الجزء الثامن
261
ص44 الصدر، محمد.
تقريرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج8 (360ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1742/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1742) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
8-18-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
تقريرات في
علم أصول الفقه
تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ
آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء الثامن
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
مبحث العموم والخصوص
ويحتوي على:
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ــــــــــ[10]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
العموم لغةً، بمعنى: الشمول، وهو اصطلاحاً شمول الحكم لجميع (لتمام) أفراد المدخول، فكلّ ما يمكن أن ينطبق عليه مدخول أداة العموم يكون مشمولاً للحكم.
وهذا المعنى وإن كان ثابتاً للإطلاق أيضاً، يعني أن العموم والإطلاق يشتركان في أن الحكم يسري إلى جميع الأفراد، إلّا أنَّ ذلك في الإطلاق يكون مقدّمات الحكمة، وفي العموم بالوضع. إذن، يكون العموم هو شمول الحكم لجميع ما يمكن أن ينطبق عليه المدخول وضعاً، والإطلاق بمقدّمات الحكمة.
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
في انقسام العموم
ــــــــــ[13]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ثُمَّ إنّ العموم ينقسم إلى أقسام ثلاثة: إذ قد يكون الحكم استغراقياً، وقد يكون مجموعياً، وقد يكون بدلياً، فإنَّ سراية الحكم إلى جميع الأفراد قد يكون بمعنى ثبوت الحكم لكلّ فردٍ فهو الاستغراق، وقد يكون بمعنى ثبوته لمجموع الأفراد، فيكون كلّ فرد جزءاً(1) من الموضوع لا أنّه الموضوع، ففي الحقيقة هنا حكم واحد ثابت للمجموع، وأمّا في الأوّل فيكون أحكاماً متعدّدةً بعدد الأفراد، ويتصوّر لكلّ فرد منها إطاعة خاصّة به ومعصية كذلك، بخلافه في الثاني فإنّ له معصية واحدة وإطاعة واحدة، فإن أتى بالمجموع كان مطيعاً، وإن انتفى واحد منها كان عاصياً، وهو حكم واحد، وفي الأوّل كان كلّ فرد موضوعاً لحكم مستقلّ، وإن كان مستفاداً من دليل واحد، إلّا أنّه بحسب اللب وواقع الإرادة الجدّية هو ذلك.
وقد يكون السريان إلى جميع الأفراد لا على نحو الاستغراقيّة ولا على نحو المجموعيّة، بل على نحو الشمول البدلي، بمعنى: أنّه لا خصوصّية لفرد دون
ــــــــــ[15]ــــــــــ
() هذا إنّما يتصوّر في تعلّق النهي بطبيعة، أو في تعلّق الأمر بمجموع اعتباري مركّباً على أن يكون لحاظ المجموعيّة من حيث الأجزاء لا الأفراد. أمّا متعلّق الأمر بالإتيان بمجموع الأفراد فهو محال؛ لأنّه تكليف بغير المقدور. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
فرد، وإنّما المطلوب هو صرف الوجود القابل للانطباق على كلّ فرد أراد المكلّف، فمدلول العموم وإن كان هو سريان الحكم إلى جميع الأفراد، إلّا أنّه ليس من قبيل العموم الاستغراقي أو المجموعي، بل بنحو السريان على نحو البدليّة. فهذه هي الأقسام المتصوّرة للعام.
ــــــــــ[16]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
هل ينقسم العموم إلى هذه الأقسام باعتبار تعلّق الحكم به؟ فإذا كان الحكم متعدّداً، وكان كلّ فرد محكوماً بحكمٍ مستقلٍّ فهو عامٌّ استغراقي، وإذا كان الحكم واحداً ثابتاً للمجموع فهو عموم مجموعي، وإذا كان حكماً واحداً ثابتاً لصرف الوجود من الطبيعة الساريّة فهو بدلي.
أو إنَّ التقسيم بلحاظ العموم نفسه؟ وإنَّ لحاظ المتكلّم في كلّ قسم يختلف عنه في القسم الآخر، وإن كان نتيجة ذلك هو اختلاف الحكم، فاختلاف الحكم باختلاف اللحاظ، ومرتبة لحاظ الموضوع على أنحاء متعدّدة أسبق رتبةً من لحاظ تعلّق الحكم به.
ذكر صاحب الكفاية(1) أنَّ هذا التقسيم إنّما هو بلحاظ ترتّب الحكم، وإلّا فبقطع النظر عن ذلك لا ينقسم العموم إلى استغراقي، ومجموعي، وبدلي. ولكن الظاهر أنَّ الأمر ليس كذلك، بل التقسيم في مرتبة سابقة على ثبوت الحكم.
ــــــــــ[17]ــــــــــ
(1) انظر كفاية الأصول 216.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بيان ذلك: أنّ المعنى الذي وقع مدخولاً لأداة العموم، قد يلاحظ على نحو لا يسري إلى الخارج، وحينئذٍ يكون معروضاً للمعقولات الثانوية، كقولنا: (الإنسان نوع) فإنّه معلوم أنّ الإنسان لم يستعمل في معانٍ متعدّدة، بل استعمل بمعنى واحد، وهو المعبّر عنه بالحيوان الناطق، وهذا الإنسان قد نلاحظه على نحو لا يسري إلى ما في الخارج، فنلاحظ هذا المفهوم في مرحلة المفهوميّة لا في مرحلة وجوده الخارجي، فنحكم عليه(1): بأنّه جنس، أو نوع، أو عرض، وغير ذلك من المعقولات الثانويّة.
وفي مثل ذلك لا يمكن تشكيل القياس الآتي: زيد إنسان، والإنسان نوع، فزيد نوع، لأنَّ الإنسان نوع بما هو مفهوم، وهو بهذا اللحاظ لا ينطبق على زيد. إذن، فبهذا اللحاظ لا يحمل عليه إلّا المعقولات الثانوية.
وقد يلاحظ هذا المفهوم بعينه فانياً بما في الخارج، وحينئذٍ يلاحظ فانياً في بعض الأفراد دون بعض كما في الموجبة الجزئيّة، كالإنسان كاتب، والإنسان عالم، بنحو القضيّة المهملة التي هي بحكم الجزئيّة، وقد نقيّده بكلمة بعض، نحو: (بعض الإنسان كاتب) وهذا ما يسمّى بـ(الخاصّ)، أي: أنَّ المفهوم لم يلاحظ فانياً في جميع الأفراد، وسارياً إلى جميع ما يمكن أن ينطبق عليه، بل لوحظ فانياً في بعض الأفراد دون بعض في مقابل العموم الذي له صفة السريان إلى جميع الأفراد.
وقد يلاحظ المفهوم فانياً في جميع الأفراد، وسارياً إلى جميع ما يمكن أن
ــــــــــ[18]ــــــــــ
() يعني: على المفهوم. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ينطبق عليه، وحينئذٍ قد يلاحظ من باب لحاظ الوحدة في الكثرة، يعني: نلاحظ الكثرات بما هي كثرات، ولكن بتوسّط معنى إجمالي واحد، فالكثرات ملحوظة لكن على نحو الجمع في اللحاظ دون الالتفات إلى خصوصيات كلّ فردٍ فردٍ، وهذا الحكم الثابت لهذه الوحدة في المكثرات يكون سارياً على جميع الأفراد، لأنّه لوحظ فانياً في الكثير بما هو كثير لكن بعنوان إجمالي، فأنّنا لم نلاحظ هذه الخصوصية في قبال الأخرى، ولكن الخصوصيات لوحظت على نحو الإجمال فيسري الحكم إلى الأفراد.
إذن، فسريان الحكم إلى جميع الأفراد تابع لكيفيّة لحاظ الموضوع، وبهذا ينقسم العموم إلى أقسامه، فإن لوحظت الكثرات بما هي كثرات، لكن على نحو الإجمال لا التفصيل، يكون الحكم استغراقياً لا محالة، وهنا وإن كان الحكم ثابتاً لكلّ فرد، إلّا أنّ الاستغراق لم ينشأ من ذلك، بل نشأ مّما هو أسبق رتبة منه، وهو لحاظ المفهوم فانياً بنحو الوحدة في الكثرة.
وقد يلاحظ مجموع الكثرات بلحاظ واحد، فالكثرات ملحوظة جمعاً وعلى نحو الوحدة، فينطبق الحكم على مجموع الأفراد، ويكون الحكم الثابت لمثل هذا المفهوم غير سار إلى الأفراد، بل يكون الحكم فانياً في المجموع لا في الجميع، فلا يكون الحكم ثابتاً لكلّ فرد، لأنَّ كلّ فرد ليس ملحوظاً للمتكلّم اللاحظ، وإنّما الملحوظ هو المجموع.
وقد يلاحظ المفهوم فانياً في الطبيعة، ويكون الملحوظ هو صرف وجود الطبيعة مع إلغاء جميع الخصوصيّات عن الطبيعة القابلة للانطباق على كل فرد
ــــــــــ[19]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
أراد المكلّف، وهذا هو الحال في المطلق، فلو قال: (أكرم عالماً) وعندئذٍ تلحظ طبيعة العالم على نحو صرف الوجود القابل للانطباق على أيّ فرد شاء في الخارج، غاية الأمر: أنَّ هذا في طرف العامّ يكون مدلولاً وضعياً، وهو في طرف الإطلاق يكون مدلولاً عليه بمقدّمات الحكمة.
إذن، فهذه الأقسام تنشأ من كيفيّة لحاظ الطبيعة، وإلّا فالحكم لا يختلف من نفسه من دون اختلاف اللحاظ، وكيف يمكن أن يكون الحكم مختلفاً بلا ملاك؟ بل هو يختلف باختلاف لحاظ الموضوع(1)، وهذا التقسيم تقسيم قبل عروض الحكم، والحكم تابع لهذا اللحاظ، وكيفما لوحظت الطبيعة تبعها الحكم.
ثُمَّ إنّه قد يراد بالمدخول المادّة في قولنا: إنَّ العموم هو شمول الحكم لتمام أفراد المدخول، فيما إذا كان العموم شمولياً مستفاداً من الهيئة، كما في الجمع المعرف باللام، كقوله: (أكرم العلماء) فإنَّ المادّة هي العلم، وكلمة العالم اسم
ــــــــــ[20]ــــــــــ
() يمكن أن يقال: إنّ انقسام الموضوع باعتبار اختلاف اللحاظ في المرتبة السابقة عن تعلّق الحكم به وإن كان صحيحاً، إلّا أنّه لا ينافي ابتناء التقسيم على عروض الحكم نفسه، فإنَّ لحاظ الموضوع بأحد الأنحاء الثلاثة يكون أمراً لاغياً إن لم يكن محالاً، ولم يكن في المقام حكم يترتّب عليه. إذن، فلا بُدَّ من اجتماع كلتا الخصوصيتين لإنتاج هذه الأقسام، وتكون النتيجة حينئذٍ مع صاحب الكفاية، فإنّه لولا تعلّق الحكم بالموضوع لما أمكن لحاظه على أنحاء، ومن ثَمَّ لامتنع التقسيم، وإن كان ما ذكره السيّد الأستاذ من توقّف التقسيم على هذا اللحاظ صحيحاً. وقد يفرض هذا الوجه على نحو يكون صحيحاً بين هذين العلمين. فتأمّل. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
جنس ولا دلالة لها على العموم، والاستيعاب، لكن إذا قال: (أكرم العلماء) تدلّ الهيئة على أنَّ المادّة لوحظت على نحو السريان وعلى نحو الوحدة في الكثرة.
ومّما ذكرناه ظهر: أنَّ ما كان من قبيل كلمة (عشرة) أو (ثلاثة) ليس من أدوات العموم، فإنَّ كلمة (عشرة) من أسماء الأجناس، وموضوع لعدد خاصّ ومدخوله كذلك، فحاله في ذلك حال التثنية، فلو قلنا: (رجلان) ينطبق على كلّ فردين من أفراد الرجال، وهذا الانطباق لا يكون إلّا من المطلق، فإذا كان المتكلّم في مقام البيان يدل على سريان الحكم إلى تمام ما ينطبق عليه الموضوع، فسريان الرجلين إلى رجل ورجل دلالة وضعية كدلالة سائر المركّبات على أجزائها، وأمّا سريانه إلى جميع ما يمكن أن ينطبق عليه المفهوم، فهو بالإطلاق لا بالعموم.
كذلك الأمر في (ثلاثة) وغيرها من الأعداد، فهي بما هي مركّبة تدلّ على أجزائها دلالة وضعية كسائر المركّبات من حيث انطباقها على كلّ ما يمكن أن ينطبق عليه المفهوم، فلا بُدَّ فيه من إجراء مقدّمات الحكمة، وإلّا فهو غير مستفاد من اللفظ.
ــــــــــ[21]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
في دلالة أصل الألفاظ على العموم
ــــــــــ[23]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
لا ينبغي الشكّ في وجود ألفاظ في كلّ لغة تدلّ على العموم، وعلى أنَّ الحكم يعمّ كلّ ما يمكن أن ينطبق عليه المدخول، وهو أمر واضح لأهل كلّ لغة بالنسبة إلى لغتهم.
ولكن مع ذلك قد يناقش في دلالة الألفاظ على العموم بأن إرادة البعض متيقّن، وإرادة الجميع غير متيقّنة، فيقتصر على القدر المتيقّن.
والجواب عن ذلك: -وإن كان إرادة البعض متيقّناً، وإرادة الجميع غير متيقّنة، إلّا أنّ عدم اليقين لا ينافي ظهور اللفظ في العموم- أنّ اللفظ بالنسبة إلى بعضها نصٌّ وبالنسبة إلى البعض الآخر ظاهر، ولا يلزم أن تكون الدلالة قطعيّة دائماً، وإنّما يكون اللفظ حجّة بظهوره.
وقد يناقش(1) بما هو المعروف(2) من أنَّ: “ما من عامّ إلّا وقد خصّ”(3) فكلّ
ــــــــــ[25]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأُصول: 216.
(2) انظر: استقصاء الاعتبار 1: 221، الوافي 21: 427، حاشية الوافي (للبهبهاني) 121.
(3) هذه القاعدة لم ترد في كتاب ولا سنّة، فلا تكون حجّة بالإضافة إلى أنّها تشمل نفسها لا محالة، فتكون كاذبة على كلّ حال، ولا يقصد بها إلّا الموجبة الجزئيّة. وهي لا تنفع في المقام (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
العمومات مخصّصة، فإذا كان اللفظ موضوعاً للعموم يلزم منه خلاف الحكمة، وهو أنَّ اللفظ موضوع لمعنى لم يستعمل فيه أبداً، وإنّما استعمل اللفظ في الخاصّ مجازاً دائماً، فإذا قلنا: إنَّ اللفظ لم يوضع للعموم، فإنّه حينئذٍ يكون اللفظ مستعملاً في معناه.
والجواب: أنّه على تقدير تسليم الكبرى، وهي: (ما من عام إلّا وقد خصّ) إلّا أنّ التخصيص إذا كان بمتّصل؛ فمعلوم أنّ هذا لا يستلزم المجازيّة، بل أنّ مصبّ العموم من الأوّل ضيق، لا أنّه استعمل في العموم وورد عليه التخصيص بعد ذلك ليكون مجازاً، فإذا قلنا: (أكرم كلّ عالم تقي) فهنا وإن كان العالم مخصّصاً، إلّا أنّ هذا التخصيص لا يستلزم المجازيّة قطعاً لأنَّ مصب العموم ضيق، وقد ورد العموم على العالم التقي، فلم تستعمل لفظة العموم في المعنى المجازي بل في العموم في حصّة خاصّة.
كما أنَّ التخصيص إذا كان بمنفصل يكون من التضييق في المراد الجدّي لا في المراد الاستعمالي، واللفظ قد استعمل في معناه، فلو ورد: (الماء لا ينجسه شيء إلّا إذا تغيّر أحد أوصافه)(1) وورد: “الماء القليل ينفعل بالملاقاة“(2) فهذا
ــــــــــ[26]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 135، الباب 1، أنّه طاهر مطهر برفع الحدث ويزيل الحدث، الحديث :9.
(2) قال البهبهاني: إنّ أخبار الخاصّة متواترة بالمعنى في أنّ الماء القليل ينفعل بالملاقاة، صرّح بكونها متواترة غير واحد من المحقّقين، منهم: صاحب المعالم، وجدّي العلّامة المجلسي. حاشية الوافي: 118.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الأخير وإن كان مخصّصاً، لكن لا يستكشف منه أنّ الماء استعمل في غير القليل، أو أنَّ المراد بالشيء غير النجاسات، وإنّما يستكشف من التخصيص أنَّ العموم ليس مراداً جدّيّاً، وإنّما المراد الجدّي بعض حصّصه.
وبعبارة أخرى: التقييد والتخصيص والمجاز أمور متقابلة، لا أنَّ التخصيص هو المجاز بعينه، بل التخصيص ينظر إلى المراد الجدّي لا المعنى المستعمل فيه، والمجاز والحقيقة ينظران إلى المعنى المستعمل فيه، وليس في موارد التخصيص استعمال اللفظ في غير المعنى الموضوع له.
ــــــــــ[27]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ذكر صاحب الكفاية(1) مّما يدل على العموم ظهور النكرة في سياق النفي أو النهي، وذكر منها لفظ (كلّ) وما يشبهها مثل: (جميع) و (الجمع المحلّى باللام).
وأفاد أنَّ هذه الأمور وإن كانت دالّة على العموم -وإنكار دلالتها عليه لا يسمع- إلّا أنّ الدلالة عليه في هذه الموارد تتوقّف على جريان مقدّمات الحكمة في المدخول، فإنّ العموم تابع لما يراد من المدخول، وهذا لا ينافي استعمال العموم في جميع الموارد، فلو قلنا: (أكرم كلّ إنسان) و(أكرم كلّ عالم) فلفظ (كلّ) استعمل في معنى واحد في الجميع، وإن كانت السعة تختلف باختلاف المدخول، ففي المثال الأوّل يشمل سائر أفراد الإنسان، وفي الثاني الإنسان العالم، وهكذا.
فالمستعمل فيه في مثل (كلّ) وإن كان أمراً واحداً، إلّا أنّ السعة والضيق تختلفان باختلاف المدخول والمراد منه. إذن، نحتاج إلى جريان مقدّمات الحكمة، فلو قال: لا تعاشر رجلين في هذا اليوم، والمفروض أنَّ كلمة (رجل) موضوعة للمعنى المطلق الذي لم يلحظ فيه أيّ خصوصيّة غير نفس الطبيعي،
ــــــــــ[28]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول 217.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
فإذا كان المراد هو اللابشرط القسمي الذي لوحظت فيه الخصوصيّات وألغيت عنه، ويعبّر عنه: بالطبيعة السارية واللابشرط القسمي، فإن كان هذا هو الملحوظ فالنهي عن مثل هذه الطبيعة يسري إلى جميع الأفراد.
وإذا فرضنا أنّ المراد حصّة خاصّة منها فيكون الاستيعاب في أفراد هذه الطبيعة الخاصّة، وإذا لم يكن المتكلّم في مقام البيان، ولم تجر مقدّمات الحكمة لما أمكن استفادة العموم، إذ لعلَّ المراد من الطبيعة حصّة خاصّة -والمهملة في قوّة الجزئيّة- فالتمسّك بالعموم متوقّف على جريان المقدّمات في المدخول في موارد النفي والنهي، ويثبت بها أنَّ الملحوظ هو الطبيعة المطلقة، فيدلّ الكلام على الاستيعاب والشمول لكلّ ما ينطبق عليه هذه الطبيعة، وأنَّ جميعه منهي عنه أو منفي.
هذا الذي أفاده بالنسبة إلى وقوع النكرة أو اسم الجنس في حيّز النفي أو النهي متين جدّاً، فإنَّ دلالة النفي أو النهي على الاستيعاب ليست لفظيّة، وإنّما هي بحكم العقل، فإنّه يستقلّ بأنَّ نفي الطبيعة لا يكون إلّا بنفي جميع أفرادها، وانعدامها لا يكون إلّا بانعدامهم، ولكن أيّ طبيعة؟ لا بد أن تكون الطبيعة المطلقة، وإلّا لو كان المراد من اللفظ حصّة خاصّة فلا يدلّ الكلام على نفي الطبيعة أينما سرت، فلا بُدَّ أن يعلم أنَّ المراد من هذا اللفظ أيّ شيء، هل الطبيعة المطلقة ليدل على نفي تمام أفرادها؟ أو الطبيعة الخاصّة فتدلّ على نفي أفراد هذه الحصة؟ أو المتكلّم ليس في مقام البيان، فلا يكون فيه دلالة على الاستيعاب.
ــــــــــ[29]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وأمّا الجمع المحلّى باللام، فهل دلالته على الاستيعاب من باب الوضع أو الإطلاق؟ سيأتي الحديث عنه في بحث المطلق والمقيّد.
وأما لفظ (كلّ) فالظاهر أنَّ ما ذكره من الحاجة إلى جريان مقدّمات الحكمة في مدخولها لا يتمّ.
والوجه في ذلك: أنّ استفادة الاستيعاب والشمول من مقدّمات الحكمة يتوقّف على كون المتكلّم في مقام البيان، وعدم ذكره قيداً خاصّاً وجوديّاً أو عدميّاً، فحينئذٍ نستكشف أنَّ مراده في مقام الإثبات مطلق، وبقاعدة المطابقة نستكشف أنَّ مراده الجدّي في مقام الثبوت مطلق أيضاً.
وأمّا في العموم فاستفادة الاستيعاب مستندة إلى الشارع وعدم التخصيص فكلمة (كلّ) بمنزلة التصريح: إنَّ ذهني لم يلحظ أيَّ خصوصية، كما في قولنا: (كلّ نار حارة).
فكم فرق بين المطلق والعامّ، فإنَّ الاستيعاب والشمول مستفاد من المطلق من عدم البيان، وفي العموم من بيان العدم. إذن، أيّ حاجة إلى جريان مقدّمات الحكمة.
نعم، يمكن أن يكون مدلول كلمة (كلّ) مقيّداً من الأوّل، نحو: (أكرم كلّ عالم هاشمي) إلّا أنّه إذا لم يكن هناك تقييد في مقام الإثبات، وقد أتى بكلمة (كلّ) فتدلّ وضعاً على أنَّ المتكلّم لم يلاحظ أيّ خصوصيّةٍ.
وعلى هذا يترتّب ما ذكرناه في مبحث التعادل والتراجيح(1) من أنَّ العامّ إذا
ــــــــــ[30]ــــــــــ
(1) دراسات في علم الأُصول 4: 366.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
عارضه مطلق يتقدّم العامّ، فإنّ دلالة المطلق على الاستيعاب متوقّفة على عدم البيان، وأما العامّ فهو بيان بمقتضى الوضع.
ولولا ما ذكرناه لا يمكن بيان العموم بأيّ لفظ كان، ومعناه أنَّ المتكلّم عاجز عن بيان الشمول والاستيعاب، وأنَّ الحكم سار إلى كلّ فرد، حتّى لو قال: إنَّ ذهني لم يلحظ أيّ خصوصيّة في متعلّق حكمي، فيمكن أن يكون متعلّق حكمه حصّة خاصّة، وهذا غير قابل للتصديق في اللغة العربية وغيرها، فمن غير المعقول أن لا يستفاد العموم من أيّ لفظ أصلاً.
فالرجوع إلى الوجدان يكفينا في إثبات ما ذكرناه من أنَّ الدلالة على العموم وعدم لحاظ أيّ خصوصيّة في المتعلّق مستفاد من الوضع.
يقع الكلام في مسائل:
المسألة الأولى: ما إذا علمنا بتخصيص العامّ بمقدار، وشكّكنا بالتخصيص الزائد على المقدار المعلوم، كما إذا علمنا بوجوب إكرام العلماء على نحو العموم، ثُمَّ علمنا بعدم وجوب إكرام مرتكب الكبيرة من العلماء، وشكّكنا بالتخصيص الزائد فلم نعلم بوجوب إكرام مرتكب الصغيرة أو عدم وجوبه.
المسألة الثانية: ما إذا دار أمر التخصيص من الأوّل بين الأقلّ والأكثر، وذلك: إنّما يكون من جهة الإجمال في مفهوم المخصّص، فلا ندري سعة المفهوم وضيقه، فمن الأوّل يدور الأمر بين أن يكون التخصيص بمقدار الأقلّ أو بمقدار الأكثر، كما إذا ورد الأمر بوجوب إكرام العلماء، وورد في المخصّص عدم وجوب إكرام العالم الفاسق، وتردّد مفهوم الفاسق بين أن يكون مختصّاً
ــــــــــ[31]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بمرتكب الكبيرة، أو يعمّ مرتكب الصغيرة، فالشكّ هنا من جهة إجمال المخصّص.
وقد يكون المخصّص المجمل مردّداً بين المتباينين -لا بين الأقل والأكثر- إذن، يكون الشكّ في أنَّ المخصّص أيّ شيء هو، بعد العلم بالتخصيص.
المسألة الثالثة: ما إذا علمنا بالتخصيص وبمقداره من دون شكٍّ في الزيادة والنقصان، ولكن كان الشكّ في الموضوع الخارجي فلا نعلم بدخوله في موضوع الخاصّ أو ببقائه تحت عنوان العامّ، ففي المثال لو فرضنا أنَّ مفهوم الفاسق كان معلوماً إلّا أنّ زيداً الخارجي -الذي هو من العلماء- تردّد أمره بين أن يكون داخلاً في عنوان المخصّص أو باقياً تحت العامّ، وهو المسمّى بالشبهة المصداقيّة، فإنّه من ناحية الجعل الشرعي المخصّص مبين لا إجمال في مفهومه. وإنّما الشكّ في المصداق الخارجي فلا يعلم بدخوله في المخصّص أو ببقائه تحت العامّ.
ومن ذلك المثال المعروف: (المرأة تحيض إلى خمسين، وقد خرجت عنه المرأة الهاشميّة). فالعامّ معلوم والمخصّص معلوم، وإنّما الشكّ في المرأة الخارجيّة، أنّها هاشميّة ليحكم بأنّها تحيض إلى الستين، أو ليست هاشميّة ليحكم أنّها تحيض إلى خمسين. فهي شبهة مصداقيّة ولا يعلم أنّ الفرد داخل تحت عنوان العامّ أو عنوان المخصّص.
ــــــــــ[32]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
العلم بالمخصّص والشكّ بالتخصيص الزائد
ــــــــــ[33]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذا علمنا بورود المخصّص في المقام، وشكّكنا في التخصيص الزائد، فهل يمكن التمسّك بأصالة العموم في دفع هذا الاحتمال؟
فيقال: الأصل عدم التخصيص الزائد على القدر المتيقّن بالمقدار الثابت تخصيصه، فإنَّ العامّ لا يكون حجّة مع وجود المخصّص الذي هو أقوى منه في الحجّيّة، وأمّا في الزائد عنه، فيتمسّك بأصالة العموم، كما في الشكّ في أصل التخصيص، ووروده من أوّل الأمر من دون أن يعلم بالتخصيص أصلاً، فكما يتمسّك بأصالة العموم هناك، كذلك هنا نتمسك بأصالة العموم فيما إذا شكّ بالتخصيص الزائد.
المعروف المشهور بل المتسالم عليه بين الفقهاء(1) هو التمسّك بأصالة العموم، وأنَّ العامّ حجّة ما لم يثبت حجّة تكون على خلافه، فإذا ثبت التخصيص نأخذ به، ونرفع اليد عن العامّ بالمقدار الثابت تخصيصه.
ونسب الخلاف إلى أهل الخلاف(2)، وأنّهم قالوا بعدم الحجّيّة فيما إذا كان
ــــــــــ[35]ــــــــــ
() كما نسب الشيخ الأنصاري إليهم ذلك. انظر: مطارح الأنظار 2: 131.
(2) انظر: الإحكام في أصول الأحكام 2: 252، شرح المختصر 223، 224.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
المخصّص منفصلاً، وأمّا إذا كان المخصّص متّصلاً، فقد قالوا بأنَّ العامّ حجّة في الباقي.
أمّا المخصّص المتّصل فلا ينبغي الشكّ في أنّه إذا شكّكنا في تخصيص زائد على ما هو المذكور على نحو الاتّصال فنتمسك بالعموم في غير المقدار الثابت تخصيصه.
والوجه في ذلك: أنَّ المخصّص المتّصل وإن كان يسمّى بالمخصّص، وقد جرى الاصطلاح على ذلك، إلّا أنّه ليس من التخصيص أصلاً، بل أن مصبّ العموم ضيق من أوّل الأمر، وقد ذكرنا قريباً: أنَّ سعة دائرة المدخول وضيقها، كلّ منهما أجنبي عمّا يستعمل فيه لفظ (كلّ) وما يشبهها. والعموم على حاله لا يفرق بين قولنا: (كلّ إنسان) أو (كلّ عالم) أو (كلّ عالم هاشمي) فأيّ مقدار من القيود أتينا بها في الكلام لا يضرّ بالعموم، وقد استعملت (كلّ) للعموم وشمول الحكم لجميع أفراد المدخول، وما يمكن أن ينطبق عليه، وأين هذا من التخصيص؟!
وكذلك، إذا كان التقييد بنحو الاستثناء، نحو: (أكرم كلّ عالم، إلّا إذا كان فاسقاً) فإنّه وإن كان صورته صورة مستثنى ومستثنى منه، إلّا أنَّ ظاهر الكلام من الأوّل هو اختصاص الحكم بالعالم الذي لا يكون فاسقاً، فمصب الحكم من الأوّل ضيّق، لا أنَّه ورد عامّ، ثُمَّ خرج عنه بالتخصيص بعد ذلك، فمصبّ العموم ضيق من الأوّل، والتوسعة إنّما هي في أفراد العالم الذي لا يكون فاسقاً.
فهنا لا مجال للقول بأنَّ العامّ لا يكون حجّة في الباقي، فإنَّ مصب العامّ
ــــــــــ[36]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
من الأوّل هو الباقي، لا أنّه خصّص وخرج منه مقدار وبقي مقدار آخر. فظهور العامّ على حاله بلا معارض أو مزاحم.
أمّا بالنسبة إلى المخصّص المنفصل، كما لو قال: (أكرم كلّ عالم) فانعقد للكلام ظهور في العموم، وبمقتضى أصالة العموم أنَّ كلّ من ينطبق عليه هذا العنوان يجب إكرامه، وبعد ذلك ورد: (لا تكرم تارك الصلاة) أو (شارب الخمر) أو (فاعل الكبائر) فيكون المخصّص المنفصل قرينة على أنَّ الظهور الذي انعقد للكلام ليس بمراد للمتكلم فيما إذا لم يحتمل فيه البداء أو الغفلة، فيستكشف أنَّ الحكم من الأوّل لم يكن عامّاً، لا أنّه وضعه عامّاً، ثُمَّ ندم ونسخ قسماً منه، هذا لا يحتمل في المولى الحكيم، بل نستكشف من دليل التخصيص أنَّ هذا الظهور لم يكن مطابقاً للواقع، وأنَّ مرتكب الكبيرة الذي كان داخلاً تحت العامّ لم يكن واجب الإكرام من الأوّل، فيكون قرينة صارفة عن العموم من أوّل الأمر.
إذن، لا بد من أن نلتزم حينئذٍ بالمجاز -على ما قالوه(1)– وباستعمال اللفظ في غير الموضوع له -وهو العموم- ومراتب المجاز مختلفة، فإنَّه يمكن أن يراد كلّ الباقي، ويمكن أن يراد نصفهم، وهكذا، فنحتاج في إرادة مرتبة دون مرتبة إلى قرينة معيّنة، وهي غير موجودة، بل القرينة الصارفة الدالّة على عدم إرادة العموم موجودة. إذن، يصبح العامّ مجملاً(2)، من ناحية إرادة تمام
ــــــــــ[37]ــــــــــ
() انظر: مطارح الأنظار 2: 132.
(2) هذا من الغرائب بعد أن كان العامّ بنفسه ظاهراً في استيعاب تمام أفراد الباقي، فإنَّه قبل التخصيص كان ظاهراً بالشمول لتمام الأفراد على نحو الانحلال، وحجّة في كلّ فرد فرد منها، ثُمَّ خرجت بقرينة التخصيص جملة من الأفراد، وعلمنا بعدم حجّيّة العامّ فيها وعدم مطابقته للواقع، أمّا الباقي بتمامه فيبقى العامّ على حاله بالنسبة إليها يشملها بحجّيّته فرداً فرداً، فعلى تقدير صحّة هذا الكلام أساساً من احتياج المجاز إلى قرينة صارفة وقرينة معيّنة، وبعد تسليم كون العامّ بعد التخصيص مجازاً، فتكون كلّ هذه الأمور غير مسلمة، فإنَّ نفس ظهور العامّ يكون قرينة معيّنة في تمام الباقي، ولا نحتاج في مقام الحجّيّة إلى أكثر من ذلك، ومن الغريب ما ظهر من السيّد الأستاذ من الميل إلى هذه الشبهة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الباقي، أو بعضه، وهو غير ممكن.
وبعبارة أخرى: أنَّ التمسّك بالعامّ كان من جهة أصالة الحقيقة، وأصالة الظهور، فإن علمنا أنّه لم يستعمل في معناه الحقيقي كان المعنى المجازي متعدّداً، فنحتاج بالإضافة إلى القرينة الصارفة قرينةً معيّنة، وهي ليست موجودة، فيكون العامّ مجملاً، ولا يمكن التمسّك به بالنسبة إلى الباقي. وهذه شبهة لا بأس بها.
فلو قال: (رأيت أسداً يرمي) وعلمنا أنَّ الحيوان لا يرمي، وإنّما يصدر الرمي من الإنسان، فتكون هذه قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي، ومعيّنة للمعنى المجازي، وأمّا إذا قال: (رأيت أسداً) ونعلم أنّه لم يرَ الأسد الحقيقي فإنّه غير موجود في هذه البلاد، ونحتمل أنّه رأى رجلاً شجاعاً فعبّر عنه بالأسد، أو أنّه رأى مجسمة الأسد فاستعمل فيها اللفظ مجازاً، أو أنّه رأى صورة
ــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الأسد ولو في قرطاس، فإذا كانت هذه المعاني كلّها محتملة، فكيف(1) يمكن تعيين أحدها من دون قرينة؟
فالمجاز كما يحتاج إلى قرينة صارفة يحتاج كذلك إلى قرينة معيّنة، وبدونها يكون اللفظ مجملاً، ولا يكون لنا طريق إلى معرفة مراد المتكلّم. هذا ملخص ما ذكروه.
ــــــــــ[39]ــــــــــ
() لا يخفى الفرق بين المثال والمقام، فإنّه في المثال ليس هناك قرينة معيّنة، أمّا في المقام فقد قلنا: إنّ الظهور الانحلالي في شمول العامّ لكلّ فرد يبقى على حاله ما لم يخرج بالتخصيص، والمفروض في الباقي بقاؤه بعد التخصيص، فهذا الظهور هو القرينة المعيّنة، كما لا يخفى. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وأجاب عنه شيخنا الأستاذ(1)، وحاصل جوابه: أنّ المخصّص المنفصل لا يزاحم العامّ أصلاً، وإنّما يوجب تقييداً في مدخول العامّ، فنستكشف بالمخصّص المنفصل أنّ موضوعه لم يؤخذ على إطلاقه، وإنّما هو مقيّد بقيد خاصٍّ، ففي المثال(2) نستكشف بالمخصّص أنَّ الإطلاق في (كلّ عالم) لم يكن مراداً، وإنّما كان مقيّداً بأن لا يكون فاسقاً، فالمخصّص إنّما ينافي إطلاق المتعلّق لا نفس العموم، فنقيّد العالم بأن لا يكون فاسقاً، والعموم يبقى على حاله، ويكون نتيجة الجمع بين العامّ والخاصّ (أكرم كلّ عالم لا يكون فاسقاً) فالتخصيص لا يكون تصرّفاً في العامّ، ليقال: إنّه استعمل مجازاً، بل ظهور العامّ يبقى على حاله، وورود التخصيص لا ينافيه، وإنّما ينافي إطلاق المتعلّق، فنقيده به.
وهذا متين بناءً على الحاجة إلى جريان مقدّمات الحكمة في متعلّق الأداة، وقد بيّنا أنّ الأمر ليس كذلك، فإنّا لا نحتاج إلى ذلك، بل الأداة وضعت للدلالة على سريان الحكم لكلّ ما يمكن أن ينطبق عليه هذه الطبيعة. إذن، فالتخصيص ينافي ظهور الكلام في العموم، والشبهة باقية بحالها.ــــــــــ[40]ــــــــــ
() انظر: أجود التقريرات 1: 450.
(2) يعني: مثال أكرم كلّ عالم، ولا تكرم فساق العلماء. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وأجاب عنه الشيخ الأنصاري(1): أنَّ التخصيص وإن كشف عن أنَّ العموم لم يستعمل في معناه الحقيقي وأنّه مجاز، إلّا أنّ هذا المجاز يغاير سائر المجازات، إذ في سائر الموارد يحتمل استعمال اللفظ في عدّة معانٍ مجازية كمثال الأسد الذي يحتمل استعماله في الرجل الشجاع وفي التمثال وفي الصورة، وكانت هناك قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي، إلّا أنّه يتوقّف على قرينة معيّنة للمراد.
وأمّا إذا فرضنا أنّ كون الاستعمال مجازياً ليس من ناحية استعمال اللفظ في معنى مباين للموضوع له، بل من جهة خروج بعض المدلول في مرحلة الاستعمال، وعلمنا أنّه لم يستعمل في تمام المعنى الموضوع له، بل في بعض الأفراد أو الأصناف الخارجة، فالمقتضي لإرادة الباقي موجود، والمانع مفقود، فيؤخذ بالعموم.
ومقامنا من قبيل الثاني بعد أن علمنا بعدم إرادة بعض المعنى لا من جهة استعماله في معنى مباين للموضوع له، فلو قال: (أكرم كلّ عالم) ثُمَّ قال: (لا تكرم الفاسق من العلماء) نعلم بخروج الفاسق من تحت العموم وأنَّ الاستعمال
ــــــــــ[41]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار 2: 132.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
مجازي، إلّا أنّه لا موجب لرفع اليد عن حجّيّة العامّ في تمام الباقي.
والوجه في ذلك: أنّ المقتضي لا دلالة له على إرادة الباقي الموجود -وهو العموم- والمانع هو المخصّص، فإن كان منحصراً في واحد، فنعلم بعدم المخصّص في غيره، وأمّا إذا شكّكنا بمخصّص فندفعه بأصالة العدم، فالأصل عدم وجود مخصّص آخر غير ما نتيقّن بوجوده. إذن، فالمانع مفقود إمّا وجداناً أو تمسكاً بالأصل العقلائي، فلا مانع من الأخذ بالعامّ بالنسبة إلى الباقي وإن كان استعماله فيه مجازياً.
وذكر شيخنا الأستاذ في توضيح ذلك: أنَّ الحكم المستفاد من العموم حكم انحلالي بحسب مقام الثبوت، فإذا ورد: (أكرم كلّ عالم) فإنَّ وجوب إكرام كلّ عالم منهم مغايراً لوجوب الإكرام الثابت للآخر، ففي الواقع عندنا أحكام متغايرة، وليس ثبوت حكم لفرد متوقّفاً على ثبوته لفرد آخر، بل تثبت جميع الأحكام في مرتبة واحدة وفي عرض واحد. فهذه الأحكام متعددة ثبوتاً وإن كانت جميعها تستكشف من لفظ واحد ودليل واحد.
ــــــــــ[42]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
فدلالة العامّ على ثبوت الحكم لفرد لا يتوقّف على دلالته على ثبوت الحكم لفرد آخر، فكما أنَّ الأحكام عرضيّة كذلك الدلالات عرضيّة، فالعامّ في المثال يدلّ في رتبة واحدة على ثبوت الحكم لزيد ولعمرو، ولا يتوقّف دلالة الكلام على وجوب إكرام زيد على دلالته على وجوب إكرام عمرو، فهنا دلالات عرضيّة وإن كان اللفظ واحداً.
فإذا فرضنا أنَّ دلالة وجوب إكرام زيد سقطت من جهة المخصّص المنفصل، فلماذا تسقط الدلالة الثانية، والثالثة، وهكذا، فالمقتضي للدلالة على كلّ فرد موجود، والمفروض أنَّ المانع مفقود. إذن، لا يقاس هذا المقام على المجازات الآخر المحتاجة بالإضافة إلى القرينة الصارفة إلى قرينة معيّنة، فإنّ المجازيّة هنا من جهة سقوط دلالة العامّ على بعض الأفراد، وأمّا غيره فهو ثابت بنفس العموم، إذ لم تكن الدلالة الأخرى متوقّفة على الدلالة الساقطة لتسقط بسقوطها.
ــــــــــ[43]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وأجاب صاحب الكفاية(1) عن ذلك -ولقد أجاد فيما أفاد- وحاصل جوابه: أنّنا إذا التزمنا بالمجازيّة، وقلنا: بأنَّ اللفظ مستعمل في غير العموم. إذن، فالمانع وإن كان مفقوداً بالوجدان أو الأصل، إلّا أنَّ المقتضي غير موجود، فإنَّ دلالة الكلام على ثبوت الحكم لكلّ فرد لم تكن دلالة مستقلّة، وإنّما كانت من جهة استعمال اللفظ في العموم، ولأجل هذا كانت الدلالات عرضية وغير متوقّف إحداها على الأخرى، لكنَّ جميع هذه الدلالات كانت متوقّفة(2) على ــــــــــ[44]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأصول 218.
(2) لا بد لتمامية هذا البرهان من افتراض وجود توقّفين:
أحدهما: توقّف وجود الدلالات على استعمال اللفظ في العموم.
ثانيهما: العكس، وهو توقّف الدلالة على العموم على وجود هذه الدلالات، فإنّه حينئذٍ إذا سقطت إحدى الدلالات يسقط العامّ للملازمة الثانية، وإذا سقط العامّ تسقط الدلالة على الباقي للملازمة الأولى، وإلّا فإن اقتصرنا على الملازمة الأولى كان توقّف الدلالة على شمول العامّ لموردها واضحاً، إلّا أنَّ العامّ يبقى محفوظاً في الباقي ولا موجب لسقوطه. ومن المعلوم أنَّ الاعتراف بكلتا الملازمتين دور صريح، فينتج عدم وجودهما أصلاً، وعليه: فيبطل البرهان من أساسه، ويبقى العامّ حجّة في الباقي كما كان.
وأمّا دعوى أنَّ ذلك يتوقّف إما على الوضع أو القرينة وكلاهما مفقود على الفرض، فهو غير صحيح، فإنَّه وإن كان مفروض الكلام هو عدم الوضع والقرينة، إلّا أنّنا ننكر توقّف دلالة العامّ عليهما، بل يكون المرتكز العرفي والمتبادر العرفي في ذلك كافياً، ولا شكّ أنَّ المتبادر من العامّ بعد تخصيصه هو إرادة تمام الباقي، فأفهم واغتنم. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
استعمال اللفظ في العموم.
فإذا استكشفنا أنَّ هذا اللفظ لم يستعمل في معناه الموضوع له -وهو العموم- فإنَّ المقتضي لإرادة تمام الباقي غير موجود حينئذٍ، فإنَّ المقتضي إمّا الوضع أو القرينة، أمّا الوضع فالمفروض أنّه غير موجود، والعامّ لم يوضع لتمام الباقي ليدل عليه وضعاً، وأمّا القرينة فهي غير موجودة لفرض كونها صارفة لا معيّنة.
وهذا الذي أفاده متين جدّاً لو سلمنا أنَّ اللفظ استعمل مجازاً، وأنّه لم يستعمل في معناه الموضوع له، فإنّه حينئذٍ لم يوضع للدلالة على تمام الباقي، والدلالة على كلّ فرد تابع للدلالة على العموم، وقد سقطت، والمفروض أنَّ القرينة غير موجودة، فما معنى وجود المقتضي لدلالة العامّ، وأنَّ المتكلّم استعمله في تمام الباقي، مع أنَّ مراتب المجاز مختلفة.
والصحيح في الجواب أن يقال: أنَّ التخصيص لا يستلزم المجازيّة، فإنّه وإن كان التخصيص ينافي نفس العموم، لكن مع ذلك لا يستلزم استعمال اللفظ في غير المعنى الموضوع له، إذ لا يستكشف أنَّ كلمة (كلّ) استعملت في
ــــــــــ[45]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
البعض، بل استعملت في العموم حتّى مع العلم بالتخصيص.
وبيان ذلك: أنّ لكلّ لفظ دلالتين -كما ذكرنا في بحث الوضع(1) وغيره- دلالة على المراد الاستعمالي، فإنَّ المتكلّم تكلّم بهذا اللفظ وأراد معنىً خاص، وأنّ حقيقة الوضع هو تعهد من المتكلّم أنّه متى ما أراد تفهيم معنىً خاص تكلّم بمعنى مخصوص، وهذه الدلالة تسمّى بالدلالة الوضعيّة، وهي مختصة بالألفاظ، والألفاظ مختصّة بالإنسان(2) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ(3)، والحيوانات محرومة من ذلك، فالقادر على بيان مقاصده بالألفاظ هو الإنسان، فإذا تكلم بلفظ ولم ينصب قرينة على الخلاف، فبمقتضى التعهد الذي كان قد تعهده يبني العقلاء على كونه أراد تفهيم ذلك المعنى الخاصّ، ولو اعتذر بأنَّه لم يقصده لم يسمع منه، بل يحملونه على المعنى الحقيقي.
وهناك دلالة أخرى، وهي: أنّه بعد الفراغ عن أنَّ المتكلّم قصد تفهيم هذا المعنى، لكنّه هل قصد تفهيم هذا المعنى جدّاً، أو قصده لأجل الاستفهام، أو الامتحان، أو التقية، أو نحوها؟ فلم يكن المراد الاستعمالي مطابقاً للمراد الجدّي.
وهذا بناء ثانٍ من العقلاء، وهذا البناء كما يجري في الألفاظ كذلك يجري
ــــــــــ[46]ــــــــــ
() انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 1: 108، 109.
(2) كلّ هذه الدلالة لا تقوم دليلاً على أنَّ الوضع هو التعهد كما هو واضح، بل تنسجم مع أيّ تفسير آخر للوضع، ولعلّه أوردها للاستدلال. (المقرّر).
(3) الرحمن:4.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
في الأفعال أيضاً، فإنّ هذا ليس من جهة الوضع، وإنّما عن أيّ فاعل(1) صدر الفعل تحمله العقلاء على الصدور بداعي الجدّ لا بداعٍ آخر.
فالدلالة الوضعيّة الأولى التي تعني: أنَّ العامّ إذا صدر يدلّ بمقتضى الوضع على إرادة المتكلّم معناه الموضوع له بمقتضى التعهد الذي تعهده، وهو معنى الوضع(2)، فإذا احتملنا أنّه لم يستعمل في معناه، فنحمله على معناه الحقيقي كما في سائر الألفاظ.
والدلالة الوضعيّة الثانية التي تعني: أنَّ المراد الاستعمالي الذي استعمل فيه هذا المعنى، هل هذه الإرادة مطابقة للإرادة الجدّية، وأنّه مراد للمتكلّم واقعاً، أو غير مراد، بمعنى: أنَّ المراد الاستعمالي يغاير المراد الجدّي، أيضاً هذه الدلالة ثبتت ببناء العقلاء على أنّه صدر عن الإرادة الجدّية. إذن، فللفظ دلالتان. دلالة على المراد الاستعمالي، ودلالة على مطابقتها للمراد الجدّي.
ــــــــــ[47]ــــــــــ
() هذا إنّما يتمّ في حدود الأفعال التي وقع البناء على دلالتها على إبراز بعض المقاصد والمعاني، ولا يتمّ في سائر الأفعال، بل لا موضع له فيها، وأمّا القسم الأوّل من الأفعال فترجع دلالته إلى الدلالة اللغوية، وبالتالي إلى الدلالة الوضعيّة، كدلالة رفع الرأس إلى الأعلى على النفي مثلاً، فهذه دلالة وضعية، وبمقتضى أصالة المطابقة بين مقام الإثبات ومقام الثبوت -وهي من قبيل الظهور العرفي لا البناء العقلائي- نعرف أنَّ مراد الفاعل هو الكشف عن قصده للنفي أيضاً. إذن، فهذه الدلالة الثانية لغوية أيضاً ومنشأها الوضع، بمعنى: أنَّ متعلّقها هو الألفاظ، والأفعال الموضوعة للمعاني. (المقرّر).
(2) وأنَّه في مقام تفهيم هذا المعنى الذي تعهد بتفهيمه بمقتضى الوضع. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
فلو ورد المخصّص بعد ذلك، هل يكون كاشفاً عن أنّ اللفظ بحسب الإرادة الاستعماليّة استعمل في معناه الحقيقي، أو إنّ العموم لم يكن مراداً جدّياً؟ ومعلومٌ أنّه ليست أيّة منافاة بين التخصيص والإرادة الاستعماليّة، فلا يكون قرينة على أنَّ المتكلّم لم يستعمل اللفظ في غير المعنى الموضوع له، إلّا أنَّ الخاصّ غير محكوم بحكم العامّ واقعاً، وأنَّ المولى لم يوجب إكرام زيد، وأمّا أنّ كلمة (كلّ عالم) قد استعملت في المعنى المجازي دون الحقيقي، فهذا لا يستكشف من المخصّص بوجهٍ.
إذن، لا موجب لرفع اليد عن ظهور الكلام في المراد الاستعمالي، وأنَّ المتكلّم قد استعمل اللفظ في معناه الموضوع له. إذن، نحمل اللفظ على معناه الحقيقي بمقتضى أصالة الحقيقة، فيكون ظاهراً فيه بلا مزاحم، غاية الأمر: أنَّ كشف هذا المراد الاستعمالي عن المراد الجدّي كان متوقّفاً على عدم نصب القرينة، فإذا ورد التخصيص يستكشف أنَّ الإرادة الجدّية بالنسبة إلى العامّ لم تكن ثابتة في الواقع.
وبعبارة أخرى: نرفع اليد عن حجّيّة العامّ بالنسبة إلى ما خرج بدليل الخاصّ، لا عن ظهوره في إرادة العموم. وبين الأمرين بونٌ بعيد، فالثابت بالتخصيص أنّ العامّ لم يكن مراداً واقعاً، فالمعارضة هي بين الدلالة الثانية للعامّ والخاصّ، يعني: أنَّ كشف الكلام عن الإرادة الجدّية في العامّ معارض للخاصّ، وحيث إنَّ الخاصّ أقوى من ظهور العموم، فنرفع اليد عنه، وأمّا الدلالة الأولى فلا موجب لرفع اليد عنها.
إذن، يتمّ ما ذكره الشيخ من أنّ المقتضي لإرادة تمام الباقي موجود، والمانع
ــــــــــ[48]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
مفقود بالوجدان أو بالأصل، فإنَّ المقتضى هو الوضع، والمفروض أنّنا لم نلتزم بالمجازيّة، فعلى ما سلّمه الشيخ من الاستعمال في المجازيّة يرد عليه ما في الكفاية من أنّ المقتضي إمّا الوضع وإمّا القرينة، وكلاهما مفروض العدم في المقام، وأمّا بناء على ما ذكرناه من أنّ اللفظ استعمل في معناه الحقيقي، ولم يستعمل استعمالاً مجازياً، غاية الأمر: أنَّ الإرادة الجدّية لم تكن مطابقة للإرادة الاستعماليّة. إذن، المقتضي لإرادة تمام الباقي موجود والمانع مفقود.
وبعبارة ثالثةٍ: كان هذا اللفظ ظاهراً بالدلالة المطابقيّة على الشمول لكلّ فرد فرد، ورفعنا اليد عنها بمقدار ما ثبت خروجه بالتخصيص، فإنَّ العامّ لا يكون حجّة في مقابله، وأمّا في الباقي فالظهور موجود ولا موجب لرفع اليد عنه.
وبعد هذه المقدمة يتمّ ما ذكره الشيخ من أنَّ المقتضي موجود والمانع مفقود، فإنَّ دلالة العامّ على إرادة كلّ فرد لا تتبع دلالته على فرد آخر، فإنّها دلالات عرضية، فإذا سقطت إحداهما لمعارض تبقى الأخرى. ونظير ذلك كثير، فلو قامت البينة على أنَّ هذين الدارين لزيد، واعترف زيد بأنَّ أحداهما ليست له، فهنا حجّيّة البيّنة بالنسبة إلى مورد الإقرار تسقط لا محالة، وفي المورد الثاني يبقى لا محالة، فإنَّ كلام البيّنة وأخبارها عن ملكيته لكلا الدارين موجود، غايته: هو عارض بالإقرار في إحداها فسقط بالمعارضة، والباقي باقٍ على حجّيّته، أو قامت البيّنة على أنَّ زيداً مدين لعمرو بمئة دينارٍ، واعترف عمرو بأنّه أخذ عشرة دنانير، فتسقط الحجّيّة بالعشرة ويبقى الباقي حجّة، وذلك لأنَّ المعارضة إنّما هي بالحجّيّة، وكانت البيّنة حجّة في كلّ دينار دينار من المئة، وقد سقطت حجيتها في عشرة منها، فيبقى الباقي على حجيته.
ــــــــــ[49]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وملخص ما قلناه: أنَّ هذه الشبهة كانت مبنية على أنَّ التخصيص يلازم المجازيّة في طرف العموم، وقد قلنا: بأنّه لم يستعمل مجازاً، غاية الأمر: استعمل لا بداعي الجدّ بالنسبة إلى باقي الأفراد. إذن، تسقط الحجّيّة بالنسبة إلى المتيقّن ويبقى العامّ حجّة بالنسبة إلى تمام الباقي.
يبقى هنا شيء: أنَّ المولى حيث كان مراده ليس هو العموم، وإنّما مراده غير ما خرج بالتخصيص، فإذا لم تكن الإرادة الاستعماليّة مطابقة للإرادة الجدّية، فلماذا أبرز العموم واستعمله فيه؟
والوجه واضح: فإنَّ إثبات الحكم على نحو العموم أوفق لوصول المتكلّم إلى مراده، فإنَّ ذكر الأفراد فرداً فرداً بعد التخصيص تطويل في الكلام، وحينئذٍ يمكن أن يصل إلى بيان مقصوده بوجهٍ أخصّ، وكل(1) ما كان المخاطب يشكّ بوجوب إكرامه وعدمه يتمسّك بهذا العموم، إلّا في المورد الذي خرج بالتخصيص، وأمّا بيان الحكم في كلّ فرد فردٍ فهو يحتاج إلى بيان كثير وطويل، بخلاف ما إذا بيّنه على وجه العموم، ثُمَّ خصّصه، فقد وصل إلى مراده الجدّي بوجهٍ جميل ومختصر بلا تطويل كلام(2).
ــــــــــ[50]ــــــــــ
() هذه العبارة ترجع إلى ما يذكره الآخوند من أنَّ فائدة جعل العموم هو جعل القاعدة التي يكون مرجعاً في مورد الشكّ، وهو يصلح وجهاً برأسه. (المقرّر).
(2) لا يلزم أيّ تطويل في الكلام، فيما لو قال: (أكرم كلَّ عالم غير فاسق) كما هو واضح، وليس لا بد من ذكر الأفراد فرداً فرداً، كما هو مبنى هذا الوجه كما هو واضح أيضاً. فلا يبقى لهذا الوجه معنىً محصّل، فتأمّل. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
يبقى وجه آخر: لماذا لم يخصص من الأوّل، ولماذا أخّر المخصّص؟ فإنّا نرى في الروايات صدور العامّ من النبيّ، أو من أمير المؤمنين، والمخصّص من الباقر أو الصادق (عليهما السلام).
إذا كان صدور المخصّص المنفصل قبل زمان الحاجة فلا محذور فيه أصلاً، فقد بيّن أوّلاً قاعدة عامّة، وهي -مثلاً- قوله تعالى: لِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (1) وقبل زمان الحجّ بمدّة يخصّص، ويخرج الموارد التي لا يجب فيها الحج كمورد عدم الأمن في الطريق مثلاً، ولا محذور في تأخير البيان إذا لم يكن تأخيره عن وقت الحاجة، ويأتي وقت الحاجة بعد بيان المخصّص.
وأمّا إذا كان بعد وقت الحاجة فلا بُدَّ من فرض مصلحة فيه، وإلّا فنفس هذا العمل -وهو تأخير البيان عن وقت الحاجة- قبيح عند العقل(2). ولكن قد
ــــــــــ[51]ــــــــــ
() آل عمران: 97.
(2) لا شكّ أن هذا العمل بعنوانه مّما لا يدرك فيه العقل حسناً ولا قبحاً، وإنّما يكون قبيحاً إذا لزم منه التغرير بالجهل، وتعريض المكلّف إلى الهلكة. ومن المعلوم أنَّ ذلك لا يلزم دائماً، فلا يلزم عند موافقة العامّ للاحتياط كما لو كان الزامياً والخاصّ ترخيصيّاً، ولا يلزم أيضاً عند سكوت الشارع وغفلة المكلّف عن السؤال لقاعدة قبح العقاب، وعدم الموضوع لمنجزّيّة الاحتمال لفرض الغفلة، وإنّما يكون سكوت الشارع تغريراً للمكلف وقبيحاً إذا كان العامّ مخالفاً للاحتياط، والتفت المكلّف وسأل عنه، فحينئذٍ يجب على الشارع جوابه. إذن، فالقاعدة على تقدير تسليمها لا تصدق في أكثر الموارد. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
تقتضي المصلحة ذلك، كما إذا لم يتمكن الشارع من بيان المخصّص لتقية أو غيرها، فمع المصلحة لا محذور فيه، وهذا كثير في الروايات، فإنَّه قد يبلغ الفصل بين العامّ والمخصّص مئة سنة، إذا كانت هناك مصلحة في التأخير أو مفسدة في التقديم.
فالمتحصل مّما ذكرناه: لا ينبغي الشكّ في لزوم العمل بالعامّ في تمام أفراد الباقي، والشبهة لا تسمع.
هذا تمام كلامنا في المسألة الأولى.
ــــــــــ[52]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذا ورد تخصيص على العامّ، وكان المخصّص مردّداً بين الأقلّ والأكثر أو بين المتباينين، كما إذا ورد الأمر بإكرام العلماء، وورد النهي عن إكرام زيد، ودار أمره بين أن يراد به زيد بن عمرو أو زيد بن بكر، فالمخصّص مردّد بين المتباينين، لا تدري أيّهما خرج من العامّ؟ وقد يكون الترديد من جهة الأقلّ والأكثر، كما إذا ورد الأمر بإكرام العالم، وورد نهي عن أكرم الفاسق، وتردّد مفهوم الفاسق بين أن يراد به مرتكب الكبيرة أو مرتكب المعصية على الإطلاق كبيرة أو صغيرة، فالكبيرة هي القدر المتيقّن وغيرها مشكوك، فهذا من دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر.
ويقع الكلام في المقام في المخصّص المتّصل، والمخصّص المنفصل:
أمّا لو قال: (أكرم العلماء إلّا زيداً أو إلّا الفساق) ففي كلتا الصورتين إذا دار أمر المخصّص بين المتباينين أو الأقلّ والأكثر وكان المخصّص متّصلاً، فهنا كما لا يعلم المراد بالمخصّص لإحدى هاتين الجهتين، كذلك لا يعلم المراد بالعامّ أيضاً، يعني: لا ينحصر الجهل بالمراد بخصوص المخصّص، وذلك لما تقدّم من أنَّ القرينة المتّصلة توجب عدم انعقاد ظهور للكلام في العموم، فإنّ انعقاد الظهور مختصّ بحال عدم القرينة المتّصلة، فإذا كانت القرينة المتّصلة
ــــــــــ[53]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
مجملة يكون الكلام بلا شكٍّ مجملاً، فيسري إجمال المخصّص إلى العامّ، فلا يمكن أن ننسب إلى الشارع أنّه أراد إكرام أيّ عالم، فهل أراد العلماء غير زيد بن عمرو، أو العلماء غير زيد بن بكر، أو العلماء غير مرتكب الكبيرة، أو غير مرتكب الصغيرة؟
فالمراد من الكلام مجهول، ولا يكون الكلام كاشفاً عن المراد -بحسب التعهد الوضعي- فإنَّ الكشف مقيّدٌ بعدم الإتيان بالقرينة، والمفروض أنّه في الكلام ما يحتمل(1) أن يكون قرينة، فيكون العامّ مجملاً حقيقة. وهذا واضح.
أمّا إذا فرضنا أنَّ القرينة كانت منفصلة، وانعقد ظهور للعامّ لما تقدّم من أنّ المخصّص المنفصل لا يزاحم العامّ في ظهور، فإنّ الظهور ثابت؛ والظهور المنعقد لا ينقلب عمّا وقع عليه، بل يزاحمه في الحجّيّة وفي المراد الجدّي، وإلّا فإنّ المراد للمتكلّم حينما تكلّم بالعموم ولم ينصب قرينة على الخلاف كان على مقتضى التعهد الوضعي من إرادة تفهيم العموم وسريان الحكم إلى جميع ما ينطبق عليه المفهوم. وهذا الظهور غير قابل للارتفاع، وإنّما المرتفع هو حجّيّته.
فإذا كان المخصّص مردّداً بين المتباينين، ففي مثل ذلك يحصل علم إجمالي بتخصيص العامّ، ولكن لا ندري أيّ شيء هو الخارج بالتخصيص، فنعلم
ــــــــــ[54]ــــــــــ
() المراد باحتمال وجود القرينة على الزائد عن القدر المتيقن في المردّد بين الأقلّ والأكثر، أو في أحد الطرفين بالنسبة إلى المردّد بين المتباينين، والاحتمال بهذا المقدار صحيح. أمّا طرو التخصيص بنحو القضيّة المهملة فهذا قطعي على الفرض، وليس بمحتمل، فالقرينة من هذه الناحية مقطوعة الوجود. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إجمالاً أنّ العموم ليس بمراد جدّي، ولكن هل هو بالإضافة إلى زيد بن عمرو بخصوصه، أو بالإضافة إلى زيد بن بكر بخصوصه.
إذن، يكون حكم العامّ حكم المجمل، وإن لم يكن من المجمل حقيقة، فإنَّ الظهور قد انعقد، والظهور المنعقد غير قابل للارتفاع، إلّا أنّه لا يمكن كشف المراد الجدّي به، فإنّا علمنا إجمالاً ارتفاعه بالنسبة إلى أحد الفردين المتباينين، وترجيح أحد المتباينين على الآخر غير ممكن، لأنَّ كلّاً منهما نسبته إلى العامّ نسبة واحدة، وقد علمنا بخروج أحدهما، فيكون العامّ بحكم المجمل، ولا يمكن التمسّك(1) بالعموم لا بالنسبة إلى بن عمرو ولا بالنسبة إلى بن بكر، لأن كلّاً منهما طرف للعلم الإجمالي، فهذا من الإجمال الحكمي، فتكون نتيجته نتيجة الإجمال.
وأمّا إذا فرضنا أنّ المخصّص منفصل، ودار أمره بين الأقلّ والأكثر، كما في مثال الفاسق، حيث لم يظهر لنا أنَّ هذا المفهوم ينطبق على مرتكب الكبيرة فقط؛
ــــــــــ[55]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ هذا إنّما يثمر فيما إذا كان كلاً من العامّ والخاصّ إلزامياً، وإلّا فإن كان أحدهما ترخيصياً والآخر إلزاميّاً كان مقتضى العلم الإجمالي بدخول أحد الفردين في العامّ ودخول الآخر في الخاصّ، وترددهما هو تطبيق الحكم الإلزامي عليهما احتياطاً، خروجاً عن عهدته بالعلم الإجمالي بعد العلم بدخول أحد الفردين في الحكم الإلزامي. نعم، لو احتملنا ورود تخصيص آخر يخرجه عنه بحيث احتملنا خروج كليهما عن دائرة الحكم الإلزامي، كان مقتضى الأصل هو الترخيص فيهما، فيكون نتيجته هي نتيجة الدليل المرخّص منهما. ففكّر جيداً فإنّه مهمٌّ. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
أو عليه وعلى مرتكب الصغيرة، ففي مثل ذلك لا يسري إجمال المخصّص إلى العامّ لا حقيقةً ولا حكماً، بل يؤخذ بالعامّ بالنسبة إلى غير المتيقّن من المخصّص.
أمّا مرتكب الكبيرة فهو خارج على كلا التقديرين، سواء أريد من المخصّص هو بخصوصه، أو الأعمّ منه ومن مرتكب الصغيرة، فنعلم أنَّ المراد الجدّي ليس هو وجوب الإكرام بالنسبة إلى مرتكب الكبائر من المعاصي.
وأمّا بالنسبة إلى مرتكب الصغيرة حيث إنَّ المخصّص مجمل ولا يمكن التمسّك به لإثبات أنَّ المراد به هو الأعمّ، فإنَّ المخصّص ليس حجّةً بالنسبة إلى غير المتيقّن. إذن، لا مزاحم لظهور العامّ بالنسبة إلى غير المتيقّن، والخاصّ لا يكون حجّة بالنسبة إلى الفرد المشكوك فيه، فالعامّ يشمله بحجّيّته بلا مزاحم. فإنّ مزاحم العامّ إنّما هو الخاصّ بما هو حجّة، وحيث لا يكون حجّة في غير المتيقّن، فلا مانع من الأخذ بالعامّ.
وبعبارة واضحة: مقتضى العامّ أنَّ الحكم سارٍ إلى مرتكب الكبيرة، وإلى مرتكب الصغيرة، وإلى العادل وإلى الواسطة بينهما إن كانت. فأكرم كلّ عالم يبرز اعتبار المولى وجوب إكرام كلّ هؤلاء، وبدليل التخصيص المردّد بين الأقلّ والأكثر علمنا أنَّ مرتكب الكبيرة لم يرد وجوب إكرامه جدّاً، وأمّا بالنسبة إلى مرتكب الصغيرة فلم يدلّ دليل على عدم وجوب إكرامه على الفرض، لأنّ المخصّص مجمل، فيكون العامّ محكّماً لشموله له بالحكم.
