثر للأهمّيّة، لأنّها على تقدير الوجوب. فإنّ الواجب الأهمّ يتقدّم على غير الأهمّ إذا كان الأهمّ موجوداً، أمّا إذا كان غير موجود، فلا أثر لأهمّيّته.

ففي هذه الموارد التي يكون الواجب فيها مشروطاً بالقدرة شرعاً، يتقدّم الأسبق زماناً، وبامتثاله يرتفع موضوع التكليف الثاني الذي هو على تقدير وجود موضوعه كان أهمّ، ولا موضوع له الآن، فلا موجب لحفظ القدرة له، إذ لا دليل على وجوب إبقاء الموضوع. وهذا ظاهر أيضاً.

دوران الأمر بين مخالفة النذر وترك الحجّ

إلَّا أنّه قد يُقال: إنّه في بعض الموارد يتقدّم الواجب المتأخّر، ولو كان كلاً منهما مشروطاً بالقدرة شرعاً لمرجّح آخر. وقد ذكر ذلك شيخنا الأُستاذ في مسألة: دوران الأمر بين مخالفة النذر وترك الحج(1).

فلو فرضنا أنّه نذر أن يزور الحسين يوم عرفة، ولم يكن حال النذر مستطيعاً، فانعقد النذر، لأنّ متعلّقه راجح ومقدور في ظرف النذر، إذ 

ــــــــــ[88]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 274، 275.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

المفروض أنَّه غير مستطيع، ثُمَّ بعد ذلك فرضنا أنَّه استطاع، فهل يلتزم بتقدّم وجوب الوفاء بالنذر على الاستطاعة فلا يجب الحجّ، لأنّه ليس بمستطيع؟

قد يقال: بتقدّم وجوب الوفاء بالنذر، وبصرف القدرة على النذر ترتفع الاستطاعة، فلا يجب الحجّ، إذ الحجّ مشروط بالاستطاعة، أي: أنّ القدرة فيه شرعيّة، والشرط في وجوبه شرعي، لأنّه أخذ في موضوع الحج بمقتضى الآية، فالحج واجب مشروط.

وقد يقال: بتقدّم وجوب الحجّ، فلا يجب الوفاء بالنذر.

مقتضى ما ذكرنا -من أن الواجبين المشروطين بالقدرة شرعاً، إذا كان أحدهما مقدّماً بما أنَّ موضوعه موجود وفعلي، فوجوبه فعلي، وبامتثاله ترتفع القدرة على الواجب الثاني، فلا يكون واجباً، لعدم موضوعه- أن يتقدّم وجوب الوفاء بالنذر، كما ذهب إليه جماعة منهم صاحب الجواهر على ما هو المعروف(1).

ولكن شيخنا الأُستاذ اختار عكس ذلك(2)، وحكم بتقدّم وجوب الحجّ على وجوب الوفاء بالنذر، وإن كانت الاستطاعة متأخّرة، ووجوبها متأخر، وذلك لمرجح خارجي، وهو أنّ أدلّة وجوب الوفاء بالنذر والعهد واليمين قد أُخذ في موضوعها أن لا يكون محلّلاً لحرام أو محرّماً لحلال، زائداً على أنَّ النذر مشروط بالقدرة شرعاً. فإذا قطعنا النظر عن وجوب الوفاء 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

(1) انظر: جواهر الكلام 17: 375.

(2) انظر: أجود التقريرات 1: 275.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

بالنذر، كان الحجّ واجباً عليه، وكان تركه معصية، وهذا النذر يوجب ترك هذا الواجب، إذن كيف يجب العمل بالنذر، وقد فرضنا أنَّ الحج متقدّم؟

بعبارة أخرى: يعتبر في انعقاد النذر أن يكون متعلّقه في ظرف العمل والامتثال غير محلّل لحرام أو محرّماً لحلال، وحيث إنَّ النذر في المقام يوجب تحليل الحرام، فإنَّ ترك الحجّ حرام يستكشف من حدوث الاستطاعة المتأخّرة أنَّ النذر في ظرفه لم يكن مشروعاً، ولا يجب الوفاء به من أوّل الأمر، غاية الأمر: أنّنا لم نكن نعلم بذلك، وعلمنا به بعد وجود الاستطاعة. إذن، يجب عليه الحجّ، ويكون النذر غير منعقد.

وأورد على نفسه(1): إنّ هذا إنّما يتمّ فيما إذا كان دليل الوفاء مشروطاً بالقدرة شرعاً، كما أنّ الحجّ مشروط كذلك، وإلَّا تقدّم عليه وجوب الوفاء بالنذر لا محالة، فإنَّ وجوب الوفاء النذر مشروط بالقدرة عقلاً لا شرعاً.

وقد تقدّم: أنّه كلما دار الأمر بين وجوبين كان أحدهما مشروط بالقدرة عقلاً، وكان الآخر مشروطاً بها شرعاً، يتقدّم ما يكون مشروطاً بها عقلاً، ووجوب الوفاء بالنذر كذلك، وأمّا وجوب الحجّ فقد أخُذ في موضوعه الاستطاعة التي هي بمعنى  القدرة، قال تعالى: وَللَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، والنذر ليس كذلك، حيث قال الله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ولم يقل: يوفون بالنذر مع القدرة، بخلاف الحجّ، فإنّه مشروط بالقدرة شرعاً، ومع وجوب الوفاء بالنذر لا يكون مستطيعاً للحجّ، لا يكون قادراً 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 274.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

عليه، إذ الجمع بين الضدّين محال. ولهذا يكون وجوب الوفاء بالنذر معجّزاً عن الحجّ، فيرتفع وجوبه بارتفاع موضوعه، كما ذهب إليه جماعة، منهم صاحب الجواهر(1).

وأجاب عن ذلك: بأنَّ النذر أُخذ فيه القدرة لا محالة، لأنّ وجوبه ليس ابتدائيّاً من قبل المولى، بل هو وجوب ناشئ من إلزام الإنسان نفسه، حيث أمضاه الله تعالى وأوجب على المكلّف العمل بهذا الالتزام، ومن الظاهر: أنّ المكلّف لا يلتزم إلَّا بما هو مقدور له، ولا معنى لأن يلتزم بما هو خارج عن قدرته، فقوله: (لله عليَّ زيارة الحسين)، معناه: ألتزم بهذا العمل الذي هو تحت قدرتي، ومعناه: سأُعمِل قدرتي في هذا العمل وأوجده خارجاً بالإرادة والاختيار.

فأخذ في موضوع الالتزام الفعل المقدور، وحينئذٍ فالوجوب الإلهي بالوفاء بما تعلّق به التزام المكلّف، وما تعلّق به التزامه هو الفعل المقدور، فيكون موضوع وجوب الوفاء هو الفعل المقدور لا محالة.

إذن، يكون كلٌّ من التكليف بالحجّ والتكليف بالوفاء مشروطاً بالقدرة شرعاً، ولكن يتقدّم وجوب الحج، لما ذكرناه من أن وجوب الوفاء بالنذر مستلزم لتحليل الحرام، وما كان مستلزماً لذلك لا يشمله دليل الوجوب، فلا بُدَّ من الحجّ.

ــــــــــ[91]ــــــــــ

(1) انظر: جواهر الكلام 17: 375.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ثم ذكر(1) بعد هذا كلاماً عن صاحب العروة، أنَّ المستفاد من كلامه: أنّه لا يعتبر الرجحان في ظرف العمل، بل يصحّ أن يكون الرجحان ناشئاً من وجوب الوفاء بالنذر. فلو كان العمل في نفسه غير راجح، وتعلّق النذر به يجعله راجحاً، فهذا يكفي في صحّة النذر ورجحانه قبل النذر وفي المرتبة السابقة، فلا يقال: إنَّ زيارة الحسين في المثال أمر غير راجح، لأنّه مستلزم لترك الحج الواجب، إذ لا يعتبر في النذر الرجحان من غير جهة النذر، بل يكفي الرجحان من جهة نفس النذر. إذن، في المقام: لا يلزم شيء، فلو كانت زيارة الحسين غير راجحة للمزاحمة، فإنَّها ترجّح بالنذر لا محالة.

واعلم أنَّ السيّد لم يذكر خصوص هذه المسألة في العروة، ولكنّه ذكر(2) -بنحو الكبرى-: أنّه لا يشترط في صحّة النذر رجحان متعلّقه قبل تعلّق النذر به، بل يجوز أن يكون راجحاً ولو من جهة تعلّق النذر به. ومثّل له بالصوم في السفر، فإنّه في نفسه ليس راجحاً، إذ لم يرد في الشريعة كونه واجباً ولا مستحباً، إلَّا أنّه يصحّ مع النذر، فإنّه يكون راجحاً عند التزام المكلّف به، فهو راجح لتعلّق النذر به، وإن لم يكن راجحاً في نفسه.

وكذلك الإحرام قبل الميقات، فإنَّه غير مشروع، ولكن إذا تعلّق به النذر يكون راجحاً.

ــــــــــ[92]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 257.

(2) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام) 3: 619، 620.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

إلاّ أن شيخنا الأستاذ(1) أورد على ما أفاده بأنّه لا يمكن الالتزام بذلك، وإلَّا لزم(2) منه تحليل جميع المحرّمات في الشريعة، إذ يمكن أن ينذر الإنسان محرّماً، ويدعي أنّه وإن لم يكن في نفسه راجحاً، إلَّا أنَّه يرجّح من جهة وجوب الوفاء بالنذر، فلازم هذا الكلام: الترخيص بجميع المحرّمات من جهة تعلّق النذر بها. وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به، فإنَّ النذر مشروط برجحان متعلّقه وأن لا يكون محلّلاً للحرام أو محرماً للحلال.

هذا ملخص ما أفاده.

تحقيق الكلام في المسألة

يقع الكلام أوّلاً في أنَّ هذه المسألة -مسألة النذر والحج- داخلة في الكبرى المتقدّمة، يعني: تزاحم الواجبين المشروطين بالقدرة شرعاً، أو أنَّها خارجة عنها، وإنّما هي داخلة في المسألة السابقة، وهي تزاحم الواجب المشروط بالقدرة شرعاً مع الواجب المشروط بالقدرة عقلاً.

وما أفاده(3) وغيره -من اندراج هذه المسألة في تزاحم الواجبين 

ــــــــــ[93]ــــــــــ

() انظر: أجود التقريرات 1: 275.

(2) هذا لا يمكن إن يرد على كلام صاحب العروة، فإنّ كلامه لم يكن شاملاً حتى لصورة ما كان محرماً وغير راجح بالأصل، وإنّما يشمل فقط ما كان في نفسه راجحاً وما يكون راجحاً بالنذر، أو قل: مقتضي الرجحان أو لا مقتضي له الّا بالنذر، والأمثلة التي ذكرها من هذا القبيل، فتأمل. (المقرّر).

(3) انظر: أجود التقريرات 1: 276، 277. 

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

المشروطين بالقدرة شرعاً- مبني على تفسير الاستطاعة بمعناها العرفي الموافق للغة، فالاستطاعة: بمعنى القدرة، أو آخر مراتب القدرة، فإذا فسّرنا الاستطاعة بالقدرة فتكون القدرة مأخوذة في موضوع التكليف، فمعنى قوله تعالى: وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(1): مَن كان قادراً على الحجّ يجب عليه الحجّ، وعلى هذا يكون وجوب الحجّ مشروطاً بالقدرة شرعاً، فيكون حاله حال النذر.

وأما إذا قلنا بأنّ الأمر ليس كذلك، بل وجوب الحجّ مشروط بالقدرة عقلاً، والاستطاعة المأخوذة في الآية والروايات التي تشترط الاستطاعة في وجوب الحج ليست بمعنى القدرة، بل المراد منها: أن يكون عند الرجل ما يحجّ به من الزاد والراحلة والأمن من الطريق. فمعنى قوله سبحانه وتعالى: وَللَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ… من كان عنده مال يحجّ به وكان الطريق مأموناً له، وجب عليه الحج. وهذا التفسير للآية وارد عن الأئمة(2).

وبعد هذا التفسير للآية تدخل هذه المسألة في الكبرى المتقدّمة من تزاحم الواجب المشروط بالقدرة عقلاً، والواجب المشروط بالقدرة شرعاً، حيث يتقدّم ما هو مشروط بالقدرة عقلاً -لا محالة- على ما تقدّم بيانه.

ــــــــــ[94]ــــــــــ

(1) آل عمران: 97.

(2) دعائم الإسلام 1: 289، ذكر وجوب الحج والتغليظ في التخلف عنه، وسائل الشيعة 11: 39، الباب 9، اشتراط وجوب الحج بوجود كفاية عياله حتى يرجع إليهم والاّ لم يجب، وحكم الرجوع إلى كفاية وتقديم الحج على التزويج، الحديث: 5.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وعلى هذا كان تقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر على القاعدة، من دون حاجة الى ما تكلّفه، ولا موضوع للأمر بالوفاء، لأنَّه يوجب ترك الواجب الفعلي، وما كان موجباً لترك واجب فعلي، لا يجب الوفاء به.

ثُمَّ لو فرضنا -تنزُّلاً-: أنّ كلاً من الوجوبين مشروط بالقدرة شرعاً، فلا يكون هذا مقتضٍ لتقدّم النذر من جهة الأسبقيّة. فإنّ ما هو سابق زماناً هو نفس النذر، لا الوفاء به، والعبرة بالتقدّم والتأخّر أن يكون أحد الواجبين متأخّراً زماناً عن الآخر، كما مثلّنا بالمكلّف الذي عنده ماء واحد لا يكفي إلَّا لصلاة واحدة، ودار أمره بين صرفه في الوضوء لصلاة الفجر، أو حفظه لصلاة الظهر، فلا ينبغي الشك هنا في أن المتعيّن هو الأوّل، لفعليّة وجوب صلاة الفجر، والزمان زمان الامتثال، وهو قادر على الوضوء، فلا تصل النوبة إلى التيمم، لأنّ موضوعه فقدان الماء وهو واجد له، وإذا توضأ لصلاة الفجر ثم زالت الشمس ولم يجد ماء، تيمم لا محالة. 

فإذا كان بين الواجبين تقدّماً وتأخّراً، فيقدّم السابق لا محالة.

والوجه في ذلك: ما تقدّم من أنَّ التزاحم إنّما هو في مرحلة الامتثال، ولا تنافي في مقام الجعل، فإذا كان امتثال أحدهما متأخّراً عن امتثال الآخر، فلا يكون وجوب المتأخّر فعليّاً، فكيف يكون ما ليس واجباً بالفعل مزاحماً لما هو واجب بالفعل، وقد أخذت القدرة في موضوع الوجوب الثاني، والمفروض أنّ المكلّف عاجز عنه فعلاً.

ــــــــــ[95]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

أمّا في المقام، فليس أحدهما متقدّماً على الآخر، فإنّ وقت زيارة الحسين المتعلّقة للنذر ليلة عرفة، والوقوف في عرفة أيضاً وقته في ليلة عرفة، فكيف يمكن أن يقال: بأنّ الواجب بالنذر مقدّم على الواجب بالحجّ؟ ففي مرحلة الامتثال: كلاهما في زمان واحد، فلا يكون الوفاء بالنذر متقدّم على الحجّ زماناً، فإنَّه لا تقدّم للوجوب أيضاً، بناءً على ما سلكه من الالتزام باستحالة الواجب التعليقي.

وبناء على ذلك، لا يكون أحد الواجبين متقدّماً على الآخر، فإنّ تعلُّق التكليف بأمر متأخّر مستحيلٌ عنده، وليس هنا إلَّا تقدّم في سبب الوجوب وشرطه، فإنَّ النذر شرط في وجوب الوفاء، والاستطاعة شرط في وجوب الحجّ، وأحد الشرطين متقدّم على الآخر، فأيّ أثر لتقدّم الشرط بعد أن لم يكن الوجوب متقدّماً؟

بل لو بنينا على إمكان الواجب التعليقي -كما هو الصحيح- وكان وجوب النذر مقدّماً على الاستطاعة زماناً، لأنَّه وجبت عليه زيارة الحسين من الآن، وإن كان زمانها متأخّراً، فوجوب الزيارة إنَّما حدث زمان النذر ووجوب الحج من حين الاستطاعة، فهو متأخّر عن وجوب الوفاء بالنذر. إلَّا أنّه لا أثر لتأخّره بعد فرض اتّحاد زمان الواجبين في مرحلة الامتثال، والتزاحم إنّما هو في زمان الامتثال، لا في زمان الوجوب.

بعبارة أخرى: أنّنا لو فرضنا أنّ أحد الوجوبين سابق زماناً، إلَّا أنّ الوجوب الآخر مزاحم له بقاء، وإن كان بلا مزاحمة حدوثاً، أي: أنَّهما يكونان 

ــــــــــ[98]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

عرضيين. فكيف يُقال: في الواجبين المتزاحمين في المقام أنَّ القاعدة تقتضي تقدّم النذر، إلَّا أننّا خرجنا عن ذلك لمرجّح خارجي؟ فالقاعدة لا تقتضي ذلك، حتى مع قطع النظر عما ذكرناه من كون الحج مشروطاً بالقدرة عقلاً، فلا موجب لتقدّم وجوب النذر على وجوب الحجّ، لأنّ الوجوبين قد اجتمعا في زمان واحد:

  1. على مسلكنا، وإن كان أحدهما حدث قبل الآخر.
  2. وعلى مسلكه أيضاً زمان الوجوبين واحد، فكيف يفرض الأسبقيّة هنا؟

فالصحيح في المقام -ولو بنينا على أنَّ الحجّ مشروط بالقدرة شرعاً-: أنَّ الحجّ يتقدّم على النذر، وإن فرض أنّهما مقترنان زماناً من جهة الامتثال أو من جهة الوجوب.

والوجه في ذلك:

أولاً: أنّ النذر لو كان مقدّماً على الحجّ -في مسألتنا هذه- لكانت زيارة الإمام الحسين ليلة عرفة طريقاً موصلاً الى ترك الحجّ، إذ لكلّ مكلّف أن ينذر قبل الاستطاعة، بأن يعمل عملاً عباديّاً في بيته أو في مسجد مجاور له، كأن ينذر أن يقرأ سورة من القرآن في ذلك المسجد. فيقال: إنّه يجب عليه الوفاء بهذا النذر، فلا يختص الأمر بزيارة الحسين، بل يمكن لكلّ مكلّف أن ينذر أو يعاهد الله أو يقسم على عبادة مستحبة، ويعيّن له مكاناً خاصاً بحيث يكون هذا العمل راجحاً في نفسه.

ــــــــــ[97]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فمثل هذا النذر لو كان مانعاً عن الحجّ يلزم منه تفويت الواجب الإلهي الذي يعدّ من أهم الواجبات، ومن الأمور التي بنى عليها الإسلام كما ورد:بني(1) فكيف يمكن أن يلتزم بسقوط الحج بالنسبة إلى أكثر المكلفين الذين تتأخر استطاعتهم للحج من أول تكليفهم، حيث يكون لكلّ مكلف أن ينذر شيئاً أيام الحجّ. وهذا باطل جزماً، وإذا كان باطلاً كانت مسألة زيارة الحسين كذلك، اذ لا خصوصية لزيارته، ولو تنزلنا عن هذا النقض. فالقاعدة تقتضي تقديم الحجّ أيضاً.

ثانياً: ومع قطع النظر عن ذلك فالأمر كذلك، لكن لا لما ذكره شيخنا الأُستاذ من أنَّ المعتبر في متعلّق النذر أن يكون راجحاً في نفسه، ومتعلّق النذر غير راجح، فإنّ زيارة الحسين أمر راجح في نفسه، سواء كان مستلزماً لترك الحج أو لا، وقد ذكرنا: أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه، فوجوب الحجّ لا يستلزم مرجوحيّة الزيارة، بل لو فرضنا أنّه ترك الحجّ بلا نذر، وزار الحسين، فقد أتى بفعل راجح، فليس هذا مرجوحاً، بل هو مضادّ لأهمّ منه.

فعدم انعقاد النذر غير مستند إلى أنَّ النذر في نفسه غير راجح، بل لما ذكره من أنه مستلزم لتحليل الحرام، ومثل هذا النذر يكون غير مشروع.

ــــــــــ[98]ــــــــــ

(1) المحاسن 1: 286، باب الشرائع 46، الحديث: 430، الكافي 2: 18، باب دعائم الاسلام الحديث: 5، من لا يحضره الفقيه 2: 74، باب فضل الصيام، الحديث: 1770، فضائل الأشهر الثلاثة 86، كتاب فضائل شهر رمضان، الحديث: 65.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فالقصور من ناحية نفس المقتضي، أي: أنَّ دليل وجوب الوفاء بالنذر غير شامل لهذا المورد. ففي الحقيقة: لا تزاحم أصلاً، فإنّ دليل وجوب الوفاء من أوّل الأمر مقيّد بأن لا يكون النذر الذي يلتزمه الإنسان على نفسه مخالفاً للكتاب والسنة، أو محلّلاً لمحرّم من المحرّمات الإلهيّة. شأنه في ذلك شأن وجوب دليل الوفاء باليمين والشرط والعهد، وكلّ ما التزم به المكلّف على نفسه، فكلّ هذه الأدلّة تنظر الى الأدلّة الأوليّة، وتشترط أنَّ كلّ التزام من شخص مخالف لتكليف إلهي بالعنوان الأوّلي، لا بعنوان الالتزام، لا ينعقد في نفسه. فالمقتضي في نفسه قاصر.

وعبارة: تحريم الحلال وتحليل الحرام وردت في أدلّة الشرط كلُّ شرط خالف كتاب الله وسنة نبيه فهو مردود(1). وأمّا في باب النذر واليمين، فلم يرد هذا المعنى إلَّا في روايتين على ما عثرنا عليه، وكلتاهما ضعيفة السند، ولكن ورد بمعنى آخر ينطبق على هذا المعنى بعينه في عدّة روايات، منها: معتبرة ومنها ضعيفة نحو: لا يمين في معصية(2) ولا يمين في قطيعة رحم(3).

ــــــــــ[99]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 212، باب شراء الرقيق. 

(2) الكافي 7: 440، باب ما يلزم من الأيمان والنذور، الحديث: 7، وسائل الشيعة 23: 220، الباب 11، أن اليمين لا تنعقد في معصية الله كتحريم حلال أو تحليل حرام أو قطيعة رحم، الحديث: 9.  

(3) الكافي 7: 440. باب ما يلزم من الأيمان والنذور الحديث: 4، وسائل الشيعة 23: 217، الباب 10، أنّ يمين الولد والمرأة والمملوك لا تنعقد مع عدم الإذن، الحديث: 3.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ومنها: أنَّه سئل الإمام في رجل يجعل على نفسه عبادة من صيام أو المشي إلى الحج إن كلم أباه أو أخاه أو أحد أقاربه…(1). فهذا النذر نذر زجري، بأن يلزم نفسه بالترك، لا أنَّه نذر أن لا يكلّم أباه أو أخاه، حتى يقال: إنّه مرجوح، بل إنّه متعلّق بالعبادة، إذا تكلّم مع أبيه أو أخيه، ويسمّى بالنذر الزجري، بأن ينذر الشخص أمراً عبادياً ليكون زاجراً له عن ذلك الأمر، فقال الإمام: لا نذر في معصية(2).

وهذا عين محل الكلام، فإنّه ينذر الزيارة لأجل أن يترك الحجّ، فالزيارة وإن كانت في نفسها راجحة، كما أنّ متعلّق النذر في الرواية أمر راجح في نفسه، ولكنّ هذا النذر يستلزم ترك واجب، لأنّ صلة الأرحام -ولا سيما الأبوين- أمر واجب، فهذا نذر أو يمين في معصية، حيث ورد لا يمين في معصية ولا نذر في معصية.

إذن يعتبر في انعقاد النذر -مضافاً إلى رجحان متعلّقه-: أن لا يستلزم ترك واجب أو فعل حرام، وكلّ ما كان كذلك فهو غير منعقد من أوّل الأمر. إذن، دليل وجوب الوفاء بالنذر قاصر عن شمول مثل هذا النذر. فلا ينتهي الأمر إلى المزاحمة أصلاً، فإنّ وجوب الحجّ مشروط بالاستطاعة، وهي حاصلة، 

ــــــــــ[100]ــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه 3: 361، باب الأيمان والنذر والكفارات، الحديث: 4277، وورد في الأصل ما لفظه:”في رجل حلف، إن كلم أباه أو أمه فهو يحرم بحجة، قال: ليس بشيء”.   

(2) الكافي 7: 440، باب: ما لا يلزم من الأيمان والنذر، الحديث: 4.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ولكنّ وجوب الوفاء مشروط بقيد زائد، وهو أن لا يستلزم العمل به ترك واجب أو فعل حرام، ولا ينعقد النذر إذا كان كذلك.

فتقدّم الحجّ على النذر أمر ظاهر وواضح، فإنَّه يتقدّم وتكشف الاستطاعة المتأخّرة عن بطلان النذر في ظرفه.

ثمّ إنّا بهذه الأدلّة نستكشف أنَّ النذر مشروط بالقدرة شرعاً، أي: أنه يعتبر فيه -مضافاً إلى أن يكون متعلّقه مقدوراً-: أن لا يكون مخالفاً للكتاب والسنّة، فإذا كان مخالفاً، لم ينعقد النذر، فيصحّ القول بأنّ وجوب الوفاء بالنذر مشروط بالقدرة شرعاً، ولكن وجوب الحجّ غير مشروط بالقدرة شرعاً.

وأمّا ما ذكره شيخنا الأُستاذ(1) من أن النذر مشروط بالقدرة شرعاً، لأجل أنّ النذر هو التزام المكلّف على نفسه أن يعمل عملاً أو أن يترك عملاً، ومن الظاهر أنّ متعلّق الالتزام لا بُدَّ من أن يكون مقدوراً، إذن يكون وجوب النذر بمقدار التزام الملتزم لا زائداً عليه، وحيث إنّ التزامه إنّما هو بالنسبة الى الحصّة المقدورة دون غيرها، فالوجوب يثبت للحصّة المقدورة دون غيرها. وهذا معنى اشتراط التكليف بالقدرة شرعاً.

وهذا الذي ذكره مخدوش:

أوّلاً: لأنّ ما يقتضيه الالتزام في النذر وشبهه، إنّما هو القدرة التكوينيّة، لا الأعمّ من القدرة التكوينيّة والتشريعيّة، فالناذر إنّما يلتزم بفعل مقدور، أي: 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

(1) انظر: أجود النقريرات 1: 273، 274.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

مقدور عقلاً، أمّا كونه مقدوراً شرعاً -بمعنى: أن لا يكون مضاداً لتكليف شرعي- فهذا لم يخطر ببال الناذر.

فما يعتبره العقل في موضوع التكليف من القدرة هو الذي أخذه الناذر في موضوع التزامه، وأما الزائد فلا، فليست هذه القدرة مأخوذة في موضوع النذر حتّى يُستفاد منه بالفهم العرفي: أنّه مشروط بالقدرة عقلاً وشرعاً.

وثانياً: أنّ الالتزام لا يمكن أن يتعلّق بأمر غير مقدور. وأمّا الجامع بين المقدور وبين غير المقدور، فلا مانع من تعلّق الالتزام به، كما ذكرنا هذا في متعلّق التكليف، وقلنا: إنَّ اعتبار الجامع بين الفعل المقدور والفعل غير المقدور لا بأس به حتى بالتصريح به، فيمكنه أن يصرّح به ويعتبر على نفسه الجامع بين المقدور وغير المقدور، فحتى لو صدر منه الفعل بغير اختياره لا يجب عليه الإتيان به ثانياً.

فكما أنَّ الحكم الشرعي يمكن أن يتعلّق بالجامع، وتكون القدرة مأخوذة في مرحلة الامتثال، فكذلك عينه يجري بالنسبة الى المكلّف في اعتباره على نفسه أمراً جامعاً بين المقدور وغير المقدور، وهذا هو الصحيح.

ثالثاً: هذا مضافاً الى أنَّ ما ذكره هنا ينافي ما ذكره سابقاً، فهناك تناقض صريح بين الأمرين.

فإنّه في أوائل مبحث الضدّ -على ما تقدّم(1)– ذكر(2) أنَّ التكليف 

ــــــــــ[102]ــــــــــ

(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 3: 89.

(2) انظر: أجود التقريرات 1: 217.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وإن لم يتعلّق بالفعل المقدور، إلَّا أنّ اعتبار القدرة من جهة التكليف وفي عرض التكليف. وأمّا متعلّق الوجوب فهو مطلق، فالتقييد إنّما هو في مرحلة طروء التكليف. ولهذا، التزم في موارد اعتبار القدرة عقلاً بأنّ الفعل واجد للملاك على كلّ تقدير، سواء في ذلك الفرد المقدور وغير المقدور، وإنّما القدرة نشأ اعتبارها من طروء التكليف عليه، ومن هنا التزم بصحّة العبادة بالترتب لوجود الملاك فيها.

ولو تمّ هذا -وهو غير تامّ كما سبق- نقول: نعم، إنّ الالتزام بشيء وإن كان يقتضي اعتبار القدرة، إلَّا أنّ اعتبارها في عرض الالتزام وفي عرض اعتبار هذا الفعل على نفسه، وإلَّا فمتعلّق الالتزام مطلق، أيّ: أنَّه لم يأخذ القدرة في متعلّق التزامه، ولم يقل: أنذر هذا الفعل المقدور، بل جعل على نفسه طبيعي الفعل، إلَّا أنّ الجعل حيث لا يمكن إلَّا مع فرض القدرة عليه، فالقدرة اعتبرت من جهة الجعل والالتزام،  فاعتبارها إنّما هو في عرض الالتزام، وموضوع الالتزام إنّما هو طبيعي الفعل، ولم يأخذ فيه القدرة، فإذا كان الأمر كذلك، فالقدرة المعتبرة في النذر عقليّة لا شرعيّة.

كل ما مرّ كان بناء على أنّ وجوب الحجّ مشروط بالقدرة شرعاً.

وأمّا بناء على أنّه مشروط بالقدرة عقلاً وأنّ الاستطاعة مفسّرة في الروايات بأن يكون عنده ما يتمكّن الحجّ به من زاد وراحلة، فوجه التقدّم ظاهر.

ــــــــــ[103]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

مناقشة صاحب العروة

ومن هنا، يظهر أنّ ما ذكره صاحب العروة في كتاب الحجّ(1) من التفصيل بين أن يكون النذر على نحو الواجب المعلّق وبين أن يكون على نحو الواجب المشروط، فإنّه تارة: يلزم الإنسان نفسه بعمل على تقدير، فيكون الوجوب فعليّاً والعمل في ظرف متأخّر، فهو من الآن يلتزم ويجعل الزيارة على نفسه يوم عرفة، وأخرى: يلزم نفسه بالنذر على نحو الوجوب المشروط، يعني: من الآن يجعل ثبوت الزيارة على ذمّته في ظرفه، بأن يكون متأخّراً.

ففي الوجه الأوّل: قدّم النذر على الحجّ، لأنّ الوجوب -أي: وجوب الوفاء- ثابت والاستطاعة متأخّرة، وعلى الثاني حكم بتقدّم الحجّ، باعتبار أنَّ الاستطاعة تُحدث وجوب الحجّ عند ثبوتها، فيكون وجوب الحجّ متقدماً على وجوب الوفاء بالنذر -الذي لا يتنجّز إلَّا في يوم عرفة نفسه، لأنّه نذر بنحو الواجب المشروط-.

وقد ظهر ممّا ذكرنا: أنَّ هذا التفصيل لا أثر له، فإنّ الحجّ مقدّم على النذر على كلا التقديرين، إذ حتّى على الواجب التعليقي الوجوب مشروط بأن لا يكون وجوب الوفاء في ظرفه مستلزماً لترك الواجب، وهو مستلزم لترك الحجّ في ظرفه.

ثّم ذكر أنّه لو كان عليه واجب فعلي منجّز -غير مسألة النذر- ثمّ استطاع إلى الحجّ، ودار الأمر بين امتثال هذا الواجب الفعلي المنجّز وبين 

ــــــــــ[104]ــــــــــ

(1) انظر: العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام) 4: 503.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وجوب الحجّ، فيتقدّم هذا الواجب بلا إشكال.

وظهر مما ذكرنا: أنّه لا يتمّ على جميع التقادير، فإنّ هذا الواجب الفعلي المنجّز، إمّا أن يكون مشروطاً بالقدرة شرعاً، فيرتفع وجوبه باعتبار وجوب حفظ القدرة للحجّ، فهو مكلّف بأن يحفظ قدرته وماله ليتمكّن من الحجّ في ظرفه، فيرتفع موضوع هذا الوجوب الفعلي المنجّز، فلا يجب العمل به.

فإن استطاع الحجّ وقعت المزاحمة بين الحجّ وذلك الواجب، وقد قلنا أنّ العبرة في السبق واللحوق هي السبق واللحوق في ظرف الواجب لا في ظرف الوجوب، فلو فرضنا أنّ الوجوب سابق إلَّا أنّه بقاء بعد الاستطاعة تقع المزاحمة بين الواجبين، فإن كان هذا الواجب الفعلي المنجز مشروطاً بالقدرة شرعاً، وأما إذا كان الواجب الفعلي غير مشروط بالقدرة شرعاً، وإنّما كانت القدرة المعتبرة فيه قدرة عقليّة، كما إذا فرضنا أنّ حفظ النفس واجب منجّز فعلي، ووقعت المزاحمة بينه وبين الحجّ، بحيث لو اشتغل به لا يتمكّن من الحجّ، وهذا يمكن أن يحدث في أيامنا هذه، فإنّه يحتاج في الحجّ الى تحصيل جواز السفر، ووقت تحصيل الجواز محدود، فإذا اشتغل بحفظ النفس لم يتمكّن من الحجّ، لأنّه بعد ذلك لا يتمكّن من تحصيل جواز السفر، فإذا كان هذا الواجب المزاحم أهمّ من الحجّ يتقدّم عليه لا محالة، فلا يجب عليه الحجّ من جهة مزاحمة الأهمّ، لا من جهة عدم الاستطاعة.

وأما إذا فرضنا أنَّ الحجّ أهمّ قدّم الحجّ على ذلك الواجب لا محالة.

إذن، فالوجوب الفعلي المنجز لا يتقدّم دائماً على الحجّ، بل يختلف الحال 

ــــــــــ[105]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

بين كونه مشروطاً بالقدرة شرعاً وبين كونه مشروطاً بالقدرة عقلاً، وعلى الثاني بين أن يكون أهمّ من الحجّ أو لا.

هذا تمام الكلام فيما إذا وقعت المزاحمة بين واجبين مشروطين بالقدرة شرعاً.

اعتراض النائيني على صاحب العروة

بقي الكلام فيما ذكره شيخنا الأُستاذ(1) اعتراضاً على ما ذكره صاحب العروة(2) من أنّه لا يعتبر في صحّة النذر الرجحان مع قطع النظر عن تعلّق النذر وفي المرتبة المتقدّمة عليه. بل يكفي فيه الرجحان الناشئ من قِبل النذر، ومثّل له بالإحرام قبل الميقات، وبالصوم في السفر، فإنّهما في أنفسهما ليسا راجحين، بل هما ممنوعان، ولكن بالنذر يصحّ كل منهما. ومن ذلك نستكشف أنّ الرجحان المعتبر في متعلّق النذر لا يلزم أن يكون رجحاناً في مرتبة سابقة على النذر، بل يكفي أن يكون الرجحان من قِبل نفس النذر.

وأورد عليه: أنّه لو تمّ ذلك لأمكن أن ينذر الإنسان أيّ محرّم من المحرّمات الإلهيّة، فيتعلّق به النذر ووجوب الوفاء، فيثبت له الرجحان وتسقط الحرمة، وهذا طريق يمكن التوصّل به إلى أيّ محرّم، وهو مقطوع البطلان، والضرورة قائمة على خلاف ذلك، فكيف يحلّ الحرام الإلهي بالنذر، 

ــــــــــ[106]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 275. 

(2) انظر: العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام) 3: 619، 620.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

والروايات ناطقة بخلاف ذلك، كما في: لا نذر في معصية(1) ولا نذر في قطيعة رحم(2).

والظاهر: أنّه وقع الخلط هنا بين الرجحان الناشئ من قِبل النذر والرجحان الناشئ من قبل وجوب الوفاء بالنذر.

فإذا قلنا بكفاية الرجحان الناشئ من قبل وجوب الوفاء بالنذر -أي: بما أنّ الوفاء بالنذر واجب، فالفعل راجح، وبما أنّه راجح فيكون النذر منعقداً ولو على محرّم- فالصحيح هو ما ذكره.

فالالتزام بصحّة النذر حتى فيما إذا كان المتعلّق محرّماً، بدعوى أن الفعل راجح من جهة وجوب الوفاء به، فيجوز الإتيان به، باطل، بل: إنّه فرض غير معقول في نفسه، إذ كيف يمكن أن يكون الرجحان الذي هو شرط وموضوع للوجوب، ناشئاً من نفس الوجوب؟ فهذا مستحيل، إذ لا يمكن أن يكون موضوع الحكم ناشئاً من نفس الوجوب، وإنّما هو مفروض الوجود بالنسبة إلى الحكم، كما سبق مفصّلاً في بحث التعبّدي والتوصّلي(3).

فهذا -مع أنّه باطل بالضرورة- أمر غير معقول، لأنّ الرجحان يستحيل أن يكون ناشئاً من نفس الوجوب، إذ الوجوب متوقّف على الرجحان، فكيف يكون الرجحان ناشئاً من الوجوب.

ــــــــــ[107]ــــــــــ

(1) الكافي 7: 440، باب: ما لا يلزم من الأيمان والنذر، الحديث: 7.

(2) الكافي 7: 440، باب: ما لا يلزم من الأيمان والنذر، الحديث: 4. 

(3) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 2: 249، 250.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وأما إذا قلنا: إنَّ الرجحان ناشئ من ناحية التزام نفس المكلّف، أي: من النذر نفسه، لا من ناحية الحكم، أي: أنَّ هذا الفعل غير راجح في نفسه، لكن إذا التزم به الإنسان يكون راجحاً، فهو ممكن.

ومثاله واضح في كثير من الموارد:

  1. كما في الشرط في ضمن العقد، فإنّ الشرط في نفسه مباح، كأن يبيع شيئاً ويشترط خياطة ثوبه، فالخياطة أمر مباح في نفسه، ولا رجحان فيه، ولكن إذا اشتُرط في ضمن العقد، كان بهذا الالتزام راجحاً، ويجب الوفاء به، فهو لم يكن راجحاً، ولا ذا مصلحة ملزمة، ثُمَّ صار بالالتزام به راجحاً وذا مصلحة ملزمة.
  2. وكذلك الإيجار، فلو آجر نفسه على خياطة ثوب، فالخياطة في نفسها أمر مباح، إلَّا أنّها بعد الإجارة تتعلّق بها المصلحة الملزمة، ويجب عليه الخياطة.

فهذه المصلحة الملزمة نشأت من قبل المكلّف نفسه، وهذا ليس بعزيز، فإنّه يمكن أن يكون فعل في نفسه غير راجح، ثّم يكون راجحاً من قبل التزام المكلّف به، أي: أنَّ الالتزام يحدث فيه الرجحان، فإذا كان راجحاً وجب الوفاء به. 

وهذا الرجحان يمكن أن تشمله أدلّة وجوب الوفاء، إذ لم يعتبر في هذه الأدلّة الرجحان من غير جهة النذر، وإنّما هي مطلقة من هذه الجهة، والرجحان المعتبر فيها إنّما هو الرجحان حال العمل، وهو أعمّ ممّا كان رجحاناً من جهة النذر وما كان رجحاناً من غير جهته.

إذن يمكن الالتزام بذلك، بأن نعتبر في النذر الرجحان الأعمّ من الناشئ في نفسه، ومن الناشئ بلحاظ تعلّق النذر به.

ــــــــــ[108]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

هذا ممكن، إلَّا أنّ الكلام في وقوعه: في أي مورد يكون الفعل في نفسه غير راجح، وبالالتزام يكون راجحاً؟

إذا فرضنا أنّ الشيء في نفسه محرّم، فمقتضى إطلاق دليل التحريم: أنّه محرم حتّى بعد تعلّق النذر به، فالكذب(1) -مثلاً- محرّم، حتّى لو التزم به الإنسان بشرط في ضمن عقد أو بعهد أو يمين أو نذر. فإذا كان الفعل حراماً، فحتّى في صورة تعلّق النذر به لا يكون راجحاً.

فإنَّنا وإن كنا نسلّم هذه الكبرى، أعني: أنّه يكفي في صحّة النذر الرجحان الناشئ من قبل النذر، ولكن بأيّ طريق نثبت ذلك؟ فلا يمكن إثبات ذلك إلَّا بدليل خاصّ يدلّ عليه، وعلى وجوب الوفاء بالنذر بلحاظه.

والدليل ورد في موردين:

  1. الأوّل: نذر الصوم في السفر.
  2. والثاني: نذر الإحرام قبل الميقات.

إذ ثبت بالدليل وجوب الوفاء بنذرهما، فاستكشفنا أنّ الفعل راجح، وذو مصلحة ملزمة. وإلَّا لم يوجبه المولى، فمن إيجابه استكشفنا رجحانه، فالرجحان هنا ناشئ من قبل النذر.

وأمّا في غير هذين الموردين، فكيف نستكشف أنّ الفعل صار بالالتزام به راجحاً، ليثبت وجوب الوفاء به، فالطريق الى ذلك مسدود، وإطلاق دليل الحرمة شامل لموارد النذر والشرط والعهد، فكيف يمكن الالتزام بانعقاد النذر حينئذٍ؟

ــــــــــ[109]ــــــــــ

() مقتضى دليل حرمة الكذب، (المقرر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

إذن ما ذكره السيد صحيح، ولا يرد عليه أيّ محذور، لأن هذا في مقام الإثبات يحتاج الى دليل، ولا دليل إلَّا في هذين الموردين.

ثّم إنّه لا فرق بين ما أفاده السيّد وبين ما ذكره غيره، يعني: لا يفرّق بين أن نشترط في النذر الرجحان الناشئ من غير جهة النذر، وبين أن نعمّمه إلى ذلك، إذ لا أثر عمليّاً له، فإنَّه -بناءً على ما ذكره السيد- يكون وجوب الوفاء في هذين الموردين على القاعدة، بعد أن عمّم موضوع دليل وجوب الوفاء إلى ما كان راجحاً باعتبار تعلّق الالتزام به وإن لم يكن راجحاً في نفسه، فلا نحتاج على هذا المبنى إلى تخصيص أدلّة وجوب الوفاء بالنذر.

أمّا بناء على ما ذكره غيره فيخرج هذان الموردان بالتخصيص، أي: أنّه يعتبر الرجحان -الناشئ من غير جهة النذر- في وجوب الوفاء إلَّا في هذين الموردين، فإنّه فيهما يكفي الرجحان الناشئ من نفس النذر.

إذن، فلا أثر عمليّاً في المقام بين المبنيين، وإنّما الفرق بينهما علمي، فعلى ما ذكره السيد لا تخصيص في المقام، وعلى ما ذكره غيره يخرج هذان الموردان بالتخصيص.

هذا هو تمام كلامنا في هذا القسم.

القسم الثالث: التزاحم بين الواجبين المشروطين بالقدرة شرعاً

في صورة تزاحم الواجبين المشروطين بالقدرة شرعاً قلنا: إنّه قد يفرض أنّ أحدهما أسبق من الآخر زماناً، وقد يفرضان متقارنين وعرضيين من حيث الزمان، وليس أحدهما متقدّماً زماناً على الآخر، ففي مثل ذلك ماذا يصنع المكلّف؟

ــــــــــ[110]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وقد يفرض هنا: أنّ أحدهما أهمّ من الآخر، وقد يفرض: أنّهما متساويان بالأهمّيّة جزماً، وقد يفرض: أنّ أحدهما محتمل الأهمّيّة بالنسبة إلى الآخر.

أمّا في فرض التساوي، فلا إشكال في التخيير بينهما، لعدم موجب لتقديم أحدهما على الآخر، فإنّهما سِيّان في حكم العقل، فلا موجب لتقديم أحدهما على الآخر، وتعيّنه في مرحلة الامتثال.

إلَّا أنّ الكلام يقع في أنّ هذا التخيير عقلي أو شرعي، وسيجيء الكلام في ذلك، والفرق بين التخييرين وأثرهما بحسب النتيجة.

وأمّا إذا فرضنا: أنّ أحدهما أهمّ من الآخر جزماً، وكان كلٌّ منهما مشروطاً بالقدرة شرعاً، فهل يتقدّم الأهمّ على غير الأهمّ، أم أنّ الأمر هنا كما في القسم الأول، وهو التخيير.

اختار شيخنا الأُستاذ(1) الوجه الثاني وهو الحكم بالتخيير، لأنّ الأهمّيّة في مثل ذلك لا تكون مرجّحة.

وذكر في وجهه: أنّ أهمّيّة أحد الواجبين على الآخر إنّما توجب التقدّم لأقوائية الملاك فيه، والملاك موجود بالفعل، فيدور الأمر بين تقديم الأهمّ أو تقديم غيره، وهنا لا إشكال أنّ العقل لا يجوّز تفويت الملاك الأهمّ لتحصيل الملاك غير الأهمّ.

وأمّا إذا فرضنا أنّ الواجب مشروط بالقدرة شرعاً، كما هو محلّ كلامنا، وليس كلا الواجبين مقدوراً، وأنّ المقدور واحدٌ منهما، إذ لا يتمكّن المكلّف من 

ــــــــــ[111]ــــــــــ

(1) أنظر: أجود التقريرات 1: 277.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الجمع بينهما، فكانا بفعل التزاحم الخارجي من قبيل الضدّين بالعرض، ووجود أحدهما مستلزم لعدم الآخر.

وعليه، لا يكون ملاك هذا وذاك تامّاً، لأنّ المفروض أنّ القدرة دخيلة في الملاك، والملاك إنّما هو في أحدهما دون الآخر، إذ المفروض أنّ المقدور أحدهما، لا كلاهما.

فإذا لم يكن في البين ملاكان، بل ملاك واحد، فكيف علمنا أنّ هذا الملاك الواحد موجود في الأهمّ، بل لعلّه في الطرف الآخر، إنّما يتقدّم الأهمّ إذا كان الملاك موجوداً فيه وكان أهمّ، ولكن أنّى لنا أن نعلم وجوده فيه، بل لعلّه موجود في الآخر، فلم يحرز وجوده في الأهمّ. فكيف يمكن أن يتقدّم الأهمّ على الآخر؟

بعبارةٍ أخرى: إنّ تقدّم الأهمّ على غيره إنّما هو على فرض وجود الملاك فيه، فلو كان الملاك موجوداً في كلٍّ من الواجبين، ودار الأمر بين أن يفوت ملاك الأهمّ أو أن يفوت غيره، يلزمنا العقل بتحصيل الملاك الأهمّ، وإن فات الملاك الآخر.

