أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
أصول الخوئي الجزء (7)

تقريرات في علم أصول الفقه

الجزء السابع



261

ص44 الصدر، محمد.

تقريرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج7 (264ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1741/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1741) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

1-17-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com



تقريرات في 

علم أصول الفقه

تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ 

آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي

بقلم 

سماحة الحجة آية العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن محمد الصدر 

الجزء السابع  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 




بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[4]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7



ويحتوي على:

  • دلالة النهي على الفساد في العبادة والمعاملة.
  • المفاهيم.

ــــــــــ[7]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7








دلالة النهي على الفساد في العبادة والمعاملة 

  • الأمر الأوّل: الفرق بين المسألتين
  • الأمر الثاني: أنَّ المسألة أصوليّة عقليّة
  • الأمر الثالث: أنَّ محلَّ الكلام في النواهي المولويّة
  • الأمر الرابع: النهي المولوي هل يختص بالنّفسي أو يعمّ الغيري؟
  • الأمر الخامس: ماهيّة الصحّة والفساد 
  • عدم اختصاص النزاع بوجود إطلاق أو عموم 
  • مقتضى الأصل العملي 
  • الشبهة الحكميّة والموضوعيّة 
  • في متعلّق النهي 
  • النزاع في تقسيم الشرط
  • الكلام في العبادات 
  • الكلام في المعاملات

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7



دلالة النهي على الفساد في العبادة والمعاملة(1)

 

الكلام في دلالة النهي على الفساد في العبادة والمعاملة [الكلام في عدِّة أمور]:

الأمر الأوّل: [الفرق بين المسألتين]

 

ذكرنا الفرق بين هذه المسألة ومسألة اجتماع الأمر والنهي مفصلاً، وقلنا أن مسألة الاجتماع يبحث فيها عن سراية الأمر إلى متعلق النهي وبالعكس، وكان هذا المبنى مبنياً على أن العنوان المأمور به والعنوان المنهي عنه، هل هما متحدان خارجاً أو متغايران. وعلى تقدير تغايرهما، فهل يسري النهي من أحد المتلازمين إلى الآخر أو لا. فإذا قلنا بالاتحاد أو بالسراية فلا بدّ من الالتزام بالامتناع، وإن قلنا بعدم الاتحاد وأنكرنا السراية لا بدّ من الالتزام بالجواز.

وعلى القول بالامتناع وتقديم جانب النهي تكون العبادة منهياً عنها، فتلك المسألة على هذا التقدير تتم صغرى من صغريات هذه المسألة حيث يجري نزاع آخر، وهو: أنَّ النهي عن العبادة هل يستلزم فسادها أو لا؟

فتلك المسألة على تقدير محقق لصغرى هذه المسألة.

ــــــــــ[11]ــــــــــ

(1) تاريخ الـشروع في هـذا الكتـاب يـوم 22 شهر رمضـان 1443 هـ، الموافـق 24/4/2022م.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وأمّا في هذه المسألة فقد فرض أنَّ النهي متعلّق بالعبادة، وأنَّ العبادة متعلّقة للنهي، فيقع الكلام في الفساد والصحّة، فالفرق بين المسألتين واضح، وأحدهما أجنبي عن الآخر.

ــــــــــ[12]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

 

الأمر الثاني: [أنَّ المسألة أصوليّة عقليّة]

 

إنّ هذه المسألة من المسائل الأصولية العقلية غير المستقلة.

 تقدّم في أوّل بحث الأصول(1): أنَّ المسألة الأصوليّة هي المسألة  التي تترتّب عليها النتيجة مستقلّاً بلا حاجة إلى ضم مسألة أخرى إليها، وبعد فرض الفساد إذا وجدنا نهياً عن عبادة أو معاملة أو بعد تقديم النهي في المسألة السابقة بعد القول بالامتناع نكون حينئذٍ قد أحرزنا الصغرى، وبعد ضمّها إلى كبرى الدلالة على الفساد يترتّب أنَّ المعاملة أو العبادة فاسدة، فنقول: هذه العبادة قد نُهينا عنها شرعاً كصوم يومي العيدين، وكلّ ما كان كذلك كان فاسداً، فيكون الصوم يومَي العيدين فاسداً، فالكبرى نحرزها في هذه المسألة.

ومن هنا يظهر أنَّ عنوان هذه المسألة: (النهي عن العبادة هل يدلّ على الفساد أو لا؟) ليس على ما ينبغي، فإنَّه ليس الكلام في الدلالة وعدمها، فإنَّه ليس فيه دلالة على الفساد، بل الفساد يترتّب على حكم العقل بالملازمة بين مدلول النهي وهو الحرمة وبين الفساد سواء كانت الحرمة مستفادة من دليل لفظي، أو من غيره كالإجماع، فهذا العنوان يوهم أنَّ هذا البحث داخل في 

ــــــــــ[13]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 90:1.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

المباحث اللفظية، ولذا ذكروها في مباحث الألفاظ، مع أنَّ الأمر ليس كذلك.

ولعلّ هذا العنوان من جهة أنَّ الحرمة غالباً لا تستفاد إلّا من دليل لفظي، وموارد الإجماع قليلة جدّاً، فلذلك عنونوا بهذا العنوان دلالة النهي عن الفساد، ومرادهم بالدلالة: الدلالة الالتزاميّة باعتبار أنَّ لازم الحرمة بحكم العقل هو الفساد، فالدال على الملزوم مدلول النهي، وهو الفساد بنحو الدلالة الالتزاميّة.

فهذه المسألة من المسائل الأصولية العقلية، وهي أجنبية عن الألفاظ بالكلّيّة.

وأمّا كونها مسألة عقليّة غير مستقلّة، فلا نُريد من ذلك أنّها تحتاج إلى شيء آخر يضمّ إلى حكم العقل في إدراكه الملازمة بين الحرمة والفساد، وإلّا فإنَّ العقل مستقلّ بإدراكه الملازمة بين الأمرين، وأنَّ المبغوض لا يكون مقرّباً.

وإنّما نُريد بعدم الاستقلال: أنَّ النتيجة العقليّة لا تترتّب على الحكم العقلي فقط، بل لا بدَّ من إثبات الصغرى بدليل شرعي فتترتّب النتيجة، فترتّبها على حكم العقل ليس على نحو الاستقلال، وإن كان هو في إدراكه للملازمة مستقلّاً، إلّا أنَّ إدراكه على نحو القضيّة الحقيقيّة وعلى وجه كلّي، فلا يترتّب الحكم بفساد عبادة إلّا بعد إحراز الصغرى وهو النهي، ولا يكون هذا الإحراز إلّا بدليل شرعي غالباً، فيكون الحكم العقلي في استنتاج النتيجة غير مستقلّ، كما كان الحال في بحث مقدّمة الواجب، واقتضاء الأمر بشيء للنهي عن ضدّه.

وهذا بخلاف بحث الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع الذي سقط في الأزمنة المتأخّرة، وأنَّه إذا أدرك العقل حُسن شيءٍ أو قُبحه، فهل يحكم الشرع على طبقه أو لا؟ فلو تمّ ذلك وحكمنا بثبوت الملازمة تكون المسألة من المسائل 

ــــــــــ[14]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

العقلية المستقلة، إذ لا نحتاج بعد ذلك إلى أمر آخر في كشف الحكم الشرعي وترتّب النتيجة سوى حكم العقل بحُسن شيءٍ وقُبحه، فإذا استقلّ بالحُسن كفى ذلك في الحكم بوجوبه، وإذا استقل بإدراك قبحه كفى ذلك بحرمته. فهذه مسألة عقلية مستقلّة في ترتّب النتيجة، ولا نحتاج معها إلى ضمّ صغرى شرعيّة.

ولكن حيث ظهر أخيراً أنَّ هذه الملازمة غير ثابتة جزماً، فإنَّ الأحكام الشرعيّة لا تدور مدار حُسن الأفعال وقُبحها بل تدور مدار المصالح والمفاسد، وقد لا يكون شيء حسناً عقلاً، ولكنّه مشتمل على مصلحة ملزمة، أو يكون الفعل بحسب حكم العقل تعدّياً وظلماً، ولكن المصلحة تقتضي لزوم هذا التعدّي، كالتعدّي على المشركين لمصلحة حفظ الإسلام التي أذن الشارع بها(1)، 

ــــــــــ[15]ــــــــــ

() هذا من الشطط في القول لا محالة، فإنَّ  الملازمة وإن فرضنا عدم ثبوتها على الإطلاق إلّا أنَّها بهذا المقدار ثابتة، وهو أنَّ الشارع لا يأمر بالقبيح ولا ينهى عن الحسن، وإن فرضنا أنَّه لا يأمر بالحسن، ولا ينهى عن القبيح فيما إذا لم يكن له فيه غرض ملزم، وهذا المثال ليس من الأمر بالقبيح، بل بالحسن لا محالة، فإنَّ المشركين معتدين على الحقّ، فمن الحسن إرجاعهم إلى الحقّ وتأديبهم على ذلك وقتلهم إن لم يقبلوا، وأمّا المثال الأوّل فهو من أمر الشارع بشيء لا اقتضاء من حيث حكم العقل، فهو لا يكون نقضاً إلّا على من يدّعي انحصار الواجبات بما هو حسن عقلاً، إلّا أنَّ هذا وجداني العدم، وثبوت القاعدة بهذا الإطلاق غير صحيح، فللشارع أن يحكم بما يشاء في الموارد التي لا يكون للعقل فيها حكم معيّن على طبق ما يرى في متعلّقات الأفعال من المصالح والمفاسد. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وللشارع أن يأذن بقتل النفوس، ونهب الأموال، وسبيّ الذراري ممّا فيه مصلحة ملزمة.

فالأحكام الشرعيّة إنّما تدور مدار المصالح والمفاسد، ومن الظاهر أنّه لا طريق لنا إلى كشف المصالح والمفاسد. نعم، لو فرضنا –محالاً- أنَّ العقل أدرك المصلحة الملزمة في شيء من دون نقص ولا مانع، فلا محالة نستكشف الحكم الشرعي منه، إلّا أنَّ صغرى هذا غير متحقّقة، فإنَّ العقل لا طريق له إلى إدراك المِلاكات أبداً.

ولكن لو تمّت الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع كانت من المستقلّات العقليّة، أمّا غيرها من المباحث العقليّة كبحثنا، ومبحث الضدّ، ومقدّمة الواجب، فهي وإنّ كانت مسائل عقليّة إلّا أنَّها غير مستقلّة في ترتّب النتيجة عليها، بل لا بدَّ من ضمّ صغرى شرعيّة إليها.



الأمر الثالث: أنَّ محلَّ الكلام في النواهي المولويّة

 

أوّلاً: إذا كانت العبادة منهياً عنها شرعاً كصوم يوم العيدين، وصوم وصلاة الحائض، فيستفاد منها التحريم. أمّا إذا كان النهي إرشادياً لا مولوياً
-كما هو الغالب في النواهي الواردة في العبادات والمعاملات- فلا يستفاد منها التحريم عرفاً، كما أنَّ الأمر لا يستفاد منه الوجوب، وإنّما يكون إرشاداً إلى الشرطيّة، أو الجزئيّة، أو المانعيّة، مثل قوله: “لا تُصلِّ في وبر ما لا يؤكل لحمه(1) أو “لا تُصلِّ في الحرير المحض(2) أو غير ذلك من النواهي الواردة في العبادات، أو في المعاملات، كقوله: “نَهَى النَّبيّ عَنْ بَيْعِ الْغَرَر(3) وأمثاله ممّا هو ظاهر عرفاً في الإرشاد إلى الفساد.

ــــــــــ[17]ــــــــــ

(1) الكافي 3: 397، باب اللباس الذي تكره الصلاة فيه وما لا تكره، الحديث:21، تهذيب الأحكام 209:2، باب 11، ما يجوز الصلاة فيه من اللباس والمكان وما لا يجوز الصلاة فيه من ذلك، الحديث: 26.

(2) تهذيب الأحكام 207:2، باب 11، ما يجوز الصلاة فيه من اللباس والمكان وما لا يجوز الصلاة فيه من ذلك، الحديث: 18. 

(3) وسائل الشيعة 448:17، باب 40، جواز مبايعة المضطر والربح عليه على كراهيته، الحديث :3.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وليست هذه النواهي محلّاً للكلام، فإنَّ الفساد مدلول مطابقي لهذه النواهي ابتداءً بلا توسّط حكم العقل بالملازمة بين شيء وشيء.

وإنّما نبحث فيما إذا كانت العبادة محرّمةً نفسيّاً، فيتكلّم في لزوم الحرمة الفساد بحكم العقل، أو في عدم المنافاة بين كونه محرّماً وموجباً لاستحقاق العقاب، ومع ذلك يكون صحيحاً وقابلاً لحصول الامتثال.

ثانياً: أنَّ النهي المولوي الذي هو محلّ الكلام هل يعمّ النهي التنزيهي أو يختصّ بالنهي التحريمي، فإذا كانت العبادة مكروهة، فهل تدل على فسادها كما في التحريم، أو إنّ النزاع يختصّ بالنهي التحريمي؟

والمراد بالنهي عن العبادة النهي عن عمل على تقدير أن يكون مأموراً به عباديّاً، يعني: سنخه سنخ العبادات، لا أن يكون عبادة بالفعل، كالصوم في يومي العيدين، فإنَّه ليس عبادة فعلّيّة، ولكنّه لو كان مأموراً به لكان حاله حال غيره في حصول التقرّب به إلى المولى.

وعلى ذلك: فكما يمكن أن تكون العبادة متعلّقة للنهي التحريمي، كذلك يمكن أن تكون متعلّقة للنهي التنزيهي بأن يمنع المولى من التقرّب بخصوص هذه العبادة، لكن ليس النهي بتيّاً تحريميّاً، بل نهيٌّ تنزيهيٌّ، فلو فرضنا أنَّها بذاتها متعلّقة للنهي التنزيهي فلا إشكال في دلالة ذلك على الفساد، والوجه في ذلك ظاهر: فإنَّ عين ما ذكرناه في النهي التحريمي يأتي في المقام، مع زيادة في النهي التحريمي، وذلك أنَّ الفعل لا بُدَّ وأن يكون قابلاً للتقرّب به إلى المولى وأن يضاف إليه خارجاً، والإضافة إليه أمّا بقصد أمر المولى، أو بقصد المحبوبية في الفعل، وإن لم يأمر المولى لمانع، وكلّ منهما مفقود في النهي التنزيهي، فإنَّه بعد أن 

ــــــــــ[18]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

تعلّق النهي التنزيهي بالعبادة وكانت العبادة مكروهة لا يمكن أن يفرض أنَّها مأمورٌ بها، إذ الوجوب والكراهة لا يجتمعان. وكذلك الحال في المحبوبية، فإنَّه بعد فرض أنَّ في هذا العمل منقصة وحزازة فكيف يمكن اشتماله على مصلحة مقتضية للأمر وقابلة للتقرّب بها إلى المولى؟!

إذن، فالعمل غير قابل للتقرّب به، وليس هنا شيء يمكن أن يصحّح التقرّب به من الأمر أو المِلاك، فإنّا ذكرنا أنَّ الأحكام متضادة، ولا يمكن أن يُفرض شيء واحد مأموراً به ومكروهاً، فإذا كانت الكراهة في العبادة بهذا المعنى فيكون النهي التنزيهي متعلّقاً بذات العبادة، ولا ينافي ذلك عبادية الفعل، إذ المراد من العبادي ما لو كان مأموراً به لكان عبادياً، ففي مثل ذلك لا يختلف النهي التنزيهي عن التحريمي، لأنَّ ما فرضناه مكروهاً لا يمكن التقرّب به وإضافته إلى المولى.

أمّا لو فرضنا الكراهة بالمعنى المتقدّم في مبحث اجتماع الأمر والنهي، وحاصله: أنّ الشيء يمكن أن يكون مأموراً به فالمطلوب صرف الوجود، وصرف الوجود يكون مشتملاً على مصلحة ملزمة اقتضت أمر المولى به وجوباً أو استحباباً، ولكنّ بالنسبة إلى تطبيق هذا الطبيعي على أفراده يكون على حدٍّ سواء، يعني: تكون الأفراد متساوية الإقدام في نظر المولى في تطبيق الطبيعي على أيّ منها بالنسبة إلى الملابسات الخارجيّة من مكان، أو زمان، أو غيره، فحينئذٍ يتخيّر المكلّف من قبل المولى في تطبيق الطبيعة على أيّ فرد شاء.

وقد يُفرض أنَّ المولى يمنع عن تطبيق الطبيعة على فرد منعاً تحريمياً، فمثل هذا المنع يوجب تقييد دليل الواجب بغير هذا الفرد؛ إذ لا يجتمع الترخيص 

ــــــــــ[19]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

والمنع في مورد وأحد، ومعناه: أنَّ الطبيعة المأمور بها لم يرد رخصة من قبل المولى في تطبيقها على هذا الفرد، فمثل هذا النهي يقتضي تقييد دليل الوجوب والاستحباب بغير ذلك.

أمّا إذا كان النهي تنزيهياً بأن نهى عن تطبيق الطبيعة على فرد، إلّا أنَّه ليس نهياً حتمياً إلزامياً، فلا مقتضي لتقييد الإطلاق، بل يبقى الإطلاق على حاله، فهو يأمر بالصلاة أينما أراد المكلّف سواء أوقعها في داره، أو في المسجد، أو في الحمام، ولكنّه يمنع عن تطبيقها على الصلاة في الحمام منعاً غير حتمي ويرخّص بالتطبيق، فلا يدلّ هذا النهي على الفساد ولا يوجب تقييد الإطلاق(1)، فالعمل قابل للتقرّب به، فإذا قصد المكلّف التقرّب به فيحصل به الامتثال.

إذن، لا بُدَّ من التفصيل في النهي التنزيهي بين ما إذا كانت العبادة بذاتها متعلّقاً له فيحكم بفسادها لعدم المقتضي للصحّة، وبين ما إذا كان متعلّقه خصوصية في العبادة لا ذاتها كإيقاعها في زمان معيّن، أو مكان مخصوص، أو في حالة خاصّة كحالة الكسل، فالنهي المتعلّق بالخصوصية إذا لم يكن إلزامياً يبقى الإطلاق على حاله، فلا يدلّ هذا الوجه على الفساد.

نعم، لو فرضنا أنَّ النهي كان تحريميّاً، ويوجب سدّ الطريق فلا يجتمع مع الترخيص لا محالة، فيقيّد دليل الواجب ودليل المستحب بغير ذلك، فلا فرق في النهي التحريمي بين تعلّقه بنفس الواجب، أو تعلّقه بخصوصية من خصوصياته.

ــــــــــ[20]ــــــــــ

() يعني: إطلاق دليل الواجب بغير هذا الفرد. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

 

الأمر الرابع: النهي المولوي هل يختص بالنّفسي أو يعمّ الغيري؟

 

إنَّ النهي الغيري يتصوّر في موردين(1):

المورد الأوّل: إذا كان الشيء مقدّمة للحرام، فيقال: مقدّمة الحرام حرام كما أنَّ مقدّمة الواجب واجبة -وهذا ممّا تقدّم الكلام فيه(2)– وقلنا: لا وجه لاتصاف مقدّمة الحرام بالحرمة أبداً سواء كانت من المقدمات الإعدادية التي يتوسّط اختيار المكلّف بينها وبين المقدمة، أو كانت بنحو ما يتمكن منه المكلّف لكن لا يترتّب عليها الحرام ضرورةً، فيبقى المكلّف مخيّراً بين الإتيان بالحرام وتركه، وفي مثل ذلك لا موجب للنهي عنها أصلاً، فإنَّ القدرة على ترك الحرام لا يتوقّف على تركها، بل قبلها وبعدها هو قادر أن يفعل أو لا يفعل، فلا موجب لنهي المولى أصلاً، بل يصل المولى إلى غرضه بنهيه عن ذي المقدّمة.

وأمّا المقدّمات التي يتوقّف عليها المحرّم قهراً كالعلّة والمعلول أو ما يشبههما بحيث لا يقدر بعد الإتيان بها على ترك ذيها، بل يترتّب الحرام على 

ــــــــــ[21]ــــــــــ

() هكذا ذكر السيّد، وهو يحتوي على مسامحة في الترتيب. (المقرّر).

(2) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 3: 12،11.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الإتيان بها قهراً، ففي مثل ذلك تقدّم(1): أنَّ النهي عن ذي المقدّمة كافٍ في وصول المولى إلى غرضه، ولا موجب لنهي آخر يتعلّق بالمقدّمة، ولا يكون النهي عنها دخيلاً في الاجتناب عن الحرام فيكون لغواً محضاً.

المورد الثاني: المقدّمة التي يقصد بها التوصّل إلى الحرام والإتيان به، ومثل هذه المقدّمة لا بأس بالالتزام بحرمتها من باب التجرّي، فإنَّه طغيان على المولى وتجرّي في مقام العبودية، فهذه المقدّمة لا تكون قُربية، لأنَّ العبادة لا بُدَّ أن يقصد بها التقرّب إلى المولى، فكيف يكون ما أتى به بقصد البُعد عن المولى مُقرّباً إليه؟ فعدم حصول التقرُّب من جهة منافاته للقصد الذي فُرض في المقدمة وهو عصيان المولى. فتقع فاسدة سواء قلنا بالنهي عن المقدّمة أو لم نقل، فلو فُرض أنّنا بنينا على أنَّ مثلها من المقدمّات ليست محرمة؛ لأنّها ليست تجرّيّاً، أو لأنَّ التجرّي ليس بحرام، فلا يتوقّف القول بالفساد على ذلك، إذ يعتبر في صحّة العبادة أن يؤتى بها بقصد قُربي، والمفروض قصد المُبعد بها، فالنهي هنا أجنبي عن الفساد وعدمه، فعلى القول بحرمة المقدّمة وعدمه لا بُدَّ من القول بفسادها.

المورد الثالث: النهي الغيريّ الذي يفرض في باب الضدّ بناءً على أنَّ الأمر بشيء يقتضي النهي عن ضدّه، فإذا فرضنا أنَّ ضدّ العبادة واجب بالفعل، وقد أتى بالعبادة وتركه، كإزالة النجاسة عن المسجد المضادّة للصلاة -فرضاً- فيترك الإزالة باختياره ويشتغل بالصلاة، فإذا قلنا: إنَّ الأمر بشيء يقتضي النهي 

ــــــــــ[22]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 3: 354-362.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

عن ضدّه، فيقع الكلام في أنَّ هذا النهي -الذي هو غيريّ- هل يدلّ على الفساد أو لا يدلّ؟

وهنا يجري فيه عين ما تقدّم، فإنّ وجود النهي وعدمه سيان، ولا أثر للنهي بالحكم بفساد هذه العبادة، فإنّ الأمر بشيءٍ وإن لم يكن مقتضياً للنهي عن ضدّه، إلّا أنَّه يستلزم عدم الأمر بالضدّ لا محالة، إذ لا يُعقَل الأمر بالضدّين في وقت واحد. نعم، لو قلنا بالترتّب فلا بأس بأن يكون كلا الضدّين مأموراً به بنحو الترتّب، ولكن لو أنكرناه فالأمر بالضدّين مستحيل، فالأمر بالشيء يلازم عدم الأمر بضدّه لا محالة.

فإن قلنا: إنَّ العبادة المضادة للواجب، مشتملة على المِلاك وإن لم يكن مأموراً بها كما ذهب إليه صاحب الكفاية(1)، فنحكم حينئذٍ بالصحّة على كلا التقديرين، يعني: سواء كان منهياً عنها أو لا، لأنَّ هذا النهي الغيريّ لا ينافي الاشتمال على المِلاك، وأن يكون بذاته قابلاً للتقرّب به إلى المولى، إلّا أنَّ المولى بالعرض طلب تركه تقديماً للواجب الأهمّ، فهذا النهي لا يستلزم الفساد؛ لأنّه لم ينشأ عن مبغوضيّة وحزازة بالفعل، بل الفعل باقٍ على محبوبيته كما كان قبل النهي، فلو فرضنا أنَّ المكلّف لم يأتِ بالواجب الأهمّ، وأتى بالمقدّمة قاصداً بها التقرّب فيحكم بصحّتها، وإن كان عاصياً من جهة النهي.

وإن لم نقل باشتمال الفعل على المِلاك لعدم الطريق إلى إحرازه، إذ كما يمكن عدم الأمر لوجود المانع، كذلك يمكن أن يكون لعدم المقتضي، وقد قلنا: 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 133 ،134.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

إنّه لا طريق لنا إلى استكشاف الملاكات الواقعية عن غير طريق الأمر، وقد فرضنا أنَّه سقط، فحينئذٍ يحكم بالفساد على كلا التقديرين سواء قلنا: إنَّ الأمر بشيء يقتضي النهي عن ضدّه أو لا.

وعلى كلّ حال يتوقّف صحّة العبادة على كون الفعل مأموراً به، أو مشتملاً على المحبوبية، وقد فرضنا أنَّ كليهما غير موجود، لا الأمر لوجود الأمر بضدّه، ولا طريق لنا إلى إحراز الملاك فيحكم بفساده.

ومن ذلك يظهر: أنَّ النهي الغيريّ لا يقتضي الفساد في مورد من الموارد أبداً، وإذا حكم بالفساد فهو لأمر آخر، وإلّا فلا يحكم به حتى مع وجود النهي الغيريّ. فالنزاع ينحصر بالنواهي المولويّة النّفسيّة.

ثُمَّ إنَّ المراد بالعبادة كلّ عمل من شأنه أن يكون عبادياً، يعني: سنخه سنخ العبادات، كالصوم، والحج، ونحوه بحيث لو كان مأموراً به لكان أمره عبادياً ولا يسقط إلّا بالتقرّب، وإلّا فلا يمكن أن يكون شيء عبادةً بالفعل وقابلاً للتقرّب به بالفعل، ويكون حراماً؛ إذ الحرام يستحيل التقرّب به، فكونه عبادة ومحرّمة لا يجتمعان في مورد واحد، فإذا كانت العبادة مأموراً بها أو مشتملة على الملاك وإن لم يكن أمر لمانع -كما اختاره صاحب الكفايةفالعبادة بهذا المعنى إذا تعلّق بها النهي فهل يدلّ على فسادها أو لا؟ بل يمكن الإتيان بهذا العمل بداعٍ من الدواعي ويحكم بصحّته، وإن كان عاصياً في جهة النهي.

وأمّا المعاملة فليس المراد بها المعنى الأخصّ للمعاملات، يعني: كلّ عمل يحتاج إلى إيجاب وقبول، كما أنَّه لا يعمّ ما لا يحتاج إلى إنشاء وقصد، وهو 

ــــــــــ[24]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

المعاملات بالمعنى الأعمّ في مقابل العبادات كغسل الثوب، وتطهير البدن، فإنّه لا يحتمل أن يكون النهي عنها دالّاً على الفساد وعدم ترتّب الأثر، فلو غسل ثوبه بماء مغصوب لا يحتمل عدم ترتب الأثر على هذا العمل لأجل النهي المولوي، ولا ملازمة بين الأمرين.

بل موضوع البحث كلّ أمر إنشائي يتوقّف ترتّب الأثر عليه على القصد والاختيار، وهذا هو معنى المعاملات الأعمّ من العقود والإيقاعات، فيقع الكلام في أنَّ عقداً من العقود، أو إيقاعاً من الإيقاعات، فيما لو فرضنا أنّه محرّم شرعاً، فهل الحرمة تدلّنا على أنّ الشارع لم يمضِ هذه المعاملة؟ أو أنّ الحرمة لا تلازم البطلان؟ بل يمكن أن تكون المعاملة محرّمة ويُعاقَب على إيقاعه لها، ومع ذلك يحكم بصحّته، فالحكم الوضعي منفكٌّ عن الحكم التكليفي، فيحكم من حيث الحكم الوضعي بترتّب الأثر على هذه المعاملة، وإن كان الحكم التكليفي لها حراماً يُعاقَب عليه، فالبحث عن ثبوت هذه الملازمة، والنزاع في موردين: في العبادة، وفي الإنشائيات بالمعنى الأعّم من العقود والإيقاعات.

ــــــــــ[25]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7








الأمر الخامس: ماهيّة الصحّة والفساد 

 

هل الصحّة والفساد أمران واقعيّان؟ أو أمران اعتباريّان؟ أو إنَّ هنا تفصيلاً بين الصحّة في المعاملات، والصحّة في العبادات؟ فالصحّة في العبادات من الأمور الواقعية التي تنتزع من مطابقة المأتي به للمأمور به، فلو انطبق المأمور به على ما وُجِدَ خارجاً بجميع شروطه وأجزاءه نحكم بالصحّة وإلّا حكمنا بالفساد، وأمّا الصحّة والفساد في المعاملات فهما مجعولان؛ إذ لا معنى لصحّة المعاملة إلّا حكم الشارع بترتب الأثر عليه، فيقال: إنَّ البيع صحيح، والمبيع انتقل إلى المشتري والثمن  انتقل إلى البايع، وإنّ الطلاق صحيح، والمرأة انفصلت عن زوجها وحصل الفراق بينهما، أو إنَّ العتق صحيح، والعبد خرج من الرقيّة إلى الحريّة، وإن لم يحكم بترتّب الأثر بل حكم بأنَّ الأمر الأوّل باقٍ على حاله، كأنَّ العقد أو الإيقاع لم يقع كبيع الصبي، وطلاق الأجنبي، وهذا يعني: أنَّ الشارع لم يحكم بالصحّة في هذه الموارد. إذن، تكون الصحّة والفساد من الأحكام المجعولة.

تفصيل صاحب الكفاية

وهنا تفصيل آخر بين الصحّة بالإضافة إلى الحكم في مورد الأحكام الواقعية، والصحّة بالإضافة إلى الأحكام الظاهرية، فيقال: إنَّ الصحّة في مورد 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الأحكام الواقعية أمر واقعي في العبادات والمعاملات، وأمّا الصحّة في موارد الأحكام الظاهرية فهي مجعولة بجعل الشارع.

وقد ذكر صاحب الكفاية(1) في وجه التفصيل الذي اختاره بين العبادات والمعاملات ما حاصله: أنَّ الصحة والفساد في العبادات منتزعة من مطابقة المأمور به للمنهي عنه في الخارج، فإن تطابقا فالعبادة صحيحة، لأنَّ المأمور به منطبق على العمل بتمام قيوده وشرائطه، وإن لم يتطابقا فيحكم بالفساد باعتبار فقدها لجزء أو شرط، فالصحّة والفساد واقعيّان من دون أن تناله يد التشريع.

والوجه في ذلك واضح: فإنَّ العبادة ما لم يفرض وجودها في الخارج في مقام التشريع لا يمكن أن تتصف بصحّة أو بفساد، فإنَّ الشارع إذا أوجب الصلاة لا معنى لأن يقال: إنّها في مقام التشريع صلاة صحيحة أو فاسدة، بل الصحة والفساد ينتزعان من المأتي به خارجاً، فإذا أتى المكلّف بما هو وظيفته في الخارج، فلا يخلو أمر العبادة بين أن تكون واجدةً لجميع الأجزاء والشرائط التي تعلّق بها الأمر، وبين أن تكون فاقدة لشيء منها، فعلى تقدير وجدانها لجميع ما اعتبر في الواجب يُنتَزَع منها عنوان الصحّة وإلّا فيُنتَزَع منها عنوان الفساد.

إذن، فهما من العناوين الانتزاعيّة، ومنشأ الانتزاع انطباق المأمور به على ما في الخارج وعدم انطباقه، فهما أمران واقعيان يتحققان بتحقق منشأ الانتزاع، 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 184،183.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وهو تحقّق المأمور به بقيوده وشرائطه، هذا بالنسبة إلى العبادة.

وذكر(1): أنَّ الصحة في المعاملات باعتبار ترتّب الأثر عليها، يعني: إمضاء الشارع لما اعتبره وأنشأه المكلّف في الخارج، فإذا كان الشارع ممضياً لها فمعنى ذلك أنَّ المعاملة -بالمعنى الأعمّ- صحيحة، فيقال: البيع حلال، والمصالحة جائزة بين المسلمين، والنكاح صحيح، وهكذا. أمّا إذا لم يمضه الشارع، فيقال: بيع الغَرر باطل، والبيع الربوي باطل فاسد، ونكاح الشِّغار فاسد.

فمنشأ اتصاف المعاملة بالصحّة والفساد هو إمضاء الشارع لها وعدمه، فإذا كان مورداً للإمضاء الشرعي كان صحيحاً، وإن لم يكن مورداً له كان فاسداً باعتبار أنّ الشارع لم يرتّب عليها أثراً، وإن كان البايع والمشتري قد اعتبرا المعاملة، وقد حصل النقل والانتقال باعتبارهما، إلّا أنَّه لم يرد لها إمضاء كي يقال: إنَّها فاسدة. إذن، الصحة والفساد أمران ينتزعان من إمضاء الشارع ما أنشأه المتعاملان، أو المنشأ فقط في الإيقاعات وعدم إمضائه لها.

جوابنا على الآخوند

لكنّ الظاهر أنَّه لا فرق بين المعاملات والعبادات في هذا المقام، فكما أنَّ العبادات قبل فرض وجودها في الخارج وفي مقام التشريع والجعل لا تتصف بصحّة ولا فساد، فهما من العناوين المترتّبة على الوجود الخارجي، فالصلاة التي لم يأتِ بها المكلّف لا معنى أن يقال فيها: إنَّها فاسدة. فكذلك المعاملات، 

ــــــــــ[28]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 184.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فإنَّ المعاملة التي لم يُفرض وجودها في الخارج لا معنى لأن يقال فيها: قد ترتّب الأثر عليها أو لم يترتّب، أو إنَّها صحيحة أو فاسدة، فإنَّ ترتّب الأثر من آثار الوجود الخارجي، فإذا وجدت المعاملة حكم عليها بالصحّة أو الفساد، فالبيع المعدوم لا معنى لأن يقال عنه: إنّه فاسد، أو صحيح، فغير الموجود لا يتّصف بصحّة وفساد، فحال المعاملة من هذه الجهة حال العبادة، ومجرّد أنَّ الشارع أمضى معاملة في مرحلة التشريع أو لم يمضها لا يوجب الاتصّاف بالصحّة والفساد، فإنَّ مرحلة التشريع في المعاملات كالتشريع في العبادات، ومجرّد تشريعها مع عدم وجودها في الخارج لا يصحّح اتّصافها بالصحّة والفساد إلّا على نحو الفرض والتقدير.

إذن، لا فرق بين المعاملة والعبادة من هذه الجهة، فهما في كلا البابين(1) تنتزعان من الإتيان بالمأمور به، أو ما أمضاه الشارع على الموجود الخارجي، فإن كان منطبقاً عليه ولم ينقص جزءاً ولا شرطاً، فعندئذٍ يقال: إنَّه صحيح، وإن أنقص منها شيئاً، فيقال: إنَّه فاسد.

وعليه: الصحة والفساد أمران تكوينيان ينتزعان من الانطباق وعدمه، وليس مّما تناله يد التشريع أبداً. نعم، يمكن أن تنال يد التشريع ما هو مقدّمة له، وهو إيجاب المولى للصلاة وإمضاؤه للمعاملة.

وبهذا ظهر: أنّ الصحّة والفساد بحسب موارد التكليف الواقعي أمر تكويني، وكذلك الصحّة الظاهرية والفساد الظاهري بالنسبة إلى الأمر 

ــــــــــ[29]ــــــــــ

() العبادات والمعاملات. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الظاهري، فإنَّه أيضاً ينتزع من انطباق الحكم الظاهري على المأتيّ به في الخارج، فلو كانت وظيفة المكلّف بحسب الحكم الظاهري الوضوء ثُمَّ الصلاة مع كونه يشكّ في طهارة الماء، فعلى تقدير نجاسة الماء والانحصار به فتكون وظيفته التيمم، فلو قامت البيّنة على الطهارة، أو أُجريت أصالة الطهارة، أو استصحبت، فتقع الصلاة صحيحة حينئذٍ، إذ المأمور به الظاهري منطبق على العمل، فيقال: هو صحيح ظاهراً بخلاف ما لو لم يكن منطبقاً. والإتيان بالمأمور به من أيّ أمر كان سواء كان واقعياً أو ظاهرياً أو اضطرارياً -وكذا في المعاملات- فكلّ فرد بالنسبة إلى الطبيعي الملحوظ بالإضافة إليه إذا كان فرداً تامّاً فهو صحيح واقعي، أو ظاهري، أو اضطراري، وإلّا فهو فاسد.

وأمّا الصحّة الظاهرية بالنسبة إلى الواقع، بمعنى: الحكم على هذه العبادة صحيحة واقعاً، والحال أنَّه لا طريق لنا إلى إحراز الواقع، وإنّما اتبعنا في ذلك دليلاً أو أصلاً من الأصول الشرعيّة، كما لو توضّأ بماء مستصحب بالطهارة، فإنَّ الصحّة الظاهرية وجدانيّةٌ تكوينيّةٌ منتزعة من مطابقة المأمور به الظاهري للمأتي به في الخارج. أمّا بالنسبة إلى الواقع فلا نعلمه، إذ نحتمل أنَّ الواقع منطبق عليه، وأنَّ وظيفتنا الصلاة مع الغسل، أو غير منطبق عليه، وأنَّ وظيفتنا الصلاة مع التيمم. إذن، لا نعلم أنَّ هذا العمل صحيح واقعاً أو لا.

ومع ذلك لا نُعيد الصلاة؛ لأنّ الشارع قد حكم بصحتها، وحكمه معذّر عن مخالفة الواقع لو كان الماء نجساً، فيحكم الشارع بالانطباق تعبّداً، وأنَّ الوظيفة الواقعيّة هي الوظيفة لأنَّ المكلّف شاكٌّ في ذلك، فهنا الانطباق 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

مشكوك وجداناً، ولكنَّ الشارع لدليل أو أصل حكم بصحّة الصلاة، فيكون الحكم بالصحّة الظاهرية بالنسبة إلى الواقع من المجعولات الشرعيّة.

وبعبارة أخرى: كما أنَّ الشارع يجعل الحكم واقعاً، كذلك له أن يجعل الحكم ظاهراً، فيحكم بأنَّه منطبق على الواقع، أو غير منطبق في فرض الشكّ، فإذا حكم بالانطباق فقد حكم بالصحّة تعبّداً، وإلّا فقد حكم بالفساد.

وأوضح موارد حكم الشارع بالصحّة قاعدة الفراغ، فإنَّ المكلّف بعد أن ينتهي من صلاة الفجر -مثلاً- لا يدري أنّ الواقع منطبق على هذا الفرد أو لا؛ إذ لعلّه صلّى ركعة واحدة، أو أنقص ركوعاً، أو صلّى بغير وضوء، ففي مثل ذلك حكم الشارع تعبّداً بعدم الاعتبار بالشكّ، وأنّ الشارع يُمضي ما أتى به المكلّف في الخارج، ومعناه: أنَّ الشارع يحكم بأنَّ الواقع منطبق على ما في الخارج تعبّداً، وإن كان المكلّف لم يحرزه، فتكون الصحّة الشرعيّة مجعولة بحكم الشارع، ولولاه لوجبت الإعادة بقاعدة الاشتغال لا محالة.

تفصيل الميرزا النائيني

قد يفصّل بين الصحة والفساد في العبادات، فيقال: إنّهما واقعيان ينتزعان من مطابقة المأمور به مع المأتي به في الخارج، ومن المعلوم أنَّ المطابقة أمر تكويني خارجي لا تناله يد التشريع استقلالاً أو تبعاً، كما أنَّ الفساد ينتزع عن عدم المطابقة. وأمّا في المعاملات فمنشأ الصحّة والفساد هو حكم الشارع بترتب الأثر وإمضاء ما بنى عليه العقلاء من حصول الأثر من الملكية أو الزوجية، فإذا حكم بترتُّب الأثر على المعاملة بالمعنى الأعمّ حُكم بأنَّها صحيحة، وإذا حكم 

ــــــــــ[31]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

بأنَّ المال باقٍ على مالكه الأول فيحكم بالفساد، فالصحة والفساد منتزعان من الحكم الشرعي، وهما مجعولان بالتبع، فإنَّ المجعول بالأصل هو الملكية والزوجية وينتزع منهما الصحّة والفساد.

 هذا ما ذكره صاحب الكفاية (1).

ثُمَّ إنَّ شيخنا الأستاذ لم يرتضِ تفصيل صاحب الكفاية، وذكر تفصيلاً آخر(2)، وحاصله: أنّ الصحّة بالنسبة إلى الواقع لا يفرَّق فيها ما بين العبادة والمعاملة، فإنّهما لا ينتزعان إلّا من الوجود الخارجي، وهو الذي يتّصف بالصحّة والفساد، وقبل الوجود خارجاً لا معنى للصحة والفساد، فالصلاة المعدومة لا معنى لصحّتها أو فسادها، بل لا بُدَّ من فرض وجودها في الخارج، فإن كانت جامعة للأجزاء والشرائط بلا نقيصة يحكم عليها بالصحّة، وإذا كانت ناقصة يحكم عليها بالفساد. والأمر كذلك في المعاملات، فإنَّ البيع ما لم يفرض وجوده في الخارج لا يحكم عليه بصحّة وفساد، بل لا بُدَّ من فرض وجوده خارجاً، فإنّ كان واجداً للقيود المعتبرة في البائع والمشتري والمال فيحكم بصحّته، وإلّا لو كان فاقداً لشيء منها يحكم بفساده، فكما أنَّ العبرة بالصحّة والفساد في الوجود الخارجي في العبادات، كذلك الأمر في المعاملات. إذن، فالصحّة والفساد بالنسبة إلى الواقع، تعني: الصحّة والفساد الواقعيين، وهما ينتزعان من مطابقة المأمور به مع المأتي به، كذلك مطابقة 

ــــــــــ[32]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 184.

(2) انظر: أجود التقريرات1: 392،391.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الموجود الخارجي مع ما أمضاه الشارع بنحو كلّي.

وأمّا بالنسبة إلى الصحّة والفساد الظاهرية(1)، فهو قابل للجعل في العبادات والمعاملات، وقد ذكرنا فيه ما لو احتملنا أن يكون ماء نجساً أو مضافاً، ولكنّ قامت البيّنة على أنَّه ماء، وبعد الوضوء والصلاة نحتمل فساد الصلاة وجداناً؛ إذ لعلّ الواقع غير منطبق على هذا الفرد؛ فالوظيفة الفعلّيّة هي التيمّم لا الوضوء، أو إنَّها الوضوء بغير هذا الماء، إلّا أنَّ الشارع حكم بصحّته تعبداً، وانطباق المأمور به على هذا الموجود الخارجي، فإنَّ يد الشارع مبسوطة في مرحلة التشريع وفي مرحلة الامتثال، فكما أنَّ له أن يشرّع حكماً كلّياً في الواقع، كذلك له أن يحكم بحصول الامتثال في مورد، وبعدم حصوله في مورد آخر، والأمارات والأُصول الجارية في الشبهات الموضوعيّة من هذا القبيل، بمعنى: أنَّ حكم الشارع بالانطباق وعدم الانطباق قابل للجعل والتشريع بنفسه، فيحكم الشارع بصحّة العبادة وإن كانت فاسدة في الواقع، وكذلك الأمر في المعاملات، فإذا شكّكنا في صحّة معاملة وفسادها بعد العلم بصدورها من شخص نحكم بصحّتها لا محالة لأصالة الصحّة(2)، وأنَّ الشارع قد حكم 

ــــــــــ[33]ــــــــــ

() انظر: أجود التقريرات1: 392.

(2) أصالة عدم تماميّة الشروط حاكمة على أصالة الصحّة، فيكون الأصل في المعاملة البطلان، وإنَّما تجري أصالة الصحّة عند الشك في بعض شرائط المكلّف والمال كالملكية، فإنّ قاعدة اليد والسوق تقتضي الصحّة، أمّا لو شكّكنا مثلاً بالبلوغ أو العقل فالأصل يقتضي عدمهما، ويكون حاكماً على أصالة الصحّة. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

بصحّتها، وأنَّها صحيحة وواجدة(1) لتمام الأجزاء والشرائط بالتعبّد الشرعي، وإلّا فإنّنا بالوجدان نحتمل فساد العقد أو الإيقاع، ولكن في مرحلة الظاهر يحكم الشارع بالصحّة. هذا ملخّص ما أفاده.

رجوع كلام الميرزا إلى كلام الآخوند 

والظاهر التزامه بكلا الأمرين، فهو يلتزم بما أفاده صاحب الكفاية من أنَّ الصحة والفساد في العبادات من الأُمور الواقعية، فإنّهما يُنتزَعان من انطباق المأمور به على المأتي به وعدمه، والانطباق من الأمور الواقعية التكوينية، لكن بالنسبة إلى الصحّة الواقعية، وبالنسبة إلى الحكم الظاهري فهي مجعولة، فيُفصَّل حينئذٍ ويقال: إنّ الصحّة الواقعية غير قابلة للجعل، فإنّها تُنتَزَع من الانطباق وعدمه، وهو أمر تكويني لا تناله يد التشريع، وأمّا الصحّة الظاهرية(2) فلا مانع لأن تُجعَل في موارد الشكّ، وأن يحكم الشارع بالانطباق أو عدمه، فإذا شكّ المكلّف في حصول الامتثال وعدمه، فقد يحكم الشارع بحصول الامتثال كالشكّ بعد الفراغ، أو التجاوز، أو الأصول العملية، وقد لا يحكم بذلك، 

ــــــــــ[34]ــــــــــ

() جريان أصالة الصحّة مع التسليم بجريانه لا يثبت تماميّة شرائط العقد إلّا باللازم العقلي فيكون مثبتاً. نعم، يكون مصحّحاً للعقد حتّى على تقدير نقصانه، واقعاً فيكون مفاده التقييد لأدلّة شرائط العقد بغير حالة جريانه، فتأمّل. (المقرّر).

(2) يعني: الصحّة الواقعيّة بالنسبة للحكم الظاهري، وإلّا فإنَّ الصحّة الظاهريّة بالنسبة إلى الحكم الظاهري قد سبق أنَّها أيضاً منتزعة من الانطباق، وهو تكويني غير مجعول. فراجع. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

كالشكّ قبل التجاوز. إذن، نلتزم بأنَّ الصحّة الواقعية غير مجعولة، والصحة الظاهرية مجعولة في العبادات.

وأمّا بالنسبة إلى المعاملات فالظاهر أنَّ كليهما مجعول للشارع، وليست الصحّة في المعاملات مُنتَزَعة من انطباق شيء على شيء، بل هي مُنتَزَعة من حكم الشارع بترتّب الأثر على المعاملة وعدمه، فإن حكم بترتب الأثر على معاملة فيُنتَزَع منه عنوان الصحّة، وعندئذٍ يقال: إنّه صحيح، بمعنى: إمضاء الشارع له، وإلّا فهو فاسد.

والوجه في ذلك: أنَّ هناك فرقاً بين المعاملات والعبادات، فإنَّه في العبادات نسبة الحكم إلى العبادة نسبة الحكم إلى متعلّقه، والعبادة هي المطلوبة من المكلّف، ولم يفرض وجودها في الخارج، بل الشارع يطلب وجوده فيكون الحكم فعليّاً، مع أنَّه لم يفرض وجوده في الخارج، فلو أمر المكلّف بالصلاة وفرضنا أنَّ سائر الشرائط لفعلّيّة التكليف موجودة، فتجب عليه الصلاة، فالحكم بوجوبها يكون فعلياً بوجود موضوعه بتمام قيوده، ومع ذلك لم يفرض وجود صلاة في الخارج، بل يجب عليه إيجادها، فهي متعلّق الوجوب لا موضوعه، وإنّما الموضوع هو وجود المكلّف، ودخول الوقت، والعقل، والبلوغ، وعدم الحيض، والنفاس، وغير ذلك من شرائط الصلاة الدخيلة في فعليّتها، وكذلك بالنسبة إلى الواجبات الأخرى كالصوم، والحج، وغيرها، فالحكم يكون فعليّاً ومع ذلك لم يفرض وجود المتعلّق في الخارج، بل أمر المتعلّق بيد المكلّف، قد يوجده فيكون مطيعاً، أو لا يوجده فيكون عاصياً.

ــــــــــ[35]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

ومن ثَمَّ، فبَعد الفعليّة وقبل إيجاد الامتثال لا معنى للصحّة والفساد، فإنَّه إذا لم يفرض وجود الصلاة في الخارج لا معنى للذهاب إلى أنّها صحيحة أو فاسدة، بل لا بُدَّ من فرض وجودها في الخارج، فإن كانت جامعة لجميع الشرائط والأجزاء المعتبرة فيها نحكم بالصحّة، وإذا كانت فاقدة لشيء منها فيُحكَم بالفساد. إذن، الصحّة والفساد في مرتبة متأخّرة عن فعلّيّة الحكم، والحكم يكون فعلياً، ومع ذلك لا تصدق الصحّة والفساد، بل لا بُدَّ من فرض وجود الفعل والامتثال في الخارج، وفي هذه المرحلة يحكم بالصحة والفساد باعتبار انطباق المأمور به على المأتي به في الخارج.

وأمّا في المعاملات كالبيع، والإجارة، والنكاح، والعتق، والوقف، وغيرها من العقود والإيقاعات فنسبتها إلى الأحكام ليست نسبة المتعلّق إلى الحكم بل نسبة الموضوع إلى الحكم -كما ذكرناه غير مرّة- وليس البيع متعلّقاً للحكم بالملكية، أو النكاح متعلّقاً للحكم بالزوجية، بل هما موضوع له، فالشارع يفرض وجود بيع في الخارج فيحكم عليه أنَّه حلال، فالحكم بالحليّة حكم على بيع فرض وجوده، والحكم بالصحّة على النكاح حكم على نكاح فرض وجوده، فنسبة المعاملات بالمعنى الأعمّ من العقود والإيقاعات إلى هذه الأحكام نسبة الموضوعات إلى الأحكام.

والموضوع بالنسبة إلى جميع الأحكام التكليفيّة والوضعيّة لا بُدَّ من فرض وجوده والحكم عليه بشيء، فمعنى قوله تعالى: أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ(1) أنَّ الشارع 

ــــــــــ[36]ــــــــــ

(1) البقرة: 275.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

رخّص بالبيع ولم يسدّ الباب على المكلّفين، فمتى ما وجد في الخارج بيع وتحقق فهو ممضى من قِبَل الشارع، ومعنى قوله : “الصُّلْحَ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِين(1) أنَّه متى ما فرض وقوع الصلح يترتّب عليه المقصود، فهذه الأحكام تعلّقت بعد فرض فعلّيّة الموضوع خارجاً.

ومعنى ذلك: أنَّ الشارع قد فرض بيعاً جامعاً للشرائط، وحكم في مورده بالحلّية وأمضاه.

إذن، ففعليّة الحكم لا تنفكّ عن الصحّة، فإذا حكم بالملكية عند وقوع البيع في الخارج انتُزِعَت منه الصحّة، وقبل وجود العقد لا حكم إلّا بنحو كلّي، كما في الحكم الموجود قبل تحقق الاستطاعة بنحو القضيّة الحقيقيّة، وبعد فرض وجوده في الخارج صار الحكم بالملكية فعلياً، وبمجرد الحكم بالملكية يتصف بالصحّة، ولا يكون هناك فصل بين فعليّة الحكم وبين الحكم بالصحّة.

وهذا بخلافه في العبادات، فأنَّ الحكم يكون فعلياً، ومع ذلك لا يحكم بالصحّة والفساد، لأنَّ فعلّيّة الحكم لا تلازم وجود متعلّقه.

إذن، إذا لم يكن البيع موجوداً خارجاً فلا حكم من المولى إلّا بنحو القضيّة الحقيقيّة، وإذا فرض وجوده فالحكم بالملكية يلازمه الحكم بالصحّة لا محالة، فتكون الصحّة منتزعة من هذا الحكم الفعلي، وتكون الصحّة(2) مجعولة لا محالة.

فالصحيح التفصيل بين العبادات والمعاملات، ففي المعاملات تكون 

ــــــــــ[37]ــــــــــ

() الكافي 7: 412، باب آداب الحكم، الحديث:1.

(2) وذلك تبعاً لجعل الملكيّة. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الصحّة مجعولة فيها، وأمّا في العبادات فيفصّل فيها بين الصحّة الظاهرية والصحّة الواقعية. 

وأمّا بالنسبة إلى مرحلة الأحكام الظاهرية، فقد يُفرَض أن الحكم الظاهري إنّما هو باعتبار حكم الشارع بالانطباق أو عدمه، فنشكّ في أنَّ المأمور به منطبق على المأتي به أو لا -كما هو الغالب في الشبهات الموضوعيّة- فيكون الانطباق هو متعلّق الحكم الظاهري الشرعي، وأنَّ هذا مصداق للمأمور به واقعاً، وحينئذٍ لا نشكّ في أنَّ الصحّة والفساد مجعولان شرعيان، فإنَّ الشارع هو الذي حكم بالانطباق وعدمه، كما هو الحال في الشكّ قبل التجاوز، ويكون أثر جعل الانطباق هو اجتزاء المكلّف في مرحلة الامتثال بهذا الفرد.

والكلام في مورد الحكم الظاهري والاضطراري الذي منه التقيّة، أو مورد السهو، أو مورد النسيان أيضاً، وحكم الشارع في مواردها بالانطباق، وأنَّ المأتي به مصداق للمأمور به، لكن لو انكشف الخلاف فلا حاجة معه إلى الإعادة، وأنَّه مُجزٍ في الواقع، كما في الشكّ في غير الأركان بعد التجاوز، وكما لو شكّ بقراءة الحمد وهو في السورة، فبقاعدة التجاوز يمضى في صلاته، وبعد ذلك انكشف أنَّه لم يقرأ، أو شكّ في التشهد وهو قائم، ثُمَّ تبيّن له عدم التشهد، إلى غير ذلك من موارد، والحكم بالإجزاء هنا لنصٍّ خاصٍّ، أو لحديث (لا تُعاد).

وكذلك في موارد الاضطرار كالتقيّة أو غيرها لا حاجة إلى الإعادة، وإن كان العمل محرز المغايرة مع الواقع، وكذلك في مورد النسيان كما لو نسى التشهد أو القراءة حتى دخل في الركوع، ثُمَّ تذكّر عدم الإتيان بهما، وغير ذلك ممّا لا حاجة 

ــــــــــ[38]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فيه إلى الإعادة أو القضاء، بمعنى: أنَّه يُحكم بصحّة صلاته.

وبعبارة أخرى: ذكر شيخنا الأستاذ أنَّ الصحّة والفساد مجعولان هنا كما هو الحال في الأحكام الظاهرية، فحال هذا القسم حال القسم الثاني في أنَّ الصحّة والفساد مجعولان تنالهما يد الجعل تشريعاً، بخلاف القسم الأوّل، فإنّا ذكرنا أنَّ الصحّة والفساد فيه أمران واقعيان لا تنالهما يد التشريع.

ولكنّ الظاهر أنَّ هذا يلحق بالقسم الأوّل، بمعنى: أنَّ الصحّة والفساد في هذا القسم أيضاً من الأمور الواقعية التكوينية المنتزعة من انطباق المأمور به على المأتي به في الخارج، فإنَّ انطبق فهو صحيح وإلّا ففاسد.

والوجه في ذلك: أنّه في هذه الموارد يعني موارد الأحكام الظاهرية التي لا حاجة إلى الإعادة فيها، كمثال نسيان التشهد، وكذلك في موارد الأوامر الاضطرارية، أمّا أن نلتزم أنَّ الحكم الواقعي باقٍ ولم يمتثل، ومع ذلك لا تجب الإعادة، أو نلتزم بسقوط الواقع. أمّا الأوّل فهو مستحيل. بمعنى: أنَّ الأمر الواقعي بالصلاة باقٍ، ومع ذلك لا يوجب الشارع علينا الإعادة، وهذا مستحيل؛ لأنَّ معناه أنَّ الشارع رخّصنا في معصية تكاليفه.

فنستكشف من عدم وجوب الإعادة، وأنَّ السورة جزء لمن تذكّر قبل الركوع، وإلّا فهي لم تعتبر جزءاً في من لم يتذكّر إلّا بعد الركوع، فهذا يكون تخصيصاً في دليل الجزئيّة أو الشرطيّة، فيستفاد من دليل عدم وجوب الإعادة أنَّ الجزئيّة أو الشرطيّة ليست مطلقة لهذه الموارد، فمن النصّ الخاصّ، أو من حديث “لا تعاد” نستكشف التخصيص وعدم شموله لهذا الفرد.

ــــــــــ[39]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فإذا فرضنا أنَّ القراءة بالأصل ليست جزءاً لمن تركها لعذر أو نسيان، فقد تحقّق المأمور به بتمامه وكماله، فيكون الإنطباق قهرياً، والإجزاء عقليّاً، وكيف يمكن للشارع أنّ لا يحكم بصحّة هذه العبادة، فهذا أمر لا تناله يد التشريع، وإنّما الذي تناله يد التشريع هو التوسعة والتضييق في الجزئيّة، فإذا كانت الجزئيّة شاملة للمورد فلازمه وجوب إعادة الصلاة، وإذا فرضنا أنَّ الشارع حكم بعدم وجوب الإعادة، فليس هذا الحكم إلّا لأنَّ الجزئيّة غير شاملة لهذه الصورة. إذن، يكون الانطباق قهرياً، والإجزاء عقليّاً، ولا يمكن عدم حكم الشارع بالصحّة.

وعليه: فالصحّة في موارد الأحكام الظاهرية التي لا حاجة معها إلى الإعادة عند انكشاف الخلاف، فيلحق بالقسم الأوّل. نعم، هو بحسب الصورة جعل للاجتزاء وعدم وجوب الإعادة، ولكننا نستكشف من ذلك أنَّ الجزئيّة غير ثابتة في هذه الصورة، فالمأمور به قد حصل، ويكون انطباق المأمور به عليه تكوينياً قهرياً، ومعه لا حاجة إلى الإعادة.

إذن، لا بُدَّ من التفصيل بين الأحكام الظاهرية التي تجب فيها الإعادة عند انكشاف الخلاف، فتكون الصحّة والفساد فيها من المجعولات الشرعيّة، فإنَّ الشارع هو الذي يحكم بالانطباق وعدم الانطباق، وأمّا إذا فرضنا أنَّ الواقع قد انكشف وعلم أنَّ عمله غير مطابق للواقع، فلا بُدَّ له حينئذٍ من الإعادة، كما لو تذكّر بأنه لم يركع، فإنّه يحكم بفساد العبادة، فهذه الصحّة لم تكن واقعية، بل هي صحّة ظاهرية مجعولة في ظرف الشكّ فإذا ارتفع الشكّ وتبدّل إلى العلم 

ــــــــــ[40]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

بالعدم فتجب الإعادة لإحراز انطباق المأمور به على المأتي به.

