أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
أصول الخوئي الجزء (9)

تقريرات في علم أصول الفقه

الجزء التاسع



261

ص44 الصدر، محمد.

تقريرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج9 (368ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1743/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1743) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

5-19-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com



تقريرات في 

علم أصول الفقه

تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ 

آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي

بقلم 

سماحة الحجة آية العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن محمد الصدر 

الجزء التاسع  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[4]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

 

الكلام في مباحث الأدلّة العقليّة

 

ويحتوي على:

  • [بحوث تمهيديّة]
  • مباحث القطع
  • مباحث العلم الإجمالي
  • مباحث الظن

ــــــــــ[7]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9




[بحوث تمهيديّة]


  • [المبادئ للاستنباط] 
  • في القسمة الثلاثيّة
  • في القسمة الثنائيّة
  • الفرق بين الحكم الفعلي والانشائي 
  • شكّ المجتهد في حكم متعلّق بالمقلّد

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9







الكلام في مباحث الأدلّة العقليّة(1)

[بحوث تمهيديّة]

 

[المبادئ للاستنباط ] 

 

ذكرنا في أوّل مبحث الأُصول(2): أنَّ الأحكام الشرعية، أكثرها نظرية، وإن كان بعضها من ضروريات الدين، ولا يحتاج إثباتها إلى إقامة برهان واستدلال، إلَّا أنَّ أكثرها أُمور نظريّة لابدَّ في إثباتها إلى مبادئ لثبوت هذا الحكم، منها بعيد كعلم اللغة وعلم المنطق وعلم الرجال، فإنَّ كلّاً منها مّما لا دخل له في الاستنباط،  إلا أنها بعيدة عنه لا يترتّب عليها إلَّا بواسطة.

وعلم الأُصول هو المبدأ الأخير للاستنباط، فإنَّ المسألة الأُصوليّة يترتّب عليها استنباط الحكم الشرعي، وإن كان في الجملة وفي بعض الموارد، فمثلاً: في مباحث الألفاظ حينما نبحث عن أنَّ الأمر ظاهر في الوجوب أو لا، فإذا تمّ لنا هذا الظهور، وفرضناه ظهوراً في سندٍ قطعيٍّ، كما لو أمرت السنّة القطعيّة بأمر، 

ــــــــــ[11]ــــــــــ

(1) كان بداية الشروع في يوم الاثنين 18/10/1386هـ، 30/1/1967م.

(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 1: 59- 63.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

فإذا ضمّمنا هذه الصغرى إلى كبراها يثبت الوجوب، ويحتجّ به المولى على عبده، والعبد على مولاه، ومعنى هذا: أنَّه يستنبط منه حكم شرعي، وهو وجوب هذا الشيء، وهكذا بقيّة المسائل التي تكلّمنا فيها.

بالنسبة إلى الملازمات العقليّة، إذا أثبتنا الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، وثبت وجوب الصلاة بدليل، وانضمّت الصغرى إلى الكبرى، فيثبت وجوب مقدّمات الصلاة.

  وكذلك الحال في مباحث الحجّج، فإذا أثبتنا حجّيّة خبر الواحد، وكان هناك رواية قطعيّة الدلالة، فيثبت هذا الحكم شرعاً لفرض أنَّ خبر الثقة بمنزلة العلم الوجداني.

وكذلك مباحث الأُصول العمليّة، فإذا علمنا بشيء وشكّكنا بارتفاعه نبني على وجوده بمقتضى الاستصحاب، فإذا علمنا بحرمة وطئ الحائض أثناء الدم، وشكّكنا بارتفاع الحرمة بعد انتهاء الدم وقبل الغسل، فنستصحب هذه الحرمة، وبمقتضى ضمّ الصغرى إلى الكبرى تثبت حرمة وطئ الحائض بعد انتهاء الدم وقبل الاغتسال.

وبيّنا أنَّ مسائل علم الأُصول تنقسم إلى أربعة أقسام:

القسم الأوّل: يبحث فيه عن الألفاظ بما هي ألفاظ، يعني: عن مدلول اللفظ، كالبحث عن أنَّ الأمر هل يدلّ على الوجوب؟ وأنَّ النهي هل يدلّ على الحرمة؟ إلى غير ذلك مّما تكلّمنا فيه في مباحث الألفاظ(1).

ــــــــــ[12]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 2: 147.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

القسم الثاني: يقع البحث فيه عن المعنى بما هو معنى من دون نظر إلى اللفظ أصلاً، من قبيل: مباحث الاستلزامات العقليّة، كالبحث عن الملازمة بين وجوب الشيء و وجوب مقدّمته(1) وبين وجوبه و وجوب ضدّه(2)، وهي مسائل أجنبية عن الألفاظ أصلاً، وإنَّما هو بحث عن الملازمة بين حكمين واقعاً. 

القسم الثالث: و هي المباحث التي يتكلّم فيها عن الحجّيّة(3)، وأنَّه هل جعل شيئاً حجّة بعد أن لم يكن حجّة في ذاته، كالبحث عن حجّيّة خبر الواحد والشهرة، وأنّ الشارع جعله بمنزلة العلم ويحتج به المولى على المكلّف وبالعكس، بعد أن لم يكن في نفسه قابلاً للاحتجاج.

وهذه المسائل كلّها يستنبط منها الأحكام الواقعيّة، فمن ظهور الأمر بالوجوب الواقعي، ومن الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، نستكشف وجوب المقدّمة واقعاً إذا كان ذوها واجباً واقعاً. وهكذا الأمر في مباحث الحجّج، فإذا تمكّنا من كشف الواقع بشيء من هذه الأُمور فهو، وإلَّا فينتهي الأمر إلى الشكّ عندئذٍ.

القسم الرابع: وهو جريان الأُصول العمليّة من البراءة والاحتياط والتخيير والاستصحاب(4).

ــــــــــ[13]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 3: 11- 13.

(2) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه3: 232.

(3) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 1: 61.

(4) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 1: 62.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وكتب شيخنا الأنصاري رسالتين في القسمين الأخيرين، وهي مباحث الحجّج(1) والأُصول العمليّة(2)، وقبل ذلك تكلّم عن أحكام القطع الطريقي والموضوعي(3).

 وذكر صاحب الكفاية(4) أنَّ هذا خارج عن المباحث الأُصوليّة، ويشبه المباحث الكلاميّة، وإنَّما تكلّم فيه استطراداً، والأمر كما ذكره، فإنَّ المسائل الأُصوليّة على ما ذكرنا هي المسائل التي يترتّب عليها الحكم الشرعي بلا واسطة ولو في الجملة، فإنَّه قد يتوقّف إثبات الحكم على مسألتين أو أكثر، كما لو كانت الرواية ظنّيّة السند والدلالة، فنحتاج في إثبات حجّيّتها إلى مبحث الظواهر وإلى مبحث حجّيّة الخبر الواحد، يعني: أنَّ المسألة الأُصوليّة مّما يترتّب عليها القطع بالحكم الشرعي، فالقطع بالحكم من نتائج المباحث الأصوليّة، فكيف يكون هو من مباحثه؟ ومن المعلوم أنَّ القطع بالحكم لا يقع في طريق القطع بالحكم، وإنَّما هو نتيجة للمسألة الأُصوليّة، وتكون المسألة الأُصوليّة مبدأً تصديقيّاً له، فلا يكون البحث عن القطع الطريقي من المسائل الأُصوليّة.

وكذلك القطع الموضوعي، فإنَّ نسبته إلى الحكم كنسبة سائر الموضوعات إلى الحكم كنسبة الخمر إلى الحرمة، والمسألة الأُصوليّة هي التي يستنبط منها 

ــــــــــ[14]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 103.

(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 10.

(3) انظر: فرائد الأُصول 1: 31 – 33.

(4) انظر: كفاية الأُصول: 257.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الحكم الشرعي، فالبحث فيها استطرادي، وهو يشبه المسائل الكلاميّة باعتبار أنَّ البحث هنا يقع عن التنجيز والتعذير، وعلم الكلام علم يبحث فيه عن المبدأ والمعاد، وما يرجع إلى استحقاق الثواب والعقاب. ولهذا تكون هذه المسائل شبيهة بالمسائل الأُصوليّة.

ــــــــــ[15]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9






في القسمة الثلاثيّة

 

ذكر شيخنا الأنصاري(1): أنَّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي، فإمّا أن يحصل له القطع أو الظنّ أو الشكّ، وعلى الأخير فالمرجع هو الأُصول العمليّة من البراءة والاحتياط والاستصحاب والتخيير، ولذلك جعل هذه الرسالة على ثلاثة مباحث، فتكلّم في أحكام القطع، ثُمَّ في أحكام الظنّ، ثُمَّ في أحكام الشكّ.

وذكر في بحث البراءة أنَّ المراد بالظنّ هو الطريق المعتبر إن كان له طريق معتبر يعتمد عليه، وإلَّا فينتهي المكلّف إلى الشكّ، والشكّ غير قابل لجعل الحجّيّة له.

وهذا الذي أفاده مبني على الترتيب الطبيعي، إذ إنَّ المكلّف إذا التفت إلى الحكم قاطعاً به فلا مجال للرجوع إلى الأدلّة الاجتهاديّة والأُصول العمليّة، فإنَّ كلّاً منهما إنَّما تكون حجّة على تقدير احتمال مطابقته للواقع، لا مع القطع بالمخالفة، فإنَّ الأمارة التي علمت مخالفتها للواقع لا مجال لجعل الحجيّة لها، وكذلك إذا كانت مقطوعة المطابقة للواقع للزوم اللغويّة.

ثُمَّ عقد لبحث القطع باباً -وإن كان استطرادياً على ما ذكرناه- فتكلّم في باب الحجّج عمّا يكون حجّة بجعل الشارع، وهو المراد بالظنّ، لا ما يكون 

ــــــــــ[16]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 25.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

مطلقاً والواقع فيه راجحاً، وإن لم يكن معتبراً، فإذا فرضنا أنَّ المكلّف غير جازم بالواقع، ولكن عنده طريق معتبر، وكان هذا الطريق ناظراً إلى الواقع ومبيّناً له، والشارع تمّم كشفه وإن لم يكن في نفسه حجّة، إلَّا أنَّه في نظر الشارع حجّة فهو في حكم العلم، فيتقدّم لا محالة على الأُصول العمليّة، فإنَّ موضوع الأُصول بأجمعها إنَّما هو الشكّ بالفعل وعدم إحرازه تعبّداً أو وجداناً، وإلَّا فإنَّ المكلّف ليس شاكّاً بقول مطلق، فإنَّه عالم بجعل الشارع وتعبّده؛ ولذلك لا تجري الأُصول العمليّة، فإنَّ موضوعها هو الشكّ والتحيّر، فكذلك تتقدّم الأمارات على الأُصول العمليّة، إمّا بالحكومة أو بالورود، والحكومة تكون على الأُصول الشرعيّة، يعني: يكون بالتعبّد الشرعي عالماً، فهو محرز للطهارة السابقة فلا يجري الاستصحاب، وعالماً بالحرمة أو الوجوب فلا تجري البراءة، والورود بالنسبة إلى الأُصول العقليّة، يعني: يكون رافعاً لموضوعها وجداناً، فإنَّ موضوع البراءة العقليّة عدم البيان، ووجود الأمارة بيان وجداناً من قبل الشارع، وهذا معنى الورود. 

وكذلك بالنسبة إلى الاحتياط، فإنَّ موضوعه هو احتمال العقاب، وهذا مؤمّن من العقاب جزماً، وكذلك التخيير العقلي فإنَّ موضوعه هو تحيّر المكلّف وعدم إحراز وظيفته فعلاً أو تركاً.

إذن، فالأمارات حاكمة على الأُصول الشرعيّة، وواردة على الأُصول العقليّة، وهذا هو البحث الثاني الذي تكلّم فيه.

ثُمَّ بعد ذلك تكلّم في الأُصول العمليّة، فإنَّ المكلّف إذا لم يحرز الواقع 

ــــــــــ[17]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وجداناً وتعبّداً، وفرضنا أنَّه لم تقم عنده أمارة معتبرة على الحكم، فهو شاكّ في الحكم، فينتهي أمره إلى التمسّك بأحد الأُصول العمليّة، فإن كان للحكم حالة سابقة جرى الاستصحاب، وإن كان شكّاً في التكليف جرت البراءة، وإن كان شاكّاً في المكلّف به وأمكنه الاحتياط جرى الاحتياط، وعند دوران الأمر بين المحذورين تجري أصالة التخيير.

وما ذكره من الإشارة إلى الترتيب الطبيعي بين هذه المباحث متين جدّاً، فإنَّ القطع مقدّم على الأمارات، وهي مقدّمة على الأُصول العمليّة.

ــــــــــ[18]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9








في القسمة الثنائيّة

 

ولكن صاحب الكفاية(1) لم يرتض هذا التقسيم، بدعوى: أنَّ الحكم الذي يترتّب عليه الأثر بالقطع أو بالظنّ أو بالشكّ، إنَّما هو الحكم الفعلي، وأمّا الحكم الإنشائي أو الجعلي فلا أثر له، ولا فرق بين أن يتعلّق القطع بالحكم الواقعي أو بالحكم الظاهري. وعليه: فالتقسيم ثنائيٌّ، فإنَّ المكلّف إمّا أن يحصل له القطع بالحكم الواقعي أو بالحكم الظاهري، فإنَّ من قامت لديه أمارة معتبرة أو أصل معتبر فهو جازم بالحكم بالفعل، غايته: أنَّه حكم فعلي، وأمّا أن يكون غير قاطع فينتهي أمره إلى الظنّ الانسدادي، فإن تمّت لديه المقدّمات بناءً على الحكومة يعمل على ظنّه، وإلَّا فيرجع إلى الأُصول العقليّة من البراءة والاحتياط والتخيير.

إلَّا أنَّ هذا لا يرجع إلى محصّل، فإنَّ القطع -وإن كان كما ذكره- لا يفرق في القطع الطريقي بين أن يتعلّق بالحكم الواقعي أو بالحكم الظاهري، إلَّا أنَّ القطع بالحكم الظاهري إنَّما يكون في فرض الشكّ ومترتّباً على اعتبار من الشارع، فإنَّ الكلام في منشأ القطع بالحكم الظاهري، فإنَّه إمّا أن ينشأ من حجّيّة أمارة، أو من جعل شرعي في ظرف الشكّ، كالاستصحاب أو البراءة الشرعيّة.

ــــــــــ[19]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأُصول: 257.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

والشيخ الأعظم أراد بيان المطالب التي سوف يبحثها بنحو الإجمال، والقطع بالحكم الظاهري لا يوجد إلَّا بتعبّد من قبل الشارع، إمّا بجعل ما ليس بحجّة حجّة، وهذا هو القسم الثاني الذي تكلّم فيه الشيخ، أو بجعل وظيفة عمليّة في ظرف الشكّ، وهذا هو القسم الثالث.

فلابدَّ أنّ يُقال: إنَّ الحكم إمّا أن يكون مقطوعاً به فيعلم به المكلّف بالقطع الطريقي، وإمّا أن لا يكون مقطوعاً به، ولكن لديه طريق معيّن هو بمنزلة العلم، ويكون حينئذٍ عالماً بالحكم الظاهري، إلَّا أنَّه علم ينشأ من حجّيّة الطريق، ولابدَّ من البحث عن منشئه، وإلَّا فينتهي الأمر إلى القسم الثالث، فيوجد القطع بالحكم الظاهري مستنداً إلى جعل الشارع ووظيفة للشاكّ.

فما ذكره الشيخ هو الذي يقتضيه الترتيب الطبيعي، ولابدَّ من التعرّض لهذه الأُمور التي بحثها.

وما ذكره صاحب الكفاية(1) من التثنيّة في الأقسام، وتقسيم المكلّف إلى قسمين: قاطع وغير قاطع، فالقاطع يعمل بقطعه سواء تعلّق قطعه بالحكم الواقعي أو بالحكم الظاهري، فيدخل في ذلك الطريق المعتبر شرعاً، بل الظنّ الانسدادي على الكشف، بل يدخل في ذلك جميع الأُصول الشرعيّة من البراءة والاستصحاب والاحتياط الشرعي على القول به، ولا فرق في متعلّق القطع وترتّيب الأثر عليه بين أن يتعلّق بالحكم الواقعي أو بالظاهري، فإذا لم يكن له قطع ينتهي أمره إلى مقدّمات دليل الانسداد على الحكومة، فإن تمّت المقدّمات 

ــــــــــ[20]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأُصول: 257.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وكان له ظنٌّ عمل به، وإلَّا فينتهي الأمر إلى الأُصول العقليّة.

وهذا لا يمكن المساعدة عليه، فإنَّ القطع وإن كان يترتّب عليه أثره بلا إشكال من دون فرق بين متعلّقاته، إلَّا أنَّ القطع بالحكم الظاهري موضوعه هو الجاهل بالواقع، ومع الجهل بالواقع إمّا أن يكون له طريق معتبر أو أصل معتبر، فينتج القطع بالحكم الظاهري، فقد نشأ ذلك من أحد الأمرين، وهذا الكتاب عقد لأجل بحث تلك الجهتين، وببركة هذا البحث نتوصّل إلى القطع بالحكم الظاهري. 

فهذا التقسيم لا أثر له، وإنَّما التقسيم الصحيح هو ما ذكره الشيخ الأنصاري.

ــــــــــ[21]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9







الفرق بين الحكم الفعلي والانشائي 

 

ذكر صاحب الكفاية(1) أنَّ المراد بالحكم في المقام هو الحكم الفعلي، فإنَّ الحكم الإنشائي لا أثر للقطع به، وإنَّما الأثر يترتّب على الحكم الفعلي.

فإن أراد(2) بالحكم الإنشائي الإنشاء بغير داعي البعث كالامتحان أو السخرية أو التهديد أو غيره، فهذا لا يكون من الحكم في شيء، فإنَّ موضوع الكلام هو الحكم الشرعي؛ إذ قال الشيخ: اعلم أنَّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي، فلا نحتاج في إخراجه إلى تقييد بالفعلي؛ لأنَّه ليس من الحكم في شيء وغير داخل في المقسم.

وأمّا الإنشاء بداعي البعث -الذي تكلّمنا فيه مراراً- وهو أنَّ الشارع يجعل الحكم وينشؤه على الموضوع المفروض وجوده، وما لم يتحقّق موضوعه لا يكون الحكم فعليّاً، وإنَّما يبقى في مرحلة الإنشاء، نحو: المستطيع يحجّ، فإذا لم يكن مستطيع في الخارج، فالحكم مجعول في عالم التشريع إلَّا أنَّه ليس بفعلي، ويصحّ أن يُقال: إنَّ الحجّ يجب في الشريعة الإسلاميّة على كلّ مستطيع، فإنَّ 

ــــــــــ[22]ــــــــــ

() انظر: كفاية الأُصول: 258.

(2) هذا لا يريده صاحب الكفاية قطعاً، وإنَّما هو تطويل للطريق من قبل سيّدنا الأُستاذ (سلّمه الله). (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الأحكام مجعولة على نحو القضايا الحقيقيّة، التي يفرض فيها وجود الموضوع ولا يعتبر وجوده خارجاً، فهذا نسمّيه بالحكم الإنشائي، فإذا وجد في الخارج مستطيع فذاك الحكم المجعول على نحو القضيّة الحقيقيّة يكون فعليّاً، ويخرج من مرحلة الفرض والتقدير إلى مرحلة الفعليّة والتحقيق، لأنَّ زيداً مطلوب منه الحجّ ومأمور به.

فإن أراد بالحكم الإنشائي هذا  فما أفاده غير تامّ،  فإنَّ الحكم الإنشائي لا أثر لقطعه به بالنسبة الى المقلد، إلَّا أنَّه بالنسبة إلى المجتهد له أثر فعلي، فإذا كان قاطعاً بالحكم الإنشائي بهذا المعنى، أو له إليه طريق معتبر، فأثره هو أنَّه يفتي به، فإنَّه كما أنَّ الحكم لا يتوقّف على وجود الموضوع كذلك فتوى المجتهد به، فيفتي بأنَّ المستطيع يجب عليه الحجّ، وأنَّ العقد الفلاني صحيح، وأنَّ العقد الفلاني باطل، سواء كان العقد موجوداً أو لم يكن، فيصحّ أن يُقال: إنَّ المجتهد إذا قطع بالحكم الإنشائي، أو له إليه طريق معتبر، أو ثبت بالاستصحاب، فله أن يفتي على طبقه.

فتقييد متعلّق القطع بالحكم الفعلي لا وجه له، بل كان القطع بالحكم الفعلي له أثر، وهو لزوم الإطاعة والجري على طبقه، كذلك الحكم الإنشائي له أثر، وهو جواز الإفتاء على طبقه.

نعم، يبقى هنا شيء، وهو: أنَّ المجتهد إذا قطع بالحكم فلا إشكال في الفتوى به، فإذا لم يكن قاطعاً وقام لديه طريق معتبر(1) فيفتي به أيضاً، وأمّا إذا لم 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

() هذا أيضاً يرد فيه الإشكال، فإنَّ الأمارة لا تكون حجّة قبل الفحص، والعامّي لا يفحص، ونيابة المجتهد عنه بالفحص تحتاج إلى دليل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

يكن هذا ولا ذاك، فالمجتهد يشكّ في ثبوت الحكم في الشريعة المقدّسة، كالشكّ في حلّيّة التتن وحرمته، أو الشكّ في حكم له حالة سابقة، فهنا يُقال: أنَّ الرجوع إلى الأُصول وظيفة من؟ هل هو المجتهد أم المقلّد؟

أمّا المقلِّد فكثيراً ما يكون غافلاً عن هذه الأُمور، ومعلوم أنَّ الاستصحاب موضوعه هو الشكّ المسبوق باليقين ولا يشمل غيره، وأنَّ المقلد لا يشمله موضوع الأُصول العمليّة، لأنَّه عاجز عن الفحص والرجوع إلى الدليل. 

وأمّا المجتهد فلا يمكن رجوعه إلى الأصل أيضاً؛ لأنَّ الحكم ليس بحكم له، وإنَّما هو حكم لشخص آخر، فكيف يجري البراءة مع أنَّه ليس شاكّاً في حكم نفسه، وإنَّما هو شاكّ في حكم شخص آخر.

فالمسألة غير مبتلى بها بالنسبة إلى المجتهد -خاصّة ما لا يبتلى به المجتهد أبداً كأحكام النساء- فالمقلّد لا يمكنه الرجوع إلى الأصل لعدم تمكّنه من الفحص وعدم التفاته إلى الشكّ، وكذلك المجتهدون؛ لأنَّ الحكم ليس راجعاً إليهم، فهو لا يحتمل اشتغال ذمّته لكي يرجع إلى البراءة.

فما ذكر شيخنا الأنصاري من أنَّ المكلّف إذا التفت إلى الحكم الشرعي، فإمّا أن يحصل له القطع أو الظنّ أو الشكّ، يرجع إليها المكلّف في ظرف الشكّ، هل المراد من المكلّف هو المجتهد فقط، أو الأعمّ منه ومن المقلّد؟

 لا شكّ أنَّ القطع حجّة في نفسه، وطريق إلى الواقع بذاته، لا يفرق في حجّيّته بين أن يكون حاصلاً للمجتهد أو للمقلِّد، فإنَّ كلَّ من قطع بحكم شرعي لا يبقى معه مجال للرجوع إلى غيره، بل لابدَّ له من العمل على طبق قطعه.

ــــــــــ[24]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وكذلك الحال في الظنّ الذي قلنا: إنَّ المراد به هو الطريق المعتبر، فإذا حصل للمقلّد طريق معتبر فحاله في ذلك حال المجتهد، غاية الأمر: أنَّ الطريق مختلف بينهما، فإنَّ المجتهد لابدَّ أن يرجع إلى خبر الواحد، أو غيره من الحجّج التي تستنبط منها الأحكام الكلّيّة، وأمّا المقلِّد فهذا الطريق مسدود أمامه، وإلَّا يكون ما فرضناه مقلِّداً مجتهداً وهو خلفٌ، وإنَّما طريقه منحصر في فتوى المجتهد، فهو وإن لم يكن عالماً بالواقع، إلَّا أنَّه واجد للطريق الكاشف عن الواقع وحجّة عليه، فالمجتهد والمقلّد سيّان من ناحية العمل على الطريق المعتبر، غاية الأمر: أنَّ الطريق بينهما يختلف، فطريق المكلّف فتوى مجتهده، وطرق المجتهد شيء آخر.

وأمّا بالنسبة إلى الشكّ، فإنَّنا إذا فرضنا أنَّ القطع والظنّ المعتبر غير موجودين فلابدَّ من العمل على طبق الوظيفة حال الشكّ، ففي الشبهات الموضوعيّة لا يكون بينهما فرق، فيعمل المجتهد والمقلّد بالاستصحاب أو البراءة أو الاحتياط أو التخيير، فإنَّ العبرة في شكّ كلّ منهما في نفسه، سواء كان الآخر شاكّاً أو لا. 

فلو كان هناك ماء يشكّ المقلّد في طهارته، وإن كان المجتهد قاطعاً بنجاسته، كان للمقلّد أن يرجع إلى قاعدة الطهارة، لذا لم نعمل بخبر الواحد في الموضوعات الخارجيّة، أو إذا شكّ في مايع أنَّه خمر أو ماء، ففرض أنَّ المجتهد عالم بخمريّته، فللمقلد أن يرجع إلى أصالة البراءة، ولا يكون علم المجتهد حجّة بالنسبة إلى المقلد، إلَّا إذا التزمنا بحجّيّة قول الثقة في الموضوعات. 

ــــــــــ[25]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وكذلك الحال في الاستصحاب والتخيير، والعبرة في ذلك هو أنَّ المقلِّد نفسه يشكّ، فيكون موضوعاً للأُصول.

نعم، هو يأخذ كبرى(1) الرجوع إلى الأُصول من مجتهده حالها في ذلك حال سائر الفروع الفقهيّة، فيطبّقها على موردها ويعمل بها.

وكذلك إذا شكّ في رجوع المجتهد في فتواه السابقة، فإنَّه من الشبهات الموضوعيّة، كما لو كان المجتهد يفتي بطهارة شيء مثلاً وشكّ المقلّد بأنَّه رجع عن فتواه السابقة، فيستصحب فتواه السابقة، فلا مانع من الاستصحاب، والشبهة موضوعيّة لا يجب فيها الفحص عن تبدّل الرأي، بل يعمل على الرأي السابق. كلّ ذلك لا شكّ فيه.

ــــــــــ[26]ــــــــــ

() القدر المتيقّن من جواز التقليد، هو ما كان في حدود الفروع الفقهيّة دون القواعد الأُصوليّة أو الفقهيّة الكبرويّة، فإنَّه من الصعب أن نجد إطلاقاً في الأدلّة لجواز التقليد فيها. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9






شكّ المجتهد في حكم متعلّق بالمقلّد

 

إنَّما الإشكال فيما إذا كان المجتهد يشكّ في حكم متعلّق بالمقلّد، وليس الحكم مّما يرجع إليه، إمّا لاختلاف الجنس كأحكام النساء، أو من جهة أُخرى كفتاوى المجتهد في الحجّ، مع أنَّه غير مستطيع ولن يستطيع الحجّ إلى آخر عمره، فهو لا يجب عليه الحجّ، ولكنّه يفتي بأحكامه، وكذلك فتواه بأحكام الخمس والزكاة، مع أنَّه ليس له مال تجب فيه شيء منها، فإذا حصل المجتهد على دليل اجتهادي فلا شكّ(1) في الأمر؛ لأنَّ الدليل الاجتهادي ينظر إلى الواقع، ويكون الحكم الواقعي نفس الحكم الاجتهادي الشامل للمجتهد 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

() هذا صحيح مع قطع المجتهد بالدليل الاجتهادي، أو بعبارة أدقّ: مع قطعه بعدم وجود المخصّص والمقيّد والحاكم. أمّا مع عدم القطع والاكتفاء بالاطمئنان فثبوت الحكم للمقلّد محلّ إشكال ما لم يقم دليل على حجّيّة اطمئنان المجتهد بالنسبة إليه، والمفروض عدمه، فإنَّ ما هو مقتضى القاعدة هو أن يكون الحكم المنجّز على كلّ شخص هو ما يبرزه الدليل الاجتهادي الذي يكون في معرض الوصول في الواقع، وإن لم يكن واصلاً فعلاً، فنخرج عن ذلك بما إذا حصل لدى المجتهد اطمئنان بالعدم، فيكون معذوراً عن الباقي على فرض وجوده، إلَّا أنَّ المقلّد يبقى تحت القاعدة، ولا مخرج له إلَّا ما ذكرناه، فتأمّل وافهم. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

والمقلّد، والمقلِّد يرجع إلى المجتهد في فتواه على ما بيّنا من أنَّ الطريق المعتبر للمجتهد هو خبر الواحد والظهورات ونحوها، وللمقلّد هو فتوى المجتهد.

أمّا لو فرضنا أنَّ المسألة لم يرد فيها نصّ، فلم يحصل المجتهد على طريق معتبر، فتصل النوبة إلى الأُصول العمليّة، فيقع الكلام في أنَّه هنا لا يمكن أن يفتي المجتهد بشيء، ولا يمكن للمقلّد أن يرجع إلى المجتهد.

أمّا المقلِّد، فإمّا أن نفرضه غافلاً ليس له يقين سابق ولا شكّ لاحق -كما في فروع العلم الإجمالي التي تذكر في كتاب الصلاة- والعبرة في الأُصول هو فعليّة الشكّ، وأمّا إذا فرضنا أنَّ المكلّف شاكّ فكيف يرجع إلى الاستصحاب في الشبهات الحكميّة، مع أنَّ الأُصول العمليّة من شرائطها الفحص عن الدليل، والمقلّد غير متمكّن من الفحص.

مثلاً: نعلم أنَّ وطء الحائض حرام حال حيضها، ونشكّ بالحرمة بعد أيام الحيض وقبل الاغتسال، فنتمسّك بأنَّ الحرمة السابقة ارتفعت أو لا، فبالنسبة إلى المرأة قد تفرض أنَّها تغفل عن ذلك، ولو فرضنا أنَّها كانت ملتفتة إلى الحيض وإلى حرمة الوطء، وبعد انتهاء الدم نشكّ في جواز تمكينها من زوجها وعدمه، فقد فرضنا أنَّ أركان الاستصحاب تامّة عندها(1)، إلَّا أنَّها كيف يمكن أن ترجع إلى قوله: (لا تنقض اليقين بالشكّ)، فإنَّ العمل به يحتاج إلى فحص عن الدليل، 

ــــــــــ[28]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّ تمامية الأركان إنَّما تكون مع القطعِ بالحرمة حال الحيض من قبل المرأة، إلَّا أنَّ المفروض أنَّ هذا الحكم عملت به بفتوى مجتهدها، وعليه: فمن الممكن أن نستصحب فتوى مجتهدها بالحرمة إلى ما بعد النقاء، إذا فحصت في رسالته ولم تجد ما يدلّ على الترخيص، فتأمّل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وهو غير ممكن بالنسبة إليها.

وأمّا المجتهد فهو وإن كان متيقّناً بأنَّ التمكين حرام على المرأة، وأنَّ الوطء حرام على الزوج، ويشكّ بارتفاع هذا الحكم، إلَّا أنَّ الحكم غير راجع إليه ولا هو محلّ ابتلائه، فكيف يمكن أن يرجع إلى الاستصحاب وغيره من الأُصول، مع أنَّه إنَّما يرجع إليها من كان له أثر عملي، والمفروض أنَّ الحكم مجعول في خصوص المقلّد بنحو لا يشمله.

ما نسبه الميرزا إلى الشيخ الأعظم 

ونسب شيخنا الأُستاذ(1) إلى الشيخ الأعظم أنَّه التزم بالنيابة، وأنَّ المجتهد نائب عن المقلّد في الشك واليقين، فيقين المجتهد بمنزلة يقينه، وشكّه بمنزلة شكّه، فكأنَّ المقلّد(2) هو متيقّن وشاكّ، فلا يبقى مانع من جريان الأُصول.

وهذا مّما لا يمكن المساعدة عليه؛ إذ لا دليل عندنا على هذه النيابة، بأن يفرض شكّ أحد ويقينه، ويكون بمنزلة يقين وشكّ شخص آخر، فالنيابة تحتاج إلى دليل، ولا دليل.

ــــــــــ[29]ــــــــــ

() انظر: أجود التقريرات 2: 130، 131.

(2) لا يخفى أنَّ هذا لو قام عليه دليل خاصّ فأيضاً لا يقيّد إلَّا إذا صادف زمان شكّ المجتهد ويقينه زمان ابتلاء المقلّد بالمسألة، أمّا إذا لم يصادف ذلك كما هو الغالب أو الدائم، فلا يكون دليل التنزيل مقيّداً؛ لأنَّه حال شكّ المجتهد ويقينه لا أثر بالنسبة للمقلّد، وحال ابتلاء المقلّد يكون المجتهد غافلاً عن المسألة ويقينه السابق لا يكفي، فتأمّل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

فلابدَّ من النظر في حلّ هذه المشكلة في الشبهات الحكميّة، فيما إذا لم تكن المسألة محلَّ الابتلاء للمجتهد، بل كانت محلَّ الابتلاء للمقلّد فقط.

التحقيق

والجواب عن ذلك: يمكن أن يرجع المقلّد بنفسه إلى الأصل العملي، ويمكن أن يرجع المجتهد الأصل العملي، ويترتّب عليه لزوم عمل المقلّد على طبق ما يراه المجتهد.

أمّا بالنسبة إلى المقلّد فلو فرضنا أنَّ المكلّف نفسه يمكنه الفحص؛ إذ لا يلزم أن يكون كل مقلِّد عامّياً محضاً، فلو لم يجد دليلاً على الحكم الشرعي جزماً، كان له الرجوع إلى الأصل العملي، ويرجع إلى المجتهد في الكبرى الكلّيّة، وهي أنَّه: إذا لم يكن دليل اجتهادي وكان الحكم ثابتاً سابقاً ومشكوكاً لاحقاً فيجري فيه الاستصحاب، ولو فرضنا أنَّ المقلِّد لا يستطيع الاستدلال على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة، ولا يستطيع الاستدلال على جريانه فيما إذا كان الشكّ في المقتضي أو في الرافع، فيقلّد(1) المجتهد في هذه الكبرى الكلّيّة ويطبّقها على الصغرى لعموم: (لا تنقض اليقين بالشكّ)، فإنَّها تعمّ المجتهد والمقلّد، فيما إذا فحص المقلّد ولم يجد دليلاً على الحكم.

وكذلك بالنسبة إلى البراءة فإنَّ المقلّد لا يتمكّن من فهم أنَّه في الشبهات 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

() سبق أن ذكرنا في تعليقنا على درس أمس أنّ التقليد في المسائل الأُصوليّة مشكل، وأنَّ القدر المتيقّن من التقليد هو الفروع دون الأُصول. وعليه: فلا يتمّ أكثر ما ذكره سيّدنا الأُستاذ في هذا الدرس. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

التحريميّة هل تجري البراءة أو الاحتياط؟ فيرجع في ذلك إلى المجتهد، فيعرف أنَّ الصحيح هو جريان البراءة فيبحث عن الصغرى، فإذا قطع أنَّه لا دليل في المسألة فيتمسّك بحديث الرفع أو غيره، والمفروض أنَّه متمكّن من الفحص.

وكذلك في الاحتياط فإنَّه يعلم أنَّ الله تعالى أوجب عليه الصلاة، ولكنّه يجهل أنَّ الواجب عليه هل هو القصر أو التمام؟ كما لو سافر أربع فراسخ ورجع لغير يومه، والمقلّد لا يتمكّن من إثبات نفس الحكم، ولكنّه يأخذ من المجتهد كبراه الكلّيّة، وهو أنَّه في موارد العلم الإجمالي لابدَّ من الاحتياط، فإذا فحص ولم يجد يتمسّك بالاحتياط، وهكذا في موارد التخيير.

ولو فرضنا أنَّ المقلِّد لا يتمكّن من الفحص لأنَّه عاميّ محض، فيمكن أن يرجع أيضاً إلى المجتهد، فإذا أخبره(1) أنَّه لا دليل في المسألة -من باب رجوع الجاهل إلى العالم- يستطيع أن يتمسّك بدليل الأصل من استصحاب أو براءة أو احتياط؛ لأنَّ الصغرى أيضاً أخذت من المجتهد. إذن، فيمكن أن يتمسّك بالأُصول العمليّة على تقدير التمكّن من الفحص وغيره.

ويمكن أن يرجع المجتهد أيضاً إلى الأُصول العمليّة ولا يكون موضوعها متحقّقاً للمقلِّد، ولو من جهة غفلته، وذلك: أنَّ المجتهد إذا رأى هذا الحكم وكان ثابتاً في الشريعة المقدّسة، ثُمَّ شكّ أنَّه ارتفع أو لم يرتفع، أمّا للشكّ في 

ــــــــــ[31]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّ الفحص المأخوذ في الدليل منصرف عن مثل ذلك، فإنَّه منصرف إلى الفحص الوجداني، لا التعبّدي، ودليل التقليد لا يمكن أن يشمل مثل ذلك لا محالة؛ لأنَّه ليس من أحكام الله تعالى ليقلّد فيه. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

النسخ، كما لو احتمل اختصاص الحكم، كحكم قطع يد السارق بزمان الحضور وارتفاعه بعده، أو لأجل الشكّ في سعة المجعول وضيقه، كما ذكرنا أنَّ المجتهد يعلم بحرمة وطء الحائض أيام الدم، ويشكّ أنَّه تبدّل إلى الجواز بعد النقاء وقبل الاغتسال أو لا، فيتمسّك(1) بالاستصحاب، وبهذا الدليل يكشف أنَّ الحكم باقٍ، فيفتي بالحرمة بمقتضى الاستصحاب.

ولا يعتبر في جريان الأصل إلَّا أن يكون له أثر، لأنَّه أصل عملي، أمّا كونه محلّ الابتلاء فغير لازم، وإلَّا فمن المعلوم أنَّ المجتهد خارج عن محلّ الابتلاء في كثير من الموارد، بل يترتّب عليه جواز الإفتاء بالحرمة وهو من الآثار، فلو سُئل المجتهد أنَّك بأيّ دليلٍ أفتيت بقطع يد السارق أو بحرمة وطء الحائض بعد النقاء، فيقول: بدليل اليقين لا ينبغي نقضه بالشكّ.

والمفروض أنَّ العالم لابدَّ أن يرجع إلى الجاهل، ولا يعتبر العلم بالحكم الواقعي، بل العلم بالوظيفة العمليّة سواء كان حكماً واقعيّاً أو حكماً ظاهريّاً أخذ في موضوعه الشكّ، فكما أنَّ المكلّف لابدَّ أن يرجع إلى المجتهد في تشخيص الأحكام الواقعيّة، كذلك لابدَّ له من الرجوع إليه في تشخيص الأحكام الظاهرية(2).

ــــــــــ[32]ــــــــــ

() هذا باعتبار الحكم المجعول في الشريعة، وإلَّا فمن المعلوم أنَّه لم يطرأ عليه علم وشكّ ذو أثر في مورد خاصّ صغروياً، كحيض امرأة معيّنة مثلاً. (المقرّر).

(2) إنَّما يرجع إليه في حدود فتاواه على طبق هذه الأحكام، أمّا نفس الأحكام الكبرويّة بصفتها قواعد عامّة مجعولة حال الشكّ، فلا معنى للرجوع فيها إلى المجتهد. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

فبذلك يظهر أنَّ المناقشة لا أثر لها أبداً، بل أنَّ المجتهد والمقلّد يرجعان إلى الأصل، فإنَّ المجتهد بعد أن يحرز البراءة العقليّة أو الشرعيّة ويفحص ولا يجد دليلاً يتمسّك بالبراءة باعتبار نفسه ومقلِّديه باعتبار جهلهما(1) بالحكم، والمجتهد عالم بالوظيفة العمليّة.

وكذلك الحال في مورد الاحتياط، فإنَّ المجتهد يعلم بوجوب إحدى الصلاتين في هذه الحال، أي: فيما إذا سافر أربع فراسخ ولم يرجع ليومه، ولكن خصوصيّة القصر لم يثبت وجوبه، فهذا العلم الإجمالي يوجب تنجّز الواقع عليه وعلى مقلِّديه(2)، والعامي يرجع إلى المجتهد؛ لأنَّه عالم بالوظيفة، وكذلك الحال في التخيير، فكما يرجع إلى المجتهد في موارد الدليل الاجتهادي كذلك في الموارد التي يعلم فيها بالوظيفة العمليّة.

فلا نحتاج إلى هذه الدعوى التي نسبت إلى شيخنا الأنصاري، وهي دعوى نيابة المجتهد عن المقلّد في القطع والشكّ، فكلّ ذلك يكون من باب رجوع الجاهل إلى العالم.

ــــــــــ[33]ــــــــــ

() إنَّما يعتبر المقلد جاهلاً بالحكم إذا فحص ولم يجد، أمّا قبل الفحص فهو وإن كان جاهلاً إلَّا أنَّه لا يقع موضوعاً للأُصول إلَّا بدليل التنزيل والنيابة الذي ادّعاه الشيخ الأنصاري، فتأمّل. (المقرّر).

(2) لم يظهر الوجه في تنجّز العلم الإجمالي لدى المجتهد على مقلديه، مع فرض عدم وجوده عندهم، وعدم ثبوت دليل التنزيل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9








مباحث القطع

 

  • الكلام في طريقيّة القطع وكاشفيّته
  • حجّيّة القطع ومنجّزيّته
  • مبحث التجرّي
  • حقيقة القطع
  • تفصيل صاحب الفصول
  • نقد الدعاوى
  • تقسيم القطع إلى طريقي وموضوعي
  • أخذ القطع في موضوع حكم أخر مماثل للحكم المقطوع به
  • التقسيم الذي ذكره الشيخ الأنصاري 
  • قيام الأمارات مقام القطع الطريقي
  • قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي

ــــــــــ[35]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

 

  • الفارق بين الأمارات والأصول المحرزة
  • الأصول غير المحرزة
  • اتّحاد الظنّ مع القطع 
  • وجوب الموافقة الالتزاميّة
  • قطع القطّاع

ــــــــــ[36]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9










 مباحث القطع

 

والكلام في حجّيّة القطع يقع في أمرين:

الأمر الأوّل: في طريقيّة القطع وكاشفيّته.

 الأمر الثاني: في حجّيّته ومنجّزيّته.

 

الكلام في طريقيّة القطع وكاشفيّته

 

لا إشكال أنَّ حقيقة القطع وذاته هو انكشاف الواقع والطريقيّة إليه، فالكشف هو ذات القطع ومتقوّم به، فعلى ذلك لا يكون طريقيّة القطع وكاشفيّته قابلاً للجعل البسيط الذي هو مفاد كان التامّة، ولا الجعل التركيبي الذي هو مفاد كان الناقصة، فإنَّ ثبوت الذات لنفسها ضروري، وما يكون ضرورياً غير قابل للجعل. نعم، وجود القطع خارجاً قابل للجعل، فيمكن لله تعالى أن يوجد القطع إمّا ابتداءً أو بمقدّماته، فالذي هو قابل للجعل البسيط هو الوجود، وبالتبع يكون القطع مجعولاً، فإنَّه إذا كان الوجود متحقّقاً في الخارج، فالماهيّة تكون متحقّقة بالتبع، وإلَّا فالماهيّة في نفسها غير قابلة للجعل البسيط والمركّب.

ــــــــــ[37]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ومن هنا قال ابن سينا(1): إنَّ الله لم يجعل المشمشة مشمشة، وإنَّما أوجدها الله تعالى، فالله تعالى يفيض الوجود، وأمّا ثبوت المشمشة لنفسها فهو ضروري وغير قابل للجعل، وهذا واضح جدّاً، فالكاشفيّة والطريقيّة غير قابلة لأن تجعل للقطع.

ــــــــــ[38]ــــــــــ

() نقله المحقّق اللاهيجي عن الشيخ الرئيس في شوارق الإلهام: 138.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9



حجّيّة القطع ومنجّزيّته

 

 إذا تعلّق القطع بحكم شرعي فلا إشكال في أنَّه يكون حجّة، فيحتجّ به المولى على عبده فيكون منجّزاً ومستحقّاً للعقاب، وهو معنى التنجيز. 

وإذا انعكس الأمر فنقطع بإباحة ما هو حرام واقعاً، فعندئذٍ يكون قطعه معذّراً؛ لأنَّه ليس للمولى أن يعاقبه بتكليف لم يصل إليه، وقد قطع بخلافه، ويكون للعبد الاحتجاج لو عاقبه، وهو معنى التعذير. وهذا لا إشكال فيه.

إنَّما الإشكال في أنَّ هذه الحجّيّة الثابتة للقطع هل هي مجعولة؟ أو إنَّها أمر تكويني غير قابل للجعل؟ وعلى تقدير أنَّها مجعولة فمن هو الجاعل، هل هم العقلاء، أو العقل نفسه مع قطع النظر عن بناء العقلاء على شيء؟

الوجه الأوّل: ما ذهب إليه المحقّق الأصفهاني  ونقده 

قيل: إنَّ حجّيّته عقلائيّة(1)، وداخلة في القضايا المشهورة التي بنى عليها العقلاء من أجل حفظ النظام وبقاء النوع، وكلّ ما يدخل في هذا الباب يدخل لا محالة تحت أحد عنوانين: العدل(2) والظلم، فإنَّ العقلاء بنوا على حسن العدل 

ــــــــــ[39]ــــــــــ

() نهاية الدراية2: 32.

(2) هذا غير تامّ بناءً على ما هو التحقيق من واقعيّة مدركات العقل العملي وعدم ارتباطه بالعقل أصلاً، وهو موكول إلى محلّه. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وقبح الظلم؛ إذ لولا ذلك لاختلّ النظام لا محالة، ولعاش الناس عيشة الحيوانات المفترسة، وهذه القضايا تسمّى في المنطق بالمشهورات، ففي المقام يُقال: إنَّ حجّيّة القطع داخلة تحت هذه الكبرى، فإنَّ متابعة العقل لقطعه عدل منه، ومعنى العدل: هو وضع الشيء في محلّه، وهذا من ذلك، فإنَّه ينبغي أن يفعل ذلك، وإذا خالف قطعه فعلم بحكم المولى وخالفه(1)، فهذا ظلم في مقام العبوديّة. إذن، فمنجّزيّة القطع، بمعنى: أنَّ يستحقّ(2) على مخالفته العقاب، ويكون معذّراً على تقدير مخالفته للواقع. 

إذن، تكون الحجّيّة مجعولة بجعل العقلاء، والشارع أمضى هذا الجعل لأنَّه رئيس(3) العقلاء، فتكون الحجّيّة مجعولة شرعاً إمضاء لجعل العقلاء.

ولكن هذا لا يمكن المساعدة عليه، وإن كان قرّبه شيخنا المحقّق وبنى عليه. 

أمّا أولاً: فلأنَّ حجّيّة القطع لا تدور مدار بناء العقلاء جزماً، فلو فرضنا 

ــــــــــ[40]ــــــــــ

() هذا مخالفة للمولى لا مخالفة للقطع، وإنَّما تتصوّر مخالفة القطع على تقدير اعتقاد القاطع عدم مطابقة قطعه للواقع، وهو محال كما هو معلوم، فمخالفة القاطع لقطعه محال. (المقرّر).

(2) لا يخفى أنَّ استحقاق العقاب إنَّما يكون على مخالفة المولى لا على مخالفة القطع، وإلَّا لو فرضنا إمكان مخالفة القطع واحتمال عدم مطابقته للواقع لأمكن القول بعدم استحقاقه للعقاب، فتأمّل وافهم. (المقرّر).

(3) ربما تكون هذه الناحية سبباً لاختلاف الشارع مع العقلاء في إدراك المصالح والمفاسد، لا أن يكون تابعاً لهم، بل إنَّهم يكونون تابعين له، وهذا كلّه يكون مدفوعاً على تقدير القول بواقعيّة مدركات العقل العملي، كما هو واضح. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

أنَّه ليس في العالم إلَّا مكلّف واحد، فهل يكون هذا الحكم منتفيّاً، ولابدَّ من وجود أناسيّ كثيرة يضعون هذا الحكم لحفظ النظام؟ معلومٌ أنَّ حجّيّة القطع لا تدور مدار وجود أناس كثيرين، بل لو كان هناك(1) شخص واحد وقطع بشيء من أحكام المولى وخالفه، لكان مستحقّاً للعقوبة، كما في مخالفة إبليس، أفلا يعاقب الشيطان لأنَّ العقلاء(2) بعد لم يحكموا بذلك.

وثانياً: لو تمّ هذا فإنَّما يتمّ في باب المعاملات والأحكام السياسيّة في الشريعة، فإنَّه في هذه الأُمور يتمّ ذلك فرضاً، فإنَّ عدم أداء الدين يخلّ بالنظام، أو أنَّ شخصاً جرح زيداً ولم يؤخذ منه الديّة فذلك مخلٌّ بالنظام، أمّا العبادات 

ــــــــــ[41]ــــــــــ

() يمكن أن يجاب عن ذلك:

 أوّلاً: إنَّنا لا نعني من حكم العقلاء إلَّا حكم الشخص العاقل بصفته عاقلاً قضاءً لحاجاته ومصالحه الحياتيّة، سواء كان واحداً أو متعدّداً، فمن الممكن تصوّر الحكم العقلائي بالنسبة إلى الشخص الواحد.

وثانياً: على تقدير التنزّل والاحتياج إلى حكم العقلاء المتعدّدين، فيمكن أن يُقال: إنَّ حكمهم في زمان كافٍ في تنجّز الحكم على كلّ أحد من الأزل إلى الأبد، وحيث إنَّ الله تعالى يعلم أنَّ العقلاء سوف يحكمون بذلك فمن هذه الجهة يعاقبه.

ثالثاً: فإنَّه لا مانع من القول بأنَّه إنَّما يستحق العقاب على تقدير مطابقة القطع للواقع فيكون العقاب على الواقع لا على مخالفة القطع نفسه، أمّا مع عدم المطابقة فلا عقاب، فتأمّل وافهم. (المقرّر).

(2) أليس الملائكة والجنّ من العقلاء، فلماذا لا يحكمون بذلك؟ ولا نأخذ بحكمهم؟ فلعلّ إبليس استحقّ العقاب لذلك. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

فأيّ إخلال فيها بالنظام، فإنَّنا لو فرضنا أنَّ أحداً لم يصم ولم يصلِّ، أو صلّى بلا وضوء، أو ترك غير ذلك من الواجبات المحضة، فإنَّها لا دخل لها في النظام الدنيوي. نعم، هي لها دخل في الكمال النّفسي، مع(1) أنَّ حجّيّة القطع لا تختصّ بأحكام المعاملات والسياسة من أحكام الشريعة، بل هي جارية في العبادات وغيرها على حدٍّ سواءٍ، فهذا الوجه لا يمكن المساعدة عليه.

الوجه الثاني: أنَّ العقل مدرك فقط

إنَّ العقل ليس له بعث وزجر أبداً، فإنَّ الحكم إنَّما هو من شأن الشارع أو العقلاء، وأمّا العقل فهو مدرك فقط، والقوّة العاقلة بفعليّة إدراكها شأنها في ذلك شأن جميع القوى، فإنَّ فعليّة القوّة الباصرة بالرؤيّة وفعليّة القوّة السامعة بالسماع، والعقل شأنها الإدراك، وبه يخرج من القوّة إلى الفعليّة، وأمّا البعث والزجر فهو خارج عن وظيفة العقل بما هو عقل.

ــــــــــ[42]ــــــــــ

() يمكن أن يجاب عن ذلك

أوّلاً: إنَّ العقلاء حين اقتضت مصالحهم جعل حجّيّة القطع جعلوها بنحو عامّ غير مقتصر فقط على موارد حفظ النظام، وهذا في نتيجته وجداني.

وثانياً: لو تنزّلنا عنه، فإنَّ للعبادات أثراً كبيراً في حسن أخلاق الفرد وسيادة العدل والإخاء بين الناس، فهي أيضاً سبب لحفظ النظام، فلا يبعد أنَّ العقلاء قد التّفتوا إلى ذلك ووضعوا حجّيّة القطع في تمام الفروع الفقهيّة؟! مع العلم أنَّه لابدَّ من اختيار أحد هذين الجوابين على تقدير موافقة الشيخ محمّد حسين الأصفهاني في رأيه، كما هو معلوم. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

نعم، إنَّنا نرى أنَّ الإنسان يتحرّك إلى بعض الأُمور، كما أنَّه يفرّ عن بعض الأُمور، وهذا أجنبي عن العقل، وإنَّما ينشأ ذلك من حبّ الذات الذي هو ضروريٌّ لكلّ مدرك(1)، والحيوان أيضاً كذلك حين يرى ضرّراً يفرّ منه، وإذا أدرك نفعاً يطلبه، والإنسان في ذلك مشترك مع الحيوانات(2) يفرّ عن الأضرار والأسواء ويطلب المصالح والمنافع، وهذا لا ربط له بالعقل، بل مجرّد الإدراك كافٍ في ذلك.

إذن، فلا يمكن أن يُقال إنَّ الحجّيّة مجعولة للعقل، بمعنى: أنَّ العقل هو الذي جعل الحجّيّة للقطع، وحكم بلزوم الانبعاث على طبقه والانزجار عن مخالفته، فإنَّ البعث والزجر خارجان عن دائرته.

إذن، انحصر الأمر بالأمر الثالث، وهو ما قاله صاحب الكفاية(3) من كون الحجّيّة أمراً تكوينيّاً ذاتيّاً للقطع، أي: من الذاتي في كتاب البرهان، لا في كتاب الكلّيّات، فكونه ليس من الجنس أو الفصل بل هو لازم لا ينفكّ عن الماهيّة، وهذا من الأُمور التي يدركها العقل، والخارج ظرف لنفسه لا لوجوده، كما 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

() لا يستثنى من ذلك إلَّا من بلغ غاية الكمال وهو الله تعالى، وإلَّا فإنَّ الناقص من هذه المرتبة لا شكّ يتوق إلى الأكمل بحسب حبّ ذاته بمجرّد أن يتصوّر المصلحة ويصدق بها، كما هو واضح. (المقرّر).

(2) هذا غير مختصّ بالجنس الحيواني، بل يعمّ كلّ مدرك غير واصل إلى غاية الكمال، وإنَّما اتّصف الحيوان والإنسان بذلك بهذا الاعتبار. (المقرّر).

(3) انظر: كفاية الأُصول: 272.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ذكرنا غير مرّة، وقلنا: إنَّ الأُمور الحقيقيّة أوسع من الأُمور الموجودة، فقد يكون للشيء واقع، ولكن لا وجود له، فيقال: (زيد معدوم) والعدم له واقع، فإنَّ العقل يدركه لا بفرض فارض، فإنَّنا مرّة نفرض أنَّ الشاة أسد أو الأسد شاة، أو نفرض أنَّ الماء نار أو النار ماء، ولا يكون لهذه القضايا واقع إلَّا الفرض، والفرض أمره سهل، كما قيل: فرض المحال ليس بالمحال، والواقع بخلاف ذلك فإنَّه ثابت مع قطع النظر عن فرض فارض، فلا يُقال: (إنَّ عدم زيد موجود) فهذا غلط، بل يُقال: إنَّ له واقعاً، بمعنى: أنَّ العقل يدرك أنَّنا لو أخبرنا عن هذه القضيّة: (زيد معدوم) لكانت قضيّة صادقة، وهذا معنى الواقع ونفس الأمر، وكذلك الحال في الإمكان، فإنَّنا إذا قلنا: (إنَّ الماهيّة ممكنة) فليس معنى ذلك: أنَّ الإمكان موجود، فإنَّه غير قابل للوجود، بل بمعنى: أنَّ له واقعاً، وكذلك الحال في أنَّ قضية اجتماع النقيضين مستحيل، فإنَّه ليس معناه أنَّ الاستحالة موجودة، وكيف تكون موجودة مع أنَّ موضوعها مستحيل التحقّق في الخارج؟ بل معناه أنَّها قضية صادقة لها واقع تطابقه. 

وكذلك الحال في الملازمات، لو كان كذا لكان كذا لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا(1) فإنَّها قضيّة صادقة ولها واقع تطابقه؛ لأنَّ الملازمة متحقّقة في الخارج، لا أنَّها موجودة، وقلنا: إنَّ الخارج ظرف لنفسها لا لوجودها.

فالحجّيّة أيضاً من هذا القبيل، فإنَّ العقل(2) يدرك أنَّ المولى إذا حكم بحكم 

ــــــــــ[44]ــــــــــ

() الأنبياء: 22.

(2) يقصد سيّدنا الأُستاذ على ما هو ظاهر عبارته بالعقل: العقل النظري المدرك للملازمات الواقعيّة، على حين أنَّ الصحيح هو أنَّ إدراك الحجّيّة من وظائف العقل العملي المدرك للحسن والقبح، فهو الذي يدرك حسن عقاب العبد على تقدير وقبحه على تقدير آخر، كما يعترف به الأصحاب أيضاً في كلامهم حيث عبّروا بقبح العقاب بلا بيان، وقبح تكليف العاجز، وحسن عقاب المتجرّي، ونحو ذلك. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ووصل إلى المكلّف بالقطع، وخالف قطعه يصحّ للمولى أن يعاقبه، فإذا عاقبه لم يكن هذا خلاف حكمته، أو خلاف أيّ صفة أُخرى من صفات الكمال، كما أنَّ العبد لو عمل على قطعه وكان قطعه مخالفاً للواقع، وكان الواقع ثابتاً على خلاف قطعه، لم يكن(1) للمولى أن يعاقب هذا العبد، وهذا معنى التعذير. فصحّة العقاب وعدم صحّته أمر واقعي يدركه العقل، فيصحّ أن يُقال: إنَّ الحجّيّة من الأُمور الواقعيّة ومن لوازم(2) القطع تكويناً، فإذا حصل القطع في الخارج فلازمه التكويني التعذير والتنجيز الذي هو معنى الحجّيّة.

فإلى هنا علم أنَّ حجّيّة القطع غير قابلة للجعل لا محالة؛ لأنَّها من لوازمه 

ــــــــــ[45]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّ هذا كلّه من مدركات العقل العملي، ولا ينافي ذلك ما أشار إليه السيّد من واقعيّة هذه الأُمور بعد إيماننا بواقعيّة مدركات العقل العملي، بالإضافة إلى واقعيّة مدركات العقل النظري. (المقرّر).

(2) لا يخفى ما في هذا الكلام من دلالة على كون المدرك لهذه الملازمة هو العقل النظري، شأنها شأن الملازمة بين النار والحرارة، أو الأربعة والزوجيّة، إلَّا أنَّه لمّا كان ذلك غير صحيح ولا نفهمه، فلابدَّ أن نؤوّل العبارة، بأن يُقال: إنَّ الحجّيّة بمعنى حكم العقل العملي بالتعذير والتنجيز من لوازم القطع التي لا تنفكّ عنه تكويناً، فتأمّل في صحّة هذا التأويل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الذاتيّة التي لا تنفكّ ولا يمكن لمثله أن تناله يد الجعل، فكما أنَّ الذاتي كالجنس والفصل غير قابل للجعل، كذلك الذاتي بمعنى لازم الماهيّة.

ومن هنا يظهر أنَّه غير قابل للمنع أيضاً، فليس للمولى أن يمنع عن اتّباع القطع، وينهى(1) عبده عن اتّباع قطعه؛ لأنَّ الذاتي لا يتخلّف عن الشيء ولا يمكن دفعه حاله حال الزوجيّة للأربعة، على أنَّه -كما ذكر صاحب الكفاية(2)– إن نهى المولى عن العمل بالقطع، فإمّا أن يكون القطع مطابقاً للواقع فيلزم اجتماع الضدّين(3)، فإنَّ المفروض أنَّه أمره فكيف ينهاه؟ وإن كان القطع مخالفاً للواقع فهو اجتماع الضدّين في نظر القاطع؛ لأنَّه يرى مطابقة قطعه للواقع، فكيف يمكن أن يصدّق حكماً آخر مخالفاً(4) له؟! فعلى كلا التقديرين لا يمكن 

ــــــــــ[46]ــــــــــ

() باعتبار أنَّه يوقعه في المخالفة القبيحة عقلاً، وهو قبيح عقلاً، ومستحيل على الحكيم. (المقرّر).

(2) انظر: كفاية الأُصول: 276.

(3) لا يلزم ذلك دائماً، فإنَّه نهاه عن اتّباع القطع، ولم ينهه عن المتعلّق الذي أمره به، واجتماع الضدّين المدّعى إمّا أن يكون بلحاظ الخطاب، وإمّا بلحاظ الملاك. أمّا الخطاب فهو مجرّد إنشاء وأمره سهل بعد كونه معلولاً للملاك، وأمّا الملاك فيمكن أن نتصوّر أنَّ ملاك الوجوب ومصلحته موجودة، إلَّا أنَّ هناك مصلحة أُخرى في النهي عن القطع، كالمصالح التي تتصوّر في التقيّة، والامتحان، وجعل الأحكام الظاهريّة على مسلك السيّد الأُستاذ، فافهم واغتنم. (المقرّر).

(4) ظهرت المناقشة في ذلك كلّه، فإنَّه بعد تحقيق إمكان جعل الشارع مثل هذا الحكم يمكن أن يصل إلى المكلّف، فإنَّ النهي عن اتّباع القطع ليس نهياً عن متعلّق الواقع ليكون المولى كأنَّه أمر بشيء ونهى عنه ليستحيل تصديقه، وإنَّما هو أمر بشيء، ونهى عن شيء آخر لمصلحة في الموضوع، فأيّ مانع من ذلك؟

 نعم، نتيجة ذلك هو عدم امتثال المطلق للحكم الذي قطع به امتثالاً للنهي عن القطع، وليس في ذلك محذور على تقدير أهمّيّة ملاك هذا النهي على ذلك الأمر. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

مخالفة القطع، لأنَّه من لوازمه الذاتيّة التي لا تنفكّ عنه.

هذا تمام الكلام في القطع.

ــــــــــ[47]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9






مبحث التجرّي

 

القاطع بحكم إمّا أن يعمل على طبق قطعه، فإن كان قطعه مطابقاً للواقع فهو مطيعٌ للمولى ممتثلٌ لأمره، وإن كان مخالفاً للواقع فهو منقادٌ له، أو لا يعمل على طبق قطعه، فإن كان قطعه مطابقاً للواقع فهو عاصٍ للمولى، ومستحقّ للعقاب من قبله، وإن كان مخالفاً للواقع فهو المتجرّي.

والبحث في التجرّي يمكن أن يكون بحثاً أُصوليّاً، ويمكن أن يكون بحثاً كلاميّاً، ويمكن أن يكون بحثاً فقهيّاً، والمناسب للمقام هو الأوّل؛ لأنَّ كلامنا في علم الأُصول، ولكن يمكن أن يبحث في الجهة الثانية أيضاً.

أمّا البحث الأُصولي فيمكن أن يقع من ناحيتين: 

الناحية الأولى: أن يبحث من جهة كون الإطلاقات الواقعة في لسان الأدلّة، هل تختصّ في العناوين الواقعيّة، أو تعمّ العناوين المقطوعة، وإن كانت مخالفة للواقع، فإن ورد: (لا تشرب الخمر)، فيتكلّم في أنَّ المستفاد من هذا الكلام هل هو حرمة ما هو خمر واقعاً، أو يعمّه وما قطع المكلّف بخمريّته، فيشمله إطلاق الدليل؟

ونتيجة هذا البحث بناءً على هذا العنوان، إنَّما يظهر فيما إذا كان عندنا إطلاق، فنتكلّم في شمول الإطلاق له وعدمه، وأمّا إذا لم يكن إطلاق، كما لو 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

قطع المكلّف بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو بحرمة التدخين وخالف قطعه، ثُمَّ انكشف أنَّه لم يكن واجباً أو حراماً، ففي مثله لا معنى للبحث عن شمول الإطلاق له وعدمه؛ لأنَّ المفروض أنَّه لم يكن إطلاق، فهذا يختصّ بالشبهات الموضوعيّة والمفهوميّة، أي: لابدَّ من وجود عنوان مأخوذ في لسان الدليل فيتكلّم أنَّه ينطبق أو لا. وأمّا إذا لم يكن إطلاق فلا يبقى مجال للبحث، فهذا البحث وإن كان بحثاً أصولياً، إلَّا أنَّه يختصّ ببعض موارد التجرّي.

الناحية الثانية: أن يعمّ جميع الموارد، وذلك بأن يُتكلّم عن أنَّ القطع هل هو من الأمور التي يتغيّر به عنوان الشيء من جهة الحسن والقبح أو المصلحة والمفسدة، أو إنَّ القطع لا أثر له في ذلك؟ فإذا ثبت أنَّ العناوين تختلف بالقطع كما تختلف بالقصود والنيّات، كما لو ضرب اليتيم بقصد التأديب فإنَّه يكون حسناً، وإن ضربه بقصد التشفّي يكون ظلماً قبيحاً.

فإذا ثبت أنَّ القطع من العناوين المغيّرة للأشياء فقد يكون الفعل في نفسه غير متّصف بالحسن أو القبح، ولكن من جهة القطع يتّصف بالحسن أو القبح، أو يكون فيه مصلحة أو مفسدة، فإذا ثبت ذلك اتّصف بالحرمة الشرعيّة؛ لأنَّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، أو أنَّ الشارع رئيس العقلاء، فإذا ثبت حسن شيء أو قبحه بحكم العقلاء فالشارع أيضاً يحكم بقبحه، ومعناه: أنَّه يحكم بحرمته، فيثبت الوجوب أو الحرمة للفعل المتجرّي به، فيكون محكوماً بالحكم الواقعي لحدوث مصلحة أو مفسدة، أو حسن أو قبح فيه، فيكون واجباً أو حراماً بالفعل.

ويمكن أن يعقد بحثاً كلاميّاً محضاً، وذلك بأن يُقال: إنَّ الإطلاقات 

ــــــــــ[49]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الأوليّة لا تشمل المعاني المقطوعة، فإنَّ الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعيّة، والخمر اسم لواقع ذلك المائع، لا للمائع المقطوع، وليس القطع من العناوين التي تختلف باختلاف القطع حسناً أو قبحاً، ومصلحة أو مفسدة، وليس الحسن والقبح من العناوين الذاتيّة، بل يختلف حسنه وقبحه، فقد لا يكون الشيء متّصفاً بأحدهما، ولكنّه يكون واجباً لنذر أو حراماً لنهي الأب مثلاً، فهذا وإن كان كذلك، إلَّا أنَّ القطع ليس من هذا القبيل، فإنَّه وجداناً لا ينقلب حال الفعل من جهة المصلحة والمفسدة لأجل القطع بوجوبه، ولا يتّصف بالحسن أو القبح من هذه الجهة.

فيبحث بحثاً كلاميّاً(1) في أنَّ الفعل وإن كان على ما كان من الإباحة، إلَّا أنَّ العقل يدرك استحقاق العقاب لهذا المكلّف، فإنَّه بعد أن قطع بحكم المولى ولم يعمل على قطعه، يكون هذا تعدّياً على المولى، وظلماً في مقام العبوديّة، وخروجاً عن زيّ الرقّيّة، فيستحقّ العقاب وإن كان الفعل في ذاته مباحاً، وهذا بحث كلاميٌّ محضٌ.

ويمكن أن يعقد البحث فقهيّاً، بأن يُقال: إنَّ الفعل المتجرّى به إذا قطع المكلّف بحرمته، فهل هو محرّم شرعاً لإجماع أو غير إجماع أو لا؟ لكن هذا لا يناسب مقامنا أصلاً، ولابدَّ أن يبحث عنه في الفقه، وإنَّما المناسب هو البحث الأصولي والكلامي. 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّ هذا البحث لا يتوقّف على المقدّمات التي ذكرها له السيّد الأُستاذ، إلَّا أنَّه يكون عليها أوضحْ، فتأمّل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

عدم اختصاص البحث بالقطع

إنَّ هذا البحث وإن كان قد عنون بعنوان القطع، إلَّا  أنَ البحث لا يختصّ به، بل موضوع بحثنا أعمّ من ذلك، وهو ما إذا قامت حجّة عليه، سواء كانت قطعاً أو أمارةً ناظرة إلى الواقع أو أصلاً عمليّاً، كما لو كان عنده ماء نجس وشكّ بإصابته ماء المطر وشربه، ثُمَّ انكشف أنَّه كان طاهراً وقد أصابه المطر، فإذا بنينا على أنَّ الفعل حرام ويستحقّ عليه العقاب، فيشمل ما إذا كان الحكم ثابتاً بالقطع أو بحجّة معتبرة، كالأمارة أو الأصل العملي، والحاصل منه لا يفرّق بين ما إذا كان المقطوع به حكماً واقعيّاً أو حكماً ظاهريّاً، وربما يُقال: بالاختصاص؛ وذلك: لأنَّ الحكم الظاهري لا يمكن فيه كشف الخلاف، فإنَّه موضوع في ظرف الشكّ، وموضوعه هو الشاكّ وعدم إحراز الواقع من دون فرق في ذلك بين الأمارات والأُصول، غايته: أنَّ موضوع الأمارات هو الجهل بالواقع، وموضوع الأُصول العمليّة هو الأعمّ من الجهل بالواقع والجهل بالحكم، ولهذا تتقدّم الأمارات على الأُصول، إذ بها يحرز الواقع تعبّداً.

وعلى كلّ حال إذا انكشف الخلاف في موارد الحكم الظاهري كان من ارتفاع الموضوع، وكشف الخلاف في الحكم الظاهري لا معنى له، فلو كان يشكّ في النجاسة والطهارة، وبنى على الطهارة الظاهريّة وانكشف أنَّه كان نجساً، فهذا الانكشاف لا يكشف أنَّ أصالة الطهارة لم تكن جارية، بل كانت جارية في ظرف الشكّ، بل يكون من تبدّل الموضوع، كتبدّل المسافر بالحاضر، وتبدّل الأحكام في الأزمان بالنسخ مثلاً. فكشف الخلاف في الأحكام الظاهريّة 

ــــــــــ[51]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

غير معقول، فبالنسبة إلى الواقع ينكشف أنَّه ليس محدثاً، لا أنَّ الاستصحاب غير جارٍ، فهذا غير ممكن في الأمارات والأُصول.

إذن، لا يمكن في مورد أن ينكشف الخلاف ليكون مورداً لبحث التجرّي، فإنَّه يختصّ بانكشاف الخلاف وهو غير ممكن في المقام؛ فإنَّه إذا استصحب النجاسة في المايع ومع ذلك شربه، فقد خالف الحكم الظاهري جزماً وإن انكشف الخلاف، أمّا في موارد القطع فلم يكن هناك حكم من المولى، وكان القطع طريقاً صرفاً إلى الواقع، فإذا انكشف الخلاف لم يكن عاصياً لحكم شرعي، وأمّا الحكم الظاهري فهو ثابت على أيّ حال ولا ينكشف الخلاف فيه معصية دائماً.

إذن، ينحصر بحث التجرّي فيما إذا خالف المكلّف قطعه، وبعد ذلك انكشف أنَّه لم يكن موافقاً للواقع، بل كان مخالفاً. هذا حاصل الشبهة.

تفصيل الكلام في المقام

قد يعتقد الإنسان أنَّ الحكم الظاهري ثابت، وبعد ذلك ينكشف أنَّه غير موجود، وهذا مثل القطع بالحكم الواقعي حرفاً بحرف، وذلك في موارد الخطأ كما لو كان يتخيّل أنَّ الاستصحاب جارٍ في الشبهات الحكميّة، ثُمَّ انكشف أنَّه خاصّ بالشبهات الموضوعيّة –على ما هو الصحيح– أو أنَّه كان يتخيّل أنَّ الاستصحاب يجري في موارد الشكّ في المقتضي، ثُمَّ ينكشف أنَّه مختصّ في الشكّ في الرافع، أو كان يرى أنَّ خبر الثقة حجّة وإن كان مخالفاً، ثُمَّ تبدّل رأيه إلى الاقتصار على الثقة غير المخالف.

ــــــــــ[52]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وكذلك الحال في الشبهات الموضوعيّة، كما لو شهد زيد وعمرو على نجاسة ماء، وكان يتخيّل عدالتهما، ثُمَّ انكشف أنَّ أحدهما فاسق أو كليهما، وأنَّه لم تكن بيّنة أصلاً، فلو شرب الماء معتقداً بقيام البيّنة على هذا الشيء، ثُمَّ انكشف عدم قيامها، فيكون موضوعاً لبحث التجرّي، ويكون من مخالفة القطع بالحكم الظاهري.

وأمّا إذا لم يكن كذلك، بل كان الحكم الظاهري ثابتاً، ولكنّه لم يكن موافقاً للواقع، وانكشف مخالفته للواقع، كما لو كان محدّثاً وشكّ في طهارته وبنى على أنَّه محدث استصحاباً، ثُمَّ مسّ المصحف متجرّياً، ثُمَّ انكشف أنَّه متطهر(1).

فليس في الحكم الظاهري انكشاف الخلاف، يعني: لم ينكشف أنَّ 

الاستصحاب لم يكن جارياً؛ لأنَّ موضوعه اليقين والشكّ وهو متحقّق على

ــــــــــ[53]ــــــــــ

() أقول: هذا وإن كان صحيحاً بالنسبة إلى الأحكام التكليفيّة؛ لأنَّه ينتزع منه عنوان الخروج عن زيّ العبوديّة ومحاربة المولى فتكون قبيحة بحكم العقل العملي كما في القطع كما يأتي، ولكنَّه مشكل في الأحكام الوضعيّة كما لو قامت البيّنة على نجاسة ثوب وصلّيت فيه، ثُمَّ انكشفت طهارته، فقد صلّيت في ثوب طاهر في الواقع، فلماذا يحكم ببطلان الصلاة؟

فلو قامت البيّنة على أنَّ الكتاب لزيد فاشتريته من عمرو بزعم كونه فضوليّاً ولم يجز زيد، ثُمَّ انكشف أنَّه لعمرو، فمن الممكن تصحيح ذلك البيع، ولا حاجة إلى إجراء عقد آخر لكونه وقع على مال المالك واقعاً، ولا يعتبر في البيع إلَّا ذلك، بعد العلم أنَّ الأمارة ليس لها إلَّا الكشف والطريقيّة، وليس لها أثر في تغيير الواقع، إلَّا بحسب العناوين الثانوية التكليفيّة على ما سبق، وهذا غير مضرٍّ بالمقصود، فتأمّل واغتنم. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الفرض، وكذلك الحال في الأمارة، فلو قامت البيّنة على نجاسة مائع ومع ذلك شربه، ثُمَّ انكشف أنَّها كانت مخطئة بعد ذلك، لا تصدق البيّنة للقطع بمخالفة قولها للواقع، ولكن من حين قيامها إلى زمان انكشاف خلاف الواقع، تكون حجّيّتها ثابتة ولم ينكشف خلافها؛ لأنَّ موضوعها هو الجهل الوجداني وقد كان متحقّقاً، وإن ارتفع الآن.

فالأحكام الظاهريّة لا تدور مدار المطابقة للواقع وعدمه، بل مدار تحقّق موضوعاتها من قيام البيّنة، أو الشكّ في الطهارة، أو في الحليّة وهكذا، وإذا انكشف الخلاف يرتفع الموضوع، لا انَّه ينكشف أنَّ الحكم الظاهري لم يكن موجوداً.

ولكنّه مع ذلك يدخل في بحث التجرّي، فإنَّنا إذا قلنا: إنَّ الحكم الظاهري توجد مصلحة أو مفسدة على طبقه، ففي تمام موارد الأمارات والأُصول العمليّة توجد مصلحة تقتضي جعل الوجوب، أو مفسدة تقتضي جعل الحرمة، كما نسب ذلك إلى بعض القدماء(1)، وهو المعبّر عنه بالسببيّة والموضوعيّة، وهو أنَّ قيام الأمارة يحدث مصلحة في المتعلّق تقتضي جعل الوجوب، أو مفسدة تقتضي جعل الحرمة، فتكون من قبيل العناوين الثانويّة التي تتغيّر لها العناوين الواقعيّة، كما هو الحال في النذر أو اليمين أو أمر السيّد أو الأب، فإذا كانت الأمارة من هذا القبيل فصحيح ما ذكروه، فإنَّ التجرّي لا يمكن تصويره في موارد الأحكام الظاهريّة؛ لأنَّه قبل انكشاف الخلاف وجدت مفسدة في هذا 

ــــــــــ[54]ــــــــــ

(1) انظر: عدّة الأُصول 1: 103، 104.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الماء الذي شهدت البيّنة بنجاسته، وجعلت النجاسة واقعاً عليه، فكيف يفرض فيه التجرّي وانكشاف الخلاف؟ فإنَّه عند عدم المطابقة للواقع ينقلب الموضوع لعدم وجود البيّنة بقاءً، فعلى هذا المبنى يكون للشبهة وجه.

ولكن هذا القول فاسد جزماً، لأنَّ لازمه التصويب الباطل، بل في بعض الصور يقتضي تصويباً محالاً، بل لابدَّ من الالتزام بحكم واقعيٍّ فعلي قد تصيبه الأمارة أو الأصل وقد تخطئه، فإنَّ المجعول في باب الأمارات والأُصول هو الطريقيّة والحجّيّة، وسيأتي في بحث الظنّ أنَّ المجعول هو الطريقيّة، فكأنَّ المكلّف عالم بالواقع.

ولكن ليس على مخالفة الحكم الظاهري عقاب، وإنَّما العقاب على الحكم الواقعي، فإذا صادف الحكم الظاهري للواقع تكون المعصيّة معصية للواقع لا للأمارة أو الأصل، فإذا كانت مخطئة فليس هناك موجب للعقاب، إلَّا على القول بحرمة التجرّي، فالحال في الأمارة المخالفة للواقع حال القطع المخالف للواقع، فكما أنَّ القطع لا تكون مخالفته معصية إلَّا مع مطابقته للواقع، كذلك الحال في الأمارة.

وبعبارة أُخرى: أنَّ القطع علم وجداني، والأمارة علم تعبّديّ، فهو نحوٌ آخر من العلم يترتّب عليه ما يترتّب على العلم التكويني.

هذا تمام كلامنا في موضوع البحث في التجرّي، وقد ظهر أنَّه لا يختصّ بما إذا خالف المكلّف قطعه، بل يجري في سائر موارد الأُصول والأمارات.

ــــــــــ[55]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

في إطلاق الأدّلة

يقع الكلام في أنَّ الإطلاقات الواردة في الأدلّة هل تختصّ في الموضوعات الواقعيّة، أو تعمّها وما يعتقد المكلّف بكونه موضوعاً له، فإذا ورد في الدليل: (لا تشرب الخمر) فهل يكون مختصّاً بالخمر الواقعي، أو يعمّه وما يقطع المكلّف بخمريّته وإن لم يكن خمراً واقعاً؟

بناءً على ذلك يكون مقطوع الخمريّة محكوماً بالحرمة الواقعيّة، ولا مورد للتجرّي أصلاً، فإنَّ الحرمة ثابتة لكلا الفردين: الواقعي والمعتقد، فيكون هذا الفعل حراماً فلا مورد للتجرّي، بل كلّ ذلك يدخل في المعصيّة.

وذكرنا: أنَّ البحث يكون عن مدلول لفظ معيّن من حيث سعته وضيقه، وهو بحث لغوي أجنبي عن البحث الأُصولي والفقهي، فيتكلّم عن معنى الصعيد في اللغة، وهل يعمّ مطلق وجه الأرض، أو هو التراب الخالص؟ فيبحث في موضوع الحكم لا باعتباره موضوعاً للحكم، بل باعتبار نفسه، وإن كان يبحث عنه في الفقه، لتشخيص معناه اللغوي أو العرفي، باعتبار بيان حكمه. هذا أوّلاً.

ثانياً: قد يكون المعنى العرفي معلوماً، ولكن يقع الكلام في خصوصيّة من خصوصيّات الجملة التي وقع فيها اللفظ، فيدّعى وجود قرينة خاصّة تدلّ على أنَّه لا يستفاد من نفس اللفظ، بل من القرينة الخاصّة في الكلام. وهذا يكون بحثاً فقهيّاً لا محالة؛ لأنَّ البحث ليس عن مدلول اللفظ ليرجع فيه إلى اللغة أو العرف، ولكن البحث يقع في عموم الحكم أو خصوصه لدعوى قرينة في الكلام.

ــــــــــ[56]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وقد ذكرنا في بحث المفاهيم(1)، أنَّه قد يكون الكلام مشتملاً على قرينة يستفاد منها دلالة الكلام على المفهوم، وإن كان الكلام في نفسه لا دلالة له على المفهوم لا بحسب الوضع ولا القرينة العامّة، كما ورد في سؤال الراوي عن الماء الذي لا ينجّسه شيء، فقال: (كرٌّ من الماء)، فهنا وإن كان الكلام لا مفهوم له باعتبار كونه لقباً، ولكنّه حيث كان في مقام تحديد الموضوع فيدل على أنَّ غير الكرّ يتنجّس، وإلَّا لم يكن هذا تحديداً، وهذا يكون بحثاً فقهيّاً.

وثالثاً: يتكلّم في سعة المدلول وضيقه، لا باعتبار المدلول اللغوي، ولا باعتبار القرينة الخاصّة، بل لكونه مشمولاً لحكم شرعي على الإطلاق، فيبحث عن الكبرى لا عن خصوص كلام دون كلام آخر.

فيبحث عن الظهور لا باعتبار وضعه اللغوي، بل باعتبار قرينة عامّة تدلّ على ذلك من جهة كونه موضوعاً للحكم، فيكون بحثاً أُصوليّاً؛ لأنَّه يترتّب عليه حكم شرعي.

والمقام من هذا القبيل، فإنَّه لا يشكّ المتنازعان في بحث التجرّي في أنَّ اللفظ لم يوضع للجامع بين الواقع والمعتقد، بل لا يشكّ أحدٌ بأنَّ الخمر موضوع للمايع المسكر بالأصالة، والماء للجسم السيّال بالطبع، فلا نزاع لغوي في المقام، وإنَّما النزاع في قرينة خاصّة توجب ظهور اللفظ في المعنى الجامع بين الواقع والمعتقد، ويترتّب عليه استنباط حكم شرعي، فإنّنا إذا أثبتناه يكون حاله حال ظهور الأمر في الوجوب، فكما لو أثبتنا ذلك وضمّمنا إليه صغراه فيترتّب 

ــــــــــ[57]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه7: 106.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

عليه الحكم الشرعي، كذلك المقام، فإنّنا إذا أثبتنا أنَّ  الموضوع له دخل في حيّز الحكم الشرعي، فإنَّ القرينة العامّة قائمة على أنَّ المراد به أعمّ من الوجود الواقعي أو الاعتقادي، فإذا أثبتنا هذه الكبرى وضمّمنا إليها الصغرى، من قبيل: (لا تشرب الخمر) فيثبت أنَّ المراد بالخمر في هذه الجملة أعمّ من الخمر الواقعي والخمر المقطوع به، وإن لم يكن خمراً واقعاً.

مقدّمات متخيّلة

ثُمَّ إنَّ القائل بأنَّ المراد هو الأعمّ تمسّك في إثبات ذلك بمقدّمات تخيّل أنَّ نتيجتها هو ذلك.