وأمّا إذا لم يكن الملاك موجوداً كما في المقام، فإنّ الواجب مشروط بالقدرة شرعاً، فلا ملاك إلَّا في أحدهما. إذن، فلا موجب لتقدّم الأهمّ، مع أنّ نسبة الملاك إليه وإلى الآخر على حدٍّ سواء.

ولهذا حكم أنّ الأهمّيّة لا تكون مرجّحة في المقام، بل الحكم في هذه الصورة أيضاً هو التخيير، كما لو أحرزنا أنّهما متساويان.

ــــــــــ[112]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ومن هذا يظهر الحال في الشقّ الثالث، وهو ما إذا احتملنا أهمّيّة أحدهما، فإنّنا إذا لم نحكم بالتقدّم في محرز الأهمّيّة، فالأولى عدم الحكم به في محتملها.

ففي جميع هذه الصور -وهي ما إذا كان هناك واجبان متزاحمان مشروطان بالقدرة شرعاً، وكانا متقارنين زماناً- الحكم هو التخيير، سواء علمنا بأهمّيّة أحدهما على الآخر أو بتساويهما، أو أحتملنا الأهمّيّة.

التخيير شرعي أو عقلي

إنّما الكلام في أن التخيير بين الواجبين هل هو تخيير شرعي أو تخيير عقلي؟

  1. إحراز تساويهما في الأهمّيّة

ذكر شيخنا الأُستاذ(1) أنَّ التخيير شرعي، وذلك لعدم إمكان الأمر بهما معاً، لعدم القدرة عليهما معاً، وترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجّح، لأنّ المفروض أنّ وجود الملاك في كلٍّ منهما سواء، فلا موجب للترجيح، ولا يجوز تفويتهما معاً، بأن يرخّص المولى بهما معاً. فلا بُدَّ إذن من جعل التخيير بينهما، بأن يأمر بالجامع بينهما ويكون التطبيق بيد المكلّف، يطبق الجامع على ما شاء منهما، كما في سائر موارد التخيير الشرعي.

اذن، يكون التخيير شرعيّاً، أي أنَّ الواجب كان تعيينيّاً، هذا وذاك، وحيث لا يمكن للمكلّف أن يجمع بينهما، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر، والملاك موجود في أحدهما لا محالة، لفرض القدرة عليه، ولا يجوز تفويت الملاك الملزم، 

ــــــــــ[113]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 277.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فالنتيجة أنّه مأمور بأحدهما لا بعينه، بلا خصوصيّة، ويكون التطبيق بيد المكلّف.

ولكن الظاهر: أنّ التخيير في المقام عقلي لا شرعي، بمعنى: أنّ الأمر لم يتعلّق بأيّ منهما بخصوصه، وإنّما تعلّق بالجامع، ويكون التطبيق على المكلّف، إذ ليس هنا تكليف واحد من قبل المولى متعلّق بالجامع ويكون الاختيار بيد المكلّف كما في خصال الكفارة، حيث يكون الطلب واحداً والمطلوب واحداً، والمكلّف مخير في تطبيق هذا المطلوب الواحد على ما شاء من الخصال. فليس المقام من هذا القبيل، لأنّ الأمر في المقام ليس واحداً، فطلب المولى ليس واحداً متعلّقاً بالجامع، ولا موجب لوحدة الطلب، فإنّ المفروض أنّ كلاً منهما واجب تعييني بخصوصه، وليس هنا موجب لانقلاب الواجب التعييني إلى التخييري. غاية الأمر: أنّ الوجوب التعييني في كل منهما مشروط بالقدرة شرعاً، فهي مأخوذة في موضوع التكليف، فيكون كلاً منهما فعليّاً، لكن على تقدير القدرة عليه، ولا يقدر عليه المكلّف إلَّا في ظرف ترك الآخر.

ونتيجة هذا: أن نلتزم بفعليّة الطلب في كلّ منهما على تقدير ترك الآخر إذا ترك هذا كان الثاني مطلوباً بعينه، وإذا ترك الثاني كان الأول مطلوباً بعينه، فنلتزم بالترتّب من الجانبين.

وقد بيّنا في بحث الترتّب(1) أنَّ إمكانه في طرف يستلزم إمكانه في طرفين، يعني لا فرق في وجوده بين أن يكون أحد الطرفين مطلقاً والآخر مشروطاً 

ــــــــــ[114]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 4: 143، 144.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

بعدم الآخر، أو أن يكون كلاهما كذلك.

وقلنا: إنّ الالتزام بالترتّب لا يحتاج الى دليل خاصّ، بل هو مقتضى اشتراط القدرة في التكليف، إذ المفروض: أنّ المكلّف لا يقدر على الجمع بينهما، فلا يمكن التكليف بهما معاً، والمفروض: أنَّ القدرة مأخوذة في موضوع التكليفين، فليس هنا تكليفان عرضيّان. أمّا التكليف بنحو الطوليّة واشتراط كلّ منهما بعدم الإتيان بالآخر، فلا يلزم منه أي محذور.

وعليه، فبأيّ موجب نلتزم بوحدة الطلب، وانقلاب الوجوب التعييني إلى الوجوب التخييري، بل الوجوب التعييني باقٍ على حاله، والقدرة التكوينية على فرض ترك الآخر موجود في كل منهما، والمفروض: أنّ الشارع لم يلزم باختيار واحد منهما، فإذا اختار المكلّف أحدهما كان واجباً، ويرجع هذا الى أنَّ المولى أمره عند ترك كلّ منهما بالآخر، ولا محذور في هذا أبداً.

فالنتيجة هي: الالتزام بالترتّب من الطرفين، إلَّا أنّ التخيير عقلي، فهو تخيير بين أن يترك هذا ويشتغل بذاك أو العكس.

والفرق في الثمرة بين هذا وبين ما ذكره الأُستاذ -من أنّ التخيير شرعي-: أنّه على مسلكه إذا ترك كلا الأمرين يعاقب عقاباً واحداً، كما هو الحال في سائر الواجبات التخييرية فيما لو ترك الواجب ولم يأتِ بشيء من أطرافه أصلاً.

وأمّا على ما ذكرناه فأنّه إذا خالف ولم يأتِ بهذا ولا بذاك، فيعاقب عقابين، لأنّه ترك واجبين، حيث إنّ كليهما واجب على تقدير ترك الآخر، والمفروض: أنّه ترك هذا وذاك.

ــــــــــ[115]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وأما دعوى أنّه عقاب على ما ليس بالاختيار، إذ لا يمكنه أن يجمع بين الأمرين، فكيف يعاقب بعقابين؟

فقد أجبنا عنها في مبحث الترتّب(1)، حيث قلنا: إنّ العقاب ليس على ترك الجمع بينها فيسأل: أنّه لماذا لم يجمع بينها، بل على الجمع في الترك، فيسأل لماذا تركت هذا وذاك، فإن الترك كان مقدوراً، وإن لم يكن الفعلان مقدورين جمعاً، فلا مانع من العقابين.

وقلنا هناك: إنّه يعاقب على ترك الأهمّ وعلى ترك المهم، وإن لم يتمكّن من الجمع بينهما في الخارج، فإنّ العقاب ليس على ترك الجمع وإنّما هو على الجمع في الترك.

بقي هنا أنّ شيخنا الأُستاذ ذكر(2) في بحث الترتّب أنّ الترتّب لا يجري في موارد اعتبار القدرة في الموضوع شرعاً، ذلك لأنّ الترتّب إنّما يلتزم به فيما إذا أحرز الملاك في شيء وكانت الشبهة من جهة استحالة تعلّق الأمر به، وحيث إنّه في موارد القدرة الشرعيّة لم يحرز الملاك، فلا يمكن الالتزام بالترتّب.

إلَّا أنّنا قد أجبنا عن ذلك مفصّلاً(3) حيث قلنا: إنّه لا طريق لنا الى إحراز الملاك من غير ناحية الأمر، فلو تمّ ما ذكره فلا بُدَّ من الالتزام بعدم الترتّب حتّى موارد اشتراط القدرة عقلاً، إذ لا ندري أنّ الفعل حال المزاحمة له ملاك أو لا.

ــــــــــ[116]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 4: 213، 214.

(2) انظر: أجود التقريرات 1: 262.

(3) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 4: 149، 150.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

بل نستكشف الملاك من الأمر، لا أنّه في موارد إحراز الملاك نلتزم بالأمر. وعلى هذا نلتزم بالترتّب وبالملاك أيضاً في كلٍّ منهما، لكن حال ترك الآخر، لا حال الإتيان بالآخر، وذلك لأنّه عند ترك الآخر يكون الفعل مقدوراً، ويكون موضوعه -وهو القدرة- متحقّقاً فيكون وجوبه فعليّاً وملاكه تامّاً.

فيستنتج من هذا أنّ التخيير في المقام عقلي، والوجوب في كلٍّ منهما فعلي وتعييني، لكنّه مشروط بترك الآخر، وحيث لا يستطيع الجمع بينهما، فهو مخيّر بين ترك هذا وترك ذاك، والنتيجة هي تعدّد العقاب في الجمع بين التركين. هذا فيما إذا علم بالتساوي.

بعبارة أخرى: إنّ الكلام في أنّ التخيير هل هو تخيير شرعي أو عقلي يبتني على جريان الترتّب في الواجبين المشروطين بالقدرة شرعاً أو في الواجب المشروط بالقدرة شرعاً، وعدم جريانه.

فبناء على عدم جريان الترتّب، كما اختاره شيخنا الأُستاذ، بدعوى: أنّ الالتزام بالترتّب إنّما يكون فيما إذا أُحرز الملاك في المتعلّق، وكان هناك مانع من الطلب، ففي مثل ذلك نلتزم بالترتّب، وأنّ هذا المانع يرتفع برفع اليد عن إطلاق التكليف، لا عن أصل التكليف.

فإذا بنينا على لزوم إحراز الملاك لأجل الالتزام بالترتّب فهنا -أي: في الواجبين المشروطين بالقدرة شرعاً أو الواجب المشروط بها- لا نلتزم بالترتّب، لعدم إحراز الملاك في هذا الواجب ولا في ذاك، وعدم إحراز الملاك في خصوص الواجب المشروط بالقدرة شرعاً.

ــــــــــ[117]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ومن هنا لم يلتزم(1) بالترتّب فيما إذا كان هناك واجب غير مشروط بالقدرة شرعاً، وإنّما كانت القدرة المعتبرة فيه عقليّة، كما لو كان عنده ماء لا يفي بالوضوء أو الغسل وبصرفه بواجب فعلي غير مشروط بالقدرة شرعاً كإنقاذ النفس المحترمة، وبنى على أنّه إذا عصى وصرف الماء في وضوئه، كان وضوؤه باطلاً لعدم الأمر، وذلك لعدم إحراز الملاك.

وقد تقدّم الكلام في ذلك مفصّلاً، وقلنا: إنّه لا مانع من الالتزام بالترتّب، حتّى في هذه الموارد، لأنّ الذي يوجب عجز المكلّف هو امتثال التكليف، لا نفس التكليف. ومن هنا، لا يكون التكليف معجّزاً ما لم يمتثله المكلّف في الخارج، فإذا عصى التكليف كان قادراً على الوضوء بالقدرة التكوينيّة كما هو ظاهر، وبالقدرة التشريعيّة، لأنه فعل سائغ غير محرم شرعاً، بناء على الصحيح من أنّ الأمر بشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه، فيحكم بصحّة الوضوء، ولا موجب لإحراز الملاك أولاً، ليلتزم بعد ذلك بالترتّب.

وقلنا: إنّه لا طريق لدينا إلى إحراز الملاكات الواقعيّة غير الأمر، ولو صحّ ما ذكره لم يمكن الالتزام بالترتّب أصلاً، لعدم إحراز الملاك في هذه الموارد.

لكن الكلام هنا على المبنى، فلو بنينا على هذا المبنى، وهو لزوم إحراز الملاك في صحّة الترتّب، لم يمكن الالتزام بالترتّب بين الواجبين المشروطين بالقدرة شرعاً، فإذا وقع التزاحم بينهما رفعنا اليد عن كلا التكليفين، ولكن حيث إنّ أحدهما لا بعينه مقدور على الفرض، وإنّما العجز قد تعلّق بالجمع 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 317.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

بينهما، فالواحد منهما -لا بعينه- ذو ملاك لا محالة، وعليه لا يجوز للمولى أن يفوّت الملاك الملزم، فيستكشف العقل وجود حكم وجوبي تخييري متعلّق بالجامع بين الأمرين.

فالنتيجة هي التخيير الشرعي، يعني: أنّ كلاً منهما كان واجباً تعيينيّاً، إلَّا أنّ هذين التكليفين قد سقطا، لعدم إمكان الجمع بينهما وعدم إمكان الالتزام بوجود وجوب واحد منهما بعينه، فإنّه ترجيح بلا مرجّح.

إذن، يسقط الوجوبان معاً، لكن لا يسوغ للمكلّف تركهما معاً، لوجود الملاك الملزم في أحدهما لا بعينه، فنستكشف أنّ هنا تكليفاً تخييريّاً في الجامع بين الأمرين.

هذا على مسلكه.

وأمّا على ما سلكناهمن جواز الترتّب حتى في موارد الواجبين المشروطين بالقدرة شرعاً، على البيان المتقدّم وأشرنا إليه قبل قليل، وهو أنّ كلاً من الواجبين مقدور بالقدرة التكوينيّة وبالقدرة التشريعيّة، إذ لا نعني بالقدرة التشريعيّة إلَّا أن يكون الفعل غير ممنوع منه شرعاً، وكلّ من الواجبين كذلك، إذن فكلاهما مقدور بالنسبة إليه.

غاية الأمر: أنّه لا يتمكّن من الجمع بينهما، فيلتزم بالترتّب، وإنّ كل واجب منهما إنّما يكون واجباً على تقدير ترك الآخر، فيكون كل من الواجبين مشروطاً بترك الآخر.

وليس هذا تقييداً جديداً لم يكن من قبل، بل هو نفس التقييد الذي كان من أوّل الأمر، إذ المفروض أنّ كلاً من التكليفين مشروط بالقدرة شرعاً، 

ــــــــــ[119]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وحيث إنّه لا يمكن الجمع بينهما، فتكون القدرة على كلّ منهما مشروطة بعدم الإتيان بالآخر، فيكون التكليف مشروطاً بنفس الشرط أيضاً.

إذن، فهذا التقييد هو عين اشتراط التكليف بالقدرة، لا أمر زائد، حتى يقال: متى ثبت هذا التكليف؟ فإنّ التكليف الأول (المطلق) قد سقط جزماً بالعجز عنه، والتكليف الثاني (المقيّد) لا دليل عليه.

فهذا لا وجه له، فإنّ ذلك هو مقتضى الدليل الأول المشروط بالقدرة، إذ المفروض أنّ كلاً من الواجبين مقدور في ظرف ترك الآخر، فيكون كلٌّ منهما واجباً في حال ترك الآخر، وهو حال القدرة عليه.

وعلى ذلك، فكما لم يكن الترتّب محتاجاً إلى دليل زائد في الواجبات المشروطة بالقدرة عقلاً، كذلك لا يحتاج إلى دليل في الواجبات المشروطة بالقدرة شرعاً. فيثبت بهذا وجود تكليفين، كلّ منهما مشروط بعدم الآخر، وهذا هو عين الشرط الأول بالقدرة، غاية الأمر: أنّه بحسب التطبيق يكون التكليف مشروطاً بعدم امتثال الآخر. وبذلك نستكشف الملاك في كل منهما، فإنّ كلاً منهما يكون واجداً للملاك في ظرف ترك الآخر. فكلا الوجوبين باقٍ على حاله من دون أيّ تصرّف، غايته: أنّ هنا تصرف تكويني في الموضوع، فإنَّ المكلّف قد يقدر على كلا الفعلين بحيث يكون عند امتثال أحدهما قادراً على الإتيان بالآخر، وقد لا يقدر إلَّا على واحد منهما، فلا يمكنه أن يأتي بأحدهما إذا أتى بالآخر.

وهذا لا مانع منه، شأنه شأن سائر الأحكام، فإنّ موضوعها هو المقدور، 

ــــــــــ[120]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وهذا يختلف باختلاف الموارد، فقد يوجد الموضوع أو لا يوجد، وموضوع كلّ وجوب منهما إنّما يتحقّق على تقدير ترك الآخر، فلا مانع من الالتزام بفعليّة كلّ منهما على تقدير ترك الآخر.

والنتيجة ممّا ذكرناه هي: أنَّ التخيير بينهما تخيير عقلي لا تخيير شرعي، لا بمعنى: أنّ الحكم الشرعي يسقط والعقل يحكم بالتخيير، ولكن بما أنّ كلاً منهما مشروط بترك الآخر، فيكون المكلّف مخيّراً بحكم العقل بين ترك هذا الفعل فيكون الآخر واجباً، وبين ترك الآخر فيكون الأول واجباً.

ونتيجة هذا هي: تعدّد العقاب، إذا ترك كلا الواجبين معاً.

فإن قيل: إنّ المكلّف إذا لم يكن قادراً على الجمع بين الامتثالين، فكيف يعاقب على تركهما؟

قلنا: إنّ العقاب ليس على ترك الجمع بينهما، أي: لا يُقال: لماذا لم تجمع بينهما، بل يُقال: لماذا لم تأتِ بهذا حين تركت الآخر، ولماذا لم تأتِ بالآخر حين تركت هذا. وكل منهما مقدور في ظرف ترك الآخر. وما هو غير مقدور هو الجمع بينهما، والمولى لا يعاقب على ترك الجمع، بل يعاقب على ترك هذا بخصوصه حين ترك الآخر، وعلى ترك ذاك بخصوصه حين ترك الأول، والمكلّف عند ترك أحدهما يمكنه أن يأتي بالواجب الآخر وأن يتركه، فالعقاب يكون على فعل مقدور لا على أمر غير مقدور.

هذا ملخّص ما ذكرناه من أنّ التخيير عقلي، وأنّ وجوب كلّ منهما باقٍ على حاله بلا تغيير، وإنّما التغيير في الموضوع، باعتبار أنّ المكلّف كان قادراً على 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

امتثال كلّ من الواجبين في ظرفه، والآن هو قادر على واحد منهما.

  1. إحراز أهمّيّة أحدهما

وبما تقدّم يظهر الحال فيما إذا كان أحدهما أهمّ من الآخر.

حيث بنى شيخنا الأُستاذ على أنَّ التخيير عند التساوي شرعي، ولم يلتزم بالترتّب ليكون التخيير عقليّاً، لعدم إحراز الملاك، فإنّ القدرة مأخوذة في الموضوع ومعتبرة في الملاك.

وعلى ذلك يترتّب: أنّا إذا علمنا بأنّ أحدهما أهمّ من الآخر، فالأهمّيّة لا تكون مرجّحة في المقام، لأنّ الأهمّيّة إنّما يكون الترجيح بها فيما إذا علمنا بوجود الملاك فيه، والمفروض هنا: أنّنا لا نعلم بوجود الملاك في الطرف الأهمّ، بل لعلّه في الطرف الآخر.

فإنّ القدرة معتبرة في التكليف على الفرض، ولا يقدر المكلّف على امتثال كلا الوجوبين. إذن، الملاك ليس فيهما معاً، وإنّما هو في أحدهما لا بعينه، فلم نحرز وجود الملاك في طرف الأهمّ، فكيف يمكن الترجيح بالأهمّيّة؟

لأنّ الترجيح بالأهمّيّة إنّما يكون فيما إذا علمنا بوجود الملاك فيه، فلو كان الملاك موجوداً لكان أهمّ، أما إذا لم يكن موجوداً فأي أثر للأهمّيّة.

فإذا كان الأمر كذلك، فبما أنّ نسبة القدرة الى كلا الواجبين على حد سواء، يعني: ليس للمكلّف إلَّا قدرة واحدة، يمكن أن يصرفها في الواجب المهم أو في الواجب الأهمّ، ولا تعين للأهمّ لعدم إحراز الملاك، فيستكشف العقل التخيير الشرعي، إذ لا أثر للأهمّيّة، لأنّها إنّما تكون مرجّحة مع إحراز الملاك في طرفه، 

ــــــــــ[122]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وفي المقام يحتمل أن يكون الملاك في الطرف الآخر، أو في الجامع، فكلاهما من جهة القدرة ومن جهة الملاك سِيّان، فلا بُدَّ من الالتزام بالتخيير الشرعي، كما كان هو الحال فيما إذا أحرزنا التساوي.

ولكنّا ذكرنا: أنّه لا وجه للتخير الشرعي في المقام، بل التخيير عقلي، أي: إنّ كلاً من الوجوبين مشروط بعدم الإتيان بمتعلّق الآخر، فيما إذا كان الواجبان متساويين في الملاك.

وقلنا: إنّ هذا التقييد ليس أمراً جديداً نشأ عن المزاحمة، بل هو كان ثابتاً من الأول، حيث إنّ وجوب كلّ منهما مشروط بالقدرة على متعلّقه، وكلّ منهما مقدور في ظرف ترك الآخر، وغير مقدور عند الإتيان بمتعلّق الآخر، فإذا أتى المكلّف بأحدهما كان الآخر غير مقدور لا محالة، فلا يكون واجباً لعدم الموضوع.

وعلى ذلك، فالتخيير عقلي والوجوب ثابت في كلّ منهما مشروطاً بعدم الإتيان بالآخر، إذا كانا متساويين كان الأمر كذلك.

أما إذا كان أحدهما أهمّ فيتعيّن الأهمّ، لوجود الموضوع في طرف الأهمّ يقيناً، إذ المفروض: أنّه مشروط بالقدرة، والقدرة التكوينيّة موجودة وجداناً، حيث يتمكّن المكلّف من الإتيان بالأهمّ على الفرض، وكذلك القدرة التشريعيّة، فإن القدرة التشريعيّة تتحقّق فيما إذا لم يكن إلزام من قبل المولى بصرف القدرة في شيء آخر، وفي المقام: لا أمر بصرفها -قطعاً- في غير الأهمّ، غاية الأمر: أنّ المكلّف يتخيّر بينهما، أمّا وجوب صرف القدرة في خصوص غير الأهمّ، فهذا مما يقطع بعدمه.

ــــــــــ[122]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

بعبارة أخرى: أنّنا لا نحتمل أن يكون الوجوب في طرف المهمّ تعيينيّاً، فإنّ المورد ليس من موارد المعارضة حتى يُقال: لعلّ ذلك الدليل – أيّ دليل المهمّ-هو المطابق للواقع، دون دليل الأهمّ، ولذا قلنا: إنّه في باب المعارضة لا نقدّم الأهمّ على غيره، كما تكلّمنا في ذلك إجمالاً، فلو دلّ دليل على وجوب شيء لو كان واجباً لكان من أعظم الواجبات في الشريعة، ودلّ دليل آخر على وجوب شيء لو كان واجباً لكان أدنى منه بمراتب في الأهمّيّة، وعلمنا من الخارج أنّ أحدهما كاذب، فهنا لا محالة تقع المعارضة بين الدليلين، فلا ندري أنّ الواجب في الشريعة هو الشيء الذي لو كان واجباً لكان أهمّ من الآخر، أو أنّ الواجب هو الآخر، فلا يمكن الترجيح بالأهمّيّة، إذ لعلّ هذا ليس بواجب أصلاً، والأهمّيّة على تقدير الوجوب لا أثر لها.

وأمّا المقام فهو مقام المزاحمة لا المعارضة، فبحسب الجعل: كلٌّ منهما صادق، وكلٌّ منهما مجعول على تقدير القدرة عليه سواء في ذلك الأهمّ وغيره، إلّا أنّ الأهمّ بما أنّه مقدور تكويناً كما هو واضح، ومقدور تشريعاً، لعدم احتمال أن يكون غير الأهمّ واجباً دون الأهمّ، فلا مانع من صرف القدرة فيه تكويناً وتشريعاً، فيتعيّن صرفها في الأهمّ بحكم العقل.

أي: إنَّ وجوبه يبقى على إطلاقه، فهو واجب سواء أتى بالآخر أو لا، وأمّا الآخر فلا يحتمل أنّه باقٍ على إطلاقه، وغاية ما يمكن أن يُقال: أنّهما متساويان، فيسقط الإطلاق في كلّ منهما، وأمّا احتمال أن يكون الإطلاق محفوظاً في طرف المهمّ وساقطاً في طرف الأهمّ، فذلك غير محتمل.

ــــــــــ[124]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

إذن، فالعقل يحكم بوجوب صرف القدرة في طرف الأهمّ، لأنّه مقدور عقلاً وشرعاً، فيتعيّن هذا في الوجوب، ويسقط إطلاق وجوب الآخر. فلا يكون واجباً فعلياً على تقدير امتثال الأهمّ.

نعم، إذا عصى الأهمّ، كان المهمّ أيضاً واجباً، كما كان هو الحال في الواجبين المشروطين بالقدرة عقلاً.

والظاهر: أنّ ما ذكرناه أمر ظاهر، ومع ذلك اختار شيخنا الأُستاذ التخيير في المقام، من جهة أنّ الملاك غير محرز في الأهمّ، ولكن بما ذكرناه ظهر أنّ ملاكه محرز، فبعد فرض كونه مقدوراً عقلاً وشرعاً فكيف لا يكون ذا ملاك؟ فمقتضى إطلاق دليله هو وجود الملاك فيه، وحيث إنّه ملاك أهمّ من الآخر فيقدّم.

وملخّص الكلام: أنّ الأمر في المقام يدور بين أن يكون الساقط إطلاق كلّ من الواجبين على ما اخترناه من أنَّ التخيير عقلي، وبين سقوط إطلاق الأمر بالمهمّ، وإطلاق الأمر بالمهمّ ساقط قطعاً، وأما الطرف الآخر فلا ندري بسقوط إطلاقه، ولا مقتضي لسقوطه بعد أن كان مقدوراً عقلاً وشرعاً، فإطلاقه يبقى على حاله ويتعيّن الترجيح بالأهمّيّة.

هذا فيما إذا علمنا بالأهمّيّة في البين.

  1. احت مال أهمّيّة أحدهما

أمّا إذا فرضنا أنّا لا نعلم بالأهمّيّة في المقام، فقد يفرض أنّا نحتمل أن يكون أحدهما المعيّن أهمّ من الآخر كما يحتمل أن يكون الآخر أهمّ، يعني: أنّ احتمال 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الأهمّيّة متساوٍ في كل من الوجوبين.

وهنا يدور الأمر بين تعيّن هذا أو تعيّن ذاك والتخيير بينهما، وحيث إنّ التعيّن غير معلوم، فمع عدم الترجيح يحكم العقل بالتخيير، فالتخيير هو نتيجة التساوي بينهما في احتمال الأهمّيّة، فإنّ احتمال الأهمّيّة لا يختصّ بأحدهما دون الآخر.

أمّا إذا كان أحدهما مختصّاً باحتمال الأهمّيّة دون الآخر، وهذا من دوران الأمر بين التعيين والتخيير، إذ نحتمل أن يكون أحدهما المعين واجباً متعيّناً، ونحتمل أنّه واجب تخييري يدور الأمر بينه وبين الآخر.

فقد يُقال في ذلك: إنّه يبتني على مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير، كما إذا علمنا بوجوب واجب ودار الأمر بين وجوبه تعيينياً أو تخييراً، ولم يكن في المقام إطلاق حتى يتعيّن فيه التعيين، فقد تقدّم(1) أنّ إطلاق الوجوب يقتضي كون الوجوب عينياً تعيينيّاً.

أمّا إذا فرض أنّه لا إطلاق، فقد وقع الكلام أنّ دوران الأمر بين التعيين والتخيير، هل هو مورد قاعدة الاشتغال؟ باعتبار: أنّنا نعلم إجمالاً بوجود تكليف من قبل المولى، وهذا التكليف منجّز من جهة العلم الإجمالي، فإذا أتينا بالفرد المحتمل التعيين فقد سقط الوجوب يقيناً، إمّا باعتبار تعيّنه أو باعتباره طرفاً للتخيير، وأمّا الطرف الآخر فنشكّ في كونه مسقطاً للواجب أو لا، ومقتضى قاعدة الاشتغال: أنّه لا بُدَّ من الاحتياط بالإتيان بما يحتمل أن يكون وجوبه تعيينيّاً، والعقل لا يجوّز الإتيان بالطرف الآخر.

ــــــــــ[126]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 2: 308.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

هكذا اختار جماعة منهم شيخنا الأُستاذ(1).

ولكنّا ذكرنا في محلّه(2): أنّ هذا المورد هو مورد لقاعدة البراءة دون قاعدة الاشتغال، فصحيح أنّ هناك علماً إجمالياً بوجوب شيء، ولكنّ متعلّق هذا الوجوب أمره دائر بين المطلق والمقيّد، أي: إنَّ أمر الوجوب دائر بين أن يكون مقيّداً بهذا الواجب بالخصوص، فيكون الوجوب تعيينيّاً، وبين أن يكون مطلقاً بينه وبين غيره، فيكون تخييرياً، والقدر المتيقّن من المعلوم إنّما هو وجوب الجامع بين هذا وبين غيره، بحيث لو تركنا الأمرين معاً، فقد تركنا واجباً قطعاً، ونعاقب على ترك الواجب.

فذلك الجامع بين محتمل التعيّن وبين الطرف الآخر معلوم الوجوب، ولكن تقيّده بهذا الطرف الذي يحتمل تعينه مجهول، إذ نحتمل أن يكون ذلك المعلوم مطلقاً من جهة التقييد بالنسبة إلى ما يحتمل تعيّنه والطرف الآخر. فبالنسبة إلى هذا التقييد -تقييد الجامع بخصوص المحتمل التعيينيّة- تجري أصالة البراءة، ويثبت بذلك الإطلاق الظاهري.

إذن، ففي موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير، يتعيّن التخيير دون التعيين.

ولكن هذا فيما إذا كان الشكّ راجعاً إلى المجعول، وأنّه هل هو الوجوب التعييني أو التخييري؟

أمّا في مثل المقام، فلا نشكّ في أنّ المجعول وجوب تعييني، فهذا واجب 

ــــــــــ[127]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 214. 

(2) انظر: مصباح الأصول 2: 457.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وذاك واجب، والمكلّف لا يمكنه الجمع بينهما، فالباب باب المزاحمة لا باب المعارضة، فبناءً على ما تقدّم من لزوم تقدّم الأهمّ على غيره، إذا احتملنا أنّ أحدهما أهمّ أيضاً لا بُدَّ من التعيين.

وهذا يعني: أنَّ المورد من موارد قاعدة الاشتغال دون أصالة البراءة، فإنّ البراءة إنّما تجري فيما إذا كان الشكّ في المجعول الشرعي، وفي المقام لا نشكّ في ذلك، بل نعلم بوجوب كلا المتعلّقين على تقدير القدرة، غاية الأمر: لا يستيطع المكلّف الجمع بينهما.

بعبارة أخرى: إذا وقعت المزاحمة بين واجبين مشروطين بالقدرة شرعاً، ولم يحرز أهمّيّة أحدهما، فيدور الأمر بين التعيين والتخيير، فإنّهما إذا كانا متساويين في الأهمّيّة فالحكم هو التخيير(1)، وإذا كان أحدهما أهمّ فالحكم هو التعيين(2)، بناءً على ما ذكرناه، وقلنا: إنّ ما ذكره شيخنا الأُستاذ من أنّ الحكم هو التخيير حتى فيما إذا أحرزت الأهمّيّة، لا يمكن المساعدة عليه.

توهّم دخول المسألة في دوران الأمر بين التعيين والتخيير ودفعه

قد يتوهّم أنّ المسألة المتقدمة مبنيّة على مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير، فإذا قلنا بجريان البراءة هناك، نقول هنا بجريانها أيضاً، فيكون الحكم هو التخيير والبراءة من التعيين.

وهذا التوهم فاسد.

ــــــــــ[128]ــــــــــ

(1) انظر: مصباح الأصول 2: 458. 

(2) انظر: مصباح الأصول 2: 458.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

والوجه في ذلك: أنّه في مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير، يكون الشكّ في المجعول الشرعي، فلا ندري هل أنّ الحكم جعل على نحو التعيين بمعنى: أنَّ الخصوصية دخيلة فيه، أو على نحو التخيير بمعنى: أنّها غير دخيلة فيه وإنّما التكليف متعلّق بالجامع، إذن يكون تعلّقه بالجامع معلوماً والشكّ إنّما هو في الإطلاق والتقييد. 

وبما أنّ الإطلاق لا معنى لجريان البراءة عنه، سواء في ذلك البراءة العقليّة والبراءة الشرعيّة، فإنّه يوجب التوسعة لا الضيق، فلا معنى لأنْ يشمله حديث الرفع أو قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لكنّ التقييد فيه ضيق فتجري البراءة عنه، فيحكم بعدم دخل الخصوصيّة في الواجب، كما هو الحال في مسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثر، بل إنّ دوران الأمر بين التعيين والتخيير هو بعينه دوران الأمر بين الأقل والأكثر، وإن أبرز له الأصوليون باباً مستقلاً.

وهذا وإن كان كذلك في مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير، خلافاً لشيخنا الأستاذ، حيث اختار في تلك المسألة جريان قاعدة الاشتغال مع ذهابه إلى البراءة في مسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، إلَّا أنّ المقام غير داخل في تلك الكبرى، لأنّ الشكّ ليس هو في المجعول الشرعي وهل هو وجوب تعييني أو تخييري؟ بل من المعلوم أنّ الوجوب المجعول هو وجوب تعييني بالنسبة إلى كلّ من الواجبين. غاية الأمر: أنّ المكلّف لا يقدر على الجمع بين الامتثالين، فالشكّ من جهة احتمال الأهمّيّة، وأنّ في البين واجباً أهمّ يبقى على إطلاقه، أو أنّهما متساويان فيسقط إطلاق كلّ منهما.

ــــــــــ[129]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فليس هذا من الشكّ في سعة المجعول وضيقه، بل كلاهما واجب تعييني، ولكنّه مشروط بالقدرة شرعاً، فعلى تقدير القدرة، أي: كون المكلّف متمكّناً خارجاً ولم يكن إلزام من المولى بفعل مضادّ له.

فإذا دار الأمر بين واجبين، أحدهما محتمل الأهمّيّة والآخر غير أهمّ قطعاً، فنعلم أنّ ما لا يحتمل أهمّيّته قد سقط إطلاقه قطعاً، بلا فرق بين أن يكون الآخر أهمّ وبين أن لا يكون، فإنّه على كلا التقديرين لا نحتمل أن يكون واجباً مطلقاً بالنسبة إلى الإتيان بالطرف الأهمّ وعدمه، إذ لو كانا متساويين فإطلاق كلّ من الطرفين ساقط، وإذا كان الآخر أهمَّ فإطلاق هذا الواجب -أي: غير الأهمّ- ساقط، فاحتمالُ أن يكون التكليف الذي لا نحتمل أهمّيته مطلقاً ملغىً قطعاً، ولكنّنا لا ندري هل سقط إطلاق الطرف الذي نحتمل أهمّيّته أو لا؟ إذ نحتمل أن يكون ساقطاً ومقيّداً بعدم الإتيان بالآخر لاحتمال التساوي، ونحتمل بقاءه لاحتمال أهمّيّته.

فإذا لم نحرز سقوط إطلاق التكليف المحتمل الأهمّيّة، فكيف نرفع اليد عنه، وما دام سقوط الإطلاق غيرَ محرز، فلا مانع من التمسّك بإطلاقه، لعدم إحراز تقييده بعدم الإتيان بالآخر.

بعبارة أخرى: إنّ التكليف في الطرف الآخر -أي: الطرف المحتمل الأهمّيّة- كان تعيينيّاً يقيناً، ولم يتبدّل إلى الوجوب التخييري قطعاً، ونحتمل أن يكون هذا التكليف ساقطاً في مرحلة الامتثال عند الإتيان بالآخر، فبأيّ مسوّغ يسوّغ لنا ترك الواجب التعييني بمجرّد احتمال كون الآخر مساوياً للملاك وأنّه يجوز تركه؟

ــــــــــ[130]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وأمّا في الطرف الآخر فلا نحتمل في تركه شيئاً، فإنّ تركه جائز على تقدير تساوي الواجبين بالأهمّيّة أو على تقدير مرجوحيّته عن الآخر، ولا نحتمل عقاباً بالنسبة إليه، وأمّا بالنسبة الى محتمل الأهمّيّة فلم نحرز الترخيص من المولى في تركه والإتيان بالآخر، فيتعيّن.

فهذا غير داخل في تلك الكبرى، وهي دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، فإنّ الشكّ في تلك المسألة كان في كيفيّة المجعول الشرعي، ولم نعلم أنّه المطلق أو المقيد. وفي المقام: لا شكّ في مرحلة الجعل، فإنّ كلاً من الوجوبين تعييني، ولكن من ناحية عجز المكلّف عن الجمع بينهما قد يتقيّد أحدهما بعدم الآخر، والتقيّد في الأهمّ غير محرز، فالمرجع هو إطلاق الدليل.

وبذلك يظهر: أنّ ما يحتمل أهمّيته لا بُدَّ من الالتزام بتعيّنه.

هذا ظاهر على مسلكنا بعد الالتزام ببقاء الواجبين على تعيينيّتهما، ولم ينقلبا إلى الوجوب التخييري حتّى إذا كانا متساويين، غاية الأمر: أنّ الموضوع قد تضيّق، لعدم قدرة المكلّف على الجمع بين الامتثالين، فبعد أن كان قادراً على الإتيان بالآخر صار غير قادر في ظرف الإتيان بالأوّل.

وأما على ما سلكه شيخنا الأُستاذ من انقلاب الوجوب التعييني إلى الوجوب التخييري، حيث أنكر الترتّب في الواجبات المشروطة بالقدرة شرعاً، فنشكّ -في المقام- في أنّ الواجب الشرعي عند دوران الأمر بين واجبين مشروطين بالقدرة شرعاً ولا يتمكّن المكلّف من الجمع بينهما، هل هو الوجوب التخييري أو الوجوب التعييني؟

ــــــــــ[131]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

قد يتوهّم دخول هذا في تلك المسألة، فيكون مجرى للبراءة بناءً على جريانها عند دوران الأمر بين التعيين والتخيير.

ولكن الأمر ليس كذلك، ولو بنينا على هذا المبنى، لأنّ الانقلاب أمر حادث، فإنّ المجعول الابتدائي في الشرع لهذين الوجوبين هو الوجوب التعييني في كلّ منهما، ولكن إذا كانا متساويين ولم يتمكّن المكلّف من الجمع بينهما، فيستحيل بقاؤهما على التعيينيّة، لأنّه تكليف بما لا يطاق، واختصاص التعيينيّة بأحدهما ترجيح بلا مرجّح، فيسقط الوجوبان التعيينيّان، وبما أنّ الملاك موجود في أحدهما لا بعينه لقدرة المكلّف عليه، فيستكشف العقل وجوباً شرعيّاً متعلّقاً بالجامع بين الأمرين. فقد حدث الوجوب التخييري من عدم قدرته على الجمع بينهما، لا أنّ الوجوب من الأوّل تخييري.

فإذا كان الأمر كذلك فقد علمنا أنّ الوجوب التعييني لغير محتمل الأهمّيّة غير باقٍ قطعاً، فإمّا أن يكون قد سقط أصلاً، لأنّه لا يقول بالترتّب إذا كان الآخر أهمّ، أو أنّه يتحوّل الى الوجوب التخييري على تقدير التساوي. إذن، فلا نحتمل بقاء الوجوب التعييني في الطرف الذي لا نحتمل أهمّيّته، بل مرتفع قطعاً، إمّا بالسقوط أصلاً أو بتحوّله إلى الوجوب التخييري.

وأمّا الطرف الذي نحتمل أهمّيّته فنحتمل أنّه باقٍ على وجوبه التعييني، لأنّه محتمل الأهمّيّة، فيمكن التمسّك بإطلاق الدليل بالنسبة إليه، فيثبت أنَّ وجوبه تعييني، وأنَّ وجوب الطرف الآخر ملغى أصلاً.

فدوران الأمر بين التعيين والتخيير بناءً على الانقلاب وإن كان صحيحاً، 

ــــــــــ[132]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

إلَّا أنّ الشكّ في ذلك ليس من جهة الشكّ في المجعول الشرعي، وإلَّا فإنَّ الوجوب كان تعيينيّاً قطعاً، وإنّما سقط الوجوب التعييني -قطعاً- في الطرف غير محتمل الأهمّيّة لأجل عدم القدرة على الجمع بينهما، وأمّا الطرف محتمل الأهمّيّة فنحتمل بقائه على التعيينيّة كما كان، ومقتضى إطلاق الدليل هو بقاءه على التعيينية فيتقدّم، ولازم ذلك هو سقوط الوجوب في الطرف الآخر، لعدم القدرة على الجمع بينهما.

إذن، لا يفرق في تقديم محتمل الأهمّيّة بينَ أن يُقال بما اخترناه من عدم انقلاب الوجوب التعييني إلى التخييري في المتساويين، ومن قولنا بالترتّب من الجانبين، وبينَ أن نسلك ما سلكه شيخنا الأُستاذ من الانقلاب وإنكار الترتّب.

هذا هو تمام الكلام في وقوع التزاحم بين الواجبين المشروطين بالقدرة شرعاً.

القسم الرابع: التزاحم بين الواجبين المشروطين بالقدرة عقلاً

إذا وقع التزاحم بين واجبين مشروطين بالقدرة عقلاً:

  1. فقد يفرض أنّ الواجبين متساويان في الأهمّيّة، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر في الملاك، كما إذا دار الأمر بين حفظ مال مسلم وحفظ مال مسلم آخر مساوٍ له في المقدار، أو يقع التزاحم بين تطهير مسجد عن النجاسة وبين تطهير مسجد آخر، وليس عنده ماء يكفي لكلا الأمرين بل يكفي لأحدهما، والواجبان في مرتبة واحدة من الأهمّيّة والملاك.

ــــــــــ[133]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

  1. وقد يفرض أحدهما أهمّ من الآخر، وأنّ الآخر دونه في الملاك، كما إذا دار الأمر بين حفظ نفس محترمة وبين حفظ مال مسلم، ولا إشكال في أنَّ حفظ النفس أهمّ في نظر الشارع من حفظ المال.
  2. وقد يفرض: أنّ أحد الواجبين يحتمل فيه الأهمّيّة دون الآخر، والآخر لا يحتمل أهمّيّته، كما إذا دار الأمر بين صرف مال معين في أداء الدين أو النفقة الواجبة وبين صرفه في الحجّ -بناء على ما ذكرناه من أنّ الحجّ غير مشروط بالقدرة شرعاً، وإنّما القدرة المعتبرة فيه عقليّة- والمكلف عنده مقدار من المال يدور أمره بين أن يصرف في الحج وبين أن يصرف في الانفاق أو أداء الدين. فبما أنَّ الطرفين حقّ النّاس والطرف الآخر متمحضّ في حقّ الله تعالى فنحتمل أن يكون هذا أهمّ.

صور التزاحم في المقام

فرض المزاحمة يمكن أن يكون على صور ثلاث:

الصورة الأولى: إحراز تساوي الواجبين في الأهمّيّة

ما إذا كان الملاك فيهما على حدٍّ سواء، ففي مثل ذلك لا ينبغي الشكّ في حكم العقل بأنّ الوظيفة هي التخيير بين الأمرين، وذلك لعدم إمكان الجمع بينهما للتزاحم على ما هو المفروض، فكلا التكليفين لا يمكن أن يكون فعليّاً، وترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجّح، فلا بُدَّ من رفع اليد عن إطلاق كلّ منهما، فيقيّد كلّ منهما بعدم الإتيان بالآخر، وقد فرض أنّهما مشروطان بالقدرة 

ــــــــــ[134]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

عقلاً لا شرعاً، وكلٌّ منهما مقدور في ظرف ترك الآخر، فيلتزم بالترتّب من الجانبين، ونتيجته: أنّ الحكم ثابت في كلٍّ منهما، إلَّا أنّه ليس على إطلاقه، بل مقيّد بعدم الإتيان بالآخر، والمكلّف مخيّر عقلاً بين ترك هذا والإتيان بذاك وبينَ ترك ذاك والإتيان بهذا، وأيٌّ منهما تركه كان الآخر مصداقاً للواجب. إذن، التخيير عقلي.

والتزم شيخنا الأُستاذ في المقام بالترتّب من الجانبين وأنّ التخيير عقلي، بخلاف ما التزم به في المسألة السابقة، فقد التزم فيها بأنّ التخيير شرعي، لما ذكرناه، من أنّ الملاك غير موجود إلَّا في واحد من الواجبين.

أمّا في المقام فالملاك موجود في الجانبين على الفرض، وإنّما حكمنا بالتخيير من جهة عدم إمكان الجمع بينهما فيكون الأمر بكليهما تكليفاً بما لا يطاق.

فالتخيير عقلي، ولكن لا بمعنى: أنّ الواجب التعييني انقلب إلى التخييري -كما سبق أن قلنا- بل كلا الوجوبين باقٍ على تعينيّته، غاية الأمر: أنَّ الإطلاق قد تقيّد فكان كلٌّ منهما مشروطاً بعدم الإتيان بالآخر.

ولا فرق في حكم العقل بالتخيير بينَ أن يكون أحدهما أسبق زماناً من الآخر وبينَ أن يكونا متساويين، فإنّ السبق الزماني ليس موجباً للترجيح.

بيان ذلك: أنّ التكليف بعدما فرض أنّه فعلي، وقد تعلّق بأمر متأخّر، كما أنّ التكليف الآخر تعلّق بأمر حالي، ودار الأمر بين حفظ المال الآن وبين حفظ مال آخر بعد ساعة، فإمّا أن يتلف هذا المال الآن أو أن يتلف المال الآخر بعد ساعة.

ــــــــــ[135]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فإذا فرض أنّ الواجبين مختلفان بحسب الزمان، إلَّا أنَّ التكليف موجود من الآن بأنّ يحفظ هذا المال الآن أو يحفظ مالاً آخر بعد ساعة، فإذا كان التكليفان فعليّين، فلا يكون الفرق الزماني فارقاً.

الوجه في ذلك: أنّ العقل كما يحكم بوجوب امتثال الواجب الفعلي كذلك يحكم بوجوب حفظ الواجب المتأخّر، بأن يحفظ المكلّف قدرته على امتثاله. فبعدما كان الوجوب في كلا الطرفين فعليّاً فلا فرق في نظر العقل بين لزوم حفظ القدرة لامتثال حكم فعلي وبينَ حفظها لامتثال واجب متأخّر. فكما أنّ الوجوب المتعلّق بأمرٍ حالي موضوعٌ لحكم العقل بوجوب الامتثال، كذلك التكليف بأمرٍ متأخّرٍ موضوع لحكم العقل بوجوب حفظ القدرة بالنسبة إلى الأمر المتأخر، والمفروض: أنّه لا ترجيح في البين من حيث الأهمّيّة في نظر الشارع.