وأمّا في موارد الأحكام الظاهرية التي لا حاجة فيها إلى الإعادة، حتّى مع العلم بعدم القراءة، فهذا لا يمكن إلّا مع الالتزام بسقوط جزئية القراءة في هذا الحال، ومعه يكون الانطباق قهرياً، والإجزاء عقليّاً، فكيف يقال: إنَّ الصحّة والفساد أمران مجعولان مع النهي، مع أنَّهما واقعيان وليسا ظاهريين، وإن فرض أنَّ تركه لهذا الجزء مستند إلى حكم الشارع بالمضي.

فالظاهر أنَّ الصحّة هنا صحّة واقعية غير مجعولة، وإنّما المجعول هو عدم الجزئيّة والشرطيّة.

ما ذكره صاحب الكفاية  ونقده 

وأمّا في المعاملات فقد ذكر صاحب الكفاية(1) أنَّ الصحّة والفساد فيها مجعولان تشريعيان لأنّهما تنتزعان من إمضاء الشارع للمعاملة وعدمه، ومن المعلوم أنَّ الإمضاء وعدمه أمرهما بيد الشارع، ثُمَّ استدرك قائلاً(2): إنَّ صحّة كل معاملة شخصية ليست بجعل الشارع، وإنّما هو لانطباق المجعول على هذا الفرد، فالصحّة بالنسبة إلى الفرد من جهة الانطباق كما في  العبادات، وجعل الإمضاء على الكلّي الطبيعي هو مجعوله.

إلّا أنَّ هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأنّا ذكرنا أنَّ العبادات تفترق عن المعاملات بأنَّ فعل المكلّف في باب العبادات إنّما هو متعلّق التكليف 

ــــــــــ[41]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 184.

(2) انظر: كفاية الأصول: 184.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

لا موضوعه، فلم يفرض وجود العبادة خارجاً، بل الشارع يأمر بها ويطلب وجودها، فالحكم متعلّق بالعبادة من دون فرض وجودها، ومع عدم فرض وجودهما لا معنى للحكم عليهما بصحّة أو فساد، فالعبادات في مرحلة التشريع وفي مرحلة فعلّيّة الحكم لا معنى للصحّة والفساد فيها، إذ لم يفرض وجودها للحكم عليها بهما، وإنّما الصحّة والفساد تعرضان للشيء في مرحلة ثالثة هي مرحلة الامتثال.

وأمّا في باب المعاملات فنسبة الحكم إليها ليس على نحو العبادات، بل نسبة الحكم إلى موضوعه، فقد أخذت موضوعاً لهذا الحكم وأخذت مفروضة الوجود، فقوله تعالى أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(1) يعني: أحلّ البيع الخارجي المفروض وجوده وكل ما يصدر من شخص في مقام مبادلة ماله بمال آخر فقد أحلّه الله وأمضاه.

كما هو الحال في كلّ قضية حقيقيّة تتكفّل نسبة الأحكام لموضوعاتها، وقد ذكرنا أنَّ الأحكام الواردة على الموضوعات تنحلّ إلى قضية شرطية، شرطها وجود الموضوع وجزاؤها ترتب الحكم عليه، فقولنا الماء طاهر يعني إذا وجد شيء وصدق عليه أنَّه ماء فهو طاهر، وكذلك قوله أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ يعني إذا وجدت معاملة وصدق عليها أنَّها بيع فهو نافذ، فالإمضاء يترتّب على فرض وجود البيع خارجاً، فإذا فرض أنَّ البيع معروض الوجود فهو يتّصف بالصحّة والفساد في مرحلة الجعل وفي مرحلة الفعلّيّة، فإذا أصبح الحكم بالحليّة فعلياً بوجود البيع خارجاً وأمضاه الشارع، فقد اتّصف بالصحّة خارجاً. 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

(1) البقرة: 275.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وكذلك في مرحلة الجعل، فإنَّ معنى قوله تعالى: أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ يعني: إذا وجد بيع فهو صحيح، فهنا فرض لوجود البيع فتتبعه الصحّة الفرضيّة، كما أنَّ وجود البيع خارجاً وتحققّه تتبعه الصحّة الخارجيّة المتحقّقة، فكما أنَّ الوجود التحقيقي للبيع وجود تحقيقي للإمضاء، كذلك الوجود الفرضي للبيع وجود فرضي للإمضاء.

إذن، ليس هنا مرحلتان ليقال: إنَّ الصحّة والفساد في مرحلة الحكم على نحو الكليّة مجعولان، وفي مرحلة الفعلّيّة غير مجعولين، بل الحكم واحد على نحو الفرض وبعده على نحو التحقيق.

وأمّا بالنسبة إلى موضوعات الأحكام، فلا بُدَّ من فرض وجودها وجعل الحكم متعلّقاً بشيء آخر، فلو قال: الخمر حرام، أو لا تشرب الخمر، فهنا أمور: 

منها: حكم الشارع بالتحريم، وهو فعل اختياري للمولى. 

ومنها: المتعلّق، وهو الشرب وهو فعل اختياري للمكلّف أيضاً، ولا يكون مفروض الوجود بل يطلب المولى تركه.

ومنها: قيد الشرب، يعني: متعلّق المتعلّق الذي نعبّر عنه بالموضوع وهو الخمر، فيكون موضوعاً للحكم لا متعلّقاً له، فيفرض وجود الخمر في الخارج ويمنع عن شربه، فمرجع هذه القضيّة إلى قضية شرطية، وهي: إذا وجد شيء وصدق عليه أنّه خمر فلا تشربه، ويكون وجود الموضوع بمنزلة المقدّم، وثبوت الحكم له بمنزلة التالي، وهذا جارٍ في سائر الموضوعات.

وقد يفرض الموضوع خارجاً عن اختيار المكلّف كالخمر، وقد يفرض أنَّه 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

اختياري يمكن أن يحصّله في الخارج، فيقال: إذا بلت فتوضّأ، فالمتعلّق هو الوضوء، وليس مفروض الوجود، بل يبعث إليه المولى، والبول أمر اختياري للمكلّف، ولم يؤخذ متعلّقاً للوجوب، بل أُخذ مفروض الوجود، فإذا صدر بول ولو بالاختيار يجب الوضوء.

والبيع وغيره من العقود والإيقاعات كلّها من هذا القبيل، كإيجاب النفقة على تقدير التزويج، فالنفقة متعلّق الحكم ولم تؤخذ مفروضة الوجود، ولكن التزويج فرض وجوده وأمر بوجوب الإنفاق ورخّص بجواز النظر إلى المرأة ومقاربتها، وهكذا في البيع، ففي قوله تعالى: أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا(1)، موضوع لحكم الشارع، فبالنسبة إلى إمضاء الشارع أُخذ البيع مفروض الوجود، فليس البيع متعلّقاً للحكم الشرعي في هذه القضيّة، يعني: على تقدير وجود البيع فإنّه ممضى.

ويترتّب على ذلك: أنَّ موارد المعاملات- كغيرها من الأحكام التكليفيّة مثل حرمة شرب الخمر- يكون الحكم فيها انحلاليّاً لا محالة، فمعنى أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ أنَّ كلّ بيع يصدر من أيّ مكلّف إذا كان جامعاً للشرائط الثابتة بدليل آخر يشكّل موضوعاً للإمضاء والحلّيّة، كما أنَّ قولنا: (لا تشرب الخمر) أو (يحرم شرب الخمر) ينحل بعدد وجود الموضوع خارجاً فيكون أحكاماً عديدة لكلِّ موضوع فرض وجوده في الخارج.

فإذا كان الأمر كذلك فالصحّة تُنتَزَع من إمضاء الشارع للمعاملة، ولا 

ــــــــــ[44]ــــــــــ

(1) البقرة: 275.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

نعني بالصحّة إلّا هذا المعنى، غاية الأمر: أنَّه قبل وجود الموضوع خارجاً كانت الصحّة فرضية، وبعد وجود الموضوع خارجاً أصبحت الصحّة تحقيقيّة، كما هو الحال في كلّ قضية حقيقية، ففي مرحلة الجعل يفرض الموضوع ويحكم عليه بحكم فإذا تحقق الموضوع صار الحكم فعلياً. ومن هنا قلنا: إنَّ للحكم مرتبتين مرتبة الإنشاء ومرتبة الفعلّيّة، ولا نعني بالصحّة إلّا ثبوت الملكية في البيع، والزوجية في النكاح، وهكذا.

فالصحيح أنَّ الصحّة والفساد في باب المعاملات مجعولان للمولى، وهذا الجعل ابتداءً تعلّق بالموضوع الخارجي، غاية الأمر: بتوسّط عنوان كلّي جامع لهذه الأفراد، كما هو الحال في سائر الموارد كحرمة شرب الخمر حيث نُسبت الحرمة إلى الأفراد، ولكن بجامع كونه خمراً لا للخصوصيات الخارجيّة.

كذلك الحليّة ثابتة لأفراد البيع بمعرفيّة مفهوم البيع في مقام الجعل، فالشارع ينظر إلى تمام الأفراد، ويضع لها الحكم بتوسّط هذا المفهوم الكلّي.

فلا وجه لتفصيل صاحب الكفاية من أنَّ الصحّة والفساد في المعاملات مجعولة بنحو الكليّة وفي مقام التطبيق غير مجعولة، بل هو تطبيق لذلك المجعول.

كما أنَّه لا وجه لما أفاده شيخنا الأستاذ من التسوية بين العبادات والمعاملات، وأنَّ الصحّة والفساد دائماً تنتزعان من الانطباق، بل الصحيح أنَّ الإمضاء تعلّق بالموجود الخارجي ابتداءً، ونسبة البيع إلى الإمضاء نسبة الموضوع إلى الحكم. وهذا واضحٌ.

ــــــــــ[45]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

بقي شيءٌ في المقام

 إنَّ نسبة البيع وغيره إلى الحكم وإن كانت نسبة الموضوع إلى الحكم، إلّا أنَّه يفترق عن موضوعات الأحكام التكليفيّة، وذلك: أنَّ الصحّة والفساد وصفان يعرضان لشيء يترقّب منه أثرٌ في الخارج بحسب رغبة الإنسان، فإذا ترتّب يقال: إنَّه صحيح، وإذا لم يترتّب يقال: إنَّه فاسد. فالأثر المترتب على الخمر أن يكون حامضاً -مثلاً- فإذا ذهب طعمه بالكلّيّة، فيقال: إنَّه فاسد باعتبار أنَّ الأثر المطلوب منه غير موجود.

وهذا المعنى بالنسبة إلى موضوعات الأحكام التكليفيّة غير متحقق، إذ ليس هنا أمر يرغبه الإنسان ويترقّب ترتّبه على هذا الشيء بحيث إنَّه إذا ترتب يكون صحيحاً وإلّا كان فاسداً، فإذا كان الإنسان عنده مال يتمكّن به من الحج ذهاباً وإياباً، ولكنّه لا يتمكّن منه لمانع آخر، فلا يقال فيه: إنَّه مستطيع فاسد، لأنَّه لا أثر للاستطاعة إلّا إيجاب الحج، وليس وراء ذلك غرض مطلوب للإنسان، وهكذا في سائر موضوعات الأحكام، فقد يكون المكلّف واجداً للشروط فيجب عليه الصوم أو الزكاة، وقد لا يكون واجداً فلا يجب ذلك عليه، ولا يقال لمن لم يستكمل الشروط إنَّه مكلّف فاسد، إذ ليس هنا أثر مطلوب يترتّب على تقدير ولا يترتّب على تقدير آخر، ليقال: إنَّه صحيح أو فاسد، وإنّما يرجع إلى أنَّ الشارع أوجب الحجّ على بعض المكلّفين، ولم يوجبه على مكلفين آخرين.

وأمّا في البيع وإن كانت نسبته إلى الحكم نسبة الموضوع إليه فهناك أثر 

ــــــــــ[46]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

يرغب فيه العقلاء وهو ملكية المال، فإنَّ المشتري يطلب العين الخارجيّة، والبايع يطلب الثمن، والبيع هو الذي يسبّب انتقال المبيع إلى المشتري والثمن إلى البايع، ومن هنا كان البيع أمراً مرغوباً فيه لكلّ الناس، والشارع قد يكون ممضياً له أو لا، فإذا أمضاه، فيقال: إنّه صحيح. وإن لم يمضِه فكأنَّه لم يقع وكان وجوده كعدمه، فيقال إنَّه فاسد.

فاتصاف المعاملات -بالمعنى الأعمّ- بالصحّة والفساد دون سائر موضوعات الأحكام باعتبار أنَّ فيها أمراً مرغوباً، والعقلاء يتصدّون لتحصيله.

وإطلاق الصحّة والفساد في العبادات بهذا الاعتبار أيضاً، فإنّ الإنسان يتصدّى لتفريغ ذمّته ممّا هو واجب عليه، فإن حصل الغرض وانطبق المأمور به على المأتي به، فيقال: إنَّه صحيح، لأنَّ الأثر ترتب عليه وهو فراغ الذمّة، وإذا لم ينطبق فكأنَّه لم يأتِ بشيء، فيقال: إنَّه فاسد.

فالصحّة والفساد في العبادات والمعاملات على نحو واحد، وهو ترتّب الأثر، غايته: ترتّب الأثر في العبادات يكون من جهة الانطباق، وفي المعاملات يدور مدار إمضاء الشارع وعدمه، ولذا قلنا: إنَّ الصحّة والفساد في العبادات غير مجعولين، وفي المعاملات مجعولان.

الصحة والفساد المبحوث عنهما 

ومن ذلك يظهر أنَّ الصحّة المبحوث عنها في المقام هي في مقابل الفساد، وأمّا الصحّة التي في مقابل العيب فهو خارج عن محل كلامنا، إذ قد يكون شيء صحيحاً وليس بفاسد، إلّا أنَّ الأثر لا يترتّب عليه كاملاً، بل يترتّب عليه أثر 

ــــــــــ[47]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

ضعيف، وهذا يبحث عنه في باب المعاملات في خيار العيب، أمّا في العبادات فلا يصدق العيب، فإنَّه إمّا أن يترتّب الأثر فهو صحيح وإلّا فهو فاسد.

ثُمَّ إنَّ التقابل بين الصحّة والفساد -فيما لو كانا أمرين واقعيين كما في العبادات- هو تقابل العدم والمَلَكَة، إذ إنَّهما يعرضان للوجود الخارجي، فإنَّ العبادة لا تتصف بصحّة ولا فساد. بل الموضوع إنَّما هو الوجود الخارجي لها، فإذا وجدت فإمّا أن تكون واجدة لسائر الأجزاء والشرائط فهي صحيحة وإلّا فهي فاسدة، فالمحلّ قابل للصحّة ولكنّه فاسد، فالتقابل بينهما تقابل المَلَكَة والعدم.

وأمّا في الموارد التي تكون الصحّة والفساد مجعولين من قِبَل المولى -كما في المعاملات أو الأحكام الظاهرية على تفصيل تقدّم- فالظاهر أنَّ التقابل بينهما من تقابل الضدّين، فإنَّ الصحّة حكم للشارع بترتب الأثر عليه، أو حكمه بانطباق المأمور به على المأتي به، والاجتزاء به في مرحلة الامتثال كما في العبادات. كما أنَّه إذا حكم بالفساد فمعناه الحكم بعدم الانطباق وعدم ترتّب الأثر على معاملة، فالصحّة والفساد حكم شرعي مجعول للمولى وضعه ورفعه بيده، فيكون التقابل بينهما تقابل التضادّ.

نعم، قد يفرض في مورد عدم حكم الشارع بالصحّة والفساد، فتكون كل من الصحّة الشرعيّة والفساد الشرعي منتفيين، كما في بعض موارد العلم الإجمالي فيما لو علمنا بنقصان الركوع من صلاة بعد لم ينقض وقتها، أو صلاة مضى وقتها، فيدور الأمر بين لزوم إعادة هذه الصلاة أو لزوم القضاء، لكن 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

هذا العلم الإجمالي لا أثر له، فإنَّ أحد طَرَفَيه مجرى لأصالة البراءة، لأنَّ الشكّ بالنسبة إلى الصلاة الفائتة شكّ في وجوب القضاء، والقضاء يثبت بأمر جديد، وكذلك الصلاة التي لم يَفُت وقتها، فقاعدة الفراغ لا يمكن جريانها في أيًّ من الطرفين لمعارضتها بجريانها في الطرف الآخر، لاستلزام جريانها في كلا الطرفين المخالفة القطعيّة فيسقطان.

فينتهي الأمر إلى أصل طولي، وهو بالنسبة إلى الصلاة الفائتة أصالة البراءة؛ لأنَّ القضاء يكون بأمر جديد ونشكّ به، إذ نحتمل أنَّها صحيحة فلا قضاء أو فاسدة فالقضاء واجب، فتكون مجرى للبراءة. وأمّا بالنسبة إلى الصلاة الفعلّيّة التي لم يفت وقتها، فحيث إنَّ الوقت لها باقٍ ونشكّ بحصول الامتثال للتكليف المتعلّق بها، ولو كانت قاعدة الفراغ جارية لكانت معذّرة، ولاعتمدنا عليها في عدم الحكم بوجوب الإعادة، إلّا أنَّ المفروض أنّها قد سقطت بالمعارضة، ونحن نعلم بوجود التكليف، ونشكّ بالفراغ عن التكليف المعلوم فيكون مورداً لقاعدة الاشتغال.

فهنا لم يكن أصل شرعي يدلّ على فساد العبادة، فمن جهة الشارع لم يحكم(1) على هذه العبادة بصحّة أو فساد. نعم، هو فاسد بحكم العقل فإنَّه يحكم بعدم جواز الاقتصار عليه في مرحلة الامتثال، ففي مثل هذا المورد لا يكون صحّة شرعيّة.

ــــــــــ[49]ــــــــــ

() يعني: الشارع في أحكامه الواصلة إلينا، وإلّا فهو في الواقع يحكم إمّا بالصحّة أو الفساد في الصلاة المأتي بها في الوقت، وهذا واضح. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

إذن، نفرّق بين الموارد، ففي موارد الصحّة والفساد الواقعيين اللذين قلنا بأنّهما تكوينيان لا تنالهما يد التشريع، فالتقابل بينهما تقابل الملكة والعدم، وأمّا في الصحة والفساد المجعولين شرعاً فالتقابل بينهما تقابل الضدّين كسائر الأحكام الخمسة.

ثُمَّ إنَّه في باب العبادات معروض الصحّة والفساد معلوم، فإنَّهما يعرضان على الفرد المتحقّق خارجاً كما ذكرنا.

 أمّا في باب المعاملات فأمورٌ ثلاثة: فإنَّ البايع يعتبر ملكيّة المشتري للمثمَّن بإزاء ملكيّته الثمن، والمشتري يقبل ذلك، ويرجع قبوله إلى اعتبار ملكيّة البايع الثمن في قبال ملكيّته المثمن، ويبرز هذا الاعتبار بمبرز خارجي، ونسمّيه بالإنشاء بلفظ أو بغير لفظ، فلو فرضنا أنَّه لم يكن في العالم غيرهما لتحقق ذلك بينهما.

وهنا أمران آخران غير فعل البايع والمشتري، وهو إمضاء العقلاء لهذه المعاملة وعدم إمضائهم لها، وإمضاء الشارع لها وعدم إمضائه، وهذان الأمران أجنبيان عن فعل البايع والمشتري، فإنّ العقلاء قد يمضون البيع وقد لا يمضونه لفقده شرطاً من الشرائط المعتبرة عندهم في البيع، كالتسجيل في دفتر خاصًّ -وهو المسمّى عندهم (بالطابو)- وكذلك الشارع قد يمضي البيع ويعتبر الملكية المترتبة عليه، وقد لا يمضيه كما إذا صدر البيع من صبي، أو مجنون، أو سفيه، أو لم تكن العين قابلة للبيع.

فالإمضاء الشرعي والعقلائي غير قابل للاتصاف بالصحّة والفساد، لأنَّ 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الإمضاء منهما حكم في هذا المورد، فإمضاء الشارع حكم منه بتحقق الملكية وعدم تحققها، وإمضاء العقلاء حكم منهم بالصحّة وعدمها.

فالذي يتصف بالصحّة والفساد إنّما هو فعل البايع والمشتري، وهذه المعاملة المتقوّمة بهذين الفعلين، فإن كانت مورداً لإمضاء الشارع والعقلاء، فيقال: إنّها صحيحة عند الشارع والعقلاء، وإن كانت صحيحة عند الشارع دون العقلاء، فيقال: هي صحيحة عند الشارع دون العقلاء، وإن كانت صحيحة عند العقلاء دون الشارع، فيقال: هي صحيحة عند العقلاء دون الشارع، وإن كانت غير صحيحة عندهما معاً، فيقال: بعدم الصحّة عندهما.

ومن هنا يظهر أنَّ معروض الصحّة والفساد إنّما هو الفعل الصادر من المتعاقدين أو من المنشئ كما في الإيقاع، فإنَّ المطلّق مثلاً يعتبر في نفسه حصول الفراق عن الزوجة ويبرزه بمبرزٍ خارجيٍّ، والشارع قد يمضي ذلك وقد لا يمضيه.

فمحل البحث إنَّما هو بهذا المعنى، فإذا نهى المولى عن إيجاد المكلّف لمعاملة، أو إيقاع، فهل هذا النهي يدلّ بالملازمة على أنَّه لم يمضِ لهذه المعاملة أو لا؟ أمّا المعاملة المسماة بالمسبب عندهم، وهي: أن ينهى الشارع عن تملّك شيء، فالملكيّة فلا يتصوّر فيها صحّة أو فساد، ليقال: إنَّ النهي عنها هل يقتضي فسادها أو لا؟

فمحل البحث هو ما يصدر من المكلّف من أفعال، ولهذا الكلام أثر وثمرة تترتّب عليه، وتتّضح فيما بعد إن شاء الله تعالى.

ــــــــــ[51]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7



عدم اختصاص النزاع بوجود إطلاق أو عموم 

 

لا يختص هذا النزاع فيما إذا كان هناك عموم أو إطلاق يقتضي صحّة العبادة أو المعاملة، بل يعمّ ما إذا لم يكن هناك عمومٌ أو إطلاقٌ، وكان مقتضى الأصل فيه الفساد.

وذلك كالقمار فيما لو فرضنا أنّه لم يكن هناك نهيٌ عنه، إلّا أنَّه غير داخل في التجارة عن تراضٍ وأدلّة المعاملات، فحينئذٍ يكون مقتضى الأصل العملي هو عدم انتقال المال إلى الآخر، فإذا ثبتت الملازمة كان الفساد وعدم ترتّب الأثر مستنداً إلى الدليل الاجتهادي بخلاف ما إذا لم تثبت الملازمة، فإنَّ الفساد حينئذٍ يكون مستنداً إلى الأصل العملي.

وهكذا الأمر في سائر الموارد التي نستدل عليها بالدليل الاجتهادي، ولو كان محكوماً بالجواز بمقتضى الأصل لولا الدليل.

فالنزاع أعمّ مّما إذا كان هناك عمومٌ أو إطلاقٌ يقتضي الصحّة، فعلى تقدير ثبوت الملازمة يكون ذلك موجباً للتقييد أو التخصيص في ذلك الدليل، وعلى تقدير عدم ثبوتها يكون دليل الملازمة وارداً(1) أو حاكماً على الأصل العملي، وإن كان مقتضى الأصل هو الفساد.

ــــــــــ[52]ــــــــــ

() قال السيّد الخوئي: حاكماً أو وارداً. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

 

مقتضى الأصل العملي 

 

إذا تمكّنا من إقامة دليل على ثبوت الملازمة أو على عدم ثبوتها بين النهي والفساد في العبادات أو المعاملات، فيكون المتبَع ذلك الدليل المقام، وإذا فرضنا عدم إقامة دليل على ثبوت الملازمة ولا على عدمها، فما هو الأصل الجاري في مورد النهي عن العبادة أو المعاملة؟

أمّا بالنسبة إلى الملازمة بين النهي والفساد فمعلوم أنَّه لا يجري فيه أيّ أصل من الأصول العملية أصلاً، والوجه في ذلك: أنَّ الملازمة بين شيئين من الأمور القديمة وليس أمراً حادثاً، فالملازمة بين المقدّم والتالي، أو بين النهي والفساد إذا كانت ثابتة في الواقع، فهي ثابتة منذ الأزل، وليست من الأمور الحادثة المجعولة، وإذا لم تكن موجودة فذلك من الأمور الأزليّة الأبديّة، وليست مجعولة ليقال: إنّا نشكّ في حدوثها وعدم حدوثها، والأصل يقتضي عدمها.

على أنَّه لو فرض أنّها كانت مورداً للأصل لأجل نفيه أو إثباته، فإنَّه لا يفيدنا في المقام، فإنّ إثبات الفساد بإثبات الملازمة بالأصل من الأصول المثبتة، وإثبات الصحّة بإثبات عدم الملازمة بالأصل من الأصول المثبتة أيضاً، فلو جرى الأصل فإنّ فرضنا الملازمة من الأمور المجعولة، واستصحبنا بقائها عند 

ــــــــــ[53]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الشكّ بها، فليس أثره الشرعي هو الحكم بالفساد، بل هذا أثر عقلي. وكذلك لو استصحبنا عدمها، فإنَّ الصحّة لازم عقلي له، وليس أثراً شرعياً، والاستصحاب لا يترتّب عليه إلّا الآثار الشرعيّة، وأمّا اللوازم العقلية فلا.

فينتهي الأمر إلى جريان الأصل في المسألة الفرعية لنرى أنَّ مقتضاه هل هو صحّة العبادة أو فسادها، أو المعاملة المنهي عنها أو فسادها؟

ــــــــــ[54]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7










الشبهة الحكميّة والموضوعيّة 

 

ذكر صاحب الكفاية(1) أوّلاً أنَّ الأصل في المعاملات يقتضي الفساد فإذا شكّكنا في انتقال المال من شخص إلى آخر في معاملة نشكّ في صحّتها، ولم يكن لنا دليل على إمضائها، فالأصل عدم الانتقال سواء في الشبهة الحكميّة أو الشبهة الموضوعيّة.

وأمّا في العبادات فقد فصّل تفصيلاً، وكان حاصله: أنّ الشكّ في العبادة تارةً يكون شكّاً في أصل المشروعيّة، فمقتضى الأصل عدم المشروعية، فإنَّ العبادة والتقرّب بفعل إلى المولى لا بُدَّ له من دليل يدلّ عليه، وإضافته إلى المولى بلا دليل يكون من التشريع المحرّم، ويدخل في قوله تعالى: اللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّـهِ تَفْتَرُونَ(2).

وأمّا إذا فرضنا أنَّ أصل المشروعيّة محرزة، ولكن كان الشكّ في صحّة العمل وفساده من جهة احتمال جزئية شيء، أو شرطيّته، أو وجود مانع في هذه العبادة، فنشكّ في صحّتها لأجل احتمال كون شيء جزءاً أو شرطاً ولم نأتِ به، أو مانعاً وقد أتينا به، فذكر أنَّ الحكم بالصحّة والفساد في هذه الصورة 

ــــــــــ[55]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 184.

(2)  يونس: 59.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

يبتني على النزاع في مسألة جريان البراءة أو الاشتغال عند الشكّ بين الأقلّ أو الأكثر الارتباطيين، فإنَّ قلنا بالبراءة نحكم بالصحّة وإلّا حكمنا بالفساد، فإنَّ المورد من صغريات تلك المسألة وفروعها. هذا في الشبهة الحكميّة.

وأمّا في الشبهة الموضوعيّة فإذا شكّكنا في صحّة عبادة أو فسادها من جهة الشكّ في الشرط، أو الجزء، أو المانع، ولم يمكن إحراز الصحّة بأصل كاستصحاب بقاء الطهارة، فبقينا شاكّين في صحة العمل فمقتضى حكم العقل بقاعدة الاشتغال هو الفساد، فإذا علمنا بالتكليف بالعبادة وشكّكنا في الفراغ عنه، فلا بُدَّ من إحراز وجود المأمور به في الخارج، ومع الشكّ في تحقق الامتثال تكون قاعدة الاشتغال محكّمة. نعم، قد يكون دليل آخر يدلّ على الإجزاء في مقام الامتثال كقاعدة التجاوز والفراغ فتسقط قاعدة الاشتغال من جهة الدليل على الصحّة وإلّا فمقتضى حكم العقل بالاشتغال هو فساد العبادة.

متابعة الميرزا  للآخوند الخراساني 

وذكر قريباً من ذلك شيخنا الأستاذ فإنَّه لم يتعرّض لفرض الشكّ في أصل مشروعيّة العبادة، وذكر(1): أنَّ الشكّ في صحّة عبادة وفسادها مبني على جريان البراءة أو الاشتغال في مسألة الأقلّ والأكثر الارتباطيين، فيحكم بموجبهما بالصحّة أو الفساد.

ثُمَّ ذكر(2) في الشبهة الموضوعيّة ما ذكره صاحب الكفاية من أنَّ 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات1: 394.

(2) انظر: أجود التقريرات1: 394.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الأصل هو الفساد إلّا أن يدلّ دليل خارجي كقاعدة الفراغ أو التجاوز على صحّة العمل.

التحقيق في المسألة

إنَّ ما ذكره صاحب الكفاية وتبعه شيخنا الأستاذ كلاهما خارج عن مورد البحث، فإنّ بحثنا ليس في جريان الأصل في العبادة على الإطلاق، بل محلّ البحث هو العبادة المحرّمة المنهي عنها، ولكن لم يكن عندنا دليل على الفساد لعدم إحراز دلالة النهي على الفساد، فالعبادة المحرّمة -مع فرض كونها محرّمة- إذا أثبتنا الملازمة فلا إشكال في الحكم بالفساد؛ لأنَّه فعل حرام، والعبادة المحرمة فاسدة للملازمة بين الأمرين.

وأمّا إذا لم تثبت الملازمة، فهل الأصل العملي يقتضي الفساد أو لا؟ فما ذكراه من أنَّ الأصل عند الشكّ في الجزئيّة أو الشرطيّة مبني على مسألة الارتباطيين، أو أنَّ الشكّ في مرحلة الامتثال مورد للاشتغال إلّا أن يحرز الامتثال بدليل من خارج كقاعدة الفراغ والتجاوز، خارج عن محلّ الكلام.

استدراك صاحب الكفاية

ولذلك قد تنبّه صاحب الكفاية إلى أنَّ ما ذكره خارج عن محلّ البحث، ولذا ضرب عليه وكتب أنَّ الأصل في المعاملات هو الفساد وكذلك في العبادة لعدم الأمر بها(1)

ــــــــــ[57]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 184.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وهذا هو الصحيح، فإنَّ الأصل في العبادة هو الفساد، والوجه في ذلك: أنَّ العبادة تتوقّف على أمرين:

 أحدهما: كون الشيء في نفسه قابلاً للتقرّب به إلى المولى.

 ثانيهما: إضافته إليه بنحو من الإضافة.

 أمّا الجهة الأولى فلأنَّ الفعل بعد كونه مبغوضاً للمولى لا يمكن أنّ يكون قابلاً للتقرّب به إلى المولى، وقد تقدّم أنَّ المباح لا يمكن أن يتقرّب به إلى المولى فضلاً عن المحرّم، بل لا بُدَّ أن يكون الفعل على نحو قابل لأنَّ يتقرّب به إلى المولى، والمبغوض غير قابل لذلك.

وأمّا الجهة الثانية فإنَّ الإضافة إلى المولى تكون بأحد وجهين: إمّا بقصد أمر المولى وبداعي امتثاله، أو أنَّه أتى به بداعي المحبوبية والملاك الموجود بالعمل، ولو فرض كونه غير مأمور به فعلاً، كما اختاره صاحب الكفاية(1) ذاكراً من أنَّ الضدّ الواجب وإن لم يكن مأموراً به للأمر بضدّه الذي هو أهمّ، ولكن يمكن الإتيان به متقرّباً إلى المولى باعتبار الملاك والمحبوبية الثابتة فيه، وإن لم يكن مأموراً به.

وكلاهما مُنتفٍ في المقام في الفعل المحرّم، أمّا الأمر الأول فواضح، إذ كيف يمكن الأمر بالمحرّم؟ لأنَّ الأمر والنهي لا يجتمعان في مورد واحد ويكون من اجتماع الضدّين، وأمّا من ناحية الملاك والمحبوبية فحيث قلنا: لا طريق لنا إلى كشف الملاك في أيّ فعل، وإنّما نستكشف الملاك من الأمر المتعلّق بالفعل، فإذا 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 134.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

لم يكن هذا الفعل مأموراً به فلا طريق لنا إلى كشف ملاكه، فلا يمكن إضافته إلى المولى.

وأمّا على مسلك صاحب الكفاية ، وهو إمكان التقرّب مع فرض عدم الأمر، فإنَّه إنّما يلتزم بذلك إذا كان عدم الأمر لوجود المانع لضدّ الواجب، وهنا ليس كذلك، فإنَّ عدم الأمر إنّما هو لأجل وجود النهي، بل لو فرض أنَّ فيه ملاكاً فلا ينفع، لأنَّ المفروض أنَّ الملاك مغلوب، وهو محكوم فعلاً بالحرمة، والعمل مبغوض للمولى بالفعل، والملاك الوجوبي المندكّ في ملاك التحريم غير مجدٍ في قابلية التقرّب.

وبالجملة: العبادة المنهي عنها لا يمكن الإتيان بها بداعي الأمر والمحبوبية الذاتيّة، فالأصل في العبادات يقتضي الفساد.

وأمّا بالنسبة إلى المعاملة ففي الشبهات الحكميّة إذا لم يكن إطلاق أو عموم يدلّ على صحّة المعاملة أو الإيقاع، فالأصل هو الفساد للشكّ في انتقال المال من أحد المتعاملين إلى الآخر، أو حصول الأثر على الإيقاع إذا حصل من طرف واحد.

وأمّا في الشبهة الموضوعيّة فإذا شكّكنا في صحّة معاملة أو فسادها فالأصل يقتضي الفساد، حتى لو كان هناك إطلاق أو عموم بناءً على عدم جواز التمسك بالمطلق والعامّ في الشبهة المصداقيّة، ففي الشبهة الموضوعيّة لا يتوقّف الحكم بالفساد على عدم وجود إطلاق أو عموم، فلو كان عموم أو إطلاق وشكّ أنَّ ما وقع خارجاً هو من أفراد العامّ أو لا، فلا يمكن عندئذٍ التمسك به.

ــــــــــ[59]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

نعم، إذا كانت الشبهة حكمية وكان هناك إطلاق أو عموم، فإذا ثبتت الملازمة بين حرمة معاملة أو فسادها فيكون دليل النهي مخصصاً للمطلق أو مقيّداً للعام، إذ المفروض أنّه ما كان حراماً يكون فاسداً بمقتضى الملازمة بينهما، فالدليل الدال على التحريم بالمطابقة يكون دالاً بالالتزام على الفساد، فيخصّص ما دلّ على الصحّة عموماً أو إطلاقاً.

وأمّا إذا لم تثبت الملازمة -كما في محلّ كلامنا في الأصل العملي- بل احتملنا أن يكون شيء حراماً وصحيحاً. إذن، لا مانع من التمسّك بالعموم والإطلاق فيما إذا كان هناك عموم أو إطلاق يقتضي صحّة المعاملة كآية التجارة عن تراضٍ، وأوفوا بالعقود بناءً على دلالتها على الصحّة، فلو كانت معاملة محرّمة لنذر، أو عهد، أو يمين، أو شرط في ضمن عقد، أو منهي عنها في الشرع ابتداءً، ومع ذلك عصى المكلّف وأوجدها، فيكون مقتضى إطلاق دليل الصحّة ـ لو وجد ـ صحّة هذه المعاملة.

ــــــــــ[60]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7









في متعلّق النهي 

 

ما أفاده صاحب الكفاية

ذكر صاحب الكفاية(1): أنَّ النهي عن العبادة قد يكون نهياً عن العبادة بعنوانها كالنهي عن صوم الوصال، وصلاة الحائض، وغير ذلك ممّا تعلّق بالعبادة بعنوانها. وأخرى يتعلّق النهي بجزء العبادة. وثالثةً بشرطها. ورابعةً بالوصف الملازم للعبادة الذي لا ينفكّ عنها كالجهر والاخفات، فإنَّ أحدها لا ينفك عن القراءة، وأخرى يكون النهي عن الوصف المقارن الذي قد يكون مع العبادة، وقد لا يكون كالنهي عن الغصب بناءً على عدم الاتّحاد.

وذكر أنّ النهي عن جزء العبادة لا يدلّ على فسادها، بل غاية ما يدلّ عليه النهي هو فساد هذا الجزء، فإنّ جزء العبادة عبادة لا محالة، ويكون بالنهي عنه فاسداً، فإذا أتى به واقتصر عليه كان المركّب فاسداً، أمّا إذا لم يقتصر عليه بل أتى بالجزء ثانياً، فعندئذٍ لا يكون المركّب ناقصاً، غايته: يُلغى هذا الجزء لأجل حرمته، ولكن العبادة على حالها، ويحكم بصحّتها لعدم نقص فيها من جهة. نعم، قد يكون فساد هذا الجزء لأمر آخر مستلزم لفساد العبادة كاستلزام 

ــــــــــ[61]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 185،184.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الزيادة في العبادة فيما لو أنَّ المكلّف قد أتى به بصفته جزءاً فيحكم بفساده لأجل الزيادة، لكن هذا قد يكون وقد لا يكون، فلو فرضنا عبادة أخرى -غير الصلاة- لم يرد فيها دليل على البطلان بالزيادة، والنهي عن الجزء لا ينافي الحكم بالصحّة، لأنَّ جميع أجزاء العبادة قد أتى بها في الخارج، والجزء المنهي عنه وجوده كعدمه.

فجزء العبادة داخل في محل الكلام باعتبار أنَّ جزء العبادة عبادة، وأمّا سريان الفساد إلى العبادة نفسها فغير ممكن إلّا في صورة الاقتصار عليه، أو استلزام الإتيان به على حصول مبطل آخر دلّ الدليل على مبطليّته كالزيادة في الصلاة.

موجبيّة فساد العبادة مطلقاً

ولكنَّ شيخنا الأستاذ ذكر: أنَّ حرمة الجزء مستلزم لبطلان العبادة مطلقاً سواء اقتصر عليه أو لم يقتصر في الصلاة أو غيرها، فجزء العبادة إذا كان منهيّاً عنه، وأتى به أثناء المركّب، فإنَّه يوجب فساد العبادة في جميع الصور.

وذكر  في بيان ذلك(1): أنَّ جزء العبادة لا يخلو من أمرين: أمّا أن يكون مأخوذاً بشرط الوحدة، وأن يؤتى بالجزء فرداً واحداً ولا ينضمّ إليه فردٌ آخر، وذلك كالسورة في الصلاة بناءً على أنَّ القران في الفريضة غير جائز، فقد أخذ في هذا الجزء كونه بشرط لا عن فرد غيره، وقد لا يكون كذلك بل يجوز الإتيان بغيره.

ــــــــــ[62]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات1: 397.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فإذا فرضنا أنَّ هذا الجزء أخذ بشرط وكان القِران مبطلاً للعمل، وقد أخذ في الجزء قيّد الوحدة فيبطل المركّب لنقصانه، فإنَّ الجزء المنهي عنه لا يحسب من المركّب لفساده من جهة حرمته، ولو أتى(1) بفرد آخر غيره فقد تحقّق القِران، وقد أتى المكلّف من طبيعة هذا الجزء بفردين، وقد يفرض أنَّ القِران مبطل.

وإذا فرضنا أنَّ جزء المركّب لم يعتبر فيه الوحدة وكان القِران غير مبطل، إلّا أنَّه في صورة حرمة الجزء يكون مبطلاً أيضاً، فإنّا إنّما نقول بجواز القِران في الفرد المباح، وأمّا بالنسبة إلى الفرد المحرّم فلا بُدَّ أن يؤخذ الجزء بشرط لا، فإنَّ التحريم هو سدّ المولى الطريق عن ذلك الجزء، فالصلاة التي أمر بها تؤخذ بشرط لا بالنسبة إلى الفرد المنهي عنه المبغوض لا محالة، ومعناه: أنَّ الأمر تعلّق بالمركّب مقيّداً بعدم هذا الجزء.

ويترتّب على هذا التقييد أمور:

الأمر الأوّل(2): أنَّه لو أتى بالجزء المنهي عنه، فعندئذٍ يفقد المركّب قيّداً من قيوده بعد أن كان مأخوذاً بعنوان لم يتحقّق في الخارج، لأنَّ الجزء المنهي عنه قد تحقّق في الخارج فتبطل العبادة من جهة فقد الجزء.

ــــــــــ[63]ــــــــــ

() هذا غير صحيح لا محالة، فإنَّه إما أن يكون الجزء المحرّم ملغى فيكون تكراره بمنزلة الإتيان بالثاني فحسب لفرض إلغاء الفرد الأوّل المحرّم، وإن فرضنا عدم إلغائه رغم حرمته يلزم صحّة العبادة مع الجزء المحرّم وإن استحق العقاب عليه، فتأمّل. (المقرّر).

(2) انظر: أجود التقريرات1: 398.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الأمر الثاني(1): يترتّب على ذلك أخذ العبادة بشرط لا بالنسبة إلى هذا الجزء فيكون زيادة في الفريضة، إذ المفروض أنَّه غير مأمور به، فإذا لم يكن مأموراً به فالإتيان به في ضمن المأمور به زيادة في الفريضة فيحكم ببطلان العمل.

الأمر الثالث(2): إن كان الجزء المنهي عنه من قبيل الأذكار، كما لو أتى بذكر محرم، أو دعا في صلاته على مؤمن أن يُميته الله أو يُضلّه، وقلنا: إنَّ الدعاء على المؤمن من غير استحقاق(3) محرم، فيكون هذا الذكر خارجاً عن أدلّة جواز مطلق الذكر عموماً أو إطلاقاً كقوله: “كل ما ناجيت به ربّك فهو من الصلاة(4) ودليل التحريم يوجب تخصيص العامّ فيخصّص بغير الفرد المحرّم، فإنَّه لا يكون من الصلاة بالضرورة، فإذا كان كذلك يكون فاسداً لأنَّه أمرٌ لم يرخّص به من قبل المولى، فيكون حاله حال كلام الآدميين، فإنَّه وإن لم يكن داخلاً في هذا الموضوع إلّا أنَّه يلحق به حكماً، فإنَّه أمر خارج عن أجزاء الصلاة وقد أدخله فيها من غير ترخيص المولى، فيكون حكمه حكم كلام الآدميين في إبطال العمل.

إذن، فتقييد العبادة بالإضافة إلى هذا الجزء يترتّب عليه هذه الأمور، وكل 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

() انظر: أجود التقريرات1: 398.

(2) انظر: أجود التقريرات1: 398.

(3) ومع الاستحقاق لا يكون مؤمناً ولا يتصوّر كونه ظالماً مستحقّاً للدعاء عليه، وهو مع ذلك مؤمن، إلّا أن يقصد بالمؤمن معنى أعمّ من ذلك. (المقرّر).

(4) من لا يحضره الفقيه 1: 493. باب دعاء قنوت الوتر، الحديث:1416.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

جزء إذا وقع على وجه محرّم يبطل من غير فرق بين ما إذا أخذ مقيّداً بالوحدة أو لا. هذا حاصل كلامه.

الصحيح مختار صاحب الكفاية 

أمّا إذا كان قد أخذ في الجزء قيد الوحدة، كالسورة، والركوع، والسجود، فالبطلان واضح لأنَّه إذا أتى بجزء آخر منه أحدهما على وجه محرّم، والآخر على وجه غير محرّم، فلا محالة يحكم بالبطلان، فإنَّ القيد حينئذٍ لم يتحقق في الخارج، فإنّ المأمور به هو سورة واحدة بشرط أن لا ينضمّ إليها سورة أخرى، والمفروض أنَّه أتى بسورتين فيكون فاسداً، فالبطلان من جهة أمر آخر.

وإذا فرضنا عدم أخذ قيد الوحدة في الجزء، وأنَّه لم يقيّد بذلك ومجرّد حرمة الشيء لا يوجب تقييد الواجب بعدمه، وأن يكون الواجب بشرط لا بالنسبة إليه، فالصلاة -مثلاً- مأمور بها، وبالنسبة إلى الجزء المحرم كقراءة سور العزائم فيها، أو آية السجدة في محلّها، أو في غير محلّها كبين السجدتين أو في التشهد، فقد أتى بفرد محرّم قد نهى الشارع عنه في نفسه، ولا ملازمة بين أن يكون شيء في نفسه محرّماً، ولا يكون عدمه مأخوذاً في الواجب قيداً، إذ لو كان كذلك لجرى ذلك في جميع المحرّمات ولا يختصّ بالجزء المحرّم، فلو نظر حال الصلاة إلى أجنبي على وجه محرّم بريبة، أو إلى عورته، فهل يمكن أن يقال هذا الشيء بما أنَّه محرّم، فالصلاة بالإضافة إليه قد أخذت بشرط لا؟! وأيَّ ربط لهذا الشيء بالصلاة، فالأمر بالصلاة غير مقيّد بوجود ذلك الشيء وعدمه وإن كان هو مبغوضاً ومستحقاً عليه العقاب في نفسه.

ــــــــــ[65]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فلا فرق من هذه الجهة بين الجزء وغيره إذا كان محرّماً حرمة الشيء لا تقتضي تقيّد الواجب بعدمه، فكما أنَّ الشيء الآخر إذا كان محرماً لا يوجب تقييد الواجب بعدمه، فيكون بشرط لا بالنسبة إليه، كذلك الأمر في الجزء إذا كان محرماً ومبغوضاً في نفسه، كما لو قرأ سورة العزيمة عالماً عامداً وارتكب محرّماً، أو أتى بجزءٍ رياءً، غايته: أنَّ هذا الجزء في نفسه يكون فاسداً، وأمّا أنَّ الواجب مقيّد بعدم ذلك، فهذه دعوى بلا دليل فإنَّ كون الشيء حراماً في نفسه أمرٌ، وتقييد الواجب بعدمه أمر آخر، وإلّا كان الإتيان بكل محرّم في الصلاة وغيرها موجباً لبطلان العبادة. إذن، لا موجب لبطلان العبادة من هذه الجهة.

وأمّا ما أفاده من أنَّ هذا يكون زيادة في الفريضة أو أنَّه يكون خارجاً عن دليل جواز الذكر، فهذان الوجهان يرد عليهما: 

أولاً: أنّهما يجريان في كلّ عبادة، وكلامنا في أنَّ الإتيان بالجزء الحرام هل يستلزم فساد العبادة حتّى إذا أتى به مرّة أخرى أو لا؟ ولا يختصّ ذلك بالصلاة في حين أنَّ الزيادة وجواز الذكر خاصٌ بالصلاة، فإنَّه في غيرها لا يكون كلام الآدمي مبطلاً فضلاً عن الذِّكر المحرّم.

وثانياً: أنَّ هذه الوجوه في نفسها غير تامّة، فمسألة الزيادة تتحقّق فيما إذا أتى المكلّف بعمل بعنوان كونه عبادة وبعنوان كونه واجباً، وإلّا لا يكون من الزيادة في شيء، فإذا أتى بالعمل لا بعنوان أنَّه من الصلاة، بل بعنوان آخر فلا يصدق عليه عنوان الزيادة لتبطل الصلاة من جهة الزيادة في الفريضة.

نعم، في خصوص الركوع والسجود لا يعتبر في الزيادة فيها أن يأتي بها 

ــــــــــ[66]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

المكلّف بعنوان الصلاة، بل بأيّ عنوان أتى بها يعتبر زيادة في الصلاة، أمّا في السجود فلما ورد فيمن قرأ آية العزيمة، قال: “لا يقرأ، فإنَّ السجود زيادة في الفريضة(1) فهذا يستفاد منه أنَّ حرمة قراءة العزائم لأنَّها تستلزم السجود في الصلاة فيكون زيادة في الفريضة، ومن الظاهر أنَّ المكلّف إذا سجد للعزيمة لا يقصد به الصلاة، ومع ذلك يعتبر زيادة بأيّ غايةٍ سجد، وأمّا الركوع فيُلحق بالسجود بالأولويّة.

وهذا لا يجري في غير الركوع والسجود من الأذكار وغيرها، فلو أتى بذكر محرّم أو غير محرّم ولم يقصد به كونه جزءاً من الصلاة فلا يكون من الزيادة في شيء، فلا يوجب البطلان.

وأمّا الذكر المحرّم قد استثني من أدلّة جواز مطلق الذكر فهذا صحيح، فلا يجوز الإتيان به في الصلاة، لكن الكلام أنَّه لماذا يبطلها، فإنَّ ما دلّ الدليل على بطلانها به هو كلام الآدميين، وهذا ليس من كلام الآدميين بل هو مناجاة، غايته: أنَّها محرّمة، وما هو الدليل على أنَّ المناجاة المحرّمة مبطلة للصلاة؟!

إذن، ما ذكره صاحب الكفايةهو الصحيح، وحاصله -كما ذكرناه-: أنَّ النهي عن جزء العبادة يوجب فساد ذلك الجزء لا محالة، فإنّ اقتصر عليه فقد بطلت العبادة من جهة النقصان، وإن أتى به ثانياً فلا مانع من الحكم بالصحّة، إلّا إذا كان مستلزماً للبطلان من جهة أُخرى، كما في زيادة الركوع 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 6: 106، الباب 40، عدم جواز قراءة سورة العزائم في الفريضة وجوازها في النافلة ووجوب العدول عنها لو شرع فيها في الفريضة ناسياً، الحديث:4.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

والسجود، أو أتى بجزءٍ رياءً ثُمَّ أعاده، فإنَّه لا أثر له، فإنَّ المستفاد من الروايات أنَّ الرياء مبطل للصلاة، فلا بُدَّ من الحكم بالفساد في بعض الموارد، وإلّا ففساد الجزء لوحده لا يستلزم فساد العبادة، وهذا هو الصحيح.

 بيانٌ آخر للميرزا   

ثُمَّ ذكر(1) بياناً آخر يعمّ جميع الأجزاء المحرّمة، وحاصله: هو أنَّ النهي إذا تعلّق بجزء فيكون الأمر بالصلاة منحلاً إلى الأمر بالأجزاء لا محالة، ويكون مقيّداً بعدم هذا الجزء، فدليل وجوب السورة، والسجود، والتشهد، والذكر، يقيّد بعدم هذا الشيء فيؤخذ بشرط لا بالنسبة إليه، فالأمر بالمركّب أُخِذَ فيه ذلك باعتبار أنَّ الأمر بالمركّب عين الأمر بالأجزاء، وليس شيئاً زائداً عليها. إذن، لا محالة يكون هذا مانعاً فيحكم بفساد العبادة لوجود المانع، كما في بقيّة القيود العدميّة التي أُخِذَت في الصلاة كوقوعها في الحرير، أو الذهب، أو الميّتة، أو ما لا يؤكل لحمه، غايته: أنَّ كلامنا في الجزء وهذه الموارد تقيّد(2) باعتبار الشرط. والنتيجة واحدة.

ثُمَّ ذكر وجهين آخرين مترتّبين على التقيّد بالعدم.

أحدهما: أنَّ الإتيان بالجزء يستلزم عنوان الزيادة، إذ لا يعتبر في عنوان الزيادة قصد الجزئيّة، فلو أتى بالفرد المحرّم لا بقصد الجزئيّة وأتى به ثانياً 

ــــــــــ[68]ــــــــــ

() انظر: أجود التقريرات 1: 397.

(2) في الأصل: (تقييد) (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

بقصدهما، فيصدق عليه الزيادة أيضاً فيحكم عليه بالبطلان فيما لو كان الزائد من سنخ الجزء المأمور به، إذ لا يعتبر قصد الجزئيّة في صدق الزيادة.

ثانيهما: إذا أتى بذكر محرّم يدخل في عنوان التكلّم متعمّداً: “من تكلّم في صلاته متعمداً أعاد صلاته(1) وقد خرّجنا عن هذا الدليل بما دلّ على جواز الذكر، وقراءة القرآن، والدعاء “كل ما ناجيت به ربّك فهو من الصلاة(2) فلا بأس أن يقرأ القرآن في الصلاة، أو يمجّد ربّه ويقدّسه، أو يطلب منه حوائجه، فكل ذلك جائز بمقتضى الروايات، إلّا أنَّ هذا الدليل المخصّص لدليل بطلان الصلاة بالتكلّم، قد خُصّص بالفرد المحرّم، فما دلّ على تحريم دعاء خاص أو ذكر خاص يكون مخصّصاً لجواز مطلق الذكر في الصلاة، فإذا خرج عن دليل الجواز يدخل في ذلك الدليل وهو: (من تكلّم عامداً ….).

إذن، تكون النتيجة هي أنَّ كل جزء إذا كان منهياً عنه يوجب فساد العبادة سواء اقتصر المكلّف عليه في مرحلة الامتثال أو لم يأتِ به، فلا وجه لتفصيل صاحب الكفاية ، وحكم النهي عن الجزء حكم النهي عن العبادة نفسها، وهو البطلان.

ــــــــــ[69]ــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه1: 354، باب أحكام السهو في الصلاة، الحديث: 1029، وسائل الشيعة7: 281. باب 25، بطلان الصلاة بالكلام عمداً لا نسياناً ولا مع ظنّ الفراغ وبتعمّد الأنين، الحديث:2.

(2) من لا يحضر الفقيه1: 493، باب دعاء قنوت الوتر، الحديث: 1416.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

عدم تماميّة الأمرين 

وقد تبيّن ممّا ذكرناه: أنَّ الوجهين الأخيرين يختصّان بالصلاة، وكلامنا في هذه المسألة لا يختصّ بها، وإنّما هو بحث كبروي حول ما إذا كان النهي عن العبادة هل يوجب فسادها على الإطلاق؟ أو إنَّ الفساد خاصّ بنفس الجزء فلو أعاده ثانياً لا يفسد إلّا إذا تعلّق بعنوان آخر كالزيادة مثلاً؟

على أنَّ هذين الوجهين لا يمكن الحكم بتماميتهما، إذ بعد أن فرضنا أنَّ المكلّف قد أتى بالجزء المنهي عنه لا بقصد الجزئيّة لا يكون هذا من الزيادة في شيء، فإنَّ عنوان الزيادة متقوّمة بأن يأتي بالجزء بقصد الجزئيّة.

والوجه في ذلك: أنَّ التركيب في العبادات تركيب اعتباري لا محالة، وكلّ واحد من الركوع، والسجود، والتشهد، وغيره، وجوده مستقلّ عن غيره وغير مرتبط به وجوداً وماهية، فإذا اعتبرها المولى شيئاً واحداً وأمر به، والمكلّف في مرحلة الامتثال يقصد الإتيان بالمركّب، فإذا قصد(1) إدخال شيء جهلاً أو تشريعاً في المركّب يصحّ أن يقال: إنَّه زاد في صلاته فاعتبر فيها شيئاً زائداً على الاعتبار الشرعي.

وأمّا إذا أتى بشيء لا بقصد كونه من الصلاة كما إذا حكّ رأسه، فهل يقال: إنَّه زاد في صلاته، ولا فرق بين أن يكون الزائد مشابهاً لأجزاء الصلاة أو غير مشابه، فإنَّهما في عدم صدق عنوان الزيادة سواء، فكما أنَّه إذا أتى بعمل مغاير 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

() وأمّا إذا أتى به قاصداً عنوان الصلاة فلا إشكال في فساد الصلاة. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

سنخاً لأفعال الصلاة كحكّ الرأس لا يقال: إنَّه زاد كذلك لو أتى بعمل مشابه سنخاً لأفعال الصلاة.

نعم، في المركّب الخارجي كذلك لا يحتاج صدق عنوان الزيادة إلى القصد، فكلّما أضاف إليه الإنسان شيئاً فقد زاد فيه شيئاً، ولكن الزيادة في المركّب الاعتباري لا تكون إلّا بالاعتبار، فإذا أتى بفعل على اعتبار الصلاة فتصدّق الزيادة وإلّا فلا.

نعم، خرجنا عن ذلك في الركوع والسجود للنهي عن قراءة سورة العزيمة في الصلاة، لأنَّها موجبة للسجود فيكون زيادة في الصلاة، فيستفاد من ذلك أنَّ فعل السجود في الصلاة بأي وجه تحقّق يوجب الزيادة في الفريضة، ويكون الركوع كذلك بطريق أولى، وأمّا في غير الركوع والسجود فلا بُدَّ في تحقق الزيادة من قصد الجزئيّة.

فلو كان مشغولاً بالتشهد واحتاج إلى القيام لحاجة لا يكون هذا من القيام الزائد ولا بأس به، ولا يصحّ أن يقال: إنَّه زاد في صلاته، ولو فرضنا أنَّه في حال القيام احتاج إلى الجلوس لحاجة كقتل العقرب مثلاً، لا يقال: إنَّه زاد في صلاته لأنَّه جلس فيها، إذ المفروض أنَّه لم يأتِ بالجلوس بعنوان الجزئيّة فلا تصدق الزيادة، فلو أتى المكلّف بالجزء المحرّم، ولكن لم يقصد به الزيادة في الصلاة، فكيف يقال: إنَّه زاد في صلاته، فإنَّه لم يأتِ به بعنوان أنَّه من الصلاة القصد في الزيادة.

وأمّا الوجه الثاني، وهو أنَّ الذكر المحرّم داخل في قوله: “من تكلّم في 

ــــــــــ[71]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

صلاته…” وقد خرجنا عن ذلك بما دلّ على جواز الذكر والدعاء والقرآن، وقد فرضنا أنَّ هذا ذِكر محرّم، فيحكم بكونه داخلاً في إطلاق (من تكلّم في صلاته).

فجواب هذا الوجه: أنَّ حرمة عنوان التكلّم في الصلاة ليس بما هو التكلّم لغةً، وهو إيجاد حرفين أو حرف واحد على ما قلناه(1)، بل المراد من التكلّم في الصلاة على ما نطق به من كلام الآدميين، يعني: أن يتكلّم كلاماً عادياً فإذا سلّم في غير محلّه فهو من كلام الآدميين، فالمنهي عنه هو هذا النحو من الكلام.

والذكر المحرّم وإن كان غير جائز إلّا أنَّه ليس من كلام الآدميين، بل هو قراءة قرآن، أو ذكر، أو دعاء، غايته: أنَّه محرّم، ولكنّه خارج عن موضوع كلام الآدميين، وكلمات الفقهاء في عنوان الحرمة مختصّة بكلام الآدميين لا مطلق الكلام، فيكون الذكر خارجاً بالتخصيص، بل هو خارج بالتخصّص عن دليل كلام الآدميين، والذكر المحرّم غير داخل فيه موضوعاً.