وبعبارة أوضح: أنَّ المفاهيم المأخوذة في لسان الدليل، لا يكون المفهوم
ــــــــــ[56]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
موضوعاً للحكم بما هو مفهوم، بل بما هو مشير إلى الموجودات الخارجيّة، فقولنا: (أكرم كلّ عالم) ينحلّ إلى: أكرم زيداً العالم، وأكرم عمرو العالم، وأكرم العالم الهاشمي، وأكرم العالم العربي، ولذا قلنا: إنَّ القضيّة الحقيقيّة تنحلّ إلى قضيّة شرطيّة مقدمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت المحمول.
وكذلك من ناحية المخصّص، فإذا نهى عن إكرام الفاسق، فمفهوم الفاسق لا يكون مأخوذاً في موضوع الحكم جزماً، وإنّما يكون مشيراً إلى المصاديق الخارجيّة، أيّ: لا تكرم شارب الخمر، ولا تكرم القاتل، ولا تكرم المغتاب، وهكذا، فبالنسبة إلى الكبائر قد علمنا أنَّ المولى أراد النهي عن إكرام مرتكبيها، وأمّا بالنسبة إلى الصغائر وهي التي لم يوعد عليها العذاب في كتاب الله تعالى كالنظر إلى الأجنبيّة، فنشكّ في خروج مرتكبيها عن العامّ، لأنَّه يحتمل أنّ المفهوم أخذ مشيراً إلى هذا أيضاً.
فبعد أن لم يكن المفهوم بما هو مفهوم موضوع للحكم، وإنّما أخذ مشيراً إلى الموجودات الخارجيّة، ونشكّ أنّه أشار إلى خمسة أفراد أو عشرة، فأصل الإشارة مشكوك فيه بالنسبة إلى غير المتيقّن، وقد فرضنا أنّ العامّ قد شمل مرتكب الصغائر وثبت به وجوب إكرامه، وأمّا من ناحية المخصّص فلم يثبت فنتمسك بالعامّ.
والظاهر أنَّ المسألة أصبحت في الأزمنة الأخيرة بمكان من الوضوح ولا تحتاج إلى تطويل، فيكون العامّ حجّة في الزائد عن القدر المتيقّن، ولا يسري إجمال المخصّص إليه حقيقةً؛ لأنّ له ظهوراً منعقداً وهو لا ينقلب عمّا وقع
ــــــــــ[57]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
عليه، ولا حكماً؛ لأنّ المخصّص إنّما يخصصه بصفته حجّة، ولا يكون حجّة إلّا في القدر المتيقّن، والزائد لا حجّيّة له فيه فيكون العامّ حجّة فيه.
فيؤخذ بعموم العامّ ويستكشف به أنّ المراد من الخاصّ ليس هو مرتكب الصغيرة، وذلك: لأنَّ مثبتات الظهورات اللفظيّة حجّة، فيستكشف من العامّ أنَّ الخارج هو خصوص مرتكب الكبيرة.
ــــــــــ[58]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
العلم بالعامّ والخاصّ مفهوماً والشكّ في الانطباق
ــــــــــ[59]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذا كان العامّ والخاصّ معلومين بحسب المفهوم، ولم يكن إجمال في شيء منهما، إلّا أنّ الفرد الخارجي لا يعلم أنّه داخل تحت الأفراد الباقية، أو تحت أفراد المخصّص، كما لو ورد أمر بإكرام العلماء، وورد أنَّه لا يجب إكرام العالم الفاسق، وفرضنا أنَّ مفهوم الفاسق مبيّن كاختصاصه بمرتكب الكبيرة مثلاً، إلّا أنَّ زيداً الخارجي مشكوك فيه فلا يعلم أنّه فاسق أو لا، فهل يمكن التمسّك بالعموم لإثبات حكمه لزيد أو لا، فيقال: إنَّه يجب إكرامه لشمول العموم له، إذ لا يعلم صدق عنوان المخصّص عليه، أو لا يمكن التمسّك بالعموم، بل لا بد من الرجوع إلى دليل آخر كأمارة أو أصل؟ ولا يكون العموم حجّة في الشمول له، ولا يكون الخاصّ حجّة في الشمول أيضاً.
والكلام تارة: يقع في المخصّص المتّصل، وأخرى: في المخصّص المنفصل.
أمّا بالنسبة إلى المخصّصات المتّصلة، فلا نعلم قائلاً بجواز التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقيّة، ولا بدَّ أن يكون الأمر كذلك سواء كان التخصيص بالمتّصل من قبيل الأوصاف، أو من قبيل الاستثناء، فإنّه إذا ورد الأمر بإكرام كلّ عالم عادل أو هاشمي، وشكّكنا أنّ زيداً هاشمي أو لا، ففي جميع ذلك لا يمكن التمسّك بالعموم.
ــــــــــ[61]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
والوجه فيه ظاهر: فإنّ شمول العامّ لهذا الفرد مشكوك فيه من أوّل الأمر، فإنّه لا يعلم أنّ المولى أراد إكرام كلّ عالم على نحو يكون شاملاً لزيد، وكذلك إذا كان التخصيص على نحو الاستثناء، نحو: أكرم كلّ عالم إلّا من كان فاسقاً، إذا شكّكنا أنّ زيداً مرتكب للكبيرة أو لا، فلا يمكن التمسّك بهذا العموم؛ لأنّ المفروض أنّ دائرة العموم من الأوّل ضيقة؛ إذ العموم -وهو العالم- يختصّ من الأوّل بمن لا يكون فاسقاً، وشمول هذا لزيد مشكوك فيه من أوّل الأمر، وشمول الحكم لفرد فرع كونه من أفراده، ولم نحرز ذلك، فسواء كان المخصّص المتّصل من قبيل التوصيف أو الاستثناء فلا يمكن التمسّك بالعموم لعدم إحراز الشمول من أوّل الأمر.
وأمّا لو كان التخصيص بمنفصل، كما إذا ورد الأمر بإكرام العالم، ثُمَّ بعد ذلك ورد النهي عن إكرام العالم الفاسق، ففي مثل ذلك قد يقال بوجوب التمسّك بالعموم في موارد الشكّ على نحو الشبهة المصداقيّة، بدعوى: أنّ العامّ حجّة فيما لم تقم حجّة أقوى على خلافه، فإنّه شامل لكلّ فرد من العلماء بما فيهم زيد، فوجب إكرام زيد بمقتضى العامّ، والمخصّص المنفصل لا نعلم بشموله لهذا الفرد، فدليل التخصيص من جهة الشكّ في الانطباق لا يكون حجّة في هذا الفرد، فإذا لم يكن دليل المخصّص حجّةً كان دليل العامّ حجّة، فإنّه حجّة ما لم تقم حجّة أخرى على خلافه، والفرض عدمها. نظير ما ذكرناه في مسألة دوران المخصّص بين الأقلّ والأكثر.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وقد ينسب هذا القول -أي: جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة- إلى المشهور باعتبار أنَّ جملة من الفروع التي أفتى فيها المشهور تخيلوا أنّها مبنية على ذلك، وكذلك نسبوا إلى السيّد اليزدي أنّه يقول بجواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة لبعض الفروع الموجودة في العروة.
ومن هذه الفروع: مسألة نزاع المالك ومن تلف المال في يده، فيدّعي المالك الضمان، وأنّ اليد كانت يد ضمان، ويدّعي من تلف المال في يده أنّه لا ضمان عليه، فإنَّ اليد لم تكن يد ضمان، كما لو كان المال عارية عنده، أو كان قد وهبه المال، أو كان مجهول المالك، وقد تصدّق به، فقالوا في مثل ذلك: أنّ القول قول المالك فلا بُدَّ لمدّعي عدم الضمان من إثباته بالبيّنة ونحوها، والذي يدّعي الضمان وهو المالك المنكر، والقول قوله.
وبعضهم قال: إنَّ هذه المسألة مبتنية على القول بجواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، فإنّه ثبت الضمان بالعموم كقوله على ما في النبوي المشهور(1) “عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حتّى تُؤَدِّي“(2) فقد ثبت ضمان اليد بهذا الدليل
ــــــــــ[63]ــــــــــ
() هذا الوصف منّي. (المقرّر).
(2) فقه القرآن 2: 74، عوالي اللئالي 3: 246، باب المضاربة، الحديث:2، مستدرك الوسائل 14: 8، باب 1، وجوب أداء الأمانة، الحديث: 15944.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
على الإطلاق، وخرج بالمخصّص المنفصل أنَّ اليد في العارية والهبة وغيرها لا ضمان فيها، فإذا شكّكنا في المصداق الخارجي، وأنَّ المال داخل تحت العنوان المخصّص لأجل أن لا يكون ضمان، أو باق تحت عموم على اليد ليكون ضمان فنتمسّك بالعموم في موارد الشكّ فيثبت الضمان.
ولكن الصحيح أنّ الحكم غير مبتني على ذلك. نعم، لو قلنا بجواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة نحكم بالضمان، وأنّ القول قول المالك، إلاّ أنّ المدرك لا ينحصر بذلك، لكي يستكشف منه أنّ المشهور ذهبوا إلى جواز التمسّك بل هو لازم أعمّ؛ إذ من الممكن أن يكون في مثل هذا الفرع وأمثاله كما لو كان المالك يدّعي الغصب أو البيع وكان من تلف المال في يده يدّعي الهبة أو مجهولية المالك، والجامع أنّ المالك يدّعي أنّ اليد يد ضمان، والآخر يدّعي أنّها ليست يد الضمان، فيمكن أن يكون مدرك فتوى المشهور بأن اليد يد ضمان، هو جواز جريان الاستصحاب في الأعدام الأزليّة -التي نتكلّم عنها في بحث الفقه- وذلك لأنّ الاستيلاء على مال الغير يوجب الضمان إلّا إذا كان المالك رافعاً يده عن المال كالهبة، أو مسقطاً لاحترام المال كالإذن في التصرف، أو أنّ الشارع يحكم بعدم الضمان فيما إذا لم يكن التلف بفعل من في يده المال، كما في موارد العارية.
فإذا شكّكنا أنّه في حال الاستيلاء هل كان شيء من هذه الأمور موجوداً لكي لا يكون ضامناً، أو غير موجود ليكون ضامناً، فالكلام في خصوصيّة الاستيلاء فنستصحب عدمها، ونقول: الاستيلاء موجود بالوجدان، ونشك أنّ
ــــــــــ[64]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
المال وجد في يده بإذن المالك وتسليطه عليه بلا عوض، فمقتضى الأصل في العدم الأزلي أنّه لم يتحقّق من المالك هذا الإذن، فيتنقح موضوع الضمان بضمّ الوجدان إلى الأصل.
ولا يمكن أن يعارض هذا الأصل بمسألة عدم الاستيلاء غصباً، فإنّ هذا صحيح فيما لو كان للغصب أثر يدفع بأصالة عدم الغصب، ولكن لا يثبت أنّ الاستيلاء كان بإذن المالك، فإنّ رافع الضمان هو هذا، فهذا الأصل لا يثبت تحقّق الإذن من المالك، أو رفع يده عن المال الذي هو موضوع لعدم الضمان.
فيمكن أن يكون فتوى المشهور مبنية على التمسّك بالاستصحاب للعدم الأزلي، فلا يمكننا أن ننسب إليه القول بجواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
كما لا يمكن نسبة هذا القول إلى السيّد صاحب العروة أيضاً، فقد ذكر في كتاب الطهارة من العروة في بحث النجاسات(1). أنّ الدم إذا علم أنّه أقلّ من الدرهم ولكن شكّ في كونه من الدماء الثلاثة لكي لا يكون معفواً أو ليس منها ليكون معفواً عنه في الصلاة، فحكم بجواز الصلاة فيه، ومتصلاً بهذه المسألة ذكر(2): أنّنا إذا وجدنا مقداراً من الدم في الثوب ولكن شكّكنا أنّه بمقدار الدرهم أو أكثر، فحكم بعدم جواز الصلاة فيه.
فتوهموا أنّ فتواه في هذين الفرعين مبنيّة على القول بجواز التمسّك في
ــــــــــ[65]ــــــــــ
(1) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام (قدّس سرّهم)) 1: 209.
(2) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام (قدّس سرّهم)) 1: 209.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الشبهة المصداقيّة باعتبار أنّه ثبت أنّ الدم إذا كان أقلّ من الدرهم فلا بأس بالصلاة فيه، فهذا عامّ خرج منه الدماء الثلاثة، فإذا شكّكنا أنَّ هذا الدم خارج بالتخصيص لكي لا يكون معفواً أو باقياً تحت العامّ يتمسّك بالعموم فتجوز الصلاة فيه -كما أفتى بذلك السيّد- وأمّا إذا شكّكنا في بلوغ الدم مقدار الدرهم نتمسك بعمومات مانعيّة الدم عن صحّة الصلاة، خرج منها ما كان أقلّ من الدرهم، ولا ندري أنّ هذا داخل تحت المخصّص ليكون معفواً أو تحت العامّ لكي لا يكون معفواً، فنتمسّك بالعامّ ولا تجوز الصلاة فيه. وقد ظهر الجواب عن ذلك بما ذكرناه فإنّه يمكن أن يكون مدرك الفرعين هو التمسّك باستصحاب العدم الأزلي، فإنّ الدم إذا كان أقلّ من الدرهم، ونشكّ أنّه من أحد الدماء الثلاثة أو لا، فالأصل يقتضي أنّه ليس منها، لأنّه قبل وجوده لم يكن دم، ولم يكن منتسباً إلى المرأة هذا الانتساب المخصوص، فنستصحب عدم انتسابه إليها، فتجوز الصلاة فيه.
وفي المسألة الثانية إذا شكّكنا أنّ الدم بمقدار الدرهم أو لا؟ فهنا المستثنى عنوان وجودي وهو عنوان الأقلّ من الدرهم، والأصل يقتضي أنّه ليس أقلّ من الدرهم فإنّه غير داخل في المستثنى.
بل ذكر في باب النكاح(1): إذا دار أمر المرأة بين كونها من الأجانب أو من المحارم، فلا يجوز النظر إليها، ونصّ على أنّ ذلك لا من جهة التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، بل من جهة كون عنوان المخصّص عنواناً ثبوتيّاً، وهو ــــــــــ[66]ــــــــــ
( ) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام (قدّس سرّهم)) 5: 500،499.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الأمهات والبنات والخالات والعمات، وإذا شكّكنا في تحقّق مثل هذه العناوين فالأصل عدمها.
فعلى ذلك لا يمكن نسبة هذا القول إلى المشهور والسيّد اليزدي .
ــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
يمكن أن يقال بالجواز قياساً على مسألة التمسّك بالعامّ عند دوران المخصّص بين الأقلّ والأكثر.
وبيان ذلك: أنّ حجّيّة كلّ دليل تتوقّف على أمرين: على وصول الكبرى، وعلى وصول الصغرى إلى المكلّف، فإذا كانت الكبرى غير واصلة -وإن كانت الصغرى واصلة- كما لو كان يعلم أنَّ هذا الموجود الخارجي خمر، ولكنَّ حرمته لم تصل إليه حتّى بعد الفحص، فلو كانت الحرمة ثابتةً في الواقع إلّا أنَّ الحجّة لم تقم عند المكلّف عليها، فنحكم بكون المكلّف معذوراً، والفعل جائزاً شرعاً، فإنّ الحرمة المجهولة مرفوعة، ولا أثر لها في حكم العقل والشرع بوجوب الاحتياط.
وأمّا لو كان الأمر بالعكس، فعلمنا أنّ شرب الخمر حرام، وقد وصلت الكبرى، إلاّ أنّه بحسب الصدق الخارجي لم نحرز أنّ المايع الخارجي خمر، ونحتمل أنّه خلٌّ، هنا أيضاً نلتزم بالجواز لعدم وصول الحرمة بحسب الصغرى، فتجري أصالة البراءة حينئذٍ، ويحكم بالجواز؛ لأنّ الواقع لم يتنجّز، فتنجّز الواقع وقيام الحجّة عليه يتوقّف على الأمرين: وصول الكبرى والصغرى معاً، وإذا كان أحدهما مجهولاً فإنّ الواقع لا يتنجّز.
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وعليه: فإذا قال: (لا تكرم العالم الفاسق) ووصلت الكبرى إلى المكلّف، ولكن لم نحرز أنّ الفرد الخارجي وهو زيد فاسق، فطبعاً هذا الدليل لا يكون حجّة في الفرد المشكوك فيه، فلم تقم الحجّة عند المكلّف على حرمة هذا الفرد، وأمّا لو فرضنا أن الكبرى والصغرى واصلتان، نحو: (أكرم كلّ عالم) وعلمنا أنّ هذا الشخص من أفراد العلماء، فيحكم بوجوب الإكرام، وإن شكّكنا بفسقه؛ لأنّ العامّ يكون حجّة ما لم تقم حجّة على الخلاف.
هذا غاية ما يمكن أن يكون وجهاً للتمسّك بالعموم في الشبهة المصداقيّة، نظير ما ذكرناه من التمسّك بالعامّ عند دوران المخصّص بين الأقلّ والأكثر.
بيانه: أنّ الحجّيّة لها إطلاقان: قد تطلق ويراد بها ما يكون قاطعاً لعذر المكلّف في مقام العمل، والحجّة بهذا المعنى -كما ذكرناه- تتوقّف على أمرين: وصول الكبرى والصغرى إلى المكلّف معاً، وإلّا لم يكن للمولى أن يحتج على عبده. والمعنى الآخر للحجّيّة هي كون الدليل كاشفاً عن الحكم الواقعي، وهو الاحتجاج في مقام القول والفتوى وثبوت التكليف الشرعي سواء كان له مصداق في الخارج أو لم يكن، والحجّة بهذا المعنى حجّة في مقام بيان الأحكام الشرعية على نحو القضايا الحقيقيّة، فيحتج المولى على المفتي بأيّ وجه قلت: هذا واجب وهذا حرام، أو هذا صحيح وهذا باطل، فيقول: تمسّكت بالآية، أو بصحيحة عبد الله بن سنان. أو يورد دليلاً عقليّاً.
وهنا لا نحتاج إلى الصغرى بل القضيّة حقيقية مع فرض وجود الموضوع،
ــــــــــ[69]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
فيفتي المفتي بأنَّ من كان مستطيعاً يجب عليه الحجّ، فإذا سئل عن دليله يحتجّ بالآية، والحجّة بهذا المعنى غيرها بالمعنى الأوّل، فأنّه هناك كان حجّة في مقام العمل الخارجي، فإنّ المكلّف لا بد أن يحتج بشيء بعد تركه واجباً واقعيّاً، أو ارتكابه محرماً واقعيّاً، وبعد علمه إجمالاً بوجود تكاليف في الشريعة، وتنجّز الحكم عليه يتوقّف على وصول الكبرى والصغرى معاً، وإلّا كان المكلّف معذوراً عند المخالفة. أمّا الحجّة بالمعنى الثاني فلا نحتاج فيها إلى الصغرى، بل يكفي فرض وجود الموضوع.
وبهذا يظهر الفرق بين المسألة السابقة فيما إذا كان الشكّ في التخصيص الزائد، ومسألتنا فيما إذا كان الشكّ في الانطباق الخارجي. أمّا في المسألة السابقة فإنّ التمسّك بالعموم والحكم بالحرمة لم يكن يتوقّف على وجود الموضوع خارجاً؛ لأنّ القضيّة فرضيّة، والمفتي يتمسّك بالعموم في غير المقدار المتيقّن، إذ قد فرضنا أنّ العامّ كشف عن ثبوت الحكم لجميع الأفراد والأصناف والحصص، فلا نرفع اليد عن هذا الشمول إلّا بمقدار كاشفيّة الدليل المخصّص، وقد فرضنا أنّه لم يكشف إلّا بالمقدار المتيقّن. وأمّا في المقام فالمفروض أنّ الشكّ ليس في الكاشفيّة، فأنّنا قد علمنا بأنّ العامّ حجّة في غير المقدار المخصّص، وكان المخصّص كاشفاً عن أنّ المراد الجدّي لم يكن هو العموم، بل كان هو العالم غير الفاسق، وإلّا لزم الجمع بين الحكمين المتضادّين، فإنّه لا يمكن أن يكون العالم الفاسق يجب إكرامه ولا يجب.
فالنتيجة: أنّ العالم الفاسق لا يجب إكرامه، ومن يجب إكرامه هو العالم
ــــــــــ[70]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الذي لا يكون فاسقاً؛ إذ لا يمكن أن يبقى العامّ على إطلاقه مع وجود المخصّص، ومن الظاهر أنّ نسبة الدليلين إلى الفرد الخارجي المشكوك فيه على حدٍّ سواءٍ، فإنَّه يحتمل أنّه فرد للعالم الفاسق فيكون داخلاً في المخصّص، ويحتمل أن يكون داخلاً في العالم(1) ليجب إكرامه، ونسبتهما إليه على حدٍّ سواءٍ، فكيف يمكن أن يقال: إنّنا إذا شكّكنا في الصدق نتمسّك بالعامّ في الفرد المشكوك فيه.
والشبهة المتقدّمة نشأت من اشتراك لفظ الحجّة في كلام العلماء بين معنيين، والمقصود بها في المقام هو المعنى الثاني دون الأوّل، فيتمّ المطلوب.
فملخص الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة هو جواز التمسّك بالعموم فيما إذا كان الشكّ في المخصّص الزائد الدائر أمره بين الأقلّ والأكثر، حيث قلنا بالجواز هناك دون هذه المسألة.
وعليه: أنَّ الشكّ في تلك المسألة يرجع إلى الشكّ في التخصيص الزائد، بعد أن كان التخصيص بالمقدار المتيقّن معلوماً فيشكّ بالزائد، وأنَّ العامّ هو مخصّص بذلك المقدار أو لا، حيث قلنا: إنَّ العناوين المأخوذة في موضوعات
ــــــــــ[71]ــــــــــ
() هذا العنوان محرز الانطباق عليه على أيّ حال على الفرض، وإنّما الشكّ في انطباق عنوان المخصّص فيتمسّك بالعامّ، فالبيان بهذا المقدار قاصر عن دفع الشبهة، إلّا أن يقال: إنّه يتمّ على تقدير القول بتعنون العامّ بعنوان ما عدا الخاصّ في كلّ دليلٍ مخصّصٍ، فهنا نشكّ في أنّ هذا الفرد من العالم الفاسق، أو من العالم غير الفاسق. ونسبتهما إليه على حدٍّ سواء على الفرض، فلا يمكن التمسّك بالعامّ حينئذٍ، ولعلّ نظر السيّد الأستاذ إلى ذلك، فتأمّل. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الأحكام معرفات إلى الوجودات الخارجيّة الحقيقيّة، فالفاسق بما هو مفهوم لا يكون مخصّصاً، وإنّما المخصّص هو واقع الفاسق، ونحن بالنسبة إلى مرتكب الكبيرة خرجنا عن العامّ والتخصيص بهذا المقدار، وأمّا بالنسبة إلى مرتكب الصغيرة فلم يثبت التخصيص؛ لأنَّ الخاصّ لا يكون حجّة في غير القدر المتيقّن.
وأمّا في مسألتنا هذه، وهي: ما إذا كانت الشبهة مصداقيّة، فليس لنا شكّ في التخصيص، إذ نعلم أنَّ العامّ قد خصّص بما إذا لم يكن العالم مرتكباً للكبيرة، وقد ثبت التخصيص ونشكّ في الموجود الخارجي أنَّه من أفراد المخصّص، فالشكّ لا يرجع إلى الشكّ في التخصيص، بل كشفنا بالتخصيص أنّ الواجب هو إكرام العالم الذي لا يكون مرتكباً للكبيرة، فكما نحتمل أنَّ المصداق الخارجي داخل تحت العامّ، فكذلك نحتمل أنّه داخل تحت الخاصّ، ولا يكون شيء منهما حجّة فيه.
هذا ملخص كلامنا في الفرق بين المسألتين، وظهر: أنَّ الصحيح هو عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهات المصداقيّة، بل لا بد فيه من الرجوع إلى الأصول العمليّة.
ــــــــــ[72]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ولشيخـنا الأنصاري(1) تـفصيل في الـمقام -واخـتاره صاحب الكفاية- وهو التفصيل بين المخصّص اللفظي والمخصّص اللبّي، فإنّه يفرض أنَّ المخصّص اللبّي يكون بمنزلة القرينة المتّصلة، فمن الأوّل لا ينعقد للعام ظهور، لأن ذلك مّما يفهمه كلّ أحد، فلا محالة أنَّ المولى قد اتّكل عليه حينما ألقى الكلام، ويكون كالقرينة المتّصلة، ولا ينبغي الشكّ في مثل ذلك بعدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، لأنَّ الظهور من الأوّل قاصر، فلو أمر المولى بلعن بني أميّة، ونحن نعلم أنَّ المؤمن لا يجوز لعنه وإن كان في نسبه يرجع إلى بني أُميّة، فهذه قرينة قطعيّة على التقييد.
فهذا النحو من المخصّص اللبّي ليس محلّاً للكلام؛ ولا يحتمل أنَّ الشيخ الأنصاري أو غيره يتمسّك معه بالعامّ عند الشبهة المصداقيّة. أمّا إذا فرضنا أنَّ القرينة منفصلة، وأنّ التخصيص بحكم العقل وليس من قبيل القرائن التي يفهمها كلّ أحد، بل من قبيل القرائن اللفظيّة المنفصلة، فظهور العامّ قد انعقد. هنا فصّل بين المخصّص اللبّي واللفظي، فإذا كان المخصّص لبيّاً
ــــــــــ[73]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار 2: 145،144.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
كالإجماع، أو الدليل العقليّ مّما ليس له ظهور فأجاز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، وأمّا إذا كان لفظيّاً فلم يجز التمسّك بالعموم حينئذٍ.
ذكر صاحب الكفاية(1) في وجه ذلك: إذا كان المخصّص لفظيّاً فالحجّة الملقاة من قبل المولى حجّتان، فكما أنّ العامّ حجّة في مدلوله، كذلك الخاصّ حجّة في مدلوله، وقد كشف الخاصّ عن مدلوله وعلمنا بالتخصيص، وكما نحتمل دخول هذا الفرد الخارجي المشكوك تحت الحجّة الأولى -وهو العامّ- كذلك نحتمل دخوله تحت الحجّة الأخرى -وهو الخاصّ- ولا يمكن لنا تعيين ذلك، فلا يمكن التمسّك بالعامّ، بل لا بد من الرجوع إلى الأُصول العمليّة.
وأمّا إذا كان المخصّص لبيّاً فلم تقم من قبل المولى إلّا حجّة واحدة وهي العامّ، ولا بدَّ من التمسّك بهذه الحجّة ما لم تقم حجّة على الخلاف، والحجّة على الخلاف هنا هو المخصّص اللبّي، وهي ترجع إلى القطع بخروج بعض الأفراد عن العموم، فالحجّة بحسب الحقيقة هي القطع الوجداني، الذي هو حجّة عقليّة ذاتيّة.
فلو قال: (أكرم كلّ جيراني) وعلمنا أنّه لا يأمر بإكرام من كان عدوّاً له، فيكون هذا القطع معذّراً عن إكرام العدو من جيرانه، وأمّا إذا شكّكنا في فرد ولم نعلم أنّه عدو للمولى أو لا، فبأي شيء يحتجّ العبد في ترك إكرام الفرد
ــــــــــ[74]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول 222.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
المشكوك، مع أنَّ المولى أمر بإكرام جميع جيرانه على نحو العموم، والمفروض لا قطع لنا بالعداوة ليكون القطع حجّة في رفع اليد عن العموم، ففي موارد الشكّ لا يمكن رفع اليد عن العموم بعد أن كان شاملاً لجميع الأفراد، ولا بُدَّ من الأخذ بالحجّة، إذ لا حجّة في قبالها ليتمسّك بها.
ذكر شيخنا الأستاذ(1) أنّ القطع الذي يرفع اليد به عن العموم، تارةً يتعلّق بملاكات الأحكام، وأخرى يتعلّق بما جعله المولى في مقام التشريع والجعل.
فإذا كان القطع متعلّقاً بملاكات الأحكام -كما لو أمر المولى بشيء وعلمنا أنّ فرداً منها لا ملاك له(2) بحسب القطع الخارجي، ونعلم أنَّ المولى الحكيم لا يأمر بشيء بلا ملاك، فلا بُدَّ من رفع اليد عن العموم ويكون هذا القطع معذّراً- ففي مثل ذلك: إذا شكّكنا في مورد ولم نحرز أنَّ فيه ملاكاً أو لا، فلا يمكننا رفع اليد عن ظهور كلام المولى لمجرّد هذا الشكّ.
والوجه فيه واضح: وهو أنّ المكلّف وظيفته هو الانبعاث عن بعث المولى والانزجار عن زجره، يعني: وجوب طاعته، وأمّا أنَّ الفعل واجد للملاك أو غير واجد له فهو خارج عن وظيفة العبد، فلو تركه واعتذر بأنّه شاكّ في وجدان هذا الفعل للملاك لا يقبل منه هذا العذر. نعم، في مورد القطع يمكن الاعتذار لأنّ القطع حجّيّته ذاتيّة.
ــــــــــ[75]ــــــــــ
() انظر: أجود التقريرات 1: 475 – 480.
(2) يعني: الطبيعة المأمور بها. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
فإذا رجع التخصيص اللبّي إلى هذا المعنى -وهو القطع بعدم الملاك- فيكون موجباً لتخصيص العامّ، إلّا أنّه عند الشكّ في الملاك يتمسّك بالعموم، لأنّ تشخيص الملاك من وظائف المولى لا العبد.
وأمّا إذا كان المخصّص المنفصل اللبّي كالإجماع وغيره، وقد كشفنا به تقييد(1) موضوع الحكم في مرحلة الجعل بغير هذا العنوان المخصّص حيث علمنا أنّ الشارع لم يجعل الحكم في مرحلة الثبوت على الإطلاق، وإن بيّنه في مرحلة الإثبات مطلقاً.
إذن، قامت حجتان على الحكم الشرعي، أحدهما: حجّة لفظيّة قامت على وجوب إكرام كلّ عالم، وثانيهما: حجّة لبّيّة قامت على أنّ موضوع الحكم مقيّد بغير هذا العنوان، ففي مثل ذلك: لا يمكن التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقيّة، إذ ما الفرق بين المخصّص اللفظي واللبّي، فأنّنا على كلا التقديرين نستكشف أنّ المراد من العامّ ليس هو العموم جزماً، بل المراد هو الحصّة الخاصّة، ونشكّ في انطباق تلك الحصة على الفرد الخارجي، ولا فرق في ذلك بين المخصّص اللبّي والمخصّص اللفظي.
الحكم المجعول في العموم، إمّا أن يكون من قبيل القضايا الحقيقيّة التي يفرض فيها وجود الموضوع، ولا يكون الحاكم متكفّلاً ببيان الموضوع في الخارج،
ــــــــــ[76]ــــــــــ
() هذا التقييد مترتّب على مقدّمة مطوية، وهي: أنَّ التخصيص يوجب تعنون العامّ بغير عنوان الخاص، وهو مّما يوافق عليه السيّد الأستاذ. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
كقوله: (الخمر حرام) و (المستطيع يجب عليه الحج) فإنَّ الموضوع فيها أخذ مفروض الوجود وليس الحاكم بصدد تطبيقه على شيء أو مورد خارجي، فإنَّ هذا خارج عن وظيفة المولى، ككون زيد مستطيعاً أو لا، أو أنّ هذا خمر أو لا.
وقد يكون الحكم المجعول من قبيل القضايا الخارجيّة، فهذا يتصوّر على وجهين: فإنّه في القضايا الخارجيّة قد يكون التطبيق أيضاً بيد المكلّف والمخاطب والجاعل أو الآمر لم يتكفّل ببيان ذلك، وربما لا يكون عالماً بالتطبيق أصلاً، كما لو جاء شخص غريب إلى البلد وأمر صديقه في البلد بتقسيم مال بين فقراء البلد أو علمائه، ومعلوم أنَّ هذا الغريب ليس له علم بالأفراد الخارجيّة، ولا يميّز الفقير أو العالم عن غيره، رغم أنّه أمر بتقسيمه بين الفقراء أو العلماء الموجودين بالفعل، ولكنّه أوكل أمر التطبيق إلى المكلّف، كما هو الحال في القضايا الحقيقيّة.
وقد تكون القضايا خارجية، ولكنّ الإحراز والتطبيق كان من وظيفة الآمر، وهو طبّق العنوان على المصاديق الخارجيّة، وأمر المخاطب بامتثال أمره من دون أن يوكل إليه التطبيق، كما لو فرضنا أنّ شخصاً أمر صديقه ببيع جميع كتبه فقال له: (بع جميع كتبي).
أمّا في القسم الأوّل وهو في القضايا الحقيقيّة والخارجيّة الملحقة بها مّما يكون التطبيق فيها بيد المخاطب، فإذا كشفنا بالدليل المنفصل اللفظي أو اللبّي عن أنَّ المراد الجدّي للمتكلّم ليس هو العموم، بل الحكم مخصوص بقسم خاص من هذه الطبيعة سواء كان ذلك في القضيّة الحقيقيّة أو الخارجيّة، وكان
ــــــــــ[77]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
العنوان في العامّ مقيّداً بغير الخارج بالتخصيص، فلا محالة عند الشكّ لا يمكن التمسّك بالعامّ لما ذكرناه من أنّ حجّيّته قاصرة؛ لأنّ العامّ وإن كان له ظهور في العموم إلاّ أنّه ليس حجّة في مرحلة المراد الجدّي إلّا في غير عنوان المخصّص، فأنّنا بعد ضمّ المخصّص إلى العامّ استكشفنا أنّ مراد المولى هو إعطاء المال للعالم الذي لا يكون فاسقاً، فإذا شكّكنا بانطباق عنوان المخصّص على فرد فنشّك بانطباق عنوان العامّ عليه بما هو حجّة أيضاً، والمفروض أنَّ العامّ لا حجّيّة له إلّا بهذا المقدار، وهذا صدقه مشكوك فيه فلا يمكن التمسّك بالعامّ، بلا فرق بين المخصّص اللبّي والمخصّص اللفظي.
أمّا إذا كانت القضيّة خارجيّة وكان التطبيق بيد المولى نفسه أو الآمر، كما لو قال: (بع جميع ما في البيت من الكتب) ولكنّنا نعلم أنّه لا يأمر ببيع الكتب الوقف، فرأينا في البيت عدّة كتب موقوفة فلا نبيعها، ولكنّنا بالنسبة إلى فرد آخر شكّكنا أنّه وقف أو لا. هنا لا مانع من التمسّك بالعموم حينئذٍ؛ لأنّ العموم لم يتقيّد في مقام الحجّيّة بعدم الوقف، غاية الأمر: علمنا اشتباه المتكلّم وغفلته عن ذكر الكتب الموقوفة، فبالنسبة إلى الكتب المشكوك فيها مقتضى العموم هو تطبيق هذا العنوان على المصداق الخارجي، وأنّه ليس(1) شيء من الكتب بوقف.
ــــــــــ[78]ــــــــــ
() بعد أن علمنا بكذب هذه الكبرى التي يعرب عنها العامّ، فالتمسّك به في ضمن الأفراد المشكوكة مشكل. نعم، لو فهمنا عرفاً من العامّ شهادة المتكلّم بعدم وجود وقف فيها، فهذا يرجع إلى مقدار وثاقته فإذا كان ثقة فسقوط بعض مدلول الشهادة لا يضرّ بالمداليل الأُخر بالنسبة إلى الأفراد الأخرى، فيصحّ ما يقوله في المتن. أمّا من دون هذه الشهادة فالتمسّك بالعامّ لإثبات عدم الوقف وصحّة البيع في غاية الإشكال، فافهم وتأمّل. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ولأجل ذلك إذا فرضنا أنّ المكلّف لم يبع كتاباً واعتذر بكونه يحتمل وقفه فلا يسمع اعتذاره بعد الأمر ببيع جميع الكتب، والسرّ فيه واضح: فإنّ القضيّة إذا كانت خارجيّة فكلّ واحد من الكتب متعلّق لأمر المولى بالبيع، وهو الذي أحرز انطباق العنوان عليه، فشكّ المكلّف لا أثر له، فإنّه لم يوكل إليه التطبيق.
ففي القضايا الخارجيّة التي يكون الحكم فيها شاملاً للأفراد فرداً فرداً، لا المتعلّقة بعنوان كلّي لا بأس بالكشف عن أنّ هذا الفرد غير داخل تحت عنوان المخصّص، ولعلّ نظر الشيخ وصاحب الكفاية كان إلى هذه الموارد.
هذا تمام كلامنا في التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، ففي حال علمنا باشتباه الآمر وغفلته نرفع اليد عن العموم، وفيما لم نعلم نأخذ بالعموم ونحكم باندراج الفرد المشكوك تحته. وحيث إنّ محلّ ابتلائنا في الاستنباط هو القضايا الحقيقيّة فلا يمكن التمسّك بالعموم فيها في الشبهات المصداقيّة.
ــــــــــ[79]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
دخول الفرد المشكوك بالاستصحاب
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ذكر صاحب الكفاية(1) إمكان دخول الفرد المشكوك فيه تحت العامّ ببركة الاستصحاب في بعض الموارد.
وتفصيل ذلك: أنّ التخصيص قد يستكشف منه دخل عنوان وجودي في العامّ، كما لو أمر المولى بإكرام العالم، ثُمَّ قال: (وليكن هذا العالم عادلاً) ففي مثل ذلك إذا شكّكنا في فرد خارجيٍّ، ولم نعلم أنّه عادل أو لا، فلا يمكن التمسّك بالعموم كما ذكرناه، وليس هناك أصل يحرز به أنّه عادل، إلاّ إذا كان مسبوقاً بالعدالة فيستصحب، إلّا أنَّه خارج عن محلّ الكلام. وهذا واضح.
ومثل هذا التخصيص قليل جداً، وأكثر موارد التخصيص هو التخصيص بالاستثناء أو بالعنوان الوجودي، فيرد الأمر بإكرام العلماء ثُمَّ يرد الاستثناء، نحو: (إلّا إن كان العالم فاسقاً) أو التخصيص بالعنوان الوجودي، نحو: (لا تكرم الفاسق منهم) فحينئذٍ الباقي تحت العامّ لا يكون مقيّداً بقيّد وجودي طبعاً، بل يكون مقيّداً بقيّد عدمي، وتكون النتيجة: أنَّ من يجب إكرامه هو العالم الذي لا يكون فاسقاً، لا العالم الذي يكون عادلاً، وإن كان عدم الفسق ملازماً للعدالة لو فرضنا عدم وجود الواسطة بينهما.
ــــــــــ[83]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول 223.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ومعلومٌ أنَّ الماء إما كرّ -أو أكثر- وأمّا دون الكرّ بلا واسطة بينهما، فإذا استفدنا من بعض الروايات أنَّ كلّ ماء ينفعل بالملاقاة، واستفدنا من أدلّة الكرّ “إِذَا بَلَغَ المَاءُ كُرّاً لَا يُنَجِّسُهُ شَيْء” أنّه لا ينفعل، نستكشف أنَّ موضوع الحكم بالانفعال هو الماء الذي لا يكون كرّاً، وإن كان عنوان الكرّيّة ملازماً لعنوان القلّة، إلاّ أنّ المأخوذ في موضوع الحكم بالانفعال هو القيد العدمي، فالموضوع يتركّب من قيّد وجودي وهو العالم أو الكرّ، وقيّد عدمي وهو ما لم يكن متّصفاً بهذا العنوان الخاصّ، فإذا كان الخاصّ عنواناً وجودياً فالباقي تحت العامّ هو ما لم يكن متّصفاً بعنوان الخاصّ.
فذكر صاحب الكفاية أنَّ الغالب في موارد التخصيص بالمنفصل يكون بأمر وجودي، فالباقي تحت العامّ لا عنوان له إلّا هذا العنوان، وهو أنّ لا يكون من أفراد الخاصّ، وحينئذٍ يمكن إحراز الموضوع بضمّ الوجدان إلى الأصل، فأنّنا إذا شكّكنا أنَّ هذا الماء كرّاً أو لا، فهنا وإن لم يمكن التمسّك بالعموم لكونه شبهة مصداقيّة، إلّا أنّه يمكن إحراز الموضوع بضمّ الوجدان إلى الأصل، فنقول: (هذا ماء وجداناً) ومقتضى الأصل عدم اتصافه بالكرّيّة؛ لأنّ الكرّيّة أمر حادث والأصل عدمي، فيحكم بانفعاله.
وبعبارة أخرى: أنّ التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقيّة وإن كان غير ممكن، إلاّ إنّه في غالب الموارد يمكن إدخال الفرد تحت العامّ بمقتضى الأصل؛ وذلك لأنّ التخصيص في الغالب يكون بنحو الاستثناء أو التخصيص المنفصل، ويكون التخصيص بعنوان وجودي، ففي هذه الموارد يمكن إحراز
ــــــــــ[84]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الموضوع بضمّ الوجدان إلى الأصل؛ وذلك: لأنّ دليل التخصيص غاية ما يستكشف به أنّ العامّ يتقيّد بعدم هذا العنوان، فالعامّ لا يتعنون بأيّ عنوان كان سوى العنوان الخارج بالتخصيص، فيقيّد به العامّ بنحو القيد العدمي، فإذا ورد: (أكرم كلّ عالم) وورد النهي عن (إكرام العالم الفاسق) أو بنحو الاستثناء: (إلّا من كان فاسقاً) فالعنوان الذي أخذ في الحكم هو عنوان العالم، وسائر العناوين خارجة عنه، ولا دخل لها في ثبوت الحكم وجوداً ولا عدماً، فلم يؤخذ ثبوتها ولا عدمها في موضوع الحكم، فالعالم – بكلِّ عنوان كان – محكوم بهذا الحكم، لا بمعنى دخل العناوين في الحكم، بل بمعنى عدم أخذها فيه.
فالذي يكون مأخوذاً في عنوان العامّ بمقتضى التخصيص المتّصل أو المنفصل هو عدم هذا العنوان الوجودي المأخوذ في المخصّص، فيكون الموضوع مركّباً من أمر وجودي وهو العالم، وأمر عدمي وهو أن لا يكون فاسقاً، أمّا القيد الوجودي فالمفروض أنّنا أحرزناه بالوجدان، وأمّا العنوان العدمي فنحرزه بالأصل، فنقول: إنّ عنوان المخصّص لم يكن في زمان؛ لأنّه أمر حادث لا محالة، فنشكّ في حدوثه وعدمه فنستصحب عدمه، وبذلك نحكم أنّ العالم المعلوم كونه عالماً على الفرض والمشكوك الفسق غير متّصفٍ بهذا العنوان الوجودي، وقد أحرزنا موضوع الحكم بضمّ الوجدان إلى الأصل.
ومثله ما ورد: (المرأة تحيض إلى خمسين إلّا القرشيّة) فالمستثنى هو عنوان وجودي وهو القرشيّة، فيكون المأخوذ في الموضوع هو عدم هذا العنوان، فالمرأة التي لا تكون قرشيّة تحيض إلى خمسين، فإذا شكّكنا في مرأة أنّها قرشيّة أو
ــــــــــ[85]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
لا، فنجري استصحاب عدم القرشيّة، أي: عدم الانتساب إلى قريش، فإنّه أمر حادث نشكّ بتحقّقه عند تحقّق المرأة خارجاً، فنقول: حينما لم تكن المرأة لم تكن الذات ولم يكن الوصف، وحينما وجدت المرأة نشكّ بوجود الوصف فنستصحب؛ ويثبت به أنّها ليست قرشيّة، فيشملها الحكم بأنّها تحيض إلى خمسين، فهذا من موارد إحراز الموضوع بضمّ الوجدان إلى الأصل، فأنّها مرأة بالوجدان، وغير قرشيّة بالأصل. هذا ملخص ما أفاده.
ــــــــــ[86]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وقد تنظّر فيه شيخنا الأُستاذ(1) ولم يرتض هذا الحكم، وجعله مبنيّاً على عدّة مقدّمات، وقد تقدّم الكلام فيها في بحث الفقه(2).
المقدّمة الأولى(3): أنّ مقتضى التخصيص بمتّصل ومنفصل هو تقييد الموضوع بغير العنوان الخاصّ لا محالة؛ إذ لا يعقل أن يبقى العنوان على إطلاقه ومع ذلك يرد عليه التخصيص، فبحسب مقام الثبوت يكشف المخصّص المتّصل أو المنفصل عن أنّ موضوع الحكم في العامّ هو غير القرشيّة لا محالة؛ إذ لا يمكن أن تبقى المرأة على إطلاقها تتحيّض إلى خمسين قرشية وغير قرشية، ومع ذلك يقال: إنّ القرشيّة تتحيّض إلى ستين.
وهذه المقدّمة لا إشكال فيها أصلاً، وقد اعترف بها صاحب الكفاية أيضاً بقوله: لا يخفى أنّ الباقي تحت العامّ بعد تخصيصه بالمنفصل، أو كالاستثناء من المتّصل لما كان غير معنون بعنوان خاصٍّ، بل بكلّ عنوان لم يكن ذلك بعنوان الخاصّ، يعني: مأخوذاً عدمه في العامّ(4).
ــــــــــ[87]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 465.
(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 7: 74.
(3) انظر: أجود التقريرات 1: 465.
(4) انظر: كفاية الأصول: 223.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
المقدمة الثانية(1): أنّ العامّ إذا قيّد بقيّد وجودي أو عدمي، فلا بُدَّ أن يكون القيد مأخوذاً ناعتاً، يعني: يكون الاتّصاف بالوجود أو بالعدم ناعتاً، فإذا كان الموضوع مركّباً من ذات ووصف سواء كان هذا الوصف وجوديّاً أو عدميّاً فلا بُدَّ أن يؤخذ ناعتاً.
وقد جعله مبنيّاً على أمر سبق في مسألة اللباس المشكوك، وهو أنَّ التقييد في مرحلة الذات متقدّم بالرتبة على التقييد في مرحلة الوصف، ففي مرتبة الذات ينقسم العامّ إلى المتصف بالقيد وغيره، والحكم بالنسبة إليها إمّا مطلق أو مقيّد، وحيث لا يمكن الإطلاق فلا محالة يكون متّصفاً بعدم القيّد -عدم الفسق مثلاً- فالقيد أخذ على نحو العدم النعتي، لا بنحو العدم المحمولي.
المقدمة الثالثة(2): بنى على أنَّ استصحاب العدم الأزلي لإثبات العدم النعتي من الأصول المثبتة، فلا يمكن استصحاب عدم البصر لإثبات أنّ زيداً أعمى، أو استصحاب عدم العلم لإثبات كونه جاهلاً، أو استصحاب عدم الكفر لإثبات كونه مسلماً، أو بالعكس، فإنّ عدم الاتّصاف ليس له حالة سابقة، وإنّما الذي له حالة سابقة هو العدم المحمولي، وإثبات الاتصاف باستصحاب العدم المحمولي مبني على جريان الأصل المثبت، ولا نقول به.
ورتّب على هذه المقدّمات: أنّ التخصيص إذا كان بمتّصل أو
ــــــــــ[88]ــــــــــ
() انظر: أجود التقريرات 1: 468،467.
(2) انظر: أجود التقريرات 1: 471،470.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بمنفصل يستكشف منه أنّ العامّ مقيّد بعدم القرشيّة، لا بمعنى العدم المحمولي، بل بنحو العدم النعتي.
إذن، عدم القرشيّة أخذ بنحو النعتيّة، وهو ليس له حالة سابقة؛ إذ الشكّ ثابت من أوّل أوقات وجود المرأة، وأمّا استصحاب العدم المحمولي بأن يقال: إنّ القرشيّة لم تكن موجودة، فهي الآن ليست بموجودة لا أثر له؛ إذ لا يترتّب على ذلك أنّ المرأة تّتصف بأنّها غير قرشيّة إلّا بالأصل المثبت.هذا محصّل ما أفاده.
ــــــــــ[89]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ما ذكره من المقدمة الأولى والثالثة متينٌ جدّاً، إنّما الكلام في المقدّمة الثانية، هي لا تبتني على أساسٍ؛ وإنّما أخذ الوصف نعتاً يختصّ بوجود العرض ولا يشمل صورة عدمه، أمّا حال وجوده فلا بُدَّ أن يؤخذ نعتاً لأنّ وجوده في نفسه عين وجوده في موضوعه، فإن أخذ العرض في موضوع حكم فلا بُدَّ من أخذه ناعتاً كالعالم والهاشمي، فإنّ وجود العلم في نفسه عين ثبوته لزيد واتصافه به.
وأمّا بالنسبة إلى الأعدام فعدم العرض ليس كذلك.
ففي المثال: لا تكون المرأة متّصفة بعدم القرشيّة، فأنّه لا يستفاد من دليل الاستثناء أن تكون المرأة منتسبة إلى غير قريش من القبائل، بل المستفاد منه أنّ لا تتصف بهذا الوصف وهو القرشيّة، يعني: عدم وجود الناعت لا العدم الناعت، وعدم الوصف لا التوصيف بالعدم.
ونظن أنَّ ما ذكرناه واضح جدّاً، فإن الاستثناء لا يترتّب عليه إلّا إخراج هذا العنوان، وهو مراد صاحب الكفاية من قوله: أنَّ العامّ يكون معنوناً بكلّ عنوان إلّا عنوان الخاصّ، يعني: لم يؤخذ في العامّ حتّى الاتّصاف بالعدم.
فعلى ذلك، فالعدم في المقام ليس نعتياً، بل هو محمولي، فيصحّ ما ذكره
ــــــــــ[90]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
صاحب الكفاية من التمسّك باستصحاب العدم الأزلي، فيقال: إنّ المرأة قبل وجودها لم تكن بذاتها، ولم يكن انتسابها إلى قريش، وبعد وجودها في الخارج نشكّ في وجود انتسابها وعدمه، فنستصحب العدم، فيثبت بذلك أنّ هذه المرأة ليست بقرشيّة، لا أنّها من غير قريش، وهذا يكفي في ثبوت الحكم.
ومن الغرائب من شيخنا الأستاذ(1) أنّه ذكر في جملة كلامه: لو صحّ هذا الاستصحاب لم تكن حاجة إلى استصحاب العنوان الانتزاعي، فيقال: الأصل عدم انتساب هذه المرأة إلى قريش، بل يجري استصحاب نفس الوصف ابتداء، فنقول: الأصل عدم قرشية هذه المرأة، فإنَّ مفهوم القرشيّة ومفهوم الانتساب إلى قريش مفهوم واحد، ولا فرق بينهما فإنَّ الياء ياء النسبة كرجل بغدادي، وليس هنا أمران أحدهما عنوان انتزاعي والآخر أصلي، ليقال: إنّ جريان الأصل في أحدهما يغني عن جريانه في الآخر.
وكيف كان، فالصحيح ما ذهب إليه صاحب الكفاية، وأساس جريان الاستصحاب وعدمه يبتني على أنّ المفهوم عرفاً من الاستثناء بالمنفصل، هل هو أخذ العنوان نعتاً بنحو الاتّصاف بالعدم، أو أخذه بنحو عدم الوصف؟ فعلى الأوّل لا إشكال في عدم جريان الاستصحاب، وعلى الثاني يكون الاستصحاب جارياً، والصحيح هو الثاني، فالاستصحاب يجري في هذه الموارد.
ــــــــــ[91]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 474.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إمكان التمسّك بالعام من ناحية حكم آخر غير الشكّ في المخصّص
ــــــــــ[93]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
لا إشكال بالتمسّك بالعامّ فيما إذا شكّ في تخصيصه، لبناء العقلاء على أصالة عدم التخصيص على تفصيل قد مرّ. إنّما الإشكال في موارد التمسّك بالعموم من جهة غير التخصيص، ومثّلوا له: بما إذا شكّ في جواز الوضوء بالماء المضاف، ولم نكن نعلم أنّه مشروع في الشريعة المقدسة أو لا، فإذا تعلّق النذر به هل يمكن الحكم بصحّته لعموم وجوب الوفاء بالنذر، فيقال: يجب الوفاء بالنذر، فيجب الوضوء بالماء المضاف لتعلّق النذر به، وما كان واجباً عند المولى يكون مقرّباً ومحبوباً، فيحكم بصحّته من جهة وجوب الوفاء بالنذر، وهل يختصّ الحكم بالوضوء إذا كان متعلّقاً للنذر، أو يتعدّى إلى غير النذر أيضاً؟ وهنا وجهان:
قد يقال: بالتعدّي للملازمة بين الصحّة حال تعلّق النذر، والصحة حال عدمه، فإذا كشفنا عن صحّة الوضوء بالماء المضاف، فلا فرق في ذلك بين ما إذا تعلّق به النذر أو لم يتعلّق، فيلتزم بصحّته حال النذر لعمومات وجوب الوفاء، وفي حال غيره للملازمة بين الصحّة فيه والصحّة بدونه، أو يقتصر في الحكم بالصحّة على مورد النذر لعدم الدليل على غيرها.
ــــــــــ[95]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
كما في مورد النذر المتعلّق بالإحرام قبل الميقات، أو الصوم في السفر، فيجب الوفاء بالنذر في هذين الموردين، فيحكم بصحّة الإحرام والصوم، مع أنّه في حال عدم النذر لا يحكم بالصحّة، بل لا يجوز ذلك، ولا ملازمة بين أنّ يحكم بالصحّة حال النذر وأن لا يحكم بها بدونه، فيقتصر بالحكم بالصحّة فيما إذا تعلّق النذر بالوضوء بالماء المضاف لا بدونه.
ــــــــــ[96]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
المورد الأوّل: هل يمكن أن يتمسّك بعموم وجوب الوفاء بالنذر لا من جهة الشكّ بالتخصيص، بل من جهة حكم آخر؟
ولا ينبغي الشكّ في عدم جواز التمسّك بالعموم في هذه الموارد، والوجه في ذلك: هو أنّ النذر يعتبر في متعلّقه أن يكون راجحاً؛ للأدلّة الخاصّة التي دلّت على ذلك، بل حتّى لو لم يكن دليل، لكنّا نعتبر ذلك أيضاً، فإنّه وردت عدّة روايات ناطقة بأن يكون متعلّق النذر راجحاً وخيراً يتقرّب به إلى المولى، ولو لم تكن هذه الروايات أيضاً لا بد من اعتبار ذلك، فإنَّ جعل عمل على ذمّة المكلّف لله تعالى لا بد أن يحرز في مورده أنَّ العمل قابل لأن يضاف إلى الله تعالى فيجعل في ذمّة المكلّف، وأمّا العمل الذي لا يمكن إضافته إلى الله، فكيف يجعل في ذمّة المكلّف لله تعالى، وذلك كالأفعال المحرّمة والمردوعة، بل الفعل المباح أيضاً، إذ بعد فرض تساوي الطرفين بالنسبة إلى الله تعالى وليس فيه جهة محبوبية، فكيف يضيفه إلى الله تعالى؟!
فبعد أخذ الرجحان في متعلّق النذر، كيف يمكن التمسّك بالعموم فيما إذا شكّكنا في رجحان العمل، فإنّ المفروض هو الشكّ في أنّ الوضوء بالمايع المضاف هل هو راجح أو لا؟ فيكون التمسّك بالعموم تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
ــــــــــ[97]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بل حتّى على القول بجواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة لا يمكن ذلك في المقام، وذلك لأنّنا ذكرنا أنَّ التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة إنّما يكون فيما إذا لم يكن العنوان الوجودي مأخوذاً في العامّ بدليل مخصّص متّصل أو منفصل، وأمّا إذا أخذ العنوان الوجودي فيه -كتقييد العالم بالعادل- بدليل مخصّص فيكون موضوع الحكم -لا محالة- هو العالم العادل، فإذا شكّكنا في فرد أنّه عالم أو لا فلا يتمسّك بالعموم بلا كلام، وإنّما وقع الكلام فيما إذا كان المخصّص عنواناً وجودياً خارجاً، فقد يقال بجواز التمسّك بالعامّ على اعتبار عدم تعنون العامّ بعنوان، وشموله في نفسه للفرد المشكوك فيكون حجّة فيه بلا معارض، أمّا في المقام فلا يمكن التمسّك بالعموم فيما إذا تعلّق به النذر، فضلاً عن الحكم بصحّته فيما إذا لم يتعلّق به النذر.
المورد الثاني: في صغرى هذه الموارد. ولا شكّ في تعلّق النذر بالصوم في خصوص السفر، أو الأعمّ منه ومن الحضر، فإنّه يكون صوماً صحيحاً، وكذلك ما إذا تعلّق النذر بالإحرام قبل الميقات، فإنّه في نفسه غير مشروع، فإنّ رسول الله قد عيّن أمكنة خاصّة للإحرام، ولا يجوز الإحرام قبلها، وفي بعض الروايات “أنَّ الإحرام قبل الميقات كالصلاة قبل الوقت“(1)، إلّا أنّه إذا تعلّق به النذر يقع صحيحاً بلا إشكال.
ــــــــــ[98]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 11: 319، الباب: 9، عدم انعقاد الإحرام قبل الميقات إلّا ما استثني فلا يجب عليه ما يجب على المحرم وإن لبّى وأشعر وقلد ويجوز له الرجوع وكذا من أحرم بالحج في غير أشهر الحج، الحديث 1، 2، 3.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إنّما الإشكال في وجه ذلك، وأنّه من جهة التخصيص فيكون هذا تخصيصاً في أدلّة لزوم الرجحان في متعلّق النذر، ففي هذين الموردين لا يعتبر الرجحان، إلّا أنّ الالتزام بذلك بعيد غايته؛ إذ كيف يقال: إنّ الله تعالى أوجب ما ليس براجح.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ذكروا(1) أنَّ الرجحان المعتبر في متعلّق النذر والميزان فيه هو الرجحان حال العمل لا الرجحان حال النذر، فقد يكون شيء غير راجح في نفسه، لكنّه يكون راجحاً من جهة النذر، والتزام المكلّف به يحدث فيه رجحاناً، فيقع العمل في ظرفه راجحاً. إذن، لا تخصيص في أدلّة رجحان النذر، فإنّ العمل في هذين الموردين -الإحرام والصوم- فيه رجحان، غايته: أنَّه رجحان ناشئ من قبل النذر. هكذا ذكر السيّد اليزدي .
وأورد عليه شيخنا الأُستاذ(2) بأنّ هذا لا يمكن الالتزام به، وإلّا جاز تعلّق النذر بجميع المحرّمات الإلهيّة، فيمكن أن ينذر، ويكذب، ويغتاب، ويأكل أموال الناس، وهكذا، وهو باطل بالضرورة، ولذلك التزم بالتخصيص.
ــــــــــ[100]ــــــــــ
(1) انظر: العروة الوثقى (مع تعليق عدّة من الفقهاء (قدّس الله أَسرارهم)) 2: 272 -274.
(2) انظر: كتاب الصلاة1: 109، 110، العروة الوثقى (مع تعليق عدّة من الفقهاء (قدّس الله أَسرارهم)) 2: 274.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
والظاهر أنّ ما أفاده صاحب العروة متينٌ، وذلك لما قلناه من أنّ التخصيص بعيد جدّاً؛ إذ كيف يأمر المولى بما ليس براجح؟ بل العمل راجح، غايته: أنّه لم يكن راجحاً في ذاته، وصار راجحاً بالنذر، وأمّا نذر سائر المحرّمات فلا يمكن تصحيحه، فإنّ إطلاق دليل الحرمة كافٍ في إثبات مبغوضية هذا العمل قبل النذر وبعد النذر، وكيف يمكن إثبات أنّ الكذب يكون بالنذر راجحاً فرض بعد إطلاق دليل مبغوضيته؟
وأمّا في هذين الموردين، فالعبرة في وجوب الوفاء هو الرجحان حال العمل، فإنّه تارة يكون الرجحان ثابتاً من الخارج كصلاة الليل، والبرّ بالإخوان، وغير ذلك من المستحبات والواجبات، فإذا تعلّق به النذر يجب، وأخرى يكون الدليل على الرجحان دليلاً خاصّاً، ومقامنا من هذا القبيل، فإنّ الروايات الواردة في جواز الإحرام قبل الميقات، وجواز الصوم في السفر دلّت على أنَّ هذا العمل راجح، فنأخذ بها ولا نلتزم بالتخصيص.
وأمّا إذا لم يرد دليل على الرجحان كالمحرمات والمكروهات والمباحات الشاملة بإطلاقها لما قبل النذر، فتعلّق النذر بها غير صحيح. إذن، إشكاله على صاحب العروة غير وارد، والصحيح ما ذكره صاحب العروة.
ــــــــــ[101]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الدوران بين التخصيص والتخصّص
ــــــــــ[103]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
لا إشكال فيما إذا علمنا بكون هذا الفرد فرداً للعامّ، وشكّ في ثبوت الحكم له وعدمه للتخصيص، فعندئذٍ يتمسّك بأصالة العموم، وهو الذي يسمّى بأصالة عدم التخصيص، من جهة بناء العقلاء على التمسّك بالعموم عند الشكّ في التخصيص.
إنّما الإشكال فيما إذا علمنا أنّ فرداً لم يثبت له حكم العامّ، ولكن شككنا أنّه من أفراد العالم ليكون تخصيصاً، أو لا يكون فرداً من أفراد العالم ليكون تخصّصاً، كما لو ورد أمر بإكرام العلماء، وعلمنا أنّ زيداً لا يجب إكرامه، وشكّكنا أنّه عالم ليكون ذلك تخصيصاً، أو ليس بعالم ليكون من باب التخصّص، فهل يمكن التمسّك بعموم العامّ، ليقال: إنّه من جهة التخصّص لا التخصيص أو لا؟
وقد ذكروا من أمثلة ذلك ما ورد في بعض الروايات: (أنَّ ماء الاستنجاء لا بأس به، إذا أصاب بدن الإنسان أو ثوبه) وفي بعضها التعليل كما في رواية عن الأحول “أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّـهِ فِي حَدِيثٍ الرَّجُلُ يَسْتَنْجِي فَيَقَعُ ثَوْبُهُ فِي المَاءِ الَّذِي اسْتَنْجَى بِهِ فَقَالَ لَا بَأْسَ فَسَكَتَ فَقَالَ أَوَتَدْرِي لِمَ صَارَ لَا بَأْسَ بِهِ
ــــــــــ[105]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
قَالَ قُلْتُ: لَا وَاللَّـهِ فَقَالَ إِنَ المَاءَ أَكْثَرُ مِنَ الْقَذَرِ“(1). وهي وإن كانت ضعيفة، فالحكم بالنسبة إلى هذا الفرد معلوم، إلّا أنّ الكلام في أنّه ماء نجس أو طاهر. إذا قلنا أنّه طاهر، فهو من باب التخصيص لعمومات تنجيس الماء القليل كموثّقة عمار(2)، “في الماء الذي فيه فأرة ميتة، قال: تغسل كل ما أصابه ذلك الماء“(3) ولا بُدَّ من الالتزام بالتخصيص في هذه الموثّقة، ويقال: إنّ ماء الاستنجاء وإن كان محكوماً بالنجاسة شرعاً، إلاّ أنّه لا ينجس، وأمّا إذا قلنا أنّه نجس، فلا تخصيص في البين.
قالوا: إنّ ثمرة النزاع في ماء الاستنجاء هو ترتيب آثار النجاسة، فإنّه لا إشكال أنّ هذا الماء حتّى بناء على طهارته لا يجوز فيه الوضوء والغسل، لأنّه لا يجوز استعمال الماء الذي يزال به الخبث للوضوء والغسل، فلا أثر للنزاع من هذه الناحية، كما أنّه من جهة عدم التنجيس أيضاً لا أثر له؛ لأنّه منصوص. إنّما الإشكال في ترتيب بقيّة آثار النجاسة كالشرب، فإذا فرضنا كونه على نحو لا
ــــــــــ[106]ــــــــــ
(1) علل الشرائع 1: 287، باب 270، باب العلة التي من أجلها لا يجب غسل الثوب الذي يقع في الماء الذي يستنجى به، الحديث: 1، وسائل الشيعة 1: 222، الباب 13، باب طهارة ماء الاستنجاء، الحديث: 2.
(2) وسائل الشيعة 1: 142، الباب 4، الحكم بطهارة الماء إلى أن يعلم ورود النجاسة عليه فإن وجدت النجاسة فيه بعد استعماله وشكّ في تقدّم وقوعها وتأخره حكم بالطهارة، الحديث:1.
(3) من لا يحضره الفقيه 1: 14، الحديث 26، تهذيب الاحكام 1: 418، الحديث 1322، وسائل الشيعة 1: 142، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، الحديث الأول.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
يتضرّر منه، كما إذا كان كثيراً دون الكّر، وكان الاستنجاء من البول ولم تكن فيه عين نجاسة، فعلى القول بكونه نجاسة معفواً عنها لا يجوز شربه، وأمّا إذا كان طاهراً فلا مانع من شربه.
فوقع الكلام في أنّه هل يمكن التمسّك بالعموم في المقام، فيقال: إنّ مقتضى قوله في الموثقة: “تَغْسلَ كُلَّ مَا أَصَابَهُ ذَلِكَ المَاء” هو العموم، فتحفظاً على هذا العموم يلتزم بأنّ هذا الماء طاهر، فيجوز ترتيب جميع آثار الطهارة عليه، كما يمكن غسل اليد أو غيرها به، وأمّا بناء على نجاسته مع العفو عنها، كما ذهب إليه الشهيد(1)، فيترتّب عليه أحكام النجاسة جميعاً. إلَّا عدم تنجيس الملاقي.
والكلام مرّة يقع في الكبرى، وأخرى في الصغرى.