المقدّمة الأُولى: أنَّ الأحكام الشرعيّة لا تتعلّق إلَّا بما هو داخل تحت قدرة المكلّف، فإنَّ الأحكام إنَّما جعلت بداعي البعث أو الزجر -ونقصد بها الأحكام الإلزاميّة- وما كان خارجاً عن القدرة غير قابل للبعث والزجر عنه؛ لأنَّ المكلّف ليس الفعل تحت اختياره؛ ولذلك قلنا في بحث الوجوب المشروط(1): أنَّ كلّ موضوع خارج عن اختيار المكلّف لابدَّ أن يكون مفروض الوجود، ويتعلّق التكليف بالحصّة المقدورة منه لا بهذا التقييد، فإذا أمر بالصلاة عند دخول الوقت، فالزوال أو الفجر خارج عن اختيار المكلّف غير قابل لتعلّق التكليف به، فلابدَّ أن يؤخذ مفروض الوجود فيرجع إلى القضيّة الشرطيّة: (إذا دخل الوقت فصلِّ) وهكذا بقيّة القيود التي تكون خارجة عن اختيار المكلّف -ولا يمكن للحكيم أن يأمر بغير المقدور- وهذا واضح جدّاً.

ــــــــــ[58]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 3: 102.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

المقدّمة الثانية: أنَّ الأفعال الاختياريّة كلّها تنشأ عن أُمور نفسانيّة، لا عن أُمور خارجيّة، والأمر الخارجي أجنبي عن الفعل الاختياري وجوداً وعدماً، وإنَّما هو مسبوق بمبادئ كلّها موجودة في عالم النّفس، كالتصوّر والتصديق والشوق والإرادة وغيرها، وليس حال الفعل الاختياري بالنسبة إلى الوجود الخارجي كنسبة التأثّرات الخارجيّة إليه، فإنَّ التأثّرات الخارجيّة منوطة بأسبابها الخارجيّة علمنا بها أو لم نعلم، فإنَّ النار محرقة سواء علمنا بها أو لا.

ولكن ليس الحال كذلك في الأفعال الاختياريّة، فإنَّها إنَّما تنشأ عن الأُمور النّفسيّة، ومن جملة مباديها: العلم والإحراز، فإذا أحرز أنَّه يلاءم طبعه يندفع إليه، وإذا أحرز أنَّه ينافره ابتعد عنه، فالعطشان إذا اعتقد وجود الماء فطبعاً يتوجّه إليه وإن كان في الواقع سراباً، وإذا اعتقد أنَّه سراب فلا يذهب إليه، وقد يموت عطشاً، مع أنَّ الماء موجود في الخارج، فوجود الشيء وعدمه خارجاً بالنسبة إلى الحركة الاختياريّة على حدٍّ سواء، وإنَّما الحركة تنشأ عن الإحراز لا عن الوجود الخارجي.

فالوجود الخارجي أجنبي عن الفعل الاختياري، ولا يترتّب عليه الانبعاث والانزجار، وإنَّما يترتّب على الفعل الاختياري.

المقدّمة الثالثة: أنَّه بناءً على ما ذكرناه تكون الإرادة والاختيار أيضاً تحت التكليف، فالإرادة والاختيار داخلان تحت التكليف، فالمطلوب هو إرادة إيجاد هذا الفعل، فما يريده يوجده في الخارج، وما لا يريده يزجره عن إرادته.

ويترتّب على هذه المقدّمات: أنَّه لا فرق بين العاصي والمتجرّي بالنسبة إلى 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

مخالفة تكليف المولى، فإنَّ المولى إنَّما منعه عن إرادة واختيار شرب الخمر، وقلنا: إنَّ الإرادة تترتّب على القطع بالخمريّة لا على واقع الخمر، والنهي عنه هو إرادة واختيار شرب الخمر، وأمّا مطابقة هذا القطع للواقع وعدمه فهو خارج عن الاختيار، ولا يمكن أن يتعلّق به التكليف، ولا يمكن أن يكون للمطابقة دخل في متعلّق التكليف، ولا في استحقاق العقاب، فالذي هو دخيل في استحقاق العقاب هو إرادة شرب الخمر واختياره وهو متحقّق في الخارج، سواء في العاصي أو المتجرّي، وليس بينهما فرق إلَّا في المصادفة للواقع وعدمه، وهو خارج عن إرادة المكلّف، ولا يمكن أن يكون متعلّقاً للتكليف.

هذا غاية ما يمكن أن تقرّب به هذه الدعوى، وبمقتضاها لا يصدق التجرّي، بل استحقاق العقاب يكون في كلا الموردين بملاك واحد.

النقاش في المقدّمات المزبورة

إلَّا أنَّ هذه الدعوى لا يمكن المساعدة عليها، فإنَّ المقدّمة الأُولى وإن كانت واضحة لما ذكرناه في بحث الواجب المشروط والواجب التعليقي، إلَّا أنَّها لا يترتّب عليها النتيجة، وقد قلنا: إنَّ هذه الدعوى إذا تمّت لا تثبت إنكار التجرّي مطلقاً، وإنَّ ملاك عقاب المتجرّي هو عين عقاب العاصي دائماً، وإنَّما تتمّ في الموارد التي يكون للتكليف موضوع وكان المكلّف قاطعاً بتحقّق الموضوع ويكون القطع مخالفاً للواقع، فلو تمّت الدعوى فإنَّما تتمّ في هذه الموارد، كما لو اعتقد أنَّه خمر وشربه.

ولكن إذا قطع بحرمة شرب التتن وشربه، ولم يكن الحكم مجعولاً في 

ــــــــــ[60]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الشريعة، بل كان أمراً وهميّاً في ذهنه، فهنا لا تتمّ هذه الدعوى، مع أنَّه أيضاً يكون للمنع عن التجرّي مجال، وإنَّما تختصّ فيما لو قطع بالموضوع وانكشف كونه مخالفاً للواقع، ولا تشمل ما لو كان القطع متعلّقاً بالحكم ابتداءً، ثُمَّ انكشف أنَّه مخالف للواقع، فإنَّه ليس هنا دليل ليتمسّك بإطلاقه، ويقال: إنَّه بالقرينة العقليّة شامل لها.

ولو قطعنا النظر عن ذلك، وفرضنا أنَّ الدعوى تمامّة فلازمه أنَّ المكلّف إذا قطع بدخول شهر رمضان، أو دخول الوقت ولم يصل، فمقتضاه: أنّه يعاقب(1) لعين الملاك؛ لأنَّ هذه المقدّمات لا تختصّ بالمحرّمات، بل تشمل الواجبات بعين البيان، فلو قطع بدخول الوقت وأنَّه ضيّق، ومع ذلك لم يصل فلازمه أنَّه يعاقب، فإنَّ الدليل يشمل الوقت الواقعي، وما يقطع المكلّف بكونه وقتاً بعين المقدّمات، فلو قطع بالفجر وصلّى، ثُمَّ انكشف أنَّ الوقت لم يكن موجوداً، فلازم هذا القول هو الإجزاء(1)؛ لأنَّه أتى بالمأمور به الذي هو أعمّ من الفجر الواقعي والمقطوع به، وقد فرضنا أنَّه أتى بالصلاة في الوقت الذي يتيقّن أنَّه وقت، وهكذا لو اعتقد دخول شهر رمضان وصام، ثُمَّ انكشف خلافه، فلازمه الالتزام بالإجزاء، فهل يمكن الالتزام بذلك؟!

ــــــــــ[61]ــــــــــ

() عقابه أمر ضروريَّ، يعني: استحقاقه له؛ لأنَّه متمرّد على المولى، فإنَّه بعد أن علم بالتكليف فقد عصى التكليف المعلوم على الفرض. (المقرّر).

(2) هذا غير صحيح، فإنَّه وأن أصبح مكلّفاً بالصلاة عند القطع بدخول الوقت، إلَّا أنَّه لو بقي قطعه إلى الأبد لكان ممتثلاً، أمَّا إذا تبدّل قطعه إلى العلم بالعدم، إذ المفروض أنَّه علم بعد ذلك أنَّ صلاته لم تكن في الوقت، فكيف تكون مجزية؟ (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وقد تقدّم في بحث الإجزاء(1): أنَّ الإجزاء في مورد الأمر الظاهري والأمر الاضطراري وإن كان محلّ خلاف بينهم، إلَّا أنَّ عدم الإجزاء في مورد الأمر الخيالي أمر مسلّم، كما لو قطع أنَّه مأمور بشيء ولم يكن مأموراً، فلا قول بالإجزاء أصلاً. هذا هو الجواب النقضي.

وأمّا الجواب الحلّي فالمقدّمة الأُولى من المقدّمات التي ذكرت تامّة؛ إذ لا شكّ أنَّ التكليف بما لا يطاق لا يصدر من الحكيم، أمّا المقدّمتان الثانية والثالثة، فالمقدّمة الثانية وقسم من الثالثة غير تامّة، أمّا الثالثة ففسادها واضح، والوجه في ذلك: أنَّ الاختيار والإرادة وإن قلنا في بحث الطلب والإرادة(2): أنَّهما أمران اختياريان، لا بمعنى: أنَّ الاختيار ناشئ من اختيار آخر ليلزم التسلسل، وإنَّما معناه: أنَّ أمره بيد الإنسان، له أن يختار وله أن لا يختار. 

وقلنا: إنَّ الإرادة تنشأ من القدرة، وهو معنى المشيئة، وكذلك الله تعالى مشيئته باختياره ويوجدها بقدرته، وهو معنى ما ورد في الروايات: “أنَّ الله تعالى خلق الأشياء بالمشيئة، والمشيئة بنفسها(3)، أي: أنَّها حاصلة بالقدرة ولا تحتاج إلى مشيئة أُخرى.

فالأمر وإن كان كذلك، والمشيئة والاختيار قابلة لتعلّق التكليف بهما، إلَّا أنَّ التكاليف لم تتعلّق بالإرادة والاختيار، وإنَّما تعلّقت بالأفعال الاختياريّة، 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 350.

(2) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 208.

(3) الكافي 1: 110، باب الإرادة، أنَّها من صفات الفعل وسائر صفات الفعل، الحديث: 4.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

والوجه في ذلك: أنَّ الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح والمفاسد في المتعلّقات، والمصلحة والمفسدة ليس في الإرادة نفسها، وإنَّما هي في الفعل الخارجي، فالقتل هو الذي فيه مفسدة، وإنقاذ الغريق هو الذي فيه المصلحة، وأمّا شرب مقطوع الخمريّة فأيّ مفسدة فيه؟ فالإرادة والاختيار وإن كانا قابلين لتعلّق التكليف بهما، إلَّا أنَّ التكليف لم يتعلّق بهما، وإنَّما تعلّق بالأفعال الخارجيّة، فإنَّ المصالح والمفاسد فيها، لا في الإرادة والاختيار.

وأمّا المقدّمة الثانية فملخّص الجواب عنها: أنَّ القطع له موضوعيّة بالنسبة إلى هذه الأفعال وهو تمام الموضوع دون ما في الخارج، فإنَّ الإنسان إنَّما يتحرّك نحو ما يقطع بكونه ملائماً لطبعه، وينفر ممّا يقطع بكونه منفّراً.

وهذا واضح، إلَّا أنَّ الكلام في أنَّ القطع كذلك بما هو صفة نفسانيّة أو بما هو طريق إلى الواقع، فهو يرى الواقع فيفّر من الواقع أو يتحرّك نحوه، أو أنَّه يتحرّك أو يفر ممّا قطع أنَّه هو الواقع، ولا شكّ أنَّ الصحيح هو الأوّل؛ لأنَّ الإنسان حين يعمل العمل إنَّما يعمله من أجل غاية وتسمّى بالعلّة الغائيّة، وهي إنَّما تترتّب على الوجود الخارجي لا على المقطوع؛ فإنَّ العطش إنَّما يرتفع بالماء الواقعي لا بمقطوع المائيّة، وإنَّما يريده الإنسان لأنَّه أحرز أنَّه ماء خارجي، فالقطع بالنسبة إلى الواقع طريق، وبطريقيّته يكون محرّكاً إلى العمل أو زاجراً عنه.

وبناءً عليه فالأمر يدور مدار الواقع، وكما ذكرناه من أنَّ الإرادة والاختيار تدفع الإنسان للأفعال الخارجيّة، ونسبتها إليها كنسبة الأسباب إلى مسبّباتها أو المعدّات بالنسبة إلى المعلول، فالأثر مترتّب على الوجود الخارجي، فكيف يُقال: 

ــــــــــ[63]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

إنَّ التكليف تعلّق بما هو مقطوع الخمريّة، مع أنَّ الأثر إنَّما يترتّب على الخمر الخارجي، فالإسكار إنَّما يترتّب على الخمر الخارجي، لا على مقطوع الخمرية وإن شرب منه كميّة كبيرة، فسائر الآثار مترتّبة على الوجودات الخارجيّة، والآثار هي الغاية من التكليف وجوباً وتحريماً، وتقتصر التكاليف على الأُمور الخارجيّة دون المقطوعة.

وأمّا دعوى أنَّ المصادفة للواقع أمر غير اختياري فلا يمكن أن يكون ملاكاً للحكم باستحقاق العقاب، والعاصي والمتجرّي مشتركان في جميع ما يصدر منهما؛ فإنَّ كلاً منهما قطع أنَّ هذا خمرٌ فشربه، غايته: أنَّه صادف أحدهما الواقع والآخر لم يصادفه، ولا يمكن أن تكون المصادفة ملاكاً للحكم ولاستحقاق العقاب. إذن، لابدَّ من الالتزام إمّا باستحقاق العاصي والمتجرّي معاً للعقاب، فهذا هو المطلوب، أو عدم استحقاقهما معاً، وهذا لا يمكن.

والجواب: أنَّ هذا القاطع بخمريّة الخمر قد شربه باختياره، فإنَّه قطع بخمريّته وكان قطعه مطابقاً للواقع ومع ذلك شربه، فأيّ عذر له؟ فإنَّ المفروض أنَّ الكبرى وهي حرمة الخمر وصلت إليه، والصغرى قد وصلت بالقطع، وهو أقوى طريق للوصول، والفعل قد صدر منه باختياره وليس مجبوراً ولا ناسيّاً، فلماذا لا يكون مستحقّاً للعقاب؛ فإنَّه ليس عقاباً على فعل غير اختياري.

وأمّا الطرف الآخر الذي اعتقد أنَّه خمر ولم يصادف المطابقة للواقع فلا يعاقب على أمر غير اختياري؛ فإنَّه لم يصدر منه شرب الخمر بغير اختياره؛ لأنَّه 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

أراد شربه، ولكنّه من باب الصدفة لم يكن خمراً واقعيّاً، فهو لم يصادفه لأمر غير اختياري، وعدم عقابه لا بأس به، فإنَّ القبيح هو العقاب على الأمر غير الاختياري لا عدم العقاب عليه، فإنَّه لم يصدر منه الحرام ليعاقب على إيقاعه.

فعقاب العاصي على القاعدة، ولكن عقاب المتجرّي يحتاج إلى دليل بعد فرض أنَّ التكليف متعلّق بالأمر الواقعي، وهو لم يصدر منه، وملاك العقاب هو صدور الحرام من المكلّف، وقد صدر من العاصي باختياره، ولم يصدر من المتجرّي بغير اختياره. إذن، فهذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

ــــــــــ[65]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9












حقيقة القطع

 

هل القطع من الأُمور التي تقلب الفعل عمّا هو عليه، فيكون الفعل ذا مصلحة فيجب، أو فيه مفسدة فيحرم، أو يتّصف بالحسن والقبح بالفعل، وإن لم يكن في نفسه متّصفاً بهما، إلَّا أنَّه ينقلب عمّا هو عليه فيكون حسناً أو قبيحاً فيكون محكوماً بالحرمة أو الوجوب شرعاً؟

قيل بذلك، وذكرت عدّة وجوه:

الوجه الأوّل: كثيراً ما تتغيّر الأفعال عمّا كانت عليه لطارئ من الطوارئ، فالصلاة المشتملة على المصلحة في نفسها إذا أصبحت هتكاً لمؤمن كما لو صلّى قدّام الإمام مظهراً أنَّه ليس أهلاً للإمامة، فهذا هتك للإمام وحرام بلا إشكال، فينقلب عمّا هو عليه فيكون ذا مفسدة، فلا يكون مصداقاً للواجب.

وكذلك الكذب الذي هو مشتمل على المفسدة قد ينقلب ويكون ذا مصلحة كما لو كان للصلح بين أخوين مؤمنين، وكذلك لو كان لإنجاء المؤمن من ظالم متسلّط على نفسه أو عرضه أو ماله، بل قد يكون في بعض الموارد واجباً. إذن، فتغيّر الفعل عمّا هو عليه أمر غير عزيز.

والقطع من هذا القبيل، فيكون القطع بالحرمة موجباً لاشتمال الفعل على المفسدة، وبذلك يحكم بحرمته شرعاً، فيحكم أنَّ التجرّي على المولى حرام، فإنَّ 

ــــــــــ[66]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الإتيان بفعل يقطع بكونه مبغوضاً، وإن لم يكن بعنوانه الأوّلي حراماً، إلَّا أنَّه بالعنوان الثانوي -وهو كونه مقطوع الحرمة- يكون حراماً، كما أنَّه إذا قطع بكونه واجباً يكون ذا مصلحة فيحكم بوجوبه شرعاً، وقلنا: إنَّ هذا البحث يكون بحثاً أُصوليّاً.

وهذه الدعوى لا تسمع، أمّا أوّلاً: فللجزم بعدم دخل القطع في اشتمال الفعل على المفسدة أو المصلحة، فإنَّ القطع طريق إلى الواقع والمصالح والمفاسد من الآثار التكوينيّة للأشياء، ولا يقاس القطع بالهتك والإنقاذ؛ فإنَّ تلك العناوين موضوع لأحكام شرعيّة من الوجوب والحرمة، فإذا كانت الصلاة هتكاً للمؤمن فيتبعها حكمه وهو الحرمة، لكن عنوان القطع مجرّد كاشف عن الواقع، فكيف يكون من العناوين التي تتغيّر بها الأفعال مصلحةً ومفسدةً؟ فإذا انكشف الخلاف ينكشف أنّه كان خيالاً محضاً وجهلاً مركّباً. ومجرّد أنَّ الفعل ليس فيه مصلحة ومفسدة لا يوجب أن يكون القطع من هذا القبيل، فإنَّ القطع ليس بموضوع لشيء من الأحكام الشرعيّة، بخلاف العناوين الثانويّة الأُخرى.

فإذا قطع بالحرمة فأيّ دليل على حرمته؟ ومجرّد أنَّه تخيّل حرمته واعتقد حكماً غير مطابق للواقع لا يؤثّر شيئاً، فكيف يُقال: إنَّ القطع من العناوين التي يتغيّر بها المصالح والمفاسد، فإنَّها من الآثار التكوينيّة، ولا دخل للقطع بها؟

افرضوا أنَّنا لم نجزم بذلك، فلا أقلّ من الشكّ ونطالب المدّعي بالدليل، ومجرّد أنَّ القطع يوجب تغيّر الفعل من المصلحة إلى المفسدة، فلا تصدق ما لم يقم دليل وبرهان، فهذا الوجه لا يتمّ.

ــــــــــ[67]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الوجه الثاني: أنَّ ارتكاب ما قطع المكلّف بتحريمه يكشف عن سوء سريرته، وأنَّه رجل خبيث الباطن، وأنَّه أقدم على التعدّي على المولى، وهذا القبح الفاعلي ممّا لا ينبغي الشك فيه، ويسري القبح من المنكشف إلى الكاشف، فإذا كانت السريرة سيئة وكاشفها هو الفعل فيكون ارتكاب الفعل أيضاً قبيحاً، فإذا حكم العقل بقبحه فبقاعدة الملازمة تثبت الحرمة الشرعيّة لهذا الفعل؛ لأجل التغيّر في مصلحته أو مفسدته، فإنَّ المصلحة والمفسدة وإن كانت من الآثار التكوينيّة، إلَّا أنَّ الحسن والقبح تابعة للعناوين، فيكون الفعل قبيحاً وبقاعدة الملازمة تثبت الحرمة.

وهذه الدعوى تنحل إلى دعويين: 

الأوّلى: كبرويّة، وهي: أنَّ ما حكم العقل بقبحه حكم الشارع بحرمته للملازمة بينهما، وسيأتي الكلام عنها لاحقاً.

والثانية: صغرويّة، وهي: أنَّ القبح الفاعلي يسري إلى الفعل فيكون قبيحاً، فهذه الدعوى جوابها: 

أنّنا نجزم بعدم ذلك، فإنَّه أيّ دليل عليه؟ صحيح أنَّ هذا الرجل خبيث الباطن، وطبعه طبع التعدّي على المولى، والفعل يكشف عن ذلك، أمّا أنَّ القبح الفاعلي يسري إلى الفعل فيكون قبيحاً فبأيّ ملاك؟ فإنَّ سراية القبح من شيء إلى آخر لابدَّ له من دليلّ، فإنَّ سراية القبح محتاج إلى دليل، ولا دليل.

الوجه الثالث: أن يدّعى أنَّ هذا الفعل في نفسه قبيح دون جهة القبح الفاعلي، بل لانطباق عنوان قبيح عليه، وهو التمرّد على المولى، وبقاعدة الملازمة 

ــــــــــ[68]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

نستكشف الحكم الشرعي وهو الحرمة.

وصاحب الكفاية وشيخنا الأستاذ منعا عن هذه الملازمة، وقالا: إنَّ هذا الفعل لم يتّصف بالقبح أبداً.

فذكر صاحب الكفاية(1) بعد ذهابه إلى استحقاق العقاب: أنَّه لا تأثير لذلك في حسن الفعل وقبحه، وقال: إنَّ القاطع إنَّما يرتكب العمل لا لكونه مقطوعاً به، بل بعنوان الواقع، فإنَّه يشرب الخمر لأنَّه خمر، لا لأنَّه مقطوع الخمريّة، وهذا العنوان ليس باختياره، وما ليس باختياره كيف يكون موجباً للقبح؟! فإنَّ الحسن والقبح إنَّما تتّصف بهما الأفعال الاختياريّة، بل في بعض الفروض أنَّ المرتكب لا يلتفت غالباً إلى قطعه، بل هو يرتكب ما يرى أنَّه خمر، فبعنوان مقطوع الخمريّة لم يصدر منه فعل اختياري ذو أثر، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّه يتّصف بالقبح بحسب العنوان الثانوي؟!

بل ذكر أنَّه لم يصدر منه فعل اختياري أصلاً، كما لو شرب مايعاً باعتقاد أنَّه خمر، ثُمَّ ظهر أنَّه ماء، فأمّا شرب الخمر فلم يتحقّق، وشرب الماء لم يكن مبغوضاً، فأيّ فعل اختياري صدر منه ليعاقب عليه؟

وذكر شيخنا الأُستاذ(2) أنَّ القطع لا يؤثّر في المصلحة والمفسدة، والحسن والقبح؛ لأنَّه كاشف، والكشف لا يزيد عن الواقع، والمفروض أنَّ المنكشف لم يكن ذا مصلحة ولا مفسدة، ولم يكن قبيحاً ولا حسناً.

ــــــــــ[69]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأُصول: 260.

(2) انظر: أجود التقريرات 2: 25.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وبعبارة أخرى: إنَّ صاحب الكفاية وشيخنا الأُستاذ ذهبا إلى أنَّ الفعل لم يتغيّر عمّا وقع عليه من الحسن والقبح الثابتان في ذاته، والقطع لا يمكن أن يوجب تغيّراً عمّا هو عليه، وادّعيا الوجدان على ذلك، فذكر شيخنا الأُستاذ: أنَّ القطع طريق محض إلى الواقع فلا يمكن أن يتغيّر به الواقع، فلا يمكن أن يزيد على الواقع، وقال صاحب الكفاية: إنَّ قتل ابن المولى لا يقع محبوباً إذا قطع المكلّف أنَّه عدو للمولى فقتله، وكذلك العكس فإنّه لو قطع أنَّ  فلاناً ابن المولى فأكرمه، وكان عدوّه لا يكون محبوباً من جهة القطع أنَّه ابنه.

وقال صاحب الكفاية: أنَّ المتجرّي يأتي بالعمل بداعي أنَّه هو الواقع لا بداعي كونه مقطوع الخمريّة، بل لا يكون هذا مقصوداً أصلاً فلا يكون اختيارياً؛ لأنَّ القطع داخل في الأفعال الاختياريّة، بل قد يكون هذا العنوان مغفولاً عنه غالباً، كالناظر في المرآة الذي ينظر إلى نفسه لا إلى المرآة، فلا يمكن أن يتّصف بالقبح؛ لأنَّ القبح من أوصاف الفعل الاختياريّة. هذا ملخص ما أفاداه (قدّس الله أسرارهما).

أمّا ما ذكراه من الوجدان فالظاهر أنَّ الوجدان على خلافه؛ وذلك: أنَّ الوجدان حاكم بأنَّه قبيح ويصدر من المكلّف قبيحاً، وإن كان الفعل باقٍ على ما هو عليه لم يتغيّر حكمه ولا ملاكه من المصلحة والمفسدة، ولكن الفعل بما أنَّه مقطوع الحرمة يكون قبيحاً.

وبيان ذلك يكون ببيان الحسن والقبح إجمالاً، وحاصله: أنَّ الحسن والقبح قد يتوهّم أنَّهما أمران واقعيّان لا يتخلّفان، فما كان حسناً يكون حسناً في تمام 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الأحوال، وما يكون قبيحاً يكون قبيحاً في جميع الأحوال، ولا يتغيّر عمّا هو عليه من الحسن والقبح. إلَّا أنَّ هذا باطل جزماً، فإنَّهما يختلفان من حيث الجهات والاعتبارات على ما سيتّضح، فعمل واحد يمكن أن يكون بنيّة حسناً وبنيّة أُخرى قبيحاً.

وقد يُقال(1) -كما قال الأشاعرة(2)-: إنَّه لا واقع للحسن والقبح أصلاً، وليس للعقل أن يدرك شيئاً من ذلك، وإنَّما الحسن ما أمر به المولى، والقبيح ما نهى عنه، وهو واضح البطلان كالأوّل؛ لأنَّه لو تمّت هذه الدعوى بعدم إدراك العقل للحسن والقبح لبطلت الشريعة من أصلها، ولم يبق لنا طريق إلى إثبات النبوّة العامّة والخاصّة، فإنّا إذا فرضنا عدم حسن إرشاد العباد وقبح إضلالهم عملاً، فلماذا يبعث النبيّ؟ ثُمَّ إنَّه إذا ادّعى أحد النبوّة وأظهر المعجزة، فإذا لم يتعيّن الحكم بقبح إظهار المعجزة على يد الكاذب، وكيف يمكن تصديقه؟ إذ لعلّه كاذب وأظهر الله على يده المعجزة، وإنَّما يكون تصديقه لأجل قبح صدور ذلك عن الله (عزّ وجلّ)، إلى غير ذلك من المفاسد المترتّبة على هذا القول.

على أنَّه واضح البطلان؛ لأنَّ الحسن والقبح أمران ثابتان عند جميع العقلاء، حتّى عند من لم يكن معترفاً بصانعٍ ولا نبيٍّ، ويرون أنَّ الظلم والتعدّي على الغير قبيح، كما أنَّ العدل حسن.

إذن، فالصحيح هو الأمر الثالث، وهو: أنَّ الحسن والقبح ليسا من الآثار 

ــــــــــ[71]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الدراية 2: 50.

(2) انظر: كشف المراد: 302، تكملة شوارق الإلهام: 61.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

التي لا يختلف الفعل باختلافها، كما أنَّه ليس الحسن والقبح راجعان إلى الشرع، وأنَّه ليس للعقل إدراكهما. إذن، نتيجة ذلك اختيار القول بالوسط بين القولين، وهو اختلاف الحسن والقبح بالوجوه والاعتبارات، والعقل أوّل ما يحكم بقبح الظلم وحسن العدل، فهذا هو الأساس للحكمة العمليّة، كما أنَّ استحالة اجتماع النقيضين واستحالة ارتفاعهما أساس الحكمة النظريّة، فهذا أوّل مدرك للعقل العملي، كما أنَّ ذاك أوّل مدرك للعقل النظري، فكلّ ما صدق عليه عنوان العدل يكون حسناً، وكلّ ما صدق عليه عنوان الظلم يكون قبيحاً، فضرب اليتيم إن كان بداعي التأديب يقع حسناً، وإن كان بداعي التشفّي أو الإيذاء يكون قبيحاً، فالعمل الواحد يختلف حاله حسناً وقبحاً باختلاف الداعي إليه.

فإذا كان الأمر كذلك فلا ريب أنَّ الخروج عن زيّ العبودية والرقّيّة والجرأة على المولى في مقام العمل والامتثال أظهر أنحاء الظلم؛ لأنَّ الظلم عبارة عن الخروج عن حدود الاستقامة، كما أنَّ العدل هو الاستقامة ووضع الشيء في محلّه؛ ولذلك قلنا في بحث الفقه(1): إنَّ العدالة المعتبرة في عدّة من الموارد –كالجماعة والشهادة– هي عبارة عن الاستقامة في جادّة الشرع، والفسق هو الخروج عنها، ولا ينبغي الشكّ في أنَّ ارتكاب العبد ما قطع أنَّه حكم المولى خروج على المولى وتجاسر عليه وإن لم يصادف الواقع، وعين الملاك الموجود في العصيان موجود هنا، ومجرّد كون مبغوض المولى لم يتحقّق في الخارج بخلاف 

ــــــــــ[72]ــــــــــ

(1) انظر: المستند في شرح العروة الوثقى 17: 343.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

المعصية فإنَّه قد تحقّق، فهذا أجنبي عن الحسن والقبح، وهو يختلف بالنسبة إلى الحكم الشرعي، فإنَّه في التجرّي لم يتحقّق الحرام في الخارج، وفي العصيان تحقّق، ولكن العقل إنَّما حكم بالقبح لطغيان العبد على المولى وتعدّيه عليه، وهو أمر مشترك فيه بين الموردين.

فالوجدان يدلّنا على أنَّ هذا العمل قبيح، والعقلاء يقبّحون ذلك ويوبّخون مرتكبه، فالإنصاف أنَّ هذا القبح العقلي موجود لهذا العمل، ولهذا يوبّخه العقلاء ويستحقّ العقاب من قبل المولى.

وأمّا ما ذكره صاحب الكفاية من أنَّ المتجرّي لم يصدر منه الفعل بهذا العنوان الطاري بل بعنوانه الأوّلي، بل لا يكون ملتفتاً إليه، بل ليس هو أمراً اختيارياً.

فإن أراد بكلامه الأوّل أنَّ المتجرّي لا يقصد هذا العنوان بل العنوان الأوّلي فصحيح، ولكن الداعي لا دخل له في القبح وجوداً وعدماً، فإنَّه إذا ضرب اليتيم بداعي امتحان قوّة العصا يقع الضرب قبيحاً لا محالة، وإنَّما المدار في القبح هو صدور الفعل اختياراً من الإنسان سواء قصد به العنوان الأولي أو الثانوي، فإنَّه إذا كان ملتفتاً إلى أنَّه تعدٍ وظلمٌ على المولى يكون قبيحاً سواء شربه بداعي أنَّه خمر، أو بداعي أنَّه مقطوع الخمريّة.

وإن أراد أنَّه غير ملتفت إليه، فهذا عين ما ذكره بعد ذلك بقوله: بل لا يكون غالباً ممّا يلتفت إليه، فما معنى هذا الترقّي؟

إذن، فينبغي أن يُقال ببطلان هذا القول من أصله، فإنَّه إن أراد بالالتفات 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الالتفات التفصيلي فنعم، فإنَّه غالباً ما يكون القاطع غير ملتفت إلى قطعه، وإنَّما يكون ملتفتاً إلى المقطوع به، وإن أراد الالتفات الأعمّ من الالتفات الإجمالي، فإنَّ الشيء إنَّما يكون حاضراً بواسطة القطع، والقطع هو المعلوم بالذات، والشيء إنَّما يكون حاضراً بمعلوميّة العلم، والعلم حاضر بنفسه، ولكنّه لا يعتبر في صحّة العقاب الالتفات التفصيلي، بل يكفي أن يكون الفعل اختيارياً، وأن يكون ملتفتاً إليه ولو إجمالاً، فهذا الذي ذكره لا يمكن المساعدة عليه.

والصحيح: أنَّ القبح العقلي موجود، وإنَّما الكلام في دعوى الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، وهل إنَّ القبح يستلزم حكماً بالحرمة شرعاً ليحكم بحرمة التجرّي شرعاً أو لا؟

قلنا: إنَّ الكلام يقع في جهتين:

الأوّلى: في إثبات القبح وعدمه.

الثانية: على تقدير ثبوت القبح، فهل هو ملازم للحكم الشرعي من جهة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع.

وذكرنا أنَّ ما أفاده صاحب الكفاية لا يتمّ، أمّا أولاً: فقد قلنا: إنَّ الأمر وإن كان كما ذكره من أنَّ المتجرّي غالباً يقصد العمل بعنوانه الأوّلي لا بعنوانه الثانوي، إلَّا أنَّ القصد(1) لا دخل له بالاتّصاف بالحسن أو القبح، والداعي يكون كافياً في ذلك، إذا صدر الفعل بالاختيار، وكان الفاعل ملتفتاً إلى كونه 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

() يعني: قصد العنوان الأوّلي من الفعل، وإلَّا فمن البديهي أنَّ الحسن والقبح يدور مدار القصد بشكلٍ عامّ. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

يتّصف بالقبح بأيّ عنوان كان فيما إذا كان ملتفتاً إلى أنَّ هذا العمل تعدٍّ على المولى وتجرّ عليه، فيكفي ذلك في قبحه وإن لم يكن قاصداً للعنوان الأولي.

وأمّا أنَّه غير ملتفتٍ إليه، فلابدّ أن يكون المقصود به الالتفات تفصيلاً لا إجمالاً، وإلَّا فالقطع حاضر بنفسه، والمقطوع حاضر له بحضور القطع، فكيف يكون القاطع غافلاً عن قطعه، إلَّا أنَّه لا يعتبر في القبح الالتفات التفصيلي بل يكفي الالتفات الإجمالي أيضاً، فإنَّ شارب الخمر المتجرّي وصل إليه الحكم صغرى وكبرى، فيكون موضوعاً للقبح، وليس له أنَّ يعتذر بأنَّه لم يكن ملتفتاً.

وأمّا ما ذكره من أنَّه لم يصدر منه فعل اختياري أصلاً فبالعنوان الأوّلي نعم، فإنَّ شرب الخمر الذي قصده لم يتحقّق، وما تحقّق وهو شرب الماء الذي لم يكن مقصوداً، إلَّا أنَّ شرب هذا المائع الخاصّ بعنوان كونه حراماً هو عمل من أعماله قام به وهو يعلم أنَّه تعدٍّ على مولاه، وهو خروج عن زيّ الرقّيّة والعبوديّة، فالقبح من جهة العنوان الثانوي، لا من جهة العنوان الأوّلي.

على أنَّه إذا تمّ فإنَّه يتمّ في الشبهات الموضوعيّة كالمثال المتقدّم، أمّا في الشبهات الحكميّة فلا يتمّ، كما لو شرب التتن قاطعاً بحرمته، ثُمَّ انكشفت إباحته، فهنا صدر منه شرب التتن باختياره؛ لأنَّه كان ملتفتاً إلى أنَّ الموضوع هو التتن وقد شربه باختياره.

فثبت أنَّ العقل يدرك هذا المعنى، وأنَّ من خرج من زيّ العبوديّة، وكان ظالماً لنفسه في مرحلة الامتثال، فلو وبّخه العقلاء وعاقبه المولى كان العقاب في محلّه.

ــــــــــ[75]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وأمّا الكلام في الجهة الثانية: وهو أنَّ هذا القبح هل يستلزم الحرمة لقاعدة الملازمة، وأنَّ ما حكم به العقل حكم به الشرع، فالصحيح أنَّه لا يستلزم ذلك، فهو قبيح ليس بمحرّم شرعاً، والحكم الشرعي لم يتغيّر، وأمّا القبح فهو ثابت.

بيان ذلك: أنَّ الأحكام العقليّة على قسمين: فتارةً، يكون الحكم أمراً نظريّاً يدرك أمراً نظريّاً واقعياًّ، وهو قد يستتبع حكماً شرعيّاً، كإدراك الملازمة بين وجوب الشيء و وجوب مقدّمته، وهو مدرك عقلي -فرضاً- كإدراك سائر الملازمات، إذا كان كذا لكان كذا، فإذا أدرك العقل هذه الملازمة وثبت وجوب شيء شرعاً، فبضمّ الكبرى إلى الصغرى يستتبع حكماً شرعيّاً، فيقال: لو كانت الصلاة واجبة لوجبت مقدّمتها، ولكنّها واجبة فمقدّماتها واجبة بنحو القياس الاستثنائي، ويمكن تقريبه(1) بالشكل الأوّل، كما تقدّم.

وأخرى، يكون الإدراك العقلي راجعاً إلى العمل، كإدراكه المصلحة في فعل أو المفسدة(2) فيه، فيدرك العقل أنَّ في هذا الفعل مصلحة إلزاميّة غير مزاحمة بشيء آخر، أو مفسدة إلزاميّة غير مزاحمة، وهذا مصداقه نادرٌ جدّاً، فإنَّ العقل لا يتمكّن من إدراك الواقعيّات بتمام خصوصيّاتها، فإنَّه قد يدرك أنَّ في الفعل 

ــــــــــ[76]ــــــــــ

() بأن يُقال: بأنَّ كلّ مقدّمة واجب واجبة، وهذه مقدّمة واجب. إذن، فهي واجبة. (المقرّر).

(2) لا يخفى أنَّ الإدراك العملي للعقل إنَّما هو بإدراك الحسن والقبح ليس إلَّا، وأمّا إدراك المصالح والمفاسد فهو أمر قد يكون إلَّا أنَّه من وظائف العقل النظري لا العملي، باعتبار إدراكه المسببّية بين الفعل وعلّته الغائيّة التي هي المصلحة مثلاً. إذن، فتمام كلام سيّدنا الأُستاذ على ما يأتي أجنبي عن العقل العملي. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

مصلحة أو مفسدة، إلَّا أنَّ كونها غير مزاحمة، فهو ممّا ليس للعقل إليه سبيل، وإنَّما يدركه المحيط بتمام الجهات، والعقل ليس كذلك.

نعم، قد يدرك العقل ذلك، كما في إنجاء المؤمن من التلف كالغرق والحرق، فإنَّه يدرك أنَّ فيه مصلحة إلزاميّة، فإنَّ المؤمن محبوب لله تعالى، وموته هدراً لا يرضى به الله، فإنجاؤه واجب وليس له مزاحم.

إذن، نحكم بأنَّ هذا واجب إلهي؛ فإنَّ الأحكام الإلهيّة تابعة للمصالح والمفاسد، فإذا أدرك العقل المصلحة فقد أدرك علّة الحكم الشرعي، ويقع إدراكه في سلسلة علل الحكم الشرعي، والظاهر أنَّ الدليل على وجوب حفظ النّفس المحترمة منحصر في ذلك، وإلَّا فإنَّنا لم نجد دليلاً لفظياً من كتاب أو سنّة دالّاً على ذلك. فطبعاً هذا الحكم العقلي(1) يكون ملازماً للحكم الشرعي، يعني: إذا كان العقل مدركاً لسبب الحكم الشرعي كان مدركاً لنفس الحكم أيضاً لا محالة.

ــــــــــ[77]ــــــــــ

() هذا ليس من قبيل الحكم الذي يستعمل عادة في مجال التحدّث عن مدركات العقل العملي، وإنَّما هو إدراك محض للواقع، لا يزيد على إدراكه لزوجيّة الأربعة. نعم، إذا كان المراد من المصلحة والمفسدة الحسن والقبح كان له وجه وجيه، إلَّا أنَّه بالإضافة إلى أنَّه خلاف ظاهر العبارة وغير مراد للسيّد الأُستاذ قطعاً؛ فإنَّه على تقديره يكون السيّد الأُستاذ قائلاً بالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع مطلقاً، كما هو واضح، فإنَّ الحكم الشرعي تابع للمصالح والمفاسد، والمفروض أنَّ الحسن والقبح من المصالح والمفاسد. إذن، يكون الحكم الشرعي تابعاً للحسن والقبح إذا أدركهما العقل بشكل إلزامي، فلابدَّ من الحكم بالوجوب أو الحرمة، وهذا ليس بعيداً وإن كان ثبوته عكساً وطرداً محلّ تأمّل، فتأمّل وافهم. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وأمّا إذا فرضنا أنَّ ما حكم به العقل والمنكشف له وقع في سلسلة معلولات الحكم الشرعي، كحكمه بوجوب الطاعة وقبح المعصيّة، فلا يمكن أن يكون منشأً لإدراك الحكم، فلا يمكن أن يُقال: إنَّ ما حكم به العقل حكم به الشرع، فتكون الإطاعة واجبة شرعاً والمعصية حرام شرعاً، فإنَّ هذا الإدراك العملي مترتّب على الحكم الشرعي، وجعل الحكم الشرعي في هذا المورد يكون لغواً، ولا يصدر من الحكيم.

والوجه في ذلك: أنَّ العقل يستقلّ بوجوب الإطاعة، ويترتّب عليه استحقاق العقاب، وهذا إمّا أن يكون كافياً في تحريك العبد نحو الفعل، أو في انزجاره عنه، فالمفروض أنَّ الحكم الشرعي موجود وهذا الفعل واجب، والعقل يحكم بوجوب الطاعة وباستحقاق العقاب على المخالفة، وحكم العقل كافٍ في الانبعاث والانزجار.

إذن، فما فائدة(1) الحكم الثاني؟

وإذا فرضنا أنَّه لا يكفي، فننقل الكلام إلى الحكم الثاني، هل تجب طاعته عقلاً أو لا؟ فإن كانت طاعته واجبة بحكم العقل وكافية في المحرّكيّة، فهذا كافٍ من الأوّل، وإذا لم يكفّ ذلك فنحتاج إلى حكم ثالث وهكذا، وهذا لغو محض. إذن، فالحكم الثاني لا يترتّب عليه أثر، وكلّ حكم لا يترتّب عليه أثر 

ــــــــــ[78]ــــــــــ

() يمكن أن نتصوّر له فائدة، وهو زيادة التحريك وتقوّيّة الدافع المولوي في نفس العبد، فيما إذا كان الملاك مهمّاً في نظر المولى بحيث لا تكفي محرّكيّة الحكم العقلي، بل لا بدَّ من تأكيدها بحكم شرعي لكي يكون العبد ملزماً من كلا الجهتين. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

لغوٌ محض لا يصدر من الحكيم، فلا يمكن دعوى الملازمة بين حكم الشرع وحكم العقل في مرتبة معلولات الحكم الشرعي.

على أنَّه مع قطع النظر عن ذلك، فهل الحكم الشرعي التابع للحكم العقلي، وهل هو مختصّ بمورد التجرّي، يعني: بالقطع المخالف للواقع، أو يعمّه وموارد المعصيّة أيضاً؟ فعلى فرض الاختصاص لا يمكن الالتزام به.

أمّا أوّلاً: فلأنَّه أيّ موجب لهذا الاختصاص؟ فإنَّه لو كان هذا الحكم الشرعي تابعاً لحكم العقل باعتبار كونه هتكاً للمولى، فهو يعمّ العصيان أيضاً.

وثانياً: مع قطع النظر عن ذلك، كيف يمكن أن يصل مثل هذا التكليف إلى المكلّف، فيقال: أيّها القاطع قطعاً مخالفاً للواقع يجب عليك اتّباع قطعك، فكيف يمكن للقاطع أن يلتفت إلى أنَّ قطعه مخالف للواقع ليحرز كونه(1) 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّه يمكن أن يجاب على ذلك:

أوّلاً: بأنَّه ليس من الممتنع الشكّ في حقانيّة القطع مع انحفاظه في الذهن، ولا يكون من الشكّ المنافي للقطع، فعلى تقدير ثبوت حرمة التجرّي بالملازمة يعلم المكلّف إجمالاً بكونه إمّا عاصياً وإمّا متجرّياً، فعلى الأوّل يكون منهياً عن شرب الخمر، وعلى الثاني يكون منهياً عن التجرّي نفسه.

وثانياً: أنَّه لا يلزم أن يعلم المكلّف كونه موضوعاً للحكم ليمتثل الحكم، فإنَّه لو كان عازماً على الامتثال لامتثل الأمر الأوّل!! وإنَّما يمكن أن يحرز كونه قد أصبح موضوعاً لهذا الحكم بعد انكشاف الخلاف، ويكون فائدته أنَّه حينئذٍ يعلم أنَّه وإن لم يكن عاصياً، إلَّا أنَّه أيضاً قد عمل محرّماً باعتباره كان متجرّياً في حينه، ولا يلزم من ذلك أيّ محذورٍ، كما هو واضح. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

موضوعاً لهذا الحكم فيمتثله؟ فكما قلنا في الناسي أنَّه لا يمكن أن يجعل الحكم عليه بعنوانه، لأنَّه إن رجع إلى الالتفات ينقلب إلى الذكر، ومع بقائه ناسياً يستحيل أن يكون التكليف فعليّاً، وهنا أيضاً إذا أحرز أنَّ قطعه مخالف للواقع يزول قطعه ولا يبقى الموضوع وإذا لم يلتفت لا يمكن أن يكون الحكم فعليّاً.

إذن، فلابدَّ من الالتزام بأنَّ الحكم الشرعي يعمّ موارد التجرّي وموارد العصيان معاً، وهذا مستحيل.

وبعبارة أخرى: إنَّ التجرّي بعدما أثبتنا أنَّه يتّصف بالقبح عقلاً، فأنَّ العقل يدرك استحقاق(1) العقاب على هذا العمل، فإنَّه ظلمٌ وتعدٍ على المولى وطغيان في مرحلة العبوديّة، فهل يكون حكمه بالقبح مستلزماً حكماً شرعيّاً أو لا؟

قلنا: إنَّ حكم العقل قد يكون أمراً واقعيّاً نظريّاً غير استحقاق العقاب، والحسن والقبح، والمصلحة والمفسدة، وهذا خارج عن محلّ الكلام، ولا معنى لأن يُقال: إذا حكمَ العقل حكمَ الشرع؛ لأنَّه ليست الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدّمة قابلة لتعلّق الحكم الشرعي بها.

ــــــــــ[80]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّ وظيفة العقل العملي هو إدراك الحسن والقبح فقط دون إدراك المصلحة والمفسدة ولا استحقاق العقاب، فإن كان شيء من ذلك فهو من وظيفة العقل النظري، كما أنَّه من الغريب استحقاق العقاب بعد أن حكم السيّد بعدم حرمته شرعاً، والقبح العقلي مع عدم نهي المولى لا يكون ملاكاً للعقاب قطعاً. نعم، لا شكّ باستحقاق المتجرّي للعقاب إلَّا أنَّه بملاك آخر. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وأمّا العقل العملي فهو يتعلّق بما ينبغي أن يعمل، وهو على قسمين: فإنَّه قد يكون المدرك العقلي أمراً واقعاً في سلسلة علل الحكم الشرعي، كإدراكه مفسدة(1) ملزمة أو مصلحة ملزمة في الفعل، ففي مثل ذلك يصحّ القول بأنَّ حكم العقل هل يستتبع حكماً شرعيّاً، أو لا ملازمة بين الحكمين؟

والصحيح في هذا المقام ثبوت(2) الملازمة؛ فإنَّ الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح والمفاسد، فإذا أدرك العقل مصلحة إلزاميّة في الفعل غير مزاحمة، أو أدرك مفسدة إلزاميّة في الفعل غير مزاحمة، فقد أدرك علّة الحكم، وإدراك العلّة ملازم لثبوت(3) المعلول.

ولكن قلنا: إنَّ هذا نادر التحقّق جدّاً، فإنَّه ليس للعقل إحاطة بالواقعيّات وبتمام الخصوصيّات؛ فإنَّه يمكن أن يدرك مصلحة أو مفسدة، ولكن عدم المزاحمة لا يدركه إلَّا نادراً، كوجوب حفظ النّفس المحترمة، فإنَّ فيه مصلحة إلزاميّة ولا نحتمل وجود مفسدة فيه.

وأمّا إذا كان المدرك العملي واقعاً في سلسلة معلول الحكم وفي طول 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

() قلنا: إنَّ هذا ليس من إدراك العقل العملي، بل العقل النظري. (المقرّر).

(2) لا يخفى أنَّ السيّد هنا قائل بالملازمة بين إدراك المصلحة والمفسدة وبين الحكم، لا بين إدراك الحسن والقبح وبين الحكم؛ فإنَّه سبق في بعض أبحاث مباحث الألفاظ أن أنكر هذه الملازمة إنكاراً تامّاً، وأجاز حتّى أمر الشارع وجوباً بالقبيح العقلي، فراجع. (المقرّر).

(3) إدراك العلّة ملازم لإدراك المعلول لا لثبوته. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وجوده، كحكمه بوجوب الإطاعة وقبح المعصيّة، فلا يمكن أن يكون هذا الحكم مستتبعاً لحكم شرعي، فيكون وجوب الإطاعة شرعيّاً.

والوجه في ذلك: ما ذكرناه من أنَّ الحكم الأوّل -إن كان بضميمة حكم العقل بوجوب الطاعة وقبح المعصيّة- كاف في انزجار العبد؛ لأنَّه يدرك استحقاق العقاب على المخالفة، فلا حاجة إلى الأمر الثاني، وإذا لم يكن كافياً في انزجاره فنحتاج إلى الحكم الثاني، فينقل الكلام إليه ويحكم العقل بوجوب إطاعته، فإن كان الأمر الأول كافٍ فالثاني لغو، وإن لم يكن كافياً فالثاني أيضاً لا يكفي. إذن، فالثاني لغو على كلّ تقديرٍ.

ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّه بعد فرض أنّ المكلّف أدرك هذا الحكم الشرعي بقطع مخالف للواقع، إلاّ إنّه في نظر القاطع ثابت، فلا يمكن أن يكون مستتبعاً لحكم شرعي؛ لأنّه واقع في سلسلة معلولات الحكم.

على أنّه في خصوص المقام -وهو التجري- لا يمكن أن يكون مستلزماً لحكم شرعي؛ لأنّ هذا الاستلزام إمّا أن يكون مختصّاً بالقطع المخالف للواقع
-أي: التجري- أو يعمّه والمعصية بملاك واحد، فيحكم العقل بقبح التعدي على المولى، سواء كان القطع مخالفاً للواقع أو موافقاً له، فيكون مستلزماً للحكم الشرعي.

أمّا دعوى الاختصاص، فيرد عليها: 

أوّلاً: هي واضحة الفساد؛ إذ ليس للمتجرّي خصوصيّة يكون العاصي بها فاقداً لها، فإنّ التعدي والتمرّد على المولى قبيح؛ كون القطع موافقاً أو مخالفاً للواقع أجنبي عن ذلك.

ــــــــــ[82]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ثانياً: كيف يمكن اختصاص هذا الحكم بالمتجرّي؟

ثالثاً: أنّ هذا الحكم غير قابل للامتثال، فإنّه لا يرى نفسه متجرّيّاً، بل يرى نفسه عاصياً، وبعد ذلك ينكشف كونه متجرّيّاً، فلا يمكن أن يلتفت(1) إلى أنّه متجرٍ وإلاّ لخرج عن الموضوع، فجعل الحكم بهذا النحو لا يمكن أن يصدر من الحكيم.

إذن، فاختصاص الحكم بالتجرّي غير معقول، فإذا ادّعينا الملازمة بين حكم العقل والحكم الشرعي فلابدَّ أن تكون الملازمة شاملة للتجرّي والعصيان، وهذا مستلزم للتسلسل؛ لأنّ العصيان إذا كان حراماً فمخالفة تلك الحرمة أيضاً قبيحة بحكم العقل، فلابدَّ من جعل حكم ثالث، وهكذا إلى ما لا نهاية، وكذلك في المتجري إذا فرضنا أنّ قبح التجرّي ملازم لحكم شرعي، ومخالفته عصيان وهو قبيح، والقبح ملازم لحكم شرعي آخر، وهكذا أيضاً يتسلسل.

وبعبارة أخرى: إنّ المتجري في المرتبة الأولى متجرٍّ، وفي المرتبة الثانية عاصٍ؛ إذ لو فرضنا وجود الحكم بالحرمة فمخالفته عصيان لا تجري، وهكذا، ولا ينتهي إلى حدٍّ، ويلزم أن يكون استحقاق العقاب إلى ما لا نهاية، وهذا باطل وجداناً، فإنّنا نرى من أنفسنا أنّه ليس في مخالفة الحكم الواحد عقوبات متعدّدة لا متناهيّة.

ــــــــــ[83]ــــــــــ

() قلنا لا ضرورة للالتفات إلى ذلك، فإنّ الحكم وإن لم يكن محرّكاً حال تحققّه موضوعاً، إلاّ أنّه يكفي الالتفات إلى أنّه كان متجرّيّاً وقد عمل محرماً، وهذه الفائدة تكفي مصحّحاً له. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

على أنّه يلزم أن يكون استحقاق العقاب في قتل النّفس المحترمة بمقدار معصية شرب الخمر، يعني: لا يزيد عقابه على الآخر؛ لأنّ ما لا نهاية له لا يزيد على الآخر الذي لا نهاية له؛ لأنّ المفروض عدم تناهي عقوباتهما، والزيادة والنقصان، والكثرة والقلّة إنّما تتصوّر في الأمور المتناهيّة، ولا تتصوّر في الأمور غير المتناهيّة.

إذن، فالصحيح هو أنّ هذا القبح لا يستلزم حكماً شرعيّاً، فالفعل المتجرّي به على ما هو عليه من المصلحة والمفسدة، وعلى ما هو عليه من الحكم الشرعي، وإن كان بعنوانه الثانوي مستحقّاً للعقاب.

ومن هنا ظهر الكلام في الجهة الثانية من الكلام، وهي الجهة الكلاميّة، وهي: أنّ هذا العمل بعد فرض أنّه لم ينقلب عمّا هو عليه من المفسدة، وأنّ الإطلاقات الأوّليّة لا تعمّ موارد القطع، وإنّما تختصّ بموضوعاتها الواقعيّة، فيتكلّم في استحقاق العقاب على الفعل المتجرّي به وعدمه، وقد سبق تحقيق ذلك ولا نعيد، وعلم أنَّ استحقاق العقاب صحيح باعتبار أنّه هتك للمولى وظلم له.

الكلام في الجهة الفقهيّة

إنَّ العمل المتجرّي به هل يقع محرماً(1) في الشريعة، أو ليس بمحرّم وإن كان(2) مستحقّاً للعقاب؟

ــــــــــ[84]ــــــــــ

() هذا غريب من السيّد، إذ بعد أن حكم باستحالته في مقام ثبوت لا تصل النوبة إلى إثباته بالدليل، بل لا بدَّ من تأويل كلّ دليل عليه، كما هو واضح. (المقرّر).

(2) لم نفهم معنى للعقاب من دون وجود العصيان لتكليف موجود. وقلنا: بأنَّ العقل لا يحكم بكونه مستحقّاً للعقاب، وإنَّما يكتفى بالحكم بقبح التجرّي، ولزوم ذمّ الفاعل وتأنيبه من قبل العقل لا من قبل الشارع، إلَّا أن يدّعى الملازمة بين معلولات الأحكام العقليّة والشرعيّة، وإن لم نقل بالملازمة بين أصل الحكمين، وهو كما ترى. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

قد يُقال بالحرمة الشرعيّة، ويبيّن ذلك بوجوه:

الوجه الأوّل: دعوى الإجماع على مسألتين:

أوّلاهما: سلوك الطريق المظنون، وهو: أنَّ الخطر محرّم فيجب فيه إتمام الصلاة والصوم، فلو سلكه ارتكب معصية ولو انكشف الخلاف.

ثانيتهما: أنَّ المكلّف إذا ظنَّ ضيق الوقت ولم يأت بالصلاة، وانكشف أنَّ الوقت متّسع ارتكب معصية، وإن انكشف أنَّ الوقت باق.

يقول المدّعي: الظاهر أنَّ الحكم بالمعصية في المسألتين مبني على التجرّي، فنستكشف أنَّ التجرّي حرام لعدم وجود خصوصيّة في المسألتين، ويعاقب المتجرّي عقاب العاصي.

ولكن يردّ هذا الوجه: أنَّنا وإن التزمنا بتحقّق المعصيّة في المسألتين استناداً إلى الإجماع فيهما، لكن ذلك لا يكشف عن حرمة للتجرّي إن انكشف الخلاف، وإنَّما هذا لأجل خصوصيّة في المسألتين، وهو عبارة عن دعوى: أنَّ ظنّ الضرر موضوع شرعاً للحكم في المسألة الأُولى، فلو ظنّ الضرر وسافر كان آثماً وعاملاً حراماً وليس فيه انكشاف الخلاف أبداً؛ لأنَّ ظنّ الضرر هو تمام الموضوع، ولا سيّما إذا كان مهمّاً كتلف النفس أو المال الكثير وغيره، ممّا نعلم اهتمام الشارع به، فلا يستكشف أنَّ التجرّي حرام في كلّ مورد، حتّى ما إذا قطع الإنسان بنجاسة 

ــــــــــ[85]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ما ثُمَّ انكشف كونه طاهراً؛ إذ من المحتمل، بل المظنون، بل المطمئن به أنَّ ذلك لخصوصيّة في المسألتين، ولا أقلّ من احتمال ذلك.

وكذلك الحال في المسألة الثانية، فلو تمّ أنَّ هذا معصيّة، فظنّ ضيق الوقت ولو انكشف أَّنه واسع، فيستكشف أنَّ خوف الفوت هو تمام الموضوع لوجوب البدار، وليس فيه انكشاف الخلاف، وإنَّما انكشاف الخلاف بالنسبة إلى ضيق الوقت لا بالنسبة إلى وجوب البدار، فلا يكون داخلاً في مسألة التجرّي.

وقد يستدلّ على الحكم الأخير بمصححة الحلبي عن أبي عبد الله: “سألته عن رجل نسي أن يصلي الظهر والعصر حتى غربت الشمس فذكر، فأجاب: إن لم يخف فوت إحداهما فليصل الظهر ثُمَّ يصل العصر، وإن خاف أن تفوته، فليصل العصر ولا يؤخّر العصر فيكون قد فاتته جميعاً (1).

فقيل: إنَّها دالّة على أنَّه عند خوف فوت الفريضة يجب الإتيان بها، ومقتضاه ثبوت الحكم وإن انكشف أنَّ الوقت كان واسعاً.

ولكن الاستدلال بها لا يمكن؛ لأنَّها غير صحيحة، وإن صحّحها جماعة(2)، والوجه في ذلك: رواية الشيخ عن الحسين بن سعيد عن ابن سنان عن ابن مسكان عن أبي عبد الله، وتخيّلوا أنَّ ابن سنان هو عبد الله بن سنان فصحّحوا السند، بل هو محمّد بن سنان وهو ضعيف، فإنَّ الحسين بن سعيد لم يدرك عبد الله بن سنان.

ــــــــــ[86]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 2: 269، باب المواقيت، الحديث: 111.

(2) انظر: مستمسك العروة الوثقى 5: 30.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وأمّا من حيث الدلالة، فإن قلنا: بأنَّ ظاهر الرواية هو أنَّ الخوف هل هو موضوع للحكم، فالكلام فيه هو الكلام، فيكون غير داخل في باب التجرّي، فإنَّه يكون موضوعاً لحكم واقعي ليس فيه انكشاف الخلاف أبداً.

وإن قلنا: إنَّ الخوف طريق إلى الواقع لكن يكون حكماً ظاهريّاً لا واقعيّاً، فإذا قامت الحجّة على ضيق الوقت يترتّب هذا الحكم وإن كان الطريق مخالفاً للواقع، ولا كلام لنا في ذلك، وإنَّما الكلام في أنَّه إذا انكشف الخلاف يكون معصيّة، وليس فيها دلالة على ذلك.

الوجه الثاني: استدل على حرمة التجرّي بروايات متعدّدة(1) دلّت على أنَّ الله سبحانه وتعالى يعاقب على نيّة السوء، وأنَّها تكتب للإنسان، فإذا كانت نيّة السوء موجبة للعقاب، فالمتجرّي ناوٍ للسوء وإن لم يفعله، فتدلّ على حرمة الفعل المتجرّى به، وأنَّ هذا العمل يكتب في ديوان هذا الشخص ودفتر أعماله.

إلَّا أنَّ هذا الاستدلال ساقط لعدّة وجوه:

أوّلاً: أنَّ موضوع الروايات هو نيّة السوء وإرادة السوء، والمتجرّي ارتكب ما يعتقد به سوء لا أنَّه ارتكب السوء الواقعي، فإنَّه قد شرب هذا الماء بتخيّل كونه خمراً، وليس هنا نيّة سوء(2) أبداً عند المتجرّي، وهو خيال نيّة السوء واعتقادها، 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

() المحاسن 1: 260، باب 303، باب النيّة، الحديث: 315، الكافي 2: 84، باب النيّة، الحديث: 2، وكذلك 2: 85، باب النيّة، الحديث: 5، الجعفريات: 169، باب النيّة.

(2) هذا خطأ لا محالة، فإنَّه وإن كان ناوياً لأمر ليس بسوء واقعاً، إلَّا أنَّه ناوٍ للسوء من ناحية أُخرى هي ناحية عصيان الله والخروج عن زيّ الرقّيّة، وهو محفوظ في العصيان، وهل في نيّة العصيان شكّ في كونها نيّة السوء؟ (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

فالمنوي ليس بسوء، وإنَّما هو يعتقد أنَّه سوء فيكون خارجاً عن الروايات.

وثانياً: أنَّ شيئاً من هذه الروايات ليس فيها دلالة على أنَّ هذا العمل حرام شرعاً، غايته: أنَّ المكلّف يعاقب على نيّة السوء من دون أن يكون حراماً(1) ومعصية لحكم إلهي، ولم يكن كلامنا في العقاب، فإنَّنا قد قلنا في المتجرّي: أنَّه يعاقب بحكم العقل وإن لم يكن عمله حراماً، فلو شملت الروايات محلّ الكلام لا تدلّ على الحرمة أيضاً، فهذه الروايات لا تدلّ على أزيد ممّا يدلّ عليه الحكم العقلي، وهو العقاب دون الحرمة.

وثالثاً: أنَّ هذه الروايات بأجمعها ضعيفة ليس فيها موثقة أو صحيحة، ويظهر ذلك لمن راجع الوسائل، ومعارضة بروايات معتبرة صحيحة أو موثّقة قائلة: بأنَّ نيّة السوء لا يعاقب عليها الإنسان، وأنَّ الله تعالى يمنّ على عباده ويكتب النيّة الحسنة ولا يكتب نيّة السوء، بل يعفو عنها(2)، فلا يمكن العمل 

ــــــــــ[88]ــــــــــ

() هذا غير صحيح. أمّا إذا قيل -كما قلنا- بأنَّه لا معنى للعقاب من دون حكم شرعي، فمن المعلوم حينئذٍ وجود الملازمة بينهما، فمن وجود العقاب نستكشف الحرمة، ومن الإخبار به نستكشفها أيضاً بالملازمة العقليّة. ومع التنزّل فلا أقلّ من أن نفهم الحرمة عرفاً من التهديد بالعقاب، وهذا واضح في نظر العرف جدّاً بأنَّ التهديد بالعقاب يدلّ على الحرمة، والوعد بالثواب يدلّ على الاستحباب. (المقرّر).

(2) لا يخفى أنَّ المفهوم عادة من هذه الروايات هو العفو عن نيّة السوء المجرّدة من دون أن يصحبها فعل على طبقها، في حين أنَّ المتجرّي نوى العصيان -على ما قلناه- وحاول تنفيذه في الخارج، فقد عمل ما يعتقد كونه مطابقاً لنيّته، وهذا يكفي في إدخاله في الروايات الناهية عن نيّة السوء، ولا يبقى على هذا تعارض بين الطائفتين؛ إذ تحمل الطائفة الدالّة على العفو على النيّة المجرّدة، والأُخرى على النيّة المصحوبة بالعمل، وهو شامل للتجري، وعلى تقدير تماميّة السند لا يبقى إشكال، فتأمّل واغتنم. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

بهذه الطائفة مع ضعفها ومعارضتها مع حجّة معتبرة.

ثُمَّ لو سلّمنا تماميّتها فهل يمكن الجمع بينها وبين الروايات الدالّة على أنَّ نيّة السوء لا تكتب، أو لا يمكن الجمع بينهما؟

الجمع عند الشيخ الأعظم

ذهب شيخنا الأنصاري(1) في مقام الجمع بين الروايات إلى حمل تلك الروايات التي تقول: إنَّ نيّة السوء تكتب على ما إذا اشتغل الإنسان بمقدّمات العمل، ثُمَّ ندم ولم يفعل، وأمّا إذا كانت مجرّد النيّة من دون اشتغال بمقدّمات العمل فلا تكتب. وهذا الجمع تبرعي بلا موجب، ولم نجد له شاهداً.

وهنا جمع آخر ذكرناه في الروايات السابقة، وهو أن نحمل روايات العفو على ما إذا كان عدم الفعل مستنداً إلى الإنسان نفسه، فيما لو ندم ولم يفعل، فيكون ندمه كفارة له، وأُخرى يكون عدمه مستنداً إلى عجزه عن الإتيان بالعمل، وإلَّا فهو لم يندم بل هو باقٍ على نيّته، ولو تمكّن من العمل لأتى به، إلَّا أنَّه لم يتمكّن من العمل الخارجي لمانع طرأ عليه، وشاهد الجمع هو النبويّ: “أنَّه سأل عن القاتل والمقتول، فقال: القاتل والمقتول كلاهما في النار، فقيل يا رسول: هذا القاتل، فما بال المقتول، قال: لأنَّه أراد قتل صاحبه (2)

ــــــــــ[89]ــــــــــ

(1) فرائد الأُصول 1: 48.

(2) وسائل الشيعة 15: 148، الباب 67، تحريم قتال المسلمين على غير سنة، الحديث:1. مع اختلاف بعض الألفاظ.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ومعلوم أنَّ عدم تنفيذ العمل مستند إلى عجز المقتول عن قتل صاحبه، حيث لم يتمكّن من قتله، وإلَّا لو فرض أنَّ صاحبه لم يقتله لقتل هو صاحبه.

وهذه الرواية أخصّ من روايات أنَّ نيّة السوء لا تكتب؛ لأنَّها مطلقة من حيث الندم وغيره، ومورد هذه الرواية هو عدم الندم فتخصّصها، فتكون روايات العفو مختصّة بموارد الندم، وما إذا كان عدم الفعل مستنداً إلى نفس المكلّف، فتنقلب النسبة مع الروايات العقاب على نيّة السوء. وهذا هو انقلاب النسبة الذي نقول به، وهو ما إذا كانت طائفتان من الروايات متعارضتين بالإطلاق أو العموم، وطرأ على أحدهما مقيّد فتتقيّد بضدّ عنوان المخصّص، فتنقلب النسبة وتكون أخصّ من الطائفة المعارضة لها فتخصّصها.

والمقام داخل في هذه الكبرى، فإنَّ النسبة بين الطائفتين المثبتة للعقاب على النيّة والنافية له كانت هي التباين، فكلاهما ورد مطلقاً، ولكن الروايات النافية قيّدت بما إذا لم يكن عدم الفعل مستنداً إلى العجز، فتتقيّد بما إذا لم يكن عدم الفعل مستنداً إلى العجز، يعني: بما إذا كان الندم من قبل نفس الإنسان، فتكون أخصّ مطلقاً ممّا دلّ على أنَّ نيّة السوء تكتب، وتكون النتيجة: أنَّ ناوي السوء إن ندم من قبل نفسه فلم يفعل لا تكتب نيّته، وإن كان مستمرّاً على نيّته، ولكن منعه مانع من الفعل فيعاقب على نيّته.

وهذا الجمع متين، إلَّا أنَّ الروايات في نفسها ضعيفة، وهذه الرواية النبّويّة أيضاً لا تكون شاهداً للجمع؛ لأنَّها أيضاً ضعيفة.

نعم، لو قطعنا النظر عن المناقشة في إسنادها يكون هذا الجمع متيناً، ولكن 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

بالنظر إلى الضعف لا يمكن هذا الجمع، إلّا أنَّ الصدوق(1) والشيخ(2) قد روياها بسند معتبر ذكره صاحب الوسائل في كتاب النكاح.

وقد يستدلّ(3) على حرمة التجرّي شرعاً، وأنَّه معاقب عليه، بقوله سبحانه: وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّـهُ(4). بدعوى: أنَّ الآية المباركة قد دلّت على أنَّ الأمر النفساني يحاسب عليه الإنسان ولا يختصّ الحساب بالعمل الخارجي، ونيّة السوء أمر نفساني فهو يحاسب عليها.

ولكن لا يتمّ هذا الاستدلال، فإنَّ الآية ناظرة إلى بيان أمر نفساني ربما يظهره وربما يخفيه، وبقرينة الإظهار والإخفاء نعرف أنَّ المراد به هو الكفر وعدم الإيمان بالنبي، فإنَّ أبداه يكون كافراً، وإن أخفاه كان منافقاً، فإنَّ الإيمان أوّل عمل يحاسب عليه الله تعالى، وتتفرّع على صحّته صحّة سائر الأعمال، وهذا أجنبي عن إرادتكم فعل المعصية من دون الإتيان بها يحاسبكم الله عليها، فالمبغوض لله تعالى إذا كان في النّفس -سواء أبرز أو لم يبرز- فالله تعالى يعلمه، فإنَّه العالم بالخفيّات فيحاسبه عليه، وأمّا أنَّ نيّة السوء مبغوضة فهو أوّل الكلام، فالمراد به الكفر جزماً، وهو أجنبي عن مسألة التجرّي.

وقد يستدلّ على ذلك بالروايات الدالّة على أنَّ “نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ 

ــــــــــ[91]ــــــــــ

(1) علل الشرائع 2: 462، باب النوادر، الحديث: 4.

(2) تهذيب الأحكام 6: 174، باب النوادر، الحديث: 25.

(3) لابدَّ أن يكون هذا هو الوجه الثالث!!

(4) البقرة: 284.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وَنِيَّةُ الْكَافِرِ شَرٌّ مِنْ عَمَلِهِ(1). وهذه الروايات أكثرها ضعاف، وفيها رواية معتبرة واحدة(2) يرويها النوفلي عن السكوني، وقد بيّنا أخيراً أنَّ السكوني ثقة، والاستدلال بهذه الرواية -ويؤيّدها سائر الروايات أيضاً- لا يمكن.

على أنَّ مورد النبوي هو فرض التقاء المسلمين بالسيف ليقتل أحدهما الآخر، والظاهر بمناسبة مورد الرواية أنَّ المراد بالإرادة في قوله: (أراد قتل صاحبه) ليس هو النيّة المحضة، يعني: مجرّد أنَّه ناوٍ لقتل غيره ولكن سبقه غيره فقتله، بل مورد الرواية هو المقاتلة، وهو بنفسه من أعظم المحرّمات ولو لم يترتّب عليه القتل، فإنَّ المقاتلة بين غير مهدوري الدم حرام، ومن أرتكبها فقد ارتكب محرّماً، والظاهر بمناسبة المقام والمورد أنَّ من أراد قتل صاحبه هو من أقدم على قتله، وهذا أجنبي عن نيّة القتل، بحيث نوى قتله في الليل، وفي الصباح لم يتمكن من تنفيذه، فالعقاب من جهة الإقدام على القتال لا من جهة النيّة المحضة، فلو كانت هذه الرواية موثّقة أو صحيحة لم يصحّ الاستشهاد بها في المقام.

وقد يستدلّ على ذلك بقوله سبحانه وتعالى: وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّـه(3).

ــــــــــ[92]ــــــــــ

(1) الكافي 2: 84، باب النيّة، الحديث: 2، الوافي 4: 366، الحديث: 5، الجعفريات: 169، باب النيّة، مستدرك الوسائل 1: 90، باب 6، استحباب نيّة الخير والعزم عليه، الحديث: 4.

(2) وسائل الشيعة 1: 50، الباب 6، استحباب نيّة الخير والعزم عليه، الحديث: 3.

(3) البقرة: 284.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وقلنا: إنَّها أجنبية عن الدلالة على حرمة التجرّي، لأنَّ نيّة السوء من المحرّمات، والوجه في ذلك: هو أنَّ مورد الآية هو أنَّ ما في النّفس أمر مبغوض قد يظهره الإنسان وقد يخفيه ولكن الله تعالى عالم به فيحاسبه عليه، وليس ذلك إلَّا عدم الإيمان بالله أو برسوله أو بالأئمّة الطاهرين، فيكون راجعاً إلى العقائد لا إلى نيّة السوء، فإنَّ نيّة السوء يظهرها الإنسان المقدم على العمل.

وقد يستدلّ على ذلك بقوله نيّة المؤمن خير من عمله، ونيّة الكافر شرّ من عمله، وهي رواية معتبرة يرويها النوفلي عن السكوني، وقد ثبت توثيق السكوني من جهة ذكره في إسناد كتاب كامل الزيارات لابن قولويه(1) فهو ممّن يعتنى بروايته. ولكنّها أجنبيّة عن محلّ الكلام، فإنَّها فرّقت بين المؤمن والكافر لا بين الخير والشرّ. ولم يثبت أنَّ نيّة الخير خير من العمل ونيّة الشرّ شرٌّ من العمل، بحيث إنَّ نيّة الصلاة خير من الصلاة، ونيّة شرب الخمر شرّ من شربه، وليس في الرواية ذلك، ولا يمكن أن يكون ذلك؛ لأنَّ العمل إمّا أن لا يكون مقروناً بنيّة فيكون صادراً بلا قصد، فلا يتّصف بخير ولا شرّ؛ لأنَّ العمل إذا وقع بلا قصد لا يثاب الإنسان عليه ولا يعاقب. وأمّا إذا فرض أنَّ العمل كان مقروناً بالنيّة، فمعناه: أنَّ النيّة المجرّدة خير من العمل مع النيّة أو شرّ من العمل مع النيّة، وهو أمر غير قابل للتصديق.

والمراد من الرواية -والله العالم- بيان الفرق بين المؤمن والكافر، لا بين الخير والشرّ، يعني: ما نواه الكافر وما في نفسه شرّ من عمله، وما نواه المؤمن 

ــــــــــ[93]ــــــــــ

(1) معجم رجال الحديث 4: 22، 24.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وما في نفسه خير من عمله، فإنَّ الإيمان خير من العمل؛ لأنَّه أساس الأعمال وعليه تبتني، كما أنَّ الكفر شرّ من العمل فإنَّه أساسها أيضاً.

فيكون محصّل معنى الرواية: إيمان المؤمن خير من عمله، وكفر الكافر شرّ من عمله. وهذا واضح ولا نتعقّل غير هذا معنى صحيحاً للرواية، ولو كان المراد بها ما أراده المستدلّ لكان الأنسب أن يُقال: نيّة عمل الخير خيرٌ من العمل، ونيّة عمل الشرّ شرّ من العمل، سواء في المؤمن أو الكافر، إلَّا أنَّه لم يقل ذلك، فكان ذلك خلاف نفس الرواية؛ إذ تفرّق بين المؤمن والكافر، وليس بين نيّة الخير والشرّ.

وقد يستدلّ بالروايات(1) الدالّة على أنَّ من رضي عمل قوم أشركه الله في عملهم ويعاقب بعقابهم، إلَّا أنَّه أجنبي عن محلّ الكلام، ويستفاد ذلك من قوله تعالى:إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا(2) حيث إنَّ حبّ إشاعة الفاحشة مبغوض إليه (عزّ وجلّ)، إذ إنَّ في هذا معارضة لله سبحانه، وحبّاً للمعاصي والخارجين عن طاعته تعالى؛ ولهذا عبّر في الرواية بالقوم: (من أحبّ عمل قوم)، ولم يقل من أحبّ عمل شخص واحد، ليقال: إنَّنا نفهم بالأولويّة أنَّ الشخص إذا رضي بفعل نفسه ونوى المعصية يعاقب.

على أنَّه على تقدير التسليم، وأنَّ المراد به ما يشمل الرضا بعمل الشخص 

ــــــــــ[94]ــــــــــ

(1) مستدرك الوسائل 12: 108، باب 80، تحريم الرضا بالظلم والمعونة للظالم وإقامة عذره، الحديث: 2.

(2) النور: 19.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الواحد، فإنَّه أيضاً أجنبي عن محلّ الكلام؛ لأنَّنا قلنا: إنَّ المتجرّي قاصد للحرام الخيالي وغير قاصد للحرام الواقعي، وظاهر قوله: (بفعل قوم) الفعل المتحقّق الخارجي لا الخيالي.

فالإنصاف: أنَّه لم يدلّنا دليل على حرمة الفعل المتجرّى به من آية أو رواية أو إجماع، فالصحيح ما ذكرناه من أنَّ الفعل لم ينقلب عمّا وقع عليه من جهة الوجوب أو الإباحة أو غيرها من الأحكام، وإن كان المكلّف يستحقّ العقاب عليه من جهة العنوان الطارئ عليه، وهو كونه هتكاً للمولى وخروجاً عن زيّ الرقّيّة والعبوديّة.

ــــــــــ[95]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9






تفصيل صاحب الفصول

 

ذكر صاحب الفصول(1) بعد أن اختار قبح الفعل المتجرّى به، وأنَّ المتجرّي مستحقّ للعقاب لهتكه لأمر المولى: أنَّ المتجرّي إذا صادف قطعه الواقع فينطبق عليه عنوانان: عنوان التجرّي وعنوان المعصية، فيتعدّد العقاب، ويكون العقاب أشدّ ممّا لو كان الفعل في الواقع مكروهاً، وهو أشدّ ممّا إذا كان الواقع مباحاً، وهو أشدّ ممّا إذا كان الواقع مستحباً، وأمّا إذا فرضنا أنَّ الواقع واجب فتقع المزاحمة بين جهتي الحسن والقبح، فقد يفرض سقوط الحرمة والوجوب معاً فيما إذا كانا متساويين، وقد يفرض سقوط الحرمة وبقاء الوجوب فيما إذا كان قبح التجرّي أهمّ من الواجب، وقد يفرض العكس.

وكلامه ينحلّ إلى دعاوى:

الدعوى الأُولى: أنَّ قبح التجرّي يمكن أن يختلف باختلاف الوجوه، ويكون في مورد أكثر قبحاً من المورد الآخر.

الدعوى الثانية: أنَّ قبح التجرّي يختلف باختلاف الواقع، فيكون أشدّ فيما إذا كان حراماً ممّا لو كان مكروهاً، بل قد يزول قبحه إذا كان الواجب أهمّ من قبح التجرّي.

ــــــــــ[96]ــــــــــ

(1) الفصول الغرويّة: 431، 432.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الدعوى الثالثة: تعدّد العقاب فيما إذا كان القطع مصادفاً للواقع، وكان الواقع حراماً؛ إذ يعاقب بعقابين، فيكون أشدّ من مورد عدم المصادفة للواقع.

ــــــــــ[97]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9




نقد الدعاوى

 

أمّا الدعوى الأولى: فغير خفي أنَّ حكم التجرّي غير قابل للتخصيص بمورد دون مورد، فإنَّ المتجرّي في مقام هتك المولى والظلم له، وكيف يخصّص(1) الحكم العقلي فيكون هتك المولى في مورد قبيحاً وفي مورد غير قبيح؟ فإنّ هذا الحكم العقلي كسائر الأحكام العقليّة النظريّة والعمليّة غير قابلة للتخصيص، فلا يمكن أن يُقال: إنَّ اجتماع النقيضين ممكن في كلّ سنة مرّة؟ فإنّه إذا لم يمكن لم يمكن أبداً، وقبح التجرّي والطغيان غير قابل للزوال وعلّة تامّة للحكم، فكيف يكون هتكاً وتعدياً في مقام العبوديّة؟ مع أنّ قبحه لا يكون في مورد ثابتاً، أو يكون في مورد أشدّ وفي مورد أخفّ، مع أنّ كليهما بملاك واحد.

أمّا الدعوى الثانية: فلو تنزلنا وسلّمنا ذلك، لكن لا يمكن أن يكون الواقع مع كونه مجهولاً مؤثّراً في رفع القبح أو تخفيفه، فإنّ الحسن والقبح إنّما يعرضان للأفعال الاختياريّة، والخارج عن الاختيار لا يمكن أن يكون موجباً 

ــــــــــ[98]ــــــــــ

() لا يخفى أنّ تخصيص الحكم العقلي وإن كان مستحيلاً إلّا أنّ المدّعي لا يقول بذلك، بل يرى خروجه تخصّصاً، بمعنى: أنّه في مورد المزاحمة وتقدّم الوجوب لا يكون هتكاً للمولى، كما أنَّ هذا الملاك أخفّ في المستحب، وأشدّ في المكروه مثلاً، فتأمّل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

للقبح أو رافعاً له، والمصادفة للواقعة وكون الفعل واجباً أو حراماً أو مستحباً أو مكروهاً أو غيره لا يمكن أن يكون مؤثراً في القبح؛ إذ كيف يكون الأمر الواقعي غير الملتفت من قبل المكلّف وغير اختياري له يكون موجباً لزيادة القبح، أو قلّته، أو زواله. 

نعم، يمكن أن يكون الأمر الواقعي رافعاً للقبيح نفسه لا للقبح، يعني: يمكن أن يكون سبباً لعدم صدور القبيح في الخارج من المكلّف، كالحرّ والبرد وغيرهما من الأُمور غير الاختياريّة التي تمنع من صدور القبيح من المكلّف.

وكذلك لو فرضنا أنَّ التجرّي ليس بقبيح، فالمكلّف لم يرتكّب محرّماً، وإن كان بغير اختياره، فقد قلنا: إنَّ عدم العقاب على الأمر غير الاختياري لا بأس به، وإنَّما البأس بالعقاب على الأمر غير الاختياري، فقد أصبح الأمر غير الاختياري مانعاً من صدور القبيح في الخارج، وهذا لا بأس به.

وأمّا الدعوى الثالثة، وهي: أنَّ العقاب أشدّ عند مصادفة الحرام للواقع فغير صحيحة؛ وذلك: لأنَّه لا منشأ لاستحقاق العقابين، وليس هو إلَّا هتك المولى سواء صادف الواقع أو لم يصادفه، والهاتك عمل هتكاً واحداً فلا يستحقّ إلَّا عقاباً واحداً بملاك الهتك. نعم، الفرق بين المتجرّي والعاصي هو أنَّ الحرام لم يصدر من أحدهما ولو بغير اختياره على حين أنَّه صدر من الآخر، وهذا لا يفرق في الهتك، فهذا واضح الفساد، وهذا هو الذي دعاه إلى القول بالتداخل، وأنَّ العقاب يكون أشدّ، كما ذكره صاحب الكفاية(1)، وإلَّا فلو كان هناك 

ــــــــــ[99]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأُصول: 262، 263.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

استحقاقان للعقاب فلماذا يتداخلان؟ فكأنَّ وضوح أنَّ العاصي لا يعاقب بعقابين هو الذي دعاه للقول بالتداخل.

إذن، فسائر دعواه الثلاث باطلة. هذا تمام الكلام في بحث التجرّي.