فهذان الوجهان -مع أنَّهما يختصّان بالصلاة- لا يتمّان في موردهما.

فعدم الجواز(2) لا يلازم دخوله في كلام الآدميين، فإنَّ الممنوع منه في الصلاة هو كلام الآدميين لا مطلق التكلّم، فلو فرضنا أنَّ أدلّة جواز الذكر لم تشمله، ومع ذلك لم يكن موجباً للبطلان، فإنَّه خارج عن كلام الآدميين، فإنَّ هذا الذكر مع كونه حراماً لا يخرج عن كونه ذكراً، أو دعاء، أو قرآناً، ولا يدخل في كلام الآدميين، وهذا ظاهر. 

ــــــــــ[72]ــــــــــ

() يعني: في بحث الفقه على الظاهر. (المقرّر).

(2) يعني: الذكر المحرّم. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

عماد ما ذكره الميرزا 

الأمر الأوّل: إذا لم نقل بأنَّ القِران مبطل للعبادة، فيجوز أن يأتي بسورتين في الصلاة، إلّا أنَّ دليل جواز القِران قد خصّص بغير المحرّم لا محالة، لأنَّ الشارع لا يرخّص بالمحرّم، فلو اقتصر المكلّف على الفرد المحرّم بطلت الصلاة من جهة النقصان، وإن لم يقتصر عليه وأتى بجزء محللّ بطلت من جهة القِران، فإنَّ جواز القِران مختصّ بغير المحرّم، فيحكم ببطلان الصلاة. وهذا الوجه يختصّ بالسورة.

وهذا الوجه يندفع بأنَّ بطلان الصلاة بالقِران يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه، ولو فرضنا أنَّ السورتين قد اقترنتا في الخارج، فلو أتى بسورتين فقد تحقّق القِران لا محالة، إلّا أنَّه لا دليل على البطلان من جهته، إذ المفروض أنَّ الحرمة متعلّقة بذات السورة لا بعنوان القِران. وكم فرق بين حرمة القِران وحرمة السورة، أمّا حرمة القِران فلم تثبت، وإنّما الثابت هو حرمة السورة في نفسها، وكيف تكون الحرمة موجبة لأخذ عدمه في الواجب؟!

فما اعتبر في الصلاة هو فرد واحد لا بشرط من حيث الإتيان بفرد آخر محرّم أو غير محرّم، غاية الأمر: أنَّ هذا الفرد محرّم في نفسه فلا ملازمة بين أن يكون الشيء محرّماً في نفسه، وبين أن يكون عدمه معتبراً في الصلاة، كسائر المحرمات الإلهية التي يمكن الإتيان بها في أثناء الصلاة كالنظر إلى الأجنبية، فإذا نظر إلى الأجنبية في الصلاة فهل يقال: بما أنَّ الفعل محرم فالصلاة مقيّدة بعدمه؟ هذا لا وجه له.

ــــــــــ[73]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فهنا كذلك عنوان القرآن لم يؤخذ عدمه في الصلاة، إذ المفروض أنَّ الشارع أخذ السورة جزءاً في الصلاة سواء انضمّ إليها سورة أخرى أو لا، وسواء كانت السورة الأخرى محلّلة أو محرّمة، فالتحليل والتحريم للصورة الثانية أجنبي عن أخذ قيد عدم الاقتران، فإنَّه يمكن أن يبقى هذا على إطلاقه، ويكون الفرد الثاني محرماً كما في غيره من المحرمات الإلهية، فهذا الوجه لا يتمّ أبداً.

الأمر الثاني: أنَّ الأمر بالمركّب ينحلّ إلى الأمر بالأجزاء، ومن الضروري أنَّ كل جزء منه مقيّد بالآخر، فإنَّ الواجب ارتباطي على الفرض، والمولى أمر بالتكبيرة لكن لا على الإطلاق، بل بقيد كونها ملحوقة بالسورة الملحوقة بالركوع الملحوق بالسجود إلى آخر الصلاة، و معنى الارتباطية أنَّه لا يصحّ الإتيان بالواجب إلاّ مع الأجزاء التي قبله وبعده، فإذا فرضنا أنَّ جزءاً قيدّ بقيد عدمي -كما هو المفروض في المقام- فإنَّ الأمر بالسورة قد قيدّ بأن لا تكون من سور العزائم، فإنَّ قراءة سورة العزيمة في الصلاة محرّم على الفرض، فهذا التقييد كما يرجع إلى الجزء كذلك تكون الصلاة قد قيّدت بذلك، إذ المفروض أنَّها ليست إلّا الأجزاء بأسرها، فتقييد الجزء يعمّ تقييد سائر المركّب. إذن، السورة المأمور بها مقيّدة بعدم كونها من العزائم، فإذا وجدت سورة العزائم في الصلاة، فكما أنَّ السورة تكون فاسدة كذلك الصلاة، فإنَّ تقييد الجزء ملازم لتقييد المركّب لا محالة.

وهذا الوجه -الذي هو أقوى هذه الوجوه- لا يمكن المساعدة عليه، وذلك: لأنَّ التقييد المفروض في المقام يمكن أن يكون بأحد وجهين:

ــــــــــ[74]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الوجه الأوّل: أنَّ الجزء إذا قيّد بقيد وجودي أو عدمي فمعناه أنَّ أمر المولى بالمركّب مقيّد به، وأنَّ امتثال المركّب في الخارج لا يتحقّق إلّا بالإتيان بهذا الجزء من الواجب مقيّداً بالقيد الوجودي أو العدمي، فإذا كانت السورة مقيّدة بأن لا تكون من العزائم، فهذا القيد الذي أُخِذَ في الجزء يسري إلى الصلاة المأمور بها لا محالة، فلا تقع التكبيرة امتثالاً إلّا إذا لحقتها سورة ليست من العزائم، والركوع لا يكون امتثالاً إلّا إذا سبقته سورة كذلك، فهذا القيد المأخوذ في الجزء يرجع إلى المركّب، فإذا أتى بسورة العزائم في صلاته، فهذا الجزء وقع فاسداً، والتكبير إنَّما لم يتحقّق لأنَّه مقيّد بأن لم يلحقه سورة من العزائم، وهكذا.

ولكن هذا إنّما يتمّ إذا اقتصر المكلّف على هذا الجزء المحرّم فصلّى ولم يأتِ إلّا بالجزء المحرّم، فهذا الجزء لم يحسب على الفرض، والجزء المحلّل لم يوجد في الخارج، والصلاة كانت مقيّدة بالمحلّل، وهو لم يوجد، فالصلاة لم توجد.

الوجه الثاني: أن يكون هذا التقييد راجعاً إلى الأمر بالصلاة كاعتبار عدم لباس ما لا يؤكل، والحرير، والذهب في الصلاة، فهذا القيد العدمي بنفسه أُخذ مانعاً، فلو صلّى في ثوبين أحدهما ممّا لا يؤكل، والآخر ممّا يؤكل، فهنا شرط الصلاة متحقّق، وهو أن تكون بما يؤكل لكن مع ذلك تبطل الصلاة، لأنَّ المكلّف لبس ممّا لا يؤكل لحمه، فبطلانها ليس من جهة أنَّها فاقدة للشرط، وأنَّ المكلّف لم يلبس شيئاً ممّا يؤكل لحمه، بل من جهة تقييد الصلاة بأن لا تكون بثوب ممّا لا يؤكل لحمه، وهذا يرجع إلى اعتبار هذا القيد العدمي بالصلاة بما هي صلاة، لا اعتباره في الجزء، بل في نفس المأمور به.

ــــــــــ[75]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فهنا إذا فرضنا أنَّه لم يقتصر على الفرد المحرّم، بل أتى بفرد محلّل آخر، فمن ناحية التقييد الأوّل لا قصور في العبادة، فإنّ ما تعلّق به الأمر هو الجزء المقيّد بقيد عدمي، والمفروض تحقّقه في الخارج، فإنَّها صلاة قد تُليَت فيها سورة من غير سور العزائم، فمن ناحية الجزء لا إشكال، وكذلك التكبيرة فإنَّه قد أعقبتها سورة ليست من العزائم، وكذلك الأمر في الركوع، فإنَّه مسبوق بسورة من غير العزائم وغيره إلى آخر الصلاة. إذن، فالجزء قد تحقّق ويبقى التقييد بنحو المانعيّة، وأنَّ الصلاة مقيّدة بأن لا يكون هذا الجزء فيها، وهذا يحتاج إلى دليل، ودليل الحرمة قاصر الدلالة على ذلك، فإنَّ المفروض أنَّ الحرمة تكليفية لا وضعية، فهذا الجزء بنفسه مبغوض للمولى فحاله حال سائر ما يكون مبغوضاً للمولى كالنظر إلى الأجنبية في الصلاة، فهل يكون النظر إليها المحرّم موجباً لتقييد المركّب بعدم ذلك؟ بل هذا فعل وذاك فعل آخر أحدهما ممتاز ومنحاز عن الآخر، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المنهي عنه من سنخ المأمور به، أو من غير سنخه. فما يعتبر في المركّب هو تحقّق جزء يكون واجداً لهذا القيد، وهو أن لا يكون من سور العزائم، وهو موجود على الفرض، فمن ناحية المركّب لا نقص، وأمّا اعتبار عدم هذا بنحو المانعيّة فيحتاج إلى دليل.

ولا فرق بين هذا المحرّم وغيره في أنَّه لا دليل على التقييد بعدمه، والحرمة النّفسيّة غير ملازمة للمانعية أبداً، وإلّا كانت المانعيّة ثابتة لكلّ محرّم سواء كان من سنخ الأجزاء أو لم يكن.

فاتضح ممّا ذكرناه أنَّ المكلّف إذا اقتصر على الجزء المحرّم يُحكَم بفساد 

ــــــــــ[76]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

العمل بلا إشكال؛ لأنَّ الجزء لم يتحقّق. أمّا إذا لم يقتصر عليه فيُحكَم بصحّته إلّا إذا كان موجباً لتحقق عنوان مبطل كالزيادة، كما ذكر صاحب الكفاية.

نعم، يستثنى من ذلك عنوان الرياء، فلو أتى المكلّف بجزءٍ رياءً وأعاده بقصد القُربة، فعندئذٍ يوجب ذلك بطلان العبادة للأدلّة الخاصّة في العبادة بأنَّ الرياء لا يدخل في عمل إلّا وأفسده، فقد أُخِذَ الرياء بنحو المانعيّة، ويعتبر في العبادة أن لا يكون فيها رياء أصلاً(1)، فوجود الجزء الذي فيه رياء يحقّق المانع عن الصحّة، إلّا أنَّ هذا لا يجري في كل محرّم، بل لا بُدَّ حينئذٍ من اتّباع الدليل، ولا دليل على البطلان إلّا إذا استلزم عنوان الزيادة وإلّا فلا.

ــــــــــ[77]ــــــــــ

() هذا إذا قصد من الجزء المحرّم كونه من الصلاة، إلّا أنّه خلاف المفروض، بل المفروض أنَّه لم يقصد به أنَّه من الصلاة، بل أتى به رياءً من دون نيّة الجزئيّة، فلا يبعد حينئذٍ أن يقال: إنَّه لا يصدق كون الرياء داخلاً في العمل، لأنَّ العمل تامّ الأجزاء من دون رياء، وهذا الجزء المحرّم ليس من العمل، ومجرّد وجود العمل المحرّم في أثناء الصلاة لا يبطلها كما ذكر (سلّمه الله). (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7






النزاع في تقسيم الشرط

 

ما ذكره صاحب الكفاية  

ذكر صاحب الكفاية(1) أنَّ النهي المتعلّق بالشرط قد يفرض فيما إذا كان الشرط غير عبادي بل توصّلي فيحصل الغرض بمطلق وجوده، وإن كان محرّماً كما في الطهارة الخبثية، فلو فرضنا أنّها وقعت متعلّقة للنهي، كما لو غسل ثوبه بماء مغصوب، فالنهي عن هذا الشرط لا يستلزم بطلان العبادة، فإنَّ الشرط وإن كان منهياً عنه إلّا أنَّ الغرض يسقط لا محالة بعد طهارة المحلّ، وحيث إنَّه واجب توصّلي لا يتوقّف على قصد القُربة، فلا يوجب النهي عن هذا الشرط فساد المشروط.

وأمّا إذا كان الشرط عبادياً كالطهارات الثلاث وكان منهياً عنه، فيبطل الشرط فيما لو بنينا على أنَّ النهي يوجب الفساد، وإذا فسد الشرط فسد المشروط، فإنَّ المشروط ينتفي بانتفاء شرطه، فينبغي في باب الشرط التفصيل بين ما إذا كان عبادياً أو غير عبادي، فيبطل في الأوّل دون الثاني.

ــــــــــ[78]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 185.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

ما ذكره الميرزا النائيني 

وذكر شيخنا الأستاذ في المقام أمراً آخر، وحاصله(1): أنَّ النهي عن الشرط قد يرجع إلى النهي عن العبادة المشروطة به، فلو نهى عن لبس غير المأكول اللحم في الصلاة -وهذا وإن كان نهياً إرشادياً خارجاً عن محلّ الكلام إلّا أننا نذكره من باب المثال ونفرضه نهياً تحريمياً- وكان هذا بمقتضى الفهم العرفي نهياً عن الصلاة في هذا الثوب، فهو نهي عن العبادة المشروطة به، فهذه العبادة بذاتها منهي عنها، والنهي يستلزم الفساد، فيدخل في القسم الأوّل من النهي عن العبادة.

وأمّا لو فرض أنَّ النهي متعلّق بالشرط نفسه كما هو محلّ الكلام(2)، ففي مثل ذلك لا يوجب النهي عن الشرط حرمة فساد العبادة، وليس في الخارج شرط يكون عبادياً، فتقسيم الشرط إلى عبادي وغيره لا وجود له في الخارج، بل  الشرط مطلقاً لا يكون عبادياً، والعبادة إنّما تكون بالأجزاء والمركّب منها، وأمّا التقييدات المأخوذة في العبادة فلا تكون عبادية مطلقاً.

ثُمَّ ذكر أنَّ النهي عن الشرط لا يوجب فساد المشروط وهو العبادة على الإطلاق، وبيّن في وجهه: أنَّ ما هو شرط في الصلاة هو الأمور المقارنة معها في الخارج، كالتستر، والاستقبال، والطهارة من الحدث، والصلاة مقيّدة بهذه الأمور، والذي هو شرط في الصلاة هو الطهارة من الحدث، وهو أمر ليس بعبادي جزماً، إذ لو صلّى وهو غافل عن الطهارة أصلاً وبعد ذلك 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات1: 319.

(2) انظر: أجود التقريرات1: 399.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

انكشف أنَّه كان متطهّراً، فهل يمكن أن يقال: إنَّ صلاته فاسدة لأنَّه لم يقصد القُربة بالشرط؟ لا يمكن ذلك، لأنَّ الذي يُعتبَر فيه قصد القُربة هو أجزاء الصلاة من التكبير إلى التسليم دون الاستقبال، أو التستر، أو الطهارة، فلا يكون قُربيّاً، فتقسيم الشرط إلى القُربيّ وغيره لا أساس له.

نعم الطهارات الثلاث عبادية، إلّا أنَّها ليست شرطاً في الصلاة، فما هو الشرط فيها ليس عبادياً، والطهارات ليست شرطاً.

نعم، لو وقعت الطهارات الثلاث في حيّز النهي يحكم بفسادها، لأنَّها عبادات مستقلّة.

إذن، فهذا التفصيل لصاحب الكفاية من تقسيم الشرط إلى العبادي وغير العبادي لا أساس له، بل الشروط على الإطلاق غير عبادية.

نعم، قد تكون مقدّمة الشرط ومحصّله عبادياً، وهذا خارج عن محل الكلام، وكلامنا عن الشرط لا عمّا هو سببه وعلّته في الخارج، وعليه: لا يكون التقسيم صحيحاً.

وأمّا بالنسبة إلى أصل المطلب فذكر: أنَّ ما هو شرط في الصلاة مثلاً، إنّما هو المعنى المعبّر عنه باسم المصدر وما يكون تحت حيّز النهي هو المعنى المعبّر عنه بالمصدر، فما هو الشرط غير منهي عنه، وما هو المنهي ليس شرطاً، فلا يدخل الشرط تحت النهي حتّى يقال: إنَّه يستلزم فساد العبادة، والمصدر أمر مغاير وجوداً للعبادة، فيكون حاله حال النظر إلى الأجنبية ولا يكون حرمته موجباً لفسادها، ولذا لو أوجد معنى اسم المصدر بفعل محرّم كغسل ثوبه في 

ــــــــــ[80]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الماء المغصوب، فحرمة هذا الفعل لا تسري إلى الشرط، فإنَّ الذي هو شرط هو تلك النتيجة المعبّر باسم المصدر وهو طهارة البدن، وهو ليس منهياً عنه، وإنّما النهي عنه هو ما يسمّيه بالمصدر.

فما هو شرط ليس منهياً عنه، وما هو المنهي عنه ليس شرطاً، فلا يمكن الالتزام بفساد العبادة من جهة هذا النهي.

الصحيح ما ذكره صاحب الكفاية 

إنَّ ما ذكره من أنَّ الطهارة التي هي شرط في الصلاة هي الطهارة حال الصلاة، والوضوء، والغُسل، والتيمم ليست من شرائط الصلاة أصلاً، ومن ثَمَّ يحكم بصحّة من صلّى غافلاً عن الطهارة، ثُمَّ انكشف كونه متطهّراً، فالشرط هو المعنى الحاصل، والعبادة مسبّب لوجوده، فما هو شرط ليس بعبادي، وما هو عبادي ليس شرطاً، وهذا مبني على ما هو المعروف من أنَّ الطهارة أمر حاصل من الوضوء، والغُسل، والتيمّم، ونسبة الوضوء إلى ذلك الأمر البسيط نسبة السبب إلى المسبّب، ولكن ذكرنا في بحث الفقه(1) أنَّ المستفاد من الروايات أنَّ الطهارة اسم لنفس هذه الأفعال، ولهذا يقال عنها: الطهارات الثلاث، لا أنَّ الطهارة أمر آخر مترتّب على ذلك، بل هذا في نظر الشارع واعتباره طهارة، والصلاة مشروطة بقصد هذه الأمور كما هو مقتضى قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ(2)، فإنّ الظاهر منها أنَّ الصلاة مشروطة بنفس 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

(1) التنقيح في شرح العروة الوثقى4: 469.

(2) المائدة: 6.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

هذه الغسلات والمسحات لا بأمر آخر مستند إلى هذه الأفعال.

وفي كثير من الروايات دلالة على ذلك، منها صحيحة زرارة التي ذكرها الشيخ في أخبار الاستصحاب، فيمن كان متيقّناً بالوضوء وشكّ بعد ذلك، ونصّها: محمّد بن الحسن عن محمّد بن النعمان عن أحمد بن محمّد بن الحسن عن أبيه عن محمّد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمّد بن عيسى وعن الحسين بن الحسن بن أبان جميعاً عن الحسين بن سعيد عن حمّاد عن حماد عن حريز عن زرارة، قال قلت له الرجل ينام وهو على وضوء أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ فقال: يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والأُذن فإذا نامت العين والأذن والقلب وجب الوضوء، قلت فإن حرّك إلى جنبه شيء ولم يعلم به قال: “لَا حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ قَدْ نَامَ حَتَّى يَجِي‏ءَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ بَيِّنٌ وَ إِلَّا فَإِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِهِ وَ لَا يَنْقُضُ الْيَقِينَ أَبَداً بِالشَّكِّ وَ لَكِنْ يَنْقُضُهُ بِيَقِينٍ آخَرَ(1).

ومنها: عن محمّد بن يعقوب عن أحمد بن ادريس عن محمّد بن عبد الجبّار وعن محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن صفوان بن يحيى عن سالم أبي الفضل عن أبي عبد الله قال: لَيْسَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إِلَّا مَا خَرَجَ مِنْ طَرَفَيْكَ الْأَسْفَلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْكَ بِهِمَا(2).

فيعلم أنَّ الوضوء في نظر الشارع أمر له بقاء، قد يرتفع وقد لا يرتفع، فلا 

ــــــــــ[82]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام1: 8، باب 1، الأحداث الموجبة للطهارة، الحديث: 11.

(2) الكافي3: 35، باب ما ينقض الوضوء وما لا ينقضه، الحديث: 1.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

بُدَّ أن تكون الطهارة هي نفس الوضوء، وهو قابل للبقاء في نظر الشارع، ولذا يقول: (الرجل ينام وهو على وضوء أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء) فقد فرض المكلّف نفسه على وضوء، وظاهره بقاءه على الوضوء بنفسه لا بمسبّبه، والأفعال نفسها وإن لم تكن قابلة للبقاء والاستمرار بعد أن وجدت وانعدمت، إلّا أنَّه يعلم من ذلك أنَّ الوضوء أمر قابل للبقاء في نظر الشارع وهو يسمّى بالطهارة، وهو شرط في الصلاة.

وبناءً عليه، لا بأس بتقسيم شرط الصلاة إلى عبادي وغير عبادي، ويكون الوضوء والغسل والتيمم بنفسه شرطاً في الصلاة، وهذا الشرط له حالة بقاء ودوام إلى أن ينقضه المكلّف بناقض.

نعم، حال الصلاة لا يعتبر قصد القُربة بطهارته، لأنَّه لا يصدر منه فعل يقصد به القربة، فإنَّ قصد القربة لا بُدَّ أن يكون متعلّقاً بفعل لا محالة، والمكلّف كان قد توضّأ قبل الصلاة وقصد القربة في وضوءه، ثُمَّ اشتغل بأفعال الصلاة ولا يصدر منه أثناء الصلاة فعل الطهارة لكي يقصد به القربة، وهذا هو السبب في الحكم بصحّة صلاة الغافل عن الطهارة، إذ ليس هنا فعل آخر يُطلب من المكلّف، ليقال: إنَّه قد صلّى بشيء لا يحتاج إلى قصد القربة، وأيّ فعل يصدر منه بعد الوضوء، والغُسل، والتيمم؟ فإذا توضّأ قاصداً القربة فقد أوجد الشرط، وبعد ذلك بقاءً لا يصدر منه فعل آخر يقصد به القربة أو لا يقصدها.

فيظهر من ذلك أنَّ ما ذكره صاحب الكفاية من تقسيم الشرط إلى العبادي 

ــــــــــ[83]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وغير العبادي هو الصحيح، فلو كان الوضوء، أو الغسل، أو التيمّم محرماً ومبغوضاً للمولى يبطل الشرط لا محالة؛ لأنَّه عبادة والمنهي عنه لا يكون مقرّباً، فوجوده كعدمه، فلو أتى بالصلاة بعد ذلك كانت فاقدة للشرط فيحكم بفسادها.

نعم، تقدّم في بحث مقدّمة الواجب أنَّ الأمر المتعلّق بالمركّب(1) ينحلّ إلى الأمر بإجزائه، وينبسط على كلّ جزء منه، ولكن الشرائط ليست كذلك، فإنَّها لا تتعلّق بها الأوامر، فإنَّها غير دخيلة في المأمور به، وإنّما الدخيل به هو تقيّد الواجب بهذه الأمور، فالتكبيرة متقيّدة بأن تكون عن طهارة، وهكذا سائر الأجزاء، والأمر كما أفاده بالنسبة إلى التقيّد، فإنَّ هذا التقيّد الذي هو متعلّق الأمر وينبسط عليه الأمر ليس هو أمراً تعبّدياً، وإنّما هو أمر توصّلي، فلو غفل حال الصلاة عن كونه متطهّراً أو مستقبل القبلة فلا مانع من الحكم بصحّة الصلاة، فإن تقيّد الصلاة بهذه الأمور وانبساط الأمر عليها ليس تعبّدياً، بل المطلوب هو مطلق وجوده في الخارج.

البحث في الشرط من جهتين

الجهة الأولى: أنَّ الشرط لا ينقسم إلى التعبّدي والتوصّلي، وهذا مبنيٌّ على ما هو المعروف من أنَّ شرط الصلاة هو الطهارة المسبّبة عن هذه أفعال الوضوء، والغسل، والتيمم، وأمّا بناءً على ما هو الصحيح من أنَّها بنفسها شرط 

ــــــــــ[84]ــــــــــ

() تقدّم أنَّ الأمر بالمركّب ليس إلّا عبارة عن الأمر بالأجزاء بأسرها، وليس زائداً على ذلك. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

في الصلاة، كما هو ظاهر قوله سبحانه إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأيديكم(1) فإنَّ الظاهر من الآية أنَّ الغسل والمسح بنفسهما اعتبرا في الصلاة شرطاً.

نعم، قد عُبّر في الآية عن الغُسل بالطهارة وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا(2) أي: فـ(اغتسلوا)(3)، وهذا مؤيّد لما ذكرناه من أنَّ الغُسل بنفسه طهارة، وفي الآية الأخرى الواردة في حكم المساجد: وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا(4) وكذلك الآية الواردة في باب الحيض على اختلاف القراءتين.

فعلى مسلك المشهور يكون الأمر كما ذكره، وليس الشرط عبادياً أبداً، فإنَّ الشرط هو الطهارة الحاصلة من هذه الأفعال وسببه عبادي، وأمّا نفس الشرط فليس عبادياً، وأمّا على ما ذكرناه من أنَّ تقسيم الشرط إلى أمر عبادي وغير عبادي فصحيح، ولكن مع ذلك فإنَّ الأمر المتعلّق بالتقيّد ليس بعبادي، فلو صلّى غافلاً عن كونه على طهارة من الحدث صحّت صلاته بلا 

ــــــــــ[85]ــــــــــ

() المائدة: 6.

(2) المائدة: 6.

(3) ليس في الآية أيّ إشعار بهذا التفسير، بل ظاهرها هو ما ينتجه الغسل، وهو الكون بحال تستباح به الصلاة وترتفع عنه محرمات الجنب، ومن ثَمَّ يجب إيقاع الغسل مقدّمة لذلك على القول بوجوب المقدّمة.

نعم، لو كانت الآية مفسّرة بذلك في رواية صحيحة لأمكن الأخذ بها مثلاً، فتأمّل. (المقرّر).

(4) النساء: 43.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

إشكال، ولا يعتبر قصد القُربة في الكون على طهارة، وإنَّما القربة معتبرة في ذوات الأجزاء دون الأجزاء التحليلية كالتقيّد.

الجهة الثانية: أنّ شرط الصلاة قد يكون أمراً متحصّلاً من فعل الغير، وقد يكون فعل المكلّف بنفسه شرطاً، أمّا القسم الأوّل كما في الطهارة الخبثية فلا إشكال أنَّ النجاسة والطهارة الخبثيّتان يطرآن على بدن أو ثوب المصلّي، وهل هما أمران وجوديان، أو عدميان، أو أحدهما وجودي والآخر عدمي؟ وهل هما أمران واقعيان كشف عنهما الشارع، أو أمران اعتباريان؟ ولا نريد الجواب عنه الآن تفصيلاً، إلاّ أنّا نقول: إنَّ الغسل ليس هو الطهارة، بل ما يوجب الطهارة، فإنَّ الماء طهور بمعنى ما يتطهّر به، والغسل يوجب الطهارة، والذي هو قيّد في الصلاة هو طهارة البدن أو عدم نجاسته، بمعنى: أخذ النجاسة مانعاً في العبادة، فالطهارة والنجاسة وصفان عارضان للبدن واللباس، ويعتبر في الصلاة طهارة المحلّ أو عدم نجاسته.

لا شكّ أنَّ الغسل بالماء مُزيل للنجاسة ومُحدِث للطهارة، وبعد الغسل به يصحّ أن يقال: إنَّ هذا الثوب نظيف وطاهر، وقبل الغسل كان متّصفاً بالنجاسة، والذي هو شرط في الصلاة هو هذا المعنى الاعتباري، أو الواقعي الوجودي، أو العدمي، وهو الطهارة.

وهذا لا يتعلّق به النهي، وإنّما الذي يتعلّق به النهي هو سببه، وهو التصرّف في الماء المغصوب مثلاً، فالذي هو مصبّ النهي إنّما هو هذا الفعل الخارجي، وقد ارتكب المكلّف محرّماً، فأثر ذلك الطهارة المتحقّقة في الخارج، 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فإنَّه لم يشترط في حصولها كونها لا تحصل إلّا من الماء المباح، وإنّما تحصل من مطلق وصول الماء إلى المحلّ سواء كان غسلاً أو لا، كوصول المطر إليه بغير اختيار المكلّف، أو لو عثر فوقع في النهر فجرى الماء على ثيابه، فطهارة المحلّ من آثار وصول الماء وجريانه على البشرة، سواء صدق الغسل الاختياري في الخارج أو لم يصدق، وهذا ظاهر.

إذن، إذا منع المولى عن التصرّف في ماء -كالماء المغصوب مثلاً- ومع ذلك تصرّف به وغسل ثوبه أو بدنه، فلا يحتمل أن يكون هذا النهي موجباً لفساد العبادة، فلو صلّى وقد غسل بهذا الماء لا يحتمل فساد عبادته، لأنَّ النهي عن هذا العمل -وهو التصرّف بمال الغير- لا يسري إلى العبادة المشروطة بما هو متحصّل من هذا الفعل الخارجي، لا بما هو فعل بل من وصول الماء إلى البدن أو اللباس.

فمحلّ كلامنا ما إذا كان الشرط بنفسه متعلّقاً للنهي التحريمي، والمولى منع منه وسدّ الباب أمام المكلّف، مثل التستّر حال الصلاة، فلو نهى المولى عن التستّر بساتر معيّن -كما لو كان اللباس مغصوباً وقد تستّر به- فهنا يجري ما ذكره من أنَّ ما هو المتعلّق للنهي إنّما هو المعنى المعبّر عنه بالمصدر، بخلاف ما إذا تعلّق به النهي المعتبر باسم المصدر.

ولكنّا ذكرنا أنَّ لغة العرب تعبّر عن المصدر واسم المصدر بلفظ واحد. نعم، يختلفان في موارد قليلة كالنظافة التي هي اسم مصدر، والتنظيف الذي هو مصدر. وذكرنا أيضاً في بحث المشتق أنَّ الموجود في الخارج ليس بأمرين 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

أحدهما يعبّر عنه بالمصدر، والآخر يعبّر عنه باسم المصدر، وإنّما يوجد في الخارج جوهر وعرض قائم به، فجسم ونظافة وليس في الخارج موجود ثالث غيرهما، ولكن هذا العرض قد يلاحظ بما هو موجود في نفسه ولا يلاحظ بالنسبة إلى فاعل أو محلّ، بل بما هو موجود من الموجودات كالبياض والسواد والنظافة، وهذا هو الذي يعبّر عنه باسم المصدر.

 وقد يلاحظ بما هو عارض للغير ومن طوارئ غيره، ويعبّر عنه بالمصدر كـ(زدن) والتبييض والتنظيف وهو إيجاد النظافة في الخارج، فإذا فرضنا أنَّ الموجود الخارجي واحد والماهية واحدة، وإنّما الاختلاف في التعبير باعتبار أخذ لحاظ القيد وعدمه، فكيف يمكن أن يقال: إنَّ ما هو شرط هو المعنى المعبّر عنه باسم المصدر، وما هو متعلّق النهي هو المعنى المعبّر عنه بالمصدر، وهما شيئان في الخارج يحكم على أحدهما بأنّه شرط، وعلى الآخر بأنَّه منهي عنه؟ لا يمكن ذلك، بل هما ماهية واحدة موجودة بوجود واحد في الخارج.

نعم، هذا صحيح في الغسل بالماء المغصوب، إلّا أنَّ النسبة بينهما ليست من نسبة اسم المصدر إلى المصدر، وإنّما هي من نسبة السبب إلى المسبب، وكلّ منها عرض قائم بشيء. فالغسل عرض قائم بالغاسل والطهارة عرض قائم بالجسم.

فما أفاده من أنَّ المنهي عنه هو المعنى المصدري، والشرط هو الاسم المصدري، فالنهي غير متعلّق بالشرط لكي يوجب فساد العبادة لتغاير ما هو الشرط وما هو المنهي عنه، فإنّهما شيء واحد، وما هو شرط هو بعينه متعلّق النهي.

ــــــــــ[88]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وزبدة الكلام: أنَّ ما ذكره صاحب الكفاية من أنَّ النهي عن الشرط لا يوجب فساد العبادة إلَّا فيما إذا كان الشرط عبادياً كالوضوء، أو الغسل، أو التيمم، هو الصحيح كبرى وصغرى، وأمّا ما ذكره شيخنا الأستاذ من أنَّ الشرائط كلّها توصليّة فغير صحيح.

نعم، التقيّد ليس عبادياً وإنَّما هو توصّلي(1) -كما تقدّم- ولذا صحّت صلاة من صلّى غافلاً عن الطهارة، وانكشف أنَّه على وضوء، والمراد بالشرط هو القيد لا التقيّد.

وأما الكلام بحسب الحكم فنقول: بالنسبة إلى الشرط التعبّدي فإنَّ النهي عنه موجب للفساد، لأنَّ الصلاة مقيّدة به بخلاف الشرط التوصّلي، فإنَّ المأمور به مغاير للمنهي عنه، فإنَّ المأمور به هو الأجزاء بما فيها التقيّد، والمنهي عنه هو الشرط الخارجي. نعم، هو مقدّمة للواجب، ولا مانع من أن تكون مقدّمة الواجب حراماً.

هذا تمام كلامنا في شرط العبادة.

تعلّق النهي بالوصف الملازم والمفارق

ثُمَّ ذكر صاحب الكفاية(2) قسمين آخرين، فإنَّ النهي قد يكون متعلّقاً بالوصف الملازم وقد يتعلّق بالوصف المفارق، أمّا بالنسبة إلى الوصف الملازم كالنهي عن الجهر بالقراءة بحيث كان محرماً نفسيّاً، والجهر ملازم مع القراءة 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

() كيف يكون توصلياً وقد انبسط عليه الأمر النفسي كما صرّح به مراراً؟ (المقرّر).

(2) انظر: كفاية الأصول: 185.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فلا محالة لا ينفكّ عنها، لأنَّه لا يكون جهراً إلّا في ضمن قراءة أو كلام، والنهي عن الجهر بالقراءة -بحسب الفهم العرفي من جهة هذه الملازمة- نهي عن القراءة نفسها، فلا فرق بين أن يقول المولى: لا تقرأ جهراً أو لا تجهر بقراءتك، فإنَّ الجهر والقراءة متحدّان وجوداً وأحدهما عين الآخر، فلا يمكن أن يكون أحدهما مأموراً به والآخر منهياً عنه، فإنَّ القراءة في الخارج تنقسم إلى حصّتين، جهرية وإخفاتيّة، والنهي عن الجهر معناه النهي عن القراءة الجهرية، وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً(1) فإنَّ المراد بالجهر هو ما نتكلّم عنه في الفقه(2)، وهو: الإعلان في مقابل الإخفات، المتبع فيه نظر العرف. والمراد بالإخفات، أن لا يسمع إلّا نفسه وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً(3).

فلو نهى عن الجهر يرجع ذلك إلى النهي عن القراءة الجهريّة، فلو عصى المكلّف وجهر بقراءته يحكم بفساد هذا الجزء، لأنَّ المأمور به لا يكون حراماً.

أمّا إذا كان الوصف مفارقاً للمأمور به فيكون معه أو لا يكون، فقد ظهر جلّيّاً أنَّ النهي عن الوصف المفارق لا يكون نهياً عن الآخر، كما أنّ النهي عن الغصب لا يكون نهياً عن الصلاة المقترنة معه في الوجود. وهذا واضح.

ــــــــــ[90]ــــــــــ

(1) الإسراء: 110.

(2) المستند في شرح العروة الوثقى 14: 402.

(3) الإسراء: 110.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

 

 

الكلام في العبادات 

 

أمّا الكلام في العبادات فلا ينبغي الشكّ في دلالة النهي على الفساد بلا فرق بين أن يكون النهي المبحوث عنه في المقام حقيقيّاً كاشفاً عن مبغوضيّة العمل في ذاته، مع قطع النظر عن إضافته إلى المولى، بحيث يصدق أنَّه من المحرّمات الإلهيّة كصوم يومَي العيدَين وصلاة الحائض، فبناءً على حرمتهما تكون دلالة النهي على الفساد واضحة، فإنَّ ما كان مبغوضاً للمولى يستحيل أن يتقرّب به، وأن يكون مصداقاً للمأمور به أو مسقطاً للأمر الواجب أو غير الواجب من العبادات، وهذا واضح لا يحتاج إلى بحث، والظاهر أنَّه لم يقع فيه كلام.

وأمّا قولنا إنَّها عبادة منهيٌّ عنها فلا نعني أنَّها عبادة بالفعل، وإلّا فكيف يتعبّد لله بالحرام، بل المقصود أنَّ هذا العمل لو أمر به لكان الأمر به أمراً عبادياً لا يسقط إلّا بالتقرّب به إلى المولى -وصوم يومَي العيدَين وصلاة الحائض من هذا القبيل- إذ لو صحّ كان كسائر العبادات لا يسقط إلّا بالتقرّب، ومع ذلك فهو محرّم، فالمراد بالنهي عن العبادات النهي عن شيء من شأنه أن يكون عبادة على تقدير الأمر به لا على الإطلاق، فسنخه سنخ العبادات، ومع ذلك هو 

ــــــــــ[91]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

حرام لا بالفعل(1) ليقال: إنَّه كيف لا يصحّ ولا يقع عبادة. 

وأمّا لو كان النهي تشريعياً -وأنَّ العمل في ذاته ليس من المحرمات- فلو صلّت الحائض لكن لا بداعي الأمر بل بداعي تعليم أولادها الصلاة، فهذا العمل لا دليل على حرمته، فإنَّها لا تصلّي كما كانت تصلّي في سائر الأيام، بل تأتي بذات العمل لا بداعي الأمر، بل بداعٍ آخر، بل المحرّم تشريعاً هو العمل المأتي به بالإضافة إلى المولى. إذن، دلالة النهي التشريعي على الفساد واضحة، فيدلّ بالملازمة على أنَّ هذا العمل غير قابل للإضافة إلى المولى، فلو أضفته إلى المولى سبحانه، كانت هذه الإضافة محرّمة ومبغوضة للمولى، فهذا العمل ليس فيه قابلية الإضافة أصلاً، ونستكشف من هذا النهي أنَّ هذا العمل غير مأمور به، وليس من مصاديق المأمور به، إذ لو كان من مصاديقه كان قابلاً للإضافة إلى المولى لا محالة فيحكم بفساده لعدم الأمر.

وكذلك نستكشف من جهة النهي التشريعي أنَّه لا ملاك فيه، أيضاً إذ لو كان فيه ملاك قابل للتقرّب لم يكن منهياً عنه تشريعاً، لما ذكرناه مكرّراً أنَّه لا طريق لنا إلى استكشاف الملاكات الواقعية من غير ناحية الأمر، فإذا لم يكن الفعل مأموراً به، فكيف نستكشف تحقّق الملاك فيه مع قطع النظر عن النهي، كيف وهو منهي عنه بالفعل؟!

ولا حاجة في المقام إلى تطويل الكلام، فإنَّ الظاهر أنَّه لا يشكّ في أنَّ مثل هذا العمل -الذي سنخه سنخ العبادات- إذا تعلّق به النهي وكان النهي نهياً 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

() أي: ليس عبادة بالفعل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

ذاتياً أو تشريعياً فيستكشف منه كون العمل غير قابل للتقرّب به إلى المولى، فيحكم بفساده، وعدم انطباق المأمور به عليه لا محالة.

ــــــــــ[93]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7




الكلام في المعاملات

 

إذا تعلّق نهي بمعاملة فقد يفرض أنَّه نهي إرشادي من الأوّل، وإلّا فالفعل لا يكون بمحرّم أصلاً، وليس فيه أيّ مبغوضيّة كالنهي عن بيع الغرر، فإنَّه لا يحتمل أنَّ من ارتكب هذا الفعل، فقد ارتكب محرماً، وإنّما يكون هذا نهياً بمعنى الفساد. 

وفي الواقع أنَّ هذه الجملة جملة خبرية، فهذه المعاملة غير ممضاة شرعاً، والصورة صورة نهي -وهو كثير في أبواب المعاملات- فالمتفاهم العرفي من هذا النهي يقتضي اعتبار قيد وجودي أو عدمي في المعاملة، فإذا كانت المعاملة فاقدة له يحكم بفسادها، وهذا خارج عن محلّ البحث.

فإنَّ محل الكلام في المقام -كما قلنا في أوّل البحث(1)– في أنَّ النهي هل يدلّ على الفساد أو لا يدلّ من جهة الملازمة بين حرمة شيء وفساده في المعاملات؟ أمّا لو كان النهي دالاً على الفساد مطابقة فهو خارج عن محل الكلام.

وأمّا إذا فرضنا أنَّ النهي ليس إرشادياً بل أمر مولوي، فهل ذلك يلازم الفساد أو لا يلازمه بل يمكن أن يكون حراماً، ومع ذلك يترتّب عليه حكمه الوضعي كالملكيّة والزوجيّة، هل هناك ملازمة بين الحرمة التكليفيّة والحرمة الوضعيّة؟

 ــــــــــ[94]ــــــــــ

(1) راجع الصفحة: 3.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

هذا هو مورد الانظار والأقوال في المسألة، فقيل بعدم ثبوت الملازمة على الإطلاق، وقيل بثبوتها على الإطلاق، وهنا قول بالصحّة ونُسبَ إلى أبي حنيفة والشيباني، فإنّهما التزما أنَّ النهي عن المعاملة يدلّ على صحّتها، وذكر صاحب الكفاية (1) تفصيلاته أخذه منهما.

دلالة النهي على الصحّة 

أنَّ النهي المتصوّر في المعاملات قد يكون نهياً عن المسبَّب، كما لو فرضنا أنَّ ملكية شيء كانت مبغوضة لله سبحانه وقد نهى عنها، وقد يكون المبغوض ملكية هذا الشيء بسبب خاصٍّ، ويعبّر عنه بالتسبيب، فلا يكون المنهي عنه هو الملكية على الإطلاق بل الملكية بهذا السبب، وقد يكون المنهي عنه نفس السبب بما هو سبب.

والحاصل: أنَّ في المعاملات أموراً ثلاثة: فإنَّ المكلّف يوجد سبب الملكيّة حين يقول بعت أو قبلت، والمسبّب هو الملكية نفسها، فقد يكون النهي متعلّقاً بالملكية نفسها، وقد يكون متعلقاً بالتسبب، وقد يكون متعلقاً بالسبب نفسه.

أمّا إذا تعلّق بالمسبّب كما إذا منع الشارع عن بيع المصحف للكافر، وكانت ملكية الكافر للمصحف مبغوضة، فمثل هذا النهي يكشف عن صحّة المعاملة، كما ذهب إليه أبو حنيفة والشيباني، وذلك: لأنَّ إيجاد الملكية إذا لم يكن مقدوراً للمكلّف فكيف ينهى الشارع عنه؟ فإنَّ النهي لا يتعلّق إلّا بالفعل الاختياري، ولا يكون النهي إلّا مع التمكّن من الإيجاد، فالمكلّف يتمكّن من تمليك الكافر 

ــــــــــ[95]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 189.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

المصحف ولذا نُهيَ عنه، فالنهي عن المسبّب يدلّ على صحّة المعاملة.

وكذلك إذا نهى المولى عن التسبب إلى الملكيّة بسبب خاصٍّ، كما إذا قلنا بأنَّ هبة الكلب جائزة، ولا دليل على المنع عنها، وإنّما المنهي عنه هو المعاملة بعوض على الكلب، وأمّا المعاملة بغير عوض كالهبة والإرث، فلا بأس بها. إذن، فملكية الكلب لا بأس بها، ومن ثَمَّ جازت هبته وانتقل إلى الورثة، ولكن البيع وجعل شيء ثمناً للكلب ممنوع، فإنَّ ثمن الكلب سُحْت على ما في جملة من الروايات(1)، فنستكشف من ذلك أنَّ المبغوض ليس هو ملكيّة الكلب، وإنّما هو التسبُّب إليه بالبيع.

ونستكشف أيضاً من النهي وقوع الملكيّة خارجاً، وإلّا لم يكن متعلّقاً للنهي، فإنَّ متعلّق النهي لا بُدَّ وأن يكون مقدوراً.

وأمّا إذا كان السبب بنفسه محرّماً دون الملكية والتسبُّب، كما لو فرضنا أنَّه تكلّم في صلاته، فقال: بعتك الدار، فإنَّ فيه إبطالاً لعمل واجب، فهذا لا يدلّ على الصحّة ولا على الفساد أيضاً، ولا يكون النهي عنه كاشفاً عن صحّة هذه المعاملة أو فسادها.

تفضيل الميرزا النائيني 

ذكر شيخنا الأستاذ(2) أنَّ النهي إذا تعلّق بالسبب فلا يدلّ على الفساد، فإنَّه يمكن أن يكون السبب محرّماً ومبغوضاً للمولى ومع ذلك يترتّب عليه الأثر، إذ 

ــــــــــ[96]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 12: 62، الباب 5، من أبواب ما يكتسب به. الحديث: 5، 9.

(2) انظر: أجود التقريرات1: 404 ،405.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

لا ملازمة بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي، كما في البيع وقت النداء يوم الجمعة الذي نهى عنه في الآية الكريمة بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّـهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(1) ولكن إذا وُجِدَ البيع كان صحيحاً، وكذلك إذا كان النهي لأجل أمر آخر، كما إذا باع في إثناء صلاته وتكلّم بكلام الآدميين فتبطل حينئذٍ صلاته، وإبطال الصلاة وإن كان محرّماً ومبغوضاً، ولكن مع ذلك لا ينافي صحّته، وترتّب الملكية على هذا البيع.

أمّا إذا كان النهي متعلّقاً بالمسبّب فهو يستلزم الفساد لأنَّ من شرائط البيع وغيره أن لا يكون الإنسان محجوراً بسبب من الأسباب، والمحجور لا يحكم بصحّة عمله، ولا شكّ في أنَّ النهي يوجب عدم قدرة المتعاملين على إيجاد هذه المعاملة، فلو نهى الشارع عن بيع المصحف على الكافر، وكان هذا التمليك مبغوضاً للشارع وقد سدَّ الطريق عن إيجاد المعاملة، فهو وإن كان مالكاً لهذا المال، وأمر المال بيده إلّا أنَّه محجور عليه من قبل الشارع، والشخص المحجور عليه لا يحكم بصحّة معاملته.

ومن هنا أفتى الفقهاء(2) ببطلان بيع منذور الصدقة وإجارته، فإنَّ البيع منافٍ للوفاء بالنذر، فهو ممنوع عن هذا العمل، وكذلك إذا اشترط على 

ــــــــــ[97]ــــــــــ

(1) الجمعة: 9.

(2) انظر: أجود التقريرات 1: 405.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

المشتري أن لا يبيع هذا المال من شخص آخر، أو لا يؤجّره من شخص آخر، فإنَّ الممتنع الشرعي كالممتنع العقلي، وهذا المكلّف ممنوع من قبل المولى من إيجاد المعاملة، فهو محجور عليه، ومن شرائط صحّة البيع وغيره من المعاملات أن لا يحكم بحجره.

هذا ملّخص ما أفاده شيخنا الأستاذ.

ما ينبغي ذكره في المقام 

ذكرنا في عدّة موارد أنَّ باب المعاملات ليست من السبّب والمسبّب، ولا يمكن فرض أن يكون شيء سبباً لشيء آخر، والوجه فيه: أنَّ الحكم الشرعي
-أيّاً ما كان من الأحكام التكليفيّة أو الوضعيّة- وضعه ورفعه بيد الشارع وتحت اختياره، فله أن يفعل وله أن لا يفعل، وعلى هذا الأساس يحكم بصحّة المعاملة، أو بترتّب الملكية عليها، أو يحكم بفسادها، ولا يكون فعل المكلّف سبباً للملكية أو الزوجية أصلاً؛ فإنَّها من الأُمور الاعتبارية لا التكوينية الخارجيّة التي توجد بسبب خاصّ كالحرارة الموجودة بسبب النار، بل هي كالتحريم والإيجاب أمر اعتباري بيد المولى متى ما شاء اعتبر أو لم يعتبر، فليس هنا سبّبية ومسبّبية بالنسبة إلى فعل الشارع أبداً.

وكذلك بالنسبة إلى فعل المكلّف، فإنَّ أحد المتبايعين يعتبر كلّ ماله ملكاً للغير في مقابل ما يملكه من الغير، ويعبّر عنه باعتبار المبادلة، وهذا التبديل والاعتبار قائم على بالمتبايعين مباشرة بلا أيّ سبب من الأسباب، فلو فرضنا أنَّه 

ــــــــــ[98]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

لم يوجد في العالم(1) أيّ شيء، مع ذلك هذا الاعتبار قائم بهما، واللفظ الخارجي والإعطاء الخارجي لا يكون سبباً للاعتبار، فإنَّ الاعتبار أمر قائم بالنفس لا يحتاج إلى أيّ سبب، بل القول أو النقل يكون مبرزاً للاعتبار، فنسبة اللفظ إلى الفعل إلى ما في النفس ليس نسبة الإيجاد، والسبب إلى المسبّب، بل نسبة المبرِز إلى المبرَز؛ فإنَّ الأمر النفساني لا بُدَّ له من مبرز في الخارج ليعلم أنَّ البايع اعتبر ماله ملكاً للمشتري بإزاء الثمن فيبرزه باللفظ أو الفعل المحفوف بالقرينة على إرادة البيع، فليس هنا سببية أو مسببية لا في فعل الشارع ولا في اعتبار المتبايعين، وأنَّ اعتبار الشارع بالملكية كحكمة بالوجوب قد يكون مشروطاً بشيء كالوجوب المشروط بالبلوغ والعقل من الشرائط العامّة، أو دخول الوقت من الشرائط الخاصّة، ولا يكون هذا الحكم فعلياً وإن كان منشئاً في مرحلة الإنشاء إلّا بتحقق موضوعه في الخارج، وقلنا: إنَّ الحكم الحقيقي لا بُدَّ له من متعلّق وموضوع، فإنَّ الوجوب لا يجعل إلّا متعلّقاً بفعل ما من أفعال المكلّف، كذلك التحريم لا يُنشأ إلّا متعلّقاً بفعل من الأفعال كالكذب، وشرب الخمر، وقتل النفس المحترمة.

فنسبة الحكم إلى المتعلّق نسبة العلّة إلى المعلول تشريعاً لا واقعاً، وإلّا في الواقع لا يكون الحكم علّة لوجود متعلّقه في الخارج، ولكنّه جعل داعياً من 

ــــــــــ[99]ــــــــــ

() هذا على إطلاقه محلّ إشكال، فإنَّه إذا لم يوجد الثمن والمثمن، أو لم توجد الحاجة إليهما. فإنَّ الاعتبار لا يكون متحقّقاً لا محالة، وعلى تقديره يكون لغواً لا بيعاً. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

قبل المولى لامتثال المكلّف، فنسبة التكليف إلى المتعلّق نسبة جعل الداعي، وفعلّيّة الحكم لا تتوقّف على فعلّيّة متعلّقه فيكون الحكم فعلّياً سواء كان المكلف ممتثلاً أم عاصياً، فالمتعلّق أجنبي عن فعلّيّة التكليف وعدمه.

وأمّا الموضوع الذي أخذ مفروض الوجود في مرحلة الجعل فلا بُدَّ من تحقّقه في الخارج، وما لم يتحقّق لا يكون الحكم فعلياً أبداً.

فإذا لم يكن في الخارج بلوغ، أو عقل، أو لم يكن الوقت داخلاً، لا يكون الحكم فعلياً، ومن ثَمَّ يعبّر عن الموضوعات التي أخذت مفروضة الوجود بشرائط التكليف، فيقال: وجوب الصلاة مشروط بشرائط عامّة كالبلوغ، والعقل، وشرائط خاصّة كدخول الوقت، ووجوب الصوم مشروط بشهود الشهر، ووجوب الزكاة مشروط ببلوغ النصاب.

وعين هذا الذي ذكرناه في التكاليف يجري في الأحكام الوضعيّة، فإنَّ ملكية الوارث أخذ في مرحلة الجعل فيه موت المورث، فلو لم يمت الأب ولم يتحقّق هذا الموضوع لا ينتقل المال إلى الوارث، لأنَّ الموضوع غير موجود، فكما أنَّ الموضوع في الأحكام التكليفيّة ما لم يتحقق في الخارج لا يكون فعلياً، كذلك الأمر في الأحكام الوضعيّة، فنسبة ألفاظ المعاملات أو غير الألفاظ من الأفعال الكاشفة إلى الأحكام الوضعيّة نسبة الموضوع إلى الحكم، فلو فرضنا أنَّ أحداً لم يبع داره لزيد فلا يكون الدار ملكاً له، لأنَّ الموضوع -وهو البيع- لم يتحقّق.

ولا فرق بين أن يكون الموضوع اختيارياً كالبيع، والنكاح، أو غير اختياري كالموت، فما لم يتحقق في الخارج لا يكون الحكم فعلياً أبداً.

ــــــــــ[100]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فكلّ ما ذكرناه في التكاليف جارٍ في الأحكام الوضعيّة بعينها، يعني: أنَّ نسبة العقود إلى هذه الأحكام من الملكية، والزوجية، وغيرها نسبة الموضوع إلى الحكم وليس هنا سببية ومسببية، فكما لم يكن الزوال سبباً لوجوب الصلاة، وكيف يكون السبب للوجوب الذي هو فعل المولى وجعله أمراً تكوينياً خارجياً، وإنّما جعله كان مشروطاً به، فإذا تحقق فقد صار الجعل فعلياً، وكذلك الملكية مجعولة على فرض تحقق البيع في الخارج، أو الموت، أو الحيازة، فما لم يوجد الموضوع لا يكون الحكم فعلياً أبداً.

نعم، هنا شيء اصطلح عليه الفقهاء، ولم يظهر وجه اصطلاحهم حتى هذه الليلة، وهو أنَّهم في باب التكاليف يعبّرون بالشرائط، ويقولون: الصلاة لها شرائط عامّة كالعقل، والبلوغ، وشرائط خاصّة كدخول الوقت.

وفي باب الأحكام الوضعيّة على الإطلاق يعبّرون بالأسباب، فيقولون: البيع سبب للملكية، والملاقاة سبب للنجاسة، والطلاق سبب للفراق، وليس في الواقع شرطية وسببية، وإنّما هي أحكام مفروضة على تقدير وجود هذه الأمور، أمّا لماذا عبّروا بذلك ولم يقولوا أنَّ من شرائط الملكية البيع، أو الوراثة، أو الحيازة، فالسببية والمسببية مجرّد اصطلاح ولفظ من الفقهاء، وإلّا في الواقع ليس هنا أيّ تأثير وتأثّر.

وعلى الجملة: إنَّ الأحكام الشرعيّة التكليفيّة منها والوضعيّة ليست إلّا عبارة عن اعتبارات اقتضتها المصلحة على اختلاف مواردها، وأمرها بيد الشارع رفعاً ووضعاً، ولا دخل لفعل المكلّف أو لوجود آخر في تحقّق هذه 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الاعتبارات، فإنَّ الأمر الاعتباري أمر قائم بالمعتبر بالمباشرة فله أن يعتبر وله أن لا يعتبر، وليس هنا أمر آخر دخيل في اعتبار المعتبر، فالاعتبار الشرعي أمر قائم بالشارع، واعتبار العقلاء أمر قائم بالعقلاء، وكل شخص اعتباره قائم به.

فالأحكام مطلقاً موضوعة على نحو القضيّة الحقيقيّة، فبعد فرض الموضوع الخارجي يجعل الحكم على تقدير وجوده، فيفرض الشارع شخصاً بالغاً قادراً مستطيعاً ويفرض عليه الحجّ، كما في قوله تعالى: وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً(1) وعلى تقدير تحقّق هذه الأُمور في شخص اعتبر من الأوّل عليه وجوب الحجّ.

ونسبة هذه الأمور إلى الحكم الشرعي نسبة الموضوع إلى الحكم، فلا بدَّ أن تتحقّق في الخارج، والاعتبار إنّما هو متوجّه إلى هذا الشخص لا إلى كل شخص، فليست الاستطاعة سبباً للوجوب، بل الوجوب لا ينشأ من الاستطاعة، ولا من شيء آخر من الموجودات التكوينية، بل هو أمر يعتبره الشارع، غايته: أنَّه قد يعتبره على الإطلاق، أو مقيّداً بشيء، وكذلك سائر موارد الأحكام التكليفيّة من الوجوبية والتحريمية، فوجوب الصلاة مجعول على من دخل عليه الوقت، ووجوب الزكاة على من ملك النصاب.

والأحكام الوضعيّة حالها حال الأحكام التكليفيّة، فالمولى يعتبر الزوجية والملكية، ولكن على تقدير شيء لا على الإطلاق، فهو يجعل الزوجية لمن يعقد له بالزواج مع كونه مختاراً ومسلماً إذا كانت المرأة مسلمة، وهذه الأمور نسبتها 

ــــــــــ[102]ــــــــــ

(1) آل عمران: 97.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

إلى الزوجية ليست نسبة السبب إلى المسبب، فإنَّ الزوجية أمر قائم بالمعتبر ولا يمكن أن يكون اللفظ الخارجي، أو أيّ أمر آخر سبباً لاعتبار المولى الذي هو فعل اختياري له، بل إنّما اعتبره لا على الإطلاق بل على أشخاص وقيود خاصّة.

وملخّص الكلام: أنَّ الأحكام على الإطلاق -التكليفيّة والوضعيّة- مجعولة للشارع وأمرها بيده، ونسبة الموضوعات إليها ليست نسبة السبب إلى المسبب، إذ يستحيل أن ينشأ الأمر الاعتباري من السبب التكويني الخارجي، وإلّا لم يكن أمراً شرعياً اعتبارياً وهو خُلف الفرض، غاية الأمر: أنَّه اعتبار مشروط بأمور، والمعتبر إنّما يكون فعلياً على تقدير تحقّقها في الخارج، فليست هناك سببية، فإنَّ التأثير والتأثّر مستحيل في الأحكام على الإطلاق.

وبذلك ظهر أنَّ ما ذكره شيخنا الأستاذ وصاحب الكفاية غير صحيح، فإنَّه ليست هنا سببية ومسببية، ليكون النهي تارةً متعلّقاً بالسبب، وأخرى بالمسبّب، بل الموجود في المعاملات بالمعنى الأعمّ من العقود والايقاعات أمور أربعة لا خامس لها:

الأمر الأوّل: الاعتبار النفسي القائم بالمتعاملين، أو القائم بشخص واحد فيما إذا كان إيقاعاً كما في الإبراء أو الطلاق، وهو أمر نفساني قائم بالمعتبر، وإذا كان يحتاج إلى طرفين كالبيع، فالبيع والشراء قائم بالبائع والمشتري، فالبايع يعتبر ماله ملكاً للمشتري بإزاء(1) ملكية مال المشتري، ويعبّر عنه باعتبار المبادلة بين المالين.