إذن، لا بُدَّ من أن يكون العقل مخيّراً بينهما، فإمّا أن يأتي بهذا ويترك الآخر أو العكس.

فالسبق والتأخّر الزماني بعد فرض فعليّة الوجوب لا يكون مرجّحاً.

وبهذا يفترق هذا الفرض -يعني: التزاحم بين واجبين مشروطين بالقدرة عقلاً- وعن الواجبين المشروطين بالقدرة شرعاً، فإنّنا ذكرنا(1) هناك: أنّ السبق الزماني يكون مرجّحاً، وكان الوجه في ذلك أنّ الواجب الفعلي مقدور عقلاً وشرعاً، فكان يجب الإتيان به، وأمّا الواجب الآخر فليس كذلك فإنّ المكلّف 

ــــــــــ[136]ــــــــــ

(1) انظر: محاضرات في علم الأصول 3: 335.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

إذا أتى بهذا الواجب الفعلي كان غير قادر على الآخر، فلا يكون تركه في ظرفه تركاً للواجب، وإنّما يكون مرتفعاً لارتفاع موضوعه وهو القدرة.

وأمّا في المقام، فحيث فُرض أنّ نسبة التكليف إلى الأمر المتأخّر والأمر الحالي على حدٍّ سواء، والعقل كما يلزم بالخروج من عهدة التكليف الفعلي، كذلك يلزم بالخروج عن عهدة الواجب المتأخّر، والمفروض: أنّ المكلّف قادر على كلّ واحد منهما في نفسه، ولكنّه لا يتمكّن من الجمع بينهما، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر، بعد تساويهما في الملاك. بل لو فرضنا أنّ التكليف بالنسبة إلى المتأخّر لم يكن فعليّاً وكان الوجوب مشروطاً كما إذا كان مقيّداً بزمان متأخّر، ولم نقل بالواجب التعليقي، فالكلام هو الكلام، إذ بعدما فُرض أنّ ذلك الواجب المتأخّر واجد للملاك في ظرفه وإن لم يكن التكليف فعليّاً لاستحالة التكليف به مثلاً، إلَّا أنَّنا أحرزنا من الخارج وجود الملاك.

فالمانع عن التكليف موجود وإلاّ فإنّ الملاك موجود.

لو قلنا بذلك، وكان المانع هو عدم قدرة المولى على التكليف لاستحالة الواجب التعليقي فرضاً، وإلاّ فالملاك تامٌّ، فالكلام هو الكلام، لأنّ العقل كما يُلزم بالخروج عن عهدة التكليف الفعلي، كذلك يلزم بحفظ القدرة على الملاك التام، لأنّ المفروض أنّ الملاك فعلي ولا فرق في نظر العقل بينَ تفويت التكليف الفعلي وبينَ تفويت الملاك الملزم.

فلا فرق من هذه الجهة بين الالتزام بفعليّة التكليف وبين عدم الالتزام به.

نعم، لو فرضنا أنّنا لم نحرز الملاك التام، لما ذكرناه من أنه لا طريق لنا الى 

ــــــــــ[137]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

إحراز الملاكات إلَّا الأمر الشرعي، وقد فرض أنّه غير موجود لأنّنا لا نلتزم بالواجب التعليقي فرضاً، إذن لا إشكال في تقدّم الأمر السابق زماناً، بل هذا خارج عن باب المزاحمة، فإنّ المزاحمة إنّما تتحقّق في الوجوبين الفعليين أو ما هو بمنزلتهما كالملاكات التامّة الملزمة، فإذا كان المتأخّر لا وجوب له ولم نحرز وجود الملاك فيه، فأيّ موجب لنا لمخالفة التكليف الفعلي الحالي.

وقد تحصّل: أنّ مجرد التقدّم في زمان الامتثال لا يكون مرجّحاً، فإنّ العقل كما يحكم بلزوم الخروج عن عهدة التكليف الثابت فعلاً، كذلك يحكم بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المتأخّر.

إذن، النتيجة هي التخيير بينَ أن يأتي المكلّف بهذا الواجب الفعلي ويكون المتأخّر ساقطاً، وبين أن يتركه مقدّمة لحفظ قدرته على المتأخّر، فيتعيّن عليه المتأخّر في ظرفه.

بعبارة أخرى: إذا أحرزنا التساوي في الملاك بين الواجبين فلا بُدَّ من التخيير، ولا بُدَّ للمكلّف من أن يأتي بأحدهما ويكون حينئذٍ معذوراً عن ترك الآخر، لعدم قدرته على الجمع بينهما على الفرض. وفي مثل ذلك لا عبرة بالتقدّم والتأخّر الزمانيّين، أي: إنّ الحكم هو التخيير سواء كان الواجبان متقارنين زماناً أو كان أحدهما أسبق من الآخر.

ولا يُقاس هذا على ما تقدّم من أنَّ الواجبين المشروطين بالقدرة شرعاً إذا كان أحدهما أسبق زماناً فإنّه يتقدّم، لما قلناه من أنّ التكليف بالأسبق فعلي، أمّا التكليف بالواجب المتأخّر فهو مشروط بالقدرة شرعاً، وبالإتيان بالواجب 

ــــــــــ[138]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

المتقدّم لا يكون المتأخّر واجباً، لعدم الموضوع له وهو القدرة، بخلاف ترك الواجب المتقدّم، فإنّه ترك للواجب الفعلي، لأنّه مقدور عقلاً وشرعاً.

وأمّا الواجبان المشروطان بالقدرة عقلاً، فكما أنّ التكليف بالواجب الفعلي فعلي، فكذلك التكليف بالواجب المتأخّر فعلي على الفرض، فكما يُلزم العقلُ بتفريغ الذمّة من عهدة التكليف الفعلي، كذلك يلزم بحفظ القدرة للواجب المتأخّر لأجل تفريغ الذمّة منه، فالواجبان في حكم العقل سِيّان، وكلاهما موضوع لحكمه بوجوب الامتثال، ولا يتمكّن المكلّف من الجمع بين الفعل والترك، فإنّ الفعل لازم في نفسه لأنَّه واجب، والترك أيضاً لازم بحكم العقل، لحفظ القدرة للواجب المتأخّر، والمكلّف لا يستطيع أن يجمع بين الواجبين، فيتخيّر بين أن يفعل الآن ويكون معذوراً عن الواجب المتأخّر وبين أن يتركه ويكون معذوراً عنه.

هذا الذي ذكرناه مبني على أن يكون التكليف المتأخّر فعليّاً، وألَّا يكون الواجب المتأخّر قد اعتبر فيه قدرة خاصّة، أي: القدرة في ظرف العمل.

وأمّا لو فرض أنّ التكليف في أحد الواجبين فعلي والتكليف بالآخر ليس فعليّاً، كما في باب الصوم -على القول بأنّ وجوب الصوم بالنسبة إلى كل يوم يحدث في ليل ذلك اليوم، فليس مكلّفاً من أوّل الشهر بصوم الشهر كلّه- فلو دار أمر المكلّف بين أن يصوم اليوم ويفطر غداً أو العكس، ولا يستطيع أن يصوم يومين متتالين أو أنّه -مثلاً- لا يتمكّن من صوم ثلاثين يوماً، وإنّما يستطيع صوم خمسة عشر يوماً، في مثل ذلك ليس للمكلّف أن يفطر في اليوم 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الأوّل أو الأيّام الأولى ويصوم اليوم الثاني أو النصف الثاني، ذلك أنّ التكليف في الأيام الأولى فعلي وأما الصوم في الأيام الأخيرة فهو ليس مأموراً به فعلاً، وإنّما يحدث التكليف به في ظرفه.

وهذا ليس مورداً للمزاحمة، ولا يجوز للمكلّف ترك الواجب الفعليّ مقدّمة لما ليس بواجب، ويكون واجباً في ظرفه، فهذا غير جائز في حكم العقل. ولا بُدَّ له من صوم اليوم الأوّل أو النصف الأوّل من شهر رمضان، وحيث إنّه لا يقدر على النصف الثاني إذا أتى بالنصف الأوّل -على الفرض-فيكون معذوراً عنه، أي: لا يكون وجوباً فعليّاً، لعدم الموضوع وهو القدرة.

ففي مثل ذلك حيث إنّه غير مأمور بحفظ قدرته لصوم اليوم الثاني، لأنّ التكليف ليس بفعلي فيكون خارجاً عن باب المزاحمة، إذ ليس هناك أمر دائر بين واجبين فعليين.

وكذلك لو بنينا على أنّ الأمر متعلّق بصيام الشهر كلّه من الأوّل، كما هو مقتضى ظاهر قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ(1)، حيث يدلّ على أنَّه من الأوّل مأمور بصوم الشهر.

فلو دار الأمر بين الإفطار في يوم والصوم في غد أو بين صوم نصف رمضان وإفطار النصف الآخر، يتقدّم الواجب الأوّل لا محالة، حتّى بناء على أنّ التكليف موجود من أوّل الشهر، لعدم وجوب حفظ القدرة بالنسبة إلى الأيّام المتأخّرة حتّى في غير مورد المزاحمة، لأنّ موضوع الحكم بوجوب الصوم 

ــــــــــ[140]ــــــــــ

(1) البقرة: 185.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

هو من لم يكن مريضاً أو على سفرٍ، فأخذ في موضوعه التمكّن من الصوم في ظرف الصوم، ولا يجب عليه إحداث هذا الموضوع، فإذا صام في اليوم الأوّل لا يكون قادراً على الصوم في اليوم الثاني لأنّه مريض، إذ لا يراد بالمرض في الآية المرض السابق على الصوم، بل المراد منه المرض الناتج من جهة الصوم وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَر(1). نعم، فرض ابتداء أنّ من فيه مرض لا يجب عليه الصوم، إلَّا أنّه غير مراد من الآية قطعاً، وإنّما المراد من المرض في الآية هو المرض الناتج عن الصوم، كما لو كان الصوم يحدث فيه مرضاً أو يبطِّئ مدته أو يصعّب علاجه، وإلاّ فالمرض السابق أجنبي عن أن يكون مانعاً عن الصوم.

وعلى هذا لا يكون حفظ القدرة -بأن لا يكون مريضاً- لازماً قطعاً، ليدخل في باب المزاحمة، فلا يجب على المريض أن يعالج نفسه ولا يجب على الصحيح أن لا يعمل عملاً يفضي إلى المرض، ففي مثل ذلك يجب تقديم الأسبق، لأنّ التكليف بالنسبة إليه فعلي، ولا يرد هنا ما ذكرناه من التخيير بين الواجب السابق والواجب المتأخّر، حتّى في هذه الموارد.

فمحلّ كلامنا هو ما إذا كان واجبان أحدهما أسبق من الآخر زماناً، والوجوب فعليّ، غايته: أنّ المتعلّق متأخّر في أحدهما، ومتعلّق الآخر حالي أيضاً، فكلا التكليفين موضوع لحكم العقل في نفسه، أمّا الأوّل فلحكمه بوجوب تفريغ الذمّة، وأمّا الثاني فلوجوب حفظ القدرة لئلّا يفوت الواجب في ظرفه.

ــــــــــ[141]ــــــــــ

(1) البقرة: 185.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فيقع التزاحم بينهما، حيث فرضنا أنّه لا ترجيح في البين، فإنّهما إمّا متساويان في الملاك أو كلٌّ منهما محتمل الأهمّيّة، فاحتمال الأهمّيّة موجود في كلّ منهما بلا ترجيح، فتصل النوبة الى التخيير، بلا فرق بين المتقارنين في الزمان وبين المختلفين فيه.

أما كون التخيير عقلياً أو شرعياً، فقد ظهر الحال فيه ممّا تقدّم، وهو مبني على إنكار الترتّب أو الالتزام به. فإذا قلنا أنَّ الترتّب صحيح، بأن يمكن الأمر بالضدّين على نحو يكون أحدهما مترتّباً على ترك الآخر وعدم الإتيان بمتعلّقه، فكما يكون الترتّب ممكناً من طرف واحد، كذلك يكون ممكناً من الطرفين، ولا فرق في جوازه فيهما.

إذن، هذان التكليفان المشروطان بالقدرة عقلاً كلٌّ منهما فعليّ، وبما أنّ القدرة معتبرة في كلٍّ منهما، ولا يكون المتعلّق مقدوراً إلَّا بترك الآخر، فيكون كلٌّ منهما مشروطاً بعدم الآخر.

وقد ذكرنا في بحث الترتّب(1): أنّ هذا الاشتراط لا يحتاج إلى دليل خاصّ، بل هو على طبق القاعدة، فإنّ التكليفين مشروطان بالقدرة، والقدرة على كلٍّ منهما إنّما هي في ظرف ترك الآخر لا على الإطلاق، فشرط كلٍّ منهما إنّما يتحقّق في ظرف ترك الآخر، فيكون التكليف في كلٍّ منهما مشروطاً بترك الآخر، وهو مورد القدرة عليه وتحقّق موضوعه.

فإذا بنينا على جواز الترتّب فالنتيجة هي أنّ كلا التكليفين فعليّان، غاية 

ــــــــــ[142]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم الأصول 4: 239.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الامر: أنّ كلاً منهما مشروط بترك الآخر، ولذا التزم شيخنا الأُستاذ(1)في المقام بالترتّب من الجانبين، وإن أنكره في الواجبين المشروطين بالقدرة شرعاً.

فعلى هذا التقدير، يكون التخيير عقليّاً.

أمّا على القول بامتناع الترتّب وأنّه لا يمكن أن يكون التكليفان فعليّين معاً، مع تضادّ متعلّقيهما، ولو على نحو الترتّب، فلا بُدَّ من الالتزام بسقوط كلا التكليفين، فإنّ الوجوب في كلٍّ منهما في نفسه ثابت بمقتضى حكم العقل بوجوب الامتثال، ولكنّه لا يمكن أن يشملهما معاً، لأنّه تكليف للعاجز، وهو تكليف بما لا يطاق. فالتكليفان لا يمكن أن يكونا فعلييّن، وترجيح أحدهما المعيّن ترجيح بلا مرجّح، إذ المفروض تساويهما في الملاك.

وعليه، فلا بُدَّ من الحكم بسقوط التكليفين معاً، فلا يكون هذا واجباً ولا ذاك.

ولكن، هل يجوز تركهما معاً، وأن يشتغل المكلّف بأمر آخر مباح؟ لا يجوز، للقطع بأنّ الشارع لم يرفع اليد عن تكليفه في المقام، إذ المفروض أنّ العجز إنّما هو بالنسبة إلى أحدهما، لا بالنسبة إلى كليهما، فلا مقتضي لسقوطهما معاً، فلا يجوز للمكلّف تركهما، للعلم بوجود الملاك الملزم في البين بحيث لو كان المولى متمكّناً من الأمر بهما لأَمَرَ بهما، وعدمُ الأمر إنّما هو للمانع، لا لعدم المقتضي.

إذن، فلا يمكن رفع اليد عن كلا التكليفين، فنستنتج وجود تكليف متعلّق بأحدهما لا محالة، إذ لا يمكن رفع اليد عن الملاك الملزم، فلا بُدَّ من الإتيان 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 306.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

بأحد الواجبين، فيثبت التخيير الشرعي، غير أنَّ هذا التخيير كشفه حكم العقل لا الدليل الشرعي، فإنّ الدليل الشرعي إنّما أثبت الوجوب التعييني في كلّ من الواجبين، وحيث لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين امتثاليهما انتهى الأمر إلى التخيير الشرعي بحكم العقل.

وقد تقدّم بالنحو السابق نتيجة الالتزام بالتخيير الشرعي والتخيير العقلي، فلو بنينا على الترتّب وعلى التخيير العقلي، فإذا ترك المكلّف كلا التكليفين كانت نتيجته أن يعاقب بعقابين، لأنّ كلاً منهما كان واجباً في ظرف ترك الآخر.

وأمّا بناءً على التخيير الشرعي، فإنّه لا يعاقب إلَّا عقاباً واحداً، لأنّ المفروض في المقام: أنّ الوجوب واحد متعلّق بالجامع، وقد عصى هذا الوجوب الواحد.

هذا تمام كلامنا في الواجبين المتساويين.

الصورة الثانية: إحراز أهمّيّة أحدهما

وأمّا إذا أحرزنا أن أحدهما أهمّ من الآخر، بأن كان الملاك فيه أقوى، كما إذا دار الأمر بين حفظ نفس محترمة وبين حفظ مال مسلم، فإنّ كلاً من الأمرين واجب في نفسه، إلَّا أنّا نعلم من الخارج بأنّ أهمّيّة حفظ النفس المحترمة أعلى بمراتب من ملاك حفظ المال. والمفروض: أنّهما متقارنان زماناً، فلا محالة يكون الساقط هو المهمّ، ويبقى الأهمّ على إطلاقه.

وهنا يختلف الحال على المسلكين السابقين: من القول بجواز الترتّب، وعدم القول بجوازه.

ــــــــــ[144]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

  1. فعلى القول بجوازه يبقى الأهمّ على إطلاقه، ويسقط إطلاق المهمّ، وإن كان أصل الواجب باقياً، لأنّ المهم لم يبقَ على إطلاقه يقيناً، إذ لا يحتمل في فرض المزاحمة أن يبقى المهمّ على إطلاقه ويكون الساقط هو الأهمّ، كما لا يحتمل أن يكونا ساقطين، فالمهمّ ساقط على كلّ تقدير، والأهمّ لا موجب لسقوطه، فيبقى إطلاقه على حاله، ويسقط إطلاق المهمّ، ولكنّ أصل الوجوب يبقى على حاله.

والسبب في ذلك: هو أنّ نسبة المهمّ الى الأهمّ كنسبة المستحب إلى الواجب، فكما لا يمكن أن يكون الاستحباب مانعاً من فعليّة الوجوب ورافعاً لإطلاقه، كذلك المهمّ لا يمكن أن يكون مانعاً من فعليّة الأهمّ ورافعاً لإطلاقه، فيبقى الأهمّ على إطلاقه، ويكون الساقط هو إطلاق وجوب المهمّ.

  1. وعلى القول بعدم جواز الترتّب، وقد قلنا: إنَّه بناءً على تقدير التساوي يكون الساقط كلا التكليفين، ويستكشف العقل تخييراً شرعياً متعلّقاً بالجامع: أيضاً الأمر كذلك(1) عند الأهمّيّة، وذلك لأنّ سقوطهما معاً على تقدير التساوي كان مبنياً على قبح الترجيح بلا مرجّح، لأنّهما في مرتبة واحدة من الأهمّيّة، والمفروض: أنّ المكلّف لا يمكنه الجمع بينهما، ولا ترجيح في البين، فيسقط التكليفان معاً.

أمّا إذا فرضنا أنّ أحدهما أهمّ من الآخر، فكيف يمكن أن يُقال: إنّه لا 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

() الظاهر أنّ مراد السيّد من ذلك أنّه على إنكار الترتّب تكون النتيجة هي تقدّم الأهمّ أيضاً. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ترجيح في البين، بل تكون الأهمّيّة هنا مرجّحة للأهمّ. فنحن نعلم بسقوط المهمّ، أمّا الأهمّ فلا موجب لسقوطه.

بعبارة أخرى: حيث إنّنا لا نحتمل سقوط الأهمّ وبقاء المهمّ على وجوبه، فالمهمّ ساقط جزماً، أمّا الأهمّ فلا دليل على سقوطه فيشمله إطلاق الدليل، فيبقى على وجوبه، ويسقط وجوب الآخر لا محالة.

فلا يفرق في تقدّم الأهمّ بين الالتزام بالترتّب وعدمه. غاية الأمر: أنّه على تقدير جواز الترتّب يكون الأمر بالمهمّ أيضاً باقياً، لكنّه مشروط بترك الأهمّ، وعلى تقدير إنكار جوازه يكون الأمر بالمهمّ ساقطاً أصلاً.

هذا إذا أحرزنا الأهمّيّة.

الصورة الثالثة: احتمال أهمّيّة أحدهما

وأمّا إذا كان أحدهما محتمل الأهمّيّة، أي: كان الأمر دائراً بين كون الواجبين متساويين وبين كون أحدهما بخصوصه أهمّ. فهل يتقدّم الأهمّ؟

أمّا بناءً على جواز الترتّب، فيكون تقدّم محتمل الأهمّيّة ظاهراً، والوجه في ذلك: هو أنّ الساقط إنّما هو إطلاق الخطاب لا أصله، إذ لا موجب لسقوط أصله، غاية الأمر يكون مشروطاً بعدم الآخر، فنعلم أنّ الواجب الذي لا نحتمل أهمّيّته قد سقط قطعاً، لأنّهما إذا كانا متساويين فإطلاق كل منهما ساقط، وإن كان أحدهما أهمّ، فإطلاق المهمّ ساقط دون الأهمّ، فعلى كلا التقديرين نعلم بسقوط الطرف الآخر غير محتمل الأهمّيّة، ونعلم أنّ وجوب هذا مشروط بعدم الإتيان بالآخر. أمّا ما نحتمل أهمّيّته فلا نعلم بسقوط إطلاقه، بل نحتمل 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

أنّه باقٍ على إطلاقه لاحتمال أهمّيّته. وما لم نحرز سقوط الإطلاق ولم يقم دليل على الاشتراط نأخذ بإطلاق دليل الواجب، فالواجب محتملُ الأهمّيّة يقتضي إطلاق دليله الأخذ به، فنحكم بأنّه واجب بالفعل، وأنّ إطلاقه غير مشروط بترك الآخر، ولكن الآخر مشروط بتركه.

وأمّا إذا قلنا أنّ الترتّب غير ممكن، وأنّ الساقط في موارد المزاحمة هو نفس الخطاب لا إطلاقه.

فقد يقال: إنّ محلّ الكلام داخل في مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير، ومبني على الحكم المختار في تلك المسألة، فإنَّ قلنا هناك بأنّ المرجع هو البراءة قلنا هنا بجريان البراءة أيضاً، للعلم الوجداني بعدم جواز تركهما معاً، فالجامع بينهما مأمور به قطعاً، ونشكّ في تعيّن أحد الطرفين، فبالنسبة إلى المشكوك فيه تجري البراءة.

نعم، بناء على أنّ المختار في تلك المسألة هو الاشتغال، باعتبار العلم الإجمالي بمطلوبيّة أمر جامع دائر بين أن يكون هو الجامع بين الأمرين وبينَ أن يكون خصوص أحدهما، والاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، فالحكم هو الاشتغال، فيرجع إلى الاشتغال في محلّ الكلام(1).

فمحلّ الكلام يبتني على تلك الكبرى، والمقام من صغرياتها، لأنّ المفروض أنّ التكليفين إذا كانا متساويين فالحكم الشرعي هو التخيير، وإذا كان أحدهما أهمّ فالحكم هو التعيين، إذن يدور الأمر بين تساوي الواجبين 

ــــــــــ[147]ــــــــــ

(1) انظر: مصباح الأصول 1: 532.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وبين أهمّيّة أحدهما بعينه، فتجري البراءة.

لكنّ الظاهر -كما سبق أن قلنا-: أنّه وإن كانت المسألة من دوران الأمر بين التخيير والتعيين الشرعي، فبناءً على إنكار الترتّب يكون التخيير شرعيّاً ويكون التعيين شرعياً أيضاً، فهو شكّ في التعيين والتخيير الشرعيين، إلَّا أن الرجوع إلى البراءة في تلك المسألة لا يستلزم الرجوع إليها في مقامنا.

والوجه في ذلك: أنّ الشكّ في تلك المسألة إنّما هو شكّ في المجعول الشرعي ابتداء، حيث لا ندري أنّ ما هو المجعول شرعاً: هل هو الجامع بين أمرين أو أمور، أو أنّ الواجب هو خصوص واحد من الأمرين أو الأمور؟ فنحن لا نعلم بالمجعول ابتداء، فيمكننا الرجوع إلى البراءة على ما هو الصحيح، بدعوى: أنّ الجامع بين الأمرين قد أمرنا به قطعاً، ولكن الأمر دائر

أ- بين أن يكون الجامع قد أخذ مطلقاً بالنسبة إلى الطرفين فيجوز للمكلّف تطبيقه على أي منهما شاء.

ب- وبين أنّه أخذ مقيداً ومشروطاً بأحد الطرفين.

فالشكّ شكّ في الإطلاق والتقييد، والجامع بين المطلق والمقيد هو الطبيعة المهملة وهو معلوم، وإنّما الشكّ في الخصوصيّة، هل هي خصوصيّة الإطلاق
-يعني: رفض القيود- أو أنّ المولى أخذ الطبيعة في متعلّق أمره مقيّدة بقيد خاصّ؟ فالإطلاق والتقييد كلاهما مشكوك فيه.

لكن الإطلاق لا تجري فيه أصالة البراءة وإن كان طرفاً للعلم الإجمالي، لأنّ الإطلاق مساوقٍ للسعة، وهو موافق للامتنان، فلا معنى لشمول حديث 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الرفع لمثله، لأنّه لا يوجب ضيقاً، وكذلك في قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا معنى لأن يُقال: إنّ الإطلاق يقبح العقاب على مخالفته لأنّه بلا بيان، فإنّ الإطلاق لا عقاب عليه، فالعقاب إنّما يترتّب على خصوصية إلزاميّة، وما كان مساوقاً للسعة لا معنى لجريان البراءة العقليّة أو النقليّة فيه.

أمّا التقييد، فبما أنّه موجب للضيق فلا مانع من الرجوع إلى البراءة بالإضافة إليه، فمثل هذا العلم الإجمالي بوجوب المطلق أو المقيد لا أثر له بعد جريان البراءة في أحدهما دون الآخر.

هذا ما ذكرناه في محلّه(1) عند التعرض لمسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير، وهو صحيح، ففي كلّ مورد علمنا بوجوب ودار أمره بين كونه وجوباً تعيينيّاً وبين كونه وجوباً تخييريّاً، ولم يكن هناك أصل لفظي يعيّن أحدهما: يكون الرجوع إلى البراءة عن التعيين.

أمّا في محلّ الكلام، فالشكّ وإن كان شكّاً في التعيين والتخيير في الحكم الشرعي، إلَّا أنّه ليس بحسب أصل الجعل في الشريعة المقدّسة، فإنّنا نعلم بأنّ ما هو المجعول في الشريعة هو الوجوب التعييني لكلّ من الطرفين بخصوصه، لهذا ولذاك، فكان كلاهما واجباً تعيينيّاً، إلَّا أنّ المكلّف لا يمكنه الجمع بينهما، ويقبح الترجيح بلا مرجّح. فلو كانا متساويين سقط كلاً من الوجوبين التعيينييّن ووجد وجوب تخييري متعلّق بالجامع، وإذا كان أحدهما أهمّ بقي الأهمّ على وجوبه التعييني وسقط الآخر.

ــــــــــ[149]ــــــــــ

(1) انظر مصباح الأصول 1: 532.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وحيث إنّنا نشكّ في أهمّيّة أحد الطرفين، فهو شكٌّ في الانقلاب، انقلاب الوجوب التعييني إلى التخييري في محتمل الأهمّيّة، لا شكٌّ في جعل الوجوب التعييني ابتداءً.

فبالنسبة إلى الطرف الذي لا نحتمل أهمّيّته: نقطع بأنّه غير باقٍ على وجوبه التعييني، لأنّ الوجوبين إذا كانا متساويين فقد سقط الوجوب التعييني في كلٍّ منهما، وإذا كان أحد الواجبين أهمّ فقد سقط الوجوب عن الطرف الآخر قطعاً.

إذن، فالطرف الآخر -وهو غير محتمل الأهمّيّة- قد سقط وجوبه التعييني قطعاً، ولكن نحتمل أن يكون الوجوب في الطرف الذي نحتمل أهمّيّته أيضاً ساقطاً، فيكون هنا وجوب تخييري حادث بعد المزاحمة، وهذا مشكوك فيه، فمقتضى دليل هذا الواجب أنّه باقٍ على وجوبه ولم يسقط، أمّا الطرف الآخر فقد سقط وجوبه جزماً ولا نحتمل العقاب على تركه جزماً، لأنّه إمّا سقط أصلاً، أو تحوّل وجوبه إلى الوجوب التخييري.

وأمّا هذا الطرف الذي نحتمل أهمّيّته، وقد كان واجباً تعيينيّاً، فبأي وجه يجوز لنا تركه، بعد عدم إحراز تبدّله إلى الوجوب التخييري، إذ نحتمل أنَّ وجوبه باقٍ على حاله، فمقتضى إطلاق دليله: أنّه باقٍ على حاله كما كان(1)، فالحكم في المقام هو التعيين.

ولا يقاس المقام بما إذا كان الشكّ في التعيين والتخيير من الأوّل، إذ لم يكن 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

() وحدوث الوجوب التخيري يحتاج إلى دليل ولا دليل عندنا. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

هناك شيء يعيّن أنّ الوجوب وجوب تعييني، بخلاف المقام، فإنّ المعيّن للوجوب التعييني موجود وهو إطلاق دليل محتمل الأهمّيّة، ولا يعارضه إطلاق دليل الواجب الآخر، لأنّه ساقط قطعاً.

فعلى كلا التقديرين، أي: القول بأنّ التخيير عقلي أو القول بأنَّه شرعي: إذا وقع التزاحم بين واجبين وكان أحدهما محتمل الأهمّيّة، فإنَّه يتقدّم محتمل الأهمّيّة، ويلزم الأخذ به.

التزاحم بين واجبين طوليين زماناً

وأمّا إذا فرضنا أنّ أحد الواجبين أسبق من الآخر زماناً، أو أنّ واجباً تقدّم على مقدّمة محرّمة، كما إذا توقّف إنقاذ غريق أو حريق على التصرّف في الأرض المغصوبة، فكان أحد التكليفين بحسب الزمان أسبق من الآخر، ولنفرض الكلام في الواجبين، وإن كان نفس الكلام يأتي في الواجب والحرام.

فتارةً: نفترض أنّهما متساويان في الملاك من دون مزيّة لأحدهما على الآخر.

وأخرى: يفرض الكلام فيما إذا كان أحدهما أهمّ من الآخر.

وثالثة: يفرض أنّ أحدهما محتمل الأهمّيّة.

  1. فيما إذا كان الواجبان متساويين ملاكاً

إذا كان الواجبان طوليين، أي: كان أحدهما أسبق من الآخر زماناً، وعلم أنّ الملاك بينهما على حدّ سواء بلا مَزِيّة لأحدهما على الآخر، أو كان احتمال الأهمّيّة موجود في كلا الواجبين.

ــــــــــ[151]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ففي هذه الصورة:

أ- تارة: نبني على الوجوب التعليقي، وأنّ الأمر بالواجب المتأخّر موجود فعلاً، وكان الدليل مساعداً على ذلك، أي: كان مقتضى إطلاق دليل الوجوب هو ثبوته من الآن، أو على تقدير إنكار الواجب التعليقي إذا علمنا أنّ الواجب الاستقبالي مشتمل على الملاك في ظرفه، بحيث لو تركه في ظرفه لكان مفوّتاً للملاك.

ب- وأخرى: لا نلتزم بالواجب التعليقي ولا يكون الملاك في ظرفه محرزاً، بل نحتمل أنَّ الملاك مشروط بالقدرة في ظرفه، فإذا لم تكن القدرة متحقّقة في ظرفه فلا ملاك على ما ذكرناه، إذ لا طريق لنا إلى استكشاف الملاك إلَّا طريق التكليف أو طريق القرينة الخارجيّة.

فإذا لم نقل بالوجوب التعليقي ولم يمكن استكشاف الملاك في ظرفه، فهذا خارج عن مورد التزاحم، إذ لا إشكال في وجوب امتثال الواجب الفعلي بحكم العقل، فإنّه مقدور والملاك فيه تامّ وفعليّ، ولا يجوز تفويت الواجب الفعلي لأجل واجب آخر لم يحرز أنّ ملاكه موجود في ظرفه، فالآن ليس هناك خطاب متوجّه إلى المكلّف بالإتيان بالأمر بالمتأخّر، لاستحالة الواجب التعليقي، ولا يجب التحفّظ على الملاك في ظرفه، لأنّه لا طريق لنا إلى إحراز الملاك في ظرفه، فترك الواجب الفعلي لإيجاد الموضوع للواجب المتأخّر -وهو القدرة- غير جائز بحكم العقل، بل اللازم الإتيان بالواجب الفعلي.

ــــــــــ[152]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وإذا امتثله يرتفع الموضوع بالنسبة إلى الواجب الآخر، إذ يكون عاجزاً في ظرف الامتثال عن الإتيان به على الفرض، وهذا ظاهر، ولا بُدَّ من الإتيان بالواجب الفعلي، بل هو خارج عن باب التزاحم، فإنّ الأمر المتأخّر غير متّصف بالوجوب منذ الآن، ولم يحرز ملاكه من الخارج.

أمّا إذا التزمنا بالواجب التعليقي -كما هو الصحيح- أو أنكرناه ولكن علمنا من الخارج بأنّ الملاك متحقّق في ظرفه، فكما يجب بحكم العقل امتثال الواجب الفعلي، كذلك يجب التحفّظ على القدرة بالنسبة إلى الواجب المتأخّر، يعني: لو كان أمر المكلّف منحصراً بالواجب المتأخّر، ولم يكن مزاحماً لواجبٍ فعلي، لكان عليه أن يحفظ قدرته لامتثاله، لفعليّة التكليف أو لوجود الملاك الملزم الذي هو في حكم التكليف الفعلي في نظر العقل من حيث تفويته.

إذن، يدور أمر المكلّف بين أن يأتي بالواجب الفعلي، فيكون الواجب الاستقبالي متروكاً لا محالة، لأنّه يعجز عنه على الفرض، وبين أن يترك الواجب الفعلي، ويتحفّظ على قدرته للواجب المتأخّر.

وكلّ منهما في نفسه كان لازماً بحكم العقل، إلَّا أنّ المكلّف حيث لا يتمكّن من الجمع بينهما، فهل يتخيّر بينهما كما كان الحكم بالتخيير ثابتاً في الواجبين العرضيين، أو أنّ الأسبق زماناً يتقدّم، ويتعين بحكم العقل امتثال الواجب الفعلي؟

الظاهر: أنَّ الحكم هو التخيير، لعدم الترجيح لأحد الواجبين على الآخر، فالحال فيهما هو الحال في الواجبين العرضيين.

ــــــــــ[153]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ما أفاده النائيني في المقام 

ولكن شيخنا الأُستاذلم يلتزم بالتخيير في المقام، والتزم بأنّ الأسبقيّة في الزمان تكون مرجّحة، فيتعيّن امتثال الواجب الفعلي، وبامتثاله ينتفي موضوع الواجب الاستقبالي وهو القدرة.

وحاصل ما أفاده(1) في المقام هو: أنّ التخيير بين واجبين -على ما بينّا- مبني على الالتزام بالترتّب من الجانبين، وفي المقام لا يمكن الالتزام بالترتّب من الجانبين، وذلك:

أوّلاً: لأنّ هذا يستدعي أن يكون وجوب الواجب الفعلي مشروطاً بأمر متأخّر، وهو ترك الواجب المتأخّر في ظرفه، فيلزم منه الالتزام بالشرط المتأخّر، وقد قال في محله: إنّ الشرط المتأخّر مستحيل، ولا يمكن الالتزام به.

وثانياً: لأنّ ترك امتثال الواجب المتأخّر لا يمكن أن يكون شرطاً لوجوب الواجب الفعلي، فإنّ الترتّب إنّما هو أمر على القاعدة، إذ لم يدلّ دليل خاصّ على جوازه ووقوعه، وإنّما التزمنا به من جهة اشتراط التكليف بالقدرة، وهذا إنّما يكون في الواجبين العرضيين، حيث إنّ القدرة في كلّ منهما مشروطة بترك الآخر، والمكلّف لا يمكنه الجمع بين الواجبين، فكان ترك امتثال كلّ منهما محقّقاً للقدرة، كما أنّ امتثاله يكون معجّزاً للمكلّف، ولذلك التزمنا بالترتّب، بأن يكون كلٌّ من الواجبين مشروطاً بترك الآخر.

وهذا لا يكون إلَّا في الواجبين العرضيين.

ــــــــــ[154]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 280.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وأمّا في الواجبين الطوليين، فكيف يمكن أن يقال: إنّ الواجب المتأخّر يكون معجّزاً عن الواجب الفعلي، فإنّ التكليف الفعلي مقدور فعلاً وتركاً، وكيف يكون الامتثال الذي لم يتحقّق معجّزاً عن ذلك، إذن لا يمكن أن يكون الواجب الفعلي مشروطاً بترك الواجب المتأخّر، حيث إنّ هذا الاشتراط لا وجه له ولا دليل عليه، والالتزام بالترتّب نشأ من كون الامتثال معجّزاً عن الامتثال للواجب الآخر، وامتثال الواجب المتأخّر يستحيل أن يكون معجّزاً عن امتثال الواجب الفعلي.

إذن، لا يمكن الالتزام بالترتّب في الواجبين الطوليين، بل لا بُدَّ من الالتزام بتقدّم الأسبق زماناً، ويكون هو الواجب الفعلي ويتعيّن امتثاله بحكم العقل، وعند امتثاله يرتفع موضوع الواجب المتأخّر.

هذا ملخصّ ما أفاده.

مناقشة ما أفاده النائيني:

أمّا الوجه الأوّل، فإنَّه ثبت في محلّه جواز الشرط المتأخّر، والمفروض أنَّ الدليل دلّ على اشتراط الشرط المتأخّر، فلا محذور في الالتزام به في المقام، فنلتزم بالترتّب من الجانبين، بأن يكون الوجوب الفعلي مشروطاً بترك الواجب المتأخّر وبالعكس.

فهذا لو التزمنا به لا محذور فيه على مسلكنا من جواز الشرط المتأخّر، كما تقدّم الكلام فيه مفصّلاً(1)، غاية الأمر أن الشرط المتأخّر لا بُدَّ له من دليل يدل 

ــــــــــ[155]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 3: 71.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

على اشتراطه والدليل في المقام موجود. 

فإنّا ذكرنا: أنَّ الترتّب لا يحتاج إلى دليل خاصّ، وإنّما هو مقتضى اشتراط التكاليف بالقدرة، فإذا فرضنا أنّ الواجب الفعلي في نفسه مقدور والعقل يحكم بوجوب امتثاله، فهو في نفسه تامّ الاقتضاء للامتثال، وفرضنا أنّ الواجب المتأخّر أيضاً كذلك يعني: لو كان الأمر منحصراً به، فإنّه يلزم بحكم العقل حفظ القدرة له مقدّمة لامتثاله في ظرفه، إمّا من جهة الالتزام بالوجوب التعليقي أو من جهة العلم بالملاك من الخارج، فكلّ من الأمرين لازم بحكم العقل، والمفروض: أنّ المكلّف لا يتمكّن من الجمع بينهما، فلا يمكن التكليف بهما على إطلاقهما، لأنّه تكليف بما لا يطاق، فنرفع اليد عن التكليف بالمقدار اللازم، وهذا هو المقدار اللازم، فنلتزم بأنّ وجوب الواجب المتأخّر مشروط بعدم الإتيان بالواجب الفعلي، لأنّه مع الإتيان بالواجب الفعلي لا يمكن الإتيان بالمتأخّر، وكذلك نرفع اليد عن إطلاق وجوب الواجب الفعلي فيما إذا لم يأت المكلف بالواجب المتأخر.

ونتيجة هذا: أن يحكم العقل -حيث إنّه لا ترجيح في البين- باشتراط كلّ من الوجوبين بعدم الإتيان بمتعلّق الآخر، كما هو الحال في الواجبين العرضيين، يعني: بعد البناء على جواز الشرط المتأخّر لا فرق بين الواجبين الطوليين أو العرضيين، فكما أنّ التخيير هناك كان ثابتاً من جهة القاعدة وكان نتيجة اشتراط التكليف بالقدرة، كذلك الأمر في الطوليين، لأنّ غير المقدور إنّما هو الجمع بينهما وأما أحدهما في ظرف ترك الآخر فمقدور ولا مانع منه، فلا موجب لرفع اليد 

ــــــــــ[156]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

عن أي من الواجبين: لا الفعلي ولا المتأخّر إلا بالمقدار اللازم الذي تقتضيه الضرورة، فبناء على الالتزام بالشرط المتأخّر الحال فيهما على حدّ سواء.

على أنّا لو لم نقل بجواز الشرط المتأخّر، وقلنا باستحالته، أو قلنا بإمكانه إلَّا أنّه لم يقم دليل على أنّ شرط التكليف الفعلي هو ترك امتثال الواجب المتأخّر، فأيضاً لا موجب لرفع اليد عن كلّ من التكليفين بناء على جواز الترتّب، بل نرفع اليد عن التكليفين بمقدار الضرورة، أمّا الواجب المتأخّر فيكون وجوبه مشروطاً بعدم الإتيان بالواجب المتقدّم، وأمّا الواجب المتقدّم فيكون وجوبه مشروطاً بعدم العزم على الإتيان بالواجب المتأخّر، العزم المستمرّ إلى حين امتثال الواجب المتأخّر، والعزم أمر فعلي، ومع عدم رفع اليد عن هذا العزم لا يمكن الإتيان بالواجب الفعلي، فإنّ الإتيان به إنّما يمكن فيما إذا بنى على ترك الآخر، لا مع العزم على فعله، إذ المفروض: أنّهما ضدان ولا يمكن الجمع بينهما.

فنلتزم -حينئذٍ- بأنّ الشرط هو العزم على الإتيان بالواجب المتأخّر، العزم المستمر لا العزم آناً ما، حتى يكون في الآن الثاني مكلّفاً بالجمع بينهما وهو غير مقدور. كما ذكرنا في باب الترتّب، من أنّه لا فرق بين أن يكون الواجبان أو الواجب المهمّ مشروطين بالترك الخارجي أو بالعزم على الترك، فإنّ العزم من مبادئ الفعل، فإنّه مع هذا العزم لا يمكن الإتيان بالواجب الفعلي، فيكون هذا غير مقدور. إذن نلتزم بأن يكون شرط الوجوب هو العزم على الإتيان بالواجب المتأخّر. وحيث إنّ الترتّب أمر على مقتضى القاعدة، ولا يحتاج إلى 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

دليل، فنلتزم به في المقام بأيّ وجه كان، إذ لا موجب لرفع اليد عن التكليف إلَّا بمقدار الضرورة، والواجب المتأخّر -كالمتقدّم- لا موجب لرفع اليد عن وجوبه، بل لا بُدَّ في مقام الجمع بينهما من رفع اليد عن إطلاق كلّ منهما والالتزام بالاشتراط.

هذا جواب ما أفاده في الوجه الأوّل.

وأمّا الوجه الثاني، وهو أنّ ترك امتثال الواجب المتأخّر لا دخل له في القدرة على الواجب الفعلي، كما أنّ امتثاله في ظرفه لا يكون معجّزاً فعلاً لأنّه أمر متأخّر، فالترتّب لا يجري إلَّا في الواجبين العرضيين.

فالجواب: اشتراط التكليف بالمهمّ بعدم الإتيان بالأهمّ. وكون امتثاله مسقطاً له، ليس من جهة أنّ الامتثال هو أحد المسقطات، وإلَّا فإنّه من المعلوم أنّ امتثال تكليف ما لا يكون موجباً لإسقاط تكليف آخر، بل من جهة اشتراط القدرة في التكليف، وحيث إنّ المكلّف لا يمكنه الجمع بينهما، ففي فرض الإتيان بأحدهما يكون عاجزاً عن الآخر.

بعبارة أخرى: إنَّما قلنا إنّ الشرط هو عدم الإتيان بالآخر وإنَّ الإتيان به مسقط، لاعتبار القدرة في التكليف، وأنّ الإتيان بالأهمّ موجب للعجز عن الإتيان بالمهمّ، فالمسقط في الحقيقة هو العجز لا الامتثال، إلَّا أنَّه باعتبار أنَّ العجز عن المهمّ ملازم لامتثال الأهمّ، قلنا بأنّ امتثال الأهمّ مسقط للتكليف بالمهمّ، أو في المتساويين يكون امتثال كلّ منهما موجباً لسقوط التكليف بالآخر، وإلَّا فالمسقط -في الحقيقة- هو العجز.

ــــــــــ[158]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فإذا كان الأمر كذلك ففي المقام حيث إنّ الواجب المتأخّر يلزم بحكم العقل أن يتحفّظ المكلّف على قدرته بالنسبة إليه في نفسه لو كان وحده من دون مزاحم، وكذلك  بالنسبة إلى الواجب الفعلي، فإنّه يجب الإتيان به في نفسه بحكم العقل، فإنّه مقدور بالفعل، وحيث إنّه لا يتمكّن من أن يجمع بين الأمرين: بين أن يحفظ قدرته للواجب المتأخّر وبين أن يعملها في هذا الواجب الفعلي، فإنّه إذا حفظ قدرته للواجب المتأخّر فهو عاجز عن الإتيان بالفعلي فيسقط، وإذا أعمل قدرته بالفعلي يكون عاجزاً عن المتأخّر فيسقط: السقوط إنّما هو لأجل العجز، ولا دخل لامتثال الواجب المتأخّر في العجز، حتى يقال: كيف يكون امتثاله معجّزاً عن الواجب الفعلي؟ فهذا ممّا لا نلتزم به، بل نلتزم بالسقوط لأجل العجز من جهة التحفّظ على القدرة، فإنَّ العقل يلزمه بالتحفّظ على القدرة للإتيان بالواجب المتأخّر، ومع التحفّظ لا يتمكّن المكلّف من الإتيان بالواجب الفعلي.

فجميع ما التزمنا به في الواجبين العرضيّين، يأتي في المقام أيضاً، بمعنى: أنّ الجري على طبق حكم العقل بالنسبة إلى أحدهما يلازم العجز عن الآخر، غاية الأمر: أنّ الجري في الواجبين العرضيين كان على طبق حكم العقل بامتثال أحد الواجبين، وهنا يكون الجري على طبق حكم العقل الموجب للعجز هو التحفّظ على القدرة.

فالصحيح: هو أنّ الترتّب كما يجري في الواجبين العرضيين، كذلك يجري في الطوليين، ونتيجة ذلك: الالتزام بالتخيير العقلي في المقام أيضاً.