ــــــــــ[100]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9












تقسيم القطع إلى طريقي وموضوعي

 

القطع الموضوعي قليل الوجود، وذلك مثل الركعتين الأوّليين في الصلاة، وجميع الركعات في الثلاثيّة التي اعتبر في صحّتها الإحراز واليقين كما في الروايات(1)، والشكّ فيها باطل وإن صادف الواقع، كما لو شكّ في صلاة الصبح وأتمّ صلاته ثُمَّ انكشف أنّه صلى ركعتين، ففي مثله لا تصحّ صلاته، فقد أخذ عنوان الإحراز والإثبات، بمعنى: القطع واليقين، فلا يوجد في الفقه إلاّ مسائل قليلة أخذ القطع فيها في موضوع الأحكام الشرعيّة، مثل الشهادة التي أخذ في موضوعها اليقين وإحراز أنّ الأمر هو كذلك؛ إذ أشار إلى الشمس وقال: “بمثل هذا فأشهد أو دع(2) والاستصحاب أخذ في موضوعه اليقين السابق والشكّ اللاحق.

وكيف كان فأخذ القطع في موضوع حكم واقعي أو ظاهري قليل جدّاً.

وإنّما بحثوا ذلك في علم الأصول لأمر آخر، لأنّه نسب إلى الإخباريين القول بعدم حجّية القطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة، كما لو نشأ القطع 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

(1) انظر: وسائل الشيعة، باب بطلان الصلاة بالشكّ في عدد الأوليتين من الفريضة دون الأخيرتين ودون النافلة 8: 187.

(2) وسائل الشيعة 27: 342، الباب 20 من أبواب عدم جواز الشهادة إلّا بعلم، الحديث: 3.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

من المقدّمات العقليّة، وإنّما يعتبر في حجّيّة القطع أن يكون حاصلاً من الكتاب والسنّة، لذلك تعرضوا لبيان أنّ القطع الطريقي لا يمكن التصرّف فيه، كما ذكرنا في أوائل البحث من أنّ حجّيّته ذاتيّة غير قابلة للرفع والإثبات.

وأمّا القطع الموضوعي فبالنسبة إلى حكم آخر لا مانع منه، فإنّه يمكن أن يكون القطع بوجوب الصلاة مأخوذاً موضوعاً في وجوب التصدّق، كما يمكن أن يكون قطع شخص مأخوذاً في حكم شخص آخر، فيقال للمكلّف: عليك بالعمل على طبق قطع المجتهد إذا كان ناشئاً من الكتاب والسنّة، وأمّا إذا كان من غيرهما فلا يجوز اتّباعه، وهذا أمر ممكن لأنّ القطع بالنسبة إلى شخص، والحكم بالنسبة إلى شخص آخر.

وأمّا أنَّ القطع بالحكم يؤخذ في موضوع نفس الحكم نفياً وإثباتاً فمستحيل، كما لو أخذ القطع بالوجوب في موضوع عدم الوجوب، أو في موضوع الوجوب نفسه، فلا يمكن أن يُقال: إنّ الإنسان إذا قطع بحكم من غير الكتاب والسنّة فلا يجب عليه اتّباع قطعه؛ إذ يكون القطع بالحكم مأخوذاً موضوعاً لعدم وجوب الاتّباع، وكما لا يمكن أن يؤخذ القطع بالحكم في ثبوت نفسه أو عدمه، كذلك لا يمكن أن يؤخذ في موضوع مثل ذلك الحكم أو ضدّه.

كلّ ذلك بحثوا فيه مقدّمةً لإبطال الكلام المنسوب إلى الإخباريين، ولذلك ينبغي أوّلاً أن نتكلّم في صحّة هذه النسبة إلى الإخباريين، وأنّه هل هناك أشخاص قائلون بعدم حجّيّة القطع إذا حصل من غير الكتاب والسنّة، أو أنّه لا قائل بذلك؟ وبعد الفراغ عن ذلك نتكلّم عن صحّته وفساده.

ــــــــــ[102]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الخلاف بين صاحبي الرسائل والكفاية (قدّس سرّهما)

نسب شيخنا الأنصاري(1) إلى جماعة الإخباريين أنَّهم قالوا: إنَّ القطع الحاصل عن غير طريق الكتاب والسنّة من النواحي العقليّة لا يجب إتباعه، وإنَّما يجب إتّباع القطع الحاصل من الكتاب والسنّة.

وذكر صاحب الكفاية(2) أنَّ الإخباريين لا يقولون بذلك، وإنَّما يمنعون حصول القطع من المقدّمات العقليّة، وقالوا: إنَّ غاية ما يترتّب عليها هو الظنّ بالحكم الشرعي، وليس هو حجّة، فيكون وجوده كعدمه.

والصحيح في هذا المقام أنَّ جملة ممّن نسب إليهم هذا القول -وإن كان الأمر كما ذكره صاحب الكفاية- لا يقولون بعدم اعتبار القطع الحاصل من غير الكتاب والسنّة، وإنَّما يلتزمون بعدم حصول القطع من ذلك، فإنَّ الأحكام الشرعيّة تعبّديّة ولا يمكن حصول القطع بها عن طريق العقل، إلَّا أنَّ جملة من الكتّاب صرّحوا بذلك، وقسّموا القطع إلى قسمين: قسم حاصل من مقدّمات عقليّة، وقسم حاصل من الكتاب والسنّة، وأوجبوا إتّباع الثاني دون الأوّل. والظاهر أنَّ بعض الإخباريين التزموا بذلك.

ما ذكره شيخنا الأستاذ ونقضه

والآن يقع الكلام في صحّة ذلك وفساده، فذكر شيخنا الأُستاذ(3) في المقام 

ــــــــــ[103]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 51.

(2) انظر: كفاية الأُصول: 270.

(3) انظر: أجود التقريرات 2: 7-9.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

أنَّ القطع الطريقي وإن كان لا يمكن أن يتعلّق به النهي، لأنَّ حجّيّته ذاتيّة، ولا يمكن للقاطع بالحكم الفعلي أن يُقال له: لا تعمل بقطعك؛ لأنَّ القطع إذا كان مطابقاً للواقع فهو جمع بين النقيضين، وإن لم يكن مطابقاً للواقع فهو جمع بينهما في نظر القاطع. فلا يكون هذا النهي قابلاً للزاجريّة فيكون لغواً.

ولكن يمكن الوصول إلى هذه النتيجة بأخذ القطع في موضوع الحكم، فإنَّه إذا كان القطع مأخوذاً في موضوع الحكم يمكن أن يكون القطع بالحكم غير واجب الإتّباع، لا لقصور في القطع، بل لقصور في متعلّقه وهو الموضوع.

وذكر في إثبات ذلك أمرين:

الأمر الأوّل: أنّ الأدلّة الشرعيّة بالنسبة إلى العالم والجاهل بها لا يمكن أن تكون مطلقةً، ولا يمكن أن تكون مقيّدة بالعالم بالحكم بأن يكون العلم بالحكم مأخوذاً في موضوع نفسه، كما لا يمكن أن يكون مطلقاً من ناحية العلم والجهل، فلابدَّ وأن تكون الأحكام بالنسبة إلى هذا التقسيم مهملة.

وذكر في وجه ذلك: أنَّ التقسيمات قد تكون من التقسيمات الأوّليّة التي ينقسم إليها الشيء في حدّ نفسه، كالصلاة التي تنقسم إلى كونها في حال طهارة وغيرها، أو إلى القبلة وغيرها، أو غير ذلك من التقسيمات الكثيرة، وهذه التقسيمات أوّليّة، يعني: ثابتة للطبيعة مع قطع النظر عن تعلّق الحكم بها. وبالنسبة إلى هذه الأحكام لا مناص إلى الجاعل الملتفت إلى التقسيم من الإطلاق والتقييد، فإذا التفت الجاعل إلى انقسام الماء إلى كرٍّ وغيره، وجعل حكماً على الماء بأنَّه طاهر مطهّر، وأمّا أن يجعله مطلقاً أو يجعله مقيداً بأحد القسمين.

ــــــــــ[104]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وأمّا التقسيمات الثانويّة المترتّبة على الحكم، بحيث لو لم يكن حكم لم يكن مجال لهذا التقسيم، فإنَّه حكم مترتّب على ثبوت الحكم لهذا الموضوع أو المتعلّق، فلو فرضنا أنَّ الحكم لم يكن مجعولاً، فما معنى فرض العالم بالحكم والجاهل به؟ فإنَّه لم يكن موضوع للعلم والجهل، فتقسيم المكلّف إلى عالم بالحكم وجاهل به لا يمكن إلَّا مع فرض الحكم، وإذا كان الأمر كذلك فحال جعل الحكم حال جعل وجوب الصلاة على كلّ مكلّف، لا يمكن الإطلاق فيه بالنسبة إلى العالم والجاهل، كما لا يمكن التقييد به.

والوجه في ذلك: أمّا التقييد فإنَّه مستلزم للدور في نظر القاطع العالم، فإنَّ العالم بالحكم يرى أنَّ علمه طريق إلى الواقع، وأنَّ الوجوب منكشف عنده، فالعلم في مرتبة متأخّرة عن الحكم لا محالة ولو في نظره؛ إذ يرى أنَّ حكماً واقعيّاً أو ظاهريّاً ثابتاً في نفس الأمر قد انكشف لديه، فقد انكشف أمر واقعي لديه، فإذا فرضنا أنَّ العلم مأخوذ في موضوع هذا الحكم، فمعناه: أنَّ العلم ما لم يكن موجوداً لم يكن الحكم فعليّاً؛ لأنَّ فعليّة الحكم تابعة لفعليّة موضوعه ومتوقّفة عليه. إذن، معناه: أنَّ الحكم يتوقّف على وجود العلم لأنَّه موضوع له، والعلم متوقّف على وجود الحكم في نظر العالم وإن لم يكن يتوقّف في الواقع؛ إذ قد يكون جهلاً مركّباً، فإذا كان هذا دوراً في نظر العالم فيستحيل أن يكون فعليّاً، لأنَّه محال عند المكلّف، وما يستحيل أن يكون فعليّاً يستحيل جعله؛ لأنَّه لغو محض، فالتقييد بالعلم غير ممكن، ولا يمكن الإطلاق أيضاً، بأن يكون وجوب الصلاة ثابتاً لكلّ من الجاهل والعالم، فإنَّ الإطلاق والتقييد متقابلان بتقابل 

ــــــــــ[105]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

العدم والملكة، وإطلاق ما من شأنه التقييد، فإذا كان التقييد مستحيلاً يكون الإطلاق مستحيلاً أيضاً، وبناءً عليه فلا مناصّ أن تكون الأحكام مهملة بحسب الجعل الأوّلي، لا مطلقة ولا مقيّدة. هذا هو الأمر الأوّل.

الأمر الثاني: أنَّه لا بدَّ من أحدهما؛ إذ لا يمكن أن يكون وجوب الصلاة غير مختصّ بالعالمين ولا يعمّهم والجاهلين. إذن، فهو حكم من؟ ذكر في أمثال المقام أنَّ الجعل الأوّل لا يفي بمقصود المولى، وهو إيصال الحكم إلى المكلّفين والتحرّك عن بعثه؛ لأنَّه مهمل، والمهمل لا أثر له. إذن، نحتاج إلى جعل  ثاني وبه يجعل عموم ذلك الحكم أو خصوصه، فيقال: إنَّه مختصّ بالعالمين أو يعمّهم والجاهلين، فإنَّ التعميم والتخصيص لا يمكن جعله بالجعل الأوّل، ولكن يجعل بالجعل الثانوي، وهذا تابع للملاك الواقعي، فإذا كانت المصلحة الإلزاميّة ثابتة لعموم المكلّفين من العالمين والجاهلين، فيكون الجعل الثاني الذي سمّاه بـ (متمّم الجعل) معمّماً له، فتكون النتيجة نتيجة الإطلاق، فكأنَّ الجعل الأوّل هو جعل مطلق، وإذا فرضنا أنَّ المصلحة مختصّة بقسم دون قسم، كما لو كانت خاصّة بالعالمين بالأحكام، فالجعل إذن يقيّده بالعالمين.

وذكر أنَّ هذا في كلا القسمين في مقام الثبوت ممكن، والمتّبع في إثباته الدليل، فإذا دلّ الدليل على عموم الحكم، كما ادّعي على لسان الشيخ وغيره تواتر الروايات الدالّة على اشتراك الحكم بين العالم والجاهل، أو دلّت على ذلك هذه الرواية التي تقول: “يؤتى بالمكلّف يوم القيامة فيقال له هلّا عملت فيقول: 

ــــــــــ[106]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ما علمت، فيقال: هلّا تعلّمت(1) فيستكشف أنَّ الحكم مشترك بين العالم والجاهل، وإلَّا لأجاب بأني لستُ مكلّفاً إذا كان التكليف خاصّاً بالعالم.

وأمّا إذا دلّ دليل خاصّ على اختصاص الحكم بالعالم فنلتزم به، كما ورد في موارد الجهر والإخفات والقصر والتمام، فلو خالف وظيفته الفعليّة من هذه الناحية كانت صلاته تامّة.

إذا كان هذا ممكناً فيمكن أن يؤخذ القطع الناشئ من سبب خاصّ في موضوع حكم قيّداً أو مانعاً، فيقال: إذا قطعت بالحكم عن طريق القياس فلا تعمل به، لا من جهة النهي عن القطع الطريقي شرعاً، ليقال: بأنَّه مستحيل، بل لأجل أن متعلّق القطع حكم مقيّد بعدم ذلك، فإنَّه بعد فرض كون الحكم قابلاً للتقييد بمتمّم الجعل، فلو قام الدليل على تقييد الموضوع بالعلم به من غير هذا السبب، أو العلم به من سبب خاصّ كالكتاب والسنّة، لم يكن مانع منه، وهذا تصرّف في متعلّق القطع لا في نفس القطع، ليقال: إنَّ حجّيّته ذاتيّة يستحيل التصرّف بها رفعاً أو وضعاً.

فإذا كان الإخباري يدّعي هذا المعنى، وهو أنَّنا استفدنا من الروايات أنَّ الأحكام الشرعيّة مقيّدة بغير القطع بها من الطرق العقليّة، فإذا حصل لشخص قطع عن طريقها، فلا يعمل به؛ لأنَّه حكم غير مجعول لعدم وجود القيد فيه، ومنشؤه القطع به من الكتاب والسنّة.

وهذا أمر ممكن، غاية الأمر: أنَّنا نطالبه بالدليل على هذا التقييد بغير 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

(1) الأمالي (للمفيد): 228، المجلس السادس والعشرون.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الكتاب والسنّة، ولن يأتي بدليل.

وإذا استفدنا أنَّ القطع إذا كان حاصلاً من القياس لا يتّبع؛ إذ حكم الإمام باشتراك الرجل والمرأة في دية ثلاثة أصابع، فإذا قطع أربعاً رجعت الديّة إلى النصف، فقد حكم بذلك مع أنَّ أبان كان قاطعاً بالحكم(1)، فاستفدنا من ذلك أنَّ هذا القطع لم يكن واجب الإتباع، لا أنَّ القطع الطريقي حصل النهي عن إتباعه، ليقال: إنّه محال، بل لأنَّ الحكم مقيّد بعدم حصول العلم عن طريق القياس، فإذا أمكن الإطلاق والتقييد بالنتيجة، فكما يمكن أن يكون مقيّداً بوجوده، يمكن أن يؤخذ مانعاً كالعلم الحاصل من القياس. هذا حاصل ما أفاده.

أمّا ما أفاده من المقدّمة الثانية من أنَّه لابدَّ من متمّم الجعل إطلاقاً أو تقييداً، فهذا يبتني على المقدّمة الأُولى؛ إذ لو لم يمكن الإطلاق والتقييد، فلابدَّ من أحدهما بحسب نتيجة التقييد، وهذا مبني على استحالة الإطلاق والتقييد المذكور في المقدّمة الأُولى، فإذا بطلت المقدّمة الأُولى، تبطل الثانية بنفسها؛ إذ لا يبقى لها موضوع.

أمّا المقدّمة الأُولى فما أفاده من أنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة تامّ في مقام الإثبات دون مقام الثبوت؛ فإنَّ الإطلاق والتقييد في مقام الإثبات كما ذكره، فإنَّ الإطلاق هو عدم التقييد فيما من شأنه التقييد، فإن 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام 10: 184، الباب 14، القود بين الرجال والنساء والمسلمين والكفار والعبيد والأحرار، الحديث: 16.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

أمكن أن يقيّد كلامه ولم يأت بقيد فكلامه مطلق، ويمكن أن يرتفعا معاً، كما لو لم يكن المتكلّم في مقام البيان، فلا يكون كلامه مطلقاً ولا مقيّداً. وأمّا الإطلاق والتقييد في مرحلة الثبوت والواقع، يعني: في مرحلة جعل الحكم لا في مرحلة البيان واللفظ، بل مرحلة جعل اعتبار على ذمّة المكلّف في النّفس، فهما في هذا المقام متقابلان تقابل التضادّ، لا تقابل العدم والملكة، فإذا استحال التقييد كان الإطلاق واجباً.

وقلنا: إنَّ المقيّد عبارة عن اعتبار الطبيعة بشرط شيء، غايته: قد يكون ذلك الشيء أمراً وجوديّاً، وقد يكون أمراً عدميّاً، فأنَّنا لاحظنا الماهيّة مع شيء آخر -وتسمّى بالماهيّة المخلوطة- ويقابل ذلك اعتبار الماهيّة بنحو اللابشرط القسمي وهو إلغاء الخصوصيّات، فينظر الجاعل إلى الخصوصيّات المحتملة للماهيّة ورفضها، فالمطلق لوحظت فيه القيود ورفضت، والتقابل بين الماهيّة بشرط شيء والماهيّة لا بشرط هو تقابل التضادّ لا تقابل العدم والملكة، كما أنَّ التقابل بين الماهيّة لا بشرط والماهيّة بشرط لا، يعني: الماهيّة المجرّدة، بل هو تقابل التضادّ أيضاً. فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة؟! بل من تقابل التضادّ واستحالة أحد الضدّين لا يستلزم استحالة الضد الآخر، بل يستلزم وجوبه.

ثانياً: ولو سلّمنا أنَّ التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة فما أفاده من أنَّ استحالة التقييد تستلزم استحالة الإطلاق باطل بالضرورة؛ فإنَّه ليس المراد بقابليّة الحمل القابليّة الشخصيّة، بل أن تكون الطبيعة في نفسها قابلة لهذا 

ــــــــــ[109]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الأمر، وإن كانت هذه الخصوصيّة مستحيلة؛ فإنَّ الإنسان قابل للعلم، وليس حاله حال الجدار الذي لا يطلق عليه أنَّه جاهل، والنباتات وغيرها ممّا هو غير قابل للإدراك والعلم، فالإنسان قابل للإدراك، وإن كان غير قابل لإدراك شيء مخصوص، فأيضاً يطلق عليه أنَّه جاهل باعتبار أنَّ العلم يمكن أن يتّصف به الإنسان ولو في غير هذا المورد.

ومن هنا كان العلم بذات الله سبحانه مستحيلاً للممكن، ولكن إذا قلنا: إنَّه جاهل به لم يكن غلطاً، فإنَّ العلم وإن كان مستحيلاً، إلَّا أنَّ الجهل ضروري، وكذلك الغنى المطلق مستحيل لكلّ ممكن، فهل لا يمكن أن يطلق عليه الفقير، وهل هذا مستحيل؟ بل هو واجب، فإنَّه إذا استحال اتّصافه بالغنى المطلق كان اتّصافه بالفقر ضروريّاً، كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّـهِ وَاللَّـهُ هُوَ الْغَنِيُّ(1)، فهل هذا التعبير غير صحيح، مع أنَّ التقابل بين الفقر والغنى من تقابل العدم والملكة، وكذلك التقابل بين القدرة والعجز، ولكن قد تكون بعض الأُمور مستحيلة كالطيران إلى السماء بلا آلة، فيكون عاجزاً لا محالة، فالمورد بخصوصه وإن لم يكن قابلاً لتعلّق العلم أو الغنى أو القدرة، ولكن يمكن أن يتّصف الإنسان بأضدادها، باعتبار إمكان اتّصافه بهذه الصفات في موارد أُخر، وإن كانت القابليّة بالنسبة إلى شخص هذا العلم غير موجودة.

فإذا كان هذا تامّاً، وفرضنا أنَّ تقييد التكاليف بالعلم مستحيل، فلماذا 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

(1) فاطر: 15.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

يكون الإطلاق مستحيلاً؟! بل الإطلاق ضروري.

إذن، يثبت أنَّ التكاليف الواقعيّة لا يعقل فيها التقييد، بل لابدَّ من الإطلاق، فما أفاده من إمكان التقييد بجعل آخر لا أساس له أصلاً.

أمّا مورد القصر والتمام والجهر والإخفات، فهذا وإن كان متسالماً عليه بين الفقهاء، ودلّت عليه الصحيحة المعتبرة، وهو أنَّه إنّما يجب إعادة الصلاة عند مخالفة المكلّف لوظيفته عالماً عامداً، إلَّا أنَّه لا يستكشف من ذلك أنَّ الحكم مقيّد بالعالم، يعني: إنَّ وجوب الجهر والإخفات والقصر والتمام مقيد بالعلم، وإلَّا فالجاهل غير مكلّف بالوظيفة شرعاً، بل غاية ما يستفاد من الأدلّة: أنَّه لا حاجة إلى الإعادة وقد تمّت صلاته، وهذا يمكن أن يكون من باب الإجزاء، وأنَّ الشارع اكتفى في مرحلة الامتثال بذلك، ويأتي الكلام عنه في مبحث وجوب الفحص في الشبهة الحكميّة.

بل يستفاد من قوله في صحيحة زرارة: عن أبي جعفر في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه وأخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه، فقال: “أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ مُتَعَمِّداً فَقَدْ نَقَضَ صَلَاتَهُ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَاسِياً أَوْ سَاهِياً أَوْ لَا يَدْرِي فَلَا شَيْ‏ءَ عَلَيْهِ وَ قَدْ تَمَّتْ صَلَاتُه(1).

وهذا التعبير: (جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه) يعلم منه أنَّ الحكم كان مطلقاً وكان ينبغي أن يخفت في صلاته أو يجهر، فقد كان عليه حكم ولكنّه خالف حكمه وهو لا يدري، لا أنَّ الإخفات والجهر إنَّما يجب على العالم به. 

ــــــــــ[111]ــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 344، باب أحكام السهو في الصلاة، الحديث: 1003.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

هذا خلاف ظاهر الصحيحة، بل ظاهرها أنَّه مكلّف به، ولكنّه خالفه نسياناً، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ الحكم مقيّد بالعلم؟ ولذلك ذهب المشهور، بل المتسالم عليه(1).

كما يستفاد من كلام السيّد المرتضى(2)، أنَّه يستحقّ العقاب إذا كان جاهلاً مقصّراً، يعني: أنَّه لم يبحث وأجهر في مواضع الإخفات، أو أتمّ في موضع القصر، فيعاقب على تفويته للواقع، إلَّا أنَّه لا حاجة إلى الإعادة، فهذا التسالم يكشف(3) عن أنَّ الحكم عامّ بين الجاهل والعالم، إلَّا أنَّه لا تجب عليه الإعادة.

وأمّا رواية أبان فهي أجنبية عن محلّ الكلام بالكلّيّة، فإنَّه لام أبان لقوله: كان هذا نسمعه في العراق فكنّا نقول إنَّ الذي جاء به شيطان، فقد لامه على حصول القطع لديه وتكذيبه لراوي هذا الحكم مع كونه ثقة، وأنَّه كيف حصل له القطع مع أنَّ أحكام الله لا تقاس بالعقول، وأنَّ السنّة إذا قيست محق الدين، فالإمام أزال اعتقاده ونهاه عن منشأ اعتقاده، وأنَّه أيّ مانع عقلي عن أن تكون الديّة على قطع ثلاثة أصابع ثلاثين من الإبل، وعلى قطع الأربعة عشرين، فمن أين يستفاد أنَّ الحكم مقيّد بعدم العلم به من هذا الطريق؟ بل 

ــــــــــ[112]ــــــــــ

() انظر: تقريرات في أُصول الفقه (البروجردي) 237، فوائد الأُصول 4: 701، التعارض 351، روائع الأمالي 18، مجمع الفوائد 39.

(2) رسائل المرتضى 1: 383.

(3) هذا لا يكشف عن شيء، فإنَّ المدّعي إنَّما يدّعي تقييد الحكم بالعلم بحيث يلازم سقوطه عن الجاهل القاصر دون المقصّر، أمّا المقصر فيلحق بالعالم من هذه الناحية، ومقتضى القاعدة أنَّه يعاقب وأنَّ صلاته فاسدة أيضاً، فتأمّل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

أفاد الإمام أنَّ الحكم غير ثابت أصلاً، فالرواية أجنبية عن محلّ الكلام، والصحيح إنَّ ما أفاده لا يمكن تصديقه.

وأمّا ما ذكره الإخباريون فقد ذكرنا أنّ كلامهم يرجع إلى قسمين:

القسم الأوّل: أنَّ المقدّمات العقليّة لا يحصل منها اليقين، وإنَّما ينشأ القطع من الكتاب والسنّة، وغاية ما يحصل من المقدّمات العقليّة هو الظنّ وهو ليس بحجّة ولا يغني عن الحقّ شيئاً، وكلمات بعضهم صريحة بأنَّ القطع الناتج عن المقدّمات العقليّة ليس بحجّة.

أمّا الدعوى الثانية فهي واضحة الفساد -على ما ذكره شيخنا الأنصاري، ومن بعده من أنَّ حجّيّة القطع ذاتيّة- ولا يمكن تعلّق النهي بإتّباع القطع. نعم، المنع عن المقدّمات المحصّلة للقطع ممكن بأن يمنع المكلّف عن الخوض في المقدّمات العقليّة ليحصل له القطع، أو يمنعه عن القياس، أو الجفر والرمل أو غير ذلك ممّا يعمل لكي يحصل منه القطع بالحكم الشرعي، والذي لا إشكال في عدم جوازه. أمّا بعد حصول القطع فلا يمكن أن ينهى القاطع عن قطعه.

وأمّا الدعوى الأُولى، وهي: دعوى عدم حصول القطع بالحكم الشرعي من المقدّمات العقليّة، فهو صحيح في الجملة وغير صحيح في الجملة، بمعنى: أنَّهم إن أرادوا بعض الأحكام العقليّة، فهو صحيح، فإنَّ جملة من المقدّمات العقليّة لا يمكن حصول اليقين منها بالحكم الشرعي، وإن أرادوا بها كلّيّة الأحكام العقليّة، فهو غير قابل للتصديق. 

بيان ذلك: أنَّ الحكم العقلي تارةً يراد به إدراكه للمصالح والمفاسد، أو 

ــــــــــ[113]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الحسن والقبح، بقطع النظر عن الحكم الشرعي، كحكمه بحسن الإحسان، وإنقاذ المؤمن من الغرق، وحكمه بقبح سلب مال الغير، فإنَّه مخلّ بالنظام، فإن أرادوا بها هذه الأحكام –والتي تسمّى بأحكام العقل العملي– على ما هو الصحيح من أنَّ العقل يدرك الحسن والقبح على ما تقدّم من أنّ إثبات النبوّات متوّقف عليه.

فهذه الأحكام العقليّة لا يمكن(1) استكشاف الحكم الشرعي منها، فإنَّ المصلحة وإن كانت ثابتة في الفعل، وقد أدركها العقل وجزم بها أو بالمفسدة أو بالحسن أو القبح، إلَّا أنَّه لعلّه هناك جهات مزاحمة لها، والعقل لا يدرك تمام الجهات؛ إذ لعلّ في جعل الوجوب والتحريم نفسه مفسدة على ما يستفاد من جملة من الروايات: أنَّ فعلية جملة من الأحكام منوط بزمان ظهور الحجّة (عجّل الله فرجه)، وقبله لا مصلحة في جعل الحكم، بل كان الأمر كذلك في الصدر الأول، فإنّ النبي جعل الأحكام تدريجيّاً، مع أنّ الأفعال كانت ذات مصلحة أو مفسدة، فكيف يمكن الجزم بأنّ هذا الفعل واجب أو محرم لمجرّد أنّ فيه مصلحة أو مفسدة؟!

ــــــــــ[114]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّ هذا غير تامّ على إطلاقه، فإنَّه حتى مع غضّ النظر عن المزاحم يمكنه استكشاف حكم أو الجامع بين أحكام، مثاله: الحسن العقلي الذي نعلم بعدم إمكان حكم الشارع بحرمته، وبالعكس في القبيح، فنعلم أنَّ الحسن العقلي إما واجبٌ أو مستحبٌ أو مباحٌ أو مكروه، يعني: نعلم بالجامع في مقابل الحرام، وهكذا قس عليه، وهذا واضح. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

إذن، صحيح أنّ الحكم العقلي لا يمكن استكشاف الحكم الشرعي منه بقاعدة الملازمة، فإنّ هذه القاعدة غير ثابتة لعدم إحاطة العقل بتمام الجهات الواقعيّة.

القسم الثاني: ما وقع في معلولات الحكم الشرعي، وبلحاظه كحكمه بوجوب الطاعة وقبح المعصية، وقلنا: إنّ هذا لا يمكن أن يكون منشأً لحكم شرعي وإلّا لتسلسل، كما سبق في مبحث التجرّي.

بقي حكم عقلي آخر: وهو الحكم العقلي النظري؛ إذ يستكشف العقل الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، وهو لا يمت إلى العقل العملي بصلّة، بل هو أمر واقعي تكويني، وهو أنّ أحد الشيئين لا ينفكّ عن الآخر، فإذا جزم العقل بذلك، وأثبت الملازمة فيستكشف بالقياس الاستثنائي الحكم الشرعي بالضرورة، ودعوى: أنَّ هذا الحكم العقلي لا ينشأ منه العلم بالحكم الشرعي غير مسموعة، لأنّ العقل بعد جزمه بالملازمة بين شيئين، وأنَّ أحدهما لا ينفكّ عن الآخر وإلاّ لزم اجتماع النقيضين، وفرضنا أحدهما موجوداً، فلابدّ أن يكون الآخر موجوداً بالضرورة.

فالصحيح هو التفصيل، ففي القسمين الأولين لا يمكن كشف الحكم الشرعي من الحكم العقلي، أمّا القسم الثاني فمستحيل، وأمّا على القسم الأول فغاية ما ينتجه هو الظنّ، فإنّنا إذا أحرزنا حكم العقل بحسن شيء نظنّ بالحكم الشرعي، أمّا القطع فلا، وأمّا القسم الأخير فلا محالة يستكشف منه الحكم 

ــــــــــ[115]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الشرعي، وإلّا لزم انفكاك الملزوم عن اللازم، وهو مستحيل(1) عقلاً.

في الفروع التي ذكرها الشيخ الأنصاري

بقي الكلام في عدّة من الفروع التي ذكرها شيخنا الأنصاري(2) والتي استُشهد بها على أنّ القطع قابل لأن يسلب منه الحجّيّة، فلا يعمل على طبقه. وهذا واقع في الشريعة، والوقوع أدلّ دليل على الإمكان، وبعضها متسالم عليه، وبعضها وارد في النصّ، وإن أمكن سلب الحجّيّة في مورد أمكن في غيره، فإنّ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد، وإذا كان مستحيلاً لم يقع أبداً، فإذا كان واقعاً في بعض الموارد يستكشف إمكان وقوعه في جميع الموارد.

الفرع الأوّل: 

المسألة المعروفة فيما إذا أودع شخص عند زيد درهمين وأودع آخر عنده درهم آخر، فتلف عند الودعي من دون تعدٍّ ولا تفريط، ودار الأمر بين أن يكون لصاحب الدرهم أو لصاحب الدرهمين، فأفتى العلماء بأنَّ لصاحب 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

() لا يخفى أنّ كلام الإخباريين إن رجع إلى الاعتراف بحجّيّة حكم العقل أساساً في الكشف عن الواقع مع نقاشهم في الصغرى، يعني: استحالة كشف الحكم الشرعي منه بالخصوص، فهذا الكلام وارد، وأمّا إذا كان شكّهم في الصغرى ناشئاً من الشكّ في الكبرى، يعني: أصل حجّيّة حكم العقل فلا يكون هذا الكلام إلاّ مصادرة بالنسبة إليهم، ويحتاجون إلى استئناف بحث منطقي في إثبات حجّيّة حكم العقل أوّلاً لتصل النوبة إلى مثل هذا البحث. (المقرّر).

(2) انظر: فرائد الأصول 1: 80.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الدرهمين درهماً ونصفاً، ولصاحب الدرهم الواحد نصف درهم، وإذا فرضنا أنَّ هذين النصفين انتقلا بإرث أو هبة أو غيرها إلى شخص آخر، فهذا الشخص يعلم إجمالاً أنّ نصف درهم انتقل إليه من غير مالكه؛ لأنّ هذا الدرهم كان ملك شخص واحد، وقد قسّم بين شخصين فهو باقي على ملكيّة المالك، وبعد ذلك لو فرضنا أنّه جعل هذا الدرهم بشخصه -لا الكلّي في الذمّة- ثمناً واشترى به ثوباً، فهو يعلم أنّ هذا الثوب لم ينتقل إليه؛ لأنّ نصف الدرهم لمالكه لم ينتقل إليه، وإذا اشترى بالدرهم جارية لا يجوز له النظر إليها ولا وطئها بوجه شرعي، مع أنّهم لا يلتزمون بذلك، وهو خلاف ظاهر الرواية، فإنّ ظاهرها أنّ كّلاً منهما يتصرف في النصف الذي وصل إليه تصرف المالك في ملكه، ولو لم يكن القطع قابلاً للتصرف فيه، فكيف وقع هذا في الشريعة؟ مع أنّه لا إشكال فيه. هذا ملخص النقض.

وقد يجاب عن هذا بأنّه على القاعدة، فإنّ الشركة قد تكون اختياريّة، وقد تكون إجباريّة قهريّة، فالشركة الاختياريّة هي عقد من العقود، وهو أن يجعل هذا مقداراً من المال وذاك مقداراً، فيعقدان عقد الشركة، ثُمَّ يخرجان المال، ويكون المال لهما معاً، والخصوصيّات تلغى عنه، وهذا يكون بعد الامتزاج لا قبله، فإذا تلف درهم قبله يتلف من صاحبه، وأمّا بعده فيتلف منهما معاً.

ومن أسباب الشركة القهريّة المزج، كما لو فرضنا أنَّ مقداراً من الماء أو الدهن عند شخص، ومنه عند شخص آخر، فامتزجا قهراً ولو بغير اختيارهما، فيشتركان في المال، وتكون الخصوصيّات الشخصيّة ملغاة، ويكون مجموع الشخصين مالكاً للمجموع.

ــــــــــ[117]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

فقيل: إنّ المقام من قبيل الشركة القهريّة، فإذا امتزج درهم بدرهم بحيث لم يمكن التمييز بينهما حصلت الشركة واقعاً، فإذا تلف المال فيتلف واقعاً منهما معاً.

وهذا واضح الفساد، فإنّ المزج الذي يعتبر في الشركة الاختياريّة يكفي بهذا المقدار من المزج الذي يحصل في الدرهمين، وأمّا الشركة القهريّة فيعتبر فيها أن يكون الممزوج في نظر العرف موجوداً واحداً، وإن كان بلحاظ الأجزاء الصغار قابلاً للتحليل والاتّصال -على ما يقولون- مساوق للوحدة، وقد امتزج هذان المنّان من الدهن بحيث صار المجموع موجوداً واحداً في العرف، فهذا يوجب الشركة القهريّة، وأمّا إذا كان لزيد درهم ولعمر درهم واختلطا، فإنَّ ذلك لا يوجب الشركة، فإنّ المال ممتاز في علم الله تعالى، وكذلك في نظر العرف، فلكلّ درهم وجود مستقلّ، وكلّ واحد منهما مشتبه صاحبه بين هذا وذاك، وإلّا لو اختلط ثوب زيد بثوب عمرو لحصلت الشركة، وهذا باطل جزماً.

على أنَّه لو تمّ والتزمنا بحصول الشركة واكتفينا من سببيّتها بالمزج بهذا المقدار، فلازمه أن يكون توزيع التالف بالنسبة بين صاحب الدرهمين وصاحب الدرهم، فإنَّ الثلثين لصاحب الدرهمين، والثلث لصاحب الدرهم على الفرض، فلو تلف درهم واحد فلازمه أن يكون ثلثان منه لمالك الدرهمين، وثلث منه لمالك الدرهم، فإنَّ قانون الشركة يقتضي ذلك، كما لو خلط منّان من الزيت بمنٍّ، وتلف منه مقدار مَنٍّ، فيكون ثلثا التالف من صاحب المنّين، وثلثه من صاحب المنّ.

ــــــــــ[118]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

والصحيح في الجواب: أنَّ هذا بما أنَّه يوجب النزاع، ولو بحسب النوع والغالب، فإنَّ مالك الدرهمين يدّعي أنَّ التالف ليس من ماله، ومالك الدرهم يدّعي أنَّ التالف ليس من ماله، وكلّ منهما يجعل التلف من مال الغير، والشارع حسماً لمادّة النزاع قد أمر بالتنصيف، وهو المالك الحقيقي وله الولاية على المالكين الاعتباريين، فما هو المانع من حكم الشارع بانتقال نصف الدرهم من أحدهما إلى الآخر واقعاً.

وبعبارة أُخرى: أنَّ العلم هنا متعلّق بالملكيّة لا بعدم جواز التصرّف والبيع والشراء؛ إذ نعلم بأنَّ أحد النصفين أعطي من شخص لشخص آخر، فلو زال هذا الحكم الوضعي بحكم الشارع حسماً للنزاع، فأيّ محذور في ذلك، وأيّ قطع نهي عنه، أو جوّز العمل على خلافه؟ بعد أن كان القطع متعلّقاً بالملكيّة، وأنَّ هذا الدرهم ملك لشخص واحد أمّا لهذا بتمامه أو لذاك بتمامه، فلا يمكن أن يعطي الشارع مال أحدهما إلى الآخر بالولاية، وهذا ممكن وليس فيه مخالفة للقطع أبداً، والنهي عن القطع أمر لا يمكن أبداً.

أو قل: إنَّ هذا يبتني على الصلح القهري، وقد حكم الولي بذلك، وللشارع أن يملّك مال أحدهما للآخر لمصلحة تقتضي ذلك، فكلّ منهما يملك الدرهم واقعاً، وهذا لا مانع منه، وإذا انتقلا إلى شخص واحد فقد انتقلا من مالكيهما، وهذا لا محذور فيه، وليس فيه مخالفة للقطع. 

ولو تنزّلنا عن ذلك، وقلنا: إنَّ هذا التقسيم ظاهري مبني على قاعدة العدل والإنصاف، فإنَّ العقلاء بنوا على أنَّه إذا دار الأمر بين أن يصل المال إلى 

ــــــــــ[119]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

مالكه تماماً، أو لا يصل إليه أصلاً ويكون محروماً منه بتمامه، ففي مثل ذلك إذا وصل إليه بعضه دون البعض كان أولى، فلو أعطينا تمام الدرهم لواحد بقرعة ونحوها، فمن الممكن أنَّه وصل إلى مالكه الواقعي، ومن الممكن أنَّ المالك أصبح محروماً منه بتمامه، وأنَّ المال وصل إلى غير مالكه، فعند احتمال الموافقة القطعيّة والمخالفة القطعيّة يأتي دور قاعدة العدل والإنصاف التي بنى عليها العقلاء، وهي تقتضي التنصيف بين المالك والشخص الآخر، وهذا من المقدّمات العلميّة نظير المقدّمات الوجوديّة، كما لو كان إيصال المال إلى مالكه يستدعي صرف مقدار من المال، وكان المال مشرفاً على التلف، فحفاظاً على مال المؤمن لا ينبغي الشكّ في جواز هذا الصرف مقدّمة لوصول المال إلى المالك، فكما أنَّه كذلك في المقدّمات الوجوديّة فليكن أيضاً في المقدّمات العلميّة.

فكلٌّ من الشخصين له أن يتصرّف في النصف الذي وصل إليه بحكم الشارع، لأنَّه مالك له ظاهراً، وإن كان يحتمل أن لا يكون له واقعاً، كما أنَّ الحكم كذلك فيما إذا كان المال تحت يد شخصين، وكلّ منهما ادّعى أنَّ المال بتمامه له، وأقام كلّ منهما بيّنة على مدّعاه فتعارضت، أو كانت بيّنة لهما فحلفا معاً، أو نكلا معاً، ففي مثل ذلك ينصّف المال بمقتضى قاعدة العدل والإنصاف، وبعض هذه الموارد منصوصة، فكلّ منهما يملك نصف المال ظاهراً، ويصحّ تصرّفه فيه، فإذا انتقل النصفان على شخص ثالث في مورد التداعي أو في مورد الودعي الذي هو محلّ للكلام.

ــــــــــ[120]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

فإن قلنا: بأنَّ -كما قبل- الحكم الظاهري لشخص موضوع للحكم الواقعي بالنسبة إلى شخص آخر، فإذا انتقل المال من شخص يملكه ظاهراً إلى شخص آخر يجوز له التصرّف واقعاً(1).

إذن، فالشخص الآخر يملك كلا النصفين معاً واقعاً؛ لأنَّ كلاً منهما قد انتقل إليه ممّن كان مالكاً له ظاهراً، فإنَّ ذا اليد كان يجوز له التصرّف ظاهراً بحكم الشارع. 

وفي مسألة التداعي أيضاً كذلك، وذلك في العين الواحدة(2) التي يدّعيها شخصان وأقاما البيّنة أو حلفا أو نكلا، فيقسم بينهما ويجوز لهما التصرّف فيما وصل إليهما ظاهراً بمقتضى حكم الحاكم، ولكن إذا انتقل النصفان إلى شخص ثالث فيجوز له التصرّف واقعاً، وعند ذلك يرتفع الإشكال؛ إذ لا يقين(3) 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

() هذا إذا لم يعلم إجمالاً بمخالفة أحد الحكمين الظاهريين للواقع، كما لو كان يحتمل أنَّ الواقع هو كون كلّ واحدٍ للنصف، أمّا لو كانا على يقين بعدم مطابقة أحد الحكمين للواقع، فيعلم بأنَّ أحد المالين انتقل من غير صاحبه، ولا يحتمل كون الحكم الظاهري المعلوم مخالفته للواقع أن يكون موضوعاً لحكمٍ واقعيٍّ، وهذا ظاهر جدّاً. (المقرّر). 

() لم يظهر فرق فني بين هذه المسألة وسابقتها سوى أنَّه هنا عين واحدة، وهناك مجموع أموال يدّعى كونها ملك شخص واحد واقعاً، وهذا ليس فرقاً فنيّاً كما هو معلوم. (المقرّر).

() إنَّما لا يكون يقين بالمخالفة على تقدير عدم العلم بمخالفة أحد الحكمين الظاهريين للواقع كما قلنا، وإلَّا فاليقين بالمخالفة حاصل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

بالمخالفة، فإذا اشتري بالمجموع جارية فقد اشترى بما هو ملكه واقعاً.

وأمّا لم نقل بذلك، وأنَّ الحكم الظاهري لشخص يكون موضوعاً لحكم واقعي بالنسبة إلى شخص آخر لعدم الدليل عليه، بل يدور مدار الواقع فقد يوافقه وقد يخالفه. فهنا نقول: بعدم جواز التصرّف في المال وعدم جواز وطئ الجارية، وهذا لم يرد فيه نصّ، فإنَّ النصّ دلّ على التقسيم، وهو حكم ظاهري بالملكيّة للشخصين، فإذا فرضنا أنَّ الجمع بين الحكمين الظاهريين أوجب علماً تفصيليّاً بأنَّ الجارية لم تنتقل، وليست هذه المسألة من الضروريّات، ولم يرد فيها نصّ، حتّى يكون الالتزام بعدم الجواز فيه محذور فنلتزم بذلك؛ لأنَّ القطع لا يمكن النهي عنه.

الفرع الثاني(1) : مسألة التداعي بين الثمن والمثمن

فلو فرضنا أنَّ البائع والمشتري متّفقان على أنَّ الثمن عشرة دنانير، ولكن وقع بينهما النزاع في المبيع، فقال المشتري: إنَّه كان جارية، وقال البائع: إنَّه كان عبداً، أو ادّعى المشتري كونه فرشاً، والبائع كونه كتاباً، وهكذا.

ففي موارد التداعي والاختلاف بالثمن أو المثمن مع الاتفاق على الآخر، وهذا من مسائل التداعي، فكلَّ منهما مدّعٍ ومنكر، فإمّا أن يقيم أحدهما البيّنة فيحكم له، أو لم يكن لأحدهما بيّنة فتصل النوبة إلى اليمين، فيحلف أحدهما وتثبت دعواه، ولو لم يحلفا معاً فالحاكم يحكم بالانفساخ، فلا المشتري يعطي شيئاً إلى البائع، ولا البائع يعطي للمشتري شيئاً.

ــــــــــ[122]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأصول 1: 81.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وهنا أيضاً قالوا: إنَّ هذه العشرة دنانير إذا أخذها شخص آخر يعلم(1) أنَّها انتقلت من غير مالكها؛ لأنَّ المشتري يعترف أنَّها للبائع؛ لأنَّه اشترى منه شيئاً كعبدٍ أو جارية، أو لو أنَّ العبد والجارية اجتمعا عند شخص فهو يعلم أنَّ أحدهما لم ينتقل إليه من مالكه، فلا يجوز التصرّف بهما، أو أن يبيعهما ويشتري بما باع شيئاً.

والجواب عن هذا ظهر -في الجملة- ممّا تقدّم: حيث إنَّه يعتبر في البيع التسليم من الطرفين، تسليم الثمن من قبل المشتري، والمثمن من قبل البائع، فإذا لم يسلّم كلُّ منهما، وكلُّ منهما يعتذر بعذر شرعي، أمّا البائع فيقول: إنَّ البيع وقع على العبد فلا أسلّم الجارية، وأمّا المشتري فيقول: إنَّ البيع وقع على الجارية ولم يسلّمها البائع لأسلّم له الثمن، ونحتمل أنَّ كّلاً منهما معذور وليس لنا علم بكذب أحدهما، لعلّ البائع يعتقد بأنَّ المبيع هو العبد، والمشتري يعتقد أنَّ المبيع هو الجارية، ولا ينافي ذلك مع عدالتهما؛ لأنَّه يحتمل أن يكون كّلاً منهما صادقاً صدقاً فاعليّاً، بمعنى: عدم تعمّده الكذب، فلا هذا يسلّم ولا ذاك يسلّم، وكلّ منهما يعتذر بعذر شرعي، ويحكم الحاكم بالانفساخ، فيكون انفساخاً قهريّاً، وينتقل الثمن إلى البائع والمثمن إلى المشتري، فإذا انفسخ البيع كان لكلّ منهما التصرّف فيما وصل إليه؛ لأنَّه دخل في ملكه، فإذا انتقل المالان إلى شخص آخر كان له التصرّف فيه تصرّف المالك في ملكه.

نعم، إذا حكمنا أنَّه انفساخ ظاهري، ولم نقل بأنَّ الحكم الظاهري في حقّ 

ــــــــــ[123]ــــــــــ

() هذا إنَّما يحصل إذا كان الثمن عيناً لا كلّيّاً في الذمّة، كما هو معلوم. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

أحد موضوع لحكم واقعي بالنسبة إلى الآخر-فإنَّه على هذا أيضاً لا إشكال كما سبق- فيلتزم بأنَّ الشخص الثالث لا يجوز أن يتصرّف في الثمن والمثمن، أو في العبد والجارية، لعلمه بأنَّ أحد المالين قد انتقل إليه من غير مالكه، وهذا أيضاً لم يرد فيه نصّ لكي يكون في الالتزام بخلافه محذور.

إذن، فكلّ ما خالف القطع نلتزم به، فلا يكون نقضاً على ما تقدّم، ولا يكون فيه منع للقاطع عن العمل بقطعه.

الفرع الثالث(1): الجنابة المردّدة بين شخصين

فإنَّه قد يعلم الإنسان بجنابة نفسه وغيره، كما لو رأى المني في الثوب المشترك بينهما، وفرضنا أنَّ غيره كان إمام الجماعة وكان هو مؤتمّاً به. 

ذكر بعضهم(2): أنَّه لا مانع من الائتمام به بالرغم من كونه يعلم تفصيلاً ببطلان صلاته؛ لأنَّ الجنابة إمّا في نفسه فصلاته باطلة، وإمّا في الإمام فهي باطلة أيضاً.

وكذلك إذا علم إجمالاً بجنابة أحد شخصين، كما لو كان يعلم أنَّ أحد الإمامين مجنب، فلو اقتدى بهما في صلاة واحدة، كما لو حدث بالأوّل حدث وأتمّ الثاني به الصلاة، فيعلم تفصيلاً أنَّ هذه الصلاة باطلة، مع كونهم حكموا بجواز ذلك.

ــــــــــ[124]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأصول 1: 80.

(2) انظر: التذكرة 1: 224، نهاية الأحكام 1: 101، المدارك 1: 270.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

أو يقع الكلام في صلاتين بأن يقتدى بأحدهما في صلاة الظهر والآخر في صلاة العصر، مع العلم ببطلان صلاة العصر تفصيلاً؛ لأنَّه إمّا أن يكون الإمام الثاني مجنباً فهي بالخصوص باطلة، أو الأوّل فالترتيب المعتبر غير موجود، مع أنَّهم قالوا بصحّة الصلاة، ففي هذه الموارد يحكم بالصحّة مع العلم بالبطلان.

والجواب عن ذلك ظاهر: فإنَّه مع العلم بالبطلان كيف يحكم بجواز الاكتفاء به؟ فإنَّ معنى البطلان: أنَّ المأمور به لم يأت به، فالأمر باقٍ، فهل يمكن أن يفتي أحد بعدم لزوم الإعادة.

وهذه المسألة تدور مدار أمر آخر، فإنَّه إذا كنّا نعلم تفصيلاً ببطلان صلاة الإمام، كما لو علمنا تفصيلاً بأنَّه مجنب وهو لا يعلم، كما لو علمنا أنَّه اغتسل بماء نجس وهو لا يعلم، فالجنابة باقية وصلاة الإمام باطلة عند المأموم تفصيلاً، فهل يصحّ الاقتداء بمثل هذا الإمام مع العلم ببطلان صلاته؟ فإذا قلنا بعدم الجواز وأنَّه يعتبر في صحّة صلاة المأموم صحّة صلاة الإمام واقعاً ولو بحسب الأصل الظاهري، كما لو كنّا نحتمل صحّتها واقعاً، ففي مثل ذلك لا نحكم بصحّة الصلاة في شيء من هذه الفروع، وأمّا إذا قلنا بجواز الاقتداء؛ لأنَّ الصحّة الظاهريّة كافية في جوازه واقعاً، فإنَّ الموضوع للحكم الواقعي هو صحّة صلاة الإمام ظاهراً، فبناءً على ذلك يرتفع الإشكال بحذافيره في جميع هذه الفروض المتقدّمة، فإنَّ العلم الإجمالي لا يزيد عن التفصيلي، فإذا علمنا تفصيلاً ببطلان صلاته يجوز لنا الاقتداء به، فكذلك ما لو علمنا بذلك إجمالاً. فإنَّنا قلنا بأنَّ الجنابة الواقعيّة لا أثر لها وإن كانت معلومة تفصيلاً للمأموم 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

كذلك ما لو كانت معلومة له إجمالاً.

وأمّا إذا لم نقل بذلك، وقلنا: بأنَّ المعتبر في صحّة صلاة المأموم صحّة صلاة الإمام واقعاً، فهي وإن كانت ثابتة بأصالة الصحّة فنلتزم في تمام هذه الفروض بعدم الجواز، ولم يرد في المقام نصّ بجواز الاقتداء في أيّ من تلك الفروض، وإنَّما الكلام فيها مبني على القاعدة.

فهذه المسألة تدور مدار هذا البحث، وأنَّ المعتبر في صحّة صلاة المأموم صحّة صلاة الإمام واقعاً. 

الفرع الرابع(1): وهو ما إذا وقع النزاع بين شخصين

كما لو كانت لأحدهما جارية أو أيّ مال آخر، فأعطاها للآخر، ثُمَّ تنازعا، فقال الأوّل: أنا بعتها لك ويطالب بالثمن، وقال الثاني: وهبتني إيّاها، فوقع النزاع في سبب الملكيّة بعد التسالم على أنَّ الجارية ملك المالك الثاني.

فتارة يقيم أحدهما بيّنة دون الآخر فيحكم له ولا إشكال، وأُخرى يحلف أحدهما دون الآخر فلا إشكال أيضاً، وقد يفرض غير ذلك، كما لو كان لكلّ منهما بيّنة، أو حلفا معاً، أو نكلا معاً، بحيث لم يكن لأحدهما ترجيح على الآخر في مقام الترافع، ففي مثله حكموا برد المال إلى المالك الأوّل، وقالوا: إنَّنا نعلم تفصيلاً أنَّ المالك الأوّل ليس بمالك، فكيف يمكن ردّها إليه، وكيف يمكن تصرّفه فيها، فلو انتقلت الجارية إلى شخص آخر، فكيف يجوز له التصرّف بها؟ 

ــــــــــ[126]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأصول 1: 82.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

مع العلم أنَّها لم تنتقل إليه من مالكها؛ لأنَّهما متّفقان على أنَّ الجارية للمالك الثاني، وإنَّما النزاع في سبب الملكيّة.

إلَّا أنَّ ذلك لا يكون شاهداً على ما قالوه، والوجه في ذلك: أنَّ الهبة التي يدّعى (يحتمل) وقوعها في المقام، قد يفرض أنَّها هبة جائزة، كما لو كان المدّعي من غير أرحام المدّعى عليه، ولم يكن الواهب قد قصد القربة فيكون له الرجوع، ويكون إنكار الهبة رجوعاً عنها، فإنَّ إنكار العقود التي أمرها بيد المكلّف رجوع عنها وإلغاء لها كالهبة والتوكيل والطلاق؛ فإنَّ نفس إنكار الطلاق في العدّة الرجعيّة إظهار للزوجيّة الفعليّة، فيعدّ هذا رجوعاً ولا يطالب بالبيّنة، وكذلك إنكار الوكالة معناه عدم رضائه بتصرّفات الوكيل وعزله له، فكذلك في ا لمقام.

فإذا فرضنا أنَّه رجع بإنكار الهبة عنها على تقدير ثبوتها، فكيف يمكننا القطع بالخلاف؛ إذ نحتمل رجوع المال إلى مالكه، وليس هنا قطع بالخلاف أصلاً.

وأمّا إذا فرضنا أنَّ الهبة لازمة، كما لو كان النزاع بين أخوين، ففي مثل ذلك أيضاً لا يبعد القطع بالخلاف، فإنَّ المال وإن كان على كلا التقديرين ملك للثاني، وهذا صحيح، إلَّا أنَّه يطالب بالثمن ونحتمل في الواقع أن يكون الواقع بيعاً، وقد امتنع المشتري عن إعطاء الثمن، والشارع حكم بالانفساخ ظاهراً لاحتمال أن يكون ما وقع في الخارج بيعاً، فيحكم بالانفساخ ظاهراً ونحتمل مطابقة هذا الحكم للواقع.

ــــــــــ[127]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

إذن، فليس لنا جزم بعدم انتقال المال إلى مالكه، ونحتمل أنَّه مالكه؛ فإذا احتملنا ملكه ظاهراً، فيجوز لغيره أن يأخذه منه؛ لأنَّه مملوك له بالملك الواقعي، فيجوز له التصرّف فيه إذا علم أنَّ الواقع هو البيع بينه وبين الله، ويجوز لغيره التصرّف فيه، وليس في المقام مخالفة للقطع أبداً.

الفرع الخامس والأخير(1): [الإقرار بالعين لأكثر من شخص]

ذكر الفقهاء (قدّس الله أسرارهم): إذا أقرّ شخص بعين لشخص، ثُمَّ أقرّ ثانياً بعين ذلك المال لشخصٍ آخر، وهكذا لشخص ثالث ورابع، فالعين تعطى للمقرّ له أوّلاً، ويغرم المقرّ للمقرّ له ثانياً قيمته إن كان قيميّاً، ومثله إن كان مثليّاً، وهكذا الثالث والرابع.

وقالوا: نحن نعلم إجمالاً بكذب أحد الإقرارين؛ إذ لا يمكن أن يكون المال الواحد ملكاً لشخصين، فإمّا أنَّ إعطاء العين للمقرّ له أوّلاً، أو إعطاء المثل أو القيمة للمقرّ له ثانياً إعطاء للمال لغير مالكه، فنعلم أنَّ أحد الإقرارين كذب، ومع ذلك يترتّب عليه الحكم، فلو اجتمع العين والبدل عند شخصين آخرين، ووصلا إليه من المقرّ له الأوّل والثاني بإرث أو هبة أو نحوها، واشترى بها شيئاً يعلم تفصيلاً بعدم انتقال هذه العين إليه؛ لأنَّ الثمن لم ينتقل إليه من مالكه جزماً. فكيف يمكن أن يُقال: إنَّه لا يمكن الأمر بمخالفة القطع، وقد حصلت المخالفة هنا وجداناً؟

ــــــــــ[128]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأصول 1: 81.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

والجواب عن ذلك: أنَّنا تارة نتكلّم عن حكم المقرّ له الأوّل والثاني، وهل يجوز لهما التصرّف فيما حصلا عليه بإقرار المقرّ أو لا؟

وهذا -جواز التصرّف- ممّا لا إشكال فيه، وليس فيه مخالفة لعلم تفصيلي ولا إجمالي، والوجه في ذلك: أنَّ المقرّ حينما أقرّ بالعين للأوّل، فمقتضى قاعدة: “إِقْرَارُ الْعُقَلَاءِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ جَائِز(1) نفوذه وثبوت الملكيّة الظاهريّة للمقرّ له، وإن كان المقرّ له شاكّاً وغير عالم بملكيّة نفسه للعين، لكن يجوز له أخذ العين والتصرّف فيها بمقتضى الإقرار، وحيث إنَّ الإنكار بعد الإقرار لا يقبل، فإن قال: إنَّ هذا المال لشخص ثاني لا لهذا الشخص لا يسمع، فيجوز للمقرّ له ترتيب الأثر على الإقرار الأوّل.

وبالنسبة إلى المقرّ له ثانياً لا يمكن إعطاء العين له؛ لأنَّه حكم بكونها ملكاً للأوّل، إلَّا أنَّ المقرّ بإقراره الثاني يقرّ بإتلاف العين؛ لأنَّه أقرّ بها للأوّل وهذا بحكم(2) التلف، ولا يمكن إعطاؤها إلى مالكها على الإقرار الثاني، فهو إقرار بملكيّة عين قد أتلفها المقرّ.

إذن، يضمن بدلها من القيمة أو المثل فيغرمها للمقرّ له ثانياً، وكلٌ منهما
ــــــــــ[129]ــــــــــ

() عوالي اللئالي 1: 223، الفصل التاسع، في ذكر أحاديث تتضمّن شيئاً من أبواب الفقه ذكرها بعض الأصحاب في بعض كتبه مروية بطريقي إليه، الحديث: 104.

(2) هذا التلف مترتّب على حكم الشارع بلزوم بقاء العين عند الأوّل، وليس ناشئاً من المقرّ نفسه، وإلَّا فمقتضى الإقرارين هو تمكينهما معاً من العين يتصالحا عليها بنحو من الأنحاء. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

-المقرّ له أوّلاً وثانياً- وإن كان يعلم إجمالاً بكذب أحد الإقرارين، إلَّا أنَّه لا أثر له، فإنَّ طرف العلم الإجمالي هو وجود المال عند شخص آخر، والشخص الآخر أجنبي عنه خارج عن محلّ ابتلائه، فهو يعلم إجمالاً أنَّه إمّا المال الذي عنده ليس ملكه، أو المال الخارج عن محلّ ابتلائه ليس ملك الآخر، فليس هنا علم إجمالي بتكليف فعلي ليمنع جريان الأصول في الأطراف أو الأمارات. إذن، فكلّ يعمل على تكليفه ويجوز لكلّ منهما التصرّف ظاهراً بالمال.

فلو فرضنا أنَّ المالين قد اجتمعا عند شخص ثالث، فهذا يعلم إجمالاً أحد المالين لم ينتقل إليه من مالكه، فهل هذا له أثر؟ فلو فرضنا أنّ المالين أشترى بهما شيء ثالث هل ينتقل إليه أو لا؟ يبتني ذلك على أمر، وهو: أنّ الملكيّة الظاهريّة لشخص هل تكفي في ترتيب آثار الواقع لشخص آخر أو لا تكفي؟

إن قلنا بذلك فلا يتولّد العلم الإجمالي ولا التفصيلي؛ لأنّ المفروض أنّ كّلاً من المقرّ له أوّلاً والمقرّ له ثانياً كان مالكاً لهذا المال أو بدله ظاهراً، وقد انتقل المالان منهما إلى شخص ثالث، فيجوز له(1) التصرّف به واقعاً؛ لأنّه انتقل إليه 

ــــــــــ[130]ــــــــــ

() قلنا في بعض تعليقاتنا: إنَّ هذه القاعدة إنّما تتوهم في مورد لا يعلم مخالفة الحكم الظاهري للواقع، وأمّا إذا كان يعلم بمخالفته فلا يكون موضوعاً للحكم الواقعي بلا إشكال، وفي المقام يعلم هذا الشخص الثالث أنَّ أحد الأولين لم يكن مالكاً للمال، وهذا العلم الإجمالي بالنسبة إليه منجزٌ، وإن لم يكن منجزاً بالنسبة إليهما، والعلم بمخالفة الواقع لا يفرق فيه بين التفصيلي والإجمالي، فإذا بنى على ترتيب آثار الملكيّة الواقعيّة فقد حصلت المخالفة للقطع لا محالة. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

من شخص يملكه ظاهراً، فلا تحصل مخالفة للقطع أبداً.

وإن بنينا على عدم ذلك -كما هو الصحيح- إذ لم يدلّ دليل على أنَّ الحكم الظاهري في حقّ أحد أخذ موضوعاً للحكم الواقعي في حقّ شخص آخر، فنحكم بعدم جواز تصرفه في هذين المالين، وجعلهما ثمناً لشيء آخر، وهذه المسألة -كبعض المسائل المتقدّمة- لم يرد فيها نصٌّ من كتابٍ أو سنّةٍ، وإنّما هي مبنية على القواعد، وهي تقتضي ما ذكرناه من جواز التصرّف لكلّ من المقرّ له أوّلاً والمقرّ له ثانياً، وعدم جواز التصرف للثالث.

هذا تمام كلامنا في الفروع.

وقد ظهر أنّ حجّيّة القطع من لوازم ذاته، وهي غير قابلة لأن تنالها يد الجعل نفياً وإثباتاً، ولا يمكن أخذ القطع بالحكم شرطاً أو مانعاً على خلاف ما ذكره شيخنا الأُستاذ على تفصيلٍ تقدّم.

ــــــــــ[131]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9










أخذ القطع في موضوع حكم أخر مماثل للحكم المقطوع به

 

لقد تقدّم الكلام في عدم جواز أخذ القطع في موضوع نفس الحكم لا على نحو الشرطيّة ولا على نحو المانعيّة، وتقدّم كلامٌ عن شيخنا الأستاذ من جواز التصرف في متعلّق القطع، وأجبنا عنه تفصيلاً.

وأيضاً ظهر مّما ذكرناه أنّه لا يمكن أخذ القطع بالحكم في موضوع حكم آخر ضدّ الحكم المقطوع به، للزوم اجتماع الضدّين، فإنّه يلزم اجتماعهما في نظر القاطع دائماً، ويلزم اجتماعهما في الواقع على تقدير مطابقة القطع للواقع، ومثل هذا الجعل غير قابل للوصول إلى مرحلة الفعليّة، فإنّ الأمر المستحيل لا يقع في الخارج فكيف يمكن الأمر به؟!

وأمّا أخذ القطع في موضوع حكم آخر مماثل للحكم المقطوع به، فهل هو ممكن أو لا؟ ذكر شيخنا الأستاذ(1) استحالة ذلك أيضاً، وذلك لأنّ استحالة اجتماع المثلين كاستحالة اجتماع الضدّين، فإن لم يمكن جعل حكمين متضادّين على موضوع واحد، كذلك لا يمكن جعل حكمين متماثلين، وبما أنّ القاطع لا يحتمل مخالفة قطعه للواقع، فهو يرى أنَّ الحكم الواقعي ثابت، ومعه كيف يمكن جعل حكم آخر مماثل، فإنّه يكون من اجتماع المثلين؟

ــــــــــ[132]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 18.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وبعبارة أخرى: أنّ القطع يمكن أن يكون مصادفاً للواقع وأن لا يكون، فبين القطع بالحكم وبين ثبوت الحكم في الواقع عموماً من وجه؛ إذ يمكن أن يكون الحكم الواقعي ثابتاً والمكلّف غير قاطع به، أو يكون المكلف قاطعاً بالحكم وهو غير ثابت بالواقع، ويمكن أن ينطبقا على مورد واحد، إلّا أنّ هذا غير ممكن في نظر القاطع؛ لأنّه يرى مصادفة قطعه للواقع دائماً، فيكون جعل حكم مماثل في نظره من اجتماع المثلين، وهو في الاستحالة كاجتماع الضدّين.

إلاّ أنّ هذا لا يمكن المساعدة عليه، لما قلناه غير مرّة: أنّه لا مانع من جعل حكمين: أحدهما لعنوان العام، والآخر لعنوان الخاصّ، وطبعاً يتأكّد الحكم في مورد الاجتماع وتكون النسبة بين العنوانين هو العموم المطلق، فإنَّ الأمر كما ذكره من أنَّ القاطع لا يرى مخالفة قطعه للواقع، والمفروض أنّ الحكم ثابت للحكم المقطوع به، لكن ليس هذا من اجتماع المثلين بل أحدهما وارد على الموضوع الواقعي، والآخر وارد على الحكم المقطوع به، فأحد العنوانين أخصّ من الآخر في نظر القاطع، فلا مانع من جعل الحكم له، ويتأكّد في مورد الانطباق.

وهذا له نظائر: منها نذر الواجب، فإنَّه لو نذر الإتيان بفريضة أو فرائض اليوم، فإنَّه لا شكّ من انعقاد نذره فلو خالفه يعاقب وتجب عليه الكفارة؛ إذ لم يؤخذ في متعلّق النذر أن لا يكون واجباً، بل لابدَّ أن يكون راجحاً سواء كان واجباً أو مستحبّاً، وليس هذا إلَّا من مورد التأكّد باعتبار أنَّ الفعل الواحد غير قابل لتعلّق بعثين به، فيتأكّد الوجوب لا محالة، فيكون واجباً بملاكين: ملاك 

ــــــــــ[133]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الصلاة وملاك النذر، فليكن المقام من هذا القبيل، وهو ما إذا فرضنا جعل الحكم لمقطوع الوجوب وهو حكم مماثل للحكم المقطوع به، فيكون الوجوب فيه آكد، أكثر مّما لو لم يكن مقطوعاً به، فهذا ممّا لا إشكال فيه.

وأمّا أخذ القطع بحكم في موضوع وجوب حكم آخر لا يماثله ولا يضادّه فلا إشكال فيه.

ثُمَّ إنَّ صاحب الكفاية ذكر(1) أيضاً : أنَّ أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه باختلاف الرتبة ممكن، فيكون القطع بمرتبة مأخوذاً في موضوعه مرتبة أُخرى من الحكم، سواء كان مماثلاً له أو مضادّاً، فيمكن أن يكون القطع بالوجوب الإنشائي موضوعاً للوجوب الفعلي أو للحرمة الفعليّة، فيقال: إذا قطعت بوجوب شيء إنشاءً فيجب عليك ذلك وجوباً فعليّاً.

وهذا الذي أفاده مبني على أن يكون للحكم مراتب، كما اختاره هو، ولكنّنا تكلّمنا في هذا غير مرّة، وقلنا: إنَّ الحكم ليس له مراتب متعدّدة، فإنَّ الحكم عبارة عن إنشاء وإبراز للخارج، يعني: يعتبر في عالم النفس ويبرز على نحو القضيّة الحقيقيّة، ولا واقع للحكم غير هذا، كالإنشاء بداعٍ آخر كالامتحان أو السخرية أو التهديد، فإنَّه لا يكون مصداقاً للحكم، بل مصداق لأمر آخر، فالإنشاء بداعي الامتحان يكون مصداقاً للامتحان، والإنشاء بداعي التهديد يكون مصداقاً للتهديد، وهكذا.

فهذا هو واقع الحكم ولكنّه مجعول على نحو القضيّة الحقيقيّة، وعلى نحو 

ــــــــــ[134]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأُصول: 267.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الفرض والتقدير، فإن كان الموضوع موجوداً خارجاً بجميع شرائطه وقيوده فنفس هذا الحكم يكون فعليّاً، فقبل وجود الاستطاعة فالحكم باقٍ في مقام الإنشاء ولم يصل إلى حدّ الفعليّة، فإذا وجد المستطيع لا نحتاج إلى جعل آخر، بل نفس ذلك الجعل يكون فعليّاً، فالحكم ليس له مرتبتان، مرتبة الجعل والإنشاء ومرتبة الفعليّة، ومعلوم أنَّ مرادنا من أخذ القطع بالحكم في موضوع حكم ليس أخذه بالنسبة لشخص آخر، فإنَّ إمكانه بمكان من الوضوح، بأن يُقال: إذا قطع زيد بحكم فيجب عليك الصدقة، وإنَّما مرادنا قطع نفس الشخص، وهذا لا يمكن فيه تعدّد المراتب؛ إذ لو قطع بالإنشاء والموضوع غير متحقّق فهو ليس قطعاً بالحكم بالنسبة إليه، بل بالنسبة إلى شخص آخر، وهذا خارج عن محلّ الكلام، وإذا كان الموضوع متحقّقاً -وهو مستطيع للحجّ- فالحكم بنفسه فعليٌّ، فإنَّ الحكم الفعلي هو الحكم الإنشائي بعد فرض وجود الموضوع خارجاً. إذن، فلا يتمّ ما ذكره. والصحيح ما ذكرناه من أنَّه لا يمكن أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه لا شرطاً ولا مانعاً. 

ومن هنا يظهر أخذ القطع بموضوعيّة شيء في حكم آخر، بأن يُقال: إذا قطعت بالخمريّة وجب عليك كذا، فلا يمكن أخذ القطع بالخمريّة في حرمة نفسه للزوم الدور ولو في نظر القاطع، ولا في حكم ضدّه بأن يُقال: إذا قطعت بالخمريّة فيجب عليك شربها؛ إذ المفروض حرمتها شرعاً.

إنَّ أخذ القطع في حكم مماثل له جائز حتّى على المبنى الأوّل من استحالة أخذ القطع بالحكم في موضوع حكم مماثل، والوجه في ذلك: أنَّ القطع بخمريّة

ــــــــــ[135]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

 مائع بين عنوانه وبين الخمر الواقعي عموم من وجه، فإنَّه قد يفرض أنَّه خمر واقعاً لكن لا يعلم به المكلّف، وقد يفرض أنَّه قاطع بالخمريّة وهو غير مطابق للواقع، فليس هنا اجتماع المثلين في نظر القاطع، فإنَّه إذا تعلّق القطع بالحكم، فيقال: إذا قطعت بالحرمة فهو حرام عليك.

وأمّا إذا كان القطع متعلّقاً بموضوع كخمريّة المائع، فليس دائماً إذا حصل العلم بخمريّته يعلم بحرمته؛ إذ قد لا يعلم بحرمته، فإنَّ الخمريّة قد تكون معلومة، ولا تكون مقطوعة الحرمة في نظر المكلّف، فإذا جعل حكماً على مقطوع الخمريّة فطبعاً ينطبق العنوانان على شيء واحد، فيقال: هذا المائع خمر فهو حرام، وهذا المائع مقطوع الخمريّة فهو حرام. كما في المفاهيم التي بينها عموم من وجه، كالعالم والهاشمي، وهذا لا إشكال فيه أن يؤخذ القطع بموضوع في موضوع حكم آخر يماثله، وأمّا بالنسبة إلى حكم لا يماثله ولا يضادّه فهو ممّا لا إشكال فيه.

وقد أشرنا في أوّل البحث أنَّ المراد بالقطع المأخوذ في الموضوع ليس المراد به ما أخذ في موضوع الدليل، وعلمنا من الخارج أنَّه لا دخل له، وإنَّما أخذ بصفته كاشفاً عن الواقع وإلَّا فالعبرة بالواقع، وهذا ليس قطعاً موضوعيّاً بل قطع طريقي، وإنَّما أخذ في لسان الدليل موضوعاً باعتبار طريقيّته إلى الواقع، والمدار هو الواقع، فقوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ(1)، بناءً على أنَّ المراد منه الشهادة لا الحضور، يعني: من علم منكم بالشهر فليصمه، 

ــــــــــ[136]ــــــــــ

(1) البقرة: 185.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ومعلوم أنَّ الحكم ثابت لشهر رمضان لقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ(1) وقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ(2). فهو من أحكام الشهر لا من أحكام الصوم، وإنَّما أخذ العلم باعتبار كونه كاشفاً عن الواقع، فهو يؤخذ في الموضوع في لسان الدليل، ولا دخل له أصلاً.

ومن هذا القبيل قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ(3). إذا قلنا: إنَّ التبيّن المراد به هو العلم، كقوله تعالى: إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا(4)، فإنَّ وجوب الصوم منوط بطلوع الفجر واقعاً، ولا دخل للعلم في ذلك، وإنَّما أُخذ طريقاً إلى الواقع، وإن كان المراد من التبيّن ظهور النور في الأُفق بنحو يكون قابلاً للرؤية، فليس من اعتبار العلم في الموضوع في شيء.

ــــــــــ[137]ــــــــــ

(1) البقرة: 185.

(2) البقرة: 183.

(3) البقرة: 187.

(4) الحجرات: 6.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9




التقسيم الذي ذكره الشيخ الأنصاري

 

قسّم شيخنا الأنصاري(1) القطع باعتبار أخذه في الموضوع إلى قسمين، فإنَّ القطع تارة يؤخذ على نحو الصفتيّة، وأُخرى يؤخذ على نحو الموضوعيّة. وذكر صاحب الكفاية(2) أنَّ كلاً من القسمين ينقسم إلى قسمين، فإنَّ القطع الموضوعي قد يكون تمام الموضوع لحكم، فلا عبرة بمصادفته للواقع وعدمه، بل حتّى لو كان جهلاً مركّباً وغير مطابق للواقع، فيكون الحكم الواقعي ثابتاً، فإنَّ العبرة هو وجود هذه الصفة في النّفس وهي ثابتة، وقد يكون الموضوع مركّباً من وجود الصفة في النفس ومن الوجود الواقعي، يعني: أخذ في الموضوع القطع المصادف للواقع، كما أنَّ القطع الذي أخذ في الموضوع طريقاً إلى الواقع، فيكون مأخوذاً في الموضوع بنحو تمام الموضوع ولا عبرة بمصادفته للواقع وعدمها، وقد يكون مأخوذاً بنحو جزء الموضوع: أي: بنحو يكون مصادفاً للواقع.

وذكر في القطع المأخوذ بنحو الصفتيّة تارة يؤخذ صفة للقاطع، وأُخرى يؤخذ صفة للمقطوع به، فالأوّل كعدالة زيد المأخوذة في جواز الائتمام به، بأن 

ــــــــــ[138]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 33، 34.

(2) انظر: كفاية الأُصول: 263.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

يُقال: القاطع بعدالة زيد يجوز له الائتمام به.

وتوضيح الكلام في ذلك: أنَّ القطع ليس من الأُمور الاعتباريّة؛ لأنَّ الأمر الاعتباري لا واقع له إلَّا الاعتبار، فلو لم يكن في الخارج اعتبار ومعتبر لا يكون له وجود أصلاً، فلو لم تعتبر الزوجيّة بين زيد وهند، أو الملكية بينه وبين داره، لم توجد الزوجيّة والملكية في الخارج، ومعلوم أنَّ القطع من الأُمور الحقيقيّة وموجود في النفس مع قطع النظر عن أيّ اعتبار معتبر وفرض فارض، ولكنّه يمتاز عن جملة من الصفات الحقيقيّة بأنَّه من الأُمور التي لا توجد إلَّا متعلّقة بمتعلّق، فالعلم المطلق والقطع المطلق لا يوجد، بل لابدَّ له من متعلّق ومنكشف، فهو من الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة التي لها تعلّق بشيء لا محالة، وهذا واضح.

فإذا كان الأمر كذلك، فقد يكون الغرض متعلّقاً بالقطع في الجهة الأُولى، يعني: بما أنَّه موجود حقيقي قائم في النفس، سواء كان متعلّقاً لشيء أو لا، فلا تلحظ هذه الجهة، وتارةً يكون الغرض متعلّقاً بالقطع بما أنَّه متعلّق بشيء فتلحظ فيه جهة الانكشاف، والقطع وإن كان دائماً حقيقته هي الانكشاف، لكن تارة يلاحظ باعتبار قيامه بالنّفس، وأُخرى باعتبار تعلّقه بشيء آخر بحسب اختلاف الأغراض، وكلتا الجهتين جهة واقعيّة.

وكنّا نمثّل لذلك بالوسواسي الذي لا يحصل له القطع، فينذر أنَّه لو حصل له القطع بطلوع الفجر أو بالزوال فلله عليه كذا، فهذا ليس له نظر إلى طلوع الفجر واقعاً، وإنَّما يريد أن يرفع مرضه وحيرته ويقطعها بالقطع، وقد 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ينعكس الأمر، كرجل متعبّد متهجّد يريد أن يصلّي في أوّل الوقت تحقيقاً، فينذر أنَّه لو قطع بالفجر فلله عليه كذا، فهو ينذر لا لمجرّد وجود القطع، بل لإدراك واقع وجود الفجر، فالغرض تارة يتعلّق بالجهة الأُولى من القطع، وأُخرى بالجهة الثانية.

والحكم الشرعي أيضاً يمكن أن يكون القطع موضوعاً له لمصلحة مقتصرة على وجود القطع في النّفس، وأُخرى لمصلحة قائمة بالقطع من حيث كاشفيّته عن الخارج.

الخدشة فيما قاله المحقّق الخراساني 

هذا الذي أفاده مخدوش من وجهين:

الأوّل: أنَّ القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتيّة لا يمكن أن يؤخذ صفة إلَّا إذا أخذ صفة للقاطع دون المقطوع به؛ باعتبار أنَّ القطع من الأُمور الواقعيّة الحقيقيّة، وهو من الموجودات الحقيقيّة في النّفس، لكن حيث إنَّه له تعلّق في الخارج، فإنَّ القطع المطلق لا وجود له، فقد يكون أخذ القطع في الموضوع من جهة كونه صفة قائمة بالشخص، وأُخرى باعتبار كونه كاشفاً عن شيء، فمن حيث الجهة الأُولى يعبّر عنه بالقطع المأخوذ في الموضوع على وجه الصفتيّة، ومن حيث الجهة الثانية يعبّر عنه بالقطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقيّة والكاشفيّة.

وأمّا كونه صفة للمقطوع به فهو ليس إلَّا بمعنى كونه مأخوذاً على نحو الطريقيّة والكاشفيّة؛ فإنَّ القطع إنَّما يكون صفة للعالم لا للمعلوم، وإنَّما يكون 

ــــــــــ[140]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

متعلّقاً بموضوعه باعتبار كشفه عنه، فاعتباره صفة له عين اعتبار كونه طريقاً إليه. إذن، فالقطع المأخوذ في الموضوع على وجه الصفتيّة لا يكون مأخوذاً إلَّا على نحو الصفتيّة للقاطع، لا على نحو الصفتيّة للمقطوع به.

وأمّا ما ذكره من تقسيم القطع المأخوذ على نحو الصفتيّة إلى قسمين: ما أخذ بنحو تمام الموضوع، وما أّخذ بنحو جزء الموضوع، فهو صحيح وواضح؛ لأنَّ هذا الأمر النّفساني قد يكون مطابقاً للواقع وقد لا يكون، فيكون جهلاً مركّباً، وضلالاً محضاً يتخيّل الإنسان مطابقته، وأخذ القطع في موضوع الحكم قد يكون من جهة وجوده في النّفس، وهو متحقّق سواء طابق الواقع أو لم يطابقه، وقد تكون هذه الصفة مأخوذة بقيد كونها مطابقة للواقع، وكونها لها منكشف في الخارج، فعلى الأوّل يكون القطع الصفتي مأخوذاً تمام الموضوع، وعلى الثاني جزء الموضوع.

 الثاني: وهو القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الكاشفيّة، فهذا يستحيل أن يكون تمام الموضوع، فإنَّ معنى الكشف عن الواقع، هو أنَّ هناك واقع انكشف له، وإذا لم يكن واقع فأين الكشف؟ ففرض أخذه كاشفاً عن الواقع مع فرض كونه تمام الموضوع لا أثر سواء طابق الواقع أو لا. هذه مناقضة واضحة.

إذن، فالقطع الموضوعي له ثلاثة أقسام، وهو المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتيّة، إمّا على نحو جزء الموضوع، وإمَّا على نحو تمام الموضوع، أو على نحو الطريقيّة على أن يكون جزء الموضوع، فهذه ثلاثة أقسام للقطع الموضوعي 

ــــــــــ[141]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

تضاف إلى القسم الأوّل للقطع وهو الطريقي المحض الذي ليس له دخل في الموضوع، بل الحكم ثابت للواقع علم به المكلّف أو لم يعلم، فتكون أقسام القطع أربعة.

ــــــــــ[142]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9





قيام الأمارات مقام القطع الطريقي

 

ثُمَّ إنَّه لا إشكال ولا خلاف في أنَّ القطع الطريقي تقوم الأمارات مقامه من جميع الجهات، فإنَّ القطع ينجّز الواقع على تقدير الإصابة، ويعذّر على تقدير المخالفة، فإذا قطع بحكم وأطاعه فقد امتثل، وإلَّا كان عاصياً، وإذا قطع بعدم الحكم وكان الحكم موجوداً كان قطعه له معذّراً، وإذا قطع بحكم إلزامي وخالفه ولم يكن موجوداً كان متجرّياً، وفي جميع ذلك تقوم الأمارات مقام القطع الطريقي، فلو قامت الأمارة في الشبهة الموضوعيّة على حرمة شيء فهي تنجّزها، أو قامت البيّنة على إباحة شيء وأنَّه ماء فشربه، ثُمَّ تبيّن أنَّه خمر فهو معذور على شربه، أو قامت الأمارة على حرمة شيء فارتكبه، ثُمَّ انكشف أنَّه لم يكن حراماً كان هذا تجرّياً، وهذا لا إشكال فيه.

ــــــــــ[143]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9






قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي

 

وإنَّما الإشكال في القطع الموضوعي، وأنَّ القطع إذا كان مأخوذاً في موضوع حكم على نحو الصفتيّة أو على وجه الطريقيّة، فهل تقوم الأمارة مقامه، فيترتّب عليها ما يترتّب عليه بدليل الحجّية أو لا؟ لو كان هناك دليل خاصّ ينزّل الأمارة منزلة القطع فلا إشكال، ولكن دليل الحجّيّة من الآيات والروايات والسيرة، هل يفيد قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي أو لا؟

الأقوال في ذلك ثلاثة:

الأوّل: قيامها مقامه مطلقاً؛ باعتبار أنَّ الأمارة قطع تنزيلاً وإن لم تكن قطع حقيقة؛ لأنَّ الشارع قام بإلغاء احتمال الخلاف وجعلها قطعاً تنزيلاً، وقد فرضنا أنَّه يترتّب على القطع حكم شرعي، فهذا أيضاً يترتّب عليه حكم شرع بدليل التنزيل، من قبيل قوله: “الفقاع خمر استصغره الناس(1) فنزل الفقاع منزلة الخمر، فيجري عليه سائر أحكامه، كذلك نزّل الأمارة منزلة القطع بإلغاء احتمال الخلاف، فيترتّب عليه ما يترتّب على القطع من الأحكام.