ــــــــــ[103]ــــــــــ

() هذا القسم الثاني من الاعتبار محال لأنَّه يرجع إلى اعتبار مال الغير ملكاً للمعتبر، وهو إنّما يتمّ إذا كان للشخص سيطرة وسلطنة على ملك غيره، وهو واضح الفساد، إلّا أن يقال: إنَّ هذا الاعتبار باطل، إلّا في صورة العقد فإنَّه صحيح، فتأمّل.

 إلّا أن يقال: إنَّ معنى اعتبار البايع ماله ملكاً للمشتري بإزاء ملكيته لمال المشتري أنَّ اعتبار ماله ملكاً للمشتري مشروط باعتبار المشتري لملكية البايع لمال المشتري بحيث لولاه لا يعتبر البايع شيئاً، وهذا أمر يمكن أن يكون صحيحاً. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الأمر الثاني: إبراز هذا الأمر الاعتباري في عالم اللفظ أو بمبرز آخر غيره كما في المعاطاة، أو بالكتابة، أو الإشارة، فيقول البايع: (بِعتُ) ويقول المشتري: (قبلتُ) وقلنا: بأنَّ هذه الجملة -وهي: بِعتُ- إبراز لذلك الأمر النفساني، وأنَّ البايع التزم بأن يكون ماله ملكاً للمشتري بازاء ملكه للمال المشتري، وكذلك المشتري إذ يقول: (قبلت)، وكذلك الأمر في سائر العقود.

وذكرنا أيضاً غير مرّة في المباحث الأصولية(1) وفي بحث المكاسب(2) أنَّ كلمة البيع، والهبة، وغيرهما، لم توضع بإزاء الاعتبار نفسه من دون مُبرِز، كما لو علمنا بأنَّ زيداً اعتبر ماله ملكاً لعمرو مجاناً فلا يصدق عليه أنَّه وهبه له، ولا يصدق إلّا مع الإبراز الخارجي في قوله: (وهبتُ) مع الإعطاء الخارجي؛ ومجرد الأمر النفساني حتى إذا علمنا به لا يصدق أنَّه وهبه له، كما أنَّ الإبراز الخارجي المجرّد من دون اعتبار في النفس لا يصحّح الهبة، كما لو قال: (بِعتُ) وعلمنا أنَّه لم يقل ذلك بما أنَّه مبرز للأمر النفساني بل تكلّم به سهواً أو استهزاءً(3)، ففي مثل ذلك لا يقال: إنَّه باع داره أو وهب ماله.

ــــــــــ[104]ــــــــــ

() انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 1: 175،174.

(2) انظر: التنقيح في شرح المكاسب 36: 65.

(3) ولم يكن اعتباره ثابتاً واقعاً وفي نفس الأمر. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فالعقود والإيقاعات متقوّمة بأمرين: أمر نفساني قائم بالمعتبر، وإبرازه بمُبرز في الخارج.

الأمر الثالث: إمضاء العقلاء لهذا الاعتبار وعدم امضائهم، فإنَّه قد يعتبر المعتبر شيئاً ويبرزه في الخارج، ولكن العقلاء لا يمضونه ولا يعتبرونه، ولا يرتّبون الأثر على ذلك الاعتبار، كما لو فرضنا أنَّ أحداً باع أو وهب مال غيره، فإنَّ العقلاء لا يمضون هذه الهبة وهذا الاعتبار لأنَّه وهب مال غيره، مع أنَّه ليس مالكاً ولا ولياً ولا وكيلاً، أو طلّق زوجة غيره مع أنَّه لم يصدر ممّن له الأمر لأنَّه ليس زوجاً، ولا وكيلاً، ولا وليّاً، وهكذا.

فقد يكون الأمر الاعتباري المبرز مورداً لإمضاء العقلاء، كما في البيع الجامع لبعض الشرائط، وقد لا يكون مورداً لإمضائهم كما إذا كان البيع متعلّقاً بمال الغير، فيكون وجوده كعدمه.

الأمر الرابع: الإمضاء الشرعي، فإنَّه قد يكون هذا الأمر الصادر من البايع، أو الواهب، أو غيره مورداً للإمضاء الشرعي ومحكوماً بالصحّة، وقد لا يكون محكوماً بالصحّة، ولو فرضنا أنَّ العقلاء أمضوا البيع، أو الطلاق، أو الزواج، ولكن الشارع يعتبر قيوداً أخرى ما لم تتحقّق لا يحكم بصحّتها.

فالعقلاء لا يعتبرون الوزن والكيل في البيع، بل يعتبرون صحّته بدونها، ولكن الشارع يعتبره، وكذلك بيع غير البالغ، فالظاهر أنَّه ممضى عندهم إذا كان مميّزاً متمكّناً من المعاملة، ومن جلب المنفعة، ودفع الضرر، ولا يعتبرون البلوغ الشرعي، وأمّا الشارع فلا يرى ذلك، وهكذا.

ــــــــــ[105]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

أمّا إمضاء الشارع أو إمضاء العقلاء فلا معنى لأنَّ يتعلّق به النهي، لأنَّه خارج عن اختيار المكلّف، فكيف تكون الملكية الشرعيّة التي يعبّر عنها صاحب الكفاية بالمسبّب، والتي هي عبارة عن اعتبار الشارع هذا المال ملكاً للآخر الذي هو فعل لنفس المولى لا لأحد ليصحّ النهي عنه أو الأمر به؟ ما معنى أن ينهى المولى عن الملكية الشرعيّة؟ بل أمرها بيده وضعاً ورفعاً. 

ومن هنا يظهر أنَّ ما ذكره صاحب الكفاية من أنَّ النهي يدلّ على الصحّة تبعاً لأبي حنيفة -لأنَّه إن لم يكن صحيحاً فكيف نهى عنه- أمر باطل من أصله، لأنَّه غير قابل لأن يتعلّق به النهي أصلاً، سواء كانت المعاملة صحيحة أو فاسدة، فإمضاء الشارع واعتباره للملكية غير قابل لأن يتعلّق به النهي، كما أنَّ الملكية العقلائية، أو إمضاء العقلاء كذلك أيضاً.

فهذان خارجان عن محلّ الكلام بالمرّة، فإنَّ باب النهي عن المعاملة، لا يشمل النهي عن الحكم الشرعي، ولا النهي عن حكم العقلاء، فإنَّه في نفسه غير معقول ليقال: هل يدلّ على الفساد أو لا يدلّ؟!

وإنّما يكون مورد النهي أحد أمرين لا ثالث لهما، أمّا أن ينهى الشارع عن الاعتبار النفساني، أو عن الإبراز، أو عن كليهما مجموعاً، فللشارع أن ينهى المكلّف عن اعتبار هذا الشيء ملكاً لأحد، أو عن إبرازه لهذا الاعتبار في الخارج، وأمّا النهي عن الملكية، والزوجية، والرقّية، والفراق، فهو غير قابل للتحقّق، فإنَّها أمور خارجة عن قدرة المكلّف، وإنّما هي أفعال للمولى أو العقلاء. وعلى كلا التقديرين لا يتعلّق بها نهي لنبحث أنَّ هذا النهي هل يدلّ على الفساد أو لا يدلّ؟

ــــــــــ[106]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فالصحيح: لا دلالة للنهي عن المسبّب على الصحّة وعلى الفساد، بل لا بُدَّ من النظر في أدلّة تنفيذ المعاملة شرعاً، فإن كان فيها ما يدلّ على الصحّة يُلتَزَم به، وإلّا فالأصل في المعاملة هو الفساد(1).

 وأمّا ما ذكره شيخنا الأستاذ من دلالة النهي على الفساد، فهو مبني على ما ذكر من أنَّ النهي يوجب فقد شرط من شرائط المتعاملين، فإنَّ المعاملة ـ بالمعنى الأعمّ ـ متوقّفة على عدم الحجر، فإذا فرضنا أنَّه منهي عنه فهذا العمل مبغوض للمولى، والنهي حجر للمكلّف من إيجاده، ومن ثَمَّ يدلّ النهي على الفساد.

إلّا أنَّ ذلك ممّا لا يمكن المساعدة عليه: فإنَّ  عدم الحجر الذي هو من شرائط العقد هو عدم الحجر وضعاً، يعني: أن يرى المولى المكلّف قادراً على إيجاد المعاملة، ولكنّه محجور عليه كالصغير، والمجنون، و المفلس، فإنَّه ليست معاملة الصغير مبغوضة للمولى ولا موجبة لاستحقاق العقاب، وإنّما الحجر في هذه الموارد وعدم قدرة المكلّف على إيجاد المعاملة بمعنى عدم إعطاء المكلّف هذه السلطة لإيجادها، ونعبّر عنه بالحجر الوضعي -وبين الحجر الوضعي والحجر التكليفي بون بعيد- فإنَّ المفروض في المقام أنَّ المكلّف منع عنه تكليفاً، ولكن على تقدير إيجاده للمعاملة فهل يمضيها الشارع أو لا؟ فهذا أمر آخر لا بُدَّ فيه من اتباع دليل المعاملة.

ولا منافاة بين أن يكون شيء محرّماً، ولكن لو وقعت المعاملة أو الإيقاع 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

() كان السيّد يشرح هذه الأُمور مفصّلاً كما سبق. لهذا اختصرناها هنا. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

كان ممضى من قبل الشارع، وإن استحق المكلّف العقاب، فالمنع في المقام منع تكليفي. ويمكن أن تكون المعاملة ممنوعةً ولكنّها صحيحة، ولا ملازمة بين الحرمة والفساد، والذي هو مشترط في المعاملة هو الحجر الوضعي من دون أن يكون هناك نهيٌّ تكليفيٌّ، ولذا لم تكن معاملات الصبي، والمفلس من المحرّمات الإلهيّة، ويمكن أن تكون المعاملة محرّمة ومورداً للإمضاء إذا كان هناك إطلاقٌ أو عمومٌ يدلّ على صحّتها.

إذن، فالنهي عن المعاملة كما لا يدلّ على صحّة المعاملة كذلك لا يدلّ على فسادها، وبينهما عموم من وجه، فقد تكون المعاملة محرّمة وباطلة(1)، وقد تكون محرّمة غير باطلة(2)، وقد تكون باطلة غير محرّمة، كما في معاملة الصبي، والمجنون، والسفيه، والمفلس، فلو أوجد السفيه أو المفلس معاملة على ماله، فلا يكون قد عمل حراماً ولا يحكم بفسقه، غايته: أنَّها غير ممضاة في الشريعة، فالحجر الوضعي أمر، والحجر التكليفي أمر آخر، وليس بينهما ملازمة.

ما رتّبه الميرزا النائيني

ثُمَّ إنَّ شيخنا الأستاذ(3)رتّب على ما ذكره من أنَّ التحريم يوجب حجر المكلّف من الفعل فتكون المعاملة فاسدة، أنَّ الفقهاء التزموا بفساد  الايجار على الواجبات المجانيّة، وبفساد بيع المنذور أو ما اشترط في ضمن عقد عدم إجراء 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

() كالمعاملة الربويّة كما يستفاد من أدلّتها. (المقرّر).

(2) كالبيع وقت النداء بناءً على عدم دلالة النهي على الفساد. (المقرّر).

(3) انظر: أجود التقريرات 1: 405،406.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

هذه المعاملة عليه، كأن يبيع داره عليه، ويشترط في البيع أن لا يبيعها على عمرو، فلو باعها على عمرو يحكم بالفساد، لأنَّه منافٍ لوجوب الوفاء بالعقود، وذكر أنَّ كلَّ ذلك مبنيٌّ على ما ذكرناه: من أنَّ النهي يوجب الحجر فيكون مانعاً عن صحّة المعاملة.

والظاهر أنَّ هذا لا يترتّب على ذلك، أمّا الواجبات المجانيّة فوجه عدم صحّة الإيجار فيها هو فرض أنَّها مجانية، لأنَّ المجانية وأخذ العوض بينهما تنافٍ واضح، فإذا كانت الواجبات مجانيّة -كما استظهر ذلك في تجهيز الميّت والصلاة عليه أو الصلاة اليومية، وأنَّه لا يجوز أن يأخذ عليها الأُجرة لفرض أنَّها واجبة مجاناً، يعني: أنَّها غير قابلة لأخذ الأجرة بإزائها، لا أنَّ الإيجاب اقتضى كونها مملوكة لله تعالى ويكون المكلّف محجوراً عليه في تمليكه لغيره (عزّ وجلّ)- لسرى في جميع الواجبات سواء كان إيجابها بعنوان المجّان أو لم يكن حتّى في الواجبات الكفائيّة، مع أنَّ الأمر ليس كذلك ولا مانع من أخذ الأُجرة على الواجبات إذا لم يكن المجّان مأخوذاً في موضوعها.

أمّا ما ذكره من عدم جواز بيع منذور الصدقة فهو مورد إشكال وليس متسالماً عليه بين الفقهاء، فقد يفرض أنَّه من نذر النتيجة بأن ينذر أن تكون الشاة ملكاً للفقراء، فيملكها لهم من بعد ذلك، فلو بنينا على صحّته فقد انتقل المال إلى الغير لو كان النذر مطلقاً أو مشروطاً بشرط حاصل، وفي مثل ذلك لا يكون ملكاً له لكي يبيعه ولا يحتاج إلى دليل.

وأمّا أن يكون من نذر الفعل بأن ينذر أن يعطي الشاة للفقراء بعد أسبوع 

ــــــــــ[109]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فالشاة باقية على ملكه، فلو فرضنا أنَّه باعها فقد ارتكب محرّماً لأنَّه مخالف لالتزامه ولوجوب الوفاء بالنذر، وقد بيّنا أنَّ الوفاء معناه الإتمام والإيصال، وهو لم يوصل النذر إلى نتيجته، فغاية ما يلزم هو مخالفة النذر ووجوب الكفارة عليه، ولكن لماذا تكون المعاملة فاسدة، والمال ماله؟

بل قد يفرض أن يبيعه ولا يكون مخالفاً للنذر ولا تجب الكفارة كما لو علم بانتقال الشاة إليه بعد البيع بإرث أو غيره فيفي بنذره، وليست هذه المسألة من المسائل المتسالم عليها، وأنَّ بيع منذور الصدقة فاسد، حتّى يقال: إنَّه مبني على ما ذكرنا من أنَّ الإيجاب يوجب الحجر عن البيع.

وأمّا المعاملة التي اشترط عدمها في ضمن العقد فأيضاً ليست من المسائل المتسالم عليها بين الفقهاء، فلو باع داراً واشترط أن لا يبيعها على زيد -وليس معنى الشرط كما ذكرنا في محلّه إلّا تحديد الالتزام -وأنَّه يحدّد التزامه بالبيع بحدٍّ خاصٍّ، فهو لم يلتزم به على الإطلاق، يعني: جعل خياراً لنفسه على تقدير المخالفة، فمعناه: أنّي ملتزم ببيع الدار على تقدير أن لا تبيعها على عمرو، فإذا باعها فالبايع غير ملتزم بالبيع، فله أن يفسخ هذا العقد، فأين ما يترتّب عليه من عدم جواز البيع من شخص آخر، غايته: يكون له حقّ الفسخ من جهة تخلّف الشرط.

وبالجملة: إنَّ التكليف باب والوضع باب آخر، والتحريم يرجع إلى منعه تكليفاً عن صدور الفعل وإيجاد العمل، فإنَّ أوجده كان مستحقّاً للعقاب، وأمّا على تقدير الإيجاد فهل يمضيه الشارع أو لا؟ فهذا أمر آخر أجنبي عن الحرمة 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

التكليفيّة، ولا بُدَّ من النظر إلى دليل المعاملة، فإن كان فيه إطلاقٌ أو عمومٌ يشمل حتّى الفرد المحرّم فيحكم بصحّته، وإلّا حكم بفساده لأصالة الفساد(1)، فالصحيح أنَّ النهي عن معاملة لا يدلّ لا على الصحّة ولا على الفساد.

نعم لو كان النهي ليس مولوياً، بل إرشادي -كما هو الغالب في العبادات والمعاملات- فإنَّ أكثر النواهي إرشادية، كقوله: “نَهَى النّبيّ عَنْ بَيْعِ الْغَرَر(2) وليس معناه أنَّ البيع الغرري محرّم شرعاً يستحقّ فاعله العقاب، بل معناه: أنَّ البيع الممضى في قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(3) أو في الروايات مقيّد بعدم الغرر، فدلالة مثل هذا النهي على الفساد واضح ولم يقع فيه كلام، فإنَّ معنى النهي هو الإرشاد إلى اعتبار عدم الخصوصية التي وقعت متعلّقة للنهي في المعاملة، فإذا حصلت فيها يحكم بفسادها لا محالة.

ــــــــــ[111]ــــــــــ

() أصالة الفساد غير ثابتة، فإنَّ الأصل وإن كان عدم تنفيذ الشارع للمعاملة إلّا أنّنا لا نحتاج إلى ذلك، بل عندنا في المرتبة السابقة أصل آخر، وهو أنَّ الأصل في الشارع إنَّه يجيز كلّ عقد بنى عليه العقلاء، فما لم يصدر عنه نهي بخصوصه أو بما يشمله يحكم بصحّته لا محالة، فالأصل في المعاملات الصحّة لا الفساد. (المقرّر).

(2) عيون أخبار الرضا 2: 45، الباب 31، فيما جاء عن الرضا  من الأخبار المجموعة، الحديث:168، عوالي اللئالي 2: 248، باب المتاجر، الحديث: 17، وسائل الشيعة 17: 358، الباب 12، أنّه لا يجوز بيع ما يضرب الصياد بشبكته ولا ما في الآجام من القصب والسمك والطير مع الجهالة إلا أن يضمّ إلى معلوم وحكم مع بيع المجهولات وما لا يقدر عليه.

(3) البقرة: 275.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

في روايات نكاح العبد 

ثُمَّ إنَّ هنا عدّة روايات واردة في باب نكاح العبد، وفيها حَكَم الإمام بأنَّ العبد إذا تزوّج بغير إذن سيّده كانت صحّة النكاح متوقّفة على إجازة السيّد، فإن أجاز صحّ وإلّا بطل، خلافاً للعامّة الذين قالوا ببطلانه، وعللَّ ذلك: “بأنَّه لم يعصِ الله وإنّما عصى سيّده فإذا أجاز جاز(1) فليس هذا النكاح محرّماً وممنوعاً من قِبَل الله تعالى، وإنّما العصيان من جهة السيّد، فالنكاح حدوثاً وبقاءً يدور مدار إجازة السيد.

استدل بهذه الروايات كلٌّ من القائلين بدلالة النهي على الفساد، والقائلين بعدمه.

أمّا تقريب الاستدلال بها لأجل عدم دلالة النهي على الفساد فهو: أنَّ عصيان السيّد ملازم لعصيان الله سبحانه، فإنَّ الله تعالى أوجب إطاعة السيّد وحرمة مخالفته، فعصيانه عصيان للسيّد ابتداءً، وعصيان لله (عزَّ وجَلّ) بتبعه، وقد فرض في هذه الروايات أنَّ عصيان السيّد لا يوجب فساد العقد، فيكشف ذلك عن أنّ عصيان الله تعالى أيضاً لا يوجب فساده لأنَّه ملازم له. إذن، فالنهي لا يدلّ على الفساد.

وأمّا قوله: “فإنَّه لم يعصِ الله وإنّما عصى سيّده فإذا أجاز جاز” فالمراد 

ــــــــــ[112]ــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه 3: 541، باب طلاق العبد، الحديث: 4862، الكافي 5: 478. باب المملوك يتزوج بغير إذن مولاه، الحديث: 15.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

من عدم العصيان عدم العصيان وضعاً، فليس هذا النكاح(1) مثل النكاح في العدّة -كما أشارت إليه بعض الروايات- لكي يمنع الله تعالى عنه، ولا يمكن أن يطرأ عليه الصحّة في زمان، بل هو نكاح قابل للصحّة، وإنّما المانع منه هو عصيان السيّد فإذا رضي يحكم بصحّته لا محالة. إذن، يدلّ على أنَّ النهي المولوي لا يكون دالّاً على الفساد.

فعن محمّد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمير بن أُذينة عن زرارة، عن أبي جعفر قال سألته: عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده فقال ذاك إلى سيّده إن شاء أجازه وإن شاء فرّق بينهما، قلت أصلحك الله إنَّ الحَكَم بن عيينة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون أنَّ أصل النكاح فاسد، ولا تحل له أجازه السيّد له فقال: أبو جعفر إنَّه لم يعص الله إنما عصى سيّده فإذا أجاز فهو له جايز (2).

وعن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن علي بن الحكم عن موسى بن بكر عن زرارة عن أبي جعفر قال: سألته عن رجل تزوّج عبده امرأة بغير إذنه فدخل بها ثُمَّ اطّلع على ذلك مولاه. قال: ذاك لمولاه إن شاء فرّق بينهما وإن شاء أجاز نكاحهما فإن فرّق بينهما فللمرأة ما أصدّقها إلّا أن يكون 

ــــــــــ[113]ــــــــــ

() يعني: نكاح العبد. (المقرّر).

(2) الكافي 5: 478، باب المملوك يتزوج بغير إذن مولاه، الحديث :3، وسائل الشيعة 21: 114، باب 24، العبد إذا تزوج بغير إذن مولاه كان العقد موقوفاً على الإجازة منه فإن أجاز صح ولا يحتاج إلى تجديد العقد وحكم المهر، الحديث: 1.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

اعتدى فأصدقها صداقاً كثيراً، وإن أجاز نكاحه فهما على نكاحهما الأوّل، فقلت: لأبي جعفر: فإنَّ أصل النكاح كان عاصياً فقال أبو جعفر: “إِنَّمَا أَتَى شَيْئاً حَلَالًا وَ لَيْسَ بِعَاصٍ لِلَّـهِ إِنَّمَا عَصَى سَيِّدَهُ وَ لَمْ يَعْصِ اللَّـهَ إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَإِتْيَانِ مَا حَرَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ مِنْ نِكَاحٍ فِي عِدَّةٍ وَ أَشْبَاهِه‏”(1)، انتهى.

 ومن المعلوم أنَّ النصّ الذي يدور(2) حول كلام  السيّد  غير موجود فيما نقلناه والظاهر أنَّه متصيّد من كلتا الروايتين، إلّا أنَّ دعوى وحدة السياق بينهما حينئذٍ يكون عهدتها على مدّعيها.

وذكرنا أنَّه استدل بها تارةً على أنَّ النهي عن المعاملة لا يستلزم فسادها، وأخرى يُستدَلُّ بأنَّ هذه الروايات تدل على دلالة النهي على فساد المعاملة، والثاني اختاره شيخنا الأستاذ.

ذكرنا في وجه الاستدلال الأوّل: أنَّ عصيان ملازم لعصيان الله سبحانه، فإنَّه تعالى أوجب على العبد طاعة الولي، وحرم معصيته فإذا فرضنا أنَّ العبد عصى سيّده فقد عصى الله سبحانه، ومع ذلك يحكم بصحّة العقد، فتدلّ هذه الروايات على أنَّ النهي عن المعاملة لا يدلّ على الفساد، وإلّا كان النكاح فاسداً كما ذهب إليه العامّة مع أنَّ الإمام حكم بصحّة العقد.

وهذا المستدلّ القائل حمل قوله: “لم يعصِ الله سبحانه إنّما عصى سيّده” مع أنَّ عصيان السيّد ملازم لعصيانه (عزَّ وجلَّ) على العصيان الوضعي، 

ــــــــــ[114]ــــــــــ

() الكافي 5: 478، باب المملوك يتزوج بغير إذن مولاه، الحديث: 2.

(2) فيما مضى وفيما يأتي. (المقرّر)

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فليس هذا العقد مثل عقد النكاح في العدّة الذي لم يشرّعه الله سبحانه، بل العصيان هنا تكليفي ومنتهٍ إلى عصيان الله سبحانه، فالعصيان التكليفي لا يلازم الفساد، وإنّما الذي يلازم الفساد هو العصيان الوضعي، فقوله: (لم يعصِ الله) يعني: ليس هذا من موارد العصيان الوضعي، فإنَّ الشارع قد رخّص في تزويج العبد، وليس من الموارد التي لم يرخّص فيها كالنكاح في العدّة، فالنكاح سائغ في نفسه، غايته: أنَّه أوقعه بدون إذن السيّد، فكان عاصياً له ولله تعالى، فإذا تعقّب العقد برضاء السيد صحّ العقد (فإذا أجاز جاز) فتدلّ هذه الروايات على أنَّ النهي عن معاملة لا يدلّ على فسادها.

إلّا أنَّ هذا الاستدلال مبني على أن يكون معنى العصيان الأوّل مغاير للعصيان الثاني في قوله: “لم يعصِ الله إنّما عصى سيّده” فيراد بعصيان الله العصيان الوضعي، وبعصيان السيّد العصيان التكليفي، وهذا خلاف الظاهر جدّاً.

ولهذا اختار شيخنا الأستاذ  أنَّ هذه الروايات تدلّ على الفساد، وذكر أنَّ العصيان في كلا الموضعين تكليفيٌّ، وقرّب الدلالة: بأنَّ العصيان له تعالى تارةً يكون عصياناً غير قابل للتبدّل بعدم العصيان، فإنَّه حقّ إلهي غير قابل للتبدّل ومحرّم من الأول إلى الآخر، ومرّةً تكون الحرمة من جهة تفويت حقّ الناس، فهذه الحرمة تدور مدار التفويت فكلّما تحقّق التفويت كانت الحرمة ثابتة، وإذا ارتفع الموضوع ارتفعت الحرمة، فهي حرمة لا يلازم حدوثها بقائها وليست تفويتاً لحق الغير بقاءً.

ــــــــــ[115]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فعلى ما اختاره يكون مراد الإمام: بأنَّ الفعل نكاحاً أو غيره قد يكون عصياناً لله تعالى مطلقاً، أي: بلا توسيط تفويت حقّ الغير، ومثل هذا العصيان يستلزم الفساد، إلّا أنَّه غير متحقّق في المقام، فإنَّ تزويج العبد في نفسه مع قطع النظر عن رضا السيّد ليس من المحرّمات حتى يكون قابلاً للتبدّل من الحرمة بالجواز، فالعبد لم يعصِ الله ابتداءً وبالعنوان الأولي، وإنّما عصى سيّده وبتبعية عصيان سيّده عصى الله سبحانه، إلّا أنَّ عصيانه تعالى متفرّع على عصيان السيّد لا على ارتكاب المعاملة في نفسها، فلو فرضنا أنَّ عصيان السيّد ارتفع وتبدّل إلى رضاه بهذا النكاح، فيكون الله أيضاً راضياً لأنَّه كان تابعاً له.

فيستفاد من هذه الروايات أنَّ النهي وحرمة المعاملة يستلزم فسادها حدوثاً وبقاءً، فإنَّ النهي إذا كان حادثاً وباقياً يكون الفساد كذلك، وإذا كان النهي موجوداً حدوثاً إلّا أنَّه مرتفع بقاءً، فيكون عدم الإمضاء كذلك، فالله تعالى لا يمضي هذا العقد حدوثاً لكن يمضيه بقاءً، لأنَّ عدم الإمضاء كان بسبب عصيان السيّد فإذا ارتفع يرتفع عدم الإمضاء (وإذا أجاز جاز) ولذا استدل بهذه الروايات على دلالة النهي على الفساد(1).

ولكن الظاهر أنَّها لا تدلّ على أنَّ النهي يقتضي الفساد أو لا يقتضي، ولا يمكن الاستدلال بها على أيّ من الدعوَيَين، بل هي أجنبية عن المقام.

والوجه في ذلك: هو أنّ كلمة العصيان لم تستعمل في العصيان التكليفي جزماً، بل المراد به هو العصيان الوضعي، بمعنى: أنَّ هذا النكاح أمر مسموح 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات1: 408.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

به من قِبَل الله تعالى، ولذا مثّل في مقابله بالنكاح في العدّة فإنَّه غير سائغ، ولم يمضه الله سبحانه، وأمّا نكاح العبد فهو ممضى وسائغ عند الله تعالى، فإنَّه (عزَّ وجلَّ) رخّصه بالتزويج، غاية الأمر: أنّ الرخصة مشروطة بشيء فلا مانع من النكاح من قِبَل الله سبحانه، وإنّما المانع هو عدم رضاء السيّد، لأنَّ رضاءه شرط في صحّة العقد، فكان عمله عصياناً للسيّد بالمعنى الوضعي، يعني: لم يكن السيّد ممضياً للنكاح ولا راضياً به، وإذا تبدّل عدم رضاء السيّد بالرضا فقد حصل الشرط ويحكم بالصحّة.

ويكون خلاصة ما ذكره الإمام: أنَّ العقد قد لا يكون مشروعاً من قبل الله سبحانه، ولا يكون قابلاً للصحّة، كالنكاح في العدّة، وقد يكون مشروعاً إلّا أنَّه مقيّد بقيد، كنكاح العبد أو النكاح على العمّة أو الخالة، فإنَّه نكاحٌ مشروع، لكنّه مشروط بإجازة العمّة أو الخالة فإذا أجازت صحّ، لأنَّ المنع لم يكن من قبل الله تعالى بل من قبل غيره فإذا رضي جاز.

إذن، فالروايات أجنبية عن دلالة النهي على الفساد وعدم دلالته، لا دليل على أنَّ النهي يوجب الفساد، فإنَّ كان هناك إطلاقٌ أو عمومُ يقتضي صحّة هذا العقد المنهي عنه يحكم بصحّته، وإلّا فأصالة الفساد تكون شاملةً له.

ــــــــــ[117]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

المفاهيم 

  • الدلالة المنطوقيّة والمفهوميّة 
  • أمران خارجان عن الدلالتين 
  • لفت نظر
  • ترتّب الأثر على إثبات المفهوم وعدمه 
  • الكلام في مفهوم الشرط
  • الجُمَل الخبريّة والإنشائيّة
  • تعدّد الشرط ووحدته 
  • انقسام القضيّة الشرطيّة 
  • تعدد الشرط واتحاد الجزاء 
  • تداخل الأسباب 
  • تداخل المسبّبات 
  •  مفهوم الوصف
  •  مفهوم الغاية

ــــــــــ[119]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

 

  • مفهوم الحصر
  • مفهوم العدد
  • مفهوم اللقب

 

ــــــــــ[120]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7









المفاهيم

 

الدلالة المنطوقيّة والمفهوميّة 

 

المفهوم بحسب اللغة اسم لما يُفهَم من أيّ سبب كان من لفظ أو غيره، فلو فرضنا أنَّ المعنى يُفهَم من اللفظ فهو قسم من المفهوم بالمعنى اللغوي، والمعنى المصطلح عليه في مقابل المنطوق أخصّ من ذلك، بمعنى: أنَّ المنطوق والمفهوم كلاهما فرد من المفهوم بالمعنى اللغوي، فإنَّ كليهما يُفهَم من اللفظ، والمفهوم المصطلح قسم من المفهوم اللغوي.

ثُمَّ إنَّهم قسّموا الدلالة إلى منطوقيّة ومفهوميّة، ويُراد بالأوّل ما يكون مدلولاً للفظ ابتداءً، ومقصوداً للمتكلّم في مقام التفهيم.

وهذا قد يكون بالدلالة الوضعيّة، وقد يكون من جهة قرينة خاصّة، وقد يكون من جهة قرينة عامّة، وهذا يسمّى بالمنطوق، أو بالدلالة المنطوقيّة، أو الدلالة المطابقيّة، فإذا فرضنا أنّنا لم نحتج في استفادة المعنى من المنطوق أكثر من العلقة الوضعيّة، فهذه دلالة مطابقية وداخلة في المنطوق، كما لو استعملنا لفظ الأسد أو الإنسان في معناه الموضوع له، وقلنا: (رأيت إنساناً) أو (رأيت أسداً) 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وقد نفرض أنَّ دلالة اللفظ على معنى تتوقّف على قرينةٍ خاصّةٍ كما في قولنا: (رأيت أسداً يرمي) ففي مثل ذلك وإن كان لفظ الأسد موضوعاً للحيوان المفترس إلّا أنَّه بقرينة الرمي يُفهَم أنَّ مراد المتكلّم من الأسد الرجل الشجاع دون الحيوان المفترس غير القابل للرمي، يعني: رمي النبال(1). وهذا أيضاً دلالة مطابقية، ويسمّى بالمنطوق وإن كانت الاستفادة متوقّفة على قرينة خاصّة.

وقد يفرض أنَّ القرينة عامّة وليست شخصية كما في مقدّمات الحكمة حيث يستفاد من الإطلاق وعدم تقييد المتكلّم في كلامه بقيد خاصٍّ وهو في مقام البيان، فإنَّ الحكم ثابت للطبيعة السارية إلى جميع أفراد الطبيعة، كما في وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(2) حيث استفدنا صحّة مطلق البيع، وأنَّ الحكم غير خاصّ بقسم منه، فكما أنَّ البيع اللفظي حلال وممضى كذلك البيع المعاطاتي، أو قوله سبحانه: وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا(3) حيث إنَّه في مقام البيان والامتنان على البشر، فيستفاد(4) منه أنَّ الحكم غير خاص بقسم من الماء، وأنَّه كلّ ما 

ــــــــــ[122]ــــــــــ

() ولا بُدَّ هنا من ضمّ مطلب، وهو: أنَّ ظهور الرمي برمي النبال أقوى من ظهور الأسد بالحيوان المفترس رغم تأخّره في الكلام. وهذا صحيح عرفاً، وله سرّ ليس هذا محلّه. (المقرّر).

(2) البقرة: 275.

(3) الفرقان: 48.

(4) هذه الاستفادة مشكلة بعد تقييد الآية الماء بأنَّه نازل من السماء، وكونه في مقام البيان والامتنان لا يوجب شمول الحكم لغير موضوعه -لا محالة- وهو المقيّد. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

صدق عليه الماء فهو طهور، فهذه الدلالات كلّها منطوقيّة، والمقصود الأوّل للمتكلّم هو تفهيم هذا المعنى.

ويقابل هذا المعنى المفهوم بالمعنى المصطلح، يعني: بتبع هذه الدلالة ربّما يفهم من الكلام معنى آخر لم يدلّ عليه اللفظ ابتداءً، وغير مقصود للمتكلّم ابتداءً، وإنّما هو لازم للكلام لزوماً بيّناً بالمعنى الأخصّ، كما لو بنينا على أنَّ الجملة الشرطيّة بالوضع أو بالإطلاق تدل على العلّيّة المنحصرة، وأنَّ المقدّم علّة منحصرة للجزاء، ففي قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) يكون وجوب الإكرام علّته المنحصرة مجيء زيد، فإن كانت العلّة منحصرة يستلزم باللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ انتفاء وجوب الإكرام عند انتفاء المجيء؛ لأنَّ العلّة منتفية وهي علّة منحصرة ولا علّة أخرى، فلو ثبت الحكم بدونها لكان معلولاً بلا علّة وهو محال، فإنَّه لو كان ثابتاً فإمّا أن يكون بنفس العلّة، أو بغيرها، أو بدون علّة، أمّا نفسها فالفرض أنَّها غير موجودة، وأمّا غيرها فالفرض أنَّها منتفية لانحصار العلّة بالمجيء، وأمّا بدون علّة فهو محال، فيستفاد من نفس الكلام بالدلالة الالتزاميّة بالمعنى الأخصّ انتفاء الوجوب عند عدم المجيء، وهذا يسمّى بالدلالة المفهوميّة في مقابل الدلالة المنطوقيّة.

إذن، فالمفهوم يقابل المنطوق، فإنَّ الدلالة إن كانت ناشئة ابتداءً من اللفظ ومقصودة منه أوّلاً، فهي دلالة منطوقيّة، وأمّا إذا كانت الدلالة تابعة للدلالة الأولى لازمة لها باللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ، فيكون هذا من المفهوم.

ــــــــــ[123]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7



أمران خارجان عن الدلالتين 

 

ويقابل هاتين الدلالتين أمران آخران خارجان عن الدلالة المنطوقيّة والمفهوميّة:

الأمر الأوّل: ما إذا كان اللزوم غير بيّن، بمعنى: أن تصوّر الملزوم لا يستلزم تصوّر لازمه، بل أنَّ تصوّر اللازم والملزوم والنسبة لا يكفي في الحكم والتصديق، بل لا بُدَّ من ثبوت أمر خارجي عن دلالة اللفظ على ذلك، وذلك كوجوب مقدّمة الواجب إذا بنينا عليه، أو على أنَّ الأمر بالشيء يقتضي للنهي عن ضدّه.

وواضح أنَّ هذا ليس من الدلالة المطابقيّة، فإنَّ الأمر بالحج، أو الصلاة، أو أي أمر عبادي، أو غير عبادي بالنسبة إلى وجوب المقدّمات وكونها مطلوبة للمولى غير دالّة عليها مطابقة، فإنَّ لفظ الصلاة لم يوضع للوضوء وتطهير الثوب والاستقبال.

كما أنَّ هذه الدلالة ليست من المفهوم، فإنّها تتوقّف على ثبوت الملازمة من الخارج بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، وما لم تثبت الملازمة لا يمكن الحكم بوجوب المقدّمة بمجرّد ثبوت وجوب ذيها.

وقد قلنا: إنَّ المفهوم هو ما يفهم من اللفظ بنحو اللزوم البيّن بالمعنى 

ــــــــــ[124]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الأخصّ بحيث لا يحتاج إلى أمر آخر، فإنّا لو أثبتنا العلّيّة المنحصرة في الشرط لا نحتاج في الدلالة على الانتفاء عند الانتفاء إلى علّة أُخرى خارجية أصلاً، بل نفس انحصار العلّيّة يكفي، والمقام ليس كذلك، فإنَّ إثبات أنَّ غسل الثوب واجب لا يكون بمجرّد إثبات وجوب الصلاة، بل لا بُدَّ من مقدّمة خارجية وقيام برهان يدلّنا على ثبوت الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، فيقال: الصلاة واجبة بهذا الدليل، وكلّما كان الشيء واجباً كانت مقدّمته واجبة، فهذه المقدّمة واجبة، فهذه الدلالات خارجة عن المنطوق والمفهوم.

الأمر الثاني: ما إذا فرضنا أنَّ اللزوم بيّن المعنى الأعمّ، بمعنى: أن تصوّر هذا في نفسه لا يكفي في تصوّر اللازم، بل ينتقل إلى اللازم بعد تصوّر النسبة، وهذا أيضاً غير داخل في المفهوم، فمثل استفادة أنَّ أقلّ الحمل ستّة أشهر من ضم آية إلى آية، وإن كان صحيحاً، فإنّنا استفدنا من قوله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يتمّ الرَّضَاعَةَ(1) أنَّ زمان الرضاع حولان كاملان، واستفدنا من الآية الأخرى وهي قوله سبحانه: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا(2) أنَّ مجموع الأمرين: الحمل والفصال ثلاثون شهراً، فإذا أخرجنا حولين كاملين من ثلاثين شهراً تبقى ستة أشهر لا محالة، فيحكم بأنَّ أقلّ الحمل ستّة أشهر، ويستفاد منها أنَّه يمكن الحمل ستّة أشهر، وإلّا لزاد على ثلاثين شهراً.

ــــــــــ[125]ــــــــــ

(1) البقرة: 233.

(2) الأحقاف: 15.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فهذا ما يستفاد منه، إلّا أنَّه لا يكون من المنطوق ولا المفهوم، فإنَّه لا بُدَّ من ضمّ إحدى الآيتين إلى الأخرى، فهي استفادة من الضمّ الخارجي، وإلّا فكل منهما لا يدلّ على ذلك بحسب المنطوق والمفهوم، لا ابتداءً ولا بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ، فهذه الموارد وإن كانت الدلالة فيها ثابتة إلّا أنَّها خارجة عن المنطوق والمفهوم.

إذن، يعرّف المفهوم بالمعنى المصطلح عليه: بأنَّه(1) دلالة الكلام على معنى يلزم المعنى المطابقي، وما هو مقصود بالإفادة ابتداءً لزوماً بيّناً بالمعنى الأخصّ، فإذا عرض على العرف فإنَّه يفهمه، ولذلك في موارد الاستشهاد بالمفاهيم يضمّون الفهم العرفي، فلا نحتاج إلى ضمّ دلالة خارجية. هذا هو الكلام في تعريف المفهوم.

ــــــــــ[126]ــــــــــ

() هذه عين عبارته من دون أيّ إسقاط، أو حذف، أو تغيير. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7



لفت نظر

 

وقع في كلمات بعضهم: هل مفهوم الشرط حجّة أو لا؟ ويراد به أنّ مفهوم الشرط ثابت أو لا. وإلّا فلا يحتمل أن يكون المفهوم ثابتاً ومستفاداً من الكلام عرفاً ولا يكون حجّة، فأيّ فرق في كلام الشاعر الملتفت الحكيم بين الدلالة اللفظية والالتزاميّة في الحجيّة، ولا يحتمل ثبوت الحجّيّة للدلالة المطابقيّة دون الالتزاميّة.

فالمراد من مثل هذا الكلام أنَّ مفهوم الشرط حجّة أو لا، فيراد به ثبوت هذه الدلالة، يعني: هل القضيّة الشرطيّة تدلّ بالوضع أو القرينة العامّة على خصوصية تستتبع الدلالة على الانتفاء عند الانتفاء أو لا؟ فإذا دلّت كانت حجّة جزماً، وإذا لم تدل فلا موضوع لكي يقال: إنَّه حجّة أو ليس بحجّة.

ــــــــــ[127]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7







ترتّب الأثر على إثبات المفهوم وعدمه 

 

المفهوم عبارة عن كلّ معنى يدلّ عليه اللفظ دلالة ثانوية باعتبار استلزام الدلالة الأولى هذه الدلالة؛ بمعنى: أنَّ الدلالة الأولى لها خصوصية تستتبع هذه الدلالة، دلالة يفهمها العرف، وللكلام ظهور فيها.

وبما ذكرناه ظهر أنَّ المفهوم يمكن أن يقال فيه: إنَّ الدلالة عقلية، ويمكن أن يقال فيه: إنَّها لفظية، فكلاهما صحيح باعتبار أنَّ اللزوم بيّن بالمعنى الأخص، والدال على الملزوم دال على اللازم لا محالة، والدلالة مفهومة عرفاً، وينتقل إليها كل سامع لأنَّها بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخص، فالدلالة لفظية. وباعتبار أنَّ اللفظ يدلّ ابتداءً على تلك الخصوصية كالعلّيّة المنحصرة في الشرط، وهي تستلزم بحكم العقل الانتفاء عند الانتفاء، فليس المدلول هو الانتفاء عند الانتفاء بل هو العلّيّة المنحصرة، فالدلالة عقلية.

ولا أثر لهذا البحث، وكلتا الجهتين صحيحتان وموجودتان، فجهة كون دلالة علّيّة عقلية، وجهة كونها لفظية أمر غير جائز. فالأثر إنَّما يترتّب على إثبات المفهوم وعدمه، وأنَّ القضيّة الشرطيّة هل يستفاد منها بالوضع أو (القرينة العامّة) العلّيّة المنحصرة لتدل على الانتفاء عند الانتفاء أو لا؟

ــــــــــ[128]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7



الكلام في مفهوم الشرط

 

وقع الكلام في دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم وعدم دلالتها، فاختار قوم دلالتها على ذلك، وأنكرها آخرون.

مختار الشيخ الأعظم 

ذكرنا في بحث الواجب المشروط(1): أنَّ القضيّة الشرطيّة موضوعة لتعليق جملة على جملة، بمعنى أنّ التقيّد يرجع إلى مدلول الهيئة لا إلى المادة، ففي قوله: إِذَا بَلَغَ المَاءُ كُرّاً لَا يُنَجِّسُهُ شَيْ‏ء(2) يكون عدم الانفعال أو التنجيس معلّق على الكريّة، وفي قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) يتوقّف وجوب الإكرام على مجيء زيد، فالقيد يرجع إلى مدلول الجملة، فلا بُدَّ من إثبات أنَّ الجملة الشرطيّة موضوعة لتعليق جملة على جملة، وأنَّ القيد راجع إلى الهيئة لا إلى المادّة.

وأمّا إذا قلنا بما نُسب إلى شيخنا الأنصاري(3) من أنَّ مفاد الهيئة غير قابل للتقييد لأنَّه جزئي(4) أو معنى حرفي(5) -على ما تقدّم الكلام فيه مفصّلاً- فمرجع ــــــــــ[129]ــــــــــ

(1) تقريرات في علم أصول الفقه 3: 107.

(2) تهذيب الأحكام 1: 150، باب 6، حكم الجنابة وصفة الطهارة منها، الحديث: 118.

(3) انظر: مطارح الأنظار 1: 247، 248.

(4) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 1: 77.

(5) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 1: 81.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الجملة إلى وجوب إكرام زيد حال مجيئه. إذن، بحث مفهوم الشرط يسقط بالكلّيّة، ويرجع هذا إلى مفهوم الوصف، ولا بُدَّ من البحث في أنَّ تقييد متعلّق أو موضوع الحكم بقيد هل يوجب انتفاء الحكم على تقدير عدم القيد؟ وهو البحث في مفهوم الوصف. وسيأتي أنَّ التعبير بالوصف اصطلاح جرى عليه الأصوليون، وإنّما مرادهم مطلق القيد سواء كان وصفاً أو جاراً ومجروراً أو غيره.

فالقضيّة الشرطيّة بناءً على ما نُسِبَ إلى شيخنا الأنصاري من رجوع القيد إلى المادة ترجع إلى أنَّ الواجب هو حصّة خاصّة من الإكرام، وهو الإكرام حال المجيء، فيكون حال الجملة الشرطيّة حال الوصف إن قلنا فيه بالمفهوم فالشرطيّة كذلك وإلّا فلا.

الصحيح في المقام 

أمّا بناءً على ما هو الصحيح -كما تقدّم الكلام فيه في بحث الواجب المشروط مفصّلاً من أنَّ القيد في القضيّة الشرطيّة راجع إلى نفس الحكم لا إلى متعلّقه- فمعنى قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) أنَّ وجوب الإكرام مقيّد بالمجيء لا أنَّ  الإكرام المقيّد بالمجيء واجب، وبناءً عليه يقع الكلام في دلالتها على المفهوم وعدمه، فإن قلنا: إنَّ ترتّب الحكم على الشرط من ترتّب المعلول على علّته المنحصرة كما ذكره صاحب الكفاية(1)، كان للقضية مفهوم لا محالة، فإنَّ المعلول ينتفي بانتفاء علّته المنحصرة لا محالة، إذ المفروض أنَّه لا علّة أخرى 

ــــــــــ[130]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 194.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

تكون مؤثّرة، والمفروض أنَّ هذه العلّة أيضاً منتفية فتكون دالّة على الانتفاء عند الانتفاء لانحصار العلّة.

وأمّا إذا بنينا على عدم دلالتها وضعاً ولا إطلاقاً بمقدّمات الحكمة، وقلنا: لا تدل القضيّة الشرطيّة على أنَّ ترتّب الجزاء على الشرط من جهة اللزوم بين الشرط والجزاء، بل يمكن أن تكون القضيّة اتفاقية، فإنَّ المنطقيين قسّموا القضيّة الشرطيّة إلى قسمين: لزومية واتفاقية، كقولنا: (إذا كان الإنسان ناطقاً فالحمار ناهق) وليس هناك قرينة عامّة على أنَّ بين الشرط والجزاء ارتباطاً لزوميّاً، بل يمكن أن يكون اللزوم اتفاقيّاً، أو إذا سلّمنا أنّها تدل على اللزوم وضعاً أو إطلاقاً، إلّا أنَّه لا دليل على أنَّه من ترتّب المعلول على علّته، بل قد يكون بالعكس من ترتّب العلّة على المعلول، كما في قولنا: (إذا كان النهار موجوداً فالشمس طالعة) فإنَّ المعلول كاشف عن علّته لا محالة، والقضيّة الشرطيّة تدل على هذا المعنى بدون أيّ عناية.

أو يكونان من المعلولين لعلّة ثالثة، فإنَّ هذا ممكن، وتستعمل فيه القضيّة الشرطيّة بلا عناية، كقولنا: (إذا كان النهار موجوداً فالعالم مضيء) واستعمالها في ذلك ليس استعمالاً مجازياً، ولا تدل على الترتب من ترتّب المعلول على علّته.

ومن الظاهر أنَّ انتفاء المعلول لا يستلزم انتفاء علّته، فإنَّ انتفاء العلّة يستلزم انتفاء المعلول، فإنَّها مؤثّرة فيه، فإذ فرضنا أنّها منتفية، فإنَّ المعلول يكون منتفياً لا محالة، أمّا إذا انتفى المعلول يمكن أن تكون العلّة باقية، لأنَّ انتفاء المعلول يمكن أن يكون لانتفاء شرط أو وجود مانع، وإلّا فذات العلّة 

ــــــــــ[131]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

موجودة، فانتفاء المعلوم لا يستلزم انتفاء العلّة لا محالة، فإنَّه إذا لم يكن شيء من الممكنات موجوداً لا يلزم أن لا يكون الواجب تعالى موجوداً، والفعل يحتاج إلى الفاعل لا محالة، لكن وجود ذات الفاعل لا يلزم منه وجود الفعل. وهذا ظاهر.

وكذلك المعلولين لعلّة ثالثة، قد يكون أحد المعلولين مُنتفٍ لوجود المانع له، أو فقدان أحد شرائطه، ولكن الآخر الشروط متوفّرة فيه، لذا قد تكون العلّة موجودة إلّا أنَّ أحد المعلولين موجود، والآخر ليس بموجود.

فإذا لم تنحصر القضيّة الشرطيّة في موارد ترتّب المعلول على العلّة، بل يصحّ استعمالها في ترتّب العلّة على المعلول، يعني: يكون الشرط معلولاً والجزاء علّة، وكذلك في المعلولين لعلّة ثالثة، وحينئذٍ لا يكون انتفاء المقدّم مستلزماً لانتفاء التالي.

بل لو فرضنا أنَّ القضيّة الشرطيّة تدل بالوضع أو الإطلاق على أنَّ ترتّب التالي على المقدّم من ترتّب المعلول على علّته، وسلّمنا بأنَّ القضيّة الشرطيّة ظاهرة في ذلك، فيكون الجزاء معلولاً والمقدّم علّة، وإن كان يصحّ استعمالها في غير ذلك بعناية، فأيضاً لا دلالة للقضية على المفهوم، إذ يمكن أن لا تكون العلّة منحصرة، فغاية ما يستفاد من الكلام: أنَّ الشرط متى ما كان موجوداً كان الجزاء موجوداً لترتّبه عليه، وأمّا إذا انتفى الشرط فلا دلالة على انتفاء الجزاء لاحتمال أن تكون علّة أخرى غير الشرط، فيكون موجوداً بتلك العلّة لا بهذه، فلا دلالة للكلام على الانتفاء عند الانتفاء.

ــــــــــ[132]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

اختيار عدم الدلالة إلّا بمساعدة القرائن 

يقول صاحب الكفاية (1): لو سلّمنا جميع ما ذكرناه، فلا يمكن أن نسلّم هذه المقدّمة، وهي دلالة القضيّة على الانحصار في العلّيّة، فإنَّ غاية ما تدل عليه القضيّة: هو ترتّب المعلول على علّته، وأنَّه متى ما وُجِدَ المقدّم وجد التالي لا محالة، أمّا أنَّها علّة منحصرة فهذا لا يستفاد من الشرط أصلاً لصحّة استعمالها في موارد العلّة غير المنحصرة جزماً، فيقال: إذا قُطع رأس زيد مات بلا إشكال، ولا ينافي ذلك أنَّه لو وقع من شاهق، أو شرب سمّاً، أو خُنق فإنَّه يموت أيضاً، ولا تدل القضيّة على أنَّ سبب الموت منحصر بقطع الرأس، فهل في هذا الاستعمال عناية أو مجاز، ومعناه: أنَّ قطع الرأس سبب للموت، أمّا أنَّ سببه منحصر به فلا يستفاد من ذلك جزماً.

ولذا اختار صاحب الكفاية عدم دلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم في نفسها إلّا إذا كان في الكلام قرينة من الخارج، كما لو كان المتكلّم في مقام التحديد، كما عرفناه من قوله: “إِذَا بَلَغَ المَاءُ كُرّاً لَا يُنَجِّسُهُ شَيْ‏ء(2) فنستكشف انتفاء الاعتصام على تقدير عدم الكرّيّة.

أمّا بدون قرينة فلا تدل نفس القضيّة الشرطيّة على الانحصار، فلا تكون لها دلالة على المفهوم.

ــــــــــ[133]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 195.

(2) تهذيب الأحكام 1: 150، باب 6، حكم الجنابة وصفة الطهارة منها، الحديث: 118.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الارتباط بين المقدّم والتالي

ذكروا: أنّ القائل بالمفهوم لا بُدَّ أن يُثبِت أنّ ظاهر القضيّة الشرطيّة هو اللزوم والارتباط بين المقدّم والتالي، وأنَّ وجود المقدّم يستلزم وجود التالي، ولا بُدَّ أن يُثبِت أنّ هذا الترتّب على نحو ترتّب المعلول على علّته، وإلاّ لو كان الأمر بالعكس، أو كانا معلولين لعلّة ثالثة، فلا يستفاد من ذلك الانتفاء عند الانتفاء، وأنّ وجود العلّة يستلزم وجود المعلول، وعدمها يستلزم عدمه، ولكن عدم المعلول لا يستلزم عدم العلّة؛ إذ يمكن أن يكون عدمه لمانع، وإلاّ فذات العلّة موجودة في الخارج، وكذلك الأمر في المعلولين لعلّة ثالثة.

فالقائل بالمفهوم زائداً على إثباته الملازم بين المقدم والتالي ووجود الارتباط بينهما لا بُدَّ من أن يثبت أنّ ترتب التالي على المقدّم من ترتّب المعلول على العلّة، وإلاّ لم يدلّ الترتّب على الانتفاء عند الانتفاء.

ثُمَّ إنّه لا بُدَّ من إثبات أنّ العلّة منحصرة زائداً على أنّ الترتّب من ترتّب المعلول على علّته المنحصرة، فلا يستفاد الانتفاء عند الانتفاء إلّا بعد إثبات أنّ العلّة منحصرة؛ إذ لو كانت غير منحصرة يمكن أن تكون علّة أخرى تقوم مقامها، فلا ينتفي المعلول بانتفاء هذه العلّة، بل يوجد بعلّة أخرى.

قلنا: إنّ دعوى أنّ القضيّة الشرطيّة لا تدلّ على اللزوم ويجوز استعمالها في موارد الاتفاق ممّا لا يمكن المساعدة عليه، فإنّه لا ينبغي الشكّ في إفادتها تفرّع الجزاء على المقدّم والارتباط بينهما، ولو فرضنا جواز استعمالهما في غير موارد 

ــــــــــ[134]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

اللزوم فهو من باب المسامحة والتجوّز، فإنّه لا يمكن تعليق كل شيء على كلّ شيء، فيقال مثلاً: (إذا كان النهار موجوداً فالماء باردٌ) فإنّه يعدّ ذلك من الأغلاط(1) بالضرورة. فدلالة القضيّة الشرطيّة على اللزوم ممّا لا ينبغي الشكّ فيه، والاستعمال في هذه الموارد بقرينة ومسامحة، وإلّا فظاهر القضيّة اللزوم، وهذه المقدّمة ممّا لا بُدَّ من تسليمها.

وأمّا أنّ الترتّب بينهما من ترتّب المعلول على علّته، أو من ترتّب المعلول على علّته المنحصرة، بعد تسليم الترتّب على العلّة، فكلّ ذلك لا يمكن إثباته بالوضع.

ودعوى أنّ القضيّة الشرطيّة موضوعة لتفرّع الجزاء على الشرط تفرع المعلول على علّته المنحصرة، فأنّنا لا نرى أيّ عناية في استعمالها في غير ترتّب المعلول على علّته فضلاً عن علّته المنحصرة، فكما يصحّ أن يقال: (إذا طلعت الشمس كان النهار موجوداً) يصحّ أيضاً (إذا كان النهار موجوداً فالشمس طالعة) فالقضيّة الشرطيّة لا تدل على أكثر من وجود الجزاء عند وجود الشرط، أمّا أنّه من ترتّب المعلول على علّته فضلاً عن كونها منحصرة، فهو لا يستفاد من الوضع، فلا يصحّ أن يقال: إنّ استعمال القضيّة الشرطيّة في غير ترتّب المعلول على علّته، أو علّته المنحصرة استعمال مجازي، ومع ذلك لا بُدَّ من التشبث بأمر آخر لإثبات ترتّب المعلول على العلّة، وترتّبه على العلّة المنحصرة.

ــــــــــ[135]ــــــــــ

() إذا كان الاتفاق دائميّاً لم يكن غلطاً -لا محالة- وإن كان مسامحة. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

التفريع المذكور من قبل الميرزا 

ذكر شيخنا الأستاذ (1): أنّ الترتّب من ترتّب المعلول على علّته، وإن كان استعمالها في غير هذه الموارد صحيحاً، وليس هذا من الوضع، إلاّ أنّها ظاهرة في أنّها من ترتّب المعلول على علّته، ببيان حاصله: كلمة (الفاء) الذي يدلّ على التفريع، وظاهر القضيّة الشرطيّة بل كلّ كلام أنّ مقام الإثبات تابع لمقام الثبوت، فكل ما كان في مقام الإثبات يستكشف أنّه موجود في مقام الثبوت أيضاً، فإنّ مقام الإثبات كاشف عنه ومتفرع عليه.

فإذا فرّع الجزاء على الشرط في القضيّة الشرطيّة فيستكشف من التفريع في مقام الإثبات التفرّع في مقام الثبوت، وإلّا لزم عدم المطابقة بين المقامين، وهو خلاف ظاهر المتكلّم، فإنّه إنّما يتكلّم للكشف عن الواقع ونفس الأمر، فالظاهر مطابقة المكشوف(2) للكاشف، ولازم ذلك أن يكون هذا متفرّعاً عليه بحسب مقام الثبوت أيضاً، فلا بُدَّ أن يكون الجزاء معلولاً والشرط علّة، وإذا انعكس الأمر لم يكن متفرّعاً في الواقع بل إما بالعكس، أو لا هذا متفرّع من ذاك، ولا ذاك من هذا، بل كلاهما متفرعان من علّة ثالثة.

ــــــــــ[136]ــــــــــ

() انظر: أجود التقريرات 1: 416.