ــــــــــ[107]ــــــــــ
(1) روض الجنان: 160.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
أمّا الكبرى فقد قيل: إنَّ التمسّك بأصالة العموم يثبت أنّ هذا من باب التخصّص، فلو ورد الأمر بإكرام العلماء، وعلمنا أنّ زيداً لا يجب إكرامه، فتحفّظاً على أصالة العموم نحكم بالتخصّص، وأنّ زيداً ليس من العلماء، وهذا وإن كان من اللوازم العقليّة، إلّا أنّ الأصول المثبتة في باب الألفاظ والظهورات تكون حجّة، وإنّما لا نقول بحجّيّتها في الأصول العمليّة التي أخذ في موضوعها الشكّ، وأمّا الأصل اللفظي الناظر إلى الواقع فيترتّب عليه اللازم، ولازمه أنَّ زيداً ليس بعالم، فيترتّب عليه سائر أحكام الجاهل. هذا ما قيل.
إلاّ أنّه غير صحيح، فإنّ الأصل المثبت في الأصول اللفظيّة حجّة وإن كان صحيحاً، فإذا ثبت الملزوم بالدلالة المطابقيّة يثبت لازمه بالدلالة الالتزاميّة، إلّا أنّ الكلام في جريان أصالة العموم في المقام، والظاهر أنّها لا تجري؛ لأنّ أصالة العموم لم تثبت حجّيّتها بدليل لفظي، وإنّما ثبتت بالسيرة العقلائيّة، وسيرة العقلاء سيرة عمليّة لترتيب الآثار، ولم تثبت من العقلاء سيرة في ذلك، فلو شكّكنا في حكم فرد، مع العلم بكونه من أفراد العالم، فيكون شكّاً في التخصيص، فالسيرة هنا قائمة على التمسّك بالعموم، وهو المسمّى بأصالة عدم التخصيص، ومرجعه إلى أصالة الظهور.
ــــــــــ[108]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وأمّا إذا علمنا أنّ حكم العامّ غير ثابت للفرد، فلم يثبت ببناء العقلاء وبالسيرة العمليّة المعاملة معه معاملة الجاهل، بل من المتيقّن عدم وجود هذه السيرة، فلو كتب إلى وكيله : (بع جميع ما عندي من الكتب) ثُمَّ كتب له بعد ذلك: (لا تبع الكتاب الفلاني) ودار الأمر بين أن يكون هذا الكتاب له، فيكون تخصيصاً لقوله: (بع)، أو ليس له فيكون تخصّصاً، فهنا لم تقم سيرة على أنَّ العقلاء يلتزمون بالتخصّص وأنّ الكتاب ليس له، بل غاية ما يثبت: أنّ هذا الكتاب لا يجوز بيعه من قبل الوكيل، أمّا أنّه ملك لموكله أو لا فلا يمكن إثباته.
فبالنسبة إلى الكبرى لا شكّ في التمسّك بأصالة العموم، فيما إذا علمت الفرديّة وشكّكنا في ثبوت الحكم للفرد، وأمّا إذا علمنا بعدم الحكم وشكّكنا في الفرديّة، فلم تقم سيرة على معاملته معاملة الأجنبي، وأنّه خارج من أفراد العامّ الذي هو معنى التخّصص. هذا هو الكلام في الكبرى.
ــــــــــ[109]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وأما بحسب الصغرى فقد ذكرنا أنَّ ماء الاستنجاء وقع فيه الكلام هل هو طاهر كما ذهب إليه المشهور(1)، أو نجس معفو عنه، لا ينجس ملاقيه من بدن أو ثوب، كما ذهب إليه الشهيد الثاني (2).
ربما يقال: إنّ مقتضى عموم ما دلّ على أنّ الماء المتنجس ينجس كموثقة سماعة التي دلّت على أنّ الماء المتنجس ينجس، فربما يشير إلى هذه الرواية، ما رواه في الوسائل قائلاً: وبالإسناد عن سماعة، قال: “سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ يَمَسُّ الطَّسْتَ أَوِ الرَّكْوَةَ ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يُفْرِغَ عَلَى كَفَّيْهِ قَالَ يُهَرِيقُ مِنَ المَاءِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ وَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا بَأْسَ وَ إِنْ كَانَتْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي المَاءِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَ يَدَهُ شَيْءٌ مِنَ المَنِيِّ وَ إِنْ كَانَ أَصَابَ يَدَهُ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي المَاءِ قَبْلَ أَنْ يُفْرِغَ عَلَى كَفَّيْهِ فَلْيُهَرِقِ المَاءَ كُلَّه”(3).
ــــــــــ[110]ــــــــــ
(1) انظر: تذكرة الفقهاء 1: 37، مجمع الفائدة والبرهان 1: 291، جواهر الكلام 1: 297.
(2) روض الجنان: 160.
(3) تهذيب الأحكام 1: 38، الباب 3، آداب الأحداث الموجبة للطهارات، الحديث: 41، وسائل الشيعة 1: 154، الباب 8، باب نجاسة ما نقص عن الكرّ من الراكد بملاقاة النجاسة له وإذا وردت عليه وإن لم يتغيّر، الحديث: 10.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وما رواه في الوسائل أيضاً قائلاً: “محمّد بن علي بن الحسين بإسناده عن عمار بن موسى الساباطي أنّه سأل أبا عبد الله عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ فِي إِنَائِهِ فَأْرَةً وَقَدْ تَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ الْإِنَاءِ مِرَاراً وَاغْتَسَلَ مِنْهُ أَوْ غَسَلَ ثِيَابَهُ وَقَدْ كَانَتِ الْفَأْرَةُ مُنْسَلِخَةً. فَقَالَ: إِنْ كَانَ رَآهَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا رَآهَا فِي الْإِنَاءِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ وَ يَغْسِلَ كُلَّ مَا أَصَابَهُ ذَلِكَ المَاءُ وَ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَ الصَّلَاةَ وَ إِنْ كَانَ إِنَّمَا رَآهَا بَعْدَ مَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ وَفِعْلِهِ فَلَا يَمَسَّ مِنَ المَاءِ شَيْئاً وَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَتَى سَقَطَتْ فِيهِ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا سَقَطَتْ فِيهِ تِلْكَ السَّاعَةَ الَّتِي رَآهَا“(1).
وحيث فرضنا في المقام أنَّ الثوب أو البدن لا يتنجس بهذا الماء بماء الاستنجاء، فتحفّظاً على العموم نقول بطهارته ولا يلزم التخصيص فيه.
والصحيح أن يقال: أنّنا لو استفدنا من قولهم في روايات ماء الاستنجاء: (لا بأس به) نفي البأس والحزازة على الإطلاق، ومقتضاه أنّه طاهر؛ إذ لو كان نجساً لكان فيه بأس ولو في الجملة، وظاهر نفي البأس عنه أنّه ليس فيه جهة حزازة أصلاً، فلا إشكال؛ فإنّه من الأوّل تثبت الطهارة لماء الاستنجاء، ويثبت التخصيص لعمومات تنجيس الماء القليل.
وأمّا إذا قلنا: إنَّ عدم البأس من جهة تنجيس الثوب والبدن بهذا الماء، وليس فيه دلالة على الطهارة، فبناءً على ذلك لا يمكن الحكم بطهارته من جهة
ــــــــــ[111]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 20، باب المياه وطهرها ونجاستها، الحديث: 26، تهذيب الأحكام 1: 418، الباب 21، المياه وأحكامها، الحديث: 41.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
أصالة العموم؛ وذلك لأنّنا إذا أنكرنا الكبرى فالأمر ظاهر؛ إذ لا يمكن حينئذٍ التمسّك بعموم تنجيس الماء المتنجس لإثبات طهارته تحفّظاً على ذلك العموم، فمقتضى دليل تنجس ملاقي البول والغائط هو الحكم بنجاسة هذا الماء، فيكون من النجاسات المعفو عنها. إذن، بناءً على ذلك يكون الصحيح ما ذكره الشهيد.
بل وكذلك إذا قلنا بجواز التمسّك بالعموم في هذه الموارد، فإنَّه هنا لا يمكن ذلك؛ لأنّه لا بد من وجود التخصيص في المقام، ولا يمكن التحفّظ على أصالة العموم؛ إذ الأمر دائر بين أن نلتزم بالتخصيص فيما دلّ على أنَّ الماء المتنجس ينجس، أو إذا حكمنا بطهارته لا بد أن نلتزم بالتخصيص فيما دلّ على انفعال الماء القليل بالنجس، والمفروض أنّه ماء قليل لاقى عين النجاسة، فنعلم إجمالاً بالتخصيص لأحد العامّين، فإذا كان لا بد من الالتزام بالتخصيص فحتّى على مسلك التمسّك بأصالة العموم في الفرد المشكوك المصداقيّة، فإنّه من جهة العلم الإجمالي لا يمكن التمسّك لا بهذا العموم ولا بذلك، فكيف يحكم بطهارة الماء تمسكاً بأصالة العموم فيما دلّ على أنَّ الماء المتنجس ينجس؟!
نعم، تكون النتيجة هي القول بالطهارة على هذا المسلك؛ لأنّه بعد تعارض العمومين يرجع إلى أصالة الطهارة؛ لأنّه شيء يشكّ في طهارته ولم يدلّ دليل على طهارته ولا نجاسته بعد تساقط العامّين، فتصل النوبة إلى الأصل العملي الذي يقتضي الطهارة.
ــــــــــ[112]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذا ورد عامّ، ثُمَّ ورد دليل خارجي وكان مجملاً، ولم يعلم المراد منه، فعلى تقدير يكون مخصّصاً للعامّ، وعلى تقدير آخر لا يكون مخصّصاً، فهل يرجع إلى عموم العامّ فيحكم بمقتضى أصالة العموم أنّ العامّ لم يُخصَّص، وإنَّ المراد من الدليل الخارجي هو الفرد الآخر، أو يتوقّف في ذلك ولا يمكن التمسّك بالعموم؟
فلو ورد (أكرم كلّ عالم) وورد (لا تكرم زيداً) وكان المسمّى بزيد شخصين، شخص عالم وشخص جاهل، ولم يعلم أنّ المراد من هذا الدليل الخارجي أيَّهما، هل هو زيد العالم ليكون تخصيصاً للعام، أو المراد فرد آخر لكي لا يكون تخصيصاً له؟
الظاهر هو الثاني ولا مانع من التمسّك بالعامّ، والفرق بين المسألتين: أنّ الشكّ في المقام شكّ في المراد، فلا نعلم أنّ زيداً العالم ورد فيه تخصيص أو لا؛ إذ المفروض أنّ الدليل الآخر مجمل، فلم يثبت تخصيص العموم بالنسبة إلى الفرد المتيقّن أنّه من أفراد العامّ، فأصالة عدم التخصيص جارية، ومقتضاها: أنّه لم يرد على العامّ تخصيص، ولا نرفع اليد عن العموم إلّا بحجّة أقوى، والمفروض أنّه لم تقم حجّة أقوى؛ لأنّ الدليل الخارجي مجمل، فلا مانع من التمسّك
ــــــــــ[113]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بأصالة العموم في موارد الشكّ في التخصيص.
فإذا ثبت ظهور العامّ وحجّيّته في إرادة تمام الأفراد، أو لم يقم دليل على الخلاف، وثبت أنَّ زيداً العالم يجب إكرامه، فحيث إنّا نعلم أنَّ أحد الزيدين لا يجب إكرامه، وقد ثبت أنَّ زيداً العالم يجب إكرامه، فيثبت بلازمه أنَّ المراد من زيد في الدليل الخارجي هو زيد الجاهل، وأنَّ من لا يجب إكرامه هو الشخص الآخر، وأنَّ المراد من المجمل -يعني المجمل في نفسه- هو الشخص الآخر، فيكون العامّ شارحاً لهذا المجمل، ومبيّناً للمراد منه.
هذا تمام كلامنا في التخصيص وما يتعلّق به.
ــــــــــ[114]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
لزوم الفحص عن المخصِّص
ــــــــــ[115]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذا ورد عامٌ فهل يجوز العمل به من دون الفحص عن المخصّص، ويجوز التمسّك به قبل الفحص؟
المشهور(1) المعروف بينهم عدم جواز التمسّك بالعامّ عند الشكّ بالمخصّص، وسيجيء الكلام عن مقدار الفحص اللازم.
نتعرّض لكلام صاحب الكفاية، فقد ذكر(2) في المقام: أنَّ الفحص الواجب في المقام فحص عمّا يزاحم الحجّة بعد فرض ثبوت مقتضي الحجّيّة، فهو فحص عن المانع والرافع، وأمّا في الأصول العمليّة فالفحص مقوّم للمقتضي، وقبل الفحص لا مقتضي للأصل.
ــــــــــ[117]ــــــــــ
(1) انظر: معالم الدين وملاذ المجتهدين: 194، القوانين 1: 398-403، نهاية الأفكار 2: 529، نهاية الدراية 1: 626.
(2) انظر كفاية الأصول: 227.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وبيّن في وجه ذلك ما حاصله: أنَّ العامّ ظاهر في نفسه في إرادة تمام الأفراد بحسب الإرادة الاستعماليّة، فإنَّ اللفظ قد استعمل في معناه، والمخصّص لا يستلزم المجازيّة، ونشكّ أنَّ المراد الاستعمالي هل هو المراد الجدّي أو لا؟ ومقتضى ظهور اللفظ هو مطابقة المراد الاستعمالي للمراد الجدّي، كما هو الحال في سائر الأفعال الصادرة عن العاقل في أنّها تحمل على الجدّ دون سواه من المقاصد -كما سبق أن ذكرنا- فهذا من أفراد ذاك، فإنّه صدر عامٌّ قد استعمل في العموم، فبمقتضى المطابقة الثابتة ببناء العقلاء يكون الظهور في الإرادة الجدّيّة لتمام الأفراد، وقد انعقد للكلام ظهور، وأصبح العامّ في نفسه حجّة، إلّا إذا وجدنا مخصّصاً يكون مزاحماً لحجّيّته، وبما أنّه أقوى يتقدّم عليه، لأنَّ الأقوى يكون قرينة(1) على غير الأقوى، فيكشف عن أنَّ العموم لم يكن مراداً جدّاً، فالمقتضي للحجّيّة موجود في العامّ، إنّما البحث فيما يزاحم هذه الحجّيّة.
وأمّا بالنسبة إلى الأصول العمليّة فليس الأمر كذلك، فإنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان موضوعها عدم البيان، فلا بُدَّ من أن يحرز أنَّ المولى لم يبيّن حكمه، فقبل الفحص لا موضوع، فإنّه إنّما يتحقّق عدم البيان بالفحص عن الأدلّة، وعدم وجدان دليل يدلّ على الوجوب أو الحرمة، وقبل ذلك لم نحرز هذا الموضوع، ونحتمل أنّ البيان موجود، لأنّا قلنا: إنّ المراد بالبيان هو الإتيان بما هو وظيفة المولى من جعل الحكم في مظانّ الاطلاع عليه، فما لم يرجع إلى تلك
ــــــــــ[118]ــــــــــ
() إنّما يكتسب المخصّص الأقوائيّة من القرينيّة، لا العكس على ما تشعر به العبارة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
المظانّ لم يحرز الموضوع، فبدونه المقتضي غير تام. وهذا بالنسبة إلى البراءة العقليّة واضح.
وأمّا بالنسبة إلى الأصول الشرعيّة كالبراءة الشرعيّة والاستصحاب، فإنَّ أدلّة الأصول الشرعيّة كقوله: “رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةُ“(1) وعدّ منها ما لا يعلمون، و”لَا تَنْقُضِالْيَقِينَ بِالشَّك“(2)، وإن لم يقيّد بمقيّد متّصل بما بعد الفحص، بل هو مطلق لما قبله وبعده، إلّا أنّه ثبت بالأدلّة القطعيّة أنَّ هذه الأصول لا تجري قبل الفحص، وإنّما هي مقيّدة بما بعد الفحص، وقد ذكرنا دليله(3) وسيجيء في محلّه إن شاء الله تعالى.
فالمرفوع هو المجهول فيما بعد الفحص، فعلى ذلك لا مقتضي قبل الفحص، فلو شكّكنا في وجوب شيء أو حرمته قبل أن نفحص عن دليل الوجوب أو الحرمة فلا يمكن الرجوع إلى الأصل، لا من جهة الفحص عن المزاحم الأقوى، بل من جهة عدم تماميّة الموضوع، وهو الجهل بالحكم، فالفحص في الأُصول العمليّة مقدّمة لتحقّق الموضوع، وأمّا في العمومات فالموضوع محقّق خارجاً، وهو العامّ وهو كاشف عن المراد الجدّي، وإنّما
ــــــــــ[119]ــــــــــ
() التوحيد (للصدوق) 353، باب 56، الاستطاعة، الحديث :24، الخصال2: 417، “رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةُ أَشْيَاء“، الحديث: 9.
(2) وسائل الشيعة 1: 245، الباب 1، لا ينقض الوضوء إلّا اليقين بحصول الحدث دون الظنّ والشكّ، الحديث: 1.
(3) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 473 -477.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الفحص عمّا يزاحمه ويخرجه عن حجّيّته. وقد استحسن شيخنا الأستاذ(1) هذا الكلام، والتزم بالفرق بين البابين.
والظاهر عدم الفرق بينهما، بل هما من باب واحد، فقد يكون الفحص في الأدلّة اللفظيّة عمّا يزاحم الحجّيّة بعد الفراغ عنها، وقد يكون الفحص متمّماً للموضوع، وكذلك الأمر في الأصول العمليّة، فكلّ منهما ينقسم إلى قسمين.
بيان ذلك: أمّا بالنسبة إلى العمومات، فالعمومات على قسمين: فأنّنا قد نعلم من الخارج من حال المولى وخصوصياته ومن جريان سيرته أنّه لا يبيّن أحكامه في مجلس واحد، وإنّما يعتمد على القرائن المتقدّمة والمتأخّرة، فإذا علمنا بذلك من المولى فالسيرة العقلائيّة القائمة على حجّيّة الظهور، وأنَّ لكلّ من المتكلّم والمخاطب الاحتجاج به على الآخر -وهذه السيرة غير ساقطة جزماً- إذ لو فرضنا أنَّ المتكلّم نصب قرينة على حاله وأسلوبه في الكلام، وأنَّه يعتمد على القرائن المنفصلة كثيراً سواء المتقدّمة منها أو المتأخّرة، فكيف يمكن أن يحتجّ على مثل هذا المولى بظهور كلامه، فيقال له: إنَّ كلامك كان ظاهراً في العموم، فإنّه يجيب: لكنَّ المراد الجدّي لم يكن هو العامّ -وإن كان المراد الاستعمالي هو العموم- وقد اعتمدت على قرينة ذكرتها قبل شهر أو أذكرها بعد مدّة.
فمثل هذا الكلام الذي علمنا من متكلّمه أنّ مراده الجدّي لا يكون دائماً
ــــــــــ[120]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 480.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
مطابقاً لمراده الاستعمالي لاعتماده على القرائن المنفصلة. هذا الكلام لا يكون له ظهور في المراد الجدّي، فلو كتب شخص إلى وكيله يأمره ببيع جميع أمواله إلى مدّة شهر، وعلمنا من حاله أنّه سوف يأتي شرح هذا الكتاب فيما بعد، فهل يجوز في السيرة العقلائيّة ترتيب الأثر على مكتوبه، بدعوى: أنَّ كلامك ظاهر بالعموم؟! قطعاً لم تقم السيرة على العمل بظاهر الكلام، فيما إذا علمنا بأنَّ سيرة المتكلّم قد جرت على الاعتماد على القرائن المنفصلة.
فإذا كان العامّ من هذا القبيل، فحاله حال الأصول العمليّة، فإنَّ البحث عن المخصّص يكون بحثاً عن مقتضى الحجّيّة، وما لم يفحص، ولم يحرز عدم المخصّص، فالمقتضي لم يتمّ والسيرة العقلائيّة غير قائمة على العمل بالظهور في هذا المورد.
وأمّا إذا كان العموم صادراً من قبل الموالي العرفيّة الذين لم تقم قرينة على ما ذكرناه في حقّهم من الاعتماد على القرينة المنفصلة، فلا شكّ في أنّ ظهور العامّ حينئذٍ يكون حجّة، ويجوز الاعتماد عليه من دون فحص. نعم، قد نعلم إجمالاً بعدم صدور المخصّص على عامّين قد صدرا منه، فيسقط ظهورهما عن الحجّيّة من جهة هذا العلم الإجمالي، ويكون الفحص حينئذٍ عن المانع والمزاحم، مع كون الظهور في نفسه تامّاً والسيرة قائمة على جواز العمل به.
وهذا كالفحص عن سائر المعارضات، كما لو وردتنا رواية دلّت على وجوب شيء، فلا بُدَّ من الفحص عمّا يدلّ على عدم الوجوب، وهذه الرواية في نفسها خبر ثقة، ومشمولة للسيرة العقلائيّة القائمة على جواز العمل بخبر
ــــــــــ[121]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الثقة، لكنّ الفحص فحص عن المعارض والمزاحم، وإلّا فحجّيّتها تامّةٌ في نفسها. وفي مثل ذلك يتمّ ما ذكروه.
والأمر في الأصول العمليّة أيضاً كذلك، فإنّه في الشبهات الحكميّة الأصل العقليّ والشرعي -كما ذكرناه- لا يتمّ فيه مقتضي الحجّيّة بدون الفحص، بل لا بد من الفحص لإتمامه، أمّا في الأصول العقليّة فواضح، وأمّا في الأصول الشرعية فللقطع بالتخصيص بما بعد الفحص، وقبله لا مقتضي للحجّيّة. فهذا بهذا المقدار صحيح.
لكن حديث الرفع كما هو شامل للشبهة الحكميّة كذلك هو شامل للشبهة الموضوعيّة، ولم يقم دليل على وجوب الفحص في الشبهة الموضوعيّة، بل نعمل بإطلاق حديث الرفع أو غيره مّما دل على الجواز، كقولهم: “كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ فِيهِ حَلَالٌ وَ حَرَامٌ فَهُوَ حَلَالٌ لَكَ أَبَداً حَتَّى أَنْ تَعْرِفَ الْحَرَامَ مِنْهُ بِعَيْنِهِ فَتَدَعَه“(1) وغير ذلك من الروايات، فهذه الروايات مطلقة من حيث الفحص وعدمه، ما لم يقم دليل خارجي على التقييد، فالمقتضي في نفسه تامّ.
فإذا شكّكنا في طهارة شيء ونجاسته، أو حلّيّته وحرمته، فالمقتضي للحكم بالطهارة والحلّيّة -وهو إطلاق الدليل- موجود، إلّا أنّه مع ذلك قد يجب الفحص، ويكون فحصاً من جهة المانع لا فحصاً عن المقتضي، كما لو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين، فيكون هذا العلم الإجمالي مانعاً عن العمل
ــــــــــ[122]ــــــــــ
(1) المحاسن 2: 495، باب الجبن، الحديث 596، الكافي 5: 313، باب النوادر، الحديث: 39.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بالأصل قبل الفحص، فلا يجوز الرجوع إلى أصالة الإباحة في كلّ منهما ما لم تقم بيّنة -مثلاً- على طهارة أحدهما بخصوصه.
فالمقتضي يكون تامّاً، والفحص يكون فحصاً عن المانع(1) وهو العلم الإجمالي، ولا يجوز الرجوع إلى الأصل ابتداءً بلا فحص.
إذن، فالفرق بين العموم وبين الأصول العمليّة ليس بصحيح، بل كلّ منهما يوجد فيه هذان الشقّان.
قبل الفحص لا يحصل لنا ظنٌّ بالمراد، وأنَّ المولى أراد من مدلول كلامه إرادة جدّيّة، فلا بُدَّ من الفحص لتحصيل هذا الظنّ(2).
إلّا أنّه لا يرجع إلى محصّل لسببيّن:
الأوّل: أنّ هذا أخصّ من المدّعى، إذ قد يمكن حصول الظنّ بإرادة العموم قبل الفحص، كما أنّه قد لا يحصل الظنّ بعد الفحص أيضاً، فحصول الظنّ لا يدور مدار الفحص.
الثاني: أنّ الظنّ لا قيمة له في باب الحجّج، وإنّما العبرة بالظهورات، ولا يعتبر حصول الظنّ على وفقها، بل تبيّن في مبحث حجّيّة الظهور: أنَّ الظنّ
ــــــــــ[123]ــــــــــ
() لا يخفى أن الفحص يكون عن المخصّص الذي يوجب حلّ العلم الإجمالي، حلّاً حكميّاً، وأمّا العلم الإجمالي نفسه فكان سبباً لوجوب الفحص، لا أنّه هو المانع المبحوث عنه، كما هو ظاهر العبارة. (المقرّر).
(2) رسائل المحقّق الكلباسي: 741.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بالعدم أيضاً لا ينافي الحجّيّة لو حصل لنا من قرائن خارجيّة، فضلاً عن الظنّ بالوفاق.
إنَّ الخطابات(1) مختصّة بالمشافهين ولا تشمل غيرهم، فيحتاج في ثبوت الحكم لغيرهم من التمسّك بدليل خارجي، وهو الإجماع القائم على اشتراك التكليف بين المشافهين وغيرهم، فإنّما يثبت الحكم لغير المشافهين، لا لأجل نفس الخطابات بل للإجماع القائم على الاشتراك، فإذا كان الأمر كذلك فلا بُدَّ لنا من الفحص، وإثبات أنَّ تكليف المشافهين كان هو العموم، وإلّا فمن المحتمل أنَّ الحكم الذي ثبت بالعموم لم يكن ثابتاً للمشافهين لوجود المخصّص عندهم، فلا بُدَّ من الفحص لمعرفة مقدار الحكم المشترك.
إلّا أنَّ هذا لا يتمّ لسببيّن أيضاً:
الأوّل: لأنّنا نفرض الكلام في القضايا التي ليست مشتملة على الخطاب، نحو: (يا أيّها الناس) أو (يا أيّها الذين آمنوا) ليقال: أنّه مختص بالمشافهين، نحو: (الخمر حرام) و(البول نجس) وغيرها من الأحكام التي ليس فيها خطاب، وهذا الدليل لو تمّ فإنّه يختصّ فيما لو لكان هناك خطاب، فيقال: إنّه مختصّ بالمشافهين، فشمول حكمه لنا يحتاج إلى الجزم بعدم الفحص لاحتمال وجود المخصّص لدى المشافهين.
الثاني: أنَّ هذا الكلام -وهو اختصاص الخطاب بالمشافهين- باطل من
ــــــــــ[124]ــــــــــ
(1) معالم وملاذ المجتهدين: 194.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
أصله، فأنّنا نبيّن أنَّ الخطابات غير مختصّة بالمشافهين، وإنّما هي من قبيل القضايا الحقيقيّة الفرضيّة، والمخاطب به كلّ من كان من الناس أو من كان مؤمناً سواء كان في زمانه أو بعده. فهذا الوجه أيضاً باطلٌ.
أنّنا نعلم إجمالاً بوجود مخصّصات كثيرة على العمومات الواردة في الكتاب والسنة، حتّى قيل(1): (ما من عامّ إلّا وقد خصّ)(2) وهذا العلم الإجمالي يوجب إجمال العامِّ، فيكون في حكم المجمل، إذ نعلم إجمالاً أنَّ هذه الظهورات ليست مرادة جدّاً، وهذا العلم قابل للانطباق على كلّ عامٍّ، وبما أنَّ العلم الإجمالي منجّز فلا يمكن العمل بجميع العمومات من دون تعيين المخصّص، والترجيح بلا مرجح غير ممكن، فتسقط العمومات عن الحجّيّة قبل الفحص، فلا بُدَّ من الفحص(3).
وأورد على ذلك(4):
أنَّ أطراف العلم الإجمالي لا تنحصر بما في الكتب المشهورة كالكتب الأربعة والوسائل وغيرها، بل العلم الإجمالي بورود مخصّصات عن المعصومين أعمّ من ذلك، إذ لعلّها موجودة في الكتب غير المشهورة. إذن،
ــــــــــ[125]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ هذه من القضايا التي تكذب نفسها بنفسها، كما هو واضح. (المقرّر).
(2) تقدّم تخريجه.
(3) مطارح الأنظار 2: 168.
(4) مطارح الأنظار 2: 169.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
لا بد من الفحص عن جميع ما نحتمل وجود المخصّص فيه، ومن الواضح عدم وجوب ذلك، فإنَّ عمر الإنسان ربما لا يفي بالفحص عن مخصّص عام واحد، فكيف بجميع المخصّصات؟ فهذا العلم الإجمالي غير منجّز، إذ لو كان منجّزاً لما جاز العمل به حتّى بعد الفحص، إذ لا فرق في ما قبل الفحص وما بعده في الطرفيّة للعلم الإجمالي.
ونظير هذا الإشكال أورد على مذهب الأُصوليين من جريان البراءة في الشبهات الحكميّة ولكن بعد الفحص.
وأوردوا عليه: أنَّ العلم الإجمالي بوجود واجبات ومحرّمات في الشريعة الإسلاميّة موجود، ولا ينحصر أطرافه بما في هذه الكتب الموجودة، بل نعلم بوجود واجبات ومحرّمات في الشريعة على الإطلاق. وهذا واضح، فإنَّ كلّ عاقل ملتفت إذا بلغ واعترف بالشريعة فإنّه لا محالة يعلم بوجود أحكام الزاميّة فيها، وأنَّ الناس ليسوا مهملين ومطلقي السراح إن شاءوا فعلوا وإن شاءوا تركوا بالنسبة إلى جميع التصرفات والأعمال، وهذا العلم الإجمالي لا ينحصر أطرافه في الكتب المعروفة، فلا بُدَّ من الرجوع إلى الاحتياط حتّى بعد الفحص(1).
فالإشكال مشترك بين الموردين، والجواب أيضاً واحد، وحاصله: أنّ العلم الإجمالي وإن كانت دائرته واسعة، إذ نعلم بوجود واجبات ومحرّمات في الشريعة غير مقيّدة بقيد، ونعلم أيضاً بوجود مخصّصات واردة على عمومات
ــــــــــ[126]ــــــــــ
() يعني: الفحص في الكتب المعروفة، هذا هو المقصود. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الكتاب والسنّة غير مقيّدة بقيدٍ خاصٍّ، ودائرة العلم وسيعة، إلّا أنَّ لنا علماً إجمالياً ثانياً، هو العلم الإجمالي بوجود أحكام إلزاميّة في الكتب المعتبرة المعتمد عليها قد ثبتت بالطرق المعتبرة والحجّة القطعيّة، كذلك نعلم بوجود مخصّصات في هذه الكتب المعتبرة في الأبواب المناسبة، كما في الوسائل بالنسبة إلى عمومات الكتاب والسنّة، وهذا العلم الإجمالي دائرته أضيق من العلم الإجمالي الأوّل، وأمّا المعلوم الإجمالي فهو في الثاني ليس أقلّ عدداً من المعلوم بالإجمال بالعلم الأوّل.
فلو فحصنا في كتاب الوسائل في الشبهات أو في المخصّصات فوجدنا مئتي واجب وحرام مثلاً، فليس المعلوم بالإجمال بالعلم الأوّل أزيد من المقدار الذي وجدناه في هذه الكتب، فينحلّ العلم الإجمالي الأوّل بهذا العلم الثاني، ونحن وإن بقينا نحتمل وجود أحكام إلزاميّة في غير هذه الكتب، إلّا أنّه شكٌّ بدويٌّ، لأنَّ العلم لم يكن متميّزاً بمميّز غير مقدار العدد، وهذا المقدار بنفسه كان هو المعلوم بالعلم الثاني أيضاً، فإذا احتملنا وجود أحكام إلزاميّة في الكتب الأخرى أو مخصّصات فيها، يكون بعد انحلال العلم الإجمالي الأوّل بالثاني شبهة بدوية فيرجع إلى البراءة، أو يرجع إلى العموم، لأنَّ المفروض أنَّ العلم الإجمالي انحلّ وخرجت سائر الكتب عن الطرفيّة له، فإنَّ المعلوم الإجمالي الثاني لا يقلّ عدداً عن الأوّل، فهذا العلم الإجمالي(1) لا أثر له، فإذا فحصنا في الوسائل فوجدنا بمقدار المعلوم بالإجمالي أو أكثر منه، فبالنسبة إلى الباقي تكون الشبهة
ــــــــــ[127]ــــــــــ
() يعني: الأوّل المشار إليه في أصل الإشكال. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بدويّة، ويرجع بعد الفحص إلى أصالة البراءة.
وكذلك لو فحصنا في الوسائل عن المخصّصات فوجدنا بمقدار العدد المعلوم بالإجمال أو أكثر منه، فالعلم الإجمالي ينحلّ ويكون الرجوع إلى العامّ بلا مانع، فإنَّ المانع لم يكن إلّا العلم الإجمالي وقد انحلّ، فالفحص في المقام لرفع المانع مع فرض وجود المقتضي وهو العموم، أو بالفحص يوجد المقتضي، ويتنقح موضوع البراءة العقليّة والشرعيّة. فهذه الشبهة لا ترجع إلى محصّل.
كذلك في الشبهات الموضوعيّة، فلو علمنا إجمالاً بوجود غنم واحد مغصوب في مئة غنم، ثُمَّ علمنا بأنّ عشرة منها معيّنة فيها مغصوب جزماً، فنحن وإنَّ كنا نحتمل أنَّ المغصوب الأوّل غير هذا المغصوب، إلّا أنّه لنا علم بمغصوب واحد في العشرة، وفي التسعين الباقية ليس لنا علم بالغصب وإن كنا نحتمله، فينحلّ العلم الإجمالي الأوّل بالعلم الإجمالي الثاني، وعندئذٍ لا مانع من الرجوع إلى الأصول العمليّة بالنسبة إلى الباقي.
وأمّا العشرة فلا يمكن الرجوع فيها إلى الأُصول العمليّة لوجود العلم الإجمالي فيها. نعم، لو وجدنا واحداً معيّناً مغصوباً في العشرة، فهذا العلم أيضاً ينحلّ ولا مانع من الرجوع إلى الأُصول العمليّة في الباقي، فإنَّ المانع عن الرجوع إلى الأصول العمليّة لم يكن إلّا تعارضها في أطراف العلم الإجمالي الأوّل، وقد انحلّ فتجري الأُصول في الباقي بلا معارض.
فالشبهات الموضوعيّة والحكميّة كلّها على حدٍّ واحد، فينحلّ العلم الإجمالي الكبير بالصغير، والصغير ينحلّ أيضاً بعلم تفصيلي في مورد واحد.
ــــــــــ[128]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وأورد عليه من قبل المحقّق الخراساني(1): أنَّ منشأ وجوب الفحص بالنسبة إلى العمومات لا يمكن أن يكون هو العلم الإجمالي، إذ لو فرضنا أنَّ المعلوم بالإجمال كان هو خمسمائة مخصّص، فإذا فحصنا ووجدنا المخصّص في خمسمائة مورد، فإنَّ العلم الإجمالي ينحلّ، فهل يجوز بعد ذلك الرجوع إلى العموم من دون فحص؟ كلا. وهكذا في باب الشبهات الحكميّة، لو وجدنا خمسمائة مورد معتبر استفدنا منه حرمة شيء أو وجوبه، فانحلّ العلم الإجمالي، فإذا شكّكنا بعد ذلك بحرمة شيء وحلّيّته كـ(التتن) مثلاً(2)، فهل يمكن أن نرجع إلى البراءة قبل الفحص باعتبار انحلال العلم الإجمالي؟
فلو كان سبب وجوب الفحص هو العلم الإجمالي، لكان لازمه الرجوع إلى الأصول العمليّة أو العموم من دون فحص، مع أنّه غير جائز قطعاً. فنستكشف من ذلك، أنَّ منشأ وجوب الفحص ليس هو العلم الإجمالي، وإلّا لارتفع بارتفاعه.
ذكر شيخنا الأستاذ(3): أن مثل هذا العلم الإجمالي غير قابل
ــــــــــ[129]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأصول: 306.
(2) فيكون شبهة بدوية، ويجوز الرجوع إلى العامّ لفهم العلم بوجود مخصّص له، وهذا لا يلتزم به هذا القائل. (المقرّر).
(3) انظر: أجود التقريرات 1: 483- 488.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
للانحلال(1)، ولا بُدَّ في كلّ عامّ من الفحص عن المخصّص، وذكر في وجه ذلك: أنَّ المعلوم بالإجمال قد يفرض أنّه لا تعيّن له إلّا بمقدار الكم والعدد دون أيّ شيء زائد، فالمعلوم إجمالاً بوجود المخصّص أو الحكم الإلزامي لا يكون له تعيّن في نظر العالم، ولم ينكشف له إلّا من ناحية الكم فقط دون أيّ ناحيةٍ أخرى، فلو علمنا إجمالاً بوجود إناء نجس بين أوانٍ كثيرة، وكان المعلوم بالإجمال وجوداً واحداً بلا تعيّن أصلاً، فلو علمنا بنجس واحد وجداناً أو ببيّنة، فحينئذٍ يكون هذا العلم منحلاً لا محالة، إذ المفروض أنّ المعلوم إجمالاً لم يكن إلّا عنواناً واحداً، وهذا مصداق لعنوان الواحد جزماً ووجداناً. وهكذا إذا كان المعلوم بالإجمال اثنين أو ثلاثة، وعلمنا وجداناً أو بالدليل أواني نجسة بعددها، فإنَّ العلم الإجمالي ينحلّ وينطبق المعلوم بالإجمال على المعلوم بالتفصيل وجداناً، لأنَّ المعلوم لم تؤخذ فيه إلّا عنوان العدد. فهذا العلم الإجمالي قابل للانطباق.
وأمّا إذا كان المعلوم بالإجمال له تعيّن وعلاقة غير عنوان العدد، كما لو علمنا بوجود إناء زيد بين الأواني وكان نجساً، فالمعلوم بالإجمال ليس متعنّوناً بالعدد فقط، بل بكونه إناء زيد أيضاً، فإذا فرضنا أنّنا علمنا أنّ هذا الإناء نجس وجداناً أو ببيّنة، ولكن احتملنا أنّه ليس إناء زيد، فهنا لا يمكن الالتزام ــــــــــ[130]ــــــــــ
() هكذا عبّر السيّد الأستاذ (سلّمه الله)، وسوف يظهر أنّها لا تخلو من مسامحة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بانحلال العلم الإجمالي، فيقال: إنَّ هذا المقدار معلوم والباقي مشكوك فيه فيرجع فيه إلى الأُصول؛ لأنَّ المعلوم بالإجمال لا يعلم انطباقه على المعلوم تفصيلاً، وإنّما هو احتمال، فإنّه يمكن أن يكون هذا إناء زيد، ويمكن أن لا يكون، بل غيره إناء زيد. فهذا العلم لا يمكن انحلاله إلّا بالظفر بإناء زيد وجداناً أو تعبّداً، فيقال: إنَّ إناء زيد نجس، وغيره مشكوك النجاسة، فيرجع به إلى أصالة الطهارة.
فهذا العلم الإجمالي لا ينحلّ إلّا مع العلم بالانطباق، وإذا وجدنا إناءً نجساً فيكون هذا محتمل الانطباق على المعلوم بالإجمال المنجّز، لا معلوم الانطباق عليه، فكما يحتمل أن يكون هو يحتمل أن يكون غيره، فلم يخرج الباقي(1) عن الطرفيّة للعلم الإجمالي، والعلم الإجمالي باقٍ على حاله، فإنَّ هذا الإناء إمّا إناء زيد وإمّا غير إناء زيد، والمفروض أنَّ إناء زيد معلوم النجاسة، فلا يكون العلم الإجمالي منحلّاً.
وإنّما يكون الانحلال فيما إذا علم انطباق المعلوم بالإجمال على المعلوم بالتفصيل، كما إذا كان المعلوم بالإجمال مقداراً من الكم غير معنون بعنوان
ــــــــــ[131]ــــــــــ
() الإنصاف والوجدان يقضي بخروج الباقي عن الطرفيّة، وذلك: لأنّنا إذا علمنا بنجاسة إناء واحد، واحتملنا كونه إناء زيد، فبالوجدان لا نعلم بوجود نجس في الباقي، لا إناء زيد لاحتمال أن يكون هو هذا الخارج، ولا غيره لفرض كوننا لا نعلم بنجاسة أكثر من إناء واحد على أيّ حال. إذن، فالباقي ليس فيها معلوم إجمالي، وإنّما هو مجرّد الاحتمال، وهو معنى انحلال العلم الإجمالي. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
آخر، فينطبق هذا الواحد على المعلوم بالإجمال، وحينئذٍ لا يمكن أن يقال(1): إنَّ المعلوم بالإجمال إمّا أن يكون هذا الواحد أو يكون غيره.
ورتّب على ذلك: أنَّ هذا العلم الإجمالي لا يمكن انحلاله بالظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال من الأحكام الإلزاميّة أو المخصّصات، فإنَّ هذا العلم الإجمالي له تعيّن وعلامة، يعني: أنَّ لنا علمين إجماليين:
أحدهما: تعلّق بعنوان الأوّل.
والآخر: تعلّق بما له تعيّن.
فأنّنا نعلم من أوّل الأمر بوجود واجبات ومحرّمات في الشريعة، وعدم خلوها من الأحكام الإلزاميّة، بلا تعيّن غير عنوان العدد، كما نعلم أنّ العمومات الواردة في الكتاب والسنّة على كثرتها لم تبق على عمومها، بل ورد عليها التخصيص لا محالة. فهذا المعلوم بالإجمال ليس معنوناً بشيء سوى عنوان العدد من دون أيّ علامة أو تعيّن.
ــــــــــ[132]ــــــــــ
() الوجدان يقضي ببقاء هذا الاحتمال وعدم الجزم بانطباق المعلوم الواقعي على هذا المعلوم، إلّا أنّ مجرّد الاحتمال يكفي في الانحلال لعدم العلم بوجود نجس آخر في الباقي، وإنّما يقطع بعدم هذا الاحتمال إذا كان المعلوم بالإجمال هو واحد بشرط لا، يعني: أنَّ غير هذا المعلوم كان مقطوع الطهارة في نفسه، فإذا وجدنا إناء نجساً فإنّنا حينئذٍ نقطع بكونه هو المعلوم بالإجمال الواقعي وأنَّ الباقي طاهر، ولا يمكن أن يقال: إنَّ المعلوم بالإجمال إمّا هذا وإمّا غيره، إلّا أنَّ هذه الصورة غير الصورة التي يتحدّث عنها المحقّق النائيني، فلاحظ. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ولنا علم إجمالي آخر وهو العلم بأن ما ورد في كتاب الوسائل، أو الكتب الأربعة من الطرق المعتبرة الصحيحة فيها مخصّصات للعمومات، وروايات دالة على الأحكام الإلزاميّة، وهذا العلم الإجمالي معلوم له تعيّن وعلامة، وهو وجوده في هذا الكتاب، فإنَّ كلّ من تصدّى للاستنباط فإنّه لا بد له من هذا العلم الإجمالي، وهو اشتمال هذا الكتاب على كثير من الأحكام الإلزاميّة، والمخصّصات الواردة على عمومات الكتاب والسنّة، وهذا العلم الإجمالي معلومه هو الحكم الإلزامي، أو المخصّص الموجود في هذا الكتاب وهو نحو من التعيّن، فلو وجدنا بالفحص مقداراً من الأحكام الإلزاميّة والمخصّصات بمقدار المعلوم بالإجمال، فإنَّ العلم الإجمالي الأوّل ينحلّ لا محالة، ولا يبقى له أثر، لأنّ معلومه كان هو العدد، وما وجدناه عدده بمقداره، وليس لنا بعد ذلك علم بالتخصيص أو بالحكم الإلزامي، فسقط تأثير العلم الإجمالي عن إيجاب الاحتياط من هذه الناحية.
وأمّا العلم الإجمالي الثاني فلا زال موجوداً ولم ينحلّ، لأنَّ له علامة(1)،
ــــــــــ[133]ــــــــــ
() لا يخفى أنّ عدم انحلاله وانحلال الأوّل وإن كان صحيحاً إلّا أنّه لا ربط للتعيّن والعلامة بذلك أصلاً، وإنّما هذا هو شأن كلّ علم إجمالي كبير، وآخر أصغر معه مع اتّحاد المقدار المعلوم عدداً بينهما، فينحلّ الكبير بالصغير، وأمّا الصغير فلا ينحلّ إلّا بعلم إجمالي أصغر منه، أو علم تفصيلي بوجود المعلوم، وما سمّاه علامة وتعيّناً ليس إلّا عبارة عن العلم الإجمالي الصغير، وهو العلم بوجود أحكام ومخصّصات في الوسائل، وهو أصغر من العلم بوجود أحكام ومخصّصات في الشريعة، فينحلّ به لا محالة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وتعيّناً، فإنّ ما كنا نعلم إجمالاً بوجوده في الوسائل يمكن انطباقه على ما ظفرنا به كما يمكن انطباقه على غيره، إذ المفروض أنَّ له علامة وتعيّناً، وليس معلوماً من جهة العدد فقط.
ومثّل له بدفتر التاجر أو مطلق الكاسب، إذا كان له دفتر يكتب فيه ديونه، فإذا جاء رأس السنة ويريد تصفية حسابه، فطبعاً له علم إجمالي بأنَّ عليه مقداراً من الديون، ولكن المعلوم بالإجمال له تعيّن أكثر من مجرّد العدد، وهو كونه مكتوباً في هذا الدفتر، ولا محالة أنَّ هذا المعلوم أيضاً له تعيّن من ناحية العدد، فإنَّ التاجر لو نظر إلى نفسه فلا بُدَّ أن يكون له مقدار متيقّن من الديون، فإذا فحص في دفتره وظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال من جهة الكم، فذلك العلم الإجمالي ينحلّ لا محالة، فلو سأل الآن عن دينه، فإنّه يقول: (لا أدري أنّني مديون أو لا) ويكون الزائد عن هذا المقدار مجهولاً.
ولكن من جهة تلك العلامة التي تعيّن بها المعلوم بالإجمالي، وهو كونه مكتوباً في الدفتر، لا ينحلّ العلم الإجمالي، لأنّه كما هو قابل للانطباق على وجوه من الديون قابل للانطباق على غيرها أيضاً، فبالضرورة لا يمكن الرجوع إلى البراءة، أو استصحاب براءة الذمّة من جهة الشبهة الموضوعيّة.
والسرّ في عدم جواز ذلك: أنَّ مثل هذا العلم الإجمالي لا ينحلّ إلّا بالفحص في تمام الدفتر للكشف عن مقدار دينه، وقبل الفحص لا يكون العلم الإجمالي منحلّاً.
ــــــــــ[134]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
فالعلم الإجمالي الأوّل، وإن لم يكن له أثر بعد الظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال، ولا يقتضي الاحتياط، لكن العلم الإجمالي الثاني يقتضي الاحتياط، ومن الظاهر أنّه لا تزاحم بين المقتضي واللامقتضي.
ومقامنا من هذا القبيل، فأنّنا لو فرضنا أنَّ من تصدّى للاستنباط كان له علمان إجماليان: أحدهما: بالكم فقط، فهذا ينحلّ، ولا يقتضي وجوب الفحص بعد ذلك. ثانيهما: وهو العلم الإجمالي الذي له تعيّن وعلامة، وهو وجوده في هذا الكتاب، وهذا العلم باقٍ ولم ينحلّ، فإذا ظفرنا بالمقدار المعلوم بالإجمال من جهة العدد، فأيضاً يجب الفحص من ناحية العلم الإجمالي الثاني، لاحتمال انطباق ما وجدناه عليه وعدم انطباقه.
هذا ملخص ما أفاده مع توضيح منّا، وبذلك أجاب صاحب الكفاية، وجعل سبب وجوب الفحص هو العلم الإجمالي، وذكر أنَّ هذه الشبهة غير واردة.
وكذلك الأمر في الأصول العمليّة، فالتزم بوجوب الفحص عن الدليل، وعدم الرجوع إلى البراءة أو استصحاب عدم التكليف، فإنَّ العلم الإجمالي غير منحلّ حتّى بعد الظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال، فلا بُدَّ من الفحص لأنَّ المعلوم بالإجمال له تعيّن وعلامة.
ــــــــــ[135]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
مع التسليم بدعوى أنَّ العلم الإجمالي إذا كان متعلّقاً بما له علامة وتعيّن في الواقع، فإنّه لا ينحلّ بالظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال -كالمثال الذي ذكره- فلو علمنا بأنَّ إناء زيد موجود في هذه الأواني العشرة، ولكن ليس لنا علم بأزيد من النجس الواحد، ونحتمل(1) أنّ الإناء الواحد ليس إناء زيد، فلو علمنا بنجاسة إناء واحد، فإنَّ العلم الإجمالي لا ينحلّ، فإنَّ المعلوم بالإجمال متعنون بعنوان إناء زيد، وهو لم يُعلم تفصيلاً، فلم ينحلّ المعلوم بالإجمال إذ لم يعلم انطباق المعلوم بالإجمال على المعلوم بالتفصيل، يعني: لم يعلم عن هذا الواحد هل هو إناء زيد أو ليس هو ذلك؟
لو سلّمنا هذه الدعوى، فهي إنّما تتمّ فيما إذا لم يكن المعلوم بالإجمال دائراً أمره بين الأقلّ والأكثر.
وأمّا إذا كان المعلوم بالإجمال الذي له تعيّن وعلامة دائراً أمره بين الأقلّ والأكثر، وظفرنا بالمقدار المعلوم، فكيف يمكن أن يقال: أنَّ العلم الإجمالي لا ينحلّ؟ كما لو علمنا بأنَّ ما كان لزيد من الإناء فهو نجس جزماً، لأنَّ زيداً في
ــــــــــ[136]ــــــــــ
() كذا ذكر السيّد، وهو بظاهره مخالف للفرض، إذ المفروض العلم بكون الإناء النجس لزيد، ومن ثَمَّ لا ينحلّ العلم الإجمالي، وإلّا فإنّه ينحلّ لا محالة بوجود إناء نجس واحد معيّن، فإنا حينئذٍ وإن لم نعلم أنّه إناء زيد، إلّا أنّ إناء زيد ليس معلوم النجاسة في نفسه، فنجري فيه أصالة الطهارة على واقعه المجمل، فيكون الباقي كلّه محكوماً بالطهارة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
حكم الكافر، وإناؤه موجود في ضمن العشرة، ولكنّنا نحتمل أن يكون له إناء أو إناءان، فلو تفحّصنا ووجدنا(1) إناء زيد بالوجدان أو بالبيّنة، فينحلّ المعلوم بالإجمال، لأنّا نعلم بانطباقه على هذا المقدار المتيقّن، والمقدار الزائد لم يكن معلوماً من الأوّل، لأنَّ المعلوم بالإجمال كان من الأوّل مردّداً بين الأقلّ والأكثر.
ونتيجته: أنَّ الأقلّ متيقّن، والأكثر مشكوك فيه، وليس لنا علم بنجاسة غير هذا الإناء الواحد وهو إناء زيد، والباقي مشكوك فيه، وهذا المعلوم بالإجمال قد انطبق على ما في الخارج، إمّا وجداناً أو تعبداً، فكيف يمكن أن يقال: إنَّ العلم الإجمالي لا ينحلّ؟!
فما ذكره من أنَّ المعلوم بالإجمال إذا كان متعيّناً في الواقع، فإنَّ العلم الإجمالي لا ينحلّ فيما إذا علمنا بنجاسة واحد. هذا صحيح فيما إذا لم نحرز الانطباق، وأمّا إذا أحرزنا الانطباق وكان المعلوم الإجمالي دائراً أمره بين الأقلّ والأكثر، فكيف يقال: إنّه لا ينحلّ؟!
ومقامنا من هذا القبيل، لأنّنا نعلم بأحكام إلزاميّة إيجابيّة وتحريميّة، أو
ــــــــــ[137]ــــــــــ
() في هذا الفرض خروج عن مفروض الميرزا، فإنّه لم يقلّ بالانحلال فيما إذا وجدنا إناء لم نعلم كونه إناء زيد، فلم نعلم انطباق المعلوم بالإجمال عليه. في حين فرض السيّد الأستاذ هنا أنّنا وجدنا إناء زيد، وفي مثله يعترف الميرزا بالانحلال، فلا يكون هذا إشكال عليه. نعم، غاية ما يقال: إنَّ المقام هو من هذا القبيل لا من ذلك القبيل، فيكون للإشكال حينئذٍ وجه. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وجود مخصّصات بالنسبة إلى العمومات الواردة في الكتاب والسنّة، وهي متعيّنة ومتشخّصة بعلامةٍ واقعيّةٍ وهي كونها في كتاب الوسائل، ولكنّه بهذه العلامة والتعيّن مردّد بين الأقلّ والأكثر، إذ لا ندري أنّ المخصّصات الواردة في الوسائل خمسمائة أو أكثر، ولنا مقدار(1) متيقن ومعلوم في حدود هذه العلامة وهو خمسمائة مثلاً.
فلو أنّنا تتبعنا وفحصنا فظفرنا بالمقدار المعلوم بالإجمال، فبطبيعة الحال يكون العلم الإجمالي منحلّاً، يعني: لم يكن لنا علم من الأوّل بأزيد من هذا المقدار، فبالمقدار الذي ظفرنا به أصبحنا نعلم تفصيلاً بالتخصيص وبالانطباق، وأمّا المقدار الزائد عنه فلا نعلم به. فما هو المانع من الرجوع إلى العامّ قبل الفحص عن المخصّص، لأنّه ليس هذا من أطراف العلم الإجمالي، وقد أصبح شكّاً بدوياً، وفي الشكّ البدوي يرجع إلى العامّ، لأنَّ المانع هو العلم الإجمالي وقد ارتفع.
وأمّا ما ذكره من عدم جواز رجوع التاجر إلى البراءة أو إلى استصحاب عدم اشتغال الذمّة، فليس الوجه في ذلك هو أنَّ العلم الإجمالي لم ينحلّ، بل الوجه في ذلك هو الاطمئنان بوجود دين عليه غير هذا المقدار في بقيّة الدفتر،
ــــــــــ[138]ــــــــــ
() هذا في الحقيقة راجع إلى العلم بهذا المقدار، والشكّ في الزائد، ويستحيل دوران المعلوم بين الأقلّ والأكثر بما هو معلوم، وإلّا لانقلب العلم شكّاً وهو محال. فما ذكره لا يزيد عن العلم الإجمالي العادي، فتأمّل. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
فإنّه لا يحتمل(1) احتمالاً عقلائيّاً أنّ جميع دينه كان مكتوباً في النصف الأوّل من الدفتر. فمن جهة الاطمئنان الخارجي لا بد له من الفحص في بقيّة الدفتر، لا أنَّ العلم الإجمالي لم ينحلّ.
والذي يكشف عمّا ذكرناه، هو أنّنا لو فرضنا أن دفتره ضاع أو تلف، ولم يكن يتمكن من الفحص في بقيّة دفتره، ونفرض أنّه ليس له اطمئنان بوجود دين في البقيّة أكثر من القدر المتيقّن، أفلا يجوز أنّ يرجع إلى البراءة؟ فلو كان العلم الإجمالي غير منحلّ لما جاز الرجوع إليها، أو إلى استصحاب براءة الذمّة، بل لا بد أن يعطي الأموال حتّى يطمئن بالبراءة من الدين، وهذا لا يلتزم به، فأنّنا وإن اوجبنا الفحص من جهة الاطمئنان، ولكن إذا لم يكن الاطمئنان موجوداً ولم يتمكّن من الفحص، فلا يحتمل أنّه يجب عليه أن يعطي إلى المقدار الذي يطمئن به براءة الذمة.
إذن، فليس هذا من جهة عدم الانحلال بل من جهة الاطمئنان الخارجي، إذ بدونه لا يجب الاحتياط، بخلاف ما لو لم ينحلّ العلم الإجمالي، فإنَّه يجب الاحتياط كما هو واضح.
ــــــــــ[139]ــــــــــ
() هذا في الحقيقة يرجع إلى وجود معلوم بالإجمال في الباقي، أو على الأقلّ قام الاطمئنان عليه وقلنا بحجّيّته. وعلى كلّ حال فهناك في الباقي مقدار مردّد منجّزٌ عليه بالعلم أو الاطمئنان، وحينئذٍ يجب عليه الفحص لأنَّ العلم الإجمالي وإن انحلّ، إلّا أنَّ الاطمئنان الإجمالي لم ينحلّ، وهو حجّة على الفرض، وهذا يرجع إلى حجّيّة العلم الإجمالي. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
فما ذكره لو تمّ لا ينطبق على المقام، لأنّ المعلوم بالإجمال الذي له تعيّن دائر أمره بين الأقلّ والأكثر، فإذا ظفرنا بالمقدار المعلوم ولم يكن لنا اطمئنان بوجود مخصّصات أكثر من هذا المقدار، فلماذا يجب الفحص بعد كون العامّ حجّة إلى أن تقوم حجّة أقوى على خلافه؟
ولو تمّ فإنّما يتمّ في مثال إناء زيد فيما إذا لم يكن المعلوم بالإجمال دائراً أمره بين الأقلّ والأكثر.
إنّه لا يتمّ حتّى لو كان المعلوم بالإجمال غير دائر أمره بين الأقلّ والأكثر، ففي المثال: وهو ما إذا علمنا بوجود إناء زيد النجس بين العشرة، فلو علمنا بنجاسة أحد الأواني تفصيلاً وجداناً أو تعبداً، ولكن لم نحرز أنّه إناء زيد، بل نحتمل أنّه غيره، فمع ذلك ينحلّ العلم الإجمالي.
لا بمعنى أنّه ينحلّ إلى متيقّن ومشكوك فيه، لأنّ المفروض أنّنا لا نعلم أن هذا الإناء المعلوم هو إناء زيد في حين أنّ المعلوم بالإجمال موصوف بكونه إناء زيد، وهو لم يحرز الانطباق على المعلوم بالتفصيل، فليس هذا من الانحلال الحقيقي، ولكنّه من الانحلال الحكمي، فتكون نتيجته نتيجة الانحلال، وذلك: لأنّنا ذكرنا(1) أنَّ العلم الإجمالي هو علم مشوب بالشكّ، فهو بالنسبة إلى الجامع علم، وبالنسبة إلى الانطباق شكّ، والعلم مع الاحتمال لا يجتمعان، وهو
ــــــــــ[140]ــــــــــ
(1) الهداية في الأُصول 2: 188.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بمقدار الانكشاف لا يكون مجملاً، فنحن انكشف لدينا أنَّ واحداً من هذه الأواني نجس، ولكن مع ذلك فإنَّ المعلوم مشكوك الانطباق على هذا الفرد بخصوصه أو ذاك الفرد بخصوصه، فكل فرد مشكوك في طهارته ونجاسته.
وذكرنا أيضاً(1) أنّ العلم الإجمالي لا يكون بنفسه موجباً لعدم الرجوع إلى الأصول، لأنَّ مجرى الأصل ليس بمعلوم، فلا يمكن أن يكون نفس العلم بوجود نجس مانعاً عن الرجوع إلى أصالة الطهارة في الإناء بخصوصه، لأنّه ليس بمعلوم بل هو مشكوك فيه.
وإنّما يمتنع ذلك للتعارض، لأنّ جريان الأصول في جميع الأطراف معناه أنّنا حكمنا بطهارة ما هو معلوم النجاسة، لأنّ أحدهما معلوم النجاسة فلا يمكن الحكم بطهارة الجميع، فجريانها في الجميع يصادم نفس العلم الإجمالي، وجريانها في البعض دون البعض ترجيح بلا مرجح. إذن، فتتساقط الأصول.
فإذا كان المدار في تنجيز العلم الإجمالي هو التعارض بين الأصول، فلا يبقى في البين أصل مؤمن، والمفروض أن كلّ واحد يحتمل أن يكون نجساً فيكون مورداً لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، فيحتمل كلّ طرف أن يكون مورداً للضرر، فلا بُدَّ من الاحتياط لوجود تكليف لا يؤمن من مخالفته، فهذا هو المدار في تنجيز العلم الإجمالي، فلو علم الإنسان أنَّ إحدى الصلاتين كالعشاء والعصر قد صلاها من دون طهور، أو انقص فيها ركناً مّما يؤدّي إلى بطلانها، فقاعدة الفراغ تكون معارضة بمثلها، ولكن العلم الإجمالي مع ذلك لا
ــــــــــ[141]ــــــــــ
(1) مصباح الأُصول 2: 345.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ينجّز، لأنَّ صلاة العصر مضى وقتها وقد سقط الأمر الأدائي جزماً، والآن نشكّ في وجوب القضاء، ومقتضى أصالة البراءة عدم وجوبه، فالأصل بالنسبة إلى وجوب العصر أصل نافٍ للتكليف، وأمّا بالنسبة إلى العشاء فالأمر بها لا زال نافذ المفعول وقطعي التنجّز، فيكون مورداً لقاعدة الاشتغال، فلم يتعارض الأصلان.
وكيفما كان، إذا كان الميزان في تنجّز العلم الإجمالي هو التعارض في الأطراف، ففي محلّ الكلام ينحلّ العلم الإجمالي، لأنّ ما علمنا أنّه نجس لا يجري فيه الأصل جزماً، لأنّه معلوم النجاسة تفصيلاً، وأمّا الباقي فلا مانع فيها من الرجوع إلى قاعدة الطهارة، والمفروض أنّه ليس لنا علم بالنجاسة في الباقي، فالأصول غير متعارضة فلا يكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً.
فما أفاده -من أنّ عدم تنجّز العلم الإجمالي وانحلاله متوقّف على إحراز الانطباق، وهو إنّما يكون فيما إذا لم يكن للمعلوم بالإجمال تعيّن وعلامة- لا يمكن المساعدة عليه، بل لا يفرق في الانحلال بين وجود العلامة وعدمه، إذ العبرة في عدم التنجيز هو عدم معارضة الأصول، وهو متحقّق في كلا الموردين.
ــــــــــ[142]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وقد يستدلّ لوجوب الفحص بما ذكره شيخنا الأستاذ(1) من أنَّ التمسّك بالعموم يتوقّف على جريان مقدّمات الحكمة في مدخوله، فإنَّ الألفاظ الدالّة على العموم إنّما تدلّ على عموم ما يراد من المدلول، فلا بُدَّ من تعيين المراد بإجراء مقدّمات الحكمة، فيتعيّن أنَّ المراد هو الطبيعة المطلقة لا المقيّدة بقيدٍ خاصٍّ.
فإذا كان الأمر كذلك، فمقدّمات الحكمة لا تجري في العمومات التي علمنا من حال المتكلّم أنّه يعتمد على القرائن المنفصلة المتقدّمة أو المتأخّرة، لأنَّ من جملة المقدّمات كون المتكلّم في مقام البيان، وحيث إنّنا علمنا من ديدن المتكلّم(2) جريه على عدم ذكر ما هو دخيل في الموضوع متّصلاً لمصلحة في
ــــــــــ[143]ــــــــــ
() انظر: أجود التقريرات 1: 485.
(2) يمكن أن نفهم من هذا الديدن هو أنَّ الشارع المقدّس كان في مقام البيان ما دام عصر التشريع موجوداً، وأنّ له الحقّ أن يلحق بكلامه ما يشاء خلال ذلك العصر كلّه، فتكون القرائن المنفصلة بمنزلة المتّصلة، ولا يكون العامّ حجّة، إلّا إذا أحرز عدم نصب قرينة عليه في تمام عصر التشريع.
لا يقال: إنَّ هذا خلاف السيرة العقلائيّة.
فإنّه يقال: إنَّ السيرة إنّما تكون حجّة مع إقرار الشارع، والمفروض أنّه ابتدع له طريقة خاصة في الكلام من هذه الناحية، وعليه: فيكون لما ذكره المرزا وجه وجيه. نعم، يرد عليه لزوم عدم جواز التمسّك بالعامّ حتّى بعد الفحص لاحتمال وجود المخصص، إلّا أنّ يدفع هذا الاحتمال بالأصل، وحينئذٍ يكون العموم حجّة إلّا أنّه يكون من الأصل المثبت أوّلاً، ونرجع حينئذٍ حجّيّة العموم إلى حجّيّة الأصول العمليّة، فتأمل جيّداً. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
التأخير أو لمفسدة في التقديم كالتقية ونحوها. إذن، لا تجري مقدّمات الحكمة ولا يمكن التمسّك بالعمومات، فالعمومات تكون بحكم المجملات، وبعد الفحص عن المخصّص وعدم الظفر به يحكم بأنَّ العامّ حجّة وكاشف عن المراد الجدّي، فلا بُدَّ من الفحص في باب العمومات تحقيقاً لموضوع الحجّيّة.
ويرد عليه أمران:
الأمر الأوّل: ذكرنا أنَّ التمسّك بالعموم وظهور الكلام في أنَّ العموم هو المراد الجدّي لا يتوقّف على جريان مقدّمات الحكمة في المدخول، وقلنا: إنَّ الكشف عن المراد الجدّي، وأنّه هو الطبيعة السارية على نحو العموم قد يكون ناشئاً من عدم ذكر القيد في موضوع الحكم أو متعلّقه، مع كونه في مقام البيان، فهذا هو المطلق، فاستكشاف سريان الحكم في باب المطلق ينشأ من عدم البيان. ولكن في العمومات يستكشف ذلك من بيان العدم، فإنّ كلمة (كلّ) ونحوها بيان لعدم دخل خصوصيّة في الموضوع. فالفرق بين العامّ والمطلق هو أنَّ
ــــــــــ[144]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
استكشاف العموم والسريان في المطلق نشأ من عدم البيان، وفي العموم نشأ من بيان العدم، والبون شائع ما بين هذين الوجهين.
إذن، فالعمومات لا تحتاج إلى مقدّمات الحكمة، ليقال: إنَّ هذه المقدّمات غير جارية فيما إذا علمنا من ديدن المتكلّم الاعتماد على القرائن المنفصلة في كلامه. إذن، فأصل المبنى باطل، بل اللفظ بمدلوله الوضعي دالٌّ على العموم من دون حاجة إلى مقدّمات الحكمة.