ــــــــــ[144]ــــــــــ

(1) الكافي 6: 423، باب الفقّاع، الحديث: 9، الاستبصار 4: 95، الباب: 6، تحريم شرب الفقّاع، الحديث: 6.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الثاني: أنَّه لا تقوم الأمارة ولا الأصل المحرز مقام القطع الموضوعي مطلقاً واختاره صاحب الكفاية(1)، وذكر: أنَّ القيام مقام القطع منحصر بالقطع الطريقي دون الموضوعي بكلا قسميه.

وذكر شيخنا الأنصاري(2) -وتبعه جماعة منهم شيخنا الأستاذ(3)-: التفصيل بين القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتيّة وبين القطع المأخوذ على نحو الطريقيّة، فقال: إنَّ الأمارة والأصل المحرز لا يقوم مقام القطع المأخوذ على نحو الصفتيّة، وأمّا إذا كان مأخوذاً في الموضوع على نحو الطريقيّة والكاشفيّة للواقع فلا مانع عن قيام الأمارة والأصل مقامه؛ لأنَّ المفروض أنَّ الأمارة كاشفة عن الواقع، والمفروض أنَّ القطع مأخوذ أيضاً من هذه الجهة. إذن، لا فرق بينهما، إلَّا أنَّ كاشفيّة القطع ذاتيّة، وكاشفيّة الأمارة ناقصة تعبّديّة، والشارع بما أنَّه جعلها كاشفاً تعبّديّاً، فيكون حالها حال القطع.

أمّا بالنسبة(4) إلى القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الصفتيّة، فلا ينبغي الشكّ في عدم قيام الأمارة والأصل المحرز مقامه، لا باعتبار الدليل الخاصّ، فإنَّ الشارع يمكنه أن ينزل أيّ شيء منزلة أيّ شيء؛ فإنَّ التنزيل خفيف المؤونة، إلَّا أنَّه يحتاج إلى دليل وهو غير موجود، ودليل الحجّيّة لا يفي به، فإن أخذ القطع 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

() انظر: كفاية الأُصول 263، 264.

(2) انظر: فرائد الأُصول 1: 33، 34.

(3) انظر: أجود التقريرات 2: 17.

(4) هذا بدء بالجواب. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

باعتباره صفةً للنّفس صفة رافعة للتحيّر وموجبة لعدم التردّد، حالها في ذلك حال سائر الصفات النفّسيّة، كالعدالة والسخاوة، فهل يُقال: إنَّ الأمارة تقوم مقام العدالة أو السخاوة حينئذٍ، والأمارة وإن كانت تشترك مع القطع في كونها كاشفة عن الواقع، إلَّا أنَّها لا تشترك معه في كونه صفة نفسانيّة، فقيامها مقامه من هذه الناحية يحتاج إلى دليل خاصّ، وأمّا دليل الحجّيّة فغير ناظر إلى ذلك جزماً، وإنَّما هو ناظر إلى جهة الكشف وتنزيل الأمارة منزلة القطع من هذه الجهة.

إذن، فالأمارة لا تقوم مقام القطع الموضوعي المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتيّة، لا ما إذا كان تمام الموضوع ولا ما إذا كان جزء الموضوع.

وبعبارة أخرى: إنَّ صاحب الكفاية اختار في المقام أنَّ الأمارات بدليل حجّيتها لا تقوم مقام القطع المأخوذ في الموضوع سواء كان مأخوذاً على نحو الصفتيّة تمام الموضوع أو جزءه، أو على نحو الطريقيّة.

وذكر في وجه ذلك: أنَّ دليل الحجّة الذي نزّل الأمارة منزلة القطع يختلف نظره بلحاظ تنزيلها منزلة القطع الطريقي عن نظره بلحاظ تنزيلها منزلة القطع الموضوعي؛ فإنَّ التنزيل منزلة القطع الطريقي معناه تنزيل منزلة مؤدّى الأمارة منزلة الواقع، فإنَّ الملحوظ هو ترتّب آثار الواقع على المؤدّى، فلحاظ الواقع يكون لحاظاً استقلاليّاً، في حين يكون لحاظ الأمارة والقطع آليّاً، ولابدَّ من ملاحظة المنزَّل والمنزَّل عليه بنحو من اللحاظ، فالتنزيل حقيقة تعلّق بلحاظ الواقع، والأمارة والقطع أخذا طريقين إلى الواقع، ونُزّلت الأمارة منزلة الواقع بهذا اللحاظ.

ــــــــــ[146]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وأمّا إذا كان القطع موضوعاً لحكم من الأحكام على نحو الصفتيّة أو الموضوعيّة، ونزلت الأمارة منزلة القطع، فهنا الأمارة والقطع ملحوظان استقلالاً، فإنّ الحكم مترتب على نفس القطع وعلى نفس الأمارة لا على الواقع، والملحوظ هما دونه، فالحكم المترتّب على نفس القطع يترتّب على نفس الأمارة.

فإذا كان اللحاظان مختلفين فدليل تنزيل الأمارة منزلة القطع يقتضي لحاظ الأمارة والقطع لحاظاً آليّاً في القطع الطريقي، ولحاظاً استقلاليّاً في القطع الموضوعي، ومعلوم أنّ الشيء الواحد لا يمكن أن يلحظ في زمان واحد ولحاظ واحد لحاظاً آليّاً واستقلاليّاً، هذا أمر مستحيل فلا يمكن أن يكون دليل واحد متكفّلاً لكلا التنزيلين، تنزيل الأمارة منزلة القطع الموضوعي، وتنزيلها منزلة القطع الطريقي. إذن، فلا يمكن أن يكون دليل الحجّيّة متكفّلاً لكلا التنزيلين، بل لابدّ وأن يكون متكفّلاً لأحدهما فقط، أمّا تنزيلها منزلة القطع الطريقي أو تنزيلها منزلة القطع الموضوعي.

ولهذا أورد على نفسه: أنّه بناء على ذلك فلابدّ من قيام قرينة على التعيين، وإنّ التنزيل هل هو تنزيل الأمارة منزلة القطع الطريقي فيكون النظر إلى الواقع والنظر إلى الأمارة والقطع نظراً آليّاً، أو تنزيلها منزلة القطع الموضوعي، والنظر إليهما نظراً استقلاليّاً، وإذا كان الدليل مجملاً لا يمكن أن يدلّ على قيام الأمارة مقام القطع الطريقي.

وأجاب: بأنّ الظاهر من الدليل تنزيل الأمارة منزلة القطع الطريقي وترتيب آثار الواقع على المؤدّى، وهو المستفاد من قوله: “لا عذر لأحد في 

ــــــــــ[147]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

التشكيك فيما يرويه عن ثقاتنا(1) وكذلك الآيات كقوله تعالى: إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا(2)، وأمّا السيرة فهي واضحة من أنّها قائمة على الحجّيّة بمعنى ترتيب آثار الواقع على المؤدّى وقيام الأمارة مقام القطع الطريقي، وأمّا قيامها مقام القطع الموضوعي فهو خلاف ظاهر الدليل، والإطلاق لهما غير ممكن فيتعيّن تنزيلها منزلة القطع الطريقي.

إلّا أنّ هذا لا يمكن المساعدة عليه، فإنّه مبني على أن يكون معنى الحجّيّة هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع على ما ذهب إليه القائلون بالسبّبيّة والموضوعيّة، وعلى جعل الحكم المماثل؛ إذ قالوا أنّ الأمارة يترتّب عليها آثار الواقع باعتبار كونها إحرازاً للواقع تنزيلاً، كقوله: “الفقاع خمر استصغره الناس(3) فكذلك ما قامت البيّنة على كونه خمراً يترتّب عليه آثار الخمر الواقعي من الحرمة، فما ذكره من أنَّ اللازم من تكفّل دليل الحجّيّة لكلا التنزيلين الجمع بين اللحاظين الآلي والاستقلالي مبنيٌّ على أنَّ دليل الحجّيّة متكفّل لتنزيل المؤدّى منزلة الواقع، فلو كان كذلك لصحّ(4) ما ذكره لاستحالة أن يكون الدليل 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

() وسائل الشيعة 1: 38، الباب 2، ثبوت الكفر والارتداد بجحود بعض الروايات وغيرها مّما تقوم الحجّة فيه بنقل الثقات. 

(2) الحجرات: 6.

(3) تقدّم تخريجه.

(4) لأنّه عليه يكون التنزيل تنزيلاً صورياً بين القطع والأمارة، إنَّما المنزّل والمنزّل عليه هو المؤدّى والواقع، وإنّما أخذ القطع والأمارة آلةً إلى الواقع، وأمّا تنزيلها منزلة القطع الموضوعي فالنظر في الأمارة والقطع استقلاليٌّ، ولا يمكن الجمع بين اللحاظين، فهذا واضح. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

متكفّلاً تنزيل الأمارة منزلة نفس القطع وتنزيلها منزلة الواقع، أي: منزلة القطع الطريقي.

إلاّ أنّ هذا المبنى مع أنّه لا يلتزم به، فإنّه يذهب إلى أنَّ الحجّيّة معناها جعل التنجيز والتعذير، يعني: أن يجعل الشارع شيئاً يكون على تقدير المطابقة منجّزاً، وعلى تقدير المخالفة معذّراً، فبناء على هذا لا يتمّ ذلك.

وأنّ السببّيّة مستلزمة للتصويب وباطلة في مقام الثبوت، وعلى تقدير الإمكان فهي باطلة في مقام الإثبات لعدم قيام دليل عليها، فلا الأدلّة اللفظيّة من الكتاب والسنّة تقتضي ذلك، ولا السيرة -وهي المهمّ في دليل الحجّيّة- تقتضي تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، وإنّما قامت على المعاملة مع الأمارة معاملة اليقين، فليس في الأدلّة من ذلك عينٌ ولا أثرٌ.

وأمّا بناءً على ما اختاره من أنَّ جعل الحجّيّة معناه جعل التنجيز والتعذير، فلا يلزم منه الجمع بين اللحاظين، فإنَّ التنجيز والتعذير من آثار القطع لا من آثار الواقع، فإنَّ القطع يوجب تنجّز الواقع على تقدير الإصابة، والتعذير عنه على تقدير الخطأ، وفرضنا أنَّ القطع أيضاً حكم بحكم شرعي بالإضافة إلى تلك الأحكام العقليّة، فمن الممكن تنزيل الأمارة منزلة القطع بلحاظ كلا الحكمين العقلي والشرعي معاً، فالشارع يجعل ما ليس بمنجّز منجّزاً وما ليس بمعذّر معذّراً، وكذلك في القيام مقام القطع الموضوعي، فتقوم الأمارة 

ــــــــــ[149]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

مقام القطع الطريقي في التنجيز وفي التعذير وفي ترتّب الأحكام عليه.

فالجمع بين اللحاظين يتوقّف على أن يكون التنزيل بلحاظ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع في القطع الطريقي؛ إذ لابدَّ حينئذٍ من لحاظ القطع طريقاً إلى الواقع، وأمّا إذا قلنا: إنَّ الأمارة نزّلت منزلة القطع في التنجيز والتعذير، فهو لحاظ استقلالي واحد تعلّق بالأمارة، وبالقطع بلحاظ تمام آثارهما العقليّة والشرعيّة.

ولكن هذا المسلك أيضاً لا يمكن الالتزام به، أي: أنَّ المجعول في باب الحجج ليس هو التنجيز والتعذير، وذلك لاستحالة التخصيص في الأحكام العقليّة؛ لأنَّه بعد أن استقلّ العقل باستحالة العقاب على التكليف المجهول غير الواصل، وفرضنا أنَّ الأمارة قامت على وجوب شيء أو حرمته في شبهة حكميّة أو موضوعيّة، فهنا لا يمكن أن يُقال: إنَّ المجعول هو التنجيز؛ وذلك لأنَّ الأمارة إمّا أن تكون بياناً ووصولاً للواقع المجهول؛ لأنَّ المجعول فيها هو الطريقيّة وجعل ما ليس بعلم علماً، فإنَّ المجعول الشرعي لا ينحصر بالأحكام التكليفيّة، بل يمكن أن يكون عنواناً قابلاً للوضع والرفع كالملكيّة والزوجيّة، كذلك جعل الطريقيّة والكاشفيّة، وهو معنى قوله: (لا عذر لأحدٍ في التشكيك)(1) يعني: أنَّ هذا علم لا شكّ فيه، فإن رجع إلى جعل الأمارة علماً ووصولاً للواقع، فجعل التنجيز والتعذير لا معنى له؛ لأنَّهما يترتّبان على هذا قهراً بحكم العقل؛ لأنَّ العقاب حينئذٍ يكون مع البيان، فلا يُقال: إنَّ التنجيز 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

(1) تقدّم تخريجه.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

هو المجعول ولا معنى لجعلهما، بل التنجيز والتعذير هو من آثار هذا الجعل، والشارع بجعل الطريقيّة يحقّق موضوعهما.

ومن ثَمَّ قلنا: إنَّ تقدّم الأمارات على الأُصول العقليّة بالورود، يعني: يرفع الموضوع بالتعبّد الشرعي وجداناً؛ إذ بعد التعبّد بجعل ما ليس بعلم علماً يرتفع موضوع قبح العقاب وجداناً ويكون بياناً.

ولو فرضنا أنَّ هذا ليس بعلم وبيان، وأنَّ الواقع لم يصل، ومع ذلك يحكم الشارع بالعقاب ويجعل التنجيز، فمعناه: التخصيص في حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، بأن يُقال: إنَّ العقاب قبيح إلَّا في مورد الأمارة، وأنَّ هذا وإن كان لم يتمّ عليه البيان إلَّا أنَّ الشارع جوّز العقاب عليه، فهذا غير ممكن، لأنّه إذا قبح في مورد يقبح في كلّ موارده.

إذن، فالمجعول ليس هو التنجيز والتعذير، بل الكاشفيّة والطريقيّة، وجعل ما ليس بعلم علماً.

وهو أمر قابل لأن تناله يد التشريع، فيكون المكلّف في اعتبار المولى عند قيام الأمارة على الواقع عالماً بالواقع، غاية الأمر: كونه بياناً إنَّما هو بحكم الشارع، فهذا فرد من القطع، لكنّه فرد تعبّدي جعلي لا وجداني.

وعلى هذا القول فدليل الحجّيّة يشمل كلتا الجهتين، يعني: قيام الأمارة مقام القطع الطريقي وقيامها مقام القطع الموضوعي؛ وذلك: لأنَّه بعدما فرضنا أنَّ المكلّف قاطع بما أدّت إليه الأمارة من حكم الشارع، فكما يتنجّز الواقع من جهة أنَّ المكلّف عالم به ويجب عليه ترتيب آثار الواقع من جهة أنَّ هذا الحكم 

ــــــــــ[151]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

معلوم، كذلك الحال في الأمارة، فالأمارة حاكمة على الأدلّة الواقعيّة ومنجّزة للأحكام الواقعيّة، وإذا ثبت هذا فتكون آثار القطع مترتّبة عليها بطريق أولى؛ لأنَّها اعتبرته علماً فيترتّب عليها آثار الواقع والقطع، فأنَّ تنزيل شيء منزلة القطع يقتضي ترتّب أحكام العلم عليه المجعولة للعلم، ويترتّب عليه آثار الواقع باعتبار كون المكلّف عالماً به، فيحكم بنجاسة هذا المائع؛ لأنَّ الظنّ بخمريّته بحكم الشارع، فعلى هذا المسلك يكون قيام الأمارة مقام القطع الطريقي والموضوعي معاً بجعل واحد في غاية الوضوح.

فالصحيح ما ذكره شيخنا الأنصاري من التفصيل في القطع الموضوعي بين أن يؤخذ على نحو الصفتيّة وبين أن يؤخذ على نحو الكاشفيّة، فعلى الوجه الأوّل لا يمكن قيام الأمارة مقامه، فإنَّ التنزيل ينظر إلى جهة الكاشفيّة لا إلى وجود صفة في نفس المكلّف؛ فإنَّ هذا وإن كان قابلاً للتنزيل إلَّا أنَّ دليل الحجّيّة قاصر الدلالة عليه، فإنَّه ناظر إلى جهة الكشف عن الواقع، فبالنسبة إلى القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الصفتيّة، فدليل التنزيل قاصر الدلالة، أمّا بالنسبة إلى القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقيّة والكاشفيّة فلا قصور فيه، فالتفصيل هو الصحيح.

الثمرة المترتّبة

ويترتّب على قيام الأمارة مقام القطع الطريقي ثمرةٌ مهمّةٌ، وهو جريان الاستصحاب فيما إذا كانت الحالة السابقة غير متيقّنة وجداناً، وإنَّما قامت الأمارة على ثبوتها.

ــــــــــ[152]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

فإنَّه تارةً نقطع وجداناً أنَّ هذا الشيء كان نجساً ونشكّ أنَّه أصابه المطر أو لا، فنستصحب النجاسة، فموضوع الاستصحاب وهو اليقين والشكّ متحقّق وجداناً، فيشمله دليل الاستصحاب.

وأمّا إذا فرضنا أنَّ الحالة السابقة لم تكن متيقّنة، بل قامت الأمارة على ثبوتها، كما لو قامت البيّنة على أنَّ هذا المائع نجس، ونحتمل أن يكون في الواقع طاهراً، وأنَّ البيّنة مشتبهة ولكن حكمنا بنجاسته تعبّداً، وبعد ذلك احتملنا إصابته للمطر، فهنا بأيّ ميزان نستصحب؟ فإنَّ موضوعه وهو اليقين والشكّ غير متحقّق فإنَّا لسنا على يقين بالنجاسة، والنجاسة الظاهريّة وإن كنّا على يقين بها، إلَّا أنَّها بالنسبة إلى الحدوث لا البقاء، والنجاسة الواقعيّة لا ندري بحدوثها، فمتى كنّا على يقين بالنجاسة ليشمله دليل الاستصحاب. فهذه عويصة تذكر في جريان الاستصحاب في غير اليقين الوجداني، وأشكل عليه صاحب الكفاية هناك(1).

ولكن على ما ذكرناه من قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي إذا كان مأخوذاً على وجه الطريقيّة يكون الأمر واضحاً، فنحن كنّا على يقين من نجاسة هذا الشيء يقيناً تعبّديّاً، فيشمله: “لا تنقض اليقين بالشكّ”، فكما أنَّ اليقين الوجداني مأخوذاً في الموضوع كذلك الأمارة تقوم مقامه ويترتّب عليها ما يترتّب على القطع، فجريان الاستصحاب يكون بلا إشكال، فهذه الشبهة لا ترد أصلاً.

ــــــــــ[153]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأُصول: 428.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ثُمَّ إنَّ هذا الذي ذكرناه بنفسه جار في الأُصول العمليّة، أمّا إذا كان الأصل محرزاً وناظراً إلى الواقع كالاستصحاب وقاعدة التجاوز والفراغ وقاعدة رجوع المأموم إلى الإمام وبالعكس، ففي هذه الموارد التي ألغى فيها الشكّ واعتبر المكلّف عالماً يقوم الأصل مقام العلم الطريقي والموضوعي، فإن كان للعلم أثر يترتّب أثره على الأصل المحرز، فكما أنَّ الأمارة تقوم مقامه كذلك الاستصحاب وغيره من الأُصول المحرزة.

ــــــــــ[154]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9









الفارق بين الأمارات والأصول المحرزة

 

وقد يتوهّم الفارق بين الأُصول والأمارات، فيقال: بقيام الأمارة مقام القطع الموضوعي دون الأُصول، بتقريب: إنَّ الأمارة لم يؤخذ في موضوعها الشكّ فلا مانع من تنزيلها منزلة العلم، فيكون للعلم فردان فرد وجداني وفرد تعبّدي، وأمّا الأصل فإنَّه وإن كان محرزاً وناظراً إلى الواقع، ولكن لا يمكن تنزيله منزلة العلم، فإنَّ غايته الجري العملي على طبق اليقين السابق، بأن يفرض نفسه كأنَّه متيقّن فيجري على طبقه، لا أنَّه يفرض عالماً بالشيء، فإنَّ الشكّ مأخوذ في موضوع الحكم، ومعه كيف يمكن أن يفرض علماً، وليس هذا إلَّا جمعاً بين النقيضين، فإنَّ الشاكّ كيف يكون عالماً؟ لذا يلتزم أنَّ المجعول في باب الأمارات غير المجعول في الأُصول، فالمأخوذ في باب الأمارات هو الطريقيّة وتتميم الكشف وما ليس بعلم علماً، وأمّا في الأُصول فالمأخوذ فيها هو الجري العملي على طبق اليقين السابق، فلا يقوم مقام القطع الموضوعي لعدم إمكان اعتبار العلم لمن فرض أنَّه شاكّ.

لكن هذا يندفع بأنَّ الشكّ المأخوذ في موضوع الأُصول شكّ وجداني والعلم علم تعبّدي ولا تنافي بينهما، فيقال: أيّها الشاكّ وجداناً إنَّك عالم في حكم الشارع، كما هو الحال في جميع التنزيلات، كقوله: (الفقاع خمر) فلا تنافي 

ــــــــــ[155]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

بين أن يكون فقاعاً وجداناً وخمراً تنزيلاً. نعم، لا يمكن أن يكون الشكّ والعلم كلاهما تعبّدياً أو وجدانيّاً، ولكن يمكن أن يكون شاكّاً وجداناً وعالماً تعبّداً، وليس بينهما تنافٍ، بأن يُقال: أيّها الشاكّ بالحالة السابقة أنت متيقّن تعبّداً.

بل الأمر كذلك في الأمارات، فلو تمّت هذه الشبهة، وهي عدم إمكان التنزيل في الأُصول باعتبار أخذ الشكّ في موضوعها لجرت في الأمارات أيضاً، لأنَّا ذكرنا غير مرّة: أنَّ الإهمال في الحكم الواقعي غير معقول بالنسبة إلى الملتفت العالم، ومن قامت في حقّه الأمارة ينقسم إلى أقسام: إمّا أن يكون عالماً بمطابقتها للواقع، وإمّا أن يعلم بعدم المطابقة، وإمّا أن يشكّ في ذلك ويتردّد ولا علم له بالحال.

فإنَّه لو كان عالماً بمطابقتها للواقع لما احتاج إلى تنزيلها منزلة العلم واعتبارها علماً وجعل حجّيّتها حينئذٍ، وهذا واضح.

كما أنَّه لا يمكن تقييده بما إذا علم بعدم مطابقتها للواقع، فإنَّه حينئذٍ لا تكون البيّنة حجّة؛ لأنَّ العلم حجّيّته ذاتيّة كما تقدّم، فلا يمكن أن يُقال: أيّها العالم بمخالفة البيّنة للواقع هي حجّة عليك. وكذلك الإطلاق بالنسبة إلى من يعلم بالوفاق أو بالخلاف غير معقول؛ لأنَّ جعل الحكم بالنسبة إليهما غير معقول(1)، فيتعيّن أن يكون الموضوع للحجّيّة هو الجاهل غير العالم 

ــــــــــ[156]ــــــــــ

() إلَّا على مبنى غير صحيح في الإطلاق، وهو أنَّه لا يتضمّن الانحلال، ولا هو ناظر إلى الأفراد والحصّص، وإنَّما هو واقف على العنوان، فيكون الإطلاق للأفراد المستحيلة ممكناً على هذا المسلك غير الصحيح. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

بالخلاف ولا بالوفاق بهذا القيد. 

إذن، فالبيّنة حجّيتها ثابتة في خصوص الشخص الشاكّ. فقد أُخذ الشكّ في موضوعها، مّما يعني: أنَّ الموضوع الواقعي هو الشاكّ الذي لا يدري بالواقع، غايته: أنَّه لم يؤخذ في لسان الدليل في الأمارات وأخذ في لسان الدليل في الأُصول العمليّة وقاعدة التجاوز والفراغ، وإلَّا فموضوع الحكم هو الشاكّ لا محالة في الأمارات والأُصول معاً، ومع فرض أنَّه شاكّ وجداناً يفرض عالماً، ولا تنافي بين العلم التعبّدي والشكّ الوجداني.

بل في بعض الأمارات أخذ الشكّ في لسان دليلها، كقوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(1) فالذي لا يعلم هو الذي يرجع إلى أهل الخبرة، وقد استدلّ بهذه الآية تارة لحجّيّة خبر الواحد، وأُخرى لحجّيّة فتوى الفقيه.

نعم، في بعض الموارد لا يمكن قيام الأصل مقام القطع الموضوعي لمانع في ذلك المورد، لا لعدم إمكان الجعل والتنزيل، وذلك كالقطع المأخوذ في موضوع الصلاة بالنسبة إلى غير الركعتين الأخيرتين في الرباعيّة، كالركعتين الأوليين فيها أو الثلاثة في الثلاثيّة، فقد أُخذ في لسان الدليل اليقين والإثبات، ولا يجوز المضي بها مع الشكّ فيها، حتّى رجاءً حتّى يظهر الحال، بل يحكم ببطلان الصلاة إذا بقي على شكّه.

ففي مثل ذلك لو قامت الأمارة على أنَّ هذه الركعة هي الركعة الأُولى أو 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

(1) النحل: 272.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

هي الثانية فلا إشكال، كما لو فرضنا أنَّ المأموم حافظ -وإن قلنا: إنَّ هذا من باب الأصل لا من باب الأمارة- فيفرض تعبّداً أنَّ الإمام ليس شاكّاً وأنَّه لا أثر لشكّه فيمضي في صلاته، فتقوم الأمارة هنا مقام القطع الموضوعي.

وأمّا الاستصحاب فلا يمكن أن يقوم مقام القطع الموضوعي فيستصحب عدم دخوله في الركعة الثانية أو في الثالثة، فإنَّ هذا الاستصحاب لو كان جارياً لجرى في تمام هذه الموارد، ويكون اعتبار الإحراز والإثبات واليقين لغواً؛ لأنَّ المكلّف في جميع الموارد يكون محرزاً، فما معنى هذا الكلام؟ وما هو المصحّح لاعتبار اليقين في هاتين الركعتين؟ فنفس هذا الاعتبار دليل على إلغاء الاستصحاب وأنَّه غير جارٍ، فلا يمكن أن يُقال بالأصل المحرز لو كان قائماً مقام القطع الموضوعي لقام في المقام أيضاً. هذا لا يمكن لوجود خصوصيّة في المقام.

ــــــــــ[158]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9







الأصول غير المحرزة

 

فهل الأمر في الأصول غير المحرزة كأصالة البراءة والاحتياط كذلك من حيث قيامها مقام القطع أو لا؟

أمّا عدم قيامها مقام القطع المأخوذ في الموضوع فواضح، وأمّا قيامها مقام القطع الطريقي فأيضاً كذلك، وإن كان دون الأوّل في الوضوح؛ وذلك: لأنَّ البراءة والاحتياط العقليين، ليسا إلَّا إدراك العقل استحقاق العقاب على شيء أو عدم الاستحقاق، ففي موارد قبح العقاب بلا بيان يدرك العقل أنَّ العبد لا يستحقّ العقاب بعد أن لم يصل الواقع، ولم تقم عليه حجّة، فيدرك أنَّ المولى الحكيم لا يعاقب على هذا الفعل.

وقد مرّ أنَّ المراد بالحكم العقلي هو إدراكه وإلَّا فالعقل ليس له بعث وزجر وترخيص، وإنَّما هذه الأُمور من أحكام الشارع والعقل ليس بمشرّع، وإنَّما وظيفة العقل الإدراك، فيدرك عدم استحقاق العقاب في مورد، واستحقاقه في مورد آخر، كما في الشبهات قبل الفحص وموارد العلم الإجمالي.

إذن، فالتنجيز والتعذير هما ممّا يدركه العقل ابتداءً، يعني: إدراكه لاستحقاق العقاب وإدراكه لعدمه، فليس هنا شيء يقوم مقام القطع في التنجيز والتعذير، بل هما من مدركات العقل ابتداءً.

ــــــــــ[159]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وأمّا بالنسبة إلى البراءة والاحتياط الشرعيين، إذا قلنا بالاحتياط في موارد الشبهات التحريميّة، كما ذهب إليه الإخباريون(1) في موارد النفوس والأعراض والأموال المهمّة، حيث استكشفنا من مذاق الشارع أنَّه لا يرضى بالمخالفة الواقعيّة، وأنَّه يجب الاحتياط عند الشكّ.

قد يتوهّم قيام الاحتياط الشرعي مقام القطع الطريقي في تنجيز الواقع، كما أنَّ ترخيص الشارع بجعل البراءة في الشبهات الوجوبيّة والتحريميّة -على ما هو الصحيح في جريان البراءة فيهما- فيقوم مقام القطع الطريقي في التعذير عن الواقع. ولذلك ذكر صاحب الكفاية(2) عند تعرّضه لهذه المسألة: أمّا الاحتياط الشرعي فلا نقول به، فكأنَّه إذا قلنا به فهو يقوم مقام القطع الطريقي، ولكنّه ممنوع صغرى.

ولكن الظاهر أنَّ الأمر ليس كذلك، بل حتى لو قلنا بالاحتياط الشرعي، فمع ذلك لا معنى لقيامه مقام القطع الطريقي وتنزيله منزلته؛ فإنَّه فرق بين أن يكون المكلّف عالماً بالواقع، فإنَّ هذا لا يتحقّق في موارد البراءة الشرعيّة والاحتياط؛ فإنَّه في البراءة الشرعيّة فرض أنَّ الواقع مجهول، وبما أنَّه مجهول فهو مرفوع، فالواقع لا يتنجّز لعدم العلم به، لا للعلم بعدم الواقع، ففي موارد الأمارات قد فرض أنَّ المكلّف عالم بعدم التكليف بمقتضى التعبّد الشرعي، فلو أنَّ الأمارة قامت على عدم التكليف، وكذلك الاستصحاب، إذا فرضنا أنَّ 

ــــــــــ[160]ــــــــــ

(1) الحدائق الناضرة 1: 44.

(2) انظر: كفاية الأُصول: 265.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الحالة السابقة كانت هي عدم التكليف، وجرى الاستصحاب في موارد، فالمكلّف عالم بعدم التكليف تعبّداً، كما في مايع كنّا نعلم أنَّه ليس بخمر واحتملنا انقلابه خمراً.

وأمّا في موارد البراءة الشرعيّة فلم يفرض المكلّف عالماً بعدم التكليف، بل لسانها هو كون الترخيص في ظرف الجهل: “رُفِع مَا لَا يَعْلَمُون‏”(1)وكلّ شيء حلال حتّى تعرف أنَّه حرام فتدعه(2) ففي جميع ذلك ثبت الترخيص مع فرض أنَّ المكلّف جاهل بالواقع، والواقع لم يصل إليه. فما معنى قيام البراءة قيام القطع؟

هذا على طرف النقيض من العلم؛ إذ فرض أنَّه ليس بعالم، غايته: رخّص فيه، ونتيجته: عدم تنجّز الواقع.

والأمر في موارد الاحتياط أيضاً كذلك، فلم يفرض في موارده أنَّ المكلّف عالم بالواقع، بل مع فرض جهله يتنجّز الواقع عليه، باعتبار اهتمام الشارع وعدم رضاه بفوات الملاك الواقعي لأهمّيّته كما في النفوس والأعراض، وعدم وقوع المكلّف في المفسدة العظيمة الواقعيّة، فإنّه أوجب الاحتياط في فرض الشبهة وعدم وصول الواقع، ولذلك قسّم الإمام عن رسول الله 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

() التوحيد (الصدوق) 353، 56 باب الاستطاعة، الحديث: 24، الخصال 2: 417، “رفع عن هذه الأمة تسعة أشياء“، الحديث: 9.

(2) الكافي 5: 313، باب النوادر، الحديث: 39، تهذيب الأحكام 7: 216، الباب 21 من الزيادات، الحديث: 8.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الأمور إلى ثلاثة أقسام: (أمر بيّن رشده فيتّبع وأمر بيّن غيّه فيجتنب وشبهات بين ذلك، فمن ارتكب الشبهات أوشك أن يقع في المحرّمات فيهلك من حيث لا يعلم)(1) لا أنَّه يهلك من جهة علمه بالتكليف، فالاحتياط يوجبه الشارع في فرض جهل المكلّف بالواقع وعدم علمه، وهذا الإيجاب بما أنَّه واصل إلى المكلّف يوجب استحقاق العقاب، لكنّه يستحقّه على الواقع، لا على مخالفة الأمر بالاحتياط؛ لأنَّه لم ينشأ من مصلحة في نفسه وإنَّما هو خطاب طريقي، وأمّا إذا لم يكن هناك واقع كانت المخالفة تجرّياً، كما سبق في بحث التجرّي.

إذن، ففي موارد البراءة والاحتياط في الشبهات الموضوعيّة والحكميّة لا يقومان مقام القطع الطريقي، بل هما والقطع الطريقي على طرفي نقيض؛ إذ فرض المكلّف فيه عالماً وفرض فيهما جاهلاً.

فإلى هنا ظهر أنَّه لابدَّ من التفصيل بين الأُصول المحرزة وغيرها، فالمحرزة منها تقوم مقام القطع الطريقي، بل مقام القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقيّة، إلَّا إذا قام الدليل على عدم قيامه كما ذكرنا في الشكّ في ركعات الصلاة؛ إذ لا يقوم الاستصحاب مقام القطع، وإلَّا فالقاعدة تقتضي قيامه مقامه، وأمّا الأصل غير المحرز فلا معنى لقيامه مقام القطع الطريقي فضلاً عن القطع الموضوعي.

ــــــــــ[162]ــــــــــ

(1) الكافي 1: 68، باب اختلاف الحديث، الحديث: 10، تهذيب الأحكام 6: 302، باب 92، الزيادات في القضايا والأحكام، الحديث: 52. مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ما ذكره صاحب الكفاية معلّقاً

بقي شيء نتعرّض إليه لفائدة في التعرّض، وإلَّا فإنَّه لا أثر له.

ذكر صاحب الكفاية في تعليقته على الرسائل(1): إمكان قيام الأمارات والأُصول مقام القطع الطريقي والموضوعي بتنزيل واحد من دون حاجة إلى تنزيلين، وهو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، ولا يلزم منه الجمع بين اللحاظين ولا يتوقّف عليه، بل يكفي تنزيل واحد، ولكن عدل عن ذلك في الكفاية، وقال: إنَّه لا يمكن لأنَّه مستلزم للدور(2).

أمّا تقريب المطلب الذي ذكره في التعليقة فهو أن يُقال: إنَّ دليل التنزيل ناظر إلى تنزيل المؤدّى منزلة الواقع من دون تعرّض إلى تنزيل الأمارة منزلة العلم. ولكن تنزيل المؤدّى منزلة الواقع يمكن أن يكون بلحاظ كونه تمام الموضوع، ويمكن أن يكون بلحاظ كونه جزء الموضوع، فإن كان بلحاظ كونه تمام الموضوع فهو معنى تنزيل الأمارة منزلة القطع الطريقي؛ لأنَّ الواقع يتنجّز بالواقع، فلو قامت الأمارة على شيء فإنَّ آثار الواقع تترتّب عليه.

وأمّا إذا كان التنزيل ناظراً إلى أخذ المؤدّى جزءاً أو قيّداً في الموضوع، فتنزيل شيء منزلة شيء آخر جزءاً للموضوع أو قيداً له يستلزم تنزيل شيء آخر لا محالة، لأنّ الجزء والقيد لا أثر له، وإنَّما الأثر للمجموع المركّب من الأجزاء أو من القيد والمقيّد، فإذا كان تنزيل المؤدّى منزلة الواقع مطلقاً من جهة آثار 

ــــــــــ[163]ــــــــــ

(1) انظر: درر الفوائد: 29، 30.

(2) انظر: كفاية الأُصول 266.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

نفسه ومن جهة كونه قيداً أو جزءاً من الموضوع، فهذا الإطلاق يقتضي تنزيلاً آخر بنحو الدلالة الالتزاميّة، فنعرف من هذا أنَّ الأمارة نزلت منزلة العلم.

فبالمطابقة ينزل المؤدّى منزلة الواقع، وبالالتزام تنزل الأمارة منزلة العلم، يعني فينزل العلم بالواقع التنزيلي منزلة العلم بالواقع الحقيقي. إذن، فيمكن إنَّ يُقال: إنّ دليل التنزيل متكفّلاً لتنزيل المؤدّى منزلة الواقع فقط، دون تنزيل الأمارة منزلة العلم، ليقال: إنّه يلزم الجمع بين اللحاظين: الآلي والاستقلالي، وإنّما اللحاظ استقلالي فقط، ولكن بإطلاق التنزيل يقتضي تنزيل المؤدّى منزلة جزء الموضوع، وهو يستلزم وجود جزء آخر له، وليس ذلك إلّا نفس الأمارة، باعتبار كونها تقوم مقام القطع الموضوعي.

إلّا أنّه ذكر في الكفاية(1) أنّه لا يخلو من تكلف وتعسف، وذكر في وجهه أنّه يستلزم الدور، فإنّ تنزيل شيء منزلة شيء آخر وهو جزء للموضوع يتوقّف التنزيل بلحاظ الواقع على أن يكون الجزء الآخر محرزاً بالوجدان أو بالتعبّد والتنزيل في عرض هذا التنزيل، والمفروض أنَّ ذاك التنزيل مترتّب على هذا التنزيل، أي: بعد فرض كونه جزءاً للموضوع يستلزم هذا التنزيل الذي نتكلّم عنه (يعني تنزيل المؤدّى منزلة الواقع)، فتتوقّف صحّة هذا التنزيل على صحّة ذلك التنزيل؛ إذ لولاه لكان لغواً، لأنَّ جزء الموضوع لا أثر له ولا معنى لتنزيله ما لم ينضمّ  إليه الجزء الآخر، وتنزيل شيء منزلة جزء الموضوع يتوّقف على تنزيل الجزء الآخر في  عرضه، أو يكون محرزاً بالوجدان، فهذا التنزيل يتوقّف على ذاك 

ــــــــــ[164]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأُصول: 266.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

التنزيل، والمفروض(1) أنَّ هذا التنزيل غير ناظر إلى ذاك التنزيل، وهذا دور.

وتفصيل الكلام في المقام: أمّا بالنسبة إلى أصل المقام، فقد ظهر أنَّ أساس هذا الأمر -وهو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع- باطل، وقلنا: إنَّ هذا التنزيل لا أثر له في موارد القطع الطريقي، وأنَّ أدلّة الحجّيّة لا تفيده، وبحسب مقام الثبوت هو غير ممكن؛ لأنَّه مستلزم للتصويب، بل أدلّة الحجّيّة متكفّلة لجعل التنجيز والتعذير على ما أفاده صاحب الكفاية، وقلنا: إنَّه غير صحيح، ومتكفّلة لجعل الطريقيّة والكاشفيّة وجعل ما ليس بعلم علماً، فإنَّ الحكم الوضعي أيضاً قابل للجعل، فأساس هذا الكلام  باطل، وهو دعوى أنَّ أدلة الحجّيّة ناظرة إلى تنزيل المؤدّى منزلة الواقع.

وبحسب كبرى المسألة -مع قطع النظر عن ذلك- فإنَّ تنزيل شيء منزلة شيء إمّا أن يكون ذلك الشيء بسيطاً غير مركّب من جزئين أو أكثر فيترتّب عليه الأثر ولا إشكال، وإن كان دليل التنزيل ناظراً إلى مركّب من جزئين، كما في مسألة الماء والكرّيّة، فإنَّ العصمة وعدم الانفعال بملاقاة النجس أو المتنجّس موضوعها الماء الكرّ، فلابدَّ أن يكون الشيء ماءً وكرّاً ليتحقّق الموضوع فيشمله الحكم، والكرّ بما هو كرّ أو الماء بما هو ماء لا أثر له ويتنجّس بالملاقاة، فعدم الانفعال ما لم يتغيّر متقوّم بأمرين: أحدهما: أن يكون الملاقى ماء، وثانيهما: أن يكون كرّاً.

ــــــــــ[165]ــــــــــ

() يعني: أنَّ المفروض أنَّ دليل الحجّيّة يتكفّل أحد التنزيلين، وهو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع دون تنزيل الجزء الآخر، وهو تنزيل الأمارة منزلة العلم بالواقع؛ لأنَّه مستلزم لاجتماع اللحاظين. (المقرّر). 

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وهذان الجزءان قد يحرزان بالوجدان، وقد يكون كلاهما ثابتاً بالتعبّد، كما لو قامت البيّنة على أنَّ هذا ماء وكونه كرّاً فلا إشكال، أو يثبتان بالاستصحاب، كما لو كان هذا كرّاً وماء ونشكّ بارتفاع الوصفين فنستصحب كلا الأمرين، وقد يكون دليل التنزيل والتعبّد مثبتاً لأحد الجزئين دون الجزء الآخر، كما لو قامت البيّنة على أنَّه ماء ولم يكن معلوم الكرّيّة، وجرى الاستصحاب في كونه ماء، ولم يجر في كونه كرّاً لنكتة كموارد العلم الإجمالي، كما لو علمنا إجمالاً أنَّه إمّا هذا الماء كرّ وذاك الماء كرّ، ففي مثل ذلك لا أثر للتعبّد بالجزء؛ لأنَّ المفروض أنَّ الجزء لا أثر له، وإنَّما الأثر مترتّب على المجموع، فإن كان الجزء الآخر -وهو الكرّيّة- محرزاً بالوجدان أو بالتعبّد في عرض هذا التعبّد، فيرجع التعبّد بالجزئين إلى تعبّد بالمجموع المركّب من الجزئين، فلا إشكال فيه. إذن، فلا فرق في الموضوع المركّب بين أن يثبت كلا جزئيه بالوجدان أو بالتعبّد، أو أحدهما بالوجدان والآخر بالتعبّد.

وأمّا لو فرضنا أنَّ شيئاً من ذلك لم يكن، فلم يكن كلا الجزئين محرزين بالوجدان، ولا كلاهما ثابتين بالتعبّد، ولا أحدهما بالتعبّد والآخر بالوجدان. حينئذٍ لا معنى لشمول دليل التنزيل لأحد الجزئين، والمقام من هذا القبيل، فإنَّ دليل التنزيل يرجع -على الفرض- إلى تنزيل المؤدّى منزلة الواقع بصفته جزء الموضوع، والجزء الآخر هو تنزيل العلم بالمؤدّى التنزيلي منزلة العلم بالمؤدّى الحقيقي، أي: تنزيل الأمارة منزلة العلم، والمفروض أنَّ جزء الموضوع المركّب لا أثر له إلَّا إذا انضمّ إليه الجزء الآخر، وفي المقام وإن ثبت الجزء الأوّل وهو 

ــــــــــ[166]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، إلَّا أنَّه لا أثر له ما لم ينضمّ إليه التنزيل الآخر، وهو تنزيل الأمارة منزلة القطع، وقد فرض استحالته، لأنَّه مستلزم للجمع بين اللحاظين: الآلي(1) والاستقلالي.

إذن، فالصحيح ما ذكره في الكفاية من عدم إمكان تكفّل دليل واحد لكلا التنزيلين، فإنَّ الدلالة الالتزاميّة فرع شمول دليل التنزيل للمؤدّى بلحاظ أنَّه جزء، وهذا لا يمكن؛ لأنَّ شموله له لا معنى له إلَّا بلحاظ ترتّب الأثر عليه، وترتّب الأثر عليه يتوقّف أن يكون الجزء الآخر محرزاً إمّا بالوجدان أو بالتعبّد، وفي المقام غير محرز بالوجدان وبالتعبّد. أمّا بالوجدان فالمفروض أنَّنا ليس لنا علم بالواقع، وأمّا بالتعبّد فلأنَّ المفروض أنَّ التنزيل ليس بلحاظ العلم نفسه.

إذن، فالدليل لا يشمله. نعم، لو فرض أنَّ الدليل دلّ بالخصوص على تنزيل شيء منزلة جزء الموضوع، فإنَّنا نستكشف بالدلالة الالتزاميّة تنزيل الجزء الآخر منزلة الجزء الآخر من الموضوع، وإلَّا لزم اللغويّة في المقام، إلَّا أنَّه لا يقاس المقام بالدليل الخاصّ، فإنَّ التنزيل الخاصّ ينظر إلى المورد القابل، ولا يكون المورد قابلاً إلَّا إذا كان الجزء الآخر ثابتاً بالوجدان أو بالتعبّد.

ونظيره ما قلنا في مبحث الأصل المثبت من أنَّ الاستصحاب إنَّما يجري إذا كان له أثر فعلي، وأمّا إذا كان له أثر عادي أو عقلي فلا يشمله دليل الاستصحاب إلَّا بعناية زائدة، وأمّا لو ورد دليل خاصّ وحكم المولى بجريان 

ــــــــــ[167]ــــــــــ

() اللحاظ الآلي في طرف تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، واللحاظ الاستقلالي في طرف تنزيل الأمارة منزلة القطع. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الاستصحاب في مورد ليس له أثر شرعي، فنعرف ثبوت الحكم لملازمه، فنلتزم به بدلالة الاقتضاء وصوناً لكلام المولى عن اللغويّة.

فتحصّل أنَّ كلام صاحب الكفاية وإن لم يكن تامّاً إلَّا أنَّ المدّعى صحيح، فالأمارات تقوم مقام القطع الطريقي ومقام القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقيّة. 

نعم، ما ذكره في ذيل كلامه من أنَّه لو تمّ هذا الوجه لقامت الأمارات مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الصفتيّة، لا يمكن المساعدة عليه، فإنَّ دليل التنزيل كما ذكرناه ناظر إلى جهة الكشف والطريقيّة، وليس ناظراً إلى القطع باعتباره صفة نفسيّة رافعة للتحيّر والتردّد، والدلالة عليه تحتاج إلى عناية.

ــــــــــ[168]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9








اتّحاد الظنّ مع القطع 

 

إنَّ الظنّ بحكم قد يؤخذ في موضوع حكم آخر يخالفه، لا يماثله ولا يضادّه، كما لو أخذ الظنّ بوجوب الصلاة موضوعاً لوجوب الصدقة، فهذا أمر جائز لا مانع منه. كما كان جائزاً في القطع، فإن فرضنا أنَّ الظنّ تمام الموضوع فلا إشكال، سواء كان الظنّ معتبراً أو لم يكن.

وأمّا إذا فرضنا أنَّ الظنّ ليس بتمام الموضوع، بل كان جزءه وكان الجزء الآخر هو نفس الواقع، كما تصوّرنا نظيره في القطع، فكان الحكم مترتّباً على مجموع الأمرين: الظنّ وثبوت الواقع، وهذا فيما إذا كان الظنّ معتبراً لا إشكال في ترتّب الحكم الواقعي عند وجود الظنّ عليه لا محالة؛ إذ الفرض أنَّ الظنّ محرز بالوجدان، والواقع محرز بالتعبّد، فكلا الجزئين متحقّقان في الخارج بضمّ الوجدان إلى التعبّد، وأمّا إذا كان الظنّ غير معتبر فلا يمكن أن يترتّب ذلك الحكم لاحتمال مخالفته للواقع، فلا يترتّب الحكم إلَّا مع إحراز الواقع بطريق آخر من أمارة معتبرة أو أصل محرز كالاستصحاب، وأمّا إذا لم يكن شيء غير هذا الظنّ، والمفروض أنَّه غير معتبر، فالظنّ وإن كان موجوداً إلَّا أنَّه بالنسبة إلى الجزء الآخر وهو نفس الواقع لا يحرز ثبوته لا وجداناً ولا تعبّداً، والمفروض أنَّ الظنّ ليس تمام الموضوع فلا يترتّب الحكم الثابت 

ــــــــــ[169]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

للمجموع المركّب من الظنّ وثبوت الواقع.

وأمّا أخذ الظنّ بحكم في موضوع شخص ذلك الحكم فهو أمر مستحيل، كما كان مستحيلاً في القطع والملاك واحد؛ وذلك: لأنَّ معنى أخذه في موضوع أنَّ الحكم لا يتحقّق في الخارج، ولا يكون فعليّاً إلَّا مع تحقّق الظنّ، فإنَّ الحكم لا يمكن أن يكون فعليّاً، إلَّا مع فعليّة موضوعه، وفرض تعلّق الظنّ بالحكم هو أنَّ الحكم ثابت قبل ذلك قد يظنّ به، وقد يقطع به، وقد يظن بخلافه، فلابدّ من كون الحكم مفروض الثبوت في المرتبة السابقة على الظنّ، فإذا كان مترتّباً على الظنّ كان ما فرض متأخّراً متقدّماً، وما فرض متقدّماً متأخراً، وهذا لا يمكن.

ما اختاره الميرزا ونقله

   إذا كان الظنّ بحكم مأخوذاً في موضوع حكم آخر مماثل له، كما لورد: إذا ظننت بوجوب الصلاة فتجب عليك الصلاة بوجوب آخر -وقد تقدّم الكلام في نظيره في القطع- وقلنا: بأنَّ شيخنا الأُستاذ(1) أنكر هذا؛ فإنَّ القاطع يرى مطابقة قطعه للواقع دائماً، فيرى أنَّ الحكم ثابت في الواقع لعنوان الصلاة، فجعل الحكم بعنوان الظنّ بالوجوب يلزم منه اجتماع المثلين(2) في نظر القاطع. 

ــــــــــ[170]ــــــــــ

() انظر: أجود التقريرات 2: 18.

(2) إنَّما يلزم ذلك على تقدير تسليمه فيما إذا كان المتعلّق متّحداً، بأن ورد: إذا قطعت بوجوب الصلاة وجبت عليك نفس الصلاة بوجوب آخر، وأمّا مع تعدّد المتعلّق فلا مجال لتوهّم استحالته، بأن يُقال: إذا قطعت بوجوب ركعتين فصلِّ أربعاً مع ركعتين أخرى، وهذا بمكان من الإمكان، كما هو واضح. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وقد أجبنا عن ذلك هناك، وقلنا: لا مانع من جعل حكم لعنوان العامّ، وجعل حكم آخر لعنوان الخاصّ، ويتأكّدان في مورد الاجتماع، وإن قلنا بجواز ذلك في القطع ففي الظنّ بطريق أولى.

وإن بنينا على أنَّ ذلك في القطع مستحيل، فإنَّه يمكن في الظنّ، فإنَّ الظنّ ليس كالقطع، فإنَّ الظانّ يحتمل عدم مطابقة ظنّه للواقع وإن كان الظنّ معتبراً؛ فإنَّ التعبّد الشرعي وإن ألغى احتمال الخلاف إلَّا أنَّه موجود وجداناً، فيمكن أن يكون العنوانان متصادقين من وجه، فإنَّ الظنّ بالوجوب قد يكون مطابقاً للواقع وقد لا يكون، والوجوب الواقعي قد يكون مظنوناً وقد لا يكون، فإمكان ذلك في الظنّ بلا إشكال.

ولو فرضنا أنَّ ذلك لا يمكن في الظنّ المعتبر، فجوازه في الظنّ غير المعتبر بلا إشكال، فإنَّ الواقع مجهول ويحتمل عدم مطابقته للواقع، فلم يثبت الواقع لا وجداناً ولا تعبداً، فلا مانع من جعله موضوعاً لحكم آخر.

ولو فرضنا أنَّ الحكم الآخر مضادّ للحكم الأوّل لا مماثل له، فقد يفصّل بين ما إذا كان معتبراً وبين ما إذا لم يكن معتبراً، كما لو ورد: إذا ظننت بنجاسة شيء فهو لك طاهر واقعاً -مثلاً- فإذا فرضنا أنَّه معتبر فهو غير ممكن جزماً، حاله حال القطع؛ إذ لا يجتمع الأمران، فإنَّ الظنّ معتبر، وأنَّ المكلّف عالم بالواقع، ولابدَّ أن ينبعث عن بعث المولى، ولا يجتمع مع النهي والزجر عن الفعل، فهذا غير ممكن جزماً، كما كان هو الحال في القطع.

ــــــــــ[171]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ما اختاره الآخوند ونقده

وأمّا إذا كان غير معتبر، فقد ذكر صاحب الكفاية(1) أنَّه أمر ممكن؛ فإنَّ الواقع مجهول ومرتبة الحكم الظاهري محفوظة، فإذا كان كذلك لم يكن مانع من جعل حكم آخر، كما هو الحال في مورد الشكّ، فكما كان يمكن جعل أصالة الإباحة في فرض الشكّ، كذلك في الظنّ غير المعتبر، فإنَّ حاله حال الشكّ، والجامع بينهما أنَّ مرتبة الحكم الظاهري محفوظة والواقع لم يصل، ولا يستلزم هذا الظنّ باجتماع المثلين، وإلَّا كان يستلزم الشكّ باجتماع الضدّين في ظرف الشكّ، وهو أيضاً لا يمكن، إذ إنَّ اجتماع الضدّين لا يقع، ولا يقطع بوقوعه ولا يظنّ ولا يشكّ.

والجواب: أنَّه ليس من اجتماع الضدّين أصلاً لاختلاف المرتبة، ومرتبة الحكم الظاهري محفوظة.

وهذا الذي أفاده في نفسه صحيح، فأنَّ جعل الحكم الظاهري في ظرف الشكّ بالواقع ممكن، كذلك في حال الظنّ غير المعتبر؛ فإنَّ حاله حال الشكّ، إلَّا أنَّ هذا خارج عن مورد البحث؛ والكلام في أخذ الظنّ بحكم في موضوع حكم آخر مضادٍّ له واقعاً، وجعل حكم واقعي موضوعه الظنّ بحكم آخر، لا جعل حكم ظاهري كذلك. 

فهل هذا ممكن أو غير ممكن؟ والصحيح أنَّه غير ممكن ولا فرق بين الظنّ المعتبر وغير المعتبر؛ فإنَّه إذا فرضنا أنَّ الحكم المظنون مطلق وثابت في فرض 

ــــــــــ[172]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأُصول: 267.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الظنّ بالخلاف أيضاً، فإنَّه تارةً نفرض أنَّ الحكم الواقعي مقيّد بأن لا يظنّ بخلافه، فهذا خارج عن محلّ الكلام، وأمّا إذا كان الحكم الواقعي مطلقاً على تقدير مطابقة الظنّ للواقع، فهو ثابت في جميع حالات المكلّف ومن حالاته الظنّ بوجود الحكم، وفرضنا جعل حكم آخر مضادٍّ لذلك الحكم في خصوص ما إذا ظنّ بالوجوب، فكان هذا موضوعاً لذلك الحكم واقعاً، فمعناه: أنَّه مع الوجوب يثبت في الواقع حكمان: أحدهما الوجوب على نحو الإطلاق، والآخر التحريم على نحو التقييد، وهذان الحكمان لا يمكن جعلهما؛ إذ بعد فرض ترتّب الحكم الأوّل على نحو الإطلاق، لا يمكن جعل حكم آخر مضادٍّ له واقعاً.

نعم، الحكم الظاهري لا مانع منه -كما يأتي في بحث الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة، وسبق في الدورات السابقة(1)– وأمّا جعل حكمين واقعيين أحدهما للشيء في نفسه، والآخر بعنوان مظنون الوجوب فغير ممكن؛ لأنَّ لازمه جعل حكمين متضادّين عند مطابقة الظنّ للواقع.

ــــــــــ[173]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 121.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9






وجوب الموافقة الالتزاميّة

 

ويقع الكلام في جهتين:

الجهة الأولى: في ثبوت هذا الوجوب وعدمه.

الجهة الثانية: في الثمرة المترتّبة على القول بالوجوب.

وقبل ذلك يتكلّم في معنى وجوب الموافقة الالتزاميّة بأحكام الله تعالى.

لا إشكال أنَّ المراد به ليس هو وجوب تصديق النبي في كلّ ما جاء به من الأحكام، فإنَّ هذا من أُصول الدين ومقدّمات الإسلام، فهو أجنبي عن الحكم الشرعي، ليقال: إنَّه ثبت بالدليل، وإنَّما يختصّ بوجوب الموافقة الالتزاميّة -على تقدير ثبوته- بالأحكام الإلزاميّة(1) الشرعيّة، فوجوب تصديق النبي لا يختصّ بالأحكام الإلزاميّة، بل يعمّ سائر ما أخبر به النبيُّ، فإنَّه يجب تصديقه، فإنَّه معنى النبوة؛ لأنَّه لا معنى لنبوّة رجل كاذب، وهذا أجنبي عن الموافقة الالتزاميّة المختصّة بالأحكام الإلزاميّة.

ــــــــــ[174]ــــــــــ

() لم يظهر من مجموع البحث وجه فني لاختصاص المسألة بالحكم الإلزامي؛ فإنَّه يمكن أن يُقال: أنَّه يجب الالتزام باستحباب المستحبّ وكراهة المكروه، بل بإباحة المباح، أو يُقال: إنَّه يجب الالتزام بالحكم الإلزامي، ويستحبّ بالحكم غير الإلزامي، ويباح في الإباحة. والله العالم. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

كما أنَّ وجوب الموافقة الالتزاميّة أجنبي عن وجوب قصد التقرّب في العبادات، وأنَّه لابدَّ من الإتيان بالعبادة بقصد أن يكون مأموراً بها، فإنَّ هذا يختصّ ببعض الواجبات الإلهيّة، ولا يجري في المعاملات والأحكام التحريميّة، فإنَّه لا يجب أن يترك الكذب أو يردّ الدين أو يرد السلام قربة إلى الله، فالمراد به وجوب عقد القلب والبناء على هذا الحكم الإلزامي زائداً على عمل الجارحة، فلابدَّ من البناء على أنَّ هذا واجب وهذا محرّم، فلو فرض أنَّه لم يبنِ على وجوبه فقد ارتكب معصيّة وترك واجباً من الواجبات الإلهيّة، أو أنَّه لو ترك محرّماً ولم يكن بانياً على أنَّه حرام، فلابدَّ من الالتزام أنَّه ترك واجباً، وإن كان بحسب الجارحة لم يرتكب حراماً، فهل يجب أمر آخر زائداً على عمل الجوارح من الواجبات والمحرّمات، وهو البناء على حرمة كلّ حرام و وجوب كلّ واجب، أو إنَّ هذا لم يدلّ عليه دليل؟

الكلام في الجهة الأُولى

 هل ثبت ذلك في الأحكام الشرعيّة الإلزاميّة؟ الظاهر أنَّه لم يثبت ذلك، لا بحسب الدليل الشرعي ولا العقلي، وذلك: إمّا بحسب الدليل الشرعي فلأنَّ أدلّة الواجبات والمحرّمات لا يستفاد منها أكثر من البعث أو الزجر عن متعلّقاتها، وزائداً على الفعل الخارجي لم يدلّ على وجوبه دليل غير وجوب تصديق النبي الذي قلنا: إنَّه خارج عن محلّ الكلام، ولا يختصّ بالأحكام الإلزاميّة، بل يعمّها ويعمّ غير الأحكام أيضاً مّما يخبر به.

وأمّا من ناحية العقل فواضح، فإنَّ العقل لا يحكم ولا يدرك إلَّا وجوب 

ــــــــــ[175]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

إطاعة المولى والإتيان بما أمر به وترك ما نهى عنه، وأمّا التشريع وإيجابه لشيء وإلزامه به فلا يكون أبداً، فإنَّ العقل ليس بمشرّع، فوجوب الموافقة الالتزاميّة لم تثبت بدليل عقلي ولا شرعي.

الكلام في الجهة الثانية

 على تقدير ثبوت وجوب الموافقة الالتزاميّة، فهل هناك ثمرة تترتّب عليه؟

المورد الأوّل: إنَّ الثمرة تترتّب في جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي فيما إذا لم تكن مخالفة عمليّة قطعيّة، فإذا لم نقل بوجوب الموافقة الالتزاميّة فلا مانع من جريان الأصل في جميع أطراف العلم الإجمالي؛ لأنَّ جريانه فيها لا يستلزم المخالفة العمليّة القطعيّة.

فلو دار الأمر بين الوجوب والحرمة بين المحذورين لشبهة حكميّة أو موضوعيّة، فهنا يمكن إجراء أصالة البراءة عن الوجوب باعتبار كونه مجهولاً فيتمسّك بحديث الرفع، فيثبت أنَّه من ناحية الفعل لا عقاب؛ لأنَّ الوجوب مجهول فهو مرفوع في مرحلة الظاهر، وكذلك الحال في الحرمة.

قالوا: لو قلنا: إنَّ الموافقة الالتزاميّة غير واجبة فلا مانع من جريان الأصل في الطرفين؛ لأنَّ المفروض أنَّه لا يمكن المخالفة القطعيّة؛ لأنَّ الإنسان لا يخلو من الفعل أو الترك، وإنَّما الموافقة والمخالفة احتمالية على كلّ تقدير، وأمّا إذا قلنا بوجوب الموافقة الالتزاميّة فيكون حاله حال ما إذا لزم من جريان الأصل في تمام الأطراف المخالفة العمليّة، فإنَّه لا يمكن التمسّك بأصالة الطهارة في كلا طرفي العلم الإجمالي؛ لأنَّه إذا كانت الموافقة الالتزاميّة واجبة فبجريان الأصل 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

في باب دوران الأمر بين المحذورين لابدَّ أن نلتزم بإباحة ما هو إلزامي جزماً، إمّا الواجب وإمّا الحرام، فيكون وجوب الموافقة الالتزاميّة مانعاً عن جريان الأُصول.

المورد الثاني: من مانعيّتها عن جريان الأُصول ما إذا كان الأصل الجاري ينقّح عدم التكليف، كما لو كان هناك إناءان نجسان وأصاب أحدهما المطر فطهر، فالآن لا نحتمل نجاسة كلٍّ من الإناءين، بل أحدهما طاهر جزماً، ففي كلٍّ من الإناءين يمكن جريان الاستصحاب، ونتيجته: أنَّ ملاقي الشبهة المحصورة يكون نجساً، وإن لم نقل بنجاسة الملاقي في غير هذا المورد، كما لو كان الإناءان مسبوقين بالطهارة وعلمنا بنجاسة أحدهما، ففي مثل ذلك لا نلتزم بنجاسة الملاقي وإن وجب الاجتناب عنهما، لأنّ الملاقي شبهة بدويّة وليس طرفاً للعلم الإجمالي، لكن في مثل المقام إذا كان الإناءان مسبوقين بالنجاسة وعلمنا بطهارة أحدهما فيما إذا لاقى أحدهما ثالثاً فنحكم بنجاسته بمقتضى الاستصحاب في الطرف الملاقى.

فهل يمكن جريان الاستصحاب في كلٍّ من الطرفين؟ والمفروض أنّه لا يلزم منه مخالفة عمليّة؛ لأنّ الحالة السابقة في كلا الإناءين هي الحكم الإلزامي.

قالوا: إنّنا إذا قلنا بوجوب الموافقة الالتزاميّة فلا يمكن جريان الاستصحاب؛ لأنّنا إذا أجريناه وحكمنا بنجاسة كلا الإناءين فقد التزمنا بنجاسة ما هو طاهر واقعاً.

ومعلوم أنّ مانعيّة الموافقة الالتزاميّة بعد فرض أنّ الأصول تشمل أطراف 

ــــــــــ[177]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

العلم الإجمالي، مّما يعني: أنّ المقتضي تام، فإنّه يقع الكلام من ناحية ثبوت المقتضي في محلّه من الأصول العمليّة، وبعد الفراغ عن أنّ الأصول شاملة للأطراف في أنفسها -كما هو الصحيح- فنحتاج إلى إبداء المانع أمّا المخالفة القطعيّة العمليّة فلا إشكال من مانعيّتها على ما يأتي، وأمّا الموافقة الالتزاميّة فهل تكون مانعة عن جريان الأصول أو لا؟

الظاهر أنّها لا تكون مانعة عن ذلك؛ وذلك لأنّنا إذا قلنا بعدم وجوب الموافقة الالتزاميّة، وفرضنا أنّ إطلاق الأدلة شامل للأطراف فلا مانع من جريان الأصول في الأطراف في كلا صورتي العلم الإجمالي بالنجاسة ودوران الأمر بين المحذورين.

بل حتّى لو قلنا بوجوبها فإنّها لا تكون مانعة عن جريان الأصول، والوجه في ذلك: أنّ القائل بالوجوب إمّا أن يدّعي أنَّه يجب الالتزام بالحكم الواقعي على ما هو عليه في الواقع، فإنَّ هذا لا ينافي جريان الأصل، فإنَّه أيّ منافاة بين أن يكون كلّ من الإناءين نجساً في الظاهر، وأحدهما طاهراً في الواقع، يعني: أنّ المكلف يجب أن يعامل مع كلا الإناءين معاملة النجس مع كون أحدهما طاهراً، وكذلك في دوران الأمر بين المحذورين، فلا مانع من الالتزام بوجود حكم إلزامي على واقعه، ولكنّا نلتزم أنّه مرفوع ظاهراً، والمكلّف لا يستحّق العقاب لعدم تماميّة البيان أو للجهل به وشمول الأدّلة له.

وإن أراد القائل أنَّ وجوب الموافقة الالتزاميّة لابدّ وأن يكون بالحكم بشرطه وخصوصه، فلو فرضنا ذلك سقط التكليف لا محالة؛ إذ المفروض أنّه 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

لا يتمكن من الالتزام بخصوص الوجوب أو خصوص الحرمة، أو بطهارة هذا الإناء بخصوصه أو ذاك بخصوصه، فهذا التكليف ساقط لعدم القدرة. إذن، لا مانع من جريان الأصول.

أو ادّعى القائل بالوجوب بأنّه في فرض عدم القدرة على الالتزام بكلا الحكمين فلابدَّ من الالتزام بأحدهما من باب التخيير، فهذا ساقط جزماً، فإنّ وجوب الموافقة الالتزاميّة على تقدير وجوبها، باعتبار اقتضاء نفس أدّلة التكاليف لها، فإنّ التكليف إنّما يقتضي وجوب البناء على نفسه لا على نفسه وضدّه، فلا دليل على وجوب الموافقة الالتزاميّة الاحتماليّة، بل الدليل قائم على عدمها، فإنّ هذا تشريع(1) محرم، فإنّه كيف يمكن للإنسان أن يلتزم بوجوب ما لا يعلم بوجوبه أو بطهارة ما لا يعلم بطهارته في صورة دوران الأمر بين المحذورين، أو في المورد الآخر؟

فالصحيح أنّ هذا البحث ساقط، ولا دليل على وجوب الموافقة الالتزاميّة، وعلى تقديره لا ثمرة لها، وليس هناك مانع عن جريان الأصول، إلَّا المخالفة العمليّة القطعيّة، ولا تكون الموافقة الالتزاميّة مانعاً. هذا تمام كلامنا في وجوب الموافقة الالتزاميّة.

ــــــــــ[179]ــــــــــ

() هذا إنّما يلزم إذا التزم المكلف التزاماً قطعيّاً بالحكم المحتمل، وأمّا إذا كان الالتزام احتماليّاً فلا محذور، بمعنى: أنّه يلتزم بأن هذا حكم الله على تقدير مطابقته للواقع، فينتج: أننا نلتزم أنَّ الموافقة الالتزاميّة القطعيّة إذا امتنعت تتبدّل إلى الموافقة الالتزاميّة الاحتماليّة بهذا المعنى؛ إلّا أنَّ هذا جارٍ في كلا الطرفين، ولا يأتي فيه التخيير، كما هو واضح للمتأمّل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

 

قطع القطّاع

 

قد يكون القطع حاصلاً من أسباب متعارفة، بحيث إنَّ هذا السبب إذا حصل لكلّ شخص عادي يحصل له القطع، ففي مثل ذلك لا إشكال في حجّيّته، وأنَّه طريق إلى الواقع، وأنَّه إذا أُخذ في موضوع حكم يترتّب عليه الحكم ولو كان غير هذا الشخص غير ملتفت إلى سببه، ولكن إذا حصل يحصل له القطع.

وقد يكون حاصلاً من سبب غير عادي، وهو معنى قطع القطّاع، فهو شخص يحصل له القطع بسرعة، فهل يكون هذا القطع حجّة، وإذا كان هذا مأخوذاً في موضوع الحكم، فهل يترتّب عليه الحكم أو لا؟

وأمّا بالنسبة إلى حجّيّة القطع فقد تقدّم أنَّها ذاتيّة وغير قابلة لأن تنالها يد الجعل رفعاً ووضعاً، فلا فرق في حجّيّته بين الحاصل بسبب متعارف أو بسبب غير متعارف، فإنَّه إذا حصل القطع فالمكلّف لا يحتمل الخلاف فإنَّه يرى الواقع، وإن كان هذا السبب لا يكون سبباً بالنسبة إلى غيره، فمثل هذا القطع غير قابل للنهي عن العمل به وسلب الحجّيّة عنه.

وأمّا بالنسبة إلى القطع المأخوذ في الموضوع فهو أمر ممكن بأن يجعل الشارع قسماً خاصّاً من القطع فيأخذه في موضوع حكمه، ولا يكون الحكم مترتّباً إلَّا 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

على هذا القسم دون غيره، إلَّا أنَّه في قطع القطّاع لا أثر له، فإنَّ القطّاع وإن كان يمكن أن يلتفت إلى حاله وأنَّه يحصل له القطع بسبب غير عادي، إلَّا أنَّه بالنسبة إلى كلّ قطع يرى أنَّ هذا السبّب سبب له، وتخطّئة(1) غيره في عدم حصول القطع له، فيرى نفسه مصيباً وغيره مخطئاً في ذلك، فلو فرضنا أنَّ القطع المأخوذ في الموضوع على نحو أن يكون حاصلاً من سبب عادي يليق أن يكون سبباً له -وإن كان غيره لا يرى ذلك- إذن، لا أثر في تقسيم القطع إلى القطع العادي وغيره، بالنسبة إلى القطع الطريقي ولا الموضوعي.

ــــــــــ[181]ــــــــــ

() هذا في صورة اشتراكهما في السبب، وأمّا عند انفراده به كالمنام فسببّيّة السبب بالنسبة إلى غيره من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9








مباحث العلم الإجمالي

 

  • ذهاب صاحب الكفاية إلى الترخيص
  • الشيخ الأنصاري وعدم إرادة الإطلاق
  • الاكتفاء بالامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي
  • التحقيق بما لو كان الاحتياط مستلزماً للتكرار
  • الكلام في الظنّ المعتبر
  • الكلام في الظنّ المطلق

ــــــــــ[183]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9




مباحث العلم الإجمالي

 

بعد أن فرغنا عن البحث في العلم التفصيلي، وأنَّ حجّيّته ذاتيّة وغير قابلة للانفكاك عنه، ولا تناله يد الجعل رفعاً ولا وضعاً.

ويقع الكلام في العلم الإجمالي، والكلام فيه يقع في مقامين:

المقام الأوّل: في تنجيز العلم الإجمالي وعدمه.

المقام الثاني: في جواز الاقتصار على العلم الإجمالي في مرحلة الامتثال مع التمكّن من الامتثال التفصيلي، كما لو دار أمر القبلة بين جهتين، وكان مستطيعاً أن يصلّي إلى كليهما، فهل له أن يقتصر في مقام الامتثال بالصلاة إلى جهة واحدة أو لا؟

والكلام في المقام الأوّل يقع في جهتين: 

الجهة الأوّلى: في تنجيز العلم الإجمالي من ناحية حرمة المخالفة القطعيّة، ومعنى ذلك: هو البحث عن جواز الرجوع إلى الأُصول العمليّة النافيّة للتكليف في تمام الأطراف وعدم جوازه -والبحث عن هذه الجهة متقدّم عن البحث في الجهة الثانية، وهي: أنّه بعد الفراغ عن ذلك وأنَّه لا يمكن الرجوع إلى الأُصول في جميع الأطراف لاستلزامه المخالفة القطعيّة، وهو غير ممكن، فهل يمكن الرجوع إليه في بعض الأطراف دون بعض؟ وهو البحث عن 

ــــــــــ[185]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وجوب الموافقة القطعيّة- ومعلوم أنَّ البحث عن هذه الجهة مترتّب على البحث عن الجهة الأُولى؛ إذ لو قلنا بجواز جريان الأصل في جميع الأطراف فجريانه في البعض جائز جزماً.

الجهة الثانية: وهي الرجوع إلى الأصل في بعض الأطراف، فمعلوم أنَّه لا قطع في الطرف الواحد، وإنَّما هو احتمال مقرونٌ بالعلم الإجمالي، فهذه الجهة يناسبها البحث عن أحكام الشكّ والأُصول العمليّة، فهناك نتكلّم عن أنَّه هل يجري الأصل في بعض الأطراف أو لا؟ فكلامنا فعلاً يقع في الجهة الأُولى، ونؤجّل الثانية إلى محلّها.

فيقع الكلام في إمكان الرجوع إلى الأُصول النافيّة للتكليف في جميع الأطراف، والكلام في هذه الجهة يقع في موارد: 

المورد الأوّل: أن يبحث في حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، فهل يمكن شموله للأطراف باعتبار أنَّ كلّ طرف لم يتمّ عليه البيان، وإن كنّا نعلم ثبوت التكليف في الجامع بينه وبين غيره، غاية الأمر: نعلم بالمخالفة بعد الارتكاب، فلو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين، فعند شرب الأوّل ليس هنا علم بالحرمة، فالبيان لم يتمّ فيجوّز شربه، وذلك يجوّز شرب الإناء الثاني؛ لأنَّه من المحتمل أنَّ الأوّل حرام فلم يتمّ عليه البيان، فيحصل لنا علم بالمخالفة  في هذا الطرف أو الطرف الأوّل، وهذا لا بأس به، فيقال: إنَّ قاعدة قبح العقاب لا تختصّ بالشبهات البدويّة، بل تعمّ أطراف العلم الإجمالي.

المورد الثاني: أنَّه بعد الفراغ عن أنَّ حكم العقل بقبح العقاب لا يشمله لتماميّة 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

البيان على ما نبيّن، يقع الكلام عن إمكان الجعل الشرعي والترخيص المولوي في بعض(1) الأطراف دون بعض، أو أنَّ هذا الترخيص فيه محذور ولا يمكن.

المورد الثالث: أنَّه بعد فرض الإمكان، فهل هو واقع في الخارج بأن يدّعى أنَّ أدلّة الأُصول شاملة لجميع الأطراف أو لا؟

المورد الأوّل: قد يُقال: إنَّ قاعدة قبح العقاب تشمل سائر الأطراف، فإنَّ حكم العقل بقبح العقاب وإن كان حكماً استقلاليّاً، إلَّا أنَّ موضوعه هو المعصية وهي لا تتحقّق إلَّا عند إحراز المكلّف، وأنَّ ما يرتكبه من فعل أو ترك هو مخالفة للمولى، وهذا غير متحقّق في موارد العلم الإجمالي، فإنَّه عند ارتكاب أحدهما يحتمل أنَّ الحرام هو الثاني وكذلك الآخر، والبيان لم يتمّ على كلّ واحد بخصوصه، غايته: يحصل بعد الارتكاب العلم بالمخالفة في أحدهما، وهذا لا محذور فيه، فإنَّ تحصيل العلم بالمخالفة بعد الارتكاب الخارجي لا محذور فيه، كما لو ارتكب شبهة بدويّة، ثُمَّ علم بعد ذلك بكونها حراماً واقعاً، فإنَّه في مثله لا يمكن أن يُقال: إنَّ هذا محرّم.

ولكنّه واضح الفساد، فإنَّ العبرة في تنجّز التكليف الواقعي إنَّما هو وصوله إلى المكلّف صغرى وكبرى –كما تقدّم غير مرّة– وقلنا: إنَّ وصول أحدهما مع الجهل بالأخرى لا يكفي في التنجيز، أمّا إذا علم بحكم الشارع بحرمة الخمر(2) على نحو القضيّة الحقيقيّة، والصغرى متحقّقة في الخارج أيضاً، 

ــــــــــ[187]ــــــــــ

() مقتضى السياق أن يبحث عن جريان الأصل الشرعي في تمام الأطراف. (المقرّر).

(2) يعلم بحرمة شرب النجس في البين (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

فإنَّه يعلم أنَّ أحد المايعين خمر جزماً.

فالكبرى واصلة والصغرى معلومة والتكليف منجز، غاية الأمر: لا تمييز خارجاً، ومعلومٌ أنَّه مع وصول للتكليف صغرى وكبرى كيف يُقال:
إنَّ البيان لم يتمّ من قبل المولى، وإنَّه يقبح العقاب من جهة عدم البيان، فمثلاً لا يمكن أن يُقال: إنَّ ابن المولى العرفي لو كان مردّداً بين شخصين فللعبد ضربهما معاً، ويعتذر إلى المولى بأنَّه لم يعرف ابنه بعينه. هذا لا يمكن، فالعقاب عقاب مع البيان.

ومن الضروري أنَّ التمييز لا يعتبر في التنجيز في حكم العقل، ولأجل ذلك: لو ارتكبهما معاً لا تدريجاً فلا ينبغي الشكّ في الحرمة، كما لو نظر إلى امرأتين يعلم أنَّ أحدهما أجنبية والأُخرى من المحارم، فهل يكون عذراً عند المولى أن يقول بأنّي لم أميّز الأجنبيّة بعد تحقّقها خارجاً؟

إذن، فلا يحتمل أن يكون هذا من موارد حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، والبيان تامّ، وهذا واضح جدّاً.

المورد الثاني: بعد حكم العقل باستحقاق العقاب، وأنَّه يكفي في استحقاق العقاب احتماله، فهل يمكن للشارع أن يرخّص في الارتكاب أو لا؟ 

المورد الثالث: وعلى تقدير الإمكان فهل هو واقع أو لا؟ وهل يمكن التمسّك بأدلة الأُصول العمليّة أو لا؟ إلَّا أنَّه على تقدير عدم الإمكان في الجهة السابقة لا تصل النوبة إلى البحث في الجهة الأخيرة كما هو واضح.

ــــــــــ[188]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9



ذهاب صاحب الكفاية إلى الترخيص

 

ذكر صاحب الكفاية(1) أنَّه لا مانع من جعل الترخيص في كلّ واحد من أطراف العلم الإجمالي، ولا يفرق في ذلك بين موارد الشبهات البدويّة أو الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي؛ إذ المانع المتصوّر في المقام إنَّما هو مناقضة الحكم الظاهري للواقعي، بأن يُقال: كيف يمكن مع فرض حكم الشارع بحرمة أحدهما الحكم بإباحة كلٍّ منهما، ومعلوم أنَّ الموجبة الجزئيّة تناقضها السالبة الكلّيّة، ولو كان هذا من التضادّ أو التناقض -باعتبار أنَّ لازم الإباحة هو عدم الحرمة- لما أمكن الرجوع إلى الأُصول المرخصّة في الشبهات البدويّة أيضاً؛ لأنَّ المناقضة لا تختصّ بفرض العلم والوصول، فإنَّه كما يستحيل العلم باجتماع النقيضين، كذلك يستحيل احتمال اجتماعهما؛ مع أنَّنا في الشبهات البدويّة نحتمل أنَّه حرام واقعاً، ونجزم بأنَّه مباح ظاهراً، فكيف يجتمعان إذا كان هذا من التناقض؟

بل كيف يمكن الرجوع إلى الأُصول في أطراف العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة، مع أنَّهم اتّفقوا أو تسالموا على أنَّ تمام الأطراف مجرى للأصل المرخّص، مع العلم بوجود التكليف بينها، فلو كان من التناقض لما أمكن ذلك.

ــــــــــ[189]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأُصول: 272.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وعلى هذا بنى على أنَّ هذا ليس من باب المتضادّين ولا المتناقضين؛ لأنَّ الحكم الواقعي ليس حكماً فعليّاً من تمام الجهات؛ لأنَّ الحكم إنَّما يكون فعليّاً بعد وصوله، وأمّا عند عدم الوصول فمرتبة الحكم الظاهري محفوظة، ولا تنافي بين حكم إنشائي غير فعليٍّ وبين حكمٍ فعليٍّ، وإنَّما يقع التنافي بين الحكمين الفعلييّن بأن يكون المولى في مقام البعث أو الزجر الفعلييّن. كما ذكره في أوّل مبحث القطع(1).

فإذا التزمنا أنَّ الحكم الواقعي بعد لم يصل إلى حدّ الفعليّة، فكما يمكن جعل الحكم الظاهري على خلافه في الشبهات البدويّة، كذلك يمكن في أطراف العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة، بل في المحصورة أيضاً، ففي كلّ من الطرفين يلزم أنَّ هذا المائع شربه حلال ظاهراً، وإن كنّا نعلم أنَّ أحدهما نجس في الواقع، فإنَّ العلم بالحرمة الواقعيّة بالنسبة إلى أحدهما لا ينافي جريان الأصل في كلّ منهما لعدم تنافي الحكم الظاهري والواقعي.

وهذا مبني على ما ذكره في وجه الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة من أنَّ الحكم الواقعي ليس بفعلي من تمام الجهات، وعليه فلا منافاة من الحكمين الواقعي والظاهري؛ إذ يمكن جعل الترخيص الفعلي ظاهراً مع وجود حكم واقعيٍّ ليس بفعليٍّ، فإنَّ التنافي إنَّما يقع بين الحكمين الفعلييّن، وليس المقام هكذا.

وقد تعرّضنا سابقاً لبيان أنَّ الحكم ليس له مراتب عديدة، على ما ذكره من 

ــــــــــ[190]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأُصول: 258.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وجود الحكم الإنشائي والحكم الفعلي من بعض الجهات والفعلي من تمام الجهات. بل قلنا: إنَّ الحكم ليس له واقع إلَّا مقام الجعل والإنشاء، يعني: اعتبار شيء على ذمّة المكلّف وإبراز هذا الاعتبار بمبرز من لفظ وغيره، فإن كان الموضوع مفروض الوجود ولم يتحقّق فالحكم لا وجود له إلَّا في مرحلة الجعل، ونعبّر عنه بمرحلة الإنشاء، وإذا تحقّق الموضوع بجميع شرائطه وقيوده كان الحكم فعليّاً ويخرج من حدّ الفرض والتقدير إلى حدّ الفعليّة والتحقّق، ويكون قابلاً للباعثيّة والزاجريّة.

فهذا هو واقع الحكم، وعند التأمّل والتحقيق لا نجد الحكم إلَّا ذا مرتبتين، مرتبة الجعل والإنشاء، وفيها يوجد الحكم على نحو القضايا الحقيقيّة والكبرى الكلّيّة، والمرتبة الأُخرى يكون الحكم فعليّاً بتحقّق موضوعه بحسب الخارج.