(2) المكشوف في الكلام ليس هو الواقع ونفس الأمر، وإنّما هو إرادته الجدّيّة للكشف عن المعاني القائمة بنفسه، ويكون الواقع مكشوفاً بالعرض لا محالة. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

والحاصل: أنّ القضيّة الشرطيّة ظاهرة في تقدّم الجزاء على الشرط، فإنّ كلمة (الفاء) تدخل على الجزاء، وهي تدل على التفرّع(1)، فنستكشف التفرّع في مقام الثبوت، وإلّا لم يكن مطابقاً لمقام الإثبات، وهو خلاف ظاهرة القضيّة الشرطيّة.

نقد ما أفاده الميرزا 

ولكن لا يمكن المساعدة على ما ادّعاه، فإنّ المتكلّم قد يكون ناظراً إلى التفرّع بحسب مقام الثبوت، فيقول: (جاء زيد فجاء عمرو) أو (ثُمَّ جاء عمرو) فيستكشف منه أنّ مجيء زيد كان سابقاً على مجيء عمرو، فلو كان الأمر في الواقع بعكس ذلك كان خلاف ظهور القضيّة، فإنّها ظاهرة بأنّ الجملة الثانية متفرّعة على الأولى، إمّا بلا فصل كما في كلمة (الفاء)، أو معه كما في كلمة (ثُمَّ).

وأمّا إذا لم يكن المتكلّم ناظراً إلى التفرّع بحسب مقام الثبوت بل إلى التفرّع في مقام الإثبات والإنشاء، فهو يجعل إخباره(2) متفرّعاً على ذلك لا المخبَر به، 

ــــــــــ[137]ــــــــــ

() ليس المقصود من التفرّع الذي تدلّ عليه (الفاء) هو تفرّع السبب عن المسبّب، أو نحوه، وإنّما هو اصطلاح لترتيب كلام على كلام، ومن ثَمَّ صحّ ذلك في الجمل أيضاً، ولم يدلّ على العلّيّة حينئذٍ. وعليه فلا ارتباط لذلك بأصالة المطابقة، فإنّها إنّما تثبت مطابقة المدلول للواقع، وكون المدلول هو ذلك أوّل الكلام. (المقرّر).

(2) هذا خلاف الظاهر جدّاً، ويحتاج إثباته دائماً إلى قرينة، أو دليل يقوم على امتناع التفريع الحقيقي، وإلّا فظاهر الكلام هو التفريع في نفس الأمر، لا التفريع في الإخبار. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

ففي قوله: (إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود) يجعل إخباره بوجود النهار متفرّعاً على طلوع الشمس، يعني: أنَّ إخباره إنّما هو بهذا الظرف، وإلّا فلا يخبر بشيء، ولهذا قالوا: إنَّ صدق القضيّة الشرطيّة تابع لصدق الملازمة لا لصدق المقدّم وكذبه، وسرّه هو: أنَّ المتكلّم لا يخبر عن وجود النهار على الإطلاق بل يخبر عنه على فرض وجود الشمس(1)، فلو كانت الملازمة كاذبة بأن تكون الشمس طالعة ولم يكن النهار موجوداً، فهذا الإخبار كاذب ومخالف للواقع، ولكن إذا فرضنا أنّه متى ما كانت الشمس طالعةً كان النهار موجوداً فالملازمة صحيحة والإخبار مطابق للواقع، فلو كان التفريع في مقام الإثبات يكشف عن التفرّع في الواقع، ومقتضى المطابقة هو وجود التفرّع في مقام الثبوت وإلّا كان التفريع كاذباً(2).

ولكن الشرطيّة لم توضع لتفرّع الجزاء على الشرط، وإنما المتكلّم في مقام الإخبار أو الإنشاء يجعل إخباره أو إنشاءه متفرّعاً على فرض وجود المقدّم، فيفرض شيئاً فيخبر، أو ينشأ على تقديره. إذن، كيف يمكن أن يقال: إنَّ التفرّع في مقام الإثبات بمقتضى المطابقة يكشف عن وجود التفرّع في مقام الثبوت وكونه ثابتاً في الواقع.

ــــــــــ[138]ــــــــــ

() هذا صحيح إذا كان فرض وجود الشمس قيداً لوجود النهار في نفس الأمر، لا قيداً للإخبار. (المقرّر).

(2) هذه النتيجة متوقّفة على إثبات كون (الفاء) موضوعة للتفريع بمعناه السبّبي، وكون القضيّة كاشفة عن الواقع، لا عن عالم النّفس. وذكرنا عدم تماميّتهما. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

والذي يكشف عمّا ذكرناه ما تقدّم من أنّنا لا نرى أيّ مسامحة أو عناية فيما إذا كان الجزاء علّة والشرط معلولاً، فيقال: (إذا كان النهار موجوداً فالشمس طالعة) فهو يخبر عن طلوع الشمس لكن لا على الإطلاق بل على تقدير وجود النهار خارجاً، وهذا كثير في الخارج في القضايا الخبريّة العرفية، فيقال مثلاً: (إذا زيد لا يتحرّك نبضه فهو ميت) مع أنَّ الموت علّة لوقوف النبض.

إذن، لا يمكن إثبات أنَّ الترتّب من ترتّب المعلول على علّته فضلاً عن كون العلّة منحصرة.

 ترتّب المعلول على علّته الانحصاريّة 

بعد الفراغ عن أنَّ القضيّة الشرطيّة تدلّ على اللزوم ووجود الارتباط بين المقدّم التالي، وأنَّ الترتّب بينهما من ترتّب المعلول على العلّة، فهل في القضيّة دلالة على أن الترتّب من ترتّب المعلول على علّته المنحصرة أو لا؟

الجواب: ليس كذلك جزماً بحسب الوضع، لعدم العناية في استعمال القضيّة الشرطيّة في موارد ترتّب المعلول على علّته غير المنحصرة، فيقال: (إذا كانت النار موجودةً فالحرارة موجودة) مع إمكان وجود الحرارة بغير النار، وهذا ظاهر، فالانحصار غير مأخوذ في الموضوع له.

فهل هناك قرينة عامّة تدلّ على ذلك أو لا؟

ذكروا: أنَّ مقتضى الإطلاق هو أنَّ الترتّب من ترتّب المعلول على علّته المنحصرة، وذلك لأنَّ ظاهر القضيّة الشرطيّة هو استناد وجود التالي إلى وجود المقدّم، وأنَّه مستند إليه على الإطلاق، ومقتضى هذا الإطلاق هو أنَّ العلّة 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

منحصرة، إذ لو لم تكن منحصرة، وكانت هناك علّة أخرى معادلة لها لم يستند المعلول إلى هذه العلّة، بل إلى مجموع الأمرين أو إلى الجامع بينهما، وكذلك إذا كانت علّة أخرى أسبق من هذه العلّة وجوداً، فيستند المعلول إليها دون هذه العلّة، فمقتضى الإطلاق أنَّ المعلول مستند إلى تلك العلّة على الإطلاق، فيثبت أنَّ العلّة منحصرة، إذ لو لم تكن كذلك ففي فرض التقارن، أو أنَّ العلّة الأخرى أسبق(1) لا يكون المعلول مستنداً إليها على الإطلاق، بل إمّا مستنداً إليه والى غيره، أو إلى غيره محضاً.

وهذا الوجه -كما ذكره صاحب الكفاية(2)– واضح الدفع؛ فإنَّ القضيّة الشرطيّة غير متكفّلة إلّا لإثبات ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط، فإذا كانت النار موجودة فالحرارة موجودة، يعني أنَّ الحرارة لا تنفك عن النار، أمّا أنَّها مستندة إليها فهو يحتاج إلى عناية زائدة، فلو كان المتكلّم في مقام بيان ذلك فإنَّه يستفاد الانحصار لا محالة، ولكن كونه في مقام بيان ذلك أوّل الكلام، وغاية ما تثبته القضيّة الشرطيّة هو الثبوت عند الثبوت، أمّا الانحصار فهو عناية زائدة، لعدم إمكان إثبات كونه في مقام البيان من هذه الجهة أيضاً. فإنَّها جهة أخرى غير الملازمة التي تدل عليها القضيّة الشرطيّة، ومتى ما وجد الشرط فالجزاء موجود، أمّا كونه مؤثّراً على الإطلاق، فهو متوقّف على كونه في مقام البيان من هذه الجهة.

ــــــــــ[140]ــــــــــ

() أمّا فرض تقدّم العلّة المذكورة في الشرط وتأخّر الأخرى، فهو معنى الانحصار وليس معنى زائد عليه لاستناد المعلول إليه حينئذٍ محضاً. (المقرّر).

(2) انظر: كفاية الأصول: 195.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وجه آخر للميرزا النائيني 

ذكر شيخنا الأستاذ وجهاً آخر(1)، وهو أنَّ القضايا الشرطيّة على قسمين:

القسم الأوّل: فإنَّه قد يكون الشرط مّما يتوقّف عليه الجزاء عقلاً، لا أنَّه أُتي به بتعبّد وعناية من الشارع أو غيره، بل لا يمكن تحقق الجزاء من دون تحقق الشرط، وهذه هي القضايا التي تسمّى بالقضايا المسوقة لبيان تحقق الموضوع، وأنَّ الشرط من قبيل الموضوع للجزاء، فما لم يوجد الشرط لم يوجد الجزاء، كالمثال المعروف: (إذا رُزقت ولداً فاختنه) ومعلوم أنَّ الولد إذا لم يوجد فالختان(2) يقع على أي شيء، ويستحيل وجود ختان من دون ولد في الخارج، ونحو: (إذا تملّكت درهماً فتصدّق به) أو (إذا تملّكت عبداً فاعتقه).

وهذه القضايا التي سيقت لبيان تحقق الموضوع، ويتوقّف الجزاء عليها عقلاً، وليس هنا عناية مولويّة من الشارع أو غيره.

القسم الثاني: ما إذا لم يكن الجزاء متوقّفاً عقلاً على وجود الشرط وإنّما المتكلّم أخذه في كلامه وجعل الجزاء مقيّداً به، كما في قولنا: (إذا جاءك زيد فاكرمه) فإنَّ الإكرام كما يمكن أن يتحقق بمجيء زيد كذلك يتحقق مع عدمه، 

ــــــــــ[141]ــــــــــ

() انظر: أجود التقريرات1: 418.

(2) هذا يحتاج إلى مقدّمة مطوية، وهي: أنَّ رفع الوجوب عن الموضوع المعدوم لغواً ومحالاً، فلا يمكن أن يقال: إذا لم تُرزَق ولداً فلا يجب ختانه، لأنَّه يكون رفعاً للحكم بارتفاع موضوعه، لا مع حفظ الموضوع، بخلاف إذا جاء زيد فأكرمه، كما هو واضح. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

أو (إن رجع المسافر فتصدّق) فإنَّ التصدّق كما يمكن مع الرجوع من السفر يمكن مع عدمه، فالجزاء لا يتوقّف على وجود المقدّم عقلاً، وإنّما هو أمر أخذه المتكلّم في كلامه.

أمّا القسم الأوّل: فلا كلام لنا فيه، فإنَّه يرجع إلى مفهوم اللقب لا الشرط، يعني: ليس فيها شرط إلّا وجود الموضوع، والقضيّة الحمليّة ترجع إلى الشرطيّة وبالعكس(1)، وليس هنا عناية عقلاً أكثر من كون الختان يتوقّف على وجود الولد في الخارج، فمثل هذه القضايا خارجة عن الدلالة على ثبوت المفهوم كما نبيّن.

أمّا القسم الثاني: فإذا أمكن وجود الجزاء على تقدير حال وجود الشرط وحال عدمه، ففي مثل ذلك إذا أخذ المتكلّم في كلامه قيداً وشرطاً وعلّق عليه وجوب الإكرام، فإمّا أن يكون الحكم بحسب الواقع مطلقاً، سواء جاء زيد أو لا، أو أنَّه مقيّد في الواقع. أمّا الإطلاق فهو لا يحتمل بعد فرض أنَّ المتكلّم قد قيّده بمقتضى القضيّة الشرطيّة وفرض مجيئه، فلا يحتمل كون وجوب الإكرام ثابتاً لزيد على تقدير مجيء زيد وعلى تقدير عدمه.

فإذا كان مقيّداً فإنَّه يدور أمره بين أن يكون مقيّداً بالمجيء فقط أو بالمجيء وشيء آخر بدلاً عنه أو مجتمعاً معه، فيقال: (إذا جاء زيد وأكرمك فأكرمه) فيكون مجموع الأمرين قيداً، أو: (إذا جاء زيد وأكرمك فأكرمه) فيكون أحد الأمرين قيداً، فأحدهما مدلول العطف بالواو، والثاني مدلول العطف بـ (أو).

ــــــــــ[142]ــــــــــ

() فقوله: إذا رُزقت ولداً فاختنه يرجع إلى قوله: اختن ولدك. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

ولكن كِلا الأمرين مندفع بإطلاق الكلام، فإنَّ المتكلّم جعل الشرط والقيد هو المجيء فقط، ولم يقل: (أو أكرمك) أو (وأكرمك) فمن إطلاق الشرط نستكشف أنَّ القيد هو خصوص المجيء، دون المجيء وشيء آخر الذي هو معنى المركّب، أو المجيء، أو شيء آخر الذي هو معنى أحد الأمرين، فمن الإطلاق في مقام البيان واقتصار المتكلّم في مقام التقييد على المجيء، ولم يقيّده بشيء آخر نستكشف أنَّ الشرط منحصر بالمجيء وأنَّ العلّة منحصرة.

في تعرّض الميرزا  لصاحب الكفاية 

ثُمَّ تعرّض الميرزا(1) لكلام صاحب الكفاية(2) فذكر: أنَّه تمسّك بعضهم بالإطلاق لإثبات العلّيّة المنحصرة، ونظّر للمقام بين ما إذا تردد أمر الواجب بين التعيين والتخيير، فإنَّ مقتضى الإطلاق هو التعيين، فإنَّ التخيير يحتاج إلى عناية زائدة أيضاً، ومقتضى الإطلاق هو الانحصار إذ لولا الانحصار لاحتاج إلى بيان.

وأورد صاحب الكفاية(3) بعدم قياس المقام على ذلك فإنَّ سنخ الوجوب في التعييني والتخييري يختلف، فإنَّ الواجب في التخييري أحد الأمرين فيجوز الاقتصار على أحدهما في مقام الامتثال، وأمّا متعلّق الواجب التعييني فهو أمر معيّن ولا يسقط الأمر إلّا بالإتيان به، ومقتضى الإطلاق هو 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

(1) أجود التقريرات 1: 419.

(2) انظر: كفاية الأصول: 197،196.

(3) انظر: كفاية الأصول: 197،196.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

السقوط سواء أتى بشيء آخر أو لا، ما لم تقم قرينة على التخيير.

أمّا في المقام فلا يختلف الحال فيما إذا كانت العلّة منحصرة أو لا، فإنَّه هنا ليس سنخ آخر يحتاج إلى بيان وعناية، فإنَّ المتكلّم في مقام بيان ترتّب الجزاء على الشرط وهو ناشيء من العلّيّة بينهما، ولا يفرق ذلك في العلّة المنحصرة وغيره، فإن ترتّب المعلول على علّته المنحصرة لا يغاير ترتّبه في غيره، فلا يُقاس المقام على ذلك.

وأورد شيخنا الأستاذ(1) على صاحب الكفاية: أنَّ ما ذكره مبني على التمسّك بإطلاق الجزاء، فترتّب على الشرط لا يفرق فيه بين ما إذا كانت العلّيّة منحصرة أو غير منحصرة، ولكننّا نتمسّك بإطلاق الشرط، فإنَّ المتكلّم في مقام تقييد الجزاء قد اقتصر على ذكر شرط واحد، ولم يضم إليه شرط آخر لا بـ (الواو) ولا بـ (أو)، فبالإطلاق تستكشف العلّيّة المنحصرة.

وبعبارة أخرى: الضابط فيه هو القضايا التي يكون الشرط فيها مسوق لبيان الموضوع، ويتوقّف الجزاء عليه عقلاً، وهذه خارجة عن محل الكلام وغير دالّة على المفهوم جزماً(2). ونحن نتكلّم فيما لا يكون كذلك من القضايا نحو: (إذا جاءك زيد فأكرمه) فإنَّه يمكن أن يتحقق الإكرام من دون المجيء.

وذكر في هذا السنخ من القضايا: أنَّ الشرط بعدما لم يكن محققاً للموضوع، ولم يتوقّف عليه الجزاء عقلاً، فلا يخلو أمّا أن يكون الحكم في الجزاء 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

() أجود التقريرات 1: 419.

(2) انظر: بعض الإيضاحات في المحاضرة السابقة. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

مطلقاً بحسب الواقع ومقام الثبوت بالإضافة إلى الشرط، وأمّا مقيّداً به، ولا ثالث لاستحالة الإهمال في الواقع، بل الحكم بالنسبة إلى أيّ قيد أمّا مطلق أو مقيّد، فأمّا أن يكون الإكرام مقيّداً بمجيء زيد؛ أو غير مقيّد به، وأمّا أن يكون عدم التنجّس والانفعال وعدم تأثير الملاقات بالنجاسة، مقيّداً بالكرية أو مطلقاً بالإضافة إليها.

أمّا الإطلاق فهو غير ممكن لأنَّه منافٍ للقيد المذكور في الكلام(1) فلا بُدَّ من الالتزام بالتقييد.

فإمّا أن يكون هذا القيد على الإطلاق من جهة دخل شيء فيه، فلو شكّكنا أنَّ القيد وهو المجيء هل هو قيد على الإطلاق أو بضميمة شيء آخر، نحو: (إذا جاءك فأكرمه) أو (إذا جاءك وكان مجيئه يوم الجمعة فأكرمه) فلا ينبغي الشكّ في التمسّك بالإطلاق لدفع هذا الاحتمال؛ فيقال: إنَّ مقتضى كلام المولى أنَّ المجيء قيد على الإطلاق من دون ضميمة شيء إليه.

وكذلك في مثال الكرّ فيما إذا احتملنا أنَّ الكرّ الذي لا ينجسه شيء أن يكون جارياً أو له مادّة، أو أنَّه قسم خاص من الماء، فكلّ ذلك ندفعه بإطلاق الكلام.

وكذلك إذا احتملنا أنَّ مجيء زيد ليس سبباً لوجوب إكرامه على الإطلاق، بل مقيّد بأن يكون يوم المجيء هو الجمعة، يدفع بالإطلاق، فيقال: مجيء زيد على إطلاقه سبب لوجوب الإكرام.

ــــــــــ[145]ــــــــــ

() فلا يمكن أن يقال: إنَّ الماء لا ينجّسه شيء سواء كان كرّاً أم لا، أو إنَّ الإكرام واجب سواء حصل المجيء أم لا. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

ففي كلّ مورد فرض الشكّ بأنَّ الحكم المذكور في الجزاء ليس مطلقاً بل مقيّداً مع الشرط بقيد آخر نتمسّك بالإطلاق في مقام الكلام الكاشف عن الإطلاق في مقام الثبوت.

وكذلك إذا شكّكنا أنَّ القيد منحصر به، أو أنَّ هناك قيد آخر عدل له نحو: (إذا كان الماء قدر كرّ، أو جارياً، أو له مادّة لم ينجسه شيء) وكذلك (إذا جاءك زيد أو أكرمك فأكرمه) ولا إشكال أنَّ هذا الأمر قيد، لكن القيد هو أحد الأمرين من كرّيّة الماء واتصاله بالمادة أو جريانه، فكما أنّنا لو شكّكنا بالإطلاق والتقييد من جهة العطف بالواو ندفعه بالإطلاق، فإنَّ مقتضى الإطلاق هو أنَّ الكرّية دون أمر آخر مانعة عن الانفعال والتنجّس، كذلك لو شكّكنا بالقيد من جهة التقييد المدلول لكلمة أو ندفعه بالإطلاق، فإنَّه يقتضي أنَّ القيد هو خصوص الكرّية فليست الكرّيّة وشيءٌ آخر قيداً له، وأنَّ القيد هو المجيء لا المجيء وشيء آخر.

فينتج الإطلاق أنَّ القيد منحصر، فانتفاء هذا القيد يقتضي انتفاء المقيّد لا محالة، لأنَّ القيد والعلّة منحصرة.

وذكر: أنّ هذا يعني دلالة القضيّة  الشرطيّة على المفهوم وإن لم يستند إلى الوضع، ولهذا نجد استعمالها في موارد بيان تحقق الموضوع ليس فيه عناية أصلاً، فيقال: (إذا رُزقت ولداً فاختنه) أو (إذا تزوجت وجب عليك الإنفاق) فمن ناحية الوضع ليس لنا أن نستدل على المفهوم، ولكن من ناحية الإطلاق وكون المتكلّم في مقام البيان، وعدم نصبه قرينة على التقييد، يكفينا في الدلالة 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

على المفهوم، لأنَّ هذا القيد أتى به المولى بعنوان المولوية، ولا يتوقّف عليه الجزاء عقلاً، إذا شكّكنا أنَّه قيد على الإطلاق أو أنَّه مقيّد بنتيجة العطف بالواو أو بأو، فكلّ منها ندفعه بالإطلاق، فيثبت المفهوم.

ولذلك أشكل على صاحب الكفاية القائل: إنَّ إثبات المفهوم يكون بالتمسّك بالإطلاق نظير التمسّك به فيما لو شكّ في الوجوب أنَّه تعييني أو تخييري، حيث ندفع احتمال التخيير بالإطلاق فيثبت التعيين، فهنا أيضاً الإطلاق يقتضي أنَّ العلّة منحصرة وأنَّه لا عدل للشرط.

وأجاب(1) على ذلك بأنَّ قياس المقام على مسألة الواجب التعييني والتخييري قياس مع الفارق، فإنَّ سنخ الوجوب التخييري والتعييني يختلف، فإنَّه في الوجوب التعييني قد تعلّق الوجوب بفعل ما بعينه ولا يسقط إلّا بالإتيان به بعينه، وفي الوجوب التخييري تعلّق الوجوب بالجامع بينهما على نحو التزم به، ونتيجته: هو سقوطه مع الإتيان بأيّ منها، فإذا كان سنخ الوجوب مختلفاً وكان المولى في مقام البيان، ولم يأتِ بالعدل يثبت كون الوجوب تعيينياً.

وأمّا في المقام فإنَّ ترتّب الجزاء على علّته المنحصرة أو غيرها على سنخ واحد، وليس ترتّب الجزاء على العلّة المنحصرة مغايرة لترتّبه على غير المنحصرة، فإنَّ الحرارة تترتب على النار، وإن كانت تترتّب أيضاً على أسباب أخرى كالحركة، والقوة الكهربائية، والشمس، واصطكاك الحجرين، فإذا كان 

ــــــــــ[147]ــــــــــ

() يعني صاحب الكفاية. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

المولى في مقام البيان ولم يبيّن أنَّ الترتّب من أيّ سنخ(1)، لا يثبت كون الترتّب ترتباً على العلّة المنحصرة، لأنَّ الآخر لا يحتاج إلى بيان.

وأجاب عنه شيخنا الأستاذ: بأنَّ هذا إنّما يتمّ إذا أردنا أن نتمسّك بإطلاق الجزاء، فإذا شكّكنا في سنخ ترتّبه على الشرط لا نستطيع أن نتمسّك بالإطلاق، فإنَّ الترتّب سنخ واحد سواء كانت العلّة منحصرة أو لا.

ولكن الإطلاق الذي نتمسّك به في المقام هو إطلاق الشرط، فإنَّ المولى في مقام البيان ولم يذكر للشرط عدلاً، فكما نتمسّك بالإطلاق لدفع التقييد بما هو نتيجة العطف بالواو كذلك نتمسّك بالإطلاق لأجل دفع التقييد بما هو نتيجة العطف بالواو، وهذا من التمسّك بإطلاق الشرط لا الجزاء فلا يرد الإشكال.

الإشكال على الميرزا

ولكن لا يمكن المساعدة على ما ذكره نقضاً وحلّاً: أمّا النقض؛ فلأنّه لو تمّ لأثبت دلالة كلّ قيد على المفهوم من دون فرق بين الشرط وغيره، فيكون حال الشرط حال الوصف، يعني: مطلق القيد المذكور في الكلام، فإنَّ نفس هذا الكلام يجري فيما إذا كان القيد غير الشرط، نحو: (أكرم الرجل العالم) فيقال: إنَّ الحكم المذكور في القضيّة -وهو وجوب الإكرام- أمّا أن يكون مطلقاً من حيث العلّة أو مقيّداً به، ولا سبيل إلى الأوّل بعد ظهور القضيّة بالتقييد.

ــــــــــ[148]ــــــــــ

() حرف النفي غير موجود في المسودّة إلّا أنَّه حينئذٍ يكون خلاف مقصود صاحب الكفاية، كما هو واضح. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وإن كان مقيّداً بقيد، ودار الأمر بين أن يكون العالم قيداً مستقلاً أو أنَّه قيد بضميمة شيء آخر كالعالم العادل، فنستكشف بالإطلاق أنَّ العدالة ليست دخيلة في ثبوت الحكم، فكما يستكشف بالإطلاق عدم وجود قيد آخر منضمّ إليه ممّا هو نتيجة التقييد بالواو، كذلك يقال: إنَّ القيد قيد بإنفراده من دون عدل، وإلّا لذكره وقال: (أكرم الرجل العالم أو العادل) فمن عدم التقييد نستكشف أنَّ القيد هو خصوص العالم، وأنَّه قيد منحصر.

فلو تمّ ذلك في القضيّة الشرطيّة لتمّ في جميع القضايا المشتملة على التقييد، فإنَّه لم يذكر خصوصية للشرط. بل قال: إنَّ الحكم المذكور بالنسبة إلى القيد المذكور في الكلام إمّا كذا أو كذا، وهو كما يجري في الشرط يجري في سائر القيود، فتكون تمام القضايا الوصفية دالّة على المفهوم، وهذا لا يمكن الالتزام به؛ وهو أيضاً لم يلتزم به، فما هو خصوصية القضيّة الشرطيّة مع جريان الكلام في تمام القيود؟

وأمّا حلّ المسألة؛ فهو أنّ المولى إذا كان في مقام بيان ترتّب الحكم على الشرط كما هو مقتضى القضيّة الشرطيّة (إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء) فهو في مقام بيان عدم تنجّس الماء، وتفرّع ذلك على الكرّيّة، فإذا كان في مقام البيان -كما هو المفروض- فلا محالة نستكشف أنَّ الشرط المذكور في القضيّة شرط على الإطلاق من دون أن ينضمّ إليه شيء آخر، كما نستكشف ذلك في القضايا الوصفية، فنفهم أنَّ الكرّية مستقلّة في عدم الانفعال سواء كان جارياً أو لا، أم متصّلاً بمادّة أم لا.

ــــــــــ[149]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وهذا كما يستفاد من القضيّة الشرطيّة يستفاد من القضيّة الوصفية، فإذا قال: (أكرم الرجل العالم) نتمسّك بالإطلاق لدفع احتمال دخل العدالة في الموضوع، لأنَّ مقتضى إطلاق الكلام أنّ الحكم ترتّب على الرجل العالم والإطلاق في مقام الإثبات يستكشف منه الإطلاق في مقام الثبوت، فيستكشف أنّ موضوع الحكم هو مطلق الرجل العالم سواء كان عادلاً أو لا.

بل لو فرض أنَّه لا قيد في الكلام أصلاً، بل كان حكماً ثابتاً لموضوع، كـأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(1) فإذا احتملنا دخل قيد فيه، فإنّنا ندفعه بالإطلاق، فالمولى الذي هو في مقام البيان إذا رتّب حكمه على موضوع مقيّد، أو مشروط بشرط كما في القضايا الشرطيّة، لا محالة نتمسّك بالإطلاق ونُثبت أنَّ شيء آخر غير دخيل في الموضوع، بل هذا تمام الموضوع.

إلّا أنَّ هذا أمر آخر وهو أنَّ سنخ هذا الحكم هل هو غير ثابت في غير هذا المورد، ومنحصر به أو لا؟ والمولى ليس في مقام البيان من ناحية ذلك، بل هو في مقام بيان أنَّ الماء إذا بلغ كرّاً لم ينجسه شيء، وأمّا أنَّ موضوع عدم الانفعال منحصر بذلك فلم يثبت أنّ المولى في مقام البيان. نعم، إذا ثبت من الخارج أنَّه في مقام البيان حتّى من هذه الجهة نتمسّك به لا محالة، ولا ينحصر هذا في القضايا الشرطيّة بل في أيّ قضية علمنا أنَّه في مقام بيان حكمه من جميع الجهات حتى من حيث انحصار الموضوع، فإذا قال: أكرم زيداً، نعرف أنَّ عمرواً لا يجب إكرامه، وهذا يحتاج إلى قرينة خارجية.

ــــــــــ[150]ــــــــــ

(1) البقرة: 275.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فإذا فرض أنَّ القضيّة الشرطيّة غير دالّة على المفهوم وضعاً، فمن جهة أنَّ المولى لم يذكر للشرط عدلاً لا يمكن إثباته، وعلى تقديره فهو لا يختصّ بالقضيّة الشرطيّة، فإذا ثبت أنَّ المولى في مقام البيان حتّى من هذه الجهة فلا إشكال في ثبوت المفهوم حتّى للّقب، وأمّا إذا لم يثبت أنَّه في مقام البيان من هذه الجهة -ومن جملة مقدّمات الحكمة هي ذلك- فلا يمكن إثبات المفهوم.

وملخّص كلامنا: أنَّ هنا إطلاقين، الإطلاق الذي نتيجته دفع احتمال التقييد بما هو نتيجة العطف بـ(الواو)، والإطلاق الذي نتيجته دفع احتمال التقييد بما هو نتيجة العطف بـ(أو). وهما يختلفان وليسا على نحو واحد، بل الإطلاق الأوّل لا بُدَّ منه، فإنَّ المولى في مقام بيان ترتّب الحكم على موضوع خاصٍّ في القضيّة الشرطيّة وغيرها، ومقتضى الإطلاق أنَّه موضوع من دون أن ينضمّ إليه شيء آخر، وإلّا لبيّنه، وهذا جارٍ في القضايا الشرطيّة بل في مطلق القضايا التقييدية، بل حتّى في غيرها كـأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ (1).

وأمّا الإطلاق الذي يدفع به احتمال التقييد بما هو نتيجة العطف بـ(أو) فلم يظهر أنَّ المولى في مقام البيان من هذه الجهة، ولو فرضناه لكان له دلالة على المفهوم سواء كانت القضيّة شرطية أم لم تكن. 

فالمتحصّل ممّا ذكرناه: أنَّ الميرزا لم يأتِ بشيء تتميز به القضيّة الشرطيّة عن غيرها، وأنَّه لا يمكن إثبات دلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم من جهة الوضع، إذ لا يحتمل أن تكون القضيّة الشرطيّة موضوعة لترتّب 

ــــــــــ[151]ــــــــــ

(1) البقرة: 275.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الجزاء على الشرط على نحو العلّيّة المنحصرة، بل قلنا: إنَّ استعمالها في غير موارد ترتّب المعلول على العلّة كترتّب العلّة على المعلول، والمعلولين لعلّة ثالثة في غاية الكثرة، وليس مبنياً على أيّ مسامحة أو عناية.

وعلى تقدير تسليم دلالتها على العلّيّة لم يثبت دلالتها على الانحصار، إذ يمكن أن يكون هناك علّة أخرى تقوم مقام هذه العلّة، فلا يمكن انتفاء المعلول بانتفائها لاحتمال استناده إلى علّة أخرى.

وهذا لا يحتمل أن يكون مستنداً إلى الوضع، إذ لا يفرق استعمالها في موارد الترتّب على العلّة المنحصرة أو في موارد الترتّب على العلّة غير المنحصرة، فكلاهما على حدٍّ سواء من دون أيّ عناية.

وأمّا إثبات المفهوم بالإطلاق فقد ظهر أيضاً أنَّه غير ممكن. وبناءً عليه لا تدل القضيّة الشرطيّة على المفهوم، إلّا إذا قامت قرينة خاصّة كما اختاره صاحب الكفاية.

التحقيق في المسألة 

إلّا أنَّ الذي ينبغي أن يقال في المقام: إنَّ ما ذكر من الإشكال في عدم دلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم يتوقّف على ما ذهب إليه المشهور على ما هو الموضوع له في الجملة الخبريّة والإنشائيّة.

فإنَّ المشهور على أنَّ الجملة الخبريّة موضوعة لثبوت النسبة أو نفيها في الخارج، فقولنا: (زيد قائم) يدلّ على ثبوت النسبة بين القيام وزيد في الخارج، والنسبة السلبيّة تدل على نفي النسبة في الخارج، والقضيتان الإيجابيّة والسلبيّة 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

تشتركان في الدلالة على شيء في الخارج؛ وهو إمّا ثبوت شيء لشيء أو سلب شيء عن شيء.

والجملة الإنشائية التي قالوا فيها: إنَّها وضعت لإيجاد معنى في الخارج، كإيجاد الطلب، والتمنّي، والترجّي، والإستفهام، فالقضيّة الإنشائيّة مُوجِدة للمعنى في مقابل القضيّة الخبريّة التي تدل على ثبوت شيء في الخارج أو نفيه عنه، ولذا تنقسم الخبريّة إلى صادقة وكاذبة باعتبار مطابقة النسبة الكلاميّة للنسبة الخارجيّة وعدمها، فعلى الأوّل صادقة وإلّا فكاذبة.

والجملة الإنشائية بما أنَّ مدلولها إيجادي إنشائي ولا واقع لها لكي تطابقه أو لا تطابقه، فلا تّتصف بالصدق والكذب.

فبناءً على ما هو المشهور من أنَّ الجملة الخبريّة تدلّ على ثبوت نسبة ايجابية أو سلبية، فمدلول الجزاء يعني ثبوت شيء لشيء أو نفيه عنه، فقد يكون علّة لما في الشرط، أو معلولاً له، أو يكونان معلولين لعلّة ثالثة، وكلّ ذلك صحيح
-كما ذكرناه- ولا تنحصر القضيّة الشرطيّة بما إذا كان الشرط علّة فضلاً عمّا إذا كانت منحصرة.

فبعد دلالة القضيّة الشرطيّة على اللزوم -وهذا غير قابل للإنكار- فاستعمالها في موارد الاتفاق قائم على المسامحة يقيناً، فلو فرضنا أنَّه استعمال صحيح -كما يذكر المنطقيّون- فإنَّه مبني على المسامحة واللزوم الادّعائي بدل اللزوم الحقيقي، ولكن في غير موارد الاتفاق لا بُدَّ من ربط بين الجزاء والشرط، وهذا الربط قد يكون بنحو كون الشرط علّة والجزاء معلولاً، وقد 

ــــــــــ[153]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

ينعكس، وقد يكون كلاهما معلولين لعلّة ثالثة، وكل ذلك صحيح بلا عناية؛ فلو كان مدلول القضيّة الشرطيّة هو ثبوت النسبة أو نفيها يجري هذا الكلام وهذا التقسيم.

وأمّا بناءً على ما ذكرناه من أنَّ مدلول القضايا الخبريّة لا يمكن أن يكون هو ثبوت نسبة في الخارج أو نفيها، وليس هذا مدلول الكلام أبداً، وقلنا في وجه ذلك: إنَّ الكلام بما هو كلام لا يدلّ على ثبوت النسبة ولا على عدمها، فإنَّ قيام زيد قبل قول القائل: (قام زيد) مشكوك فيه، ووجود هذا الكلام بالنسبة إلى ثبوت النسبة الخارجيّة أجنبي، وهذا الكلام بما هو لفظ مستعمل في معناه لا دلالة له على ثبوت النسبة في الخارج أو عدمه(1). نعم، قد يفرض أنَّ المتكلّم صادق جزماً فنقطع بما يخبر به، لا من جهة أنَّ الكلام يدلّ بالدلالة الوضعيّة على ثبوت النسبة في الخارج، بل من جهة كونه معصوماً أو ثقة، وهذه ضمائم خارجية.

فما هو المعروف من أنَّ الكلام يدلّ ويكشف عن ثبوت النسبة في الخارج 

ــــــــــ[154]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّه لم يذكر في هذه المحاضرة أيّ دليل عقلي أو نقلي على هذا المدّعى؛ غاية ما في الأمر: أنَّ هذه الدعوى قائمة على رأيه في حقيقة الموضوع له، وأنَّ اللفظ موضوع للإرادة التصديقيّة وقصد الحكاية، فإذا بطل ذلك -كما ثبت في محلّه، لأنَّه قائم على رأيه في الوضع وهو التعهد، وهو أيضاً لا دليل عليه فيما يعرف من كلام سيدنا الأستاذ- فحينئذٍ يكون مجموع هذه المطالب من ترتيب مطلب باطل على مطلب باطل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

غير صحيح، بل لا يكشف -ولو ضمناً- عنها بما هو كلام مستعمل في معناه.

نعم، يكشف عن حكاية المتكلّم عن ثبوت النسبة في الخارج، وهذا هو مدلول الكلام، يعني: إذا قال القائل: (قام زيد) فنستكشف به حكاية المتكلّم عن قيام زيد في الخارج الذي يدلّ عليه الكلام بمقتضى الوضع والتعهّد الذي تعهّده المتكلّمون أنَّه متى أراد أن يحكي عن المعنى الفلاني يقول كذا بما في ذلك لفظ زيد، ومادّة قائم، وهيئته، وهيئة الجملة الخبريّة، فزيد قائم بمقتضى الدلالة الوضعيّة يدلّ على أنَّ المتكلّم قد حكى عن قيام زيد فقصد به(1) الحكاية من ثبوت القيام لزيد، فمدلول الكلام هو قصد الحكاية، هذا هو الذي يستكشف من الكلام سواء كان المتكلّم صادقاً أو كاذباً، سواء كان ثقة أو غير ثقة، ومدلول الكلام الذي لا يختلف(2) به متكلّم عن متكلّم هو هذا المعنى.

ــــــــــ[155]ــــــــــ

() على تقدير تسليم أخذ الإرادة في المعنى الموضوع له كما يذهب إليه سيّدنا الأستاذ، فإنَّ دلالة اللفظ على إرادة المعنى وقصد الحكاية يكون دلالة تكوينية إنيّة ككشف التأوّه عن الألم، لا دلالة وضعية، وإلّا لزم دلالة الألفاظ على نفس القصد والإرادة، وإنّما تختلف مداليلها بالعرض باختلاف متعلّق الإرادة، وهذا على ما ترى. (المقرّر).

(2) لو قلنا: بأنَّ الكلام يدلّ على ثبوت النسبة في الخارج، فإنَّ هذا أيضاً يكون أمراً مشتركاً بين المتكلّمين، وليس معنى دلالته على ذلك هو ثبوت النسبة في نفس الأمر ليختلف باختلاف درجة الوثوق بالمتكلّم، وإنّما معناه كون اللفظ آلة لإحضار صورة الخارج إلى الذهن سواء في المفردات أو المركبّات بادّعاء مطابقته للخارج، أمّا كون هذا الادّعاء صحيحاً فهو أمر ثانوي غير دخيل في الوضع، وإنّما يتوقّف على درجة الوثوق بالمتكلّم. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فمدلول الجملة الخبريّة ليس هو ثبوت النسبة وعدم ثبوتها في الخارج. إذن، فالذي علّق على الشرط في القضيّة الشرطيّة: (إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود) ليس المعلّق هو وجود النهار خارجاً، بل هو الحكاية عن ثبوت النهار خارجاً، يعني: أنَّ المتكلّم لا يريد الإخبار عن وجود النهار على الإطلاق، بل يحكي(1) عن وجوده على تقدير طلوع الشمس. وهذا لا يفرق فيه بين أن تكون النسبة الخارجيّة ومتعلّق الحكاية معلولاً لما في الشرط، أو علّة له، أو معلولين لعلّة ثالثة، فكل ذلك سواء، فإنَّ المتكلّم تارةً يخبر عن شيء على الإطلاق فيقول: (زيد عالم) أو (زيد بن عمرو) وتارةً يخبر عن شيء على تقدير يفرض شيئاً، وعلى هذا التقدير والفرض يخبر عنه، فيقول (إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود) فيخبر عن وجود النهار وعلى تقدير طلوع الشمس، فلو كانت الشمس غير طالعة لا يكون كاذباً في كلامه لأنَّه لم يخبر عن وجود النهار على الإطلاق حتّى يقال: إنَّه كاذب، وأنَّ حكايته غير مطابقة للواقع، بل أخبر عن وجوده على تقدير أن تكون الشمس طالعة. نعم، لو كانت الشمس طالعة والنهار غير موجود فهو كاذب لا محالة.

ولذا قالوا: إنَّ صدق القضيّة الشرطيّة بصدق الملازمة لا بصدق الطرفين، 

ــــــــــ[156]ــــــــــ

() قلنا: إنَّ تعليق الحكاية دون المحكي أمر خلاف الظاهر جدّاً، إلّا إذا قامت قرينة على ذلك بالخصوص، وفي المقام لا مانع من تعليق المحكي، فإنَّ النهار في نفس الأمر متوقّف على طلوع الشمس، فما المانع من الدلالة عليه باللفظ؟ (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وهذا مبني(1) على ما ذكرناه من أنّ مدلول الجملة الخبريّة هو قصد الحكاية عن ثبوت النسبة أو نفيها.

وقد قلنا: إنَّ القضيّة الشرطيّة موضوعة لترتّب مدلول الجزاء على الشرط. إذن، فجميع الاستعمالات على نحو واحد، وليس استعمالها في مورد مغاير لاستعمالها في مورد آخر، فيقال: (إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود) أو (إذا كان النهار موجوداً فالشمس طالعة) أو (إذا كان النهار موجوداً فالعالم مضيء) فالمتكلّم يخبر عن ثبوت النسبة الخارجيّة؛ ويعلّق إخباره وحكايته الذي هو مدلول الجملة على الشرط.

فتحصّل بما ذكرناه: بناءً على ما هو المشهور من أنَّ القضيّة الشرطيّة تدل على تعليق النسبة المذكورة في الجزاء على الشرط فالمعلّق هو ثبوت شيء لشيء أو نفي شيء عن شيء، ففي مثل قولنا: (إذا طلعت الشمس فالنهار موجود) 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

() بل غير مبني عليه. نعم، هو يناسب معه كما يناسب مع المبنى الآخر، أمّا على مبنى السيّد فإنَّه غير عدم طلوع الشمس لا تكون له حكاية أصلاً عن وجود النهار لفرض تقييدها به، فتكون سالبة بانتفاء الموضوع، وأمّا على المبنى الآخر فإنَّ الحكاية مطلقة لا محالة؛ إلَّا أنَّ المحكي مقيّد لا محالة أيضاً. فما دامت الملازمة ثابتة بين واقع الطلوع وواقع النهار كانت الجملة صادقة، ومتى انتفت الملازمة كانت كاذبة؟ (وهذا لا يكون له معنى محصّل على مبنى السيّد فتأمّل) أمّا على تقدير صدق الملازمة وعدم الطلوع، فالحكاية وإن كانت منجّزة إلّا أنَّ شرط المحكي غير متحقّق، فإنَّه لم يحك عن طلوع النهار مطلقاً في الواقع، بل قيّده بطلوع الشمس في الواقع، والمقيّد عدم عند عدم قيده لا محالة. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

المعلّق هو وجود النهار على طلوع الشمس، فبناءً عليه لا يمكن إثبات المفهوم، فإنَّ موارد استعمال القضيّة الشرطيّة يختلف، إذ قد يكون المذكور في الجزاء معلولاً للشرط، وقد يكون علّة له؛ وقد يكونان لعلّة ثالثة، وكلّها استعمالات صحيحة ولا تحتاج إلى عناية، فلا يمكن إثبات أنَّ الجزاء معلول للشرط فضلاً عن العلّة المنحصرة، فلا تدل القضيّة على المفهوم.

إذن، الصحيح ما ذهب إليه صاحب الكفاية  من أنَّ استفادة المفهوم تتوقّف على قرينة خارجية، ولا يمكن إثباته بالوضع ولا بالإطلاق.

ولكن بناءً على ما ذكرناه من أنَّ الجمل الخبريّة لا تدل على ثبوت النسبة في الخارج، والإنشائية غير موضوعة لإيجاد المعنى؛ بل الوضع كما ذكرناه في محلّه(1) عبارة عن التزام الإنسان وتعهّده بأنَّه متى ما أراد أو قصد تفهيم معنى فإنَّه يبرزه في الخارج بلفظ، فلا بُدَّ أن يكون متعلّق التعهّد أمراً اختيارياً إذ غير الاختياري لا يمكن الالتزام والتعهّد به، وهذا هو  الذي امتاز به الإنسان عن غيره، إذ غير الإنسان لا يتمكّن من ذلك، فإنَّ الله سبحانه خلق الإنسان وعلمه البيان في مقام تفهيم مقاصده بالبيان والألفاظ.

ــــــــــ[158]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات في علم أصول الفقه 1: 112، 113.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

 

الجُمَل الخبريّة والإنشائيّة

 

إنَّ الجُمَل الخبريّة لا تكشف عن ثبوت النسبة في الخارج ولو بالكشف الظنّي، وحال السامع بالنسبة إلى ما في الخارج قبل الإخبار وبعده سيان، فإنَّ الملتفت إلى قيام زيد يشكّ به ما لم يقم لديه دليل عليه، وبعد قول القائل: (قام زيد) يشكّ في صدق الخبر وكذبه، فالجملة الخبريّة لا تكشف(1) عن قيام زيد في الخارج.

وإنّما تكشف كشفاً وضعياً ناشئاً عن التعهد بأنّ المتكلّم قصد الحكاية عن قيام(2) زيد. فالذي نفهمه من هذا الكلام ولا يتخلّف الدال عن مدلوله هو 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

() ليس المقصود كشفها عن الواقع كشفاً تصديقياً تامّاً بحيث يصدّق بها السامع ويُذعِن بمجرد سماعها ليرد الإشكال، فإنّ هذا لا يكون إلّا في القرآن ونحوه، بل المقصود هو نقل صورة الواقع إلى ذهن السامع باعتبار كشف الكلام عنه كشفاً تصوّريّاً، بما في ذلك النسبة نفسها، هذا بمقدار الدلالة الوضعيّة.

نعم، ينعقد للكلام ظهور سياقي تصديقي بأنَّ المتكلّم جادٌّ في كلامه، مصدّق بخبر نفسه، أو قاصد لإنشائه، ومن هنا لو كان المتكلّم ثقة فإنَّه يكون مصدّقاً لدى السامع، إلّا أنَّ هذه ليست دلالة وضعية بالاتفاق حتّى عند نفس السيّد الأستاذ. (المقرّر).

(2) هذا مبني على أخذ القصد والإرادة في الموضوع له، وهو غير صحيح كما حُقّق في محلّه. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

قصد المتكلّم الحكاية عمّا في الخارج باعتباره أخبر وحكى عن قيام زيد، أمّا أنَّ الحكاية مطابقة للواقع أو لا فالقضيّة الخبريّة غير متكفلّة لذلك.

بل لو فرضنا أنَّ المتكلّم لم يكن في مقام التفهيم، ولكن لم ينصب قرينة على ذلك، فمقتضى ظهور الكلام والتعهّد الوضعي أيضاً كذلك، وهو أنَّه قاصد للحكاية، وإن كان المتكلّم لم يعمل على طبق التزامه ولم يقصد الحكاية بكلامه، مع ذلك يكشف كلامه عن قصده الحكاية، ويصحّ أن يقال: إنَّه قد حكى عن قيام زيد إذا لم ينصب قرينة على أنَّه لم يقصدها.

وكيف كان فقد ذكرنا في بحث الوضع وبحث مداليل الجمل الخبريّة(1) أنَّ مدلولها ليس هو ثبوت النسبة ايجاباً أو سلباً، وإنّما تدل على قصد الحكاية فقط.

وأمّا الجُمَل الإنشائية(2) فالمعروف أنّها موضوعة لإيجاد معنى من المعاني، فإنَّ الإيجاد التكويني لا يتوقّف على اللفظ، وإنّما يوجد الشيء بأسبابه بالوجود الخارجي، أو الوجود الذهني، ووجود اللفظ وعدمه أجنبي(3) عن وجود ذلك الشيء، وإنّما وجوده تابع لعلّته إن كانت موجودة كان موجوداً وإلّا فلا.

وأمّا الوجود الاعتباري فأيضاً كذلك، فإنَّ الوجود الاعتباري بيد من في 

ــــــــــ[160]ــــــــــ

() تقريرات علم أصول الفقه 1: 164.

(2) تقريرات علم أصول الفقه 1: 168-170.

(3) قد يقال: إنَّ اللفظ ليس أجنبياً عن الوجود الذهني فإنَّه لا محالة معدٌّ تكويني لانتقال السامع إلى المعنى، إلّا أنَّ ذلك وإن كان صحيحاً إلّا أنَّه لا يختصّ بالجمل الإنشائيّة، بل يعمّ الخبريّة، كما هو واضح. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

يده الاعتبار وضعاً ورفعاً ولا يتوقّف على لفظ في الخارج، كما وجد في غير موارد اللفظ -كملكيّة الوارث المسبّبة عن الموت- والاعتبار فعل مباشري للمعتبر قائم به قياماً صدورياً، ولا يتوقّف على اللفظ، فله أن يعتبر الزوجية، أو الرّقيّة، أو الحرّيّة، أو الفرقة. إذن، لا معنى للقول بأنَّ الإنشاء إيجاد للمعنى باللفظ، ولا يوجد أيّ شيء باللفظ بالوجود الحقيقي أو الاعتباري.

بل الصحيح -كما ذكرناه- أنّ الإنشاءات بأجمعها موضوعة لإبراز أمر نفسي غير قصد الحكاية ويختلف باختلاف الموارد، فقد يبرز اعتبار شيء في ذمة المكلّف الموضوعة له صيغة (افعل) ويسمّى بالوجوب، فهذه الصيغة موضوعة لاعتبار المادة في ذمّة المكلّف، كما أنَّه قد يُبرز أموراً أخرى كالترجّي، والتمنّي، والاستفهام بمبرز آخر.

إذن، تشترك الجملة الإنشائية والخبريّة في شيء وتفترق في شيء آخر، أمّا اشتراكهما فإنَّ كلّاً منهما يكشف عن أمر نفساني(1)، وهذا لا يرتبط بالصدق والكذب أبداً، فكما أنَّ الجملة الخبريّة تكشف عن قصد الحكاية كذلك الجمل الإنشائية تكشف عن أمر آخر كالاعتبار النفسي المسمّى بالوجوب أو التحريم، ومن هذه الجهة لا تّتصف بالجملة الخبريّة بالصدق والكذب، كما أنَّ الإنشائية لا تتصف بهما.

وهنا جهة فرق، وهي أنَّ المُبرِز في الجملة الخبريّة بما أنَّه هو قصد الحكاية(2)، 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

(1) تقريرات علم أصول الفقه 1: 168.

(2) تقريرات علم أصول الفقه 1: 169.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فالحكاية تتعلّق بما في الخارج، فهو قاصد للحكاية عن ثبوت شيء لشيء أو نفيه عنه، فالحكاية لها متعلّق في الخارج ثبوتاً أو نفياً، فتتصف من هذه الجهة بالصدق والكذب، لأنَّ هذه الحكاية إن كانت مطابقة للخارج فالقضيّة صادقة، وإنّ لم تكن مطابقة له فالقضيّة كاذبة.

فالامتياز بينهما ليس من جهة الدلالة، وأنَّ إحداهما تتصف بالصدق والكذب دون الأخرى، بل من جهة المدلول، وهو قصد الحكاية، وباعتباره تتصف الخبريّة بالصدق والكذب.

وبناءً على هذا تكون دلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم ظاهرة، وهذا المفهوم مستند إلى الوضع لا إلى الإطلاق ومقدّمات الحكمة، فإنَّ مفاد الجزاء في الجملة الشرطيّة الخبريّة إنّما هو قصد الحكاية عن ثبوت شيء لشيء، لكن المتكلّم قصد الحكاية لا على الإطلاق، بل معلّقاً على وجود الشرط، فإبراز المتكلّم للحكاية والاخبار عن شيء على تقدير لا على الإطلاق.

فمعنى قولنا: (إذا طلعت الشمس فالنهار موجود) أنَّ إخبار المتكلّم عن وجود النهار ليس إخباراً على الإطلاق، وإنّما هو إخبار مقيّد بطلوع الشمس، وإنَّه على تقدير طلوعها يخبر وإلّا فلا يخبر بشيء.

كذلك الأمر إذا كانت الجملة بالعكس، وقلنا: (إذا كان النهار موجوداً فالشمس طالعة) فإنَّه لا يخبر عن طلوع الشمس على الإطلاق بل على تقدير وجود النهار، وكذلك إذا كانا معلولين لعلّة ثالثة، نحو قولنا: (إذا كان النهار موجوداً فالعالم مضيء) فإنَّه لا يحكي عن أنَّ العالم مضيء على الإطلاق، بل على 

ــــــــــ[162]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

تقدير وجود النهار، وهكذا.

إذن، فالمستعمل فيه القضيّة الشرطيّة في جميع الموارد على نحوٍ واحد، وهو تعليق مدلول الجزاء وهو قصد الحكاية على وجود الشرط إذا كان الشرط موجوداً(1) ومتحقّقاً في الخارج، فالمتكلّم يحكي عن شيء وتدل الجملة بالدلالة الالتزاميّة على أنَّ الشرط إذا لم يكن موجوداً فالمتكلّم لا يخبر، أمّا أنَّه موجود أو ليس بموجود فهو ليس في مقام ذلك، بل في مقام تعليق حكايته على الشرط، لا تعليق المحكي على الشرط.

وفي قوله (إذا أكل زيد السمّ فإنَّه يموت) يخبر عن موته على تقدير أكله للسم وأمّا إذا لم يأكل السمّ، فإنَّه لا يخبر عن الموت، وإن كان يمكن أن يكون قد مات زيد بسبب آخر كالحرق والغرق، فالمعلّق على الشرط هو قصد الحكاية لا الموت ليقال: إنَّه يمكن أن يكون هناك سبب آخر.

فالقضيّة الشرطيّة تدلّ على الانتفاء عند الانتفاء وضعاً، إلّا أنَّ الانتفاء يتعلّق بمدلول الجزاء، وهو قصد الحكاية دون تحقق النسبة في الخارج، فإنَّها تدل على تعليق مدلول الجزاء على الشرط، ولازمه انتفاؤه عند انتفائه.

ــــــــــ[163]ــــــــــ

() ماذا يقول سيّدنا الأستاذ في موارد يكون الشرط مستحيل الوقوع عقلاً وعادةً، نحو: إذا كان اجتماع النقيضين ممكناً فإنَّه يمكن اجتماع النور والظلام، أو إذا لم يكن للأرض جاذبية فإنَّه يمكن الطيران إلى السماء، ومنه الآية الكريمة: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا (الأنبياء: 22) فإنَّ لازم قوله أنَّ الحكاية لن تتحقّق أبداً لأنّها معلّقة على أمر محال، وهو خلاف الوجدان. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فالمدلول هو الحكاية، والمتكلّم جعل مبرز ذلك هو الهيئة الخبريّة. إذن، فالجملة الخبريّة موضوعة للدلالة على أنَّ المتكلّم قصد الحكاية عن ثبوت شيء لشيء أو نفيه عنه.

إذن، تدلّ القضيّة على المفهوم، لأنَّه لم يقصد الحكاية على الإطلاق، وإنّما يحكي عن ثبوت شيء لشيء على تقديرٍ، فالحكاية متوقّفة على تحقق ذلك الشرط. ومن ثَمَّ قد تكون الشرطيّة من كلا طرفيه ممتنعة، ومع ذلك تكون القضيّة صادقة، لأنَّ الحكاية على تقديرٍ لا على جميع التقادير، ففي قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا(1) يخبر عن فساد العالم، لا على الإطلاق بل على تقدير وجود آلهة سوى الله. إذ على تقدير وجود الآلهة لكان الفساد واقعاً في الخارج، فالحكاية عن الفساد لا على الإطلاق بل على تقدير(2)، وعند عدم هذا التقدير لا حكاية.

إذن، دلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم واضحة بعد أن وُضِعَت لتقييد مدلول الجزاء وهو الحكاية على الشرط.

ــــــــــ[164]ــــــــــ

() الأنبياء: 23.

(2) قلنا: رجوع القيد إلى الحكاية خلاف الظاهر جدّاً، بل يرجع إلى المحكي ولا يلزم منه كذب القضية، فإنَّ حدوث الفساد في الواقع أيضاً متوقّف على وجود الآلهة في الواقع وعلى تقدير عدم الآلهة فلا فساد، بالإضافة أنَّه على مبناه تكون الحكاية ممتنعة لأنَّها معلّقة على شرط ممتنع، ففي الحقيقة لا حكاية أصلاً، ولا يمكن أن تكون، وهذا كما ترى خلاف الوجدان. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

أمّا في الجمل الإنشائية، فقد يفرض أنَّ المتكلّم في مقام الإنشاء ينشأ اعتباراً نفسيّاً على نحو الإطلاق، وقد يبرز اعتبار نفسياً على تقدير، فتارةً يعتبر الملكية لزيد فيقول: (وهبته الكتاب) فهذه الجملة تكشف عن اعتبار ملكية زيد لهذا المال مجاناً أو بعوّض، وتارةً يكون المعتبر أمراً مقيّداً بشيء، فيقول: إن متّ فهذا المال لزيد، فيعتبر الملكية على تقدير وفاته لا على الإطلاق، فيبرز هذا بصورة القضيّة الشرطيّة.

والذي تدل عليه القضيّة الشرطيّة هو تعليق مدلول الجزاء على الشرط، وإذا كان مدلول الجزاء هو الحكاية يكون المعلّق هو الحكاية، وإذا كان مدلوله هو اعتبار شيء من وجوب، أو تحريم، أو إباحة، أو ملكيّة، أو زوجيّة، أو رقيّة، أو غيرها، فتدلّ على أنَّ ذلك الأمر الاعتباري متوقّف على وجود الشرط، فإذا كان الشرط موجوداً كان ذلك الأمر الاعتباري موجوداً بمقتضى المنطوق، أو إذا لم يكن الشرط موجوداً لم يكن مدلول الجزاء موجوداً بمقتضى المفهوم، فالقضيّة الشرطيّة دالّة على الوجود عند الوجود والانتفاء عند الانتفاء.

إنّما الكلام في ذلك الشيء المعلّق وهو بناءً على ما ذكرناه في الجمل الخبريّة الحكاية وفي الإنشائية الأمر الاعتباري، وعلى كلا التقديرين تكون الجملة بمقتضى الوضع، لأنَّها موضوعة لتعليق مدلول الجزاء على الشرط.