ــــــــــ[159]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ما رتّبه النائيني على الترجيح بالأسبقيّة

ثّم إنّ شيخنا الأُستاذ رتّب على هذه الكبرى -وهي الترجيح بالأسبقيّة- عدّة فروع، نذكر منها فرعين:

الفرع الأوّل: موارد الصوم(1)، فلو دار أمره بين صوم أحد يومين بحيث لا يمكنه الجمع بينهما، وبين عدم استطاعته الجمع بين النصف الأوّل من شهر رمضان وبين صوم النصف الثاني منه، فلا يقدر إلَّا على صوم خمسة عشر يوماً، فيدور أمره بين أن يصوم النصف الأوّل وبين اليوم الأوّل دون الثاني أو يعكس الأمر، فيفطر اليوم الأوّل أو النصف الأوّل ويصوم الثاني. ومن جهة الترجيح بالأسبقيّة ذكر أنّه لا يجوز له أن يفطر اليوم الأوّل ويصوم الثاني، بل يتعيّن عليه الأوّل.

وهذا الذي أفاده من أنّه لا يجوز له أن يفطر اليوم الأوّل مقدمّة لصوم اليوم الثاني، لا إشكال فيه، إلَّا أنّه ليس من صغريات هذه الكبرى، لأنّ المستفاد من الآية المباركة والروايات أنّ القدرة مأخوذة شرعاً في موضوع وجوب الصوم، ولذا لا يجب عليه التحفّظ على القدرة حتّى في غير موارد التزاحم، فلا يجب التحفّظ على صحّته مقدمّة للصوم، فإنّ الصوم واجب مشروط بعدم المرض كما هو مشروط بعدم السفر، فكلّ منهما شرطٌ فيه.

فما كان شرطاً في وجوب الصوم شرعاً لا يجب التحفّظ عليه وإيجاد 

ــــــــــ[160]ــــــــــ

(1) انظر: فوائد الأصول 1: 329.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الموضوع بالنسبة إلى الواجبات المشروطة بها نظير الاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ، فإنّ تحصيلها غير واجب كما سبق أن ذكرنا(1)، فلا يجب أن يعالج نفسه لو كان مريضاً مقدّمة للصوم، ولا يجب عليه أن ينوي الإقامة لو كان مسافراً مقدّمة للصوم، فإيجاد الموضوع غير لازم بحكم العقل.

فإذا كان الأمر كذلك، أي: كانت القدرة مأخوذة في موضوع وجوب الصوم شرعاً، فلا يدخل هذا في التزاحم بين الواجبين الطوليين المشروطين بالقدرة عقلاً، بل هذا من التزاحم بين الواجبين المشروطين بالقدرة شرعاً، وقد سبق أن ذكرنا(2) أنّ في مثل هذا التزاحم يتقدّم الأسبق زماناً لا محالة، لأنّ الموضوع في الأسبق متحقّق، فلو أفطر في هذا اليوم فقد أفطر مع قدرته على الصوم ووجوبه عليه، وهذا بخلاف ما إذا صام في اليوم الأوّل وعجز عن صوم اليوم الثاني، فإنّ إفطاره في اليوم الثاني إفطار على وجه شرعي، لأنّه غير قادر على الصوم.

فالوجه وإن كان كما ذكره من تقدّم الأسبق زماناً إلَّا أنّه غير داخل في هذه الكبرى.

الفرع الثاني: ما إذا دار أمره بين أن يقوم في الركعة الأولى وبين أن يقوم في الركعة الثانية(3)، بحيث لا يقدر على القيام في كلتا الركعتين معاً، بل لا بُدَّ من أن 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

(1) انظر: المعتمد في شرح العروة الوثقى (موسوعة السيد الخوئي) 26: 79.

(2) راجع الصفحة: 110.

(3) انظر: أجود التقريرات 1: 318.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

يصلّي الفريضة ركعة قياماً وركعة جلوساً، فهل يجوز له أن يأتي بالركعة الأولى جالساً، ويقوم في الركعة الثانية أو يلزمه العكس؟

وبما أنّه ذكر أنّ الأسبقيّة من المرجّحات، حكم بوجوب القيام في الركعة الأولى، وتعيّنه على المكلّف ويجلس في الثانية، ولا يجوز له أن يجلس في الأولى مقدمّة للقيام في الثانية.

مناقشة ما ذكره النائيني

هذا صحيح كما ذكره، فوظيفة المكلّف أن يقوم في الركعة الأولى ويجلس في الثانية، دون العكس، ولكنّه غير داخل تحت الكبرى من وجهين:

الأوّل: ما تقدّم مفصّلاً، من أنّ التزاحم إنّما يكون بين واجبين مستقلّين، إذ لا يقع التزاحم بين أجزاء الواجب الواحد بوجوب واحد، فإنّ الواجب الواحد إذا لم يستطع المكلّف الإتيان به بتمام أجزائه وشرائطه يسقط لا محالة، فنحتاج إلى دليل يثبت به وجوب الباقي، فيقع الكلام في أنَّ هذا الواجب هل هو مقيّد بالقيام في الركعة الأولى أو بالقيام في الركعة الثانية؟ فيكون من باب التعارض، لا من باب التزاحم. هذا من ناحية.

وعلى تقدير التسليم بأنّه من باب التزاحم، فلا يدخل في هذه الكبرى، فإنّ القدرة معتبرة في القيام شرعاً إذا قوى فليقم(1)، فعلى ذلك لا يفرق بين أن 

ــــــــــ[162]ــــــــــ

(1) الكافي 3: 410، باب صلاة الشيخ الكبيروالمريض، الحديث: 310، وسائل الشيعة 5: 495، الباب 3: باب حد العجز عن القيام وسقوطه مع تجدد العجز ووجوبه في الفريضة مع تجدد القدرة في اثناء الصلاة، الحديث: 3.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

يكون هذا من باب التزاحم أو التعارض، فإنّ مقتضى قوله: إذا قوى فليقم التقييد بالقدرة على القيام، وحيث أنّه قادر في الركعة الأولى على القيام فيجب عليه لا محالة، ولو تركه فقد تركه مع القدرة عليه، بخلاف ما إذا تركه في الركعة الثانية، فقد تركه عن عجز لا عن قدرة.

وحيث إنّ القدرة شرط شرعاً فلو كان الباب من باب التزاحم لكان تزاحماً بين واجبين مشروطين بالقدرة شرعاً فيتقدّم الأسبق زماناً.

وأين هذا ممّا نحن فيه من وقوع التزاحم بين الواجبين المشروطين بالقدرة عقلاً.

فهذان الفرعان وغيرهما ممّا ذكره ورتبه على هذه الكبرى غير داخل فيها.

بل لو فرضنا وقوع التزاحم بين الواجبين المشروطين بالقدرة عقلاً، لا يكون السبق الزماني مرجّحاً، وإنّما يكون المكلّف مخيّراً بين الإتيان باللاحق وترك السابق وبين العكس.

  1. فيما إذا كان أحد الواجبين أهم من الآخر

ذكرنا أنّ الواجبين المتزاحمين لا موجب لسقوط التكليف فيهما أو لسقوط الإطلاقين فيهما إذا كان أحدهما أهمّ من الآخر، فإن باب التزاحم -على ما تقدّم- مغاير لباب التعارض، فإنّ كلا الحكمين مجعول في الشريعة، غاية الأمر: أنَّ العقل يحكم بلزوم وجود القدرة في زمان الامتثال، فإنّ التكليف بما لا يطاق غير ممكن في نظر العقل.

ــــــــــ[163]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فعلى الالتزام بالترتّب يكون الساقط هو إطلاق أحد الخطابين، دون كلا الإطلاقين، فإنّ سقوطهما بلا موجب بعد فرض أنّ أحدهما مقدور، فإنّ غير المقدور هو الجمع بين الأمرين، ولهذا لو كان الواجبان متقارنين زماناً وكان أحدهما أهمّ، فلا موجب حينئذٍ لسقوط التكليف بالأهمّ، أو سقوط إطلاقه، بل يبقى الأهمّ على حاله، أمّا الآخر -وهو المهمّ- فيسقط إطلاقه على تقدير القول بالترتّب، ويسقط أصلُه على إنكاره.

والنتيجة -على كلا التقديرين-: بقاءُ التكليف بالأهمّ من حيث أصله وإطلاقه، فلو فرضنا أنّ الواجب المتقدّم والواجب الفعلي كان هو الأهمّ، بأن دار الأمر بين حفظ نفس محترمة فعلاً وحفظ مال مؤمن فيما بعد، فلا موجب لسقوط هذا التكليف بعد فرض كونه مقدوراً عقلاً وشرعاً، ولا مانع من امتثاله، فيُلزم العقل بامتثاله.

فإذا لم نبنِ على الترتّب فإنَّه يكون الآخر ساقطاً، وعلى تقدير القول بالترتّب -كما هو الصحيح-: يكون الآخر على تقدير ترك هذا الواجب الفعلي واجباً، فالتكليفان موجودان كلاهما من الآن، أحدهما: على نحو الإطلاق، والآخر: على نحو الاشتراط، وهو حفظ المال على تقدير ترك حفظ النفس.

وهذا واضح، يعني: أنّ جميع ما ذكرناه في الواجبين المتقارنين زماناً إذا كان أحدُهما أهمّ يجري في المقام أيضاً إذا كان الأسبق هو الأهمّ، فيكون التكليف الفعلي هو الأهمّ، وأمّا الآخر فإمّا أن يسقط رأساً على إنكار الترتّب، أو يسقط إطلاقه على الالتزام به.

ــــــــــ[164]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

أمّا لو فرضنا أنّ الأمر بالعكس، وكان الواجب المتأخّر أهمّ من الواجب الفعلي، كما لو دار الأمر بين حفظ مال المسلم فعلاً وحفظ نفسه بعد ساعة أو يوم مثلاً، ولا يتمكّن المكلّف من حفظ كلا الأمرين، فإذا حفظ المال فعلاً لم يتمكّن من حفظ النفس في الزمان المتأخّر. كما لو أن سلطاناً جائراً أراد أن يقتل شخصاً ويغصب ماله على أن يكون غصب المال أولاً ثّم يقتله، وكان المكلّف يتمكّن من الشفاعة لرفع اليد عن أحد هذين الأمرين، ولا تقبل شفاعته في كليهما، فيدور الأمر بين الشفاعة لحفظ ماله فعلاً، ثّم يقتل هذا المؤمن لا محالة، ولا تقبل شفاعته الثانية في نفسه، وبين أن يترك هذا الواجب مقدّمة للواجب الأهمّ وهو الشفاعة لحفظ النفس، فيدور الأمر بين امتثال الواجب الفعلي وبين امتثال الواجب المتأخّر الذي هو أهمّ. وحيث فرضنا أنّ الوجوب فعلي بالنسبة إلى كلّ من الواجب الفعلي والواجب المتأخّر، بناء على جواز الوجوب التعليقي، فالتكليفان في حكم العقل سيّان، فكما يقبح عصيان الأمر بالواجب الفعلي فكذلك يقبح عصيان الأمر بالواجب المتأخّر، وكما يجب امتثال هذا يجب امتثال ذاك. فلا محالة يتعين الأهمّ بحكم العقل، لعين ما ذكرناه في الواجبين المتساويين، إذ ترجيح هذا الحكم بحكم العقل بعد فرض كونه غير أهمّ، بلا مرجّح، إذ لا موجب لسقوط وجوب الواجب المتأخّر، لأنّه بلا مقتضٍ، ولا لسقوط إطلاقه، لأنّ مزاحمه أضعف منه على الفرض، فلا موجب لرفع اليد عنه، واشتراطه بعدم امتثال المهمّ، فيبقى الأمر على إطلاقه، ويكون التكليف الفعلي على طبقه، ويجب على المكلّف مقدّمة للامتثال أن يتحفّظ على قدرته بترك الواجب الفعلي.

ــــــــــ[165]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

هذا -أيضاً- ممّا لا ينبغي الإشكال فيه، بناء على ما ذكرناه من المباني، بل لو لم نلتزم بالوجوب التعليقي ولكن علمنا بوجود الملاك في ظرفه بقرينة خارجيّة، فلا تكليف من الآن، إلَّا أنّنا حيث علمنا بوجود الملاك الملزم في الظرف المتأخّر، فلا فرق في حكم العقل بالقبح بين مخالفة التكليف الفعلي وبين مخالفة الملاك الملزم، فهما في نظر العقل سيّان من جهة القبح، ففي مثل ذلك يحكم العقل بلزوم التحفّظ على القدرة مقدّمة للإتيان بالواجب المتأخّر في ظرفه، لئلا يفوت الملاك الملزم.

نعم، لو أنكرنا الوجوب التعليقي ولم نعلم بوجود الملاك الملزم في ظرفه من الخارج، تعيّن الإتيان بالواجب الفعلي، إذ المفروض أنّ الواجب المتأخّر غير واجب من الآن، ولا يجب التحفّظ على القدرة، إذ لا تكليف فعلاً، ولم يحرز الملاك، إذ لعلّه لا ملاك في ظرفه عند العجز. فإذا أتى بالواجب الفعلي فإنَّه يكون عاجزاً عن الواجب المتأخّر، فلم يفُت ملاك ولم يخالف تكليفٌ، والتكليف المتأخّر -على تقدير وجوده- يكون أهمّ ولا أثر لمثل هذه الأهمّيّة التقديريّة. فهذا من الشك في أصل وجود الملاك في ظرفه، من ناحية العجز، إذ لعلّ الملاك منحصر في صورة القدرة دون العجز، والمفروض: أنّنا لا طريق لنا إلى إحراز الملاك من غير ناحية الأمر. 

إلَّا أنّنا من جهة الالتزام بالوجوب التعليقي نلتزم بتقدّم الأهمّ المتأخّر، فإنّه حينئذٍ لا حاجة لنا إلى إحراز الملاك من الخارج، كما كان هو الحال في الواجبين المتقارنين.

ــــــــــ[166]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

إلَّا أنّ الإشكال في حصول الترتّب في المقام، وأنّ الواجب الفعلي على تقدير وجوب الواجب المتأخّر من الآن يجب القيام به فعلاً، كما يجب تقديم الأهمّ، وفي مثالنا السابق يجب حفظ المال الآن وحفظ النفس بعد يوم أو يومين من الآن أيضاً.

فإذا بنينا على وجوب الواجب المتأخّر، أو لزوم التحفّظ على الملاك، وفرضنا أنّ المكلّف لم يأتِ بذلك الواجب في ظرفه، فعلى هذا التقدير بما أنّه عازم على عدم الإتيان بذلك الواجب في ظرفه، فهل يكون الواجب الفعلي متّصفاً بالوجوب من جهة الترتّب أو لا، أي: يكون المكلّف بالإتيان به ممتثلاً بالنسبة إليه وإن كان عاصياً بالنسبة إلى الواجب المتأخّر، كما كان هو الحال في الواجبين المتقارنين زماناً بناءً على الترتّب(1)؟

رأي النائيني في المقام

أنكر شيخنا الأُستاذ الترتّب في المقام، مع التزامه به في الواجبين العرضيّين، وأنّ كلاً منهما مأمور به على تقدير ترك الآخر.

الوجه في إنكاره: ما تقدّم في الواجبين المتساويين بالملاك، وإنكار الترتّب هناك كان مبنيّاً على أمرين:

الأمر الأوّل: أنّ الوجوب الفعلي لا يمكن أن يكون مشروطاً بترك الواجب المتأخّر في ظرفه، فإنّه مستلزم للالتزام بالشرط المتأخّر، وهو لا 

ــــــــــ[167]ــــــــــ

() وهنا أعطى فكرة مختصرة عن الترتّب وأنّه لا فرق بين الترتّب من جانب واحد أو من جانبين في إمكانه، بما لا يزيد عمّا كان كرّره مراراً. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

يلتزم به، وحيث لا يمكن التقييد بترك الواجب المتأخّر، لا يمكن الإطلاق أيضاً، لأنّه مستلزم للتكليف بالجمع بين الضدّين، فيسقط المتأخّر لا محالة.

الأمر الثاني: ذكر أنّنا إنّما التزمنا بالاشتراط في باب الترتّب، لأنّ عدم الإتيان بالأهمّ كان موجباً للقدرة على الإتيان بالمهمّ، فإنّ العجز كان متعلّقاً بالجمع بينهما، ومع عدم الإتيان بالأهم يكون المهمّ مقدوراً، وهذا إنّما يكون في الواجبين العرضيّين دون الطوليّين، إذ في الطوليّين كيف يمكن أن يُقال: إنّ ترك الواجب الأهمّ فيما بعد يكون دخيلاً في القدرة على الواجب الفعلي؟ هذا أجنبي عن ذلك، فإنّ الأهمّ المتأخّر مقدور في ظرفه أتى بالمهمّ أو لم يأتِ، وقد فرضنا أنّه أهمّ، فالتكليف الفعلي يكون متعلّقاً به -أي: بالمتأخّر- وليس للواجب الفعلي المتقدّم دخل في تركه.

وبنى على أنّ اشتراط التكليف بالعزم على ترك الآخر المزاحم له موجب لطلب الجمع بين الضدين، إذ بمجرد أن يعزم على ترك الأهمّ يكون المهمّ واجباً لتحقّق شرطه، ويكون الأهمّ واجباً لفرض كونه مطلقاً، فيكون كلّ منهما مأموراً به، فيكون من طلب الجمع بين الضدّين وهو غير ممكن. ولذا حصر الشرط في الترتّب بعدم الإتيان بالآخر، لا العزم والبناء على عدم الإتيان به.

ثُمَّ ذكر(1): أنَّ شرط الواجب الفعلي هو عدم التحفّظ على القدرة للواجب المتأخّر، حيث إنّ المفروض أنّ الواجب المتأخّر أهمّ فيجب عليه أن يحفظ قدرته له، فلو فرضنا أنّه لم يحفظ قدرته له وترك التحفّظ، فهذا يكون 

ــــــــــ[168]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 273.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

شرطاً، فيرجع الترتّب إلى الأمرين العرضيّين، فإنّ التحفّظ وعدم التحفّظ ظرفهما فعلي. إذن، يكون إطلاق الأمر بالواجب المتأخّر الأهمّ باقياً على حاله، أمّا الواجب الفعلي فمشروطٌ بترك التحفّظ بالنسبة إلى الواجب المتأخّر، فلا يلزم اشتراط الوجوب بأمر متأخّر. إلَّا أنّ ترك حفظ القدرة للواجب المتأخّر وصرف القدرة في أمر فعلي، فإنَّه إمّا أن يصرف القدرة في هذا الواجب الفعلي أو يصرفها في أمر آخر أجنبي عنهما مضاد لهما، فلا يخلو الحال من أحد الأمرين:

أ- فإذا فرضنا أنّ الشرط هو صرف القدرة في الواجب الفعلي، بأن يخاطب المكلّف: (إذا صرفت قدرتك في الواجب الفعلي فيجب عليك هذا الواجب)، وهذا معناه: تحصيل الحاصل، وكون وجوب الشيء مشروطاً بوجوده في الخارج، فإنَّه لا معنى لإيجاب الشيء بعد تحقّقه في الخارج. إذن، لا يمكن أن يكون الوجوب الفعلي مشروطاً بصرف القدرة في هذا الواجب، لأنّه من تحصيل الحاصل، وهو محال.

ب- وأما إذا كان الشرط هو صرف القدرة في أمر آخر أجنبي، فهذا أسوء حالاً من الفرض السابق، فإنّ معناه طلب الشيء على تقدير حصول ضدّه، بأن يخاطب المكلّف هكذا: (إذا صرفت قدرتك في أمر آخر ولم تتمكّن من امتثال الواجب الفعليّ، فيجب عليك هذا الواجب).

إذن، فحفظ القدرة وعدمه وإن كان أمراً مقارناً لزمان الواجب الفعليّ، إلَّا أنّ ترك التحفّظ على القدرة وصرفها في غير الواجب المتأخّر لا يمكن أن يكون شرطاً في الوجوب الفعليّ.

ــــــــــ[169]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وعليه، فلا يمكن الالتزام بالترتّب في الواجبين الطوليين إذا كان الثاني أهمّ، ولازم ذلك سقوط التكليف عن الواجب الفعلي مطلقاً، فيختصّ الأمر بالواجب المتأخّر، ويبقى الحكم بصحّة الواجب الفعلي مبنيّاً على إحراز الملاك وعدمه.

فحاصل كلامه: هو أنَّ الترتّب إنّما يتصوّر في الواجبين العرضيّين دون الواجبين الطوليّين.

هذا ملخصّ كلامه.

مناقشة كلام النائيني

ولكن الظاهر -كما أشرنا إليه فيما تقدّم في الواجبين المتساويين ملاكاً-: أنّه لا فرق في جواز الالتزام بالترتّب بين الواجبين العرضيّين وبين الواجبين الطوليّين.

الوجه في ذلك: أنَّ الترتّب -كما ذكره- لا يحتاج إلى دليل خاصّ يدلّ عليه، بل إذا أمكن الترتّب في مورد، فإمكانه مساوقاً لوقوعه، فعلى تقدير الإمكان فهو ضروري الوجود.

السر فيه: ما سبق من أنّ باب التزاحم يغاير باب التعارض، فإنّ التزاحم ليس موجباً للتكاذب بين الأمرين: فأحدهما موجود والآخر غير موجود، وأنَّ أحدهما صادق والآخر كاذب، بل كلّ من الحكمين مجعول، غاية الأمر: أنّه مجعول في ظرف القدرة وعلى تقدير تمكّنه من الامتثال، فكلّما أمكن أن يكون التكليف فعليّاً لا بُدَّ من الالتزام به لإطلاق الدليل. بمعنى: أنّه كلّما فرض أنّ 

ــــــــــ[170]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

التكليف لا يستلزم طلب الجمع بين الضدين فلا بُدَّ من الالتزام به، لأنّ رفع اليد عن إطلاق الدليل حينئذٍ يكون بلا موجب. فالترتّب أمر تقتضيه القاعدة.

وعليه، فلا بُدَّ من الالتزام بالترتّب في المقام، ويمكن أن يُقال: إنّ الواجب الفعلي مشروط بترك امتثال الواجب المتأخّر، وإنّ ترك المتأخّر شرط في وجوب الواجب الفعلي.

عدم المانع من الالتزام بالشرط المتأخّر

ودعوى: أنّ ذلك يستلزم الالتزام بالشرط المتأخّر، لا ضير فيها، فقد تقدّم أنّ الشرط المتأخّر ليس أمراً مستحيلاً، وهو -يعني: شيخنا الأُستاذ- لم يلتزم باستحالته، وإنّما التزم بأنّه خلاف ظاهر الدليل، ومتى دلّ الدليل عليه التزمنا به، يعني: نلتزم بشرطيّة عنوان التعقّب، وإلَّا فليس الشرط إلَّا قيداً مأخوذاً في الموضوع، وليس من الشرائط التكوينيّة حتّى يُقال: كيف يكون المعلول موجوداً والعلّة غير موجودة. فهذا أمر ممكن في نفسه.

فإذا كان ممكناً في نفسه يأتي الكلام السابق، وهو أنّه إذا أمكن أن يكون الواجب الفعلي مشروطاً بترك امتثال الواجب المتأخّر فهو واقع لا محالة، إذ لا مقتضيَ لرفع اليد عن الدليل الدالّ على الوجوب -أي: وجوب الواجب الفعلي- إلَّا بمقدار الضرورة، والضرورة إنّما تقتضي عدم بقاء كلا الوجوبين على إطلاقهما، فلا بُدَّ من رفع اليد عن الإطلاق.

وأمّا التقييد -بأمر متأخّر- فليس فيه محذور، فإنَّه إذا ترك ذلك الواجب في ظرفه ولم يأتِ به، فيكون هذا مطلوباً ومأموراً به. هذا لا مانع منه.

ــــــــــ[171]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فالالتزام بالشرط المتأخّر إذا كان هو مقتضى الدليل لا مانع منه، كما التزم به في جملة من الموارد كالواجبات المركّبة(1).

في متعلق القدرة

وأمّا ما ذكره من أنَّ ترك الواجب المتأخّر في ظرفه لا يمكن أن يكون دخيلاً في القدرة على هذا الشيء.

فنقول فيه: إنَّه في الواجبين العرضيّين -أيضاً- ليس ترك أحد الضدّين دخيلاً في القدرة على الآخر، بل معنى المضادّة هو أنّ المكلّف لا يتمكّن من الجمع بين الأمرين، فكلٌّ منهما مقدور إذا لم يأتِ بالآخر، لا أنّه دخيل في القدرة عليه، بل معناه: أنّه في ظرف ترك هذا يكون ذاك مقدوراً في نفسه، وغير المقدور إنّما هو الجمع بينهما.

والأمر في المقام كذلك، حيث إنّه لا يتمكّن من الجمع بين الواجب الفعليّ والواجب المتأخّر امتثالاً ووجوداً، وحيث إنّ المستحيل هو الجمع بينهما ولكنّ كلاً منهما مقدور على تقدير ترك الآخر، فلا مانع حينئذٍ من أن يأمر بالواجب المتأخّر. وعلى تقدير: أنّه لا يوجد في ظرفه، حيث إنّ هذا الواجب الفعليّ يكون على هذا التقدير مقدوراً، فيأمر به. فلا إشكال من هذه الناحية.

منع استحالة اشتراط التكليف الفعلي بالعزم على ترك المتأخّر

وأمّا ما أفاده من استحالة اشتراط التكليف الفعليّ بالعزم على ترك 

ــــــــــ[172]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 315.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الواجب المتأخّر في ظرفه، وأنّ العزم لا يمكن أن يكون شرطاً في باب الترتّب.

فقد تقدّم جوابه في بحث الترتّب(1) أيضاً، وهو عين ما ذكرناه آنفاً من أنّ الترتّب لا يحتاج إلى دليل، بل كلّ ما أمكن في المقام لا بُدَّ من الالتزام بوقوعه، وما لا يمكن أن يكون التكليف مشروطاً به هو العزم حدوثاً  بأن يكون أحدهما واجباً على الإطلاق والآخر واجباً مشروطاً بالعزم على ترك الأوّل حدوثاً فقط، فمجرّد العزم على ترك الأوّل -ولو آناً ما- يكون الأمر بالواجب المشروط بذلك متحقّقاً لتحقّق شرطه، ويكون الأمر بالواجب المطلق أيضاً متحقّقاً لكونه مطلقاً، فيكون من طلب الجمع بين الضدين.

وأمّا إذا كان الشرط هو العزمَ على ترك الواجب المطلق حدوثاً وبقاءً، فلا يلزم منه طلب الجمع، فإنّه متى ما رفع اليد عن عزمه يرتفع الشرط، والحال فيه نفس الحال في العصيان، فإنّ الأمر بالأهمّ يأمر بهدم هذا الموضوع وعدم العزم على تركه -كما كان يقتضي هدم موضوع عصيانه- ونتيجته: أن لا يعزم المكلّف على العصيان، لأنّ العزم من مبادئ الفعل. أمّا الأمر الثاني، فهو إنّما يكون فعليّاً على تقدير تحقّق هذا الموضوع.

فالكلام فيه هو عين الكلام في العصيان، ولا فرق بين أن نلتزم بأنّ شرط الحكم هو العصيان أو هو العزم عليه، ولا يلزم من ذلك طلب الجمع، وإنّما يلزم ذلك إذا كان العزم شرطاً حدوثاً فقط، وأمّا إذا كان الشرط هو العزم حدوثاً وبقاء، فأين طلب الجمع؟ أحد الأمرين يأمر بهدم هذا الشرط -وهو 

ــــــــــ[173]ــــــــــ

(1) راجع: ج4 من هذه التقريرات ص256.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

العزم- والأمر الثاني يأمر به على هذا التقدير، فأحدهما أجنبي عن الآخر.

نعم، هنا جمع بين الطلبين لا طلب في الجمع، وبينهما بون بعيد كما تقدّم.

وأمّا ما ذكره من أنّ الواجب الأهمّ يقتضي التحفّظ على القدرة بالنسبة إليه، فالتحفّظ لازم بحكم العقل، لأنّ امتثال الواجب المتأخّر لا يتحقّق إلَّا به، فإذا فرضنا وجوب شيءٍ آخر مضادٍّ له لا يجتمع معه، فوجوب هذا الواجب إمّا أن يكون مشروطاً بصرف القدرة في هذا الواجب أو مشروطاً بصرفها في أمر آخر أجنبي عن هذا الواجب وعن ذلك الواجب المتأخّر الأهمّ، إذ لا يخلو الحال من أحد هذين الأمرين.

بعبارة أخرى: إنّنا بعد أن فرضنا عدم إمكان بقاء وجوب الواجب الأهمّ على إطلاقه، مع بقاء وجوب الواجب الفعلي على إطلاقه، لأنّه مستلزم لطلب الضدّين، وهو محال، فلا بُدَّ من رفع اليد إما عن أصل الوجوب الفعلي أو عن إطلاقه.

فإذا رفعنا اليد عن إطلاقه وقيّدناه بشيء، فإمّا أن نقيده بصرف القدرة في هذا الواجب، أو بصرفها في أمر آخر مضادّ لهذا الواجب ولذلك الواجب الأهمّ، ولا ثالث في البين، إذ المفروض: أنّه يجب التحفّظ على الواجب المتأخّر بالتحفّظ على القدرة، وعدم صرفها في شيءٍ آخر، فإذا كان الواجب الفعلي مشروطاً فإمّا أن يكون مشروطاً بصرف القدرة في نفس الواجب الفعلي أو بشيء ثالث أجنبي، وكلا الأمرين مستحيل، فلا محالة يكون أصل الوجوب ساقطاً، لعدم إمكان المحافظة عليه مع تقييده.

ــــــــــ[174]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

أمّا تقييد الوجوب الفعلي بصرف القدرة في نفسه، فهو باطل:

أولاً: لأنّه تحصيل للحاصل، فبعد صرف القدرة في هذا الواجب يصبح مفروض الوجود في الخارج، وما هو مفروض الوجود لا يمكن طلبه. فهذا من طلب الحاصل، وهو غير ممكن، فلا يمكن أن يكون الواجب الفعلي مشروطاً بصرف القدرة فيه، فالتقييد بهذا النحو بلا أثر لأنّه مستحيل.

وثانياً: يكون صرف القدرة في الواجب الفعلي تعجيز للنفس عن الإتيان بالواجب المتأخّر، وهو محرّم ومبغوض، ولا يمكن أن يكون المبغوض مصداقاً للواجب وللمأمور به، فإنّه كيف يعقل أن يطلب الشيء مع كونه معصية ومخالفة للمولى.

وإذا فرضنا أنّ الشرط هو صرف القدرة في ضدٍّ آخر، فهذا أيضاً غير ممكن، إذ لا يمكن الجمع بين هذا الواجب والضدّ الآخر الذي فرض موجوداً، فإنَّ معناه: أنّك إذا صرفت قدرتك في الضدّ الآخر، وأوجدته، فهذا الضدّ يجب أن تصرف قدرتك فيه، وهذا تكليف بما لا يطاق.

على أنّه لا معنى لهذا الاشتراط، فأيّ ارتباط بين وجود ذلك الضدّ الثالث وبين وجوب هذا الواجب الفعلي أو ذاك الواجب المتأخّر؟ هذا أجنبي عن أن يكون شرطاً بالكليّة.

إذن، لا يمكن أن يكون الواجب الفعلي مقيّداً بصرف القدرة في غير الواجب الأهمّ، فيكون الوجوب من أصله ساقطاً. فلا يمكن الالتزام بالترتّب في المقام.

ــــــــــ[175]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

هذا آخر ما ذكره في متفرقات كلامه.

وهذا الذي ذكره وهو فرض أنَّ الشرط هو هذا -يعني: إذا لاحظنا المزاحمة بين الوجوب الفعلي وبين وجوب حفظ القدرة بالنسبة إلى الواجب المتأخّر- وأغمضنا النظر عما تقدّم من أنَّ الشرط هو نفس ترك الامتثال للواجب المتأخّر بنحو الشرط المتأخّر، أو أنّ الشرط هو التعقّب بالترك أو هو البناء والعزم على الترك.

فمع هذا لا يرد شيء ممّا ذكره أصلاً.

مناقشة استلزام اشتراط القدرة في الواجب لتحصيل الحاصل أو اللغو

أمّا ما ذكره من أنّ الشرط إذا كان هو صرف القدرة في هذا الواجب فلازمه طلب الحاصل وهو محال، على أنّه مصداق للمعصية، وما كان مصداقاً للمعصية لا يكون مأموراً به لا محالة، وإذا كان الشرط هو صرف القدرة في شيء آخر فهو مستلزم لطلب المحال، على أنّه لغو وبلا موجب، فأيّ دخل لصرف القدرة في شيء آخر بالنسبة إلى وجوب هذا الواجب.

والترديد بين الأمرين بلا موجب ولا وجه له، لأنَّ التحفّظ على القدرة بالنسبة إلى الواجب المتأخّر وصرفها في هذا الواجب، أو في أمر آخر، من المتضادّين، فإنّ الإنسان بحسب الخارج لا بُدَّ له من أن يُعمل قدرته في شيء أو يُبقيها لأمرٍ متأخّر. فإذا لم يكن قادراً إلَّا على شيء واحد، فإمّا أن يُعملها فعلاً، أو أن يحفظها لأمرٍ متأخّر. وبين إبقاء القدرة بالنسبة إلى أمر متأخّر وبين صرفها 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

في أمر فعلي مضادّة لا محالة، فإنّهما أمران وجوديّان يمتنع اجتماعهما، والمفروض: أنّ المكلّف لا يتمكّن من الجمع بين الأمرين من الإتيان بالواجب الفعلي وحفظ القدرة للواجب المتأخّر، فإنّه ليس له قدرتان، بل له قدرة واحدة إذا صرفها في الفعلي عجز عن المتأخّر، وإذا حفظها للمتأخّر عجز عن الفعلي. وقد تقدّم في كلامه وذكرناه مفصّلاً(1): أنّ عدم أحد الضدّين مع الضدّ الآخر ليس بينهما عينيّة، أي: ليس أحد الضدّين هو عين عدم الضدّ الآخر، بل بينهما ملازمة، ولذا قلنا: إنّ الأمر بأحد الضدّين لا يقتضي النهي عن الضدّ الآخر. وإلَّا فلا يمكن الالتزام بالترتّب من أوّل الأمر لو كان الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، فإنّ أساس الترتّب كان مبنيّاً على إنكار ذلك، ولذا قلنا: إنّه يمكن أن يكون كلّ من الضدّين مأموراً به، ولكنّ أحدهما على نحو الإطلاق، والآخر مقيّد بعصيان هذا الواجب.

وعلى هذا، فالشرط هو عدم التحفّظ على القدرة، لا صرف القدرة في هذا الشيء أو الشيء الآخر، وعدم التحفّظ على القدرة لا محالة ملازم لأحد الأضداد الوجوديّة. كما كان هو الحال في الصلاة والإزالة، فإنّ ترك الإزالة كان شرطاً في فعليّة وجوب الصلاة: إن لم تزل فصلِ، وعدم الإزالة لا بُدَّ من أن يكون ملازماً لأحد الأفعال الخارجيّة من حركة أو سكون، فإنّه إن لم يزل فإمّا أن يشتغل بالصلاة أو الكتابة أو القيام أو القعود أو أيّ شيء آخر. إلَّا أنّ عدم 

ــــــــــ[177]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 4: 77.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الإزالة ليس متّحداً مع هذه الأفعال الوجودية، والشرط هو ترك الإزالة لا إيجاد أحد هذه الأفعال، وليس معنى الترتّب هو أن يكون الأمر بالصلاة مشروطاً بصرف القدرة بالصلاة أو مشروطاً بصرفها في غيرها لكي يلزم المحال، بل الشرط هو عدم صرف القدرة في الإزالة بأن يُقال للمكلّف: (إذا لم تصرف قدرتك في الإزالة فاصرفها في الصلاة).

فالشرط هو عدم صرف قدرته في هذا الضدّ لا أنّ الشرط هو صرف قدرته في هذا الضدّ وذاك، حتى يقال إنّ هذا وذاك غير معقول.

ففي المقام: الشرط هو عدم التحفّظ على القدرة وعدم إبقاءها، وهو ملازم لصرفها في هذا الواجب أو في أمر آخر من الأضداد الوجوديّة. إذن لا يلزم طلب الحاصل ولا طلب المحال.

فيرجع هذا الترتّب -على تقدير التنازل عمّا تقدّم- إلى أنّ الواجب المتأخّر باقٍ على إطلاقه، والواجب المتقدّم مشروطٌ بعدم إبقاء القدرة للواجب المتأخّر، بأن يخاطب هكذا: (إذا لم تبقِ قدرتك للواجب المتأخّر، فاصرفها في هذا الشيء)، وهذا لا محذور فيه أبداً.

مناقشة ما أفاده من أنّ صرف القدرة في الواجب تعجيز للنفس ومعصية

ومن هنا يظهر: أنَّ ما أفاده من أنّ صرفها في هذا الواجب تعجيز للنفس ومصداق للمعصية، عجيب، إذ ليس هذا تعجيزاً للنفس، بل هو ترك للواجب 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

اختياراً، والإتيان بما هو ضدّ له، وصرفها في الفعل، ليس معصية، بل المعصية هي ترك التحفّظ على القدرة للواجب المتأخّر(1).

والحال فيه عين الحال في الصلاة والإزالة، فإنّ صرف القدرة في الصلاة ليس معصية، وإنَّما المعصية هي عدم الإزالة. غاية الأمر: أنّهما متلازمان في الخارج، أحدهما مأمور به والآخر منهيّ عنه. إذن، يبطل كون الإتيان بالواجب الفعلي معصية، 

وكون وجوبه مشروط بوجوده في الخارج(2).

هذا تمام كلامنا في الواجبين الطوليّين إذا كان المتأخّر أهمّ في الواجبين المشروطين بالقدرة عقلاً.

وعلم ممّا ذكرناه: أنّ الحال فيه كالحال في الواجبين العرضيّين، وهو أنّ 

ــــــــــ[179]ــــــــــ

() هنا يمكن أن يقال: بأنَّ نفس الإشكال يأتي في الترتّب الذي قاله وقلناه في الصلاة والإزالة حيث يُسأل أنّ شرط الإزالة هل هو صرف القدرة في الصلاة أو في شيء آخر مضاد لها؟ وعلى الأوّل يلزم تحصيل الحاصل، وعلى الثاني يلزم طلب المحال. وحينئذٍ فنفس الجواب الذي يجاب به هذا الإشكال يأتي في محلّ الكلام أيضاً. (المقرّر).

(2) ولا يخفى في المقام أنّ سيدنا الأُستاذ لم يذكر في المقام الشقّ الثاني الذي ذكره المحقق النائيني، وهو أن يكون الشرط هو صرف القدرة في أمر ثالث مضادّ. إلَّا أن يُقال: إنّ حكمه مستفاد ممّا قال جواباً عن الشق الأوّل، حيث إنَّ الشرط في الحقيقة هو عدم صرف القدرة في الأهمّ المتأخّر، لا صرفها في الواجب الفعلي ولا في ضده، ليُقال: أنّ ذلك محال أو أنّه لا معنى له. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الحكم الفعلي يكون على طبق الأهمّ، ويكون الآخر مع ذلك مأموراً به، ولكن لا على الإطلاق، بل على نحو الترتّب.

ما رتّبه النائيني على القول بالأسبقيّة أو الأهمّيّة

ثُمَّ إنَّه رتّب على هذه الكبرى التي اختارها فروعاً -في باب الصلاة- من عدم التمكّن من الجمع بين جزئين منها أو بين شرطين أو بين جزء وشرط، ورجّح تقديم بعضها على بعض من جهة الأسبقيّة أو الأهمّيّة، أي: أنّه أجرى ما اختاره في الكبرى في أجزاء الصلاة وشرائطها إذا لم يتمكّن من الجمع بينها.

وقد تقدّم الكلام في أنّ التزاحم لا يقع إلا بين الواجبين المستقلّين، أمّا الواجب الواحد فلا معنى لوقوع التزاحم في أجزائه وشرائطه، لوحدة الأمر، فإنَّ الأمر الواحد إذا لم يتمكّن المكلّف من امتثاله بتمام أجزائه وشرائطه يسقط لا محالة، إذ يعتبر في القدرة على المركّب القدرة على جميع أجزائه وشرائطه، فإذا كان شيء منها متعذّراً كان المجموع متعذّراً -أيضاً- فيسقط الأمر. وبعد سقوطه لا بُدَّ من أمر ثانٍ يتعلّق بما بقي من الأجزاء والشرائط، وهذا يحتاج إلى أمر آخر غير الأمر الأوّل، فإذا فرضنا أنَّ المكلّف لا يتمكّن من أحد جزئين أو شرطين من غير تعيين، فنشكّ حينئذٍ في الجزء المعتبر في الأمر الجديد أيّ شيء هو؟ وهذا يدخل في باب التعارض دون باب التزاحم، ولا بُدَّ من الرجوع فيه إلى دليل الجزئيّة والشرطيّة، فنقدّم أحدهما على الآخر أو أن يصل الحال بنا إلى التخيير، كما تقدّم.

فباب الأجزاء والواجبات الضمنيّة خارج عن باب التزاحم بالكلّية، 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

والتزاحم إنّما يتصوّر في الواجبين المستقلّين المشروطين بالقدرة، غايته: أنّ أحدهما لا يكون فعليّاً، لعدم فعليّة موضوعه، وهو أجنبي عن مرحلة الجعل بالكلّيّة، فلا تكاذب بين الدليلين، فلو بنينا على الترجيح بالأسبقيّة أو بالأهمّيّة إذا كان المتأخّر هو الأهمّ، كان هذا أجنبيّاً عن باب الصلاة وعدم تمكّن المكلّف من الإتيان بها بتمام الأجزاء والشرائط.

ولو أغمضنا النظر عن ذلك وبنينا على وقوع المزاحمة في الواجبات الضمنيّة كوقوعها في الواجبات المستقلّة، وسلّمنا وقوع المزاحمة في أجزاء الواجب الواحد، فمع ذلك لا يتمّ ما ذكره، لأجل أنّ أجزاء الصلاة كلّها مشروطة بالقدرة شرعاً، وقد اعترف بذلك(1)، فما معنى الترجيح بالأهمّيّة فيها إذا كان المتأخّر أهمّ؟ بل هو في الواجبين العرضيّين لم يرَ الأهمّيّة مرجّحة إذا كان الواجبان مشروطين بالقدرة شرعاً كما تقدّم، وقال: إنّ الترجيح بالأهمّيّة إنّما يكون في الواجب المشروط بالقدرة عقلاً، أمّا الواجب المشروط بها شرعاً فهو غير واجد للملاك إلَّا في ظرف كونه مقدوراً، فالأهمّيّة لا تكون موجبة للترجيح، لعدم إحراز الملاك في ما هو معلوم الأهمّيّة.

فمع التسليم بأنّ التزاحم يقع بين أجزاء الواجب الواحد وشرائطه، وحيث إنَّ أجزاء الصلاة مشروطة بالقدرة شرعاً، فهي خارجة عن الباب أصلاً، ولا ترجيح بالأهمّيّة أصلاً. نعم، الترجيح بالأسبقيّة لا بأس به.

ــــــــــ[181]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 281.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

مسألة دوران الأمر بين ترك القيام وترك الركوع

ومن الغريب: ما صدر منه في مسألة دوران الأمر بين ترك القيام وترك الركوع -يعني: تبديل الركوع بالإيماء- كما لو فرضنا أنّ المكان منحصر بمكانين، أحدهما مرتفع إلَّا أنّه لا سعة فيه عرضاً، والآخر منخفض إلَّا أنّه واسع، كما يتّفق في أمثال القطار ونحوه، فإذا صلّى في المكان المرتفع فإنَّه يتمكّن من القيام إلَّا أنَّه لا يتمكّن من الركوع لعدم السعة الكافية، بل لا بُدَّ له من الإيماء، وإذا صلّى في المكان الواسع فإنّه يتمكّن فيه من الركوع إلَّا أنَّه يتعذّر عليه القيام لعدم الارتفاع فلا بُدَّ من أن يصلّي جالساً، فيدور أمر المكلّف بين أن يصلّي قائماً مع الإيماء للركوع أو جالساً مع الركوع.

وقد تعرّض السيدفي كتاب العروة لهذه المسألة في موردين:

الأوّل: في بحث المكان(1)، وذكر أنّه إذا دار الأمر بين القيام والركوع، فإن أمكنه تكرار الصلاة كرّرها، تارةً مع القيام مومياً للركوع والسجود، وأخرى جالساً مع الركوع والسجود، فإنَّه لا يستطيع الجمع بين الأمرين في صلاة واحدة فيجمع بينهما في صلاتين على تقدير التمكّن، ولو ضاق الوقت ولم يتمكّن المكلّف من الإتيان بصلاتين، حكم بالتخيير، لعدم الترجيح في نظره، ولعلّه يرى ما نراه من أنّ هذه الموارد خارجة عن موارد التزاحم، وحيث لا دليل على ترجيح أحدهما على الآخر، فيتخيّر بينهما.

ــــــــــ[182]ــــــــــ

(1) انظر: العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام) 2: 540.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

والثاني: في مبحث القيام، وحكم فيه بعين الحكم السابق من التكرار مع التمكّن، والتخيير مع عدمه(1).

ولكن شيخنا الأُستاذ(2) ذهب في بحث المكان إلى أنَّ الركوع أهمّ، فجعل هذه المسألة داخلة في كبرى التزاحم بين الواجبين الطوليّين، وكان الواجب المتأخّر أهمّ -وهو الركوع في المقام- فقدّم الركوع على القيام، فكتب في تعليقته (الأقوى تعيّن الثاني) ، أي: تعين الصلاة جالساً باعتبار أنّ الركوع أهمّ من القيام.

ولكنّه في مسألة القيام ذكر في الهامش: أنّ (الأحوط اعتبار الأوّل)، أي: أن يأتي بالركوع مومياً، باعتبار أنّ القيام أسبق زماناً، فقدّمه على الركوع، وحيث إنّه قادر على القيام فيتعيّن عليه الصلاة قائماً، وحينئذٍ يعجز عن الركوع، فينتهي الأمر إلى الإيماء.

وهذا من المناقضة الظاهرة، حيث أفتى في المسألة الواحدة في أحد الموضعين -وهو بحث المكان- بتعيّن الجلوس، وفي الموضع الآخر -وهو بحث القيام- ذكر أنَّ الأحوط هو الصلاة قائماً.

وأساس هذا المطلب بناءً على ما ذكرناه غير صحيح، لأنَّ هذه الموارد غير داخلة في باب التزاحم أصلاً، وحتى لو كانت داخلة فقد قلنا: إنَّ الأسبق زماناً إذا كان الواجب مشروطاً بالقدرة شرعاً هو المقدّم. إذن لو كان المورد من باب التزاحم لكان ما ذكره في بحث القيام هو الصحيح، أي: 

ــــــــــ[183]ــــــــــ

(1) انظر: العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام) 2: 484.

(2) انظر: العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام) 2: 540.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

تقديم القيام، لأنّه أسبق زماناً.