وأمّا أنَّ المعلوم بالإجمال يكون فعليّاً من بعض الجهات فلا نعرف له معنى محصّلاً، فإذا علمنا أنَّ أحد المائعين خمر أو أحد المائين نجس، والمفروض أنَّ الكبرى واصلة إلينا، وهي: أنَّ شربه حرام، كما أنَّ المفروض أنَّنا نعلم بتحقّق الصغرى في الخارج فالحكم صار فعليّاً، فيزجرنا المولى عن شرب النجس، وبعد تحقّق التكليف في الخارج، كيف يمكن أن يرخّص في الطرفين؟ والمفروض أنَّ أحد الطرفين هو الخمر الموجود المعلوم حرمة شربه، فكيف يزجرنا عنه ويرخّصنا فيه؟

ولا معنى لنقض ذلك بالشبهات البدويّة، ويقال: إنَّه إذا لم يكن في العلم الإجمالي كذلك، ففي الشبهات البدويّة كذلك أيضاً؛ لأنّ النقيضين كما لا يمكن 

ــــــــــ[191]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الجزم بتحقّقهما كذلك لا يمكن احتمالهما، وهذا النقض غير وارد، والوجه فيه ما ذكرناه: أنّ كلّ حكمين شرعيين ليس بينهما تضادّ من حيث أنفسهما، فإنّ حقيقة الحكم هو الاعتبار، والاعتبار خفيف المؤونة، ولا مضادّة بين اعتبار واعتبار آخر من جهة من الجهات، وإنّما يقع التضادّ بين الحكمين من أحد أمرين: إمّا التضاد من جهة المبدأ باعتبار أنّ كل حكم ينشأ من سبب من الأسباب لا محالة، وإمّا من مصلحة أو مفسدة على ما يراه العدليّة، أو الإرادة والشوق على ما يراه الأشعري، ولا يمكن أن يكون الحكم مشتملاً على مصلحة ملزمة ومفسدة ملزمة استقلاليّتين بلا كسر وانكسار، كما لا يمكن أن يكون مشتملاً على مفسدة ملزمة، ولا يكون مشتملاً عليها في نفس الوقت، وإمّا أن ينشأ التضادّ من المنتهى باعتبار أنَّ الحكمين غير قابلين للامتثال في الخارج، فلو أوجب المولى شيئاً وحرّمه في الخارج لم يكن المكلّف قادراً على الجمع بين الامتثالين لا محالة. إذن، فالحكمان يتضادّان إمّا من ناحية المبدأ، أو من ناحية المنتهى.

وهذا لا يجري في موارد الأحكام الظاهريّة مع الأحكام الواقعيّة؛ وذلك: أمّا من جهة المبدأ فواضح، فإنَّ الحكم الظاهري(1) لا ينشأ من مصلحة أو 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّ شيئاً ممّا ذكره السيّد لا يصلح أن يكون دليلاً على كون الحكم الظاهري لا ينشأ من مصلحة في متعلّقه، بل المطلب متوقّف على إثبات ذلك من الخارج، فإن ثبت كان تامّاً وإلَّا يعني إذا علمنا أو احتملنا نشأة الحكم الظاهري من مصلحة في متعلّقه فنحتمل أو نعلم بمنافاة تلك المصلحة للمصلحة الواقعيّة الموجودة في الحكم الواقعي. إذن، لا يكفي أن يكون هذا بياناً للجمع بين الحكمين الظاهري والواقعي، كما هو واضح. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

مفسدة في متعلّقه وليس فيه من مصلحة أو مفسدة إلَّا الواقع، وإنَّما تجعل الأحكام الظاهريّة من مصلحة في نفس الجعل كالتسهيل وغيره، فمن ناحية المبدأ ليس بينهما تناقض.

وكذلك من ناحية المنتهى، فإنَّ الحكم الظاهري لا يكون فعليّاً إلَّا إذا كان الواقع ليس بواصل؛ لأنَّه أخذ في موضوعه الشكّ بالواقع، وإذا لم يكن واصلاً لا يكون قابلاً للمحرّكيّة، وإذا وصل الحكم الواقعي لا يبقى مجال للحكم الظاهري لارتفاع موضوعه، ولا يمكن أن يصل الحكمان معاً إلى المكلّف، ليقال: كيف يمكن الجمع بين امتثاليهما؟

إذن، فلا منافاة بين الحكم الظاهري والواقعي لا من جهة المبدأ ولا المنتهى.

وأمّا في موارد العلم الإجمالي فالمفروض أنَّ الحكم الواقعي قد وصل حيث علمنا أنَّ أحد الإناءين خمر، والمكلّف قادر على الامتثال على الفرض، فالعقل يلزمنا بالامتثال وترك الحرام الواقعي الموجود، وكيف يجتمع هذا مع الترخيص في الطرفين؟ فالنقض بالشبهات البدويّة في غير محلّه.

وبذلك يظهر أنَّه لا وجه لقياس موارد العلم الإجمالي بالشبهات البدويّة، فإنَّه في موارد العلم الإجمالي قد وصل الحكم الواقعي كبرى وصغرى، فإنَّنا نعلم بأنَّ الخمر حرام في الشريعة، وأنَّ أحد المائعين خمر، وبعد ذلك حكم 

ــــــــــ[193]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

العقل بلزوم امتثال الحكم الواصل إلى المكلّف، فلابدَّ من الاجتناب عن الحرام الواقعي الموجود في البين، ومعه كيف يمكن الترخيص بارتكاب الطرفين، فبين العلم الإجمالي والشبهات البدويّة فرق واضح وبون بعيد.

نعم، نقضه بموارد الشبهة غير المحصورة وارد، فإنَّ من يقول بجريان البراءة في تمام الأطراف يرد عليه هذا النقض؛ إذ لا فرق بين الشبهة المحصورة وغير المحصورة، فإنَّ قلّة الأطراف وكثرتها لا دخل لها في اجتماع الحكم الواقعي والظاهري، فإذا أمكن جعل الحكم الظاهري على خلاف الحكم الواقعي مع كثرة الأطراف أمكن مع قلّتها، وإذا لم يمكن مع القلّة لم يمكن مع الكثرة. فالقول بعدم الجواز في الشبهة المحصورة، والجواز في غير المحصورة لا يرجع إلى محصّل.

ومن هنا ذكرنا أنَّه لا فرق بين الشبهة المحصورة وغيرها، وأنّ العلم منجّز في جميع ذلك، سواء كانت الأطراف قليلة أو كثيرة، وتجويز المخالفة القطعيّة غير ممكن.

نعم، لو فرضنا أنَّ العلم الإجمالي لكثرة الأطراف لم يكن منجّزاً، لا للكثرة فقط، بل لأجل ملازم معها، كعجز المكلّف عن المخالفة بحيث حتّى لو أراد أن يخالف المعلوم بالإجمال فإنَّه لا يتمكّن منه، ففي مثل ذلك لا يكون التكليف منجّزاً، فإنَّ التكليف مشروط بالقدرة عليه، وفي موارد عدم القدرة تكون الشبهة بدويّة، فإنَّ هذا العلم الإجمالي بحكم الشبهة البدويّة، كما لو علم أنَّ امرأة من مجموع نساء العراق أو نساء الشرق محرّم عليه بالرضاع، فإذا أراد 

ــــــــــ[194]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

المخالفة لا يمكنه التزويج بكلّ امرأة لا محالة، أو لو علم أنَّ لحماً في مجموع دكاكين العراق غير مذكى، فلو أراد المخالفة لا يتمكن منها، ولو فرض أنَّه غير متمكّن من الامتثال، أو كان أحد الأطراف حرجيّاً أو ضرّريّاً فلا يكون منجّزاً.

والحاصل: أنَّ كثرة الأطراف بما هي كثرة لا أثر لها، فكما لا يمكن الترخيص في تمام الأطراف مع قلّتها كذلك لا يمكن مع كثرتها إذا كان المكلّف قادراً على الامتثال ولم يكن الامتثال حرجيّاً أو ضرّريّاً، أمّا إذا كان كذلك فلا يكون العلم الإجمالي منجّزاً لأمر آخر، ولا مانع من الرجوع إلى الأصل في الموارد التي لا يتمكّن المكلّف من ارتكابها، فالشبهة غير المحصورة بما هي غير محصورة لا نلتزم بجواز ارتكاب تمام الأطراف فيها، وإلَّا لكان النقض وارداً، وكلام صاحب الكفاية من هذه الناحية تامّ. وتفصيل الكلام في ذلك عند البحث عن العلم الإجمالي في مباحث الأُصول العمليّة.

فملخّص الكلام أنَّه في كل مورد كان التكليف واصلاً صغرى وكبرى وكان المكلّف متمكّناً من المخالفة من دون ضرّر أو حرج لا يمكن الترخيص على خلافه، فحال العلم الإجمالي حال التفصيلي، وقلنا: إنَّ حجّيّته ذاتيّة، فكذلك العلم الإجمالي، ولا فرق بينهما إلَّا في عدم وجود التمييز في العلم الإجمالي دون التفصيلي إلَّا أنَّه لا دخل له ولا أثر.

بقي شيء آخر: وهو أنَّه على ما ذكرناه من عدم إمكان جعل الحكم الظاهري في تمام الأطراف لا تصل النوبة إلى البحث عن مقام الإثبات، وأنَّ أدلّة الأُصول هل هي شاملة لأطراف العلم الإجمالي أو لا؟ فإنَّه إذا لم يمكن 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

جعل الترخيص في الأطراف، ولم يمكن تجويز المخالفة القطعيّة، فالبحث عن الدلالة لا أثر له.

لنفرض أنَّ الروايات مطلقة وشاملة لموارد العلم الإجمالي، إلَّا أنَّ الترخيص غير ممكن، ولابدَّ من رفع اليد عن هذا الإطلاق، وتخصيصه بالشبهة البدويّة أو ما يشبهها، كما لو لم يكن العلم الإجمالي منجّزاً لعدم القدرة أو لوجود الضرّر والحرج.

أمّا على مسلك صاحب الكفاية(1) من أنَّه يمكن جعل الترخيص في الأطراف في مرحلة الثبوت؛ لأنَّ مرتبة الحكم الظاهري محفوظة، فحينئذٍ يكون للبحث عن شمول الأدلّة للأطراف مجال واسع.

ــــــــــ[196]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأُصول: 272، 273.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9





الشيخ الأنصاري وعدم إرادة الإطلاق

 

وذكر شيخنا الأنصاري(1): أنَّ الروايات الدالّة على جريان الأُصول لا تشمل موارد العلم الإجمالي، وذلك للعلم إجمالاً بعدم إرادة الإطلاق أمّا في صدر الرواية أو في ذيلها، فهذا العلم الإجمالي يسقط الإطلاقين عن الحجّية لعدم الترجيح، ففي مثل قوله: (كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعلم الحرام منه بعينه فتدعه)(2) يكون مقتضى إطلاق الصدر شموله لأطراف العلم الإجمالي، فإنَّ كلّ طرف ممّا لا يعلم ومشكوك الحرمة، إلَّا أنَّ ذيل الرواية (حتّى تعلم أنَّه حرام) مطلق من حيث العلم التفصيلي والإجمالي، وأحد الإطلاقين لابدَّ من رفع اليد عنه؛ إذ لا يمكن التحفّظ على كلا الإطلاقين، والالتزام بأنَّ كلا الطرفين يجري فيهما الأصل، وأنَّ العلم الإجمالي مانع عن جريان الأصل، لأنَّ أحدهما معلوم الحرمة، فمن جهة المعارضة بين إطلاقي الصدر والذيل نعلم إجمالاً بسقوط أحد الإطلاقين؛ إذ لا ترجيح فيسقطان معاً. 

ــــــــــ[197]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 201.

(2) تقدّم تخريجه.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

إذن، في مقام الإثبات لا دليل لنا على جعل الترخيص الظاهري في أطراف العلم الإجمالي.

وكذلك الحال في الاستصحاب، فمقتضى إطلاق الصدر شموله لأطراف العلم الإجمالي، فإنَّ كلَّ واحدٍ منها في نفسه مشكوك، فلو كان كلّ من الطرفين طاهراً سابقاً، ثُمَّ علمنا إجمالاً بنجاسة أحدهما، فمقتضى إطلاق الصدر هو استصحاب طهارته، ولكنَّ الغاية، وهي: (لا تنقضه بيقين آخر) أعمّ من التفصيلي والإجمالي، ومعناه: عدم جريان الاستصحاب في كلّ منهما، فيسقط الإطلاقان، فالأدلّة لا تشمل موارد العلم الإجمالي.

نعم، يمكن دعوى أنَّ الغاية مختصّة بالعلم التفصيلي لكلمة (بعينه) الواردة في بعض الروايات (حتى تعرف أنَّه حرام بعينه) إلَّا أنَّ هذا لا يصحّ؛ لأنَّ كلمة (بعينه) يؤتّى بها للتأكيد المحض، كما يُقال: (رأيت زيداً بعينه) في مقابل أنَّه رأى ولده أو أثراً من آثاره، فهي تأكيد محض ولا تزيد على ما يستفاد من نفس الكلام. إذن، فالغاية مطلقة وشاملة للعلم الإجمالي أيضاً، ولابدَّ من الالتزام بسقوط أحد الإطلاقين، وحيث إنَّه لا ترجيح فيسقطان معاً، ولا يبقى في مقام الإثبات مقتضٍ لشمول الأدلّة لأطراف العلم الإجمالي.

ردّ كلام الشيخ الأنصاري

ولكن هذا لا يمكن المساعدة عليه، فإنَّه لولا ما ذكرناه من المانع الثبوتي، فالمانع الإثباتي غير موجود، ولا يتمّ ما ذكره لأمرين:

الأمر الأوّل: أنَّ هذه الغاية غير مذكورة في تمام الروايات، لا روايات 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

البراءة ولا روايات الاستصحاب، فيؤخذ بإطلاق تلك الروايات، وقلنا في بحث العام والخاصّ: إنَّ إجمال دليل لا يسري إلى دليل آخر، ولذا فإنَّ إجمال المخصّص المنفصل لا يسري إلى العام، فلو فرضنا أنَّنا التزمنا بأنَّ تلك الروايات مجملة، فيؤخذ بإطلاق غيرها؛ لأنَّ الرواية مجملة، لا أنَّها ظاهرة بالتقييد، وذلك كقوله “رفع ما لا يعلمون(1) و”الناس في سعة ما لا يعلمون(2) أو “كُلُّ شَيْ‏ءٍ مُطْلَقٌ حَتَّى يَرِدَ فِيهِ نَهْي“‏(3)(4)، ولا يسري الإجمال بما فيه الغاية إلى ما ليس فيه الغاية، بل هو مطلق فيؤخذ فيه ويشمل أطراف العلم الإجمالي.

وكذلك في أدلّة الاستصحاب ليس كلّ رواية منها مشتملة على هذه الكلمة، ولكن تنقضه بيقين آخر، كقوله: (اليقين لا ينقض بالشكّ)، وهذا مطلق لأطراف العلم الإجمالي، والمفروض أنَّ المانع الثبوتي غير موجود فيرجع إلى هذه الروايات.

ــــــــــ[199]ــــــــــ

() التوحيد (للصدوق): 353، باب الاستطاعة، الحديث: 24.

(2) عوالي اللآلئ 1: 424، الحديث: 109، مستدرك الوسائل 18: 20، الباب 12 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث: 4.

(3) لا يخفى أنَّ ذكر هذه الرواية سهو من السيّد الأُستاذ، فإنَّ للشيخ أن يقول بمنافاة ذيلها لصدرها أيضاً، لأنَّ العلم الإجمالي نحو من الوصول للنهي. (المقرّر).

(4) من لا يحضره الفقيه 1: 317، باب وصف الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها، الحديث: 937.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

على أنَّ بعض الروايات المغيّاة بالغاية لا ينكر ظهورها بالعلم التفصيلي من جهة كلمة (بعينه)، فإنَّه وإن كان يمكن أن يُقال: إنَّها تأكيد لا تأسيس في قوله (حتى تعرف أنَّه حرام بعينه) فتكون تأكيداً للضمير في قوله (أنَّه)، ولكن في رواية عبد الله بن سنان، يقول: “حَتَّى تَعْرِفَ الْحَرَامَ بِعَيْنِه”(1) وكم فرق بين التعبيرين؟ فكيف يُقال: إنَّه يشمل أطراف العلم الإجمالي، مع أنَّه في موارد لا تعرف الحرام بعينه، فدعوى أنَّ كلمة (بعينه) للتأكيد إذا تمّت في قوله: (حتّى تعرف أنَّه حرام بعينه) لا تتمّ في قوله حتى تعرف الحرام منه بعينه.

الأمر الثاني: مع قطع النظر  عن ذلك، وفرضنا أنَّ جميع الروايات مشتملة على الغاية، وأنَّ كلمة (بعينه) تأكيد، إلَّا أنَّه لا شك في ظهور أنَّ الغاية غاية يرتفع بها حكم الشكّ، يعني: بيّن الإمام حكم الشكّ وأنَّ المشكوك حلال: وأنَّه لا يجوز نقضه باليقين، ثُمَّ بيّن الغاية، فلا ينبغي الشكّ في أنَّ المستفاد منها أنَّ متعلّق  الشكّ لابدَّ وأن يكون هو متعلّق اليقين، وأنَّ ما كان مشكوكاً يكون متيّقناً به فتحصل الغاية، وأمّا إذا فرضنا أنَّ المشكوك باقٍ على مشكوكيّته وقد تعلّق اليقين بغير ما تعلّق به الشكّ، فكيف يكون هذا العلم غاية ورافعاً للحكم الأوّل؟

فلو كان عندنا إناءان مشكوكا الطهارة والنجاسة فحكمنا بطهارتهما، ثُمَّ علمنا إجمالاً بنجاسة أحدهما، فهل تبدّل الشكّ باليقين؟ كلا، فقد كان كّلاً من 

ــــــــــ[200]ــــــــــ

(1) المحاسن 2: 495، الباب 77، باب الجبن، الحديث: 596، الكافي 6: 339، باب الجبن، الحديث: 1.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الإناءين في أنفسهما مشكوكين، والآن أيضاً مشكوكان، والعلم تعلّق بالجامع بينهما على ما تقدّم من أنَّ متعلّق العلم الإجمالي يكون هو الجامع بين الأمرين أو الأُمور، فلم يتبدّل الشكّ باليقين.

وكذلك الحال في الاستصحاب، فلو كان عندنا إناءان مستصحَبَا الطهارة ثُمَّ علمنا إجمالاً بنجاسة أحدهما، فما كنّا على يقين في طهارته لم نتيقّن بنجاسته، فإنّا تيقّنّا بنجاسة الجامع بين الأمرين، وهو لم يكن مشكوكاً فيه.

فظهور أدلّة البراءة والاستصحاب عرفاً بأنَّ المشكوك بنفسه يصبح متيقّناً، وهذا الظهور غير قابل للإنكار، فدعوى أنَّ النجاسة مطلقة للعلمين التفصيلي والإجمالي غير مسموعة.

الأمر الثالث: لو أغمضنا عن ذلك، وتمّ ما ذكره، فلازمه أن يلتزم بعدم جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي حتّى لو لم يكن منجّزاً، لخروج بعضها عن محلّ الابتلاء مثلاً، أو كان بعضها مورداً لقاعدة الاشتغال، والآخر مورداً للبراءة، فأحدهما نافٍ والآخر مثبت، ففي مثله لا يمنع الشيخ الأعظم عن جريان الأصل، فلو علم ببطلان صلاة له لكن لا يعلم أنَّها صلاة الوقت أو صلاة سابقة، فبالنسبة إلى الصلاة السابقة قد سقط أمرها جزماً، فإن كان هنا أمر فهو أمر بالقضاء، ونشكّ في حدوثه فيكون مجرى للبراءة، وأمّا بالنسبة إلى صلاة الوقت فقاعدة الاشتغال محكّمة، فهذا العلم الإجمالي لا يكون منجّزاً، فلابدَّ من إعادة صلاة الوقت ولا يجب عليه قضاء ما فات.

فلازم كلام الشيخ أنَّ موارد عدم تنجيز العلم الإجمالي لا يرجع فيها إلى 

ــــــــــ[201]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الأُصول لإجمال الدليل، وهو لا يلتزم بذلك جزماً؛ إذ لو قلنا بأنَّ الغاية مجملة وشاملة للعلم الإجمالي فلابدَّ للشيخ من المنع(1) عن جريان الأصل، وهو لا يلتزم به.

فالصحيح ما ذكرناه من أنَّ المانع عن جريان الأُصول في الأطراف ثبوتي؛ إذ لا يمكن جعل الترخيص في الأطراف، لتنجّز التكليف بوصوله صغرى وكبرى، ومعه لا يمكن الترخيص من قبل المولى، إلَّا أن يرفع يده عن الحكم الواقعي، ومع وصوله لا يفرّق العقل في المنجّزيّة بين العلم الإجمالي والتفصيلي، فإذا لم يمكن الترخيص في أطراف العلم الإجمالي، لا مجال للتمسّك بإطلاق الأدلّة، فإنَّه لا معنى للتمسّك بالإطلاق مع القطع بعدمه.

وأمّا على مسلك صاحب الكفاية فلو التزمنا بإمكان جعل الترخيص في الأطراف ثبوتاً، فلابدَّ من الالتزام بشمول الإطلاق لها. 

هذا تمام كلامنا في عدم جواز المخالفة القطعيّة، وعدم جواز جريان الأُصول في تمام الأطراف، وأمّا جريانها في بعض الأطراف فمحلّه مباحث العلم الإجمالي في الأُصول العمليّة.

ــــــــــ[202]ــــــــــ

() للشيخ أن يجيب: أنَّ العلم الإجمالي إنَّما يكون غاية عند تنجّزه، أمّا عند عدم تنجّزه فهو ملغى شرعاً، فيكون الشكّ في الطرف الآخر شكّاً بدويّاً لم تحصل فيه الغاية، ومحصّله قياس الانحلال الحكمي على الحقيقي، فكما أنَّه في الانحلال الحقيقي يزول العلم ولا تتحقّق الغاية فكذلك في الانحلال التعبّدي، إلَّا أنَّه زوال تعبّدي للعلم، فتأمّل؛ إذ كما يجعل ما ليس بعلم علماً، كذلك يمكن سلب صفة العلم تعبّداً من حيث الأثر، وذلك عند الانحلال الحكمي، فتأمّل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

 

الاكتفاء بالامتثال الإجمالي                  مع التمكن من الامتثال التفصيلي

 

الكلام تارةً: يكون مع عدم التمكّن من الامتثال التفصيلي، فهل يُكتفى بالامتثال الإجمالي أو لا؟ وأُخرى: يكون فيما إذا أمكن للمكلّف الامتثال التفصيلي، ومع ذلك تركه واقتصر على الامتثال الإجمالي، فهل يجزي ذلك أو لا؟

أمّا المورد الأوّل: وهو ما إذا لم يتمكّن من الامتثال التفصيلي، ولا ينبغي الريب في جواز الامتثال الإجمالي، بلا فرق ما إذا كان الاحتياط مستلزماً للتكرار وبين ما إذا لم يكن، وبلا فرق بين ما إذا كانت الشبهة حكميّة أو موضوعيّة، وفي موارد الشبهة الحكميّة أيضاً لا فرق بين أن يكون قبل الفحص أو بعده، فيما إذا فرض أنَّ الامتثال التفصيلي غير ممكن، ويعلم أنَّه لو فحص لا يصل إلى الواقع، فلا ينبغي الشكّ في حسن الاحتياط في حكم العقل والشرع، فإنَّه غاية ما يمكن للعبد من إطاعة المولى ولا يفرق في ذلك بين التعبّديات والتوصّليّات، ويكفي قصد القربة والإتيان بالعمل بعنوان الرجاء، فاحتمال أن يكون الاحتياط ساقطاً مفقود، فإنَّ العقل والشرع يحكمان بحسنه، بل الامتثال 

ــــــــــ[203]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

في هذه الصورة أرقى من الامتثال في العلم التفصيلي، فإنَّه تحرّك عن احتمال تحريك المولى، وهذا في مقام العبوديّة أرقى مّما لو كان التكليف معلوماً، فهذا المورد لا إشكال فيه في جميع الصور.

المورد الثاني: إذا كان المكلّف متمكناً من الامتثال التفصيلي، فهل يجوز له الاكتفاء بالامتثال الإجمالي، مع أنَّه متمكّن من الامتثال التفصيلي وإحراز الإتيان بالمأمور به أو لا؟ 

ويقع الكلام في التوصّليات تارةً، وأُخرى في التعبّديات، ومنها ما يحتاج الاحتياط فيه إلى تكرار، ومنها ما لا يحتاج.

في التوصّليّات

أمّا في التوصّليّات فلا ينبغي الشكّ في جواز ذلك، فإذا أحرز الإتيان بالمأمور به، والمفروض أنَّ الغرض قائم بنفس وجود العمل، وهذا متحقّق وأنَّ قصد القربة غير معتبر في سقوطه، فلو علم إجمالاً أنَّه مديون بدرهم إمّا لزيد أو لعمرو فيعطي كلاً منهما درهماً، فيجزم أنَّه أتى بالمأمور به، وأنَّ ذمّته فرغت، ولا يلزم أن يعرف أنَّ دينه لزيد أو لعمرو، فإنَّه على أيّ حال قد وفى ما بذمّته وإن لم يتميّز خارجاً.

ويلحق بهذه الصورة الوضعيّات، فلو علم إجمالاً أنَّ أحد المائعين ماء، وغسل ثوبه المتنجّس أو يده بهما، فهذا أيضاً لا ينبغي الإشكال بالحكم بطهارته قطعاً، وإن لم يعلم أنَّ الطهارة حصلت بالغسل الأوّل أو الثاني، فإنَّه على كلا التقديرين قد غسل بماء طاهر.

ــــــــــ[204]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وكذلك يلحق بذلك باب العقود والإيقاعات، فإنَّه يكفي فيها الامتثال الإجمالي، فلو أتى بعقد أو إيقاع مرّتين فإنَّه وإن كان لا يدري أنَّ المؤثّر منها أيٌّ منهما، إلَّا أنَّه بعد أن كان توصّليّاً ولا يحتاج إلى قصد القربة إذا أتى بهما معاً فقد علم بحصول الأثر وترتّب النتيجة عليه، ففي مثل ذلك يكفي الامتثال الإجمالي مع التمكّن من الامتثال التفصيلي، فإنَّه يمكنه أن يرجع إلى الرسالة العمليّة، ولكنّه لا يرجع، بل يوقع العقد مرّتين فيعلم بحصول النتيجة في الخارج.

النقاش في العقود والإيقاعات

ولكن قد يناقش في باب العقود والإيقاعات بالاحتياط مع التمكّن من الامتثال التفصيلي –كما عن شيخنا الأنصاري(1)– بأنَّه منافٍ للجزم، والجزم معتبر في باب العقود والإيقاعات، ومع الترديد وعدم الجزم لا يتحقّق عقد ولا إيقاع، ولذلك اشترطوا فيها أن لا يكون شيء منها معلّقاً، نحو: (أبيعك إذا كان اليوم هو الجمعة) أو (إذا كنت ابن زيد) أو (إذا كان زيد جائياً) فإنّ التعليق يوجب بطلانه، لأنَّه ينافي الجزم بالنيّة، فإنَّه لا يجتمع مع التعليق، كذلك في المقام؛ إذا تردّد السبب بين شيئين، فالإتيان بكلا الصيغتين لا يكون جازماً فيهما ولا يترتّب عليهما النتيجة، فمع التمكّن من الامتثال التفصيلي وحصول الجزم بالنيّة لا يجزي غير ذلك.

ولكن هذا لعلّه واضح الفساد، فإنَّه لا يقاس بباب التعليق، فإنَّه في 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

(1) انظر: مطارح الأنظار 3: 35.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

التعليق يجعل البايع إنشاؤه واعتباره النفسي معلّقاً على شيء، فيقول: (إن كنت ابن زيد فقد بعتك) ومعناه: أنَّ البيع على تقدير متحقّق، وعلى تقدير غير متحقّق، وأنَّه لم يملّكه على كلّ تقدير، وأنَّه لا يدري أنَّه ملّكه أو لا؛ لأنَّه إن كان ابن زيد فقد ملّكه، وإن لم يكن فلم يملّكه، فهذا ينافي الجزم بلا إشكال، فمعنى التعليق أنَّ الاعتبار النفسي لم يعتبر على إطلاقه، بل مقيّد بقيدٍ خاصٍّ، والنتيجة: أنَّ الاعتبار لم يعلم تحقّقه على الإطلاق، وهذا معتبر في صحّة العقد إجماعاً فيحكم ببطلان العقد.

وأمّا مقامنا فغير منافٍ للجزم فتمييز السبب غير منافٍ له، بل المتكلّم جازم باعتباره من غير تعليق، غايته: أنَّه لا يدري أنَّ الشارع أمضاه أو لا، فهذا تردّد في الإمضاء والاعتبار الشرعي لا الاعتبار النفسي، فهذا الشخص يعتبر الزوجيّة في الصيغة الأُولى بلا تردّد، ولكنّه لا يدري أنَّ الشارع أمضاه وقد حصل التزويج شرعاً أو لا، وهذا شكّ بالحكم الشرعي وليس شكّاً باعتباره، والجزم بترتّب الحكم الشرعي غير معتبر في العقود والإيقاعات جزماً، بل حتّى لو كان البايع منكراً للشرع والشريعة أصلاً، فمع ذلك يحكم بصحّة بيعه إذا كان جامعاً للشرائط، بل لو فرضنا أنَّه أوقع معاملة ربويّة مع العلم بحرمة الربا، فباع مالاً ربويّاً بأكثر منه، وبعد ذلك انكشف أنَّ المعاملة صحيحة لأنَّ أحدهما ابن الآخر، ولم يكونا يعلمان بالجواز في هذه الصورة، فيحكم بصحّة المعاملة، ولا يعتبر في صحّة المعاملة أن يكونا يعرفان صحّتها، بل لو كانا قاطعين بالفساد أيضاً يصحّ إذا كانت جامعة للشرائط.

ــــــــــ[206]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

إذن، لو كان السبب متردّداً بين أمرين أو أُمور، وأنشأ الفرد جميع ذلك فليس هناك تردّد في الإنشاء، وإنَّما الترّدد في أنَّه أيّ منها مورد للإمضاء الشرعي وأيّها ليس كذلك، وهذا لا ينبغي الشكّ فيه.

في العبادات

وأمّا التعبّديّات فقد يفرض فيها أنَّ التكليف لم يتنجّز، وأنَّه مورد لأصالة البراءة كالشبهة البدويّة، أمّا الحكميّة بعد الفحص أو الموضوعيّة قبلها، فلا يجب على المكلّف تحصيل الواقع أو الإتيان به خارجاً، بل هو في سعة من ذلك، والحكم الواقعي غير منجّز.

لا ينبغي الشكّ في مثل ذلك في جواز الاحتياط، فإنَّه أرقى مراتب العبوديّة، فإنَّ التكليف مع كونه غير منجّز، فإنَّ المكلّف يأتي به رجاءً، والمفروض أنَّ الامتثال التفصيلي غير ممكن، والواقع غير منجّز، ويجوز أن يترك الاحتياط أصلاً، فلو احتاط وانكشف بعد ذلك أنَّ الفعل كان واجباً يكون مجزيّاً، لأنَّه أتى به في أرقى مراتب الامتثال.

إنَّما الإشكال في غير هذه الصورة، يعني: ما لو كان الواقع منجّزاً عليه وكان متمكّناً من الإتيان بالامتثال تفصيلاً، فهل يجوز له أن يقتصر على الامتثال الإجمالي ويأتي بالعمل بعنوان الاحتياط أو لا يجوز؟ قد يفرض الكلام فيما يحتاج الاحتياط فيه إلى التكرار، وقد يفرض فيما لا يحتاج إلى التكرار، وعلى كلا التقديرين قد يفرض الواجب استقلاليّاً وقد يفرض ضمنيّاً، وفيما لا يحتاج إلى التكرار قد يكون الأمر معلوماً والشكّ في خصوصيّة من الوجوب أو 

ــــــــــ[207]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الاستحباب، وقد لا يكون الأمر معلوماً أصلاً. فهنا مسائل:

إذا فرضنا أنَّ الاحتياط لا يحتاج إلى التكرار، وكان التكليف استقلاليّاً والأمر معلوم، لكن الشكّ أنَّه على نحو الوجوب أو الاستحباب، كالدعاء عند رؤية الهلال، وهو متمكّن من تحصيل الواقع، ولكنّه يحتاط من دون رجوع إلى الدليل إن كان مجتهداً، أو الفتوى إن كان عامّياً، ويأتي بالدعاء بداعي الأمر الفعلي سواء كان واجباً أو مستحبّاً، فهل يجزي هذا الامتثال أو لابدَّ من تحصيل الواقع والإتيان به على وجهه من الوجوب والاستحباب؟

 وهذا في العبادات كثيرٌ، ومنه غسل الجنابة مع قطع النظر عن توقّف واجب عليه كالصلاة والصيام، كما لو اغتسل للجنابة قبل دخول الوقت وليس عليه صوم واجب، ويعلم هذا المكلّف أنَّ غسل الجنابة مطلوب لا محالة، ولكنّه يجهل أنَّه على نحو الاستحباب كما هو معروف(1)، أو على نحو الوجوب النفّسي كما ذهب إليه بعضهم(2)، وهو متمكّن من تحصيل العلم والإتيان بالغسل على وجهه، إمّا بالرجوع إلى الدليل أو إلى الفتوى، فيترك طريقي الاجتهاد والتقليد، ويحتاط ويأتي بالعمل بداعي الأمر الفعلي الجامع بين الوجوب والاستحباب. هذه هي المسألة المشهورة في صحّة عمل تارك الطريقين.

الظاهر هو الجواز ولا مانع من ذلك؛ إذ المفروض أنَّ العمل مأمور به وقد 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

(1) انظر: المستند في شرح العروة الوثقى 21: 238، 239.

(2) انظر: العروة الوثقى 3: 574 (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام)، أجود التقريرات 1: 136.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

أتى به بداعي الأمر(1)، ولكن التردّد في خصوصيّة الأمر وأنَّه على نحو الوجوب ولابدَّ له من امتثاله وإذا تركه يعاقب، أو على نحو الاستحباب وأنَّه إذا تركه لا يعاقب، ولا مانع من الحكم بصحّة هذا العمل، إلَّا ما قيل: من أنَّه فاقد لقصد الوجه، فإنَّ المكلّف لا يتمكّن أن يأتي به بعنوان أنَّه واجب أو بعنوان أنَّه مستحبّ؛ لأنَّه جاهل بذلك، ولو أتى به بهذا العنوان كان تشريعاً محرّماً، فهذا فاقد لقصد الوجه، وقصد الوجه معتبر في صحّة العبادة فلا يحكم بصحّة العمل، فلو انكشف بعد ذلك أنَّه كان واجباً فهو لا يسقط الوجوب لفقدانه لخصوصيّة الواجب، وهو قصد الوجه.

وقد استدلّوا على وجوب قصد الوجه بوجهين:

أحدها: دعوى الإجماع المنقول على اعتباره في العبادات، فإذا أتى بعبادة من دونه حكم بفسادها.

ودعوى الإجماع المنقول(2) لا يعتنى به؛ على أنَّه غير حجّة في نفسه، فإنَّه لو تمّ الاتفاق وصحّ الإجماع لا يكون إجماعاً تعبّديّاً يستكشف منه رأي المعصوم؛ لأنَّه من المحتمل أن يكون أكثر القائلين به قد استندوا على وجه آخر، وهو الوجه الثاني الآتي.

ــــــــــ[209]ــــــــــ

() إنَّما يصحّ هذا العمل إذا قصد واقع الأمر المعلوم لله المجهول عنده، فإنَّه إذا انكشف أنَّ واقع الأمر هو الوجوب فينكشف أنَّه قصد الوجوب في الواقع وفي علم الله، أمّا نيّة جامع المطلوبيّة، أو نيّة الأمر المردّد بين الوجوب والاستحباب، ففي صحّته نظر، وفي صحّة العمل معه إشكال، والأصل يقتضي الفساد لا محالة. (المقرّر).

(2) انظر: ما نقله صاحب مفتاح الكرامة عن التذكرة 2: 315.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

بل اعتمدوا(1) على وجه عقلي ذكره بعض المتقدّمين(2)، وحاصله: أنَّ حسن الفعل لا يكون ذاتيّاً وإنَّما يكون حسنه باعتبار انطباق عنوان من العناوين الحسنة عليه، وذلك العنوان لابدَّ من قصده، فإنَّه لو لم يقصد ذلك العنوان الذي هو منشأ الحسن، لا يقع الفعل حسناً وإن ترتّب عليه الأثر المرغوب فيه كضرب اليتيم، فإنَّه إنَّما يكون حسناً إذا كان بعنوان التأديب، فالذي له دخل في الحسن هو هذا العنوان، فلابدَّ من قصده، فلو أنَّ شخصاً ضرب اليتيم بقصد آخر وترتّب عليه أدب اليتيم في الخارج، فإنَّه لا يوجب حسن الفعل، فإنَّه لم يقع من الفاعل حسناً وإن ترتّبت عليه النتيجة، فلابدَّ من أن يكون العنوان مقصوداً لكي يقع الفعل حسناً.

والعبادات لا ندري ما هي العناوين التي أوجبت حسنها؛ فإنَّ الأفعال جزماً لا تكون حسنة بذاتها، وإنَّما تكون كذلك بعنوان طارئ عليها وهو مجهول عندنا، ولا يمكن قصده تفصيلاً، فلابدَّ من الإشارة إليه إجمالاً، ولا طريق لنا إلى الإشارة إلى ذلك العنوان إلَّا قصد الوجه من الوجوب أو الاستحباب، فإذا أتينا بالفعل بهذا العنوان فقد قصدنا ذلك العنوان إجمالاً.

ولكنّه لا يتمّ لعدم دخل قصد الوجه في اتّصاف الفعل بالحسن ولا بصحّة العبادة، بل اللازم في صحّة العبادة أمران:

أحدهما: الإتيان بذات الفعل خارجاً.

ــــــــــ[210]ــــــــــ

() هذا هو الوجه الثاني (المقرّر).

(2) انظر: الذريعة 1: 50.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

والآخر: إضافته إلى المولى.

والمفروض أنَّ كلا الأمرين حصلا في الخارج، فإنَّه أتى بذات الفعل وأضافه إلى المولى بوجه من الوجوه، وأتى به بما هو مأمور به من قبل المولى، وأمّا الزائد على ذلك من قصد الوجه والتمييز ونحو ذلك، فلا نحتمل اعتباره، وعلى تقدير الاحتمال فندفعه بإطلاق الأدلّة على ما هو الصحيح من إمكان أخذ هذه العناوين كقصد القربة ونحوه في متعلّق الأمر، كما اخترناه في بحث التعبّدي والتوصّلي، فإذا كان إطلاق فنتمسّك به وإلَّا يكون من الشكّ المردّد بين الأقلّ والأكثر فنتمسّك بالبراءة. هذا على مسلكنا(1).

وأمّا على مسلك صاحب الكفاية(2) من أنَّ هذه الأُمور متأخّرة عن الأمر ولا يمكن أخذها بالمأمور به، فأيضاً لا نحتمل اعتبار قصد الوجه ونحوه في صحّة العبادة؛ لأنَّه مّما يغفل عنه العامّة غالباً، فلو كان دخيلاً في نظر المولى فهو إن لم يتمكّن من أن يأخذه في متعلّق أمره، لكنّه كان يمكن أن يخبر عن دخله بالغرض ولو بجملة خبريّة، فإنَّ أصل قصد الأمر وإضافة الفعل إلى المولى أمر يلتفت إليه كلّ البشر وموجود في سائر الأديان، وأمّا قصد ا لوجه والتمييز فليس ممّا يلتفت إليه غالباً، فلو كان دخيلاً في غرض المولى فلابدَّ من التنبيه ولو على نحو الجملة الخبريّة، وحيث إنَّه لم ينبّه فنستكشف عدم دخل قصد الوجه في صحّة العبادة فنحكم بصحّتها مع عدمه.

ــــــــــ[211]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في أُصول الفقه 2: 295.

(2) انظر: كفاية الأُصول: 72، 73.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ولو سلّمنا تماميّة المقدّمة، وأنَّ العبادات حسنة بعنوان منطبق عليها، وأنَّ هذا العنوان مجهول لنا، ولابدَّ من الإشارة إليه بوجهٍ، لكن لا ينحصر الإشارة إليه بقصد الوجه من الوجوب والاستحباب، بل يصحّ الإشارة إليه بقصد الأمر، بأن يأتي به بما أنَّه مأمور به سواء كان واجباً أو مستحبّاً، فهذا أمر ممكن ويقع موقع الإشارة بطريقيّة قصد الأمر لا بطريقيّة قصد الوجه، فقصد الوجه ساقط.

فالصحيح أنَّه لا ينبغي الشكّ في صحّة الاحتياط في هذه الموارد، وإن كان التكليف منجّزاً، فيجوز أن يترك طريقي الاجتهاد والتقليد ولا يفحص، بل يأتي بالعمل بما أنَّه مأمور به سواء كان في الواقع واجباً أو مستحبّاً، ويسقط التكليف على كلا التقديرين. هذا في الواجب الاستقلالي.

وأمّا إذا كان الوجوب ضمنيّاً فيعلم أنَّ هذا مأمور به، لكنّه لا يدري أنَّه أمر وجوبي ضمني أو استحبابي ضمني كالسورة في الصلاة، فإنَّه لا ينبغي الشكّ في محبوبيّتها، ولكنّه لا يدري بوجوبها أو استحبابها، وهو متمكّن من العلم التفصيلي بالرجوع إلى الدليل أو التقليد، ولكنّه يترك كلا الطريقين ويأتي بالسورة بداعي الأمر سواء كان الأمر وجوباً أو استحباباً، فهل يصحّ ذلك أو لا؟

هذا أولى بالجواز من القسم الأوّل، والوجه في الأولوية: أنَّ الوجه السابق في لزوم قصد الوجه من كونه إشارة إجماليّة إلى العنوان الذي تكون به العبادة متّصفة بالحسن، لا يجري في الواجبات الضمنيّة، فإنَّ إجزاء الواجب لا يكون فيها حسن مستقلّاً، وإنَّما الحسن ثابت لمجموع الأجزاء، فكلّ جزء ليس فيه 

ــــــــــ[212]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

عنوان يوجب حسنه مستقلاًّ لنحتاج إلى الإشارة إليه، وإنَّما نشير إلى العنوان المنطبق على الواجب بتمام أجزائه. 

إذن، فيمكن أن نأتي بالسورة بعنوان كونها مأموراً بها، ولكن لا ندري أنَّ الأمر بها هل هو على نحو الوجوب أو الاستحباب، يعني: أنَّها جزء الصلاة أو ليست جزءاً منها؟

فلو فرضنا أنَّنا لم نقل بجواز الاحتياط في القسم الأوّل، فهذا القسم أولى بالجواز.

إذن، ففي هاتين الصورتين، وهي: ما إذا علمنا بالأمر ولم يكن الاحتياط مستلزماً للتكرار بلا فرق بين العبادة المستقلّة وجزء العبادة، ففي كلتا الصورتين يجوز الاحتياط وترك طريقي الاجتهاد والتقليد.

يبقى الكلام عمّا إذا لم يكن الأمر معلوماً، يعني: تردّد أمر العمل بين أن يكون واجباً أو مباحاً، فتارةً يفرض الكلام في الواجبات الاستقلاليّة، وأُخرى في الواجبات الضمنيّة.

فإذا فرضنا أنَّ التكليف استقلالي، فدار الأمر بين وجوب شيء وعدم وجوبه، ولكنّه على تقدير وجوبه فهو عبادي، وعلى تقدير عدمه فهو مباح لا مستحب، فهل يجوز للمكلّف أن يترك طريقي الاحتياط والتقليد، ويحتاط ويأتي بالعمل رجاءً مع أنِّه متمكّن من تحصيل العلم بالواقع؟

قيل: بعدم الجواز، واستُند فيها إلى وجهين:

الوجه الأوّل: ما تقدّم من اعتبار قصد الوجه في صحّة العبادة، فإنَّ هذا 

ــــــــــ[213]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

المكلّف لا يمكنه قصد الوجه في عمله، فإنَّ المفروض أنَّه لا يعلم بوجوبه، فلا يمكن قصد الوجه، فلا يحكم بصحّة العبادة، وقد أجبنا عن ذلك فيما سبق، وقلنا: بأنَّ قصد الوجه غير معتبر؛ إذ ندفعه بإطلاق الدليل، أو أصالة البراءة على مسلكنا من إمكان أخذ هذه الأُمور في متعلّق الأمر.

وأمّا على مسلك صاحب الكفاية(1) من عدم إمكان أخذها في متعلّق الأمر فأيضاً يمكن أن نتمسّك بالسكوت في مقام البيان، إذ يمكن للمولى إيصاله إلى المكلّفين ولو بالجملة الخبريّة؛ فإنَّه ممّا يغفل عنه العامّة غالباً، فمن عدم التنبيه من قبل المولى نعلم عدم دخل قصد الوجه في صحّة العبادة، فيمكن أن يأتي بالعمل رجاء المحبوبيّة، وإذا انكشف أنَّه صادف الواقع يكون مجزياً، ولا يكون هذا الوجه تامّاً.

الوجه الثاني: الذي ذكره شيخنا الأُستاذ(2)، وهو العمدة في المقام حيث ذكر أنَّه في هذه الموارد لا يصحّ الاحتياط مع التمكّن من الامتثال التفصيلي ولا يجوز تركه، والإتيان بالعمل رجاءً واحتياطاً.

وذكر في وجه ذلك: أنَّ الشيء تارة يشكّ في كونه عباديّاً أو غير عبادي، فهل يعتبر في سقوط الأمر به إضافته إلى المولى أو لا يعتبر، فهو شكّ في العباديّة والتوصّليّة؟ ففي مثل ذلك بنى على أنَّ الأصل في الواجب أن يكون توصّليّاً، والتعبّديّة تحتاج إلى دليل، غاية الأمر: أنَّه اختار عدم إمكان أخذ قصد الأمر في 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 72، 73.

(2) انظر: أجود التقريرات 1: 115-117.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

متعلّق الأمر الأوّل، ولكن يمكن أخذه في متعلّق الأمر الثاني، ولا يفرق في مقام الرجوع إلى البراءة بين أن يكون القيد قابلاً للأخذ في متعلّق الأمر الأوّل أو الثاني.

وأمّا إذا علمنا أنَّه عبادي، وأنَّه لابدَّ أن يؤتى به على وجه العباديّة وبعنوان إطاعة المولى، فإذا شكّكنا في تحقّق عنوان الطاعة فادّعي أنَّنا نجزم ولا نشكّ بأنَّ العقل يحكم بأنَّ عنوان الإطاعة لا يتحقّق، إلَّا مع الامتثال التفصيلي الجزمي مع التمكّن منه، ومع العجز تصل النوبة إلى الامتثال الاحتمالي، والامتثال الاحتمالي لا يكون في عرض الامتثال الجزمي في نظر العقل؛ إذ مع التمكّن لا تتحقّق الطاعة في نظر العقل، إلَّا مع الجزم بالتحرّك عن تحريك المولى، ومعه لا تصل النوبة إلى الامتثال الاحتمالي والتحرك عن احتمال الأمر. فذكر الجزم بذلك.

وعلى تقدير التنزّل وأنَّ العقل لا يجزم بذلك، لأنَّه يحتمل أن يكون الانبعاث عن احتمال الأمر ليس بطاعةٍ، وحينئذٍ نشكّ في تحقّق عنوان الإطاعة فيكون مورداً لقاعدة الاشتغال، وبعد فرض أنَّ الواجب على فرض وجوبه فهو عبادي، فلابدَّ من امتثاله الجزمي ولا يكفي امتثاله الاحتمالي؛ لعدم كونه إطاعة للمولى، ومع الشكّ في الطاعة يكون مورداً لقاعدة الاشتغال.

فعلى ذلك يكون الاحتياط في أمثال المقام غير مشروع بأن يتحرّك عن البعث المحتمل، مع التمكّن من تحصيل الجزم بالانبعاث.

الصحيح في المقام

والصحيح أنَّ الأمر ليس كما أفاده، والوجه في ذلك: أنَّ العقل ليس له حكم في هذا الباب ولا غيره من الأبواب، وليس للعقل وظيفة إلَّا الإدراك، وإنَّما 

ــــــــــ[215]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الحكم شأن المولى، فالعقل إنَّما يدرك الأمر الواقعي، فحكم العقل بمعنى إدراكه لا بمعنى إلزامه وزجره، فلابدَّ من ملاحظة أمر الشارع، وأنَّه أمر بأيّ شيءٍ.

فنحن لا نشكّ في أنَّ الامتثال الاحتمالي في عرض الامتثال الجزمي لا في طوله، والوجه في ذلك: أنَّه لا دليل على أزيد من وجوب الإتيان بالمأمور به، مضافاً به إلى المولى بنحو من أنحاء الإضافة، وبهذه الإضافة يختلف الواجب العبادي عن غيره، فالدليل لم يقم على أكثر من هذا المقدار، وهو الإتيان به على وجه قربي، وأن يقصد به ربّه كما في رواية الوضوء، ولا فرق في إضافة العمل إلى المولى بين أن يؤتى به بداعي امتثال الأمر المحقّق، أو بداعي امتثال الأمر المحتمل، وهذا أيضاً إضافة إلى المولى لحسن العمل بين ما إذا أضيف إلى المولى إضافة جزميّة أو احتماليّة، فنجزم أنَّه لا فرق في صدق الطاعة بين هذين النحوين من الامتثالين، فإنَّ الطاعة لا معنى لها إلَّا الإتيان بالمأمور به مضافاً إلى المولى، وهذا ثابت في كلا الموردين.

ولو شكّكنا في ذلك نتمسّك بأصالة البراءة؛ إذ بعد أن فرضنا أنَّ اعتبار قصد القربة بأمر شرعي، والجامع بين الإضافة الجزميّة إلى المولى والإضافة الاحتماليّة أخذت في المأمور به يقيناً، وأمّا الزائد على ذلك وهو الإضافة الجزميّة مع التمكّن فندفعه بالبراءة، والمفروض إمكان إجراء البراءة في ذلك، فإنَّه تكلّم على فرض ذلك.

إذن، لا ينبغي الإشكال في جواز الاحتياط وترك الاجتهاد والتقليد، فيأتي بالعمل رجاءً، فإذا انكشف أنَّه كان واجباً يحكم بسقوط الواجب وفراغ الذمّة، 

ــــــــــ[216]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

فإنَّه أتى بذات المأمور به وأضافه إلى المولى بنحو إضافة. هذا في الواجبات الاستقلاليّة.

وأمّا الواجب الضمني فقد ظهر الحال فيه، فإنَّه إذا دار أمر شيء بين أن يكون جزء الواجب أو ليس بجزء، كالجلسة بعد السجدتين المسمّاة بجلسة الاستراحة؛ إذ يحتمل أنّها واجبة ويحتمل أنَّها مباحة، فإذا لم يحرز الأمر ولم يدرِ أنَّها مأمور بها جزماً، فالأمر فيه أيضاً كما ذكرناه، فليس هنا شيء يوجب عدم جواز الاحتياط إلَّا الأمرين المذكورين، وهما: اعتبار قصد الوجه -وهو ضعيف- في الواجبات الضمنيّة، وإن قلنا به في الواجبات الاستقلاليّة.

والآخر: ما ذكره شيخنا الأُستاذ من أنَّ الانبعاث لابدَّ من أن يكون عن البعث الجزمي عند التمكّن.

وقد ظهر جوابه ممّا تقدّم، وقلنا: إنَّ العقل لا يرى فرقاً بين النحوين من الامتثال في تحقّق الطاعة، وعلى تقدير احتماله فنتمسّك بالبراءة. إذن، فله أن يجلس جلسة الاستراحة رجاءً، وإذا انكشف وجوبها يحكم بصحّتها.

ولكن الاحتياط إنَّما يكون إذا لم يحتمل المانعيّة أو الحرمة كما هو الحال في الواجب الاستقلالي، فإنَّه إذا دار الأمر بين وجوب فعل وإباحته مع الجزم بعدم حرمته يجري فيه ما ذكرناه، وأمّا إذا احتمل حرمته فلا يمكن في مثل ذلك الاحتياط، وكيف يمكن أن يتقرّب بهذا العمل ويأتي به رجاء المحبوبيّة، مع كونه يجهل أن يكون مبغوضاً للمولى ومبعداً عنه؟ فلابدَّ حينئذٍ من الفحص لمعرفة حال الفعل من الوجوب أو الحرمة.

ــــــــــ[217]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

أمّا في الأجزاء فيمكن الاحتياط، إلَّا أنَّه يخرج عن محلّ الكلام، وهو ما إذا لم يستلزم الاحتياط التكرار، فإنَّ الاحتياط في مثل ذلك يكون بالإتيان بالعمل مرّتين، مرّة مع هذا الجزء المشكوك لاحتمال جزئيّته، ومرّة بدونه لاحتمال مانعيّته، فالاحتياط ممكن إلَّا أنَّه يتحقّق بالتكرار.

وبهذا يفترق عن الواجب النّفسي، فإنَّه إذا دار أمره بين الوجوب والحرمة لا يمكن الاحتياط أصلاً لاحتمال الحرمة، ولكن في دوران الأمر بين الجزئيّة والمانعيّة يمكن الاحتياط، إلَّا أنَّه يحتاج إلى تكرار، ويدخل في مسألة ما إذا كان الاحتياط مستلزماً للتكرار.

ــــــــــ[218]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9













التحقيق بما لو كان الاحتياط مستلزماً للتكرار

 

فالكلام فعلاً في هذه المسألة، وهو ما إذا كان الاحتياط لا يتحقّق إلَّا بالتكرار، فهل يجوز الإتيان بالواجب إجمالاً مع التمكّن من الامتثال التفصيلي، وإن لم يتميّز أنَّ الواجب يتحقّق بأي من الفعلين أو الأفعال، أو لابدَّ في الامتثال من عدم التكرار، إلَّا إذا كان عاجزاً عن الامتثال التفصيلي؟

قيل(1): بعدم جواز الاحتياط، لوجهين:

الوجه الأوّل: أنَّ الإتيان بالفعل مكرّراً مع التمكّن من الامتثال التفصيلي لغو وعبث، والعبث لا يجزي في الطاعة والعبوديّة.

وقد أجاب صاحب الكفاية(2) عن ذلك: إنَّ التكرار لا يستلزم أن يكون الفعل لغواً وعبثاً؛ إذ قد يكون التكرار لداعٍ عقلائي.

إلَّا أنَّ هذا الجواب لا يكفي، والصحيح أن يُقال: إنَّ اللعب والعبث وإن فرضنا أنَّه متحقّق مع التكرار، وأنَّ التكرار بلا داعٍ عقلائي، إلَّا أنَّ اللعب والعبث ينتزعان عن الإتيان بغير الفرد المأمور به، وأمّا الفرد المأمور به فلابدَّ من الإتيان به ولا يكون عبثاً، وإنَّما ينتزع اللعب والعبث من الأفراد الأُخرى، 

ــــــــــ[219]ــــــــــ

(1) انظر: العروة الوثقى 1: 204، المسألة: السادسة.

(2) انظر: كفاية الأُصول: 274.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

فطريق إحراز الامتثال لعبيٌّ وعبثيٌّ، وأمّا الامتثال(1) فليس عبثاً، بل إتيان بالمأمور به مضافاً إلى المولى ومثله لا يكون عبثاً، فلنفرض أنَّه يتمكّن أن يأتي بصلاة واحدة يعلم بها تفصيلاً بالامتثال، كما لو كان الثوب الطاهر مردّداً بين أثواب أو القبلة مردّدة بين جهات، وهو يستطيع الفحص وتحصيل العلم، إلَّا أنَّه لم يعمل فلابدَّ له من الإتيان بعدّة صلوات لأجل تحصيل القبلة والساتر الطاهر، وبطبيعة الحال ستكون صلاة واحدة منها إلى القبلة مع الثوب الطاهر، تلك الصلاة ليست بمصداق للهو والعبث، وإنَّما اللهو والعبث ينطبق على ما تقدّم عليها وما تأخّر عنها من الصلاة، فليكن اللعب قبل الصلاة وبعدها، وأمّا العبادة المأمور بها فقد قصد بها التقرّب فلا ينطبق عليها اللهو والعبث، وإنَّما ينطبق عن طريق العلم بتحقّق المأمور به في الخارج وهو لا يضرّ بصحّة العبادة.

الوجه الثاني: ما ذكره شيخنا الأُستاذ(2) –وقد تقدّم فيه الكلام(3)– من أنَّ الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال التفصيلي الجزمي، ومع التمكّن من الثاني لا تصل النوبة إلى الأوّل، وعليه فلا يصحّ تكرار العبادة والإتيان بالعبادة لاحتمال أنَّه مأمور به، مع التمكّن من الامتثال الجزمي.

وقلنا: إنَّ الامتثال الاحتمالي ليس في طول التفصيلي، فإنَّ العبادة تفترق عن العمل التوصّلي، باعتبار إضافتها إلى المولى، وأمّا أن تكون الإضافة جزميّة، 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

() يعني: الواجب الموجود في البين المجهول عند المكلّف. (المقرّر).

(2) انظر: أجود التقريرات 2: 44.

(3) تقدّم قبل قليل.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

فهذا لم يدلّ عليه دليل، فنتمسّك لدفعه بالإطلاق وإن لم يكن فبالبراءة. على أنَّ هذه الكبرى لا تنطبق على المقام، وإنَّما تصحّ -لو صحّت- في المسألة المتقدّمة، فيما لو دار أمر الشيء بين أن يكون واجباً أو مباحاً، فلو سلّمنا ذلك هناك -فرضاً- لا نسلّمه في مسألتنا هذه؛ فإنَّ الامتثال جزمي لا احتمالي، غاية الأمر: أنَّه لا تمييز في المقام، فإنَّه إذا أتى بكلا طرفي الاحتمال فهو ممتثل جزماً، والتحرّك عن تحريك المولى يقيناً، غاية الأمر: أنَّه لا يدري أنَّ الامتثال حصل بالفرد الأوّل أو بالفرد الثاني، وكم فرق بين الامتثال الإجمالي والامتثال الاحتمالي؟ وهذا امتثال جزمي ولكن إجمالاً، فلو سلّمنا تلك الكبرى، وهي: أنَّه لا تصل النوبة إلى الامتثال الاحتمالي مع التمكّن من الجزمي، إلَّا أنَّ الامتثال في هذه المسألة جزمي لا احتمالي، فقط أنَّه فاقد للتمييز، ولا دليل على لزوم التمييز، فالصحيح: جواز الاحتياط وإن كان مستلزماً للتكرار.

نعم، لو فرض أنَّ المكلّف لم يكن بانياً على الإتيان بكلا طرفي الاحتمال، وإنَّما يريد أن يأتي بأحدهما سواء صادف الواقع أو لم يصادفه، فيصلي في أحد الثوبين رجاء، سواء كان هو الطاهر أو لم يكن، ويقتصر على الصلاة فيه.

فعلى مسلكه من تأخّر الامتثال الاحتمالي رتبة عن الامتثال الجزمي، لا يحكم بصحّة هذه العبادة، ولو فرضنا أنَّه انكشف بعد ذلك أنَّ هذا الثوب كان طاهراً لعدم حصول قصد القربة جزماً، فإنَّ هذا المكلّف غير جازم بامتثال الأمر؛ لأنَّه قاصد الإتيان بأحد طرفي الاحتمال دون كليهما.

وعلى ما ذكرناه من كفاية الإضافة إلى المولى في الجملة، لو أتى بهذا العمل، 

ــــــــــ[221]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وانكشف أنَّه كان طاهراً يحكم بصحّة الصلاة، غاية الأمر: أنَّه كان متجرّياً، حيث إنَّه بنى على ترك الفرد الآخر، والمفروض أنَّ التكليف منجّز، فهو عازم على العصيان احتمالاً؛ لأنَّه لو كان الثوب الطاهر هو الآخر، فهو بانٍ على ترك الصلاة في ذلك اليوم، وقلنا في بحث التجرّي: إنَّه لا يفرق في حصول التجرّي بين موارد العلم وموارد الأمارة.

هذا تمام كلامنا في جواز الاحتياط مع التمكّن من الامتثال التفصيلي.

ــــــــــ[222]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9







الكلام في الظنّ المعتبر

 

وهل الظن المعتبر -الذي هو حجّة من قبل المولى- حاله حال العلم التفصيلي؟ الظاهر أنَّه لا فرق بينهما بعدما فرضنا أنَّ الظنّ حجّة وعلم مجعول تعبّداً من قبل المولى، فإذا اعتبرنا الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال الجزمي، فالامتثال الظنّي امتثال جزمي بعد أن اعتبره الشارع علماً، فحال الظنّ المعتبر حال اليقين في ترتّب الامتثال الاحتمالي عليه، وعدم جوازه مع التمكّن منه.

نعم، يختلف العلم التعبّدي عن العلم الوجداني في أنَّه لا مجال للاحتياط مع العلم الوجداني أصلاً، وأمّا مع العلم التعبّدي فللاحتياط مجال واسع، ففي صورة السفر أربع فراسخ لغير المريد الرجوع ليومه، لو علم وجداناً بأنَّ التكليف هو التمام، فليس له أن يحتاط بالإتيان بصلاة القصر؛ لأنَّ الاحتمال مقوّم للاحتياط، وهو يعلم بعدم الأمر بالقصر، ومعه فلا مجال للاحتياط، وهذا بخلاف العلم التعبّدي، فإنَّه في المثال: لو دار الأمر بين أن يكون الواجب في زوال الجمعة هو صلاة الظهر أو الجمعة، فلو فرض أنَّ الدليل دلّ على وجوب التمام و وجوب الظهر، واختار المكلّف أحد الأمرين اجتهاداً أو تقليداً بالعلم التعبّدي وبالحجّة المجعولة من قبل الشارع، فوجداناً يحتمل أن تكون الحجّة مخالفة للواقع وأنَّ الحكم الواقعي غيرها، فيأتي بالامتثال جزماً مضيفاً له 

ــــــــــ[223]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

إلى المولى، فإنَّه عالم به تعبّداً، وله أن يحتاط ويأتي بالطرف الآخر رجاءً، لاحتمال أنَّه مأمور به واقعاً.

جواز الاقتصار على الحجّة الفعليّة

يبقى هنا شيء، وهو أنَّ المكلّف إذا أراد أن يحتاط ويأتي بالطرف الآخر من باب الاحتياط الاستحبابي، وله أن يترك الاحتياط ويقتصر على ما قامت عليه الحجّة الفعليّة. فإذا أراد أن يحتاط ويأتي بالطرف الآخر، فهل يجوز له أن يقدّمه ويأتي به رجاءً واحتمالاً، ثُمَّ يأتي بالطرف الذي قامت عليه الحجّة، أو لابدَّ من أن يقدّم ما قامت عليه الحجّة؟ ففي موارد دوران الأمر بين القصر والتمام لو قامت الحجّة على وجوب التمام، فلابدّ أن يصلي صلاته تامّة أوّلاً، ثُمَّ يأتي بصلاة القصر احتياطاً، ولا يجوز العكس، أو أنَّ الأمر ليس كذلك وأنَّ العكس جائز؟

اختار شيخنا الأُستاذ(1) وجوب تقديم ما قامت عليه الحجّة أوّلاً، بدعوى: أنَّه إذا قدّم الطرف الآخر فمن المحتمل أنَّ التكليف الواقعي قد سقط فلا يكون جازماً بامتثال الأمر عند الإتيان بالثاني، قد قلنا: إنَّ الامتثال التفصيلي مقدّم على الاحتمالي، فلابدَّ من تقديم ما قامت عليه الحجّة، ليكون الامتثال جزميّاً.

وذكر: أنَّ هذا هو الوجه في اختلاف الشيخ الأنصاري مع السيّد الشيرازي في بعض مسائل القصر والتمام(2)، وهو من سافر أربع فراسخ غير قاصد الرجوع 

ــــــــــ[224]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 47.

(2) انظر: أجود التقريرات 2: 47.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ليومه، وقد احتاط كلا العلمين بالجمع بين القصر والتمام، ولكنّ الشيخ حكم بتقديم التمام على القصر، والسيّد الشيرازي عكس الأمر، فأمر أن يأتي بالصلاة قصراً، ثُمَّ يأتي بالصلاة تماماً، فذكر شيخنا الأُستاذ: أنَّ وجه هذا الاختلاف، هو ما ذكره من كون الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال التفصيلي، وحيث إنَّ الشيخ كان نظره إلى وجوب التمام واحتاط بالقصر فأخّرها، والسيّد الشيرازي على عكس ذلك كان نظره إلى وجوب القصر فاحتاط بالتمام فأخّرها عن القصر، ولكنّه لا يتمّ لعدم الأثر.

أمّا الكبرى فقد تقدّم الكلام فيها مفصّلاً، وأنَّ الامتثال الإجمالي هل هو في طول الامتثال التفصيلي أو في عرضه؟

ولو سلّمنا هذه الكبرى فهي لا تنطبق على هذا المورد، ولا يفرق الحال فيما إذا قلنا بالطوليّة أو العرضيّة، فإنَّها إنَّما تنطبق في مورد كان يتمكّن من الامتثال التفصيلي وأُتي بالامتثال الإجمالي، وأمّا في مثل المقام فلا أثر لهذه الكبرى. 

والوجه في ذلك: أنَّ ما أدّى إليه نظر المكلّف اجتهاداً أو تقليداً، إذا فرضنا أنَّ الصلاة تماماً عند السفر أربعة فراسخ غير مريد الرجوع ليومه، فسواء قدّم القصر أو أخّرها، فإنَّه يأتي بالصلاة التمام بداعي الأمر الجزمي، حتّى لو صلّى القصر قبلها رجاءً، إلَّا أنَّه بمقتضى الحجّة الشرعيّة تكون الذمّة بعد مشغولة بالتكليف، والقصر لا يسقط التكليف؛ لأنَّ الحجّة الشرعيّة قامت على التمام، وهو وإن كان يحتمل وجداناً أنَّ التكليف قد سقط، إلَّا أنَّ الحجّة الشرعيّة تلغي هذا الاحتمال وتجعله عالماً بعدم وجوب القصر تعبدّاً، فيأتي بالصلاة تماماً 

ــــــــــ[225]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

بداعي الأمر الجزمي بمقتضى الحجّة المعتبرة، والطرف الآخر يأتي به بداعي احتمال الأمر، تقدّم هذا الطرف أو تأخّر.

فليس المحرّك له في مرحلة الامتثال إلَّا احتمال الأمر، فأيّ فرق بين التقدّم والتأخّر إذا كانت الحجّة قائمة على التمام؟! فالإنصاف أنَّه لا فرق في مورد الاحتياط إذا كانت الحجّة قائمة على أحد الطرفين، غايته: الإتيان بالطرف الذي قامت عليه الحجّة بداعي الأمر الجزمي، وبالطرف الآخر بداعي احتمال الأمر، فما ذكره شيخنا الأُستاذ لا يمكن المساعدة عليه.

هذا تمام كلامنا في مشروعيّة الاحتياط مع التمكّن من الامتثال التفصيلي بالعلم الوجداني أو العلم التعبّدي.

ــــــــــ[226]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9





الكلام في الظنّ المطلق

 

وأمّا بالنسبة إلى الظنّ الانسدادي، فإذا لم يمكن تحصيل العلم الوجداني ولا الحجّة المعتبرة، وانتهى الأمر إلى العمل بالظنّ المطلق من جهة مقدّمات دليل الانسداد، فهل يكون الاحتياط جائزاً ومشروعاً مع التمكّن من تحصيل الظنّ المطلق، فيكون حاله في ذلك حال الظنّ المعتبر أو لا؟

إذا بنينا على جواز الاحتياط مع التمكّن من تحصيل العلم الوجداني والظنّ المعتبر فلا ينبغي الشكّ في جوازه عند التمكّن من تحصيل الظنّ الانسدادي، فإنَّه لا يزيد عليهما -يعني العلم والظنّ المعتبر- بل غايته: أنَّه مثلهما وحاله حالهما.

وأمّا إذا بنينا على عدم الجواز هناك، كما اختاره شيخنا الأُستاذ(1)، فهل الأمر كذلك هنا أو لا؟

ذكر شيخنا الأنصاري(2) أنَّه لا إشكال في جواز ذلك، بأن يحتاط ويأتي بتمام الأطراف ولا يعمل بالظنّ، بل تعجّب ممّن منع عن الاحتياط مع أنَّه يرى حجّية الظنّ بمقدّمات الانسداد، فكيف يجتمع الأمران؟

ــــــــــ[227]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 63.

(2) انظر: فرائد الأُصول 1: 25.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

والصحيح في المقام القول بحجّيّة الظنّ الانسدادي، ولابدّية العمل بالظنّ، فقد نستكشف بالمقدّمات أنَّ الشارع جعل الظنّ حجّة، فالطريق إلى حجّية الظنّ طريق عقلي، فإنَّنا قد نستكشف حجّيّته من دليل لفظي كآية أو رواية أو إجماع، وقد يكون مستفاداً من دليل عقلي كمقدّمات الانسداد، فالعقل يكشف حجّيّة الظنّ الشرعيّة، وقد يفرض القول بذلك على نحو الحكومة؛ وذلك بأن يُقال: إنَّه لا طريق لنا إلى كشف حجّيّة الظنّ، وإنَّما العقل  يحكم بجواز ترك بعض المحتملات، من جهة أنَّ الاحتياط التامّ مخلّ بالنظام، أو يلزم منه العسر، أو يستلزم الحرج، وبما أنَّ الظن أقرب الطرق إلى الواقع؛ إذ يدور الأمر بين أن نمتثل المظنونات ونترك المحتملات والموهومات أو العكس، ولا شكّ أنَّ الامتثال الظنّي أقرب إلى الواقع من العكس، وهذا معنى الحكومة.

أمّا على مسلك الكشف فمن مقدّمات الانسداد هو بطلان الاحتياط، وأنَّنا استكشفنا أنَّ الشارع لا يرضى بالاحتياط، وأنَّه ليس بطريق إلى إحراز الواقع، والمفروض أنَّ الطرق الأُخرى مسدودة كالعلم والظنّ المعتبر، مع العلم أنَّ التكاليف الواقعيّة موجودة وواجبة الامتثال، والشارع لا يرضى بالاحتياط، والتكليف بما لا يطاق غير ممكن، فلابدَّ أنَّ الشارع عيّن طريقاً لامتثال التكاليف الواقعيّة، وبما أنَّ الظنّ أقرب إلى الواقع من غيره فنستكشف أنَّ الشارع اعتبره حجّة.

فمن جملة مقدّمات هذا المسلك أنَّ العمل بالاحتياط باطل وغير جائز. إذن، فمن المعلوم أنَّه لا يجوز الاحتياط مع التمكّن من الظنّ النوعي، لا من جهة أنَّ الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال الجزمي، وإلَّا فقد قلنا: إنَّه لا مانع منه، بل من 

ــــــــــ[228]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

جهة عدم جواز الاحتياط في نفسه، وقد جعل الظنّ طريقاً في هذا الحال.

إلَّا أنَّه بأيّ وجه يمكننا القول بأنَّ الاحتياط غير جائز، وبأيّ طريق يمكننا إثبات ذلك؟! ولذا قلنا: إنَّ القول بالكشف لا أساس له.

وأمّا إذا لم يثبت ذلك، بل أثبتناه بدليل الحرج أو الإجماع بأنَّ الاحتياط غير واجب، وأنَّ الشارع لم يلزم المكلّفين حال عدم إمكان تحصيل العلم الوجداني، ولا الحجّة التعبّديّة لقصور المقدار الوارد منها عن الوفاء بأبواب الفقه، فغايته: أنَّ الاحتياط غير واجب بالإتيان بتمام الأطراف، فلا يبقى إلَّا الامتثال الاحتمالي بالإتيان ببعض أطراف العلم الإجمالي، ونتيجة ذلك: التبعيض في الاحتياط، ولا يمكن أن نستكشف أنَّ الشارع جعل الظنّ حجّة، بل غايته: أنَّ العقل يتنزّل في مرحلة الامتثال من الامتثال الجزمي إلى الامتثال الاحتمالي بالإتيان ببعض الأطراف دون بعض، فيدور الأمر بين أن نترك المظنونات ونأتي بالمحتملات والموهومات أو العكس، فلا محالة أنَّ العقل يحكم بتقديم المظنونات، وهذا هو معنى التبعيض في الاحتياط على الحكومة، فليس معناه أنَّ العقل قد جعل الظنّ حجّة كما سيأتي، بل إنَّ العقل الحاكم بالإطاعة والعصيان يحكم بأنَّه عند عدم التمكّن من المرتبة العالية من الامتثال يتنزّل إلى المرتبة الدانية بعد عدم إمكان الاحتياط للعسر والحرج، أو لأجل الإجماع على عدم وجوبه.

فمن مقدّماته عدم وجوب الاحتياط لا عدم جوازه، فلو أراد المكلّف أن يحتاط ويأتي بتمام الأطراف التي منها المظنونات والمحتملات والموهومات فلا مانع من ذلك.

ــــــــــ[229]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وعلى هذا المسلك تكون دعوى وجوب تحصيل الظنّ وعدم جواز الاحتياط محلّ تعجّب على ما ذكره شيخنا الأنصاري، لأنَّ من مقدّماته عدم وجوب الاحتياط لا عدم جوازه. إذن، فلا مانع من العمل بالاحتياط مع ترك الفحص، ففي كلّ مورد يحتمل فيه التكليف يحتاط، ففي الشبهة الوجوبيّة يأتي بالفعل، وفي الشبهة التحريميّة يتركه.

ولا فرق في ذلك بين أن يكون الامتثال الاحتمالي في طول الامتثال الجزمي أو لا يكون، فحتّى لو بنينا على ذلك في المسألتين(1) السابقتين على ذلك لا نقول به في المقام جزماً؛ إذ ليس هنا امتثال جزمي، وإنَّما العمل بالظنّ عند عدم التمكّن من الاحتياط، ومن مقدّماته عدم وجوب الاحتياط، فكيف يُقال: إنَّه عند التمكّن من تحصيل الظنّ لا يجوز الاحتياط، فما ذكره شيخنا الأنصاري من التعجّب في محلّه.

فالصحيح هو التفصيل(2) بين مسلك الكشف ومسلك الحكومة في دليل الانسداد، فعلى الكشف لا يجوز الاحتياط، على الحكومة يجوز الاحتياط.

ــــــــــ[230]ــــــــــ

() وهما: ما إذا كان متمكّناً من الامتثال الجزمي أو التعبّدي. (المقرّر).

(2) لا يخفى أنَّ هذا التفصيل ثابت، سواء قلنا بجواز الاحتياط في المسألتين السابقتين أو لا، فما قاله السيّد ممّا ينافي ذلك قبل قليل غير صحيح. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9



مباحث الظن

 

  • التفّرقة في حجّيّة الظنّ
  • الإمكان الوقوعي
  • مسلك الطريقيّة
  • في تأسيس الأصل عند الشكّ في الحجّيّة
  • نسبة أدّلة الحجّيّة إلى العمومات
  • حجّيّة الظهور
  • حجّيّة قول اللغوي
  • الإجماع
  • حجّيّة الشهرة

ــــــــــ[231]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9



مباحث الظن

 

تقدّم الكلام في أنَّ القطع حجّيّته ذاتية وغير قابلة للجعل ولا تناله يد التشريع نفياً وإثباتاً، وأمّا الظنُّ فبما أنَّه يحتمل فيه خلاف الواقع، والواقع بعدُ لم يصل إلى المكلّف فلا يكون حجّة، وليست حجّيّته ذاتيّة، بل محتاجة إلى الجعل، فالواقع باقٍ على مجهوليّته، وما لم تثبت حجّيّته بكتاب أو سنّة أو إجماع أو دليل عقلي لا يكون حجّة، إذ ليس في الظنّ اقتضاء الحجّيّة فضلاً عن العلّيّة التامّة.

والدليل العقلي إنَّما هو دليل الانسداد، فإذا تمّت مقدّماته على الكشف نستكشف بها أنَّ الشارع جعل الظنّ حجّة في هذا الحال، وإن لم يكن دليل لفظي، وأمّا حكم العقل بحجّيّة الظنّ، فقد قلنا: إنَّ العقل ليس له وظيفة التشريع، بل يكون مدركاً فقط، ولا تكون الحجّيّة ثابتة بحكم العقل، وليس له أن يجعلها لما ليس بحجّة في نفسه، وإنَّما الحجّيّة لأمر لابدَّ أن تثبت من قبل الشارع، فهو الذي يعتبر ما ليس بعلم علماً، وليس للعقل أن يعتبر ذلك، وإنَّما وظيفته الإدراك فقط.

ومن هنا يظهر أنَّ ما ذكره صاحب الكفاية(1) من أنَّ الظنّ لا يكون حجّة إلَّا بدليل شرعي، أو بطرو حالات يحكم العقل بحجّيّته لا يصحّ، فإنَّه لا يحكم 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأُصول: 275.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

العقل بحجّيّته أبداً، وأمّا حجّيّة الظنّ -على تقدير تماميّة مقدّمات الانسداد– على الحكومة، فقد ذكرنا أنَّه ليس معنى حجّيّة الظنّ طريقيّته إلى الواقع وكشفه عنه، بل بمعنى التبعيض في الاحتياط، فإنَّ العقل يدرك بما أنَّه لا يمكن إدراك الواقع بسائر محتملاته، فيتنزّل إلى الإتيان ببعض المحتملات، وهي المحتملات المظنونة؛ لأنَّها أقرب طرق الامتثال إلى الواقع.

والحجّيّة معناها الطريقيّة وجعل ما ليس بعلم علماً، وهذا مختصّ بالشارع. إذن، فحجّيّة الظن مجعولة دائماً بجعل شرعي، غاية الأمر: أنَّه قد يكون ذلك بدليل لفظي، وقد يكون بدليل لبيّ كالإجماع، وقد يكون الكاشف عن ذلك هو العقل، وأنَّ الشارع جعل الظنّ حجّة، وذلك بناءً على تماميّة مقدّمات الانسداد على الكشف.

ــــــــــ[234]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9







التفّرقة في حجّيّة الظنّ

 

ثُمَّ إنَّ صاحب الكفاية(1) ذكر: أنَّ بعض المحقّقين فرّق بين حجّية الظنّ في مرحلة إثبات التكليف، وبين حجّيّته في مرحلة إسقاط التكليف. أمّا في مرحلة إثبات التكليف، فبنى على أنَّ الظنّ ليس بحجّة ولا يثبت به التكليف، بل ما لم تثبت حجّيّته يكون مورداً للأُصول العمليّة، وأمّا في مرحلة الإسقاط فيكتفى بالامتثال الظنّي.

ثُمَّ علّق عليه صاحب الكفاية بأنَّ هذا مبني على عدم وجوب دفع الضرر المحتمل.

وهذا الذي نسبه إلى بعض المحقّقين لا نعرف قائله، ولا نظنّ أنَّ أحداً من المحقّقين يقول به، فبعد أن لم يكن الظن حجّة شرعاً، فإنَّ التكليف المحقّق كيف يقتصر على الظنّ في مرحلة الامتثال، مع أنَّ التكليف ثبت باليقين الوجداني أو اليقين التعبّدي؟! وكيف نرفع اليد عن حكم العقل الذي مفاده: أنَّ اشتغال الذمّة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني؟!

وأمّا أنَّ دفع الضرر هل هو واجب أو لا؟ فأجنبي عن محلّ الكلام أصلاً، فإنَّه إنَّما يتمّ في الضرّر الدنيوي، ويقال: إنَّه واجب أو ليس بواجب، وأمّا 

ــــــــــ[235]ــــــــــ

( ) انظر: كفاية الأُصول: 275.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الضرّر الأُخروي وهو العقاب، فلا ينبغي الشكّ في أنَّه يحكم العقل بلزوم الفرار منه، وأنَّه لابدَّ من سدّ باب هذا الاحتمال، وإلَّا لو كان الاحتمال موجوداً لكان معناه تنجّز الواقع؛ لأنَّ تنجّز الواقع لا نريد به إلَّا احتمال العقاب، ولا نريد به القطع بالعقاب، ذلك التنجّز الحاصل في أطراف العلم الإجمالي، والشبهة البدويّة قبل الفحص، بل الجزم بالعقاب غير موجود حتّى في المعاصي المحقّقة المعلومة؛ إذ لعلّ الله تعالى يعفو، أو أنَّ معصوماً يشفع فيغفر الله تعالى له، فالجزم بالعقاب ليس موجوداً في المعاصي المعلومة، فضلاً عن موارد العلم الإجمالي، فضلاً عن الشبهات البدويّة قبل الفحص؛ فإنَّه في جميع ذلك إنَّما نقول بوجوب الاحتياط دفعاً لهذا الاحتمال، حتّى يكون الإنسان في أمن من العقاب، وإلَّا لو كان العقاب محتملاً، فهو معنى تنجيز الواقع، فإذا علمنا أنَّ التكليف قد ثبت يقيناً، وظنّ أنَّه أتى بالمأمور به، فعلى تقدير عدم الإتيان فإنَّه يعاقب احتمالاً، فاشتغال الذمّة باقٍ والعقاب على الترك عقاب مع البيان لا عقاب بلا بيان، وهذا معنى تنجّز التكليف ووجوب الفراغ اليقيني عند الاشتغال اليقيني.

وكذلك الحال في موارد الحجّج الشرعيّة، كما لو قامت البيّنة على أنَّ هذا المائع خمرٌ، فليس عندنا علم حينئذٍ بالعقاب، بل عندنا احتمال العقاب على تقدير المصادفة للواقع. إذن، فهذا أجنبي عن قاعدة وجوب دفع الضرّر المحتمل.

ولولا ما ذكرناه من أنَّ احتمال العقاب يكفي فيه فرار المكلّف منه، فلازمه 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

القول بجواز الاكتفاء باحتمال الامتثال، فلو كان التكليف ثابتاً وشكّ المكلّف أنَّه أتى بالمأمور به أو لا، فإنَّ العقاب حينئذٍ محتمل وليس معلوماً؛ لأنَّه يحتمل أنَّه أتى بالمأمور به، وهذا لا يمكن الالتزام به، وأنَّه في موارد التكليف اليقيني يكتفى بالامتثال الاحتمالي.

فالصحيح أنَّه لا فرق بين الإثبات والإسقاط، فإنَّه ما لم تقم الحجّة على الظنّ لا يثبت التكليف، بل يكون مجرى للأُصول، وفي مرحلة الإسقاط إذا كان التكليف معلوماً بعلم وجداني أو تعبّدي، فلابدَّ من اليقين بحصول امتثاله، وإلَّا كان احتمال العقاب كافياً في تنجيزه على تقدير مصادفته للواقع.

ــــــــــ[237]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9








الإمكان الوقوعي

 

ذكر شيخنا الأنصاري(1) أنَّه إذا شكّكنا في استحالة شيء وإمكانه، فالأصل هو الإمكان، فمدّعي استحالة جعل الحجّيّة للظنّ لابدَّ له من إثباته بدليل، ومعلوم أنَّه ليس معنى الإمكان هو الإمكان الاحتمالي، كما نسب إلى الشيخ الرئيس، أنَّه قال: كلّما قرع سمعك فدعه في بقعة الإمكان، حتّى يذدك عنه واضح البرهان(2)، بمعنى: نحتمل إمكانه ولا يمكننا إنكاره بلا دليل، والإمكان الاحتمالي غير قابل لأن يُقال: إنَّه هو الأصل، والوجه فيه ظاهر؛ لأنَّ الاحتمال أمر وجداني يرجع فيه كلّ شخص إلى نفسه ليرى أنَّه يحتمل أو لا يحتمل، ولا يمكن أن يُقال: إنَّ بناء العقلاء قائم على أنَّ الإمكان الاحتمالي هو الأصل.

كما أنَّ المراد بالإمكان هنا ليس هو الإمكان الذاتي في مقابل الاستحالة الذاتيّة، بمعنى: أنَّ قصر النظر إلى نفس الشيء في ذاته يكفي للحكم باستحالته كاجتماع النقيضين وارتفاعهما، فإنَّ حجّيّة الظنّ قطعاً ليست من هذا القبيل، ولم يدّع أحد أنَّنا إذا لاحظناها في ذاتها نجدها أمراً مستحيلاَ.

ــــــــــ[238]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 106.