وإنَّ ما ذكر من كون الجزاء قد يكون معلولاً للشرط وقد ينعكس، وقد يكونان معلولين لعلّة ثالثة، فكلّ ذلك أجنبي عن المفهوم، فقد يجتمع المفهوم مع هذه الصورة، وقد يجتمع مع غيرها، كما لو كان بينهما ملازمة من جهة 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الاتفاق الخارجي، كما لو علمنا أنَّ زيداً لا يسافر وحده، وإنّما يسافر مع أخيه دائماً، فنقول: (إذا كان زيد مسافراً فأخوه مسافر)(1) فبناءً عليه فدلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم ظاهرة.

ويوضّح ويؤكّد ذلك ما وجدناه فيما رواه الشيخ الطوسي عن الحسين بن سعيد عن عاصم بن حميد عن أبي بصير، يعني: المرادي، قال سألت أبا عبد الله عن الشاة تذبح فلا تتحرك ويهراق منها دم كثير عبيط فقال لا تأكل إنَّ علياً كان يقول: “إِذَا رَكَضَتِ الرِّجْلُ أَوْ طَرَفَتِ الْعَيْنُ فَكُل‏”(2)، ويرويها الصدوق(3) أيضاً بطريق ضعيف إلّا أنَّ للشيخ إلى الحسين بن سعيد طُرُقاً بعضها صحيح بناءً على ما حقّقناه من أنَّ ابن أبي جيد ثقة، لأنَّه من شيوخ النجاشي. فصحّته تتوقّف على ذلك وإلّا فيكون هذا الطريق أيضاً مخدوش فيه.

فهذه من الروايات الدالّة على اعتبار الحركة في الذبيحة زائداً على خروج الدم المعتاد، ثُمَّ استدل الإمام الصادق بقول علي: إِذَا رَكَضَتِ 

ــــــــــ[166]ــــــــــ

() بلى على مبناه يكون للقضايا الاتفاقيّة المحضة مفهوم، نحو: (إذا كان النهار موجوداً كان الماء بارداً) فإنَّ المتكلّم لا يحكي عن برودة الماء على الإطلاق بل على تقدير وجود النهار فإذا انتفى النهار انتفت الحكاية لا محالة، وهذا هو معنى المفهوم عنده، بل على مبناه لا يكون مثل هذه القضايا اتفاقيّة، فإنَّه على أيّ حال يصحّ للمتكلّم تعليق حكايته على أيّ أمر يريد وليس يجب أن يكون التعليق ثابتاً في الواقع، وإنّما تكون اتفاقيّة بلحاظ الواقع لا بلحاظ الحكاية. (المقرّر).

(2) تهذيب الأحكام 9: 57، باب 1، الصيد والذباحة. الحديث:240.

(3) ما لا يحضره الفقيه 3: 327، باب الصيد والذبائح. الحديث:4171.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الرِّجْلُ أَوْ طَرَفَتِ الْعَيْنُ فَكُل‏ فيستفاد من المفهوم أنَّ الرجل إذا لم تركض والعين إذا لم تطرف، فلا يجوز الأكل، وجواز الأكل معلّق على أحد الأمرين.

فهذه الصحيحة واضحة الدلالة على المفهوم، فإنَّه إذا لم تكن القضيّة الشرطيّة دالّة على المفهوم بحسب المتفاهم العرفي من الكلام فكيف يصحّ هذا الاستدلال، وكيف رتّب قوله: لا تأكل على ما نقله عن أمير المؤمنين. إذن، فدلالة القضيّة الشرطيّة أمر واضح عرفي.

وذكر هذه الرواية صاحب الوسائل في الباب الحادي والعشرين من أبواب الذبائح(1)، عن الشيخ الطوسي، ثُمَّ يرويها عن الشيخ الصدوق، ولكن طريق الصدوق ضعيف من جهة ابن ماجيلويه، أمّا الشيخ فأحد طرقه صحيح، والظاهر أنَّه لا ينبغي الإشكال في دلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم.

ــــــــــ[167]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 24:24. باب12، أنّه لا بُدَّ بعد الذكاة من الحركة الاختيارية ولو يسيراً أو خروج الدم المعتدل لا المتثاقل وإلّا لم يحلّ، الحديث:1.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7



تعدّد الشرط ووحدته 

 

ثُمَّ إنَّ الشرط المذكور في القضيّة قد يكون أمراً بسيطاً، وقد يكون مركّباً من أمرين، فيقال: (إذا جاء زيد فأكرمه) فالشرط هو المجيء منفرداً على بساطته، فتدل القضيّة -بناءً على ما ذكرناه- على انتفاء مدلول الجزاء عند انتفاء المجيء، وقد يكون الشرط مركّب من أمرين، نحو: (إذا جاءك زيد وكان مجيئه يوم الجمعة فأكرمه) و (إذا جاءك وأكرمك فأكرمه) ففي مثل ذلك يكون الشرط هو المركّب من الأمرين، فينتفي بانتفاء أحدهما، فلو لم يجيء زيد لم يجب الإكرام، وكذلك لو جاء يوم الخميس، لأنَّ الشرط مُنتفٍ، وما ذكرناه من دلالة القضيّة الشرطيّة على الانتفاء عند الانتفاء يُراد به انتفاء ما ذكر في الشرط، فإذا كان المذكور فيه أمرين جمعاً، فانتفاء المركّب يكون بانتفاء أحد الجزئين أو الأجزاء، ويكون الجزاء متوقّفاً على تحقّق الأمرين أو الأمور المذكورة في الشرط جميعاً، ولو لم تتحقق بعضها يكفي في انتفاء المعلّق عليها.

كما أنَّ الشرط لو كان أحد الأمرين بالعطف بـ(أو)، نحو: (إذا جاءك زيد) أو (إذا أكرمك فأكرمه) فانتفاء الجزاء يكون بانتفائهما معاً، وانتفاء أحدهما لا يكفي في انتفاءه، فإنَّ الجزاء معلّق على أحدهما، كما في الواجب التخييري، فلو جاء زيد يجب إكرامه، ولو لم يجئ لكن أكرمك يجب إكرامه أيضاً.

ــــــــــ[168]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

ففي مثل جواز الإفطار: (إذا سافرت أو كنت مريضاً فافطر) مفهومه عدم جواز الإفطار على تقدير انتفاء الأمرين معاً، لأنَّ أحدهما يكفي في ثبوته، وليس حاله حال ما إذا كان الشرط هو المجموع، حيث ينتفي بانتفاء أحدهما ولا يثبت إلّا بثبوت المجموع. وهذا ظاهر.

ــــــــــ[169]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7






انقسام القضيّة الشرطيّة 

 

ذكرنا أنّ القضايا الشرطيّة على قسمين، فقد يكون الحكم متوقفاً على ثبوت الشرط عقلاً، ولا يمكن تحقّقه بدونه، وتسمّى بالقضايا الشرطيّة التي سيقت لبيان الموضوع، ولا شكّ في أنَّها لا تدل على المفهوم، فإنَّ انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط عقلي، وأمّا غيره ومماثله فثبوته وعدم ثبوته أجنبي عن هذه القضيّة الشرطيّة.

ففي مثل قولنا: (إذا رُزِقت درهماً فتصدّق به) فالتصدّق متوقّف على أن يكون مالكاً له، فانتفاء هذا الحكم عند عدم ملكيته للدرهم عقليٌّ، وهو أجنبي عن المفهوم، أمّا وجوب التصدّق بشيء آخر فثبوت الحكم وعدم ثبوته أجنبي عن هذه القضيّة، فهذه القضايا خارجة عن محلّ الكلام.

ومن هذا القبيل قوله سبحانه: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا(1) بناءً على أن يرجع الشرط إلى وجود نبأ الفاسق، فإذا تحقّق نبأ الفاسق فتبيّنوا، ومعلوم أنَّ وجوب التبيّن عن خبر الفاسق فرع وجوده، فإذا لم يتحقق تكون سالبة بانتفاء الموضوع، وأمّا وجوب التبيّن عن نبأ آخر -هو نبأ العادل- فهو موضوع آخر غير هذا الموضوع وأجنبي عن الآية.

ــــــــــ[170]ــــــــــ

(1) الحجرات: 6.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فمحلّ الكلام ما إذا كان الموضوع له حالتان(1)، وقد علّق الحكم في القضيّة على أحدهما، فهل تدل القضيّة على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط أو لا تدل، كالمثال المعروف: (إذا جاءك زيد فأكرمه) فإنَّه قد يفرض الإكرام مع المجيء، وقد يفرض لا معه، فإذا كانت القضيّة الشرطيّة متكفّلة لثبوت الحكم في إحدى هاتين الحالتين، فهل تدل على الانتفاء في الحالة الثانية؟ وهذا هو محل الكلام.

ومن هذا القبيل أيضاً قوله سبحانه: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا بناءً على أنَّ الموضوع هو النبأ ليكون مرجع الآية إلى قولنا: (النبأ إذا جاءكم به الفاسق فتبيّنوا) فإنَّ النبأ قد يجيء به الفاسق، وقد لا يجيء به، ويكون النبأ مفروض الوجود، فيقع الكلام في أنَّ الآية هل تدل على أنّ النبأ إذا لم يكن الجائي به فاسقاً، فيجب التبيّن عنه؟ 

وقد تقدّم الكلام في ثبوت المفهوم وعدمه، وقلنا: إنَّ الظاهر ثبوته بالبيان الذي ذكرناه سابقاً وظهر منه: أنَّه في كلّ مورد لا يمكن ثبوت الحكم عند انتفاء الشرط سواء كانت القضيّة على نحو الشرطيّة، أو الوصف، أو الغاية، إذا لم يكن الحكم قابلاً للثبوت في كلتا الحالتين، بل ينتفي خارجاً بانتفاء موضوعه، فهذا ليس من المفهوم سواء كانت قضية شرطية أم سواها.

فباب الأوقاف، والوصايا، والنذور، وما يشبهها كلّه خارج عن المفهوم لا أنَّه متسالمٌ على وجوده فيها، ليقال: لا إشكال في دلالة القضيّة على المفهوم، بل هي خارجة عن الدلالة على المفهوم، فإنَّه لا يمكن ثبوت الحكم فيها على كلا 

ــــــــــ[171]ــــــــــ

() يعني: بلحاظ الشرط. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

التقديرين حتى يقال: إنَّها هل تدل على الانتفاء عند الانتفاء أو لا؟ فإنَّ الانتفاء فيها عقليٌّ فلا تصل النوبة إلى الدلالة اللفظية ليتكلّم في ثبوت المفهوم، فإنَّ محلّ الكلام في ثبوت المفهوم هو مقام الإثبات لا مقام الثبوت، فإذا كان ـ في مقام الثبوت ـ ثبوت الحكم في كلتا الحالتين أمر غير معقول لا يمكن أن يكون دالاً على المفهوم.

وباب الأوقاف، والنذور، والوصايا من هذا القبيل، فلو وقف زيد شيئاً على جماعة، فهو بالطبع لا يكون وقفاً على جماعة آخرين، إذ لا يكون المال الواحد وقفاً مرّتين، وليس هذا من دلالة القضيّة على المفهوم ليقال: إنَّه لا إشكال في دلالة القضيّة على المفهوم في هذه الموارد، فثبوت الوقفيّة لجماعة المستلزم لعدم وقفيّته لجماعة آخرين عقليٌّ، وليس هذا من الدلالة على المفهوم في شيء، بل من انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه، وثبوته بعد انتفاء موضوعه غير معقول، فإنَّ المفروض أنَّه وقف على جماعة، فعند فرض عدمها لا يتحقّق الوقف لا محالة.

وكذلك في الوصايا، فإذا أوصى لزيد فهو ليس لعمرو لا محالة، لا من باب الدلالة على المفهوم، بل من جهة استحالة ثبوت الحكم بعد انتفاء موضوعه، وكذلك في باب الإقرار، فلو أقرّ أنَّه لزيد فهو لا يكون لعمرو، فإنَّ المال الواحد لا يكون لشخصين، وكذلك إذا نذر صوم يوم الأربعاء، لا يكون نذراً لصوم يوم الخميس.

والجامع في ذلك هو أنَّ الضابط في ثبوت المفهوم في القضيّة الشرطيّة، 

ــــــــــ[172]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وغيرها من الغاية والوصف ما إذا كان ثبوت الحكم في كلتا الحالتين أمراً معقولاً في مقام الثبوت، فيقع الكلام في مرحلة الإثبات على ثبوت المفهوم، وأمّا إذا كان مختصّاً عقلاً بإحدى الحالتين، فليس من المفهوم في شيء، وغير داخل في محلّ الكلام.

بناءً على هذا قد يشكل بأنَّ القضيّة الشرطيّة حتّى بناءً على دلالتها على العلّيّة المنحصرة بالوضع أو بالإطلاق، مع ذلك لا يكون لها مفهوم، ومنشأ الإشكال: أنَّ الحكم المستفاد من الجزاء حكم شخصي انشأ بإنشاء خاصٍّ، فإنّ الوجوب مدلول للهيئة، وهو معنى حرفي شخصي، وانتفاء هذا الحكم بانتفاء شرطه عقليٌّ، وأمّا طبيعي الحكم الجامع بين هذا الحكم وغيره فهو لم يذكر في الكلام، وإنّما ذكر الحكم الشخصي، فإذا كانت العلّيّة منحصرة، فغاية ما يدلّ هو انتفاء هذا الشخص عند انتفائها، وأمّا مماثله فانتفاؤه وعدم انتفاؤه أجنبي عن ذلك.

بناءً على ما ذكرناه من أنَّ محلّ النزاع هو ما إذا كان الحكم قابلاً للثبوت في كلتا الحالتين ثبوتاً، وإنّما يقع الكلام في مرحلة الإثبات، ليشكّل دلالة القضيّة على المفهوم مطلقاً بناءً على أنَّ مداليل الهيئات جزئية وشخصية، ومحلّ الكلام إنّما هو انتفاء سنخ الحكم لا شخصه، فما هو محل الكلام لم يذكر في القضيّة، وليس مدلولاً عليه في الكلام، حتّى يقال: إنَّه معلّق على الشرط الذي هو علّة منحصرة له فيدلّ انتفاءه على انتفائه، وأمّا شخص الحكم فينفى حتّى في اللقب لا محالة، فلو قال: (أكرم زيداً) نعرف أنَّ الحكم الثابت لزيد لا يمكن أن يثبت لعمرو.

ــــــــــ[173]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فالكلام إيجاباً وسلباً في انتفاء سنخ الحكم لا شخص الحكم، فمن هنا يقع الإشكال في دلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم حتّى بناءً على ظهورها بالعلّيّة الانحصاريّة.

تمحيص كلام العلمين (قدس الله سرهمّا)  

ومن هنا ذكر الشيخ الأنصاري(1) أنَّ هذا الإشكال إنّما يمكن توجيهه فيما إذا كان الوجوب مستفاداً من الهيئة، وأمّا إذا كان مستفاداً من المادّة، نحو: (إذا زالت الشمس فقد وجب الطهور والصلاة) وكان الوجوب معنى اسميّاً لا حرفيّاً، فحينئذ لا يرد الإشكال؛ فإنَّ المذكور في الجزاء طبيعي الوجوب لا شخصه، فإذا قلنا بالعلّيّة الانحصارية فإنَّ الوجوب ينتفي بانتفاء شرطه، بمعنى: أنَّ الشمس إذا لم تزل لا يجب الطهور والصلاة، وهذا الإشكال إنّما يمكن توجيهه فيما إذا كان الوجوب معنى حرفياً ومستفاداً من الهيئة.

ومن هنا لا يقع مثل صاحب الكفاية في هذا الإشكال حيث يرى أنَّ مداليل الحروف كمداليل الأسماء كلّها أمور كلّيّة، وإنّما يكون التشخّص من ناحية الاستعمال -على ما بيّنه في مبحث المعنى الحرفي(2)– وذكر: بأنَّ المعنى الحرفي يلاحظ آلة والمعنى الاسمي يلاحظ استقلالاً، ولو كان اللحاظ الآلي موجباً للجزئيّة لأوجب ذلك اللحاظ الاستقلالي في الأسماء أيضاً، إذ لا معنى للفرق بين لحاظ ولحاظ.

ــــــــــ[174]ــــــــــ

(1) انظر: مطارح الأنظار: 174.

(2) انظر: كفاية الأصول: 11.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فبناءً على ما ذكره لا يفرق الحال بين أن يكون الوجوب أو غيره معنى اسميّاً ومستفاداً من الاسم، أو معنى حرفيّاً مستفاداً من الهيئة، فعلى أيّ حال يكون المدلول كلّيّاً؛ والمعلّق سنخ الحكم، فبناءً على القول بالعلّيّة المنحصرة ينتفي سنخ الحكم بانتفاء شرطه.

وأمّا إذا قلنا: إنَّ معاني الحروف ليست معانٍ كلّيّة وإنّما تمتاز بذاتها عن المعاني الاسميّة، وأنّ المعاني الحرفية غير مستقلة بذاتها والمعاني الاسمية مستقلّة بذاتها -على ما تقدّم- فيتوجّه الإشكال على ما ذكروه. 

ومن هنا(1) ذكر الشيخ الأنصاري أنَّ انتفاء سنخ الحكم يستفاد من العلّيّة الانحصاريّة، وإلّا فإنَّ انتفاء شخص الحكم لا يحتاج إلى ذلك، فإنَّ انتفاءه بانتفاء موضوعه عقليٌّ.

إلّا أنَّ هذا الجواب لا يرجع إلى محصّل، فإنَّ الشرط علّة منحصرة للجزاء لا لشيء غير مذكور، فإذا فرض أنَّ المذكور في الجزاء هو شخص الحكم فتكون علّته المنحصرة هو الشرط، فينتفي بانتفائه، وليس سنخ الحكم مدلولاً عليه بشيء، حتّى يقال: إنَّه ينتفي بانتفاء شرطه.

وبعبارة أخرى: إنَّ المنشأ في كلّ قضية حكم شخصي متقوّم بموضوعه، وهو ينتفي بانتفاء موضوعه عقلاً. إذن، لا يبقى مجال لدلالة القضيّة على المفهوم، فإنَّ الغرض من البحث هو دلالتها على انتفاء سنخ الحكم، وأمّا انتفاء شخصه فلا كلام فيه سواء كانت القضيّة شرطية أو لم تكن.

ــــــــــ[175]ــــــــــ

() كأنَّ هذا جواب من الشيخ على هذا الإشكال. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فلو سلّمنا دلالة القضيّة الشرطيّة على أنَّ ترتّب الجزاء على الشرط من ترتّب المعلول على علّته المنحصرة، لم تكن لها دلالة على المفهوم، فإنَّها إنّما تدل على انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط، وبما أنَّ المذكور في الجزاء حكم شخصي فتدل على انتفائه، وأمّا انتفاء سنخ الحكم فلا دليل عليه، لأنَّه ليس مذكوراً في القضيّة، فكيف يمكن دلالة القضيّة على المفهوم؟

وقد ذكرنا جواب الشيخ الأعظم وصاحب الكفاية، وقلنا: بأنّهما لا يرجعان إلى محصّل، والصحيح في الجواب أن يقال: إنَّ هذه الشبهة مبنية على ما هو المعروف في الإنشاء من أنَّه إيجاد المعنى باللفظ، فحينئذٍ يقال: إنَّ هذا المعنى أمر شخصي يوجد بوجود شخصي، فما هو الدليل على انتفاء سنخ الحكم عند انتفاء شرطه؟

ولكن بناءً على ما ذكرناه يكون الإشكال باطلاً من أساسه، وذلك لأنّا ذكرنا: أنَّ الجمل الانشائية لا تتكفّل إيجاد معنى في الخارج، فأيّ معنى كان لا يوجد باللفظ سواء كان من الموجودات التكوينية الحقيقيّة أو الاعتبارية، وإيجاد المعنى باللفظ كلام لا معنى له.

بل الصحيح أنَّ الجمل الإنشائية وُضِعَت للدلالة على أمر نفساني، والهيئة مبرزة له على اختلافه بحسب موارد الإنشاء من الاستفهام، والتمنّي، والترجّي، وغيره، فمدلول الإنشاء هو إبراز أمر نفساني غير قصد الحكاية، وعلى ذلك ينتفي الإشكال من أصله، فإنَّ المتكلّم إذا أبرز اعتبار شيء على ذمّة المكلّف وجعله متوقّفاً على شيء في الخارج، نحو: (إذا زالت الشمس فَصَلِّ) 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فوجوب الصلاة منوط بزوال الشمس حيث أبرز المولى أنَّ اعتبار الصلاة على ذمّة المكلّف متوقّف ومنوط على الزوال، والشرط موقوف عليه فينتفي بانتفائه، فتدلّ القضيّة على أنَّه إذا لم يكن الزوال متحقّقاً فالاعتبار غير موجود، فلا أساس لهذا الإشكال أصلاً.

بيان الحكم المذكور في الجزاء 

ثُمَّ إنَّ هنا كلاماً فيما إذا كان الجزاء واحداً صورة في مقام الإثبات، ولكن كان متعدّداً في مرحلة الثبوت والواقع، فهل يكون المفهوم متعدداً أو واحداً؟

بيان ذلك: أنَّ الحكم المذكور في الجزاء قد يكون حكماً واحداً، كقولنا: (إذا زالت الشمس فَصَلِّ) فالمذكور هنا حكم واحد، فبناءً على دلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم لا إشكال في دلالتها على أنَّه قبل الزوال لا تجب الصلاة، ولم يعتبرها المولى على ذمّة المكلّف.

وقد نفرض أنَّ الجزاء متعدّد إثباتاً وثبوتاً، كأنْ يقول المولى: (إذا زالت الشمس فاكنس البيت واطبخ واغسل الملابس) فيعدّ واجبات متعدّدة ويجعلها متوقّفة على وجود الشرط خارجاً، فإنَّ هذه القضيّة في حكم قضايا متعددة، لكنّه جمعها بلفظ واحد في الشرط وأمّا الجزاء فمتعدد.

فمفهومه أنَّ هذا الوجوب وذاك الوجوب كلّ واحد متوقّف على وجوب الشرط، فإذا لم يكن الشرط لم يكن أيّ واحد منها واجباً، إذا لم يكن المراد من العطف بـ (الواو) المجموع، فكأنَّه جزاء من الأوّل، فلو قيل: (إذا دخلت البلدة الفلانية فلا تصاحب زيداً وعمراً وبكراً) وعلمنا أنّه لا يريد أنَّك لا 

ــــــــــ[177]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

تصاحب المجموع، بل لا تصاحب كلّ واحد منهم، ففي مثل ذلك تدل القضيّة الشرطيّة على انتفاء كلّ واحد من هذه الأحكام عند انتفاء الشرط لا محالة، لأنَّ الجزاء متعدّد ثبوتاً واثباتاً.

وقد يفرض أنَّ الحكم بحسب مقام الثبوت متعدد، ولكنّه في مقام الإثبات واحد، فهل يكون مفهوم هذه القضيّة أحكاماً متعدّدة كالمنطوق، أو إنَّ المفهوم هو نفي هذا الحكم؟ ولا يلزم من نفيه نفي أحكام متعدّدة، يعني: لا تعدد في النفي، وإنّما النفي واحد، والحكم المقيّد إذا كان بحسب الواقع متعدداً لا يلزم أن يكون النفي متعدّداً، فإنَّ المفهوم تابع لمقام الإثبات لا لمقام الثبوت.

ومثاله: (إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجسه شيء) فشيء نكرة في سياق النفي. وهو يفيد العموم، فينحلّ مثل هذا الكلام إلى أنّ الكرّ لا ينجسه البول، ولا ينجسه الغائط، ولا ينجسه ملاقاة يد الكافر… وحيث إنَّ النكرة في سياق النفي تدلّ على العموم لا محالة، فبحسب مقام الثبوت يوجد أحكام متعددة، ولكن بحسب الدلالة والإثبات ليس لنا إلّا حكم واحد، وهو اعتبار عدم تنجّس الكرّ بشيء من الأشياء، فمدلول هذه القضيّة بحسب مقام الثبوت متعدد، وبحسب الدلالة والمدلول واحد.

وإن كان المدلول ينحلّ إلى مدلولات متعددة إلّا أنَّ الدلالة واحدة، حاله في ذلك حال (كلّ) فيما لو قال: (أكرم كلّ عالم) وإن كان بحسب الانحلال يجب إكرام كلّ فرد فرد، إلّا أنَّ الكلام ليس فيه إلّا دلالة واحدة، فإنَّ لفظ (كلّ) قد استعمل بمعنى واحد استعمالاً واحداً، وليس فيه تعدّدٌ، يعني: أنَّ 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

المعنى الوحداني أُخِذَ فانياً في معنوناته، وبحسب الواقع الحكم ثابت للمعنونات وهي متعددة والأحكام متعدّدة بتعدّدها، إلّا أنَّ العنوان واحد.

والنكرة في سياق النفي كذلك (إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجسه شيء) فإنّ الحكم في المنطوق ينحلّ إلى أحكام عديدة، وأنَّ الكرّ لا ينجسّه هذا النجس ولا ذاك النجس، إلّا أنَّ مدلول الكلام أمر واحد، فإنَّ هذا الكلام يكشف عن اعتبار المتكلّم اعتصام الكرّ وعدم انفعاله بشيء، وهذا مدلول واحد.

إذن، مفهوم هذه القضيّة، هل ينحلّ إلى أحكام متعددة أو إنَّ المفهوم هو حكم واحد؟ وهو أنَّ الحكم المذكور في المنطوق واعتبار الاعتصام للكرّ وعدم انفعاله بما من شأنه التنجيس منتف عند عدم بلوغ الماء كرّاً، ويكفي حينئذٍ تنجّس الماء القليل بشيء ما من النجاسات لا بكل نجس ومتنجّس.

وملخّص الكلام: أنّ المنطوق إذا كان موجبة كلّيّة أو كان سالبة كلّيّة، فهل يكون المفهوم كلّيّاً أيضاً، فإذا كان المنطوق موجبة كليّة فالمفهوم سالبة كليّة وبالعكس، أو أنَّ مفهوم القضيّة الكلّيّة جزئي فإذا كان المنطوق موجبة كلّيّة كان المفهوم سالبة جزئية، وإذا كان سالبة كليّة كان المفهوم موجبة جزئية.

أمّا بالنسبة إلى المثال فلا أثر للنزاع بالنسبة إلى الأعيان النجسة، وذلك للقطع بعدم الفرق بين النجاسات، فإذا كان الماء القليل ينفعل بشيء منها فهو ينفعل بجميعها، ولا يحتمل كونه ينفعل بالبول دون الدم مثلاً، ولا شك في عدم الفرق بين النجاسات بارتكاز المتشرّعة والإجماع القطعي، فبالنسبة إلى الأعيان النجسة لا أثر لهذا النزاع، سواء كان المفهوم موجبة جزئية أو موجبة 

ــــــــــ[179]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

كليّة، فعلى كلّ حال نحكم بنجاسة الماء القليل الملاقي للمنجس. نعم، يبقى النزاع علمياً محضاً.

إنّما يصبح الكلام ذا أثر بالنسبة إلى المتنجّس، فإذا قلنا: إنَّ المفهوم موجبة كليّة نحكم أيضاً بانفعال الماء القليل بالمتنجّس أيضاً، لأنَّ المفهوم موجبة كليّة، ومعناه: أنَّ المتنجّس لا ينجس الكرّ، ولكنّه ينجس الماء القليل، وأمّا إذا قلنا: إنّ المفهوم هو الإيجاب الجزئي، لأنَّ غاية ما تدلّ عليه القضيّة هو انفعال الماء القليل بشيء ما، فليكن هو الأعيان النجسة، وأمّا المتنجّس فلا تدل على تنجّسه به لعدم الإجماع، بل لا بُدَّ من التماس دليل آخر عليه.

إذن، فلا يمكن إثبات تنجّس الماء القليل بملاقاة المتنجّس بهذه الروايات فيما إذا قلنا: إنَّ مفهوم السالبة الكلّيّة هو الإيجاب الجزئي لا الكلّي، وإنّما نحتاج في إثبات تنجّسه به إلى دليل آخر، فإنَّ قام -كما هو الموجود لدينا- فهو، وإلّا لم نحكم به.

ما ذكره الميرزا  في المقام 

ذكر شيخنا الأستاذ أنَّ الصحيح هو الوجه الأوّل(1)، وهو أنّ باب المفهوم غير باب التناقض في المنطق، فإنَّ التناقض -كما ذكروه- عبارة عن استحالة ارتفاع الأمرين واجتماعهما، والإيجاب الكلّي مناقض للسلب الجزئي: والسلب الكلّي مناقض للإيجاب الجزئي، ولا يمكن أن يصدقا أو يكذبا معاً، فأحد القضيتين صادقة لا محالة، والأخرى كاذبة لا محالة، واحتمال صدقهما معاً غير 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

(1) أجود التقريرات 1: 421.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

موجود، واحتمال كذبهما معاً أيضاً غير موجود، فباب التناقض ينظر فيه إلى استحالة الجمع بين القضيتين صدقاً وكذباً.

وباب المفهوم تابع للظهور العرفي، فنقيض السالبة الكلّيّة وإن كان هو الإيجاب الجزئي، إلّا أنَّ نسبة المفهوم إلى المنطوق ليس هو التناقض، بل يستفاد من هذا الكلام (إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء) أنّ الكرّ لا ينجسه الدم، ولا ينجّسه البول، وهكذا، وكل حكم يستفاد من المنطوق يثبت في المفهوم ارتفاعه فيثبت أنّ الماء القليل ينجس بملاقاة الدم، وبملاقاة غيره حتّى المتنجسات، فمفهوم القضيّة الموجبة الكلية هو السالبّة الكلّيّة لا الجزئيّة.

الصحيح خلاف ما ذكره الميرزا

ولكن الصحيح أنَّ الأمر ليس كذلك، فإنَّ غاية ما يستفاد من القضيّة الشرطيّة بناءً على دلالتها على المفهوم هو: أنَّ مدلول الجزاء ينتفي عند انتفاء الشرط، وليس المدلول إلّا واحداً، والانحلال إنّما هو في واقع الحكم لا في المدلول، وليس في الكلام إلّا دال واحد، ومدلول واحد، ودلالة واحدة.

ومن هنا ذكرنا(1): أنَّ من أخبر عن حكم كلّي كذباً، فقال: (كلّ إنسان ليس بضاحك) أو (الخمر ليس بحرام في الشريعة) فلم يكذب إلّا كذبة واحدة، فهو ينفي الحرمة عن الطبيعي المنحلّ إلى الأفراد، إلّا أنَّ المتكلّم ليس كاذباً كذباً لا متناهياً بعدد ما يفرض من أفراد الخمر أو الإنسان في الخارج، فإنَّ الصدق والكذب من صفات الكلام بما له من المدلول، يعني: باعتبار الحكاية عمّا في 

ــــــــــ[181]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 6: 16.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الخارج، ولم يقصد إلّا حكاية واحدة، غاية الأمر أنَّ المحكي ينحل في الواقع بتعدد الأفراد، إلّا أنَّ الانحلال ليس له أثر في اتصاف الكلام بالصدق والكذب. وهذا ظاهر.

والمفهوم والمنطوق من هذا القبيل، فإنَّ المفهوم هو عبارة عن ارتفاع مدلول الجزاء عند ارتفاع الشرط، والجزاء أمر واحد وهو اعتبار الاعتصام وعدم تنجّس الكرّ بأي شيء في الخارج، فينكشف بدلالة القضيّة على المفهوم أنَّ هذا الاعتبار مختصّ بالكرّ، ولا يعمّ غيره، أمّا أنَّ غير الكرّ ينجس بكلّ شيء فهو أمر آخر.

فبناءً على ما ذكرناه من أنَّ القضيّة الشرطيّة تدل على انتفاء مدلول الجزاء عند انتفاء الشرط في الجمل الاخبارية والانشائية يكون المفهوم موجبة جزئية، فإنَّ انتفاء السلب الكلّي يكون بالإيجاب الجزئي.

ويؤيّد هذا الفهم العرفي في أمثال هذه القضايا: السالبة الكلية والموجبة الكلية، فيقال: إذا غضب الأمير لم يحترم أحداً، ولم يعتن بأحد، ولا يقبل شفاعة أحد، وهي سالبة كليّة، فهل معنى هذا الكلام إنَّ الأمير إذا لم يغضب فإنَّه يقبل شفاعة كلّ أحد ويحترم كلّ أحد، بل المفهوم يدلّ على ارتفاع هذا المدلول وهو السلب الكلّي، وإنَّه إذا لم يغضب فليس عدم قبوله شفاعة أحد، ولا يعتني بأحد ولا يحترم أحداً، لا أنَّه بارتفاعه ينقلب موجبة كلية.

أو يقال: إذا لبس زيد لامة حربه لم يخف أحداً، فهل يستفاد منه أنَّه إذا لم يلبس لامة حربه فإنّه يخاف من كلّ أحد حتى الصبيان والضعفاء!! فإذا راجعنا 

ــــــــــ[182]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الفهم العرفي، نعلم أنّ غاية ما يفهم من الكلام هو انتفاء مدلول الجزاء بانتفاء الشرط، فإذا كان سالبة كلية فإنَّه يتبدل بالإيجاب الجزئي، لا الإيجاب الكلّي(1)، وهذا واضح.

إذن، فإثبات نجاسة الماء القليل بملاقاة المتنجّس لا يمكن بأخبار الكرّ، وإنّما يكون بروايات أخرى ذكرناها في بحث الفقه.

ــــــــــ[183]ــــــــــ

() وإذا كان موجبة كلّيّة يتبدّل بالسلب الجزئي لا السلب الكلّي. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

 

تعدد الشرط واتحاد الجزاء 

 

ومن جملة البحوث التي تذكر في مفهوم الشرط هو ما إذا تعدد الشرط واتحّد الجزاء، فالحكم الواحد قد رُتِّبَ في دليل على شرط، ورُتِّبَ في دليل آخر على شرط آخر، نحو قوله: “إذا بلت فتوضّأ وقوله: (إذا نمت فتوضأ)(1) فقد تعدد الشرط ولكن الجزاء واحد، أو المثال المعروف: إذا خفيت الجدران فقصّر وإذا خفي الأذان فقصّر، وإن كان خفاء الجدران لم يرد في رواية، والمذكور في الروايات هو تواري الشخص عن أهل البلد، يعني: يكون بحيث لا يرونه، وقدّروا هذا بخفاء الجدران لأنّهما متلازمان، فإنَّه إذا لم يرَ الجدران فطبعاً أهل البلد لا يرونه(2).

ــــــــــ[184]ــــــــــ

() هذه مضامين أحاديث، مثل: (ولا ينقض الوضوء إلّا غائط، أو بول، أو ريح، أو نوم)، وسائل الشيعة 1: 179، أبواب نواقض الوضوء، باب 2، حديث: 8، وكذا باقي أحاديث الباب.

(2) خفاء شخصه أخصّ، فعدم خفاء الجدران لا يكون دليلاً على عدم خفاء شخصه. ومن هنا يختلف هذان الأمران في النتيجة لا محالة لعدم تساويهما في الأماريّة، ولا بدَّ من الأخذ بما دلّت عليه الرواية حينئذٍ. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وعلى فرض وروده، وقد ورد في دليل آخر: إذا خفي الأذان فقصّر(1)، فهنا الحكم واحد، وهو وجوب  التقصير معلّق على شرطين، ومعلوم أنَّه مع انحصار العلّة الذي هو أساس المفهوم لا يمكن أن يقال: إنَّ وجوب القصر له علّتان منحصرتان، هذا لا يمكن فيقع التنافي بينهما في الدلالة على المفهوم، فلا يمكن الالتزام بأنَّ خفاء الجدران علّة منحصرة لوجوب القصر، ومع ذلك نلتزم بوجوبه عند خفاء الأذان، وكذلك العكس، وكذلك في مثال الوضوء فلا يمكن الأخذ بالمفهومين معاً مع فرض تعدد الشرط واتحاد الجزاء، ولذلك وقع الكلام في كيفية الجمع بين الدليلين.

ما احتمله صاحب الكفاية 

احتمل صاحب الكفاية(2) وجوهاً في المقام:

 الوجه الأول: الالتزام بعدم المفهوم، فإنَّ أساس المفهوم هو انحصار العلّة، فإذا علمنا أنّها ليست بمنحصرة، لأنَّه ورد في رواية أخرى غير ذلك فيسقط الكلام عن المفهوم، فيدلّ الكلام على الثبوت عند الثبوت في كلا الدليلين دون الانتفاء عند الانتفاء، فنلتزم بدلالة القضيّة الشرطيّة على المفهوم فيما إذا كان الشرط واحداً لا ما إذا كان متعدداً.

ــــــــــ[185]ــــــــــ

() الاستبصار 1: 242: الباب 143، من تقدم من السفر يجوز له التقصير، الحديث:1.

وورد فيه ما نصّه: قال : “إِذَا كُنْتَ فِي المَوْضِعِ الَّذِي لَا تَسْمَعُ فِيهِ الْأَذَانَ فَقَصِّرْ وإِذَا قَدِمْتَ مِنْ سَفَرِكَ فَمِثْلُ ذَلِك“.‏

(2) انظر: كفاية الأصول: 201.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الوجه الثاني: أن نلتزم بأنَّ الشرط الواقعي هو الجامع(1) بين الأمرين(2)، وقد بيّن في إحدى الروايتين ذكر مصداق له، وفي الأخرى المصداق الثاني، والشرط في الحقيقة هو أحد هذين الأمرين، وأنَّ العلّة المنحصرة هو أحدهما، كما يقتضيه الفهم العرفي فتكون النتيجة نتيجة العطف بـ(أو) فكأنَّه قال: (إذا بلت أو نمت فتوضّأ) أو قال: (إذا خفي الأذان وخفيت الجدران فقصّر) فيقيّد منطوق كلّ منهما بمنطوق الآخر بالعطف بـ(أو)، فينتج أنَّ الشرط هو أحد الامرين، فينتفي الجزاء بانتفاء الشرطين، ولو تحقق أحدهما وجب القصر أيضاً، لأنَّ الشرط هو أحد الأمرين.

الوجه الثالث: أن يلتزم بتقييد المنطوق بالعطف بـ (الواو)(3)، فكأنَّه قال إذا خفي الاذان وخفيت الجدران فقصّر، ويكون الشرط هو مجموع الأمرين والمركّب منهما، وقد تكفّل كل منهما بذكر جزئه، وبحسب النتيجة: الشرط هو مجموع الأمرين، فينتفي الجزاء بانتفاء هذا المجموع ويتحقق بانتفاء أحدهما(4).

الوجه الرابع: أن يلتزم بتقديم المنطوق على المفهوم الآخر، فنتصرف في 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

() ونرفع اليد عن ظهور الشرط بالاستقلال. (المقرّر).

(2) انظر: كفاية الأصول: 201.

(3) ونرفع اليد عن ظهور الشرط بالانحصار. (المقرّر).

(4) انظر: كفاية الأصول: 201.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

المفهوم دون المنطوق، فمفهوم (إذا خفيت الجدران فقصّر) هو أنَّه إذا لم تخفَ الجدران لا يجب القصر، وكما يمكن في الأدلّة تقييد المنطوق يمكن أيضاً تقييد المفهوم، فيقال: إنَّه لا يجب القصر عند عدم اختفاء الجدران إلّا إذا خفي الأذان(1)، فيكون مفهوم كلٍ منهما مقيّداً بمنطوق  الآخر، وبذلك ترتفع المنافاة بينهما.

إلّا أنَّ هذا الوجه غير معقول، وذلك لأنَّ المفهوم -على ما ذكرناه- منتزع عن خصوصية في المنطوق ولنسمّها بالعلّيّة الانحصارية.

وبعبارة أخرى: أنَّ المفهوم إنّما ثبت بالملازمة باللزوم البيّن بالمعنى الأخص، وهذا غير قابل للتقييد ولرفع اليد عنه، فإنَّ اللازم يستحيل أن ينفك عن ملزومه، بل لا بُدَّ من التصرف في الملزوم، وجعل العلّة المنحصرة أمراً لا ينافي الدليل الآخر، وإلّا فإنَّه مع التحفّظ على ظهور القضيّة بانحصار العلّيّة بخفاء الأذان، كيف يمكن تقييد انتفاء وجوب التقصير عند انتفائه بخفاء الجدران؟! بل لا بُدَّ من التصرّف في المنطوق بجعل العلّة هو مجموع الأمرين أو الجامع بينهما، وبها ترتفع المنافاة بينهما، وأمّا مع التحفظ على ظهور الشرط في الاستقلال والانحصار كيف يمكن رفع اليد عن المفهوم، فإنَّه لازمٌ عقليٌّ؟!

فهذا الوجه غير معقول، إلّا أن يرجع إلى الوجه الثالث، وهو الالتزام بأنَّ الشرط هو أحد الأمرين. إذن، يجب القصر عند تحقق أحدهما، وينتفي بانتفائهما معاً.

الوجه الخامس: أن يرفع اليد عن مفهوم أحد الدليلين ويتحفّظ على مفهوم الدليل الآخر.

والظاهر أنَّ هذا صدر من قلمه الشريف سهواً واشتباهاً، لأنَّه لا يمكن أن 

ــــــــــ[187]ــــــــــ

() ولا يجب القصر عند اختفاء الأذان إلّا عند اختفاء الجدران. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

يكون جمعاً بين الدليلين، لأنَّه على فرض رفع اليد عن أحد المفهومين، فإنَّ المعارضة بينه وبين المنطوق في الدليل الآخر وإن كانت ترتفع إلّا أنَّ المنافاة بين المنطوق وبين المفهوم في الآخر موجودة، فإنَّ المنافاة ليست بين المفهومين، بل بين مفهوم أحدهما ومنطوق الآخر، فإذا كانت المنافاة بين المفهومين فرفع اليد عن أحدهما يوجب ارتفاع هذه المنافاة لا محالة، وأمّا إذا كانت بين المنطوق والمفهوم فلا ترتفع المنافاة برفع اليد عن أحد المفهومين، لأنَّ منطوق هذا الدليل ومفهوم الآخر أيضاً متنافيان.

إذن، الوجوه منحصرة في الثلاثة المتقدّمة.

نقد ما أفاده صاحب الكفاية 

أمّا ما ذكره صاحب الكفاية فهو التزام بلا مُلزِم، فإنَّه بعد تسليم ظهور القضيّة بالمفهوم -كما ذكرناه- فكل من القضيتين ظاهرة بالمفهوم، ومفهوم كلّ منهما لا يجتمع مع منطوق الأخرى.

فلا بدَّ من رفع اليد بمقدار الضرورة، ويكون الزائد بلا ملزم، كما في سائر موارد التعارض، وهو أنَّ التعارض يقتضي رفع اليد بما يرتفع به التنافي، والزائد بلا ملزم، وحيث إنَّ المنافاة بين مفهوم أحدهما ومنطوق الآخر، فلا بُدَّ من رفع اليد عنها بمقدار ارتفاع هذه المنافاة.

وبعبارة أخرى: أنَّ مفهوم دليل الأذان هو أنَّ وجوب التقصير يتوقّف على خفاء الأذان دون غيره، لا خفاء الجدران ولا غيره من الأشياء، فبالنسبة إلى خفاء الجدران لا بُدَّ من رفع اليد لوروده في الدليل، أمّا في غيره من الأشياء 

ــــــــــ[188]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فلماذا نرفع اليد عنه، فإنَّ الزائد عمّا ترتفع به المعارضة لا ملزم له(1).

وأمّا ما ادّعاه من أنَّ ذلك هو مقتضى الفهم العرفي فلا يمكن المساعدة عليه؛ فإنَّ الدليل منفصل، وقد فرضنا أنَّ دليل الأذان قد انعقد له ظهور في انحصار سبب وجوب القصر باختفائه، ويلزم عقلاً ارتفاع الوجوب عند ارتفاعه، فلا يثبت بكلّ شيء ما عداه، ولا بُدَّ من رفع اليد بالمقدار اللازم، والزائد غير صحيح.

ما قاله شيخنا الميرزا

ذكر شيخنا الأستاذ(2) تقييد كلّ من المنطوقين بمنطوق الآخر، فيكون الشرط هو مجموع الأمرين معاً، وقد ذكر في وجهه: أنّا نعلم بعدم إمكان الالتزام بإطلاق الشرط من كلتا الجهتين من جهة الانحصار ومن جهة الاستقلال، فهذا غير ممكن لفرض ثبوت القصر بخفاء الجدران وكذلك العكس، فلا بُدَّ من التقييد بما هو نتيجة العطف بكلمة (أو)، فينتج أنَّ الشرط هو أحد الأمرين، ونرفع اليد عن الانحصار، أو التقييد بما هو نتيجة العطف بـ(الواو)، فيكون الشرط مجموع الأمرين، فنحن نعلم إجمالاً بالتقييد لا محالة، ولكن لا ندري أنَّه تقييد بـ (الواو) أو تقييد بـ (أو).

وعند الشكّ في ذلك لا محالة نشك بأنَّ الصلاة التي كانت واجبة، هل 

ــــــــــ[189]ــــــــــ

() بل يكون مدفوعاً بظهور الدليل نفسه. إذن، فالحجّة الشرعيّة تقتضي عدم رفع اليد أكثر من مقدار الضرورة لا محالة، وليس فقط بلا ملزم، بل يلزم عدمه. (المقرّر).

(2) انظر: أجود تقريرات 1: 425،424.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

ارتفع ذلك الوجوب عند تحقق أحد الأمرين -خفاء الأذان أو خفاء الجدران- أو إنَّه باقٍ إلى أن يتحقّق الأمران معاً؟ 

أمّا إذا تحقّقا معاً فنعلم بوجوب القصر، وأمّا عند تحقق أحدهما فليس لنا علم بوجوب القصر، فنرجع إلى أصالة التمام، يعني: أنَّ الحكم السابق، وهو وجوب التمام لا نعلم بارتفاعه إلّا عند تحقق الأمرين معاً: خفاء الأذان؛ وخفاء الجدران، وإلّا فمقتضى الأصل بقاء وجوب التمام إلّا عند العلم بارتفاعه عند تحقّق الأمرين معاً.

بعبارة أخرى: أنّا نعلم إجمالاً بتقييد أحد الإطلاقين: الإطلاق المقابل للتقييد بـ(أو)، والإطلاق المقابل للتقييد بـ (الواو)، فنعلم أنَّ الشرطيتين قد ورد عليهما التقييد، إذ لا يمكن التحفّظ على إطلاقهما، فمن هذا العلم الإجمالي يسقط الإطلاق القابل للتقييد بالواو، وذلك أنَّه لما ثبت حكم التمام، والسفر هو الذي يكون موجباً للتقصير، والقدر المتيقن من ذلك هو خفاء الأذان والجدران معاً، وأمّا إذا خفي أحدهما دون الآخر، وشككنا بارتفاع حكم التمام، وثبوت حكم القصر، فيتمسّك بالاستصحاب، ونتيجته أن يحكم بالتمام على تقدير ارتفاع أحدهما. فالنتيجة هو التقييد بـ (الواو)، والشرط يكون هو مجموع الأمرين. هذا ملخّص ما أفاده .

نقد ما أفاده الميرزا على المستويين

ولا بدَّ من التكلّم فيه في موردين، أحدهما في خصوص المثال، وثانيهما في كبرى المسألة.

ــــــــــ[190]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

أمّا بالنسبة إلى خصوص المثال: فلا يتمّ ما ذكره فإنَّه لو فرضنا أنّ الإطلاقين سقطا من جهة العلم الإجمالي واحتجنا إلى الرجوع إلى دليل آخر غير الإطلاق، فليس مقتضى الأصل هو وجوب التمام إلّا ما خرج بدليل، بل بالعكس لا بُدَّ من الرجوع إلى دليل القصر إلّا إذا ثبت بالمخصّص.

والوجه في ذلك: أنَّ إطلاقات القصر تقتضي وجوب القصر حينما يبدأ المكلّف بالسفر من أوّل الأمر، وذلك يكون إذا خرج من مدينته قاصداً ثمانية فراسخ، أو أربعة فراسخ فيمن يقصد الرجوع ليومه، فمقتضى الإطلاق لولا الدليل المخصّص، هو وجوب القصر بالسفر بمجرّد الخروج من بلده، وهذا الإطلاق ثابت ما لم يثبت تقييده، ولكن ورد مخصّصٌ ومقيّد له هو اعتبار الوصول إلى حدّ الترخّص، وقبل ذلك لا يجوز له القصر والإفطار، فاعتبار الثمانية فراسخ من رأس البلد، ولكن الحكم بالقصر من بعد حدّ الترخّص.

وهذا الدليل بالنسبة إلى دليل القصر مقيّد، والمقدار الثابت من التقييد بالنسبة إلى وجوب القصر، يعني: المقدار الذي ثبت أن المكلّف يتمّ صلاته فيه هو ما إذا لم يخفيا معاً، فهنا لا إشكال بالتقييد وأنّ المسافر ليس القصر ولا الإفطار، ولكن إذا بقي أحدهما دون الآخر نشك في تقييد هذا الإطلاق، والمفروض أنّ الإطلاقين المقيّدين سقطا، فلم يثبت تقييد بالنسبة إلى هذا الإطلاق فيتمسك به.

فعند وجود أحدهما دون الآخر يتمسّك بالإطلاق لعدم ثبوت التقييد، فإذا لم يدلّ دليل على وجوب التمام فمقتضى الإطلاق هو وجوب القصر.

ــــــــــ[191]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فلو فرضنا أنّ الأمر كما ذكره من سقوط الإطلاقين ولا بُدَّ من الرجوع إلى دليل آخر، فإنَّ الدليل الآخر ليس هو استصحاب حكم التمام إلى أن يثبت القصر، لتكون النتيجة هو التقييد بنحو العطف بالواو، بل الدليل هو الإطلاق الحاكم على الاستصحاب، فتكون النتيجة هي نتيجة التقييد بـ(أو).

نعم، لو فرضنا أنّ الدليل الثابت في الشرطيتين كان حكماً جديداً ولم يكن هناك إطلاق ثابت، فالأمر كما ذكره، لأنَّ القدر المتيقّن من هذا الحكم الجديد هو ما إذا تحقّق الأمران معاً، وبخلافه يكون مقتضى أصالة البراءة نفيه، إذا كانت الشرطيتان تثبتان حكماً، فعندئذٍ لا بُدَّ من رفع اليد عن أحدهما بأحد التقييدين، وعليه: لا بُدَّ من التقييد بـ (الواو)، لأنَّه عند وجود كلا الشرطين نعلم بتحقق الحكم، ولكن في صورة تحقق أحدهما لا نعلمه، فيكون مقتضى أصالة البراءة عدمه هذا ما يرجع إلى الصغرى.

وأمّا الكبرى وهو ما ذكره من العلم الإجمالي بسقوط أحد الإطلاقين، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق في المقام، ولا بُدَّ من الرجوع إلى دليل آخر، فهو أيضاً لا يتمّ.

والوجه في ذلك: أنَّ الشرطيتين لا تنافي بينهما من جهة المنطوق، فثبوت وجوب القصر عند اختفاء الأذان، وثبوت وجوبه عند اختفاء الجدران ليس بينهما أيّ تعارض، ولذا لو لم تكونا شرطيتين لم يكن بينهما أيّ تنافٍ أصلاً ولا تعارض، فإنَّه لا تنافي بين ثبوت الحكم لموضوع، وثبوته لموضوع آخر، كما أنَّ المفهومين لا تنافي بينهما، فلا يجب القصر عند عدم خفاء الجدران ولا يجب 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

القصر عند عدم خفاء الجدران، فهما حكمان سلبيّان كلّ منهما على موضوع غير موضوع الحكم الآخر.

وإنّما المنافاة بين مفهوم كلّ منهما ومنطوق الآخر، فلا يجب القصر عند عدم خفاء الأذان، والمفروض أنَّ الدليل الآخر يقول: إذا خفيت الجدران يجب القصر، فلا يمكن التحفّظ على الإطلاقين، فإنّ الموجبة الجزئيّة ينافيها السالبة الكليّة لا محالة، فعند التدقيق نرى التعارض بين مفهوم كلّ منهما ومنطوق الآخر.

فإذا كان منشأ التعارض هو هذا فلا بُدَّ من ملاحظة النسبة بينهما، والنسبة بين كلّ منطوق ومفهوم الأخرى هو العموم المطلق فعند عدم خفاء الجدران لا يجب القصر إلّا إذا خفي الأذان، وعند عدم خفاء الجدران لا يجب القصر إلاّ إذا خفي الأذان، ومقتضى قانون المعارضة هو تقييد المفهوم بهذا المنطوق.

ولكنّا ذكرنا أنّ المفهوم في نفسه غير قابل لأن يتصرف فيه بتقييد أو غيره، فإنّه لازمٌ عقليٌّ للمنطوق، فرفع اليد عنه يلازم رفع اليد عن الخصوصية، فكما أنّ وجود اللازم يستلزم وجود الملزوم، كذلك نفيه يستلزم نفيه، فلا يمكن تقييد المفهوم مع التحفّظ على خصوصية المنطوق كما تقدّم.

فلا تعارض في المقام حتّى يرفع اليد عن تلك الخصوصية بنتيجة التقييد بـ (أو)، فإنّ المعارضة كانت ناشئة من ظهور الدليل بالانحصار، ومعلومٌ أنّ انحصار ذلك لا يجتمع مع انحصار الدليل الآخر.

وأمّا استقلال كلّ منهما فلا تنافي بينهما أبداً، إذ كون الأذان مستقلاً موضوع لوجوب القصر؛ وإنَّ خفاء الجدران مستقلّاً موضوع لذلك من دون 

ــــــــــ[193]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

أيّ تنافٍ بينهما، فمنشأ التعارض ليس هو ظهور القضيتين بالاستقلال، وإنّما هو ظهورهما بالانحصار. إذن، لا بُدَّ من رفع اليد عن هذا الظهور، ونتيجته هو التقييد بـ (أو).

وهذا الذي ذكرناه جاء في جميع موارد التعارض، يعني: لا بُدَّ من رفع اليد عمّا به يقع التعارض، وأمّا رفع اليد عن غيره فلا موجب لرفع اليد عنه، وإن كان به يرتفع التعارض.

فهذا العلم الإجمالي الذي ذكره -وهو العلم إجمالاً بأحد التقييدين، فيكون موجباً لسقوط الإطلاق- بلا موجب له؛ فإنَّ هذا العلم الإجمالي لا أثر له بعد أن فرضنا أنَّ هذين الإطلاقين ليسا طرفاً للمعارضة، وإنّما المعارضة بين الإطلاقين المقابلين لنتيجة التقييد بـ(أو) فمنشأ المعارضة هو ظهورها بالانحصار الذي ترتّب عليه المفهوم، فلا بُدَّ من رفع عن الانحصار بهذا المقدار.

ومن ثَمَّ لو فرضنا في غير المقام أنّنا رفعنا اليد عن أمر ترتفع به المعارضة وليس سبباً لها، كان ذلك بلا موجب أيضاً، فلو ورد: (أكرِم كلّ عالم) وورد: (لا يجب إكرام زيد العالم) أو (الفاسق العالم) فبين الدليلين تنافٍ، إذ لا يمكن الحكم بوجوب إكرام كلّ عالم، وعدم وجوب إكرام الفاسق العالم، والنسبة بينهما هي العموم المطلق، ومقتضى الجمع العرفي هو أن يخصّص الدليل العالم بهذا الخاصّ، فيقال: (أكرم كلّ عالم إلّا العالم الفاسق) فهذا هو منشأ المعارضة، يعني عموم ذلك الدليل، والحكم بعدم وجوب إكرام الفاسق، لأنَّ الإيجاب الكلّي لا يجتمع مع السلب الجزئي، فلا بُدَّ من تخصيصه به.

ــــــــــ[194]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وإن كان يمكن الجمع بينهما بنحو آخر، وهو أن نحمل العامّ على الاستحباب، وهو وجوب إكرام كلّ عالم، فهل يمكن هذا بحسب الفهم العرفي أن يجمع بين الدليلين بحمل الحكم على الاستحباب، مع أنّ منشأ المعارضة ليس هو ظهور الأمر بالوجوب، وإنّما المعارضة بين العموم وبين هذا الدليل الخاص، فبرفع اليد عمّا به التعارض ترتفع المعارضة وهو طرف به، أمّا ظهوره بالوجوب فليس طرفاً للمعارضة وإن كان رفع اليد عنه يرتفع به التعارض

ومقامنا أيضاً من هذا القبيل، فإنَّ المعارضة بين المنطوق في كلّ منهما ومفهوم الآخر، أمّا المنطوقات وظهورهما بالاستقلال فأيّ تنافٍ بينهما، فلماذا يُقيَّد أحدهما بالآخر ويكون المجموع علّة، والمعارضة إنّما نشأت من ظهور القضيّة بالمفهوم يعني ظهورها بالانحصار، وهو الذي لا بُدَّ من رفع اليد عنه دون الظهور الآخر.

الفرق بين المسألتين

إنَّ الكلام في المسألة المتقدّمة كان في تحديد الشرط وما هو علّة لثبوت الجزاء، وإنّ القضيّة الشرطيّة إذا كانت متعددة وكان الشرط فيهما متعدداً والجزاء واحداً كما في قوله: (إذا خفي الأذان فقصّر) و(إذا خفيت الجدران فقصّر) فهل يكون الشرط هو مجموع الأمرين أو كلّ واحد منهما؟

 وأمّا في مسألتنا هذه فالكلام يقع بعد فرض أنَّ الشرط متعدد وأنَّ كلّ واحد منهما شرط مستقلّ، فيقع الكلام في أنَّه مع تعدد الشرط، أمّا لظهور 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

القضيّة الشرطيّة في ذلك -كما اخترناه- أو للعلم الخارجي، إذ كلّ واحد منهما شرط مستقلّ في ترتّب الجزاء عليه، كما في خروج البول والنوم المترتّب عليهما وجوب الوضوء.

فالمقصود في المسألة الأولى تعيين أنّ الشرطيتين تعددتا؛ وكان الشرط في كلّ منهما مغاير لما هو الشرط في الأخرى، وكان الجزاء واحداً، فهل مقتضى ظهور القضيّة أنَّ الشرط هو المجموع فالشرط واحد، وإنّ كلاً منهما هو جزء له، أو إنَّ الشرط هو أحدهما، وإنَّ كلّاً منهما شرط مستقلّ في ترتّب الجزاء عليه.

 وفي مسألتنا هذه تكون النتيجة مفروغاً عنها، وهي أنَّ كلّ شرط مستقلّ في ترتّب الجزاء عليه، ولا نحتمل أنَّ الشرط هو مجموع الأمرين، فلو كان أحدهما موجوداً دون الآخر لترتّب الجزاء جزماً، فيقع الكلام في أنَّ الشرطين إذا وقعا في الخارج متعدّداً من طبيعة واحدة أو من طبيعتين -كما لو بال ونام- فهل مقتضى القاعدة التداخل أو مقتضاها عدم التداخل.