ولكنّا ذكرنا أنَّ هذه الموارد خارجة عن بحث التزاحم أصلاً، بل هي داخلة في باب التعارض، فلا بُدَّ من النظر إلى الدليل، ودليل الركوع يعتبره على تقدير القدرة، والمفروض: أنَّ المكلّف قادر عليه، فلا تصل النوبة إلى الإيماء، ودليل القيام يعتبره على تقدير القدرة أيضاً، والمفروض: أنَّ المكلّف قادر عليه، فلا تصل النوبة إلى الجلوس. وعليه، يقع التعارض بين الدليلين، وحيث إنّ كلاً منهما بالإطلاق، فيسقط الإطلاقان، فلا ندري ما هو المعتبر، كما لا نحتمل أن يسقط الإطلاقان، وأنّ كلا الجزئين غير معتبر بأن يصلي جالساً مومياً. وحيث لا دليل على أحدهما كان الحكم هو التخيير لا محالة، وجريان البراءة عن الخصوصيّة. فما ذكره السيد هو الصحيح.

ولا حاجة إلى تكرار الصلاة مع التمكّن، لأنّ التكرار إنّما يكون في موارد العلم الإجمالي، كما لو علمنا بأنّ أحدهما معيّن وكان المعيّن مشتبهاً بين أمرين، فيجب الاحتياط بتكرار الصلاة، إلَّا أنَّ الأمر في المقام ليس كذلك، إذ لا علم إجماليّاً في البين باعتبار أحدهما المعيّن، وإنّما المعلوم هو جعل أحدهما لا بعينه، فالجامع معلوم، والخصوصيّة مشكوك فيها، فتكون مجرى للبراءة، فيثبت التخيير حتّى في سعة الوقت.

  1. فيما إذا كان أحد الواجبين محتمل الأهمّيّة

بقي الكلام في الشق الثالث، وهو ما إذا احتُملت الأهمّيّة في أحد الواجبين الأسبق أو المتأخّر. فإذا كان محتمل الأهمّيّة هو الأسبق فلا إشكال أيضاً -على 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

كلا المسلكين- بتعيّن هذا الواجب من جهة الأهمّيّة كما كان هو الحال في الواجبين العرضيّين.

والوجه فيه: قد تقدّم، حيث قلنا: إنّ الشكّ في التعيين والتخيير إذا كان منشؤه الشكّ في المجعول وعدم إحراز أنّ المجعول هو الوجوب التعييني أو التخييري، ففي مثل ذلك: يقع الكلام في أنَّ الحكم هل هو الاحتياط باعتبار أنَّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، وإذا امتثلنا محتمل التعيين نعلم بفراغ الذمّة، ولكننا إذا امتثلنا الآخر نشكّ بالفراغ، فيتعيّن امتثال محتمل التعيين تحصيلاً لفراغ الذمّة اليقيني بحكم العقل.

ولكننا قلنا: إنّ الصحيح هو الرجوع إلى البراءة، حيث نشكّ في أنّ المجعول هل هو الفرد التعييني أو هو الجامع؟ والقدر المتيقّن هو الإتيان بالجامع، ونشكّ في لزوم الإتيان بخصوصيّة أحد الطرفين، فالأمر دائر بين الإطلاق والتقييد، فيجري فيه ما ذكرناه في مسألة دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، بل هو من مصاديقه تحقيقاً، فنأخذ بالقدر المتيقّن، وهو الجامع، ونجري البراءة عن الخصوصيّة. هذا بالنسبة إلى الشكّ في التعيين والتخيير في المجعول.

وأما إذا كان الشكّ في مرحلة الامتثال لا في مرحلة الجعل، بأن نعلم بأنَّ كلاً منهما وجوبه تعييني، ولا نحتمل الوجوب التخييري بحسب أصل الجعل، إلَّا أنّ المكلّف لا يقدر على امتثالهما، فإذا كانا متساويين نحكم بالتخيير، وأمّا إذا كان أحدهما محتمل الأهمّيّة، فالأمر وإن كان دائراً بين التعيين والتخيير، لكنّه 

ــــــــــ[185]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ليس دوراناً بحسب مقام الجعل، بل في مرحلة الامتثال.

ومرجعه: إلى أنّ الواجب الآخر -غير المحتمل الأهمّيّة- نقطع بأنّه مشروط وغير مطلق بالنسبة إلى عدم الإتيان بهذا الواجب، لأنّه إذا كان مثله أو إذا كان الواجب الآخر أهمّ، فهو غير باقٍ على إطلاقه، بل مقيّد بعدم الإتيان بالآخر. وأمّا بالنسبة إلى ما نحتمل أهميّته فلم نحرز فيه الاشتراط، بل نحتمل بقاءَه على إطلاقه من جهة أهمّيّته، فنأخذ بالإطلاق إذا لم يثبت التقييد، فنحكم بأنّه هو الواجب الفعلي. ولأجل هذا كلما دار الأمر بين التعيين والتخيير في مرحلة الامتثال في المتزاحمين فلا بُدَّ من أن نأخذ بمحتمل الأهمّيّة، لاحتمال بقائه على إطلاقه، وأما الواجب الآخر فهو غير باقٍ على إطلاقه قطعاً، سوا ءكانا متساويين أو كان الآخر أهمّ. وبذلك يمتاز الشكّ بين التعيين والتخيير في مقام التزاحم عنه في مقام الجعل.

فإذا فرضنا أنّ محتمل الأهمّيّة هو الأسبق فلا بُدَّ من الإتيان به بحكم العقل. أمّا إذا تركه فإنَّه يكون قادراً على الواجب المتأخّر، فيجب الإتيان به.

وإذا فرضنا أنّ محتمل الأهمّيّة كان هو الواجب المتأخّر، فبناء على ما ذكرناه من عدم الفرق بين الواجبين الطوليّين والعرضيّين وأنّه على تقدير عدم الأهمّيّة الحكم هو التخيير، فالحكم كما ذكرناه، يعني: لا يفرق الحال بين أن يكون محتمل الأهمّيّة هو المتقدّم وبين أن يكون هو المتأخّر، فإنّ الواجب المتأخّر إذا احتملنا أهمّيّته نشكّ في سقوط إطلاقه، ولكن نعلم أنّ إطلاقه المتقدّم قد سقط يقيناً بلا إشكالٍ، إذ لو كانا متساويين فقد سقط إطلاق كلّ منهما، حيث التزمنا 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

بالترتّب من الجانبين حتى في الواجبين الطوليين. وإذا كان المتأخّر أهمّ فالساقط هو إطلاق الواجب المتقدّم، وأما المتأخّر فباقٍ على إطلاقه، فنشكّ في سقوط إطلاق المتأخّر، ولكن نعلم بسقوط إطلاق المتقدّم، فبحكم العقل يتعيّن الإتيان بالواجب المتأخّر، لفعليّة التكليف وإحراز موضوعه بحكم العقل وهو القدرة التكوينيّة. ولم نحرز أنَّ الواجب المتقدّم معذّر إلى ترك الواجب المتأخّر فيجب
-بمقتضى حكم العقل- التحفّظ على القدرة له وترك الواجب المتقدّم.

هذا بناءً على ما سلكناه.

وأمّا بناء على مسلك شيخنا الأستاذ، فهو وإن ذكر أنَّ احتمال الأهمّيّة يوجب التعيين، ولم يفصّل إلَّا أنَّ التفصيل لا بُدَّ منه هنا، فإذا كان الواجب محتمل الأهمّيّة هو الواجب المتأخّر لم يكن موجباً لتعيّنه، لأنَّه لا يلتزم بالتخيير في الواجبين المتساويين، لكي يكون الدوران بين التعيين -إذا كان محتمل الأهمّيّة أهمّ واقعاً- وبين التخيير-على تقدير المتساوي واقعاً- فإنّه في مقام التساوي لم يحكم بالتخيير بينهما.

وعليه، فلا يكون هذا من هذا الباب، إذ المفروض: أنّه بناء على التساوي لم يكن المكلّف مخيّراً بين الإتيان بالسابق وبين الإتيان باللاحق، بل كان يجب عليه الإتيان بالواجب السابق تعييناً على ما اختاره، حيث جعل الأسبقيّة مرجّحة عند التساوي.

فبناء عليه يدور الأمر بين تعيُّنيّين: تعيّن السابق وتعيّن اللاحق. ولا نحتمل التخيير، فإذا فرضنا أنَّ المتأخّر أهمّ، كان هو المتعيّن، وقد سقط 

ــــــــــ[187]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الواجب المتقدّم، لأنّه لا يقول بالترتّب في المقام. وإذا فرضنا أنّ المتأخّر مساوٍ في الملاك للواجب المتقدّم، كان المتعيّن هو المتقدّم، ولا وجه لتركه مقدّمة لامتثال الواجب المتأخّر على ما اختاره، ولم يلتزم بالترتّب.

إذن يدور الأمر بين أن يكون الواجب المتعيّن هو المتقدّم على تقدير تساوي الملاكين أو هو المتأخّر على تقدير أهمّيّته، فكيف يمكن أن يقال: إنَّ احتمال الأهمّيّة يكون مرجّحاً في باب التزاحم على الإطلاق كما اختاره؟ بل في مثل المقام حيث إنّ احتمال التعيين موجود في كلٍّ من الواجبين، فبحكم العقل لا بُدَّ من الأخذ بهما معاً، وحيث إنّ المفروض: أنَّ المكلّف لا يقدر على الجمع بينهما، ولا يتمكّن من الموافقة القطعيّة، وإلَّا لم ينته الأمر إلى التزاحم، فلا بُدَّ من الامتثال الاحتمالي بأن يأتي بأحد الواجبين، فيكون الحكم هو التخيير العقلي، لا من جهة الترتّب، بل هو تخيير في مرحلة الامتثال، كما في غير المقام من موارد العلم الإجمالي إذا لم يتمكّن المكلّف من الموافقة القطعيّة، فينتهي الأمر إلى الموافقة الاحتماليّة.

إذن، كان عليه أن يستثني هذه الصورة وهي ما إذا كان محتمل الأهمّيّة هو الواجب المتأخّر، ويحكم هنا بالتخيير، لأنَّه ليس من دوران الأمر بين التعيين والتخيير على مسلكه.

أمّا على ما اخترناه فيكون المقام داخلاً في كبرى دوران الأمر بين التعيين والتخيير في مرحلة التزاحم، فيكون احتمال الأهمّيّة مرجّحاً لا محالة.

هذا تمام كلامنا في تزاحم الواجبين الطوليّين المشروطين بالقدرة عقلاً.

ــــــــــ[188]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

التزاحم بين الواجبات الضمنية

بقي الكلام في جملة من الأمور التي ذكرها شيخنا الأستاذ، وتعرّض لجملة منها السيد الطباطبائي في كتاب (العروة) وهذه الأمور كلّها فيما إذا لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين أجزاء الواجب الواحد أو بين شرائطه أو بين جزء وشرط، وكان لا بُدَّ له من ترك شيء من الواجب بلا تعيين.

فاختار شيخنا الأستاذ دخول هذه الأمور في مورد التزاحم، وأرجع الأمر فيها إلى مرجّحات باب التزاحم، فرجّح: في بعضها الأسبقية زماناً. وفي بعضها الأهمية. وفي بعضها كون القدرة المشروطة بها عقليّة وفي الآخر شرعيّة. 

وقد تقدّم الكلام في ذلك، وقلنا: إنَّ ما بنى عليه لا أساس له، فإنَّ عدم قدرته على الجمع بين أجزاء وشرائط واجب واحد، لا يعقل دخوله في باب التزاحم.

والوجه في ذلك: تقدّم إجمالاً، وهو أنَّ الفرق بين باب التزاحم والتعارض هو أنّ التنافي في باب التعارض يرجع إلى التنافي في مقام الجعل، فإذا كان أحدهما مجعولاً على نحو القضيّة الحقيقيّة، فإنّ الآخر لا يكون مجعولاً لا محالة، فصدق أحدهما ملازم لكذب الآخر لا محالة.

فكلّ ما كان راجعاً إلى التنافي بين الدليلين فهو راجع إلى باب التعارض، فلا بُدَّ من الرجوع إلى قواعد التعارض.

وفي كلِّ مورد لا يكون التنافي فيه بحسب مرحلة الجعل، بأن يكون كلٌّ من الحكمين مجعولاً على الموضوع المقدّر الوجود، ومن جملة أجزاء الموضوع المعتبر 

ــــــــــ[189]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فيه عقلاً أو شرعاً هو القدرة، فالحكم مجعول على القادر، ولا تنافي بين الحكمين أبداً، لا تنافي بين جعل وجوب الصلاة بنحو القضيّة الحقيقيّة على القادر وجعل وجوب الإزالة كذلك، ووجود كلٌّ منها في الشريعة، بل يمكن أن يكون كلاً منهما ثابتاً بنصّ الكتاب أو بالسنّة القطعيّة، فلا تنافي في مرحلة الجعل، بل التنافي بينهما في مرحلة الامتثال، حيث يكون المكلّف غير قادر على الجمع بينهما، فإذا أتى بأحدهما كان عاجزاً عن الآخر، فيكون الآخر منتفياً بانتفاء موضوعه، لا أنّه غير مجعول من الأوّل.

فهذا هو الميزان في الفرق بين البابين. وذكرنا: أنّ المرجّح يختلف في كلّ من البابين.

وبذلك يظهر: أنّ التزاحم لا يقع بين أجزاء واجب واحد أو شرائطه أو بين أجزائه وشرائطه. وإنّما يكون التزاحم بين واجبين نفسيّين مستقلّين إلزاميّين، أو محرّمين، بحيث لا يتمكّن المكلّف من امتثالهما، بل لا بُدَّ له من الإتيان بأحد الواجبين أو المحرّمين. أمّا التكليفان الضمنيّان فلا يعقل وقوع التزاحم بينهما.

والوجه في ذلك: هو أنّ التكليف الضمني لا استقلال له، وإنَّما هو حصّة من التكليف النفسي، فإذا فرضنا أنَّ وجوباً واحداً تعلّق بأجزاء متعدّدة وبشرائط متعدّدة، فهذا الواجب لا معنى لأن يزاحم نفسه، فإنَّ الشيء لا يزاحم نفسه، وهذا واضح، وهذا التكليف ينبسط إلى تكاليف متعدّدة، إلَّا أنَّ كلّ تكليف مرتبط بالآخر سقوطاً وثبوتاً، على ما هو معنى الواجب الارتباطي.

ــــــــــ[190]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ولازم ذلك: أنّه متى لم يتمكّن المكلّف من الإتيان بجزء من الواجب معيّناً أو غير معيّن، سقط جميع أجزائه، أي: سقط الوجوب النفسي، إذ المفروض: أنَّ هذه الوجوبات ارتباطيّة، فإذا لم يتمكّن المكلّف من امتثال جزء أو شرط فلا محالة يسقط الوجوب النفسي، فأين يقع التزاحم؟

إذن، لا معنى للتزاحم بين الواجبين الضمنيّين، لأنَّ سقوط كلّ وجوب ضمني يلازم سقوط الوجوب النفسي. فإذا لم يقم دليل على وجوب الباقي، لم يجب شيء ويسقط التكليف رأساً، فإنَّه سقط بالتعذّر وليس مكانه شيء آخر، ومن هنا ذكروا: أنَّ المركب ينتفي بانتفاء جزئه.

ولو فرضنا: أنَّ الدليل قامَ على وجوب الباقي -كما هو ثابت في باب الصلاة، حيث علمنا أنَّ الصلاة لا تسقط بحال، فلو تعذّر جزء أو شرط لم يوجب ذلك سقوط الوجوب من رأسه، ما عدا الطهور على ما تقدّم الكلام فيه، فإنّ تعذّره يوجب سقوط أصل الأمر- وفرضنا: أنَّ الجزء المتعذّر أمر معيّن فلا محالة يكون هو الساقط، ونستكشف من الدليل الخارجي أنَّ الأمر متعلّق بسائر الأجزاء الأخرى، فيجب الإتيان بها، لكنّه أمرٌ غير الأمر الأوّل، لأنَّ الأمر الأوّل كان متقوّماً بالجزء المفروض سقوطه.

ولو فرض: أنَّ الجزء أو الشرط المتعذّر غير معيّن، أي: أنّ الساقط هو أحد الأمرين، فيدور أمره بين ترك هذا وبين ترك شيء آخر، كما هو الحال في الفرع المتقدّم في المكلّف الذي لا يتمكّن من الجمع بين القيام وبين الركوع الاختياري لضيق المحل، فيدور الأمر -حينئذٍ- بين الإتيان بصلاة لا ركوع اختياريّاً فيها 

ــــــــــ[191]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وبين الإتيان بصلاة مع ركوع ولكن بلا قيام، فنعلم إجمالاً بلزوم الإتيان بالصلاة، ولكن خصوصيّة كلّ واحد من القيام والركوع لا نعلم باعتبارها، فمقتضى القاعدة هو الرجوع إلى البراءة بالنسبة إلى الخصوصيّتين، ونتيجة ذلك هي التخيير بينهما.

وهذا هو الميزان فيما إذا دار الأمر بين الإتيان بجزء وجزء أو شرط وجزء أو شرط ومثله من واجب واحد، ولم يدلّ على وجوب أيّ منهما دليل بالخصوص، فحينئذٍ يجب الإتيان بالجامع بينهما، أي: أحدهما، إذ نعلم من الخارج أنَّه بالمقدار المقدور لا بُدَّ من الإتيان بأجزاء الصلاة، وأحدهما مقدور على الفرض، وإن كان الجمع بينهما ممتنعاً، فلا بُدَّ من الإتيان بأحدهما، ولكن حيث إنَّ كلاً منهما بخصوصيّته غير معلوم الوجوب، فالمرجع هو البراءة في جميع هذه الموارد.

فالمشكوك فيه هو المجعول الأولي، وفيما اعتبره الشارع جزءاً أو شرطاً، وهذا خارج عن باب التزاحم بالكلّيّة، إذ لا ندري بمَ قُيّد المأمور به؟

اختلاف النتيجة بحسب أدلّة الجزئيّة أو الشرطيّة

  1. إذا كان الدليلان لفظيّين

فإذا فرضنا: أنّ الدليلين لفظيّان فينظر، فإن كانت دلالة كلّ منهما بالعموم، فالنسبة بينهما هي العموم من وجه، وفي مثل ذلك: مقتضى عموم كلّ دليل منهما هو الأخذ بمدلوله، وهو غير ممكن، إذ لا يمكن جزئيّة كلا الأمرين، فيكون أحدهما جزءاً لا محالة، فتقع المعارضة بنحو العموم من وجه بين عامّين 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

لفظيّين، ونتيجة ذلك: هو الرجوع إلى قواعد التعارض من العرض على الكتاب أو السنّة القطعيّة أو الأخذ بما خالف العامّة.

ولو فرضنا: أنَّ أحد الدليلين كان عاماً والآخر مطلقاً، فحينئذٍ لا معارضة بينهما، فإنّ دلالة المطلق تعليقيّة متوقّفة على عدم البيان، ودلالة العموم تنجيزيّة ثابتة بالوضع، فيكون العامّ قرينة على عدم إرادة الإطلاق، فيؤخذ بما يكون دليله عام ويترك الآخر. 

ولو فرضنا: أنَّ الدليلين كلاهما بالإطلاق، وهذا هو الغالب في أدلّة الأجزاء والشرائط، كدلالة الدليل على اعتبار القيام في الصلاة، ودلالة دليل آخر على اعتبار الركوع الاختياري فيها، فمع التمكّن من الركوع الاختياري والقيام، لا تصل النوبة إلى الإيماء أو الصلاة جالساً، وإذا لم يتمكّن من الجمع بينها، فإنّ أمره يدور بين أن يصلي قائماً مومياً للركوع أو جالساً مع الركوع الاختياري، وبما أنَّ الدليل على اعتبار كلّ منهما دلالته بالإطلاق، فتقع المعارضة بين الإطلاقين.

وهنا لو أعملنا قواعد التزاحم في المقام لكان الأمر كما ذكره شيخنا الأستاذ، حيث أدرج هذا في كبرى التزاحم فإنَّه:

تارةً: إلى سبق القيام فقدمه على الركوع، وحكم بوجوب الصلاة قائماً مع الإيماء.

وأخرى: نظر إلى أهمّيّة الركوع، فقدمه على القيام، وحكم بوجوب الصلاة جالساً مع الركوع الاختياري.

ــــــــــ[193]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وسبق أن قلنا: إنَّ هاتين التعليقتين في كتاب العروة من التناقض الظاهر.

فلو أدخلنا المقام في باب التزاحم كان الأمر كما قال، يعني: أنّ الأهمّيّة أو الأسبقيّة تكون المرجّحة، ولكن تقدّم أنّ العمدة في الترجيح في الواجبات المشروطة بالقدرة شرعاً، هي السبق الزماني، لأنّه يوجب نفي الملاك عن الآخر. فلو كان مقامنا داخلاً في كبرى التزاحم لكان المقدّم هو القيام.

ولكن على ما ذكرناه من عدم دخوله في كبرى التزاحم، فبما أنَّ كلاً منهما بالإطلاق، فيسقطان. إذن ينتهي الأمر حينئذٍ إلى الشكّ في اعتبار خصوصيّة القيام أو خصوصيّة الركوع، وكلٌّ منهما مدفوع بالأصل، فالنتيجة هي التخيير، كما حكم به صاحب العروة، حيث حكم أوّلاً بالجمع احتياطاً، ثُمَّ حكم بالتخيير، ونحن نحكم بالتخيير من الأوّل، فبعد سقوط الإطلاق يرجع إلى أصالة البراءة لنفي كلّ من الخصوصيّتين، فيكون المعتبر في الصلاة هو أحد الأمرين الجامع بين الركوع والقيام، فإمّا أن يصلّي قائماً مومياً أو جالساً مع الركوع.

فللمكلّف في مسألتنا هذه أن يصرف الماء في رفع النجاسة الخبثيّة ويتيمم، أو يتوضأ ويصلي بنجاسة الثوب والبدن، لعدم إحراز ثبوت كلّ منهما بخصوصه، والقدر المتيقن: هو أنّه لا يجوز ترك كلا الشرطين، بأن يأتي بالصلاة عن نجاسة خبثيّة وطهارة ترابيّة. فتقيُّدُ الصلاة بأحد الأمرين معلومٌ، وأمّا خصوصيّة كلّ منهما فبما أنَّها مشكوك فيها فتجري فيها البراءة، ولازم ذلك هو التخيير، وهذا هو الغالب في أدلّة الأجزاء والشرائط. 

ــــــــــ[194]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ولكن، قد يتوهم: أنّ ما ذكرناه إنّما يتم فيما إذا كان وجوب بقيّة الأجزاء والشرائط ثابتاً من الخارج، كما في الصلاة، حيث علمنا أنّها لا تسقط بحال، وحينئذٍ تدخل مسألتنا في باب التعارض لا التزاحم، بعد وجود دليل خارجي يدلّ على عدم سقوط الأمر على الإطلاق.

وأمّا لو فرضنا أنّ الدليل الأوّل بنفسه يدلّ على وجوب بقيّة الأجزاء والشرائط، بأن كانت جزئيّة كلّ جزء وشرطيّة كلّ شرط من هذا الواجب مشروطة من أوّل الأمر بالقدرة. وقد أمرنا بالمركّب على هذا الترتيب، أي: جزء أو شرط إنَّما يكون جزءاً أو شرطاً إذا تمكّنا منه، وأمّا إذا لم نتمكّن منه فتسقط جزئيّته وشرطيّته.

وقد يتوهم: أنَّ التقييد بالقدرة إذا كان من أول الأمر فيكون المقام داخلاً في باب التزاحم، لإمكان الجمع بين الجعلين في مقام الجعل، لأنّ جزئيّة وشرطيّة كلّ من الجزئين أو الشرطين إنّما جعلا على تقدير القدرة، غاية الأمر: أنَّ المكلّف غير قادر على الجمع بينهما. 

إذن، الأمر الأوّل هو بنفسه يقتضي لزوم الإتيان بما يتمكّن من الأجزاء والشرائط، وبما أنّ كلّ جزء مقدور في نفسه فيدخل في باب التزاحم، وحينئذٍ للمكلّف أن يأتي بأيّهما شاء، وإذا كان في أحدهما مرجّح من مرجّحات باب التزاحم يتقدّم لا محالة.

وقد يتخيل: أنّه يدخل في كبرى التزاحم باعتبار إمكان الجمع، ولكنّ هذا الكلام لا يتمّ، لأنّ المفروض: أنّ جزءاً في نفسه مقدور، ولكن بما أنّ الواجب 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

واحد تعلّق بمجموع الأجزاء والشرائط، فإذا لاحظنا كلّ أمر في نفسه فهو مقدور، إلَّا أنَّه لا يمكن أن يكون كلٌّ منهما جزءاً بالفعل من هذا الأمر، لعدم إمكان الجمع على الفرض.

نعم، في الواجبين النفسيّين يمكن أن يكون كلٌّ من الواجبين متّصفاً بالوجوب فعلاً -على ما ذكرناه من جواز الترتّب- فيكون الأمر بكلّ منهما موجوداً بالفعل على تقدير القدرة، فالأمران مجتمعان زماناً، ولكنّ متعلّق كلّ منهما مقيّد بالقدرة، وهي لا تتحقّق إلَّا مع عدم الآخر.

ولكن في المقام الأمر واحد، ولا يمكن الجمع بين الجزأين، أو الشرطين بأن يكون كلٌّ منهما جزءاً بالفعل أو شرطاً بالفعل، لأنّ هذا غير مقدور. فهذا الأمر ساقط لا محالة، سواء كانت القدرة مأخوذة من أوّل الأمر، أو علمنا باعتبارها من دليل خارجي من أنَّ الأمر بالصلاة -مثلاً- لا يسقط بحال.

غاية الأمر: أنَّنا بعد أن علمنا أنَّ الأمر الأوّل غير قابل للبقاء، أي: لا يمكن أن يكون كلاهما جزءاً أو شرطاً، فيدور الأمر بين أن يكون الجزء أو الشرط، بأن يكون هذا أو ذاك أو الجامع بينهما جزءاً.

فلو كان المتعذّر جزءاً معيّناً واحداً، لعلمنا بأنّ الساقط هو هذا، وأنّ الأمر تعلّق بالباقي، كما لو فرضنا أنَّه كان على طهارة مائيّة، ولكنّه لم يتمكّن من غسل ثوبه، فلا إشكال هنا في أنَّ الساقط هو الطهارة الخبثيّة، لعدم تمكّنه منها.

وأمّا إذا كان المتعذّر دائراً بين شيئين، فحينئذٍ لا ندري أنّ الساقط أي منهما، نحتمل أن يكون هذا ونحتمل أن يكون الآخر، وقد فرض أنّ الأمر 

ــــــــــ[196]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

بالمركّب منهما قد سقط قطعاً، أي: لا يعقل أن يكون كلاهما متّصفاً بالجزئيّة أو الشرطيّة، وحيث إنّ ما هو المعتبر في الواجب مردد بينهما، ولم يقم دليل على تعيّن أحدهما، فلا بُدَّ من الرجوع إلى ما ذكرناه من النظر إلى دليل الجزئيّة أو الشرطيّة، وأنّ كليهما عامّ أو مطلقٌ أو أحدهما عام والآخر مطلق، أو أنّ أحدهما دليلٌ لفظيّ والآخر لبّيّ.

فالصحيح: أنَّ هذه الفروع التي ذكرها شيخنا الأستاذ لا يدخل منها شيء في كبرى التزاحم، بل جميعها داخل في باب التعارض.

وحيث إنَّ الغالب في باب الجزئيّة والشرطيّة هو الإطلاق، فيكون الغالب هو الحكم بالتخيير، لجريان البراءة في خصوصية كلّ من الجزأين أو الشرطين.

  1. إذا كان الدليلان لبيّين

إذا فرضنا: أنَّ كلا الدليلين لبّي، فلو ثبت كلّ منهما بالإجماع مثلاً، وليس في المقام دليل لفظي، فمقتضى الاقتصار على القدر المتيقّن: أن تكون الجزئيّة أو الشرطيّة ثابتة في غير هذا المورد، الذي لا يتمكّن المكلّف فيه من الجمع بين الجزأين أو الشرطين، فلو كنّا نحن وهذا المقدار لالتزمنا بسقوطهما معاً، ويجب على المكلّف حينئذٍ الإتيان بغيرهما من الأجزاء والشرائط، فإنّ دليل الجزئيّة قاصر عن الشمول لهذه الصورة. 

ولو فرضنا: أنّنا علمنا من الخارج بوجوب أحدهما وأنَّهما لم يسقطا معاً، فإن كان العلم الخارجي متعلّقاً بأحدهما بعينه ولكنّنا لا ندري المجعول أيّ جزء هو؟ هل هو هذا أو ذاك؟ فمقتضى القاعدة هو الاحتياط، وتكرار الصلاة 

ــــــــــ[197]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

مع هذا الجزء تارة ومع ذاك تارة أخرى، للعلم الإجمالي بجزئيّة أحد الأمرين ولم نتبيّن أيهما هو الجزء، فلازم العلم الإجمالي هو الالتزام بالاحتياط وتكرار الصلاة.

ولو فرضنا: أنّ العلم الخارجي لم يتعلّق بوجوب أحدهما بخصوصه، بل تعلّق بعدم جواز تركهما معاً، وهذا معنى أنّ الضرورة تقدّر بقدرها، فحيث لا يمكن للمكلّف الجمع بينهما، يسقط ذاك، إلَّا أنّه لا موجب لتركهما معاً، إذن يدور الأمر بين جزئيّة خصوص هذا الجزء وخصوصيّة ذاك أو جزئيّة الجامع بينهما. فالمقدار المعلوم هو جزئيّة الجامع، ولكن الزائد على ذلك -وهو اعتبار خصوصيّة أحدهما- مجهول، فيندفع بالبراءة، ونتيجته: هي التخيير بين الأمرين.

  1. إذا كان أحدهما لفظيّاً والآخر لبيّاً

وأمّا إذا فرضنا: أنَّ أحد الدليلين كان لبيّاً والآخر كان لفظيّاً فيتعيّن الأخذ بما دليله لفظي، لأنّ الدليل اللبي يقتصر فيه على القدر المتيقّن، وهو ما إذا كان المكلّف قادراً على الإتيان بالجزء مع سائر الأجزاء والشرائط، وأمّا إذا لم يتمكّن من الجمع بينه وبينها فلم نعلم شمول الإجماع لمثل ذلك، فيكون الدليل قاصراً. وأمّا الدليل اللفظي فيؤخذ بمقتضى إطلاقه أو عمومه.

ومثاله: ما ذكره السيّد في (العروة)(1) ، وهو ما إذا دار أمر المكلّف بين 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

(1) انظر: العروة الوثقى 1: 585.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

أن يصلي قائماً بغير استقرار حال المشي مثلاً، وبين أن يصلي جالساً مع الاستقرار، وقد ذكر أنّه يتعيّن عليه الصلاة قائماً وإن لم يكن المكلّف مستقراً. وهذا هو الصحيح.

الوجه في ذلك: أنّ دليل وجوب القيام في الصلاة لفظي الصحيح يصلي قائماً والمريض يصلي جالساً(1)، ولكنّ اعتبار الاستقرار في الصلاة لم يدلّ عليه دليل لفظي، وإنَّما هو ثابت بالإجماع، وهو دليل لبي. فإذا لم يتمكّن المكلّف من الاستقرار والقيام معاً سقط ما يكون دليله لبّيّاً وهو الاستقرار، إذ يؤخذ بإطلاق الدليل الذي يوجب القيام مع التمكّن منه في الصلاة، فلا تصل النوبة إلى الصلاة جالساً، فإذا دار أمره بين الصلاة قائماً ماشياً أو الصلاة جالساً مستقرّاً تعيّن الأوّل، لإطلاق الدليل اللفظي على القيام، وعدم الدليل اللفظي على اعتبار الاستقرار في هذا الحال، وهو حال عدم التمكّن من الجمع بين الاستقرار والقيام.

هذا تمام كلامنا فيما إذا لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين جزء من واجب وجزء أو بين شرط وشرط أو بين جزء وشرط.

وأمّا إذا لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين جزء واحد في ركعات مختلفة، كالقيام بأن لا يتمكّن من القيام في كلا الركعتين، فيدور أمره بين القيام في الأوّلى والجلوس في الثانية أو العكس. أو أنّه لم يتمكّن من الركوع الاختياري 

ــــــــــ[199]ــــــــــ

(1) الكافي 3: 411، باب صلاة الشيخ الكبير والمريض، الحديث: 11، تهذيب الأحكام 3: 176، الباب 14، صلاة الغريق والمتوحّل والمضطر لغير ذلك، الحديث: 9.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

في ركعتين مثلاً، فالأمران ليسا متباينين، بل هما من أفراد طبيعة واحدة، فهل المتعيّن هو القيام الأوّل أو أنّه يتخيّر بين الأمرين: بين أن يأتي بالقيام أو الركوع في الأولى دون الثانية أو العكس؟ فهل يكون السبق في المقام مرجّحاً أو لا؟ سيأتي الكلام فيه. 

فيما إذا كان أحد الدليلين مطلقاً

ما ذكرناه في الأجزاء والشرائط، إنّما هو فيما لو كان في كلا الدليلين إطلاق، وأمّا إذا كان لأحدهما إطلاق دون الآخر، ولم يكن الآخر في مقام البيان، أو كان في مقام البيان إلَّا أنّه كان مقيّداً بقيد يرتفع معه الحكم مع عدم التمكّن من الجمع بين هذا الجزء وجزء آخر، ففي مثل ذلك المتّبع هو الدليل الذي له إطلاق، فإنَّ الدليل الآخر إمّا أنَّه لا إطلاق له أو أنّه مقيّد بغير هذه الحال.

ومثاله: وجوب السورة وغيرها من الأجزاء، فيما إذا لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين السورة وبين أيّ جزء من أجزاء الصلاة لضيق الوقت مثلاً، فلا بُدَّ من طروء النقص على الصلاة، وهذا النقص إمّا أن يرد على السورة أو على جزء آخر. ففي مثل ذلك يتعيّن سقوط السورة، ولا بُدَّ من الإتيان بالجزء الآخر.

والوجه في ذلك: هو أنّ دليل وجوب السورة -على تقدير القول بوجوبها- من أوّل الأمر مقيّد بما إذا لم يكن للمكلّف حاجة، أو إذا لم يستعجله أمر، وأما إذا أعجله أمر فإنَّه يقتصر على الفاتحة فقط، كما في بعض الروايات، ففي صحيحة محمّد بن مسلم: إذا أعجله أمر هل يقرأ فاتحة الكتاب أو 

ــــــــــ[200]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

السورة، قال: يقرأ بفاتحة الكتاب فقط(1). ومع الاستعجال تسقط السورة ولا يُترك جزء آخر من فاتحة الكتاب أو غيرها تحفظاً على السورة، فإنّ وجوبها من الأوّل مقيدٌ بما إذا لم يكن هناك موجب لتركها من استعجال أو حاجة.

فما ذكرناه من التخيير وسقوط الإطلاقين إنّما هو فيما إذا كان لكلا الدليلين إطلاق، وإذا لم يكن لأحدهما إطلاق فيؤخذ بالآخر لا محالة. 

هذا بالنسبة إلى الأجزاء التي لا تكون من الأركان كالأمثلة المتقدّمة.

دوران الأمر بين ترك ركن وترك شيء آخر

وأمّا إذا دار الأمر بين ترك ركن وترك شيء آخر، وهذا ينقسم إلى أقسام:

القسم الأوّل: دوران الأمر بين ترك ركن وترك ركن آخر

إذا دار الأمر بين ترك ركن وترك ركن آخر، فأحد الركنين لا بُدَّ من تركه، والمراد بترك الركن تركه بتمام مراتبه، كما إذا لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين الركوع والطهارة على الإطلاق، فإذا فرضنا أنه لو توضّأ أو تيمّم فإنَّه لا يتمكّن من الركوع أو السجود بتمام مراتبه، بل لا بُدَّ له من أن يصلّي من دون ركوع، وأمّا إذا أتى بشيء من ذلك فلا بُدَّ من أن يصلّي بغير طهور.

ففي مثل ذلك: تسقط الصلاة جزماً، لأنّ المكلّف غير متمكّن من الإتيان بالصلاة، وقد ذكرنا: أنّ الصلاة متقوّمة بالتكبيرة والركوع والسجود 

ــــــــــ[201]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 2: 147، الباب 9، تفصيل ما تقدم ذكره في الصلاة من المفروض والمسنون وما يجوز وما لا يجوز، الحديث: 34.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

والطهارة، فإذا لم يتمكّن من الصلاة أو من شيء منها، فلا تتحقّق في الخارج، ولا يصدق على ما أتي به أنّه صلاة. فقولهم: الصلاة لا تسقط بحال(1)، أو الإجماع القطعي على ذلك لا يشمل المقام، إذ المفروض أنّه غير متمكّن من الصلاة ولا يصدق على المأتي به أنّه صلاة، فينتهي الأمر إلى القضاء، ولأجل ذلك ذكرنا أنّ من لا يتمكّن من الطهورين لا يجب عليه الإتيان بشيء في الوقت، لأنّ ما يأتي به ليس بصلاة، ولأنّ الطهور ثلث الصلاة، والركوع ثلث والسجود ثلث، فلا بُدَّ من القضاء خارج الوقت، وإذا لم يتمكّن من القضاء سقط أيضاً.

القسم الثاني: دوران الأمر بين ترك ركن وترك ركن بمرتبته العالية

وأمّا إذا دار الأمر بين ترك ركن أصلاً وترك ركن آخر بمرتبته العالية الاختياريّة. أمّا المرتبة النازلة فهو متمكّن منها. فالأمر يدور بين ترك ركن أصلاً وترك ركن آخر بنحو اختياري دون مرتبته النازلة، كما إذا دار أمره بين أن يصلّي بغير طهور فيتمكّن من الركوع، أو أنّ يصلي مع الطهارة إلَّا أنّه لا يتمكّن من الركوع الاختياري، بل لا بُدَّ من أن يصلّي مع الركوع الجلوسي أو مع الإيماء. ففي مثل ذلك: لا ينبغي الشكّ في أنّ الساقط هو المرتبة الاختيارية، وأصل الركن لا يسقط.

والوجه في ذلك ظاهر: فإذا كان الركن دخيلاً في عنوان الصلاة، فلو أتى 

ــــــــــ[202]ــــــــــ

(1) الكافي 3: 99، كتاب الطهارة، باب النفساء، الحديث: 4.  

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

بهذه الأجزاء بغير طهارة لم تكن هذه صلاة، ولا يشملها دليل لا تسقط الصلاة بحال(1)، وهذا بخلاف العكس، فإذا أتى بالطهور وصلّى مع الإيماء للركوع، فهذه صلاة، لأنّ الأركان موجودة. فالأمر دائر بين الإتيان بشيء ليس هو صلاة وبين الإتيان بالصلاة بالمقدار الممكن، فيتعيّن الثاني لا محالة.

ولا يفرّق في ذلك بين المسلكين المتقدّمين -بين أن نقول: إنَّ عدم التمكّن من الجمع بين أجزاء الواجب الواحد داخل في كبرى باب التزاحم كما اختاره شيخنا الأستاذ، وبين أن نقول: إنّه داخل في باب التعارض كما اخترناه- إذ المفروض: أنَّ المأتيّ به لا يصدق عليه صلاة على التقديرين، فإذا أتى به كان لغواً، بخلاف العمل الآخر -بأن يأتي بالطهور ويقتصر على المرتبة الممكنة من الركوع أو السجود- فإنّه هو المقدار الممكن من الصلاة، فيتعيّن قطعاً، سواء قلنا إنّ المقام داخل في كبرى باب التزاحم أو داخل في كبرى باب التعارض.

والحال في القسم الأوّل كذلك، ففي صورة عدم التمكّن من الركنين أصلاً، أيضاً لا فرق بين المسلكين، فعلى كل حال تسقط الصلاة، إذ لا بُدَّ من ترك أحد الركنين.

نعم، بناء على ما احتمله بعض(2) من أنّ فاقد الطهورين يجب عليه الصلاة، وأنّ الطهور غير داخل في حقيقة الصلاة، وأنّ الطهارة هي أمر آخر معتبر في الصلاة كسائر الأجزاء والشرائط، وهي شرط خاصّ في حال القدرة يكون 

ــــــــــ[203]ــــــــــ

(1) الكافي 3: 99، كتاب الطهارة، باب النفساء، الحديث: 4.

(2) مختلف الشيعة 1: 443.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الأمر دائراً بين أن يترك الطهارة ويأتي بالصلاة مع الركوع الاختياري، أو يترك الركوع الاختياري وينتقل إلى الإيماء مع طهور، فلو فرضنا أنّ كلا الأمرين مورد للاحتمال، فإنّ الطهور لا دخل له في حقيقة الصلاة على هذا المبنى.

فبناء عليه يجري فيه ما تقدّم، فإذا بنينا على دخول المقام في كبرى التزاحم فلا بُدَّ من الترجيح بالأهمّيّة، فإنَّ التحفّظ على أصل الطهور أهمّ من التحفّظ على المرتبة الراقية من الركوع، وأما على ما ذكرناه من أنّ الأهمّيّة لا أثر لها، وأنَّ الباب داخل في باب التعارض، فيتخيّر المكلّف بين ترك الطهور مع الركوع الاختياري وبين الإيماء مع الطهور.

إلاَّ أنّ أصل المبنى فاسد، وهو مخالف لظواهر الأدلة، فإنّ قوله: الطهور ثلث الصلاة(1) أي: كونه داخلاً في حقيقتها.

فالطهور دخيل في حقيقة الصلاة، وعليه فلا أثر لما ذكر، فعلى كلا المسلكين لا بُدَّ من تقديم الطهور والإتيان بالمرتبة النازلة من الركوع.

هذا إذا كان الأمر دائراً بين أصل ركن وركن آخر بمرتبته العالية.

القسم الثالث: دوران الأمر بين ترك ركنين بمرتبتهما العالية

وأمّا إذا فرضنا أنّ الأمر دائر بين المرتبتين العاليتين من الركنين دون أصلهما، كما إذا دار أمره بين أن يصلي مع الطهارة الترابيّة مع التحفّظ على الركوع الاختياري، أو مع الطهارة المائيّة لكن لا بُدَّ له من الإيماء للركوع مثلاً، 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 2: 140.الباب 9، تفصيل ما تقدم ذكره في الصلاة من المفروض والمسنون وما يجوز وما لا يجوز، الحديث: 2.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ولا يتمكّن من الجمع بين الطهارة المائيّة والركوع الاختياري.

وفي هذا الفرض: بناءً على التزاحم لا بُدَّ من ملاحظة الأهمّيّة في البين، ولا يبعد أن تكون الأهمّيّة في جانب الطهور.

ولكن بناءً على ما ذكرناه من أنّ هذه الموارد داخلة في باب التعارض دون التزاحم، والمفروض: أنّ الصلاة ثابتة على كلا التقديرين، سواء تحفّظ على الركوع الاختياري أو على الطهارة المائيّة، وحيث لا يستطيع الجمع بينهما، تصل النوبة إلى التخيير، لأنّ الأهمّيّة لا أثر لها في باب التعارض، وحيث إنَّ كلاً من دليلي وجوب الركوع ووجوب الطهارة المائيّة ثبت بالإطلاق، وكلّاً منهما مقدور على الفرض في نفسه، وإنّما عدم القدرة متعلّق بالجمع بينهما، فلا بُدَّ  من رفع اليد عن أحدهما، وحيث لا ترجيح في البين فيسقط الإطلاقان، وتجري البراءة في كلٍّ من الخصوصيّتين، فتكون النتيجة هي التخيير بين الأمرين.

القسم الرابع: دوران الأمر بين ترك ركن وبين ترك جزء أو شرط

أمّا إذا دار الأمر بين ترك ركن بتمام مراتبه وبين ترك جزء أو شرط آخر غير ركني، فقد ظهر ممّا ذكرناه: أنّ المتعيّن بالسقوط هو الجزء الآخر، إذ مع ترك الركن بتمام مراتبه لا يصدق على المأتيّ به أنّه صلاة، فلا يشمله دليل أنّ الصلاة لا تسقط بحال، بخلاف العكس، وهو ما إذا أتى بالركن وترك الجزء الآخر، إذ يصدق على المأتيّ به أنّه صلاة، فبمقتضى أنَّ الصلاة لا تسقط بحال يتعيّن الإتيان بالركن، ويكون الساقط غيره.

ولا يفرّق في هذا بين دخول المقام في كبرى التزاحم وبين دخوله في كبرى 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

التعارض، إذ الأمر دائر بين الإتيان بشيء لا يصدق عليه أنَّه صلاة وبين الإتيان بصلاة ناقصة اضطراريّة. فالمتعيّن إذن هو الثاني، لعدم سقوط الصلاة بحال.

القسم الخامس: دوران الأمر بين ترك مرتبة اختياريّة من ركن وبين ترك جزء أو شرط

وممّا تقدّم يظهر الحال في ما إذا دار الأمر بين ترك مرتبة اختياريّة من ركن أو ترك جزء أو شرط آخر، كما إذا لم يتمكّن من الجمع بين الركوع الاختياري وفاتحة الكتاب.

وفي المقام: إذا قلنا إنَّ المورد داخل في باب التزاحم فلا بُدَّ حينئذٍ من الرجوع إلى مرجّحاته، والمرجّح الصحيح هو الأسبقيّة، فيجب عليه الإتيان بالقراءة مع الإيماء للركوع، لأنّ الركن هو طبيعي الركوع لا خصوص الحصّة الاختياريّة، فينتقل الفرض إلى البدل.

وأمّا بناءً على ما ذكرناه من دخول المقام في التعارض فبعد أنَّ فرضنا أنَّ الأمر الأوّل سقط يقيناً للعجز، والأمر الثاني الحادث بعد التعذّر لا ندري بِمَ هو مقيّد؟ أهو مقيّد خصوص الركوع أو خصوص القراءة أو الجامع بين الأمرين، وبما أنّ خصوصية كلّ من الأمرين مشكوك فيها، فتجري فيها أصالة البراءة، والنتيجة هي التخيير.

هذا كلّه فيما إذا لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين جزء وجزء أو شرط وشرط أو جزء وشرط.

ــــــــــ[206]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

العجز عن الجمع بين جزء في موردين

وأمّا إذا لم يتمكّن من الجمع بين جزء واحد في موردين أو شرط كذلك، أي: إنَّ الطبيعة واحدة، ولكنّ المطلوب هو التكرر كالقيام والتشهّد وذكر الركوع، فإنَّها مطلوبة مكرّراً في الصلاة، فإذا لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين قيامين في الركعة الأولى والثانية، فهو متمكّن من القيام في إحدى الركعتين دون الأخرى، أو لم يتمكّن من الجمع بين ذكر الركوع في الركعة الأولى وفي الثانية أو الجمع بين قرائتين وهكذا.

