تقريرات في علم أصول الفقه
الجزء العاشر
261
ص44 الصدر، محمد.
تقريرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج10 (320ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1744/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1744) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
1-20-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
تقريرات في
علم أصول الفقه
تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ
آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء العاشر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ويحتوي على:
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الكلام في حجّيّة خبر الواحد
ــــــــــ[13]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وقلنا: إنَّ هذا الباب من أهمّ المسائل الأُصوليّة؛ إذ يترتّب عليها انفتاح باب العلمي وانسداده، فإنَّنا لو بنيّنا على الحجّيّة لا تصل النوبة إلى دليل الانسداد؛ إذ يكون خبر الواحد وافياً بمعظم الأحكام الشرعيّة، وأمّا إذا أنكرناها وقلنا على عدم جواز العمل إلَّا بخبر يقطع بصدوره إمّا بالتواتر أو بالقرينة، فحينئذٍ تنتهي النوبة إلى العمل بالظنّ.
ولا ينبغي الشكّ في أنَّ الأحكام الشرعيّة أكثرها غير ضروريّة ولا قطعيّة، وما كان منها ضروريّاً فهو ثبوت بعضها في الجملة، كوجوب الصلاة والصوم والحجّ ونحوها، وأمّا خصوصيَات هذا الواجب فأيضاً ليست ضروريّة ولا قطعيّة.
إذن، فلا يمكننا إثبات الأحكام الشرعيّة بالعلم إلَّا في موارد نادرة، ولا بدَّ أن ينتهي الأمر إلى الحجّة الشرعيّة، ولا يمكن الاقتصار على القطع.
ــــــــــ[15]ــــــــــ
(1) كانت بداية الشروع يوم السبت بتأريخ: 9/7/1387 هـ، 14/10/1967 م. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وأكثر ما يستفاد منه الحكم إنَّما هو هذه الأخبار المودعة في الكتب المعتبرة، واستنباط الحكم الشرعي يتوقّف على أُمور(1):
[الأمر] الأوّل: صدور هذه الأخبار من المعصوم لتكون حجّة؛ إذ لو لم تكن كذلك ولو تعبداً، لا تكون حجّة، لأنَّها تكون كلاماً صادراً من غير المعصوم فيحتمل فيه الخطأ والصواب، فيدخل في مطلق الظنّ الذي ذكرنا عدم كونه حجّة.
الأمر الثاني: أن يكون الخبر الصادر من المعصوم ظاهراً في شيء، فلو فرض كونه مجملاً لا يكون حجّة؛ إذ لا أثر للتعبّد بما هو مجمل لا يعلم المراد منه.
الأمر الثالث: بعد إثبات الظهور لا بدَّ من إثبات حجّيّة الظهور في غير الكبرى، فإنَّنا قلنا: بأنَّها ثابتة ببناء العقلاء، وأنَّها ليست من المباحث الأُصوليّة، لكونها من الواضحات التي لا يختلف فيها اثنان، وإنَّما لا بدَّ من إثبات حجّيّة الظهور في مقابل اختصاصها بالمقصودين بالإفهام كما تقدّم الكلام فيه، فلا بدَّ من إثبات حجّيّتها إمّا لأنَّنا مقصودون بالإفهام كالمخاطب السامع، أو بدعوى: أنَّ الحجّيّة غير مختصّة بالمقصودين بالإفهام.
ــــــــــ[16]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 237، 238.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الأمر الرابع: لا بدَّ من إثبات أنَّ هذا الظهور الكاشف عن المراد ببناء العقلاء، وهو ظهور صادر بداعي الجدّ لا بداعي التقيّة أو غيرها، فهذا يرجع إلى جهة الصدور، وأنَّ الكلام صادر لإثبات الحكم الواقعي، والمتكفّل لهذا الأمر هو بناء العقلاء؛ فإنَّه لا ينبغي الشكّ في أنَّ أيّ متكلّم إذا تكلّم بكلام فإنَّه يحمل على الجدّ، وأنَّه مسوق لبيان المراد الواقعي جدّاً، لا لاستهزاء أو خوف، فإنَّ هذه الدعوى لا تسمع.
كما أنَّ المتكفّل لحجّيّة ظهور هذه الروايات من جهة أنَّ الغائبين والمعدومين غير مقصودين بالإفهام -كما تقدّم- كما أنَّ أصل الظهور نتمّمه باعتبار اللغة أو الفهم العرفي، كظهور الأمر بالوجوب أو النهي بالحرمة.
والكلام فعلاً -بعد أخذ سائر الجهات مفروغاً عنها- في إثبات الصدور، وفي أنَّ هذه الألفاظ بما لها من المعنى، هل صدرت من المعصوم أو لم تصدر منه؟ باعتبار أنَّ الراوي يحتمل فيه الصدق والكذب؛ إذ لعلّه أخطأ أو اشتبه، ولا يقين بصدور هذا الكلام من المعصوم.
وحيث قلنا: إنَّ هذه المسألة ومسألة إثبات حجّيّة ظهور هذه الروايات من أهمّ المسائل الأُصوليّة، فإنَّه يبتنى عليها انفتاح باب العلمي، كما أنَّ إنكار أحد الأمرين: أصل الصدور، أو دعوى اختصاص الحجّيّة بالسامعين ملازم لانسداد باب العلمي، كما أنَّ باب العلم منسدّ وجداناً، فيقع الكلام في الخبر من جهة صدوره، فهل هناك دليل على أنَّ هذا الخبر المحتمل الصدق والكذب صادر من المعصوم أو لا؟
ــــــــــ[17]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ومن هنا قد يستشكل في أنَّ هذه المسألة على أهمّيّتها لا بدَّ من الالتزام بأنَّها ذكرت استطراداً، وليست من المسائل الأُصوليّة، فإنَّ موضوع المسائل الأُصوليّة على ما ذكروه(1): الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، وهذه المسألة لا يبحث فيها عن شيء من هذه الأُمور. أمّا عن الكتاب والإجماع والعقل فواضح، وأمّا أنَّها لا تبحث عن السنّة، فلأنَّ السنّة عبارة عن قول المعصوم وفعله وتقريره، وهذا الخبر هو قول زرارة ومحمّد بن مسلم وغيرهما، فالبحث فيه ليس بحثاً عن السنّة أيضاً، فكيف تدخل هذه المسألة في المسائل الأُصوليّة؟
ومن هنا أتعب شيخنا الأنصاري(2) نفسه في إدخال هذه المسألة بما لها من الأهمّيّة في المسائل الأُصوليّة، بدعوى: أنَّ البحث عن حجّيّة خبر الواحد يرجع إلى إثبات الصدور، وأنَّ السنّة هي قول المعصوم وفعله وتقريره، فهل تثبت بخبر الواحد أو لا؟ فالبحث عن ثبوت السنّة بالخبر بحث عن أحوال السنّة، فيدخل في المسائل الأُصوليّة.
وأورد عليه صاحب الكفاية(3): أنَّ هذا لا يمكن الالتزام به، فإنَّ المراد بالصدور إمّا أن يكون هو الصدور التعبّدي، أو هو الصدور التكويني، فإنَّ قولنا: إنَّ السنّة هل تثبت بخبر الواحد؟ إمّا أن يُراد به الثبوت التكويني، وهو
ــــــــــ[18]ــــــــــ
(1) انظر: القوانين 1: 47، الفصول الغرويّة: 4، تقريرات المجدّد الشيرازي 3: 272.
(2) انظر: فرائد الأُصول 1: 238، 239.
(3) انظر: كفاية الأُصول: 293.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ليس مراد الشيخ جزماً، إلَّا أنَّ صاحب الكفاية يشقّق فيقول: أو يُراد به الثبوت التعبّدي.
فإن أُريد به الثبوت التكويني، فهو على خلاف الواقع جزماً، فإنَّ السنّة الواقعيّة هي قول المعصوم وفعله وتقريره، وهذه لا تثبت بخبر الواحد ثبوتاً تكوينيّاً خارجيّاً؛ لأنَّ خبر الواحد ليس من علّل السنّة، فإنَّ السنّة محكيّة بالخبر، لا أنَّ الخبر علّة للسنّة، وهذا واضح؛ إذ إنَّ السنّة لا تتكوّن في الخارج بواسطة الخبر، بل هو متأخّر عن السنّة، فلو كانت موجودة فالثبوت التكويني الخارجي لا معنى له.
وكذلك الثبوت التكويني في عالم الذهن، يعني: العلم والتصديق، فإنَّ الخبر هل يكشف عن السنّة وتكون معلومة به، وهذا أيضاً معلوم فإنّها لا تكون موجبة للعلم، وإلَّا لما احتجنا إلى البحث عن الحجّيّة، فإنَّ مفروض كلامنا هو الخبر غير المقرون بالقرينة، وإلَّا فالخبر المقرون بها أو المتواتر خارج عن محلّ الكلام، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ ما يحتمل فيه الصدور وعدمه هل يوجب العلم بوجود الواقع -وهو السنّة- أو لا يوجبه؟ فالثبوت التكويني غير مراد جزماً.
فلا بدَّ وأن يُراد بالثبوت الثبوت التعبّدي، وحينئذٍ يصحّ أنَّ يُقال: إنَّ السنّة هل تثبت تعبّداً بخبر الواحد أو لا؟ وهل الشارع جعل الخبر كاشفاً عن السنّة تعبّداً أو لا؟ ولكنّ البحث حينئذٍ يكون عن عوارض الخبر لا عن عوارض السنّة، فإنَّنا وأن أخذنا السنّة في الموضوع صورة، فكان البحث عن
ــــــــــ[19]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
عوارض السنّة، لكن بالدقّة ليس الأمر كذلك، فإنَّ الثبوت التعبّدي إن كان هو جعل الطريقيّة والوسطيّة في الإثبات، وجعل ما ليس بعلم علماً، فمعنى قولنا: إنَّ السنّة هل تثبت بخبر الواحد أو لا؟ وإنَّ الشارع هل جعل الخبر علماً وانكشافاً أو لا؟ ومعلوم أنَّ هذا أجنبي عن السنّة، وإنَّما هو من عوارض الخبر.
وإذا كان معنى الحجّيّة ما ذكره صاحب الكفاية: أنَّه التنجيز والتعذير، فأيضاً الأمر كذلك؛ لأنَّ البحث يرجع إلى أنَّ الشارع هل جعل الخبر منجّزاً ومعذّراً أو لا؟ فيرجع البحث إلى أحوال الخبر لا أحوال السنّة.
وإذا كان معنى الحجّيّة ما نسب إلى المشهور من الالتزام بالسبّبيّة، وجعل الحكم المماثل، وأنَّه إذا أخبر العادل بشيء يجعل حكماً مثل الحكم المخبر به، على ما هو مقتضى قولهم: إنَّ ظنّيّة الطريق لا تنافي قطعيّة الحكم.
فعلى هذا المسلك الفاسد الذي يرجع إلى التصويب فالأمر يكون كذلك، فإنَّه يرجع إلى أنَّ الشارع هل جعل حكماً مماثلاً للمخبر به عند أخبار العادل أو لا؟
ففي جميع هذه التقادير لا يكون البحث عن أحوال السنّة، بل عن أحوال الخبر من جهة إعطاء صفة الطريقيّة، أو صفة التنجيز والتعذير له، أو جعله سبّباً لجعل الحكم المماثل، فالبحث عن الحجّيّة بأيّ معنى كان بحث عن أحوال الخبر لا عن أحوال السنّة.
إذن، كيف يمكن أن يُقال: إنَّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة، والبحث في خبر الواحد يرجع إلى البحث عن السنّة
ــــــــــ[20]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ومع ذلك تصدّى بعض الأعاظم(1) لإدراج هذه المسألة في المسائل الأُصوليّة ، مع التحفّظ على أنَّ الموضوع هو الأدلّة الأربعة.
وحاصل ما ذكره: أنَّ البحث في هذه المسألة هو عن تنزيل الخبر منزلة السنّة الواقعيّة، ومعلوم أنَّ التنزيل معنى إضافي يحتاج إلى المنزّل والمنزّل عليه وجهة التنزيل، فينزل زيد منزلة الأسد في كونه شجاعاً، فالمنزَّل هو زيد، والمنزَّل عليه هو الأسد، وجهة التنزيل هي الشجاعة، والمنزَّل والمنزَّل عليه متضايفان، يعني: كون الشيء منزّلاً يلازم أن يكون الآخر منزَّلاً عليه، فتارة يجعل الموضوع هو المنزّل، وأُخرى يجعل الموضوع هو المنزّل عليه، فتارة يبحث عن أنَّ زيداً هل نزّل منزلة الأسد أو لا؟ فموضوع البحث يكون هو زيد، وأُخرى يبحث عن أنَّ الأسد هل هو منزّل عليه زيد أو لا؟ فيكون البحث عن الأسد وهو الموضوع.
وفي هذا المبحث تارة يبحث عن تنزيل الخبر منزلة السنّة الواقعيّة، فيكون الموضوع في هذه القضيّة هو الخبر، فيقال: هل جعل الخبر شرعاً بمنزلة السنّة أو لا؟
وتارة يُقال: هل تنزّل السنّة منزلة الخبر؟ فيبحث عن السنة باعتبار كونها منزّلاً عليها، فالموضوع في هذه القضيّة هو السنّة، والبحث فيه عن أحوال السنّة، فيصحّ ما ذكره الشيخ من أنَّ البحث في هذه المسألة بحثٌ عن السنّة، وأنَّها هل تثبت بخبر الواحد أو لا؟ فتدخل في المسائل الأُصوليّة.
ــــــــــ[21]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية 2 :190.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ولكن هذا لا محصّل له، والوجه فيه:
أوّلاً: أنَّ غرض الأُصولي لم يترتّب على كون السنّة منزّلاً عليها، بل على كون الخبر منزّلاً منزلته؛ لأنَّ استنباط الأحكام إنَّما هو من الخبر، وهو: الروايات الواردة في الكتب المعتبرة، فالأثر لا يترتّب على جهة كون السنّة منزّلاً عليها، بل على كون الخبر منزّلاً، وهذا واضح.
وكذلك في مثل قولنا: (زيد كالأسد)، فإنَّ غرض المتكلّم بيان شجاعة زيد، وإنَّه منزّل منزلة الأسد، ولا غرض له في بيان كون الأسد منزّلاً عليه، فهذا يشبه الأكل من القفا، فلا يُقال: إنَّ البحث يرجع إلى كون السنّة منزّلاً عليها، فإنَّه لا يترتّب على هذا غرض الأُصولي.
وثانياً: أنَّ التنزيل لا أساس له أبداً، وليس هنا تنزيل أصلاً؛ فإنَّنا إذا فرضنا أنَّ الحجّيّة بمعنى الطريقيّة والوسطيّة في الإثبات فلا نظر إلى تنزيل الخبر منزلة السنّة أبداً، وإنَّما المجعول هو الطريقيّة والوسطيّة بالنسبة إلى الخبر، وفرض ما ليس بعلم علماً، والاعتبار تعلّق بهذا العنوان، لا أنَّ المؤدّى منزّل منزلة الواقع.
وإذا قلنا: إنَّ الحجّيّة بمعنى جعل التنجيز والتعذير فالأمر أيضاً كذلك. وإذا قلنا: بجعل الحكم المماثل، فمعناه: تعلّق مصلحة في الخبر تدعو الشارع إلى جعل حكم مماثل للحكم الواقعي، فأيضاً لا عنوان للمنزّل، فليس البحث في جميع هذه المباني عن تنزيل الخبر منزلة السنّة، فعلى جميع هذه التقادير لا أساس للتنزيل أبداً، فهذا الوجه لا يصحّ.
ــــــــــ[22]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فالصحيح: هو أنَّ هذا الإشكال، يعني: أنَّ بحث حجّيّة خبر الواحد بناءً على كون موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة يكون خارجاً عن موضوعه، ولا يدخل في المسائل الأُصوليّة، فهذا الإشكال يوجب عدم تماميّة هذا المبنى، وهو جعل الموضوع الأدلّة الأربعة، لا أنَّه يلزم خروج بحث خبر الواحد، مع أنَّنا قلنا: هو من أهمّ المباحث الأُصوليّة، وعليها يبتني انسداد باب العلمي وانفتاحه.
بل كما ذكرناه في أوّل بحث الأُصول(1): أنَّ كل مسألة وحدها لها دخل في الاستنباط، بحيث لو انضمّت إليها صغراها لأنتجت نتيجة فقهيّة، فهذا هو الميزان في كون المسألة أُصوليّة سواء كان موضوع البحث من الأدلّة الأربعة أو لم يكن، والالتزام بذلك بلا ملزم، فإنَّ غرض الأُصولي البحث عن قواعد تقع في طريق الاستنباط، سواء كانت من الأدلّة الأربعة أو لم تكن. هذا تمام الكلام في كون المسألة أُصوليّة.
ــــــــــ[23]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 1: 73.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ويقع الكلام في حجّيّة خبر الواحد في الجملة، وسيجيء التعرّض إلى التفاصيل.
اختار بعض: حجّيّته(1)، بل ادّعى بعضهم: أنَّ العمل بخبر الواحد إجماعي(2)، فإنَّنا لم نرَ إلى الآن من ينكر العمل به على الإطلاق.
وفي قبال ذلك أنكر حجّيّته جماعة(3)، حتّى نسب إلى السيّد المرتضى(4) أنَّه أنكر حجّيّته، وقال: إنَّ الإماميّة يرون أنَّ العمل بخبر الواحد كالعمل بالقياس، فقرنه بالقياس من حيث الشناعة عند الإماميّة.
والعمدة في المقام هو الأدلّة، فنرى أنَّ مقتضاها الحجّيّة أو عدمها، بعد أن فرغنا في أوّل بحث الظنّ(5) عن أنَّ مقتضى الأصل العملي هو عدم الحجّيّة، فلو لم تثبت -فرضاً- أدلّة المثبتين وأدلّة النافين، كانت النتيجة مع النافين؛ لأنَّه لا
ــــــــــ[24]ــــــــــ
(1) انظر: القوانين 2: 419، معالم الدين: 108، الوافية: 293، كفاية الأُصول: 295.
(2) انظر: عدّة الأُصول 1: 100.
(3) انظر: الغنية 2: 356، السرائر 1: 51، مجمع البيان 5: 133.
(4) انظر: الذريعة 2: 528، رسائل الشريف المرتضى 3: 309.
(5) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 10: 197.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
يجوز الإسناد إلى الشارع، ولا الاستناد في مقام العمل، إلَّا إلى دليل وجداني أو تعبّدي، وأولى من ذلك لو تمّت أدلّة النافين. أمّا إذا تمّت أدلّة المثبتين فنلتزم بحجّيّة خبر الواحد.
استدلّ النافون على عدم حجّيّة خبر الواحد بوجوه، أهمّها وجهان:
فإنَّها منعتنا عن العمل بالظنّ، كقوله تعالى: وَإِنَّ الظنّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً(1)، أو قوله تعالى: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ(2)، ومنعتنا عن العمل بغير العلم، كقوله تعالى: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ(3). ومعلوم أنَّ خبر الواحد ظنيٌّ لا يفيد العلم فلا يكون حجّة.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ، وذلك: لما تقدّم من أنَّ هذه الآيات ليست في مقام بيان الحكم المولوي، بل هي إرشاد إلى حكم عقلي، فإنَّ المكلّف في مقام العمل لا بدَّ وأن يستند إلى برهان وسلطان إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا(4)، والظنّ بما أنَّه يحتمل مخالفته للواقع لا يكون حجّة، ولا يصحّ الاستناد إليه، ولا يغني عن الحقّ شيئاً، ففي مقام الاعتماد لا بدَّ أن يستند الإنسان إلى ما يقطع بكونه
ــــــــــ[25]ــــــــــ
(1) النجم: 28.
(2) الأنعام: 116.
(3) الإسراء: 36.
(4) يونس: 68.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
موصلاً إلى الواقع أو عذراً عنه، كما في قوله تعالى: إِنَّ المُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (1)، أي: مؤمّنون من العقاب، والظنّ لا يكون مؤمّناً عن الواقع.
وعلى تقدير أنَّها في مقام بيان الحكم المولوي، فهي أدلّة عامّة دلّت على عدم حجّيّة الظنّ على الإطلاق، سواء كان في أصول الدين أو فروعه، وسواء كان حاصلاً من خبر الواحد أو غيره، ولم ترد آية في خصوص خبر الواحد، بل وردت بعنوان الظنّ أو بعنوان ما ليس بعلم، فإذا لم تتمّ أدلّة حجّيّة خبر الواحد فلا إشكال؛ إذ مقتضى حكم العقل حينئذٍ هو عدم الحجّيّة كما ذكرناه، وأمّا إذا تمّت الأدلّة فإن قلنا: إنَّ المجعول هو الطريقيّة والوسطيّة في الإثبات -على ما هو الصحيح- فأدلّة حجّيّة خبر الواحد تكون حاكمة على هذه الآيات لا محالة، لأنَّ موضوعها هو ما ليس بعلم، وإذا علمنا أنَّ هذا علم شرعاً فقد عملنا بالعلم، فإنَّ خبر الواحد لا يراه الشارع ظنّاً، حتّى يشمله النهي عن العمل بالظنّ، بل هو في حكم الشارع علم، فهو خارج عن موضوع هذا النهي.
وإذا بنيّنا على أنَّ المجعول في باب الأمارات ليس هو الطريقيّة، بل لازال المكلّف غير عالم بالواقع، ولكن الشارع جعل الخبر منجّزاً ومعذّراً أو نحو ذلك، فبناءً على ذلك فالموضوع بعدُ باقٍ، إلَّا أنَّ هذه الأدلّة تكون مخصّصة؛ لأنَّها وردت في خصوص خبر الواحد في الأحكام الشرعيّة، فخبر الواحد في أُصول الدين ليس بحجّة، وغير الخبر الواحد من الشهرة والإجماع المنقول ليس بحجّة، فتخصّص الآية بناءً على أنَّها في مقام بيان الحكم المولوي بما دلّ جزماً على حجّيّة خبر الواحد.
ــــــــــ[26]ــــــــــ
(1) الدخان:51.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
إذن، فالعبرة بتلك الأدلّة، والاستدلال بهذه الآيات على عدم حجّيّة خبر الواحد لا أثر له.
وهي كثيرة دالّة على لزوم عرض الروايات وما يصل إلى الناس من الأئمّة على الكتاب والسنّة، فما خالف كتاب الله وسنّة نبيّه فهو مردود مطروح يضرب به عرض الجدار ولم نقله(1) على اختلاف الألسنة، وورد في جملة من الروايات: أنَّه يرد عليكم الشيء فإن وجدتم عليه شاهداً(2) – وفي بعضها شاهدين(3)– من كتاب الله وسنّة نبيّه، وإلَّا فهو باطل، وهذه الروايات الكثيرة عدّة منها صحيحة سنداً، فتدلّ هذه الروايات التي نطمئن بصدورها عن المعصومين ولو بنحو التواتر الإجمالي على أنَّهم منعونا عن العمل بخبر لا يوجد عليه شاهد من كتاب الله وسنّة نبيّه أو المخالف لهم، فتكون دالّة على عدم حجّيّة خبر الواحد.
والجواب: أنَّ هذه الروايات على طائفتين:
الطائفة الأولى:
ما دلّ على طرح الخبر المخالف للكتاب والسنّة، وأنَّه يضرب به عرض الجدار، والعنوان المأخوذ فيها هو عنوان المخالفة، وهو لا يشمل الروايات التي
ــــــــــ[27]ــــــــــ
(1) انظر: المحاسن 1: 121، الكافي 1: 69.
(2) الكافي 1: 69، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب، الحديث: 2.
(3) الكافي 2: 222، باب الكتمان، الحديث: 4.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
بأيدينا والتي نسبتها إلى الكتاب والسنّة نسبة الخاصّ إلى العام، أو المقيّد إلى المطلق، فإنَّ العرف لا يعدُّ مثل هذا مخالفة، بل بينهما جمع عرفي، فيرى هذا قرينة على المراد من الآخر، والمخالفة إنَّما تصدق فيما إذا كان بينهما مباينة، أو نسبة العموم من وجه، بحيث إنَّ أحدهما يستلزم نفي الآخر ويدفعه، ومن المعلوم أنَّ العامّ لا يدفع الخاصّ، بل هو قرينة عليه، وتختصّ هذه الروايات بما إذا كانت الرواية مخالفة للكتاب أو السنّة بنحو التباين، أو العموم من وجه، والكتب الأربعة خاليّة من هذه الروايات إلَّا الشاذ النادر، فإنَّ الأصحاب ألقوا الروايات التي تكون مخالفة للكتاب.
ولو سلّمنا أنَّ عنوان المخالفة يشمل هذا القسم لغة، ولكن القرينة موجودة، وتدلّنا على أنَّ المراد بالمخالفة غير هذا النحو من المخالفة، والوجه في ذلك: أنَّنا نعلم قطعاً صدور أحكام كثيرة من المعصومين مقيّدة أو مخصّصة للكتاب والسنّة، فإنَّ الوارد من الكتاب ولا سيّما في العبادات ليس إلَّا التشريع في الجملة، وأمّا خصوصيّات الصلاة والصوم والشرائط والموانع لها، فقد علمناها من الروايات، فكيف يكون المقصود من قوله: (ما خالف قول ربّنا لم نقله) مخصّصاً أو مقيّداً للكتاب؟ وقد علمنا أنَّ جميع أبواب الفقه مشتملة على ذلك، وهذا العنوان غير قابل للتخصيص.
إذن، يُراد بالمخالفة المخالفة من غير جهة العامّ والخاصّ، والمطلق والمقيّد، والجامع هو القرينة وذو القرينة.
إذن، فهذه الروايات لا تكون ناهية عن العمل بخبر الواحد، فإنَّه لا يوجد
ــــــــــ[28]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
بين أيدينا مّما يخالف الكتاب بنحو التباين، أو العموم من وجه إلَّا نادراً، ونعمل بهذه الروايات وتسقط الرواية عن الحجّيّة إذا كانت مخالفة للكتاب والسنّة بنحو التباين أو العموم من وجه، فالاستدلال بهذه الروايات لا يتمّ.
نعم، يبقى الكلام في شيء، وهو: أنَّه كيف يمكن أن يكون المراد بالمخالفة المخالفة بنحو التباين، أو العموم والخصوص من وجه، مع أنَّ الكذّابين لا يمكنهم أن يضعوا روايات مخالفة للكتاب بهذا النحو، فإنَّها غير قابلة للتصديق، ولا حاجة للنهي عنها.
والجواب عن ذلك: أنَّ الوضّاعين كالمغيرة بن شعبة (لعنه الله) كان يضع الأحاديث وينسبها إلى الصادق، ويدسّها في كتب الشيعة، مثل أبي الخطّاب الذي دسّ في كتب الشيعة: أنَّ الصلاة كانت رجلاً وقد مات، وقد ذكر الكشّي عدّة من هذه الروايات، فالوضّاعون بأنفسهم لا يروون هذه الروايات لكي لا يكذبهم الناس، بل يدسّونها في كتب الأصحاب، فيرى القارئ الكتاب وفيه هذه الرواية، فيحتمل أنَّه صدر عن المعصوم، ولذا قال الصادق: لعن الله المغيرة فقد دسّ في روايات أبي عدّة روايات(1).
والأئمّة تصدّوا لبيان المائز بين الروايات المعتبرة وغيرها بذلك، وأنَّه لا بدَّ من عرض الروايات على الكتاب والسنّة، فإذا كانت مخالفة لها لا تصدق ولا تكون حجّة في نفسها.
إذن، لا يمكن الاستدلال بهذه الروايات على عدم الحجّيّة، فإنَّ الروايات
ــــــــــ[29]ــــــــــ
(1) رجال الكشي: 223، في المغيرة بن سعيد، الحديث: 400.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
التي بين أيدينا لا تكون مخالفة للكتاب بهذا المعنى، بل يكون بينهما جمع عرفي.
الطائفة الثانية:
وأُخذ فيها عنوان عدم الموافقة، والذي عليه شاهد أو شاهدان من كتاب الله، فقد يُقال: إنَّها تصدق على الروايات المخصّصة والمقيّدة، فإنَّها يصدق أنَّها غير موافقة للكتاب وإن لم تكن مخالفة له.
والروايات بهذا المعنى كثيرة، ولكن العلم الخارجي – كما ذكرنا – بصدور روايات كثيرة من المعصومين مخصّصة أو مقيّدة لكتاب الله وسنّة نبيّه، فيكون قرينة على أنَّ المراد بعدم الموافقة ليس هو مجرّد المعنى السلبي، فلا بدَّ من حمل هذه الروايات على أحد وجوه:
أحدها: المخالفة، فيكون المراد من عدم الموافقة هو المخالفة، والتعبير عن المخالفة بذلك تعبير عرفي، فيُقال: هذا لا يوافق نظري، يعني: يخالفه، فنحمل هذه الروايات على ما حملنا عليه الروايات السابقة.
ثانيها: نحمل هذه الروايات على فرض التعارض، بمعنى: ما إذا كان هناك تعارض بين الروايات، فما كان عليه شاهد من كتاب الله نأخذ به ونطرح الآخر، ولا يكون هذا شرطاً في الحجّيّة ابتداء، بل شرط فيها بعد المعارضة.
ثالثها: نحمل هذه الروايات على الروايات الواردة في أصول الدين، لا في فروعه وأحكامه -وقد يوجد منها في الكافي- فأيّ رواية وردت في ذلك وليس عليها شاهد أو شاهدان من كتاب الله لا تكون معتبرة.
فلا بدَّ من حمل هذه الروايات على أحد هذه المحامل، والقرينة على ذلك:
ــــــــــ[30]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
العلم الوجداني بصدور كثير من الروايات من المعصومين، لا ويوجد عليها شاهد من الكتاب.
ولو أغمضنا النظر عن ذلك، وقلنا: بشمول هذه الروايات لكلّ الروايات غير الموافقة، والتي لا يوجد عليها شاهد أو شاهدان في كتاب الله، فهذا مطلق شامل لما إذا كان رواة الرواية ثقات أو غير ثقات، وما يدلّنا على حجّيّة خبر الثقة يكون مخصّصاً لذلك.
فالنتيجة: أنَّ كلَّ رواية لا يوجد عليها شاهد من كتاب الله لا يعتنى بها، ويرد علمها إليهم، إلَّا إذا كان راويها ثقة.
إذن، فلا بدَّ من النظر في الأدلّة على الحجّيّة، فإن تمّت فتخصّص هذه الروايات، وإن لم تتمّ فلا حاجة بنا إلى هذه الروايات، فإنَّه حينئذٍ يكفينا الأصل العقلي الحاكم بعدم الحجّيّة.
وهي قوله تعالى: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(1)، والاستدلال بها تارة يكون بمفهوم الوصف، وأُخرى بمفهوم الشرط.
ــــــــــ[31]ــــــــــ
(1) الحجرات: 6.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
أوّلاً: أن يُقال: إنَّ الله تعالى قد علّق وجوب التبيّن على عنوان الفاسق وقيده به، وعلمنا من ذلك أنَّ الفسق له دخل في هذا الحكم، ومعلوم من الخارج أنَّ وجوب التبيّن عند مجيء الفاسق بنبأ ليس بواجبٍ، ولعلّه ليس بجائز؛ لأنَّه تفتيش عن حال المسلم وإن كان فاسقاً، ومعلوم أيضاً من نفس الآية أنَّ الوجوب ليس بنفسي؛ لأنَّه معلّل بعدم إصابة القوم بجهالة، فيعلم أنَّه وجوب شرطي للعمل بخبر الفاسق، فيكون المتحصّل من الآية: أنَّ الفاسق إذا أتى بخبر فجواز العمل به يتوقّف على إحراز صدقه من الخارج، وإلَّا وقع المحذور الموجب للندم، وهو: إصابة القوم بجهالة، فدلّت القرينة من الآية ومن الخارج على أنَّ الوجوب ليس نفسيّاً، بمعنى: أنَّه بمجرّد أن يأتي الفاسق بالنبأ يجب الفحص والتبيّن.
فالنتيجة: أنَّ جواز العمل بخبر الفاسق منوط بالتبيّن، وحيث إنَّه أخذ في موضوع الحكم عنوان الفاسق، فيدلّ الكلام على أنَّ الحكم ينتفي بانتفاء الفسق، فإذا كان المخبر عادلاً لا يجب التبيّن، ويكون هذا الوجوب الشرطي مفقوداً. إذن، فالكلام يدلّ على انتفاء عند الانتفاء من جهة أنَّ الوصف مشعر بالعلّيّة.
والجواب عن ذلك ما تقدّم في بحث مفهوم الوصف(1): أنَّ الوصف وإن كان مشعراً بالعلّيّة، وإلَّا كان التقيّيد لغواً، إلَّا إذا قامت قرينة على أنَّ الإتيان
ــــــــــ[32]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 2: 220.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
بالقيد جيء به بداعٍ آخر، كقوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ(1)، فظاهر الكلام: أنَّ القيد له دخل في موضوع الحكم، وأنَّ الحكم لم يثبت للطبيعة على الإطلاق، وإلَّا لكان التقيّيد لغواً ومستأنفاً في الكلام، كما لو قال: (لو جاءكم أحدٌ بنبأ فتبيّنوا)، فلو لم يكن للفاء دخل في الحكم لكان أخذه من اللغو الظاهر، وكلامه تعالى منزّه عن ذلك، فلا ينبغي الشكّ في إشعار الوصف بالعلّيّة ودخله في الحكم، وأنَّ الحكم لم يثبت للطبيعي.
إلَّا أنَّ المفهوم لا يترتّب على العلّيّة، بل يترتّب على العلّيّة المنحصرة، وأن لا يكون هناك علّة أُخرى تقوم مقامها، فلا يدلّ على الانتفاء عند الانتفاء، وإنَّما يدلّ فقط على أنَّ الحكم لم يثبت للطبيعي، فلو قال: (أكرم الرجل العالم)، فلا ينبغي الشكّ في أنَّه يدلّ على أنَّ الحكم لم يثبت لعنوان الرجل على الإطلاق، وإلَّا كان القيد لغواً، ولكنَّه لا يدلّ على أنَّه إذا انتفى العلم ينتفي وجوب الإكرام، لأنَّه وإن كان مشعراً بالعلّيّة، إلَّا أنَّه لا يدلّ على انحصارها، فإنَّه يمكن أن يكون إكرام الرجل واجباً لعلمه، ويكون كذلك لتقواه مثلاً، والذي يفيدنا في مقام إثبات المفهوم دلالة الكلام على الانتفاء عند الانتفاء، ولا يستفاد ذلك إلَّا إذا دلّ على كون العلّة منحصرة، والقيد والوصف لا مفهوم له؛ لأنَّه لا يدلّ على الانحصار، وإن دلّ على دخله في الحكم بلا إشكال.
ففي المقام لا يدلّ الكلام على عدم جواز وجوب التبيّن عند إخبار العادل على الإطلاق؛ إذ لا يدلّ على العلّيّة المنحصرة، فيمكن أن يكون خبر العادل
ــــــــــ[33]ــــــــــ
(1) النساء: 23.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
أيضاً كذلك، لكن لا على نحو الإطلاق، بل في بعض الصور، فخبر الفاسق لا يعتنى به ويجب التبيّن عنه، ولا فرق بين الواحد والمتعدّد، وعلمنا أنَّ الحكم لم يثبت للطبيعي على الإطلاق، فيدلّ الكلام أنَّ خبر الواحد العادل لا يجب التبيّن عنه في الجملة، فلنفرض أنَّ ذلك في البيّنة حين يكون العادل متعدّداً والتي هي حجّة بلا إشكال. أمّا إذا كان المخبر واحداً عادلاً فأيضاً يجب التبيّن عنه، فلا يدلّ الكلام على أنَّ خبر العادل مطلقاً لا يجب التبيّن عنه، وإن دلّ على ذلك في الجملة.
إذن، لا يمكن الاستدلال بالمفهوم على انحصار العلّيّة، وهو الفسق لوجوب التبيّن، حتّى ينتفي بانتفائه، ويحكم بعدم وجوب التبيّن عند إخبار العادل بذلك.
ثانياً: استدلّ شيخنا الأنصاري(1) بذكر الفاسق ببيان آخر، وحاصله:
في المقام عنوانان، أحدهما: أنَّ الخبر خبر الواحد. والثاني: أنَّه مضاف إلى الفاسق. والعنوان الأوّل عنوان ذاتي، والعنوان الثاني عنوان عرضي، وحيث إنَّ المستفاد من الآية دخل هذا العنوان العرضي في ثبوت الحكم، فيعلم من ذلك أنَّ الحكم لم يثبت للعنوان الذاتي، وإلَّا لكان التعليل بالأمر العرضي مع وجود الأمر الذاتي، وهذا مستهجن جدّاً، كما لو قيل: اجتنب عن البول، لأنَّه أصابه الدم في حين أنَّ نجاسة البول ذاتيّة، فيكون هذا التعليل مستهجناً، فلو كان خبر الواحد يجب التبيّن عنه، وهو عنوان ذاتي، فكيف يعلّل بكون الجائي فاسقاً،
ــــــــــ[34]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 254.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وهو عنوان عرضي، والتعليل بالذاتي أولى، فيدلّ على أنَّ الحكم يختصّ بالفاسق ولا يعمّ العادل.
وقد أورد على ذلك بإيرادات:
الإيراد الأوّل(1): منع الصغرى، وأنَّ ما هو الذاتي هو كون الخبر خبراً، وأمّا عنوان خبر الواحد فهو عنوان عرضي كعنوان الفاسق، فإنَّ الخبر قد يضاف إلى الواحد، وقد يضاف إلى المتعدّد، كما قد يضاف إلى الفاسق، وقد يضاف إلى العادل.، فهذه كلّها من الأوصاف العرضيّة. فهنا عنوانان عرضيّان، وقد يكون التعليل بأحد العنوانين العرضيّين لنكتة في المقام، وهي: الإشارة إلى أنَّ المخبر فاسق في مورد نزول الآية وهو الوليد، وإلَّا فالحكم لا يختصّ به.
إذن، فالأمر ليس دائراً بين عنوان ذاتي وعنوان عرضي، ليكون التعليل بالعرضي مع دخل الذاتي في الحكم مستهجناً، بل الأمر دائر بين عنوانين عرضيّين.
والظاهر أنَّ ما ذكره الشيخ صحيح من هذه الجهة، فإنَّ المراد من الخبر الواحد ليس هو الخبر المتّصف بالوحدة أو المضاف إلى الواحد، بل المراد به في مقابل التواتر والمحفوف بالقرينة القطعيّة، يعني: الخبر الذي لا يفيد القطع، وإلَّا فليس بحثنا فيما إذا كان الرجل واحداً، حتّى نحتاج إلى البحث فيما إذا كانا اثنين أو ثلاثة، وإنَّما المراد بالخبر الواحد الخبر الذي يحتمل فيه الصدق والكذب، وهذا من ذاتيّات الخبر. والمقصود بالذاتي: الذاتي في كتاب البرهان،
ــــــــــ[35]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 104.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
يعني: كلّ ما كان تصوّر الشيء كافيّاً في ثبوته له بلا حاجة إلى أمر خارجي، كالزوجيّة للأربعة، وكالإمكان للإنسان، فالخبر أيضاً إذا لم تنضمّ إليه قرينة خارجيّة ليس علّة للصدق ولا للكذب، وهذا ذاتي في الخبر.
أمّا كون المخبر فاسقاً أو ليس بفاسقٍ، فهذا أمر خارجي قد يكون وقد لا يكون، وموضوع كلامنا في هذا البحث هو الخبر غير القطعي الذي إذا لاحظه العقل في ذاته فوجده محتمل الصدق والكذب، فالحكم بصدق الخبر أو كذبه لا بدَّ له من عناية خارجيّة.
إذن، صحّ قول الشيخ بأنَّ العنوان الأوّلي عنوان ذاتي، وهو كونه خبر الواحد، أي: ما يكون قابلاً للصدق والكذب، والعنوان الثاني -وهو الفاسق- أمر عرضي، فينضمّ إليه ما ذكره من أنَّ التعليل بأمر عرضي فيما لو كان الذاتي موضوعا للحكم، فيعدّ أمراً مستهجناً، فالإشكال الأوّل في غير محلّه.
الإيراد الثاني: أنَّ الأمر في المقام دائرٌ بين أحد تقيّيدين، وكلٌّ منهما عرضي، فإنَّ الخبر بما هو خبر من دون إضافة إلى شخص لا يوجد في الخارج، حتّى يُقال: إنَّه يجب التبيّن عنه، والخبر الموجود في الخارج إمّا أن يصدر من الفاسق أو من غيره، فهو عرض من أعراض المخبر، فلا يوجد بلا موضوع، وهذا واضح.
فموضوع وجوب التبيّن إمّا أن يكون مقيّداً بالفاسق، أو مقيّداً بالجامع بينه وبين غيره، وأحد التقيّيدين لا بدَّ منه، ولا يمكن أن يكون ذات الخبر بنحو القضيّة المهملة موضوعاً للحكم، فإنَّه غير قابل لذلك. فإذا كان التقيَّد لا بدَّ
ــــــــــ[36]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
منه، ولا بدَّ أن يكون الموضوع عنواناً عرضيّاً، فلا بدَّ أن يكون ذكر الفاسق لنكتة أُخرى، ولعلّها الإشارة إلى كون المخبر فاسقاً في مورد نزول الآية، فلا يدور الأمر بين العنوان الذاتي والعنوان العرضي ليتمّ كلام الشيخ الأنصاري، بل الموضوع عنوان عرضي لا محالة.
والجواب عنه واضح: فإنَّ الطبيعة المهملة وإن كانت غير قابلة لأن تؤخذ في موضوع الحكم، إلَّا أنَّ الأمر غير دائر بين التقيّيدين، بل بين الإطلاق والتقيّيد.
وقلنا غير مرّة(1): إنَّ الإطلاق معناه رفض القيود وعدم دخل شيء من الخصوصيّات في الموضوع أو المتعلّق، وليس معنى الإطلاق تقيّيده بالخصوصيّة الجامعة، فإذا قال: (الماء طاهر) أو وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا(2) فمعناه: عدم وجود خصوصيّة في هذا الحكم بين أن يكون قليلاً أو كثيراً، أو راكداً أو جاريّاً، فالماء بما هو ماء طاهر، لا بما هو متّصف بأيّ خصوصيّة من هذه الخصوصيّات، فلو فرضنا محالاً أنَّ الماء وجد في الخارج بلا خصوصيّة فهو أيضاً يكون طاهراً، فالخصوصيّة غير دخيلة في الحكم وإن كانت من لوازم وجود الطبيعة.
فالأمر في المقام يدور بين أن يكون وجوب التبيّن ثابتاً لخبر الفاسق، أي: لا يجب التبيّن إلَّا إذا كان الجائي بالخبر فاسقاً، أو غير مقيّد فيسري إلى كلّ من جاء
ــــــــــ[37]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 1: 340.
(2) الفرقان: 48.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
بالخبر سواء كان فاسقاً أو لم يكن، لا أنَّه يقيّد بالجامع، وهذا ليس تقيّيداً، بل هذا هو معنى الإطلاق، وإذا دار الأمر بين الإطلاق والتقيّيد، فعندئذٍ يجري ما ذكره الشيخ، فإنَّه إذا كان العنوان الذاتي موضوعاً للحكم، فتعلّقه بأمر عرضي مستهجن لا محالة، فلو كان وجوب التبيّن معلّقاً على نفس الخبر بما أنَّه لا يفيد العلم كان التعليق على العنوان العرضي وهو الفسق من اللغو الظاهر.
الإيراد الثالث: لا يمكن الالتزام بالمفهوم في مورد الآية وإن كان عنوان خبر الواحد ذاتيّاً، وعنوان الفاسق عرضيّاً؛ لأنَّنا نعلم أنَّ الحكم –وهو وجوب التبيّن– لا يختصّ بخبر الفاسق، ولا يكون الخبر بما هو مضاف إلى الفاسق موضوعاً له، وإلَّا لزم انتفاء وجوب التبيّن بانتفاء العنوان العرضي، فلو فرضنا خبر رجل ليس عادلاً ولا فاسقاً بناءً على ما هو المشهور من وجود الواسطة بين الأمرين، فإنَّنا إذا فرضنا أنَّ الفسق عبارة عن الخروج عن الجادّة يميناً وشمالاً، في مقابل الاستقامة على جادّة الشرع، وفسّرنا العدالة بالملكة الموجودة في الإنسان المانعة عن المعصيّة، فلو فرضنا أنَّ شخصاً لم يرتكب مخالفة، فلم يترك واجباً ولم يأتِ بمحرّم، إلَّا أنَّه لم توجد فيه هذه الملكة، فهو ليس بفاسقٍ؛ لأنَّه لم يخرج عن الجادّة، وليس بعادلٍ لأنَّه لم تتوفّر فيه الملكة، بل لو فسّرنا العدالة بمعنى آخر، وهو: الاستقامة على جادّة الشرع -كما هو الصحيح(1) ومطابق للمعنى اللغوي- فالشخص الذي يكون في أوّل بلوغه لا موضوع بالنسبة إليه لا للخروج ولا للاستقامة، كما لو بلغ بعد طلوع الشمس، ولم يكلّف بصلاة
ــــــــــ[38]ــــــــــ
(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 214.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ولا صوم ولا حجّ، وليس له مال لتجب عليه الزكاة، فهل هذا عادل أو فاسق؟ ليس فاسقاً؛ لأنَّه لم يخرج عن الجادّة، وليس عادلاً؛ لأنَّه في أوّل الطريق ولم يسلك الجادّة.
ولازم هذا الكلام هو الحكم بعدم وجوب التبيّن عند إخبار هذا الشخص الذي ليس بفاسقٍ ولا عادل، وهذا لا يلتزم به؛ لأنَّه بعد لم يتّصف بالعدالة.
وأيضاً لازم هذا الكلام -وهو تعليق وجوب التبيّن على الفسق- عدم وجوب التبيّن عن خبر الصغير، فإنَّه ليس بفاسق، أو نفرض أنَّ المخبر مجنون وغير مكلّف بشيء، فإنَّه ليس بفاسقٍ، ولا سيّما إذا كان جنونه متّصلاً ببلوغه
-في مقابل أن يكون فاسقاً قبل جنونه فيستصحب- فهل يُقال: إنَّه لا يجب التبيّن عن خبره، لأنَّ العلّة -وهي الفسق- غير متحقّقة؟ كلّ هذا لا يكون.
إذن، نعلم أنَّ هذا العنوان العرضي -وهو: الفسق- المأخوذ في الآية لا يكون علّة لوجوب التبيّن.
فهذه الشبهة لو تمّت لا ترد على كلام الشيخ الأنصاري فقط، بل ترد على تقريب مفهوم الشرط أيضاً، فإنَّ الآية لو تمّت دلالتها على نحو مفهوم الشرط فتدلّ على أنَّ الخبر إذا لم يكن الجائي به فاسقاً لا يجب التبيّن عنه، فالكلام هو الكلام، بأن يُقال: كيف يمكن الالتزام بانتفاء وجوب التبيّن عند انتفاء الفسق، فإنَّ لازمه أن يكون خبر الصبي والمجنون والبالغ جديداً حجّة.
إلَّا أنَّ هذه الشبهة غير واردة من أصلها، فإنَّ غايتها تقيّيد المفهوم بهذه الموارد، وكم له من نظير، فكما أنَّ العموم والإطلاق في المنطوق قابل
ــــــــــ[39]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
للتخصيص والتقيّيد، كذلك الحال في المفهوم، فإنَّ قوله: (إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجّسه شيء) يدلّ بمفهومه على أنَّه: إذا لم يبلغ الماء قدر كر ينجّسه شيء، فنخرج عن ذلك بماء المطر، وماء الحمّام، والماء الجاري، فإنَّها ولو كانت قليلة لا تنجّس، فلا مانع لأنَّ يكون للقضيّة مفهوم، وترفع اليد عنه في بعض الموارد، فمن بلغ وليس بعادل نلتزم بوجوب التبيّن عنه من أجل العلم الخارجي، وكذلك الصبي والمجنون.
ويمكن أن يُقال: إنَّ الصبي والمجنون من الأوّل غير داخل في الآية، فإنَّ موضوعها هو الشخص القابل أن يتّصف بالفسق والعدالة، وعلّق وجوب التبيّن على تقدير كونه فاسقاً، والله تعالى أراد إرشاد الناس إلى أنَّهم قد يعملون بخبر الفاسق، مع أنَّه يستلزم إصابة القوم بجهالة ويورث الندم، والعقلاء لا يعملون بخبر الصبي ولا المجنون، ولا سيّما في الموضوعات المهمّة، فالمقيّد بالفسق في الآية هو الموضوع القابل للاتّصاف بالفسق، وأمّا الصغير والمجنون فليس قابلاً لذلك، فلا يكون داخلاً في الآية أساساً.
إذن، فهذه الإشكالات لا ترد على شيخنا الأنصاري، لكن يبقى عليه: أنَّ هذا الذي أفاده تقريب لمفهوم الوصف وليس بياناً جديداً، وجوابه ما ذكرناه: من أنَّ الكلام وإن كان ظاهراً بالمفهوم بهذا المعنى، وهو: أنَّ عنوان الفسق له دخل في الحكم، وأنَّ الحكم لم يثبت للعنوان الذاتي، إلَّا أنَّه لا يدلّ على انتفاء وجوب التبيّن عند انتفائه لعدم دلالته على العلّة المنحصرة، فالقائل بحجّيّة خبر الواحد لا بدَّ له من إثبات أنَّ الفسق علّة منحصرة لينتفي وجوب
ــــــــــ[40]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
التبيّن بانتفائه، وهذا لا يترتّب على ما ذكره الشيخ الأنصاري، فإنَّ غاية ما يترتّب على كلامه: أنَّ وجوب التبيّن لم يترتّب على الخبر في ذاته، وهو أمر صحيح، ولذلك كانت البيّنة حجّة. أمّا ترتّب على الفسق على الإطلاق فهذا لا يستفاد من الآية.
فالإنصاف: أنَّ الاستدلال بالآية من ناحية مفهوم الوصف على حجّيّة خبر الواحد لا يمكن.
فيقع الكلام في الاستدلال بمفهوم الشرط في الآية على ما قلناه: من أنَّ ظاهر التعليق ثبوت المفهوم، فكما أنَّ القضيّة الشرطيّة تدلّ على الثبوت عند الثبوت، كذلك هي تدلّ على الانتفاء عند الانتفاء، والفهم العرفي يساعد على ذلك، وبعض الروايات في باب الصيد والذباحة تدلّ عليه أيضاً؛ إذ يسأله عن شاة ذبحت ولم تتحرّك ولكن خرج منها دم كثير، قال: “لا يؤكل، لأنَّ علياً قال: إذا تحرّكت الذبيحة فكُلْ”(1)، فقد استدلّ الإمام بالمفهوم. وكيفما كان فمفهوم الشرط حجّة.
ولكن قد يُقال في المقام: إنَّ الآية ليس لها مفهوم(2)، فإنَّها من القضايا الشرطيّة التي سيقت لبيان الموضوع فلا مفهوم له، نظير المثال المعروف: (إذا رزقت ولداً
ــــــــــ[41]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 9: 57، الباب 1 من أبواب الصيد والذباحة، الحديث: 240.
(2) انظر: فرائد الأُصول 1: 257.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فاختنه)، فإنَّه إذا لم يرزق ولداً فإنَّه لا موضوع للختان، فإنَّ المذكور في الآية تحقّق مجيء خبر الفاسق، فإذا لم يوجد خبر الفاسق فلا موضوع للتبيّن، وأمّا أنَّ العادل قد يخبر وقد لا يخبر فهذا أمر آخر، فلا يكون للقضيّة مفهوم.
وبعبارة ثانية: أنَّ الآية هل هي من القضايا الشرطيّة التي سيقت لبيان تحقّق الموضوع أو لا؟ وعلى كلّ منهما يترتّب أثره من ثبوت المفهوم على الثاني وعدمه على الأوّل، فلا بدَّ من التكلّم في كبرى هذه المسألة، ثُمَّ التكلّم في صغراها.
فنقول: إنَّ الجزاء في القضيّة الشرطيّة قد يكون متوقّفاً على الشرط عقلاً، فيكون أخذ شيء في الشرط من باب الإرشاد، لا من باب التعليق المولوي؛ إذ المفروض أنَّ التوقّف عقلي لا شرعي.
وبعبارة ثالثة: تقدّم في مبحث مفهوم الشرط(1): أنَّ تعليق شيء على شيء يستفاد منه المفهوم، وأنَّ المعلّق لا يتحقّق من دون تحقّق المعلّق عليه، فإذا كان التعلّق شرعيّاً لا عقليّاً، فيدلّ الكلام على أنَّ المولى جعل حكمه معلّقاً على هذا الشيء، ومعناه: انتفاؤه عند انتفائه.
وأمّا إذا كان التوقّف عقليّاً ولم يكن من الشارع شيء بما هو مولى، فيكون الانتفاء سلباً بانتفاء الموضوع، كالمثال المعروف: (إذا رزقت ولداً فاختنه)، فإنَّه إذا لم يرزق ولداً فأيّ شيء يختن، أو (إذا ملكت درهماً فتصدّق به)، فالتوقّف هنا عقلي؟
ــــــــــ[42]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأصول 2: 195،196.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وقد لا يكون الأمر كذلك، كما في المثال المعروف: (إذا جاءك زيد فأكرمه)، إذ يمكن إكرامه وهو في داره من دون مجيئه، فلم يتوقّف الجزاء على الشرط عقلاً، وإنَّما أخذه الشارع على نحو القضيّة الشرطيّة، مع أنَّ متعلّق الحكم وهو الإكرام لا يتوقّف على المجيء خارجاً، فهذا التعليق تعليق مولوي، فيدلّ على الانتفاء عند الانتفاء، فإن جاء وجب إكرامه، وإن لم يجيء لم يجب، فيكون السلب سلباً بانتفاء الشرط لا بانتفاء الموضوع. هذا إذا كان الشرط أمراً واحداً.
وقد يكون الشرط مركّباً من أمرين أو أُمور، فأيضاً الملاك نفس الملاك فينظر إلى الأمرين المأخوذين في الشرط، فقد يكون توقّف متعلّق الحكم على كلّ من جزئيّ الشرط عقليّاً، وقد يكون كلّ منهما لا يتوقّف عليه عقلاً، وقد يكون أحدهما ممّا يتوقّف عقلاً دون الآخر، ويكون الثاني مأخوذاً بنحو التعليق المولوي والأخذ الشرعي، فإذا فرضنا أنَّ الجزئين كلّ منهما يكون التوقّف فيه عقليّاً فالكلام فيه هو الكلام، فإنَّه لا فرق في ذلك بين الواحد والمتعدّد، فينتفي الجزاء بانتفاء الشرط، ومثاله: (إذا ولدت زوجتك وكان المولود ذكراً فاختنه)، ومعلوم أنَّ الختان يتوقّف على الولادة وعلى كونه ذكراً(1)، فينتفى الحكم بانتفاء كلّ منهما.
ــــــــــ[43]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ هذا التوقّف العقلي إنَّما يتمّ إذا قصد بالختان الختان الخاصّ بالذكور، فإنَّه يستحيل إيقاعه على الأنثى، وأمّا إذا قصد المعنى الأعمّ منه ومن خصوص الأُنثى، فحينئذٍ لو أخذ شرط الذكورة يكون تعليقاً شرعيّاً، لإمكان تطبيق هذا الجامع على الأنثى، كما هو واضح. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وقد يكون كلّاً من الأمرين ممّا يتوقّف عليه الجزاء توقّفاً مولويّاًّ، نحو: (إذا جاءك زيد وكان مجيئه يوم الجمعة فأكرمه)، فقد اعتبر الشارع في وجوب الإكرام أمرين، فإذا لم يجيء زيد يوم الجمعة، وجاء في يوم آخر فلا يجب إكرامه، فالقضيّة تدلّ على انتفاء الحكم بانتفاء كلّ من الأمرين.
وإذا تركّب الشرط وكان أحدهما ممّا يتوقّف عليه الجزاء عقلاً، والآخر أخذ في الشرط شرعاً بعنوان المولويّة، كما إذا قال: (إذا ركب الأمير وكان ركوبه يوم الجمعة فخذ ركابه)، فالجزء الأوّل يتوقّف عليه الجزاء عقلاً، لأنَّه إذا لم يركب الأمير فلا موضوع لأخذ الركاب، والجزء الثاني تعليق مولوي، فتدلّ القضيّة الشرطيّة على أنَّ الأمير إذا لم يكن ركوبه في يوم الجمعة فلا يجب أخذ ركابه، فإنَّ وجوبه متوقّف على أن يكون الركوب يوم الجمعة، فهذه الكبرى مسلّمة.
فكلّ قضيّة شرطيّة كان توقّف الحكم في الجزاء على الشرط توقّفاً عقليّاً لا يكون لها مفهوم؛ لأنَّ الانتفاء يكون سلباً بانتفاء الموضوع، وكلّما كان التعليق مولويّاً فتدلّ القضيّة على الانتفاء عند الانتفاء.
وأمّا بحسب التطبيق على المقام -أي: الكلام في الصغرى- وهو: أنَّ توقّف وجوب التبيّن الذي هو متعلّق الوجوب على الشرط في القضيّة، فهل هو عقلي أو شرعي؟ فعلى الأوّل لا يكون له مفهوم، وعلى الثاني يكون له مفهوم، والعبرة في ذلك على الفهم العرفي.
وبالجملة: في موارد نفهم هذا على نحو الوضوح، كما إذا قال المولى: (إذا
ــــــــــ[44]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
جاءك زيد فأكرمه)، فمعلوم أنَّ الموضوع هو زيد، وهو قد يجيء وقد لا يجيء، والمولى قد علّق الوجوب على المجيء، ومفهومه: أنَّ زيداً إذا لم يجيء ولم يتصّف بهذا الوصف لا يجب إكرامه، وقد يكون الكلام على نحو آخر، نحو: (إذا كان الجائي زيداً فأكرمه)، فالموضوع هو الجائي والشرط هو زيد، على عكس القضيّة السابقة، فقد فرض طبيعي الجائي، وعلّق وجوب الإكرام على انطباقه على زيد، ومفهومه: هو أنّ الجائي إذا لم يكن زيداً لا يجب إكرامه، فإذا جاء عمرو لا يجب إكرامه.
فتشخيص موضوع القضيّة وتشخيص المعلّق عليه في القضيّة الشرطيّة موكول إلى النظر والفهم العرفي، فلننظر أنّ الذي أخذ شرطاً وعلّق عليه الجزاء في الآية أيّ شيء هو؟ والموضوع أيّ شيء هو؟ والشرط أيّ شيء هو؟
المحتملات في نفسها ثلاثة:
الاحتمال الأوّل: أن يكون الفاسق هو الموضوع، كما أنَّ الموضوع هو زيد في قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه)، فالآية بمنزلة أن يقول: (الفاسق إذا جاء بنبأ فتبيّن عنه)، ففرض للفاسق حالتان: حالة الجائي بنبأ، وحالة أن لا يخبر بشيء، وعلّق وجوب التبيّن على إحدى الحالتين، فبناءً على هذا يكون السلب سلباً بانتفاء الموضوع، إذ معناه: أنَّ الفاسق إذا لم يأت فلا يجب التبيّن عنه، مع أنَّه لا نبأ حتّى نتبيّن.
وأمّا نبأ العادل فموضوع آخر لم يذكر في القضيّة لا منطوقاً ولا مفهوماً، فبناءً على هذا يكون الإشكال صحيحاً.
ــــــــــ[45]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الاحتمال الثاني: أن يفرض أنّ الموضوع هو الجائي بالنبأ الذي يستفاد من الكلام وإن لم يذكر بهذا العنوان، إلّا بالعنوان الاشتقاقي، فترجع الآية إلى أنَّ الجائي بالنبأ إذا كان فاسقاً فتبيّن، ففرض أنَّ أحداً جاء بنبأ أخذ مفروغاً عنه، إلّا أنَّ هذا قد يكون فاسقاً وقد لا يكون، وعلّق وجوب التبيّن على كونه فاسقاً، وأنَّه يجب التبيّن على هذا التقدير، فيكون له مفهوم، وهو: أنَّ الجائي بالنبأ إذا لم يكن فاسقاً لا يجب التبيّن عنه، فالقضيّة تدلّ على المفهوم بوضوح.
الاحتمال الثالث: قد يفرض أنَّ الموضوع في القضيّة هو النبأ، فكأنَّه قيل: النبأ إذا جاء به الفاسق فتبيّن، ففرض نبأ في الخارج؛ وله حالتان، فإنَّه قد يأتي به الفاسق، وقد يأتي به غيره، وقد علّق الحكم على أن يكون الآتي به فاسقاً، فأيضاً يكون للقضيّة مفهوم، وهو: أنَّ النبأ إذا لم يكن الآتي به فاسقاً لا يجب التبيّن عنه.
فالالتزام بوجود المفهوم في الآية يبتني على هذا الأمر، وأنَّ الموضوع في القضيّة أيّ شيء هو؟
والظاهر من أمثال هذه الآية المباركة من القضايا المتعارفة أنَّ الموضوع هو الفاسق، فلا يكون للآية مفهوم، فقد فرض الفاسق، وفرضنا له حالتين: الإخبار وعدمه، وجعل وجوب التبيّن معلّقاً على إِخباره، وهذا التعليق تعليقٌ عقليٌّ، كما إذا قيل: (إذا أعطاك زيد درهماً فتصدّق به)، فإنَّه لم يفرض في الكلام أنَّ الدرهم أُعطي لا محالة، وأنَّ الدرهم المعطى إذا كان معطيه زيد فيجب التصدّق، بل الموضوع هو زيد، وهو له حالتان: فإنَّه قد يعطي الدرهم، وقد لا
ــــــــــ[46]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
يعطيه، وعلّق الحكم على الإعطاء، ومفهومه: أنَّ زيداً إذا لم يعط درهماً لا يجب التصدّق، وهذا سلب بانتفاء الموضوع، ونحوه: إذا ملكت داراً فأجّره.
فالظاهر من أمثال هذه القضايا هو أنَّ الموضوع في القضيّة هو الفاسق، وعلى هذا لا مفهوم للآية المباركة، فإنَّه من السلب بانتفاء الموضوع.
أمّا على الوجهين الآخرين فيكون لها مفهوم، إلّا أنَّهما خلاف الظاهر، ولا سيّما جعل الموضوع هو الجائي بالنبأ الذي لم يذكر في الآية.
ولا أقلَّ من الشكّ، فإّننا لا ندري أنّ الموضوع هو الفاسق لئلا يكون لها مفهوم، أو هو الجائي أو النبأ ليكون لها مفهوم. إمّا بدعوى الظهور في أنّها قضيّة سيقت لبيان الموضوع، أو من جهة الإجمال، وعلى كلا التقديرين لا يمكن الاستدلال بالآية على حجّيّة خبر الواحد.
ولكن صاحب الكفاية(1) يدّعي: أنَّ الآية ظاهرة في حصر وجوب التبيّن بخبر الفاسق، وقد قلنا: إنَّها من القضايا التي سيقت لبيان تحقّق الموضوع، فإنَّه يعلم من تخصيص الفاسق بالذكر وجعل وجوب التبيّن من خصائصها، فلا يكون شاملاً لغيره، وهذا لم يظهر له وجه صحيح، إذ لو لم يكن للآية دلالة على المفهوم، فكيف تدلّ على هذا، إلّا من ناحية مفهوم الوصف الذي تكلّمنا عنه.
ثُمَّ على تقدير التنزّل، نقول: إنَّ الآية لها دلالة على المفهوم، فهل هناك مانع
ــــــــــ[47]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 296.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
عن هذه الدلالة، يعني: لو تمّ المقتضي، وقلنا: إنَّ الموضوع في الآية هو النبأ، والآية تدلّ على انتفاء الوجوب عند انتفاء مجيء الفاسق به، فهل هناك مانع من الأخذ بالمفهوم أو لا؟
مانعيّة التعليل
قيل(1): إنَّ التعليل في الآية مانع عن استفادة المفهوم، فلو لم يكن التعليل موجوداً لأمكن القول بدلالتها على المفهوم، لكن تذيّيلها بقوله سبحانه: أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(2) مانع عن الأخذ بالمفهوم، ومع التنزّل لا أقّلّ من أنَّ العلّة صالحة للقرينيّة، ويكون من قبيل احتفاف الكلام لما يحتمل قرينيّته، فيسقط المفهوم لا محالة عن الآية.
بيان ذلك: أنَّ العلّة المذكورة في الآية، وهي: إصابة القوم بجهالة فيصبح الإنسان نادماً على ما فعل، فالعمل يكون موجباً للندم، وهذا كما هو جارٍ في خبر الفاسق جارٍ في خبر العادل أيضاً، فإنَّه يحتمل مخالفته للواقع.
فلو فرضنا أنَّ العادل لا يتعمّد الكذب، إلّا أنَّه ليس معصوماً ويحتمل أنَّه أخطأ فيحتمل مخالفة كلامه للواقع، فلو فرضنا إصابة القوم بجهالة، وخبر الفاسق لا يزيد على ذلك، فإنَّه قد لا يستلزم إصابة القوم بجهالة، كما لو أخبر الفاسق عن شيء أجنبي عن القوم كطهارة شيء أو نجاسته، وإنّما ذكر ذلك باعتبار أنَّه مورد نزول الآية، والمراد منه الوقوع في المفسدة، وهذا الاحتمال كما
ــــــــــ[48]ــــــــــ
(1) انظر: الذريعة 2: 59، العدّة في أُصول الفقه 1: 113.
(2) الحجرات: 6.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
هو موجود في خبر الفاسق موجود في خبر العادل، فإذا عملنا به من دون أن نتبيّن الواقع فيحصل الندم، فالتعليل مشترك بينهما، فلا يكون للقضيّة مفهوم.
ما يقال في مقام الردّ
أوّلاً: أنَّ هذا الاعتراض مبنيٌّ على أن نفسّر الجهالة بعدم العلم، وهذا غير معلوم، بل لا يبعد بمقتضى المناسبات أن يكون المراد بالجهالة السفاهة، كما هو أحد معنيي هذا اللفظ، أي: أن تصيبوا قوماً بسفاهة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين، فالاعتراض مبنيٌّ على إرادة الجهل وعدم العلم من الجهالة، ليكون مشتركاً بين خبر الفاسق والعادل.
أمّا إذا كان بمعنى السفاهة فلا يعمّ خبر العادل، فإنَّ خبر العادل ممّا استقرّت عليه السيرة العقلائيّة، فكيف يكون هذا أمراً سفهيّاً؟ بل إنَّ العقلاء يعملون بأوسع من ذلك، فيعملون بخبر الثقة وإن كان فاسقاً، بل غير المؤمن إذا كان متحرّزاً عن الكذب، كما في جملة من الرواة من الفرق الباطلة كالفطحيّة أو الكيسانيّة أو نحوهما، والسيرة العقلائيّة قائمة على ذلك، فكيف يمكن أن يقال: إنَّ العمل بخبر الواحد عملٌ سفهيٌّ وعمل بجهالة، فإنَّ ذلك يكون مختصّاً بالعمل بخبر الفاسق.
وربما يقال في المقام: إنَّ الجهالة لا يمكن أن تفسّر في الآية المباركة بالسفاهة، فإنَّ العامل بخبر الفاسق -وهو: الوليد- كان من العقلاء، ولو كان عملاً سفهيّاً لم يرتكبه الصحابة، فإنَّهم أرادوا ترتيب الأثر على خبر الوليد، فلا بدَّ وأن يراد بالجهالة الجهل في مقابل العلم، ولو أُريد به السفاهة فكيف يقال:
ــــــــــ[49]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
إنّ هؤلاء العقلاء أرادوا أن يعملوا عملاً سفهيّاً.
والجواب عن ذلك ظاهر:
أوّلاً: فلعلّ عملهم بقول الوليد من جهة عدم علمهم بفسقه وأنَّه لا يبالي بالكذب، فأرشدهم الله تعالى إلى حاله، وأنَّ العمل بخبر الفاسق فيه إصابة القوم بجهالة.
وثانياً: فيمكن أن يكونوا عالمين بفسقه أيضاً، لكن في المورد غفلوا عن ذلك، كما قد يتّفق أنَّ العاقل قد يقدم على عمل سفهائي من جهة عقله، فلأهمّيّة خبر الوليد غفلوا عن فسقه، وأرادوا ترتيب الأثر عليه، فردعهم الله تعالى عن هذا.
وكيفما كان فلم تقم قرينة على أنَّ المراد بالجهالة ما يقابل العلم، بل الظاهر من المناسبات أنَّ المراد بها السفاهة، والمراد: بيان أنَّ الإنسان العاقل لا يرتكب عملاً سفهيّاً، ولا بدَّ أن يكون عمله ممّا لا يترتّب عليه الندم، وخبر الفاسق يترتّب عليه الندم.
وهذه العلّة غير جارية في خبر العادل، وإلّا لم تكن أيّ أمارة حجّة، كالبيّنة وقول ذي اليد وحكم الحاكم، فلو كان الممنوع هو كلّ ما لا يوجب القطع بالواقع، لشمل كلّ أمارة فرضناها، فالاعتراض ساقط.
ثالثاً: نسلّم أنَّ الجهالة في مقابل العلم، فقوله: أن تصيبوا قوماً بجهالة، يعني: مع الجهل، لاحتمال مخالفة الواقع، فمع ذلك لا تكون العلّة في الآية قرينة على عدم المفهوم، فإنَّ نسبة المفهوم إليها نسبة الحاكم إلى المحكوم، فإنَّ العلّة لم
ــــــــــ[50]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
تبيّن صغرى هذه الكبرى، فإنَّ الكبرى هي: أنَّ إصابة القوم بجهالة ممنوع، فإنَّه يوجب الندم، وأنَّ العمل لا بدَّ أن يكون بالعلم، والعمل بالجهالة وبغير العلم – على هذا التفسير- غير جائز؛ لاحتمال الوقوع في مفسدة المخالفة للواقع.
أمّا ما هو مصداق العلم ومصداق غير العلم، فهذه الآية غير متكفلّة لبيان صغراها، شأنها في ذلك شأن كلّ القضايا الحقيقيّة، فإذا بنيّنا على أنَّ الآية لها مفهوم، وأنَّ الموضوع فيها هو النبأ، وأنَّ النبأ إذا لم يجيء به الفاسق لا يجب التبيّن عنه، فمعناه: أنَّ هذا علم، وأنَّ الواضح لا يحتاج إلى التوضيح، فإنَّ التبيّن إنّما يكون في الأمر المشكوك فيه، وأمّا ما كان علماً واضحاً فلا معنى للتبيّن فيه.
فلو دلّ صدر الآية على أنَّ خبر العادل علم، فإنَّه حينئذٍ لا يكون مصداقاً لإصابة القوم بجهالة، بل إصابة بعلم، غايته: ليس علما وجدانيّاً، بل هو علم تعبّدي، ومعه كيف تكون العلّة قرينة على عدم المفهوم، فإنَّ قرينيّتها على ذلك تتوقّف على أن لا يكون المفهوم حاكماً على العلّة وموجباً لارتفاع موضوعها، وأمّا بعد فرض الحكومة -كما هو الصحيح- كيف تكون العلّة قرينة على عدم المفهوم أو تكون محتملة القرينيّة.