ــــــــــ[196]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7










تداخل الأسباب 

 

يقع الحديث تارةً في تداخل الأسباب، ونعني به: أنَّ الشرطين إذا تحقّقا في الخارج معاً كان المؤثّر هو المجموع، وأنَّ كلّ واحد منهما لو كان منحازاً ومستقلّاً عن الآخر لترتّب عليه الأثر أيضاً، ولكن عند التقارن يترتّب الأثر عليهما معاً، كما في التكوينيات عند توارد العلل على معلول واحد، فإنَّ المعلول يستند إلى المجموع، ولا يمكن أن يستند أحد إلى أيّ منهما بخصوصه لعدم الترجيح، وكذلك الأمر في التشريعيات.

فلو فرضنا أنّهما وجدا في الخارج، ولكن متعاقباً أحدهما أسبق من الآخر، كان الأثر مترتباً على الأسبق، فلو بال ثُمَّ نام، كان وجوب الوضوء مستنداً إلى البول لأنَّه جعل المكلّف محدثاً، وهذا معنى تداخل الأسباب، فإنَّ الشرطين لا يؤثّران إلّا أثراً واحداً، ومع الاقتران يكون مستنداً إلى المجموع ومع التعاقب يكون مستنداً إلى الأوّل منهما، فيقع الكلام في أنَّ القاعدة هل تقتضي تداخل الأسباب، أو تقتضي عدم التداخل؟

ــــــــــ[197]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7



تداخل المسبّبات 

 

لو فرضنا أنّنا استظهرنا تعدد الأثر من القضيّة الشرطيّة، أو علمنا بتعدده من الخارج -كما علمنا بذلك في باب الأغسال، وأنَّ غسل الجنابة غير غسل الجمعة، وهما غير مسّ الميت- فكل سبّب يترتّب عليه أمر يغاير ما يترتّب على السبب الآخر، فالشرط متعدّد والجزاء أيضاً متعدد، يعني: لا تداخل في الأسباب، فيقع الكلام في تداخل المسببات، وأنَّه بعد فرض تعدد الأثر فهل يجوز الاكتفاء في الخارج بفرد واحد بداعي امتثال كلا الأمرين معاً، فيغتسل ويقصد به امتثال الأمر المتعلّق بغسل الجنابة والأمر المتعلّق بغسل الجمعة، أو لا بُدَّ من الإتيان بكل من هذه الأمور مستقلاً.

ومعلوم أنَّ محلَّ الكلام في غير ما إذا علمنا من الخارج بالتداخل في الأسباب أو المسبّبات، ففي مثل الوضوء علمنا من الضرورة بأنَّه إذا صدر منه الحدث الأصغر متعدداً سواء كانا من سنخ واحد أو من سنخين أو أكثر تعلم أنَّه لا يجب عليه الوضوء أكثر من مرّة واحدة، فالتداخل في الأسباب أمر مقطوع به في السنخين فضلاً عن السنخ الواحد، كما أنَّه في باب الغسل علمنا من الصحيحة الواردة في المقام جواز امتثال هذه الأوامر بفرد واحد(1).

ــــــــــ[198]ــــــــــ

() أقول: لعلّه يشير إلى هذه الرواية: “محمّد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن زرارة، قال: إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة والحجامة وعرفة والنحر والحلق والذبح والزيارة فإذا اجتمعت عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد، قام ثُمَّ قال: وكذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها واحرامها وجمعتها وغسلها من حيضها وعيدها“. منتقى الجمان1: 263، وروي أيضاً نحوه بإسناد آخر، صفحة: 264 من نفس الباب، في نفس المصدر السابق. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فمحلّ الكلام فيما إذا لم يثبت ذلك، وإنّما كنا فقط نحن والقضيتان الشرطيتان، فهل ظهور القضيّة في تداخل السبب أو في عدمه، وعلى تقدير عدم التداخل هل يكتفى بفرد واحد أو لا؟ فلو فرضنا أنَّه ارتكب في نهار رمضان عدّة مفطرات، ولنفرضها الجماع الذي هو الفرد الواضح منها، فهل الواجب عليه كفارة واحدة أو عدّة كفّارات، وعلى تقدير تسليم وجوب كفارات متعددة، فهل يجوز الإتيان بكفارة واحدة بقصد امتثال الجميع. وأنّ الحكمين يجوز امتثالهما بفرد واحد في الخارج، أو لا بُدَّ من الإتيان بفردين.

مقتضى الأصل العملي في الأحكام التكليفيّة 

 إذا شككنا في تداخل الأسباب وعدمه، وهل مقتضى وجود الأسباب المتعددة كالبول والنوم مع غضّ النظر عن الدليل الخارجي ـ أو كالجماع في نهار رمضان كما تعدد منه ذلك، فنشك بأنّ الواجب عليه هو كفارة واحدة أو كفارتان، فماذا يقتضيه الأصل؟

 ــــــــــ[199]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

لا إشكال أنَّ الأصل يقتضي البراءة، فمقتضى الأصل تداخل الأسباب، فإننا إذا فرضنا أنَّ الشرطيّة غير ظاهرة في تعدد السبب، وانتهى الأمر إلى الشكّ في أنّ الأثر واحد أو متعدّد، فالأثر الواحد هو القدر المتيقّن، والزائد نشكّ فيه فيكون منفياً بالأصل، فمقتضى الأصل هو تداخل الأسباب.

فلو فرضنا أنّ المكلّف في زمان واحد أو في زمان متعدد ارتكب عدّة مفطرات، فمقتضى الأصل أنّه لا تجب عليه إلّا كفارة واحدة إن لم تقم قرينة على التعدّد، فعند الشكّ في تداخل الأسباب فمقتضى الأصل هو التداخل.

أمّا إذا علمنا أنّ الأثر متعدد، وأنّ التكليف الناشئ من كلّ سبب مغاير للتكليف الناشئ من السبب الآخر، وانتهى الأمر إلى الشكّ في جواز امتثال المكلف فرداً واحداً عن الجميع، فمقتضى الأصل هو الاشتغال؛ لأنّنا نعلم بتعدد التكليف، فإنّ المفروض أنّ كلاً من هذين الشرطين يُحدث وجوباً مغايراً للآخر فنشك في أنّ الوجوبين هل يسقطان بفعل واحد أو لا؟ فالشكّ يكون في مرحلة السقوط، وبعد الفراغ عن إحراز التكليف لا بُدَّ من إحراز سقوطه، وإلّا كان مقتضى الاشتغال عدم سقوطه.

فالأصلان على طرفَي النقيض، فإنّه في الأول كان مقتضى الأصل تداخل الأسباب، وفي الثاني مقتضى الأصل عدم تداخل المسبّبات، والوجه في ذلك ظاهر، أنّ الشكّ في تداخل الأسباب يرجع إلى الشكّ في التكليف، والشكّ في تداخل المسبّبات يرجع إلى الشكّ في السقوط، وهو مورد أصالة الاشتغال. وهذا كلّه في الأحكام التكليفيّة.

ــــــــــ[200]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

مقتضى الأصل العملي في الأحكام الوضعيّة 

وأمّا في الأحكام الوضعيّة فإذا شككنا في تداخل الأسباب أو في تداخل المسبّبات، فقد ذكر شيخنا الأُستاذ(1) أنّه ليس هنا ضابط كلي للرجوع إليه، بل لا بُدَّ من رعاية كلّ مورد، والنظر إلى الأصل الجاري فيه.

إلاّ أنّ الظاهر أنّه لا فرق بين الأحكام التكليفيّة والأحكام الوضعيّة، فكما أنّه في الأحكام التكليفيّة كان الأصل عند الشكّ في تداخل الأسباب هو التداخل وعند الشكّ في تداخل المسبّبات هو عدم التداخل، هذا أيضاً جارٍ في الأحكام الوضعيّة، غاية الأمر: أنّ الأصل الجاري في الأحكام التكليفيّة هو البراءة تارةً، والاشتغال أخرى، وفي الأحكام الوضعيّة هو الاستصحاب.

بيان ذلك: أنّنا إذا علمنا بوجود سببين من أسباب الخيار ، كالشرط والغبن مثلاً، وقد ثبت الخيار من أجل سببين في مورد، ففي مثل ذلك إذا شككنا في تداخل الأسباب، وأنّ الثابت خيار واحد أو خياران من جهة الغبن والشرط، فمقتضى القاعدة هو ثبوت خيار واحد، لأنَّ ثبوت خيار واحد من جهة واحدة معلوم، والآخر مشكوك فيه، فمقتضى عدمه أصالة اللزوم الثابتة بالعمومات أو بالاستصحاب، ففسخ العقد من دون التقايل يحتاج إلى دليل، فإذا وجد سببان للخيار، وشككنا بأنّ الثابت خيار واحد أو خياران، فنأخذ بالقدر المتيقن، والزائد على ذلك مشكوك في ثبوته، ومقتضى الأصل عدمه، فالحال فيه هو الحال في الأحكام التكليفيّة، غاية الأمر: أنَّ الأصل الجاري هناك هو 

ــــــــــ[201]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 426.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

البراءة، وهنا هو استصحاب عدم جعل خيار أزيد من الخيار الواحد.

وهكذا في بقيّة موارد الأحكام الوضعيّة، فلو فرضنا أنّه كان للملكية سببين، وشككنا في ثبوت ملكيتين(1)، فالملكية الواحدة متيقّنة، وأمّا الزائدة فيجري فيها الأصل، وهو العدم.

وبعبارة واضحة: أنّ الحكم الوضعي من الأمور الحادثة لا محالة، فإذا شككنا في تحققّ الأمر الحادث فمقتضى الأصل عدمه، وهو تداخل الأسباب.

وأمّا بالنسبة إلى تداخل المسبّبات فالكلام هو الكلام، غاية الأمر: أنّ الأصل الجاري هناك كان هو الاشتغال، وأمّا الأصل الجاري هنا فهو الاستصحاب، فلو علمنا بثبوت خيارين من جهتين للمكلّف، وشككنا أنّه عند سقوط أحدهما هل يسقط الآخر أيضاً، أو يبقى على حاله؟ فمقتضى الأصل بقاء الخيار، فإنّ ارتفاعه بعد ثبوته يحتاج إلى دليل، ومع عدم الدليل فمقتضى الأصل بقاءه.

إذن، لا فرق بين الأحكام التكليفيّة والوضعيّة في أنّه عند الشكّ في تداخل الأسباب يكون مقتضى الأصل هو التداخل، وعند الشكّ في تداخل المسببات يكون مقتضى الأصل هو عدم التداخل.

قبول الجزاء للتعدّد والتقيّد والتأكّد

ثُمَّ إنَّ محلّ الكلام في تداخل الأسباب وعدمه، إنّما يجري فيما إذا كان الجزاء قابلاً للتعدد في الخارج، فحينئذٍ يقع الكلام في تداخل الأسباب، مّما يعني: أنّ 

ــــــــــ[202]ــــــــــ

() لا معنى لثبوت الملكيّتين لموضوع واحد، فلا يصحّ هذا المثال. فتأمّل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الشرطين يؤثّران أثرين أو أثراً واحداً، أما إذا لم يكن الجزاء قابلاً للتعدد فلا يجري فيه النزاع في الجملة، ففي مثال الكفارة ورد: (من أكل متعمّداً في نهار رمضان وجبت عليه الكفارة) وورد (من شرب الماء متعمّداً وجبت عليه الكفارة) ونشك في وحدة الكفارة وتعدّدها؛ إذ من الممكن أنّه تجب عليه كفارتان، فيكون مورداً للنزاع، وعلى تقدير تعدد الكفارة نشكّ في مرحلة الامتثال أنّه هل يجزي أن يأتي المكلف بكفارة واحدة امتثالاً لكلا التكليفين أو لا؟

وكذلك يجري النزاع فيما إذا كان الجزاء غير قابل للتعدد، ولكنّه كان قابلاً للتقيّد، فهنا تعدد من جهة الحكم كالخيار، فإنّه لا يمكن تعلّق خيارين بعقد واحد، والخيار غير قابل للتعدد، فإنّ العقد الواحد غير قابل للفسخ مرتين، ولكن يمكن أن يكون للمشتري حق خيار الفسخ مرتين من جهتين، من جهة الشرط ومن جهة الغبن مثلاً، فهذا أيضاً محلّ الكلام، ويتكلّم عن أنّ الخيار إذا تعدد سببه فهل الثابت خيار واحد من جهة واحدة أو خياران من جهتين، وحينئذٍ يجيء النزاع الثاني، وهو أنّه على تقدير كون الخيار ثابتاً من جهتين، فإذا سقط الخيار من إحدى الجهتين بإسقاط أو غيره، فهل يسقط الخيار من الجهة الثانية أو لا.

ونظير الخيار حقّ القصاص، فلو قتل أحد شخصين متعمّداً فلكلٍّ من ورثة المقتول حقّ القصاص، إلاّ أنّ الشخص الواحد غير قابل لأن يقتل مرتين، فالقتل غير قابل للتعدد خارجاً. ولكنّه قابل للتقييد، فإنّ على هذا الشخص حقّ القصاص من جهتين، فلو عفى ورثة أحد المقتولين وأسقطوا حقّ القصاص يبقى الحقّ الآخر بناءً على عدم تداخل الأسباب.

ــــــــــ[203]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وكذلك يقع الكلام في تداخل الأسباب فيما إذا لم يكن الجزاء قابلاً للتعدد خارجاً، ولا قابلاً للتقييد من جهة، ولكنّه قابل للتأكد، وذلك كما في الحقوق الإلهية، كما لو جاز قتل شخص لعدة أسباب، كما لو ارتد وارتكب منكراً وكان حدّه القتل كاللواط، والزنا بالمحصنة، والمرّة الرابعة من الزنا، ففي مثل ذلك لا يكون القتل قابلاً للتعدد حقيقة، وهو غير قابل للتعدّد من حيث جهة التقييد، فإنّ الحقّ الإلهي غير قابل للسقوط من جهة دون أخرى، فإذا سقط من جهة سقط(1) من سائر الجهات، فإنّ الحقّ حقّ لواحد لا لمتعدد، ولكنّه قابل للتأكد، فإنّ كلّ واحد من الأسباب يقتضي وجوب القتل، فهنا ملاكات متعددة، فتتأكّد بناءً على تداخل الأسباب، وأما بناءً على عدمه فلا تتأكد.

وأمّا بحث تداخل المسبّبات فهو غير جارٍ في المقام جزماً؛ إذ إنه بسقوط أحد هذه الأمور يسقط الباقي؛ إذ السقوط يكون بالامتثال وهو قتله، فإذا قتل لا يبقى مجالاً للحقوق الأخرى.

نعم، يبقى ما إذا لم يكن الجزاء قابلاً للتعدد والتقيّد ولا التأكّد، فهذا خارج عن محلّ البحث بالكلّيّة، وذلك كبعض الأحكام الوضعيّة، والحكم 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

() هذا غير صحيح لا محالة، فإنّ الحق الإلهي له عدّة أسباب على الفرض، وعلى تقدير انتفاء أحد الأسباب أمكن بقاء الحقّ بلحاظ الأسباب الأخرى. وهذا واضح.

 إلاّ أن يقال: إنّ الكرم واللطف الإلهي اقتضى ذلك وهو سقوط الحق بسقوط أحد أسبابه، إلاّ أن هذا يحتاج إلى دليل، وعند الشكّ فيه يكون مقتضى الاستصحاب بقاؤه. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الترخيصي، مثلاً: الحرام ترتفع حرمته في مورد الضرورة، لقوله: “رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةُ أَشْيَاء” وعدّ منها: ما اضطروا إليه(1). وقوله: (ما من شيء حرّمه الله إلّا أحلّه في مورد الضرورة)(2).

فلو كان في هذا المورد إكراه من قبل الجائر بحيث لولا الاضطرار لكان جائزاً من جهة الإكراه فاجتمع سببان لجوازه، وفرضنا أنَّ الفعل غير قابل للتعدّد كشرب ماء معيّن، أو أكل طعام معيّن، فإنَّه لا يمكن أن يؤكل طعام واحد، أو يشرب ماء واحد مرّتين، وكذلك هو غير قابل للتقييد، إذ لا يمكن أن يكون الجواز وهو الترخيص من جهتين: فإنَّه لا يمكن سقوط أحدهما دون الآخر إلّا بسقوط موضوعه، وما دام موضوعه باقياً فهو باقٍ، وكذلك لا معنى للتأكّد، فإنَّ الإباحة هي الترخيص في الفعل والترك ولا معنى لتأكّده.

ومن هذا القبيل بعض الأحكام الوضعيّة، كالطهارة فإنَّه لا إشكال بأنَّ الغسل بالكرّ موجب للطهارة، فلو غسل الثوب بالكرّ وفي عين الوقت نزل عليه المطر فهو يطهر من جهتين، والطهارة غير قابلة للتعدد، ولا للتقيّد، ولا للتأكّد، فلا معنى للبحث فيها من تداخل الأسباب، بل تكون الأسباب متداخلة لا محالة، فطهارة واحد تثبت للمتنجّس رغم تعدد الأسباب.

ــــــــــ[205]ــــــــــ

() التوحيد (للصدوق) 353، باب 56، الاستطاعة، الحديث :24، الخصال2: 417. “رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةُ أَشْيَاء” الحديث:9.

(2) وسائل الشيعة5: 483، باب 1، وجوب القيام في الفريضة مع القدرة، الحديث:7، حيث ورد ما لفظه: “وَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ مِمَّا حَرَّمَ اللَّـهُ إِلَّا وَقَدْ أَحَلَّهُ لِمَنِ اضْطُرَّ إِلَيْه‏”.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فمحلّ الكلام أنّه إذا كان مورد الكلام في بحث تداخل الأسباب هو ما إذا كان الجزاء قابلاً للتعدد، أو التقييد، أو على الأقل قابل للتأكّد، وأمّا في غير ذلك فلا موضوع للنزاع.

المعروف عن فخر المحقّقين  

المعروف عن فخر المحقّقين، أنَّه جعل هذا النزاع مبنياً على أنَّ الأسباب الشرعيّة علل ومعلولات، فإنّ قلنا بكونها عللاً فيكون تعدد العلّة موجباً لتعدد المعلول، فيلتزم بعدم تداخل الأسباب، وأنّ ما يترتّب على كلّ سبب غير ما يترتّب على الآخر، وإن قلنا بأنَّها معرّفات وليست عللاً واقعية، فحينئذٍ لا مانع من أن يكون المعرّف متعدّداً، ولكن العلّة الواقعية أمر واحد. ومعنى هذا هو تداخل الأسباب، وأنَّه لا يترتّب على الأسباب المتعددة إلّا أثر واحد.

هذا هو المعروف عن فخر المحقّقين.

وهذا لا محصّل له ، وذلك: لأنَّ المراد بكون الأسباب الشرعيّة مُعرِّفات وليست عللاً حقيقية، إن أُريد به أنَّ الشرط لا يكون سبباً لوجود الجزاء حقيقة، وإنّما سببه أمر آخر غير الشرط المذكور في القضيّة الشرطيّة، فهذا أمر صحيح، لا يشك فيه أحد، فإنَّ الجزاء من الأحكام الشرعيّة، والحكم الشرعي رفعه ووضعه بيد الشارع، والمؤثّر فيه هو إرادة الشارع واختيار الجاعل كما هو الحال في جميع الأفعال الاختيارية، وأمّا البول، والدلوك، والافطار، فشيء من ذلك لا يكون منشأ للحكم الشرعي، إذ لا يمكن أن يكون فعل الشارع معلولاً لأمر تكويني، وإلّا لم يكن حكماً شرعياً بل كان موجوداً تكوينياً.

ــــــــــ[206]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فإن أراد ذلك فهو أمر واضح، ولكن لا يترتّب عليه أن يكون السبب الشرعي مُعرِّفاً، بل هناك أمر آخر، وهو أنَّ ظاهر القضيّة الشرطيّة أنَّ الشرط بنفسه موضوع للحكم، يعني: أنَّ الشارع اعتبر حكماً من الأحكام كالوجوب أو الحرمة، أو الملكية، أو الزوجية، أو الحلّيّة عند تحقق هذا الموضوع، وهذا(1) الموضوع تامّ الموضوعيّة، ولا قصور في ترتّب الحكم عليه خارجاً، والسبب الشرعي وإن لم يكن علّة للحكم -كما ذكرناه- إلّا أنَّه ليس بمُعرِّف أيضاً، بل هو موضوع للحكم، وترتّب الحكم على الموضوع من سنخ المعلول على العلّة، فهو لا ينفكّ في الخارج.

فإنَّ المراد بالمُعرِّف كون هذه الأمور(2) مُعرِّفات ومُشيرات إلى الموضوع، وأنَّ الموضوع شيء غير هذه الأمور، فهو خلاف ظاهر القضيّة الشرطيّة، فإنَّ ظاهرها كون وجوب الوضوء مترتّب على نفس البول، وأنَّ البول بعنوانه موضوع لهذا الحكم، وإنَّ الإفطار بعنوانه موضوع للكفارة.

وإن أراد من ذلك أنَّ هذه موضوعات متعددة، ولكنّها ليست عللاً فهو صحيح، إلّا أنَّه لا يترتّب عليه وحدة الأثر، فإنَّ تعدد الموضوع يستتبع تعدد الحكم لا محالة.

والمتحصّل مّما ذكرناه: أنَّ الأسباب الشرعيّة ليست عللاً، ولكنّها ليست مُعرِّفات أيضاً، بل هي بنفسها موضوعات للأحكام، وذلك: أنَّ كلّ شرطٍ 

ــــــــــ[207]ــــــــــ

() يعني: أنَّ هذا هو ظاهر القضيّة الشرطيّة. (المقرّر).

(2) يعني: البول والدلوك والإفطار. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

موضوعٍ لحكم شرعي، فإذا تعدد يتعدد الأثر، فما أفاده من ابتناء النزاع على كون الأسباب الشرعيّة عللاً أو مُعرِّفات لا محصّل له.

الرأي المختار

ثُمَّ إنَّ الأقوال في مسألة تداخل الأسباب ثلاثة:

الأول: تداخل الأسباب مطلقاً.

الثاني: عدم التداخل مطلقاً.

الثالث: التفصيل بين ما إذا كان تعدّد السبب تعدداً نوعيّاً، كما لو أكل في نهار شهر رمضان واستعمل مفطراً آخر، وبين ما إذا كان متعدّداً من أفراد طبيعةٍ واحدة، كما لو أكل عدّة مرات. فعلى الثاني، قيل: بالتداخل. وعلى الأول، قيل: بعدمه.

والصحيح: هو القول بعدم التداخل على الإطلاق بلا فرق بين ما إذا كان التعدد من نوع واحد أو نوعين، إلّا في موردين:

أحدهما: ما إذا قام دليل من الخارج على التداخل، ففي مثل ذلك نخرج عن القاعدة، وعمّا يقتضيه ظهور القضيّة من عدم التداخل، وذلك: كما في نواقض الوضوء بلا فرق بين ما إذا كان التعدد من نوع واحد أو من أنواع متعددة، كما استفدناه من الروايات، بل من الآية المباركة من أنَّ الغاية هو حصول الطهارة للمكلّف حال الصلاة، ولا فرق في ذلك بين من كان مُحدِثاً بسبب واحد، أو بأكثر من نوع واحد.

ومقتضى الإطلاق في قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ(1) القيام من النوم الأول، أو من النوم الثاني، وسواء قد بال قبل ذلك أو لا، أو صدر منه حدث آخر أو لا، فجميع ذلك على حدٍّ سواء، فإنَّ من قام إلى الصلاة لا بُدَّ له من الوضوء، أو الغسل، أو التيمم، والآية تدل على أنّه لا يجب إلّا وضوء واحد سواء صدر منه حدث من نوع واحد أو أكثر، وكذلك المستفاد من الروايات، وأمّا تعدد الوضوء بتعدد الأسباب فليس بمعتبر.

ثانيهما: ما إذا استكشفنا من مورد الدليل أنَّ السبب عنوان واحد، وإن كان بحسب الظاهر أنَّ العناوين متعددة، ولكن كلّها ترجع إلى عنوان واحد، فالتعدّد في مثل ذلك إنّما هو في الصورة، وإلَّا ففي الواقع السبب أمر واحد، وذلك كما في الإفطار في شهر رمضان، فإنَّ الذي يتخيّل ابتداءً أنَّ الإتيان بالأكل يوجب الكفارة، والإتيان بالشرب يوجبها أيضاً، وقد أكل وشرب فيشكّ في التداخل وعدمه. 

وقوع الخلاف بين الفقهاء 

وقع الكلام بين الفقهاء في وجوب كفارة واحدة(2)، أو كفارتين(3)، أو التفصيل(4) بين ما إذا كفّر وأتى بالمفطر، أو لم يكفّر، فعلى الأول يجب عليه التكفير ثانياً، وعلى الثاني يكفي المرّة الواحدة.

ــــــــــ[209]ــــــــــ

(1) المائدة: 6.

(2) انظر: العروة الوثقى 3: 593، المستند في شرح العروة الوثقى 21: 339.

(3) انظر: جامع المقاصد 3: 70، مسالك الأفهام2: 36.

(4) انظر: المختلف 3: 316.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فبحسب الصورة الأسباب متعددة، ولكن بحسب الدقّة، الأمر ليس كذلك، إذ لم نجد في شيء من الروايات، حتّى رواية ضعيفة أنّه تترتب الكفارة على هذه العناوين: (من أكل يكفّر) أو (من شرب يكفّر) وإنّما الموجود في الروايات المترتّب عليه الكفارة هو عنوان الإفطار، فموجب الكفارة عنوان واحد وهو الإفطار، ومن الواضح أنّ هذا العنوان لا يتكرّر، فإنّ الإفطار غير قابل للتكرار سواء كان المفطر من طبيعة واحدة أو من طبيعتين، فإنّ الإفطار يضادّ الصوم، فإذا أكل فأفطر لا يكون الأكل الثاني إفطاراً، إذ لا صوم على الفرض، والمفروض: أنَّ الصوم قد انتقض بالإفطار، والوجود الثاني لا يصدق عليه الإفطار، ليتكلّم في أنَّ القاعدة تقتضي التداخل أو عدمه، فإنَّ العنوان المأخوذ في الكفارة هو الإفطار، وهو غير قابل للتعدد.

فما ادّعاه السيّد الطباطبائي في أجوبة مسائله(1) من أنَّ عنوان الإفطار كناية عن الأكل، والشرب، وغيره لا موجب له، فدعوى: أنَّ الإفطار ليس بموضوع بنفسه، وإنّما هو مُعرِّف للمفطرات المذكورة في الرواية يحتاج إلى قرينة ودليل عليه، وحيث لا دليل فالظاهر(2) أنَّ الإفطار بعنوانه موضوع، وهو لا يحصل إلّا مرّة واحدة، فلا يبقى موضوع لبحث تداخل الأسباب.

نعم، ورد في خصوص الجماع(3): “من أتى أهله في شهر رمضان فعليه 

ــــــــــ[210]ــــــــــ

() انظر: سؤال وجواب (فارسي): 122.

(2) يعني: ظاهر القضيّة (المقرّر).

(3) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام) 3: 594، المستند في شرح العروة الوثقى 21: 340.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الكفارة(1) وكذلك الاستمناء(2) اعتبر كالجماع، فبالنسبة إلى هذين يقع البحث في أنَّه إذا تعدد منه الجماع، أو الاستمناء، أو لو صدر منه الأمران، هل نلتزم بتعدد الكفارة، أو عدم تعددها؟ وهذا يتكفّله بحث الفقه.

التعدّد العنواني أو الوجودي 

تقدّم فيما سبق أنَّ الأصل العملي يقتضي التداخل، فإنَّ ثبوت أحد الحكمين معلوم، وإنّما الشكّ في ثبوت الآخر، ومقتضى الأصل عدمه، فإذا شككنا في أنَّ الأثر المترتّب أثر واحد أو أثران، فمقتضى الأصل كونه أثراً واحداً، هذا إذا لم يكن هناك ظهور، وانتهى الأمر إلى الأصل العملي.

ولكن ظهور القضيّة الشرطيّة وترتّب الجزاء على الشرط وحدوثه عند حدوثه هو معنى عدم التداخل، فلو ورد: (من جامع أهله في شهر رمضان فعليه الكفارة)(3) فظاهره أنَّ إتيان الأهل موجب لوجوب الكفارة، فلو ورد دليل آخر يثبت وجوب الكفارة بشيء آخر كالأكل، أو الشرب، أو غيرهما، فمقتضى ذلك 

ــــــــــ[211]ــــــــــ

() تهذيب الأحكام 4: 208، الباب 55، الكفارة في اعتماد أو إفطار يوم واحد، الحديث: 11.

(2) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام) 3: 593، المستند في شرح العروة الوثقى 21: 340.

(3) تهذيب الأحكام 4: 208، الباب 55، الكفارة في اعتماد أو إفطار يوم واحد، الحديث 11. وسائل الشيعة10: 54، الباب 10، وجوب كفارة واحدة بالإفطار على المحللّ وكفارة الجمع بالإفطار على المحرم والقضاء فيهما، الحديث :2.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الدليل ترتّب الجزاء على الشرط وحدوثه عند حدوثه، فمقتضى ظهور كل من الشرطيتين بل القضيّة الحملية التي بحكمها هو تحقّق الجزاء عند تحقّق كل شرط. إذن، فالتداخل وكون الأثر واحداً خلاف الظاهر، فإنَّ مقتضى التداخل هو أن لا يكون السبب الثاني مؤثّراً في وجود الجزاء، ولا يترتّب عليه الجزاء.

وكذلك إذا تعدد الشرط وجوداً، وإن كان واحداً ماهية، كالرواية: (من أتى أهله في شهر رمضان فعليه الكفارة) فمقتضى الإطلاق هو الانحلال، ولازمه وجوب الكفارة على كلّ إتيان مستقلاً، فلو أتى أهله مرتين أو أكثر يترتّب عليه الكفارة على كلّ واحد منها، فإنَّ القضيّة انحلالية بحسب الفهم العُرفي.

ولازم ذلك أن نلتزم بتعدد الأثر بتعدد الشرط سواء كان التعدد عنوانياً أو وجودياً، فمقتضى هذا الظهور في القضيّة الشرطيّة وما هو بحكمها، كقوله سبحانه: لِلَّـهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا(1) هو حدوث الجزاء عند حدوث الشرط، وترتّبه على كل شرط مستقلاً، مع التعدد في العنوان أو الوجود.

ولكن صاحب الكفاية(2) ذكر أنَّ هذا الظهور معارَض بظهور آخر في الكلام، ولا مرجح للأخذ بأحدهما، فيتساقط الظهوران ويرجع إلى الأصل العملي، والظهور الثاني الذي ادعاه هو أنّ الحكم متعلّق بصرف الوجود، فلو ورد في دليل: (من أتى أهله في شهر رمضان فعليه الكفارة) وورد في دليل آخر: “من 

ــــــــــ[212]ــــــــــ

(1) المائدة:97.

(2) كفاية الأصول 203.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

أكل متعمّداً فعليه الكفارة(1) فإنَّ الظاهر في هذه القضايا أنَّ الحكم متعلّق بصرف وجود الطبيعة، فصرف الوجود واجب يقتضي الشرطيّة الأولى، وهو أيضاً واجب بمقتضى الشرطيّة الثانية، ومعلوم أنَّ صرف الوجود لا يمكن أن يكون محكوماً بحكمين مستقلّين، فإنَّ الوجود الواحد لا يمكن أن يعرض عليه وجوبان، فلا بُدَّ من رفع اليد عن أحد الظهورين، إما عن ظهور الشرطيّة في حدوث الجزاء عند حدوث الشرط، وحينئذٍ لا يكون الكلام ظاهراً في عدم التداخل، أو نرفع اليد عن الظهور الثاني، فنقيّد الثانية بوجود آخر غير الوجود الأول، ففي المثال نقيّد الدليل الثاني بكفارة غير الكفارة الأولى، وفرد غير الفرد الأول.

إذن، لا يمكن التحفّظ على الظهورين معاً فيسقطان، ويرجع إلى الأصل العملي. إذن، لا يمكن الأخذ بظهور الشرطيّة بالحدوث عند الحدوث لمعارضته بظهور آخر.

ما ذهب إليه شيخنا الأستاذ 

ولشيخنا الأستاذ كلام متين، وحاصله(2): أنَّ الأمر غير ظاهر في تعلّقه بصرف الوجود، وصرف الوجود لم يؤخذ في المأمور به، بل المأمور به هو الطبيعي لا بشرط، والخصوصيات كلّها مُلغاة بما فيها الوجود الأول والثاني، ولم يؤخذ صرف الوجود متعلّقاً للطلب، وإنّما هو لأنَّ البعث واحد، فإذا 

ــــــــــ[213]ــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه 2: 118، باب ما يجب على من أفطر أو جامع في شهر رمضان معتمداً أو ناسياً، الحديث: 1892.

(2) انظر: أجود التقريرات 1: 429.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فرضنا أنّه تعلّق بالطبيعة فلا محالة يمتثل بأوّل الوجودات، لأنَّ الانطباق قهري والإجزاء عقليٌّ فلم يحصل الامتثال، لأنَّ صرف الوجود مأمور به، فلو أمكنّ
-محالاًّ- إيجاد الفرد الثاني قبل الأول، فإنَّ الامتثال يحصل به، لا من جهة أنَّ الأمر تعلّق بصرف الوجود، بل من جهة أنَّ المأمور به وجد في الفرد الأول.

وإذا كان البعث متعدداً فلازم تعدّد البعث تعدّد الانبعاث في الخارج، ولا بُدَّ من إيجاد الطبيعة مرتّين، وهذا لا لتقييد بالمأمور به، فالمأمور به الثاني مقيّد بقيد دون الأول، يعني: أنَّ الأول تعلّق بصرف الوجود دون الثاني، بل كلاهما تعلّق بالطبيعة بلا قيد فيها حتّى في مرحلة الثبوت، فضلاً عن مرحلة الإثبات وعلم المكلف؛ فلو استقرض زيد من عمرو درهماً، ثُمَّ استقرض درهماً آخر، فتكون ذمّته مشغولة بدرهمين، ولكن لا تمييز بينهما بحسب نسب الاشتغال والضمان، حتّى في علم الله تعالى، لأنّه لا واقع له، فلو فرضنا أنّه أعطى درهماً لعمرو، فأيّ من التكليفين سقط؟ لا تعيّن له، وإنّما نتيجة هذين الضمانين أنَّ الذمّة مشغولة بدرهمين بلا مايز بينهما أبداً.

وكذلك لو فرضناه أفطر عن عذر يومين من شهر رمضان، فقد اشتغلت الذمّة بوجوب قضاء اليومين، لكن لا تعيّن لهما في الواقع ونفس الأمر، فلو صام يوماً منها سقط أحدهما وبقي الآخر بلا تعيّن.

والبعث من هذا القبيل، فلو فرضنا أنّه أمر بطبيعة، وأمر ثانياً بنفس الطبيعة، فلا مانع من إيجادها مرّتين، ونتيجته: هو أنَّ الطبيعة بلا قيّد متعلّق لهذا الأمر ولذلك الأمر، والنتيجة هي: أنَّ المطلوب هو إيجادها مرتين لا من 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

جهة التقييد، بل من جهة تعدّد البعث بلا مايز بينهما أصلاً. فهذه الموارد ليس بينها تعيّن أصلاً حتى في الواقع ونفس الأمر، ولازمه إيجاد فردين في الخارج.

نعم، لو تكرّرت الشرطيّة(1) بحسب النوع والفرد. فهنا بحسب الظهور العرفي لا يكون الكلام الثاني إلّا تأكيداً للكلام الأوّل، فلو فرضنا أنّ قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ(2) كان مكرّراً مرتين في سورة واحدة أو في سورتين، لم يكن من المحتمل -بحسب الفهم العرفي- أنَّ البعث متعدد، بل هي تكرار وتأكيد لتلك القضيّة، إذ ليس بين القضيتين فرق أبداً.

وأمّا لو فرضنا أنَّ القضيّة الثانية تُغاير الأولى في شرطها، ففي الأولى جعل وجوب الكفارة معلّقاً على إتيان الأهل، وفي الأخرى جعل وجوبها على الأكل. فهنا لا معنى للقول بالتداخل، وأنّهما يُحدثان (أثراً) أمراً واحداً، بل هما ظاهرتان بالتعدد. فمقتضى الأصل هو عدم التداخل، إلاّ إذا قامت قرينة من الخارج على التداخل -كما علمنا ذلك في موجبات الوضوء- فهذا الظهور غير قابل للإنكار.

الكلام في موردي تداخل المسبّبات

يقع الكلام في تداخل المسبّبات، وهل يمكن أن يأتي المكلّف بعمل واحد قاصداً به امتثال كلا الحكمين، فيسقطان معاً، أو لا بُدَّ من التعدد في مقام الامتثال؟

ــــــــــ[215]ــــــــــ

() كذا في المسودة، والصحيح متعدّدة. (المقرّر).

(2) آل عمران:97.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

المورد الأوّل: أنَّ مقتضى الأصل هو عدم التداخل، وذلك لقاعدة الاشتغال، والتداخل يحتاج إلى دليل وإلاّ كلّ من الحكمين يقتضي امتثالاً مغايراً لامتثال الحكم الآخر، إذ يشك في سقوطهما بفعل واحد، ومقتضى الأصل عدم السقوط.

وقد ثبت التداخل في الأغسال للصحيحة الدالة على ذلك فنلتزم بالتداخل فيها، بل يمكن أن يكون هذا خارجاً عن موضوع التداخل، ويكون الإجزاء من جهة التعبّد الشرعي لا من جهة التداخل، إذ لو فرضنا قصد غُسل الجنابة، ولم يقصد غيره من الأغسال، وكان غافلاً عنها، فإنّه يجزي عن غيره بلا إشكال. وليس هذا من باب التداخل، بل من باب الإجزاء بتعبّد شرعي، وهذا لا إشكال فيه في غُسل الجنابة، بل الأظهر أنّه في غير الجنابة كذلك، فلو اغتسل للجمعة وكان ناسياً للجنابة وبعد الغسل التفت إلى أنه كان جُنباً، فالظاهر الإجزاء أيضاً.

وعلى الجملة لا يكون المورد من تداخل المسبّبات، فإنَّ معنى تداخل المسبّبات أن يأتي المكلّف بعمل واحد امتثالاً لأمرين أو أكثر، وهو مورد البحث جوازاً وامتناعاً.

المورد الثاني: إذا فرضنا أنَّ النسبة بين المأمور به والمأمور به الآخر هي نسبة العموم من وجه، فهنا نلتزم بالتداخل على القاعدة، فلو فرضنا أنَّ الحكم متعدّد، وأنّ المجعول الشرعي أمران، فإنه عند عدم امتثاله يكون عاصياً ويُعاقَب بعقابين، فإنّ التكليف متعدّد، ولكن يجوز الإتيان بفعل واحد قاصداً امتثال كلا الأمرين وذلك للتمسّك بإطلاق كلا الواجبين.

ــــــــــ[216]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فلو فرضنا أنّه ورد: (أكرم العالم) وورد: (أكرم الهاشمي)، فكما يجوز له أن يكرم عالماً غير هاشمي؛ وهاشمياً غير عالم، ويكون بذلك قد امتثل كلا الحكمين، كذلك يجوز له أن يكرم عالماً هاشمياً، إذ يصدق الإكرام العالم، وبه يسقط الأمر، وكذلك يصدق عليه أنّه إكرام الهاشمي، وبه يسقط الأمر بإكرام الهاشمي، إذ كلتا الطبيعتين ينطبقان على هذا الفرد الخارجي.

فمقتضى إطلاق الحكم بإكرام العالم هو جواز الامتثال بإكرام العالم الهاشمي، ومقتضى إطلاق الحكم بوجوب إكرام الهاشمي هو جواز الامتثال بإكرام الهاشمي العالم، فالتمسّك بإطلاق كلا الدليلين يقتضي جواز الامتثال بفعل واحد ينطبق على كلا العنوانين.

وليس هذا من موارد التأكّد -كما اختاره في الكفاية(1)– إذ المفروض أنَّ المأتي به خارجاً لم يتعلّق به أمر، وإنّما هو فرد من أفراد المأمور به، وما تعلّق به الأمر وهو إكرام العالم وإكرام الهاشمي متعدّدٌ وليس بواحدٍ، فالمتعلّق اثنان: أحدهما: تعلّق بإكرام العالم غير مقيّد بالهاشمي وغيره. والآخر: تعلّق بإكرام الهاشمي غير مقيّد بالعالم وغيره. فليس هنا وحدة حتّى يتحقّق التأكّد،

 وأمّا في مقام الامتثال الخارجي، فهذا الفعل الخارجي لم يتعلّق به الأمر، وإنّما هو مصداق للمأمور به، فلا موجب للالتزام بالتأكّد أيضاً.

فالتداخل كما يجري في الواجبَين، يجري كذلك في المستحبَّين، وفي واجب ومستحب، فإنَّ التمسّك بالإطلاق في جميع هذه الموارد يقتضي الالتزام 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 203.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

بالتداخل على القاعدة بلا حاجة إلى نصٍّ خاصٍّ بلا فرق بين أن يكون الحكمان إلزاميين أو استحبابيَّين، أو أحدهما إلزامياً والآخر غير إلزامي، فلو فرضنا أنّه مأمور بقضاء أيام فائتة من شهر رمضان، وكان مأموراً بالاعتكاف في أحد المساجد أيضاً، ولكن القضاء لم يقيّد بأن لا يكون في غير الاعتكاف، كما أنَّ الاعتكاف لم يقيّد بأن لا يكون صوم قضاء، فيكفي الجمع بينهما بأن يعتكف في المسجد ناوياً صوم القضاء، فيسقط به الأمر الاستحبابي والوجوبي معاً، والمكلّف مخيرٌ بين أن يأتي بصوم القضاء ويصوم الاعتكاف، أو أن يجمع بينهما ويقصد به امتثال كلا الحكمين.

أو يفرض هذا في المستحبَّين، فإنَّه مأمور بالإتيان بصلاة الليل، غير مقيّد من جهة صلاة جعفر، ومأمور بصلاة جعفر غير مقيّد من جهة الليل، فله أن يأتي بنافلة الليل بصورة صلاة جعفر قاصداً بها امتثال كلا الأمرين، أو يأتي الغفيلة نافلةً للمغرب قاصداً بها كلا الأمرين، وهكذا.

وملخص ما ذكرناه: أنّه إذا كانت النسبة بين الدليلين هي العموم من وجه ففي مورد الانطباق يجوز للمكلف أن يأتي بفرد واحد قاصداً به امتثال كلا الأمرين، ففي هذه الموارد لا يحتاج التداخل إلى دليل، ويكون على القاعدة.

وأمّا في غير ذلك، فمقتضى تعدد الحكم أن يكون الامتثال أيضاً متعدداً، وإلاّ فقاعدة الاشتغال محكّمة.

هذا تمام الكلام في مفهوم الشرط.

ــــــــــ[218]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7



 مفهوم الوصف

 

محلّ الكلام ما إذا كان الوصف معتمداً على موصوف، وإلاّ إذا كان الوصف مذكوراً بلا اعتماد على موصوف، فلا يحتمل أن يكون له مفهوم، فيكون الحال فيه حال الجوامد، فلو ورد (أكرم الإنسان) أو (لا تقتل الإنسان) لا يكون دليلاً على نفي الحكم عن الغير، فإنَّ إثبات شيء لشيء لا ينفي ثبوت ما عداه كما هو ظاهرٌ.

كذلك إذا كان موضوع الحكم عنواناً اشتقاقياً المعبّر عنه بالوصف، فإذا ورد (أكرم العالم) لا يكون فيه دلالة على عدم وجوب إكرام غيره، وإنّما يكون من مفهوم اللقب بلا فرق في عدم دلالة الكلام على النفي عند الانتفاء بين أن يكون الموضوع جامداً أو من العناوين الاشتقاقيّة.

فمحلّ الكلام هو الوصف المعتمد على الموصوف، وهو يتصوّر على وجوه: 

أحدها: أن تكون النسبة بين الوصف والموصوف نسبة التساوي، بمعنى: أنَّ الوصف لا يتخلّف عن الموصوف، ولا الموصوف عن الوصف، بل إذا صدق الوصف صدق الموصوف، وإذا صدق الموصوف صدق الوصف كما في الكاتب بالقوّة بالنسبة إلى الإنسان؛ فلا يكون له دلالة على المفهوم، إذ إنَّ 

ــــــــــ[219]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

المفروض أنَّ الوصف لا يزيد عن الموصوف بشيء فلا يكون تقييداً له، فوجوده في الكلام وعدمه سيان، فيرجع إلى مفهوم اللقب.

ثانيها: أن يفرض أنَّ النسبة بينهما هي العموم المطلق، ففي مثل ذلك قد يكون الوصف أعمّ من الموصوف، وقد يكون الموصوف أعمّ من الوصف، نحو: (أكرم فقهياً عالماً) و(أكرم عالماً فقيهاً) فإنَّ العالم قد يكون فقيهاً وقد يكون غير فقيه، ولكن الفقيه لا يكون إلاّ عالماً بالأحكام الشرعيّة، فمفهوم العالم أعمّ من مفهوم الفقيه، فإذا كان الموضوع أعمّ من الوصف، فهذا الوصف يوجب التقييد لا محالة، فإنَّ التوصيف يوجب تضييقاً في المفهوم.

أمّا إذا انعكس الأمر، فكان الوصف أعمّ من الموصوف، نحو: (أكرم فقيهاً عالماً) فوجود الوصف وعدمه سيان، إذ لا يزيد الوصف عمّا كان الموصوف دالاً عليه، إذ الفقيه صنف من العالم، فحاله حال ما إذا كانت النسبة بينهما هي التساوي.

إلاّ أنّ محلّ الكلام هو العكس فيما إذا كان الوصف أخصّ وكان مقيّداً للموضوع، فالكلام يدلّ منطوقاً على وجوب إكرام العالم الفقيه، ومفهوماً
-بناءً على دلالة الوصف على المفهوم- على نفي الوجوب عن العالم غير الفقيه، كما هو الحال في القضيّة الشرطيّة، فإذا فرضنا أنَّ النسبة بينهما عموم من وجه، كما لو قال: (أكرم عالماً هاشمياً أو عادلاً) فهذا يوجب تقييداً في الموضوع، فإنَّ مفهوم العالم ينطبق على الهاشمي وغيره، فإذا قيّد بالهاشمي يوجب تقييداً (تضييقاً) في الموضوع، فيعلم أنَّ الموضوع هو العالم المقيّد بكونه هاشمياً، 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فيكون محلّاً للكلام، فبناءً على دلالة الوصف على المفهوم يدلّ على انتفاء الحكم عن العالم غير الهاشمي.

وأمّا بالنسبة إلى الطرف الآخر، فهل يكون في الكلام دلالة على الانتفاء عند الانتفاء من طرف القيد، كما في المثال المشهور: (في الغنم السائمة الزكاة)(1) فإنَّ بين العنوانين عموماً من وجه. فقد تكون الغنم سائمة وقد لا تكون، كما أنّ السائمة قد تكون إبلاً وقد لا تكون، فبناءً على أنَّ الوصف له مفهوم، فهل يدلّ على أنَّ الغنم إذا كانت معلوفة فليس فيها زكاة؟ وهل في الكلام دلالة على أنَّ الإبل إذا كانت معلوفة فلا زكاة فيها؟ أو إنَّ ذلك مسكوت عنه؟ 

المنسوب إلى بعض الشافعيّة ونقده 

 نُسِبَ إلى بعض الشافعية(2) القول بدلالة القضيّة على المفهوم حتى عند انتفاء الوصف عن غير الموصوف، ونتيجة ذلك: أنَّ الإبل إذا كانت معلوفة فلا زكاة فيها، فكأنَّهم استفادوا العلّيّة المنحصرة بالنسبة إلى هذا الوصف -وهو السوم- فإذا انتفى فلا تجب الزكاة. 

وهذا المعنى باطل جزماً، إذ غاية ما يستفاد من الكلام -بناءً على دلالة الوصف على المفهوم- أنَّ عليه السوم لما هو موضوع في الكلام وهو الغنم، لا العلّيّة المطلقة حتّى في غير الغنم، والإبل لم يكن مذكوراً في الكلام لا منطوقاً ولا مفهوماً لكي ينتفي الحكم عند انتفاء سومها.

ــــــــــ[221]ــــــــــ

(1) عوالي اللئالي 1: 399.

(2) شرح مختصر المنتهى 3: 170.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

ونتيجة ذلك: هو أنّ محل الكلام في مفهوم الوصف يقع في موردين: فيما إذا كان الوصف أخصّ من الموصوف مطلقاً أو من وجه.

وقد وقع الكلام في دلالة القضيّة على المفهوم وعدم دلالتها عليه، واستدل عليه بوجوهٍ، نتعرض لها إن شاء الله تعالى.

تحقيق الحال في مفهوم الوصف 

والذي ينبغي أن يقال: إنَّ المراد من مفهوم الوصف إن كان ما ذكرناه في القضيّة الشرطيّة من انتفاء الحكم عن الموضوع في الكلام عند انتفاء الشرط، وأنَّ وجوب إكرام زيد منوط ومتوقّف على مجيئه، فينتفي عند انتفائه، فمعناه الانحلال إلى قضيتين: إيجابية وسلبية، فإذا ورد: في الغنم السائمة زكاة، فتنحلّ إلى قضيتين: إحداهما: أنَّ الغنم السائمة فيها زكاة. ثانيهما: أنَّ الغنم المعلوفة ليس فيها زكاة بأيّ عنوان كان.

فإذا كان هذا هو المراد من المفهوم، فالظاهر أنّه لا مفهوم للقضية الوصفيّة، إذ لا تدل القضيّة إلاّ على ثبوت حكم لموضوع مقيّد. وأيّ فرق بين ثبوت الحكم للموضوع المقيّد أو للموضوع غير المقيّد؟ فكما في غير المقيّد لا تدل القضيّة على الانتفاء عند انتفاء الموضوع، فكذلك في المقيّد، وغاية ما تدلّ عليه: ثبوت الحكم بالنسبة إلى هذا الموضوع، فإذا قال: (أكرم عالماً) أو (رجلاً عالماً) يعني: كان الوصف معتمداً أو لم يكن، فلا يدلّ الكلام على أنَّ الرجل غير العالم لا يجب إكرامه ولو بعنوان آخر، لأنّه عادل أو لأنّه هاشمي، فيمكن أن يكون وجوب الإكرام له أسباب متعددة، كالعلم، والعدالة، والهاشمية، فلا 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فرق بين قولنا: (أكرم عالماً) الذي لا يدلّ -كما ذكرنا- على انحصار الوجوب به، وبين قولنا: (أكرم عالماً عادلاً).

وعليه: فالفرق بين الوصف والشرط واضح، فإنّه في الشرط كان الحكم الثابت لموضوع معلّقاً ومشروطاً بشيء آخر أزيد من ثبوت الحكم لموضوع، وهو التعليق على شيء آخر. وأنّ وجوب إكرام زيد مشروط بمجيئه، فيدلّ على الانتفاء عند انتفائه. وفي الوصف ليس هناك إلاّ ثبوت الحكم لموضوع خاصٍّ الذي يعبّر عنه بلفظ بسيط تارةً، أو مركّب تارةً أخرى. وعلى كلا التقديرين لا يدلّ الكلام على انتفاء الحكم عند انتفاء الموضوع ولو بعنوان آخر، كالعدالة، والهاشمية، وغيرها من أسباب الإكرام.

فالقيد في الشرطيّة راجع إلى ثبوت الحكم لموضوعه؛ فبالدلالة الالتزاميّة يدلّ على أنَّ الشرط إذا كان منتفياً كان الحكم الثابت لموضوعه منتفياً أيضاً.

وأمّا في الوصف فالقيد راجع إلى الموضوع أو المتعلق، لا إلى الحكم نفسه، فهذا الموضوع المقيّد يثبت له الحكم؛ ولا دلالة له على الانتفاء عن غيره، إذ لا فرق بين أنّ يكون الموضوع مركّباً أو غير مركّب، وما تتكفلّه القضيّة الوصفيّة هو ثبوت الحكم لهذا الموضوع، ولا يستفاد من غيره، فيحتاج إلى دليل آخر.

الاستدلال على مفهوم الوصف

ولكن مع ذلك ذهب جماعة إلى المفهوم، واستدلوا عليه بوجوه:

الوجه الأوّل: أنَّ ذكر الوصف في الكلام فيه إشعار بالعِلّيّة، فإذا قال: (أكرم رجلاً تقيّاً) أو (رجلاً عالماً)، فإنّ المستفاد منه عرفاً أنّ عنوان العلم هو 

ــــــــــ[223]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الذي يكون سبباً لوجوب الإكرام. فالوصف المأخوذ في موضوع الحكم قيداً فيه إشعار بالعلّيّة فينتفي بانتفائه.

وهذا(1) لا إشكال فيه في الجملة، إلاّ أنّه على تقدير تسليم أنَّ هذا ثابت على نحو كلّي، ففي كل مورد أُخِذَ وصف قيد للمتعلّق أو الموضوع يكون فيه إشعار بعلّيّة الوصف لثبوت الحكم، ولو سلّم أنَّ الإشعار في مرتبة الظهور، لا أنّه مجرد إشعار بحيث لا يصل إلى الظهور، ولا يكون حجّة، وقد فرضنا أنَّ أخذ الوصف ظاهر عرفاً بعلّيّته لوجوب الإكرام، لكن ذلك لا يستلزم نفي الحكم عن غير هذا الموضوع. فإنَّ ذلك غير متقّوم بالعلّيّة فقط، بل متوقّف على ثبوت الانحصار، وإلاّ فيمكن أن يكون هذا الوصف علّة لثبوت الحكم، وتكون هناك علّة أخرى، وإنّما استكشفنا المفهوم في القضيّة الشرطيّة من جهة الانحصار، لا من جهة العلّيّة فقط، والعلّيّة لا تستدعي الانتفاء عند الانتفاء، إذ يمكن أن يكون هناك علّة أخرى يثبت الحكم بها، وإن كان الوصف منتفياً. فهذا الوجه لا يتمّ.

الوجه الثاني: هو أنّ تقييد موضوع الحكم أو متعلّقه بوصف إذا لم يكن فيه دلالة على المفهوم لم يمكن حمل المطلق على المقيّد الذي هو المتسالم عليه، ولا ينبغي الشكّ في أنّه هو مقتضى المتفاهم العرفي، وليس هذا إلّا من جهة دلالة 

ــــــــــ[224]ــــــــــ

() لا بُدَّ أن يكون المقصود هو أنّ دلالة الوصف على العلّيّة في الجملة لا إشكال فيه، لا دلالته على المفهوم بقرينة الجواب الآتي. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الوصف على المفهوم، وإلاّ لو لم يدلّ عليه لما أمكن حمل المطلق على المقيّد(1).

ولكن هذا الوجه أيضاً فاسد، فإنّ حمل المطلق على المقيّد ليس وجهه دلالة الوصف على المفهوم، بل الوجه فيه هو ظهور القضيّة، أو العلم من الخارج بأنَّ الحكم هو حكم واحد، ولا يحتمل جعل حكمين لهذا الموضوع، فلو ورد في دليل: (إذا ظاهرت فاعتق رقبة) وورد في دليل آخر: )إذا ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة) فالمستفاد العرفي من هاتين الجملتين أنّ الحكم المجعول في الشرطيّة حكم واحد، فيدور الأمر بين أن يكون الحكم ثابتاً للمطلق، فيأخذ بإطلاقه ويحمل المقيّد على أفضل الأفراد، أو نأخذ بظهور القضيّة في المقيّد بالوجوب ونرفع اليد عن إطلاق المطلق، وبعد فرض كون الحكم واحداً يدور أمره بين أن يكون موضوعه مأخوذاً على وجه الإطلاق كما تقتضيه الجملة الأوّلى، وبين أن يكون مأخوذاً على وجه التقييد كما تقتضيه الجملة الثانية، ولا بُدَّ من رفع اليد عن أحد الأمرين: إما ظهور المطلق بالإطلاق، وإما ظهور المقيّد بالوجوب.

لا ينبغي الشكّ في أنَّ الظهور الثاني أقوى، فظهور الأمر في الوجوب أقوى من ظهور المطلق في الإطلاق، فيُحمَل المطلق على المقيّد، لأنّ الإطلاق ثابت من جهة مقدّمات الحكمة، وظهور الأمر بالوجوب صالح للبيان، فإذا كان متّصلاً كان بياناً، وكذلك إذا كان منفصلاً، لأنّ الكشف عن إرادة المتكلّم يتوقّف على عدم البيان المنفصل أيضاً، وتمام الكلام في محلّه.

ــــــــــ[225]ــــــــــ

() لم يذكر السيّد الأستاذ لذلك وجهاً فنيّاً. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فباب حمل المطلق على المقيّد يبتني على ذلك سواء قلنا بدلالة الوصف على المفهوم أو لم نقل.

ولأجل ذلك يتعيّن حمل المطلق على المقيّد إذا كان الحكم مأخوذاً بنحو صرف الوجود لا بنحو مطلق الوجود، يعني: كان الحكم حكماً واحداً. وأمّا إذا كان الحكم انحلالياً، فلا يُحمَل المطلق على المقيّد، إذ لا تنافي بين جعل الحكم للمطلق وجعله للمقيّد، وإنّما تقع المنافاة إذا كان الحكم واحداً، ولا يمكن أن يكون موضوعه مطلقاً ومقيّداً معاً. أمّا إذا كان انحلالياً فمعناه وجود أحكام عديدة، فلا يقع تنافٍ بين الحكمين.

فلو ورد نهي عن أكل مال الغير، وورد نهي عن أكل مال المؤمن، فمن الممكن أن يكون أكل مال المؤمن حراماً، وأكل مال مطلق المسلم حراماً أيضاً، وكذلك يحرم إيذاء الغير، ويحرم إيذاء المؤمن، وكذلك: كلّ مسكر حرام، والخمر حرام، فإنّه لا تنافي بين أن يكون المسكر على إطلاقه محرماً، والخمر الذي هو بعض أقسام المسكر محرماً أيضاً، لأنّ الحكم ليس واحداً.

ولا يعتبر في حمل المطلق على المقيّد أن يكون المقيّد مركّباً من موضوع ووصف، أيّ: لا ينحصر في موارد الوصف المعتمد، بل يجري في غيرها أيضاً، ورد في دليل: (من لم يتمكن من الحج بنفسه فليبعث رجلاً يحج عنه) وورد في دليل آخر: (فليحج عنه صرورة) فهذا يقيّده، لأنَّ الرجل مطلق من حيث الصرورة وغيره، والصرورة مقيّد.