الأمر الثاني: لو سلّمنا أنَّ استكشاف مطابقة المراد الجدّي للمراد الاستعمالي يتوقّف على جريان مقدّمات الحكمة، فإنّ مقدّمات الحكمة تتمّ بفراغ المتكلّم عن الكلام، وعدم إتيانه بقيد في كلامه، فإنّ عدم البيان لا بد أن يكون في مجلس البيان، لا عدم البيان إلى الأَبد، وهو الذي له دخل في الظهور، فلو فرضنا أنَّ المتكلّم أتى بكلام وكان مدلوله هو ثبوت الحكم لجميع الأفراد، ولم يأت بكلامه بما يدلّ على اختصاص حكمه بصنف دون صنف، فقد انعقد لكلامه ظهور لا محالة، والقرينة المنفصلة إنّما تزاحم حجّيّة الظهور لا أصل الظهور، فإنَّ الظهور قد انعقد، غاية الأمر: لا يكون حجّة لوجود الحجّة الأقوى، لا أنّه يوجب اختلال ظهوره.
فإذا فرضنا أنَّ المتكلّم فرغ من كلامه، ولم يأت بمخصّصٍّ أو مقيدٍ متّصلٍ، فحينئذٍ ينعقد الظهور، فلماذا يجب الفحص بعد أن فرضنا أنَّ مقدّمات الحكمة جرت، وانعقد للكلام ظهور بالمراد الجدّي، وكان حجّة بحسب بناء العقلاء على الفرض، فحينئذٍ لماذا يجب الفحص عن المزاحم، وعن القرينة المنفصلة؟!
ــــــــــ[145]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذن، فعلى تقدير الحاجة إلى جريان مقدّمات الحكمة في العمومات فهي تامّة، ولا تتوقّف على عدم وجود المخصّص المنفصل.
والذي يكشف عمّا ذكرناه من أنَّ القرينة المنفصلة تزاحم حجّيّة العامّ لا ظهوره، هو أنّه لو كان الأمر كما ذكره من توقّف ظهور الكلام بالمراد الجدّي على عدم القرينة حتّى المنفصلة منها، فيما إذا علمنا من ديدن المتكلّم الاعتماد على القرائن المنفصلة، فلازمه أن يسري إجمال المخصّص المنفصل إلى العامّ كما يسري إجمال المخصّص المتّصل إليه، فأنّنا ذكرنا أنَّ المخصّص المتّصل إذا كان مجملاً فحيث إنَّ ظهور العامّ يتوقّف على عدم القرينة، ويحتمل أن يكون هذا قرينة، فيسري إجمال المخصّص إلى العامّ حقيقة، ولا يمكننا أنّ ننسب إلى المتكلّم أنّه أراد أيّ شيء.
فإذا فرضنا أنَّ القرينة المنفصلة كانت كالمتّصلة فانعقاد الظهور يتوقّف على عدمها، فلو أتى بقرينة منفصلة وكانت مجملة -ولو بين الأقلّ والأكثر- وكنّا لا نعلم أنّ المراد الجدّي من العامّ أيّ شيء هو، فإنّ المفروض أنّ ظهوره متوقّف على عدم القرينة المنفصلة، وكانت هذه القرينة مجملة، فيكون العامّ مجملاً لا محالة، وهذا مّما لا يلتزم به.
وبعبارة أخرى: إنَّ الأمر دائر بين شقيّن لا ثالث لهما: إمّا أن نلتزم أن ظهور العامّ قد انعقد بعد الفراغ من كلامه وعدم الإتيان بقرينةٍ متّصلةٍ، أو نلتزم بعدم انعقاده إلّا مع عدم القرينة المنفصلة، فإذا التزمنا بانعقاده، وقلنا: أنَّ القرينة المنفصلة تزاحم الحجّيّة دون أصل الظهور، فحينئذٍ نطالب بالدليل على
ــــــــــ[146]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وجوب الفحص. وأمّا إذا قلنا: لم ينعقد فلازمه سراية إجمال المخصّص المنفصل إلى العامّ.
والجمع بين هذين الأمرين -كما جمع بينهما- غير ممكن؛ لأنَّ الظهور قاصر ولا ينعقد، ومتوقّف على عدم ورود القرينة المنفصلة، ومع ذلك نقول بعدم سراية إجمالها إلى العامّ. فما أفاده أيضاً غير تامٍّ.
وأحسن ما يمكن أن يقال في وجوب الفحص عن المخصّص المنفصل، وعن مطلق الدليل المعارض حتّى في غير العمومات، كما إذا وجدنا دليلاً على طهارة شيء أو حلّيّته، فلا يمكننا العمل بهذه الرواية، وإن كانت صحيحة السند صريحة الدلالة، إلّا بعد الفحص عن المعارض، إذ لعلّ هناك معارضاً لهذه الرواية مقدّماً عليها لبعض الأسباب، فإنَّ الفحص عن المعارض واجب، والفحص عن المخصّص واجب، والفحص عن الدليل في الأصول العمليّة واجب أيضاً.
فإنَّ الجهل مع التمكن لا يكون عذراً، ففي الرواية: “إِنَّ اللَّـهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدِي، أَكُنْتَ عَالِماً فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ لَهُ: أَفَلَا عَمِلْتَ بِمَا عَلِمْتَ وَإِنْ قَالَ: كُنْتُ جَاهِلًا. قَالَ لَهُ: أَفَلَا تَعَلَّمْتَ حَتَّى تَعْمَلَ فَيَخْصِمُهُ وَذَلِكَ الحُجَّةُ الْبَالِغَةُ“(1) حيث علمنا من ذلك أنَّ الأدلة الصادرة من المعصومين
ــــــــــ[147]ــــــــــ
(1) الأمالي (للمفيد): 277، 278، المجلس السادس والعشرون، الحديث 6.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بوجوداتها الواقعيّة منجزّة للتكاليف، فلا بُدَّ من الفحص عنها بلا فرق بين أن يكون مورداً لأصل عملي كالاستصحاب، أو أصل لفظي كالعموم، أو دليل اجتهادي كالرواية المعتبرة الصريحة، فإنَّ نفس السؤال والجواب يأتي فيها، فإذا قيل: لماذا لم تعمل بالمخصّص، فيقول: ما علمت، فيقال له: هلا تعلّمت.
فالأدلّة الدالة على وجوب التعلّم وسؤال أهل الذكر مطلقة وغير خاصّة بالأصول العمليّة، بل تجري في موارد الأصول اللفظيّة، بل في مطلق الأدلّة الاجتهادية بالنسبة إلى الفحص عن المعارض.
وهذا الوجه هو أحسن الوجوه التي تقال في المقام. وأمّا الوجوه الأخرى فكلّها مخدوشة.
ــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
يقع الكلام في مقدار الفحص. والمحتملات العقليّة في المسألة ثلاثة:
المحتمل الأوّل: الفحص بمقدار يتيقّن معه بعدم وجود المخصّص واقعاً.
المحتمل الثاني: وجوب الفحص بمقدار يحصل معه الاطمئنان بعدم وجوده، وهو يحصل بالفحص بالأبواب المناسبة.
المحتمل الثالث: الفحص بمقدار يظنّ معه بعدم وجود المخصّص.
أمّا وجوب الفحص بمقدار يقطع معه بعدم وجود المخصّص، فلعلّه لا يحصل بالنسبة إلى حكم واحد، والعمر لا يفي بذلك، إذ لعلّه موجود في جزء من أجزاء البحار، أو في غيره من سائر الكتب المخطوطة والمطبوعة، ولا بُدَّ من مراجعته من أوّله إلى آخره، وهذا متعذّر في حكم واحد فضلاً عن الأحكام الكثيرة، وهو سدٌّ لباب الاستنباط والاجتهاد، ولا يحتمل أن يكون هذا شرطاً في العمل بالأُصول العمليّة أو العامّ والرواية المعتبرة.
وأمّا الفحص بمقدار يظنّ معه بعدم وجود المخصّص، كما لو راجع الكتب الفقهيّة المتداولة كالجواهر والمدارك، ولم ير مخصّصاً في هذه المسألة المبحوث عنها، فيظنّ أنّه لا يوجد مخصّص، وإلّا لذكره هؤلاء الأكابر في كتبهم، وكذلك يظنّ بعدم وجود المعارض، أو الدليل على خلاف الأصل العملي.
ــــــــــ[149]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وهذا لا دليل على اعتباره، فأنّنا بعد أنّ فرضنا احتمال وجود مخصّص، أو دليل معارض، فحجّيّة الظنّ لا بد لها من دليل، ولا دليل، فالظنّ لا يكون حجّة حاله حال الشكّ، والنتيجة هي العمل بالعامّ أو بالأصل من دون فحص؛ لأنّ الظنّ حكمه حكم الشكّ، فإذا جاز العمل بالشكّ جاز العمل بالظنّ.
فإذا فرضنا أنَّ الفحص بهذا المقدار لا يجزي، وأنَّ الفحص بمقدار يحصل معه اليقين غير واجب جزماً. فالفحص الواجب يكون مقداراً وسطاً بين الأمرين، يعني: حصول الاطمئنان بعدم وجود المخصّص، وهو يحصل بالفحص في الأبواب المناسبة(1) لهذا الحكم، فإن فحص فيها ولم يجد فلا مانع من الرجوع إلى العموم، أو إلى الأصل العملي، وأمّا احتمال أنّه ذكر في باب آخر كذكر حكم يختصّ بالطهارة في باب الديّات مثلاً، فهذا بعيد جدّاً بحيث لا يعتد به، والاطمئنان(2) قائم بخلافه. إذن، فلا يجب الفحص أكثر من ذلك.
ــــــــــ[150]ــــــــــ
() لا بد من تقييده بوجوب الفحص في الأبواب المناسبة في جميع الكتب الاستدلاليّة، وإلّا فإنَّ الاطمئنان قد لا يحصل بمراجعة الكتابين والثلاث إلّا بقريحة واسعة، فتأمّل. (المقرّر).
(2) هذا الاطمئنان وإن كان ثابتاً في كلّ مسألةٍ مسألة، إلّا أنّنا نعلم إجمالا بوجود مخصّصات أو معارضات لبعض الأحكام ذكرت في غير محلّها من الفقه. وهذا الأمر قطعي الثبوت في الجملة، فيعلم الفقيه إجمالاً بعد مراجعة جملة كبيرة من المسائل أنّه قد فوّت مخصصاً أو معارضاً كان في معرض الوصول. وهذا العلم الإجمالي منجّز، وأطرافه هو جميع المسائل، وكلّ واحدة منها، فيعلم إجمالاً أنّه أفتى في مسألة قبل الفحص، فلا تكون جميع فتاويه حجّة لطرفيتها لهذا العلم الإجمالي. ومن المعلوم أيضاً أنَّ هذا لا يمكن دفعه بأصالة عدم وجود المخصّص لقيام العلم بخلافه على الفرض. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ذكر صاحب الكفاية(1) أنَّ العمومات التي هي في معرض التخصيص هي التي يجب الفحص عن مخصّصاتها، ومقدار الفحص اللازم هو أن يخرج العامّ عن المعرضيّة بعد ذلك، فإنَّ العامّ حيث كان في معرض التخصيص لا يكون حجّة، وأمّا إذا فحص بمقدار خرج به عن هذا العنوان، حينئذٍ يجوز العمل بالعامّ.
فإن أراد من ذلك ما ذكرناه فهو، وإن أراد معنى آخر فلا نعقله، فإنَّ العامّ إذا كان في معرض التخصيص حدوثاً، فإنّه لا يخرج عن المعرضيّة بعد ذلك إلى الأبد، ولا ينقلب(2) عمّا وقع عليه، بل يبقى إلى يوم القيامة في معرض التخصيص، فإنَّ هذا ليس من العناوين القابلة للزوال، فإذا وجد فإنَّه لا ينقلب عمّا وقع عليه.
ــــــــــ[151]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأصول: 227.
(2) لم نفهم لذلك وجهاً، فإنّه إن أراد بالمعرضيّة للتخصيص قابلية العامّ في نفسه لورود التخصيص من قبل الشارع عليه، وأيّ زمان من الأزمنة، فهو ثابت لا محالة، إلّا أنّه ليس محطّاً للأحكام الشرعيّة، فإنّ بعض المخصّصات غير صادرة إلى الآن من الشارع. وإن أراد بالمعرضية احتمال صدور المخصّص في زمان التشريع سابقاً، فمن المعلوم أنَّ المخصّص بوجوده الواقعي أيضاً ليس موضوعاً للأثر الشرعي، وإنّما الذي هو محلّ الابتلاء هو المخصّص الواصل. وفي مثله قد قال السيّد الأستاذ بحصول الاطمئنان بعدمه، وحينئذٍ ترتفع معرضيّة العامّ للتخصيص بهذا المعنى لا محالة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
في الخطابات الشفاهيّة
ــــــــــ[153]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
كما وقع الكلام في الآيات المباركة: يَا أَيُّهَا النَّاس ويَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهل إنّ الخطابات مختصّة بالمشافهين، وإنَّ الأحكام المذكورة فيها غير شاملة للغائبين فضلاً عن المعدومين؟ وإنّما يحكم بثبوت الحكم لهم بقاعدة الاشتراك في التكليف، حيث إنّنا نقطع بأنَّ الأحكام الشرعيّة مشتركة بين جميع الناس، وغير مختصة بقوم أو زمان، ولكن قانون الاشتراك يتوقّف على إحراز تساويهما في الصفات التي يحتمل أن تكون دخيلة في الحكم، وإلّا فمعلوم أنَّ النساء تختصّ بأحكام لا تشمل الرجال، والمسافر يختصّ بأحكام لا تشمل الحاضر، فالمراد بالاشتراك بالحكم الاشتراك بالصفات التي يحتمل دخلها في الحكم. إذن، فيحتاج إلى إثبات الحكم للغائبين والمعدومين إلى التمسّك بقاعدة الاشتراك، وإلّا فنفس الدليل لا يكون متكفّلاً لذلك، أو أنَّ هذه الخطابات عامّة للمشافهين وغيرهم سواء كان غائباً أو معدوماً، فعندما يوجد يكون مشمولاً للحكم، وهذا هو الخلاف المعروف.
ــــــــــ[155]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ذكر صاحب الكفاية(1): أنَّ النزاع في المقام يمكن أن يقع في ثلاث جهات:
الجهة الأولى: النزاع في نفس الحكم
إنَّ الحكم وإن لم يكن مدلولاً بدليل، فضلاً عن أن يكون الدليل مشتملاً على الخطاب(2)، فنتكلّم في شموله للغائبين والمعدومين أو اختصاصه بالحاضرين، فهو نزاع في نفس الحكم مع قطع النظر عن الخطاب.
الجهة الثانية: في توجيه الخطاب
يقع النزاع في توجيه الخطاب إلى غير المشافه والحاضر من الغائب والمعدوم، فهل هو ممكن أو لا سواء كان مشتملاً على الحكم في نفسه أو لم يكن؟ وهذا النزاع كالنزاع الأوّل عقليّ لا ربط له بالألفاظ.
الجهة الثالثة: ما ترجع إلى الألفاظ
وهو نزاع يرجع إلى الألفاظ، وهل هذه الخطابات الشفاهيّة موضوعة
ــــــــــ[156]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأصول: 228.
(2) هذا قائم على زعم أنَّ الخطاب هو ما كان بنحو النداء، نحو: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ونحوه، لا مطلق المخاطبة والمكالمة، كما هو المتبادر من الخطاب والمفهوم منه عرفاً، كما هو واضحٌ. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
لنداء شخص خاصّ يسمع الكلام، فإذا استعملت في غير ذلك كان استعمالها مجازيّاً، أو إنّها موضوعة لأمر أعمّ من ذلك، كما قال صاحب الكفاية من أنَّها وضعت للخطابات الإنشائيّة لا للخطاب الحقيقي الموجّه إلى من يسمع الكلام فيتكلّم في وضع هذه الألفاظ، فإن قلنا: إنَّها موضوعة للخطاب الحقيقي. إذن، فمقتضى التحفّظ على ظهور كونها مختصّة بالحاضرين، وإلّا يلزم أن يكون الخطاب مستعملاً مجازاً، وهو خلاف الأصل ويحتاج إلى قرينة. وإن قلنا: إنّها موضوعة للأعمّ، فبنفس هذه الخطابات يثبت الحكم للحاضر والغائب، فالكلام في تعيين مدلول هذه الألفاظ، وهل هو النداء الحقيقي أو الأعمّ من ذلك؟ فهذه هي جهات البحث.
أمّا الكلام في الجهة الأولى فهو أمر واضح لا يحتاج إلى البحث. فإن أُريد بالحكم البعث والزجر الفعليّان، فمعلوم أنَّه لا يمكن بعث المعدوم أو زجره، وأنَّ الحكم الفعلي القابل للمحركيّة والباعثيّة والزاجريّة مختصٌّ بالموجود القادر لا محالة، وهذا غير قابل للنزاع.
وإن أُريد جعل الحكم بنحو القضيّة الحقيقيّة الذي نعبّر عنه بالحكم الانشائي والحكم في مرحلة الجعل، فهذا المعنى كما هو قابل لأن يجعل للموجودين كذلك قابل لأن يجعل للمعدومين، فإنَّ القضيّة الحقيقيّة ترجع إلى القضيّة الشرطيّة لِلَّـهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا(1) فإذا
ــــــــــ[157]ــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وجد مستطيع وجب عليه الحجّ، وكلّ القوانين العقلائيّة مجعولة على الأفراد والمصاديق المفروضة الوجود، فيصدق حقيقة جعل وجوب الحجّ وإن لم يكن على الأرض مستطيع أصلاً، فهذا السنخ من الأحكام تعمّ الحاضرين والمعدومين معاً. وهذا أيضاً واضح.
ونظيره واقع في العرفيّات أيضاً، إذ نرى أنَّ المالك قد يقف على ذريته طبقة بعد طبقة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، على أنَّ الطبقات المتأخّرة غير موجودة بالفعل، إلّا أنَّ هذا الوقف هو الآن للطبقة الموجودة، فإذا ماتوا ووجدت طبقة أخرى فهي لهم، وهكذا. وهذا إنشاء ممكن وواقع في الوقوف والوصايا وغيرها.
وأمّا النزاع في الجهة الثانية حول إمكان المخاطبة للمعدوم، فإن أريد بالمخاطبة المخاطبة الحقيقيّة بقصد التفهيم، فهذه غير ممكنة قطعاً، إذ تفهيم المعدوم محال وقصد المحال محال، فإنَّ مخاطبة من لا يفهم المراد غير ممكن فضلاً عن المعدوم، كما لو تكلّم مع صبيٍّ صغيرٍ جدّاً أو حيوان أو حجر، ففي مثل ذلك يستحيل للمتكلّم أن يقصد التفهيم حقيقةً، فإنَّ المخاطبة الحقيقيّة تحتاج إلى وجود المخاطب وفهمه للكلام، فلو فرضنا أنَّ عربيّاً أراد أن يتكلّم مع أعجميًّ محضٍّ لا يكون ذلك ممكناً، وكذلك الأمر في سائر من لا يفهم لغة المتكلّم، فإنَّ المخاطبة إنّما تكون مع من يفهم المراد، وبدونه كيف يمكن قصد ما لا يمكن أن يقع؟
ــــــــــ[158]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
نعم، لو فرضنا أنّه يخاطب شيئاً وهو لا يفهم فعلاً، إلّا أنّه يفهم بعد زمان، نظير الخطاب الذي يصل إلى المرسل إليه بعد شهر، وفي مثل ذلك يمكن قصد التفهيم حقيقة، فلو فرضنا أنَّ المخاطب كان في محلٍّ لا يصله الصوت إلّا بعد دقائق؛ فهو أيضاً يمكن مخاطبته حقيقة بداعي التفهيم.
وأمّا المخاطبة والمكالمة لا بقصد التفهيم بل بدواع أُخر، فهو بمكان من الإمكان، فإنَّ الإنسان إذا احتاج إلى ناصر ومعيّن، ربما ينادي أباه أو أخاه أو غيرهم، وهذا ليس بداعي الخطاب الجدّي، فإنّه يعلم أنّهم ماتوا ولا يمكنهم النصرة، ولكن يخاطبهم بداعي حاجته إلى الناصر، وكذلك سائر الدواعي كالشوق والتضجر ونحو ذلك، وفي مثله لا مانع من أن يخاطب الجماد أيضاً. فهاتان الجهتان لوضوحهما غير قابلتين للبحث.
وإنّما الذي لا بد من البحث فيه هو الجهة الثالثة، وإنَّ هذه الألفاظ هل وضعت للخطاب الحقيقي ليختصّ الخطاب بالحاضرين، أو لمعنى جامع بأيّ داعٍ كان، وإن لم يكن بداعي التفهيم، فيعمّ الغائبين والمعدومين؟
ويمكن أن يقال: إنّها عامّة للغائبين والمعدومين، بوجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ هذه الخطابات مع كونها موضوعة للمخاطبة الحقيقيّة فلا موجب لاختصاصها بخصوص المشافهين، وذلك: أنّ الخطاب مع غير المشافه -إذا وصله الخطاب، ولو فيما بعد- أمر ممكن، كما هو الحال في المكاتبات، فإنّه يكتب إلى زيد شيئاً ويقصد تفهيمه حقيقة، وإن كان التفهيم
ــــــــــ[159]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الفعلي غير ممكن، وإنّما يتحقّق بعد شهر أو أسبوع. إذن، فالمخاطبة الحقيقيّة لا تتوقّف على حضور المخاطب مجلس التخاطب.
إذا أمكن هذا في دقيقة أو دقيقتين أمكن في سنة وسنتين أو في ألف سنة وألفين، فإنَّ طول الزمان لا أثر له في ذلك(1). فيمكن أن يقال: إنَّ مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا استعمل في الخطاب الحقيقي مع كلّ من يسمع هذا الكلام، غاية الأمر: أنَّ بعضهم يسمعه فعلاً، وبعضهم يسمعه بعد يوم، وبعضهم بعد شهر، وبعضهم بعد ألف سنة.
فليست نتيجة القول بوضع هذه الألفاظ للخطاب الحقيقي اختصاصها بالمشافهين، بل مع ذلك لا يختصّ بهم، فإنَّ الخطابات مع الغائبين بل المعدومين أمر ممكن، لا مع قصد التفهيم فعلاً، بل عندما يصله الخطاب، كما يذكرون في التلفونات في المسافات البعيدة التي لا يصل فيها الصوت(2) إلّا بعد دقيقة أو
ــــــــــ[160]ــــــــــ
() يمكن أن يقال: بأنَّ طول الزمان له أثر فيما إذا كان المخاطب معدوماً فعلاً، وإنّما يصحّ الخطاب الحقيقي عن بعد إذا كان المخاطب الموجود بعيداً، ولا يصحّ في المعدوم، وجميع الأمثلة العرفيّة التي ساقها إنّما هي من مخاطبة الغائب، لا من مخاطبة المعدوم، ويمكن أن يجاب: بأنَّ المتكلّم إذا علم أنّ المخاطب المعدوم فعلاً سوف يكون عاقلاً قابلاً للمخاطبة في حين وصول الخطاب إليه، فإنّه حينئذٍ يمكن أن يقصد الخطاب الحقيقي معه، وهذا أمر وجداني صحيح. (المقرّر).
(2) يشير السيّد في ذلك إلى أنَّ سرعة الصوت لا يمكن أن تقطع المسافات البعيدة إلّا بعد مدّة، ولكن منها إنّما يتمّ إذا كان انتقال الصوت يكون بسرعته العادية، لا أنّه يستحيل إلى موجات كهربائية تسير بسرعة الضوء، ثُمَّ يبدله جهاز الاستقبال إلى صوت مرّة أخرى ليسمعه المخاطب، كما هو الحال في اللاسلكي، فإنَّه على هذا لا تكون المدّة إلّا أقلّ من ثانية على مجموع وجه الأرض، وهي مدّة غير معتد بها عرفاً في الخطاب، كما هو معلومٌ. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
دقائق، مع ذلك فإنَّ المتكلّم يقصد تفهيم ومخاطبة مخاطبه حقيقةً.
فلا ملازمة بين القول بالوضع للخطابات الحقيقيّة وبين الاختصاص بخطاب المشافهين.
الوجه الثاني: أنَّ هذه الألفاظ وإن سلّمنا كونها موضوعة للخطاب الحقيقي، وفرضنا أنَّ الخطاب الحقيقي لا يمكن إلّا مع الحاضر في مجلس التخاطب، ولكن القرينة قائمة على أنَّ هذه الخطابات قد استعملت بشكلٍ مجازيٍّ، فعلى تقدير تسليم ذلك لا نلتزم باختصاص الخطابات القرآنيّة بالمشافهين، بل نعلم بوجود القرينة على أنَّ هذه الألفاظ لم تستعمل في معناها الحقيقي، بل بالمعنى الأعمّ، وهو الخطاب الإنشائي الشامل للغائبين والمعدومين.
بيان ذلك: أنَّ هذه الآيات(1) التي نزلت على رسول الله لا يخلو أمرها من أحد أمور:
الأمر الأوّل: أن تكون نازلة عليه حين يلقيها إلى الناس، فيكون الوحي
ــــــــــ[161]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ النزاع غير مختصّ بالقرآن، بل هو يشمل السنّة أيضاً بفرض اشتراك المعدومين في أحكامها عند صدورها، كما أنَّ النزاع لا ينبغي أن يكون مخّتصاً بالخطاب بمعنى النداء، فإنّنا قلنا بأنّ الخطاب معنى شامل بكلّ ما يقصد التفهيم به، وعليه: فيشمل كثيراً مّما ورد في الكتاب والسنّة من التعاليم والأحكام، إلّا أنَّ جوابه في الجملة مشترك بينهما. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
والأداء في وقت واحد، ففي الحقيقة المخاطِب هو الله سبحانه، ولكن بلسان نبيّه الأكرم، والمخاطَب هم الجماعة الحاضرون في المجلس.
إلّا أنّ هذا لا نحتمله، وهو أن يكون المخاطب هو من حضر في مجلسه، ولا سيّما أنَّ أكثرهم منافقين، فيلزم نزولها في حقّ نفر قليل، وهو غير محتمل. بالإضافة إلى أنَّ المؤمنين من أصحابه قد يكونون غائبين في ذلك الحين، والغائب من هذه الناحية كالمعدوم، فكما أنَّ المعدومين خارجون عن الخطاب، كذلك الأمر في الغائبين.
فعلى تقدير أنَّ النزول والإلقاء كان في آنٍ واحد -وإن لم يثبت ذلك- لا يمكن الاختصاص بمن حضر المجلس، فإنّهم قليلون جدّاً.
الأمر الثاني: أن يكون القرآن نزل جملةً واحدةً ومرةً واحدة، ولكنّه لم يؤمر بالتبليغ إلّا تدريجاً ونجوماً، فكان التدريج في التبليغ لا في النزول، وهذا أمر محتمل، كما أنّه يستفاد من بعض الآيات(1)، كقوله تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ(2) وقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (3) بناء على أنَّ الضمير يرجع إلى القرآن كلّه(4).
ــــــــــ[162]ــــــــــ
() فيها دلالة على أنَّ الوحي لا يقضى إليه إلّا في زمان متأخّر، وهو معنى النزول التدريجي، على خلاف ما يريد السيّد أن يستفيد منها. (المقرّر).
(2) طه: 114.
(3) القدر: 2.
(4) أقول: فُسّر في جملة من الروايات نزول القرآن في ليلة القدر إلى السماء الأولى جملة واحدة، ومنها كان ينزل إلى النبيّ تدريجاً، وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال، بالإضافة إلى دلالة الآيات على تنجيم القرآن وتدريجيّة التنزيل، كقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا الفرقان: 32، فإنَّ المستفاد من قوله تعالى: كَذَٰلِكَ وقوله: وَرَتَّلْنَاهُ هو التدريجيّة في التنزيل كما هو واضح، ففكّر جيّداً. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بناءً على هذا فحين نزول القرآن لم يكن هناك مخاطب مشافه، ليقال: إنَّ الخطاب مختصّ بالمشافهين، أو يعمّهم والمعدومين، فتكون هذه الخطابات قد استعملت في الخطاب الإنشائي دون الخطاب الحقيقي.
الأمر الثالث: أنّ القرآن وإن نزل نجوماً إلّا أنَّ زمان التبليغ غير زمان الإلقاء، فقد كان ينزل عليه القرآن وهو في داره، أو في المسجد، ويُروى أنّه كان يغمى(1) عليه، ثُمَّ يقول: نزلت عليّ هذه الآية(2) أو هذه السورة، فعلى هذا الوجه أيضاً لم يكن مشافه بالخارج، وزمان التبليغ متأخّر عن زمان الخطاب، فلم يكن مشافه عند النزول، ليقال: إنَّ الخطاب مختصّ به، أو يعمّه والغائبين والمعدومين.
فعلى الوجهين الأخيرين لا مناص من الالتزام بأنّها استعملت في المعنى المجازي -على تقدير تسليمه، وإلّا فهو ليس معنى مجازياً- فعلى تقدير كون هذه الخطابات وضعت للمخاطبة الحقيقيّة مع الحاضرين في مجلس التخاطب
ــــــــــ[163]ــــــــــ
(1) الآمالي (الطوسي) 663، المجلس: 35، الحديث: 29.
(2) مسائل علي بن جعفر 330، الإمامة وفضل الأئمّة، الحديث: 882.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
نعلم قطعاً بأنّها لم تستعمل إلّا في معناها المجازي، وهو الخطاب الإنشائي، فيعم(1) الغائبين والمعدومين.
وعلى الوجه الأوّل -وهو غير ثابت- لا يحتمل الاختصاص، وأن يكون المخاطب في هذه الآيات الكثيرة نفراً قليلاً.
إذن، لا مناص من الالتزام بأنَّ هذه الخطابات عامّة للغائبين والمعدومين سواء(2) قلنا: بأنّها موضوعة للخطاب الحقيقي أو قلنا: بأنّها موضوعة للخطاب الإنشائي. إذن، الصحيح أنَّ الخطابات الشفاهيّة تعمّ الغائبين والمعدومين كما تعمّ الحاضرين.
المورد الاوّل: إذا قلنا بشمول الخطاب للغائبين والمعدومين، فكما أنَّ الحاضرين يكونون مقصودين بالإفهام، فكذلك الغائبين، فيمكنهم الاستدلّال بظواهر القرآن لإثبات حكم شرعي.
ــــــــــ[164]ــــــــــ
() لا بد أن يدّعى القطع بالعموم للمعدومين، وإلّا فيمكن أن يقال: إنّ مراتب المجاز كثيرة، ومنها: اختصاص الخطاب بالغائبين الموجودين دون المعدومين، والقرينة إنّما قامت على عدم قصد المعنى الحقيقي، ولا قرينة على تعيين المعنى المجازي، فنشكّ في شمول الخطاب للمعدومين. ومقتضى الأصل عدم شموله، كما هو معلوم. إلّا أن يدّعى القطع في قباله، كما لا يبعد ثبوته. (المقرّر).
(2) لا يخفى أنَّ هذا يناقض ما ذكره السيّد في آخر المحاضرة السابقة من ابتناء النزاع على وضع هذه الألفاظ! فراجع. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
أمّا إذا بنينا على الاختصاص، وأنَّ المقصود بالتفهيم هم الحاضرون فقط، وأمّا الغائبون والمعدومون فليسوا مقصودين بالتفهيم، فلا يكون الظهور حجّة في حقّهم، ولا يجوز تمسّكهم به.
فجواز التمسّك بالظواهر وعدمه يدور مدار القول بالاختصاص وعدمه.
وأشكل على ذلك -كما في الكفاية(1)-: أنَّ هذه الثمرة تتوقّف على إثبات أمرين:
أحدهما: أنَّ حجّيّة الظواهر مختصّة بالمقصودين بالإفهام ولا تعمّ غيرهم، وثبت أنَّ السيرة العقلائيّة قامت على الأخذ بالظاهر، وأنّه حجّة للمتكلّم على الغير، وللغير على المتكلّم من دون فرق بين أن يكون الفرد مقصوداً بالإفهام أو لا، بل لو قصد عدم إفهامه وأن لا يسمع هذا الكلام، فإنَّ له أن يأخذ بظاهر الكلام ويحتجّ على المتكلّم، وليس للمتكلّم الاعتذار(2) بأنّه غير مقصود بالإفهام. وهذا واضح، فإنَّ الحكومات تقع على مكتوب كتبه زيد إلى عمرو، فيؤخذ بظاهر الكلام، ولا يقال: إنَّ الحكومة لم يقصد إفهامها.
إذن، لا نتيجة لهذا البحث سواء كانت الخطابات مختصّة بالمشافه، أو أعمّ منه ومن الغائب والمعدوم، ويكون الظاهر حجّة بالإضافة إلى الجميع.
ثانيهما: على تقدير تسليم الكبرى، فلا تتمّ هذه النتيجة أيضاً، فإنَّ الخطاب
ــــــــــ[165]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأصول: 231.
(2) يعني: هذا الشخص غير المقصود بالإفهام. (المقرّر)
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وإن كان مخصوصاً بالحاضر والذي يفهم الكلام بالفعل، ولكن القصد لم يتعلّق بإفهامهم خاصّة جزماً، بل قصد إفهام جميع البشر، وهذا يقع في العرف كثيراً، فإنّه قد يخاطب واحداً، ولكن مقصوده إفهام الجميع مراده، والقرآن من هذا القبيل، فإنَّه معجزة إلهيّة نازلة لتفهيم جميع البشر، لا من قبيل الألغاز يختصّ فهمه بخصوص أشخاص معدودين -ولا يحتمل هذا جزماً- بل المقصود بالإفهام هو مجموع البشر إلى يوم القيامة، فحتّى لو فرضنا أنّه موجّه إلى جماعة مخصوصين، فإنَّ قصد التفهيم عام لجميع البشر. إذن، فلو سلّمنا الكبرى فالصغرى غير ثابتة، فهذه الثمرة ساقطة.
المورد الثاني: إذا شكّكنا في اعتبار قيّد في موضوع الحكم أو متعلّقه. فيمكننا التمسّك بالإطلاق وإجراء مقدّمات الحكمة، بأن يقال: إنّ المولى في مقام البيان ولم ينصب قرينة على إرادة القيد، وبتبعيّة مقام الإثبات لمقام الثبوت نستكشف أنَّ الحكم تعلّق بالمطلق من دون قيد وجودي أو عدمي.
وأمّا إذا كان الخطاب موجّهاً لجماعة الحاضرين، فلا يمكننا التمسّك بالإطلاق وإجراء مقدّمات الحكمة، لأنّ المعدومين ليسوا مخاطبين، ليقال: إنَّ المتكلّم وجّه كلامه من دون أن ينصب قرينة، فإنّه لم يوجهه إلى المعدومين على الفرض، بل إلى جماعة أخرى، ولعلّ القرينة موجودة بينهم وكانوا يعلمون بها.
وقد أشكل صاحب الكفاية(1) على هذه الثمرة بأنّ التمسّك بالإطلاق بالنسبة إلى الغائبين والمعدومين -وإن لم يمكن، لأنّه ليس متوجّهاً إليهم
ــــــــــ[166]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 231.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ليتمسّك بإطلاقه- ولكنّنا نتمسّك بالإطلاق بالنسبة إلى الحاضرين، فمن عدم التقييد في مقام البيان بالنسبة إليهم نستكشف كون الحكم مطلقاً. وبقانون الاشتراك يثبت الحكم لنا أيضاً، فاحتمال التقييد في موضوع الحكم أو متعلّقه ندفعه بمقدّمات الحكمة، وأمّا احتمال وجود قرينة أخرى كالقرائن الحالية مثلاً، فندفعه بأصالة عدم القرينة التي جرت عليها السيرة العقلائيّة، ونثبت بذلك أنَّ الحكم الثابت للمتعلّق والموضوع ثابت للمطلق اللابشرط بلا حاجة إلى افتراض أن يكون المعدوم مخاطباً.
بل نقول ذلك في الروايات أيضاً، فإنّ الخطابات فيها متوجهة إلى أناس معيّنين كزرارة ومحمد بن مسلم وغيرهما، فنجري مقدّمات الحكمة بالنسبة إليهم، ونعمّمه إلينا بقانون الاشتراك وننفي القرينة الحالية بالأصل.
وهذا متينٌ، إلّا أنّه في الجملة لا في جميع الموارد.
وتفصيل ذلك: أنَّ القيد المحتمل دخله في موضوع الحكم أو متعلّقه، قد يكون من القيود القابلة للزوال كالسفر والحضر والصحة والمرض والعدالة والفسق والعلم والجهل، فإنَّه يمكن أن يكون الإنسان جاهلاً في زمان، وعالماً في زمان آخر، أو صحيحاً في زمان، ومريضاً في زمان آخر، وهكذا. فإذا كان القيد المحتمل من قبيل هذه القيود القابلة للزوال فيمكننا دفعها بالإطلاق، وأنَّ القيّد لم يذكر في الكلام فيثبت الحكم للمطلق.
وأمّا إذا فرض أنَّ القيد المحتمل دخله في موضوع الحكم قيداً غير قابل للزوال، بحيث يكون حاصلاً ولا حاجة إلى بيانه، فعدم البيان لا يكون منافياً
ــــــــــ[167]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
لمقدّمات الحكمة، فإنّه يمكن أن يكون هذا القيد دخيلاً، ومع ذلك لم يبيّنه المولى لأنّه حاصل ولا حاجة إلى بيانه، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّـهِ(1) فيا أيها الذين آمنوا خطاب، إذا قلنا بشموله للحاضرين والمعدومين، فيكون المدار هو الإيمان والإسلام، وكل مسلم هذه وظيفته، فإذا نودي إلى الصلاة يجب عليه السعي إلى ذكر الله، فيتمسّك بالإطلاق، ويقال: إنّه لا يعمّ زمان الحضور بل يشمل زمان الغيبة أيضاً.
وأمّا إذا قلنا: بأنّ الخطاب يختصّ بالمشافهين، فيكون قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاباً للحاضرين فقط، ونحتمل أن يكون لزمان الحضور دخلاً في الحكم، فكيف يمكننا دفع هذا الاحتمال بأصالة الإطلاق، فإنَّ هذا القيد لا يحتمل زواله، فإنَّ من كان مخاطباً في زمان الرسول لا يحتمل عادةً بقاؤه إلى زمان الغيبة الصغرى أو الكبرى، فهنا لا يمكن التمسّك بالإطلاق، بأن يقال: إنَّ الحكم لو كان مقيّداً بزمان الحضور لذكره، فإنّه قيد حاصل وغير قابل للزوال، ولا حاجة إلى ذكره.
فهذه الثمرة متينة وصحيحة، فإذا بنينا على اختصاص الخطابات بالمشافهين، فلا يمكن إثبات الحكم للغائبين(2) والمعدومين بالتمسّك بالإطلاق
ــــــــــ[168]ــــــــــ
() الجمعة: 9.
(2) لا يخفى أنَّ ما ذكره من التقريب مختصّ بالمعدومين فقط الذين سوف يوجدون في غير زمان الحضور، وأمّا الغائبون عن مجلس التخاطب فهذا القيد متحقّق بالنسبة إليهم أيضاً، فإذا قلنا بعدم إمكان مخاطبتهم بالقرآن لزم أن يكون وجوب الجمعة خاصّاً لنفر قليل؛ وهو قطعي العدم. نعم، لو احتملنا قيّداً في الحكم حاصلاً للحاضرين غير قابل للزوال عنهم، وغير حاصل للغائبين كالكون في المدينة أو مجاورة رسول الله’، كان الكلام فيه نفس الكلام، إلَّا أنَّ مثل هذا القيد لا يحتمل في نفسه. إذن، فهذا التقريب يختصّ بالمعدومين دون الغائبين. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذا لم يكن القيد قابلاً للزوال، ولا يمكن إثبات الحكم بقاعدة الاشتراك، أمّا المكلّفون في زمان الأئمّة فهم مشتركون بهذه الصفة مع أصحاب رسول الله، وأمّا غيرهم فكيف يمكننا إثبات الحكم لهم بالآية المباركة مع كون الحكم متوجّهاً إلى غيرهم. فهذه ثمرة جيّدة لا بأس بها.
ــــــــــ[169]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
رجوع الضمير إلى بعض أفراد العامّ
ــــــــــ[171]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذا ورد عام في جملة، ثُمَّ تعقّبه ضمير يرجع إلى بعض أفراده، فهل يكون هذا من القرينة على أنّ المراد بالعامّ هو هذا البعض، أو إنّه يبقى على عمومه، أو يكون الحكم مجملاً، فلا يعلم المراد من العامّ أو من الضمير؟
ومثّلوا لذلك بقوله تعالى: وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَـهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّـهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَـهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(1). فإنَّ المراد من الضمير في قوله تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ المطلقات الرجعيّات جزماً، فإنَّ الطلاق البائن لا ردّ فيه، فبعولة المطلقات الرجعيّات أحقّ بردّ زوجاتهم، فهل المراد من صدر الآية وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ أيضاً المطلقات الرجعيّات، فلا تكون الآية دليلاً على الاعتداد في غير الطلاق الرجعي، أو المراد منه مطلق المطلقات؟
ــــــــــ[173]ــــــــــ
(1) البقرة: 228.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ذهب صاحب الكفاية إلى الإجمال(1)، وذلك: لأنَّ الاستخدام وإن كان خلاف الأصل، فإنّه إن دار الأمر بينه وبين غيره، فالأصل عدم الاستخدام، إلّا أنّ هذا الأصل إنّما يجري فيما إذا كان الشكّ في المراد. أمّا إذا علم بالمراد وشكّ في أنّه على نحو الاستخدام أو بوجهٍ آخر، فلا أصل يرجع إليه في المقام.
فإذا كان في كلام المتكلّم موضوع، ثُمَّ جاء في كلامه ضمير، وشكّكنا أنّ المرجع هو ذلك الموضوع المذكور في كلامه حتّى لا يكون استخداماً، أو المرجع غيره ليكون استخداماً، فلو فرضنا أنّه قال: إذا رأيت زيداً فقل له كذا، ثُمَّ قال: واعطه درهماً، وشكّكنا أنّه يعطي الدرهم له أو يعطيها لغلامه، فلا إشكال في أنّ الأصل عدم الاستخدام، وظاهر كلامه أنّ الضمير يرجع إلى ذكر في الكلام دون غيره.
وأمّا إذا علم بالمراد وشكّكنا في كيفيّة الإرادة، فلا شكّ في أنَّ المراد من الضمير في ذيل الآية، خصوص الرجعيّات دون من سواهن من المطلقات، فالمراد معلوم، لكن لا ندري أنَّ هذه الإرادة على نحو الاستخدام، فيما إذا كان
ــــــــــ[174]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 233.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
المراد من (المطلقات) في صدر الآية أعمّ من الرجعيّات، أو المراد منه هو خصوص الرجعيّات فلا استخدام.
هنا لا تجري أصالة عدم الاستخدام، لما ذكرناه في البحث السابق من أنَّ أصالة العموم لا تجري فيما إذا علمنا بالمراد، وشكّكنا في أنّه من أفراد العامّ ليكون تخصيصاً، أو ليس من أفراده ليكون تخصّصاً، ففي مثله لا يمكن التمسّك بأصالة العموم، وأنّه ليس من أفراد العامّ، لأنَّ أصالة العموم إنّما يردّ إليها عند الشكّ في التخصيص، وأمّا إذا علمنا أنّ الحكم ليس على طبق العامّ، ولكن لا ندري أنّه من أفراده أو لا، فإنّ بناء العقلاء هو على التمسّك بظواهر الكلام في تعيين المراد، وإن كان المراد معلوماً، فلا بناء لهم على التمسّك بالعموم، والمراد هنا معلوم، فلا يمكن التمسّك بالأصل اللفظي.
وأمّا أصالة العموم في صدر الآية: وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ فلا يمكن التمسّك بالعموم أيضاً، لاحتفاف الكلام بما يحتمل أن يكون قرينة، فلا ينعقد له ظهور في العموم.
فالنتيجة: أنَّ الكلام يكون مجملاً، فلا يمكننا الحكم بأنَّ المراد منه مطلق المطلقات أو خصوص الرجعيّات، فيتوقّف في ذلك، فيعامل معه معاملة المجمل.
هذا ما اختاره صاحب الكفاية في كلّ مورد كان هناك عامٌّ، وكان المراد منه معلوماً، أو كان هناك ضمير يرجع إلى بعض الأفراد، وشكّكنا أنَّ المراد بالعامّ -هو البعض أو الكلّ- فأصالة عدم الاستخدام غير جارية، وأصالة العموم أيضاً غير جارية، لاحتفاف العموم بما يصلح للقرينيّة، فيكون الكلام مجملاً.
ــــــــــ[175]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وذكر شيخنا الأستاذ(1) إمكان التمسّك بأصالة العموم دون أصالة عدم الاستخدام، ببيان حاصله: أمّا أصالة عدم الاستخدام فلما تقدّم من أنّ المراد معلوم، وبعد معلوميّة المراد لا أصل يعتمد عليه من قبل العقلاء، فأصالة عدم الاستخدام ساقطة، وأمّا أصالة العموم فجارية، لأنَّ المقام ليس من باب احتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة، لأنَّ ذلك إنّما يكون إذا كان المأتي به من متعلّقات الكلام، كما لو ورد للعام مخصّص متّصل ودار أمره بين الأقلّ والأكثر، كما في نحو: (أكرم كلّ عالم) و(لا تكرم الفاسق منهم) ودار أمر الفاسق بين مرتكب الكبيرة ومرتكب الصغيرة، ففي مثل ذلك لا يمكن التمسّك بالعموم لاحتفاف الكلام بما يكون قرينة، فإنَّ المفروض أنَّ كلمة الفاسق قد وردت في الكلام، وقد تردّد أمرها بين الأقلّ والأكثر، فيكون العامّ مجملاً.
وأمّا في المقام فهنا حكمان أحدهما أجنبي عن الآخر، أحدهما في حكم الزوجة والآخر في حكم الزوج، والأوّل عامٌّ لكلّ مطلقة رجعية وبائنة، وحكمها أن تتربص بنفسها ثلاثة قروء بمقتضى العموم، وفي ضمن ذلك ذكر أنّه: وَلَا يَحِلُّ لَـهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّـهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّـهِ
ــــــــــ[176]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 492.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ(1) ثُمَّ ذكر حكم الرجال، فقال: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ وهو حكم آخر أجنبي عن الأوّل، ومضمونه: أنّ الزوج المطلق له حقّ الرجوع إلى الزوجة، والطلاق بالنسبة إليه اختياري، وهذا حكم آخر، فالمراد من الضمير الوارد في هذه الجملة المتكفّلة لحكم آخر هو خصوص الرجعيّة، فكيف يكون قرينة على جملة أخرى أجنبية عنها موضوعاً وحكماً؟ أمّا موضوعاً فلأن الأولى موضوعها النساء، والثانية الرجال، وأمّا حكماً فلأن الأولى فيها حكم الطلاق، والثانية حكم الرجوع. إذن، فليس هذا من صغريات احتفاف الكلام بقرينة، فيبقى الكلام على ظهوره، فيؤخذ بالعموم. هذا ما ذكره شيخنا الأستاذ.
الظاهر عدم صحة ما ذكره صاحب الكفاية، ولا ما ذكره شيخنا الأستاذ، ولا يمكن المساعدة على أيّ منهما، بل الظاهر أنَّ هذا يكون قرينة على أنَّ المراد بالعامّ هو المراد بالضمير، وهي قرينة قطعيّة بحسب ظاهر الكلام.
والوجه في ذلك: أصالة عدم الاستخدام وإن لم تجر فيما إذا علمنا بالمراد
-كما ذكراه- إلّا أنَّ هنا ظهوراً ثالثاً، وهو الظهور السياقي في أنَّ الإشارة بالضمير وغيره إنّما يكون إلى من ذكر في الكلام، وهذا الظهور يقتضي أنَّ المراد بالضمير عين المراد من مرجعه، فلو قال المتكلّم: (رأيت أسداً) ولم تكن معه قرينة معيّنة لكان مقتضى الظهور هو كون المراد الحيوان المفترس، وأمّا لو قال بعد ذلك بجملة أخرى: (وتكلمت معه أو أعطيته درهماً) فجزماً الحيوان
ــــــــــ[177]ــــــــــ
(1) البقرة: 228.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
المفترس غير مراد، وإنّما المراد هو الرجل الشجاع، فإذا شكّكنا في أنَّ المراد من الأسد المذكور في صدر الكلام هو الرجل الشجاع لتحقّق المطابقة بين الضمير ومرجعه على ما يقتضيه الظهور السياقي، لأنَّ ظاهر الكلام هو هذا، وأنّ شخصاً واحداً أُريد بالظاهر والضمير معاً، فإنّه لا ينبغي الشكّ في أنَّ العرف يستفيد من هذا الكلام أنَّ المراد من الكلمة الأولى أيضاً الرجل الشجاع.
فإذا كان هذا ثابتاً في مورد أصالة عدم الاستخدام، فكيف لا يكون ثابتاً في أصالة العموم التي ذكرنا أنّه في مورد التخصيص لا يكون مجازاً؟ فأصالة الحقيقة لا تكون جارية في هذه الموارد؛ لأنَّ العرف يفهم أنّ الجملة الثانية قرينة على المراد من الجملة الأولى، فإذا كان هذا ثابتاً في موارد أصالة العموم، فكيف بموارد أصالة عدم الاستخدام؟!
إلّا أنَّ هذه الكبرى لا صغرى لها، ولم نجد لها صغرى، وأمّا الآية المباركة فالكبرى غير منطبقة عليها، والوجه في ذلك: أنّ قوله تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ لم يعلم أنَّ المراد حال الضمير هو المطلقات الرجعيّات بحسب المراد الاستعمالي، بل ظاهره هو أنَّ الضمير يرجع إلى المطلقات على الإطلاق، غايته: قد ورد على هذا العموم(1) تخصيصات عديدة، فأخرجت البائنة والصغيرة وغير المدخول بها، فإنّهن لا يجب عليهن التربّص، فهو تخصيص ورد على المطلقات، لا أنَّ العامّ استعمل في غير ذلك.
وقد ذكر أنَّ التخصيص لا يلزم منه المجاز، وإنّما ينكشف به أنَّ المراد
ــــــــــ[178]ــــــــــ
() يريد من هذا العموم عموم صدر الآية. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الجدّي هو البعض بالقرينة المنفصلة. وكما أنَّ صدر الآية كذلك، ذيلها أيضاً كذلك، فإنَّ الظاهر منه هو أنَّ الضمير يرجع إلى مطلق المطلقات، والتخصيص الوارد عليه لا يكشف عن رجوعه إلى خصوص الرجعيّات، وإنّما يكشف عن أنَّ المراد الجدّي منه هو ذلك.
وبعبارة أخرى: أنَّ هنا عامّين ذكرا في الكلام:
أحدهما: أنَّ المطلقات يتربّصن.
وثانيهما: أنَّ الأزواج أحقّ بردّهن.
وهما يشملان الطلاق الرجعي والبائن، ثُمَّ ورد تخصيص بأنّه لا رجوع في البائن، والتخصيص المنفصل إنّما يوجب تضييقاً في حجّيّة العامّ، لا أنّه يكشف عن أنَّ المراد به هو خصوص هذا القسم.
إذن، فالآية لا تكون صغرى لتلك الكبرى، بل لم نجد لها صغرى أصلاً.
وبعبارة ثانية: الصحيح هو الوجه الثالث، وهو أن يكون الضمير قرينة على المراد من العامّ، وذلك للظهور السياقي بأنَّ الضمير إشارة إلى ما تقدّم في الكلام، وأنَّ الظاهر كون المشار إليه هو ما ذكر في الكلام، فإذا كان المراد بالضمير معلوماً، فيكون المراد بالمشار إليه كذلك، وقلنا: بأنَّ هذا يجري في الموارد التي يكون الظهور فيها مستنداً إلى الوضع، نحو: (رأيت أسداً وأعطيته درهماً) مّما يعلم على أنَّ المراد من الضمير هو الرجل الشجاع، فيكون قرينة على أن المراد بالأسد هو ذلك أيضاً، فإذا ثبت ذلك بالدليل الوضعي فيثبت بأصالة العموم بطريق أولى. هذا حال الكبرى.
ــــــــــ[179]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وقلنا: هذه الكبرى لا صغرى لها، وذلك لأن الآية التي ذكرت كصغرى لهذه الكبرى، وهي: وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ إلى قوله: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ حيث قالوا بأنَّ المراد من الضمير في بعُولَتُهُنَّ هو المطلقات الرجعيّات، فيدور الأمر بين أن يكون المراد بالمطلقات في صدر الآية هو الرجعيّات أيضاً فلا استخدام، أو الأعمّ منها ومن البائنة، فيلزم في الكلام استخدام.
وعندئذٍ نقول: إنَّ الأمر ليس كذلك، بل الضمير يرجع إلى المطلقات على الإطلاق، وأنّهن يتربّصن بأنفسهن قروءاً، وهو شامل للمطلقة الرجعيّة والبائنة، والصغيرة واليائسة والمدخول بها وغيرها.
وقد ورد عليها دليل مخصص خارجيٌّ، لا أنَّ اللفظ لم يستعمل في العموم على ما تقدّم من أنّ العامّ يستعمل في العموم، وإن كانت الإرادة الجدّيّة خاصّة ببعض الأفراد، ولا يلزم من ذلك المجاز.
وكذلك الأمر في ذيل الآية أيضاً، فإنّ الضمير يرجع إلى المطلقات على نحو العموم من جميع الجهات، فتشمل البائنة واليائسة والصغيرة وغير المدخول بها، وطلاق الخلع والمباراة في جميع ذلك يكون الزوج أحق بالردّ في العدّة، غاية الأمر: ثبت من الخارج أنّه في البائنة لا رجعة، وإنّما الرجوع(1)
ــــــــــ[180]ــــــــــ
() هذا لا يمكن أن يكون تخصيصاً، بل هو إسقاط للعامّ عن عمومه لا محالة، وإلّا لكان من تخصيص الأكثر، فإنَّ الباقي تحت العامّ هو الطلاق الرجعي، دون سائر الأقسام، ودليل سقوط العامّ هو عدم جواز التمسك به لإثبات جواز الرجوع في مورد الشكّ، كما هو معلوم بعد أن علمنا من الخارج اختصاص الرجوع بالرجعي. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
خاص بقسم واحد من الطلاق، والتخصيص لا يكشف عن استعمال الضمير في خصوص الرجعيّات، فإنَّ هذا العموم ليس بمراد جدّيٍّ، وقد خصّص بمخصّص خارجي، وهذا لا يكشف عن استعمال اللفظ في الخاصّ، وإنّما يكشف عن تعلّق الإرادة الجدّية بذلك.
ــــــــــ[181]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
التعارض بين المفهوم والعموم
ــــــــــ[183]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذا وقعت معارضة بين عموم دليل ومفهوم دليل آخر، فهل يقدّم المفهوم على العامّ، أو يقدّم العامّ على المفهوم؟
وكأنَّ مورد الكلام بينهم إنّما هو مفهوم المخالفة، أمّا مفهوم الموافقة فكأنّه لا كلام في تقدّمه على العموم، وأنَّ حكمه حكم المنطوق، لأنّه ثابت بطريق الأولويّة.
وكيفما كان فقد يقال: بتقديم العامّ على المفهوم، ففي مثل قوله
-وروي عن رسول الله أيضاً(1)-: “خَلَقَ اللَّـهُ المَاءَ طَهُوراً لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَه” (2)، وهو شامل(3) للماء القليل وغيره. ومثل
ــــــــــ[185]ــــــــــ
() الوافي 6: 18.
(2) وسائل الشيعة 1: 135، الباب 1، أبواب الماء المطلق، باب أنّه طاهر مطهر يرفع الحدث ويزيل الخبث، الحديث: 9.
(3) الانصاف بأنَّ هذه الرواية خالية عن الشمول بالمرّة، وإنّما تؤسّس القاعدة الأوليّة للماء وهي الطهارة، فلا ينافيها أيّ دليل آخر وارد في المقام، شأنها في ذلك شأن قوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ، أو فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ مّما هو متعرّض للحكم الشأني دون الفعلي، فتأمّل جيّداً. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
قوله: “إِذَا بَلَغَ المَاءُ كُرّاً لَا يُنَجِّسُهُ شَيْء“(1) ومفهومه أنّه إذا لم يبلغ الماء قدر كرّ فإنّه ينجسه شيء، والمقصود بالشيء هو ما كان قابلاً للتنجيس، يعني: لا يتنجس بالملاقاة، وهذا المفهوم معارض لذلك العامّ، فإنَّ مقتضى العموم في قوله: “المَاءَ طَهُور لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ” هو شموله للماء القليل، ومقتضى مفهوم الشرط في الدليل الثاني بناء على ثبوت هذا المفهوم -كما هو الصحيح- هو أنّه إذا لم يبلغ الماء قدر كرٍّ ينجسه شيء، وإن لم يتغيّر ريحه أو طعمه، فبين العامّ والمفهوم معارضة لا محالة.
ــــــــــ[186]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 2، باب الماء الذي لا ينجسه شيء، الحديث: 1 تهذيب الأحكام 1: 40، الباب 3، باب آداب الأحداث الموجبة للطهارات، الحديث: 48، مع تغيير بعض الألفاظ.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
نسب إلى العامّة(1) أنّهم قالوا: العامّ يتقدّم على المفهوم، وذلك: لأنَّ دلالة العامّ دلالة لفظيّة، ودلالة المفهوم دلالة تبعيّة، والدلالة اللفظيّة أقوى من التبعيّة، فمن جهة قوّة الدلالة يتقدّم العامّ على المفهوم، كما هو الحال في موارد التعارض بين الأدلّة برفع اليد عن الدلالة لوجود الدلالة الأقوى.
وقد ظهر فساد هذا الكلام، وأنَّ المفهوم من أقسام الدلالات اللفظيّة، فإنّه يستتبعه خصوصيّة في الكلام مستندة إلى الوضع أو إلى مقدّمات الحكمة، وهذه الخصوصيّة تستتبع الانتفاء عند الانتفاء، فالمفهوم لازم عقليّ لهذه الخصوصيّة، فهو يستند إلى دلالة اللفظ لا محالة، فإذا افرضنا أنَّ اللفظ لا يدلّ عليه، فمن أين نشأت هذه الدلالة؟ فإنَّ الدلالة لا بد لها من سبب، إمّا القرينة أو الوضع، ولا توجد في الخارج بلا سبب.
وهي على كلا التقديرين دلالة لفظيّة(2). فهذا الوجه ساقط، وليس دلالة
ــــــــــ[187]ــــــــــ
() شرح مختصر المنتهى الأُصولي 3: 79
(2) لا يخفى أنَّ المستدل لم يدع أنّ الدلالة على المفهوم ليست لفظيّة، وإن كان يستشعر منه ذلك من جعل هذه الدلالة مقابلة للفظيّة، إلّا أنَّ مراده من اللفظيّة هو الدلالة التي تحت اللفظ، ومن الدلالة التبعيّة هو الدلالة الثانوية المفهوميّة، وهي عبارة أخرى عن المفهوم اللازم للمنطوق، وقد ادّعى بوجدانه أقوائيّة الدلالة المفهوميّة على الدلالة المنطوقيّة. إذن، فلا يرد عليه من كلام السيّد الأستاذ ما عدا الفقرة الأخيرة التي ينفي فيها هذه الأقوائيّة، وهو أمرٌ وجدانيٌّ وليس استدلاليّاً. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
العامّ على العموم أقوى من دلالة اللفظ على المفهوم.
وقد يقال: بتقدّم المفهوم على العموم، وذلك لعدم المحذور في تقدّم المفهوم على العموم، ووجود المحذور من العكس. أمّا تقدّم المفهوم على العامّ فليس فيه محذور، وإنّما يرفع اليد عن ظهور اللفظ، ويقال: المراد من العموم بسبب المراد الجدّي مختصّ بالبعض، وتخصيص العامّ لا محذور فيه.
أمّا رفع اليد عن المفهوم فهو مستحيل، لأنّ المفهوم من اللوازم العقليّة للمنطوق، ولا يمكن رفع اليد عن اللازم، مع التحفّظ على الملزوم، فإنَّ التفكيك بين المتلازمين غير ممكن، فلو سلّمنا دلالة اللفظ على العلّيّة المنحصرة فكيف يمكن مع التحفّظ عليها -وأنَّ الكرّية علّة منحصرة لانفعال الماء- أن نقول: إنَّ الماء القليل لا ينفعل! فمع التحفّظ على المنطوق لا يمكن رفع اليد عن المفهوم.
وأمّا رفع اليد عن المنطوق بواسطة العامّ فهو أمر ممكن، إلّا أنّه بلا موجب، لأنَّ طرف المعارضة على ما فرضنا هو العامّ، ونرفع اليد عن المنطوق الخارج عنها بلا موجب ولا سبب، فبأيّ موجب نرفع اليد عن المنطوق عن هذه الخصوصيّة وهي العلّيّة المنحصرة، مع أنّها ليست طرفاً للمعارضة؟!
إذن، يتعيّن رفع اليد عن العامّ، فإنّه لا محذور فيه.
ــــــــــ[188]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إلّا أنّ هذا أيضاً غير صحيح كالأوّل، والوجه في ذلك: أنَّ ثبوت الملزوم يستلزم ثبوت اللازم ويستحيل التفكيك بينهما، كذلك رفع الملزوم يستلزم رفع اللازم، فإنَّ الملازمة من الطرفين، فإذا فرضنا أنَّ اللازم معدوم، فاللزوم بالطبيعة معدوم سواء كان لازماً مساوياً أو لازماً أعمّ، وإلّا لزم التفكيك بين الملزوم واللازم، فكما أنّ الثلج ملازم لثبوت البياض ولا يعقل وجوده بدون وجود البياض، فإنَّ الثلج أبيض في ذاته وفي نفسه، فإذا فرضنا أنَّ البياض ارتفع وانعدم، فلا بُدَّ أنَّ الثلج مرتفع، فيكشف عدم اللازم عن عدم الملزوم، وهذا يستعمل في القياس الاستثنائي غالباً، فيقال: لو كان كذا لكان كذا، إلّا أنّه ليس هكذا فالملزوم مثله.
نعم، وجود اللازم الأعمّ لا يستلزم وجود الملزوم، فإنّه يمكن أن يكون البياض موجوداً، ولا يكون الثلج موجوداً في الخارج، بل البياض موجود في ضمن القطن أو القرطاس.
فإذا كان الأمر كذلك، وفرضنا وجود المعارضة بين العامّ والمفهوم، وأحدهما ينفي الآخر، فإذا نفى العامّ المفهوم، فهو ينفي المنطوق لا محالة، فكما أنّ المفهوم طرف للمعارضة فكذلك المنطوق، فلا محذور من كلا الطرفين، يعني: أن نتحفّظ على المفهوم وعلى خصوصيّة الكلام الملازم لها، وهي العلّيّة المنحصرة مثلاً، وكذلك يمكن العكس، بأن نأخذ العامّ ونرفع اليد عن المفهوم، وعن الخصوصيّة المستتبعة له، فدعوى أنّ المنطوق ليس طرفاً للمعارضة، ورفع اليد عنه بلا موجب لا أساس لها، بل المعارضة في الواقع بين العامّ والمنطوق وهو العلّة المنحصرة، وكما يمكن تقديم المنطوق يمكن تقديم العامّ.
ــــــــــ[189]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ولصاحب الكفاية(1) في المقام كلام، وحاصله: أنّ دلالة اللفظ على العموم ودلالته على المفهوم، إمّا أن يكون كلاهما بالوضع(2) أو كلاهما بالإطلاق، أو أحدهما بالوضع والآخر بالإطلاق، وقد يتصوّر أنّهما وردا في كلام واحد، أو مثل الكلام الواحد، بحيث يمكن أن يكون أحدهما قرينة على الآخر، وقد يفرض ورودهما في كلامين منفصلين، وإذا وردا في كلام واحد، فإنّ كان أحدهما أقوى من الآخر من جهة الدلالة يتقدّم على الأضعف لا محالة، فيمنع من انعقاد الظهور من الأوّل، إن كان الظهور من جهة مقدّمات الحكمة، فإنَّ القرينة موجودة في الكلام، وتكون مانعة عن انعقاد الظهور، وإذا فرضنا أنَّ الدلالة وضعيّة والمقتضي للظهور موجود، إلّا أنَّ الظهور لا يستقرّ، فإنَّ الظهور يتوقّف استقراره على عدم الإتيان بالقرينة، والأقوى(3) يكون قرينة
ــــــــــ[190]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأصول: 233، 234.
(2) إنّما يكون المفهوم بالوضع إذا قلنا بأنَّ الخصوصيّة المستتبعة له في المنطوق وضعيّة، وهو ضعيف. (المقرّر).
(3) لا يخفى أنَّ العامّ إذا كان هو الأقوى ورفعنا اليد عن المفهوم فإنّه يسقط بالكلّيّة، لا أنّنا نستطيع المحافظة على أصله، ورفع اليد عن إطلاقه أو عمومه، لأنَّ الخصوصية المستتبعة له ينكشف بالتقييد عدم وجودها، فينتفي المفهوم لا محالة، وهذا بخلاف تقييد العامّ بالمفهوم إذا كان هو الأقوى، كما هو واضح. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
مانعة عن انعقاد الظهور في الإطلاق، واستقراره في الوضع.
وأمّا إذا فرضنا أنّهما وردا في كلامين منفصلين، فالظهور منعقد لا محالة، سواء كان بالوضع أو بمقدّمات الحكمة، لأنَّ المراد بعدم البيان هو عدم البيان مادام المتكلّم مشغولاً بكلامه لا إلى الأَبد، فإذا انتهى من كلامه ولم يأت بقرينة فقد انعقد الظهور، ولو من جهة مقدّمات الحكمة، فالتعارض يكون بين الظهورين، فإذا كان أحدهما أقوى يتقدّم على الآخر، كما هو الحال في كلّ متعارضين، ويكون الأقوى قرينة على المراد.
وأمّا إذا فرضنا أنّهما متساويان، فإذا كانا في كلام واحد، فكلٌّ منهما يصلح أن يكون قرينة على الآخر، فلا يستقرّ لهما الظهور، وأمّا إذا فرضنا أنَّ أحدهما منفصل عن الآخر، فهما متعارضان وليس أحدهما أقوى من الآخر فيتساقطان. هذا ما ذهب إليه صاحب الكفاية.