نعم، لو لم تكن حكومة في البين، وكان بين العلّة والمفهوم منافاة، فلا بأس أن تكون العلّة قرينة على عدم المفهوم، ومثاله: (إذا كان ما بيدك رماناً فلا تأكله، لأنَّ الرمّان حامض)، فمفهوم الكلام -مع قطع النظر عن العلّة- أنَّه إذا لم يكن ما بيدك رمّاناً فلا بأس أن تأكله، فلو كان ليس برمان ولكنّه حامض فمقتضى المفهوم جواز أكله، ولكن التعليل منع عن ذلك، لأنَّه بيّن أنَّ المنع عن
ــــــــــ[51]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الرمان من جهته حموضته، فإن كان غير الرمان حامضاً أيضاً لا يجوز أكله، فالعلّة تكون قرينة على أنَّ القضيّة لا مفهوم لها في الحامض الآخر، والعلّة تتقدّم على المفهوم.
وأمّا إذا كانت هناك حكومة -على تقدير الدلالة على المفهوم- فيكون المفهوم حاكماً على العلّة، فكيف يمكن أن يقال: إنّها توجب إلغاء المفهوم، أو تكون من قبيل احتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة.
وقد يقال: إِنَّ هذا إنّما يتمّ إذا لم تكن الآية مذيّلة بقوله تعالى: فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ فلو لم يكن هذا، وكان المذكور في الآية هو الجملة الأولى فقط: أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ يكون المفهوم حاكماً على العلّة، ويكون العمل بخبر الواحد عملاً بالعلم.
ولكنَّ هذه الجملة، وهي قوله تعالى: فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ تدلّنا على عدم المفهوم، وأَنّ العمل بخبر العادل أيضاً داخل في التعليل، فإنَّ الندم إنّما يحصل من مخالفة الواقع، فكلّ مورد يحتمل فيه الوقوع في المفسدة الواقعيّة، هو مورد للندم، فلو فرضنا أنَّ المفهوم من الجهة الأولى تامٌّ، وأنَّ خبر الواحد يكون حاكماً، ولكنّه هل يرفع احتمال الندم؟ ولو من جهة احتمال الخطأ، فنقع في مفسدة مخالفة الواقع، فيوجب ذلك الندم، وهذه العلّة مشتركة بين خبر الفاسق وخبر العادل، فلا يكون للآية مفهومٌ من هذه الجهة.
والظاهر أنَّ هذا لا يكون مانعاً عن المفهوم، والوجه في ذلك: أنَّ الندم
ــــــــــ[52]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الذي يكون من جهة الوقوع في المفسدة الواقعيّة، وكان المكلّف معذوراً فيه، لا يعدّ هذا محذوراً، فإنَّه موجود في موارد جميع الحجّج والأمارات، فإنَّ كلّ ما لم يكن علماً وجدانيّاً ففيه احتمال أنَّ هذه الحجّة مخالفة للواقع، وأيّ أصل أو أمارة فرضناهما يحتمل فيهما الندم بهذا المعنى، فإنَّه قد ينكشف بعد إجراء أصالة الطهارة في الماء والتوضّي به والصلاة أنَّ الماء كان نجساً، والوضوء والصلاة باطلان، فيحصل الندم من هذه الناحية.
بل قد يكون الندم في موارد القطع الوجداني، كما لو عمل بقطعه، ثُمَّ انكشف أنّه كان عن خلاف الواقع، وقد وقع في المفسدة الواقعيّة، فيندم على ما فعل.
إلّا أنَّ هذا الندم لا أثر له ولا يوجب التوقّف، فلنفرض أنَّ المكلّف لم يصلِّ في هذا اليوم، وأنَّه توضّا بماء نجس، وأنَّه وقع في المفسدة الواقعيّة، فإنَّه بعد أن قامت الحجّة على الموضوع الواقعي ورتّب الأثر عليها -كما لو تزوّج بامرأة بمقتضى الحجّة الشرعيّة ، ثُمَّ بانت أُخته من الرضاعة، فهذا ليس ندماً يرفضه العقلاء والمتشرعة، بعد أن كان المكلّف معذوراً في عمله، وغير مستحقّ للعقاب- لا يكون لهذا الندم أيّ أثر، أي: لا يوجب صرف العقلاء والمتشرعة عن ترتيب الأثر على الأمارة، مع الاحتمال الوجداني بعدم مطابقتها للواقع، فهذا لا يكون رادعاً ليعلّل في الآية بقوله تعالى: أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ.
وهناك قسم آخر من الندم وهو فوت المصلحة الواقعيّة من دون قيام حجّة
ــــــــــ[53]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
في المقام، ولا يكون المكلّف معذوراً في تركه للواجب الواقعي أو الإتيان بالمحرّم الواقعي؛ فإنَّه يعاقب على ذلك لا محالة، فهذا محذور قابل للتعليل وأن يخاطب العقلاء، ويقال: لا تعملوا هذا العمل؛ فإنَّ فيه إصابة القوم بجهالة، ومخالفة المصلحة الواقعيّة والوقوع في المفسدة الواقعيّة، فيكون موجباً للندم، فإنّا ذكرنا غير مرّة: أنَّ الإنسان يجب أن يكون مأموناً في عمله من العقاب فعلاً أو تركاً.
وهذا لا يجري في خبر العادل، فإنَّ ترتيب الأثر عليه فعلاً أو تركاً ليس فيه احتمال الندم بهذا المعنى، وهو الذي لا يكون المكلّف معذوراً فيه عند العقلاء والمتشرعة، غايته: الوقوع في مخالفة الواقع، وهذا لا بأس به، وإلّا لأصبحت جميع الأمارات والأصول لغواً؛ لوجود احتمال مخالفة الواقع فيها، فهل هذا يكون موجباً لتوقّف العقلاء والمتشرعة عن العمل بالحجّة الشرعيّة. إذن، يصحّ التعليل في مورد ليس فيه حجّة شرعيّة، وأمّا إذا كانت الحجّة موجودة فلا يوجب الندم حتّى لو فاتت المصلحة الواقعيّة، ولماذا يندم مع أنّه معذور وغير مكلّف بشيء وغير مستحق للعقاب؟!
إذن، فالعلّة لا تكون مانعة عن الأخذ بالمفهوم على تقدير وجوده، وكون النبأ هو الموضوع في الآية.
وبما ذكرناه يظهر: أنّ الحكومة في المقام ليست بمعنى الحكومة المشهورة المعروفة، أي: أن يكون أحد الدليلين ناظراً إلى الدليل الآخر، وموجباً لتوسعة
ــــــــــ[54]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
موضوعه وتضيّيقه بالدلالة اللفظيّة، على ما ذكره شيخنا الأنصاري في معنى الحكومة(1).
وبيان ذلك: أنّ الحكومة على قسمين: فقد تكون بهذا المعنى، أي: أن يكون الدليل ناظراً إلى دليل آخر موجود، وله حكم ثابت في الشريعة، فينظر إليه الدليل الآخر فينفي حكمه بلسان نفي الموضوع، أو ينفيه بلسان وجود الموضوع، فيقال: هذا حاكم وذاك محكوم، فالربا من المحرّمات الأكيدة في الشريعة، ولكن دليل “لا ربا بين الوالد وولده”(2) أو “لا ربا بين الزوج وزوجته”(3) يكون حاكماً على ذلك الدليل، وينظر إليه بمدلوله اللفظي، ويقول: إنَّ ما قلناه من الربا المحرّم غير موجود هنا، لكن بلسان نفي الموضوع، فإنّ الربا -بمعنى الزيادة- موجودة حقيقة، إلّا أنّ الشارع بعنوان المولويّة ينفي عنوان الربا عن هذه الزيادة، والنتيجة: أنّه ليس بمحرم.
وقد يوجب التوسعة لا التضيّيق، كما في قوله: “الفقاع خمر استصغره الناس”(4)، فقد فرض للخمر حكماً لا محالة، وهي الحرمة المعلومة لدى المسلمين، وهذا الدليل ينظر إلى ذلك الدليل، ويقول: إنّ الفقاع من أقسام الخمر، غاية الأمر: أنّ الناس استصغروه واعتبروه أمراً هيّناً ولا يعدّونه في
ــــــــــ[55]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 4: 13.
(2) تهذيب الأحكام 9: 756، باب 52، ليس بين الرجل وولده وما يملكه ربا، الحديث: 1.
(3) الكافي 5: 147، باب أنَّه ليس بين الرجل وولده وما يملكه ربا، الحديث: 2.
(4) الكافي 6: 423، باب الفقّاع، الحديث: 9.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
عداد المسكرات؛ لأنّ سكره قليل جدّاً، فهذا دليل حاكم على دليل تحريم الخمر يوجب توسعة الموضوع، أي: أنَّ دليل الحرمة لا يختصّ بالخمر المعروف، بل يشمل الفقاع.
والحكومة بهذا المعنى غير متحقّقة في المقام، ولا ينظر المفهوم إلى العلّة ولا يوجب توسعة وتضيّيقاً فيها، بل الحكومة في المقام بمعنى: أنّ الشارع يعتبر أمراً به يرتفع موضوع الحكم الآخر، لكنّه رفع تعبّديٌّ، وليس وجدانيّاً من دون أن يكون هنا حكم موجود منظور إليه أبداً، فإنّنا قلنا فيما سبق: إنّ العلم قابل لأن تناله يد الاعتبار، كما هو الحال في الملكيّة والزوجيّة، فإنَّ العلم ليس له أثر شرعي، إلاّ إذا أخذ بنفسه في الموضوع، وإلاّ فهو طريقي محض وكاشف عن الواقع، وحجّيّته ومنجّزيّته بحكم العقل، إلاّ أنّه قابل لأن يعتبره الشارع علماً، وخبر الواحد على تقدير ثبوت حجّيّته يدلّ على اعتبار خبر الواحد علماً، فالعلم من الأمور القابلة للاعتبار.
فإذا دلّ دليل على اعتبار العلميّة لشيء، ودلّ على أنَّ خبر الواحد علم، لأنّه لا يجب التبيّن عنه، ففي كلّ مورد أخذ فيه عنوان الجهل يكون مرتفعاً عن هذا المورد؛ لأنّ خبر الواحد وإن كان وجداناً جهلاً، إلاّ أنّه في نظر الشارع ليس بجهل، بل المكلّف عند قيام الخبر لديه اعتبره الشارع عالماً بالواقع.
ومقامنا من هذا القبيل، فإن العلّة المأخوذة في الآية ورد فيها عنوان الجهالة أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(1) والمفهوم يرفع هذا
ــــــــــ[56]ــــــــــ
(1) الحجرات:6.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
العنوان؛ إذ لو كان الخبر حجّة، لا يكون من إصابة القوم بجهالة، بل يرتفع الموضوع بالتعبّد الشرعي.
وهذه الحكومة في الأمارات بالنسبة إلى الأصول الشرعيّة، كما لو قامت البيّنة على نجاسة شيء، فإنّها تكون حاكمة على أصالة الطهارة الجارية في المورد، فإنّ موضوع الأصل هو الشكّ، والبيّنة ترفع الشكّ، وكذلك الحال في الأصول العقليّة كقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنّ الأمارات تكون بياناً، فالحكومة بهذا المعنى تغاير المعنى الأوّل.
وحاصله: أنَّ المفهوم متأخّر رتبة عن المنطوق، كما أنَّ المنطوق متأخّر رتبة عن العلّة، تأخّر كلّ معلول عن علّته. إذن، فالمفهوم متأخّر عن العلّة بمرتبتين، فكيف يكون المفهوم حاكماً عليها، فإنَّ الحاكم يجب أن يكون ناظراً إلى الحكومة وشارحاً له حال وجوده، فكيف يكون شارحاً له، وهو متأخّر عنه؟
وهذا يندفع بأمرين:
الأمر الأوّل: أنّ المفهوم وإن كان متأخرّاً عن المنطوق، إلّا أنَّه متأخّر في مقام الإثبات والدلالة والكشف، لا في مقام الثبوت والتحقّق، فإنَّ المفهوم عبارة عن حجّيّة خبر العادل، والمنطوق عبارة عن عدم الحجّيّة، فما معنى أن يقال: إنَّ حجّيّة خبر العادل في مرتبة متأخّرة عن عدم حجّيّة خبر الفاسق، فإنَّهما حكمان لا ربط بينهما. نعم، استكشاف حجّيّة خبر العادل متوقّف على دلالة الآية على انحصار وجوب التبيّن بخبر الفاسق، فالتأخّر هو في مرحلة
ــــــــــ[57]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الإثبات والدلالة، لا في مرحلة الثبوت، وإلّا فحجّيّة خبر العادل غير متأخّرة، فما المانع عن حكومة المفهوم على العلّة.
الأمر الثاني: أنَّ الحكومة في المقام ليست بمعنى الحكومة الشارحة التي في مثل قوله: “لا ربا بين الوالد والولد” فإنَّ هذه الحكومة إنّما تتحقّق في مورد يكون غير قابل للوضع والرفع تشريعاً كالشكّ(1) والربا، فتكون الحكومة ناظرة إلى نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، وأمّا في المقام فالحكومة ليست بهذا المعنى، فإنَّ العلم أمر قابل للاعتبار، فللعلم وجودان، وجود خارجي حقيقي ووجود اعتباري بأن يعتبر الجاهل الوجداني عالماً تعبّداً، فلو اعتبر خبر العادل علماً، فطبعاً يكون إصابة القوم بجهالة مرتفعاً.
إذن، فليست الحكومة بالنظر، ليقال: إنَّ المتأخّر رتبة كيف يكون شارحاً للمتقدّم ومبيّناً للمراد من الدليل؟! فهذا الوجه لا يرجع إلى محصّل.
فالصحيح أنَّه لو تمّت دلالة الآية على المفهوم، بأنَّ كان موضوع الحكم فيها هو النبأ، فإنَّها تدلّ على أنَّ وجوب التبيّن يرتفع عند إخبار العادل، فإنَّه بيان بنفسه فلا حاجة إلى بيان آخر.
وقد يستشكلّ بإشكال آخر أيضاً في دلالة الآية على المفهوم، وحاصله: أنَّ المراد بالتبيّن لا يخلو من أن يكون المراد به خصوص العلم الوجداني، وأمّا أن
ــــــــــ[58]ــــــــــ
() إشارة إلى قوله: لا شكّ لكثير الشكّ. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
يكون المراد به الوثوق الذي لا يعتنى بالظنّ بخلافه عقلائيّاً، فإذا كان المراد به العلم، فوجوب العمل بالعلم عقلي وليس شرعيّاً، وأمر الشارع بإتّباع العلم إرشادي محض -كما قلنا في بحث القطع(1)– وإذا كان الحكم إرشاديّاً لا يكون مفهوم للقضيّة، إذ لا حكم للقضيّة ليكون مرتفعاً عند ارتفاع الشرط، وإذا ارتفع الشرط ارتفع الحكم بارتفاع موضوعه.
وإذا كان المراد به هو الوثوق، فيمكن أن يكون له مفهوم، إذ المنطوق هو: أنَّ خبر الفاسق يجب تحصيل الوثوق من الخارج به، ومفهومه: أنَّ خبر العادل لا يجب تحصيل الوثوق به، ويجوز العمل به من دون وثوق، فيقول المستشكل: إنَّه لا يمكن الجمع بين هذا المفهوم وذاك المنطوق، فإنّنا بين أمرين: أمّا أن نقول: إنَّ خبر العادل إذا كان معرضاً عنه من قبل الأصحاب ولا يوجب الوثوق فلا يجوز العمل به، وبين أن نعمل بخبر العادل مطلقاً ولا نعتبر الوثوق، فإنَّ الفقهاء -كما يقول المستشكل- بين قائل بالوثوق بسبب عمل الأصحاب سواء كان المخبر عادلاً أو لم يكن، وبين قائل بالعدالة سواء أوجب الوثوق أو لم يوجب.
فإذا دار الأمر بين هذين القولين امتنع الجمع بين منطوق الآية ومفهومها، فإنَّ المنطوق يقول: إذا حصل الوثوق بخبر الفاسق جاز العمل به، والمفهوم يقول: خبر العادل حجّة وإن كان معرضاً عنه، وهذا إحداث لقول ثالث، وهو غير ممكن، فيدور الأمر بين أن نطرح المنطوق ونعمل بالمفهوم، فهذا غير ممكن
ــــــــــ[59]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 10: 250.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
لأنَّه تابع له، وبين أن نطرح المفهوم فتسقط الآية عن الاستدلال على حجّيّة خبر العادل.
إلّا أنَّ هذا الوجه مجرّد صورة كلام، ويرد عليه إيرادان:
الإيراد الأوّل: فلإمكان أن يقال: إنَّ المراد بالتبيّن هو العلم. أمّا أنَّ الأمر إرشادي فهو واضح البطلان، لأنَّ الحكم في الآية ليس هو وجوب العمل بالعلم، فإنَّه لم يقل: إذا جاء الفاسق بنبأ وحصل لكم العلم من الخارج فاعملوا به، بل قال: إذا جاءكم الفاسق بنبأ فتبيّنوا، أي: حصّلوا العلم، فالأمر بتحصيل العلم لا بالعمل بالعلم الحاصل، وكم فرق بينهما؟ فيكون المفهوم: إذا لم يكن الجائي بالخبر فاسقاً لا يجب تحصيل العلم في الخارج، لأنَّه بنفسه معتبر، فالأمر – إذن- ليس ارشاديّاً، ليقال: إنَّه لا مفهوم للآية.
الإيراد الثاني: فإنَّه على التقدير الثاني، فيما لو كنا نقول: إنَّ المراد بالتبيّن الوثوق، فإن بنيّنا على أنَّ خبر العادل حجّة، حتّى إذا كان معرضاً عنه بين الأصحاب، ولا اعتبار بالوثوق، كما ذهبنا إليه أخيراً(1)، فنكون قد عملنا بالمنطوق والمفهوم، ولا يكون(2) من إحداث قول ثالث.
ــــــــــ[60]ــــــــــ
() انظر: تقريرات في أُصول الفقه 10: 314 – 318.
(2) لم يذكر السيّد كيف لا يكون ذلك، مع أنَّ هذا القول يكون منافيّاً لإطلاق المنطوق الذي ينهى عن العمل بخبر الفاسق، إلّا بعد حصول الوثوق به، فالأخذ بإطلاق المنطوق والمفهوم معاً إحداث قول ثالث لا محالة، إلّا أن يقال: إنَّه ليس محذوراً في نفسه إذا دلّت عليه الآية. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وأمّا إذا بنيّنا على ما هو المعروف من أنَّ إعراض الأصحاب يسقط الخبر عن الحجّيّة، فغاية ما يلزم هو تقييد المفهوم، فإنَّ المفهوم هو: أنَّ خبر العادل حجّة مطلقاً، وإن كان معرضاً عنه عند الأصحاب، فنقيّده بصورة الإعراض، وتقييد المفهوم لا مانع عنه.
فالآية تدل على المفهوم لو كان موضوع الآية هو النبأ، والصحيح: أنَّ المراد بالتبيّن ليس هو خصوص العلم ولا خصوص الوثوق، بل الجامع بينهما، يعني: أنَّ وجود خبر الفاسق كالعدم، فتبيّنوا عنه، وحصلّوا العلم من الخارج، ومفهومه: إذا لم يكن الجائي بالخبر فاسقاً لا يجب التبيّن، فالمراد بالتبيّن الجامع كما في سائر موارد استعمال هذا اللفظ.
من جملة ما استشكل في دلالة الآية على المفهوم: أنَّها في خصوص المقام لا مفهوم لها، ولو فرض أنَّ موضوعها هو النبأ، وشرطها هو مجيء الفاسق به.
والوجه في ذلك: أنَّ مورد الآية أخبار الوليد عن ارتداد بني المصطلق، وقد أَخبر الله تعالى عن فسقه ووجوب التبيّن عن خبره، فإذا كان موردها هو الإخبار بالارتداد، وهذا الخبر لو كان من العادل لا يكون حجّة، بل لا بدَّ من ثبوت الكفر من قيام البيّنة عليه، فإنَّ الكفر لا يثبت إلّا بها، فلا بدَّ من الالتزام بعدم المفهوم، وأنَّه تعالى في مقام بيان عدم الاعتداد بخبر الفاسق، أمّا خبر العادل فالآية ساكتة عنه.
ــــــــــ[61]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وأجاب شيخنا الأنصاري(1): عن ذلك أنّه ليس هنا تخصيص المورد، لأنَّ المراد بالفاسق في الآية هو طبيعي الفاسق، لا المقيّد بالوحدة، أي: الفاسق الواحد، فليس المراد به النكرة والفرد المردّد، حتّى يكون مفهومه: إذا أتاكم عادل واحد فلا تتبيّنوا، حتّى يقال: أنَّه ليس حجّة في مورد الآية، بل المراد بالفاسق هو الطبيعي، وكذلك المراد بالعادل، فلو كان المخبر فاسقاً لا يعتدّ بقوله، ما لم يوجد العلم ويصل إلى حدّ التواتر، فيكون العلم حجّة، ومفهومه: أنَّ خبر العادل حجّة ولا يجب التبيّن عنه، لأنَّه بيّن في نفسه، غاية الأمر: أنَّ المفهوم مطلق في المورد وغير المورد، ولكن قيّد المورد بما إذا كان المخبر متعدّداً، فهذا تقيّيد في المورد ولا بأس به، وليس من التخصيص المستهجن، كما هو الحال أيضاً في تقيّيد حجّيّة الخبر بصورة الموافقة وعدم قبول غير البيّنة. وجواب الشيخ في محلّه.
ولكن استشكلّ بعض الأعاظم(2) على تماميّته، بتقريب: أنَّ المراد من التبيّن في الآية، أمّا أن يكون هو العلم أو الوثوق، وعلى كلا التقديرين لا يتمّ دلالتها على المفهوم. أمّا على الأوّل فلأجل أنَّ الأخذ بالعلم واجب عقلاً، فلا يكون من الأحكام الشرعيّة الثابتة بالتعبّد، فيكون الحكم إرشادّياً لا محالة، فلا يكون له مفهوم، لأنَّ المفهوم إنّما يكون في موارد الحكم المولوي، ولا يكون في موارد الحكم الإرشادي.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول 1: 271 ،272.
(2) انظر: نهاية الأفكار 3: 108.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
أو على أنَّ المراد به الوثوق والاطمئنان، فالمنطوق لا يمكن أن يعمل به، لأنَّه علّق جواز العمل بخبر الفاسق على حصول التبيّن من الخارج، وفي مورد الآية حتّى لو حصل لنا الوثوق من الخارج، لا يجوز العمل به وترتيب آثار الارتداد.
فعلى كلا التقديرين لا يمكن الالتزام بالمفهوم، فلا بدَّ من الالتزام بأنَّ المراد بالتبيّن هو العلم.
وقد تقدّم الجواب في الجملة عن ذلك، وقلنا: إنَّه إن كان المراد به هو العلم فليس الأمر إرشادياً، لأنَّ المذكور في الآية هو تحصيل العلم، لا لزوم العمل على العلم، والثاني هو الأمر الإرشادي، وأمّا الأوّل فهو مولوي، فالمفهوم(1) من الآية، هو: أنَّ خبر الفاسق ليس بحجّة، فيجب عليكم عند وجوده تحصيل العلم، ومفهومه: أنَّه إذا أخبر العادل، فإنَّه لا يجب تحصيل العلم، غاية الأمر: أنَّه إذا أخبر العادل لا يجب تحصيل العلم مطلقاً، فيقيّد بما إذا كان العادل متعدّداً، يعني: قيام البيّنة.
على أنّا قد ذكرنا سابقاً: أنَّه ليس المراد بالتبيّن العلم الوجداني ولا الوثوق، بل المراد به معناه اللغوي، وهو الظهور، فتبيّن الأمر، يعني: ظهر، ومنه قوله تعالى في آية الصوم: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ (2) فمعنى ذلك: (إن جاءكم فاسق بنبأ) فبما أنَّ قول الفاسق ليس بحجّة فلا بدَّ من التبيّن من خارج، ليظهر الأمر أنَّه صادق أو كاذب، فإن ظهر صدقه
ــــــــــ[63]ــــــــــ
() أي: المتفاهم، وهو عبارة عن المنطوق نفسه. (المقرّر).
(2) البقرة: 187.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
من الخارج فلا بأس من العمل به، لا لأجل العمل بإخباره، بل لظهور صدقه، ومفهومه: أنَّ خبر العادل لا يجب التبيّن عنه؛ لأنَّه ظاهر في نفسه وحجّة.
لو كنّا نحن والآية من دون دليل خارجي، لقلنا: إنَّ خبر الفاسق ليس بحجّة في أيّ مقامٍ ما لم يظهر من الخارج صدقه، وإنَّ قول العادل حجّة على الإطلاق، لأنَّه علم وظهور تعبّدي، فلا حاجة إلى التبيّن عنه من الخارج، فبحسب إطلاق المنطوق وإطلاق المفهوم ذلك، ولكن إذا أثبتنا بالأدلّة الأخرى كالسيرة العقلائيّة حجّيّة خبر الفاسق في موارد أخرى، كمن لا يتعمّد الكذب، وأنَّه ملتزم بالصدق -كما قد يتّفق ذلك في جملة من المنحرفين عن المذهب- فهذه السيرة إذا أثبتنا أنَّها ممضاة من قبل الشرع، فقوله حجّة في الإخبار بالحكم والموضوعات الخارجيّة على ما سيأتي، فلو ثبت ذلك لا نحتاج معه إلى التبيّن، ونخصّص منطوق الآية بما إذا كان الفاسق في نفسه ثّقة فيؤخذ بكلامه، إلّا في الترافع والإخبار عن الارتداد وعمّا يوجب الحدّ ونحوها.
ومفهوم القضيّة أنَّ خبر الواحد حجّة في أيّ مورد، فهذا أيضاً نقيّده في بعض الموارد فيكون مشروطاً بالتعدّد، كالأخبار عن الارتداد وفي الترافع، وفي مثل الشهادة على الزنا فيحتاج إلى أربعة.
فبعد ثبوت حجّيّة خبر الفاسق في بعض الموارد، وعدم حجّيّة خبر العادل في بعض الموارد، فلازم هذا تخصيص المنطوق ببعض الموارد وتقيّيد المفهوم ببعض الموارد، ولم تخرج عن مورد الآية.
أمّا في إخبار الفاسق فإنَّ إخباره لا يكون مقبولاً عن الارتداد سواء كان
ــــــــــ[64]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ثقة أو لم يكن، وأمّا المفهوم فليس هنا تخصيص، وأمّا بالنسبة إلى مورد الآية فتقيّده بالتعدّد المعبّر عنه بالبيّنة، وكلا الموردين قابل للتقيّيد. فما أفاده الشيخ الأنصاري في محلّه.
وملخّص الكلام في آية النبأ: أنَّ الظاهر أنَّها لا مفهوم لها، لما ذكرناه من أنَّ المفهوم يتوقّف على أن يكون الموضوع هو التبيّن، والشرط هو مجيء الفاسق به، فتدلّ الآية حينئذٍ على المفهوم، إلّا أنَّه لم يظهر ذلك، بل الظاهر عكسه، ولا أقلّ من الإجمال، فإنَّ الموضوع هو الفاسق، والشرط هو مجيئه بالنبأ، فإذا لم يجئ الفاسق بالنبأ فتكون تكون سالبة بانتفاء الموضوع، وقلنا: بأنَّ التأمّل والتدبّر في أَمثال القضيّة في العرف يؤيّد ذلك.
ولكن بناءً على أن يكون الموضوع في الآية هو النبأ، وأنَّها تدلّ على المفهوم، فلا يرد شيء من هذه الإشكالات، وهي تامّة الدلالة، غاية الأمر: نقيّد المفهوم في بعض بالتعدّد المعبّر عنه بالبيّنة. هذا تمام الكلام في آية النبأ.
ثمَّ أنَّه قد استشكلّ في دلالة كلّ دليل يدلّ على حجّيّة خبر الواحد، وهو يعمّ آية النبأ وغيرها، وكلّ ما تمسكّنا به في هذا المقام.
وحاصل الإشكال: أنَّ السيّد المرتضى قد ادّعى الإجماع(1) على عدم حجّيّة خبر
ــــــــــ[65]ــــــــــ
(1) انظر: رسائل الشريف المرتضى 1: 24، 3: 309.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الواحد، وهذا أيضاً خبر واحد، فإنَّ السيّد عادل فيعمّه دليل الحجّيّة، وهو يخبر عن أنَّ المعصوم لم يجعل الخبر حجّة، فإنَّ الأخبار عن الإجماع إخبار عن رأي المعصوم التزاماً، فيشمله دليل حجّيّة خبر الواحد، فيلزم عدم حجّيّة سائر الأخبار، فلا يكون خبر الواحد حجّة، وهذا جار في آية النبأ وغيرها من أدلّة الحجّيّة.
والجواب عنه:
أوّلاً: لو تمّت دلالة الآية على المفهوم، أو ثبتت بدليل آخر، فلا تكون هذه الأدلّة شاملة للخبر الحدسي، فإنَّ هذه الأدلّة ناظرة إلى إلغاء احتمال تعمّد الكذب، وأنَّه لا يعتنى به، وأمّا الخبر الحدسي فغير مشمول بهذه الأدلّة، كما ذكرنا في مبحث الإجماع المنقول(1)، وقلنا: بأنَّه لا يمكن أن يصحّح بأدلّة حجّيّة خبر الواحد، فإنَّه لا ملازمة بينهما، فإنَّ الإجماع مبني على الحدس، وربما يكون المدّعي مخطأ في حدسه، لأنَّه بانٍ على شيء لا يبني عليه الآخر، فلا يكون خبر السيّد مشمولاً لأدلّة الحجّيّة ليلزم منه عدم حجّيّة سائر الأخبار.
وثانياً: لو سلّمنا شمول الأدلّة له، فإنَّ دعوى السيّد المرتضى معارضة بدعوى الشيخ الطوسي(2) الإجماع على حجّيّة خبر الواحد، فيتعارضان ويتساقطان، ونرجع إلى أدلّة الحجّيّة، فإنَّ دعوى السيّد المرتضى إنَّما تكون مسموعة ومشمولة للأدلّة إذا لم تكن معارضة بدعوى الشيخ الطوسي، وأمّا إذا كانت كذلك فلا تكون مشمولة.
ــــــــــ[66]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 10: 291.
(2) انظر: العدّة في الأصول 1: 100_ 126.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ثُمَّ لو لم تكن دعوى الشيخ الطوسي، وبنيّنا على أنَّ دليل الحجّيّة يشمل الخبر الحدسي، فمع ذلك لا يكون خبر السيّد المرتضى مشمولاً له، فإنَّه يدّعي الإجماع على حجّيّة الخبر على نحو القضيّة الحقيقيّة، ولا ينظر إلى أخبار معيّنة بنحو القضيّة الخارجيّة، بل يخبر عن أنّ الشارع لا يرضى بالعمل بخبر الواحد، كما لا يرضى بالعمل بالقياس، فأينما تحقّق خبر الواحد يشمله الحكم، وخبر السيّد أيضاً خبر واحد فيشمله الحكم، فبمقتضى إخباره هو لا يكون حجّة، فيلزم من وجود حجّيّته عدم وجود حجّيّته، فيكون مستلزماً للمحال، وما يستلزم المحال محال، فلا يكون مشمولاً للأدلّة.
وثالثاً: لو أغمضنا عن هذا، وفرضنا أنَّ القضية خارجيّة، ولا يشمل خبر نفسه أيضاً، فلا يمكن التمسّك بأدلّة الحجّيّة في خبر السيّد، وذلك: لأنَّ الأمر يدور بين أن يكون خبر السيّد المرتضى مشمولاً لأدلّة حجّيّة خبر الواحد دون سائر الأخبار وبين العكس، لأنَّ الجمع بينهما غير ممكن، فإذا كان خبر السيّد حجّة فسائر الأخبار ليست بحجّة، وإذا كانت هي حجّة فهو ليس بحجّة، فلا بدَّ من رفع اليد عن أحدهما، لكن رفع اليد عن خبر السيّد، والقول: بأنَّ أدلّة الحجّيّة شاملة لسائر الإخبار دونه لا محذور فيه، وأمّا عكسه ففيه محذور، لأنَّ عكسه وهو تخصيص الحجّيّة بخبر السيّد، ومعناه: أنَّ الله تعالى في كتابه أو المعصوم في أقواله قد بيّنوا عدم حجّيّة الخبر بلسان حجّيّة الخبر، فيكون من بيان الشيء بلسان نقيضه، حيث قال: خبر العادل حجّة، يعني: خبر السيّد وحده، أمّا الباقي فليس بحجّة، وهذا مستهجن جدّاً. فالمقصود من أنَّ خبر الواحد حجّة أنَّه ليس بحجّة، فيكون
ــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
من بيان الشيء بلسان نقيضه، وكيف يصدر هذا من الله أو المعصوم ومن أيّ عاقل؟ إذن، لا يمكن أن تكون هذه الأدلّة -كآية النبأ وغيرها- شاملة لخبر السيّد ليكون حجّة، ويثبت بذلك عدم حجّيّة سائر الأخبار.
هذا، وقد يقال بالنسبة إلى الإشكال الأخير: إنَّ الأمر لا يدور بين شمول الأدلّة لخبر السيّد المرتضى أو شمولها لسائر الأخبار، بل هنا شقٌّ ثالثّ، وهو: أنَّ الأمر يدور بين أن يكون خبر السيّد المرتضى وما تقدّمه من الأخبار ككتب الصدوق والشيخ الكليني وغيرهما حجّة، وبين حجّيّة ما تأخّر عنه من الأخبار كالتهذيب والاستبصار، وهذا أمر مستهجن، فإنَّ دليل الحجّيّة قابل لأن يخصّص بهذا المقدار.
بيان ذلك: أن خبر السيّد المرتضى قبل أن يوجد في الخارج لم يكن مشمولاً لدليل الحجّيّة جزماً، لأنَّه من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع، وكانت هناك أخبار كثيرة في الكتب -ككتب الصفار والبرقي وغيرها- مشمولة لأدلّة الحجّيّة بلا معارض، إلى أن وصلت النوبة إلى السيّد فادّعى الإجماع على عدم حجّيّة خبر الواحد، وهذه الدعوى لا تؤثّر فيما تقدّم، لأنَّ الأخبار لم يكن لها معارض، وكانت مشمولة لأدلّة الحجّيّة، ونتيجة الدعوى: عدم الاعتناء بأخبار من بعده كالشيخ الطوسي وغيره من أهل الحديث، فإنّه خبر واحد، وقد أخبر السيّد المرتضى عن عدم حجّيّة هذه الأخبار.
إذن، يدور الأمر بين أن يكون دليل الحجّيّة شاملاً لخبر السيّد، مع ما تقدّم من الأخبار دون الأخبار المتأخّرة، أو لا يكون مشمولاً مع الالتزام بحجّيّة
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الأخبار المتأخرّة، وأيّ محذور في تخصيص دليل الحجّيّة بخبر السيّد ومن تقدّمه، فإنّ مهمّ الأخبار دوّنت قبله، فيكون الخبر المتأخّر ساقطاً من جهة أنّ خبر السيّد يخبر عن عدم حجّيّته.
إلّا أنّ هذا الكلام واضح الفساد، لأمرين:
الأمر الأوّل: فلأنَّ خبر السيّد وإن كان اتّصافه بالحجّيّة حال وجوده، إلّا أنَّ العبرة بما يخبر به السيّد، لا باتّصافه بالحجّيّة، وهو يخبر عن حجّيّة أخبار الآحاد في الشريعة من أوّل الأمر، لا ما كان بعده، وإلّا كان نسخاً، يعني: لو صرّح أنَّ خبر الواحد ليس حجّة من الآن فصاعداً لكان نسخاً، والنسخ لا يثبت بخبر الواحد، بل لا بدَّ له من دليل قطعي، فهو يخبر عن عدم الحجّيّة من أوّل الشريعة، ولازمه أنَّ خبر السيّد إذا كان حجّة فلا بدَّ من البناء على عدم حجّيّة أيّ خبر، سواء تقدّم على السيّد أو تأخّر عنه، فإنَّ العبرة بالمخبر به لا بزمان التحقّق والحجّيّة.
الأمر الثاني: لو فرضنا أنَّ السيّد كان مصرّحاً بأنَّ خبر الواحد بعد هذا ليس بحجّة، ولم يكن من باب النسخ، أو فرضنا أنَّ النسخ يثبت بخبر الواحد، إلّا أنَّ القطع الخارجي بأنَّه لا فرق في حجّيّة الخبر بين ما قبل السيّد وما بعده، وأنَّه لا معنى لأن يقال: إنَّ أخبار الشيخ الكليني حجّة، وأخبار الشيخ الطوسي ليس بحجّة.
فالقطع بعدم الفرق بينهما يوجب أن تختصّ الحجّيّة بخبر السيّد، فيخرج ما تقدّمه وما تأخّر عنه، وفيه محذور الاستهجان الذي تقدّم، أو أنَّ لا يكون خبر
ــــــــــ[69]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
السيّد حجّة، ويكون غيره حجّة، وهذا ليس فيه محذور، فيكون هذا هو المتعيّن.
فهذا الإشكال على آية النبأ وغيرها لا يرجع إلى محصّل، ودعوى السيّد غير مسموعة.
وحاصله(1): أنَّ خبر السيّد الذي يخبر عن عدم حجّيّة خبر الواحد، أو خبر الشيخ الذي يخبر عن حجّيّته، شيء منهما لا يمكن أن يكون مشمولاً لدليل الحجّيّة، وذلك: لأنَّ خبر الواحد إنّما يكون حجّة إذا كان مشكوك المطابقة للواقع، فنحتمل مطابقته وعدم مطابقته، وأمّا إذا كان معلوم المطابقة للواقع أو معلوم الكذب، فلا معنى لأن يتّصف بالحجّيّة، إذ في صورة العلم بصدقه يكون العلم حجّة، وفي صورة العلم بالكذب لا يعقل اتّصافه بالحجّيّة، فالخبر الذي وقع الكلام في حجّيّته هو الخبر المشكوك فيه.
إذن، فلا يمكن أن يكون خبر السيّد مشمولاً لدليل الحجّيّة، إلّا إذا كان مشكوك المطابقة للواقع، ومدلوله هو عدم الحجّيّة، فلا بدَّ أن نشكّ في الحجّيّة لكي يصحّ لنا الشكّ في كلام السيّد مطابقة وعدمها.
فنحن نشكّ في أنَّ خبر السيّد مطابق للواقع وأنَّ الخبر ليس بحجّة في الواقع، أو أنَّه ليس مطابقاً للواقع وأنَّ الخبر حجّة.
فالشكّ في الحجّيّة موضوع للحكم بحجّيّة خبر السيّد، فحجّيّة خبره في مرتبة متأخّرة عن هذا الشكّ، يعني: لا بدَّ أن نشكّ في حجّيّة الخبر وعدمه
ــــــــــ[70]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار 3: 118.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ليحكم بحجّيّة خبر السيّد، ومن المعلوم أنَّ الشكّ متأخّر عن الواقع، إذ لا بدَّ من فرض واقع يتعلّق به الشكّ.
وعلى ذلك لا بدَّ وأن نفرض الحجّيّة في مرتبة سابقة أو عدم الحجّيّة أيضاً، ونشكّ فيه، وبعد ذلك يشمل حجّيّة الخبر لخبر السيّد، فيحكم بأنَّ خبر السيّد حجّة. إذن، كيف يمكن أن يشمل دليل الحجّيّة لمثل خبر السيّد المتأخّر عن جعل الحجّيّة بمرتبتين، فإنَّ أدلّة الحجّيّة تثبت الحجّيّة لسائر الأخبار، وأمّا الخبر المتأخّر عن الحجّيّة بمرتبتين فلا يمكن أن يكون مشمولاً للأدلّة، فإنَّ لازمه أن نفرض شيئاً متأخّراً أو متقدّماً، ولا يمكن للحكم أن يشمل مرتبة الشكّ فيه أيضاً، فإنَّ الحكم يجعل لذات الشيء، وأمّا في مرتبة الشكّ فلا يمكن أن يكون نفس الحكم الواقعي شاملاً له، بل لا بدَّ من حكم آخر كالحكم الظاهري، ولا يمكن أن يفرض الحكم متأخّراً عن نفسه بمرتبتين.
ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّ أدلّة الحجّيّة تثبت الحجّيّة للخبر، والشكّ متأخّر عن الحجّيّة، وهو -أي: الشكّ- متقدّم على خبر السيّد، أي: موضوع الحجّيّة، فإنَّه إنّما يكون حجّة إذا شكّكنا أنَّ دعوى السيّد مطابقة للواقع أو لا؟ فالحجّيّة في مرتبة سابقة على حجّيّة كلام السيّد بمرتبتين. إذن، كيف يمكن أن تكون هذه الحجّيّة مجعولة له بأدلّة جعل الحجّيّة، مع أنَّها متأخّرة عنها بمرتبتين؟ فهذا الخبر لا يمكن أن يكون مشمولاً لأدلّة حجّيّة خبر الواحد.
وكذلك حجّيّة خبر الشيخ، فإنَّ حجّيّته متوقّفة على الشكّ في مطابقته للواقع، فلا بدَّ أن نفرض واقعاً وهو الحجّيّة ونشكّ فيه، فكيف يمكن أن تكون
ــــــــــ[71]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
هذه الحجّيّة مجعولة لأدلّة الحجّيّة التي هي مرتبة سابقة، وكيف يمكن أن يكون المجعول شاملاً لمرتبة الشكّ فيه؟
والجواب عن هذا ظاهر: فإنَّ الإهمال في الأحكام الواقعيّة غير معقول، بل لا بدَّ من الإطلاق أو التقيّيد، فالحكم المجعول لا بدّ أن يكون مقيّداً بالعلم أو مقيّداً بالشكّ أو مطلقاً، لكن التقيّيد بالعلم لا يمكن، وكذلك التقيّيد بالشكّ، فلا مناص من الالتزام بأنَّ الحكم المجعول مجعول مطلقاً، سواء كان المكلّف جاهلاً أو عالماً.
وليس معنى الإطلاق أخذ كلّ قيد في موضوع الحكم أو متعلّقه، فإذا قلنا: إنَّ الأحكام مطلقة للعالم والجاهل، فليس معناه: أنَّها تشملهما بقيد كونه عالماً أو جاهلاً، فإنَّه ليس معنى الإطلاق الجمع بين القيود، بل معناه رفض القيود، وأنَّ الحكم ثابت للطبيعي أينما وجد، ومعناه: أنَّ الأوصاف لا دخل لها في ثبوت الحكم، فلو فرض محالاً أنَّ الطبيعي وجد من دون خصوصيّة فيشمله الحكم أيضاً.
فليس الحكم إلّا هو الثابت لذات الشيء، وهو الخبر من دون خصوصيّة المخبر به، فعلى ذلك لا مانع من أن يلتزم أنَّ الخبر حجّة على الإطلاق، ويكون الحكم عامّاً لفرض الشكّ أيضاً.
صحيح أنَّ ما وقع الكلام في حجيّته هو المشكوك الصدق، وخبر السيّد أيضاً مشكوك المطابقة للواقع، إلّا أنَّه لا مانع من شمول دليل الحجّيّة له، وإن كان موضوعه الشكّ في الواقع، إلَّا أنَّ ثبوت الحجّيّة له لا بوصف كونه مشكوكاً، بل بوصفه خبراً من الأخبار.
ــــــــــ[72]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
والحاصل: أنَّ هذه الشبهة مبتنيّة على ما ذكره غير واحد من أنَّ الإطلاق هو لحاظ القيود، كما يظهر من كلام شيخنا الأستاذ(1)، حيث إنَّه أصرّ على أنَّ التقيّيد إذا كان محالاً كان الإطلاق محالاً، وذكرنا غير مرّة: أنَّه لا ملازمة بين الأمرين، إذ يمكن أن يكون التقيّيد محالاً لمحذور، ولا يكون الإطلاق محالاً لعدم المحذور، فإنَّ معنى الإطلاق ليس هو لحاظ التقيّيد، بل معناه رفض القيود وسريان الحكم إلى جميع الأفراد والحصص، وهذا بعينه جار في المقام فيثبت له الحكم أينما سرى، وإن كان في مرتبة متأخّرة.
ونظير هذا دليل حرمة الكذب، وهو عامٌّ يشمل ما إذا كان كذباً في أمر خارجي، وما إذا كان كذباً في هذا الحكم، فلو أخبر مخبر أنَّ الكذب ليس حرامّاً في الشريعة، فطبعاً هذا الخبر متأخرّ عن الحكم؛ إذ لا بُدَّ أن نفرض حكماً للكذب يخبر عنه المخبر، ويتّصف خبره بالصدق والكذب، ولكن لا مانع من شمول دليل الحرمة له، ولا يقال: إن هذا الخبر يستحيل أن يكون حرامّاً بتلك الحرمة المجعولة، فكلّ كذب حرام إلاّ هذا الكذب، ولا يفطر في صومه إذا كان في شهر رمضان، وهذا لا يمكن الالتزام به جزماً.
والوجه فيه ما ذكرناه: أنّ دليل حرمة الكذب قد ألغيت عنه جميع الخصوصيّات، ولم يلحظ فيه إلّا عدم المطابقة للواقع من دون أيّ خصوصيّة، ومن المعلوم أنّ هذا الكذب أيضاً، ولا يكون مدلوله مطابقاً للواقع، فيكون كذباً، فيكون حراماً. إذن، فهذا الإشكال الذي ذكروه غير تامّ.
ــــــــــ[73]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 244، 245.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ذكر المستشكلّ(1): أنّ حجّيّة سائر الأخبار تتقدّم على حجّيّة خبر السيّد، فتكون حجّة دونه، وقال: إنَّ الأمر دائر بين التخصيص والتخصّص، وكلّما دار الأمر بينهما تعيّن التخصّص.
بيان ذلك: أنّ الخبر الذي هو محلّ الكلام، هل يكون حجّة أو لا يكون؟ وهو ما يكون مشكوك المطابقة للواقع، وأمّا ما يقطع بصدقه أو كذبه فلا يعقل حجّيّته، ففي المقام إذا فرضنا أنّ حجّيّة خبر الواحد مختصّة بخبر السيّد فلازمه تخصيص دليل الحجّيّة بغير خبر السيّد من الأخبار؛ لأنّ خبر السيّد لا يقتضي كذب سائر الأخبار، فإنّها تخبر عن وجوب شيء أو حرمته أو عن الزوجيّة أو الملكيّة، وغير ذلك من مداليل الروايات، وخبر السيّد ناظر إلى جهة حجّيّة هذه الأخبار لا إلى كذبها، فهو يخبر عن كونها ليست بحجّة سواء كانت مطابقة للواقع أو لا، فإذا كان دليل الحجّيّة شاملاً لخبر السيّد فلازمه الجزم بكون سائر الروايات لم تجعل حجّيّتها، ولازمه الالتزام بالتخصيص.
وأمّا إذا انعكس الأمر، وقلنا: إنّ خبر السيّد خارج عن أدلّة الحجّيّة، والداخل في الحجّيّة هو سائر الأخبار، فسائر الأخبار إذا كانت حجّة فلازمه أنّ خبر السيّد غير مطابق للواقع؛ لأنّه يخبر عن عدم الحجّيّة، ويكون حينئذٍ معلوم الكذب -ونقصد بالكذب: الكذب الخبري لا الكذب المخبري- ومثل هذا الخبر لا يكون مشمولاً للدليل، ويكون تخصّصاً، فإنّ أدلّة الحجّيّة إنّما تشمل
ــــــــــ[74]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار 3: 119.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الخبر المحتمل الصدق والكذب، وبعد شمول الحجّيّة لهذه الأخبار يكون خبر السيّد معلوم الكذب، فيخرج عن موضوع دليل الحجّيّة تخصّصاً.
وإذا دار الأمر بين التخصّص والتخصيص كان التخصّص أولى.
والحاصل: أنّ مدلول خبر السيّد إنّما هي الحجّيّة، وأمّا بالنسبة إلى مطابقة سائر الأخبار للواقع فخبر السيّد أجنبي عنها، وغير متكفّل لبيانها، فإذا تقدّم خبر السيّد وقلنا بحجّيّته دون سائر الأخبار، فلازمه الالتزام بالتخصيص بأدلّة الحجّيّة، وأمّا إذا انعكس الأمر وكانت سائر الروايات حجّة فهي مستلزمة لأن يكون خبر السيّد مخالفاً للواقع؛ لأنّه يخبر عن عدم الحجّيّة، فيخرج عن موضوع دليل الحجّيّة. ولكن في هذا الكلام مغالطة لعلّها واضحة.
بيان ذلك: أنّه قد يفرض التعارض بين الدليلين من جهة تنافيهما في المدلول، فلا يمكن أن يكون مدلول هذا الدليل ثابتاً، ومدلول الدليل الآخر ثابتاً، أمّا بالمطابقة أو بالالتزام، فلو دلّ دليل على أنَّ شيئاً واجب، ودلّ آخر على أنّه مباح، فالمدلولان متنافيان لعدم إمكان اتّصاف شيء بحكمين لتضادّ الأحكام، فيكون ثبوت كلّ منهما ملازماً لعدم الآخر قهراً.
وقد يفرض أنّ الدليلين متنافيان بالعرض، فلا تنافي بين مدلوليهما بالذات، ولكن عرفنا أنّ أحدهما مخالف للواقع، كما لو دلّ دليل على وجوب القصر في من قصد أربع فراسخ غير مريد الرجوع ليومه، ودلّ دليل آخر في نفس المورد على التمام، فهذان الدليلان لا تنافي بينهما لإمكان وجوب كلا الصلاتين، وكذلك لو الدليل على وجوب الظهر، ودلّ آخر على وجوب
ــــــــــ[75]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الجمعة، فإنّه لا تنافي بين الدليلين بالذات؛ إذ يمكن أن تكون كلّاً منهما ثابتاً في الشريعة، إلاّ أنّ التنافي بينهما من ناحية العلم الإجمالي بعدم وجوب إلّا صلاة واحدة، وإن الفرائض خمس لا يزاد عليها، ومن هنا يكون الدليل الدالّ على وجوب القصر يدلّ على عدم وجوب التمام وبالعكس، وما دلّ على وجوب الجمعة يدلّ على عدم وجوب الظهر وبالعكس، فيقع التنافي بينهما بالعرض لا بالذات، فيجري فيهما حكم التعارض.
وفي موارد المعارضة بين الدليلين، لو كان أحد الدليلين نافياً لمدلول الآخر، ولكن الثاني لا يكون نافياً لمدلول الأوّل، فأحدهما يرفع موضوع الآخر دون العكس، فحينئذٍ يكون أحد الدليلين متقدّماً على الآخر، فيكون الأمر دائراً بين التخصيص والتخصّص، كما في الشكّ السبّبي والمسبّبي، كما لو كان الماء طاهراً وشكّكنا في تنجّسه وكان مقتضى الاستصحاب طهارته، فإذا غسلنا به الثوب المتيقّن النجاسة، فطبعاً نشكّ في زوال نجاسته، ومقتضى الاستصحاب نجاسته. والاستصحابان يتعارضان لا محالة، فلا يمكن الجمع بين مدلوليهما، ولا يمكن البناء على بقاء طهارة الماء، والبناء على بقاء نجاسة الثوب، لأنَّ طهارة الماء من أثره طهارة الثوب، فلا بدَّ من رفع اليد عن أحدهما، إلّا أنَّ رفع اليد عن دليل الاستصحاب في نجاسة الثوب لا محذور فيه، لأنّنا إذا حكمنا بطهارة الماء فقد غسلنا الثوب بماء طاهر، فمدلول الاستصحاب في طرف الماء طهارة الثوب، وأنَّ الثوب ليس بمشكوك الطهارة بقاءً، بل هو مقطوع الطهارة بالاستصحاب، وهذا معنى التخصّص، فلا يقال: إنَّ الثوب
ــــــــــ[76]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
خارج عن دليل الاستصحاب تخصيصاً، بل هو خروج موضوعي، فإنَّ دليل الاستصحاب يختصّ بمشكوك النجاسة، والتعبّد بطهارة الماء تعبّد بطهارة المغسول به، فليس الثوب مشكوك النجاسة، فلا يلزم محذور التخصيص.
أمّا لو عكس الأمر، فلو أجرينا استصحاب النجاسة وحكمنا ببقاء الثوب على النجاسة، فليس لازمه أنَّ الماء أصبح نجساً بملاقاة الثوب، فإنَّ ذلك من الآثار العقليّة لا الشرعيّة لدليل الاستصحاب، فإنَّه لو كان الثوب باقيّاً على نجاسته يستلزم نجاسة الماء استلزامّاً عقليّاً، فالشكّ في نجاسة الماء لم يرتفع بتعبّد شرعي، والملازمة عقليّة، فلا بُدَّ لنا من الالتزام بالتخصيص، وهذا الالتزام إمّا بلا دليل فهو ترجيح بلا مرجّح، وإمّا باعتبار شمول الدليل لنجاسة الثوب فيكون دورّياً، وهو محال.
فلو كان مدلول أحدهما رافعاً للشكّ في الآخر، باعتبار أنَّه من آثاره الشرعيّة، فشموله له تخصّص، وهو متقدّم على التخصيص، ومن جهة شمول الدليل للطرف الآخر دوريٌّ، فنلتزم بجريان الأصل في طرف السبّب، ونلتزم بطهارة الثوب المغسول.
وأمّا في المقام فلا تنافي بين مدلول خبر السيّد وسائر الأخبار لا بالذات ولا بالعرض، مثلاً: نفرض الرواية الدالّة على جزئيّة السورة في الصلاة، ومدلولها هو الجزئيّة، ومدلول خبر السيّد هو عدم حجّيّة الخبر، فأيّ تنافٍ بينهما؟ إذ يمكن في الواقع أن تكون السورة جزءاً، وأن لا يكون الخبر حجّة، فلا تنافي بينهما لا بالذات ولا بالعرض من جهة العلم الإجمالي، وإنّما التنافي بينهما بلحاظ
ــــــــــ[77]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
أدلّة الحجّيّة، فلا يمكن أن تشملهما معاً، إذ المفروض أنّ خبر السيّد يخبر عن عدم حجّيّة ذلك الخبر، فلا يمكن الالتزام بحجّيّته، وحجّيّة ذلك الخبر معاً.
فإذا كان التنافي من جهة شمول دليل الحجّيّة فينعكس الأمر، لأنَّه إذا شمل دليل الحجّيّة خبر السيّد وكان حجّة، ومدلوله هو عدم حجّيّة الخبر الآخر، فليس لنا أن نشكّ بحجّيّة الخبر الآخر، بل نجزم بعدمها، فإنَّ أصالة عدم التخصيص وأصالة عدم التقيّيد المتقوّمة بالشكّ الزائل، فإنَّ خبر السيّد إذا كان حجّة حيث إنَّ مدلوله عدم حجّيّة الخبر، فذلك الخبر ثابت، وهو ليس بحجّة، فليس هنا شكّ في شمول العموم له، فنلتزم بعدم العموم.
وأمّا عكسه فلا، وهو ما إذا كان دليل الحجّيّة شاملاً للخبر الآخر، فليس مدلوله أنَّ خبر السيّد ليس بحجّة، ولكن شمول دليل الحجّيّة له يلازم أن يشمل خبر السيّد، لأنَّهما لا يجتمعان، فمقتضى القاعدة: هو أن يلتزم بحجّيّة خبر السيّد دون سائر الأخبار الأُخرى.
ونظير ذلك ما لو وردت رواية دلّت على شيء، ووردت رواية أُخرى في هذا المورد الخاصّ دلّت على عدم حجّيّة تلك الرواية، فهنا لا ينبغي الشكّ في أنّنا نأخذ بالرواية الثانية، لأنَّ مدلولها هو عدم حجّيّة الرواية الأولى، وأنّها شارحة وقرينة على العمومات، بخلاف الرواية الأُخرى، فإنَّها ليست شارحة، بل تدلّ على حكم شخصي، ولازمه عدم شمول الأدلّة للرواية الأخرى.
فما ذكر في تقديم التخصّص على التخصيص في مقام التعارض بين المدلولين لا يجري في المقام، بل لو كنّا وخبر السيّد وسائر الروايات، لقلنا:
ــــــــــ[78]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
بحجّيّة خبر السيّد دون سائر الروايات، ولكن سبق أن قلنا: إنَّ هذا فيه محاذير كثيرة، من أهمّها أنَّه يكون بياناً لعدم حجّيّة الخبر بلسان الحجّيّة، وهذا مستهجن جدّاً.
إنّ آية النبأ أو غيرها من الأدلّة لا تفيدنا في حجّيّة خبر الواحد، فإنّها إنّما تدلّ على الحجّيّة إذا كان راوي الخبر عن الإمام بلا واسطة(1)، فلو فرضنا أنّه وصل إلينا كتاب زرارة أو محمّد بن مسلم أو علي بن مهزيار من جهة التواتر أو من جهة الاحتفاف بالقرائن القطعيّة، فيمكن حينئذٍ الاستدلال بأدلّة الحجّيّة، فإنّه خبر عادل، وقد دلّت هذه الأدلّة على حجّيّته، فيثبت قول المعصوم به.
ولكن الأمر ليس كذلك، إذ ليس عندنا كتاب نقطع بانتسابه إلى راوٍ مباشر، بل تنقل الرواية إلينا بواسطة جوامع الكتب فتروى الروايات بواسطتهم، والرواية مع الواسطة لا تكون مشمولة لدليل حجّيّة الخبر، ولا يمكن الاستدلال بالأدلّة على حجّيّة هذه الأخبار، وهذه الأخبار هي التي محلّ ابتلائنا، فلو فرضنا أنّ راوياً روى بلا واسطة، فأيّ فائدة يترتّب عليها بالنسبة إلينا؟ وإنّما يفيدنا الرواية مع الواسطة، وأقلّ الوسائط أربعة؛ لأنّه في الكافي يروي عن الإمام الصادق روايات بثلاث وسائط ويكون الكليني رابعاً، وقد تكون الوسائط للأئمة المتأخّرين أقلّ.
ــــــــــ[79]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 265، 266.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
تقريب الاشكال من وجهين وردّهما:
الوجه الأوّل: قد يُقرّب الإشكال على نحو لا يشمل المتأخّر، وإنّما هذا الخبر الذي يكون خبراً لنا بلا واسطة حجّة، كخبر الشيخ الطوسي والكليني والصدوق الذين وصلت إلينا كتبهم الأربعة بالتواتر، فهذا خبر واحد وتشمله أدلّة حجّيّة الخبر، فخبر الكليني حجّة، إلّا أنَّه لم يرو بلا واسطة، بل يروي مع الواسطة، فهو يروي مثلاً عن علي بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن هاشم، فمن أين ثبت لدينا أنَّ علي بن إبراهيم روى هذا الخبر؟ معلوم أنَّها غير ثابتة بالعلم الوجداني، وإنَّما ثبتت من جهة حجّيّة قول الكليني، فروايته ثابتة بخبر الكليني، وشمول أدلّة حجّيّة خبر الواحد له، وإلّا لو لم تكن أدلّة الحجّيّة دالّة على حجّيّة خبر الواحد لم تكن رواية علي بن إبراهيم محرزة بالوجدان، وهو معلوم.
ولا بالتعبّد؛ لعدم حجّيّة الخبر على الفرض، فيتوقّف ثبوت رواية علي بن إبراهيم ومن بعده على حجّيّة الخبر. إذن، كيف يكون دليل حجّيّة الخبر شاملاً لهذه الرواية التي يتوقّف ثبوتها على حجّيّة الخبر؟
وببيان آخر: كلّ قضيّة مشتملة على حكم وموضوع لا بُدَّ أن يكون الحكم في مرتبة متأخّرة عن الموضوع، ويتوقّف على ثبوت موضوعه لا محالة، فحجّيّة الخبر تتوقّف على تحقّق خبرٍ مفروض الوجود في الخارج حتّى تكون مشمولاً لها، فطبعاً حجّيّة الخبر متأخّرة عن موضوعها وهو الخبر، فلو كانت رواية علي بن إبراهيم يتوقّف ثبوتها على حجّيّة الخبر -إذ لولاها لما ثبتت؛ لأنَّها لا تكون محرزة بالوجدان ولا بالتعبّد- فهي متأخّرة عن الحجّيّة، فكيف يكون ما هو
ــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
متأخّر عن الحجّيّة في المرتبة موضوعاً للحجّيّة، وقد فرضنا أنَّ الموضوع في مرتبة متقدّمة؟
وهذا الإشكال واضح الدفع، فإنَّ الحكم المذكور في آية النبأ أو غيرها، إذا كان حكماً شخصيّاً واحداً ثابتاً للخبر فالأمر كما ذكر، إذ لا يمكن أن يكون هذا الحكم الذي هو في مرتبة متأخرّة شاملاً للخبر الذي يتوقّف تحقّقه على هذا الحكم، فيلزم تأخّر المتقدّم وتقدّم المتأخّر.
وأمّا لو كانت قضيّة حقيقيّة منحلّة إلى أحكام متعدّدة على موضوعات متعدّدة، وكلّ حكم على موضوع مغاير للحكم الشامل لموضوع آخر، وإن كانت الأحكام جميعها مجعولة بجعل واحد على نحو القضيّة الحقيقيّة، فكلّ خبر يوجد في الخارج يشمله الحكم بالحجّيّة، كما هو الحال في سائر القضايا الحقيقيّة.
فإذا كان الأمر كذلك، فخبر الكليني خبر موضوع للحجّيّة على الفرض، ورواية علي بن إبراهيم خبر موضوع للحجّيّة على الفرض، وهكذا رواية إبراهيم بن هاشم، وهكذا إلى أن ينتهي إلى الإمام، ورواية علي بن إبراهيم تتوقّف على الحجّيّة الثابتة لخبر الكليني، لا الحجّيّة لنفس هذه الرواية، فإذا كان خبر الكليني حجّة فقد ثبتت رواية علي بن إبراهيم، فإذا ثبت هذا الخبر يكون موضوعاً للحجّيّة أيضاً، وبحجّيّته يثبت خبر من بعده حتى يصل إلى المعصوم، فيعمل بالرواية.
والشبهة إنما نشأت من تخيّل أنَّ حجّيّة الخبر حكم شخصي واحد، وهو
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ليس كذلك، بل هي أحكام عديدة انحلاليّة، ولا مانع من ان تتوقّف حجّيّة خبر على حجّيّة خبر آخر.
ونظير ذلك قيام البيّنة على البيّنة، والإقرار على الإقرار، بأن يقرّ بأنَّه أقرّ بأنَّه مديون لزيد بعشرة دنانير، فلا شكَّ أنَّ هذا الإقرار يسمع؛ لأنَّه بمقتضى ثبوت هذا الإقرار يثبت الإقرار الأوّل، وإذا ثبت يكون موضوعاً للنفوذ أيضاً، فيثبت الدين، ووجهه ما ذكرناه: أنَّ نفوذ الإقرار ليس حكماً شخصيّاً واحداً، حتّى يقال: إنَّ هذا الإقرار إنّما يثبت بشمول حجّيّة الإقرار له، فلا يمكن أن يكون حكماً للإقرار أيضاً، وقلنا: إنَّه ينحلّ إلى أحكام متعدّدة لموضوعات متعدّدة، وكذلك الحال في قيام البيّنة على البيّنة.
فالشبهة إنّما نشأت من أنَّ الحكم بالحجّيّة حكم شخصي، والحال أنَّه ليس كذلك، وأنَّه مجعول على نحو القضايا الحقيقيّة، وينحلّ بحسب أفراد الموضوع، ما تحقّق من موضوع يكون محكوماً للحكم، والحكم المتقدّم فرد آخر غير الحكم المتأخّر.
الوجه الثاني: قد يقرّب هذا الإشكال من ناحية المبدأ، وأخرى من ناحية من بعده، فتارةً يكون في من يروي بالنسبة إلينا، كالكليني والطوسي والصدوق وغيرهم من الأعلام، وأخرى بالنسبة إلى من بعدهم من الرواة. أمّا الثاني فقد سبق.
وأمّا بالنسبة إلى الأوّل، يعني: ما كان رواية بلا واسطة، فقد يقال: إنَّ هذه الرواية لا تكون مشمولة لدليل حجّيّة الخبر، فإنَّ الكليني إذا كان راوياً عن
ــــــــــ[82]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الإمام كانت روايته مسموعة، ولكنّها ليست كذلك، بل روايته عنه ليست إلّا بالواسطة، فلا تكون مشمولة لدليل الحجّيّة، وذلك: أنَّ هذا الدليل تعبّدي، فلا بُدَّ وأن يكون المخبر به أثراً شرعيّاً أو ذا أثر شرعي، فإنَّ التعبّد لا يمكن إلّا في أحد هذين الموردين.
فإذا أخبر العادل عن الحكم الشرعي وقول المعصوم بلا واسطة، فإنَّه يسمع قوله بدليل حجّيّة الخبر، وكذلك إذا أخبر عن موضوع لحكم شرعي أيضاً يسمع، كما إذا روى أنَّ الغناء هو كذا أو الغيبة كذا، أو أخبر عن الزوجيّة أو الملكيّة أو نحوهما ممّا يصح فيها التعبّد الشرعي، فهذا قابل للتعبّد الشرعي فيشمله الدليل، وأمّا إذا فرضنا أنَّ المخبر به ليس كذلك، ولم يكن حكماً شرعيّاً ولا موضوعاً لحكم شرعي فلا يشمله الدليل، والمفروض أنَّ الكليني لا يخبر إلّا عن إخبار علي بن إبراهيم عن أبيه، وهذا المخبر به ليس حكماً من الأحكام الشرعيّة ، بل هو موجود خارجي، وليس هو موضوعاً لحكم شرعي، فإنَّ المفروض أنَّ حجّيّة الخبر ثبتت بآية النبأ وغيرها من الأدلّة، ومع قطع النظر عن شمول دليل الحجّيّة لخبر الكليني لا يكون لخبر علي بن إبراهيم أيّ أثر شرعي، فليس له أثر مع قطع النظر عن دليل الحجّيّة، ومعلوم أنَّ شمول دليل الحجّيّة لشيء لا بُدَّ أن يكون في المرتبة السابقة عنه قابلاً للتعبّد به ليكون الدليل شاملاً له، وهنا لا يكون – بقطع النظر عن دليل الحجّيّة- قابلاً للتعبّد. إذن، لا يمكن تصديق الكليني فيما يخبر عن علي بن إبراهيم، وإن كانا عدلين ثقتين، لأنَّ المخبر به ليس بنفسه حكماً شرعيّاً ولا موضوعاً له، بقطع النظر عن دليل
ــــــــــ[83]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الحجّيّة والتعبّد. إذن، فلا يفيدنا دليل الحجّيّة، فإنَّه إنّما يفيد فيما إذا وصل إلينا كتاب زرارة مثلاً بلا واسطة وعلمنا أنَّه له، فيشمله دليل الحجّيّة، إلّا أنَّه لم يصل شيء من هذه الأصول الأولى إلّا بالواسطة، وفي مثله لا يشمله الدليل فيكون وجود الحجّيّة كعدمها.
والجواب عنه: -على مسلكنا(1) المتقدّم في أوّل بحث الظنّ من جعل الطريقيّة والوسطيّة- أنَّ المجعول في باب الطرق والإمارات، هو جعل الطريقيّة والكاشفيّة، فيعتبر الشارع ما ليس بعلم علماً بما هو شارع ومولى، فكأنَّ المكلّف عالم تعبّداً، ويترتّب عليه: التعذير والتنجيز، وقلنا: بأنَّ التنجيز والتعذير ليسا مجعولين ابتداءً كما يراه صاحب الكفاية(2).
وعلى هذا يرتفع الإشكال من أصله، فإنَّه ليس لنا حاجة لأن يكون المخبر به أثراً شرعيّاً أو ذا أثر شرعي، إذ ليس عندنا تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، كما نسب إلى المشهور، حتّى يقال أنَّ التنزيل لا يصّح، إلّا إذا كان هو أثراً شرعيّاً أو ذا أثر، وإلّا كان التنزيل لغواً، فإنّنا لا نقول بذلك، بل نقول: إنَّ المجعول في الطرق أو الأمارات هو الكشف والعلم، فلا فرق بين أن يكون المخبر به أثراً شرعيّاً أو موضوعاً له، أو لا يكون.
نعم، لا بُدَّ أن لا يكون التعبّد بالعلم لغواً، كما لو اعتبر المكلّف عالماً بأنَّ المسافة ما بين السماء الثالثة والرابعة كذا مقدار من الفراسخ! فيتوقّف الجعل
ــــــــــ[84]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 10: 218، 219.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 277.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
على أن يكون ذا مصلحة وليس لغواً، ومن المعلوم أنَّ شمول دليل الحجّيّة للإخبار مع الواسطة لا يكون لغواً، فإنَّه كما يمكن أن يكون المكلّف عالماً فيما إذا كان الإخبار بلا واسطة، كذلك يمكن أن يكون المكلّف عالماً فيما لو كان الإخبار مع الواسطة، فيفرض الشارع أنَّ المكلّف عالم أنّ علي بن إبراهيم قد أخبره، وعالم بأنَّ إبراهيم بن هاشم قد أخبره، فيكون عالماً بهذه الأخبار إلى أن ينتهي إلى المعصوم، ولا يكون لغواً أبداً.
فعلى مسلكنا يكون الجواب على هذه الشبهة واضحاً، لأنَّ أصل المبنى لا نسلّمه، وهو أنَّ جعل الحجّيّة وهو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، أو جعل المنجّزيّة والمعذّريّة، حتّى يكون المجعول أثراً أو ذا أثر، والمدار أن لا يكون الجعل لغواً، فإذا لم يكن لغواً يشمله حجّيّة الخبر، ومن المعلوم أنَّ التعبّد بخبر الرواة لا يكون فيه أيّ محذور، فالجواب على هذا المسلك ظاهر.
إذن، على ما سلكناه من أدلّة الحجّيّة لا يفرق في شمولها بين الخبر بلا واسطة والخبر مع الواسطة.
وأمّا على المسلك الآخر، كمسلك التنزيل، أو أنَّ المجعول هو التنجيز والتعذير، فهل نسلّم هذه الشبهة أو لا؟ أيضاً يمكن الجواب عن هذه الشبهة، بما حاصله:
أوّلاً: نجيب بمثل ما تقدّم في الجواب على الشبهة الأولى: من أنَّ الشبهة مبنيّة على أن يكون الحكم المجعول شخصيّاً، وأمّا إذا كان حكماً بلحاظ القضيّة الحقيقيّة، وبلحاظ طبيعي الأثر وطبيعي الخبر، ولهذا يكون هذا الخبر غير ذاك
ــــــــــ[85]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الخبر، وهذا الأثر غير ذاك الأثر، وإن كان يجمع الكلّ أنَّه أثر الخبر، والموضوع في الجعل واحد والحكم واحد، ولكن بالتحليل بعدد ما يفرض من الخبر يكون الحكم مجعولاً له، فكلّ خبر له حجّيّة وأثر، وعليه: نفرض أنَّ الكليني يروي بواسطة واحدة، كما لو كان يروي عن الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه)، فتثبت الحجّيّة له ولمن يروي عنه، فإنَّ كلّاً منهما موضوع لحكم غير الحكم الآخر، غاية الأمر: على نحو الطوليّة، فلا مانع أن تكون آية النبأ وغيرها ناظرة إلى تنزيل مؤدّى الخبر منزلة الواقع، أو الى جعل التنجيز والتعذير للمخبر به، ولكن لا تنظر إلى أثر شخصي، بل إلى طبيعي الأثر، وهو متعدّدٌ بتعدد وجود الخبر في الخارج.
وثانياً: العلم الخارجي، فأنَّه لا فرق بين الخبر بواسطة والخبر بلا واسطة، فإنَّنا لا نحتمل أنَّ آية النبأ والروايات كقوله: (لا ينبغي التشكيك) أو (آخذ عنه معالم ديني) ونحوها، تشمل الإخبار بلا واسطة، ولا تعمّ الإخبار مع الواسطة، فلو كان الخبر بلا واسطة حجّة فيكون حجّة مع الواسطة؛ للقطع بعدم الفصل بين الموضوعين، ولو فرضنا أنَّ الدليل لا يشمله.