 وهذا باب حمل المطلق على المقيّد، فيرفع اليد عن إطلاق الأوّلى بالثانية، 

ــــــــــ[226]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فلا ينحصر الحمل بما إذا كان المقيّد فيه وصف معتمد على موصوف، بل حتى إذا كان بلفظ غير مركّب، وذلك لاتّحاد الملاك وهو العلم بوحدة الحكم، إذ لا نحتمل أنّ من لم يتمكن من الحج يجب أن يستنيب مرتين.

فباب حمل المطلق على المقيّد أجنبي عن محل الكلام بالكلّيّة، بل حتى إذا لم نقل بدلالة الوصف على المفهوم، فمع ذلك نحمل المطلق على المقيّد بملاك آخر.

ثُمَّ إنَّ المراد بالوصف في المقام مطلق القيد الذي أُخذَ في الكلام، ولا ينحصر في الوصف المصطلح، بل هو شامل لكل ما يكون وصفاً، أو ظرفاً، أو غيرها، فلو عبّر عنه بمفهوم القيد كان أولى.

ومنه يظهر صحّة ما هو المشهور من عدم دلالة الوصف على المفهوم، وأنَّ القضيّة المشتملة على الوصف تغاير القضيّة المشروطة، فإنّ القيد في القضيّة المشروطة يرجع إلى الحكم، فيدلّ على انتفاء الجزاء عند انتفاء الحكم، وأما في الوصف فليس كذلك، فإنّ الحكم ثابت للموضوع المقيّد والمتعلّق المقيّد.

التفصيل في المقام 

ولكن ينبغي أن يفصّل في المقام، ويقال: إنَّ المفهوم إذا كان بمعنى دلالة القضيّة على الانحصار، ثُمَّ دلالتها على الانتفاء عند الانتفاء -كما هو الظاهر- فيصحّ ما ذكروه من أنّ تقييد الموصوف بوصف، وإثبات حكم له لا يدلّ على الانحصار، وأنّه ليس هناك شيء آخر ثبت له الحكم بوجه من وجوه الدلالة، فلو ورد: (أكرم عالماً عادلاً) لا يدلّ على انحصار وجوب الإكرام به، مع أنَّ 

ــــــــــ[227]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

كون العالم هاشمياً أو شيخاً كبيراً أيضاً مقتضٍ لوجوب إكرامه.

فإذا أريد بالمفهوم هذا المعنى -كما كان هو المراد في الشرطيّة- فما ذكروه من عدم دلالته على المفهوم هو الصحيح، إذ لا شيء هنا يدلّ على الانحصار، وإنَّ سلّمنا أنَّ القضيّة ظاهرة عرفاً بالعلّيّة.

وأمّا إذا كان المراد بالمفهوم هو نفي الحكم عن الطبيعة المطلقة الساريّة، فلا يبعد دلالة القضيّة على ذلك، وأنَّ الحكم لم يثبت للطبيعة السارية الواجدة للقيد والفاقدة له، وهذا معنى قولهم: أنَّ الأصل في القيد أن يكون احترازياً، فإنه إذا لم تقم قرينة متصلة أو منفصلة على أنَّ الإتيان بالوصف في الكلام لغرض آخر غير التقييد كالاهتمام به، أو أنّه مقصود المتكلّم، أو لغلبة وجوده في الخارج، أو غير ذلك، فمقتضى التقييد هو الاحتراز، أو معناه: أنَّ الحكم لم يثبت للطبيعة السارية الشاملة لواجد القيد وفاقده، فإنَّ حمل القيد على أمر آخر لم تقم عليه قرينة خلاف الظاهر العرفي، فإنَّ ظاهر القيد هو الاحتراز، وإلّا كان لغواً فيما إذا لم تقم قرينة على الإتيان به لغرض آخر. 

فهذا المعنى من المفهوم(1) هو الموافق للمتفاهم العرفي.

ــــــــــ[228]ــــــــــ

() تسمّية هذا المعنى بالمفهوم فيه تجوّزٌ كبيرٌ، فإنّ معنى المفهوم هو دلالة القضيّة على انتفاء الحكم عن غير مورد المنطوق، بحيث لو ورد دليل مثبت للحكم لمورد المفهوم لكان معارضاً للدليل الأول. وفي المقام وإن دلّ الوصف على ثبوت الحكم للمقيّد بما هو مقيّد، إلاّ أنّه لا يدلّ -لا محالة- على انتفاء الحكم عن الحصص الأخرى بنحو يعارض إثبات الحكم لها بدليل آخر. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

 وبالجملة: إن أُريد من المفهوم استفادة الانحصار من الوصف، وأنَّ الموضوع غير محكوم بالحكم إذا لم يكن موصوفاً بالوصف، وإن كان موصوفاً يوصف آخر، فهذا غير ثابت للقضيّة الوصفيّة، والكلام ساكت عنه. 

وإن أُريد بالمفهوم دلالة الكلام على أنَّ الحكم لم يثبت للرجل على الإطلاق، وإنّما هو مقيّد بالعلم، وإن كان ثابتاً للعادل بدليل آخر، فهذا غير قابل للإنكار.

 هذا تمام الكلام في مفهوم الوصف.

ــــــــــ[229]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7









 مفهوم الغاية

 

ويقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: فيما يستفاد من منطوق الكلام.

والمقام الثاني: فيما يستفاد من مفهوم الكلام.

فتارةً يقع الكلام في القضيّة الإيجابيّة، وأخرى في القضيّة السلبيّة.

الكلام في منطوق الغاية

أمّا الكلام في القضيّة الإيجابيّة، فهو الذي وقع فيه النزاع المعروف من دخول الغاية في المغيّى وعدمه. وهنا أقوال: 

  1. الدخول مطلقاً.
  2. عدم الدخول مطلقاً. 
  3. التفصيل بين ما لو كانت الغاية مستفادة من كلمة (حتى) فيقال: بالدخول، أو مستفادة من كلمة (إلى) فيقال: بعدم الدخول.

وهذا التفصيل استحسنه شيخنا الأستاذ(1)، ولكنّه ذكر: أنّه لا كلّيّة له، وإن كنا نرى أنَّ الغاية داخلة في المغيّى في كثير من الأحيان، نحو: (مات الناس حتّى 

ــــــــــ[230]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 436.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الأنبياء) و (بعتُ كلّ ما أملك حتى كتبي وثيابي) و (أكلت السمكة حتّى رأسها).

والظاهر أنّ ما ذكره من الاستشهاد لدخول الغاية في المغيّى فيه خلط بين (حتّى) التي تستعمل في مقام الغاية، وبين (حتّى) العاطفة، فإنَّ هذه الكلمة تستعمل في المقامين، عاطفة لا للغاية، فإنَّ الإنسان إذا قال: (مات الناس) فقد يتخيّل أنَّ الأنبياء لا يموتون، فيعطف عليه قائلاً: حتّى الأنبياء، أو إذا قال: بعت كل ما أملك، فقد لا يحتمل السامع أنّه باع ما يحتاجه، فيقول: حتّى كتبي وثيابي، أو إذا قال: أكلت السمكة، فقد يتخيّل بأنَّ رأس السمك لا يؤكل، أو لا يرغب به بعض الناس، فيقول: حتّى رأسها. فـ (حتّى) هنا ليست مستعملة في الغاية، حتّى يقال: إنّها خارجة. وكلامنا هنا فيما لو كانت مستعملة للغاية.

والظاهر عدم الفرق بين الكلمتين، فإن قلنا: بالدخول، فنقول به مطلقاً، من حيث كونه مستفاداً من (حتّى) أو مستفاداً من (إلى)، وإن لم نقل به، فيتفرع عليه القول بالعدم مطلقاً. 

ومورد الكلام ما إذا كانت الغاية غاية لمتعلّق الحكم أو لموضوعه، يعني: أنَّ الحكم الثابت للمغيّى، فهل يثبت للغاية أيضاً أو لا؟ وأمّا إذا كانت الغاية غاية لنفس الحكم لا للموضوع ولا للمتعلّق، كما في قولهم: (كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنه قذر)(1) هنا لا موضوع للكلام، لأنّ دخول الغاية في المغيّى معناه 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

() مستدرك الوسائل 2: 583، الباب 30، “أَنَّ كُلَّ شَيْ‏ءٍ طَاهِرٌ حَتَّى يُعْلَمَ وُرُودُ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ وَأَنَّ مَنْ شَكَّ فِي أَنَّ مَا أَصَابَهُ بَوْلٌ أَوْ مَاءٌ مَثَلًا أَوْ شَكَّ فِي تَقَدُّمِ وُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ وَتَأَخُّرِهِ عَنْهُ بَنَى عَلَى الطَّهَارَةِ فِيهِمَا“، الحديث :4.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

ثبوت الحكم الذي كان ثابتاً للمغيّى، وهنا المغيّى نفس الحكم، ولم يثبت له حكم حتى يثبت للغاية.

إذن، فالنزاع يختصّ بأحد الموردين: إمّا أن تكون الغاية غاية للمتعلّق، كما في قوله تعالى: أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل(1) فيتكلّم في أنّ أول جزء من الليل هل يجب الصلاة فيه، بمعنى: أنَّ حكمه حكم المغيّى، فكما أنَّ الصيام كان واجباً قبل الليل، فكذلك في أوّل الليل، أو لا. أو كانت الغاية غاية للموضوع كما في قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ(2) واليد مختلفة بحسب الاستعمال، فإنّها قد تستعمل ويراد بها الكفّ، وقد تستعمل ويراد بها ما دون المرفق، وقد يراد بها ما دون المنكب، فالغاية في الآية ترجع إلى اليد، وإلى تحديد المقدار المغسول منها، وأنَّ متعلّق الغسل إنّما هو هذا المقدار، كما يقال: (اكنس البيت إلى نصفه) أو (قرأت الكتاب إلى القسم الفلاني) فتكون الغاية في مثل هذه الموارد غاية لموضوع الحكم، يعني: لمتعلّق المتعلّق، فيقع الكلام في أنَّ الحكم -من ناحية الدلالة المنطوقيّة- الذي كان ثابتاً للمغيّى هل يثبت للغاية أو لا؟

الظاهر عدم دخولها في جميع هذه الموارد، وذلك: لأنَّ الغاية حدٌّ للشيء ومورد لانتهائه، فكيف يكون الحكم الثابت للمغيّى ثابتاً لما هو حدّ له ومورد لانتهائه، والظاهر أنَّ مراجعة العرف والكلمات المستعملة عندهم واضحة في ذلك.

ــــــــــ[232]ــــــــــ

(1) البقرة: 187.

(2) المائدة: 60.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

ولذا لم يتوهم ذلك(1) في جملة من الموارد، كقوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ(2)، فهل يفهم العرف أنَّ أوّل أجزاء الفجر يجوز فيه الأكل، مع أنَّ الغاية مستفادة من كلمة (حتّى)، بل حكم جواز الأكل حدّه هو الفجر، والحكم الثابت لما قبله لا يثبت لما بعده. والظاهر أنّ هذا لا إشكال فيه.

الكلام في مفهوم الغاية 

وأما بالنسبة إلى المفهوم، ودلالة القضيّة على الانتفاء فيما بعد الغاية، فالكلام تارةً يقع في مرحلة الثبوت وأخرى في مرحلة الإثبات.

مرحلة الثبوت

أما الكلام في مرحلة الثبوت فالغاية قد تفرض غاية للموضوع، كقوله تعالى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ(3) وأخرى غاية للمتعلّق، كقوله تعالى: أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل(4) وقد يفرض أنّها غاية للحكم نفسه، كقوله : (كل شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر)(5) فالمحتملات بحسب عالم الثبوت ثلاثة.

ــــــــــ[233]ــــــــــ

() يعني: دخول الغاية. (المقرّر).

(2) البقرة: 187.

(3)  المائدة: 60.

(4) البقرة: 187.

(5) مستدرك الوسائل 2: 583، الباب 30، “أَنَّ كُلَّ شَيْ‏ءٍ طَاهِرٌ حَتَّى يُعْلَمَ وُرُودُ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ وَأَنَّ مَنْ شَكَّ فِي أَنَّ مَا أَصَابَهُ بَوْلٌ أَوْ مَاءٌ مَثَلًا أَوْ شَكَّ فِي تَقَدُّمِ وُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ وَتَأَخُّرِهِ عَنْهُ بَنَى عَلَى الطَّهَارَةِ فِيهِمَا“، الحديث :4.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فإن كانت الغاية غاية للمتعلّق أو الموضوع، فمعناه تقييد موضوع الحكم أو متعلّقه بقيدٍ خاصٍّ، فدلالته على المفهوم وعدمه تابعة لما تقدّم في الوصف، فإنّا ذكرنا أنّ المراد بالوصف ليس هو الوصف المصطلح عند النحويين، بل المراد به كل قيد زائد في الكلام أتي به لتقييد المتعلّق أو الموضوع، فيدخل هذا في مفهوم الوصف. فالأوّلى أن يسمّى بمفهوم القيد، إذ لا خصوصية للوصف في الدلالة على المفهوم، فيكون هذا إحدى صغرياته، فإنّه موضوع أو متعلّق مقيّد بزمانٍ خاصٍّ، فالكلام في دلالته على الانتفاء عند انتفاء القيد هو الكلام في الوصف. فإن قلنا: بدلالته على المفهوم، كان للغاية مفهوم، فإنَّ المنطوق كان مقيّداً بالغاية، فإذا انتفى القيد وحصلت الغاية ينتفي الحكم.

أمّا إذا لم نقل به -كما لم نقل- فإنَّ الكلام لا دلالة له على الحصر، ويمكن أن يثبت الحكم لسنخ أو نوع آخر بعلّة أخرى فلا يدلّ على المفهوم. هذا إذا رجعت الغاية إلى الموضوع أو المتعلّق.

وأما إذا رجعت إلى الحكم، كقوله : (كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر) أو (الخمر حرام حتى يضطر إليه) من وجوب أو إباحة، ففي أمثال هذه الموارد تدل القضيّة على المفهوم، وعلى الانتفاء عند الوجود وحصول الغاية.

والوجه فيه: إذ لو ثبت الحكم ما بعد الغاية لم يكن ما فرضناه غاية، وهذا خُلف. فإنَّ الحكم إذا كان ثابتاً لغاية، فإن ثبت بعدها فمعناه: أنّها لم تكن غاية للحكم، ففرض كون الشيء غاية أنّه ينتهي أمد الحكم عند حصوله.

فالحال في مفهوم الغاية هو الحال في مفهوم الشرط الذي يشتمل على 

ــــــــــ[234]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

خصوصية كون الجزاء والحكم المجعول في التالي متوقّفاً على حصول الشرط، فيدلّ بالدلالة الالتزاميّة على الانتفاء عند الانتفاء، إذ لو كان الحكم معلّقاً على شيء فلا بُدَّ من انتفائه عند انتفائه، وإلاّ لم يكن معلّقاً عليه، وعين هذه الدلالة موجودة في المقام لكن بملاك آخر، فإنّ القضيّة تدل على تحديد الحكم بأمد خاص، وأنّ الحكم ينتهي عنده، ولازمه انتفائه بعد الغاية(1)، وإلّا لم تكن غاية له. بل قيل: بأنَّ دلالة التقييد بالغاية، واستلزامه الانتفاء عند وجود الغاية أظهر من مفهوم الشرط، وأوضح عند العرف في الدلالة على المفهوم من القضيّة الشرطيّة، فإنَّ كلّ أحد يفهم أنَّ الشيء إذا كان له أمدٌ خاصٌّ فإنَّه ينتهي عنده لا محالة، وإلّا لم يكن أمدٌ وغايةٌ له. 

ــــــــــ[235]ــــــــــ

() ليس هذا من المفهوم في شيء، لعدّة أمور:

الأمر الأوّل: لأنّه من انتفاء شخص الحكم لا سنخه، والمفهوم هو الثاني دون الأوّل، وهو متوقّف على ثبوت الانحصار الذي هو غير مدّعى في المقام، وأمّا انتفاء الشخص فهو موجود حتّى في اللقب.

الأمر الثاني: لو سلّم دلالته فليس بنحو يعارض دليلاً آخر دلّ على ثبوت الحكم لما بعد الغاية بملاك آخر. 

الأمر الثالث: ولو سلّم فهو بملاك ما يقال: من أنّ القضيّة الوصفيّة ترجع إلى الشرطيّة، مقدّمها القيد وجزائها الحكم، فبهذا المعنى يمكن أن يكون لها مفهوم، فتأمل. 

وأمّا مجرّد التحديد بالغاية، فلا يدلّ على أكثر من انتفاء شخص الحكم، وهو بمعزل عن المفهوم المدّعى في المقام. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

مرحلة الإثبات

وأما الكلام في مقام الإثبات، فمن أين يعلم أنَّ الغاية غاية للحكم أو للموضوع أو للمتعلّق؟ أمّا كونها غاية للموضوع فهو يحتاج إلى قرينة، وإلّا فظاهر الكلام أن تكون الغاية متعلّقة بمعنى حدثي، وأمّا تعلّقه بالجامد -وهو الموضوع المحتاج إلى تقدير ونحوه- فيحتاج إلى قرينة، وإلّا فظاهر رجوع القيد إلى الحكم أو متعلّقه الذي هو معنى حدثي(1).

فإذا قامت القرينة على ذلك فيرجع إليها، كما في آية الوضوء: إذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ(2) فإنّ إطلاق اليد مختلف بحسب الاستعمالات العرفية -كما ذكرناه- فالتقييد ظاهر بأنّه تقييد للموضوع، وهذا يعني: ظهور الآية بكون القيد قيداً للمغسول لا للغسل، والظاهر أنّه لم يختلف فيه علماء السنّة قاطبة، فذهبوا إلى وجوب الغسل إلى المرفق، غاية الأمر: أنّهم تمسّكوا بإطلاق الآية الكريمة، وقالوا: إنَّ الواجب غسل هذا المقدار من اليد، أمّا من أيّ طرف، فالمكلف مخيّر من الغسل من الأسفل إلى الأعلى أو العكس، كما هو الحال في ذيل الآية وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. فإنّنا وافقناهم في المسح، وأنَّ القيد إِلَى الْكَعْبَيْنِ قيد للرجلين، وأنّ هذا المقدار 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

() نعم، لو أمكن إثبات كون المقيّد هو سنخ الحكم في المرتبة السابقة على التقييد أمكن القول بالمفهوم، إلّا أنّ هذا يرجع إلى مسلك آخر في إثباته. (المقرّر).

(2) المائدة: 60.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

يجب مسحه سواء من الأصابع إلى الكعب أو العكس، وقد دلّت على ذلك رواية صحيحة، وأنّ الأمر في الرجلين موسّع فيجوز المسح منكوساً، والعامّة التزموا بذلك في اليد أيضاً.

وأمّا أنّ القيد راجع إلى اليد فالظاهر أنّهم لم يخالفونا فيه، فإذا كانت هناك قرينة أخذ بها، نحو: (اكنس المسجد من الباب إلى المحراب)، يعني: جميعه، ولا يدلّ الكلام على مكان البدء بالكنس، والآية لا تدل على مبدأ الغسل، بل أنّ المكان المغسول هو بهذا المقدار.

وكيفما كان، إذا علمنا من القرينة الخارجيّة أو الداخلية أنَّ القيد راجع إلى الموضوع فهو، وإلّا فظاهر الكلام أنّ القيد راجع إلى الحكم أو إلى المتعلّق الذي هو معنى حدثي.

في بيان الحكم المستفاد

ثُمَّ إنَّ الحكم المستفاد من الكلام إمّا أن يكون من قبيل المعاني الحرفية ومستفاداً من الهيئة، أو مستفاداً من المادّة ومعنى اسمياً.

فإذا كان مستفاداً من الهيئة ومن قبيل المعاني الحرفيّة، كما لو قال المولى لعبده: (إجلس في البيت إلى الزوال) فالظاهر من هذا الكلام أنّ القيد راجع إلى المادّة لا إلى الهيئة، لا لأجل أنَّ المعنى الحرفي غير قابل للتقييد، إذ قد ذكرنا في بحث الواجب المشروط(1) أنه لا مانع عن كون الاعتبار موضوعاً على شيء مقيّد، وهذا الاعتبار المقيّد يظهر بمظهر، بل لأجل أنّ المتفاهم العرفي هو 

ــــــــــ[237]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 3: 88،87.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

رجوع القيد إلى المعنى الحدثي، فالعرف لا يفهم الوجوب إلى الزوال، والجلوس هو الطبيعي بأيّ مقدار كان، بل يفهم أنّ الجلوس إلى الزوال واجب، كما في قوله تعالى: أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ(1) فإنَّ الإمساك يجب أن يكون منتهياً إلى الليل، فالظاهر منها: أنّ متعلّق الوجوب هو الصيام إلى الليل، ويكون القيد قيّداً لمتعلّق الحكم بحسب المتفاهم العرفي.

وأمّا إذا فرضنا أنّ الحكم كان معنى اسمياً، وقد استُفيد من المادّة، نحو: (يجب الجلوس إلى الزوال) ففي مثل ذلك يدور الأمر بين أن تكون كلمة (إلى الزوال) راجعة إلى المتعلّق (الجلوس) أو إلى (يجب الحكم) لأنّه أيضاً فعل ومعنى حدثي، وقابل لأن يتعلّق به الجار والمجرور.

فإذا فرضنا أنّ المتعلّق لم يذكر في الكلام، وإنّما ذكر الحكم وموضوعه فقط. كما في قولنا: (يحرم الخمر إلى الاضطرار) ففي مثله واضح أنّه يكون قيداً للحكم، لعدم وجود المتعلّق في الكلام، ورجوع الغاية إلى الموضوع، وقلنا: إنّه خلاف الظاهر، فينحصر رجوعها إلى الحكم.

وأمّا لو كان كلاً من الحكم والمتعلّق مذكوراً في الكلام، كالمثال المتقدّم: (يجب الجلوس إلى الزوال) والقيد كما يمكن أن يكون قيداً للمتعلق، كذلك يمكن أن يكون قيداً للوجوب المستفاد من المادة، كلّ منهما قابل لأن يتعلق به الغاية، ونحن لا يمكننا إحراز رجوعه إلى أيّ منهما، فيكون الكلام مجملاً لا محالة، فيتوقّف من جهة الإجمال، ولا يدلّ الكلام على الانتفاء عند الانتفاء 

ــــــــــ[238]ــــــــــ

(1) البقرة: 187.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

لاحتمال رجوع القيد إلى المتعلّق(1 )، ومعه لا دلالة للكلام على المفهوم.

هذا تمام الكلام في مفهوم الغاية.

ــــــــــ[239]ــــــــــ

() قال السيّد: الحكم، وهو سهو كما هو واضحٌ. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7




مفهوم الحصر

 

مّما يدلّ على الحصر كلمة (إلّا) وكلمة (إنّما).

أمّا كلمة (إلّا): فقد تستعمل بمعنى غير، فيكون صفة لما قبلها، ونتيجة ذلك: أنَّ الحكم يتعلّق بحصة خاصة من الموضوع المقيّد بقيد، وفي مثله لا نلتزم بدلالته على المفهوم، بناءً على ما تقدّم من عدم دلالة الوصف على المفهوم، وإذا استعملت استثنائية فدلالتها على الحصر ممّا لا ينبغي الشكّ فيه، فإن كانت ايجابية دلّت على النفي فيما بعدها، وإذا كانت سلبية دلّت على الإيجاب فيما بعدها، فإذا قال: (ما جاءني إلّا زيدٌ) يدلّ على أنّ زيداً جاءه، فالاستثناء من السلب يدلّ على الإيجاب، والاستثناء من الإيجاب يدلّ على السلب، وهذا غير قابل للإنكار، حتّى أنّهم عدّوا هذا من المنطوق لا من المفهوم، يعني: أنَّ (إلّا) وضعت لإثبات نقيض المستثنى منه للمستثنى. وإن كان ستأتي بعض الشبهات في دلالتها على الحصر.

وأمّا كلمة (إنّما): فلم نعلم بوجود مرادف لها في غير العربية، وذكرنا سابقاً: أنّ الهيئات على إطلاقها في اللغة العربية موجودة في غير العربية من اللغات. كالماضي، والمضارع، واسم الفاعل، والمفعول، وصيغ المبالغة، وهكذا هيئات الجمل التركيبية من الشرطيّة والحمليّة. إذن، يمكننا استفادة ما يدلّ 

ــــــــــ[240]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

عليها بالهيئة بالعربية بالرجوع إلى ما تدل عليه الهيئة في غيرها، فكلٌّ يرجع إلى مرتكزه في لغته، فما فهمه فهو المستفاد من الهيئة في اللغة العربية للقطع(1 ) باتّحاد الموضوع له، وعدم الفرق بين اللغات، فلا نحتمل أن يكون الفعل الماضي يدلّ على شيء في اللغة العربية دون غيرها.

وأمّا بالنسبة إلى المواد فالجزم بأنَّ هذه المادّة مرادفة لمادة أخرى في لغة أخرى مشكل جدّاً، إذ يمكن أن يكون هناك خصوصية في المعنى بالنسبة إلى لغة، ولا تكون مأخوذة في لغة أخرى.

فكلمة (إنّما) بما أنّنا لا نعلم بوجود ما يراد منها في غير اللغة العربية، فلا يمكن فهمها(2) إلّا بالرجوع إلى أهل هذه اللغة. 

ــــــــــ[241]ــــــــــ

() هذا القطع في غير محلّه بعد الاطلاع على اختلاف صيغ الهيئات، ومعانيها، وأزمنتها في اللغات، حتّى أنّ الفعل الماضي له في اللغة الفارسية، وفي الانكليزية عدّة أزمنة، فكيف يقطع معه باتّحاد الموضوع له، وعدم دخل الخصوصيّة، إلّا أن يقال: بأنَّ مداليل العربية أخصّ من مداليل غيرها، فيدلّ غيرها عليها دون العكس، إلّا أنّ هذا وإن كان جارياً أحياناً كما في الفعل نفسه، فإنّه واحدٌ بالعربية متعدّد في غيرها، إلّا أنّه لا يجري في أمثال صيغ المبالغة، والمصادر، والصفات المشبهة، وأنواع الجموع، وهكذا، كما أنّه ليس سارٍ في تمام اللغات، وإنّما يشمل على تقدير تسليمه بعض اللغات الحيّة الكبرى فقط. إذن، ففهم لغة على أساس المرتكز من لغة أخرى خطأ لا محالة، وعهدته على مدّعيه. (المقرّر).

(2) يتكلّم سيّدنا الأستاذ ذلك بصفته أجنبياً عن اللغة العربية، وليس من أهلها، وإلّا فهذا الكلام لا موضوع له بالنسبة إلى العربي بالأصل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وقد اتفقت كلمات أهل الأدب(1) على أنّها موضوعة للدلالة على الحصر، إمّا حصر الموصوف بالصفة، أو حصر الصفة بالموصوف، وشهادتهم على ذلك كافية، فإنّهم أهل اللغة، ويخبرون عمّا يتبادر من كلمة (إنمّا).

أما حصر الموصوف بالصفة فهو مبني على المبالغة لا محالة، فإنَّ الموصوف لا يكون(2) منحصراً بالصفة، فإذا قيل: (إنّما زيد مصلح) فمعلوم أنّه يصدر منه غير الإصلاح، ولكن بما أنّ أكثر أعماله الإصلاح، فكأنَّ عمله منحصر فيه، فبقيّة أعماله في جنب ما يصدر منه من الإصلاح كأنّها معدومة لا يُعتَنى بها.

وأمّا حصر الصفة بالموصوف، نحو: (إنّما الفقيه زيد) فقد يكون مبنياً على المبالغة، كما في هذا المثال ونحوه، فكأنَّ بقيّة الفقهاء بجنب زيد لا يعدوّن فقهاء، وإنّما الفقيه التامّ هو من يكون بنحو يمكن سلب الفقاهة عن غيره. 

وقد يكون مبنياً على الحقيقة، كما في قولنا: (إنّما القدرة لله تعالى) فيدلّ على انحصار القدرة به وأنَّ قدرة غير إلى جنب قدرته كلا قدرة، فالمستفاد من كلمة (إنّما) إثبات الحكم لموصوفه ونفيه عن غيره.

إشكال الرازي والردّ عليه

ولكن مع ذلك استشكل الفخر الرازي(3) في تفسير ذيل الآية المباركة: ــــــــــ[242]ــــــــــ

() انظر: دلائل الإعجاز: 253، 254، الكشّاف 3: 139.

(2) بل قد يكون منحصراً بالصفة، نحو: (ما العالم إلَّا معلول) و(ما زيد إلَّا ابن فلان) و (إنّما زيد بن فلان) وهكذا. (المقرّر).

(3) التفسير الكبير 12: 386.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (1) بموردين:

أحدهما: أنَّ الآية واردة في أمير المؤمنين .

 وثانيهما: أنَّ هذه الكلمة لا تدلّ على الحصر، وأنّ الولاية منحصرة بالله وبرسوله وبأمير المؤمنين، فإنَّ هذه الكلمة قد استعملت في القرآن في غير موارد الحصر، واستشهد بقوله تعالى: أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ(2)، ومن المعلوم أنّ الدنيا لا ينحصر أمرها في ذلك، بل هي جهاد، وعبادة، وتحصيل علم، وغير ذلك من الأمور التي ترضي الله سبحانه. إذن، فلا تدل هذه الكلمة على الحصر في هذه الآية(3).

وهذا الذي ذكره فيه مكابرة واضحة، إذ إنَّ الآية اشتملت على كلمة (إلّا)، ودلالتها على الحصر مّما لا تنكر.

أضف إليه: أنَّ مضمون هذه الآية كما ورد بكلمة (إنّما)، كذلك ورد بكلمة (إلّا)، في قوله تعالى: وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ(4) ولا إشكال في أنها تدل على الحصر، وليس هذا مّما ينكره، فما هو الجواب عن هذا، هو الجواب 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

()  المائدة: 55.

(2) الحديد: 20.

(3) وأشار هنا السيّد الأستاذ إلى أنَّ هذه الآية تدلّ على مراحل النمو الإنساني، فاللعب واللهو في الطفولة، والزينة في الشباب، والتفاخر في الكهولة، والتكاثر في الأموال والأولاد في الشيب، ولعلّه ذكره نقلاً عن الرازي نفسه. (المقرّر).

(4) العنكبوت: 64.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

عن الآية الأخرى. وهذا من حيث النقض.

وأمّا الجواب الحليّ: فقد اشتبه عليه لتعصّبه، أو تعمّده التزوير، فكلمة الحياة في الآيتين لم تضف إلى الدنيا، فلم يقل: حياة الدنيا، أو الحياة في الدنيا، وإنّما الدنيا وصف للحياة، يعني: الحياة الدانية في قبال الحياة العليا، وليس المراد من الحياة الدنيا هذه الحياة في قبال الآخرة، فإنّه معلوم أنَّ حياة الأنبياء، والأتقياء، والعلماء ليست لهواً ولعباً.

بل الله سبحانه قسم الحياة في الدنيا إلى قسمين: حياة دانية، وحياة راقية عالية، كما جاء توصيف السماء بالدنيا في قوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ(1). وقد كان لنا حول هذه الآية في بحث التفسير بيان، وقلنا: إنَّ المستفاد منها أنّ جميع الكواكب في السماء الدنيا، فهذه الكلمة صفة للسماء، كما أنَّ الحياة الدانية صفة للحياة.

فقد أراد الله تعالى بيان أنَّ الحياة الدانية التي لا تبقى، ولا يبقى لها أثر، بل تفنى بلا أثر، بل هي مع الوزر لهو ولعب، وزينة وتفاخر، ومعلوم أنّه كذلك، والحصر صحيح.

 وأمّا غير هذه الأمور من الجهاد، والعلم، والعبادة، فلا يكون من الحياة الدنيا، بل من الحياة الراقية العالية.

فالاستدلال بالآية على أنَّ كلمة (إنّما) لا تدلّ على الحصر استدلال واهٍ جزماً، وأمّا الصغرى التي ناقش فيها فهي غير قابلة للمناقشة أيضاً لورود 

ــــــــــ[244]ــــــــــ

(1) الصافات: 6.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

نزولها في أمير المؤمنين من طُرُق العامّة والخاصّة.

وبتقريب آخر: أنَّ الحياة في مقابل الموت، فالحياة بما هي حياة لا تكون لهواً ولعباً وتفاخراً، وإنّما هذه أمور تصدر من الحي حال الحياة. إذن، الحياة تنقسم إلى قسمين: دانية، وراقية.

فاذا لوحظت الحياة في الدنيا بالإضافة إلى الآخرة، فتكون هذه الحياة دانية، وحياة الآخرة عالية باعتبار أنَّ هذه الحياة لا تخلو من الشرور والأمراض ممّا يقتضيه طبع الإنسان، بل مهما بلغت من العيش والرفاه فهي محدودة بمّدة تنقضي وتتحوّل إلى الموت لا محالة، فإذا قيست بالحياة الآخرة الأبديّة كانت دانية لا محالة.

واستعمل القرآن الكريم في عدّةٍ من الآيات الحياة الدنيا في مقابل الآخرة، كقوله تعالى: وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَـهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(1).

 وقوله عزّ من قائل:بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْر وَأَبْقَى(2). ومثله قوله تعالى: وَمَا أُوتِيتمّ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّـهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ(3).

ثُمَّ إنَّ هذه الحياة باعتبار ما يصدر من الحي حال حياته تنقسم إلى حياة حيوانيّة وحياة إنسانيّة، وهذا تقسيم آخر غير التقسيم الأوّل، فإنّه في الأوّل 

ــــــــــ[245]ــــــــــ

(1) العنكبوت: 64.

(2) الأعلى: 16و17.

(3) القصص: 60.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

كانت الحياة -مهما بلغت من الرفاه- دنيا باعتبار أنَّها زائلة. وأمّا هذا التقسيم فإنّ الحياة قد تكون حياة حيوانية، ولا يكون فيها للحي إلّا ما يرجع إلى لذائذه، ومتعه، وسائر قواه الشهوية، وغيرها، فتكون حياته كلّها تلذذ، باختلاف عمره، فأوّله: لهو ولعب، وبعده زينة، ثُمَّ تفاخر، ثُمَّ تكاثر بالأموال والأولاد.

وقد تكون هذه الحياة حياة إنسانيّة، فيشتغل الإنسان بما هي وظيفته من قبل الله سبحانه، من العبادات بأقسامها كالصلاة، والصيام، والجهاد، والتبليغ، والصدقات، وغير ذلك مّما تقتضيه الوظيفة الفعلّيّة، وهي حياة الأنبياء، والأوصياء، والأولياء، والصلحاء.

وهذا تقسيم باعتبار لوازم الحياة لا نفسها، وإلّا فإنَّ الحياة في نفسها ليست بصلاة، ولا صيام، ولا جهاد، كما أنّها ليست لهواً، ولعباً، وتفاخراً، وإنّما هذه أمور تصدر من الحي حال حياته. إذن، يصحّ تقسيم الحياة إلى دانية وراقية باعتبار ذلك.

إذن، الآية لم تستعمل كلمة (إنّما) في غير الحصر، وإنّما استعملتها فيه بلا إشكال.

المنسوب إلى أبي حنيفة 

نسب إلى أبي حنيفة(1) أنَّه ناقش في دلالة (إلّا) على الحصر، واستدل برواية: “لا صلاة إلّا بطهور” المروية من طرقنا(2) وطرقهم(3)، وقال: إنَّ الحصر فيها غير 

ــــــــــ[246]ــــــــــ

(1) انظر: شرح مختصر المنتهى3: 54.

(2) من لا يحضره الفقيه 1: 33، باب وقت وجوب الطهور، الحديث: 67، تهذيب الأحكام 1: 209، الباب 9، صفة التيمم وأحكام المحدثين منه وما ينبغي لهم أن يعملوا عليه من الاستبراء والاستظهار، الحديث: 8.

(3) أخرجه مسلم 1: 204، باب وجوب الطهارة للصلاة، حديث 1: 224، وأخرجه النسائي1: 95، كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء، حديث: 139، سنن أبي داوود 1: 36، باب فرض الوضوء.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

ممكن، فإنَّ الصلاة مركّبة من أجزاء وشرائط أخر غير الطهارة.

جواب صاحب الكفاية ونقده 

أجاب صاحب الكفاية، على ذلك بعدّة أجوبة(1):

أولاً: أنّ المراد بالصلاة الصلاة التامّة الأجزاء والشرائط من غير ناحية الطهور، فهذه الصلاة لا تكون صلاة إلّا مع الطهور. إذن، كلمة (إلّا) تفيد الحصر، وتثبت أنَّ هذه الأجزاء والشرائط إذا كانت فاقدة للطهور فهي ليست صلاة، وإن كانت واجدة له فهي صلاة.

ومعلوم أنَّ هذا الوجه لا يمكن المساعدة عليه، فإنَّ هذه الجملة كما استعملت في استثناء الطهور، كذلك استعملت في عدّة موارد، نحو: “لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب(2) و”لا صلاة إلّا إلى القبلة(3) فهل يمكن أن يكون المستعمل فيه الصلاة في هذه الموارد مختلفاً، ففي جملة الطهور تستعمل بالتامّ الأجزاء 

ــــــــــ[247]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 210.

(2) فقه القرآن 1: 102، عوالي اللئالي 2: 218، باب الصلاة، الحديث: 13.

(3) من لا يحضره الفقيه 1: 278، باب القبلة، الحديث: 855.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

والشرائط إلّا من ناحية الطهور، وفي جملة القبلة تستعمل بالتامّ إلَّا من ناحية القبلة، أو إلّا من ناحية فاتحة الكتاب، وهذا لا يمكن أنَّ يدّعى، بل معلومٌ أنَّ هذه الكلمة استعملت بمعنى واحد في جميع الموارد. والمراد أنّ هذه الطبيعة المسماة بالصلاة لا تتحقّق إلّا بطهور.

ثانياً: أنَّ عدم الدلالة على الحصر من جهة القرينة.

 وهو أيضاً لا يمكن المساعدة عليه، إذ أيّ قرينة تدل على عدم الحصر، وهي غير موجودة في بقيّة الموارد.

ثالثاً: أنَّ المنفي في المقام ليس تحقّق الصلاة إلّا بطهور، ليقال: إنّها تتحقّق بغيره، بل المراد نفي الإمكان، فلا يمكن الصلاة إلّا بطهور، فيدلّ على الإمكان بالطهور، ومن الممكن حينئذٍ أن يُعتبر فيها أجزاء غير الطهور. إذن، فلا تدل الرواية على عدم دلالة (إلّا) على الحصر.

إلّا أنّ هذا الوجه أيضاً لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ قوله: “لا صيام في السفر(1) و”لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب(2) يدلّ على نفي الوجود لا على نفي الإمكان، فلا صلاة بمعنى لا تتحقّق الصلاة، لا أنّها غير ممكنة الوجود في الخارج، فهذا أيضاً بعيدٌ.

ــــــــــ[248]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 4: 230، الباب 57، حكم المسافر والمريض في الصيام، الحديث: 52.

(2) فقه القرآن 1: 102، عوالي اللئالي 2: 218، باب الصلاة، الحديث: 83.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الصحيح في المقام 

والصحيح في الجواب: هو أنّ المستثنى في المقام هو الجارّ والمجرور معاً، فإنّه لم يقل: (لا صلاة إلّا الطهور)، بل لو كان كذلك لكان غلطاً، بل قال: (لا صلاة إلّا بطهور) وهذا الجارّ والمجرور لا بُدَّ له من متعلّق مقدّر، أيّ: لا صلاة إلّا مقترنة بطهور، أو إلّا صلاة مع الطهور، أو لا صلاة إلّا متوجهاً إلى القبلة، أو إلّا صلاة مع التوجه إلى القبلة، ونقدر في المقام كلمة (مقترنة) فإنّه أقرب.

فالمراد من هذه الجملة أنَّ الصلاة لا تقع في الخارج إلّا وهي مقترنة بالطهور. إذن، دلالتها على الحصر واضحة، فهي تتحقّق بالطهور ولا تتحقّق من دونه.

ولهذا ذكرنا أنّ المراد من هذه الجملات هو بيان الشرطيّة، وأنَّ الإمام  يريد أن يقول: إنَّ الصلاة لا توجد بغير الطهور. فالمستفاد من الاستثناء من المنفي الذي يفيد الإثبات، هو وجود الصلاة مقترنة بالطهور، أو بالفاتحة، أو متوجهاً إلى القبلة.

فكأنَّ أبا حنيفة تخيّل أنَّ الطهور هو المستثنى منه، فاستشكل أنّه بالطهور لا تتحقّق الصلاة، فكلمة (إلّا) لا تدلّ على الحصر، مع أنّ المستثنى هو الجار والمجرور معاً، يعني: لا تتحقّق إلّا مع الطهور، ومفهومه(1)، أنّها تتحقّق مع الطهور، فيدلّ على الحصر لا محالة. وهكذا في سائر الموارد.

ــــــــــ[249]ــــــــــ

() هذا من قبيل المنطوق لا المفهوم، وهو مستفاد ابتداءً من المستثنى، وليس من اللوازم العقليّة كما هو واضح، لكي ينطبق عليه مختاره في تعريف المفهوم. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وهذا كثيرٌ في الاستعمالات العرفيّة، نحو: زيد لا ينام إلّا في هذه الغرفة، فالمستثنى ليس هو الغرفة، بل هو الجار والمجرور، يعني: لا ينام زيد في مكان إلّا أنّه ينام في هذه الغرفة، فالجار والمجرور لا بُدَّ أن يتعلّق بشيء، والمجموع يكون هو المستثنى. والاستثناء صحيح في جميع هذه الموارد، ولا يكون هذا نقضاً.

البحث في كلمة التوحيد

وممّا يؤيّد دلالة الاستثناء على الحصر أنَّ كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله) من صدر الإسلام وإلى الآن، وكلّ من تكلّم بها قاصداً المعنى يقبل إسلامه، ولو لم تكن دالة على إثبات نقيض المستثنى منه للمستثنى، يعني: على إثبات ما نُفي أوّلاً، فكيف تكون كلمة للتوحيد؟ أو قل: كيف يمكن أن يستفاد منها شهادة المتكلّم على التوحيد؟ 

فإنّ خبر (لا) مقدّر لا محالة، ويدور أمره بين أن يكون هو كلمة (موجود) أو (ممكن)، فإن كان المقدّر هو كلمة موجود دلّت على أن لا إله موجود غير الله سبحانه، بمعنى انحصار الوجود به، فلا معبود بالحقّ إلّا هو، وغيره غير قابل للعبادة بالحقّ.

فبالنسبة إلى الوجود وإن كان يدلّ على الانحصار، إلّا أنّه لا يدلّ على نفي الإمكان عن غيره، فمن الجائز أن يكون هناك إله آخر معبود بالحقّ، وإن لم يكن موجوداً خارجاً.

وأما إذا قدرنا كلمة (الممكن) فتدل على انحصار الممكن به سبحانه، وأنَّ 

ــــــــــ[250]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

غيره من المعبود بالحقّ لا يمكن، وأمّا أنّه تعالى موجود أو لا، فهو ممّا لا دلالة لها على الوجود. فعلى كلا التقديرين لا يمكن استفادة التوحيد من هذه الجملة.

هذا هو ملخص الإشكال الذي أشكله ابن الحاجب(1) على بعض العلماء.

جواب صاحب الكفاية

وأجاب صاحب الكفاية عن ذلك: أنّ دلالة هذه الكلمة على الشهادة على التوحيد والحكم بإسلام قائلها، إذا انضمت إلى الشهادة بالرسالة، لعلّها من جهة دلالة القرينة على ذلك، ولا يلزم أن تكون الاستفادة من جهة الكلام نفسه، بل يمكن أن تكون من القرائن الحاليّة أو المقاليّة.

لكنّه واضح الفساد، إذ لم تكن هنا قرينة خارجية على هذه الاستفادة، والاستفادة إنّما هي من نفس الكلام بلا قرينة.

الصحيح في الجواب 

أوّلاً: أنّ المقدّر هو كلمة (الموجود) -كما هو الظاهر من هذه التراكيب- الظاهرة في نفي الوجود لا لنفي الإمكان، إلّا إذا قامت قرينة على ذلك، نحو: (لا رجل في الدار) و(لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب) و(لا صيام في السفر) وغيرها من موارد نفي الجنس التي هي مسوقة لنفي الوجود لا نفي الإمكان.

فلا إله موجود إلّا الله، يعني: حصر الوجود المعبود بالحقّ بالله سبحانه، وأنّ غيره من المعبود بالحقّ ليس بموجود، بل كلّ ما يكون موجوداً فهو معبود 

ــــــــــ[251]ــــــــــ

(1) انظر: شرح مختصر المنتهى 3: 31،30.

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

باطل. وهذا يكفي في الإسلام، ولا يعتبر في الإسلام أن يكون المسلم معتقداً بعدم إمكان غيره، ولعلّ هذا أمر لا يلتفت إليه كثيرٌ من العوام، وهو عدم إمكان غيره واستحالته. بل بحسب لوجود الخارجي، فالله سبحانه موجود، وليس غيره معبوداً بالحقّ، أمّا أنّ غيره ممكن أولا فهو غير معتبر في الإسلام.

فلنفرض أنّ الكلام لا يدلّ على نفي الإمكان عن غيره، وإنّما مصداق مفهوم المعبود بالحقّ منحصر بفرد واحد، وهو الله سبحانه، وغيره ممتنع، بل لو كان هذا غير ملتفت إليه من قبل المسلم أو غير معتقد به، فأيّ شيء يضرّه إذا كان معترفاً بعدم وقوعه خارجاً؟ نعم، إذا كان يقول بالإمكان ويحتمل وجوده فهو ليس بموحّد.

وثانياً: أنَّ واجب الوجود -الذي فرضناه واجب الوجود- يدور أمره بين الضرورة والامتناع، والاتّصاف بالإمكان الخاصّ بالنسبة إلى واجب الوجود غير ممكن، فإنَّ الواجب لا يمكن أن يكون قسماً من الممكن، وإنَّما هو قسيم له. نعم، يمكن أن يكون ممكناً بالإمكان العامّ، أيّ: ليس بممتنع، أمّا الإمكان الخاص بمعنى تساوي الوجود والعدم فيستحيل تحقّقه في الواجب.

فواجب الوجود يدور أمره بين الوجوب والامتناع، يعني: إن أمكن بالإمكان العامّ فإمكانه مساوق لضرورته ووجوبه، وإذا فرضنا أنه ليس بموجود فهو ممتنع لا محالة.

والأمر كذلك عند التحقيق، فهذا المفهوم الذي نتصوّره -وهو المعبود بالحقّ- إمّا ضروري الوجود وإمّا ممتنع الوجود دون الإمكان الخاصّ، فإنّ 

ــــــــــ[252]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

نفس تصوّر الإمكان الخاص مساوق للتصديق بعدمه، فإنّ معنى الممكن أنّه في ذاته لا يقتضي الوجود ولا يقتضي العدم، فكيف يكون واجب الوجود؟

والمفروض أنّه ذات مستغنية في وجودها عن الغير، ولا يقتضيه مقتضٍ ولا يحتاج إلى شرط، ولا يمنع عنه مانع، فإمّا أن يكون مستحيلاً في ذاته، وإما أن يكون ممكناً، فإذا كان ممكناً فهو موجود لا محالة، لأنّه لماذا لا يكون موجوداً، هل لعدم مقتضيه؟ المفروض أنَّه لا مقتضي له. أو لعدم شرطه؟ والمفروض عدم حاجته إلى الشرط. أو لوجود مانعه؟ المفروض أنّه لا مانع له.

إذن، لو فرضنا أنّه لو كان المقدور هو الممكن، فهو ممكن بالإمكان العامّ، وإن كان ممكناً فهو موجود لا محالة. ولو كان المقدّر هو الموجود، ونفينا الوجود عن المعبود الآخر، فلا بُدَّ أن يكون ممتنعاً، إذ لو كان ممكناً لكان موجوداً لا محالة.

فالإمكان والوجود الخارجي متساوقان بالنسبة إلى هذا المفهوم، بل قيل:
-وهو الصحيح- إنَّ صفاته أيضاً كذلك، إذ لا مسوّغ للإمكان الخاص بالنسبة إلى الواجب تعالى، فلا يحتمل أن يفرض أن يتصف الواجب بصفة يجوز اتّصافه بها، ويجوز عدم اتّصافه، فلا بُدَّ من ضرورة اتّصافه، وكل ما أمكن اتّصافه به فهو متّصف به لا محالة، إذ عدم اتّصافه به إمّا لعدم المقتضي، أو لعدم الشرط، أو لعدم المانع، وكلّه مفروض العدم. فالأمر بين أن يكون الواجب ممّا يمتنع اتّصافه بصفة أو يجب اتّصافه، ومرجع هذا إلى أنَّ الصفات عين الذات، وليست زائدة عليها، فإذا كانت الذات ضرورية كانت الصفات أيضاً ضرورية.

ــــــــــ[253]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

فيمكن اختيار كلا التقديرين، بأن يكون المقدّر هو الموجود، فيدلّ مطابقة على انحصار الموجود به (عزّ وجل) وبالالتزام يدلّ على نفي الإمكان عن غيره، إذ لو كان ممكناً لكان موجوداً لا محالة. وأن يكون المقدر هو الممكن فيكون دالاً بالمطابقة على إثبات الإمكان العامّ له (سبحانه) أو بالالتزام على وجوده.

وقد وجدنا في كلام بعض كلمات فلاسفة هذا العصر(1) -كما ذكرنا في الدورة السابقة-: أتصوّر أن يكون لهذا العالم صانعٌ، فإذا كان متصوّراً فهو موجود لا محالة. 

والظاهر أنّه يشير إلى هذا المعنى الحقّ، وهو أنّه في مقام التصوّر يمكن تصوّر مُوجِد لهذه العوالم الإمكانيّة، إذ لم يقم دليل على امتناعه، فإذا كان متصوّراً فهو موجود لا محالة.

إذن، الكلام يندفع على كلا التقديرين.

ــــــــــ[254]ــــــــــ

(1) نقله عن (ديكارت) يوسف كرم، انظر: تاريخ الفلسفة الحديثة 80-82

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

 

مفهوم العدد

 

قالوا: إنَّ العدد يدلّ على المفهوم، فإذا أمر المولى بالإتيان بعمل مقيّداً بعدد معين كالعشرة مثلاً كان له مفهوم.

فإن أراد القائل بالمفهوم أنّه لا يجوز الاقتصار على الأقلّ من العدد المذكور في موضوع الحكم، أو متعلّقه، كما لو كان العدد عشرة فأتى بخمسة مثلاً، فالكلام يدلّ على عدم الاجتزاء بذلك، فهذا صحيح إلّا أنّه أجنبي عن المفهوم، بل هو دلالة منطوقيّة، فإنَّ المفروض أنّ المأمور به هو عشر مرات، فلا يكون الأقل منها امتثالاً للواجب، وإتياناً بالمأمور به، وهذا جارٍ حتّى في اللقب، فإنّه لو أمر المولى بإكرام زيد، فأكرم المكلّف غير زيد لم يكن مجزياً لا محالة.

وإن أراد القائل بالمفهوم عدم جواز الإتيان بالزائد على هذا العدد
-والظاهر أنّهم يريدون ذلك- مثل التسبيحات في الصلاة المقيّدة بثلاث مرّات، فيدلّ القيد على عدم جواز الإتيان بها أربع مرّات، فهذا أيضاً لا يصحّ، فإنّ العدد المأخوذ في الدليل، إن كان مأخوذاً على نحو لا بشرط، فمقتضى الإطلاق هو جواز الإتيان بالزائد أيضاً، فإنّ الواجب هو الإتيان بالفعل عشر مرات سواء أتى بالزائد أو لا، فالواجب هو هذا، وأمّا أنّ الزائد لا يجوز فهو يحتاج إلى دليل، ومقتضى الإطلاق جوازه.

ــــــــــ[255]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وإذا كانت هناك قرينة على أنّ العدد مأخوذ بشرط لا من حيث الزيادة كالسجدتين، فلا تجوز السجدة الثالثة، ففي مثل ذلك: وإن كان لا يمكن الإتيان بالزائد، إلّا أنّه ليس من المفهوم بل هو من المنطوق، فإنَّ قيد الواجب لم يحصل، فإنَّ الواجب السجدتان المقيّدتان بعدم الزيادة، فإذا أتى بالزائد فهو لم يأت بالمأمور به بقيده، ولم ينطبق المأمور به على المأتي به، فهذا داخل في الدلالة المنطوقيّة. إذن، لا نتعقّل معنى صحيحاً للمفهوم في العدد.

ــــــــــ[256]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7



مفهوم اللقب

 

وكذلك الحال في اللقب، فلو أمر بإكرام زيد، فإنّه لا يدلّ على أنّ غيره لا يجب إكرامه، فإنّ إثبات الحكم لشيء لا ينافي إثباته لشيء آخر، ولا يلازم نفيه عمّا عداه.

هذا تمام الكلام في المفاهيم.

وإلى هنا ينتهي ما ضمّ هذا الدفتر بين دفّتيه من المحاضرات الثمينة الجليلة في علم الأصول لسيّدنا الأستاذ آية الله الخوئي (أدام الله ظلّه). وقد انتهيت منه تحت نور القمر اللامع ليلة العاشر من شهر ربيع الأوّل سنة ألف وثلاثمائة وثمانين وست من الهجرة النبويّة المباركة على مهاجرها أفضل التحيّة والسلام وعلى آله الكرام.

وقد احتوى هذا الدفتر على 61 محاضرة، وفقت بحسن توفيق الله ومنّه إلى ضبطها جميعاً تحت منبر الدرس، ومن ثُمَّ استنساخها هنا، ومن ثَمَّ جاءت جامعة لشرائط الكمال، مانعة عن طرائق الخسّة والضلال، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين. 

وأنّا المحتاج إلى رحمة ربّه الكريم محمّد بن السيّد محمّد صادق الصدر
– النجف الأشرف – العراق. 

ــــــــــ[257]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

 

الفهرس

 

دلالة النهي على الفساد في العبادة والمعاملة 11

الأمر الأوّل: [الفرق بين المسألتين] 11

الأمر الثاني: [أنَّ المسألة أصوليّة عقليّة] 13

الأمر الثالث: أنَّ محلَّ الكلام في النواهي المولويّة 17

الأمر الرابع: النهي المولوي هل يختص بالنّفسي أو يعمّ الغيري 21

الأمر الخامس: ماهيّة الصحّة والفساد 26

تفصيل صاحب الكفاية 26

جوابنا على الآخوند 28

تفصيل الميرزا النائيني 31

رجوع كلام الميرزا إلى كلام الآخوند 34

ما ذكره صاحب الكفاية ونقده 41

بقي شيءٌ في المقام 46

الصحة والفساد المبحوث عنهما 47

عدم اختصاص النزاع بوجود إطلاق أو عموم 52

ــــــــــ[259]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

مقتضى الأصل العملي 53

الشبهة الحكميّة والموضوعيّة 55

متابعة الميرزا للآخوند الخراساني 56

التحقيق في المسألة 57

استدراك صاحب الكفاية 57

في متعلّق النهي 61

ما أفاده صاحب الكفاية 61

موجبيّة فساد العبادة مطلقاً 62

الصحيح مختار صاحب الكفاية 65

بيانٌ آخر للميرزا  68

عدم تماميّة الأمرين 70

عماد ما ذكره الميرزا 73

النزاع في تقسيم الشرط 78

ما ذكره صاحب الكفاية 78

ما ذكره الميرزا النائيني 79

الصحيح ما ذكره صاحب الكفاية 81

البحث في الشرط من جهتين 84

تعلّق النهي بالوصف الملازم والمفارق 89

ــــــــــ[260]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

الكلام في العبادات 91

الكلام في المعاملات 94

دلالة النهي على الصحّة 95

تفضيل الميرزا النائيني 96

ما ينبغي ذكره في المقام 98

ما رتّبه الميرزا النائيني 108

في روايات نكاح العبد 112

المفاهيم 121

الدلالة المنطوقيّة والمفهوميّة 121

أمران خارجان عن الدلالتين 124

لفت نظر 127

ترتّب الأثر على إثبات المفهوم وعدمه 128

الكلام في مفهوم الشرط 129

مختار الشيخ الأعظم 129

الصحيح في المقام 130

اختيار عدم الدلالة إلّا بمساعدة القرائن 133

الارتباط بين المقدّم والتالي 134

التفريع المذكور من قبل الميرزا 136

نقد ما أفاده الميرزا 137

ترتّب المعلول على علّته الانحصاريّة 139

ــــــــــ[261]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

وجه آخر للميرزا النائيني 141

في تعرّض الميرزا لصاحب الكفاية 143

الإشكال على الميرزا 148

التحقيق في المسألة 152

الجُمَل الخبريّة والإنشائيّة 159

تعدّد الشرط ووحدته 168

انقسام القضيّة الشرطيّة 170

تمحيص كلام العلمين (قدس الله سرهمّا) 174

بيان الحكم المذكور في الجزاء 177

ما ذكره الميرزا في المقام 180

الصحيح خلاف ما ذكره الميرزا 181

تعدد الشرط واتحاد الجزاء 184

ما احتمله صاحب الكفاية 185

نقد ما أفاده صاحب الكفاية 188

ما قاله شيخنا الميرزا 189

نقد ما أفاده الميرزا على المستويين 190

الفرق بين المسألتين 195

تداخل الأسباب 197

تداخل المسبّبات 198

ــــــــــ[262]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

مقتضى الأصل العملي في الأحكام التكليفيّة 199

مقتضى الأصل العملي في الأحكام الوضعيّة 201

قبول الجزاء للتعدّد والتقيّد والتأكّد 202

المعروف عن فخر المحقّقين 206

الرأي المختار 208

وقوع الخلاف بين الفقهاء 209

التعدّد العنواني أو الوجودي 211

ما ذهب إليه شيخنا الأستاذ 213

الكلام في موردي تداخل المسبّبات 215

مفهوم الوصف 219

المنسوب إلى بعض الشافعيّة ونقده 221

تحقيق الحال في مفهوم الوصف 222

الاستدلال على مفهوم الوصف 223

التفصيل في المقام 227

مفهوم الغاية 230

الكلام في منطوق الغاية 230

الكلام في مفهوم الغاية 233

مرحلة الثبوت 233

مرحلة الإثبات 236

ــــــــــ[264]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج7

في بيان الحكم المستفاد 237

مفهوم الحصر 240

إشكال الرازي والردّ عليه 242

المنسوب إلى أبي حنيفة 246

جواب صاحب الكفاية ونقده 247

الصحيح في المقام 249

البحث في كلمة التوحيد 250

جواب صاحب الكفاية 251

الصحيح في الجواب 251

مفهوم العدد 255

مفهوم اللقب 257

الفهرس 259