ــــــــــ[191]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
والصحيح في المقام أن يفصل بتفصيل آخر، وذلك: فإنّه لا بد من ملاحظة النسبة بين العموم والمفهوم المعارض له، فإذا فرضنا أنَّ النسبة بينهما كانت هي العموم من وجه، وكان لكلّ منهما مورد لا يشمله الآخر، وقد تعارضا في مورد واحد، ففي مثل ذلك قد يفرض أنَّ أحد الدليلين حاكم على الآخر، فيرفع موضوعه تعبّداً وإن لم يرفعه تكويناً، فهو ناظر إليه ورافع لموضوعه، فيقدّم الدليل الحاكم على المحكوم لا محالة، لأنَّ النسبة هي نسبة الحكومة، والحاكم شارح للمحكوم ورافع لموضوعه، وذلك كما في آية النبأ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(1) بالنسبة إلى العمومات المانعة عن العمل بالظن، فإنَّ الآية على تقدير تماميّة المفهوم فيها تدلّ على حجّيّة خبر العادل، وأنّه لا يُتبيّن عنه، بل يعمل على طبقه، وليس فيه إصابة للقوم بالجهالة ولا ندامة، وإنّما هو إصابة لهم بالحجّة، وإنّما تختصّ الإصابة بالجهالة بخبر الفاسق.
فإذا تمّ هذا الكلام تكون النسبة بينه وبين العمومات نسبة الحاكم إلى
ــــــــــ[192]ــــــــــ
(1) الحجرات: 6.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
المحكوم، فإنَّ خبر العادل يخرج عن موضوع العمل بالظن، ويكون عملاً بعلم ويقين، فإن َّما ثبت حجّيته هو علم بحكم الشارع، فيخرج عن موضوع النهي عن العمل بالظنّ، فيقدّم المفهوم على العامّ -لا محالة- من جهة الحكومة، ولا تلحظ النسبة بينهما، ولذا قدّمنا دليل نفي الضرر على سائر الأدلة المثبتة للأحكام على موضوعاتها الأوّليّة، مع أنّ النسبة بينها وبينه هو العموم من وجه، وذلك: لنظره إليه ولنفي موضوعه مثلاً.
وقد يفرض أنّه لا حكومة بينهما، ففي مثل ذلك قد يفرض أنَّ الدلالة في أحدهما وضعية وفي الآخر بمقدّمات الحكمة(1) فتتقدّم الدلالة الوضعيّة على الدلالة الناشئة من مقدّمات الحكمة سواء كانا في كلام واحد أو في كلامين مع فرق بينهما من جهة واحدة، فإنّه إذا كانا في كلام واحد لا تتمّ مقدّمات الحكمة، وأمّا إذا كانا في كلامين فإنَّ المقدّمات وإن كانت تامّة والظهور منعقداً، إلّا أنَّ العامّ يصلح أن يكون بياناً للمراد، فيتقدّم العامّ الوضعي على المطلق الثابت ظهوره بمقدّمات الحكمة. وفي المقام يتقدّم العامّ الوضعي إذا كانت النسبة هي العموم من وجه كما هو محلّ الكلام، وهو مورد التعارض.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ كلّاً منهما بالوضع، أو كليهما بمقدّمات الحكمة، فإن كان هناك مرجح من جهة الدلالة فيقدّم ما له الترجيح، ويوجب رفع اليد عن الآخر، كما لو كان في تقدّم أحدهما على الآخر محذور، ولم يكن في تقدّم الآخر محذور، فيتقدّم ما لا محذور فيه.
ــــــــــ[193]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأصول 4: 366، 367.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وذلك كما لو فرضنا تماميّة أدلّة الجاري وأنّه لا ينفعل بالملاقاة إذا كان له مادّة سواء كان كرّاً أو لم يكن كرّاً، كما هو مقتضى الإطلاق، فتقع المعارضة بين هذه العمومات وبين ما دلّ على انفعال الماء القليل، وهو مفهوم قوله: “إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء” والتعارض بينهما بالإطلاق(1). فإنَّ هذا الدليل يدلّ بإطلاقه على أنّ الجاري لا ينفعل وإن كان قليلاً، والآخر يدلّ على أنّ الماء القليل ينفعل وإن كان جارياً، والنسبة بينهما هي العموم من وجه، أحدهما بالعموم والآخر بالمفهوم.
ولكن تُقدّم أدلّة الجاري، وترفع اليد عن المفهوم الدال على انفعال الماء القليل، وينتج: أنّ الجاري لا ينفعل وإن كان قليلاً، وهذا لا محذور فيه، فإنّه تقييد للمطلق، وأمّا إذا عكسنا الأمر وقدّمنا أدلّة الماء القليل على إطلاق أدلة الجاري، وقلنا: إنّ الجاري الذي هو معتصم ولا ينفعل مقيّد بالكرّ، وأمّا القليل منه فينفعل، وهذا فيه محذور، لأنّ لازمه أنَّ عنوان الجاري ملغى في قوله: “إنّ ماء النهر يطهر بعضه بعضاً“(2) و “لا ينجس إلّا بتغيّر طعمه أو ريحه” ومعناه:
ــــــــــ[194]ــــــــــ
() لا يخفى أنّنا إذا قلنا بأنَّ الدلالة على المفهوم بالوضع، فمن الممكن أن يقال بتقدّم المفهوم، وتقييد إطلاق الجاري بغير القليل، وإن لزم المحذور الآتي، وهو لغوية أخذه في الموضوع. وعلى الأقلّ يقع التعارض، والتردّد بين تقديم أيّ من المحذورين. (المقرّر).
(2) الكافي 3: 14، باب ماء الحمام والماء الذي تسخنه الشمس، الحديث: 1، وسائل الشيعة 1: 150، الباب 7، عدم نجاسة ماء الحمام إذا كان له مادّة بمجرّد ملاقاة النجاسة، الحديث: 7.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
أنَّ الجاري وغيره على حدٍّ سواء، فإذا كان كرّاً لا ينفعل، وإذا كان قليلاً ينفعل، فما معنى أخذ الجاري في موضوع الحكم، فهذا التقييد يوجب إلغاء العنوان المأخوذ في العموم، فمن هذه الجهة لا بد من تقييد أدلّة الانفعال بأدلّة الجاري، فيقيّد انفعال طبيعي الماء بغير الجاري، وتبقى أدلّة الجاري على حالها.
ولأجل ذلك ذكرنا أنَّ قوله : “كُلُّ شَيْءٍ يَطِيرُ فَلَا بَأْسَ بِبَوْلِهِ وَخُرْئِه“(1) وهذا وإن كانت النسبة بينه وبين قوله: “اغْسِلْ ثَوْبَكَ مِنْ أَبْوَالِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُه”(2) هي العموم من وجه، فإنَّ الطير قد يكون مّما يؤكل لحمه وقد لا يكون، كما أنَّ ما لا يؤكل لحمه قد يكون طيراً، وقد يكون غيره، فالطير إذا كان غير مأكول اللحم يكون مورداً للمعارضة بنحو العموم من وجه.
ومقتضى الدليل الثاني هو أنَّ هذا نجس ولا بُدَّ من غسله لأنّه غير مأكول، ومقتضى الدليل الأوّل، هو أنَّ هذا طاهر، والنسبة وإن كانت العموم من وجه، إلّا أنَّ تقييد ما دلّ على وجوب الغسل من أبوال ما لا يؤكل لحمه بغير الطير لا محذور فيه، وأمّا العكس وهو تقييد “كُلُّ شَيْءٍ يَطِيرُ بِجَنْاحَيِه فَلَا بَأْسَ بِبَوْلِهِ وَخُرْئِه” بمأكول اللحم ففيه محذور، وهو أنّه لا يبقى معنى لإيراد
ــــــــــ[195]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 58، باب أبوال الدواب وأوراثها، الحديث: 9، وسائل الشيعة 3: 412، باب 10، حكم ذرق الدجاج وبول الخشّاف وجميع الطير، الحديث: 1.
(2) الكافي 3: 57، باب أبوال الدواب وأوراثها، الحديث: 3، وسائل الشيعة 3: 405، الباب 8، نجاسة البول والغائط من الإنسان ومن كل ما لا يؤكل لحمه إذا كان له نفس سائلة، الحديث: 2.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
خصوصيّة الطير في الموضوع، بأن يقال: (كلّ شيء يطير بجناحيه) فيلغى عنوان الطير ويكون أخذه في الكلام من اللغو الواضح، فلهذا المحذور نقدّم دليل طهارة بول الطير على دليل نجاسة ما لا يؤكل لحمه.
وهذا ميزان كلّيٌّ في كلّ متعارضين إذا كان تقديم أحدهما لا محذور فيه إلّا التقييد، وكان في تقديم الآخر محذور، وهو إلغاء العنوان المأخوذ فيه، فيقدّم ما ليس فيه محذور.
وأمّا إذا لم يكن العموم والمفهوم كذلك، ولم يكن أحدهما حاكماً، ولا أحدهما بالدلالة الوضعيّة، بل كانا متساويين من هذه الجهة، ولم يكن في تقدّم أحدهما محذور(1)، فإنّه لا محالة يقع التعارض بين الظهورين، ظهور إحدى القضيّتين في المنطوق، وظهور القضيّة الأخرى في المفهوم، فالحال فيهما هو الحال في سائر موارد التعارض، على الخلاف في مبحث التعادل والتراجيح من أنّه يرجع إلى المرجحات السنديّة أو يحكم بالتساقط ويرجع إلى الدليل الفوقاني من عامٍّ أو أصلٍ.
وملخص كلامنا: لا فرق بين العامّ والمفهوم بعد فرض أنَّ المفهوم ناشئ من خصوصيّة في المنطوق، فعند المعارضة بينهما لا بد من المعاملة بينهما معاملة سائر موارد التعارض، ولا خصوصيّة في المقام أصلاً.
هذا هو الصحيح فيما إذا كانت النسبة هي العموم من وجه.
ــــــــــ[196]ــــــــــ
() فيدور الأمر بين أن يرفع اليد عن العامّ ويقيّد بغير مورد المفهوم، أو يرفع اليد عن المفهوم فيقيّد بغير مورد العامّ. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وأمّا إذا كانت النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق، كما إذا ورد عامٌّ وكان هناك مفهوم أخصّ منه، كمفهوم قوله: “إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجسه شيء” بالنسبة إلى ما دلّ على أنّ الماء على الإطلاق لا ينجسه شيء: “خَلَقَ اللَّـهُ المَاءَ طَهُوراً لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَه” فالنسبة بينهما هو العموم المطلق، فإنَّ الثاني موضوعه الماء على الإطلاق، ويحكم بكونه طهوراً لا ينجسه شيء إلّا مع التغيير، وروايات الكرّ دلّت بمفهومها على أنَّ الماء القليل ينفعل بملاقاة النجاسة، وهذه أخصّ، والخاصّ يكون قرينة على العامّ، ولا يفرق في ذلك بين المفهوم والمنطوق، فكما يتقدّم الدليل الخاصّ على العامّ إذا كانت دلالته منطوقيّة، كذلك يتقدّم إذا كانت دلالته مفهوميّة، فإنَّ المفهوم لا ينقص عن المنطوق بشيء بعدما فرضنا أنّه لازم عقليّ للدلالة المنطوقيّة، ففي الحقيقة المعارضة هي بين العامّ والمنطوق.
فيقدّم الخاصّ مطلقاً سواء كانت الدلالة في كلّ منهما بالعموم أو بمقدّمات الحكمة، أو في أحدهما بالعموم وفي الآخر بمقدّمات الحكمة، فيقدّم الخاصّ حتّى لو كان العامّ بلفظ (كلّ) والخاصّ بمقدّمات الحكمة، وذلك: لأن الخاصّ قرينة على المراد من العامّ، وظهور القرينة يتقدّم على ظهور ذي القرينة، فإنَّ القرينة ناظرة إلى ذيها وموجبة للتصرّف فيه، ومقتضى الجمع العرفي بين العامّ والخاصّ هو كون الخاصّ قرينة على العامّ وإن كان بمقدّمات الحكمة.
هذا تمام كلامنا في معارضة العموم والمفهوم.
ــــــــــ[197]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الاستثناء المتعقّب لجمل متعدّدة
ــــــــــ[199]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الكلام فيما إذا تعقّب جملات(1) متعدّدة استثناء واحد، فهل يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط، أو يرجع إلى الجميع، أو يفصّل في ذلك؟
لا إشكال في رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة، إذ لا يعهد من العرف أن تكون جملة أجنبية فاصلة بين المستثنى والمستثنى منه، بأن يعود إلى الجملة السابقة دون الأخيرة، فالأخيرة يرد عليها الاستثناء لا محالة، وحينئذٍ يدور الأمر بين أن يرجع الاستثناء إلى الجميع، أو يختصّ بالجملة الأخيرة، ويبقى الباقي على عمومه.
ولا إشكال في جواز رجوعه إلى الجميع فيما إذا فرضنا أنَّ المتكلّم نصب قرينة على ذلك أو صرّح به، وإن تكلّم صاحب المعالم طويلاً(2)، واستشكل في رجوع الاستثناء إلى جميع الجمل، لأنّه يستلزم الاستعمال في معانٍ متعدّدة، وهذا -على ما ذكره صاحب الكفاية(3)– واضح البطلان. فإنَّ كلمة (إلّا) لم تستعمل إلّا في معنى واحد سواء كان المستثنى منه واحداً أو متعدّداً، يعني:
ــــــــــ[201]ــــــــــ
() عمومات. (المقرّر).
(2) انظر: معالم الدين وملاذ المجتهدين: 121- 137.
(3) انظر: كفاية الأُصول: 235.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
يكون الخارج خارجاً من الجملة الأخيرة، أو من الجميع، ولا يتغيّر معنى كلمة (إلّا) بتعدّد المستثنى منه وعدم تعدده، فإنّها لم تستعمل إلّا في معنى واحد، وهو الاستثناء والإخراج، سواء كان الموضوع له خاصّاً أو كان عامّاً، كلّ هذا أجنبي عن محلّ الكلام، والتعدّد إنّما هو في المُخرَج، وأمّا كلمة (إلّا) فلم تستعمل إلّا في معنى واحد، فجواز ذلك لا إشكال فيه. إذن، يدور الأمر بين رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة أو رجوعه إلى الجميع بعد أن كان رجوعه إلى الأخيرة متيقّناً.
ــــــــــ[202]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ذكر صاحب الكفاية(1) أنّه يظهر من كلام صاحب المعالم الاستشكال والتأمّل في الرجوع إلى الجميع، ولذا مهّد مقدّمة في جواز الرجوع إلى الجميع. والظاهر من عبارة صاحب المعالم أنّه ليس في مقام إثبات جواز ذلك، وإنّما نقل قول السيّد المرتضى(2) في التوقّف في الرجوع إلى ما عدا الأخيرة، مع كون الرجوع إليها متيقّناً، وذلك: لأجل قوله: بالاشتراك اللفظي، على ما نسب إليه صاحب المعالم، فهو قدّم مقدّمة لإثبات أنّ الاشتراك معنوي لا لفظي، وأنّ اللفظ موضوع لمعنى عامٍّ، فالوضع فيه عامٌّ، والموضوع له خاصٌّ، فيجوز استعماله فيما إذا كان راجعاً إلى الأخير أو إلى الجميع.
فليس غرضه من المقدّمة هو إثبات الجواز، بل ذلك مسلّم عنده، وإنّما غرضه هو إثبات الاشتراك المعنوي، وأنّ الوضع عامٌّ والموضوع له خاصٌّ، كما في سائر موارد أسماء الإشارة والحروف.
وكيفما كان، فقد ذكر صاحب الكفاية(3) وغيره(4) ذهبوا إلى أنّه في هذه
ــــــــــ[203]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 234.
(2) انظر: معالم الدين وملاذ المجتهدين: 122.
(3) انظر: كفاية الأُصول: 235.
(4) انظر: نهاية الأفكار 2: 544، مجمع الفرائد في الأُصول: 69.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الموارد يتوقّف لأجل احتفاف الكلام بما يحتمل قرينيته.
قد يفرض تعدّد الجمل بتعدّد المحمول، ويكون الموضوع واحداً، نحو: (العلماء أكرمهم وأضفهم إلّا الفساق) فهاتان جملتان لأنّ تعدّد الجملة يكون بتعدّد المحمول، وبتعدّد الموضوع أو بتعدّدهما معاً، ففي مثل ذلك يقال: إنَّ الظاهر هو الرجوع إلى الجميع، فإنَّ الموضوع إذا كان واحداً فهذه الجمل بحكم الجملة الواحدة، فإنّه لو كان هناك لفظ واحد موضوع للإكرام والضيافة لعبّر به المتكلّم، ولكن حيث إنّه لم يوضع لفظ لمجموعهما، فلذلك عبّر بلفظين لعدم إمكان التفهيم بلفظ واحد، وإلّا فهاتان الجملتان بمنزلة الجملة الواحدة، والظاهر أنَّ الاستثناء يكون من الموضوع، فإذا كان في العلماء من هو فاسق، فإنّه لا يجب إكرامه ولا ضيافته.
وهذا إذا لم يكن الموضوع مكرّراً في الكلام، فلم يأت المتكلّم بالموضوع ثانياً، وإلّا فظاهر التكرار أنّه قطع للكلام السابق، وشروع في كلام جديد، فالعمومات الأوّليّة تبقى سالمة عن التخصيص، ويرجع التخصيص إلى ما كُرّر فيه الموضوع وإلى ما بعده، فإذا قال: (أكرم العلماء وأضفهم، احترمهم إلّا الفاسق منهم) فهذا التكرار يدلّ بحسب الظهور العرفي على انفصال الكلام عن الكلام السابق، وابتداء كلام جديد، فيرجع الاستثناء إلى الجملة التي كرّر فيها الموضوع وما بعدها دون التي قبلها.
ــــــــــ[204]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ومن هذا القبيل قوله سبحانه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَـهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(1). ففي قوله: فَاجْلِدُوهُمْ … وَلا تَقْبَلُوا لَـهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا الموضوع هو الموضوع بغير تكرار، ثُمَّ قال: وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا فيقع الكلام في أنَّ الذين تابوا يكون استثناء من الجميع، فلو رمى محصنة، ثُمَّ تاب وأصبح عادلاً تقبل شهادته، ولو وقع عليه الجلد، أو أنَّ الاستثناء من الجملة الأخيرة، وهو قوله: وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ فبعد التوبة لا يحكم بفسقهم، أمّا عدم قبول شهادتهم فهو باقٍ إلى الأبد، إذ لم يرد التخصيص عليها، فتبقى على عمومها بناءً على ما ذكرناه من أنَّ الموضوع إذا كرّر فإنَّ الاستثناء يرجع إلى الجملة التي كرّر فيها الموضوع وما بعده دون ما قبله. هذا هو الظاهر من الكلام.
وأمّا ما قيل من أنّ عدم جواز التمسّك بالعموم لأجل احتفاف الكلام بما يصلح أن يكون قرينة فلا يستقرّ الظهور في العموم، ولا يمكن التمسّك له، فهذا لا وجه له، فإنّ ميزان احتفاف الكلام بما يحتمل أن يكون قرينة هو احتمال أن يكون هذا الذي أتى به المتكلّم في الكلام له نظير بالعرف، وقد استعمل في الكلام نظيره في المعنى، ففي مثل ذلك يمكن أن يقال: إنَّ الكلام محفوف بما يحتمل قرينيّته، فلو قال: (أكرم الجالسين إلّا هذا) وأشار إلى واحد معيّن، ولم ندر أنّه أشار إلى من، أو قال: (إلّا هؤلاء) ولم نعرف أنّه أشار إلى أيّ جماعة، يعني:
ــــــــــ[205]ــــــــــ
(1) النور: 4-5.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
كان عندنا مقدار متيقّن ومقدار مشكوك، ففي مثل ذلك لا بد من التوقّف، لأن عدم الفهم مستند إلى المخاطب، وإلّا فإنَّ المتكلّم تكلّم بكلام ظاهر عنده في المعنى، ولم يقصّر في كلامه، ولكن المخاطب لم يفهم لقصور من ناحيته، فالكلام محفوف بما يحتمل أن يكون قرينة فلا يكون له ظهور بالعموم، ويكون داخلاً في باب المخصّص المجمل المتّصل الذي قلنا: إنَّ إجماله يسري إلى العامّ.
وكذلك إذا قال: (أكرم كلّ عالم إلّا من كان فاسقاً) وكان للفاسق ظهور في المعنى عند المتكلّم، وقد أراد هذا المعنى الظاهر، ولكن السامع لم يحرز هذا الظهور، ولا يدري أنَّ الفاسق هل وضع للمعنى الجامع بين مرتكب الكبيرة والصغيرة، أو لخصوص مرتكب الكبيرة، فهو قصور من ناحية فهم المخاطب، وكونه لم يشخّص الظهور، هنا أيضاً يسري إجماله إلى العامّ.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ القصور من ناحية نفس الكلام والمتكلّم، كما في محلّ الكلام من تكرّر الموضوع، فإنّ العرف جزماً لا يفهم رجوع الاستثناء إلى الجميع، فكيف يمكن أن يعتمد المتكلّم الملتفت في كلامه على قرينة لا يفهمها العرف، ويعلم بأنّه غير ظاهر في الرجوع إلى الجميع، مع ذلك يريد الاستثناء من الجميع بلا قرينة عليه. وهذا لا يمكن من الحكيم.
وبعبارة أخرى: الاعتماد على ما يحتمل أن يكون قرينة إنّما يكون فيما إذا احتملنا صلوح اللفظ للقرينيّة في نظر العرف، أمّا إذا جزمنا بأنّه غير ظاهر عرفاً، فكيف يأتي المتكلّم بقرينة غير ظاهرة جزماً؟
إذن، فالعموم محرز، وهذا غير صالح للقرينيّة فيتمسك بذلك العامّ، وفي
ــــــــــ[206]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
مورد الآية يحكم بعدم قبول شهادة القاذف(1) الذي أقيم عليه الحدّ وجلد ثمانين جلدة سواء تاب أو لم يتب. هذا في القسم الأوّل.
وهو ما إذا فرضنا كون المحمول واحداً، ولكن الموضوع متعدّد، نحو: (أكرم العلماء وأكرم التجار وأكرم الهاشميين إلّا الفساق منهم) فيما إذا شكّكنا أنّه يرجع إلى الجميع أو إلى خصوص الأخير، فيجري عين ذلك البيان في المقام، فإنَّ هذه الجمل المتعدّدة ترجع إلى جملة واحدة بحسب النتيجة، فإنَّ المولى أمر بإكرام هؤلاء الجماعات، والكلام له محمول واحد، وموضوع واحد شامل لجميع هؤلاء، غايته: ليس في لغة العرب ولا في غيرها -فيما نعلم- لفظ يجمع(2)
ــــــــــ[207]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ الآية لم تأخذ في موضوع عدم قبول الشهادة كون القاذف محدوداً، وإنّما رتّبت عدّة أحكام على القذف في عرض واحد، وهي الجلد، وعدم قبول الشهادة، والفسق. وظاهرها ترتّب كلّ واحد منها مستقلّاً على وجود القذف بمجرّده، فينتج من ذلك: -بضميمة مختار السيّد الأستاذ- أنّ من صدر منه القذف بمجرّده لا تقبل منه الشهادة إلى الأَبد، فتأمّل في الآية. (المقرّر).
(2) لا بد أن يكون المقصود هو أن يجمع هؤلاء دون غيرهم، وإلّا فإنَّ مثل لفظ الناس والبشر يكون شاملاً لهم جميعاً، إلّا أنّه لا يخفى أنَّ عدم وجود مثل ذلك الجامع لا يمنع المتكلّم من توحيد موضوع كلامه لو أراد، مثلاً: يقول: (أكرم من اذكرهم لك، وهم العلماء والتجار) ونحوه. لذا لا بد أن نتصوّر لتعدّد الموضوع في المقام فائدة أكثر من مجرّد السرد، ومع احتماله لا يمكن أن ترجع هذه الجمل المتعدّدة إلى جملة واحدة، كما يقول السيّد الأستاذ، فلاحظ. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
العلماء والتجّار والهاشميين، ولذا فقد عبّر عنها بعبارات مختلفة، فالظاهر في مثل ذلك أنّ الاستثناء يرجع إلى الجميع، فيكون الجميع محكومين بهذا الحكم إلّا الفاسقين.
نعم، لو كرّر المحمول، نحو: (أكرم العلماء والهاشميين، وأكرم التجار) فإنّ التكرار قرينة على الفصل واستئناف كلام جديد، والاستثناء يرجع إلى ما كرّر فيه المحمول وما بعده.
ومن هنا يظهر الحال في القسم الثالث، وهو ما إذا تعدّد الموضوع والمحمول، نحو: (أكرم العلماء وأضف الهاشميين إلّا الفاسق منهم) فهنا جملتان مستقلّتان، وكل جملة مستقلّة عن الأخرى، فالمخصّص يرجع إلى الأخيرة فحسب، ورجوعه إلى غيرها يحتاج إلى دليل.
هذا تمام كلامنا في الجمل المتعددة المتعقبة بالاستثناء، ويلحق الاستثناء بالحكم كلّ ما أتى به المتكلّم في الكلام، إذا كانت هناك جمل متعدّدة وتعقّبها بقيد واحد، فالكلام فيها هو الكلام بعينه.
ــــــــــ[208]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
تخصيص الكتاب بخبر الواحد
ــــــــــ[209]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وهذه المسألة معنونة في كلمات القدماء من أصحابنا(1)، وكذلك بحثها المتأخرّون(2) يداً بيد. ولكن لم يوجد في مسألة من المسائل الفرعيّة أيّ تأمّل في تخصيص الكتاب بخبر الواحد إذا قلنا بحجّيّته، فإنّ أصل حجّيّة خبر الواحد محلّ خلاف وإشكال، حيث نقل عن السيّد المرتضى(3) وغيره(4) عدم القول بحجّيّته، وعليه: فمن المعلوم أنّه لا يجوز تخصيص الكتاب به، لأنَّه من مقابلة الحجّة بغير الحجّة، ولا يمكن رفع اليد عن الحجّة بغير الحجّة.
وأمّا إذا كان خبر الواحد حجّة، فلم نجد في أصحابنا من ذهب إلى عدم جواز تخصيص الكتاب به، ولعلّ عنونة المسألة من جهة ذهاب بعض العامّة(5)
ــــــــــ[211]ــــــــــ
(1) انظر: تهذيب الوصول إلى علم الأُصول: 148، زبدة الأُصول: 340، العدّة في أُصول الفقه 1: 342،341.
(2) انظر: أَنيس المجتهدين 2: 807، بدائع الأفكار:436، القوانين 2: 159، كفاية الأُصول: 235.
(3) انظر: الذريعة 1: 280.
(4) انظر: السرائر 1: 408.
(5) انظر: العدّة في أُصول الفقه 1: 344.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إلى ذلك، فكأنَّ الخلاف معهم. ولكن الخاصّة لم تعرف في ذلك خلافاً في العبادات وفي المعاملات، ولم يتوقّف في جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، بناءً على حجّيّة ظواهر الكتاب.
نعم، نسب إلى بعض العامّة، وهو الباقلاني(1)، التوقّف في حجّيّة خبر الواحد، إذا كان مخالفاً لعموم الكتاب، فلم يذهب إلى جواز التخصيص ولا إلى عدمه، وإنّما توقّف في ذلك(2).
وذهب بعضهم إلى الجواز فيما إذا كان عموم الكتاب مخصّصاً بمخصّص قطعيٍّ متّصلٍ أو منفصلٍ، إذ نعلم أنّ العموم ليس مراداً، فبعد ذلك إذا ورد خبر مخصص أخذنا به. وأمّا إذا لم يكن العامّ الكتابي مخصصاً بمخصص قطعي لا متّصل ولا منفصل، فإنّه لا يمكن تخصيصه بخبر الواحد، فكما لا يمكن نسخه بخبر الواحد كذلك لا يمكن تخصيصه به، وهذا القول نسب إلى عيسى بن أبان(3) من علمائهم.
وهذا كأنّه مبني على ما تقدّم من أنّ تخصيص العامّ يلازم مجازيته، فإنَّ العامّ إذا لم يكن مخصّصاً بمخصّصٍّ متّصلٍ ولا منفصلٍ. إذن، فهو مستعمل في معناه الحقيقي، ولا يمكن رفع اليد عن ذلك بخبر الواحد على ما سيجيء من
ــــــــــ[212]ــــــــــ
(1) انظر: شرح مختصر المنتهى الأصولي 3: 74.
(2) نقل ابن برهان عن القاضي قولاً آخر، حاصله: لا يعمل بخبر واحد، ويعمل بالعامّ فيما عدا هذا الفرد الذي حصل فيه التعارض. أصول الفقه 2: 336.
(3) انظر: أصول الفقه 2: 335.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الوجوه، وأمّا إذا كان مخصّصاً بمخصّص متّصلٍ أو منفصلٍ فقد علمنا باستعمال العامّ في المعنى المجازي، فحينئذٍ لا مانع من تخصيص الكتاب بخبر الواحد، وبما أنّ مراتب المجاز مختلفة، فإذا لم يكن عندنا خبر الواحد نعمل بكلّ الباقي(1)، وإلّا فنعمل بغير ما خرج بالتخصيص.
وهنا تفصيل آخر نسب إلى الكرخي(2)، بين المخصّص المتّصل والمنفصل، فإذا كان الكتاب مخصّصاً بمخصّصٍّ متّصل فإنّه لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد، وإذا كان مخصّصاً بمخصصٍّ منفصلٍ قطعيٍّ فإنّه يجوز ذلك.
وهذا أيضاً مبنيٌّ على ما تقدّم، ولكن في موارد التخصيص المتّصل لا يكون الاستعمال مجازياً، إذ تكون دائرة العموم ضيّقة في أوّل الأمر، فحال المخصّص المتّصل حال عدم التخصيص، أي: هما سواء من ناحية الاستعمال في المعنى الحقيقي، ولكن إذا كان مخصّصاً بمخصّصٍ منفصلٍ قطعيٍّ، فإنّه يكشف عن أنّه استعمل في المعنى المجازي، وحينئذٍ لا مانع من تخصيصه بخبر الواحد.
فكأنّ عيسى بن أبان ذهب إلى أنَّ التخصيص مطلقاً يوجب المجازيّة، بمتصل كان أو بمنفصل، ولكن الكرخي ذهب إلى أنَّ المخصّص المتّصل لا يوجب استعمال العامّ في المعنى المجازي، إذ لا يمكن تخصيصه بخبر الواحد، وأمّا في المخصّص المنفصل فيوجب المجازيّة، فلا يبقى مانع عن تخصيص العامّ الكتابي بخبر الواحد. هذه هي الوجوه التي ذكرت في المسألة.
ــــــــــ[213]ــــــــــ
() بعد التخصيص القطعي. (المقرّر).
(2) انظر: أصول الفقه 2: 336.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وكأنَّ هذه المسألة عقدت لأجل مخالفة العامّة، وإلَّا فبالنسبة إلى الخاصّة لم نجد خلافاً في أيّ فرعٍ من فروع الفقه، بأنّه لو كان هناك عامٌّ كتابيٌّ وكان هناك مخصّصٌ على خلافه، فبعد الفراغ عن حجّيّة خبر الواحد لم نجد خلافاً في الأخذ بالخبر، وهذا هو الصحيح بلا فرق بين أن يكون العامّ مخصّصاً بمتّصل، أو بمنفصلٍ، أو غير مخصّصٍ.
ــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إنَّ خبر الواحد مهما بلغ المخبر من الوثاقة والصدق، فهو لا محالة دون العصمة، بل حتّى لو فرضنا القطع بصدقه، فمع ذلك إذا لم يكن بمعصوم فهو غير مأمون من الغفلة والخطأ، غايته: أنّه لا يكذب عمداً، وأمّا الاشتباه والغفلة فهي محتملة في حقّه. إذن، فيحتمل في خبره مخالفة الواقع، فهو محتمل الصدق والكذب، كذباً خبريّاً لا مخبريّاً، على أنَّ الكذب المخبري أيضاً موجود في كثير من الرواة -وإن ثبتت عدالتهم- في إحدى نقاط الضعف في حياتهم.
ولكن الكتاب مقطوع الصدور من النبيّ عن الله سبحانه، فكيف يمكن رفع اليد عن القطعي بما هو غير قطعي ومحتمل المخالفة للواقع. هذا أمر لا يرتكبه العاقل.
وهذا الكلام بظاهره جميل جدّاً، فإنّ صدور الكتاب قطعي، وهو حجّة على الخلق أجمعين، فكيف يمكن أن نرفع اليد عنه برواية زيد أو عمر الذي يحتمل فيه الخطأ أو الكذب؟ هكذا قالوا.
والجواب عنه ظاهر بأدنى تأمّل، وهو أنَّ الكتاب قطعي من جهة ألفاظه لا من جهة معانيه، وأمّا أنَّ المراد الجدّي هو العموم أو ليس كذلك، فهذا أمر غير
ــــــــــ[215]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
معلوم، وإنّما ثبت بالسيرة العقلائيّة حجّيّة العموم ما لم تثبت قرينة على خلافه، وهذه السيرة ممضاة من قبل الشارع.
فالذي هو قطعي لا نرفع اليد عنه وهو ألفاظ الكتاب، والذي نرفع اليد عنه وهو العموم غير قطعي، وإنّما هو أمر مشكوك فيه قد ثبتت حجّيّته بالسيرة العقلائيّة، وإنّما نرفع اليد عنه بحجّةٍ قطعيّةٍ ثبتت حجّيّتها بالسيرة العقلائيّة أيضاً، فنحن لا نرفع اليد عن القطعي، وإنّما نرفع اليد عن الحجّة في نفسه لولا أن تقوم على خلافه حجّة قطعيّة ثابتة، فتكون قرينة على تلك الحجّة فيؤخذ بها، وتلك الحجّة الأخرى هي خبر الواحد.
بيان ذلك: أنَّ السيرة إذا لم تكن قائمة على حجّيّة خبر الواحد، وإنّما نحن سمعنا المخصّص من الإمام بنفسه وشخصه، فهل يشك في مثل ذلك بلزوم رفع اليد عن العموم الكتابي، وكون هذا المخصّص حجّة وقرينة على خلافه، فإذا فرضنا أنّه ليس قطعي الصدور، ولكنّه مقطوع الحجّيّة، يعني: هو بمنزلة العلم، وكانت السيرة العقلائيّة قائمة على العمل بهذا الخبر، وهي سيرة ممضاة لا محالة. إذن، فعموم الكتاب الذي كانت حجّيّته ثابتة بالسيرة لا تكون ثابتة في مثل ذلك، فإنّه لا يمكن من العقلاء قيام سيرتين متناقضتين، فإذا فرضنا أنَّ حجّيّة العامّ ثابتة بالسيرة، وفرضنا أن حجّيّة الخبر الواحد ثابتة بها أيضاً، فمع وجود خبر الواحد المخصّص ليست السيرة قائمة على العمل بالعموم قطعاً، فنرفع اليد عن العموم، فلا دليل على حجّيّة عموم الكتاب مع وجود القرينة على خلافه.
ــــــــــ[216]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
نعم، العموم حجّة في نفسه لولا المخصّص، ولكن مع وروده لا دليل على حجّيّة العموم، وقد فرضنا أنّنا لا ندري بالمراد الجدّي ما هو؟ هل هو العموم أو الخصوص، فلا بُدَّ من إثبات حجّيّة هذا العامّ من التمسّك بدليل، وليس هو إلّا السيرة العقلائيّة، والمفروض أنّها غير جارية عند وجود القرينة على الخلاف، والخبر قرينة بمقتضى السيرة أيضاً، لأنّه من جهة الدلالة أقوى، ومن جهة السند مقطوع الصدور تعبّداً لا وجداناً. إذن، أصالة العموم لا تكون حجّة.
فما ذكر في الوجه من أنّه لا يرفع اليد عن القطعي بغير القطعي فيه مغالطة واضحة، فإنَّ القطعي هو الألفاظ دون المعاني، ونحن لا نرفع يدنا عن الألفاظ، وإنّما نرفع اليد عن غير القطعي بغير القطعي، فنرفع اليد عن الحجّيّة بحجّة أقوى. والحجّة الأولى ليس عليها دليل مع وجود هذه الحجّة.
ذكروا أنَّ خبر الواحد إذا كانت حجّيّته مطلقة، حتّى فيما إذا كان على خلاف الكتاب لم يكن مانع من أخذه وتخصيص الكتاب به، ولكن لم يدلّ على حجّيّته دليل إلّا الإجماع، والقدر المتيقّن من الإجماع هو الخبر الذي لا يكون على خلاف الكتاب، وأمّا غيره فلا إجماع عليه، فلا يكون حجّة. إذن، لا يمكن رفع اليد عن عموم الكتاب بخبر الواحد، لا رفع اليد عن الحجّة بما لم تثبت حجّيّته.
إلّا أنَّ هذا الوجه أيضاً واضح الدفع، فإنَّ الدليل على حجّيّة خبر الواحد ليس هو الإجماع، بل عمدة الدليل عليه هو السيرة العقلائيّة القائمة على
ــــــــــ[217]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الأخذ به بلا فرق بين أن يكون على خلافه عامٌّ كتابيّ أو لم يكن، وهذه السيرة المؤيّدة بالآيات والروايات الدالّة على حجّيّة خبر الواحد، فيجوز رفع اليد عن عموم الكتاب بخبر الواحد الذي ثبتت حجيّته بالأدلة القطعية على ما سوف يأتي في محلّه(1).
إنَّ الروايات الواردة عن المعصومين في عرض الروايات على الكتاب والسنّة، وهي مستفيضة ولا يبعد التواتر الإجمالي فيها، وأنَّ ما يحكى عنهم لا بد من عرضه على الكتاب والسنة فيما كان مخالفاً ولم يكن موافقاً لها، فيطرح أو يضرب عرض الجدار أو أنّهم لم يقولوه أو زخرف أو باطل ونحو ذلك من العناوين، وهذه الروايات لا شكّ في صدورها عن المعصومين، فإذا كانت الروايات مخالفة لعموم الكتاب، فيصحّ أن يقال: إنّها مخالفة لها فتكون زخرفاً وباطلاً وتضرب عرض الجدار. إذن، لا يمكن تخصيص الكتاب بخبر الواحد من جهة هذه الروايات وإن كان في نفسه لا مانع منه. هكذا قالوا.
وللكلام صورة كما كان الوجه الأوّل كذلك، ولكن بعد التأمّل يظهر بأنَّ الروايات المخالفة بنحو الإطلاق والتقييد، والعموم والتخصيص غير مندرجة تحت هذه الروايات الناهية، وذلك من جهة العلم بصدور روايات مخالفة للكتاب بهذا المعنى، يعني: مخصّصة له أو مقيّدة، ولو بنحو الخبر القطعي المتواتر، فكيف يمكن أن يقال: أنّه زخرف وباطل؟!
ــــــــــ[218]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الأصول 47: 178 – 251.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بل هذه الروايات في مقام نفي صدور شيء منهم على خلاف الكتاب وسنّة النبيّ، فإنَّ الأئمّة مبيّنون لأحكام الكتاب والسنّة، ولا يصدر منهم المخالفة لها، فالمراد بالمخالفة وعدم الموافقة ليس هو المخالفة صورة وما يعدّ في نظر العرف أحد الأمرين قرينة على الآخر، لا يعدّ من المخالفة في شيء، فإنَّ الخاصّ لا يكون مخالفاً للعامّ، وإنّما هو قرينة على المراد منه، فتحمل المخالفة بنحو التباين أو بنحو العموم من وجه بحيث تقع المعارضة بينهما، وهذا كان كثيراً في زمان الصادقين فإنّه كان جملة من أصحابهما يضعون الأحاديث وينسبونها إليهما، وكان جملة منها مخالفة لنصّ الكتاب. ولذلك وضعوا قانوناً كلّيّاً في أن يعرض الخبر على الكتاب، فكلّ ما خالفه لا يصدق.
وإلّا لو كان المراد من المخالفةِ المخالفة الصوريّة مع كون أحدهما قرينة على الآخر ومعيّناً للمراد، فهذا نعلم بصدوره من المعصومين كثيراً، وأبواب الفقه مملوءة من التخصيصات والتقييدات للكتاب، فلو كانت المخالفة شاملة لمثل ذلك لزم التخصيص في هذا اللسان، مع أنّه غير قابل للتخصيص، بأن يقال: إنَّ كلّ ما خالف كتاب الله فهو زخرف إلّا كذا وكذا، فتحمل المخالفة على المعارضة والتنافي بنحو يستلزم نفي الآخر، وهذا لا يصدق إذا كان معارضاً للكتاب بهذا النحو، والذي يدلّنا على ذلك مضافاً إلى العلم الخارجي بصدور أحكام كثيرة ومقيّدات ومخصّصات كثيرة منهم لإطلاق الكتاب، وأنّ هذه الروايات غير قابلة للتخصيص.
مضافاً إليه يدلّنا على ذلك ما ورد من عرض الأخبار المتعارضة على
ــــــــــ[219]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الكتاب، وأنَّ ما خالف الكتاب يطرح وما وافق الكتاب يؤخذ به، يعني: تكون المخالفة والموافقة له ميزاناً للترجيح، فهذه الروايات العلاجيّة وإن كان أكثرها ضعيف السند، إلّا أنّ فيها صحيحاً وهي رواية القطب الراوندي في الترجيح بموافقة الكتاب، هذا يدلّنا على أنّ كلّا الخبرين كان حجّة في نفسه، الموافق والمخالف، ويسأل الراوي عن الترجيح، والإمام أقرّه على ما اعتقده في مقام العمل، فهذه المخالفة المذكورة في الأخبار العلاجيّة غير المخالفة التي تسقط الخبر عن الحجّيّة رأساً، وتلك المخالفة لا بد أن تكون بنحو العموم والخصوص، كما إذا ورد عموم كتابي وخبر مخصّص له، إلّا أنَّ هذا المخصّص مبتلى بالمعارض، فنأخذ بمعارضه لأنّه موافق للكتاب، ونطرح المخصّص لأنّه مخالف له، فهذه الروايات ترشدنا إلى عدم رفع اليد عن الرواية لمجرّد مخالفة الكتاب من دون معارض.
إذن، لا مناص من حمل المخالفة على نحو يستلزم ثبوت أحدهما نفي الآخر على نحو التعارض.
ذكروا أنّ النسخ مّما تسالم عليه جميع علماء الإسلام السنّة والشيعة، فاتفقوا على أنَّ الكتاب لا ينسخ بخبر الواحد، كما سيجيئ عنه الكلام(1)، فإنّ النسخ لا يكون من البداء المستحيل على الله (عزّ وجلّ) فإنّه ليس معناه: أنَّ الحكم جعل أوّلاً على نحو العموم لجميع البشر في جميع الأزمنة، ثُمَّ بدا لله شيءٌ آخر، فرفع
ــــــــــ[220]ــــــــــ
(1) انظر الصفحة: 183.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الحكم عن الأشخاص المتأخّرين، فاختصّ الحكم بالمتقدّمين، فإنَّ البداء ورفع الحكم بعد ثبوته غير معقول بالنسبة إلى الله تعالى العالم بالواقعيّات. إذن، فيستكشف من النسخ أنَّ الحكم في الواقع كان محدوداً لأمد معيّن وإن كان بحسب الظاهر عامّاً إلى جميع الأزمنة، فالنسخ تخصيص بالزمان كما كان التخصيص المصطلح تخصيصاً بالإفراد.
فإذا لم يمكن نسخ الكتاب بخبر الواحد الذي هو تخصيص في الأزمان، كذلك تخصيصه بخبر الواحد، فإنّه مثله في كونه تخصيصاً.
أحدهما: بالنسبة إلى الزمان، والآخر: بالنسبة إلى الأفراد، ولو أمكن التخصيص لأمكن النسخ أيضاً. إلّا أنَّ هذا باطل جزماً.
ــــــــــ[221]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
دوران الأمر بين النسخ والتخصيص
ــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
قد يفرض أنَّ الترديد بين كون شيء مخصّصاً أو ناسخاً، ففي مثل ذلك نحتمل أن يكون العامّ منسوخاً والخاصّ ناسخاً، وفي مثله لا أثر للنزاع في الزمان الذي ورد فيه الخاصّ وما بعده، فإنّه على كلا التقديرين لا بد أن يكون العمل على طبق الخاصّ سواء كان مخصّصاً أو ناسخاً، وإنّما الأثر يظهر بالنسبة إلى الزمان المتقدّم الفاصل بين ورود العامّ وورود الخاصّ، فإذا قلنا: بالنسخ فيكون مورد الخاصّ محكوماً بحكم العامّ قبل هذا الزمان، وإن قلنا: بالتخصيص فلم يكن محكوماً من أوّل الأمر، فيدور الأمر بين أن يكون الخاصّ مخصّصاً أو ناسخاً.
وقد يفرض ترديد الأمر بين أن يكون الخاصّ مخصّصاً أو منسوخاً، كما لو كان الخاصّ صادراً قبل العامّ، فيحتمل أن يكون الخاصّ المتقدّم مخصّصاً للعام المتأخّر، فحكم العامّ لا يكون شاملاً لمورد الخاصّ. ويحتمل أن يكون ناسخاً له، ولا بُدَّ بعد ذلك أن يكون العمل على طبق العامّ لا الخاصّ، وهذا يظهر أثره بعد ورود العامّ، فإنّه قبل ذلك لا بد من العمل على طبق الخاصّ، سواء كان العامّ ناسخاً أو مخصّصاً، ولكن بعد صدور العامّ لا ندري هل العمل على طبق الخاصّ في مورده إذا كان مخصّصاً أو على طبق العامّ إذا كان ناسخاً؟
ــــــــــ[225]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ثُمَّ إنَّ محل الكلام لا بد وأن يفرض في مورد يكون كلّاً من الأمرين محتملاً في نفسه، فيحتمل أن يكون ناسخاً أو منسوخاً أو مخصّصاً، وأمّا في مورد لا يحتمل فيه النسخ فيتعيّن التخصيص، أو لا يحتمل التخصيص فيتعيّن النسخ، ولأجل ذلك لا بد من دراسة في صور هذه المسألة لنرى أنّه في أيّ صورة يحتمل الأمرين معاً، وفي أيّ صورة لا يحتمل النسخ، أو لا يحتمل التخصيص.
فإذا فرضنا أنَّ العامّ والخاصّ وردا في زمان واحد على نحو الاستثناء أو غيره، بكلمة (إلّا) أو غيرها، نحو: (أكرم كلّ العلماء إلّا الفساق) أو (لا تكرم الفساق من العلماء) ففي مثل ذلك يكون احتمال النسخ معلوم الانتفاء، فلا يحتمل نسخ الحكم عند تشريعه، وهذا أمر غير معقول، بل لا بد للنسخ من ثبوت الحكم في زمان ولو كان قليلاً، وأمّا نسخه في حين حدوثه، يعني: إثباته ونفيه في زمان واحد فهو أمر غير معقول، هذا بالنسبة إلى النسخ المصطلح بمعنى رفع الحكم بعد ثبوته.
وأمّا النسخ بالمعنى اللغوي، وهو بمعنى الإزالة، ويكفيه وجود المقتضي أيضاً، ففي التفسير المنسوب إلى ابن عباس -وإن كان لا أساس له- يطلق كثيراً على الاستثناء عنوان النسخ، لا أنّه مخصّص وإن كان متّصلاً.
فكلامنا ليس بهذا المعنى اللغوي، فإنّ استعماله صحيح حتّى في المتّصل، فيصح أن يقال: إنّه رفع حكم العامّ باعتبار أنَّ المقتضي لثبوت الحكم ثابتٌ، وهو عموم العامّ فرفعه المخصّص، كما قلنا في حديث الرفع (رفع ما لا
ــــــــــ[226]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
يعلمون)(1) إنّه ليس معناه ما كان ثابتاً في الشريعة فرفع، بل كان المقتضي موجوداً فمنّ على الأمّة ورفع هذا الحكم، فليس الكلام في النسخ بهذا المعنى.
بل الكلام في النسخ المصطلح وهو رفع الحكم بعد ثبوته في زمان كثيراً كان أو قليلاً، وهو لا يتصوّر في زمان واحد، بل يتعيّن التخصيص، بل لا بد هنا من فرض الفاصل الزماني بين الخاصّ والعامّ، وهذا يكون بتقدّم الخاصّ على العامّ تارة والعكس أخرى، وعلى كلا التقديرين تارة يكون المتأخّر -إمّا العامّ أو الخاصّ- وارداً قبل حضور وقت العمل أو يكون بعده، فهذه صور أربعة، لا بد أن نتكلّم في كلّ صورة بشكلٍ مستقلٍّ.
ــــــــــ[227]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
لو فرضنا أنَّ العامّ ورد أوّلاً، وقبل حضور وقت العمل ورد خاصّ، فهل يكون هذا الخاصّ مخصّصاً للعام أو ناسخاً له؟ كما لو ورد كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ(1) وفرضنا أنّه قبل أنّ يأتي شهر رمضان ورد دليل أنَّ المسافر لا يجب عليه الصيام، ففي مثل ذلك لا يدور الأمر بين التخصيص والنسخ ولا يحتمل النسخ، إذ لا معنى لنسخ الحكم قبل حضور وقت العمل به، إذ لو كان الحكم مجعولاً على نحو العموم، فكيف يجعله وهو يعلم أنّه يرفعه، وهذا يصبح لغواً محضاً. نعم، في الموالي العرفيّة يمكن البداء فيجعل العامّ، ثُمَّ يندم ويلتفت أنّه لم يكن ملتفتاً إلى جميع الجهات.
أمّا بالنسبة إلى العالم بجميع الجهات المحيط بكل الخصوصيات، فلا يمكن النسخ قبل حضور وقت العمل، لأنّه إن لم يكن الحكم ثابتاً عن مصلحة، فكيف يجعل؟! وإن كان مشتملاً على مصلحة، فكيف يرفع؟
وكذلك مثل قوله تعالى: وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا(2) فإذا فرضنا أنّه رفع الحكم عن العبد أو عن الصغير وغيرهم مّمن لا
ــــــــــ[228]ــــــــــ
(1) البقرة: 183.
(2) آل عمران: 97.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
يجب عليهم الحجّ فيتعيّن فيه التخصيص، ولا يمكن أن يكون هذا ناسخاً.
وذكر شيخنا الأستاذ(1) أنَّ النسخ قبل حضور وقت العمل يمكن أن يكون في القضايا الحقيقيّة غير الموقّتة، فإنّه في الموقّتات كالأمثلة السابقة في الصوم والحجّ لا يمكن النسخ، وكذلك في القضايا الخارجيّة، نحو: (أكرم زيداً يوم الجمعة) ثُمَّ ينسخ قبل مجيء يوم الجمعة، وأمّا القضايا الحقيقيّة فجعلها لا يدور مدار وجود الموضوع خارجاً، بل الموضوع مقدّر ومفروض في مواردها، فأيّ مانع من جعل الحكم على نحو القضيّة الحقيقيّة مفروض الوجود، وقبل أن يتحقّق هذا في الخارج ينسخ هذا الحكم؟
ورتّب جواز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه عليه، فإنّ القضايا الحقيقيّة لا يدور جعلها مدار وجود الموضوع فيها.
وقد ذكرنا في ذلك البحث أنَّ هذا فيه تفصيل، وذلك: فإنّه قد يكون هذا الجعل له أثر في الخارج، ولا يكون لغواً، ولو فرضنا أنّ الموضوع لا يتحقّق في الخارج، فهذا كما ذكره أمر ممكن، فإنّه قد يكون الحكم موضوعاً بنحو الحقيقة، ويكون نفس هذا الجعل سبباً لعدم الموضوع في الخارج، نحو: (من قتل يقتل) فإنَّ نفس هذا الجعل يمنع من أن يقتل أحد غيره لأنّه يقتل، وهذا الجعل لا يكون من اللغو، فإنّه مبنيٌّ على الحكمة والصلاح، فيصحّ أن يكون
ــــــــــ[229]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 516.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
هذا الأمر موجوداً في الخارج، وفي مثل ذلك: يكون الجعل صحيحاً، والنسخ أيضاً صحيحاً، فلو نسخه قبل وجود القتل في الخارج كان ذلك ممكناً.
وأمّا لو فرضنا أنّ عدم الموضوع غير مستند إلى هذا الحكم، بل كان لا يوجد بطبعه، فالمولى يأمر بشيء لا يوجد في الخارج أبداً، فهذا ليس إلَّا من اللغو الظاهر، حتّى في القضايا الحقيقيّة، فإنّه إذا علم أنّه لا يوجد بطبعه فما معنى جعل الحكم؟ إذ لا أثر لوجود هذا الحكم وإن كان على نحو القضيّة الحقيقيّة. فمثل هذا الحكم نسخه قبل زمان العمل به الحال فيه كالحال في جعل الحكم مع العلم بعدم وجود موضوعه.
فالصحيح أن يقال: في غير الأحكام التي بنفسها تكون موجبة لعدم موضوعها في الخارج، وهو ما إذا فرضنا أنّ الحكم لا أثر له، وكان وجوده وعدمه سيّان، فإنّه وإن كانت القضيّة حقيقيّة ولا تتوقّف على وجود الموضوع الخارجي، إلّا أنّه لا يصحّ النسخ قبل مجيء وقت العمل، فإنّه لغو ظاهر.
ففي هذه الصورة يتعيّن أن يكون مخصّصاً ولا يحتمل فيه النسخ أبداً، ويستكشف بذلك أنَّ الخاصّ لم يكن محكوماً بحكم العامّ من أوّل الأمر. فهذه الصورة لا تدخل في محلّ النزاع.
ــــــــــ[230]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذا ورد العامّ وحضر وقت العمل وعمل المكلّفون به، ثُمَّ ورد الخاصّ، فقالوا(1): إنَّ هذا الخاصّ يتعيّن في النسخ، ولا يمكن أن يكون مخصّصاً، وإلّا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو قبيح على الحكيم، فكيف يبيّنه على العموم، والمفروض أنّه ليس كذلك، ففي مثل ذلك لا بد من الالتزام بالنسخ حتّى لا يلزم المحذور، فالحكم إلى زمان ورود الخاصّ كان ثابتاً عاماً في الواقع، ثُمَّ نسخ. هكذا قالوا.
ولكن بناءً على ذلك يقع القائل بذلك في مشكلة عويصة، وهي: أنَّ التخصيصات في الروايات عن الأئمة المتأخّرين فوق حدِّ الإحصاء، ولا سيمّا في زمان الصادقين ومن بعدهما من الأئمّة، فإنّه قد يكون العامّ الصادر كتابيّاً أو نبويّاً أو عن أمير المؤمنين أو الحسن أو الحسين ويرد التخصيص من الباقر أو الصادق أو مّمن بعدهما، وهذه التخصيصات وردت بعد حضور وقت العمل، فإذا كان تأخير البيان عن وقت الحاجة قبيحاً، فلا بُدَّ من الالتزام أنَّ هذه التخصيصات كلّها نواسخ، وهذا لا يمكن.
وذلك: لا لأجل أنّ النسخ لا يتصوّر بعد زمان النبيّ، بل النسخ
ــــــــــ[231]ــــــــــ
(1) انظر: معارج الأصول: 145.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ممكن بعد زمانه أيضاً -وإن كان الوحي قد انقطع- إذ يمكن أن يكون النبيّ قد أخبر وصيّه وهو أمير المؤمنين وأمير المؤمنين أخبر وصيَّه وهكذا، بأنَّ هذا الحكم محدود إلى زمان كذا، فالإمام الصادق لا يكون ناسخاً، بل مبيّن للنسخ، وهذا لا محذور فيه، فانقطاع الوحي لا يستلزم عدم النسخ بعد النبيّ.
بل عدم إمكانه لأجل أنّه لا يمكن الالتزام بالنسخ بهذه الكثرة، فإنّ معناه: أنَّ أكثر ما ورد في الشريعة من الأحكام في زمان النبيّ قد نسخت في زمان الصادقين أو من بعدهما، وهذا لا يمكن الالتزام به، والمفروض أنَّ التخصيص أيضاً لا يمكن للزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلأجل هذا يقع القائل بهذا الكلام في عويصة وإشكال بعد أن كان الالتزام بالتخصيص فيه محذور، والنسخ فيه محذور أيضاً.
فكما لا يمكن الالتزام بالتخصيص لما تقدّم من لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإنّه قد مضى على وقت الحاجة سنين كثيرة، كذلك لا يمكن الالتزام بالنسخ أيضاً بعد النبيِّ لانقطاع الوحي، إذ لا مانع منه باعتبار أنَّ النبيَّ قد أخبر أمد الحكم وأنّه محدود بحدٍّ خاصٍّ، فيبرزه إمام من المعصومين، فالنسخ لا يستلزم نزول الوحي حتّى يقال إنّه إذا انقطع لا يمكن النسخ.
إلّا أنّ الالتزام بأنَّ كثيراً من الأحكام قد نسخت في المعصومين فيه من البعد ما لا يخفى، فكيف يمكن أن يقال: إنَّ أكثر الأحكام التي أتى بها
ــــــــــ[232]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
النبيُّ محدودة بحدٍّ خاصٍّ وقد نسخت بعده، فلا يمكن الالتزام بكون هذا الخاصّ ناسخاً ولا مخصّصاً.
وقد أجاب عن هذا شيخنا الأنصاري(1) على ما في تقريراته، وتبعه صاحب الكفاية(2): أنَّ العامّ المتقدّم إذا كان متكفّلاً لبيان الحكم الواقعي، وكان مطابقاً للإرادة الجدّية فتأخير البيان عن وقت الحاجة قبيح، فكيف يؤخّر البيان حتّى يقع المكلّف في خلاف الواقع؟!
وأمّا إذا كان العامّ متكفّلاً لبيان الحكم الظاهري لكي يبقى الحكم على طبق العامّ قانوناً ليرجع إليه المكلّف في ظرف الشكّ، ولكن المراد الجدّي ليس على طبق العموم، بل المراد منه بعض الأفراد، فبالنسبة إلى الحكم الواقعي يكون مخصّصاً، والمفروض أنّه لم يبيّن، وبالنسبة إلى الحكم الظاهري ناسخاً لأنَّ حدَّه قد انتهى، وهذا لا قبح فيه، فإنَّ القبح فيما إذا كان المتكلّم في مقام بيان الحكم الواقعي، ومع ذلك يؤخّر بيان مراده عن وقت الحاجة، وأمّا إذا كان في مقام بيان الحكم الظاهري في فرض الشكّ ليرجع إليه المكلّف فلا قبح في تأخير البيان.
فنلتزم أنّ العمومات الكتابيّة، والنبويّة، ونحوها لم ترد لبيان الحكم الواقعي، حتّى يكون تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة، بل لأجل بيان الحكم الظاهري وحينئذٍ لا قبح، فإنَّ الخاصّ بالنسبة إلى الحكم الظاهري ناسخاً
ــــــــــ[233]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار: 228، 229.
(2) انظر: كفاية الأصول: 238.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بلحاظ أنَّ موضوعه يرتفع، وهذا لا قبح فيه.
وقد ذكرنا فيما تقدّم أنَّ التخصيص لا يكون كاشفاً عن استعمال العامّ في غير هذا المقدار ليكون مجازاً، بل قلنا: إنّه مستعمل في العموم، وقد تكون الإرادة الجدّية مطابقة للإرادة الاستعماليّة وقد لا تكون.
وهذا الكلام وإن كان صحيحاً إلّا أنّه غير مفيد في المقام، بدعوى: أنَّ العامّ المتكفّل لبيان الحكم الظاهري وبيان الإرادة الاستعماليّة دون الجدّيّة لا أثر له، وذلك: لأنَّ المتكلّم إذا نصب قرينة على أنَّ الإرادة الجدّيّة تغاير المراد الاستعمالي، فحينئذٍ لا يمكن التمسّك بالعامّ عند وقت الشكّ في وقت التخصيص، إذ الفرض أنّه لا يريد العموم، وإنّما استعمله بداع آخر فلا يكون العموم حجّة، ولا يمكن الرجوع إليه، فإنّه غير كاشف على الفرض.
أمّا إذا لم ينصب قرينة على ذلك فمقتضى بناء العقلاء أنَّ المراد الجدّي مطابق للمراد الاستعمالي، وأنّ الكلام صدر عن الإرادة الجدّيّة، وهو معنى بيان الحكم الواقعي فيكون تأخير البيان عن وقت الحاجة على ما ذكروه.
وأمّا إن قلنا بحجّيّة العمومات وكونها صادرة عن الإرادة الجدّيّة فيكون تأخير الخاصّ تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة فيكون قبيحاً، فهذا البيان لا يرجع إلى محصّل.
والصحيح في الجواب عن الإشكال أن يقال: إنّه لا مانع عن الالتزام بأنّ هذه الروايات كلّها مخصصات للعمومات السابقة، ولو وردت بعد زمان وقت العمل بالعامّ.
ــــــــــ[234]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
والوجه في ذلك: أنّا قد نفرض أنَّ العموم مشتمل على حكم غير إلزامي، والخاصّ مشتمل على حكم إلزامي، ففي مثل ذلك لا نرى قبحاً، إلّا أنّ المولى قد أوقع المكلّف في مفسدة وفوت عليه مصلحة، ففوّت عليه المصلحة التي كانت في الخاصّ إذا كان وجوبيّاً، أو إذا فرضنا أنَّ الخاصّ تحريمي فقد أوقع المكلّف في المفسدة، لأنَّه لم يبيّنه إلّا بعد وقت الحاجة، أمّا إذا أتى بعامٍّ إلزاميٍّ، وبعد ذلك أتى بشيءٍ ترخيصيٍّ، فليس هنا إلّا إيقاع المكلّف في الكلفة، فإنّ مورد الخاصّ كان مباحاً من الأوّل، ولكن العموم أوقع المكلّف في الكلفة إذ التزم بالإتيان بالمباح أو بتركه.
ولا نجد شيئاً صالحاً لأن يكون موجباً للقبح في تأخير البيان عن وقت الحاجة، إلّا أحد هذه الأمور:
الأمر الأوّل: تفويت المصلحة على المكلّف إذا كان العامّ ترخيصيّاً والخاصّ وجوبيّاً.
الأمر الثاني: إيقاعه بالمفسدة، إذا كان الخاصّ تحريمياً.
الأمر الثالث: إيقاعه في الكلفة فيما إذا كان العامّ إلزاميّاً والخاصّ ترخيصيّاً. فالقبح المتصوّر في المقام يستند إلى أحد هذه الصور.
ولكن من الواضح أنَّ هذه الأمور كلّها قبيحة، لكن ليس القبح في هذه الموارد على نحو لا يتخلّف، كما هو الحال في الظلم، فإنَّه قبحه غير قابل للتخصيص، وأمّا القبح في موارد الكذب أو قتل النفس المحترمة، فإنّه يمكن أن تكون هناك مصلحة أقوى من مصلحة الكذب، فيكون الكذب واجباً، كما
ــــــــــ[235]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
لو كان الكذب موجباً لإنجاء المؤمن من قتل أو ضرب، فيجوز الكذب بل قد يجب، أو إيذاء المؤمن من جهة النهي عن المنكر، بل قتل النفّس المحترمة كذلك في موارد الجهاد، إذا كان المسلمون قبال الكفار، وقد أخذوهم سترةً لهم، فيجوز قتلهم لأجل الغلبة على الكفار ودفع شرّهم، وغير ذلك من الموارد التي يكون فيها القبح طبعيّاً اقتضائيّاً، ويمكن أن يرتفع لأمر آخر أهمّ منه.
ففي المقام لو فرضنا أنَّ تأخير بيان المخصّص فيه مصلحة أقوى، أو كان التقديم فيه مفسدةٌ فأيَّ مانع من ذكر العامّ، ولماذا يؤخّر البيان والمخصّص إلى ما بعد وقت العمل؟ فلا مانع من تأخير البيان عن وقت الحاجة.
ومقامنا من هذا القبيل، فنلتزم أنَّ الروايات كلّها مخصصة للعمومات السابقة، ولكن المصلحة اقتضت تأخير البيان عن وقت الحاجة، أو كانت مفسدة في التقديم.
ويؤكّد أنّها من باب المخصّصات ما ورد من الروايات من أنَّ كلّ ما يسمع من أحد الأئمة يجوز نسبته إلى إمام آخر، فإذا صدر من الرضا كلام يجوز أن يقال: إنَّ أمير المؤمنين قاله، لأنَّ كلّهم يصدرون عن حكم واحد، هذا يؤكّد أنّه ليس من باب النسخ بل من باب التخصيص إلّا أنّه لم يبيّن.
إذ مفسدة التقديم واضحة، فلو كانت الأحكام كلّها مجعولة من الأوّل، فلعلّه لا يدخل أحد في الإسلام، فالمصلحة الإلزاميّة (الإسلاميّة) اقتضت تأخير بيان الأحكام، فإذا كان تأخير بيان الحكم ممكناً لمصلحة في التأخير أو مفسدة في التقديم، فليكن التخصيص كذلك، ولا فرق بين التخصيص
ــــــــــ[236]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وغيره(1)، كما لا فرق بين طول الزمان وقصره، فإذا أمكن تأخير الأحكام عشرة سنين أمكن تأخيره مئة سنة أو أكثر، فإنَّه لا فرق في تأخير البيان عن وقت الحاجة بين طول الزمن وقصره، كما لا يفرق في تقدّم المصلحة الأقوى عليه بين طول الزمن وقصره، فلتكن التخصيصات كذلك، وقد اقتضت المصلحة الإلهيّة أن يبيّن التخصيص في زمان الصادق، وكون تأخيره تأخيراً عن وقت الحاجة لا ينافي ذلك، لأنَّه كان في تقديمه مفسدة أو في تأخيره مصلحة.