وثالثاً: لو فرضنا أنَّ هذا أيضاً لم يكن فالشبهة إنّما تتمّ – فرضاً – إذا لاحظنا شمول آية النبأ لخبر الكليني فقط، أو خبر علي بن إبراهيم فقط، أو أيّ واحد في سلسلة الرواية، فقد يقال: إنَّ المخبر به ليس أثراً شرعياً ولا ذا أثر شرعي.
ولكنَّنا نلاحظ المجموع من حيث المجموع، يعني: خبر الكليني المنضمّ إلى خبر علي بن إبراهيم المنضمّ إلى خبر أبيه، وهكذا إلى أن ينتهي إلى المعصوم،
ــــــــــ[86]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فيكون لكلّ خبر أثر شرعي ولو بلحاظ نتيجته، لأنَّ التعبّد بقول الصادق تعبّد بحكم شرعي، أو هو أثر لهذه السلسلة، ويكفي هذا المقدار، فإنَّه يعتبر أن يكون التنزيل ذا أثر شرعي لئلا يصبح لغواً، وهذا يكفي لارتفاع اللغويّة، بأن يقول المولى: تعبّد بخبر الكليني المخبر عن خبر علي بن إبراهيم المخبر عن خبر أبيه، وهكذا إلى أن يصل إلى خبر الإمام.
وواقع الأمر هو هذا على المسلك الآخر، وهو: أنَّ دليل التعبّد يشمل قول الكليني وغيره، باعتبار انتهائه إلى قول الإمام.
وعلى العموم فلا ينبغي الشكّ في عدم اختصاص أدلّة الحجّيّة بالرواية بلا واسطة، بل لو كان الخبر بلا واسطة حجّة لكان الخبر مع الواسطة حجّة أيضاً.
وهي قوله تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(1).
والاستدلال بها على الحجّيّة يتوقّف على أمور:
الأوّل: أن يكون المراد من النافرين المتفقّهين من لا يبلّغ جميعهم إلى جميع الباقين، وإنَّما ينذر كلّ واحد من النافرين جماعة من الباقين، ويدلّ عليه من الآية مقابلة الجمع بالجمع، وهو يقتضي التوزيع الموافق للطبيعي، وهو: أن ينذر كلّ واحد جماعة، لا أن ينذر كلّ واحد كلّ واحد الجميع، فإنَّ هذا خلاف الظاهر من الآية، كما هو الحال في آية الوضوء، وهي قوله تعالى: فَاغْسِلُوا
ــــــــــ[87]ــــــــــ
(1) التوبة: 122.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ (1)، فإنّه ليس معناه: أن يغسل كلّ واحد وجه كلّ واحد، بل المراد: أن يغسل كلّ واحد وجه نفسه، وهذا ظاهر.
الثاني: أن يكون المراد من الحذر الحذر خارجاً، وهو أخذ المؤمّن بحسب الخارج، لا بمعنى الخوف النّفساني، بأن يجعلهم المنذر يخافون الله سبحانه، فهذا بعيد، بل النافر ينذر الباقي، وهذا الباقي يأخذ حذره، فيصبح في مأمن من العقاب، وذلك: بأن يعمل ما يقال له: إنّه واجب، ويترك ما يقال له: إنّه حرام، وهذا أيضاً ظاهر.
الثالث: يتوقّف على إثبات أنّ هذا الحذر العملي والاتكاء إلى مؤمّن واجب، وإلّا لو لم يثبت وجوبه فلا يمكن الاستدلال به على حجّيّة الخبر.
وهذا أيضاً لا ينبغي الإشكال فيه، فإنّ كلمة (لعلّ) تستعمل في هذه الموارد لبيان أنَّ ما بعدها غاية لما قبلها، بلا فرق بين القضايا المتكفّلة لبيان حكم مولوي أو غيرها، كقول القائل: (اشتريت داري لعليّ اسكنها)، فمن أجل هذه الغاية اشتري الدار، وأمّا إذا كانت الغاية غاية لحكم مولوي، فقد يفرض أنّها أمر خارج عن الاختيار، نحو: (صم لعلَّ الله يغفر لك)، ففي مثل ذلك لا يستفاد منها إلّا المحبوبيّة، وأمّا الطلب فلا؛ لأنّ الغفران الذي هو الغاية فعل إلهي، ولا يمكن تعلّق التكليف به؛ لأنّه خارج عن الاختيار.
وأمّا لو كان قابلاً -يعني الغاية- لتعلّق التكليف به، فيستفاد من ذلك: أنّه أيضاً محبوب ومطلوب، فإنّ الغاية أولى بالاتّصاف بالمحبوبيّة من الذي تترتّب
ــــــــــ[88]ــــــــــ
(1) المائدة: 6.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
عليه الغاية، فإذا قيل: (أعمل كذا حتّى يترتب عليه كذا)، يعلم أنّه هو المطلوب أوّلاً، وإنّما طلب الفعل الآخر لأجل ترتّبه عليه، فلو قال المولى: (مرّ الناس بالمعروف وأنههم عن المنكر لعلّهم يعملون بذلك)، فيعلم من ذلك أنّه أيضاً مطلوب، وأمّا مرتبة طلبه فتستكشف من مرتبة طلب ما تقدّمه، فإذا كانت الجملة السابقة على كلمة (لعلّ) فيستفاد منها الوجوب، واستفيد وجوب الغاية أيضاً، وإن كان مستحباً فيعلم استحبابه.
وحيث إنّ الآية قد دلّت على وجوب النفر ووجوب الإنذار، لا أنّه أمر مستحب؛ لأنّها تحثّ عليه، وتعاتب على عدم فعله، والغاية من التفقّه والإنذار المترتّبين على النفر، هو: أن يأخذ الناس حذرهم بترك أو فعل، فيكون هذا واجباً لا محالة؛ إذ يستفاد: أنَّ هذه الغاية هي المطلوب أوّلاً، وإنّما طلب التفقّه والإنذار مقدّمة لحصوله. إذن، يكون الأخذ بقول المتفقّه واجباً، ومعنى هذا هو حجّيّة الخبر، فإذا أخبر عن شيء فلا بُدَّ من تصديقه ويكون خبره حجّة.
والاستدلال بهذه الآية أولى من الاستدلال بآية النبأ، فإنّ الاستدلال بآية النبأ كان يتوقّف على المفهوم، وهو غير ثابت. هذا ملخّص الاستدلال بآية النفر.
ويورد على هذا الاستدلال بوجوه:
الوجه الأوّل: لا إطلاق في وجوب الحذر، فإنّ هذه المقدّمات وإن كانت صحيحة، والحذر وإن كان واجباً، لكن لا إطلاق له، وذلك بأن يقال: يجب الحذر سواء حصل العلم أو لم يحصل، فإنّه يفرض أنّ الحذر واجب إذا حصل
ــــــــــ[89]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
العلم، لتعدّد المنذر أو من جهة الاحتفاف بالقرينة، وأمّا مع عدم حصول العلم فليس لها إطلاق من هذه الجهة، فنأخذ بالقدر المتيقّن، وهو ما إذا حصل العمل، فإنّ الله تعالى ليس في مقام البيان من جهة الحذر، بل في مقام بيان وجوب النفر، فإنّه لو كان لقال: (لولا يحذر الناس عند إنذار المنذرين)، لكان له إطلاق، ولكن الآية سيقت لبيان وجوب النفر والتفقّه، لا لبيان وجوب التحذّر، وكم فرق بين الأمرين؟
فلا إطلاق في الآية، ويمكن أن يكون وجوب التحذر مختصّاً بما إذا حصل العلم، فلا يمكن الاستدلال بها على حجّيّة خبر الواحد تعبّداً.
ولكن هذا الإشكال لا محصّل له، لأمرين:
الأمر الأوّل: فلأنّ ظاهر الأمر هو أنّ الله تعالى في مقام بيان تكليف جميع المسلمين، بأن ينفر منهم جماعة ويبقى جماعة، والنافرون يتفقّهون، ثُمَّ ينذرون قومهم إذا رجعوا إليهم، والباقي يحذرون، وهذه وظيفة جميع المكلّفين، بمعنى: أنّ الله تعالى من باب تسهيل الأمر على المكلّفين والامتنان عليهم لم يوجب أن يتفقّه جميعهم؛ لأنّه يلزم منه اختلال النظام، فأمر أن يتفقّه بعضهم ويحذر الباقي، فهذا البيان لتكليف الجميع لا البعض دون البعض، فكما يجب الإنذار على البعض يجب الحذر على البعض الآخر، ويكون الإطلاق في كلا الطرفين ثابتاً، فالظاهر أنّه في مقام البيان من كلتا الجهتين.
الأمر الثاني: إنّ المستفاد من الآية أنّ الحذر مترتّب على الإنذار، وإذا حصل العلم يكون الحذر مترتّباً على العلم لا على الإنذار، ومعنى ذلك: أنّ عنوان
ــــــــــ[90]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الإنذار قد ألغي بالكلّيّة، فإنّ ضمّ الإنذار إلى العلم كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان، في حين أنّ ظاهر الآية هو أنّ الحذر مترتّب على الإنذار على هذا العنوان، لا على عنوان آخر غير مذكور في الآية.
ولو فرضنا أنّه ليس إلغاء -وليس كذلك- فلا إشكال أنّه يلزمه أن يكون تقيّيداً بالفرد النادر، فإنّ الحذر لا يكون بشكلّ بحيث يترتّب على العلم في الخارج، لما قلناه: من أنّ كلّ فرد ينذر جماعة، وحصول العلم من الإنذار الواحد بعيد، وإنذار جماعة لجماعة أبعد، فإناطة الحذر بحصول العلم تخصيص بالفرد النادر.
إذن، مقتضى إطلاق الآية وجوب الحذر من إنذار المنذر على الإطلاق، سواء حصل العلم أو لا، ومعنى ذلك حجّيّة خبر الواحد.
ويرد عليه: أنَّ الآية تكفلّت بيان وجوب الحذر عند تحقّق الإنذار، والإنذار الذي هو بمعنى التخويف، هو وظيفة الواعظين أو الفقهاء، وليس من وظيفة الراوي، فإنّ وظيفة الراوي هو أن يحكي ما سمعه من كلامه، وقد يكون الراوي عامّيّاً، أو لا يفهم معنى ما يرويه، والمنقول إليه فقيهاً، كما في قوله: “وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْه”(1) فالراوي بما هو راوٍ ليس منذراً، بل المنذر لا بُدَّ وأن يكون فقيهاً ينذرهم الأحكام ويخوفهم العقاب، أو واعظاً يذكّرهم بالجنّة والنار في حدود الأحكام الواضحة في الشريعة، وأمّا
ــــــــــ[91]ــــــــــ
(1) الكافي 1: 403، باب ما أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالنصيحة لأئمّة المسلمين واللزوم لجماعتهم ومن هم، الحديث: 1.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الراوي فلا يصحّ منه الإنذار، بل وظيفته نقل الكلام فقط، والباقي راجع إلى فهم السامع، وليس له أن ينذر بالرواية.
لكن هذا لا يتمّ، فإنّ الرواية على قسمين: تارة تكون من الروايات المشكلة التي لا يظهر معناها إلا بتعمّق وتدقيق ومراجعة الروايات الأخرى وملاحظة النسبة بينهما، فهذه لا يمكن الإنذار بها، وأمّا لو كانت الرواية واضحة الدلالة بلا معارض، فهذه يمكن فيها الإنذار، مثلاً: لو رأى الراوي شخصاً يعمل محرّماً، فيقول له: كيف تعمل ذلك؟ وقد سمعت الإمام الصادق يقول: من عمله فعليه كذا.
إذن، فالإنذار لا يختصّ بالفقيه الواعظ، بل يمكن الإنذار بالرواية إذا كانت مفهومة في لغة العرب.
ومثله نقل الفتوى في زماننا هذا، بأن يقول له: كيف ترتكب ذلك، وفي الرسالة من يفتي بكذا. فإذا صحّ الإنذار من ناقل الفتوى، فكذلك يصحّ من الراوي. نعم، ليس كلّ راوٍ يكون منذراً، فإنّه قد تتحقّق الرواية ولا يتحقّق الإنذار، ولكن هذا ثابت بنحو الموجبة الجزئيّة.
فإذا تحقّق الإنذار وكان قول المنذر حجّة، فلعدم القول بالفصل تكون الحجّيّة شاملة لغير هذه الموارد، ولا نحتمل أن تكون حجّيّة الخبر بما إذا كان الراوي يفهم المعنى وقد أنذر المخاطب به، بل تشمل حتّى الروايات الدالّة على الإباحة التي ليس فيها إنذار، أو دالّة على حكم غير إلزامي من كراهة أو استحباب، فإنَّ الحجّيّة إذا ثبتت في موضع تثبت في سائر الموارد. هذا بناءً على جعل الحجّيّة بهذه الآية.
ــــــــــ[92]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وأمّا إذا قلنا: إنَّها كاشفة عن جعل الحجّيّة قبل ذلك، وإنّها من تطبيق الصغرى على الكبرى، فقوله تعالى: فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(1) تطبيق للكبرى على الصغرى، يعني: بما أنَّ قول العادل حجّة، فإذا تفقّه ورجع إلى قومه فأنذرهم، فيجب عليهم الحذر من جهة إنذاره، فيكون كاشفاً عن حجّيّة الخبر قبل ذلك.
فإذا قلنا بذلك -كما هو ظاهر الآية- فليس المجعول في الآية الحجّيّة، بل هي كاشفة عنها قبل ذلك. إذن، لا نحتاج إلى القول بعدم الفصل، فيستكشف أنَّ خبر الواحد حجّة على الإطلاق، وإذا كان الحكم إلزاميّاً يجب الحذر؛ لأنَّ قول المخبر حجّة.
إشكالان وردّهما
الأوّل: إنَّ هذا الاستدلال غير تامٍّ من جهة أن يكون الإنذار بأحكام الدين ممّا تفقّه به، وبما هو واجب في الشريعة أو حرام، فإذا أحرزنا أنَّه من أحكام الدين وجب الحذر، وإذا شكّكنا في ذلك، وأنَّ قوله مطابق للواقع أو غير مطابق، فلا ندري أنَّ هذا إنذار بما تفقّه فيه، أو بغير حكم الله تعالى، فيكون شبهة مصداقيّة، فكيف يمكن أن يجب الإنذار؟ فما لم نحرز أنَّه إنذار بالحكم الإلهي. إذن، لا نتيجة للاستدلال بالآية، بل متى أحرزنا أنَّه أنذرنا بالحكم الواقعي فيجب الحذر، ومتى ما شكّكنا فيه فلا.
ــــــــــ[93]ــــــــــ
(1) التوبة: 122.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الجواب عن هذا واضح مّما سلكناه في الفرق بين الجملة الخبريّة والجملة الإنشائيّة(1): أنَّ مفاد الجملة الخبرية هو الحكاية عن الواقع، وليس المدلول هو الثبوت الواقعي، فمدلول: (زيد قائم) الإخبار عن قيام زيد، لا قيام زيد في الخارج، والإنذار أيضاً كذلك، فإنّ معناه: الإخبار عن ثبوت الوجوب الملازم للإخبار عن استحقاق العقاب عند الترك، أو الإخبار عن ثبوت الحرمة الملازم للإخبار عن استحقاق العقاب عند الفعل، فالإنذار هو الإخبار عن الواقع لا ثبوت الواقع، وهو أعمّ من ثبوت مطابقته للواقع وعدمها، فلا يمكن أن يقال: إنَّ الآية مختصّة بصورة المطابقة للواقع، بل المدار أن يكون إنذاراً وإخباراً عن الواقع، وهو متحقّق على الفرض.
نعم، ربما يكون المخبر مورداً للوثوق والاطمئنان أو محرز العدالة، فلا نحتمل فيه الكذب، وأنَّه ينذر بغير ما تفقّه، فلا يكون مشمولاً للآية، فلو احتملنا أنَّه يضع هذا من عند نفسه، لا بما تفقّه فيه لا يجب اتّباعه، فإنَّ معناه: أنَّه ليس بعادلٍ، فنحن لا ندّعي أنَّ إنذار أيّ منذر حجّة، بل لا بدَّ من إحراز العدالة.
كما هو الحال في ناقل الفتاوى، فإنَّه لا بُدَّ من الاطمئنان أنّه يحكي عن فتوى المرجع، وأمّا إذا احتملنا أنَّه يتكلّم من عند نفسه فلا يكون قوله حجّة، فهذا الإشكال يكون ساقطاً مع وثاقة المخبر، فإنَّنا بذلك نحرز أنَّ إنذاره بما يتفقّه به يكون موضوعاً لوجوب الحذر.
ــــــــــ[94]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 2: 241.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الثاني: إنَّ الإنذار لا بُدَّ وأن يكون من الفقيه بما هو فقيه، وقد يكون الراوي فقيها، إلّا أنَّ المأخوذ في الآية هو الإنذار للفقيه بما هو فقيه، لا بما هو راوٍ، وقلنا: إنَّ الراوي قد لا يكون فقيهاً، بل قد يكون عامّيّاً، وبين العنوانين عموم من وجه، فقد يفرض راوٍ وليس بفقيه، وقد يفرض فقيه ليس براوٍ، وقد يكون راويّاً وفقيّهاً، وموضوع الحكم في الآية هو الفقيه، فكيف يمكننا أن نعتمد على الراوي إذا لم يكن فقيهاً(1)، ولا مجال لدعوى عدم القول بالفصل، بأن يقال: إنَّ قول الراوي لو كان حجّة في مورد فهو حجّة في كلّ مورد، ولكن الحجّيّة غير ثابتة لعنوان الراوي، بل لعنوان الفقيه الذي قد ينطبق أحياناً على الراوي، فكيف يمكننا أن نتعدّى إلى الراوي الذي لا يكون فقيهاً؟
ولكنَّ هذا الإشكال غير ثابت، فإنَّ الفقاهة المتعارفة في زماننا هذا يختلف مصداقها عمّا كانت في زمان الأئمّة، فالفهم لغة هو فهم الأحكام الشرعيّة، وفي زماننا يحتاج إلى مقدّمات ومؤونة كثيرة، وهذه المقدّمات التي نحتاج إليها اليوم من أهمّها: علم الأصول، فإنَّ الروايات في باب العبادات بما أنَّها قد تكاثرت فلا بُدَّ من التأمّل في الجمع بينها ومعرفة النسبة فيها، وفي باب المعاملات بما أنَّ في الروايات قلّة، فلا بُدَّ أن تستفاد أحكامها من القواعد العامّة الأصوليّة وغيرها، فيتوقّف فهم الأحكام الشرعيّة على ذلك، ولذا أوجبت الإشكال، واحتاج تلقيها إلى سنوات عديدة.
ــــــــــ[95]ــــــــــ
() ولا ملازمة بين حجّيّة قول الفقيه وحجّيّة قول الراوي، فإنَّه يمكن أن يكون قول الفقيه حجّة، ولا يكون قول الراوي حجّة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وأمّا في زمان الأئمّة فهذا العنوان لم يكن يتوقّف إلّا على فهم الكلمات التي تصدر منهم، ولهذا ورد عنهم: أنتم أفقه الناس إذا فهمتم معنى كلامنا(1)، وإن كان قد يفرض أنَّ الراوي لا يفهم شيئاً من الألفاظ، إلّا أنَّ جملة من الرواة بل أكثرهم كانوا يروون مع فهمهم للروايات، ولا ينبغي الشكّ في أنَّ هذا الراوي يصدق عليه أنَّه فقيه، فيكون حجّة بما أنّه راوٍ، لا بما أنّه مجتهد يؤخذ برأيه، فإذا كان قول هذا الراوي بما هو راوٍ، لا بما هو ذو رأي ونظر، فإذا كانت روايته حجّة، كان قول غيره حجّة؛ للجزم بعدم القول بالفصل.
نعم، لا ملازمة بين حجّيّة الرواية وحجّيّة الفتوى، فإنَّ الرواية في زمانهم، لم تكن من باب الفتوى والحدس، وإن كان بعضهم كذلك، إلّا أنَّ أكثرهم كانوا فقهاء، بمعنى: أنَّهم يفهمون المعنى. إذن، فالاستدلال بالآية لا بأس به، ويكون قول الراوي حجّة، ولا بدَّ من الحذر عند الإنذار.
وهي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّـهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ(2).
ببيان حاصله: إن أظهر العادل شيئاً ولم يكتمه ولم يكن يدري به المخاطب يكون قوله حجّة، لأنَّ حرمة الكتمان ملازم لوجوب القبول، وإلّا كان هذا
ــــــــــ[96]ــــــــــ
(1) اختصاص: 288، جهات علوم الأئمّة، بصائر الدرجات 1: 329، الأئمّة يتكلّمون على سبعين وجهاً لكلّها المخرج ويفتون بذلك، الحديث: 6.
(2) البقرة: 159.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
التحريم لغواً محضاً، فما فائدة الإظهار مع أنَّه لا يجب على الطرف أن يعمل به.
ونظّروا لذلك بحرمة كتمان ما في الأرحام، فقالوا: إنَّه ملازم لوجوب قبول قول المرأة في أنَّها حامل في العدّة، وإلّا أصبح التحريم لغواً يجلّ كلام الله عنه.
والجواب عن هذا واضح: فإنَّه في مسألة المرأة لا طريق إلى معرفة أنَّها حامل إلّا إخبارها عن نفسها بذلك، وإلّا من أين يعلم أنَّها حامل، ولا سيّما في أوائل الحمَل، وإلّا لو فرضنا أنَّ الكتمان حرام يدلّ بالملازمة العرفيّة على وجوب القبول.
وأمّا في المقام فليس الحكم شخصيّاً، فإنَّ جماعة كثيرة يعرفون ما صدر من الأنبياء السابقين من البشارة بالنبيّ، وهذا هو مورد الآية، فإذا حرم الكتمان على من يجب عليه إظهار الحقّ فلا ملازمة بينه وبين وجوب القبول تعبّداً، بل هذه الحرمة لأجل أن يخبر هؤلاء بما عندهم، فيحصل اليقين عند العوامّ للعلم الحاصل عندهم من جهة كثرة المخبرين، ولو كانت البشارة قد اتّضحت ولم يكتموها لما توقّف يهودي عن الإيمان بالنبيّ، ولكنّهم تعمّدوا ذلك، ولذلك قال: يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.
إذن، هذا غير الكتمان في مسألة المرأة، فإنَّه هناك حرمة الكتمان ملازم لوجوب القبول تعبّداً، وإلّا كان التحريم لغواً، وأمّا هنا فلا، فإنَّهم إذ لم يكتموا البشارة يظهر الحقّ وتترتّب عليه النتيجة المطلوبة، وهو ثبوت رسالة النبيّ وتماميّة الحجّة.
ــــــــــ[97]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
قد يقال: إنَّ إطلاق الآية يشمل ما إذا لم يظهر جماعة كثيرون الحقّ. ولكن هل يجب على واحد من علماء اليهود إظهار الحقّ، ويحرم عليه كتمانه أو لا؟ لا بُدَّ أن نلتزم بالحرمة بمقتضى الآية، فننقل الكلام إلى هذا الشخص، ونقول: إنَّ جعل حرمة الكتمان في هذا المورد، مع العلم أنّه لا يترتّب عليه النتيجة، وهي: ظهور الحقّ، لأنَّ الباقين كتموا، وهذا الواحد وحده لا يترتّب عليه ظهور الحقّ، ومع ذلك حرام عليه، فهذا ملازم لوجوب القبول، وإلّا كان جعل الحرمة لغواً لعدم الفائدة.
إلّا أنَّه يقال: أنَّ ظهور الحقّ حكمة لتشريع حرمة الكتمان، ولا يلزم أن تكون الحكمة ملازمة للحكم المجعول.
ومن هذا القبيل تشريع العدّة، فإنَّه لا إشكال أنَّ تشريعها في المطلّقة لعدم اختلاط الأنساب -وإن كانت العدّة في الوفاة يحتمل أن تكون من جهة احترام المؤمن وعدم تزويج زوجته بعد موته مباشرة- ومعلوم أنَّ هذه الحكمة ليست مطلقة في جميع المطلقات، إذ قد تكون بعض النساء عقيماً ولا يحتمل فيها اختلاط المياه، فمع ذلك تجب عليها العدّة، فلا منافاة بين أن تكون هذه هي الحكمة، إلّا أنَّها لا تكون مطلقة.
ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّ الحكمة من تشريع الكتمان هو ظهور الحقّ، وإن كانت قد لا تكون متحقّقة فيما إذا كان أظهر أحدهم الحقّ دون الآخرين، فهذا الشخص عمل بتكليفه، والآخرون خالفوا تكاليفهم، فنلتزم بأنَّ هذا
ــــــــــ[98]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الفرد يحرم عليه الكتمان، وإن كانت الحكمة غير متحقّقة.
وممّا يدلّنا على أنَّ الآية لم ترد في مقام بيان وجوب القبول تعبّداً، بل في مقام إثبات الحقّ الذي هو مورد الآية، وهو ثبوت نبوّة نبيّنا الأعظم، ومعلوم أنَّ النبوّة لا تثبت بالتعبّد، بل لا بُدَّ فيها من العلم واليقين، فمورد الآية لا يناسب مع وجوب القبول تعبّداً، بل يناسب ما ذكرناه من أنَّ حرمة الكتمان من أجل أن يؤدّي إلى إظهار الحقّ.
إذن، لا يمكن الاستدلال بآية الكتمان على حجّيّة خبر الواحد.
وهي قوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(1)، فقالوا: إذا وجب السؤال وجب القبول وإلّا كان إيجابه لغواً.
وقد ظهر الجواب عن ذلك ممّا تقدّم في آية الكتمان: فإنَّ مورد الآية هو اليهود، والسؤال عن علامات النبيّ، وما ذكره في الكتب السابقة من أوصافه. ولا ينبغي الشكّ في أنَّ خبر الواحد لا يكون حجّة في مثل ذلك، فالسؤال هنا ليس باعتبار القبول تعبّداً، بل سؤال ليحصل اليقين بالجواب، ويكون العمل بالعلم، ويكون المعنى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون لكي تعلموا، فالآية في نفسها غير ظاهرة بالقبول تعبّداً، وموردها غير قابل للقبول التعبّدي وهو النبوّة، فإنَّها لا بُدَّ أن تثبت باليقين، ولا تثبت بإخبار شخص واحد.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
(1) النحل: 43.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ثُمَّ إنَّه ورد في بعض الروايات تفسير أهل الذكر بالأئمّة، وليس معنى ذلك أنَّ أهل الذكر الوارد في القرآن هو الأئمّة، بل هذا من باب تطبيق الصغرى على الكبرى على ما ذكرنا في بحث التفسير(1): أنَّ القرآن لا يختصّ بمورد دون مورد، وقد ورد أنَّه لو نزل القرآن في قوم وماتوا لمات القرآن، بل القرآن يجري مجرى الشمس والقمر، فلا يمكن أن يراد بأهل الذكر الأئمّة، فإنَّ التصديق بإمامتهم فرع التصديق بالنبوّة، وسياق ما قبل الآية وما بعدها شاهد على أنَّ المراد به النبوّة، ولا سيّما قوله تعالى: اسألوا اليهود والنصارى.
بل الذي يظهر من هذه الروايات، أنَّ المراد بأهل الذكر أمر جامع كلّي، ففي مورد الآية أهل الذكر هم علماء اليهود، فلو كان أحدهم غير عالم بالبشارة في الكتب السابقة والبراهين فيرجع إلى أهل الذكر، وهم علماء اليهود فيخبروه بذلك.
وبعد ثبوت النبوّة أهل الذكر هم الأئمّة، فلا بُدَّ من الرجوع إليهم، وإنّما ينحصر الرجوع الحقّ إلى الأئمّة، ولهذه الجهة فسّر أهل الذكر بهم.
وبعد الأئمّة أهل الذكر هم الرواة، ولا بدَّ من الرجوع إليهم فيه فيما رووه وسمعوه من الأئمّة، ولهذا ورد الأمر بالرجوع إليهم في الحوادث الواقعة.
وبعد ذلك أهل الذكر هم العلماء والمجتهدون، باعتبار أنَّهم يرجعون إلى الروايات فيستنبطون الأحكام الشرعيّة، فيرجع إليهم العوامّ الذين لا
ــــــــــ[100]ــــــــــ
(1) انظر: البيان في تفسير القرآن: 20.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
يستطيعون الاستنباط، فهذا معنى جامع ينطبق في كلّ مورد على شيء، وعلى أيّ حال لا تكون الآية دليلاً على حجّيّة الخبر الواحد.
بيان مفاده: لا بُدَّ أن يكون إيمانه للمؤمنين، أي: تصديقه لهم أمراً ممدوحاً، وأنَّ تصديق المؤمنين بمنزلة تصديق الله سبحانه، فلا بُدَّ أن يكون هذا أمراً حسناً. إذن، يكون خبر الواحد حجّة، فإنَّه تصديق للمؤمن.
والجواب عنه: أنَّ تصديق المؤمن غير مسألة العمل وترتيب الأثر عليه، ومعنى التصديق أن لا يجابه بالتكذيب، كما يشهد بذلك مورد الآية، وهو أنَّ أحد المنافقين اسمه عبد الله كان يسمع من النبيّ وينقل إلى أصحابه من المنافقين، وحينما سأله النبيّ عن قوله. قال: لم أقله. فصدقه النبيّ فخرج يقول: يخبره جبرئيل بشيء فيصدقه، وأخبره بشيء فيصدقني، فنزلت الآية.
ومن المعلوم أنَّ النبيَّ لم يكن يصدقه في قبال تصديق الله سبحانه، فلا يحتمل أنَّ هذا الكلام على التصديق الحقيقي، بل بمعنى: عدم ترتيب الأثر على قوله، فالتصديق هنا صوري لا واقعي. إذن، لا تكون هذه الآية دليلاً على الحجّيّة، ولا سيّما في موردها الذي كان المخبر من الفسقة النمّامين.
ــــــــــ[101]ــــــــــ
(1) التوبة: 61.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ذكر شيخنا الأنصاري(1) تأيّيداً لعدم الدلالة: أنَّ اختلاف السياق يكون دليلاً على أنَّ تصديق الله سبحانه يغاير تصديق المؤمنين، باعتبار تعدّي الأوّل بالباء والثاني باللام.
والظاهر أنَّ ما ذكره غير صحيح، فإنَّ التصديق إذا تعدّى بالباء معناه الإيمان بالوجود، فيكون معنى يؤمن بالله: يصدّق بوجود الله سبحانه، وإذا تعدّى باللام معناه: تصديق القول الذي يقوله المؤمنون.
وقد يتوهّم أنَّه أيّ ربط في الكلام بين الإيمان بوجود الله وبين تصديق أقوال المؤمنين، فإنَّه لم يقل يصدق الله فيما أخبره، ويصدق المؤمن فيما يخبره.
ووجه الربط بين الجملتين، هو: أنَّ الإيمان بوجوده سبحانه ملازم لتصديق كلامه، إذ لا يمكن أن يكون الله تعالى كاذباً، فكلّ من يؤمن به لا بُدَّ أن يصدّقه، ولذا عبّر سبحانه: يؤمن بالله. الملازم لتصديقه عمّا أخبره، ومع ذلك صورة وحياءً يصدّق للمؤمنين؛ لأنَّه على خلق عظيم. وليس هذا لأنَّ للتصديق معنيان، بل ذلك من جهة الاختلاف في التعبير، وتغيير حرف الجرّ.
والصحيح ما ذكرناه: من أنَّ الآية لا دلالة لها على الحجّيّة التعبديّة، بل هي أمر أخلاقي، وأنَّ المؤمن لا ينبغي أن يجابه بالتكذيب، حتّى مع القطع الوجداني بالكذب، فإنّ هذا هو مقتضى الخلق العظيم، فالآية أجنبيّة عن الدلالة على حجّيّة خبر الواحد.
ــــــــــ[102]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 294.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
استدل على حجّيّة خبر الواحد بالروايات الواردة من المعصومين، فإنَّهم أمرونا بإتباع خبر الواحد إذا كان الراوي ثقة، ومعلوم أنَّ الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد لا يمكن أن يكون بخبر الواحد، وإلّا لدار، فلا بُدَّ من أن يكون الخبر الدالّ على الحجّيّة متواتراً، ومقطوع الصدور من المعصوم، لتكون الحجّة منتهية إلى القطع، وإلّا لا تكون حجّيّة الظنّ ثابتة بالظنّ، وهذا ظاهر، فلا بُدَّ من إثبات أنَّ هذه الروايات الواردة متواترة.
وهذه الروايات على طوائف:
الطائفة الأوّلى: منها: ما دلّ على الأخذ بأحد الخبرين المتعارضين، تعيّيناً أو تخيّيراً، عند التعارض وتنافي مدلوليهما في مقام الإثبات، وهي وردت في مقام علاج الخبرين المتعارضين.
وهذه الروايات تدلّ بالملازمة على حجّيّة الخبر في نفسه، فإنَّ الإمام إنّما أمر بالتخيّير بعد التعارض، وإلّا لو لم يكن للرواية معارض لوجب الأخذ بها والعمل عليها، وهذا معنى الحجّيّة، وهو: أمر مفروغ عنه في الإخبار العلاجيّة.
الطائفة الثانية: إرجاع الأئمّة أصحابهم إلى الأفراد الكبار من أصحابهم إذا عرضت لهم مسألة، فيسألونهم عن الحكم ويعملون عليه. منهم: زرارة، فإنَّه قال: عليك بهذا الجالس وأشار إلى زرارة(1). ومنهم: أبي بصير.
ــــــــــ[103]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 27: 143، الباب 11، وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث من الشيعة فيما رووه عن الأئمّةمن أحكام الشريعة لا فيما يقولونه برأيهم، الحديث: 19.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ومنهم: يونس بن عبد الرحمن، إذ سأله الراوي: أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني، فقال: نعم(1). ومنهم زكريا بن آدم، فقال: عليك بزكريا بن آدم المأمون على الدين والدنيا(2)، وغيرها من إرجاعهم إلى الآحاد، ومعلوم أنَّ قول زرارة أو زكريا أو يونس لا يفيد العلم، غايته: أنَّه عدل ثقة مأمون على الدين والدنيا، وأمّا القطع فلا، إذ يمكن أن يكون مشتبهاً في كلامه أو مخطئاً في السماع؛ لأنَّهم غير معصومين.
الطائفة الثالثة: ما دلّ على الرجوع إلى الثقاة عموماً، كقوله: “لا ينبغي التشكيك فيما يروي عنّا ثقاتنا”(3) من دون تعيين شخص.
وقد أدّعى بعضهم(4)، ومنهم شيخنا الأستاذ(5): أنَّ الأخبار الدالّة على حجّيّة خبر الثقة في نفسها متواترة، والظاهر أنَّها ليست كذلك، والتواتر غير متحقّق، بل هي طائفة من الطوائف.
الطائفة الرابعة: أمرهم بالتحفّظ على كتبهم، وأنَّه سيأتي زمان تحتاجون إليها، فيعلم أنَّ هذه الكتب كانت حجّة ومعتبرة، وإلّا فما فائدة
ــــــــــ[104]ــــــــــ
(1) رجال الكشّي 483، أصحاب الرضا (عليه السلام) في يونس بن عبد الرحمن أبي محمد صاحب آل يقطين، الحديث: 910.
(2) رجال الكشّي 595، ما روي في زكريا بن آدم القمي، الحديث: 1112.
(3) رجال الكشّي: 535، في أحمد بن هلال العبرتائي والرهقان عروة، الحديث: 1020.
(4) انظر: وسائل الشيعة 20: 93.
(5) انظر: أجود التقريرات 2: 114.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
التحفّظ على هذا الكتاب، وهذه الكتب كانت محفوظة عند الشيعة يداً بيد، حتّى وصلت إلى أصحاب الجوامع الأربعة.
فإذا نظرنا إلى مجموع هذه الروايات يحصل لنا العلم بصدور بعض هذه الروايات من المعصوم، ولا نحتمل أنَّ جميع الروايات مكذوبة عليهم، وليس فيها ولا رواية واحدة صدرت عنهم، فإن هذا الاحتمال ليس عقلائيّاً، فنقطع بصدور ولو رواية واحدة منهم.
إذن، نعلم إجمالاً بحجّيّة خبر الواحد من جهة هذه الروايات، ومن أيّ طائفة كانت الرواية الصادرة واقعاً، وهذا يسمّى بالتواتر الإجمالي في مقابل التواتر اللفظي والتواتر المعنوي.
قد يكون اللفظ بنفسه متواتراً كألفاظ القرآن، وقد يكون التواتر في المعنى كنصب رسول الله أمير المؤمنين خليفة بعده في غدير خم، فإنّ ألفاظ الروايات وإن كانت مختلفة، إلّا أنَّ تنصيب أمير المؤمنين معنى متفق عليه بينها، ولا نحتمل كذب تمام الروايات الواردة من طريق العامّة(1) والخاصّة(2)،
ــــــــــ[105]ــــــــــ
() مسند الإمام أحمد بن حنبل 2: 71، الحديث: 641، مسند الإمام أحمد بن حنبل 2: 262، الحديث: 95، سنن النسائي 5: 45، فضائل علي (رضي الله عنه)، الحديث: 12، سنن النسائي 5: 155، باب 56، الترغيب في نصرة علي، الحديث: 1.
(2) تفسير القمي 1: 173، قرب الإسناد: 57، الحديث: 186، بصائر الدرجات 1: 79، الحديث: 8، الكافي 1: 289، باب ما نصّ الله عزّ وجلّ ورسوله على الأئمّة واحداً فواحداً، الحديث: 4، الهداية الكبرى: 103، الأمالي (للصدوق): 2، الحديث: 2، الخصال 1: 311، خمس مناقب لأمير المؤمنين، الحديث: 87، معاني الأخبار: 67، الحديث: 8، الأمالي (للمفيد): 58، الحديث: 2، الأمالي (للطوسي): 247، الحديث: 25، إقبال الأعمال 1: 453، سعد السعود: 71.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وكشجاعة أمير المؤمنين فإنَّها غير قابلة للإنكار، وإن كانت كلّ واحدة من الوقائع، كبدر والجَمَل فرضناهما غير متواترة، إلّا أنَّ المعلوم من الجميع أنَّه كان شجاعاً لا يهاب.
ويقابل التواتر اللفظي والمعنوي التواتر الإجمالي، فلا يكون اللفظ ولا المعنى متواتراً، ومع ذلك التواتر موجود، بمعنى: أنّنا نعلم بصدور بعضها، كما هو الحال في المقام، فإنَّ المضامين والألفاظ مختلفة، وكلّ طائفة ليست متواترة في نفسها، إلّا أنَّه لا يحتمل الكذب في مجموع هذه الروايات بعد ضمّ بعضها إلى بعض.
وقد أنكر شيخنا الأستاذ(1) هذا القسم من التواتر، بدعوى: أنَّه ليس بين الروايات اشتراك في اللفظ ولا في المعنى، فكيف يدّعى التواتر؟ فإنَّ كلّ واحدة فيها محتملة الصدق والكذب، فيكون المجموع محتملاً للصدق والكذب.
إلّا أنَّ هذا باطل جزماً، فإنَّ احتمال الكذب في الواحدة لا يلازم وجوده في الجميع، فإنَّ الواحدة المنقطعة عن الغير، وإن احتمل فيها الكذب، إلّا أنَّها مع انضمامها إلى الغير لا يحتمل فيها الكذب، كالعلم الإجمالي الذي طرفه الواحد وإن كان يحتمل نجاسته وطهارته، إلّا أنَّ مجموع الإناءين نعلم بوجود النجاسة
ــــــــــ[106]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 113.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
في أحدهما، وهذا مشاهد لنا بالوجدان، فإنَّ كتاب الوسائل له أبواب مختلفة وألفاظ مختلفة ومضامين متكثّرة، فهل نحتمل أنَّ كتاب الوسائل كلّه كذب لم يصدر منه شيء من الأئمّة، فهذا الاحتمال لا يوجد في صحيح البخاري، فضلاً عن رواياتنا عن الأئمّة.
وهذا جارٍ حتى في الموارد العاديّة، فإنَّه لا شكَّ في هذا اليوم صدرت إخبارات كثيرة، من الزوج إلى زوجته، ومن الأب إلى ابنه، ومن البائع إلى المشتري، وغيرها كثير، فبعض هذه الأخبار صادق، ولا نحتمل كذب تمام المخبرين في هذا اليوم.
ولو تمّ ذلك -إذا كان يحتمل في كلّ واحد الكذب فيحتمل في الجميع- لتمّ أيضاً في التواتر اللفظي والمعنوي، فإنَّ كلّ واحد أيضاً يحتمل فيه الصدق والكذب، فالمجموع أيضاً كذلك، فالتواتر الإجمالي غير قابل للإنكار.
إذن، نعلم وجداناً بصدور لا أقلّ من رواية واحدة من المعصوم، وبها تثبت حجّيّة خبر الواحد بالتواتر الإجمالي، إلّا أنَّ لازم ذلك هو الأخذ بالقدر المتيقّن، فلعلّ الصادر ما هو أخصّ مضموناً، فلا بُدَّ من الاقتصار عليه.
وذكر شيخنا الأستاذ(1) أنَّ القدر المتيقّن هو خبر الثقة، والحال أنَّه ليس كما ذكره، فإنَّ بعض الروايات اعتبرت العدالة لا خصوص الوثاقة، كقوله: (المأمون على الدين والدنيا)، فلعلّ الصادر هو هذه الرواية، فيدلّ على حجّيّة خبر من يكون مأموناً في دينه ودنياه، فلا يكون كثير الخطأ أو فاسقاً ليس
ــــــــــ[107]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 114.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
بمأمون، فيكون ما هو الحجّة هو الثقة بالمعنى الأخصّ، ويكون عدلاً إماميّاً ثقة ومورداً للاطمئنان.
ولكنّ هنا شيئاً تقدّم به صاحب الكفاية(1) -ونعم ما تقدّم به- وهو: هنا رواية صحيحة كلّ رواتها عدول، وقد دلّت على أنَّ خبر الثقة حجّة، فبالتواتر الإجمالي نثبت حجّيّة خبر الثقة بالمعنى الأخصّ، فإذا دلّت رواية حاصلة على هذا الشرط على حجّيّة خبر الثقة على الإطلاق فيؤخذ بها.
وهذه الرواية هي الواردة في يونس بن عبد الرحمن، إذ يسأله الراوي: أيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ منه معالم ديني؟ قال: نعم(2). وظاهر المعنى اللغوي من الثقة -لا المعنى المستعمل عند الرجاليين- وهو من يحصل من خبره الوثوق والاطمئنان، وهذا تطبيق للصغرى على الكبرى المسلّمة، فكأنّ الراوي يعلم أنَّ الثقة لا بُدَّ أن يؤخذ منه معالم الدين، فأمضاه الإمام على ذلك، وهذا الوجه لا بأس به.
فهذه الرواية الثابت حجيّتها بالتواتر الإجمالي، قد دلّت على حجّيّة خبر الثقة مطلقاً.
استدلّ على حجّيّة خبر الواحد بالإجماع، وقد ذكروا في تقريره وجوهاً:
فتارة يدّعى الإجماع على حجّيّة خبر الواحد، بناءً على ما ذكره الشيخ من
ــــــــــ[108]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 302.
(2) تقدم قبل قليل تخريجه.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
إجماع الطائفة على العمل به(1). ولا يعتنى بما ذكره السيّد المرتضى(2) من إنكاره جواز العمل بخبر الواحد في مذهب الشيعة.
ومعلوم أنَّه لا يمكن الاستناد على مثل هذا الإجماع في حجّيّة خبر الواحد، فإنَّ حجّيّة الإجماع المنقول مستندة إلى حجّيّة خبر الواحد، بل لا تلازم بينهما على ما ذكرناه، فلو كان الخبر حجّة لم يكن الإجماع المنقول حجّة، لأنَّ ما نقول بحجّيّته، هو الخبر الحسّي لا الخبر الحدسي، فحجّيّة الإجماع فرع حجّيّة خبر الواحد، فلا يمكن إثبات حجّيّته به.
وقد يدّعى الإجماع بلحاظ كلام السيّد، من جهة أنَّ السيّد أنكر حجّيّة خبر الواحد من جهة ذهابه إلى انفتاح باب العلم، فلو كان السيّد انسدادياً لكان يرى حجّيّة الخبر. إذن، فهو إجماعي حتّى من السيّد.
وهذا مضافاً إلى ضعفه في نفسه، فإن السيّد لو كان قائلاً بتماميّة دليل الانسداد لكان قائلاً بحجّيّة مطلق الظنّ، لا بخصوص حجّيّة خبر الواحد.
وعلى تقدير تسليمه يرد عليه: عدم إمكان إثبات حجّيّة خبر الواحد بالإجماع المنقول.
التقريب الأوّل: إنّ هذه الروايات الموجودة قد عمل بها الأصحاب من زمان جمعها إلى زماننا هذا، فالعمل بها مورد للتسالم بين الأصحاب.
ــــــــــ[109]ــــــــــ
(1) انظر: العدّة في أُصول الفقه 1: 126- 129.
(2) انظر: رسائل السيّد المرتضى 1: 24، 3: 301.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
والجواب عنه: أنَّ العامل بهذه الروايات قد يستند في العمل به إلى دعوى القطع بصدورها، كما أدّعاه الإخباريّون، وذكروا على ذلك شواهد لا تتمّ(1). وجملة(2) منهم عملوا بالروايات الموثوق بها، حتّى لو لم يكن راويها إماميّاً. وجملة منهم عملوا برواية الإمامي الذي لم يقدح فيه كالعلّامة(3)، ولم يثبت التسالم على العمل بجميع الروايات تعبّداً.
التقريب الثاني: إنّ العمل بخبر الواحد كان أمراً مسلّماً واضحاً من زمان النبيّ الأكرم إلى زمان الأئمّة إلى زمان الغيبة إلى زماننا هذا – وهذا أمر واضح بديهي، فإنّ الناس لا يتمكن كلّ واحد منهم من سؤال الإمام ومعرفة الأحكام بلا واسطة، وخاصّة الضعفاء والنساء والبعيدين – ولم يكن هذا بنحو التواتر جزماً في كلّ رواية، أفيحتمل أنّ كلّ مسلم كان يسأل الإمام عن كلّ ما يبتلى به من المسائل، فإنّ الزمان لا يسع لذلك، بل كانوا يعملون بأخبار الآحاد فيما إذا كان الراوي ثقة، وخاصّة أنّ بعض الأئمّة كان في ضيق أو حبس، وكانت الأحكام تنقل بواسطة أو أكثر ويعمل به الناس، وهذا أمر واضح، فالعمل قائم على حجّيّة خبر الواحد بلا إشكال.
ــــــــــ[110]ــــــــــ
(1) انظر: الفوائد المدنيّة: 146.
(2) انظر: رسالة في الاجتهاد والتقليد: 227، القواعد الفقهية 2: 107، هداية المسترشدين 3: 451، نهاية الدراية 3: 433، مجمع الأفكار ومطرح الأنظار 3: 140.
(3) انظر: الخلاصة: 29، في ترجمة إبراهيم بن هاشم، الخلاصة: 66، في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وهذه الدعوى صحيحة، لكن لا يمكن أن يستكشف من ذلك أنَّ الحجّيّة تعبّديّة، ولم يثبت أنَّ عمل المتشرعة بذلك من جهة كونهم متشرعة، بل الظاهر أنّه من جهة كونهم عقلاء، وعلى ذلك جرت السيرة العقلائيّة، فهم يعملون بخبر الثقة؛ لأنَّهم عقلاء. لا لأنَّهم متشرعة سمعوا حجّيّة خبر الواحد من المعصوم.
إذن، لا بُدَّ من التكلّم عن هذه السيرة، وهل هي ممضاة من قبل الشارع المقدّس لتكون حجّة، فإنَّ السيرة لا تكون حجّة إلّا بالإمضاء، فهل هناك ما يكون رادعاً أو لا؟
قد يقال: إنَّ الآيات الناهية عن العمل بالظنّ رادعة عن هذه السيرة، فإنَّ الله تعالى نهى عن غير العلم، وأوجب أن يكون العامل عالماً، والعمل بغير العلم غير جائز، وخبر الواحد لا يفيد العلم.
إذ أفاد في متن الكفاية(1): أنَّ هذه الآيات لا يمكن أن تكون رادعة عن هذه السيرة؛ إذ إنَّ ردعها عن السيرة يتوقّف على أن لا تكون السيرة مخصّصة لهذه العمومات، فلو توقّف عدم التخصيص على الردع لدار، فالآيات لا يمكن أن تكون رادعة؛ لأنَّ ردعها دوري، والدور محال.
ثُمَّ قال: إن قلت: لم لا يمكن العكس، بأن يقال: إنَّ السيرة لا يمكن أن
ــــــــــ[111]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 303، 304.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
تكون مخصّصة، فإنَّ تخصيصها يتوقّف على عدم الردع عنها، فإذا توقّف عدم الردع على التخصيص لدار. إذن، فهو دوري من كلا الطرفين، لا من طرف واحد.
قلت: التخصيص لا يتوقّف على عدم الردع واقعاً، بل على ثبوت الردع، فالسيرة إذا كانت قائمة ولم يثبت الردع كانت حجّة، فتكون مخصّصة للعمومات بلا دور.
وذكر في الهامش(1): أنَّه على تقدير تسليم أنَّ كليهما يسقط بالمعارضة، فنستصحب الحجّيّة الثابتة قبل نزول هذه الآيات، فإنَّه قبل نزولها كانت السيرة حجّة، ويشكّ في أنَّها سقطت عن الحجّيّة، باعتبار ردع هذه الآيات عنها، فنستصحب الحجّيّة السابقة قبل نزول الروايات، فبالاستصحاب تثبت حجّيّة خبر الواحد.
وذكر بعد هذا: أنَّ المقام من قبيل ما تقدّم في مباحث الألفاظ، من أنَّه إذا ورد مخصّص، ثُمَّ ورد عامٌّ، ودار الأمر بين أن يكون العام ناسخاً، أو المخصّص مخصّصاً له متقدّماً عليه، فإنَّ التخصيص يتقدّم على النسخ، فإنّ المخصّص المتقدّم صالح للقرينيّة على العامّ، فلا ينعقد للعامّ ظهور في العموم في مقام الحجّيّة.
وذكر: أنَّ المقام من هذا القبيل، فإنَّه يدور الأمر بين أن تكون السيرة
ــــــــــ[112]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 304.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
السابقة مخصّصة للعمومات المتأخّرة، أو هذه العمومات رادعة عنها، الذي هو بمعنى النسخ، والتخصيص يتقدّم على النسخ.
أمّا ما ذكره أوّلاً -من تقديم السيرة على العمومات، من باب أنَّ ردع الآيات عن السيرة دوري، إلّا أنَّ تخصيص السيرة للآيات ليس بدوري- فالأمر بالعكس تماماً، فإنَّ تخصيص السيرة بالعمومات دوري دون الردع.
وذلك: لأنَّه يكفي في حجّيّة العموم عدم ثبوت التخصيص، لا عدم التخصيص واقعاً، فما لم يثبت التخصيص يكون العام عندئذٍ حجّة، فيكفي في حجّيّة العمومات الرادعة عدم ثبوت التخصيص، لا واقع عدم التخصيص ليكون دوريّاً.
أمّا كون السيرة مخصّصة فيتوقّف على إحراز الإمضاء، ولا يكفي مجرّد عدم ثبوت الردع، بل يجب أن نستفيد استناد السيرة إلى المولى، وأنَّ الشارع ممض لها، فلا بُدَّ من إثبات الإمضاء وعدم الردع، ومجرّد عدم ثبوت الردع لا يكفي في حجّيّة السيرة. فالوجه الأوّل ساقط.
وأمّا ما ذكره من أنَّه بعد التساقط يرجع إلى استصحاب الحجّيّة السابقة قبل نزول الآيات، فهذا لا يمكن الالتزام به، لأمور:
الأمر الأوّل: أنَّ هذا من الاستصحاب في الشبهة الحكميّة، ولا نقول به.
الأمر الثاني: أنَّنا نقول على تقدير التسليم: إنَّ الآيات كما هي رادعة عن العمل بخبر الواحد رادعة أيضاً عن الاستصحاب، فإنَّ الاستصحاب بنفسه يقع
ــــــــــ[113]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
طرفاً لمعارضة الآيات، فإنَّها تنهى عن العمل بغير علم، ونسبة الاستصحاب وخبر الواحد إليها على حدٍّ سواء، فكيف يرجع إليه بعد التساقط؟
الأمر الثالث: أنَّ الاستصحاب لا دليل عليه إلّا الأخبار المذكورة في محلّه، كصحيحة زرارة ونحوها، وهي أخبار آحاد، فكيف يمكن أن لا يكون خبر الواحد حجّة ويكون الاستصحاب حجّة؟ مع أنَّ العمدة في دليل الاستصحاب هو أخبار الآحاد، فإذا سقطت السيرة عن الحجّيّة بواسطة الآيات، فكيف يمكن إثباته لنستصحب حجّيّة خبر الواحد؟
الأمر الربع: إنّما يجري الاستصحاب إذا كانت هناك حالة سابقة، فأيّ زمان كان خبر الواحد حجّة لنستصحبه، هل قبل نزول الآيات أو بعدها؟ أمّا بعدها فمشكوك، إذ نحتمل أنّها رادعة عن السيرة، وأمّا قبل ذلك، فلا ندري بحجّيّة الخبر، فإنَّه معلوم أنَّ الأحكام تدريجيّة، فلعلّ النبي لم يمكنه تبليغ هذا الحكم(1) إلّا في زمان نزول الآيات. إذن، فهذه السيرة لا تكون مردوعاً عنها ولا ممضاة، فلا يمكن أن نستصحبها.
وبهذا الأخير، يظهر الجواب عمّا ذكره أخيراً من أنَّ المقام داخل في كبرى تقدّم الخاصّ على العامّ، فإنَّه غير داخل في هذه الكبرى، لأنَّ حجّيّة خبر الواحد لم تكن ثابتة ولو في زمان واحد، إذ من المحتمل أنَّ النبيّ لم يكن متمكّناً من الردع إلى ذلك الحين، فإنَّ التشريع كان تدريجيّاً، ونزلت الآيات في أوّل الأزمنة، فهذا غير داخل في تلك الكبرى.
ــــــــــ[114]ــــــــــ
() يعني: الردع. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
إنَّ هذه الآيات لا يمكن أن تكون دالّة على الردع عن السيرة العقلائيّة، والسيرة تكون مقدّمة على هذه العمومات، والوجه في ذلك:
أوّلاً: أنَّ هذه الآيات كانت بمرأى ومسمع من المسلمين من حين نزولها إلى زماننا هذا، ومع ذلك ذكرنا أنَّهم كانوا يعملون بأخبار الآحاد في عصر المعصومين، فإنَّه كما أنَّ السيرة العقلائيّة جارية على ذلك، كذلك السيرة المتشرعيّة فإنَّها ثابتة، لكن قلنا: إنَّها ثابتة لا بما هي سيرة متشرعيّة، بل بما هي عقلائيّة، ولا يحتمل أنَّ كلّ مكلّف يرجع إلى الإمام في كلّ ما يبتلي به من المسائل، أو كان يطلب التواتر ولا يكتفي بخبر الواحد، فهذا غير محتمل.
وهذه الآيات لو كانت رادعة عن السيرة لوردت ولو رواية واحدة من قبل الأئمة، فلماذا اكتفى الأئمّة بهذه العمومات الكتابيّة، ولم ينهوا عن العمل بخبر الواحد؟ ولا نشكَّ في أنَّ العمل بالقياس لا يجري عند العقلاء مجرى العمل بخبر الواحد، بمعنى: أنَّ العمل بالقياس عندهم أقلّ وأضعف، ومع ذلك وردت روايات كثيرة متواترة في النهي عن العمل بالقياس، حتّى ادّعي أنَّها تبلغ خمسمائة، فلماذا لم ترد ولا رواية واحدة في المنع عن العمل بخبر الواحد، فلو كانت السيرة مردوعة وغير مرضيّة للأئمّة لورد الردع، فنستكشف من ذلك أنَّ السيرة غير مردوعة، فلذلك كانت السيرة قائمة إلى زماننا هذا. هذا إجمالاً.
وثانياً: أنَّ الآيات في نفسها، لا يمكن أن تكون رادعة، لا لما ذكره صاحب
ــــــــــ[115]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الكفاية، بل لأجل أنَّ الآيات غير متكفّلة لبيان حكم شرعي على ما تقدّم، وإنّما وردت إرشاداً إلى ما يحكم به العقل: من أنَّ الإنسان لا بُدَّ وأن يكون في مقام العمل مأموناً من العقاب، ودفع الضرّر المحتمل -وهو العقاب- لازم بحكم العقل، والشارع يرشد إلى ذلك، وأنَّه لا بُدَّ من الاستناد في مقام العمل إلى العلم، والظنّ لا يغني عن الحقّ والواقع.
فهذه الآيات ليست في مقام التشريع لتكون رادعة عن السيرة، أو تكون السيرة مخصّصة لها، بل هي أحكام إرشاديّة، ولسانها آبٍ عن التخصيص، فلا يقال: إنَّ الظنّ لا يغني عن الحقّ شيئاً إلّا في المورد الفلاني، بل لا بُدَّ أن يكون الإنسان جازماً وعالماً وليس له الاكتفاء بالظنّ ، فإنَّه لا يغني عن الحقّ والواقع، وعليه: فلا معارضة بين العمومات والسيرة، والسيرة إذا كانت ممضاة من قبل الشارع يكون العمل بخبر الواحد عملاً بالعلم، يعني: أنَّ خبر الواحد حجّة، ويكون الاعتماد على القطع الوجداني، وقد قلنا: إنَّه لا فرق في حجّيّة القطع بين أن يتعلّق بالحكم الواقعي، أو بالحكم الظاهري، فإنَّه بالتالي يكون المكلّف مأموناً عن العقاب. أمّا لأنَّه قاطع بالواقع، أو بما هو معذّر على تقدير المخالفة، فالسيرة تكون رافعة لموضوع هذه الآيات ومبدلّة للظنّ بالعلم.
فنسبة السيرة إلى هذه العمومات نسبة الدليل الوارد إلى المورود، فنسبتها كنسبة الأدلّة الاجتهاديّة إلى الأصول العمليّة العقليّة كقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فلو ثبت الحكم الشرعي يرتفع اللابيان ويتبدّل إلى البيان، وهذا معنى الورود، فإنَّه بعد التعبّد الشرعي يرتفع الموضوع وجداناً، فالسيرة تتقدّم على
ــــــــــ[116]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
هذه العمومات من باب الورود، وليس من باب التخصيص، حتّى يقال: إنَّ السيرة رادعة أو الآيات مخصّصة، فكلّ هذا الكلام لا موضوع له.
ولو تنزّلنا وفرضنا أنَّ هذه الآيات وردت لبيان الحكم الشرعي، وأنَّ الظنّ ليس بحجّة، وأنَّه لا بُدَّ من العمل بالعلم. إذن، نسبة السيرة بعد الإمضاء إليها نسبة الحاكم إلى المحكوم، فإنَّها حينئذٍ وإن لم تكن واردة ورافعة للموضوع وجداناً، إلّا أنَّها رافعة له تعبّداً، إذ بعد فرض أنَّ الخبر حجّة بالسيرة يكون خارجاً عن الظنّ تعبّداً لا وجداناً، فإنَّ العقلاء لا يرون أنَّ هذا مصداق للعمل بالظنّ ، بل هو عمل بالعلم، غايته: أنّه علم تعبّدي و ليس وجدانيّا، فهل نرى عاقلاً لا يعمل بظاهر الكلام، معتذراً بأنَّ المولى نهى عن العمل بالظنّ ، والظاهر لا يفيد القطع؛ فإنَّه بعد ثبوت حجّيّته بالسيرة يخرج عن كونه عملاً بالظنّ إلى العمل بالعلم، ومن هذه الجهة نرى أنَّ المسلمين كانوا يقرأون القرآن، ومع ذلك لم يتأمّل أحدهم بالعمل بالظهور، ولا بالعمل بخبر الواحد.
إذن، لا ينبغي الشكّ في أنَّ هذه السيرة الثابتة القطعيّة باقية إلى الآن، وغير مردوعة.
وهذا أحسن وجوه الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد، ولا نحتاج معه إلى الاستدلال بآية النبأ أو بآية النفر.
يبقى الكلام في أنَّ السيرة قائمة على العمل بأيّ قسم من الأخبار؟ فإنَّهم قسموا الأخبار إلى أقسام: الصحيحة والحسنة والموثّقة والضعيفة، فهل السيرة
ــــــــــ[117]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
قائمة على العمل بأيّ خبر، أو أنَّها قامت على العمل بخبر دون خبر؟
لا ينبغي الشكّ في أنَّ الأخبار الصحيحة والحسنة والموثّقة مّما قامت السيرة على العمل بها، يعني: أنّ العقلاء لا يدورون في قبول الخبر مدار العدالة، فإنّنا نرى ترتّب الأثر على خبر الآخر فيما إذا أخبر أحدهم، مع إحراز عدم عدالته، بل لعلّه لا يصلّي أصلاً، ومعلوم أنَّ العدول في كلّ عصر أشخاص قليلون، فاعتبار العدالة في الراوي لا يحتمل.
وكذلك لا يحتمل اعتبار الوثاقة بالمعنى الأخصّ، وهي التي يعتبرها علماء الرجال، فلو كان الراوي ثقة وإن لم يكن إماميّاً، بل لو كان ممدوحاً، وبحسب المعاشرة لم يعرف منه كذب فلا يصحّ الاعتذار بأنَّه لم يوثّق، فإنَّ حسن الظاهر كاف في المقام. إذن، هذه هي الأقسام:
فالصحيح: هو ما كان الراوي عادلاً ثقة.
والموثق: هو ما كان ثقة غير عادل، يعني: ليس بإمامي.
والحسن: هو ما كان ممدوحاً وإن لم يصل المدح إلى حدّ التوثيق.
ولا ينبغي الشكّ في وجوب العمل بها وأنّها حجّة.
كما أنَّه لاشكّ في عدم حجّيّة الخبر الضعيف الذي يكون راويه كذاباً وضّاعاً لا يعتمد عليه، كما في كلمات الرجاليين، أو كان الراوي من العامّة ولم يوثّق، كما في رجال الصحاح عندهم.
ولكنّه قد يتوهّم حجّيّة خبر الضعيف أيضاً، بدعوى: الإطلاق في آية النفر على تقدير تماميّة دلالتها على حجّيّة خبر الواحد، فإنَّ هذه الآية المباركة يستفاد
ــــــــــ[118]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
منها: وجوب الحذر عند الإنذار، من دون تفصيل بين أن يكون المنذر ثقة أو لم يكن معلوم الحال، فيجب العمل بكلّ خبر بمقتضى إطلاق الآية.
والجواب عن ذلك: أنَّ الآية المباركة غير دالّة على حجّيّة الخبر، بمعنى: جعل الحجّيّة، بل الظاهر أنَّها كاشفة عن حجّيّة الخبر، فإنَّها أمرت بالحذر عند الإنذار باعتبار أنّ الخبر حجّة، وليست في مقام بيان الحجّيّة، فيتمسّك بإطلاقها.
على أنّ الظاهر من الآية -حتّى بناء على أنّها في مقام جعل الحجّيّة- أنَّها جارية مجرى الأمر العادي المتعارف، فغايته أن يستفاد وجوب الحذر عند الإنذار على النحو المتعارف عند العقلاء، يعني: ليست الآية في مقام بيان حجّيّة قول المنذر من جميع الجهات، حتّى لو كان مجنوناً أو صبيّاً، بل هذا أمر موكول للمتعارف عند العقلاء، ومعلوم أنَّهم لا يعتنون بقول الكذّاب، ولا مجهول الحال، فآية النفر لا تدلّ على الحجّيّة المطلقة، بل في الجملة، فلا تدلّ على أنَّ الخبر الضعيف حجّة.
هل يكون الخبر الضعيف الذي عمل به الفقهاء وكان مورداً للشهرة بينهم منجبراً، فيكون ما ليس بحجّة حجّة من جهة عمل المشهور به أو لا؟
ذكر شيخنا الأستاذ(1): أنَّ حجّيّة الخبر الضعيف الذي عمل به المشهور
ــــــــــ[119]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 114.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
يستفاد من منطوق آية النبأ، فإنَّ المستفاد من منطوقها أنَّ الفاسق إذا أتى بنبأ فيجب التبيّن، وأيّ تبيّن أقوى من عمل المشهور، فيكون هذا داخلاً في منطوق الآية، فيكون الخبر الذي عمل به المشهور حجّة من جهة حصول التبيّن عنه.
ولكن الظاهر أنَّ هذا لا يتمّ، فلا يمكن الالتزام بحجّيّة الخبر الضعيف إذا كان المشهور قد عمل به، فإنَّ عمل المشهور إذا وصل إلى درجة اطمئناننا معه بصدور الخبر من المعصومين اطمئناناً شخصيّاً، فهذا لا إشكال في حجيّته، لا من جهة أنَّ الخبر حجّة، بل من جهة أنَّ الاطمئنان حجّة عقلائيّة، فإنَّه علم عادي، ولم يرد الردع عنه، ولكن هذا أمر شخصي قد يحصل لشخص دون شخص، فلا يمكن جعل هذا كبرى كلّيّة، فيقال: إنَّ الخبر الذي عمل به المشهور حجّة، بل الاطمئنان حجّة، سواء حصل من الخبر أو من غيره.
وأمّا إذا لم يحصل الاطمئنان من ذلك -كما هو المفروض- إذ لعلَّ القول الآخر المخالف للمشهور هو الصحيح، وإنَّ هذا الخبر لم يصدر من المعصوم، فكيف يكون هذا تبيّناً؟ فإنَّ التبيّن معناه الظهور والانكشاف، وقد فرضنا أنَّ الشهرة في نفسها ليست بحجّة، والخبر الضعيف أيضاً ليس بحجّة، فهذا التبيّن من أيّ قسم، هل هو تبيّن وجداني أو تبيّن تعبّدي؟ أمّا الوجداني فالمفروض أنَّه لم ينكشف لا بعلم ولا إطمئنان، وأمّا كونه تبيّنا تعبّديّاً فأيضاً غير تامّ بعد إن لم تكن الشهرة في نفسها حجّة، وضمّ أمر ليس بحجّة إلى أمر ليس بحجّة لا يكون بعد الضمّ حجّة؟ فالظاهر أنَّ عمل المشهور لا يكون جابراً.
نعم، إذا كانت المسألة متسالماً عليها بحيث لا يكون هنا مخالف، فقد يكون
ــــــــــ[120]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
هذا كاشفاً عن قول المعصوم، إلّا أنَّ هذا أمر آخر، فإنَّ مفروض المسألة أنَّ المسألة خلافيّة، وأحد القولين أكثر من الآخر، والرواية على طبق المشهور، ولكنّها ضعيفة، ففي مثله كيف يحصل لنا الاطمئنان بصدورها؟ والتبيّن التعبّدي غير متحقّق؛ لعدم حجّيّة الشهرة. إذن، يبقى تحت أصالة عدم الحجّيّة، فلا السيرة العقلائيّة ولا الآية المباركة تدلّ على انجبار الخبر الضعيف بالشهرة.
ولكن قد يقال: إنَّ عمل المشهور بخبر الضعيف وإن لم يكن تبيّناً من الخارج، ولكنّه يكون شهادة منهم على وثاقة هذا الراوي، وإن لم يوثّق في كتب الرجال، ومعلوم أنّنا نكتفي في التوثيق بواحد أو اثنين، فكيف بتوثيق جماعة من الفقهاء؟
إذن، فعمل المشهور يخرجه من الضعف إلى الوثاقة، ويدخله في موضوع الخبر الموثوق به.
إلّا أنَّ هذا لا يمكن الالتزام به من ناحية الكبرى والصغرى.
أمّا من ناحية الكبرى، فلأمرين:
الأمر الأوّل: أنّ العمل مجمل، لا ندري أنَّه لأجل التوثيق أو لأمر آخر، إذ لعلّهم وجدوا شيئاً أوجب اطمئنانهم بصدور الخبر.
الأمر الثاني: لعلمنا أنَّه ليس من باب التوثيق، وإلّا لعملوا بخبر هذا الراوي في غير هذه الرواية، مع أنَّهم لم يعملوا بذلك، كما في كثير من الروايات النبوّية المرويّة في كتب العامّة، والروايات الضعيفة في الكتب الأربعة. إذن، فلا نحتمل أن يكون هذا توثيقاً منهم للراوي.
ــــــــــ[121]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وأمّا من ناحية الصغرى، فلأمرين أيضاً:
الأمر الأوّل: المعروف بين الفقهاء: أنَّ الشهرة بين القدماء هي الجابرة دون الشهرة بين المتأخريّن، لقربهم من زمن صدور الرواية.
ومعلوم أنّه لم يصل إلينا من القدماء إلّا كتب قليلة، فنحن لا ندري أنَّ مشهورهم أفتوا على هذه الرواية أو لا، وقد جمعت هذه الكتب في كتاب واحد سمّي: (جوامع الفقه)(1) وهذه الكتب قليلة ومختصرة.
فإن كان المراد بالمشهور هؤلاء الفقهاء وقد عدّوهم سبعة، فكيف نطمئن بصدور الرواية بعمل سبعة من الفقهاء؟ مع أنَّه لم يصل إلينا فتاوى باقي الفقهاء.
الأمر الثاني: أنَّ هذه الكتب لم يذكر فيها استدلال أبداً، إلّا قليلاً جدّاً حالها حال الرسالة العمليّة المقتصرة على الفتاوى، وأوّل من شرع في الاستدلال مبسوطاً هو الشيخ الطوسي، فإذا لم يكن في هذه الكتب استدلال، فمن أين نعرف أنَّهم استندوا إلى هذه الرواية؟
غاية الأمر: أنَّ فتاواهم مطابقة للرواية الموجودة في صحيح البخاري، ولعلّ لهم مدرك آخر على هذه الفتوى، فكيف يستكشف من ذلك صحّة الرواية؟! فإثبات أنَّ المشهور عملوا في فتاواهم بهذه الرواية دونه خرط القتاد.
إذن، فدعوى أنَّ ضعف الرواية منجبر بعمل المشهور لا أساس لها.
ــــــــــ[122]ــــــــــ
(1) (الجوامع الفقهيّة).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
إذا كان الخبر واجداً لميزان الحجّيّة، وكان الراوي عدلاً أو ثقة أو ممدوحاً، لكن الرواية على خلاف قول المشهور، فهل يكون إعراضهم موجباً لسقوطها عن الحجّيّة.
المعروف أيضاً هو السقوط، وقالوا: إنّ الخبر كلّما ازداد إعراضاً ازداد بعداً(1). وذلك: لأنَّ مشهور الفقهاء من أهل الورع والتدقيق، كانت الروايات بمرأى منهم ومسمع، ومع ذلك لم يعملوا بها، فيكون إعراضهم كاسراً للرواية ومسقطاً لها عن الحجّيّة.
وهذا أيضاً لم يثبت، فإنَّه بعد أن كانت الرواية حجّة في نفسها بالسيرة العقلائيّة، فإنَّ راويها ثقة، والشهرة ليست بحجّة على الفرض، فكيف تسقط الحجّة عن الحجّيّة من جهة ما ليس بحجّة؟ إلّا إذا فرضنا أنَّ الشهرة بلغت إلى حدٍّ لم يكن هناك مخالف في المسألة، أو كان ولكنّه شاذٌ نادرٌ، فيطمئن أنَّ هذه الرواية فيها شيء، أو لا أقلّ أنَّها صدرت تقية، والاطمئنان حجّة في نفسه، وهذا الفرض خارج عن مسألتنا.