هذه الموارد أيضاً داخلة في باب التعارض وإن كان الدليل واحداً، فإنّ دليل وجوب القيام ينحلّ إلى وجوب القيام في الركعة الأولى ووجوب القيام في الركعة الثانية، وكذلك في ذكر الركوع والسجود والقراءة ونحو ذلك.

ولو فرضنا: أنّ الدليل واحد إلَّا أنَّ الواجب ينحلّ لا محالة، والمفروض: أنّ المكلّف لا يستطيع أن يأتي به في جميع موارد مطلوبيته، فبناءً على ما ذكرناه من أنّ المقام داخل في باب التعارض، باعتبار أنّ الدليل الأوّل قد سقط بسبب العجز عن امتثاله. فلو تركنا هذا الوجوب لحكمنا بسقوط الصلاة، ولكن حيث علمنا بأنَّها لا تسقط بحال وأنّه يجب الإتيان بشيء، لكنّا لا ندري بمَ هو مقيّد، هل هو مقيّد بالقيام في الركعة الأولى أو بالقيام في الركعة الثانية؟ أو بالإتيان بذكر الركوع في الركعة الأولى أو بذكره في الثانية؟ وهكذا… فحيث إنّ الدليل الأوّل ساقط، ولا دليل على تعيّن أحد هذه الأمور، ولكنّنا نعلم بأنّه لا بُدَّ من الإتيان بالمقدور، فلا يجوز ترك القيام في كلا الركعتين، بعد أن كان 

ــــــــــ[207]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

المكلّف متمكّناً من أحدهما، فالمقدار المعلوم هو الإتيان بالجامع، وأما أنَّ الواجب هو خصوص القراءة في الركعة الأولى أو خصوص القراءة في الركعة الثانية فهو مجهول لنا، فيندفع بأصل البراءة، ونتيجة ذلك هي التخيير.

وهذا أيضاً من موارد الافتراق بين المسلكين من دخول هذه الموارد في كبرى التزاحم أو التعارض، فعلى التزاحم لا بُدَّ في جميع هذه الموارد من الإتيان بالأسبق، فيقدّم القيام في الركعة الأولى والقراءة فيها ويكون المتروك هو الآخر.

وأمّا بناء على ما ذكرناه من دخول المقام في كبرى التعارض فالكلام هوالكلام، إذ لا ندري ما المجعول؟ حيث نشكّ في اعتبار القيام أو القراءة في الركعة الأولى بخصوصها، وهذا يكون مشمولاً للبراءة، والنتيجة هي التخيير.

نعم، في خصوص القيام لا ينبغي الشكّ في أنّه لا بُدَّ من الأخذ بالأسبق، لما يستفاد من صحيحة جميل: إذا قوي فليقم(1)، حيث علمنا من ذلك أنّه لا يجوز ترك القيام مع القدرة، وهو قادر في الركعة الأولى فيجب عليه القيام، ويكون بالنسبة إلى الركعة الثانية عاجزاً فيسقط، فالمستفاد من الصحيحة أنّ العبرة في القيام هي القدرة حال العمل، فإذا تمكّن منه وجب الإتيان به، وإذا لم يتمكّن سقط، وفي المقام لا أثر لهذا الكلام.

ــــــــــ[208]ــــــــــ

(1) الكافي 3: 410، باب صلاة الشيخ الكبير والمريض، الحديث 3، وسائل الشيعة ‏5: 495، الباب 6: باب حدّ العجز عن القيام وسقوطه مع تجدّد العجز ووجوبه في الفريضة مع تجدّد القدرة في أثناء الصلاة، الحديث 3.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ولكن بالنسبة إلى غيره، ممّا لم يدلّ دليل على الإتيان به في مورد القدرة، وعلمنا أنَّ المدار هو القدرة على الصلاة.

والصلاة المقدورة قسمين:

  1. قسم مع القيام في الركعة الأولى.
  2. وقسم مع القيام في الثانية.

فبمقتضى أنَّ الصلاة لا تسقط بحال لا بُدَّ من الإتيان بأحد هذين الأمرين، وحيث لا دليل على تعيّن الإتيان بالقيام في الركعة الأولى فالنتيجة هي التخيير.

هذا تمام كلامنا في أصل التزاحم، وفي عدم قدرة المكلّف من الجمع بين أجزاء وشرائط المركّب الواحد.

العجز عن الجمع بين جزء وشرط

بقي الكلام فيما إذا لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين جزء وشرط، فلا بُدَّ له حينئذٍ من رفع اليد عن الشرط أو عن الجزء، فكان الأمر دائراً بينهما.

ذكر شيخنا الأستاذ(1) -على نحو الكلّية في المقام-: أنَّه إذا دار الأمر بين ترك جزء أو شرط، كان المتعيّن هو ترك الشرط والإتيان بالجزء، لتأخّر رتبة الشرط عن الجزء، فإنَّ الشرائط اعتبرت متفرّقة على وجود الأجزاء، فالمأمور به أوّلاً هي الأجزاء، فإذا تمكّن من الإتيان بها مع الشرائط فوجب، وإلَّا سقطت الشرائط، ووجب الإتيان بالأجزاء فقط، وحيث إنّ الشرط متأخّر عن الجزء وقيد له، فيتعيّن سقوطه.

ــــــــــ[209]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 282.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

لكنّ ما ذكره غيرُ صحيح، ولأنّ الشرائط وإن كانت متأخّرة طبعاً عن الأجزاء -أي: لو فرضنا ذلك- إلَّا أنَّ التأخّر الرتبي لا أثر له، بعدما كان الأمر منبسطاً على الجميع في مرحلة الخارج وفي مرحلة تعلّق الأمر بالمركّب، ولم يكن تعلّق الأمر بالأجزاء قبل تعلّقه بالشرائط، بل يتعلّق الأمر بهما معاً وإن كانت الشرائط متأخّرة رتبة.

فالتقدّم والتأخّر الرتبي لا أثر له ولا سيما في المقام، فإنَّ في المقام خصوصيّة، وهي أنّه بناء على دخول المقام في بحث التزاحم كما ذكره وبنى عليه ورجّح الأسبق باعتبار أنّه مقدور بالفعل، والأمر به فعلي، فإذا امتثله فيكون الثاني غير مقدور، حيث ذكرنا في موارد القدرة الشرعيّة أنّ الأسبقيّة من المرجّحات، إذ المقدّم يكون مقدوراً فيكون أمره فعلياً، فإذا أتى به يسقط الأمر الثاني، لانتفاء موضوعه، وهو القدرة، فالأمر دائر بين ترك ما هو مقدور وبين ترك ما ليس بمقدورٍ في ظرفه وغير واجد للملاك، فتكون الأسبقيّة مرجّحة.

فإذا بنينا على أنَّ الأجزاء داخلة في التزاحم فكلّ جزء سابق يتعيّن بالجزئيّة ويسقط اللاحق، وأمّا السبق والتأخّر الرتبي فلا أثر له، فإنَّ كليهما مقدور في الخارج، وليس هناك في الخارج تقدّم وتأخّر في القدرة، بل كلٌّ منهما مقدور في زمان واحد، فكيف يمكن أن يقال: يُقدّم الأسبق رتبة.

بل لو سلّمنا بأنّ السبق الرتبي من المرجّحات، فليست الشرائط متأخّرة عن تمام الأجزاء، بل كلّ منهما في مرتبة واحدة بالنسبة إلى الأركان، كما ذكرنا في 

ــــــــــ[210]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

بحث الصحيح والأعمّ(1) من أن أسماء العبادات ومنها الصلاة مجعولة للأركان فقط، ولا ينافي دخول جزء تارة وخروجه أخرى، فقد أخذت الأركان لا بشرط من هذه الناحية. وبعد ذلك اعتبرت الأجزاء والشرائط معاً -بعد التحفّظ على الأركان- فاعتُبر أنّ هذا المركّب لا بُدَّ من أن يكون مع الأجزاء والشرائط الأخرى، وكلّ ذلك اعتبر في مرتبة متأخّرة عن اعتبار الأركان.

نعم، فالشرائط متأخّرة عن الأركان والأجزاء كذلك. أمّا الشرائط بالنسبة إلى الأجزاء غير الركنيّة فلا وجه لتقدّم أحدهما على الآخر، فإنّ كليهما في مرتبة واحدة. 

فعلى تقدير تسليم أنّ الأسبقيّة في الرتبة من المرجّحات ولكن ليس هناك أسبقيّة رتبيّة بين الشرائط والأجزاء غير الركنية، هذا بناء على التزاحم.

وأما بناء على التعارض، فإن كان الشرط ركنيّاً أو له حكم الركن كالاستقبال الذي علم وجوبه بنص الكتاب وأنّ الصلاة لا تكون إلَّا إلى القبلة كما في الروايات(2)، وقد قلنا: إنَّ إطلاق الكتاب يقدّم على إطلاق الرواية، إذا كانت النسبة بينهما هي العموم من وجه. ففي مثل ذلك يتقدّم الشرط على الجزء، ويكون الساقط هو الجزء، فلو دار أمر المكلّف بين أن يصلّي إلى القبلة مع ترك جزء غير ركني أو يصلّي مع الجزء من دون استقبال، فمقتضى التعارض بين الإطلاقين هو تقدّم الاستقبال، فهو وإن لم يكن من الأركان، وكانت 

ــــــــــ[211]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 1: 299، 300.

(2) وسائل الشيعة 4: 295، باب وجوب استقبال القبلة في الصلاة، الحديث:1، من لا يحضره الفقيه 1: 278، الحديث: 855، وكذا الحديث: 857.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الصلاة صادقة من دونه حال الاضطرار، إلَّا أنَّه قريب من الركن، أي: أنَّه اعتبر في الصلاة، ولا يجوز تركه مع الاختيار. 

ولا يعارض هذا بالرواية الدالّة على وجوب الجزء إذا لم يكن الجزء ركنيّاً، لأنَّ إطلاق الكتاب يتقدّم عليها.

وأما إذا كان الأمر بالعكس بأن كان الجزء ركنيّاً والشرط غير ركني، كما لو دار الأمر بين ترك شرط آخر غير الاستقبال وترك أصل الركن كالركوع، فلا بُدَّ له حينئذٍ أن يرفع اليد إما عن القيام الذي هو شرط في الصلاة، وبين أن يرفع يده عن الركوع مثلاً، فلا محالة يكون الساقط هو الثاني، لما ذكرناه من أنَّ مقتضى كون الصلاة لا تسقط بحال: أنّه لا بُدَّ من التحفّظ على الركن، إذ من دونه لا تتحقّق الصلاة دون العكس.

وأمّا إذا لم يكن شيء منهما ركناً ولا بحكمه، فمقتضى القاعدة هو المعارضة بين الإطلاقين، وحينئذٍ يسقطان معاً. كما لو دار أمره بين ترك القيام وترك التشّهد، فمقتضى إطلاق الدليل في كلٍّ منهما وجوبه، وحيث لا يتمكّن المكلّف من الجمع بينهما فيسقط الإطلاقان، والمقدار المعلوم هو الجامع. وأمّا الخصوصيّة في كلّ منهما فاعتبارها مشكوك، ومقتضى البراءة عدم وجوبها، وتكون النتيجة هي التخيير.

أمر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه

يقع الكلام في أنَّه هل يجوز للآمر أن يأمر مع العلم بانتفاء شرطه أو لا يجوز؟

منعه جماعة وأجازه آخرون. 

ــــــــــ[212]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

والظاهر أنّ هذا النزاع لا يرجع إلى معنىً محصّل، فإنَّ الأمر المعلوم انتفاء شرطه لا يخلو:

  1. إمّا أن يكون الأمر الناشئ من داعٍ غير داعي البعث والزجر، كالأوامر الامتحانيّة والسخرية. ولا إشكال في جواز صدور هذا الأمر مع عدم وجود شرط فعليّته، فإنَّ عالم الفعليّة لا يرتبط بالأمر الانشائي إذا كان الداعي إليه غير البعث والزجر، وهذا ظاهر وواقع من الشرع والعرف.
  2. وإمّا أن يكون الأمر الناشئ بداعي البعث والزجر، فإذا كان المراد بالشرط شرط مرحلة الجعل، فإنّا ذكرنا في بحث الشرط المتأخّر(1) أنّ الأمر يكون له شرطان:

أ- فتارةً: يلاحظ في مقام الجعل.

ب- وأخرى: يلاحظ في عالم المجعول.

وقلنا: إنّ أحد المقامين لا يرتبط بالآخر في الأحكام، فإنّ الجاعل حين يجعل الحكم يجعله على الموضوع المقدّر وجوده، فلا بُدَّ له من التصور والتصديق وتعلّق الإرادة بالجعل، فإذا حصل كل ذلك لديه فإنَّه يجعل لا محالة، وقد قلنا: إنّ ما يكون شرطاً للجعل هو أمرٌ نفساني لا خارجي، فإنّ الجعل كسائر الأفعال الاختياريّة مسبوق بالإرادة، وهي مسبوقة بمقدّمات لا محالة، منها: التصور ومنها التصديق بالفائدة، وحينئذٍ لا محالة يجعل الحكم في الخارج.

فالذي يكون شرطاً لهذه الأفعال الاختياريّة -ومنها جعل الجاعل- هو 

ــــــــــ[213]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 3: 49.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الوجود النفساني. أمّا الأمور الكونية فهي أجنبيّة عن ذلك.

فإذا كان المراد بالأمر هو الأمر في عالم الجعل وأنَّ الآمر هل يمكنه أن يأمر في مرحلة الجعل مع العلم بانتفاء شرطه في تلك المرحلة، كانت كلمة العلم لغواً محضاً، إذ لا أثر لعلم الجاعل وعدم علمه، فإنّ الشرط إذا كان منتفياً يستحيل أن يوجد الجعل، فإنّ المعلول ينتفي بانتفاء علّته لا محالة. فإن الشرط
-وهو أمر نفساني- إذا لم يوجد كأن لم يتصوّر أو تصوّر ولكنّه لم يصدّق بالفائدة أو صدّق ولكنّه لم يُرد -بناء على أنّ الإرادة أمر اختياري كما تقدّم- فلا محالة لا يوجد جعل في الخارج. فكلمة العلم في قولنا: الأمر هل يجوز مع العلم بانتفاء شرطه، مستدركة لا محالة، ولا بُدَّ من تبديل المسألة فنقول: هل يجوز أمر الآمر مع انتفاء شرطه أو لا؟ ولا محالة يكون الجواب حينئذٍ بالنفي، إذ ما لم يوجد الشرط لا يوجد المشروط، وهذا هو معنى الاشتراط، وهو أمر ظاهر، لا معنى لوقوع البحث فيه.

وأما إذا كان المراد بالأمر في المقام، الأمر بحسب مرحلة الفعليّة لا بحسب مرحلة الإنشاء والجعل، فقد ذكرنا في مقدّمة الواجب في بحث الواجبات المشروطة(1): أنّ الشرط الذي يؤخذ مفروض الوجود فعليّة الحكم في مورده تتوقّف على فعليّة وجود موضوعه خارجاً، ففي آية الحج -مثلاً- تكون فعليّة وجوب الحجّ متوقّفةً على وجود الاستطاعة خارجاً، وإلَّا كانت فعليّته مستحيلة وإن كان في مرحلة الإنشاء موجوداً، فإنّ وجوده في مرحلة الإنشاء 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 3: 140.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

إنّما هو بفرض وجود الموضوع، وارتفاعه يكون بالنسخ. أمّا وجوده في عالم الفعليّة فبتحقّق شرطه في الخارج. وهكذا سائر الموضوعات التي أخذت مفروضة الوجود في الحكم، فإنَّ الزكاة لا تكون واجبة إلَّا إذا تمّ النصاب، والصلاة لا تكون واجبة إلَّا إذا دخل الوقت، والصوم لا يكون واجباً إلَّا إذا دخل شهر رمضان وهلم جرّاً.

فما لم يتحقّق الموضوع خارجاً يستحيل أن يكون الحكم فعلياً، ففعليّة الحكم تتوقّف على فعليّة شرطه ومن جملة الشرط الموضوع، فإذا أريد من الشرط الشرط في عالم الفعليّة لا الشرط في عالم الإنشاء، بأن يقال: هل يجوز للآمر أن يأمر مع علمه بانتفاء شرطه في عالم الفعليّة أو لا؟

فأخذ العلم هنا لا بأس به، بمعنى: أنّ الآمر مع علمه بعدم فعليّة الشرط وأنَّه لا يتحقّق خارجاً يصدر أمره ويجعل حكمه، فيقول: (إذا استطعت فحج) مع علمه أنَّ هذا لا يتحقّق في الخارج. أو يقول: (إذا ملكت النصاب فيجب عليك الزكاة)، مع علمه بأنّ النصاب لن يتمّ في الخارج، فأخذ العلم في الموضوع يكون مناسباً. بأن يقال: هل يجوز جعل حكم في مرحلة الإنشاء مع علم الآمر بأن شرط الفعليّة لا يتحقّق في الخارج، أو لا؟

ذكر شيخنا الأستاذ: أنّه لا إشكال في جوازه، فإنّ فعليّة الحكم تابعة لفعليّة الموضوع خارجاً، وعلم الآمر وعدم علمه سيّان، إذ لا دخل له في تحقّق الموضوع، وإنما الدخيل هو وجود الشرط وعدم وجوده خارجاً.

ولكن الظاهر: أنّ البحث في هذا المقام في توهّم أن هذا غير جائز، باعتبار 

ــــــــــ[215]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

أنّ هذا الجعل يصبح لغواً محضاً، فما فائدته؟

فإذا فرضنا أنَّ الآمر لم يقصد غير داعي البعث والتحريك بل أمر بداعي البعث والتحريك نفرض أنّ الآمر يعلم أنَّ الشرط لا يتحقّق في الخارج، كما إذا قال الوالد لابنه في القضايا الشخصيّة: (إذا تزوجت فاستأجر الدار الفلانية)، مع أنّه يعلم أنّه لا يتزوّج، فما فائدة الأمر؟ وكذلك في القضايا الحقيقيّة، بأن يجعل حكماً يعلم أن موضوعه في الخارج لا يتحقّق، كأن يقول: (من طار في الهواء من دون واسطة فليقصر من صلاته)، مع أنَّ الطيران في الهواء أمر مستحيل في العادة.

فتوجيه النزاع في المقام لا بُدَّ من أن يكون بهذا النحو، بأن يقال: هل يجوز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه في عالم الفعليّة، أو لا يجوز، لأنَّه لغوٌ واللغو لا يصدر من الحكيم؟

الظاهر: هو التفصيل بين أن يكون عدم تحقّق الشرط في الخارج مستنداً إلى نفس هذا الجعل، بمعنى أنّ نفس الجعل يسبب عدم الموضوع خارجاً، ولولاه لوجد الموضوع، وبين أن لا يكون كذلك.

فإذا لم يكن كذلك، بل كان انتفاء الموضوع بأسبابه الخارجيّة، فهذا الجعل يكون لغواً لا محالة، بلا فرق بين القضايا الخارجيّة والقضايا الحقيقيّة، ففي الخارجيّة كقوله: (إذا سافرت إلى كربلاء فزر الحسين)، وهو يعلم أنَّه لا يسافر إلى كربلاء، فهذا لغو محض، ولا أثر له.

وفي القضايا الحقيقيّة فيما إذا علم الآمر أنّ الموضوع لا يتحقّق في الخارج، 

ــــــــــ[216]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وأنّ الشرط لا يوجد، فهذا بنفسه يكون لغواً محضاً، ولا يكون له أثر، فلا يجوز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرط الفعليّة.

وأمّا لو فرضنا أنّ انتفاء الموضوع كان مستنداً إلى نفس هذا الجعل، بحيث لولاه لكان الموضوع موجوداً في الخارج، فهذا لا يكون لغواً، كما إذا قال لابنه: (إذا فعلت الفعل القبيح الكذائي فيجب عليك أن تتصدّق بكذا مقدار من المال)، والآمر يعلم أنّه لا يعمل هذا العمل خوفاً من الضريبة الماليّة عليه، ولولاه لارتكب الفعل القبيح. فأيّ قبح في مثل هذا الجعل، بأن يجعل هذا الحكم مع أنَّ شرطه أمر منتف في الخارج، وانتفاؤه مستند إلى نفس هذا الحكم، فلا يكون هذا لغواً، بل هو أمر يصدر من العقلاء لأجل أن يكون مانعاً من صدور هذا العمل القبيح.

ففي القضايا الحقيقيّة: جعل ذلك أمرٌ ممكن أيضاً، كأن يقول: مَن غصب أموال الناس وجب عليه أداؤها، وفرضنا: أنّ هذا الحكم بنفسه أوجب ترك الغصب، فلا يقع لغواً، ونحو: مَن أفطر في شهر رمضان وجبت عليه الكفارة، ويكون هذا الحكم بنفسه موجباً لعدم الإفطار في شهر رمضان.

فهذا ممّا لا بأس به، فلو أمر وهو يعلم بانتفاء شرطه، إلَّا أنَّ انتفاءه مستند إلى نفس هذا الجعل، فهذا لا محذور فيه، وهو أمر يتعلّق به غرض العقلاء، ويصدر منهم، ويكون وسيلة إلى عدم عصيان المولى في الخارج، لأنّه رتّب عليه مقداراً من الجزاء فلا يوجده المكلّف خوفاً منه.

إذن، بهذا المعنى يمكن أن يقال: يجوز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه، وكيف كان فهذا البحث لا أثر له في الخارج، وهو مجرّد بحث علمي.

ــــــــــ[217]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

أمّا مسألة الكفّارة في من يفطر في شهر رمضان عامداً ثُمَّ يرتفع الموضوع بسفرٍ ونحوه، فهذا أجنبيّ عن البحث، بل يجب النظر في دليل وجوب الكفّارة على من تجب؟ على من أفطر حتى الغروب؟ أو على كلّ من أصبح مفطراً عامداً مطلقاً. فهذا البحث لا ثمرة له أصلاً.

تعلّق الأمر بالطبايع

وقع الخلاف في أنَّ الأوامر هل تتعلّق بالأفراد أو الطبايع؟

هذا النزاع المعروف لا تكاد تظهر له ثمرة مهمّة، فإن القائل بتعلّق الأوامر بالأفراد لا يريد تعلّقها بالفرد بعد وجوده، فلو فرض وجوده خارجاً يستحيل تعلّق الأمر به لا محالة، فإنَّه من طلب الحاصل وهو محال. والقائل بتعلّق الأمر بالطبيعة لا يدّعي تعلّقه بالطبيعة الصرفة، يعني: الماهيّة لا بشرط، فإنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلَّا هي، ولا معنى لأن تقع متعلّقة لطلب أصلاً، بل المطلوب لا بُدَّ من أن يكون هو الوجود أو العدم مطلقاً، وجود الماهيّة مطلقاً أو عدمها مطلقاً، وأمّا الماهيّة في نفسها الجامعة بين الوجود والعدم فلا معنى لتعلّق الطلب بها. وهذا واضح.

تحرير محلّ النزاع

ومن هنا وقع الكلام في تحرير محلّ النزاع، في أنّ الأمر يتعلّق بالطبايع أو الأفراد؟

إنّ ما يمكن أن يكون النزاع معقولاً بلحاظه، هو أن يكون ذلك النزاع مبنيّاً على:

ــــــــــ[218]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

  1. إنّ الكلّي الطبيعي هل هو موجود بنفسه خارجاً، أو أنَّ الموجود في الخارج هو الفرد خاصّة؟

فإذا قلنا: إنّ الكلّي بنفسه موجود في الخارج، فالأمر يتعلّق به أيضاً، بحيث يكون الفرد بما هو فرد غير متعلّق للطلب، وإنما يتعلّق الطلب بنفس الطبيعي.

وإن قلنا: إنّ الكلّي الطبيعي غير موجود في الخارج، بل الموجود هو الفرد، والكلّي الطبيعي منتزع من هذا الوجود الخارجي، فإنّه بناء عليه يكون الأمر متعلّقاً بالفرد لا محالة.

ونتيجة هذين القولين ليست نتيجة عمليّة، بل هي نتيجة علميّة محضة، إذ لا يكاد يظهر لها ثمرة في الخارج.

هذا أحد الوجهين على ما نبيّن.

  1. أو يكون النزاع في أنّ الموجود في الخارج لا محالة يوجد بمشخّصات من مكان أو زمان وغير ذلك من المقارنات له، ولا يمكن أن يفرض الموجود في الخارج غير مقترن بهذه المشخّصات، فيقع الكلام في أنَّ الأمر يتعلّق بالطبيعي مع هذه المشخّصات والخصوصيّات، بأن تكون هذه الخصوصيّات داخلة في المأمور به، أو أنّ هذه أمور مقارنة لا بُدَّ منها في وجود المأمور به في الخارج، من دون أن يكون شيء منها داخلاً في المأمور به، والأمر إنَّما يتعلّق بوجود الشيء نفسه، من دون دخل للخصوصيّات في المأمور به.

فبناءً على هذا التوجيه للنزاع يمكن فرض ثمرة لهذا البحث.

ــــــــــ[219]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الثمرة على الوجهين:

بناءً على الوجه الأوّل: وهو أنّ الأمر هل يتعلّق بالطبيعي أو بفرده خارجاً، مبتنٍ على وجود الكلّي الطبيعي وعدم وجوده -كما ذكرنا- وعلى هذا يكون البحث علميّاً محضاً من دون ثمرة عمليّة.

وقد وقع الكلام بينهم في أنّ الموجود خارجاً الذي هو فرد لا محالة، يعني: أنَّ الوجود يضاف إلى الفرد، وكلّ فرد يمتاز عن الفرد الآخر، فزيد يمتاز عن عمرو، وكلاهما فرد من كلّي الإنسان، وقع الكلام في أنّ هذا الوجود المضاف إلى زيد وعمرو حقيقة، هل إضافة الطبيعي إلى الإنسان إضافة حقيقيّة، أو ليست حقيقيّة، أو إنّ الكلّي الطبيعي مفهوم ينتزعه العقل من الأفراد الخارجية، من دون أن يكون الوجود مضافاً إليه حقيقة.

بعبارة أخرى: لا إشكال في أنّ وجود زيد وجود لحصّة من الإنسان مغايرة للحصّة الأخرى، وكلّ وجود في ذاته ممتاز عن الوجود الآخر، إلَّا أنَّ بين هاتين الحصتين والوجودين جامعاً لا محالة، فهذا الوجود يجمعه مع الوجود الآخر مفهوم الإنسان.

بمعنى أنّ هذا الوجود المضاف إلى الحصة الخاصة وهي زيد، وكذلك الوجود المضاف إلى الحصة الخاصّة الأخرى وهي عمرو، هذان الوجودان يضافان حقيقة إلى المفهوم الجامع بينهما وهو الإنسان، أو أنّ هذا الإسناد إسناد مجازي، فقولنا: الإنسان موجود، مجاز، وإلا فالموجود في الخارج حقيقة هو الفرد دون الطبيعة.

ــــــــــ[220]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فعلى القول بأنّ الكلّي الطبيعي موجود في الخارج، وأنّ هذه الإضافة إضافة حقيقيّة، فكما يصدق حقيقة أنَّ الحصة الفرديّة موجودة في الخارج كذلك يصدق على طبيعي الإنسان، فبناءً على ذلك يكون الأمر متعلّقاً بالطبائع، والمكلّف به هو وجود الطبيعي، ونفس الحصص -بما هي حصص- خارجة عن المأمور به. إلَّا أنَّه حيث إنّ الكلّي الطبيعي لا يوجد في الخارج، فلا بُدَّ من إيجاد فرد منه، إذ إنّ الوجود لا يضاف إلى الطبيعي من غير فرده، أي: إنّ الفرد يكون واسطة في عروض الوجود على الطبيعي، وهذا هو معنى تعلّق الأمر بالطبيعة.

وأمّا إذا قلنا: إنّ إضافة الوجود إلى الطبيعي الجامع بين الأفراد إسناد مجازي، ولا وجود للطبيعي خارجاً. فالمطلوب هو الحصص لا جمعاً، بل إحداها خارجاً، فمعنى الأمر بإيجاد الصلاة: الأمر بإيجاد أيّ فرد من الصلاة، غايته: أنّ المكلّف يكون مخيّراً في الإتيان بأي فرد. فيكون المطلوب هو أحد الأمور المشخّصة للطبيعي من الحصص الطوليّة أو العرضيّة.

مثل هذا النزاع يكون علمياً محضاً بلا أثر في الخارج، لأنّ المكلّف في مقام الامتثال لا مناص له من إيجاد فردٍ من الطبيعي، لأنّ الكلّي بنفسه لا يمكن أن يوجد في الخارج. نعم، لو فرضنا محالاً وجود الكلّي في الخارج من دون أن يتحصّص بالفرد كان الامتثال متحقّقاً على القول بتعلّق الأمر بالطبيعي، ولا يكون متحقّقاً على القول بتعلّقه بالفرد إلَّا أنَّ هذا فرض علمي محض لا يتحقّق في الخارج، فإن الكلّي ما لم يتشخّص يستحيل أن يعرض عليه الوجود، وعليه فلا أثر لهذا البحث.

ــــــــــ[221]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الصحيح: تعلّق الأمر بالطبائع

إلَّا أنّ الصحيح هو أنّ الأمر يتعلّق بالطبايع وأنّ إضافة الوجود إلى الطبيعي إضافة حقيقيّة، والإسناد حقيقي، لصحّة الحمل. فيقال: إنّ زيداً إنسان، ولا يصحّ سلبه عنه، وهكذا بالنسبة إلى أيّ فرد من أفراد الإنسان، فصدق الطبيعة على الفرد صدق حقيقي، والحمل هو الحمل الشايع بملاك الاتّحاد في الوجود ولا يصحّ الحمل الشايع إلَّا بهذا الملاك.

إذن فالإنسان -يعني: الكلّي الطبيعي- موجود في الخارج بوجود واحد، فكما يضاف إلى الحصّة حقيقة، أيضاً يضاف إلى الطبيعي في طول إضافته ابتداءً إلى الفرد وبواسطة إضافته إلى الفرد يضاف إلى الطبيعي، فهما متّحدان في الوجود، فالكلّي الطبيعي موجود في الخارج والأمر متعلّق به.

هذا وإن كان صحيحاً إلَّا أنّه لا ثمرة عمليّة عليه.

وأما بناء على الوجه الثاني الذي ذكره شيخنا الأستاذ(1) وهو أنّ معنى تعلّق الأمر بالطبايع تعلّقه بها من دون أن يكون للخصوصيّات دخل في المأمور به، وإنّما هي من الأمور الملازمة في الوجود، والتكليف يتعلّق بالأمر الطبيعي دون أن يكون لهذه الخصوصيّات دخل في المأمور به وإنَّما هي أمور توجد معه خارجاً. بخلاف القول الآخر، وهو أنّ الأمر يتعلّق بالفرد فكما أنّ وجود الطبيعي متعلّق للأمر وداخل في حيّز الأمر كذلك الخصوصيات الملازمة معه أيضاً تكون متعلّقة له.

ــــــــــ[222]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 212.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فبناءً على هذا المعنى -وهو أن يكون معنى تعلّق الأمر بالطبيعة تعلّقها بنفس الطبيعة من دون دخل للخصوصيّات المقارنة معه- تظهر الثمرة في بحث اجتماع الأمر والنهي.

فلو فرضنا: أنّ الصلاة في الدار المغصوبة -مثلاً- مغايرة للغصب، فإنّ كلاً منهما من مقولةٍ غير الأخرى، إلَّا أنّه لا إشكال في أنّ الغصب من مشخّصات هذه الصورة، فإنَّ هذا الفرد من الصلاة متشخّص بأمورٍ منها: التشخّص المكاني، والمكان مكان مغصوب، فإذا قلنا: إنَّ الفرد هو متعلّق الأمر مع خصوصيّاته، فما تعلّق به النهي -وهو الغصب- يكون حينئذٍ هو مأموراً به أيضاً، فيكون متعلّق الأمر والنهي شيئاً واحداً، وهو مستحيل. فلا بُدَّ من الالتزام في المقام بامتناع اجتماع الأمر والنهي.

وأمّا إذا قلنا: إنَّ الأمر لا يتعلّق إلَّا بنفس الطبيعة دون الخصوصيّات، وإنَّما هي من لوازمه خارجاً من دون أن يكون لها دخل في المأمور به، فنلتزم بجواز اجتماع الأمر والنهي، لأنّ ما تعلّق به الأمر وهو الصلاة غير منهيّ عنه، وما تعلّق به النهي وهو الغصب -والذي هو من مقولة أخرى- غير متعلّق للأمر، فأيّ مانع من الاجتماع الخارجي؟ هذا شيء وذاك شيء آخر.

وعليه، تظهر لهذا البحث ثمرة مهمّة، فعلى القول بتعلّق الأمر بالطبايع نلتزم بصحّة الصلاة في الدار المغصوبة، ونلتزم بإمكان اجتماع الأمر والنهي.

وأمّا على القول الآخر، وهو أنّ المشخّصات دخيلة في المأمور به، فكما أنّ الأمر متعلّق بوجود الصلاة، كذلك هو متعلّق بمشخّصاتها التي منها الغصب، 

ــــــــــ[223]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

والأمر بالمتعلّق بالصلاة أمر بالمشخّص، وكذلك النهي عن الغصب نهي عن مشخّصاته، والتي منها الصلاة، ولازمه: اتّحاد المأمور به والمنهيّ عنه، يعني: تعلّق الأمر والنهي بأمر واحد، وهو أمر مستحيل.

هذا ما أفاده.

ولكنّ هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه.

الوجه في ذلك: أنّ أيّ موجود في الخارج فُرض فهو فرد من طبيعة، أو قل: فرد وله طبيعي، جوهراً كان ذاك الطبيعي أو عرضاً، أي: من المقولات التسع. فإمّا أن تكون هذه الطبيعة طبيعة عرضيّة أي: توجد قائمة بالغير، أو من الطبائع الجوهريّة، ووجودها مستقلٌّ في الخارج، وغير قائم بموضوع. وبالنسبة إلى الفرد والطبيعي لا فرق في ذلك بين الجوهر والعرض، فكما أنّ زيداً فرد في الخارج من الكلي وهو الإنسان، وهو جوهر، فهذا الوجود الجوهري الواحد وجود للفرد ووجود للكلّي، وكذلك الحال في البياض القائم بزيد، وأيّ عرض آخر من أعراضه، من الزمان والمكان والكم والكيف، فكلّ ذلك فرد لطبيعي البياض. فوجود زيد وجود ووجود البياض وجود آخر، غاية الأمر: أنّ أحدهما جوهري والآخر عرضي.

هذه الأمور كلّها طبايع متعدّدة وماهيّات مختلفة، ولكلّ طبيعي منها فرد في الخارج، وهو وجود للفرد ووجود للطبيعي على القول بوجود الطبيعي في الخارج.

فهذه وجودات متعدّدة، وليس أحدها مشخّصاً للآخر، بل كلّ وجود 

ــــــــــ[224]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

مشخّص لنفسه، وإطلاق المشخّصات عليها مبنيٌّ على المسامحة قطعاً، وإلَّا فإنّ طول زيد وبياضه ليسا من مشخّصاته، وكذلك سائر أعراضه الجسمانيّة والنفسيّة.

فكلّ وجود متشخّص بنفسه، لا يحتاج إلى مشخّص آخر، بناء على ما ذكرناه من أنّ الوجود هو الفعليّة المحضّة، وهي لا تحتاج إلى مشخّص، والذي لا يوجد ما لم يتشخّص إنّما هو الماهية، حيث تحتاج في تشخّصها في الخارج إلى الوجود. أمّا الوجود بواقعه وبما هو بالحمل الشائع وجود فلا يحتاج إلى مشخّص، بل هو متشخّص في ذاته. فالفرد -إذن- لا يحتاج إلى مشخّص آخر غير نفس وجوده.

إذن، لا يمكن أن يُقال: إنّ هذه الأمور من مشخّصات الشيء، حتى يبحث عن أنّها دخيلة في المأمور به أو خارجة عنه.

وبعبارة أخرى: لا حاجة في فرديّة كلّ فرد لطبيعي إلى وجود آخر، فإنَّه متى وجد كان فرداً لا محالة، والعوارض تكون عوارض الوجود خارجاً، لا أنَّها داخلة في فرديّة الفرد. ففرديّة زيد لطبيعي الإنسان لا تحتاج إلى طوله وقصره وعلمه وجهله وغير ذلك من العوارض الجسميّة والنفسيّة.

والسر في ذلك: ما ذكرناه من أنّ الوجود متشخّص بنفسه، وهذه الأمور وجودات متعدّدة وأفراد من طبايع مختلفة، لا أنَّ وجود زيد متشخّص ببياضه وقيامه، وهكذا بالنسبة إلى الكمّ -كوجود الطول- فإنّه لا دخل له بتشخّص البياض، ولا البياض له دخل بتشخّص الطول، فإنّها طبايع متعدّدة، لكلّ منها 

ــــــــــ[225]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وجود متشخّص في نفسه، وكلّ منها لا دخل له في فرديّة الفرد الآخر، وفي كونه مصداقاً للطبيعي.

غير أنّه يستحيل في الخارج وجود الجوهر من دون عرض، أو العرض من دون جوهر، فإنّ الجسم إذا وجد في الخارج فإمّا أن يوجد طويلاً أو قصيراً، ولا بُدَّ له من مكان وزمان، وكلّ ذلك من لوازم الوجود، وأجنبي عن كونه من المشخّصات.

فما أفاده -من أنّ هذه الأمور من المشخّصات الفرديّة، وبناءً على تعلّق الأمر بالفرد يكون الأمر متعلّقاً بها- لا يستقيم بوجه.

ففي الصلاة في الدار المغصوبة والتي هي مجموعة أفعال، بعضها من مقولة الكيف وبعضها من مقولة الوضع، لا دخل للغصب في وجود الصلاة، فهو مشخّص لها، كما أنَّ الصلاة غير مشخّصة للغصب، فالغصب من مقولة الأين والصلاة من مقولة أخرى، فهما أمران عرضيّان قائمان بشخص واحد، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ هذا العرض مشخّص لذاك أو ذاك مشخّص لهذا، كلّ ذلك غير ممكن. بل هو من الملازمة الخارجيّة، باعتبار أنّ الفعل لا بُدَّ من أن يقع في الخارج في مكان وزمان وغيرهما من المقارنات.

إذن، ذلك البحث -أي: بحث اجتماع الأمر والنهي- أجنبي عن بحثنا في المقام، والقول بجواز الاجتماع أو عدم جوازه أجنبيّ عن بحث تعلّق الأمر بالطبايع أو الأفراد.

نعم، هنا بحث آخر تقدّم الكلام فيه، حيث تكلّمنا في أنّ المتلازمين هل 

ــــــــــ[226]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

يمكن اختلافهما في الحكم، أو أنَّ الحكم لا يسري من الملازم إلى ملازمه(1).

فإذا بنينا على أنَّ الأمر يسري إلى كلّ ملازم له في الوجود ولو لزوماً اتفاقياً ولو باختيار بالمكلّف، صحّ ما ذكره، فإنّ الأمر بالصلاة يكون أمراً بالكون في المكان أيضاً، والمفروض: أنَّه غصب منهيّ عنه، فيلزم اجتماع الأمر والنهي على شيء واحدٍ.

وهذا البحث أجنبي عن بحثنا.

بعبارة أخرى: أنّ كلّ وجود لا يكون مشخّصاً للآخر، ولا دخل له في فرديّته لطبيعته، فكلٌّ من الغصب والصلاة فردٌ لطبيعة غير الطبيعة التي ينتسب إليها الآخر، فهما وجودان ضُمّ أحدهما إلى الآخر. فإذا بنينا على أنّ الأمر بشيء يسري إلى مقارنه في الوجود لا الملازم له، فلا بُدَّ من أن نقول بامتناع اجتماع الأمر والنهي، باعتبار أنّ الصلاة مقارنة للغصب، فيكون الأمر بها أمراً به، وقد فرضنا: أنَّ الغصب حرام، فيلزم اجتماع الأمر والنهي على شيء واحد، وهو محال.

ولكن من البديهي: أنّ الأمر بشيء لا يسري إلى مقارنه وإلى ما اختاره المكلّف في الخارج وجعله مقارناً له، إذن هما وجودان أحدهما مأمور به والآخر منهي عنه، فيلزم جواز اجتماع الأمر والنهي.

وعلى الجملة فما أفاده من جعل بحث اجتماع الأمر والنهي مبنياً على هذا البحث لا يمكن المساعدة عليه بوجهٍ، بل أحد البحثين أجنبي عن الآخر.

وعلى ذلك فهذا البحث لا تترتّب عليه أيّ ثمرة عمليّة.

ــــــــــ[227]ــــــــــ

(1) انظر: مصباح الأصول 1: 162.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الكلام في الواجب التخييري

 

  • مختار صاحب الكفاية في المقام
  • مناقشة صاحب الكفاية
  • الرأي المختار في المقام
  • تعلّق الوجوب بالجامع الانتزاعي
  • التخيير بين الأقلّ والأكثر

ــــــــــ[229]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5




الكلام في الواجب التخييري

 

وقع الكلام في تصويره باعتبار أنّ وجوب شيء يقتضي لزوم الإتيان به وعدم جواز تركه، مع أنّه في الواجب التخييري يجوز ترك أيّ منهما إلى البدل. فكيف يجتمع هذا مع الوجوب. ومن ثمَّ وقع الكلام في تصوير هذا السنخ من الوجوب بحيث يتّصف بالوجوب ومع ذلك يجوز تركه.

نسب إلى جماعة(1) أنّهم لم يتصوّروا ذلك، ولذا التزموا بأنّ الواجب هو ما يختاره المكلّف خارجاً، وباختياره ينكشف أنّ الواجب عليه هو ما اختاره.

وحيث إنّه واضح الفساد تبرأ منه -على ما قيل(2)– كلّ من نسب إليه هذا القول، ونسبه إلى غيره، فلم يعلم القائل به، إلَّا أنّه نسب إلى جماعة.

ووجه فساده:

أوّلاً: أنّه منافٍ لظاهر الواجب التخييري، فإنّ الأمر بأحد شيئين أو أشياء ظاهره التخيير بينها، فكيف يمكن أن يقال: إنّ الواجب هو ما يعلمُ الله بأنّ المكلّف يختاره خارجاً، فهذا منافٍ لظاهر التخيير المستفاد من اللفظ، فإنّ الأمر بإتيان العتق أو الإطعام أو الصوم ظاهر في أنّ المكلّف مخيّر باختيار أيّ منها، 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

(1) غاية الوصول إلى علم الأصول 1: 489.

(2) انظر: الفصول الغروية: 102.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وكيف يجتمع هذا الظهور مع كون الواجب واحداً معيّناً يعلمه الله، وهو الذي يختاره المكلّف خارجاً.

وثانياً: أنّه منافٍ للاشتراك في التكليف الذي هو معلوم من الدين ضرورة، فلو فرضنا أنّ أحداً اختار صوم شهرين والآخر اختار العتق والثالث اختار الإطعام، فبناء على هذا القول يكون تكليف كلّ منهم غير تكليف الآخر، وكلٌّ منهم محكوم -في علم الله- بشيء غير ما هو محكوم به الآخر، وهذا مناف لما مرّ بالضرورة من الدين من الاشتراك في التكليف بين المسلمين.

وثالثاً: أنه في نفسه غير معقول، لأنَّ المكلّف إذا لم يأت بشيء ولم يمتثل هذا الواجب التخييري في الخارج، فأيّ منها يكون هو الواجب في حقّه، فإنّ المفروض: أنّ الواجب لا تعيُّن له، والتعيّن إنَّما هو بالاختيار، وقد فرضنا: أنّه لم يأتِ بشيء من الواجب التخييري. فمتعلّق العصيان ليس شيئاً معيّناً، وإذا لم يكن متعلّق العصيان معيّناً كان متعلّق الامتثال أيضاً كذلك، فإنَّ الامتثال والعصيان يتعلّقان بشيء واحد، مركزهما تكليف واحد، إذا أتى بمتعلّقه فقد امتثله وإذا تركه فقد عصاه. فكيف يمكن أن يُقال: إنّ الواجب في فرض الإتيان يكون معيّناً وفي فرض المخالفة يكون غير معيّن؟ هذا غير معقول، لأنّ العصيان يتعلّق بما يتعلّق به الامتثال، فإنّ ما يُمتثل في الخارج هو الذي يُعصى، وحيث إنَّ الواجب غير معيّن في العصيان فهو أيضاً في الامتثال لا يكون معيّناً.

وعلى ذلك يكون القول فاسداً جزماً.

ــــــــــ[232]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

 

مختار صاحب الكفاية في المقام

 

ومن هنا، اختار صاحب الكفاية وجهاً آخر(1)، حاصله: أنّه في موارد الوجوب التخييري:

أ- إمّا أن يكون هناك غرض واحد، يتحقّق فيما إذا أتى المكلّف بهذا الفعل أو بالفعل الآخر، فكما يمكن أن يترتّب الغرض على هذا الفعل، كذلك يمكن أن يترتّب على الفعل الآخر.

ب- أو أن يكون هناك غرضان، أحدهما يترتّب على فعل، والآخر يترتّب على فعل آخر، ولكن لا يمكن استيفاء كلا الغرضين في الخارج، ولذلك لا يأمر المولى بكلّ منهما تعييناً، وإن كان كلا الملاكين ملزمين، ولكن يأمر بهما تخييراً.

فإذا فرضنا أنّ الغرضين على نحوٍ لا يمكن أن يتحقّقا في الخارج معاً، لو تحقّق أحدهما لم يبقَ مجال لتحقّق الآخر، فلا يمكن الأمر بهما معاً تعييناً، لأنّ الأمر بهما لغو محض، حيث لا يمكن استيفاء الغرضين بهما معاً، وإن كان الإتيان بالعملين ممكناً، إلَّا أنّ المولى لا يصل إلى غرضه.

فلا بُدَّ من أن يوجب الفعلين نحو وجوبٍ على نحو البدل، فيكون 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 140، 141.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الامتثال بإتيان أحدهما، والعصيان لا يكون إلَّا بتركهما، ويسمى هذا السنخ من الوجوب بالوجوب التخييري، باعتبار أنّ الامتثال يكون بالإتيان بأحدهما تخييراً، ولكن العصيان يتحقّق بتركهما معاً، ولا نرى محذوراً في ذلك.