(2) انظر: الإشارات والتنبيهات 3: 418.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وإنَّما محلّ الكلام هو الإمكان والاستحالة الوقوعيّان، فهل يلزم من حجّيّة الظنّ تالٍ فاسد وأمر مستحيل، أمّا مطلقاً كاجتماع الضدّين، أو على خصوص الحكيم كتفويت المصلحة والإيقاع في المفسدة؟ فعلى الأوّل يكون مستحيل الوقوع؛ لأنَّه يلازم أمراً مستحيلاً، وما يستلزم المحال محال، وعلى الثاني يكون أمراً ممكناً بحسب الوقوع.

ادّعى ابن قبة وبعض آخر(1): أنَّ حجّيّة الظنّ والتعبّد به أمر مستحيل، وله لازم باطل، فإن ثبت هذا فلا كلام لنا فيه، وإذا شكّكنا في ذلك فذكر شيخنا الأنصاري(2) أنَّه ما لم يكن دليل على الاستحالة نبني على الإمكان. 

وقد استشكل في ذلك صاحب الكفاية(3) وشيخنا الأستاذ(4)، وذكرا:

أوّلاً: أنَّه لم يثبت بناء من قبل العقلاء في المقام، وكيف يبنون على إمكان شيء مع أنَّه محتمل الاستحالة.

وثانياً: على تقدير وجود هذا البناء فغاية ما يفيده لنا هو الظنّ، فكيف نحكم بحجّيّته، مع أنَّ الكلام فعلاً في حجّيّة الظنّ، فكيف يمكن أن نثبت حجّيّة الظنّ بحجّيّة الظنّ؟

وثالثاً: أيّ فائدة من إثبات الإمكان؟ فإنَّه إن ثبت دليل على وقوعه أخذنا 

ــــــــــ[239]ــــــــــ

(1) انظر: معارج الأُصول: 141.

(2) انظر: فرائد الأُصول: 106.

(3) انظر: كفاية الأُصول: 276.

(4) انظر: أجود التقريرات 2: 65.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

به، وأثبتنا به الإمكان؛ لأنَّ الوقوع أخصّ من الإمكان، وإن لم يكن هناك دليل على الوقوع فأيّ فائدة في إثبات الإمكان؟

وزاد شيخنا الأُستاذ رابعاً: أنَّ بناء العقلاء لو ثبت فهو في الإمكان التكويني، وأمّا في الإمكان التشريعي فليس هناك بناء عقلائي.

إذن، فكلام الشيخ الأنصاري لا يمكن المساعدة عليه.

الرأي المختار

وما ذكره الشيخ هو الصحيح، فإنَّه لا يريد إثبات الإمكان بما هو إمكان، فإنَّه لا يترتّب عليه ثمرة أصلاً، والظاهر أنَّه يريد بذلك: أنَّ الدليل إذا دلّ بظهوره على حجّيّة شيء، وشكّكنا في إمكان ذلك واستحالته، فهل يمكن الأخذ به ما لم تثبت استحالته، أو لابدَّ من إثبات الإمكان أوّلاً؟ ولا أقلّ من احتمال ذلك، فهل يكون هذا الظهور حجّة؛ لأنَّ العقلاء يبنون على الأخذ بالظهور ما لم يثبت استحالته، فهو قد أراد بيان أنَّ العقلاء يعملون بالظهور، ويكون حجّة على العبد أمام المولى وعلى المولى تجاه العبد فيما إذا لم يثبت الاستحالة، فلو أمر المولى بشيء واحتمل المكلّف أن يكون إيجاب هذا الشيء مستحيلاً، فإنَّ المولى الحكيم لا يأمر بما فيه مفسدة، ولعلّ هذا فيه مفسدة، فيكون أمراً امتحانيّاً أو بداعٍ آخر غير البعث، فهل يتوقّف المكلّف عن الامتثال لأنَّه احتمل الاستحالة في الوجوب، أو إنَّ هذا الظهور حجّة؟ فإذا قامت قرينة على وجود المفسدة وأنَّ هذا الأمر مستحيل، فهذه القرينة بنفسها تدلّ على عدم إرادة هذا الظاهر، وأمّا إذا لم يدلّ دليل على الاستحالة، وشكّ أنَّ مدلول الأمر 

ــــــــــ[240]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ممكن أو مستحيل، فلابدَّ من الأخذ به حتّى تثبت الاستحالة.

ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّه إذا فرضنا أنَّ ظاهر كلام المولى حجيّة خبر الواحد كآية النبأ، واحتملنا استحالة جعل حجّيّة الظنّ وجعل حجّيّة خبر الواحد، فهل يوجب ذلك توقّفنا عن العمل بهذا الظاهر لاحتمال الاستحالة؟

نعم، إذا كانت الاستحالة ثابتة تكون قرينة على إرادة خلاف الظاهر، ولابدَّ من رفع اليد عنه، وأمّا إذا لم تثبت الاستحالة وقد دلّ ظاهر كلامه عليه، فهل يصحّ منّا التأخّر وعدم الأخذ بالظهور؟ هذا غير جائز ببناء العقلاء جزماً، فأنَّهم بنوا على الأخذ بالظاهر ما لم تثبت الاستحالة، ولا شكّ ولا ريب أنَّ هذا البناء مرضي من قبل الشارع ولم يردع عنه جزماً، فكان الظهور حجّة عند العقلاء والشارع، ولا نحتمل الردع عنه من قبله، فإنَّه تكلّم بلغة قومه، ولم يتّخذ طريقة غير طريقة العقلاء في التفهيم والتفهّم. إذن، فما دلّ على حجّيّة خبر الواحد لابدَّ من الأخذ به.

فالأصل هو الإمكان، فنبني على حجّيّة الظهور ما لم تقم قرينة على الاستحالة، وعلى إرادة خلاف الظاهر.

إذن، فكلام شيخنا الأنصاري متين جدّاً، ولا يرد عليه شيء ممّا ذكره صاحب الكفاية، بل الشيخ أراد إلزام مدّعي الاستحالة بأنَّ القائل بالإمكان لا يحتاج إلى الدليل، ولا نحتاج في لزوم الأخذ بالظهور إلى إثبات الإمكان بدليل وبرهان، والقائل بالاستحالة هو الذي عليه أن يتكلّف البرهان، وإلَّا فالظهور حجّة.

ــــــــــ[241]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وأمّا ما ذكره شيخنا الأُستاذ فلا نعرف له وجهاً صحيحاً أصلاً، فإنَّ الإمكان لا ينقسم إلى قسمين: إمكان تكويني وإمكان تشريعي، ليقال: أنَّ بناء العقلاء على تقديره وجوده فهو ثابت في التشريعي دون التكويني، وليس الإمكان ممّا يقبل التشريع ليكون إمكاناً تشريعيّاً في مقابل الإمكان التكويني، بل الإمكان بمعنى واحد، وهو قابلية الوجود في الخارج، ومتعلّقه قد يكون من الأُمور التكوينيّة كإعادة المعدوم أو الطفرة أو اجتماع الحبّ والكراهة، وقد يكون متعلّقه تشريعيّاً كحجّيّة الظنّ مثلاً، ودعوى: أنَّ بناء العقلاء لو تمّ فإنّما هو في الإمكان التكويني دون التشريعي لا مجال لها أصلاً.

إذن، تحصّل ممّا ذكرناه: لا حاجة لنا إلى إثبات الإمكان، بل لابدَّ من التكلّم فيما استدل به على الاستحالة، فإن ثبت فلابدَّ من رفع اليد عن حجّيّة أيّ شيء من الأمارات، وإن لم تثبت الاستحالة أخذ بهذا الظاهر.

دليل القول بالاستحالة

والقائل بالاستحالة استدلّ من ناحيتين: من ناحية الملاك أوّلاً، ومن ناحية نفس التكليف ثانياً.

أمّا الأوّل: وهو الاستحالة من ناحية ملاكات الأحكام، فهو أن يُقال: إنَّ التكاليف ناشئة من الملاكات لا محالة، فالواجب فيه مصلحة تقتضي جعل الوجوب، والحرام فيه مفسدة تقتضي جعل التحريم، والمباح ليس فيه ذلك. وعلى ذلك: لو أنَّ الأمارة قامت على وجوب شيء وكان في الواقع مباحاً –فإنَّه أمر ممكن أن تخالف الأمارة الواقع ولا يلزم أن تكون مطابقة له دائماً– فهذا 

ــــــــــ[242]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الوجوب الثابت بالأمارة وجوب فيما ليس فيه مصلحة ولا مفسدة، فهو من تحريم الحلال، فهذا الفعل لنا أن نعمله وأن نتركه، والإلزام بفعله أو بتركه بلا مقتضي(1)، ويلزم منه تحريم الحلال، وهو أمر لا يصدر من المولى الحكيم.

وكذلك إذا فرض أنَّ الأمر بالعكس، بأن دلّت الأمارة على الإباحة وكان الفعل في الواقع واجباً أو حراماً، وفيه مصلحة أو مفسدة مقتضيّة لجعل الحكم، وقد قامت الأمارة على إباحته ورخّص المولى في فعله وتركه، وهذا من تحليل الحرام وقد رخّص الشارع الحكيم في ارتكاب الحرام الواقعي، وهو قبيح من المولى الحكيم.

إذن، فجعل الأمارات مستلزم أمّا لتحليل الحرام أو تحريم الحلال، وكلاهما لا يصدر من الجاعل الحكيم.

أمّا الثاني: إذا قامت الأمارة على حكم فإمّا أن تكون مطابقة للواقع أو مخالفة له، فلا يخلو الأمر من أحدهما، وعلى تقدير الموافقة يلزم اجتماع المثلين في مورد واحد، فإنَّ المفروض أنَّ هذا الشيء واجب بوجوب واقعي سواء قامت الأمارة عليه أو لم تقم، وفرضنا أنَّ الأمارة قامت على الوجوب أيضاً، وهذا حكم ثانٍ غير الأوّل، وهما مثلان، فقد اجتمع المثلان في مورد واحد، واجتماع المثلين غير جائز.

ولو فرضنا أنَّه ثبت بالأمارة حكم مخالف للحكم الواقعي؛ إذ كان مباحاً واقعيّاً، وقامت الأمارة على الوجوب أو الحرمة، ففيه اجتماع الضدّين، وأنَّ 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

() يعني: بلا مصلحة أو مفسدة. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الفعل الواحد محكوم بحكمين متضادّين، واجتماع الضدّين مستحيل.

إذن، فجعل الحجّيّة لأيّ أمارة فرضت مستحيلٌ؛ لأنَّه مستلزم لاجتماع المثلين على تقدير المصادفة للواقع، واجتماع الضدّين على تقدير المخالفة، وكلا الأمرين محال.

فلا بدَّ من التكلّم في كلتا الجهتين، وهما الاستحالة من حيث الملاكات، والاستحالة من حيث التكاليف.

وبعبارة أخرى: قد يفرض أنَّ الحكم الواقعي هو الإباحة، والأمارة تدلّ على الوجوب أو الحرمة، وقد يفرض أنَّ الحكم الواقعي هو الإلزام، والأمارة تدلّ على الإباحة، وقد يفرض أنَّ الحكم الواقعي هو الوجوب، والأمارة تدلّ على التحريم أو بالعكس، فهو إلزام بما فيه مفسدة أو إلزام بترك ما فيه مصلحة.

أمّا بالنسبة إلى المورد الأوّل: فيما إذا كان الحكم الواقعي هو الإباحة، وهي دلّت على الوجوب أو على التحريم فهذا لا محذور فيه أبداً، فإنَّ تحريم الحلال ليس فيه أيّ محذور، فإنَّ الأحكام وإن كنت تابعة للمصالح والمفاسد، إلَّا أنَّ المدار في ذلك المصالح النوعيّة دون الشخصيّة، بل قد تكون المصلحة مقتضية لجعل الحكم على الإطلاق، وإن لم تكن مصلحة بالنسبة إلى الشخص، وهذا متحقّق في الأحكام الشرعيّة والعرفيّة ولا محذور فيه ولا ينافي حكمة الآمر، بل الحكمة تقتضي جعل الحكم على وجه الإطلاق والعموم بحسب المصلحة النوعيّة، وإن كان خالياً في بعض الموارد من المصلحة والمفسدة.

وممّا ورد من ذلك في الشرع المقدّس وجوب العدّة على كلّ من كانت في 

ــــــــــ[244]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

سنّ من تحيض، وسببه التحفّظ على الأنساب لأجل أن لا تختلط المياه، ومعلوم أنَّ هذا لا يطّرد في تمام الموارد، فإنَّ المرأة إذا تزوجّت قد لا تحمل لمدّة سنتين أو أكثر، لكن عدم اختلاط الأنساب مصلحة عامّة مهمّة في نظر الشارع، وموارد الحمل غير متميّزة عن بعضها، فلا ندري أنَّ هذه المرأة حملت من زوجها الأوّل، أو من زوجها الثاني، أو غير حاملة أصلاً، فقد جعل الحكم عامّاً لأجل هذه المصلحة النوعيّة المهمّة، وإن كانت تتخلّف ولا تطّرد في بعض الموارد.

وكذلك في العرف، كما لو علم المولى أنَّ أحداً في هذا اليوم يريد قتله، فيأمر عبيده أن يمنعوا من دخول أيّ أحد عليه، فيأمر بالمنع على نحو الإطلاق تحفظاً عن مجيء ذلك الفرد المجهول الذي يريد قتله، ولا يكون هذا منافيّاً للحكمة، بل إنَّ الحكمة تقتضي جعله، فإنَّه لو لم يجعل الحكم مطلقاً لأمكن فوات المصلحة، فإنَّه قد يدخل عليه ويقتله.

ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّ مصلحة التحفّظ على الأحكام الواقعيّة اقتضت جعل الأمارة حجّة؛ لأنَّها غالبة المطابقة للواقع في نظر الشارع، ولو فرض أنَّها تخالفه في مورد أو موردين أو ثلاثة ويحصل تحريم ما هو حلال واقعاً، فمع ذلك يأمر المولى بالترك لأجل أن لا تفوت تلك المصلحة النوعيّة لأجل أهمّيّة تلك الأحكام الواقعيّة، فهو يجعل الأمارة حجّة مقدّمة لإيصال الواقع، وإن كان قد يتّفق عدم مطابقتها للواقع، وما هو مخالف للواقع غير متميّز خارجاً، فإذا كانت الأمارة غالبة المطابقة للواقع فالمصلحة النوعيّة تقتضي جعلها حجّة وطريقاً إلى الواقع، وإن كانت تستلزم في بعض الأحيان 

ــــــــــ[245]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

تحريم الحلال، وهذا ليس فيه أيّ محذور، ولا ينافي حكمة الآمر، بل الحكمة تقتضي جعله، ففي هذه الصورة الجواب ظاهر.

وأمّا ما لو فرضنا أنَّ الحكم الواقعي هو الوجوب أو الحرمة ودلّت الأمارة على الإباحة، فقد يتوهّم هنا أنَّ فيه ترخيصاً في ارتكاب ما فيه مفسدة، أو في ترك ما فيه مصلحة، إذ كيف يرخّص المولى في ترك الواجب وفي فعل الحرام؟ أو لو فرضنا أنَّ الأمارة دلّت على وجوب شيء وكان في الواقع حراماً فالأمر أفحش، فكيف يلزم المولى بترك الواجب أو يلزم بفعل الحرام، أليس ذلك منافياً لحكمة المولى؟ وهذا مورد الإشكال.

قد نفرض انسداد باب العلم، وقد نفرض انفتاحه، ونتكلّم على كلا التقديرين.

إذا فرضنا أنَّ باب العلم منسدّ، ولا يمكننا الوصول إلى الواقعيّات، فإنَّه لو لم تكن الأمارات حجّة، فإنَّه هل يمكننا الوصول إلى الواقعيّات بحيث لا يفوتنا من الواقع شيء، فهل هذا أمر ممكن أو ممتنع؟ ولا سيّما في الشبهات الموضوعيّة كهذا المائع خمر أو لا، وهذا الثوب مغصوب أو لا، وأنَّ هذه الدار وقف أو لا؟

وكذلك الحال في الأحكام، فإنَّه لو لم تكن الأمارات حجة لما أمكننا الوصول إلى الواقعيّات، كالواجبات والمحرّمات في الشريعة، فإنَّه معلوم أنَّ هذا أمر غير ممكن في زمان الحضور، فضلاً عن زمان الغيبة، فإنَّ كلّ أحد لا يكون في بلد المعصوم، ولو كان في بلده لا يمكنه الوصول إلى الإمام 

ــــــــــ[246]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وسؤاله عن سائر الأحكام، بل لو صار البناء على أنَّ كلّ أحد يسأله عن كلّ الأحكام سؤالاً شخصيّاً ويجيبه شخصيّاً، فحينئذٍ لا يتسع الزمان لذلك، فالوصول إلى الواقعيّات غير ميسور جزماً.

فإذا فرضنا أنَّ باب العلم مسدود. إذن، فلا يمكن للمكلّف أن يحرز الواقعيّات بالعلم المطابق للواقع، لا مجرّد القطع وإن كان مخالفاً للواقع، فإنَّه جهل مركّب، وهو أيضاً داخل في الانسداد، فالأمر يدور بين أن يحتاط المكلّف في بعض المسائل ويترك الاحتياط في بعض المسائل، ويتمسّك فيها بأصالة البراءة العقليّة فيما لا يمكن الاحتياط به، وهذا هو معنى حجّيّة الظنّ على الحكومة.

وكذلك الحال في جعل الطرق غير المعتبرة شرعاً حجّة، كالاستخارة والمنام وتقليد الجاهل للجاهل، فإذا دار الأمر بين ذلك وبين أن تكون الأمارة حجّة، فإذا كانت الأمارة غالبة الموافقة للواقع أكثر من التبعيض في الاحتياط، فالمصلحة النوعيّة تقتضي جعلها حجّة لا محالة لأجل الوصول إلى الواقع، وإن لزم منها تحليل الحرام في بعض الموارد، فإنَّها لو لم تكن حجّة لارتكب المكلّف من المحرّمات أضعاف ذلك برجوعه إلى البراءة العقليّة.

فأيّ محذور في جعل الأمارة حجّة، فيما لو رآها الشارع غالبة المطابقة للواقع، بل الحكمة تقتضي جعلها، وإن كانت في بعض الأحيان قد تخطئ الواقع، والمصلحة النوعيّة التي ذكرها في المورد الأوّل بعينها جارية في المقام، وإن كانت تتخلّف في بعض الموارد الشخصيّة، فيلزم منه تحريم الحلال، أو 

ــــــــــ[247]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الإلزام بترك الواجب، أو تحريم فعل الواجب الواقعي، فإنَّ ذلك لا يزاحم مصلحة التحفّظ على الواقعيّات، فإنَّ الشارع إذا لم يجعل الأمارة حجّة يقع المكلّف في المخالفة أكثر بمراتب. إذن، فالحكمة تقتضي جعل الحجّيّة لا أنَّها تقتضي عدم جعلها.

هذا، مع أنَّنا لم نجد أمارة جعلها الشارع حجّة، والأمارات كلّها حجّج عقلائيّة ثابتة قبل الشرع والشريعة، غاية الأمر: أنَّه أمضى حجّيّتها ولم يردع عنها إذا كانت غالبة المطابقة للواقع، وأمّا إذا كانت غالبة المخالفة له كالقياس فقد ردع عنه، وإن كان العقلاء يبنون على العمل به، وأمّا غير ذلك من الأمارات سواء في الشبهات الموضوعيّة كقاعدة اليد، أو الحكميّة كخبر الواحد، فلو كانت الحجّيّة تأسيسيّة من قبل الشارع، فقد يتوهّم أنَّه يوجب تحريم الحلال، فلماذا أسّس حجّيّتها وجعلها؟ ولكنّها ثابتة ببناء العقلاء، ولا موجب للردع عن هذا البناء، فإنَّ الردع يحتاج إلى مقتضي يوجبه وهو غير موجود، بل يوجد مقتضي الإمضاء وهو وصول الحكم إلى المكلّفين، فلابدَّ من جعلها والعمل عليها، فحيث لا مقتضي للردع، والمصلحة النوعيّة تقتضي عدمه، فلم يردع عنها.

إذن، لولا حجّيّة الأمارات لم يكن الوصول إلى العلم بالأحكام الواقعيّة ممكناً للمكلّفين، فلا محذور من جعل الأمارة حجّة إذا كانت غالبة المطابقة للواقع، بل الحكمة تقتضي جعلها إمّا تأسيساً أو إمضاء، على ما هو الصحيح على فرض الانسداد.

ــــــــــ[248]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وأمّا إذا فرضنا أنَّ باب العلم مفتوح، ويمكن للمكلّف أن يصل إلى الواقعيّات -وإن كان هذا الكلام مجرّد فرض لا واقع له- فإمّا أن تكون الأمارات مجعولة من باب السبّبيّة أو من باب الطريقيّة، فنتكلّم على كلا المسلكين:

مسلك السبّبية 

إنَّ جعل حجّيّة الأمارات من باب السبّبيّة والموضوعيّة، فإنَّ السبّبيّة على ما ذكره الشيخ تتصوّر على وجوه:

الوجه الأوّل: ما نسب إلى الأشاعرة(1)

قالوا: أنَّه لا حرام ولا واجب في الواقع، وأنَّ الأحكام تابعة لآراء المجتهدين وما دلّت عليه الأمارات، فما دلّت الأمارة على وجوبه فهو واجب، وما دلّت على حرمته فهو حرام، وهذا هو التصويب الأشعري المنسوب إليهم، وإن كانت النسبة غير ثابتة.

فبناءً عليه لا موضوع للإشكال أصلاً؛ إذ المفروض أنَّه ليس في الواقع حكم من إباحة أو وجوب أو تحريم، لتكون الأمارة مخالفة له، فتكون مستلزمة لتحليل الحرام.

فالإشكال منتفٍ أصلاً، إلَّا أنَّ هذا المسلك من السبّبيّة باطل عقلاً وشرعاً.

ــــــــــ[249]ــــــــــ

(1) المستصفى: 352، الإحكام في أُصول الأحكام 4: 183.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

أمّا عقلاً فلأنَّه مستلزم للدور؛ إذ على تقدير أن لا يكون في الواقع حكم، فالأمارة تخبر عن أيّ شيء، وظنّ المجتهد يتعلّق بأيّ شيء، فلابدَّ من وجود حكم حتّى تصيبه الأمارة أو تخطئه(1).

الوجه الثاني: المنسوب إلى المعتزلة(2)

إنَّ القائل بها يلتزم بوجود حكم واقعي، مع قطع النظر عن قيام الأمارة عليه، إلَّا أنَّه جعل قيام الأمارة عليه، إذا كانت مخالفة للواقع من العناوين الثانوية التي يتغيّر بها الحكم الأولي كالحرج والاضطرار والتقيّة، فأصل الحكم مجعول، ولكن إذا كانت التقيّة تقتضي خلافه يتبدّل الحكم ويكون الحكم حال التقيّة حكماً آخر غير الحكم الأوّل، فكذلك الحال في الأمارة إذا قامت على خلاف الواقع.

ــــــــــ[250]ــــــــــ

() أقول: لم يذكر السيّد الأُستاذ وجه الدور أكثر من هذا المقدار، فيمكن أن يُقال في وجهه: أنَّ الأمارة متوقّفة على وجود الحكم بالتقريب الذي ذكره السيّد الأُستاذ، ووجود الحكم متوقّف على وجود الأمارة، إذ الفرض أنَّ الحكم يترتّب على مدلول الأمارة فتكون الأمارة بمنزلة العلّة لوجوده، كما هو مدّعى الأشعري فيلزم الدور، فقد بيّن السيّد الأُستاذ إحدى جهتي التوقّف في الدور واكتفى بها.

فالسبّبيّة بهذا المعنى، أي: انحصار التكاليف بمؤدّى الأمارات غير معقول، وباطل شرعاً أيضاً، لقيام الإجماع والروايات على اشتراك الأحكام بين العالمين والجاهلين، وقد يكون المؤدّى مصادفاً للواقع وقد لا يكون. (المقرّر).

(2) انظر: فرائد الأُصول 1: 207، 208.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وتبدّل الأحكام بالعناوين الثانويّة أمر ممكن في نفسه، إلّا أنَّه منافٍ للمتسالم عليه بين الفقهاء، فالإجماع والروايات الدالّة على أنَّ الحكم الواقعي محفوظ، وأنَّ الدليل قد يصيب الواقع وقد يخطئه، غايته: أنَّ المكلّف يكون معذوراً عنه، لا أنَّه يسقط ولا يكون حكم في الواقع أصلاً، فالالتزام ببطلان الوجه من جهة هذا الإجماع والروايات.

على أنَّه بلا مقتضي، فإنَّه حتّى لو لم يكن الإجماع قائماً ولا الروايات موجودة، فإنَّه لا مقتضي له؛ فإنَّنا إنَّما نلتزم في مورد التقية بتبدّل الواقع للروايات الواردة فيها الدالّة على: أنَّ التقيّة من دين الله، وأنَّ من لا تقية له لا دين له(1)، فيكون تكليف المكلّف حقيقة هو أن يغسل رجليه، والمسح غير مشروع ولم يأمره المولى به، وكذلك في مورد الضرّر والحرج، فإنّنا استفدناه من دليل خاص في مورده، فمن أين استكشفنا أنَّ الواقع يتبدّل بقيام الأمارة على الخلاف، فإنَّنا قلنا: إنَّ دليل الحجّيّة هو السيرة العقلائيّة، وليس هناك أمارة تأسيسيّة من قبل الشارع، وإنَّما سائر الأمارات عقلائيّة ممضاة من قبل الشارع، ومن المعلوم أنَّ بناء العقلاء لا يستفاد منه أكثر من كون الأمارة حجّة على الواقع ومنجزة له عند الإصابة، وأمّا أنَّ الواقع يتبدّل عند قيامها على الخلاف فهو ممّا يحتاج إلى دليل.

ولكن لو تمّت السبّبيّة بهذا المعنى فيرتفع المحذور أصلاً، ولا يكون هنا 

ــــــــــ[251]ــــــــــ

(1) المحاسن 1: 255، باب 31، التقيّة، الحديث: 286، الكافي 2: 216، باب التقيّة، الحديث: 12.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

تحليل للحرام ولا تحريم للحلال، فإنَّه عند قيام الأمارة على الخلاف لا حكم واقعي أصلاً، فالحكم الواقعي غير محفوظ لتكون الأمارة موجبة للمحذور.

الوجه الثالث: المصلحة السلوكيّة

وهو الذي اختاره شيخنا الأنصاري(1) وتبعه شيخنا الأُستاذ(2)، وذلك: أنَّنا لو قلنا بالسبّبيّة لقلنا بها لا بالمعنى السابق، بل بمعنى: أنَّ سلوك الأمارة وتطبيق العمل عليها فيه مصلحة، ومعلوم أنَّ السلوك يختلف قصراً وطولاً. والمصلحة تختلف زيادة وقلّة، وتكون المصلحة بمقدار السلوك، وهو يختلف باختلاف الموارد.

مثلاً، لو كان الواجب الواقعي يوم الجمعة هو الظهر، ولكن المجتهد التزم بوجوب الجمعة تعيّيناً أو تخيّيراً، وصلّى صلاة الجمعة، ثُمَّ انكشف له الخلاف، أو لو بنى على وجوب التمام في مورد، ثُمَّ انكشف له الخلاف وأنَّ الحكم هو القصر أو العكس، فإذا انكشف الخلاف، ولم يفت من المكلّف شيء حتّى وقت الفضيلة، ففي مثل هذا لم يفت شيء من المصلحة الواقعيّة أصلاً، ليقال: إنَّ فيه قبحاً من المولى، أو تحليل حرام، أو تحريم حلال، فإنَّ وقت الفضيلة باقٍ فيتداركه.

وقد نفرض أنَّ وقت الفضيلة فات، ولكن وقت أصل الصلاة ما زال باقياً، فيأتي بالصلاة على النحو الذي انكشف له ظهراً أو قصراً، فالأمارة هنا أوجبت فوات مصلحة وقت الفضيلة لا مصلحة أصل الصلاة، فلازم الالتزام 

ــــــــــ[252]ــــــــــ

(1) فرائد الأُصول 1: 112-124.

(2) انظر: أجود التقريرات 2: 67.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

بالسبّبيّة أنَّ المصلحة في هذا الحال وبمقدار هذا السلوك على طبق الأمارة، فيتدارك ما فات من المصلحة الواقعيّة، وهي مصلحة وقت الفضيلة، فنلتزم أنَّ في السلوك على طبق الأمارة مصلحة يتدارك بها ما فات من الواقع، وهو وقت الفضيلة لا أصل الصلاة، فإنَّ وقتها لا زال موجوداً يمكن تداركها فيه.

وأمّا إذا فرضنا أنَّ انكشاف الخلاف كان بعد الوقت، فانكشف له بعد الغروب من يوم الجمعة أنَّ وظيفته الصلاة ظهراً، أو وظيفته الصلاة تماماً في المثال الثاني، فالأمارة بهذا المقدار فيها مصلحة يتدارك فيها مصلحة الوقت، وأمّا مصلحة أصل الصلاة فلم تفت؛ لأنَّه متمكّن من تداركها بالقضاء، ونتيجته: أن نحكم بوجوب القضاء.

أمّا إذا لم ينكشف الخلاف إلى أن مات المكلّف، فنلتزم أنَّ المصلحة وافية بمصلحة أصل الصلاة أيضاً.

ونتيجة هذه السبّبيّة في الإجزاء هي نتيجة القول بالطريقيّة بعينها، فكما أنَّنا على الطريقيّة لا نلتزم بالإجزاء، كذلك على السبّبيّة، وبناءً عليها لا يلزم أيّ محذور من تحليل حرام، أو تحريم حلال، أو الإيقاع في المفسدة، فإنَّ المقدار الفائت من المصلحة المفروض أنَّه تدورِك بمصلحة الأمارة، والمقدار الذي لم يفت يتدارك بعد ذلك من قبل نفس المكلّف.

وقال شيخنا الأنصاري(1) وشيخنا الأُستاذ(2): لا يلزم من جعل الأمارة 

ــــــــــ[253]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 68.

(2) انظر: فرائد الأُصول 1: 118.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

حجّة محذور، ولا مانع من الالتزام بالسبّبيّة بهذا المعنى.

أمّا عدم لزوم المحذور من جعل الحجّيّة للأمارة، فلأنَّه لا يفوت في موردها من المكلّف شيء أصلاً باعتبار تدارك المصلحة الفائتة، وأمّا أنَّ السبّبيّة بهذا المعنى لا مانع من الالتزام بها فلما ذكرناه في بحث الإجزاء(1) من أنَّ السبّبيّة بهذا المعنى باطلة أيضاً، ويلزم منها نفس المحذور الذي يلزم من السبّبيّة بالمعنى الثاني بعينه.

أوّلاً: لا دليل على ذلك، فبأيّ دليل نثبت أنَّ سلوك الأمارة فيه مصلحة يتدارك به ما فات من مصلحة الواقع(2)؟

وثانياً: أنَّه مستلزم للتصويب، كما كان القسم الثاني من السبّبيّة مستلزم له، والوجه في ذلك: أنَّ المصلحة لو فرضناها قائمة في الواجب الواقعي وقائمة في الأمارة باعتبار سلوكها، فلو فرضنا أنَّه لم ينكشف الخلاف حتّى غربت الشمس، وقلنا: بأنَّ مصلحة الصلاة في الوقت قد حصّلها المكلّف بسلوكه على 

ــــــــــ[254]ــــــــــ

() انظر: تقريرات في علم الأُصول 2: 363.

(2) أقول: يمكن أن يستدل على ذلك بنفس أدلّة حجّيّة الأمارات مع غضّ النظر عن مسالك الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة، وذلك بأن يُقال: بأنَّ الشارع حين جعل خبر الواحد حجّة فقد عرّض المكلّف للوقوع في المفسدة الواقعيّة، أو فوّت المصلحة الواقعيّة، وحيث إنَّ هذا قبيح في نفسه، فلابدَّ دفعاً للقبح عن فعل المولى أن نتصوّر أنَّ المولى بنفسه تكفّل سدّ باب هذا القبح بتعويض وتدارك المصالح التي تفوت بجعله هذا، فيكون هذا الجعل دالاًّ بالمطابقة على حجّيّة خبر الواحد، وبالالتزام على تدارك المصلحة الفائتة عند عدم مطابقة الخبر للواقع، فتأمّل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الأمارة، فإذا كانت المصلحة قائمة بأحد أمرين: إمّا الوجوب الواقعي، وإمّا السلوك على الأمارة. إذن، فلابدَّ أن يكون الحكم الواقعي تخيّيرياً بين الإتيان بالواقع وبين سلوك الأمارة؛ لأنَّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، فإذا فرضنا أنَّ سلوك الأمارة فيه مصلحة بمقدار مصلحة الواقع، فمعناه: أنَّ الوجوب في هذا اليوم كان تخيّيرياً في حقّ هذا المكلّف الذي قامت لديه الأمارة على وجوب الجمعة، ثُمَّ انكشف له الخلاف بعد الوقت، أمّا الذي لم تقم عنده هذه الأمارة فوظيفته هو الظهر تعييناً. إذن، فيلزم ارتفاع الحكم عن الجاهل واختصاصه بالعالم(1).

ــــــــــ[255]ــــــــــ

() أقول: وهذا الإشكال من الغرائب حقّاً، فإنَّ السيّد الأُستاذ أغفل أن يأخذ بنظر الاعتبار طوليّة حجّيّة الأمارة والحكم الظاهري عن الحكم الواقعي، بداهة أنَّ الأمارة مأخوذ في موضوعها الشكّ في الواقع، فتكون متأخّرة رتبة عن الواقع، ومعه لا يبقى مجال لهذا الإشكال أصلاً؛ فإنَّ الوجوب إنَّما يكون تخييرياً في المثال إذا كان هناك مصلحتان عرضيتان كلٌّ منهما مقتضٍ لجعل حكم واقعي في نفسه، وإذ تتزاحم المصلحتان وتتكافأ يحكم المولى بالتخيير لا محالة، إلَّا أنَّ المفروض في المقام طوليّة رتبة الأمارة عن رتبة الحكم الواقعي، وبتبعه تكون المصلحة المرتّبة على الأمارة في طول الجهل بالواقع أيضاً حالها كحال الأمارة نفسها. إذن، فلا تكون عندنا إلَّا مصلحة واحدة، أمّا حال العلم بالواقع فلا مجال للأمارة لعدم انحفاظ موضوعها، وتكون مصلحة الواقع موجودة فقط، وأمّا حال الجهل بالواقع وقيام الأمارة على الخلاف، فالواقع في مثل ذلك غير منجّز ومصلحته فائتة، وليس إلَّا مصلحة الأمارة، ولا ينافي أن يكون هذا المكلّف مشمولاً للتكاليف الواقعيّة في هذا الحال باعتبار الإجماع على شمولها للجاهل، فإنَّ مصلحة الأمارة مصلحة ظاهريّة محفوظة في مرتبتها، ولم تسر إلى الواقع، ولا يمكنها ذلك، لكي تغيّر منه أو تبدّل. نعم، ربما قولهم أنَّ هذه المصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع يوهم ذلك، فتأمّل. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

فهذا الوجه غير معقول إجماعاً، وبحسب الروايات الدالّة على أنَّ الحكم الواقعي لا يختلف فيه العالم والجاهل إلَّا من حيث استحقاق العقاب، فهذه الروايات كما تدلّنا على بطلان السبّبيّة بالمعنى الثاني، كذلك تدلّ على بطلانها بالمعنى الثالث.

ولكن على تقدير أنَّنا التزمنا بأحد معاني السبّبيّة، فلا يبقى في المقام محذور من تحليل حرام أو تحريم حلال.

ــــــــــ[256]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9




مسلك الطريقيّة

 

بقي الكلام بناءً على الانفتاح مع البناء على الطريقيّة، وأنَّه لا مصلحة يتدارك بها الواقع، بل الأحكام الواقعيّة على حالها، ويمكن للمكلّف أن يصل إلى الواقع، فهل يمكن جعل شيء حجّة، مع أنَّه قد يصيب وقد يخطئ؟

وهل يمكن التعبّد بالأمارة حينئذٍ مع أنَّ فيه تفويتاً للملاكات الواقعيّة، بل قد يكون فيه إلقاء بالمفسدة فيما إذا كان الحكم الواقعي هو الحرمة، وقامت الأمارة على الوجوب، فيكون إلقاء بالمفسدة بإلزام الشارع، وهو قبيح من الحكيم.

بناءً على هذا قد يتوهّم أنَّ التعبّد بالأمارة يكون مستحيلاً وغير ممكن صدوره من الحكيم، إلَّا أنَّه:

أوّلاً: لا محذور بالالتزام به، لما قلناه من أنَّ انفتاح باب العلم في الشبهة الحكميّة والشبهة الموضوعيّة مجرّد فرض لا واقع له في زمان الحضور، فضلاً عن زمان الغيبة. إذن، الالتزام بالقبح في هذه الصورة ولا محذور فيه، فإنَّ محلّ الكلام هو فرض الانسداد دون فرض الانفتاح.

ثانياً: لا نلتزم بالقبح حتّى مع فرض انفتاح باب العلم، فإنَّ مقتضى القبح وإن كان موجوداً، وهو تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة، إلَّا أنَّه مزاحم 

ــــــــــ[257]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

بمصلحة التسهيل على المكلّفين؛ فإنَّه لا ينبغي الشكّ بأنَّ في إلزام المكلّفين بتحصيل الحكم في جميع الشبهات الحكميّة والموضوعيّة، إن لم يلزم منه الحرج بنحو الموجبة الكلّيّة، وكان -في النادر- هناك شخص يستطيع تحصيل العلم في جميع الشبهات؛ فإنَّه حرج بالنسبة إلى عامّة المكلّفين، وهذا هو معنى الحرج النوعي، فالشارع يلاحظ المصلحة النوعيّة وهي مصلحة التسهيل ويقدّمها على مصلحة أُخرى من جهة التوسعة على المكلّفين، وقد وقع هذا في الشرع في موارد عديدة، كما في الحديد الذي حكم بطهارته، مع أنَّه ورد أنَّه نجس ممسوخ(1)، فإنَّه وإن كان مقتضي النجاسة موجوداً فيه، إلَّا أنَّ شدّة حاجة البشر إليه بحيث لو حكم بنجاسته لتعطّلت أعمال الناس وحاجاتهم، وهذا وقع كثيراً في الشريعة حيث قدّمت مصلحة التسهيل على المصلحة الأوّليّة.

فلو فرضنا أنَّ الإلقاء بالمفسدة أو تفويت المصلحة، وإن كان يلزم في بعض الموارد وهو قبيح، إلَّا أنَّه مزاحم بمصلحة أُخرى أقوى، وهي مصلحة التسهيل ومتقدّمة عليه. إذن، لابدَّ من التعبّد بالأمارة، وإن وقع في مورد أو أكثر الوقوع في المفسدة الواقعيّة.

وهذا الذي ذكرناه يكون أشدّ وضوحاً بلحاظ ما ذكرناه من أنَّ حجّيّة الأمارات ليست تأسيسيّة، وإنَّما هي ثابتة ببناء العقلاء وممضاة شرعاً، فبناءً عليه فإنّ ردع الشارع العقلاء عمّا جرت عليه سيرتهم يحتاج إلى مقتضي قوي للردع، كما هو الحال في القياس، وإلَّا فأيّ موجب لردع العقلاء عمّا جرت عليه 

ــــــــــ[258]ــــــــــ

(1) الكافي 3: 400، باب اللباس الذي تكره الصلاة فيه وما لا تكره، الحديث: 13.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

سيرتهم، مضافاً إلى أنَّ ردعهم فيه محذور الوقوع في الكلفة.

وكيف كان فقد تحصّل ممّا ذكرناه: أنَّه لا محذور من جعل الأمارات حجّة من ناحية محذور الإيقاع في المفسدة، وتفويت المصلحة المعبّر عنه بتحليل الحرام وتحريم الحلال.

فرض اجتماع المثلين والضدّين

وأمّا من ناحية نفس التكليف؛ إذ على تقدير مطابقة الأمارة للواقع يلزم اجتماع المثلين؛ إذ المفروض أنَّ الحكم الواقعي هو الوجوب وهي دلّت على الوجوب، فحصل هنا وجوبان ثابتان للموضوع، أحدهما باعتبار الأمارة والآخر باعتبار الواقع، وهذا من اجتماع المثلين، وعلى تقدير مخالفة الأمارة للواقع يلزم اجتماع الضدّين؛ لذا يقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: من ناحية محذور اجتماع المثلين.

والمقام الثاني: من ناحية محذور اجتماع الضدّين.

أمّا المقام الأوّل: وهو بالنسبة إلى اجتماع المثلين، فلا يلزم ذلك أبداً، فإنَّنا إمّا أن نلتزم بحجّيّة الأمارات من باب الطريقيّة -كما هو الصحيح- وأنَّه لا حكم إلَّا الواقع، والشارع جعل ما ليس بعلم علماً بقصد الوصول إلى الواقع والتحفّظ عليه، فبناءً عليه لا تعدّد في الحكم أبداً ليلزم اجتماع المثلين، والوجه في ذلك واضح؛ فإنَّ الحكم الظاهري الذي هو مدلول الأمارة ليس حكماً مستقلّاً، وبحسب الواقع ليس هناك إلَّا اعتبار واحد من المولى، ولكن أنشأه بإنشاءين: أحدهما بعنوان الواقع، والآخر بعنوان الظاهر، كما لو أمر شخص 

ــــــــــ[259]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

واجب الإطاعة بإكرام زيد، والمفروض أنَّ المكلّف لا يعرفه، فيأمره ثانياً بعنوان آخر كأن يقول: (أكرم ابن عمرو) فلا يعرفه أيضاً، فيأمره بعنوان ثالث: (أكرم من يصلي الظهر في هذا المسجد) فلا يعرفه أيضاً، فيأمره بعنوان رابع: (أكرم من يخبرك أبني بأنَّه زيد) فيكون هذا موصلاً إلى إكرام زيد، وليس هنا واجب آخر غير ذلك، إلَّا أنَّ المولى أبرز اعتباره الواحد بعدّة مبرزات، منها ما يكون كاشفاً عن الواقع، من قبيل: (أكرم من أخبرك أبني أنَّه زيد) فهذا إنشاء بداعي الوصول إلى الواقع، وليس هنا حكم آخر، حتّى يُقال: إنَّه يلزم اجتماع المثلين في مورد واحد.

وأمّا بناءً على السبّبيّة، وأنَّ قيام الأمارة على شيء يوجب وجود مصلحة فيه وجعل حكم على طبقه. نعم، بناءً على ذلك لابدَّ من الالتزام بحكمين(1)، إلَّا أنَّ هذا مّما يرد عليه:

أوّلاً: أنّه فاسد، كما سبق.

وثانياً: على تقدير الالتزام بالسبّبيّة، فليس من اجتماع المثلين، بل كلّ حكم ثبت لعنوان واحد واجتمعا في مورد واحد وبينهما عموم من وجه فلازمه هو 

ــــــــــ[260]ــــــــــ

() هذا غريب جداً؛ فإنَّ السبّبيّة لا تشمل إلَّا صورة مخالفة الأمارة للواقع، بدعوى: أنَّ في الأمارة مصلحة يتدارك بها ما فات من الواقع، أمّا عند مطابقة الأمارة للواقع فلا يدّعي أحد أنَّ في الأمارة مصلحة مستقلّة عن الواقع لعدم فوت شيء منه على الفرض، ومعه لا تبقى إلَّا مصلحة الواقع والحكم الواقعي وحده، فلا يلزم اجتماع المثلين. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

التأكّد لا اجتماع المثلين، حاله حال ما لو أُمرنا بإكرام الهاشمي وأُمرنا بإكرام العالم، فلو كان الهاشمي عالماً فإنَّ الوجوب يتأكّد فيه، لا أنَّه يكون واجباً بوجوبين.

والمقام من هذا القبيل، فإنَّ عنوان الخمر حرام وفيه مفسدة، وعنوان ما أخبرت البيّنة بخمريّته حرام وفيه مفسدة، وبينهما عموم من وجه؛ لأنَّه قد يكون خمراً ولا تكون البيّنة قد أخبرت بخمريّته، وقد تكون قد أخبرت بخمريّة شيء وليس خمراً في الواقع، وقد يجتمعان، فكلّ منهما فيه ملاك مستقلّ على الفرض، فيلزم في اجتماعهما في مورد واحد شدّة الملاك وتأكّد الحكم، ولا يكون من اجتماع الحكمين.

إذن، فإذا كانت الأمارة موافقة للواقع لا يلزم من التعبّد بها محذور أبداً.

المقام الثاني: إذا كانت الأمارة مخالفة للواقع، فهل يلزم اجتماع الضدّين؟ فيتوهّم في مثل ذلك لزوم اجتماع الضدّين؛ لأنَّه يجب العمل على طبق الأمارة، فإذا كانت مخالفة للواقع، فيلزم اجتماع الحكم الواقعي وحكم آخر مضادّ له، وهذا معنى اجتماع الضدّين.

وقد أجيب عن هذا الاستدلال بوجوه:

الوجه الأوّل 

ما ذكره شيخنا الأنصاري(1) وتبعه عليه جملة من الأكابر(2) ونقده وقالوا: إنَّ الحكم الواقعي والحكم الظاهري ليسا في مرتبة واحد، فإنَّ موضوع الحكم 

ــــــــــ[261]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 11.

(2) انظر: أجود التقريرات 2: 69.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الواقعي هو نفس الشيء بما هو، وموضوع الحكم الظاهري هو الشكّ بالحكم الواقعي، فالحكم الظاهري متأخّر عن الحكم الواقعي بمرتبتين؛ لأنَّ الحكم متأخّر عن موضوعه لا محالة، فالحكم الظاهري متأخّر عن موضوعه وهو الشكّ، والشكّ متعلّق بالحكم الواقعي فهو متأخّر عنه، فيكون الحكم الظاهري متأخّراً عن الحكم الواقعي بمرتبتين، وليس موضوعهما واحداً، بل موضوع الحكم الواقعي شيءٌ، وموضوع الحكم الظاهري شيء آخر.

ونفس الوحدات الثمانية التي تعتبر في التناقض تعتبر في التضادّ أيضاً؛ لأنَّه من فروعه ويرجع إليه، باعتبار أنَّ الضدّين بما هما ضدّان ليس في اجتماعهما استحالة، وإنَّما ذلك لاستلزام وجود الضدّ لعدم الضدّ الآخر، فباجتماعهما يلزم اجتماع وجود الضدّ مع عدمه وهو اجتماع النقيضين.

ومن جملة الوحدات: الاتّحاد في الموضوع، فإذا تعدّد الموضوع فلا تناقض ولا تضادّ، فيصحّ أن يقال: إنّ زيداً موجود وعمرو غير موجود، كما يصحّ أن يقال: إنَّ هذا الجسم أبيض وذاك الجسم أسود، وفي المقام الحكمان لا تضادّ بينهما باعتبار أنّ الحكم الواقعي هو نفس الفعل بما هو، وموضوع الحكم الظاهري هو المشكوك بوصف كونه مشكوكاً، ومعلوم أنّ هذا متأخّر عن الحكم الواقعي؛ إذ لابدّ من فرض حكم واقعي يشكّ فيه ليكون الحكم الظاهري مترتّباً عليه، فإذا كان الموضوع فيهما متعدّداً لا يلزم اجتماع الضدّين. هذا محصل الجواب.

ولكن هذا الجواب لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لما قلناه غير مرّة من أنَّ 

ــــــــــ[262]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

إهمال الأحكام الواقعيّة غير معقول، فإنّ الإهمال في مقام الإثبات لا مانع منه بأن لا يكون المتكلّم في مقام بيان الإطلاق أو التقييد، بل في مقام الإهمال وإجمال من حيث الخصوصيّات، ولكن في مرحلة الواقع والثبوت لا يمكن جعل الحكم لشيء بشكل لا يكون فيه إطلاق ولا تقييد، وهذا لا يمكن  لما ذكرناه من أنَّ الملتفت إلى التقسيم وأن الشيء له حالتان، فلابدّ أن يلتفت إلى أنّه هل لإحدى الخصوصيّتين دخل في الحكم أو ليس لها دخل، مثلاً: خصوصيّة الهاشميّة إمّا أن يكون لها دخل في الحكم بوجوب الإكرام، وإمّا أن لا يكون لها دخل، ولا ثالث، فإذا كان لها دخلٌ في ثبوت الحكم وغرض الجاعل فهو معنى التقييد، وإن لم يكن لها دخل وكانت الخصوصيّة ملغاة فهو معنى الإطلاق، وجعل حكم في الواقع ومقام الثبوت لا على نحو الإطلاق ولا التقييد مستحيل.

فإذا لم يمكن جعل الحكم على نحو الإهمال فلابدّ إمّا أن يكون الحكم الواقعي عامّاً للجاهلين والعالمين أو خاصّاً بالعالمين، بمعنى: إمّا أن يكون للعلم دخل في الحكم فيختصّ الحكم به أو لا، فإن كان للعلم خصوصيّة دخيلة في ثبوت الحكم فهو معنى التصويب، وأنَّ الحكم مختصّ بالعالمين، وهو باطل على ما سبق أن ذكرناه، وإذا فرضنا أنّ هذه الخصوصيّة ملغاة ولا دخل لها في ثبوت الحكم وكان الحكم عامّاً للجاهل والعالم، فيجتمع الحكم الواقعي والظاهري في فرض الجهل. 

أمّا الواقعي فمن جهة إطلاقه للجاهل، وأمّا الظاهري فالمفروض أنّه أخذ الجهل في موضوعه فهو ثابت للجاهل، فمعناه: أنّ الجاهل محكوم بحكمين، 

ــــــــــ[263]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وهو معنى اجتماع الضدّين، فما أفاده من تعدّد الموضوع لا ينطبق على المقام، فإنّ اختلاف الموضوعين بنحو الإطلاق والتقييد الذي لا ينافيهما اجتماع الضدّين في مورد الاجتماع. إذن، فهذا الجواب غير تامّ.

الوجه الثاني 

ما ذكره المحقّق الخراساني(1) ونقده وحاصل ما ذكره:

أوّلاً: إنّ الحكم مختصّ بالحكم الواقعي وليس هنا حكم آخر في مقابله ليلزم اجتماع المثلين أو الضدّين، فإنّ المجعول في باب الامارات إنّما هو الحجّيّة، بمعنى: جعل التنجيز والتعذير، وليس هنا أيّ حكم تكليفي من وجوب أو حرمة أو إباحة، ليقال: إنّ الأمارة إذا وافقت الواقع يلزم اجتماع المثلين، وإن خالفته يلزم اجتماع الضدّين، بل الأمارة إذا وافقت الواقع تنجّزه، وإذا خالفته تعذّر عنه.

وثانياً: إذا تنزلنا عن ذلك، وقلنا: إنّ الحجّيّة وإن كانت هي المجعول ابتداء، لكنها تستتبع حكماً تكليفيّاً، فإنّه بعد جعل الحجّيّة يأمر الشارع باتباع هذه الحجّة ولزوم بالعمل على طبقها، أو نقول: إنَّ الحجّيّة ليست بمجعولة ابتداءً، بل هي منتزعة عن الحكم التكليفي، والشارع ابتداءً يأمر باتّباع الأمارة، ويلزم بالعمل على طبقها ومنه ينتزع الحجّيّة، فهي من الأحكام الوضعيّة المنتزعة من الحكم التكليفي.

ــــــــــ[264]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأُصول: 277.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

إذا بنينا على أحد هذين الوجهين فيظهر بأنّه لا تضادّ بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري، فإنّ التضادّ إنّما يكون بين الحكمين الفعليّين من جميع الجهات، فهذا يكون بعثاً وذاك يكون زجراً أو ترخيصاً فلا يجتمعان، وأمّا إذا فرضنا أنّ الأحكام الواقعيّة ليست بفعليّة أصلاً، وأنّها ليست بفعليّة من جميع الجهات بل فعليّة من بعض الجهات دون بعض، فلا يكون هناك تضادّ، فإنّ التنافي إنّما يكون بين الحكمين الفعلييّن من تمام الجهات.

وهذا المطلب ذكره في مواضع مختلفة، فذكره في أوّل الكفاية في مباحث القطع(1)، وفي حاشيته على الرسائل(2)، وهو تارة يعبّر أنَّ الأحكام الواقعيّة أحكام شأنيّة، وأخرى يعبّر أنّها أحكام إنشائيّة، وثالثة يعبر أنّها فعليّة من بعض الجهات لا من تمام الجهات، وإنّما تكون فعليّة من تمام الجهات بالوصول.

أمّا أنّ جعل الحجّيّة بمعنى التنجيز والتعذير فنتكلّم فيه، والكلام فعلاً فيما إذا التزمنا بالحكم التكليفي بأحد الوجهين السابقين، إمّا مجعولاً ابتداء وإمّا تبعاً لجعل الحجّيّة، فنتكلّم على جميع هذه الشقوق، وهي كون الأحكام الواقعيّة شأنيّة أو إنشائيّة أو فعليّة من بعض الجهات، لنرى كلّ واحد منها هل هو أمر معقول أو غير معقول؟

فتفصيل الكلام في ذلك: أنَّه إن أراد من الحكم الشأني الحكم الاقتضائي
-يعني: أنَّ الوجود في الواقع هو المصلحة، والمفسدة فقط المقتضيّة لجعل 

ــــــــــ[265]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأُصول: 278.

(2) درر الفوائد في الحاشية مع الفرائد 75-77.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الحكم، وإلَّا فإنَّه لا حكم في الواقع، فإنَّ من مراتب الوجود هو وجود المقتضى بوجود المقتضي، وهو نحو من الوجود، وهو وجود بالعناية لا بالحقيقة، وإلَّا فالوجود حقيقة للمقتضي لا للمقتضى- فهو إنكار للحكم الواقعي رأساً، وإنَّما الحكم منحصر بالحكم الظاهري، وهذا هو التصويب بالمعنى الأوّل الذي نسب إلى الأشاعرة، وتقدّم أنّه مستلزم للمحال.

وإن أراد من الحكم الشأني الحكم الطبعي، يعني: حكم الشيء في نفسه، وإن كان الحكم الفعلي على خلافه -لكان يصحّ أن يقال: إنَّ هذا في نفسه حكمه كذا، كما في موارد الضرّر والحرج وغيرها من العناوين التي يتبدّل فيها الحكم إلى حكم آخر، فيصحّ أن يقال: إنَّ هذا الحيوان حلال في نفسه، وإن فرضنا أنَّه حرام لكونه مال الغير، أو في نهار شهر رمضان، أو مضرّاً للإنسان، وهذه الحرمة لا تنافي الحلّيّة في نفسه وإن كان الحكم الفعلي هو الحرمة، وقد ينعكس الأمر فيكون الشيء في نفسه محرّماً وإن كان محلّلاً بعنوان آخر لضرّر أو حرج، فيصحّ أن يقال: إنَّ هذا اللحم حرام في نفسه، وإن كان الآن محكوماً عليه بالحرمة- فهذا أمر ممكن، إلَّا أنَّ الالتزام به في المقام أيضاً لا يمكن بأن يقال: إنَّ الحكم الواقعي هو الوجوب أو الإباحة، ولكن قيام الأمارة من العناوين الموجبة لزوال الحكم الأوّل وتبدّله إلى حكم آخر، فإنَّ هذا أيضاً لا يمكن الالتزام به، وإن كان دون الأوّل في الشناعة؛ فإنَّه هو التصويب المنسوب إلى المعتزلة، وهو الاعتراف بوجود الحكم الواقعي، ولكن الأمارة توجب تغيّر الحكم الواقعي، وهذا منافٍ للإجماع باشتراك العالمين والجاهلين بالحكم.

ــــــــــ[266]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وإن أراد بالحكم الشأني الحكم الثابت في نفسه على نحو الإهمال، فإنَّه لم يلاحظ فيه الإطلاق والتقييد -فيصحّ أن يقال: إنَّه مباح أو واجب، بمعنى: أنَّ وجوبه ثابت لكن على نحو الإهمال- فقد سبق أنَّ هذا غير معقول، وأنَّ الإهمال في الواقع ومرحلة الثبوت غير ممكن.

فجميع الصور غير معقولة، فلا معنى لأن يقال: إنَّ الحكم الواقعي حكم شأني، والحكم الظاهري حكم فعلي.

وأمّا ما ذكره من أنَّ الأحكام الواقعيّة أحكام إنشائيّة، فإن أراد به الإنشاء لا بداعي البعث والزجر، بل بداعٍ آخر غيرها كالامتحان والسخريّة، فهذا لا يكون مصداقاً للحكم أبداً. 

إذن، ما معنى وجوب الاحتياط قبل الفحص في الشبهات الحكميّة، واستحباب الاحتياط في الشبهات الموضوعيّة، وفي الحكميّة بعد الفحص؟ فإنَّه إذا فرضنا أنَّ الحكم الواقعي ليس حكماً حقيقة، بل إنشاء بداعٍ آخر غير البعث والزجر، فإنَّ الأمر بداعي الامتحان لا يكون مصداقاً إلَّا للامتحان، فلو وصل إلى المكلّف فالامتحان قد وصل إليه، فكيف يكون بعثاً وتحريكاً له، وما معنى الاحتياط في الشبهات الحكميّة والموضوعيّة؟

وأمّا إذا فرضنا أنَّ الإنشاء إنَّما هو بداعي البعث والزجر، وإن لم يصل إلى المكلّف ليكون باعثاً أو زاجراً له، فهذا عين الحكم الفعلي من قبل المولى، فإنَّه ليس شأن المولى إلَّا اعتبار مبرز بمبرز من المبرزات، ولكن وصوله إلى المكلّف يوجب اتّصاف الحكم بفعليّة البعث والزجر، فكيف يجتمع جعل حكم بداعي 

ــــــــــ[267]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

البعث والزجر مع جعل حكم على خلافه؟ إذن، فلا معنى لأن يقال: إنَّ الحكم الواقعي إنشائي والحكم الظاهري فعلي.

وبعبارة أُخرى: تقدّم سابقاً أنَّ الفعليّة لها معنيان: فتارةً يراد بها الفعليّة من قبل المولى، وليس هو إلَّا الاعتبار والإنشاء والإبراز، وبعد ذلك إذا وصل الحكم إلى المكلّف، وكان الموضوع متحقّقاً في الخارج يكون فعليّاً، بمعنى: أنَّه يكون قابلاً للتحريك والزجر، وفي مثل ذلك لا يمكن اجتماع هذا الحكم مع حكم على خلافه. إذن، فهذا لا يصلح أن يكون جواباً على الإشكال باستحالة اجتماع الضدّين.

وتارةً: أنَّ الأحكام الواقعيّة ليست فعليّة من تمام الجهات، بل فعليّة من بعض الجهات، وبالوصول تكون فعليّة من جميع الجهات، هذا أيضاً لا نفهم له معنى، فهل يكون الوصول مأخوذاً في موضوع الحكم، أو إنَّ الحكم يعمّ العالم والجاهل؟ إن كان الحكم مقيّداً بالوصول والموضوع مقيّداً بالعلم، فإذا لم يصل لا يكون فعليّاً من جميع الجهات، إلَّا أنَّه مستلزم للتصويب.

وإن فرضنا أنَّ الموضوع أعمّ من العالم والجاهل، فعلى هذا ما معنى توقّف الفعليّة على الوصول؟ فإنَّ الحكم إذا كان موضوعه متحقّقاً في الخارج يكون فعليّاً لا محالة، سواء وصل إلى المكلّف أو لم يصل. إذن، فجميع ما ذكره لا يمكن المساعدة عليه.

بل الأحكام الواقعيّة فيما لو فرضنا أنَّ الأحكام الظاهريّة أحكام تكليفيّة مجعولة، فلازمه اجتماع الضدّين عند مخالفة الأمارة للواقع. هذا ملخص كلام صاحب الكفاية مع جوابه.

ــــــــــ[268]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وأمّا ما ادّعاه من أنَّ المجعول في باب الأمارات هو الحجّيّة بمعنى التنجيز والتعذير، فقد قلنا: إنَّه لا يمكن الالتزام به؛ لأنَّنا قلنا: إنَّ حكم العقل بحسن العقاب على مخالفة تكليف واصل، وقبح العقاب على تكليف لم يصل غير قابل للتخصيص، كما في سائر الأحكام العقليّة، وليس للمولى أن يجعل استحقاق العقاب الذي هو معنى التنجيز، ولا قبحه الذي هو معنى التعذير، فإنَّ التنجيز والتعذير حكمان عقليّان غير قابلين لتعلّق الجعل الشرعي بهما، وهما ينطبقان على سائر مواردهما.

وإنَّما الشارع أوصل الواقع بنحو لا يصل تكويناً إلينا، واعتبر الأمارة علماً، فيكون الواقع واصلاً، ويتحقّق موضوع الحكم العقلي، ويصحّ العقاب عليه؛ لأنَّه يكون عقاباً مع البيان، لا عقاباً بلا بيان. كما أنَّه إذا لم يجعل الشارع طريقاً يبقى الواقع على الحالة الأُولى من عدم الوصول فيقبح العقاب عليه، فما هو قابل لأن يتعلّق به الجعل هو الطريقيّة والبيانيّة وجعل ما ليس بعلم علماً دون التنجيز والتعذير.

تفصيل الميرزا النائيني

وقد أجاب شيخنا الأُستاذ(1) بالتفصيل بين موارد الأمارات وموارد الأُصول العمليّة، فذكر: أنَّ المجعول في باب الأمارات إنَّما هو الطريقيّة والوسطيّة في الإثبات، بمعنى: اعتبار ما ليس بعلم علماً، فلو قطع المكلّف 

ــــــــــ[269]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 80، 81.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

بوجود حكم وكان الحكم الواقعي على خلاف قطعه، فليس هنا اجتماع الضدّين جزماً؛ إذ ليس هنا حكم إلَّا الحكم الواقعي، غاية الأمر: أنَّ القطع اخطأ ولم يصب الواقع، وعين هذا يجري في موارد الأمارات، فإنَّ الشارع إذا اعتبر ما ليس بعلم علماً(1)، وفرضنا أنَّه كان مخالفاً للواقع، فليس في البين إلَّا مخالفة القطع للواقع، غاية الأمر: أنَّه قطع تعبّدي، فليس هنا حكمان ليلزم من الجمع بينهما اجتماع الضدّين.

وذكر: أنَّ احتمال هذا يكفي في الجواب؛ إذ لا يلزم محذور الجمع بين الضدّين إذا احتمل أنَّ جعل الأمارة من هذا القبيل، على أنَّ لنا دليلاً على ذلك، فإنَّ حجّيّة الأمارات ليست تأسيسيّة، وإنّما هو إمضاء للطريقيّة العقلائيّة في جريهم العملي، ومن الظاهر أنَّ العقلاء ليس من شأنهم جعل الأحكام، بل غاية الأمر: أنّهم يرون الشيء كاشفاً فيعتبرونه حجّة، فإذا صادف الواقع نجّزه وإذا خالفه عذّر عنه، وهذا معنى جعل ما ليس بعلم علماً، فهذه هي السيرة العقلائيّة، والشارع أمضى هذه السيرة. نعم، إذا كانت الحجّيّة ثابتة تأسيساً أمكن أن يُقال: إنّ المجعول من قبل الشارع هو الحكم التكليفي، إمّا ابتداء ومنتزعاً من جعل الحجّيّة على ما سبق، أو إذا كانت الحجّيّة إمضاء لسيرة العقلاء، إذ من واضح أنّ العقلاء ليس لهم جعل حكم تكليفي، بل غايته: أنّهم يرتّبون عليه آثار العلم ويعاملونه معاملته.

ــــــــــ[270]ــــــــــ

() فلا مجعول إلَّا الطريقيّة والوسطيّة في الإثبات، فإذا لم يكن هناك حكمان فلا يلزم اجتماع الضدّين. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وكيف كان فهذا ساقط، على أنّه يكفي في الجواب أنّه مجرّد احتمال. هذا بالنسبة إلى الأمارات.

وأما بالنسبة إلى الأصول العمليّة فقد ذكر أنّها على قسمين: فمنها ما هو ناظر إلى الواقع، وإن كان الشكّ أخذ في موضوعه، ولذلك نعتبره أصلاً عمليّاً، كما في الاستصحاب وقاعدتي التجاوز والفراغ، فبناء على أنّهما من الأصول العمليّة، فهنا أيضاً يعتبر الشارع الشاك ليس بشاكٍ، مع أنَّه شاكّ وجداناً، فيقول: (لا تنقض اليقين بالشكّ) وحال هذه الأصول حال الأمارات في أنّها ناظرة إلى الواقع لا من تمام الجهات، بل من جهة الجري العملي، فكأنّه متيقّن في مقام العمل، فالمجعول أيضاً هو الطريقيّة والوسطيّة في الإثبات، ولكن دون الأمارات، وليس هنا حكم تكليفي، ليقال: أنّه مضادّ للحكم الواقعي.

وإنّما الإشكال في الأصول غير المحرزة غير الناظرة إلى الواقع، كالاحتياط والبراءة فإنّها لا نظر فيها إلى الواقع، وإنّما هو جعل حكم في ظرف الشكّ، كما في الاحتياط في الشبهات الحكميّة قبل الفحص، وفي الشبهات الموضوعيّة في الموارد التي علمنا بوجوب الاحتياط فيها، كموارد الدماء والفروج والأموال الكثيرة.

فإنَّنا لو فرضنا مخالفة الحكم الظاهري للحكم الواقعي، فهل يلزم اجتماع الضدّين أم لا؟

أجاب: بأنَّ الأحكام الواقعيّة مهما بلغت من القوّة والتركّز لا يمكن أن تكون محرّكة للعبد ما لم يصل إليه، فإنَّ الحكم الواقعي بوجوده الواقعي غير 

ــــــــــ[271]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

قابل للتحريك، فإنَّه دائماً يكون الحكم محرّكاً بوجوده العلمي، والحركات والسكنات كلّها تصدر عن الوجودات العلميّة، فإنَّ الإنسان إذا غرق ولده وهو لا يعلم، فإنَّه لا يتحرّك مع شدّة علاقته بولده، وعليه: ففي موارد الشكّ في الحكم الواقعي قد يفرض أنَّ الملاك الواقعي له أهمّيّة في نظر الشارع، ولا يرى تفويته حتّى في فرض الشكّ، فضلاً عن فرض العلم، كما في موارد النفوس المحترمة والأموال الخطيرة، فهو لأجل ذلك يوجب الاحتياط.

وقد لا يكون الحكم الواقعي بهذه المرتبة من الأهمّيّة، بل يهتمّ بالملاك الواصل، وعلى تقدير الجهل لا يهتمّ به، فطبعاً في هذه الموارد يجعل البراءة ويرفع الحكم الواقعي عن المكلّف، لئلا يقع المكلّف في ضيق وحرج من ناحيته، ويحكم بأنَّ المكلّف في سعة ما لم يعلم، ففي هذه الموارد نستكشف أنَّ الملاكات ليست بهذه المثابة من الأهمّيّة التي توجب الاحتياط في فرض الجهل.

فإذا لم يكن الحكم الواقعي قابلاً للتحريك، ففي المرتبة المتأخّرة قد يوجب الشارع الاحتياط وقد يوجب البراءة باختلاف أهمّيّة الملاكات. إذن، فأيّ تناقض بين الحكم المجعول حال عدم الحكم الواقعي وبين الحكم الواقعي، والحكم الواقعي وإن كان ثابتاً في نفس الأمر، إلَّا أنَّه غير قابل للتحريك، فهذا جواب مشترك بين البراءة والاحتياط. 

وذكر ثانياً جواباً(1) يختصّ بموارد الاحتياط، وجواباً يختصّ بموارد البراءة، فذكر ما حاصله: يمكن أن يُقال: إنَّ وجوب الاحتياط بما أنَّه منجّز 

ــــــــــ[272]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 81، 82.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

للواقع، فلا يمكن أن يكون موجوداً إذا لم يكن الحكم الواقعي موجوداً، فإنَّ وجوب الاحتياط إنَّما يجعل لأجل التحفّظ على الملاك الواقعي، فإذا لم يكن الملاك موجوداً لم يكن الاحتياط واجباً، وإنَّما هو تخيّل الوجوب، فإذا لم يكن الاحتياط واجباً في هذه الموارد فليس هنا حكم آخر غير الحكم الواقعي ليدّعى أنَّه مضادّ له.

وأمّا في موارد البراءة فذكر أنَّ الشكّ على نحوين: فإنَّه تارة يلاحظ الشكّ بما أنَّه أمر نفساني قائم بالنفس، وأُخرى يلاحظ الشكّ بما أنَّه موجب لحيرة المكلّف في مقام العمل، فلا يدري أنَّه واجب ليلزم بفعله، أو ليس بواجب ليكون مخيّراً، فهو غير عارف بوظيفته، والشكّ من الجهة الثانية يمكن أن يدّعى فيه أنَّ الأحكام الواقعيّة ليس لها إطلاق للشكّ من هذه الجهة، وإن قلنا: إنَّها مطلقة للعالم والجاهل وغير مختصّة بالعالمين، ولكن الإطلاق من جهة الجهل وعدم إحراز الواقع في مقابل العلم.

وأمّا من جهة كون المكلّف متحيّراً فيمكن أن يُقال: إنَّ الأحكام الواقعيّة ليس لها إطلاق من هذه الجهة، ومعلوم أنَّ البراءة مجعولة من هذه الجهة ليكون المكلّف في سعة من هذه الجهة ولأجل رفع حيرته، والأحكام الواقعيّة مطلقة من جهة العلم والشكّ، لا من جهة كونه تحيّراً للمكلّف في مقام العمل، فإذا لم يكن إطلاق للحكم الواقعي فلا مضادّة في البين.

أمّا ما ذكره بالنسبة إلى الأمارات –من أنَّه لا حكم تكليفي في مواردها إلَّا الحكم الواقعي، والمجعول فيها هو الطريقيّة والوسطيّة في الإثبات وجعل ما 

ــــــــــ[273]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ليس بعلم علماً– فهذا صحيح على ما تقدّم، وقلنا: أوّلاً: يكفي الاحتمال، وثانياً: الإثبات أيضاً كذلك، فإنَّ جميع الأمارات إمضائيّة لا تأسيسيّة، ومعلوم أنَّ العقلاء ليس من شأنهم جعل الحكم التكليفي من الوجوب أو التحريم، وإنَّما يرتّبون على الشيء آثار العلم، والشارع أمضى ذلك، فإذا لم يكن حكم غير الحكم الواقعي، فقد ارتفع موضوع التضادّ، وهو وجود الضدّين.

وأمّا ما ذكره في الأُصول المحرزة والناظرة إلى الواقع فالصحيح في هذه الموارد أنَّ المجعول فيها أيضاً هو الطريقيّة والوسطيّة في الإثبات، يعني: جعل ما ليس بعلم علماً، وإن كانت الأمارات تتقدّم عليها، فإنَّ تقدّم الأمارات بعضها على بعض ليس بعزيز، فإنَّ الإقرار يتقدّم على جميع الأمارات، وحكم الحاكم يتقدّم على جملة منها، والبيّنة تتقدّم على قاعدة اليد، وهكذا، فلتكن الأمارات كلّها مقدّمة على الأُصول، وتكون الأُصول من الأمارات.

فما ذكره من أنَّ الأُصول المحرزة المجعول فيها هو الوسطيّة في الإثبات من حيث الجري العملي لا أساس له، بل حالها حال الأمارات تماماً ببيان تقدّم، فليس هنا حكم تكليفي في موارد الاستصحاب، وإنَّما هو حكم ببقاء اليقين، فكأنَّ المكلّف لم يطرأ عليه الشكّ، والمجعول في مورد الاستصحاب هو المجعول في مورد سائر الأمارات، وهو إلغاء الشكّ، وكذلك الحال في قاعدتي التجاوز والفراغ، فأوّلاً: يكفينا الاحتمال، وثانياً: أنَّه ليس هنا حكم تكليفي غير الحكم الواقعي، ليقال: إنَّهما يجتمعان في فرض المخالفة.

وأمّا ما أفاده في موارد وجوب الاحتياط وأصالة البراءة من الجواب 

ــــــــــ[274]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

المشترك والجوابين المختصّين فلا يمكن المساعدة عليه.

أمّا الجواب المشترك فما قاله من أنَّ الحكم الواقعي بما أنَّه غير قابل للتحريك في فرض الجهل بالغاً ما بلغ من الأهمّيّة، فيجعل حكماً آخر، وأمّا الاحتياط أو البراءة باختلاف الموارد فصحيح والأمر كما ذكره، إلَّا أنَّه لا يوجب رفع التضادّ بهذا المقدار، إذ المفروض أنَّ الحكم الواقعي مطلق وغير مختص بالعالم، بل ثابت للشاكّ أيضاً، فمجرّد كونه غير قابل للتحريك لا يوجب رفع التضادّ بعدما فرضنا أنَّه ثابت في هذه المرتبة؛ لأنَّه مطلق وغير مختصّ بالعالمين. إذن، فالتضادّ بين الحكمين موجود.

والذي يكشف عمّا ذكرناه هو أفضيلة الاحتياط ورجحانه في موارد وصول التكليف، فإنَّه على هذا يكون من اجتماع الضدّين، وكذلك الحال في مورد جريان أصالة البراءة إذا كان الحكم الواقعي هو التحريم، ومجرّد كون الحكم الواقعي ليس قابلاً للتحريك، فيجعل حكم آخر في المرتبة المتأخّرة عنه لا يكفي، وإلَّا لأمكن جعل حكم آخر في فرض العلم؛ لأنَّ العلم بالوجوب في مرتبة متأخّرة عن الوجوب، فاختلاف المرتبة لا يجدي في رفع التضادّ بعد أن كان الحكم الواقعي شاملاً لحال الجهل.

وأمّا ما ذكره من أنَّ إيجاب الاحتياط إذا لم يكن الحكم الواقعي موجوداً، وأنَّه إيجاب لا واقع له وإنَّما هو تخيّل من المكلّف فهذا عجيب منه، فإنَّ إيجاب الاحتياط لا يدور مدار الملاك الشخصي في كلّ مورد، بل يدور مدار الملاك النوعي، فإنَّ الشارع في موارد الأموال والنفوس يوجب الاحتياط، وفي 

ــــــــــ[275]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

موارد الطلاق يوجب العدّة، لا أنَّه في كلّ مورد يكون وجوب الاحتياط موجوداً، وإذا لم يكن الملاك موجوداً كان الوجوب منتفيّاً، بل وجوب الاحتياط موجود وإن لم يكن الحكم موجوداً، فإنَّ معنى إيجاب الاحتياط هو التحفّظ على الواقع، واحتماله كافٍ في التحفّظ عليه، ولا يدور مدار وجود الحكم الواقعي، فهذا لا يمكن الالتزام به.

فإنَّ إيجاب الاحتياط إنَّما ينشأ من المصلحة النوعيّة ومن التحفّظ على الملاك الواقعي، ولا يلزم أن تكون موجودة في كلّ مورد يلزم فيها الاحتياط، وهذا الحكم موضوعه احتمال الواقع لا الوجود الواقعي له، ومن ثَمَّ يكون ثابتاً حتّى لو لم يكن الحكم الواقعي ثابتاً أصلاً، ففي كلّ مورد كان الاحتمال فيه موجوداً كان الاحتياط فيها واجباً.

بل إنَّ تخصيص إيجاب الاحتياط بموارد المصادفة الواقعيّة أمر غير معقول، وذلك لأنَّ إيجاب الاحتياط إذا كان مقيّداً بالمصادفة الواقعيّة، ففي كلّ مورد لم يحرز فيه المصادفة يكون وجوب الاحتياط مشكوكاً فيه؛ إذ لا تدري أنَّ الحكم الواقعي موجود ليكون الاحتياط واجباً، أو ليس بموجود فلا يكون واجباً، فيجري أصالة البراءة عن نفس وجوب الاحتياط(1)، وأمّا إذا أحرزنا المصادفة للواقع فيرتفع موضوع وجوب الاحتياط. إذن، يصبح إيجاب 

ــــــــــ[276]ــــــــــ

() إلَّا أن يُقال: إنَّ أدلّة البراءة منصرفة عن هذا الوجوب، فإنَّها إنَّما ترفع الأحكام الأوّليّة دون الأحكام الثانويّة، فيكون نفس احتمال إيجاب الاحتياط منجّزاً على أيّ حالٍ. وعليه: فلا يلزم اللغويّة، ويكون مدّعى الميرزا ذا وجه وجيه. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الاحتياط لغواً؛ إذ لا يمكن أن يتحقّق في موردٍ.

وأمّا ما أجاب به عن خصوص موارد البراءة من أنَّ الشكّ على نحوين، فتارةً يلحظ بما هو حالة نفسانيّة، وأُخرى بما هو موجب لحيرة المكلّف وتردّده في مقام العمل، ويمكن أن يدّعى: أنَّ الأحكام الواقعيّة لا إطلاق فيها من هذه الجهة، فلا يكون هناك مانع من جهة حكم آخر، فلا يلزم اجتماع الضدّين، لعدم وجود الإطلاق في الأحكام الواقعيّة.

إلَّا أنَّ هذا أيضاً لا يمكن المساعدة عليه، لما تقدّم غير مرّة من أنَّ الإهمال في مقام الثبوت غير معقول، فإذا فرضنا أنَّ الأحكام غير مطلقة، فإمّا أن تكون مقيّدة بالعلم، فيلزم منه التصويب، أو مطلقة بنتيجة الإطلاق على ما ذهب إليه فيلزم اجتماع الضدّين.

وبعبارة أُخرى: إنَّ الأمر دائر بين الإهمال والتقييد والإطلاق ونتيجة الإطلاق، والإهمال مستحيل، والتقييد مستلزم للتصويب، فيتعيّن الالتزام بالإطلاق بأيّ نحويه، فيلزم اجتماع الضدّين. إذن، فما ذكره لا يمكن الالتزام به.

الصحيح في الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة

وهذه الأجوبة كلّها لا يمكن الالتزام بها، فلابدَّ من استئناف جواب آخر يكون وجهاً للجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة.

والصحيح في الجواب أن يُقال: إنَّ الأحكام على إطلاقها عبارة عن أُمور اعتباريّة، ولكن المعتبر فيها يختلف؛ إذ قد يكون من الأحكام الوضعيّة، كاعتبار الزوجيّة أو الملكيّة أو الرقيّة، وقد يكون من الأحكام التكليفيّة، فيعتبر المولى 

ــــــــــ[277]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

فعلاً على ذمّة المكلّف فكأنَّه مديون به، فإنَّ الثابت في الذمّة قد يكون مالاً وقد يكون عملاً فيصحّ إطلاق الدين عليه، كما في بعض الروايات: “فإنَّ دين الله أحقّ بالقضاء(1)، وكما يُقال: إنَّه مديون بمقدار من الصلاة والصوم، فإنّه يُقال: إنَّه مديون بمقدار من الزكاة والخمس. هذا في باب الواجبات.

وفي باب المحرّمات، قلنا: إنَّ الاعتبار تعلّق بمحروميّة المكلّف من هذا العمل، وسدّ باب إيجاده تشريعاً أمامه.

وكيف كان فجميع الأحكام الشرعيّة المجعولة كلّها اعتبارات، وكلّ اعتبار معلّق بشيء باختلاف الموارد، وهذا الاعتبار يبرز بمبرز في الخارج، وهو معنى الإنشاء على ما قلناه في محلّه.

فعلى ذلك لا تضادّ بين الأحكام في أنفسها؛ إذ لا تضادّ بين الاعتبارين؛ إذ يمكن أن يعتبر في ذمّة المكلّف شيئاً، ويعتبر اعتباراً آخر مخالفاً له، والأمران الاعتباريان ليس بينهما أيّ تضادّ، بل من الممكن وجودهما معاً، فالوجوب مع الإباحة، أو الحرمة مع الإباحة، فإنَّ الاعتبار ليس من الصفات النّفسيّة الحقيقيّة؛ ليقال: إنَّ فردين منه لا يجتمعان في مورد وأنَّهما متضادّان، بل حاله حال اللحاظ من حيث سهولة المؤونة.

وإنَّما لا يجتمعان في مورد واحد من جهة عرضيّة لأجل اختلاف منشأ الحكمين، فإنَّ الحكمين -على مسلك العدليّة- إذا كانا إلزاميين ينشئان من 

ــــــــــ[278]ــــــــــ

(1) عوالي اللئالي 1: 216، الفصل التاسع، في ذكر أحاديث تتضمّن شيئاً من أبواب الفقه ذكرها بعض الأصحاب، الحديث: 78.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

المصالح والمفاسد، وإذا لم يكونا إلزاميين فلأجل عدم المقتضي للإلزام، فالتضادّ ينشأ من جهة مبادئ الأحكام وعلّلها؛ إذ لا يمكن أن يكون في الفعل مصلحة إلزاميّة، وليست في الفعل مصلحة كذلك، أو مشتملاً على مصلحة ومفسدة؛ فإنَّ هذا من اجتماع النقيضين، فإذا فرضنا أنَّ الفعل واجب ومباح والمولى اعتبر الوجوب والترخيص معاً، فمعناه: أنَّ الفعل الواحد مشتمل على مصلحة إلزاميّة وغير مشتمل على مصلحة إلزاميّة، ومعلوم أنَّ اجتماع النقيضين مستحيل في جميع المراحل من الاعتباريّات والتكوينيّات.

أو على مسلك الأشاعرة من أنَّ الأحكام تابعة لإرادة المولى وشوقه(1)، فإنَّ المعلول لابدَّ له من علة وهو شوق المولى، فإذا اشتاق إلى شيء أمر به، وإذا لم يشتق لم يأمر به، ولا يمكن أن يفرض أنَّ الفعل الواحد متعلّق للشوق النّفساني وغير متعلّق له، فإنَّه من التناقض.

فالتضادّ بين الأحكام ينشأ من التضادّ بين مبادئها وعلّلها، أو ينشأ من التضادّ في جهة المعلول وما يترتّب على الأحكام، فإنَّ الوجوب يقتضي الانبعاث، والإباحة تقتضي التخيير، فإذا أوجب المولى شيئاً وأباحه، فماذا يفعل المكلّف؟ إذ الوجوب يكون موضوعاً لحكم العقل بالإلزام، والإباحة(2) 

ــــــــــ[279]ــــــــــ

() فإذا اشتاق إليه يكون واجباً، وإذا اشتاق إلى عدمه فهو حرام وإلَّا مباح، والمبادئ هنا متنافية، فيسري إلى الحكمين، فيكون الحكمان متنافيين. (المقرّر).

(2) والتحريم يكون موضوعاً لحكمه بالانزجار، وهو أيضاً منافٍ للمبادئ الأُخرى، فطبعاً يكون الجمع بين الحكمين من الجمع بين المتضادّين بالعرض. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

موضوعاً لحكمه بالسعة والرخصة، ولا يمكن أن يكون شيءٌ موضوعاً لكلا هذين الحكمين العقلييّن. وإذا اجتمع الوجوب والحرمة، فالأمر أشنع، فهذا أيضاً يرجع إلى التناقض.

إذن، فاستحالة اجتماع حكمين على فعل واحد، لا باعتبار نفس الحكمين، بل باعتبار التنافي بين المبدأين، أو التنافي في مرحلة الامتثال ومرتبة المعلول، فلابدَّ من لحاظ أنَّ هذا المحذور، هل يتحقّق في موارد الأحكام الظاهريّة والواقعيّة، أو إنَّه يختصّ بما إذا كان الحكمان من سنخ واحد وكان كلاهما حكماً واقعيّاً، أو كلاهما حكماً ظاهريّاً، فيستحيل حينئذٍ اجتماعهما، أمّا إذا كان أحدهما واقعيّاً والآخر ظاهريّاً، فهذا المحذور لا يترتّب لا من ناحية المبدأ، ولا من ناحية المنتهى.