وإنّما محلّ الكلام فيما إذا كانت المسألة ذات قولين، ولكن المشهور أفتى بشيء، وعلى خلافه أفتى جماعة من الفقهاء، فكون هذه الشهرة مسقطة للرواية. وهذا مّما لا نعرف له وجهاً. هذا تمام الكلام في الاستدلال بالكتاب والسنّة والسيرة العقلائيّة على حجّة خبر الواحد.
ــــــــــ[123]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار 4: 609، تعليقة على معالم الأُصول: 184، قواعد فقهيّة: 49.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وقد ذكروا في ذلك وجوهاً:
إننا نعلم اجمالاً بوجود روايات صادرة في الكتب الأربعة، ولا نحتمل أنَّ كلّ ما في الكتب الأربعة مكذوب لا محالة، بل بعضها صادر لا محالة، بل ادّعى جماعة(1) العلم بصدور جميع ما في هذه الكتب، وهذا العلم الإجمالي موجود بلا إشكال، خاصّة بعد ملاحظة أنَّ أصحاب الجوامع هذّبوا الروايات وألغوا ما كان معلوم الوضع منها، ومع وجود هذا العلم الإجمالي لا بُدَّ من العمل بكلّ رواية دلّت على حكم إلزامي ايجابي أو تحريمي، ونتيجته: أنَّ الخبر الموجود في هذه الكتب الأربعة حجّة، ولا بدَّ من العمل به.
أورد شيخنا الأنصاري(2) على ذلك: بأنَّ هذا العلم الإجمالي لا ينحصر نطاقه ولا تتمدّد أطرافه بحدود الأخبار في الكتب الأربعة، بل طرفه كلّ خبر، حتّى لو كان موجوداً في غيرها، بل جميع الأمارات من الشهرات والاجماعات المنقولة ونحوها، إذ لا يحتمل أنَّ جميع ذلك كذب، فلو كان العمل بالخبر من جهة العلم الإجمالي بصدور بعضها، لوجب العمل بسائر الأمارات الكاشفة ظنّاً عن الواقع، سواء ما كان في الكتب الاربع أو لم يكن. إذن، فلا يترتّب على
ــــــــــ[124]ــــــــــ
(1) انظر: الفوائد المدنيّة: 529، المسائل الظهيريّة: 574.
(2) انظر: فرائد الأُصول 1: 357.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ذلك حجّيّة هذه الكتب بالخصوص.
وصاحب الكفاية(1) لم يرتض هذا الوجه، فذكر الاستدلال بنحو يندفع معه ما ذكره الشيخ، ثُمَّ أشكلّ بإشكال آخر.
أمّا وجه اندفاع كلام الشيخ، فهو: أنَّ العلم الإجمالي لا بُدَّ له من منشأ، فإنَّ العلم بلا منشأ لا يمكن، ونحن عندنا علم إجمالي بأنَّ الشريعة الإسلاميّة مشتملة على أحكام إلزاميّة، ومنشأه هو أنَّ الشريعة بلا حكم لا معنى لها، فإنَّ الشريعة متكفّلة لسعادة الإنسان في دنياه وآخرته، فلا بُدَّ أن تكون مشتملة على الأحكام الإلزاميّة الوجوبيّة أو التحريميّة(2)، فالاعتراف بالشريعة الإسلاميّة اعتراف بوجود الأحكام، فيكون هذا منشأ العلم الإجمالي.
وبعد ذلك لو لاحظنا الأمارات على كثرتها كالشهرات والاجماعات المنقولة وأخبار العامّة وأخبارنا الضعيفة فنعلم بصدق بعضها لا محالة، فإنَّ الكثرة ممّا يوجب العلم، كما سبق أنَّ مثّلنا أنّنا لو لاحظنا تمام الإخبارات التي صدرت في هذا اليوم لا نحتمل كذب الجميع، بحيث كلّ من أخبر في هذا اليوم كان كاذباً، فهذا غير محتمل، فكذلك لا يحتمل أن يكون كلّ الأمارات كاذبة، فهذا علم إجمالي ثانٍ(3).
ــــــــــ[125]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأُصول: 305.
(2) وأطرافه لا تنحصر بالأخبار والشهرات، بل يجب الاحتياط بمقتضاه عن كلّ ما يحتمل وجوبه أو حرمته. (المقرّر).
(3) والعدد المعلوم اجمالاً في هذا العلم الإجمالي المتوسّط لا يقلّ عن المعلوم في العلم الأوّل. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وهنا علم إجمالي ثالث، وهو: العلم بصدور بعض الأخبار المودعة في الكتب الأربعة، فإنّنا لا نحتمل كذب جميع ما فيها. إذن، فهذه العلوم الثلاثة موجودة بطبيعة الحال(1).
وبعد المراجعة والتحقيق نرى أنّ العلم الإجمالي الأوّل بوجود أحكام في الشريعة ينحلّ بالعلم الإجمالي الثاني في مطلق الأمارات، يعني: ليس لنا علم بوجود حكم في غير ما هو موجود من الأمارات. نعم، الاحتمال موجود، فالمقدار المعلوم بالإجمال بالعلم الأوّل موجود في العلم الإجمالي الثاني، فينحلّ الأوّل بالثاني، ويكون الزائد مشكوكاً بالشكّ البدوي، فيخرج عن طرفيّته للعلم الإجمالي.
كما لو علمنا إجمالاً بوجود خمسة أغنام نجسة في قطيع كبير، ثُمَّ علمنا بوجود خمسة نجسة في خمسين منه، فينحلّ العلم الأوّل بالثاني، ولا يبقى لنا علم بالنجس في الزائد عن الخمسين، ولا منها أكثر من خمسة، فيكون العلم الأوّل منحلّاً والزائد شكّاً بدويّاً.
وهذا العلم الإجمالي الثاني ينحلّ بالعلم الإجمالي الثالث، وهو العلم الإجمالي في الروايات المودعة في الكتب الأربعة، وأنَّ بعضها صادر عن المعصومين، وهو بمقدار المعلوم بالإجمال أو أكثر، فلا يبقى(2) إلّا هذا
ــــــــــ[126]ــــــــــ
() وإذا فرزنا كتاب الوسائل ونظرنا إلى سائر الكتب العامّة والخاصّة لم نعلم إجمالاً بوجود رواية فيها مطابقة للواقع غير مذكورة في الوسائل، وإلّا فعندنا علم إجمالي في تلك الكتب أيضاً. (المقرّر).
(2) إذن، فلا يجب الاحتياط في كلّ ما يشكّ في وجوبه وحرمته، بل يجب العمل بكلّ خبر دلّ على وجوب شيء أو حرمته بمقتضى العلم الثالث، فيكون هذا دليلاً على وجوب الأخذ بحجّيّة خبر الواحد. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
العلم الإجمالي، والباقي يشكّ في ثبوته فيكون مورداً للبراءة.
فما ذكره الشيخ الأنصاري من أنَّ العلم الإجمالي لازمه الاحتياط في تمام الأمارات، ولا يختصّ بالأخبار في الكتب الأربعة غير وارد؛ لانحلال العلم الإجمالي في الزائد.
الكلام في مقامين
يبقى الكلام في أنّ نتيجة ذلك، هل هو حجّيّة الخبر، بحيث يتمسّك به في تقييد عموم أو تخصيص إطلاق، أو رفع اليد عن أصل عملي، أو ليس كذلك؟
يقع الكلام في مقامين، تارةً في الأصول العمليّة، وأخرى في الأصول اللفظيّة.
المقام الأوّل: في الأُصول العمليّة
والأصول العمليّة تنقسم إلى أصل محرز وأصل غير محرز؛ إذ قد يفرض أنّ الأصل مع فرض الشكّ في موضوعه ناظر إلى الواقع، ويفرض المكلّف متيقّناً في فرض شكّه تعبّداً، كما هو الحال في الاستصحاب الذي مقتضى لسانه ذلك، ومن هذا القبيل قاعدة التجاوز والفراغ، بناءً على أنّهما أصلان وليسا من الأمارات، وقد لا يكون للأصل نظر إلى الواقع أصلاً، وهو فقط حكم ووظيفة عمليّة عند الشكّ، كأصالة البراءة والاشتغال.
ثمّ إنَّ الأصل قد يكون نافياً للتكليف كالبراءة الذي يعذر فيه المكلّف عن مخالفة الواقع، ومفاده: نفي التكليف في مقام الظاهر وفي ظرف الشكّ، وأخرى
ــــــــــ[127]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
يكون الأصل مثبتاً له كقاعدة الاشتغال، فإنّ نتيجتها هو الأخذ بطرف الإثبات واللزوم من وجوب وتحريم، وقد يكون الأصل مشتركاً بين نفي التكليف وإثباته كالاستصحاب، فقد يكون مثبتاً للتكليف إذا كانت الحالة السابقة ثبوته، وقد يكون نافياً له إذا كانت الحالة السابقة نفيه.
فإذا فرضنا أنَّ مفاد الأصل كان نافيّاً للتكليف كالبراءة، أو الاستصحاب في مورد يكون كذلك، وورد في مورده خبر مثبت للتكليف، مفاده: وجوب شيء أو حرمته، فلا ينبغي الشكّ في أنَّ الأصل لا يجري في المقام.
أمّا إذا بنيّنا على حجّيّة خبر الواحد فالأمر واضح؛ إذ لا يمكن التمسّك بالأصل(1)، مع وجود الدليل على ثبوت التكليف، وقد فرضنا أنَّ الخبر حجّة ودليل على ثبوت التكليف، فلا موضوع لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، ولا لحديث الرفع؛ لأنّه علم تعبّداً، ولا لقاعدة لا تنقض اليقين بالشكّ؛ لأنّه من نقض اليقين باليقين.
وأمّا إذا بنيّنا على عدم ثبوت الحجّيّة، وقلنا: إنَّ العمل بالخبر من جهة العلم الإجمالي، فأيضاً لا يمكن الرجوع إلى الأصل النافي(2)، لأنَّ الرجوع إليه إن كان في جميع الموارد فلازمه المخالفة القطعيّة، أو في بعض الموارد دون بعض فهو ترجيح
ــــــــــ[128]ــــــــــ
() سواء كان الأصل نافياً أو مثبتاً، والأمارة نافيّة أو مثبتة، لأنّها رافعة لموضوعه على أيّ حال. (المقرّر).
(2) إذ المفروض لزوم الرجوع إلى الأصل، ولو من باب العلم الإجمالي، ففي مقام العمل لا فرق في ثبوت الحجّيّة وعدمها. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
بلا مرجّح، والنتيجة: هو سقوط الأصل، ولزوم الأخذ بالخبر، ففي مورد الأصل النافي لا فرق بين الأخذ بالخبر لحجّيّته أو بسبب العلم الإجمالي.
نعم، هنا فرق آخر، وهو: أنَّ الخبر إذا كان حجّة صحّ إسناد مدلوله إلى المولى، وذلك: أنّ الخبر إذا كان حجّة كان علماً تعبّديّاً، وأمّا إذا كان العمل بالخبر من باب الاشتغال والاحتياط فلا يمكن إسناده إليه إذا لم تثبت حجّيّته(1)، وإنّما العمل به لأجل عدم جواز الرجوع إلى البراءة.
وكذلك إذا كان الخبر حجّة ثبتت به لوازمه؛ لأنَّ الأمارات تثبت لوازمها، وأمّا إذا كان العمل به من باب الاشتغال فلا يثبت به اللازم.
إلّا أنَّ هذين الأمرين أجنبيّان عن المقام، والمقصود: هو عدم الرجوع إلى الأصل النافي في مورد الأخبار الدالّة على الحكم الإلزامي، وهو أمر مشترك بين المبنيّين. نعم، إذا قلنا بالحجّيّة، فإنَّ الخبر يتقدّم على الأصل باعتبار انتفاء موضوعه، وإذا قلنا بالوجه الآخر قدّمناه لأصالة الاشتغال.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الأصل كان مثبتاً للتكليف، ففي مثل ذلك لا مانع من العمل بالأصل، فإنَّ المانع من جريان الأصل أحد أمرين:
أمّا عدم الموضوع، وذلك: فيما إذا علم بالواقع وجداناً أو تعبّداً.
أو لزوم المخالفة القطعيّة كما في القسم الأوّل، وشيء منها غير متحقّق في المقام.
ــــــــــ[129]ــــــــــ
() وعدم ثبوت صدور هذه الرواية من المعصوم، فإسنادها إليه تشريع محرم. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
أمّا الأوّل فالمفروض أنَّ الأمارة لم تثبت حجّيّتها، فلا مانع من العمل بالأصل من هذه الجهة، لأنَّ المكلّف بقي على شكله ولم يعلم بالواقع وجداناً أو تعبّداً، وأمّا أنَّ المخالفة العمليّة القطعيّة فلا تحصل، لأنَّ الأصل مثبت وليس بناف.
فالنتيجة ليست عمليّة، وإنّما هي علميّة محضة، فلا بُدَّ من الالتزام بالحكم سواء كانت الأمارة حجّة أو لم تكن، ويصحّ إسناد الحكم إلى المولى أيضاً. أمّا إذا كانت الأمارة حجّة فواضح، وأمّا إذا لم تكن فلحجّيّة الأصل، إذ المفروض أنّهما -يعني: الأصل والأمارة- تطابقا على الحكم، فيصحّ إسناده إلى المولى، فلا أثر عملي في مثل ذلك بين ثبوت حجّيّة الأمارة وعدمها.
نعم، هناك فرق من جهة إثبات اللوازم، فإنَّ الأمارة إذا كانت حجّة ثبتت لوازمها، وأمّا إذا لم تكن حجّة فلا تثبت لوازمها، لأنَّ الأصول العمليّة لا تثبت لوازمها. هذا إذا كانت الأمارة مثبتة للتكليف.
وأمّا إذا كانت نافية للتكليف كما لو دلّت الرواية على عدم الوجوب أو عدم التحريم، وكان الأصل الجاري في موردها نافيّاً، أو كان مثبتاً للتكليف.
أمّا إذا كانت الأمارة حجّة، فإنّ الأصل لا يجري مطلقاً(1) على ما ذكرنا لعدم الموضوع، وأمّا إذا لم تثبت حجّيّة الأمارة ودلّت على إباحة شيء، وكان مفاد الأصل هو ذلك أيضاً كأصالة البراءة، ففي مثل ذلك أيضاً لا أثر عملي، وإنّما الأثر علمي فقط. نعم، يظهر الأثر في اللوازم.
ــــــــــ[130]ــــــــــ
() يعني: نافياً ومثبتاً، والأمارة سواء كانت نافية أو مثبتة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فإنّ العمل الخارجي لا يكون إلّا على طبق الترخيص، سواء كانت الأمارة حجّة أو لم تكن. نعم، على القول بحجّيّتها تكون هي المستند في الترخيص، وعلى القول بعدمها يكون الأصل هو المستند، فعلى كلا التقديرين يلزم العمل بالترخيص، ويصحّ إسناده إلى المولى. إمّا لدلالة الدليل عليه، أو لكونه مفاد الأصل، فمن هذه الجهة أيضاً لا فرق بينهما.
نعم، بالنسبة إلى اللوازم يظهر الفرق، فإنّ الأمارة إذا كانت حجّة تثبت لوازمها، بخلاف ما إذا لم تكن حجّة.
وأمّا إذا فرضنا أنّ الأمارة نافية للتكليف، وكان الأصل مثبتاً له كما في موارد العلم الإجمالي، فإذا علمنا إجمالاً بوجوب القصر أو التمام فيما إذا سافر أربعة فراسخ غير مريد الرجوع ليومه، فمقتضى الأصل هو الاحتياط، فإذا دلّت الرواية على وجوب القصر فقط، فمؤدّاها هو ذلك، ومقتضى قاعدة الاشتغال هو وجوب كلّ من القصر والتمام، ففي مثل ذلك إذا كانت الأمارة حجّة فلا مجال معها لأصالة الاشتغال؛ لأنّ الأمارة تكون مؤمّنة، وينحلّ بها العلم الإجمالي.
وأمّا إذا لم تكن الأمارة حجّة، فلا بُدَّ من العمل بالأصل؛ لأنّ أصالة الاشتغال غير ناظرة إلى الواقع، وإنّما هي وظيفة في مقام العمل، فلا منافاة بينها وبين العلم الإجمالي بصدور بعض الروايات من المعصومين(1)، بل العلم الوجداني يجتمع مع العلم الإجمالي، كما لو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد
ــــــــــ[131]ــــــــــ
() الذي تقع هذه الرواية في المثال طرفاً له. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الإناءين، ثُمَّ علمنا تفصيلاً بطهارة أحدهما فيجب الاجتناب عنهما معاً، ففي المقام العلم الإجمالي بصدور بعض الروايات من المعصومين، الذي تكون هذه الرواية طرفاً له، لا ينافي وجوب الاحتياط من جهة العلم إجمالاً بوجوب القصر أو التمام.
فالفرق في المقام بين الحجّيّة وعدمها يظهر بوضوح، فإنّنا إذا قلنا بالحجّيّة يرتفع موضوع الأصل لعدم الشكّ، وأمّا إذا لم نقل بالحجّيّة وكان العلم بالخبر من جهة العلم الإجمالي بالصدور، فهو لا ينافي وجوب الاحتياط، فيجب الاحتياط والجمع بين الصلاتين، ولا يجوز العمل بالرواية في المثال، لمنافاتها مع العلم الإجمالي. هذا بالنسبة إلى الأصول غير المحرزة.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الأصل كان محرزاً – كالاستصحاب – فكان مثبتاً للحكم الإلزامي، وكانت الرواية نافية له، والأصل المحرز ناظر إلى الواقع في الشكّ، ويفرض المكلّف متيقّناً، وذلك كما في الحائض بعد الدم وقبل الغسل بالنسبة إلى جواز وطئها، فإنّ الرواية دلّت على الجواز، ولكن الاستصحاب يقتضي الحرمة ما لم تغتسل. أمّا إذا كانت الرواية حجّة، فإنّ الأصل لا يجري مع وجودها، ولكن إذا كان وجوب العمل بالرواية من جهة العلم الإجمالي بالصدور.
فقد يفرض أنَّ الاستصحابات المثبتة لأحكام إلزاميّة -وعلى خلافها روايات مجوزة- أنّها ليست بكثيرة، بحيث يعلم إجمالاً بمخالفة أحدها للواقع، كثلاث أو أربع موارد، ويحتمل أن تكون الروايات الأربع في مواردها مخالفة للواقع، فهنا لا مانع من جريان الاستصحاب؛ لأنّ المفروض أنَّ اليقين والشكّ
ــــــــــ[132]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
موجودان، ومقتضى عموم دليله جريانه، فهنا أيضاً يظهر الأثر العملي للقول بالحجّيّة وعدمها، فعلى الأوّل لا تصل النوبة إلى جريان الاستصحاب، وعلى الثاني فلا مانع من جريانه، كما هو الحال في قاعدة الاشتغال.
وأمّا لو فرضنا أنَّ الاستصحابات المثبتة الجاريّة في هذه الموارد التي دلّت الروايات على الجواز في مواردها كثيرة بمقدار نعلم إجمالاً بمخالفة بعضها(1) للواقع، فيبتني جريان الاستصحاب على البحث الآتي في مبحث الاستصحاب، وهو: أنّ العلم الإجمالي بمخالفة الاستصحاب -في بعض الموارد- للواقع، إذا كان مثبتاً لحكم الزامي، فهل يمكن الرجوع إلى الاستصحاب أولا؟ فيه كلام بين الشيخ وصاحب الكفاية، فبنى الشيخ على عدم الجريان(2)، والكفاية على الجريان(3).
فلو فرضنا أنَّ إنائين كان كلّ منهما نجساً بعينه، وبعد ذلك علمنا اجمالاً بطهارة أحدهما، بأن أصابه المطر ولكن لا نعلم أيّ منهما هو، فهل يمكن جريان الاستصحاب في كلّ منهما، فيبنى على نجاستهما معاً، مع العلم الوجداني بطهارة أحدهما أولا؟ فذهب الشيخ إلى عدم جريانه، وذلك لدعواه: أنَّ أدلّة الاستصحاب لا تشمل المقام، للتعارض بين الصدر والذيل، فإنَّ مقتضى إطلاق الصدر جريان الاستصحاب، ومقتضى إطلاق الذيل -الذي هو أعمّ من العلم الوجداني والتفصيلي- عدم جريانه.
ــــــــــ[133]ــــــــــ
() يعني: الاستصحابات. (المقرّر).
() انظر: فرائد الأُصول 3: 410.
() انظر: كفاية الأُصول: 432.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
في حين بنى صاحب الكفاية على الجريان -وهو الصحيح- فإنّ اليقين الناقض هو اليقين الذي يكون مثل اليقين الأوّل، يعني: اليقين التفصيلي، وأمّا الإجمالي فلا يصحّ أن يكون ناقضاً للعلم التفصيلي، والعلم بطهارة أحدهما في الواقع لا ينافي جريان الاستصحاب في كليهما.
فلو فرضنا في المقام أنَّ الروايات كثيرة، فبناءً على الحجّيّة لا يجري الأصل، وبناء على عدم الحجّيّة يرجع إلى الاستصحاب، ويثبت به الحكم الإلزامي، وهذه ثمرة مهمّة للقول بحجّيّة خبر الواحد، أو العمل به من باب الاشتغال.
المقام الثاني: في الأُصول اللفظيّة
إذا فرضنا أنّ أدلّة حجّيّة خبر الواحد لم تثبت، وكان العمل بالخبر من جهة العلم الإجمالي بصدور البعض، ولازمه هو الاحتياط في تمام الأفراد، والعمل بكلّ رواية تقع طرفاً لهذا العلم الإجمالي، فهل يترتّب على ذلك ما يترتّب على حجّيّة الخبر من تخصيص عموم أو تقيّيد إطلاق، فيما إذا كان ثابتاً بدليل قطعي الصدور كالكتاب والسنّة المتواترة، أو الخبر الواحد المحفوف بالقرائن القطعيّة؟
ذكر صاحب الكفاية(1): أنَّه لا يمكن تقيّيد العموم ورفع اليد عنه من جهة هذا الخبر، وذلك لعدم ثبوت حجّيّة الخبر، وإنّما كان العمل على طبقه لقاعدة الاحتياط، والعموم حجّة ما لم تقم حجّة على خلافه وكذلك الإطلاق،
ــــــــــ[134]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 305.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
والمفروض أنَّه لم تثبت حجّيّة الخبر، فلا يمكن رفع اليد عن العموم به تخصيصاً أو تقيّيداً.
والذي ينبغي أن يقال في المقام: إنَّه قد يفرض أنَّ الخبر والعام أو المطلق متوافقان في الحكم، فلا أثر في مثل ذلك للالتزام بحجّيّة الخبر وعدمه.
وقد يكون الخبر والعامّ متخالفين، بأن يكون العام إلزاميّاً والخبر غير إلزامي، كقوله تعالى: وَحَرَّمَ الرِّبَا(1) ومقتضى إطلاقه التحريم لكلّ أحد، ولكن دلّت الرواية على أنَّه: “لا ربا بين الوالد والولد”(2)، فإذا تمّت حجّيّة الخبر فلا محالة يقيّد به هذا الإطلاق بغير الوالد والولد، وقد ذكرنا في مباحث الألفاظ(3): أنَّه لا بأس بتقيّيد وتخصيص الكتاب بخبر الواحد، فبناءً على الحجّيّة يبنى على التقيّيد.
وأمّا إذا لم نبن على الحجّيّة، وكان العمل بالخبر من باب الاحتياط والعلم الإجمالي، فمعلوم أنَّ العلم الإجمالي إنّما يقتضي الاحتياط فيما إذا دلّ الخبر على حكم إلزامي، وأمّا العلم إجمالاً بحكم غير إلزامي فلا أثر له، ولا يكون هذا العلم منجزّاً للحكم.
فلا يجوز العمل بهذا الخبر بناءً على عدم ثبوت حجيّته على الفرض، ولكن لا يمكن التمسّك بالعموم حينئذٍ أيضاً، فإنَّ العلم الإجمالي بصدور بعض
ــــــــــ[135]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
(2) الكافي 5: 147، باب أنَّه ليس بين الرجل وبين ولده وما يملكه ربا، الحديث: 1.
(3) انظر: محاضرات في أُصول الفقه 4: 469، 470.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الروايات قد أوجب سقوط العمل بالعموم أو الإطلاق؛ لأنَّنا نعلم إجمالاً أنَّ بعض العمومات والإطلاقات مخصّص أو مقيّد، والوجه في ذلك واضح، وهو: أنَّ الإطلاق والعموم من الأُصول اللفظيّة الكاشفة عن الواقع، ومع العلم إجمالاً بمخالفة بعضها للواقع لا يمكن البناء على أنَّ جميعها كاشف عن الواقع، فكما لا يجوز العمل بالخبر في مورد العموم، كذلك لا يمكن التمسّك بالعموم للعلم الإجمالي بالتخصيص أو التقيّيد في بعض هذه الموارد.
ولكن مع ذلك لا بُدَّ من العمل بالعموم، لا من جهة الأخذ به، بل من جهة علم إجمالي آخر، وهو: أنَّ التخصيص ورد على بعض العمومات لا على جميعها، فبعضها باق على حاله، والمراد الجدّي فيها مطابق للمراد الاستعمالي، فإذا كان بعض العمومات والمطلقات مراداً جدّيّاً، ولا نعلم هذا البعض بخصوصه، فلازم هذا العلم الإجمالي الأخذ بجميع العمومات والإطلاقات من باب قاعدة الاحتياط. هذا إذا كان العام إلزاميّاً والخاصّ غير إلزامي.
وأمّا إذا كان العكس، فكان العام مشتملاً على حكم(1) غير إلزامي، والخبر دلّ على حكم إلزامي، فلا نتيجة بين القول بحجّيّة الخبر وعدمها، ولا بدَّ من العمل على طبق الخبر، والوجه في ذلك ظاهر: فإنَّ العموم ليس بحجّة من جهة العلم بتخصيص بعض العمومات.
وصاحب الكفاية وإن ذكر أنَّ العموم حجّة ما لم تقم قرينة على خلافه، إلّا
ــــــــــ[136]ــــــــــ
() المقصود بالعموم أعمّ من الإطلاق، فإنَّهما من وادٍ واحدٍ من الآن إلى آخر المحاضرة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
أنَّه لا ينطبق على محلّ الكلام؛ للعلم بتقيّيد بعض العمومات، والعلم بمطابقة بعض العمومات للواقع لا أثر له، لأنَّ مدلول هذا العامّ ترخيصيٌّ وليس إلزاميّاً، وإنّما يتنجّز بالعلم الإجمالي إذا كان حكماً إلزاميّاً لا ترخيصيّاً، فالعمومات ساقطة ولا يلزم العمل بها، لا من جهة أصالة العموم وحجّيّته، ولا من جهة العلم الإجمالي.
وأمّا الرواية الدالّة على الحكم الإلزامي، فهي طرف للعلم الإجمالي بصدور جملة من الروايات من المعصومين، ولازمه العمل على طبق كلّ رواية دلّت على حكم إلزامي، فيجب العمل بها سواء قيل بحجّيّتها أم لا.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ مدلول الرواية والعامّ معاً حكم إلزامي، إلّا أنَّ أحدهما كان على خلاف الآخر، كما لو دلّ العام على الوجوب، والرواية على تحريم ما دلّ العامّ على وجوبه أو بالعكس، كما لو دلّ -مثلاً- دليل على حرمة إكرام كلّ كافر، ودلّ خبر على وجوب إكرام الضيف ولو كان كافراً، أمّا بناءً على الحجّيّة فالأمر ظاهر، فإنَّه يقيّد المطلق -بناءً على ما هو الصحيح من جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد- لأنَّه علم تعبّدي.
وأمّا إذا لم نقل بالحجّيّة وكان العمل به من جهة العلم الإجمالي، فهل يقدّم العمل بالرواية أو بالعام أو يتخيّر؟
مقتضى ما ذكره صاحب الكفاية(1) تقديم العامّ على الخبر، فإنَّ العام حجّة ما لم تقم حجّة أخرى على خلافه، والمفروض أنَّها لم تقم.
ــــــــــ[137]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 305.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ولكن على ما ذكرناه لا يتمّ، لأنَّ الخبر وإن لم يثبت حجّيّته، إلّا أنّ العام ليس بحجّة؛ للعلم اجمالاً بالتخصيص في بعض الموارد، وهذا العلم الإجمالي مانع عن الالتزام بالحجّيّة في الجميع، أو في البعض من دون مرجّح.
إذن، ما هي الوظيفة في المقام؟
الظاهر أنَّ الوظيفة هي التخيّير؛ لأنَّ المورد طرف لعلمين إجماليّين، أحدهما يقتضي وجوب الاحتياط بالإتيان، والآخر يقتضي وجوب الاحتياط بالترك، وحيث إنَّ الجمع بينهما لا يمكن فلا بُدَّ من الاحتياط.
إذن، يتعيّن الحكم بالتخيّير في المقام، نظير ما ذكرناه في مورد دوران الأمر بين المحذورين، وأنَّ الشيء إذا دار أمره بين الوجوب والتحريم فلا بُدَّ من التخيّير بينهما، والمقام وإن لم يكن من هذا القبيل، فإنَّ الدوران بين المحذورين إنّما يكون إذا علمنا بالإلزام في الجملة(1)، وتردّد الأمر بين الوجوب والحرمة، وبما أنَّه لا يمكن المخالفة القطعيّة ولا الموافقة القطعيّة، فلا مناص من التخيّير بين الفعل والترك.
والمقام ليس من هذا القبيل، إذ ليس لنا علم بوجوب هذا الشيء أو حرمته، ونحتمل أن لا يكون واجباً ولا حراماً، لاحتمال أن يكون العموم غير مراد في الواقع، وقد قلنا: إنَّ أصالة العموم لا يمكن التمسّك بها، كما نحتمل أنَّ هذه الرواية لم تصدر من المعصوم فهذا المورد ليس من الدوران بين المحذورين، ونحتمل إباحته في الواقع(2).
ــــــــــ[138]ــــــــــ
() يعني: لا يحتمل استحبابه أو إباحته أو كراهته. (المقرّر).
(2) فليس لنا علم بالإلزام في الجملة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
لكنّ النتيجة هي تلك النتيجة بعينها، وذلك: لحكم العقل بلزوم الامتثال من جهة العلم الإجمالي في طرف الخبر، وحكم العقل بلزوم الامتثال من جهة العلم الإجمالي في طرف العام، وهذا المورد طرف لعلمين إجماليّين، أحدهما يقتضي الفعل والآخر يقتضي الترك.
فلو كانت الرواية دالّة على الوجوب، والعموم دالّ على التحريم كحرمة إكرام كلّ كافر، ودلّت الرواية على وجوب إكرام الكافر إذا كان ضيفاً، فمقتضى العلم الإجمالي بصدور بعض الأخبار من المعصومين وجوب إكرام هذا الضيف؛ لأنَّ هذه الرواية طرف له، ومقتضى العلم الإجمالي بدلالة العموم على الإرادّة الجدّيّة في بعض العمومات ترك إكرام هذا الضيف، لأنَّ هذا العموم طرف له.
فلا يمكن الامتثال معاً، وحيث لا ترجيح بينهما، فلا بُدَّ من الامتثال الاحتمالي، فإمّا أن يختار الفعل فيعمل على طبق الخبر، أو يترك فيعمل على طبق العموم. هذا تمام الكلام في الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد بدليل عقلي.
والمتحصّل ممّا قلناه: إنَّ النتيجة المترتّبة على هذا الاستدلال تختلف عن النتيجة التي تترتّب على الأدلّة التي سبقته، ولا تنتج الحجّيّة بذلك.
ذكر صاحب الوافية(1) -على ما نسب إليه- وجهاً لإثبات العمل بهذه الأخبار، فقال في محكي كلامه: أنّا نعلم بوجود واجبات في الشريعة المقدّسة،
ــــــــــ[139]ــــــــــ
(1) انظر: الوافية: 159.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
كالصلاة والصوم والحجّ ونحوها، ونعلم علماً قطعيّاً أنّنا إذا اقتصرنا في هذه الواجبات على الأجزاء والشرائط المعلومة علماً قطعيّاً تفصيليّاً لخرجت هذه الواجبات عن حقائقها الشرعيّة، ولم تكن الصلاة مجزية قطعاً، ولازم ذلك: لزوم العمل بالأخبار الواردة في باب الأجزاء والشرائط الواردة في الكتب المعتبرة من غير رفض وإعراض من الأصحاب، وإلّا لزم هذا المحذور، وهو: العلم بأنَّ ما نأتي به من الواجب غير مسقط للتكليف جزماً.
وأورد عليه شيخنا الأنصاري بإيرادين(1):
الإيراد الأوّل: أنَّ طرف العلم الإجمالي غير منحصر بما ذكره، وهو الأخبار المودعة في الكتب المعتبرة مع عدم ردّ الأصحاب لها، بل طرف العلم الإجمالي جميع الأخبار، سواء كانت مودّعة في هذه الكتب أو كانت في غيرها، ولازم هذا العلم الإجمالي العمل بكلّ خبر دلّ على وجوب شيء أو حرمته، أو إذا لم يكن الاحتياط بهذا المقدار، فنعمل بكلّ خبر مظنون الصدق، سواء كان في الكتب المعتبرة أو لم يكن.
والجواب عمّا أورده يظهر مّما تقدّم: أنَّ العلم الإجمالي وإن كانت أطرافه ليست منحصرة ابتداء بذلك، بل شامل لتمام الأخبار بما فيها كتب العامّة، إلّا أنَّ هذا العلم الإجمالي ينحلّ بعلم إجمالي ثانٍ، وهو: أنّ الأخبار المودعة نعلم بصدور مقدار منها ينحلّ به المعلوم بالإجمال فلا موجب للاحتياط والعمل
ــــــــــ[140]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 1: 361، 362.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
بكلّ خبر دلّ على حكم إلزامي، سواء كان في الكتب المعتبرة أو لم يكن؛ وذلك لانحلال العلم الإجمالي الأوّل بالثاني، فالاحتياط إنّما يكون بهذا المقدار.
الإيراد الثاني: أنَّ نتيجة ذلك هو الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي، والعمل بالخبر من باب العلم الإجمالي وقاعدة الاحتياط، وليس من جهة حجّيّة الخبر ليكون قابلاً لتخصيص عام أو تقيّيد مطلق.
وهذا الذي ذكره صحيح، فبيان صاحب الوافية يرجع إلى التقريب الأوّل بتغيّير الألفاظ، والجواب هو الجواب بعينه، وهو: أنَّ العمل بالروايات يكون من باب الاحتياط، لا من باب الحجّيّة، ولا يمكن به تخصيص أو تقيّيد لعموم أو إطلاق دالّ على حكم إلزامي.
نعم، لو كان الخبر ثابت الحجّيّة فرفع اليد عن العموم بالخبر في محلّه، لأنّنا ذكرنا أنَّ تخصيص الكتاب والسنّة القطعيّة ونحوها بالخبر الثابت حجّيّتة لا مانع منه، وكذلك الكلام في الأصول العمليّة، كما لو دلّ الاستصحاب على تحريم شيء ودلّ الخبر على إباحته، فبناءً على الحجّيّة يتقدّم الخبر لا محالة، وإلّا فكيف يمكن رفع اليد عن الاستصحاب بمثل هذا الخبر؟
ذكر صاحب الحاشية وجهاً ثالثاً(1)، وحاصله: أنّنا نعلم بلزوم الرجوع إلى المعصومين بمقتضى أخبار الثقلين وغيرها، ممّا تواتر نقله عن النبيّ عن طريق العامّة والخاصّة، فإن علمنا بصدور الشيء عنهم فهو، وإلّا فلا بُدَّ
ــــــــــ[141]ــــــــــ
(1) انظر: هداية المسترشدين 3: 373، 374.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
من الانتهاء إلى الظنّ، والعمل بكلّ رواية ظُنَّ بصدورها عنهم.
وأورد عليه شيخنا الأنصاري(1): إمّا أن يرجع إلى الوجه الأوّل من الوجوه العقليّة، وهو دعوى: أنَّه يلزم العمل بالأخبار من جهة العلم الإجمالي بصدور بعضها عن المعصومين، غاية الأمر: أنَّه إذا لم يمكن الاحتياط في الجميع فلا بُدَّ من الاقتصار على المظنونات. أو يرجع إلى دليل الانسداد، ونتيجته: لزوم العمل بكلّ ظنّ بالحكم الشرعي، سواء كان ناشئاً من جهة الروايات أو من غيرها، كالشهرات والإجماعات المنقولة إذا حصل الظنّ بالحكم الواقعي عن طريقها، فهذا الوجه يرجع إلى أحد هذين الأمرين، وليس وجهاً مستقّلاً عنهما.
وأورد صاحب الكفاية(2) على الشيخ الأنصاري: أنَّ هذا وجه مستقلّ، وليس ملاكه العلم الإجمالي بصدور الروايات، أو العلم الإجمالي بوجود أحكام إلزاميّة، ليرجع إلى الوجه الأوّل وإلى دليل الانسداد، بل ملاكه لزوم الرجوع إلى الروايات بخصوصها، وحيث إنّه لا يمكن أن يتعيّن صدور الروايات باليقين، فلا بُدَّ من الأخذ بالظنّ بالصدور.
ولكن الظاهر أنَّ ما أفاده شيخنا الأنصاري هو الصحيح، والوجه في ذلك: أنَّ منشأ هذا العلم إن كان هو أخبار الثقلين ونحوهما مّما صدر عن النبيّ جزماً، فمعلوم أنَّ مقتضاها هو الرجوع إلى المعصومين،
ــــــــــ[142]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 363 – 365.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 307.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وأنّهم يجب إطاعتهم، كما أنَّ النبيّ يجب إطاعته، فإنَّهم هم المراد بالعترة في حديث الثقلين، وليس هذا من الرجوع إلى رواية محمّد بن مسلم وزرارة، ولا ملازمة بين الأمرين.
وإن كان منشأ هذه الدعوى هو ثبوت الحجّيّة من قبل المعصومين بالخصوص، فالمفروض أنّه لم يثبت ذلك، يعني: أنَّ العلم بلزوم الرجوع الروايات بعد ما فرضنا أنَّه لا ملازمة بين ذلك وبين الرجوع إلى المعصومين، فلا ملازمة بين أنَّ الإمام يجب طاعته، وبين أنَّ الراوي يجب تصديقه. إذن، لا بُدَّ لهذه الدعوى من منشأ، فأمّا أن يكون منشؤها ثبوت حجّيّة هذه الروايات، وكون الدليل قد دلّ على الحجّيّة من قبل المعصومين، فهذا ما افترضنا عدمه، فإنَّ كلامنا في الدليل العقلي، وهو في فرض عدم الدليل من الكتاب والسنّة.
أو منشؤها دعوى أنّنا نعلم إجمالاً بصدق هذه الروايات في الجملة، وأنَّه ليست جميع هذه الروايات كاذبة ومخالفة للواقع، فهذا هو الوجه الأوّل، أو لأنّنا نعلم بثبوت تكاليف واقعيّة فلا بُدَّ لنا من الخروج عن عهدتها، وحيث لا يمكننا تعيّينها باليقين، فنرجع إلى الظنّ الناشئ من الروايات، ونعمل به، فهذا يرجع إلى دليل الانسداد.
فدعوى أنَّ ملاك هذا الوجه الذي أفاده صاحب الحاشية لا يرجع إلى الوجه الأوّل أو إلى دليل الانسداد لا نعرف له وجهاً، وكيف يكون مغايراً لهما، وكيف يمكن دعوى لزوم الرجوع إلى الروايات، مع قطع النظر عن الحجّيّة والعلم الإجمالي بصدور بعض الروايات، والعلم الإجمالي بوجود تكاليف
ــــــــــ[143]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
إلزاميّة في الشريعة؟ فالظاهر صحّة ما أفاده شيخنا الأنصاري.
هذا تمام كلامنا في حجّيّة الظنّ بالخصوص، والعمدة في حجّيّة الظنّ بالخصوص، ودعوى انفتاح باب العلمي إثبات أمرين:
أحدهما: حجّيّة خبر الثقة الموثوق به، بل الحسن على ما قلناه.
ثانيهما: إثبات أنّ حجّيّة الظاهر لا يختصّ بمن قصد إفهامه.
فإذا ثبت هذان الأمران تثبت حجّيّة الظنّ بالخصوص، ولا تصل النوبة إلى إثبات حجّيّة مطلق الظنّ، وإلّا وصلت النوبة إلى إثبات ذلك.
وقد استدلّ عليه بوجوه:
إنَّ الظنّ بوجود التكليف الإلزامي يستلزم الظنّ بالعقاب على تقدير المخالفة، فإذا ظنَّ أنّ شيئاً واجب، فإنَّه يظنّ بالضرّر على تقدير الترك، وإذا ظنّ أنَّه حرام، فإنَّه يظنّ بالضرّر على تقدير الفعل(1)، والضرّر لا بُدَّ من دفعه بحكم العقل.
والجواب عنه: أنَّ المراد بالضرّر المذكور في المقام إن كان هو العقاب، يعني: أنَّ الظنّ بالوجوب ملازم للظنّ بالعقاب مع الترك، والظنّ بالتحريم
ــــــــــ[144]ــــــــــ
() فيجب العمل بالتكليف دفعاً للضرّر المظنون. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ملازم للظنّ بالعقاب مع الفعل، فإنَّ العقاب أو الضرّر المظنون لا بُدَّ من دفعه، وأنّه لا بُدَّ من أن يحرز الإنسان عدم العقاب، وتحصيل المؤمّن في مورد الشكّ، فالكبرى مسلّمة، ولكن الصغرى ممنوعة، وليس الظنّ بالتكليف ملازماً للظنّ بالعقاب.
والوجه في ذلك: أنَّ استحقاق العقاب ليس من ملازمات مخالفة التكليف الواقعي، وإلّا كان احتمال التكليف ملازماً لاحتمال العقاب لا محالة، وكما أنَّ العقاب يستقلّ بدفع الضرّر المظنون، كذلك يستقلّ بدفع الضرّر المحتمل، ولأجل ذلك قلنا: بلزوم الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي، وإلّا فليس هنا علم ولا ظنٌّ بالعقاب، وإنّما هو احتمال للعقاب على تقدير أن يكون هذا الطرف هو المعلوم بالإجمال، وكذلك في الشبهات قبل الفحص، فإذا كانت مخالفة التكليف الواقعي ملازمة للعقاب، فمعناه: لزوم الاحتياط عند كلّ شبهة بدويّةٍ وجوبيّةٍ أو تحريميّة حكميّةٍ أو موضوعيّةٍ، فإنَّ احتمال الملازم ملازم لاحتمال الملزوم، فالنتيجة: أنَّ احتمال التكليف الواقعي غير ملازم لاحتمال العقاب، وإنّما العقاب ينشأ من تنجّز التكليف، فإذا كان التكليف منجّزاً بعلم أو بعلمي أو بحكم العقل، كالعلم الإجمالي والشبهة قبل الفحص، فتكون مخالفة التكليف في مثل هذه الموارد موجبة لاستحقاق العقاب.
أمّا أنَّه يعاقب أو لا؟ فهذا أمر آخر، إذ قد لا يعاقب حتّى في المعصية القطعيّة، لاحتمال أنَّ الله تعالى يعفو أو أحد الأئمّة يشفع، فاستحقاق العقاب مقطوع، وإن لم يكن العقاب مقطوعاً.
ــــــــــ[145]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وأمّا إذا فرضنا أنَّ التكليف الواقعي لم يتنجّز، ولم يصل إلى المكلّف لا بنفسه ولا بطريقه كما هو مفروض الكلام، ففي مثل ذلك قد دلّ العقل والشرع على البراءة وارتفاع التكليف، فكيف يقال: إنَّ احتمال التكليف احتمال للعقاب، والظنّ به ظنَّ به، فإنَّ الظنّ بحكم العقل لا أثر له، كما ذكرنا في أوّل بحث الظنّ؛ لأنَّه أيضاً جهل، والواقع مشكوك فيه، فيتمسّك بالبراءة العقليّة والشرعيّة، فلا نظنّ بالعقاب ولا نحتمله، ليقال: إنَّ دفع الضرّر المحتمل أو المظنون واجب.
ومن هنا يظهر أنَّ ما أفاده صاحب(1) الكفاية في المقام، وحاصله: أنَّ العقل وإن لم يستقلّ في هذه الموارد بالعقاب، إلّا أنَّه لا يستقلّ بعدمه أيضاً، بل يبقى متردّداً، وبالتالي يكون العقاب محتملاً ومشكوكاً فيه، ويجب دفع العقاب المحتمل، فإنّه لازم بحكم العقل.
وهذا من غرائب الكلام الذي صدر منه، إذ ما معنى أن يتردّد العقل في حكمه باستحقاق العقاب وعدمه، فإنَّ هذا الحكم مّما يختص به العقل، فإذا كان الحكم الواقعي منجّزاً فالعقل يستقلّ بالاستحقاق، وإذا لم يتنجّز – كما هو المفروض – فالعقل يستقلّ بعدم الاستحقاق لحكمه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فما معنى تردّد العقل؟ وكيف يتردّد الحاكم في حكمه ليكون العقاب محتملاً؟
فالصحيح أن يقال: إنَّ هذا المستشكلّ إن أراد أن يقول: إنَّ الظنّ
ــــــــــ[146]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 309.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
بالتكليف الواقعي ظنٌّ بالضرّر، فنقول له: ما تريد بالضرّر؟ فإن كان مرادك به العقاب فليس عندنا احتماله، لأنَّ العقل مستقلّ مع عدم تنجّز التكليف بقبح العقاب، والروايات دالّة على البراءة أيضاً. نعم، نحتمل مخالفة التكليف الواقعي، إلّا أنّ ذلك لا أثر له.
وإن أُريد من الضرّر الضرّر الدنيوي، ففي ذلك تفصيل، وبيانه: أنَّ التكليف المحتمل قد يكون وجوبيّاً، وقد يكون تحريميّاً، والتكليف التحريمي قد يكون ناشئاً عن المفاسد النوعيّة التي تخلّ بالنظام ممّا لا يكون في مورده ضرّر على نفس الفاعل، وقد ينشئ التحريم من مفسدة شخصيّة تقع على الفاعل في نفسه أو ماله أو عرضه.
فلو فرضنا أن يكون التكليف المحتمل وجوبيّاً، فالتكليف الوجوبي -بناءً على ما هو المعروف عند العدليّة- ناشئ عن مصلحة وجوديّة لا بُدَّ من تحصيلها، لا أنَّ في مخالفة التكليف ضرّر دنيوي، فالصغرى(1) غير متحقّقة، فإنَّ الظنّ بالتكليف وإن كان ملازماً للظنّ بوجود مصلحة إلزاميّة في المتعلّق على الفرض، فإنَّ المصلحة والوجوب من قبيل العلّة والمعلول، والظنّ بأحدهما لا ينفكّ عن الظنّ بالآخر، ولكن لا يسري الظنّ إلى المفسدة عند المخالفة، فإنَّه ظنٌّ بفوت المصلحة الإلزاميّة فقط، وليس ظنّاً بالضرّر، ليقال: إنّ دفعه واجب بحكم العقل.
ــــــــــ[147]ــــــــــ
() يعني: صغرى الدليل المتكوّن من كبرى، وهي: لزوم دفع الضرّر. ومن صغرى، وهي: أنَّ عصيان التكليف المظنون موجب للظنّ بالضرّر. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وإذا فرض التكليف التحريمي ناشئاً من ناحية المفاسد النوعيّة، كقتل النّفس المحترمة وأكلّ مال الغير، فإنَّه ليس هنا أيّ ضرّر دنيوي في أكلّ مال الغير، والتصرّف فيه بالنسبة إلى الأكل، وإنّما تشريع الحكم لأجل حفظ النظام، لأنَّ التعدّي على مال الغير فيه اختلال النظام، ففي مثل ذلك مخالفة الحكم ليس فيه ظنٌّ بالضرّر أبداً، فالصغرى فيه غير متحقّقة.
ودعوى أنَّ الظنّ وإن لم يتعلّق بالضرّر، إلّا أن العقل كما يستقلّ بوجوب دفع الضرّر المظنون، كذلك يحكم بلزوم دفع المفسدة النوعيّة، وتحصيل المصلحة الإلزاميّة المظنونة، ودفع احتمال تفويتها، فنحن لا نعبّر بالضرّر، ليقال: إنَّه لا يوجد ضرّر في هذه الموارد، بل نقول: أنَّ هنا ظنّاً بفوات المصلحة الإلزاميّة، أو ظنّاً بالوقوع بالمفسدة النوعيّة المخلّة بالنظام، وهذا واجب الدفع بحكم العقل.
فنقول: إن الكبرى غير مسلّمة جزماً، إذ المفروض أنَّ المصلحة الإلزاميّة لم تصل إلى المكلّف ولم تتنجّز -كما هو المفروض- فالمصلحة لا تزيد على الوجوب، والمفسدة لا تزيد على التحريم، والمفروض أنّهما لم يصلا إلى المكلّف؛ لأنّنا فرضنا خبر الواحد ليس بحجّة، أو نفرض الكلام في غير مورد الرواية، ومجرّد ظنّ المفسدة أو ترك المصلحة إذا لم يصل شيء منهما إلى المكلّف، فكيف يحكم العقل بقبح تفويته؟ والسبب في ذلك: -أي: لعدم حكم العقل بالقبح- جريان البراءة في مورد الشبهات الوجوبيّة موضوعيّة وحكميّة، والشبهات التحريميّة الموضوعيّة بلا خلاف بين المسلمين، مع أنَّ احتمال المصلحة الملزمة
ــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
موجود في مورد احتمال الوجوب، واحتمال المفسدة النوعيّة موجود في مورد الشكّ في التحريم، مع أنَّ البراءة جارية عقلاً وشرعاً، ولو كان العقل مستقلّاً بلزوم دفع المفسدة المحتملة، وتحصيل المصلحة الإلزاميّة المحتملة، فما معنى جريان البراءة في هذه الموارد؟
وملخّص الكلام: أنّ المصلحة والمفسدة لا تزيد على الحكم الشرعي، فلو لم يكن منجّزاً لا تكون هي منجّزة، والشكّ بها لا أثر له ما لم يتنجّز.
وإذا فرضنا أنَّ التكليف المظنون تكليف تحريمي منشؤه المفسدة الشخصيّة، فيضرّ بنفس الفاعل، ويوجب نقصاً في نفسه أو بدنه أو ماله أو عرضه، كأكلّ السمّ ونحو ذلك من المحرّمات، كشرب الخمر الذي يزيل عقل الإنسان، والقمار الذي يوجب فقد الأصدقاء ونقصاً في المال غالباً.
ففي هذه الموارد نسلّم أنَّ احتمال التكليف احتمال للضرّر، يعني: نحتمل أنّه حرام في الواقع، ففي ارتكابه ضرّر على الفاعل، ولكن الكبرى ممنوعة، وهي: أنَّ دفع الضرّر المظنون لماذا يكون واجباً، فالمفسدة الشخصيّة الراجعة إلى المكلّف لم يدلّ دليل على قبحها.
ويدّلنا على عدم استقلال العقل بلزوم دفع المفسدة الشخصيّة المظنونة جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة، مع أنّ هذا الاحتمال موجود، إذ نحتمل أنَّ هذا مصداق للتحريم، مع أنّ المولى أباحه بأصالة البراءة، مع أنَّ احتمال المفسدة النوعيّة موجود في هذه الموارد. إذن، فالكبرى غير مسلّمة.
بل ذكرنا في محلّه: أنَّ دفع الضرّر المقطوع أيضاً ليس بواجب، فلم يدلّ
ــــــــــ[149]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
دليل على أنَّ ايقاع الإنسان نفسه في ضرّر محرّم من المحرّمات الإلهيّة، من قبيل: ما إذا عمل عملاً يعرضه لحمّى يومين، أو لوجع الرأس، أو لشيء من الضرّر المالي، ولا سيّما إذا كان بداعٍ عقلائي، فإنَّ العقلاء دائماً يرتكبون اعمالاً يتضرّرون بها، لكنّهم يلاحظون بها غايات لهم، فلم يدلّ دليل على إيقاع النّفس في الضرّر حرام. نعم، إيقاعها في التهلكة حرام، كما أنّه دلّ الدليل على حرمة قطع العضو بلا ضرورة.
نعم، في موارد الضرّر الدنيوي فيما لو حصل الظنّ، بل الخوف – في بعض الموارد – فإنَّ الشارع رفع التكليف، كما في الصوم أو الغسل أو الوضوء، فإذا خاف الضرّر يسقط التكليف، لا أنَّ الفعل في نفسه حرام، بل يكون الصوم غير مأمور به، ولو صام فسد صومه.
فملخص الكلام: أنّ هذا الاستدلال الذي كان حاصله: أنَّ مخالفة الحكم المظنون مظنّة للضرّر، ودفع الضرّر المظنون واجب ممنوع صغرى أو كبرى أو كليهما.
إنّ خلاف العمل بالظنّ هو الوهم، وترجيح المرجوح على الراجح قبيح عند العقلاء، فالأمر يدور بين أن يعمل الإنسان بظنّه بوجوب شيء أو حرمته، وبين أن يعمل بالوهم. ولا إشكال في أنّه إذا دار الأمر بينهما كان العمل بالظنّ أولى؛ لأنّه راجح.
إلّا أنّ هذا الاستدلال لا يتمّ، فإنّه وإن كان تامّاً بحسب الكبرى من أنَّ
ــــــــــ[150]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الأخذ بالظنّ أولى من الأخذ بالوهم، إلّا أنَّ صغرى ذلك غير متحقّقة، فإنّ ترجيح المرجوح على الراجح إنّما يكون إذا دار أمر المكلّف بين شيئين لا بُدَّ له من فعل أحدهما، فلو كان التكليف منجّزاً والاحتياط فيه ممكناً، ودار الأمر بين أن يعمل بالظنّ أو أن يعمل بالوهم، فطبعاً يتعيّن العمل بالظنّ ، ولا يجوز العمل بالوهم، مع إمكان تحصيل الظنّ ، كما لو دار الأمر في القبلة بين الجهات الأربعة، وكان التكليف منجّزاً، وهو: وجوب الاستقبال، ولم يتمكّن المكلّف من الصلاة إلى أربعة جهات لمانع، كضيق الوقت وغيره، وكان يظنّ أنّ القبلة في طرف معيّن، وكانت الأطراف الأخرى موهومة، فيجب تقديم الظنّ؛ لأنّ ترجيح المرجوح على الراجح قبيح.
فالنتيجة المطلوبة تتوقّف على أمرين:
الأمر الأوّل: تنجّز الواقع.
الأمر الثاني: عدم إمكان الاحتياط.
وإلّا إذا لم يكن الواقع منجّزاً، فإنّه تجري البراءة في المظنون والموهوم، ونتركهما معاً، ولا نحتاج إلى الترجيح، ليقال: إنَّه يلزم ترجيح الظنّ على الوهم، فالصغرى غير متحقّقة.
وإذا فرضنا أنّ الواقع قد تنجّز بمنجّز، فنعمل بالاحتياط، ونجمع بين المظنونات والموهومات معاً، ونأتي بتمام أطراف العلم الإجمالي، ولا نرجّح الوهم على الظنّ ليكون فيه ترجيح المرجوح على الراجح، بل نحتاط في جميع الأطراف.
ــــــــــ[151]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
إذن، لا بُدَّ من أن يكون التكاليف منجّزة، والاحتياط غير ممكن، ولا طريق آخر للامتثال، ويدور الأمر بين العمل بالظنّ أو العمل بالوهم، فيتعيّن العمل بالظنّ، وهذا هو دليل الانسداد(1 ) الآتي، وليس هذا الوجه وجهاً مستقلّاً في قباله، ولا بدّ من ضمّ سائر مقدّماته إليه.
وبهذا البيان ظهر الكلام في الوجه الثالث الذي ذكروه لحجّيّة الظنّ، باعتبار أنّ العلم بالتكليف يقتضي الخروج عن عهدته يقيناً، فإن أمكن وجب ذلك، وإلّا تعيّن العمل بالمظنونات، لتنزّل العقل من الامتثال العلمي إلى الامتثال الظنّي، وهذا هو بعض مقدمات الانسداد.
ذكر الشيخ الأنصاري(2) مقدّمات أربع:
المقدّمة الأولى: العلم الإجمالي بوجود تكاليف إلزاميّة وجوبيّة أو تحريميّة، فإنّنا نعلم ذلك وجداناً، وأنّه ليس حالنا حال البهائم نفعل ما نشاء ونترك ما نشاء، بل لنا تكاليف إلزاميّة وجوبيّة وتحريميّة، وهذا أمر معلوم لكلّ ملتفت إلى الشرع والشريعة، وأنّها غير خالية من الأحكام الإلزاميّة.
المقدّمة الثانية: أنَّ باب العلم إلى هذه الأحكام وكذلك باب العلمي منسدٌّ. أمّا العلم التفصيلي الوجداني فواضح؛ إذ لا يمكننا تعيّين الواجبات
ــــــــــ[152]ــــــــــ
() وهو الوجه الرابع. (المقرّر).
(2) انظر: فرائد الأُصول 1: 384.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
والمحرّمات الإلهيّة، إلّا بمقدار قليل في الجملة، ككون الصلاة واجبة، وقتل النفس المحترمة حرام، وأنّ تمام الأحكام الشرعيّة مجهولة لنا وجداناً بالضرورة. وكذلك باب العلمي منسدّ، وهذا يتوقّف على ما ذكرناه من عدم حجّيّة خبر الواحد، أو عدم حجّيّة ظهور هذه الروايات بالنسبة إلينا.
المقدّمة الثالثة: لا طريق لنا إلى تعيّين تلك الأحكام، وإحراز الإتيان بها خارجاً، فإنَّ الاحتياط غير ممكن لكثرة الشبهات في أطراف العلم الإجمالي، وعلى تقدير الإمكان فهو مخلّ بالنظام، فإنَّه لو اشتغل المكلّفون كلّهم بالاحتياط، فمعناه: أنَّ النظام يختلّ، ولا يشتغل الكاسب بكسبه ولا الزارع بزرعه، ونعلم أنَّ هذا غير واجب، بل غير جائز، وإذا فرضنا أنّه غير مخلّ بالنظام فلا إشكال أنّه عسر ومورد للحرج، فلا يجب علينا الاحتياط من جهة رفع العسر والحرج شرعاً.
المقدّمة الرابعة: إن سقط الاحتياط فليس لنا طريق آخر، فإنّه لا يسعنا تقليد أحد يفتي بواجب أو بحرام، إذ كيف يجوز لنا أن نقلّد من نراه مخطئاً في اجتهاده، فإنّه يرى باب العلم مفتوحاً، ونحن نراه منسدّاً، فالتقليد غير جائز، ولا سيّما بالنسبة إلى من كان مجتهداً، ومعلوم أنّه لا يكون طريقاً إلى تعيّين الأحكام الواقعيّة جزماً. إذن، فلا طريق لنا إلى تعيّين هذه الأحكام بوجه من الوجوه.
والرجوع إلى الأصل العملي في كلّ مورد أيضاً لا يمكن؛ فإنّه يلزم الرجوع إلى البراءة في أكثر الموارد، لأنّه في أطراف العلم الإجمالي لا تجري البراءة، مع أنّه مستلزم للخروج عن الدين.
ــــــــــ[153]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
إذن، لا بُدَّ من طريق نمتثل به الواقع، ونخرج من عهدته، ولا نرى أقرب من الظنّ، وترجيح المرجوح على الراجح قبيح، من قبيل: تقديم الشكّ والوهم عليه. فمن هذه المقدّمات يظهر أنّه لا بُدَّ من العمل بالظنّ من أيّ طريق حصل، ويكون الظنّ حجّة.
وصاحب الكفاية(1) زاد على ذلك مقدّمة أُخرى، إذ قال: المقدّمة الثالثة: نعلم أنّنا لسنا مهملين كالبهائم ومطلقين من هذه الجهات.
والظاهر أنّ هذه زيادة لا نحتاج إليها، فإنَّ المراد بالعلم الإجمالي بالأحكام الإلزاميّة هو ذلك، فإذا كان المراد بهذه المقدّمة(2) العلم بالتكليف الفعلي، يعني: أنّنا مكلّفون بحكم إلزامي بالفعل، فهذا عين المقدّمة الثالثة، يعني لسنا مهملين كالبهائم غير مكلّفين بشيء، بل نحن مكلّفون بأمور واجبة ومحرّمة، وإن أُريد بالمقدّمة الأولى مجرّد العلم بالشرع والشريعة وأنّها حق، وإن لم يفرض فيها العلم بوجود أحكام فعليّة، بل اكتفينا بالالتزام بأنّها تحتوي على أحكام ولو في غيرنا، فحينئذ تكون هذه مقدّمة أخرى، ولكنّها ليست مقدّمة للانسداد، فإنَّ المراد بمقدّمات الانسداد ليس كلّ مقدمة يترتّب عليها حجّيّة الظنّ أو لزوم إتّباعه قطعاً، بل المراد بها المقدّمات القريبة التي يترتّب عليها ذلك. نعم، وجود الشريعة من المقدّمات ولولاها لما تمّ الدليل، ولكن لو لزم ذكرها لكان إثبات
ــــــــــ[154]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأُصول: 312.
(2) يعني: المقدّمة الأولى. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الصانع والنبوّة أيضاً من مقدّمات الانسداد، مع أنّ هذا لا نعمله جزماً.
فالصحيح ما صنعه الشيخ(1) من جعل المقدّمات أربعاً، وجعل إحداها العلم بتكاليف إلزاميّة فعليّة، فإنّنا لسنا مهملين ولا يجوز لنا فعل ما نحتمل تحريمه أو ترك ما نحتمل وجوبه، لأنّنا نقع بمخالفة الحكم الإلزامي جزماً. وكيف كان فالمقدّمات مؤلّفة من هذه الأمور الأربعة.
ثُمَّ إنّ هذه المقدّمات على تقدير تماميّتها وعدم المناقشة فيها، هل يترتّب عليها حجّيّة الظنّ، ونستكشف أنَّ الشارع جعل الظنّ حجّة، أو نستكشف استقلال العقل، باعتبار الظنّ ولزوم العمل به تنزلاً من الامتثال القطعي إلى الامتثال الظنّي.
فيه كلام بين الأكابر، فذهب شيخنا الأستاذ إلى الكشف(2)، وصريح صاحب الكفاية(3) الحكومة. فلا بُدَّ من بيان معنى الكشف والحكومة:
أمّا الكشف فواضح على ما قلناه، وهو: جعل الشارع الظنّ حجّة وطريقاً من باب اللابدّيّة، فإنّه لا مناص من جعل الظنّ حجّة بعد انسداد تمام الطرق سواه، وهو أقرب من الشكّ والوهم، وترجيح المرجوح على الراجح قبيح.
ــــــــــ[155]ــــــــــ
( ) انظر: فرائد الأُصول 1: 384.
( ) انظر: أجود التقريرات 2: 137.
( ) انظر: كفاية الأُصول: 331.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وأمّا معنى الحكومة فقد فسّره صاحب الكفاية(1) -وقد تقدّم(2) ذلك في أوّل بحث الظنّ وتعرّض صاحب الكفاية إليه هناك أيضاً- باستقلال العقل بحجّيّة الظنّ ، بمعنى: حكم العقل بأنّ الظنّ حجّة في هذا الحال، فكما كان يحكم في باب القطع بأنّ القطع حجّة في غير هذا الحال، وأنّه منجّز على تقدير الإصابة، ومعذّر على تقدير الخطأ، كذلك في الظنّ يحكم بمنجّزيّته ومعذّريّته.
وقد تقدّم الكلام في ذلك، وقلنا: هذا أمر غير معقول، فإنّ العقل ليست وظيفته التشريع، بل وظيفته الإدراك فقط، وهو لا يدرك إلّا ما هو الواقع، فكيف يمكنه أن يجعل ما ليس بحجّة حجّة، فإنَّ كون الظنّ كاشفاً ووسطاً في الإثبات من وظيفة الشارع، والعقل يستطيع أن يستكشف ذلك، أو يستكشف وجوب مقدّمة الواجب، وأمّا أنّ العقل بنفسه يحكم بحجّيّة شيء فهو خارج عن وظيفة العقل.
وأمّا حجّيّة القطع، فإنّها كانت من لوازمه الذاتيّة، لا أنّها حجّة بحكم العقل، فإنّ القطع بنفسه طريق إلى الواقع، وعين انكشاف الواقع، والعقل يحكم -يعني: يدرك- من باب وجوب الطاعة وحرمة المعصية باستحقاق العقاب عند العصيان والمخالفة، وإذا أخطأ الواقع يحكم بأنّه معذور.
أمّا الحجّيّة -بمعنى: أنّه يجعل ما ليس بحجّة حجّة، وما ليس بطريق طريقاً- فهذا خارج عن وظيفة العقل، فالحكومة ليست بالمعنى الذي ذكره
ــــــــــ[156]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 257.
(2) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 9: 197.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
صاحب الكفاية، وأنَّها حكم العقل بحجّيّة الظنّ في حال الانسداد، كحكمه بحجّيّة القطع في حال الانفتاح.
بل معنى الحكومة: استقلال العقل بلزوم الاحتياط، فإنَّ العقل المستقلّ في باب الإطاعة والعصيان يرى أنَّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة، فلو لم يتمكّن المكلّف من البراءة اليقينيّة، أو كان متمكناً منها، إلّا أنّه كان مخلّاً بالنظام، أو لزوم العسر أو الحرج، فتحصيلها غير واجب، وحينئذٍ لا يرفع العقل اليد عن الإتيان بالواجب أصلاً، بل لا بُدَّ من التعرّض لامتثال الأحكام الشرعيّة الإلزاميّة بوجهٍ، فيتنزّل العقل إلى المرتبة الثانية، فيكتفي بالامتثال الظنّيّ.
فيكون معنى الحكومة: أنّ العقل على تقدير تمامّيّة المقدّمات الانسداديّة يحكم بلزوم الامتثال الظنّي، ولا يرفع اليد عن وجوب إطاعة المولى بالمقدار الممكن والميسور.
ومبنى الاختلاف بين الكشف والحكومة هو الاختلاف في تقرير مقدّمات دليل الانسداد، فإذا قلنا: إنَّ الاحتياط غير واجب. أمّا لعدم التمكّن منه، أو لأنّه مخلّ بالنظام، أو أنّه موجب للعسر والحرج(1)، فهذا معناه: أنَّ الاحتياط الكلّي غير لازم.
وأمّا التبعيض في الاحتياط فليس كذلك، فلا هو غير ممكن، ولا مخلّ
ــــــــــ[157]ــــــــــ
() ونحن نحتمل أنَّ الشارع لم يضع طريقاً في هذا الحال، وأنَّ الإجماع على بطلان الاحتياط غير ثابت. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
بالنظام، ولا يوجب العسر والحرج، باعتبار كونه امتثالاً جزئيّاً، والنتيجة: أنَّ العقل يتنزّل من الامتثال القطعي إلى الامتثال الظنّي، وهو معنى التبعيض في الاحتياط.
إذن، فليس هناك كاشف عن جعل الشارع الحجّيّة في هذا الحال بوجه، فإنَّ الحجّيّة تحتاج إلى دليل، والمفروض عدم قيامه، فالأصل عدم الحجّيّة، ومع ذلك لا بُدَّ من التعرّض لامتثال الأحكام الواقعيّة بوجه، وحيث إنَّ الامتثال القطعي ساقط فنقتصر على الامتثال الظنّي.
وأمّا إذا قرّرنا المقدّمات بوجه آخر كما ذكره الشيخ، وقلنا: إنَّ الاحتياط قام الإجماع على عدم وجوبه، فإنّه وإن كان ممكناً وليس بعسر، ولكنّا نعلم أنَّ أساس الشريعة ليس على الاحتياط، وأنّ المتشرعة لم يكونوا يعملون بالاحتياط لاحتمال أن يكون الشيء واجباً، فالإجماع قام على بطلان الاحتياط، وأنّه ليس طريقاً لامتثال الأحكام الواقعيّة، بمعنى: الاحتياط في مجموع الفقه من الأمور العباديّة وغيرها، لا في خصوص مورد خاصّ، كالقصر والتمام، والجمعة والظهر.
وقد انسدّ باب الامتثال، لا بالعلم الوجداني التفصيلي، ولا بالعلم الوجداني الإجمالي، وليس لنا طريق خاص على الفرض، وبقيّة الطرق باطلة كالقرعة والاستخارة، فنستكشف أنّ الشارع جعل شيئاً ما حجّة، وإلّا لزم التكليف بما لا يطاق، ويدور الأمر بين ما يفيد الظنّ وبين ما لا يفيده كالشكّ والوهم، وبما أنَّ ترجيح المرجوح على الراجح قبيح فنستكشف حجّيّة الظنّ.
ــــــــــ[158]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فإذا ثبتت هذه المقدّمة وأنَّ الاحتياط -ولو كان من التبعيض فيه- لا يرضى به الشارع قطعاً، فتكون نتيجته: الكشف دون الحكومة.
لو تمّت هذه المقدّمات، فهل هي مطلقة وأنَّ كلّ ظن حجّة، أو بعضها حجّة دون بعض؟
قد نفرض المقدّمات على نحو تنتج الكشف، فنستكشف منها أنَّ الظنّ حجّة شرعاً، فمن جهة الأسباب لا نحتمل الفرق بين سبّب وسبّب، كالظنّ الحاصل من الشهرات أو الإجماع المنقول أو خبر الواحد، فإنّه ليس لأحد هذه الأسباب ميزة على السبّب الآخر، ليكون هو المتيقّن بالإضافة إلى غيره، فالنتيجة: هي الإطلاق لا محالة.
نعم، السبّب الذي نهى الشارع عن العمل به -لأنّ خطأه أكثر من صوابه- غير داخل في حكم العقل، فنستكشف أنَّ الشارع جعل حجّيّته، كالظنّ الحاصل من القياس، لأنَّ خطأ القياس أكثر من صوابه، و”إِنَّ دِينَ اللَّـهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُصَابُ بِالْعُقُول”(1) و”السُّنَّةَ إِذَا قِيسَتْ مُحِقَ الدِّين”(2).
وأمّا إذا لم يرد نهي بالخصوص عن سبّب، فبقيّة الأسباب كلّها سواء من
ــــــــــ[159]ــــــــــ
() كمال الدين وتمام النعمة 1: 324، الباب 31، ما أخبر به زين العابدين علي بن الحسين من وقوع الغيبة بالقائم وأنّه الثاني عشر من الأئمّة، الحديث: 9.
(2) المحاسن 1: 214، الباب 7، المقاييس والرأي، الحديث: 97، الكافي 1: 57، الباب 57، البدع والرأي والمقاييس، الحديث: 15.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
دون فرق بينها. فالنتيجة تكون هي الإطلاق.
وأمّا بحسب المراتب، أي: الظنّ القوي والضعيف وما بينهما من المراتب، فلا يمكن دعوى الإطلاق في المقام، فإنَّ الشارع بعد بطلان الاحتياط، وجعله الظنّ حجّة، باعتبار قبح ترجيح المرجوح على الراجح، فلا بُدَّ أن نأخذ بالقدر المتيقّن، فإنّ الظنّ القوّي حجّة قطعاً، فإنّنا لا نحتمل أنَّ الظنّ الضعيف حجّة، ولا يكون القوّي حجّة، لقبح ترجيح المرجوح على الراجح، فكما قدّمنا الظنّ على الوهم، نقدّم الظنّ القوّي على الضعيف منه.