إذن، في القسم الأوّل يرجع الوجوب التخييري الشرعي إلى الوجوب التخييري العقلي لا محالة، يعني: أنّ وحدة الغرض تكشف عن وجود الجامع بين التكليفين، حيث إنّ الأثر الواحد لا يمكن أن يترتّب على الاثنين بما هما اثنان، فيستكشف من ذلك وجود جامع بين الأمرين، وهذا الجامع هو الواجب في الحقيقة، وانطباقه على كلّ من الفعلين من قبيل انطباق الطبيعي على أفراده، فالنتيجة هي التخيير العقلي والوجوب مجعول على الجامع.

بخلاف القسم الثاني، الذي فرض فيه وجود غرضين، فإنّ التخيير هنا يكون تخييراً شرعيّاً لا محالة، أي: إنّ المولى خيّر المكلّف بين تحصيل هذا الغرض وبين تحصيل غرضه الآخر، لعدم إمكان الجمع بينهما في الخارج.

هذا ملخص ما أفاده.

ــــــــــ[234]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5




مناقشة صاحب الكفاية

 

أمّا ما ذكره في القسم الأوّل من أن الغرض واحد، وهو يترتّب على كلٍّ من الفعلين، ومن وحدة الغرض والأثر نستكشف وجود الجامع بين الفعلين فيكون التخيير عقلياً.

فقد ذكرنا في مبحث الصحيح والأعمّ(1): أنّ وحدة الغرض ليست وحدة شخصيّة حتى يُقال: إنّ الواحد لا يصدر عنه الاّ واحد فنستكشف من ذلك وجود الجامع، فإنَّ البرودة تترتّب على شرب الماء البارد، والجلوس في مكان بارد، وشرب دواء بارد مزاجاً، وغير ذلك من أسباب البرودة، وكذلك الحرارة، فإنَّها يمكن أن تتحقّق بالنار وبالشمس وبالكهرباء، وبالحركة أو بالاحتكاك، فليست الوحدة في هذه الموارد وحدة شخصيّة حتى يُقال: إنّ الحرارة أو البرودة لا تصدر إلَّا من واحد، بل الوحدة هنا نوعيّة، فهنا: أفراد تجمعها طبيعة واحدة وتشترك في النوع، فإنّ أفراد الحرارة كلّها تدخل تحت جامع الحرارة، وكذلك البرودة. ولم يقم برهان على أنّ الوحدة النوعيّة للأثر تدلّ على الوحدة النوعية للمؤثر، حيث قلنا إنّه في مثل هذه الموارد، قد يتعذّر تصوير الجامع أصلاً، إذ كيف يمكن أن يكون هناك جامع بين الجوهر 

ــــــــــ[235]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 1: 272، 273.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

والعرض، وكيف نتصوّر جامعاً بين الحرارة الناشئة من الشمس والحرارة الناشئة من الحركة والناشئة من الاحتكاك مثلاً. فكيف يمكن تصوير جامع بين الحركة والشمس والغضب الذي هو أيضاً من أسباب الحرارة في الجسم. إذن، لم يثبت أنَّ وحدة الأثر تكشف عن وحدة المؤثّر بل الثابت خلافه.

والمقام من هذا القبيل، فأيّ مانع من أن يكون هنا غرض يترتّب فرد منه على عمل ويترتّب فرد آخر منه على عمل آخر، ولا يكشف هذا عن وحدة المؤثّر، كما لا يكشف عن وجود جامع حقيقي بين أطراف التخيير، كخصال الكفارة، إذ لا يمكن هذا الاستكشاف أصلاً.

وعلى تقدير تسليم وجود الجامع بينهما، فهذا الجامع جامع فلسفي، ثبت بالبرهان الفلسفي من قاعدة أنَّ الواحد لا يصدر إلَّا من الواحد، فكيف يمكن أن يكون مثل ذلك متعلّقاً للحكم الشرعي، فإنّ متعلّق الحكم الشرعي لا بُدَّ من أن يكون أمراً يفهمه العرف، ليمكن البعث إليه، وتحريك المكلّف نحوه.

إذن لا يمكن الالتزام بوجود الجامع بين الطرفين، بحيث يكون انطباقه عليهما كانطباق الطبيعي على أفراده. بل لا بُدَّ من أن يكون الوجوب في هذا القسم كالوجوب بالنسبة إلى القسم الثاني، أي: سنخ وجوب يحصل امتثاله بإتيان أحدهما، ولكنّ العصيان لا يتحقّق إلَّا بتركهما معاً. هذا في القسم الأول.

وأما في القسم الثاني الذي ذكر فيه أنَّ الغرض متعدّد وأنّ الغرضين لا يتحقّقان في الخارج معاً، فهذا النحو من تعدّد الغرض لا نعرف له مشابهاً في العرفيّات، فإن التزاحم يقع في الأفعال، والمكلّف قد يعجز عن الجمع بين 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الفعلين مع أنّ كلاً من الفعلين وافٍ بالغرض، كما ذكرنا ذلك في مبحث التزاحم(1).

أمّا أن يكون الفعلان كلاهما تحت قدرة المكلّف، فيمكنه أن يأتي بما شاء منهما. إلَّا أنَّ الملاكات متزاحمة، بحيث لا يمكن أن يتحقّق الغرض إلَّا بأحدهما، فهذا يشبه أنياب الأغوال، وفرضه في نفسه بعيد جداً.

وعلى تقدير تسليم ذلك، بأن علمنا من الخارج أنَّ هذا الفعل فيه غرض ملزم وفعل آخر فيه غرض ملزم أيضاً، وأنّه لا يتمكّن من الجمع بين الغرضين وإن تمكّن من الجمع بين الفعلين، ففي مثل ذلك يقع الفعل الثاني لغواً وبلا غرض، فإنّه:

  1. إمّا أن نلتزم بأنّ الوجود الثاني لا يمكن أن يحقّق الغرض، بمعنى: أنَّه إذا أتى بالأوّل امتنع على الثاني تحقيق الغرض، إلَّا أنَّ وجودهما معاً ممكن ومحقّق للغرضين معاً، بأن يأتي بهما معاً فيحصل الغرضان معاً.

وبناءً عليه، لا بُدَّ للمولى من إيجاب كلا الفعلين، مقدّمة للتوصّل إلى غرضه، ولازمه إيجابُهما معاً إيجاباً تعيينيّاً ومقارناً في الخارج، وهذا خلاف الوجوب التخييري الذي يجوز فيه ترك أحدهما إلى بدله.

  1. وإمّا أن نلتزم بالتضاد على الإطلاق فلو وجدا معاً لا يحصل الغرضان معاً. وعليه، لو أتى بهما معاً، فلا بُدَّ من الالتزام بعدم حصول الامتثال أصلاً، لأنّ الغرضين كليهما لا يوجدان على الفرض للتضادّ بينهما، ووجود أحدهما 

ــــــــــ[237]ــــــــــ

(1) انظر تقريرات في علم أصول الفقه 5: 46.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

دون الآخر ترجيح بلا مرجّح(1)، فلا بُدَّ  من الإتيان بالواجب مرّة ثانية، وهذا خلاف الضرورة.

إذن في موارد الواجب التخييري لا يمكن أن يُقال: إنّ للمولى غرضين متضادّين، لا يمكن أن يحصلا في الخارج معاً، ولو سلّمناه فلازمه أن يكون كلٌّ من الوجودين مشروطاً بترك الآخر، ولازمه: أن يعاقب بعقابين، فحيث إنّه لا يتمكّن من الجمع بين الغرضين، ولكنّه متمكّن من ترك أحدهما، فإذا ترك هذا الغرض فقد تركه عن قدرة واختيار، وإذا ترك ذلك الغرض فأيضاً قد تركه عن قدرة واختيار.

فما ذكرناه في مبحث الترتّب من الالتزام بالترتّب -من الجانبين- إذا لم يتمكّن المكلّف من الجمع بين الفعلين، ولم يكن في البين ترجيح، وقلنا: إنّ لازمه: الالتزام بالوجوب في كلّ من الفعلين مشروطاً بترك الآخر، ولازمه أنّه إن تركهما يعاقب بعقابين، لا يمكن الالتزام به في موارد الوجوب التخييري. فما أفاده لا يمكن المساعدة عليه.

ــــــــــ[238]ــــــــــ

() يمكن أن يقال: أنه بعد حصول الفعلين المقترنين نعلم إجمالاً بحصول أحد الغرضين وهذا يكفي في الامتثال، فتأمّل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج5



الرأي المختار في المقام

 

فالصحيح في موارد الوجوب التخييري هو أن يقال: إنّ ما تعلّق به الوجوب لا يجوز تركه لا إلى بدل ولا إلى غير بدل، وما يجوز تركه إلى بدل ليس بواجب.

بيان ذلك: أنّ الوجوب في موارد الوجوب التخييري إنّما تعلّق بعنوان أحدهما الذي هو جامع انتزاعي من الفعلين في الخارج، فالصوم والإطعام والعتق وإن كانت طبائع متعدّدة يباين بعضها بعضاً، إلَّا أنّ بينها جامعاً انتزاعياً، وهو عنوان أحد هذه الأمور، وقد تعلّق الوجوب بهذا العنوان.

فالواجب أمر واحد، وما ينطبق عليه الواجب في الخارج اثنان أو ثلاثة، فما هو الواجب وهو عنوان أحدها أو أحدهما لا يجوز تركه، لا إلى بدل، ولا إلى غير بدل. وأما كلّ واحد من الفعلين أو الأفعال فهذا ليس بواجب فيجوز تركه، فصيام شهرين متتابعين ليس بواجب، بل هو مصداق للواجب، وكذلك الإطعام والعتق.

فالحال في ذلك هو الحال في الواجبات التخييريّة العقليّة، كالصلاة الواجبة بين الحدين: الزوال والغروب، فإنّ الواجب فيها إنّما هو الطبيعة الجامعة بين الأفراد العرضيّة والطوليّة، وهذا لا يجوز تركه لا إلى بدل ولا إلى غير بدل، 

ــــــــــ[239]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ولكن خصوص الصلاة أوّل الوقت أو الصلاة في أثنائه أو آخره، يجوز تركها إلى بدل، فللمصلّي أن يؤدّيها متى شاء، فبالنسبة إلى كلّ واحد من الأفراد يجوز تركه إلى بدل، ولكنّه لم يكن واجباً، وإنَّما الواجب هو الجامع، وهو طبيعي الصلاة الجامعة بين الأفراد العرضيّة والطوليّة، فما هو الواجب لا يجوز تركه، وما يجوز تركه ليس بواجب، وإنما هو مصداق للواجب.

فالكلام في الواجبات التخييريّة الشرعيّة بعينه الكلام في الواجبات التخييريّة العقليّة، فإنّ جواز الترك إنّما يكون فيما ينطبق عليه الواجب، لا فيما يتعلّق به الوجوب، أي: الواجب نفسه.

ــــــــــ[240]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5








تعلّق الوجوب بالجامع الانتزاعي

 

بقي الكلام في أنّ الوجوب هل يمكن أن يتعلّق بعنوان أحدهما أو قل: أحد الأمور الذي هو جامع انتزاعي؟

بتعبير آخر: الجامع الانتزاعي هل هو قابل للبعث والتحريك نحوه أو لا؟

لا ينبغي الإشكال في جواز ذلك.

الوجه في ذلك: هو أنّ الغرض إذا كان قائماً في كلّ واحد من هذين الفعلين على البدل، أيّ: إنَّ الغرض واحد وكلّ واحدٍ من الفعلين وافٍ بالغرض في نفسه، ففي مثل ذلك لا يمكن للمولى أن يوجب كلا الفعلين معاً، لعدم المقتضي، فإنّ المفروض: أنَّ المولى ليس له غرضان ليوجبهما معاً، وليس له أن يوجب أحدهما بعينه، لأنّه ترجيح بلا مرجّح، فلا مناص للمولى من أن يوجب أحد الفعلين لا بعينه، أي: اعتبار التكليف متعلّقاً بهذا العنوان الجامع وهو عنوان أحدهما.

وهذا أمرٌ معقول، أن يكون متعلّق الاعتبار أمراً جامعاً كلّيّاً انتزاعيّاً، إذ لا فرق في الجامع بين أن يكون انتزاعيّاً أو جامعاً متأصّلاً، كالصلاة والصيام، فمتعلّق الاعتبار كما يمكن أن يكون من العناوين المتأصّلة كذلك يمكن أن يكون عنواناً انتزاعيّاً، فالعنوان الانتزاعي قابل لأن يتعلّق به الاعتبار الشرعي، ولا 

ــــــــــ[241]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

مناص عن ذلك، لأنّ اعتبار أحدهما بعينه بلا مرجّح، واعتبار كليهما بلا مقتضٍ.

بل ذكرنا في بحث العلم الإجمالي(1): أنّ الصفات الحقيقيّة يمكن أن تقوم بعنوان أحدهما، فكيف بالأمور الاعتباريّة؟ فإنّ الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة -وهي التي لها تعلّق بشيء غير موضوعها- قابلة لأن يكون متعلّقها أمراً انتزاعيّاً، ومثّلنا له بالعلم، ففي العلم الإجمالي قد تعلّق العلم بعنوان أحد الأفعال أو الفعلين، هذا العنوان الانتزاعي الذي قد ينطبق على هذا الطرف أو على ذاك، فالعلم الإجمالي الذي هو من الصفات الحقيقيّة قابل لأن يتعلّق بالعناوين الانتزاعية. ومعلوم أنّ للعلم طرفين، أحدهما هو العالم، ويكون العلم من صفاته القائمة به، وهو لا يكون إلَّا واحداً معيّناً، فإنَّ العلم لا يقوم إلَّا بعالم، والاعتبارُ لا يقوم إلَّا بمعتبر.

فالعلم يحتاج إلى طرف آخر هو المعلوم، ولهذا يقال: إنّه من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة، فإنّ العلم لا يقوم بنفسه، بل هو عبارة عن الانكشاف ولا بُدَّ له من شيء ينكشف به.

فتارةً: يكون المنكشف أمراً معيناً ولو كان كلّيّاً، وأخرى: يكون أمراً انتزاعيّاً جامعاً بين شيء أو أشياء، كما إذا كنّا نعلم بعدالة أحد هذين الشخصين أو بنجاسة أحد الثوبين.

ففي موارد العلم الإجمالي لم يتعلّق العلم بشيء معين في الواقع حتّى في علم الله تعالى، بل المعلوم هو عنوان أحدهما، القابل للانطباق على أيّ من الطرفين، 

ــــــــــ[242]ــــــــــ

(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 2: 6.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ولذا قلنا بأنّه لو علم بنجاسة أحد الثوبين مع احتمال نجاسة الثوب الآخر، فلو فرضنا أنّه في علم الله كان كلاهما نجساً، فأيّهما المعلوم بالإجمال؟ هل هو نجاسة هذا الثوب أو نجاسة الآخر؟ مع أنَّ نسبة العلم الإجمالي إلى كل منهما على حد سواء.

فلا مناص حينئذٍ من الالتزام بأنّ العلم الإجمالي قد تعلّق بالجامع الانتزاعي وهو عنوان أحدهما، الذي يرجع إلى القضيّة مانعة الخلو، أي: أن النجس لا يخلو من أن يكون أحدهما، ويمكن أن يكون كلاهما نجساً.

المعلوم بالإجمال يرجع إلى القضيّة مانعة الخلو، لا يخلو هذا وذاك من النجاسة فأحدهما محكوم بالنجاسة جزماً، ومع كونهما في علم الله نجسين، لا يكون معين للعلم الإجمالي لا محالة.

ودعوى: أنَّ العلم الإجمالي قد تعلّق بالكلّي فاسد جزماً، لأنّ المفروض أنّه تعلّق بأحدهما، بهذا بخصوصه أو ذاك بخصوصه، فإحدى الخصوصيّتين معلوم بالإجمال، لا الجامع بلا خصوصيّة.

ومرجع هذا إلى تعلّق العلم بعنوان أحدهما، القابل للانطباق على كل منهما، ومرجعه إلى القضيّة مانعة الخلو.

فإذا كان هذا ممكناً في العلم الذي هو من الصفات الحقيقيّة فهو ممكن في الاعتبار بطريق أولى، بأن يعتبر المولى على المكلّف عنوان أحدهما، القابل للانطباق على هذا وعلى الآخر. وهذا أمر معقول تصوّراً، وهو الصحيح في الواجب التخييري.

ــــــــــ[243]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فالفرق بين الوجوب التخييري العقلي والوجوب التخييري الشرعي هو أنَّ الوجوب في التخيير العقلي متعلّق بجامع حقيقي كلّي متأصّل، وفي الوجوب التخييري الشرعي متعلّق الوجوب متعلّق بجامع انتزاعي، وليس هو من الكلّيّات المتأصّلة.

ثُمَّ هل يمكن الالتزام بوجوب كلٍّ منهما، ولكن يسقط وجوب الآخر على تقدير الإتيان بأحدهما؟

الجواب: لا يمكن الالتزام بذلك:

أوّلاً: لأنّ الغرض الواحد لا يقتضي إيجاب الأمرين معاً، فإنّه بلا مقتضٍ.

وثانياً: أنّ سقوط الوجوب بامتثال واجب آخر:

أ- إمّا أن يكون سقوطاً جزافيّاً بلا موجب. وهذا لا معنى له.

ب- وإمّا أن يكون من جهة اشتراط عدم الإتيان بالآخر في الأمر به، فيكون كلٌّ منهما مشروطاً بعدم الآخر.

وهذا أمر معقول، كما ذكرناه في بحث الترتّب(1)، إلَّا أنّ لازمه هو أن يعاقب بعقابين على تقدير تركهما معاً، فإنّ المفروض: أنّ الوجوب الآخر لم يسقط، فكلٌّ منهما وجوب فعلي، وقد خالف كلاً منهما، فيعاقب بعقابين.

على أنّ هذا مناف لظاهر لمّا دلّ على تخيير المكلّف فيما بين الفعلين، يعني: أنّ كون كلٍّ منهما واجباً بعينه وسقوط كلٍّ منهما بامتثال الآخر، مناف لظاهر الدليل. وعلى ذلك فجميع الوجوه باطلة عدا ما ذكرناه.

ــــــــــ[244]ــــــــــ

(1) راجع: ج4 من هذه التقريرات ص217.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

 

التخيير بين الأقلّ والأكثر

 

وقع الكلام في إمكان التخيير بين الأقلّ والأكثر وامتناعه.

والصحيح: أنّ كلاً من الأقلّ والأكثر قد يكون موجوداً بوجود مستقلّ، أي: يكون لوجود الطبيعة حدّان: قد يوجد بحدّ الأقلّ وقد يوجد بحدّ الأكثر، فليس الأكثر هو الأقلّ وزيادة، بل هو وجود مستقلّ، والأقلّ وجود آخر، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر أجزاءً، وذلك كما في الخطّ إذا أمر المعلم التلميذ بأن يرسم خطّاً مستقيماً، فقد يكون خطاً بمقدار شبر وقد يكون أكثر أو أقلّ، وعلى جميع التقادير هو خطّ واحد وليس الخطّ الطويل خطّاً مستقيماً وشيئاً زائد، بل هو خط مستقيم أكثر أجزاءً.

ففي مثل ذلك التخيير وإن كان محقّقاً -فالتلميذ مخيّر بين أن يرسم خطّاً طويلاً وبين أن يرسم خطّاً قصيراً- إلَّا أنّه ليس من التخيير بين الأقلّ والأكثر، بل التخيير بين المتباينين(1)، فإنّ وجود الخطّ القصير مباين لوجود الخطّ الطويل، 

ــــــــــ[245]ــــــــــ

() أو قل: أنه من التخيير العقلي، فإن الأمر تعلّق بطبيعي الخط المستقيم، وكان لهذا الطبيعي مصاديق، بعضها أقل وبعضها أكثر، فمن ثم يكون المكلّف مخيراً بينهما قهراً، كما لو أمر بالصلاة لا بشرط من حيث الركعات فيكون المكلّف مخيراً بين أن يصلي ركعتين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر على اعتبار أن كل ذلك مصداق لطبيعي الصلاة، وليس هذا المثال من باب التخيير الشرعي الدائر أمره بين طرفين فإن هذين الطرفين لم يأخذهما الآمر في جعله لكي يكون التخيير شرعياً. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

فهما يوجدان في الخارج بوجودين، كلّ منهما مباين للآخر، وهذا ظاهر.

ولو فُرض: أنّ الأكثر كان وجوداً زائداً على الأقلّ، يعني: أنّه هو الأقلّ وزيادة، كما في مثل التسبيحات الأربع في الصلاة، فإنّ التسبيحة الأولى توجد في الخارج، ووجودها هذا إذا ضمّ إليه التسبيحتان كان هو وجود الأكثر، فالأقل وهو الواحد له وجود والثاني والثالث وجود آخر منضمّ إلى هذا الوجود، وإلَّا فمن المعلوم أن وجود الأولى ليس هو وجود الثانية ولا الثالثة، بل هي وجودات متعدّدة، فيكون المكلّف مخيراً بين وجود واحد وبين وجودات متعدّدة.

وفي مثل ذلك: قد يفرض أنّ الأقلّ مأخوذ بشرط لا، يعني: لا بُدَّ من أن يأتي بتسبيحة واحدة من دون ضمّ تسبيحة أخرى، وعلى تقدير ذلك فلا بُدَّ من أن يأتي بالتسبيحتين الثانية والثالثة معاً، ولا يجوز الاقتصار على اثنتين، وإلَّا بطلت الصلاة، لأنّه لم يأت بالأقلّ بالواحدة ولا بالأكثر بالثلاثة.

وهذا أمرٌ معقول، بأن يأمر المولى بتسبيحة مرددة بين الواحدة والثلاثة، يعني الجامع بينهما، فالواحدة مأخوذة بشرط الوحدة وعدم الانضمام أو أن ينضمّ إليها ما يتمّمها ثلاثاً. إلَّا أنّ هذا التخيير تخيير بين المتباينين، لا تخيير بين الأقلّ والأكثر، فإنّ الأكثر وإن كان الأقلّ جزءاً له، إلَّا أنّ الجزء ليس هو الأقلّ بشرط لا، بل هو الأقلّ (لا بشرط)، ويستحيل أن يكون الأقلّ (لا بشرط) 

ــــــــــ[246]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

جزءاً من الأكثر، والـ (بشرط لا) والـ (لا بشرط) متباينان، فهو من التخيير بين المتباينين لا بين الأقلّ والأكثر.

وإن فرض أنّ الأقلّ أخذ لا بشرط من حيث الزيادة، بأن يأمر المولى بتسبيحة واحدة لا بشرط من حيث ضمّ أخرى أو ثالثة إليها، ويكون المكلّف مخيّراً بينها وبين الثالثة، فيكون التخيير بين الأقلّ والأكثر. إلَّا أنّ هذا غير معقول، لأنّ الأقلّ لا بشرط إذا وجد في الخارج فقد حصل الداعي من الأمر في الخارج، وقد امتثل الأمر لا محالة، لأنّه أخذ لا بشرط على الفرض، وبعد حصوله لا يكون الأمر باقياً، ليكون محرّكاً نحو الإتيان بالثاني والثالث، فيكون الباقي مأموراً به بأمر استحبابي لا محالة.

والواقع في التسبيحات هو هذا، دون النحوين الأولين من التخيير بين المتباينين أو التخيير بين الأكثر والأقل اللابشرط، فإنّه غير معقول، والدليل لا يساعد عليه، بل المستفاد منه أن الواجب هو التسبيحة الواحدة، والزائد مستحب.

فالتخيير بين الأقلّ والأكثر غير معقول.

نعم، قد توجد هنا صورة لهذا التخيير دون حقيقته، وذلك في موارد التخيير بين القصر والتمام في المواطن الأربعة. فالتخيير فيها ليس من التخيير بين الأقلّ والأكثر، بل من التخيير بين المتباينين، فإنّ الركعتين قد أخذتا بشرط لا: بشرط أن لا يزيد عليها ركعة أخرى، أو جزءاً آخر، فبعد التشهّد هو مخيّر بين أن يسلّم، فيصلي قصراً، وبين أن يضمّ إليها ركعتين أُخريين، فيصلي تماماً، وهذا من التخيير بين المتباينين.

هذا تمام كلامنا في الواجب التخييري.

ــــــــــ[247]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5



نسخ الوجوب هل يعني الجواز؟

 

  • مقتضى الدليل الاجتهادي
  • مقتضى الأصل العملي

ــــــــــ[249]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5



نسخ الوجوب هل يعني الجواز؟

 

وقع الكلام في أنّ فعلاً من الأفعال إذا كان واجباً ثّم نسخ وجوبه، فهل يحكم بالجواز بعد ذلك أو أنّه لا دلالة في دليل النسخ على ذلك، فيحتمل فيه أيّ حكم من الأحكام الأربعة الأخرى؟

والكلام في المقام تارة يقع في الدليل الاجتهادي وأخرى فيما يقتضيه الأصل:

 

1. مقتضى الدليل الاجتهادي

 

من المعلوم: أنّ الدليل المنسوخ غير ناظر إلى الحكم فيما بعد النسخ، وإنّما هو يجعل الوجوب على الإطلاق ظاهراً، فبعد نسخه ينكشف أنّ إطلاق الحكم لم يكن حقيقيّاً، بل كان ظاهريّاً، وإنّما هو مقيّد ومغيّاً بغاية معيّنة، فدليل الحكم المنسوخ غير متعرّض لحكم متعلّقه فيما بعد النسخ، وكذلك الدليل الناسخ لا يتعرّض إلَّا إلى رفع ذلك الحكم(1). أمّا غيره من الأحكام: وأيّ منها ثابت؟ فهو 

ــــــــــ[251]ــــــــــ

() هذا هو المفروض، ولكن الغالب في الأدلّة الناسخة أن تكون جاعلة لأحكام أخرى على متعلّقاتها، إلَّا أنه حينئذٍ يخرج عن محل الكلام، فتأمل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

غير ناظرٍ إليه. نعم، يدلّ على أنّه محكوم بحكم ما لا محالة، لعدم خلوّ فعل من حكم شرعي، وليس هو الوجوب، لأنّه نسخ. أما أنّه أيّ حكمٍ؟ فلا يدلّ الدليل الناسخ على ذلك، بل يدلّ على نفي الوجوب فقط، فلعلّه مباح أو مستحبّ أو مكروه أو محرّم. 

فمن حيث الدليل الاجتهادي ليس في الدليل الناسخ والدليل المنسوخ دلالة على المجعول بعد النسخ.

 

2. مقتضى الأصل العملي

 

وأمّا بحسب الأصل العملي، فمقتضى أصالة البراءة عن احتمال الحرمة أنّه جائز وليس محرّماً، وهذا لا إشكال فيه، بناءً على جريان البراءة في الشبهات التحريميّة، كما هو الصحيح.

وأمّا التمسّك باستصحاب الجواز الذي كان ثابتاً قبل جعل الوجوب، فهو غير صحيح، فإنّ الوجوب ليس من الأعراض، فضلاً عن أن يكون من الجواهر، بل هو أمر اعتباري لا وجود له إلَّا بالاعتبار. نعم، الاعتبار بنفسه وجود حقيقي، لكنّ الكلام في المعتبر لا في الاعتبار. فالاعتبار وجود مجعول من قبل المولى على شيء ثابت في ذمّة شخص أو أشخاص، وثبوته في الذمة ليس له وجود حقيقي، وإنما هو وجود ثبت باعتبار المعتبر ولا هو من الأعراض الحقيقيّة، ولا من الجواهر. بل هو أمر بسيط غاية البساطة، فإذا 

ــــــــــ[252]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ارتفع الوجوب لا يبقى الجواز بالمعنى الأعمّ الذي كان في ضمن الوجوب.

وليس الحال فيه هو الحال في الجواهر، من أنّ الصورة النوعيّة إذا انتفت كانت المادّة باقية، وتتصوّر بصورة أخرى، فيصح أن يُقال: أنّ هذا كان خشباً والآن هو رماد، حيث إنَّ المادة باقية فيه بعد زوال صورته النوعيّة، فيتصوّر بصورة أخرى، فيكون بها وجوداً آخر غير الوجود الأوّل.

وأمّا الأعراض، فإنّها بسائط خارجيّة، ينعدم عرض فيوجد عرض آخر، كان قائماً فجلس، فالجلوس لم يكن قياماً وتحوّل إلى جلوس، بل انعدم القيام ووجد الجلوس من رأس.

بخلافه في الأجسام والجواهر فالأمر فيها ليس كذلك، بل الشيء الواحد يتصوّر بصور عديدة، يكون جماداً، ثُمَّ يكون نباتاً، ثُمَّ يكون حيواناً، ثم يكون إنساناً، فالمادّة مادّة واحدة، تزول عنها صورة وتوجد صورة أخرى.

وأمّا الأعراض فإنّها تنعدم رأساً ويوجد عرض آخر، في الجوهر الذي هو موضوع له، لأنَّ الأعراض بسائط، وغير مركّبة من مادّة وصورة. فإذا كان الأمر في الأعراض كذلك فما هو أردأ حالاً منها من الأمور الاعتباريّة -التي لا وجود لها حقيقة، وإنما هي موجودة في عالم الاعتبار فقط- أولى بعدم البقاء.

إذن، لا يمكن أن يرتفع الوجوب ويبقى الجواز الذي كان في ضمن الوجوب، يعني الجامع بينه وبين غيره، فإذا كان هذا الفعل جائزاً بعد نسخ الوجوب فهو جائز بجواز آخر، وإلَّا فإنّه يدخل في استصحاب الكلّي من القسم الثالث -وهو ما إذا كان الكلّي موجوداً في ضمن فرد، ونعلم أنّه ارتفع، 

ــــــــــ[253]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

ولكن نشكّ في أنّ الكلّي هل وجد في فرد آخر أو لا- ولا نلتزم به، لأنّ الوجود الأوّل قد زال يقيناً، فلا يحتمل بقاءه لكي نستصحبه، فما هو عماد الاستصحاب وهو الشكّ في البقاء غير موجود.

إذن الاستصحاب لا يجري في المقام. نعم، تجري البراءة في الشكّ في التحريم، فيحكم بالجواز. 

هذا تمام كلامنا في المقام.

ــــــــــ[254]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5





الكلام في الواجب الكفائي

 

  • في رجوع الوجوب الكفائي إلى الوجوب العيني المشروط
  • ما ذكره صاحب العروة ونقده

ــــــــــ[255]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5





الكلام في الواجب الكفائي

 

لا شكّ في أنّ الأغراض تختلف بحسب اختلاف الموارد، فقد يكون الغرض متعدّداً بتعدّد أفراد الموضوع في الخارج، وقد لا يكون متعدّداً بتعدّد أفراد الموضوع في الخارج.

فتارةً يكون الغرض واحداً قائماً بالطبيعي، وأخرى يكون متعدّداً قائماً بكلّ فرد من أفراد هذه الطبيعة، وكلا الأمرين موجود في الخارج، فمثلاً في إكرام العالم وإهانة المؤمن الغرض قائم بكلّ فردٍ من أفراد العلماء أو المؤمنين بإكرامهم استحباباً أو وجوباً في بعض الأحيان، فأيّ فرد من الأفراد وجد في الخارج ففي إكرامه غرض للمولى، وهذا هو المناط في التكاليف، فإنّ في كلّ إهانة لمؤمن فيه مفسدة توجب الحرمة، فهذا الحكم يكون انحلاليّاً لا محالة، فإنّه وإن كان في مرحلة الجعل والإنشاء واحد، إلَّا أنَّه بحسب الواقع ينحلّ إلى وجوب إكرام كلّ عالم أو استحبابه، ويتعدّد الحكم بتعدّد موضوعه.

ومن هذا القبيل وجوب الإنفاق على الزوجة، فإنّ الزوجة إذا تعدّدت يتعدّد الحكم بوجوب الإنفاق، فيجب الإنفاق على كلّ واحدة منهنّ.

وأمّا إذا كان الغرض واحداً قائماً بصرف وجود الطبيعي، ولا ينحلّ بتعدّد الأفراد في الخارج، كما في عتق الرقبة المؤمنة في إفطار شهر رمضان، فإنّ المكلّف 

ــــــــــ[257]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

لا يجب عليه عتق كلّ رقبة في الخارج، بل يجب عليه عتق رقبة واحدة، فمن أوّل وجود في الخارج يسقط التكليف، لأنّ الغرض واحد يتعلّق بالطبيعة، وهو يتحقّق بتحقّق أوّل فرد في الخارج. ومثله جملة من الأحكام المستحبّة والواجبة، حيث يكون الحكم قائماً بصرف وجود الطبيعة، ولا يتعدّد بتعدّد الموضوع في الخارج. ومن هذا القبيل: الصلاة بين الحدّين، فالمطلوب هو وجود واحد من هذه الطبيعة، لا جميع الأفراد.

هذا في متعلّق التكليف، حيث يكون المطلوب تارة هو صرف وجود الطبيعة، ولا يتعدّد بتعدّد الموضوع، وأخرى: يكون الغرض قائماً بكلّ فرد من الطبيعة، فيتعدّد الحكم بتعدّد الموضوع في الخارج، هذا بالنسبة إلى موضوع الحكم.

ونظيره متصوّر في المكلّف، فإنّ غرض المولى تارة: يكون متعلّقاً بصدور فعل من مكلّف واحد من المكلّفين، يعني: طبيعي المكلّف، بلا خصوصيّة للأفراد، فأيّ شخص أوجده في الخارج فقد حصل الغرض ووصل المولى إلى غرضه، وأخرى: يكون الغرض معلّقاً بصدور الفعل من المكلّفين أجمعين، فالغرض متعدّد بتعدّد المكلّفين: في كلّ مكلّف غرض مستقلّ عن الآخر، وإن كانت الأغراض متشابهة.

ومثال الثاني واضح: الصلاة والصوم والزكاة والحج، فإنّ كلّ مكلّف يجب عليه ذلك إن توفرت شروطه، فالغرض متعدّد بتعدّد المكلّفين في الخارج، ويسمى بالوجوب العيني، يعني: يجب على كلّ شخص بعينه.

ــــــــــ[258]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وقد يكون الغرض قائماً بفعل واحد من أحد المكلّفين دون مكلّف خاصّ، وذلك كأحكام الميّت من تجهيزه وتغسيله وتكفينه ودفنه، فإنّ غرض المولى هو أن يجهَّز هذا الميت، أمّا من يقوم بهذا الأمر فلا يفرّق في نظر المولى بين شخص وآخر، فإنَّ المصلحة تعلّقت بتكفين الميّت المسلم وبالصلاة عليه وغسله ودفنه، فهذه أمور متعدّدة والمصلحة الإلزاميّة اقتضت جعل الحكم بالنسبة إليها، ولكن بلا دخل لخصوصيّة مكلّف دون مكلّف، حيث إنّ المصلحة واحدة، والغرض الداعي إلى جعل الحكم واحد، فمقتضى تبعيّة المجعول للغرض، هو أن يكون المجعول واحداً متعلّقاً بطبيعي المكلّف دون خصوصيّته.

ومن هذا القبيل: سائر الوجوبات الكفائيّة كحفظ النفس المحترمة، فالغرض هو في حفظ هذه النفس عن الغرق أو الجوع. أما أنَّ الحافظ من يكون، فهذا خارج عن غرض المولى، فأيّ شخص عمله فقد حصل غرضه، وهذا يسمّى بالواجب الكفائي.

ويترتّب عليه: فهي أنّه إذا قام به واحد أثيب، وسقط عن الباقين، وإن قام به جماعة أثيبوا وسقط عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثيموا، لأنّ كلّ واحدٍ منهم قد فوّت غرض المولى. 

فتعدّد الغرض بتعدّد المكلّفين ووحدته مع تعدّدهم أيضاً كما هو معقول في الموضوعات -على ما سبق- كذلك معقول في المكلّفين، فكما أنَّ هناك غرضاً واحداً في عتق رقبة واحدة، كذلك هناك غرض واحد في تجهيز الميت، وكما أنّ هناك أغراضاً متعدّدة في الإنفاق على زوجات متعدّدة، كذلك هناك غرض في 

ــــــــــ[259]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

صدور الصلاة والصوم من جميع المكلّفين.

إذن، فتعدّد الغرض ووحدته كما هو معقول في الموضوعات، كذلك معقول في المكلّفين، فإذا تعدّد الغرض سمّي الوجوب بالوجوب العيني وإذا لم يتعدّد سمّي بالوجوب الكفائي.

ــــــــــ[260]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5



في رجوع الوجوب الكفائي إلى الوجوب العيني المشروط

 

قد يُقال: إنَّ الوجوب الكفائي يرجع إلى الوجوب العيني المشروط، وليس هو شيئاً آخر في مقابل الوجوب العيني، بل الوجوب الكفائي هو وجوب عيني لكلّ مكلّف، ولكنّه مشروط بعدم الإتيان به من شخص آخر، فكلّ مكلّف مأمور بالإتيان به لا مطلقاً، بل مشروطاً بعدم إتيان الآخر به، فهذا الوجوب لا يكون قسماً آخر في قبال العيني، ولا ينقسم الوجوب إلى عيني وكفائي، بل إلى مطلق ومشروط، والكفائي من أقسام المشروط.

وفيه: إشكال بحسب مقامي الثبوت والإثبات:

أمّا ثبوتاً، فلأن المفروض أنّ المصلحة واحدة والغرض غرض واحد. فلا موجب لجعل أحكام عديدة بالنسبة إلى جميع المكلّفين، فإنَّ الحكم المتعدّد ينشأ من الغرض المتعدّد، والغرض الواحد لا يقتضي أكثر من جعل واحد، فتكون هذه الأحكام المجعولة المتعدّدة المشروطة جعل بلا داعي، لأنّ الغرض واحد على الفرض.

وأمّا إثباتاً، فلا يمكن جعل الوجوب مشروطاً، لأنّ الواجب الكفائي إذا لم يمكن صدوره من غير الواحد، كما قد يتّفق في واجب كفائي، إذ لا بُدَّ أن يقوم به واحد، ولا يمكن أن يصدر من الاثنين.

ــــــــــ[261]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

يمكن القول على هذا: -مع قطع النظر عن الجهة الأولى- إنَّ الوجوب مجعول على كلّ واحد من المكلّفين لكنّه مشروط بعدم إتيان الآخرين به، إذ لو أتى به شخص ووجد هذا الفعل في الخارج، لا يبقى موضوع لامتثال الآخرين، فيكون الوجوب ساقطاً لانتفاء شرطه، كإنجاء الغريق وإطفاء الحريق.

ولو فرضنا أنّ الواجب الكفائي قابل لأن يُمتثَل من الكثير، كصلاة الميّت، إذ يمكن أن يصلي اثنان أو ثلاثة أو ألف أو ألف ألف، فحينئذٍ فما هو الشرط الذي فرضناه شرطاً لسقوط الوجوب عن الآخر، وهو عدم صدوره من الآخر في زمان قابل لصدور الفعل منه، فالشرط هو عدم الإتيان بالفعل في الجملة في خمس دقائق مثلاً، وإذا لم تصل صلاة الميت خلالها فإنَّ هذا الوقت ينتهي.

إذا كان هذا هو الشرط، فإذا مضى هذا المقدار من الزمان فقد حصل الشرط وصار الوجوب فعليّاً بالنسبة إلى جميع المكلّفين لحصول الشرط. وهذا باطل جزماً، لأنَّه إذا أتى بالفعل بعد ذلك، فإنّه يسقط عن الآخرين ولا يجب عليهم.

ولو فرضنا: أنّ شرط الوجوب هو عدم الإتيان بالفعل في تمام الأزمنة القابلة لصدور الفعل فيها، فالوجوب مشروط بأن لا يصدر من الغير أبداً، وحينئذٍ لو فرضنا أنّ عشرة أو أكثر قاموا به فلازمه أن لا يتّصف شيء من هذه الأفعال بالوجوب، لفرض صدور الفعل من الآخرين، ولا يكون شيء منها مصداقاً للواجب لصدور الفعل من الآخرين، وقد شرطنا عدم صدوره منهم. 

ــــــــــ[262]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وهذا لا يمكن الالتزام به.

وعلى ذلك، فلا مناص من الالتزام بما ذكرناه من أنّ الوجوب واحد متعلّق بصرف وجود المكلّف، من دون دخل لخصوصيّات الأفراد في ذلك، ونتيجته: أنّه إذا قام به واحد سقط عن الآخرين، وإن لم يأت به أحد عوقب الجميع، لاشتراكهم في ترك الواجب وتفويت غرض المولى.

نعم، قد يفرض في غير مورد الوجوب الكفائي أن يكون الوجوب بالنسبة إلى كلّ مكلّف أو بالنسبة إلى مكلّف معيّن، مشروطاً بعدم صدور الفعل من الآخر. وهذا غير الوجوب الكفائي.

وإنما يلزم الالتزام بذلك من جهة اشتراط التكاليف بالقدرة لا محالة، فلو فرض أنَّ فعلاً ما كان واجباً تعيينياً على فرد وواجباً تعيينياً على فرد آخر، ولكنّه غير ممكن من كلا المكلّفين، فليس هذا من موارد الوجوب الكفائي، بل الوجوب بالنسبة إلى كلٍّ منهما وجوب تعييني مشروط بالقدرة، كما في سائر الواجبات التعيينيّة.

فلو فرضنا: أنّ الفعل لا يمكن صدوره منهما معاً، كان التكليف مشروطاً بعدم الآخر -لا محالة- وليس هذا الاشتراط زائداً على اشتراط التكليف بالقدرة، بل هو هو بعينه، كما ذكرنا في موارد التزاحم بين واجبين بالنسبة إلى مكلّف واحد. وقلنا: إنَّ اشتراط الواجب بعدم صدور الفعل الآخر، ليس اشتراطاً جديداً وإنّما هو من صغريات اشتراط التكاليف بالقدرة، فإذا لم يتمكّن من الجمع بين الصلاة وإزالة النجاسة عن المسجد، أو بين إنقاذ غريقين، فلا بُدَّ 

ــــــــــ[263]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

من الالتزام بأنّ كلّاً من التكليفين مع عدم الأهمّيّة مشروط بعدم الآخر، وإذا كان أحدهما أهمّ كان أحدهما مشروطاً والآخر مطلقاً.

وهذا لا يحتاج إلى دليل خاصّ، وإنّما هو نتيجة تقييد التكليف بالقدرة، وحيث لا يقدر على امتثال التكليفين معاً، فلا بُدَّ من الالتزام بأنّ كلّاً من التكليفين مشروط بترك الآخر، إذا لم يكن في البين أهمّ، أو أنَّ الاشتراط موجود من طرف واحد إذا كان هناك أهمّ ومهمّ.

والأمر هنا كذلك، فإذا كان هناك واجبان تعيينيان لمكلّفين، ولم يتمكّنا معاً من إيجادهما في الخارج، فلا يمكن أن يبقى الواجبان فعليّين إلَّا على اشتراط أحدهما بعدم الإتيان بالآخر.

فلو فرضنا: أنّ كلّاً من المكلّفين محدث، وكان هنا ماء واحد لا يكفي إلَّا لطهارة واحد منهما، والماء مباح، أو مملوك لأحد، وقد أباحه لهما وأَذِن بالتصرّف لكلّ منهما، والمفروض: أنّ الصلاة مشروطة بالطهارة المائيّة – على تقدير التمكّن منها، وبالترابية على تقدير عدم التمكّن من الطهارة المائيّة. ففي مثل ذلك لو كان المكلّف واحداً لوجب عليه الوضوء أو الغسل، إذ المفروض: أنّه قادر على الامتثال.

ولكنّا فرضنا: أنّهما اثنان والماء لا يكفي لهما معاً، فيقع التزاحم بينهما لا محالة، فإذا تقدّم أحدهما وحاز الماء ولم يعط مجالاً للآخر، فيستكشف من ذلك عجز الآخر -لا محالة- فيتيمم. ولكن، على تقدير عدم الإتيان بالوضوء من قِبل أحدهما، كما لو عصى أو نسى، فيجب الوضوء على الآخر لا محالة، لتمكّنه 

ــــــــــ[264]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

من الطهارة المائيّة حينئذٍ.

فالوجوب في كلّ منهما مشروط بعدم صدور الفعل من الآخر، إذ على تقدير صدوره يكون الآخر عاجزاً، فالتزاحم بين المكلّفين متصوّر، ونتيجته: الاشتراط، إلَّا أنَّه أجنبي عن موارد الوجوب الكفائي.

بعبارة أخرى: إنّ الغرض في موارد التزاحم متعدّد والوجوب متعدّد، إلَّا أنّ الوجوب مشروط بالقدرة، ومن هذه الجهة يشترط في فعليّة كلّ من الوجوبين عدم إتيان الآخر به، فلو أتى الآخر به كان المكلّف عاجزاً عن امتثاله، ولا تكليف مع العجز. وهذا أمرٌ معقول.

إلَّا أنَّ الغرض في موارد الوجوب الكفائي واحد، وليس للمولى غرض متعدّد، بل له غرض بأن يُصلّى على الميت صلاة واحدة، وهو متعلّق بصرف وجود المكلّف، فجعل الوجوب لكلّ من المكلّفين بلا مقتضٍ، بل قلنا: إنّه مقرون بالمانع كما سبق.

ــــــــــ[265]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5




ما ذكره صاحب العروة ونقده

 

لكن هنا فرعاً ذكره السيد في العروة(1) ، وهو ما إذا فرضنا أنّ هنا محدثاً متيمّماً ووجد الماء فلا إشكال في بطلان تيمّمه بمقتضى الروايات، فلو وجد الماء بمقدار كان يمكنه أن يتوضّأ أو يغتسل فيه، ثُمَّ فقده، فلا بُدَّ  حينئذٍ من أن يتيمّم تيمماً آخر، لبطلان التيمم الأوّل بوجدان الماء، وحيث إنّه محدث بالفعل وغير متمكّن من الطهارة المائيّة، فلا بُدَّ  من أن يتيمّم تيمّماً آخر.

فلو فرضنا: أنّ مكلّفين وجدا ماءً لا يكفي إلَّا لوضوء أحدهما، فهل يبطل تيمّمهما معاً، أو يبطل تيمّم أحدهما، أو لا يبطل شيء منهما أصلاً؟

تعرّض السيّد لهذه المسألة في (العروة)(2) 

واختار شيخنا الأستاذ بطلانهما معاً(3)، وقد تكلّمنا في ذلك في بحث الفقه مفصّلاً(4)، وذكر شيخنا الأستاذ في وجه ذلك: أنَّ ميزان بطلان التيمّم هو وجدان الماء والقدرة على الاستعمال، وحيث إنّ كلّاً منهما قادر على هذا الماء في 

ــــــــــ[266]ــــــــــ

(1) انظر: العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام) 2: 224.

(2) انظر: العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام) 2: 230، 231.

(3) انظر: أجود التقريرات 1: 189.

(4) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 10: 394، 395.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

نفسه، فالغاية -وهي الوجدان- قد حصلت، فيحكم بالبطلان في كلّ منهما، فلو فقد الماء بعد ذلك فلا بُدَّ  لكل منهما أن يتيمّم مرّة أُخرى.