أمّا إذا كان الحكمان واقعيين فالتنافي من جهة المبدأ، والتنافي من جهة المنتهى موجود فيهما، فإذا وصلا إلى المكلّف معاً وعلم المكلّف بهما، وكان مقتضى أحدهما هو لزوم الانبعاث بحكم العقل، وكان مقتضى الآخر هو عدم لزوم الانبعاث بحكم العقل أو لزوم الانزجار، ولا يمكن الجمع بين هذين الحكمين.

وكذلك الحال في الحكمين الظاهريين، فإنَّهما وإن لم يكن بينهما تنافٍ من جهة المبدأ، لأنَّ الحكم الظاهري ليس تابعاً للمصلحة والمفسدة في المتعلّق، وإنَّما ينشأ من مصلحة في نفس جعله، فإنَّه إذا كانت الملاكات ذات أهمّيّة في نظر الشارع فإنَّه يأمر بالاحتياط بالنسبة إليها، فالمصلحة في إيجاب الاحتياط هو التحفّظ على الواقع، وقد يكون مصادفاً للواقع فيكون في متعلّقه مصلحة، وقد 

ــــــــــ[280]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

لا يكون فلا يكون في متعلّقه مصلحة، وإنَّما المصلحة في نفس جعل إيجاب الاحتياط تحفّظاً على الملاكات الواقعيّة، وكذلك الحال في البراءة بحكم الشارع بها تسهيلاً على المكلّفين، وعدم إيقاعهم في الضيق والحرج، فالمصلحة في نفس الجعل، وأمّا متعلّق الحكم الظاهري فقد يكون فيه مصلحة، وقد يكون فيه مفسدة، وقد لا يكون فيه شيء منها، فإذا شكّ في حرمة شيء أو نجاسته يحكم الشارع بحلّيّته وطهارته، في حين إنَّه قد يكون نجساً، أو حراماً واقعاً وذا مفسدة أو مصلحة.

فالأحكام الظاهريّة وإن لم يكن هناك تنافر من ناحية مبادئها؛ لأنَّها لم تنشأ من مصالح ومفاسد في المتعلّقات، وإنَّما نشأت من مصالح ومفاسد في نفس الأحكام، ولا منافاة بين أن يكون الأمر بشيء فيه مصلحة والترخيص فيه مصلحة أيضاً، ولكنّها تكون من جهة المنتهى متنافيّة، فإنَّ الشارع لو أوجب الاحتياط في الشبهات البدويّة وحكم بالبراءة في هذا الموضوع بعينه، فلا يمكن الجمع بين هذين الحكمين، فإنَّ المكلّف لا يتمكّن من امتثالهما في مقام الامتثال، فإنَّ أحدهما يلزم بالاحتياط ويقع موضوعاً لحكم العقل بلزوم الانبعاث، والآخر يقع موضوعاً لحكم العقل بالتخيير، وكيف يمكن الجمع بين هذين الحكمين؟ وماذا يفعل المكلّف، فهل يكون ملزماً أم مخيّراً؟ فكما لا يمكن الجمع بين حكمين واقعييّن متنافييّن، كذلك لا يمكن الجمع بين حكمين ظاهرييّن متنافييّن.

وأمّا إذا فرضنا أنّ أحد الحكمين كان ظاهريّاً والآخر كان واقعيّاً، فلا يقع تضادّ بينهما أبداً، أمّا من جهة المبدأ فلما ذكرناه من أنّ الحكم الظاهري لم ينشأ من 

ــــــــــ[281]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

مصلحة أو مفسدة في المتعلّق، بل من مصلحة في نفس الحكم، ولا مانع من أن يكون الفعل حراماً باعتبار وجود المفسدة في متعلّقه بحسب الحكم الواقعي، وأن يحكم الشارع بإباحته باعتبار أنَّ الحكم بإباحته فيه مصلحة في نفسه، فيحكم الشارع بالحرمة والإباحة معاً، ويكون كلاًّ منهما ناشئاً من مبدأ مستقلّ.

وأمّا من جهة المنتهى فأيضاً ليس بينهما تنافٍ، فإنّه يستحيل وصول هذين الحكمين معاً، ليقع تنافٍ في مقام الامتثال وحكم العقل؛ وذلك: أنّ الحكم الواقعي إذا وصل إلى المكلّف ارتفع بذلك موضوع الحكم الظاهري؛ لأنّه أخذ في موضوعه الشكّ وعدم إحراز الحكم الواقعي، ومع إحرازه لا يبقى موضوع للحكم الظاهري، وأمّا إذا لم يصل الحكم الواقعي فيكون الحكم الظاهري واصلاً، ولا يكون الحكم الواقعي مورداً لحكم العقل بلزوم الانبعاث، فإنّ هذا الحكم مختصّ بموارد وصول الحكم، والمفروض عدم وصول الحكم الواقعي، فليس هنا حكم من العقل إلَّا الحكم بالتخيير، وأنَّ المكلّف له أن يفعل وله أن لا يفعل، فلا تنافي بينهما في مرحلة الامتثال وحكم العقل.

إذن، فلا مانع من جعل الحرمة لوجود المفسدة في المتعلّق، أو الوجوب لوجود المصلحة فيه، مع جعل الإباحة لمصلحة في نفس هذا الجعل، وليس هناك تنافٍ بين هذين الحكمين لا في المبدأ ولا في المنتهى، وهذا هو الوجه الصحيح في الأُصول غير المحرزة.

وأمّا في الأمارات والأصول المحرزة، فإن قلنا: بأنَّ المجعول في مواردها هو الحكم التكليفي والحجّيّة منتزعة منه، أو أنَّ الحجيّة مستتبعة للحكم 

ــــــــــ[282]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

التكليفي، فالجواب هو الجواب بعينه، وأمّا إذا قلنا: إنَّ المجعول فيها هو الطريقيّة والوسطيّة في الإثبات، فالجواب ظاهر كما تقدّم؛ إذ ليس هنا حكمان، ليقال: إنَّه لا يمكن الجمع بينهما، بل الحكم الواقعي حكم تكليفي، والحكم الظاهري حكم وضعي، بمعنى: اعتبار ما ليس بعلم علماً.

إذن، فعلى جميع المباني والوجوه في الأمارات والأُصول المحرزة أيضاً لا يلزم محذور الجمع بين الحكمين المتضادّين، فلا إشكال في إمكان ذلك.

ــــــــــ[282]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9













في تأسيس الأصل عند الشكّ في الحجّيّة

 

الكلام في ما ذكره الشيخ الأعظم في المقام

قد ذكر الشيخ الأعظم(1) ما يقتضيه الأصل عند الشكّ في الحجّيّة، فإذا شكّكنا في حجيّة أمارة، فهل الأصل يقتضي الحجّيّة وعدمها يحتاج إلى دليل، أو إنَّ الأصل يقتضي عدم الحجّيّة ما لم تثبت الحجّيّة بدليل، فما لم يثبت حجّيّة شيء يحكم بعدم حجّيّته؟

والمراد بالأصل ليس هو الأصل العملي، بل مطلق الدليل الدالّ على ذلك، فيكون المعنى: أنَّ مقتضى القاعدة عند الشكّ في الحجّيّة ما هو؟

لا ينبغي الشكّ في أنَّ الأصل عدم الحجّيّة، بمعنى: أنَّ الشكّ في حجّيّة شيء مساوق للجزم بعدم حجّيّته.

بيان ذلك: أنَّ الحجّيّة كسائر الأحكام لها مقام الإنشاء ومقام الفعليّة، فإنَّ الحكم له نحوان من الثبوت، فإنَّه مرّة يثبت في مرحلة التشريع وجعل القانون، وفي هذه المرحلة لا نحتاج إلَّا إلى فرض وجود الموضوع، فنفرض وجود المستطيع ونحكم عليه بوجوب الحج، والحجّيّة كذلك أيضاً، فإنَّه إذا اعتبر 

ــــــــــ[284]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 131.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الإقرار حجّة لا يلزم أن يكون هناك إقرار بحسب الخارج، وإذا اعتبر خبر الواحد حجّة لا يلزم أن يكون هناك خبر واحد في الخارج، وكذلك الحال في البيّنة واليد وغيرها ممّا يعتبر حجّيّته. وفي مرحلة الفعليّة والامتثال لا يكفي جعل الكبرى الكلّيّة وحدها، بل لابدَّ من فرض موضوع في الخارج، فللحجّيّة مرحلتان كغيرها من الأحكام التكليفيّة والوضعيّة المجعولة.

وقولنا: إنَّ الشكّ في الحجّيّة مساوق للقطع بعدم الحجّيّة، لا نريد به أنَّ الشكّ في الجعل للحجّيّة مساوق للقطع بعدم جعلها، فإنَّ هذا باطل بالوجدان؛ إذ كيف يجتمع الشكّ بوجود شيء مع القطع بعدمه، فإنَّه من اجتماع المتناقضين، فإنَّ الشكّ في شيء معناه احتمال الخلاف، والقطع معناه عدم احتمال الخلاف، واحتمال الثبوت وعدمه لا يجتمعان في مورد واحد.

بل نريد أنَّ الحجّيّة الفعليّة ولزوم تحرّك المكلّف في مقام العمل طبقاً للمؤدّى على نحو يستند تحرّكه إلى هذا الشيء، ويصحّ إسناده إلى الشارع بحكم العقل، ليقال: إنَّ الله أباح هذا وحرّم هذا، فهذا مقطوع العدم؛ فإنَّ الحجّيّة وإن كانت في مرحلة الجعل مشكوكة، ولا ينقلب الشكّ إلى يقين، لكن في مرحلة الفعليّة، مع الشكّ في جعل الحجّيّة يقطع بعدم صحّة إسناد مؤدّاه إلى المولى وعدم جواز الاستناد إليه في مقام العمل، فيكون مرتكبه غير معذور من قبيل الذي يشرب مائعاً كان خمراً، وقام خبر واحد على انقلابه خلاً مع شكّه بحجّيّة خبر الواحد، ومقتضى استصحاب الخمريّة هو الجزم بعدم جواز شربه.

إذن، فالشكّ في الحجّيّة موجب للقطع بهذين الأمرين، وهما عدم جواز 

ــــــــــ[285]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

إسناد المؤدّى إلى الشارع وعدم جواز الاستناد إليه في مقام العمل، فلو كان شيء منجّزاً بالعلم الإجمالي، كما في العلم الإجمالي بوجود أحكام إلزاميّة في الشريعة، أو في الموارد الخاصّة كالعلم بوجوب القصر أو التمام، أو الظهر أو الجمعة، ففي مثل ذلك لابدَّ أن يستند إلى الحجّة الفعليّة الواصلة، ومع الاستناد إلى الحجّة المشكوكة يبقى الواقع منجّزاً بالعلم الإجمالي، بل في الشبهات الحكميّة لا نحتاج إلى العلم الإجمالي، فإنَّ نفس الاحتمال يكون منجّزاً؛ لأنَّه شبهة قبل الفحص، فيكون منجّزاً ما لم يحرز التكليف، فلابدَّ للمكلّف في مقام الامتثال من القطع الوجداني، ولم يحصل على الفرض، أو القطع التعبّدي، ولم يحصل لفرض الشكّ في الحجّيّة، فيبقى الحكم الواقعي منجّزاً.

والوجه في ذلك: أنَّ كلّاً منهما تشريع، والتشريع محرّم بالأدلّة الأربعة، فإنَّ المفروض أنَّنا نشكّ في حجّيّة هذا الشيء، ومعه كيف ننسب مؤدّاه إلى المولى؟ وكيف نستند عليه في مقام العمل؟ فإنَّه تشريع في مقام العمل، فيصحّ أن يُقال: إنَّ الشكّ في حجّيّة شيء في مرحلة الجعل مساوق للقطع بعدم الحجّيّة من جهة أنَّه مع الشكّ بها يكون الإسناد والاستناد تشريعاً، والتشريع محرّم بالأدلة الأربعة.

هكذا ذكر شيخنا الأنصاري في مقام تأسيس الأصل، وأنَّ الأصل هو عدم الحجّيّة ما لم تثبت الحجّيّة بدليل، ثم استدلّ على ذلك بالآيات الناهية عن العمل بالظنّ، كقوله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ(1)، وفي بعضها 

ــــــــــ[286]ــــــــــ

(1) الإسراء: 36.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

التعليل: إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا(1). فذكر أنَّ هذه العمومات تدلّ على عدم جواز العمل بالظنّ على الإطلاق، فإذا دلّ الدليل في مورد على جواز العمل بالظنّ، فعندئذٍ نقول بالتفصيل، إلَّا أنَّ مقتضى العموم هو عدم جواز العمل بالظنّ ما لم يعلم بحجّيّته.

وقوع الخلط عند الشيخ الأعظم

وذكر صاحب الكفاية(2): أنَّ هذين الأمرين، يعني: إسناد المؤدّى إلى المولى والاستناد إليه في مقام العمل ليست من ملازمات الحجّيّة، فإنَّ الشيخ خلط بين الحجّيّة وبينهما، فإنَّ الحجّيّة معناها التنجيز والتعذير، فإذا شكّكنا في الحجّيّة، فمعناه: نشكّ أنَّ شيئاً ما، هل هو منجّز ومعذّر من قبل المولى أو لا؟ وأمّا جواز الإسناد والاستناد فبينه وبين الحجّيّة عموماً من وجه؛ إذ قد يفرض ورود دليل على صحّة الإسناد إلى المولى، ولكنّه لا يكون حجّة.

وبعبارة أُخرى: أنَّه يمكن أن لا يكون حجّة، ومع ذلك يصحّ إسناده إلى المولى إذا دلّ دليل على جواز ذلك، وقد يفرض أنَّ الشيء يكون حجّة، ومع ذلك لا يجوز إسناده إلى المولى كحجّيّة الظنّ على الحكومة على تقدير تماميّة دليل الانسداد؛ فإنَّ الحجّيّة ثابتة ومع ذلك لا يجوز الإسناد إلى المولى؛ لأنَّ الحجّيّة بحكم العقل لا بحكم الشرع.

هذا ملخّص كلامه.

ــــــــــ[286]ــــــــــ

(1) يونس: 36.

(2) انظر: كفاية الأصول: 280.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

بيان صحّة ما أفاده الشيخ الأعظم

والظاهر أنَّ ما أفاده الشيخ صحيح، والوجه في ذلك: أنَّ فرض إسناد شيء إلى المولى مع فرض عدم الحجّة، إمّا حجّة وجدانيّة كالقطع أو شرعيّة، ومعناه: أنَّ التشريع جائز، وهو وإن كان ممكناً عقلاً، إلَّا أنَّه غير واقع، وكيف يأذن المولى بالإسناد إليه مع عدم وجود حجّة قائمة عليه؟ ففرض ذلك هو فرض جواز التشريع، وهو من فرض المحال.

كما أنَّ العكس وهو أن تكون هناك حجّة ولا يصحّ إسناده إلى المولى غير معقول أيضاً؛ لأنَّ معنى الحجّيّة هو فرض ما ليس بعلم علماً، فيكون المكلّف محرزاً للواقع بحكم الشارع، فكيف لا يصحّ إسناده إليه؟

وأمّا ما ذكره من أنَّ الظنّ على الحكومة حجّة، ومع ذلك لا يجوز إسناده إلى المولى، فهذا فيه خلط واضح، فإنَّ الظنّ على تقدير الحكومة لا يكون حجّة، بل يكون من التبعيض في الاحتياط، وأنَّ العقل يتنزّل من الاحتياط الكلّي في أطراف العلم الإجمالي إلى الاحتياط الجزئي فيما إذا لم يمكن الاحتياط التامّ، فلا نحتاط في المشكوكات والموهومات وتقتصر دائرة الاحتياط على المظنونات، وإلَّا فما معنى أنَّ العقل يحكم بالحجّيّة، والعقل وظيفته الإدراك وليس مشرّعاً. إذن، فالحجّيّة وجواز الإسناد إلى المولى أمران متلازمان.

وأمّا ما ذكره من أنَّ معنى الحجّيّة هو التنجيز والتعذير فقط، فقد تقدّم الكلام فيه، وأنَّه من لوازم الحجّيّة؛ لأنَّ معناه هو ذلك، وأنَّ الأحكام العقليّة غير قابلة للتخصيص، وإنَّما يتصرّف الشارع في موضوع الحكم العقلي، فيجعل 

ــــــــــ[288]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

شيئاً ما علماً فيرتفع بذلك موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، وكذلك حكمه بالاشتغال، وجعل التنجيز والتعذير أمر ينتزع عن ذلك.

ــــــــــ[289]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9



نسبة أدّلة الحجّيّة إلى العمومات

 

وذكر شيخنا الأُستاذ(1) أنَّ نسبة أدلّة الحجّيّة إلى هذه العمومات هي نسبة الحكومة لا نسبة التخصيص، فإنَّه ليس معنى كون شيء ما حجّة أنَّ هذا الظنّ يجوز العمل به، وأنَّ: (لا تقف ما ليس لك به علم) يتمسّك فيه بالعموم عند الشكّ في التخصيص، إلّا في هذا المورد، بل نسبتها إليها نسبة الدليل الحاكم إلى الدليل المحكوم وتقدّمها عليها بالحكومة، فإنَّ أدلّة الحجّيّة يجعل ما ليس بعلم علماً، ويدخله في موضوع العلم، ويكون العمل بالأُمور التي دلّ الدليل على حجّيّتها عمل بالعلم لا بالظنّ، فيكون من رفع الموضوع بالتعبّد، وهو معنى الحجّيّة.

وأمّا إذا كان اللسان لسان الحكومة والتقدّم من جهة الرفع الموضوعي، فحينئذٍ لا يمكن التمسّك بالعمومات عند الشكّ بالحجّيّة، فإنَّ الشكّ في الحجّيّة مساوق للشكّ في أنَّ هذا علم أو ليس بعلم، فتكون الشبهة مصداقيّة لا محالة، لأنَّنا لا ندري أنَّ هذا ظنّ لتشمله آية: إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا(2)، أو ليس بعلم ليتمسّك بقوله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ 

ــــــــــ[290]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 87.

(2) يونس: 36.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

عِلْمٌ(1)، أو أنَّه علم وليس بظنٍّ ليكون خارجاً عن موضوعهما فتكون الشبهة مصداقيّة، ولا يمكن التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة. هذا ملخّص ما أفاده.

ما يقتضيه التحقيق

ولابدَّ من التكلّم في مقامين:

المقام الأوّل: أنَّ هذه الآيات الدالّة على عدم جواز العمل بالظنّ واتّباع غير العلم، هل تكفّلت لحكم مولوي، أو كانت إرشاداً إلى حكم العقل الذي يستقلّ به؟ فلا يصحّ التمسّك بها لإثبات عدم حجّيّة شيء، فإنَّها لا تكون ناظرة إلى الصغرى، بل إلى الكبرى، وأنَّ العمل بالظنّ غير جائز عقلاً. 

المقام الثاني: أنَّه على تقدير أن يكون المراد بالآيات بيان الحكم الشرعي، وأنَّ العمل بالظنّ محرّم شرعاً، فهل أدلّة الحجّيّة حاكمة عليها أو مخصّصة لها؟ وعلى تقدير الحكومة، هل يمكن التمسّك بالعمومات عند الشكّ في الحجّيّة، أو لا يمكن لأنَّه يكون من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة؟

أمّا المقام الأوّل فلا ينبغي الشكّ في أنَّ هذه الآيات كلّها وردت إرشاداً لما حكم به العقل من عدم جواز العمل بغير العلم؛ وذلك: لأنَّ احتمال ما استقلّ العقل بوجوب دفعه لا بنحو الحكم المولوي، فالعقل وظيفته الإدراك لا الحكم، إلَّا أنَّه يدرك أنَّ احتمال العقاب لو صادف الواقع وقع فيه لا محالة، وبالطبع أنَّ حبّ النفس الغريزي في كلّ بشر، بل في كلّ حيوان يدفعه عدم 

ــــــــــ[291]ــــــــــ

(1) الإسراء: 36.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الوقوع به، فهذا أمر يستقلّ به العقل بلا حاجة إلى الحكم الشرعي، وأنَّه يجب دفع العقاب المحتمل؛ ولذا قلنا: إنَّه يجب الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي والشبهة البدويّة قبل الفحص، بل إنَّ المعاصي المتيقّنة ليس فيها إلَّا احتمال العقاب، فإنَّه ليس فيها إلَّا الاستحقاق، وإلَّا فيحتمل أنَّ الله تعالى يغفر بنفسه أو بواسطة شفاعة أو نحوها، فليس هنا يقين بالعقاب وإن كان هناك يقين بالاستحقاق، فالذي يردع المكلّف عن المعصية هو احتمال العقاب لا الجزم به.

فهذه الآيات تقول أمراً يدركه كلّ شاعر ملتفت من أنَّ العقل يُلزم الإنسان أن ينتهي أمره إلى القطع بالحكم الواقعي، أو القطع بالحجّيّة، أو بالمعذّر الشرعي(1)، وبذلك يقطع أنَّه لا عقاب عليه، فإذا شرب المائع الذي قامت الأمارة على عدم خمريّته، فهو متبع لليقين لا للظنّ، لأنَّه مؤمّن من هذه الناحية، وكذلك في الموارد التي يحتمل حرمة شيء وحلّيّته فيرتكبه بغير اعتماد على احتمال الحلّيّة، فإنَّه ليس مؤمّناً، بل اعتمادٌ على حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، أو على حكم الشارع بالبراءة.

فهذه الآيات كلّها ناظرة إلى ذلك، ولذلك كان رسول الله يسأل المشركين، هل عندهم على ادّعائهم برهان، وهل إنَّهم يتّبعون غير الظنّ، وهم يجيبون: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ(2). فهي إرشاد إلى ما استقلّ به العقل من لزوم الاستناد إلى القطع وعدم جواز الاستناد إلى الظنّ، 

ــــــــــ[292]ــــــــــ

() إذ لولاه يحتمل العقاب، ولا بدَّ من دفعه. (المقرّر).

(2) الزخرف: 23.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

بل إمّا القطع بالحكم أو بالحجّيّة أو بالمعذّر.

إذن، فالآيات لا تتكفّل بيان الحكم الشرعي ليتمسّك بها، ولا نتمسّك بها عند الشكّ في التخصيص، كما ذكر شيخنا الأُستاذ.

المقام الثاني: وهو ما إذا فرضنا أنَّ هذا الآيات دلّت على عدم جواز العمل بالظنّ بحكم شرعي مولوي، فهل نسبة ما دلّ على حجّيّة شيء إلى هذه الآيات نسبة التخصيص أو نسبة الحكومة؟

الصحيح ما ذكره شيخنا الأُستاذ من أنَّ النسبة نسبة الحكومة، ونفس الشيخ صرّح بذلك في عدّة موارد منها التعادل والتراجيح، وأنَّ هذه الأدلّة حاكمة على أدلّة النهي عن العمل بالظنّ. والوجه في ذلك ظاهر؛ إذ لسان هذه الآيات آبية عن التخصيص، بأن يقال: لا تقف ما ليس لك به علم إلَّا في اليوم الفلاني، أو أنَّ الظنّ لا يغني عن الحقّ شيئاً إلَّا في المورد الفلاني، والعمل بالأمارة الظنّيّة التي ثبتت حجّيّتها عمل بالعلم لا عمل بغير علم، فليس الخروج حكميّاً تخصيصيّاً بل خروج موضوعي؛ فإنَّ المكلّف لابدَّ أن يعمل بالعلم، وهذا علم.

وإنَّما الكلام أنَّه على تقدير الحكومة، فهل يمكن أن نتمسّك بالعمومات أو لا؟ الظاهر هو جواز التمسّك.

والظاهر صحّة ما ذكره شيخنا الأنصاري، فإنَّ نسبة أدلّة الحجّيّة إلى هذه العمومات وإن كانت نسبة الحاكم إلى المحكوم، لا نسبة التخصيص، فإنّا قلنا: إنَّ جملة من العمومات آبية عن التخصيص ولسانها غير قابل له، وصحيح أنَّ 

ــــــــــ[293]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الأمارات التي ثبتت حجّيّتها علم باعتبار الشارع، والإخراج إخراج عن الموضوع لا عن الحكم.

ومع ذلك لا تكون الشبهة مصداقيّة، والوجه في ذلك: هو أنَّ الحجّيّة إذا لم تصل كبرى وصغرى إلى المكلّف، وإن كانت مجعولة في الواقع، لا تكون علماً بالنسبة إليه. فإنَّه إنَّما يكون عالماً بعلم وجداني أو بقيام الحجّة عنده، لا بقيامها في الواقع، وحكم الشارع بكونها علماً إنَّما هو بالنسبة إلى من قامت لديه الأمارة، لا بالنسبة إلى هذا الشخص الذي فرضنا أنَّه لم تصله الحجّة لشبهة موضوعيّة أو حكميّة، وفرض هذا عالماً لابدَّ فيه من قيام الأمارة عنده.

ومن هنا يظهر أنَّه لا توجد شبهة مصداقيّة في موارد الحكومات(1) أبداً، فإنّها إنّما تكون في موارد التخصيص، وأمّا في موارد الحكومة فلا يمكن فرضها، فإنّ المفروض أنّ الموضوع هو العالم، فكيف يشكّ الإنسان أنّه عالم أو ليس بعالم، فإنّه إن وصل إليه الواقع وصولاً وجدانيّاً أو تعبديّاً فهو عالم وجداناً، وإذا لم يصل فهو ليس بعالم، وليس هذا أمراً قابلاً للشكّ.

وهذا الذي ذكرناه لعلّه من الواضحات، ولأجله لم يستشكل هو – يعني: شيخنا الأُستاذ، ولا غيره من العلماء – في جريان أصل من الأصول العمليّة مع احتمال قيام بيّنة على خلافه، كما لو احتملنا قيام بيّنة على خمريّة أو نجاسة هذا 

ــــــــــ[294]ــــــــــ

() لا يخفى أنّ مرجع كلام السيّد إلى منع وجود الشبهة المصداقيّة في هذا المورد من الحكومة دون سائر مواردها على ما هو ظاهر العبارة، وإن أراد ذلك حقّاً طولب بالدليل، فإنّ ما ذكره يخصّ محلّ الكلام ولا يعمّ غيره. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

المائع المشكوك، فهل يكون هذا الاحتمال شبهة مصداقيّة في المقام؟ وجود البيّنة الواقعيّة ما لم تصل إلى المكلّف لا تخرجه من الشكّ إلى العلم، فالشكّ موجود وجداناً، فطبعاً يكون موضوعاً للأصل، ولا تكون الشبهة مصداقيّة.

ومقامنا أيضاً من هذا القبيل، فإنّه إذا لم تثبت حجّيّة أمارة، فالمكلّف غير عالم بالواقع لا بالوجدان ولا بالتعبّد، ومجرّد كون الأمارة حجّة في الواقع لا تجعله عالماً ما لم تصل إليه، فهو شاكٌّ وجداناً وغير عالم بالواقع، فيكون موضوعاً للآيات المباركة، فما أفاده من أنَّ الشبهة المصداقيّة غير قابل للتصديق، فإنَّها لا تتحقّق في موارد الحكومة أبداً؛ وذلك لما قلناه من عدم معقوليّة أنْ يشكّ الإنسان بكونه عالماً أو ليس بعالم، وإنَّما تكون الشبهة المصداقيّة فيما إن كان الموضوع أمراً واقعيّاً قد يصل إلى المكلّف وقد لا يصل، وأمّا إذا كان الموضوع أمراً وجدانيّاً فهو غير قابل لأن تتحقّق فيه الشبهة المصداقيّة. إذن، فما ذكره شيخنا الأنصاري بعد فرض أنّ الآيات تتعرض للنهي الشرعي التكليفي هو الصحيح، ويمكن التمسّك بها لنفي الحجّيّة.

إمكان التمسّك بالاستصحاب

بقي الكلام في شيء، وهو أنَّه في مورد الشكّ بالحجّيّة، هل يمكننا التمسّك باستصحاب عدمها؛ لأنَّ الحجّيّة أمر حادث، ونشكّ أنَّ الشارع جعل هذا حجّة أو لا(1)، كخبر الواحد في الموضوعات أو مطلقاً، فهل جعله الشارع حجّة أو لا، وهل هذا قابل للاستصحاب أو لا؟ مقتضى الأصل مضافاً إلى ما ذكرناه 

ــــــــــ[295]ــــــــــ

() هل اعتبرت فيه صفة الطريقيّة والعلم أو لا؟ (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

هو عدم الحجّيّة ما لم تثبت بدليل. فهل هذا الاستصحاب حجّة على ما تمسّك به جملة من الأعلام أو لا؟

ذكر شيخنا الأُستاذ(1) عدم إمكان التمسّك باستصحاب عدم الحجّيّة، وذلك لوجهين:

الوجه الأوّل: أنَّ الاستصحاب إنَّما يجري فيما إذا كان الأثر مترتّباً على الواقع فقط، فقد يكون المكلّف محرزاً لوجود قيام زيد أو عدالته وغير ذلك من الموضوعات الخارجيّة، وقد يكون محرزاً لعدم تلك الأمور، وقد يكون شاكّاً، ففي مثل ذلك لا مانع من جريان الاستصحاب، وبه نحرز عدم الحكم واقعاً، ولكنّه إحرازٌ تعبّديٌ، وأمّا إذا كان الأثر مترتّباً على نفس الجهل لا على الواقع، أو مترتّباً على الجهل والواقع، ويكون الموضوع أعمّ منهما، ففي مثل ذلك لا يمكن جريان الاستصحاب؛ لأنَّه من تحصيل الحاصل، بل من أردئ أنحاء تحصيل الحاصل، فإنَّه من تحصيل ما هو حاصل بالوجدان تحصيله بالتعبّد، وما هو محرز بالوجدان نلتزم أنَّنا نتعبّد باستصحابه.

وذكر في وجه ذلك: أنَّ الحجّيّة لها أثران، هما صحّة الاستناد إليها في مقام العمل، وصحّة إسناد مؤدّاها إلى المولى، وهذان الأثران عدم جوازهما مترتّب على الجهل، ولا أقلّ من أن يكون مترتّباً على الجهل وعلى الواقع معاً. فإنّا ذكرنا أنَّه مع الجهل لا يمكن الإسناد إلى المولى فإنَّه تشريع محرّم، ولا الاستناد في مقام العمل، فإنَّه من التشريع في مقام العمل، فهذا الأثر مترتّب على الجهل نفسه، 

ــــــــــ[296]ــــــــــ

 

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

فإنَّه من التشريع إن فسّرنا التشريع بأنَّه إدخال ما ليس من الدين في الدين، أو موضوعه أوسع من ذلك إن فسّرناه بأنَّه إدخال ما يعلم أنَّه ليس من الدين في الدين، فمن جهة الجهل يحكم بحرمة إسناد المؤدّى إلى المولى، وهذا موضوعه محرّز بالوجدان وهو الجهل، فنقطع بحرمته، إذن، فلا يمكن الرجوع إلى استصحاب عدم الحجّيّة.

الوجه الثاني: لو أعرضنا عن ذلك، ولم يكن هذا الاستصحاب تحصيلاً للحاصل، فإنَّ هذا الجعل لغو؛ إذ أيّ أثر يترتّب على هذا الأصل؛ إذ لولاه لكان العقل حاكماً بحرمة إسناد المؤدّى إلى المولى، وحرمة الاستناد إليه في مقام العمل، فما فائدة هذا الاستصحاب؟ فإنَّه لابدَّ أن يكون للأصل أثر على تقدير عدم جريانه، وفي المقام ليس الأمر كذلك؛ إذ لولاه نحكم بحرمة الاستناد والإسناد، فيقع التعبّد بالاستصحاب لغواً، فلا يكون جارياً.

والظاهر أنَّه لا مانع من جريانه في المقام، فيجري وبه نحرز الواقع  بالتعبّد، وأمّا ما ذكره من أنَّه من تحصيل الحاصل، بل من أردئ أنحاء تحصيل الحاصل، فقد ظهر الجواب عليه ممّا تقدّم، فإنَّنا قلنا: بأنَّ الشكّ في الحجّيّة مساوق للقطع بعدمها، لا بمعنى: أنَّ الشكّ والقطع قد تعلّقا بشيء واحد، وأنَّهما قد اجتمعا في زمان واحد، فإنَّ هذا معلوم استحالته بالوجدان، بل معناه: أنَّ الشكّ في إنشاء الحجّيّة ملازم للقطع بعدم الحجّيّة الفعليّة، أي: في مقام العمل لا يمكن الاستناد إليه، فمتعلّق الشكّ هو الاعتبار الشرعي والإنشاء المولوي للحجّيّة، ومتعلّق القطع هو الاستناد الفعلي إليها، فإذا كان 

ــــــــــ[297]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

المقطوع به غير المشكوك فيه، وكان الأوّل هو مرحلة الفعليّة، والثاني مرحلة الإنشاء. إذن، فلا يكون الاستصحاب من تحصيل الحاصل، فإنَّ ما نقطع به وهو مورد حرمة التشريع هو الحجّيّة الفعليّة مع الجهل بالواقع، وهذا لا ينافي الشكّ في الحجّيّة في مرحلة الإنشاء، والاستصحاب ينظر إلى مقام الإنشاء، وبه نثبت أنَّ الشارع لم يعطِ لهذا الشيء صفة الطريقيّة والحجّيّة، فليس هذا من تحصيل شيء بالاستصحاب ممّا كان حاصلاً ومحرّزاً؛ إذ بالاستصحاب نثبت أنَّ صفة الطريقيّة غير موجودة.

وأمّا ما ذكره ثانياً من أنَّه يصبح من اللغو، فإنَّه واضح الدفع، فإنَّ الحكم العقلي ليس في عرض الحكم الشرعي ليكون الحكم الشرعي لغواً، مع فرض أنَّ العقل يحكم بعدم جواز الإسناد والاستناد، فما هو الأثر للتعبّد بهذا الإنشاء، وهل الحكم العقلي ليس في عرض الحكم الشرعي بل في طوله؟ فإنَّه عند الشكّ في الحجّيّة يحكم العقل بعدم جواز الإسناد والاستناد، والاستصحاب يرفع موضوع حكم العقل ويجعله ممّا يعلم بالجعل، ومعه لا يبقى موضوع الحكم العقلي.

نعم، لو فرضنا أنَّ الشارع لم يجعل هذا الاستصحاب لانتهى الأمر إلى الحكم العقلي، ومع الشكّ في الحجّيّة يحكم بعدمها كما سبق، ولكن إذا رفع الشارع هذا الشكّ وفرض المكلّف عالماً بعدم الحجّيّة، لا يبقى موضوع لحكم العقل.

ونظير هذا أدلّة البراءة بالنسبة إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنَّ العقل يحكم أيضاً بالبراءة، إلَّا أنَّ موضوعها هو عدم البيان، وللشارع رفع الموضوع، 

ــــــــــ[298]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وبأدلّة البراءة نثبت جواز العمل وعدم العقاب عليه، فقد حصل البيان وارتفع موضوع الحكم العقلي.

وكذلك الأمارات الدالّة على الحلّيّة، كالروايات القائلة أنَّ هذا جائز، ولا بأس به، فإنَّه لولاها لكان هذا الشيء حلالاً أيضاً بحكم العقل، إلَّا أنَّ حكم العقل كان مستنداً إلى عدم البيان فترفع موضوعه وتبدّله إلى بيان العدم.

ولو كان هذا الاستصحاب لغواً لكان جميع الروايات الواردة في النهي عن القياس لغواً؛ إذ لولاها لكان العمل بالقياس محرّماً(1) لعدم الدليل على حجّيّته، وكان موضوعاً لحكم العقل بحرّمة نسبة مؤدّاه إلى المولى، فتكون هذه الروايات لغواً، وهذا لا يمكن الالتزام به؛ لأنَّها ليست في عرض الحكم العقلي بل في مرتبة سابقة، وبها يرتفع موضوعه، ونظير ذلك كثير. هذا تمام كلامنا في تأسيس الأصل.

ــــــــــ[299]ــــــــــ

() هذا ممّا لم يكن يناسب صدوره من السيّد الأُستاذ، فإنَّه إنَّما يصحّ غضّ النظر عن السيرة العقلائيّة القائمة على حجّيّة القياس بلا إشكال، إلَّا أنَّه مع وجودها لا يكون ما قاله السيّد صحيحاً؛ إذ لو لم تكن الروايات الناهية عن العمل بالقياس موجودة لكان المرجع هي السيرة التي لم يردع عنها على الفرض، ولا تنتهي النوبة إلى حكم العقل بعدم الحجّيّة، (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

 

حجّيّة الظهور

 

ذكرنا(1) أنَّ مسألة حجّيّة الظواهر ليست مسألة أصوليّةً، بل مّما تسالم عليه جميع البشر من المتدينين وغيرهم، فهذا مّما لم يقع البحث فيه، وإنّما وقع الكلام في مسائل:

منها: أنَّ حجّيّة الظواهر، هل هي مقيّدة بالظن بالوفاق، أو مقيّدة بعدم الظنّ بالخلاف، أو لا بهذا ولا ذاك، وإنّما الحجّيّة مطلقة بلا فرق بين الظنّ بالوفاق أو عدم الظنّ بالخلاف، وما لم تقم قرينة على خلاف الظاهر يكون الظنّ حجّةً.

وقلنا: في غير مورد الاحتجاج لا يعمل بالظاهر ما لم يكن الوصول 

ــــــــــ[300]ــــــــــ

()ألقى السيّد محاضرة لم أوفق لحضورها مع شديد الأسف، ولذا عوّض النقص الحاصل بما ذكره من الدراسات مختصراً، فقال: وفي (الدراسات) بخصوص هذا المسألة ما محصّله: أنَّه لا يضرّ في حجّيّة الظهور قيام الظن على الخلاف إذا لم يكن الظنّ معتبراً، ولا الظنّ بالوفاق مطلقاً، ثُمَّ يذكر: إذا كان المطلوب هو الواقع فيكون عدم الظنّ أو الاطمئنان بالوفاق مضرّاً، فضلاً عن الظنّ بالخلاف، وأمّا إذا كان المراد الخروج عن حجّيّة التكليف، وتحصيل الأمن من العقاب، فالظهور حجّة مطلقاً بحسب سيرة العقلاء، (المقرر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

شخصيّاً، وأمّا في موارد الاحتجاج، كما في المولى بالنسبة إلى عبده، وكما في الأقاويل والأوقاف والسجلات، فالظهور يكون معتبراً سواء ظنَّ بالخلاف أم لا، ويكون الظهور متّبعاً في مقام الاحتجاج، هذه هي المسألة الأولى التي تقدم الكلام فيها(1).

اختصاص حجّيّة الظهور بمن قصد افهامه 

ذهب صاحب القوانين(2) إلى أنَّ الظواهر مختصة بمن قصد إفهامه، وأمّا غيره -من الغائبين فضلاً عن المعدومين- لا يكون الظاهر حجّة في حقّه، ولذا 

ــــــــــ[301]ــــــــــ

() ذكر السيّد الخوئي مفصّلاً بحسب الدراسات: الحق عدم اعتبار الظن بالوفاق في حجّيّة الظهور، كما لا يضرّ بها قيام الظنّ غير المعتبر على الخلاف. وأمّا قيام الظنّ المعتبر على خلافه فلا ريب في كونه قرينة على المراد، وهو خارج عن محلّ الكلام، ومنشأ توهم اعتبار ذلك ما يشاهد من أنَّ العقلاء لا يقنعون في أمورهم المهمّة، كما في الأموال والأعراض والنفوس بمجرّد الظهور، إلّا إذا حصل لهم الظنّ أو الاطمئنان بالواقع، فإذا احتملوا إرادة خلاف الظاهر في كلام الطبيب لا يعملون به بلا إشكال، وهذا و ان كان مسلما في الجملة، إلّا أنّه يختص، بما إذا كان المطلوب فيه تحصيل الواقع، وأمّا فيما كان المطلوب فيه الخروج عن عهدة التكليف، وتحصيل الأمن من العقاب، فلا ريب أنَّ ديدنهم‏ جرى فيه على العمل بالظهورات مطلقاً، ألا ترى أنّهم لا يعذرون العبد إذا اعتذر عن مخالفة ظاهر كلام مولاه بعدم حصول الظنّ له بالوفاق، أو بحصول الظن له بالخلاف. والتوهم المزبور إنّما نشأ من الخلط بين المقامين. دراسات في علم الأُصول 3: 127، 128.

(2) انظر: قوانين الأُصول 1: 517، 4: 239.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

منع عن حجّيّة الروايات بالنسبة إلينا؛ لأنّنا غير مقصودين بالإفهام، فإنّما الروايات ليست من قبيل الكتب المصنفة والرسائل المرسلة إلى شخص معيّن، فإنّه في الكتب من المعلوم أنّ المقصود بالإفهام فيها هو كلّ من ينظر إلى الكتاب سواء كان في عصر الكاتب أو بعده، وأمّا بالنسبة إلينا فنحن لم نقصد بالإفهام في الروايات، فلا يكون ظهورها متحقّقاً بالنسبة إلينا -وعلى ذلك يحكم بانسداد باب العلمي- كما أنَّ باب العلم منسدّ.

وقلنا في بعض الأبحاث السابقة(1): أنّ هذه المسألة ومسألة حجّيّة خبر الواحد من أهمّ المباحث الأصوليّة؛ لأنّه يتفرّع عليها انسداد باب العلمي وانفتاحها، فإنّنا إذا قلنا بحجّيّة السند والدلالة كان باب العلمي منفتحاً، وأمّا إذا منعنا عن أحدهما وأنكرنا حجّيّته في إحدى هاتين المسألتين، فلابدّ من الالتزام بالانسداد، وتنتهي النوبة إلى البحث عن حجّيّة مطلق الظنّ على نحو الكشف والحكومة.

ثُمَّ إنَّ صاحب القوانين ذكر كلاماً آخر، وهو إنكار ظهور هذه الروايات، أي: إنكار الصغرى، وهو أنَّه لا ظهور فيها، ولو فرضنا أنَّ حجّيّة الظهور غير مخصوصة بالمقصودين بالإفهام كبروياً.

والوجه في ذلك: أنَّ الروايات الواصلة لم تصل إلينا كما صدرت عن المعصوم؛ إذ المفروض أنَّ الروايات قد قطعت في الكتب الأربعة، فإنَّه قد يكون في الرواية أسئلة مختلفة، والمحدّثون (قدّس الله أسرارهم) قطّعوا الروايات 

ــــــــــ[302]ــــــــــ

(1) دراسات في علم الأُصول 3: 151.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وأرجعوا كلاًّ إلى بابه، فلعلّ ما ذكر في باب آخر كان قرينة على المراد من هذه القطعة من الرواية. إذن، نحتمل قرينيّة الموجود، فنعلم أنَّ ما نُقل إلينا ليس هو كلّ ما صدر عن المعصوم ولا نعلم بأنَّ الباقي ما هو، وفي أيّ باب ذكر؟

فمن جهة احتمال القرينيّة لا يكون اللفظ ظاهراً فيما هو ظاهر فيه لولا هذا الاحتمال، فهو داخل في باب قرينيّة الموجود، وهو يمنع عن الأخذ بالظهور(1)، إلَّا مع القول بأصالة الحقيقة تعبّداً ولا نقول به.

ويكون كما لو وصل من المولى رسالة قد قطع صبي طرفاً منها أو أصابها المطر، فإنَّنا لا يمكننا الاعتماد على الباقي مع احتمال أنَّه في المقطوع قرينة عليه.

فالمحقّق القمي قد أنكر ظهور هذه الروايات فيما هو ظاهر فيه لولا هذا الاحتمال، وموضوع الحجّيّة هو الظهور، وحيث لا ظهور فلا يمكن الأخذ باللفظ، وعلى تقدير تسليم الظهور فإنَّه لا يكون حجّة، وذلك لعدم كوننا مقصودين بالإفهام.

وذكر في وجه اختصاص الحجّيّة بالمقصودين بالإفهام: أنَّ المتكلّم إذا كان في مقام البيان، ومع ذلك أراد خلاف الظاهر ولم يأتِ بقرينة، فلا يخلو إمّا أن يكون متعمّداً ذلك، فهذا خلاف المفروض، فإنَّ المفروض كونه في مقام بيان مراده، وترك القرينة خلف ذلك، أو أنَّه أتى بالقرينة، ولكن السامع غفل فلم يلتفت إليها، وأصالة عدم الغفلة محكّمة عقلائيّاً، واحتمالها لا يعتنى به سواء في غفلة 

ــــــــــ[303]ــــــــــ

() فإنَّ حجّيّة الظهور موضوعها الظهور، فإذا لم يكن لا تكون الحجّيّة شاملة له. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

المتكلّم أو السامع، ومن هذه الناحية يؤخذ بالظهور بالنسبة إلى المتخاطبين.

وأمّا إذا كان الإنسان غير مقصود بالإفهام فلا ينحصر احتمال إرادة خلاف الظاهر بالغفلة، بل يمكن أن تكون هناك قرينة موجودة عند المتكلّم ولم تصل من قبيل القرائن الحاليّة أو القرائن المنفصلة، وبناءً على هذا يمتنع الأخذ بالظهور، فإنَّ العقلاء بناؤهم على عدم الاعتناء باحتمال الغفلة دون سائر الاحتمالات.

ولو سلّمنا أنَّ احتمال القرينة المتّصلة مدفوع بالأصل، فإنَّ احتمال المنفصلة موجود، ولا سيّما أنَّ ديدن الأئمة كان على الاعتماد على القرائن المنفصلة، فلعلّه كانت مثل هذه القرينة بين المتكلّم والمخاطب ولم تصل.

والجواب عن ذلك: أمّا بالنسبة إلى منع الصغرى فلو فرضنا أنَّ الواصل إلينا من الأخبار كان متقطّعاً، وكان المقطِّع رجلاً غير عارف بأُصول الكلام أو غير ثقة فالصحيح ما ذكره، فإنَّنا إذا احتملنا أن تكون في الباقي قرينة على المراد، فلا إشكال أنَّ هذا داخل في الاحتفاف بما يحتمل قرينته، فلا يكون الظهور محرزاً، فلا يكون حجّة لعدم الموضوع.

وأمّا إذا كان التقطيع من قبل مؤلّف الكافي والشيخ الصدوق والشيخ الطوسي ممّن يوصف بديانته ولا يمكن أن يتعمّد ذلك، فإنَّه إن كانت قرينة في الكلام ولم يذكرها، فإمّا أن يفعل ذلك عمداً فهذا ينافي عدالتهم وورعهم، أو لعدم فهمه فهذا ينافي مقامه العلمي، فهم ثقات وأهل علم وفهم وقد رووا هذه الجملة، فمعناه: أنَّها مستقلّة عن الجمل الأُخرى.

ــــــــــ[304]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

إذن، كيف لا يكون هذا حجّة؟ وأنَّنا نحتمل وجود قرينة سابقة، مع أنَّها لو كانت لتعرّض لها الراوي، وعدم ذكره كاشف عن أنَّ تلك الجملة أجنبيّة عمّا ذكره من الكلام.

وهذا واضح لمن يراجع ما وصل لدينا من الأُصول كقرب الإسناد المطبوع، فإنَّه يسأل الإمام عدّة أسئلة ويجيب من دون ارتباط بين المتقدّم والمتأخّر بالكلّيّة، وحيث تكون الأسئلة في الرواية الواحدة في أبواب مختلفة من الفقه، فقد ألحق هؤلاء الأعلام كلّ قسم من الرواية ببابه المناسب، وخدموا بذلك العلم والاجتهاد خدمة عظمى، ولولاه لكان الاجتهاد من أصعب الأُمور، إذ يكون على المجتهد أن يراجع عدّة كتب في المسألة الواحدة. إذن، لا معنى للقول بأنَّ هذا الكلام من قبيل المحفوف بالقرينة، فلا يكون ظاهراً.

على أنَّ هذا لا يضرّ بحجّيّة الظهور ولا يحقّق الانسداد، فإنَّه إنَّما يتمّ فيما إذا علمنا أنَّ هذا المروي مقطوع من كلام سابق عليه، كما لو كانت الرواية مسلسلة بقوله: وسألته، فيعلم بوجود كلام قبله، فلو سلمنا احتمال وجود القرينة فإنَّه يتمّ هنا، ومعلوم أنَّ هذه الروايات قليلة، فإنَّ أكثر الروايات ليس عندنا علم بالتقطيع فيها، ولعلّ ما رواه الكافي هو جميع ما سأله الراوي، وغاية ما عمله الكافي أنَّه أرجعه إلى بابه.

وهذا موجود فيما بين أيدينا من الكتب كمسند أحمد بن حنبل، فإنَّه يذكر كلّ ما روى عن شخص في باب مستقلّ، باعتبار أنَّ الواحد من أرباب الكتب يذكر كلّما سمعه عن شيخه في باب واحد من دون نظر إلى الموضوع، أو يذكر 

ــــــــــ[305]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

روايات في كتاب الصلاة على شكل مسائل مشوّشة مبعثرة، ثُمَّ جاء هؤلاء الأعلام فرتّبوها وبوّبوها. إذن، فهذه الروايات بوّبت، وفرق بين التبويب والتقطيع، وليس هنا علم ولا اطمئنان بأنَّ الرواية قد قطّعت، ولعلّ هذا تمام ما صدر من المعصوم.

فهذا الاحتمال ساقط، ولو تمّ فإنَّما يتمّ في بعض الروايات، وفي مثل ذلك لا يترتّب عليه انسداد باب العلمي، كما هو ظاهر.

وأمّا ما ذكره من منع الكبرى، وأنَّ الظاهر لا يكون حجّة بالنسبة إلى غير المقصود بالتفهيم، فهذا مبني على تخيّله إن منشأ حجّيّة الظهور على إلغاء احتمال الغفلة، وليس الأمر كذلك، فإنَّه وإن كان مبنى العقلاء على إلغاء احتمال الغفلة إلَّا أنَّ ذلك ليس منشأ لحجّيّة الظهور، بل إنَّ له منشأ آخر، وقد يجتمعان في مورد فيكون مورداً لأصالة الظهور وأصالة عدم الغفلة، بل نجري أصالة الظهور حتّى فيمن لا نحتمل فيه الغفلة أبداً كالأئمة، والنبّي، فلكلّ من الأصلين منشأ مستقلّ عن الآخر.

جوابنا على ما ذكره صاحب القوانين 

والجواب: أنَّ بناء العقلاء على الأخذ بظهور كلام المتكلّم ليس منشؤه بناؤهم على جريان أصالة عدم الغفلة، وإن كان هذا أيضاً من الأُمور العقلائيّة، بل إنَّ هذا أصل برأسه وذاك أصل برأسه، فقد يجتمعان وقد يفترقان، فأصالة عدم الغفلة منشؤها أنَّ الغفلة على خلاف حال المتكلّم العاقل الملتفت الشاعر، وأنَّها على خلاف الطبيعة وخلاف ظاهر الحال، فبناء العقلاء على إلغاء هذا 

ــــــــــ[306]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الاحتمال في موارده، بلا فرق بين الكلام وغير الكلام، فإنَّه كما تجري أصالة عدم القرينة في الكلام تجري في الأفعال، فإذا صدر فعل من شخص، واحتملنا غفلته وأنَّه لم يصدر منه عمداً، فلا يعتنى بهذا الاحتمال، فالأصل أنَّ الإنسان ملتفت إلى ما يقوله ويفعله، والجامع هو الفعل الاختياري سواء كان من أفعال اللسان أو غيره.

ومنشأ أصالة الظهور وأنَّه حجّة بناء العقلاء عليه مع قطع النظر عن أصالة عدم الغفلة من جهة بناء المتكلّمين، على أنَّ كل متكلّم قد تعهّد على أنَّه متى ما تكلّم بهذا اللفظ، ولم يأت بقرينة فقد قصد معنىً خاصاً، وقلنا في محلّه: بأنَّ حقيقة الوضع هو التعهّد، وبمقتضاه يؤخذ بكلام المتكلّم ما لم يأتِ بالقرينة على الكلام(1).

ثُمَّ إنَّ هنا شيء أشرنا إليه فيما سبق مراراً، منها كمبحث العموم والخصوص(2) عند الكلام عن أنَّ التخصيص المنفصل هل يستلزم المجاز أو لا؟ وهو أنَّه بعد البناء على أنَّ المتكلّم في مقام إرادة تفهيم شيء، فهل إنَّ المراد الاستعمالي مطابق للمراد الجدّي أو لا؟ فهنا بناء آخر من العقلاء على أنَّ كل ما يصدر منهم يحمل على الجدّ، بلا فرق بين القول والفعل، فلو اعتذر المتكلّم بأنّي لم أرد هذا المعنى جدّاً لا يقبل منه ما لم ينصب قرينة على المراد.

فمنشأ أصالة الظهور وحجّيّته على المتكلّم والمخاطب معاً غير منشأ أصالة 

ــــــــــ[307]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 1: 108-113.

(2) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 8: 10.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

عدم القرينة، وتفترق الأخيرة عن الأُولى في مثل الأفعال، فإنَّه تجري فيها أصالة عدم الغفلة ولا تجري فيها أصالة الظهور، فإنَّ أصالة الظهور إنَّما تكون حجّة في الألفاظ دون الأفعال(1)، وتفترق أصالة الظهور عن أصالة عدم الغفلة فيما لا يحتمل غفلة المتكلّم فيه، كما في كلام الله تعالى أو في كلام المعصومين، فإنَّ ظواهر القرآن حجّة على ما نبيّن، مع أنَّه لا يحتمل غفلة الله تعالى عن الإتيان بالقرينة أو غفلة النبي أو المعصومين.

فدعوى أنَّ منشأ أصالة الظهور هو أصالة عدم الغفلة، وهي لا تجري بالنسبة إلى المقصودين بالإفهام ساقطة، بل منشأ أصالة الظهور أمر آخر، ولا فرق في بناء العقلاء بين المقصود بالإفهام وغيره، ومورد الاجتماع هو كلام الشخص العادي، فإنَّ ظهور كلامه حجّة ببناء العقلاء، وإذا احتملنا أنَّه نصب قرينة ندفعه بأصالة عدم القرينة.

والذي يدلّنا على أنَّ الحجّيّة لا تختص بالمقصودين بالإفهام، بل تعمّهم وغيرهم أخذ العقلاء بالأقارير والسجلات وغير ذلك من الكلمات التي تصدر من العقلاء، فلو أقرّ زيد لشخص وسمعه شخص آخر في الظلام الدامس، أو من وراء جدار فشهد على إقراره يثبت الإقرار، وليس له أن يعتذر بأنّك غير مقصود بالإفهام، أو يوصي وصيّة لولده وكلّ ذلك يسمع ولا يختصّ 

ــــــــــ[308]ــــــــــ

() هذا إذا لم يكن للفعل مدلول لغوي يكون ظاهراً فيه، إلَّا أن يُقال: إنَّه وإن كان لها ذلك المدلول فأنَّ أثر الظهور وهو الأخذ بالإطلاق والعموم لا يرتّب عليه، بل يؤخذ من الأفعال بالقدر المتيقّن. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الظهور بولده، وهذا أمر بيّن وعليه السيرة العقلائيّة.

وأمّا ما ذكره من احتمال الاعتماد على القرائن المنفصلة فهو أمر صحيح، إلَّا أنَّه أجنبي عن محلّ الكلام. نعم، يحتمل أنَّ الظاهر الواصل إلينا لعلّه عليه قرينة منفصلة، ولا يكون الظهور حجّة، لكن نتيجته ليس هو عدم الحجّيّة إلى الأبد، بل عدمها إلى زمان الفحص، ولازمه أن نفحص عن القرينة المنفصلة بالمقدار العادي، كما سبق في مبحث العموم والخصوص، وقلنا: إنَّه لابدَّ من الفحص عن المخصّصات والمقيّدات، لأنَّنا علمنا من ديدن المعصومين الاعتماد على القرائن المنفصلة. هذا أوّلاً.

وثانياً: نسلّم لصاحب القوانين أنَّ أصالة الظهور خاصّة بالمقصودين بالإفهام، فإنَّ هذا إنَّما ينتج في بعض الموارد الشخصيّة كما في مثال الإقرار السابق، فلو فرضنا أنَّه ليس بحجّة، وأنَّ الشهادة عليه غير مسموعة لعدم كونه مقصوداً بالإفهام، وأمّا بالنسبة إلى الروايات فلا؛ لأنَّنا مقصودون بالإفهام، وأمّا تخيّل أنَّ المقصود بالإفهام هو خصوص زرارة فلا يكون الظهور حجّة إلَّا له، ففيه مغالطة واضحة، والوجه في ذلك: هو أنَّ زرارة إذا كان مقصوداً بالإفهام، فالظهور حجّة بالنسبة إليه، وقد فرضنا أنَّ زرارة روى هذا الظهور بما فيه من قرائن إلى عبد الله بن سنان، وإن كانت هناك قرينة ولم يذكرها زرارة لعبد الله بن سنان، فهذا خيانة منه ومنافيّة لوثاقته، وحيث علمنا وثاقته، فنعلم أنَّ زرارة قد أخبر بكلّ ما عنده من القرائن، وعبد الله بن سنان مقصود بالإفهام بالنسبة إلى زرارة، وهكذا يروي بن سنان إلى ابن مسكان، وهكذا إلى أن يصل 

ــــــــــ[309]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

إلى الكليني، والكليني كتب كتابه لكي ينظر إليه كلّ شخص ويكون مقصوداً بالإفهام، وصاحب القوانين سلّم حجّية الظهور بالنسبة إلى كتب المصنفّين.

إذن، لا يمكن إنكار حجّيّة الظهور بدعوى اختصاصها بالمقصودين بالإفهام، فإنَّه حتى لو سلّمنا هذا فتكون ظواهر الروايات حجّة بالنسبة إلينا. 

نعم، لو فرضنا أنَّ الروايات لم تصل بواسطة الثقات، بل كانت مكتوبة منذ زمان الإمام في ورقة وجدناها ملقاة في مكان ووصلت إلينا بلا واسطة، ففي مثل ذلك افرض أنَّ شبهة القوانين صحيحة، لكن أين هذا من أنَّ الروايات وصلت إلينا بواسطة نقل الثقات؟

الأخذ بظواهر الكتاب

والمفصّل هو جماعة من الإخباريين(1)، فمنعوا من الأخذ بظواهر الكتاب، وقالوا: إنَّه لا يكون ظهوره حجّة، وإنَّما مدرك الأحكام الشرعيّة هو السنّة الواردة من الأئمّة.

واستدلّوا تارة على منع الصغرى، وأُخرى على منع الكبرى، فأوّلاً قالوا: إنَّ القرآن الكريم لا يكون ظاهراً في معنى أصلاً، فلا يكون حجّة للسالبة بانتفاء الموضوع، وعلى تقدير تسليم الظهور فهو لا يكون حجّة.

واستدلّ على منع الصغرى بأُمور:

الأمر الأوّل: الروايات، إذ إنَّها تدلّ على أنَّ القرآن لا ظهور له، وإنَّما يختصّ فهمه بالمعصومين، وأمّا غيرهم فلا يكادون يفهمون منه شيئاً، 

ــــــــــ[310]ــــــــــ

(1) انظر: الفوائد المدنيّة: 17، الحدائق 1: 27-35.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

واستدلّوا على ذلك بالروايات الواردة في المقام:

الرواية الأولى: زيد الشحّام قال: دخل قتادة على أبي جعفر فقال أنت فقيه أهل البصرة، فقال: هكذا يزعمون، فقال: بلغني أنّك تفسّر القرآن، قال: نعم. إلى أنَّ قال: يا قتادة إن كنت قد فسّرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد فسّرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت. ويحك يا قتادة إنَّما يعرف القرآن من خوطب به(1).

فهذه الرواية واضحة الدلالة -بحسب الظهور- على أنَّه لا يفهم القرآن إلَّا من خوطب به، وهم النبّي وأوصياؤه، وأمّا غيرهم فلا يفهمون القرآن.

الرواية الثانية: مرسلة شعيب بن شبيب بن أنس عن أبي عبد الله أنَّه قال لأبي حنيفة أنت فقيه أهل العراق قال: نعم، قال: فبأي شيء تفتيهم؟ قال: بكتاب الله وسنّة نبيّه، قال: يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حقّ معرفته وتعرف الناسخ والمنسوخ قال: نعم، قال: يا أبا حنيفة لقد ادّعيت علماً، ويلك ما جعل الله ذلك إلَّا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم ويلك وما هو إلَّا عند الخاصّ من ذريّة نبيّنا، وما ورثك الله من كتابه حرفاً(2)(3).

ــــــــــ[311]ــــــــــ

() الكافي 8: 311، حديث الفقهاء والعلماء، الحديث: 485.

(2) علل الشرائع 1: 90، باب 81، علة المرارة في الإذنين والعذوبة في الشفتين والملوحة في العينين والبرودة في الأنف، الحديث: 5.

(3) انتهى ما في الرسائل. ونقلها السيّد في البحث هكذا: لا تعرف حرفاً من القرآن، وهو تعبير عن معنى ذيل الرواية الثانية. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ولكن كلتا الروايتين ضعيفتان من ناحية السند. أمّا الأُولى فبمحمّد بن سنان، والثانية فبشبيب بن أنس فإنَّه مجهول، ومع ذلك فالرواية مرسلة فلا يمكن الاستدلال بها على شيء.

بل إنَّهما مخالفتان للكتاب، وقد أُمرنا بترك كلّ خبر يخالفه، فإنَّهما غير قابلتين للتصديق، فإنَّه كيف يمكن دعوى أنَّ القرآن لا يفهمه إلَّا من خوطب به، ولا يعرفه أبو حنيفة ولا غيره، فكأنّ القرآن من قبيل الألغاز والمعمّيات التي لا تفهم. إذن، كيف يكون القرآن معجزاً؟ وكيف يطالب المشركين بأن يأتوا بسورة من مثله أو بعشر سور مفتريات؟ فإنَّهم إن لم يفهموه لما كان لهذا التحدّي معنى، وما معنى إعجازه، وما معنى أنَّ القرآن نزل هدى وموعظة للمتقين؟ فإنَّه إذا فرضناه غير مفهوم فكيف يكون هدى وموعظة؟ وما معنى قوله: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(1) فإنَّه لا يُقال للأعجمي الذي لا يعرف كلمة عربية، لماذا لا تتدبّر القرآن(2)؟

ــــــــــ[312]ــــــــــ

() محمد: 24.

(2) أقول: كلّ هذا غريب من السيّد الأُستاذ. 

أمّا أوّلاً: فإنَّ الاستدلال بالقرآن في هذا المجال دوري كما هو واضح، والاستدلال به فرع ظهوره، والمفروض أنَّه هو محلّ الكلام.

وثانياً: أنَّ الرواية الأُولى كان الإمام فيها في مجال استنكار تفسير قتادة للقرآن برأيه، ولم يكن خاصّاً لسياق الأحكام واستنباطها، والتفسير بشكلّ عامّ على واقعه لا يعرفه إلَّا من خوطب به لا محالة، وهو أمر صحيح، وقابل للتصديق على الأقلّ، وأمّا الرواية الثانية فقد عرفت اختلاف لفظها عمّا نقله السيّد، وهو لا يدلّ على المقصود. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

وما معنى الروايات التي أمرتنا بعرض كلّ رواية على كتاب الله، فما خالفه يطرح ويضرب به عرض الجدار، فإنَّه إذا كان الناس لا يفهمون الكتاب فما معنى عرض الروايات عليه. وكذلك استدلالات الأئمّة في كثير من الموارد بالقرآن، وإذا كان غيرهم لا يفهمه فلا يكون لهذا الاستدلال أيّ معنى.

ويمكن حملها بعيداً(1) على أنَّ مراد الإمام -على تقدير تسليم صدور هذا الكلام منه، ولا نسلّم بذلك- أنَّ فهم القرآن بتمامه محكمه ومتشابهه، مطلقاته ومقيّداته، وظاهره وباطنه، مختصّ بالمعصومين، وأمّا معرفة الظواهر بما هي ظواهر فلا يمكن تصديق دعوى اختصاص فهمها بهم.

الأمر الثاني: أنَّ القرآن ليس كسائر المؤلّفات البشريّة، وليس علمه محدوداً، بل هو كتاب الله وعلمه لا يحدّ، والقرآن مشتمل على معاني عالية وغامضة لا يكاد يصل إليها فكر البشر، ولا يتمكّنون من فهمه، وإنَّما المتمكّن من ذلك النبي وآله وحدهم.

وهذه الدعوى صحيحة، وهو أنَّ فهم معنى القرآن بتمام مراتبه ظاهره وباطنه، وجميع خصوصيّاته، ومعانيه الراقية العالية مختصّة بالمعصومين، وأمّا فهم الظواهر فلا، بل هي معنى يشترك فيها المعصوم وغيره، غايته: أنَّ المعصوم يختصّ ببعض المعاني التي لا يعرفها غيره، كالحروف المقطّعة وعلم الغيب ونحو ذلك.

الأمر الثالث: بأنَّنا نعلم إجمالاً بورود مخصّصات لعمومات القرآن، 

ــــــــــ[313]ــــــــــ

() بل قريباً، خاصّة في الأُولى منهما. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ومقيّدات لمطلقاته، وقرائن ولو منفصلة دالّة على إرادة خلاف الظاهر قد صدرت من المعصومين، فنعلم أنَّ هذه الظواهر قد ورد عليها ما ينافيها، ومثل هذا العلم الإجمالي يجعل القرآن في حكم المجمل، وإن لم يكن مجملاً بالذات، كما هو مقتضى الوجهين الأوّلين.

إلَّا أنَّه أيضاً غير صحيح، فإنَّ العلم الإجمالي وإن كان موجوداً، إلَّا أنَّ نتيجته ليس إلَّا عدم جواز العمل بالظاهر ما لم يحرز المخصّص والمقيّد والقرائن الأُخر، فإذا فحصنا وحصلنا على المقدار المعلوم بالإجمال يسقط العلم الإجمالي، فإذا فحصنا ولم نجد كان الظهور حجّة، وهذا بعينه يأتي في الروايات أيضاً، فإذا كان مانعاً من الأخذ بظهور القرآن كان مانعاً من الأخذ بظهور الروايات، فإنَّنا أيضاً نعلم إجمالاً بورود مقيّدات ومخصّصات وقرائن على مطلقاتها وعموماتها، فيكون في هذا الإشكال إلغاءً للكتاب والسنّة معاً، ولا يختصّ بالقرآن.

والصحيح ما قلناه من انحلال العلم الإجمالي بعد الظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال، ويكون الظهور حينئذٍ حجّة بعد الفحص.

الأمر الرابع: أنَّ القرآن لا يكون ظاهراً في شيء، ولا يفهم منه أيّ معنى، واستدلّوا على ذلك بالأخبار الكثيرة الواردة في تحريف القرآن، وأنَّه لم يصل إلينا كما نزل، بل سقط منه شيء. إذن، نحتمل أن يكون في الساقط ما هو على خلاف الظاهر، فيكون من قبيل احتفاف الكلام بما يحتمل قرينيّته. 

وبعبارة أُخرى: الأخذ بظهور الكلام مشروط بأن لا يكون في الكلام قرينة، وإذا علمنا بوجود الساقط في الكلام، واحتملنا كونه قرينة على خلاف 

ــــــــــ[314]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الظاهر، فنحتمل أنَّ هذا ليس ظاهراً، وإذا احتمل عدم الظهور لا يكون موضوعاً للحجّيّة؛ إذ لابدَّ من إحراز الظهور ليكون مشمولاً للحجّيّة.

وقد أطلنا الكلام في التفسير في مسألة التحريف(1)، وقلنا: إنَّ الروايات الدالّة على سقوط شيء من القرآن على يد الخلفاء أو غيرهم غير قابلة للتصديق عقلاً، وأكثرها -إن لم يكن جميعها- ضعاف، وجملة منها رواها [علي بن أحمد الكوفي](2)، وهو كذّاب وضّاع على ما ترجموه، وفي بعضها أنَّه كان في قوله تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ(3) اسم سبعين من قريش، وكانت تقرأ إلى زمان الخلفاء، فمثل هذه الرواية غير قابلة للتصديق؛ إذ لا يحتمل أن يكون أبو بكر ملعوناً في القرآن، ويكون مع ذلك خليفة.

بل إنَّ أصل وقوع السقط في القرآن في نفسه مع قطع النظر عن ضعف الروايات غير قابل للتصديق؛ لأنَّ القرآن كان شائعاً ذائعاً، بحيث قد تكون المرأة حافظة للقرآن أو لعدّة سور منه، والمسلمون قد حفظوا القرآن في صدورهم، فكيف يمكن تحريف القرآن بحيث يذهب على المسلمين ويفوتهم، فإنَّه إن أمكن إزالته من الكتابة، فهل يمكن إزالته عن قلوب المسلمين وصدورهم؟

نعم، جملة من هذه الروايات وردت في تحريف القرآن من دون تصريح 

ــــــــــ[315]ــــــــــ

(1) انظر: البيان في تفسير القرآن 215-217.

(2) انظر: البيان في تفسير القرآن 225.

(3) المرسلات: 47.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

بالسقوط، وهي قابلة للتصديق، فإنَّ التحريف عبارة عن التغيير، وهو كما يكون في اللفظ كذلك يكون في المعنى بأن تنزل الآية في شخص، فيقال: إنَّها نزلت في شخص آخر، فهذا الحسين خاطب الناس في يوم الطف، بقوله: فسحقاً لكم، يا عبيد الأمّة وشذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب ونفثة الشيطان وعصبة الآثام ومحرّفي الكتاب(1) ومطفئي السنن(2) مع أنَّ أحداً من الحاضرين كشمر بن ذي الجوشن وعمر بن سعد لم يحرّفوا القرآن، وإنَّما التحريف – إن كان واقعاً- فمن غيرهم، إلَّا أنَّهم أوّلوه، وجعلوا الخلافة ليزيد بن معاوية، وحيث خرج الحسين عليه حكموا بوجوب قتله، فهذا تحريف له وتغيير له عن واقعه، فالتحريف بهذا المعنى صحيح.

وعدّة روايات وردت في أنَّ القرآن كان عند علي بن أبي طالب، ثُمَّ صار إلى الإمام الذي بعده إلى أن وصل إلى الحجّة المنتظر (عجّل الله فرجه) جمعاً، وهذا أمر صحيح لا ننكره، إلَّا أنَّ هذا لا يعيّن وقوع النقص في غيره، بل القرآن كان مشتملاً على أُمور ترجع إلى تفسير الآية أو تأويلها، وهذا لا يستلزم أن يكون القرآن الذي بأيدي الناس قد نقص منه شيء، وتمام الكلام في محلّه.

وقلنا: إنَّ التحريف لا يقول به أحد إلَّا أن يكون في عقله شيء، والقرآن غير قابل لأن تناله يد التحريف أصلاً.

ولو فرضنا -محالاً- أنَّ التحريف واقع فبحسب مناسبات الحكم 

ــــــــــ[316]ــــــــــ

() السيّد لم يذكر في البحث إلَّا هذه الفقرة. (المقرّر).

(2) الملهوف على قتلى الطفوف: 97.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

والموضوع والقرائن المقاميّة يكون التحريف واقعاً في الآيات التي تتعرّض للولاية على خلاف ما يراه الأوّلون، فيحذفون اسم علي من ناحية، واسم أبي بكر من ناحية أُخرى. أمّا في آيات الأحكام فبأي داعٍ يقع التحريف فيها، فوقوع التحريف أيضاً لا يجعل الكلام ممّا يحتمل قرينيّة الموجود فيه، فلا يحرز الأخذ بظاهره.

وممّا يدلّنا على ذلك الروايات الواردة في عرض الأخبار على الكتاب: فما خالف كتاب الله وسنّة نبيّه فهو باطل(1) أو زخرف(2)، على مختلف الألسنة، وطائفة تأمر بعرض الروايات المتعارضة على الكتاب: فما وافقه أُخذ به وما خالفه يطرح(3)، فإذا لم يكن الظهور حجّة فما معنى(4) أخذ ما وافق الكتاب. وكذلك بالنسبة إلى الشروط وأنَّ كلّ شرط خالف الكتاب فهو مردود(5).

ومن الواضح أنَّ هذه الروايات لم يرد منها الأخبار المخالفة لصريح القرآن، فإنَّه أيّ رجل عاقل إذا كان في أعلى مراتب الفسق يضع رواية وينسبها إلى أحد المعصومين، وهي مخالفة لصريح القرآن، ولا سيّما في مورد 

ــــــــــ[317]ــــــــــ

() المحاسن 1: 221، باب 11، الاحتياط بالدين والأخذ بالسنّة، الحديث: 129.

(2) المحاسن 1: 220، باب 11، الاحتياط في الدين والأخذ بالسنّة، الحديث: 128.

(3) المحاسن 1: 226، باب 14، حقيقة الحق، الحديث: 150. مع اختلاف يسير.

(4) يتصوّر لذلك معنى، وهو مطابقة الخبر لواقع مراد القرآن إذا أحرزناه من الخارج، كتفسير الأئمّة له إذا ورد في خبر معتبر، إلَّا أنَّ هذا المعنى ينافي وضع القاعدة العامّة للناس في الرجوع إلى القرآن، كما هو واضح. (المقرّر).

(5) الكافي 5: 212، باب شراء الرقيق، الحديث: 17. مع اختلاف يسير.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

المعارضة، فإنَّ معنى ترجيح الخبر الموافق للكتاب هو أن يكون الآخر حجّة في نفسه، وإنَّما يسقط عن الحجّيّة بالمعارضة، مع أنَّ المعارض لصريح القرآن لا يكون حجّة في نفسه.

فهذه الروايات الكثيرة واضحة الدلالة على أنَّ ظاهر الكتاب حجّة ويؤخذ به؛ ولذلك تأمر بعرض الأخبار عليه مطلقاً، أو في صورة المعارضة وعرض الشروط عليه.

وممّا يدلّنا على ذلك أيضاً تمسّك المعصومين في مقام الاستدلال بالقرآن، وكذلك الرواة كانوا يتمسّكون به في مقام البحث والمناظرة مع الإمام أو غيره، والإمام يقرّهم على ذلك، فكلّ هذا يدلّنا على أنَّ ظاهر القرآن حجّة، وأنَّ التحريف لم يقع، أو إذا وقع فهو لا يضرّ بالظهور. هذا ما ذكروه في منع الصغرى.

وأمّا ما يرجع إلى منع الكبرى، فأمران:

الأمر الأوّل: أنَّ الظاهر وإن كان موجوداً إلَّا أنَّه مردوع عنه من قبل الله سبحانه؛ لأنَّه نهى عن اتّباعه والأخذ به، فقال عزّ وجلّ: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ(1)، فالظهور الذي هو حجّة في بناء العقلاء منعنا عن اتّباعه في هذه الآية، مع دعوى أنَّ المتشابه يعمّ الظاهر أيضاً، ويقابله الصريح الذي لا يحتمل فيه الخلاف، ولا أقلّ من احتمال شموله، أي: المتشابه للظاهر، فيحتمل الردع، فيحتمل أن يكون طريقة العقلاء ممضاة في القرآن.

وجوابه: أنَّ لفظ المتشابه بمعنى التقابل في الشبه: وأنَّ كّلاً من الطرفين 

ــــــــــ[318]ــــــــــ

(1) آل عمران: 7.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

يشبه الآخر، فنحتمل في الكلام وجهين، ولا يكون ظاهراً في أحد المعنيين، بل إذا عرض على العرف يحتمل كلا المعنيين فيه، وأمّا إذا فرضنا أنَّ اللفظ ظاهر في معنى وكان المعنى الآخر خلاف الظاهر، فكيف يكون هذا متشابهاً؟ مع أنَّه لا هذا يشبه ذاك، ولا ذاك يشبه هذا؟

وأيضاً يدلّنا على أنَّ المراد بالمتشابه ليس هو الظاهر فلا يعمّه، وإنَّما يختصّ بالمجمل عرفاً ما تقدّم من الروايات التي ورد الأمر فيها بعرض الروايات على الكتاب والسنّة، وعرض الشروط عليهما، فإنَّه إذا لم يكن للظهور حجّة أو كان ممنوعاً عن اتّباعه، فما معنى اتّباعه وأخذ ما يوافقه؟

وأمّا ما ذكره من احتمال أن يكون لفظ المتشابه شاملاً للظاهر، فأوّلاً: أنَّ هذا الاحتمال غير موجود، كما ذكرنا. ثانياً: لو احتملناه -محالاً- فيكون لفظ المتشابه أيضاً متشابهاً، ولا يمكن رفع اليد عن السيرة العقلائيّة في الأخذ بالظهور لمجرّد احتمال شمول المتشابه للظاهر، فإنَّه لابدَّ في الردع عنها من دليل عليه، ومجرّد احتمال الشمول والردع لا أثر له. فهذا الوجه أيضاً ساقط.

الأمر الثاني: الروايات الناهية عن تفسير القرآن بالرأي، “مَنْ فَسَّرَ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار(1)، وهي كثيرة(2)، والأخذ بظاهر القرآن من تفسير القرآن بالرأي.

ــــــــــ[319]ــــــــــ

() عوالي اللئالي 4: 104، الجملة الثانية في الأحاديث المتعلّقة بالعلم وأهله، الحديث: 154.

(2) وسائل الشيعة: 27، باب 13، عدم جواز استنباط الأحكام النظريّة من ظواهر القرآن إلّا بعد معرفة تفسيرها من الأئمّة ، الحديث: 29، 31، 35، 37، 38.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

والجواب عن ذلك

أوّلاً: أنَّ الأخذ بالظهور ليس تفسيراً، فإنَّ التفسير هو كشف القناع، والظهور لم يكن مستوراً ليكشف عنه القناع، بل هو ظاهر عند العرف.

وثانياً: أنَّه على تقديره فليس تفسيراً بالرأي، فإنَّ التفسير بالرأي معناه: التفسير مستقلّاً بحسب رأي الإنسان وذوقه، فإمّا أن يكون المراد بالاستقلال الاستقلال عن العرف، بمعنى: أنَّ الإنسان يفهم الألفاظ على طريقته الخاصّة بما له من القرائن الخارجيّة من دون أن يلتفت إلى العرف والفهم العرفي. إذن، يخرج هذا عن محلّ الكلام، فإنَّ محل الكلام هو الأخذ بظاهر اللفظ الذي له ظهور في العرف، فهذا النحو من التفسير بالرأي ممنوع. وإمّا أن يراد بالاستقلال الاستقلال عن الأئمّة، بمعنى: عدم الرجوع إليهم في تخصيص عمومات القرآن وتقييد مطلقاته والأخذ بالقرآن على ظهوراته، بل يفهم القرآن بالاستقلال عن هذا المطلب، كما هو الحال في علماء العامّة، فلابدَّ أن يحمل التفسير بالرأي على أحد هذين المعنيين، ولا معنى لأن يُقال: إنَّ من حمل اللفظ على ظاهره فقد فسّر القرآن بالرأي، بل هو أخذ بالظاهر بعد مراجعة الأئمّة.

وأيضاً تدلّنا الروايات المتعدّدة الآمرة بعرض الأخبار والشروط على كتاب الله وسنّة نبيّه، واستدلال الرواة بالقرآن.

فالمتحصّل: أنَّ الظاهر حجّة على الإطلاق بلا فرق بين ما ظنّ بالخلاف وغيره، وبلا فرق بين المقصودين بالإفهام وغيرهم، وبلا فرق بين القرآن وغيره. هذا تمام كلامنا في بحث الظواهر.

ــــــــــ[320]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

تنبيه

قد يكون المراد من الكلام الذي يصدر من المولى أو غيره معلوماً، ولا إشكال عندئذٍ من اتّباع المراد، فإنَّ العبرة في مراد المتكلّم بأيّ سبب كان، وقد يشكّ في مراد المتكلّم وأنَّه أراد أيّ شيء، وقد يكون الشكّ في مراد المولى بعد معرفة المراد الاستعمالي، وهذا المعنى هو الذي ذكّرنا أنَّه مورد بناء العقلاء، ويعمل العقلاء على طبق الظهور، وقلنا: إنَّه لا خلاف فيه، فإذا شكّكنا في أنَّ المراد الاستعمالي مراد جدّاً أو لا؟ يبني العقلاء على أنَّ المراد الجدّي هو عين المراد الاستعمالي، فلا يعتنون باحتمال صدور الكلام عن سخرية أو امتحان أو غيره من الدواعي، وهذا المعنى هو معنى أصالة حجّيّة الظهور.

ولكن قد يشكّ في الظهور، وأنَّ المتكلّم في مقام تفهيم أيّ معنى من المعاني، فيحتمل أنَّه أراد تفهيم شيء، أو أنَّه أراد تفهيم شيء آخر، فقد يكون الشكّ شكّاً في المقتضي وهو الظهور، كما لو لم نكن ندري أنَّ هذا اللفظ موضوع بإزاء أيّ معنى، والمعنى مردّد عندنا بين شيئين أو أشياء، فعدم العلم بالمراد يكون للجهل بالوضع، كما هو الحال في لفظ الصعيد الذي لا نعلم أنَّه موضوع لمطلق وجه الأرض أو التراب الخالص، فنشكّ في جواز التيمم على الحصى والرمل للشكّ في معنى الصعيد، سواء كان مردّداً بين الأقلّ والأكثر أو بين المتباينين.

وقد يكون المقتضي محرزاً، ولكن يشكّ في مراد المتكلّم من جهة المانع، وهو على قسمين: فقد يكون لاحتمال وجود المانع، وقد يكون لاحتمال مانعيّة 

ــــــــــ[321]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الموجود، فإذا شكّكنا في وجود المانع وهو القرينة، واحتملنا أن يكون هناك قرينة صارفة من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، فلا يتمّ لنا ظهور اللفظ، وفي مثله يكون المراد الاستعمالي مجهولاً لنا، ومنشأ الشكّ احتمال القرينة الحاليّة أو المقاليّة، وقد غفل السامع عنها، أو فاتته بشكل من الأشكال.

وهذا هو مورد التسالم عند العقلاء في أنَّهم يرجعون في مثل ذلك إلى أصالة عدم القرينة، ويعملون بظهور الكلام، وهذا أحد موارد قاعدة المقتضي والمانع؛ لأنَّ المقتضي -وهو الظهور- محرز والمانع مشكوك، فيكون المقتضي متّبعاً، ففي مثل ذلك يكون الأصل هو اتّباع ظهور كلام المتكلّم، ويكون حجّة له وعليه.

وهناك كلام علمي لا أثر له بين صاحب الكفاية(1) والشيخ الأنصاري(2)، حيث ذكر شيخنا الأنصاري أنَّ كل هذه الأُمور ترجع إلى الأُصول العدميّة وهو أصالة عدم القرينة، ولكن صاحب الكفاية لم يرتض ذلك، بل بنى على أنَّ العقلاء يعملون بالظاهر من دون توسيط عدم القرينة. 

والظاهر أنَّ ما ذكره الشيخ الأنصاري هو الصحيح، فإنَّ العقلاء وإن كانوا يعملون بظاهر الكلام، لكن بعد بنائهم عملاً على عدم وجود القرينة؛ وذلك: لأنَّ العمل بالظهور فرع إحراز الظهور، ومن المعلوم أنَّ القرينة لو كانت موجودة لم يكن الكلام ظاهراً في هذا المعنى، بل كان ظاهراً في خلافه، فإحراز الظهور متفرّع على إحراز عدم القرينة من قبيل الشكّ السبّبي 

ــــــــــ[322]ــــــــــ

(1) كفاية الأُصول: 218.