فلو وفى الظنّ القوي بالفقه كلّه، بحيث لم يبق مانع من جريان الأصل في سائر الشبهات فنقتصر عليه، وأمّا لو فرضنا أنَّ المعلوم بالإجمال كان أكثر من موارد الظنّ القوّي، ولم ينحلّ العلم الإجمالي بذلك، وكان لنا علم إجمالي في الزائد عمّا عرفناه بالظنّ القوّي، فلا يمكن معه الرجوع إلى البراءة أيضاً، فنلحق به الظنّ المتوسّط به، فإن وفى بالمقدار المعلوم بالإجمال، وأمكن الرجوع إلى الأصول في الباقي فهو، وإن لم يف نلحق جميع الظنّون به.
فالعمدة بالإطلاق وعدمه انحلال العلم الإجمالي وعدم انحلاله، فابتداءً لا يحكم العقل بحجّيّة كلّ ظنّ، بمعنى: أنّ النتيجة ليست مطلقة من ناحية الأسباب، فإنّه مادام الظنّ القوي كافياً ووافياً بانحلال العلم الإجمالي فإنّنا نقتصر عليه. هذا من حيث الأسباب.
وأمّا من حيث الموارد فليست النتيجة مطلقة أيضاً، بل هي مهملة على نحو القضيّة الجزئيّة، فإنَّ الاحتياط يلزم منه العسر والاخلال بالنظام في جميع الموارد.
ــــــــــ[160]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وأمّا في موارد الأحكام التي اهتم الشارع بها، كموارد الدماء والفروج والأموال الخطرة، فلم يدلّ الدليل على عدم الاحتياط فيها، ولم يدلّ دليل على حجّيّة الظنّ فيها، فإنَّ حجّيّة الظنّ كانت مبنيّة على عدم إمكان الاحتياط فيها، وهو غير ثابت في هذه الموارد، فالذي نسلّمه -تنزّلاً- أنَّ الاحتياط ليس طريقاً لامتثال الأحكام الواقعيّة في جميع الموارد.
أمّا أنَّه ليس طريقاً في تمام الموارد فلم يثبت فيها بطلان الاحتياط، فالنتيجة: هي أنَّ كلّ مورد احتملنا فيه مخالفة التكليف الإلزامي لا بُدَّ فيه من الاحتياط، ولا محذور في ذلك، إذ ليس فيه عسر وليس مخلّاً بالنظام، ولا هو غير مقدور، ولا إجماع على بطلان الاحتياط فيه. نعم، نعمل بالظنّ في بقيّة الموارد التي ثبت بطلان الاحتياط فيها، والنتيجة: أنّنا نستكشف حجّيّة الظنّ في بعض الموارد، فلا يثبت أن كلّ ظنّ حجّة.
فالنتيجة مطلقة من حيث الأسباب، ومهملة من حيث المراتب والموارد. هذا كلّه على الكشف.
وأمّا بناء على الحكومة فلو فرضنا أنَّ الظنّ ليس بحجّة بحكم العقل، فإنَّ العقل لا يمكن أن يجعل ما ليس بحجّة ولا طريق في نفسه حجّة وطريقاً، فإنّ هذا خارج عن وظيفة العقل، بل هو وظيفته الإدراك فقط، فإنَّه يدرك لزوم الطاعة وقبح المعصية واستحقاق العقاب على العصيان.
وهو أوّلاً يحكم بلزوم الإطاعة القطعيّة التفصيليّة، فإنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة، فإذا فرضنا أنَّ هذا غير ممكن، أو مخلّ بالنظام، أو يلزم
ــــــــــ[161]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
منه العسر فيرتفع وجوبه بدليل(1) لا حرج.
ويترتّب عليه: أنّ الاحتياط الكلّي في تمام الموارد غير لازم. أمّا أنّه في كلّ مورد غير لازم حتّى في الموارد المهمّة، فهذا لا دليل على عدم وجوبه؛ إذ لا عسر في الاحتياط فيها، فلا مانع من حكم العقل بالإطاعة القطعيّة فيها، ولازمه الإتيان بكلّ ما يحتمل وجوبه، وترك جميع ما يحتمل حرمته في هذه الموارد، ولا يتنزّل العقل من الامتثال اليقيني إلى الظنّي، فإنَّ الامتثال اليقيني ممكن، ولا حرج فيه، وعلمنا باهتمام الشارع يلزمنا بالاحتياط، والمفروض أنّه ممكن، فمن حيث الموارد لا إطلاق في النتيجة بناءً على الحكومة، كما هو الحال على الكشف.
وأمّا من حيث المراتب فنعكس ما ذكرناه على الكشف، فإنّه على الكشف نستكشف أنّ الظنّ حجّة، ولازمه أن نقتصر على الظنّون المتعلّقة في الواجبات أو المحرّمات، فيما إذا كانت وافية بالفقه، يعني: إذا كان الظنّ حجّة من باب الكشف، فإنّنا نعيّن الأحكام الواقعيّة بهذه الظنّون، فإذا كانت وافية فلا مانع من الرجوع إلى الأصول في غير مواردها.
أمّا بناءً على الحكومة فينعكس الأمر، فإنّه إذا لم يمكن الامتثال اليقيني فيلزمنا العقل بالامتثال الظنّي، فيكون المكلّف ظانّاً أنّه امتثل الأحكام الواقعيّة، وأمّا أن يحصل الظنّ بامتثال الأحكام بالإتيان بالمظنونات بتمامها
ــــــــــ[162]ــــــــــ
() لا يخفى ما في التمسّك بهذا الدليل بعد فرض الانسداد، فإنّه وإن كان في القرآن، إلّا أنَّ المفروض عدم حجّيّة الظهور، كما هو مبنى المسألة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
-على اختلاف مراتب الظنّ – وبالمشكوكات كلّها، وببعض الموهومات فقط، فنلغي الموهومات الضعيفة جدّاً، ويكون في مقابلها ظنٌّ قويٌّ بعدم وجود التكليف، وبالإتيان بهذه الأطراف جميعاً يحصل الظنّ القوي بامتثال الأحكام الواقعيّة.
فإذا فرضنا أنَّ هذا حرجي فنلغي مقداراً من الموهومات أيضاً، فإن بقي حرجيّاً نلغي مقداراً آخر، إلى أن نلغي جميع الموهومات، ويبقى الظنّ بالامتثال، فإنّ الموارد التي لم نعمل فيها بالامتثال موارد موهومة، فالأمر على القول بالحكومة يعاكس الأمر على القول بالكشف، فإنّه على الكشف يكون الظنّ حجّة ومثبتاً للتكليف فنعمل به، فإذا كان الظنّ ضعيفاً لا نعتني به.
وهذا بخلافه على الحكومة، فإنّنا لا نحتاج إلى إثبات التكليف، بل نحتاج إلى إسقاط ما في الذمّة، بعد حكم العقل بلزوم الاحتياط، ونلغي الاحتياط شيئاً فشيئاً بالمقدار الذي علمنا بعدم وجوبه.
ففي المشكوكات لا بُدَّ لنا أن نحتاط فيها؛ إذ لولا ذلك لا نظنّ بالامتثال، بل نحتمله؛ إذ من المحتمل أن يكون هذا المشكوك واجباً، وعليه: نلغي من الاحتياط بمقدار يرتفع به الحرج. أمّا الزائد فلا، فالنتيجة لا تكون مطلقة بل مهملة.
وأمّا من حيث الأسباب فالحال فيه هو الحال بناءً على الكشف، فإنَّ العقل لا يفرق في حصول الظنّ بالامتثال بين سبّب وسبّب، سواء كان حاصلاً من الشهرة أو الإجماع المنقول أو غيرهما.
ــــــــــ[163]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
المقدّمة الأوّلى: وهو العلم الإجمالي بوجود واجبات ومحرّمات في الشريعة الإسلاميّة، والعلم في هذه الموارد متعلّق بالتكاليف الفعليّة التي لا يجوز إهمالها، وعدم التعرّض لها بوجه أصلاً.
وهذه المقدّمة مبنيّة على أنَّ الاضطرار إلى ارتكاب بعض الأطراف في الشبهات التحريميّة أو ترك بعضها في الشبهات الوجوبيّة لا يوجب عدم تنجيز العلم الإجمالي، على ما سيجيء البحث فيه مفصّلاً في مبحث العلم الإجمالي(1). وإلى ذلك ذهب الشيخ(2)، وهو المختار، كما لو علم إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين واضطر إلى ارتكاب أحدهما في الشبهة التحريميّة، أو في الشبهة الوجوبيّة يكون مضطراً إلى ترك أحد الأطراف، كما في صورة اشتباه القبلة في الأطراف الأربعة في ضيق الوقت، فهل العلم الإجمالي في هذه الموارد منجّزٌ، أو يسقط عن التنجيز؟
ذكر شيخنا الأنصاري: أنّه منجّز، غاية الأمر: أنّه بالمقدار المضطر إليه يرتفع التكليف على تقدير المصادفة واقعاً، فلو كان هو المحرّم الواقعي فإنّه لا يعاقب عليه من جهة الاضطرار، وأمّا إذا لم يصادف الحرام الواقعي فليس هناك موجب لسقوط الحرمة، بل تبقى الحرمة على حالها.
وهذا القول هو الصحيح، وبناءً عليه فالأمر واضح، فإنَّ العلم الإجمالي في
ــــــــــ[164]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 386، 387.
(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 245.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
بحث الانسداد هو العلم بوجود الأحكام الشرعيّة الإلزاميّة وجوبيّة أو تحريميّة، ولكن المكلّف لا يمكن أن يحتاط في جميع هذه الموارد، بل لا بُدَّ من ترك بعض ما يحتمل وجوبه، والإتيان ببعض ما يحتمل حرمته، ولكنّها أطراف لا بعينها، وإن فرضنا أنَّ العلم الإجمالي لم يسقط عن التنجيز فلا يجوز إهمالها وترك التعرّض لامتثالها بوجه، فتكون المقدّمة الأولى تامّةً، بناءً على هذا المسلك.
أمّا بناء ما ذهب إليه صاحب الكفاية(1)، حيث ذكرنا أنّ الاضطرار إلى أحد الأطراف موجب لسقوط العلم الإجمالي عن التنجيز، وأنّ العلم الإجمالي لم يتعلّق بالتكليف الفعلي؛ إذ من المحتمل أن يكون ما أضطر إليه هو التكليف الواقعي، فيكون الطرف الآخر شبهة بدويّة فتجري فيه البراءة، فلو اضطر إلى أحد الإناءين المعلوم نجاسة أحدهما، جاز له شرب كليهما معاً.
فبناءً على هذا قد يستشكلّ في هذه المقدّمة؛ إذ كيف يمكن دعوى العلم الإجمالي بوجود أحكام فعليّة، مع أنَّ المكلّف مضطر إلى ترك بعض ما يحتمل وجوبه، والإتيان بما يحتمل حرمته، فكيف يمكن أن يقال: إنّه لا يجوز إهمال هذه التكاليف، ولا بدَّ من التعرّض لامتثالها؟
ولكن هذا غير صحيح حتّى مسلك صاحب الكفاية، وذلك: أنَّ ما ذكره فيما إذا كان المعلوم بالإجمال حكماً أو حكمين أو ثلاثة، بحيث لا يلزم من الرجوع إلى البراءة في بقيّة الأطراف علم بالمخالفة، والمفروض في المقام
ــــــــــ[165]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 360.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
انسداد باب العلم، وتعلّق العلم الإجمالي بمجموع أحكام الشريعة، فلو بنيّنا على أنَّ العلم الإجمالي غير منجّز من جهة الاضطرار، فنرجع إلى البراءة في بقيّة الموارد، ومعلوم أنَّ هذا يستلزم الخروج عن الدين، لا بمعنى الكفر، فإنَّ مخالفة الواجب لا يوجب الكفر، ولكنّه خروج عن الدين عملاً، بمعنى: العلم بأنَّه يرتكب كثيراً من المحرّمات، ويترك كثيراً من الواجبات، فلا يمكن الرجوع إلى البراءة فيها جزماً.
فصاحب الكفاية وإن كان يرى أنَّ الاضطرار إلى بعض الأطراف يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز، ويجوز له ارتكاب الجميع، إلّا أنّه فيما إذا لم يعلم أنّه يلزم بالمخالفة في إجراء الأصل، وهنا نعلم بالمخالفة جزماً، فإنّنا لو رجعنا إلى الأصل في تمام موارد العلم الإجمالي فيكون عملنا عمل شخص لا يلتزم بالدين، وهو معنى الخروج عن الدين، فلا بُدَّ لنا من التعرّض لامتثال الأحكام بوجه من الوجوه على كلا المسلكين. فهذه المقدّمة تامّة في الجملة.
أمّا كلّيّتها فغير تامّة؛ لأنّنا ذكرنا في الاستدلال بالأدلّة العقليّة على حجّيّة خبر الواحد: أنَّ العلم في المقام عبارة عن علوم إجماليّة ثلاثة، ينحلّ كلّ سابق بلاحق، فأوّلاً نعلم بوجود أحكام إلزاميّة في الشريعة، وهذا موجود، ولكن لنا علم ثان وهو في الأمارات التي دلّت على الأحكام الواقعيّة، مّما هو بمقدار المعلوم بالإجمال في العلم الأوّل بل أكثر، وهذا ينحلّ بعلم ثالث، وهو العلم بصدق أخبار كثيرة من أخبار كتاب الوسائل.
إذن، لا وجه للالتزام بوجوب التعرّض لامتثال الأحكام الواقعيّة بتمامها،
ــــــــــ[166]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
بل يجوز الرجوع فيها إلى البراءة، وإنّما نرجع إلى الاحتياط في موارد العلم الإجمالي الأخير، وليس فيه أيّ محذور من عسر أو حرج أو إخلال بالنظام، وأنّ جماعة من الإخباريّين يرون وجوب العمل بجميع هذه الأخبار، وعملوا بها ولم يقعوا بعسرٍ أو حرج أو اختلال بالنظام.
فالمقدّمة الأوّلى حول وجود العلم الإجمالي وإن كان صحيحاً، ولكنّه لا يثبت بها حجّيّة الظنّ، لا على الكشف ولا على الحكومة، بل غايته: يجب الاحتياط في هذه الأخبار الدالّة على حكم إلزامي، فهذه المقدّمة لا تتمّ.
المقدّمة الثانية: وهي -بعد تسليم المقدّمة الأولى-: أنّ باب العلم والعلمي منسدّ. أمّا أنَّ باب العلم منسدّ فهذا واضح، فإنَّ كلّ من تعرّض للفقه يعلم أنَّ تمام الأحكام في الفقه غير قطعيّة، والمقطوع من الأحكام ثابت على نحو الإجمال، ولا يجوز الاكتفاء بها، وهذا غير واف بالفقه، ولو اكتفينا بها لعلمنا بالمخالفة.
وأمّا انسداد باب العلمي فهي متعلّقة في أحد أمرين -كما تقدّم-:
أحدهما: أنّ نناقش في حجّيّة خبر الثقة، وأنّ حجّيتّه لم تثبت، ومع الغضّ عن ذلك: فلا يمكن إثبات وثاقة الرواة، فمن أين لنا إثبات وثاقة زرارة ومحمّد بن مسلم، مع أنّ الفاصل بيننا أكثر من ألف ومئتي سنة. إذن، ينسدّ باب العلمي جزماً.
ثانيهما: إذا بنيّنا على حجّيّة خبر الثقة، وأثبتنا وثاقة الرواة، ولكنّه لم يدلّ عندنا دليل على حجّيّة هذه الروايات، لأجل اختصاص حجّيّة الظهور بمن
ــــــــــ[167]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
قصد إفهامه، ولسنا نحن مقصودين بالإفهام.
أمّا إذا لم نخصّص حجّيّة الظهور بالمقصودين بالإفهام، أو خصّصناها ولكن قلنا: بأنّنا مقصودون بالإفهام أيضاً، وليس المقصود بالإفهام هو المخاطب وحده، كما سبق أن ذكرنا في محلّه(1).
فلو تمت حجّيّة الظهور ووثاقة الرواة وحجّيّة خبر الثقة. إذن، يكون باب العلمي منفتحاً، ويمكننا أن نحصّل الأحكام من الأخبار المعتبرة التي رواتها ثقاة، فهذه المقدّمة لا تتمّ.
المقدمة الثالثة: وهي بطلان العمل بالتقليد، أو الرجوع إلى القرعة، أو إلى الاستخارة، أو الأصول العمليّة، أو إلى الاحتياط أيضاً، لكونه عسراً وحرجاً أو مخلّاً بالنظام، فينحصر العمل بالظنّ.
أمّا بطلان الرجوع إلى التقليد فواضح؛ إذ لا يجوز لمن يرى انسداد العلم والعلمي أن يقلّد من يرى انفتاحه؛ لأنّه يرى خطأه، بل يرى نفسه أعلم منه، وأنّه هو مخطأ في ذهابه إلى الانفتاح، فكيف يرجع إلى فتوى من يرى بطلان اجتهاده؟
وأمّا بطلان الرجوع إلى القرعة فواضح أيضاً، فإنّ الرجوع إليها إنّما يتمّ في بعض الشبهات الموضوعيّة التي لا يكون فيها أصل أو قاعدة شرعيّة، وكان الواقع مشتبهاً، ولا يمكن أن نلتزم بالرجوع إلى القرعة في الشبهات الحكميّة، ولا سيّما جميع الأحكام، فإنّه لا يحتمل ذلك أصلاً.
ــــــــــ[168]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 128.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وأمّا غير القرعة كالاستخارة فمعلوم أنّها لا تكون دليلاً على الحكم الشرعي.
أمّا في الرجوع إلى الأصول العمليّة، ففيه تفصيل: فإنّه إذا كان الأصل مثبتاً للتكليف كقاعدة الاشتغال في موارد العلم الإجمالي بالقصر أو التمام، والظهر أو الجمعة، فلا إشكال في وجوب الاحتياط وتجري قاعدة الاشتغال للعلم بالتكليف، والعلم به يقتضي وجوب الفراغ، فلا مانع من جريان الأصل، فالأصول المثبتة للتكليف لا مانع من جريانها، مع انسداد باب العلم والعلمي.
وأمّا الأصول المثبتة للتكليف الناظرة إلى الواقع كالاستصحاب فيما إذا قلنا: إنّه يجري في الشبهات الحكميّة، كما هو المعروف، لا على ما قلناه(1): من اختصاصه بالشبهة الموضوعيّة، كما لو علمنا بثبوت حكم وشككّنا في ارتفاعه فنستصحبه.
فهنا إذا لم يعلم مخالفة الاستصحاب في بعض الموارد للواقع، أي: لم يكن عندنا علم بانتقاض بعض الحالات السابقة على الإجمال. إذن، فالاستصحاب يجري في جميع الموارد بلا مانع، فنعمل على طبق اليقين السابق ما لم ينتقض بيقين آخر، والمفروض أنّه لا ينتقض.
وأمّا إذا فرض أنّنا علمنا بانتقاض الحالة السابقة في بعض الموارد، فهل يمكن جريان الاستصحاب أو لا؟
فيه نزاع بين شيخنا الأنصاري وصاحب الكفاية، كما إذا علمنا
ــــــــــ[169]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 4: 62.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
بنجاسة إناءين تفصيلاً، ثُمَّ علمنا بطهارة أحدهما بعينه؛ لأنّه أصابه المطر مثلاً ولكنّنا نشكّ في أنَّ الذي طهره المطر، هل هو الإناء الشرقي أو الغربي؟ فانتقاض الحالة السابقة في أحدهما معلوم، فهل يجري استصحاب الحالة السابقة أو لا، فإن لاقى أحدهما ملاقٍ يحكم بنجاسته، وإن كان ملاقي الشبهة المحصورة لا نقول بنجاسته، ولكن هذا نقول بنجاسته بمقتضى جريان الاستصحاب.
وبنى شيخنا الأنصاري(1) على عدم جريانه، وأنَّ انتقاض الحالة السابقة في أحدهما لا بعينه مانع من جريان الاستصحاب في كلّ منهما؛ لمناقضة الصدر والذيل -بتقريب يأتي- ولكن صاحب الكفاية(2) بنى على جريانه في كلا الطرفين؛ لأنّ كلّاً منهما أركان الاستصحاب فيه تامّة، وهي اليقين السابق والشكّ اللاحق، ولا مانع من جريانهما معاً؛ إذ لا يلزم منه مخالفة عمليّة للتكليف. نعم، هناك مخالفة التزاميّة، بمعنى: البناء على نجاسة ما هو طاهر واقعاً، وهذا لا بأس به، وهذا هو الصحيح.
فعلى تقدير جريان الاستصحاب -حتّى مع العلم بانتقاض الحالة السابقة في بعض الموارد- فلا مانع من جريانه في المقام، في مورد العلم بثبوت التكليف سابقاً مع الشكّ بسقوطه لاحقاً، فيجري استصحابه حتّى مع العلم بانتقاض الحالة السابقة في الموارد، فيجري في تمام الموارد ونثبت به الحكم الإلزامي.
ــــــــــ[170]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 3: 410، 411.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 432.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وأمّا بناءً على ما ذكره شيخنا الأنصاري فالاستصحاب غير جارٍ للعلم الإجمالي بالانتقاض، والمفروض أنّ العلم الإجمالي كالتفصيلي مانع عن جريان الاستصحاب.
ولكن صاحب الكفاية بنى على جريانه في المقام، حتّى بناء على قول الشيخ من عدم جريانه للعلم الإجمالي بالانتقاض؛ وذلك: لأنّ عملية الاستنباط عمليّة تدريجيّة، فإنّ المجتهد حال إجرائه للاستصحاب ليس ملتفتاً إلى انتقاض الحالة السابقة في استصحاب آخر، وليس له علم إجمالي بانتقاض بعض الحالات السابقة في الموارد الأخرى، فهذا العلم بالانتقاض غير موجود إجمالاً ولا تفصيلاً، ليكون مانعاً عن جريان الاستصحاب.
وإنّما يصحّ ما ذكره الشيخ -على تقدير تسليمه- في العلم الإجمالي ذي الأطراف القليلة المنحصرة كمثال الإناءين، وأمّا في المقام فليس الأمر كذلك، فإنَّ المجتهد حين يستنبط أحكام المياه -مثلاً- فهو غافل عن سائر موارد الفقه، وكذلك حين يستنبط مورداً آخر، فليس له علم إجمالي بالانتقاض في أيّ وقت فرضناه، فلا مانع من جريان الاستصحاب كلّما تيقّن بحكم شرعي سابقاً، وشكّ في ثبوته لاحقاً.
ولكن هذا لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ المجتهد إذا بدأ الاشتغال بالاستنباط قد يكون غافلاً عن الموارد الآتية التي يبتلي بها بعد ذلك، إلاّ أنّه بعد تماميّة الاستنباط للأحكام الشرعيّة وبعد أن يصدق عليه أنّه عالم مجتهد، باعتباره مستنبطاً لمعظم الأحكام الشرعيّة، فيحصل له علم إجمالي بأنَّ هذه
ــــــــــ[171]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الأحكام التي استنبطها وأفتى فيها -بناء على جريان الاستصحاب- بعضها انتقضت حالتها السابقة، فكيف يفتي بهذه الفتاوى، مع العلم بأنّ بعضها مخالف للواقع؟! فما ذكره لا يتمّ.
فالصحيح أنَّ جريان الاستصحاب في هذه الموارد مبني على ما ذكره صاحب الكفاية: من أنّ العلم الإجمالي بالانتقاض في بعض الموارد لا ينافي جريان الاستصحاب في كلّ واحد، فإنّ العبرة في عدم جريانه أحد أمرين:
إمّا نقض اليقين باليقين مع وحدة متعلّقيهما، أو أنَّ جريانه في الطرفين مستلزم للمخالفة القطعيّة العمليّة، والمفروض في المقام عدم كلّ منهما، ومعه لا مانع من جريان الاستصحاب في تمام الأطراف.
فالمتحصّل مّما قلناه: أنّ الأصول المثبتة للتكليف تجري، سواء كانت ناظرة إلى الواقع كالاستصحاب، أو لم تكن كالاشتغال.
إذن، لا بُدَّ أن ينظر إلى الأحكام الثابتة بهذه الأصول مع انضمامها إلى الأحكام المعلوم ثبوتها في الشريعة تفصيلاً، مّما هو متسالم عليه بين جميع المسلمين، فإذا كان هذا المجموع وافياً بالفقه، فقد انحلّ العلم الإجمالي، ولا مانع من الرجوع إلى البراءة في الباقي، ولا تصل النوبة إلى الاحتياط، ليقال: إنّه عسر أو حرج أو مخلّ بالنظام، لتنتقل الوظيفة إلى العمل بالظنّ.
وأمّا إذا فرضنا أنّ الثابت من الأحكام بالأصول المثبتة والأحكام القطعيّة لم يفِ بالمعلوم الإجمالي -كما هو كذلك- فيبقى العلم الإجمالي مانعاً من الرجوع إلى الأُصول في جميع الموارد، ولا سيّما على مسلكنا الموافق للشيخ الأنصاري من
ــــــــــ[172]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
أنَّ الاضطرار إلى أحد الأطراف لا يوجب سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز، فلا تكون الأصول النافية جارية، وينتهي الأمر إلى الاحتياط.
ولا إشكال في أنَّه إذا لم يكن مقدوراً لا يكون واجباً، باعتبار أخذ القدرة في متعلّق التكليف، وأمّا إذا كان مقدوراً فإنّه لا يجب أيضاً إذا كان مخلّاً بالنظام، فإنَّ الإخلال بالنظام بنفسه مبغوض للشارع، ومن ثَمَّ حكم الفقهاء بوجوب الصناعات التي يحتاج إليها الناس من باب الوجوب الكفائي، لأنّه بدونها يختلّ النظام.
إنّما الكلام فيما إذا كان الاحتياط موجباً للعسر والحرج من دون أن يكون مخلّاً بالنظام، فهل يجب الاحتياط أو لا يجب؟
خلافٌ بين صاحب الكفاية(1) والشيخ الأنصاري(2)، بإعتبار أنَّ المرفوع أيّ شيء هو؟ فذكر صاحب الكفاية: أنّه من باب رفع الحكم بلسان رفع الموضوع، ومعناه: أنَّ الحكم مرتفع في الفعل الضرّري أو الحرجي، فهو نفي للموضوع، والمراد به: نفي الحكم كما في نحو: “لا رهبانيّة في الإسلام”(3) و”لا ربا بين الوالد وولده”(4)، فإنّه نفي للربا، ومن الواضح أنّه غير منفي، فإنّ الأب يبيع على ابنه
ــــــــــ[173]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 313.
(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 460.
(3) الكافي 11: 131، الباب 139، كراهيّة الرهبانيّة بترك الباه، الحديث: 51.
(4) المقنع (للصدوق): 374، باب الربا.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
بزيادة، والربا هي الزيادة، ولكن لا حكم له، وليس بمحرّم في الشريعة، فهو نفي للحكم بلسان نفي الموضوع.
فعلى ذلك لو فرضنا أنَّ الاحتياط كان حرجيّاً، كما لو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين، وكان الاجتناب عنهما معاً حرجيّاً، أو علمنا بوجوب فعلين، وكان الجمع بينهما حرجيّاً، فلا يمكن أن يقال: إنَّ دليل الضرّر والحرج ينهى عن وجوب الاحتياط، فإنَّ الاحتياط ليس بواجب شرعي، حتّى يقال: إنَّ وجوبه مرتفع لكونه ضرّريّاً أو حرجيّاً، بل الاحتياط واجب عقلي، وهذا الدليل ينفي الحكم الشرعي.
وبعبارة أُخرى: الواجب هو أحد الفعلين الذي لا نميّزه، وهو بنفسه ليس بحرجي، بحيث لو أنّنا علمنا أنَّ الواجب هو أيّهما لأتينا به من دون ضرّر ولا حرج، فمتعلّق الحكم الشرعي ليس ضرّريّاً ولا حرجيّاً، وإنّما الضرّر والحرج في الجمع بينه وبين غيره، وهو معنى الاحتياط وتحصيل الموافقة القطعيّة، وهذا ليس بواجب شرعاً، فلا يكون قابلاً للرفع بدليل الحرج، فإنَّ هذا الدليل ينظر إلى الحكم الشرعي دون الأحكام العقليّة، فنلتزم بوجوب الاحتياط، حتّى فيما إذا كان ضرّريّاً أو حرجيّاً، هذا على مسلكه في تفسير هاتين القاعدتين.
وأمّا على مسلك الشيخ الأنصاري، حيث فسّر دليل لا ضرّر ودليل لا حرج بنفي الحكم الضرّري، وأنَّ الشارع لم يجعل حكماً ينشأ من قبله الضرّر أو الحرج، ومن المعلوم أنّ منشأ الاحتياط هو الوجوب المعلوم في البين، أو الحرمة المعلومة في البين، فما يوقع الإنسان في الحرج وإن كان هو الوجوب العقلي،
ــــــــــ[174]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ولكن هذا الوجوب إنّما نشأ من الوجوب الشرعي، والشيء يتّصف بأسبق علّله، وهو الحكم الشرعي، وبما أنَّ دليل لا حرج ولا ضرّر حاكم على جميع الأدلّة، فيرتفع ذلك الوجوب والتحريم، ومقتضاه: أنَّ الاحتياط غير واجب.
إذن، فعلى مسلك صاحب الكفاية في تفسير القاعدة يجب الاحتياط، وعلى مسلك الشيخ لا يكون الاحتياط واجباً.
والصحيح: ما ذكره الشيخ في تفسيره، وذلك: أنَّ الضرّر ليس عنوان للفعل، فإنّه لا يقال: هذا الفعل ضرّر، بل هو ضرّري، فهو ليس من عناوين الفعل كالربا، حتّى يقال: إنّه نفي بلسان نفي الموضوع.
فإذا كان الأمر كذلك، فأمّا أن تكون (لا) للنهي، فيكون معنى لا ضرّر النهي عن إيجاد الضرّر في الخارج، كـ”لا رهبانيّة في الإسلام”(1)، وفَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِّ(2)، فإنّه في الحقيقة نهي عن هذه الأمور، فتكون لا ضرّر كذلك، كما اختاره شيخ الشريعة(3) وكتب في ذلك رسالة مستقلّة وأصرّ على ذلك، وأنَّ مفاد الحديث النهي عن الإضرار بالغير.
أو نحمله على ظاهره، فإنَّ ظاهر (لا) الداخلة على الاسم هو النفي، وفي مثال الرهبانيّة والجدال قامت القرينة على النهي، وإلّا فإنّه لا معنى لنفي الرهبانيّة والجدال.
ــــــــــ[175]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه.
(2) البقرة:197.
(3) انظر: قاعدة لا ضرّر: 25.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فهل الضرّر منفيٌّ تكويناً؟ في عالم الخارج قطعاً ليس هذا هو المنفي، فإنَّ الضرّر بأنواعه وأقسامه واقع في الخارج، فيكون المراد هو النفي في عالم التشريع وجعل القانون، ومعنى نفي شيء في عالم التشريع عدم جعله.
ويؤكّد ذلك ما ورد الأخبار، من قبيل: “لا ضرّر في الإسلام”(1) أو “لا ضرّر على مؤمن”(2)، يعني: أنَّ القوانين والتشريعات المجعولة ليس فيها حكم ينشأ منه الضرّر.
هذا، والظاهر أنّه لا ثمرة بين المسلكين، وإن ذكر صاحب الكفاية أنّ دليل لا حرج لا يجري في المقام على مسلكه، ودليل الضرّر يشمل المقام، وإن فسّرناه بأنّه نفي للحكم عن الفعل الحرجي، فإنّ كلّ فعل حرجي وضرّري لا حكم له، ولم يكن مانع لشموله في المقام وهو الاحتياط.
بيان ذلك: أنّنا قد نفرض أنَّ أطراف العلم الإجمالي عرضيّة دفعيّة الحصول، وقد نفرض أنّها ظواهر تدريجيّة، فإذا كانت دفعيّة فالثمرة ظاهرة بين القولين، كما لو كنا نعلم إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين، ولكن كان تركهما معاً حرجيّاً، لأنّه عطشان يخشى من عطشه الهلاك.
ومن هنا تظهر الثمرة، فعلى مسلك الشيخ في دليل لا حرج يكون شاملاً
ــــــــــ[176]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 4: 434، باب ميراث أهل الملل، الحديث: 5718.
(2) الكافي 5: 294، باب الضرار، الحديث: 8.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
للمقام، باعتبار أنّ هذا الحرج نشأ من حرمة شرب الخمر(1)، فالاحتياط لا يجب، ويجوز له شرب أحد الإناءين.
وعلى مسلك صاحب الكفاية لا يشمل دليل الحرج المقام، باعتبار أنَّ الجمع بين الأمرين وترك كلا الإناءين ليس محكوماً بحكم شرعي، بل واجب الترك عقلاً، فما هو حرجي ليس له حكم شرعي، وما له حكم شرعي – وهو الماء النجس – ليس تركه حرجيّاً، وإنّما الحرج نشأ من ضمّ شيء آخر إليه، بحيث لو كان متميّزاً لم يكن أيّ حرج ليرتفع بالدليل.
وأمّا إذا كانت الأطراف طوليّة وتدريجيّة -كما في المقام- فلا ثمرة في البين، إذ لو فرضنا أن المكلّف قد أتى بمقدار ما من الواجبات، فيكون الحرج فيما بقي من الأفعال، فإنَّ الحرج لا يكون من الأوّل، فإنَّ الجمع بين المحتملات يوجب الحرج، وإلّا فبعضها لا حرج فيه، فإن أتى ببعض المحتملات وبقي ما هو حرجي، فحينئذٍ نقول: إنه لا يجب أن يأتي بالباقي، لأنَّ الواجب الواقعي إن كان فيما أتى به فلا يجب الباقي من الأوّل، وإن كان الواجب فيما بقي يكون حرجيّاً، ويرتفع وجوبه بدليل لا حرج.
كما لو علم اجمالاً وجوب صوم يوم واحد، وتردّد أمره في يومي الخميس أو الجمعة، وفرضنا أنّ الجمع بينهما حرجي، فصام يوم الخميس، فيكون صوم يوم الجمعة حرجيّاً فلا يجب صومه، لأنّه إذا كان الواجب الواقعي هو صوم يوم الخميس فقد صامه، ولا يجب عليه صوم يوم الجمعة، وإن كان الواجب
ــــــــــ[177]ــــــــــ
() وإلّا لم تكن مشقّة أو حرج. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
هو صوم يوم الجمعة، فالمفروض أنّه حرجي، فمتعلّق الحكم الشرعي يكون حرجيّاً، والمفروض أنَّ الحكم الشرعي الحرجي يرتفع بدليل الحرج.
ففي مثل المقام الذي يكون الإتيان بالواجبات المحتملة تدريجيّاً يأتي بالمحتملات تدريجيّاً إلى أن ينتهي إلى الحرج، فلا يجب عليه الإتيان بالباقي، ففي مثل المقام لا ثمرة بين القولين، وعلى كلا التقديرين فإنّه لا يجب الاحتياط الكلّي الموجب للحرج.
فالمتحصّل مّما ذكرناه: أنَّ الاحتياط الكلّي غير واجب. إمّا لأنّه غير ممكن، أو مخلّ بالنظام، أو لأنّه عسر وموجب للحرج.
وأمّا التبعيض في الاحتياط بأن يترك مقداراً من المحتملات، ويأتي بمقدار منها يرتفع معه الحرج، فهذا لا نرى مانعاً عن وجوبه، فإنّه إذا لم يمكن الاحتياط التامّ فليقتصر على التبعيض فيه، وهذا بحسب الميزان لا مانع منه عقلاً.
يبقى دعوى الإجماع في كلام شيخنا الأنصاري(1) على أنّ الاحتياط غير واجب، وأنّنا نقطع أنَّ الاحتياط ليس من طرق امتثال الأحكام الواقعيّة، فهذه الدعوى لو تمّت سقط الاحتياط بالكّليّة، ولكن أنّى لنا ذلك، إذ يرد عليه:
أوّلاً: مسألة انسداد باب العلم والعلمي مسألة مستحدثة، وليس لها ذكر في كلمات القدماء، ولا في كلمات أوائل المتأخّرين، فكيف يمكن دعوى الإجماع في هذه المسألة المستحدثة؟ فدعوى الإجماع فيها جزافيّة.
ــــــــــ[178]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 403.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وثانياً: على تقدير تسليم أنَّ المسألة متّفقٌ عليها من القديم إلى هذا الزمان، وأنَّ العلماء كلّهم لا يرون الاحتياط طريقاً للامتثال، لكن لعلَّ الإجماع مستند إلى ذهاب جملة منهم إلى وجوب قصد الوجه، أو وجوب التميّيز، فمع التمكّن من الامتثال الجزمي لا يجوز التنزّل إلى الامتثال الاحتمالي في أطراف العلم الإجمالي، فمن الممكن أن يكون منشأ هذا الاتفاق هو أحد تلك الأمور، فكيف يمكن كشف قول المعصوم من هذا الاتّفاق؟
إذن، النتيجة: أنّ سائر المقدّمات على تقدير تماميّتها، وانتهاء الأمر إلى الاحتياط، فالعقل يحكم بوجوبه، لكن فيما يلزم منه العسر والحرج لا يكون واجباً.
نعم، يلزم به بمقدار تمكّن المكلّف به، وهذا لا مانع منه، فلا ينتهي الأمر إلى حجّيّة الظنّ بوجه.
اختار شيخنا الأنصاري(1) في رسائله حجّيّة الظنّ، حتّى بناء على التبعيض في الاحتياط. وشيخنا الأستاذ(2) كان يقول: إنّ هذه التعليقة ليست من الشيخ، بل هي للسيّد الشيرازي.
فذكر: أنَّ التبعيض في الاحتياط وإن لم يكن باطلاً، لأنَّ دعوى الإجماع لم تثبت، إلّا أنَّ الإجماع المنقول في المقام -وإن لم يكن قطعيّاً- إلّا أنّه مظنون،
ــــــــــ[179]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 424.
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 138.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فلازم ذلك هو الظنّ بجعل الطريق لا محالة، فإنَّ الظنّ بالإجماع لا يقلّ عن الظنّ بجعل الطريق، فإنَّ الظنّ باللازم يلازم الظنّ بالملزوم لا محالة، والملازمة ثابتة بينهما لا محالة، فإنَّ الشارع إذا لم يجعل الاحتياط طريقاً – مع انسداد باب العلم والعلمي وتعذّر سائر الطرق – لا بُدَّ وأنَّه جعل طريقاً آخر، وإلّا لزم التكليف بما لا يطاق، مع فعليّة الأحكام الواقعيّة، وذلك الطريق هو الظنّ لقبح ترجيح المرجوح على الراجح، فإذا كان الإجماع مظنوناً كان جعل الظنّ طريقاً مظنوناً أيضاً، فنظنّ أنَّ الشارع جعل الظنَّ حجّة في حال الانسداد.
وسيجيء في كلام الشيخ أنّه -على تقدير تماميّة مقدّمات الانسداد- لا فرق بين أن يتعلّق الظنّ بالواقع، أو أن يتعلّق بالطريق، فعلى ذلك يكون الظنّ حجّة وإن لم يكن الإجماع قطعيّاً.
وذكرنا أنَّ شيخنا الأستاذ نسب هذا الكلام إلى السيّد الشيرازي، والظاهر أنّ هذا صحيح، فإنَّ هذا الكلام يلازم القول بالكشف، كما كان يميل إليه السيّد الشيرازي(1)، لا الحكومة كما اختاره شيخنا الأنصاري.
وعلى كلّ حال فهذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ الإجماع على بطلان الاحتياط كما أنّه ليس قطعيّاً ليس مظنوناً أيضاً، حتّى نحتمله احتمالاً عقلائيّاً صحيحاً، وقلنا: إنَّ هذه المسألة مستحدثة، فكيف يمكن دعوى الإجماع في مسألة مستحدثة لم تعنون في كلمات العلماء القدماء، بل جملة من المتأخرّين، فكما أنَّنا لا نقطع بهذا الإجماع، لا نظنّ به أيضاً.
ــــــــــ[180]ــــــــــ
(2) تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي 1: 26.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وعلى تقدير أنَّ الاتفاق حاصل، إلّا أنه لا يكون إجماعاً مصطلحاً يكشف عن قول المعصوم، فدعوى الإجماع على بطلان الاحتياط ساقطة.
وعلى تقدير التسليم، لو فرضنا أنَّ بطلان الاحتياط مظنون، وجعل الظنّ حجّة مظنون، فأيّ حجّيّة لهذا الظنّ؟
وما سيجيء في كلام الشيخ ووافقه عليه صاحب الكفاية، من أنّه على تقدير تماميّة دليل الانسداد لا فرق في حجّيّة الظنّ بين الظنّ بالواقع والظنّ بالطريق.
لكن هذا بعد ثبوت دليل الانسداد، والآن كلامنا في ثبوته، وهل إنَّ الظنّ حجّة أو ليس بحجة، والظنّ بأن الظنّ حجّة أيّ أثر له؟! وكيف يمكن إثبات حجّيّة الظنّ بالظنّ؟! هذا دور لا محالة، والأصل عدم حجّيّة هذا الظنّ، فينتهي الأمر أيضاً إلى التبعيض في الاحتياط، لأنَّ بطلانه لم يثبت.
وملخّص كلامنا: أنَّ ما ثبت بطلانه هو الاحتياط الكلّي في الشبهات، وأمّا التبعيض فيه فلم يثبت بطلانه فيتعيّن.
ونقتصر على ذلك في مبحث دليل الانسداد، لأنَّ هذه المسألة لا أساس لها، بناءً على ما قدّمناه في حجّيّة خبر الواحد سنداً ودلالةً، وأنَّ حجّيّة الظهور غير مختصّة بمن قصد افهامه بل تعمّه وغيره، مع أنّنا ذكرنا أنّ المقصود بالافهام في الروايات كلّ من يقرأها، لا خصوص المخاطبين، كما ذهبنا إلى حجّيّة قول من كان ثقة من الرواة، بل من كان ممدوحاً حسن الظاهر، وهذا واف بالفقه، ولا تصل النوبة إلى باقي المقدّمات ليكون الظنّ حجّة.
ــــــــــ[181]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ويترتّب على ما ذكرناه من عدم حجّيّة الظنّ بطلان كثير من المسائل التي تكلّموا فيها.
منها: أنّ الظنّ المستنتج حجّيّته بهذا الدليل، هل يشمل القياس المنهي عن العمل به أو لا؟ باعتبار أنَّ حجّيّة الظنّ ثابتة بحكم العقل، وحكم العقل غير قابل للتخصيص.
ومنها: أنَّ الظنّ الثابتة حجّيّته، هل يختصّ بالظنّ بالواقع، أو يختصّ بالظنّ بالطريق، كما عليه صاحب الفصول(1).
ومنها: إذا ظنّ بحكم، وظنّ بأن هذا الظنّ ليس بحجة، فأيّ الظنّين يكون حجّة؟ ولا يمكن أن يكون كلاهما حجّة، كما لو ظنّ بوجوب السورة من الشهرة، وظنّ بأن الشهرة ليست حجّة.
ومنها: ما ذكره صاحب الكفاية(2): من أن الظنّ الثابت حجّيّته بدليل الانسداد، هل هو الظنّ الواصل بنفسه، أو الواصل بطريقه، أو غير الواصل أصلاً؟ وهل تختصّ الحجّيّة ببعض هذه الأقسام كالأوّل، أو تعمّ الثاني، أو يعمّ الجميع، كلّ ذلك لا موضوع له، فإنَّ الظنّ لم تثبت حجّيّته ليتكلّم في هذه الأمور.
قد يتعلّق الظنّ بحكم من الأحكام الشرعيّة الفرعيّة المتعلّقة بعمل المكلّف، أو ما قد يتعلّق بذلك من الموضوعات، ونتيجته: هو الظنّ بالحكم
ــــــــــ[182]ــــــــــ
(1) انظر: الفصول الغرويّة: 279.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 322 – 324.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الشرعي، كالظنّ بوجوب السورة، فإنّ مرجعها إلى شرطيّة الصلاة بالسورة، فإنَّ الظنّ بالجزء ظنٌّ بالمركّب لا محالة.
وقد يتعلّق الظنّ بغير الأحكام الشرعيّة التي ترجع إلى عمل المكلّف، وهو على أنحاء:
النحو الأوّل: أن يتعلّق الظنّ بالأمور الاعتقاديّة.
النحو الثاني: أن يتعلّق الظنّ بالأمور التكوينيّة.
النحو الثالث: أن يتعلّق الظنّ بالتاريخ.
كقولنا: (عمل الإمام كذا) أو (قال كذا) في غير الأحكام الشرعيّة، فهذه ثلاثة أقسام:
أمّا بالنسبة إلى ما قبل الأنحاء -وهو: الأحكام الشرعيّة الفرعيّة- فقد تقدّم الكلام فيه مفصّلاً، فإنّ تمام ما قلناه من أوّل بحث الظنّ إلى الآن كلّه كان فيه، فإن بنيّنا على حجّيّة الظنّ الخاص أو الظنّ المطلق -على الكشف- فإنَّه يثبت به الحكم الشرعي والموضوعات الشرعيّة.
وأمّا بالنسبة إلى ما يرجع إلى العقيدة والمعرفة فقد يكون المطلوب هو تحصّل العرفان والعلم فيها، كالعلم بالله وتوحيده والنبيّ والمعاد الجسماني وغيره، فلا ينبغي الشكّ في أنَّ الظنّ لا يكون حجّة في هذا المقام، فلو فرضنا خبراً دلّ على شيء من العقائد فلا يثبت به ذلك، وإن كان حجّة بخصوصه أو من باب الانسداد، ولا يقوم مقام العلم المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتيّة، فإنَّ
ــــــــــ[183]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
المطلوب في هذه الموارد هو العرفان بما هو عرفان ويقين، والظنّ لا يكون يقيناً ولا يقوم مقامه، بلا فرق في ذلك بين أن يكون وجوب المقدّمة وجوب عقلي أو وجوب شرعي، فالوجوب العقلي كمعرفة الله وتوحيده، والوجوب الشرعي كمعرفة المعاد الجسماني، فإنّ العقل وإن كان يحكم بوجوب أصل المعاد، إلّا أنّه لا يحكم بكونه جسمانيّاً، ولكن ثبت ذلك بضرورة الدين، بل بضرورة الأديان كلّها، وفي كلا القسمين لا يكون الظنّ ولا خبر الواحد طريقاً إليه.
كما لا ينبغي الشكّ في أنّ من لم يحصّل العلم في مورد الوجوب الشرعي أو العقلي، واستند عدم تحصيله إلى تقصيره فقد خالف الواجب العقلي(1) أو الشرعي، فيستحقّ العقاب على تركه لذلك، ولو لم يمكنه بعد ذلك تحصيل المعرفة لتفويته المقدّمات على نفسه، والامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، وأمّا لو فرضنا أنَّ عدم تحصيل المعرفة لم يكن مستنداً إلى تقصيره، بل كان مستنداً إلى قصوره في عقله، أو عدم استعداده لتحصيل المعرفة، فهل يستحقّ العقاب أو لا؟ فيه كلامٌ يقع تارةً في أصل وجود الجاهل القاصر أو عدم وجوده، وأنَّ كلّ من لم يحصّل المعرفة مقصّر، وأُخرى يقع في أنَّ أحكام الكافر، هل تكون شاملة للقاصر أو مختصّة بالمقصّر؟ وثالثة يقع الكلام في أنَّ الجاهل القاصر هل يستحقّ العقاب أم لا يستحقّ؟
القسم الأوّل: فلا ينبغي الشكّ في ترتّب آثار الكافر عليه من استحقاق العقاب، لأنَّ ترك المعرفة مستند إلى اختياره.
ــــــــــ[184]ــــــــــ
() بالمعنى الذي ذكرناه. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وأمّا وجود الجاهل القاصر، فالظاهر هو التفصيل، فإنَّ أصل وجود الصانع للعالم كلّه أمر فطري يدركه كلّ ملتفت إلى وجود نفسه، فإنَّ المدرك الأوّل لكلّ مدرك هو وجود نفسه، ثُمَّ يدرك غيره، وبهذين الإدراكين وبفضل الفطرة والطبيعة يعترف بصانعه لا محالة؛ لأنَّه يعترف أنَّه لم يكن فكان، والخالق له إمّا نفسه أو غيره، والأوّل غير ممكن، فلا بُدَّ من فرض غيره يكون خالقاً، وهو قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ(1)، فالإنسان بفطرته يدرك أنَّ هذا لا يمكن، وليس هو خالقاً لنفسه، فلا بُدَّ أن يكون الخالق غيره، فهو يعترف بوجود خالق يستند وجوده إلى وجوده.
وبعد أن يلتفت إلى نفسه يلتفت إلى موجودات أخرى، فيجري فيه هذا الكلام بعينه، فإنَّها وجدت بعد أن لم يكن، فإمّا أنَّ الخالق نفسه أو وجدت من غير سبب ولا خالق، وكلاهما غير معقول، فلا بُدَّ وأن يكون لها خالق، وهذا المعنى هو المعبّر عنه بآيات الآفاق.
والظاهر: أنّ الجاهل القاصر -في الإنسان العاقل المدرك- لا يوجد أبداً، فإنَّ هذا أمر فطري.
كذلك بالنسبة إلى التوحيد، فإنَّه أيضاً لا يتصوّر الجاهل القاصر، فإنَّه أيضاً أمر فطري، وهو معنى قول الشاعر:
وفي كلّ شيء له آية | تدلّ على أنّه الواحد |
فإنَّه لا يمكن للإنسان بفطرته أن يتصوّر كاملاً من تمام الجهات، من دون
ــــــــــ[185]ــــــــــ
() الطور: 35.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
أيّ نقص وقصور، حتّى يخرج من حدّ الإمكان إلى الوجوب، لأنَّ كلاً منهما يكون واجداً لجميع ما في الآخر من كمالات، ومع ذلك كانا إثنين. هذا غير ممكن، فالكمال المطلق الذي لا يشذّ عنه كمال لا يكون إلّا واحداً، ففي مسألة التوحيد لا يتصوّر الجاهل القاصر، فإذا كان هناك جاهل فهو جاهل بتقصيره لا محالة.
وأمّا بالنسبة إلى بقيّة المعارف، كالنبوّة والإمامة وخصوصيّات مبحث المعاد، فيمكن فرض الجاهل القاصر فيها، بل هو كثير جدّاً، فإنَّ كثيراً من النساء بل والرجال لا يمكنه تحصيل المعرفة كذلك، فلو أرادت امرأة ساكنة في أقصى الغرب أن تطّلع على الحقّ، فإنَّها لا تتمكن من ذلك، فهذه الطائفة ليسوا مقصّرين، بل هم قاصرون، فإمّا أنّه لم يسمع بالإسلام أو لم يسمع بمذهب التشيّع، أو سمع لكنّه لا يمكنه تحصيل المعرفة والعلم، فهو جاهل قاصر لا محالة.
القسم الثاني: وهو الأحكام الشرعيّة الخاصّة بالكفّار، كالحكم بالنجاسة في غير أهل الكتاب بلا إشكال، وفي أهل الكتاب على كلام، والمشهور(1) والاحوط(2) هو النجاسة. وكذلك في باب المواريث، وأنَّ الكافر لا يرث المسلم، ولكن المسلم يرث الكافر.
ــــــــــ[186]ــــــــــ
(1) انظر: حاشية المدارك: 90، الحدائق الناظرة 5: 164، كشف اللثام 1: 399، النهاية ونكتها 3: 105 – 107.
(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 52.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وهذه الأحكام أدلّتها مطلقة لا يفرق فيها بين أن يكون الكافر قاصراً أو مقصراً، فيحكم بنجاسة القاصر وعدم جواز مناكحته مطلقاً أو مع التفصيل، ولا يرث المسلم والمسلم يرثه.
القسم الثالث: وهو أنَّ الجاهل القاصر هل يعاقب أو لا؟ إذا فرض أنّه قاصر حقيقة وغير معاند للواقع، وإن اعتقد أنَّ الواقع هو كذلك، وأنَّ النبيّ الأخير هو عيسى أو موسى مثلاً، أو أنَّ خليفة رسول الله هو فلان فهو غير معاند للحقّ، وإن كان يعتقد خلافه.
فالظاهر أنَّه لا يعاقب، والوجه فيه ظاهر: لأنَّ التكليف بما لا يطاق ممتنع، والمفروض أنّه غير متمكّن من تحصيل الواقع، فيكون عقابه ظلماً على أمر لم يتمكّن منه المكلّف في الخارج.
ولكنّ صاحب الكفاية(1) ذكر في الهامش أمراً يبتني على ما ذكره سابقاً في بحث التجرّي، وفي باب الطلب والإرادة، فإنّه يرى أنّ العقاب ليس أمراً خارجيّاً، بل هو ثمرة الأعمال والعقائد، ويعبّر عنه: بالبعد، فإنّه يؤدّي إلى الخبث الذاتي، والذاتي لا يعلّل، وقد تعرّضنا إلى ذلك في مبحث الطلب والإرادة(2)، وقلنا: إنَّه لا يمكن المساعدة عليه بوجه، والله تعالى أجلّ وأعظم من أن يعاقب على أمر غير اختياري، والمفروض أنّه لم يصدر أمر اختياري من الكافر القاصر فلا يعاقب، فهذا الكلام ساقط.
ــــــــــ[187]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 331، 332.
(2) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه: 174 – 180.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
هذا إذا كان المطلوب في العقائد العلم والمعرفة واليقين، كما هو الحال في العقائد التي ذكرناها.
وأمّا إذا كان المطلوب مجرّد الانقياد والتسليم بالواقع، كأكثر خصوصيّات البرزخ والجنّة والنار، فإذا فرضنا أنَّه وردت رواية معتبرة دلّت على خصوصيّة، فهل يجوز الانقياد لها والتسليم بمقتضاها أو لا؟
وأمّا ما لا يكون المطلوب فيه هو اليقين، بل البناء وعقد القلب عليه، من قبيل كثير من خصوصيّات الآخرة والثواب والعقاب، فإنّه لا يجب على المكلّف تحصيل العلم بخصوصيّات الجنّة والنار والبرزخ والمعاد.
فإذا قام طريق معتبر على شيء، وأخبر عن خصوصيّة من تلك الخصوصيّات، فإذا فرضنا أنَّ حجّيّة الخبر ثبتت بدليل خاصّ، وهو المعبّر عنه بالظنّ الخاصّ، فلا ريب في جواز ترتيب الأثر على ذلك، لأنَّ عقد القلب على طبق الظنّ أمر ممكن، فإنَّ هذا علم تعبّدي، ولا مانع من شمول دليل الحجّيّة له، وترتيب الأثر على الحجّيّة، بمعنى عقد القلب على ثبوتها.
وأمّا إذا فرضنا أنّ الظنّ لم تثبت حجّيّته بدليل خاصّ، بل كان حجّة بدليل الانسداد، فإنَّه لا يمكن ترتيب الأثر عليه، فإنَّ مقدّمات الانسداد على تقدير تماميّتها، إنّما تجري فيما يرجع إلى عمل المكلّف فعلاً أو تركاً، فنرتّبها على النحو الذي ذكرناه.
ومنها عدم إمكان الاحتياط في مورد العلم الإجمالي بوجود تكاليف إلزاميّة في الشريعة، فلو تمّت المقدّمات لا تجري فيما لا يكون المطلوب هو
ــــــــــ[188]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
العمل، بل للبناء وعقد القلب، والاحتياط في هذه الأمور لا يلزم منه عسرٌ أو إخلال بالنظام، فضلاً عن عدم تمكّن المكلّف منه، فإنَّه يبني على الواقع وما أخبر به النبيّ، فيعقد القلب على الواقع بما هو واقع من دون تعيّين خصوصيّة، فإنَّ هذا يكفي في العقيدة، والزائد عن ذلك غير معتبر، ومع إمكان الاحتياط لا تصل النوبة إلى العمل بالظنّ، وهذا ظاهر.
وأمّا ما يرجع إلى الأُمور التكوينيّة والتاريخ وما يشبهه، فهل يكون الظنّ حجّة في هذه الأمور، أو لا يكون حجّة؟ فلو دلّت الرواية الصحيحة على كيفيّة خلق السماوات والأرض، أو أنَّ النبيّ الفلاني كان له من الأولاد كذا مقدار، وأنَّ أيّاً منهم كان أكبر، وغير ذلك من أخبار الأنبياء والمعصومين.
فهل يكون الظنّ حجّة بعد ما ثبت حجّيّة الظنّ، أو لا يشمل هذه الموارد؟
يختلف الحال باختلاف المسلكين في جعل الحجّيّة، فعلى مسلك صاحب الكفاية من تفسير الحجّيّة بجعل المنجزيّة والمعذريّة لا يشمل ذلك، فإنَّ شموله له يتوقّف على أن يكون هنا أثر، فيكون الخبر منجزّاً أو معذّراً بلحاظه على تقدير مطابقته للواقع وعدم مطابقته.
أمّا إذا لم يكن له أثر، كما إذا قيل: (النبيّ الفلاني عمره كذا وأولاده كذا)، فكيف يمكن شمول دليل الحجّيّة له، فهذا لا يعقل شموله له، فإنَّه متوقّف على قابليّة المحلّ للتنجيز والتعذير، وهذه الموارد لا يتصوّر فيها ذلك، إلّا بلحاظ أثر واحد، وهو جواز الأخبار، بأن يقول: (عمل هذا النبيّ أو المعصوم كذا،
ــــــــــ[189]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وقال: كذا)، فجواز إخباره – عمّا دلّ عليه الخبر – حكم شرعي، إلّا أنّه ليس من آثار الواقع، فإنّ الثبوت الواقعي لا يترتّب عليه جواز الأخبار، بل هذا من آثار العلم واليقين بالواقع، فلو أخبر إنسان عن شيء وكان ثابتاً في الواقع ولكنّه لا يدري، فإنَّه يعاقب لأنّه كاذب كذباً مخبريّاً، وإن كان ثابتاً في الواقع فجواز الإخبار يدور مدار العلم لا مدار ثبوت الشيء في الواقع، ولذا أطلق في الآية على المنافقين صفة الكاذبين، فإنَّ الرسالة وإن كانت ثابتة في الواقع للنبيّ، إلّا أنَّهم يخبرون عن غير اعتقاد، فلا إشكال أنَّ الثبوت الواقعي لا يجوّز الإخبار عن الواقع، وإنّما يدور الجواز مدار الإحراز، فإن لم يحرز لا يجوز له الإخبار، فما دلّت عليه الرواية -وهو الواقع- ليس له أثر شرعي، وما هو المجوّز للإخبار
-وهو العلم الذي لم يحرز- لا يجوز التعبّد به.
وبناءً على هذا المسلك فلا يشمل دليل الحجّيّة أدلّة المستحبات والمكروهات والمباحات. نعم، بالنسبة إلى نفي الوجوب أو نفي الحرمة يثبت به ذلك، وبه يثبت الجواز، يعني: لو دلّت الرواية على استحباب شيء أو كراهته أو إباحته فيكون منجّزاً ومعذّراً.
أمّا ثبوت الاستحباب وأنّه مأمور به بأمر غير لزومي فلا، لأنّه لا معنى للتنجيز والتعذير بالنسبة إلى ثبوت الاستحباب أو الكراهة، فليس للفقيه أن يخبر عن استحباب ذلك أو كراهته.
فلازم مسلك صاحب الكفاية من جعل معنى الحجّيّة هو التنجيز والتعذير، هو اختصاص دليل الحجّيّة بالواجبات والمحرّمات إثباتاً ونفياً، وأمّا غير ذلك فلا.
وأمّا على ما سلكناه من أنَّ المجعول في باب الحجّيّة والامارات هو
ــــــــــ[190]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الطريقيّة والكاشفيّة، وجعل المكلّف عالماً باعتباره محرزاً للواقع، فهو عالم بالواقع تعبّداً، وإن لم يكن عالماً وجداناً، فبناءً عليه جميع ذلك يكون تامّاً، ولا مانع من حجّيّة خبر الواحد حتّى في التاريخ.
فلو أخبر الخبر الصحيح عن أحوال نبيٍّ أو إمام، أو شخص غير معصوم كخليفة ظالم أو شخص عادي، وشملته أدلّة الحجّيّة، وكان المكلّف محرزاً للواقع تعبّداً، فيترتّب عليه أثره وهو جواز الإخبار، لأنَّ جواز الإخبار من آثار العلم، وهذا علم، وقد ذكرنا في مبحث(1) القطع: أنَّ الأمارات تقوم مقام العلم المأخوذ على نحو الكاشفيّة.
وهذه ثمرة مهمّة تترتب على المسلكين، ويترتّب على ذلك أيضاً ثبوت الاستحباب والكراهة، فإذا كان الراوي ثقة فللفقيه أن يخبر بأنَّ هذا الفعل مستحب أو مكروه، لأنَّه عالم بالاستحباب ولا يكون معاقباً ولا كاذباً.
إنَّ الظنّ الذي لا يكون معتبراً كالشهرة الفتوائيّة -على ما بيّنا أنَّها ليست بحجّة(2)– هل تكون جابرة لضعف سند رواية، وكاسرة لحجّيّة رواية صحيحة أو لا، أو إنَّ هنا تفصيلاً، أو تكون مرجّحة عند تعارض الروايتين أو لا؟
قد تعرّضنا لهذه المسألة في بحث حجّيّة خبر الواحد، وقلنا: إنَّ الذي يستفاد من الآيات والروايات حجّيّة خبر الواحد -على نحو مانعة الخلو- إمّا
ــــــــــ[191]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 10: 128.
(2) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 10: 313.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
من جهة كون الراوي ثقة أو ممدوحاً ونعبّر عنه بالحسن، وهو الذي ورد فيه مدح ولم يرد فيه ذمّ، فإنّه أيضاً حجّة ببناء العقلاء، وإمّا من جهة الوثوق بالرواية، فإن كان الراوي ليس بثقة، إلّا أنَّ القرائن قامت على صدقه، فيما إذا كانت موجبة للوثوق، لا ما إذا كانت موجبة للظنّ، فإنّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا(1)، فإنَّ ما هو حجّة عند العقلاء هو الاطمئنان وسكون النّفس، فإنَّهم لا يرون ذلك مصداقاً للظنّ، ويرون أنّ النهي عن الظنّ منصرف عنه، فالاطمئنان حجّة ببناء العقلاء، ولم يردع عنه الشارع.
إذن، فكلّ خبر يكون موثوقاً به في نفسه يكون حجّة، وكلّ خبر يكون راويه ثقة وإن لم نثقّ بصدق خبره حجّة، فملاك حجّيّة خبر الواحد أحد أمرين:
الأوّل: الوثوق بالراوي.
الثاني: الوثوق بالرواية.
فإذا فرضنا أنَّ شيئاً من الأمرين غير موجود، وكان المشهور قد عملوا بهذه الرواية، والشهرة غير حجّة في نفسها، كما هو موجود في عدّة موارد في الفقه، كرواية مرويّة من طرق العامّة، ولكنّها مطابقة لفتوى المشهور، فهل تكون هذه الرواية حجّة بعد أن لم تكن حجّة في نفسها على الفرض؟
ادّعى صاحب الكفاية(2): أنَّ الخبر يخرج من موضوع عدم الحجّيّة، ويدخل
ــــــــــ[192]ــــــــــ
(1) يونس: 36.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 332.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
في موضوع الحجّيّة، فإنَّ صدور مثل هذا الخبر يكون مطمئناً به. إذن، تكون الشهرة جابرة لها، لا بمعنى: أنَّ ضمَّ الضعيف إلى الضعيف يكون موجباً لقوّته، بل بمعنى: أنَّه يخرج إلى موضوع الحجّيّة، وهو: الوثوق بالرواية.
وهذا الذي ذكره على فرض أنّه حصل لكلّ أحد، كما إذا رأينا رواية ضعيفة من طرق العامّة أو طرقنا، وحصل من عمل المشهور الاطمئنان بصدورها، فهذا لا كلام لنا فيه، لأنَّ الوثوق حجّة، فأيّ شخص حصل له الوثوق كانت الرواية حجّة بالنسبة إليه.
ولكن الكلام في صغرى ذلك، وهل إنَّ كلّ رواية ضعيفة كانت مطابقة لفتوى المشهور نطمئن بصدورها؟
لا، غاية الأمر: يحصل الظنّ بذلك، أمّا الاطمئنان فلا. بل ادّعى صاحب الكفاية(1) أنَّ الاطمئنان الشخصي، وإن لم يكن في تمام الموارد، إلّا أنَّ الاطمئنان موجود في تمام الموارد نوعاً، فإنَّ الإنسان العادي يطمئن بالرواية عند عمل العلماء الفحول على طبقها.
إلّا أنَّ هذا غير تامّ، لما يلي:
أوّلاً: لم يثبت.
ثانياً: على تقدير التسليم، لا دليل على حجّيّة الاطمئنان النوعي، فإنَّ الدليل إنّما دل على حجّيّة الاطمئنان الشخصي، بل لم يدلّ دليل على حجّيّة القطع النوعي، كما لو كان أمراً يحصل به القطع لعامّة الناس، ولم يحصل
ــــــــــ[193]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 281.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
لشخص، فيقال: إنّه حجّة عليه، وإن لم يحصل القطع له، فالعبرة بالقطع الشخصي دون النوعي، فكيف بالاطمئنان؟
فهذا الذي أفاده من أنَّ عمل المشهور جابر لضعف الرواية، لا يمكن المساعدة عليه.
هذا، مع قطع النظر عمّا تقدّم في مناقشة صغرى هذه الكبرى، وهي: استناد المشهور إلى رواية، فمن أين يمكن أن نحصّل الجزم بأنَّ المشهور استندوا إلى هذه الرواية الضعيفة، غاية الأمر: مطابقة الفتوى لها، فمن أين لنا إحراز الاستناد، وقد تقدّم الكلام في ذلك مفصّلاً، وكان المقصود هنا هو الإشارة.
وذكر صاحب الكفاية(1) في عكس هذه المسألة: لو فرض أنَّ الرواية معتبرة وصحيحة، ولكن لم يعمل المشهور على طبقها، ولم يفتوا بمضمونها، فهنا لم يلتزم بأنَّ الشهرة مسقطة لها عن الحجّيّة، على خلاف ما ذهب إليه جماعة(2) من أنَّ عدم عمل المشهور بالرواية مسقط لها عن الحجّيّة، بل قالوا(3): كلّما زادت الرواية صحّة زادت بعداً، بل قال صاحب الكفاية(4): إنَّ موضوع الحجّيّة هو خبر الثقة، وليس دليل الحجّيّة مقيّداً بعدم الظنّ بالخلاف، فلو فرضنا حصول الظنّ من الشهرة على أنَّ الرواية غير مطابقة للواقع، فإنّه لم يؤخذ في موضوع الحجّيّة عدم الظنّ بالخلاف.
ــــــــــ[194]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 333.
(2) انظر: فوائد الأُصول 4: 786.
(3) انظر: مطارح الأنظار 4: 609، تعليقة على معالم الأُصول: 184، قواعد الفقيه: 49.
(4) انظر: كفاية الأُصول: 333.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ولكن هذا التفصيل لا نعرف له وجهاً، إذ لو كانت الشهرة جابرة، وموجبة للاطمئنان بالصدور، فلتكن الشهرة المخالفة موجبة للسقوط، فإنّهم إذا لم يعملوا بالرواية ونطمئن بعدم صدور الرواية، أو صدورها لغير بيان الحكم الواقعي كالتقية، والاطمئنان حجّة عقلائيّاً، فلتكن ملغية لها عن الحجّيّة.
فالظاهر أنَّ المسألتين من باب واحد، فإذا قلنا في المسألة الأولى بالانجبار، فلا بُدَّ أن نلتزم في المسألة الثانية بالإسقاط عن الحجّيّة.
ولكن الظاهر أنّنا لا نلتزم بشيء من الأمرين، فإنّ الشهرة غاية ما توجبه هو الظنّ لا الاطمئنان، والظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً، فإذا ظنّنا أنَّ الرواية غير صادرة فلا أثر له.
وأمّا ترجيح إحدى الروايتين المتعارضتين على الأخرى بالشهرة، فقد ذكر شيخنا الأنصاري(1) -بعد أن انتهى من الكلام في المرجحات المنصوصة، وتكلّم في المرجحات غير المنصوصة-: أنَّ الشهرة تكون مرجّحة.
وقد ذكرنا في باب التعادل والتراجيح بأنّ تمام روايات الترجيح ليس فيها رواية معتبرة إلّا رواية القطب الراوندي، وجميع ما دلّ على الترجيح بالشهرة أو الأعلميّة أو الأورعيّة أو ما دلّ على التخيّير ضعيف، ومقتضى القاعدة عند تعارض الروايتين هو التساقط، فإنَّ دليل الحجّيّة لا يشملهما معاً، إذ لا معنى لحجّيّة المتعارضين، وشموله لأحدهما غير المعيّن، ولأحدهما المعيّن ترجيح بلا
ــــــــــ[195]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 606.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
مرجح، فيسقطان معاً، فلا بُدَّ من الرجوع حينئذٍ إلى عموم أو إطلاق، وإن لم يكن فإلى الأصل العملي، فهذا هو مقتضى القاعدة عند التعارض.
ولكن صحيحة القطب الراوندي ذكرت الترجيح بموافقة الكتاب أوّلاً، فإن كانا متساويّين من هذه الجهة فالترجيح بمخالفة العامّة، فنقتصر على هذين المرجّحين، ولا حاجة إلى التعدّي إلى غيرهما من المرجّحات، وتمام الكلام في بحث التعادل والتراجيح.
إذا كانت الرواية ظاهرة في المعنى، ولم يعملوا على طبقها، أو لم تكن ظاهرة، ولكن المشهور أفتوا على طبق ما يحتمل أن يكون ظاهراً فيه.
فالمعروف بينهم أنَّ الشهرة لا تكون جابرة لضعف الرواية ولا كاسرة للظهور، فإذا كانت الرواية ظاهرة، كان ظهورها حجّة وإن لم يعمل المشهور به، وهذا هو الصحيح، وقلنا: إنَّ سند الرواية مثل الدلالة.
والظاهر أنّه قد يفرض أنّنا نعلم من الخارج أنَّ فتوى المشهور بشيء إنّما هو لظهور الرواية نفسها، وأنّهم اعتمدوا عليها من دون إعمال اجتهاد، فبما أنّهم من أهل اللسان وفهموا منها شيئاً، فيستكشف أنَّ اللفظ دالّ على ذلك، وإن لم يكن ظاهراً في عصورنا المتأخرّة، فيدلّ على أنّه كان في زمان المعصومين ومن بعدهم ظاهراً في ذلك، فإذا ثبت ذلك الظهور حينئذٍ لا يضرّ عدم ظهوره عندنا، وتكون فتواه كاشفة عن الظهور، وأنَّ هذا اللفظ كان كاشفاً عن هذا المعنى بالأقربيّة.
ــــــــــ[196]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وكذلك العكس، فإذا فرضنا أنَّ المشهور لم يفهم منه اللفظ فنستكشف منه: أنَّ اللفظ لم يكن ظاهراً في المعنى، وإن كان ظاهراً في عصرنا.
فما ذكرناه من أنَّ عمل المشهور لا يكون كاسراً ولا جابراً، فيما إذا فرض الظهور، ولم يعمل به المشهور أو بالعكس، وأمّا إذا استكشفنا من عمل المشهور وجود الظهور أو من عدم عمله عدمه، فهذا يخرج عن محلّ الكلام.