إذن، لا مانع من كون هذه المخصّصات الواردة عن المعصومين المتأخّرين مخصصات للعمومات السابقة، وإن كانت صادرة بعد وقت الحاجة، وهذا الكلام أولى مّما ذكره صاحب الكفاية تبعاً للشيخ الأنصاري.
ــــــــــ[237]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ هناك فرقاً كبيراً بين المقيس والمقيس عليه، فإنَّ تدريجيّة الأحكام في صدر الإسلام إنّما كانت قبل تماميّة الدين وإتمام النعمة، فكان الحكم قبل صدوره غير مجعول أصلاً، فلم يكن يصدق قبل صدوره وجود وقت للحاجة له، وعدم معلوميّة وجود الملاك حينئذٍ فيه. أمّا بعد تماميّة الدين فكانت جميع الأحكام مجعولة، فعند صدوره بعد مئة سنة يكشف عن تنجزّه على المكلّفين من الأوّل، فقد مضى زمان تحقّق فيه الموضوع ولم يكن الحكم موجوداً، فهذا البيان لسيّدنا الأستاذ لا وجه له، فأفهم. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذا فرضنا أنَّ الخاصّ متقدّم، والعامّ متأخّرٌ، وقد ورد العامّ قبل وقت العمل بالعامّ، فلا شكّ أنَّ الخاصّ المتقدّم مخصّص للعام المتقدّم، إذ لا يحتمل النسخ لأنَّ النسخ، قبل حضور وقت العمل غير معقول، فيكون الخاصّ المتقدّم مخصّصاً للعام المتأخّر، وهذا لا إشكال فيه.
ــــــــــ[238]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذا ورد الخاصّ أوّلاً، ثُمَّ ورد العامّ بعده، ولكن بعد العمل بالخاصّ، فهنا يمكن النسخ فيحتمل أن يكون الخاصّ المتقدّم مخصّصاً، وبياناً للعامّ، وكاشفاً عن أنَّ المراد الجدّي من العامّ هو غير الخاصّ، ويحتمل أن يكون العامّ المتأخّر ناسخاً.
وثمرته واضحة لأنّنا إذا بنينا على النسخ فلا بُدَّ من العمل على طبق العموم، فكأنَّه لم يكن الخاصّ موجوداً من الأوّل، وأمّا إذا بنينا على التخصيص فلا بُدَّ من العمل على طبق الخاصّ.
ــــــــــ[239]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ذكر شيخنا الأستاذ أنّه لا معارضة في المقام بين أصالة العموم وأصالة عدم النسخ، بل إنَّ أصالة عدم النسخ جارية بلا معارض، لأنّ جريان أصالة العموم على ما ذكره في بحث العموم والخصوص(1) يتوقّف على جريان المقدّمات في المدخول، فإنّ لفظ (كلّ) وما يشبهها من ألفاظ العموم، وإن كانت مستعملة في العموم دائماً إلّا أنَّ العموم يختلف باختلاف المراد من مدخوله، فقد يراد به الطبيعة المطلقة، وقد يراد به الطبيعة المقيّدة، فنحتاج إلى جريان مقدّمات الحكمة في المدخول لإثبات أنَّ المراد بالعامّ هو مطلق العالم(2) عادلاً كان أو فاسقاً، هاشمياً كان أو غيره.
وعلى مبنى أنَّ التخصيص لا يستلزم المجازيّة، فإنَّ التخصيص يرجع إلى المدخول، ولا يستلزم المجازيّة في أصل العموم.
وفي المقام مقدّمات الحكمة لا تجري في العامّ المتأخّر، لأنَّ الخاصّ المتقدّم
ــــــــــ[240]ــــــــــ
() انظر: أجود التقريرات 1: 510.
(2) إشارة إلى قولنا: (أكرم كلّ عالم). (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
قرينة على أنَّ المراد من العامّ هو غير ما ذكره سابقاً، فإنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإن كان قبيحاً إلّا أنَّ تقديمه عليها لا مانع منه أبداً، والخاصّ المتقدّم قبل وجود العامّ وقبل وصوله إلى المكلّف صالح للقرينيّة والكشف عن مراد المتكلّم، فأصالة العموم في نفسها غير جارية، فنتمسّك بأصالة عدم النسخ؛ لأنَّ الخاصّ المتقدّم كان ثابتاً ونشكّ بارتفاعه.
والجواب عن ذلك: يظهر مّما ذكرناه أنَّ سراية العموم إلى جميع الأفراد مدلول لفظي، ومستفاد من أداة العموم من دون حاجة إلى جريان مقدّمات الحكمة، بل أنَّ كلمة (كلّ) بنفسها متكفّلة الشمول، وأنَّ الحكم ليس موضوعاً لعالم دون عالم أو سنخاً دون سنخ، بل يجري الحكم في جميع الأفراد، ولا حاجة إلى جريان مقدّمات الحكمة، بل جريانها لغو محض. فلا يتمّ ما أفاده.
إذن، أصالة العموم في نفسها جارية، فمقتضى الوضع في كلمة (كلّ) أنَّها موضوعة لإفادة العموم، والظاهر أنَّ المراد الاستعمالي مطابق للمراد الجدّي، ومع قطع النظر عن المعارض، فاللفظ كاشف عن أنَّ الحكم في مقام الثبوت ثابت لجميع الأفراد، فهذا الوجه غير تامٍّ.
ما ذكره صاحب الكفاية(1) بعد أن بنى على أنَّ أصالة العموم في نفسها جارية -كما هو الصحيح- إلّا أنَّه قال كلاماً حاصله: إنَّ أصالة العموم يعارضها أصالة عدم النسخ، وظهور الدليل والخاصّ المتقدّم بالاستمرار وأنَّه
ــــــــــ[241]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 239.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
حكم أبدي إلى الآخر، فتكون المعارضة بين الظهورين، ظهور العامّ في العموم، وظهور الخاصّ بالاستمرار، ومقتضى ظهور الخاصّ هو التخصيص، ومقتضى ظهور العامّ هو النسخ فتقع المعارضة بينهما.
إلّا أنَّ ظهور الدليل في الاستمرار يتقدّم على ظهور الدليل الثاني لكثرة التخصيص وقلّة النسخ، وحيث إنَّ التخصيص كثير، حتّى قيل: (ما من عام إلّا وقد خصّ) والنسخ نادر، فنلتزم بالتخصيص دون النسخ.
وأورد على ذلك شيخنا الأستاذ(1) بأنَّ الدليل الأوّل لا يمكن أن يكون ظاهراً بالاستمرار، فهذا مستحيل، وذلك: لأنّ الحكم باستمرار حكم -أيّ حكم كان- فرع ثبوت ذلك الحكم، فإنّه لا بد أن يكون حكماً ثابتاً فيحكم باستمراره، ولا يمكن بدليل واحد وإنشاء واحد أن ينشأ الحكم وينشأ الحكم باستمراره.
والوجه فيه واضح لأنَّه عند الحكم باستمرار الحكم يكون الحكم مأخوذاً موضوعاً للقضيّة، ومحموله الحكم بالاستمرار، فحرمة شرب الخمر حكم وموضوعه شرب الخمر، وكيف يكون شيء واحد في قضيّة واحدة حكماً وموضوعاً، فلا بُدَّ من ثبوت الحكم في المرتبة السابقة ليحكم على المرتبة المتأخّرة باستمراره، بل الأدلّة الأوليّة ساكتة من هذه الناحية.
بل لا بد من إثبات الاستمرار بأحد أمرين: إمّا بما دلّ من الخارج على أنَّ
ــــــــــ[242]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 515.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
“حَلَالَ مُحَمَّدٍ حَلَالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَحَرَامَهُ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة“(1) أو بالاستصحاب فيها، فإنَّ جريان استصحاب عدم النسخ في الشبهات الحكميّة ضروري، فعند الشكّ في بقاء حكم لا يمكن التمسّك بأصالة البراءة، بل يجري استصحاب عدم النسخ بلا إشكال.
أمّا الدليل الاجتهادي فلا ينفع عند الشكّ بين النسخ والتخصيص، فإنّه غير ناظر إلى شخص الأحكام بل ناظر إلى الشريعة، وأنَّها باقية إلى الأَبد، فإذا فرضنا أنَّ الحكم نسخ -كالقبلة مثلاً- فأيضاً يكون حكم محمّد باقياً، يعني: أنَّه إلى يوم القيامة المتّبع هو شرع النبيِّ، ولا يأتي دين آخر ناسخ له. فالدليل الاجتهادي باطل.
وأمّا الاستصحاب فهو محكوم لأصالة العموم لأنَّ العموم لفظي، والاستصحاب أصل عملي ولا تقع المعارضة بينهما، بل يكون حاكماً، ونتيجته: هو الالتزام بالنسخ.
ولأجل ذلك لم يوافق شيخنا الأستاذ صاحب الكفاية في الالتزام بالتخصيص لأجل المعارضة، بل ذهب إلى التخصيص لأنِّ أصالة العموم في نفسها غير جارية، فلا بأس بالالتزام بعدم النسخ، وإلّا لو كانت جارية فإنَّها تنتج النسخ لا محالة.
ــــــــــ[243]ــــــــــ
(1) بصائر الدرجات 1: 148، باب 13، باب آخر فيه أمر الكتب، الحديث: 7، الكافي 1: 58، باب البدع والرأي والمقاييس، الحديث: 19.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
أمّا ما ذكره شيخنا الأستاذ من منعه ظهور الدليل الأوّل بالاستمرار، وأنَّه لا بد من أن يثبت بدليل آخر، فهذا لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ استمرار الحكم يتصوّر على وجهين:
الوجه الأوّل: أنّ يؤخذ الحكم موضوعاً للقضيّة ويحكم باستمرارها، فيقال: وجوب الصلاة أو حرمة الخمر مستمر إلى يوم القيامة، ففي مثله يكون الحكم الأوّل مفروض الوجود، ويكون موضوعاً في القضيّة، ومحموله الحكم باستمراره، ولا يمكن أن تكون القضيّة الواحدة متكفّلةً لبيان الحكم وبيان استمراره.
الوجه الثاني: وأمّا استفادة الاستمرار على وجه آخر غير الحكم بالاستمرار، بأن يجعل الحكم بنحو يستمرّ طبعاً بلا حاجة إلى الحكم باستمراره، وذلك لما بيّناه سابقاً: من أنّه كما يمكن أن يؤخذ طبيعة واحدة مطلقة بالنسبة إلى أفرادها العرضيّة كحرمة شرب الخمر، ولا فرق بين أن يكون متّخذاً من زبيب أو تمر، وكلّ ما صدق أنّه خمر فشربه حرام، فالطبيعة مطلقة بالنسبة إلى الأفراد العرضيّة، فكذلك يمكن أخذ الطبيعة مطلقة بالنسبة إلى الأفراد الطوليّة، فشرب الخمر في اليوم الأوّل وفي اليوم الثاني والثالث ويمكن أن تؤخذ الطبيعة فيه مطلقة إلى يوم القيامة، بلا فرق بين الأفراد الموجودة في هذا الزمان والتي توجد بعد ذلك؛ لأنّ القضيّة حقيقيّة.
فالخمر الموجود بعد ورود العامّ أيضاً مشمول لتحريم شرب الخمر
ــــــــــ[244]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
المجعول أوّلاً، ومثل هذا طبعاً لا يكون مستمراً لاعتبار أنّ المولى حكم باستمراره، بل لأنّ المجعول حكم غير مقيّد بزمان خاص.
والظاهر أنَّ صاحب الكفاية يريد هذا، فإنَّ الدليل الخاصّ باعتبار دلالته على الاستمرار مطلق من ناحية أفراده الطوليّة، ومقتضى إطلاقه ثبوت حكم الخاصّ حتّى بعد ورود العامّ، فمثلاً: لو فرضنا أنَّ المولى قال: (إكرام العادل واجب وإكرام الفاسق مستحب) وبعد ذلك فرضنا ورود الحكم بحرمة إكرام أيّ فاسق كان، فطبعاً يدور الأمر بين أن يكون الخاصّ المتقدّم مخصّصاً لذلك العامّ وبين أن يكون ناسخاً.
وإطلاق دليل استحباب إكرام العالم الفاسق لم يكن مختصّاً بالعالم الفاسق في السنة الأولى، وإنّما يشمل وجوده في السنة الأولى والثانية والثالثة، فإنَّه أيضاً مشمول لذلك الدليل، فيدور الأمر بين رفع اليد عن الإطلاق ورفع اليد عن ظهور العامّ في العموم، فالأمر كما ذكره صاحب الكفاية.
فتحصّل: أنَّ المورد هو مورد المعارضة بين الظهورين، ظهور العامّ وظهور الاستمرار، لا بالمعنى الذي فسّره به شيخنا الأستاذ، بل بمعنى ثبوت الحكم لكلّ من الأفراد الطوليّة والعرضيّة معاً، فبعد ورود العامّ لا بد من أحد أمرين: إمّا تقييد الدليل الأوّل بما قبل ورود العامّ وهو معنى النسخ، أو رفع اليد عن الظهور العمومي وهو معنى التخصيص.
وأمّا إنكاره ظهور العامّ باعتبار أنّه محتاج إلى جريان مقدّمات الحكمة وهي لا تجري في المقام، فقد ظهر أنّه لا حاجة في التمسّك بالعموم فيها لظهور العامّ
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بالعموم بدونها، فاعتراضه على صاحب الكفاية غير وارد.
وأمّا ما ذكره صاحب الكفاية فهو لا يتمّ أيضاً، والوجه في ذلك: أنَّ ظهور الخاصّ بالاستمرار والدوام -وإن كان صحيحاً كما ذكره- إلّا أنّه ظهور إطلاقي، وظهور العامّ في العموم ظهور وضعي، وكيف يمكن أن يتقدّم الظهور الإطلاقي على الظهور الوضعي، وما ذكره من أنَّ كثرة التخصيص وندرة النسخ يوجب قوّة ذلك الظهور غير قابل للتصديق، فإنَّ القدرة والكثرة الخارجيّة ليس لهما أثر في ظهور اللفظ. نعم، لهما أثر في الظنّ بأنَّه من باب التخصيص، كما هو المعروف من أنَّ الظنّ يلحق الشيء بالأعمّ الأغلب، ولكن متى كان الظنّ حجّة لنأخذ بهذا الظنّ، وأمّا من جهة الظهور اللفظي وكشفه عن المراد الواقعي، فلا شكَّ في أنَّ ظهور العامّ أقوى.
ونتيجة ما ذكرناه: لا بد من البناء على النسخ في هذه الموارد، فإذا ورد خاصٌّ متقدّم وعامٌّ متأخّر بعد وقت العمل فلا بُدَّ من الحكم ببناء العقلاء أنَّ العامّ المتأخّر ناسخ للخاصّ المتقدّم، فلا يعمل بالخاصّ بعد ذلك.
لكن هذا إنّما يتمّ في الموالي العرفيّة، فإنّنا حينئذٍ نلتزم بالنسخ وتقديم ظهور العامّ في العموم ونحتج على المولى بأنّه أقوى ظهوراً، وأمّا في الروايات وكلمات المعصومين فنلتزم بالتخصيص فيما إذا كان العامّ متأخّراً عن الخاصّ ووارداً بعد حضور وقت العمل، وذلك لما ذكرناه من أخبار جميع الأئمّة عن حكم رسول الله’، فهو بمنزلة كلام شخص واحد، فالكلام الصادر عن الصادق كأنّه صادر عن أمير المؤمنين، فالمتكلّم بالعامّ هو الذي تكلّم بالخاصّ، فجميع الأحكام متقارنة زماناً، وإنّما المتقدّم والمتأخّر في مقام الوصول
ــــــــــ[246]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
لا في مقام الجعل، ولهذا يصحّ أن يقال في عامٍّ صادر عن الإمام العسكري: إنَّ الصادق قاله؛ لأنّهم يخبرون عن منشأ واحد.
فبما أنّه ليس بين العامّ والخاصّ(1) تقدّم وتأخّر في مقام الثبوت، وإن كان كذلك في مقام الإثبات، فإنَّ العامّ المعارض للخاصّ لا يكون حجّة من جهة الأقوائيّة.
فالمتحصّل مّما ذكرناه في جميع الصور: هو الالتزام بالتخصيص في الروايات الواردة عن الأئمّة.
نعم، لو كان تقدّم الخاصّ على العامّ تقدّماً في نفس الجعل، لا في مرحلة الإثبات كما في الموالي العرفيّة، فإنَّه لا بد من الالتزام بالنسخ إلّا أنَّ هذا غير متحقّق في رواياتنا.
هذا تمام كلامنا في تقديم الخاصّ على العامّ والعكس.
ــــــــــ[247]ــــــــــ
() إذا كانت هذه المقارنة مستلزمة لكون جميع الأحكام الشرعيّة كأنّها قيلت في كلام ومجلس واحد. إذن، أصبحت جميع المخصّصات بمنزلة المخصّصات المتّصلة، وهذا مّما لا يلتزم به أحد، وإن كانت هذه المقارنة بمعنى أنَّ هذه الأحكام صادرة من شخص واحد وإن كان بشكلٍ منفصلٍ فيأتي فيه نفس الكلام، فتأمل. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
النسخ لغة: بمعنى الرفع، يقال: نسخت الشمس الظلّ، بمعنى رفعته، وهو قسم من الرفع -كما هو الغالب في الأمور المصطلح عليها أن يكون المعنى اللغوي عاماً، والمعنى المصطلح خاصّاً- فالمعنى المصطلح المقابل للتخصيص، وهو رفع الحكم في مقام الإنشاء لا مطلق الرفع.
وبيان ذلك: أنَّ ارتفاع الحكم قد يكون في مرحلة الفعليّة والمجعول لا في مرحلة الجعل، وقد يكون في مرحلة الجعل.
أمّا الارتفاع في مرحلة الفعليّة فلا يكون إلّا بارتفاع ذات الموضوع، أو قيد من قيوده المعبّر عنها بالشرائط، فيقال: إنَّ وجوب صلاة الفجر -مثلاً- قد ارتفع وسقط، باعتباره مشروطاً بما بين الفجر والطلوع، فإذا طلعت الشمس فقد ارتفع الوجوب لا محالة لانتفاء شرطه، أو أنَّ المكلّف كان محدثاً وقد تبدّل حكمه إلى الطهارة.
فالأحكام في مرحلة الفعليّة قابلة للتبدّل والتغيّر باعتبار تغيّر الموضوع، وهذا لا ربط له بالنسخ.
فالنسخ هو ارتفاع الحكم في مرحلة الجعل عن موضوعه المقدّر الوجود مع انحفاظ الموضوع، فإنَّ بيت المقدس لازال موجوداً، والقدرة على التوجّه
ــــــــــ[248]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إليه لازالت متحقّقة، إلّا أنَّ أصل الحكم الثابت على موضوعه المقدّر قد ارتفع.
وهل هذا أمر ممكن أو مستحيل؟
ذهبت اليهود(1) إلى امتناعه في أحكام الله تعالى، ولهذا التزموا بأنَّ شريعة موسى أبديّة، فإنَّ النسخ غير معقول، فكلّ ما ثبت في تلك الشريعة فهو غير قابل لأن يرد عليه النسخ.
وذكروا في وجه ذلك: أنَّ النسخ لا يمكن أن يصدر من الحكيم العالم بالواقعيّات، وهو الله (عزّ وجلّ) وذلك: لأنَّ النسخ إمّا أن ينشأ من جهل الحاكم بأن يحكم بشيء، ثُمَّ يلتفت أنَّ ما جعله ليس مشتملاً على المصلحة، أو أنّه مشتمل على المفسدة، ولم يكن ملتفتاً إلى ذلك، كما يتحقّق ذلك في القوانين الحكوميّة وغير ذلك، فإنَّ المقنن يضع القانون لمصلحة في نظره، ثُمَّ يظهر له خطأ نظره، فإنَّ البشر لا يخلو عن الخطأ والجهل، فقد يكون جاهلاً بشيء ويظهر له بعد ذلك، لكن هذا غير معقول بالنسبة إلى الله تعالى.
فلا بدَّ من فرض أنَّ المجعول فيه مصلحة لا محالة، فإن كان فيه مصلحة ولم يظهر خلافه، فكيف ينسخه بالنسبة إلى الأزمنة المتأخّرة؟ فإَّن انكشف أنّه لم يكن فيه مصلحة أصلاً فكيف يجعل؟ وأمّا إن كانت فيه مصلحة إلى الأَبد فكيف ينسخ؟ فإما أنَّ الجعل لا يمكن، أو أنَّ النسخ لا يمكن، والجمع بينهما بأن يجعل الحكم وينسخ وهو غير يمكن أيضاً لاستلزامه الجهل أو خلاف الحكمة.
ــــــــــ[249]ــــــــــ
(1) انظر: شرح مختصر المنتهى الأصولي 3: 215.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
واستندوا إلى هذه الشبهة، فقالوا: إِنَّ النسخ في أحكام الله تعالى غير معقول، فلذا تكون شريعة موسى أبديّة وغير قابلة لأن يطرأ عليها النسخ، ولذا يسمّي اليهود التوراة بالناموس الإلهي(1)، ويدّعون كونها شريعة أبديّة، وأنّها أوّل الشرائع، أمّا قبل ذلك فلم تكن شريعة، بل كانت عادات بين الناس من دون أن يكون فيها حكم من الله تعالى.
وهذه الشبهة واهية جدّاً، والوجه في ذلك: أنَّ الطبيعة الواحدة كما أنّها قابلة لأن تختلف من جهة الخصوصيّات، فإنَّ الأفراد العرضيّة تختلف فيكون بعضها واجداً للمصلحة وبعضها غير واجد، كالصلاة إلى القبلة عندنا، والصلاة إلى بيت المقدس عندهم، فإنَّ المصلحة في هذه الحصة، وأمّا غيرها فلا مصلحة فيها، فكما أنَّ الطبيعة الواحدة تختلف أحكامها من جهة اختلاف مصلحة الأفراد؛ كذلك يمكن أن تختلف بحسب الزمان.
وهذا واقع في جميع الشرائع بما فيها الإسلام وشريعتهم، فنرى أنَّ صلاة الفجر -مثلاً- واجبة ما بين الفجر إلى طلوع الشمس، في حين أنَّ الصلاة غير واجبة ما بين الطلوع والزوال، فهذه الحصة من الطبيعة في هذا الزمان لها مصلحة، وتلك الحصة الأخرى ليس واجدة للمصلحة، وفي شريعة موسى أيضاً كذلك، فإنّه في يوم السبت المعاملة والصيد محرّم، ولكن في يوم الأحد لا يحرم، وليس هذا إلّا لأجل أنَّ المفسدة موجودة -على زعمهم- في هذا اليوم في المعاملة والصيد دون غير يوم.
ــــــــــ[250]ــــــــــ
(1) انظر: شفاء الغليل 296، حياة الحيوان الكبرى 2: 460.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
فإذا كان الحال كذلك بالنسبة إلى الأيام فيمكن أن نفرض فعلاً يكون واجداً للمصلحة في هذا الزمان، وفاقداً لها في زمان آخر، كذلك بالنسبة إلى السنين، بأن يكون واجداً للمصلحة في زمان خاص كألف سنة أو أكثر أو أقلّ، ولا يكون بعده واجداً لها، أو بالعكس لا يكون واجداً للمصلحة ثُمَّ يكون واجداً لها فيؤمر بها، واختلاف الفعل باعتبار حصصه بالنسبة إلى وجدان المصلحة وعدمه أمر واقع في شريعة الإسلام وغيرها.
فلا يكون النسخ من جهة جهل الجاعل، أو من جهة رفع الحكم بلا موجب، بل هنا شقّ ثالث، وهو رفع الحكم لمقتضٍ في الرفع، وهو أنَّ ملاكه في الزمان المتأخّر قد انتفى وبعده لا ملاك له، وهذا أمر ممكن. إذن، النسخ لا مانع منه، إمّا في تمام الشريعة كما في شريعة موسى، أو ورود النسخ في بعض الأحكام في شريعة موسى، وهذا نقض عليهم، فنفس الجواب الذي يذكر يرد في المقام.
إلّا أنَّ هذا على مسلك المشهور من العدليّة والمعتزلة من تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها، وأمّا على ما اختاره بعضهم ومنهم صاحب الكفاية(1) من أنّ المصلحة قد تكون في نفس جعل الحكم لا في المجعول، وقد التزمنا نحن في جعل الأحكام الظاهريّة، وأنّه لا يلزم أن تكون المصلحة في متعلّقاتها، وإنّما المصلحة في نفس جعلها، كما في أصالة البراءة، فإنَّ مصلحة الترخيص في نفس الجعل.
ــــــــــ[251]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 277، 278.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
فإذا التزمنا بذلك -وهو أن تكون المصلحة في نفس الجعل- فيكون الجواب على هذه الشبهة أوضح، إذ يمكن أن يكون الجعل واجداً للمصلحة فيجعل، ثُمَّ يمكن أن يكون الجعل في الزمان المتأخّر فاقداً لها فيرفع، فالجعل والرفع كلاهما واجد للمصلحة، وقد اتّبع الجاعل المصلحة الأولى في الجعل، والثانية في الرفع.
فعلى كلا التقديرين سواء التزمنا أنَّ المصلحة في نفس الحكم أو في المتعلّقات فالنسخ أمر ممكن، وشبهة اليهود مندفعة.
وقد تحصّل: أنَّ النسخ إنّما هو تخصيص بحسب الزمان، فكما أنّه لا مانع من التخصيص بحسب الأفراد العرضيّة، فكذلك أيضاً لا مانع من التخصيص بحسب الأفراد الطوليّة، فالنسخ -في الحقيقة- دفع لا رفع.
نعم، مقتضى الظهور اللفظي أن يتوهم أنّه رفع، إلّا أنَّ القرينة تكشف عن أنَّ المراد الواقعي لم يكن مطابقاً لهذا الإطلاق.
ومن ذلك يظهر أنَّ شبهة اليهود مبنية على أن يكون النسخ رفعاً لا دفعاً، فيكون الحكم ثابتاً أوّلاً بحسب الواقع ونفس الأمر وبعد ذلك يرفع، وهذا مستحيل على الحكيم؛ لأنّه إذا لم يكن له مصلحة فلماذا يجعل؟! وإذا كان له مصلحة فلماذا يرفع؟!
فالنسخ الذي ندّعيه لا تجري فيه شبهة اليهود، وما تجري فيه الشبهة لا نقول به. هذا تمام كلامنا في النسخ.
ــــــــــ[252]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وأمّا البداء فهو يشبه النسخ، إلّا أنَّه في التكوينّيّات، والنسخ في التشريعيّات، وقد خالفنا في ذلك علماء السنة أجمع(1)، ونسبوا إلى الشيعة أنّهم ينسبون الله تعالى إلى الجهل، لأنَّ البداء يستلزم الجهل، والله تعالى لم يكن ظاهراً له شيء، ثُمَّ يظهر له فيبدو له، فيكون حاله حال غيره من هذه الناحية.
وهذا ليس بصحيح، فإنَّ البداء الذي نقول به لا ينافي علم الله تعالى، بل هو تعظيم لله (عزّ وجلّ) كما ورد في الروايات (مَا عُظِّمَ اللَّـهُ بِمِثْلِ الْبَدَاء)(2).
بيان ذلك: إنَّ لله سبحانه -على ما في الروايات الكثيرة(3)– علماً مخزوناً مكنوناً يعبّر عنه بأمّ الكتاب لم يخبر به أحداً بل آثره لنفسه، وهو مّما يختص به سبحانه، ولم يخبر عنه نبيّه ولا غيره، وعلم آخر وهو العلم الذي أخبر به نبيّه والنبيّ يخبر به وصيّه. وهذا العلم الثاني على فرعين:
قد يكون هذا العلم الذي علمه لغيره مّما يخبر به النبيّ أو الوصيّ إخباراً جزميّاً، فيقع في الخارج أو لا يقع.
ــــــــــ[253]ــــــــــ
(1) انظر: تأويلات أهل السنّة 1: 491، درج الدرر 2: 68، التفسير الكبير 2: 289.
(2) الكافي 1: 146، باب البداء، الحديث: 1.
(3) انظر: الكافي 1: 146- 149، باب البداء.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وقد يخبر معلّقاً على المشيئة، وهذا يسمّى بلوح المحو والإثبات، وهو أنّ يخبر عن وقوع شيء وعدمه معلّقاً على المشيئة، وهذا هو الفرع الثاني من القسم الثاني من العلم.
أمّا الفرع الأوّل من القسم الثاني، يعني: الإخبار الذي يتحقّق من النبيّ أو أحد الأوّلياء والأوصياء جزماً، فهذا القسم الثاني يستحيل به البداء؛ لأنّه يستلزم كذب النبيّ لأنّه يخبر عن شيء لا يتحقّق في الخارج، فيخبر عن الوجود ولا يوجد، أو عن العدم ويكون موجوداً، وفي بعض روايات البداء(1)، أنَّ هذا القسم لا يكون فيه البداء لأنَّ الله تعالى لا يكذّب نبيّه، وهذا يستلزم لتكذيبه.
وهذا مثل إخباره في القرآن عن بقاء أبي لهب كافراً إلى الآخر، وأنّه لن يسلم أبداً، سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ(2) وإلّا لو أسلم، والإسلام يجبّ ما قبله فلا يدخل النار، فهو إخبار عن بقائه على شركه إلى أن يموت، فمثل هذا الإخبار الجزمي لا يكون فيه البداء جزماً، وإلّا كان الله سبحانه مظهراً لكذب نبيّه.
وأمّا القسم الأوّل -هو العلم المخزون المكنون- فهو مّما يقع منه البداء، ولا يقع فيه البداء، فيكون منشأ للبداء.
ــــــــــ[254]ــــــــــ
() تفسير العياشي 2: 217، الكافي 1: 147، باب البداء، الحديث: 6، التوحيد (للصدوق): 444، باب 66، ذكر مجلس الرضا مع سليمان المروزي متكلّم خراسان عند المأمور في التوحيد، الحديث: 1.
(2) المسد: 3-5.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بيان ذلك: إنَّ الله سبحانه وإن كان عالماً من الأزل بجميع ما يقع في العالم إلى الآخر، وما لا يقع في الخارج، ولكن مع ذلك لم يخرج شيء عن تحت قدرته، ولا يستلزم هذا العلم وجوب وجود الشيء في الخارج أو وجوب عدمه، بأن يقال: إنَّه لا بد من نزول المطر في هذه الليلة، لأنّ الله سبحانه كان عالماً بنزوله في هذه الليلة، ولا يمكن أن يكون علمه غير مطابق للواقع، فعدم نزول المطر مستحيل، فإنَّ الأمر ليس كذلك، فإنَّه وإن كان الله تعالى عالماً بنزول المطر في هذه الليلة، وعلمه لا يكون مخالفاً للواقع، إلّا أنَّ نزول المطر مقيّد بإرادته واختياره، فلم يكن عالماً بنزوله على الإطلاق، بل بنزوله بقدرته وإخباره، فليس الله تعالى مسلوب الاختيار في العالم إيجاداً وإعداماً، باعتبار أنّه كان عالماً به، فإنَّ العلم لا ينافي الاختيار في البشر وغير البشر.
نعم، خالفنا اليهود في هذا المقام، وقالوا: قد جرى القلم بما جرى، وأنَّ يَدُ اللَّـهِ مَغْلُولَةٌ(1) فتخيلوا أنَّ كلّ ما في العالم بما أنّه موجود في لوح علم الله سبحانه، فلا بُدَّ أن يتحقّق في الخارج، لأنّه لا يمكن أن يتغيّر ما كان يعلمه الله تعالى، فالأمور كلّها لا بد من تحقّقها.
فبالنسبة إلى هذا العلم المخزون يقع فيه البداء، فإنَّ الأفعال كلّها باختيار الله سبحانه، فيمكن أن يكون وقوع الشيء الفلاني معلّقاً على وجود شيء على نحو القضيّة الشرطيّة، ولكنَّ الله سبحانه بهذا العلم المخزون يعلم بأنَّ المعلّق عليه يقع في الخارج، وهذا أيضاً لا ينافي الاختيار.
ــــــــــ[255]ــــــــــ
(1) المائدة:64.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
مثلاً: أنَّ المريض الفلاني إذا تصدّق فإنَّ الله سيشفيه، وإذا لم يتصدّق فإنّه يموت، أفرض أنّ النبيّ أو أحد خلفائه أخبروا عن موته لكن معلّقاً على المشيئة -لا منجّزاً- والله تعالى من الأوّل كان يعلم أنّه يتصدق فيرتفع البلاء، وهذا أمر ممكن.
وهذا العلم الذي سمّيناه بالعلم المكنون لا يعلمه النبيُّ ولا الوصي، بل هو علم خصّ الله تعالى به نفسه، ولم يخبر به نبيّه والله سبحانه كان عالماً بذلك، والعلم الأزلي لا يسلب الاختيار، فيعلم أنّه يتصدق فيشفى المريض، لكن بالاختيار لا بالجبر، فالبداء ينشأ من هذا العلم باعتبار علمه بوجود المعلّق عليه وعدم وجوده.
وأمّا الفرع الثاني من القسم الثاني يعني إخبار النبيّ أو الوصي عن وقوع شيء معلّق على المشيئة، فهو الذي يقع فيه البداء، فيخبر النبي بذلك ولا يقع، ولا يستلزم ذلك الكذب لأنّه ليس إخباره على كلّ تقدير، بل معلّق على المشيئة فيه، فعدم وقوعه يكشف عن أنّه تعالى لم يشأ ذلك.
ومن هنا قد ورد في عدّة من الروايات عن غير واحد من المعصومين: “أنّه لولا آية في كتاب الله لأخبرناكم بما يكون إلى يوم القيامة“. فقيل: ما هي هذه الآية؟ فقرأوا: يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ(1)(2) فأمّ الكتاب عنده سبحانه، فهو الذي يعلم بالواقع على واقعه في الخارج بلا تعليق، فإنّه لا يعقل في هذه المرتبة التعليق، وأمّا غيره فيخبر عن جميع ما يكون
ــــــــــ[256]ــــــــــ
(1) الرعد: 39.
(2) قرب الإسناد: 354، أحاديث متفرّقة، الحديث: 1266.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إلى يوم القيامة، إلّا أنّ مشيئة الله قاهرة فيمكن أن يكون في العلم المخزون أنّه معلّق على شيء لا يقع.
فالبداء بهذا المعنى الذي نقوله لا محذور فيه، وليس مستلزماً لجهله تعالى، بل لا بد من الالتزام به، إذ لولا الالتزام به لما كان معنى للتصدّق والدعاء لدفع البداء، لأنّه لو كان القلم قد جرى بما جرى لما أمكن تغيّر ذلك، مع أنَّ ذلك باطل لا محالة، ويد الله تعالى ليست مغلولة بل هي مبسوطة، وكيف تكون مغلولة؟! وهذا يستلزم عجز الله تعالى عن إيجاد شيء وإعدامه.
نعم، تسمّية هذا بالبداء من باب المشاكلة والمشابهة، وإلّا فحقيقته الإبداء، وإلّا فإنّه سبحانه لا يعقل أن يظهر له شيء لم يكن ظاهراً، إلّا أنّ الفعل يشبه البداء لأنّه في غير الله تعالى ظهور لما خفي.
وقد ورد في أخبار العامّة في صحيح البخاري في الجزء الخامس(1) في أخبار بني إسرائيل أنَّ الله تعالى بدا له أن يبقى ثلاثة من بني إسرائيل الأعمى والأقرع والأبرص، فجاء الملك وابتلاه، والرواية طويلة، فاستعملت الكلمة هنا، مع قيام القرينة على أنّه ليس بالمعنى المستحيل على الله سبحانه.
وكيف كان، فالبداء بهذا المعنى لا محذور فيه أبداً، بل لا بد من الالتزام به، وإلّا فلا بُدَّ من الالتزام بما قاله اليهود من أنَّ يد الله مغلولة، وهو مّما لا يمكن الالتزام به.
ــــــــــ[257]ــــــــــ
(1) صحيح البخاري 5: 406، حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل، الحديث: 3098.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
المطلق والمقيّد
ــــــــــ[259]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ــــــــــ[260]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
المطلق في اللغة بمعنى المرسل، فالإطلاق هو الإرسال، في مقابل المقيّد، وليس للأُصوليين اصطلاح خاصٌّ، بل أطلق على المطلق والمقيّد باعتبار المعنى اللغوي، فإذا كان اللفظ مرسلاً وغير مقيّد بمكان أو زمان أو وصف أو نحوه، فيقال: إنَّ هذا اللفظ مطلق، وإذا لم يكن الكلام مرسلاً بل ذكر فيه قيد من وصف أو مكان أو زمان يقال: إنّه لفظ مقيّد، كما يقال في اللغة: الدابة المطلقة أو المقيّدة، فهذان اللفظان يستعملان بمعناها اللغوي.
وبمناسبة الإطلاق والتقييد وقع الكلام في عدّة من الألفاظ في كونها من المطلق أو غيره.
ــــــــــ[261]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وقع الكلام في تعيين الموضوع له في أسماء الأجناس، وهل هو من المطلق أو لا؟ ولا فرق في ذلك بين أقسام أسماء الأجناس من الجوامد، والأعراض، والأمور الانتزاعيّة، أو الاعتباريّة، فقد يكون الموضوع له من الجواهر، أو من الأعراض القائمة بالجواهر، وقد تكون من الأمور الاعتباريّة التي لا واقع لها إلّا الاعتبار، سواء كانت اعتبارات عقلائيّة أو شرعيّة، وقد يكون من الأمور الانتزاعيّة التي لها واقع، إلّا أنّها مستندة إلى أمور أخرى خارجيّة، فوقع الكلام في تعيين الموضوع له، وأيّ شيء هو في أسماء الأجناس، فهل هي من قبيل المطلقات أو لا؟ وهذا يحتاج إلى بيان أقسام الماهيّة لتعيين أنَّ الموضوع أيُّ قسم منها.
قسّموا الماهيّة إلى أقسام، وقالوا: إنَّ الماهيّة قد تلاحظ بذاتها، ولا يكون هناك نظر إلى خارج مقام الذات أصلاً، وفي هذه المرحلة لا تحمل على الذات إلَّا ذاتها وذاتيّاتها، فيقال: (الإنسان حيوان ناطق) أو (الإنسان حيوان) أو (الإنسان ناطق) إذ المفروض أنَّ الناظر لم ينظر إلَّا إلى نفس الذات، ولم يلاحظ شيئاً آخر خارجاً عن مقام ذاتها. وهذه تسمّى بالماهيّة المهملة أو المبهمة باعتبار الاقتصار في النظر على مقام الذات دون لحاظ أيّ أمر آخر.
ــــــــــ[262]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وقد يفرض أنَّ الناظر إلى الماهيّة والمتصوِّر لها نقله إلى شيء آخر خارج عن مقام الذات، فلاحظ الذات مع شيء آخر، وهذا يسمّى باللابشرط المقسمي، فلا يكون لهذه الماهيّة وجود إلَّا بوجود أحد أقسامه، فإنَّ النظر إذا كان غير مقصور على الذات، بل هو على ما هو خارج عنها، فقد تلاحظ الماهيّة مجرّدة عن جميع الخصوصيّات الخارجيّة، فتجرّدها عن الخصوصيات ملحوظ في مقام التصوّر ومرحلة اللحاظ، وفي هذا اللحاظ لا يحمل عليها إلَّا المعقولات الثانويّة، فيقال: (الإنسان نوع) ومن المعلوم أنَّ الإنسان بلحاظ كونه نوعاً لا ينطبق على أفراده كزيد؛ لأنَّه متشخّص بخصوصيّة لا محالة، وقد فرضنا أنّنا لاحظنا الماهيّة بقيد التجرّد، ومع هذا القيد لا يمكن أن يحمل على الفرد الخارجي، والمعقولات الثانويّة تحمل على الماهيّة في هذه المرحلة، فيقال: (الإنسان نوع) و(الحيوان جنس) و(الناطق فصل) و(البياض عرض عام للثلج) و(الإنسان كلي) وهكذا. فهذا لحاظ للماهيّة لا بذاتها فقط، بل ملاحظة تجرّدها عن الخصوصيّات، فيقال لهذه الماهيّة: الماهيّة المجرّدة أو الماهيّة بشرط لا.
وقد يكون الأمر الخارجي الملحوظ مع الماهيّة خصوصيّة من الخصوصيّات الخارجيّة، وجوديّة كانت أو عدميّة فتؤخذ الماهيّة مقيّدة بها، فيقال: (الإنسان العالم) و(الإنسان الهاشمي) فقد لاحظنا مع ذات الإنسان أمراً آخر قابلاً للانطباق على ما في الخارج -لا كالقسم السابق- لكن لا على جميع أفراد الطبيعة، بل على بعض الأفراد دون بعض، فإنَّ ما يكون واجداً لهذه الخصوصيّة، تكون الطبيعة المقيّدة منطبقة عليه دون الفاقد لها، وهذه الخصوصيّة قد تكون وجودية
ــــــــــ[263]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
كالإنسان العالم والصلاة إلى القبلة، وقد يكون مقيّدة بأمر عدمي كالإنسان الأعمى، أو في متعلّقات التكاليف، من قبيل أنّ تؤخذ الصلاة غير واقعة في ما لا يؤكل لحمه. وعلى كلا التقديرين سواء كان القيد وجوديّاً أو عدميّاً، فهذا التقييد يوجب أن يصدق الطبيعي على بعض الأفراد دون بعض، وعلى واجد القيد دون فاقده.
وهذه الماهيّة تسمّى بالماهيّة (المخلوطة) أي: الماهيّة التي أُخذ معها شيء، وهو معنى الخلط، وهي المسمّاة بالماهيّة بشرط شيء، غايته: أنَّ الشيء إمّا وجوديٌّ أو عدميٌّ.
وقد اصطلح جملة من المتأخّرين(1) منهم شيخنا الأستاذ(2) على التعبير عن الماهيّة المقيّدة بأمر وجودي بالماهيّة بشرط شيء، وعن الماهيّة المقيّدة بأمر عدمي بالماهيّة بشرط لا، ولا مشاحّة في الاصطلاح. إلَّا أنَّ الفلاسفة(3) يعتبرون كلا القسمين داخلاً في قسم واحد وهو الماهيّة المخلوطة بشرط شيء سواء كان هذا الشيء وجوديّاً أو عدميّاً.
وهنا قسم آخر أيضاً لوحظت فيه الماهيّة مع أمر آخر خارج مقام الذات، لكنّها ليست بنحو التجرّد كما في القسم الأوّل، ولا مع الخصوصيّة الوجوديّة أو العدميّة كما في القسم الثاني، بل لوحظ سريانها إلى جميع الأفراد مع إلغاء
ــــــــــ[264]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية 2: 490.
(2) انظر: أجود التقريرات 1: 522، 523.
(3) انظر: الحكمة المتعالية 1: 56.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
جميع الخصوصيات، وأيّ خصوصيّة فرضت في الخارج وجوديّة أو عدميّة فهي خارجة عن لحاظ الطبيعة، وتسمّى بالماهيّة لا بشرط، فيحكم على موضوع من الموضوعات بحكم، فيقال: (الماء طاهر مطهِّر) فلم تلحظ فيه خصوصيّة أبداً من كونه من البحر، أو النازل من السماء، أو الخارج من الأرض، أو الكرّ، وفي التكوينيات نقول: (النار حارّة) مع إلغاء سائر الخصوصيّات.
فهذا القسم هو اللابشرط القسمي ويمتاز عن اللابشرط المقسمي: أنَّ المقسمي هو الجامع بين هذا القسم والقسمين الأوّلين، بمعنى الماهيّة الملحوظة فيها أمر خارج عن مقام الذات بنحو من الأنحاء الثلاثة، نظير الكلمة بالنسبة إلى الاسم والفعل والحرف، فإنَّ الكلمة لا وجود لها إلَّا في ضمن أحد أقسامها، فاللابشرط المقسمي لا تحقّق له إلَّا في ضمن أحد أقسام الماهيّة، وهو بشرط لا، وبشرط شيء، واللابشرط القسمي، فالفرق بينهما هو الفرق بين الطبيعي وفرده.
كما ظهر الفرق بين اللابشرط المقسمي والماهيّة المهملة، فإنَّ الماهيّة المهملة لم ينظر فيها إلَّا إلى نفس الذات فقط، ولذلك لم يحمل عليها إلَّا الذات والذاتيّات. وأمّا اللابشرط المقسمي فقد نظرنا إلى الخارج عن مقام الذات بأحد الأقسام، فهذه هي أقسام الماهيّة.
ويمكن التقسيم ببيان آخر أوضح من البيان الأوّل:
فيقال: إنَّ الماهيّة اللابشرط المقسمي الذي لوحظ معه شيء آخر، قد تؤخذ الماهيّة على نحو الموضوعيّة، لا بنحو فنائها في أفرادها الخارجيّة، بل النظر إلى
ــــــــــ[265]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
نفس المعنى مأخوذاً موضوعاً للحكم، فيقال: (الإنسان نوع) ومن المعلوم أنَّ الإنسان بهذا اللحاظ لا يسري إلى أفراده الخارجيّة، فلا يُقال: (زيد نوع) فالملحوظ هنا هو الماهيّة بنحو الموضوعيّة، وقد تفرض الماهيّة بنحو الطريقيّة فيسري إلى الأفراد، إلَّا أنَّه قد يؤخذ طريقاً إلى جميع ما ينطبق عليه المفهوم، فهو اللابشرط القسمي؛ وقد يؤخذ طريقاً إلى بعض الأفراد دون البعض، فهو بشرط شيء.
وقد ظهر الفرق مّما ذكرناه بين الموردين: قصر النظر على الذات فقط، وبين اللابشرط المقسمي.
ومن هنا ظهر أنَّ ما ذكره صاحب الكفاية(1) من أنَّ الماهيّة المقيّدة بقيد الإرسال من الكلّيّات العقليّة ولا يسري إلى ما في الخارج غير صحيح، فإنَّ الإرسال ليس قيداً في المعنى، بل أُخذت الماهيّة على نحو تكون مرسلة وسارية إلى الأفراد، فالماهيّة المطلقة ليس معناها أنَّ الإطلاق قيد لها، ليقال: إنَّها بذلك القيد لا تصدق على شيء؛ لأنَّ كلّ فرد مقيّد بخصوصيّة ومشخّص لا محالة، بل المراد أخذ الماهيّة على نحو تكون بطبيعتها سارية ومرسلة إلى الأفراد، يعني: أنَّ الخصوصيّات كلّها ملغاة، ولا فرق بين وجودها وعدمها، فلا محالة يسري الحكم إلى جميع الأفراد، كما في قولنا: (النار حارّة) حيث أُخذت الطبيعة سارية إلى جميع الأفراد، ولم نلاحظ أيّ خصوصيّة.
ــــــــــ[266]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 244.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
يقع الكلام في تعيين الموضوع له في أسماء الأجناس، واختار شيخنا الأُستاذ(1) أنَّ الكلّي الطبيعي الذي وضع له اللفظ -ويعبّر عن اللفظ باسم الجنس، ويعبّر عن المعنى بالجنس- موضوع للابشرط القسمي الذي ألغيت عنه الخصوصيّات، وتكون سارية إلى جميع الأفراد.
واستدلّ على ذلك: بأنَّ الكلّي الطبيعي سار إلى جميع الأفراد واللابشرط المقسمي جامع بين ما ينطبق على ما في الخارج وما لا ينطبق، فإنَّ الماهيّة المجرّدة كانت قسماً منه، وهي غير قابلة للانطباق على ما في الخارج.
إذن، فلا يمكن أن يكون الجامع بين ما ينطبق على ما في الخارج وما يستحيل انطباقه هو الموضوع له، فالموضوع له هو الكلّيّات الطبيعيّة، وهو اللابشرط القسمي المنطبق على الأفراد لا محالة، أمّا غيره من القسمين، أي: الماهيّة المجرّدة والماهيّة المقيّدة فاللفظ لم يوضع لها.
إلَّا أنَّ هذا الذي أفاده لا يمكن المساعدة عليه، فإنَّ الكلّي الطبيعي لا يلزم فيه الانطباق الفعلي على الأفراد، بل هو قابل للانطباق، واللابشرط القسمي لوحظ فيه الانطباق بالفعل، فألغيت الخصوصيات وجعلت الماهيّة فانية في جميع الأفراد، وهذا غير معتبر في الكلّي الطبيعي، إذ الكلّي الطبيعي قابل للانطباق، ويصحّ معه الحمل، لا أنَّه ينطبق عليه بالفعل، فعلى ذلك لا مانع من أن يكون الموضوع له هو الجامع بين هذه الأقسام، فإنَّ الجامع بين الممكن
ــــــــــ[267]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 534.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الانطباق والممتنع الانطباق ممكن لا محالة، فقسم من المقسم وإن كان يستحيل انطباقه على ما في الخارج، إلَّا أنَّ القسم الآخر قابل للانطباق، والجامع بين الممكن والمحال ممكن.
فما ذكره من اختصاص الوضع بخصوص اللابشرط القسمي لا ملزم له، بل الصحيح أنَّ اللابشرط المقسمي أيضاً ليس بموضوع له؛ وذلك لضرورة صحّة الاستعمال بلا مؤونة ولا عناية في جميع الأقسام، ولا نرى أيّ عناية في قولنا: (الإنسان حيوان ناطق) والنظر مقصور على مقام الذات، أو (الإنسان نوع) و(الماهيّة مجرّدة) أو (الإنسان كاتب) أو (ضاحك بالقوّة) أو إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ …. إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً(1). أو إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ … إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا(2). يعني: الإنسان غير المؤمن، فقد استعمل الإنسان وأُريد به حصّة خاصّة، وفي تمام هذه الموارد استعمل الإنسان بمعنى واحد، ولا عناية في هذه الاستعمالات أصلاً.
إذن، الصحيح أنَّ الموضوع ليس هو اللابشرط القسمي الذي ذكره شيخنا الأُستاذ ولا اللابشرط المقسمي، بل الجامع بين هذه الأقسام نفس الطبيعة سواء قصر النظر على مقام الذات، أو تعلّق اللحاظ بأمر خارج عنها على أقسامه.
فالجامع هو الموضوع له، وكلّ خصوصيّات هذه الأقسام خارجة عن الموضوع له، وتسمّيّة هذا الجامع بالطبيعة المهملة أولى من تسمية ما يكون النظر
ــــــــــ[268]ــــــــــ
(1) الإنسان: 2-3.
(2) العصر: 2-3.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
فيه مقصوراً على الذات بالطبيعة المهملة، لأنَّه لا إهمال في ذلك، فإنَّه معلوم أنَّ النظر مقصور على مقام الذات، فلا إهمال فيها، وإنَّما الإهمال في هذا الجامع الذي لم يلحظ فيه أيّ خصوصيّة، فجميع الأقسام داخلة في الموضوع له باختلاف اللحاظ في مختلف موارد الاستعمالات، وهذا الجامع هو الكلّي الطبيعي القابل للحمل على أفراد، لا أنَّه محمول بالفعل، فيقال: (زيد إنسان)، فعلم من ذلك أنَّ الإطلاق غير مأخوذ في الموضوع له، فالموضوع له ليس هو الطبيعة المطلقة المرسلة، بل الموضوع له هو المعنى المبهم الجامع بين هذه الأقسام، وهو مختلف باختلاف اللحاظ، واللحاظ خارج عن الموضوع له.
ــــــــــ[269]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ذكر غير واحد: أنَّ عَلَم الجنس يفترق عن اسم الجنس في أنَّ الموضوع له في اسم الجنس هو نفس الطبيعة، وفي علم الجنس هو نفس الطبيعي مقيّداً بالتعيّن الذهني، ولذلك يعامل معه معاملة المعرفة، ولا يضاف إلى شيء ولا يدخل عليه الألف واللام، كما هو شأن المعرَّفات، فإنَّ الموضوع له في أسامة وإن كان متّحداً مع الموضوع له في أسد، إلَّا أنَّ لفظ الأسد وضع لنفس الطبيعة بدون قيد شيء، ولكن لفظ أسامة وضع لنفس المعنى مع قيد التعيّن الذهني.
وقد تنظّر صاحب الكفاية(1) في ذلك، فذكر: أنَّ عَلَم الجنس لم يقيّد بالتعيّن الذهني، وإنَّما الموضوع له في الموردين معنى واحد، وإنَّما الفرق بينهما أنَّ أحدهما يعامل معه معاملة النكرة، والآخر يعامل معه معاملة المعرفة، وهذا لا محذور فيه؛ إذ قد نرى أنَّ بعض الألفاظ تكون مؤنّثة من دون أن تتضمّن جهة التأنيث، وتسمّى بالمؤنّث السماعي، وليس ذلك إلَّا لأنَّ العرب استعملتها كذلك كالعين والدار، فلتكن المعرَّفات أيضاً كذلك، فالعرب استعملت بعض
ــــــــــ[270]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 244.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الكلمات معرّفةً ولم تدخل عليه الألف واللام لا من جهة أنَّه موضوع لأمر متعيّن مشخّص على ما هو الحال في سائر المعارف، بل لأمر سماعي(1).
والظاهر أنَّ ما ذكره متين جدّاً، فأنّنا لا نرى فرقاً بين اللفظين في المعنى، بل ننتقل إلى معنى واحد من أسد وأُسامة من دون أن يكون لأحدهما خصوصيّة التعيّن الذهني، وإن كان يعامل مع أحدهما معاملة المعرفة، فهذا معرَّف سماعي، كما أنَّ بعض الألفاظ مؤنّث سماعي، والأمر صحيح.
واستدلّ صاحب الكفاية على ذلك: بأنَّ التعيّن الذهني، إذا كان قيداً للمعنى لا ينطبق على ما في الخارج، ولا يمكن أن يحمل عليه، فلا يمكن أن يُقال: هذا أُسامة، فلا بُدَّ في مرحلة الاستعمال من تجريده عن هذه الخصوصيّة. إذن، يكون أخذ الخصوصيّة في المعنى لغواً محضاً لا يترتّب عليه أيّ أثر.
وبالإضافة إلى لزوم التجريد نرى أنَّه لا تجوّز في استعماله أصلاً، حاله كحال الأسد، فنستعمله من دون عناية.
ــــــــــ[271]ــــــــــ
() هذا واهٍ جدّاً ومن الغرائب حقّاً، فإنَّ السماع وإن كان ملاكاً لنا، إلَّا أنّه لا يمكن أن يكون ملاكاً للعربي في استعمالاته، ولعلّ أحسن دليل على كونه معرفة، وكونه معنى متشخّصاً هو تسميّته بالعَلَم، وتمييزه عن اسم الجنس بذلك، فكأنَّهم اعتبروا الكلّي شخصاً واحداً سمّوه بهذا الاسم فأصبح معرفة لا محالة. وإنَّما يذهب الآخوند ويتبعه السيّد في هذه المذاهب للضيق في علمهم للغة العربيّة لا محالة، وعدم وجود المقابل لعَلَم الجنس في لغتهم الأصليّة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
هذا الذي ذكره من جهة أصل المطلب صحيح، لأنّا نرى أنَّ المستعمل فيه معنى واحد، فهما من قبيل المترادفين، فبحسب التبادر(1) الأمر كذلك، وإنَّما يكون أحدهما معرفة سماعاً.
وأمّا هذا الاستدلّال -وهو أنَّ التعيّن الذهني إذا أخذ في الموضوع له لا يمكن صدقه على ما في الخارج- فغير تامّ وإن كان المدّعى تامّاً، فإنَّ أخذ التعيّن الذهني في المعنى الموضوع له، قد يكون على نحو أخذ جزء في المركّب، على ما ذكرنا من أنَّ الجزء داخل قيداً وتقيّداً، كالركوع بالنسبة إلى الصلاة، فهو بنفسه داخل في المركّب، وكون الركوع بعد القيام وقبل السجود أيضاً داخلاً، فلا يكون الركوع مصداقاً للمأمور به، إلَّا إذا كان بعد القيام وقبل السجود، فأخذ التعيّن الذهني في الموضوع له قد يكون من هذا القبيل، فيكون الموضوع له لفظ أسامة هو الطبيعي المستفاد من لفظ الأسد، والتعيّن الذهني بنحو الجزئيّة.
وقد يفرض أخذه في المعنى باعتبار دخل التقيّد دون القيد، كدخل الشرائط في الواجب، كالاستقبال بالنسبة إلى الصلاة، والوضوء بالنسبة إليها، فإنَّه ليس الوضوء جزءاً من الصلاة، فإنَّ القيد غير داخل، إلَّا أنَّه لا بد أن يكون المصلي مستقبلاً، وإلَّا فإنَّ الأجزاء المأتي بها لا تكون مصداقاً للواجب،
ــــــــــ[272]ــــــــــ
() من المطمئن به بل المقطوع، هو أنَّ هذا التبادر لم يكن موجوداً لدى العرب، وإنَّما كانوا يفهمون من علم الجنس نكتة، ومعنى زائداً على مجرّد الطبيعة المفهومة من اسم الجنس، ولذا جعلوه معرفة (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
فالصلاة وإن لم تكن مؤلّفة من الوضوء والركوع والسجود، بل أجزاؤها الركوع والسجود، إلَّا أنَّ هذه الأجزاء لم تؤخذ مطلقاً، بل مقيّدة بقيد خاصّ، وهو أن تكون الصلاة إلى القبلة وحال الطهارة.
فيمكن أن يُقال: التعيّن الذهني الذي أخذ في الموضوع له أُخذ على نحو الشرطيّة، فالتقيّد داخل والقيد خارج، فأُسامة موضوع لمعنى الأسد مقيّداً بالتعيين الذهني بهذا النحو.
فإذا كان على نحو هذين الوجهين يتمّ ما ذكره، فإنَّ المعنى المقيّد بالتعيّن الذهني سواء كان القيد داخلاً أو خارجاً لا يمكن أن ينطبق على ما في الخارج بالضرورة.
أمّا إذا لم يكن القيد ولا التقيّد داخلاً في المعنى، بل كان التعيّن الذهني مأخوذاً بنحو الإشارة إلى ذات المعنى، كما في جملة من العناوين التي تؤخذ في موضوع الحكم للإشارة إلى واقع الموضوع من دون دخلها فيه، نحو: (أكرم جار زيد) مع أنَّ الجوار لا مدخلية له أصلاً في وجوب الإكرام ونحو: (أعط هذا المال لأخي زيد) مع أنَّه ليس للإخوة دخل في إعطاء المال له، بل لأنَّه دائن، أو مستحقّ للزكاة، أو نحو ذلك، ولكن لأنَّ المأمور لا يعرفه إلَّا بهذا العنوان، فإنَّه يجعل هذا العنوان موضوعاً للحكم، فيكون هذا العنوان معرّفاً إلى هذا الموضوع واقعاً.
فإذا فرضنا أنَّ التعيّن الذهني كان من هذا القبيل، فهو يشير إلى ذلك المعنى المتعيّن في ذهنك المعهود بيني وبينك، فلو كانت هذه الكلمة موضوعة
ــــــــــ[273]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
للمعنى المقيّد بهذا العنوان لا بنحو يكون القيد داخلاً بل على نحو يشار به إلى ذلك المعنى، حينئذٍ يكون قابلاً للانطباق على الخارج، ويكون التعيّن الذهني مشيراً ومعرّفاً للمعنى، فلا يرد هذا الإشكال.
ومن يقول بأنَّ التعيّن الذهني دخيل في المعنى ولهذا يكون معرفة يريد هذا المعنى جزماً، شأنه شأن الإشارة الخارجيّة، فإنَّ المأمور به هو الإتيان بذات الشيء ويعيّنه بالإشارة، فلا يلزم عدم إمكان الانطباق، والتجريد منافٍ لحكمة الوضع، فإنَّه لم يؤخذ فيه التعيّن بنحو يحتاج إلى التجريد.
وإنَّما الكلام في أخذ هذا المعنى في الموضوع له، فأنّنا إذا رجعنا إلى وجدأنّنا لم نرَ فرقاً بين اللفظين، غاية الأمر: أنَّ أحدهما يعامل معاملة المعرفة، والآخر معاملة النكرة.
ومّما يؤكّد ما ذكرناه أنَّ المعاني مشتركة بين اللغات، وبإزاء هذا اللفظ(1) في العربية لفظ آخر في اللغات الأُخرى، فهل يوجد هذا في لغة العجم مثلاً؟! أن يكون معنى واحد يكون له لفظان، ثُمَّ أيّ اختصاص لأُسامة وأسد(2)؟! فإذا
ــــــــــ[274]ــــــــــ
() ليس بإزاء علم الجنس لفظ في أيّ لغة أُخرى غير العربيّة كما هو معلوم؛ لأنَّ المعنى الموضوع له لم يلتفت إليه غير العرب (المقرّر).
(2) ليس هناك أيّ اختصاص بهذين اللفظين، بل المعنى الموضوع له علم الجنس يمكن تصوره في كلّ طبيعي لا محالة، ووضع العلم له، غاية الأمر: أنَّ العرب لم يضعوا الألفاظ إلَّا لمقدار معيّن من الكلّيّات، قد تكون عشرة أو أكثر، وليست منحصرة بأُسامة فقط، كما قد يظهر من العبارة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
كان هذا موجباً لتغاير المعنى، فكما يمكن فرض اسم الجنس وعلم الجنس في الأسد وأُسامة، فليفرض ذلك في الحجر والإنسان وغيرها من الجواهر والأعراض. وهذا يؤكّد أنَّ المعنى معنى واحد، وعنوان التعيّن الذهني لم يثبت فيما هو متعارف عرفاً، غير أنَّ أُسامة يعامل معه معاملة المعرّف، كالمؤنّثات السماعيّة، وهذا يسمّى بالمعرفة السماعيّة.
إذن، فدعواه صحيحة إلَّا أنَّ دليله غير صحيح.
ــــــــــ[275]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إنَّ الألف واللام أو اللام فقط موضوع للإشارة إلى معنى، فقد يشار به إلى الجنس نفسه، فيقال: (الإنسان كذا) وقد يشار به إلى جميع الأفراد على نحو الاستغراق، وقد يشار به إلى فرد ذكر قبل هذه الإشارة، ويسمّى بالعهد الذكري، نحو (اشتريت فرساً) و(بعت الفرس) يعني: بعت الفرس الذي اشتريته، وقد يشار به إلى موضوع خارجي معيّن فيكون عهداً خارجياً، كما لو كان هناك شخص فقال لصاحبه: (أعط الرجل درهما).
وذكروا قسماً آخر سمّوه بالعهد الذهني، فقالوا: إنَّه يشار به في ذهن المتكلّم، ويفترق عن النكرة باعتبار أنَّه معرفة، وفيه إشارة إلى ذلك الفرد المتعيّن في الذهن، وإلَّا بحسب الواقع لا فرق بينه وبين النكرة.
واستشكل في ذلك صاحب الكفاية(1) أمّا بالنسبة إلى العهد الذهني بمثل ما في أعلام الأجناس، وهو أنَّه لو كان المعنى مقيّداً بالتعيّن الذهني فلا يمكن صدقه على ما في الخارجي، إلَّا مع التجريد. إذن، ما فائدة هذا القيد؟ ومعه يستحيل انطباقه على ما في الخارج بدون التجريد، وكذلك استشكل في بقيّة
ــــــــــ[276]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 245.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الأقسام، وأنكر أن تكون الألف واللام دالّة على التعريف، أو الإشارة إلى الجنس، أو الاستغراق، أو العهد الخارجي أو الذكري.
تقريبه: أنَّ الألف واللام إذا دخل على شيء مثل الإنسان ولم يكن هناك قرينة على التعيين، لا يستفاد منه شيء أصلاً، فاستفادة هذه الأُمور لا بد وأن تكون لأجل قرينة خارجيّة تدلّ على ذلك، فالذكر في الكلام يكون قرينة على أنَّ المراد به المذكور أوّلاً، نحو: (اشتريت فرساً وبعت الفرس) أو العهد الخارجي كما لو كان عنده رجل فيقول: (أعط الرجل درهماً) أو المراد هو الاستغراق، فيريد كلّ فرد من الإنسان، نحو: إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا(1)، فالاستثناء قرينة على أنَّ المراد بمدخول الألف واللام هو جميع الأفراد، وقد يُراد به الطبيعة في نفسها والجنس في ذاته، فيحكم عليه بحكم، كقولهم: (الرجل خير من المرأة) ولا يراد به الاستغراق، وإلَّا فإنَّه ليس كلّ فرد من الرجل خير من كلّ فرد من المرأة، فإنَّ كثير من النساء خير من كثيراً من الرجال، لكن الطبيعة بذاتها كذلك.
وإذا لم تكن قرينة لا تدلّ الألف واللام على شيء، وإذا كانت قرينة فهي تغني عن وضعها للإشارة والتعيّن والدلالة على المراد. إذن، فقد اختار أنَّ الألف واللام لم توضع لمعنى أبداً، ولكنّها من حروف التزيين، كالألف واللام الداخلة على الأعلام نحو الحسن والحسين، فإنَّها ليست للتعريف، وإنَّما يدخل عليه للإلماع إلى معناه. هكذا ذكر.
ــــــــــ[277]ــــــــــ
(1) العصر: 2.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ومقدار من هذا الكلام لا بأس به، ولا بُدَّ من الالتزام به، وتفصيل ذلك: أمّا بالنسبة إلى العهد الذهني، فالأمر كما ذكره، لا لما ذكره من الدليل من أنَّ المقيّد بالتعيّن الذهني لا ينطبق على ما في الخارج، فإنَّه قد ظهر جوابه مّما سبق في أعلام الأجناس، فإنَّه لو أخذ التعيّن معرّفاً إلى الذات لا قيداً فيها يمكن انطباقه وإن كان المعنى معنى خاصاً. فما ذكره من الاستدلّال غير تامٍّ، ولكن المدّعى صحيح؛ إذ الألف واللام في موارد العهد الذهني لا نعرف له معنى متحصّلاً، والمستفاد منه هو المستفاد في موارد النكرة، فإنَّه لا فرق(1) بين أن يقول: (ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني) أو يقول: (لقد أمرّ على لئيم يسبّني).