ولكنّا ذكرنا في بحث الفقه: أنَّ القول ببطلان كلا التيمّمين على إطلاقه لا وجه له، فإنَّه:

أ- تارةً: يكون كلٌّ منهما لا مانع من قبل الآخر للتصرّف في هذا الماء، بحيث لو أراد كلّ منهما أن يتوضّأ منه لا يمنعه الآخر. ففي مثل ذلك: لا إشكال في بطلان التيمّمين، لأن الماء بالنسبة إلى كلّ منهما موجود ولا مانع من استعماله لا شرعاً ولا خارجاً. وغير المقدور هو الجمع بينهما، ولكن كلّ واحد ممكن في نفسه.

ب- وتارةً: نفرض أنّ كليهما سبق إلى الماء، وكلّ منهما يمنع الآخر ويريد أن يتوضّأ، بمقتضى وظيفته الشرعيّة، ولكن من باب الاتّفاق كان أحدهما أقوى، فأخذ الماء وتوضّأ به، ففي مثل ذلك لا موجب للالتزام ببطلان تيمّم الثاني، لأنّ استيلاء الأوّل عليه ومنع الثاني من استعماله كاشف عن عدم قدرة الثاني تكويناً على استعمال الماء، وإن كان الماء موجوداً خارجاً، إلَّا أنَّه لا يتمكّن من استعماله، لوجود المانع التكوينيّ منه، وهو منع الآخر. فكيف يحكم ببطلان تيمّمه مع أنَّ الوضوء غير مقدور له، فإنّ وجدان الماء غير وجوده في الخارج، فوجدان الماء هو التمكّن من استعماله عقلاً وشرعاً، بحسب القدرة التكوينيّة والتشريعيّة، وهو غير حاصل في المقام. وعلى ذلك فلا يبطل تيمّمه

فلا بُدَّ من القول بالتفصيل في المقام.

ــــــــــ[267]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5




الواجب الموسّع والمضيّق

 

  • في تبعية القضاء للأداء

ــــــــــ[269]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5





الواجب الموسّع والمضيّق

 

الواجب قد يكون موقّتاً ومحدوداً بزمان خاصّ، فلا يصحّ الامتثال بالإتيان به في غير هذا الوقت، ويسمّى هذا الواجب بالواجب الموقّت، ويقابله الواجب غير الموقّت، وهو الواجب الذي لا يختصّ بزمان خاصّ، بل يصحّ الإتيان به في كلّ زمان.

والموقّت:

  1. قد يفرض أنّ زمانه المحدّد له بالمقدار الواجب لا يزيد ولا ينقص كالصوم، فإنّ الواجب فيه هو الإمساك من الفجر إلى الغروب، فالزمان المخصّص له هو نهار شهر رمضان، والإمساك لا يزيد عنه. ويسمّى هذا الواجب مضيّقاً. 
  2. وقد يفرض أنّ الزمان يزيد عن الواجب، فيكون الزمان المحدود له -والذي لا يصحّ الإتيان به خارجه- أكثر من الزمان الذي يشغله الواجب كفروض الصلاة بأجمعها، فإنَّ صلاة الفجر -مثلاً- تشغل خمس دقائق أو دقيقتين، ولكنّ الزمان المحدّد لها هو من الفجر إلى الشروق، فالزمان المحدّد هنا أوسع من زمان الواجب. ويسمّى هذا الواجب موسّعاً.

ــــــــــ[271]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

إذن، فالواجب ينقسم إلى أقسام ثلاثة:

  1. غير موقّت، كأداء الدين أو صلاة الميت، فإنّه غير محدّد بشهر معيّن أو يوم خاصّ أو في ليل أو نهار ويصحّ إيقاعه متى اتّفق. وأكثر الواجبات كذلك.
  2. وموسّعٌ، كالصلاة.
  3. ومضيّق، كالصوم.

أما المضيّق فالظاهر، أنّه لم يقع إشكال في وقوعه خارجاً، وإن كان هنا كلامٌ آخر فيه، وهو أنّ مبدأ زمان الوجوب بنفسه مبدأ زمان الواجب، أو أنّ زمان الوجوب أسبق عن زمان الواجب وقبله، وهذا كلام آخر أشرنا إليه في بحث الواجب التعليقي(1).

ذهب بعضهم إلى استحالة اتّحاد زمان الواجب وزمان الوجوب، لأنّ الإتيان بالواجب هو انبعاث عن الوجوب، والوجوب سابق على الانبعاث لا محالة، فلا بُدَّ من أن يفرض أنّ زمان الوجوب أسبق من زمان الواجب، ففي الصوم -مثلاً- لا بُدَّ من أن يفرض أنّ زمان الوجوب قبل الفجر ولو بدقيقة واحدة، ولأجل ذلك لا بُدَّ من الالتزام بالوجوب التعليقي في جميع هذه الموارد.

وهذا كلام آخر سواء صحّ أو لم يصحّ، فلا إشكال في أنّ زمان الواجب يمكن أن يكون بمقدار الوقت المحدّد له.

ولكنّ شيخنا الأستاذ ذكر في المقام هذه الشبهة على الواجب المضيّق، إلَّا أنّها ليست إشكالاً عليه، إذ لم يقع إشكال في أنّ الزمان يمكن أن يكون 

ــــــــــ[272]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 3: 165، 166.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

بمقدار زمان الواجب ولا يزيد عليه، وأما أنّ الوجوب هل يكون سابقاً على زمان الواجب أو لا، فهذا أجنبيٌ عن محلّ الكلام.

ولو تمّت الشبهة والتزمنا بأنَّ زمان الواجب مقدّم على زمان الوجوب، لأنّ البعث لا بُدَّ من أن يكون متقدّماً على الانبعاث والتزمنا بالوجوب التعليقي، إلَّا أنّ زمان الواجب من أوّل الوقت إلى آخره، فيكون الواجب بقدره ولا يزيد عليه.

على أنّها شبهة واضحة الاندفاع، فإنّ الانبعاث لا يتأخّر عن البعث زماناً، وإن كان متأخّراً رتبةً عنه، فبينهما تأخّرٌ رتبيّ -كتقدّم العلّة على المعلول(1)-، فلا مانع من أن يكون زمان الوجوب من أوّل الفجر، ويكون زمان الوجوب والواجب متّحدين، ولكنّ الوجوب مقدّم في الرتبة.

وأمّا الواجب الموسّع، فهو الموقّت بوقت خاصّ في مقابل غير الموقّت، لكنّه أوسع منه، وهذا أيضاً في الواجبات كثير، كالعمرة، فإنّ وقتها موسّع من أوّل شهر شوّال إلى حين تضيّق وقت الحجّ، ويكون المكلّف مخيّراً بأن يأتي بها في أيّ زمانٍ في خلال هذا الوقت. وكذلك الفرائض الخمس حيث يكون المكلّف 

ــــــــــ[273]ــــــــــ

() وربما يفهم من ذلك استحالة تقدّم الوجوب على زمان الواجب؛ لأنه يكون من انفكاك الانبعاث عن البعث وهو محال، إلَّا أنّه ينبغي أن يقيد ذلك بزمان الفعليّة لا زمان الجعل بنحو القضيّة الحقيقيّة، فإن فعليّة الوجوب قبل تحقّق الموضوع بقيوده التي منها الزمان محال، أما جعل الحكم بنحو القضيّة الحقيقيّة في أصل التشريع قبل الوقت فليس بمحال كما هو واضح، فيكون تقدّم الوجوب على زمان الواجب بهذا المعنى ضرورياً لا محالاً، فتأمل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

مخيّراً بين أن يأتي بها في أول الوقت أو وسطه أو آخره. فلا إشكال في وجود الواجب الموسع.

نعم، استشكل في المقام -وهذا الإشكال هو الإشكال المذكور في الواجب التخييري بعينه- بأنّه كيف يكون شيء واجب ويجوز تركه، وفرض أنّه واجب موسّع معناه أنَّه يجوز تركه في أوّل الوقت، وهذا لا يلائم وجوبه.

والجواب عنه هو الجواب السابق، وحاصله: أنّ الواجب لا يجوز تركه، فالواجب هو الطبيعي الجامع، لا خصوص الحصّة الخاصّة، التي تقع في أوّل الوقت أو آخره، فليس شيء من هذه الخصوصيّات واجباً، وإنّما الواجب هو الجامع بينها، كما هو الحال في الأفراد العرضيّة، فإنّ الصلاة يمكن أن يأتي بها في داره أو في المسجد أو في أرض مباحة كالبرّ، فكلّ ذلك جائز، وكلّها يجوز تركها والإتيان بفرد واحد منها.

والسر في ذلك: هو أنّ شيئاً من هذه الأفراد غير متّصف بالوجوب وإنمّا الواجب هو الطبيعي الجامع بين هذه الأفراد، فما يجوز تركه ليس بواجب، وما هو واجب لا يجوز تركه.

فإذا تصوّرنا هذا في الأفراد العرضيّة، نتصوّره في الأفراد الطوليّة أيضاً، فإنّ الواجب فيها هو طبيعي الصلاة -مثلاً- ما بين دلوك الشمس إلى غروبها، وهو الذي لا يجوز تركه، أمّا الصلاة أوّل الوقت فليست هي الواجب، وإنّما هي مصداق للواجب، وإذا أتى به فقد أتى بالواجب، لأنه فردٌ منه. وهذا واضح.

إذن، فكما أنّ الواجب المضيّق لا إشكال في وقوعه كذلك الواجب الموسّع.

ــــــــــ[274]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

 

في تبعية القضاء للأداء

 

بقي الكلام في أنّ الواجب إذا كان موقتاً -سواء في ذلك الموسّع والمضيّق- وفرضنا أنّ المكلّف لم يأت به في الوقت، فهل يجب الإتيان به في خارج الوقت أو لا؟

هذا هو النزاع المعروف في أنّ القضاء هل هو تابع للأمر الأوّل ولا يحتاج إلى دليل خاص، بل نفس الدليل الأوّل الذي دلّ على الوجوب وعلى تقيّده بهذا الوقت كافٍ لإيجاب القضاء في المقام، فإنَّ المكلّف إذا لم يتمكّن من الإتيان بالقيد، فإنَّ أصل الواجب يبقى على وجوبه، وإن لم يمكن إيجاد التقيّد في وقته، أو أنَّ الأمر الأوّل قد سقط، فلو كنّا وإياه لا نحكم بوجوب القضاء، أمّا إذا كان هناك دليل آخر على وجوب القضاء فالمتّبع هو ذلك الدليل، فلا يكون القضاء تابعاً للأمر الأوّل؟

قيل: إنّ القضاء تابع للأمر الأوّل مطلقاً.

وقيل: إنَّه بأمر جديد على الإطلاق، وقد يفصّل بين القرينة المتّصلة والقرينة المنفصلة، فإذا كان القيد مستفاداً من دليل متّصل، ففي مثل ذلك يكون القضاء بأمر جديد كالصوم، فإنّه من أوّل الأمر قُيّد وجوبه بشهر رمضان، فإذا فرضنا أنّه تركه عصياناً أو نسياناً أو عن عذر ومرض، فمع قطع 

ــــــــــ[275]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

النظر عن دليل القضاء في الآية وغيرها، لو بقينا نحن وهذا الدليل لم نلتزم بوجوب القضاء، فإنَّ الواجب كان مقيّداً من الأوّل بالقيد، وقد سقط هذا الواجب المقيّد، لعدم التمكّن منه، فلا يجب القضاء.

وأمّا إذا كان التقييد بقرينة منفصلة، فالقرينة المنفصلة لا تدلّ على تقيّد الواجب الأوّل على الإطلاق، بل يكون من قبيل تعدّد المطلوب، يعني: من قبيل واجب في واجب، فإذا لم يتمكّن المكلّف من إتيان الواجب الثاني كان الواجب الأوّل باقياً على حاله ويجب الإتيان به.

ما أفاده النائيني

وأشكل شيخنا الأستاذ بأنّ هذا ينافي قانون الإطلاق والتقييد وحمل المطلق على المقيّد، لأنّ التقييد بالزمان لا يغاير التقييد بغيره من الخصوصيّات المعتبرة في الواجب(1).

فإمّا أن نلتزم بأنّ المقيد المنفصل لا يكشف عن تقييد المطلوب الأوّل بهذا القيد، بل غاية ما يدلّ عليه هو الوجوب في نفسه، فيكون واجباً في واجب، فلو ورد: (أعتِق رقبة)، وورد: (أعتِق رقبة مؤمنة)، فغاية ما يُستفاد منهما: هو أنّ العتق في نفسه واجب، وإن تعلّق العتق بالرقبة المؤمنة واجب آخر، فهو مطلوب في مطلوب، فإذا لم يتمكّن المكلّف من امتثال الواجب الثاني يبقى الواجب الأوّل على حال ويجب امتثاله.

فإذا بنينا على هذا وأنّ المطلق لا يحمل على المقيّد، بل يكون من قبيل 

ــــــــــ[276]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 191، 192.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

واجب في واجب(1)، فلا يفرّق حينئذٍ بين التقييد بالزمان وغيره.

وأمّا بناءً على بطلان ذلك -كما هو الصحيح- وأنّ المطلق يحمل على المقيّد في نظر العرف، ويستكشف من التقيد أنّ المطلوب من الأوّل كان مقيّداً بذلك، وأنَّ الإطلاق الكاشف عن تعلّق الإرادة الجدّيّة بالمطلق كان مغياً بعدم البيان ومتقوّماً به، والمقيّد بيان. 

فيستكشف من ذلك: أنّ مطلوب المولى من أوّل الأمر كان مقيّداً، إلَّا أنَّ المولى أخّر البيان لمصلحة.

هذا هو الصحيح، ولا فرق فيه بين القرينة المتّصلة والمنفصلة، فلو دلّ دليل على وجوب شيء على الإطلاق ودلّ دليل آخر على تقييده بزمان خاصّ، فمقتضى الدليل المقيّد: أن يقيّد المطلق بهذا القيد، ويستكشف: أنّ المطلوب كان من أوّل الأمر مقيّداً بهذا القيد.

وبالجملة: لا فرق بين الزمان وغيره، فإن قلنا بأنّا نلتزم في جميع ذلك أعني: المقيدات، كالمكان والملابسات الأخرى، بحمل المطلق على المقيّد، فكذلك في باب الزمان لا بُدَّ من أن نلتزم بحمل المطلق على المقيّد، ونتيجة ذلك هو: أنّه إذا لم يأت بالواجب في الوقت فلم يجب الإتيان به في الخارج، فإنّ ما يأتي به في الخارج حصّة أخرى غير مأمورٍ بها، لم يدلّ عليها دليل.

وهذا الكلام صحيح، إلَّا أنّه لا بُدَّ من تقييده -ولا بُدَّ من أن يكون هو مراده أيضاً- فإذا كان دليل التقييد لفظيّاً، فيكون فيه إطلاق بالنسبة إلى حال 

ــــــــــ[277]ــــــــــ

() زيادة يقتضيها السياق. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

الاختيار وحال الاضطرار، ففي مثل ذلك يؤخذ بدليل التقييد، ويقال: إنَّ الواجب مطلقاً مقيّد بذلك القيد، فتكون نتيجته أنّه إذا مضى الوقت من دون الإتيان بالواجب، فما هو مقيّد (بالوقت) غير ممكن، وغير المقيّد ليس بواجب.

وأمّا لو فرض أنّ دليل المقيّد ليس لفظيّاً، وإنّما كان دليلاً لبّيّاً كالإجماع والسيرة العمليّة، ولم يكن له إطلاق بالنسبة إلى حال الاضطرار والاختيار. فحينئذٍ نرفع اليد عن إطلاق دليل الواجب في حال الاختيار، يعني: من تمكّن من الإتيان في الوقت اختياراً وجب عليه الإتيان به، وأمّا إذا لم يتمكّن ومضى الوقت فنتمسّك بإطلاق الدليل.

فكلامه متين، ويحتاج إلى تقييد-وهو مراده أيضاً- بما إذا كان دليل التقييد لفظيّاً لا لبّيّاً وهذا أمر عامّ في سائر المقيّدات، فإنَّ دليل التقييد إذا كان له إطلاق يؤخذ بإطلاقه، ونتيجته هي أنّ غير المقيّد غير واجب أصلاً. وأمّا إذا لم يكن له إطلاق بأن كان دليلاً لبّيّاً فيؤخذ فيه بالقدر المتيقّن وهو حال الاختيار، ويكون الباقي مشمولاً للمطلق.

وفي ما نحن فيه: لا مانع من التمسّك بإطلاق الدليل الأوّل إذا كان الدليل الدالّ على التقييد بالزمان لبّيّاً، وبذلك يثبت الوجوب في غير هذا الزمان أيضاً، لأنّ دليل التقييد بالزمان لا إطلاق فيه.

مقتضى الأصل العملي في المقام

تحصل مّما ذكرناه: أنّه في الموقّتات قد يظهر التوقيت من الدليل، من جهة التقييد بالقرينة المتّصلة أو المنفصلة، وحينئذٍ يكون حال التقييد بالزمان حال 

ــــــــــ[278]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

غيره من التقييدات، ولا يثبت الحكم في خارج الوقت بهذا الدليل، بل يحتاج إلى دليل آخر، فإن كان فهو، وإلا فلا بُدَّ من الرجوع إلى الأصل العملي وهو البراءة في المقام.

ولا يمكن التمسّك بالاستصحاب في المقام، فبناءً على عدم جريانه في الأحكام الكلّيّة الأمر ظاهر، وأمّا بناء على جريانه في الأحكام الكلّيّة فأيضاً لا يمكن جريانه في المقام إلَّا بناءً على جريان الاستصحاب في القسم الثالث من الكلي، ذلك أنّ الفعل المقيّد بزمان مغاير عرفاً ومختلف موضوعاً مع الحصّة الواقعة منه في خارج هذا الزمان، فالحصّة المتيقّن ثبوتها ارتفعت يقيناً -وهي حصة داخل الوقت- ونشكّ في طروء وجوب آخر على حصة أخرى أو لا؟ وهذا لا يجري فيه الاستصحاب حتّى بناء على جريانه في الأحكام الكلّيّة.

وأمّا إذا فرضنا أنّ المستفاد من الدليل الأوّل هو ثبوت الحكم في الزمان الثاني أيضاً، كما لو فرضنا أنّه كان للدليل الأوّل إطلاق، ولكن الدليل المقيد لم يكن له إطلاق لحالة الاضطرار والاختيار، فنأخذ التقييد بالقدر المتيقّن، وهو التقييد بحال الاختيار، وصورة تمكّن المكلّف من الإتيان بالفعل في الوقت، فإذا لم يتمكّن من الإتيان به في الوقت ومضى الوقت كان مقتضى إطلاق الدليل الأوّل الإتيان به في الزمان المتأخّر، ولا يكون هذا من باب القضاء، بل هو واجب بنفس الدليل الأوّل، فإنّ التقييد لم يثبت بأزيد من ذلك، مقيد بالزمان حال التمكّن، وعند إمكان الإتيان بالفعل في هذا الزمان، ومع عدم الإمكان فالمتّبع هو إطلاق الدليل الأول. هذا فيما إذا علم الحال.

ــــــــــ[279]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

وأمّا إذا لم يعلم الحال، ووصلت النوبة إلى الأصل العملي، بمعنى: أنّه لم يكن في الدليل الأوّل إطلاق، ولم يمكن التمسّك بإطلاقه، فماذا يقتضيه الأصل بالنسبة إلى الزمان الثاني؟

قد يُتخيّل إمكان التمسّك بالاستصحاب، لعدم إحراز أنّ الزمان قيد وأنّ الفعل الواقع في الزمان المتأخّر مغاير للفعل الواقع في الوقت، حتى يُقال بعدم جريان الاستصحاب، لأنّه حينئذٍ من استصحاب القسم الثالث من الكلّي. فهذا لم يثبت، بل نحتمل أنّ التكليف هنا من باب تعدّد المطلوب، بأن يكون الفعل في نفسه مطلوباً وتقييده بالزمان مطلوباً آخر. وحيث لم يمكن الإتيان به في الوقت، يتمسّك باستصحاب ثبوت الوجوب المتيقّن في الطبيعة، لصدق نقض اليقين بالشكّ عند العمل، على عدم الوجوب في الزمان المتأخّر.

إلَّا أنّ هذا الوجه فاسد، حتّى بناء على جريان الاستصحاب في الأحكام الكلّيّة، لعدم تحديد القضيّة المتيقّنة والقضيّة المشكوكة ليحرز أنّ رفع اليد عن المتيقّن يصدق عليه أنّه نقض لليقين بالشكّ، فإنّنا لم نحرز أنَّ الزمان قيد في الواجب ليكون الفعل الخارج عن الوقت مغايراً للفعل الداخل فيه، أو أنَّه ليس بقيد ليكون الفعلان متّحدين، فلم يحرز -بعد انقضاء الوقت: أنَّ هذا هو الذي كنّا على يقين من وجوبه -على تقدير الاتحاد- أو غيره، حتى يجري الاستصحاب على الأوّل ولا يجري على الثاني، وما دام هذا مشكوكاً فلا يمكن التمسّك بالاستصحاب، لأنّ الشبهة مصداقيّة، فلم نحرز أنّه رفع اليد عن اليقين السابق من باب نقض اليقين بالشكّ، بل نحتمل أنّ القضيّة المتيقّنة 

ــــــــــ[280]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

مغايرة للقضيّة المشكوكة موضوعاً، فإنّ القضيّة المتيقّنة هي المقيّدة بالوقت، وهي مغايرة لما في خارج الوقت لا محالة. فالاستصحاب في مثل ذلك لا يجري، هذا في الشبهة الحكميّة.

وأمّا في الشبهات الموضوعية: فإن ثبت وجوب القضاء بدليل كما في الصلاة أو قضاء الصوم المنذور المحدّد بوقت أو صوم شهر رمضان، ففي هذه الموارد: لو فرض أنّه شكّ ولم يدرِ أنّه أتى بالفعل في وقته لئلّا يجب عليه القضاء، أو لم يأت به ليجب عليه القضاء، فهذه شبهة موضوعيّة، مع العلم بوجوب القضاء على تقدير عدم الإتيان بالواجب في الوقت، فإذا ثبت عدم الاعتناء بالشكّ بعد الوقت في الصلاة تمسكاً بقاعدة الحيلولة، لأنّه ورد في النصّ: فقد حال الوقت(1)  فإنَّه لا يعتنى به، كما لو شكّ بعد طلوع الشمس بالإتيان بصلاة الفجر، فإنّه لا يعتنى بشكّه، ففي هذه الصورة لا إشكال.

وأما إذا لم يثبت ذلك، أو قطع النظر عن قاعدة الحيلولة في موارد الصلاة، وفرض أنّها لا تجري ولو من أجل معارضتها للعلم الإجمالي مثلاً، فماذا يقتضي الأصل العملي في المقام؟ هل يمكن استصحاب عدم الإتيان بالفعل في الوقت لكي يتنقح موضوع وجوب القضاء خارج الوقت، فإنّ مقتضى الاستصحاب هو البناء على البقاء على عدم الإتيان إلى الآن، فيثبت به وجوب الإتيان به خارج الوقت، من دون حاجة إلى إثبات وجوب القضاء بدليل خاصّ، ويكون هذا الاستصحاب حاكماً على أصالة البراءة، فإن الشكّ وإن كان شكّاً في التكليف إلَّا 

ــــــــــ[281]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 4: 282، الباب 60، أبواب المواقيت، الحديث: 1.

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

أنه محكوم بالاستصحاب، إذ به يثبت عدم الإتيان فيرتفع موضوع البراءة؟

هذا مبنيٌ على أنّ موضوع وجوب القضاء -وهو عنوان الفوت المأخوذ في الروايات: من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته(1)– هل هو عنوان لعدم الإتيان بالفعل في الوقت، ويجري الاستصحاب، لأنّ عدم الإتيان كان متيقّناً، فيشكّ في تحوّل هذا العدم وتبدّله إلى الوجود، فيبنى على بقائه، فيكون عدم الإتيان محرَزاً بحكم الشارع، وهذه شبهة موضوعيّة والاستصحاب جارٍ في الشبهات الموضوعيّة لا محالة، فيحكم بأنّه لم يأت بالواجب في ظرفه، فيجب قضاؤه؟

أو أنّ الفوت من قبيل الأعدام والملكات، أي: أنَّ له شائبة وجود وحصّة من الوجود، وليس هو مجرّد عدم الإتيان، بل عدم الإتيان أمر ملازم له، ويعبّر عنه بخلوّ الزمان من ذلك الفعل، وهو عنوان ملازم لعدم الإتيان، لا هو هو بعينه.

ولذا في الوقت كان يصحّ أن يُقال: إن زيداً لم يأت بالصلاة ولكن لا يصدق عليه أنّه فاتته الصلاة، بل الفوت لا يتحقّق إلَّا في الجزء الأخير من الوقت فقط، فعنوان الفوت مثل عنوان (ذهب من كيسه وفات) ولم يتمكّن من إيجاده. فهذا العنوان له شائبة وجود ولا يتحقّق إلَّا بالجزء الأخير من الوقت.

ولا يمكن إثبات هذا العنوان باستصحاب عدم الإتيان بناءً على ما هو الصحيح من عدم جريان الأصول المثبتة.

ــــــــــ[282]ــــــــــ

() ذكر الشيخ الطوسي هذه العبارة في كتاب التهذيب 3: 164 في ذيل الحديث: 14. 

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

بعبارة أخرى: إنّ عدم الإتيان بنفسه ليس هو موضوع الحكم الشرعي بوجوب القضاء، وإنّما الموضوع هو الفوت الذي يتحقّق في آخر الوقت، وهو ملازم لعدم الإتيان، والفوت ليس له حالة سابقة حتى يستصحب، فإنه متى كانت الصلاة فائتة حتى تستصحب؟ بل الفوت يحدث في الجزء الأخير من الوقت، وهذا غير محرز(1)، لاحتمال الإتيان بها في الوقت. نعم، عدم الإتيان بها في أوّل الوقت محرز، إلَّا أنَّه مغاير لعنوان الفوات، وإثباته باستصحابه مثبت، فلا بأس بأن نتمسّك بالبراءة في هذه الشبهة الموضوعيّة.

بل لو تنزلنا عن ذلك، فلا يجري الاستصحاب، لأنّا لو لم نحرز -تنزلاً- أنّ الفوت عنوان وجودي ملازم لعدم الإتيان، ففي الطرف الآخر -وهو عدم الإتيان- أيضاً لم يحرز. فنحتمل أنّ الفوت أمرٌ ملازم لعدم الإتيان لا أنَّه هو بنفسه، فلو سلّمنا بأنّ الفوت غير مغاير لعدم الإتيان فلا أقلّ من احتماله، وعليه أيضاً لا يجري الاستصحاب، لأنّ الاستصحاب يتوقّف على أن يكون المتيقّن موضوعاً لحكم شرعي، فإذا لم نحرز أنَّ المتيقّن -وهو عدم الإتيان- موضوع لحكم شرعي فلا يمكن التمسّك بالاستصحاب.

ونتيجة ذلك: أنّه في جميع موارد الشكّ في وجوب القضاء من جهة الشبهة الحكميّة أو من جهة الشبهة الموضوعيّة. تجري البراءة، ولا بُدَّ من إثبات وجوب القضاء موضوعاً وحكماً، بدليل آخر.

ــــــــــ[283]ــــــــــ

() زيادة يقتضيها السياق. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

 

الكلام في الأمر بالأمر

 

  • ثمرة البحث: شرعية عبادة الصبيّ

ــــــــــ[285]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5







الكلام في الأمر بالأمر

 

وقع الكلام في أنّ الأمر بالأمر هل يكون أمراً بمتعلّق الأمر الثاني أو لا يكون أمراً به؟ فإذا أمر المولى أحداً بأن يأمر غيره بالإتيان بالفعل، فهل يكون هذا الفعل واجباً من جهة أمر المولى به، أو أنّ متعلّق الأمر الأوّل هو الأمر الثاني، ولا يجب على المكلّف الثاني امتثال أمر المولى، لأنَّه لم يتعلّق بمتعلّق الأمر الثاني؟ فيه كلام.

الأمر بحسب مقام الثبوت كما ذكره صاحب الكفاية، من أنّ غرض المولى في هذا الأمر قد يكون هو وجود الفعل في الخارج، فيكون توسيط الآمر في البين بما أنّه طريق للإيصال، فيوصل المأمور الأوّل إلى المأمور الثاني أمر المولى، فقد أُخذ الأمر في متعلّق الأمر طريقاً إلى الفعل من جهة إيصال أمر المولى إلى المأمور. ففي الحقيقة: هذا أمرٌ بالفعل وبالإتيان بذلك الفعل، وإنَّما تعلّق الأمر بالآمر من جهة الطريقيّة، لا أنَّه له دخل في غرض المولى.

وقد يكون الغرض متعلّقاً بنفس إصدار الأمر من قبل الغير، دون الفعل المتعلّق للأمر الثاني، فالغرض هو أنّ يتحقّق الأمر الثاني فقط، ولا غرض له في حصول الفعل وعدمه، وإنّما يترتّب غرضه على مجرّد صدور الفعل في الخارج.

وقد يكون الغرض مركّباً من كلتا الجهتين، بأن يكون الغرض قائماً بالفعل 

ــــــــــ[287]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

لا على الإطلاق، بل بقيد تعلّق الأمر الثاني به، فالغرض وإن كان متعلّقاً بالفعل، إلَّا أنّه لا يجب على الشخص الثالث الإتيان به مطلقاً، بل على تقدير صدور الأمر به من المأمور الأوّل.

بحسب مقام الثبوت هذه الأمور محتملة. 

وأما بحسب المتفاهم العرفي -ولو من جهة الغلبة الخارجيّة، يعني: من جهة القرينة الخارجيّة- فالمستفاد منه هو الطريقيّة، فإذا أمر المولى أحداً بأن يقول لزيد أن يفعل كذا، فالعرف لا يفهم منه إلَّا أنّ الآمر الأوّل يأمر زيداً بالفعل، وإنّما يجعل الأمر واسطة في البين، لأجل إيصال الأمر إلى المأمور الثاني، دون أن يكون الغرض قائماً بنفس الأمر، ولا بالفعل على تقدير صدور الأمر من الآمر الثاني.

إذن، في مثل ذلك يجب عليه الامتثال لعلمه بأمر المولى، وإن علم بصدور الأمر من قبل المولى من غير ناحية المأمور الأوّل.

وهذا لا ينبغي الإشكال فيه بحسب المتفاهم العرفي، وهو أنّ المولى يريد صدور الفعل في الخارج وإنّما أمر بالأمر من جهة الطريقية فقط، من دون أن يكون الأمر بنفسه متعلّقاً لغرضه.

ــــــــــ[288]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5



ثمرة البحث: شرعية عبادة الصبيّ

 

وهذا البحث له ثمرة مهمّة، وهي شرعيّة عبادة الصبيان التي هي محلّ كلام الفقهاء، من أنّها هل هي شرعيّة أوتمرينيّة؟

استدلّ المشهور على الشرعيّة بإطلاقات الأدلة: إطلاق أدلّة الصلاة والصوم والحج، وقالوا بأنّها شاملة للصغير، غايته: أنّه بحديث الرفع رفع الإلزام والعقاب، ولكن أصل المحبوبيّة والمطلوبيّة باقٍ. هكذا استدلّ الأكثر.

ولكنّا ذكرنا -قريباً-: أنّ نسخ الوجوب لا يدلّ على الجواز، فالوجوب والاستحباب ليسا مجعولين، بل الحكم مجعول واحد، وهو جامع الطلب(1)، والوجوب يثبت بحكم العقل ما لم يثبت ترخيص من قبل المولى، فالمجعول في الشريعة هي الصلاة والصوم على ذمّة الناس أجمعين، وحديث الرفع بالنسبة لهذه الأدلّة بمنزلة المخصّص، وهذا الجعل غير ثابت في هذه الموارد.

ولا وجه لأنْ يقال: إنّ أصل المطلوبيّة باقٍ والمرتفع هو قيد الوجوب والإلزام، فإنّ الثابت في الشريعة هو اعتبار هذه العبادات على ذمّة الناس جميعاً، وهذا الجعل الثابت في الشريعة ليس ثابتاً في حقّ الصبي. إذن، الاستحباب والمطلوبية يحتاج إلى دليل آخر، ولا يمكن إثباته بهذه الأدلّة.

ــــــــــ[289]ــــــــــ

() هذا الأمر غير مقطوع الصدور عن سيدنا الأستاذ. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

كما هو الحال في غير هذا المورد من موارد التخصيص، فإنَّ دليل التخصيص يُخرج الفرد عن العموم أو الإطلاق، من دون دلالة على بقاء الاستحباب في مورده، بل يكون المرفوع هو أصل الجعل، والاستحباب يحتاج إلى دليل آخر، نظير ما تقدّم من أن نسخ الوجوب لا يدلّ على بقاء الجواز، فكذلك تخصيص الوجوب لا يدلّ على بقاء الاستحباب.

ولكن على هذا البحث -فيما إذا قلنا أنّ الأمر بالأمر أمر يتعلّق بالأمر الثاني- تترتّب ثمرة مشروعيّة عبادات الصبي، حيث ورد في جملة من الروايات الأمر بالأمر، يعني: أُمرنا فيها بأن نأمر الصبيان بالصلاة والصوم، فإذا بنينا على أنَّ الأمر بالأمر بشيء أمر بذلك الشيء كانت عبادات الصبي مأموراً بها ومطلوبة، وهذا الأمر لا محذور فيه.

وحيث إنَّ هذا الأمر ليس بوجوبي قطعاً، لأنّ الصبي لا يؤخذ بأفعاله تركاً وفعلاً، فينتج استحباب هذا الفعل، وتكون عباداته مشروعة لا تمرينيّة محضة.

فلو صلّى الصبي يحكم بصحّة صلاته، ولو كان صبي أو أكثر في صلاة الجماعة فلا يحصل بهما الفصل بين المأموم البالغ والجماعة، حيث إنَّ صلاتهم شرعيّة، إلى غير ذلك من الآثار الشرعيّة التي تترتّب على صحّة العبادة.

فعمدة الثمرة التي بنيناها على هذا البحث هو شرعيّة عبادة الصبي.

هذا تمام كلامنا في الأوامر(1).

ــــــــــ[290]ــــــــــ

() وبهذا ينتهي -بحسن توفيق الله العلي العظيم، وجميل رعايته، وفيض آلائه، ونعمائه جلّت قدرته وعزَّ شأنه- هذا المجموع من المحاضرات التي كتبتها كلّها عن كلام تقريرات في علم أصول الفقه ج5

 

ــــــــــ[291]ــــــــــ

سيدنا الأستاذ (أدام الله ظله) مباشرة، حينما رزقني الله تعالى سرعة الكتابة وقابلية الضبط، فجاء هذا المجموع وافياً كافياً شافياً مطابقاً للواقع جهد الإمكان وعلى ما ينبغي ويراد، والله تعالى هو الموفق للصواب. 

ملحوظة: احتوى هذا الدفتر على إحدى وستين محاضرة، وله الحمد.

انتهى هذا الدفتر بتاريخ آخر محاضرة ممّا كتب فيه بيد أقل العباد عملاً وأكثرهم زللاً المحتاج إلى رحمة ربه الكريم محمّد الصدر، ومن الله التوفيق والسداد والهداية والرشاد.

وصلى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين. (المقرر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج5





فهرس المصادر

 

* القران الكريم

  1. أجود التقريرات، تأليف: الخوئي، ابو القاسم الموسوي، تقرير أبحاث آية الله العظمى الشيخ محمد حسين النائيني، مطبعة العرفان، قم المقدسة-إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1393هـ.
  2. الأمالي، تأليف: الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، طهران – إيران، الطبعة: السادسة، سنة الطبع: 1418هـ.
  3. بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة، تأليف: المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1403هـ.
  4. تحف العقول عن آل الرسول، تأليف: الحراني، الحسن بن علي بن شعبة، الناشر، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم‏-إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1404هـ. 
  5. تعليقة النائيني على العروة الوثقى، تأليف: النائيني، محمد حسين، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم- إيران، الطبعة: الرابعة، سنة الطبع: 1432هـ.

ــــــــــ[293]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

  1. تقريرات في علم أصول الفقه، تأليف: الصدر، محمد محمد صادق، تقرير أبحاث آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي، الناشر: المحبين للطباعة والنشر، سرمدي- قم المقدسة- إيران، طبعة مؤسسة المنتظر، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1442هـ، 2021م.
  2. تهذيب الأحكام، تأليف: الطوسي، محمد بن الحسن، الناشر: دار الكتاب الإسلامي، طهران- إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1407هـ.
  3. جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، النجفي، محمد بن حسن بن باقر، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، الطبعة: السابعة.
  4. دراسات في أصول الفقه، تأليف: الشاهرودي، علي أصغر المعصومي، قم- إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1422هـ.
  5. دعائم الإسلام، تأليف: المغربي، نعمان بن محمد، الناشر: مؤسسة آل البيت، قم- إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1427هـ.
  6. العروة الوثقى، تأليف: اليزدي، محمد كاظم بن عبد العظيم الطباطبائي، الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت- لبنان، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1409هـ.
  7. عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، تأليف: ابن أبي جمهور، محمد بن زين الدين، الناشر: دار سيد الشهداء للنشر، قم‏-إيران، الطبعة: الأولى،‏ سنة الطبع: 1405 هـ. 
  8. فرائد الأصول، تأليف: الأنصاري، مرتضى بن محمّد أمين، الناشر: 

ــــــــــ[294]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم- إيران، الطبعة: الخامسة، سنة الطبع: 1416هـ.

  1. الفصول الغروية الى الأصول الفقهية، تأليف: الأصفهاني، محمد ﺣﺴﻴﻦ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ، الناشر: دار إحياء العلوم، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1404هـ.
  2. فضائل الأشهر الثلاثة، تأليف: الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، الناشر، مكتبة الداوري، قم- إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1396هـ.
  3. فوائد الأصول، تأليف: الكاظمي، محمد علي، تقرير أبحاث آية الله العظمى الشيخ محمد حسين النائيني، الناشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم- إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1418هـ.
  4. الكافي، تأليف: الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق، الناشر: دار الكتب الاسلامية، طهران- إيران، الطبعة: الرابعة، سنة الطبع: 1407هـ.
  5. كفاية الأصول، تأليف: الخراساني، محمد كاظم بن حسين، الناشر: مؤسسة آل البيت، قم- إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1409هـ.
  6. المحاسن، تأليف: البرقي، أحمد بن محمد بن خالد، الناشر: دار الكتب الإسلامية، قم – إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1371هـ.
  7. محاضرات في أصول الفقه، تأليف: الفياض، محمد إسحاق، تقرير أبحاث آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي، الناشر: مؤسسة انصاريان للطباعة والنشر، قم- إيران، الطبعة: الرابعة، سنة الطبع: 1417هـ.

ــــــــــ[295]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

  1. مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، تأليف: العلامة الحلّي، أبو المنصور الحسن بن يوسف بن مُطهّر الأسدي، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم- إيران، الطبعة: الرابعة، سنة الطبع: 1433هـ.
  2. مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، العاملي، محمد بن علي، الناشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، سنة الطبع: 1411هـ. 
  3. مصباح الأصول، تأليف: البهسودي، محمد سرور الواعظ الحسيني، الناشر: مكتبة الداوري، قم- إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1422هـ.
  4. المعتمد في شرح العروة الوثقى، تأليف: الخلخالي، محمد رضا، تقرير أبحاث آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي، الناشر: مؤسسة احياء تراث الإمام الخوئي، قم- إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1426هـ، 2005م.
  5. من لا يحضره الفقيه‏، تأليف: الصدوق، محمد بن علي‏ بن بابويه، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم‏-إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1411هـ. 
  6. منهاج الصالحين، تأليف: الخوئي، ابو القاسم بن علي أكبر الموسوي، الناشر: مؤسسة الخوئي الإسلامية، الطبعة الثانية والثلاثون، سنة الطبع: 1424هـ، 2004م.
  7. نهاية الوصول الى علم الأصول، تأليف: الحلي، حسن بن يوسف، الناشر: مؤسسة الإمام الصادق، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1425هـ.

ــــــــــ[296]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

  1. وسائل الشيعة، تأليف: العاملي، محمد بن حسن، الناشر: مؤسسة آل البيت، قم- إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1409هـ.

ــــــــــ[297]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5






فهرس المحتويات

 

الكلام في الفرق بين التعارض والتزاحم 11

الكلام في موارد التنافي بين الحكمين 15

  1. التعارض 15
  2. التزاحم 16

كلام للنائيني 22

التزاحم في الملاكات 23

نتيجة التزاحم في الملاكات 26

المعاني التي ذكرها النائيني للتزاحم 29

القسم الأوّل: التزاحم من جهة عدم القدرة 30

مناقشة تقسيم الشيخ النائيني 32

تحقيق الحال فيما إذا كان التضادّ بين الأمرين دائمياً 34

في عدم انحصار الكلام في التزاحم على مذهب العدليّة 38

القسم الثاني: التزاحم من غير جهة عدم القدرة 44

مناقشة الميرزا 45

المرجّحات عند التعارض والتزاحم 47

ــــــــــ[299]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

أوّلاً: المرجّحات في باب التعارض 47

المرجّح عند تعارض أخبار الآحاد 49

المرجّح الأوّل: موافقة الكتاب 50

المرجّح الثاني: وهو مخالفة العامّة 51

مناقشة المرجّح الأوّل 52

مناقشة المرجّح الثاني 53

المرجّحات الأخرى في باب التعارض 53

مناقشة مرفوعة زرارة 54

مناقشة مقبولة عمر بن حنظلة 54

ثانياً: المرجّحات في باب التزاحم 57

أوّلاً: إذا لم يكن مرجّح 58

ثانياً: إذا كان لأحد المتزاحمين مرجّح 61

أوّلاً: البدل العرضي الاختياري 61

مناقشة البدل العرضي 63

ثانياً: البدل الطولي الاضطراري 64

مناقشة البدل الطولي 66

مناقشة المثال الأوّل 67

مناقشة المثال الثاني 73

القسم الأوّل: التزاحم بين المشروط بالقدرة شرعاً والمشروط بها عقلاً 79

مناقشة ما ذكره 81

ــــــــــ[300]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

تحقيق الحال في المقام 83

القسم الثاني: تقديم المشروط بالقدرة الشرعيّة على مثله بتقدّم الزمان 86

دوران الأمر بين مخالفة النذر وترك الحجّ 88

تحقيق الكلام في المسألة 93

مناقشة صاحب العروة 104

اعتراض النائيني على صاحب العروة 106

القسم الثالث: التزاحم بين الواجبين المشروطين بالقدرة شرعاً 110

التخيير شرعي أو عقلي 113

  1. إحراز تساويهما في الأهمّيّة 113
  2. إحراز أهمّيّة أحدهما 122
  3. احت مال أهمّيّة أحدهما 125

توهّم دخول المسألة في دوران الأمر بين التعيين والتخيير ودفعه 128

القسم الرابع: التزاحم بين الواجبين المشروطين بالقدرة عقلاً 133

صور التزاحم في المقام 134

الصورة الأولى: إحراز تساوي الواجبين في الأهمّيّة 134

الصورة الثانية: إحراز أهمّيّة أحدهما 144

الصورة الثالثة: احتمال أهمّيّة أحدهما 146

التزاحم بين واجبين طوليين زماناً 151

  1. فيما إذا كان الواجبان متساويين ملاكاً 151

ما أفاده النائيني في المقام 154

ــــــــــ[301]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

مناقشة ما أفاده النائيني: 155

ما رتّبه النائيني على الترجيح بالأسبقيّة 160

مناقشة ما ذكره النائيني 162

  1. فيما اذا كان أحد الواجبين أهم من الآخر 163

رأي النائيني في المقام 167

مناقشة كلام النائيني 170

عدم المانع من الالتزام بالشرط المتأخّر 171

في متعلق القدرة 172

منع استحالة اشتراط التكليف الفعلي بالعزم على ترك المتأخّر… 172

مناقشة استلزام اشتراط القدرة في الواجب لتحصيل الحاصل أو اللغو 176

مناقشة ما أفاده من أنّ صرف القدرة في الواجب تعجيز للنفس ومعصية 178

ما رتّبه النائيني على القول بالأسبقيّة أو الأهمّيّة 180

مسألة دوران الأمر بين ترك القيام وترك الركوع 182

  1. فيما إذا كان أحد الواجبين محتمل الأهمّيّة 184

التزاحم بين الواجبات الضمنية 189

اختلاف النتيجة بحسب أدلّة الجزئيّة أو الشرطيّة 192

  1. إذا كان الدليلان لفظيّين 192

ــــــــــ[302]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

  1. إذا كان الدليلان لبيّين 197
  2. إذا كان أحدهما لفظيّاً والآخر لبيّاً 198

فيما إذا كان أحد الدليلين مطلقاً 200

القسم الأوّل: دوران الأمر بين ترك ركن وترك ركن آخر 201

القسم الثاني: دوران الأمر بين ترك ركن وترك ركن بمرتبته العالية 202

القسم الثالث: دوران الأمر بين ترك ركنين بمرتبتهما العالية 204

القسم الرابع: دوران الأمر بين ترك ركن وبين ترك جزء أو شرط 205

القسم الخامس: دوران الأمر بين ترك مرتبة اختياريّة من ركن وبين ترك جزء أو شرط 206

العجز عن الجمع بين جزء في موردين 207

العجز عن الجمع بين جزء وشرط 209

أمر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه 212

تعلّق الأمر بالطبايع 218

تحرير محلّ النزاع 218

الثمرة على الوجهين: 220

الصحيح: تعلّق الأمر بالطبائع 222

الكلام في الواجب التخييري 231

مختار صاحب الكفاية في المقام 233

ــــــــــ[303]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج5

مناقشة صاحب الكفاية 235

الرأي المختار في المقام 239

تعلّق الوجوب بالجامع الانتزاعي 241

التخيير بين الأقلّ والأكثر 245

نسخ الوجوب هل يعني الجواز؟ 251

  1. مقتضى الدليل الاجتهادي 251
  2. مقتضى الأصل العملي 252

الكلام في الواجب الكفائي 257

في رجوع الوجوب الكفائي إلى الوجوب العيني المشروط 261

ما ذكره صاحب العروة ونقده 266

الواجب الموسّع والمضيّق 271

في تبعية القضاء للأداء 275

ما أفاده النائيني 276

مقتضى الأصل العملي في المقام 278

الكلام في الأمر بالأمر 287

ثمرة البحث: شرعية عبادة الصبيّ 289

فهرس المصادر 293

فهرس المحتويات 299