ــــــــــ[197]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الكلام في الأصول العمليّة
ــــــــــ[199]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ذكرنا في أوّل الأُصول(1): أنَّ المسألة الأصوليّة ما تترتّب النتيجة الفقهيّة على المسألة نفسها، بمعنى: أنَّ نفس المسألة تكون كافية لإثبات حكم فرعي، من دون ضمّ أيّ شيء آخر.
وهذا هو المايز بين المسألة الأصوليّة وغيرها، ممّا له دخل في الاستنباط، فإنَّ مسائل غيره من العلوم كالنحو والصرف، وإن كان لها دخل في الاستنباط، إلّا أنّها لا تترتّب عليها بلا واسطة، بل لا بُدَّ من ضمّ مسألتين أو أكثر لاستنتاج الحكم، بخلاف المسألة الأصوليّة، فإنّها بنفسها كافيّة في ترتّب النتيجة عليها، واستنباط الحكم الشرعي الفرعي منها.
ــــــــــ[201]ــــــــــ
() انظر: تقريرا ت في علم أُصول الفقه 1: 90، 91.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وقلنا(1): إن المسائل الأصوليّة تنقسم إلى أقسام:
[القسم الأوّل:] فإنه قد يكون ترتّب النتيجة على المسألة قطعيّاً، كما لو أحرزنا الحكم الواقعي بالقطع من المسألة الأُصوليّة، كما في مسائل الاستلزامات العقليّة، فإنَّه لو ثبتت الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، أو بينه وبين حرمة ضدّه، أو الملازمة بين النهي عن العبادة وفسادها، فإنّه يترتّب الحكم عليها ترتّباً قطعيّاً، فإذا أحرزنا وجوب شيء نقطع بحرمة ضدّه ووجوب مقدّمته.
القسم الثاني: ما تكون النتيجة تعبّديّة، فهي مقطوعة ومحرزة، لكن لا تكويناً بل تعبّداً، وهذا ينقسم إلى قسمين:
الأوّل: قد يكون البحث في المسألة صغرويّاً، مع كون الكبرى مفروغاً عنها ومتسالماً عليها، وهذا كمباحث الألفاظ، فإنّ حجّيّة الظهور ممّا لم يختلف فيها اثنان، فإنّه لا إشكال أنَّ التفهيم والتفهّم مبني على الأخذ بالظهور، وإنّما الكلام في صغريات هذه المسألة، فهل الأمر ظاهر بالوجوب، وهل النهي ظاهر في النهي، وإذا ورد مقيّد، فهل هو ظاهر في التقيّيد؟ وغير ذلك مّما يذكر في مباحث الألفاظ، فهي بحث عن صغرى من كبرى مسلّمة.
ــــــــــ[202]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 1: 60 – 63.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وهذه المسائل يترتّب عليها استنباط الحكم الشرعي ويكون بالتعبّد لا بالوجدان، فإذا رأينا أنَّ الله تعالى في كتابه أمر بشيء، وفرضنا أنَّ الأمر ظاهر في الوجوب، فنحكم بوجوبه بأصالة الظهور، ولكن الوجوب غير معلوم لنا جزماً، بل معلوم لنا تعبّداً بحسب السيرة الممضاة شرعاً.
الثاني: ما يقع فيه البحث عن الكبرى بعد الفراغ عن الصغرى، وهي المسائل الحجّة التي تكلّمنا فيها قريباً، كحجّيّة خبر الواحد والشهرة والإجماع المنقول، وحجّيّة الظنّ بناء على الانسداد بناء على الكشف، فيقع الكلام فيها عن كبرى حجّيّة الخبر وحجّيّة الشهرة، فالمسألة مشهورة ولكن هل تكون الشهرة حجّة، ويكتفى بها في مقام الفتوى أو لا؟ هذه المسائل أيضاً يتوقّف عليها استنباط الحكم الشرعي، لكن لا على نحو الثبوت الوجداني، بل على نحو اليقين التعبّدي، والاعتباري الجعلي.
القسم الثالث: ما يترتّب عليها الحكم الشرعي، لكن لا على نحو اليقين الوجداني، ولا الإحراز التعبّدي، بل هو وظيفة للشاكّ في مرحلة العمل، فإذا لم يصل المكلّف إلى الواقع وجداناً ولا تعبّداً وكان شاكّاً ومتحيّراً، يجعل له حكم في ظرف الشكّ وعدم الوصول إلى الواقع.
وهذا القسم متأخّر عن القسمين الأوّلين، فإنّ المكلّف إن وصل إلى الواقع باليقين الوجداني فهو، وإلّا فإن وصل بالتعبّد فهو أيضاً، وإن لم يصل بأيٍّ من هذين النحوين ينتهي الأمر إلى الوظيفة المجعولة من قبل الشارع في هذا الظرف.
ــــــــــ[203]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فإن كانت هناك وظيفة معلومة من قبل الشارع أخذنا بها، كالاستصحاب بناءً على جريانه في الشبهات الحكميّة، وكالبراءة الشرعيّة، وكالاحتياط الشرعي، كما يذهب إليه الاخباريّون في الشبهات التحريميّة، فالوظيفة معلومة، وإن كان الواقع مجهولاً فيكون حكمه في ظرف الشكّ معلوماً.
فإذا فرضنا أنَّ هذا أيضاً لم يكن فينتهي الأمر إلى استقلال العقل لا محالة، وهو يستقلّ في مقام العمل ومرحلة الإطاعة بحكمه. أمّا بقبح العقاب بلا بيان، وهو: البراءة العقليّة، أو بلزوم رعاية الاحتياط ورعاية الواقع، وهو: قاعدة الاشتغال، فهذه هي المسائل الأصوليّة.
هذا، وكان الأُصوليّون كشيخنا الأنصاري وصاحب الكفاية وغيرهما قد أوردوا هذين القسمين مرّة واحدة، ولم يفرقا بين البراءة الشرعيّة والبراءة العقليّة، ولا بين الاحتياط العقلي والاحتياط الشرعي، ونحن نتبعهما على ذلك، فيقع الكلام أنّه في ظرف الشكّ، هل يُحكم بالبراءة عقلاً أو شرعاً؟
ومن هنا يظهر أنَّ الأصول التي ذكروها وحصروها بالاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيّير -كما ذكر الشيخ- استقرائيّة لا عقليّة، وإلّا فيمكن عقلاً أن تكون الأصول إلى ما شاء الله، فيمكن أن يرد دليل، يقول: إذا شكّكت بين الوجوب والإباحة فابن على الاستحباب.
لكن بحسب الموارد الحصر عقلي -كما ذكر شيخنا الأنصاري(1)– فإنَّ
ــــــــــ[204]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 14.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
المورد قد يكون فيه حالة سابقة ملحوظة للشارع، فذلك هو مورد الاستصحاب، بناءً على جريانه في الشبهات الحكميّة، بلا فرق بين أن يكون الشكّ في التكليف، وفي المكلّف به، سواء أمكن الاحتياط أو لم يمكن، وقد لا تكون هناك حالة سابقة أو كانت، لكنّها لم تكن ملحوظة للشارع، كما في موارد الشكّ في المقتضي على مسلك الشيخ، أو على مسلكنا في إمكان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة مطلقاً، فحينئذٍ قد يفرض أنَّ الشكّ في التكليف، وقد يفرض أنَّ الشكّ في المكلّف به، فإن كان الشكّ شكّاً في أصل التكليف كان مورداً للبراءة، وإن كان الشكّ في المكلّف به مع العلم بالتكليف فإذا أمكن الاحتياط كان واجباً، وإلّا كان مورداً للتخيّير، فالحصر عقلي ولا خامس.
ومن هنا يظهر أنّه لا ينحصر جريان الأصول في الأحكام التكليفيّة فقط، بل كما تجري فيها تجري في الأحكام الوضعيّة أيضاً بنفس الترتيب السابق، فإذا شكّكنا في حكم وضعي فقد يجري الاستصحاب، وقد يجري غيره من الأصول.
ومن هنا يظهر: أنَّ البحث في أصالة الطهارة الجارية في الشبهات الحكميّة أصولي أيضاً، ولا فرق بين أصالة الإباحة وأصالة الطهارة، إلّا أنَّ ذاك تكليفي وهذا وضعي، وإنّما لم يذكروها في علم الأصول لعدم الخلاف فيها، وإلّا لو كان فيها كلام ونقض وإبرام لكان من حقّها أن تذكر في علم الأُصول، فإنَّ أصالة الإباحة البحث فيها كليّ ويترتب عليه حليّة ما يشكّ في حرمته، وهكذا
ــــــــــ[205]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
نقول في أصالة الطهارة، فالشيء الفلاني طاهر، لأنّه لم يرد دليل على نجاسته.
نعم، قاعدة الطهارة في الشبهة الموضوعيّة -كقاعدة الحلّ- لا تكون من المسائل الأُصوليّة، بل من المسائل الفقهيّة التي يكون المجتهد والمقلّد فيها سواء.
وقد ذكر صاحب الكفاية(1): أنَّ خروج أصالة الطهارة عن المسائل الأصوليّة، باعتبار أنّها لا تكون جارية في تمام المسائل الفقهيّة، بل هي مختصّة بباب واحد، ويشترط في المسائل الأصوليّة أن تكون جارية في تمام أبواب الفقه، كحجّيّة خبر الواحد، وظهور الأمر في الوجوب، ونحو ذلك.
وما ذكره من الاختصاص لا إشكال فيه، إلّا أنَّ هذا لا يخرج المسألة عن كونها أصوليّة، فإنّنا قلنا: إنَّ ما يعتبر في المسألة الأصوليّة هو وقوعها في طريق الاستنباط، سواء اختصّ بباب من الفقه أو سرى في تمام الأبواب، فإنَّ جملة من المسائل الأصوليّة لا يترتّب عليها النتيجة، إلّا في أبواب خاصّة، كدلالة النهي عن العبادة على الفساد، فإنَّ هذا لا يجري في النهي عن العبادات، وكاجتماع الأمر والنهي، فإنّه مختصّ بما إذا كان هناك أمر ونهي، ولا يترتّب عليه فائدة في غير ذلك، فلا يعتبر في المسألة الأصوليّة ترتّب النتيجة عليها في تمام الأبواب.
قد يقال: إنَّ الطهارة والنجاسة أمران واقعيان كشف عنهما الشارع، والشكّ في طهارة شيء ونجاسته يكون شكّاً في الانطباق، فيكون من قبيل
ــــــــــ[206]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 337.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الشبهة الموضوعيّة المصداقيّة، والبحث عن حكم الشبهة المصداقية لا يكون في علم الأُصول.
والظاهر أنّه واضح الفساد، فإنَّه إن كان المراد من كونهما واقعيّين، يعني: هما حكمان شرعيّان ناشئان من مصلحة ومفسدة واقعيّان فهذا صحيح، فإنَّ الحكم الشرعي لا يكون جزافيّاً وبلا سبّب، بل لا بُدَّ من وجود المصلحة، لكن جميع الأحكام الشرعيّة كذلك، ولا يختصّ ذلك بالطهارة والنجاسة، فإنَّ وجوب الصلاة وحرمة شرب الخمر لا بُدَّ أن يكون ناشئاً من مصلحة ومفسدة_ إلّا على مسلك الاشاعرة_ فإنَّ العدليّة ذهبوا إلى لزوم وجود المصالح والمفاسد في متعلّقات التكاليف، أو على الأقلّ نقول: إنّ الأحكام ناشئة من المصالح في نفس الأحكام -كما مال إليه صاحب الكفاية(1)– فإذا شكّكنا في طهارة شيء ونجاسته فنشكّ أنَّ فيه مصلحة إلزاميّة دعت المولى إلى جعل الوجوب أو لا؟
وإن كان المقصود من كونهما واقعيّين أنّهما ليسا حكمين مجعولين، شأنهما في ذلك شأن رطوبة شيء وجفافه، أو حرارته وبرودته، ونحوها ممّا لا سبيل إلى معرفتها، ولكن الأطباء كشفوا عنها، فالطهارة والنجاسة من هذا القبيل أمران واقعيّان كشف عنها الواقع، كما كشف الأطباء عن خواصّ الأشياء، ككون شيء رطباً أو حارّاً أو مسهلّاً ونحوه.
إن أراد ذلك فهذا خلاف ظاهر الأدلّة، فإنَّ ظاهرها أنَّهما حكمان شرعيّان
ــــــــــ[207]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 278.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
مجعولان، غاية الأمر: أنَّهما من المجعولات الوضعيّة، فليسا بنفسهما من الأمور الواقعيّة. نعم، منشأهما واقعي، وهي: مصلحة الجعل الواقعيّة.
ولو سلّمنا هذا فرضاً، وأنَّ الطهارة والنجاسة أمران واقعيّان، وأنَّ الشكّ فيهما شكّ في الانطباق، وأنَّ هذا الشيء الفلاني مصداق أو لا، إلّا أنَّ هذا لا يجعلها شبهة موضوعيّة، فإنَّ الشبهة الموضوعيّة هو ما يكون المرجع فيها إلى العرف، كهذا ماء أو لا، وهذا خمر أو لا؟ أمّا أنَّ هذا طاهر أو نجس في الواقع فالمرجع فيه هو الشارع، كما أنَّ المرجع في أثر شيء من الحرارة والبرودة هو الطبيب، فالشبهة حكميّة لأنّنا لا نعني من الشبهة الحكميّة: إلّا الشبهة التي لا بُدَّ فيها من الرجوع إلى الشارع، بخلاف الشبهة الموضوعيّة التي يرجع فيها إلى العرف.
وكيف كان، فمسألة أصالة الطهارة مسألة أُصوليّة، ولكن لم يتكلّم فيها في علم الأُصول للتسالم عليها وعدم وقوع الكلام فيها.
ــــــــــ[208]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ثُمَّ إنَّ شيخنا الأنصاري(1) قسّم الشكّ في التكليف بعد ما حصر موارد الأصول في الشكّ في المكلّف به والشكّ في التكليف إلى ثمانية أقسام؛ لأنَّ هذا الشكّ من فقدان النصّ، أو من إجماله.
والإجمال إمّا من ناحية الحكم أو من ناحية المتعلّق، كالغناء مرتبة منه حرام يقيناً، ومرتبة منه نشكّ في حرمته لإجمال النصّ، أو كان الدالّ على الحكم مجملاً من قبيل: لا ينبغي، الذي لم نستظهر منه -فرضاً- التحريم، أو ما إذا كان الدليلان متعارضين فنشكّ في التحريم للمعارضة.
وقد تكون الشبهة من جهة الانطباق، يعني: الشبهة المصداقيّة، كالشكّ في أنّ هذا خمر أو لا. فهذه أربعة أقسام، وجميع هذه الأقسام كما يمكن تصويرها في الشبهة التحريميّة، كذلك يمكن تصويرها في الشبهة الوجوبيّة، إذ نشكّ في وجوب شيء. إمّا لعدم النصّ أو لإجماله أو تعارضها أو إجماله الخارجي.
فالشكّ في التكليف ينقسم إلى أقسام ثمانية، وقد يدور الأمر بين الحرمة وغير الوجوب، وأخرى بين الوجوب وغير الحرمة، وكلّ منها ينقسم إلى أقسام. ثُمَّ يذكر ما إذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة.
ــــــــــ[209]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 18.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وكان عليه أن يذكر أربعة أقسام غير ما ذكره، وهو: ما إذا علمنا بوجوب شيء أو حرمته أو إباحته، فهذا هو حكم الشكّ في الوجوب من دون إحراز الحرمة، والشكّ في الحرمة من دون إحراز الوجوب، يعني: يكون الشكّ في التكليف، فلا ندري أنَّ هذا واجب أو لا، أو أنَّ هذا حرام أو لا؟ فإن قلنا بالبراءة في الشبهة التحريميّة المحضة والوجوبيّة المحضة فنلتزم هنا أيضاً بالبراءة، فإنَّ الملاك موجود وهو الشكّ في التكليف وعدم العلم بجنسه لاحتمال الإباحة.
ولكن الصحيح هو ما ذكره صاحب الكفاية(1)، وهو: إلغاء هذه الأقسام بالكلّيّة، بأن يقال: إنَّ الشكّ في التكليف من أيّ سبب كان منشئه، فإنّه تجري فيه البراءة العقليّة والنقليّة، من دون فرق بين هذه المسائل، يعني: نبحث عن كبرى كلّيّة شاملة لتمام المسائل.
وكون جماعة من الإخباريّين قد وافقونا على جريان البراءة في جملة من مسائل الشبهة الوجوبيّة والتحريميّة الموضوعيّة، وخالفونا في بعضها كالتحريميّة الحكميّة، لا يكون سبّباً لكثرة الأقسام، بل الملاك فيها واحد، وهو: عدم وصول التكليف من قبل المولى، والقائل بوجوب الاحتياط يحتاج إلى إقامة الدليل، فإن أقامه فهو المتبع، وإلّا كان حكمه حكم غيره.
فلا بدَّ وأن يبحث في كبرى كلّيّة، وهي: ما إذا كان الشكّ في التكليف ولم يعلم حتّى جامع التكليف، يعني: الوجوب أو الحرمة من أيّ سبب كان الشكّ.
ــــــــــ[210]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 338.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
نعم، استثنى صاحب الكفاية(1) قسماً واحداً، وهو: ما إذا كان الشكّ في التكليف ناشئاً من التعارض، وذكر: -أنَّ هذا خارج عن مسألتنا، وداخل في باب التعادل والتراجيح- أنّ الصحيح هو الترجيح، فإن لم يكن فالتخيّير، ووجهه: أنَّ أصالة البراءة موردها عدم الدليل، وهناك الدليل موجود على الترجيح والتخيّير، فلا تصل النوبة إلى الأصل العملي وهو البراءة، فلذا أخرج هذه المسألة.
والظاهر(2) أنّه لا وجه لهذا الاستثناء، بل موضوع تعارض الدليلين أيضاً داخل في هذه الكبرى الكلّيّة، وتفصيل الشيخ صحيحٌ وإن كان ينبغي إدراج الكلّ في مسألة واحدة.
وذلك: أنَّ التعارض لا ينحصر في تعارض الخبرين، والشيخ إنّما فرض تعارض النصّين، وأدلّة الترجيح لو تمّت فهي خاصّة بتعارض الخبرين، وأمّا غير الخبرين من الأدلّة المتعارضة، كما لو وقع التعارض بين ظهور آيتين، فلا يمكن الرجوع في مثل ذلك إلى الترجيح ولا التخيّير، فإنّه قد سبق أن قلنا: إنَّ التعبّد بكلا الدليلين المتعارضين، ولا بأحدهما المعيّن لا يمكن؛ لامتناع الترجيح بلا مرجّح، ولا يمكن التعبّد بأحدهما غير المعيّن؛ لأنّه ليس فرداً ثالثاً،
ــــــــــ[211]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأُصول: 338.
(2) لخّص السيّد الأستاذ -بعد عطلة أسبوع لبرد ألمّ به- جملة ممّا سبق من كلام الشيخ، ثُمَّ ذكر مناقشة الآخوند له، حتّى وصل إلى كون تعارض النصّين خارج عن المسألة، وذكرها كما سبق. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فالأصل في التعارض هو التساقط، والرجوع إلى الأصل العملي، فلا فرق بين تعارض الدليلين وبين إجمال النص أو فقدانه، فإنَّ عدم تماميّة الدليل أمّا لفقدانه أو لإجماله أو لتعارضه، وفي جميع هذه الصور لم يتمّ الدليل والحجّة لم تتحقّق، فيكون المرجع هو الأصل العملي.
فما ذكر من الاستثناء مبني على تخيّل أنَّ التعارض ينحصر بالخبرين، ليقال: إنّه إذا كان بين الخبرين ترجيح أُخذ به وإلّا يتخيّر، ولكن التعارض لا ينحصر بذلك كما قدّمنا. إذن، فموارد التعارض أيضاً داخلة في هذه الكبرى.
بل لو فرضنا أنَّ التعارض بين الخبرين كان بالإطلاق لا بالعموم -كما بيّنا في محلّه في الدورات السابقة(1)– وأنَّ هذا ليس مورداً للرجوع إلى المرجّحات والتخيّير، فإنَّ المطلقات ليس التعارض بينها مستنداً إلى الأخبار، بل التعارض من جهة الإطلاق المبني على مقدّمات الحكمة، التي من جملتها عدم البيان، فمقتضى القاعدة هو التساقط، وعدم جريان المقدّمات لصلوح كلّ من الإطلاقين للبيان للآخر، ولا يرجع إلى الترجيح ولا التخيّير، فهذا أيضاً مورد للرجوع إلى البراءة إذا كان هناك تعارض بين إطلاقي الخبرين.
بل إذا كان التعارض في العموم الذي هو مورد الروايات المرجّحة فالأمر أيضاً كذلك في بعض الصور لا جميعها، فإنّا ذكرنا: أنّ تمام ما ورد في التخيّير والترجيح من الروايات كلّها غير معتبر سنداً ولا يعتمد عليها، إلّا رواية القطب الراوندي التي ذكرها الشيخ في التعادل والترجيح(2)، وذكرّها الحر
ــــــــــ[212]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 4: 363.
(2) انظر: فرائد الأُصول 4: 63، 64.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
العاملي في الوسائل(1) بسنده إلى القطب الراوندي، وهذه الرواية اشتملت على مرجّحين فقط هما: الترجيح بموافقة الكتاب فإذا لم يمكن الترجيح من هذه الجهة لعدم ذكر الحكم في القرآن فينظر إلى جهة الصدور، يعني: موافقة العامّة ومخالفتهم، فيؤخذ بما خالفهم.
فلو فرض أنَّ الروايتين المتعارضتين بالعموم متساويتين من كلا الجهتين، ولم يمكن الترجيح بأحد هذين المرجّحين، وبقيّة المرجّحات لم يثبت الترجيح بها، والتخيّير بينهما أيضاً لم يثبت، فإنَّ أدلّة التخيّير ضعيفة، فمقتضى القاعدة هو التساقط بين الدليلين.
إذن، توجد موارد كثيرة في الرجوع للأصل في مورد التعارض، فلا موجب لإخراج هذه الصورة من الكبرى، والجامع هو الشكّ في التكليف، ولم يثبت بعلم أو علمي، فيكون التكليف في مثل ذلك مورداً للأصل، وهذا الشكّ قد يكون ناشئاً من فقدان النصّ أو إجماله أو تعارضه. هذا هو الكلام في تنقيح محلّ البحث.
ــــــــــ[213]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 27: 118، باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة وكيفيّة العمل بها، الحديث: 29.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ثُمَّ لا يخفى أنَّ محلّ الكلام في المقام بين الأصوليّين والاخبارييّن ليس في الكبرى، فإنّنا لا نعلم أحداً يقول بجواز العقاب بلا بيان، فإنَّ المولى يعاقب عبده بمخالفة التكليف الواقعي، وإن كان غير واصل إلى العبد، فإنّنا لا نحتمل صدور ذلك من عاقل، فضلاً عن مسلم متديّن بحث المسائل، فالكبرى مسلّمة.
وإنّما الإخباري يدّعي قيام الحجّة على لزوم الاحتياط. إمّا بدعوى العلم الإجمالي بوجود التكاليف التحريميّة في الشريعة، وهو يوجب التنجيز في كلّ مورد احتملنا أنّه حرام في الواقع، لا لأجل منجّزيّة الاحتمال، بل لأنَّ الاحتمال لا بُدَّ من رعايته إن كان في الشبهة التحريميّة، أو لما ادّعاه: من دلالة الروايات على وجوب الاحتياط أو الوقوف عند الشبهة. ومعلوم أنّ هذا – لو تمّ- بيان من الشارع، ولا بدَّ من رعاية التكاليف الواقعيّة، ومعه لا يكون عقاباً بلا بيان، بل يكون عقاباً مع البيان، لأنَّ البيان قد تمّ من قبل الشارع بإيجاب الاحتياط.
فالكلام في الصغرى، وأنَّ العلم الإجمالي يمكن أن يكون بياناً، أو أنّه منحلّ بالعثور على المقدار المعلوم بالإجمال ويكون الباقي مورداً للأصول، وأمّا الروايات – فنستعرّض في مناقشة الإخباريّين – فإنّها بحسب القرائن الداخليّة ــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
والخارجيّة واردة في مقام الإرشاد دون الحكم المولوي، فإنَّ ذلك يختصّ بوجود العلم الإجمالي وبالشبهات قبل الفحص، كما سيأتي.
فإذا أثبتنا ذلك فالإخباري يوافقنا عليه، ولا ينكر قبح العقاب بلا بيان.
ــــــــــ[215]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
إلّا أنّه مع ذلك نبحث فيه تبعاً لشيخنا الأنصاري(1)، فإنّه استدلّ على البراءة مع الشك بالتكليف بأمور:
منها: قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً(3).
ومعلوم أنّ بعث الرسول كناية عن قيام الحجّة، وبلوغ الحكم إلى المكلّف، وأنَّ الله تعالى قبل قيام الحجّة لا يعذّب المكلّف، فالله تعالى يتمّ الحجّة ثُمَّ يعذّب، فالعذاب من دون بيان وحجّة لا يكون.
وقد استشكلّ على ذلك بوجهين:
الوجه الأوّل: أنّ مورد الآية هو العقاب الدنيوي الذي كان ينزل على الأُمم السابقة بعد تماميّة الحجّة عليهم، وكلامنا في العقاب الأُخروي، فما هو محلّ الكلام غير متعرّضة له الآية، وما تعرّضت له ليس مورداً للبحث.
ــــــــــ[216]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 22، 23.
(2) الإسراء: 15.
(3) الإسراء: 15.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الوجه الثاني: أنَّ كلمة (كنّا) نفي شيء في الزمن الماضي، فمن المحتمل أن يكون الزمن الآتي على خلاف ما سبق، وما المانع أن يكون العقاب في الآتي قبل مجيء الرسول؟ فلا دلالة للآية على ثبوت المطلب في جميع الأزمنة، فالدليل أخصّ من المدّعى.
ولعلّ الجواب عن ذلك واضح:
أوّلاً: فكون نفي العذاب الدنيوي يستلزم نفي العذاب الأخروي بطريق أولى، فالله تعالى إذا كان لا يعذّب عذاباً محدوداً مؤقّتاً ما لم تتمّ الحجّة، فكيف يعذّب عذاباً سرمديّاً أبديّاً، فإذا لم يكن العبد مستحقّاً للعقاب الدنيوي، فكيف يكون مستحقّاً للأخروي؟ فنفي الدنيوي يستلزم نفي الأخروي بطريق أولى.
ثانياً: أنَّ كلمة (كان) منسلخة عن الدلالة على الزمان جزماً، وتدلّ على أنَّ ذلك ممّا لا يناسب شأننا، كما هو موجود في التعابير العرفيّة: (إنّني ما كنت لأفعله) أي: لا يناسب شأني. ومنه: وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ(1) يعني: أنَّ ذلك لا يناسب مقام الربوبيّة. ومنه: وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ(2)، فإنّه يستفاد عرفاً أنَّ مدخول الجملة ممّا لا يناسب الفاعل، فهذا الإشكال ملغي.
ثالثاً: أنّ هذا البحث أصولي، والبحث فيه عن استحقاق العقاب وعدمه عند تنجّز التكليف وعدمه، والمنفي في الآية هو وقوع العذاب وَمَا كُنَّا
ــــــــــ[217]ــــــــــ
(1) التوبة: 115.
(2) الأنفال: 33.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً(1) فالمنفي هو فعليّة العذاب قبل تماميّة الحجّة. أمّا أنّه لا يستحقّ العقاب فلا دلالة لها عليه، فما هو محلّ الكلام لا تتكفّله الآية، وما تتكفّله ليس محل الكلام، هكذا قيل.
وممّا ذكرناه في مناقشة الوجهين السابقين يظهر جواب هذا أيضاً، لأنَّ المستفاد من الآية: أنَّ هذا لا يكون ممّا يليق بمقام الربوبيّة، وهذا معناه: أنّه لا استحقاق للعقاب، إذ لو كان الاستحقاق موجوداً فلماذا لا يليق، وما هو المانع من عذابه؟ فيستفاد أنّه لا يناسب مقام الربوبيّة مع عدم تماميّة الحجّة، لأنَّ الاستحقاق غير موجود، فهذا الإشكال أيضاً ساقط.
وقد أجاب شيخنا الأنصاري(2) عن هذا الإشكال: أنَّ الاستدلال بالآية يتمّ على ما هو المقصود من مناقشة الإخباريّين، فإنّ الاخباري يسلّم بوجود الملازمة بين نفي الفعليّة ونفي الاستحقاق، فإنَّه يستدلّ بروايات التثليث: “فإن الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتبع وأمر بين غيّه فيجتنب وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسول… إلى أن قال: هلك من حيث لا يعلم…” الخبر(3).
وظاهره الهلكة الخارجيّة، فإذا كانت الآية نافية لفعليّة العذاب فيتمّ الاستدلال، فإنَّ الإخباري يدّعي الفعليّة لا الاستحقاق.
ــــــــــ[218]ــــــــــ
(1) الإسراء: 15.
(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 23، 24.
(3) الكافي: 1: 68، باب اختلاف الحديث، الحديث: 10.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الإيراد الأوّل: أنَّ الاستدلال بالآية حينئذٍ يكون جدلاً لا برهاناً، فإنَّ الاخباري وإن قنع بأنَّ نفي الفعليّة يلازم نفي الاستحقاق، إلّا أنّه لا يكون برهاناً في نفس الأمر للأصولي الذي لا يرى هذه الملازمة.
الإيراد الثاني: لا يحتمل أنَّ الاخباري يدّعي هذه الملازمة، فإنَّ اقتحام الشبهات لا يزيد على المحرّمات المعلومة، فإنَّ الثابت في تلك الموارد هو الاستحقاق دون الفعليّة، إذ نحتمل أنَّ الله تعالى يغفر لشفاعة أو حسنة صدرت من العبد أو بلا سبّب، فإنه فعّال لما يريد، فالفعليّة غير معلومة في المحرّمات الفعليّة، فكيف في موارد الشبهات، فكيف يدّعي الاخباري الملازمة بين نفي الفعليّة ونفي الاستحقاق؟ إذن، قول الشيخ لا يتمّ، والصحيح ما ذكرناه.
استدل شيخنا الأنصاري بعد الآيات بالروايات، ومنه حديث الرفع، وعبّر عنه بالصحيح(2)، فقال: روي في الخصال بسند صحيح -كما عن التوحيد- رفع عن أُمتي تسعة أشياء الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وما لا
ــــــــــ[219]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 339.
(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 27.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه… الخبر(1).
وقد حكم العلامة(2) بصحّة جملة من الطرق التي فيها أحمد بن محمّد بن يحيى، وفي سند هذه الرواية هذا الراوي الذي هو من مشايخ الصدوق ويروي عنه كثيراً.
وروى الصدوق هذه الرواية مرسلةً في كتاب الفقيه(3)، ورواها الشيخ المفيد(4) في الاختصاص مرسلةً أيضاً، وصاحب الوسائل ذكرها في موردين أحدهما في جهاد النّفس(5) والآخر في الخلل في الصلاة(6)، وفي كليهما رواه عن الخصال عن أحمد بن محمّد بن يحيى.
وهذا الرجل لم تذكر وثاقته في كتب الرجال أصلاً، فإن اكتفينا في وثاقة الراوي بكونه من مشايخ الصدوق(7)، ولعلّ العلامة يكتفي بأقلّ من ذلك، كما
ــــــــــ[220]ــــــــــ
(1) التوحيد (للصدوق): 353، باب 56، الاستطاعة، الحديث: 24، الخصال 2: 417، رفع عن أمتي تسعة أشياء، الحديث: 9.
(2) انظر: تنقيح المقال 8: 113.
(3) من لا يحضره الفقيه 1: 59، باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه أو شكّ فيه، الحديث: 132.
(4) الاختصاص: 31، طائفة من أقوال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة.
(5) وسائل الشيعة 15: 369، باب 56، جملة مّما عفي عنه، الحديث: 1.
(6) وسائل الشيعة 7: 293، باب 37، عدم بطلان الصلاة بالوسوسة وحديث النّفس واستحباب ترك ذلك، الحديث: 2.
(7) انظر: مستدرك الوسائل 23: 479، تنقيح المقال 8: 113، معجم رجال الحديث 3: 120.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
تقدّم في بحث الفقه، وقلنا: إنّ العلامة يكتفي فيما إذا كان الراوي إماميّاً ولم يرد فيه قدح، ولا شكّ أنّ هذا الراوي من أوضح مصاديق هذا العنوان، فنحكم بصحّة رواياته، ولذلك صحّح العلّامة ما يرد عنه من الروايات.
ولكنّنا ذكرنا(1): أنّ هذا لا يكفي للحكم بالصحّة، ولا كونه شيخاً للصدوق، ولا إكثاره الرواية عنه، فإنّا ذكرنا: أنّ من مشايخ الصدوق ألعن خلق الله من النواصب، فكونه -يعني: أحمد بن محمّد بن يحيى- من مشايخ الصدوق لا يكفي في الحكم بالصحّة. إذن، لا يمكن الحكم بصحّة هذه الرواية.
نعم، رويت في الخصال المطبوع، وفيه: عن محمّد بن يحيى، ولا شكّ في وثاقته وعلمه وفضله، وأنَّه من أكابر الرواة وثقاتهم، إلّا أنَّ الشيخ الصدوق لا يمكن أن يروي عن محمّد بن يحيى بلا واسطة، فإنَّه من مشايخ الكليني، ولم يدركه الصدوق، ولم يرو عنه مباشرة، وإنّما يروي عنه بواسطة كابنه أحمد أو غيره، فلا شكّ أنَّ هذه النسخة مغلوطة، والنسخة الصحيحة ما روى عنها الشيخ الحرّ في الوسائل(2)، فإنّه روى عن احمد بن محمّد بن يحيى.
إذن، لا يمكن الاستدلال على ما نحن فيه من أنَّ الحكم الظاهري عند الجهل بالواقع هو الإباحة وإن الإلزام مرفوع.
نعم، ورد هذا العنوان: رفع عن أُمتي ستة -فأسقط الثلاثة الاخيرة،
ــــــــــ[221]ــــــــــ
(1) انظر: المباني في شرح العروة الوثقى 32: 362.
(2) وسائل الشيعة 15: 369، باب 56، جملة مّما عفي عنه، الحديث: 1.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وهي: الطيرة والحسد والوسوسة في الخلق- في رواية أخرى رواها صاحب الوسائل(1) بإسناده عن الشيخ، ورواها الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمّد بن عيسى في نوادره عن إسماعيل الجعفي عن أبي عبد الله، وطريق الشيخ إلى أحمد بن محمّد بن عيسى -ولا سيما إلى نوادره- صحيح، وقد رواها في أبواب اليمين في باب الإكراه، فإنَّه يمكن أن يقال: إنَّ هذه الرواية صحيحة، وفيها: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه.
ولكن الظاهر أنّ هذه الرواية أيضاً ليست بصحيحة، فإنّ سند صاحب الوسائل إلى الشيخ صحيح بلا إشكال، وسند الشيخ إلى النوادر لأحمد بن محمّد بن عيسى صحيح أيضاً، إلّا أنَّ الرواية مرسلة غير مسندة، فإنَّ أحمد بن محمّد بن عيسى بحسب العادة لا يمكن أن يدرك إسماعيل الجعفي، فإنّه يرويها في نوادره عن إسماعيل الجعفي عن أبي عبد الله.
وذلك: أنَّ إسماعيل الجعفي مردّد بين ثلاثة أشخاص إسماعيل بن جابر الجعفي، وإسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي، وإسماعيل بن عبد الخالق الجعفي، والأخيران ماتا في زمان الإمام الصادق، وأمّا إسماعيل بن جابر الجعفي فقد بقي إلى زمان موسى بن جعفر(2)، فإنّه من أصحاب الإمام الباقر وروى عنه، وكان في زمان الإمام الصادق من المسنّين، ولم يبقَ بعده إلّا قليلاً.
ــــــــــ[222]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 23: 237، باب 16، اليمين لا تنعقد في غضب ولا جبر ولا إكراه، الحديث: 3.
(2) إلا أنّه لم يدرك إلّا أوائله، ولم يبقَ إلى أيام الرضا. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وأحمد بن محمّد بن عيسى لم يذكر تاريخ ولادته ولا موته، إلاّ أنّه كان حيّاً عند موت البرقي، الذي مات سنة 174 أو 180 على الاختلاف الذي يذكره النجاشي، وقد خرج أحمد بن محمّد بن عيسى حافيّاً في تشييع جنازة البرقي، فكيف يمكن أن يروي هذا عمّن كان من أصحاب الإمام الباقر وروى عنه. إذن، فأحمد بن محمّد بن عيسى يروي هذا في نوادره عن إسماعيل الجعفي مرسلاً -لا محالة- بحذف الواسطة.
والذي يؤكّد ذلك: أنَّ النوري في المستدرك في جهاد النّفس ينقل عن نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى حديث الرفع، ويذكر من المرفوعات ثلاثة، وليس منها ما لا يعلمون، ويرويها عن إسماعيل الجعفي بواسطتين، هكذا(1): أحمد(2) بن محمّد بن عيسى في نوادره عن فضالة عن سيف بن عميرة عن إسماعيل الجعفي. وهذا يؤكّد ما ذكرناه من أنَّ احمد بن محمّد بن عيسى لا يروي عن إسماعيل الجعفي بلا واسطة، بل هناك واسطة ساقطة. إذن، لا يمكن الاستدلال بالحديث على شيء، هذا من جهة السند.
وأمّا من جهة الدلالة فيستدلّ بها على أنَّ الإلزام المجهول من وجوب أو تحريم مرفوع، وليس المراد من الرفع في مقابل الوضع الرفع الواقعي، كما هو شأن الأمارة إذا أخبرت عن عدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلاً، فإنّها
ــــــــــ[223]ــــــــــ
() مستدرك الوسائل 12: 24، باب 56، جملة ما عفي عنه، الحديث: 13404.
(2) وفيه: أنَّ هذا السند لرواية رفع أربع خصال، لا رفع ثلاثة، فراجع. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
تخبر عن عدم الوجوب واقعاً، أمّا هنا فالرفع ليس رفعاً للحكم الواقعي في مرتبة جعله، وذلك: لأنَّه خلاف العنوان المأخوذ في الموضوع، وخلاف الأدلّة الأخرى.
أمّا أنَّه خلاف العنوان الموضوع فإنَّ المفروض أنّنا نجهل بالحكم، ولو كان رفعاً واقعيّاً لعلمنا بعدم الحكم، وقد فرض في الحديث أنَّ هنا حكماً ثابتاً قد يصل إليه المكلّف فيكون معلوماً، وقد لا يصل فيكون مجهولاً. أمّا إذا كان غير موجود في الواقع فما معنى رفعه؟
وأمّا الأدلّة الخارجيّة فالأدلة الدالّة على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل وأنّه قد يصيبها الإنسان وقد يخطئها، تدلّنا على أنَّ الرفع في المقام ليس واقعيّاً، بل ظاهري، وبيان ذلك:
أنًّ الحكم الواقعي كما يمكن أن يجعله المولى يمكن أن لا يجعله، كذلك في مرحلة الشكّ أيضاً يمكن أن يجعل الوجوب المعبّر عنه: بالوجوب الظاهري، ويمكنه أن يرفعه، وهو المعبّر عنه: بالترخيص الظاهري، فكما أنَّ جعل الحكم ونفيه واقعاً بيد الشارع كذلك في مرحلة الظاهر، فإنَّ للشارع الوضع والرفع.
وقد ذكرنا في أوّل بحث الظنّ(1): أنَّه لا تنافي بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري، وأنَّه يمكن أن يكون الشيء حراماً أو واجباً واقعاً ويكون مباحاً ظاهراً، فمقتضى هذا الحديث: أنَّ كلّ حكم مجهول -وإن كان ثابتاً في الواقع- هو في ظرف الشكّ وعند الجهل مرفوع، فالمجعول هو الترخيص دون الإلزام.
ــــــــــ[224]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 10: 162.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وممّا يدلّ على أنّ الرفع ليس واقعيّاً، وإنّما هو ظاهري: أنّه لا إشكال من أحدٍ في حسن الاحتياط في موارد الشكّ، سواء في الشبهة الوجوبيّة أو التحريميّة، الحكميّة منها والموضوعيّة، فلو كان المرفوع هو الإلزام واقعاً، فما معنى الاحتياط؟ فإنَّ الاحتياط لا يكون احتياطاً إذا كان الواقع ثابتاً على حاله، وكان الاحتياط لرعايته، فيكون الرفع ظاهريّاً، ولازم رفع الإلزام هو الترخيص لا محالة(1)، فيكون ترخيصاً ظاهريّاً شرعيّاً، ويضادّه إيجاب الاحتياط، فإنَّ الإيجاب الواقعي لا يجتمع مع الإباحة الواقعيّة، وكذلك الترخيص ظاهراً لا يجتمع مع الإلزام ظاهراً، فإنّهما متضادّان سواء أضيفا إلى الحكم الواقعي أو الظاهري. نعم، الترخيص الظاهري والإلزام الواقعي يجتمعان، كما ذكرنا في بحث الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة(2).
ومن هنا يظهر أنَّ المرفوع بالحديث هو نفس الحكم في مرحلة الظاهر، ولازمه الترخيص الظاهري، ولازمه عدم إيجاب الاحتياط، لا أنّ المرفوع هو إيجاب الاحتياط، كما ذكر شيخنا الأنصاري(3)، فإنّه تكليف بلا موجب، بل نفس المشكوك فيه وهو الوجوب أو التحريم، وهو المرفوع ظاهراً، ولازم رفعه أنَّ الفعل مرخّص فيه، ولازم الترخيص أنَّ الاحتياط غير واجب، فعدم وجوب الاحتياط من لوازم الرفع، لا أنّه مرفوع ابتداء بالحديث.
ــــــــــ[225]ــــــــــ
() لعدم إمكان ارتفاعهما في الموضوع القابل لهما. (المقرّر).
(2) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 10: 238 – 243.
(3) انظر: فرائد الأُصول 2: 34.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ولعلّ صاحب الكفاية يريد ما ذكرناه، إذ يقول(1): إنَّ الإلزام المجهول مرفوع فعلاً، وإن كان ثابتاً واقعاً، فلعلّه يريد بقوله: (فعلاً). أنَّه مرفوع بحسب الوظيفة الظاهريّة، وإلّا فقد ذكرنا: أنَّ الجهل والعلم أجنبيّان عن فعليّة الحكم، وإنّما فعليّته بفعليّة موضوعه.
نعم، لو فرضنا أنّنا شكّكنا في إيجاب الاحتياط في مورد فكان المشكوك فيه هو إيجاب الاحتياط، لا الوجوب الواقعي، كما لو شكّكنا في أنّه في الأموال
-مثلاً- فهل يجب الاحتياط أو لا يجب؟ وفحصنا فلم نجد دليلاً على الوجوب، فهنا يمكن أن يقال: إنَّ المرفوع هو إيجاب الاحتياط، فإنّ المشكوك هو ذلك، والحديث يتكفّل رفع المشكوك فيه، فإن كان المشكوك حكماً واقعيّاً يكون مرفوعاً في مرحلة الظاهر، وإذا كان المشكوك إيجاب الاحتياط فهذا يكون مرفوعاً.
ولكن من المعلوم أنَّ الشيخ لا يريد ذلك، بل يريد: أنّنا إذا شكّكنا في الحكم الواقعي فيكون المرفوع هو إيجاب الاحتياط دون الوجوب الواقعي.
هذا، والاستدلال بحديث الرفع مبني على أنَّ يراد بكلمة (ما) الموصولة خصوص الحكم، فـ(رفع ما لا يعلمون) يعني: رفع الحكم المجهول، أو يراد به: الجامع بين الحكم والموضوع، فيكون المعنى: أنَّ كلّ شيء مجهول فهو مرفوع، سواء كان حكماً أو موضوعاً، فبناء على الاختصاص أو التعميم يمكن الاستدلال بالحديث على البراءة الشرعيّة في الشبهات الحكميّة، فيقال: إنّ الدعاء عند رؤية
ــــــــــ[226]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 345، 436.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الهلال مجهول فهو مرفوع، وخمريّة المايع الخارج مجهولة فهي مرفوعة.
وأمّا إذا اختصّ الموصول بالموضوع الخارجي فيختصّ الرفع بالشبهة الموضوعيّة لا محالة، فإنَّ المجهول هو الفعل، وظاهر النسبة أنَّه مجهول بنفسه، لا أنّه مجهول حكمه، فرفع ما لا يعلمون، يعني: رفع الفعل الذي لا يعلم عنوانه، فلا نعلم أنَّ هذا شرب خمر أو شرب ماء. إذن، يختصّ الرفع بالشبهات الموضوعيّة، ولا دليل على البراءة في الشبهات الحكميّة التي هي محلّ الكلام بيننا وبين الإخباريّين.
وأمّا في الشبهة الموضوعيّة فلم يقع كلام في جريان البراءة فيها.
وقد يقال: بتعيّن ذلك(1)، وإنَّ المرفوع هو الفعل الخارجي، وذلك: بقرينة وحدة السياق، فإنَّ هذه(2) الكلمة قد كرّرت في الحديث مراراً، ولا شكّ أنَّ كلمة (ما) في غير (ما لا يعلمون) أُريد به الفعل جزماً، إذ لا معنى للاضطرار على الحكم والإكراه عليه أو كون الحكم مّما لا يطاق، وكلّ ذلك من الأوصاف العارضة لأفعال المكلّفين، فإنّ الفعل هو الذي قد يكون مكرهاً عليه أو مضطراً أو ممّا لا يطاق، فإذا أُريد بكلمة (ما) ذلك في الجملات(3) كان هو المراد في (ما لا يعلمون) بقرينة السياق، وعليه: فلا يشمل الحديث الشبهات الحكميّة بل يختصّ بالشبهة الموضوعيّة.
ــــــــــ[227]ــــــــــ
() وذلك لوجوه، أحدهما: الفعل الذي لا يعلمونه. (المقرّر).
(2) يعني: ما الموصولة. (المقرّر).
(3) يقصد: الجمل.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ولا أقلّ من أن يكون هذا من احتفاف الكلام بما يحتمل كونه قرينة، فلا ينعقد ظهور بالعموم، فلا يمكن أن يقال: إنّ كلمة (ما) عامّة للحكم والموضوع أو خاصّة بالحكم.
والجواب عن ذلك ظاهر:
أوّلاً: أنَّ كلمة (ما) قد استعملت في جميع هذه الجمل بمعنى واحد، فإنّها من الألفاظ المبهمة، وإنّما يعرف المراد منها من الصلّة، فالمستعملة فيه معنى واحد هو المرادف لكلمة شيء، فيكون المعنى: الشيء الذي استكرهوا عليه، والشيء الذي اضطروا إليه، والشيء الذي لا يعلمون، فالمستعمل فيه معنى واحد، والاختلاف إنّما هو بالملحقات، فيكون فيما استكرهوا عليه ونحوه مّما لا ينطبق إلَّا على الفعل الخارجي، فإنَّ الشيء الذي يستكره عليه الإنسان، أو يضطر إليه ليس هو إلّا الأفعال.
وفيما لا يعلمون المستعمل فيه أيضاً هو الشيء، وما يتعلّق به الجهل يمكن أن يكون منطبقاً على الحكم، ويمكن أن يكون منطبقاً على الموضوع، والجهل
-كما ذكرنا- يمكن أن يكون منطبقاً على الحكم من جهة فقد النصّ أو إجماله أو تعارضه أو من جهة الشكّ في الانطباق، فإذا قال: (ما أكلته أو ما شربته) يختصّ بالمأكول والمشروب بقرينة الأكلّ والشرب، وإذا قيل: (ما اشتريته) يعمّ ذلك وغيره، فكلمة (ما) لم تستعمل في معنيّين، بناءً على شمول الحديث للشبهات الحكميّة، حتّى يقال: إنَّ السياق لا يستقيم، وإنّما المستعمل فيه معنى واحد، والاختلاف في التطبيق باعتبار اختلاف السياق.
ــــــــــ[228]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فلو قال: (ما تركه زيد فلورثته) و(ما تركه عمر لورثته) فالمستعمل فيه معنى واحد، وإن كان قد يفرض أنَّ ما تركه زيد هو الكتب، وما تركه عمرو هو العقار، فينطبق الموصول على كلّ مورد بخصوصه، مع كون المستعمل فيه معنىً واحداً.
إذن، فلا موجب لرفع اليد عن إطلاق كلمة (ما)، فيكون شاملاً للحكم أيضاً، فيقال: إنَّ حرمة التتن ممّا لا يعلم، وما لا يعلم مرفوع، فهذا مرفوع.
ثانياً: قد يناقش في دلالة حديث الرفع، فيقال: إنَّ نسبة الرفع إلى ما استكرهوا عليه ونحوه نسبة مجازيّة لا حقيقيّة، فإنّ الفعل الخارجي غير قابل للرفع في الخارج، فإنّه معلوم أنَّ الفعل الخارجي موجود في الخارج تكويناً فلا يرتفع تشريعاً، فالنسبة مجازيّة، والمراد نفي الحكم بلسان نفي موضوعه، يعني: أنَّ الفعل المضطر إليه لا حكم له وهو الحرمة، والفعل المكره عليه كذلك، وهكذا، والنسبة إلى الفعل مجازيّة فهي واقعة إلى غير ما هو له.
وأمّا في (رفع ما لا يعلمون) لو أُريد الحكم، فيكون مصبّ الرفع هو الحكم، فالنسبة حقيقيّة والإسناد حقيقي، فإنَّ الحكم المجعول بنفسه مرفوع، وإن رفعه ووضعه بيد الشارع واقعاً وظاهراً وهذا لا يمكن، فلا يمكن أن يجمع بين الأمرين لتكون النسبة في بعض هذه المرفوعات مجازيّة والإسناد مجازيّاً، وفي أُخرى حقيقيّةً؛ لا لأجل اختلاف السياق، بل لأجل اجتماع الجميع في جملة واحدة، وهي قوله: “رفع عن أُمّتي تسعة...”، فيقال: إنَّ نسبة الرفع إلى التسعة نسبة مجازيّة لا حقيقيّة، فإنَّ الجمع بين النسبتين لا يمكن، والمجازيّة
ــــــــــ[229]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
غير ممكنة أيضاً، باعتبار أنَّ نسبة الرفع إلى الحكم حقيقيّة، والإسناد حقيقي، والنسبة الحقيقيّة غير ممكنة أيضاً، فإنَّ نسبة الرفع إلى الباقي غير حقيقيّة.
فلا مناص من أن يقال: إنَّ المراد بكلمة (ما لا يعلمون) الفعل الذي لا يعلمون، لكي يكون النسبة في الجميع واحدة وهي مجازيّة، ولا يكون هنا محذور بعد اجتماع الجميع في نسبة.
وهذا أيضاً لا يمكن المساعدة عليه، لأمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ النسبة المجازيّة في غير (ما لا يعلمون) مبنيٌّ على أن يراد من الرفع الرفع في الخارج تكويناً، بمعنى: رفع ما استكرهوا عليه في الخارج، مع أنَّه لا يقبل الرفع التكويني، فحينئذٍ يصحّ أن يقال: إنَّ الإسناد مجازي، باعتبار أنّه موجود في الخارج تكويناً، فالرفع ادعائي باعتبار رفع حكمه، وهو معنى: رفع الحكم بلسان نفي الموضوع، فتكون النسبة مجازيّة.
وأمّا إذا أُريد من الرفع الرفع في مقام التشريع فلا يعتبر الشارع هذا مصداقاً لذلك الفعل، فشرب الخمر المكره عليه لا يراه الشارع مصداقاً لشرب الخمر، فهو كأنّه ليس بخمر، باعتبار أنَّ الشارع نفاه في عالم التشريع لا التكوين، فالنسبة حقيقيّة في الجميع. إذن، فنسبة الرفع إلى التسعة تكون حقيقيّة والاستناد الحقيقي، فلا يكون هنا مانع منه.
الأمر الثاني: لو سلّمنا أنَّ الرفع ناظر إلى عالم التكوين لا التشريع، فتكون النسبة في غير ما لا يعلمون مجازيّة، وفيه حقيقيّة، فهذه النسبة الحقيقيّة والمجازيّة إنّما تلاحظ بالنسبة إلى مرحلة والإثبات، لا في مرحلة التحليل
ــــــــــ[230]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
والّلبّ، فلو قيل: إنَّ نسبة الرفع فيما استكرهوا عليه مجازيّة، وفيما لا يعلمون حقيقيّة، لكنها ليس كذلك في المجموع، بل نسبة الرفع إلى الرفع مجازيّة، فإنّه منسوب بنسبة واحدة، وحيث إنَّ بعض الرفع بنفسه وبعضه بحكمه، فلو جمع المجموع فالنسبة إلى المجموع من حيث المجموع تكون مجازيّة لغير ما هو له.
فإنّ العبرة في مقام الإسناد الحقيقي والمجازي هو مقام الكلام، لا في مقام التحليل، وحيث إنَّ النسبة واحدة تكون مجازيّة، لأنَّ رفع الجميع لا يكون حقيقيّاً، فتكون النسبة مجازيّة من دون الالتزام بالجمع بين النسبة الحقيقيّة والمجازيّة.
وهذا كما لو قلنا: جرى الماء والميزاب، فإنَّ هذا التعبير لا مانع عنه، فإنَّ الإسناد وإن كان إلى الماء صحيحاً والى الميزاب مجازيّاً، فإذا اسند إلى الجميع لا يلزم الجمع بين النسبتين، بل يكون إسناداً مجازيّاً إلى غير ما هو له، فهذه المناقشة ساقطة.
ومنها: أنَّ كلمة الرفع تناسب أن يكون المرفوع أمراً ثقيلاً، ومعلوم أنَّ ما هو الثقيل على المكلّف إنّما هو الفعل، باعتبار أنّه يوجب إيقاع المكلّف في الكلفة، فالمناسب أن يكون الرفع مستنداً إلى الفعل نفسه، فيكون المعنى: رفع الفعل المجهول، وأمّا الإلزام فهو من أفعال الشارع ولا ثقل فيه على المكلّف بوجه، وإنَّما الثقل في الإتيان بالواجب وترك الحرام؛ ولذا يختصّ بالشبهة الموضوعيّة، ولا يعمّ الحكميّة.
ــــــــــ[231]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
إلّا أنَّ هذا المناقشة أيضاً غير صحيحة، والوجه في ذلك: أنَّ الثقل وإن كان في الفعل نفسه دون الإلزام، إلّا أنّه يصحّ إسناد الرفع إلى الحكم نفسه باعتباره سبّباً للثقل، فإنّه إذا كان السبّب ثقيلاً وموجباً للكلفة فيصحّ إسناد الرفع إلى سبّب هذا وأثره بلا عناية، فيصحّ أن يقال: رفعت هذا الإلزام، أو رفعت المؤاخذة باعتبار رفع سبّبها، فإسناد الرفع كما يصحّ أن يسند إلى الفعل نفسه، كذلك يصحّ أن يقال: إنَّ الإلزام مرفوع، لأنّ الثقل نشأ من قبل الإلزام، وإلّا لو كان المكلّف مختاراً في الفعل والترك لم يكن فيه ثقل أصلاً، فيقال: رفع الإلزام بلا عناية.
إذن، فلا تكون كلمة الرفع في الحديث قرينة على اختصاصه بالفعل المجهول، بل يشمل الحكم المجهول أيضاً.
وقد يقال في وجه الاختصاص بالشبهات الموضوعيّة: إنَّ الرفع والوضع متقابلان، فما ينسب إليه الرفع ينسب الوضع إليه، فحديث: (رفع عن أُمتي تسعة) بمعنى: لم يوضع عليهم، ومعلوم أنَّ الوضع يناسب أن يستند إلى الفعل فيقال: إنَّ الفعل موضوع على المكلّف، ولا يقال: وضع الوجوب عليه، بل يقال: الفعل وضع على ذمّة المكلّفين، كقوله تعالى: لِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ(1)، فما كان قابلاً للوضع هو الذي يستند إليه الرفع، فيكون المقصود ممّا لا يعلمون الفعل المجهول، باعتبار أنَّ الرفع يناسب ذلك.
ــــــــــ[232]ــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وهذا أيضاً ليس بصحيح أيضاً، والوجه في ذلك: أنَّ ظرف الوضع والرفع يختلف، فيقال: وضع في ذمّة المكلّف أو رفع عن ذمّته، فإذا كان ظرف الوضع والرفع ذمّة المكلّف فما يكون قابلاً للرفع والوضع في ذمّته هو الفعل، كقوله تعالى: لِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ، فقد وضع على ذمّتهم الحجّ، فيكون المرفوع هو الفعل.
وقد يكون ظرف الرفع والوضع -الذي معناه الجعل- هو الشريعة والقانون، فيقال: هذا مرفوع في الشريعة والقانون، والمناسب لهذا هو الحكم لا الفعل، فيقال: إنَّ الحكم موضوع أو مجعول في الشريعة، أو إنّه مرفوع في الشريعة. ومعلوم أنَّ ظاهر: (رفع عن أُمتي تسعة) أنّه في مقابل الأمم السابقة، وظاهر بالامتنان على هذه الأُمّة، فيكون الرفع باعتبار جعل القانون والتشريع الإسلامي، فما لا يعلمون مرفوع في الشريعة. ومعلوم أنَّ المناسب هو رفع الحكم، فيكون الرفع مستنداً إليه، فهذه المناقشة أيضاً غير واردة.
وقد يناقش أيضاً في شمول الحديث للشبهات الحكميّة، بأنّ شموله للشبهات الموضوعيّة لا إشكال فيه ولا خلاف، فإذا تردّد أمر الفعل الخارجي بين المحرّم وغير المحرّم، فهو مرفوع وهو مجرى للبراءة، ولم يخالف في ذلك أيّ أصولي أو إخباري، فإذا أريد بكلمة (ما) الفعل الخارجي فهو جزماً شامل للشبهة الموضوعيّة، فإذا قلنا: إنَّه شامل للحكميّة أيضاً يلزم استعمال اللفظ في
ــــــــــ[233]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
أكثر من معنى واحد، فإنّه قد يراد بها(1) الفعل الخارجي باعتبار الشبهة الموضوعيّة، والحكم الشرعي باعتبار الشبهة الحكميّة، فهذا جمع بين معنيّين في كلام واحد، وهو غير ممكن.
والجواب ظهر ممّا تقدّم:
أوّلاً: أنَّ كلمة (ما) لم تستعمل في معنيّين، بل بمعنى واحد مرادف للفظ الشيء، فالمستعمل فيه معنى واحد، وأنّه قد ينطبق على الموضوع الخارجي في الشبهة الموضوعيّة، والحكم الشرعي في الشبهة الحكميّة.
وثانياً: أنّه إذا بنيّنا على عموم الحديث للشبهات الحكميّة والموضوعيّة، لا يلزم أن تكون (ما) مستعملة في الحكم والموضوع معاً، بل نقول: إنَّ الظاهر ممّا لا يعلم أنّه مرفوع بنفسه وهو الحكم، وإن كانت (ما) مستعملة بمعنى واحد وهو الشيء، إلَّا أنَّ المراد به الحكم، فقد يكون الحكم مجهولاً لفقدان النصّ أو نحوه فتكون الشبهة حكميّة، وقد يكون مجهولاً من جهة الشكّ في الانطباق على الأمر الخارجي فتكون الشبهة موضوعيّة، فينسب الرفع في كلا الحالين إلى الحكم نفسه، فليس ذلك من استعمال اللفظ في أكثر من معنى.
فالمتحصّل ممّا ذكرناه: أنّه مع غض النظر عن المناقشة في السند، فإنَّ دلالة الحديث على جريان البراءة في الشبهة الحكميّة واضحة، ولا مجال للمناقشة في ذلك.
ــــــــــ[234]ــــــــــ
() يعني: ما الموصولة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
قد يقال: إنَّ الرفع لا يصحّ استعماله في مورد الحديث، إذ من المعلوم أنَّ هذه الأمور في الحديث لم تكن مجعولة من أوّل الأمر، بل الرفع عن الأمّة دفع، فلم تكن حدوث الأحكام ثابتة من أوّل الأمر، فما لا يعلمون وما لا يطيقون أو الخطأ أو النسيان وغيرها، كلّ ذلك مرفوع عن هذه الأمّة بأجمعها دون بعضهم، فلم يكن الحكم ثابتاً في زمان ليكون مرتفعاً بعد ذلك، ومعلوم أنَّ الرفع يقابل الدفع، فإنَّ الدفع هو المنع من الأوّل، والرفع هو منع الشيء بعد وجوده، فكيف يصحّ استعمال الرفع في مورد الحديث، مع عدم ثبوت الحكم من الأوّل؟
وبعبارة أُخرى: أنَّ الرفع يكون بعد تحقّق أثر المقتضى خارجاً ثُمَّ يرتفع، والدفع يكون بممانعة المقتضي، فلا يكون المعلول من أوّل الأمر، وهذه الرواية ينطبق عليها الدفع لا الرفع، فكيف استعمل الرفع فيها؟
أجاب عن ذلك شيخنا الأستاذ(1) بما هو مفصّلاً في بحث الضدّ، وحاصله: أنّ الرفع عين الدفع، وليس بينهما فرق أصلا، وأمّا أنّ الدفع يمانع المقتضي، والرفع يرفع المعلول خارجاً، فهو مبني على أساس باطل، وهو: أنَّ المعلول
ــــــــــ[235]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 255.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
مستغني في بقاءه عن المؤثّر، وإنّما يحتاج في حدوثه إلى العلّة، ثُمَّ يبقى مستمراً على طبعه، ولو تمّ ذلك لأمكن الفرق بينهما، ففي موارد الرفع يرتفع المعلول ولا يكون مزاحماً للمقتضي، وفي موارد الدفع يكون مزاحماً له، فإنّما يصحّ الفرق بينهما على هذا الأساس.
إلّا أنَّ هذه الدعوى لا أساس لها، فإنَّ الممكن كما يحتاج إلى العلّة في حدوثه، كذلك يحتاج إليها في بقائه، إذ من المعلوم أنَّ وجه الحاجة إلى العلّة هي الإمكان، فكما أنَّ حدوث المعلول في الآن الأوّل كان محتاجاً إلى العلّة، فكذلك بقاؤه في الآن الثاني محتاج إلى العلّة، ولا ينقلب الممكن بحدوثه واجباً، بل يحتاج في بقاءه إلى علّة، فكما أنَّ الدافع يزاحم المقتضي في التأثير، كذلك الرافع يزاحم المقتضي في تأثيره، غاية الأمر: أنّ الدافع يزاحم المقتضي في الحدوث، والرافع يزاحمه في البقاء، فلا فرق بينهما حقيقة.
وهذا الذي أفاده وإن كان صحيحاً، فإنّنا قلنا: إنَّ الأمر كذلك، وإنّ الممكن محتاج إلى المؤثّر في حدوثه وبقاءه، إلّا أنّ الظاهر أنَّ هذا بحث عقلي فلسفي، ولا ربط له بمداليل الألفاظ، فإنَّ الدفع وضع(1) في لغة العرب للمنع
ــــــــــ[236]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ هذا الوضع لهاتين الكلمتين من الأوضاع التعيّينيّة الفلسفيّة، ولا يفهم أهل اللغة ذلك، فإنَّ لهذين اللفظين معناهما المتبادر، وليس هو ذلك المعنى المدّعى، فمناقشة النائيني لهذا المعنى من ناحية فلسفيّة مناقشة صحيحة، إلّا أنَّ الرفع في الحديث غير متعرّض لهذه المعاني المدّعاة أساساً، وإنّما يشير إلى المعنى اللغوي الصحيح، وهو: حمل الثقل بعد ما يكون فيه مقتضى الوضع بحسب إطلاق الأدّلة الأوّليّة، فأفهم واغتنم. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
عن الأثر من أوّل الأمر، والرفع موضوع للمنع بعد الحدوث، يعني: للمنع عن البقاء، فكلاهما من هذه الجهة سواء، فإنَّ الدافع والرافع كلاهما يمنع عن المؤثّر وعن المقتضي في تأثيره، إلّا أنّه بحسب وضع اللفظ وضع الرفع للمنع عن تأثير المقتضي بقاء، والدفع وضع للمنع عن تأثير المقتضي حدوثاً، فالإشكال باق على حاله.
والذي يمكن أن يقال في مقام دفع هذا الإشكال وجهان:
الوجه الأوّل: أنَّ الرافع هو الله سبحانه، وهو الذي رفع هذه الأحكام عن هذه الأمّة، وصدق الدفع باعتبار ثبوت هذه الأحكام في الشرائع السابقة، فيما لو كانت ثابتة في الجملة في الشرائع الإلهيّة السابقة، فيكون هذا كافياً في صدق الرفع، ولا حاجة إلى صدق ثبوتها في هذه الشريعة.
أو يقال: إنّه مع قطع النظر عن ذلك، لا يصدق الرفع بمعناه الحقيقي_ وإن كان لا يكون في المقام_ باعتبار أنَّها لم تثبت ولو آناً ما، لكن يصدق الرفع بالعناية، وذلك: لثبوت المقتضي، إذ لولا الامتنان بالرفع لكانت هذه الأحكام ثابتة لثبوت مقتضياتها(1).
فيصحّ أن يقال: إنَّها رفعت باعتبار أنَّها كانت قريبة من الوجود، ولكنّها رفعت امتناناً، فيمكن أن يقال: إنَّ الشيء الفلاني رفعه زيد، باعتبار أنَّه كان قريباً من الوقوع، فيفرض كأنَّه وقع وارتفع، فيصدق الرفع بالعناية، وإن لم يصدق بالمعنى الحقيقي.
ــــــــــ[237]ــــــــــ
() وهي إطلاقات الأدلّة الأوّليّة أو المصالح في المتعلّقات. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الوجه الثاني: أنَّ الرفع المذكور في الرواية، وإن كان مسنداً إلى الأُمور التسعة، وكلّها تشترك في صدق رفع الحكم المجهول والفعل المضطر إليه والمكره عليه والخطأ والنسيان وغيرها، إلّا أنَّ الرفع يختلف باختلاف الموارد.
أمّا بالنسبة إلى ما لا يعلمون فقد ذكرنا أنَّ الرفع ظاهري لا واقعي، فالواقع محفوظ لم يرتفع، وإنّما هو مرفوع في ظرف الجهل، وقلنا: إنّه لا تنافي بين الرفع ظاهراً والثبوت واقعاً، كما بيّنا ذلك في وجه الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة، وقلنا(1): بأنَّ الرفع هنا ظاهري من دون فرق بين الشبهات الموضوعيّة والحكميّة، ولو كان في الموضوعيّة أوضح؛ إذ في الحكميّة تلزم شبهة التصويب، واختصاص الأحكام بالعالمين بها، وهو باطل جزماً، وأمّا في الشبهة الموضوعيّة فلا يلزم التصويب؛ إذ لا مانع من تخصيص النجاسة بمعلوم الخمريّة، والقول بأنَّ ما شكّ في خمريّته طاهر.
ولكن ظاهر الرفع أنَّ هنا شيء واقعي مجهول للمكلّف، ويمكن الاحتياط عليه في الشبهات الموضوعيّة، فهذا إن كان بولاً في الواقع فهو نجس، وإن كان في الظاهر طاهراً فالرفع فيما لا يعلمون رفع ظاهري، مع التحفّظ على الواقع في الشبهات الحكميّة والموضوعيّة.
وأمّا في غير ما لا يعلمون فالرفع واقعي، ولذا كان الحديث حاكماً على إطلاقات الأدلّة، فمقتضى إطلاق الأدلّة -مثلاً- أنَّ الكفارة تترتّب على شيء، فيكون هذا الحديث مقيّداً لتلك الأدلّة بالمتعمّد، ومخرجاً منها الناسي والمكره
ــــــــــ[238]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 10: 238 – 243.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
والمضطر، إلّا إذا كان الحكم مجعولاً على عنوان الخطأ والنسيان، ككفارة القتل الخطأ وسجدتي السهو ونحوها.
فظاهر الدليل أنَّ الفعل الصادر عن إكراه ونسيان لا حكم له في الشريعة، فالمعاملة الواقعة عن إكراه يحكم ببطلانها واقعاً، ولا يترتّب عليها الملكيّة والزوجيّة، فالرفع في بقيّة الموارد رفع واقعي، وأمّا في ما لا يعلمون فالرفع ظاهري، والواقع باقٍ على حاله.
ويترتّب على ذلك: لو تبدّل العنوان في غير ما لا يعلمون لا يستكشف أنَّ الحكم كان من الأوّل على نحو آخر، بل يكون من قبيل تبدّل الموضوع، كما لو أصبح المسافر حاضراً أو بالعكس، كما لو أكره على فعل، ثُمَّ ارتفع الإكراه، فيتبدّل الموضوع ويرجع الحكم، مع أنَّه كان عند الإكراه مباحاً واقعاً، ولكن فيما لا يعلمون لو أتى بشيء وانكشف خلافه بعد ذلك، ينكشف أنَّ ما أتى به لم يكن مصداقاً للواقع من أوّل الأمر، غايته: كان هنا حكم ظاهري، وانتهى أمده وانكشف وجود الواقع من الأوّل.
فلو شكّ في أنَّ السورة جزء في الصلاة، ولم يجد دليلاً على الجزئيّة، وقلنا: بأنَّ أصالة البراءة تقتضي عدم تقيّد الصلاة بالسورة، فيصلي بغير سورة، ثُمَّ انكشف له باجتهاد أو تقليد أنَّ السورة جزء من الصلاة، فينكشف -طبعاً- أنّه يأت بالمأمور به من أوّل الأمر؛ لأنّ عدم تقيّيد الصلاة بالسورة كان حكماً ظاهريّاً لا واقعيّاً، وكان الحكم الواقعي ثابتاً ولم يكن مرتفعاً. إذن، فالاجزاء يحتاج إلى دليل، وإنّ ما أتى به على طبق الحكم الظاهري مجزٍ عن الحكم
ــــــــــ[239]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الواقعي، ولا يحتاج إلى إعادة. وقد تقدّم الكلام عنه مفصّلاً في بحث الأجزاء(1)، وإلّا لو لم يدلّ دليل على الاجزاء لا بُدَّ من الإعادة.
وهذا بخلاف بقيّة الموارد، فإنّه يكون من تبدّل الموضوع، واختلاف الحكم باختلافه.
أنَّ الرفع لا يختصّ بالحكم التكليفي، بل يعمّ كلّ ما كان قابلاً للوضع والرفع، فيكون مرفوعاً بلا فرق بين التكليف والوضعي، فلو فرضنا أنّه أكره على البيع أو الطلاق، فإنّه لا يقع في الخارج، فإنّه مكره عليه، والمكره عليه مرفوع، فكأنّه لم يطلق ولم يبع ماله.
كما أنَّ الحديث يعمّ متعلّقات التكاليف وموضوعاتها، فإنَّ الفعل الخارجي قد يكون متعلّقاً للحكم، وقد يكون موضوعاً له، وقد يجتمع الأمران كالإفطار في شهر رمضان، وفعل أحد منافيّات الإحرام في الإحرام، فإنّه متعلّق للحرمة وموضوع لوجوب الكفارة، فلو ارتكب مفطراً أو منافيّاً للإحرام إكراهاً أو اضطراراً يرتفع الحكم التكليفي والوضعي، فيفرض هذا الفعل في عالم التشريع كالعدم، فهو لم يرتكب حرامّاً فلا يجب عليه كفارة، فبالإكراه ونحوه يرتفع كلا الحكمين الوضعي والتكليفي، بلا فرق بين المتعلّق والموضوع.