إذن، المعلوم أنَّه لا يريد بهذا الكلام جنس اللئيم ولا الاستغراق، فإنَّه ليس كلّ لئيم إذا مرّ على الإنسان يسبّه، وليس من عهد خارجي ولا ذكري، فلا يُراد بهذا الكلام إلَّا فرد واحد من اللئيم مجهول عند المخاطب، والألف واللام حاله بعينه حال الألف واللام الداخلة على الأعلام.
وأمّا في بقيّة الأقسام فلا يمكن الالتزام بأنَّ الألف واللام للتزيّين مطلقاً، بل لا محالة نستفيد الإشارة من هذا اللفظ كما نستفيد الإشارة من كلمة (هذا) أو
ــــــــــ[278]ــــــــــ
() عدم الفرق واضح البطلان وجداناً وتبادراً، وغاية ما يمكن أن ينتج ما ذكره السيّد الأُستاذ من الدليل هو: أنَّ العهد الذهني لا محصّل له، إلَّا أنَّ هذا لا يلازم عدم الفرق بين العبارتين؛ إذ لعلّ هناك عهداً، أو المراد به جميع الأفراد، أو غير ذلك، بل لعلّ هذا البيت ليس من كلام العرب ولا حجّة فيه. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
(هو)، ولذلك لو قال: (اشتريت فرساً وبعت فرساً) لا يستفاد منه أنَّه باع ذاك الفرس؛ إذ يمكن أن يكون المراد من الفرس الثاني وهو منطبق على الفرس الأوّل، ويمكن أن يكون غيره مراداً، بخلاف ما إذا قال: (بعت الفرس) فإنَّ المستفاد من هذا الكلام أنَّ المبيع هو الفرس المشترى أوّلاً، فالألف واللام تدلّ على الإشارة لا محالة، إلَّا أنَّ تعيين المشار إليه لا بد له من قرينة، ولا يختصّ هذا بالألف واللام، بل يشمل أسماء الإشارة أيضاً، فإنَّه لو قال: (هذا الرجل عادل) لا يُعلم المقصود أيّ رجل ما لم يعيّنه بالقرينة، فالاحتياج إلى القرينة لا يختصّ بـ(أل)، بل يجري في أسماء الإشارة والضمائر، نحو (هو جاءني) فإنَّ المرجع لا بد أن يكون معلوماً في الخارج، ولا يدلّ وحده على شيء رغم كونه من المعارف.
فالحاجة إلى القرينة لا توجب أن لا يكون للألف واللام وضع، وإلَّا فهي موجودة في جميع موارد الإشارة والضمائر، فهذه الكلمات من الضمائر وأسماء الإشارة والألف واللام تدلّ على الإشارة، ولكنّها لا تعيّن المشار إليه، بل لا بد من تعيينه من الخارج، فقد يكون المشار إليه هو الجنس فيما إذا دلّت القرينة عليه، نحو (الرجل خير من المرأة) مع عدم قيام قرينة على أنَّ المراد رجل معيّن، ولا المراد استغراق الأفراد، وقد تقوم القرينة على أنَّ المشار إليه هو جميع الأفراد، كما إذا ورد عليه الاستثناء، نحو: إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا(1) وقد تكون القرينة دالّة على أنَّ المشار إليه هو خصوص ما ذكر في الكلام، أو خصوص فرد خارجي.
ــــــــــ[289]ــــــــــ
(1) العصر: 3.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
فحال الألف واللام حال أسماء الإشارة والضمائر في الحاجة إلى القرينة في تعيين المشار إليه، لا في الدلالة على الإشارة، فإنَّ الإشارة تكون بنفس اللفظ، والمشار إليه يحتاج إلى قرينة، فلا يمكننا إنكار أنَّ الألف واللام لم يوضع للدلالة على شيء، بل هي للتزيّين مطلقاً، بحيث لا فرق بين ما لو قال: (أعطني هذا الكتاب) أو قال: (أعطني هذا كتاباً) فهذا غير قابل للتصديق.
فما ذكره من عدم تصوّر أيّ وجه للإشارة والتعريف بالنسبة إلى العهد الذهني لا بأس به، وأمّا بقيّة الأقسام من الجنس والاستغراق والعهد الخارجي والذكري، فالظاهر أنَّ الألف واللام تدلّ على الإشارة وإن كان تعيين المشار إليه يحتاج إلى قيام القرينة، كما هو الحال في غيره من الألفاظ.
ــــــــــ[280]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ذكر صاحب الكفاية(1) أنَّ الجمع المحلّى باللام وإن كان يفيد العموم، إلَّا أنَّ ذلك لم ينشأ من الألف واللام، كما ذهب إليه المشهور(2) باعتبار أنَّها موضوعة للتعريف، وحيث إنَّ مراتب الجمع مختلفة ولا تعيّن له في حصّة دون أُخرى، فيتعيّن إرادة المجموع، فإنَّ جميع الأفراد متعيّن في الخارج.
فذكر أنَّ المشهور وإن ذكروا ذلك، إلَّا أنَّ إفادة الجمع المحلّى باللام وإن كان صحيحاً إلَّا أنَّه ليس لأنَّ الألف واللام موضوعة للتعريف، والتعريف ملازم للتعيّن في جميع الأفراد لكونها متعيّنة في الخارج، فإنَّ الجمع غير متعيّن إلَّا في المرتبة الأخيرة، إلَّا أنَّ المرتبة النازلة أيضاً متعيّنة، فإنَّه لا يحتمل أن يُراد من (أكرم العلماء) أقلّ من ثلاثة أفراد، فلو كان التعيّن والتعريف سبباً لإرادة المجموع لم يكن إرادة الجميع معيّناً، فإنَّ إرادة الأقلّ متعيّن أيضاً.
إذن، لا يمكن أن يقال: إنَّ إفادة العموم مستفادة من التعريف، فيتعيّن حينئذٍ الالتزام بوضع المجموع لذلك، أو يقال: إنَّ الألف واللام بنفسه موضوع للتعريف. هذا ما ذكره.
ــــــــــ[281]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 245- 246.
(2) انظر: الفصول الغرويّة: 169.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
والمستفاد من كلامه أمران:
الأمر الأوّل: أنَّ الجمع المحلّى باللام يفيد العموم، وهذا غير قابل للإنكار، فلا إشكال من استفادة العموم منه، مثل: (أكرم العلماء) ونحو ذلك.
الأمر الثاني: هو أنَّ هذه الاستفادة ناشئة من كون المجموع موضوع لذلك، أو أنَّ الألف واللام موضوع لذلك، أو ما ذكره المشهور من أنَّ الدلالة على العموم ناشئ من دلالة الألف واللام على التعريف، وتعيّنه في المرتبة الأخيرة، فقد أفاد الوجه الأوّل وعلى تقدير التنزّل فالثاني، ولم يوافق على ما ذكره المشهور.
تقدّم -في بحث العامّ والخاصّ- أنَّ الصحيح هو ما ذكره المشهور، وأنَّ الألف واللام يستفاد منه التعريف، كما ذكره ابن مالك(1) وغيره(2)، ولكنّه إذا دخل على المفرد، فغايته: أنَّه يكون إشارة إلى الجنس ولا يكون هناك تعريف، ولا يستفاد منه شيء، إلَّا إذا كان هناك عهد ذكري أو خارجي، فإنَّه يستفاد منه التعريف لا محالة؛ لأنَّه يكون إشارة إلى الموجود في الكلام أو في الخارج.
وهذا المعنى موجود في الجمع؛ لأنَّ المراد به ثلاثة أفراد فما زاد، فإذا كانت الإشارة إلى الأفراد، كما في قول القائل: (أكرم العلماء) فأيّ ثلاثة يريد؟ هل ثلاثة من الهاشميين، أو من الفقهاء، أو من الأعمّ منهما، أو يريد ثلاثة على
ــــــــــ[282]ــــــــــ
(1) انظر: شرح الكافية الشافية 1: 52، شرح الفيّة ابن مالك لابن الناظم 5.
(2) انظر: اللامات 17، مغني اللبيب 1: 72.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الإطلاق؟ لا تعيّن لذلك. نعم، يتعيّن أن تكون الثلاثة مرادة؛ لأنَّ الجمع لا يستعمل في أقلّ من ثلاثة، ولا سيّما إذا كان محلّى باللام، ولكن لا تعيّن للثلاثة في الخارج، فإنَّ (ثلاثة من العلماء) قابلة للانطباق على كلّ ما يفرض ثلاثة من العلماء، فهو وإن كان بحسب العدد متعيّناً، إلَّا أنَّه لا تعيّن له في الخارج، ومصداق الثلاثة في الخارج مجهول حاله حال النكرة، ويمكننا فرض ألوف من الثلاثة، كلٌّ منها يكون فرداً من المفهوم، فلا يمكن يكون له تعيّن في الخارج.
فإذا كان الألف واللام دالّاً على التعريف، ولا تعيّن في الخارج إلَّا لجميع الأفراد، فما ذكره المشهور من أنَّ الألف واللام دالّ على التعريف ابتداءً ولازمه استفادة العموم هو الصحيح؛ إذ لا تعريف إلَّا لجميع الأفراد، بعد أن نعلم أنَّ المراد ليس هو الجنس.
وأمّا ما ذكره من استفادة وضع المجموع من حيث المجموع، فقد تقدّم الكلام في وضع المركّبات(1) وأنَّه لا وضع لها، والمجموع من حيث المجموع ليس له وضع في لغة العرب وفي غيرها، وإنَّما الوضع للمفردات والهيئات التركيبية.
وأمّا ما ذكره من دلالة الألف واللام على العموم ابتداءً، فأيضاً لا يمكن المساعدة عليه؛ فإنَّه وإن أراد بذلك أنَّها موضوعة أينما كان، فهذا باطل جزماً؛ لأنَّها إذا دخلت على المفرد لا تدلّ على العموم، وإنَّما يكون دالاً على ذلك إذا دخل على الجمع. وإن أراد به وضع اللام للعموم عند دخولها على ــــــــــ[283]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 1: 217.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
العموم، فقد رجع إلى وضع المركّب، فإنَّ اللام في خصوص الجمع موضوعة للعموم، وقلنا: إنَّ هذا لا أساس له.
ــــــــــ[284]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ثُمَّ ذكر النكرة، وذكر أنَّها على قسمين: فإنَّه قد يُراد بالنكرة الفرد المعيّن المعلوم عند المتكلّم، ولكنّه مجهول عند المخاطب، كقوله تعالى: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ يَسْعَى(1) أو يقول زيد: (جاءني رجل أمس وقال لي كذا) فالمستعمل فيه في مثل ذلك معيّن معلوم في الواقع، والمخاطب جاهل بهذا الفرد. وقد يُراد بالنكرة الطبيعة المقيّدة بالوحدة، كقول الآمر لغيره: (أعط زيداً درهماً أو درهمين، رغيفاً أو رغيفين) وغير ذلك من موارد الاستعمالات، ويُراد به الطبيعي المقيّد بالوحدة، في مقابل اسم الجنس الذي يدلّ على نفس الطبيعة من غير تقييد بالوحدة والكثرة، فهنا تقيّد بالوحدة من جهة التقابل، فيكون مدلول النكرة حصّته من مدلول اسم الجنس.
وأمّا ما هو المعروف من وضع النكرة للفرد المردّد(2)(3) فهو غير قابل
ــــــــــ[285]ــــــــــ
() يس:20.
(2) لا يخفى أنَّ الترديد الثبوتي وإن كان مستحيلاً بالبرهان المذكور في المتن، إلَّا أنَّ الترديد الإثباتي ممكن وواقع، وليس المراد من وضع النكرة لذلك غير ذلك، كما هو معلومٌ، فلا وجه للإشكال من هذه الناحية، ويكون الدليل إبطالاً لغير المدّعى، كما هو معلومٌ. (المقرّر).
(3) الفصول الغرويّة: 163.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
للتسليم، فإنَّه لا وجه له في الخارج، فإنَّه معلوم أنَّ كلّ فرد هو بنفسه لا هو أو غيره، والمردّد معناه هو أو غيره، فالفرد المردّد لا ينطبق على أيّ فردٍ في الخارج، فإنَّ كلّ فرد في الخارج معيّن.
والظاهر أنَّ مدلول النكرة في القسم الأوّل والثاني مدلول واحد، وهو عين مدلول اسم الجنس، فالنكرة لا تقابل اسم الجنس وليس لها وضعان. نعم، تستفاد الوحدة في القسم الثاني من تنوين التنكير، وأنَّ كلمة (رجل) وضعت لنفس الطبيعي الجامع بين تمام الأقسام، ويستفاد التعدّد من هيئة التثنية في نحو: (أعطني درهماً أو درهمين)، فمدلول كتاب في: (جئنِ بكتاب) هو مدلول: (الكتاب) لا يختلف عنه أبداً، فاللفظ موضوع لمعنى واحد إلَّا اللفظ المعرّب في اللغة العربية لا يستعمل إلَّا مع الألف واللام أو التنوين أو الإضافة.
ومن هنا يظهر الكلام في القسم الأوّل، فإنَّ تعيّن الفرد خارجاً وعلم المتكلّم به لا دخل له في محلّ الكلام، فإنَّ (جاءني رجل) يعني: فرداً من هذه الطبيعة، غايته: أنَّ المتكلّم يعلم به، لا أنَّ المستعمل فيه هو أمرٌ آخر، بل المستعمل فيه هو الطبيعة المقيّدة بالوحدة، وحيث إنَّها متحقّق منها فعل في الخارج صادر منها، أو واقع عليها، فتكون متعيّنة في الخارج، والتعيّن في الخارج أجنبي عن مدلول الكلام.
فلا فرق بين النكرة واسم الجنس أبداً، وإنَّما الوحدة تستفاد من تنوين التنكير.
ــــــــــ[286]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
هل الألفاظ وضعت للطبيعة اللابشرط القسمي، أو موضوعة لنفس الطبيعة الجامعة بين جميع موارد الاستعمالات؟
نسب إلى سلطان العلماء بل إلى المشهور(1) بأنَّها موضوعة للمعاني اللابشرط، أعني: المطلق، ولذلك التزموا بأنَّ التقييد مستلزم للمجاز، ولكن هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه لما ذكرناه من أنَّ الموضوع له هو أعمّ من ذلك، وهو نفس الطبيعة التي لم يؤخذ معها شيء حتّى لحاظ(2) الذاتيّات أو التجرّد.
ثُمَّ هي تنقسم إلى الأقسام السابقة، فبناءً على هذا لا يكون الاستعمال في شيء من هذه الموارد مجازاً، بل اللفظ مستعمل في معنى واحد، وبقيّة الخصوصيّات مستفادة من دوالٍّ أُخر من باب تعدّد الدالّ والمدلول، فليس التقييد مجازاً، فإنَّ اللفظ استعمل في ما وضع له ولم يخرج عن ذلك، وقد استفيد التقييد من دالٍّ آخر. هذا هو الصحيح كما تقدّم.
ــــــــــ[287]ــــــــــ
() انظر: عوائد الأيام: 301، نتائج الأفكار: 35، القوانين 1: 466.
(2) يعني: الماهيّة التي يقتصر فيها النظر على الذاتيّات. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وعلى تقدير تسليم ما نسب إلى المشهور وسلطان العلماء(1)، من أنَّه موضوع للّابشرط القسمي، فأيضاً لا يكون التقييد مجازاً لما ذكرناه في باب العامّ والخاصّ، من أنَّ أداة العموم بنفسها موضوعة لسريان الحكم إلى جميع الأفراد، والمراد الاستعمالي دائماً في جميع الموارد هو العموم، والتخصيص لا يكشف عن خلاف ذلك، غايته: أنَّ المراد الجدّي ليس هو العموم، ففي المقام لو فرضنا أنَّ اللفظ موضوع للّابشرط القسمي، فهو لا يستعمل إلَّا في معناه، ولكن بالتقييد يكشف أنَّ المراد الجدّي غير ذلك، وهو المقيّد دون المطلق، فلا منافاة بين أن يكون المطلق مستعملاً في معناه، ولكن المراد به بعض أفراده، فالمطلق لا يزيد عن العامّ، والحال فيه نفس ما ذكرناه في باب العامّ والخاصّ.
ومن هنا ظهر أنَّ اللفظ فيما لو كانت هناك قرينة على أنَّ المراد به هو الطبيعة بشرط لا، كما لو كان المحمول من المعقولات الثانويّة، كالإنسان نوع، فإنَّه معلوم عدم انطباقه على الأفراد الخارجيّة، فلا يمكن أن يكون نظر المتكلّم إلى سراية الحكم إلى جميع الأفراد أو بعضها، بل هو حكم للطبيعة المأخوذة بشرط لا، فهذا قرينة على ذلك.
وأمّا غير ذلك من المحمولات، كالأحكام التكليفيّة، أو الوضعيّة، أو غيرها مّما هو من غير المعقولات الثانويّة، فلا بُدَّ أن يكون على نحو يسري إلى ما في الخارج، إمّا إلى بعض الأفراد أو جميع الأفراد، فإنّ أُخذ بنحو يسري إلى
ــــــــــ[288]ــــــــــ
(1) تأمّل الشيخ الأعظم في هذه النسبة، فقال: إنَّ التقييد لا يوجب مجازاً في المطلق من جهته، وأوّل من صرح بذلك السيّد السلطان. وذهب بعضهم إلى أنّه مجاز، بل نسب إلى المشهور. ولا أظنّ صدق النسبة. انظر: مطارح الأنظار 2: 249.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الجميع فهو المطلق، وإن أُخذ بنحو يسري إلى البعض فهو المقيّد، فإن كانت قرينة خاصّة على أحدهما دون الآخر فهي المتّبعة دون غيرها.
وأمّا إذا لم تكن قرينة خاصّة ودار الأمر بين الإطلاق والتقييد، وكان المحمول من المحمولات التي لا بد من سريانها إلى الأفراد الخارجيّة، ودار أمره بين ثبوته لبعض الأفراد أو جميع الأفراد.
فقيل: إنَّ هناك قرينة عامّة -ما لم تكن قرينة خاصّة- يحمل اللفظ معها على الإطلاق، وادّعوا أنَّها مقدّمات الحكمة(1)، فإذا تكلّم المتكلّم بكلام وشككنا أنَّ الحكم خاصّ لبعض الأفراد، أو عامّ للجميع نحمله على العموم والشمول، فيكون بحسب ظهور اللفظ أنَّ المراد به هو المطلق، وتسمّى هذه المقدّمات بمقدّمات الحكمة باعتبار أنَّها تتمّ فيما إذا كان المتكلّم حكيماً، وأمّا إذا لم يكن حكيماً فلا يمكن أن يستكشف من كلامه الإطلاق، فإنَّه قد يريد المقيّد ولا يقيّد.
نعم، إذا كان بالغاً عاقلاً شاعراً جاريّاً على طبق قوانين الكلام والسيرة العقلائيّة في التفهيم والتفهّم -وهو معنى الحكمة- فيترتّب عليه: أنَّه ما لم تقم قرينة على الخلاف، يحمل الكلام على الإطلاق مع تماميّة مقدّمات الحكمة.
قد ذكرنا في مبحث التعبّدي والتوصّلي(2)، أنَّ أيّ حكم من قبل أيّ حاكم شاعر ملتفت بحسب مقام الثبوت لا يخلو من الإطلاق أو التقييد، فإذا جعل
ــــــــــ[289]ــــــــــ
(1) منتهى الأصول 1: 47.
(2) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 2: 264.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
حكماً على موضوع أو متعلّق، وكان له تقسيمات كتقسيم الرجل إلى العالم والجاهل، والصلاة إلى ما كان إلى القبلة وغيره، فالحكم المجعول في مقام الثبوت لا يخلو أمره من الإطلاق أو التقييد، ولا يتصوّر شقّ ثالث في المقام؛ وذلك لأنَّ إحدى الخصوصيتين الوجوديّة أو العدميّة، إمّا أن تكون دخيلة في الحكم المجعول، من جهة الموضوع أو المتعلّق، فلا محالة تكون الطبيعة مقيّدة ولا يسري الحكم إلى فاقد هذه الخصوصيّة؛ فلها دخل في موضوع الحكم أو متعلّقه على الفرض، وأمّا إذا لم يكن للخصوصيّة دخل في الحكم فلا محالة يكون شاملاً لواجد الخصوصيّة وفاقدها، فالحكم بحسب مقام الثبوت إما مطلق أو مقيّد، ولا ثالث لأنَّ النقيضين لا يرتفعان، والواسطة غير متصوّرة، ولذلك ذكرنا هناك أنَّ الإهمال في مقام الثبوت غير معقول.
وقد ذكرنا(1) هناك أيضاً أنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد في مرحلة الجعل من تقابل الضدّين، فإنَّ كلاً منهما يحتاج إلى اللحاظ، فإنَّ الحاكم إمّا أن يلاحظ موضوع حكمه ملغى عنه الخصوصيّة فلا يسري إلى الفاقد، وإمّا أن يلحظ مقيّداً بها، فهما من اللحاظين الوجوديين المتقابلين، فهما من قبيل الضدّين، فإذا كان أحدهما مستحيلاً يكون الآخر واجباً ضرورياً، فإذا كان الإطلاق مستحيلاً كان التقييد واجباً وإذا كان التقييد مستحيلاً كان الإطلاق ضرورياً.
وهذا ليس كما ذكره شيخنا الأُستاذ(2) من أنَّ التقابل بينهما من تقابل العدم
ــــــــــ[290]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 2: 265.
(2) انظر: أجود التقريرات 1: 510.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
والملكة، فإذا كان أحدهما مستحيلاً كان الآخر مستحيلاً أيضاً؛ لأنَّه يعتبر في وجود الملكة قابليّة المحلّ، فإذا لم يكن المحلّ قابلاً كانت الملكة مستحيلة ويكون عدمها مستحيلاً أيضاً.
ولكن يرد عليه:
أوّلاً: لأنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد ليس هو من تقابل العدم والملكة، بل من تقابل الضدين.
وثانياً: أنَّ التقابل المأخوذ في الإعدام والملكات ليس هو القابليّة الشخصيّة بل القابليّة النوعيّة، وقلنا: بأنَّ العلم بذات الله تعالى مستحيل، ولكن الجهل بها ضروري لا مستحيل، وإن كان التقابل بين العلم والجهل من باب العدم والملكة، فكلّ ممكن مهما بلغ من العلم فإنَّه لا يمكن أن يحيط بذات الواجب تعالى، لقصور الممكن عن إدراك الواجب، فهو جاهل بها لا محالة، فالعلم مستحيل إلَّا أنَّ الجهل ضروري، فإنَّ العلم يمكن ثبوته لهذا، وإن كان شخص العلم مستحيلاً.
وكذلك قلنا: إنَّ الغنى في الممكن عن الواجب مستحيل، ولكن الفقر فيه ضروري، واستحالة الغنى لا يستلزم استحالة الفقر.
فعلى تقدير أنَّ التقييد مستحيل في مورد، فمع ذلك لا يكون الإطلاق مستحيلاً بل ضرورياً، فإنَّ القابليّة المأخوذة في الأعدام والملكات هي القابليّة النوعيّة دون الشخصيّة، وقد تقدّم ذلك مفصّلاً في مبحث التعبّدي والتوصّلي(1).
ــــــــــ[291]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 2: 271 – 274.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
والنتيجة -بحسب مقام الثبوت- الإهمال في مقام الجعل غير معقول المعقول، فإنَّ الحاكم الملتفت لا يخلو أمره من الإطلاق والتقييد، ولكن في مقام الإثبات يمكن أن لا يكون المتكلّم في مقام البيان، فيمكن أن يكون كلامه مطلقاً أو مقيّداً أو مهملاً.
ــــــــــ[292]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
المقدّمة الأولى: هي أن يكون المتكلّم متمكّناً من التقييد ولا يقيّد، فإذا أتى بقيد في كلامه لا يكشف هذا الكلام عن إرادة المطلق لا محالة، فلو قال: (جئنِ برجل عالم) لا يكشف ذلك أنَّ المجعول في مقام الثبوت هو المطلق، وكذلك لو فرضنا أنَّه لا يتمكّن من التقييد في مقام الإثبات لوجه مّا كالتقيّة وغلبة النوم(1) وغير ذلك، فلا يمكن أن يؤخذ بإطلاق الكلام.
والوجه فيه ظاهر: فإنَّ كشف الكلام عن الإطلاق في مقام الثبوت إنَّما يكون إذا أتى بالكلام مرسلاً غير مقيّد مع تمكّنه من التقييد(2)، فنستكشف الإطلاق في مقام الثبوت حينئذٍ.
أمّا إذا لم يتمكّن من التقييد لوجه مّا، فلا يستكشف منه الإطلاق الثبوتي، لأنَّه غير متمكّن في مقام البيان من التقييد، ولا يمكن أن يُقال: إنَّه كان متمكّناً من التقييد ولم يقيّد، ويستكشف مع ضمّ المقدّمات الأُخرى الإطلاق.
المقدّمة الثانية: أن يكون المتكلّم في مقام البيان، فلو فرض أنَّه ليس في مقام
ــــــــــ[293]ــــــــــ
() يحتمل أنَّه أراد التقييد ولم يقيّد لغلبة النوم عليه. (المقرّر).
(2) لا يخفى ما في هذه الوجه من المصادرة، لأنَّ هذا أوّل الكلام، إلَّا أن يدّعى أنَّ هذا واضح ضروري مثلاً، كما لا يبعد. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
البيان، بل كان في مقام بيان أصل التشريع من دون أن يكون في مقام بيان الخصوصيّات والمزايا المعتبرة في موضوع التكليف أو متعلّقه، وذلك كقوله سبحانه: وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ(1) إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً(2) وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً(3). فهذه الآيات ليست في مقام بيان أنَّ الصلاة مكوّنة من أيّ شيء، والزكاة في أيّ مالٍ، وبالنسبة إلى أيّ شخص، ولذلك لا يمكن التمسّك بإطلاق هذه الآيات؛ لأنَّ الله تعالى ليس في مقام بيان هذه المعاني، بل أوكل أمر بيانها إلى النبيّ وأوصيائه (عليهم الصلاة والسلام أجمعين)، فلا يمكن التمسّك بقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ إذا شكّكنا في دخل شيء في الصلاة وجوديّاً كان أم عدميّاً.
ونظير ذلك في الأُمور العرفيّة أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء، فإنَّ الطبيب ليس في مقام البيان، ولا يمكن للمريض أن يتمسّك بإطلاق كلامه فيشرب أيّ دواء كان، فإنَّ الطبيب كان في مقام بيان الحاجة إلى شرب الدواء. أمّا أنَّ الدواء من أيّ قسم فهل هو من المسهل، أو المقبّض، أو يزيد الحرارة، أو ينقصها، ولا يمكن التمسّك بالإطلاق، وهذا واضح.
وكذلك إذا ورد كلام من متكلّم، وكان في مقام البيان من جهة ولم يكن في مقام البيان من جهة أُخرى، فيتمسّك بالإطلاق بالنسبة إلى الجهة التي يكون
ــــــــــ[294]ــــــــــ
(1) البقرة: 110.
(2) النساء: 103.
(3) الاسراء: 78.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
المتكلّم في مقام بيانها، ولكن بالنسبة إلى الجهة الأُخرى لا يمكن التمسّك بالإطلاق، والوجه(1) في ذلك أيضاً ظاهر: فإنَّه بالنسبة إلى هذه الجهة التي لا يكون المتكلّم في مقام البيان، لا يُقال: إنَّه لم يقيّد فيستكشف منه الإطلاق؛ لأنَّه لم يكن في مقام البيان.
ومن هذا القبيل قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ(2)، فالكلام هنا عن أنَّه لا يعتبر التذكية المعتبرة في قوله تعالى: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ(3)، فالآية ناظرة إلى ذلك، فلو أمسك الكلب صيداً، ولكنّه مات قبل الوصول إليه يكون حلالاً بمقتضى إطلاق الآية، فيكتفى في تذكيته بقتل الكلب له، أمَّا أنَّه هل يؤكل بلا غسل أو أنَّ محلّ إمساك الكلب نجس، فإنَّ الآية ليست من هذه الجهة في مقام البيان، وإنَّما يرجع إلى دليل آخر، وبمقتضى حرمة أكل النجس لا بد من غسل موضع النجس.
وكذلك الروايات، فإنَّه في موارد عديدة تكون الرواية في مقام البيان من جهة دون أُخرى، كالروايات الواردة في العفو عن قليل الدم، وأنَّه لا بأس به في الصلاة، هذه الروايات واردة استثناء من دليل مانعيّة الدم في الصلاة، فتصحّ الصلاة حال الاختيار في ثوب فيه دم أقلّ من درهم، فلو فرضنا أنَّ الدم طاهر في نفسه، ولكنّه مّما لا يؤكل كالسمك الذي لا يؤكل، لا يمكن التمسّك
ــــــــــ[295]ــــــــــ
() لا يخفى ما في هذا الوجه من المصادرة. (المقرّر).
(2) المائدة: 4.
(3) المائدة: 3.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بإطلاق هذه الروايات إن كان الدم أقلّ من درهم لإثبات جواز الصلاة فيه، فإنَّها ناظرة إلى العفو من جهة النجاسة لا من جهة أنَّه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، وكذلك إذا فرضنا أنَّ الدم من حيوان لا يؤكل لحمه ونجس أيضاً، كدم الذئب أو الفأرة، ففيه جهتان جهة نجاسة وجهة ما لا يؤكل لحمه، فإنَّ الروايات غير ناظرة إلى الحكم الثاني، فلو كان الدم مّما لا يؤكل لحمه لا يمكن التمسّك فيه بهذه الروايات.
ففي كل مورد كان المتكلّم في مقام البيان من جهة يتمسّك به من تلك الجهة دون الجهات الأُخرى.
فالمتحصّل من هذه المقدّمة: أنَّ التمسّك الإطلاق يبتني على كون المتكلّم في مقام البيان، فإن كان في مقام البيان من تمام الجهات فيتمسّك به من تمام الجهات، وإن كان في مقام البيان من بعض الجهات فيتمسّك بمقداره، وإن لم يكن في مقام البيان، أو لم يكن من بعض الجهات لم يمكن التمسّك به أصلاً.
ما معنى أن يكون المتكلّم في مقام البيان، فهل معناه أنَّه يكون في مقام بيان مراده الجدّي من تمام الجهات، فلا تبقى خصوصيّة قد تعلّق مراد بها إلَّا وبيّنها؟
لعلّ هذا لم يتحقّق أبداً، فإنَّه لا يتحقّق في العمومات فضلاً عن المطلق، فإذا قال: (كلّ عالم) فإنَّه يمكن أن يأتي بمخصّص منفصل، فليس المراد من كونه في مقام البيان هو هذا المعنى، حتّى نستكشف من ورود المخصّص المنفصل أنَّه لم يكن في مقام البيان من الأوّل.
ــــــــــ[296]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
كما أنَّ المراد من كونه في مقام البيان ليس بمعنى كونه في مقام البيان في قبال أنَّه لم يقصد التفهيم أصلاً، كأنَّه لقلقة لسان، أو يتكلّم بلغة لا يفهمها المخاطب، حتّى يُقال إنَّ قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أو قول الطبيب: (اشرب الدواء) في مقام البيان؛ لأنَّه في مقام التفهيم.
بل المراد أمر وسط بين الأمرين، فإنَّ المتكلّم في مقام التفهيم والتفهّم على نحو يكون كلامه حجّة عليه، ففي مقام الإبراز يبرز مراده الجدّي على نحو الإطلاق، ولكن قد يكون مراده الجدّي غير ذلك، فمعنى كونه في مقام البيان هو إرادة المتكلّم أن يفهم المخاطب الإطلاق من كلامه من جهة سكوته عن القيد، ولو فرض أنَّ مراده الاستعمالي ليس مطابقاً لمراده الجدّي، بل أخّر بيان مراده الجدّي لمصلحة اقتضته، فلا تنافي بين استعمال اللفظ في العموم وبين التخصيص، ولا يكشف التخصيص عن استعمال اللفظ في غير ما وضع له في المطلق أيضاً كذلك، وكونه في مقام البيان، يعني: في مقام تفهيم المخاطب الإطلاق، ولكن هذا من أجل ضرب القانون والقاعدة، وأمّا مراده الجدّي فيذكره بعد ذلك. فالإتيان بالمقيّد بعد ذلك لا يكشف عن أنَّ المتكلّم لم يكن في مقام بيان التفهيم بل كان، ولكنّه لم يكن مراده الجدّي مطابقاً لمراده الاستعمالي وقد أخّره لمصلحة.
فإن كان المتكلّم في مقام البيان على هذا النحو فيصحّ التمسّك بإطلاق كلامه، ويكون حجّة له وعليه، ما لم يأتِ بمقيّد منفصل، وإذا أتى به يكشف عن أنَّ مراده الجدّي أخصّ من مراده الاستعمالي.
ــــــــــ[297]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذا شكّكنا في أنَّه في مقام البيان لنأخذ بإطلاق كلامه، أو ليس في مقام البيان لأجل أن لا يكون لكلامه إطلاق، فهل يمكن التمسّك في مثل ذلك بإطلاق كلامه أو لا يمكن؟!
فلو شكّكنا في آية: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ وأنَّه سبحانه في مقام البيان من جميع الجهات أو من جهة التذكية فقط، أو شكّكنا في مسألة استثناء الدم هل هو من ناحية النجاسة الدمويّة أو من جميع الجهات، أو شكّكنا في كلام ابتداء كـأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ.
ذكر بعضهم(1): أنَّه في مرحلة الشكّ يحمل الكلام على أنَّ المتكلّم في مقام البيان، فيتمسّك بإطلاق كلامه، فما لم تقم قرينة على أنَّه ليس في هذا المقام، فإنَّ بناء العقلاء على أنَّ المتكلّم في مقام البيان، ولا يحمل على خلاف ذلك إلَّا بقرينة داخليّة أو خارجيّة، فإذا شكّكنا في ذلك فيحمل كلامه على أنَّه في مقام البيان.
ولكن الظاهر هو أن يفصّل في المقام، فإذا شكّكنا أنَّ المتكلّم في مقام بيان المراد الجدّي، أو في مقام الإهمال والإجمال فيتمسّك بإطلاق الكلام لبناء العقلاء على أنَّ المتكلّم في مقام بيان مراده الجدّي. ففي قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ
ــــــــــ[298]ــــــــــ
(1) كتاب الخلاف 2: 188، 518، عوائد الأيام: 752، درر الفوائد 1: 201.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا(1) يتمسّك بالإطلاق في كليهما، ويقال: إنَّ كل ما صدق عليه أنَّه بيع عرفاً فهو صحيح شرعاً، وكلّ ما صدق عليه أنَّه ربا فهو محرّم، فما لم يثبت من الخارج أنَّ بعض البيع باطل كبيع الصبي والصغير والمجنون، أو أنَّه إذا كان المبيع أو الثمن جزافياً كان البيع باطلاً، وأمّا إذا لم يثبت كالمعاطاة التي يصدق عليها البيع عرفاً فنتمسّك بالإطلاق ونحكم بصحتها؛ لأنَّ الشكّ في كون المتكلّم في مقام البيان لا يعتنى به، بل يحمل عليه ما لم تقم قرينة على الخلاف، والسيرة العقلائيّة قائمة على أنَّ الكلام الصادر من أيّ متكلّم حكيم إنَّما يصدر بقصد بيان مراده الواقعي، فيكون حجّة للمتكلّم على المخاطب وبالعكس.
وأمّا إذا علمنا أنَّه في مقام البيان من بعض الجهات، ولم نحرز أنَّه في مقام البيان من جميع الجهات، أو في خصوص هذه الجهة، يعني: هذا الكلام صدر لإظهار المراد الجدّي يقيناً، لكن الشكّ في سعة مراده الجدّي وضيقه، وهذا كما في الآية المباركة، والرواية فيما ذكرناه من مسألة الدم، فإنَّ قوله: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ(2) ناظر إلى جهة التذكية فقط، وأنَّه لا تعتبر التذكية في صيد الكلب، وأمّا من جهة نجاسة المحلّ فهل هو في مقام البيان أو لا؟ فالشكّ يكفي في المقام، فإنَّه لم يثبت بناء العقلاء على أن يكون المتكلّم في مقام البيان من جميع الجهات؛ لأنَّ الذي ثبت هو أنَّ الكلام الذي يؤتى به لبيان المراد الجدّي، ولكن
ــــــــــ[299]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
(2) المائدة: 4.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
متعلّق الإرادة ما هو؟ هل هو تمام المراد أو بعضه؟ فنقتصر على الجهة المتيقّنة، وأمّا الجهة التي نشك في كون المتكلّم في مقام البيان من جهتها، فلا يمكن التمسّك حينئذٍ بالإطلاق ولا يمكن الاحتجاج به.
والفرق بين القسمين واضح، فإنَّه في القسم الأوّل يدور الأمر بين وجود الإرادة وعدمها، وأنَّ المتكلّم أراد بيان مراده الجدّي أو لم يرد فكان في مقام الإهمال والإجمال، فظاهره أنَّه في مقام تفهيم البيان وتفهيم المراد.
وأمّا في القسم الثاني فالمفروض أنَّ المتكلّم كان في مقام بيان مراده، ولكن لا ندري أنَّه أراد بيان تمام الجهات أو من جهة خاصّة، فإثبات أنَّه في مقام البيان من تمام الجهات يحتاج إلى دليل، ومع الشكّ يكفينا الشكّ في عدم جواز التمسّك بالإطلاق، فإذا شكّكنا بالنسبة إلى الآية، لا يمكننا التمسّك بإطلاقها من ناحية النجاسة.
وبالجملة: إتيان المتكلّم بقيد، بعد أن كان متمكّناً من أن يأتي بقيد بمقتضى المقدّمة الأولى، وأنَّه في مقام البيان بمقتضى المقدّمة الثانية فإنَّه إن أتى بقيد وكان متّصلاً، فمن الأوّل لا ينعقد الظهور في الكشف عن الإطلاق بحسب مقام اللبّ والإرادة الجدّية، فلو قال: (جئنِ بماء بارد) لا يمكن أن نستكشف أنَّ مراده الإتيان بمطلق الماء، وهذا واضح، فإنَّ الدائرة ضيّقة من الأوّل.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ المقيّد منفصل، فالكشف ثابت إلى زمان ورود المقيّد، فإلى هنا كنّا نستكشف أنَّ المراد الجدّي هو المطلق، وبعد ذلك لا يمكن هذا الاستكشاف، فإنَّ عدم البيان تبدّل إلى البيان، فزمان عدم البيان انتهى وانقلب
ــــــــــ[300]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إلى البيان، فلا يمكننا أن نستكشف أنَّ المراد الجدّي هو العموم.
والفرق بين المقيّد المتّصل والمنفصل: أنَّه في المتّصل لم ينعقد الإطلاق من الأوّل، وأمّا في المنفصل الكشف موجود إلى الآن، وبعد صدور المخصّص يسقط عن الكاشفيّة، وعدم البيان ينقلب إلى البيان، ونستكشف أنَّ المراد الجدّي هو المقيّد.
بعد تمامية هذه المقدّمات نستكشف أنَّ المراد الجدّي هو المطلق وذلك لتبعية مقام الإثبات لمقام الثبوت وبالعكس، فإنَّ مقام الثبوت تابع لمقام الإثبات من جهة الكشف، ومقام الإثبات تابع لمقام الإثبات من جهة الوجود، فمقام الإثبات تابع لمقام الثبوت من جهة الوجود؛ لأنَّ المتكلّم يتكلّم بداعي الإرادة الجدّيّة، فهي باعثة له على الكلام، ففي مرحلة الوجود الإتيان بكلام مطلق يكون مترتّباً على الإرادة الجدّيّة، مثل ترتّب المعلول على علّته، وفي مرحلة الكشف ينعكس الأمر، فإذا أتى بكلام مطلق، فبمقتضى تبعيّة مقام الإثبات لمقام الثبوت ينكشف أنَّ الإرادة الجدّية كانت مطلقة وغير مقيّدة بقيد، وإلَّا لكان معلولها مقيّداً أيضاً، مثل الدليل الإنّي حيث إنَّ الكلام مطلق، وهو معلول للإرادة الجدّية والمقصد النفسي، فإذا فرضنا أنَّ المبرز مطلق وغير مقيّد، فنستكشف أنّ المبرز أيضاً مطلق وغير مقيّد بقيٍدٍ.
إذن، نستكشف أنَّ المراد الجدّي مطلق، فيحتج به على المولى، ويحتج به المولى على العبد.
والوجه في هذا ما ذكرناه: أنَّ الألفاظ وإن كانت موضوعة لمعنى جامع بين
ــــــــــ[301]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
المطلق والمقيّد والماهيّة من حيث هي، إلَّا أنَّ هذا يختلف ويتعيّن باختلاف الخصوصيّات والموارد، فإنَّ المحمول إذا لم يكن هو الذات ولا الذاتيّات، فنعلم أنَّ الماهيّة لم تلحظ بما هي هي، وإن كان المحمول من غير المعقولات الثانويّة فنعلم أنَّ الماهيّة لم تلحظ بشرط لا ومجرّدة، فيدور الأمر بين القسمين، فإمّا أنَّها لوحظت مقيّدة بشرط شيء ومخلوطة، وإمّا أنَّها لوحظت لا بشرط ومطلقة، والذي يحتاج إلى البيان هو المقيّد دون المطلق، فإنَّ كون المتكلّم لم يلاحظ شيئاً من الخصوصيات لا يحتاج إلى بيان، وإنَّما كونه قد لاحظ شيئاً منها يحتاج إلى بيان.
إذن، فمن الإطلاق في مقام الإثبات نستكشف الإطلاق في مقام الثبوت، وهذا هو الذي جرت عليه سيرة المتكلّمين والعقلاء في كلماتهم.
ــــــــــ[302]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
لا ينبغي الشكّ في أنَّ وجود القدر المتيقّن من الخارج ولو من جهة مناسبات الحكم والموضوع لا يضرّ بالتمسّك بالإطلاق، فإذا ورد: (أكرم العالم) واحتملنا اختصاصه بالعادل الهاشمي الورع التقي، كما نحتمل عمومه لغيره، فهذا وإن كان متيقّناً؛ إذ لا نحتمل اختصاص الحكم بغيره، إلَّا أنَّ وجود القدر المتيقّن لا يضرّ بالتمسّك بالإطلاق، والاستكشاف من عدم التقييد في مقام الإثبات تابع لعدم التقييد في مقام الثبوت، فهذا قسم من القدر المتيقّن.
والقدر المتيقّن بالمعنى الثاني، وهو أن يكون قدراً متيقّناً في مقام التخاطب، فتكون إرادة بعض الأَفراد متيقّنة -مع قطع النظر عن العلم الخارجي- ومن أوضح أفراد ذلك ما لو الراوي -كما في موثقة بن بكير- قال: سأل زرارة أبا عبد الله عن الصلاة في الثعالب والفنك والسنجاب وغيره من الوبر فأخرج كتاباً زعم أنَّه إملاء رسول الله: إنَّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله، فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكلّ شيء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتّى يصلى في غيره مّما أحلّ الله تعالى أكله… الرواية(1). فقد سأل
ــــــــــ[303]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة4: 345، الباب 2، جواز الصلاة في الفراء والجلود والصوف والشعر والوبر ونحوها إذا كان مّما يؤكل لحمه بشرط التذكية في الجلود وعدم جواز الصلاة في شيء من ذلك إذا كان مّما لا يؤكل لحمه وإن ذكي وجواز الصلاة في كل ما كان من نبات الارض، الحديث:1.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
عن خصوص السنجاب والسمور والفنك، فأجاب عن كلّ ما لا يؤكل لحمه، فهذا قدر متيقّن في مقام التخاطب، أو يسأل عن الرجل عمّا إذا تكلّم في صلاته فقال: من تكلّم في صلاته أعاد صلاته.
فهنا إمّا أن يراد به خصوص الرجل -وهو القدر المتيقّن في مقام التخاطب- أو الأعمّ منه ومن المرأة، ولا نحتمل اختصاص الحكم بالمرأة، وكذلك في الموثّقة، يحتمل أن يكون المراد من (ما)(1) فيما لا يؤكل لحمه خصوص ما ذكره من السؤال أو الأعمّ منه ومن غيره.
فهذا هو أظهر الأسباب لوجود القدر المتيقّن في محلّ التخاطب، فهل يمنع ذلك من التمسّك بالإطلاق باعتبار أنَّه يصلح للقرينيّة، أو لا يكون مانعاً عن ذلك؟
اختار صاحب الكفاية(2) أنَّ القدر المتيقّن في مقام التخاطب يمنع من التمسّك بالإطلاق، والظاهر أنَّه لم يلتفت لذلك في الفقه، بل تمسّك بالإطلاق في هذه الموارد أيضاً.
وكيف كان فلا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ العبرة بكلام الإمام ومورد السؤال لا يوجب تخصيص الكلام بمورد معيّن، لعين البيان المتقدّم وهو تبعيّة
ــــــــــ[304]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ لفظ (ما) غير موجود في الرواية (المقرّر).
(2) انظر: كفاية الأصول: 274.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
مقام الإثبات لمقام الثبوت، فكيف يكون السؤال عن حكم شيء قرينة على عدم إرادة المطلق، بعد أن لم يكن كلام الإمام مقيّداً بشيء؟ بل الإمام يبيّن كبرى المسألة ليكون المورد منطبقاً عليها، وهذا هو المراد من كون المورد لا يخصّص الوارد.
ولو صلح مورد السؤال للقرينيّة على المطلق لصلح وجود القدر المتيقّن من الخارج للقرينيّة أيضاً؛ إذ لا يحتمل اختصاص الحكم بغير العادل الهاشمي التقي.
إذن، فالعبرة بالتمسّك بالإطلاق هو تماميّة المقدّمات المتقدّمة، فإنَّه إذا تمّ أنَّ المتكلّم في مقام البيان، فلا بُدَّ أن يكون كلامه مطابقاً لإرادته، فنستكشف من الإطلاق في مقام الإثبات الإطلاق في مقام الثبوت، سواء كان القدر متيقّن ثابتاً من الخارج أو في مقام التخاطب أو لم يكن.
ــــــــــ[305]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بقي الكلام في الانصراف، وأنَّ المطلق إذا انصرف إلى بعض الأقسام دون بعض، فهل يكون الحكم حينئذٍ مختصّاً به أو إنَّ هذا الانصراف لا أثر له؟
الظاهر أنَّ الانصراف على أقسام:
قد تؤخذ الأفراد على نحو يكون بعض الأقسام ليس من أفراد الطبيعة بنظر العرف، وإن كان منها عقلاً، بمعنى: أنَّ الماهيّة تكون تشكيكيّة بحيث تكون صادقة على بعض الأَفراد، لكن صدقها مّما لا يراه العرف، وذلك كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان، فإنَّ الحيوان موضوع في اللغة لكلّ جسم حي متحرّك بالإرادة، وهو صادق على الإنسان جزماً، ولذا يقال: إنَّه حيوان ناطق، فالحيوان بمعنى اللغوي يصدق على الإنسان جزماً، لكنَّ مفاده ورتبته في نظر العرف كأنَّه طبيعة أُخرى غير داخلة تحت طبيعي الحيوان، ولذا لو خوطب أحد بكلمة حيوان، فإنّه يتأذّى لا محالة؛ لأنَّه ملازم في نظر العرف لعدم الفهم وعدم إدراك الكلّيّات، فيكون الانصراف في مثل ذلك، وعدم جواز التمسّك بالإطلاق؛ لأنَّ الملاك في المخاطبات هو الفهم العرفي لا الدقّة العقليّة؛ والصدق بالدقّة لا يوجب الإطلاق بعد أن لم يكن النظر يساعد عليه.
ــــــــــ[306]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ومن أجل ذلك قلنا: إنَّ الصلاة في أجزاء الإنسان من الشعر وغيره لا بأس به، وإن كان يحرم الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه، إلَّا أنَّه منصرف عن الإنسان، فإن أخذت امرأة من شعر غيرها وربطته بشعرها فلا بأس به، مع أنَّه من أجزاء حيوان لا يؤكل لحمه، أو يأخذ سنّاً من الميت فيجعله مكان سنّه لا يضرّ بالصلاة، لأنَّ النهي ينصرف عن الإنسان باعتبار أنَّه غير داخل تحت هذا العنوان عرفاً، وإن كان داخلاً تحته طبيعةً ومفهوماً، ولا سيّما من أجزاء نفسه، فإنَّه لو فرضنا أنَّه وقعت شعرة من الإنسان على ملابسه، فإنَّه لا بأس به ولا يمنع من الصلاة باعتبار أنَّه جزء مّما لا يؤكل لحمه، فهذا النحو من الانصراف صحيح ويمنع من التمسّك بالإطلاق لا محالة، فلا يكون الحكم ثابتاً للجامع بينه وبين غيره.
أن يكون صدق الطبيعة على بعض الأفراد مشكوكاً فيه بنظر العرف، والعرف لا يجزم بالصدق من جهة الشكّ في صدق المفهوم والطبيعة، ويسمّى هذا (الشبهة الصدقيّة) في مقابل الشبهة المصداقيّة، فتارةً يكون المفهوم معلوماً ولكن لا ندري أنَّ هذا فرد منه أو لا، كما لو تردّد مائع بين أن يكون ماء عنب أو ماءً مطلقاً بعد أن يكون مفهوم ماء العنب والماء المطلق معلوماً، وتارة تكون الشبهة في الصدق(1)، يعني: في صدق المفهوم على هذا من جهة احتمال الضيق
ــــــــــ[307]ــــــــــ
() ليس هذا إلَّا من الشبهة المفهوميّة، وليس قسماً ثالثاً في المقام. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
والسعة في المفهوم، وهذا أمثاله كثيرة نظير مفهوم الماء الذي ربما لا يصدق بالنظر العرفي على ماء الزاج(1) والكبريت لقلّة استعمالها في الأكل والشرب والتنظيف، وهو ماء حارٌّ رائحته كريهة، ونحتمل أنَّه لا يصدق عليه الماء عرفاً وإن كان يتّصف مثله بالميعان، فإنَّه ليس كلّ مائع ماءً، فاللفظ ينصرف عنه، بمعنى: أنَّ صدقه على غيره معلوم، وصدقه عليه مشكوك فيه.
وهنا أيضاً لا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ لأنَّ التمسّك فرع أن يكون الحكم ثابتاً للطبيعي الجامع مع الشكّ بتقييده وعدمه، وهنا ثبوت الحكم للجامع بينه وبين غيره غير معلوم؛ لأنَّه من المحتمل أن يكون ماء الزاج غير مندرج في طبيعة الماء عرفاً وإن فرضنا صدقه عقلاً.
ولكن هذا القسم أهون من القسم الأوّل، فإنَّه هناك كنّا نجزم بعدم الصدق في نظر العرف، ولكن هنا لا جزم بعدمه وإنَّما نشكّ بالصدق، وعلى كلا التقديرين لا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ لأنَّ شرط هذا التمسّك وملاكه وهو أن يكون الحكم وارداً على الجامع، وهو غير محرز أو أحرز عدمه.
أن يكون الصدق في نظر العرف أيضاً ظاهراً، وليست الماهيّة تشكيكيّة، بل تصدق على سائر الأفراد بنحو التواطؤ، إلَّا أنَّ شيئاً آخر يوجب الانصراف إلى بعض الأفراد دون بعض، وذلك كغلبة الأفراد، كما لو قيل في النجف: (جئني
ــــــــــ[308]ــــــــــ
(1) الزاج: وهو (حامض الكبريتيك)، الناتج من تقطير الزاج الأزرق: (كبريتات النحاس المائية). انظر: علم الكيمياء والصيدلة عند العرب 1: 23.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بماء) وليس في النجف إلَّا ماء الفرات، وإلَّا فالصدق العرفي على ماء الفرات ودجلة وغيره سواء.
فهذا الانصراف وإن كان انصرافاً حقيقة، لكن لا من جهة الدلالة اللفظيّة، ومن باب كون الصدق هنا ظاهراً، وعلى غيره غير ظاهر، بل من جهة أنَّه لا وجود للقسم الآخر، من قبيل صدق الإنسان في هذا البلاد على الإنسان الأبيض، فإنَّ الإنسان هنا أبيض غالباً وأسود(1) قليلاً، ولم نرَ الإنسان الأحمر هنا، ولكن صدق الإنسان على القسمين على حدٍّ سواء.
فهذا الانصراف لا يمنع عن التمسّك بالإطلاق أبداً، فالعبرة في مقام الإثبات أنَّ المتكلّم لم يأت بقيد، فيكون الإطلاق كاشفاً عن الإطلاق في مقام الثبوت سواء كان بعض الأفراد نادر الوجود والبعض كثير الوجود، فإنَّ الحكم الثابت على الإطلاق لا يختصّ بالنادر لا أنَّه لا يعمّ النادر، فإنَّ مقتضى الإطلاق أنَّه يعمّه، لما قدّمناه من تمامية مقدّمات الحكمة.
ــــــــــ[309]ــــــــــ
() الإنسان الأسود غير موجود في هذا المكان أصلاً. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
هل يحمل المطلق على المقيّد، فيقال: إنَّ المراد الجدّي هو المقيّد من الأوّل، أو لا؟
قد يفرض هذا في الأحكام الثابتة على نحو صرف الوجود فيكتفى فيه بوجود واحد، كما في موارد العموم والإطلاق البدلي، فإنَّ المولى لا يريد إلَّا صرف الوجود المنطبق على الوجود الأوّل، نحو: (اعتق رقبة)، فإذا ورد منفصلاً: (اعتق رقبة مؤمنة) فعندئذٍ يقع الكلام في أنَّه هل يحمل المطلق على المقيّد، أو يحمل المقيّد على أفضل الأفراد؟
وقد يقع الكلام فيما إذا كان الحكم مجعولاً على نحو مطلق الوجود الساري، يعني: الأحكام الانحلاليّة، كـ(أحلّ الله البيع) أو (خلق الله الماء طهوراً)(1)، فإذا فرضنا أنَّه ورد فيه تقييد، فهل يوجب ذلك تقييد المطلق أو لا؟
وفي كلا القسمين قد يفرض أنَّ المقيّد والمطلق متسانخان في الحكم، نحو: (أعتق رقبة) و(أعتق رقبة مؤمنة)، وقد يفرض أنَّ الحكم الأوّل غير مسانخ للحكم الثاني، كما لو كان أحدهما أمراً والآخر نهيّاً، نحو: (أعتق رقبة) و(لا تعتق رقبة كافرة) أو (أحلّ الله البيع) و(نهي النبيّ عن بيع الغرر أو المجازفة).
ــــــــــ[310]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 135، الباب 1، أبواب الماء المطلق، الحديث: 9.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ذكر غير واحد: أنَّ هذا القسم خارج عن محلّ الكلام، ففي الحكمين المتخالفين، لا فرق بين أن يكون صرف الوجود أو مطلق الوجود، فيحمل المطلق على المقيّد لا محالة، وذلك لظهور النهي في الإلزام، وهو يمنع عن الأخذ بالإطلاق، فلا تعتق رقبة كافرة، يوجب تقدّم الدليل المقيّد فيجب عتق رقبة لا تكون كافرة. لكن الظاهر أنَّه لا فرق بين هذا القسم وبين المتسانخين، لأنَّه كما يمكن حمل الأمر في المتسانخين على أفضل الأفراد وعلى الحكم الترخيصي فلا يكون منافياً للمطلق، فكذلك النهي يمكن أن يحمل على الكراهة وأنَّه مرجوح.
وقد ذكرنا في باب النهي(1) عن العبادة أنَّه يمكن أن تكون الطبيعة واجبة، ولكن يكون الفرد مرجوحاً، فليكن هذا كذلك أيضاً، فإن أبقينا الظهور على حاله وجعلنا المقيّد قرينة على المطلق، فنقيّده في المتسانخين أيضاً؛ لأنَّ الأمر ظاهر في الوجوب، وإن كان الإطلاق قرينة على حمل هذا الأمر على أفضل الأفراد، فليكن المطلق قرينة على كون النهي للمرجوحيّة.
تارةً: نعلم من الخارج وحدة الحكم، وتارة: لا نعلم بذلك، بل نبقى نحن والدليل، فقد نعلم من الخارج أنَّ الحكم واحد، وهو إمّا المطلق وإمّا المقيّد، كما في باب الظهار الذي لا إشكال فيه من وحدة الكفارة، فيدور الأمر بين أن يحمل قولنا (إذا ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة) على التقييد أو على أفضل الأفراد، ولا نحتمل أن يكون العتق مرتين.
ــــــــــ[311]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 7: 10.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وتارةً: يقع الكلام مع قطع النظر عن العلم الخارجي بوحدة الحكم، فما هو مقتضى مدلول الدليلين؟
أمّا الكلام في المقام الأوّل -وهو ما إذا علمنا بوحدة الحكم- فقد ذكروا(1) في وجه حمل المطلق على المقيّد: أنَّ فيه جمعاً بين الدليلين، فإنّا إن جمعنا بينهما وأتينا بالمقيّد فقد أطعنا كلا الدليلين، فإذا كان الواجب هو المطلق فقد امتثلناه، وإذا كان الواجب هو المقيّد فقد امتثلناه.
إلَّا أنَّ هذا الوجه لا يرجع إلى محصّل؛ فإنَّه إن أريد بالجمع بين الدليلين الاحتياط. فنعم، فإنَّ عتق الرقبة المؤمّنة أحوط لا محالة لأنَّ المفروض أنَّ التكليف واحد، أمّا مطلق أو مقيّد، لكن لا بد لنا من إقامة الدليل على وجوب الاحتياط.
وإن أريد من الجمع بين الدليلين هو أنَّ المطلق بعد تقييده بالمقيّد قد عملنا به، غاية الأمر: أنّنا قد ارتكبنا أمراً خلاف الظاهر، وحملنا المطلق على المقيّد، فكان جمعاً في مقام الدلالة برفع اليد عن ظهور المطلق، فكان جمعاً بين الدليلين، فما هو المعيّن لذلك؟ فإنَّ الجمع بينهما كما يمكن برفع اليد عن إطلاق المطلق يمكن رفع اليد عن ظهور المقيّد بالوجوب وحمله على أفضل الأفراد، فهذا الوجه لا يرجع إلى محصّل أيضاً.
ــــــــــ[312]ــــــــــ
(1) انظر: أنيس المجتهدين 2: 826، الإفاضات الغرويّة: 121، أجود التقريرات 1: 535 – 539.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ذكر صاحب الكفاية(1) وجهاً آخر، وحاصل ما ذكره: أنَّ الظهورين وإن كانا متنافيين في المقام، فإنَّه لا يمكن التمسّك بكلا الظهورين، بظهور المطلق بالإطلاق وظهور المقيّد بأنَّ الوجوب متعلّق بالحصّة المقيّدة، إلَّا أنَّه في مقام التعارض يقدّم الظهور الأقوى على الأضعف، وظهور الأمر في كون الوجوب تعيّينياً أقوى من ظهور المطلق في الإطلاق، فيقدّم عليه ويرفع اليد عن ظهور المطلق في الإطلاق، على ما هو الميزان في الدليلين المتعارضين من تقديم الأقوى على الأضعف، ويكون قرينة على حمل الآخر على خلاف الظاهر.
وهذا منه غريب، والوجه في ذلك: أنَّه ذكر في مبحث الأوامر(2) في وجه ظهور الأمر بالوجوب التعييني. أنَّ إطلاق الأمر بعد جريان مقدّمات الحكمة يقتضي أن يكون تعيينياً، وإلَّا لو كان تخييرياً لكان عليه التقييد (بأو).
إذن، فمنشأ الظهور في الوجوب التعييني إنَّما هو الإطلاق، وجريان مقدّمات الحكمة، فكيف يكون أحدهما مقدّماً على الآخر بعد أن كان كلاهما بالإطلاق، فالمطلق يدلّ على أنَّ الواجب هو مطلق الرقبة بلا تقييد لجريان مقدّمات الحكمة على ما بيّناه، كما أنَّ ظهور المقيّد بالوجوب التعييني أيضاً بها، فكلا الظهورين بالإطلاق، فكيف يكون هذا أقوى من الآخر بعد إن كانت المقدّمات مشتركة بينهما؟ فهذا الوجه غريب منه.
ــــــــــ[313]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 251.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 76.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
والصحيح في المقام أن يقال -كما ذكرناه في بحث الأوامر(1)-: أنَّ ظهور الأمر في الوجوب مستند إلى الوضع، بمعنى: أنَّ الهيئة موضوعة لإبراز اعتبار شيء في ذمّة المكلّف بنحو اللابديّة، فليس الوجوب مدلولاً لفظياً، بل ثابتاً بحكم العقل، فالمستكشف بهذا الكلام هو الاعتبار النفسي كما تقدّم هناك، وقلنا: إنَّ المبرز هو اللابدَّيّة واعتبار الفعل في ذمّة المكلّف، كما أنَّ المبرز في النهي هو محرومية المكلّف عن الفعل، وكون الطريق مسدوداً أمامه تشريعاً. هذا هو المدلول اللفظي.
فإذا ثبت ترخيص من الخارج فيكون الأمر ترخيصيّاً وهو المسمّى بالاستحباب، ولا يحكم العقل بلزوم الإتيان به لفرض أنَّ المولى نفسه قد رخّص بذلك، وأمّا إذا لم يأتِ ترخيص خارجي فالعقل يحكم بالوجوب لا أنَّه دلّ عليه اللفظ.
إذا كان الأمر كذلك فيكون الأمر بالمقيّد الظاهر في الوجوب واعتبار الفعل في ذمّة المكلّف قرينة موجبة لرفع اليد عن الإطلاق؛ لأنَّه بيان، ولا يمكن أن يعكس الأمر، فيقال إنَّ الإطلاق قرينة على الترخيص؛ لأنَّ دلالته متوقّفة على عدم البيان وهذا صالح للبيان، فالمطلق لا يصلح أن يكون قرينة على المقيّد بخلاف العكس، والذي يكشف عن ذلك: أنَّهما –يعني: المطلق والمقيّد- لو جمعا في كلام واحد، نحو: (أعتق رقبة، ولتكن الرقبة مؤمّنة) يكون
ــــــــــ[314]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في أُصول الفقه 2: 174.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
مانعاً عن انعقاد الظهور بالإطلاق من الأوّل، وليس هذا إلَّا من جهة القرينيّة، فإذا كان متّصلاً يمنع من الظهور حدوثاً، وإن كان منفصلاً يمنع عنه بقاءً.
وهذا هو الصحيح، فإنَّ إحدى الدلالتين وضعية، وهو اعتبار المتعلّق في ذمّة المكلّف في طرف المقيّد، والأُخرى دلالة نشأت من مقدّمات الحكمة، فأحدهما دلالة تنجيزيّة والأُخرى دلالة تعليقيّة، وعليه يكون وجه التقديم ظاهراً، ويكون المقيّد على مسلكنا أقوى، لا على مسلك صاحب الكفاية.
تارةً: نعلم بالتغاير بين التكليفين، كما إذا كان أحدهما معلّقاً على سبب، والآخر معلّقاً على سبب آخر، ففي مثل ذلك لا يحتمل الاتّحاد؛ لأنَّ كلاً منهما مسبّبٌ عن غير السبب الذي للآخر، كما لو قال: (إذا ظاهرت فاعتق رقبة) وقال: (إن أفطرت في شهر رمضان فأعتق رقبة مؤمنة) فهنا لا يمكن حمل المطلق على المقيّد، فإنَّ كلّ واحد منهما تكليف مستقلّ، فالظهار سبب لوجوب الكفارة من غير تقييد بالمؤمنة، والإفطار سبب للكفارة بإعطاء الرقبة المؤمنة، ولا معنى لحمل أحدهما على الآخر لاختلاف الموضوع والسبب، فذاك يبقى على إطلاقه، وهذا يبقى على تقييده، وكلاهما يكون واجباً، وهذا واضح.
وتارةً: يكون لنا أمر مطلق وأمر مقيّد، ولم نحرز الاتّحاد والتعدّد بينهما، وليس لنا علم خارجي، وإنَّما المتّبع هو الدليل فقط. وفي أحدهما: (أعتق رقبة على الإطلاق) وفي الآخر: (أعتق رقبة مؤمنة) وهنا يحتمل أن يكون التكليف واحداً أو متعدّداً، وهذا إنَّما يكون إذا لم يكن شيء منهما معلّقاً على سبب، بل
ــــــــــ[315]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
كل منهما ورد على الإطلاق، أو كان كلٌّ منهما معلّقاً على سبب واحد، ونحتمل أن يكون هذا السبب سبباً لحكمين أحدهما مطلق والآخر مقيّد.
وفي هذا القسم هل يحمل المطلق على المقيّد، كما حملناه في القسم الأوّل، أو لا نحمله، كما كان الحال في القسم الثاني؟ المحتملات في هذا القسم الثالث أربعة:
يحتمل أن يكون التكليف واحداً بحسب الواقع، ويكون الواجب هو المطلق، والمقيّد أفضل الأفراد.
أن يكون الواجب هو المقيّد، ويكون المراد الجدّي من المطلق هو المقيّد، والمولى اتّكل عليه في مقام البيان، وهذا الاحتمال كان في القسم الأوّل أيضاً.
أن يكون من الواجب في الواجب، فيكون المطلق واجباً، وتقيّيده واجباً أيضاً، فعتق الرقبة واجب مستقلّ، وعتق الرقبة المؤمنة واجب آخر، لكن على نحو الواجب في الواجب لا استقلالاً، كما لو نذر أن يصلّي صلاته الواجبة جماعة أو في المسجد أو في أوّل الوقت، فأصل الصلاة واجبة سواء نذر أم لم ينذر، ولكن بالنذر يكون في الواجب خصوصيّة من الخصوصيّات لم تكن واجبة من الأوّل، فقد كان المكلّف مخيّراً بين أن يصلّي جماعة أو فرادى، إلَّا أنَّ النذر يسلب هذه القدرة ويرفع هذا التخيير، ويكون المتعيّن في حقّه أن يصلي
ــــــــــ[316]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
جماعة، وهذا يكون من الواجب في الواجب، فإذا فرضنا أنَّه عصى ولم يفِ بنذره وصلّى فرادى، فقد خالف النذر وعليه كفارة، إلَّا أنَّ صلاته صحيحة؛ لأنَّ النذر لا يوجب تقييد الواجب الإلهي بهذا القسم.