(2) فرائد الأُصول 1: 54.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

والمسبّببي، فإنَّ الشكّ في مراد المتكلّم مسبّب عن الشكّ في وجود القرينة، وبالبناء على أصالة عدم القرينة يحرز ظهور الكلام فيعمل العقلاء على طبقه، على ما ذكرنا في حجّيّة الظهور من مطابقة المراد الاستعمالي للمراد الجدّي، وما لم يحرز الظهور لا يكون موضوعاً لبناء العقلاء.

وأمّا إذا شكّكنا في مانعيّة الموجود، وهل هو قرينة أو لا؟ وأمثلة ذلك كثيرة:

منها: ما تقدّم في مبحث الأوامر(1) من ورود الأمر في مقام احتمال الحظر، وبنينا على الأمر ظاهر بالوجوب بالوضع أو بغيره، فنحتمل أن يكون هذا السياق قرينة على أنَّ المتكلّم في مقام الترخيص دون الإلزام والطلب، ومنه قوله تعالى: إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا(2) فإنَّه بعد أن كان الصيد محرّماً على المحرم أمره بالصيد، لا بمعنى: أنَّ الصيد واجب في نفسه، أو أنَّه من أعمال الحجّ، بل بمعنى: أنَّ المنع قد ارتفع بارتفاع موضوعه، وهو الإحرام.

فالأمر الواقع بعد توهّم الحظر أو بعد ارتفاعه يكون منشؤه احتمال قرينيّة الموجود، ونشكّ أنَّه للوجوب أو لا؟ 

ومنها: ما ذكرناه في مبحث تخصيص العام(3) من أنَّه إذا ورد عمومان وورد بعدهما تخصيص، وشكّكنا في أنَّه يرجع إلى الجميع أو إلى العامّ الأخير 

ــــــــــ[323]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 308-310.

(2) المائدة: 2.

(3) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 8: 10.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

بالخصوص، وأمّا الباقي فتبقى على عمومها، وهذا أيضاً يكون من احتفاف الكلام بما يكون قرينة ونشكّ في قرينية الموجود، ففي مثل هذه الموارد هل يرجع إلى أصالة عدم قرينية الموجود كما كنّا نرجع في المورد السابق إلى أصالة عدم وجود القرينة، أو لا نرجع إلى مثل هذا الأصل.

قد يُقال: أنَّ أصالة عدم القرينيّة تكون جارية – كما اختاره جماعة –وقالوا: أنَّ الأصل هو أصالة الحقيقة، وإذا دار الأمر بين المعنى الحقيقي والمجازي، فالأصل هو الحقيقة ولا يعتنى بإرادة المجاز.

إلَّا أنَّ هذا الحكم لم يثبت سيرة العقلاء عليه، وأنَّهم يحملون المعنى على خصوص المعنى الحقيقي، وإنَّما الثابت عندهم هو العمل بالظهور، وهذا إنَّما يكون فيما إذا كان الكلام ظاهراً في المعنى، وأمّا إذا كان الكلام مجملاً لا يعلم منه شيء، فلم يثبت حملهم على أصالة الحقيقة تعبّداً بعد عدم وجود الظهور؛ لأنَّ هذا الذي نحتمل قرينيّته يكون ملغيّاً للظهور لا محالة، فلا ندري ما هو مراد المتكلّم.

ولو سلّمنا أنَّ هذا الذي نسب إلى السيّد المرتضى(1) صحيح، فهو إنَّما يجري فيما إذا دار الأمر بين المعنى الحقيقي والمجازي، كما في مثال ورود الأمر بعد الحظر -على القول بوضعه للوجوب- إذ يدور الأمر بين المعنى الحقيقي وهو الوجوب، أو المجازي وهو الترخيص، فلو فرضنا البناء على جريان أصالة الحقيقة تعبّداً فنحمله على الوجوب.

ــــــــــ[324]ــــــــــ

(1) انظر: الذريعة 1: 15، 16.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ومنها: تعقّب الاستثناء الواحد بجمل متعدّدة، وشكّكنا في أنَّه راجع إلى الجميع أو الأخير، أو تقييد واحد بعد عدّة عمومات؛ وذلك كقوله تعالى:إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا(1) فقد ذهب أبو حنيفة(2) والشيخ محمّد عبده(3) في التفسير إلى أنَّ هذا القيد يرجع إلى الأخير، وأمّا المريض والمسافر فهما مخيّران بين التيمم والوضوء وإن كان عنده ماء، فإذا شكّكنا في رجوع القيد إلى الأخير أو إلى الجميع، فهنا لا يدور الأمر بين المجاز والحقيقة، فإنَّه على جميع التقادير حقيقة؛ لأنَّنا بيّنا في باب المطلق والمقيّد وفي باب العامّ والخاصّ(4): أنَّ التقييد والتخصيص لا يستلزم المجاز، بل اللفظ مستعمل في معناه الحقيقي، غاية الأمر: أنَّه ليس بمراد جدّي. إذن، لا يدور الأمر بين الحقيقة والمجاز، حتى يُقال بأصالة الحقيقة تعبّداً كما ذهب إليه السيّد المرتضى(5)، ومال إليه بعض من 

ــــــــــ[325]ــــــــــ

() المائدة: 6.

(2) ذكر السيّد الخوئي: وظنّي أني رأيت سابقاً في بعض الكتب أنَّ أبا حنيفة التزم بذلك. العروة الوثقى 10: 69.

(3) نقله عنه صاحب تفسير المنار 5: 119.

(4) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 8: 191، ونفس المصدر 8: 10.

(5) انظر: الذريعة 1: 15-16.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

تأخّر(1)، فلو فرضنا أنَّ هذا القيد وهو عدم وجدان الماء في الآية كان راجعاً إلى الجميع –كما هو الصحيح– أو إلى الأخير، فلا يخرج عن كونه حقيقيّاً؛ لأنَّ التقييد لا يستلزم المجاز.

وعلى ذلك ليس هنا موضوع لأصالة الحقيقة، فإنَّه حقيقة على كلا التقديرين، ولكن لا ندري أنَّ المراد الاستعمالي هو المطلق أو المقيّد، أو هو العموم أو الخصوص، وفي مثله لابدَّ من التوقّف حتّى على قول السيّد المرتضى، وهذا إذا كان الشكّ شكّاً في المانع، سواء كان شكّاً في وجود القرينة أو في قرينيّة الموجود.

وأمّا إذا كان شكّاً في المقتضي فلا ريب في أنَّه لا يؤخذ به، كما في مثال(2) الصعيد الذي لا نعلم أنَّه موضوع لأيّ شيء، فكيف يجوز الأخذ به والفتوى بجواز التيمّم على غير التراب، مع أنَّنا لا ندري أنَّه –يعني: غير التراب- مراد استعمالي أو لا، سواء كان الدوران بين الأقلّ والأكثر أو بين المتباينين.

ــــــــــ[326]ــــــــــ

() انظر: تقريرات الأُصول: 112، مجمع الأفكار ومطرح الأنظار 1: 60.

(2) معنى الشكّ في المقتضي في المقام هو الشكّ في وجود ظهور للّفظ أساساً في اللغة أو لا، في مقابل احتمال إهماله، أو اشتراكه بين عدّة معاني بشكل متساوي، ومثال الصعيد ليس منه؛ لأنَّه وإن كان يخفى علينا المعنى، إلَّا أنَّنا نعلم أنَّ له معنىً لغوياً محدّداً في الواقع، وأنَّه مستعمل في معناه الواقعي، فأصل المقتضي موجود، إلَّا أنَّ الشكّ في حدود اقتضائه سعة وضيقاً. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

 

حجّيّة قول اللغوي

 

قيل: بحجيّة قول اللغوي من جهة الظنّ، فإنَّ الظن في هذا المورد حجّة بدليل خاصّ، واستدلّ عليه بوجوه:

الوجه الأوّل: الرجوع إلى أهل الخبرة(1)

إنَّ الرجوع إلى أهل الخبرة في كلّ فنّ يختصّ به بعض الناس دون بعض ممّا قامت عليه السيرة العقلائيّة، فنرى أنَّه في مقام تقييم الشيء الفاسد في معاملة بيع مثلاً يرجع إلى أهل الخبرة –وهم الدلّالون– وأنَّ صحيحه يسوى أيّ مقدار، ومعيبه يسوى أيّ مقدار، وكذلك في باب الطبّ يرجع إلى الأطباء فإنَّ قولهم حجّة؛ لأنَّهم أهل خبرة في فنّهم، ويرجع إلى المهندسين في البناء. فالرجوع إلى أهل الخبرة مما استمرّت عليه سيرة العقلاء، ومنه رجوع العوامّ إلى العلماء في كل فنّ.

وبما أنَّ اللغوي من أهل الخبرة في تعيين الموضوع له، فإنَّه العالم بالمعنى الحقيقي وغيره، فيكون قوله حجّة، ولا يعتبر في حجّيّة قول أهل الخبرة إلَّا الوثوق بالقائل، وأمّا الإيمان والعدالة والتعدّد فكلّ ذلك لا يعتبر، فإذا كان ممّا 

ــــــــــ[327]ــــــــــ

(1) انظر: مفاتيح الأُصول: 62.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

يوثّق به وأنَّه يخبر عن رأيه واجتهاده في ذلك، لا أنَّه يكذب في ذلك. نعم، لو دلّ دليل خاصّ في حجّيّة قول أهل الخبرة على اعتبار الإيمان والعدالة، كاعتبارها في حجّيّة خبر الواحد فهو أمر آخر، وأمّا مقتضى القاعدة فهو حجّيّة قوله مطلقاً. إذن، يكون قول اللغوي حجّة إذا كان موثوقاً بنفسه من جهة إخباره عن رأيه.

وفيه:

أوّلاً: أنَّ اللغوي لا يمتاز عن غيره إلَّا باطّلاعه على موارد الاستعمالات، وغيره غير مطّلع على ذلك، وإلَّا فاللغوي ليس له أيّ معرفة بالمعنى الحقيقي، إلَّا عن تتبّع طرق الاستعمال، وهذا التتبّع أمر ممكن لكلّ أحد، ولا يحتاج إلى ذمّة، فاللغوي وغيره من هذه الجهة سيّان، لا فرق بينهم إلَّا من حيث تتبّع موارد الاستعمال دون غيره، وغير عالم بالمعنى اللغوي.

فهذه الكبرى وإن كانت مسلّمة في الرجوع إلى أهل الخبرة، ولكن اللغوي ليس من مصاديق ذلك.

وثانياً: لو فرضنا أنَّ لغويّاً كان من أهل الخبرة والاطّلاع بالنسبة إلى تعيين المعنى اللغوي، لكن بناء اللغويين في كتبهم ليس على تعيين المعنى الحقيقي، وإنَّما بناؤهم على ذكر موارد الاستعمال، فهم يذكرون لكلّ لفظ عدّة معاني، ومن المعلوم أنَّه ليس جميع الألفاظ مشتركة، بل المعنى الحقيقي واحد وباقي المعاني مجاز، أو أنَّ المعنى الحقيقي هو الجامع بينها، يعني: نسبته إليها نسبة المشترك المعنوي إلى مصاديقه، فليس من شأن اللغوي بيان المعنى اللغوي في 

ــــــــــ[328]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

كتابه، وإلَّا لزم أنَّ جميع الألفاظ إلَّا ما ندر مشترك، وهو معلوم البطلان.

ودعوى أنَّ المعنى الأوّل حقيقي والباقي مجازي غير مسموعة، فإنَّهم فيما ثبت أنَّه من الألفاظ المشتركة لا يشيرون إلى أنَّ جميع هذه المعاني حقيقية. إذن، فاللغوي ليس في مقام بيان المعنى الحقيقي، ليُقال: إنَّه يرجع إليه من باب الرجوع إلى أهل الخبرة.

الوجه الثاني: الاجماع(1)

إنَّ اتّفاق العلماء في كلّ عصر بالرجوع إلى أهل الخبرة في مقام المخاصمة واللجاج، فإذا تمسّك أحدهم بقول اللغوي فإنَّ خصمه لا يعارضه.

وهذا الاتفاق غير مسلّم، فإنَّنا لم نحصّله ليكون إجماعاً محصّلاً. غايته: أنَّه منقول، وعلى تقدير حصوله لم يثبت أنَّه إجماع تعبّدي؛ إذ لعلّهم بنوا على ذلك لأحد الوجهين، الأوّل المتقدّم، والثالث الذي سنذكره.

إذن، فلم نحرز الإجماع التعبّدي الذي يستكشف منه قول المعصوم، وأنَّ قوله حجّة.

على أنَّ المظنون به قريباً، أنَّه لا يقبل قول اللغوي في مقام المخاصمة واللجاج، إلَّا إذا حصل الاطمئنان. أمّا ما يذكره هو المعنى الحقيقي ولو من جهة اتّفاق اللغوييّن على ذلك، أو من جهة القرائن الخارجيّة، وإلَّا فكون الرجوع إلى قوله تعبّداً غير قابل للتصديق، وأكثرهم لم يتعرّض لهذه المسألة، فكيف نستطيع إحراز الاتفاق؟!

ــــــــــ[329]ــــــــــ

() حكاه السيّد المجاهد عن أُستاذه في مفاتيح الأُصول: 61.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الوجه الثالث: انسداد باب العلم(1)

إنَّ باب العلم بالأوضاع اللغويّة منسدّ، فإنَّنا وإن فرضنا أنَّ كثيراً من المعاني معلومة لنا إجمالاً، إلَّا أنَّ خصوصيّة المعنى مجهولة، كما ذكر شيخنا الأنصاري(2) في أوائل كتاب الطهارة: أنَّ من أوضح المفاهيم العرفيّة هو الماء، إلَّا أنَّه يكون مجملاً من جهة الشكّ في الصدق، أو الشكّ في المصداق. وأكثر المفاهيم بل جمعيها نشكّ فيها من جملة الخصوصيّات، فباب العلم بمعاني الألفاظ مسدودة، ولا أقلّ من جهة الخصوصيّات، فلابدَّ من العمل بالظنّ، فيرجع إلى قول اللغوي لأنَّه مفيدٌ للظنّ.

إلَّا أنَّ هذا على ما ذكره صاحب الكفاية(3) واضح الدفع، فإنَّ باب العلم في اللغة وإن كان مسدوداً، إلَّا أنَّه لا عبرة بانسداده في خصوص اللغة، فإنَّه إذا كان باب العلم والعلمي في معظم الأحكام منسدّاً، كما لو أنكرنا حجّيّة خبر الواحد، أو حجّيّة الظهور باعتبار اختصاصها بالمقصودين بالإفهام، كما ذهب إليه المحقّق القمي(4)، ونعلم إجمالاً بوجود تكاليف كثيرة إلزاميّة وجوبيّة وتحريميّة، وإجراء البراءة لا يمكن في أطراف العلم الإجمالي إمّا لمحذور الخروج عن الدين أو لزوم المخالفة القطعيّة، ولا يمكن الاحتياط لأنَّه يلزم منه 

ــــــــــ[330]ــــــــــ

(1) انظر: الرسائل الأُصوليّة: 20.

(2) انظر: كتاب الطهارة: 67.

(3) انظر: كفاية الأُصول 287.

(4) انظر: قوانين الأُصول 1: 517، 4: 239.

( ) انظر: تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي 1: 37.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

العسر والحرج أو اختلال النظام، وليس هنا طريق آخر معتبر عند الشارع، فينحصر الطريق بالعمل بالظنّ لأنَّه الأقرب إلى الواقع.

فلو ثبتت هذه المقدّمات وانسدّ باب العلم والعلمي في الأحكام، فتثبت حجّيّة قول اللغوي، سواء كان باب العلم في اللغة منسدّاً أو منفتحاً، وضمّ هذا الانسداد إلى الانسداد الكبير من ضمّ الحجر إلى جنب الإنسان.

وإذا فرضنا أنَّ باب العلمي منفتح –كما هو كذلك في الأحكام– وإن كان باب العلم منسدّاً. إذن، لا دليل على حجّيّة الظنّ غير ما قام الدليل على حجّيّته، فلو فرضنا أنَّ باب العلم في خصوص اللغة منسدّ فلا أثر لهذا الانسداد، بل تجري البراءة في موارد الشكّ، ولا يلزم منه محذور. فهذه الوجوه كلّها باطلة.

ولكن مع ذلك ذهب بعض الأعاظم(1) إلى حجّيّة قول اللغوي، وقد ذُكر في تقريب ذلك: أنَّ انسداد باب العلم الذي من جملة مقدّماته العلم بوجود أحكام إلزاميّة في الشريعة، ولا يجوز الرجوع إلى البراءة فيها، وذلك لمحذورين: 

المحذور الأوّل: أنَّه خروج عن الدين؛ إذ لو رجعنا إلى البراءة في كلّ مورد؛ فمعناه: أنَّه لا نصلّي ولا نصوم؛ إذ لو صلّينا مع إجراء البراءة في كلّ مشكوك بجزئيّته خرجت الصلاة عن كونها صلاة، وكذلك الصوم والحجّ وغيرهما، فيترتّب على جريان البراءة الخروج عن الدين.

المحذور الثاني: أنَّنا لو فرضنا أنَّه لا يلزم ذلك، لكن يلزم المخالفة القطعيّة 

ــــــــــ[331]ــــــــــ

(1) انظر: تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي 1: 37.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

جزماً، فإنَّه يلزم منه تجويز فعل حرام أو ترك واجب.

فعدم الرجوع إلى البراءة معلّل بأحد هذين الوجهين، والوجه الأوّل لا يجري في المقام في باب اللغة؛ إذ يمكن أن نتمسّك بها ولا يلزم الخروج عن الدين؛ لأنَّ الألفاظ المشكوكة ليست بتلك الكثرة. وأمّا العلّة الثانية فهي موجودة في المقام، فإنَّنا(1) إذا رجعنا إلى البراءة في موارد الشكّ نعلم بوقوعنا في المخالفة القطعيّة جزماً، وحيث إنَّنا لا يمكن لنا تحصيل العلم والعلمي بمعاني الألفاظ اللغويّة ولا يمكن إجراء أصالة البراءة، فنتنزّل إلى الظنّ، فيكون الظنّ حجّة، وقول اللغوي حجّة.

ولكن يرد عليه: 

أوّلاً: أنَّ الرجوع إلى البراءة ليس فيه لزوم المخالفة القطعيّة، فإنَّ موارد الرجوع إلى اللغة قليلة جدّاً بالنسبة إلى الألفاظ المستعملة في الكتاب والسنّة، فإنَّ الألفاظ المستعملة فيها واضحة بيّنة، ومعانيها متيقّنة، ولو من ناحية إجماع أهل اللغة عليها، فالموارد المشكوكة قليلة جدّاً، كالغناء الذي لا يعلم أنَّه الصوت المطرب الذي فيه ترجيع، أو المطرب ولو من دون ترجيع، أو المرجّع فيه وإن لم يكن مطرباً، وكالصعيد أيضاً الذي لا يعلم أنَّه موضوع لخصوص التراب أو لعموم وجه الأرض، وعدم الرجوع في مثل ذلك إلى قول اللغوي، وإجراء البراءة 

ــــــــــ[332]ــــــــــ

() فإنَّنا إذا رجعنا إلى البراءة، ولم نعلم بقول اللغوي لزمت المخالفة القطعيّة. إذن، يعلم أنَّ باب العلم منسدّ في باب اللغة، فلا بدَّ أن يكون قول اللغوي حجّة من باب الانسداد. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الشرعيّة والعقليّة لا يلزم منه محذور المخالفة القطعيّة؛ إذ نحتمل أن يكون الحكم الواقعي على طبق البراءة، فهذه الدعوى ساقطة من أوّلها ومبدأها.

ثانياً: على تقدير التسليم بلزوم محذور المخالفة القطعيّة لو لم نرجع إلى قول اللغوي، فإنَّه لا يترتّب على هذا حجّيّة قول اللغوي، فإنَّ مقدّمات دليل الانسداد عبارة عن عدّة مقدّمات لا خصوص مقدّمتين، فإنَّ من جملة مقدّماته عدم وجوب الاحتياط، أمّا لأنَّه غير ممكن، أو لأنَّه مضرّ بالنظام، أو لأنَّه عسر وحرج، ووجوبه مرفوع بدليل شرعي، وحيث لا تمكن البراءة ولا الاحتياط فتصل النوبة إلى العمل بالظنّ، ولا ينبغي الإشكال في أنَّ الاحتياط الكلّي في كلّ ما شكّ فيه المكلّف غير ممكن للإخلال بالنظام أو العسر أو غيره، ولذا فالرجوع إليه باطل، ونقطع بأنَّ أساس الدين غير مبتنٍ عليه، فكما أنَّ الرجوع إلى البراءة باطل، كذلك الرجوع إلى الاحتياط، وحيث علمنا بوجود نحو من الامتثال الواجب، فإنَّنا لسنا هائمين سائمين كالأنعام، فانحصر الطريق بالظنّ.

فهنا لو كان الأمر كما ذكره من لزوم المخالفة القطعيّة فلا يمكن الرجوع إلى البراءة، فإنَّنا لا نرجع إليها، إلَّا أنَّنا لا نرجع إلى اللغة أيضاً، بل نحتاط في موارد الشكّ في مورد أو موردين أو عشرة موارد، ولا يلزم منه عسر أو حرج أو اختلال النظام.

إذن، تحصّل أنَّ قول اللغوي لا حجّيّة فيه، وإنَّما يحصل الوثوق بالمفاهيم اللغويّة باعتبار تحصيل الإنسان بنفسه لها، أو تتبّع موارد الاستعمالات، وإلّاَ فيرجع إلى الأصل العملي.

هذا تمام الكلام في حجّيّة قول اللغوي.

ــــــــــ[333]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

 

الإجماع

 

حجّيّة الإجماع المنقول

ولا إشكال في أنّ الإجماع إذا كان محصّلاً يعلم معه بقول المعصوم من اتفاق جماعة من الفقهاء أو جميعهم في عصر واحد أو في جميع العصور، فإنّ القطع حجّة في نفسه من أيّ سبب حصل، فالإجماع المحصّل الذي يورث القطع بقول المعصوم لا إشكال في حجّيّته، ولا يحتاج إلى بحث.

وإنّما الإشكال في الإجماع المنقول، فإذا وجدنا الإجماع مذكوراً في كلمات أحد الأكابر من قبيل قولهم: (صحيح إجماعاً) أو (باطلٌ إجماعاً) فقد يقال: بحجّيّته، باعتبار أنَّ المخبر عن الإجماع يخبر عن قول المعصوم بالدلالة الالتزاميّة، ولا فرق في حجّيّة الخبر بين أن يكون مدلولاً مطابقيّاً أو مدلولاً التزاميّاً، فإنّ عمدة الدليل على حجّيّة خبر العادل إنّما هو السيرة غير المردوع عنها –على ما سيقع الكلام فيه– وبحسب السيرة العقلائيّة لا فرق بين الدلالة الالتزاميّة والمطابقيّة، فالإجماع المنقول يكون حجّة باعتبار كونه إخباراً بالالتزام عن قول المعصوم.

ولكن يقع الكلام في أنَّ أدلّة حجّيّة خبر الواحد -على تقدير تماميتها، وهي تامّة على ما نبيّن- هل تشمل الأخبار الحدسيّة أو تختصّ بخصوص الأخبار 

ــــــــــ[334]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الحسّيّة، والإخبار عن الإجماع إخبار حدسي، فإنّ المتكلم يخبر عن قول الإمام حدساً، فإنّه لم يكن في عصره بل في عصر متأخّر، فإخباره عن قوله مبني على الحدس، وحجّيّة خبر الواحد لا تشمل الخبر الحدسي.

ولأجل هذا كان الأنسب تأخير هذا البحث عن مبحث حجّيّة خبر الواحد، فيتكلّم أوّلاً عن الأخبار، فإذا فرض أنّها لم تكن حجّة، ولم نبن على حجية خبر الواحد، فالإجماع المنقول ليس بحجّة جزماً؛ إذ لا دليل آخر عليه، وإذا كانت حجّة فحينئذٍ يقع الكلام في أنَّ هذه الحجّيّة هل تشمل الأخبار الحدسيّة أيضاً أو لا؟

في انقسام الخبر

القسم الأوّل: إنَّ الخبر قد يكون أمراً يدرك بأحد الحواس الظاهرة، كطلوع الشمس ومجيء زيد، ولا إشكال بأنّنا إذا قلنا بحجّيّة خبر الواحد، فإنّه يشمل ما إذا كان الخبر من قبيل الحسّيّات في الأحكام، نحو قول الراوي: (سألته) أو (كتبت إليه) أو (فكتب لي) أو (سأله رجل فأجاب كذا) ونحو ذلك من الإخبارات الحسّيّة، فلا إشكال في حجّيّته بناء على حجّيّة خبر الواحد.

وأمّا في الموضوعات ففي مورد الترافع لابدَّ من التعدّد والعدالة، وهو الذي نسميّه بالبيّنة اصطلاحاً، فإنّ البيّنة في اصطلاح الفقهاء عبارة عن رجلين عدلين أو رجل وامرأتين أو أربع نساء، وأمّا في غير مورد الترافع فهل يكون خبر الواحد حجّة أو لا؟ فيه كلام يأتي. هذا إذا كان الإخبار عن محسوس.

القسم الثاني: إذا كان مردّداً بين أن يكون الخبر حسّيّاً أو حدسيّاً، فإنّ 

ــــــــــ[335]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

المخبر به كان من الأمور المحسوسة، ولكن لا ندري أنَّ إخبار هذا الشخص كان عن حسّ أو حدس، كما إذا رأينا زرارة يقول: (قال الإمام الصادق: كذا …) فهذا فيه احتمالان:

أحدهما: أنّه سمعه منه.

ثانيهما: أنّه أحدس ذلك حدساً، وأصبح جازماً وقاطعاً به، ولم ير الإمام ولم يسمع منه.

وهذا في الشبهات الحكميّة، وكذلك في الشبهات الموضوعيّة، فإذا أخبرنا زيد بأنّ عَمراً مات، فإنّه يحتمل فيه أمران:

أحدهما: أنَّ زيداً كان حاضراً عند عمرو، ورآه يموت.

ثانيهما: أنّه سمع صيحة خرجت من دار عمرو، فأحدس بموته.

ففي مثل ذلك قامت السيرة العقلائيّة على قبول الخبر عن شيء محسوس، وإن كان أمره مردّداً، والسامع يشكّ في أنّه ناشئ من الحسّ أو الحدس، فيكون هذا حجّة ببناء العقلاء، ولهذا لو لم يرتّب السامع الأثر على قول المتكلّم، واعتذر بأنّي احتملت أنّه ناشئ عن حدس لا يسمع اعتذاره، بل يحتجّ عليه بذلك إن كان المورد مورد الاحتجاج.

والقسم الثالث: ما إذا كان المخبر به أمر غير محسوس، ولكنّه ملحق به وقريب منه، فهو بمقدار من الوضوح كأنّه يحسّ به الإنسان، فهذا أيضاً يحكم عليه بالحجّيّة، ويعامل معه معاملة الخبر المحسوس، وهذا كالقواعد الحسابيّة، مثل: أنّ حاصل ضرب عدد كذا بعدد كذا ينتج كذا، أو في صورة الجمع معه، 

ــــــــــ[336]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

أو تقسيمه عليه، أو طرحه منه، فهذا وإن لم يكن من الأمور المحسوسة، إلاّ أنّها من الوضوح(1) بمكان فكأنّه محسوس، فهنا أيضاً السيرة قائمة على الحجّيّة، فإنّها لا تفرق في حجّيّة الخبر بين أن يكون محسوساً أو قريباً من المحسوس.

وأمّا إذا فرضنا أنّ المخبر به أمر حدسي فهل يكون قول المخبر حجّة أو لا؟ قد يفرض أنّ السبب الذي أوجب قول المخبر سبب أيضاً عند السامع، يعني: أنّه سبب مشترك بينهما، والملازمة تامّة بينهما، فإنَّ المقدمة الحسّيّة التي رآها أحدثت القطع عند المتكلم بوجود المخبر به، فلو رآها السامع لكان أيضاً يقطع بوقوع المخبر به في الخارج، وهذا الخبر يلحق بالأخبار بالمحسوسات، فإنَّ المفروض أنّ المقدّمة محسوسة، فيصدق المخبر في إخباره بها، والمفروض أنّ ترتّب النتيجة عليها مشترك فيه بين المخبر والسامع.

فلو فرضنا أنّه أخبر عن اتفاق جميع العلماء في عصر واحد بناءً على قاعدة اللطف، والمفروض أنّ السامع يشترك معه في البناء، ويرى أنَّ اتفاق جميع العلماء في عصر واحد مستلزم لقول المعصوم لا محالة، فادّعى أحدهما 

ــــــــــ[337]ــــــــــ

() لا يخفى ما في هذه الأمثلة صغرى وكبرى، أمّا صغرى فلأن هذا الوضوح إنّما يكون في الأعداد القليلة دون الكبيرة كما هو واضح، وأمّا كبرى فلأن الإخبار عن الأمور الرياضيّة وكلّ الأحكام العقليّة لا يكون حجّة في نفسه، ولا يعقل أن يكون حجّة بالسيرة؛ إذ يرجع كلّ إنسان إلى عقله في صدقه أو كذبه لا محالة، إلّا إذا كان قاصراً عن استنتاج النتيجة، وحينئذٍ فنحتاج إلى أمثلة أخرى للإخبار عن أمور قريبة من الحسّ، مّما يعود إلى قول أو فعل شخص، أو جماعة مثلاً، أو غيرها من الأمور التاريخيّة، ولا يبعد في مثلها القول بالحجّيّة. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الإجماع على ذلك، فيكون حجة عند السامع؛ لأنّه يثبت عنده الاتفاق فيثبت عنده لازمه أيضاً، فإنّ المفروض أنّ الملازمة عند السامع تامّة أيضاً، فيقول السامع: قد حصل الاتفاق -بمقتضى الخبر- وكلّما حصل الاتفاق في عصر واحد دلّ على قول المعصوم -بمقتضى الملازمة- إذن، فيكون الإجماع حجّة.

أمّا إذا فرضنا أنّ المخبر به أمر حدسي، وأنّ السبب الذي أوجب حدس المخبر لا يراه السامع سبباً، فكيف يكون إخباره إخباراً عن قول المعصوم بالدلالة الالتزاميّة، ويكون حجّة؟ فإنَّ المفروض أنّ الملازمة غير ثابتة عند السامع، فلو أخبر الشيخ الطوسي عن قول المعصوم بدعواه الإجماع، وهو يرى صحّة قاعدة اللطف، فقوله مبني على ما يراه من تماميّة هذه القاعدة، وأدلّة حجّيّة خبر الواحد إنّما تلغي احتمال الكذب من البيّنة أو خبر العادل، وأمّا الخطأ في الاجتهاد والحدس فهذا مّما لا تكون أدّلة الحجّيّة ملغية له، فلو كان الفرد مقطوع الصدق صدقاً إخباريّاً لا خبريّاً، بحيث تثبت حجّيّة قوله بقطع النظر عن أدلّة حجّيّة خبر الواحد، مع ذلك لا يكون في مثل ذلك حجّة، لأنّنا نشكّ في تماميّة الملازمة، أو نظنّ بعدم تماميّتها، أو نقطع ببطلانها، فكيف تشملها أدلّة حجّيّة خبر الواحد من السيرة العقلائيّة أو الأدلّة الخاصة؟ وكذلك البيّنة -فضلاً عن خبر الواحد- فلو أخبرت عن موت زيد ولم تكن رأت موته، وإنّما رأت الصيحة قد قامت في داره، فنحتمل أنّ للصياح سبباً آخر غير موت زيد، فكيف يمكن شمول دليل الحجّيّة له؟! مع أنّ دليل حجّيّتها إنّما يلغي احتمال الخلاف من ناحية احتمال الكذب دون الخطأ في الاجتهاد.

ــــــــــ[338]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

إذن، فلا يمكن الاستدلال بحجّيّة خبر الواحد على حجّيّة الإجماع، إلّا إذا كانت الملازمة التي رآها المتكلم تامّة عند السامع، وهذا غير متحقّق فعلاً، فإنّ المدّعين للإجماع إما يدّعونه مبنيّاً على قاعدة اللطف كالشيخ الطوسي(1)، أو أنّه حدس من اتفاق جماعة كما هو المتعارف بين المتأخرين(2)، فإنّهم يكتفون باتفاق جماعة من العلماء، ويستيّقن بذلك بقول المعصوم، فلو كان اليقين لا يحصل لنا من ذلك، حتّى لو شاهدنا هذا الاتفاق المدّعى ولم يكن منقولاً، فكيف يكون الإجماع المنقول حجّة، ولا سيّما أنَّ جملة من ادعاءات الإجماع نعلم بضعف مداركها.

دعوى التفصيل في نقل الإجماع

من جملتها ما ادّعاه السيّد المرتضى من جواز الوضوء بالماء المضاف، فإنَّه تخيّل أنَّ الشكّ في اشتراط الإطلاق في الماء؛ لأنَّه شكّ في أنَّه هل يعتبر في الوضوء أن يكون بالماء المطلق أو لا؟ وتخيّل أنَّ ذلك من موارد جريان البراءة العقليّة أو الشرعيّة، فتجري البراءة عن اشتراط صحّة الوضوء بالماء المطلق، ورأى أنَّ الرجوع إلى البراءة عند الشكّ في التكليف خاصّة إذا كانت الشبهة حكميّة مورد اتّفاق بلا إشكال، فادّعى الإجماع على أنَّ الوضوء بالماء المضاف جائز وصحيح، مع أنَّه لم يقل به أحد من علماء الشيعة، بل أوجبوا الوضوء بالماء المطلق للآية المباركة والروايات.

ــــــــــ[339]ــــــــــ

(1) انظر: العدّة في أُصول الفقه 2: 642.

(2) انظر: الوافية: 855، حاشية فوائد الأُصول 1: 368.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

إذن، فهذا الإجماع المنقول ولو فرضنا أنَّنا ظفرنا به في مورد أو أكثر فلا يمكن الاعتماد عليه، إذ السبب لا يتمّ.

أو مثل الشيخ الطوسي الذي علمنا أنَّه يلتزم بقاعدة اللطف، فإنّه لو ادّعى الإجماع على شيء، فكيف يمكن الاعتماد على قوله، والالتزام أنَّه أخبر عن قول المعصوم، فيشمله دليل حجّيّة خبر الواحد، مع أنَّه خبر حدسي، بل نقطع بخطئه. إذن، فلا يكون الإجماع المنقول حجّة.

وقد يُقال بحجّيّة الإجماعات المنقولة من قبل القدماء – إلَّا إذا علمنا خطأ الناقل- وأمّا إذا لم نعلم ووجدنا دعوى الإجماع من ابن زهرة وغيره فإنَّه يعتمد عليه؛ وذلك لأنَّ قرب العصر يوجب أن يحصل احتمال أن يكون هذا الإخبار حسّيّاً، فإنَّ هذا المدّعي للإجماع وإن لم يرَ الإمام لكونه غير معاصر له، إلَّا أنَّنا نحتمل أنَّه سمعه من جماعة من الثقات وهم رووه له، فالخبر مبتن على الحسّ، وإن لم يكن حسّيّاً بلا واسطة، إلَّا أنَّه حسّي بواسطة. وقلنا: إنَّه إذا دار الأمر بين الحسّي والحدس في الخبر، وكان الخبر من الأُمور الحسّيّة، يكون حجّة في نظر العقلاء.

فإذا رأينا دعوى الإجماع في كلام المفيد أو الصدوق أو ابن زهرة أو أبي الصلاح، وادّعوا الإجماع في مسألة، فيكون حجّة ويعتمد عليه دون دعوى الإجماع من قبل المتأخّرين، كالعلّامة ومن بعده؛ فإنَّ إخبارهم مبني على الحدس لا محالة، ولا يحتمل أن يكون حسيّاً ولو بالواسطة، فلا يكون خبره حجّة. 

إذن يفصّل بين دعوى الإجماع بين المتقدّمين، ودعوى الإجماع بين المتأخّرين، فيكون الأوّل حجّة دون الثاني.

ــــــــــ[340]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

نقد التفصيل المدّعى

إلَّا أنَّ هذا التفصيل غير صحيح، فإنَّ السيرة وإن جرت على الأخذ بالخبر الذي يشكّ كونه حسيّاً أو حدسيّاً، ولكنّها إنَّما تجري فيما إذا كان هذا الاحتمال عقلائيّا،ً لا مجرّد الاحتمال العقلي في مقابل الاستحالة، فإنَّ هذا الاحتمال لا يعتنون به، وإنَّما لابدَّ أن يكون احتمالاً عقلائيّاً، كما لو روى زرارة واحتملنا أنَّه سمعه من الإمام، أو أنَّه ينقله بحسب اجتهاده ورأيه، فهذا الاحتمال
-احتمال الحسّيّة- احتمال عقلائي، فإنَّ الظاهر من الخبر هو أنَّه ناشئ عن الحسّ، وأمّا مجرّد الاحتمال العقلي البعيد فلم تجرِ السيرة العقلائيّة على الأخذ به، واحتمال الحسّ في دعوى الإجماع من القدماء موهون، فلا يكون مشمولاً للسيرة.

والوجه في ذلك أمران: 

الأمر الأوّل: استقراء موارد دعوى الإجماع، فذكر جملة منها الشيخ في الرسائل وغيره، فإنَّه بالاستقراء يظهر أنَّ مدرك دعاوى الإجماع هو الحدس. أمّا الشيخ الطوسي فمدركه هو قاعدة اللطف، ولا يحتمل فيه الحسّ. أمّا السيّد المرتضى فلا يحتمل أن يكون منشأه هو الحسّ، بل هو أمر آخر حدسي لا محالة، كما ذكرنا في دعواه الإجماع على جواز الوضوء بالماء المضاف.

الأمر الثاني: أنَّنا لو فرضنا أنَّ الأمر كان كذلك، وأنَّ مدّعي الإجماع سمع عن واسطة أو واسطتين عن الإمام، فلماذا يدّعي الإجماع، ولماذا لا يروي الفتوى عن الإمام؟ لماذا في مقام بيان الرواية يعبّرون بالإجماع، فإنَّ ضمّ بقيّة أقوال العلماء إلى قول المعصوم ما هي فائدته؟ فإنَّ الإجماع إنَّما يكون حجّة 

ــــــــــ[341]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

لكشفه عن رأي المعصوم فإذا كان رأيه ثابتاً برواية معتبرة، فما فائدة ضمّ أقوال الآخرين؟ يكون هذا شبه الأكل من القفا، فهذا الاحتمال موهون جدّاً.

ولو فرضنا أنَّ المورد كان من دوران الأمر بين الحسّ والحدس، فالحسّ المحتمل ليس هو الحسّ بالمباشرة لا محالة؛ لأنَّ المعاصرة غير متحقّقة، ودعوى الرؤية غير محتملة، فينحصر أن يكون خبراً حسّيّاً مع الواسطة، فهذا يدخل في الخبر المرسل؛ إذ يكون مرويّاً بواسطة مجهولة لا نعرفها، فكيف يكون حجّة؟! وما يكون حجّة عند العقلاء – إذا دار الأمر بين الحسّ والحدس – إنَّما هو الخبر بلا واسطة، فإمّا أن يكون المخبر رأى بنفسه، أو أخبر عن حدس، وأمّا إذا علمنا أنَّه لم يرَ ولم يسمع، وإنَّما نحتمل أنَّه مبني على الحدس، أو أنَّه سمع من شخص أخبره بذلك، ولكن المخبر رجل مجهول لا نعرفه، فكيف يمكن العمل بهذه الرواية؟

وذلك كما نرى الصدوق في الفقيه يقول في كثير من الموارد: قال الصادق، فنعامل هذا الخبر معاملة المرسل الذي نجهل واسطته، فإنَّه معلوم أنَّ الصدوق لم يكن في عصر الإمام الصادق، وإنَّما روى عنه بواسطة، وهذه الواسطة مجهولة لدينا.

وأيضاً لو احتملنا أنَّ دعوى الإجماع من هؤلاء المتقدّمين دعوى حسّيّة، إلَّا أنَّ الحسّ المحتمل هو حسّ مع الواسطة وهو لا أثر له؛ لأنَّه يدخل في المرسل، وهو لا يكون حجّة. 

هذا تمام كلامنا في الإجماع المنقول، وعلم أنَّ أدلّة حجّيّة خبر الواحد لا تشمله.

ــــــــــ[342]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

حجّيّة الاجماع المحصّل

والمراد به اتفاق العلماء في عصر واحد، أو في جميع الأعصار، أو في عدّة عصور، فهل يمكننا كشف قول المعصوم من اتّفاق جميع العلماء في جميع الأعصار، أو في عصر واحد، مع اتّفاق أكابرهم، هل هذا أمر ممكن أو غير ممكن؟

قد يتكلّم في الكشف بالنسبة إلى الشخص، ومعلوم أنَّ الناس مختلفون في ذلك، فقد يكون شخص حسن الظنّ بجماعة معيّنة من العلماء المتقدّمين أو من المتأخّرين أو الملفّق منهما، فعند اتفاقهم على أمر يجزم بأنَّه رأي المعصوم، كما رأينا من بعض من عاصرناهم أنَّه كان يرى أنَّ الشيخ الأنصاري والسيّد الشيرازي والميرزا محمّد تقي الشيرازي -مع شدّة ورعهم ودقتّهم وعلو مقامهم- إذا اتّفقوا على الفتيا في مسألة دون الاحتياط فيعلم أنَّ هذا هو قول المعصوم وليس قابلاً للمناقشة، ونحن لا نستيّقن بذلك، بل نحتمل الاشتباه، لأنَّ كلّ واحد منهم غير معصوم، وضمّ غير معصوم إلى مثله لا يكون حجّة.

وادّعى بعضهم ذلك بالنسبة إلى أكابر العلماء كالشيخ الطوسي والمحقّق والشهيد الثاني وأضرابهم من الأساطين، فإنَّهم إذا أفتوا بحكم يعلم منه أنَّه قول المعصوم، ويكون حجّة. 

وليس كلامنا في دعوى الملازمة الشخصيّة(1)، وإنَّما الكلام في دعوى الملازمة النوعيّة، فيكون العلم بقول الإمام معلولاً لهذا الشيء لا ينفكّ عنه.

ــــــــــ[343]ــــــــــ

() فإنَّ القطع حجّة على قاطعه، لا على غيره، وعهدته عليه. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الشيخ الطوسي وقاعدة اللطف

ذهب الشيخ الطوسي(1) إلى أنَّ اتّفاق العلماء في عصر واحد من هذا القبيل، فإنَّهم لو أفتوا بحكم ولم يوجد فيهم مخالف فنقطع أنَّ قولهم هو قول المعصوم، وإلَّا لوجب عليه إلقاء الخلاف بينهم لقاعدة اللطف، فإنَّ اللطف كما هو واجب على الله تعالى، كذلك هو واجب على النبّي والأئمّة، وأنَّه لابدَّ من إظهار أنَّ هذا القول فاسد، فإذا لم يظهر خلاف في المسألة نقطع أنَّه كلام المعصوم.

إلَّا أنَّ قاعدة اللطف لو تمّت، فهي توجب تبليغ الأحكام على النحو العادي المتعارف، لا بالنحو غير العادي، وقد فرضنا أنَّ الرسول والأئمّة بلّغوا الأحكام بالنحو المتعارف وكذلك الرواية.

وأمّا وقوع مانع في البين عن وصول الرواية إلى المفتين، فإنَّ قاعدة اللطف تقتضي أن يظهر الإمام ويبيّن أنَّ هذه الرواية فيها سقط، وأنَّ هذه الرواية لم تصل، وأنَّ هذه الرواية مكذوبة، فقاعدة اللطف لا تقتضي ذلك، وإيصال الحكم إلى الناس وبطريق غير عادي لم يدلّ عليه دليل.

ومّما يدلّنا على ذلك: أنَّه لو انحصر العالم في عصر من العصور بواحد، فلابدَّ أن تكون جميع فتاواه مطابقة لرأي المعصوم، فإنَّه لا فرق بين الواحد والمتعدّد، ولو اقتضت قاعدة اللطف إيصال الحكم بطريق غير عادي لاقتضته هنا أيضاً.

ــــــــــ[344]ــــــــــ

(1) انظر: العدّة في أُصول الفقه: 622.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

بل إيصاله غير ممكن على كلّ تقدير، فإنَّ الإمام إذا ظهر يريد إبلاغ الحكم، فإمّا أن يظهر بما أنَّه إمام، فهذا خلاف المفروض من كون العصر عصر الغيبة(1)، وإمّا أن يظهر لا بعنوان كونه إماماً، فغاية ما يحصل: أن نرى شخصاً يدّعي أنَّ جميع هذه الفتاوى باطلة، فمن أين يسمع قول هذا الرجل المجهول؟ إذن، فقاعدة اللطف لا أثر لها أصلاً، فلا يمكننا دعوى الجزم بقول المعصوم من اتّفاق العلماء في عصر واحد.

يبقى الكلام في اتّفاقهم في جميع العصور، فإنَّنا نرى في كلّ عصر الاختلاف بين الفقهاء موجوداً، فلو أوجبت قاعدة اللطف التبليغ ولو بالطرق غير العاديّة لكان اللازم إرشاد من كان قوله على خلاف الواقع من الفقهاء؛ إذ لو تمّت قاعدة اللطف على الجميع يلزم تماميّتها على النصف الآخر، فإنَّه ما الفرق بين الجميع والبعض، فهل الأمر كذلك. قطعاً ليس الأمر كذلك؟ فإنَّنا نرى الاختلاف موجوداً، ومع ذلك الإمام لا يرشد من قوله مخالفاً للواقع. إذن، فهذه القاعدة لا تتمّ، والملازمة العقليّة غير تامّة.

ــــــــــ[345]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّ إلقاءه الخلاف بين العلماء ليس منحصراً بظهوره على ما هو مبنى هذا الكلام من السيّد الأُستاذ، بل يمكن بطرق أُخرى كالتأثير الروحي على تفكير واحد، أو أكثر من العلماء بحيث يغيّر فتواه، وكإلقاء ورقة موقّعة بتوقيعه القطعي الصادر عنه ومكتوب فيها الحكم المطلوب، أو بظهوره لشخص واحد في مكان خفي بعنوان كونه إماماً وإبلاغه الحكم، وهذه الأُمور وإن كانت ممكنة، إلَّا أنَّها تشترك في أنَّها طرق غير طبيعيّة ولا عاديّة للتبليغ، فلا تكون واجبة بقاعدة اللطف. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الملازمة العاديّة

قد تقرّب الملازمة العاديّة بين فتوى العلماء بأجمعهم وبين قول المعصوم، ويقال: إنَّه عادة لا ينفك القطع بقول المعصوم عند من يقف الشخص على اتّفاقهم.

وتقريب ذلك بأحد وجهين:

التقريب الأوّل: أنَّ أحد المجتهدين إذا أفتى بحكم، وكان من أهل التقوى، وكان ورعاً ناظراً في الأدلّة غير مقصّر في الاستنباط، فإنَّه يحصل الظنّ بمطابقة قوله للواقع، ولو بأدنى مراتب الظنّ، فإذا انضمّ لهذا المجتهد فتوى مجتهد آخر يتقوّى الظنّ بالمطابقة للواقع لا محالة، وهكذا إذا انضمّ لهما ثالث، وهكذا يتقوّى حتى يحصل اليقين بالحكم لبعد خطأ جميع هؤلاء، فيتيقّن بالحكم عادة، لأنَّ احتمال الخلاف يضعف إلى أن ينتهي وينعدم ويحصل اليقين.

وذلك كما في الخبر المتواتر إذا أخبر زيد عن شيء فطبعاً لا يحصل اليقين، ولكن يظنّ بصحّة ما يقوله، فإذا انضمّ له مخبر ثانٍ يتقوّى اليقين إلى أن يصل إلى حدّ التواتر ويحصل القطع به، والتواتر هو إخبار أشخاص متّفقين على شيءٍ بحيث يقطع بعدم اتّفاقهم على الكذب، فكما أنَّ كثرة الأخبار توجب حصول التواتر، كذلك كثرة الفتاوى تحصّل اليقين بالحكم، فالملازمة بين اتّفاق جميع الفقهاء وقول المعصوم ملازمة عادية يحصل معها اليقين لمتعارف الناس.

والجواب عن ذلك واضح: فإنَّه لا يقاس الحدس بالخبر المتواتر، فإنَّ التواتر خبر عن حسّ، ومنشأ احتمال مخالفته للواقع منحصرة في أمرين:

ــــــــــ[346]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

أحدهما: تعمد الكذب.

ثانيهما: أنَّه أخطأ في رؤيته وحسّه. وليس هنا شيءٍ غير هذين الاحتمالين، فيكون منشأ لاحتمال كذب المخبر كذباً خبريّاً، فإذا فرض أنَّه انضمّ خبر شخص آخر إلى هذا الخبر، فطبعاً يكون احتمال الكذب من شخصين أقلّ، وكذلك احتمال الخطأ فيهما أقلّ من احتمال الخطأ في الحس في شخص واحد إلى أن ينتهي في الكثرة إلى حدّ يقطع فيه بعدم الكذب، كما يقطع بعدم الخطأ في الحسّ في جميع هؤلاء، لأنَّ الخطأ في الحسّ أمر على خلاف الطبيعة. إذن، يحصل اليقين عادةً بوجود المخبر به في الخارج.

وأمّا الأُمور الحدسيّة التي لا تحسّ بالحواس الظاهريّة، وإنَّما هي مبنيّة على اجتهاد واعمال نظر فليس الأمر فيها كذلك، فإذا حصل الاتّفاق على شيء لا يقطع بصحّة ما أخبروا عنه حدساً، يعني: مطابقة الفتاوى للواقع، فإنَّ حكم الواحد حكم المتعدّد، فيمكن أن يكون ما أوجب فتوى الأوّل بهذا الشيء هو الذي أوجب فتوى الآخر، وكذلك الآخر إلى أن ينتهي إلى المئات.

ومن هنا رأينا أنَّ الأُمور النظريّة قد يتّفق العلماء في عصور متعدّدة على شيء، ثُمَّ يحصل اتّفاق في عصور متأخّرة على شيء آخر وينكشف خطأ الأوّلين، فإنَّ العلماء كانوا متّفقين على نجاسة ماء البئر، ومع ذلك تبدّل الرأي وظهر خطأهم في هذا الحكم، وكذلك الأمر في سائر العلوم النظريّة، كالفلك فإنَّ الجميع كانوا متّفقين على أنَّ الأرض ثابتة، والشمس تدور حولها فانعكس الأمر، وفي الفلسفة لعلّه كانت أصالة الماهية من المسلّمات، والمتأخّرون تسالموا على أصالة الوجود، وهكذا.

ــــــــــ[347]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

إذن، فالأُمور الحدسيّة النظريّة لا يجري فيها ما يجري في الأُمور الحسّيّة، ويكون ضمّ الثاني إلى الأوّل بدون أيّ أثرٍ، فلا يقاس الأمر الحدسي بالحسّ، ولا يحصل القطع من قول الجميع بقول المعصوم، ونحتمل خطأ جميع الفتاوى، وأنَّ الحكم الواقعي الصادر من المعصوم على خلافه.

ولا سيّما إذا انضمّ إلى ما ذكرناه أمر آخر، وهو أنَّ بعض الفقهاء لعظمتهم وعلوّ مقامهم يتبعهم الفقهاء كالشيخ الطوسي حيث تبعه جملة من طلّابه حتى سمّوا بالمقلّدة وهكذا، وبعد التفتيش نرى أنَّه لا مدرك له إلَّا فتوى جماعة من العلماء، ولا نعرف له دليلاً، فليس أنَّ كلّ واحد نظر في المسألة مستقلاًّ فتطابقت آراؤهم لكي يستكشف منه رأي المعصوم.

التقريب الثاني: إنَّنا إذا نظرنا إلى الخارج نرى أنَّ المرؤوسين إذا اتّفقوا على شيء فنعرف من ذلك أنَّ رأي رئيسهم قد استقرّ على ذلك كالملك وغيره، وإلَّا فمخالفة جميعهم للرئيس ليس بمحتمل عادة، فلو فرضنا أنَّ الفقهاء الذين هم متابعون للإمام المعصوم ومن فروعه اتّفقوا على شيء فيستكشف رأي المعصوم لا محالة.

وهذا بحسب الكبرى صحيح، لكنّه إنَّما يتمّ في الأصحاب الذين يكون لهم الصحبة مع الرئيس، فنحتمل أنَّهم عاشروه وسمعوا الرأي منه، فإذا اتّفقوا على شيء نستكشف منه رأي الرئيس، وأين هذا من الفقهاء الذين لم يروا المعصوم، ولم يعاصروه(1)؟! وإنَّما يفتون للدليل الخارجي من أصل أو 

ــــــــــ[348]ــــــــــ

() ولا سيّما لما ذكرناه: من أنَّ جماعة إذا أفتوا بشيء اتبعهم الآخرون. (المقرّر).

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

رواية، ولا نحتمل الحسّ في المقام، وإنَّما هو يفتي على الحدس والاجتهاد. 

إذن، كيف يمكن أن يُقال: إنَّه يحصل لنا القطع عن فتاوى الفقهاء التابعين للمعصوم بقوله، فالملازمة العقليّة بين فتاوى الفقهاء وقول المعصوم غير تامّة.

وجهان آخران

الوجه الأوّل: إنَّ العلماء والفقهاء يمنع عنهم دقّتهم وورعهم من الفتوى بغير دليل، فيكشف فتواهم عن أنَّ هناك دليلاً معتبراً اعتمدوا عليه، فلو فرضنا أنَّ هذه الفتاوى لم تكشف عن رأي المعصوم، إلَّا أنَّها لابدَّ أن تكشف عن دليل معتبر، وهذا يكفي في حجّيّة الإجماع، فإذا ثبت الإجماع دلّ على وجود دليل حجّة، ويكون هذا الدليل هو الحجّة. 

فتكشف هذه الفتاوى عن المدرك الشرعي والحجّة المعتبرة، فلو فرضنا أنَّنا نسلّم أنَّها لا تكشف عن قول المعصوم، لكنّها تكشف عن وجود الدليل المعتبر قطعاً، فإنَّ هؤلاء الفقهاء لا يمكن أن يستندوا في فتاواهم إلى هوى النفس فيكون الإجماع حجّة من جهة كشفه عن الدليل المعتبر.

هذا صحيح، ولكنّ الكلام في أنَّ هذا الدليل الذي اعتمدوا عليه هل هو معتبر عندنا أيضاً أو لا؟ فإنَّ الشيخ الطوسي والسيّد المرتضى وغيرهم اعتمدوا في فتاواهم على شيء قطعاً، ولكنّ الكلام في أنَّ الدليل الذي اعتمدوا عليه إذا وصل إلينا هل يكون دليلاً أو لا؟ والمفروض أنَّ المباني مختلفة، فربّما تمسّك السيّد المرتضى بالبراءة في مورد الاشتغال، فلا يمكن اتّباعه، أو لا يكون دليلاً 

ــــــــــ[349]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

عندنا من جهة السند أو الدلالة أو وجود المعارض أو عدم توفّر أركان الاستصحاب، وهكذا.

فنحن وإن كنّا إجمالاً نعلم أنَّ هذه الفتاوى صدرت عن دليل تامّ الدليليّة عندهم، لكن كونها تامّة عندنا أو لا، فهذا لم يثبت.

إذن، لا يمكن الاعتماد على الإجماع من جهة كشفه عن دليل معتبر.

الوجه الثاني: إنَّ جميع الفقهاء، لا يمكن أن يكونوا على خطأ لما ورد عن النبيأنَّه قال: “لَا تَجْتَمِعُ‏ أُمَّتِي‏ عَلَى‏ ضَلَالَة(1) والمراد بالأُمّة الأُمّة الواقعيّة وهم الشيعة، فإذا فرضنا أنَّ جميع فقهاء الشيعة اتّفقوا على أمر فلا يمكن أن يكون ذلك ضلالاً، فلابدَّ أن يكون مطابقاً لقول المعصوم.

وهذا أيضاً باطل، فإنَّ الرواية مرويّة من قبل العامّة وضعيفة السند، ولم يعلم صدورها عن النبي، وعلى تقدير صحتها فليس المقصود من الأُمّة الإسلاميّة خصوص الشيعة، بل المسلمين أجمع، كما في قوله: “تفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة(2) فالمراد بالأُمّة من شهد الشهادتين، سواء كان مؤمناً أو لم يكن، فلو سلّمنا أنَّ مسألة كانت مسلّمة بين جميع المسلمين بلا خلاف بينهم، وفرضنا أنَّنا نعلم بمطابقتها للواقع، أمّا خصوص الشيعة فلا.

ــــــــــ[350]ــــــــــ

(1) سنن ابن ماجة 5: 441، باب 8، السواد الأعظم، الحديث: 3950.

(2) الكافي 8: 224، حديث يأجوج ومأجوج، الحديث: 283، الخصال 2: 585، من روى أنَّ الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، الحديث: 11.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

إذن، كلّ هذه الأُمور لا تتمّ. إذن، فالإجماع لا يكون حجّة بشمول أدلّة حجّيّة خبر الواحد له.

فالاتّفاق في جميع الأعصار من جميع الفقهاء لا يمكن الالتزام بحجّيّته، لعدم كشفه عن رأي المعصوم لا بالملازمة العقليّة ولا العاديّة، وعدم كشفه عن الدليل المعتبر، ومع ذلك لا يمكن الجرأة على مخالفة الإجماع، فالفتوى على طبق الإجماع مشكل ومخالفته أشكل(1)، كما قال الشيخ الأنصاري في باب المعاطاة: إنَّ اعتبار شرطيّة اللفظ مشكل ومخالفة المشهور أشكل، فالأولى في هذه الموارد رعاية الاحتياط، فإنَّه سبيل النجاة.

هذا تمام كلامنا في الإجماع.

ــــــــــ[351]ــــــــــ

(1) المكاسب 3: 50، 51.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9




حجّيّة الشهرة

 

الشهرة على ثلاثة أقسام، وهي: الشهرة الروائيّة، والشهرة العمليّة، والشهرة الفتوائيّة.

القسم الأوّل: الشهرة الفتوائيّة، وهي أن تكون الرواية مشهورة بين الأصحاب، ونقلها جماعة كثيرون عن المعصومين، ويقابله الرواية التي ليست بمشهورة اختصّ بروايتها بعض دون بعض.

والشهرة بالفتوى، هي الفتوى بوجوب شيء أو حرمته أو صحّته أو بطلانه أو شرطيّته أو مانعيّته، بشكّل مشهور بين الفقهاء وأفتى به الكثير منهم، ولو كانت المسألة خالية من النصّ.

والمقصود من الكلام فيها إنَّما هو في حجّيّة الشهرة الفتوائيّة، وأنَّ الفتوى إذا كانت مشهورة بين الفقهاء، فهل تكون حجّة أو لا؟ 

القسم الثاني: الشهرة العمليّة، وهي عبارة عن أنَّ الرواية عمل بها كثير من الأصحاب، فيقال: إنَّ الرواية مشهورة من حيث العمل وإن لم تكن مشهورة من حيث النقل. 

وأمّا الشهرة العمليّة فموردها ما إذا لم تكن الرواية في نفسها حجّة، بل كانت من جهة الإرسال أو ضعف الراوي غير متّصفة بالحجّيّة، فقيل: إنَّ 

ــــــــــ[352]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الشهرة العمليّة موجبة لحجّيّة الرواية، وينجبر ضعف الرواية بها.

القسم الثالث: الشهرة الروائيّة، فقد قيل إنَّها من المرجّحات للروايتين المتعارضتين، فإنَّه إذا تعارضت روايتان، وكان الأمر دائراً بين النفي والإثبات، فإذا كانت إحداها مشهورة معروفة والأُخرى غير مشهورة، تكون الشهرة مرجّحة للرواية المتّصفة بها فتقدّم على الأُخرى، ومورد الكلام هو فيما إذا كانت كلتا الروايتين لولا التعارض حجّة، ولكن لا يتّصفان بالحجّيّة الفعليّة لأجل التعارض والتنافي، فلا يمكن الأخذ بأحدهما لأنَّه ترجيح من غير مرجّح، فذكروا: الشهرة الروائيّة من المرجّحات.

فهذه المسائل كلّها محلّ بحث:

بيان الشهرة الروائيّة

وهل تكون مرجحّة للرواية أو لا؟ المعروف أنَّها مرجحة في مقام التعارض، واستندوا في ذلك على روايتين: 

الأوّلى: مقبولة عمرو بن حنظلة، وإنَّما سميت بالمقبولة؛ لأنَّ الأصحاب تلقوها بالقبول، وورد فيها: المجمع عليه أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإنَّ المجمع عليه لا ريب فيه(1)

قالوا: أنَّ المراد بالمجمع عليه المشهور لا المتّفق عليه بين الأصحاب، ولذلك فرض في مقابله الشاذّ النادر، ولذلك تكون هذه المقبولة دليلاً على أنَّ الحدثين المتعارضين إذا كان أحدهما مشهوراً معروفاً والآخر شاذّاً، فيؤخذ 

ــــــــــ[353]ــــــــــ

(1) الكافي 1: 67، باب اختلاف الحديث، الحديث: 10.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

بالمشهور ويترك الشاذّ النادر، ثُمَّ قال: وإنَّما الأُمور ثلاثة: أمر بيَّن رشدْ فمتّبع، وأمر بين غيّه فمجتنب، وأمر مشكل يرد حكمه إلى الله تعالى.

الثانية: ما رواه ابن أبي جمهور الإحسائي عن العلّامة في بعض كتبه عن زرارة، أنَّه سئل الإمام عن الروايتين المتعارضتين… فقال: “خُذْ بِمَا اشْتَهَرَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ وَدَعِ الشَّاذَّ النَّادِر(1).

ولكن الظاهر أنَّ هذا لا يتمّ، لأنَّ الروايتين ضعيفتان فلا يمكن الاستدلال بهما على حكم شرعي، فإنَّ عمرو بن حنظلة مجهول الحال ولم يوثّق، وذكرنا في بحث الفقه(2): “أنَّ يزيد بن خليفة يقول للإمام: إنَّ عمر بن حنظلة قد أتانا عنك بحكم قال: إذن، لا يكذب علينا“، وهذا توثيق له. لكنَّ الرواية ضعيفة؛ لأنَّ يزيد بن خليفة مجهول، فتكون رواية بن حنظلة ضعيفة، ومجرّد قبول الأصحاب لها لا يفيدنا شيئاً.

وأمّا الثانية فإنَّها أسوأ حالاً من الأُولى، فإنَّها غير موجودة إلَّا في عوالي (غوالي) اللئالي، ويرويها عن أحد كتب العلّامة، ولم توجد الرواية في كتبه، وعلى تقديره فهي مرفوعة، فلا تكون حجّة. وهذا الكتاب وصاحبه قد ناقش فيهما صاحب الحدائق(3) الذي ليس من دأبه المناقشة في الروايات الضعيفة، 

ــــــــــ[354]ــــــــــ

(1) عوالي اللئالي 4: 133، الجهة الثانية في الأحاديث المتعلقة بالعلم وأصله وحامليه، الحديث: 229.

(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 115.

(3) انظر: الحدائق الناضرة 1: 99.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

ويرى أنَّ المناقشة في حجّيّة روايات الكتب الأربعة غير تامّة.

وأمّا دعوى أنَّ ضعفها منجبر بعمل الأصحاب فلو تمّ كبرىً فنحتمل أنّهم عملوا برواية عمرو بن حنظلة من أجل أنَّهم رأوا لزوم الأخذ برواية كلّ شيعي لم يرد فيه طعن لأصالة العدالة، وهذا المعنى لم يثبت عندنا، بل لابدَّ من النصّ على توثيقه، ولا أقلّ من مدحه، ومجرّد كون الراوي شيعيّاً لم يرد فيه قدح غير كافٍ. وأمّا مرفوعة زرارة فلم يثبت أنَّ الأصحاب عملوا بها، حتّى يُقال إنَّها منجبرة بعملهم.

على أنَّنا نتكلّم إن شاء الله في أنَّ هذه الكبرى لا أساس لها، وهي أنَّ ضعف الرواية ينجبر بعمل المشهور. هذا من حيث السند.

وأمّا من جهة الدلالة فكلا الروايتين ليس فيهما دلالة على المراد؛ فإنَّ المراد بالمجمع عليه في المقبولة، هو: ما اتّفق الأصحاب بالحكم على طبقه، وكان صدوره من الإمام مسلّماً، ولذا أدرجه فيما هو بين رشده فيتّبع، والبين رشده هو الصادر من الإمام، ويكون مقابله الشاذّ النادر، فإنَّه من المشتبه الذي لا بيّن رشده ولا غيه؛ إذ يمكن أن يكون صادراً من الإمام، ويمكن أن لا يكون صادراً، فمقصوده -لو صحّت الرواية- أنَّه في كل مورد دار الأمر فيه بين روايتين إحداهما صادرة من المعصوم والأُخرى مشكوكة يؤخذ بالأُولى دون الثانية (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك). إذن، فالرواية في مقام تمييز الحجّة عن اللاحجّة لا في مقام الترجيح.

وبذلك يظهر الحال في المرفوعة على تقدير تسليم سندها، فإنَّ الخبر 

ــــــــــ[355]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

المشهور هو المعروف من شهر فلان سيفه، وهو الذي يعرفه(1) الناس ولا ينكرونه، فهاتان الروايتان أجنبيتان عن الترجيح بالكلّيّة.

بيان الشهرة الفتوائيّة

إذا كانت الفتوى مشهورة عند الفقهاء، ولم نكن نعرف لفتوى المشهور مدركاً ولا مستنداً من أصل أو أمارة، فهل تكون الشهرة حجّة بنفسها ومن الظنون الخاصّة، أو لا أساس لها طبقاً لما اشتهر على الألسن من أنَّه: ربّ مشهور لا أصل له؟ فإنَّ كلّ فرد منهم محتمل الخطأ والإصابة، وضمّ الاحتمال إلى الاحتمال لا ينتج إلَّا الاحتمال!!

ذهب جماعة إلى حجّيّة الشهرة كصاحب الرياض(2)؛ إذ يستدلّ على المسألة بالشهرة والإجماع المنقول، بحيث تكون الشهرة دليلاً على المسألة، ومقتضية للفتوى على طبقها، ولو لم يوجد دليل سواها، والكلام في مدرك هذا القول.

استندوا في ذلك على وجوه:

الوجه الأول: الروايتان المتقدّمتان: مقبولة عمر بن حنظلة ومرفوعة زرارة، فإنَّ قوله في المقبولة: “المجمع عليه بين أصحابك” وإن كان وارداً في الروايتين المتعارضتين، وقوله في المرفوعة: “خذ بما اشتهر بين أصحابك“، مختصّ في الحاكمين اللذين استند أحدهما إلى رواية على خلاف ما استند إليها 

ــــــــــ[356]ــــــــــ

() كأنَّ السيّد الأُستاذ يريد أن يقول: إنَّ المشهور في الرواية بمعنى المجمع عليه بين أصحابك، وهو كما ترى، ولا يقوم ما ذكر بإثباته، كما هو واضح. (المقرّر).

(2) رياض المسائل 4: 355.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الآخر، فقالوا: إنَّ هذه المقبولة تدلّنا على أنَّ المجمع عليه لا ريب فيه، ولا ينافي ذلك ورودها مورد الشهرة الروائيّة، إلَّا أنَّنا نأخذ بإطلاق قوله: “لا ريب فيه”، وكذلك الحال في المرفوعة، فإنَّ الموصول معرفه صلته، يعني: خذ بالذي اشتهر بين الأصحاب، أعمّ من الشهرة الروائيّة والشهرة في الفتوى.

وقد ظهر جواب هذا الاستدلال بما ذكرناه، وذلك:

أوّلاً: كلا الروايتين ضعيفتان وغير قابلتين للاستناد عليهما في مقام الفتوى.

وثانياً: لا دلالة لهما، فإنَّنا قلنا: إنَّ المراد بالمجمع عليه هو المتّفق عليه، لقوله: “إنَّ المجمع عليه لا ريب فيه“، وأدرجه في قوله: “أمر بين رشده فيتبع” ولا ينافي ذلك أن يفرض له معارض نادر؛ إذ نحتمل صدوره أيضاً، مع كون هذا معلوم الصدور، لو لا الحكم الواقعي ولو تقيّة، يعني: أنَّ العلم بصدور هذه الرواية لا يوجب الجزم بعدم صدور الأُخرى، بل من الممكن أن يكون كلاهما صادراً، ولكن أحدهما لم يقصد به بيان الحكم الواقعي.

وقلنا: إنَّ المشهور هو الواضح الظاهر المعلوم الصدور، لا المشهور المصطلح عليه في زماننا هذا. إذن، فالروايتان ساقطتان سنداً ودلالة.

ثالثاً: أنَّنا إذا فرضنا أنَّ الشهرة حجّة بمقتضى هاتين الروايتين، وفرضنا أنَّهما تامّتان سنداً ودلالة، وأنَّ معنى المجمع عليه هو المشهور، ولكن لا يمكن التعدّي من الشهرة الروائيّة إلى الشهرة الفتوائيّة، ففي المرفوعة يتكلّم الإمام عن الروايتين المتعارضتين، لا كلّ مشهور، وإن لم تكن الشهرة في 

ــــــــــ[357]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الرواية. وكذلك الحال في المقبولة، وإنَّما أمر الإمام بالأخذ بالرواية المجمع عليها بين الأصحاب، لا كلّ مجمع عليه، وإن لم يكن من جنس الرواية.

وتوضّيحه يظهر من التأمّل في نظائر هذا الكلام، فإذا قيل لشخص: (أيّ المساجد أحبّ إليك) فقال: (ما كان الاجتماع فيه أكثر) فإنَّه لا يفهم منه العرف أنَّ كلّ مجلس فيه الاجتماع أكثر هو أحبّ إليه، حتّى ولو لم يكن مسجداً، أو إذا قيل له: (أيّ الرمانتين إليك أحبّ) فقال: (الأكبر) لا يفهم منه عرفاً أنَّ كلّ شيء كان أكبر فهو أحبّ إليه وإن لم يكن رمّاناً.

إذن، فمثل هذا الكلام لا إطلاق له، بل السؤال يكون قرينة على أنَّ المراد به هو خصوص الرواية، لا الأعمّ منها ومن الفتوى، لكي تكون الشهرة في الفتوى حجّة. هذا هو الوجه الثاني(1).

الوجه الثالث(2): وحاصله: أنَّ التعليل الوارد في آية النبأ، وهو قوله تعالى: أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (3). يدلّ على أنَّ 

ــــــــــ[358]ــــــــــ

() كذا قال السيّد، ولعلّه بلحاظ أنَّه جعل كلّ رواية وجهاً مستقلاًّ للاستدلال على حجّيّة الشهرة الفتوائيّـة. وإلَّا فإنَّـه مع دمجهمـا يكونان وجهاً واحداً، والأمـر سـهل. (المقرّر).

(2) ألقى السيّد في هذا اليوم محاضرة لم أوفق إلى حضورها لوجودي بخدمة والدي في بغداد لإجراء العمليّة، إلَّا أنَّها وصفت بكونها مختصرة، وقد أعاد جملة من مضامينها في محاضرة ليلة الأربعاء. ولعلّه لم يبق في المجموع نقيصة. (المقرّر).

(3) الحجرات: 6.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الشهرة حجّة، فإنَّ التعليل أناط وجوب التبيّن بإصابة القوم بجهالة، فيدلّنا على أنَّه ما دام ليس هناك إصابة، وكان الفعل أمراً عقلائيّاً فلا بأس ولا يجب التبيّن عنه، ولا يلزم منه إصابة القوم بجهالة، يعني: ارتكاب أمر غير عقلائي، ولا يحصل الندم، وحيث إنَّ العمل على الشهرة ليس خلاف العقل، بل هو أمر عقلائي؛ إذ نرى أنَّ أهل الدقّة والتحقيق والعدالة يفتون بشيء فيتبعهم الإنسان ويفتي على طبق فتواهم، فلا يكون ذلك أمراً سفهيّاً، بل متعارفاً عند العقلاء. هذا ملخص هذا الوجه.

والجواب عن ذلك: بمنع الصغرى والكبرى.

أمّا الصغرى فلأنَّ الجهالة إمّا أن نفسّرها بمعنى السفاهة والإتيان بأمر غير عقلائي، أو نفسّرها بمعنى الجهل في مقابل العلم، وعلى كلا التقديرين العمل بالشهرة الفتوائيّة داخل في منطوق الآية، وأمّا إذا كان بمعنى الجهل في قبال العلم فمعلوم؛ إذ نحتمل وجداناً أن تكون هذه الفتاوى كلّها مخالفة للواقع، ولا سيّما أنَّ المخالف موجود وليس إجماعاً، غايته: أنَّ المخالف قليل، وربّ مشهور لا أصل له ولا واقع له، وقد يكون الواقع على خلاف الشهرة، فإن كان المقصود بالجهالة غير العلم فالعمل بالشهرة أيضاً كذلك، فيكون داخلاً في منطوق الآية فتدلّ الآية على عدم الوجوب.

وإذا فسّرنا الجهالة بمعنى السفاهة وارتكاب ما لا ينبغي أن يرتكب، فأيضاً كذلك، فإنَّنا ذكرنا غير مرّة أنَّ المكلّف يجب أن يكون مأموناً من 

ــــــــــ[359]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

العقاب، كما قال الله تعالى: إِنَّ المُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ(1)، بمعنى: أن يكون جازماً بعدم العقاب، فإنَّ احتماله يجب دفعه بحكم العقل، وقلنا: إنَّ ارتكاب العصيان التحقيقي ليس عقابه جزميّاً لاحتمال أنَّ الله تعالى يغفر أو أنَّ أحد الأولياء يكون شافعاً، إلَّا أنَّ الاستحقاق جزمي والاحتمال موجود، وهذا الاحتمال يجب ردعه بحكم العقل لا محالة.

وإذا فرضنا أنَّ الشهرة لم تثبت حجّيتها، ونحتمل أن تكون مخالفة للواقع، فبماذا ندفع احتمال العقاب؟ فإنَّنا بالضرورة نحتمل العقاب عليه، فإذا احتملنا الوجوب وكانت الشهرة قائمة على الإباحة، فكيف نتركه ونحن نحتمل العقاب على تركه؟ والمفروض أنَّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا تكون جارية.

وملخص الكلام: أنَّ اتّباع ما لم تثبت حجّيّته فعل سفهي لابدَّ من قيام دليل عليه، والجزم بأنَّ هذا مؤمّن، وإلَّا كان اتّباع الشهرة سفهيّاً، فالصغرى ممنوعة.

وأمّا الكبرى فنفرض أنَّ اتّباع الشهرة ليس سفهيّاً، فالكبرى ممنوعة، يعني: لا يستفاد من الآية: أنَّه كلّما لم يكن الأمر سفهيّاً يجب العمل على طبقه، فإنَّ معنى قولنا: التعليل يعمّم ويخصّص، أنَّ الحكم الثابت لعنوان إذا كان معلّلاً بعلّة فإنَّه يخصّص ذلك العنوان، كقولنا: (لا تأكل الرمّان لأنّه حامض) فإنَّ هذا التعليل يكون قرينة على التخصيص، وأنَّ الحكم ثابت على الرمّان بصفته حامضاً، فنتعدّى إلى كلّ حامض، وكذلك: (لا تشرب الخمر لأنَّه 

ــــــــــ[360]ــــــــــ

(1) الدخان:51.

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

مسكر) فنتعدى به إلى كلّ مسكر، وليس معناه: أنَّه كلّما ارتفعت العلّة لا يثبت هذا الحكم، فإنَّ هذا يدور مدار انحصار العلّة، وإلَّا فإنَّه لا يدلّ الكلام على ارتفاع الحكم عند ارتفاع العلّة في موضوع آخر، فقولنا: (لا تشرب الخمر لأنَّه مسكر) لا يدلّ على أنَّ الحرمة لا تثبت لكلّ ما لا يكون مسكراً، فمن أين نستفيد ذلك؟ إذ قد يكون الشيء حراماً لا للإسكار، بل لأمر آخر ككونه تصرّفاً في مال الغير، أو نجساً فيحرم شربه أو غير ذلك.

فلا يستفاد من الكلام أنَّ الحكم مطلق يدور مدار هذه العلّة وجوداً وعدماً. نعم، بالنسبة إلى نفس الموضوع هو كذلك، فإنَّ قولنا: (لا تأكل الرمّان لأنَّه حامض) يقيّد الرمّان بالحموضة، وأمّا أنَّ كلّ شيء ليس بحامض ليس بحرام، فلا يدلّ الكلام عليه، وأنَّ الحرمة والسكر علّة منحصرة، فإنَّ هذا يحتاج إلى دليل آخر.

فالآية غاية ما يستفاد منها: أنَّه كلّما يكون فيه إصابة القوم بجهالة فيجب التثبّت منه، ولا يختصّ ذلك الحكم بالعمل بخبر الفاسق، بل يعمّ كلّ ما كان كذلك كالعمل بخبر المجنون وخبر الصبي، ولا سيّما إذا كان صغيراً جدّاً.

وأمّا أنَّ الآية تدلّ على أنَّه كلّما لم يكن فيه إصابة فهو جائز ولا يجب التبيّن عنه، فمن أين يستفاد هذا؟! فليست الإصابة علّة منحصرة لوجوب التبيّن، بل لعلّ له سبباً آخر فيجب التبيّن في مورد آخر.

فعلى تقدير أن نسلّم أنَّ العمل بالشهرة لا يكون سفهيّاً، فإنَّه لا يستفاد من الآية جواز العمل على طبق الشهرة، وجعلها دليلاً في المسألة الشرعيّة، فإنَّ هذه 

ــــــــــ[361]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الآية لا مفهوم لها، فإثبات كون عنوان آخر غير الخبر أيضاً لا يجب التبيّن عنه يحتاج إلى دليل آخر، ولا يمكن استفادته من الآية.

فالمتحصّل مّما ذكرناه: أنَّ الشهرة الفتوائيّة لا تكون حجّة، لا من جهة الروايتين للمناقشة فيهما سنداً ودلالة، ولا من جهة الوجه الثاني، وهو: أنَّ الظن الحاصل من الشهرة أقوى من الظنّ الحاصل من خبر الواحد فتكون أولى منه بالحجّيّة؛ إذ قلنا: إنَّنا نحتمل الفرق، وأقلّه أنَّ خبر الواحد حسيّ ولا يجوز التعدّي منه إلى الخبر الحدسي. فالصحيح أنَّ الشهرة لا تكون حجّة.

ــــــــــ[362]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9 









 

 

الفهرس 

 

[بحوث تمهيديّة] 11

[المبادئ للاستنباط ] 11

في القسمة الثلاثيّة 16

في القسمة الثنائيّة 19

الفرق بين الحكم الفعلي والانشائي 22

شكّ المجتهد في حكم متعلّق بالمقلّد 27

ما نسبه الميرزا إلى الشيخ الأعظم 29

التحقيق 30

مباحث القطع 37

الكلام في طريقيّة القطع وكاشفيّته 37

حجّيّة القطع ومنجّزيّته 39

الوجه الأوّل: ما ذهب إليه المحقّق الأصفهاني  ونقده 39

الوجه الثاني: أنَّ العقل مدرك فقط 42

مبحث التجرّي 48

ــــــــــ[363]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

عدم اختصاص البحث بالقطع 51

تفصيل الكلام في المقام 52

في إطلاق الأدّلة 56

مقدّمات متخيّلة 58

النقاش في المقدّمات المزبورة 60

حقيقة القطع 66

الكلام في الجهة الفقهيّة 84

الجمع عند الشيخ الأعظم 89

تفصيل صاحب الفصول 96

نقد الدعاوى 98

تقسيم القطع إلى طريقي وموضوعي 101

الخلاف بين صاحبي الرسائل والكفاية (قدّس سرّهما) 103

ما ذكره شيخنا الأستاذ ونقضه 103

في الفروع التي ذكرها الشيخ الأنصاري 116

الفرع الأوّل: 116

الفرع الثاني: مسألة التداعي بين الثمن والمثمن 122

الفرع الثالث: الجنابة المردّدة بين شخصين 124

الفرع الرابع: وهو ما إذا وقع النزاع بين شخصين 126

الفرع الخامس والأخير(): [الإقرار بالعين لأكثر من شخص] 128

ــــــــــ[364]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

أخذ القطع في موضوع حكم أخر مماثل للحكم المقطوع به 132

التقسيم الذي ذكره الشيخ الأنصاري 138

الخدشة فيما قاله المحقّق الخراساني 140

قيام الأمارات مقام القطع الطريقي 143

قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي 144

الأقوال في ذلك ثلاثة 144

الثمرة المترتّبة 152

الفارق بين الأمارات والأصول المحرزة 155

الأصول غير المحرزة 159

ما ذكره صاحب الكفاية معلّقاً 163

اتّحاد الظنّ مع القطع 169

ما اختاره الميرزا ونقله 170

ما اختاره الآخوند ونقده 172

وجوب الموافقة الالتزاميّة 174

الكلام في الجهة الأُولى 175

الكلام في الجهة الثانية 176

قطع القطّاع 180

مباحث العلم الإجمالي 185

ذهاب صاحب الكفاية إلى الترخيص 189

ــــــــــ[365]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الشيخ الأنصاري وعدم إرادة الإطلاق 197

ردّ كلام الشيخ الأنصاري 198

الاكتفاء بالامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي 203

في التوصّليّات 204

النقاش في العقود والإيقاعات 205

في العبادات 207

الصحيح في المقام 215

التحقيق بما لو كان الاحتياط مستلزماً للتكرار 219

الكلام في الظنّ المعتبر 223

جواز الاقتصار على الحجّة الفعليّة 224

الكلام في الظنّ المطلق 227

مباحث الظن 233

التفّرقة في حجّيّة الظنّ 235

الإمكان الوقوعي 238

الرأي المختار 240

دليل القول بالاستحالة 242

مسلك السبّبية 249

الوجه الأوّل: ما نسب إلى الأشاعرة 249

الوجه الثاني: المنسوب إلى المعتزلة 250

ــــــــــ[366]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

الوجه الثالث: المصلحة السلوكيّة 252

مسلك الطريقيّة 257

فرض اجتماع المثلين والضدّين 259

الوجه الأوّل 261

الوجه الثاني 264

تفصيل الميرزا النائيني 269

الصحيح في الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة 277

في تأسيس الأصل عند الشكّ في الحجّيّة 284

الكلام في ما ذكره الشيخ الأعظم في المقام 284

وقوع الخلط عند الشيخ الأعظم 287

بيان صحّة ما أفاده الشيخ الأعظم 288

نسبة أدّلة الحجّيّة إلى العمومات 290

ما يقتضيه التحقيق 291

إمكان التمسّك بالاستصحاب 295

حجّيّة الظهور 300

اختصاص حجّيّة الظهور بمن قصد افهامه 301

جوابنا على ما ذكره صاحب القوانين 306

الأخذ بظواهر الكتاب 310

تنبيه 321

ــــــــــ[367]ــــــــــ

تقريرات في علم أصول الفقه ج9

حجّيّة قول اللغوي 327

الوجه الأوّل: الرجوع إلى أهل الخبرة 327

الوجه الثاني: الاجماع 329

الوجه الثالث: انسداد باب العلم 330

الإجماع 334

حجّيّة الإجماع المنقول 334

في انقسام الخبر 335

دعوى التفصيل في نقل الإجماع 339

نقد التفصيل المدّعى 341

حجّيّة الاجماع المحصّل 343

الشيخ الطوسي وقاعدة اللطف 344

الملازمة العاديّة 346

وجهان آخران 349

حجّيّة الشهرة 352

بيان الشهرة الروائيّة 353

بيان الشهرة الفتوائيّة 356

الفهرس 363