إلّا أنَّ في شمول الحديث للمتعلّقات تفصيل، وهو: أنَّ متعلق الحكم قد يكون من قبيل مطلق الوجود، فيكون كلّ فرد متعلّقاً للحكم كما في النواهي،
ــــــــــ[240]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 348 – 351.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فإنَّ التحريم بطبيعته ينحلّ إلى النواهي العديدة، فيكون كلّ فرد متعلّقاً للحكم، ففي مثل هذا شموله(1) واضح، فلو أكره على محرّم يسقط الحكم عن هذا الفرد، وأمّا غيره فلا يسقط عنه؛ لأنّه ليس مكرهاً له، وسقوط الحرمة عن فرد لا يقتضي سقوطها عن فرد آخر.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ متعلّق الحكم هو صرف الوجود، كما في موارد الأحكام الوجوبيّة، كوجوب الصلاة، فإنَّ التكليف متعلّق بصرف الوجود بين الحدّين، وإلّا فإنّ الأفراد الخارجيّة غير محكومة بحكم، وإنّما هو مجرّد أفراد للطبيعة الواجبة، لا أنّه واجب، فلو تعلّق الإكراه أو الخطأ أو النسيان بفرد منه، فلم يتمكن من الصلاة أوّل الوقت لإكراه أو نسيان، فإنَّ هذا لا يوجب سقوط التكليف عن الطبيعة.
والوجه في ذلك واضح: فإنَّ ما تعلّق به الإكراه وهو الفرد ليس بمتعلّق للحكم، وما هو متعلّق له وهو الطبيعة الجامعة بنحو صرف الوجود لم يتعلّق به الإكراه ولا النسيان.
نعم، لو فرضنا أنّه تعلّق النسيان بترك الصلاة في مجموع الوقت أو الإكراه كذلك، فإنَّ الوجوب يرتفع بذلك لا محالة، لأنّه أُكره على ترك الواجب، أي: على ترك صرف الوجود، فلا يعاقب على ترك الواجب لعدم منشئه، وهو: الوجوب.
ومن هنا يظهر حال الواجبات الظنّيّة الأجزاء، فلو أُكره على التكلّم في
ــــــــــ[241]ــــــــــ
() يعني: الحديث. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
أثناء الصلاة أو اضطر إليه لا يمكن أن يقال: إنَّ صلاته محكومة بالصحّة بحديث الرفع، لأنّ الفعل المكره عليه مرفوع.
والوجه في ذلك: أنَّ الاكراه قد تعلّق بالتكلّم في هذه الصلاة، وقد فرضنا أنّه لم يتعلّق به تكليف، بل التكليف متعلّق بصرف الوجود، فما أُكره عليه لا حكم له، وما له حكم لم يكن مكرهاً عليه ولا مضطراً إليه.
إلّا أنّه قد يتوهّم أنّ حديث الرفع لا مانع من شموله لذلك، باعتبار أنّه يرفع المانعيّة والقاطعيّة بالنسبة إلى هذا الوجود، فإنّ الكلام بما أنّه محدّد عن إكراه وحكم الكلام هو القاطعيّة، فإذا كان مكرهاً عليه فإنَّ هذا الحكم يرتفع.
إلّا أنّ هذا لعلّه واضح الفساد، فإنَّ القاطعيّة حكم وضعي منتزع من تقيّد المأمور به بعدم ذلك الشيء، فالصلاة المأمور بها بما أنّها مقيّدة بعدم الكلام، فيقال: إنّه قاطع للصلاة أو مانع عنها، فإذا فرضنا أنَّ المأمور به هو الطبيعي، لا هذا الفرد فبالنسبة إلى الطبيعي لم يضطر إليه، وبالنسبة إلى الفرد لم يتعلّق به حكم.
وبعبارة أُخرى: القاطعيّة والمانعيّة غير مجعولة بنفسها، بل هما منتزعان من الحكم التكليفي، وهو تقيّد الواجب بالعدم، فما هو المأمور به ليس فيه إكراه، وما فيه إكراه ليس مأموراً به، فيحكم ببطلان الصلاة، وإن كان تكلّم عن إكراه أو اضطرار أو غيره من القواطع كالقهقهة والحدث واستدبار القبلة.
والوجه في ذلك: أنَّ حديث الرفع يرفع الحكم المتعلّق بذلك الحكم(1)، أو
ــــــــــ[242]ــــــــــ
() المراد: أنَّ الحديث يرفع حكم نفس ما أُكره عليّه مّما هو موضوع أو متعلّق للحكم، ولا يرفع أمراً آخر غير مكره عليه، أو غير متعلّق به، أو موضوعاً للحكم. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الموضوع له، والأفراد الخارجيّة لصرف الوجود، فلا تكون متعلّقة لحكم أبداً.
وأمّا إذا فرضنا أنّ المانع قد استوعب تمام الوقت، كما لو نسي جزءاً في مجموع الوقت، أو اضطر إلى تركه كذلك، بحيث لم يتمكّن من الإتيان بالواجب الجامع لتمام الأجزاء والشرائط في مجموع الوقت، فلا ينبغي الشكّ في سقوط التكليف الأوّل بحديث الرفع، فهو ليس مكلّفاً بالصلاة المقيّدة بهذه القيود، ولكن هل يكون الفاقد مأموراً به أو لا؟
فيه كلام، ففي مثل الصلاة علمنا من الخارج أنّها لا تسقط بحال، لكن الكلام من حيث القاعدة، فهل إنَّها تقتضي سقوط الواجب رأساً، أو يسقط هذا القيد، ويجب الإتيان بالمأمور به؟
الذي يتكفّله حديث الرفع إنّما هو رفع التكليف بالفعل المكره عليه أو المضطر إليه. أمّا الأمر بالباقي فلا يستفاد منه، بل لا بُدَّ فيه من دليل آخر، كما في مثل الصلاة، إذ علمنا أنَّها لا تسقط بحال، أو غيرها بحسب قاعدة الميسور.
ولكنّه قد يقال في المقام: إنّ الساقط هو الجزئيّة والشرطيّة، فإنّهما حكمان مجعولان شرعاً، فإذا دلّ الدليل على أنَّ كلّ حكم تكليفي ووضعي يرتفع بالإكراه والاضطرار وغيره، فمقتضى ذلك سقوط الشرطيّة والجزئيّة عن الجزء المضطر إليه، فإنَّ المضطر إليه أو المكره عليه إنّما هو ترك هذا الجزء أو الشرط، وأمّا الباقي فلم يتعلّق بها إكراه واضطرار، فلا موجب لسقوط أوامرها، وبما أنَّ الساقط هو خصوص هذا الحكم فيقتصر في سقوط الحكم عليه، وأمّا جزئيّة الباقي وشرطيّته فهي على حالها، فيكون الأمر بالباقي موجوداً.
ــــــــــ[243]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
إلّا أنّ هذا لا يمكن أن نساعد عليه، والوجه في ذلك: أنَّ الشرطيّة والجزئيّة وإن كانا حكمين مجعولين -وقلنا: إنَّ الحديث يعمّ الأحكام التكليفيّة والوضعيّة- إلّا أنّهما حكمان وضعيّان منتزعان من الحكم التكليفي، فالشرطيّة منتزعة من الأمر بالمقيّد، والجزئية منتزعة من الأمر بالمركّب، فهما غير مجعولين استقلالاً، بل مجعولان تبعاً للأحكام التكليفيّة بالمقيّد أو المركّب، فالشرطيّة والجزئيّة غير مجعولين بأنفسهما، وإنّما هما مجعولان بالتبع. إذن، فثبوتهما بثبوت الأمر ورفعهما برفع الأمر، ومعنى رفع الشرطيّة: رفع الأمر بالمقيّد، ومعنى رفع الجزئيّة: رفع الأمر بالمركّب.
فإذا دلّ الدليل على رفع الفعل الصادر عن إكراه أو اضطرار أو نسيان، فمعناه: أنّ الأمر بالمركّب مرفوع، ولا يعاقب الله تعالى على مخالفته؛ لأنّه لا أمر، فإذا اضطر إلى ترك جزء أو شرط في مجموع الوقت، فلا يعاقب على ترك الواجب؛ لأنّه لا أمر بالمركّب أو المقيّد. فحديث الرفع إنّما يدلّ على سقوط الأمر بالمركّب أو المقيّد.
أمّا أنّ الباقي واجب فيحتاج إلى دليل، والحديث لا يتكفّله. إذن، لا يمكن إثبات الأمر بالباقي بهذا الحديث. نعم، دليله أنَّ الصلاة لا تسقط بحال، ولا مانع من شموله في خصوص الصلاة دون غيرها، والبحث كبروياً عن ذلك يأتي في مبحث قاعدة الميسور.
وقد يقال: إنّ الحديث وإن لم يثبت الأمر من جهة سقوط الجزئيّة والشرطيّة ، فإنّهما غير قابلتين للجعل استقلالاً، ولا للرفع كذلك، بل رفعهما
ــــــــــ[244]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ووضعهما بوضع المركّب أو المقيّد ورفعه، إلّا أنّ الإخلال بجزء أو بشرط موضوع لوجوب القضاء، فإذا أخلّ بشرط أو جزء فيلزم القضاء لا محالة، وقلنا: إنَّ حديث الرفع كما يشمل متعلّق الأحكام يشمل موضوعاتها أيضاً، وبما أنَّ الإخلال بالشرط والجزء موضوع لوجوب القضاء فيشملها الحديث، ويدلّ على أنَّ ترك شرط أو جزء نسياناً أو خطأ أو إكراهاً ونحوه لا يجب فيه القضاء على المكلّف، فإنَّ الإخلال موضوع لوجوب القضاء فيرتفع وجوبه، فإذا ارتفع وجوب القضاء حكمنا بصحّة العمل وأنَّ الأمر متعلّق بالباقي، إذ لا نعني بالصحّة إلّا هذا.
ولكن هذا الوجه لعلّه واضح الفساد: فإنَّ القضاء غير مترتّب على الإخلال بجزء أو بشرط، وإنّما هو مترتّب على فوت الفريضة في الوقت، وسنبيّن أنَّ الفوت لا يكون مشمولاً ولا مرفوعاً بالحديث، فإذا فات الواجب لنسيان أو خطأ أو اضطرار، فإنّ القضاء لا يسقط بذلك، فوجوب القضاء مترتّب على فوت الفريضة في الوقت، وهو لا يشمله الحديث.
ما الفرق بين مورد (ما لا يعلمون)، وموارد الإكراه والاضطرار ونحوها؟ فإنّ شمول حديث الرفع للإكراه وغيره إذا لم يترتّب عليه الأمر بالباقي وصحّته، فلماذا يحكم بصحّته في رفع ما لا يعلمون؟ وكيف نثبت وجوب الباقي بعد جريان البراءة عن الجزئيّة أو الشرطيّة؟ فإنَّنا لو رفعنا الجزئيّة أو الشرطيّة بما لا يعلمون، فمعناه: سقوط الأمر بالمركّب. أمّا الباقي فلا دليل على وجوبه.
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فلو صحّ ما ذكرناه من الاضطرار والإكراه والنسيان فلا نلتزم بصحّة العبادة، فيما إذا رفعنا الجزئيّة أو الشرطيّة بالحديث، فكيف يمكن الحكم بصحّة الباقي لو رفعناه، باعتبار كونه ممّا لا يعلم؟ وما الفرق بين موارد الجهل بالتكليف، وبين موارد الإكراه ونحوه؟
الفرق واضح، فإنَّه إذا أكره على ترك جزء أو اضطر إليه، فنقول: إنّ الجزئيّة مرتفعة بالحديث، ومعناه: أنَّ الأمر بالمركّب من الجزء المضطر إلى تركه ومن غيره مرتفع، وأمّا أنَّ الأمر بالباقي موجود فيحتاج إلى دليل، ونفس الحديث لا يثبت به الأمر بالباقي، وبالوجدان ليس لنا علم بالأمر بالباقي، إذ نحتمل أنَّ التكليف ساقط أصلاً، وأنَّ الجزئيّة والشرطيّة مطلقة، كما هو الحال في الطهارة، فإذا لم يتمكن من الصلاة عن طهور سقط الأمر بالصلاة رأساً.
وأمّا في موارد (ما لا يعلمون) فالمفروض أنَّ المأمور به مردّد بين الأقلّ والأكثر، يعني: الأقلّ مأمور به يقيناً، ولكن لا ندري أنَّ الأمر تعلّق بهذه الأجزاء على نحو لا بشرط، سواء أتينا بالسورة أو لم نأت بها، أو مقيّدة بشرط شيء بالنسبة إليها، فالشكّ شكّ في الإطلاق والتقيّيد، وأمّا أصل الأمر فهو معلوم وجداناً، وبأصالة البراءة عن الجزئيّة والشرطيّة يثبت الإطلاق، وأنَّ المأمور به في مرحلة الظاهر غير مقيّد بالسورة، فالأمر ثابت بالوجدان ولا يشمله الرفع، والحديث يثبت إطلاقه.
وأمّا في موارد الاضطرار والإكراه فليس لنا علم بالأمر أبداً، إذ نحتمل أنّ تكون الجزئيّة والقيّديّة مطلقة، وعلى هذا التقدير لا يكون الباقي مأموراً به.
ــــــــــ[246]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فهذا هو الفارق بين موارد الإكراه والاضطرار ونحوه، وبين موارد الجهل والشكّ الذي يكون مجرى للبراءة في الشبهات الحكميّة والموضوعيّة.
إنّ الحديث يتكفّل نفي الحكم عن الموضوع، فيثبت له الحكم لولا هذا الحديث، فلو دلّ دليل على حرمة شيء فالحديث يرفعه في الموارد التسعة المرفوعة، فإذا اضطر إلى ارتكاب ما هو حرام في نفسه بقطع النظر عن الاضطرار، فإنَّ التحريم يرتفع لا محالة.
وكذلك في الأحكام الوضعيّة، فلو أُكره على بيع داره أو طلاق زوجته وقد كان هذا العقد محكوماً في الشريعة بالنفوذ لولا الإكراه، فبحديث الرفع ترتفع صحّة هذين العقدين.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ متعلّق الإكراه ليس له حكم في نفسه، فهو ليس محكوماً بحكم إلزامي أو وضعي ليرتفع بالحديث، فلو فرضنا أنَّه تعلّق الإكراه بمثل ذلك، فإنّه لا يوجب الإكراه جعل حكم من الشارع، فإنَّ الحديث يتكفّل الرفع دون الإثبات، فلو أراد بيع داره فأكرهه على ترك البيع فلا يمكن أن يُقال: إنَّ الحديث يحكم بانتقال الدار إلى المشتري بلا بيع، فإنّ عدم البيع لم يكن محكوماً بحكم في الشريعة، لا بحكم إلزامي ولا حكم وضعي، حتّى يقال: إنَّه يحكم بانتقال ماله بنفس القصد والنيّة تمسّكاً بالحديث، فإنَّ حديث الرفع إنّما يرفع الحكم الإلزامي، أو الوضعي المترتّب على الشيء في نفسه، وأمّا إذا لم يكن متعلّق الإكراه موضوعاً لحكم إلزامي أو وضعي فالحديث لا يثبت له الأثر،
ــــــــــ[247]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فإنّه لا يجعل غير المؤثّر مؤثرّاً، وإنّما يجعل المؤثّر غير مؤثّر.
ومن هنا يظهر حكم الإكراه على البيع الفاسد في نفسه، فإنّه لا يمكن الحكم بصحّة هذا البيع من جهة الإكراه، فإنَّ البيع الفاسد لا أثر له في نفسه، وتعلّق الإكراه به لا يجعله ذا أثر.
إنَّ الحديث يتكفّل رفع الحكم الثابت لفعل المكلّف على نحو يكون الفعل متعلّقاً للتكليف أو موضوعاً له على نحو الإطلاق من غير تقيّيد بالعمد وغير العمد، وبالخطأ وغيره، وبالإكراه وغيره، فهذا الحكم الثابت للفعل من دون قيد يكون حديث الرفع حاكماً عليه، فيختصّ بغير هذه الموارد.
أمّا إذا كان الحكم ثابتاً للفعل بوصف العمد، فمعلوم أنّه يرتفع في موضع الخطأ والنسيان بنفسه من دون حاجة إلى حديث الرفع، كما في مثل من أفطر في شهر رمضان متعمّداً فعليه الكفارة، فلو أفطر عن غير عمد فيرتفع الحكم بنفسه. نعم، لو أُكره على الإفطار عمداً يرتفع الحكم بالحديث.
وكذلك إذا كان الحكم مترتّباً على أحد هذه العناوين(1) كسجود السهو على زيادة جزء ونقيصته، فلا يمكن رفعها بالحديث، لأنّ الخطأ والنسيان موجب للرفع، وما كان سبّباً للرفع لا يكون موضوعاً للحكم، والمفروض أنّه أصبح
ــــــــــ[248]ــــــــــ
() المأخوذة في الحديث. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
موضوعاً للحكم، لأنَّ السجدة جعلت على الساهي بما هو ساه، فلا يكون مرتفعاً بالحديث.
وكذلك مثل جعل الديّة على قتل الخطأ التي جعلت عليه بوصف كونه خطئاً، فلا يمكن أن يرتفع بالحديث.
إنّ الحديث إنّما يرفع الحديث عن فعل المكلّف الصادر عن أحد هذه العناوين، فإنّ الموضوع في جميع هذه الموارد إنّما هو الفعل الذي هو موضوع لحكم فيما إذا أُكره عليه أو اضطر إليه، أو صدر عن خطأ أو نسيان فيرتفع حكمه، فإذا فرضنا أنَّ الموضوع أمر جامع بين عمل (فعل) المكلّف وغير عمله (فعله)، فيتحقّق في الخارج من دون استناد إلى المكلّف، فهذا لا يرتفع حكمه لأنّه ليس من الأفعال، فمثل النجاسة المترتّبة على ملاقاة النجس مع الرطوبة، سواء كانت الملاقاة بفعل المكلّف أو بغير فعله، كما لو تحقّق في الخارج من دون أن يكون مستنداً إلى فعل المكلّف، كما لو بالت هرّة على ماء أو ثوب، فإنّه يتنجّس الثوب لا محالة، فإذا صدر خطأ، بأن لاقت يده النجسة ثوبه خطأ أو عن نسيان فلا يمكن الحكم بعدم النجاسة بمقتضى حديث الرفع.
وقد ذكرنا: أنّ الحديث لا يختصّ بالأحكام التكليفيّة، بل يعمّ الأحكام الوضعيّة، فيتوهّم أنّ لازم ذلك هو الحكم بعدم نجاسة الثوب، لأنَّ الملاقاة حصلت بإكراه أو نسيان ونحوهما، فكلّ ذلك لا يكون لأنّ الموضوع ليس هو فعل المكلّف، والمرفوع في الحديث هو أفعال المكلّفين، وأمّا غيره فلا يكون
ــــــــــ[249]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الحديث ناظراً إليه أبداً.
إذن، لا نحتاج إلى دعوى الإجماع على أنّ النجاسة لا ترتفع بالملاقاة خطأ أو نسياناً أو إكراهاً أو اضطراراً، كما ذكر شيخنا الأستاذ، فكأنّه رأى أنّ الحديث يشمل مثل ذلك، ولكن الإجماع يخرجه، لأنّ تنجّس الملاقي لا يفرق فيه بين العمد وغيره.
ومعلوم أنّه ليس في المقام إجماع تعبّدي، وإنّما الوجه في عدم شمول الحديث، هو: أنَّ موضوع الحكم بالنجاسة إنّما هو الملاقاة مع الرطوبة، وهو ليس بفعل المكلّف ليرتفع حكمه.
وأيضاً لا بُدَّ أن يكون الحكم المرفوع في هذه الموارد كالإكراه أو النسيان أو الاضطرار أو الخطأ فيه امتنانٌ، فلو فرض أنَّ الرفع ليس فيه امتنان، بل الوضع فيه امتنان، لا يكون الحكم مرفوعاً بالحديث، فإنَّ صدر الحديث “رفع عن أُمتي تسعة” واضح أنّه في مقام المنّة، وأنَّ الله تعالى رفع هذه الأُمور عن هذه الأمّة إكرامّاً لرسول الله، فلو فرضنا أنَّ الرفع لا يكون فيه منّة، وكانت المنّة في وضع الحكم فلا يكون مرفوعاً بالحديث.
فلو أُكره على بيع داره فرفْع هذا الحكم امتناني بلا إشكال؛ لأنّه على خلاف رضا المالك، وإنّما وقع بإكراه الجائر، فالحكم بعدم انتقال المال إلى المشتري موافق للامتنان، و كذلك لو أُكره على طلاق زوجته وهو لا يرضى بالطلاق أيضاً لا يكون مرتفعاً، وأمّا لو اضطر إلى بيع داره لكثرة ديونه
ــــــــــ[250]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وابتلاءاته، فإذا حكم عليه ببطلان هذا البيع لا يكون منّة أبداً، بل على خلاف الامتنان، لأنّه وإن كان مضطراً إلى البيع، إلّا أنّ بيع الدار كان مقدّمة لنجاته، فلو أجبره جائر على دفع كمّيّة من المال، كضريبة أو جزاء على مخالفة قانون مثلاً أو لا يمكنه أن يدفعه إلّا ببيع داره، فهو مضطر إلى بيع الدار دفعاً لما هو أفسد من قتل أو حبس، فلو حكم عليه -والحالة هذه- بفساد البيع يكون على خلاف الامتنان لا محالة.
أو مثلاً لو ابتلى بمريض ولم يكن له مال، إلّا أن يبيع داره، فلو حكم عليه بفساد البيع -لأنَّ الله رفع ما اضطروا إليه- كان ذلك خلاف الامتنان، فالامتنان في موارد الاضطرار إلى البيع يقتضي الحكم بصحّة البيع لا بفساده.
إذن، فيفرق بين الاضطرار والإكراه، فيحكم في الاضطرار بالصحّة، وبالفساد في الإكراه.
لا بدَّ أن يكون الامتنان على جميع الأمّة، لا على شخص دون اخر، فلو كان رفع الحكم منّة على شخص ولم يكن كذلك بالإضافة إلى شخص آخر، فمثل هذا الحكم لا يكون مرفوعاً، لأنَّ ذلك لا منّة فيه على الأمّة، والحديث قال: رفع عن الأمّة.
فلو أتلف أحد مال غيره خطأ أو نسياناً أو لإكراه أو اضطرار، ففي مثل ذلك ترتفع حرمة التصرّف في مال الغير بلا إشكال من جهة أحد هذه العناوين، ولا يقع هذا الفعل منه محرّماً، وأمّا الضمان فلا يرتفع بذلك، وإن
ــــــــــ[251]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
كان الحديث يشمل الأحكام الوضعيّة، إلّا أنّه لا يمكن الحكم بارتفاع الضمان، باعتبار أنَّه تلف عن إكراه أو اضطرار، والفعل المكره عليه لا حكم له فلا ضمان عليه، فلا يمكن هذا القول؛ لأنَّ الرفع وإن كان فيه امتنان بالنسبة إلى المتلف، إلّا أنّه خلاف الامتنان بالنسبة إلى صاحب المال، فكيف يمكن الحكم بأنَّ مال المسلم هدر، ولا يكون فيه ضمان؟ فبما أنَّ الحكم بعدم الضمان على خلاف الامتنان بالنسبة إلى صاحب المال فلا يكون مشمولاً للحكم بالرفع.
إذن، نحكم بالضمان لإطلاق: (من أتلف مال الغير فهو له ضامن)، ولا يكون هذا الحديث حاكماً عليه.
إنَّ البراءة الشرعيّة على تقدير ثبوتها وعدم المناقشة في السند، هل تختصّ بالواجبات أو تعمّ المستحبات؟ فإنَّ البراءة العقليّة لا إشكال في اختصاصها بالشبهات الوجوبيّة والتحريميّة أو الملفقة، فإنَّ البراءة العقليّة عبارة عن قبح العقاب بلا بيان، ومن المعلوم أنَّ المستحبات ليس في مقطوعها عقاب، فضلاً عن المشكوك استحبابه.
فهل البراءة الشرعيّة مثل: (رفع ما لا يعلمون) أو (ما حجب الله علمه عن العباد فهو مرفوع عنهم) تعمّ المستحبات؟
قد يقال: يمكن التمسّك بإطلاق قوله: (رفع ما لا يعلمون) فإنّه يعمُّ ما إذا كان الحكم إلزاميّاً أو غير إلزاميٍّ، فإذا كان الحكم غير إلزامي، فيمكن رفعه بالحديث، باعتبار أنَّ المستحب حكم شرعي مجعول.
ــــــــــ[252]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ولكن الظاهر أنَّ حديث الرفع وغيره من أدلّة البراءة الشرعيّة غير شامل للمستحبات، والوجه في ذلك: أنَّ الوضع والرفع متقابلان، بعد أن علمنا باستحباب الاحتياط فيما إذا شكّ في وجوب شيء أو شكّ باستحباب شيء، فلا بأس من الإتيان به رجاءً، والاحتياط فيه أمر راجح. إذن، لا نحتمل إيجاب الاحتياط بعدما كان التكليف استحبابيّاً، فالحكم الظاهري المجعول في مورد المستحبات هو استحباب الاحتياط، فكيف يمكن أن يقال بشمول حديث الرفع لها؟ فإنّ معنى شموله له: أنّ الاستحباب مرفوع ظاهراً، وهذا معناه: أنَّ الاحتياط غير مجعول استحباباً، وهذا لا يمكن.
وبعبارة أُخرى: أنَّ الرفع والوضع فيما إذا كان الحكم غير إلزامي لا يجتمعان.
وعلى ذلك تختصّ البراءة الشرعيّة في مورد الشكّ في الأحكام الإلزاميّة، نعم، إذا شكّكنا في جزئيّة شيء أو شرطيّته في مستحب، بنحو الشكّ في الأقلّ والأكثر، فبالنسبة إلى الواجب تجري البراءة العقليّة والشرعيّة معاً، على ما نبيّن عند البحث في الشكّ بين الأقلّ والأكثر، فإنَّ الجزئيّة والشرطيّة قابلة للجعل والرفع، فلا مانع من شمول حديث الرفع لها.
وكذلك تجري البراءة الشرعيّة بالنسبة إلى جزئيّة شيء في المستحب أو شرطيّته له، فإنَّ المستحب وإن جاز تركه في نفسه، إلّا أنَّ جواز الإتيان به فاقداً للجزء المشكوك مشكوك فيه.
وبعبارة أخرى: أنَّ أصل الفعل وإن كان مستحباً فيجوز تركه من أصله،
ــــــــــ[253]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
إلّا أننّا نحتمل أن يكون شيء شرطاً فيه أو جزءاً فلا يستحب الإتيان به بدونه، فكما لا يجوز الإتيان بالنافلة من غير قراءة أو بدون وضوء، فإنّها وإن كانت نافلة، إلّا أنّ المكلّف إذا أراد الإتيان بها فلا بُدَّ أن يأتي بها بتمام أجزائها وشرائطها، ولا يمكن الإتيان بها بدونها، وهذا معنى الوجوب الشرطي.
فلو شكّكنا أنَّ نافلة مشروطة بالسورة -بعد الفراغ عن أنّ السورة جزء من الفريضة- أو مشروطة بالاستقرار أو بالاستقبال فمرجع هذا الشكّ إلى الشكّ في مشروعيّة هذا العمل، وجواز الإتيان به فاقداً للجزء المشكوك فيه، وبهذا الاعتبار يكون مجرى للبراءة، وبجريانها يحكم بعدم الجزئيّة ظاهراً، فيجوز أن يأتي بالنافلة الفاقدة بقصد الأمر، وإضافتها إلى المولى بمقتضى حديث الرفع.
إذن، فالصحيح هو التفصيل بين ما إذا كان الشكّ باستحباب شيء مستقلّاً فلا تجري البراءة، وبين ما إذا كان الشكّ في جزئيّة شيء أو شرطيّته فتجري البراءة الشرعيّة لرفعه.
إنَّ هذه الرواية التي ذكرها في الوسائل في كتاب الأيمان، والمشتملة على رفع ستة عناوين -منها: ما لا يعلمون- مرويّة عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن إسماعيل بن جابر، وقلنا: إنَّ هذه الرواية بحسب اتصال السند لا بأس بها، فإنَّ طريق صاحب الوسائل إلى الشيخ صحيح، وطريق الشيخ إلى نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى صحيح أيضاً، لا أنّ هذا يرويه عن إسماعيل بن جابر بلا واسطة.
ــــــــــ[254]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وقلنا: إنّ هذا غير ممكن، فلا بُدَّ أن يكون في السند إرسال، واستشهدنا بما في المستدرك من اشتماله على راويين آخرين بينهما، هما: فضالة وسيف بن عميرة.
والذي ينبغي التنبيه عليه، هو: أنّه في ذيل الفقه الرضوي روايات مبوّبة على أبواب، إلّا أنَّ جامعها وراويها مجهول، فذهب المحقّق النوري(1) إلى أنَّ هذا بعينه هو نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى، ويقول: أنَّ كلّ ما نقل عن نوادره موجود في هذه الروايات.
فإذا علمنا أنَّ هذا الكتاب هو نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى، فهذه الروايات -على ما لاحظناها يروي صاحب الكتاب كائناً من كان- عن فضالة عن سيف بن عميرة عن إسماعيل بن جابر، ثُمَّ يروي عدّة روايات، ثُمَّ يقول: وعن الحلبي … إلى أن يقول: وعن إسماعيل بن جابر، فهذه الروايات فيها تعليق يعود إلى الأوّل، فيكون المذكور فيها واسطتين، زيادةً على ما ذكره في الوسائل في كتاب الإيمان عن النوادر عن إسماعيل بن جابر، فكأنَّ صاحب الوسائل -والله العالم- لم يلتفت إلى التعليق، فتخيّل أنَّ هذه الرواية رواها أحمد بن محمّد بن عيسى عن إسماعيل بن جابر فنقلها مرسلاً، إلّا أنَّ من لاحظ الروايات يجدها من باب التعليق.
فإذا صحّ ما ذكره المحقّق النوري من أنَّ هذا هو نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى -وإن كان لا طريق لنا إلى تصديق ذلك- إذن، فالواسطة معلومة،
ــــــــــ[255]ــــــــــ
(1) مستدرك الوسائل 19: 295.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فصاحب النوادر يروي عن فضالة عن سيف بن عميرة عن إسماعيل بن جابر عن أبي جعفر، فالرواية تكون صحيحة، ولكن الجزم مشكل بأنَّ نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى هو هذا الكتاب بعينه، فليس لنا طريق إلى الكتاب. هذا تمام الكلام في حديث الرفع.
واستدل على البراءة بحديث الحجب(1)، وهو قوله: “مَا حَجَبَ اللَّـهُ عِلْمَهُ عَنِ الْعِبَادِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُم”(2). ورواه في الوسائل في كتاب القضاء(3) فيما يكون مدركاً للفتوى، وذكره بطريقين:
الطريق الأوّل: وهو للصدوق، ومبدؤه شيخه أحمد بن محمّد بن يحيى. وفيه كلام، فإنّه لم يوثق. نعم، الشيخ الصدوق يروي عنه كثيراً، فإذا كفى ذلك في ثبوت الوثاقة فهو، وإلّا فهو ليس بحجّة.
الطريق الثاني: ما رواه في الوسائل عن الكافي، يعني: عن محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى بلا واسطة، فإنَّ محمّد بن يحيى هو شيخ الكليني، ويروي عنه بلا واسطة، وابنه أحمد شيخ الصدوق، فيروي عن أبيه بالواسطة، فالرواية صحيحة من جهة السند.
ــــــــــ[256]ــــــــــ
() لم يرد الحديث في كلام السيّد. (المقرّر).
(2) التوحيد (للصدوق) 413، باب 64، التعريف والبيان والحجّة والهداية، الحديث: 9.
(3) وسائل الشيعة 27: 163، باب 12، وجوب التوقّف والاحتياط في القضاء والفتوى والعمل في كلّ مسألة نظريّة لم يعلم حكمها بنصّ منهم (عليهم السلام)، الحديث: 33.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ودلالته أقوى من حديث الرفع، فإنَّه كان مشتملاً على عدّة من الجملات، والمراد منها: الفعل جزماً، ومقتضى وحدة السياق في (ما لا يعملون) أن يكون المراد به أيضاً ذلك.
وهذه المناقشة وإن لم تكن صحيحة -على ما تقدّم- إلّا أنّها غير واردة على هذه الرواية، فإنّها لم يرد فيها إلّا عنوان واحد.
نعم، يبقى الإشكال المشترك بينهما، وهو: أنّه كيف يمكن بيان رفع الشبهات الحكميّة والشبهات الموضوعيّة بجملة واحدة، فإنّه يلزم منه استعمال اللفظ بأكثر من معنى واحد؟
وقد سبق أن قلنا: إنَّ كلمة (ما) يراد بها الحكم، فالحكم الذي حجبه الله عن عباده موضوع عنهم، سواء كان سبّب الحجب هو الأُمور الخارجيّة أو فقد النص أو إجماله أو تعارض النصّين، فلا يكون من استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد.
نعم، يختصّ هذا الحديث بإشكال لا يجري في حديث الرفع، وذلك: أنَّ المذكور في حديث الرفع، هو: (ما لا يعلمون)، ولم يذكر سبّب لعدم العلم، وأمّا هنا فقد اسند الحجب إلى الله تعالى، فسبّبه هو (جلّ شأنه)، فقالوا(1): إنَّ هذا يختصّ بما يشرّعه الله تعالى، أو لم يبلغه الرسول أو الأئمّة فيكون مدلول هذه الصحيحة هو مدلول قوله: “اسْكُتُوا عَمَّا سَكَتَ اللَّـهُ”(2)، فإنَّ
ــــــــــ[257]ــــــــــ
() هذا أيضاً ما ذكر في الدراسات، فراجع. (المقرّر).
(2) عوالي اللئالي 3: 166، الحديث: 61.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الظاهر من جملة من الروايات أنَّ جملة من الأحكام لم تبلغ إلى البشر. إمّا لوجود المصلحة في تأجيلها، أو لوجود المانع عن تبليغها، وأوكلّ بيانها إلى زمان ظهور صاحب الأمر، ولذا ورد في بعض الروايات: “أنّه يأتي بدين جديد”(1)، أي: بأحكام لم تبيّن قبل ذلك، وبهذا تكون الرواية أجنبية عن محلّ الكلام، فإنَّ محلّ كلامنا هو الحكم الذي بلغه النبيّ والأئمّة إلى الرواة، ولكنّه لم يصل بسبّب ظلم الظالمين ونحو ذلك.
ولكن الظاهر أنّ هذه الشبهة غير صحيحة، لأنَّ الحجب بالتالي مستند إلى الله سبحانه، وإن خفي الحكم بسبب التقية وبفعل الظالمين، فإنَّ الله تعالى قادر على إظهار إحكامه في أيّ زمان، فإنّ كلّ الوجود إفاضة من قبل الله تعالى، والعلم أيضاً من فيضه سبحانه، فإنّه نور يقذفه الله في قلب من يشاء، فإذا كان قادراً على إفاضة العلم ولم يفض(2) فقد حجبه، وإن كان بسبّب الظالمين وبُعد الزمان ونحوه.
ــــــــــ[258]ــــــــــ
() الغيبة (للنعماني): 233، سيرته (عليه السلام)، الحديث: 19.
(2) هذا من غرائبه، فإنّه لا يخفى ما فيه: فإنّه أن أريد إسناد الحجب إلى الله باعتباره فعلاً اختياريّاً للظالمين، والفعل الاختياري مستند إلى الله بنحو من الأنحاء، كما ثبت في الفلسفة –مضافاً إلى أنَّه خلاف ظاهر الحديث من إسناد الحجب إلى الله مستقلّاً دون عبادة– فهذا أمر فلسفي لا تحمل عليه العبارات العرفيّة، والعرف يسند الفعل إلى فاعله وحده، كما هو معلوم. وإن كان إسناد الحجب إلى الله باعتبار توقّع معجزة في إفاضة العلم، أو عدم احتراق كتب السنّة مثلاً، فهذا ممّا لا يقوم عليه التبليغ الطبيعي الاعتيادي للأحكام، كما هو معلوم. وإن كان المتوقّع هو الوصول إلى العلم عن طريقه الطبيعي من النظر في الكتاب والسنّة ونحوه، فالمفروض أنَّ أصل الحكم الوارد في السنّة قد اختفى، فكيف يمكن أن يصل بعد الفحص؟ وعلى تقدير وصوله بفحص أو معجزة فلا يكون حجّة لا محالة إلّا بشروط الحجّيّة، كما هو معلوم، فهذا الكلام غريب غايته. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فيصحّ أن يقال: إنَّ حرمة شرب التتن ممّا حجب الله علمه عن العباد، لأنّه لم يفض العلم به، فهو موضوع عنهم، فهذه الصحيحة لا بأس بها دلالّة وسنداً، فالبراءة الشرعيّة ثابتة.
استدلوا على البراءة الشرعيّة بروايات الحلّ، وهي عدّة روايات تمسّك بها شيخنا الأنصاري(1)، ولم يذكر موثّقة مسعدة بن صدقة، وتمسّك صاحب الكفاية برواية مسعدة ولم يذكر غيرها(2).
أمّا رواية مسعدة بن صدقة فقد ورد فيها(3): (كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك وذلك مثل الثوب يكون عليك ولعلّه سرقة، أو العبد يكون عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه أو قهر فبيع أو خدع فبيع، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير هذا أو تقوم به البيّنة).
واستدل بها صاحب الكفاية على أصالة الحلَّ، وأنَّ المشكوك حرمته حلال،
ــــــــــ[259]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 45.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 341.
(3) الكافي 5: 313، باب النوادر، الحديث: 5..
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
لقوله: (والأشياء كلّها على هذا)، وفي صدر الرواية (كلّ شيء حلال)، فلا نرفع اليد عن أصالة الحلّ، إلّا بدليل على الحرمة من بيّنة أو غير بيّنة.
وشيخنا الأنصاري قد ذكر هذه الموثّقة في جريان البراءة في الشبهة الموضوعيّة، فكأنّه استظهر منها أنّها لا تعمّ الشبهات الحكميّة، بل هي مختصّة بالشبهات الموضوعيّة، ولهذا ذكرها هناك(1)، ولم يذكرها هنا في البحث عن جريان البراءة في الشبهة الحكميّة، ولكنّه ذكر(2) غير هذه الرواية، منها: صحيحة عبد الله بن سنان، وقد ورد فيها: (كلّما(3) يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه)(4).
ورواية عبد الله بن سنان عن عبد الله بن سليمان عن أبي جعفر: قال سألت أبا جعفر عن الجبن.. إلى أن قال: “سأخبرك عن الجبن وغيره، كلّ ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه من قبل نفسك”(5).
ورواية ثالثة(6) لمعاوية بن عمّار عن رجل من أصحابنا قريبة من رواية عبد
ــــــــــ[260]ــــــــــ
() انظر: فرائد الأُصول 2: 120.
(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 45.
(3) كلّ شيء يكون. كذا في الوسائل. (المقرّر)
(4) الكافي 5: 313، باب النوادر، الحديث: 39.
(5) المحاسن 2: 495، باب 77، الجبن، الحديث: 596.
(6) المحاسن 2: 497، باب 77، الجبن، الحديث: 601.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الله بن سليمان، حتّى من حيث ألفاظها، ولا يبعد أن يكون هذا الرجل الذي لم يذكر اسمه هو عبد الله بن سليمان، فالرواية واحدة، فتارةً رواها عنه عبد الله بن سنان وسمّاه، وأُخرى رواها معاوية بن عمّار عنه ولم يذكر اسمه.
وهاتان الروايتان استدلّ بهما شيخنا الأنصاري على أصالة الحلّ في الشبهات الحكميّة.
والظاهر أنّ كلّ ذلك لا يتمّ، وأنَّ تمام هذه الروايات مختصّة بالشبهات الموضوعيّة.
وأمّا موثقة مسعدة فالكلام عنها بأمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ كلمة (بعينه) التي هي مذكورة فيها “كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك” ظاهرها الاختصاص بالشبهة الموضوعيّة. أمّا الشبهة الحكميّة فلا معنى لهذا القيد فيها، فإنَّ الشيء إمّا معلوم الحرمة أو غير معلوم الحرمة، فلا معنى لقوله: “حتّى تعلم أنّه حرام بعينه”.
واحتمال أنَّ قوله ذلك تأكيد للحرمة، يعني: حتّى تعلم حرمته، كما احتمله شيخنا الأنصاري في غير هذه الرواية بعيد جدّاً، بل الظاهر أنّ هذا القيد أتى به في مقابل العلم بحرمته لا بعينه، كما هو الحال في الشبهة الموضوعيّة، إذ نعلم إجمالاً بوجود حرام واحد في الخارج مردّدٍ بين هذا وغيره، ولذا قال في رواية الجبن: (أمن أجل مكان واحد حرم كلّ ما في الأرض جميعاً)(1)؟
ولكن هذا العلم الإجمالي غير منجّز، لأنَّ أطرافه غير محصورة وخارجة
ــــــــــ[261]ــــــــــ
(1) المحاسن 2: 945، باب 77، الجبن، الحديث: 597.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
عن محلّ الابتلاء، إذ لا يمكن للمكلّف ارتكاب تمام الأطراف، فهذا يتصوّر في الشبهات الموضوعيّة، دون الشبهات الحكميّة.
فالظاهر: أنَّ الإمام أشار بقوله: “حتّى تعلم الحرام منه بعينه” إلى هذا العلم الإجمالي بوجود حرام في الجملة في الأمور الخارجيّة، وأنَّ هذا العلم الإجمالي لا أثر له. إذن، فهذه الكلمة (بعينه) ظاهرة باختصاص الرواية بالشبهات الموضوعيّة.
الأمر الثاني: أنَّ قوله: “وذلك مثل الثوب يكون عليك ولعلّه سرقة أو العبد يكون عندك ولعلّه حر… إلى آخر الخبر”، أراد به بيان صغريات تلك الكبرى (كلّ شيء حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه) وبما أنَّ الصغريات كلّها من الشبهات الموضوعيّة، فلا يبقى لنا وثوق بإطلاق الروايات للشبهات الحكميّة، بل الظاهر أنَّ الإمام في مقام بيان حال الشبهة الموضوعيّة، وأنَّ احتمال الحرمة لا أثر له في هذه الشبهات، وأمّا الحكميّة فلم يتعرّض لحكمها في هذه الرواية.
والظاهر: أنَّ منشأ عدم ذكر الشيخ لهذه الرواية في مبحث جريان البراءة في الشبهات الحكميّة هو هذه الأمثلة، لا كلمة (بعينه)، فإنّها مذكورة في غيرها من الروايات.
والذي يؤكّد أنّه (سلام الله عليه) في مقام بيان الشبهة الموضوعيّة دون الحكميّة قوله في ذيل هذه الموثقة: “والأشياء كلّها على هذا حتّى تستبين لك غير هذا أو تقوم به البيّنة”، بناءً على أنَّ المراد بالبيّنة ما هو المصطلح فيها،
ــــــــــ[262]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وهو: شهادة شاهدين على شيء، كما ورد في رواية الجبن أنّه حلال: “إلّا أن يشهد شاهدان أنّ فيه ميتة” يعني: تقوم البيّنة عليه، فهذا يؤكّد ما ذكرناه من الاختصاص بالشبهات الموضوعيّة، فإنّه إنّما يحتاج إلى البيّنة في الشبهات الموضوعيّة، وأمّا الشبهات الحكميّة فلا حاجة إلى قيام البيّنة فيها، بل خبر الواحد الثقة يكون حجّة فيها، كما ذكرنا في محلّه.
ولكن ذكرنا في بعض المباحث الفقهيّة(1): أنّه لا يراد بالبيّنة البيّنة المصطلحة، وإلّا فإنّه لا يختصّ بذلك، وذلك: أنَّ الحرمة تثبت بأمور أخرى كالإقرار وحكم الحاكم بالحرمة، فالمراد بالبيّنة ما تبيّن به الأمر وظهر، يعني: تقوم به الحجّة، وقد استعملت هذه الكلمة في القرآن في عدّة مواضع بالمعنى الذي ذكرناه، وهو الدليل والحجّة، فالمراد من قوله: ” حتّى تستبين… أو تقوم به البيّنة “، يعني يظهر وجداناً أو تعبّداً.
فهذا الذي ذكرناه من أنّه يؤكّد اختصاصها بالشبهة الموضوعيّة، وأمّا على ما ذكرناه فلا.
وكيف كان فلم يظهر أنَّ هذه الموثقة شاملة للشبهة الحكميّة، بل الظاهر اختصاصها بالشبهة الموضوعيّة.
أمر أكثر أهمّيّة:
وهنا أمر آخر أهمّ من ذلك، وهو: أنَّ الحلّيّة المذكورة في هذه الرواية ليست مستندة إلى أصالة الحلّ، حتّى في الشبهة الحكميّة، فليس الحلّ لأجل أنّه
ــــــــــ[263]ــــــــــ
(1) انظر: المستند في شرح العروة الوثقى 22: 434.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
مشكوك الحلّيّة والحرمة، فالرواية أجنبية عن أصالة الحلّ في الشبهتين الحكميّة والموضوعيّة، بل الحلّيّة فيها مستندة إلى أمر آخر، فإنَّ الأمثلة المذكورة في الرواية لا تجري أصالة الحلّ في شيء منها.
أمّا الثوب فالأصل فيه عدم الانتقال، باعتبار الاستصحاب وأصالة الإباحة لا تجري في الأموال، فإنّها إنّما تجري ما لم يكن أصل موضوعي كالاستصحاب، وإلّا فإنّه حاكم عليها.
وكذلك الحال في العبد تماماً، والمرأة إذا شكّكنا أنّها زوجة أو لا، فالأصل عدم الزوجيّة فإنَّها أمر حادث والأصل عدمه، ولا مورد لجريان أصالة الحلّ.
إذن، فأصالة الحلّ لا تجري في شيء من هذه الأمثلة، لأنَّ الحلّ مستند فيها إلى دليل أو أصل موضوعي، ففي الثوب والعبد مستند إلى اليد الكاشفة عن الملكيّة، فإنّها أمارة عليها شرعاً على ما يظهر من جملة من الروايات، فالجواز والحلّيّة مستند إليها لا إلى أصالة الحلّ، وكذلك الحال في العبد مع إقراره بالعبوديّة.
وأمّا مسألة المرأة فهي مستندة إلى أصالة عدم تحقّق الرضاع بين المرأة وأم الرجل، أو العكس أصالة عدم تحققّ الرضاع بين الرجل وأم هذه المرأة، وهذا الأصل يكون حاكماً على أصالة عدم الزوجيّة، فيحكم بتحقّق الزوجيّة؛ لأنّ كلّ امرأة يجوز نكاحها، إلّا ما نصّ عليه شرعاً.
ومنها: مسألة الرضاع فإذا شكّكنا في تحقّقه فالأصل عدم تحقّقه.
ومنها: إذا شكّكنا أنها أخت نسبيّة أو لا؟ فأيضاً تجري أصالة عدم تحقّق النسب بينه وبين المرأة على ما ذكرناه من جريان الأصل في العدم الأزلي.
ــــــــــ[264]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
إذن، فالحلّ مستند في هذه الموارد إلى أمارة، وهي: اليد، أو إلى أصل موضوعي، وهو: الاستصحاب.
إذن، لا يمكن التمسّك بأصالة الحلّ في الشبهات الموضوعيّة، فضلاً عن الحكميّة، فلا بدّ أن يقال: إنّ قوله “كلّ شيء حلال حتى تعرف أنّه حرام” يريد به هذه الموارد التي يكون فيها يد أو أصل موضوعي، وأمّا ما لا يكون فيه أمارة أو أصل موضوعي، فلا يستفاد من هذه الموثقة أبداً.
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان: “كل شيء يكون في حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه”(1)، وهي صحيحة السند.
ورواية أخرى هي رواية عبد الله بن سنان عن عبد الله بن سليمان عن أبي جعفر الباقر(2): “كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه من قبل نفسه”(3).
وبهذا المضمون أيضاً رواية أخرى(4) عن معاوية بن عمار عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر، والواسطة مجهولة، وإن كان يحتمل أن يكون هو عبد الله بن سليمان. وعلى أيّ حال فهذه الرواية ليست تامّة بحسب السند، فإنّ عبد الله بن سليمان لم يوثّق.
ــــــــــ[265]ــــــــــ
() الكافي 5: 313، باب ضمان ما يفسد البهائم من الحرث والزرع، الحديث: 39.
(2) كلّما فيه حلال … الخ. كذا في الدراسات. (المقرّر).
(3) الكافي 6: 339، باب الجبن، الحديث: 1.
(4) المحاسن 2: 496، باب 77، الجبن، الحديث: 601.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
نعم، ورد هذا الاسم في كامل الزيارات، ولكنّه مشترك بين عدّة أشخاص، منهم عبد الله بن سليمان العامري، والظاهر أنَّه هو الواقع في كامل الزيارات، من جهة أنّه يروي عن محمّد بن ربيع السلمي، وقد ورد في غيرها من الروايات أنَّه روى عنه، إلَّا أنَّ المسمّى بهذا الاسم الراوي عن الصادق، وهو متعدّد، فلم يعلم أنَّ الراوي في هذه الرواية هو عبد الله بن سليمان العامري، بل من المحتمل بل من المظنون بل من المطمئن به أنَّه هو عبد الله بن سليمان، ويذكره النجاشي(1): أنَّ له كتاباً، وهو لم يوثّق.
إذن، فالراوي في هذه الرواية مردّد بين الثقة وغيره، أو متعيّن في غير الثقة، فلا تكون الرواية حجّة، والعمدة هي صحيحة عبد الله بن سنان. هذا بحسب السند.
ولكنّه بحسب الدلالة، فالظاهر أنَّ هذه الصحيحة مختصّة بالشبهات الموضوعيّة، ولا تعمّ الشبهات الحكميّة، والوجه في ذلك أمران:
أحدهما: كلمة (بعينه) الواردة في موثقة مسعدة بن صدقة، وقلنا: إنَّ هذه الكلمة ظاهرة في أنَّ الشبهة مصداقيّة، وإنَّ العلم بوجود الحرام اجمالاً لا أثر له في وجوب الاجتناب عن المشكوك فيه، فإنَّ أطرافه غير محصورة.
وأمّا الشبهات الحكميّة فلا يتصوّر فيها ذلك، ولو كان هنا علم إجمالي لوجب الاجتناب عنه لا محالة.
ولذا فإنه ورد هذا اللفظ في موثقة مسعدة بن صدقة منكّراً (حتى تعلم أنّه حرام بعينه)، فيمكن أن يقال: إنَّ كلمة بعينه لتأكيد الحرمة.
ــــــــــ[266]ــــــــــ
(1) انظر: رجال النجاشي: 225، 226.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ولكن ورد اللفظ في الصحيحة معرّفاً: (حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه) ففرض أنَّ هذا حرام وحلال، فإذا عرف الحرام بعينه وجب الاجتناب عنه، وإلّا فلا.
ثانيهما: لو فرض أنَّ كلمة (بعينه) لم تكن موجودة، وكانت الرواية هكذا (كلّما يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه…فتدعه) فمع ذلك تكون مختصّة بالشبهات الموضوعيّة، فإنَّ التقسيم ظاهر بأنّ الشيء له فردان وقسمان: قسم حلال وقسم حرام، ويشكّ في هذا الفرد أنّه مصداق من أيّ من القسمين، فهنا مايعان يتّخذان من العنب:
القسم الأوّل: يكون حلالاً، وهو: الخلّ.
القسم الآخر: يكون حرامّا، وهو: الخمر.
فإذا شكّكنا في مايع أنّه من أيّ القسمين الحلال أو الحرام، فحكم أنَّه من القسم الحلال، باعتبار أنَّ (كلّما فيه حلال وحرام فهو لك حلال). فالتقسيم ظاهر في أنَّ الشيء منقسم في الخارج بالفعل، وليس ظاهراً بالترديد والجهل، وأنَّه لا يعلم أنَّه حلال أو حرام.
وأمّا دعوى أنَّه (كلّما يكون فيه حلال أو حرام) تقسيم باعتبار احتمال ذلك، فهو تقسيم نفسي لا تقسيم خارجي، فالعقل يحتمل أن يكون الشيء حراماً، وأن يكون حلالاً، فبعيدة جدّاً.
وربما يقال: إنَّ التقسيم الفعلي كما يمكن فرضه في الشبهات الموضوعيّة يمكن فرضه في الشبهات الحكميّة، بأن يقال: إنّ لحم الغراب حرام يقيناً، ولحم
ــــــــــ[267]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الدراج حلال يقيناً، ونشكّ في قسم ثالث كالهدهد، فيقال: إنَّ الطير فيه حلال وحرام، فهو لنا حلال حتّى نعرف الحرام بعينه، فكما يمكن التقسيم في الشبهات الموضوعيّة، كذلك يمكن ذلك في الحكميّة، فلا يكون التقسيم قرينة على الاختصاص بالحكميّة.
إلّا أنَّ هذا الكلام واضح الدفع، فإنَّ الظاهر من كلامه أنَّ منشأ الشكّ هو التقسيم، يعني: أنَّ الشيء له فردان، ويحتمل أن يكون هذا المصداق الخارجي مصداقاً من الحلال أو من الحرام، فمنشأ الشكّ هو احتمال أنَّ يكون هذا الفرد من القسم الحرام.
وأمّا في الشبهة الحكميّة فلا يكون منشأ الشكّ في وجود الحلال والحرام، فقد نعلم(1) أنَّ الطير بجميع أقسامه حلال، ولكن نشك أنَّ الهدهد حلال أو حرام، كما قد نعلم أنَّ الطير بجميع أقسامه حرام، ونشكّ كذلك في الهدهد، فليس منشأ الشكّ هو العلم بحرمة قسم من الطير، وحلّيّة قسم آخر، بل الهدهد موضوع مستقلّ نشكّ في حلّيّته وحرمته.
وهذا بخلاف الشبهة المصداقيّة، فإنَّ منشأ الشكّ في هذا المايع الخارجي هو انقسام المايع إلى حلال وحرام، حيث إنَّ الخلّ حلال جزماً، والخمر حرام جزماً، فهذا يكون منشأ للشكّ.
ــــــــــ[268]ــــــــــ
() يبدو أنّ مثل هذا الفرض غير معقول، إذ بعد العلم بحكم الكلّي، والعلم بأنَّ هذا مصداق من الكلّي، فكيف يمكن الشكّ في حكمه؟! إلّا أن يكون المراد بقوله: (جميع أقسام الطير) الإشارة إلى ذوات الأقسام، ما عدا الهدهد. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وقرينة ذلك: -مضافاً إلى ظهور الكلمة في نفسها- تعريف الحرام، يعني: الشيء الذي نعلم أنّه حرام.
لكن شيخنا الأستاذ(1) بعد أن سلّم بأنَّ ظاهر التقسيم بالفعليّة، وأنّ منشأ الشكّ هو العلم بالتقسيم ادّعى: شمولها للشبهات الحكميّة أيضاً، وذلك: أنَّ ظهور كلمة الشيء بوجوده الخارجي، فـإنّ شيئيّة الشيء بوجوده لا بماهيّته، كما ذكر الفلاسفة، ومعناه: أنَّ كلّ موجود خارجي فيه حلال وحرام فهو لك حلال، ومعلوم أنّ الموجود الخارجي لا يكون فيه حلال وحرام، بل هو إمّا حلال أو حرام، وإنّما التقسيم يكون بلحاظ الكلّي، فيقال: اللحم فيه حلال وفيه حرام، والمايع فيه حلال وحرام، وبما أنَّ اللفظ ظاهر بالوجود الخارجي يكون قرينة على أنَّ التقسيم من جهة فرض العقل، لا باعتبار التقسيم الخارجي، يعني: يحتمل العقل أن يكون هذا حلالاً، وأن يكون حراماً.
فلا بُدَّ من رفع اليد عن ظهور التقسيم بالفعليّة بظهور كلمة شيء بالوجود الخارجي؛ فإنّه أقوى.
إذن، فالصحيحة تشمل بإطلاقها موارد الشبهات الموضوعيّة والحكميّة معاً.
الجواب عمّا أفاده الميرزا:
أوّلاً: بأنَّ لفظ الشيء لم يرد في هذه الرواية(2)، وإنّما ورد -على ما ببالي- في
ــــــــــ[269]ــــــــــ
() انظر: أجود التقريرات 2: 185.
(2) بل هو وارد فيها كما في الوسائل، فراجع. (المقرر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الرواية الثانية لعبد الله بن سليمان، وقد ذكرنا: أنّها ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها، وأمّا الصحيحة فالمذكور فيها: كلّما فيه حلال وحرام، واسم الموصول (ما) وضع لمعنى مبهم، فلم ترد كلمة شيء، حتّى يقال: إنَّ ظاهرها الوجود الخارجي، فيكون ذاك قرينة على أنَّ التقسيم تقسيم لفرض العقل لا تقسيم للخارج.
وثانياً: أنَّ كلمة شيء ليست -كما أفاده- ظاهرة في الموجود الخارجي، بل هو موضوع لمعنى مبهم يساوق معاني الموصولات كـ(ما)، ولهذا يطلق على غير الموجود، فيقال: إنَّ هذا شيء معدوم أو شيء مستحيل.
فدعوى أنَّ كلمة شيء ظاهرة في الموجود الخارجي، فيكون قرينة على أنّ التقسيم لفرض العقل، لا تقسيم فعلي خارجي، لا يمكن تصديقها.
وعلى تقدير التسليم بظهور كلمة شيء في الموجود الخارجي، فيكون معنى ذلك: كلّ موجود خارجي فيه حلال وحرام.. فلا ينبغي الشكّ في أنَّ ظهور كلمة (فيه حلال وحرام) في التقسيم الفعلي لا بالتقسيم الفرضي لحال العقل، وهذا أظهر من ظهور كلمة الشيء بالموجود الخارجي، فيكون التقسيم قرينة على الاستخدام في الكلام، فيكون المعنى: كلّ موجود خارجي يكون في نوعه حلال وحرام، فهو لك حلال حتّى تعرف ذلك القسم منه بعينه فتدعه.
فدعوى: أنّ قوله: (فيه حلال وحرام) يراد منه الاحتمال العقلي المردّد بين الحلال والحرام لا تصحّ جزماً.
إذن، لا دليل لنا على الحليّة في الشبهات الحكميّة، وكلّ الروايات مختصّة بالشبهات الموضوعيّة.
ــــــــــ[270]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الرواية الأوّلى: قوله: -على رواية الصدوق- “كُلُّ شَيْءٍ مُطْلَقٌ حَتَّى يَرِدَ فِيهِ نَهْي”(1). وقد استدلّ بها على البراءة الشرعيّة، وموردها وإن كان هو الشبهات التحريميّة ولا يعمّ الوجوبيّة، إلّا أنَّ الرجوع إلى البراءة في الأخيرة قريب من أن يكون متّفقاً عليه بين الأصوليّين والإخباريّين، وإن كان المحقّق الاسترابادي(2) ذهب فيها إلى الاحتياط، وإنّما المهم هو النزاع في الرجوع إلى البراءة في الشبهات التحريميّة الحكميّة، فالاستدلال بها من هذه الناحية لا بأس به.
إلّا أن الكلام يقع تارة في دلالة هذه الرواية، وأُخرى في سندها.
أمّا من جهة الدلالة فقد ناقش فيها صاحب الكفاية(4)، وشيخنا الأستاذ(4)، وذهبا إلى أنّ هذا الحديث لا يدلّ على البراءة.
فذهب صاحب الكفاية إلى أنّ الورود لم يعلم أنَّ المراد به الوصول ليكون دليلاً على البراءة الشرعيّة عند الشكّ في الحرمة وعدم الحرمة، بل الظاهر أنَّ المقصود من الورود الصدور، فيكون المعنى: كلّ شيء مباح حتّى يصدر فيه نهي، وحينئذٍ يكون أجنبيّاً عن المقصود.
ــــــــــ[271]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 317، باب وصف الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها، الحديث: 937.
(2) انظر: الفوائد المدنيّة: 325.
(3) انظر: كفاية الأُصول: 342.
(4) انظر: أجود التقريرات 2: 182.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
إلّا أنّ هذا الذي أفاده وإن كان ممكناً بحسب النظر الأوّلي، ولكن بحسب الدقّة في الرواية، لا يمكن إرادة هذا المعنى، لأنّه إمّا أن يراد من الصدور الذي يفسّر به الورود، وإمّا أن يراد به الصدور في جميع الأزمنة القابلة لبيان الحكم، وهو زمان النبي والأئمّة، فيكون المعنى: أنَّ كلّ شيء مباح حتّى يصدر فيه نهي ما لم يحكم بالحرمة، وأمّا أن يراد به صدور النهي من خصوص النبيّ الأكرم، فيقال: أنّ كلّ شيء في أوّل التشريع حلال ومطلَق حتّى يصدر فيه نهي، فإنَّ الأحكام كانت تجعل تدريجيّاً، فكلّ شيء مطلق والناس في سعة منه، حتّى يصدر فيه من قبل النبيّ نهي، وأمّا بعد تماميّة النواهي فلا يكون مشمولاً لهذا الحديث، إذ لا موضوع له حينئذٍ.
أمّا إذا كان المراد به الأوّل، وهو: أن يراد به الصدور في جميع الأزمنة، فيكون المعنى: أنّه ما لم يكن الشيء منهيّاً عنه في أيّ زمان فهو مباح مطلق، فهذا من أوضح الواضحات، فإنَّ كلّ ضدّين إذا انتفى أحدهما كان الآخر ثابتاً، إذا لم يكن بينهما ثالث، كما لو قيل: كلّ شيء متحرّك ما لم يكن ساكناً، أو إذا لم يكن الشيء ساكناً كان متحرّكاً، أو بالعكس.
فلا معنى للقول: بأنَّ كلّ فعل مباح ما لم يكن حراماً، فهو من توضيح الواضحات، ولا يناسب صدوره من المعصوم.
وأمّا إذا أُريد الثاني، وهو: الصدور من النبيّ، فيكون المعنى: أنَّ الناس مطلقون وليس عليهم السؤال، حتّى يرد فيه النهي من النبيّ، فهذا المعنى معقول، وقد ورد فيه روايات:
ــــــــــ[272]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
منها: ما ورد في الحجّ، وأنّه هل يجب الحجّ كلّ سنة؟ فقال: “ما يؤمنكم أن أقول: نعم. والله لو قلت: نعم لوجبت”، وقال في ذيل الرواية: “إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم”(1) فالناس غير مكلّفين بالسؤال، وهو يبيّن الأحكام بحسب المصالح تدريجاً، ولذا ورد: أنَّ بني اسرائيل هلكوا بكثرة سؤالهم واختلافهم إلى أنبيائهم(2).
إلّا أنّ هذا غير مراد جزماً، فإنّ الرواية مروية عن الإمام الصادق، فما معنى أن يبيّن حكم من هو في أوّل الشريعة؟ بل الظاهر أنّه حكم كلّ الأزمنة كقاعدة عامّة، وليس خاصّاً بزمن النبيّ.
إذن، يكون المراد بالإطلاق في الرواية هو الإطلاق ظاهراً في مرحلة الشكّ وعدم العلم، وأنَّ المكلّف مطلق وغير مكلّف بالفعل أو الترك، حتّى يصل إليه نهي، باعتبار أنَّ الحكم الظاهري لا يمكن أن يكون مغيّى بالصدور الواقعي، وأنّ الحلّيّة الظاهريّة الثابتة إلى صدور الحرمة الواقعيّة، فإنَّ الحرمة الواقعيّة لا تكون رافعة للإباحة الظاهريّة، وإنّما يرفعها العلم والوصول، فما ذكره صاحب الكفاية خلاف الظاهر جدّاً.
ــــــــــ[273]ــــــــــ
(1) مرآة العقول 26: 120، بحار الأنوار 96: 22، الحديث: 84، مستدرك الوسائل 8: 14، الباب 3، وجوب الحجّ مع الشرائط مرّة واحدة في العمر وجوباً عينيّاً، الحديث: 8937.
(2) بحار الأنوار 22: 31، باب 37، ما جرى بينه وبين أهل الكتاب والمشركين بعد الهجرة وفيه نوادر أخباره وأحوال أصحابه زائداً على ما تقدّم في باب البعثة وكتاب الاحتجاج وما سيأتي في الأبواب الآتية.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وأمّا ما ذكره شيخنا الأستاذ من حمل الرواية على الإباحة الأصليّة الثابتة قبل الشريعة، واللاحرجيّة العقليّة، فإنَّ الناس بحكم العقل مطلقون وغير مقيّدين بشيء ما لم يرد تشريع من قبل الشريعة.
إلّا أنّ هذا خلاف الظاهر، بل الظاهر أنَّ الإمام الصادق في مقام بيان الحكم الشرعي دون الإرشاد لحكم العقل.
إذن، دلالة الرواية على البراءة الشرعيّة ظاهرة، ويكون المعنى: أنَّ كلّ شيء مطلق ومباح ظاهراً ما لم يرد ويصل فيه نهي، فللمكلّف أن يفعل ويترك في المرتبة السابقة عن ذلك.
إلّا أنّ الذي يمنع عن الاستدلال بها كونها مرسلة، إذ رواها الصدوق فقال: قال الصادق: “كُلُّ شَيْءٍ مُطْلَقٌ حَتَّى يَرِدَ فِيهِ نَهْي”(1)، ولم يذكر طريقه إلى قول الصادق، فلعلّه اعتمد على طريق، ونحن لا نعتمد عليه، فالرواية من جهة الإرسال لا يمكن الاعتماد عليها، ولولاه لم يكن مانع من الاستدلال بها.
الرواية الثانية: “إِنَّ النَّاسَ فِي سَعَةٍ مَا لَمْ يَعْلَمُوا”(2).
ــــــــــ[274]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 317، باب وصف الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها، الحديث: 937.
(2) عوالي اللئالي 1: 424، المسلك الثالث في أحاديث رواها الشيخ العالم شمس الملّة والدين محمد بن مكي في بعض مصنفاته تتعلق بأحوال الفقه رويتها عند بطريق إليه، الحديث: 109.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
قالوا: إنّها تدلّ على كون الناس في سعة، لا في ضيق من ناحية الأمر المجهول أو ما داموا جاهلين، فتدلّ الرواية على البراءة، ولا سيّما إذا كان على نحو الإضافة، كما هو الظاهر.
فإنَّ كلمة (ما) وإن كانت تستعمل زمانيّة، إلّا أنّها لا تستعمل كذلك إلّا إذا دخلت على الماضي لفظاً ومعنى، أو معنى فقط كالمضارع الداخل على (لم)، وأمّا دخولها على المضارع محضاً فالظاهر أنّه لم يوجد، فالظاهر هو الإضافة، وأنَّ الحكم المجعول الناس في سعة منه حتّى يعلموا، فيدلّ على البراءة الشرعيّة.
إلّا أنّ الإشكال فيها أنّنا لم نجدها حتّى مرسلة في كتب الأخبار، فإنّها لم توجد فيما نعلم في شيء من كتب الأخبار لا مرسلاً ولا مسنداً. نعم، ورد في هذا المضمون في كتاب اللقطة عن أبي عبد الله: “أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ سُئِلَ عَنْ سُفْرَةٍ وُجِدَتْ فِي الطَّرِيقِ مَطْرُوحَةً كَثِيرٍ لحْمُهَا وَ خُبْزُهَا وَ بَيْضُهَا وَ جُبُنُّهَا وَفِيهَا سِكِّينٌ، فَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِين: يُقَوَّمُ مَا فِيهَا ثُمَّ يُؤْكَلُ لِأَنَّهُ يَفْسُدُ وَ لَيْسَ لَهُ بَقَاءٌ فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا غَرِمُوا لَهُ الثَّمَنَ، قِيلَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ: لَا يُدْرَى سُفْرَةُ مُسْلِمٍ أَوْ سُفْرَةُ مَجُوسِيٍّ، فَقَالَ: هُمْ فِي سَعَةٍ حَتَّى يَعْلَمُوا”(1). وعند الشكّ في كون صاحب السفرة مجوسيّاً لا يجوز أكلّ اللحم لعدم إحراز التذكية، قال: هم في سعة حتّى يعلموا.
ومعلوم أنّ مورد الرواية هو اللحم، وهو ليس مورداً للبراءة، بل لأصالة عدم التذكية المقتضيّة لحرمة الأكل، ولكن السفرة بما أنّها وجدت في بلاد
ــــــــــ[275]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 297، باب النوادر، الحديث: 2، النوادر (للراوندي): 50.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
المسلمين فبمقتضى الغلبة يحكم بحلّيّتها، كما هو الحال في سوق المسلمين، فيحكم بأنَّ السفرة سفرة مسلم، فيجوز الأكلّ منها ما لم يعلموا، فمورد الرواية هو الشبهة الموضوعيّة، وهي مورد أصالة التذكية لولا وجود الأمارة على التذكية وهي غلبة المسلمين، فالاستدلال بهذه الرواية أيضاً ساقط، والعمدة هو حديث الحجب.
فإنّه لم يتمّ من الروايات إلّا حديث الحجب، وأمّا غيره فغير تامّ من ناحية السند أو من ناحية الدلالة.
نعم، ذكر المحدّث الشهير الشيخ عباس القمي في سفينة البحار في عن كتاب الشهاب: أنَّ رسول الله قال: “الناس في سعةٍ ما لم يعلموا”(1) وهذه الرواية قاصرة سنداً ودلالةً.
أمّا من جهة الدلالة فإنَّ (ما) زمانيّة جزماً، يعني: لا يعاقب المكلّف ما دام جاهلاً، فيكون مضمونه مضمون قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فلو تمّت أدلّة الاحتياط كانت حاكمة عليها، وأمّا من جهة السند فهي نبوّيّة، مضافاً إلى أنَّ كتاب الشهاب لم يثبت اعتباره.
وقد يقرر ذلك، بأن يقال: اتّفق العلماء على قبح العقاب ما لم يكن الحكم واصلاً إلى المكلّف بوجهٍ من الوجوه.
ومعلوم أنّ هذه الدعوى لا يمكن أن يستدلّ بها على البراءة الشرعيّة، فإنّه
ــــــــــ[276]ــــــــــ
(1) سفينة البحار 1: 98.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
اتفاق على أمر غير شرعي، فإنّه حكم عقليٌّ وليس من الأحكام الشرعيّة التي يمكن الاستدلال بالإجماع التعبّدي الكاشف عن رأي المعصوم، بل مرجعه إلى حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان.
على أنّه لا أثر لذلك، فإنَّ الاخباري يدّعي البيان، وإنَّ اخبار الاحتياط متكفّلة لذلك، فما الفائدة في قبح العقاب بلا بيان؟
ومن هنا يظهر الإشكال في دعوى الاتّفاق على الحكم الشرعي، بدعوى: أنّهم اتفقوا على أنَّ الحكم هو البراءة، ما لم تقم الحجّة من قبل المولى، فإنَّ هذا أيضاً لا فائدة فيه، فإنّنا لو فرضنا أنّ هذا الاتفاق على الحكم الشرعي إجماع تعبّدي، إلّا أنّه إجماع على كبرى لا بُدَّ من إثبات صغراها، والإخباري يدّعي أنَّ الحجّة تامّة، وأنَّ إخبار الاحتياط صالحة للبيان.
وأمّا دعوى الإجماع على الكبرى والصغرى، وأنَّ الحكم هو البراءة فيما لم تقم عليه الحجّة ولم يقم البيان، والاتّفاق على أنَّ البيان لم يعمّ في الشبهات الحكميّة، يعني: أنّ أخبار الاحتياط والتوقّف غير تامّة، فهذا الاتّفاق وإن كان نافعاً، ولكنّه غير محتمل، مع كون جماعة من الأعلام المحدّثين ذهبوا إلى أنّها دالّة على وجوب التوقّف والاحتياط، وهو بيان في خصوص الشبهة التحريميّة كما هو المشهور بينهم(1)، أو فيها وفي الوجوبيّة، كما ذهب إليه المحقّق الاسترآبادي (2).