ونتيجته: هو أنَّ هذا المكلّف غير قابل لأن يمتثل الأمر النذري بعد، بل يسقط بعد ذلك أصلاً؛ فإنَّ الأمر قد تعلّق بالإتيان بالواجب جماعة، فإذا أتى به في ذلك سقط الوجوب، وبعد ذلك لا موضوع للإتيان بالنذر فلا مجال للتدارك بعد ذلك، وهذا نتيجة كون الواجب واجباً في واجب.
أن يكون كلٌّ من التكليفين تكليفاً مستقلّاً، فيجب عتق الرقبة على الإطلاق بوجوب، ويجب عتق الرقبة المؤمنة بوجوب آخر غير هذا الوجوب، فلو امتثل الأمر الأوّل فيجب عليه امتثال الأمر الثاني أيضاً، وليس هذا من قبيل الواجب في الواجب، ليقال: أنَّه لا موضوع للثاني، بل الموضوع موجود ويمكنه امتثاله.
فهذه محتملات هذا القسم، وهو ما إذا لم نحرز وحدة الحكم وتعدّده من الخارج، فنحتمل الوحدة كما في القسمين الأوّلين كما نحتمل التعدّد كما في القسمين الأخيرين.
أمّا بالنسبة إلى القسم الأوّل والثاني فقد تقدّم الكلام فيما مفصّلاً، وأنَّه إذا دار الأمر بين الأخذ بالمطلق أو بالمقيّد فيقدّم المقيّد لظهوره في الوجوب، واعتبار اللابديّة يكون قرينة على أنَّ المراد بالمطلق هو المقيّد، أو لا يمكن
ــــــــــ[317]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
العكس، فاحتمال كون الإطلاق مراداً مع حمل المقيّد على أفضل الأفراد ساقط.
كما أنَّ الاحتمال الثالث ساقط أيضاً، لوجهين:
الأوّل: أنَّ الواجب في واجب إنَّما يكون فيما إذا كان الأمر الثاني متعلّقاً بالتقيّد لا متعلّقاً بالمقيّد، فلو قال: (أعتق رقبة) ثُمَّ قال: (لتكن الرقبة مؤمنة) فحينئذٍ نحتمل أن يكون هذا من قبيل الواجب في الواجب، فأصل عتق الرقبة واجب، وتقيّده بالإيمان واجب، إلَّا أنَّ هذا خلاف فرضنا، فإنَّ الفرض هو تعلّق أمر بالمطلق، وتعلّق أمر بالمقيّد، كـ (أعتق رقبة وأعتق رقبة مؤمنة) لا مثل: (ولتكن الرقبة مؤمنة) فالأمر متعلّق بالمقيّد لا بالتقيّد، فلا معنى لأن يكون واجباً في واجب.
الثاني: لو ورد: (أعتق رقبة) وورد: (ولتكن الرقبة المعتقة مؤمنة) فأيضاً لا يمكن الحمل على الواجب في الواجب، لما تقدّم غير مرّة من أنَّ الأوامر في باب المركّبات والمقيّدات من العبادات والمعاملات إرشاديّة لا مولويّة، ففي مثل: “أَنَّهُ ص نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَر“(1) لا يفهم منه عرفاً أنَّه حرام كشرب الخمر، وإنَّما يستفاد منه أنَّ البيع الذي حلّله الله تعالى مقيّد بعدم كونه غرراً، فهو إرشاد إلى المانعيّة، وكذلك: “نهى النبيّ عن الصلاة في جلد السباع“(2) فلا يستفاد منه أنَّ الصلاة في جلد السباع من المحرّمات، بل يفهم منه أنَّ الصلاة مقيّدة بأن لا
ــــــــــ[318]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 2: 248، باب المتاجر، الحديث: 17.
(2) وسائل الشيعة 4: 354، عدم جواز الصلاة في جلود السباع ولا شعرها ولا وبرها، الحديث 2، 4.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
تكون في جلد السباع. وكذلك الحال في الأوامر، إذا أمر باستقبال القبلة في الصلاة أو الركوع في الصلاة، فإنَّه لا يستفاد من ذلك الوجوب ليكون واجباً في واجب، ليقال: إنَّ الصلاة واجبة وكونها إلى القبلة واجب آخر، فلو صلّى إلى غير القبلة فقد امتثل وصحّت صلاته، ولكنّه خالف أمراً وجوبيّاً، فالعرف لا يفهم ذلك، بل يفهم أنَّ الركوع جزء، والاستقبال شرط باختلاف الموارد.
فلو فرضنا أنَّ الأمر كان كذلك، فقوله: (فلتكن الرقبة المعتقة مؤمنة) لا يستفاد منه الوجوب النّفسي ليكون واجباً في واجب، بل يستفاد منه اعتبار الإيمان في إعتاق الرقبة المأمور بها في المطلق.
فالنتيجة: أنَّ الأمر يدور بين أن يحمل المطلق على المقيّد، أو يلتزم بأنَّهما واجبان مستقلّان، فإذا دار الأمر بينهما لم نكن نعلم أنَّ التكليف واحد ليحمل المطلق على المقيّد، أو التكليف متعدّد ليكونا تكليفين مستقلّين، فأظهر هذين الاحتمالين هو حمل المطلق على المقيّد، لا الالتزام بوجوبين مستقلّين.
والوجه في ذلك: أنَّه على تقدير أن يلتزم بوجوبين مستقلّين، ويكون المطلق واجباً بوجوب، والمقيّد واجباً بوجوب آخر، فهل المطلق يكون ثابتاً على إطلاقه وقابلاً للانطباق على المقيّد أو إنَّ المطلق مقيّد بغير هذا الفرد؟ إذا فرض أنَّه باقٍ على إطلاقه، فنتيجته: أنَّه إذا أتى بالمقيّد فقد حصل امتثال المطلق وامتثال المقيّد، أمّا الأمر بالمقيّد فلفرض الإتيان بمتعلّقه، وأمّا الأمر بالمطلق فلفرض انطباقه على المقيّد، ومعه لا يبقى مجال لامتثاله بعد امتثال الأمر بالمقيّد، فإنَّ الإتيان بالمقيّد موجب لسقوط كلا الأمرين، وعلى هذا يكون الأمر بالمطلق لغواً محضاً،
ــــــــــ[319]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
لا يمكن أن يأمر بالمطلق، مع أنَّه يمتثل بالإتيان بالمقيّد لا محالة، يعني: لا بد للمكلّف أن يأتي بالمقيّد، فما هي الغاية(1) من إيجاب المطلق غير إيجاب المقيّد؟ والمفروض أنَّه ينطبق على المقيّد ويسقط به المطلق، وحينئذٍ يكون الأمر به من اللغو الظاهر.
إلَّا أن يرجع الأمر بالمطلق بتقييده بفرد غير هذا الفرد وقبل الإتيان به، ومعناه: أنَّ المكلّف يعتق رقبة غير مؤمنة قبل أن يعتق رقبة مؤمنة، فيحصل بذلك امتثال الأمر المطلق بهذا الفرد، ثُمَّ يعتق رقبة مؤمنة، ويحصل امتثال الأمر بالمقيّد.
ونتيجة ذلك: هو التخيير بين الأقلّ والأكثر، ويكون المكلّف مخيّراً بين أن يعتق رقبة غير مؤمنة، ثُمَّ يعتق مؤمنة بعد ذلك، وبين أن يعتق رقبة مؤمنة فقط، ويسقط كلا الأمرين(2) معاً، وهذا خلاف الظاهر من وجهين:
الأوّل: أنَّ مقتضى الإطلاق انطباقه على الفرد المقيّد، وتقييده بفرد آخر قبل المقيّد تقييد لا موجب له وينافيه الإطلاق.
ــــــــــ[320]ــــــــــ
() إذا كانت هناك مصلحة متعلّقة بالمطلق على إطلاقه في قبال المصلحة المتعلّقة بالمقيّد، فما هو المانع من أن نفرض أنَّ الأمر بالمطلق يكون لإبراز وجوب الحصّة الزائدة عن المقيّد؟ ونتيجته: إمكان امتثال المطلق ضمن هذه الحصّة بالإضافة إلى حصّة المقيّد، لا أنَّ المكلّف يكون ملزماً بالحصّة ضمن المقيّد. وهذه في نفسها مصلحة رافعة للّغويّة (المقرّر).
(2) كيف يسقط الأمر المطلق مع فرض تقييده بغير هذا الفرد؟ (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وثانياً: أنَّ حمل الأمر الظاهر بالوجوب التعييني على التخيير خلاف الظاهر، بأن يقال: إنَّ المكلّف مخيّر بين أن يعتق رقبة غير مؤمنة، ثُمَّ رقبة مؤمنة، ويعتق رقبة مؤمنة ابتداءً، وهذا خلاف الظاهر، بل ظاهر كلٍّ من التكليفين أنَّ الأمر تعيّيني ولا بدل له، فحمل كلٍّ منهما لا يمكن الالتزام به. فلا يمكن أن نحمل كلّاً منهما على وجوب مستقلّ، بحيث إذا أتى بالمقيّد يحصل الامتثالان معاً.
ومن هنا يظهر أنَّه لا يقاس المقام بما إذا ورد الأمر بطبيعة وورد الأمر بطبيعة أُخرى، وكان بين الطبيعتين نسبة العموم من وجه لا العموم المطلق، ففي مثل ذلك يكون الوجوب متعلّقاً بكلٍّ منهما على وجه الإطلاق، فيجب إكرام العالم مطلقاً سواء كان هاشمياً أو لم يكن، ويجب إكرام الهاشمي سواء كان عالماً أو لم يكن، ونتيجته: أنَّ المكلّف إذا أكرم عالماً هاشمياً فقد امتثل كلا التكليفين، وله أيضاً أن يكرّم عالماً غير هاشمي، وهاشمي غير عالم، فهنا تعلّق الأمر بطبيعتين متغايرتين قد انطبقا على مورد واحد، فهنا لا يلزم الالتزام بخلاف الظاهر، فإنَّ كلّاً منهما واجب تعييني، ولكن في مقام الامتثال يمكن الاكتفاء بفرد واحد.
وأمّا في مقام العامّ والخاصّ فلا يمكن ذلك؛ لأنَّ العامّ دائماً منطبق على الخاصّ، فإذا كان الخاصّ واجباً في نفسه فلا وجه لإيجاب العامّ.
وإن التزمنا بوجوبين مستقلّين، وقلنا: بأنَّ المطلق لا يسقط بالإتيان بالمقيّد، بل لا بد في امتثاله من الإتيان بفرد آخر، فإذا أعتق رقبة مؤمنة يسقط أحد الأمرين، ولا يسقط كلاهما، بل لا بد أن يأتي بالعتق تارة أُخرى ولو كانت كافرة،
ــــــــــ[321]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
فهذا أمر ممكن بحسب مقام الثبوت وقابل لأنَّ يتعلّق الأمر بالمطلق على نحو لو أتى بالمقيّد لا يسقط الأمر بالمطلق، كما مثّلنا به في قولنا: (إن ظاهرت فأعتق رقبة) و(إن أفطرت فأعتق رقبة مؤمنة) فإذا ظاهر وأفطر أعتق رقبة مؤمنة كفّارة عن الإفطار، ويبقى عليه أنَّ يعتق رقبة غير مؤمنة كفّارة عن الظهار.
إذا بنينا على أنَّ الوجوب بين المفروضين في المقام من هذا القبيل، فهذا بحسب مقام الثبوت ممكن، وقد وقع فيما إذا كان كلّاً منهما معلّقاً على سبب غير السبب التي علّق عليه الآخر، إلَّا أنَّه مستلزم للتقييد، وأنَّ المطلق لم يبقَ على إطلاقه، مع أنَّ مقتضى الإطلاق عدم دخل الخصوصيّة، فلازم الالتزام بالوجوبين المستقلّين هو أنَّ المطلق مقيّد بغير هذا الفرد وهو ينافي الإطلاق.
فالوجوبان المستقلّان سواء قلنا بحصولهما بفرد واحد، أو حصولهما بفردين يكونان خلاف الظاهر، ولا بُدَّ معه من التصرّف في الدليل، ولا قرينة على هذا التصرّف، بل لا بد من حمل الدليلين على وجوب واحد، ولازمه حمل المطلق على المقيّد دون حمل المقيّد على أفضل الأفراد.
والنتيجة: هي أنَّه إذا ورد أمر مطلق وأمر مقيّد، وقامت قرينة على تعدّد التكليف فلا نحمل المطلق على المقيّد، وأمّا إذا لم تقم قرينة على التعدّد سواء علمنا بالوحدة أو شكّكنا بها فمقتضى ظهور الكلام هو وحدة التكليف، فالحمل على أفضل الأفراد خلاف الظاهر من الوجوب المستفاد من المقيّد، فلا بُدَّ من حمل المطلق على المقيّد.
أمّا الكلام في الاحتمال الرابع، وهو: أن يلتزم بتعدّد الواجب، فهذا أيضاً
ــــــــــ[322]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
لا يمكن الالتزام بحسب الظهور العرفي للفظ، أي: أنَّ الظهور يدفعه؛ إذ بناءً على أن يكون في الواقع واجبان أحدهما مطلق والآخر مقيّد، فإمّا أن نلتزم بسقوطهما معاً بالإتيان بالمقيّد، أو لا نلتزم بسقوط المطلق حينئذٍ، فلا يخلو الأمر من أحد الأمرين. أمّا الأوّل وهو سقوط كلا الأمرين بالإتيان بهذا الفرد المقيّد، فلازمه هو لغويّة(1) الأمر بالمطلق لا محالة؛ إذ المفروض أنَّ المكلّف لا بد له من الإتيان بالمقيّد لغرض الأمر اللزومي به، فهو أمرٌ لا بد منه.
إذن، فما فائدة الأمر بالمطلق؟ لا أثر له إلَّا إذا أتى المكلّف بفرد من الطبيعة غير الفرد المقيّد، كما لو أعتق رقبة كافرة، ثُمَّ أعتق رقبة مؤمنة، فيكون من التخيير بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليين، وقد قلنا: إنَّه لا معنى له، بعد فرض أنَّ الإتيان بالأقلّ مّما لا بد من الإتيان به تقدّم الآخر أو تأخّر، والأقلّ يفي بكلا الغرضين على الفرض، ويسقط به كلا الأمرين، فيكون الأمر بالزائد لغواً محضاً ولا أثر له.
ــــــــــ[323]ــــــــــ
() إن كان المقصود باللغويّة هو كونها في مقام الإثبات فغير صحيح؛ إذ لا نعني بمقام الإثبات إلَّا ما هو الكاشف عن نفس الأمر ومرحلة الثبوت، فيتّبع في لغويته وصحّته تلك المرحلة. وإن كان المقصود من اللغويّة هي كونها في مرحلة الثبوت فذلك أيضاً غير تامّ، لإمكان تصوّر مصلحة قائمة بالمطلق على إطلاقه في قبال المقيّد، بحيث لو أتى بالمقيّد لسقطت مع سقوط المصلحة الخاصّة بالمقيّد، ولو أتى بفرد آخر لسقطت أيضاً. وهذا وإن كان في النتيجة من التخيير بين الأقلّ والأكثر الاستقلّاليين، إلَّا أنَّه يختلف عنه ملاكاً، كما هو واضح، فافهم. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذن، فلا بُدَّ من الالتزام بعدم سقوط كلا الأمرين، ولزوم الإتيان بفرد آخر، ومعناه: أنَّه يجب عتق رقبة مؤمنة، ويجب عتق رقبة أُخرى مؤمنة أو غير مؤمنة قبل ذلك أو بعده، فيقيّد المطلق بغير الفرد المقيّد، وهذا تقييد زائد يدفعه الظاهر، إذ مقتضى الإطلاق هو سقوطه بالإتيان بالمقيّد، وخلافه يحتاج إلى دليل. إذن، يتعيّن الشقّ الأوّل ولزوم حمل المطلق على المقيّد.
إلى هنا ظهر أنَّ مقتضى التحفّظ على ظهور الكلام هو حمل المطلق على المقيّد.
نعم، لو قامت قرينة خارجيّة وأحرزنا تعدّد التكليف، وأنَّ الأمر بالمطلق غير الأمر المقيّد، كما لو كان كلٌ منهما معلّقاً على سبب غير السبب الآخر، فإنَّ من جملة القرائن الخارجيّة على تعدّد الحكم هو تعدّد السبب، كما في نحو: (إذا ظاهرت فأعتق رقبة) و(إذا أفطرت فأعتق رقبة مؤمنة) إذ في مثل ذلك لا بد من الالتزام بتعدّد التكليف، وأنَّه لا بد أن يؤتى بفردين، وهذا لا بد له من قرينة، وإلَّا فمقتضى القاعدة هو سقوط الأمر بالمطلق عند الإتيان بالمقيّد، ونتيجته: هو حمل المطلق على المقيّد.
ونظير ذلك ما سبق من ورود الأمر بطبيعة واحدة مرتين، إذ قلنا: إنَّ مقتضى ذلك هو التأكيد؛ لأنَّ الطبيعة الواحدة غير قابلة(1) لأنَّ يتعلّق بها أمران، إلَّا أن تقوم قرينة من الخارج، وهو خلاف الظاهر.
فمقامنا من هذا القبيل؛ فإنَّه ما لم تقم قرينة خارجية على تعدّد التكليف
ــــــــــ[324]ــــــــــ
() يعني إثباتاً لا ثبوتاً، وإلَّا لم يصحّحه قيام القرينة عليه، كما هو الظاهر. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
-كتعدّد السبب- نلتزم بسقوط التكليف، ونتيجته هو حمل المطلق على المقيّد.
هذا تمام كلامنا فيما إذا كان المطلق متعلّقاً بصرف الوجود بحيث ينطبق على أوّل الوجود، كما هو الحال في الأوامر.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الحكم انحلالي ينطبق على كلّ فرد، وليس من قبيل صرف الوجود، كما في قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا(1)، وكذلك في جميع موارد النواهي، كالنهي عن الكذب والغيبة وغير ذلك، فإنَّ هذه الأحكام كلّها انحلاليّة تنحلّ إلى سائر الأفراد، وكذلك ما دلّ على أنَّ الماء طاهر حيث يشمل ماء البحر والبئر والغيث وغيرها، فهل في مثل ذلك يحمل المطلق على المقيّد، كما لو كان التكليف صرف الوجود أو لا؟
ففي مثل ذلك، إذا كان هناك مطلق ومقيّد، فقد يفرض أنَّهما يختلفان في سنخ الحكم، فهنا لا إشكال في التقييد، فنرفع اليد عن الإطلاق بواسطة المقيّد؛ وذلك كما في مثل: أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فإنَّه قد ورد في كثير من الموارد مقيّدات لها، كالنهي عن بيع الغرر، والبيع بزيادة في المكيل، أو الموزون، أو البيع بغير القبض في المجلس فيما إذا كان الثمن والمثمن من النقدين، وكذا في مثل قوله تعالى: وَحَرَّمَ الرِّبَا فبناءً على ما هو المشهور من أنَّه لا ربا بين الوالد وولده، وبين الزوج وزوجته، وبين المملوك وسيّده، فيرفع اليد عن المطلق بواسطة المقيّد بلا إشكال، فيكون الحكم على طبق دليل التقييد.
إلَّا أنَّ هذا قد يكون بالدلالة المطابقيّة، بأن يكون كلا الدليلين يتكفّلان
ــــــــــ[325]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الحكم المطلق والحكم المقيّد بمنطوقهما كالأمثلة السابقة.
وقد يكون التقييد بالدلالة الالتزاميّة، كما في دلالة القضيّة على المفهوم؛ وذلك يختلف فقد يكون الكلام في نفسه ظاهراً في المفهوم، وقد يكون دالّاً عليه لقرائن خارجيّة، كما في قوله تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا(1) والروايات الدالّة على أنَّه: “خَلَقَ اللَّـهُ المَاءَ طَهُوراً لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَه”(2) إلَّا أنّنا نرفع اليد عن هذا الإطلاق بمفهوم ما دلّ على أنَّ الماء إذا بلغ كرّاً لا ينجّسه شيء، فإنَّه بمفهومه يدلّ على أنَّ الماء إذا كان قليلاً يتنجّس بملاقاة النجس فلا يكون طهوراً.
وقد يكون هذا لا من جهة الظهور الكلامي في نفسه، بل من جهة قيام قرينة على ذلك، كما في مثال: أنَّه قد سئل الإمام عن الماء الذي لا ينجّسه شيء، فقال: كرّ من الماء، فإنَّ نفس هذا لا يدلّ على أنَّ غير الكرّ ينفعل، غايته: إثبات أنَّ الكرّ من الماء لا يتنجّس، إلَّا أنَّه في مقام السؤال عن الماء الذي لا ينجّسه شيء يفيد الانحصار، فيفهم بقرينة السؤال والجواب أنَّهما ينظران إلى الحصر في أنَّ غير الكرّ قابل للتنجيس، فأيضاً يدلّ الكلام بالدلالة الالتزاميّة على تنجّس الماء القليل بالملاقاة، فيكون مقيّداً للآية والروايات.
وأمّا فيما إذا فرضنا أنَّه لم يدلّ المقيّد على النهي، ولم يكن الحكم المذكور فيه
ــــــــــ[326]ــــــــــ
(1) الفرقان: 48.
(2) وسائل الشيعة 1: 135، الباب 1، أبواب الماء المطلق، باب أنّه طاهر مطهر يرفع الحدث ويزيل الخبث، الحديث: 9.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
مخالفاً للحكم المذكور في المطلق، بل كان الحكمان من سنخ واحد، فكانا يثبتان حكماً واحداً، أحدهما للمطلق والآخر للمقيّد، كما كان هو الكلام فيما إذا كان المتعلّق صرف الوجود، ونفرضه الآن انحلالياً، كما لو ورد دليل يقول: (إنَّ غيبة الرجل المسلم محرّمة) أعمّ من الفاسق والعادل والمؤمن والمخالف، وورد دليل آخر: (أنَّه تحرم غيبة الرجل المسلم المؤمن) والحكم في كلا الدليلين انحلالي، فهل في مثل ذلك يحمل المطلق على المقيّد، كما كان هو الحال في صرف الوجود، أو لا موجب للتقييد في المقام؟
المعروف أنَّه لا موجب للتقييد في المقام، فإنَّ الوجه المذكور لحمل المطلق على المقيّد هناك غير جارٍ في المقام، والوجه فيه: أنَّ الحكم في صرف الوجود كان حكماً واحداً على الفرض، وكان أمره دائراً بين أن يكون ثابتاً للمطلق، ويحمل المقيّد على أفضل الأفراد، أو ثابتاً للمقيّد ويحمل المطلق عليه.
وأمّا في المقام فلا تنافي بينهما، كما كان التنافي متحقّقاً هناك، فأيّ منافاة بين أن تكون غيبة الرجل المؤمن حراماً، وغيبة الرجل المسلم وإن لم يكن مؤمناً حراماً؛ لأنَّ الحكم انحلالي على الأفراد، وخاصّة بناءً على ما هو المعروف من أنَّ القيد المعبّر عنه بالوصف لا مفهوم له، وقلنا(1): إنَّ المراد به ليس هو الوصف المصطلح، بل مطلق القيد الوارد في الكلام، فإذا لم يكن له مفهوم فلا منافاة بين الدليلين، فيثبت كلا الحكمين، ولأجل ذلك قالوا: إنَّه لا يحمل المطلق على المقيّد في الأحكام الانحلاليّة.
ــــــــــ[327]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 7: 213.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وإنَّما الإشكال فيما إذا كان الحكمان من سنخ واحد، بمعنى: أنَّهما متوافقان في الإيجاب أو السلب، فهل في مثل ذلك يحمل المطلق على المقيّد، فلو دلّ الدليل على أنَّ: (غيبة الرجل المسلم محرّمة) ودلّ دليل آخر على أنَّ: (غيبة الرجل المسلم المؤمن محرّمة) وليس في الكلام مفهوم -بناءً على أنَّ الوصف لا مفهوم له- فهل يحمل المطلق على المقيّد أو لا؟
المعروف أنَّه لا يحمل المطلق على المقيّد؛ إذ لا تنافي بين الحكمين، ولكنّا ذكرنا في باب مفهوم الوصف(1): أنَّه لا مفهوم له، فلو أمر بإكرام رجل عالم، لا يدلّ ذلك على أنَّ العلّة منحصرة بوجوب الإكرام، بل يمكن أن يكون الرجل المتّقي يجب إكرامه وإن لم يكن عالماً، وليس حاله حال مفهوم الشرط الذي يدلّ على العلّيّة المنحصرة، فبالنسبة إلى الانتفاء عند الانتفاء فليس في الكلام دلالة على الانحصار، إلَّا أنَّ الإتيان بالقيد إذا لم تقم قرينة على أنَّه لغرض آخر، فإنَّ ظاهر القيد هو الاحتراز، وأنَّ الحكم لم يثبت للمطلق بما هو مطلق، وإلَّا كان التقييد لغواً، فلو كان الرجل بما هو رجل واجب الإكرام لكان تقييده بالعالم لغواً، والحكيم لا يكون كلامه لغواً.
لكن إذا كان القيد في كلام السائل لا في كلام الإمام فلا ينافي ثبوت الحكم للمطلق، فإنَّ السؤال يختصّ بمورد لكن لا يلزم أن يكون الحكم في الواقع ونفس الأمر مختصّاً به، ومثاله ما سبق من أنَّ الإمام يُسأل عن حكم الصلاة في جلود السباع، فأجاب: لا تصحّ، فهذا لا يدلّ على الاختصاص، فإنَّه
ــــــــــ[328]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 7: 214، 215.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
يمكن أن يكون كلّ ما لا يؤكل لحمه كذلك.
وكذلك إذا كان القيد وارداً في الكلام وقامت القرينة على إتيانه به بداعٍ آخر غير الاحتراز، كما لو توهّم السائل عدم وجود القيد في مورد السؤال، كما قد توهّم في ماء البحر أنَّه ليس بمطهر باعتبار كونه كثير الملوحة فيشبه المضاف مثلاً، فإذا ورد -كما رواه المحقّق في المعتبر(1)– أنَّ الإمام أشار إلى ماء البحر، وقال: (هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته) فإنَّه لا يدلّ على أنَّ الطهورية تختصّ به، فهنا أيضاً لا يكون الإتيان بالقيد دالّاً على أنَّ الحكم لا يثبت للمطلق.
وأمّا إذا لم تقم قرينة على ذلك وكان المتكلّم حكيماً، ففي مثل ذلك إذا فرض أنَّ الحكم ثابت للمطلق، ومع ذلك قد أتى المتكلّم في كلامه بقيد بلا داعٍ آخر ولا غاية أُخرى، فلا محالة يكون هذا لغواً، فيستكشف من القيد أنَّ الحكم غير ثابت للمطلق.
إذن، فالتنافي الذي ذكرناه فيما إذا كان الحكم المطلق ثابتاً لصرف الوجود بعينه؛ إذ يدور الأمر بين أن يكون الحكم ثابتاً للمطلق وبين أن يكون ثابتاً للمقيّد، ومقتضى ظهور المقيّد بالتقييد هو ثبوته للمقيّد، ومقتضى ظهور المطلق بالشمول هو ثبوته للمطلق، فلا بُدَّ من حمل المطلق على المقيّد في مثل ذلك.
والصحيح: أنَّ لزوم حمل المطلق على المقيّد لا يختصّ فيما إذا كان متعلّق الحكم مأخوذاً على نحو صرف الوجود، بل حتّى لو كان مأخوذاً على نحو مطلق الوجود، بمعنى كونه انحلالياً إذا لم تقم قرينة على أنَّ الإتيان بالقيد
ــــــــــ[329]ــــــــــ
(1) انظر: المعتبر 1: 36.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
لغرض آخر غير الاحتراز، وهو كثير في الآيات والروايات، كتقييد الربيبة بأن تكون في حجر الإنسان في قوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ(1)، بل كان هذا التقييد من جهة الغلبة، وأنَّ التي تربّت في حجر الإنسان تكون بمنزلة بنته، فلا منافاة بين هذا التقييد وبين ثبوت الحكم للمطلق، فإنَّ القيد قد أتى به لغير الاحتراز، ولكن إذا لم تقم قرينة على مثل ذلك تلزم اللغوية ويتعيّن حمل المطلق على المقيّد.
هذا تمام كلامنا في حمل المطلق على المقيّد في الواجبات.
ــــــــــ[330]ــــــــــ
(1) النساء:23.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذا كان الدليل المقيّد قرينة عرفيّة على بيان المراد من المطلق، فلماذا لا يعامل هذه المعاملة في المستحبّات؟ كما في موارد الأدعيّة والزيارات، فلا إشكال في عدم حمل المطلق على المقيّد، فقد أمرنا بزيارة الحسين مطلقاً، وأمرنا أيضاً بزيارته في موارد خاصّة، وكذلك ورد استحباب زيارته مع الغسل بماء الفرات، فهنا لا يحمل المطلق على المقيّد، ويقال: لا تستحب زيارته إلَّا في الموارد الخاصّة، أو إلَّا مع الغسل بماء الفرات، فإذا كان القيد قرينة عرفيّة على المراد من المطلق، فلماذا لا نحمله في المستحبّات، وإذا لم يكن قرينة، فلماذا نحمله في الواجبات؟
أجاب صاحب الكفاية(1) بوجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ القاعدة وإن كانت تقتضي لزوم الحمل في المستحبّات أيضاً، إلَّا أنّنا بحسب الغلبة الخارجيّة علمنا من الخارج أنَّ الغالب في المستحبّات هو الاختلاف في مراتب الاستحباب من جهة كثرة الثواب وقلّته، فنحمل المطلق والمقيّد المستحبين على الاختلاف في الدرجة، فالمطلق في نفسه مستحبّ، والإتيان به ضمن المقيّد أفضل، فزيارة الحسين مطلقاً مستحبّة
ــــــــــ[331]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 251.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وزيارته في الأيام الخاصّة أفضل.
إلَّا أنَّ هذا الجواب لا يرجع إلى محصّل: فإنَّه قد مرّ في باب الأوامر(1) أنَّ الغلبة لا تكون قرينة موجبة لرفع اليد عن الظهور؛ إذ إنَّ الأوامر كثيراً ما استعملت في موارد الاستحباب، ومع ذلك لا نرفع اليد عن ظهور الأمر بالوجوب ما لم تقم قرينة على الاستحباب، ومجرّد غلبة استعماله في مورد الاستحباب لا يكون قرينة على رفع اليد عن الظهور.
فهنا أيضاً إذا فرضنا أنَّ المقيّد قرينة عرفيّة على المراد من المطلق، فكيف نرفع اليد عنه لغلبة اختلاف مراتب الاستحباب، فلا بُدَّ من رفع اليد عن الظهور والالتزام بالتقييد.
الوجه الثاني: التمسّك بالروايات الواردة بأنَّ من بلغه ثواب على عمل فعمله كان له أجره، وإن كان رسول الله لم يقله، فذكر أنَّها تشمل المقام، فيصحّ أن يقال: إنَّ المطلق بلغ عليه الثواب، فيكون هذا مستحبّاً وإن كان المقيّد أيضاً مستحبّاً.
إلَّا أنَّ هذا أيضاً لا يمكن المساعدة عليه لأمور:
الأمر الأوّل: فلأنا لو فرضنا أنَّ التقييد قرينة على بيان المراد من المطلق، كما كان هو الحال فيما لو كان التقييد متّصلاً بالكلام، غاية الفرق أنَّه في المتّصل لم ينعقد ظهور إلَّا في المقيّد، وأمّا إذا كان منفصلاً فالظهور وإن كان منعقداً حدوثاً إلَّا أنَّه لا يبقى، لأنَّ المقيّد يكشف عن أنَّ المراد الجدّي مختصّ بالمقيّد،
ــــــــــ[332]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 2: 148.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وإن كان المراد الاستعمالي بخلافه، ومعه كيف يمكن أن يقال: إنَّ المطلق بلغ عليه الثواب؟! فإنَّه بعد أن نصب المولى قرينة على مراده هو المقيّد -على ما هو المفروض من كون المقيّد قرينة على المطلق- كيف يمكن أن يقال: إنَّ المطلق قد بلغ عليه الثواب لكي تشمله الروايات؟
وإلَّا لزم الالتزام بالاستحباب في موارد الوجوب أيضاً، فلو ورد أمر وجوبي بالمطلق، وأمر وجوبي بالمقيّد، وحملنا المطلق على المقيّد، فنرفع اليد عن الوجوب في غير المقيّد، ونحكم بالاستحباب لأنَّه بلغ عليه الثواب، فإذا كان المقيّد قرينة على المطلق، فلا يبقى مجال لهذا الكلام أصلاً.
الأمر الثاني: أنَّ هذه القاعدة غير ثابتة عندنا كما سيجيء الكلام عليها في محلّه(1)، وهذه الروايات الواردة كلّها إرشاد إلى حكم العقل بأنَّ المكلّف إذا أتى بالعمل برجاء الثواب وأنَّه مأمور به، فهو انقياد للمولى ويترتّب عليه الثواب وإن لم يكن كما بلغه، فهو ثواب على الانقياد لا على ذلك العمل ليكون داخلاً في المقيّد(2).
الأمر الثالث: لو أغمضنا النظر عن ذلك لا يكون من حمل المقيّد على أفضل الأفراد، بل لا بد من أن يقال: إنَّ المقيّد المستحبّ ثابت بدليل خاصّ(3)،
ــــــــــ[333]ــــــــــ
() انظر: مصباح الأصول 2: 320.
(2) انظر: مصباح الأصول 2: 322.
(3) لا يخفى أنَّه لا يتحصّل من هذا الكلام جواب محصّل على الآخوند بعد التنزّل على الأجوبة السابقة، كما هو واضح للمتأمّل، فتأمّل (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وغير المقيّد المستحبّ ثابت بدليل التسامح في أدلّة السنن، فروايات من بلغ كيف تكون أفضل الأفراد بعد حمل المطلق على المقيّد، وكون المقيّد معيّناً للمراد من المطلق.
إذن، فكلامه لا يرجع إلى محصّل.
والصحيح في المقام أن يقال: إنَّه في المستحبّات، إذا ورد أمر وورد دليل آخر وكان مقيّداً، وكان الأوّل مطلقاً، فقد يختلفان في الإيجاب والسلب أمّا بالمطابقة أو بالالتزام، فنفرض أنَّ الأمر بالمطلق ثبت بدليل وثبت بدليل، آخر النهي عن بعض أفراده، أو بالدلالة الالتزاميّة كالمفهوم، فلا ينبغي الشكّ في لزوم حمل المطلق على المقيّد في هذين الموردين.
فمثلاً: لو فرضنا -كما هو كذلك- وردت عدّة من الروايات الدالّة على استحباب الإقامة، وورد نهي بعد ذلك عن الإقامة حال الجلوس أو حال الحدث (لا تقم إلَّا وأنت قائم) أو (لا تقم إلَّا وأنت متطهّر) فتكون حصّة من الطبيعة منهيّاً عنها، ولا نحتمل أنَّه نهي تحريمي، بحيث إنَّ حال الإقامة حال الجلوس حال المحرّمات في الإسلام كشرب الخمر أو الكذب أو الغيبة، وقلنا(1): إنَّ الأوامر والنواهي في باب المركّبات منسلخة عن الظهور الأوّلي في الوجوب أو الحرمة، بل ظاهره هو الإرشاد إلى الشرطيّة أو المانعيّة، فيستفيد العرف من ذلك أنَّ القيام والطهارة شرط في الإقامة، ولا منافاة بين أن يكون
ــــــــــ[334]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 4: 146.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
شيء مستحبّاً ومشروطاً بشيء، كما في الصلاة المستحبّة المشروطة بالطهارة، فلا تكون مشروعة بدونها.
ومثال الدلالة الالتزامية، هو أنَّه قد ورد الأمر بصلاة الليل في عدّة من الروايات، وورد الدليل أنَّه إذا انتصف الليل فصلّ، ويدلّ بالمفهوم يدلّ على أنَّه قبل الانتصاف لا تشرع هذه الصلاة، فمعناه: أنَّ هذه الصلاة مؤقّتة بما بعد نصف الليل، ففي مثل ذلك لا محالة نلتزم بالتقييد؛ لأنَّ ظاهر الدليل المقيّد هو الشرطيّة أو المانعيّة، فإنَّ انتصاف الليل شرط في هذه الصلاة، وأنَّ الطهارة شرط في الإقامة -كما هو الصحيح- دون الأذان.
وإذا فرضنا أنَّ المطلق والمقيّد متوافقان في الحكم، فكان كلاهما إيجابياً، ولكن الأمر في الدليل المقيّد لم يتعلّق بالمقيّد بل تعلّق بالتقييد، فإنَّه تارة يتعلّق الأمر بالمقيّد، كما قد أمرنا بزيارة الحسين مطلقاً، وأمرنا أيضاً بزيارته في أوّل رجب مثلاً. وأُخرى يتعلّق دليل المقيّد بالتقيّد، كما إذا فرضنا أنَّ الأمر تعلّق بالإقامة، وورد في الدليل الآخر: (ولتكن الإقامة حال القيام أو حال الطهور) أو (ولتكن صلاة الليل بعد انتصافه) فمثل هذا أيضاً يكون ظاهراً في التقييد، فإنَّ ظهور الأمر في الوجوب – لا الوجوب المولوي- بل في التقييد ثابت، بحيث لو انتفى الشرط لا يكون مأموراً به.
فأحد الأمرين قد تعلّق بالطبيعة المطلقة، وأنَّ زيارة الحسين مستحبّة بأيّ كيفيّة كانت، والأمر الآخر تعلّق به مع التقييد بخصوصيّة خاصّة.
ففي مثل ذلك، الصحيح أنَّه لا يحمل المطلق على المقيّد، بل يبقى المطلق
ــــــــــ[335]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
على إطلاقه، ويحمل المقيّد على أفضل الأفراد، لا كما كان هو الحال في الواجبات، فإنَّه هناك لو ورد مطلق ومقيّد وعلمنا بوحدة الحكم، يدور أمر هذا التكليف الواحد بين أن يحمل المطلق على المقيّد أو المقيّد على أفضل الأفراد، وقلنا: إنَّ الظاهر هو الأوّل؛ إذ لا موجب لرفع اليد عن الظهور الوضعي في المقيّد، وهو ظهوره في اللزوم في ذمّة المكلّف.
هذا الوجه لا يأتي في المستحبّات؛ وذلك لأنَّ المقيّد إذا فرضنا أنَّه كان استحبابياً، نحو: زر الحسين مغتسلاً بماء الفرات، فيجوز للإنسان أن يترك هذه الحصّة فلا يزور الحسين مع هذه الخصوصيّة، فهو مرخّص بتركه وإن كان مأموراً به، فإذا كان المقيّد استحبابياً ويجوز ترك الأمر به. إذن، لا تنافي بينه وبين الإطلاق، فإنَّ معنى الإطلاق هو جواز تطبيق الطبيعي على أيّ فرد شاء المكلّف، وهذا التطبيق لم يثبت له مانع أو ما ينافيه، فإنَّ هذا المستحبّ لا ينافيه بعد فرض كونه يجوز تركه، فإذا لم يكن بأس في ترك هذا المقيّد فلا تنافي بين المقيّد وبين الإطلاق الذي معناه رفض القيد وجواز تطبيق الطبيعة على أيّ فردٍ شاء المكلّف، ومع عدم التنافي لا موجب لرفع اليد عن الإطلاق، بل نأخذ بالإطلاق وبالمقيّد، ونتيجته: أنَّ هذا هو أفضل الأفراد.
وهذا بخلاف الواجب؛ إذ المفروض هو الإلزام بالإتيان بالمقيّد، ولا يجوز تركه، فكيف يجتمع هذا -مع فرض وحدة التكليف- مع جواز تطبيق المكلّف للطبيعة على أيّ فرد شاء، فأعتق أيّ رقبة تشاء، سواء كانت مؤمنة أو كافرة، مع أعتق رقبة مؤمنة لا يجتمعان. فلا مناص من رفع اليد عن أحدهما. وقلنا:
ــــــــــ[336]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إنَّ الأظهر هو رفع اليد عن الإطلاق.
فالعمدة هو أن يكون المقيّد أمراً استحبابياً، سواء كان المطلق استحبابياً أو وجوبياً. فلو أمر المولى أمراً وجوبياً بقضاء الصيام مثلاً، ثُمَّ أمراً استحبابياً بأن يكون القضاء في شهر رجب، لا يكون هذا الأمر الاستحبابي مقيّداً لذلك الأمر المطلق، فإنَّ الاستحباب لا ينافي الإطلاق.
وهذا مثاله في سجود الصلاة، حيث أمرنا بالسجود على مطلق وجه الأرض، أو مّما ينبت عليها من غير المأكول والملبوس، ثُمَّ أُمرنا بالسجود على التراب، وبالخصوص على التربة الحسينيّة استحباباً، فلا يكون مقيّداً لأوامر السجود المطلقة من جهة كون ما يسجد عليه تربة أو غير تربة، فإنَّه أمر استحبابي يجوز تركه ولا ينافي الإطلاق.
فالميزان في الحمل أن يكون الأمر المقيّد أمراً إلزامياً، فإذا فرضنا أنَّه لم يكن أمراً إلزامياً، وكان المكلّف مرخّصاً في تركه يبقى الإطلاق على حاله، ولا يثبت له مقيّد، وهذا الوجه هو الصحيح.
هذا تمام كلامنا في لزوم حمل المطلق على المقيّد والتقييد في المستحبّات.
ــــــــــ[337]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذا صدر مطلق من المولى وكان في مقام البيان، وتمّت مقدّمات الحكمة، يكشف ذلك عن أنَّ المراد الجدّي أيضاً مطلق لتبعيّة مقام الإثبات لمقام الثبوت. ومعنى الإطلاق -على ما تقدّم- هو رفض القيود، وأنَّ أيّ قيد يحتمل دخله في الواقع، فإنَّه ليس قيداً في مقام الثبوت، ومقتضى ذلك يختلف باختلاف الإطلاق، وكونه في نفس الحكم أو في متعلّقه أو موضوعه، وإن كانت مقدّمات الحكمة هي المقدّمات لا اختلاف فيها، إلَّا أنَّ نفس الإطلاق يختلف في ما هو الملحوظ في مقام الإطلاق.
فإن كان المتعلّق هو المطلق يكون المكلّف في سعة، فإن أُمرنا بالصلاة وشكّكنا بأنَّها مقيّدة من ناحية جزء أو شرط، فمقتضى الإطلاق هو أنَّ هذا الذي تخيّلناه قيداً ليس بقيد، ومعناه: أنَّ المكلّف في سعة بين أن يأتي بالمقيّد وبين أن لا يأتي به، ولو فرضنا أنّنا أمرنا بعتق رقبة، وشكّكنا بتقيّدها بالإيمان، فندفعه بمقتضى الإطلاق، ونلتزم بأنَّ الرقبة اللازم عتقها غير مقيّدة بالإيمان، ومعناه: أنَّ المكلّف في سعة فله الإتيان وله عدمه.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الإطلاق كان في ناحية الحكم نفسه، وشكّكنا أنَّه مقيّد بقيد خاص أو لا، وهذا يتحقّق في أحد موارد ثلاثة قد تقدّم بيانها في أوائل
ــــــــــ[338]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
مبحث الأوامر(1).
الأمر الأوّل: أنَّ الوجوب ينقسم إلى نفسي وغيري(2)، فالوجوب النفسي وجوب على كلّ تقدير، والوجوب الغيري وجوب على تقدير وجوب ما يتوقّف عليه، فإذا لم تجب الصلاة كما في قبل الوقت، لم يجب الوضوء أيضاً لأنَّ وجوبه غيري، ولا معنى لثبوت الوجوب الغيري من دون النفسي، فإذا شكّكنا أنَّ الوجوب مطلق حتّى يكون نفسيّاً، أو مقيّد حتّى يكون غيريّاً، فمقتضى الإطلاق هو التضييق وأنَّ هذا واجب سواء وجد ما يتخيّل كون هذا مقدّمة له أو لم يوجد، وذلك كغسل الجنابة إذا احتملنا كونه واجباً نفسيّاً ولم يقم دليل على أنَّه واجب غيري.
فلازمه أن نحكم بوجوبه النّفسي، كما ذهب إليه جماعة(3)، وهو مقتضى الإطلاق وعدم تقييده بما إذا كانت الصلاة واجبة، فلو لم تكن الصلاة واجبة كما لو كان قبل الوقت كان الغسل واجباً. فكلّ شيء شكّكنا في وجوبه النفسي أو الغيري، فمقتضى الإطلاق كونه نفسياً، وهذا تضييق على المكلّف.
الأمر الثاني: إذا شكّكنا أنَّ الوجوب تعييني أو تخييري(4)، فلا محالة أنَّ في التخيير سعةً على المكلّف وفي التعيين ضيق، ومقتضى إطلاق الكلام وعدم
ــــــــــ[339]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 2: 300.
(2) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 2: 300 – 303.
(3) انظر: تقريرات آية الله المجدد الشيرازي 2: 297، مختلف الشيعة 1: 321.
(4) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 2: 303 – 306.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الإتيان بالعدل بالتقييد بكلمة (أو) هو التعيين، فإذا أمرنا بالعتق ولم يقيّد، ويقول: (أعتق أو صم شهرين) فمقتضى الإطلاق هو ثبوت الوجوب سواء أتى بشيء آخر أو لا. وهذا ضيق على المكلّف لا محالة، فإنَّ التخيير سعة يقابلها التعيين.
الأمر الثالث: إذا شككنا أنَّ الوجوب عينيٌّ أو كفائيٌّ(1)، وفي الوجوب الكفائي سعة على المكلّف باعتبار سقوطه بإتيان الغير بمتعلّقه بخلاف العيني، وعند الشكّ في ذلك يتمسّك بالإطلاق، ومقتضاه أنَّ هذا واجب سواء أتى به شخص آخر أو لا، ومقتضاه أنَّ الوجوب عينيٌّ، وفيه ضيق على المكلّف.
فهناك فرق بين إطلاق الحكم نفسه، وبين إطلاق متعلّقه أو موضوعه، وإن كانت مقدّمات الحكمة هي المقدّمات بعينها لا تختلف، إلَّا أنَّ الإطلاق في مقام الثبوت تختلف نتيجته، فإذا كان ملحوظاً في الحكم فنتيجته الضيق، وأنَّ الحكم نفسيُّ عينيُّ تعيينيُّ، وإن كان في المتعلّق فنتيجته السعة، وتخيير المكلّف بين الإتيان بالمقيّد وغيره.
ــــــــــ[340]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 2: 306 – 308.
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إنَّ مقدّمات الحكمة وإن كانت لا تختلف بحسب الموارد، إلَّا أنَّ نتيجتها تختلف باختلاف الأحكام.
فإذا فرضنا أنَّه كان حكماً وجوبيّاً لزوميّاً، فمعناه: أنَّ الحكم متعلّق بالطبيعة دون اعتبار أيّ قيد فيها، فإذا أمرنا بعتق رقبة فمقتضى الإطلاق، وجوب العتق من دون أن يتقيّد بالإيمان أو بالعدالة أو غيرها، مّما يحتمل أن يكون قيداً، فمعناه: أنَّ الإلزام والوجوب تعلّق بصرف الطبيعة، ونتيجتها الاكتفاء بفرد واحد، فإذا أتينا بفرد واحد يحصل الامتثال، ولا يجب علينا الإتيان بفرد آخر؛ لأنَّ التكليف قد سقط.
وأمّا من ناحية النواهي فالأمر غير هذا، فأنّنا إذا فرضنا أنَّ الطبيعة مبغوضة للمولى من دون دخل أيّ خصوصيّة للأفراد، فجميع الخصوصيات مبغوضة، ولازمه أن يكون كلّ فرد مبغوضاً، لأنَّ كلَّ فرد هو الطبيعة مع خصوصيّة، والمفروض أنَّ الخصوصيّات ملغاة، والطبيعة تسري إلى سائر الأفراد.
وقد تكلّمنا في ذلك في مبحث النواهي، وقلنا أنَّ المصلحة إذا كانت ثابتة للطبيعة فتحصل بفرد واحد، وأمّا إذا كانت المفسدة ثابتة للطبيعة فيكون كلّ فرد واجداً لها فيكون الإتيان به حراماً لا محالة.
ــــــــــ[341]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إذن، فنتيجة مقدّمات الحكمة من ناحية الأمر هو كون الوجوب واحداً متعلّقاً بالطبيعة، ونتيجته: هو أن يكون الإطلاق بدليّاً، حيث يحكم العقل بلزوم الإتيان بفرد واحد على البدل، وأمّا في النواهي فلا محالة يكون الإطلاق شمولياً. وهذا لخصوصيّة الموردين وإلَّا فمقدّمات الحكمة مشتركة ولا فرق فيما بينهما أصلاً.
وكذلك الحال في المباحات فيما إذا حكم المولى بجواز شيء وأنَّه مباح، فلازمه – بعد جريان مقدّمات الحكمة- هو أنَّ الطبيعة بما هي طبيعة ليس فيها مفسدة ولا مصلحة إلزاميّة، ونتيجته: هو أن يكون كلّ فرد مباحاً؛ إذ لو كان بعضها مباحاً فلا بُدَّ أن تكون الإباحة مقيّدة بغير ذلك البعض، إذ المفروض أنَّ ذلك البعض حرام، فعدم دخل خصوصيّة شيء في الطبيعة نتيجته سريان الإباحة إلى سائر الأفراد.
وكذلك الحال في الأحكام الوضعيّة، وعندئذٍ يكون قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ مقتضيّاً أن يكون البيع بجميع أفراده مباحاً، وأنَّ هذه الطبيعة أينما سرت من دون أيّ خصوصيّة تكون حلالاً وضعيّاً، وإلَّا فلا بُدَّ من التقييد، فإذا لم يثبت التقييد وكان المولى في مقام البيان فنتيجته حلّيّة كلّ أقسام البيع، فإنَّ حلّيّة بيع مّا لا معنى لجعله، وحلّيّة فرد معيّن لا دليل عليه، فلا بُدَّ أن تكون جميع الأفراد محلّلة.
وهذا إنَّما هو لاختلاف الموارد من دون اختلاف في أصل مقدّمات الحكمة.
هذا تمام كلامنا في بحث المطلق والمقيّد.
ــــــــــ[342]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
المجمل والمبيّن
ــــــــــ[343]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
هذان اللفظان ليس فيهما اصطلاح خاصّ للأصوليين، وإنَّما هما يستعملان بالمعنى اللغوي، وهو: أنَّ المبيّن بمعنى الواضح، والمجمل في قباله بأن لا يكون واضحاً، وهو بالمعنى اللغوي لا يختصّ بالكلام، بل قد يكون عملاً مجمل الوجه أو مبيّن الوجه، إلَّا أنَّ كلامنا هنا في الألفاظ، وأنَّ الكلام الصادر من هذا المتكلّم هل هو مجمل أو مبيّن، فهل هو واضح الدلالة على المراد الاستعمالي، أو مجمل من هذه الناحية، فلا ندري أنَّه في مقام تفهيم أيّ شيء؟ فإذا عرض هذا الكلام على العرف والعارف باللغة فإمّا أن يظهر منه مراد المتكلّم فهو مبيّن، وإلَّا فهو مجمل.
ومن هنا يظهر عدم وجود الواسطة بينهما، بمعنى: أن لا يكون اللفظ مجملاً ولا مبيّناً؛ لأنَّ الأمر دائر بين النفي والإثبات، كما أنَّه لا يخلو كلام من أحدهما.
ــــــــــ[345]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ثُمَّ إنَّ المجمل قد يكون مجملاً حقيقةً بلا عناية، وقد يكون مجملاً حكماً، يعني: مثل المجمل ونظيره، وإلَّا فهو مبيّن واقعاً، والمجمل الحقيقي قد يكون مجملاً ذاتاً، وقد يكون مجملاً عرضاً، فهذه أقسام ثلاثة.
القسم الأوّل: قد يكون اللفظ مشتركاً بين معنيين أو أكثر، واستعمله المتكلّم من دون أن ينصب قرينة، كما لو كان زيد اسماً لشخصين، وقال المتكلّم: (جِئنِ بزيد) ولم ينصب قرينة على إرادة أحدهما، فهذا الكلام مجمل غير مبيّن، ولا يعرف المراد منه عرفاً، وهذا الإجمال ذاتي؛ لأنَّ اللفظ مشترك بين المعنيين، ولا ظهور له في أحدهما.
القسم الثاني: قد يكون اللفظ بحسب ظهوره النفسي الأمري الطبعي ظاهراً ظهوراً تصوّريّاً، ولكن من ناحية الظهور التصديقي غير موجود، لاحتفاف الكلام بما يحتمل أن يكون قرينة، فهذا مجمل حقيقي، فلا يعرف مراد المتكلّم لا لأجل الإجمال الذاتي، وتردّد المراد الاستعمالي، إلَّا أنَّ احتمال وجود القرينة في الكلام يسلبه الظهور، ولا يبقى للكلام ظهور من أجلها، ولأجل هذا يكون هذا مجمل حقيقةً، ولكنّه مجمل من ناحية شيء عرضي وهو احتفافه بالقرينة.
ــــــــــ[346]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
القسم الثالث: قد يكون الكلام مبيّناً في نفسه، إلَّا أنَّه في حكم المجمل، كما لو تكلّم المولى بعامّ، لكن علمنا من الخارج بوجود مخصّص دار أمره بين المتباينين، فالمراد الاستعمالي معلوم؛ لأنَّ اللفظ موضوع للعامّ وقد استعمله في معناه، ولكن لا يمكن الأخذ بهذا العموم لعلمنا بالتخصيص الدائر أمره بين المتباينين، فهذا الكلام يصبح كأنَّه مجمل، وإن كان بالنسبة إلى كشفه عن المراد غير قاصر.
وفي جميع هذه الموارد الثلاثة لا يمكن الأخذ بكلام المتكلّم لفرض أنَّه لا ظهور له في شيءٍ حقيقة أو حكماً.
ــــــــــ[347]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
إنَّ الإجمال والتبيين أمران واقعيّان لا أمران إضافيان، كما ذكر صاحب الكفاية(1)، فإنَّه ذكر أنَّ كلاماً واحداً يمكن أن يكون مبينّاً بالإضافة إلى شخص، كالعالم باللغة، ومجملاً بالإضافة إلى الشخص الآخر، كالجاهل باللغة، فهما أمران إضافيّان يختلفان باختلاف الأشخاص والأزمان.
ولكن الأمر ليس كذلك، فإنَّ المبيّن هو كلّ كلام إذا عرض على أهل اللغة والعرف، فيفهم منه المراد الاستعمالي، وبخلافه المجمل، فهما أمران واقعيّان لا إضافيّان، والجهل باللغة لا يجعله مجملاً.
والقرآن الذي فيه أفصح اللغات، لأنَّه كلام إلهي، مع ذلك لا يفهمه غير العرب(2)، كما أنَّ الكلام الفارسي لا يفهمه العربي، وليس هذا من الإجمال في شيء، بل هو ظاهر في معناه، ولكن عند أهل اللغة واللسان. إذن، فالإجمال
ــــــــــ[348]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأُصول: 253.
(2) لا يخفى أنَّ صاحب الكفاية لا يضرّه أن يقول بأنَّ القرآن مجمل لغير العرب، بعد أن لم يأخذ في معنى الإجمال إلَّا عدم الوضوح من دون قيد كونه غير واضح عند أهل اللسان، وإن كان الصحيح هو أخذ هذا القيد لا محالة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
والتبيّين معنيان واقعيّان لا إضافيّان.
نعم، قد يكون المجمل والمبيّن محلّاً للخلاف بين شخصين، فأحدهما يدّعي ظهور الكلام وأنَّ أهل اللسان يفهمون منه معنى خاصّاً، والآخر يراه مجملاً غير واضح المعنى، وهذا أمر ممكن ولا ينافي كون الإجمال والتبيّين من الأُمور الواقعيّة، فإنَّ الأُمور الواقعيّة أيضاً يقع فيها الخلاف، فقد يدّعي شخص أنَّ هذا ذهب، ويدّعي الآخر أنَّه نحاس، وقد يشخّص الطبيب أنَّ هذا مضرّ للمرض والآخر يشخّص أنَّه نافع له، مع أنَّ المرض من الأمور الواقعيّة لا من الأُمور الإضافيّة، وهكذا الأُمور الواقعيّة دائماً وفي أكثر العلوم وفي جميع المسائل يقع فيها الخلاف كحركة الفلك وأصالة الوجود أو الماهيّة وغير ذلك، وكلّها من الأُمور الواقعيّة.
وبعبارة أُخرى: أنَّ هنا أمرين غير مرتبطين:
أحدهما: أنَّ الإجمال والتبيين من الأُمور الواقعيّة أو الإضافيّة.
ثانيهما: أنَّهما من الأُمور الواضحة التي لا تختلف فيها الأنظار، أو من الأُمور النظريّة التي تختلف فيها الأنظار، وكونه من الأُمور الواقعيّة شيئاً واختلاف الأنظار شيئاً آخر.
فمن جملة الموارد التي اختلفت فيها الأنظار لفظ الصعيد، فقد يُقال إنَّه ظاهر بمطلق وجه الأرض، وربما يُقال: إنَّه مجمل مردّد بين هذا وبين خصوص التراب.
ولفظ الكعب الذي قد يُقال: إنَّه ظاهر في المحلّ المرتفع من الرجل، وقد
ــــــــــ[349]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
يُقال: إنَّه مجمل مردّد بينه وبين العظم الواقع في المفصل.
واللام النافية للجنس بالنسبة إلى المركّبات والجمل، قد يُقال إنَّها ظاهرة في نفي الصحّة، كـ”لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُور“(1) وقد يُقال إنَّها أعمّ(2) منها ومن نفي الكمال، نحو: “لَا صَلَاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إِلَّا فِي مَسْجِدِه”(3) مع أنَّها صحيحة يقيناً.
أو في نفي الرجوليّة عن زيد، فيقال: (زيد ليس برجل) وليس المراد كونه من النساء، بل المراد كونه ليس متّصفاً بصفات الرجل، أو نحو: (لا رجل إلَّا زيداً)(4)، لا يعني عدم وجود الرجال سواه، وإلَّا فإنَّ الرجال كثيرون، وإنَّما المراد كماله بالنسبة إليهم، وهم بالنسبة إليه ناقصون.
وكذلك مّما وقع فيه الخلاف صيغة الأمر حيث قد يُقال: إنَّها ظاهرة في الوجوب، وقد يُقال: إنَّها(5) موضوعة للأعمّ من الوجوب والاستحباب. إلى
ــــــــــ[350]ــــــــــ
() المحاسن 1: 78، عقاب من تهاون بالوضوء، الحديث: 1، من لايحضره الفقيه 1: 33، باب وقت وجوب الطهور، الحديث: 67.
(2) هذا ليس قولاً بالإجمال، وإنَّما هو قول بالعموم كما هو واضح. (المقرّر).
(3) تهذيب الأحكام 1: 92، الباب 4، صفة الوضوء والفرض منه والسنّة والفضيلة فيه، الحديث: 93
(4) لا يخفى ما في هذه الاستعمالات من المجاز ما يخرجه عن محلّ الكلام في هذا الباب. (المقرّر).
(5) لا يخفى أنَّ هذا قول بالعموم لا بالإجمال. نعم، بناء عليه إذا استعمل الأمر من دون قرينة يكون مجملاً، إلَّا أنَّ اللفظ في نفسه ليس مردّد المعنى، كما كان الحال في لفظ الصعيد مثلاً. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
غير ذلك من الموارد الكثيرة التي وقعت محلّاً للخلاف.
هذا تمام كلامنا في مبحث المجمل والمبيّن.
هذا تمام كلامنا في مباحث الألفاظ، ويقع الكلام في الأدلّة العقلية إن شاء الله تعالى.
ــــــــــ[351]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
[تمهيدٌ] 11
في انقسام العموم 15
لحاظ الأقسام باعتبار تعلّق الحكم بالعموم 17
بيان صاحب الكفاية ونقده 17
في دلالة أصل الألفاظ على العموم 25
بيان الآخوند 28
إيرادنا على بعض ما ذكره الآخوند 29
العلم بالمخصّص والشكّ بالتخصيص الزائد 35
جواب الميرزا النائيني 40
جواب الشيخ الأعظم 41
ما ذكره الميرزا توضيحاً 42
جواب الآخوند الخرساني 44
الصحيح في الجواب 45
ــــــــــ[353]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
دوران أمر المخصّص بين الأقلّ والأكثر أو بين المتباينين 53
العلم بالعامّ والخاصّ مفهوماً والشكّ في الانطباق 61
تحقيق النسبة إلى المشهور ومنهم اليزدي 63
ما يمكن جعله وجهاً في المقام 68
في الفرق بين المسألتين 69
تفصيل الشيخ الأعظم بين المخصِّصين 73
الوجه في التفصيل الآنف الذكر 74
ما ذكره الميرزا في المقام 75
ما ينبغي قوله في المقام 76
دخول الفرد المشكوك بالاستصحاب 83
نظر الميرزا فيما قاله الآخوند 87
الكلام في بعض المقدّمات 90
إمكان التمسّك بالعام من ناحية حكم آخر غير الشكّ في المخصّص 95
موردان للبحث 97
مختار صاحب العروة وغيره 100
إيراد شيخنا الأُستاذ 100
ترجيح قول صاحب العروة 101
الدوران بين التخصيص والتخصّص 105
ــــــــــ[354]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
الكلام في الكبرى 108
الكلام في الصغرى 110
في إجمال المخصِّص 113
لزوم الفحص عن المخصِّص 117
ما ذكره الآخوند الخراساني 117
عدم الفرق بين البابين 120
ما تمسّك به بعض المحقّقين ونقده 123
ما ذهب إليه صاحب المعالم ونقده 124
ما وصفه الشيخ الأنصاري بالعمدة 125
إيراد صاحب الكفاية 129
بيان ما أفاده الميرزا في المقام 129
الإشكال الأوّل على ما ذكره الميرزا 136
الإشكال الثاني على ما ذكره الميرزا 140
التعويل على القرائن 143
فساد أصل المبنى 144
تحقيق المقام 147
مقدار الفحص اللازم 149
الترديد في رأي الآخوند 151
ــــــــــ[355]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
في الخطابات الشفاهيّة 155
وقوع النزاع في جهات 156
الكلام في الجهة الأولى 157
الكلام في الجهة الثانية 158
الكلام في الجهة الثالثة 159
ثمرة النزاع 164
رجوع الضمير إلى بعض أفراد العامّ 173
ما ذهب إليه صاحب الكفاية 174
جريان أصالة العموم دون أصالة الاستخدام 176
التحقيق في المقام 177
التعارض بين المفهوم والعموم 185
اختيار جمع من العامّة 187
التفصيل المختار من قبل الآخوند الخراساني 190
التفصيل المتعيّن 192
الاستثناء المتعقّب لجمل متعدّدة 201
الخلاف في الاستظهار من صاحب المعالم 203
الأقسام المتصوّرة في المقام 204
القسم الأوّل 204
ــــــــــ[356]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
القسم الثاني 207
القسم الثالث 208
تخصيص الكتاب بخبر الواحد 211
الوجوه المذكورة لعدم جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد 215
الوجه الأوّل ونقده 215
الوجه الثاني ونقده 217
الوجه الثالث ونقده 218
الوجه الرابع ونقده 220
دوران الأمر بين النسخ والتخصيص 225
الصورة الأولى 228
ما ذكره شيخنا الميرزا 229
ما ذكرناه بالتفصيل 229
الصورة الثانية 231
جواب العلمين (قدّس الله سرّهما) 233
الصورة الثالثة 238
الصورة الرابعة 239
الوجوه المذكورة من قبل الأصوليين 240
وجهٌ للميرزا النائيني 240
ــــــــــ[357]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
وجهٌ للمحقّق الخراساني 241
عدم تماميّة الأمرين 244
النسخ 248
البداء 253
المطلق والمقيّد 261
اسم الجنس 262
انقسام الماهيّة 262
بيان آخر 265
في تعيين الموضوع له في أسماء الأجناس 267
عَلَم الجنس 270
الفرق بين علم الجنس واسمه عند الخراساني 270
ما ذكره صحيح نتيجةً لا استدلالاً 272
المعرّف باللام 276
التزيّين عند صاحب الكفاية 276
تمحيص كلام الآخوند 278
الجمع المحلى باللام 281
نقد ما صار إليه صاحب الكفاية 282
النكرة 285
أسماء الأجناس وتحديد الموضوع له فيها 287
ــــــــــ[358]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
ما تعرّضنا له في أبحاث سابقة 289
الكلام في مقدّمات الحكمة 293
معنى البيان 296
التمسّك بالإطلاق في حالة الشكّ 298
القدر المتيقّن في مقام التخاطب 303
انصراف المطلق 306
القسم الأوّل 306
القسم الثاني 307
القسم الثالث 308
حمل المطلق على المقيّد أو حمله على أفضل الأفراد 310
تعدّد الحكم ووحدته والشكّ فيه 311
في وحدة الحكم 312
ما ذكره صاحب الكفاية 313
الصحيح ما ذكرناه في الأوامر 314
في مقام تعدّد الحكم 315
الاحتمال الأوّل 316
الاحتمال الثاني 316
الاحتمال الثالث 316
الاحتمال الرابع 317
ــــــــــ[359]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه ج8
بيان الفرق بين الواجبات والمستحبات 331
جوابان للمحقّق الخراساني وردّهما 331
رأينا في المقام 334
اختلاف الإطلاق في الحكم أو الموضوع والمتعلّق 338
اختلاف نتيجة المقدّمات باختلاف الأحكام 341
المجمل والمبيّن 345
أقسام المجمل 346
الخلاف في الإجمال والتبيّين 348
الفهرس 353