ــــــــــ[277]ــــــــــ
(1) انظر: الفوائد المدنيّة: 325.
(2) انظر: الفوائد المدنيّة: 316.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فالمتحصّل: لا يمكن الاستدلال على البراءة الشرعيّة بالإجماع ودعوى الاتفاق، وهي دعوى ساقطة.
والكلام يقع في جهات:
لا ينبغي الشكّ في تماميّتها، وأنَّ العقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان، وقد ذكرنا في بحث التجرّي: أنَّ الأحكام الواقعيّة مهما بلغت من الشدّة لا يمكن أن يكون الحكم الواقعي محرّكاً للمكلّف للامتثال أو زاجراً له عن العمل، وقلنا: إنَّ الفعل الاختياري يستحيل أن يترتّب على الموجود الخارجي، فإنّه قد يفرض أنَّ الإنسان يموت عطشاً وعنده ماء وهو لا يعلم به، فوجود الماء الخارجي لا يوجب تحرّك الإنسان نحوه ليشربه، بل إذا لم يكن عالماً به فقد يموت عطشاً، فالوجود الخارجي بما هو موجود خارجي لا يمكن أن يؤثّر في الفعل الاختياري، وأن يكون الفعل مستنداً إليه، وإنّما يستند الفعل الاختياري إلى الأمر النّفساني، وهو: الإحراز، فإذا علم أنَّ هناك ماءً فإنّه لا يتحرّك نحوه، فالمحرّك للفعل الخارجي العلم، فلو فرضنا أنَّ الحكم بوجوده الخارجي من القوّة بحيث لا يتصوّر فوقه قوّة، فإذا لم يكن المكلّف عالماً به، لا يمكن أن يتحرّك على مقتضاه، فالمحرّك للإنسان هو الوجود الذهني والنّفسي لا محالة.
فإذا كان الأمر كذلك، فإنّ العقاب على مخالفة التكليف الواقعي الذي لم يصل بوجه عقاب بلا مقتضي، فإنَّه لا مقتضي للحركة والانزجار، فإنَّ المقتضي
ــــــــــ[278]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
هو العلم وهو غير موجود، فالعقاب عقاب بلا مقتضي، وهو لا يمكن أن يصدر من الحكيم، فالقاعدة في نفسها تامّة.
وهو ملاحظة النسبة بين هذه القاعدة وبين حكم العقل بوجوب دفع الضرّر المحتمل.
ومعلوم أنَّ التعارض بين الدليلين إنّما يتصوّر فيما إذا كان أحد الدليلين على نحو مانعة الخلو، فإذا كان أحدهما ظنّيّاً من جهة الدلالة أو السند أو كليهما، فإذا كان الدليلان بحسب السند قطعيّين، كالآية الكريمة أو السنّة القطعيّة، فنحتمل أنّ أحد الظهورين من هذين الدليلين غير مراد واقعاً، وإنّما المراد خلافه بقرينة الدليل الآخر، ففي مثل ذلك يمكن فيها التعارض ونرجع إلى المرجّحات، وأمّا إذا فرضنا أنَّ الدلالة قطعيّة، بحيث لا يمكن حملها على خلاف الظاهر عرفاً، ولكن كان السند ظنّيّاً، إذ نحتمل أنَّ أحدهما أو كليهما لم يصدر، فالتعارض إنّما يتصور فيما إذا كان على نحو ظنّيّ.
وأمّا إذا كانا قطعيّين من جهة السند والدلالة، فهو معنى التناقض، ولا يصدر من الصادق، ولا يعقل القطع بصدور أمرين أحدهما مخالف للواقع، إذ معناه: القطع بصدور التناقض، وهو لا يمكن.
ومن هنا يظهر: عدم إمكان التناقض بين الحكمين العقليّين، فإنَّ الحكم العقلي مقطوع فيه، فالتعارض أمر لا معنى له، فلا يمكن أن يقال: إنَّ حكم العقل بالقبح يعارضه حكمه بلزوم دفع الضرّر المحتمل، إذ معناه: أنّ العقل
ــــــــــ[279]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
مستقلّ بقبح العقاب، وبعدم قبح العقاب، ووجوب دفع الضرّر المحتمل، وكيف يمكن أن يستقلّ العقل بالتناقض(1)؟! بل لا بُدَّ أن يكون الشيء مورداً لإحدى القاعدتين دون الأُخرى.
فالشبهات الحكميّة إمّا أن تكون مورداً لقاعدة قبح العقاب بلا بيان فلا يحتمل الضرّر، أو لقاعدة وجوب دفع الضرّر المحتمل فلا تكون مورداً لقاعدة قبح العقاب.
فلا بدَّ من التكلّم في أنَّ مورد الشبهة الحكميّة بعد الفحص وعدم وصول الحكم بأيّ نحو، هل هو مورد لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو لقاعدة دفع الضرّر المحتمل؟
فنقول في المقام: الضرّر المفروض في محلّ الكلام هو العقاب، ولا ينبغي
ــــــــــ[280]ــــــــــ
() لا يخفى ما فيه:
أوّلاً: أنّ وجوب دفع الضرّر المحتمل ليس حكماً عقليّاً، بل هو مقتضى حبّ الذات الغريزي، وإذا اختلف الحاكم ارتفع التناقض.
وثانياً: على فرض كونه حكماً عقليّاً، فإنّ القاعدتين ليستا من قبيل الحكمين المتناقضين على موضوع واحد، بل هما حكمان على موضوعين، وبين الموضوعين عموم من وجه، وفي مورد الاجتماع لا يكون من قبيل التناقض، بل من تصادق المتنافيّين على مصداق واحد، وفي مثل ذلك ينظر العقل إلى هذا المصداق، وهو: الشبهة الحكميّة في المقام، فإنَّ وجد أحد القاعدتين حاكماً على الآخر فهو، وإلّا كان العقل متحيّراً في المصداق لا يحكم بأحد الأمرين، ولا يخفى أنَّ الحكومة في مورد التنجيز للحكم الواقعي يكون لقاعدة دفع الضرّر، وعند عدم تنجّزه يكون للقاعدة الأُخرى. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الشكّ في أنَّ العقل يحكم بلزوم دفع الضرّر المحتمل، وقلنا غير مرّة: إنَّ الذي يكون زاجراً للمكلّف عن ارتكاب المعصية -حتّى في المحرّمات والواجبات القطعيّة- ليس إلّا احتمال العقاب، وإلّا فالجزم بالعقاب غير موجود في جميع الواجبات والمحرّمات الإلهيّة، إذ من الممكن أن يتوب من المعصية فيغفر الله له من جهة توبته أو شفاعة نبيّ أو وليّ أو مؤمن، أو يغفر له برحمته الواسعة، فالذي يكون زاجراً للمكلّف عن المعصية إنّما هو احتمال العقاب، والعقل يستقلّ بذلك، وأنَّ الإنسان لا بُدَّ أن يكون مأموناً من العقاب، كما دلّت عليه الآية: إِنَّ المُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ(1) فاحتمال العقاب لا بُدَّ من رفعه بحكم العقل.
ولكن الكلام في أنّ هذا الوجوب لدفع الضرّر المحتمل، هل هو وجوب نفسي أو غيري -بناءً على وجوب مقدّمة الواجب شرعاً- أو وجوب إرشادي، أو وجوب طريقي؟
والوجوب الطريقي: هو الوجوب الذي ينشؤه المولى بدعوى تنجيز الواقع كما في إيجاب الاحتياط، فإنّ الشارع ينظر إلى الواقع ويريد تنجيزه بهذا الوجوب.
وبما أنَّ الكلام في مورد الحكم بلزوم دفع الضرّر المحتمل، فهل هو مورد قاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو أنَّ مورد أحدهما غير الآخر؟ فتكون قاعدة قبح العقاب حاكمة على القاعدة الأُخرى، فإنّه في مورد جريان قاعدة قبح العقاب
ــــــــــ[281]ــــــــــ
(1) الدخان: 51.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
لا يكون احتمال الضرّر، ليحكم العقل بلزوم دفعه.
بيان ذلك: أنَّ الوجوب المفروض في قاعدة وجوب دفع الضرّر المحتمل، لا يخلو أمره من أحد أقسام أربعة:
القسم الأوّل: أن يكون وجوبه نفسّيّاً كوجوب الصلاة والصوم.
القسم الثاني: أن يكون وجوبه غيريّاً.
القسم الثالث: أن يكون وجوبه طريقيّاً.
القسم الرابع: أن يكون وجوبه إرشاديّاً.
فإنَّ أقسام الوجوب منحصرة في هذه الأربعة، فلا بُدَّ من بيان أنَّ هذا الوجوب في القاعدة من أيّ واحد من هذه الأقسام، فهل مورد هذه القاعدة متحدّ مع مورد قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو يختلف عنه؟
أمّا الوجوب النفسي فهو غير محتمل في نفسه، فبأيّ دليل يكون دفع الضرّر المحتمل واجباً نفسيّاً؟ ولم يقم على ذلك دليل عقلي ولا شرعي.
أمّا العقل فقد ذكرنا غير مرّة أن العقل ليس مشرعاً، غايته: أنّه يدرك الواقعيّات، ولا يحكم بنحو الإلزام والمولويّة، والوجوب النفسي يجعله الشارع، ولا نحتمل أنّ دفع العقاب بنفسه من الواجبات.
على أنّه لو كان كذلك، فلا بُدَّ من الالتزام بتعدّد العقاب عند ارتكاب المعصية، فإنَّ المكلّف حينئذٍ يكون قد ترك الواجب مثلاً، وترك دفع العقاب المحتمل، ودفعه واجب على الفرض، فيلزم الالتزام بعقابين، وهو غير محتمل.
ومع التنزّل عن ذلك، وفرض كونه واجباً نفسيّاً معاقباً عليه، فالعقاب إنّما
ــــــــــ[282]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
يكون على نفس هذا الحكم(1)، لا على الحكم الواقعي، وليس هذا محلّ كلامنا مع الإخباريّين، مع أنَّ هذا لا يكون مصحّحاً للعقاب على مخالفة الواقع المجهول، فلا(2) مانع من جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان عن الواقع، فيرتفع بذلك موضوع القاعدة الأُخرى، إذ لا احتمال للعقاب ليكون دفعه واجباً نفسيّاً.
وأمّا الوجوب الغيري فهو أيضاً باطل جزماً، حتّى على القول بوجوب مقدّمة الواجب شرعاً، إذ أيّ واجب نفسي يتوقّف على دفع الضرّر المحتمل ليكون هذا مقدّمة له، حتّى يكون واجباً بالوجوب المقدّمي، فإنّنا إذ نحتمل حكماً في الواقع، ويكون الاحتمال مصادفاً للواقع، فالإتيان به إتيان لنفس الواجب وترك لنفس الحرام، لا مقدّمة لأمر آخر، وأمّا إذا فرض أنّه ليس بواجب أو حرام، وأنَّ الاحتمال غير مطابق للواقع، فالأمر أوضح، إذ ليس هناك وجوب وحرمة ليكون دفع الضرّر المحتمل مقّدمة لأيّ شيء، فاحتمال الوجوب الغيري ساقط.
أمّا الطريقي فقد ذكرنا أنّه عبارة عن وجوب يقصد به إيصال الواقع، وإن
ــــــــــ[283]ــــــــــ
() يعني: وجوب دفع الضرّر المحتمل. (المقرّر).
(2) لا يخفى ما فيه، من فإنَّ وجوب دفع الضرّر المحتمل وإن فرض نفسيّاً، إلَّا أنَّه لا يخرج عن كونه طريقيّاً منجّزاً للواقع لاقتضاء طبيعته ذلك، فإنَّ دفع الضرّر الناشئ من المعصية معناه: الامتثال وترك العصيان، ومعه كيف يمكن جريان قاعدة قبح العقاب؟ (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
لم يكن الواقع واصلاً بنفسه، إلّا أنّه يكون واصلاً بعنوان آخر، ولذلك يصحّ العقاب على مخالفة الواقع، وإن لم يكن واصلاً بنفسه، فلو جعل الشارع خبر الواحد حجّة فالواقع بنفسه وإن لم يكن واصلاً لاحتمال اشتباه الراوي، إلّا أنّه أمر طريقي للتحفّظ على الواجبات والمحرّمات الواقعيّة، فلو فرضت مخالفته للواقع يستحقّ العقاب على مخالفة الواقع الواصل بطريقه.
وكذلك الحال في الأصل العملي كالاستصحاب، فإنَّ الواقع وإن كان مجهولاً، إلّا أنَّ الشارع يجعل حكم حرمة نقض اليقين بالشكّ للتحفّظ على الواقع، فهذا الوجوب طريقي، والمكلّف لو فرضنا خالف الواقع، وكان الاستصحاب مطابقاً له استحقّ العقاب عليه.
وكذلك الحال في الأصل غير المحرز كإيجاب الاحتياط، فلو حكم الشارع بلزوم الاحتياط في مورد، فإنّه وإن فرض أنّ الواقع مجهول ولم يصل، إلّا أنّ طريقته وهو الاحتياط قد وصل فيستحقّ العقاب على مخالفته.
فالوجوب الطريقي هو الوجوب الذي يصحّ معه العقاب على مخالفة الواقع، فالشارع لأجل التحفّظ على الأحكام الواقعيّة يجعل شيئاً حجّة، وبهذا الجعل يستحّق المكلّف العقاب على مخالفة الواقع، على تقدير أنّه خالف الوجوب الطريقي.
فوجوب دفع الضرّر المحتمل لا يعقل أن يكون وجوباً طريقيّاً، فإنَّ احتمال العقاب أخذ في موضوعه، وفي مرتبة سابقة عنه، إذ فرض أنَّ العقل يحكم بلزوم دفع العقاب المحتمل، فكأنَّ العقاب موضوع لحكم العقل ومتقدّم
ــــــــــ[284]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
عليه رتبةً، والوجوب الطريقي يترتّب عليه احتمال العقاب، ولولاه لم يكن احتمال العقاب، فلو لم يكن خبر الواحد حجّة، أو لم يكن الاحتياط مجعولاً لم يكن احتمال العقاب. إذن، فحكم العقل بلزوم دفع الضرّر المحتمل يستحيل أن يكون وجوباً طريقيّاً موجباً لتنجيز الواقع، وموجباً لأن يترتّب عليه احتمال العقاب، فإنَّ احتماله مفروض في الرتبة السابقة عليه.
إذن، ينحصر الأمر بأن يكون هذا الوجوب إرشاديّا، يعني: أنّ العقل يرشد ويحكم بأنّ العقاب المحتمل على تقدير مصادقة الاحتمال للواقع يكون مستحقّاً، فيحكم العقل إرشاداً إلى ما هو موجود في نفسه، كحكمه بحسن الطاعة وقبح المعصية.
وأمّا إذا أُريد بالضرّر الضرّر الدنيوي فالجواب عن ذلك:
أوّلاً: أنَّ التكليف لا يلازم احتمال الضرّر، فإنَّ الأحكام الشرعيّة غير تابعة للضرّر، حتّى في موارد المحرّمات، فإنّ كثيراً من المحرّمات لا يحتمل في مواردها الضرّر الدنيوي، كأكلّ مال الغير، أو التعدّي على الغير، فإنّه لا يفرق في الضرّر أو المنفعة بين أن يكون المال ملكه أو ملك غيره، فاحتمال التكليف لا يكون ملازماً مع احتمال الضرّر، فدعوى أنَّه في موارد الشبهات التحريميّة يحتمل الضرّر، والعقل يحكم بلزوم دفعه، الصغرى فيه ممنوعة.
نعم، في جملة من موارد من المحرّمات الضرّر يكون متحقّقاً، كأكلّ الميتة الذي يضرّ ببدن الإنسان، ولكن كحكمٍ كلّيٍّ بأنَّ كلّ حكم تحريمي يلازم احتماله احتمال الضرّر فغير تامّ.
ــــــــــ[285]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وعلى تقدير التسليم، فقد تقدّم غير مرّة: أنَّ دفع الضرّر الدنيوي غير لازم، فيما لو كان معلوماً ومقطوعاً به، فكيف لو كان مشكوكاً غير مقطوع؟ فإنّا نرى أنّ العقلاء يقدمون على أفعال فيها ضرّر على أبدانهم أو أموالهم أو هما معاً، ولهم أغراض عقلائيّة في ذلك، فليس ارتكاب الضرّر المقطوع لازماً ليكون دفع المحتمل فيه واجباً. نعم، عمل الضرّر من دون غرض عقلائي عمل سفهي، ولكن العمل السفهي لا يكون محرّماً مطلقاً. نعم، في موارد المال يكون محرّماً؛ لأنّه اسراف وتبذير.
وأمّا إذا أريد بالضرّر المفسدة فاحتمال التكليف ملازم لاحتمالها لا محالة، بناءً على أنَّ التكاليف تابعة للمصالح والمفاسد، فإنَّ احتمال الوجوب ملازم لاحتمال المصلحة، واحتمال الحرمة ملازم لاحتمال المفسدة.
ومعلوم أنَّ احتمال المعلول ملازم مع احتمال العلّة لا محالة، فبحسب الصغرى احتمال الضرّر، يعني: احتمال المفسدة.
وإنَّما الكلام في حكم العقل بلزوم دفع المفسدة المحتملة، فهذا مقطوع العدم، فإنَّ العقل لا يلزم برعاية الاحتياط في التكليف المحتمل، فكذلك الحال في المصلحة والمفسدة، فإنَّها لا تزيد على نفس التكليف، فلو لم يكن الحكم واصلاً بنفسه أو بطريقه فلا يلزم العقل بالاحتياط، كذلك الحال في المصلحة أو المفسدة المحتملة، فحكم العقل بلزوم دفعها ممنوع جدّاً.
والذي يدلّنا على ذلك تسالم الإخباريّين والأُصوليّين على جريان البراءة في الشبهة التحريميّة فيما لو كانت موضوعيّة شكّنا في طهارة شيء أو نجاسته، إذا
ــــــــــ[286]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
يكن مجرى لأصالة الطهارة لتعارض الحالتين فيه، أو شكّكنا في شيء أنَّه من القسم المحرّم أو المحلّل، كما إذا شكّكنا في مايع أنَّه خمرٌ أو خلٌّ، فهنا لا شكّ ولا ريب في جريان البراءة فيها، وقد دلّت على أصالة الحلّ عدّة روايات سبق التعرّض لها، مع أنَّ احتمال المفسدة موجود في مورد احتمال الحرمة، فإنَّ الحكم الشرعي تابع للمصلحة والمفسدة بحسب الكبرى والصغرى معاً، فإذا احتملنا أنَّ هذا خمرٌ نحتمل المفسدة في شربه لا محالة، ومع ذلك يحكم فيه بالحلّيّة، فهذا يدلّنا على أنّ دعوى حكم العقل بلزوم دفع المفسدة المحتملة باطل.
إذن، فقاعدة قبح العقاب بلا بيان تامّة ولا يمكن رفع اليد عنها بقاعدة دفع الضرّر المحتمل.
لو صحّ ما ادّعاه الإخباريّون من الأدلّة الآمرة بالاحتياط والتوقّف التي يقع الكلام فيها فيما لو تمّت من جهة الدلالة -علماً أنّها تامّة من جهة السند، فإنّها متكاثرة متظافرة- فلا محالة يكون الأمر بالاحتياط وبالتوقّف أمراً طريقيّاً موجباً لتنجز الواقع، فالحكم الواقعي لا محالة يكون واصلاً لا بنفسه لكن بطريقه، فلو خالف الاحتياط ولم يتوقّف ووقع في المحرّم فقد هلك من حيث لا يعلم، كما ورد في بعض الروايات. إذن، يكون العقاب عقاباً مع البيان، لا عقاباً بلا بيان، وتكون هذه الأخبار حاكمة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، يعني: الحكومة بالمعنى الأعمّ، فهي تكون واردة عليها، ورافعة لموضوعها في الخارج، فإنّه لا يعتبر في البيان العلم بالحكم، بل هو مطلق الوصول، وهو
ــــــــــ[287]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
يوجب الاحتياط، فقاعدة قبح العقاب بلا بيان لا يمكن أن تعارض الأدلّة.
وأمّا إذا قلنا: بأنّ هذه الأوامر ليست طريقيّة، بل إرشاديّة -كما قلنا في باب وجوب دفع الضرّر المحتمل- وفرض تنجّز الواقع في بعضها بغض النظر عن هذه الأوامر، فقاعدة قبح العقاب بلا بيان تبقى بلا مزاحم. هذا تمام كلامنا في قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
قد يستدلّ على البراءة الشرعيّة بحلّيّة الأشياء ما لم يدلّ دليل على حرمتها بالاستصحاب، وقد يجري الاستصحاب في الحكم في مرتبة الجعل والإنشاء، مع غض النظر عن تحقّق موضوعه في الخارج، وقد يجري الاستصحاب في مرتبة الفعليّة وتحقّق الموضوع، وقد ذكرنا(1) غير مرّة أنَّ لكلّ حكم مرتبتين:
أحدهما: مرتبة الجعل والتشريع، وهو لا يتوقّف على وجود موضوعه في الخارج، بل يفرض وجود الموضوع على نحو القضيّة الحقيقيّة، ويجعل الحكم عليه، فيقال عندئذٍ: إنّ هذا الحكم ثابت في الشريعة، وإن لم يتحقّق له موضوع إلى يوم القيامة، فيحكم بقتل القاتل قصاصاً في الشريعة، ولا يتوقّف هذا الحكم على وجود قتل في الخارج، لا في زمان الجعل، ولا بعد الجعل، ويمكن أن يكون الحكم موجباً لعدم تحقّق القتل في الخارج، حيث إذا أحرز أنَّه يقتل فيكون هذا رادعاً له عن الارتكاب.
وكذلك قلنا: إنّه لا مانع -من هذه الجهة- من استصحاب عدم النسخ،
ــــــــــ[288]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 64.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وإنّ الحكم إذا كان ثابتاً يصحّ أن يقال: إنّه كان حرامّا ويشكّ في بقاءه بعد ذلك بزمان، فيحكم ببقائه بمقتضى الاستصحاب، فإنَّ الحكم في هذه المرتبة يتّصف بالوجود والعدم، والرافع له هو النسخ، وإلّا(1) فهو باق، وانتفاء الموضوع لا يوجب رفع الحكم في مرحلة التشريع والجعل، فإنّه ثابت في هذه المرحلة سواء كان له موضوع أو لا.
ثانيهما: مرتبة الفعليّة ووجود الموضوع في الخارج، فلو حصل العمد في الخارج يكون الحكم بالقصاص متحقّقاً فعليّاً، فيحكم على القاتل بالقصاص، باعتبار أنَّ الحكم قد خرج من الفرض إلى التحقّق، ومن الإنشاء إلى الفعليّة، وكذلك بقيّة موضوعات الأحكام كوجوب الوفاء بالعقود، فإنّه قبل أن يتحقّق العقد يكون وجوب الوفاء موجوداً في مرحلة الإنشاء، وأمّا إذا وقعت المعاملة بين زيد وعمر فيحكم على كلّ منهما بوجوب الوفاء، باعتبار أنَّ العقد تحقّق في الخارج وأصبح الحكم فعليّاً، وهو قابل للداعويّة والبعث والزجر.
فعلى ذلك، فكلّ من المرحلتين مسبوقة بالعدم لا محالة، فإنّ التشريع والجعل لم يكن فكان، والفعليّة لم تكن فكانت قبل زمان، ولم يكن الوفاء بهذا العقد واجباً؛ لانتفاء موضوعه وهو العقد، وبعد فرض وجود العقد في الخارج أصبح مّما يجب الوفاء به، فهذا الوجوب مسبوق بالعدم، كما أنَّ الحكم قبل جعله وإنشاءه في الشريعة المقدّسة لم يكن موجوداً، كالحكم بقتل القاتل ورجم الزاني، فهذا التشريع لم يكن فكان بعد ذلك، فالحكم في كلا المرتبتين كان
ــــــــــ[289]ــــــــــ
() يعني: لولا النسخ (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
مسبوقاً بالعدم، وبعد ذلك وجد، وهذا أمر ظاهر.
فعلى ذلك لو شكّكنا أنَّ شرب التتن حرام أو جائز، وفرضنا أنّه لا نصّ في المقام -فإنّ هذا هو محلّ الكلام- أو كان النصّ، إلّا أنّه مجمل، أو أنَّ النصّين متعارضان، وسقط الإطلاق في كلّ منهما، وفي مثل ذلك، يقال: إنَّ تشريع الحرمة وجعلها لم يكن ثابتاً في الشريعة، ونشكّ بجعلها بعد أن لم تكن، فنتمسّك بالاستصحاب، ويثبت به عدم التحريم، وحيث إنَّ الاستصحاب أصل محرز له نظر إلى الواقع، بعنوان عدم جواز نقض اليقين بالشكّ، فهو يفيد أنَّ الشارع يفرض المكلّف عالماً بعدم الحرمة، ومعه لا تصل النوبة إلى أصالة البراءة الشرعيّة ولا العقليّة، وعدم جواز العقاب في مثل ذلك ليس لعدم البيان، بل لبيان العدم، فإنَّ المفروض أنَّ المكلّف عالم تعبّداً بعدم الحرمة، فلا تصل النوبة إلى البراءة العقليّة، كما لا تصل النوبة إلى البراءة الشرعيّة، فإنَّ موضوعها هو مجهول الحلّيّة والحرمة، لما تقدّم من حديث الحجب، أو حديث الرفع، أو أدلّة الحلّ، ومع جريان الاستصحاب لا يبقى موضوع للأصل الشرعي، فإنَّ المكلّف حينئذٍ يكون محرزاً لعدم الحرمة.
ونظير هذا جريان الاستصحاب في موارد أصالة الطهارة، حيث قلنا: إنَّه مع جريانه لا تصل النوبة إلى أصالة الطهارة، إذ إنَّ الطهارة ليست مشكوكة، بل معلومة بالاستصحاب، والمكلّف متيقّن منها.
والحاصل: أنَّ الاستصحاب حاكم على أصالة الطهارة وأصالة البراءة وكلّ أصل غير محرز، فهذا هو تقريب الاستصحاب.
ــــــــــ[290]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
ولكن قد يستشكلّ على جريان الاستصحاب بأنّ جريانه في التكليف في مرحلة الجعل لا أثر له، فإنّ الأثر بعثاً وزجراً وترخيصاً مترتّب على الحكم الفعلي دون الحكم الإنشائي، فأيّ أثر أن يعلم غير المستطيع بأنّه يجب الحجّ على المستطيع؟
كما لا معنى لجريانه في مرتبة الفعليّة، يعني: نجريه في الحكم الإنشائي ونرتّب الأثر، وهو: عدم الحكم بلحاظ مرتبة الفعليّة، فهذا يكون من الأصل المثبت، لأنّه لازم له، والأصل لا يثبت لازمه، وبذلك يمنع عن جريان الاستصحاب في الحكم الإنشائي، كما ذكر شيخنا الأستاذ(1).
والجواب عن ذلك نقضاً وحلّاً:
أمّا النقض فباستصحاب عدم النسخ، وأنَّ هذا الحكم إذا كان ثابتاً متيقّناً، وشكّكنا في نسخه وعدمه، فهنا ادّعوا وجود الإجماع على عدم النسخ، حتّى من المنكرين لجريان الاستصحاب في الأحكام الكلّيّة، مع أنّه إعادّة نفس الإشكال، فإنّ استصحاب الحكم بلحاظ مرحلة الإنشاء لا أثر له، فأيّ أثر لكون المكلّف متيقّناً بالإنشاء؟
أمّا جريانه في مرتبة الإنشاء وترتيب الأثر على مرتبة الفعليّة فهو مثبت، فما معنى جريان الاستصحاب في عدم النسخ وبقاء الحكم في مرحلة الإنشاء؟
الجواب هو الجواب، فإنَّ هذا لا يفرق عن محلّ الكلام، إلّا كون هذا
ــــــــــ[291]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 413.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
استصحاباً لوجود الحكم، ومحلّ الكلام استصحاب لعدمه.
أمّا الحلّ فبما أنّ الأثر مترتّب على نفس الجعل، فإنَّ الحكم الفعلي ليس حكماً آخر في مقابل الحكم الانشائي، ومعلوم أنَّ الحكم فعل اختياري للمولى، وليس له إلّا فعل واحد، وهو اعتبار فعل على ذمّة المكلّف في الأحكام الوجوبيّة، واعتبار محروميّة المكلّف من هذا الفعل في التكاليف التحريميّة، وليس بعد هذا الحكم حكم آخر من المولى يسمّى بالحكم الفعلي، وإنّما الحكم منحصر في حكم واحد وهو التشريع والجعل، غاية الأمر: أنَّ الاعتبار تعلّق بأمر متأخّر، ولا مانع منه، فإنَّ الاعتبار خفيف المؤونة، فكما يمكن تعلّقه بأمر حالي، كذلك يمكن تعلّقه بأمر متأخرّ يتحقّق في موطنه(1)، فالمستطيع اليوم يجب عليه الحجّ، لا بوجوب جديد بل بوجوب مجعول من أوّل الأمر، حيث إنّه لم يكن مصداقاً للتكليف فكان، فالحكم الفعلي والحكم الإنشائي حكم واحد لا يفترقان، إلّا من حيث وجود الموضوع وعدمه، فالحكم واحد، وليس لنا مجعولان من المولى: إنشائي وفعلي، وهذا واضح، ولعلّه من البديهيّات.
فحال الأحكام الإنشائيّة -من هذه الجهة- حال الجملات الخبريّة، فإنَّ الجسم الخارجي لا يكون محرقاً حتّى يكون ناراً، وبعد أن يكون ناراً يثبت له الإحراق، لا أنَّ الإحراق أمران، بل هو أمر واحد يوجد بوجود موضوعه، كذلك الحكم لم يكن موجوداً لعدم الموضوع، فإذا وجد الموضوع يكون فعليّاً؛ لأنَّ الاعتبار كان متعلّقاً بهذا المكلف(2).
ــــــــــ[292]ــــــــــ
() فيكون الجعل فعليّاً والمجعول متأخرّاً. (المقرّر).
(2) وهو المستطيع مثلاً. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فعلى ذلك لا يكون هذا من الأصل المثبت أبداً، بل معنى هذا الاستصحاب، هو: أنّ الاعتبار الأوّل باقٍ، فإن كان باقيّاً فالموضوع إذا تحقّق خارجاً فهذا الاعتبار يكون محرّكاً للمكلف، كذلك الحال من طرف استصحاب العدم؛ إذ يقول المكلف: لم تكن حرمة التتن مجعولة في الشريعة، ولم يكن الشارع قد اعتبر محروميّة المكلّف منه، فهو كما كان، فلا يجب الاجتناب بحكم العقل؛ لأنَّ موضوع حكم العقل بجوب الطاعة هو اعتبار المولى، فإذا استصحبنا عدم اعتبار المولى لا يحكم العقل بشيء.
وأشكلّ شيخنا الأستاذ(1) ثانياً على الاستصحاب: أنّ المستصحب هو العدم المحمولي الأزلي، فإنَّ عدم الحكم ليس محدوداً بزمان خاصٍّ، بل هو أزليٌّ وليس له مبدأ، فإنَّ الأعدام ليس لها مبدأ، فما هو متيقّن هو العدم المحمولي الأزلي، وهذا العدم لا يترتّب عليه أثر، والعدم الذي يترتّب عليه الأثر هو العدم المنسوب إلى الشارع (العدم النعتي)، واستصحاب العدم المحمولي ليثبت به العدم النعتي من الأصل المثبت، وأنَّ هذا ليس بحرام في الشريعة.
وبعبارة أخرى: أنّ العدم النعتي ليس له حالة سابقة، والعدم المحمولي الأزلي وإن كانت له حالة سابقة، إلّا أنَّ إثبات العدم النعتي باستصحاب العدم المحمولي من الأصل المثبت، كما أنَّ استصحاب عدم البصر لا يمكن به إثبات العمر، بأن يقال: إنّ زيداً لم يكن قبل وجوده مبصراً، ونشكّ في أنّه اتّصف بعد
ــــــــــ[293]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 365.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وجوده بالبصر، فنستصحب العدم الأزلي لبصره، ونثبت به العمر. هذا يكون أصلاً مثبتاً.
أوّلاً: أنَّ العدم النعتي له حالة سابقة؛ وذلك لأنَّ جعل الأحكام كان تدريجيّاً، فأوّلاً قال لهم: “قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”، ثُمَّ أمروا ونُهوا تدريجيّاً، فلم نحتمل أنّ الأحكام الإسلاميّة جعلت في الزمان(1) الأوّل من الرسالة. إذن، فقد مضى زمان في الشريعة لم يكن هذا الحكم مجعولاً قطعاً، ولم يكن هذا الشيء متّصفاً بالحرمة بعد فرض وجود الشرع والشريعة. إذن، كان هذا العدم نعتيّاً، والشريعة خالية من هذا الحكم فنستصحب عدمه.
فلا يقاس هذا باستصحاب عدم البصر لإثبات العمر، فإنّ هذا ليس له حالة سابقةٌ؛ لأنّ زيداً من أوّل وجوده يشكّ أنّه بصير أو أعمى.
ثانياً: على أنّه يكفينا لو احتملنا جعله هذا الحكم في أوّل آنات الشريعة، فنجري الاستصحاب أيضاً، ولا يقاس هذا بالعمى والبصر، فإنّ العمى عبارة
ــــــــــ[294]ــــــــــ
() هذا الاحتمال معناه: كون الشريعة بمجموعها جعلت ثبوتاً في اللوح المحفوظ في أوّل آنات الرسالة، ثُمَّ بلغت تدريجاً، ولا يحتمل أحد أنّ التبليغ كان دفعيّاً. ومن المعلوم أن لا يكون فعليّاً منجّزاً وموضوعاً لحكم العقل بالطاعة، إلّا بالتبليغ والصدور، فمن الممكن حينئذ إجراء استصحاب عدم التبليغ، وذلك كاف لعدم وجوب امتثاله. نعم، هذا في زمان الأئمّة وبعد تماميّة الشريعة غير ممكن، كما هو واضح، فافهم واغتنم. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
عن الاتّصاف بهذا العدم، ولذا يقال: بأنَّ الأعدام والملكات لها حظّ من الوجود على نحو القضيّة المعدولة، وأمّا هنا فنشكّ أنَّ الحكم جعل في الشريعة أو لم يجعل، فالاستصحاب بنفسه ينسبه إلى الشريعة، فالانتساب(1) -ونحن نريد انتساباً سابقاً على الاستصحاب لكي نستصحبه- إلى الشريعة نثبته بالاستصحاب، فإنَّ معنى الاستصحاب هو هذا، وأنَّ الشارع يحكم ببقاء هذا العدم، فهو منتسب إلى الشارع بنفس الاستصحاب، فيكفينا جريان الاستصحاب في العدم النعتي. إذن، لا بأس بجريان الاستصحاب فيما إذا شكّ في حرمة شيء وعدم حرمته.
ولكن قد يقال: إِنّ هذا الاستصحاب معارض بعدم جعل الترخيص، فإنّا نعلم أنّ هذا الشيء محكوم بحكم، فإنّ الواقعة لا تخلو من حكم(2)، فإذا احتملنا حرمة الشيء نشكّ في أنّ الحكم المجعول هو الترخيص أو التحريم، فكما يمكن التمسّك باستصحاب عدم جعل التحريم، كذلك يمكن التمسّك باستصحاب عدم جعل الترخيص، فإنّه كما كان التحريم مسبوقاً بالعدم قبل الشرع والشريعة، كذلك كان الترخيص مسبوقاً بالعدم، فكما تجري أصالة عدم الحرمة، كذلك تجري أصالة عدم الترخيص، فيتعارض الأصلان.
ــــــــــ[295]ــــــــــ
() لا يخفى ما فيه: فإنّ هذا الانتساب فرع جريان الاستصحاب، كما هو واضح، فالميرزا أن يمنع عنه بدعواه السابقة، وأنّ استصحاب العدم المحمولي غير مجدٍ، واستصحاب العدم النعتي غير ممكن؛ لعدم الحالة السابقة، فيكون هذا الكلام من السيّد مصادرة على الميرزا. (المقرّر).
(2) فنعلم اجمالاً إمّا بالتحريم أو الترخيص. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
والجواب عنه:
أوّلاً: أنَّ التحريم -على تقدير وجوده- موجود في زمن متأخّر عن جعل الترخيص، فإنّنا نحتمل كون حرمة التتن أوّل حكم جعل في الشريعة، فنحن نعلم أنّه في زمان من الأزمنة كان حلالاً جزماً في أوّل الشريعة المقدّسة، فهو في زمان كان مسبوقاً بالترخيص، ونشكّ في جعل الحرمة له، فنتمسّك بالاستصحاب ونثبت به عدم الحرمة، فإنّه أمر حادث مشكوك، ومقتضاه البناء على عدمه.
وثانياً: أنّنا إذا احتملنا أنّ هذا أوّل مجعول في الشريعة، فدعوى العلم الإجمالي بالترخيص أو التحريم غير تامّة، وليس عندنا علم إجمالي، فنحتمل أنّه لم يجعل الله التحريم ولا الترخيص بعنوانه، وإنّما جعل الترخيص بعنوان عامٍّ، و هو عنوان: (كلّ ما لم يرد فيه نهي فهو حلال)(1)، كما يدلّنا على ذلك عمل الأصحاب جزماً، فإنَّ أصحاب النبيّ كانوا مطلقين في كلّ ما لم يرد فيه نهي، والتحريم كان يحتاج إلى دليل، ولم تكن الإباحة تحتاج إلى دليل، وقد ورد النهي عن السؤال في عدّة روايات، وأنَّ بنيّ إسرائيل هلكوا لكثرة سؤالهم واختلافهم إلى أنبيائهم، كما ورد في الحجّ وغير الحجّ(2)، فهذا معلوم من الخارج، وأنَّ المسلمين لم يكونوا يتوقّفون في أعمالهم على ورود الترخيص من النبيّ بعنوانه، بل يرتكبونه حتّى يرد فيه نهي فيرتدعون عنه، وهذا أحد المحتملات
ــــــــــ[296]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه آنفاً.
(2) تقدّم تخريجه آنفاً.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
في المرسلة المتقدّمة: “كُلُّ شَيْءٍ مُطْلَقٌ حَتَّى يَرِدَ فِيهِ نَهْي”(1).
وكيف ما كان، فالنهي هو المحتاج إلى الدليل دون الإباحة، فإذا لم يكن علم إجمالي بجعل الترخيص أو النهي، ونحتمل أن يكون حرامّاً، وأن يكون حلالاً بعنوان عامٍّ، فالعلم الإجمالي ينحلّ، وباستصحاب عدم جعل النهي يثبت حلّيّته، فإنَّ عدم النهي موضوع للجواز، واستصحاب عدم الإباحة لا يكفي، فلا تعارض بين الأصلين.
وعلى تقدير التسليم، فإنّنا نعلم إجمالاً بجعل الإباحة أو الحرمة له بخصوصه، وإنَّ استصحاب الإباحة لم يجر، واحتملنا أنّه أوّل مجعول في الشريعة، فلا مانع من جريان الأصلين معاً: عدم الحرمة وعدم الإباحة.
وقد ذكرنا غير مرّة(2): أنّ العلم الإجمالي بنفسه غير مانع من جريان الاستصحاب ما لم يلزم مخالفة عمليّة، والمخالفة العمليّة هي المانع من جريان الأُصول في تمام الأطراف، كما لو علمنا إجمالاً بأحد الفعلين لا يمكن الرجوع إلى الاستصحاب، أو إلى أصالة الحلّ في كلّ منهما، لأنَّ معناه الترخيص في المعصية، وهو غير جائز.
وأمّا إذا لم تكن مخالفة عمليّة فلا مانع من جريان الأصل كما في المقام، فإنَّ أحد الأطراف غير قابل للتنجيز، وهو الإباحة.
إذن، نبني عل كلا الطرفين، وأنَّ هذا لم يجعل فيه الحرمة ولم تجعل فيه
ــــــــــ[297]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه آنفاً.
(2) انظر: مصباح الأُصول 1: 227.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الإباحة، وليس فيه مخالفة عمليّة. نعم، لا يمكن ترتّيب آثار الإباحة، لو كان لها آثار خاصة؛ لأنَّ نفي الحرمة لا يثبت الإباحة، بل يترتّب عليه(1) نفي العقاب، وجواز الارتكاب، فإنَّ ذلك لا يتوقّف على ثبوت الترخيص، بل على عدم ثبوت المنع. فما هو الضابط الذي ذكرناه في بحث البراءة والاشتغال من اجتناب المكلّف عن الفعل وعدم اجتنابه متحقّق، فإنّنا إذا بنيّنا على أنَّ الفعل ليس بحرام بالاستصحاب فلا يبقى مانع من ارتكابه، وإن لم يثبت أنّه مباح.
قد يقال: إنَّ الاستصحاب وإن كان يجري في الشبهات الحكميّة باعتبار أصالة عدم التحريم، إلّا أنّه لا يجري في الشبهات الموضوعيّة، فإنَّ المفروض أنّ هذا الموضوع الخاصّ غير محكوم بحكم خاصّ من حرمة أو إباحة، وأمّا كلّي الجعل فهو معلوم وليس بمشكوك، فإنّنا نعلم أنَّ الخمر حرام والخلّ حلال، وإنّما الشكّ في الموضوع الخارجي، فالأصل لا يجري، فلا بُدَّ من التمسّك بالبراءة العقليّة والشرعيّة.
إلّا أنّ هذا يندفع بأنَّ القضيّة الحقيقيّة الحكم المجعول فيها مجعول على الأفراد الخارجيّة، غاية الأمر: بعنوان مشير إليها، فالاعتبار وإنَّ كان سابقاً، إلّا أنّ المعتبر أمر متأخّر، فيفرض المولى خمراً خارجيّاً ويجعل له الحرمة، فكلّ فرد يوجد نجعل له الحرمة بنفس ذلك الجعل. إذن، لا مانع من جريان أصالة عدم الجعل؛ إذ نشكّ أنَّ المولى جعل الحرمة لهذا الفرد أو لا؟ فنستصحب عدم الجعل له.
ــــــــــ[298]ــــــــــ
() يعني: على نفي الحرمة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وقد يفرض جريان الاستصحاب في عدم المجعول، لأنّه يعلم أنّه قبل البلوغ لم يكن حرامّا جزماً، ونشكّ في انقلاب هذا العدم إلى نقيضه، وهو: الحرمة، فنبني على بقاء ما كان على ما كان، وهذا الاستصحاب جار في مرحلة المجعول، ومرتبة الحكم الفعلي، ولو لم يجر الاستصحاب في الحكم الكلّي في مرحلة الجعل.
ذكر صاحب الكفاية(1) في التنبيه الثامن من تنبيهات الاستصحاب، ونسبه إلى الشيخ(2): أنَّه استشكلّ في جريان هذا الاستصحاب، بدعوى: أنَّ الاستصحاب إنّما يجري في ما إذا كان المستصحب أمراً مجعولاً شرعيّاً أو له أثر شرعي، والعدم غير قابل للجعل في نفسه، فإنّه أمر أزلي، ولا معنى لتعلّق الجعل بالعدم الأزلي، وليس له أثر شرعي أيضاً.
وأمّا عدم العقاب فهذا أمر تكويني لازم لعدم الحرمة، وليس من الآثار الشرعيّة، ولا بدَّ في المستصحب من أحد الأمرين، وحيث إنّهما ليسا متوفّرين في هذا الاستصحاب، فلا يكون جارياً. هذا محصّل ما ذكره صاحب الكفاية ونسبه إلى الشيخ.
أمّا النسبة فهي غير صحيحة جزماً، فإنَّ الشيخ يتمسّك بالاستصحاب في
ــــــــــ[299]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 416 ،417.
(2) انظر: كفاية الأصول: 416.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الأعدام، حتّى في العدم الأزلي، وصرّح به في غير مورد، وذكر في مقام التفصيل بين الوجوديّات والعدميّات: أنّ هذا التفصيل باطل، ولا فرق بين أن يكون المستصحب وجوديّاً أو عدميّاً.
أمّا أصل الشبهة فهو أيضاً غير صحيح، فإنَّ لزوم أن يكون المستصحب مجعولاً في نفسه أو مباشرة لم يرد في دليل الاستصحاب، ولا في أيّ دليل آخر، وإنّما الذي يعتبر في جريان الاستصحاب أن يكون موضوعه قابلاً للتعبّد به شرعاً، وأن يكون مّما يرجع أمره إلى الشارع، ومن الظاهر: أنَّ الحكم المجعول كما أنّه بوجوده قابل للتعبّد به، كذلك بعدمه قابل للتعبّد، فإنّ القدرة كما تتعلّق بالوجود كذلك تتعلّق بالعدم، فكما أنَّ للمولى أن يلزم بالوجوب أو الحرمة، كذلك له أن يلزم بعدم الوجوب. نعم، ليس العدم مجعولاً، ولكنّه قابل للتعبّد والاستناد إلى الشارع.
ودعوى أنَّ العدم أزلي، والعدم الأزلي غير قابل للتعبّد به والاستناد إلى الشارع، فهذا إنّما يصحّ بلحاظ الحدوث، فإنَّ العدم بما أنّه أزلي يكون غير قابل للتعبّد به حدوثاً.
وأمّا في مرحلة البقاء فيمكن استناده إلى الشارع، كما في سائر الأمور التكوينيّة، فإنَّ عدم القيام حدوثاً لا يمكن استناده إلى الفاعل، لكن عدمه بقاءً مستند إلى الفاعل لا محالة، فإنَّ له أن يقوم وله أن لا يقوم، فالوجوب والتحريم وجوداً وعدماً قابلين بقاءً للاستناد إلى الشارع، فكما يمكن التعبّد بالتحريم، يمكن التعبّد بعدم التحريم.
ــــــــــ[300]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وسنذكر في مبحث الاستصحاب(1) أنَّ موضوعه لا بُدَّ أن يكون قابلاً للتعبّد بحسب البقاء، ولا يلزم أن يكون الحدوث كذلك، فإنَّ دليل الاستصحاب ناظر إلى مرحلة البقاء لا إلى الحدوث، فإذا لم يكن للشيء أثرٌ حدوثاً، وكان له أثرٌ بقاء، فلا مانع من جريان الاستصحاب فيه، كما أنَّ الشيء الذي لا يمكن استناده إلى الشارع حدوثاً، لكن يمكن استناده بقاء، فيمكن التعبّد به.
إذن، يمكن إجراء استصحاب العدم الأزلي في المجعول، فيقال: إنَّ شرب التتن لم يكن حرامّاً قبل البلوغ من الأزل، وشكّ بحدوث الحرمة، فالأصل عدمها.
ذكر شيخنا الأنصاري(2) في ذيل التمسّك بقاعدة قبح العقاب: تمسّك بعضهم باستصحاب عدم التكليف، واستشكلّ فيه: بأنّ هذا الاستصحاب لا يثبت به الجزم بعدم العقاب، فإنّ الشكّ بالعقاب موجود، فلا بُدَّ من التمسّك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، لكن نرفع بها الشكّ، فإذا انتهينا إلى هذه القاعدة كان التمسّك بالاستصحاب لغواً. إذن، لا فرق بين جريانه وعدمه في جزم المكلّف بعدم العقاب من جهة حكم العقل بقبحه، فقاعدة قبح العقاب لا بُدَّ منها، حتّى على تقدير جريانه. إذن، جريان الاستصحاب من اللغو الواضح، ولا يترتّب عليه أثر.
ــــــــــ[301]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 4: 175، 176.
(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 59، 60.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وبيان ذلك: أنَّ الاستصحاب إذا كان من الأمارات ويثبت به لوازمه، أو بنيّنا على حجّيّة الأصل المثبت، ففي مثل ذلك نجزم بعدم العقاب، ولا يبقى مانع من جريانه، ولا تصل النوبة إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لأنَّ استصحاب عدم الحرمة يترتّب عليه لازمه وهو الترخيص، وإذا كان الفعل مرخصاً فيه من قبل الشارع فلا يعقل أن يعاقب عليه.
وأمّا إذا لم يكن الاستصحاب من الأمارات -كما هو كذلك- ولم نقل بحجّيّة الأصل المثبت -كما لا نقول به- فاستصحاب عدم الحرمة لا يثبت به الترخيص بالفعل، فيكون العقاب مشكوكاً لا محالة. إذن، لا بُدَّ من التمسّك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، ويكون جريان الاستصحاب لغواً.
ولكن هذا لا يتمّ، لأمرين:
الأمر الأوّل: فلأنّنا يمكن لنا استصحاب الترخيص، لا استصحاب عدم الحكم، حتّى يقال: إنّه لا يثبت به الترخيص، إلّا إذا كان الاستصحاب أمارة، أو قلنا: بالأصل المثبت، فإنَّه لا حاجة إلى ذلك، فيمكن استصحاب الترخيص الثابت في حقّ الصبي، لأنّ التكليف إنّما يتوجّه على البالغين، وأمّا الصبي فمرخّص ومطلق العنان في كلّ الأفعال، كما دلّ قوله: (رفع القلم عن الصبي)(1)، فإذا كان الترخيص مولويّاً، فنفس هذا الترخيص نستصحبه، ولا حاجة إلى استصحاب عدم الحرمة.
الأمر الثاني: لا حاجة إلى إثبات الترخيص، فإنَّ عدم استحقاق العقاب إنّما
ــــــــــ[302]ــــــــــ
(1) الخصال 1: 94، رفع القلم عن ثلاثة، الحديث: 40.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
يترتّب على عدم التحريم، فإنَّ العقاب مع عدم التحريم عقاب بلا مقتضي، فلو فرضنا أنّنا بنيّنا على أنّه يمكن أن يكون الفعل خالياً من الأحكام الخمسة، فليس محرّماً ولا مرخّصاً فيه، فأيضاً لا يمكن معاقبته؛ لأنّ العقاب إنّما يترتّب على عصيان تكاليف المولى من وجوب أو تحريم، فإذا كان العدم قابلاً للتعبّد، وأحرزنا بأنَّ هذا ليس بحرام أو ليس بواجب، فالعقاب لا نحتمله، حتّى نحتاج إلى التمسّك بقاعدة قبح العقاب، حتّى يكون الاستصحاب لغواً، بل مقتضى الاستصحاب أن نقطع بعدم العقاب، فلا مانع من جريانه.
ذكر شيخنا الأستاذ(1) للمنع عن جريان هذا الاستصحاب وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ العدم المتيقّن في المقام هو التكليف في مورد غير قابل له، والشكّ في التكليف إنّما هو في مورد قابل له.
وبعبارة أُخرى: أنَّ العدم السابق كان محموليّاً باعتبار عدم قابليّة المحلّ، والعدم اللاحق المشكوك عدم نعتي، والشكّ في انتساب هذا العدم إلى المولى، فالمشكوك فيه عين المتيقّن فلا يجري الاستصحاب.
أمّا من جهة القابليّة فالمستصحب إن كان هو العدم في زمان عدم التميّيز والصغر جدّاً حال كونه رضيعاً، فيمكن أن يقال: إنَّ العدم في ذلك الزمان كان لعدم قابليّة الموضوع، والمشكوك هو التكليف مع قابلية الموضوع، فالمشكوك غير المتيقّن.
ــــــــــ[303]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 190.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
إلّا أنَّ الأمر ليس كذلك، فإنَّ الصبي قبل أن يبلغ بلوغاً شرعيّاً كان قابلاً للتكليف، وإنّما لم يكلّف امتناناً من المولى، وهذا العدم نعتي مستند إلى المولى، بمقتضى قوله: “رفع القلم عن الصبي حتّى يحتلم”(1) وغيره من الأدلّة الدالّة على اختصاص التكاليف بالبالغين، فالعدم كان عدماً في محلّ قابل فنستصحب هذا العدم، فمن هذه الجهة لا مانع.
وأمّا مسألة العدم الأزلي، وأنَّ العدم لم يكن منتسباً، فلو قطعنا النظر عن كون العدم نعتيّاً، فلا مانع من الاستصحاب في العدم الأزلي المحمولي، وانتساب العدم يثبت بالاستصحاب، ولا يكون من الأصل المثبت، فإنّنا سنبيّن في مبحث الاستصحاب(2) إن شاء الله: أنّ هناك فرقاً بين اللوازم المترتّبة على المستصحب المتعبّد به، واللوازم المترتّبة على نفس الاستصحاب والتعبّد، فاللوازم من القسم الأوّل لا تثبت بالاستصحاب، فإنَّ هذا الأصل ينظر إلى الأثر المجعول، لا إلى اللوازم العقليّة، وأمّا اللوازم المترتّبة على نفس التعبّد الاستصحابي فتترتّب لا محالة، فإنَّ التعبّد محرز وجداناً لا بالتعبّد، فإذا كان للتعبّد أثر عقلي كان مترتّباً جزماً، لأنَّ الملزوم متى تحقّق تحقّق لازمه لثبوت الملازمة على الفرض.
والمقام من هذا القبيل، فلو فرضنا أنَّ الاستصحاب جرى في العدم الأزلي ولم يكن منتسباً، إلّا أنّه بالتعبّد الاستصحابي ينتسب هذا العدم إلى الشارع لا
ــــــــــ[304]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه.
(2) انظر: دراسات في علم الأُصول 4: 151.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
محالة، فإنَّ التعبّد وجداني، ولازمه هو استناد المتعبّد به إلى الشارع، فيكون المستصحب نعتيّاً في مرحلة البقاء وإن كان محموليّاً في مرحلة الحدوث، فلا مانع من جريان الاستصحاب من هذه الجهة.
الوجه الثاني: أنَّ الاستصحاب إنّما يجري فيما إذا كان الأثر المرغوب فيه مترتّباً على واقع المستصحب المتيقّن والمشكوك به، كما هو الحال في جميع موارد جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة والموضوعيّة، فمثلاً: الأثر المطلوب وهو الحرمة يترتّب على الخمريّة، فإذا جرى استصحابها ترتّبت الحرمة لا محالة، فالاستصحاب إنّما يجري فيما إذا كان الأثر المرغوب مترتّباً على واقع المتعبّد به، فتثبت به آثاره تعبّداً.
وأمّا إذا كان الأثر مترتّباً على الشكّ نفسه لا على الواقع، أو على الجامع بين الشكّ والواقع، بحيث يكون الشكّ موضوعاً لذلك الأثر، ففي مثله لا مجال لجريان الاستصحاب.
وذلك: لأنّ الموضوع محرز بالوجدان، وإذا كان الموضوع محرزاً لا معنى لجريان الاستصحاب، فإنَّه من تحصيل الحاصل، بل من أردأ إنحاء تحصيل الحاصل، إذ إنَّ تحصيل ما هو حاصل بالوجدان تحصيله بالتعبّد لا معنى له، وهذا كما في التشريع المحرم، إذا قلنا: إنَّه عبارة عن إدخال ما لا يعلم كونه من الدين في الدين، فالموضوع هو الشكّ، أو قلنا: إنَّه أعمّ من حال الشكّ أو كان عالماً بالعدم فيدخل في الدين ما ليس من الدين يقيناً، فإنَّ هذا تشريع محرّم.
وعلى كلا التقديرين، إذا شكّكنا في أنَّ شيئاً ما حرام أو لا، لا معنى
ــــــــــ[305]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
لإجراء الأصل في هذا المقام، وهو: عدم الحرمة، فإنَّ هذا حرام بالوجدان، إذ الشكّ كافٍ في الحكم بالحرمة، والشكّ موجود وجداناً، فإنّنا إذا لم نعلم أنّه حرام فإسناد حرمته إلى المولى حرام جزماً. إذن، فنسبته إلى الشارع تشريع محرم.
ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّ العقل مستقلّ بقبح العقاب بلا بيان، بمعنى: عدم وصول التكليف إلى المكلّف، ففي مثل ذلك لا حاجة إلى إحراز عدم الحرمة بالاستصحاب لنفي استحقاق العقاب، فإنّه من قبيل تحصيل الحاصل، فإنّنا نقطع بعدم الاستحقاق بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإحرازه بالتعبّد الاستصحابي من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل.
وملخّص الكلام: أنّ جريان الاستصحاب يختصّ بما إذا كان الأثر المرغوب مترتّباً على واقع المشكوك فيه، فإذا كان محرزاً يترتّب الأثر بالوجدان، وإذا لم يكن محرزاً وكان له حالة سابقة أثبتناه بالتعبّد الاستصحابي، وأمّا إذا كان الأثر مترتّباً على الشكّ، أو على الجامع بينه وبين الواقع، فلا مجال لجريان الاستصحاب.
ولكن للنظر في ذلك مجال واسع، وذلك: لأنّ الأثر إذا كان مترتّباً على الشكّ نفسه، فالأمر كما ذكره، فإنَّ الأثر المرغوب مترتّب على الشكّ وهو محرز الوجود، فلا معنى لجريان الاستصحاب.
وأمّا إذا كان مترتّباً على الواقع والشكّ -كما في التشريع- فلا مانع من التمسّك بالاستصحاب حينئذٍ، ولا يكون من قبيل تحصيل الحاصل، وذلك: لأنَّ جريان الاستصحاب في طرف الوجود لا يبقي مجالاً لقاعدة قبح العقاب،
ــــــــــ[306]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
فلو كان الاستصحاب جارياً ومثبتاً لتحريم شيء فلا مجال معه لجريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنّه بيان للتحريم ورافع لموضوعها، كذلك الاستصحاب الجاري في طرف العدم، فإنّه يكون بياناً للعدم، فلا يكون المكلّف شاكّاً بحسب التعبّد الشرعي، بل يكون جازماً بالعدم، ولا تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وداخل تحت قاعدة قبح العقاب مع بيان العدم.
وبعبارة أخرى: الشكّ وإن كان موجوداً لكن ترتّب الحكم الشرعي والعقلي عليه فرع أن يجري الاستصحاب، إذ مع جريانه لا يبقى مجال للتمسّك بها، بلا فرق بين الاستصحاب الوجودي والعدمي، فلا يعقل أن يكون مانعاً عن جريانه، ففرض أنَّ المكلّف شاكّ وأنَّ عدم البيان متحقّق فرع عدم جريان الاستصحاب في طرف الوجود أو العدم، وإلّا لو كان جارياً فلا يتمسّك حينئذٍ قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
ومثله جريان استصحاب الطهارة في شيء بالنسبة إلى قاعدة الطهارة، فإنّه إذا جرى برفع موضوعها، وهو: الشكّ بالنجاسة وأثبت نجاسة شيء أو طهارته أصبح نجساً أو طاهراً بحكم الشارع، ويبقى مجال لقاعدة الطهارة، وكذلك لو قامت بيّنة على الطهارة أو على النجاسة لا تكون أصالة الطهارة جاريّة.
ولا يكون ذلك من تحصيل الحاصل، فضلاً عن أن يكون من أردأ أنحائه، فإنَّ الاستصحاب يرفع الموضوع. وإنّما يكون تحصيلاً للحاصل إذا جريا معاً، وكيف يكون الاستصحاب جاريّاً مع قاعدة الطهارة، أو قاعدة قبح العقاب بلا بيان، مع كونه رافعاً لموضوعها؟ فالإنصاف أنَّ هذا الإشكال غير وارد.
ــــــــــ[307]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الوجه الثالث(1): يعتبر في الاستصحاب اتّحاد القضيّة المتيّقنة والقضيّة المشكوكة، ويكون الحكم هو المشكوك فيه، ليصدق نقض اليقين بالشكّ، وإلّا كان من إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر، ومعه لا مجال لجريان الاستصحاب.
والمقام من هذا القبيل، فإنّ عنوان الصبي الذي هو المتيقّن، هو الموضوع لرفع القلم، وبعد أن يحتلم الصبي يتبدّل عنوان الصباوة يقيناً ويكون رجلاً أو امرأة، وقد يكون الحكم في حقّه بعد البلوغ أيضاً هو الإباحة والرخصة وعدم الإلزام، إلّا أنّ هذا العدم غير ذاك العدم، فإنّ ذاك كان ثابتاً بعنوان الصبي، وهذا ثابت بعنوان البالغ، فيكون الاستصحاب مع تغاير القضيّتين المتيقّنة المشكوكة.
وتوضيح ذلك: أنّ العناوين التي تؤخذ في موضوعات الأحكام على ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: قد يكون العنوان من المقدّمات للحكم، بحيث لو ارتفع ذلك العنوان ارتفع الحكم، وإذا بقي الحكم ثابتاً بعد ارتفاعه، فهو حكم آخر ثابت لعنوان آخر غير العنوان الأوّل.
وذلك كجواز التقليد بالنسبة إلى العالم الناظر في الكتاب والسنّة، فإنّ
ــــــــــ[308]ــــــــــ
() ذكر سيّدنا الأستاذ للمحقّق النائيني وجهاً آخر، وإن كان ظاهر عبارته في المحاضرة أنّه إعادة للوجه الأسبق المتعلّق باستصحاب حال الصغر، إلّا أنّه ذكر المطلب إشكالاً وجواباً بشكلّ يختلف عن السابق. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
عنوان العالم مقوّم للموضوع كتقوّم موضوع القضاء أو إمامة الجماعة بالعدالة، بحيث إنَّ الشخصيّة ملغاة والعنوان هو المعتبر، بحيث لو كان للعالم شخصيّة مستقلّة لوجب الرجوع إليه في أخذ الأحكام، ومثله عنوان السفر في الحكم بالإفطار والتقصير، فإنّ العرف يرى أنّ هذا العنوان هو المقوّم للموضوع، فلو فرضنا أنَّ المسافر دخل وطنه، ولم يصل والوقت باق، وحكمنا -كما عليه بعض الفتاوى الشاذّة- بوجوب القصر في وطنه أيضاً، فليس هذا بقاء للحكم للأوّل، فإنّه ليس مسافراً جدّاً ولو فرضنا أنّه يجب عليه القصر، فهذا حكم مماثل للحكم الأوّل، لا بقاء له على موضوعه.
ومثله في كلّ مورد يكون العنوان مقوّماً للموضوع بنظر العرف، بحيث إذا زال ذلك العنوان زال ذلك الموضوع.
القسم الثاني: العناوين التي لا دخل لها في الموضوع، وإنّما هي حالة من حالات المكلّف، فلو ثبت الحكم في حقّ شخص حال كونه قائماً، ثُمَّ تبدّل القيام إلى غيره، واحتملنا ارتفاع الحكم بزوال القيام، فليس القيام دخيلاً في موضوع الحكم في نظر العرف، وإن كنّا نحتمل دخله في الملاك واقعاً، فلو تبدّلت هذه الصفة، فالقضيّتان المتيقّنة والمشكوكة متّحدتان، والموضوع محفوظ.
القسم الثالث: من العناوين ما يتردّد الإنسان في أنَّ الحكم متقوّم بهذا العنوان أو لا؟ كالتغيّر المأخوذ في موضوع نجاسة الماء، فلو زال التغيّر من قبل نفسه، وشكّكنا ببقاء النجاسة، فهل يمكن التمسّك بالاستصحاب؟ الظاهر أنّ هذا التغيّر مّما لم يحرز أنّه مقوّم أو لا؟
ــــــــــ[309]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
يمكن(1) أن يكون مقوّماً لموضوع النجاسة، فلو تبدّل لا يكون من الشكّ في بقاء الحكم، بل من ثبوت حكم مماثل له، ويمكن(2) أن يكون موضوع الحكم هو الماء، والتغيّر علّة الحكم، ويشكّ في أنّها علّة حدوثاً وبقاء أو حدوثاً فقط، فيكون الموضوع باقيّاً.
فلا يحرز أنّه من القسم الأوّل، أو من القسم الثالث، فطبعاً تكون الشبهة مصداقيّة لنقض اليقين بالشكّ، ومعه لا يمكن التمسّك بإطلاق أو عموم النهي عن نقض اليقين بالشكّ، فلا يمكن جريان الاستصحاب. إذن، فلا بُدَّ أنَّ يحرز أنّ العنوان ليس دخيلاً في الموضوع، فيختصّ جريان الاستصحاب بالقسم الثاني. أمّا الأوّل فلا يجري فيه، لإحراز أنّه ليس من نقض اليقين بالشكّ، بل من باب إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر، وأمّا الثالث فمن جهة كون الشبهة مصداقيّة بالنسبة إلى دليل الاستصحاب، فيتوقّف جريانه على إحراز أنَّ العنوان ليس مقوّماً للموضوع، بل من حالات الموضوع.
إذا كان الأمر كذلك، فلا ينبغي الشكّ في أنَّ عنوان الصباوة، هل هو مقوّم للموضوع بنظر العرف -كما هو كذلك- فلا يكون من البقاء في نظر العرف، فإنَّ الحكم الأوّل كان ثابتاً للصبي، وغير باق بعد زوال العنوان، أو لا أقلّ من الشكّ في ذلك، حاله حال التغيّر الذي لا نعلم أنّه مقوّم أو لا.
ــــــــــ[310]ــــــــــ
() يعني: يحتمل. (المقرّر).
(2) يعني: ويحتمل. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وعلى كلا التقديرين لا يجري الاستصحاب. إمّا لإحراز عدم اتّحاد القضيّتين، أو لاحتمال ذلك.
فالظاهر أنَّه لا يمكن التمسّك بالاستصحاب في مرحلة المجعول ومقام الفعليّة للأحكام، وإثبات البراءة الشرعيّة به.
والصحيح هو التمسّك بالاستصحاب في مرحلة الجعل.
هذا تمام كلامنا في أدلة البراءة من الكتاب والسنة والعقل والأصل العملي، وهو الاستصحاب الذي تكلمنا فيه.
ــــــــــ[311]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الكلام في حجّيّة خبر الواحد 15
[بيان لما أفاده الشيخ الأعظم] 16
النقد من قبل الآخوند 18
توجيه بعض الأعاظم ونقده 21
عرض الأقوال في المسألة 24
أدلّة النافين ونقضها 25
الوجه الأوّل: الآيات 25
الوجه الثاني: الروايات 27
أدلّة حجّيّة خبر الواحد 31
الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد بالآيات 31
أوّلاً: آية النبأ 31
الاستدلال بمفهوم الوصف 32
الاستدلال بمفهوم الشرط 41
الخلاف المعروف 41
ــــــــــ[313]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
رأينا في المقام 46
رأي صاحب الكفاية ونقده 47
ما يقال في مقام الردّ 49
حكومة المفهوم على العلّة 52
الفرق بين الحكومتين 54
اشكال آخر على المفهوم ونقده 57
إشكال آخر وردّه 58
وجه آخر على التمسّك بالمفهوم 61
خلاصة ما تقدّم 65
تمحيص دعوى السيّد المرتضى 65
وجه آخر لإنكار الدعوى 70
ما لو دار الأمر بين التخصيص والتخصّص 74
الإشكال على الاستدلال وجوابه 79
ثانياً: آية النفر 87
الإيرادات الواردة وردّها 89
ثالثاً: آية الكتمان: 96
حقيقة فهم الإطلاق 98
رابعاً: آية الذكر 99
ما ورد تفسيراً للآية 100
ــــــــــ[314]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
خامساً: قوله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النبيّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ. 101
ما ذكره الشيخ الأعظم في المقام 102
الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد بالروايات 103
أقسام التواتر 105
الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد بالإجماع 108
تقريبات حجّيّة خبر الواحد 109
جواب صاحب الكفاية في المتن 111
جواب صاحب الكفاية في الهامش 112
مناقشة ما ذكره صاحب الكفاية 113
الصحيح في المقام 115
أقسام الخبر 117
هل الشهرة تجبر الضعف 119
بيان ما أفاده الميرزا وردّه 119
الكلام في إعراض المشهور 123
الاستدلال على حجيّة خبر الواحد بالعقل 124
الوجه الأوّل: العلم الإجمالي 124
دفع إيراد الشيخ الأعظم 124
الكلام في مقامين 127
ــــــــــ[315]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
المقام الأوّل: في الأُصول العمليّة 127
المقام الثاني: في الأُصول اللفظيّة 134
الوجه الثاني: ما ذكره صاحب الوافية 139
إيرادان من قبل الشيخ الأعظم 140
الوجه الثالث: ما ذكره صاحب الهداية 141
حجّيّة الظنّ المطلق 144
الوجه الأوّل: لزوم الضرّر 144
الوجه الثاني: أوّلويّة العمل بالظنّ 150
في مقدّمات الانسداد 152
حاصل ما ذكره الشيخ الأعظم 152
الزيادة المقترحة من قبل صاحب الكفاية 154
معنى الكشف والحكومة 155
نتيجة تماميّة المقدّمات 159
الكلام في تماميّة المقدّمات وعدمها 164
الخلاف بين صاحبي الكفاية والفرائد 173
عدم وجود ثمرة بين المسّلكين 176
تمحيص دعوى الإجماع 178
ما ذكره شيخنا الميرزا 179
أنحاء تعلّق الظنّ 182
ــــــــــ[316]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الظنّ بالأمور العقديّة 183
الظنّ بالأمور التكوينيّة 189
ضعف السند وقوّته بالنسبة إلى الجبر والكسر 191
دعوى صاحب الكفايّة 192
مطابقة السند للدلالة في الأخذ والطرح 196
الكلام في الأصول العمليّة 201
[تقسيم مباحث الأُصول] 202
الحصر استقرائي 204
خروج أصالة الطهارة عن مسائل علم الأُصول 205
الطهارة والنجاسة أمران واقعيّان ونقده 206
الصحيح في المقام 209
الكلام بين الأُصوليّين والإخباريّين 214
أدلة البراءة 216
الكلام في قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً. 216
إيرادان لصاحب الكفاية 219
الكلام في حديث الرفع 219
[سند حديث الرفع] 219
[دلالة حديث الرفع] 223
إشكال آخر ونقده 231
ــــــــــ[317]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
وجه الاختصاص بالشبهة الموضوعيّة وردّه 232
استعمال اللفظ في أكثر من معنى 233
الحديث في جهات 235
الجهة الأوّلى: الرفع يقابل الدفع 235
جواب الميرزا النائيني ونقده 235
الجهة الثانية: أعمّيّة الرفع 240
الفرق بين مورد عدم العلم وغيره 245
الجهة الثالثة: ما يتكفّله الحديث 247
تنبيهات 248
التنبيه الأوّل 248
التنبيه الثاني 249
التنبيه الثالث 250
التنبيه الرابع 251
التنبيه الخامس 252
التنبيه السادس 254
الكلام في حديث الحجب 256
روايات الحلّ 259
دعوى الشمول من قبل الميرزا النائيني 269
روايتان استدلّ بهما على البراءة أيضاً 271
ــــــــــ[318]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9
الاستدلال على البراءة بالإجماع 276
الاستدلال على البراءة بالعقل 278
الجهة الأوّلى: في تماميّة القاعدة في نفسها 278
الجهة الثانية: النسبة بين القاعدة وحكم العقل 279
الجهة الثالثة: النسبة بينها وبين الأدلّة على تقدير تماميّتها 287
الاستدلال على البراءة بالاستصحاب 288
إشكال الميرزا على جريان الاستصحاب وجوابه 291
إشكال آخر من قبل الميرزا 293
الاعتراض على ما قاله الميرزا 294
عدم جريان الاستصحاب في الشبهة الموضوعيّة 298
استصحاب عدم الجعول 299
مناقشة الشيخ الآخوند 299
مناقشة الشيخ الأعظم 301
مناقشة الشيخ الأُستاذ 303
الفهرس 313
ــــــــــ[319]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج9