الجزء الحادي عشر
261
ص44 الصدر، محمد.
تقريرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج11 (416ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1745/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1742) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
8-21-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
تقريرات في
علم أصول الفقه
تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ
آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الحادي عشر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ويحتوي على:
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أصالة الاحتياط
وأما الإخباريّون، فقد تمسّكوا للاحتياط بأمور:
منها: عدّة من الآيات، وأنه وجوب الاحتياط والتوقّف في الشبهة الحكميّة التحريميّة.
منها: ما دل على النهي عن القول بغير علم: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ(2)، واستدلوا بقوله تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ(3)، وارتكاب ما يحتمل حرمة إلقاء للنّفس في التهلكة.
واستدلوا بما دل على لزوم التقوى: فَاتَّقُوا اللَّـهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ(4)، وأنَّ المكلّف لابدَّ أن يلاحظ ما يترتّب على عمله من استحقاق العقاب وعدمه، وارتكاب ما يحتمل حرمته مناف للتقوى.
ــــــــــ[13]ــــــــــ
(1) كانت بداية الشروع يوم السبت بتاريخ: 22/1/1388هـ، 20/4/1968م.
(2) الإسراء: 36.
(3) البقرة: 195.
(4) التغابن: 16.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ومعلوم أنَّ شيئاً من ذلك لا يكون دليلاً على الاحتياط في الشبهات التحريميّة الحكميّة.
أمّا النهي عن القول بغير علم، فمعلوم فإنّه ممنوع وحرام في الشريعة، باعتبار كونه تشريعاً، ولكنّه مشترك فيه بين الأُصولي والإخباري، فإنه إذا أفتى شخص بجواز ارتكاب مشكوك الحرمة، فإنّ كان له دليل على ذلك كان قوله قولاً بعلم، وإن لم يكن له عليه دليل كان قولاً بلا علم. والعكس أيضاً صحيح، فإنَّ من أفتى بوجوب الاحتياط في الشبهة التحريميّة الحكميّة، فإن كان له عليه دليل كان قوله قولاً بعلم، وإن لم يكن عليه دليل كان قولاً بغير علم.
والحاصل: أنّ هذه الآيات لا تعيّن الصغرى، بل هو نهي عن الكبرى الكلّيّة، وأنَّ كلّ ما ينسبه المكلّف إلى الله، فإنّه لا بُدَّ له فيه من دليل، وإلّا كان من الافتراء على الله فيصدق فيه قوله: اللَّـهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّـهِ تَفْتَرُونَ(1)، ولا فرق في الافتراء عليه سبحانه بين أن يقول: هذا حلال، أو أن يقول: هذا حرام، فإنَّ الفتوى بالجواز والفتوى بالحرمة كلاهما بحاجة إلى دليل.
وأمّا الآية التي تنهى عن إلقاء النّفس في التهلكة فإن أُريد بها التهلكة الدنيويّة فمعلوم أنَّ ارتكاب الشبهة التحريميّة ليس فيه احتمال التهلكة بهذا المعنى.
وإن أُريد به التهلكة الأخرويّة، يعني: العقاب، فمعلوم أنَّ النهي يكون إرشادّياً لا مولويّاً، فإنّه لا يعاقب عليه عقاباً غير العقاب على المحرّم الأوّل،
ــــــــــ[14]ــــــــــ
(1) يونس: 59.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
على أنّ الأُصولي الذي يقول بالإباحة يستدلّ عليه بما تقدّم، ولا يحتمل الهلكة.
وأمّا آية التقوى فإن أُريد بالتقوى الوقاية من العذاب الإلهي فارتكاب محتمل الحرمة ليس فيه منافاة للتقوى بوجه أصلاً، بعد فرض أنّه مرخّص فيه من قبل الشارع، وقد دلّت عليه الأدلّة المتقدّمة.
وإن أُريد به معنى آخر زائداً على ذلك، حتّى في المفاسد الواقعيّة ولو فرضنا أنّه لا يعاقب عليه، فالتقوى بهذه المرتبة ليست واجبة جزماً، ولذا شارك الإخباريّون الأُصوليّين في القول بالبراءة في الشبهة الوجوبيّة والموضوعيّة التحريميّة، مع أنّه يكون مخالفاً للواقع، فمثل هذا الاحتياط الذي يثبت به الترخيص شرعاً غير محتمل، فيكون الأمر به محمولاً على الإرشاد أو الاستحباب. فليس في شيء من الآيات ما يدلّ على وجوب التوقّف في الشبهة التحريميّة.
ــــــــــ[15]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وهي على طائفتين:
الطائفة الأوّلى: وهي المشتملة على الأمر بالتوقّف عند الشبهات معلّلة: “الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الشبهات“(1)، ويلحق بها ما دلّ على أنَّ الأمور ثلاثة: “أمر بيّن رشده فيتبع وأمر بين غيه فيجتنب وشبهات بين ذلك فترد الشبهات إلى الله ورسوله“(2) وفي بعضها: “من حام حول الحمى كاد أن يقع فيه“(3).
الطائفة الثانية: الآمرة بالاحتياط، وهي كثيرة، منها: “أَخُوكَ دِينُكَ فَاحْتَطْ لِدِينِك“(4). فقالوا: إنّ هذه الروايات تدلّ على لزوم التوقّف والاحتياط في
ــــــــــ[16]ــــــــــ
(1) الكافي 1: 68، باب اختلاف الحديث، الحديث: 10، المحاسن 1: 215، الباب 8، التثبث، الحديث: 102.
(2) الكافي 1: 68، باب اختلاف الحديث: 10، من لا يحضره الفقيه 3: 10، باب الاتفاق على عدلين في الحكومة، الحديث: 3232.
(3) عوالي اللئالي 2: 83، الحديث 223، وسائل الشيعة 27: 167، باب 12، وجوب التوقّف والاحتياط في القضاء والفتوى والعمل في كلّ مسألة نظريّة لم يعلم حكمها بنصّ منهم، الحديث: 44.
(4) الأمالي (للمفيد): 283، الأمالي (للطوسي): 110.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الشبهات، والشبهة التحريميّة من مصاديق هذا الموضوع، فيجب الاحتياط والتوقّف فيها.
والجواب عن ذلك(1):
هناك قرينتان مانعتان عن الاستدلال بالطائفة الأولى:
القرينة الأوّلى: أنَّ الأمر بالتوقّف فيها أمر إرشادي لا محالة وليس مولويّاً، وذلك: أنَّ الأمر بالتوقّف معلّل بخوف الوقوع في الهلكة، وهذا التعليل أقوى شاهد على أنّ الأمر إرشادي، والوقوع في الهلكة مفروغ عنه، ومفروض الوجود قبل الأمر، فإنَّ العلّة متقدّمة رتبة على المعلول، والأمر بالتوقّف نشأ من الخوف من الهلكة، فلابدَّ أن يفرض المورد مورداً يكون فيه احتمال الوقوع في الهلكة، فلا يكون هذا الأمر مولويّاً، بل إرشادّي للفرار من العقاب المحتمل، فتكون الروايات مختصّة بمورد احتمال الضرّر الأخروي، كموارد العلم الإجمالي، وموارد ما قبل الفحص، دون موارد جريان البراءة العقليّة والشرعيّة.
فهذا الأمر وجوده كعدمه، ولا يترتّب عليه شيء من تنجيز الواقع، بل المفروض فيها أنَّ الواقع منجزّ قبل الأمر، وهو: أمر إرشادي، إلّا أنَّ هذا التنجّز لابدَّ من رعايته والخروج عن مسؤوليّته، وإلّا وقع في العقاب من حيث
ــــــــــ[17]ــــــــــ
() يقع الكلام:
أوّلاً: في تماميّة الروايات في أنفسها وظهورها على المدّعى.
وثانياً: في لحاظ هذه الروايات، مع أدلّة البراءة المتقدّمة، وأنّه ماذا يقتضيه الجمع بينهما؟ (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
لا يعلم. فلا يمكن الاستدلال بهذه الروايات على لزوم الاحتياط في الشبهات التحريميّة بعد ما جاءت الأدلّة السابقة، على أنّه ليس هنا احتمال العقاب لتكون مشمولة لروايات الأمر بالتوقّف.
القرينة الثانية: أنّ المذكور في هذه الروايات كلمة الشبهة أو الشبهات، من قبيل: “قف عند الشبهة فإنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة“، و“الأمور ثلاثة… وشبهات بين ذلك، فمن اقتحم الشبهات كاد أن يقع في المحرمات“، وكلمة الشبهة عبارة عن المشتبه الذي يكون طرفاه متساويّين فأحدهما يشبه الآخر، وهو أمر مشتبه(1)، يعني: غير واضح ولا بيّن.
فهي تختصّ بموارد يحتمل فيه العقاب، فلابدَّ أن يكون العقاب على تقدير وجوده منجّزاً، فيكون المورد من مورد الشبهة، فيحتمل العقاب ويحتمل عدمه، وأمّا ما كان محكوماً بالحلّيّة ظاهراً وإن احتملنا حرمته واقعاً، ونقطع أنّه لا عقاب عليه، فكيف يكون مثل ذلك مشتبهاً؟! بل هو من البيّن رشده، لأنّه ليس فيه عقاب جزماً، فارتكابه جائز قطعاً.
وكيف يمكن أن يكون موضوعاً لروايات التوقّف، ويجب ردّ أمره إلى الله ورسوله، بعد أن حكم الله ورسوله بالحلّيّة والإباحة على ما تقدّم، فهذا يكون من البيّن الرشد جزماً.
والذي يدلّنا على ذلك: أنّه ليس من موارد الشبهات ما إذا احتمل الحرمة الواقعيّة، مع الجزم بالإباحة ظاهراً، فكلَّ من الإخباري والأُصولي قد تسالما
ــــــــــ[18]ــــــــــ
() وظاهر هذه الكلمة أن يكون مشتبهاً على الإطلاق واقعاً وظاهراً. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
على أنّه إذا احتملنا حرمة شيء من جهة الشبهة الموضوعيّة فنجري البراءة في الشبهات الوجوبيّة، إلّا المحقّق الاسترابادي كما أشرنا إليه فيما تقدّم(1).
فهل يمكن أن يقال: إنَّ قولهم: “الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكة“ إلّا في موارد الشبهة التحريميّة الموضوعيّة والشبهة الوجوبيّة، مع أنّ هذا اللسان أمر عقلي غير قابل للتخصيص، فنستكشف أنَّ احتمال الحرمة الواقعيّة أو الوجوب الواقعي لا يُدخل الموضوع في عنوان الشبهة، فإنّه بعد أن حكم الشارع في الشبهة الموضوعيّة بالحلّيّة وفي الشبهة الوجوبيّة كذلك، خرجت عن عنوان الشبهة، فليست هذه بالشبهات على الإطلاق، بل هي شبهات من حيث الحكم الواقعي فقط، وأمّا من جهة الحكم الظاهري فهو بيّن رشده، فإذا كانت الشبهة الموضوعيّة والوجوبيّة غير داخلة تحت عنوان الشبهات المشمولة لوجوب التوقّف المأمور به في هذه الروايات فالشبهة التحريميّة كذلك، بعد عرض الأدلّة على البراءة العقليّة والشرعيّة، فبما أنّ الحرمة لم تصل إليه، فهذا -المشكوك الحرمة- جائز الارتكاب، وإن كان الواقع مشتبهاً، لكن بحسب الحكم الظاهري ليس مشتبهاً، بل هو بيّن رشده.
ويزيده وضوحاً باب النجاسة والطهارة، فهل يمكن أن يقال: إنَّ مشكوك النجاسة مشتبه يجب الاجتناب عنه، مع أنَّ موثّقة عمّار تقول: “كُلُّ شَيْءٍ نَظِيفٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ قَذِر“(2)، مع أنّه مشكوك النجاسة والطهارة واقعاً، فكما أنَّ الشكّ
ــــــــــ[19]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 11: 252.
(2) تهذيب الأحكام 1: 284، باب 12، تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، الحديث: 119.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
واقعاً في النجاسة والطهارة لا يجعل المشكوك مشتبهاً، بل هو بيّن رشده ظاهراً، فالحرمة والحلّيّة أيضاً من هذا القبيل.
إذن، فالاستدلال بهذه الروايات على وجوب الاحتياط في الشبهة التحريميّة غير تامّ.
ولكن مع ذلك قد يقال: بدلالة هذه الروايات على وجوب التوقّف وجوباً مولويّاً بالاستفادة منها في أنفسها، أو بالدلالة الالتزاميّة، فيقرّب ذلك بوجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ ظهور الروايات في كون الأمر إرشادّياً متوقّف على أن يكون المراد من الهلكة العقاب الأخروي، باعتبار أنَّ استحقاق العقاب كان مفروغاً عنه ومفروضاً قبل الأمر بالتوقّف، بحيث كان الأمر متوقّفاً عليه، فيكون الأمر إرشادّياً لمورد احتمال العقاب، وذلك مختصّ بمورد العلم الإجمالي، والشبهات قبل الفحص، فإنَّ احتمال الهلكة موجود فيه.
أمّا إذا كان المراد بالهلكة المفسدة الواقعيّة فلا مانع من حمل الأمر حينئذٍ على الأمر المولوي، فبقرينة ظهور الأمر بالمولويّة نجعل الهلكة عبارة عن الوقوع في المفسدة الواقعيّة، ويكون المعنى: “أنَّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في المفسدة الواقعيّة“، وحينئذ لا مانع من الأخذ بظاهر الروايات من وجوب التوقّف وجوباً مولويّاً. إذن، يتمّ الاستدلال بها على وجوب التوقّف مولوياً.
ويردّه:
أوّلاً: بأنَّ الهلكة ظاهرة في الهلاك الأخروي، والوقوع في المفسدة الواقعيّة لا يطلق عليه الهلكة، فإنّه لم يقع في الهلكة بعد أن كان مرخّصاً فيه، ولم يقع فيه أيّ محذور. إذن، يكون الأمر للإرشاد لا محالة.
ــــــــــ[20]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وثانياً: أنَّ الهلكة لا يمكن أن يراد بها المفسدة الواقعيّة، ليكون الأمر بالتوقّف أمراً مولويّاً مترتّباً عليه، وذلك: لأنَّ احتمال المفسدة موجود في موارد الشبهات الموضوعيّة أيضاً، فمن شرب الخمر يقع في المفسدة الواقعيّة من فقدان عقله ونحوه، فيجب التوقّف في الشبهة الموضوعيّة، مع أنّ الرجوع فيها إلى البراءة مّما تسالم عليه الإخباريّون والأُصوليّون.
وقد قلنا: إنَّ لسان هذه الروايات آبٍ عن التخصيص. إذن، لا يمكن حمل الهلكة على المفسدة الواقعيّة، بل يختصّ بالهلكة الأُخرويّة، ويكون الأمر للإرشاد لا محالة.
الوجه الثاني: أنّ الأمر وإن كان ظاهراً في الإرشاد، والهلكة ظاهرة في العقاب الأخروي، لكن يقال: إنَّ هذه الروايات أمرت بالتوقّف على الإطلاق، حتّى في الشبهة التحريميّة، باعتبار أنَّ كلمة الشبهات الواردة في هذه الروايات شاملة للشبهة التحريميّة أيضاً، فيستكشف بالدلالة الالتزاميّة جعل وجوب الاحتياط قبل ذلك، وإلّا لم يكن فيه احتمال الوقوع في الهلكة، فإنّه بعد أمر الإمام بالوقوف عند جميع الشبهات، حتّى التحريمية منها، مع أنّه يتوقّف احتمال الهلكة على تنجز التكليف، فيستكشف أنّ الاحتياط قد جعل قبل ذلك وتنجّز به التكليف الواقعي، والإمام يشير إلى ذلك إرشاداً للتوقّي عن الوقوع في الهلكة، فيكون ذلك شاملاً لموارد العلم الإجمالي لوجود العلم، وللشبهات قبل الفحص لتنجّز الاحتمال، وللشبهات التحريميّة بعد الفحص، لأجل جعل وجوب الاحتياط قبل ذلك.
وهذا الوجه لعلّه أردأ من سابقه، والوجه في ذلك: أنّ إيجاب الاحتياط
ــــــــــ[21]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
المجعول قبل هذا الأمر، هل هو واصل إلى المكلّف أو لا؟ فإذا فرضنا أنّه واصل إليه، فلا معنى لاستكشافه بالدلالة الالتزاميّة لهذه الروايات، فإنّه بنفسه واصل ويكفي في تنجيز الواقع بلا حاجة إلى أوامر التوقّف، ليستكشف منها وجوب الاحتياط قبل ذلك، فإنّه يكون من تحصيل الحاصل.
وأمّا إذا لم تصل أوامر الاحتياط، بل وصل الأمر بالتوقّف فقط، فالأمر بالاحتياط غير الواصل لا يزيد على التكليف غير الواصل، فكما أنَّ التكليف الواقعي لا يتنجّز إذا لم يصل، كذلك الاحتياط لا يتنجّز ما لم يصل، واحتمال العقاب مترتّب على وصول الواقع ووصول إيجاب الاحتياط، فإذا لم يصل الحكم الواقعي ولا إيجاب الاحتياط، فكيف يحتمل العقاب؟ ليستكشف من الأمر(1) بالتوقّف جعل إيجاب الاحتياط قبل ذلك، مع أنّه غير واصل.
فالصحيح: أنّ أدلّة التوقّف لا يمكن الاستدلال بها في نفسها، فإذا لم يتمّ شيء من أدلّة البراءة الشرعيّة، ولم يبق لدينا إلّا قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فأدلّة التوقف قاصرة عن تنجيز الواقع بالشكّ والاحتمال.
وأمّا أخبار الاحتياط-التي هي الطائفة الثانية- فقد يقال: إنهَّا تدلّ على تنجّز الواقع عند الشكّ، وأنّه لابدَّ للمكلّف من الاحتياط عند احتمال الحرمة الواقعيّة، وفي كلّ مورد الدليل دلّ على عدم وجوب الاحتياط نخصّصها،
ــــــــــ[22]ــــــــــ
() لا يخفى ما في هذا الجواب، فإنّه لو لم يكن وجوب الاحتياط منجّزاً لما أمرنا بالتوقّف، فنفهم من الأمر الإلزامي بالتوقّف وجوب الاحتياط المنجّز في المرتبة السابقة، ويكون وجوبه واصلاً بنفس هذه الدلالة الالتزاميّة. إذن، فهذا الوجه لا يكفي في استدلال الإخباري. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
كالشبهة الوجوبيّة والشبهة الموضوعيّة التحريميّة، وأمّا الباقي فيبقى فيه وجوب الاحتياط على حاله كموارد العلم الإجمالي، وما قبل الفحص، والشبهة التحريميّة الحكميّة بعد الفحص.
وأجاب شيخنا الأنصاري(1): أنّ الأمر بالاحتياط لا يمكن أن يكون منجّزاً للواقع، لأنّ هذا الوجوب إذا كان نفسيّاً، يكون العقاب على مخالفة نفسه لا على الواقع، وهو خلاف الفرض، ولا يدّعيه الإخباري، وبوصول هذا الوجوب النّفسي يهلك من حيث يعلم، لا من حيث لا يعلم كما ورد في هذه الروايات، وإذا فرضناه وجوباً غيريّاً، فمعلوم أنَّ الوجوب الغيري تابع للنّفسي، فلابدَّ أن يكون الواقع منجّزاً مع قطع النظر عن الاحتياط ليكون الاحتياط مقدّمة للواقع، وعلى كلا التقديرين لا يمكن كونه منجّزاً له. هذا حاصل ما ذكره في أثناء كلامه.
ولكنّه من غرائب ما صدر منه، فإنَّ الوجوب لا ينحصر بالنّفسي والغيري، بل هنا قسم ثالث، وهو: الوجوب الطريقي الذي يصدر من المولى بقصد تنجيز الواقع وإيصاله، فإنّه إذا لم يتمكن من إيصاله بنفسه، يوصله بطريقه وبعنوان عام تحفّظاً على التكليف الواقعي، فلو كانت الشبهة التحريميّة –على ما يدّعيه الإخباري- قد اهتمّ بها المولى، وأراد عدم ارتكاب المكلّف لها
-ولو في ظرف الشكّ- لكفى الأمر بالاحتياط لتنجيزه بصفته أمراً طريقيّاً، لا نفسيّاً ولا غيريّاً.
ــــــــــ[23]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 71.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وهذا أمر ممكن وموجود، حتّى في الأوامر العرفيّة، فإنّه يمكن أن يقول المولى العرفي: متى ما شكّكت أنّني أوجب عليك شيئاً أو أحرم عليك شيئاً فالاحتياط واجب عليك.
والصحيح في الجواب: أنّ هذه الأوامر إمّا إرشادّية، وإمّا أوامر جامعة بين الوجوب والاستحباب، وليست أوامر إلزاميّة، والوجه في ذلك: أنّ الاحتياط في نفسه حسن، ويحكم العقل بحسنه، بأن يكون المكلّف مدركاً للواقع ولا يفوته شيء، فلا محالة يكون الأمر بالاحتياط إرشاداً إلى ذلك، ولا يراد به الوجوب المولوي خاصّة، بقرينة بعض العناوين المقربّة للأذهان العرفيّة، كقوله: “أَخُوكَ دِينُكَ فَاحْتَطْ لِدِينِك“(1) فكما ينبغي الاهتمام بشؤون الأخ، كذلك ينبغي الاهتمام بالدين، فإنّه أخ للإنسان يصاحبه في حياته وبعد مماته، فلابدَّ من الاحتياط له، وهذا اللسان ليس لساناً مولوليّاً، بل إرشادي.
فإذا كان الأمر إرشاديّا كان تابعاً لمورد الاحتياط، فإذا كان احتمال العقاب موجوداً –كما في موارد العلم الإجمالي أو قبل الفحص- وجب الاحتياط، وإذا لم يكن فيه احتمال ذلك –كما في الشبهة الموضوعيّة والوجوبيّة– يكون الأمر بالاحتياط استحبابيّاً.
ومّما يدلّنا على ذلك: أنّ هذه الروايات كما تشمل موارد العلم الإجمالي، وما قبل الفحص، والشبهات التحريميّة الحكميّة، كذلك تعمّ الشبهات الموضوعيّة والوجوبيّة، والإخباريّون -بشكلّ عامّ- لم يقولوا بوجوب الاحتياط فيهما،
ــــــــــ[24]ــــــــــ
(1) الأمالي (للمفيد): 283، الأمالي (للطوسي): 110.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وهذا اللسان: “أَخُوكَ دِينُكَ فَاحْتَطْ لِدِينِك“ بعيد عن التخصيص، بأن يقال: احتط… إلّا في الشبهة الموضوعيّة والوجوبيّة.
فيستكشف من ذلك أنَّ الأمر ليس وجوبيّاً، بل أمر جامع بين الوجوب والاستحباب أو إرشادي، ويختلف الإرشاد باختلاف الموارد اللزوميّة أو غير اللزوميّة، وباختلاف احتمال العقاب وعدمه. إذن، فالأدلّة قاصرة في نفسها، ولا يمكن الاستدلال بها على الاحتياط في الشبهات التحريميّة.
ــــــــــ[25]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ثُمَّ إنَّه لو تنزلنا وبنيّنا على أنَّ دلالة هذه الأخبار على وجوب التوقّف ووجوب الاحتياط تامّة، ووصلت النوبة إلى ملاحظة النسبة بينها وبين أدلّة البراءة المتقدّمة، فأيّهما يتقدّم؟
أمّا دليل الاستصحاب على البراءة -كما تقدّم- فلا ينبغي الشكّ في أنّه يتقدّم(1) عليها على كثرتها، فإنّه لو تمّ ما ذكرناه من جريان الاستصحاب في مرحلة الجعل -وهو استصحاب عدم التحريم- كان حاكماً على أخبار الاحتياط والتوقّف، ومخرجاً له عن موضوع الشبهة الذي أخذ موضوعاً لهذه الإخبار، وبذلك يتقدّم الاستصحاب عليها لا محالة.
وأمّا إذا غضضنا النظر عن ذلك، وبنيّنا على عدم جريان الاستصحاب، ولاحظنا النسبة بين هذه الروايات، والروايات المتقدّمة الدالّة على البراءة من حديث الرفع -على تقدير تماميّة سنده- وحديث الحجب فتقدّم أخبار البراءة
ــــــــــ[26]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ موضوع دليل الاستصحاب هو الشكّ، كما أنَّ موضوع أخبار الاحتياط هو الشكّ، ولفظ الشبهة لم يرد في مثل قوله: احتط لدينك، ومقتضى تقدّم الدليل الاجتهادي على الأصل العملي هو تقدّم أخبار الاحتياط، مضافاً إلى أنَّ لسان أخبار الاحتياط هو لسان نجيز الواقع، ومعه لا تصل النوبة إلى استصحاب البراءة، ففكّر وتأمّل. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
عليها، لأنّها غير شاملة لموردي العلم الإجمالي وللشبهات قبل الفحص، ومختصّة بغير هذين الموردين -لا محالة- فتكون أخصّ، فتتقدّم على أخبار التوقّف والاحتياط، من جهة أنَّ نسبتها إليها نسبة الخاصّ إلى العامّ.
ولكن قد يقال: بأنَّ النسبة ليست كذلك، فإنَّه كما أنَّ أخبار التوقّف والاحتياط مطلقة وشاملة لمورد العلم الإجمالي وللشبهات قبل الفحص، ولما بعد الفحص أيضاً، كذلك أدلّة البراءة مطلقة من هذه الناحية، غاية الأمر: علمنا من الخارج أنَّ البراءة لا تجري في موارد العلم الإجمالي، ومواردها قبل الفحص، فهذا تخصيص خارجي لا يوجب أن تكون النسبة بينهما نسبة العامّ إلى الخاصّ، بل تكون بينهما نسبة التباين.
ولكن هذا يندفع بأنَّ المخصّص إذا كان هو حكم العقل البديهي، فمن الأوّل كان الدليل العقلي قائماً على أنَّ المولى لم يرخّص في ترك المكلّف الفحص، ثُمَّ يعتذر أنَّه لم يكن عالماً بالتكليف، وهذا خارج عن متفاهم العرف، وكذلك في العلم الإجمالي لا تجري من الأوَّل.
فإذا كان المخصّص هو حكم العقل البديهي الذي يفهمه كلّ واحد، فالمخصّص متّصل من الأوّل، فقوله: “ما حجب الله علمه عن العباد فهو مرفوع عنهم“(1) غير وارد من الأوّل في موارد العلم الإجمالي والشبهات قبل الفحص، فالنسبة بينهما هو نسبة الخاصّ إلى العامّ.
ــــــــــ[27]ــــــــــ
(1) الكافي 1: 164، باب حجج الله على خلقه، الحديث: 3، التوحيد 413، باب 64، التعريف والبيان والحجة والهداية، الحديث: 9.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وإذا فرضنا أنَّ الحكم العقلي ليس بمنزلة القرينة المتصّلة، أو أنَّ الموجب للتخصيص هو الروايات الدالّة على وجوب الفحص، أو الآيات الدالّة عليه، كقوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ(1)، أو الإجماع القطعي، فيكون المخصّص منفصلاً ولا يكون متّصلاً، فأخبار البراءة حينئذٍ إن كانت تعمّ العلم الإجمالي والشبهات قبل الفحص، إلّا أنَّ الدليل المخصّص المنفصل يكشف عن أنَّ المراد الجدّي غير ذلك لا محالة، وهو وإن لم يرتفع به الظهور الاستصحابي، ولكن الظهور الجدّي لا ينقلب بالمخصّص المنفصل، وينكشف أنَّ المراد الجدّي غير مطابق للمراد الاستعمالي.
إذن، تنقلب النسبة من التباين إلى نسبة العموم والخصوص المطلق لصحّة انقلاب النسبة، فإنَّ العبرة ليس بالمراد الاستعمالي، بل العبرة بالمراد الجدّي، وما يكون الدليل كاشفاً عنه بما هو حجّة، ومعلوم أنّه بعد ورود المخصّص المنفصل لا يكون العامّ كاشفاً بمقدار الخارج بالتخصيص، فالدليلان بما هما حجّتان أحدهما أخصّ من الآخر فيتقدّم الأخصّ.
فعلى ما ذكرناه(2) من صحّة انقلاب النسبة بالتخصيص الخارجي تكون أخبار البراءة مختصّة بما قبل الفحص من الشبهات، والمقترنة بالعلم الإجمالي، فتكون أخصّ من أخبار الاحتياط والتوقّف فتختصّ بموارد العلم الإجمالي وما قبل الفحص.
ــــــــــ[28]ــــــــــ
(1) الأنبياء: 7.
(2) انظر: دراسات في علم الأُصول 4: 377.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ولو أغمضنا عن هذا أيضاً، وفرضنا أنَّ النسبة بينهما هي التباين، فلا ينبغي الشكّ في أنَّ الأمر في أخبار التوقّف إرشادي.
وأمّا أخبار الاحتياط فلو سلمنا أنَّ نسبتها إلى أدلّة البراءة هي التباين، فيكون التعارض بينهما من تعارض الظاهر والأظهر، أو الظاهر والصريح، وتكون أخبار البراءة قرينة على إرادة خلاف الظاهر، فإنَّ أخبار البراءة صريحة في جواز الارتكاب وعدم معاقبة المكلّف عليه، وأخبار الاحتياط ظاهرة في الوجوب، فإنَّه أمر ظاهر في الوجوب فيحمل الأمر على الاستحباب أو الجامع بينه وبين الوجوب ليشمل موارد العلم الإجمالي والشبهات قبل الفحص. إذن، فلا تصل النوبة إلى المعارضة، بل تصل النوبة إلى تقدّم أخبار الاحتياط لكثرتها وشهرتها، بل القطع بصدور بعضها.
ولكن قد يتخيّل أنّ الأمر بالعكس، فإنَّ المستفاد من أخبار البراءة هو الرفع أو الوضع في فرض الجهل، وأخبار الاحتياط تدلّنا على جعل وجوب الاحتياط ووجوب التوقّف، فيكون هذا الوجوب معلوماً وليس مجهولاً ليرفع، فتكون هذه الأخبار رافعة لموضوع تلك الروايات وحاكمة عليها.
إلّا أنّ هذا الوجه فاسد جزماً، فإنَّ وجوب الاحتياط إذا كان نفسيّاً فالأمر كما ذكر، ولكن لا نحتمل ذلك، بل الأمر بالاحتياط جعل من أجل التحفّظ على الواقع، من قبيل قوله: “احْتَطْ لِدِينِك“(1)، و“من حام حول الحمى كاد أن
ــــــــــ[29]ــــــــــ
(1) الأمالي (للمفيد): 283، المجلس الثالث والثلاثون، الحديث: 9، الأمالي (للطوسي): 110، المجلس الرابع، الحديث: 22.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
يقع فيه“(1)، و“من ارتكب الشبهات كاد أن يقع في المحرّمات“(2)، وكذلك أخبار التوقّف “قف عند الشبهة فإنَّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة“(3)،فلو كان وجوب الاحتياط طريقيّاً مجعولاً لتنجيز الواقع الظاهر بوجود هلكة واقعيّة يأمر بالتجّنب عن الوقوع فيها، وأخبار البراءة صريحة في عدم وجوب التحفّظ على الواقع، فكيف تكون أخبار الاحتياط حاكمة عليها؟ بل هما واردان في مورد واحد، فهما متعارضان، فتقدّم أخبار البراءة من باب تقديم النصّ على الظاهر. هذا تمام الكلام في استدلال الإخباريّين بالروايات على دعواهم.
ــــــــــ[30]ــــــــــ
(1) تقدّم قبل قليل تخريجه.
(2) تقدّم قبل قليل تخريجه.
(3) تقدّم تخريجه.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إنّنا نعلم إجمالاً بثبوت تكاليف تحريميّة في الشريعة، وهو يوجب تنجّز الأحكام الواقعيّة في كلّ ما يحتمل فيه الحرمة، بناءً على ما هو الصحيح من تنجيز العلم الإجمالي، وعدم جريان الأصول في أطرافه، وإنّما يرفع اليد عنه بالانحلال بعلم تفصيلي وجداني أو تعبّدي، بحيث يتعيّن المعلوم بالإجمال، كما لو كنّا نعلم إجمالاً بوجوب القصر أو التمام، أو بوجوب الظهر أو الجمعة، وعلمنا بوجوب خصوص القصر أو الظهر فينحلّ العلم الإجمالي، وكذلك إذا قامت أمارة على إثبات أحدهما، وتكون الأمارة القائمة على أحدهما دالّة بالالتزام على نفي الآخر للعلم بعدم وجوب صلاتين في وقت واحد.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الدليل الدالّ على وجوب شيء أو تحريمه لم يكن فيه دلالة إلتزاميّة على نفي الطرف الآخر، فالاحتمال باق على حاله ويتنجّز الطرف الآخر بالاحتمال، لأنّه طرف العلم الإجمالي، وليس فيه دلالة على نفي الطرف الآخر لا مطابقة ولا التزاماً، فلا يكون قيام الأمارة موجباً لانحلاله.
ــــــــــ[31]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّ الأمارات القائمة على تكاليف معيّنة من أطراف العلم الإجمالي، لا تعيّن الواقع في مواردها، فمن المحتمل أن يكون غيره أيضاً حراماً، فإنَّ الأمارة تدلّ على أنَّ هذا حرام، أمّا أنَّ غيره ليس حراماً فلا تتكفّله الأمارة، فكون شرب التتن ليس بحرام ليس مفاداً لأيّ دليل مطابقة والتزاماً، فلا موجب لانحلال العلم الإجمالي.
وبعبارة واضحة: قد يفرض قيام الأمارة على شيء يعيّن المعلوم بالإجمال في مورده، كما في العلم إجمالاً بوجوب القصر أو التمام، أو الظهر أو الجمعة، فإنَّ قيام الأمارة على أحدهما يعيّن المعلوم بالإجمال في مورده، فإنَّ الواجب واحد على الفرض، فإذا تعيّن أحدهما انتفى الآخر لا محالة، وينحلّ العلم الإجمالي.
وأمّا في مورد لم يكن كذلك، كما لو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد إناءين مع احتمال نجاستهما معاً، وقامت إمارة على أنّ الإناء الشرقي نجس، فإنها لا تكون متعرّضة للآخر، فلا تكون موجبة لانحلال العلم الإجمالي، لاحتمال أن يكون الآخر نجساً، واحتمال النجاسة بلا رافع، والمفروض أنّه لا يرجع إلى البراءة في أطراف العلم الإجمالي، ومقامنا من هذا القبيل.
ولا يرد ما أورده صاحب الكفاية(1) على هذا الاستدلال للإخباريّين: بأنَّ قيام الأمارات يوجب صرف تنجيز الأحكام الواقعيّة إلى موارد الأمارات، وبقيّة الموارد تكون خالية عن التنجيز فيندفع كلامهم بعدم الموجب لصرف
ــــــــــ[32]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأصول: 347.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
التنجيز إلى مورد الأمارات، بعد عدم دلالة الأمارة على نفي التكليف في غير مواردها، مع أنّ العلم الإجمالي منجّز للأحكام الواقعيّة، فيبقى التنجيز على حاله، ويجب الاجتناب عن كلّ مورد يحتمل فيه الحرمة، ولا يجوز الرجوع إلى الأصل العملي من براءة واستصحاب.
والجواب عليه نقضاً وحلاًّ:
أمّا النقض فإنّه إذا كان الأمر كذلك، ولم يكن العلم الإجمالي منحلّاً، وقيام الأمارة لا يوجب انحلالاً؛ لأنّها لا تعيّن الواقع في موردها، فلماذا لا يجب الاحتياط في الشبهات الوجوبيّة؟ مع أنَّ نفس هذا البيان يجري فيها، فإنَّ لنا علماً إجمالاً بوجود التكاليف الواقعيّة في الشبهات الوجوبيّة، وقيام الأمارة في أحد الأطراف لا يوجب انحلاله، لكونه لا يعيّن الواقع، بعد احتمال أن يكون غيره واجباً أيضاً، فيكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً.
فما هو الفارق بين الشبهة الوجوبيّة التي لا يلزم الاحتياط فيها، وبين الشبهات التحريميّة التي يلزم فيها ذلك، فإذا كان العلم الإجمالي موجباً للتنجيز، وقيام الأمارة لا يوجب انحلاله، فهو جارٍ في الشبهة الوجوبيّة أيضاً، فما هو الفارق بينهما؟ والجواب هو الجواب.
وأمّا الحلّ فنقول: قد يفرض أنّه في مورد الأمارات المعتبرة كنّا نعلم إجمالاً بمقدار من التكاليف المعلوم بالإجمال الأوّل، وقد نفرض أنّه ليس كذلك، بمعنى: أن يكون الواقع المعلوم في الأمارات المعتبرة أقلّ من المعلوم الإجمالي الأوّل.
ــــــــــ[33]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وبيان ذلك: أننّا نعلم إجمالاً بثبوت أحكام إلزاميّة في الشريعة المقدّسة، وهو حاصل لكلّ من يعترف بشرع وشريعة، إذ لا معنى لخلوّ الشريعة من الأحكام، بعد أن كان معناها تعيّين وظائف الناس والمكلّفين، فهذا هو العلم الإجمالي الأوّلي الذي لا تخصيص فيه بوجه.
وكذلك عندنا علم إجمالي ثانٍ، وهو أنَّ الأمارات -على كثرتها- المعتبرة منها وغير المعتبرة حتّى الشهرات والإجماعات المنقولة ونحوها، لا نحتمل أن يكون جميعها مخالفاً للواقع، بل قطعاً فيها مورد مطابقة للواقع، فإنّنا حتّى في صحيح البخاري لا نحتمل أن يكون كلّه كذباً من أوّله إلى آخر، فهو وإن لم يكن كلّه صحيحاً، إلّا أنَّ فيه ما هو صادر من النبيّ. إذن، لنا علم إجمالي بمطابقة بعض الأمارات للواقع، ولا نحتمل الكذب في الجميع.
ثُمَّ إنَّ لنا علماً ثالثاً، وهو في الأمارات المعتبرة التي هي في كتبنا من الصحاح والموثّقات والحسان، فإنّنا أيضاً لا نحتمل أن يكون جميعها كاذبة ومخالفة للواقع، بل جملة منها مطابقة للواقع.
هذه العلوم الثلاثة متحقّقة لنا وجداناً، ولا ينبغي الشكّ في أنَّ العلم الإجمالي الأوّل انحلّ بالعلم الإجمالي الثاني في مطلق الأمارات، بمعنى: أنّنا لو عزلنا موارد الأمارات بالنسبة إلى غيرها، لا يكون لنا علم ولا بتكليف واحد، وهذا معنى الانحلال، كما لو علمنا إجمالاً بوجود خمس شياه محرّمة من قطيع من الغنم، ثُمَّ علمنا أنَّ البيض من هذا القطيع فيه خمس شياه محرّمة، فطبعاً العلم الإجمالي الأوّل ينحلّ، بمعنى: أنَّ الخمس موجودة بالبيض لا محالة، وإن
ــــــــــ[34]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
كنّا نحتمل وجوده في غيره، ولكنّه إذا كان حراماً فهو حرام سادس وسابع وثامن. إذن، يخرج غير البيض عن طرف العلم الإجمالي، ويكون الشكّ فيه بدويّاً، وينحلّ العلم الأوّل بالثاني.
مقامنا أيضاً من هذا القبيل، فإنّنا نعلم إجمالاً في موارد مطلق الأمارات الجامع بين المعتبرة منها وغيرها، بوجود أحكام إلزاميّة بمقدار الموجود في العلم الإجمالي الأوّل، فالعلم الأوّل ينحلّ بهذا العلم الثاني، ويكون الشكّ في غير مورد الأمارات بدويّاً وغير طرف للعلم الإجمالي.
فإذا فرضنا أنّنا نعلم في الأمارات المعتبرة أيضاً بذلك المقدار، يعني: إذا عزلناها وما يوافقها من غير المعتبر من الأمارات للمطابقة معها مضموناً، فإنّه لا أثر له، لم يبق لنا علم ولا بتكليف واحد في سائر موارد الأمارات، فأيضاً ينحلّ العلم الإجمالي الثاني بالثالث.
إذن، نعمل بموارد الأمارات المعتبرة ونحرز بها الواقع، وينحلّ العلم الإجمالي، ولا يكون الباقي طرفاً للعلم الإجمالي، بل يكون الشكّ بدويّاً فيها، ويرجع فيها إلى البراءة، وإن كنّا نحتمل بوجود تكليف زائد عن المعلوم الإجمالي، إلّا أنّه ليس طرفاً للعلم الإجمالي، فلا أثر للعلمين الأوّلين بعد انحلالهما، فلا يجب الاحتياط في موارد الشبهة التحريميّة ولا الشبهة الوجوبيّة، بعد الفحص وعدم الظفر بدليل، ولا يكون الرجوع إليها رجوعاً إلى الأصل في طرف العلم الإجمالي، ويكون الانحلال وجدانيّاً حقيقيّاً في هذه الصورة.
هذا إذا صدّق الإخباري بمطابقة جملة من الأمارات المعتبرة للواقع
ــــــــــ[35]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
بمقدار المعلوم في العلم الإجمالي الثاني. وهذا هو الصحيح، بمعنى: أنَّ المقدار المعلوم في موارد الأمارات المعتبرة لا ينقص عن المعلوم بالإجمال أوّلاً، يعني: تمّ فرز الأمارات المعتبرة عن غيرها من الأمارات، لا يبقى لنا علم بتكليف واحد، إلّا في الموافق معها في المضمون، فإنّه لا أثر له. هذا إذا صدق الإخباري بذلك.
وأمّا إذا لم يصدّق به، وقال: إنّ المعلوم بالإجمال في موارد الأمارات المعتبرة أقلّ من المعلوم أوّلاً، فنفرض أنَّ المعلوم الأوّل كان عدده مئة، وكان المعلوم في الأمارات المعتبرة ستين، فتبقى أربعون مردّدة بين أن تكون بين الأمارات المعتبرة أو غيرها، فطبعاً يبقى العلم الإجمالي بالنسبة إلى الأربعين على حاله، وينتج وجوب الاجتناب عن كلّ ما يحتمل حرمته(1)، فهل يمكن القول بانحلاله أو لا؟
الظاهر هو الانحلال حتّى على هذا التقدير، وبيان ذلك: أنَّ العلم الإجمالي متقوّم بقضيّة شرطيّة على سبيل مانعة الخلو: أمّا أن يكون النجس هو هذا أو ذاك، وأنَّ هذا حرام أو الآخر حرام، ويمكن الجمع بينها بأن يكون كلا الطرفين نجسين، لكن المعلوم بالإجمال واحد، وأنّ الإناءين لا يخلو من النجاسة، فالعلم الإجمالي متقوّم بقضيّة شرطيّة بنحو مانعة الخلو: إن لم يكن هذا نجساً فذاك هو النجس، وإن لم يكن ذاك نجساً فهذا نجس، ولا يحتمل طهارة كلّ منهما، فنجاسة أحدهما يستلزم طهارة الآخر لا محالة.
ــــــــــ[36]ــــــــــ
() أقول: يعني: مّما قامت أمارة ولو غير معتبرة عليه. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وكما يعتبر في تنجيز العلم الإجمالي حدوث العلم الإجمالي، وتشكيل القضيّة الشرطيّة المنفصلة، كذلك يعتبر في التنجيز بقاء هذا العلم، فلو زال العلم وجداناً أو تعبّداً ولم يكن تشكيل القضيّة المنفصلة، بل انحلّت إلى قضيّتين حمليّتين إحداهما متيقّنة والأخرى مشكوك فيها، وهذا معنى الانحلال، فكما يعتبر في تنجيز العلم التفصيلي بقاء العلم، فلو تبدّل إلى الشكّ المسمّى بالشكّ الساري، فلا يكون القطع حجّة، فإنَّ الحجّيّة تابعة لتحقّق موضوعها حدوثاً وبقاء، فلو قطع المكلّف بنجاسة شيء أو حرمته، وتبدّل علمه بالشيء فلم يدر أنّ قطعه السابق كان مطابقاً للواقع أو لا، وهو: الشكّ الساري، بمعنى: أنّه لا يكون له قطع من أوّل الأمر، ولا يكون القطع حجّة، إلّا على ما قيل من قاعدة اليقين التي لا نلتزم بها.
فكما أنّ الأمر في العلم التفصيلي هو كذلك، فكذلك الأمر في العلم الإجمالي، فلابدَّ من بقاءه وعدم تبدّل القضيّة المنفصلة إلى قضيّتين حمليّتين، فلو علمنا بنجاسة أحد الإناءين، ثُمَّ علمنا بأنّ الإناء الشرقي كان نجساً من الأوّل، وشكّكنا في أنَّ الإناء الغربي نجس أو لا، فالعلم الإجمالي يزول، ولا يكون عندنا قضيّة مانعة الخلو، وهذا العلم الإجمالي لا يمكن أن ينجّز المعلوم بقاءً، ففي الإناء الآخر لا مانع من الرجوع إلى أصالة الطهارة، أو إن كان العلم الإجمالي متعلّقاً بالتحريم فلا مانع في الرجوع إلى أصالة البراءة أو الاستصحاب أو غيره.
ولا يقاس هذا بما إذا زال العلم الإجمالي بالنسبة إلى البقاء، فإنّه لا يوجب زوال التنجيز، كما لو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين، ثُمَّ طهّرنا أحدهما
ــــــــــ[37]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
المعيّن، فيزول العلم الإجمالي، إلّا أنّه لا يوجب زوال التنجيز، فإنّ العلم الإجمالي حدوثاً لم يزل، وإنّما زال العلم باعتبار البقاء، يعني: تلك النجاسة السابقة المعلومة بالإجمال لا ندري أنّها كانت في هذا الطرف، حتّى تبدلّت نجاسته إلى الطهارة أو في الآخر، فالعلم حدوثاً باقٍ إلى الآن، وليس الشكّ شكّاً في الحدوث، وهذا غير ما ذكرناه من تبدّل العلم الإجمالي والقضيّة الشرطيّة المنفصلة إلى قضيّتين حمليّتين، فإنّه هنا لم تتبدّل القضيّة، فإنّه أيضاً يصدق أن يقال: إمّا هذا الثوب أو الآخر كان نجساً جزماً، بخلاف ما إذا علمنا بنجاسة أحدهما -المعيّن- سابقاً، فإنَّ العلم الإجمالي يزول لا محالة، وليس لنا علم بنجاسة هذا أو الآخر من الأوّل.
وكذلك لا يزول أثر العلم الإجمالي إذا خرج أحد الأطراف عن محلّ الابتلاء، أو جاز ارتكابه لحرج أو اضطرار، أو تلف أحد الأطراف أو انعدم، فإنّه في كلّ ذلك يجب الاجتناب عن الطرف الباقي، فإنّه وإن كان الآن ليس عندنا علم إجمالي بنجاسة الطرف الباقي، وشيء آخر لانعدام الآخر، إلّا أنّ هذا العلم موجود بين هذا الموجود والآخر قبل انعدامه.
فالعبرة بتنجيز العلم الإجمالي ببقائه متعلّقاً بالحدوث، وبعد التنجيز لا يعتبر البقاء، فإنّ احتمال التكليف في كلّ من الطرفين احتمال للتكليف المنجّز، بخلاف ما لو زال العلم الإجمالي وتبدّل إلى علم تفصيلي وشكٍّ بدويّ، يعني: تبدّلت القضيّة المنفصلة إلى قضيّتين حمليّتين، فحكم هذا حكم الشكّ الساري في العلم التفصيلي الذي يوجب سقوط حجّيّته لعدم موضوعها، وهو: القطع، فالعلم الإجمالي إذا تبدّل وانقلب إلى علم تفصيلي وشكّ بدوي لا يكون له أثر.
ــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فإذا كان العلم الإجمالي كذلك بالعلم الوجداني فالأمارة علم تعبّدي، فلو فرضنا أنَّ المعلوم إجمالاً أوّلاً يزيد على ما نعلم بمطابقته للواقع من الأمارات المعتبرة، إلّا أنّ الأمارات المعتبرة بعد ما عيّنت الأحكام المجعولة في الشريعة من أوّل الأمر، وهي: حجّة وبمنزلة العلم التفصيلي، فقد علمنا بعدد من الأحكام الإلزاميّة بمقتضى التعبّد الشرعي من الأوّل.
وغير هذا المعلوم بالعلم التعبّدي مشكوك وجوده من الأوّل، فإنّ العلم الإجمالي قد تبدّل إلى قضيّة متيقّنة تعبّداً(1)، وقضيّة مشكوكة، كما لو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين، وقامت البيّنة على أنَّ أحدهما المعيّن كان نجساً من الأوّل، فقد علمنا بذلك بالعلم التعبّدي، فقولنا: إمّا هذا أو ذاك نجس قد زال بحكم الشارع، بل هذا نجس جزماً بحكم الشارع، والآخر مشكوك فيه فيرجع فيه إلى الأصول العمليّة.
وملخّص الكلام: أنّ العلم الإجمالي لا يزيد على العلم التفصيلي في التنجيز، فكما يعتبر في التفصيلي أن يبقى ولا يزول، كذلك العلم الإجمالي، فإذا زال العلم الإجمالي وانقلبت القضيّة المشكوكة إلى قضيّة متيقّنة وقضيّة مشكوكة، فلا يكون منجّزاً بلا فرق بين العلم الوجداني والتعبّدي.
ولا يقاس هذا على موارد تلف بعض الأطراف أو خروجه عن الابتلاء أو الامتثال، فإنَّ الشكّ هناك شكّ في بقاء المعلوم لا في بقاء العلم، وإلّا فالعلم بالتكليف السابق موجود إلى الآن، وهذا بخلاف ما إذا سرى الشكّ إلى
ــــــــــ[39]ــــــــــ
() والانحلال يكون حكميّاً. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الحدوث، ولم يكن عالماً بتكليف مردّد من الأوّل، كما هو الحال في محلّ الكلام، فإنّه يكون التكليف معلوماً جزماً والآخر مشكوكاً، وفي مثله لا يكون الحكم بتنجيزه لعدم بقاء الموضوع.
فلو فرض في الشبهة الموضوعيّة أنّا قد علمنا بنجاسة أحد الإناءين، ولكن أحدهما تلف أو اهريق ماءه، ففي مثل ذلك يجب الاجتناب عن الطرف الآخر، لأنَّ العلم الإجمالي بنجاسة هذا الطرف أو الطرف التالف موجود الآن.
وقد تقوم الأمارة على أنَّ الإناء الشرقي المعيّن نجس من الأوّل، والأمارة بمنزلة العلم بحكم الشارع، فمعناه: أنَّ الترديد ارتفع عن المكلّف، إذ إنّه علم بنجاسة هذا الطرف تعبّداً، ويشكّ بنجاسة الطرف الآخر، ولا مانع من التمسّك فيه بأصالة الطهارة.
وهذا واضح بناءً على ما سلكناه -وهو الصحيح- من أنّ جعل الحجّيّة في الأمارات بمعنى جعل الكاشفيّة والطريقيّة، فالمكلّف عالم في نظر الشارع، وهذا العلم (العلم الإجمالي) تحوّل إلى علم تفصيلي وشكّ بدوي.
وأمّا على ما سلكه صاحب الكفاية من أنَّ المجعول في حجّيّة الأمارات هو التنجيز والتعذير(1)، فيشكلّ الأمر ويشكلّ الجواب عن هذا العلم الإجمالي، فإنَّ الأمارة القائمة على ثبوت التكليف في أحد الطرفين، فإن كان فيها دلالة إلتزاميّة على عدم التكليف في الطرف الآخر، فلا مانع من الالتزام بالانحلال، كما في العلم إجمالاً بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة، أو القصر والتمام، فإنّا نعلم
ــــــــــ[40]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 277.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
من الخارج أنَّ الواجب هو أحدهما، والقضيّة المنفصلة في هذه الموارد قضيّة حقيقيّة وليست من قبيل مانعة الخلو -كما ذكرنا- فوجوب كلّ منها يلازم عدم وجوب الآخر، وعدم وجوب أحدهما يلازم وجوب الآخر، فإن كانت الأمارة قائمة على أنَّ صلاة الجمعة واجبة لكانت دالّة على عدم وجوب صلاة الظهر وبالعكس، وكذلك في مسألة القصر في المسافر أربعة فراسخ غير مريد الرجوع ليومه، فإن دلّت الأمارة على القصر تكون نافية لوجوب التمام، لأننّا نعلم أنَّ الواجب هو صلاة واحدة، ففي هذه الموارد التي للأمارة دلالة التزاميّة لا مانع من القول بأنَّها توجب صرف المعلوم بالعلم الإجمالي إلى الطرف الآخر، حتّى على مسلك الآخوند في التنجيز والتعذير.
وأمّا إذا كانت القضيّة منفصلة بنحو مانعة الخلو، كما لو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين، ونحتمل نجاسة الطرفين، ففي مثل ذلك إذا قامت الأمارة على أنَّ هذا الإناء بخصوصه نجس، وفرضنا أنّ هذه النجاسة قد تنجّزت قبل قيام الأمارة بمنجّز آخر متقدّم عليها، وهو: العلم الإجمالي، والمنجّز لا يتنجّز بمنجّز آخر، فقيامها على نجاسة هذا الطرف لا يؤثّر في تنجيزه، بعد كونه منجّزاً بالعلم الإجمالي، فكيف يقال: إنَّ الأمارة توجب صرف المعلوم الإجمالي إلى هذا الطرف، وأيّ موجب يوجب الصرف؟
فيكون قيام الأمارة على هذا الطرف بمنزلة النجاسة الطارئة عليه، فأي(1)
ــــــــــ[41]ــــــــــ
() فإذا كانت الأمارة متأخرّة عن العلم الإجمالي فلا أثر لها في انحلاله، فيصحّ مدّعى الإخباري. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أثر له مع بقاء العلم الإجمالي على حاله منجّزاً، وقد فرضنا أنَّ الأمارة ليس لها دلالة التزاميّة على الطرف الآخر، ليقال: إنّها صارفة له عن المعلوم الإجمالي.
نعم، بناء على أنَّ قيام الأمارة بوجوده الواقعي منجّز، وإن لم يصل إلى المكلّف فعلاً، فإنَّ حال الأمارات الموجودة في الكتب المعتبرة كحال التكليف الواقعي، فكما أنَّ التكليف الواقعي بوجوده منجّز، وإن لم يصل إذا كان في معرض الوصول وقابلاً له، ولذا قلنا: إنّه قبل الفحص يجب الاحتياط ولا تجري البراءة، فإنَّ ما على المولى هو إيصال التكليف بنحو يمكن الوصول إليه، ولا يجب عليه إيصال التكليف إلى بيت كلّ مكلّفٍ مكلّفٍ، فإذا كان هذا ثابتاً في الأحكام الواقعيّة، فهو ثابت في الأمارات أيضاً، فلا يجب على المولى الذي جعل الأمارة حجّة إيصالها إلى المكلّف بنحو غير عادي، بل أن يجعلها في مورد قابل للوصول، كما هو الحال فعلاً، فإنّها موجودة في الكتب الأربعة ونحوها، فتكون الأمارة بوجودها الواقعي منجّزة للتكليف إذا كانت قابلة للوصول.
على هذا لا يكون تنجيز الأمارة متأخّراً عن العلم الإجمالي، بل يكونان منجّزيّن معاً في آن واحد، ومن حين ما بلغ المكلّف وحصل له العلم الإجمالي كانت الأمارات أيضاً في معرض الوصول، فورد منجّزان للتكاليف الواقعيّة في آن واحد بلا تقدّم ولا تأخّر، وتنجيز العلم الإجمالي مردّد، إلّا أنَّ الأمارة تنجيزها مختصّ بأحد الطرفين، وفي مثل ذلك لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً، فإنّه تعلّق بطرفين أحدهما تكليف منجّز من غير ناحية العلم الإجمالي، والآخر تكليف منجّز من ناحيته، ومثل هذا العلم لا يكون منجّزاً.
ــــــــــ[42]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
والوجه في ذلك: أنَّ تنجيز العلم الإجمالي يدور مدار تساقط الأصول في أطرافه، ومثل هذا العلم الإجمالي لا تتساقط الأصول في أطرافه، لأنّ أحد طرفيه لا يجري فيه الأصل لوجود منجّز فيه وهو الأمارة، وفي الآخر يكون الشكّ بدويّاً يرجع فيه إلى الأصل، فأيضاً نلتزم بالانحلال، حتّى إذا سلكنا مسلك صاحب الكفاية في أنَّ المجعول في باب الأمارات هو التنجيز والتعذير.
إلّا أنّ هذا إنّما يتمّ بناءً على أنَّ الأمارة منجّزة بوجودها الواقعي، لا بوصولها إلى المكلّف فعلاً، فيما إذا كانت في معرض الوصول، وهذا هو الصحيح، وعليه: لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً.
وأمّا بناءً على جعل الحكم المماثل للأمارة، كما هو مقتضى الالتزام بالسبّبيّة للأمارات، فالكلام هو الكلام على التنجيز والتعذير، فإذا قلنا: إنَّ قيام الأمارة يكون سبّباً لجعل حكم مماثل في مورده مع تقيّده بالوصول إلى المكلّف، فمثل هذه الأمارة لا توجب سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز، فإنَّ مثل هذا الحكم مغاير للمعلوم بالإجمال، والمفروض أنَّ المعلوم بالإجمال قد تنجّز سابقاً، وحدوث حكم آخر لا يضرّ بتنجيز العلم الإجمالي، كما لو أصابت نجاسة أحد الطرفين المعلوم نجاسة أحدهما إجمالاً، فإنّه حكم آخرها حادث لا أثر له في انحلال العلم الإجمالي، فيكون العلم الإجمالي الذي ذكره الإخباري منجّزاً وقوله صحيحاً، ويجب الاحتياط في الشبهة التحريميّة.
وأمّا بناءً على أنَّ قيام الأمارة بوجودها الواقعي وإن لم يصل سبّب لجعل الحكم في مورد الأمارة، فإنَّ ذلك يوجب الانحلال لا محالة، فإنَّ الحكم وإن
ــــــــــ[43]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
كان مغايراً للمعلوم بالإجمال، إلّا أنَّ الأصول لا تتساقط بالتعارض، لأنَّ هذا الطرف كان معلوماً قبل العلم الإجمالي، كما لو طفرت قطرتان من الدم، ووقعت إحداهما في هذا الإناء يقيناً، وشكّكنا في وقوع الثانية في الإناء الآخر(1)، فالعلم الإجمالي متعلّق بما هو معلوم النجاسة لا يكون له أثر، فلا يكون الحكم منجّزاً من الأوّل.
فعلى جميع التقادير والمباني من الكاشفيّة والمنجزيّة -بناءً على أنَّ الأمارة منجّزة بوجودها الواقعي، أو بناءً على أنّ الأمارة بواقعها سبّب- لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً بقاءً، بل وحدوثاً بناءً على الوجهين، فلا مانع من الرجوع إلى البراءة في الشبهة التحريميّة والشبهة الوجوبيّة.
إنَّ العقل حاكم بالحظر فيما إذا لم يرد حكم من الشرع، يعني: قبل الشرع والشريعة، فهو حاكم بالحظر والمنع، إلّا في الأفعال الضروريّة التي لابدَّ منها، فلا يجوز التصرّف إلّا بدليل خاصّ في الترخيص، فالأصل هو الحظر، والترخيص يحتاج إلى دليل.
إلّا أنّ هذا الوجه لعلّه واضح الفساد:
أوّلاً: أنّ هذه المسألة ليست مورداً للتسالم، فإنّ جماعة كثيرة ذهبوا إلى أنَّ الأصل هو الإباحة، والنهي يحتاج إلى دليل، وإلّا فطبع الحال أن يفعل العبد ما
ــــــــــ[44]ــــــــــ
() لابدَّ من فرض أنَّ هذين الإناءين يعلم إجمالاً بنجاسة أحدهما قبل وقوع النجاسة ليصحّ كلام السيّد. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
يشاء، إلّا أن ينهاه المولى، فالأصل هو الإباحة لا الحرمة.
وثانياً: على تقدير تسليم أنّ الأصل هو الحظر، إلّا أنّ هذا يختصّ بما قبل الشرع، وأين هذا بما بعده؟ فإنّهما بملاكين، ملاك ما قبل الشرع، وهو: عدم جعل حكم من المولى ولا ندري أنّه يجعل أيّ شيء بعد ذلك، وأمّا ما بعد الشرع فالمفروض أنّ الأحكام قد جعلت، وقسم من الأفعال محكوم بالحرمة، وقسم منها محكوم بالإباحة، وهذا الفرد مشكوك فيه لا ندري أنَّ المجعول هو التحريم أو الترخيص، وأين هذا مّما إذا علمنا بعدم جعل حكم أصلاً؟ افرض هناك يحكم العقل بالحظر لعدم جعل الحكم، فأين هذا مّما إذا شكّكنا أنَّ المجعول من أيّ القسمين؟
مضافاً إلى أنّنا لو سلمنا أنّ الحكم حتّى بعد جعل الأحكام هو الحظر، إلّا أنّ هذا في فرض أن لا يثبت ترخيص من قبل الشارع، وقد ذكرنا ثبوت الترخيص بحديث الحجب وبالاستصحاب، وأنّه بعد أن لم يكن التحريم(1) مجعولاً زماناً نستصحب عدم جعله، ويثبت به سقوط العقاب.
وأردأ الوجوه العقليّة التي تمسّك بها بعضهم، هو: حكم العقل بوجوب دفع الضرّر المحتمل، وأنّه في الشبهة التحريميّة يوجد احتمال الضرّر، فيجب الاحتياط.
ــــــــــ[45]ــــــــــ
() هذا لا يمكن فرضه بعد التسليم بالحضر، حتّى بعد جعل الشريعة على الفرض، كما هو واضح، فيكون هذا الاستصحاب باطلاً، ويكون مقتضى الاستصحاب هو ثبوت الحرمة الأصليّة دون الإباحة. نعم، الأدلّة الاجتهاديّة على البراءة تكون حاكمة على هذا الأصل، فاللازم الاقتصار عليها في كلام السيّد. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وقد تقدّم الجواب عن هذا مفصّلاً في بحث قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وقلنا: إنّ المراد بالضرّر هو العقاب الأخروي، فالأمر إرشادي وليس مولويّاً، ولا نحتمل الضرّر، لأنَّ قاعدة قبح العقاب تكون حاكمة.
وإن كان المقصود به الضرّر الدنيوي فالصغرى ممنوعة، فإنّه لا يترتّب على الشبهات التحريميّة ضرّر دنيوي، وعلى تقدير تسليمها فالكبرى ممنوعة، فإنَّ العقل لا يستقلّ بوجوب دفع الضرّر المقطوع فضلاً عن المشكوك.
وإن أُريد بالضرّر المفسدة فهو موجود دائماً، باعتبار مذهب العدليّة من تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد، ولكنّ العقل لا يحكم بوجوب دفع المفسدة المحتملة جزماً، والدليل على ذلك: تسالم الإخباريّين والأُصوليّين على البراءة في الشبهات الموضوعيّة، مع أنَّ احتمال المفسدة موجود فيها لا محالة. فالوجوه العقليّة كلّها ساقطة.
ــــــــــ[46]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أصالة عدم التذكيّة
ــــــــــ[47]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ذكر شيخنا الأنصاري(1) بعد الفراغ من البحث في الشبهة الحكميّة التحريميّة: أنّ جريان البراءة يتوقّف على أن لا يكون هناك أصل موضوعي، وإلّا فإنّ البراءة لا تجري معه.
ولا يريد بالأصل الموضوعي جريان الأصل في الموضوع الخارجي، بل مراده بالأصل الموضوعي: أنَّ البراءة لا تجري إذا كان هنا أصل يجري في موضوع أصل البراءة، ويكون رافعاً للشكّ وعدم البيان المأخوذين في موضوع البراءة الشرعيّة والعقليّة، بلا فرق بين أن يكون هذا الأصل من الأصول الجارية في الموضوعات، أو الجارية في الأحكام، فإنّ هذا الأصل يكون حاكماً أو وارداً على أصالة البراءة.
وقد يكون هذا الأصل جارياً في الموضوع الخارجي كاستصحاب الخمريّة، فإنّ هذا المورد مورد للبراءة في نفسه؛ لأنّه مشكوك الخمريّة والحلّيّة، إلّا أنَّ
ــــــــــ[49]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول 2: 108.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الأصل الجاري في الموضوع يمنع عن الرجوع إلى البراءة، فإنَّ هذا المائع بمقتضى الاستصحاب معلوم الخمريّة، فالموضوع محرز عند المكلّف، غاية الأمر: بتعبّد من الشارع، وليس هذا مّما يشكّ في كونه حلالاً أو حراماً، بل هو معلوم الحرمة تعبّداً، فيكون هذا الأصل الجاري في الموضوع مانعاً عن جريان أصالة البراءة.
وقد يفرض أنّ الأصل يجري في الحكم لا في الموضوع، كاستصحاب النجاسة في المايع، فإنّه لا يكون موضوعاً لقوله: “كُلُّ شَيْءٍ نَظِيفٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ قَذِر“(1)، بل هو يعلم بالنجاسة بحكم الشارع بالاستصحاب، وكذلك استصحاب الحرمة فيما إذا شكّكنا في جواز وطي الحائض قبل الاغتسال، وبنيّنا على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة، فإنّ مقتضاه استصحاب عدم جواز وطيها الذي كان ثابتاً حال الحيض، ولا تصل النوبة معه إلى البراءة عن حرمة الوطي، فإنَّ الوطي غير مشكوك الحلّيّة والحرمة ليرجع فيه إلى البراءة، بل هو متيقّن الحرمة.
وملخص الكلام: أنّه كلّما كان هناك أصل حاكم على البراءة ورافع لموضوع الشكّ وجداناً، وهو: الورود، أو تعبّداً، وهو: الحكومة، ولا تكون البراءة جارية، فإنّ جريانها يتوقّف على تحقّق موضوعها، وهو: الشكّ، فإذا ارتفع الشكّ بالأصل لا يبقى مجال لجريانها، وهو المراد من الأصل الموضوعي
ــــــــــ[50]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 285، الباب 12، تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، الحديث: 119.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الذي يعتبر عدمه في جريان البراءة، سواء كان جارياً في الموضوع أو الحكم.
ورتّبوا على هذا: إذا شكّ في حيوان أنّه حرام أو حلال لأجل الشكّ في أنّه قابل للتذكيّة أو لا، فإنّه يحكم بحرمته، لاستصحاب عدم التذكيّة، ويكون هذا الأصل حاكماً على أصالة الإباحة في الأشياء، فإنّ المستفاد من الروايات أنّ التذكيّة هي المحلّل للّحم، فإذا شكّكنا في تذكيّة الحيوان من جهة الشكّ في قبوله لها، فيرتفع الشكّ بالحرمة من جهة الأصل الموضوعي، ويحكم بحرمته؛ لأنّ غير المذكى حرام، فأصالة عدم التذكيّة أصل موضوعي يحرز به موضوع أصالة البراءة، فلا تصل النوبة إليها.
ــــــــــ[51]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الشكّ يتصوّر وقوعه في عدّة صور(1):
الصورة الأولى: أن يكون الشكّ بنحو الشبهة الموضوعيّة، فيعلم أنّ الحيوان قابل للتذكيّة جزماً، وقد وقعت عليه التذكيّة خارجاً، ولكن نشكّ بحليّة لحمه، وحرمته لأجل أمر خارجي وشبهة موضوعيّة، كما إذا تردّد اللحم بين أن يكون لحم شاة أو لحم أرنب، فإنّ كلا هذين الحيوانين قابلين للتذكيّة، لكن لا ندري أنّه من القسم الحلال أو الحرام، وهنا أصالة عدم التذكيّة غير جارية للقطع بأنّه قابل للتذكيّة، وأنّها وقعت عليه في الخارج.
الصورة الثانية: قد يكون الشكّ في قبوله للتذكيّة بعد الفراغ عن قبوله للتذكيّة ذاتاً، وقد وقعت عليه جزماً، وإنّما نشكّ في قبوله لها لأمر خارجي، كما إذا احتملنا أنّ الشاة التي هي حلال وقابلة للتذكيّة ذاتاً، ونحتمل عروض الجلّل عليها، أو لعلّها وطئها إنسان، أو لعلّها ارتضعت من لبن خنزيرة، وهذه هي الأمور التي تجعلها غير قابلة للتذكيّة.
الصورة الثالثة: قد يكون الشكّ في قبوله للتذكيّة وعدمه لأمر ذاتي غير
ــــــــــ[52]ــــــــــ
() فإنّ الشبهة إمّا أن تكون حكميّة، وإما أن تكون موضوعيّة، والشبهة الموضوعيّة على أربعة صور. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
طارئ، ولم نكن ندري أنَّ هذا الحيوان في نفسه قابل للتذكيّة أو لا، كما إذا شكّ في أنّه لحم شاة أو لحم كلب، والكلب في نفسه غير قابل للتذكيّة، فيشكّ في الحليّة والحرمة من جهة الشكّ في قبول الحيوان للتذكيّة ذاتاً لا عرضاً.
الصورة الرابعة: وقد يكون الشكّ ناشئاً من الشكّ في وقوع التذكيّة خارجاً، فنعلم أنَّ هذه شاة، وأنَّها قابلة للتذكيّة وحلال بالذات، ولم يطرأ عليها أحد العناوين المحرّمة، إلَّا أنَّنا نشكّ في أنَّ الذابح كان مسلماً أو لا، أو أنَّه ذبحه إلى القبلة أو بالحديد أو لا، فنشكّ في حلّية هذا اللحم وحرمته للشكّ في وقوع التذكيّة وعدمه لأمر خارجي. هذه صور الشكّ في حلّيّة اللحم وغيره من أجزاء الحيوان.
أمّا الصورة الأولى –وهي ما إذا علمنا أنّه قابل للتذكيّة جزماً ولكن نحتمل أنّه حرام أو ليس بحرام؛ إذ نشكّ أنّه لحم شاة أو أرنب، وعلى كلا التقديرين فالحيوان قابل للتذكيّة، وقد وقعت عليه جزماً– فلا ينبغي الشكّ في جريان البراءة حينئذٍ، فإنّ هذا يدخل في قوله في صحيحة عبد الله بن سنان: (كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه)(1)، وهذا لحمٌ يشكّ في حلّيّته وحرمته، فهو حلال حتّى يعلم أنّه حرام بعينه.
وما ذكره الشهيد(2) من أنّ الأصل في اللحوم الحرمة لا أساس له بالنسبة
ــــــــــ[53]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 339، باب الجبن، الحديث: 1. مع اختلاف في بعض الألفاظ.
(2) انظر: تمهيد القواعد: 270.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إلى محلّ الكلام، وهو: ما إذا علم أنّه قابل للتذكيّة، وقد وقعت عليه التذكيّة جزماً، فإنّنا لا نعرف لهذا الكلام وجهاً أصلاً.
وقد يقال في توجيه كلام الشهيد(1) -لو كان يريد محلّ الكلام أيضاً- أنّ هذا الكلام مبني على استصحاب الحرمة، لا استصحاب عدم التذكيّة، ليقال: إنّه قابل لها، وقد وقعت عليه على الفرض، فإنّ هذا الحيوان قبل موته كان محكوماً بالحرمة، فإنّ الحيّ يحرم أكله، وتشكّ بعد موته بأنّ الحرمة انقلبت إلى الإباحة، أو بقيت الحرمة على حالها.
والجواب عن هذا أيضاً ظاهر:
أوّلاً: أنَّ هذا الحكم غير مسلّم، فقد ذهب غير واحد إلى جواز أكل الحيوان الحيّ، كابتلاع السمكة الصغيرة مثلاً. نعم، الجزء المقطوع من الحيوان فهو بحكم الميتة بلا إشكال، وأمّا أكل الحيوان الحيّ بهذا العنوان فلم يثبت ذلك.
ثانياً: على تقدير التسليم فالموضوع هو الحيوان الحيّ، وقد ارتفع جزماً بموته، وتبدّل إلى أكل لحم الحيوان، فلا أصل لهذا الأصل، وهو: استصحاب الحرمة، وأصالة الحرمة في اللحوم.
فالظاهر أنّه لا ينبغي الشكّ في جريان البراءة في هذه الصورة، والشبهة بما أنّها موضوعيّة فالفحص أيضاً غير لازم، حتّى لو تمكن منه.
وأمّا الصورة الثانية -وهو ما إذا كان الشكّ ناشئاً من الشكّ في قبول
ــــــــــ[54]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 196.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الحيوان للتذكيّة وعدمه لأمر عرضي طارئ، كالشكّ في الجلّل أو وطي الإنسان أو إرضاع الخنزيرة- ففي هذه الموارد لا ينبغي الشكّ في الحلّيّة لجريان الاستصحاب الموضوعي وأصالة عدم الجلّل، فإنّ هذا الحيوان كان ولم يكن جلالاً، أو كان ولم يكن موطوء الإنسان، أو كان ولم يكن شارباً للبن خنزيرة، فإنّ هذه العناوين المحرمة كلها طارئة مسبوقة بالعدم فنستصحب عدمها، فهذا الحيوان كان قابلاً للتذكيّة بالذات، ونشكّ ببقاء القابليّة بعد ذلك فنستصحبه.
وأمّا الصورة الثالثة -وهو ما إذا شكّ في قابليّة التذكيّة ذاتاً، كما إذا شكّ في لحم أنّه لحم شاة أو خنزير- فهل تجري أصالة عدم التذكيّة أو لا؟
وبعبارة ثانية: قد يشكّ في قبول الحيوان للتذكيّة، لا لأجل عنوان طارئ، بل لأجل عنوان ذاتيٍّ، كما إذا شكّ في لحم أنّه لحم شاة أو لحم خنزير، وأنّه حيوان قابل للتذكيّة أو لا، فليس منشأ الشكّ هنا أمراً طارئاً وعارضاً للحيوان، بل أمر ذاتي له.
فإذا بنيّنا على ما بنى عليه صاحب الجواهر(1): من أنّ كلّ حيوان قابل للتذكيّة، إلّا ما خرج بالدليل، فيتسّمك برواية -دلالتها لا بأس بها- تدلّ على جواز الصلاة(2) في كلّ جلدٍ إلّا ما خرج بدليل، فاستكشفنا أنّ كل حيوان في ذاته قابل للتذكيّة، فبعد ثبوت هذا العموم وجريان الأصل في الأعدام الأزليّة
ــــــــــ[55]ــــــــــ
(1) جواهر الكلام 36: 195، 196.
(2) تهذيب الأحكام 2: 211، الباب 11، ما يجوز الصلاة فيه من اللباس والمكان وما لا يجوز الصلاة فيه من ذلك، الحديث: 34.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
-على ما بنيّنا عليه- لا مانع من الحكم بقبول هذا الحيوان المشكوك فيه للتذكيّة؛ لأصالة عدم كونه كلباً وخنزيراً مثلاً، والمفروض أنَّه لم يؤخذ في موضوع الحيوان القابل للتذكيّة عنوان وجودي، بل أخذ فيه أن لا يكون كلباً ولا خنزيراً، وهذا حيوان وجداناً وليس بكلب بالتعبّد الاستصحابي، فيثبت قبوله للتذكيّة، والمفروض وقوع التذكيّة عليه خارجاً، فيحكم بكونه مذكى وبكونه حلالاً؛ لقوله: (كل شيء حلال…)، وقلنا: إنَّ أصالة الحرمة في اللحوم لا أساس لها.
وأمّا إذا منعنا عن كلا المقدّمتين، وقلنا: إنَّه لم يثبت عموم أنَّ كلّ حيوان قابل للتذكيّة، فإذا قلنا: إنَّ التذكيّة أمر وجودي كالطهارة في الأجسام الخارجيّة التي هي مسبّبة عن الغسل الخارجي، وليس الغسل هو طهارة، بل هو محصّل للطهارة، فالغسل بالماء يطهرّ، فتكون التذكيّة كذلك، أي: عبارة عن عنوان بسيط يوجد بسبّب الذبح الجامع للشرائط، فبناءً عليه -كما هو الظاهر من مفهوم التذكيّة- تجري أصالة عدم التذكيّة ولو كان منشأ الشكّ هو قبول الحيوان للتذكيّة ، فإنَّ قبوله لها معتبر في تحقّق التذكيّة خارجاً، فإنَّ التذكيّة ليست عبارة عن الذبح الخارجي، فهل الأمر يترتّب على الذبح مع حكم الشارع بقابليّته للتذكيّة؟ وبما أنَّ قابليّته لها مشكوك فيها، فنشكّ في حدوث هذا الأمر، وهو: عنوان التذكيّة، فيتمسّك بأصالة عدم التذكيّة، فيحكم بحرمة اللحم للأصل الموضوعي الحاكم على أصالة الحلّ.
وأمّا إذا قلنا: إنّ التذكيّة عبارة عن الذبح الخارجي، مع اجتماع الشرائط
ــــــــــ[56]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الخارجيّة إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ(1) يعني: إلَّا ما ذبحتم بذبح له قيود، فمعلوم أنَّ أصالة عدم التذكيّة حينئذ لا تجري، فإنَّ التذكيّة وقعت خارجاً يقيناً، وإنّما الشكّ في حلّيّته وحرمته فيرجع إلى أصالة الحلّ.
وهذا الوجه اختاره شيخنا الأستاذ(2) مستشهداً لذلك: بأنَّ الظاهر من آية: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ إسناد التذكيّة إلى الإنسان فهي فعل من المكلّف خارجاً, فيكون اسماً لنفس الفعل الخارجي، ولا يكون عنواناً بسيطاً منتزعاً عنه .
إلّا أنّ هذا الاستظهار لا وجه له أصلاً, فإنَّ العنوان البسيط المترتّب على الذبح أيضاً من أفعال المكلّف ويصحّ إسناده اليه، فيقال: زيد نجّس ثوبه، أو طهّره، أو زيد قتل بكراً، مع الصادر منه ليس هو القتل، بل هو الذبح ونحوه من موجبات القتل، فلا فرق في إسناد الفعل إلى المكلّف بين أنْ يكون من الأفعال التوليديّة أو غيرها، فكما يصحّ نسبة غير الافعال التوليديّة، فيقال: أكل وشرب وقام وقعد، كذلك يصحّ نسبة الأفعال التوليديّة، كزوّج وطلّق واعتق ونجّس وطهّر وقتل وغيرها، فلا فرق في التذكيّة بين كونها اسماً لنفس الذبح أو للعنوان المسبّب عنه في صحّة نسبتها إلى المكلّف. إذن، لا يتمّ ما قاله، والصحيح ما ذكرناه.
أمّا الصورة الرابعة -وهي: ما إذا علمنا أنّ الحيوان قابل للتذكيّة ذاتاً وعرضاً، يعني: لم يطرأ عليه عنوان محرّم كالجلّل، ومع ذلك نشكّ في حلّيّة
ــــــــــ[57]ــــــــــ
(1) المائدة: 3.
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 194.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
اللحم وحرمته، لاحتمال عدم وقوع التذكيّة خارجاً- فإذا احتملنا هذا فأيضاً لا تجري أصالة الحلّ لوجود الأصل الموضوعي، وهو: استصحاب عدم التذكيّة، فإنّ التذكيّة أخذت في موضوع جواز الأكل إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وفي موضوع جواز الصلاة (إلّا إذا علمت أنّه مذكى)، فمتى ما نشكّ في هذا (تحقّق) العنوان الوجودي فالأصل عدمه، فيحكم بحرمة الأكل وعدم جواز الدخول في الصلاة بمقتضى الاستصحاب، فهذا العنوان الدخيل في الموضوع لابدّ من إحرازه بأمارة كالبيّنة وسوق المسلمين ونحوه. هذا هو الكلام في الشبهة الموضوعيّة.
ــــــــــ[58]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فإنّها أيضاً تنقسم إلى أقسام:
القسم الأوّل: قد نعلم أنّ الحيوان قابل للتذكيّة جزماً، ولكن نشكّ أنّه حلال أو حرام في الشريعة، فلنفرض الأرنب إذا لم يقم دليل على حرمته، وهو قابل للتذكيّة أصلاً، هنا يتمسّك بأصالة البراءة العقليّة والشرعيّة، أو استصحاب عدم الحرمة على ما تقدّم، وجميع أدلّة البراءة تدلّ على جواز أكل ما لم تثبت حرمته، ودعوى أصالة الحرمة في اللحوم لا أساس لها.
القسم الثاني: ما إذا شكّكنا في حلّيّة شيء وحرمته للشكّ في كونه قابلاً للتذكيّة وعدمه، ولكن الشبهة حكميّة، كما إذا تولّد حيوان من شاة وخنزير، فمن طرف قابل للتذكيّة ، ومن طرف آخر غير قابل لها، وتولّد حيوان لا يشبه أيّاً منهما ولا يصدق عليه عرفاً أنّه شاة ولا يصدق عليه عرفاً أنّه خنزير، فلا ندري أنّه قابل للتذكيّة أو لا، وليس منشأ الشكّ أمراً خارجيّاً ليكون شبهة موضوعيّة، بل شبهة حكميّة ولا ندري أنّ مثل هذا الحيوان المتولّد من طرف حلال وطرف حرام ولا يشبه أحدهما، هل هو قابل للتذكيّة فيحكم بالحلّيّة أو لا؟
وفي مثل ذلك نتمسّك بما دلّ على أنَّ كلّ حيوان قابل للتذكيّة، إلّا ما خرج بالدليل.
ــــــــــ[59]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
القسم الثالث: وهو ما إذا علمنا أنَّ الحيوان قابل للتذكيّة، وعلمنا أنّه محلّل الأكل، ولكن يشكّ في شرطيّة شيء في التذكيّة وعدمه، كما إذا شكّكنا في اعتبار أن تكون التذكيّة بالحديد أو أنّها تحصل بغيره، ففي مثل ذلك ليس عندنا عموم أو إطلاق نرجع إليه، كقوله تعالى: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ، أو الروايات التي اعتبرت التذكيّة في جواز الصلاة فيه وجواز الأكل منه، لأنَّ التذكيّة ليست من الأمور العرفيّة التي يرجع فيها إلى العرف في تشخيص المفهوم كما هو الحال في البيع، حيث إنَّه أمرٌّ عرفيٌّ والسيرة جارية على المعاملة به وتبديل مال بمال، وكان يسمّى بيعاً، والله تعالى أحلّه، فكلّما قام الدليل على اعتباره في المبيع أو المتبايعين أخذنا به، وإلّا كان المرجع هو إطلاق الحلّيّة، إلّا أنَّ التذكيّة ليست كذلك، فإنّها أمر بسيط فيكون الذبح بالشرائط محقّقاً له، فليست هي من المفاهيم العرفيّة التي يتمسّك فيها بالإطلاق عند الشكّ، فإذا شكّكنا في اعتبار شيء في التذكيّة كان الأصل عدم تحقّق التذكيّة، فلابدّ من وجود دليل على تحقّقها، وما لم تحرز التذكيّة لا يحكم بحلّيّة الأكل، ولا جواز الصلاة فيه.
ــــــــــ[59]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
في موارد جريان أصالة عدم التذكيّة في الشبهة الحكمية أو الشبهة الموضوعيّة -كما في المثال المتقدّم في الأمرين- لو شكّكنا أنَّ الذابح كان مسلماً أو لا؟ فتجري أصالة عدم التذكيّة في كلا الشبهتين، فهل يترتّب على هذا الأصل مضافاً إلى عدم جواز الصلاة فيه والأكل منه؛ لأنّ جوازهما معلّق في الأدلّة على عنوان التذكيّة، فكلّ ما لم يكن معلوم التذكيّة يحكم بعدم جواز الصلاة فيه والأكل منه، فإنَّ المستثنى منه أمر وجودي، فإذا شكّكنا في تحقّقه فالأصل عدمه، فزائداً على ذلك يحكم بنجاسة هذا اللحم أيضاً، فيقال: إنَّ هذا اللحم أو الجلد نجس لأصالة عدم التذكيّة، أو إنَّ هذا الأصل معارض بعدم كونه ميتة فيتساقطان؟ ويرجع إلى أصالة الطهارة كما اختاره النراقي(1).
والمشهور بين المتأخرّين الحكم بالنجاسة، واختاره شيخنا الأنصاري(2)، باعتبار أنّ كلّ ما لم يذكَ فهو ميتة، فليس عنوان الميتة عنواناً وجوديّاً، حتّى يحكم بالتعارض بين أصالة عدم التذكيّة وأصالة عدم كونه ميتة، فتجري أصالة عدم التذكيّة ويحكم بنجاسة المشكوك فيه، كما يحكم بعدم جواز أكله والصلاة فيه.
ــــــــــ[60]ــــــــــ
(1) مستند الشيعة 15: 439، 440.
(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 109.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ولكن الأمر ليس كذلك، وأنَّ الأصلين غير متعارضين، بل كلّ منهما يجري بلا معارضة، ويترتّب عليه أثره.
بيان ذلك: أنّ الميتة على ما يظهر من اللغة ليست أمراً عدميّاً، بل هي أمر وجودي، وهو: ما استند فيه سبب إزهاق الروح إلى سبّب آخر غير السبّب الشرعي، كالضرب والغرق والحرق والخنق والموت الطبيعي، فالموت إن استند إلى شرائطه فهو مذكى، وإذا استند إلى سبّب آخر فهو ميتة، فهما أمران وجوديّان متضادّان ليس لهما ثالث، فإنَّ كلّ حيوان إمّا ميت أو مذكى، فلا وجه لدعوى شيخنا الأنصاري من عدم جريان أصالة عدم الميتة؛ لأنّ الميتة أمر عدمي، وليس كلّ ما لم يذك عبارة عن مفهوم الميتة، وإن كان واقعها كذلك، باعتبار أنّهما متضادّان لا ثالث لهما، بل الميتة مفهوم وجودي، وهي مع التذكيّة من المتضادّين اللذين ليس لهما ثالث كالحركة والسكون في الأجسام، فإنّ كلّاً منهما أمر وجودي وإن كان الخارج لا يخلو من أحدهما، فعدم أحدهما ملازم لوجود الآخر وبالعكس، كما هو الحال في كلّ ضدّين لا ثالث لهما، فلا وجه لما أفاده شيخنا الأنصاري من عدم جريان أصالة عدم الميتة، وأنَّ الأصل يقتضي كونه ميتة؛ لأصالة عدم التذكيّة.
كما لا وجه لما ذكره النراقي من التعارض، فليس هنا تعارض أصلاً، فإنَّ الأمرين الوجوديّين يجري فيهما الأصل، وليس هنا مخالفة لتكليف معلوم ليتساقط الأصلان، فأصالة عدم التذكيّة يترتّب عليها عدم جواز الصلاة فيها والأكل منها؛ لأنّ هذا الجواز مترتّب على المذكى، والأصل عدم كونه كذلك،
ــــــــــ[62]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
كما أنَّ أصالة عدم الميتة أيضاً تجري، فإنَّ النجاسة في الروايات لم تترتّب إلّا على عنوان الميتة، ولم نجد رواية تدلّ على نجاسة ما لم يذك بهذا العنوان، بل هي خاصّة بالميتة وما يلحق بها كالعضو المقطوع، وهذا العنوان الوجودي يجري أيضاً فيه الأصل، فيحكم بعدم النجاسة وأنّه طاهر.
وليس بين الأصلين أيّ معارضة؛ لأنّه ليس هنا أيّ مخالفة عمليّة. نعم، هنا مخالفة التزاميّة، وهو: أنّنا نعلم من الخارج أنّه إمّا أن يكون مذكى فهو طاهر وتجوز فيه الصلاة وأكله، وإمّا أن لا يكون فهو نجس ولا تجوز الصلاة فيه، إلَّا أنّ المخالفة الالتزاميّة لا بأس بها، كما لو توضّأ بمايع يشكّ بأنّه ماء أو بول، فقالوا: يحكم بطهارة بدنه وعدم ارتفاع حدثه، مع أنّنا نعلم بالملازمة الواقعيّة في أنَّ المائع إمّا أن يكون ماءً فطهارته الحدثيّة والخبثيّة ثابتة، وإمّا أن يكون بولاً فكلاهما غير ثابت، والتفكيك بين اللوازم في الأصول العمليّة ممكن، وبما أنّ لوازمها ليست حجّة، فيثبت بكلّ من الأصلين أثره، فيرجع إلى أصالة عدم التذكيّة في عدم جواز الصلاة فيه والأكل منه.
ولكن المحقّق الهمداني(1) استدلّ بأنَّ النجاسة مترتّبة على عدم التذكيّة بما ورد عن القاسم الصيقل، قال: “كتبت إلى الرضا: إنّي اعمل أغماد السيوف من جلود لحم الميتة فيصيب ثيابي فاصلي فيها؟ فكتب اليّ: اتخذ ثوباً لصلاتك. فكتبت إلى أبي جعفر الثاني: إني كتبت إلى أبيك كذا وكذا،
ــــــــــ[63]ــــــــــ
(1) مصباح الفقيه: 653.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فصعب ذلك عليّ فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشية الذكيّة. فكتب: إليَّ كلَّ أعمال البرّ بالصّبر يرحمك الله، فإن كان ما تعمل وحشيّاً ذكيّاً فلا بأس“(1).
فقد تمسّك بمفهوم هذه الجملة: (فان كان ما تعمل وحشيّاً ذكيّاً فلا باس)، فإنَّه إذا لم يكن ذكيّاً ففيه بأس، والبأس في هذه الرواية هو النجاسة، بقرينة: عمله أغماد السيوف من جلود الميتة، والّا فإنَّ عملها جائز، ولذا لم ينهه الامام عن أصل العمل، وإنّما أمره أن يتّخذ ثوباً لصلاته.
ولكن هذا الاستدلال لا يتمّ، إذ فيه:
أوّلاً: من جهة ضعف سند هذه الرواية، فإنّه وقع في سندها محمّد بن عبد الله الواسطي، وهو لم يوثّق. وقاسم الصيقل الذي سأل الامام أيضاً لم يوثق، فلا يمكن الاستدلال بها على حكم شرعي.
ثانياً: الدلالة أيضاً ضعيفة، فإنّها ليس لها مفهوم، بل المراد بهذه الجملة في قبال الجملة الأوّلى من أنَّه كان يعمل الأغماد من جلود الميتة، فسأل الرضا فأمره ان يتّخذ لصلاته ثوباً، ثُمَّ كتب إلى الإمام الجواد وقصّ عليه كتابه إلى أبيه، ثُمَّ قال: فصعب ذلك عليّ فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشيّة الذكيّة، فكتب إليه: إذا كان وحشيّاً ذكيّاً فلا بأس، في قبال الأوّل فإنّ فيه البأس. والقرينة على ذلك: قوله: (وحشيّاً)، إذ معه يكون المفهوم -لو تمّ-: أنّه إذا لم
ــــــــــ[64]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 407، باب الرجل يصلي في الثوب وهو غير طاهر عالماً أو جاهلاً، الحديث: 16.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
يكن وحشيّاً ففيه بأس، وهو غير محتمل، وسوق الرواية يأبى عن المفهوم، بل هو في مقابل الميتة المذكورة في صدر الرواية، فالرواية ضعيفة سنداً ودلالة.
والصحيح ما ذكرناه من النجاسة مترتّبة على عنوان الميتة، فإذا شكّ في حيوان أنَّه ميتة أو مذكى فتجري أصالة عدم التذكيّة، ويحكم بمقتضاها بحرمة الصلاة والأكل، وتجري أصالة عدم الميتة ويحكم بمقتضاها بالطهارة، بلا فرق بين موارد الشبهات الحكميّة والموضوعيّة.
ذهب صاحب الحدائق(1) إلى أصالة الحليّة عند الشكّ في تذكيّة اللحم، وتعجّب من القائلين بالحرمة لأصالة عدم التذكيّة، فإنَّ جريان الاستصحاب إنّما يتمّ مع عدم وجود الدليل على الحرمة أو الاباحة على ماهو المتسالم عليه بين الإخباريّين والأُصوليّين، مع أنَّ الدليل على الاباحة موجود، وهو قوله: “كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه“(2)، وغير ذلك من الروايات الدالّة على إباحة المشكوك فيه من غير فرق بين اللحم وغيره، ومعه كيف يمكن الرجوع إلى استصحاب عدم التذكيّة ويقال بالحرمة؟
ومعلوم أنَّ هذا غريب منه لا من الفقهاء، فإنَّ الاستصحاب لا يجري فيما إذا كان الدليل دالّاً على الحكم الواقعي، فيكون رافعاً للشكّ الذي هو موضوع
ــــــــــ[65]ــــــــــ
(1) الحدائق الناضرة 5: 526.
(2) تقدّم تخريجه مراراً.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
جريان الاستصحاب، كقيام البيّنة على نجاسة ماء، فإنّه معها لا يمكن استصحاب الطهارة، فإنّه متقوّم بالشكّ والبيّنة ترفعه. وكذلك في الشبهة الحكميّة فيما إذا دلّ دليل على وجوب شيء أو حرمته، فلا يمكن التمسّك باستصحاب الحكم السابق لارتفاع الشكّ بقيام الدليل على ارتفاعه.
وأمّا الدليل على الحكم الظاهري فهو ليس دليلاً إلَّا على الحكم في المشكوك، لا على الشيء في ذاته، فيتقدّم عليه الاستصحاب، كما لو جرى الاستصحاب لإثبات خمريّة مائع، فهل يقال: إنَّ الدليل دلّ على طهارته، وهو قوله: “كُلُّ شَيْءٍ نَظِيفٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ قَذِر“(1)، لأنَّ قاعدة الطهارة إنّما تجري فيما يشكّ في طهارته ونجاسته، واستصحاب الخمريّة يكون محرزاً للنجاسة والحرمة.
ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّ قوله: (كلّ شيء فيه حلال وحرام) دليل على إباحة الاشياء عند الشكّ، وإذا ثبتت الحرمة بأَصالة عدم التذكيّة وجرى هذا الأصل الموضوعي، فكيف تصل النوبة إلى جريان أصالة البراءة؟! فهذا منه غفلة وخلط بين دليل الحكم الواقعي ودليل الحكم الظاهري.
ــــــــــ[66]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
في حسن الاحتياط
ــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الكلام يقع في مقامين:
المقام الأوّل: أنَّ الاحتياط بعد فرض كونه حسناً عقلاً -وإن لم يكن التكليف منجّزاً ومأموراً به شرعاً- فهل الأمر الوارد في هذه الروايات بالاحتياط أمر إرشادي إلى حكم العقل بالحسن، أو إنَّه أمرٌ استحبابيٌّ، فيكون الاحتياط من المستحبات الشرعيّة بخلاف مورد تنجّز التكليف، فإنَّه لا يعقل أن يكون الأمر فيها مولويّاً على ما تقدّم.
المقام الثاني: بعد الفراغ عن كون الأمر بالاحتياط إمراً استحبابيّاً، فهل هو في عرض الأمر الواقعي ومتعلّق بذات العمل، فيجوز الإتيان بالعمل بداعي هذا الأمر، أو هو في طوله، فلا بدّ من قصد الأمر الواقعي رجاءً، ويكون متعلّق الاستحباب هو الاتيان باحتمال الأمر الواقعي وبداعي الرجاء.
وهذا يختلف بحسب الموارد، فمثلاً: إذا نذر أن يأتي بصلاة الليل أو غسل الجمعة فالأمر النذري يتعلّق بنفس ما يتعلّق به الأمر الأوّل، فلو صلى صلاة الليل قاصداً الأمر النذري وغفل عن كونها مستحبة في نفسها صحّت صلاته
ــــــــــ[69]ــــــــــ
() ألقى السيّد في هذه الليلة محاضرة لم أحضرها، وأعطى عنها في مبدأ المحاضرة الآتية فكرةً كافيةً. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
جزماً، لأنَّه أتى بذات العبادة وأضافها إلى المولى، ولو بقصد الأمر النذري، ولا يُحتاج في العباديّة إلى أكثر من ذلك.
أو إنَّ المقام من قبيل الأمر المتعلّق بإتيان العمل من قبل شخص آخر، فإنَّ هذا الأمر في طول ذلك الأمر، ولا يجوز أن يأتي بالعمل-كالحجّ- غافلاً عن كونه امتثالاً عن الغير، ولا يسقط عن الآخر. فهذا الأمر في طول الأمر الآخر، فهل الأمر بالاحتياط من قبيل الأمر الأوّل متعلّق بذات العمل، فيمكن قصد امتثاله حتّى مع الغفلة عن قصد الأمر الواقعي، أو لابدَّ قصد الأمر الواقعي، لأنَّه في طوله؟
ــــــــــ[70]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ذكر شيخنا الأستاذ(1): أنّه وإن كان الأمر في نفسه ظاهراً في المولويّة، من قبيل: “أَخُوكَ دِينُكَ فَاحْتَطْ لِدِينِك“، والإرشاد يحتاج إلى القرينة، الّا أنَّ هنا قرينة على ذلك، وهي: استقلال العقل بحسن الاحتياط، وهذا حكم واقع في سلسلة معلولات الحكم الشرعي، وكلّ حكم وقع في هذه المرتبة كان حكماً إرشاديّاً لا محالة، إذ لو لم يكن الأمر بالاحتياط موجوداً لكان العقل مستقلّاً باستحبابه، كما هو الحال في أوامر الإطاعة، فانَّها واقعة في مرتبة معلولات الحكم الشرعي، ومن ثَمَّ حملت على الإِرشاد. والمقام من هذا القبيل، فإنّ حكم العقل بالاحتياط هو الحكم بحسن الامتثال الاحتمالي، والإِتيان بالواقع على تقدير وجوده، فالأمر به إرشاد إلى ذلك لا محالة.
ثمّ ذكر أنّ الأوامر الواردة في الاحتياط ليست كلّها واقعة في مرتبة المعلول، بل بعضها واقع في سلسلة علّل الحكم الشرعي، ولا بأس من استكشاف الاستحباب منه، مثل قوله: “من ترك من اشتبه عليه من الاثم، فهو مّما استبان له أترك“(2)، فقد دلّت الرواية على أنَّ من كان حاله بحيث يترك ــــــــــ[71]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 186.
(2) من لا يحضره الفقيه 4: 75، باب نوادر الحدود، الحديث: 5149. مع اختلاف في بعض الألفاظ.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
المشتبه من الإثم، فإنَّه يكون أولى ترك الإثم المعلوم المحرز.
والوجه في هذا: هو أنَّ الملكات الحميدة -ككلّ ملكة- لا تحصل الّا بالتمرين والالتزام بالعمل، ولا تحصل دفعة واحدة عادة، إلّا بمعجزة ونحوها.
ولا ينبغي الشكّ في أنَّ ترك ما اشتبه عليه من الإثم له دخل في تقوي النّفس إلى مرتبة لا يمكن معها أن يرتكب ما هو معلوم الإثم، وهذا أمرٌ آخر غير جهة التحفّظ على الواقع، حتّى يقال: إنّه واقع في مرتبة معلولات الأَحكام الشرعيّة، بل هو واقع في مرتبة العلّل، لأنّه سبّب لإيجاد الملكة الموجبة لترك المعاصي بحسب الخارج، فيمكن أن يكون الأمر بالاحتياط لهذا الملاك مستحباً استحباباً مولويا. هكذا ذكر.
أمّا ما ذكره أخيراً بأنّ الاحتياط له ملاك آخر موجب للأمر به غير التحفّظ على الواقع، فهو متين جدّاً وصحيح، فإنَّ اجتناب الشبهات توجب قوّة في النفّس لا يمكن معها الوقوع في المحرّمات.
وأمّا ما ذكره أوّلاً من أنَّ أوامر الاحتياط ظاهرة في الإرشاد، باعتبار أنَّ الاحتياط واقع في سلسلة معلولات الحكم الشرعي، فلا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ مجرّد وقوع الحكم في مرتبة المعلول لحكم شرعي آخر غير موجب لحمله على الإرشاد، ولا مانع من أن يكون كلاهما مولويّاً، وإنّما حملنا أوامر الإطاعة على الارشاد لا لمجرّد ذلك فقط، بل لأجل عدم إمكان حمل هذه الأوامر على المولويّة، لما قلناه: إنَّ الحكم الشرعي وإن فرض غير متناه، كما لو أمرنا بشيء وأمرنا بامتثال ذلك الأمر، وأمرنا ثالثة بإطاعة الأمر الثاني، وهكذا إلى ما لا نهاية له، فإذا لم ينته إلى حكم العقل بوجوب الإطاعة لأجل إدراكه استحقاق
ــــــــــ[72]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
العقاب على المخالفة، لا يكون الحكم الشرعي كافياً للردع، فالأمر بالإطاعة الصادرة من الشارع إذا كان كافياً لردّع المكلّف باعتبار الحكم العقلي، فيكون الحكم الشرعي الثاني لغواً، وإذا قطع النظر عن الحكم العقلي كان الحكم مولويّاً، فيكون الجميع لغواً لا أثر له، فإنّ من لم يكن له زاجر من نفسه لا يكون له زاجر من غيره، ولذا عبّر عن العقل بالرسول الباطني، باعتبار أنَّ مجرّد الرسول الخارجي لا يكفي في الردع إن لم ينته إِليه.
فالوجه في حمله على المولويّة هو ذلك، وليس كونه واقعاً في سلسلة معلولات الحكم الشرعي، فإنَّ مجرّد ذلك لا يوجب رفع اليد عن ظهوره في المولويّة، وحمل أوامر الإطاعة على الإرشاد، فإنَّ العقل غير مستقلّ بلزوم الاحتياط مطلقاً، بل يحكم بنحو جامع، فإذا كان الحكم إلزاميّاً منجّزاً حكم به إلزاميّاً، وإذا لم يكن الحكم منجّزاً لا يحكم بالإلزام بالاحتياط، بل يكون مورداً للبراءة، وإنّما يحكم بحسنه، فيكون الاحتياط حسناً عقلاً وشرعاً.
الظاهر: أنَّ معنى الاحتياط هو الإتيان بالعمل بداعي الأمر الواقعي رجاءً، وبما أنَّ هذه الأوامر متعلّقة بعنوان الاحتياط، فالظاهر لزوم قصد هذا العنوان، ولا نجد معنى للإتيان بالعمل بقصد عنوان الاحتياط، وعليه: فلا ثمرة مهمّة في أنَّ هذه الأوامر استحبابيّة أو إرشاديّة؛ إذ يكفي في تحقّق القربيّة قصد إتيان الواقع ولو رجاءً، ومعلوم أنّه يقع عبادة مع المطابقة، سواء كان الاحتياط مستحباً أو لم يكن.
ــــــــــ[73]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ولا يقاس المقام على الأمر الناشئ من النذر المتعلّق بالعبادة؛ إذ قد يمكن أن يكون الآتي بالعمل طبقاً للنذر غافلاً عن استحباب العمل في نفسه، فهو لا يقصد إلّا الوفاء بما في ذمّته من الوجوب، ويقع عمله صحيحاً. وهذا بخلاف المقام، فإنّ الاحتياط إنّما يتحقّق إذا احتمل الوجوب الواقعي وأتى به بعنوان محتمل الوجوب، فاحتمال الواقع مأخوذ في متعلّق الأمر بالاحتياط، ولا معنى للإتيان بذات العمل بصفة الاحتياط.
ــــــــــ[74]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
التسامح في أدلّة السنن
ــــــــــ[75]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
تعرّض شيخنا الأنصاري(1) -بمناسبة المقام- إلى أنّ الاحتياط أمر حسن بحكم العقل، ولكنّه لا ينافي جريان البراءة وجواز الإقدام ما لم يكن دليلاً على الإلزام، وبهذه المناسبة تكلّم في أخبار من بلغ.
وهي عدّة روايات واردة بمضمون: (من بلغه ثواب على عمل فعمله كان له ذلك الثواب وإن كان رسول الله لم يقله)(2)، أو (من سمع شيئاً من الثواب فعمله كان له ذلك)(3)، وقد ذكرها صاحب الوسائل في باب مختصّ بها في مقدّمة العبادات(4)، وجملة منها وإن كان يمكن المناقشة في إسنادها، بل هي ضعيفة، إلّا أنّ روايتين منها صحيحة، وهو ما ذكرناه من المضمونين، فإسناد هذه الروايات لا يمكن المناقشة فيه إنّما الكلام في دلالتها.
ــــــــــ[77]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 153 – 155.
(2) المحاسن 1: 25، ثواب من بلغه شيء فعمل به طلباً لذلك الثواب، الحديث: 1، 2. مع اختلاف في بعض الألفاظ.
(3) الكافي 2: 87، باب من بلغه الثواب من الله على عمل، الحديث: 1. مع اختلاف في بعض الألفاظ.
(4) انظر: وسائل الشيعة 1: 80 – 82.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
والكلام يقع في جهات:
ولعلّ هذا مراد من عبّر بالتسامح في أدلّة السنن؛ إذ قد يستفاد من هذه الروايات إلغاء ما اعتبر في أدلّة خبر الواحد من الأحكام الإلزاميّة، كالوثوق والعدالّة على ما اعتبرناه، فالمستحبات تثبت وإن لم يكن الراوي عادلاً أو ثقة، وكان مذهبه على خلاف المذهب الحقّ، فهي ناظرة إلى إلغاء الشكّ في المستحبات، فلا يعتبر فيها ما يعتبر في أدلّة الواجبات والمحرّمات، فكلّ راوٍ
-وإن لم يكن ثقة أو عادلاً- إذا أخبر عن استحباب شيء يثبت الاستحباب، فتكون مخصّصة لدليل اعتبار العدالّة والوثاقة في الراوي في غير المستحبات.
أو إنّها ناظرة إلى الحكم الفقهي -لا الحكم الأُصولي- وهو استحباب العمل الذي بلغ عليه الثواب، فيكون عنوان بلوغ الثواب من العناوين الثانويّة الموجبة لاستحباب العمل، وإن لم يكن مستحباً في نفسه، كما هو الحال في جملة من الموارد التي يكون فيها الشيء مباحاً، ولكن يتصّف بالاستحباب لإجابة مؤمن أو إدخال السرور على قلبه، بل قد يكون واجباً كإطاعة الوالد مثلاً، فالمستفاد من هذه الروايات هو الحكم الفقهي دون إلغاء شرائط حجّيّة خبر الواحد.
أو إنّ المستفاد منها الإرشاد إلى حكم العقل، بأنَّ هذا العمل مّما يستحق عليه الثواب من جهة الانقياد، ولذا قيل في بعض الروايات عملاً بقول
ــــــــــ[78]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
النبيّ أو ابتغاء للثواب الموعود؛ وإذ حكم العقل باستحقاق الثواب بيّن الشارع هذا المعنى مع زيادة، وهو: أنَّ الثواب الموعود بعينه يعطى للمكلّف، وهذا مّما لا يستقلّ به العقل، وإنّما يستقلّ باستحقاق مطلق الثواب لعنوان الانقياد. أمّا أن يعطى نفس الثواب الموعود فلا، وإنّما يعطيه الله تعالى تفضّلاً، فقد أخبرت هذه الروايات عن أنَّ عمل المكلّف بالأمر الاستحبابي كعمله بالخبر المقطوع الصدق -لو عمل العمل رجاءً- فإنّه يعطى الثواب بعينه تفضّلاً.
أمّا دعوى استفادة المسألة الأُصوليّة من هذه الروايات فبعيدة جدّاً، فإنَّ معنى حجّيّة الخبر هو فرض ما ليس بعلم علماً، وإعطاء صفة الطريقيّة والكاشفيّة عن الواقع، كما في عدّة من الروايات المتقدّمة: “لا ينبغي التشكيك فيما يروي عنا ثقاتنا“(1)، “ما أدّيا فعني يؤديان“(2)، و“ما أدّى فعني يؤدّي“(3).
وفي روايات: (من بلغ) فرض الشكّ، وأنّه يعطى له الثواب وإن لم يكن الأمر كما بلغه، وإن كان رسول الله لم يقله، فهذه(4) جهة أجنبيّة عن كون المكلّف عالماً بالواقع، وأنّ ما يأتي به هو الواقع، وما بين هذا اللسان: (أنَّ ما يأتي به هو
ــــــــــ[79]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 1: 38، الباب 2، ثبوت الكفر والارتداد بجحود بعض الروايات وغيرها مّما تقدم الحجّة فيه بنقل الثقات، الحديث: 22.
(2) الكافي 1: 330، باب تسمية من رآه (عليه السلام)، الحديث: 1.
(3) الكافي 1: 330، باب تسمية من رآه (عليه السلام)، الحديث: 1. مع اختلاف في بعض الألفاظ.
(4) وهو: أنّه مع الشكّ يعطى الثواب. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الواقع، وإن لم يكن الراوي غير عادل) ولسان: (أنَّ المكلّف يثاب على هذا العمل وإن كان كاذباً) بون بعيد، فأين هذا من لسان الحجّيّة؟ فدعوى استفادة الحجّيّة من هذه الروايات لا أساس لها.
كما أنَّ استفادة الحكم الشرعي الفرعي منها غير صحيحة، إذ لا يستفاد منها أنَّ بلوغ الثواب مغيّر للحكم الأوّل، ويكون مستحباً، بل الذي يستفاد منها هو إعطاء للثواب، وبما أنَّ العمل في نفسه مّما يستحقّ عليه الثواب، فلا يكون ترتّب الثواب كاشفاً عن استحبابه النّفسي، ولا يقاس هذا ببقيّة الموارد التي وعد عليها بالثواب، من قبيل: (من زار الحسين فله كذا) و(من أكل الرمان يوم الجمعة فله كذا)، فبما أنّه في تلك الموارد لا يوجد الثواب إلّا عن طريق الأمر، فمن ترتّب الثواب نستكشف الأمر بطريق الإن.
وأمّا في المقام فليس الأمر كذلك، بل لو فرضنا أنَّ هذه الروايات لم تكن كذلك، فأيضاً كان الثواب مترتّباً. نعم، لا ذاك الثواب بعينه، بل طبيعي الثواب. إذن، ليس لنا كاشف عن الاستحباب بطريق الإن، وأنّ الفعل بعنوان أنَّه بلغ عليه الثواب يكون مستحباً.
فالروايات لا يستفاد منها ذلك، ولا سيّما بعد ما قيّد به بعضها من القيدين: ابتغاء قول النبيّ أو ابتغاء للثواب الموعود، يعني: يأتي به رجاءً، وإن كان سندها ضعيفاً.
فالصحيح أنَّها وردت للإرشاد إلى حكم العقل مع زيادة، وهي: دلالتها على التفضّل بإعطاء ذاك الثواب الموعود بعينه، فالظاهر أنَّ المستفاد منها ليس
ــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
هو الحكم الأُصولي ولا الحكم الفقهي، بل المستفاد من ذلك هو الإخبار عن حكم واقعي مع زيادة التفضّل، بأنَّ المعطى هو الثواب الموعود. هذا تمام الكلام فيما هو المستفاد من هذه الروايات.
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
يبقى الكلام في النتيجة المترتّبة عليها، فقد يقال: إنَّ هذه الروايات لو كانت دالّة على إلغاء شرطيّة الوثوق والعدالّة في الراوي، فمعناه: أنَّ الخبر الدالّ على استحباب شيء حجّة، وان كان الراوي غير ثقة، وإن كان معروفاً بالوضع والكذب، فإذا كان الأمر كذلك وفرضنا الرواية الضعيفة قد دلّت على استحباب شيء، وكان هذا الشيء في نفسه -أي: بقطع النظر عن هذه الرواية- حراماً من المحرّمات بمقتضى إطلاق دليل أو عمومه، كما لو دلّت الرواية الضعيفة الدالّة على استحباب الكذب أو الغيبة في مورد، فلو بنيّنا على أنّه حجّة فإنّه يثبت به الاستحباب، ومعناه: قيام الحجّة على استحباب هذا العمل. ومعلوم أنَّ النسبة بين هذا الخبر الضعيف، وما دلّ على الحرمة هو نسبة الخاصّ إلى العام فيخصّص، فنحكم باستحبابه وأنّه ليس بحرام، وهذه النتيجة مهمّة جدّاً، فلابدّ من الالتزام بالتخصيص، كما لو كان الخبر قويّاً من ناحية السند، إذ لو كان ضعيفاً وحجّة يترتّب عليه الأثر لا محالة.
وأمّا إذا بنيّنا على أنَّ المستفاد منها هو الاستحباب الشرعي، فيدخل في باب المتزاحمين؛ إذ يكون بعنوان: أنّه بلغ عليه الثواب مستحباً، وبالعنوان الآخر حراماً، ولابد من تقديم أحدهما على الآخر بمرجّح من المرجحات.
ــــــــــ[82]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وأمّا إذا بنيّنا على المبنى الثالث –وهو الصحيح– من أنَّها إرشاد إلى حكم العقل مع اشتمالها على التفضّل؛ فلا يمكن رفع اليد عن دليل الحرمة، وليس العقل في المقام حاكماً بالحسن لتكون هذه الروايات إرشاداً إليه، بل الفعل محرّم يحكم العقل بقبحه.
ولكن الظاهر أنّه على كلّ المباني لا يمكن رفع اليد عن الحرمة، حتّى على مبنى جعل الحجّيّة للخبر الضعيف.
أمّا بناءً على الثاني -وهو جعل الاستحباب- فالوجه ظاهر؛ لأنّ دليل الاستحباب لا يمكن أن يزاحم دليل الوجوب أو الحرمة، وإنّما يثبت الاستحباب إذا كان مباحاً في نفسه، وبالعنوان الثانوي يكون مستحباً كإجابة المؤمن، وأمّا إذا كان محرّماً فلا يمكن رفع اليد عن حرمته، فإنّه حكم إلزامي فلا يزاحمه حكم غير إلزامي، فلا يمكن شرب الخمر إجابة لطلب مؤمن، وهذا واضح.
وكذلك على الأوّل -سواء جعل الحجّيّة أو الثواب- فإنَّ الموضوع في الروايات هو بلوغ الثواب على العمل، والظاهر من بلغ عليه الثواب: أنّه بلغ الثواب محضاً، لا أنّه بلغ عليه الثواب وبلغ عليه العقاب؛ إذ لو كان محرّماً فقد بلغ عليه العقاب أيضاً، فلا يدخل تحت إطلاق: (من بلغ)، إذ ظاهره أنَّ الأمر دائر بين أن يترتّب عليه الثواب أو لا يترتّب، فيعطى الثواب وإن لم يكن الأمر كما بلغه، لا أن يكون مّما يترتّب عليه العقاب، فما بلغ عليه العقاب لا يكون مشمولاً لهذه الروايات، حتّى يقال: أنَّ المستفاد منها إلغاء شرائط الحجّيّة أو استحباب العمل.
ــــــــــ[83]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وبعبارة أخرى مؤكّدة: أنَّ الموضوع في هذه الروايات هو المشكوك فيه، يعني: ما بلغ عليه الثواب، وشكّ أنّه صحيح أو لا، قاله رسول الله أو لا، فالموضوع هو هذا، ويترتّب عليه الحكم المستفاد من الروايات، وهو ترتّب الثواب وإن لم يقله رسول الله، وإن لم يكن كما بلغه، سواء قلنا بجعل الحجّيّة أو الاستحباب أو الإرشاد، وأمّا ما علمنا بحرمته علماً وجدانيّاً أو تعبديّاً فلا يكون مشمولاً للروايات، فإنّا نعلم بكذب هذا الراوي بمقتضى ذلك الدليل الدالّ بعمومه على الحرمة أو إطلاقه، والمفروض أنّ ذلك الدليل حجّة في نفسه، فهذا حرام معلوم الحرمة تعبّداً(1)، وإذا كان معلوم الحرمة فلا يدخل تحت من بلغه ثواب على عمل، لأنّه مقيّد بما إذا شكّ في صحته أو فساده، وهذا معلوم الفساد.
فلا ينبغي الشكّ في أنّه لا يمكن رفع اليد عن حرمة شيء دلّ الدليل عليه بإطلاق أو عموم برواية دالّة على الاستحباب غير واجدة لشرائط الحجّيّة، بلا فرق بين أن يكون المستفاد منها هو الحكم الأُصولي أو الفقهي، فمن هذه الجهة لا ثمرة عمليّة على جميع التقادير.
قد يقال: إذا بنيّنا على الحجّيّة أو على ثبوت الاستحباب، فإذا فرضنا أنَّ رواية ضعيفة دلّت على استحباب غسل المسترسل من اللحية الخارج عن حدّ
ــــــــــ[84]ــــــــــ
() هذا لا يجري على مسلك الحجّيّة، فإنَّ الرواية الضعيفة تكون حجّة مخصّصة لا محالة، وإنّما يأتي هذا الكلام على المسلكين الأخيرين. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الوجه، وفرضنا أنّها حجّة في مدلولها، أو أنَّ هذا العمل مستحب، فعند جفاف بلّة يده يجوز أن يأخذ من بلّة المسترسل من اللحيّة، وأمّا إذا كانت أوامر: (من بلغ) للإرشاد فلا يجوز أخذ البلّة منه، فتصحّ الثمرة.
والجواب عن ذلك:
أوّلاً: لا يمكن فرض جزء مستحب لواجب، فلا يمكن أن يفرض للواجب جزءاً استحبابيّاً مخيّراً بين أن يأتي به أو لا، بل لابدّ أن يفرض أنّه مستحب ظرفه الواجب أو المستحب، كالأدعية في رمضان، فالقنوت مستحب نفسي ظرفه الفريضة أو النافلة، أمّا كونه جزءاً من الواجب فيجوز تركه فلا يمكن، فلو لم نقل إنّها للإرشاد، ولا يجوز أن يأخذ البلّة، لأنه حتّى لو ثبت استحبابه لا تثبت الجزئيّة، فلا يمكن الأخذ من البلّة؛ لأنّها ليست من أجزاء الوجوب.
وثانياً: على تقدير التسليم، فليس هنا إطلاق يدلّ على جواز الأخذ من الأجزاء المستحبة، بل الظاهر الاختصاص بالأجزاء الواجبة، بل إنّ تمامها محلّ إشكال، إلّا الوجه الذي هو منصوص كالواجب واللحية الواجب غسلها، فهذه الثمرة لا تتمّ.
إذا دلّت رواية ضعيفة على استحباب الوضوء لغاية من الغايات كقراءة القرآن، فقد قالوا: إنّنا إذا قلنا بالحجّيّة أو ثبوت الاستحباب، فيكون هذا الوضوء وضوءاً مشروعاً مستحباً، فيكون رافعاً للحدث، فيجوز فيه الصلاة
ــــــــــ[85]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وغيرها مّما يشترط الطهارة، وأمّا إذا لم يثبت الاستحباب، فغايته: أنّه يثاب على هذا العمل من جهة الانقياد، ولا دليل على رفع الحدث، فلا يجوز أن يصلي بهذا الوضوء، أو غيرها مّما يشترط فيه الطهارة؛ لأنّ مشروعيّته غير معلومة.
وهذه الثمرة لا بأس بها، ولكنّها مبتنيّة على أن لا نقول باستحباب الوضوء في نفسه -وقد قلنا بذلك– إذ تكلّمنا في باب مقدّمة الواجب عن أنَّ الطهارات الثلاث مستحبة في نفسها(1)، فهي عبادة مقدّمة لعبادة، والعباديّة لم تنشأ من الأمر الغيري، بل من الأمر النّفسي. إذن، فالوضوء في نفسه مستحب حتّى لو كانت هذه الرواية غير موجودة، أو لم تكن روايات (من بلغ) موجودة، فيكون وضوءاً مشروعاً رافعاً للحدث، ويجوز ترتيب آثار الطهارة عليه(2).
ــــــــــ[86]ــــــــــ
() انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 3: 244، 245.
(2) أقول: ويمكن أن تتصور ثمرات أخرى لهذه المسالك:
منها: ما إذا فرضنا القول بعدم جواز صلاة الرجل متأخرّاً عن المرأة في فريضة ولا نافلة، ودلّت رواية ضعيفة على كون صلاة معيّنة مستحبة، فشرعت المرأة فيها رجاءً، فهنا إذا قلنا بالحجّيّة أو بالاستحباب تكون الصلاة نافلة مشروعة صحيحة، فلا يجوز للرجل أن يتأخرّ بالصلاة عن هذه المرأة، وأمّا إذا قلنا: بأنَّ روايات (من بلغ) لا تدلّ على أكثر من الإرشاد. إذن، فلا تكون هذه الصلاة معلومة المشروعيّة، أو في الحقيقة لم يقم دليل على مشروعيّتها أصلاً، فيجوز أن يصلي الرجل وراء هذه المرأة.
ويمكن أن يجاب عن هذه الثمرة بالاكتفاء في مشروعيّة الصلاة بمجرّد قصد القربة، والمفروض تحقّقها، وإن كانت الرواية ضعيفة، فتبطل صلاة الرجل، حتّى على القول بالإرشاد.=
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ــــــــــ[87]ــــــــــ
=ومنها: ما إذا أخذنا في موضوع النذر أن يكون راجحاً على ما عليه الفتوى عادة، فيكون نذر الفعل المتساوي الطرفين الذي فعله وتركه على حدٍّ سواءٍ غير لازم، ولا يجب الوفاء به، فإذا دلّت رواية ضعيفة على استحباب شيء متساوي الطرفين في نفسه لولا الرواية، فمع القول بالحجّيّة أو الاستحباب يكون هذا الفعل بالرواية راجحاً، ونذره جائزاً وواجب الوفاء، ومع القول بالإرشاد فهذا الفعل المتساوي الطرفين في نفسه لم يقم دليل على راجحيّته فيكون نذره باطلاً.
ومنها: مسألة النذر أيضاً عكس السابقة، وذلك أنّنا إذا أخذنا في متعلّق النذر أن يكون راجحاً في الدين أو راجحاً في الدنيا، كما لو كان مفيداً للصحّة ونحو ذلك، ويقيّد الثاني بما إذا لم يقم دليل في الشرع على مرجوحيّته، فإذا كان عملاً مفيداً للصحّة، إلّا أنّه حرام أو مكروه شرعاً لم ينعقد نذره، وحينئذٍ فإذا دلت رواية ضعيفة على كراهة شيء راجح في الدنيا ومفيد للصحّة، أو دلّت على حرمته، فبناء على الحجّيّة لا ينعقد النذر، وبناء على الإرشاد ينعقد النذر؛ لكونه راجحاً في الدنيا ولم يقم دليل على مرجوحيّته شرعاً؛ لفرض عدم حجّيّة هذه الرواية.
ومنها: مبنياً على حرمة إدخال ما لم يعلم من الدين في الدين، أو حرمة نسبة ما لم يعلم صدوره من الشارع إلى الشارع، ونحو ذلك من العناوين، ودلّت رواية ضعيفة على استحباب عمل أو على الحرقة أو الوجوب أو الكراهة –بناء على تعميم روايات (من بلغ) على ما سيأتي- فعلى مسلك الحجّيّة أصبح استحباب الفعل مّما يعلم كونه من الدين، ومّما صدر من الشارع فيجوز ترتيب الأثر عليه، وأما إذا بنيّنا على مسلك الإرشاد فذلك مّما لا يعلم، فيحرم إسناد مضمون الرواية إلى الشارع أو اعتباره من الدين.
ومن هنا اتضح أنَّ لهذه الثمرات باب واسع تستطيع أن تبحث عنه في كثير من أبواب الفقه، ففكّر وتدبّر. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فالظاهر أنّ الثمرة تترتّب على ما إذا دلّت رواية ضعيفة على استحباب غسل في زمان أو مكان أو لعمل خاص كزيارة الحسين، فإذا قلنا: بأنَّ الرواية حجّة ولا يعتبر فيها صدق الراوي وعدالته في المستحبات. إذن، فقد دلّ دليل معتبر على استحباب الغسل فيحكم باستحبابه، أو إذا قلنا: إنَّ المستفاد من الرواية استحباب العمل البالغ عليه الثواب فيكون الغسل مستحباً أيضاً، فهذا الغسل غسل مستحب مشروع، فبناءً على أنَّ كل غسل مشروع يجزي عن الوضوء –كما هو الظاهر– فيكتفى بهذا الغسل عن الوضوء.
وأمّا إذا قلنا: إنَّ اخبار (من بلغ) لا تدلّ على ذلك، وإنّما ظاهرها الإرشاد إلى حكم العقل مع الإخبار بالتفضّل، فهذا الغسل وان كان يثاب عليه، إلّا أنَّه لا يثبت به الاستحباب، فلا يعلم أنَّ غسله مشروع، وما لم تثبت مشروعيّته لا يحكم بإجزائه عن الوضوء.
وهذه ثمرة مهمة، ولأجله: لم نقل بالإجزاء عن الوضوء في الموارد التي ورد فيها الأمر بالغسل في روايات ضعيفة، بل نقتصر على ما يترتّب به الغسل بدليل معتبر(1).
ثمّ إنَّه بناءً على ما ذكرناه من أنَّ اخبار من بلغ دالّة على الإرشاد، لا فرق بين أن يكون بلوغ الثواب على العمل بعنوان الرواية أو بعنوان الفتوى، فلو أنّ
ــــــــــ[88]ــــــــــ
(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 8: 68.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فقيهاً أفتى باستحباب شيء، أو أحد المؤلفّين كالسيّد بن طاووس أو المجلسي فكتبا في كتابيهما: يستحب كذا. ولم يذكرا الرواية، فلا مانع من الاتيان بهذا العمل رجاء، ويكون مورداً لروايات (من بلغ)، ولا تختصّ هذه الروايات بما إذا كان بلوغ الثواب بعنوان الرواية والخبر.
كما أنَّه إذا فرضنا أنَّ الرواية الضعيفة دلّت على وجوب شيء، فأيضاً يكون مشمولاً لأخبار: (من بلغ)، لأنَّ المخبر عن الوجوب يخبر عن الثواب على العمل، وإن كان في نفس الوقت يخبر عن العقاب على تركه، لكن جهة العقاب لا تثبت لفرض عدم كونها حجّة.
أمّا الثواب على العمل فيثبت، ولا مانع من دخوله في أخبار: (من بلغ)، فيأتي بالعمل رجاء كونه واجباً.
ــــــــــ[89]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
بل لا يبعد التعدّي في مورد الروايات إلى الكراهة أيضاً، بأن دلّت الرواية الضعيفة على كراهة فعل، فتدخل تحت أخبار: (من بلغ)، باعتبار أنَّ في تركه الثواب، فإنَّه وإن كان ظاهر الروايات إرادة الفعل الوجودي، لكن الظاهر عدم الفرق بين الفعل والترك، فإنَّ الترك أيضاً من أفعال المكلّف وتحت اختياره، فلو ترك الفعل المكروه رجاءً يثاب عليه.
وبعبارة أخرى: إذا كانت هذه الروايات غير دالّة على حكم مولوي من إلغاء الشرطيّة أو إثبات الاستحباب، بل كانت إرشاداً إلى حكم العقل، فحكم العقل لا يفرق فيه بين هذه الموارد بين الرواية والفتوى، وبين الوجوب والاستحباب والكراهة، أو الفتوى بالوجوب أو بالكراهة، وبين الفعل والترك، فمن جهة الرواية الضعيفة الدالّة على الكراهة أو الحرمة يثاب على الترك، والملاك مشترك في كلّ ذلك، وهو: أنَّ المكلّف في مقام الانقياد، والانقياد حسن بحكم العقل، والله تعالى يعطي الثواب الموعود.
ــــــــــ[90]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الكلام في جريان البراءة في الشبهة الموضوعيّة
ــــــــــ[91]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وذكر شيخنا الأنصاري(1) عن بعض الأُصوليّين: المنع عن جريان البراءة في الشبهة الموضوعيّة، فقال: إنّها لا تجري في الشبهة الموضوعيّة وإن جرت في الحكميّة، وذلك للفرق بينهما فإنَّ الحكم إذا كان مشكوكاً فيه بنحو الشبهة الحكميّة فالعقاب على مخالفته عقاب بلا بيان، وبيان الحكم على نحوٍ كلّيٍّ إنّما هو وظيفة الشارع، فاذا لم يتمّ البيان ولم يصل الحكم إلى المكلّف فتجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو أدلّة البراءة الشرعيّة .
وأمّا إذا كانت الشبهة شبهةً موضوعيّة فالبيان من قبل الشارع قد تمّ؛ لأنَّ وظيفة الشارع، هي: بيان الحكم على نحو كلّيٍّ، وأمّا تطبيق المصداق الخارجي فليس من وظيفة الشارع، وإنّما المرجع فيه هو العرف، فلا تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإذا شكّكنا في مايع أنّه خمر أو لا، فليس المرجع فيه هو الشارع. إذن، قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا تتّم ولا تجري في هذا المورد، ومقتضى قاعدة الاشتغال: أنَّ الشارع نهى عن شرب الخمر، ونشكّ أنّ شرب هذا المايع فيه مخالفة أو لا، فهو شكّ في مقام الامتثال، وفي مثله تجري قاعدة الاشتغال، فإنَّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، فيكون المرجع هو
ــــــــــ[93]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول 2: 119 – 122.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
هذه القاعدة، فينعكس الأمر وتكون الشبهات الحكميّة مجرى للبراءة، والموضوعيّة مورداً لقاعدة الاشتغال، على عكس ما يلتزم به الإخباريّون.
وأجاب شيخنا الأنصاري: أنَّ الحكم التحريمي ينحلّ إلى أحكامٍ متعدّدةٍ، وهو وإن كان في مرحلة البيان حكم واحد، وهو: (لا تشرب الخمر) مثلاً، إلّا أنّه بحسب اللبّ ومقام الثبوت ينحلّ إلى أحكام عديدة، كما هو الحال في جميع القضايا الحقيقيّة، بلا فرق بين القضايا الخبريّة والإنشائيّة، فإذا قلنا: (إن النار حارّة)، فهذا في مقام الإخبار ومقام تشكيل القضيّة الواحدة، ولكنّه في الواقع إخبار عن حرارة كلّ ما صدق عليه أنّه نار، وكلّ فرد فرض وجوده في الخارج ينحلّ إلى قضايا متعدّدة بعدد أفراد النار في الخارج.
كذلك الحال في الجمل الإنشائيّة، فإنّه إذا قال: (لا تشرب الخمر) ينحلّ إلى كلّ ما صدق عليه الخمر فهو محرّم، ففي الحقيقة أنبسط التحريم على كلّ فرد يفرض وجوده في الخارج، بحيث إنّ كلّ حكم على موضوع مباين للحكم الآخر ولكلّ فرد إطاعة وعصيان، فإذا شرب فرداً وترك فرداً فقد عصى في الأوّل وامتثل في الثاني، فإذا شكّ في فرد أنّه خمر أو لا فيرجع إلى الشكّ في جعل الحرمة لهذا الفرد، ولا ندري أنَّ قوله: “لا تشرب الخمر“، وقوله تعالى: إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ(1) شامل لهذا الفرد أو لا، فالشكّ يرجع إلى مرحلة الجعل والثبوت، لا إلى مرحلة الامتثال بعد الفراغ عن ثبوت العلم بالحكم، ليكون مورداً لقاعدة الاشتغال،
ــــــــــ[94]ــــــــــ
(1) المائدة: 90.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
بل هو شكّ في اشتغال الذمّة وجعل الحكم من الأوّل، فالمرجع فيه هو البراءة دون الاشتغال.
وذكر صاحب الكفاية(1): أنَّ النهي ينقسم إلى قسمين: فتارةً يكون النهي انحلاليّاً فالحكم فيه هو الرجوع إلى البراءة كما ذكرناه، وأمّا إذا كان النهي على نحو طلب ترك الطبيعة على نحو بحيث لو أتى بفرد واحد لم يحصل الامتثال أصلاً، لا أنّه امتثل فرداً وعصى فرداً آخر، ففي مثل ذلك إذا شكّكنا في انطباق الطبيعة على فرد واحد، فبالنسبة إلى شخص هذا الفرد وإن كان تجري البراءة، ولكن بلحاظ أنَّ الحكم تعلّق بترك الطبيعة على هذا النحو، فإذا أتينا بالفرد المشكوك نشكّ بامتثال الأمر المتعلّق بترك الطبيعة، فيكون المرجع فيه هو الاشتغال، فجريان البراءة تامّ من ناحية واحدة دون الناحية الأخرى.
إذن، لابدَّ من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال، إلّا في مورد أحرز الامتثال، ولو بأصل موضوعي كالاستصحاب، بأن يقال: كان المكلّف تاركاً للطبيعة فالآن كذلك، ومع جريانه لا تصل النوبة إلى قاعدة الاشتغال.
والظاهر: أنّ ما ذكره لا يتمّ، ولا ينحصر الأمر بهذين القسمين، بل هناك أقسام أخرى للنهي لم يتعرّض لها.
وبيان ذلك: أنَّ النهي الوارد في مورد تارةً يكون بمعنى الزجر عن الفعل -كما ذكرناه في بحث النواهي(2)– وقلنا: إنَّ الأمر كما يتعلّق بالفعل فكذلك
ــــــــــ[98]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 353.
(2) انظر: دراسات في علم الأصول 14:2.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
النهي يتعلّق بالفعل، لا أنَّ النهي طلب الترك فيرجع إلى الوجوب، غاية الأمر: أنَّ الوجوب تارةً يتعلّق بالفعل وأخرى بالترك، بل النهي زجر عن الفعل، في مقابل الأمر الذي هو بعث إلى الفعل.
وقد يكون النهي عرضيّاً، كما لو كان في الواقع ونفس الأمر المصلحة قائمة بالترك، والترك مأمور به، ولكن بُيّن ذلك بلسان النهي عن الفعل، كما لا يبعد ذلك في النهي عن المفطرات في الصوم، فإنَّ المصلحة قائمة في الصوم وفي ترك المفطرات، فليس هذا من النهي في شيء في الحقيقة، بل الأمر متعلّق بالترك، باعتبار تعلّق المصلحة الملزمة به.
فإذا كان النهي من القسم الأوّل فقد تكون المفسدة قائمة في كلّ وجودٍ وجودٍ، وهذا هو الشكل العامّ في النواهي الواردة في الشريعة المقدّسة وفي الموالي العرفيّة، إذ النهي انحلالي والمفسدة قائمة بكلّ فردٍ على حدة، فلو ارتكب فردين فقد ارتكب مفسدتين، وفي مثل ذلك ينحلّ الحكم بالحرمة إلى أحكام متعدّدة بعدد أفراد الموضوع في الخارج، وهذا هو الغالب في النواهي، كالنهي عن الكذب والغيبة وأكل مال الغير ونحوها، وهو النهي عن الطبيعة السارية، يعني: كلّ حكم لموضوع مماثل للحكم والموضوع الآخر، فالحرمتان متماثلتان والموضوعان متماثلان، وإن كانا وكانتا متباينين.
فما ذكره الشيخ وأمضاه صاحب الكفاية هو الصحيح، فإذا شكّكنا في فرد أنّه من الطبيعة أو لا فيكون مجرى للبراءة للشكّ في ثبوت التكليف، وليس الشكّ في مرحلة الامتثال، وهذا ظاهر.
ــــــــــ[96]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وقد يكون النهي ثابتاً للطبيعة على نحو صرف الوجود، فلو ارتكبه مرّة واحدة لا يكون في الفرد الثاني محذور، فالممنوع هو أوّل الوجود، بلا فرق بين سائر الأفراد فإنّ أيّاً منها وقع أوّلاً فهو منهي عنه، ومشتمل على المفسدة الإلزاميّة، كما إذا نذر أن يترك الطبيعة على نحو صرف الوجود بهذا النحو، فإذا كان النهي منه فعند الشكّ في فرد خارجي أنّه من أفراد الطبيعة أو لا، فنشكّ في حرمته ويكون مورداً للبراءة، لا لقاعدة الاشتغال؛ لأنّ كون هذا الفرد من الطبيعة يشمله النهي المتعلّق بها على نحو صرف الوجود، ويكون مشكوكاً فيه، فيكون الشكّ شكّاً في التكليف، لا في الامتثال بعد العلم بالتكليف، فتشمله أدلّة البراءة العقليّة والنقليّة.
وقد تكون المفسدة قائمة بمجموع الوجودات، كما لو قال: (لا تكرم مجموع هذه العشرة)، فإكرام المجموع فيه مفسدة دون التسعة والثمانية والأقلّ منهما، فللمكلّف أن يكرم بعض الأفراد المتيقّنة، فضلاً عن المشكوك فيه، ولكن بترك الباقي، حتّى يبلغ التسعة، فيترك الفرد العاشر فقط، فإذا كان ارتكاب الأفراد المتيقّنة جائزاً مع ترك الآخر فما حال المشكوك؟ قطعاً يجوز ارتكابه، ويكون المكلّف ممتثلاً حينئذٍ؛ لأنَّ المفروض أنّ المفسدة تتعلّق بالمجموع ولم يأت به.
إنّما الكلام في هذه الصورة وأنّه هل يجوز له أن يأتي بجميع الأفراد المتيقّنة؟ كما لو نهاه عن معاشرة مجموعة أفراد القرية، ولهذه الطبيعة أفراد متيقّنة وأفراد مشكوك فيها، ويجوز له أن يأتي ببعض الأفراد ويترك بعضها سواء المشكوك فيها أو المتيقّنة، فإنّه يصدق على أنّه ترك المجموع، ولكن هل يجوز له أن يأتي بجميع المتيقّن ويترك جميع المشكوك فيه؟
ــــــــــ[97]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الظاهر الجواز، فإنّ هذا الشكّ يرجع إلى الشكّ في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين؛ إذ يعلم المكلّف أنَّ المجموع من المشكوك فيه والمتيقّن حرام جزماً، ولكن الأفراد المتيقّنة يحتمل أن تكون حراماً، فالمقدار المتيقّن حرمته هو المجموع من المشكوك فيه والمتيقّن، وأمّا تعلّق الحرمة بالمتيقّن، وهو: الأقلّ، فهو محتمل وغير متيقّن، فتجري فيه البراءة.
وهذا نظير الشكّ بنحو الأقلّ والأكثر الارتباطيّين في الشبهة الوجوبيّة مع فرق بينهما، وهو: أنَّ تعلق الوجوب بالأقلّ متيقّن جزماً، ونشكّ بتعلّقه بالزائد، لأنَّ البعث نحو المجموع بعث إلى كلّ جزء لا محالة، فتعلّقه بالمتيقّن معلوم، والزائد مشكوك فيه، فتجري فيه البراءة، وهذا بخلاف الحكم التحريمي فإنّه لا ينبسط على الأجزاء، بل يتعلّق بالمجموع بما هو مجموع دون نصفه وربعه، فالذي نعلم بحرمته من قبل المولى هو المركّب من المشكوك فيه والمتيقّن، وأمّا المتيقن من الأفراد فلا نعلم بحرمته فتجري فيها البراءة.
وقد ذكرنا(1) في بحث مقدّمة الواجب: أنَّ الحرام والواجب يختلفان من هذه الجهة، فإذا قلنا بوجوب مقدّمة الواجب فلا يلزم أن نقول بحرمة مقدّمة الحرام؛ لأنّه بعد الإتيان بالمقدّمة يكون المكلّف متمكناً من الإتيان بالحرام وعدمه، وهذا بخلاف الواجب فإنّه إذا لم يأتِ بالمقدّمة لا يتمكن من الامتثال، فالقول بوجوب مقدّمة الواجب لا يلازم القول بحرمة مقدّمة الحرام.
ــــــــــ[98]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 3: 357.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إذن، ففي محلّ الكلام يؤتى بتمام المتيقّن ويترك المشكوك فيه عملاً بالبراءة، فجميع هذه الصور صور للبراءة.
وأمّا إذا كان النهي عرضيّاً، ولم يكن ناشئاً من مفسدة في الفعل، بل كان ناشئاً من مصلحة في الترك، ولكن الأمر بالترك في مقام الإثبات بين بلسان النهي، وإلّا فليس الترك منهيّاً عنه، بل هو مأمور به لما فيه من المصلحة، ففي مثل ذلك قد يتصوّر أنَّ المصلحة قائمة بكلّ ترك، كما لو أمرنا بترك طبيعة باعتبار أنَّ ترك كلّ فرد فيه مصلحة إلزاميّة، فيكون النهي انحلاليّاً، وهنا واجبات عديدة بعدد تروك الطبيعة، فلو أتى بفرد وترك فرداً، فقد عصى من جهة الفعل وامتثل من جهة الترك، ففي مثل ذلك إذا شكّكنا في فرد، ولم نعلم أنّه من أفراد الطبيعة المأمور بتركها، يكون الشكّ شكاً في التكليف؛ إذ لا نعلم بوجوب هذا الترك؛ لأنّه لم يظهر أنّه من أفراد الطبيعة المأمور بتركها، فيكون مورداً لجريان البراءة الشرعيّة والعقليّة.
وإذا فرض أنَّ المصلحة قائمة بمجموع التروك، وقد تعلّق بمجموعها أمر واحد، كما هو الحال في الصوم، فإنّه تعلّق أمر واحد بترك الأكل والشرب والجماع، وإذا فرضنا أنَّ المكلّف خالف وأتى بفرد واحد فهو لم يمتثل أصلاً؛ لأنَّ المفروض أنّه أمر واحد متعلّق بالمجموع، فإذا لم يأت بفرد لم يأت بالمجموع المأمور به في مثل ذلك أيضاً، فإذا شكّكنا في فرد واحد، هل أنّه من أفراد الطبيعة أو لا؟ فلا ندري أنَّ تركه واجب أو لا، لكن بوجوب ضمني لا استقلالي، يعني: لا ندري أنَّ تركه جزء من الواجب أو لا، ففي مثل ذلك لا
ــــــــــ[99]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
مانع من جريان البراءة على ما هو الصحيح من جريانها في الشكّ بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.
وكيف يمكن أن يكون المورد مجرى لقاعدة الاشتغال لمجرّد أن المخالفة في فرد مخالفة للكلّيّة كما ذكره صاحب الكفاية؟ فهو لم يأتِ بالواجب أصلاً، مع أنَّ الشكّ شكّ في التكليف الضمني -لا الاستقلالي- وبناءً على ما هو الصحيح من جريان البراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين تجري البراءة في المقام أيضاً، غاية الأمر: تجري البراءة في الأقلّ والأكثر في الشبهات الحكميّة، كما لو شكّكنا في وجوب السورة، ولا فرق بين أن يكون هذا الشكّ بنحو الشبهة الحكميّة أو الموضوعيّة كما في المقام، بعد أن بيّنا أنَّ ملاك البراءة هو رجوع الشكّ إلى الشكّ في التكليف دون مرحلة الامتثال، وهو متحقّق في الموردين.
وهنا قسم ثالث، وهو: أن يكون الأمر متعلّقاً بترك الطبيعة، والواجب هو الأمر البسيط المتحصّل من التروك الخارجيّة، ففي الحقيقة هذه التروك ليست بأنفسها واجبة، بل الواجب عنوان بسيط، وهو معلول للتروك الخارجيّة، كما قيل في الطهارات الثلاث: إنَّ المأمور به هو عنوان الطهارة المتحصّل من المسح والغسل في الوضوء، ومن الغسل في الغسل ومن المسح في التيمّم، فهذه الأفعال ليست بواجبة، وإنّما هي مقدّمة للواجب.
لو تصوّرنا ذلك في المقام، وقلنا: إنَّ الواجب ليس كلّ ترك، ولا مجموع التروك، بل هو أمر وحداني بسيط، فتكون التروك علّة لوجوده. ومعلوم إذا شكّكنا في فرد أنّه من أفراد هذه الطبيعة أو لا، فلابدّ من تركه للعلم بحصول
ــــــــــ[100]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ذلك العنوان البسيط المأمور به، بعد فرض أنّ الترك في نفسه ليس بواجب، بل الواجب عنوان بسيط متحصّل منها، فما هو متعلّق للأمر ليس مشتملاً على جزء لتجري فيه البراءة، وما دار أمره بين الأقلّ والأكثر إنّما هو محصّل الطبيعة؛ فيكون الشكّ شكّاً في المحصّل، فيرجع الشكّ إلى مرحلة الامتثال بعد الفراغ عن تعلّقه بالأمر البسيط، فيكون مورداً لقاعدة الاشتغال، وفي مثل ذلك لا تجري البراءة في الفرد بخصوصه؛ لأنّه ليس مورداً للتكليف فيتمحّض المورد لقاعدة الاشتغال.
ومن هنا يظهر أنَّ ما ذكره صاحب الكفاية من الجمع بين الأمرين من جريان في الفرد وجريان الاشتغال من جهة تعلّق الأمر بترك الطبيعة لا يتمّ أبداً، فإنَّ الأمر بترك الطبيعة إنَّ كان بنحو العامّ المجموعي بحيث لو أتى بفرد لم يمتثل أبداً كانت البراءة جارية، ولم يكن المورد مورداً لقاعدة الاشتغال، وان كان الأمر متعلّقاً بعنوان بسيط متحصّل من مجموع التروك، فالمورد مورد لقاعدة الاشتغال، إلَّا أنَّ المورد ليس مورداً للبراءة لفرض عدم تعلّق التكليف به.
والنتيجة: الجمع بين هذين الأمرين غير ممكن في فرض واحد، بل جريان البراءة يختصّ في مورد، وجريان الاشتغال يختصّ بمورد آخر.
فالمتحصّل مّما ذكرناه: أنَّ موارد النواهي بأجمعها مورد للبراءة، إلّا إذا كان النهي عرضيّاً بدلاً عن الأمر المتعلّق بعنوان بسيط، وكان ترك الطبيعة محصّلاً لهذا العنوان، فيكون مورداً لقاعدة الاشتغال. هذا تمام كلامنا في الشكّ في الانطباق باعتبار الشبهة الموضوعية.
ــــــــــ[101]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ويترتّب على ذلك ثمرة مهمّة، وهي: جريان البراءة في اللباس المشكوك في الصلاة، فإذا شكّكنا في فرد ولم يظهر أنَّه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، أو من أجزاء ما يؤكل لحمه، كالصوف الخارجي المردّد بين الأمرين، فجريان البراءة وعدمها مبنيّان على هذا الأمر، فإنَّ العنوان المأمور به في الصلاة قد يفرض أنَّه عنوان بسيط، وأنَّ هذه التروك -ترك لبس شعر الأرنب، وترك شعر الثعلب، وترك شعر كلّ ما لا يؤكل لحمه- كلّها مقدّمة للعنوان البسيط المأَمور به، لا أنَّها بنفسها مأَمور بها، فإذا فرض ذلك فلابدّ من الالتزام بجريان الاشتغال، لأنَّ الأمر تعلّق بالعنوان الوجودي البسيط فلابدّ من إحرازه، ومالم يحرز يحكم ببطلان العمل لقاعدة الاشتغال.
وأمّا إذا قلنا: إنَّ هذا النهي انحلالي، كقوله: “لا تلبسوا شيئاً مّما لا يؤكل تصلّون فيه“(1)، فإنَّ ظاهر الإستيعاب لكونه نكرة في سياق النهي، يعني: الصلاة لا تكون مقارنة مع لبس مالا يؤكل لحمه، فكلّ فردٍ مانعٍ مستقلٍّ قد أُخذ عدمه قيداً في الصلاة، فإذا شكّكنا في فرد ولم نعلم أنّه من أفراد ما لا يؤكل، فنشكّ في ــــــــــ[102]ــــــــــ
(1) المحاسن 2:629، باب 13، الآت الدواب، الحديث: 106.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
مانعيّة هذا الفرد وتقيّيد الصلاة بعدمه، فيكون شكّاً في التكليف بحسب الشبهة الموضوعيّة، فاذا فرضنا أنَّ البراءة تجري في الشكّ بين الأقلّ والأكثر في الشبهة الحكميّة فكذلك تجري في الشبهة الموضوعيّة، ولا فرق في جريانها بين الأحكام الاستقلاليّة والأحكام الضمنيّة كما في المقام، وهذه ثمرة مهمّةٌ جدّاً.
فعلى ما ذكرناه يكون هذا المورد وسائر موارد النواهي مورداً لجريان البراءة، ويختصّ جريان الاشتغال بما إذا كان المأمور به أمراً بسيطاً متحصّلاً وشكّكنا في محصّله.
فتحصّل مّما ذكرناه إلى الآن: أنَّ الشبهات الحكميّة أو الموضوعيّة إذا رجع فيها الشكّ إلى الشكّ في التكليف يكون مورداً للبراءة.
ولكن مع ذلك يحسن الاحتياط في جميع موارد الشبهات من جهة التجنّب عن الوقوع في مفسدة الحرمة المحتملة والفوز بالوقوع بالمصلحة الواقعيّة للوجوب المحتمل، ويحسن الاحتياط مطلقاً حتّى مع وجود الدليل على عدم الحرمة أو عدم الوجوب، فإنَّ احتمالهما الواقعي موجود، بل يستفاد من الأَخبار استحبابه الشرعي.
إلّا أنّ حسن الاحتياط إنّما هو فيما إذا لم يلزم من الاحتياط محذور يستقلّ العقل بقبحه، كما لو كان مستلزماً للإخلال بالنظام، فإنَّ الاخلال بالنظام قبيح عقلاً وممنوع شرعاً، فلا يكون حينئذ مستحباً، فلابدَّ في مقام الاحتياط من ملاحظة ذلك، فلو لزم اختلال النظام لكثرة موارد الاحتياط ففي مثله لا يحسن الاحتياط.
ــــــــــ[103]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ولكن ذكرنا في بحث الانسداد(1): أنَّ لزوم اختلال النظام إنّما يثبت رفع حسن الاحتياط في الجمع بين الموارد لا في جميع الموارد، فلابدَّ من المصير إلى التبعيض في الاحتياط، فيبقى المقدار الذي لا يلزم منه الإخلال على حسنه، والزائد لا يكون حسناً، فالتبعيض في الاحتياط يمكن أن يكون على نحوين:
النحو الأوّل: أن يحتاط المكلّف في جميع موارد الشبهة يوماً أو يومين أو شهراً أو شهرين، إلى أن تصل النوبة إلى الإخلال بالنظام فيرفع اليد عن الاحتياط بالكلّيّة، فيكون التبعيض بالنسبة إلى الزمان وفي الأفراد الطوليّة.
النحو الثاني: أن يحتاط في بعض موارد الشبهات، ولا يحتاط في البعض الآخر، ويستمر على هذا الاحتياط إلى آخر عمره، فالتبعيض يكون بالنسبة إلى الأفراد العرضيّة دون الطوليّة، فيرجّح المكلّف بعض الموارد على بعض. والترجيح يكون بأحد نحوين:
إمّا لأن الاحتمال فيه أقوى، ففي كلّ مورد ظنّ بوجود التكليف ظنّاً غير معتبر طبعاً -وإلّا كانت الحجّة قائمة وخرج عن محلّ الكلام- فاحتاط في مظنونات التكليف دون المشكوكات والموهومات، أو إذا لم يلزم الإخلال بالنظام يلحق المشكوكات بالمظنونات ويلغي الموهومات ويبقى على هذا إلى الأبد، أو أنَّ الترجيح يكون بحسب المحتمل لا بحسب الاحتمال، ففي كلّ مورد يكون الحكم –على تقدير وجوده- أهمّ من الحكم الآخر يحتاط فيه، حتّى لو كان الاحتمال ضعيفاً، وأمّا في مورد لم يكن بتلك الأهمّيّة لا يحتاط فيه، وإن
ــــــــــ[104]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الأصول 260:1.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
كان مظنوناً، فالتبعيض حسن بحكم العقل.
ولا يبعد أنّ التبعيض بحسب الأفراد العرضيّة أولى من التبعيض بحسب الأفراد الطوليّة، لقوله: (قليل تدوم عليه خير من كثير لا تدوم عليه)(1). هذا تمام كلامنا في الشكّ في التكليف.
ــــــــــ[105]ــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 19: 169، مع اختلاف ذيل الحديث.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الكلام في دوران الأمر بين المحذورين
ــــــــــ[107]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إذا علمنا بالتكليف وشكّكنا أنّه تكليف وجوبي أو تحريمي، ولا يمكننا تعيّين ذلك بدليل اجتهادي، أو بأصل عملي كالاستصحاب، فإنّه لو كان مقتضى الاستصحاب إحراز أحد الأمرين: الوجوب أو الحرمة، فعندئذٍ لا تصل النوبة إلى دوران الأمر بين المحذورين.
ثُمَّ إنَّ محلّ الكلام فيما إذا كلّفنا بجامع الإلزام، وأمّا إذا لم يكن الجامع معلوماً، كما لو دار الأمر بين الوجوب والتحريم وحكماً آخر، فهذا داخل في القسم الأوّل من الشكّ في التكليف، فتجري البراءة في مورده عقلاً ونقلاً، بل هذا أولى في جريان البراءة مّما إذا دار الأمر بين الوجوب والإباحة أو التحريم والإباحة؛ لإمكان الاحتياط هناك، فيقع الكلام في وجوبه أو جريان البراءة. أمّا في المقام فالاحتياط غير ممكن(1) فلا تشمله أدلّة الاحتياط جزماً، فيكون أولى بشمول البراءة له.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الأمر دائر بين الوجوب والتحريم فقط، فتارة يقع الكلام في العبادات، وأخرى يقع في التوصليّات، فإنّه تارة يكون الأمر دائراً في
ــــــــــ[109]ــــــــــ
() لأنّه إذا فعل فقد عصى الحرمة المحتملة، وإذا ترك فقد عصى الوجوب المحتمل. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أمر عبادي يتوقّف على قصد القربة على تقدير كونه واجباً، أو يكون كلا الطرفين عباديّاً(1)، وتارة يكون توصليّاً فيكون ذات الفعل متصّفاً بالوجوب أو بالحرمة.
والمخالفة القطعيّة غير ممكنة في القسم الثاني، وإن كانت الموافقة القطعيّة غير ممكنة في القسمين، وذلك(2): لأنّ المكلّف لا يخلو أمره من الفعل أو الترك لا محالة؛ لاستحالة ارتفاع النقيضين، فإذا أتى بالفعل يحتمل المخالفة للحرمة، وإذا تركه يحتمل المخالفة للوجوب، فالعلم بالمخالفة غير ممكن، كما كان العلم بالموافقة غير ممكن.
وهذا بخلاف ما إذا كان أحد الطرفين -على سبيل منع الخلو- عباديّاً، وهو: ما إذا كان الوجوب على تقدير وجوده تعبّديّاً، ففي مثل ذلك وإن كان الأمر دائراً بين المحذورين، ولكنّ المخالفة القطعيّة ممكنة(3)، فيما إذا أتى بالفعل من دون قصد القربة، فإذا كان حراماً فقد ارتكبه، وإذا كان واجباً فقد عصاه؛
ــــــــــ[110]ــــــــــ
() لم يوضح السيّد هذا المطلب، فإنّه قد يقصد أنَّ الوجوب عبادي والحرمة عباديّة أيضاً، إلّا أنَّ هذا غير متحقّق في الخارج، وقد يقصد أنَّ الأمر دائر بين وجوبين عباديّين، فيخرج عن محلّ الكلام، ولا يتصوّر معنى آخر له. (المقرّر).
(2) يعني: عدم إمكان المخالفة القطعيّة. (المقرّر).
(3) فيما إذا كان المحرّم ذات الفعل، لا ما كان مقصوداً به القربة، وإلّا -يعني: على الثاني- تمتنع المخالفة القطعيّة أيضاً؛ إذ تلتحق صورة الإتيان بالفعل بدون القربة بالترك في الحقيقة. نعم، لو كان المحرم ذات الفعل والواجب هو العبادة لكان لما ذكره السيّد وجه، وإن كان حينئذٍ دخوله في المسألة لا يخلو من تسامح، فتأمّل. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
لأنّه لم يقصد القربة، كما إذا شكّ في يوم الثلاثين من شهر رمضان أنّه يوم العيد، وفرضنا عدم وجود دليل أو أصل يعيّنه، فهنا يدور الأمر بين وجوب الصوم وحرمته، فلو صام بدون قصد القربة فقد خالف الوجوب والحرمة(1) معاً.
فالكلام يقع في مقامين: تارة فيما يمكن فيه المخالفة القطعيّة، وأخرى فيما لا يمكن فيه ذلك، يعني: تارة في التوصليّات، وأخرى في التعبّديّات، هذا إذا كانت الواقعة واحدة، وكان فعل واحد يدور أمره بين الوجوب والتحريم، وأمّا إذا كانت الوقائع متعدّدة، بلا فرق بين أن يكون الفعل عباديّاً أو غير عبادي، ففي مثل ذلك تكون المخالفة القطعيّة مطلقاً ممكنة، وذلك فيما إذا أتى بهذا الفعل في زمان، وتركه في زمان آخر، فقد خالف التحريم جزماً في الزمان الأوّل، أو الوجوب في الزمان الثاني. فالكلام يقع تارة فيما إذا كانت الواقعة متّحدة، وأخرى فيما إذا كانت الواقعة متعدّدة. فهنا أبحاث ثلاثة:
الأوّل: التوصليّات مع وحدة الواقعة.
الثاني: العباديّات مع وحدة الواقعة.
الثالث: صورة تعدّد الوقائع مطلقاً.
ــــــــــ[111]ــــــــــ
() إنّما يكون مخالفاً للحرمة على تقدير كون المنهي عنه ذات الفعل. أمّا إذا كان الصوم المحرّم في العيد هو القربي منه فلا تكون المخالفة القطعيّة ممكنة لكلا الحكمين، إلّا بناءً على وضع الألفاظ للأعمّ. وقلنا: بأنّ الإمساك بلا قصد القربة صوم باطل، وهو كما ترى. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
يقع الكلام فعلاً في صورة وحدة الواقعة مع كون الوجوب والحرمة توصليّين، ففي مثل ذلك لا يتمكن المكلّف من الموافقة القطعيّة، ولا من المخالفة القطعيّة، فإنَّ الأمر دائر بين الفعل والترك، وعلى كلّ تقدير يحتمل المخالفة والموافقة معاً.
وهنا أقوال خمسة:
الأوّل: تقديم جانب الحرمة من باب: أنَّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة، فلابدَّ له من الترك، ولا يجوز له الارتكاب حذراً من المفسدة المحتملة(1).
الثاني: التخيّير شرعاً بين الفعل والترك.
الثالث: الإباحة شرعاً والتخيّير عقلاً، وهذا الوجه اختاره صاحب الكفاية(2)، حيث ذهب: إلى أنَّ البراءة العقليّة لا تجري، لكن مع ذلك يخيّر العقل بين الفعل والترك لعدم الترجيح، وأمّا بحسب حكم الشرع فهو مباح.
ــــــــــ[112]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الوصول: 460.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 355.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الرابع: ما ذهب إليه شيخنا الأستاذ(1) من التخيّير العقلي، من دون أن يكون حكم شرعي أبداً، فإنَّ المورد غير قابل لجعل الحكم الشرعي نفياً ولا إثباتاً.
الخامس: وهو القول بجريان البراءة العقليّة والنقليّة، كما هو الحال في الشبهات البدويّة، وما إذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة، وهذا القول الخامس هو الصحيح.
أمّا القول الأوّل -وهو لزوم الالتزام بالحرمة ولزوم الترك من جهة أنَّ دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة- فيبطله:
أوّلاً: أنّ هذه الكبرى غير تامّة في نفسها -وإن كان هذا الكلام معروفاً- فإنّه قد يكون جلب المنفعة أولى من دفع المفسدة، وذلك مختلف باختلاف المصلحة والمفسدة في الأهمّيّة، فلو كان الواجب أهمّ من الحرام بمراتب فيقدّم، كما لو لزم من إنقاذ نفس محترمة من الغرق التصرّف في الأرض المغصوبة، فهذه الكبرى لم تثبت.
ثانياً: على تقدير ثبوت هذه الكبرى، فهذا فيما إذا كانت المفسدة أو المصلحة معلومة، ودار الأمر بين تفويت المصلحة أو الوقوع في المفسدة، فهذا يتمّ لو بنيّنا على أنَّ دفع المفسدة أهمّ ومقدّم، وأمّا إذا كانت المفسدة محتملة وغير معلومة، ولا ندري أنَّ الفعل فيه مفسدة أو لا، وإنّما احتمال المفسدة موجود
ــــــــــ[113]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 230.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وليس نفس المفسدة، واحتمال المفسدة لا يترتّب عليه أثر، ولهذا(1) لا يكون الاحتياط واجباً فيما لو دار الأمر بين الحرام والمباح، فكيف بما إذا دار الأمر بين الحرام والواجب؟! فإنّه أولى ولا يتعيّن فيه اختيار الترك. فهذا القول باطل.
أمّا القول الثاني -وهو القول بالتخيّير الشرعي- فهذا يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه إلّا في تعارض الخبرين، على إشكال فيه أيضاً، فالمقام لم يرد فيه شيء من ذلك، فالقول بالتخيّير هنا لأجل القول به هناك قياس محض لا موجب له.
ويؤكّد هذا: أنَّ القول بالتخيّير في الروايتين المتعارضتين -لو ثبت- لا يختصّ بصورة دوران الأمر بين المحذورين، فلو دلّت رواية على وجوب شيء، ودلّت أخرى على إباحته، وتعارضتا ولم يكن ترجيح في البين، فنقول بالتخيّير أيضاً، فقياس المقام بذلك التعارض باطل.
هذا إذا كان المراد من التخيّير التخيّير في المسألة الأُصوليّة، ولزوم الأخذ بأحد الحكمين، وأمّا التخيّير في المسألة الفرعيّة، يعني: للمكلّف أن يفعل أو
ــــــــــ[114]ــــــــــ
() لا يخفى الفرق بين المقامين، أمّا مقامنا فنحن نعلم عند اختيار الفعل إمّا بوجود المصلحة على تقدير الوجوب، وإمّا بوجود المفسدة على تقدير الحرمة. ونعلم عند الترك بانتفاء المصلحة، أو انتفاء المفسدة، فعند الترك نقطع بعدم المفسدة دون صورة الفعل، إلّا إذا اعتبرنا انتفاء المصلحة مفسدة أيضاً، لاحتمال كونه تاركاً للواجب فيعاقب، وأمّا في المقيس عليه فليس كذلك عند وجود الأصل المؤمّن، كما هو واضح. أمّا عند عدمه فيجب الاحتياط بلا إشكال. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
يترك، فهذا مّما لابدَّ منه وغير قابل لتعلّق الجعل به، فالتخيّير في المسألة الأُصوليّة وإن كان ممكناً، إلّا أنّه لا دليل عليه، والتخيّير في المسألة الفرعيّة وإيجاب الجامع بين الفعل والترك على المكلّف غير ممكن؛ لأنَّ الجامع لابدَّ من وقوعه بحسب الخارج، وما لابدَّ من وقوعه لا يعقل تعلّق التكليف به.
وأمّا ما اختاره صاحب الكفاية -من الحكم بالإباحة شرعاً والتخيّير عقلاً- فالتخيّير العقلي باعتبار أنَّ المكلّف لا يمكنه الجمع بين الفعل والترك، ولا رفعهما، فهو بحسب الطبع مخيّر، والتخيّير بينهما عقلي(1)، إلّا أنَّ هذا التخيّير متوقّف على عدم الحكم الشرعي فلا تجري البراءة في المقام، إذ لو كانت جارية لكان في المورد حكم شرعي، ولا تصل النوبة إلى حكم العقل.
وأمّا الحكم بإباحة الفعل شرعاً فيدفعه:
أوّلاً: أنَّ أدلّة الإباحة الشرعيّة -على ما سبق في بحث البراءة(2)– من قبيل قوله: “كلّ ما فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه“(3) وغيرها، واردة في الشبهات الموضوعيّة، ولا يعمّ شيء منها الشبهات
ــــــــــ[115]ــــــــــ
() هذا التخيّير تكويني ثابت على أيّ حال، سواء حكم العقل بشيء أو لم يحكم، والتخيّير التكويني غير التخيّير العقلي العملي. نعم، هو تخيّير بحسب العقل النظري وإدراكه لواقع الحال، إلّا أنَّ هذا الإدراك لا يزيد عن الواقع شيئاً، كما هو واضح. (المقرّر).
(2) دراسات في علم الأُصول 3: 251، 252.
(3) تقدّم تخريجه.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الحكميّة، فالدليل أخصّ من المدّعى، ولا يمكن القول بالإباحة عند دوران الأمر بين المحذورين بنحو الشبهة الحكميّة.
ثانياً: أنَّ أدلّة الإباحة لا تشمل المقام، حتّى في الشبهة الموضوعيّة، وذلك: لأنَّ جعل الحكم الظاهري متوقّف على أن يكون ذلك الحكم محتملاً ومشكوكاً فيه، كما هو ظاهر قوله: “كلّ شيء فيه حلال وحرام“ فيحتمل فيه الحلّيّة، ويحتمل فيه الحرمة، فإنّه موضوع لجعل الإباحة الشرعيّة، فإذا فرضنا أنَّ الفعل ليس مباحاً جزماً، فكيف يمكن جعل الإباحة فيه؟ فإنّه جعل للحكم على خلاف العلم الوجداني، فإنّنا نعلم أنَّ هذا الفعل إمّا واجب أو حرام، ولا نحتمل إباحته، ولابدَّ أن يكون الحكم الظاهري محتمل المطابقة للواقع، وفي الواقع لا يكون كذلك. فروايات الحلّ لا تشمل المقام، حتّى في الشبهة الموضوعيّة، فما أفاده لا يتمّ.
ولذا ذكر شيخنا الأستاذ أنَّ المورد مورد للتخيّير العقلي، ولا يمكن جعل الحكم الشرعي فيه، وذكر في وجهه أمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ جعل الحكم الظاهري لابدَّ أن يترتّب عليه ثمرة، وإلّا كان لغواً محضاً، وفي المقام لا يمكن جعل الحكم الظاهري؛ لأنَّ المكلّف قبل الجعل وبعده على حدٍّ سواءٍ، فلابدَّ له من الفعل أو الترك، فأيّ فائدة من جعل الحكم الظاهري؟
الأمر الثاني: أنَّ جعل الإباحة والترخيص أو رفع التكليف إنّما يكون في
ــــــــــ[116]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
مورد قابل للوضع بإيجاب الاحتياط، فيرفع حكمه بحديث الرفع أو غيره، وأمّا في مورد لا يكون قابلاً للوضع – كما في المقام – فإنَّ الاحتياط فيه غير ممكن، فلا يمكن الرفع أيضاً، فجعل الحكم الظاهري في المقام غير معقول، فلا يكون المقام مورداً لحكم شرعي، وإنّما يكون مورداً للتخيّير العقلي.
ثُمَّ قال: ولكنّ الصحيح أنَّ المقام مورد للبراءة الشرعيّة، ولا قصور في شمول أدلّتها له.
والوجه في ذلك: أنَّ كلّاً من طرفي الاحتمال قابل لأن يجعل شرعاً، ويلزم الشارع بالاحتياط به، ولا ينحصر الأمر بالتخيّير، بل للمولى الإلزام بأحد الطرفين، فيحكم بأنّه إذا دار الأمر بين المحذورين فلابدَّ من الالتزام بالفعل، وإذا دار الأمر كذلك فلابدَّ من الالتزام بالترك.
والميزان في القدرة على شيء القدرة على فعله وتركه في نفسه، لا باعتبار ضمّه إلى شيء آخر، كما هو الحال في كلّ متضادّين كالقيام والقعود، فإنّ كلّاً منهما في نفسه قابل للوجود والترك، وإن كان الجمع بينهما غير قابل، ومقامنا من هذا القبيل، فلا يمكن للشارع أن يجعل الاحتياط بالنسبة إلى الطرفين معاً ويوجب الجمع بينهما، ولكن يمكنه أن يضع الوجوب في نفسه والتحريم في نفسه، ويمكنه أن يرفعهما كذلك، فالعبرة في إمكان الوضع إمكانه في نفسه، لا بضمّه إلى وضع آخر، فلا يعتبر فيه ذلك، كما لا يعتبر في التكوينيّات، فبما أنّه شكّ في الوجوب فيشمله حديث الرفع وما يشبهه؛ لأنّه مّما لا يعلم، وكان قابلاً للوضع فهو مرفوع، وكذلك الحال في التحريم.
ــــــــــ[117]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وفيه: أنَّ ما لا يمكن هو وضع الوجوب والتحريم معاً وإيجاب الاحتياط بالجمع بينهما، وأمّا إيجاب الاحتياط أو ترك إيجابه بالنسبة إلى كلّ واحدٍ منهما فهو ممكن.
ومن هنا يظهر: أنَّ جعل الحكم الشرعي لا يكون لغواً، فإنَّ الشارع كان متمكناً من إيجاب الاحتياط في احتمال الوجوب، ومن إيجابه في احتمال الحرمة، ومتمكناً من رفع أيّ من الاحتياطين، كما يتمكّن من رفع كلا الحكمين، فإذا أمكن هذا ثبوتاً لم يكن مانعاً من شمول أدلّة البراءة له، فيحكم أنَّ حال دوران الأمر بين المحذورين حال الشبهة البدويّة، فكما كنا نحكم بعدم استحقاق العقاب لاحتمال الوجوب، وبعدم استحقاقه لاحتمال التحريم فهنا أيضاً.
وفي المقام جمع بين عدم استحقاق العقاب على الوجوب؛ لأنّه لم يصل(1)، وعدم استحقاق العقاب على الحرمة لأنّها لم تصل، فيحكم بكون المورد مورداً للبراءة الشرعيّة، وبالنسبة إلى البراءة العقليّة نحكم بقاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأنَّ الوجوب لم يصل، فالعقل يستقلّ بقبح العقاب على تركه، وكذلك التحريم.
ــــــــــ[118]ــــــــــ
() يكفي في الوصول العلم الإجمالي بالجامع؛ لأنّه على تقدير ثبوته فهو واصل بجامعه، فالأصل أمّا أن نجريه في الطرف الواقعي للحكم، فهذا لا يمكن باعتبار وصوله – كما قلنا – وأمّا أنّ نجريه بالطرف الآخر الخالي من الحكم واقعاً، فهذا الأصل لغو محض، كما هو واضح. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ذكر صاحب الكفاية(1): عدم جواز الرجوع إلى البراءة العقليّة، بدعوى: أنَّ البيان تامّ من قبل المولى، وهو: العلم بجامع الإلزام، والشكّ ليس شكّاً في التكليف، بل شكّ في المكلّف به.
وهذا لا يمكن المساعدة عليه، وذلك: لأنّ الإلزام المتعلّق بالجامع بين الفعل والترك أو بين الوجوب والتحريم لا يمكن أن يكون بياناً؛ لأنّه غير قابل للتحريك، والمكلّف غير قابل للتحرّك عنه والإتيان به، فوجود هذا الإلزام كعدمه، ومثل هذا الإلزام الجامع بين البعث والزجر لا يمكن أن يكون بياناً، ولا يمكن أن يكون محرّكاً للمكلّف، فالشكّ شكّ في التكليف، لا في المكلّف به. فالصحيح هو الرجوع إلى البراءة الشرعيّة والعقليّة بلا محذور في المقام.
وعلى ما ذكرناه -من عدم ترتّب أثر على هذا العلم المتعلّق بالجامع بين الفعل والترك- يظهر: أنَّه لا مانع من الرجوع إلى الاستصحاب أيضاً، فلو علم المكلّف أنّه حلف على شيء، أو شرط شيئاً في ضمن عقد، ولكنّه لا يدري أنّه الفعل أو الترك، فيمكن التمسّك باستصحاب عدم تعلّق الحلف، أو الشرط بالنسبة إلى الفعل في نفسه، وبالنسبة إلى الترك في نفسه، وكلّ منهما قابل لجريان الاستصحاب، ولا يلزم من جريان الاستصحابين مخالفة عمليّة، وقلنا: إنَّ المانع من جريان الاستصحاب هو لزوم المخالفة القطعيّة العمليّة، وإلّا لم يكن مانع من الرجوع إليه، فيمكن الرجوع إلى الاستصحاب في كلّ طرف لا محالة
ــــــــــ[119]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 356.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
لعدم موضوعه(1)، وهو: الحلف أو الشرط. نعم، نعلم بمخالفة أحد الاستصحابين للواقع، لكنَّ هذا لا بأس به، بعد أن كان كلٌّ منهما متيقّناً ومشكوكاً، وأركان الاستصحاب متحقّقة(2)، وليس في المقام مخالفة عمليّة، وهذا واضح.
ويظهر الفرق بين ما ذكرناه وبين ما ذكره صاحب الكفاية، فإنّ الذي ذكرناه هو جريان الاستصحاب في كلّ من الطرفين، باعتبار توفّر أركان الرجوع إلى الأصل متحقّقة، يعني: أنّنا إذا لاحظنا الوجوب فهو مشكوك وتجري فيه البراءة العقليّة والشرعيّة، وقد يجري الاستصحاب في موضوعه إذا كان مشكوكاً، وكذلك الحال في التحريم، ولا يلزم منه محذورٌ.
وأمّا ما ذكره صاحب الكفاية من الرجوع إلى الإباحة، وهو الذي منعناه، لإيرادين:
ــــــــــ[120]ــــــــــ
() لا يخفى أنّنا نعلم إجمالاً بارتفاع الحالة السابقة، إمّا إلى الوجوب أو إلى الحرمة، ونعلم تفصيلاً بارتفاع الحالة السابقة من عدم الحلف إلى وجود الحلف، وقد وجب علينا أحد الإلزامين لا محالة، ومع هذين العلمين كيف يمكن جريان الاستصحاب؟ (المقرّر).
(2) يتعارض هذان الاستصحابان على تقدير جريانهما، ويتساقطان للعلم بانتقاض إحدى الحالتين السابقتين -على ما قلنا- مضافاً إلى لغويّة جريانهما؛ لأنّ حال المكلّف قبل جريانهما كحاله بعده، كما هو واضح. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الإيراد الأوّل: أنَّ أصالة الإباحة تجري في الشبهات الموضوعيّة دون الحكميّة.
الإيراد الثاني: على تقدير التسليم، فليست الإباحة مشكوكاً فيها، للعلم بأنَّ الفعل إمّا واجب أو حرام، ولابدَّ في جريان الحكم الظاهري من احتمال مطابقته للواقع، وجعل الإباحة يرخّص في الفعل والترك بترخيص واحد وجعل واحد، وهذا لا يمكن لعدم احتمال الإباحة.
وأمّا على ما ذكرناه، فهنا جعلان: جعل لعدم الوجوب، وجعل لعدم التحريم. وليس هو جعلاً واحداً ليجعل عدمهما معاً، حتّى يقال: إنّا نعلم بعدم هذا الجعل في الواقع، ومقتضى أدلّة البراءة أنَّ ما شكّ في حرمته لا يحكم بحرمته، وأنَّ ما شكّ في وجوبه لا يحكم بوجوبه، وكلا هذين الحكمين في نفسه محتمل المطابقة للواقع.
إلّا أنَّه بضميمة هذا الجعل إلى الجعل الآخر نعلم بمخالفة أحدهما للواقع، وهذا لا ضير فيه بعدما علمنا أنَّ العبرة في جريان الأُصول إنّما هو بتحقّق موضوعه، والعلم بالمخالفة لا تضرّ ما لم تكن مخالفة قطعيّة علميّة. نعم، العلم الإجمالي موجود والمخالفة الالتزاميّة موجودة، إلّا أنّها ليست بمحذور.
ــــــــــ[121]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
بقي الكلام بين ما إذا كان أحد الحكمين -الوجوب والحرمة- محتمل الأهمّيّة، أو لم يكن، فإنّنا قد نفرض بأنَّ أحد الحكمين على تقدير ثبوته أهمّ من الآخر، وقد نفرض تساويهما في الأهمّيّة، فبناءً على ما ذكرناه لا يكون احتمال الأهمّيّة موجباً للترجيح، ولا مانعاً عن جريان الأصل، فإنّه لا يخرجه عن كونه مشكوك الثبوت وغير واصل، فيشمله دليل البراءة عقلاً ونقلاً.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الأصل النافي يجري في المقام، وشكّ في أهمّيّة أحد الطرفين، فهل يكون الحكم هو التخيّير، أو الأخذ بمحتمل الأهمّيّة، باعتبار أنَّ الأمر يكون دائراً بين التعيّين والتخيّير، والعقل لا يجوّز الأخذ بالطرف الآخر، وترك الطرف المحتمل الأهمّيّة، فالعقل إنّما يحكم بالتخيّير إذا جزم بالتساوي أو اشتبه بالأهمّيّة في كلا الطرفين، وأمّا إذا دار الأمر بين التساوي، أو أن يكون أحدهما أهمّ، ففي مثل ذلك يدور الأمر بين التعيّين والتخيّير، والعقل حينئذٍ يكون ملزماً بالأخذ بالتعيّين، كما اختاره صاحب الكفاية(1).
والصحيح هو الأخذ بالتخيّير على الإطلاق، حتّى مع القطع بالأهمّيّة في أحد الحكمين على تقدير وجوده، فضلاً عن احتمال الأهمّيّة، فإنّ الحكم ــــــــــ[122]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 356.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
مشكوك لا يعلم بأصل وجوده، حتّى في الطرف المحتمل الأهمّيّة.
بيان ذلك: ذكرنا في باب التزاحم(1): أنَّ احتمال الأهمّيّة في باب التزاحم من المرجّحات، وقلنا في وجه ذلك: إذا كان هناك حكمان لا يمكن للمكلّف أن يمتثلهما معاً؛ لعدم قدرته على الجمع بينهما، مع كون وجود كليهما محرزاً، ولكنّه مشروط بالقدرة، وحيث لا قدرة له على كلا الحكمين، فلابدَّ من سقوط أحدهما، فإذا فرض أنّهما متساويان، فإنَّ الإطلاق في كلّ منهما يسقط، فيجب الإتيان بكلّ واحد على تقدير ترك الآخر، فإنّه لا موجب لسقوط أصل التكليف، وإنّما يسقط إطلاقه لحال امتثال الآخر.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ أحدهما أهمّ، فلا موجب لسقوط الإطلاق في الأهمّ، بل موجب لسقوطه في المهم، وبنيّنا على القول بالترتّب آنذاك. هذا إذا علم بالتساوي أو علم بالأهمّيّة.
وأمّا إذا احتمل الأهمّيّة في أحدهما المعيّن، ففي مثل ذلك يكون سقوط الإطلاق في الطرف غير المحتمل الأهمّيّة معلوم، وأمّا سقوط الإطلاق في الطرف المحتمل الأهمّيّة فغير معلوم، ومعه يتمسّك بإطلاق الدليل، فإنّه ما لم يعلم بسقوط الإطلاق لا ترفع اليد عنه، وعلى هذا بنيّنا في باب التزاحم بالأخذ بمحتمل الأهمّيّة. هذا إذا كان لكلا الحكمين دليل له إطلاق.
وأمّا إذا فرضنا أنّه لا إطلاق في الدليلين، كما إذا كانا مستفادين من الإجماع ونحوه، فهنا لا يمكن التمسّك بالإطلاق، إلّا أنّنا قربنا ذلك هناك بتقريب ــــــــــ[123]ــــــــــ
(1) دراسات في علم الأُصول 2: 19.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
آخر، وحاصله: أنَّ كلّ حكم ينشأ من ملاك ملزم، وحيث إنَّ المكلّف لا يمكنه استيفاء الملاكين معاً لعدم قدرته على الجمع بينهما، فتفويت أحد الملاكين جائز جزماً، فإذا كانا متساويّين فللمكلّف أن يفوّت أيّاً منهما في حال استيفاء الآخر.
وأمّا إذا كان أحدهما أهمّ فيتعيّن استيفاء ملاكه وترك ملاك الآخر، ويحرم العكس، وأمّا إذا احتملت الأهمّيّة فالذي لا إشكال فيه أنّه يجوز تفويت الآخر غير المحتمل الأهمّيّة، مع استيفاء محتملها، وأمّا استيفاء الآخر مع ترك هذا فغير معلوم، وما لم يحرز جواز ترك الملاك الملزم لا يحكم العقل بجوازه، وقلنا: إنَّ الملاك الملزم كالتكليف الإلزامي بلزوم الإطاعة والرعاية، فإنَّ العقل لا يفرق بينهما مع جهة الإطاعة والعصيان، وما لم يحرز جواز تفويت الملاك لا يجوز تفويته.
ومن هنا قلنا(1) في باب التزاحم: إنَّه كلَّما دار الأمر بين أن يكون أحد التكليفين أهمّ من الآخر يتقدّم على الآخر، سواء كان لدليله إطلاق أو لم يكن.
وأمّا في دوران الأمر بين المحذورين فقد فرضنا أنَّ الثابت أحد الحكمين
-الوجوب والحرمة- لا كلاهما، فلا تدخل المسألة في كبرى التزاحم، ونسبة العلم الإجمالي إليهما على حدٍّ سواء، فأيّ أثر لاحتمال الأهمّيّة؟! فإنَّ أهمّيّته ملاكاً أو خطاباً على تقدير ثبوته، وهو بالتالي لم يخرج عن دائرة المشكوك إلى دائرة اليقين، وبما أنَّ نسبة العلم الإجمالي على حدٍّ سواء إلى الطرفين، فحتّى لو لم تجرِ الأُصول النافية وانتهى الأمر إلى التخيّير العقلي، فإنَّ العقل يحكم بالتخيّير، ولا يحكم بتقديم محتمل الأهمّيّة؛ لعدم كونه داخلاً في كبرى باب التزاحم.
ــــــــــ[124]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وأمّا إذا فرض(1) أنَّ أحد الطرفين عبادي، كما إذا دار الأمر بين وجوب عبادة وحرمتها، فالعمل على تقدير وجوبه عبادي، وعلى تقدير حرمته فالإتيان بذات العبادة -لا بقصد القربة- محرّماً، كالصلاة بالنسبة إلى الحائض.
والمفروض في المقام أنَّ المخالفة القطعيّة ممكنة، وإن لم تكن الموافقة القطعيّة ممكنة لعدم إمكان الجمع بين الوجود والعدم، ولكن المخالفة القطعيّة ممكنة فيما لو أتى بهذه العبادة -يعني: ما هو في نفسه عبادة- فعندئذٍ يكون قد خالف المولى جزماً، فإنّه إذا كان واجباً فقد تركه لعدم قصد القربة، وإذا كان حراماً فقد ارتكبه لكون الحرمة ثابتة لذات العمل، وإن لم يأت به بقصد القربة.
فيمتاز هذا القسم عن القسم الأوّل بإمكان المخالفة القطعيّة، ولم تكن ممكنة في القسم الأوّل، فهذا العلم الإجمالي هل يكون منجّزاً في المقام، ولا يجوز له الإتيان بالعمل بغير قصد القربة، أو غير منجّز؟
لا ينبغي الشكّ في تنجيزه من هذه الجهة، فإنَّ العلم الإجمالي بعد تعارض الأُصول في أطرافه لا يكون جاريّاً لا محالة، ويكون الواقع بنفس العنوان الإجمالي، فإذا فرض أنّه لا يمكن الموافقة القطعيّة، فالتنجيز بالنسبة إليها تكون ــــــــــ[125]ــــــــــ
() وأمّا إذا فرض أنَّ أحد الطرفين أو كلا الطرفين كان عباديّاً. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ساقطة، وأمّا بالنسبة إلى المخالفة القطعيّة فلا مانع من تنجيزه بمقدارها.
ونظيره ما إذا علمنا بوجوب أحد الأمرين في زمان واحد، فهنا لا يمكن الامتثال القطعي في الجمع بينهما؛ لاستحالة الجمع بين الضدّين، كالعلم بوجوب السفر إلى كربلاء، والسفر إلى بلدة أخرى، فالتنجيز بالنسبة إليهما يكون ساقطاً للعجز، ولكنّه يمكن أن يخالف ولا يأتي لا بهذا ولا بذاك، إذا كان للضدّين ثالث كما في المثال السابق، وكما لو نذر أن يصلي في الحرم الشريف أو في المسجد الهندي، ولا يمكنه الجمع لاستحالة الكون في مكانين، إلّا أنَّه يمكن تركهما بأن يصلي في داره، وعلى كلا التقديرين يكون عاصياً فلا يكون موجباً لسقوط حرمة المخالفة القطعيّة.
وقد يكون بالعكس بأن تكون الموافقة القطعيّة ممكنة، ولا تكون المخالفة القطعيّة ممكنة، كما لو علم بحرمة أحد الضدّين اللذين لهما ثالث، فالمخالفة القطعيّة غير ممكنة؛ لاستحالة الجمع بين الضدّين، ولكن الموافقة القطعيّة ممكنة، وذلك بترك الضدّين معاً، وتفصيل الكلام في ذلك في باب العلم الإجمالي.
إذن، في هذا القسم العبادي ينجّز العلم الإجمالي المخالفة القطعيّة فتكون محرّمة، ويكون المكلّف مخيّراً بين الإتيان بالعمل برجاء الوجوب وبين الترك، ويكون فيه احتمال الموافقة واحتمال المخالفة، ولا يجوز الإتيان بالعمل بدون قصد القربة؛ لأنّه يكون موجباً للمخالفة القطعيّة جزماً، فيتنجّز عقلاً بالعلم الإجمالي.
ــــــــــ[125]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ثُمَّ إنَّ دوران الأمر بين الوجوب والحرمة قد يفرض في الواجبات المستقلّة، كما مثّلنا له في صوم اليوم المشكوك كونه عيداً، وقد يفرض في الواجبات الضمنيّة؛ إذ يدور الأمر بين أن يكون الشيء جزءاً من الواجب فيكون واجباً؛ لأنَّ الأمر بالمركّب أمر بأجزائه لا محالة، فله وجوب، لكنّه وجوبٌ ضمنيٌّ غير استقلالي، ويحتمل أن يكون مانعاً ومبطلاً للصلاة فيكون حراماً مثلاً، فيدور الأمر بين الشرطيّة والمانعيّة، وأنَّ وجود هذا الشيء مأخوذ في الواجب أو عدمه مأخوذ فيه، فهل يُلتزم هنا بالتخيّير، كما هو الحال في المسألة السابقة أو لا؟
ذكر شيخنا الأنصاري(1): أنَّ الحكم في هذا المقام هو الحكم في دوران الأمر بين الوجوب والحرمة، غاية الأمر: أنَّ الوجوب والحرمة في المقام ضمنّي، وفي الأوّل استقلالي؛ لأنَّ المكلّف متمكن من المخالفة القطعيّة، وغير متمكن من الموافقة القطعيّة، فيرجع إلى التخيّير.
وهذا لا يتمّ إلّا على نحو الموجبة الجزئيّة – على ما نشير إليه – وإلّا فالمكلّف يتمكن في المقام من الموافقة القطعيّة والمخالفة القطعيّة، فلا تصل
ــــــــــ[127]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 402.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
النوبة إلى التخيّير، بل لابدَّ من إحراز الامتثال بالعلم التفصيلي أو الإجمالي.
بيان ذلك: أنّه قد يفرض دوران الأمر بين الجزئيّة والمانعيّة، مع التمكّن من الامتثال التفصيلي الجزمي، كما لو شكّ في سجدة واحدة أو سجدتين، حال كونه ناهضاً ولم يصل إلى القيام، فيدور الأمر بين الجزئيّة والمانعيّة، فيما إذا لم نحرز أنَّ هذا داخل في قاعدة التجاوز أو لا.
فإنّ منهم من يرى(1): أنَّ المعتبر هو الدخول في جزء من أجزاء الصلاة، والنهوض ليس من أجزاء الصلاة، فلو شكّ قبل الدخول في القيام في الإتيان بسجدة أو بسجدتين فلا زال في المحلّ، فيجب عليه الإتيان بالمشكوك؛ إمّا للاستصحاب أو للنصوص الخاصّة، وهو الصحيح(2).
ومنهم من يرى: صدق الدخول في الغير، بمجرّد الدخول في مقدّمات الجزء لإطلاق الرواية -على ما اختاره صاحب العروة(3)– فلو فرض أنّ المكلّف لم يتمكّن من اختيار أحد القولين وبقي على حيرته، فشكّ في أنَّ النهوض محقّق لعنوان الدخول في الغير، فيمضي في صلاته، أو غير محقّق فلابدَّ من الإتيان بالجزء المشكوك فيه.
وحينئذٍ يدور الأمر بين الجزئيّة والمانعيّة؛ لأنّه يدور الأمر بين أن تكون
ــــــــــ[128]ــــــــــ
(1) الصلاة: 236، رياض المسائل 4: 229.
(2) المستند في شرح العروة الوثقى 19: 197.
(3) انظر: العروة الوثقى (مع تعليقات عدة من الفقهاء العظام (قدّس الله أسرارهم)) 3: 348.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
السجدة واجبة، وهي جزء من الصلاة وتركها يبطلها، أو لابدَّ له من المضي في صلاته، وإذا أتى بها بطلت صلاته؛ لأنّها زيادة عمديّة.
وهنا صورتان:
الصورة الأوّلى: أنَّ المكلّف متمكّن من الامتثال التفصيلي الجزمي، فيرفع اليد عن هذه الصلاة، ويأتي بصلاة أخرى صحيحة، وتكون الثانية مصداقاً للمأمور به، أو يتمّ صلاته على أحد التقديرين رجاءً، يعني: أمّا أن يسجد رجاءً أو يمضي في صلاته رجاءً، ثُمَّ يعيد صلاته فيقطع(1) بالإتيان بالمأمور به.
الصورة الثانية: ما إذا لم يتمكّن من الامتثال التفصيلي، ولكنّه كان متمكناً من الامتثال الاجمالي، بأن يأتي بعملين أو بعمل واحد يقطع معه بتحقّق المأمور به، وإن لم يكن يدري أنَّ المحقّق له أيّ منهما، كما إذا دار الأمر بين الجهر والاخفات في صلاة، أو القصر والتمام، ففي مثل ذلك يدور الأمر بين الجزئيّة والمانعيّة.
وبعبارة أخرى: أنَّ الركعتين الاخيرتين جزء من الصلاة، باعتبار أنَّ المأمور به هو الصلاة تماماً، أو أنَّها زيادة عمديّة مبطلة.
ففي مثل ذلك لا يمكن الامتثال القطعي التفصيلي، ولكن المكلّف متمكّن من الامتثال الجزمي الإجمالي فيما إذا أتى بصلاة قصر تارة، وبصلاة تامّة أخرى، وصلى مع الجهر تارة، ومع الإخفات تارة أخرى، كما في صلاة الظهر من يوم
ــــــــــ[129]ــــــــــ
() إلا أنَّ القطع هنا إجمالي لا تفصيلي، لأنّه لا يدري أيّ الصلاتين هي المصداق الواقعي للمأمور به. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الجمعة، وفي خصوص الجهر والإخفات يمكن أن يقعا في صلاة واحدة يقصد بإحداهما إجمالاً الجزئيّة للصلاة، وبالأخرى إجمالاً قراءة القرآن، وبذلك يحصل الامتثال الاجمالي لا التفصيلي، لأنَّه لا يدري بأيّ القراءتين حصل الامتثال الواقعي -وشيخنا الاستاذ استمر مدّةً من الزمن على ذلك، فيقرأ في ظهر الجمعة قراءتين جهريّة واخفاتيّة-.
وفي هاتين الصورتين لا تصل النوبة إلى التخيّير، ولا يدور الأمر بين المحذورين، لإمكان الموافقة القطعيّة ولو إجمالاً، فيكون العلم الاجمالي منجّزاً لها لا محالة. ومعه لا موجب للرجوع إلى التخيّير.
فكيف يمكن أن يقال: إنَّ المكلّف مع قدرته على الامتثال الجزمي التفصيلي أو الاجمالي يقتصر على الإتيان بالامتثال الاحتمالي؟ بل لابدَّ له من تحصيل الجزم بالامتثال، فإنَّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، والمفروض أنَّ المكلّف متمكّن من ذلك.
ثُمَّ إنَّه في الصورة الأوّلى إذا كان المكلّف متمكناً من الامتثال التفصيلي، فرفع اليد عن هذه الصلاة والإتيان بصلاة أخرى يتوقّف على القول بعدم حرمة قطع الصلاة إمّا مطلقاً أو في خصوص المقام وأمثاله، فإنَّ عمدة الدليل على الحرمة إنّما هو الاجماع، والاجماع بما أنّه دليل لبيٌّ فهو لا يشمل الموارد التي لا يتمكّن المكلّف أن يقتصر على ما أتمّ من صلاته، بل لابدَّ له من الاتيان بصلاة أخرى، فإنَّ المكلّف إذا كان متمكناً من الاكتفاء بصلاته بعد أن يتمّها، ويقتصر عليها في مقام الامتثال، كان ذلك هو القدر المتيقّن من مورد الاجماع.
ــــــــــ[130]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أمَّا إذا كان هذا الفرد غير مبرئ للذمّة بحكم العقل، كما في مثال القصر والتمام فيما لو اختار أحدهما وأتمّ صلاته، فإنَّه لا يمكنه الاقتصار على هذه الصلاة لقاعدة الاشتغال، إذ لعلّها باطلة، ومثل هذا لا يكون مورداً للإجماع، فلا مانع من رفع اليد عن هذا الفرد، والإتيان بصلاة أخرى جزماً.
وعلى كلا التقديرين لا نرى وجهاً للحكم بالتخيّير، والاكتفاء بالإتيان بأحد الأمرين، مع أنَّ المكلّف متمكّن من الامتثال الجزمي.
وأمّا إذا قلنا: إنَّ قطع الصلاة حرام حتّى في مثل المقام، فمن جهة حرمة القطع وإن كان يدور الأمر بين المحذورين، بمعنى: أن يأتي بسورة أو يمضي في صلاته، وكلاهما يحتمل كونه مبطلاً للصلاة، للعلم بحرمة الفعل والترك من جهة حرمة الإبطال، وهو لا يتمكّن من الجمع بينهما، فمن تلك الجهة يدور الأمر بين المحذورين، والمكلّف لا يتمكن من المخالفة القطعيّة، ولا يتمكن من الموافقة القطعيّة، فهو مخيّرٌ من هذه الجهة لا محالة.
إلّا أنَّ التخيّير من هذه الجهة لا يوجب عدم تمكّنه من الامتثال، فإنّه متمكن من الإتيان بفرد آخر يحصل به القطع بالامتثال، إمّا بما أتى به أوّلاً، أو بما أتى به ثانياً.
وكيفما كان، فما ذكره من الرجوع إلى التخيّير في مورد دوران الأمر بين الجزئيّة والمانعيّة لا نعقل له وجهاً صحيحاً، بل لابدَّ من الاحتياط بتكرار العمل أو رفع اليد عن هذا الفرد بفرد آخر على تقدير جوازه. نعم، لو كان الامتثال القطعي غير ممكن حتّى إجمالاً فلابدَّ من الالتزام بالتخيّير.
ــــــــــ[131]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وهذا الذي قلناه في الجملة يصحّ كما في القصر والتمام، فإنّه لا يدري أنَّ الركعتين الاخيرتين جزء واجب أو زيادة مبطلة فيما إذا لم يكن المكلّف متمكناً من الجمع بين الصلاتين ولو لضيق الوقت، ولابدَّ له أن يصلي صلاة واحدة يدور أمرها بين القصر والتمام، كما لو كان قد بقي من الوقت مقدار ركعة أو مقدار ركعتين.
فهنا لا يمكن الامتثال القطعي حتّى إجمالاً، لأنَّ الوقت لا يسع للجمع بينهما، فحينئذٍ لابدَّ من الالتزام بالتخيّير، فإنّه حيث لا يتمكن من الموافقة القطعيّة فينتهي الأمر إلى الموافقة الاحتماليّة، ويكون هذا المورد صغرى للكبرى السابقة التي مفادها: أنَّ تنجيز العلم الاجمالي إذا لم يمكن بنحو الموافقة القطعيّة ينتهي الأمر إلى الموافقة الاحتماليّة. نعم، هو متمكن من المخالفة القطعيّة بتركهما معاً، ويكون بهذا المقدار منجّزاً. فالتخيّير هنا صحيح.
ولكن يقع الكلام في أنَّه إذا اختار أحدهما وأتى به، فهل يجب عليه القضاء، والإتيان بالطرف الآخر خارج الوقت تحقيقاً للموافقة القطعيّة؛ لأنَّ ما أتى به إذا كان هو المأمور به فقد امتثل، وإذا لم يكن هو المأمور به فيجب عليه القضاء من باب وجوب احراز الامتثال.
ولكنّ هذا لا يتمّ، فإنَّ القضاء بأمر جديد، وموضوعه هو فوت الفريضة في الوقت، أمّا بالنسبة إلى الوقت فالمفروض أنَّ الأمر دائر بين المحذورين، ووظيفته الفعليّة هو التخيّير والامتثال الاحتمالي، وقد فرضنا أنّه عمل بوظيفته
ــــــــــ[133]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
في الوقت، وبعد خروج الوقت لا يتحقّق الفوت، إلّا عند إحراز عدم الإتيان بالوقت، وأنَّ الوظيفة الفعليّة قد فاتته، إمّا بالجزم واليقين، أو بإمارة أو بأصل، كما لو شكّ في آخر الوقت بأنّه جاء بالفريضة في داخل الوقت، وهل صلّى صلاة الظهر والعصر أو لا؟ فمقتضى قاعدة الاشتغال أو استصحاب عدم الاتيان وجوب الإتيان بالفريضة. ولو فرضنا أنّه عصى ولم يعتن بالاستصحاب، ولم يأت بالفريضة عمداً، فيصدق عليه أنّه فاتته الفريضة، ولو بحكم العقل أو بالأصل.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ فوت الفريضة مشكوك فيه، إذ المفروض أنَّ المكلّف قد عمل بوظيفته الفعليّة، ولعلّ الواجب هو ما اختاره، فأين الفوت للفريضة، حتّى يجب القضاء خارج الوقت(1)؟ فالإنصاف أنَّ القضاء غير واجب.
ــــــــــ[133]ــــــــــ
() وأصالة البراءة عن وجوب القضاء بعد الإتيان بالصلاة في الوقت محكّمة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وأمّا إذا كانت الواقعة متعدّدة، فقد يفرض تعدّدها فيما إذا كان الطرفان عرضيّين، وأخرى يفرض تعدّدها والواقعتان طوليّتان، فقد يفرض فعلين في الخارج يعلم المكلّف بوجوب أحدهما وحرمة الآخر، ولكن لا يدري أيّ منهما الواجب، وأيّ منهما الحرام؟ ولو علم بهما لأتى بالواجب وترك الحرام، وأمّا إذا اشتبه عليه الواجب من الحرام، ففي كلّ من الفعلين يعلم إجمالاً بالوجوب أو الحرمة.
فهل يحكم بالتخيّير في كلّ منهما، فله أن يأتي بهما معاً، أو يتركهما معاً، أو لابدَّ له من اختيار ترك أحدهما وفعل الآخر؟
قد يقال: بالتخيّير، لأجل دوران الأمر بين المحذورين في كلّ منهما، فإنّ كلّاً منهما يعلم بوجوب الالزام فيه، وهو لا يتمكّن من الموافقة القطعيّة، ولا المخالفة القطعيّة، فالحكم فيه هو التخيّير، أو الرجوع إلى الأُصول النافية، فله أن يفعل وله ان يترك. وكذلك الحال في الطرف الآخر فله أن يأتي بكلا الفعلين أو يتركهما معاً.
ولكن الصحيح هو عدم جواز ذلك، فإنّ العلم الاجمالي بوجوب أحد الفعلين والعلم بحرمة أحدهما، وإن كان بالنسبة إلى كلّ منها يدور الأمر بين
ــــــــــ[134]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الوجوب والحرمة فتكون الوظيفة هي التخيّير أو الرجوع إلى الأُصول النافية، ومقتضى هذين العلمين الإجماليّين –العلم بوجوب أحدهما والعلم بحرمة أحدهما– عدم جواز الرجوع إلى الأُصول النافية، ولا الحكم بالتخيّير، فإنَّ المكلّف يتمكّن من المخالفة القطعيّة، وإن لم يتمكن من الموافقة القطعيّة، وقد ذكرنا: أنَّ العلم الإجمالي ينجّز بالمقدار الممكن، وفي مثل المقام وإن لم يتمكّن من الموافقة القطعيّة؛ إذ يدور الأمر بين الوجوب والتحريم، ولكنّه يتمكن من المخالفة القطعيّة بالنسبة إلى هذين العلمين؛ لأنّه إذا أتى بالفعلين معاً فقد ارتكب حراماً جزماً، وإذا تركهما فقد ترك الواجب جزماً، والعلم بهذا المقدار يكون منجّزاً، فعلى ذلك يتخيّر بينهما بأن يأتي بأحدهما ويترك الآخر، وأيّ منهما اختار، فإنَّ فيه احتمال الموافقة، وإن كان يحتمل المخالفة أيضاً. هذا في العرضيّين.
وأمّا إذا فرضنا الواقعتين طوليّتين، كما لو كنا نعلم إجمالاً بوجوب في فعل في هذا اليوم أو حرمة فعل في اليوم الثاني، واشتبه الواجب بالحرام، فالحكم في مثل ذلك يختلف باختلاف المبنى في تنجيز العلم الإجمالي، وهو: أنَّ العلم الإجمالي الذي ينجّز التكليف، ولا يجوز معه الرجوع إلى الأُصول النافية، هل يختصّ بما إذا كانت الأطراف عرضيّة، أو ينجّز الأفراد الطوليّة أيضاً، فلو علمنا بحرمة فعل في هذا اليوم أو اليوم الثاني لم يجر الأصل فيهما.
وإذا بنيّنا على عدم الفرق فالمسألة الثانية حالها حال المسألة الأولى، فمقتضى القاعدة وإن كان في كلّ واحد من الفعلين هو التخيّير، ولكن مقتضى
ــــــــــ[135]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
العلمين الإجماليّين بحرمة أحد الفعلين في اليوم الأوّل أو في اليوم الثاني، والعلم بوجوب أحد الفعلين كذلك، أنّهما ينجّزان التكليف بالمقدار الممكن، وهو: المخالفة القطعيّة؛ لأّن المكلّف متمكن من ارتكابهما معاً أو تركهما معاً، فلا يسوغ له ذلك، بل لابدَّ له من اختيار الفعل في أحد الطرفين، واختيار الترك في الطرف الآخر.
وأمّا إذا بنيّنا على أنَّ تنجيز العلم الإجمالي يختصّ بالأطراف العرضيّة، فلا أثر له فيما إذا لم تكن جميع الأطراف محلّاً للابتلاء فعلاً، بل كان بعضها متأخرّاً، فلا أثر للعلم بوجوب أحد الفعلين، والعلم بحرمة أحدهما، فتنتقل الوظيفة إلى التخيّير في كلّ من الفعلين، فيتخيّر المكلّف في كلا اليومين، ولا مانع من ارتكابهما في اليومين؛ إذ المفروض أنَّ العلم بالتحريم لم يكن منجّزاً، كما أنّه لا مانع من تركهما معاً؛ لأنّ العلم بالوجوب لم يكن منجّزاً.
إذا علمنا بوجوب شيء أو حرمة شيء آخر، ولم يتمكّن المكلّف من الامتثال الجزمي، وكان أحد الحكمين أهمّ.
فهل يتقدّم محتمل الأهمّيّة، كما لو فرضنا أنَّ الواجب أهمّ من الحرام؟
وهل يكون هذا داخلاً في باب التزاحم، فيجب أن يختار الفعل في كلّ واقعة تحصيلاً لما هو محتمل الأهمّيّة، وإن كان يعلم أنّه ارتكب الحرام، ولكن مقدّمة لإحراز الفعل المحتمل الأهمّيّة يسوغ له ارتكاب الحرام، وإذا انعكس الأمر وكانت الحرمة أهمّ، فينعكس الأمر ويجب عليه ترك الفعل في الواقعتين ــــــــــ[136]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
مقدّمة لإحراز ترك الحرام، وإن علم بترك الواجب ضمناً؟
والمفروض في المقام العلم بوجود الوجوب والحرمة، بخلاف ما سبق أن قلناه في صورة وحدة الواقعة، فإنَّ الوجوب والحرمة بخصوصهما لم يكن معلوماً، وإنّما كان محتملاً، واحتمال الأهمّيّة لا أثر له.
والمقام خارج عن باب التعارض جزماً، إذ لا منافاة بين جعل الوجوب وجعل الحرمة، غاية الأمر: أنَّ المكلّف لا يميّز بينهما، وقلنا(1): إنَّ مناط التعارض هو التنافي في مرحلة الجعل، فإذا كان أحدهما مجعولاً لم يكن الآخر مجعولاً، والمقام ليس من هذا القبيل.
إلّا أنّه غير داخل في باب التزاحم أيضاً، فإنّ مناط التزاحم هو التنافي في مرحلة الامتثال، بعد إمكان الجعل في نفسه، لعدم قدرة المكلّف على الجمع بينهما، فيسقط الحكم لعدم موضوعه، وهو: القدرة، بعد أن كان كلّاً منهما مجعولاً مشروطاً بالقدرة.
وأمّا في محلّ الكلام فالمكلّف متمكن من امتثال الواجب والحرام معاً، فمن ناحية القدرة لا قصور، وإنّما القصور من ناحية الإحراز، فلا موجب لتقديم ما هو محتمل الأهمّيّة، بل المكلّف كما كان له الخيار في أن يأتي بأحدهما ويترك الآخر، مع عدم احتمال الأهمّيّة، فكذلك له الخيار مع الإحتمال، فإنَّ احتمال الأهمّيّة إنّما يكون مرجّحاً في باب التزاحم، والمقام ليس صغرى له، وهذا لعلّه واضح.
ــــــــــ[137]ــــــــــ
() انظر: دراسات في علم الأُصول 2: 6.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ولكنَّ شيخنا الأستاذ اختار إدراج المقام في باب التزاحم، واختار أنّ محتمل الأهمّيّة يكون مقدّماً.
وذكر في وجه ذلك: أنَّ كلّ تكليف واصل يقتضي بحكم العقل الحاكم بوجوب الطاعة أمرين:
الأمر الأوّل: الإتيان بذات الواجب.
الأمر الثاني: إحراز امتثال الواجب من الخارج.
فالعقل يحكم بوجوب الامتثال ووجوب إحرازه، فإذا كان الأمر كذلك، فالتكليف بالنسبة إلى المقتضي الأوّل وإن لم يدخل في باب التزاحم، لفرض قدرة المكلّف على الإتيان بالواجب وترك الحرام، إلّا أنّه من ناحية لزوم إحراز الامتثال في الخارج فالتكليفان متزاحمان، فإنّ المكلّف غير قادر على إحراز امتثال التكليفين معاً، فإنَّه غير قادر على الجمع بين النقيضين، لفرض أنَّ الأمر دائر بين الوجوب والحرمة.
فإذا كان داخلاً في باب التزاحم تجري فيه قواعد التزاحم لا محالة، ويكون احتمال الأهمّيّة مرجّحاً في المقام، فإذا احتمل أهمّيّة الوجوب وجب عليه الإتيان بالفعل في الواقعتين معاً، ليحرز الامتثال للوجوب المحتمل الأهمّيّة، وإن أحرز مخالفة التكليف التحريمي. هذا ملخص ما ذكره في بحث الشرطيّة والمانعيّة(1)، وإن ذكر خلافه في بحث العلم الإجمالي(2).
ــــــــــ[138]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 317.
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 233.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ولكنّه لا يتمّ لأمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ المقام لو كان داخلاً في باب التزاحم في مرحلة إحراز الامتثال – فإنَّ العقل يحكم بلزوم إحراز امتثال كلا التكليفين – لحكم بالتخيّير، فيما إذا كان التساوي بين الحكمين محرزاً، وعلم بعدم وجود أهمّيّة في البين، فيكون مخيّراً بين أن يفعلهما لأجل إحراز امتثال الوجوب وإن ارتكب المحرم، أو أن يتركهما لإحراز امتثال التحريم وإن ترك الواجب، مع أنّه لا يلتزم بذلك، ولا موجب للالتزام به لعدم ترخيص العقل بالمخالفة القطعيّة، وإن كانت ملازمة للموافقة القطعيّة، بل العقل يحكم بلزوم إحراز الامتثال الاحتمالي، وتصل النوبة إلى الموافقة الاحتماليّة.
فلا يدخل هذا المقام في باب التزاحم، وإلّا لزم الحكم بالتخيّير في فرض عدم الأهمّيّة، وهو لا يلتزم به، بل لا موجب للالتزام به.
الأمر الثاني: لو فرضنا أنَّ المقام داخل في باب التزاحم، إلّا أنّه لم يرد نصّ أو إجماع(1)، بأن يكون احتمال المرجّحات في باب التزاحم، وإنّما ثبت ذلك فيما إذا كان التزاحم من جهة الامتثال، لا من جهة إحراز الامتثال، والوجه فيه: أنَّ احتمال الأهمّيّة إنّما يكون مرجّحاً من جهة الجزم بسقوط الإطلاق فيما لا يحتمل أهمّيّته، والشكّ في سقوط الإطلاق في محتمل الأهمّيّة، فيؤخذ بإطلاق الدليل، كما كان معلوم الأهمّيّة، فيقدّم للعلم بعدم سقوط إطلاقه في باب التزاحم.
ــــــــــ[139]ــــــــــ
() ثبت بحكم العقل أنَّ القاعدة في كلّ تزاحم يحصل هو تقديم الأهمّ وترك المهم، ولا يختلف في ذلك التزاحم تكوينيّاً أو تشريعيّاً، وهذا واضح لا غبار عليه. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وأمّا إذا لم يكن إطلاق فقد ذكرناه قبل قليل: أنَّ احتمال الأهمّيّة من جهة الملاك ينتج الجزم في صورة التزاحم بأنَّ تفويت ملاك الطرف الآخر جائز جزماً، لأنّهما إمّا متساويان فيجوز تفويت كلّ منهما مع إحراز الآخر، وإمّا ذاك أهمّ، وإنّما تفويت الملاك فيما هو محتمل الأهمّيّة، فهل يجوز تفويته مقدّمة لإحراز الملاك في الآخر، وما لم يحرز جواز تفويت الملاك يحكم العقل بحرمة التفويت.
وشيء من ذلك لا يجري في محلّ الكلام، وهو التزاحم في مورد إحراز الامتثال، فإنَّ الإطلاقين(1) لم يسقطا جزماً، لعدم تنافي الامتثالين من ناحية القدرة، غاية الأمر: أنَّ المكلّف لم يتمكن من الإحراز، وأمّا تفويت الملاك فهو أيضاً غير جائز في كلا التكليفين عقلاً وشرعاً، غاية الأمر: المكلّف لم يحرزهما، وحيث إنّه لا يتمكن من إحراز الواجب والحرام، فتصل النوبة إلى الموافقة الاحتماليّة.
فما كان هو الوجه في تقديم محتمل الأهمّيّة في باب التزاحم لا يجري في مقام
ــــــــــ[140]ــــــــــ
() يمكن تصوير التزاحم في طول الشكّ والاشتباه، والتزاحم في خصوص إحراز الامتثال، وحينئذٍ يقال: إنّ العقل لا يحكم في طول التزاحم بلزوم إحراز الطرف غير المحتمل الأهمّيّة، لأنّهما إمّا متساويان فلا يجب إحراز أحدهما مع إحراز الآخر، أو ذلك أهمّ، وأمّا الأهمّ المحتمل فالعقل يحكم بلزوم إحرازه على وجه التعيّين، استيفاءً لجهة الأهمّيّة المحتملة فيه؛ لأنّه على تقدير صدق الأهمّيّة فالعقل يحكم بلزوم إحرازه وترك الآخر، فلو لم يحرز الجواز العقلي في ترك إحراز امتثال التكليف يتعيّن إحرازه. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الإحراز، فلو فرضنا أنّه داخل في باب التزاحم فليكن، إلّا أنّه لا تجري فيه قاعدته.
وأمّا حكم العقل بلزوم إحراز الامتثال فهو أمر مشترك بين كلّ التكاليف الشرعيّة، سواء كان محتمل الأهمّيّة أو لم يكن، فإنّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، واحتمال الأهمّيّة لا يكون مرجّحاً.
فالصحيح: أنّ الترجيح باحتمال الأهمّيّة غير صحيح، والمكلّف لابدَّ له من الامتثال الاحتمالي، وهو مخيّر بين أن يفعل أوّلاً ويترك ثانياً أو يعكس، لأجل تحصيل الموافقة الاحتماليّة.
بقي قسم آخر مّما إذا كانت الواقعة متعدّدة، وهو: ما إذا لم ينشأ دورانه من اشتباه الواجب بالحرام، بل كان الحكم واحداً في الأفراد، فالواقعة متعدّدة، ولكن كلّ فرد حكمه مثل حكم الفرد الثاني، وهو: إمّا الوجوب أو الحرمة، كما لو علم بتعلّق النذر بفعل شيء أو تركه، وكان للشيء أفرادٌ متعدّدة، كفعل شيء في كلّ خميس أو تركه فيه.
أمّا أنَّ جميعها واجب أو جميعها حرام فليس هنا علم بالوجوب أو بالتحريم، فلو كان أحدهما -كالوجوب مثلاً– محتمل الأهمّيّة فلا يعتنى به، لأنّ أصل الوجوب غير معلوم وكذلك الحرمة، ففي مثل ذلك هل يرجع إلى التخيّير في كلّ واقعة، فله أن يختار الفعل في أحدهما ويترك في الآخر- وهو: معنى التخيّير الاستمراري- أو إنَّ التخيّير بدوي، فإذا اختار الترك في الأوّل
ــــــــــ[141]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فلابدَّ من اختياره في الثاني، وإذا اختار الفعل فلابدَّ من اختياره أيضاً؟
الظاهر أنّ التخيّير بدوي لا استمراري، والوجه في ذلك: أنّه ينشأ من هذا العلم الإجمالي بوجوب أو حرمة هذه الطبيعة المنحلّة إلى أفراد متعدّدة، فالعلم الإجمالي الآخر هو العلم بوجوب هذا الفعل أو حرمة فعل آخر، والعلم يحرز هذا الفعل أو وجوب فعل آخر، فإنّه إذا كان الفعل واجباً فالآخر ليس بحرام، وإذا لم يكن واجباً فالآخر حرام؛ لأنّ المفروض اشتراك الأفراد في الحكم، وهذا العلم الإجمالي يقتضي وجوب الموافقة القطعيّة وحرمة المخالفة القطعيّة، وحيث إنَّ الموافقة القطعيّة غير ممكنة، فنتنزّل إلى الموافقة الاحتماليّة، لما ذكرناه(1) من أنَّ العلم الإجمالي منجّز بمقدار الممكن، وهنا يمكن المخالفة القطعيّة بترك أحدهما وفعل الآخر. هذا تمام كلامنا في دوران الأمر بين المحذورين.
ــــــــــ[142]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 381.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
العلم الإجمالي
ــــــــــ[143]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ذكرنا في أوائل مبحث البراءة: لو علم إجمالاً بالتكليف، وتردّد أمره بين أن يكون متعلّقاً بفعل أو بفعل آخر، فإنَّ العقل يحكم بلزوم دفع الضرّر المحتمل؛ إذ معنى احتمال العقاب أنّه لو كان في الواقع عقاب لوقع المكلّف فيه، وهذا هو الرادع للإنسان من الارتكاب، بتقريب: أنَّ حكم العقل بوجوب إطاعة المولى مبني على ذلك؛ لأنّه حتّى في موارد التكاليف المتيّقنة وجداناً أو تعبّداً ليس له علم بالعقاب، بل ليس هنا إلّا احتمال العقاب؛ إذ من المحتمل أن لا يعاقب من جهة شمول عفو الله سبحانه أو شفاعة شفيع ونحوها، بل احتمال العقاب هو الرادع للمكلّف عن الارتكاب، فإنّه لابدَّ أن يكون الإنسان في أمن من العقاب، ويعلم بعدم ترتّب العقاب على عمله.
ومساوقة احتمال التكليف لاحتمال العقاب ثابتة لولا أمر خارجي يدفعها- كقاعدة قبح العقاب بلا بيان وحديث الرفع وقاعدة الحلّ ونحوها- مّما تمسكنا به في جواز الارتكاب، فنحتاج إلى مؤمّن خارجي، وإلّا متى ما كان احتمال تكليف فاحتمال العقاب يلازمه من دون مؤمّن عقلي أو شرعي.
وعلى ذلك يترتّب: أنّ المنجّز في العلم الإجمالي ليس هو العلم بجامع التكليف، بأن نقول: إنّ التكليف بالجامع واصل، وإنّ العلم الإجمالي حاله حال ــــــــــ[145]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
العلم التفصيلي في التنجيز عقلاً، بل في مورد العلم الإجمالي يكفينا في التنجيز احتمال التكليف في كلّ طرف، فإنّ العلم الإجمالي لا ينفكّ عن الاحتمالات في الأطراف، وكلّ احتمال منها مساوق لاحتمال العقاب، وينجّز بطبعه وفي نفسه.
فعلى ذلك لا بدَّ من النظر إلى المؤمّن الخارجي لنرى أنَّ أدلّة البراءة العقليّة والنقليّة وسائر الأُصول النافية، هل تشمل مورد العلم الإجمالي أو لا؟ فإن قلنا: بأنَّها لا تشمل مورد العلم الإجمالي لمانع ثبوتي أو لمانع إثباتي، فمعنى ذلك: وجوب الموافقة القطعيّة وحرمة المخالفة القطعيّة، فلا يجوز الارتكاب في شيء من الأطراف، فإنّ احتمال التكليف موجود، والمفروض أنّه لا مؤمّن.
وإن قلنا: إنَّ أدلّة الأُصول لا تشمل تمام الأطراف، بل تشمل بعضها لا بعينه، والتعيّين بيد المكلّف، فمعناه: أنَّ الموافقة القطعيّة لا تجب لأجل وجود المؤمّن في بعض الأطراف، فله أن يرتكب بعضها ويجتنب عن البعض الآخر، ولكن المخالفة القطعيّة بارتكاب جميع الأطراف غير جائزة، فإنَّ المؤمّن في الجميع غير موجود، فهذا الوجه ينتج التفصيل بين الموافقة والمخالفة القطعيّتين.
وإذا بنيّنا على جريان الأُصول في تمام الأطراف لعدم المانع ثبوتاً وإثباتاً، كما اختاره بعضهم(1)، وقالوا: إنَّ العبرة بالشكّ، ومرتبة الحكم الظاهري محفوظة، فلا مانع من جريان الأُصول في كلّ فرد، لا في المجموع، فإنّ المجموع ليس بفرد، وإنّما المشكوك فيه هو كلّ فردٍ فردٍ، ومعناه: أنّه لا تجب الموافقة القطعيّة،
ــــــــــ[146]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 272.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ولا تحرم المخالفة القطعيّة، فيجوز ارتكاب جميع الأطراف، وإن كان يعلم إجمالاً بوجود المحرّم في بعضها.
فاختلاف المباني في تنجيز العلم الإجمالي للموافقة والمخالفة القطعيّتين، أو عدم تنجيزه لهما، أو تنجيزه للمخالفة دون الموافقة، مبنيٌّ على عدم جريان الأُصول مطلقاً، أو جريانها مطلقاً، أو جريانها في بعض الأطراف دون بعض.
ــــــــــ[147]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ثُمَّ إنّه لا فرق فيما ذكرناه من تنجيز العلم الإجمالي على المباني الثلاثة بين ما إذا كانت الأُصول جارية في مرحلة ثبوت الحكم وجعله، أو كانت جارية في مرحلة الامتثال وفراغ الذمّة بعد الفراغ من أصل ثبوت التكليف، فإنَّ العلم الإجمالي تارة يكون ناظراً إلى مرحلة الجعل، كما لو كنا نعلم بصلاة مردّدة بين الظهر والجمعة في الشبهة الحكميّة، أو يفرض في الشبهة الموضوعيّة كالعلم بنجاسة أحد الإناءين، فإنّه راجع أيضاً إلى الشكّ في الجعل، وأخرى يكون الجعل معلوماً جزماً، ولكن الشكّ في مرحلة الامتثال، كما إذا كان الواجب على المكلّف صلاتين كالظهر والعصر(1)، ولا إجمال في التكليف وقد أتى بهما،
ــــــــــ[148]ــــــــــ
() كان اللازم المجيء بمثال آخر، كالعلم ببطلان إمّا صلاة الصبح أو الظهر، وإلّا ففي المثال الذي ذكره يعلم ببطلان صلاة العصر تفصيلاً، إمّا لبطلانها بنفسها، أو لبطلان صلاة الظهر التي هي شرط صحّتها.
وحينئذٍ لا يبقى معارض لجريان قاعدة الفراغ في صلاة الظهر، فيجب عليه إعادة العصر فقط. أمّا في مثالنا فيقع الكلام باعتبار أداء صلاة وقضاء صلاة أخرى، ومعه يقال: إنّه لا يجب عليه الإتيان بالصبح للعلم بسقوط الأمر بالأداء. إمّا للامتثال أو للعصيان، والقضاء بأمر جديد يشكّ بتحقّق موضوعه، وهو: الفوت مثلاً، وأمّا صلاة الظهر فلا يعلم صحتّها، فمقتضى قاعدة الاشتغال الإتيان بها مرّة أخرى.
ومن هنا نفهم بأنّه ليس في مثل هذه الأمثلة ما يمكن أن يكون العلم الإجمالي فيه منجّزاً، فالتفصيل بين العلم الإجمالي في الجعل، والعلم الإجمالي في الامتثال يكون له وجه. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وبعدما فرغ منهما علم بفساد أحدهما، ومقتضى قاعدة الفراغ هو الحكم بالصحّة في كلّ منهما، فهنا يجري الكلام السابق بعينه.
فإن قلنا: بجريان الأُصول في الطرفين، فكلّ صلاة تجري فيها قاعدة الفراغ فلا حاجة إلى إعادتها، فهذا العلم الإجمالي غير منجّز أصلاً، لانحفاظ مرتبة الحكم الظاهري في كلّ منهما.
وإن قلنا: إنَّ هذا لا يمكن، وبنيّنا على جريان الأُصول في بعض الأطراف دون بعض، فيجب عليه الإتيان بأحدهما فقط؛ حذراً من المخالفة القطعيّة، ولا يجب عليه الإتيان بهما معاً، وتجري قاعدة الفراغ في أحدهما لا بعينه، فإنَّ الفاسد أحدهما والأخرى صحيحة، فالصلاة التي أعادها صحيحة(1) وجداناً، والأخرى تثبت صحّتها القاعدة، فلا تجب الموافقة القطعيّة، وإنّما تحرم المخالفة القطعيّة.
ــــــــــ[149]ــــــــــ
() هذا يصحّ على هذا المبنى لو أجرى قاعدة الفراغ في الظهر وأعاد العصر، إذ تكون العصر صحيحة في نفسها وجداناً وواجدة لشرطها، وهو: سبق الظهر بقاعدة الفراغ، وأمّا إذا أعاد الظهر فلا يمكنه الاكتفاء بما صلاه من صلاة العصر؛ لأنّ معناه: أنّه حكم ببطلان الظهر، ومعه لا يمكنه أن يحكم بصحّة العصر، لكونها شرطاً فيها، ولابدَّ من إعادتهما معاً، كما هو واضح. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وإن قلنا: بأنَّ قاعدة الفراغ لا تجري في شيء من الطرفين، لأجل المانع الثبوتي أو الإثباتي، فالعلم الإجمالي منجّز لهما معاً، فيجب إعادتهما معاً.
ــــــــــ[150]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ويقع الكلام في ضمن أمور:
والنزاع هنا يرجع إلى مقام الثبوت والإمكان العقلي لهذا الجعل، فقد نفرض أنّ العلم الإجمالي متعلّق بحكم إلزامي، ويجعل الحكم الظاهري بالترخيص على خلاف المعلوم بالإجمال في تمام الأطراف، وقد يفرض أنَّ العلم الإجمالي متعلّق بحكم غير إلزامي، ويجعل الحكم الظاهري الإلزامي في جميع الأطراف.
فعلى الفرض الأوّل، وهو: أنَّ المعلوم بالإجمال حكم إلزامي، فبما أنَّ المفروض أنَّ هذا الحكم واصل إلى المكلّف كبرى وصغرى، للعلم بحرمة شرب الخمر على الفرض، ويعلم أنَّ له صغرى متحقّقة في ضمن أحد أمرين مثلاً، فهو يعلم بحرمة شرب أحد الإناءين، وإنّما هو فاقد للتميّيز، ولا يدري أنَّ الحرمة الواقعيّة في الإناء الشرقي أو الغربي.
فبما أنَّ العقل لا يجوّز الترخيص في المعصية في موارد العلم التفصيلي فكذلك هنا، فلا يجوز للمولى الترخيص بشرب الخمر مع فرض كونه حراماً. نعم، قد يكون هنا تخصيص ترتفع فيه الحرمة كالإكراه والضرورة، ولكن إذا
ــــــــــ[151]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فرضنا أنَّ الحكم ثابت فلا يجوّز العقل الترخيص بالعصيان، ولا فرق بين العلم التفصيلي والإجمالي، إلّا في التميّيز وعدمه، ومن المعلوم أنَّ التميّيز غير دخيل في فعليّة الحكم. إذن، جعل الحكم الظاهري قبيح من المولى.
فإن قيل: إنَّ الترخيص ثابت في كلّ واحد واحد من أطراف العلم، وكلّ واحد ليس حكمه معلوماً، فتكون مرتبة الحكم الظاهري –وهي الشكّ– محفوظة، فأيّ مانع من الترخيص في كلّ من الطرفين في نفسه، وقياسه على العلم التفصيلي الذي لا تكون فيه مرتبة الحكم الظاهري محفوظة في غير محلّه.
وهذه الشبهة مندفعة بأنَّ الترخيص في أحد الطرفين إذا لم يكن مقروناً بالترخيص في الطرف الآخر فلا كلام لنا فيه، وهو أمر ممكن، ومرتبة الحكم الظاهري محفوظة، وليس فيه احتمال الترخيص في المعصية؛ لأنَّ المفروض أنَّ الحكم لم يصل من هذا الطريق.
وأمّا إذا فرض أنَّ الترخيص في أحد الطرفين مقرون بالترخيص في الطرف الآخر في عرضه، وكلاهما موجود بالفعل، فيقتضي الترخيص بشرب الخمر المعلوم وجوده، ولا يفترق العلم الإجمالي عن التفصيلي إلّا بالتميّيز، فلا يجوز الترخيص في الطرفين، بأنَّ يحكم الشارع بإباحة كلّ منهما على نحو الاستغراق، فإنّه يؤدّي إلى الترخيص بشرب الخمر المعلوم حرمته، مع أنَّ المفروض ثبوت الحرمة لذات الخمر، من دون تقيّيد بالتميّيز.
ولا يفرق في ذلك بين أن يكون الحكم المجعول أمارة، أو أصل تنزيلي، أو أصل غير تنزيلي، فإنَّ المانع ثبوتي لا إثباتي، فالعقل لا يجوّز الترخيص في شرب
ــــــــــ[152]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الخمر الواقعي في البين، فجعل الحكم الظاهري غير معقول في نفسه.
وعلى هذا يترتّب: أنَّه لو فرضنا عموم أدلّة الأُصول لأطراف العلم الإجمالي، فلابدَّ من التخصيص ورفع اليد عن العموم، لأنَّ المانع ثبوتي، وأنَّ جعل الحكم الظاهري على خلاف المعلوم بالإجمال، وهذا غير معقول في نفسه، فلا تصل النوبة إلى مرحلة الإثبات، ولا ينظر في دلالة الدليل. هذا إذا كان المعلوم بالإجمال حكم إلزامي.
وعلى الفرض الثاني، وهو: أنَّ المعلوم بالإجمال حكم غير إلزامي، ولكن الأصل الجاري في الأطراف أصل مثبت للتكليف الإلزامي، قد يفرض أنَّ الحكم الإلزامي الظاهري يستفاد من أصل غير تنزيلي، وأخرى من أصل تنزيلي، وثالثة يستفاد من الأمارة.
فإذا فرضنا أنَّ الاصل غير تنزيلي فلا ينبغي أن يشكّ في جريان الأصل في تمام الأطراف بلا محذور أبداً، كما إذا فرض أنّه علم بصحّة إحدى الصلاتين وفساد الصلاة الأخرى بلا تميّيز كما في صلاة المغرب والعشاء، فيعلم إجمالاً أنَّ إحداهما صحيحة والأخرى فاسدة بلا تميّيز، فالعلم بصحّة إحدى الصلاتين موجود، ولكن تجري قاعدة الاشتغال في كلّ من الطرفين على خلافه، فإنّ كلّ طرف تعلّق به التكليف جزماً، ولا يعلم بالفراغ عنه، فإن جرت قاعدة الفراغ فلا إشكال، وإن لم تجر، لأنّها مخالفة للعلم الإجمالي بفساد إحدى الصلاتين، فتسقط القاعدتان في صلاة المغرب وصلاة العشاء بالتعارض، فتصل النوبة إلى أصالة الاشتغال، ونحكم بوجوب الإتيان بكلا الصلاتين، وبها يثبت حكم
ــــــــــ[153]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ظاهري على خلاف المعلوم بالإجمال، إذ إنّنا نعلم بأنَّ أحد الصلاتين صحيحة، وهذا لا يترتّب عليه أيّ محذور غير المخالفة الالتزاميّة، وهي ليست بمحذور، فلا مانع من جريان الأصل في الطرفين.
وبالنقيض من هذا الطرف الأمارة الجارية في طرفي العلم الإجمالي، كما لو علمنا بطهارة أحد الإناءين ونجاسة الآخر، بحيث لا نحتمل نجاستهما معاً، ولا طهارتهما معاً، وقامت بيّنةٌ على أنَّ الإناء الشرقي نجس، وقامت بيّنة أخرى على أنَّ الإناء الغربي نجس، فهل يمكن الأخذ بكلتا البيّنتين، وإثبات الحكم الظاهري على خلاف المعلوم بالإجمال، فيقال: بحجّيّة كلتا البيّنتين، كما قلنا في أصالة الاشتغال في الصورة السابقة، أو تتساقط البيّنتان ولابدَّ من الرجوع إلى أصل آخر.
الظاهر بل الواقع عدم إمكان الأخذ بالبيّنتين، وذلك: باعتبار أنَّ البيّنة كما هي حجّة بالدلالة المطابقيّة، كذلك هي حجّة بدلالتها الالتزاميّة، فالبيّنة الدالّة على نجاسة الإناء الشرقي تدلّ على طهارة الإناء الغربي وبالعكس، لأنَّ المفروض العلم بطهارة أحدهما، فكلّ إناء منهما قامت البيّنة على نجاسته بالمطابقة، وعلى طهارته بالالتزام، ومعلوم أنَّ البيّنة لا تكون حجّة في المتناقضين، فلا محالة تتساقط البيّنتان.
وإن كان المعلوم بالإجمال حكماً غير إلزامي، ومدلول البيّنة حكم إلزامي، ففي مثل ذلك لا يفرق بين أن يكون المعلوم بالإجمال حكماً إلزاميّاً أو كان حكماً غير إلزامي، فلو كان الحكم المعلوم إلزاميّاً، ودلّت البيّنتان على حكم غير إلزامي، ففيه محذوران:
ــــــــــ[154]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أحدهما: دلالة البيّنة على المتناقضين.
ثانيهما: الترخيص بالمعصية مع العلم الاجمالي بوجود التكليف الالزامي.
نعم، يبقى الكلام في الأمر المتوسّط بين الأمارة والأصل غير المحرز، وهو: الأصل المحرز، كالاستصحاب أو قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز، بناءً على أنّهما أصلان لا أمارتان -كما هو الظاهر- ولا تثبت لوازمهما.
فإذا كان المعلوم بالإجمال حكماً إلزاميّاً، ومفاد الأصل حكماً غير إلزامي، فلا اشكال في عدم جريانه، كما في إناءين كان كلّ منهما طاهراً، ولاقت النجاسة أحدهما لا بعينه، فهنا لا يمكن الرجوع إلى استصحاب الطهارة في كلّ طرف، فانَّ فيه ترخيصاً في المعصية على ما ذكرناه، وقلنا: انه لا يفرق في ذلك بين الأمارة والأصل غير المحرز والأصل المحرز.
وأمّا إذا كان المعلوم بالإجمال غير الزامي، فهل يجري الأصل المحرز في تمام الأطراف فيما لو كان مثبتاً للتكليف، كما لو كان الإناءان معلومي النجاسة تفصيلاً، ثُمَّ اصاب المطر أحدهما فطهر، ولم يتميّز الطاهر من النجس، فهل يمكن جريان استصحاب النجاسة في كلّ منهما على خلاف المعلوم بالإجمال، الذي هو طهارة أحدهما، أو لايمكن؟
ذهب شيخنا الأُستاذ(1) وفاقاً للشيخ الأنصاري(2) إلى عدم جريانه، بدعوى: أنَّ الأصّل المحرز متعلّق بالجري العملي على طبق المؤدّى بعنوان أنَّه هو الواقع،
ــــــــــ[155]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 52.
(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 213.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ومعه كيف يمكن البناء على خلاف العلم الوجداني؟ فإنّنا نعلم إجمالاً أنَّ أحدهما طاهر، فكيف يمكن البناء على أنَّ كليهما نجس، فإنَّ الموجبة الجزئيّة تنافي السالبة الكلّيّة وبالعكس، وإذا كان ممتنعاً ثبوتاً لاتصل النوبة إلى مرحلة الاثبات والاستظهار في الأدلّة.
ولكن الظاهر أنَّ ما افاده لا يتمّ، وهذا يختصّ بالأمارة باعتبار حجّيّتها بالدلالة الالتزاميّة، وأمّا الأصل –حتّى إذا كان محرزاً– فلا تكون دلالته الالتزاميّة حجّة، لأنَّ الأصل المثبت ليس بحجّة، فإنّ الأَصل يثبت مجراه دون لوازمه، وذلك: لأنَّ الأَصل يجري في كلّ واحد من الطرفين، لا في مجموع الطرفين، فإنّنا تارة نجري الاستصحاب في المجموع استصحاباً واحداً، فنقول: هذان الإناءان كانا نجسين ونشكّ بطهارتهما، وهذا لا يمكن، إذ ليس لنا شكّ بأنَّ الإناءين لم يبقيا على نجاستهما معاً، فاستصحاب نجاستهما لا يمكن، فإنَّ العلم بطهارة أحدهما لا يجتمع مع العلم بنجاسة الطرفين.
وأمّا جريانه في كلّ واحد من الطرفين فهو ممكن، والمفروض أنَّ كلّ واحد منهما أركان الاستصحاب فيه متوفرّة، فإنّ الاستصحاب يتقوّم باليقين السابق والشكّ اللاحق، وكلّ واحد من الإناءين كان متيقّن النجاسة، ونشكّ في بقاءها، فإذا تحقّقت أركان الاستصحاب في كلّ من الطرفين لا مانع من جريان الاستصحاب فيهما، ولا يبقى إلّا اليقين بمخالفة أحد الأصلين للواقع، وليس في الأصل دلالة التزاميّة، بعدما فرضنا أنَّ الأصل المحرز كغير المحرز لا يختلف عنه في عدم حجّيّة دلالته الالتزاميّة، فيكون مثله قابلاً للجريان في أطراف
ــــــــــ[156]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
العلم الإجمالي، ومجرّد كون الأصل المحرز ناظراً إلى الواقع، وغير المحرز لا نظر له إليه، لا يكون فارقاً في المقام.
فالظاهر أنَّه لا مانع من جعل الأصل في أطراف العلم الإجمالي، حتّى إذا كان محرزاً فيما إذا كان مفاد الأصل حكماً إلزاميّاً، والمعلوم بالإجمال حكم غير إلزامي.
وقد التزم بمثل ذلك في قاعدة الفراغ والاستصحاب، كما لو كان مجنباً وصلى، ثُمَّ شكّ أنّه اغتسل قبل الصلاة، أو لم يغتسل، فهنا قالوا(1): إنَّ قاعدة الفراغ تجري لتصحيح هذه الصلاة، لأنّه شكّ في العمل بعد الفراغ، فلابدَّ من الحكم بالصحّة، ولكن بالنسبة إلى الصلوات الآتية ليست قاعدة الفراغ أمارة ليثبت بها لوازمها، وهو: الغسل، فلا يثبت أنَّه قد اغتسل، بل يثبت أنَّ الصلاة صحيحة.
أمّا أنَّ جنابته قد ارتفعت أو لا، فلا يثبت بقاعدة الفراغ، ومقتضى الاستصحاب الحكم بكونه محدثاً، ولابدَّ من الغسل للصلوات الآتية، وأمضاه شيخنا الأستاذ في حاشيته على العروة وغيره(2).
فلو فرضنا أنَّ الأصل المحرز لا يجري في أطراف العلم الإجمالي إذا كان مفاده غير إلزامي، فكيف يمكن الحكم بجريان قاعدة الفراغ مع استصحاب
ــــــــــ[157]ــــــــــ
(1) انظر: العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام (قدّس الله أسرارهم)) 1: 522، مستمسك العروة الوثقى 3: 136.
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 480.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
النجاسة، مع أنّنا نعلم بأنَّ أحدهما كاذب يقيناً، للعلم بالملازمة بين صحّة الصلاة وارتفاع الجنابة، وبين بقاء الجنابة وبطلان الصلاة، ومع ذلك قد فكّكنا بين المتلازمين، فحكمنا بصحة الصلاة وبقاء الجنابة. إذن، فالاستصحاب من هذا القبيل أيضاً.
وكيف ما كان، فلا ينبغي الإشكال في جريان الأصل في تمام الأطراف، إذا لم يكن فيه مخالفة قطعيّة، ولم يكن الحكم الظاهري مستفاداً من أمارة.
هذا تمام كلامنا في عدم إمكان جعل الحكم الظاهري في أطراف العلم الإجمالي إذا كان المعلوم حكماً إلزاميّاً.
والظاهر هو الإمكان؛ إذ ليس في ذلك ترخيص في المعصية، وكلّ واحد من الأطراف محفوظ فيه الشكّ، فهو قابل للتعبّد، والمانع كان هو ضمّ الطرف الآخر إلى هذه الأطراف، فإنَّ فيه ترخيصاً في المعصية، وإذا رفعنا اليد عن الضميمة فأيّ مانع يبقى عن جريان الأصل في الأطراف؟
فلا يزيد المعلوم بالإجمال عن المعلوم بالتفصيل، ففي صورة العلم التفصيلي يجوز للشارع الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي، كما في مورد قاعدة التجاوز وقاعدة الفراغ، فلو شكّكنا بالإتيان بالركوع بعد الدخول في السجود، فنبني على صحّة الصلاة، مع أنّنا نعلم بالتكليف ونحتمل بطلان الصلاة، فإذا أمكن هذا في مورد العلم التفصيلي، فما هو المانع من اكتفاء الشارع بالامتثال الاحتمالي في أطراف العلم الإجمالي؟ فلو علمنا إجمالاً بوجوب القصر والتمام فيجوز أن
ــــــــــ[158]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
يكتفي الشارع بأحد الطرفين. نعم، الجمع بينهما وضمّ أحدهما إلى الآخر لا يمكن فإنَّه ترخيص بالمعصية، ولكن بلا ضمّ يجري في أحدهما المعيّن أو غير المعيّن، ويكون التعيّين بيد المكلّف، فعندئذ لا مانع منه.
وهذا معنى أنَّ العلم الإجمالي بالنسبة إلى مرحلة المخالفة القطعيّة علّة تامّة، فلا يجوز للمولى الترخيص في تمام الأطراف، وأمّا بالنسبة إلى الموافقة القطعيّة فهو مقتضٍ ومتوقّف على ترخيص الشارع في بعض الأطراف وعدمه، فإن رخّص في بعض الأطراف لا تجب الموافقة، وإن لم يرخص وجبت.
ولكنّ صاحب الكفاية(1) ذهب إلى عدم الفرق بين المخالفة القطعيّة والموافقة القطعيّة، فقال ما ملخصه: إذا جاز ترك الموافقة القطعيّة جاز الترخيص بالمخالفة القطعيّة، وإذا لم يجز الترخيص بالمخالفة القطعيّة لم تجب الموافقة القطعيّة.
وحاصل كلامه في المقام: أنَّ التكليف الواقعي إن وصل إلى المكلّف بالعلم التفصيلي يكون فعليّاً من تمام الجهات لا محالة، فلا يمكن الترخيص في مخالفته، وأمّا إذا وصل إليه التكليف إجمالاً فإن كان التكليف المعلوم بالإجمال فعليّاً من تمام الجهات بحيث لا يرضى المولى بمخالفته القطعيّة، فكما لا يجوز الترخيص بمخالفته القطعيّة، كذلك لا يجوز الترخيص بترك الموافقة القطعيّة، ولا يمكن تجويز الارتكاب في بعض الأطراف، فإنَّ الترخيص في تمام الأطراف فيه القطع بالمخالفة، والترخيص في بعض الأطراف فيه احتمال المخالفة، وكما لا يمكن ــــــــــ[159]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 273.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
القطع باجتماع النقيضين، كذلك لا يمكن احتمال اجتماعهما، وكذلك في الضدّين.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الحكم الواقعي ليس فعليّاً من تمام الجهات ومرتبة الحكم الظاهري محفوظة، فكما يمكن الترخيص في بعض الأطراف، كذلك يمكن الترخيص في تمامها، وليس فيه إلّا مناقضة الحكم الظاهري للواقعي، وهذا لا بأس به، فإنَّ الذي لا يمكن هو الترخيص بترك الحكم الفعلي من تمام الجهات، لا الحكم الفعلي من بعض الجهات.
والحاصل: أنَّ الفرق من ناحية المعلوم لا من ناحية العلم، فالمعلوم لو كان فعليّاً من تمام الجهات لا تجوز مخالفته ولو في بعض الأطراف، سواء كان تفصيليّاً أو إجماليّاً.
وأمّا إذا لم يكن المعلوم فعليّاً من تمام الجهات- والتفصيلي لا يمكن أن يكون كذلك، ولكن العلم الإجمالي يمكن أن يكون كذلك – فتجوز مخالفته في تمام الأطراف وفي بعضها. فالفرق بين العلمين ليس من ناحية الانكشاف والعلم، بل من ناحية المعلوم.
وقد مرّ في غير مورد: أنّه لا معنى لدخل شيء في فعليّة الحكم ووصوله إلى مرتبة البعث والزجر، إلّا أن يكون الشيء دخيلاً في موضوع الحكم، وقلنا(1): إنَّ الحكم له مرتبتان، ولا نتصور غيرهما، مرتبة الإنشاء والجعل على نحو القضية الحقيقيّة، وفرض وجود الموضوع خارجاً، كقوله: الخمر حرام، ولِلَّـهِ عَلَى
ــــــــــ[160]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 64.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا(1)، فيفرض المستطيع ويحكم بوجوب الحجّ، وفي هذه المرحلة لا نحتاج إلّا إلى فرض وجود الموضوع وتقديره، فقد يفرض أنَّ ما يفرض وجوده يوجد في الخارج، ويخرج من دائرة الفرض والتقدير إلى دائرة الوجود والتحقّق، فيوجد المستطيع في الخارج، وإذا كان الموضوع موجوداً بتمام قيوده الوجوديّة والعدميّة يستحيل أن لا يكون الحكم فعليّاً، لأنَّ الحكم كان مجعولاً على تقدير وجوده، فلو لم يوجد الحكم مع وجود موضوعه لكان خلفاً، لفرض أخذه مقدّر الوجود، وقلنا(2): إنَّ نسبة الموضوع التامّ إلى الحكم أشبه شيء بالعلّة التامّة إلى المعلول، ففرض أنَّ الموضوع يوجد ولا يكون الحكم فعليّاً فيه خلف للظاهر، لفرض أنّه مفروض الوجود.
فعلى هذا نقول: إنَّ قوله المتقدّم –الحكم المعلوم بالإجمال إذا كان فعليّاً من تمام الجهات فلا يجوز الترخيص في مخالفته القطعيّة ولا الاحتماليّة، وإن لم يكن فعليّاً لجاز من كلا الجهتين– المراد به أنَّ العلم التفصيلي مأخوذ في موضوع الحكم، فلا يكون في مورد العلم الإجمالي فعليّاً، فهذا خلاف الفرض، وليس علماً إجماليّاً بالحكم، لأنَّه مع أخذ العلم التفصيلي فيه نقطع بعدم الحكم عند وصوله بنحو الإجمال، على أنَّه مخالف لما دلّ على اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل.
وإن أراد أنَّ العلم التفصيلي غير مأخوذ في موضوع الحكم، فمع ذلك لا يكون الحكم فعليّاً في مورد العلم الإجمالي، فمعنى ذلك تخلّف الحكم مع وجود
ــــــــــ[161]ــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
(2) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 167.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
موضوعه، وهو معقول لأنَّه إذا وجد الموضوع بتمام خصوصيّاته، ومع ذلك لا يكون الحكم فعليّاً، ففرق بين العلم التفصيلي والإجمالي من جهة الاختلاف في المعلوم، والملازمة بين الترخيص الموافقة القطعيّة والترخيص المخالفة القطعيّة غير صحيح.
وقد يقرّب ما ذكره بوجه آخر لبعض تلامذته(1)، وهو: دعوى التلازم بين الأمرين، وأنَّه إذا لم تجز المخالفة القطعيّة لم تجز الموافقة القطعيّة، وذلك بأن يقال: إذا تعلّق العلم الإجمالي بحكم إلزامي، فالحكم الإلزامي قد انكشف للمكلّف تفصيلاً بما هو إلزام، وإنَّما الإجمال من جهة الانطباق.
وبعبارة أخرى: العلم هو الانكشاف، وليس فيه إجمال أو تفصيل، غاية الأمر: قد يكون المنكشف شخصاً، وقد يكون جامعاً، والانكشاف في كلّ حال لا نقص فيه ولا قصور، والإجمال إنّما هو في انطباق المعلوم بالإجمال على الخارج، ولا نعلم أنّه منطبق على هذا الفرد أو ذاك، فما نشكّ فيه غير ما نعلمه، ويستحيل أن يكون متعلّقهما واحد.
فبما أنَّ الجامع معلوم لنا فقد تنجّز الجامع بالعلم، لأنَّ العلم طريق إلى الواقع، وطريقيّته ذاتيّة. إذن، يكون الاحتمال في كلّ من الطرفين احتمالاً للتكليف المنجّز الذي يستحقّ العقاب على مخالفته، ومعه لا معنى للترخيص في مخالفته، وليس الترخيص في مخالفة هذا العلم إلّا كالترخيص في مخالفة العلم التفصيلي، فلا فرق بينهما من هذه الجهة. إذن، فكما لا يمكن الترخيص
ــــــــــ[162]ــــــــــ
(1) انظر: المحشّى 3: 120.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
بالمخالفة القطعيّة لا يمكن الترخيص(1) بالموافقة القطعيّة.
والجواب عنه: أنَّ العلم بالجامع وإن كان وصولاً للواقع، إلّا أنّه لا يقتضي لزوم الاجتناب إلّا عن الجامع، لا عن كلّ واحد، فإنَّ كلّ واحد مشكوك فيه، ولا يعلم أنَّه حرام، والذي نعلمه هو الجامع.
ودعوى أنَّ الجامع قد تنجّز والاحتمال احتمال للتكليف المنجّز مردودة، بأنَّ التنجيز إنَّما يحصل نتيجة التعارض بين الأصول، فإذا جاز جريان الأصل في الأطراف لا يكون منجّزاً بهذا المقدار، وقلنا: إنَّه كما يمكن للشارع الاقتصار على الامتثال الاحتمالي في العلم التفصيلي، كذلك يمكن في العلم الإجمالي.
والحاصل: أنَّ فرض الجامع منجّز غير مطابق للواقع، وإلّا فالتنجيز فرع عدم تعارض الأُصول في الأطراف، وإلّا فوصول الواقع لا يستلزم تنجيزه في كلّ طرف.
والذي يكشف عمّا ذكرناه: أنّه قد يكون الأُصول في الأطراف غير متعارضة فتكون جارية، ولا يكون العلم الإجمالي منجّزاً، كما لو كان إناءان أحدهما مستصحب النجاسة، والآخر مقطوع الطهارة، فوقعت نجاسة في أحدهما، فهنا لا يتعارض الأصلان، فإنَّه يجري في أحدهما أصالة الطهارة، وفي الآخر استصحاب النجاسة، فلا تتعارض الأُصول، مع أنَّ العلم(2) بالجامع موجود جزماً.
ــــــــــ[163]ــــــــــ
() يعني: بتركها. (المقرّر).
(2) هذا القياس غريب، فإنَّ العلم بالجامع هنا لا أثر له، لأنّه على أحد التقديرين أنّه وقع في الإناء المستصحب النجاسة، ومعه لم يتغيّر حال التكليف في وجوب الاجتناب عنه وجواز ارتكاب الآخر، فهذا العلم الإجمالي ليس علماً بالتكليف المنجّز على أيّ حال، وكلام المستشكل إنّما هو في العلم الإجمالي المنجّز على أيّ حالٍّ. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إذن، فالعبرة بتعارض الأُصول، فلابدَّ من البحث في مرحلة (مقام) الإثبات وظواهر الأدلّة -بعد الفراغ عن مقام الثبوت- من أنَّنا لا نرى أيَّ مانع عن جريان الأُصول في بعض الأطراف أو في جميعها لو كان المعلوم بالإجمال حكماً غير إلزامي، وكان الأصل إلزاميّاً غير الأمارة كما سبق.
كما في إناءين يكون كلّ منهما مسبوقاً بالنجاسة، وعلمنا بطهارة أحدهما، فهل يشمل الأطراف بعد فرض الإمكان؟
ذكر شيخنا الأنصاري(1): عدم إمكان ذلك؛ بدعوى: مناقضة الصدر مع الذيل في أدلّة الأصول في مثل قوله: “كلّ شيء حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه“(2) أو قوله: “لا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ ولكن تنقضه بيقين آخر“(3). فإنَّ مقتضى إطلاق الصدر شموله للعلم الإجمالي كما يشمل الشبهات البدويّة، فإنَّ طرف العلم الإجمالي أيضاً مشكوك فيه فيشمله الأصل، ولكن إطلاق الذيل (ولكن تنقضه بيقين آخر) مطلق شامل للعلم التفصيلي والإجمالي معاً، ومقتضاه حصول اليقين الرافع لموضوع الحكم الظاهري، فلا يجري الاستصحاب، ومن الظاهر: أنَّ السالبة الكلّيّة تناقضها الموجبة الجزئيّة
ــــــــــ[164]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 3: 410.
(2) الكافي 5: 313، باب النوادر، الحديث: 40.
(3) وسائل الشيعة 1: 245، الباب 1، باب أنَّه لا ينقض الموضوع إلّا اليقين بحصول الحدث دون الظنّ والشكّ، الحديث: 1.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وبالعكس، وكلّ طرف فيه وإن كان مشكوكاً ولكن مقتضى العلم الإجمالي هو سقوط الأصل في بعض الأطراف لتبدّله إلى اليقين؛ لأنَّ العلم الإجمالي متعلّق بالبعض، فيكون بهذا الاعتبار مشمولاً للذيل.
فلو فرضنا ثلاثة أواني علمنا بنجاستها جميعاً تفصيلاً، ثُمَّ علمنا بطهارة واحد منها إجمالاً، فمقتضى قوله: (لا تنقض اليقين بالشك) الحكم بنجاسة كلّ واحد من الأواني؛ لأنَّه متيقّن النجاسة سابقاً ومشكوك النجاسة بقاءً، ولكن مقتضى إطلاق الذيل – حيث إنَّه شامل للعلم الإجمالي أيضاً – وجوب النقض في أحد الأواني لا بعينه؛ لأنّنا نعلم إجمالاً بالنقض، ومعلوم أنَّ السالبة الكلّيّة تناقضها الموجبة الجزئيّة.
فلابدَّ -من جهة هذه المناقضة- من رفع اليد إمّا عن إطلاق الصدر فنمنع عن شموله لتمام الأطراف، أو عن إطلاق الذيل فنلتزم أنَّ اليقين يراد به خصوص العلم التفصيلي دون الإجمالي، والجمع بين الإطلاقين غير ممكن، وحيث إنَّه لا مرجّح في البين فيتساقطان، وحينئذٍ لا يبقى دليل على جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي، ومن هنا ذكر: أنَّ دليل الإثبات قاصر، وإن بنيّنا على عدم الإمكان ثبوتاً. هكذا أفاده.
وأورد عليه صاحب الكفاية(1):
أوّلاً: أنَّ بعض أدلّة الاستصحاب وإن كان فيه هذا الذيل، إلّا أنَّ بعضها غير مذيّل، كما في الصحيحة الأولى: “إلّا أنّه على يقين من وضوءه ولا ينقض
ــــــــــ[165]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 432.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
اليقين بالشكّ أبداً“(1)، فلنفرض أنَّ المعارضة بين الصدر والذيل أوجبت في الدليل المذيّل إجمالاً، إلا أنَّ إجماله لا يسري إلى دليل آخر، فلو فرضنا أنَّ تلك الرواية المذيّلة كأنّها لم تكن لكفت الروايات غير المذيّلة، ولا مانع من الأخذ بإطلاقها.
ثانياً: أنَّ ما ذكره مبني على ثبوت الإطلاق في الذيل، وهو قوله: “ولكن تنقضه بيقين آخر“، وأنَّه شامل للعلم الإجمالي، وهو ممنوع جدّاً، وذلك: لأنَّه لابدَّ أن يكون اليقين الثاني متعلّقاً بما تعلّق به اليقين الأوّل في قوله: “لا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ ولكن تنقضه بيقين آخر“(2)، وإلّا فليس كلّ يقين ناقضاً لكلّ يقين، فاليقين بحياة زيد لا ينقض باليقين بطلوع الشمس، فاليقين الآخر لابدَّ أن يكون متعلّقاً بما تعلّق به اليقين الأوّل.
فإذا كان اليقين الأوّل متعلّقاً بنجاسة هذا الإناء بعينه، ونجاسة ذاك بعينه، فاليقين الآخر لابدَّ أن يكون متعلّقاً بطهارة هذا الإناء بعينه أو ذاك بعينه ليكون ناقضاً لليقين الأوّل. أمّا العلم الإجمالي بطهارة أحدهما فلا يكون ناقضاً. إذن، ليس في هذا الذيل إطلاق ليكون معارضاً.
فالصحيح أنّه لا مانع من شمول أدلّة الأُصول لأطراف العلم الإجمالي كشمولها للشبهات البدويّة، فإذا كان الإشكال الثبوتي منتفيّاً، وأمكن جريانها في تمام الأطراف ولو في بعض الصور، وهو: ما إذا كان الحكم المعلوم بالإجمال
ــــــــــ[166]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 422، الباب 22، تطهير البدن والثياب من النجاسات، الحديث: 8.
(2) تقدّم تخريجه قبل قليل.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
غير إلزامي، وكانت الأُصول الجارية في أطرافه مثبتة للتكليف الإلزامي، فالدليل شامل ولا قصور فيه.
وثمرة هذا النزاع يظهر في ترتيب آثار النجاسة على الملاقي، فإنّنا إذا قلنا بأنَّ الاستصحاب لا يجري، فيجب الاجتناب عن الطرفين من جهة العلم الإجمالي، والمترتّب على العلم الإجمالي، هو: وجوب الاجتناب عن الطرفين، وأمّا نجاسة الملاقي فلا؛ لأنَّ العلم الإجمالي إنّما ينجّز بالمقدار المعلوم بالإجمال لا أزيد، فالملاقي لا ندري أنّه لاقى النجس أو لا، فنحكم بطهارته.
فيكون حال هذه الصورة حال ما إذا قلنا بجريان الاستصحاب في صورة ما إذا كان الإناءان طاهرين، وعلمنا بنجاسة أحدهما لا بعينه، فإنّنا لم نحكم بنجاسة الملاقي هناك، فلابدَّ أن لا نحكم بها هنا، فالمسألتان من واد واحد، فإنَّه لا يترتّب على العلم الإجمالي إلّا تنجيز المعلوم بالإجمال دون سائر الأحكام، فلو علمنا إجمالاً بخمريّة أحد الإناءين، وشرب أحدهما عامداً غير معتنٍ لم يجرِ عليه الحدّ لعدم إحراز أنّه خمر.
والحاصل: أنَّ العلم الإجمالي لا يترتّب عليه إلّا تنجيز الواقع، وأنّ المرتكب إذا صادف الواقع يستحقّ عليه العقاب، فلا يحكم بنجاسة الملاقي، وسيأتي الكلام فيه.
وأمّا إذا بنيّنا على جريان الاستصحاب فيحكم بنجاسة الملاقي، فإنَّه نجس بحكم الاستصحاب، فيجب الاجتناب عنه، بناءً على ما قلناه من إمكان جعل الحكم الظاهري في تمام الأطراف وشموله لها.
ــــــــــ[167]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
يبقى الكلام في شمول الدليل لبعض الأطراف دون بعض، فيما إذا لم يمكن الجعل في تمام الأطراف، كما لو كان المعلوم حكماً إلزاميّاً، فهل الدليل يكون شاملاً لبعض الأطراف، بعد امتناع شموله للكلّ؟
قد يقال: إنَّ الاستصحاب يجري في بعض الأطراف، وان لم يكن جارياً في الكلّ.
ولكن الظاهر عدم الجريان، فإنَّ جريان الأصل بعد أن لم يمكن جريانه في الجميع، إن كان يراد جريانه في طرف بعينه فهو ترجيح بلا مرجّح؛ لأنَّ كّلاً منهما قابل لأن ينطبق عليه عنوان المشكوك فيه، فيجري فيه الأصل في نفسه، فشمول الأصل لأحدهما دون الآخر مع اشتراكهما في الملاك بلا موجب، وترجيح بلا مرجّح.
نعم، يبقى الكلام في دعوى جريانه في عنوان أحدهما لا بعينه من دون تشخيص، فيقال: إنَّ أحد الأناءين معلوم النجاسة، ولكن الآخر -بعنوانه الكلّي الجامع- مشكوك في طهارته ونجاسته، فتجري فيه أصالة الطهارة ويثبت به طهارة أحدهما.
وهذا الأصل أيضاً لا يمكن جريانه فيما إذا كان الآخر مقطوع الطهارة، اذ لا معنى لجريان الأصل فيما إذا علمنا أنَّ الشيء طاهر، أو علمنا أنَّه نجس، كما لو علمنا إجمالاً بنجاسة أحدهما وطهارة الآخر، أو علمنا بحرمة أحدهما وحلّيّة الآخر. فهنا نعلم بطهارة أحدهما من دون تميّيز، فأين الشكّ حتّى يجري الأصل؟
ــــــــــ[168]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
والمفروض أنَّ دليل الأصل لا يشملها جمعاً، ولا يشمل أحدهما المعيّن، وعنوان أحدهما ليس بمشكوك فيه، بل مقطوع الطهارة أو الحلّيّة، فلا موضع لجريان الأصل في عنوان أحدهما لا بعينه.
ولو فرضنا أنّه مشكوك فيه، كما لو كان إناءان طاهرين جزماً ووقع في أحدهما نجاسة يقيناً ونحتمل وقوعها في الآخر أيضاً، فهنا المعلوم هو أحدهما، ولكن من المحتمل أن يكون كلاهما نجساً، وفي مثل ذلك يمكن جريان الأصل في الواقع لا بعينه، فيقال: إنَّ أحدهما لا بعينه معلوم النجاسة، لكن الآخر مشكوكها، فتجري فيه أصالة الطهارة أو الحلّ، إلّا أنّه لا يترتّب عليه الأثر المرغوب فيه في محلّ الكلام، وهو: جواز ارتكاب أحدهما، فإنّه حتّى مع القطع بحلّيّة أحدهما لم يجز ارتكاب أيّاً منهما، لتنجّز العلم الإجمالي وسقوط الأصل في الطرفين، فإذا لم يكن للقطع أثر، فماذا يترتّب على الحكم بالطهارة شرعاً وتعبّداً؟ فمع جريان الأصل لابدَّ من الاجتناب عنهما لعدم المؤمّن في كلّ واحدٍ واحدٍ، وإن علم جزماً أو تعبّداً أن أحدهما الواقعي طاهر.
ولكن قد يقال: إنَّ الأصل يجري في أحدهما لا بعينه لا بذاك النحو، ليقال: إنّه لا أثر له، بل يجري الأصل في كلّ منهما، لكن مقيّداً بعدم الآخر واجتنابه، وهذا لا مانع منه، ونتيجته: الحكم بحلّيّة أو طهارة أحدهما لا بعينه، وأيّ منهما اختار المكلّف تجري فيه أصالة الحلّ، وليس ترجيحاً بلا مرجح، وكلّ منهما يجري فيه الأصل، لكن لا جمعاً حتّى تلزم المخالفة القطعيّة، بل يجري في كلّ منهما بشرط عدم ارتكاب الآخر، وهذا لا محذور فيه، ونتيجته: هو أن يتخيّر
ــــــــــ[169]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
المكلّف بين الفعلين، فإذا اختار أحدهما يحكم(1) عليه بالحلّيّة أو الطهارة.
ويقال مثل ذلك في موارد المتعارضين، فإنَّ الروايتين إذا تعارضتا فدليل الحجّيّة وإن كان لا يشملهما معاً؛ إذ لا معنى لجعل الحجّيّة للمتعارضين، ولا يعقل التعبّد بالمتعارضين، مع أنّ مدلولهما من قبيل المتناقضين أو المضادّين، لكن يمكن جعل الحجّيّة التخيّيريّة، وأيّ منهما اختار المكلّف يكون حجّة، ويمكن تقريبه بأنّ التخيّير على ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: التخيّير بين شيئين دلّ الدليل الشرعي على ثبوت التخيّير فيهما، كالخبرين المتعارضين.
القسم الثاني: التخيّير العقلي الناشئ من عدم قدرة المكلّف على الامتثال، وهو: التخيّير في باب التزاحم، كما لو فرضنا واجبين لم يتمكن المكلّف من الجمع بينهما في مقام الامتثال، وفرضنا أنَّ أحد الواجبين له مزية على الآخر، فهنا يدور الأمر بين أن يترك المكلّف كليهما في الخارج، أو يأتي بأحدهما دون الآخر، ومعلوم أنَّ العقل لا يجيز تركهما معاً، مع قدرة المكلّف على الإتيان بأحدهما، فإنَّ الضرورة تتقدّر بقدرها، وقد اقتضت الضرورة عدم إمكان الجمع بين الواجبين، وأمّا سقوطهما معاً عن الوجوب بحيث يتمكّن المكلّف
ــــــــــ[170]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ هذا الحكم لا يخلو إمّا أن يكون قبل الارتكاب، فإن كان قبله فلا يتعيّن جريان الأصل فيه، حتّى مع العزم على ارتكابه، وأمّا إن كان الحكم بالحلّيّة بعد الارتكاب فهو محال؛ لأنّ هذا هو ظرف سقوط التكليف، لا ظرف ثبوته. نعم، يمكن أن يقال بأنَّه يحكم بحلّيّة ما يرتكبه المكلّف واقعاً في علم الله تعالى، وأيّ واحدٍ منهما اختاره المكلّف بعد ذلك يكون مصداقاً لهذا العنوان ويحكم بحلّيّته. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
من تركهما معاً فلا يجوّزه العقل جزماً، وقد قلنا(1) في بحث التزاحم: إنَّ المكلّف له اختيار أيّ من الواجبين، فإذا اختار واحداً منهما كان معذوراً عن ارتكاب الآخر، وقلنا: إنَّ ذاك يستفاد من إطلاق الدليلين لكلّ واحد بعد كونه مشروطاً بترك الآخر، وإذا لم يكن للدليل إطلاق فمن ناحية الملاك، فإنَّ تفويت الملاك بعد فرض تماميّته حتّى في فرض المزاحمة لا يجوّزه العقل، إلّا بتقدير استيفاء الآخر، بعد فرض امتناع استيفائهما معاً.
القسم الثالث: التخيّير العقلي الناشئ من قيام الدليل من الخارج على عدم إرادة الإطلاق في كلا الدليلين، مع كون المكلّف قادراً على امتثال الحكمين، ولا قصور في قدرته، فلو أمر المولى بإكرام كلّ عالم -وكان هذا العموم استغراقيّاً- وانحلّ العامّ إلى كلّ فرد من العلماء، ولكن علمنا أنَّ زيداً وعمرًا لا يجب إكرامهما معاً، فيدور الأمر بين عدم وجوب إكرامهما أصلاً، أو وجوب إكرام أحدهما عند عدم إكرام الآخر، وأمّا الجمع بينهما فليس بواجب جزماً، على ما علمنا به من الخارج، فيدور الأمر بين عدم وجوب إكرام كليهما وهو الالتزام بالتخصيص، أو تقيّيد الإطلاق، أي: بقاء وجوب إكرام كلّ منهما عند عدم إكرام الآخر، فأيّ منهما أكرمته سقط وجوب إكرام الآخر.
وهذا لا يدخل في القسم الأوّل من التخيّير؛ لأنَّه ليس تخيّيراً شرعيّاً. ولا في القسم الثاني؛ لأنَّ قدرة المكلّف على إكرامهما معاً محفوظة. إنّما الكلام من ناحية العلم الخارجي فيدور الأمر بين التخصيص والتقيّيد.
ــــــــــ[171]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 2: 24.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ومعلوم أنَّ الدليل إذا كان له عموم لفظيٌّ -على ما فرضناه- وكان شاملاً بعمومه لكلّ فرد مطلقاً وغير مقيّد بإكرام (بامتثال) الآخر وعدمه، فيكون للدليل دلالتان: دلالة على ثبوت الحكم لكلّ فرد على نحو العموم الاستغراقي، ودلالة على ثبوت الحكم لكلّ فرد غير مقيّد بامتثال الآخر.
ولكن علمنا من الخارج أنّه لم يثبت الحكم لزيد وعمرو جمعاً، فالإطلاق غير مراد جزماً، وقولنا: أكرم زيداً سواء أكرمت عمرًا أم لا، وأكرم عمرًا سواء أكرمت زيداً أم لا غير مراد جزماً، ولكن دار الأمر بين سقوط العموم أو سقوط الإطلاق، ومعلوم أنّه لا موجب للالتزام بالتخصيص، فإنّه يحتاج إلى دليل، وبمقدار ما نعلمه من الخارج نرفع اليد بمقداره، وأمّا الزائد فلا.
وهذا جار في كلّ دليلين علمنا من الخارج بعدم ثبوت الإطلاق في كلّ منهما، فلو دلّ دليل على وجوب القصر، ودلّ دليل على وجوب التمام، أو دلّ دليل على وجوب صلاة الجمعة، ودلّ دليل على وجوب صلاة الظهر، فالدليلان متعارضان، فإنّنا نعلم من الخارج أنّه لا يجب على المكلّف صلاتان في وقت واحد، ولكن يدور الأمر بين أن يسقط الدليل على الحجّيّة رأساً، أو أن يرفع اليد عن إطلاق الدليل، فإنَّ دليل وجوب صلاة الجمعة كان دالّاً على الوجوب التعيّيني بمقتضى الإطلاق وعدم التقيّيد، وكذلك ما دلّ على وجوب صلاة الظهر، فنرفع اليد عن الإطلاق، فينتج: أنَّ الوجوب تخيّيري، ولا موجب لرفع اليد عن الوجوب في كلّ منهما، فنلتزم أنَّ هذا واجب وذاك واجب، لكنّ الوجوب فيهما تخيّيري لا تعيّيني، وكذلك الحال في الدليلين الدالّ أحدهما على وجوب القصر، والآخر على وجوب التمام.
ــــــــــ[172]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ونظير هذا جملة من الموارد، منها: الروايتان المتعارضتان، ومنها: البيّنتان المتعارضتان، فنلتزم بالتخيّير بينهما.
ومن جملة موارده محلّ الكلام، فيقال: إنَّ دليل الأصل شامل في نفسه لكلّ الأطراف، ولكن علمنا من الخارج أنَّ الجمع غير مراد جزماً، لكن يدور الأمر بين أن نلتزم بسقوط الدليل أساساً عن شموله لأيّ طرف أو يلتزم بالتقيّيد، فيقال: بشموله لكلّ منهما بشرط عدم ارتكاب الآخر، فينتج: جريان الأصل في أحدهما مع اختيار المكلّف في التطبيق.
والمقام من هذا القبيل، فإنَّ قوله: “كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنَّه حرام“(1) شامل في نفسه لكلّ الأطراف، لكّننا فرضنا عدم شموله للطرفين في نفسه لاستلزامه المخالفة القطعيّة، فإنّ أمكن التحفّظ على عموم الدليل، مع رفع اليد عن إطلاقه لصورة الإتيان بالفرد الآخر، كان هو المتعيّن، ولا يكون هناك موجب لسقوط أصل العموم، والنتيجة: هي التخيّير العقلي، ويكون التخيّير فيه للمكلّف في الأخذ بأيّ الأطراف شاء، فإذا دار الأمر بين رفع اليد عن العموم أو رفع اليد عن الإطلاق يتعيّن الأخير، وهذا لا محذور فيه. إذن، فيلتزم بالتخيّير بين أطراف العلم الإجمالي، وهو ممكن في مرحلة الثبوت، ومنه يعلم الإمكان في مرحلة الإثبات.
وقد أجاب عنه شيخنا(2) الأستاذ: بعدم إمكان التخيّير في المقام، فإذا علمنا
ــــــــــ[173]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه.
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 244، 245.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
من الخارج بعدم وجوب إكرام زيد وعمرو جمعاً، وكان الأمر دائراً بين رفع اليد عن العموم أو عن الإطلاق فيتعيّن الثاني، فنرفع اليد عن الإطلاق ونتحفّظ على العموم، فالمقام غير داخل تحت هذه الكبرى، فإنّ الإطلاق والتقيّيد أمر ممكن، وللشارع أن يحكم بوجوب إكرام كلّ منهما على الإطلاق، أو على تقدير عدم إكرام الآخر، ولكن علمنا أنَّ الإطلاق غير مراد جزماً فيثبت التقيّيد، وذلك بخلاف المقام فإنَّ الإطلاق حيث لا يمكن -كما هو المفروض- للزوم الترخيص بالمعصية، فالتقيّيد أيضاً غير ممكن، فإنَّ التقابل بين الإطلاق والتقيّيد من تقابل العدم والملكة، فإذا لم يمكن أحدهما لم يمكن الآخر أيضاً، فالحكم بحلّيّة كلّ من الطرفين كما لا يمكن جعله مطلقاً، كذلك لا يمكن جعله مقيّداً بترك الآخر.
وقد تقدّم الكلام في هذا في موارد عديدة منه، وتقدّم الجواب عنه أيضاً، فإنَّ هذا غير لازم في باب العدم والملكة، وليست استحالة أحد الطرفين مستلزمة لاستحالة الآخر، بل مستلزمة لتعيّن الآخر ووجوبه، وقد قلنا(1) في بحث أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر: إنَّ الغنى بالنسبة إلى الممكن أمر مستحيل يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّـهِ وَاللَّـهُ هُوَ الْغَنِيُّ الحَمِيدُ(2) والفقر ضروري، واستحالة الغنى لا تستلزم استحالة الفقر بل ضرورته، وكذلك بالنسبة إلى الله تعالى، فإنَّ الجهل عليه محال، فيكون ثبوت العلم له ضروريّاً، مع أنَّ التقابل بين الغنى والفقر والجهل والعلم من باب تقابل العدم والملكة، فهذا
ــــــــــ[174]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 264، 265.
(2) فاطر: 15.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الأمر لا أساس له، وهو: أنَّ المتقابلين بهذا التقابل إذا كان أحدهما مستحيلاً كان الآخر مستحيلاً، بل إذا كان أحدهما مستحيلاً كان الآخر ضروريّاً، كما هو الحال في المتناقضين.
إذن، هذا الجواب لا يتمّ، والشبهة شبهة قوية لا يستهان بها، وقد كان بعض الأعاظم يصرّ على هذا الأمر، وأنّه يمكن شمول الأُصول لتمام أطراف العلم الإجمالي بنحو التخيّير.
والصحيح في الجواب أن يقال: إنَّ محلّ كلامنا لا يقاس بالأمثلة المذكورة، فإنّه كما أنَّ الإطلاق في المقام مستحيل كذلك التقيّيد، لا من باب العدم والملكة، بل لأنَّ شمول الدليل لكلا الطرفين إطلاقاً وتقيّيداً مستحيل، فلابدَّ من الالتزام(1) بالتقيّيد.
وبيان ذلك: أنَّ أحد طرفي المعلوم بالإجمال إذا فرضنا أنّه حرام، والطرف الآخر نفرضه مباحاً، ولكن اشتبه الحرام بالحلال المدّعى، وهو: أنَّ الحرام واصل صغرى وكبرى، فنعلم أنَّ الخمر حرام، ونعلم أنَّ أحد الإناءين خمر جزماً، فالخمر المعلوم في البين لا يمكن ترخيص الشارع بارتكابه لا مطلقاً ولا مقيّداً، لا يمكن أن يقول: أنّه يجوز شربه مع فرض كونه حراماً، فكما لا يمكن أن يرخص في الطرفين مطلقاً، لأنّه ترخيص في المعصية، كذلك لا يمكن أن يقال: إنَّ الخمر المعلوم في البين حلال بشرط ترك المباح، فإذا تركت مباحاً من المباحات فهذا مباح، فهذا غير معقول.
ــــــــــ[175]ــــــــــ
() يعني: رفع اليد عن أصل العموم. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ومعلوم أنَّ نتيجة التقيّيد في المقام هي إباحة شرب الخمر مقيّداً بترك المباح في الخارج. إذن، كما لا يمكن الإطلاق لا يمكن التقيّيد، وشمول دليل الأصل لتمام الأطراف لا مطلقاً ولا مقيّداً. نعم، لا مانع من شموله لواحد معيّن، فيقول الشارع: إنَّ الإناء الشرقي مباح، وليس فيه ترخيص في المعصية؛ إذ لم يعلم أنّه خمر، ولكن الدليل لا يشمله، لأنّه ترجيح بلا مرجّح.
ومحصّل ما ذكرناه: أنَّ أدلة الأُصول لا يمكن أن تشمل تمام أطراف العلم الإجمالي لا مطلقاً ولا مقيّداً؛ لأنّه ترخيص بالمعصية، ولا أن تشمل البعض المعيّن؛ لأنَّه ترجيح بلا مرجّح، ولا أن تشمل أحدهما لا بعينه؛ لأنّه إذا كان مقطوع الحلّيّة لا أثر له، فكيف إذا كان مجرى للأصل أو الأمارة؟ إذن، تسقط الأُصول في الأطراف، ويكون العلم الإجمالي منجزّاً بنفس الاحتمال، فإنَّنا قلنا: إنَّ احتمال التكليف موجب لاحتمال العقاب ما لم يكن هناك دليل مؤمّن في البين.
نعم، لو فرضنا أنَّ المعلوم بالإجمال حكم غير إلزامي، وكانت الأُصول الجارية في الأطراف مثبتة للتكليف الإلزامي، ولم يكن مانع من الشمول، ولا يلزم الترخيص في المعصية، وليس فيه محذور إلّا المخالفة الالتزاميّة، وهي ليست بمحذور، ففي هذه الصورة تشمل الأُصول جميع الأطراف، وأمّا إذا كان الحكم إلزاميّاً فلا تشملها.
ــــــــــ[176]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إذا كانت الأُصول الجارية في الأطراف طوليّة، فهل مقتضى العلم الإجمالي هو سقوط تمام الأُصول، أو سقوط الأصل الجاري في المرتبة الأولى، وبقاء الأصل الجاري في المرتبة الثانية؟
وتفصيل الكلام في ذلك: أنَّ الأصل الجاري في الأطراف قد لا يكون من سنخ واحد، بل يكون الأصل الجاري في طرف من سنخ، والأصل الجاري في الطرف الآخر من سنخ آخر، كالعلم إجمالاً بحرمة الثوب المغصوب ونجاسة المائع، فالأصل الجاري في الثوب هو أصالة الإباحة، وفي الثاني أصالة الطهارة، وهما ليسا من سنخ واحد، ولكلّ منهما دليل مغاير لدليل الأصل الآخر.
وقد يكون الأصل الجاري في الأطراف من سنخ واحد، كما لو كان الأصل الجاري في الأطراف جميعاً أصالة الطهارة مثلاً، فيما لو كنا نعلم إجمالاً بنجاسة هذا المائع أو نجاسة هذا الثوب، فكان الأصل الجاري في كلّ منهما هو أصل الطهارة أو هو الاستصحاب، فهما من سنخ واحد، ويرجعان إلى دليل واحد، وهو شامل لكلّ طرف في نفسه، بنحو لا يشملهما معاً.
ثُمَّ إنّ هذا القسم -وهو: ما كانت الأُصول فيه من سنخ واحد- قد يكون
ــــــــــ[177]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
هنا أصل طولي في بعض الأطراف، كما إذا فرضنا أنّنا علمنا إجمالاً بنجاسة أحد المائعين، فالأصل الجاري في هذا الطرف، هو: أصالة الطهارة، وكذلك في الطرف الآخر، ولكلّ منهما أصل طولي، وهو: أصالة الإباحة، وبعد سقوط أصالة الطهارة بالعلم الإجمالي، فتسقط أصالة الإباحة أيضاً، فكما أنَّ الأصل الجاري في المرتبة الأوّلى لا يشمل جميع الأطراف، كذلك الأصل الجاري في المرتبة الثانية بنفس الملاك.
وأمّا إذا فرضنا أنّنا علمنا إجمالاً بنجاسة الماء أو الثوب، فبالنسبة إلى الثوب إذا فرضنا أنَّ الطهارة قد سقطت، فلا تجوز الصلاة في هذا الثوب، ولا الوضوء في هذا الماء؛ لعدم إحراز طهارته بعد تساقط الأصلين، ولكن ليس من ناحية الثوب أصل طولي؛ لأنّ لبس الثوب النجس في غير الصلاة حلال، حتّى مع العلم بالنجاسة، فكيف مع الشكّ؟ وأمّا بالنسبة إلى الماء بعد عدم جريان أصالة الطهارة، فنشكّ في حلّيّة شربه وعدمه(1)، فهل يمكن الرجوع في ذلك إلى أصالة الحلّ بعد سقوط أصالة الطهارة السبّبيّ؟ أو يكون الرجوع إلى الأصل المسبّبيّ، وهو: أصالة الإباحة؟ فيه كلام سيتّضح.
أمّا لو فرضنا أنّه لم يكن هناك أصول طوليّة في كلا الطرفين، كالعلم الاجمالي بنجاسة أحد الثوبين، فأنّه بعد سقوط أصالتي الطهارة فيهما، لا يوجد أصل آخر؛ للعلم بجواز التصرّف في الثوب النجس وجواز لبسه.
فقد يفرض أنَّ الأصل الطولي يختصّ بأحد الطرفين، وقد يفرض أنَّ
ــــــــــ[178]ــــــــــ
() لأنّه لو كان طاهراً يجوز شربه، ولو كان نجساً لا يجوز شربه. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الأصل الطولي موجود في كلا الطرفين، ولكن ليس بينهما معارضة، ومثال الأوّل: العلم الاجمالي بنجاسة الثوب أو الماء كما سبق. ومثال الثاني: ما إذا علم إجمالاً أنّه أنقص ركناً من صلاة المغرب، أو زاد ركناً في صلاة العشاء، فيعلم إجمالاً ببطلان إحدى الصلاتين، ففي مثل ذلك قاعدة الفراغ متعارضة في الصلاتين للعلم الإجمالي ببطلان إحداهما، فتصل النوبة إلى الأُصول الطوليّة.
ومقتضى الاستصحاب في نقيصة الركن من المغرب هو عدم الإتيان به، فيثبت بطلان الصلاة بالاستصحاب؛ لأنّها غير واجدة للركوع تعبّداً.
ومقتضى الاستصحاب في صلاة العشاء هو عدم الزيادة، فإنّ الأصل عدم الإتيان بركوع زائداً على الركوع المطلوب في الصلاة، ونتيجته: هو الحكم بالصحّة، وليس بين هذين الاستصحابين معارضة؛ لعدم استلزامهما المخالفة القطعيّة في جريانهما، ويحتمل أن يكون كلا الأصلين موافقاً للواقع، إذ من المحتمل أنَّ المكلّف أنقص من المغرب ولم يزد في العشاء. هذه هي صور المسألة.
ونتكلّم عمّا إذا كانت الأُصول الجارية في أطراف العلم الاجمالي متسانخة، فقد يفرض أنَّه ليس هنا أصل طولي في الطرفين، وهذا لا اشكال فيه، بل هو من السالبة بانتفاء الموضوع لمحلّ الكلام، فإنّه ليس هنا أصل يجري في أحد الطرفين في نفسه، ليُتكلّم عن أنَّه ساقط بالعلم الإجمالي في أحد الطرفين أو كليهما.
كما أنّنا إذا فرضنا أنّ الأُصول الطوليّة مبتليّة بالمعارض، وكان العلم الإجمالي بالتكليف مسقطاً للأُصول في المرتبة الأوّلى، فكذلك هو مسقط
ــــــــــ[179]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
للأُصول في المرتبة الثانية، وهذا أيضاً خارج عن محلّ الكلام، كما مثّلنا له بالعلم بنجاسة أحد الإناءين، فكما لا تجري أصالة الطهارة في المرتبة الأوّلى، فكذلك لا تجري أصالة الإباحة للعلم الإجمالي بنجاسة أحدهما وحرمته.
وعمدة الكلام في الصورة الثالثة، وهي: ما إذا كان الأصل الطولي جارياً في أحد الطرفين دون الآخر، كالعلم الإجمالي بنجاسة الماء أو الثوب، فإنَّ أصالة الطهارة تسقط، ولكن الماء يختصّ بجريان أصالة الإباحة دون الثوب؛ لأنّ الثوب يقطع بجواز التصرّف فيه ولبسه، وإن كان نجساً، وأمّا الماء فهو مشكوك الحلّيّة والحرمة، فهل يجوز الرجوع إلى أصالة الإباحة في جواز الشرب أو لا؟
ذكر شيخنا الأستاذ(1): عدم جواز الرجوع إلى أصالة الإباحة الطوليّة، فكما أنَّ الأُصول في مرتبة سابقة تسقط، فكذلك الأُصول في مرتبة لاحقة، والوجه في ذلك: أنَّ معنى تنجّز الحكم المعلوم بالإجمال تنجّزه في أيّ طرف كان التكليف موجوداً، فإنّه يستحقّ العقاب على مخالفته، وقد فرضنا أنَّ العلم بوجود نجاسة في الماء أو الثوب قد نجّز الواقع واستحّق المكلّف عليه العقاب، فلا تكون أصالة الإباحة في مثل ذلك قابلة للجريان(2)، فكما أنَّ أصل الطهارة
ــــــــــ[180]ــــــــــ
() انظر: أجود التقريرات 2: 246.
(2) فكما لا يمكن جريان الأصليّن الأولين، كذلك الأصل الطولي؛ لعدم إمكان الترخيص في أيّ من أطراف العلم الإجمالي. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
سقط بالمعارضة، كذلك أصالة الإباحة، ولا يمكن الرجوع إليها.
ولعلّ هذا هو المعروف من أنّه لا يفرق في شمول الأُصول لأطراف العلم الإجمالي بين ما إذا ما كان في مرتبة سابقة أو مرتبة لاحقة، والمترتّب أحدهما على شكّ سبّبيٍّ والآخر على شكّ مسبّبيٍّ، ونتيجته: عدم جواز شرب هذا الماء للعلم بنجاسته أو نجاسة الثوب، فكما لا يجوز التوضي به، كذلك لا يجوز شربه.
ولكنّنا لا نعرف لهذا وجهاً صحيحاً، والظاهر جواز الرجوع إلى أصالة الإباحة، ويشمله قوله: “كلّ شيء فيه حلال وحرام“، فإنّ هذا الماء مشكوك الحلّيّة والحرمة، وإن لم يجز ترتيب الآثار بالنسبة إلى الأفعال المتوقفّة على الطهارة، كالوضوء والغسل فيه، إلّا أنَّ شربه لا مانع منه لشمول الدليل له.
ودعوى أنَّ العلم الإجمالي قد نجّز المعلوم بالإجمال فلا يجوز الرجوع إلى أصالة الإباحة لا أساس لها، فإنَّ تنجيز العلم الإجمالي تابع لتساقط الأصول، وقلنا: إنَّ الترخيص في أطراف العلم الإجمالي لا مانع منه، وإنّما لا يجري لعدم الترجيح، فإن كان في أحد الأطراف ترجيح فلا مانع من جريان الأصل فيه، والتنجيز يتوقّف على عدم جريان الأصل، فلا يمكن أن يعلّل عدم جريان الأصل بالتنجيز، فالآثار المترتّبة على الطهارة لا تترتّب بسقوط أصالة الطهارة في الطرفين، وأمّا بالنسبة إلى أصالة الإباحة فلا نرى مانعاً من جريانه.
وتوضيح ذلك: أنَّ دليل أصالة الطهارة مغاير لدليل أصالة الإباحة، ولكلّ منهما دليل يختصّ به، وقد علمنا أنَّ دليل أصالة الطهارة قد خصّص،
ــــــــــ[181]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فهو غير شامل لأطراف العلم الإجمالي؛ لأنّه يستحيل شموله لتمام الأطراف، ولا يمكن شموله للبعض دون البعض، فقد علمنا بالتخصيص فيه، وأمّا دليل أصالة الإباحة أو الحلّ فلم يعلم تخصيصه، فهو شامل لأطراف العلم الإجمالي، وقلنا(1): إنَّ جعل الحكم الظاهري في بعض الأطراف أمر ممكن، وقد علمنا أنَّ طهارة الماء لا يمكن إثباتها بدليل أصالة الطهارة، ولكن أصالة الإباحة لم يثبت لها التخصيص فيؤخذ به.
إذن، في أطراف العلم الإجمالي إذا كانت الأُصول متسانخة، وكان في أحد الأطراف أصل طولي، فلا مانع من جريانه.
ونظيره ما إذا كان للشيء حالتان سابقتان متضادّتان ونشكّ في المتقدّم والمتأخرّ منهما، كما لو علمنا بنجاسة ثوب معيّن وعلمنا بطهارته في زمانين، وشكّكنا في المتقدّم والمتأخّر منهما، ففي مثل ذلك استصحاب الطهارة واستصحاب النجاسة اللذان هما من سنخ واحد يسقطان جزماً؛ لاستحالة التعبّد بالمتناقضين أو المتضاديّن، فلا يشملهما دليل الاستصحاب، وإن كان كلٌّ منهما في نفسه فيه يقين سابق وشكّ لاحق، وأمّا قاعدة الطهارة فلا مانع من شمولها فنتمسّك بها، فيسقط الاستصحابان في المرتبة المتقدّمة، ونرجع إلى الأصل الجاري في المرتبة المتأخّرة.
وكذلك إذا علمنا بحلّيّة شيء في زمان وحرمته في زمان آخر، كما لو علمنا أنَّ هذا المائع كان خلّاً في زمان وخمراً في زمان آخر، وشكّكنا في المتقدّم منهما،
ــــــــــ[182]ــــــــــ
(1) مرّ قريباً.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
بأنَّه كان خمراً فصار خلّاً أو بالعكس، فهنا لا يمكن التمسّك بالاستصحاب فيسقط، ولا مانع من الرجوع إلى أصالة الحلّ، فالظاهر جواز الرجوع إلى الأصل الطولي في مثل ذلك.
وأوضح منه في الصورة الرابعة، وهو: ما إذا كان في الطرفين أصلان طوليّان غير متعارضين، والظاهر أنَّ شيخنا الأستاذ(1) أيضاً يلتزم بجريان الأصل في المقام، وحينئذٍ فلنا سؤال الفرق بين هذه الصورة والصورة السابقة، ولماذا لم يلتزموا في الصورة السابقة بجريان الأصل والتزموا بجريانه هنا؟
ففي مثال العلم الإجمالي بنقص ركن من صلاة المغرب أو زيادته في صلاة العشاء، بعد أن سقطت قاعدة الفراغ في كلّ منهما يرجع إلى الاستصحاب، ومقتضاه استصحاب عدم وجود الجزء الناقص في المغرب فيحكم ببطلانها، والأصل عدم الزيادة في العشاء، فيبنى على صحّتها بالاستصحاب، وليس بينهما معارضة أصلاً، فلا مانع من الرجوع إليهما في الطرفين.
هذا تمام كلامنا في الأصلين الجاريّين في طرفي العلم الإجمالي إذا كانا من سنخ واحد. أمّا إذا كانا من سنخين، وكان المعلوم بالإجمال حكماً إلزاميّاً، وكان الأصل الجاري في هذا الطرف مغايراً للأصل الجاري في الطرف الآخر، فأحدهما يثبت بدليل، والآخر يثبت بدليل آخر، فهل يمكن الرجوع إلى الأصل الجاري في المرتبة المتأخرّة، فيما إذا كان أحدهما منفرداً بالأصل، أو لا يمكن، أو إنَّ فيه تفصيلاً؟
ــــــــــ[183]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 245، 246.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الظاهر هو التفصيل في المقام، فإنَّ الأُصول إذا كانت من سنخين، فتارة يكون الأصل الجاري في السبب متّحداً في المؤدّى مع الأصل الجاري في المسبّب، وأخرى لا يكون متّحداً معه في المؤدّى، فإذا علمنا إجمالاً بنجاسة أحد شيئين، ولكن كان أحدهما مستصحب الطهارة، وكان الآخر مورداً لأصالة الطهارة، كما إذا علمنا إجمالاً بأنَّ الماء وقعت عليه نجاسة، أو أنَّ المائع الآخر بول، فنشكّ في طهارة المائع الآخر، ونحتمل أن يكون بولاً، وعلى تقديره فهو نجس بالذات وليس مجرى لأصالة الطهارة، وأمّا الإناء الذي فيه الماء فهو كان طاهراً، ونشكّ في طرو النجاسة عليه بعد ذلك.
فالأصل الجاري في نفسه في أحدهما هو أصالة الطهارة فيما شكّ في بوليّته، وفي الآخر هو الاستصحاب، فيسقط الاستصحاب وقاعدة الطهارة من الطرفين بالمعارضة، فيصبح مستصحب الطهارة مّما يشكّ في طهارته ونجاسته.
فهنا لا يمكن الرجوع إلى أصالة الطهارة بعد سقوط الاستصحاب، بدعوى: أنَّه بعد سقوطه تصل النوبة إلى أصالة الطهارة التي هي أصل طولي، كما رجعنا إلى أصالة الحلّيّة في المورد السابق، وهو ما إذا كان الأصلان من سنخ واحد، بتقريب: أنّنا علمنا بالتخصيص في دليل أصالة الطهارة دون دليل أصالة الحلّ فنتمسّك به. فهنا أيضاً يقال: إنّه بعد أن سقطت أصالة الطهارة مع الاستصحاب يرجع إلى أصالة الطهارة فيه، باعتبار أنَّ الأصل السببّي إذا سقط تصل النوبة إلى الأصل المسببّي، وهو: أصالة الطهارة.
إلَّا أنَّ الأمر ليس كذلك، فإنَّ العلم بنجاسة مايع من الحكم بالطهارة في
ــــــــــ[184]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
كلّ منهما سواء كان بلسان أصالة الطهارة أو بلسان استصحاب الطهارة، فإنَّ المعلوم بالإجمال هو نجاسة أحد المائعين نجاسة ذاتيّة أو عرضيّة، ولا يمكن جعل الطهارة فيهما معاً؛ لأنّه ترخيص في المعصية، ومخالف للمعلوم بالإجمال، ولا في أحدهما؛ لأنّه ترجيح بلا مرجّح(1)، ولا فرق في جعل الطهارة بين أن يجعل بلسان أصالة الطهارة أو بلسان الاستصحاب.
وبتعبير آخر: أنَّ نسبة دليل قاعدة الطهارة إلى ما شكّ في طهارته ونجاسته عرضيّاً، وإلى الطرف الآخر المشكوك النجاسة الذاتيّة على حدٍّ سواء، فلا معنى لأن يقال: إنَّ استصحاب الطهارة سقط في هذا الطرف فيرجع إلى أصالة الطهارة، ولماذا(2) لا يرجع إليها أيضاً في الطرف الآخر؟ هذا أيضاً ترجيح بلا مرجّح، فالعلم الإجمالي كما يوجب سقوط الأصل السبّبي، كذلك يوجب سقوط الأصل المسبّبي.
ــــــــــ[185]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ الفرض هو اختصاص أحد الطرفين بالأصل الطولي، ومعه لا يلزم لا المخالفة القطعيّة، ولا العلم بالترخيص بالمعصية، ولا الترجيح بلا مرجّح في مرتبة الأصل الطولي، وليس إلّا المخالفة الاحتماليّة في ارتكاب الطرف الذي أصبح مجرى للأصل. (المقرّر).
(2) هذا غريب منه، فإنّ أصالة الطهارة بعد أن سقطت بالمعارضة مع الاستصحاب في المرتبة الأوّلى، كيف تعود وتجري مرّةً أخرى في نفس الطرف؟ إذن، يكون مجراها الأوّل غير قابل لجريانها، بخلاف مجرى الاستصحاب فإنّه قابل لها. نعم، من الممكن أن يقال بسقوط أصالة الطهارة الطوليّة، مع أصل طولي في الطرف الآخر غير أصل الطهارة، كأصالة الحلّ ونحوه. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ففي هذه الصورة لو كان الأصلان مختلفين سنخاً، إلّا أنَّه بعد سقوطهما لا يمكن الرجوع إلى أصالة الطهارة في الطرف الآخر؛ لأنَّ المؤدّى واحد، ولا فرق في جعل هذا المؤدّى وهو الطهارة بلسان أو لسان آخر.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الأصل الجاري في طوله مؤدّاه غير هذا المؤدّى، كما إذا علمنا بأنّنا لم نأت بالركوع في صلاة المغرب، أو لم نأت بصلاة العصر، فنعلم باشتغال الذمّة بالصلاة جزماً بقضاء صلاة العصر لعدم الإتيان بها رأساً، أو أنَّ المغرب باطلة، فبالنسبة إلى صلاة العصر تجري قاعدة الحيلولة، ومؤدّاها عدم الاعتناء بالشكّ بعد خروج الوقت، وأمّا بالنسبة إلى الشكّ في صحّة صلاة المغرب فتجري فيها قاعدة الفراغ، وتتساقط القاعدتان معاً، فنرجع بعد ذلك إلى الأُصول الطوليّة، ومقتضى الاستصحاب في صلاة المغرب هو البطلان لعدم الركوع. إذن، يختصّ الطرف الآخر بأصل جارٍ به، وهو: أصالة البراءة عن القضاء؛ إذ نشكّ بوجوبه، والقضاء بأمر جديد، ولابدَّ من إحراز الفوت، وهو لا يثبت باستصحاب عدم الإتيان بالفريضة في الوقت، فإذا شكّ في وجوب القضاء يكون مورداً لأصالة البراءة بلا مانع، فيكون الأصل الجاري في أحد الطرفين مثبتاً للتكليف، وفي الطرف الآخر مسقطاً له، ولا مانع من الرجوع إليهما.
فهذا هو الضابط الكلّي: أنَّ الأُصول الطوليّة الجارية في المرتبة المتأخرّة إذا كان مؤدّى الأصل المتأخّر غير مؤدّى الأَصل الأوّل، فيسقط كلا الأصلين، وأمّا إذا كان المؤدّى اثنين فلا تصل النوبة إلى المعارضة، بل يعمل بالأصل
ــــــــــ[186]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
المثبت في طرف والنافي في الطرف الآخر. وهذا الذي ذكرناه مّما يحتاج إليه في بحث فروع العلم الاجمالي، ويترتّب عليه الثمرة هناك.
ذكر شيخنا الاستاذ(1): أنَّ العلم الاجمالي يترتّب عليه أمران:
أحدهما: حرمة المخالفة القطعيّة.
والآخر: وجوب الموافقة القطعيّة.
ووجوب الموافقة متفرّع على حرمة المخالفة، فإذا قلنا: بأنَّ المخالفة القطعيّة ليست بمحرّمةٍ، فلا تصل النوبة إلى وجوب الموافقة القطعيّة.
ورتّب عليه: إذا لم تحرم المخالفة القطعيّة في مورد فلا تجب الموافقة القطعيّة أيضاً، ومثّل له بالشبهة غير المحصورة -كما سيجيء الكلام فيه- والتزم بأنَّ عدم وجوب الاجتناب فيها لأجل أنَّ مخالفتها القطعيّة غير ممكنة، وإحراز أنَّه ارتكب الحرام، فالمخالفة القطعيّة لا تحرم، والموافقة القطعيّة لا تجب.
والظاهر أنَّ ما ذكره من ترتّب وجوب الموافقة القطعيّة على حرمة المخالفة القطعيّة لا يمكن المساعدة عليه، بل كلّ منهما مستقلّ برأسه. نعم، قد يفرض أنَّ المخالفة القطعيّة مع عدم التمكّن منها تجري الأُصول في تمام الأطراف، ولا تصل النوبة إلى وجوب الموافقة القطعيّة، ولكن إذا لم تجز المخالفة القطعيّة لعدم التمكّن منها، وكان المكلّف متمكناً من الموافقة القطعيّة، كما إذا علمنا بحرمة الجلوس في إحدى الغرفتين، فهنا لا يمكن المخالفة القطعيّة؛ لعدم إمكان
ــــــــــ[187]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 4: 119.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الجلوس في الغرفتين معاً، ولكن يمكن الموافقة القطعيّة وذلك بتركهما معاً. فالظاهر أنَّه تجب الموافقة وإن لم تحرم المخالفة.
والوجه في ذلك: أنَّ محذور تساقط الأُصول وتنجيز العلم الاجمالي ليس هو وقوع المخالفة في الخارج، حتّى يقال: إنَّ المخالفة غير ممكنة، بل محذوره هو الترخيص بالحرام المعلوم في البين، فإذا جرى الأَصل في الطرفين فنعلم أنَّ المولى رخّص في الحرام الواقعي، والمخالفة القطعيّة وإن لم تكن ممكنة، إلّا أنَّ المولى رخّص بارتكاب المعلوم بالإجمال، فالمحذور هو ضمّ حلّيّة إلى حلّيّة، لا ضمّ فعلٍ إلى فعلٍ، وليس المحذور هو الترخيص في الجميع، حتّى يقال: إنَّ الجمع لا يمكن، بل المحذور هو الجمع في الترخيص، لأنّه يُجزم معه بتحليل الحرام الواصل إلى المكلّف صغرى وكبرى، وترجيح أحد الطرفين على الآخر ترجيح بلا مرجّح، فتتساقط الأُصول ويكون العلم الاجمالي منجّزاً.
ويترتّب على ذلك: أنَّ وجوب الموافقة القطعيّة لا يتوقّف على الجزم بالمخالفة، بل يتوقّف على تساقط الأُصول في الأطراف، ولا فرق في تساقطهما بين ما إذا كان المكلّف متمكناً من الجمع بينهما أو لم يكن.
إذا تعلّق العلم الإجمالي بتكليف إلزامي، وتساقطت الأُصول في أطرافه، فحكمنا بوجوب الموافقة القطعيّة، وكان المعلوم بالإجمال هو الوجوب، فقد يكون المكلّف قاصداً للامتثال القطعي للواجب فيأتي بأحد الطرفين، وأراد الإتيان بالثاني فانكشف أنَّ الواجب هو الأوّل.
ــــــــــ[188]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
كما إذا تردّدت القبلة إلى عدّة أطراف، وعزم المكلّف على الاحتياط، فصلى إلى طرف واحد، وقبل أن يصلي إلى سائر الاطراف انكشف أنَّ القبلة هي في الطرف الأوّل، فلا ينبغي الشكّ في عدم لزوم الاحتياط بعد ذلك، فإنَّ الاحتياط والإتيان بالأطراف الاخرى كان مقدّمة للامتثال وتعيّين الواجب، وبعد أن انكشف الواجب جزماً أو تعبّداً لا حاجة إلى الإتيان بالباقي.
وكذلك الحال لو تردّد الأمر بين القصر والتمام فأتى بالقصر، ثُمَّ انكشف اجتهاداً أو تقليداً أنَّ الواجب ما أتى به، فلا حاجة إلى الاتيان بصلاة التمام، وهذا لا إشكال فيه.
وإذا فرضنا أنَّ المكلّف غير قاصد للامتثال القطعي من الأوَّل، بل كان قاصداً للامتثال الاحتمالي بالإتيان بأحد الطرفين سواء طابق الواجب أم لا، من جهة تسامحه بأمر الدين وعدم الاعتناء بالعلم الاجمالي، فأراد الإتيان ببعض الأطراف فراراً من المخالفة القطعيّة، وحصولاً على الموافقة الاحتماليّة، ثُمَّ انكشف أنَّ ما أتى به هو الواجب. فإن كان هذا في التوصليّات فيكتفى به لا محالة، لأنَّ المفروض في التوصليّات الإتيان بذات الواجب، وقد تحقّق وحصل الداعي والغرض إلى الأمر فسقط الأمر لا محالة، وهذا أيضاً لا إشكال فيه.
وأمّا إذا كان هذا الواجب من الأمور العباديّة، كما لو كان يعلم إجمالاً بأمر عبادي مردّد بين شيئين، وكان قاصداً للامتثال الاحتمالي، مع تمكنه من الامتثال الجزمي، فأتى بأحد الطرفين وانكشف أنَّ هذا هو الواجب، فهل نكتفي به في مرحلة الامتثال أو لا؟
ــــــــــ[189]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
استشكلّ في ذلك شيخنا الأنصاري(1) لعدم الجزم بتحقّق فراغ الذمّة؛ لأنَّه لم يأتِ بالعمل بداعي الأمر الواقعي؛ لأنَّه كان قاصداً للامتثال الاحتمالي دون الجزمي، ومع التمكّن من قصد الامتثال الجزمي لا يكتفى بالامتثال الاحتمالي.
وقد تقدّم الكلام في ذلك مراراً، وقلنا(2): إنّه في كلّ مورد لم يقم دليل على اعتبار شيء في الواجب فالأصل البراءة منه، وإنّما تفترق العبادة عن غيرها باعتبار إضافتها إلى الله تعالى بخلاف غيرها، ويكفي في الإضافة الإتيان بداعي احتمال الأمر، ولا يعتبر في تحقّقها (صحّتها) الإتيان بداعي الأمر الجزمي، فلو شكّكنا في ذلك فالأصل البراءة عنه – ولعلّنا لا نشكّ في ذلك – فإنّنا قلنا في بحث التعبّدي والتوصّلي(3): إنَّ هذا مّما يكثر الابتلاء به، فلو كان لازماً لورد الدليل به، ولم يرد فيه شيء.
فإذا أتى بالواجب بهذا العنوان وانكشف أنّه هو المأمور به فقد تحقّقت ذات الواجب، وتحقّقت الإضافة فيكتفى به في مرحلة الامتثال، فلا فرق بين الواجب العبادي وغيره.
ثُمَّ هل يعتبر في الواجب العبادي الجزم بالأمر الفعلي، أو يكفي فيه الاحتمال؟ فلو فرضنا أنّه يعلم بوجوب واجبين مترتّبين عليه كصلاة الظهر والعصر أو المغرب والعشاء، ودار أمر القبلة بين أطراف، فأراد الاحتياط
ــــــــــ[190]ــــــــــ
() انظر: فرائد الأُصول 2: 409.
(2) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 297.
(3) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 289.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
بتكرار العمل، فتارةً يصلي المغرب إلى الجهات الأربع ويعلم بسقوط الأمر بها، ويعلم أنَّه موظّف بالإتيان بصلاة العشاء، ولا إشكال في صحّته، وأخرى يصلي المغرب والعشاء إلى تلك الجهة، فحينما يبدأ بالعشاء لا يكون جازماً بسقوط الأمر بالمغرب؛ إذ لعلَّ القبلة في جهة أخرى، ولكن نحتمل أنَّ صلاة المغرب قد أتى بها، وأنَّ صلاة العشاء مأمور بها، وما يأتي به مصداق للمأمور به في الخارج، فهل يعتبر في صحة الصلاة الثانية الجزم بسقوط الأمر بالنسبة إلى الصلاة الأولى أو لا يعتبر، بل يكفي احتمال الأمر؟ فلو صلى المغرب إلى جهة يكفي أن يصلي العشاء إلى تلك الجهة، لأنّها إذا كانت جهة القبلة فقد سقط الأمر بالمغرب والأمر العشاء، وإن كانت غير جهة القبلة فصلاة العشاء وإن لم تكن صحيحة، إلَّا أنَّ المغرب أيضاً ليست بصحيحة، وما هو معتبر في صحة العشاء هو المغرب الصحيحة.
وبعبارة أخرى: أنَّ هاتين الصلاتين متلازمتان صحّة وبطلاناً، ولا يعتبر في ترتّب العشاء على المغرب، إلّا ترتّب الصلاة الصحيحة على الصحيحة، فلا مانع من الإتيان بها كذلك.
وفي مثل ذلك اختار شيخنا الأنصاري أنَّه لابدَّ من تفريغ الذمّة من الصلاة الأوّلى أوّلاً، لحصول الجزم بالأمر بالصلاة الثانية، ثُمَّ يشتغل بمحتملات الواجب الثاني، فلا يجوز له الإتيان بصلاة العشاء قبل تماميّة محتملات صلاة المغرب.
وهذا أيضاً يلحق بالأوّل؛ إذ لا دليل على اعتبار ذلك، بل دلّ الدليل على
ــــــــــ[191]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
لزوم الإتيان بذات الواجب وإضافته إلى المولى، وهو كما يتحقّق بعد الإتيان بتمام محتملات الواجب الأوّل، كذلك يتحقّق بعد الإتيان بأحد محتملاته، على ما بيّنا من أنَّ القبلة إذا كانت إلى الجهة التي صلّى إليها فصلاة المغرب صحيحة والعشاء صحيحة، فقد أتى بذات الواجب وأضافه إلى المولى، وإذا لم تكن تلك الجهة هي جهة القبلة فكلاهما باطل، ولا يعتبر في صلاة العشاء الباطلة التأخرّ عن المغرب، فلتكن قبلها، فيجوز له أن يصلي صلاتين إلى جهة، وصلاتين إلى جهة أخرى، وهكذا، وبعد الفراغ من المحتملات يعلم أنّه أتى بصلاتين مترتّبتين صحيحتين.
نعم، لو صلى المغرب إلى جهة والعشاء إلى جهة أخرى، فهذا لا يجزي جزماً؛ للقطع ببطلان صلاة العشاء حينئذٍ(1)، فإنَّ هذه الجهة إن لم تكن قبلة فصلاة العشاء باطلة، وإن كانت قبلة فباطلة أيضاً؛ لأنَّها لم تقع بعد المغرب الصحيحة، فهي معلومة البطلان.
إنّ العلم الإجمالي لا يكون منجّزاً إذا كانت بعض الأطراف مضطراً إليها، أو خارجاً عن الابتلاء، أو معلوم الحكم تفصيلاً وجداناً أو تعبّداً، أو لا يجري فيه الأصل لمانع آخر –على ما نبيّن– وذلك: لعدم المانع في شمول الأُصول للطرف الآخر، فإنَ المانع لم يكن إثباتيّاً بل كان ثبوتيّاً، وهو الترجيح بلا مرجّح، فإذا كان المرجّح موجوداً، وكان الأصل غير جارٍ في أحدهما، فلا مانع
ــــــــــ[192]ــــــــــ
() يعني: التي صلّى العشاء إليها. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
من جريان الأصل في الطرف الآخر بلا معارضة، ونمثّل له بمثالين:
أوّلهما: ما إذا كان أحد الطرفين معلوم الحكم تفصيلاً وجداناً.
وثانيهما: ما إذا كان معلوماً بالاستصحاب السابق على العلم الإجمالي.
وعندئذٍ يقال فيهما: إنَّ هذا ليس علماً بحدوث تكليف جديد؛ لاحتمال وقوع النجاسة في الطرف المعلوم تفصيلاً وجداناً أو تعبّداً، ومثله ما إذا علمنا إجمالاً بوقوع قطرة دم في أحد إناءين، وأصبح هذا العلم الإجمالي منجّزاً، ثُمَّ علمنا بوقوع قطرة نجاسة أخرى في أحد هذين الإناءين أو في إناء ثالث، فإنّه لا يجب الاجتناب عن الإناء الثالث، فإنّه ليس علماً بتكليف جديد، إذ يحتمل أنَّ القطرة الثانية وقعت في الإناء الذي وقعت فيه القطرة الأولى، فيرجع الشكّ إلى الشكّ في حدوث تكليف جديد غير التكليف الأوّل، فيرجع فيه إلى أصالة الطهارة.
والذي ينبغي أن يقال في المقام: إنَّ العلم الإجمالي قد يفرض من الأوّل غير مؤثّر بشيء، باعتبار أنّه ليس علماً بحدوث التكليف، بل احتمال حدوثه، وقد يفرض أن يكون علماً بحدوث تكليف، وتتساقط الأُصول في أطرافه فيكون منجّزاً، ومع ذلك يرتفع العلم الإجمالي بقاءً، وإن لم يرتفع حدوثاً، كما لو علمنا إجمالاً بوجوب إحدى الصلاتين كالظهر أو الجمعة وأتينا بإحداهما، فبعد الإتيان بإحداهما يرتفع العلم الإجمالي؛ إذ من المحتمل أنَّ ما أتينا به هو الواجب، ومثله ما إذا علمنا إجمالاً بنجاسة ثوبين وغسلنا أحدهما، فيكون أحدهما طاهراً يقيناً، ويشكّ في نجاسة الثوب الآخر.
ــــــــــ[193]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وارتفاع العلم الإجمالي يتصور على قسمين:
القسم الأوّل: تارةً يكون ارتفاعاً من جهة البقاء من جهة الامتثال مع بقاء العلم الإجمالي بالحدوث كالأمثلة السابقة، وقد يكون ارتفاعه لمانع رافع للتكليف كالاضطرار مثلاً، وهذا ما سنؤجّله إلى تنبيه مستقلّ.
القسم الثاني: قد يكون الارتفاع بعد أن حدث العلم الإجمالي، وتنجّز التكليف الواقعي، وتساقط الأُصول في الأطراف، فيرتفع العلم الإجمالي بنحو لا يبقى للمكلّف علم بحدوث التكليف بقاءً.
والفرق بين هذا وبين الأوّل: أنَّ ما تقدّم، هو: أنَّ العلم بحدوث التكليف موجود حتّى الآن ولم يرتفع، إلّا أنَّه لا علم له ببقاء التكليف باعتبار احتمال سقوطه بالامتثال كما سبق مثاله، لكن العلم بحدوث تكليف جامع بين الظهر والجمعة موجود إلى الآن، وأمّا الثاني، فهو: أنَّ العلم بالحدوث يرتفع بقاءً، بحيث لو سئل المكلّف، لقال: لعلّه لم يحدث.
أمّا بالنسبة إلى الأمر الأوّل، وهو: ما إذا لم يرتفع العلم بالحدوث، بل ارتفع العلم ببقاء التكليف، فلا ينبغي الشكّ في أنَّ ارتفاع الحكم بقاء لا يوجب ارتفاع المنجّزيّة ووجوب الاجتناب، وذلك: لأنَّ العلم الإجمالي حينما تنجّز وتساقطت الأُصول لا يمكن بعده الرجوع إلى الأصل.
والسرّ في ذلك: أنَّ الشكّ في وجوب صلاة الظهر بعد الإتيان بالجمعة ليس شكّاً حادثاً جديداً، بل هو الشكّ الذي كان طرفاً للعلم الإجمالي(1)، ولم
ــــــــــ[194]ــــــــــ
() فهو شكّ في بقاء التكليف المنجّز. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
يمكن فيه الرجوع إلى الأصل للمعارضة، فلا يمكن لنا الآن أن نقول على تقدير أن تكون صلاة الجمعة واجبة فقد أتينا بها، وأمّا الظهر فلا ندري بوجوبها فنرجع إلى الأصل، فإنَّ الشكّ في الظهر ليس شكّاً جديداً، بل هو شكّ في انطباق المعلوم بالإجمال عليها، ومعه لا يمكن الرجوع فيه إلى الأصل.
ولكن قد يقال: إنَّه يمكن الرجوع فيه إلى الأصل، وإنَّ الشكّ الواحد يمكن أن لا يكون مجرى للأصل في زمان، ويكون مجرى له في زمان آخر؛ لأنَّ المانع عن جريان الأصل كان هو المانع العقلي، والضرورات تقدّر بقدرها، فشموله لما قبل الإتيان بالجمعة لا يمكن، وأمّا شموله لما بعد الإتيان بالجمعة فلا مانع منه، فنرفع اليد عن الأصل بمقدار الضرورة، وهو ما قبل الإتيان بالطرف الآخر.
وكما لو غسل أحد الثوبين اللذين يعلم إجمالاً بنجاسة أحدهما فارتفع العلم بنجاسة أحدهما جزماً، فلا مانع حينئذٍ من الرجوع إلى أصالة الطهارة في الثوب غير المغسول بعد ارتفاع المانع العقلي، وأنَّ العلم الإجمالي لا يوجب التنجيز إلّا في زمان كان موجوداً، وأمّا إذا ارتفع العلم الإجمالي بالإتيان بأحد الأطراف فلا مانع من الرجوع إلى الأصل، والشكّ الواحد يمكن أن لا يكون مجرى للأصل في زمان، ويكون مجرى له في زمان آخر.
ولكن هذا يندفع بوضوح، باعتبار أنَّ المانع العقلي لم يكن منحصراً في الزمان الأوّل، بل شمول دليل الأصل لكلّ من الطرفين في زمان واحد أو في زمانين أمر غير معقول، فإنَّ شمول أصالة الطهارة لهذا الطرف في الزمان الأوّل
ــــــــــ[195]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
دون جريانه في ذاك الطرف في الزمان كلّه ترجيح بلا مرجّح، فشموله لهذا حدوثاً كما يعارض شموله للآخر حدوثاً كذلك شموله له بقاء.
وكذلك بالنسبة إلى وجوب صلاة الظهر والجمعة، فجريان أصالة البراءة في إحدى الصلاتين في تمام الوقت معارض بمثله في صلاة الظهر، ولا تختصّ المعارضة بزمان دون زمان، فكما أنَّ جريان أصالة البراءة حدوثاً في الظهر كان معارضاً بحدوث وجوب الجمعة، كذلك جريان الأصالة في الظهر بقاءً معارض مع جريانه في الجمعة حدوثاً، فلا يمكن جريان الأصالة في الأزمنة كلّها، وتتساقط في الطرفين، وهذا واضح.
وإنَّما الكلام فيما إذا كان العلم الإجمالي منجّزاً، وتساقطت الأُصول في أطرافه، ثُمَّ بعد ذلك ارتفع العلم بحدوث التكليف أساساً، وانقلب العلم الإجمالي إلى الشكّ، ففي مثل ذلك هل يحكم بالتنجيز باعتبار أنّ العلم الإجمالي قد نجّز التكليف في زمان فلا يرتفع بارتفاعه، أو إذا ارتفع العلم يرتفع التنجيز بارتفاعه، فإنّه يدور مداره حدوثاً وبقاءً؟
الظاهر سقوط التنجيز، فإنّ العلم الإجمالي لا يزيد عن العلم التفصيلي، فإنّه إذا كان المكلّف عالماً بوجوب شيء أو نجاسة شيء، ثُمَّ انقلب هذا العلم إلى الشكّ بنحو الشكّ الساري، فهل يمكن أن نقول: إنَّ الحكم تنجّز بالعلم التفصيلي، وهذا شكّ بعد التنجيز؟ بل التنجيز دائر مدار العلم وجوداً وعدماً، وأمّا إذا انعدم العلم بالشكّ وتردّد بتحققّ النجاسة من أوّل الأمر، فبالفعل غير جازم بالنجاسة فيرجع فيه إلى الأصل.
ــــــــــ[196]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
والعلم الإجمالي لا يزيد على التفصيلي، فكما أنّ تنجز العلم التفصيلي يدور مداره حدوثاً وبقاء، ووجوداً وعدماً، كذلك الحال في العلم الإجمالي، فإذا ارتفع العلم الإجمالي، كيف يمكن أن يُقال: إنَّه ينجّز؟ كما لو علم بنجاسة أحد إناءين، وأصبح علمه الإجمالي منجّزاً، وتساقطت الأُصول في أطرافه، وبعد ذلك علم أنّ أحد الإناءين كان نجساً قطعاً، ولا يدري أنّ قطرة النجس المعلومة إجمالاً وقعت في الإناء النجس قطعاً أو في الإناء الآخر، فينحلّ العلم الإجمالي وتتحوّل القضيّة المنفصلة إلى قطع بنجاسة أحد الإناءين وشكّ بنجاسة الآخر، ولكن لا يمكن الرجوع إلى الأصل، وأمّا بعد الانقلاب فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في الطرف المشكوك. هذا في العلم التفصيلي.
ويلحق به العلم التعبّدي كما لو علمنا بنجاسة أحد الإناءين، ثمَّ قامت البينة على أنّ أحدهما المعيّن نجس جزماً، والحال هو الحال، فلا معنى لجريان الأصل فيما قامت البيّنة عليه، ويكون الآخر مشكوكاً فيه، ولا مانع من الرجوع إلى الأصل، وفرق الانحلال الثاني عن الأوّل: أنّ الأوّل انحلال حقيقي، وهذا انحلال بحكم الشارع، حيث إنّ الشارع حكم بأنّ هذا الإناء معلوم النجاسة من جهة قيام البيّنة، فلا يبقى الترديد بأنَّ النجس في هذا الإناء أو ذاك.
ولا يقاس ذلك بامتثال أحد طرفي العلم الإجمالي، فإنّه بعد الامتثال لا ينقلب العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي في الشكّ البدوي، بل هو موجودٌ فإنَّه يعلم من أوّل الزوال تجب الظهر أو الجمعة، فإن كان الواجب هو الجمعة فقد امتثله، وإن كان هو الظهر فالوجوب باقٍ، وأمّا هنا فيرتفع العلم الإجمالي
ــــــــــ[198]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
نفسه؛ لأنّ هذا الإناء محكوم بالنجاسة من أوّل الأمر وجداناً أو بالبيّنة.
ومثل البيّنة ما إذا كان الإناء المعلوم نجاسته إجمالاً مجرى لأصل محرز كالاستصحاب، كما لو علم أنَّ أحد الإناءين المعلوم نجاسة أحدهما أجمالاً، وكان نجساً قبل ساعة يقيناً، فمن الآن يجري الاستصحاب في هذا الإناء ويصبح محكوماً بالنجاسة، ويكون العلم بوقوع قطرة فيه أو في الإناء الآخر ليس علماً بتكليف جديد، ويكون هذا بحكم الانحلال.
بل إذا كان الأصل الجاري في الطرف غير محرز أيضاً يسقط العلم الإجمالي عن التأثير، ويكون في حكم الانحلال، كما لو حصل له علم إجمالي آخر بوقوع قطرة أخرى قبل ذلك في أحد الإناءين المعيّن أو في إناء ثالث، كما لو علم يوم السبت بوقوع قطرة بول في الإناء الأبيض أو الأحمر، ومقتضاه: التنجيز ولزوم الاجتناب عن الطرفين، وبعد ذلك علم إجمالاً أنّه في يوم الجمعة وقعت قطرة نجاسة إمّا في الإناء الأبيض أو في إناء ثالث، فهو الآن عالم بنجاسة سابقة على العلم الأوّل(1)، فتلك النجاسة يجب الاجتناب عنها، والأُصول متعارضة فيه، ولابدَّ من الامتثال، والقطرة الثانية يحتمل أنَّها لم تحدث حكماً جديداً؛ إذ من المحتمل أنّها وقعت في عين الإناء الذي وقعت فيه القطرة الأوّلى، وأنَّ كلا القطرتين وقعت في الإناء الأبيض، ومعه يكون الشكّ في نجاسة الإناء الأحمر شكاً بدويّاً، يعني: احتمال نجاسة زائدة على النجاسة الأوّلى، ومن المعلوم أنّه يكون مورداً لأصالة الطهارة.
ــــــــــ[198]ــــــــــ
() هذا العلم متقدّم علماً ومتأخر معلوماً، والآخر بالعكس. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
قد يفرض أنَّ الأثر بالنسبة إلى أطراف العلم الإجمالي أثر مفترق ليس بينهما جامع، كما لو علم بحرمة فعل ووجوب فعل آخر، فلا ينبغي الشكّ في التنجيز في مثل ذلك، وكذا لو كان المعلوم بالإجمال من سنخ واحد، ولكن الأثر في أحد الطرفين أكثر من الطرف الآخر، وهذا يكون على نحوين:
النحو الأوّل: أن يكون مردّداً بين المتباينين، كما لو علم إجمالاً أنّه نذر قراءة سورة التوحيد أو قراءة سورة البقرة، فسورة البقرة وإن كانت أطول من سورة التوحيد بكثير، إلّا أنّه ليس بينهما قدر مشترك، فهذا أيضاً من العلم الإجمالي بثبوت حكم بين طرفين متباينين، ويكون هذا العلم منجّزاً.
النحو الثاني: ما إذا فرض أنَّ الأثر في أحد الطرفين أكثر من الآخر، وبينهما قدر مشترك، وهو القدر المتيقّن بالنسبة إلى القدر الزائد في الطرف الآخر، كما لو علم بوقوع قطرة نجاسة في ماء مطلق أو في ماء مضاف، فإذا كانت القطرة واقعة في الماء المضاف فلوقوعها فيه أثر واحد، وهو: حرمة الشرب فقط، وأمّا إذا كانت واقعة في الطرف الآخر، وهو الماء المطلق، فلها أثران:
أحدهما: حرمة الشرب.
والآخر: عدم جواز التوضي به.
فهل العلم بالنجاسة المردّدة بين الماء المطلق والمضاف يكون منجّزاً بالنسبة إلى الأثر الزائد المختصّ بأحد الطرفين، فلا يجوز التوضي بالماء المطلق أيضاً، أو أنّه ينجّز بالمقدار المشترك، وهو: حرمة الشرب، فإنّا نعلم إجمالاً بحرمة شرب
ــــــــــ[199]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أحدهما، وأما الأثر الزائد فليس معلوماً تفصيلاً أو إجمالاً، فهل يمكن الحكم بجواز التوضي بهذا الماء، باعتبار أنَّ العلم الإجمالي لا ينجّز المقدار الزائد على الجامع أو لا؟
ذهب شيخنا الأستاذ(1) إلى عدم التنجيز، وجواز التوضّأ بهذا الماء، باعتبار أنَّ العلم الإجمالي ينحلّ إلى مقدار متيقّن، وهو: عدم جواز الشرب، وأمّا الزائد فهو مشكوك فيه.
ولكن الصحيح أنَّه لا يمكن ذلك، فإنَّ جواز الوضوء بالماء المطلق متوقّف على إحراز طهارته، والمفروض: أنَّ شمول أصالة الطهارة له معارض للآخر فيسقط الأصل في كلا الطرفين، ومعه كيف يمكن الحكم بجواز الوضوء؟ فلا وجه للانحلال بدعوى: أنَّ عدم جواز الشرب معلوم، وعدم جواز الوضوء غير معلوم. نعم، هو غير معلوم إلّا أنَّه ليس عالماً بما هو موضوع جواز الوضوء، فإنَّه متوقّف على إحراز الطهارة وهو غير محرز، فلابدَّ من ترتيب آثار النجاسة في كلا الطرفين، بما فيها عدم جواز الوضوء. وهذا الذي ذكرناه فيما لو كانت القلّة والكثرة في طرفين.
وأمّا إذا كانت في موضوع واحد، وكان الشكّ في القلّة والكثرة من جهة تردّد السبّب بين ما يكون سبّباً للأَقلّ أو سبّباً للأَكثر، كما إذا علم المكلّف باشتغال ذمّته لزيد بعشرة دراهم أو عشرين، ولا يدري أنَّه اقترض منه عشرة أو أتلف له عشرين، فأصل العلم باشتغال الذمّة ثابت، ولكن سبّبه مجهول،
ــــــــــ[200]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 250.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فهو على تقدير الاقتراض فقيمة المال عشرة، وعلى تقدير الإتلاف فعشرون.
ففي مثل ذلك لا ينبغي الشكّ في الانحلال، فإنّ السبّب لا خصوصيّة له، والذي يوجب تنجّز التكليف إنّما هو اشتغال الذمّة بأيّ سببٍ كان، واشتغالها بعشرة معلوم، واشتغالها بالأكثر مجهول، فيرجع إلى أصالة البراءة عن الزائد. هذا إذا لم يكن أصل موضوعي في البين.
وأمّا إذا كان هناك أصلٌ موضوعيٌّ فهو حاكم على أصالة البراءة، ومثاله: ما إذا علم بنجاسة الثوب ولم يدرِ أن منشأ النجاسة أيّ شيء هو؟ فهل لاقى البول ليحتاج إلى الغسل مرتين، أو لاقى غير البول ليحتاج إلى غسلة واحدة؟ فالأمر دائر بين الأقلّ والأكثر، ووجوب الغسلة معلومٌ ووجوب الزائد غير معلوم، ويمكن القول بالبراءة وأنّ الأصل عدم التكليف بالزائد، ولكنَّ هذا الأصل لا يجري، لجريان استصحاب النجاسة، فإنَّ الثوب محكوم بنجاسته جزماً، وبعد الغسل مرّة واحدة يشكّ في نجاسته وطهارته، ومقتضى الأصل بقاء النجاسة.
هل يختصّ تنجيز العلم الإجمالي بالدفعيّات أو يجري في التدريجيّات أيضاً، فيما إذا علم بوجوب أمر دائر بين أن يكون وجوبه بالفعل أو متأخّر، في مثل ذلك هل يتعارض الأصلان ويتساقطان أو لا؟
ومثّل شيخنا الأنصاري(1) لذلك بأمثلة، منها: ما إذا علم شخص أنَّه يبتلى
ــــــــــ[201]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 248.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
بمعاملة ربويّة في يومه هذا، أو في شهره هذا، وذلك لجهله بخصوصيّات الربا وأحكامه، ولكنّه لا يدري أنَّ هذه المعاملة، هل تقع في الساعة الأولى أو في الساعة الأخيرة؟ في مثل ذلك كأنّه جعله مفروغاً عنه، وحكم بوجوب الاجتناب عن تمام المعاملات وكلها تقع فاسدة.
وهذا وإن كان صحيحاً إلّا أنَّه خارج عن محلّ الكلام، فإنَّ محلّ الكلام إنّما هو فيما إذا كان التنجيز مستنداً إلى العلم الإجمالي بواسطة تعارض الأصول، هذا هو الذي نتكلّم فيه في بحث العلم الإجمالي، وأمّا إذا فرضنا أنَّ الاحتمال في نفسه منجّزاً وإن لم يكن هناك علم إجمالي، فلا فرق بين الدفعيّة والتدريجيّة جزماً، فإنَّ نفس الشكّ كافٍ، كما لو كان يحتمل أنَّ المعاملة الأولى ربويّة، والوجه في ذلك واضح؛ لأنَّ جريان البراءة مشروط بالفحص، ولا يمكن إجراؤها بدونه في الشبهات الحكميّة، وحيث إنَّ هذا المكلّف يجهل خصوصيّات الربا، فليس له الرجوع إلى البراءة في أيّ معاملة، فلا حاجة إلى فرض العلم الإجمالي في المقام، فإنَّها لا تجري في الشبهات الحكميّة قبل الفحص.
وهكذا يحكم بفساد كلّ معاملة تصدر منه، ولا يمكن التمسّك بعمومات الوفاء، فإنَّ الشبهة مصداقيّة، إذ المفروض أنَّ المعاملة الربويّة خرجت من العمومات، فإذا شكّكنا في معاملة أنَّها ربويّة والشبهة حكميّة، لا يمكن فيها التمسّك بالعمومات؛ لاحتمال أنَّه من مصاديق المخصّص، وذكرنا في بحث الخاصّ والعام(1): كما يشترط الرجوع في الأصل العملي في الشبهة الحكميّة إلى
ــــــــــ[202]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 2: 283، 284.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الفحص، كذلك لا يجوز الرجوع إلى العمومات والأُصول اللفظيّة إلى الفحص.
إذن، كلّ معاملة تقع منه في الخارج يحكم بفسادها من جهة الشكّ في انتقال مال البايع إلى المشتري وبالعكس، ومقتضى الأصل عدم الانتقال، فهذا خارج عن محلّ الكلام وإن كان ما ذكره صحيحاً.
فالكلام يقع في مورد كان الأصل في نفسه يقتضي البراءة، فهل يثبت هذا الأصل في أطراف العلم الإجمالي إذا كانت تدريجيّة أو لا؟
أوّلاً لابدَّ من تحقيق محلّ البحث في المقام، وليس محلّ البحث في المقام ما إذا كانت التدريجيّة مستندة إلى اختيار المكلّف نفسه، ولكنّه يمكنه ارتكاب جميع الأطراف في وقت واحد، ومثاله: أن يعلم المكلّف بنجاسة أحد الثوبين، فيمكنه أن يلبسهما معاً، ولكنّه يختار لبس أحدهما، ثُمَّ ينزعه ويلبس الآخر.
وهذا خارج عن محلّ الكلام جزماً، إذ العمدة في التنجيز هو تساقط الأُصول وشمول أصالة البراءة للثوبين معاً وهو غير ممكن، وشمولها لأحدهما ترجيح بلا مرجّح، وكونه يلبس أحدهما بعد الآخر أجنبي عن العلم الاجمالي.
وكذلك إذا فرضنا أنَّ التدريجيّة مستندة إلى عدم قدرة المكلّف، ولكنّه قادر بالفعل على كلّ منهما، وان لم يكن الجمع بينهما ممكناً، كما إذا علم بحرمة أحد ضدّين لهما ثالث، فيمكن الموافقة القطعيّة والمخالفة القطعية.
ومعلوم أنَّ الاتيان بالضدّين غير ممكن، ولابدَّ من التدريجيّة في الإتيان بهما، إلّا أنَّ ذلك لعدم القدرة، وإلّا فكلّ منهما يمكن أن يحكم عليه بالحرمة، ويمكن للمكلّف الجزم بالامتثال والجزم بالمخالفة، وهذا ايضاً خارج عن محلّ
ــــــــــ[203]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الكلام، إذ كلاهما مشكوك وشمول أصالة الطهارة لكلّ منهما غير ممكن، ولأحدهما ترجيح بلا مرجّح.
فمحلّ الكلام ما إذا كان المأمور به مثلاً مقيّداً بزمانٍ متأخّرٍ، يعني: أنَّ الفعل الذي هو متعلّق التكليف لا يمكن إيجاده فعلاً، وهو خارج عن محلّ الابتلاء، كما لو علم أنَّه نذر صوم يوم، ولكنّه لا يدري أنَّه يوم الخميس من هذا الاسبوع أو الخميس من الاسبوع الآتي، فهل هذا العلم الاجمالي منجّز بحيث يجب عليه الإتيان بصوم كلا اليومين من جهة الامتثال اليقيني، ويحرم عليه تركهما من جهة المخالفة القطعيّة.
فالحكم على تقدير تعلّقه بالثاني فهو في نفسه متأخّر، ولا يمكن أن يكون فعليّاً، والإشكال في أنَّ العلم الإجمالي حينئذٍ يكون منجّزاً أو لا يكون؟
وعلى تقدير كون التكليف هو الثاني فظرف الواجب أو ظرف الوجوب متأخّر، فأطراف العلم الإجمالي متدرّجة في نفسها، فإنَّ التكليف على تقدير فعليٌّ، وعلى تقدير آخر ليس بفعليٍّ.
ومثله: ما إذا علمت المرأة أنَّها تحيض في الشهر ثلاثة أيام، ولكنّها مردّدة في أيام الشهر كلّه، فلا تدري أنَّ الثلاثة هي الثلاثة الأولى من الشهر أو الثانية أو الثالثة إلى أن تصل إلى آخر ثلاثة أيام من الشهر، فليس لها علم بتكليفٍ فعليٍّ، بل تعلم بتكليفٍ مردّدٍ بين فعليٍّ وغير فعليٍّ.
فذهب صاحب الكفاية(1) إلى عدم تنجيز هذا العلم الإجمالي، لأنَّ العبرة في
ــــــــــ[204]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 361.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
تنجيز العلم الإجمالي أن يكون متعلّقاً بتكليفٍ فعليٍّ، وأن يكون المعلوم بالإجمال بعثاً أو زجراً فعليّاً، وليس في المقام علم بتكليفٍ فعليٍّ؛ إذ من المحتمل أن يكون التكليف متأخّراً وغير فعليٍّ، ولا مانع من الرجوع إلى الأصل فعلاً، والرجوع إليه في الطرف المتأخّر، فإنَّه في كلّ منهما لا يعلم بتكليفٍ فعليٍّ.
وفصّل شيخنا الأنصاري(1) بين المثالين، فقال: بالتنجيز في مثال النذر، وبعدمه في مثال الحيض، والفرق بينهما: أنّنا لو لم نقل بتعلّق التكليف بأمر متأخّر -فرضاً- لاستحالة الواجب التعليقي، لكن لا إشكال في أنَّ الملاك يتمّ بالنذر، وإن كان التكليف محالاً، فالقصور من ناحية قدرة المكلّف، وإلّا لو كان الخطاب والتكليف ممكناً للمولى لأمر بذلك الأمر المتأخّر من جهة تمامية الملاك بالنذر، وفي مثل ذلك لا يجوز الرجوع إلى الأصل في الأطراف، لأنَّه مستلزم لتفويت الملاك الملزم، وهو غير جائز في نظر العقل، كعصيان التكليف الفعلي، ولذا التزم في مثال النذر بالرجوع إلى الاحتياط، وتنجيز العلم الإجمالي.
وأمّا في مسألة الحيض فلا ينبغي الشكّ في أنَّ الحيض من شرائط التكليف، فلا يكون الملاك تامّاً إلّا عند حصول الشرط، كما في أكثر التكاليف المشروطة، وإنّما يتمّ الملاك بعد تماميّة الشرط، فإذا علمت أنَّها حائض في هذا الشهر فليس لها علم بالملاك فعلاً، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل، فتستصحب عدم الحيض إلى أن يبقى من الشهر ثلاثة أيام، فإذا دخلت هذه الثلاثة ومضى منها دقيقة واحدة فتعلم حينئذٍ أنَّها حاضت قبل ذلك يقيناً، ولكن لا تدري أنَّ
ــــــــــ[205]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 247.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
حيضها كان في هذا الآن فهو باق، أو كان في العشرة الأولى أو الثانية فهو منقضٍ، فتشكّ في بقاء الحيض وعدم بقائه، وهي مسبوقة بحالين متضادّين، وهما: الحيض والطهر، وهي قطعاً كانت في هذا الشهر حائضاً، وكانت فيه قطعاً طاهراً؛ إذ لا يحتمل أن تكون فيه جميعاً طاهراً وكذلك حائضاً، وفي مثل ذلك إمّا أن الاستصحاب لا يجري لعدم اتّصال زمان اليقين بالشكّ – على ما ذكره صاحب الكفاية – أو لتعارضهما على ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري، فلا يجري الاستصحاب، وتصل النوبة إلى جريان البراءة عن التكاليف الثابتة من قبل الحيض، كحرمة اللبث في المسجد وغيره.
ففصّل الشيخ بين تكليف تمّ ملاكه فعلاً، وبين تكليف مردّد بين أن يكون ملاكه تامّاً أو غير تامٍّ، فذهب إلى التنجيز في الأوّل دون الثاني.
ولكن شيخنا الأستاذ(1) بنى على تنجيز العلم الإجمالي، بلا فرق بين ما إذا كان الملاك تامّاً أو لم يكن، وهو الصحيح، والوجه في ذلك: أنَّه في مسألة النذر إذا علم بتعلّق التكليف بأمر فعليٍّ أو متأخّر، فإذا قلنا بالواجب التعليقي –كما هو الصحيح– فهو عالم بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير، سواء كان متعلّقه فعليّاً أو استقباليّاً، وإنّما التدريجيّة في متعلّقه، وهذا خارج عن محلّ الكلام.
وأمّا إذا لم نقل بالوجوب التعليقي فحينئذٍ لا علم لنا بالتكليف الفعلي، لكن عُلم بالملاك التامّ الفعلي -على ما ذكرناه في تقريب كلام الشيخ- ولا يفرق العقل بين تفويت التكليف الفعلي وبين تفويت الملاك الفعلي، فلا يمكن
ــــــــــ[206]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 273.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الرجوع إلى الأصل المستلزم التفويت للملاك التامّ الناشئ من قبل النذر، وعدم الفعليّة ناشئ من ناحية عجز المكلّف، باعتبار أنَّه لا يمكن التكليف بأمر متأخّر، ولكنّه يعلم بتماميّة الملاك سواء كان الفعل مبتلى به فعلاً أو سوف يأتي. وعلى أيّ حال يكون الملاك منجّزاً، ولا يجوز الرجوع إلى الأصل في كلا الطرفين.
وأمّا إذا كان الملاك غير تامّ، كما في الحيض وأكثر شرائط التكليف إلّا ما شذّ وندر، ولا يكون الملاك تامّاً قبل وجود الشرط، فإنَّه وإن كان لا علم لنا بتكليف فعليٍّ ولا ملاك تامٍّ، إلا أنّنا نعلم بملاك فعليٍّ أو بملاك فعليٍّ في ظرفه، وكما لا يجوز تفويت الملاك الفعلي كذلك لا يجوز تفويت الملاك الذي يتمّ في ظرفه في نظر العقل، ولذا قلنا(1) في بحث مقدمة الواجب: أنَّه لا يجوز أن يعجّز المكلّف نفسه عن توجّه تكليف إليه يكون في ظرفه تامّاً، وسميّناه: بالمقدّمات المفوّتة، وحيث: إن العقل يحكم بقبح التفويت، فتفويت الملاك وتعجيز المولى عن التكليف قبيح في نفسه، فيما إذا كان الملاك تامّاً في ظرفه، فإذا كان هذا قبيحاً من المكلّف كان قبيحاً من المولى، وكيف يمكن أن يرخّص في تفويت هذا الملاك التامّ؟ وذلك بارتكاب الفعلين مع العلم أنَّ فيهما ملاكاً ملزماً يستلزم بالترخيص تفويته.
فالصحيح ما ذهب إليه شيخنا الأستاذ من أنَّ العلم الإجمالي في جميع هذه الموارد منجّز، بلا فرق بين أن يكون الملاك تامّاً في تمام الأطراف أو غير تامٍّ، بل
ــــــــــ[207]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 3: 173.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
يتمّ في ظرفه، ولا يمكن الرجوع إلى الأصل في تمام الأطراف؛ لاستلزامه تفويت الملاك، ولا في البعض دون البعض؛ لأنَّه ترجيح بلا مرجّح، فيكون العلم الإجمالي منجّزاً في تمام هذه الموارد.
المعروف بينهم أنَّ أطراف العلم الإجمالي إذا كانت غير محصورة لم يجب اجتناب شيء من الأطراف ويجوز ارتكاب أي طرف منها، وأمّا إذا كانت أطرافه محصورة فيجب الاجتناب، فيشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن تكون أطرافه محصورة، هذا هو المعروف بين المتأخّرين(1) وربما أنّه المتسالم بينهم، فيقع الكلام تارةً في موضوع المسألة، وأخرى في حكمها.
أما الكلام في الموضوع، بمعنى: أنَّه ما المراد من عدم الحصر المأخوذ في أطراف العلم الإجمالي؟ والجواب يكون على وجوه مع تمحيصها:
بمعنى: أن تكون الأطراف بمقدار يعسر عدّها، وإذا أمكن العدّ فالشبهة محصورة.
ولكن هذا لا يمكن المساعدة عليه:
أوّلاً: بأنّ عسر العدّ وعدم عسره يختلف باختلاف الأشخاص، واختلاف الأزمان، ففي أيّ زمن يعسر؟ في ساعة أو ساعتين أو يوم أو يومين أو شهر أو
ــــــــــ[208]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 275، الأُصول 2: 595، فرائد الأُصول 2: 201، كفاية الأُصول: 362، نهاية الأفكار 3: 328.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
شهرين، وكلّ عدد يفرض يمكن عدّه، غاية الأمر: أنّه قد يطول الزمان وقد لا يطول، فالتعليق على هذا العنوان تعليق على أمر مجهول.
ثمَّ إنّ الأشخاص يختلفون في سرعة العدّ وبطئه، فقد يكون العدّ عسراً بالنسبة إلى شخص، وغير عسر بالنسبة إلى شخص آخر، فهذا لا يكون ميزاناً كلّيّاً.
وثانياً: إذا فرضنا أنَّ هناك عدداً واقعياً يعسر عدّه لجميع الأشخاص في زمان معيّن، فأيّ ربط لعسر العدّ بوجوب الاجتناب؟ ولذا ترى أنَّ مقداراً معيّناً من العدد الذي يكون أطرافه محدودة، لكنّه يكون من الشبهة غير المحصورة، كما إذا دار أمر حيوان محرم موجود عند أحد قصابي البلد، وكان البلد كبيراً كبغداد أو البصرة، وأنّ أحدهم عنده ميتة لم يذكَ، وكان القصابون خمسمئة، فيكون هذا من الشبهة غير المحصورة، ولا أثر لهذا العلم الإجمالي، فيجوز شراء اللحم من أيّ قصاب منهم، فلو فرضنا أنّ العدد كان أضعاف ذلك، كما لو دار أمر حبة نجسة من الأرز في إناء بين آلاف من الحبات، فالعدد أكثر بمراتب من العدد الأوّل، مع أنَّه يجب الاجتناب(1) عن تمام الحبات،
ــــــــــ[209]ــــــــــ
() لا يخفى عدم الفرق بين المثالين فيما هو المهمّ، فإنّنا لو لاحظنا المخالفة القطعيّة رأيناها محرمة في المثالين، فكما لا يجوز أكلّ كلّ الأرز كذلك لا يجوز الشراء من كلّ القصابين الخمسمائة، وأمّا الموافقة القطعيّة فجائزة في المثالين والشبهة فيهما غير محصورة، كما لو أكلّ حبّة أو حبّتين من الأرز، فإنّه يكون جائزاً؛ لأنّه من ارتكاب بعض أطراف الشبهة غير المحصورة، وتنظير أكلّ كلّ الأرز بالشراء من قصاب واحد اشتباه واضح. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
باعتبار العلم بنجاسة واحدة منها، فكيف كان عسر العدّ ميزاناً مع أنّ عسره هنا أكثر، فهذا لا يكون ميزاناً جزماً.
وحاصل ما ذكره(1): أن تكون الأطراف كثيرة، بحيث يكون انطباق المعلوم بالإجمال على كلّ طرف احتمالاً موهوماً لا يعتنى به من قبل العقلاء، فالعبرة بضعف الاحتمال إلى هذه الدرجة.
إلا أنَّ هذا لا يمكن أن يكون ضابطاً في المقام:
أمّا أوّلاً: فلأنَّ للوهم مراتب عديدة لا محالة بمقدار مراتب الظنّ الذي يقابله، فإذا كان الظنّ ضعيفاً كان في مقابله مرتبة من الوهم. وإذا كان الظنّ قوياً فلا محالة يكون الوهم ضعيفاً، وإذا كان للوهم مراتب فيكون هذا إحالة على مجهول، فإنّ العبرة بأيّ مرتبة من مراتب الوهم.
وثانياً: أنّ الوهم لا أثر له في المقام، فإنّ التنجيز من أثر العلم الإجمالي لا الاحتمال، فلو فرضنا أنَّ الاحتمال موهوم غاية الوهم، فاحتمال العقاب موجود، ويجب دفعه لوجوب دفع العقاب المحتمل، ولو كان مصادفاً للواقع لاستحق المكلّف العقاب على مخالفته، فلا فرق في تنجيز العلم الإجمالي ووجوب الاجتناب عن أطرافه وتساقط الأُصول في أطرافه بين الظنّ والشكّ والوهم، ولذلك لو فرضنا أنّ أطراف العلم الإجمالي كانت محصورة بطرفين، وكان أحدهما مظنوناً والآخر موهوماً، فهل لا يجب الاجتناب عن الموهوم،
ــــــــــ[210]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 271.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
باعتبار أنَّ العقلاء لا يعملون بالوهم، وإنّما العقلاء لا يعملون بالوهم إذا كان هناك مؤمّن، فهل يأخذون الوهم بنظر الاعتبار، ويتجنبون عن مخالفته إلى أن تصل النوبة إلى درجة يكون خلافه حجّة عقلائيّة كالاطمئنان، وهذا خارج عن محلّ الكلام، فإذا كان الاحتمال منجّزاً للتكليف، باعتباره احتمالاً للانطباق مع المعلوم بالإجمال مالي المنجّز والأُصول متساقطة، فأيّ فرق بين الظنّ والشكّ والوهم ما لم يصل إلى وجود حجّة في أحد الأطراف الوجدانيّة أو التعبدّيّة، فما ذكره شيخنا الأنصاري لا يمكن المساعدة عليه.
العبرة في كون الشبهة غير محصورة أنَّه يعسر الامتثال الجزمي، فإذا أراد المكلّف أن يمتثل ويحصّل على الموافقة القطعيّة عسر عليه ذلك، فلا تجب الموافقة القطعيّة.
إلّا أنّ هذا أيضاً لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك: فإنّ العسر إذا فرض أنّه متحقّق في مورد، فإنَّ مقتضى حكومة دليل لا حرج على الأحكام الواقعيّة سقوط الحكم فيما إذا كان عسراً، ولا فرق في ذلك بين الأطراف الكثيرة أو القليلة، كما لو كان مردّداً بين أطراف خمسة، ولكن كان الاجتناب عن جميعها عسراً، فلا محالة نلتزم بسقوط التكليف، فأيّ ربط لهذا بكثرة الأطراف؟ ويكون الميزان هو العسر في تحصيل الموافقة القطعيّة، سواء قلّت الأطراف أو كثرت.
على أنّه إذا كانت الموافقة القطعيّة عسرة، فلازمه رفع اليد عن التكليف الواقعي بمقدار يلزم منه العسر، وأمّا الزائد فلا، ويجب الاجتناب بمقدار لا
ــــــــــ[211]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
يلزم منه العسر سواء كانت الأطراف كثيرة أو لا، وسيأتي لهذا مزيد كلام وتوضيح في بحث الاضطرار إلى بعض الأطراف.
ومن هنا نقل الشيخ الأنصاري(1) أنَّه يرجع في تحديد الشبهة غير المحصورة إلى الصدق العرفي، فإذا حكم العرف بأنّ الشبهة غير محصورة فلا تجب الموافقة القطعيّة، وأمّا إذا كانت الشبهة في نظره محصورة فيجب الاجتناب، فلو دار أمر الحبّة بين آلاف الحبّات لا تكون الشبهة محصورة؛ لأنّ مجموعها يكون لقمتين أو ثلاث لقم.
وهذا أيضاً لا يتمّ؛ لأنّ كلمة (الشبهة غير المحصورة) لم ترد في آية ولا رواية، حتّى يرجع في مفهومها إلى العرف، فلا معنى للرجوع إلى العرف في هذا الموضوع، بل العبرة في شمول أدلّة الأُصول للأطراف وعدمه، على أنَّ الحصر وعدمه ليس من المعاني المتحصّلة، بل تختلف باختلاف الأشخاص، فربما تكون الشبهة بالنسبة إلى هذا الشخص غير محصورة لقدرته أو لوجود اللحم في داره، وتكون بالنسبة إلى شخص آخر شبهة غير محصورة، فلا يكون الإرجاع إلى العرف إلّا إحالة على المجهول.
وهو أحسن الوجوه التي قيلت في المقام(2)، وقد تقدّم الكلام فيه في الجملة، وحاصله: أن يتنجّز المعلوم بالإجمال مع غض النظر عن كلّ طرف في نفسه، وهذا
ــــــــــ[212]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 268.
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 276، 277.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
معناه تحريم المخالفة القطعيّة، فإنَّ ترخيص المولى في جميع الأطراف مستلزم للترخيص في المعلوم بالإجمال فأوّلاً يتنجّز العلم الإجمالي من ناحية حرمة المخالفة القطعيّة وعدم إمكان الترخيص في تمام الأطراف بجريان الأصول.
فإذا بنى أحد على جواز الترخيص في تمام الأطراف، وقال: إنّ العلم الإجمالي ليس كالتفصيلي، فإنَّ مرتبة الحكم الظاهري محفوظة، فإنّه لا تصل النوبة إلى المرتبة الثانية أبداً.
وأمّا إذا قلنا: بأنّ المخالفة القطعيّة غير جائزة، ولا يمكن الرجوع إلى الأُصول في تمام الأطراف، فتصل النوبة إلى المرتبة الثانية، وهي: أنّ المولى هل يمكن أن يجوّز ارتكاب بعض الأطراف أو لا يمكن؟ وهو البحث في وجوب الموافقة القطعيّة، فتنجيز العلم الإجمالي من هذه الجهة متوقّف على تنجيزه من الجهة الأولى.
إذا كان الأمر كذلك فالعبرة في الشبهة غير المحصورة أن تكون الأطراف من الكثرة بحيث لا يتمكن المكلّف من المخالفة القطعيّة، فإنَّ العلم الإجمالي حينئذٍ(1) لا يكون منجّزاً؛ لأنّ المخالفة القطعيّة غير ممكنة، والتكليف مشروط بالقدرة، ولا ينجز من ناحية الموافقة القطعيّة أيضاً؛ لترتّبها على الجهة الأوّلى(2)
ومن هنا خصّ الشبهة غير المحصورة بالشبهات التحريميّة، فإنَّها هي التي تنقسم إلى محصورة وغير محصورة، وأمّا في الشبهات الوجوبيّة فلا تكون
ــــــــــ[213]ــــــــــ
() ولو كان متمكناً من الموافقة القطعيّة. (المقرّر).
(2) ولا يجب الاحتياط حينئذٍ. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الشبهة فيه غير محصورة أبداً، مهما كَثُرت الأطراف، من جهة أنَّ المكلّف متمكن من المخالفة القطعيّة بترك الجميع، غاية الأمر: أنَّ الأطراف قد تكون كثيرة ولا يتمكن من الموافقة القطعيّة، فيضطر إلى ترك بعض الأطراف، وسيأتي الكلام عنه. هذا مخلص ما أفاده.
ولكنّه لا يتمّ، لأمور:
الأمر الأوّل: فلأنَّ عدم القدرة على المخالفة القطعيّة لازم أعمّ بالنسبة إلى كثرة الأطراف وعدمه، فإنّه قد يفرض أنَّ المكلّف متمكن من المخالفة القطعيّة، لا لكثرة الأطراف بل لأمر آخر، كما لو علم إجمالاً بحرمة أحد الضدّين، كما لو لم يدرِ أنَّ الجلوس حرام في هذه الغرفة أو في الغرفة الثانية في وقت معين، كأوّل طلوع الشمس تحقيقاً، فهل يمكن أن يُقال: إنّ هذه الشبهة غير محصورة، مع أنَّ المكلّف متمكن من الموافقة القطعيّة بترك الجميع، فهل يلتزم بعدم تنجيز العلم الإجمالي؛ لأنّ المخالفة القطعيّة غير ممكنة له!! فعدم القدرة لازم أعمّ لكثرة الأطراف وقلّتها، فإنّه قد يتحقّق مع الكثرة وقد يتحقّق مع القلةّ.
الأمر الثاني: أنَّ هذا يختلف باختلاف الأزمان واختلاف الأشخاص، وليس له ضابط كلّي، فقد يفرض أنّ رجلاً واحداً لقدرته يتمكّن من ارتكاب جميع الأطراف ويحصل له العلم بالمخالفة، ورجل آخر لا يتمكن من ذلك، أو أنَّه لا يتمكّن في زمان، ويتمكّن في زمان آخر، فليس هذا ضابطاً كلّيّاً بأن يُقال: إنّ الأطراف إذا كانت بمقدار لا يتمكن معه المكلّف من المخالفة القطعيّة، فإنّ هذا أمر يختلف.
ــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الأمر الثالث: ما هو المراد من عدم تمكنه من المخالفة القطعيّة، هل الميزان في ذلك عدم التمكن دفعة واحدة أو في زمان قليل؟
إذن، كثير من الشبهات المحصورة يدخل في غير المحصورة لعدم تمكن المكلّف من ارتكاب جميع الأطراف في زمان قليل أو في آن واحد، وإذا اعتبرنا ذلك في سنة أو عدّة سنين، فقلّما يوجد غير المتمكن من المخالفة القطعيّة، فهذا اليوم يشتري من هذا القصاب، وغداً من غيره، وبعد يوم من ثالث وهكذا، وهو يعلم بوجود ميتة عند أحدهم، فأكثر ما ذكروه وأدرجوه في الشبهات غير المحصورة يدخل في المحصورة، فهذا إحالة على مجهول كما تقدّم.
ما ينبغي أن يُقال: إنَّ المكلّف إذا لم يتمكن من المخالفة القطعيّة، فهل معناه عدم وجوب الموافقة القطعية؟!
قلنا: إنَّ المعلوم بالإجمال قد لا يتمكن المكلّف من مخالفته القطعيّة ولا موافقته القطعيّة، كما إذا علم بوجوب شيء وحرمته، فالإلزام وإن كان معلوماً، لكنّه لا يمكنه الجزم بالمخالفة ولا الموافقة، حتّى لو أرادها، بل المخالفة الاحتماليّة لابدَّ منها شاء أو لم يشأ؛ لأنّ الجمع بين المتناقضين مستحيل، ورفعهما مستحيل، وقد تقدّم الكلام في ذلك في دوران الأمر بين المحذورين(1).
وقد يفرض أنَّ المكلّف متمكن من الموافقة القطعيّة والمخالفة القطعيّة، كأكثر أمثلة العلم الإجمالي، كالعلم بوجوب الظهر أو الجمعة أو بالقصر
ــــــــــ[215]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 327.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
والتمام، أو العلم بنجاسة هذا الإناء أو إناء آخر، فهو يتمكّن من المخالفة القطعيّة، بأن لا يصلي أبداً، وأن يشرب كلا الماءين، كما يمكنه الموافقة القطعيّة بالإتيان بكلا الصلاتين، أو يترك شرب الإناءين، وهذا الذي ذكرناه من أنَّ العلم الإجمالي منجّز للتكليف من كلا الناحيتين.
وقد يفرض أنَّ المكلّف متمكن من أحدهما دون الآخر، فقد يفرض أنَّه متمكن من المخالفة القطعيّة دون الموافقة القطعية، كما في موارد الاضطرار إلى ترك بعض الأطراف في الشبهة الوجوبيّة، أو فعله في الشبهات التحريميّة، فإذا علم بوجوب أمر مردّدٍ بين أمور، كما إذا دار أمر ثوب طاهر بين ثياب فوجب عليه الإتيان بصلوات متعدّدة، ولكن كان الوقت ضيّقاً لا يتمكّن من الموافقة القطعيّة، ولكنّه كان متمكناً من المخالفة القطعيّة بترك الجميع -والكلام في هذا يقع مفصلاً عن قريب في مبحث الاضطرار إلى بعض الأطراف- ولا إشكال في تنجّز العلم الإجمالي بالمقدار الممكن منه، ولا يجوز له ترك الصلاة رأساً.
وإذا كان عكس ذلك، وهو: ما إذا لم يكن يتمكن من المخالفة القطعيّة، ولكنّه يتمكن من الموافقة القطعية، سواء كانت الأطراف كثيرة أو قليلة، فلو علم إجمالاً بحرمة جلوسه في إحدى غرفتين في زمان معيّن، فهو غير متمكن من المخالفة القطعيّة لاستحالة ارتكابهما معاً، وهو متمكن من الموافقة القطعية، فهل يكون العلم الإجمالي في مثل ذلك منجّزاً أو لا؟
مقتضى ما ذكرناه عن شيخنا الأستاذ عدم وجوب الموافقة القطعيّة؛ لأنّ وجوبها متفرّع على حرمة المخالفة القطعيّة. ولكن الأمر ليس كذلك، ولا تفرّع
ــــــــــ[216]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
في الأمر أصلاً. نعم، البحث عن وجوب الموافقة مترتّب على البحث عن حرمة المخالفة والموافقة القطعيّتين، بمعنى: أنّنا إذا قلنا بجواز المخالفة القطعيّة لا تصل النوبة إلى البحث عن وجوب الموافقة القطعيّة، فإذا قلنا بجواز ارتكاب كلا الطرفين، فلا معنى للبحث عن جواز ارتكاب بعض الأطراف، لا أنّ وجوب الموافقة القطعيّة متفرّع عن حرمة الموافقة القطعيّة، فإنّ العلم الإجمالي بعد أن تعلّق بالجامع بين الطرفين فإجراء الأصل في كلّ الأطراف لا يمكن؛ لأنّه مصادم للمعلوم بالإجمال، وإجراؤه في أحدهما دون الآخر لا يمكن؛ لأنّه ترجيح بلا مرجّح، وهذا الملاك لا يفرق فيه بين ما إذا لم يتمكن المكلّف من المخالفة القطعيّة أو تمكن منها، فإنّ ترخيص المولى بالجلوس في هذه الغرفة مع ترخيصه بالجلوس في الغرفة الأخرى ترخيص في الحرام لا محالة.
وإن لم يتمكّن المكلّف من الجزم بالمخالفة، وتمكن المكلّف أمر وترخيص المولى أمر آخر، يعني: أنَّ الجمع بين الترخيصين –وهو راجع إلى فعل المولى– غير ممكن؛ لأنّه ملازم للترخيص بالحرام الواقعي، وهو أجنبي عن تمكن المكلّف من الجمع بين الطرفين. إذن، فالترخيص في الطرفين لا يمكن، وفي أحدهما ترجيح بلا مرجح، فدليل الأصل لا يشمل الطرفين. إذن، فالموافقة القطعيّة واجبة والمكلّف متمكن منها.
وليس الأمر كما ذكره، من أنَّه كلّما لم تحرم المخالفة القطعيّة لم تجب الموافقة القطعيّة، فإنَّه لا تحرم المخالفة لسقوط التكليف بالاضطرار ونحوه، ولكن قد لا تحرم المخالفة القطعيّة لعدم التمكن وقصور قدرة المكلّف، فلماذا
ــــــــــ[217]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
لا تجب الموافقة القطعيّة مع المكلّف منها؟
إذن، فلا بدَّ من الالتزام بتنجيز العلم الإجمالي، سواء كان الجمع بين الأطراف ممكناً أو لم يكن، بلا فرق بين كثرة الأطراف وقلّته.
ومن هنا يظهر أنَّ ما هو المعروف من أنّ الشبهة إذا كانت غير محصورة لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً لا أساس له أصلاً، بل الكثرة والقلّة أجنبيّة عن العلم الإجمالي، فإن كان هنا أمر آخر كالعسر والإكراه ونحو ذلك لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً، ولكن مجرّد الكثرة لا أثر لها.
وعلى ما ذكرناه من الاختلاف في تفسير الشبهة غير المحصورة يختلف الاستدلال على عدم تنجيز العلم الإجمالي، فعلى مسلك الشيخ يستدلّ على عدم التنجيز فإنَّ العقلاء لا يعتنون بالاحتمال الموهوم، والاحتمال في الشبهة غير المحصورة يكون موهوناً جدّاً، فيسقط العلم الإجمالي عن التنجيز.
وقد ظهر جوابه مّما ذكرناه: أنَّ الاحتمال حتّى إذا كان موهوماً فهو احتمال للعقاب، ولابدَّ في ارتكابه من مؤمّن، وحيث لا مؤمّن باعتبار تساقط الأصول، فلا فرق بين أن يكون الاحتمال موهوماً أو لا يكون في تنجيز العلم الإجمالي.
ومن هنا قلنا أنّ الشبهة إذا كانت محصورة، وكان احتمال الانطباق على أحد الطرفين موهوماً، لا ينبغي الشكّ في وجوب الاجتناب.
وعلى مسلك شيخنا الأستاذ ظهر وجه عدم تنجيز العلم الإجمالي، وهو: أنَّ وجوب الموافقة القطعيّة متفرّع على حرمة المخالفة القطعيّة، فإذا لم تحرم المخالفة لم تجز الموافقة.
ــــــــــ[218]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وهذا ظهر الجواب عنه، وحاصله: أنَّ هذا التفرّع غير صحيح، فقد تكون المخالفة القطعيّة غير محرّمة؛ لقصور في قدرة المكلّف، ولكن الموافقة القطعيّة واجبة، والميزان في التنجيز هو تعارض الأُصول على ما ذكرناه.
وأمّا على بقيّة المسالك في تفسير الشبهة غير المحصورة من إيكاله إلى العرف أو ما يعسر عدّه، فقد يستدلّ على عدم تنجيز العلم الإجمالي في هذه الموارد بالإجماع(1) على عدم التنجيز.
ومعلوم أنَّ هذه المسألة مسألة مستحدثة ليس لها ذكر في كلمات العلماء أبداً، فدعوى الإجماع جزاف جزماً، على أنَّها مسألة لا يمكن تتميمها بالإجماع، فإنّ مستندها عقلي، ومعه لا يمكن الاستدلال عليها بالإجماع ونحوه.
وقد يستدلّ: بأنَّ الامتناع عن تمام الأطراف فيه عسر، فلا تجب الموافقة القطعيّة، والعسر مسقط للتكليف.
لكنّه لا يتمّ، فإنَّه إن أريد به العسر النوعي فسيجيء في بحث لا ضرّر: أنَّ الدليل المتكفّل لنفي الضرّر أو الحرج في الدين لا يشمل النوعي منها، بل العبرة بالضرّر والحرج والعسر هو الشخصي منها، ففي كلّ مورد كان فيه ذلك يسقط التكليف بالنسبة إلى من كان عسراً عليه، وإن لم يكن عسراً لا يسقط التكليف، وإن كان عسراً على شخص آخر، فهذا لا يكون موجباً لإحداث عنوان وتسميته بالشبهة غير المحصورة، بل يُقال: كلّما لزم العسر من الموافقة القطعيّة
ــــــــــ[219]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 257.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فإنَّها لا تجب، بلا فرق بين الأطراف القليلة والكثيرة، فإنَّه قد يعسر الاجتناب عن الأطراف القليلة، وقد يمكن الاجتناب عن الأطراف الكثيرة بلا عسر.
وقد يتمسّك لعدم وجوب الاجتناب بالشبهة غير المحصورة بما روي عن الصادق عن محمد بن سنان عن أبي الجارود، بعد أن ذكر عنده الجبن يجعل فيه الميتة، فقال: “أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم ما في الأرض جميعاً“(1)، فوجود الميتة إجمالاً لا يوجب حرمة سائر الأطراف، فيستدلّ بهذه الرواية على أنَّ الشبهة إذا كانت غير محصورة لم يجب الاجتناب.
إلا أنَّ هذا الاستدلال لا يتمّ، لأمرين:
الأمر الأوّل: لعدم تماميّة السند، فإنَّها ضعيفة بمحمّد بن سنان.
الأمر الثاني: أنَّ موردها عدم تمكن المكلّف من ارتكاب كلّ فردٍ فردٍ، فإنَّ بعض الأفراد خارجة عن محلّ الابتلاء، ولا يمكن للمكلّف ارتكابه ولو أراده، وفي مثل ذلك لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً جزماً؛ لأنّ العبرة في التنجيز هو تساقط الأصول، وما كان خارجاً عن محلّ الابتلاء لا يكون مجرى للأصل لعدم الأثر العملي.
والمحصّل من جميع ما ذكرناه: أنَّه لا دليل على عدم لزوم الاجتناب عن الشبهة غير المحصورة، ومجرّد كثرة الأطراف -إذا لم يكن أمر آخر مسقطاً للتكليف- لا توجب سقوط العلم الاجمالي عن التنجيز.
ــــــــــ[220]ــــــــــ
(1) المحاسن 2: 495، باب الجبن، الحديث: 597.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ثمّ إنَّه بناء على عدم التنجيز في تمام الأطراف، فهل يكون العلم كلا علم أو يكون الشكّ كلا شكّ، فإنّنا قلنا بأنَّ العلم الاجمالي متقوّم بعلم وشكّين أو أكثر بنحو القضيّة المنفصلة المانعة الخلو، أمّا هذا نجس وأمّا ذاك نجس، فنجاسة كلّ واحد بعينه مشكوك فيه، ولكنهما لا يخلوان من النجاسة جزماً، فهنا علم وشكّان أو شكوك، فهل الشكّ في كلّ واحد من الأَطراف يفرض لا شكّ أو يفرض العلم لا علم، وإلَّا فالشكّ موجود وجداناً.
اختلفت كلماتهم في ذلك، وتظهر الثمرة فيما إذا كان الأَصل في كلّ طرف في نفسه يقتضي الاحتياط بلا حاجة إلى العلم الإجمالي، مثل جريان قاعدة الاشتغال، فإذا قلنا: بأن الشكّ كلا شكٍّ فلا تكون الاطراف مورداً لها، فإنَّ المكلّف كأنَّه غير شاك، فلا يعتنى بهذا الشكّ، وإذا قلنا: بأنّ العلم كلا علم، فالشكّ باقٍ ويجب الاحتياط ويكون مجرى لقاعدة الاشتغال، ومثاله: ما إذا علمنا بوجود ماء مضاف في أواني كثيرة غير محصورة كعشرة آلاف، والباقي كلّه ماء مطلق، والمكلّف يريد أن يغتسل أو يتوضّأ أو يغسل ثوبه أو بدنه من النجاسة، ويحتمل انطباق المعلوم بالإجمال على كلّ واحد من الاطراف، فإذا أراد المكلّف أنَّ يتوضّأ -مثلاً- في ماء بعينه من هذه الأطراف فمقتضى الشكّ في أنَّ هذا المايع مطلق أو مضاف هو الاحتياط، ولابدَّ في الوضوء والغسل من إحراز أنَّ المايع ماء، وليس عندنا أصل بأنَّ المايع هو ماء إلَّا ما خرج بدليل، فلا ــــــــــ[221]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
يجوز التوضّأ بماء دون إحراز كونه ماء.
فإذا قلنا: إنَّ الشكّ كلا شكّ، كما هو مقتضى كلام شيخنا الأَنصاري من أنَّ العقلاء لا يعتنون بالاحتمال إذا كان ضعيفاً جدّاً، فيفرض الاحتمال كلا احتمال، فهذا المايع الذي يريد أن يتوضّأ به كأنّ احتمال اضافته غير موجود، وفي حكم العدم، فيجوز التوضّأ بهذا الماء أو الغسل.
وأمّا إذا قلنا: إنَّه لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي لأطرافه بين الموهوم وغيره، وتمسّكنا في عدم تنجيز العلم الإجمالي بما ذكره شيخنا الأستاذ من تفرّع وجوب الموافقة القطعيّة على حرمة المخالفة القطعيّة، فمعناه: أنّ وجود العلم كلا علم، كأنّنا لا نعلم بوجود المضاف في البين، فنبقى نحن والشكّ، فنشكّ أنَّ هذا المايع مضاف أو لا، ومقتضى الأصل هو قاعدة الاشتغال، فلابدَّ من تكرار الوضوء بمقدار نعلم بأنّه حصل الوضوء بماء طاهر أو مطلق ولا يكتفي المكلّف بواحد، فإذا كان المعلوم بالإجمال واحداً يكتفي باثنين، وإذا كان المعلوم اثنين فلابدَّ من إضافة واحد، والضابط: أنَّه لابدَّ أن يزيد على المعلوم بالإجمال(1) واحداً، ليحرز أنّه توضأ بماء مطلق.
ــــــــــ[222]ــــــــــ
() هذا إذا كان الزائد على المعلوم بالإجمال محرز الطهارة أو الإطلاق، وأمّا إذا لم يكن الوضوء بتمام الأطراف لوجود الشكّ بالإطلاق، وهو كافٍ لعدم جواز الوضوء. نعم، إذا كان المعلوم واحداً والمشكوك الزائد ثلاثة ومجموع الأطراف خمسة أو عشرة مثلاً، كفى أن يتوضّأ مرّة واحدة أزيد من المشكوك والمعلوم إجمالاً، ليحرز التوضّأ بالماء المطلق. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وعلى ما ذكرناه من أنَّه لا أساس لهذا الكلام أصلاً، فإنَّ العلم الإجمالي منجّز، والأمر واضح من تكرار الوضوء أو الغسل لإحراز الامتثال، وأنَّه توضّأ بماء مطلق.
إذا كانت الأطراف كثيرة فقد يكون المعلوم بالإجمال قليلاً، وقد يكون المعلوم بالإجمال كثيراً، بحيث لو قسّم المعلوم على الأَطراف لكانت الشبهة محصورة.
فتارةً نفرض أنّنا نعلم إجمالاً بوجود حرام واحد بأطراف كثيرة جدّاً، فالاحتمال في كلّ واحد يكون موهوماً لا محالة بمقدار واحد من ألف، وقد نعلم أنَّ الألف فيها مئة محرّمة، ويسمّى: شبهة الكثير في الكثير، فلو قسّمنا المئة على الألف، يكون كلّ عشرة لها واحد من المعلوم بالإجمال، فهل يجري على هذا حكم الشبهة المحصورة فيجب الاجتناب عن تمام الأَطراف، أو يجري عليه حكم الشبهة غير المحصورة فلا يجب الاجتناب، بناءً على عدم وجوب الاجتناب فيها.
يختلف هذا باختلاف المباني في الشبهة غير المحصورة، فإن كان منشأ عدم وجوب الاجتناب عن الأطراف ما ذكره شيخنا الأنصاري من أنَّ الاحتمال في كلّ طرف موهوم، والعقلاء لا يعتنون بمثل هذا الاحتمال لأنَّه في حكم العدم. فشبهة الكثير في الكثير لا يجري فيها هذا الملاك، فإنَّ المفروض أنَّ الاحتمال في كلّ طرف ليس بموهوم، بل هو احتمال واحد من عشرة، فيجري على هذا
ــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
حكم الشبهة المحصورة، ويكون العلم الإجمالي منجّزاً.
وأمّا إذا بنيّنا على أنَّ منشأ عدم وجوب الاجتناب في الشبهة غير المحصورة ما ذكره شيخنا الأستاذ من أنَّ وجوب الموافقة القطعيّة مترتّب على حرمة المخالفة القطعيّة، فإذا لم تكن المخالفة القطعيّة محرّمة لم تكن الموافقة القطعيّة واجبة. فبناءً على ذلك لا يجب الاجتناب حتّى في هذه الصورة، وهو ما إذا كان المعلوم الاجمالي كثيراً أيضاً، فإنَّ المخالفة القطعيّة حينئذٍ غير ممكنة إلّا بارتكاب جميع الأطراف، الّا مقداراً أقلّ من المعلوم بالإجمال، ففي مفروض المثال ما لم يبلغ ما يرتكبه تسعمئة وواحد، لا يعلم بالمخالفة ويحتمل أنَّ كلّ ما يرتكبه من الحلال.
ومن المعلوم أنَّه لا يتمكن من ارتكاب هذا المقدار عادة، فلا تحرم المخالفة القطعيّة لعدم التمكن(1)، فلا تجب الموافقة القطعيّة.
ــــــــــ[224]ــــــــــ
() لا يخفى ما فيه: فإنَّ الاضطرار إنَّما يسقط حكماً إذا كان مضادّاً له، كما إذا اضطرّ إلى ارتكاب حرام أو ترك واجب، وأمّا إذا كان الاضطرار مساوقاً للتكليف، كما لو اضطرّ إلى ترك المحرّم أو إيجاد الواجب، فإنَّ حكمه لا يسقط لا محالة؛ إذ لا قبح في التكليف حينئذٍ، وحديث الرفع لا يشمله؛ لأنَّه يرفع لزوم الامتثال عند عدم التمكّن منه، والاضطرار إلى تركه، لا عند الاضطرار إلى فعله. إذا عرفنا ذلك ففي المقام المكلّف مضطرّ إلى ترك المحرّم المعلوم بالإجمال؛ لأنَّه لا يمكنه ارتكاب عدد من الأطراف فيعلم دخول المعلوم بالإجمال في ضمنه. إذن، فالاضطرار مساوق للتكليف فلا يسقطه، فيبقى العلم الإجمالي منجّزاً، فافهم واغتنم، فإنَّه حريٌّ به. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
هذا تمام كلامنا في الشبهة غير المحصورة، وظهر مّما ذكرناه: أنَّه لا أساس للقول بأنَّ المدار في وجوب الاجتناب وتنجّز العلم الاجمالي أن تكون الشبهة محصورة، بل يجب الاجتناب مطلقاً سواء كانت الشبهة محصورة أو لم تكن. نعم، فيما إذا كان هنا مانع آخر كالعسر أو الحرج أو الاكراه وغيره من مسقطات التكليف في أطراف العلم الإجمالي، فإنَّه يسقط التكليف لا محالة، بلا فرق بين أن تكون الأطراف قليلة أو كثيرة.
قد يفرض المكلّف مضطراً إلى ارتكاب بعض الأطراف على التعيّين، وقد يفرض كونه مضطراً إلى ارتكاب البعض لا بعينه، كما إذا فرضنا أنَّه علم بنجاسة ماء أو خلّ، وكان عطشاناً مضطراً إلى الشرب، ولا ينفعه الخلّ في رفع عطشه، وينحصر رفعه بشرب الماء، وقد يكون الاضطرار إلى غير المعيّن، كما إذا كان عطشاناً وكان عنده ماءان يمكن رفع الاضطرار بأيّهما كان، فيجوز رفعه بأيّ منهما شاء.
ثمَّ إنَّ محلّ الكلام لابدَّ أن يفرض في مورد يكون الاضطرار رافعاً للتكليف على الإطلاق. أمّا إذا فرضنا أنَّه رافع للتكليف المعلوم بالإجمال من جهة دون جهة، فلا أثر لمثل هذا الاضطرار، ولا يكون الاضطرار موجباً لعدم تنجيز العلم الإجمالي.
وذكرنا غير مرّة(1): أنَّ العبرة في تنجيز العلم الاجمالي هو تساقط الأُصول
ــــــــــ[225]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 351.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
في أطرافه، فإذا تساقطت يكون منجّزاً، وإلَّا لم يكن منجّزاً، فإذا فرضنا أنَّ الاضطرار أوجب سقوط التكليف، ولم يكن المعلوم الاجمالي ساقطاً رأساً وأصلاً، فالعلم الاجمالي باقٍ على تنجيزه، ولا تنافي بين الاضطرار وتنجيز العلم الاجمالي.
ففي المثال الأوّل: (مثال الماء والخل) الاضطرار يوجب سقوط الحرمة عن الماء على تقدير كونه نجساً واقعاً، فليس له علم بحرمة أحد المايعين لا محالة، لأنَّ العلم الاجمالي لا يجتمع مع القطع بالثبوت على هذا التقدير، لأنَّه لو كان النجس الواقعي هو الماء، فليس بمحرّم جزماً. إذن، ليس لنا علم بالتحريم؛ لاحتمال أنَّ النجس هو الماء، وهو ليس بحرام. وتكون الشبهة بدويّة في الخلّ، ولا مانع من الرجوع إلى الأصل فيه، وهو: الطرف غير المضطر إليه.
ولكن للماء أثر آخر لا يرتفع بالاضطرار، وهو: نجاسة الماء، والاضطرار لا يوجب ان لا يحكم بعدم النجاسة، غاية الأمر: أنَّه يجوز شربه للاضطرار، فالاضطرار يرفع الحكم التكليفي دون الحكم الوضعي. وعليه: فلا يجوز التوضّأ بهذا الماء. اذن، يكون العلم الاجمالي بعدم جواز الوضوء بهذا الماء أو حرمة شرب الخلّ منجّزاً.
أو بعبارة أُخرى: لا يمكن الرجوع إلى أَصالة الطهارة في كلا الطرفين، فيحكم بطهارة الماء ليجوز الوضوء به، ولا في الخلّ ليحكم بجواز شربه، ولذلك لا تجوز مخالفته القطعيّة، فالاضطرار إلى شرب الماء لا يوجب إلَّا سقوط الحرمة فقط، وأمّا نجاسة هذا الماء فلم ترتفع بالاضطرار ولا يجوز
ــــــــــ[226]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
التوضّأ به، ويكون العلم الاجمالي منجّزاً، ويترتّب على هذا أنَّه لا يجوز شرب الخلّ أيضاً، لمعارضة أصالة الطهارة في طرف الخلّ لمثلها في طرف الماء.
ففي هذه الموارد -التي لا يكون الاضطرار مسقطاً لأصل المعلوم بالإجمال على الإطلاق- يبقى تعارض الأُصول على حاله، والأُصول متساقطة، فلا يحكم بحلّيّة الطرف الآخر.
وكذلك الحال في فرض الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه فيما لو قلنا: إنّ هذا الاضطرار في حكم الاضطرار إلى أحدهما المعيّن -على ما سيجيء الكلام فيه- والحكم كذلك أيضاً، ففي المثال الثاني: (مثال الماءين) أحدهما لا بعينه يختاره المكلّف، فيحكم بجواز شربه، لأنّه طاهر واقعاً أو من جهة الاضطرار، فهو وإن لم يضطر إلى شرب النجس، ولكنّه عن غيره، فيحتمل أنّ ما يختاره هو النجس، وعلى هذا التقدير يسقط التحريم لا محالة، فحكم الحرمة يرتفع بالاضطرار.
ولكن النجاسة لا ترتفع، فإنَّه يعلم إجمالاً بعدم جواز الوضوء بهذا المايع(1)
ــــــــــ[227]ــــــــــ
() لابدَّ أن نفرض الكلام قبل شرب أحدهما؛ إذ يقال حينئذٍ إنَّه يعلم إجمالاً بعدم جواز الوضوء بأحد الماءين، وأمّا بعد الشرب فيكون أحد الطرفين قد خرج عن محلّ الابتلاء، ويكون الطرف الآخر شكّاً بدويّاً ومجرى للأصل، كما أنّ العلم الإجمالي المذكور في المتن إمّا حرمة الوضوء بهذا الماء أو حرمة شرب الآخر بهذا النحو غير تامٍّ، فإنّنا لا نعلم بحرمته في إناء بعينه، فإنّ كلا الطرفين لو طبق عليه الاضطرار كان جائزاً. نعم، يصحّ لو أريد به العلم الإجمالي لا بعينه، وينحلّ حينئذٍ إلى علمين إجماليّين، فإنَّه يعلم إجمالاً بحرمة شرب أحدهما لا بعينه، وبحرمة الوضوء في أحدهما لا بعينه، كما يمكن إرجاعه إلى قضيّتين شرطيّتين:
إحداهما: إذا كان هذا حرام شربه فالآخر يجوز الوضوء به.
ثانيهما: عكسها، إذا كان هذا يحرم الوضوء به فالآخر يجوز شربه. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أو عدم جواز الشرب بالمايع الآخر، والذي يسقط بالاضطرار هو حرمة الشرب دون حرمة الوضوء، والعلم الإجمالي يكون منجّزاً.
إذن، محلّ الكلام في المقام في سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز، إنّما هو إذا كان الاضطرار موجباً لسقوط المعلوم بالإجمال رأساً، وإلّا يبقى العلم الإجمالي منجّزاً، والأُصول لا تتساقط.
فإذا فرضنا أنَّ ما يعين مضافين لا يجوز التوضّأ بهما، حتّى لو كان كلّ منهما طاهراً، فيعلم إجمالاً بنجاسة أحدهما، واضطر إلى شرب أحدهما بعينه، أو إلى شرب أحدهما لا بعينه، ففي مثل ذلك ليس للمعلوم الإجمالي أثر إلّا حرمة الشرب، والمفروض أنَّ الطرف المضطر إليه يجوز شربه، حتّى مع العلم بنجاسته تفصيلاً، فلا يكون هذا العلم الإجمالي علماً بالتكليف الفعلي لا محالة، فيكون الأصل في الطرف الآخر بلا معارض، فإنَّ هذا الطرف مقطوع الحلّيّة، والطرف الآخر محتمل الحرمة، فيكون مجرى للأصل، ففي مثل ذلك الأُصول لا تتعارض، فهذا هو محلّ الكلام.
ثمَّ إن الكلام تارةً يقع في الاضطرار إلى المعيّن، وأخرى في الاضطرار إلى غير المعيّن(1).
ــــــــــ[228]ــــــــــ
() فالكلام يقع في مقامين بهذا اللحاظ. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وفيه صور ثلاثة:
ما إذا تأخّر الاضطرار عن حدوث التكليف وتنجزه بالعلم الإجمالي، كما لو علم إجمالاً بسقوط نجاسة في أحد الإناءين: الماء أو الخلّ، وأوجب هذا تساقط الأُصول في الأطراف، ووجب الاجتناب عن كلّ منهما، ثمَّ بعد ذلك اضطر إلى شرب الماء لرفع عطشه.
ولا إشكال في أنَّ الاضطرار يجوّز له ارتكاب ما اضطر إليه، سواء كان طاهراً في الواقع أم كان نجساً، إنّما الكلام في وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر، وهو: الخلّ، فكما كان يجب الاجتناب عنه قبل الاضطرار يجب الاجتناب عنه بعده، أو لا يجب، أو لا مانع من الرجوع إلى الأصل في الطرف الآخر؛ لعدم المعارض بعد جواز شرب الماء جزماً، أو أنَّ الأصل بعد تساقطه في الطرف الآخر لا يعود بعد ذلك.
ذهب صاحب الكفاية(1) إلى جواز جريان الأصل في الطرف الآخر في متن الكفاية، بدعوى: أنَّ تنجز العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي يدور مدار العلم حدوثاً وبقاء، فكلّما كان العلم باقياً كان التنجيز باقياً، وإن ارتفع العلم ارتفع التنجيز، ومعلوم أنَّه بعد الاضطرار لا يبقى علم بالتكليف، إذ من المحتمل أنَّ النجس الواقعي في الطرف المضطر إليه، وإذا كان الأمر كذلك فقد سقطت
ــــــــــ[229]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 360، 361.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الحرمة الواقعيّة. إذن، ليس لنا إلّا الشكّ في حرمة الطرف الآخر وعدم جواز شربه، فالعلم بالتكليف الذي هو أساس التنجيز قد ارتفع وتبدّل بالشكّ، ولهذا يجوز ارتكاب الطرف الآخر أيضاً.
ثمَّ ذكر انتقاض ذلك بفقدان بعض الأطراف، كما لو علم إجمالاً بنجاسة أحد الماءين، ثُمَّ فقد أحدهما، أو خرج عن محلّ الابتلاء مثلاً، فلا إشكال في أنَّه يجب الاجتناب عن الطرف الآخر، كما لو علم إجمالاً بوجوب أحد الصلاتين الظهر أو الجمعة، ثمَّ صلى إحداها، فإنَّه يجب الإتيان بالأخرى بلا إشكال، بالرغم من ارتفاع العلم الإجمالي.
وأجاب: بأنّ النقض غير وارد، فإنَّ الفقدان يوجب رفع الحكم برفع موضوعه، وهذا بخلاف الاضطرار، فإنَّه من رفع التكليف مع بقاء الموضوع، فإنّ الماء النجس موجود في الخارج على تقدير نجاسته واقعاً، فلا موجب لسقوط التنجيز، فإنَّ التكليف على تقدير وجود موضوعه باقٍ، ويحتمل أنَّه في الطرف الآخر، وهذا بخلاف الاضطرار، فإنَّ التكليف حتّى مع فرض وجود موضوعه ليس باقياً، إذ من المحتمل أنّه في الطرف المضطر إليه.
ثمَّ عدل عن هذا في هامش الكفاية(1) فوافق شيخنا الأنصاري(2) في لزوم الاجتناب عن الطرف الآخر للعلم الإجمالي بعد تساقط الأُصول، فلا يمكن الرجوع إلى الأصل بعد ذلك، وذكر في وجه ذلك: أنَّ الاضطرار وإن كان رافعاً
ــــــــــ[230]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول (هامش): 360.
(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 245.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
للتكليف، إلّا أنَّه يرفعه في الموضوع المضطر إليه، ومعناه: أنَّ العلم الإجمالي تعلّق بحكم محدود في طرف، وبحكم غير محدود في الطرف الآخر، فإنَّه إذا كانت النجاسة في الماء فهي محدودة إلى حين الاضطرار، وأمّا إذا كانت في الخلّ فالحكم فيه غير محدود وغير مقيّد، ومن المعلوم أنَّ العلم الإجمالي إذا تعلّق بأحد حكمين قصير وطويل أو طويلين أو قصيرين يكون منجّزاً للمعلوم بالإجمال، فلا فرق بين الاضطرار والفقدان والخروج عن محلّ الابتلاء، فيما إذا كان الحكم معلوماً بالعلم الإجمالي، وسقطت الأُصول في الأطراف، فالزائد لا يعود.
وهذا الذي أفاده في الهامش هو الصحيح، فلا يمكن الرجوع إلى الأصل في الطرف الآخر على ما ذكره شيخنا الأنصاري بعد تساقط الأُصول في الأطراف، ولو فرضنا أنَّ الأصل في الطرف الآخر غير جار للاضطرار أو الفقدان أو الامتثال أو الخروج عن محلّ الابتلاء أو النجاسة القطعيّة لو وقعت قطرة أخرى فيه، فسقوط العلم الإجمالي لا ينافي تنجّز الطرف الآخر.
والوجه فيه ما ذكرناه قريباً: أنَّ التنجيز يدور مدار المنجَّز، ومتى ما زال المنجّز زال المتنجَّز، كما في العلم التفصيلي إذا تبدّل بالشكّ الساري، إلَّا أنّ الاضطرار أو الفقدان ونحوها لا توجب زوال العلم الإجمالي، وإنَّما توجب زوال المعلوم على تقدير، فإنَّه الآن يعلم بأنَّ هذا الإناء نجس أو هذا نجس، فالعلم لم يتنجّز(1) وإنَّما ارتفع المعلوم بالاضطرار ونحوه، وجريان الأَصل في
ــــــــــ[231]ــــــــــ
() فالعلم باقٍ، وهو العلم بحدوث التكليف في أحد الطرفين إلى زمان الاضطرار، وإنَّما المرتفع هو المعلوم، يعني: الحكم، فإنَّه إذا كان في الطرف المضطر إليه لم يكن هناك حكم، فلا قصور في تنجيز العلم الاجمالي (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الطرف الآخر يكون معارضاً لجريان مثل في الطرف الاخر قبل الاضطرار، ولا فرق في المعارضة بين أن يجري الاصلان في آن واحد أو في زمانين، فجريان أصالة الطهارة في الماء آناً ما معارض بمثلها في الخلّ إلى الأبد.
وهذه الكبرى التي ذكرها في المتن صحيحة، فالتنجيز يدور مدار المنجّز، كما لو علم اجمالاً بنجاسة، ثمَّ زال علمه بالشكّ الساري، فقطعاً يرتفع التكليف، إلَّا أنَّ الاضطرار لا يوجب زوال العلم، بل يوجب زوال المعلوم على تقدير.
فالصحيح أنَّ العلم الاجمالي في هذه الصورة يوجب التنجيز في الطرف الاخر، وما ذكره في المتن من أنَّ الاضطرار يوجب رفع الحكم مع بقاء الموضوع بخلاف الفقدان، لا يرجع إلى محصّل، فإنّا قد ذكرنا في الواجب المشروط مفصّلاً: أنَّ كلّ قيد يكون قيداً في الحكم يكون قيداً في الموضوع لا محالة، وبارتفاعه يرتفع الموضوع، لا أنَّ الموضوع باق وقد ارتفع الحكم عنه، فالحرام كان هو النجس غير المضطر اليه، فكما أنَّ الفقدان يوجب رفع الموضوع، كذلك الاضطرار والخروج عن محلّ الابتلاء، يعني: كلّ ما له دخل في فعليّة الحكم فهو دخيل في الموضوع والحكم وينتفي بانتفاء قيد الموضوع، لأنّ المقيد يرتفع بارتفاع قيده.
إذا فرضنا أنَّ الاضطرار سابق على حدوث التكليف وعلى العلم به، كما إذا اضطر إلى شرب الماء وأراد شربه، فوقعت نجاسة فيه أو في الخلّ، ففي مثل
ــــــــــ[232]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ذلك لا ينبغي الشكّ في أنَّ العلم بالنجاسة لا أثر له، ولا يترتّب عليه التنجيز، ويجوز له شرب كلا المايعين، وذلك: لأنَّ العلم بالنجاسة لا يكون علماً بالتكليف، وهو: الحرمة؛ إذ من المحتمل وقوع النجاسة في الماء، وعلى هذا التقدير لم تؤثّر شيئاً، لأنَّه مباح من جهة الاضطرار، فالأصل يجري في الطرف الآخر بلا معارض.
وذكرنا غير مرّة(1): أنّ التنجيز يتوقّف على التساقط بين الأصول، فإذا لم تتعارض، لأنَّ الطرف المضطر إليه معلوم الحلّيّة، فيرجع هذا العلم إلى الشكّ في حرمة شرب الطرف الآخر، فهو احتمال للتكليف لا علم به، فلا مانع من شمول أدلّة الأُصول وإطلاقها له، فيحكم في مثل ذلك بحلّيّة الخلّ أيضاً، ولا يلزم منه محذور المخالفة القطعيّة، وإنَّما فيه احتمال المخالفة، وهو موجود في تمام الشبهات البدويّة. إذن، ففي مثل ذلك لا يوجد علم بالتكليف. نعم، العلم بالنجاسة موجود، إلّا أنَّ هذه النجاسة لا أثر لها في أحد الطرفين، فيبقى الطرف الآخر محتمل الحرمة، فتجري فيه البراءة الشرعيّة والعقليّة.
ويلحق بهذا القسم ما إذا كان الاضطرار ووقوع النجاسة متقارنين زماناً، فحكم المقارنة حكم الاضطرار في كونه مانعاً عن تنجّز العلم الإجمالي، والعبرة بتساقط الأصول، وفي مثل ذلك لا يكون العلم بالنجاسة مستلزماً للعلم بالحرمة، إذ من المحتمل أنَّ النجس هو المضطر إليه، وعلى هذا التقدير لم يحدث تكليف، فيرجع إلى الشكّ في الطرف الآخر، فلا يكون مانع من جريان الأصول.
ــــــــــ[233]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 351.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ما إذا كان الاضطرار بعد حدوث التكليف والعلم به بعده، كما لو فرضنا يوم الخميس وقعت نجاسة في أحد المايعين: الماء أو الخلّ، ولم يعلم به المكلّف، واضطر يوم الجمعة إلى شرب الماء، وبعد الاضطرار علم بوقوع النجاسة يوم الخميس في أحد المايعين، فهل يكون هذا العلم الإجمالي بنجاسة سابقة على الاضطرار، ولكن العلم بعده؟ وهل يلحق بالصورة الأولى في كونه منجّزاً، أو بالثانية في كونه غير منجّز، فباعتبار أنَّ التكليف سابق قد يُقال: بإلحاقه في الصورة الأولى، وبما أنَّ العلم متأخّر قد يُقال: بإلحاقه بالثانية.
وقد ظهر مّما ذكرناه: أنَّ الميزان في التنجيز هو تساقط الأصول، وعليه: هذا العلم الإجمالي لا يكون منجّزاً، فإنَّه قبل العلم الإجمالي إمّا أن لا يكون الأصلان متعارضين، كما لو كان يحتمل نجاستهماً معاً، فكان يجري الأصل في كلّ منهما بلا معارضة، وأمّا أن لا يكون الأصل جارياً؛ لانتفاء موضوعه وهو الشكّ، بأن كان إمّا عالماً بطهارتهما أو غافلاً عن ذلك، فإلى زمان الاضطرار لم يكن بين الأُصول تعارض لعدم وجود العلم الإجمالي، وأمّا بعد العلم الإجمالي فأيضاً غير متعارضة، فإنَّ الطرف المضطر إليه مباح جزماً، فلا معنى لجريان الأصل فيه، فيبقى الطرف الآخر مشكوك الحلّيّة والحرمة، ولا مانع من جريان الأصل فيه بلا معارض.
وبعبارة أخرى: أنَّ الشكوك أخذت في الأُصول موضوعات، فمتى كان الشكّ موجوداً كان الأصل جارياً، ومتى ما لم يكن لم يكن جارياً، وقد فرضنا
ــــــــــ[234]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أنَّ الشكّ موجود في أحد طرفي العلم الإجمالي، وليس موجوداً في كلا الطرفين، فإنَّ الآخر معلوم الإباحة، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في الطرف الآخر، فيكون حكمه حكم الصورة الثانية، وهو: ما إذا كان الاضطرار قبل حدوث التكليف.
ولكن قد يُقال: إنّه يلحق بالقسم الأوّل، ويكون العلم الإجمالي منجّزاً، وإن لم تكن الأُصول متعارضة، وذلك: من جهة جريان استصحاب الكلّي، فإنّنا علمنا بثبوت تكليف قبل الاضطرار، فبطبيعة الحال علمنا بأنَّ أحدهما كان حراماً سابقاً، والعلم به وإن كان متأخّراً، إلّا أنَّ المعلوم سابق، فيوجب العلم ترتيب آثار المعلوم السابق، وهذا الحكم نشكّ في كونه في الطرف المضطر إليه ليكون مرتفعاً، أو في الطرف الآخر ليكون باقياً، فيدور أمر الحادث المعلوم حدوثه بين المرتفع والباقي، فيجري القسم الثاني من استصحاب الكلّي.
نظير الحدث المردّد بين الأصغر والأكبر، كما لو كان المكلّف متطهّراً وخرج منه بلّل مشتبه بين البول والمني وتوضّأ، فالآن إذا كان الخارج منه البول فقد ارتفع حدثه، وإن كان هو المني فحدثه باقٍ، فكما نتمسّك بالاستصحاب هنا، ونحكم بكون المكلّف محدثاً، وإن لم نحرز أنَّ الحادث هو المني، فكذلك في المقام. فبما أنّا نعلم بحرمة سابقة على الاضطرار، ويدور أمرها بين أن تكون في الطرف المضطرّ إليه لتكون مرتفعة أو في الآخر فتكون باقية، فنتمسّك باستصحاب الحرمة، ولازمه الحكم بنجاسة الطرف الآخر.
لكنّ هذا غير صحيح، فإن الشكّ في النجاسة نشأ من احتمال أن يكون
ــــــــــ[235]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
النجس هو الخلّ، فإنَّ المفروض أنَّ النجس لم يكن موجوداً، إلّا في الماء أو الخلّ، ولم يكن له وجود زائد على ذلك، واحتمال بقاء الحرمة ناشئ من احتمال أن يكون الخلّ هو النجس، وإلّا فلا يحتمل بقاؤها على تقدير نجاسة الماء، فإذا كان الأمر كذلك وقد فرضنا أنَّ الأصل في الخلّ جارٍ بلا معارض، فهذا حلال ظاهراً، وذاك حلال واقعاً، فما معنى التعبّد ببقاء الكلّي بعد ذلك؟
وبعبارة أخرى: أنَّ استصحاب كلّي الحرمة لا يثبت أنَّ الخلّ نجس، بل بما أنَّ الماء حلال فلابدَّ أن يكون النجس هو الخلّ، وهذا أصل مثبت.
ولا يقاس هذا باستصحاب بقاء الحدث، فإنَّ استصحاب عدم خروج المني معارض باستصحاب عدم خروج البول، فلا يمكن أن يُقال: إنَّ الحدث الأصغر على تقدير وجوده قد ارتفع، وذلك لأنَّ الأصل عدمه، فإنَّه كما أنَّ الأصل عدم الأكبر كذلك الأصغر، فيتعارض هذان الأصلان وتصل النوبة إلى استصحاب الكلّي، وإلّا لو لم تكن معارضة، وكان الأصل جارياً في أحد الطرفين لم تصل النوبة إليه، كما لو كان المكلّف محدثاً بالحدث الأصغر، ثُمَّ خرج منه بلّلٌ مشتبه، فلا مانع حينئذٍ من استصحاب عدم خروج المني، ولا معنى لاستصحاب الكلّي.
وبالجملة: استصحاب الكلّي إنّما يجري إذا لم يكن في موضوعه أصل حاكم يرفع منشأ الشكّ، وهو كذلك في المقام، ونظيره ما قالوه في باب الأقلّ والأكثر: من أنَّ البراءة وإن كانت جارية في الأكثر، لكن بعد الإتيان بالأقلّ نشكّ في سقوط التكليف المعلوم بالإجمال، فنستصحب الحكم الكلّي.
ــــــــــ[236]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ويجاب: أنَّه لا منشأ لاحتمال بقاء التكليف، إلّا أن يكون الأكثر واجباً، فإذا فرضنا أنَّ الأكثر جرى فيه الأصل المؤمّن، والمفروض أنَّه أتى بالأقلّ، وبعد هذا لا معنى لاستصحاب الكلّي. نعم، لو كان هذا الاستصحاب مثبتاً للازمه -وهو تعلّق الحكم بالأكثر- كان جارياً، إلّا أنّا لا نقول به.
إذن، في الصورة الثالثة لا يكون العلم منجّزاً.
وفيها يفرض أيضاً ما تقدّم في الاضطرار إلى المعيّن، فإنّنا قد نفرض أنَّ الاضطرار متأخّر، وقد نفرضه متقدّماً، وقد نفرضه متوسطاً، فإذا كان الاضطرار متأخّراً فلا ينبغي الشكّ في تنجّز العلم الإجمالي، ولا يزيد الاضطرار إلى غير المعيّن عن الاضطرار إلى المعيّن، فإذا بنيّنا على أنَّ العلم الإجمالي لا يسقط عن التنجيز في المعيّن، يكون الأمر كذلك في غير المعيّن، فإنَّ الأُصول بعد أن تساقطت كان العلم الإجمالي منجّزاً، غاية الأمر: يرتفع في الطرف المضطر إليه، أمّا في الطرف الآخر فلا موجب لسقوطه.
إنّما الكلام في عكس ذلك، وهو: ما إذا فرضنا الاضطرار سابقاً على العلم الإجمالي، والذي قلنا في صورة الاضطرار إلى المعيّن أنَّ العلم الإجمالي لا ينجّز؛ لعدم تعارض الأُصول الذي هو المدار في التنجيز، فهل الاضطرار إلى غير المعيّن أيضاً كذلك؟ فلو اضطر إلى شرب أحد المائين، وبعده سقطت نجاسة في أحدهما لا بعينه، فهل يكون العلم الإجمالي في مثل ذلك منجّزاً، أو لا يكون؟
ــــــــــ[237]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فيه كلام بين الأصحاب، فذهب صاحب الكفاية(1) إلى عدم التنجيز، والوجه في ذلك: أنَّ الاضطرار يوجب الترخيص في أحد الطرفين لا محالة، وهو لا يلائم مع العلم بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير، ولا يجتمعان، فلا محالة لابدَّ أن لا يكون العلم منجّزاً، ولا بأس بالرجوع إلى الأصل في كلّ منهما، ولا يلزم منه المخالفة القطعيّة، لعدم العلم بالتكليف الفعلي على كلّ حال.
ولكن شيخنا الأنصاري(2) ذهب إلى التنجيز ووافقه شيخنا الأستاذ(3) فبنيا على الفرق بين الاضطرار إلى المعيّن وبين الاضطرار إلى غير المعيّن، فلا يكون العلم الإجمالي منجّزاً في الأوّل، ويكون منجّزاً في الثاني، وهذا هو الصحيح.
والوجه فيه: أنَّه لا موجب لسقوط التكليف الواقعي فيه، بخلاف صورة الاضطرار إلى المعيّن، فإنّ الاضطرار يسقط في الطرف المضطر إليه، فلا يكون العلم علماً بالتكليف على كلّ تقدير؛ إذ من المحتمل أن يكون النجس هو الماء
-وهو حلال على كلّ حال– وأمّا الخلّ فيحتمل أن يكون حراماً، فيكون مجرى للأصل.
وأمّا إذا كان الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه، كما لو كان كلّ منهما ماء واضطر المكلّف إلى شرب أحدهما، ثمَّ تنجس أحدهما، ففي مثل ذلك لا يحتمل أن يكون مضطراً إلى شرب النجس، وليس هنا أيّ رافع للحرمة الواقعيّة،
ــــــــــ[238]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 360.
(2) انظر: فرائد الأُصول2: 245.
(3) انظر: أجود التقريرات 2: 269.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ويكون النجس الواقعي حراماً، سواء كان هو هذا الإناء أو ذاك، فإنّ الاضطرار تعلّق بجامع شرب الماء، لا بشرب الماء النجس، ولذا لو كان الطاهر متميّزاً لوجب عليه شربه وترك النجس، فهو غير مضطر إلى أن يشرب النجس ولو احتمالاً، فاحتماله غير موجود أيضاً، لكن لعدم التميّيز قد يحتمل أنّ ما يختاره في الخارج رفعاً لعطشه ينطبق عليه النجس الواقعي، فليس الاضطرار مسقطاً للتكليف الواقعي جزماً، غاية الأمر: أنَّ المكلّف لا يتمكن من الموافقة القطعيّة، يعني: تركهما معاً للاضطرار إلى شرب أحدهما، فيرخص في تطبيق اضطراره على أيّهما شاء ترخيصاً ظاهريّاً لا واقعيّاً، والواقع محفوظ وغير ساقط، وإنّما هو تكليف ظاهري محفوظ في ظرف الجهل، وعدم تميّيزه للحلال من الحرام، فهذا ترخيص ظاهري، والحرمة الواقعيّة باقية.
فإذا كانت باقية يجري الكلام المتقدّم، وهو: لا يمكن الترخيص في كلا الطرفين؛ لأنَّه ترخيص في التكليف الواصل، وهو قبيح بحكم العقل، وقلنا: بقبح الترخيص بالمخالفة القطعيّة وإن لم تمكن الموافقة القطعيّة، والمقام من صغريات ذلك، فإنّه بالاضطرار لا يتمكن من الموافقة القطعيّة، ولكنّه متمكن من اجتناب المخالفة القطعيّة. إذن، تبقى المخالفة القطعيّة على حرمتها، وليس له أيّ مجوّز في ارتكاب المحرم الواقعي بشربهما معاً، ولكن شرب أحدهما الذي يحتمل أنّه مصداق للنجس الواقعي جائز.
وعلى ذلك يبقى العلم الإجمالي على تنجيزه، وما ذكره صاحب الكفاية(1)
ــــــــــ[239]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 360.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
من أنَّ الترخيص الفعلي لا يجتمع مع الحرمة الواقعيّة صحيح في الترخيص الواقعي، كما في الاضطرار إلى أحدهما المعيّن، فإنَّه مع الحلّيّة في أحد الطرفين لا يمكن الحكم ببقاء الحرمة على كلّ تقدير، وأمّا إذا لم تكن الحلّيّة واقعيّة فلا منافاة بينها وبين الحرمة الواقعيّة، فالحرمة الواقعيّة باقية على حالها، ولم تسقط بالاضطرار؛ لأنّه لم يتعلّق بشرب النجس، وإنَّما الحرمة ساقطة في أحد الطرفين. وعليه: فاللازم التفصيل بين الموافقة القطعيّة فلا تجب، وبين المخالفة القطعيّة فتحرم.
ونتيجة ما قلناه: أنَّ العلم الإجمالي يوجب تنجّز الحكم الواقعي، ولكن تنجيزاً متوسطاً، فهو ليس منجّزاً على كلّ تقدير، ولا غير منجّز على كلّ تقدير، بل توسّط في التنجيز، فهو منجّز على تقدير، وغير منجّز على تقدير، وهذا لا محذور فيه، فيما إذا كان ما يختاره هو النجس الواقعي، لا يكون الحكم الواقعي منجّزاً، وأمّا إذا فرض أنّ ما يختاره غير النجس، فالحكم الواقعي باقٍ على تنجّزه، ولا موجب لسقوط حرمته، فإنّ الترخيص فيه مستلزم للترخيص بالمخالفة القطعيّة.
ونظير ذلك ما ذكرناه في بحث الأقلّ والأكثر الارتباطيّين(1): أنَّ التكليف بالأقلّ والأكثر وإن كان تكليفاً واحداً متعلقّاً بمركّب أو بمقيّد، وهذا التكليف هناك تلازم بين أجزائه وقيوده سقوطاً وثبوتاً، ولا يمكن أن يكون ساقطاً بالإضافة إلى جزء دون جزء آخر، بل إذا سقط سقط بتمامه، وإذا ثبت يثبت
ــــــــــ[240]ــــــــــ
(1) انظر: مصابيح الأُصول 1: 244.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
بتمامه، ففي الواقع بين الأجزاء والقيود تلازم في السقوط والثبوت، إلّا أنَّه في التنجز قابل للتفكيك، فيمكن أن يكون هذا التكليف الواحد منجّزاً بالإضافة إلى أجزاء دون أجزاء أخرى، أو قيود أخرى، فإذا علمنا بعدّد متيقّن من أجزاء الصلاة كالركوع والسجود والتكبير والتشهد، وشكّكنا في السورة إذا كانت في الواقع جزءاً، فبينهما تلازم في الثبوت والسقوط، ولكن في التنجيز قابل للتفكيك، وقلنا: نحن نعلم بالتكليف بالنسبة إلى سائر الأجزاء، ولا نعلم بالتكليف في السورة، فلو تركنا الصلاة بترك الركوع، فإنَّ العقاب عليها يقع صحيحاً، باعتباره عقاباً على تكليف واصل بهذا المقدار، وأمّا إذا تركنا الصلاة واقعاً لترك السورة، والمفروض أنَّه لم يصل وجوبها، فنتمسّك بحديث الرفع مثلاً، وقاعدة قبح العقاب بلا بيان، ويكون تركه عن عذر، وهو وإن ترك الصلاة واقعاً، ولكنّه تركه عن عذر، وهو التمسّك بجريان البراءة، فالتكليف الواحد قابل لأن يكون منجّزاً من جهة، وغير منجّز من جهة أخرى، ومقامنا من هذا القبيل.
ولكنّ شيخنا الأستاذ ذهب في المقام إلى أنَّ الحكم الواقعي يسقط فيما يختاره المكلّف في الخارج، فإنّه يكون مصداقاً للمضطر إليه، فلا يبقى على حرمته الواقعيّة، ومع ذلك التزم بالتنجيز في الطرف الآخر، بدعوى: ما ذكرناه من أنَّ المسقط للتكليف ليس هو الاضطرار بنفسه؛ لأنّه تعلّق بالجامع فلا موجب لسقوط الحرمة الواقعيّة، وإنَّما المسقط لها هو اختيار المكلّف لأحدهما في الخارج، فالمسقط للتكليف هو الاختيار الخارجي، وما يختاره يسقط فيه الحرمة؛
ــــــــــ[241]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
لأنّ ما يختاره يكون مصداقاً للمضطر إليه، فيسقط التكليف الواقعي فيه، وبما أنَّ سقوط التكليف بعد العلم الإجمالي وتنجيزه لا يسقط العلم الإجمالي في الطرف الآخر، كما ذكرناه في تأخّر الاضطرار إلى المعيّن عن تنجيز العلم الإجمالي، فإنَّ الاضطرار وإن كان سابقاً على العلم الإجمالي، لكنّه لا يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز؛ لأنّه ليس اضطراراً لأحدهما بعينه، وإنَّما يسقط باختيار المكلّف أحدهما المتأخّر عن العلم الإجمالي، وقد ذكرنا: أنَّ سقوط التكليف إذا كان متأخّراً لا ينافي تنجّيز العلم.
ونتيجته: الالتزام بالتوسّط في الفعليّة، يعني: أنَّ الواقع يكون فعليّاً على تقدير، وغير فعليٍّ على تقدير آخر، فإذا كان التكليف الواقعي فيما يختاره لدفع اضطراره فيسقط، وإذا كان في الطرف الآخر فيبقى، فهو ليس فعليّاً على كلّ تقدير، ولم تسقط فعليّته على كلّ تقدير، بل هو متوسّط في الفعليّة – كما في الاضطرار إلى المعيّن بعد العلم الإجمالي، فقد تقدّم أنّه إذا كان التكليف في المضطر إليه يكون ساقطاً، وإذا كان في الآخر فهو باقٍ، فالتكليف أمره مردّد بين الساقط والباقي، والمقام عيناً من هذا القبيل.
ولكن هذا من دون مقتضٍ يقتضيه، فإنَّا ذكرنا: أنَّ الاضطرار اضطرار إلى الجامع، واختيار المكلّف في الخارج لدفع الاضطرار لا يجعل هذا مصداقاً للمضطر إليه بوصف كونه مضطراً إليه، فبعد الاختيار لا يصدق أنَّ المكلّف كان مضطراً إلى هذا بعينه، بل هو اختيار لذات المضطر إليه لا بوصفه مضطراً إليه، فلو كان كلاهما مباحاً واختار أحدهما لدفع اضطراره فلا يُقال: إنَّه مضطر
ــــــــــ[242]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
لشرب الماء من هذا الإناء، بل هو مضطر إلى شرب جامع الماء، فلا موجب لسقوط الحكم الواقعي بالاختيار، بل هو باقٍ، فإنَّه لم يضطر إلى ارتكاب النجس، وإنَّما هو مضطر إلى شرب أحدهما، ويطبقه باختياره على أحد الأفراد.
نظير ما ذكرناه في كلّ واجب إذا كان له أفراد متعدّدة، وإن كانت عرضيّة، فضلاً عن الأفراد الطوليّة، فلو أمره بإكرام عالم فاختار إكرام زيد العالم، فلا يصحّ أن يُقال: إنَّ إكرام زيد كان واجباً، وكيف يكون واجباً مع أنَّه يجوز تركه إلى بدل، فهذا مصداق لذات الواجب، لا بوصف كونه واجباً، وكذلك الحال في الواجب الموسّع(1)، كما لو صلّى في المسجد أو في أوّل الوقت، فلا يصحّ أن يُقال: إنَّ الصلاة في المسجد كانت واجبة، فإنَّ المفروض أنَّ الواجب هو الطبيعي الجامع، وهذا مصداق لذات الواجب، لا بما هو واجب.
والمقام من هذا القبيل، فإنَّه إذا اختار أحدهما، سواء كان أحدهما حراماً أو كان كلاهما مباحاً، لا يكون ما يختاره مصداقاً للمضطر إليه، حتّى يوجب سقوط التكليف، ولا يقاس ذلك بالاضطرار إلى المعيّن، فإنَّ ذلك(2) يوجب سقوط التكليف لا محالة، وأمّا في المقام فالمفروض أنّه لم يضطر إلى شرب هذا بخصوصه، فإذا كان حراماً واقعاً لا موجب لسقوط حرمته، لأنَّه ليس مضطراً إليه، وإنَّما هو مضطر إلى الجامع.
ولو صّح ما ذكره من كون الاختيار يوجب سقوط التكليف الواقعي
ــــــــــ[243]ــــــــــ
() انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 318.
(2) يعني: الاضطرار إلى المعيّن. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
لكان التكليف ساقطاً من الأوّل، فإنَّه لا يعقل أن يبقى التكليف إلى زمان الاختيار ويسقط بالاختيار، بل لابدَّ من الالتزام بسقوطه من الأوّل، ومعه لا موجب لتنجيز العلم الإجمالي، والوجه في ذلك واضح: فإنَّه لا يعقل تحريم شيء إلى زمان اختياره في الخارج؛ إذ ما فائدة هذا التحريم، فإنَّه متّى ما أراد عصيانه يكون حلالاً، وهذا بخلاف التحريم إلى زمان الاضطرار كما في الصورة الأولى فإنَّه أمر ممكن، ومعنى الحرمة هو الردع عن اختيار الشيء في الخارج وارتكابه، والتوصّل إلى أن لا يشربه في الخارج، فإذا كان ما أراد أن يشربه حلالاً، فما معنى التحريم قبل الاختيار؟
ومن ذلك يظهر: إذا اضطر إلى ترك بعض الأطراف فيما إذا كانت الشبهة وجوبيّة، كما إذا دار أمر القبلة بين الجهات المتعدّدة، وقلنا بلزوم التكرار على ما هو المعروف، ولكنَّه كان مضطراً إلى ترك بعض الجهات لمانع من الموانع كضيق الوقت، فالحال فيه هو الحال في جميع ما ذكرناه في تلك المسألة من الصور، والملاك هو الملاك.
كما ظهر: أنَّه لا يختصّ الحكم بالاضطرار، بل يجري في كلّ مسقط للتكليف كالإكراه أو الحرج، فإنَّه تجري فيه الصور بعينها، مع ما قلناه فيها من حين الحرج أو الإكراه، فتارةً يكون إلى معيّن، وتارةً إلى غير معيّن، وتارةً يكون قبل العلم الإجمالي، وأخرى بعد العلم الإجمالي، وتارةً يكون متوسّطاً كما سبق، فراجع.
والمقصود أنَّ هذه المسألة التي تكلمنا فيها ذكرها الشيخ وصاحب الكفاية في الاضطرار إلى ارتكاب بعض أطراف الشبهة التحريميّة، إلّا أنَّ هذا
ــــــــــ[244]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
كان بنحو المثال، ولا خصوصيّة للحرمة، ولا للاضطرار، والمسألة تعمّ تمام هذه الموارد.
إنَّ تنجيز العلم الإجمالي يتوقّف على تساقط الأُصول في أطرافه، فإنَّ الترخيص في تمام الأطراف يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعيّة، وهو قبيح بحكم العقل، والترخيص في البعض ترجيح بلا مرجّح، فتبقى الأطراف بلا مؤمّن، فيكون الاحتمال في كلّ طرف في نفسه منجّزاً للتكليف. هذا هو الملاك في تنجيز العلم الإجمالي، فإذا فرضنا أنَّ بعض أطرافه لم يجر فيه الأصل، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في الطرف الآخر أيضاً لعدم المحذور في ذلك، فلو علم بنجاسة أحد الإناءين أو غصبيّته وكان أحدهما لا يقدر على التصرّف فيه، كما لو علم أنَّه إمّا هذا الإناء محرم أو الإناء الواقع في البحر، فلا معنى للرجوع إلى الأصل في ذاك الطرف؛ إذ ليس هنا أثر عملي يترتّب عليه. إذن، لا محذور في جريانه في هذا الطرف، فيجري فيه بلا معارض، فيؤخذ في تنجيز العلم الإجمالي أنّه يمكن التصرّف في أطرافه ليترتّب عليه أثر، وأمّا إذا كان خارجاً عن القدرة فإنَّه لا يكون منجّزاً.
وهذا لا إشكال فيه، إنّما الكلام فيما إذا كان الطرف مقدوراً، ولكنّه خارج عن محلّ الابتلاء، بحيث لا يوجد عند المكلّف داعٍ إلى ارتكابه، كما لو علم بنجاسة إنائه أو إناء المالك، وهو متمكن من التصرّف في إناء المالك لارتباطه بخدامه أو وزرائه، ولكن ذلك محتاج إلى مقدّمات ومؤونة كثيرة لا داعي لها،
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فقالوا(1): بأنّ الأصل أيضاً لا يجري في ذاك الطرف، فإنَّه متروك بنفسه ولا يحتاج إلى زجر، فإنّ التحريم إنّما هو للزجر وإيجاد الداعي في نفس المكلّف إلى الترك، فإذا كان الزجر حاصلاً بنفسه كان الزجر لغواً.
وبعبارة أخرى: أنّ النهي إنّما هو لإيجاد المانع التشريعي عن إيجاد الفعل خارجاً وعدم تحقّقه، وهذا لابدَّ أن يكون المقتضي متحقّقاً ليكون هذا مانعاً، فإن كان المقتضي غير موجود، والمعلول مرتفع بارتفاع مقتضيه، فلا معنى لوجود المانع، فإذا كان الفعل متروكاً لعدم المقتضي كان النهي لغواً، ولهذا قالوا: بأنَّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي أن تكون تمام الأطراف داخلة في محلّ الابتلاء، ويمكن الإرادة به، وأمّا إذا كان مفروض العدم -في الشبهة التحريميّة- أو مفروض الوجود -في الشبهة الوجوبيّة(2) على ما يأتي- فلا يكون العلم الإجمالي منجّزاً، ولا تكون الأُصول متعارضة في أطرافه.
وذكر صاحب الكفاية في تعليقته على الرسائل(3): أنَّ هذا يجري في الشبهة الوجوبيّة، ولا يختصّ في الشبهة التحريميّة، كما لو كان بعض أطراف العلم الإجمالي بحيث لا يوجد داع للمكلّف إلى تركه، بل يفعله بطبعه واختياره، فيكون الإيجاب لغواً، فإنّ الإيجاب لتحريك العبد نحو العمل، فإذا كان متحرّكاً بنفسه فتحريكه لا يمكن، فإذا علم إجمالاً بوجوب أحد فعلين أحدهما
ــــــــــ[246]ــــــــــ
() انظر: فرائد الأُصول 2: 234، 235.
(2) ذكر السيّد هذا بعد نقله لكلام صاحب الكفاية الآتي. (المقرّر).
(3) انظر: درر الفوائد:323.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
لا يوجد له داع إلى تركه، وإنَّما يفعله باختياره، ففي مثل ذلك لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً، إذ إنّ جريان الأصل في الطرف الآخر بلا مانع، ولا حاجة إلى جريانه في ذاك الطرف؛ إذ الإلزام به لغو.
ولكن شيخنا الأستاذ(1) لم يوافق صاحب الكفاية في ذلك، وخصّ هذا الاشتراط بالخروج عن محلّ الابتلاء بالشبهة التحريميّة، وقال في وجهه: المقصود في الشبهة التحريميّة انزجار المكلّف وتركه خارجاً، ويكفي في تحقّق الأمر العدمي عدم العلّة، فإنَّ عدم المعلوم بعدم علّته، فإذا فرض أنَّ أحد الأطراف متروك بعدم علّته، وهي: الإرادة، فلا حاجة إلى النهي عنه كما ذكرناه، وأمّا في الشبهة الوجوبيّة فبما أنَّ المطلوب هو الوجود، ولابدَّ في الوجود من علّة، وهما: الإرادة والاختيار، وكون المكلّف يفعل الفعل بطبعه وإرادته غير مانع من الإلزام به، فإنَّ الإلزام إنّما هو باعتبار إبراز محبوبيّته، ويكون داعياً إذا لم يكن هناك داع آخر. نعم، إذا كان مفروض الوجود بغير الاختيار لا يكون قابلاً لتعلّق التكليف به لا محالة، وأمّا إذا كان الفعل مفروض الوجود بالاختيار فلا مانع من طلبه وتحريك المكلّف نحو إيجاده، وإن كانت إرادته متحقّقة لولا هذا الأمر أيضاً، وفي الحقيقة يكون هذا مؤكّداً، ففرّق في المقام بين الشبهة الوجوبيّة والتحريميّة.
والصحيح في المقام: أنَّ ما فرضناه خارجاً عن محلّ الابتلاء، تارةً لا يكون مقدوراً فعلاً أو تركاً، ففي مثل ذلك لا إشكال في أنَّ العلم الإجمالي لا ينجّز،
ــــــــــ[247]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 251.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فإنَّ التكليف إنّما يتعلّق بالمقدور، وما كان خارجاً عن القدرة لا يكون متعلّقاً للتكليف التحريمي ولا الإيجابي.
وأمّا إذا فرضناه مقدوراً، فإن قلنا: إنَّه يعتبر في التكليف أن يكون على نحو يكون الفعل أو الترك بالنسبة إليه، بحيث لا يكون للمكلّف داعٍ إلى تركه أو إلى فعله من قبل نفسه، بحيث لولا نهي المولى ما تركه، ولولا أمره لما فعله، فلو اعتبرنا ذلك زائداً عن القدرة، فالصحيح ما ذكره صاحب الكفاية من أنَّه لا فرق بين التحريم والإيجاب. وما ذكره شيخنا الأستاذ- من أنَّه أمر عدمي يكفي فيه عدم العلّة، وهذا أمر وجودي لابدَّ له من علّة صحيح- يكون أجنبيّا عن محلّ الكلام، فإنّا إذا فرضنا أنّ الإيجاب لتحريك المكلّف نحو الفعل، فإذا كان متحرّكاً يصبح جعل المحرّك لغواً، فإنَّ الأمر الوجودي وإن كان يحتاج إلى علّة، إلّا أن المفروض أنَّ علّته موجودة، والمكلّف يختاره في الخارج، فكما أنّ تحريم فعل لا يوجد داع للمكلف إلى ارتكابه لغو، كذلك الأمر بفعل يتحقّق بنفسه، ولا يوجد داع إلى تركه، فالإيجاب والتحريم من هذه الجهة سيّان.
وأمّا إذا قلنا: بأنَّ تحقّق الفعل في الخارج في نفسه لا ينافي الأمر به، ففي النهي أيضاً نلتزم بذلك، فإنَّهما من واد واحد، ففي كلّ من الشبهة التحريميّة والوجوبيّة إمّا أن نعتبر أن يكون جميع الأَفراد داخلة في محلّ الابتلاء أو لا، فنقول: إذا كانت الأطراف كلّها مقدورة، وإن كان لا يوجد له داع إلى الفعل أو الترك، فهذا لا ينافي تنجيز العلم الاجمالي. والصحيح هو هذا، فإنَّ العبرة في صحّة التكليف إنَّما هو القدرة، وأمّا أنَّه يوجد لدى المكلّف داع إلى تركه أو إيجاده، فهو أمر أجنبي.
ــــــــــ[248]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
توضيحه: أنَّ التكليف هو اعتبار الفعل في ذمّة المكلّف، أو اعتبار المكلّف محروماً من الفعل، مع ابراز هذا الاعتبار بمبرز في الخارج، ففي الايجاب يكون المكلّف مشغول الذمّة بإتيان الفعل في الخارج حاله حال الدين، ولذا عبّر في بعض الروايات: أنَّ دين الله أولى بالقضاء(1).
وهذا الاعتبار لابدَّ له من مصحّح، حتّى لا يكون لغواً، ويكفي فيه إمكان أن يكون داعياً -لا الدعوة الخارجيّة- فلو فرض أنَّ المكلّف ليس له داع من قبل نفسه لكان هذا داعياً له، وذلك: أنَّ الأوامر الشرعيّة مغايرة للأوامر العرفيّة، فإنَّ المطلوب من قبل الموالي العاديّين ليس إلَّا الفعل أو الترك الخارجي، فإذا فرضنا أنَّه يفعله أو يتركه من قبل نفسه، كان الأمر والنهي لغواً لا محالة، وأمّا في الأوامر الشرعيّة فليس المطلوب فيها ذلك، بل المطلوب فيها تكميل النفوس البشريّة، فإنَّ النفوس تترقّى بإطاعة المولى وتكمل بالحصول على مقام العبوديّة. هذا هو المطلوب في الأَوامر الشرعيّة بلا فرق بين العبادات وغيرها، فإنَّه كما أنَّ العبادات تكمل النّفس بالإتيان بها مضافة إلى المولى، كذلك التوصليّات إذا أتى بها مطيعاً مولاه.
وهذا المعنى كما لا يفرق فيها بين العبادات وغيرها، كذلك لا يفرق بين ما إذا كان له داع إلى الفعل أو إلى الترك أو لم يكن، فجميع هذه الموارد قابلة لأن يضاف الفعل إلى المولى ويكون موجباً لتحصيل مقام العبوديّة الذي يُقال إنَّه فوق المقامات، وهو أكمل المقامات، ولذا قيل: (وأشهد أنَّ محمّداً عبده
ــــــــــ[249]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 1: 216. مع اختلاف في بعض الألفاظ.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ورسوله)، وإنَّما يختلف التوصّلي عن التعبّدي في دخل قصد القربة في الغرض من المأمور به وعدمه، وأمّا الغرض من الأمر، وهو: تكميل النفوس، فلا فرق بينهما، فلو فرضنا أن المكلّف كان له داع إلى الفعل لكن تلك الغاية لا تترتّب عليه، فلو أتى به مضيفاً له إلى المولى فتحصل تلك الغاية المطلوبة، كذلك في النواهي، فلو كان المكلّف لا يرتكب الفعل من قبل نفسه، لكن إذا تركه بعنوان زجر المولى، كان محصّلاً لمقام العبوديّة، فيحصل له الكمال.
ولذا لم يستشكلّ أحد في تحريم أمور في الشريعة، مّما يكون بحسب العادة متروكاً، ولا يوجد داع إلى ارتكابها، كنكاح الأمهات وأكلّ القاذورات ونحوه، ممّا لا يرتكبه عاقل، ولو لم يكن هناك تحريم، مفع ذلك حرمّها لتلك الغاية التي ذكرناها.
فعلى ذلك لا يعتبر في تنجيز العلم الإجمالي أزيد من إمكان الصدور من المكلّف فعلاً أو تركاً، فإنَّه حينئذ يكون التكليف ممكناً، والعلم الإجمالي منجّزاً.
ثمَّ إنَّه قد ذكرنا في بحث الفقه(1): أنَّ إضافة الفعل إلى المولى قد يفرض فيه أنَّ الفعل يوجد بداعي الأمر الإلهي -بلا فرق بين التعبّدي والتوصلّي- وكانت الجهات النّفسيّة الأخرى تابعة، وقد يفرض فيه أن يكون الداعي غير إلهي، وكان الداعي المولوي تابعاً، ففي الأوّل يكون كافياً لتحصيل العبوديّة، وفي الثاني لا يكون كافياً بلا إشكال.
وقد يفرض أنَّ لكلّ منهما دخلاً في الفعل، فقد يفرض ذلك على نحو
ــــــــــ[250]ــــــــــ
(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 6: 37.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الاشتراك، بأنَّ كان كلٌّ منهما ناقصاً، وإنَّما يكمل أحدهما الآخر، بحيث لو فرضنا انتفاء أحدهما، فإنَّ الفعل لا يوجد، هذا أيضاً لا يكفي في تحصيل العبوديّة، فإنَّ المركّب من الأمر الإلهي وغيره لا يكون إلهيّاً لا محالة.
وقد يفرض أنَّ كلّاً منهما تامّ التحريك، وداعٍ مستقلّ لو كان منفرداً، ومن باب الاتفاق اجتمعا في الخارج، وقلنا: إنَّ هذا يكفي في مقام العبوديّة، فإنَّ المطلوب هو التحرّك في مقام العبوديّة من ناحية الأمر، ولا ينافي ذلك وجود الداعي الآخر، بل إنَّ هذا واقع كثيراً، كالوجيه الذي يوجد له داع شرعي إلى عدم تناول الطعام في النهار من شهر رمضان أمام الناس، ويوجد عنده داعٍ آخر إلى ذلك مع غض النظر عن وجوب الصوم عليه، وهو المحافظة على وجاهته بين الناس.
فالمتحصّل مّما قلناه: لا يعتبر في تنجّز العلم الإجمالي الخروج عن محلّ الابتلاء، وإنَّما يعتبر أن تكون الأطراف كلّها مقدورة وقابلة لتعلّق التكليف.
وإن شكّكنا في ذلك، واحتملنا أن يكون الدخول في محلّ الابتلاء شرطاً في التكليف، وما كان خارجاً عن محلّ الابتلاء لا يحسن التكليف به من الحكيم، فهل مقتضى القاعدة تنجيز العلم الإجمالي والالتزام بتساقط الأُصول، أو إنَّ مقتضى القاعدة هو جريان البراءة؟
وكذلك إذا اعتبرنا الدخول في محلّ الابتلاء في تنجيز العلم الإجمالي، ولكن كان هنا تردّدٌ بين الأقلّ والأكثر، فالذي لا يوجد للإنسان داع إليه في طول عمره خارج عن محلّ الابتلاء قطعاً. أمّا الذي قد يوجد له داع ولو بعيداً،
ــــــــــ[251]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فهل هو خارج عن محلّ الابتلاء أو داخل فيه، فشكّكنا في شيء أنَّه خارج أو داخل في محلّ الابتلاء لشبهة مفهومية، ودار الأمر بين الأقلّ والأكثر، فهل مقتضى القاعدة الرجوع إلى البراءة في الطرف الداخل في محلّ الابتلاء، أو تنجز العلم الإجمالي وتساقط الأُصول في أطرافه؟
ذهب شيخنا الأنصاري(1) وشيخنا الأستاذ(2) إلى أنَّ هذه الموارد من موارد التمسّك بالإطلاق؛ لأنّنا نشكّ في التحريم، فإذا فرضنا أنَّ المغصوب لا يجوز التصرف، فيه وشكّكنا في أنَّ الخروج عن محلّ الابتلاء هل هو مخصّص لذلك أو لا؟ فنتمسّك بإطلاق الدليل، ويثبت أنَّ التكليف فعلي في هذا المورد، سواء كان داخلاً في محلّ الابتلاء أو كان خارجاً، ويكون العلم الإجمالي منجّزاً، والأُصول تتساقط، فلا يجوز ارتكاب الطرف الداخل في محلّ الابتلاء.
وذهب صاحب الكفاية(3) إلى التمسّك بالبراءة في هذا الطرف الذي هو محلّ الابتلاء. أمّا الطرف المشكوك خروجه، أو نعلم أنَّه خارج، ولكن نشكّ في اعتبار الدخول في الابتلاء في موضوع التكليف فيرجع إلى البراءة ولا يمكن التمسّك بالإطلاق.
وذكر في وجه ذلك: أنَّ التمسّك بالإطلاق إنّما يكون في مقام يمكن الإطلاق في مرحلة الثبوت، ويشكّ في مرحلة الإثبات، فإذا لم تقم قرينة على
ــــــــــ[252]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 234.
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 252.
(3) انظر: كفاية الأُصول: 361.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
التقيّيد فمقتضى الإطلاق في مرحلة الإثبات وجود الإطلاق في مقام الثبوت؛ لتبعيّة المراد للفظ، وأمّا إذا فرضنا أنَّ الإطلاق في مقام الثبوت احتملنا استحالته، فكيف يمكننا التمسّك به في مرحلة الإثبات؟!
وعليه: فإذا احتملنا أنَّ الدخول في محلّ الابتلاء شرط في صحّة التكليف، وعلمنا إجمالاً بحرمة شيء داخل في محلّ الابتلاء، وشيء خارج عنه، فكيف يمكن التمسّك بالإطلاق في مثل ذلك، فإنَّه من المحتمل أن لا يكون التحريم في الطرف الخارج حسناً وصحيحاً من المولى، أو إذا علمنا بأنَّ التكليف بما هو خارج عن محلّ الابتلاء غير صحيح، واحتملنا أن يكون هذا الطرف خارجاً أو داخلاً، لتردّد هذا المفهوم بين الأقلّ والأكثر، فيحتمل أنَّ التكليف في هذا الطرف قبيح من المولى الحكيم، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق. إذن، يمكن الرجوع إلى البراءة في الطرف المبتلى به.
ولكننا قلنا في بحث حجّيّة الظنّ(1): أن ظاهر كلام المولى حجّة على العبد، ولابدَّ من تبعيّته لمقام الثبوت ما لم تقم قرينة على خلافه، فإذا احتملنا أنَّ ما تعلّق به أمر المولى مستحيل فاحتمال الاستحالة لا يكون مانعاً من الأخذ بالظهور في نظر العقلاء، بمعنى: أنَّه لو انكشف كونه ممكناً فلا يكون للعبد الاعتذار عن عصيانه بسبب احتماله الاستحالة.
فإنَّه لو ثبت ما نسب إلى ابن قبة من استحالة جعل الحجّيّة للظنّ بدليل من الأدلّة، ككونه محلّلاً للحرام ومحرّماً للحلال، أو موجباً لتفويت المصلحة
ــــــــــ[253]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 106.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
والوقوع في المفسدة، أو موجباً لاجتماع الضدّين أو النقيضين، يكون قرينة على صرف ظواهر ما دلّ على حجّيّة الظنّ عن ظاهره باعتباره مستحيلاً، وأمّا إذا لم يثبت ذلك، واحتملنا أن يكون مستحيلاً -ولم يثبت قول ابن قبة- فإنّنا نبني على أنَّه ممكن بمعنى: أنَّ العقلاء يعملون بظواهر كلام المولى ما لم تقم قرينة على خلافه، فلا نكون معذورين بمخالفة ظواهر الكتاب التي تجعل خبر الواحد حجّة، لمجرّد احتمال أنَّ التعبّد بالظنّ محال، فما لم تقم قرينة على الاستحالة وعلى خلاف الظاهر، لابدَّ أن يؤخذ به ويصحّ العقاب على مخالفته لو ثبت إمكانه.
والمقام من هذا القبيل، فإنَّ الأوامر والنواهي مطلقاً إذا لم تقيّد بما كان داخلاً في محلّ الابتلاء، ولم تثبت شرطيّة الدخول على الفرض، فإنَّ مقتضى الإطلاق الأخذ به ما لم يثبت التقيّيد، ومقتضاه ثبوت الحكم، والمفروض أنَّ الحكم قد تعلّق بموضوعه فيكون العلم الإجمالي منجّزاً، ولا يمكن الرجوع إلى الأصل في أطرافه.
وكذلك إذا علمنا أنَّ الدخول في محلّ الابتلاء شرط في التكليف، ولكن تردّد أمره بين الأقلّ والأكثر، فبالنسبة إلى الأكثر نشكّ في التقيّيد فنتمسّك بالإطلاق، ولا يعتبر في الأخذ بالإطلاق إحراز أنَّه ممكن في مقام الثبوت، بل الشكّ كافٍ في لزوم الأخذ به ما لم تقم قرينة على التقيّيد والاستحالة. فما ذكره شيخنا الأنصاري هو الصحيح.
فلو اعتبرنا الدخول في محلّ الابتلاء شرطاً، ولكن كانت في دائرة العلم الإجمالي أطراف مشكوكة مردّدة بين الأقلّ والأكثر، فكلّ مورد أحرزنا فيه قبح
ــــــــــ[254]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
التكليف لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً، وكلّ مورد شكّكنا فيه يكون العلم الإجمالي منجّزاً، وهكذا إذا شكّكنا في أصل شرطيّة الدخول في محلّ الابتلاء.
ثمَّ أنّه إذا بنيّنا على الاشتراط أو لم نبنِ، وكان الشكّ بنحو الشبهة المصداقيّة كما إذا كان الشكّ شكّاً في القدرة، كما إذا علمنا بنجاسة إنائين أحدهما مقدور التصرّف فيه لا محالة، والآخر لا نعلم أنَّه مقدور لتكون الحرمة فيه منجّزة أو خارج عن القدرة، لأجل أن لا تكون الحرمة فيه منجّزة، فالشكّ من ناحية الشبهة المصداقيّة. أو إذا بنيّنا على أنَّ الدخول في محلّ الابتلاء شرط في صحّة التكليف، وأنّ حاله حال القدرة، وشكّكنا في أنَّ الطرف الآخر داخل في محلّ الابتلاء، أو خارج من جهة الشبهة المصداقيّة.
والمقصود أنَّه بعد اشتراط الدخول في محلّ الابتلاء -على الفرض- أو نفرض الكلام في القدرة التي هي شرط في التكليف لا محالة، إذا شكّكنا في أحد طرفي العلم الإجمالي أنَّه مقدور أو داخل في محلّ الابتلاء بنحو الشبهة المصداقيّة، فهل يرجع إلى أصالة البراءة في هذا الطرف(1)، أو لابدَّ فيه من الاحتياط؟
كما لو كنا نعلم إجمالاً بنجاسة أحد إنائين، أو غصبيّة أحد الثوبين، وكان أحد الطرفين داخلاً في محلّ الابتلاء جزماً، وتردّد الطرف الآخر بين أن يكون في الكوفة فهو داخل في محلّ الابتلاء، أو في بلد غيرها فهو خارج عن محلّ الابتلاء، فالشبهة مصداقية، أو فرضنا أنَّ العلم الإجمالي أحد طرفيه مقدور
ــــــــــ[255]ــــــــــ
() يعني: المقدور أو الداخل في محلّ الابتلاء. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
جزماً، والآخر مشكوك فيه، فهل يكون العلم الإجمالي منجّزاً ولا يمكن الرجوع إلى الأصل في الطرف المقدور والمبتلى به أو لا يكون؟
الظاهر أنّه لا يكون منجّزاً، فلا مانع من جريان الأصل في الطرف المقدور أو الداخل في محلّ الابتلاء، واحتمال التكليف لا يكون منجّزاً، والوجه فيه واضح -على ما بيّناه في مباحث الألفاظ(1)– من عدم جواز التمسّك بالعموم أو الإطلاق في الشبهات المصداقيّة، حيث إنَّ التمسّك إنّما يكون فيما إذا شكّ في أصل التقيّيد أو التخصيص، فيتمسّك بالعموم أو الإطلاق لدفع احتماله، وأمّا إذا علم التقيّيد أو التخصيص وكانت الشبهة مصداقيّة خارجيّة، فالتمسّك بالعموم لا يمكن، فإنَّ العموم لا يمكن أن يكون متكفّلاً لبيان موضوعه في الخارج، فقوله: (أكرم العالم) لا يكون متكفّلاً لبيان أنَّ زيداً عالم أو لا، فإذا ورد تخصيصه بغير الفاسق، كان موضوع الحكم لا محالة هو العالم غير الفاسق، والمفروض أنّنا لا نعلم أنَّ هذا العنوان صادق على زيد أو لا، ولاسيّما إذا كانت القرينة متّصلة من الأوّل، كما إذا قال: (أكرم العالم العادل)، وشكّكنا في زيد أنَّه عادل أو لا، ويلحق بالقرائن المتّصلة المخصّصات اللّبيّة التي هي كالمتّصلة، بحيث يكون العالم من الأوّل مضيّقاً وليس له عموم، مثل اعتبار القدرة في متعلّق التكليف، وهو حكم يستقلّ به العقل، فهذا تقيّيد للتكليف من الأوّل، ولا يكون للتكليف سعة للقادر وغيره ليحتاج إلى التخصيص المنفصل، بل هو بمنزلة التخصيص المتّصل، وكذلك إذا بنيّنا على أنّ التكليف بما هو خارج عن
ــــــــــ[256]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 2: 249.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
محلّ الابتلاء قبيح، فأيضاً يكون حاله حال المخصّص المتّصل.
فإذا شكّكنا أنَّ الطرف الآخر خارج عن محلّ الابتلاء أو لا، أو أنَّه مقدور أو لا، من جهة الشبهة الموضوعيّة الخارجيّة فلا يمكن التمسّك بالعموم أو الإطلاق لإثبات التكليف الفعلي، فإنَّه مشروط بالقدرة على الفرض، وهي مشكوكة في هذا الطرف، ونحتمل أن يكون النجس أو الغصب في الطرف غير المقدور أو الخارج عن محلّ الابتلاء، ومعه لا يكون التكليف فعليّاً، ولا يبقى إلّا احتمال التكليف في الطرف الآخر، فلا يكون العلم الإجمالي علماً بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير، فيرجع فيه إلى الأصل.
وبعبارة أخرى: أنَّ تنجيز العلم الإجمالي يتوقّف على تعارض الأُصول في أطرافه، وهنا الأُصول غير متعارضة، فإنَّ الأصل في الطرف الآخر غير جارٍ؛ لأنَّ جريان الأصل في أمر لابدَّ أن يكون قابلاً لوضع التكليف فيه ليكون قابلاً للرفع، والمفروض فيه أنَّه لا يمكن وضع التكليف فيه فلا يمكن رفعه، وحديث الرفع وغيره مختصّ بمورد يمكن فيه جعل الاحتياط ووضع التكليف به، فإذا كانت أدلّة التحريم قاصرة الشمول للطرف الآخر للشكّ في كونه مقدوراً أو داخلاً في محلّ الابتلاء، فلا يمكن الوضع، فلم يمكن الرفع أيضاً، فالرجوع إلى الأصل في الطرف المقدور أو المبتلى به بلا مانع؛ لعدم تعارض الأُصول فلا يكون العلم الإجمالي منجّزاً.
فما ذكرناه من تنجز العلم الإجمالي إنّما هو فيما إذا أمكننا التمسّك بالإطلاق، فيما إذا دار أمر الدخول في محلّ الابتلاء بين الأقلّ والأكثر، فإنّنا
ــــــــــ[257]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
نأخذ بالقدر المتيقّن ونتمسّك بالزائد في الإطلاق، وهذا بخلاف المقام من عدم إمكان التمسّك بالإطلاق في الشبهة المصداقيّة، فلا مانع من التمسّك بالأصل في الطرف الآخر.
بقي شيء، وهو: أنَّه قد يتخيلّ أنَّه في موارد الشكّ في القدرة، وإن كان الشكّ شكاً في التكليف، إلّا أنَّه لا يجوز الرجوع إلى البراءة، فقد خرج من موارد جريان البراءة في الشكّ في التكليف مورد الشكّ فيه من ناحية الشكّ في القدرة، فإنَّ هذا الشكّ لا يكون مسقطاً للتكليف جزماً، كما لو احتمل عدم تمكنه من دفن الميت لصلابة الأرض، فهو وإن كان شكّاً في التكليف بدفن الميت، ولكن منشأ الشكّ إنّما هو الشكّ في القدرة على امتثال المأمور به، فهل يمكن الرجوع إلى البراءة، لأنَّ الشكّ شكّ في التكليف، أو لو كان غريباً في بلد وأصابته جنابة، واحتمل أن لا يكون في البلدة حمام، فهل تنتقل وظيفته إلى التيمّم لمجرّد الشكّ في القدرة؟
قالوا: إنَّ الشكّ في القدرة وإن كان ملازماً للشكّ في التكليف، إلّا أنَّه لا يجوز الرجوع إلى البراءة، بل لابدَّ من الفحص، ليثبت له العجز ليسقط أو القدرة ليمتثل.
فيشكلّ في المقام: بأنَّ الشكّ إنّما هو من جهة الشكّ في القدرة، وقد ذكرنا أنَّ هذا الشكّ لا يكون مورداً للبراءة، فكيف جرت البراءة في المقام؟
ولكنّ الجواب عن هذه الشبهة: أنَّ عدم جواز الرجوع إلى البراءة عند
ــــــــــ[258]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الشكّ في القدرة صحيح، وذلك لما تقدّم غير مرة في باب الإجزاء(1) وغيره(2): أنَّ حكم العقل بلزوم تحصيل الغرض وقبح تفويته مثل حكمه بوجوب الإطاعة وقبح المعصية، ولا فرق في نظر العقل في القبح بين تفويت الملاك أو عصيان الحكم، فإذا كان الأمر كذلك، ففي موارد الشكّ في القدرة إذا لم يدفن الميت فقد فات غرض المولى يقيناً، وهو: احترام الميت مثلاً، ولكن لا ندري أنَّ هذا الفوت حاصل عن عذر وهو العجز، أو عن غير عذر، فما لم يحرز العذر كيف يمكنه تفويت غرض المولى؟ فالعقل يحكم إمّا بامتثال الغرض أو إحراز العجز عنه، فلابدَّ من التصدّي للفحص لإحراز أحد الأمرين. وهذا هو السبّب في عدم جواز الرجوع إلى البراءة في موارد الشكّ في القدرة مع كونه شكّاً في التكليف.
وأمّا في المقام فالأمر ليس كذلك؛ إذ ليس لنا علم في المقام بوجود الغرض الواقعي، النجس أو المغصوب الواقعي في الطرف الآخر المقدور أو المبتلى به، وإنَّما نحتمل ذلك احتمالاً فليس لنا إلّا احتمال تفويت الغرض، وهذا لا محذور فيه، وإلّا لما جاز جريان البراءة في شيء من الشبهات البدويّة، فإنَّ احتمال تفويت الغرض موجود في جميعها.
فهناك الغرض معلوم والقدرة مشكوك فيها، وهنا القدرة معلومة(3) ولكن
ــــــــــ[259]ــــــــــ
() انظر: محاضرات في أُصول الفقه 2: 242.
(2) انظر: محاضرات في أُصول الفقه 2: 360.
(3) يعني: نعلم أنَّ هذا الطرف مقدور، وهذا الآخر غير مقدور. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الشكّ في أنَّ المقدور متعلّق لغرض المولى، وليس متعلّقاً له، واحتمال الغرض لا أثر له. إذن، فلا يقاس هذا المقام بذلك المقام، فالصحيح أنَّه يمكن الرجوع إلى البراءة، ولا يكون العلم الإجمالي منجّزاً.
ذكرنا: أنَّ تنجيز العلم الإجمالي يتوقّف على تساقط الأُصول في أطرافه، ومعنى تساقط الأُصول: أن يكون الأصل في كلّ طرف جاريّاً في نفسه، ولكنّه لا يجري للمعارضة مع الطرف الآخر، فلو كان الأصل لا يجري في هذا الطرف في نفسه مع قطع النظر عن العلم الإجمالي فلا يجري وإن كانت الشبهة فيه بدويّة، فحينئذٍ لا مانع من جريان الأصل في الطرف الآخر بلا معارض، ولا يكون العلم الإجمالي منجّزاً لعدم المعارضة بين الأصول.
فلو كان التكليف ثابتاً لأمر آخر كالغصب، وعلمنا بنجاسة هذا الثوب المغصوب وثوب آخر، وهذا الثوب المغصوب لا يجوز لبسه في الصلاة حتّى ولو كان طاهراً، فمثل هذا العلم الإجمالي لا ينجّز، ولا مانع من الرجوع إلى أصالة الطهارة في الطرف الآخر، فإنَّها لا تجري في الثوب المغصوب، لأنَّها أصلٌ عمليٌ يحتاج في جريانه إلى أثر، ولا أثر في المقام يترتّب عليه.
إذن، يعتبر في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون كلّاً من الطرفين بحيث يجري فيه الأصل، مع قطع النظر عن العلم الإجمالي لتسقط بالمعارضة، فإذا لم يكن الأصل جارياً في نفسه فلا مانع من جريان الأصل في الطرف الآخر.
وبتعبير آخر: قد ذكرنا في التنبيه السابق: أنَّ تنجيز العلم الإجمالي مشروط
ــــــــــ[260]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
بأن تكون تمام الأطراف مقدورة، فإنّ القدرة شرط في التكليف، فيكون العلم الإجمالي علماً بالتكليف الفعلي، وأمّا إذا كان أحد أطرافه غير مقدور فليس لنا علم بالتكليف الفعلي؛ لاحتمال أن يكون التكليف في الطرف الآخر غير فعلي، وكما يعتبر في تنجّز العلم الإجمالي القدرة على جميع الأطراف تكويناً، كذلك يعتبر فيه أن يكون جميع الأطراف مقدورة بالقدرة الشرعيّة، فليس هنا مانع شرعاً من ارتكابها، فإذا كان أحد الأطراف غير مقدور شرعاً لم يجر الأصل فيه، وجرى في الطرف الآخر بلا معارض، ولا يكون العلم الإجمالي منجّزاً.
قد يفرض أنَّ الأُصول الجارية في الأطراف أصول عرضيّة، فتسقط في عرض واحد بالمعارضة، وذلك: كالأمثلة المتقدّمة إلى هذه الليلة.
وقد يفرض أنَّ الأُصول كانت طوليّة، وكان جريان الأصل في أحد الطرفين يتوقّف على عدم جريانه في الطرف الآخر، وأمّا جريانه في الطرف الآخر فلا يبقى موضوعاً لجريانه في هذا الطرف – الذي هو معنى الطوليّة – مّما يعني: أنَّ جريانه في أحدهما غير مقيّد بشيء، وجريانه في الطرف الآخر مقيّد بعدم جريانه في هذا الطرف، فهل يكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً، أو لا يكون من جهة الطوليّة بين الأصول.
ومثاله: ما إذا علمنا بنجاسة الماء أو التراب، مع انحصار الطهور فيهما، ولكنَّ أصالة الطهارة الجارية في التراب ليست في عرض مثلها الجاريّة في الماء؛ وذلك: لأنَّ الماء إذا جرى فيه أصالة الطهارة كان المكلّف متمكناً من الوضوء
ــــــــــ[261]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
بالماء الطاهر، ومعه لا أثر لطهارة التراب أو نجاسته، فإنَّ التيمّم فرع عدم التمكن من الوضوء، فالأصل الجاري في التراب المترتّب عليه جواز التيمّم ليس في عرض الأصل الجاري في الماء، فإنَّ التيمّم في مرتبة متأخّرة عن الوضوء، فالأصل الجاري فيه في مرتبة متأخّرة، ولا يعارض الأصل الجاري في الماء، فيجري هذا الأصل بلا معارض، أو إنَّ الأصلين يسقطان بالمعارضة ويكون العلم الإجمالي منجّزاً؟
وعلى هذا التقدير، فهل يكون المكلّف بحكم فاقد الطهورين؛ لأنَّه لا يتمكّن من الوضوء ولا التيمّم، فإمّا أن يصلي بلا طهور، أو أن لا يصلي في الوقت ويقضي، أو إنَّه يجب الجمع بين الوضوء والتيمّم؟
والذي ينبغي أن يُقال في المقام: قد يفرض أنَّ التراب ليس له أثر شرعي إلّا التيمّم، وقد يفرض أنَّ له أثراً آخر غيره، فهنا صورٌ:
الصورة الأولى: إذا فرضنا أنَّ لطهارة التراب أثر آخر غير التيمّم ، فلا ينبغي الشكّ في أنَّ العلم الإجمالي يكون منجّزاً، لأنَّ المكلّف علم إمّا بنجاسة الماء أو التراب، ويترتّب على نجاسة الماء عدم جواز الوضوء به والشرب منه، وعلى نجاسة التراب عدم جواز السجود عليه، والأصلان من هذه الجهة عرضيّان، وإن كانت أصالة الطهارة الجارية في التراب من جهة جواز التيمّم به في طول أصالة الطهارة في الماء الذي تترتب عليها جواز الوضوء، ولازم تنجيز العلم الإجمالي لزوم الاجتناب عن كلا الطرفين، ولكن عدم الجواز المترتّب عليه ليس هو عدم الجواز تكليفاً، بل عدم الجواز تشريعاً، مّما يعني: أنَّه غير
ــــــــــ[262]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
مشروع، لا أنَّه من المحرمات الإلهيّة، وهو الوضوء بالماء النجس، بل غايته: أنَّه ليس بمأمور به، وليس مسقطاً للأمر بالصلاة مع الطهارة.
والعلم الإجمالي وإن كان منجّزاً، إلّا أنَّ هنا علماً إجماليّاً آخر، وهو: لزوم الوضوء أو التيمّم على المكلّف، وهو ليس فاقداً للطهورين قطعاً، فإنَّه على تقدير نجاسة التراب فهو واجد للماء، وعلى تقدير نجاسة الماء فهو واجد للتراب، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّه فاقد للطهورين، ومقتضى تنجيز هذا العلم الإجمالي هو لزوم الجمع بين الأمرين، لأنَّه يجب عليه تحصيل الطهارة، لكنّه احتياطٌ لا بعنوان أنَّ الوضوء مأمور به، أو التيمّم مأمور به، فإنَّ ذلك لم يحرز.
تبقى هنا شبهة تنجس البدن بالوضوء، والمكلّف لا يجوز له أن ينجس بدنه اختياراً، وهو غير متمكن من التطهير؛ لانحصار الماء لديه على الفرض، لكن سيأتي(1) أنَّ ملاقي الشبهة المحصورة غير محكوم بالنجاسة، فيتيمّم ثمَّ يتوضّأ، فإن كان التراب نجساً فبدنه لم يتنجس؛ لأنَّه يابس، فيتوضّأ ببدن طاهر، وإن كان الماء نجساً صحّ تيمّمه ولم يتنجس بدنه، لأنّه ملاقي الشبهة المحصورة(2).
نعم، بناءً على ما قاله المشهور(3) من اعتبار طهارة التراب فلا إشكال فيه، وأمّا اعتبار طهارة البدن فهو مّما لا دليل عليه، وعلى تقدير اعتباره لابدَّ من
ــــــــــ[263]ــــــــــ
(1) في التنبيه الثاني عشر.
(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 2: 347، 348.
(3) انظر: العروة الوثقى (مع تعليقات بعض الفقهاء العظام (قدّس)) 1: 124.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
تقديم التيمّم على الوضوء، حتّى يتمكن من الاحتياط، فإنّه حينئذٍ يكون قد أتى بما هو مأمورٌ به جزماً؛ لأنّه تيمّم ببدن طاهر وتوضأ ببدن طاهر، وأمّا إذا عكس فتوضأ بالماء أوّلاً، فإنَّه يقطع أنّ التيمّم ليس بمأمور به، فإنَّه إذا كان الماء طاهراً فواضح، و إذا كان نجساً فالمحلّ متنجس والتيمّم باطل، فلابدَّ من تقديم التيمّم على الوضوء إحرازاً لفراغ الذمّة، وأمّا على مسلكنا من عدم اعتبار طهارة المحلّ في التيمّم ، فله تقديم أيّ منهما شاء.
وملخص الكلام: لو كان للتراب أثر آخر غير التيمّم فتكون الأُصول متعارضة والعلم الإجمالي منجّزاً.
الصورة الثانية: إذا فرضنا أنَّه لا أثر لطهارة التراب إلّا التيمّم، وقد فرضنا أنَّ الأصل الجاري فيه من طول الأصل الجاري في الماء، لأنَّه مع جريان الأصل في الماء يكون متمكناً من الوضوء بالماء الطاهر، ولا تصل النوبة إلى التيمّم، سواء كان التراب طاهراً أو نجساً، فإذا لم يكن للتراب أثر إلّا جواز التيمّم، فبما أنَّ الأصلين طوليّين وليسا عرضيّين، فلا يكون العلم الإجمالي منجّزاً.
وهذا هو الظاهر، والوجه في ذلك: أنَّ نجاسة التراب لا يترتّب عليها أيّ أثر شرعي في المقام، وقد فرضنا أنَّ تنجيز العلم الإجمالي يتوقّف على المعارضة بين الأصول، وأن يترتّب أثر على كلّ طرف في نفسه، وأمّا إذا لم يكن للمعلوم بالإجمال في أحد الطرفين أثر شرعي، وكان الأثر مترتّباً على أحدهما فقط فلا يكون منجّزاً.
بيان ذلك: أنَّ النجاسة المعلومة بالإجمال إن كانت واقعة في الماء فهي
ــــــــــ[264]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
موجبة لسقوط الأمر بالوضوء لا محالة، فإنَّ الأمر بالوضوء منوط بطهارة الماء، ونجاسته مانعة عن صحّته، وعن كونه مصداقاً للمأمور به، فتنتقل الوظيفة إلى التيمّم ، وأمّا إذا فرضنا أنَّ النجاسة المعلومة بالإجمال كانت في التراب، ولا تكون النجاسة مانعة عن التيمّم في التراب، فإنَّ عدم جواز التيمّم حينئذٍ مستند إلى وجود الماء لا إلى نجاسة التراب، فنجاسة التراب لا تؤثّر في عدم جواز التيمّم في هذا التراب، فالنجاسة المعلومة غير مانعة عن التيمّم جزماً، فإنَّها إن كانت في الماء فهي مقتضية للتيمّم لا مانعة عنه، وإن كانت في التراب فعدم جواز التيمّم لوجود الماء وعدم المقتضي للتيمّم، لا لوجود المانع عنه. إذن، فنجاسة التراب لا أثر لها، فالمعلوم بالإجمال يدور أمره بين ما له الأثر وما ليس له الأثر، وحينئذٍ يجري الأصل فيما له الأثر بلا معارض، فلا تكون الأُصول متعارضة ولا متساقطة، ويحرز بذلك التمكن من الوضوء، فلا ينتهي الأمر إلى التيمّم قطعاً.
فالميزان الذي ذكرناه في تساقط الأُصول غير جار في المقام، فإنَّ الأصلين اللذين ذكرناهما في مرتبتين، وجريان أحدهما متوقّف على عدم جريان الآخر في الطرف الآخر، نظير الشكّ السببيّ والمسببيّ، فإنَّه إنَّما يجري في أحد الطرفين دون الآخر. هذا إذا كان الأثر منحصراً في الوضع، وهو: البطلان كما في المثال.
الصورة الثالثة: إذا فرضنا أنَّ المعلوم بالإجمال له أثر تكليفي أيضاً، كما لو علمنا بغصبيّة الماء أو التراب، فبما أنَّ الغصب يترتّب عليه عدم جواز التصرّف ولو بغير التوضّؤ والتيمّم، فلا محالة يكون الأصلان الجاريان فيهما عرضيّين لا
ــــــــــ[265]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
طوليّين، فأصالة الإباحة الجاريّة في الماء الذي تترتّب على الأصل، وسائر الآثار من جواز الوضوء والشرب والغسل وغير ذلك معارض بأصالة الإباحة في التراب الذي تترتّب عليه سائر التصرّفات. إذن، لا محالة يتعارض الأصلان فيسقطان معاً.
ولكن مع ذلك، لا يكون المكلّف من قبيل فاقد الطهورين؛ لعلمه إجمالاً بوجوب الطهور عليه، فإنّه على تقدير كون الماء غصباً وجب عليه التيمّم، وعلى تقدير كون التراب غصباً وجب عليه الوضوء، فهو عالم بوجوب تحصيل طهارة مردّدة بين الطهارة الترابيّة والمائيّة، فهو عالم بحرمة التصرّف في أحدهما، وعالم بوجوب التصرّف في أحدهما أيضاً، فيدخل هذا في دوران الأمر بين المحذورين لا محالة، فهو يعلم أنَّ الماء إمّا الوضوء فيه واجب، أو كلّ تصرّف فيه محرم، وأنَّ التراب إمّا التيمّم فيه واجب أو كلّ تصرّف فيه محرّم.
فإذا فرضنا أنّه تركهما معاً، فلم يتوضّأ ولم يتيمّم، فقد خالف تكليف المولى جزماً، وإذا جمع بينهما فقد أتى بالمأمور به جزماً، لكنّه خالف تحريم الغصب، فالموافقة القطعيّة غير واجبة جزماً؛ لأنّها مستلزمة للمخالفة القطعيّة، كما هو الحال في سائر موارد دوران الأمر بين المحذورين، ويتنزّل إلى الموافقة الاحتماليّة، بأن يختار أحدهما فيتوضّأ ويصلي ويكون ممتثلاً احتمالاً، أو يتيمّم ويكون ممتثلاً احتمالاً.
لكن يمكن أن يُقال: -كما في بعض تعليقات العروة(1)– الظاهر أنَّ المتعيّن
ــــــــــ[266]ــــــــــ
(1) انظر: العروة الوثقى (مع تعليقات بعض الفقهاء العظام (قدّس)) 1: 113، 114.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
هو الوضوء، والوجه: أنَّ المستفاد من الآية هو التكليف بالتيمّم في طول عدم التمكن من الوضوء، فإذا كان الأمر دائراً بين المحذورين ووصلت النوبة إلى التخيّير، وقلنا: إنَّه يجوز له التوضّأ بهذا الماء، ولو من جهة الموافقة الاحتماليّة، فهو واجد للماء ولو ظاهراً، ومتمكن من الوضوء، ولا تصل النوبة إلى التيمّم تكويناً وتشريعاً. أمّا تكويناً فواضح، وأمّا تشريعاً فإنَّ التيمّم وظيفة من لا يتمكن من الوضوء، وهذا متمكن من الوضوء بعد حكم العقل بجواز المخالفة الاحتماليّة، ولا يعاقب على الموافقة الواقعيّة لحكم العقل بالتخيّير، أو لجريان الأصل على بحث فيه، فعلى ذلك الأظهر في هذه الصورة أن يتوضّأ. هذا إذا كان المعلوم بالإجمال من سنخ واحد كغصبيّة أحدهما، وأمّا إذا كانا من سنخين، كما لو علمنا بغصبيّة الماء أو نجاسة التراب أو بالعكس، فيظهر الحال فيه مّما تقدّم.
فقد يفرض أنَّ التراب ليس له أثر شرعي غير التيمّم، فالحال فيه هو الحال في القسم الأوّل، من أنَّ أصالة الطهارة في التراب لا تجري لعدم الأثر؛ لأنَّ التراب إذا كان نجساً فعدم جواز التيمّم ليس لنجاسة التراب، بل لإباحة الماء، فتجري أصالة الحلّ بلا معارض، ويجب عليه الوضوء لا محالة.
وقد يفرض أنَّ التراب كان له أثر غير التيمّم كجواز السجود، فإنَّ العلم الإجمالي يكون منجّزاً لا محالة، فإنَّه يعلم إمّا بعدم جواز التصرّف في الماء لغصبيّته، أو يعلم بجواز التيمّم بالتراب والسجود عليه لكونه نجساً، فيكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً، ولكنّه مع ذلك يعلم إجمالاً بوجوب أحد الأمرين عليه، ولابدَّ له من الموافقة القطعيّة بالجمع بين الوضوء والتيمّم ، وليس فيه
ــــــــــ[267]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
مخالفة قطعيّة؛ إذ من المحتمل أنَّ التراب هو النجس، ويكون المقام من قبيل دوران الأمر بين المحذورين، ويكون مخيّراً بينهما من هذه الجهة، ولابدَّ له من اختيار الوضوء، وليس فيه إلّا احتمال المخالفة، وهو ليس محذوراً.
ولا يلحق هذا بصورة علمه بغصبيّة أحدهما؛ لأنَّه إذا ارتكبهما يكون عالماً بالمعصية، وهذا بخلاف المقام؛ إذ لا يلزم من ارتكابهما مخالفة قطعيّة.
فجميع الصور قد ظهر حكمها، وملخصه: مرّة يجب الجمع بين الوضوء والتيمّم، ومرّة يجوز الاقتصار على الوضوء، وأمّا كونه من فاقد للطهورين فلا أساس له، وإن ذهب إليه السيّد اليزدي في العروة(1).
الكلام فيما إذا لاقى شيء أحد طرفي الشبهة المحصورة، وأمّا إذا لاقى كلا الطرفين فيكون الملاقى معلوم النجاسة تفصيلاً، ولا معنى للبحث عن حكمه، وهذا ظاهر، كما لو فرضنا أنَّ الملاقي تعدّد في الخارج، فشيء لاقى أحد الطرفين، وشيء آخر لاقى الطرف الآخر، وكما لو علم بنجاسة أحد الماءين، ثُمَّ لاقى أحد ثوبيه أحدهما ولاقى الثوب الآخر الماء الثاني، هذا أيضاً خارج عن محلّ الكلام، وذلك لتعدّد العلم الإجمالي، فإنّه كما يعلم إجمالاً بنجاسة هذا المايع أو المايع الآخر، كذلك يعلم بنجاسة هذا الثوب أو ذاك، ومقتضى العلم الإجمالي الثاني تنجيزه ولزوم الاجتناب عن كلا الثوبين، فيما يشترط فيه الطهارة، وتسقط أصالة الطهارة في الطرفين.
ــــــــــ[268]ــــــــــ
(1) انظر: العروة الوثقى (مع تعليقات بعض الفقهاء العظام (قدّس))2: 201.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وبعبارة أخرى: إذا تولّد علم إجمالي من علم إجمالي آخر، فكما تكون الأُصول متساقطة في العلم الأوّل، كذلك الحال في الثاني، ولا فرق بين العلم الإجمالي بين أن يكون ناشئاً من علم إجمالي أو له سبّب آخر.
وقلنا: إنَّ تنجيز العلم الإجمالي يتوقّف على تساقط الأُصول في الطرفين، وهو إنّما يتصور فيما إذا كان المعلوم بالإجمال حكماً فعليّاً ابتداء، أو حكماً فعليّاً باعتبار العلم بشيء آخر مستلزم له، كما في الشبهة الحكميّة والشبهة الموضوعيّة، ففي الشبهة الحكميّة يتعلّق العلم بالحكم ابتداءً، كما لو كنا نعلم إجمالاً بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة، أو نعلم إجمالاً بوجوب القصر أو التمام في موارد الكلام(1)، وفي الشبهة الموضوعيّة نعلم أنَّ هذا اللباس أو اللباس الآخر مغصوب، والغصب تمام الموضوع لحرمة التصرّف، فقد تعلّق العلم بالموضوع الذي هو تمام الموضوع للحكم، فيكون العلم منجّزاً، وتتساقط الأُصول في أطرافه.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ المعلوم بالإجمال لم يكن تمام الموضوع للحكم، بل كان جزء الموضوع، ولابدَّ في فعليّة الحكم من وجود جزئه الآخر، كما لو علمنا أنَّ إحدى الجثتين إنسان، والآخر شيء آخر، إمّا غير مأكول اللحم أو مأكول كالشاة، فبالنسبة إلى حرمة الأكلّ يكون العلم الإجمالي منجّزاً، فإنَّه معلوم أنَّ لحم الإنسان لا يجوز أكله، فلا يجوز أكلّ لحم إحدى هذين، ولو كان الآخر شاة، وتكون أصالة الحلّ متعارضة في الطرفين، وأما لو مسّ أحد الجسدين، فهل يجب عليه الغسل، ويكون العلم الإجمالي منجّزاً أو لا؟
ــــــــــ[269]ــــــــــ
() يعني: الكلام بين الفقهاء في وجوب أيّ منهما. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
لا ينبغي الشكّ بعدم تنجيزه، فإنَّ المسّ ليس تمام الموضوع لوجوب الغسل، بل جزؤه والجزء الآخر هو أن يكون الممسوس إنساناً، وحيث إنَّ المعلوم بالإجمال ليس بتمام الموضوع(1) للحكم فلا معنى لتنجيز العلم الإجمالي، بل يرجع إلى البراءة عن وجوب غسل مس الميت، أو إلى استصحاب عدم وقوع المسّ على ميت إنسان.
فتحصل من هذا: أنَّ تنجيز العلم الإجمالي وتساقط الأُصول في أطرافه يتوقّف على أن يكون متعلّقاً بالتكليف الفعلي، أو متعلّقاً بالتكليف لأجل العلم بالموضوع التامّ، وأمّا إذا لم يتعلّق بالموضوع التامّ فلا معنى لأن يكون هذا العلم منجّزاً.
وهذا بحسب الكبرى مّما لا إشكال فيه، وإنَّما الإشكال في صغرياته التي منها مسألة الملاقي، وإنَ العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين هل ينجّز نجاسة الملاقي أو لا -أو بالنسبة إلى مسّ الإنسان في المثال السابق- أو أنَّه لا ينجّزه باعتبار كون المعلوم بالإجمال جزء الموضوع للحكم كما سبق؟
أو ما إذا علمنا بغصبيّة إحدى الشجرتين أو أحد الحيوانين، وفرضنا أنَّ
ــــــــــ[270]ــــــــــ
() لا يخفى ما في هذا الكلام، فإنَّه يمكن أن يقال في مقابله: إنّ المسّ معلوم وجداناً، وكونه إنساناً معلوم بالعلم الإجمالي، فيجب الغسل، وإنَّما لم يجب باعتبار كونه ملاقيّاً لأحد طرفي الشبهة المحصورة، وعلى أيّ حال يكون داخلاً في محلّ الكلام، فإنَّ المفروض أنَّ المعلوم بالإجمالي هو الإنسان، وهو الجزء المكمل للجزء الوجداني، وهو: المسّ، فتأمّل. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
النماء يترتّب على أحدهما دون الآخر، أمّا لو ترتّب النماء عليهما معاً فكما نعلم إجمالاً بحرمة التصرّف في أحد الحيوانين لكونه غصباً، كذلك نعلم بحرمة التصرّف في أحد الحليبين أو إحدى البيضتين أو إحدى ثمرتي الشجرتين، وهذا خارج عن محلّ الكلام.
وإنَّما الكلام فيما إذا كان النماء لأحد الطرفين المعلوم بالإجمال غصباً لأحدهما، كما لو باضت إحدى الدجاجتين المعلوم غصب أحدهما إجمالاً، أو أثمرت إحدى الشجرتين كذلك، فهل يجوز التصرّف في الثمرة أو البيضة أو لا؟ وهل يؤثّر العلم الإجمالي في تحريمها أو لا؟
قد يُقال: بعدم جواز التصرّف، وأنَّ العلم الإجمالي بغصبيّة أحدهما يوجب حرمة التصرّف في الثمرة أيضاً، يعني: أنَّ عدم جواز التصرّف تكليفاً ووضعاً، كما أنَّه مترتّب على المعلوم بالإجمال، كذلك هو مترتّب على الثمرة.
والوجه في ذلك: أنَّ الثمرة وإن كانت موجودة بعد العلم الإجمالي، ولم تكن حين وجوده، إلّا أنَّ وضع اليد على العين وضع لليد على منافع العين إلى الأبد، ولذلك ذكروا(1): أنَّ الغاصب كما يضمن نفس العين يضمن منافعها المتجدّدة، حتّى لو خرج عن يد الغاصب، وللمالك أن يطالبه بمنافعها، سواء وجدت عنده أو عند غيره، فيكفي في الاستيلاء على المنافع أخذ نفس العين، ففي المثال وضع اليد على العين المغصوبة وضع لليد على منافعها حتّى المتجدّدة
ــــــــــ[271]ــــــــــ
(1) انظر: مسالك الأفهام 2: 217، شرائع الإسلام 3: 244، تحرير الأحكام 4: 540، جامع المقاصد 6: 323، 324، المبسوط 3: 95، 96، غنية النزوع: 281.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أيضاً، فكما أنَّ العلم منجّز لحرمة التصرّف في العين، كذلك هو منجّز لحرمة الثمرة، فيحكم بحرمتها تكليفاً؛ لأنَّ حرمة التصرّف وإن لم يكن موجوداً في زمان العلم، إلّا أنَّ ملاك الحرمة وهو الاستيلاء على العين الذي هو استيلاء على المنافع، فالتكليف وإن لم يكن موجوداً في زمان العلم لانتفاء الموضوع لعدم وجود المنافع في ذلك الحين، لكنَّ ملاكها كان موجوداً، ولذلك يحكم بحرمة التصرّف في المنافع أيضاً.
هكذا قال شيخنا الأستاذ(1)، وذكر في وجه الضمان وعدم جواز التصرّف ما ذكرناه، فهو ضامن للثمرة؛ لأنّ الاستيلاء على العين استيلاء على المنافع، فيشمله النبوي: “عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّي“(2) وكذلك يحرم التصّرف فيها.
ولكن للمناقشة فيما ذكره مجال واسع، بل هو ممنوع، وذلك: لأنَّ ما ذكره من أنَّ الاستيلاء على العين استيلاء على المنافع، وأخذها بأخذ العين كلام صحيح ومتين، وللمالك أن يرجع على الغاصب، ويطالبه بتمام المنافع التي تلفت تحت يده، أو تحت يد غيره، إلّا أنَّ الحكم بالضمان متوقّف على إحراز أنَّ هذه منفعة للمغصوب، وأمّا إذا شكّ في ذلك، فلم ندر أنَّها ثمرة للمغصوب، أو ثمرة لمال نفسه، فالكبرى وإن كانت صحيحة، إلّا أنَّنا كيف يمكننا إثبات الصغرى، وهي: أنَّ هذا ثمرة للعين المغصوبة، وبثبوت الكبرى لا يمكن إثبات
ــــــــــ[272]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 246، 257.
(2) فقه القرآن 2: 74، عوالي اللئالي 1: 224.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الصغرى، فيرجع إلى الأصل، وهو: أصالة عدم أن تكون هذه البيضة أو الثمرة في ملك الغير.
ولا يعارض هذا الاستصحاب باستصحاب عدم كون هذه الثمرة ثمرة لمال نفسه؛ إذ لا معارضة بين الأصلين؛ إذ ليس هنا مخالفة عمليّة، بل مجرّد المخالفة الالتزاميّة، فهو يعلم بأنَّ أحد الأصلين غير مطابق للواقع.
وبعبارة أخرى: أنَّ أصل عدم كونه ثمرة لمال نفسه، إذا لم يترتّب عليه لازمه العقلي، وهو: كونه ملك الآخر لا أثر له، لأنَّ الحرمة مترتّبة على مال الغير، لا على ما ليس له، وهذا لا يثبت باستصحاب عدم كونه ملكاً لنفسه، ولو تعارض الأصلان وتساقطا، فأصالة الإباحة تكون جارية، فما أفاده من الضمان وحرمة التصرّف فيه لم نعرف له وجهاً صحيحاً.
ويظهر من كلمات شيخنا الأنصاري(1) اختيار تحريم التصرّف في الثمرة، لما في بعض الروايات: “لا يحلّ مال إلّا من حيث أحلّه الله“(2)، ولذلك استثنى الأموال من موارد الرجوع إلى البراءة، وقالوا: لا يجوز الحكم بالحلّيّة في حال يشكّ في جواز التصرّف فيه، بل لابدَّ من إحراز السبب المحلّل، وإذا شكّكنا في الثمرة أنَّها حلال أو حرام، ولم نحرز سبّب الحلّيّة -والأصل عدم سبب الحلّيّة- فيحكم بالحرمة، ولذلك لا يجوز الرجوع إلى البراءة، لا من جهة العلم
ــــــــــ[273]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 127، 128.
(2) الكافي 1: 548، باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس وحدوده وما يجب فيه، الحديث:25.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الإجمالي، بل من جهة أنَّ أصالة الإباحة لا تجري في هذه الموارد.
إلّا أنَّ هذا لا يمكن المساعدة عليه، فإنَّ هذه الرواية وإن وردت في أواخر كتاب الخمس في باب التصرّف بحصة الإمام من الوسائل، إلّا أنَّها ضعيفة بسهل بن زياد، وبأحمد بن المثنى وهو مجهول، وفيها محمّد بن زيد وهو مهمل لم يوثّق، فلا يمكن أن تكون هذه الرواية مدركاً لحكم شرعي ليتمسّك بها لتخصيص أدلّة الإباحة.
وعلى تقدير صحّتها فإنّها أفادت: لابدَّ لحلّيّة المال من سبّب، وسبّبه هو الشكّ، فإنَّ الشارع قد جعل الشكّ سبّباً للحلّيّة (لا يحلّ مال إلّا من وجه أحلّه الله) يعني: لا يكون المال حلالاً، إلّا بحكم الله عليه بالحلّيّة، وهذا حكم الله بالحلّيّة بمقتضى قول المعصوم: “كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال…“(1).
ولو أغمضنا النظر عن ذلك، فيكيفنا استصحاب أنَّ هذا ليس بملك للغير، فإنَّه يكفي في الحلّيّة، فإنَّ احتمال الحرمة كان مسبّباً من احتمال كونه ملكاً للغير، وبالاستصحاب نحرز أنَّه ليس ملكاً للغير، ولا يعارض باستصحاب كونه ملكاً لنفسه كما سبق، ويكون هذا الاستصحاب حاكماً، ويثبت به أنَّه ليس بحرام.
وكيف كان فما ذكره الشيخ من عدم جواز الرجوع إلى البراءة في المال، والحكم بحرمة التصرّف في النماء لا نعرف له وجهاً.
ــــــــــ[274]ــــــــــ
(1) المحاسن 2: 495، باب الجبن، الحديث: 596، من لا يحضره الفقيه 3: 341، باب الصيد والذبائح، الحديث:4208. مع اختلاف في بعض الألفاظ.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ولا فرق في ذلك بين الغاصب وغيره، فلو أنَّ غير الغاصب أذن له الغاصب في التصرّف بالثمرة، وهو يعلم إجمالاً بغصبيّة إحدى الشجرتين، فلا بأس بالتصرّف في الثمرة؛ إذ من المحتمل أن تكون الثمرة ملكاً لمن بيده الثمرة. هذا في التصرّفات غير المتوقّفة على الملك كالأكلّ واللبس.
وأمّا التصرّفات المتوقّفة على الملك كالبيع، فإنَّه: “لا بيع إلّا في ملك“(1)، فلا يجوز مثل هذا التصرّف في الثمرة، وذلك لعدم إحراز الملك، فلا يجوز له هذا التصرّف، ويحكم بعدم الانتقال إلى المشتري، وأصالة عدم كونه مال الغير لا ينتج أنَّه ماله وملكه.
هذا كلّه فيما إذا لم تكن الشجرتان أو الحيوانان مسبوقين بملك الغير، كما لو فرضنا أنَّه حاز شجرة بريّة أو غصب شجرة أو صاد حيواناً أو غصب آخر، وكان لأحد الحيوانين ثمرة، وتردّد أمرها بينهما، فكلامنا إلى هنا في مثل ذلك، وهو: ما إذا لم يكونا مسبوقين بملك الغير، وأمّا إذا كانا مسبوقين بملك الغير، كما لو اشترى حيواناً وغصب حيواناً، واشتبها وانتج أحدهما نتاجاً، ففي مثل ذلك لا مانع من جريان استصحاب عدم انتقال الحيوان إليه، والثمرة لم تنتقل إليه وباقية على ملك صاحبها.
وأمّا إذا كان الأصل بنفسه يقتضي عدم جواز التصرّف فيحكم بذلك لأجل جريان الأصل، لا للعلم الإجمالي، وذكرنا: أنَّ الأصل يجري مع عدم لزوم المخالفة القطعيّة، فيجري هذا الأصل في الحيوانين، ويوجب عدم جواز
ــــــــــ[275]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 2: 247، باب المتاجر، الحديث: 16.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
التصرّف في نتاج أيٍّ منهما، حتّى فيما لا يتوقّف على الملك.
ثمَّ إنَّ ما ذكرناه إلى الآن من جواز التصرّف فيما إذا كان النتاج بعد العلم الإجمالي فيما إذا غصب أوّلاً أحد الحيوانين، ثُمَّ انتج أحدهما، وأمّا لو فرضنا أنَّ العلم الإجمالي كان بعد النتاج فلا يجوز التصرّف في الثمرة، فإنَّ الشجرة كما أنَّها طرف للعلم الإجمالي كذلك الثمرة، فكما يعلم أنَّ إحدى الشجرتين غصب يعلم أنَّه إمّا الثمرة أو الشجرة الأخرى غصب، غاية الأمر: أنَّ طرف العلم الإجمالي أمران: الشجرة والثمرة، وطرفه الآخر واحد، فهذا يدخل في باب ملاقي الشبهة المحصورة.
كما إذا علمنا إجمالاً بنجاسة أحد شيئين ولاقى شيئاً ثالثاً أحدهما، فهل يجب الاجتناب عن الملاقى أم لا؟
الكلام هنا كالكلام هناك فيما إذا كان ملاقياً لأحدهما، وأمّا إذا كان ملاقياً لكلا الطرفين فهو معلوم النجاسة تفصيلاً، وهو خارج عن محلّ الكلام، وكذلك إذا فرضنا أنَّ شيئاً لاقى أحد الطرفين، وشيئاً آخر لاقى الطرف الآخر، فيجب الاجتناب عن الملاقيّين للعلم الإجمالي بنجاسة أحدهما، كما كان يعلم إجمالاً بنجاسة الملاقيّين، وهذا أيضاً خارج عن محلّ الكلام، وكلامنا فيما إذا كان الملاقي ملاقياً لأحد الطرفين فقط.
وقد اختلفت فيه كلماتهم: فمنهم من ذهب إلى وجوب الاجتناب. ومنهم من ذهب إلى عدم الوجوب؛ لأنَّ العلم الإجمالي إنّما ينجّز المعلوم بالإجمال دون أمر آخر، وإن كان ملازماً للمعلوم بالإجمال واقعاً، إلّا أنَّ التنجيز في الملزوم دون اللازم.
ــــــــــ[276]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وتوضيح الكلام في ذلك: أنَّ المسألة فيها ثلاث صور:
الصورة الأولى: قد يفرض أنَّ الملاقاة والعلم بها تحصّل بعد العلم الإجمالي.
الصورة الثانية: قد نفرض أنَّ الأمر بالعكس بأن لا يعلم بملاقاة الثوب لهذا المايع بالخصوص، فتحصل الملاقاة والعلم بها، ثمَّ يعلم إجمالاً أنَّ الملاقي أو الطرف الآخر نجس.
الصورة الثالثة: أن تكون الملاقاة قبل العلم الإجمالي ولكن المكلّف لا يعلم بها إلّا بعد العلم الإجمالي، كما لو لاقى يوم الخميس وعلم إجمالاً يوم الجمعة بنجاسة هذا المايع أو المايع الآخر، ثمَّ يوم السبت علم بالملاقاة التي وقعت يوم الخميس.
وهي ما إذا كانت الملاقاة والعلم بها بعد العلم الإجمالي، فأوّلاً يعلم إجمالاً بنجاسة أحد الأمرين، ثُمَّ تحصل الملاقاة ويعلم بها، فهل يجب الاجتناب عن الملاقى أو لا؟
الظاهر عدم وجوب الاجتناب، ولكن قد يستدلّ على وجوب الاجتناب بأمرين:
الأمر الأوّل: إنَّ نجاسة الملاقي من شؤون نجاسة الملاقى، فهي هي بعينها، فكأنَّ الملاقى توسّعت نجاسته فكان موجوداً واحداً حدوثاً فكان موجودين بقاءً، فهي ليست نجاسة جديدة، بل هو من شؤون النجاسة الأولى
ــــــــــ[277]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وتوسّعة للمتنجس الأوّل، كما لو قسّم المعلوم بالإجمال قسمين، وجعل في إناءين، فهما بحسب البقاء، وإن كانا موجودين مستقلّين، إلّا أنَّهما ليسا بماءين جديدين، بل هي الموجود الأوّل بعينه وطرف للعلم الإجمالي، فهي توسّعة في الموجود الأوّل، كذلك إذا أضفنا إلى أحد الماءين ماء فزادت كمّيّته، فإنَّه لا ينبغي الإشكال في وجوب الاجتناب، وكذلك الحال في الملاقي، فإنَّه من شؤون الملاقي، فالعلم الإجمالي يكون منجّزاً للملاقي والملاقى معاً.
وقد يستدلّ على هذه الدعوى، بما رواه جابر عن أبي جعفر قال: “أتاه رجل يسأل عن خابية فيها سمن أو زيت وقعت فيها فأرة، فماتت، فقال: لا تأكله. قال الرجل: الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي. قال أبو جعفر: ما استخففت في الفأرة وإنما استخففت بدينك. إنَّ الله حرم الميتة من كلّ شيء“(1).
بيان الاستدلال: إنَّ هذا الرجل لم يسأله عن حكم الفأرة نفسها، ولم يرد أكلّ الفأرة نفسها، وإنَّما سأله عن حكم السمن أو الزيت وأكله، والإمام عبّر عن تحريم السمن والزيت بقوله: ما استخففت …، فجعل حرمة السمن والزيت من شؤون حرمة الفأرة، فكأنَّها توسعة في حرمة الفأرة، فتكون هذه الرواية مؤيّدة للدعوى المتقدّمة في التوسعة، فإذا كان الأمر كذلك فاحتمال النجاسة في الملاقي منجّز بالعلم الإجمالي في الملاقى.
ــــــــــ[278]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 420، الباب 21، المياه وأحكامها، الحديث: 46. مع اختلاف في بعض الألفاظ.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
والجواب عنه:
أمّا عن أصل الدعوى فالجواب ظاهر، وهو: أنَّ الملاقي موجود مستقلّ مباين للملاقى، وكلّ منهما شيء منحاز عن الآخر، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ النجاسة القائمة بالملاقي عن النجاسة القائمة بالملاقى، فهذا فرد وذاك فرد. نعم، هذه النجاسة معلولة لتلك النجاسة، والعلّة والمعلول موجودان متغايران، كما في باب الطهارة، فإنَّ طهارة الملاقي ليست من شؤون طهارة الملاقى وتوسّعة لها، وإن كانت معلولةً له، ففي باب النجاسة أيضاً كذلك (ملاقاة النجس منجّس) أي: أنَّ الشارع يحكم بالنجاسة على شيء مع ملاقاته للشيء الآخر، لا أنَّ النجاسة تتوسّع إلى الموضوع الآخر.
وأمّا الاستدلال بالرواية على ذلك فأوّلاً: أنَّ هذه الرواية رواها عمر بن شمر، وهو ضعيف لا يعتدّ بروايته، وعلى تقدير تسليم صحتّها فدلالتها غير تامّة، والوجه في ذلك ظاهر؛ لأنَّ ما ذكره المستدلّ من أنَّ السائل لم يرد أكلّ الفارة، وإنَّما سأَل عن حكم الزيت والسمن، فصحيحٌ ولكن الرجل يستغرب أن تكون الفأرة مع صغر حجمها موجب لنجاسة مقدار معتدٍّ به من السمن أو الزيت، فلو كانت الميتة حيواناً كبيراً كالدجاجة أو أكبر منها لم يكن يستشكلّ فيها، وإنّما استشكلّ في الفأرة لصغرها، فكيف يمكن أن يكون الزيت في الخابية متنجساً بها.
فأجابه: “إنَّ الله حرّم الميتة من كلّ شيء“ بلا فرق بين الفأرة وغيرها، ولا فرق في نجاسة الميتة في تنجيس ملاقيه، وهو المراد من الحرمة في الرواية، بلا فرق بين أن يكون الحيوان الميت فأرة صغيرة أو كان جملاً.
ــــــــــ[279]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الأمر الثاني: إنَّ الملاقي وإن كان نجاسته جديدة، إلّا أنّه طرف للعلم الإجمالي بنفسه، فكما أنَّنا نعلم بنجاسة الملاقى أو الطرف الآخر، كذلك نعلم إجمالاً بنجاسة الملاقي أو الطرف، بعدما فرض الملازمة بين الملاقي والملاقى، وأنَّهما متّحدان واقعاً نجاسة وطهارة، فالعلم الأوّل يكون ملازماً للعلم الثاني، فلو انعدم الملاقى نعلم إجمالاً أنَّ أحد الأمرين الملاقي أو الآخر نجس، وهذا العلم الإجمالي يكون منجّزاً للمعلوم بالإجمال(1). نعم، لو فرضنا أنَّ العلم بنجاسة الملاقي كانت بعد انعدام الطرف الآخر، أو خروجه عن القدرة، فهذا العلم الثاني لا يكون له أثر.
وأجاب الشيخ الأنصاري(2) عن هذا الاستدلال: أنَّ أصالة الطهارة الجاريّة في الملاقى ليست في عرض الأُصول الجاريّة في الملاقي، لأنّ الشكّ في طهارة الملاقي ناشئة من الشكّ في نجاسة الملاقى، فأصالة الطهارة في الملاقى سبّبيٌّ، وفي الملاقي أصل مسبّبيٌّ، فلو فرضنا أنَّ الأصل الجاري في السبّب -وهو الملاقي- كان جارياً بلا معارض، لم تصل النوبة إلى جريانه في الملاقي؛ لارتفاع موضوعه وإحراز طهارته، ولكن المفروض أنَّ الأصل السبّبي في الملاقى قد سقط في السبّب بالمعارضة مع طرفه الآخر، فيجري الأصل في المسبّب الملاقي في المرتبة المتأخّرة بلا معارض. إذن، لا مانع من جريان الأصل في الملاقي، ولو فرضنا أنَّه طرف للعلم الإجمالي.
ــــــــــ[280]ــــــــــ
() فيجب الاجتناب عن الملاقي. (المقرّر).
(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 242.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وقد أورد على ذلك: أنَّ اصالة الطهارة في الملاقي، وإن كانت أصلاً طوليّاً وليست في عرض مثلها في الملاقى أو الطرف، إلّا أنَّ هنا أصلا ًطوليّاً آخر في الطرف الآخر، وهو: أصالة الإباحة الجاري فيه، فيما لو فرضنا أنَّه شيء على تقدير طهارته قابل للأكلّ أو للشرب كالماء مثلاً، فلو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد المائين، ثُمَّ لاقى أحدهما شيئاً آخر قابلاً للأكلّ والشرب أيضاً، فالأصل في الملاقي طوليٌّ مسبّبيٌّ، إلّا أنَّ الطرف الآخر أصالة الطهارة وأصالة الإباحة فيه أصلان طوليّان، فإنّ منشأ الشكّ في الحلّيّة والحرمة ناشئ من احتمال أنَّه نجس، فكما أنَّ أصالة الطهارة في الملاقي متأخرّة، كذلك أصالة الإباحة في الطرف الآخر، ونعلم إجمالاً أنَّ أحد هذين الأصلين غير مطابق للواقع؛ إذ نعلم إجمالاً بأنَّ الملاقي نجس أو الآخر يحرم أكله أو شربه، ويكون هذا الجديد منجّزاً.
وبعبارة أخرى: أنّنا إذا قسّنا أصالة الطهارة في الملاقي مع مثله في الملاقى أو الطرف فهو طولي، فتصل النوبة إليه بعد التساقط، وأمّا إذا قسّنا أصالة الطهارة في الملاقي، وأصالة الإباحة في الطرف الآخر، فكلاهما في رتبة واحدة، وكلاهما أصلٌ مسبّبيٌّ، فيكون العلم الإجمالي منجّزاً. نعم، أصالة الإباحة في الملاقي فيما لوكان مأكولاً، فأصالة الإباحة فيه يكون جارياً بلا معارض، ولكن لا يحكم بطهارته، وبذلك يحصل التفصيل بين ما إذا كان الطرف الآخر موضوعاً لأصالة الإباحة فتتساقط مع أصالة الطهارة الجاري في الملاقى، وبين ما إذا لم يكن موضوعاً لها لعدم كونه مأكولاً أو مشروباً، فينتهي إلى أصالة الطهارة في الملاقى بلا معارض.
ــــــــــ[281]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
والتحقيق أن يُقال: لا فرق في موارد الملاقي بين ما إذا كان الطرف الآخر مّما يمكن أكله أو شربه في نفسه أو لم يكن، بل في جميع الموارد لا يكون للعلم الإجمالي الثاني بنجاسة الملاقي أو الطرف له أثر، فلا يجب الاجتناب عن أطرافه، وإنَّما يجب الاجتناب عن أطراف العلم الإجمالي الأوّل.
بيان ذلك: أنَّ العلم الإجمالي ليس علّة تامّة لتنجيز التكليف المعلوم بالإجمال، وإنَّما السبّب لتنجيزه هو التعارض بين الأصول. نعم، هو علّة لتنجيزه للمخالفة القطعيّة، يعني: أنَّ جريان الأُصول في تمام أطراف العلم الإجمالي لا يمكن، لأنَّه ملازم للمخالفة القطعيّة، وأمّا جريانها في بعض الأطراف دون بعض، فعدم جريانها غير معلول للعلم الإجمالي، وإنَّما السبّب هو المعارضة بين الأصول؛ لأنّ جريانها في البعض دون البعض ترجيح بلا مرجّح، ولابدَّ في ارتكاب شيء من إحراز المؤمّن، فيلزم الاجتناب في المقام؛ لأنَّ احتمال التكليف مساوق لاحتمال العقاب لولا المؤمّن، وعلى هذا الأساس جرينا إلى الآن في تنجيز العلم الإجمالي.
وهذا لا يجري فيما إذا تثبت هذه الكبرى، يعني: كان لجريان الأصل في بعض الأطراف مرجّح على جريانه في البعض الآخر، ففي مثل ذلك لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً، وذكرنا لذلك عدّة موارد: كما لو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد ماءين، وكان أحدهما مستصحب النجاسة، فلا يكون هذا العلم منجّزاً، فإنَّه ليس من العلم بالحكم الفعلي على كلّ تقدير، فإنَّ أحد الطرفين مورد لحكم ظاهري إلزامي بوجوب الاجتناب. إذن، ما هو المانع من الرجوع إلى أصالة الطهارة في الطرف الآخر؟
ــــــــــ[282]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وكذلك لو كان أحد الأصلين غير تنزيلي، ولكنَّه مثبت للتكليف، وكان الأصل في الطرف الآخر نافٍ للتكليف، كما لو علم إجمالاً أنَّه لم يصل إحدى الصلاتين يقيناً. أمّا أنَّه لم يصل العشاء في هذه الليلة فيجب عليه أداؤها، أو لم يصل العصر التي فات وقتها فيجب عليه قضاؤها، أو علم أنَّ إحداهما باطلة، فهذا العلم الإجمالي لا أثر له، فإنَّ صلاة العشاء بعد أن فرضنا أنَّ قاعدة الفراغ تساقطت في الطرفين بالمعارضة، أو أنَّها لا تكون جارية لو كان الشكّ في أصل الإتيان، فيكون مقتضى قاعدة الاشتغال أنَّه مأمور بصلاة العشاء في هذه الليلة، ولا يدري أنَّه خرج من العهدة أو لا، فيجب عليه الإتيان بصلاة عشاء صحيحة، فهذا الأصل يقتضي لزوم الإتيان بالعشاء، وأمّا في العصر فقاعدة الاشتغال غير جارية؛ لأنَّ القضاء بأمر جديد، والأمر بها قد سقط يقيناً إمّا للامتثال أو لخروج الوقت، ونشكّ في حدوث أمر جديد بالقضاء وأصالة البراءة عنه تكون جاريّة، أو إذا شكّكنا في أصل الإتيان فتجري قاعدة الحيلولة، فجريان الأصل فيه ليس بلا مرجّح، بل فيه مرجّح، وهو: أنَّه مورد للبراءة.
وكما إذا فرضنا أنَّنا علمنا إجمالاً بوقوع نجاسة في أحد إناءين معيّنين، ثُمَّ وقعت قطرة ثانية لا ندري أنَّها هل وقعت في أحد هذين الإناءين -معيّناً أو غير معيّن- أو في إناء ثالث، فهذا العلم الإجمالي وإن كان علماً جديداً لم يكن سابقاً، لكنّه لا يكون منجّزاً؛ لأنّ الأُصول لا تتساقط في أطرافه، فإنَّ جريان أصالة الطهارة في الإناء الثالث لا يكون له معارض لوجود المرجّح، وأمّا الأصل الجاري في أحد الإناءين الأوّلين فقد سقط من جهة العلم الإجمالي.
وبالجملة: لا يكون هذا العلم الثاني علماً بالتكليف على كلّ تقدير، فإنّنا
ــــــــــ[283]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
نحتمل وقوع القطرة الثانية في أحد الإناءين الأوّلين(1)، ومعه لا تكون قد أحدثت تكليفاً جديداً، فيكون الأصل جارياً في الثالث بلا معارض.
ومقامنا من هذا القبيل عيناً، فإنَّنا بعد الملاقاة وإن كنا نعلم بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر، ولكنّنا لا نعلم بحدوث نجاسة جديدة غير الأولى؛ إذ نحتمل أن يكون الطرف الآخر نجساً، والملاقي والملاقى معاً طاهران، فليس هنا علم بنجاسة جديدة، فلا يكون العلم الإجمالي الثاني علماً بالتكليف الفعلي.
وهي ما إذا فرضنا أنَّ الملاقاة والعلم بها كانت قبل العلم الإجمالي، وبعد ذلك علمنا بنجاسة الملاقى أو الطرف الآخر، وهذا أيضاً ينقسم إلى قسمين:
القسم الأوّل: قد يفرض أنَّ نجاسة الملاقي والملاقى -على تقدير نجاستهما- العلم بهما واحد، كما لو فرضنا أنَّ ثوباً كان في ماء -ملاقيّاً له- وكان هناك إناء آخر، وبعد الملاقاة علمنا بوقوع نجاسة قبل ذلك في أحد الإناءين كما لو ولغ الكلب في أحد الإناءين، ولا ندري هل هو الإناء في طرف الثوب أو الطرف الآخر، فهل يجب الاجتناب عنهما في هذه الصورة أو لا؟
ذهب شيخنا الأنصاري(2) وشيخنا الأستاذ(3) إلى عدم وجوب الاجتناب
ــــــــــ[284]ــــــــــ
() فلا نعلم إلّا بفرد واحد من النجاسة، فإنَّ القطرة الأولى قد أحدثت نجاسة يقيناً، أمّا القطرة الثانية فنحتمل أنَّها وقعت فيما وقعت فيه الأولى، وإذا كان هذا محتملاً فلا نعلم بوجود نجس آخر، لأنَّ النجس لا يتنجس. (المقرّر).
(2) انظر: فرائد الأصول 2: 242-244.
(3) انظر: أجود التقريرات 2: 260.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
في هذه الصورة أيضاً، ولكنّ صاحب الكفاية(1) ذهب إلى وجوب الاجتناب في هذه الصورة، ومنشأ القول بعدم لزوم الاجتناب ما تقدّم عن الشيخ من أنْ الأصل الجاري في السبّب في مرتبة سابقة على الأصل الجاري في المسبّب، فإنَّ الشكّ في نجاسة الثوب مسبّب عن الشكّ في نجاسة الماء وعدمها، وبما أنَّ الأصل الجاري في السبّب ساقط بالمعارضة مع الأصل الجاري في الطرف الآخر، فالأصل المسبّبيٌّ يسقط، وتصل النوبة إلى الأصل المسبّبيّ، وهو أصالة الطهارة الجاري في الثوب، فلا فرق بين تأخّر الملاقاة عن العلم الإجمالي أو سبقها عليه كما في هذه الصورة، فإنَّه في كلتا الصورتين يسقط الأصل السبّبيّ، وتنتهي النوبة إلى الأصل المسبّبيّ.
ولكنّ صاحب الكفاية لم يرتض ذلك، وبنى على أنَّ العلم الإجمالي كما تعلّق بنجاسة أحد الماءين، كذلك تعلّق بنجاسة الثوب أو الماء الآخر، وهو وإن كان مسبّباً إلّا أنَّه من جهة الاتّحاد في الزمان يكون كلاهما طرفاً للعلم الإجمالي.
وبعبارة أخرى: أنَّه يعلم إجمالاً بنجاستهما أو الطرف الآخر، ومجرّد أنَّ الأصل في أحدهما طولي لا أثر له، بعد أن كانت نسبة العلم الإجمالي إلى كليهما على حدٍّ سواء، كما لو علمنا إجمالاً بملاقاة النجس، إمّا لهذين الإناءين أو للإناء الآخر، فكان أحد طرفي العلم واحد والطرف الآخر إثنين، والعبرة إنّما هي في العلم الإجمالي، ونسبته إلى الملاقي والملاقى على حدٍّ سواء.
وفي الصورة السابقة لم يكن كذلك؛ لأنَّ العلم الإجمالي تعلّق بنجاسة
ــــــــــ[285]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 362، 363.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الملاقى أو الطرف وتساقطت الأصول، ثُمَّ حصلت الملاقاة، ولم يكن لنا علم بالنجاسة، بل احتمالها، ولكن إذا اتّحد الزمان تكون نسبة العلم الإجمالي إلى كليهما على حدٍّ واحد، فكما نعلم بنجاسة الملاقى أو الطرف الآخر، كذلك نعلم بنجاسة الملاقي أو الطرف، ولا أثر للتقدّم والتأخرّ في رتبة الأصلين. وما ذكره صاحب الكفاية هو الصحيح، فإنَّ الطوليّة والسبّبيّة والمسبّبيّة لا أثر لها.
بيان ذلك: أنَّ الأصل الجاري في الملاقي وإن كان في طول الأصل الجاري في الملاقى، يعني: لو كان الأصل جارياً في الملاقى لما جرى في الملاقي؛ إذ لا منشأ لنجاسته إلّا نجاسة الملاقى، وهذا صحيح، إلّا أنَّ الأصل الجاري في الملاقي ليس في طول الأصل الجاري في الطرف الآخر، فإنَّ الآخر نسبته إلى الملاقي والملاقى على حدٍّ واحد، وليس هنا طوليّة وسبّبيّة ومسبّبيّة، فكما أنَّ الأصل الجاري في الطرف الآخر طرف للأصل الجاري في الملاقى، كذلك هو طرف المعارضة مع الأصل الجاري في الملاقي.
وقد ذكرنا مراراً(1) -والله العالم-: أنَّ تأخّر شيء عن شيء لا يلازم تأخّره عمّا هو في مرتبة المتقدّم، فالأصل الجاري في الطرف الآخر وإن كان في مرتبة الأصل الجاري في الملاقى، إلّا أنَّ تأخّر الأصل في الملاقي لا يستلزم تأخرّه عن الأصل الجاري في الطرف الآخر، لأنَّ التقدّم والتأخّر لهما ملاك يختصّ بما فيه الملاك، بما أنَّهما سبّبيٌّ ومسبّبيٌّ، فالشكّ في أحدهما ناشئ من الشكّ في الآخر،
ــــــــــ[286]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 416، محاضرات في علم الأُصول 2: 125، غاية المأمول 2: 389.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فأحدهما في طول الآخر، وأما الطرف الآخر فليس هنا سبّبيّة ومسبّبيّة، فكما يصحّ أن يُقال: إنَّنا نعلم بنجاسة أحد الماءين، كذلك يصحّ أن يُقال: إنَّنا نعلم بنجاسة الثوب أو الماء الآخر، وليس بينهما تقدّم وتأخّر.
فبالنتيجة نعلم إجمالاً بالنجاسة في الملاقي والملاقى معاً أو في الطرف الآخر، وكلاهما يكون طرفاً للعلم الإجمالي، والأصل الجاري فيهما معارض مع الأصل الجاري في الطرف الآخر، فما ذكره صاحب الكفاية من وجوب الاجتناب هو الصحيح.
ولكن قد يُقال: إنّ الاصل الجاري في الملاقي إذا كان في طول الأَصل الجاري في الملاقى، فإنَّ الأَصل الجاري في الملاقى أو الطرف في عرض واحد ليس بينهما تقدّم وتأخّر، والأَصل الجاري في الملاقي متأخّر عن أَحدهما، فهو متأخّر عن الأَصل الجاري في الطرف الآخر بمقتضى قياس المساواة.
إذن، لا يكون الاصل الجاري في الملاقي طرفاً للمعارضة مع الطرف الآخر؛ لأنَّه في طوله، وبعد التساقط لا يبقى العلم الاجمالي، بل يبقى شكٌّ بدويٌّ في نجاسة الملاقي، فيكون مجرى للبراءة.
لكنّنا نقول: إنَّ هذه الكبرى غير تامّة، وإنَّما تصحّ في التقدّم الزماني وفي التقدّم في الشرفي، دون التقدّم في الرتبة، فلو فرضنا أنَّ موجودين في زمان واحد كان شيئاً متأخّراً عن أحدهما زماناً، فلابدَّ أن يكون متأخّراً عن الطرف الآخر أيضاً لوحدة الزمان على الفرض، وكذلك التقدّم في الشرف، فلو فرضنا أنَّ شخصين متساويان في الشرف وفرضنا شخصاً ثالثاً أشرف من أحدهما، ــــــــــ[287]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فلابدَّ أن يكون أشرف من الآخر بالملازمة.
وأمّا في التقدّم والتأخّر الرتبي فلا أساس له، لأنَّ التقدّم والتأخّر لابدَّ وأن يكون له ملاك، فيكون ثابتاً في مورد وجوده، وأمّا ما ليس فيه ملاك فلا موجب لتقدّمه وتأخّره.
وذكرنا من أمثلة ذلك الموضّحة له: أنَّ الوجود والعدم يقاسان إلى ماهيّة واحدة، وهما في مرتبة واحدة ليس أحدهما علّة للآخر، حتّى بنحو العلّة الناقصة، وهذا هو المراد بالتساوي في الرتبة، فليس هنا شيء يقتضي تقدّم أحدهما على الآخر، فهما يضافان إلى الماهيّة على نحو واحد، ولذا يُقال: العدم البديل للوجود يعني عدله، ونفرض شيئاً ثالثاً وهو المعلول، فإنَّ وجوده لا محالة متأخّر عن وجود العلّة، لأنَّه مسبّب عنها وهي الموجدة له، ووجود المعلول وإن كان متأخّراً عن وجود العلّة، إلا أنَّه ليس متأخّراً عن عدم العلّة، الذي هو في رتبة وجودها؛ إذ لا مناسبة بين وجود المعلول وعدم العلّة، إذ ليس بينهما ملاك التقدّم والتأخّر، بل هما أجنبيّان. فمع أنَّ عدم العلّة كان في رتبة وجود العلّة المتقدّم على وجود المعلول لا يكون وجود المعلول متأخّراً عن عدم العلّة، وكذلك عدم المعلول ووجود العلّة، مع أنَّ وجود المعلول وعدمه في رتبة واحدة، ووجوده متأخّر عن وجود العلّة، إلّا أنَّ عدمه ليس متأخرّاً عنها.
إذن، لا موجب لدعوى أنَّ الأصل الجاري في الملاقي في رتبة متأخّرة عن الأصل الجاري في الطرف الآخر. نعم، هو متأخّر عن الأصل الجاري في الملاقى، وأمّا الطرف الآخر فلا.
ــــــــــ[288]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
هذا، مع ما تقدّم(1) من أنَّه لا أثر للتقدّم والتأخّر الرتبي في الأحكام الشرعيّة، وإنَّما يكون له أثر في الأمور العقليّة، والعبرة في تساقط الأُصول في الزمان لا في الرتبة، وفي المقام الزمان واحد، وقد علمنا بنجاسة الملاقي والملاقى والطرف الآخر في زمان واحد. نعم، لو كان لا يجري الأصل في الملاقي إلّا بعد تساقط الأُصول فيهما، لا لتأخّر الرتبة، بل لما نبيّنه من أنَّ الاستصحاب من الأوّل لا يشمل الشكّ السبّبيّ والمسبّبيّ معاً، فإنَّه إن كان جارياً في السبّب لا يبقى مجالاً لجريانه في المسبّب، وهو أمر آخر غير مبنيٍّ على التقدّم والتأخّر الرتبي.
وعليه فالصحيح ما ذكره صاحب الكفاية من أنَّه في هذه الموارد يكون العلم الإجمالي منجّزاً للملاقى والملاقي معاً، ويجب الاجتناب عنهما.
ونظير ذلك فيما إذا علمنا ببطلان إحدى الصلاتين، وأنَّ إحداهما باطلة في نفسها، أو باطلة لأجل بطلان أمر آخر دخيل في صحّتها كالطهور، فإذا علمنا إجمالاً ببطلان صلاة الظهر وصلاة الفجر ونحن في الليل، فإمّا أن تكون صلاة الظهر التي صليناها قبل الزوال، أو صلاة الفجر التي كان وضوءها باطلاً، ففي مثل ذلك نعلم إجمالاً ببطلان إحدى الصلاتين، ولكنّ بطلان صلاة الفجر احتماله مسبّب من احتمال البطلان في الوضوء، فالأصل الجاري في صلاة الفجر كقاعدة الفراغ في طول مثله في الوضوء، فهل يمكن هنا أن يُقال: إنَّه بما أنَّ الأصل الجاري في صلاة الفجر مسبّب عن الأصل الجاري في الوضوء، فتقع
ــــــــــ[289]ــــــــــ
(1) محاضرات في علم الأُصول 3: 146، المستند في شرح العروة الوثقى 15: 323.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
قاعدة الفراغ في الوضوء طرفاً للمعارضة مع مثلها في صلاة الظهر ويتساقطان، وتجري قاعدة الفراغ في الفجر بلا معارض، فطرف العلم الإجمالي هو الوضوء وصلاة الظهر، أو أنَّ نسبة العلم الإجمالي إلى الوضوء والصلاة على حدٍّ واحد، فنعلم إجمالاً إمّا ببطلان الوضوء وصلاة الفجر، أو بطلان صلاة الظهر؟
لا ينبغي الشكّ في تساقط الأُصول في أطراف هذا العلم، فيحكم بوجوب قضاء إحدى الصلاتين المردّدة بين الفجر والظهر، ولا أظنّ أنَّ الشيخ وشيخنا الأُستاذ يغفل عن ذلك.
إذن، فالصحيح ما ذهب إليه صاحب الكفاية من أنَّه إذا كانت الملاقاة سابقة على العلم الإجمالي، وكان زمان النجاسة على تقدير وجودها زماناً واحداً، فيجب الاجتناب عن الملاقي والملاقى والطرف الآخر.
القسم الثاني: قد يفرض الزمان متعدّد، فزمان نجاسة الملاقي على فرض نجاسة الملاقى متأخّر لتأخّر الملاقاة، إلّا أنَّ العلم متأخّر عن الملاقاة، فلو فرضنا إناءين لاقى أحدهما الآخر يوم السبت، وعلمنا يوم الأحد أنَّ أحد هذين الإناءين كان نجساً يوم الجمعة، فهذا هل يلحق بالصورة الأوّلى ولا يجب الاجتناب عن الملاقي، باعتبار أنَّه احتمال لنجاسة جديدة، أو يلحق بالصورة الثالثة، باعتبار أنَّهما طرف للعلم الإجمالي.
قد يُقال: إنَّ هذا يرجع إلى الشكّ في نجاسة جديدة، باعتبار أنَّ العلم يوم السبت قد تعلّق بنجاسة سابقة على الملاقاة، وهي نجاسة يوم الخميس، ونشكّ في حدوث نجاسة جديدة يوم الجمعة في الثوب، أو أنَّ النجاسة منحصرة بتلك
ــــــــــ[290]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
النجاسة فيما إذا كان النجس هو الطرف الآخر، فمن جهة سبق نجاسة الملاقي لا يجب الاجتناب، إلّا عن الطرفين دون الملاقي.
ولكن الصحيح: أنَّ حكم هذه الصورة والصورة السابقة وهي ما إذا كان زمان نجاسة الملاقي والملاقى واحداً، فيجب الاجتناب في هذه الصورة أيضاً عن الملاقي.
والوجه في ذلك: أنَّ التنجيز يدور مدار العلم لا مدار الوجود الواقعي، كما أنَّ جريان الأُصول يدور مدار الشكّ الفعلي، والتقدّم والتأخّر الواقعي بين نجاسة الملاقي والملاقى لا أثر له، فإنَّه قبل زمان العلم الإجمالي بالنجاسة إمّا أن يكون الإنائان وكذلك الثوب ليس شيء منها مورداً للأصل؛ لعدم الشكّ، كما لو كان المكلّف جازماً بطهارتها، أو كانت جميعها مجرى للأصل، لأنَّ المفروض عدم العلم بالنجاسة، وفي الزمان الذي فرضنا العلم بالنجاسة وهو يوم السبت نسبة الثوب والملاقى إلى العلم نسبة واحدة، فإنّ زمان انكشاف النجاسة زمان واحد، وإن كان زمان النجاسة المنكشفة متعدّد، ففي يوم السبت علم بنجاسة الثوب أو الماء الآخر كما علم بنجاسة الماء الملاقى أو الماء الآخر، والعبرة في التنجيز لا في الوجود الواقعي، فالسبق الواقعي لا أثر له، وإنَّما العبرة في الانكشاف وزمانه واحد على الفرض، فيجري الأصل في يوم السبت في الملاقي والملاقى والطرف الآخر، فتتعارض الأُصول وتتساقط، فالعبرة في جريان الأصل في زمان الشكّ وعدم جريانه في زمان الانكشاف، والمفروض أنَّ زمان الانكشاف زمان واحد، ونسبة الانكشاف عند المكلّف إلى الملاقي والملاقى نسبة واحدة.
ــــــــــ[291]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إذن، لا فرق بين التقدّم والتأخّر وبين التقارن في تنجيز العلم الإجمالي، والتقدّم والتأخّر الواقعي لا أثر له في جريان الأصل، ولا في تنجيز العلم الإجمالي، فالظاهر أنّه يجب الاجتناب عن هذه الصورة أيضاً عن الملاقي، فإنَّه طرف للعلم الإجمالي.
إذا تأخّر العلم بالملاقاة عن العلم الإجمالي، ولكنَّ الملاقاة بواقعها كانت سابقة على العلم الإجمالي، كما لو فرض إناءين لاقى أحدهما ثوباً ولم يكن يعلم المكلّف بالملاقاة، ثُمَّ علم إجمالاً بنجاسة أحد هذين الماءين، ولكن لا يعلم بالملاقاة، ثُمَّ بعد ذلك علم بالملاقاة، فنفس الملاقاة سابقة على العلم الإجمالي، وفي زمان العلم الإجمالي لم يكن إلَّا طرف واحد وهو الملاقى والطرف الآخر، وفي ذلك الحين تساقطت الأُصول في الأطراف، ثُمّ حدث علم آخر، وهو ملاقاة أحد الطرفين قبل العلم، فهل يلحق بالصورة الأولى أو الثانية، من ناحية وجوب الاجتناب عن الملاقى في هذه الصورة أو لا؟
قد يُقال بوجوب الاجتناب، باعتبار أنَّ العبرة في تنجيز العلم الإجمالي إنّما هو ببقائه لا بحدوثه، فلو فرضنا أنّا كنا نعلم إجمالاً بنجاسة إناء كبير أو إناء صغير، ثُمَّ تبدّل علمنا هذا إلى العلم بأنّ تلك النجاسة المعلومة وقعت في الإناء الكبير أو الإناءين الصغيرين، فيكون المنجّز هو العلم الثاني دون الأوّل، فإنَّ العبرة بتنجيز العلم بقاءً لا حدوثاً، وقلنا: إنَّ العلم كما يعتبر أن يكون منجّزاً حدوثاً، كذلك يعتبر أن يكون منجّزاً بقاءً، حتّى في العلم التفصيلي، وفي المقام
ــــــــــ[292]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
تبدّل طرف العلم الإجمالي، فقد كان طرفاه هو الماءين، وبعد العلم بالملاقاة تبدّل طرفه إلى العلم بنجاسة الملاقي، أو الطرف قبل العلم الإجمالي، فيكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً، ويجب الاجتناب عن الملاقي.
ولكنَّ الصحيح أنَّه لا يجب الاجتناب في هذه الصورة أيضاً، فإنَّ هذا ليس من تبدّل العلم بالعلم، بل من ضمّ علم إلى علم، فالعلم الأوّل موجود وانضمّ إليه علم ثاني، والأثر للعلم الأوّل، ولا أثر للعلم الثاني.
بيان ذلك: أنَّه في مسألة تبدّل العلم بالعلم الثاني، كما لو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الثوبين، ثمَّ علمنا أنَّ أحد الطرفين لم يلاقِ نجاسة جزماً، فزال العلم الإجمالي؛ لأنَّه متقوّم باحتمال الانطباق على أحد الأطراف، فإذا زال احتمال الانطباق يزول العلم طبعاً، ولكن وجد علم آخر غير ذلك العلم، وهو العلم بنجاسة الطرف الآخر أو الإناء الثاني، فهذا من تبدّل علم بعلم، فيسقط الأوّل عن التنجيز لارتفاع موضوعه، ويكون الثاني منجّزاً لتساقط الأُصول في الواقع.
وأمّا في المقام فالعلم باقٍ؛ إذ علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين، وهذا العلم موجود بحاله بعد العلم بالملاقاة، غاية الأمر: أنَّه حدث علم ثاني، وهو إمّا الملاقي أو الطرف النجس؛ لأنَّ النجس إن كان هو الملاقى فملاقيه نجس، وإن لم يكن نجساً فالطرف الآخر نجس، وهذا العلم الثاني لا أثر له على ما تقدَّم؛ لأنَّ طرفه قد تنجّز بمنجّز سابق هو العلم الإجمالي الأوّل، ومع تنجّز طرفه كذلك لا يكون العلم الثاني علماً بالتكليف، بل هو شكّ له صورة العلم،
ــــــــــ[293]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وواقعه العلم بنجاسة واحدة موجودة في أحد الماءين جزماً، والشكّ في وجود نجاسة أخرى، فالنجاسة الثانية محتملة وغير معلومة.
فحال هذه الصورة حال الصورة الأولى، فلا يجب الاجتناب عن الملاقي، للشكّ في التكليف بالنسبة إليه، فيرجع فيه إلى الأُصول بلا معارض.
والمثال الذي ذكره القائل، وهو: ما إذا علمنا بنجاسة إناء كبير وإناء صغير، ثمَّ علمنا أنَّ النجاسة السابقة المعلومة وقعت إمّا في الكبير أو في صغيرين، فهذا أيضاً ليس من تبدّل العلم بعلم، بل من ضمّ علم إلى علم، فإنَّه إلى زمان العلم الثاني كنا نعلم بنجاسة الإناء الصغير والطرف الآخر، ثمَّ انضمّ إلى هذا العلم علم آخر، وهو نجاسة الصغير الآخر أو الكبير، وحيث إنَّ نجاسة الكبير على تقدير ثبوتها قد تنجّزت، فلا يجري الأصل فيه من جهة العلم الأوّل، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل في الإناء الصغير الثاني، وإن كانت صورة العلم الإجمالي موجودة؛ إذ يصحّ أن يُقال: إمّا هذا الإناء نجس، أو الإناء الكبير، ولكنّه ليس علماً بتكليف جديد؛ إذ من المحتمل أنَّ النجاسة واحدة واقعة في الكبير.
وملخص الكلام: أنَّ العبرة في تعارض الأُصول إنّما هو بالانكشاف والعلم، لا بالثبوت الواقعي، فلو انكشف الواقع وتنجّز كان الأمر دائراً بين الملاقي والطرف الآخر، ثمَّ بعد ذلك حصلت الملاقاة أو حصل العلم بها، فبما أنَّ العلم الأوّل قد تنجّز طرفه، فلا يكون هذا علماً بتكليف جديد، بل احتماله فيكون مجرى للأصل.
ــــــــــ[294]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إلّا أنَّ صاحب الكفاية(1) ذكر صورة يجب فيها الاجتناب عن الملاقي دون الملاقى، فإنَّه قد يجب الاجتناب عن الملاقي والملاقى معاً، وقد يجب الاجتناب عن الملاقى دون الملاقي، وقد يجب الاجتناب عن الملاقي دون الملاقى، وذكر لذلك موردين:
المورد الأوّل: ما إذا علمنا بنجاسة أحد شيئين -كماءين- وكان أحدهما خارج عن محلّ الابتلاء وعن حيّز القدرة، ولكنَّ ملاقيه كان داخلاً في محلّ الابتلاء، فهنا نعلم بنجاسة الثوب الملاقي أو الطرف الآخر، ولا يمكن جريان الأصل في الملاقى ليسقط الأصل فيه بالمعارضة مع الطرف الآخر، فإنَّه لا يمكن جريان الأصل فيه بنفسه؛ لأنَّ أصالة الطهارة أصل عملي يحتاج إلى نتيجة عمليّة، ويتمكّن المكلّف من ترتيب الأثر عليه، فلا يكون الأصل جارياً في الملاقى الخارج عن محلّ الابتلاء، فيجري الأصل في الطرف الآخر، ولكنّه يكون معارضاً بمثله الجاري في الملاقي، لأنَّ جريانه فيهما معاً مخالف للعلم الوجداني، ومستلزم للمخالفة القطعيّة، فيسقط الأصلان في الملاقي والطرف الآخر، وأمّا ذاك الخارج عن محلّ الابتلاء فلا يجري فيه الأصل.
فلو فرضنا أنَّه بعد ذلك دخل الملاقى في محلّ الابتلاء، وكان التصرّف فيه مقدوراً، فلا يجب الاجتناب عنه، ويجري فيه الأصل بلا معارض، فإنَّ الأصل في الطرف الآخر قد سقط قبل ذلك بالمعارضة مع الأصل الجاري في الملاقي، فيكون حال الملاقى في هذه الصورة عين حال الملاقي في الصورة الأولى، وهي
ــــــــــ[295]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 363.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
صورة تأخّر الملاقي عن العلم الإجمالي، فكما هناك لم يجب الاجتناب عن الملاقي؛ لأنَّه احتمال للتكليف الجديد وليس علماً به، كذلك الملاقى إذا دخل في محلّ الابتلاء، فنحتمل وجود التكليف، ولا علم لنا فيه لا تفصيلاً ولا إجمالاً. أمّا تفصيلاً فواضح، وأمّا إجمالاً فلسقوط الأصل في الطرف الآخر.
ولكن ذكرنا في الدورة السابقة(1) أنَّ هذا لا يمكن المساعدة عليه، بل الظاهر عدم وجوب الاجتناب في هذه الصورة ولزوم الاجتناب عن الملاقى.
والوجه في ذلك: أنَّ جريان الأصل في ما هو الخارج عن محلّ الابتلاء إنّما لا يجري فيه الأصل فيما إذا كان لغواً، ولم يترتّب عليه أثر عملي، وأمّا إذا كان له أثر عملي فلا مانع من جريان الأصل فيه، بل فيما إذا كان معدوماً أيضاً إذا كان له أثر عملي، كما إذا فرضنا أنَّ شيئاً لاقى شيئاً آخر، وخرج الملاقى عن محلّ الابتلاء، أو انعدم واحتملنا في الملاقى أنَّه كان نجساً، أو كان مسبوقاً بالطهارة، فلا مانع من جريان الأصل، أصالة الطهارة أو الاستصحاب في الملاقى لأجل البناء على طهارة الملاقي، وأنَّ الملاقاة لم توجب نجاسته، وكذلك لو فرض أنَّ ثوباً كان متنجساً فغسلناه بماء، ثُمَّ انعدم الماء أو خرج عن محلّ الابتلاء، ثُمَّ شكّكنا أنَّ الماء طاهر أو نجس، فنشكّ في أنَّ الثوب طهر أم لا؟ فهنا لا مانع من جريان الأصل في الماء لنحكم بطهارة الثوب المغسول به، ونحوه ما إذا كان الأصل الجاري في الملاقى مقتضياً للنجاسة، فإنَّ استصحاب النجاسة يجري فيه؛ لأجل الحكم بنجاسة ملاقيه.
ــــــــــ[296]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 419، 420.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وملخص الكلام: أنَّ الخروج عن محلّ الابتلاء أو عن حيّز القدرة لا يمنع عن جريان الأصل فيه فيما كان له أثر فعليٌّ، وإنَّما يمنع عنه فيما لا يترتّب عليه أثر فعلي، وعليه ففي المثال المتقدّم كيف لا يمكن جريان أصالة الطهارة في الملاقى، فإنَّه لو لم يكن له معارض لكان مجرى للأصل، وبه نحكم بطهارة الملاقي؛ لأنَّ الشكّ فيه مسبّبٌ عن الشكّ في الماء، فالأصل في نفسه جار فيه، ولكنّه معارض بالأصل الجاري في الطرف الآخر، فيسقطان بالتعارض وتصل النوبة إلى الأصل الجاري في الملاقى، لأنَّه احتمال للنجاسة الجديدة وليس علماً بها.
فالظاهر أنَّه يجب الاجتناب عن الملاقى إذا دخل في محلّ الابتلاء، لا بتنجّز جديد، بل بالتنجز السابق، فهذه الصورة ملحقة بالصورة الأولى، وهي كون الملاقاة بعد العلم الإجمالي.
نعم، لو فرضنا أنَّ العلم الإجمالي كان بعد الملاقاة، كما لو علمنا بعد الملاقاة بنجاسة الملاقي، وكان الملاقى خارجاً عن محلّ الابتلاء حال العلم الإجمالي، فهنا نقول: يجب الاجتناب عن الملاقي والملاقى معاً، لأنَّ نسبة العلم الإجمالي إليهما على حدٍّ سواء، وكلاهما طرف له، فإنَّه مردّد بين طرفين وطرف واحد. وهذه الصورة هي مفروض كلامه.
المورد الثاني: وذكر فيه ما حاصله(1): أنّنا إذا علمنا إجمالاً بنجاسة الملاقي، يعني: ذاتي الملاقي لا بصفته ملاقي، ونجاسة شيء آخر، فمقتضى هذا العلم الإجمالي وجوب الاجتناب عنهما معاً، لقبح الترجيح بلا مرجّح، واستلزام
ــــــــــ[297]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 363.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
جريان الأصل للمخالفة القطعيّة، فأصالة الطهارة قد سقطت فيهما، ثمَّ بعد ذلك تبدّل هذا العلم بعلم آخر، وعلمنا أنَّ الماء -الملاقى- أو الطرف الآخر كان نجساً قبل الملاقاة.
مثلاً: علمنا يوم الجمعة أنَّ أحد الأمرين: الثوب أو الماء كان نجساً، ثُمَّ علمنا يوم السبت أنَّ الماء أو الماء الآخر -الملاقى- كان نجساً يوم الخميس، فالعلم الأوّل أوجب لزوم الاجتناب عن الثوب أو الطرف الآخر، ومعه لا يكون للعلم الثاني أثر، فإنَّه شكّ في نجاسة الماء زائداً على النجاسة المعلومة أوّلاً، وإن لم يكن لنجاسة الثوب منشأ غير ملاقاة الماء، إلّا أنَّ النجاسة المعلومة المردّدة بين الثوب والماء، بما أنَّها تنجّزت بالعلم الإجمالي يوم الجمعة، فالعلم يوم السبت بأنَّ أحد الماءين كان نجساً يوم الخميس لا يوجب لزوم الاجتناب عن الملاقي، فإنَّه شكّ في نجس آخر زائد على المعلوم بالإجمال، ولا مانع من جريان أصالة الطهارة في طرف الماء. كذا ذكر.
والظاهر أنَّ ما ذكره هو الصحيح، وأنَّ حكم الملاقى في هذه الصورة حكم الملاقي في الصورة الأولى، فإنه شكّ في نجاسة زائدة على النجاسة الأولى، فإنَّنا ذكرنا أنَّ العبرة في تنجيز العلم الإجمالي هو وجود العلم حدوثاً وبقاءً، والعبرة في جريان الأُصول هو الشكّ لا الوجود الواقعي، وبما أنَّ العلم الأوّل قد تنجّز بالنجاسة المعلومة، وإن كانت نجاسة الثوب ناشئة من نجاسة الماء، ونجاسة الماء الملاقى لم يكن معلوم النجاسة إجمالاً ولا تفصيلاً، سواء كان مجرى للأصل -لو كان مشكوكاً- أو لم يكن -لو كان مغفولاً عنه-.
ــــــــــ[298]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وأمّا العلم الثاني في يوم السبت الذي علمنا فيه بنجاسته يوم الخميس الذي كان عبارة عن نجاسة الملاقى أو الطرف الآخر، فهو لا يوجب تنجيز المعلوم بالإجمال، فإنَّ أحد طرفيه كان قد تنجّز بالعلم الإجمالي الأوّل، ولا معنى لدعوى تنجيز العلم الثاني للنجاسة الواقعيّة المردّدة بين الطرفين، فإنَّ المفروض أنَّ نجاسة الماء الآخر على تقدير وجودها بالعلم الأوّل دون الثاني. إذن، فالعلم الثاني وإن كان صحيحاً، إلّا أنَّه لا يوجب التنجيز، فإنَّه صورة علم، وواقعه هو الشكّ في نجاسة هذا الماء من يوم الخميس، ولا مانع من الرجوع إلى أصالة الطهارة فيه لعدم الابتلاء بالمعارض، فحكم الملاقى في هذه الصورة بعينه هو حكم الملاقي في الصورة الأولى.
وبالجملة: العبرة في تنجيز العلم الإجمالي بتساقط الأصول، وإلّا فالعلم وإن كان موجوداً، ولكن ليس في المقام تعارض، فإنَّ أحد الطرفين كان طرفاً لعلم إجمالي سابق، فدعوى أنَّ العلم الأوّل قد زال وتبدّل إلى علم آخر، والعبرة في التنجيز هو العلم حدوثاً وبقاءً، مردودة، بأنَّ العلم الأوّل بعد باق ولم يزل، فإنَّنا لا زلنا نعلم بنجاسة الثوب أو الطرف الآخر، ولكن أضيف إليه علم آخر بنجاسة أحد الماءين، وضمّه إليه معناه نجاسة الملاقي والملاقى معاً أو الطرف الآخر، ولكن بالنسبة إلى العلم الأوّل كانت الأُصول قد سقطت في أطرافه، فلا يكون بالنسبة إلى الطرف الآخر علماً بتكليف جديد؛ إذ لعلّ النجاسة موجودة في الطرف الآخر. إذن، فما ذكره صاحب الكفاية هو الصحيح.
فالمتحصّل مّما ذكرناه: أنَّ ملاقي طرف الشبهة في العلم الإجمالي على ثلاثة ــــــــــ[299]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أقسام: فقد يجب الاجتناب عن الملاقى دون الملاقي، وذلك: إذا كانت الملاقاة بعد العلم الإجمالي. وقد يجب العكس، كما في هذه الصورة. وقد يجب الاجتناب عنهما معاً كما إذا علمنا بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر فتكون نسبة العلم الإجمالي إلى تمام الأطراف واحدة. هذا تمام كلامنا في ملاقي بعض أطراف العلم الإجمالي.
ــــــــــ[300]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين
ــــــــــ[301]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ــــــــــ[303]ــــــــــ
() ألقى السيّد في هذه الليلة محاضرة، لم أوفق إلى حضورها مع أشدّ الأسف، وسوف نشير إلى بعض مضمونها في المحاضرة الآتية، مستفيداً من (الدراسات). (منه).
(2) جاء في الدراسات 3: 421، 422 ما نصّه: والبحث في هذا انما هو بعد الفراغ عن كون المرجع عند الشك في التكليف هو البراءة، وعند الشك في المكلف به هو قاعدة الاشتغال. ومنشأ النزاع انما هو ان الشك في الأقل والأكثر بعد فرض كون الواجب ارتباطيا هل هو ملحق بالشك في التكليف، أو انه ملحق بالشك في المكلف به؟ والكلام في المقام يقع في موردين.
الأوّل: في الاجزاء الخارجية.
الثاني: في الاجزاء التحليلية كدوران الواجب بين المطلق والمقيد.
دوران الأمر بين الأقل والأكثر في الاجزاء الخارجية:
اما المورد الأوّل: فيقع الكلام فيه تارة في جريان البراءة العقلية، وأخرى في جريان البراءة الشرعية.
[الجهة الأولى: في جريان البراءة العقلية]
أمّا الكلام من الجهة الأولى: فالتحقيق هو جريان البراءة بحكم العقل بقبح العقاب في غير المقدار المتيقن، لا لما أفاده الشيخ رحمه اللّه من ان وجوب الأقل المردد بين النفسيّ والغيري معلوم، واما وجوب الأكثر فهو غير محرز، فيجري فيه الأصل، فانه مبني على القول باتصاف الاجزاء بالوجوب الغيري، وكون العلم بالوجوب الجامع بين النفسيّ والغيري موجبا لانحلال العلم بالوجوب النفسيّ، وكلا الأمرين خلاف التحقيق.
اما الأول: فلما بيناه في بحث وجوب المقدمة من استحالة اتصاف الاجزاء بالوجوب الغيري، والشيخ رحمه اللّه لم يلتزم بذلك أيضا.
وأمّا الثاني: فلان المعلوم بالإجمال إذا كان خصوص الوجوب النفسيّ فالترديد بين كون متعلقه الأقل أو الأكثر لا يرتفع بالعلم بوجوب جامع بينه وبين الوجوب الغيري، ضرورة انه يعتبر في الانحلال أن يكون المعلوم بالتفصيل من سنخ المعلوم بالإجمال، ومع عدمه كان العلم الأول باقيا على حاله كما هو ظاهر.
بل لأن التكليف بالمركب ينحل بنفسه إلى التكليف بكل جزء منه، فيكون لكل جزء حصة من التكليف مغايرة لحصة أخرى منه المتعلقة بالجزء الآخر، فإذا دار أمر التكليف بين تعلقه بالأقل أو الأكثر فتعلقه بالأقل معلوم، وتعلقه بالزائد مشكوك فيه، ولم تقم عليه حجة من الشارع، فالعقاب على تركه بلا بيان. وبعبارة أخرى: ترك الواجب إذا استند إلى ترك الاجزاء المعلومة فالعقاب عليه عقاب بعد تمامية الحجة. واما تركه المستند إلى ترك الاجزاء المشكوكة فالعقاب عليه عقاب بلا بيان، لعدم قيام الحجة على جزئيتها على الفرض.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
قال الشيخ الأعظم(1): أنَّ وجوب الأقلّ المردّد بين النّفسي والغيري معلوم، وأمّا وجوب الأكثر فهو غير معلوم، فيجري فيه الأصل.
إلّا أنَّ هذا لا يتمّ، لوجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ هذا مبنيٌّ على القول باتّصاف الأجزاء بالوجوب
ــــــــــ[304]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 316، 317.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الغيري، وكون العلم بالوجوب الجامع بين النّفسي والغيري موجباً لانحلال العلم بالوجوب النفسي. وكلا الأمرين خلاف التحقيق.
أمّا الأوّل فلما بيّناه في بحث وجوب المقدّمة(1) من استحالة اتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري. والشيخ لم يلتزم بذلك أيضاً.
وأمّا الثاني فلأنَّ المعلوم بالإجمال إذا كان خصوص الوجوب النّفسي فالترديد بين كون متعلّقه الأقلّ أو الأكثر لا يرتفع بالعلم بوجود جامع بينه وبين الوجوب الغيري، ضرورة أنَّه يعتبر في الانحلال أن يكون المعلوم بالتفصيل من سنخ المعلوم بالإجمال، ومع عدمه كان العلم الأوّل باقياً على حاله، كما هو ظاهر.
الوجه الثاني: إنّا نعلم إجمالاً بوجوب الأقلّ الجامع بين اللابشرط و الـ(بشرط شيء)، يعني: نعلم بطبيعي الوجوب بلا خصوصيّة الإطلاق والتقيّيد في متعلّقه، وهذا معلوم لنا بالوجدان، ونشكّ في كلتا الخصوصيّتين، لكن الإطلاق في متعلّقه لا يوجب ضيقاً على المكلّف، ليكون مجرى للبراءة العقليّة، فإنَّ الإطلاق لا يوجب العقاب، وأمّا الطرف الآخر وهو التقيّيد، تقيّيد المأمور به بالجزء العاشر، فبما أنَّ هذه الجهة مجهولة، ولم يتمّ عليها البيان، فتجري البراءة العقليّة عنها، فينحلّ العلم الإجمالي. وهذا هو الصحيح. ولكن أورد على ذلك بوجوه عديدة:
ــــــــــ[305]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم أُصول الفقه 1: 359.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ذكر صاحب الكفاية(1) استحالة الانحلال العقلي، وأنَّ هذا العلم الإجمالي غير قابل للانحلال إلى وجوب المتيقّن، وهو الأقلّ مع الشكّ في الزائد، فإنَّ الانحلال مستلزم للخلف، بمعنى: أنَّ ما فرضناه موجوداً غير موجود، ومستلزم استلزام وجود الشيء(2) لعدمه، وكلاهما محال، فالانحلال محال.
وقد ذكر في وجه ذلك: أنَّ العلم بوجوب الأقلّ على كلّ تقدير الذي هو منشأ القول بالانحلال، معناه: أنَّه على كلا التقديرين، فسواء كان متعلّق الوجوب هو الأقلّ أو هو الأكثر، فإنَّ التكليف منجّز على الإطلاق وعلى كلا التقديرين، ليقال: أنّا نعلم بالأقلّ على كلّ تقدير، فإذا فرضنا أنَّ التكليف غير منجّز إذا كان متعلّقاً بالأكثر، فهذا هو معنى الخلف، وأنَّ ما فرضناه منجّزاً لم يكن منجّزاً، فإنَّنا فرضنا أنَّ المعلوم الإجمالي منجّز على كلّ تقدير، وإلا فوجوب الأقلّ بحدّه محتمل وغير معلوم، وإنَّما المدّعى هو العلم بوجوب الأقلّ على كلّ تقدير، وهو يتوقّف على أن يكون التكليف منجّزاً سواء كان متعلّقاً بالأقلّ أو الأكثر، فلو فرضنا كون العلم الإجمالي منحلّاً وغير منجّز للتكليف بالأكثر، فهذا خلاف المفروض.
ــــــــــ[306]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأُصول: 364.
(2) وهو: الانحلال. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وكذلك يلزم من الانحلال عدمه -والتقريب يختلف، وإلّا هما مبنيّان على أمر واحد- فإذا فرضنا أنَّ العلم بالأقلّ يتوقّف على تنجّز التكليف مطلقاً، ومع ذلك التزمنا بالانحلال، فلازمه أنَّ التكليف بالأكثر غير منجّز، فإذا لم يكن منجّزاً لم يكن لنا علم بوجوب الأقلّ على كلّ تقدير.
إذن، فليس لنا انحلال، فوجوب الانحلال مستلزم لعدمه، وهذا مستحيل. هذا ما ذكره صاحب الكفاية.
ومنشأ فساد ما ذكره صاحب الكفاية أمر واحد، وهو ما جعله مقدّمة في كلامه، وهو: أنَّ العلم بوجوب الأقلّ على كلّ تقدير يتوقّف على تنجّز التكليف، حتّى لو كان متعلّقاً بالأكثر، وهذا واضح الفساد، فإنَّ العلم بالتكليف المتعلّق بالأقلّ على نحو الإطلاق أو التقيّيد لازم للعلم بوجوب الأقلّ على نحو الإهمال، وهذا علم وجداني لا يتوقّف على كون الأكثر بحدّه منجّزاً، وهو باقٍ حتّى مع الرجوع إلى البراءة فيه؛ إذ معناه: أنَّ الأقلّ بطبيعته الجامعة المهملة معلوم لنا بالتفصيل أنَّه متعلّق للأمر من قبل المولى، ولكن لا نعلم إن كان على نحو الإطلاق أو التقيّيد، فليس العلم بوجوب الأقلّ متوقّف على تنجّز التكليف على الإطلاق، سواء كان متعلّقاً بالأقلّ أو الأكثر، فمن أين هذا التوقّف؟ ولكن بما أنَّ الإطلاق لا معنى لأن يكون مورداً للبراءة فيرجع إلى البراءة في طرف التقيّيد من دون أن يستلزم عدمه أو الخلف، فإنَّ معنى الانحلال على ما ذكرناه عدم تعارض الأصول، فإذا لم يكن الإطلاق مجرى للأصل كان التقيّيد مجرى له بلا معارض.
ــــــــــ[307]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
حاصله: أنَّ الشكّ يرجع إلى الشكّ في الامتثال لا إلى الشكّ في التكليف، مّما يعني: أنّ هنا جهتين: فمن جهة يكون الشكّ شكّاً في التكليف ويكون مورداً للبراءة، ومن جهة أخرى يكون الشكّ شكّاً في مرحلة الامتثال، فمن الجهة الثانية لابدَّ من الرجوع إلى أصالة الاشتغال، وما فيه مقتضى -يعني: الاحتياط- لا يعارض ما ليس فيه اقتضاء، والنتيجة: أنَّه لابدَّ من الاحتياط.
وبعبارة ثانية: هنا جهتان:
الجهة الأوّلى: جهة الشكّ في التكليف، وأنَّه تعلّق بالزائد عن المتيقّن، أو لم يتعلّق، فيقال إنَّه لم يتم عليه البيان، فيكون العقاب عليه قبيحاً، وهذه الجهة لا تقتضي الاحتياط.
الجهة الثانية: أنَّ المفروض في المقام أنَّ الواجب ارتباطي، وأنَّ الأجزاء المتيقّنة والجزء المشكوك متلازمان ثبوتاً وسقوطاً، على تقدير وجوب الزائد، فإنَّ جميع أجزاء الواجب الارتباطي واجبة بوجوب ارتباطي واحد ثابت بملاك واحد وطلب واحد، فإذا كان الأمر باقيّاً فهو متعلّق بالجميع، وإذا كان ساقطاً فهو متعلّق بالجميع ولا يمكن أن يكون سقوطه بالنسبة إلى البعض،
ــــــــــ[308]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 364.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
يعني: الأجزاء المتيقّنة التسعة، وبقاؤه بالنسبة إلى البعض الآخر وهو الجزء المشكوك، فإنَّ المطلوب في الواجب الارتباطي هو الـ(بشرط شيء) لا الطبيعي المطلق، فإذا أتينا بالأقلّ، ولم نأتِ بالأكثر، فالبراءة وإن كانت جاريّة في الزائد، ولكنّها غير جارية في الأقلّ، لأنَّه متيقّن الوجوب، ونحن نشكّ في سقوط هذا الأمر المتيقّن؛ إذ لو كان المأمور به هو الزائد فالأمر المتعلّق بالأقلّ أيضاً لم يسقط، ومع الشكّ في سقوط الأمر المتعلّق بالأقلّ، فيرجع الشكّ إلى مرحلة السقوط، فلابدَّ من الحكم بالاحتياط والرجوع إلى قاعدة الاشتغال، فإذا صلينا بلا سورة، نشكّ في أنَّ الأمر بالتكبيرة سقط أو لم يسقط، وبما أنَّ الواجب ارتباطي فالرجوع إلى البراءة في طرف السورة مقتضاه عدم العقاب عليها، وأمّا عدم العقاب من ناحية التكبيرة فلا، فإنَّها قطعاً واجبة، ونشكّ في سقوطها، فرجع الشكّ إلى مرحلة السقوط فيكون مجرى لأصالة الاشتغال.
كما هو الحال في دوران الأمر بين المتباينين، فيما لو علمنا بوجوب القصر أو التمام وأتينا بأحدهما، فنشكّ في سقوط التكليف الجامع الذي كان معلوماً، فيجب الاحتياط والإتيان بالطرف الآخر، وفي المقام أيضاً الأمر المتعلّق بالجامع بين المطلق والمقيّد نشكّ في سقوطه؛ إذ لو كان الأمر متعلّقاً بالأقلّ المقيّد بالسورة لم يسقط شيء أبداً، فنشكّ في سقوط الأمر المعلوم وجداناً، فلابدَّ من الرجوع إلى أصالة الاشتغال من هذه الجهة، وإن كانت الجهة الأولى تقتضي الرجوع إلى البراءة.
والحاصل: أنَّ صاحب الشبهة يسلّم بجريان البراءة عن الأكثر، ولكن هذا
ــــــــــ[309]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
لا أثر له، لأنَّه لا يثبت تعلّق التكليف بالأقلّ فقط، أي: تعلّقه بالأقلّ اللابشرط القسمي، وهو: المطلق، والمقدار المعلوم هو تعلّق التكليف به على نحو الماهيّة المهملة الجامعة بين الـ(بشرط شيء) أو اللابشرط، وهذا التكليف مشكوك السقوط، فيكون مجرى لأصالة الاشتغال.
وظاهر الشبهة متين، ولكن لنا مطالبته بالدليل، فإنَّه لا شكّ أن الشكّ في المقام شكّ في السقوط، لأنَّ الواجب ارتباطي، وعلى تقدير أنَّ الواجب هو الأقلّ بشرط شيء، فإنَّ التكليف لم يسقط، إلّا أنَّنا نطالب بالدليل على هذه الدعوى، وهي: أنَّ الشكّ في السقوط والامتثال مورد لأصالة الاشتغال مطلقاً، فإنَّ المسألة فيها تفصيل: فإنّ الشكّ في السقوط تارةً يكون من ناحية المكلّف بعد تماميّة البيان من قبل المولى، وهو: ما إذا كان المكلّف يشكّ في الإتيان بالمأمور به، فالشكّ راجع إلى السقوط من ناحية فعل المكلّف، لا من ناحية المولى، فهذا هو مورد أصالة الاشتغال، فإنَّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، ولا أقلّ من الاستصحاب وأصالة عدم الإتيان بالمأمور به.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الشكّ في السقوط منشؤه فعل المولى وعدم تماميّة البيان من قبله، فإنّ الشكّ في السقوط من عدم إحراز تكليف المولى، وأنَّه متعلّق بالأقلّ لا بشرط أو بشرط شيء، فالبيان لم يتمّ، وحينئذٍ فأيّ دليل على جريان قاعدة الاشتغال؟ ونحن قد أتينا قطعاً بالطبيعة المهملة الجامعة بين المطلق والمقيّد، فاللابشرط المقسمي أتينا به، وهو المقدار المتيقّن، ولكن نشكّ في
ــــــــــ[310]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
سقوط التكليف؛ لاحتمال أن تكون هذه الطبيعة مأخوذة بشرط شيء، ومعه لم يحصل الامتثال، ولكن منشأ الشكّ ليس هو فعل المكلّف، بل منشؤه هو الشكّ في أمر المولى، فما هو المانع من الرجوع إلى البراءة لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، وإن كان الشكّ شكاً في السقوط؟
وأمّا في المتباينين فلا تجري البراءة بالرغم من أنَّ الشكّ في السقوط منشؤه فعل المولى، إلّا أنَّ عدم الرجوع إلى البراءة في ذلك المورد من ناحية المعارضة، فإنَّ أَصالة البراءة عن صلاة الجمعة تعارض مثلها في صلاة الظهر، فهي لا تجري وإن كان الشكّ من ناحية أمر المولى، وهذا بخلاف المقام، فإنّ الأصل غير معارض، فإنَّ أصالة البراءة عن التكليف الزائد جارٍ بلا معارض، وقد ذكرنا(1): أنَّ أساس تنجيز العلم الإجمالي هو معارضة الأصول، وأمّا لو لم تتعارض فإنَّه يجري الأصل وينحلّ العلم الإجمالي.
ونتيجة ما ذكرناه: أنَّ الأقلّ والأكثر الارتباطيّين وإن كان بين الأجزاء ملازمة واقعاً سقوطاً وثبوتاً، إلّا أنَّه ليس فيها تلازم تنجّزاً، فيمكن أن يكون التكليف بالإضافة إلى متنجّز، وبالنسبة إلى بعض آخر غير متنجّز.
ــــــــــ[311]ــــــــــ
(1) تقدّم منه كثيراً.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وحاصله: أنَّ انحلال العلم الإجمالي في المقام غير معقول، وذلك: أنَّ وجوب الأقلّ معلوم، ووجوب الزائد غير معلوم فتجري فيه البراءة، فإن أريد أنَّ الأقلّ على نحو اللابشرط القسمي وهو الإطلاق فوجوبه معلوم، والزائد غير معلوم، فهو وإن كان يوجب الانحلال، إلّا أنَّ الصغرى ممنوعة، فإنَّ الإطلاق غير محرز، بل هو طرف الاحتمال، فإنَّه كما يحتمل الإطلاق يحتمل التقيّيد، وإن أريد العلم بوجوب الأقلّ بنحو لا بشرط المقسمي الجامع بين الإطلاق والتقيّيد، فهذا مقوّم للعلم الإجمالي، وهو معنى العلم الإجمالي، فكيف يوجب الانحلال؟ وإلّا لزم أن يكون العلم الإجمالي منحلّاً بنفسه، وهو غير معقول، فإنَّ الانحلال إنّما يكون بارتفاع الترديد، وانحلال القضيّة الشرطيّة المانعة الخلو إلى قضيّتين حمليّتين متيقّنة ومشكوكة، وأمّا إذا بقيت القضيّة المانعة الخلو على حالها ويحكم بانحلالها، فمعناه: أنَّه يوجب انحلالها بنفسها، وهو غير معقول، فما يوجب الانحلال غير متحقّق، وما هو متحقّق لا يوجب الانحلال.
ــــــــــ[312]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 288، 289.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أنَّ هذا صحيح وتامٌّ على تقدير أن يراد بالانحلال الانحلال الحقيقي، فتنحلّ القضيّة الشرطيّة إلى قضيّة متيقّنة وقضيّة مشكوك فيها، كما في موارد دوران الأمر بين الأَقلّ والأكثر الاستقلاليّين، ولا يجري ذلك في الأَقلّ والأكثر الارتباطيّين؛ إذ لم يعلم أنَّ الأقلّ على نحو اللابشرط القسمي، أو بنحو الـ(بشرط شيء).
إلَّا أنّ الانحلال الذي ندّعيه ليس حقيقيّاً، بل هو حكمي، فإنَّا ذكرنا: أنَّ تنجز العلم الاجمالي يتوقّف على تعارض الأُصول في أطرافه، فما لم يكن معارضة لا يكون العلم الاجمالي منجّزاً، بل يجري الأَصل بلا معارض، وفي المقام كذلك، فإنَّ طرفي العلم الاجمالي هما الاطلاق والتقيّيد، والإطلاق لا يمكن جريان الأصل فيه، فإنَّه يعني السعة وليس فيه عقاب، وإنَّما احتمال العقاب ثابت من احتمال التقيّيد والتضيّيق، وبما أنَّ التقيّيد كلفة زائدة، ولم يقم عليها بيان من قبل المولى فتجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان بلا معارض، فهذا بحكم الانحلال.
وبعبارة أُخرى: أنَّنا لا نقول: أنَّ المتيقّن هو اللابشرط القسمي، حتّى يُقال: إنَّه محتمل لا متيقّن، أو إنَّ العلم بوجوب الأقلّ بنحو اللابشرط المقسمي يوجب الانحلال، بل نقول: إذا كان المتيقّن هو الطبيعي اللابشرط المقسمي فطرفاه هو الإطلاق والتقيّيد، فتجري البراءة في التقيّيد دون الإطلاق كما سبق. وبذلك يظهر أنَّ الرجوع إلى البراءة العقليّة لا مانع منه.
ــــــــــ[313]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وحاصله: أنَّ الأَحكام عند العدليّة تابعة للمصالح والمفاسد، فإذا علمنا بوجوب شيء وكان مردّداً بين الأقلّ والأكثر فقد علمنا بوجود مصلحة في هذا الفعل دعت المولى إلى الأمر به وجوباً، ففي الفعل مصلحة إلزاميّة لابدَّ من تحصيلها في الخارج، فإذا أتينا بالأكثر علمنا بترتّب المصلحة عليه من الخارج، وأمّا إذا أَتينا بالأَقلّ دون الأكثر ونقصنا من العمل ما يحتمل جزئيّته أو شرطيّته، فلا علم لنا بتحقّق المصلحة في الخارج، إذ لعلّه جزء في الواقع، ومعه لا تتحقّق المصلحة. إذن، يحكم العقل بوجوب الاحتياط والإتيان بالأكثر تحصيلاً للمصلحة المعلومة تفصيلاً.
الجواب الأوّل: أنَّها مبنيّة على القول بتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد، ومسألتنا هذه مسألة غير مبتنيّة على تلك المسألة، فلنبحث على مسلك الأَشعري الذي لا يلتزم بتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد في المأمور به، ولا يمكن الاستدلال على الاشتغال وعدم جريان البراءة بأمر يختصّ به جماعة دون جماعة.
ــــــــــ[314]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 364.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الجواب الثاني: أنَّ تحصيل المصلحة جزماً في المقام غير ممكن، فوجوبه ساقط للتعذّر، فلا يبقى إلّا مسألة الفرار من العقاب المترتّب على مخالفة أمر المولى، ومعلوم أنَّ ترك الأقلّ يوجب العقاب لا محالة، وأمّا ترك الزائد فلم يعلم أنَّه يوجب العقاب، فيكون العقاب عليه عقاباً بلا بيان.
وذكر في وجه عدم الامكان: بأنَّ الإتيان بالزائد وما يحتمل كونه جزءاً إن كان بقصد الوجوب والجزئيّة فهو تشريع محرم، وإِدخال ما لا يعلم أنَّه من الدين في الدين، فلا يكون محصّلاً لغرض المولى، لا امتثالاً لأمره؛ لأنَّه أمر عبادي، وإن كان حراماً لا يقع قربيّاً، وإذا أتينا بالزائد رجاءً، فنحتمل أن يكون الغرض غير مترتّب عليه؛ لاحتمال قصد الوجه في ترتّب غرض المولى على المأمور به وجداناً، فإذا لم يمكن الجزم بتحصيل الغرض على كلا التقديرين. اذن، يسقط وجوبه وينتهي الأمر إلى الاتيان بما أَمر به المولى، فيكون الزائد مجرى للبراءة، كما سبق.
أمّا ما أفاده أوّلاً: من أنَّه يتمّ بناء على مبنى من يقول بتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد دون المسلك الآخر فليس هذا إلَّا جواباً جدليّاً، فإنَّ المفروض أنَّ القائلين بالاشتغال والقائلين بالبراءة -الذين هم محلّ البحث- متّفقون على تبعيّة الأَحكام للمصالح والمفاسد، فكونه لا يتمّ بناء على مسلك الأشعري الذي لا يقول بالتبعيّة، ماذا يفيد عند من يقول بها؟
على أنَّ هذا الجواب -حتّى لو لم نقل بذلك- لا يتمّ، فإنَّنا نفرض الكلام في
ــــــــــ[315]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
غير العبادات فيما إذا دار الأمر بين الأقلَّ والأَكثر من واجب غير عبادي، فهنا لا معنى للقول باعتبار قصد الوجه، فإنَّه على تقدير اعتباره فهو يعتبر في العبادات دون غيرها، ففي غير العبادي على القول بالتبعيّة نعلم بوجود غرض مترتب على الأقلّ أو على الأكثر، وإذا أتينا بالأكثر نعلم بترتّب الغرض، وإذا أتينا بالأقلّ لا نعلم بترتّبه. والغرض لازم التحصيل على فرض الشبهة، ولا يحتمل اعتبار قصد الوجه، فيكون لازم قول الشيخ الفصل بين التعبّدي والتوصّلي، فيقال بالبراءة في التعبّديّات، والاشتغال في غيرها. وهو باطل جزماً ولا يلتزم به الشيخ. فالجواب الثاني الذي ذكره الشيخ باطل جزماً. هذا النقض.
وأمّا الحلّ فأوّلاً: إنّ قصد الوجه -كما تقدّم في مبحث اعتبار قصد القربة في متعلق الأمر- إنَّما هو معتبر عند فرض الإمكان، وأمّا مع فرض عدم الإمكان فنعلم بعدم اعتباره، وإلَّا لجاز ترك العبادة، لأنّ قصد الوجه المعتبر في العبادة على الفرض إذا لم يكن ممكناً، فالإتيان بالعبادة غير ممكن، وفي المقام كذلك فلا يكون أخذ قصد الوجه محتملاً، فلا مانع من دعوى حصول الجزم بتحصيل الغرض بالإتيان بالأكثر رجاءً.
وثانياً: أنَّ قصد الوجه -على تقدير وجوبه- إنَّما هو في الواجبات المستقلّة والمركّبات بتمامها، وأمّا بالنسبة إلى الاجزاء فلا وجه لاعتبار قصد الوجه أصلاً، ولم يقل بوجوبه فيما نعلم أحد، فالإتيان بالأكثر لا ينافي قصد الوجه بوجه، فيأتي بالصلاة بقصد هذا الوجوب، وإن كان لا يدري أنَّ السورة جزء أو لا.
ــــــــــ[316]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وثالثاً: أنّا ذكرنا في محلّه(1) أنَّ قصد الوجه غير معتبر في صحّة العبادة جزماً، ولا نحتمل دخالته في حصول الغرض، والعبرة في العبادة هو حصول المأمور به مع الإضافة إلى المولى. فبناءً على أنَّ تحصيل الغرض لابدَّ منه يكون الاستدلال تامّاً، ولا يتمّ جواب الشيخ الآخوند.
والصحيح في جواب الشبهة أن يُقال: إنَّ الغرض للمولى المترتّب على فعل قد يكون بنفسه متعلّقاً للتكليف، وكان أمر تحصيله موكولاً إلى المكلّف، كما لو أمر المولى بتنظيف شيء، ودار الأمر بين الأقلّ والأكثر في المحصّل، وشكّكنا بأنَّ الغسل أو المسح مرّة يوجب النظافة أو لا؟ هنا لا ينبغي الشكّ في جريان الاحتياط، فإنَّ ما تعلّق به الأمر، وهو: النظافة، أمر بسيط لا تردّد فيه، وتعلّق الأمر به معلوم، وما هو مردّد بين الأقلّ والأكثر ليس بمأمور به، بل محصّل له -وهذا يسمى بالشكّ في المحصّل- ولابدَّ فيه من الاحتياط لإحراز الإتيان بالمأمور به.
ومن هذا القبيل ما إذا أمرنا بقتل أحد، وشكّكنا في أنَّ الضرب مرّة واحدة هل يوجب القتل أو لا؟ فالقتل أمر بسيط غير مردّد بين الأقلّ والأكثر، والمردّد وهو المحصّل في الخارج، فالشكّ شكّ في المحصّل، ولابدَّ فيه من الاحتياط.
وقد لا يكون الغرض والغاية هي المطلوبة بنفسها، وليس أمر تطبيقها راجعاً إلى المكلّف، وإنَّما كان الأمر بفعل ناشئ من غرض لا محالة، بناءً على تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها، وأمر التطبيق غير موكول إلى
ــــــــــ[317]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم أُصول الفقه 3: 72.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
المكلّف، بل موكول إلى نفس المولى، فهو يلاحظ ما يترتّب عليه غرضه فيأمر به، ويكون الأمر ابتداءً منصبّاً على المحصّل لا على الغرض، فإذا لم يبيّن المولى أنَّ هذا محصّل لغرضي فهو الذي فوّت غرضه، وطبقه على ما ليس بمحصّل له واقعاً، وهذا خارج عن وظيفة المكلّف، وليس له إلا الإتيان بما أمر به المولى، وأمّا أنَّ غرض المولى مترتّب على هذا أو غير مترتّب على الأوسع منه ومن غيره، فهو خارج عن وظيفة المكلّف.
ونظيره أمر الطبيب بشرب الدواء، فإنَّ الغرض من الدواء هو الصحّة، إلّا أن ذكْر أجزائه وتطبيقه على محصّل الغرض موكول إلى الطبيب لا إلى المريض، فإذا فوّت شيئاً داخلاً في الغرض، فهذا راجع إلى الطبيب، لأنَّه لم يبيّن، وغير راجع إلى المكلّف.
فإذا لم يبيّن المولى لم يجب على المكلّف تحصيل الغرض، فإنَّ الغرض لا يزيد على التكليف، وكما تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان عن التكليف، كذلك هي تجري في الغرض، فالغرض الذي لم يتمّ عليه البيان يقبح العقاب على تفويته، وليس للمولى أن يقول: لماذا لم تأتِ بما يحقّق غرضي؟ مع أنَّه خارج عن وظيفة المكلّف.
فبما أنَّ الأقلّ له دخل في حصول الغرض يقيناً، بمعنى: أنَّ تركه أو ترك شيء منه يعلم معه بتفويت الغرض، فيكون العقاب عليه صحيحاً، وأمّا ترك الجزء المشكوك فيه فدخله في الغرض مجهول، فلو لم يترتّب الغرض من جهة عدم الإتيان بالجزء المشكوك لا يكون للمولى معاقبة المكلّف؛ لأنَّ التفويت
ــــــــــ[318]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
مستند إلى المولى، فإنَّه لم يُبيّن، فقاعدة قبح العقاب بلا بيان تكون جارية في الغرض، كما هي جارية في التكليف نفسه، فعلى هذا مقتضى الأصل هو البراءة دون الرجوع إلى أصالة الاشتغال.
وقد أجاب شيخنا الأستاذ(1) عن الشبهة بوجه آخر، وحاصله: أنَّ الغرض المترتّب على الفعل المأمور به لا يخلو من قسمين:
القسم الأوّل: أن يكون من قبيل ترتّب المعلول على علّته التامّة.
القسم الثاني: أن يكون من قبيل ترتّب المعلول على علّته المعدّة، ويتوسط بينهما أمور خارجة عن اختيار المكلّف.
فالأوّل كالقتل فإنَّه مترتّب على الذبح ترتب المعلول على العلّة، بدون توسط أي شيء، والثاني من قبيل أمر المولى بالزرع، فإنَّ الغاية منه هو حصول الحنطة مثلاً، وهي لا تترتّب على فعل الزارع وحده، بل هو جزء العلّة، وتتوسّط بينهما مقدّمات كثيرة خارجة عن اختيار الزارع كطلوع الشمس وهبوب الرياح وغيرها.
فإذا كان الغرض من القسم الأوّل فلا فرق بين أمر المولى بالقتل وأمره بالذبح، فإنّ الأمر بأحدهما في معنى الأمر بالآخر، لأنَّ أحدهما لا ينفكّ عن الآخر.
وأمّا إذا كان الغرض من القسم الثاني فيستحيل أن يتعلّق الأمر بالغرض،
ــــــــــ[319]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 94،95.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
لأنَه خارج عن قدرة المكلّف، بأن يُقال: أوجد حنطةً، وكيف يؤمر المكلّف بما هو خارج عن قدرته؟ وإنَّما هو فعل الله تعالى، وإذا أمر به آمر يعدّ من المجانين، وإنَّما فعل الزارع أن يجعل الأرض قابلة للنبات مقدّمةً إعداديّةً. هذا فيما إذا علمنا بأنَّ الغرض من أيّ القسمين فواضح.
وأمّا فيما لم نعلم كون الغاية المترتّبة على الفعل من قبيل ترتّب المعلول على علّته التامّة، أو من ترتّبه على المعدّ، وتتوسّط أمور خارجة عن الاختيار بينهما، وحينئذٍ لابدَّ أن نرجع إلى ظاهر كلام المولى، فإنَّ كان أمره متعلّقاً بالغاية ابتداءً نستكشف بدليل الإن ومن حكمة المولى أنَّه مقدور وأنَّه يترتّب عليه بنحو ترتّب المعلول على علّته التامّة، وذلك من قبيل أمره بالتطهير، فقد علمنا أنَّه يترتَّب الطهارة على الغسل أو الوضوء بنحو ترتّب المعلول على علّته التامّة، وإلّا لم يمكن تعلّق الأمر بها، فلا فرق بين أن يقول: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا، أو يقول: إذا قمتم إلى الصلاة فاطهّروا.
وأمّا إذا كان الأمر في ظاهر الدليل متعلّقاً بالفعل لا بالغاية المترتّبة عليه فنستكشف أنّ ترتّب الغرض عليه من قبيل ترتّب المعلول على العلّة المعدّة، وإلّا كان تعلّق الأمر بالغرض أولى، فإنَّه الداعي إلى الأمر، ولا يناسب أن يلتفت إلى الفعل، ويترك ما هو المطلوب ولا يأمر به، فنستكشف من تعلّقه بالفعل دون الغاية ترتّبه عليها على نحو العلّل المعدّة، وحينئذٍ فلا يجب علينا تحصيل الغرض، فإنَّه خارج عن حدّ الاختيار.
فإذا شكّكنا بنحو دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر فالأقلّ هو المتيقّن،
ــــــــــ[320]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وتكون البراءة جارية عن الزائد، فإنَّ الغرض غير واجب التحصيل. ومقامنا في العبادات من هذا القبيل، فإنَّ الأمر تعلّق بالصلاة لا بالنهي عن الفحشاء، فيعلم منه أنَّ تأثير الصلاة في الغاية من ترتّب المعلول على العلّل المعدّة، فالغرض غير واجب التحصيل لنا، فلا موجب للاحتياط، فإنّ ترتّب الغرض على المأمور به من ترتّبه على العلّة التامّة دائماً، من دون تفصيل.
وأمّا ما ذكره في هذه الموارد من العلّل المعدّة فهذا هو الغرض الأقصى للآمر، لا الغرض المترتّب على المأمور به، وبينهما بون بعيد، فمثلاً من أراد الطبخ ليسدّ به جوعه، فأمر أحد عبيده بأن يشتري اللحم، وأمر الآخر بأن يشتري الخضر، وأمر الثالث بأن يحضر الماء وهكذا، فالغاية القصوى هو الشبع، ولكن ليس هذا هو الغرض في كلّ من هذه الأوامر، فإنَّ هذا مأمور بشيء، وذاك مأمور بشيء آخر، وليس غرضهما متّحداً، والغرض من شراء اللحم هو التمكن من الطبخ، وليس هو الشبع ابتداء.
وفي مثال الزرع الغرض من الزرع هو جعل الأرض قابلة للإنبات. نعم، فرق بين الغرض الأقصى، وبين الغرض المترتّب على المأمور به، ولا يمكن أن يفرض أمر من المولى، لا يكون له غرض مترتّب على المأمور به ترتّبه على علّته التامّة، فإذا كان الأمر كذلك فإذا كان الغرض على نحو العلّة التامّة واجب التحصيل لزم القول بالاحتياط دائماً.
هذا، ولكنّ الصحيح ما ذكرناه في الجواب.
ثمَّ إنَّ هذه الشبهة لو تمّت فإنما تتمّ في المذهب المشهور بين العدليّة من تبعية
ــــــــــ[321]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الأحكام للمصالح والمفاسد في المتعلّقات، وأمّا ما احتمله صاحب الكفاية(1) أو مال إليه من تبعيّة الأحكام للمصالح في نفس الأوامر والنواهي، كما هو الحال في الأحكام الوضعيّة، فإنَّها ليس لها متعلّقات لكي تكون تابعة للمصالح في متعلّقاتها، فهي تابعة للمصالح بنفس الجعل، فإذا قلنا: الأحكام التكليفيّة كالأحكام الوضعيّة في أنَّها تابعة للمصالح والمفاسد في نفس الجعل، فتكون هذه الشبهة مندفعة من أصلها؛ إذ ليس هناك غرض مطلوب من المكلّف، ولازم عليه تحصيله.
فظهر أنَّ الصحيح هو ما ذكره الشيخ الأنصاري من جواز الرجوع إلى البراءة العقليّة، وأنَّ العلم الإجمالي انحل انحلالاً حكميّاً.
ــــــــــ[322]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 277، 278.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وبعد الفراغ عن جريان البراءة العقليّة في موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين يظهر حال الرجوع إلى البراءة الشرعيّة في هذه الموارد، وأنَّه لا مانع منه، فإنَّ وجوب الأكثر مشكوك فيه، ووجوب الأقلّ متيقّن، لا بمعنى الـ(بشرط)، بل اللابشرط المقسّمي، وهو الطبيعة المهملة التي نعلم بوجوبها، ولا معنى لأن تجري في الإطلاق البراءة الشرعيّة، كما كان هو الحال في البراءة العقليّة، فإنَّ الإطلاق ليس فيه عقاب ومؤاخذة، فلا يكون مشمولاً لحديث الرفع وغيره، فإنَّ الإطلاق بمعنى السعة والإرسال، وإنَّما يحتمل العقاب في طرف التقيّيد، فيمكن التمسّك بحديث الحجب وغيره.
فالصحيح ما ذكره شيخنا الأنصاري(1) من جواز الرجوع إلى البراءة الشرعيّة والعقليّة معاً.
وأمّا بناء على عدم جواز الرجوع إلى البراءة العقليّة، كما ذهب إليه صاحب الكفاية(2) ووافقه شيخنا الأستاذ(3)، فهل يمكن الرجوع إلى البراءة الشرعيّة أو لا؟
ــــــــــ[323]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 318.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 363، 364.
(3) انظر: أجود التقررات 2: 286.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ذهبا إلى جواز الرجوع إليها، فذكر صاحب الكفاية(1): أنَّ البراءة العقليّة وإن لم تكن جارية، وأنَّ الانحلال محال على ما تقدّم، أو أنَّ تحصيل الغرض لازم على ما ذكره، ولكن لا مانع من جريان البراءة الشرعيّة؛ لأنّ دليل البراءة يرفع احتمال العقاب في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، فإنّ الأمر كان مردّداً بينهما، فإذا ارتفع وجوب الأكثر بالأصل يرتفع الترديد، وينعدم احتمال وجوب الأكثر، وبعد ذلك لا يدور الأمر بينهما، والأقلّ لا تجري فيه البراءة، والأكثر مشكوك الوجوب فيكون مرفوعاً، وبالرجوع إلى البراءة نعيّن أنَّ الواجب هو الأقل، وتجري البراءة عن الأكثر.
وذكر شيخنا الأستاذ(2): أنَّ طرفي الاحتمال هو الإطلاق والتقيّيد، والإطلاق وإن كان محتملاً، إلَّا أنّه بجريان الأصل عن التقيّيد يثبت الإطلاق ظاهراً، بناءً على ما ذكره مراراً من أنَّ التقابل بين الإطلاق والتقيّيد من تقابل العدم والملكة، فإذا شكّكنا في الإطلاق والتقيّيد ورجعنا إلى الأصل في نفي التقيّيد كان ذلك هو معنى الإطلاق، فيثبت الإطلاق بالأصل، فيحكم بمقتضى جريان البراءة الشرعيّة أنَّ الواجب مطلق لا شرط فيه.
ويترتّب على ذلك الحكم بالتفصيل بين البراءة العقليّة والشرعيّة، ولا يكون الانحلال ممكناً في العقليّة، ويكون ممكناً في الشرعيّة. هذا محصل ما ذكره صاحب الكفاية وشيخنا الأستاذ.
ــــــــــ[324]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 366،367.
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 289.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ولكن شيئاً منهما لا يرجع إلى محصّل، فإنَّنا إذا بنيّنا على أنَّ البراءة العقليّة غير جارية فلابدَّ من البناء على أنَّ البراءة الشرعيّة أيضاً غير جارية، والوجه في ذلك:
أمّا بالنسبة إلى لزوم تحصيل الغرض فمن المعلوم أنَّ البراءة الشرعيّة لا يثبت بها أنَّ الغرض مترتّب على الأقلّ، وأنَّ غرض المولى قد حصل في الخارج، فإنَّه لو فرض أنَّ دليل الأصل أمارة، وكان ناظراً إلى الواقع، ودلّ على عدم الجزئيّة لفهمنا منه عدم دخل الجزء المشكوك فيه في الغرض، ويكون لهذا الكلام مجال واسع، أو لو فرض أنَّ دليل البراءة كان وارداً في خصوص مورد الأقلَّ والأكثر فأيضاً يثبت به عدم ترتّب الغرض على الأقلّ، صوناً للكلام عن اللغويّة، وأمّا أنَّ دليل البراءة لم يكن ناظراً إلى الواقع، ولا أنَّه وارد في مورد المسألة، بل هي مطلقة، فغاية ما يستفاد منه نفي جزئيّة المشكوك فيه، وأمّا أنّ الفعل يترتّب عليه الغرض فهو من اللوازم العقليّة، ولا نقول به، فلا يترتب على جريان البراءة ترتب الغرض في الخارج، لا بحديث الرفع أو غيره.
فلابدَّ من القول بلزوم تحصيل الغرض من الاحتياط عقلاً وشرعاً وعدم جريان البراءتين.
وأمّا بالنسبة إلى إثبات الإطلاق ظاهراً -كما ذكره شيخنا الأستاذ- فهو مبني على ما ذكره من أنَّ التقابل بين الإطلاق والتقيّيد هو تقابل الملكة والعدم، ولكنّنا ذكرنا مراراً: أنَّ التقابل بينهما من تقابل التضادّ، فإنَّ الطبيعة التي يلحظ معها أمر خارج قد يفرض أنَّها مقيّدة بشيء، أو مقيّدة بعدم شيء أو غير مقيّدة، فيلاحظ فيها عدم القيد، فأحد هذه الأنحاء لابدَّ من لحاظها لاستحالة الإهمال
ــــــــــ[325]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
في الواقع وعالم الجعل، فمعنى الإطلاق هو لحاظ الماهيّة على نحو يعبّر عنه بإلغاء الخصوصيّات، فهذا ملحوظ في مقام الحكم، فكيف يمكن أن يُقال: إنّ التقابل بين الإطلاق والتقيّيد هو من تقابل العدم والملكة، بل هما ضدّان.
نعم، الإطلاق في مقام الدلالة أمر عدمي، فإن المتكلّم إمّا أن يقيّد أو لا يقيّد، وأين هذا من الإطلاق في مقام الحكم والطلب ومرحلة الواقع، فإذا كان كلاهما أمراً وجوديّاً، فكيف يمكن إثبات الإطلاق بجريان البراءة عن التقيّيد؟!
فإذا بنيّنا على أنَّ البراءة العقليّة غير جارية لا تكون الشرعيّة جارية أيضاً، لأنَّه لا يثبت الإطلاق، ولا ترتّب الغرض على الأقلّ، فالأمر دائر بين أن نقول بجريان البراءة عقلاً وشرعاً -وهو الصحيح- على ما قال به شيخنا الأنصاري، أو بلزوم الاحتياط عقلاً وشرعاً -كما اختاره بعضهم- أو التفصيل بينهما كما اختاره صاحب الكفاية وشيخنا الأستاذ.
وأمّا ما ذكره صاحب الكفاية من أنَّ دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر وإن لم تكن البراءة العقليّة جارية فيه، والانحلال غير معقول، ولكن البراءة الشرعيّة تجري؛ لأن الشكّ يرجع إلى الشكّ في جزئيّة المشكوك فيه، وحيث إنَّها لم تصل إلى المكلّف فتجري عنها البراءة الشرعيّة.
ويستشكلّ في ذلك(1): أنَّ الجزئيّة غير مجعولة، وما لا يكون قابلاً للجعل لا يكون قابلاً للرفع.
ــــــــــ[326]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 366.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وأجاب(1): بأنَّها قابلة للجعل بتبع جعل منشأ انتزاعها، وهو الأمر بالأكثر، فإنَّه سيذكر صاحب الكفاية في باب الأحكام الوضعيّة: أنَّ كلّ هذه الأمور قابلة للجعل بتبع منشأ الانتزاع، وهو الأمر بالمقيّد، لا استقلالاً، وإذا كانت قابلة للجعل كانت قابلة للرفع.
ثمَّ استشكلّ(2): أنَّ الجزئيّة رفعها ووضعها إنّما هو برفع منشأ انتزاعها ووضعه، فمعنى رفع الجزئيّة هو رفع الأمر بالمركّب منه ومن غيره، فإذا كان الأمر بالأكثر مرتفعاً، فمن أين أحرزنا أنَّ الأقلّ مأمور به، فغاية ما يثبت بحديث الرفع هو ارتفاع الأمر بالأكثر، دون إثبات الأمر بالأقلّ، بل لابدَّ له من دليل خاصٍّ.
وأجاب عنه(3): أنَّ حديث الرفع إذا لاحظناه ونسبناه إلى الأدلّة الدالّة على الأجزاء والشرائط يثبت الأمر بالأقلّ، ومعناه: أنَّ الفاتحة والركوع والسجود مأمور بها إلّا ذلك، فكأنَّ حديث الرفع بمنزلة الاستثناء منها، فالصلاة مأمور بها إلّا هذا الجزء في حال الجهل.
والظاهر أنَّ الأمر قد التبس على صاحب الكفاية، فإنَّ هذا الإشكال والجواب ليس شيئاً منهما في محلّه وأجنبيّاً بالكلّيّة، والوجه في ذلك: في مورد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر يكون الأقلّ معلوماً وجداناً، ولا نحتاج في
ــــــــــ[327]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 267.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 267.
(3) انظر: كفاية الأُصول: 267.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إثباته إلى التمسّك بشيء، فإنَّنا نعلم بوجوب الأقلّ، لكن لا ندري أنَّه على نحو الإطلاق أو التقيّيد بهذا الشيء، فنفس فرض الكلام في أنَّ الأمر دائر بين الأقلّ والأكثر معناه هو ذلك، فالشكّ إنّما هو في الإطلاق والتقيّيد، وأما أصل الأمر بالأقلّ فهو محرز وجداناً فلا يحتاج إلى التمسّك بشيء أو نسبة شيء إلى شيء ليكون كالاستثناء أو لا يكون.
وإنَّما الإشكال يتوجّه على التمسّك بحديث الرفع في غير (ما لا يعلمون)، فلو فرضنا أنَّ المكلّف أضطر إلى ترك من الواجب أو شرط فيه، أو أكره عليه أو نسيه، فيسقط الأمر بالمركّب منه ومن غيره، وإنَّما الجزئيّة غير قابلة للرفع استقلالاً برفع منشأ انتزاعها، وهو الأمر بالمركّب، فالنتيجة: أنّ الأمر بالمركّب من المنسي وغيره مرفوع، أو من المضطر إليه وغيره. إذن، يبقى الكلام في أنّ الباقي لماذا يكون مأموراً به، فإنَّ المفروض أنَّ الأمر كان واحداً متعلّقاً بعشرة أجزاء، وقد ارتفع بالاضطرار أو النسيان، فكيف يثبت الأمر بتسعة أجزاء؟ وما ذكره في الجواب من أنَّه لو نسب هذا الحديث إلى أدلّة الواجبات يكون بمنزلة الاستثناء، والنتيجة: أنَّ الباقي واجب غير هذا الجزء.
وهذا مّما لا نعرف له معنى محصّلاً، إذ يكون استثناءً من أيّ دليل؟ فإنَّنا فرضنا أنَّه هناك دليل واحد ثابت على العشرة أجزاء على نحو الوجوب الارتباطي، وقد فرضنا أنَّه قد سقط، فبأيّ شيء يثبت وجوب الباقي؟ فإنَّ ذلك يتوقّف على وجود إطلاق يثبت به وجوب الباقي، ليكون بمنزلة الاستثناء.
نعم، في خصوص الصلاة ثبت الأمر بالباقي، فلو أكرهه مكره على ترك
ــــــــــ[328]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
جزء أو شرط أو إيجاد مانع في تمام الوقت، فلا تسقط الصلاة طبعاً، ولابدَّ من الإتيان بالباقي، فإنَّ الصلاة لا تسقط بحال، فقد ثبت وجوب الباقي بدليل.
وأمّا إذا قلنا بتماميّة قاعدة الميسور فلا بأس بالقول بوجوب الباقي في سائر الواجبات، ولكنَّها غير تامة عندنا. إذن، لابدَّ من دليل خاصٍّ على وجوب الباقي.
ومن هنا يشكل ذلك في غير الصلاة كالصيام؛ إذ يضطر إلى أكلّ شيء في آنٍ ما من النهار، فطبعاً يكون وجوب الإمساك في مجموع الوقت ساقطاً، فهل يجزي الإمساك في باقي الوقت، ويكون صوماً صحيحاً؟ هذا لا دليل عليه.
وأوضح من ذلك باب الوضوء والغسل، كما لو فرض أنَّ الماء لم يكن كافياً لجميع الوضوء أو الغسل، وكان مضطراً إلى ترك المجموع، فإنَّه لا يثبت بذلك الأمر بالباقي، وإنَّما غسل الأجزاء الباقيّة يكون مجزيّاً في مقام الغسل أو الوضوء، وكون حديث الرفع بمنزلة الاستثناء لا يثبت الأمر بالباقي، بل لابدَّ من وجود إطلاق في المرتبة السابقة ليكون محكماً في الجزء المشكوك.
فهذا الدليل الذي ذكره إنّما يتوجه في تلك الموارد دون مورد (ما لا يعلمون)، وليس له في المقام صورة أصلاً، فإنَّ المفروض العلم بوجوب الأقلّ، ولا نحتاج في مقام إثباته إلى التمسّك بشيء.
هل يمكن التمسّك بالاستصحاب في المقام؟ قد يتمسّك به لإثبات الاحتياط ووجوب الإتيان بالأكثر، وقد يتمسّك به لإثبات البراءة وعدم وجوب الإتيان به.
ــــــــــ[329]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أمّا الأوّل فحاصله: أنَّ هذا المورد داخل في القسم الثاني من الكلّيّ، فإنَّنا نعلم أنَّ الصلاة -مثلاً- واجبة يقيناً، وأنَّ وجوباً واحداً متعلّقاً بالمركّب، ولكنَّه مردّد بين الأقلّ والأكثر، ولكنّنا لا ندري أنَّ الطبيعة المأمور بها مقيّدة بالسجود أو لا، فإنَّ صلينا وأتينا بالأكثر فقد علمنا بالامتثال على كلا التقديرين، وإن صلينا واقتصرنا على الإتيان بالأقلّ، فإنَّ كان الواجب هو الأقلّ فقد سقط، وإن كان الواجب هو الأكثر فإنَّه لم يسقط، فالحادث مردّد بين معلوم البقاء ومعلوم الارتفاع، وإذا دار أمر الحادث بهذا النحو فإنَّه يكون مورداً للاستصحاب، كما إذا دار أمر الحدث بين الأصغر والأكبر، وتوضّأ المكلّف، فإنَّه إن كان الحدث هو الأصغر فقد ارتفع، وإن كان هو الأكبر فهو باقٍ، فيجري الاستصحاب بناء على جريانه في القسم الثاني من الكلّي -على ما هو الصحيح- وفي المقام الأمر كذلك.
وهذا الاستصحاب وإن لم ينجّز وجوب الأكثر، إلّا أنَّه من جهة الجزم بفراغ الذمّة لابدَّ من الإتيان بالأكثر، وإن كان مقتضى الاستصحاب هو بقاء اشتغال الذمّة، فلا بدَّ من الإتيان بالأكثر بحكم العقل؛ لتفريغ الذمّة من الوجوب المتيقّن.
ولكنَّ هذا الاستصحاب لا يكون جارياً، فإنّ الاستصحاب من القسم الثاني من الكلّي وإن كان جارياً فيما إذا كان أمر الفرد مردّداً بين معلوم البقاء ومعلوم الارتفاع، ولم يكن هنا شيء يتعيّن به أمر الحادث في أحدهما، فيكون الأصلان متعارضين.
ــــــــــ[330]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ومثاله: أنَّ شخصاً كان متطهّراً، ثُمَّ حصل له بلّلٌ مشتبه، وكان قد استبرأ الاستبراءين، فالحادث مشكوك ومردّدٌ بين معلوم البقاء ومعلوم الارتفاع، والأصلان في كلٍّ منهما معارض للآخر، فعدم خروج المني معارض بعدم خروج البول، فلو فرض أنَّه توضّأ بعد ذلك، ويشكّ في ارتفاع الحدث فيتمسّك بترتيب آثار الحدث.
وأمّا الثاني فحاصله: إذا كان الأمر الحادث متعيّناً ولو بضميمة جريان أصل عملي -ولو كنا وجداناً نشكّ- ولكن بحسب التعبّد الشرعي أحرزنا أنَّ الحادث أيٌّ من الفردين، فحينئذٍ لا تصل النوبة إلى استصحاب الكلّي، بل الحادث متعيّن، وبعد الإتيان بمسقطه يحكم بالصحّة، كما لو كان المكلّف محدثاً بالحدث الأصغر، وحصل له بلّلٌ مردّدٌ بين أن يكون بولاً، فلا أثر له في وجوب الوضوء ؛لكونه واجباً في المرتبة السابقة، وبين أن يكون منيّاً؛ فيجب عليه الغسل، فهنا وإن كان الأمر مردّداً بين الحدث الأصغر والأكبر، وبعد الوضوء نشكّ وجداناً بارتفاع الحدث، ولكن استصحاب الحدث لا يجري، وذلك لتعيّن حال الفرد بالحدث الأصغر؛ لأنَّ الحدث الأصغر كان معلوماً له، ونشكّ بانقلابه إلى حدث آخر، والأصل عدمه، والأصل أنَّ المني لم يخرج، ولا يعارض هذا الأصل بعدم خروج البول؛ لأنَّه غير جارٍ ولا أثر له، فبضميمة الأصل إلى الوجدان بأنَّه محدث، ونقول: بأنَّه كان محدثاً بالأصغر يقيناً، ولم تطرأ عليه الجنابة بالأصل، فالحدث الموجود هو الحدث الأصغر، فيكتفى بالوضوء، ولا مجال حينئذٍ لاستصحاب الحدث الكلّي، فإنَّه ناشئ من الشكّ في الحادث، وأصالة عدم الجنابة يكون حاكماً على هذا الأصل.
ــــــــــ[331]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
والمقام من هذا القبيل، فإنَّ الشكّ في بقاء التكليف وعدمه ينشأ من احتمال تعلّق التكليف بالأكثر أو بالأقلّ، وعلى تقدير أن يكون متعلّقاً بالأقلّ فقد ارتفع جزماً، وعلى تقدير تعلّقه بالأكثر فهو باقٍ جزماً، لكن تعلّق التكليف بالأكثر مورد لأصالة البراءة على ما تقدّم، وقلنا: إنَّ احتمال التقيّيد يرفعه جريان أصالة البراءة، والإطلاق لا تجري فيه البراءة، والتكليف بالجامع معلوم وجداناً، فبالنسبة إلى الأقلّ لا يوجد أصل ينفيه، وبالنسبة إلى الأكثر مورد للبراءة، فبضمّ هذا الأصل إلى ما هو المعلوم بالوجدان -وهو: تعلّق التكليف بالطبيعي الجامع المطلق المقسمي- يتبيّن حال الفرد، ولا تصل النوبة إلى استصحاب الكلّي، فالتمسّك بالاستصحاب للاشتغال، وإثبات وجوب الإتيان بالأكثر لا وجه له.
وقد يتمسّك بالاستصحاب بعكس ذلك، وهو: جواز الاكتفاء بالأقلّ، ويقرّب ذلك بوجهين:
الوجه الأوّل: استصحاب عدم لحاظ الأكثر عن التكليف، فإنَّنا علمنا بأنَّ المولى حين كلّفنا بالصلاة لاحظ الأجزاء جزماً، ونشكّ أنَّه هل لاحظ السورة أو لا؟ فيجري استصحاب عدم لحاظها، ويثبت بذلك أنَّ الواجب هو الأقلّ دون الأكثر.
ولكنّ هذا فاسد، لأمرين:
الأمر الأوّل: لأنَّ أصالة عدم اللحاظ ليس أثراً شرعيّاً، ولا موضوعاً لحكم، فلا يكون جارياً في نفسه.
الأمر الثاني: أنَّ التكليف لا يخلو عن لحاظ، يعني: أنَّ الجزء المشكوك قد
ــــــــــ[332]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
لوحظ حين الجعل -لا محالة- إطلاقاً أو تقيّيداً؛ لاستحالة الإهمال، فإنَّه كما أنَّ التقيّيد لابدَّ فيه من اللحاظ، كذلك الإطلاق القسمي، فأحد الأمرين ملحوظ لا محالة، فكما يجري أصل عدم لحاظ السورة تقيّيداً، كذلك يجري أصل عدم لحاظها إطلاقاً، فيكون الاستصحابان متعارضين.
الوجه الثاني: يتمسّك باستصحاب عدم الجزئيّة، فإنَّ الجزئيّة أمر حادث نشكّ في ثبوته، من قبيل: أن نشكّ أنَّ السورة جزء للصلاة أو لا، فيتمسّك باستصحاب عدم جزئيّتها.
وهذا التقريب يرجع إلى جريان الاستصحاب في تعلّق الأمر بالمركّب، لأنَّ الجزئيّة غير مجعولة مستقّلاً، وإنَّما هي مجعولة بتبع الأمر بالمركّب من الجزء ومن غيره، ومنتزعة من الأمر بالأكثر، فيقال: هذا الأمر بالمركّب لم يكن، ونشكّ بحدوثه فنستصحب عدمه.
ولكن هذا أيضاً فاسد، فإنَّ الاستصحاب في نفسه وإن كان جارياً، ولكنّه معارض باستصحاب عدم وجوب الأقلّ، فإنَّ المتيقّن هو اللابشرط المقسمي، وأمّا اللابشرط القسمي فهو وجوب حادث لا محالة، فنشكّ أنَّ الوجوب الحادث متعلق بالمطلق أو بالمقيّد، فإنَّ الاستصحاب كما يجري في حدوث المقيّد، كذلك يجري في المطلق، فيتعارض الاستصحابان.
فالصحيح هو التمسّك بالبراءة العقليّة والنقليّة كما تقدّم؛ لأنّ المعلوم بالإجمال أحد طرفيه ليس فيه كلفة على المكلّف، وهو: الإطلاق، والآخر فيه ضيق وكلفة عليه فتجري عنه البراءتان، ومقتضاه عدم وجوب الأكثر وجواز الاكتفاء بالأقلّ. هذا تمام كلامنا في الأجزاء.
ــــــــــ[333]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
لو علمنا بتمام الأجزاء واحتملنا دخل شيء شرطاً أو قيداً في الواجب، بنحو دخول التقيّيد وخروج القيّد، فهل حكمه حكم الأجزاء في جريان البراءة أو لا؟
وهذا المقام له أقسام:
القسم الأول: أنَّ ما يحتمل شرطيّته موجود مستقلّ، وإن كان الواجب مقيّداً به كالتستر في الصلاة، فإنَّه موجود مستقلّ عن الصلاة، وإن كانت الصلاة مقيّدة به.
القسم الثاني: أن لا يكون موجوداً مستقّلاً، وإنَّما هو وصف في الواجب نسبته إليه نسبة العوارض إلى المعروضات، كما لو كنا نعلم بوجوب عتق رقبة، ولا نعلم بأنَّه مقيّد بالإيمان أو لا.
القسم الثالث: أن يكون الوصف المحتمل شرطيّته من الأمور الذاتيّة، ومن قبيل الفصول بالنسبة إلى الأجزاء، كما لو كنا نعلم بوجوب إحضار حيوان ذي روح، ونشكّ في كونه إنساناً أو لا، أو كما إذا علمنا أنّ التيمّم الواجب يجب على الصعيد، ولم نعلم أنَّ الصعيد هو خصوص التراب أو مطلق وجه الأرض، ولم يكن هنا معيّن لأحدهما من أمارة أو أصل موضوعي، وانتهى الأمر إلى الأصل العملي، فنحتمل أنَّ الترابيّة لها دخل، وليست هي من الأوصاف، بل فصل مقوّم للتراب.
ــــــــــ[334]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فهذه مراتب من الشكّ، فهل تجري البراءة في الجميع، أو لا تجري في الجميع، أو يفصّل بين بعضها والبعض الآخر؟
أمّا القسمان الأوّلان فقد ذكر صاحب الكفاية(1): أنَّ المرجع فيهما هو البراءة الشرعيّة، فإنَّه شكّ في الشرطيّة، وعند الشكّ فيها يتمسّك بأصالة البراءة، فإنَّها مجعولة شرعاً، وإن كان جعلها بجعل منشأ انتزاعها، وهو الأمر بالمقيّد، وأمّا البراءة العقليّة فلا تجري في الشرطيّة، وإن قلنا بجريانها في الأجزاء.
وتنزّل صاحب الكفاية عمّا ذكره من وجه عدم جريانها، فإنّه هناك كان من الممكن القول بأنَّنا نعلم بوجوب الأقلّ نفسيّاً أو غيريّاً، وأمّا الزائد فمشكوك فيه، وأمّا في الشرائط أو الأجزاء التحليليّة فلا تّتصف بالوجوب المقدّمي، فإنَّ الوصف هو عين المركّب، والإيمان عين الرقبة المؤمنة، والفاقد مباين له، فالواجب إمّا أن يكون متحّداً مع المطلق أو مبايناً له، فليس عندنا قدر متيقّن ليؤخذ به، ويكون الزائد مشكوكاً ومجرى للبراءة، فلو تنزّل صاحب الكفاية إلى الانحلال في الشكّ في الجزئيّة، فإنَّه لا يقول به في الشرطيَّة.
ولكن الظاهر أنَّ الأمر ليس كذلك، فإنَّ الانحلال الذي ذكرناه ليس من جهة اتّصاف الأقلّ بالوجوب الغيري، وإلّا فنحن لا نقول به لا في الأجزاء التحليليّة ولا غيرها، وقلنا(2) في بحث مقدّمة الواجب: بأنَّه على تقدير القول بالوجوب المقدّمي -ولا نقول به- فلابدَّ من تخصيص الكلام بالمقدّمات
ــــــــــ[335]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 369.
(2) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 3: 350، 351.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الخارجيّة دون الداخليّة، وهي: الأجزاء، فإنَّها عين المركّب في الخارج، فكيف يمكن سريان الوجوب منها إلى الأجزاء؟!
وبعبارة أخرى: أنَّ الأجزاء واجبة بعين الوجوب النّفسي للمركّب، وليس هنا وجوب آخر مترشّح على الأجزاء، فمنشأ الانحلال ليس هو ذلك، بل هو العلم الوجداني المتعلّق بالطبيعة الجامعة بين المطلق والمقيّد، فالانحلال الحقيقي وإن لم يكن موجوداً، إلّا أنَّ الانحلال الحكمي موجود، فإنَّ تنجّز العلم الإجمالي يتوقّف على تعارض الأُصول في أطرافه، وليس في المقام تعارض، فإنَّ أصالة البراءة في المقيّد لا يعارض مثلها في المطلق؛ لعدم جريانها فيه كما سبق.
ولا فرق فيما ذكرناه بين الأجزاء التحليليّة وغيرها، فعين البيان يجري في المقام، فإنَّ الأمر بصلاة الميت معلوم وجداناً، ولكن لا ندري أنَّها مطلقة بالنسبة إلى التستّر أو مقيّدة به، فالانحلال الحقيقي وإن لم يكن موجوداً، ولكنَّ الانحلال الحكمي موجود، فإنَّ الحكم بوجوب الطبيعي متيقّن، والشكّ في الإطلاق والتقيّيد، وتجري البراءة في التقيّيد أو في الإطلاق، فلا يكون العلم الإجمالي منجّزاً ويكون منحلّاً.
وبعبارة أخرى: ليس المراد من المتيقّن هو المتيقّن في مرحلة الامتثال خارجاً، وإلّا هنا علم بالامتثال، بل متيقّن باعتبار تعلّق التكليف بالجامع، والشكّ في الإطلاق والتقيّيد، فلا مانع من الرجوع إلى البراءة عقلاً ونقلاً. وكذلك الحال في مثال الرقبة، وهو: ما إذا علمنا بوجوب عتق رقبة، وشكّكنا بتقيّده بالإيمان بعين البيان.
ــــــــــ[336]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أمّا القسم الثالث من الشكّ في الشرطيّة، وهو: ما إذا كان القيّد المحتمل دخله في الواجب من الفصول المقوّمة، كمثال التيمّم حيث علمنا بوجوبه وشكّكنا في دخل الترابيّة قيّداً فيه.
فقد ذكر صاحب(1) الكفاية أنَّه كما لا تجري البراءة العقليّة، كذلك لا تجري البراءة الشرعيّة، وإنَّما المورد مورد الاشتغال والاحتياط، فإذا دار الأمر بين الخاصّ والعامّ فخصوصيّة الخاصّ منتزعة من مرحلة ذات الخاصّ وليست خصوصيّة طارئة، ومثله غير قابل للرفع والوضع، ولذلك لا تجري أصالة البراءة.
والجواب عن هذا واضح: فإنَّه وإن كانت خصوصيّة الخاصّ منتزعة من مرحلة ذات الخاصّ، إلّا أنَّ الكلام ليس في ذلك، فإنَّه أمر تكويني خارجي، إنّما الكلام في تقوّم الواجب، ومعلوم أنَّ هذا قابل للرفع والوضع، فإنَّ للمولى أن يأمر بالتيمّم بخصوص التراب فيرجع إلى اعتبار الشارع للتقيّيد، ولو أمر المولى بالمطلق لكان عدم اعتباره بوضعه أيضاً، فإذا كان ذلك بيد الشارع، فما هو المانع من الرجوع إلى البراءة بعين البيان المتقدّم؟! وهو أنَّ جامع التيمّم معلوم الوجوب وجداناً، والإطلاق لا تجري فيه البراءة؛ لعدم الكلفة والضيق فيه، والتقيّيد يوجب الضيق، فتجري عنه البراءة النقليّة، بل العقليّة كما تقدّم، فهذا لا يرجع إلى محصّل.
نعم، ذكر شيخنا الأستاذ(2) وجهاً آخر، وحاصله: أنَّنا إذا احتملنا أن يكون
ــــــــــ[337]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 417.
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 297.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فصل من الفصول دخيلاً في الواجب، فنحن نعلم باعتبار فصل لا محالة، ولكن لا نعلم أنَّ الدخيل هو هذا الفصل بخصوصه، أو أحد الفصول مخيّراً، والوجه في ذلك: أنَّ الجنس لا تعيّن له في ذاته، بل يكون تعيّن الماهيّة وتحصّلها بفصلها، ففعليّة الشيء بصورته التي هي عبارة عن الفصل، فالجنس غير قابل لأنَّ يتعلّق به حكم شرعي، لأنَّه أمر مبهم، فإذا احتملنا أنَّ فصلاً من الفصول له دخل في الواجب، فنعلم أن المادّة المشتركة بين التراب وغيره ليست موضوعاً للحكم، فإنَّها لا تحصّل لها، فهناك شيء دخيل في الواجب يقيناً الذي هو خصوص التراب أو أحد الفصول الأخرى، كالحجر والمدر والصخر والرمل وغيره، مّما يكون من أجزاء الأرض، وكلّما رجع الأمر إلى التردّد بين التعيّين والتخيّير لابدَّ من القول بالتعيّين، ولا يقاس هذا بالشكّ في الجزئيّة والشرطيّة ، فإنَّ الأجناس المعبّر عنها بالهيولى مجرّدة عن أخذ صورة نوعيّة، لا تحصّل لها في الخارج، ولا تكون موضوعاً لأيّ حكم، وإنَّما الذي يكون موضوعاً للحكم إنّما هو الهيولى المتخصّصة بصورة من الصور، بمعنى: الأنواع، فيقال: الماء طاهر، والخمر نجس. وعليه: فإذا شكّكنا باعتبار فصل في موضوع حكم، فنحن نعلم باعتبار فصل لا محالة، ولكنّه مردّدٌ بين أن يكون فصلاً بخصوصه، أو أحد الفصول على نحو التخيّير، ففي المثال حيث علمنا أنَّه لابدَّ أن يقع التيمّم على نوع من الأنواع الخارجيّة، لا على الجنس والهيولى المجرّدة، فلابدَّ أن يكون منفصلاً بفصلٍ ما لا محالة، إلّا أنَّنا نشكّ أنّ الفصل المعتبر هو فصل مخصوص، أو أيّ فصل كان سواء كان حجراً أو مدراً أو رملاً.
ــــــــــ[338]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إذن، يرجع الأمر إلى دوران الأمر بين التعيّين والتخيّير، والحكم في مثل ذلك هو التعيين؛ لأنّ الشكّ يرجع إلى مرحلة الامتثال. هذا ملخص كلامه إجمالاً.
ولكن لا يمكن المساعدة عليه، لأنَّه في مورد دوران الأمر بين التخيّير والتعيّين، قد يفرض الكلام في موارد التخيّير العقلي، فيكون الجامع العرفي موجوداً ولكنّنا نشكّ في أنَّ التكليف متعلّق بالجامع، حتّى يكون تخيّيرياً عقليّاً، أو بإحدى الحصّتين حتّى يكون تخيّيراً شرعيّاً، كما لو علمنا بوجوب إكرام العالم، وشكّكنا في وجوب إكرام الهاشمي، وأنَّ إكرامه بصفته حصّة من الجامع بنحو التخيّير العقلي، أو أنَّ التكليف متعلّق ابتداء به، وبغيره بنحو التخيّير الشرعي، والجامع العرفي بينهما موجود، والتكليف متعلّق به يقيناً.
وبما أنَّ الإطلاق لا تجري فيه البراءة، فيختصّ جريانها بطرف التقيّيد فقط، وبذلك يحرز أنَّ التكليف غير مقيّد، فأين الشكّ في الامتثال؟
وبعبارة أخرى: أن الشكّ في فراغ الذمّة وإن كان موجوداً وجداناً عند الإتيان بالأقلّ، إلا أنّ منشأ الشكّ هو الشكّ في مرحلة الجعل والمقدار الذي تعلّق به تكليف المولى، واشتغلت به الذمّة؛ إذ على تقدير أنَّ الذمّة مشغولة بالمطلق فالامتثال حاصل، وعلى تقدير اشتغالها بالمقيّد فالامتثال غير حاصل، فإذا أحرزنا ذلك بالأصل، وأنَّ التكليف لم يتعلّق بالمقيّد، فالمقدار الذي علمنا بتعلّق التكليف به قد أتينا به يقيناً، والزائد غير واجب لجريان البراءة عنه، فالشكّ في الامتثال راجع إلى الشكّ في التكليف وهو مجرى للبراءة، وإنَّما يكون
ــــــــــ[339]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الشكّ في الامتثال موجباً للاحتياط فيما إذا كان التكليف محرزاً وشكّ بامتثال التكليف المحرز، هذا إذا كان التخيّير عقليّاً.
ومن هذا القبيل مسألة التيمّم، فإنَّنا نعلم أنَّ التيمّم لابدَّ أن يكون على وجه الأرض، لكن نشكّ أنَّه مقيّدٌ بأن يكون تراباً، يعني: قسماً خاصّاً من وجه الأرض أو لا، فنشكّ في التخيّير والتعيّين، فالجامع معلوم، وهو: أن يكون التيمّم على وجه الأرض، فما لم يكن كذلك -كالمعادن من قبيل الذهب والفضة والزجاج- لا يجوز التيمّم به، والأقلّ معلوم، والإطلاق لا يجري فيه البراءة، ولكنَّها تجري في التقيّيد، فنحرز الامتثال بضميمة الأصل إلى الوجدان، فلا مجال للشكّ في الامتثال.
وأمّا إذا كان التخيّير شرعيّاً، وليس بينهما جامع عرفي كخصال الكفارة، كما لو شكّكنا أنَّ صوم شهرين متتابعين على نحو التعيّين، أو على نحو التخيّير بينه وبين الخصلتين الأخرتين، وليس بينهما جامع عرفي، ففي مثله نعلم أنَّ الصوم واجب جزماً، ولكن لا ندري أنَّه تعيّيني أو تخيّيري، فأيضاً الأمر يقتضي البراءة، وليس شكّاً في الامتثال.
والوجه في ذلك يظهر مّما ذكرناه في بحث الواجب التخييري(1): من رجوعه إلى وجوب الجامع الانتزاعي، بمعنى: أحد الأمرين أو الأمور، فإنَّه لا يعتبر في متعلّق التكليف أن يكون من المفاهيم والماهيّات المتأصّلة، وعنوان أحد
ــــــــــ[340]ــــــــــ
(1) انظر: غاية المأمول 1: 502، محاضرات في أُصول الفقه 3: 215، تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 304.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الأمرين قابل لتعلّق التكليف به شرعاً وعرفاً، وهذا هو المتصور والمعقول في الوجوب التخيّيري، وغيره غير معقول كما سبق في محلّه.
فمرجع الوجوب المردّد بين التعيّين والتخيّير إلى أنّنا نعلم بوجوب الجامع الانتزاعي، ونشكّ في اعتبار خصوصيّة أحدهما في الواجب، فأيضاً يجري الكلام المتقدّم، ويكون القيّد مجرى للبراءة دون الإطلاق، وتكون النتيجة هي التخيّير دون التعيّين.
فهذا الوجه الذي ذكره من أنَّ الشكّ يرجع إلى مرحلة الامتثال، وهو مورد لأصالة الاحتياط لا يصحّ، بل الشكّ نشأ من الشكّ في مقدار المجعول، فنأخذ بالمقدار المتيقّن، والزائد يكون مورداً للبراءة.
وذكر شيخنا الأستاذ(1) وجهاً آخر، وحاصله: أنَّ الواجب التعيّيني لا يحتاج إلى مؤونة زائدة أزيد من الإيجاب، ولا إلى ملاحظة العدل في كلّ من مرحلتي الثبوت والإثبات، فإذا شكّكنا في أنَّ الواجب تعيّيني أو تخيّيري، فبما أنَّ الواجب التخيّيري يحتاج إلى مؤونة زائدة، فمقتضى الأصل عدم أخذ الأمر الزائد فيثبت التعيّين.
وما ذكره من أنَّ مقتضى الحاجة إلى المؤونة الزائدة في مقام الإثبات صحيح، فقد ذكرنا في أوّل(2) بحث الأوامر: أنَّ ظاهر الأمر ومقتضى إطلاقه أن يكون تعيّينيّاً، لأنَّه لا يحتاج إلى ذكر عدل في مقام الإثبات، وأمّا الوجوب
ــــــــــ[341]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 3: 427، 428.
(2) تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 305، 306.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
التخيّيري فيحتاج إلى ذكر العدل والتقيّيد بكلمة (أو)، فإذا ورد الأمر في مقام البيان ولم يذكر له عدل فيحكم أنَّه واجب تعيّيني، سواء أتى بالطرف الآخر أو لا، إلّا أنَّه أجنبيٌّ عن محلّ الكلام، فإنَّ محلّ الكلام إنّما هو في الأصل العملي، وفي مورد لا يكون في الكلام إطلاق، وإلّا فلا تصل النوبة إلى الأصل العملي، بل يتكلّم في ظهور اللفظ، وتتعيّن التعيّينية بالدليل الاجتهادي، وكلامنا في الأصل العملي، فالقول بأنَّ التخيّير يحتاج إلى مؤونة زائدة أجنبي عن محلّ الكلام(1).
وأمّا بالنسبة إلى مرحلة الثبوت، وأنَّ التخيّير يحتاج إلى لحاظ مؤونة زائدة، فهو إنّما يتمّ على مسلكه من أنَّ الإطلاق هو عدم التقيّيد مّما من شأنه التقيّيد، فالإطلاق أمر عدمي والتقيّيد أمر وجودي، وأمّا على ما ذكرناه من أنَّهما متقابلان بتقابل التضادّ، لا العدم والملكة، فكلّ منهما يحتاج إلى لحاظ، بأن يلاحظ التقيّد بشرط شيء، ويلاحظ في الإطلاق لا بشرط، وكلّ منهما محتاج إلى مؤونة، فكيف يُقال: إنَّ الواجب التخيّيري يحتاج إلى مؤونة زائدة.
وبعبارة أخرى: أنَّ الواجب التخيّيري ليس قسماً من الواجب التعيّيني، بل هو قسيم له، وفي كلّ واحد خصوصيّة يمتاز بها عن الآخر، ولا ندري أنَّ الجاعل لاحظ هذه الخصوصيّة أو تلك.
على أنَّ ما ذكره لو تمّ -وهو غير تامّ- فإنَّه إنّما يتمّ في مورد التخيّير العقلي، كما لو شكّكنا في أنَّ التيمّم هو في خصوص التراب، أو بمطلق وجه الأرض،
ــــــــــ[342]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 306.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فيقال: إنَّ مطلق وجه الأرض ملحوظ لا محالة، ونشكّ في لحاظ خصوصيّة التراب التي وهي مؤونة زائدة، ومقتضى الأصل عدمها.
وأمّا في موارد التخيّير الشرعي كما إذا شكّكنا أنَّ الحكم متعلّق بأحد شيئين أو بأحدهما بخصوصه، ففي مثل ذلك لكلّ منهما خصوصيّة، خصوصيّة أحدهما بعينه، أو خصوصيّة أحدهما لا بعينه، فالخصوصيّة لابدَّ من لحاظها، فلا يتمّ ما ذكره من أنَّ الواجب التخيّيري يحتاج إلى مؤونة زائدة، فإنَّه والواجب التعيّيني متقابلان بتقابل التضادّ، ولكلّ منهما خصوصيّة، فلا أصل يعيّن أحدهما.
على أنَّه لو صحّ ما ذكره من أنَّ الواجب التخيّيري يحتاج إلى مؤونة، وهو لحاظ العدل في التخيّير العقلي والشرعي معاً، فهو من الأصل المثبت، إذ إنَّ أصل عدم لحاظ العدل لا يثبت كون الوجوب تعيينيّاً، إلّا بنحو الملازمة العقليّة. إذن، فكلامه لا يتمّ بوجه.
وقد ذكر وجه آخر، فيما إذا دار الأمر بين التعيّين والتخيّير، وهو: الرجوع إلى أصالة عدم وجوب الطرف الآخر، فيقال: إنَّ وجوب الصوم معلوم، ونشكّ في وجوب الطرف الآخر، وهو: الإطعام، والأصل عدم وجوبه، فبضميمة هذا الأصل إلى الوجدان وهو العلم بوجوب الطرف، وهو: الصوم، يتمّ بذلك أنَّ وجوبه تعيّيني، فإنَّ هذا واجب، وليس له عدل.
إلّا أنَّ هذا لا يرجع إلى محصّل، فإنَّ أصالة عدم وجوب الآخر إمّا أن يراد به البراءة أو الاستصحاب. وعلى تقدير الأوّل إمّا أن يكون المراد هو البراءة
ــــــــــ[343]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
العقليّة أو الشرعيّة، وجميع هذا باطل، وأمّا البراءة العقليّة -وهي حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان- فلا معنى لجريانها، فإنَّ الطرف الآخر بخصوصه لا نحتمل العقاب على تركه، سواء كان الآخر تعيّينياً أو تخيّيريّاً مع الإتيان به، وأمّا ترتب العقاب على تركه مع ترك الآخر، يعني: ترك الجامع، فهذا معلوم، وليس مشكوكاً ليتمسّك فيه بالبراءة العقليّة.
وأمّا البراءة الشرعيّة فأيضاً كذلك، إذ التخيّير معناه: أنَّ الشارع رفع المؤاخذة، ولم يوجب الطرف الآخر، والوجوب ليس بشامل له، وهذا يقتضي الإطلاق، وهو توسعة على المكلّف، فلا تجري فيه البراءة، وأمّا خصوص الطرف الآخر فلا يحتمل أن يكون واجباً ليتمسّك فيه بالبراءة.
وبعبارة أخرى: أنَّه في موارد التخيّير يكون الواجب هو الجامع مردّداً بين أن يكون واجباً على الإطلاق وشاملاً للطرفين، أو خاصّاً بأحدهما دون الآخر، فما معنى القول بأصالة عدم وجوب الطرف الآخر؟! فإنَّه بخصوصه لا يحتمل وجوبه، ووجوبه في ضمن الجامع عبارة أخرى عن التخيّير بمعنى الإطلاق، وهو توسعة على المكلّف، فأصالة البراءة لا مجال لجريانها.
وأمّا الاستصحاب لعدم وجوب الطرف الآخر فيرد عليه:
أوّلاً: مثبت، فإنَّه لا يثبت به أنَّ الواجب تعيّيني.
ثانياً: هو معارض مع عدم وجوب الأوّل تعيّيناً، فإنَّ مرجع هذا الشكّ إلى العلم بجعل وجوب من قبل الشارع مردّد بين أن يتعلّق بالمطلق أو بالمقيّد، وكلٌّ منهما تكليف حادث، وأصالة عدم وجوب المطلق وأصالة عدم وجوب
ــــــــــ[344]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
المقيّد متعارضان، فليس هنا أصل يقتضي التعيّين.
فالصحيح في موارد دوران الأمر بين التعيّين والتخيّير يرجع المكلّف إلى التخيّير دون التعيّين، بل الصحيح أنَّ هذا العنوان باطل من أصله، فإنَّه ليس شيء في قبال دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، بل هو هو بعينه، فليست هذه مسألة مستقلّة في قبال تلك المسألة على ما يظهر من غير واحد من الكلمات، ففي بعض الموارد تمسّكوا بالبراءة؛ لأنَّه من دوران الأقلّ والأكثر، وفي بعض الموارد تمسكوا بالاشتغال؛ لأنَّه من دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، بل هما مسألة واحدة، بأن نشكّ في اعتبار خصوصيّة في الواجب زائداً على القدر الجامع بينه وبين غيره، ففي مثال التيمّم غاية ما نعلمه هو: أنَّنا إذا لم نتيمّم بشيء من وجه الأرض نعاقب، وأمّا وجوب التيمّم بخصوص التراب فمشكوك، ومعناه الشكّ في شرطيّة هذه الخصوصيّة واعتبارها في الواجب، فالمسألتان معاً عين أحدهما الآخر بلا زيادة ونقيصة، وقد عرفنا أنَّ الحكم فيها هو البراءة دون الاشتغال.
ومن هنا يظهر أنَّه كلّما دار الأمر بين التعيّين والتخيّير وكان المكلّف متمكناً من كليهما فهو مخيّر بينهما. نعم، لو فرضنا أنَّه في مورد حصل هذا الشكّ، ولكن المكلّف غير قادر على الإتيان بما هو معلوم الوجوب في الجملة المردّد بين التعيّين والتخيّير، وكان قادراً فقط على ما هو محتمل أن يكون عدلاً له، مثلاً: كان يعلم بوجوب الصوم لشهرين متتابعين، ويحتمل أن يكون الإطعام عدلاً له لو كان تخيّيريّاً، ولم يكن المكلّف متمكّناً من الصوم، ونتيجته: أنَّ الوجوب على تقدير كونه تعيّينيّاً قد سقط ولا يجب عليه شيء، لأنَّه عاجز عن امتثاله،
ــــــــــ[345]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وعلى تقدير كونه تخيّيريّاً فالوجوب باقٍ؛ لأنَّه متمكن من الطرف الآخر، ففي مثل ذلك ينتفي الحكم، ويكون الواجب تعيّينيّاً، ولا يجب عليه شيء.
وذلك: لأنَّ مرجع الشكّ إلى الشكّ في وجوب الإطعام عند تعذّر الصيام، وحديث الرفع المقتضي للامتنان يقتضي رفع هذا الوجوب، فتختلف نتيجة هذا الأصل، ففيما إذا كان المكلّف متمكّناً منهما فمقتضى الامتنان هو الإطلاق وعدم التضيّيق بالتعيّين، وإذا لم يكن متمكناً من معلوم الوجوب في الجملة فمقتضى الامتنان التعيّين وعدم جعل العدل، وتجري فيه البرائتين.
الصورة الأولى: قد يفرض دوران الأمر بين التعيّين والتخيّير في مرحلة الامتثال، مع إحراز أنَّ الحكم في نفسه تعيّينيٌ، كما لو كان حكمان تعيّنيّين في أنفسهما فمع تمكن المكلّف من امتثالهما لوجب الامتثال، ولكن المكلّف عاجز عن الجمع بينهما، ففي مثله يحكم بسقوط الإطلاق لا محالة، لاشتراط التكليف بالقدرة، وهذا أحد أبواب التزاحم، فنحن لو أحرزنا أنَّ أحد الواجبين أهمّ فإنَّه يتقدّم على الآخر لا محالة؛ إذ لا موجب لرفع اليد عن إطلاقه فيتعيّن، ويسقط التكليف الآخر، ولو أحرزنا أنَّهما متساويّان، كما في غريقين متساويّين في الإسلام، والمكلّف عاجز عن إنقاذهما معاً، وإنَّما يتمكن من إنقاذ أحدهما بالخصوص، ففي مثل ذلك يسقط الإطلاقان؛ لعدم الترجيح، فتكون النتيجة: هي التخيّير، لا أن التكليف تخيّيري، فإنّ كّلاً منهما يكون مقيّداً بعدم الإتيان بالآخر، باعتبار عدم تمكن المكلّف من الجمع بينهما.
ــــــــــ[346]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وأمّا إذا لم نحرز أهمّيّة أحدهما ولا تساويهما، واحتملنا أنَّ أحدهما المعيّن أهمّ ويحتمل مساواته للآخر، ففي مثله يدور الأمر بين التعيّين والتخيّير لا محالة؛ لأنّه لو كان أهمّ لكان متعيّناً في مرحلة الامتثال على ما تقدّم، وإن كان مساوياً لكان المكلّف مخيّراً بينه وبين الآخر كما ذكرنا.
وقد ذكرنا(1) في مبحث الترتّب: أنَّ احتمال التعيّين كافٍ في التعيّين، فإنَّه على تقدير التساوي يسقط الإطلاقان، وعلى تقدير الأهمّيّة يسقط إطلاق الطرف الآخر فقط. إذن، نعلم بسقوط إطلاق الآخر جزماً، وأمّا محتمل الأهمّيّة فنحتمل بقاء إطلاقه، فلم يعلم سقوط الإطلاق فيؤخذ به، فالنتيجة: هي الأخذ بما احتمل أهمّيّته، ففي كلّ مورد دار الأمر فيه بين التعيّين والتخيّير في مرحلة الامتثال لابدَّ من الأخذ بالتعيّين.
الصورة الثانية: قد يفرض دوران الأمر بين التعيّين والتخيّير في الأحكام الظاهريّة في مرحلة الحجّيّة، فنعلم إجمالاً بحكم ظاهري وحجّيّة شيء، ولكنَّها مردّدة بين التعيّين والتخيّير، ولا شكّ أنَّه لابدَّ للعامي من الرجوع إلى العالم في واجباته الشرعيّة؛ لأنَّه مكلّف بالأحكام، ولا طريق له إلى معرفتها إلّا سؤال أهل الذكر، وهو العالم الحجّة في حقّه جزماً، فالحجّيّة ثابتة، لكن أحدها يدور بين أن يكون قول العالم حجّة مطلقاً وثابتة للأعلم، أو أن تكون تخييريّة بين الأعلم وغيره، فإذا كان هنا دليل اجتهادي في مرحلة الإثبات يعيّن أحد الأمرين فلا إشكال، وإن لم يكن ذلك وانتهى الأمر إلى الأصل العملي فمقتضى
ــــــــــ[347]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أُصول الفقه 3: 336.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الأصل التعيّين في دوران الأمر بين التعيّين والتخيّير، ولابدَّ من الحكم بوجوب تقليد الأعلم.
والوجه في ذلك ظاهر، وهو: أنَّ الشكّ في الحجّيّة مساوق للقطع بعدمها، فإنَّه لا يجوز نسبة شيء إلى الله تعالى من غير دليل، وحيث لا يمكن الأخذ بشيء واعتباره حجّة إلّا بعد العلم بالحجّيّة، فمع الشكّ بالحجّيّة يبنى على عدمها، فإذا دار الأمر بين التعيّين والتخيّير فما نحتمل تعيّينه حجّة جزماً إمّا تعيّيناً أو تخيّيراً؛ إذ لا يحتمل وجوب تقليد غير الأعلم تعيّيناً، وأمّا قول غيره فنحتمل أن لا يكون حجّة، والشكّ في الحجّيّة مساوق للقطع بعدمها، فالنتيجة: تعيّن المتعيّن بتقليد الأعلم.
الصورة الثالثة: قد يفرض دوران الأمر بين التعيّين والتخيّير في مرحلة الجعل، وهي تتصور على قسمين:
القسم الأوّل: أن نعلم بوجوب كلّ من الواجبين، بأن كان كلّ من الفعلين واجباً في الجملة جزماً، ولكن لا ندري أنَّ وجوبهما على نحو التعيّين أو على نحو التخيير، فيفرض أنَّ المكلّف لا يتمكن من أحدهما وإنّما يتمكن من الآخر، ففي مثل ذلك لا أثر لهذا الشكّ، فإنَّه سواء كان الوجوب تعيّينيّاً أو تخيّيريّاً، فإنَّه لابدَّ من الاتيان بالآخر، فإن كان وجوبه تعيّينيّاً فواضح، وإذا كان تخيّيريّاً فبما أنَّ الآخر غير مقدور فيتعيّن هنا الطرف الآخر، فلا أثر لهذا الشكّ.
إنّما الأثر لهذا الشكّ يترتّب فيما إذا كان المكلّف متمكناً منهما، فإذا كان الوجوب تخيّيريّاً يجوز له الاكتفاء بأحدهما، وإذا كان تعيّينيّاً لابدَّ من الإتيان بهما
ــــــــــ[348]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
معاً، وحينئذ فالمكلّف لا يدري أنَّ وظيفته الفعليّة من ذلك التعيّين والتخيّير، فالوجوب في كلٍّ منهما مردّدٌ بينهما.
وإذا شكّكنا في ذلك فالظاهر هو الرجوع إلى البراءة، فإنَّه من الشكّ بين الأقلّ والأكثر لا محالة، فإنَّنا ندري بوجوب الجامع بينهما وجداناً الأعمّ من المطلق والمقيّد، وإنَّما الشكّ في وجوب الخصوصيّتين ليكون الواجب أمرين: هذا بخصوصه أو ذاك بخصوصه، فنقتصر على المقدار المعلوم، والمقدار الزائد مجهول؛ فيندفع بالبراءة العقليّة والشرعيّة.
وبعبارة أخرى: المعلوم لنا هو تركهما معاً، وهذا موجب للعقاب، وأمَّا ترك أحدهما عند الإتيان بالآخر فغير معلوم فتجري عنه البراءة.
القسم الثاني: إذا علمنا بوجوب شيء، وعلمنا أنَّ الشيء الآخر مسقط لذلك جزماً، ولكن لا ندري أنَّ الآخر المسقط، هل هو واجب تخيّيري عدل للآخر؛ لأنَّه طرفٌ للتخيّير، فإنَّ الإتيان بأحد طرفي الواجب التخيّيري مسقط للتكليف بالجامع، أو من جهة أنَّ التكليف مشروط بعدم الإتيان به، فلو أَتى المكلّف به سقط هذا الوجوب، نظير سقوط الصوم في رمضان في السفر، مع أنَّ السفر ليس عدلاً للصوم في وجوبه، فقد نفرض المكلّف متمكّناً من الإتيان بأصل الفعل، وبما يعلم أنَّه مسقط له، فهنا لا أثر لهذا الشكّ، فإنّه كان الوجوب تخيّيرياً أو تعيّينيّاً، وكان الآخر مسقطاً له، فله أن يأتي بهذا أو ذاك، وإنَّما الاثر لهذا الشكّ يظهر فيما إذا فرضنا تعذّر هذا الفعل الذي نعلم بوجوبه مردّداً بين التعيّين والتخيّير، فلو كان تعيّينيّاً ومشروطاً بعدم الآخر فقد سقط بالتعذّر ولا
ــــــــــ[349]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
حاجة إلى المسقط، وأمّا إذا كان تخيّيريّاً وتعذّر فإنَّه يجب الإتيان بالطرف الآخر امتثالاً للتكليف الجامع بينهما.
ومعلوم أنَّ الاصل العملي في المقام هو البراءة، فإنَّه إذا تعذّر هذا الفعل فنحتمل وجوب الآخر وجوباً تخيّيريّاً، ليجب الإتيان به بحكم العقل عند تعذّر عدله، ومقتضى البراءة العقليّة والشرعيّة عدم وجوبه كذلك، فالنتيجة تكون تابعة للتعيّين، لا بمعنى: إثبات أنَّ الواجب تعيّيني، بل نتيجة ذلك: عدم وجوب الإتيان بالطرف الآخر، فالحكم في هذه الصورة عكس الصورة السابقة، يعني: أنَّ هناك تظهر الثمرة في فرض التمكن، وهنا تظهر في فرض التعذّر.
والكلام في صغرى هذه الكبرى، حيث ذكروا لها مورد القراءة في الصلاة، فقالوا: إنَّ القراءة واجبة في الصلاة بلا إشكال، ولا شكّ في سقوط القراءة عند الإئتمام، ولكن لا ندري أنَّ الإئتمام بدل عن القراءة، يعني: أنَّ الواجب تخيّيري، وأنَّ المكلّف مخيّر بين القراءة والإئتمام، أو أنَّ الإئتمام مسقط للقراءة، وتظهر النتيجة فيما إذا لم يتمكّن المكلّف من القراءة في الصلاة لعذر أو تعذّر، فهل يجب عليه الإئتمام أو لا؟
إذا كان الوجوب تخيّيريّاً يجب عليه الإئتمام، لأنَّه لم يتمكن من عدله، فيجب عليه هذا العدل، وإذا كان الإئتمام مسقطاً للقراءة، فعند تعذّرها لا يجب عليه الإئتمام؛ لأنَّه لم يكن عدلاً للواجب، فلا دليل على وجوبه.
وذكر شيخنا الأُستاذ(1): يستكشف من بعض الروايات: أنّ الإئتمام مسقط،
ــــــــــ[350]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 217، 218.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
لا أنَّه بدل وعدل له، وأنَّ ما ورد في حقّ بلال من أنَّ: (سين بلال شين)، يمكن أن يستفاد منها: أنَّ كلّ من يتمكّن من شيء من القراءة يكون ما يتمكن منه قائماً مقام القراءة الصحيحة، فإذا كان غير متمكن من القراءة لا يجب عليه الإئتمام، لأنَّ القراءة غير الصحيحة قائمة مقام الصحيحة، فلو كان الإئتمام واجباً تخيّيرياً لوجب على بلال الإئتمام، مع أنَّه قيل: (سين بلال شين).
وفيه:
أوّلاً: أنَّ هذه الرواية ليست صحيحة، ولم تثبت عن رسول الله لتكون مدركاً للحكم الشرعي.
وثانياً: لو فرضنا أنَّها صحيحة، فهي أجنبيّة بالكلّيّة عن محلّ الكلام، فإنَّ فاتحة الكتاب ليس فيها حرف الشين حتّى يُقال: إنَّ القراءة لو كانت واجباً تخيّيرياً لأوجب النبيّ الإئتمام، وإنَّما يوجد الشين في التشهد، ومعلوم أنَّه ليس مّما ينوب به الإمام عن المأموم كالقراءة.
ودعوى استفادة كبرى كلّيّة من هذه الرواية، وأنَّ كلّ من يتمكن من مقدار من القراءة، فإنَّها تقوم مقام القراءة الصحيحة، وهذا بحاجة إلى دليل آخر، ولا يستفاد من هذه الرواية.
بل ذكر هذا المورد صغرى لتلك الكبرى ليس بصحيح، فإنَّ مسألة القراءة ليست من باب دوران الأمر بين التعيّين والتخيّير، لأنّ القراءة ليست واجباً مستقلّاً، وإنَّما هي جزء من الصلاة، والمكلّف مخيّر بين الصلاة فرادى والصلاة جماعة، ولكلّ منهما أحكام، والجماعة أفضل، كتخيّيره بين الصلاة في البيت أو
ــــــــــ[351]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
في المسجد، وأنَّ المسجد أفضل، فالتخيّير بين المركّبين لا بين الجزئين، فهذا التخيّير ثابت جزماً، ولكنّه ليس بين القراءة والإئتمام، بل بين الصلاة فرادى والصلاة جماعة، فالجزء لا أثر له في المقام.
ومن الظاهر أنَّ كلّ من لم يتمكن من الإتيان بفرد وبصنف لابدَّ له من الإتيان بالفرد الآخر، فمن لم يستطع الصلاة جامعة للشرائط فرادى وجبت عليه بالإتيان بها جماعة.
ومن هنا لو فرضنا أنَّ المكلّف لم يتمكن من الإتيان بالقراءة لضيق الوقت، ووجد إماماً راكعاً -بحيث لا يجب عليه القراءة- فإنَّه يجب عليه الإئتمام؛ لأنَّه لا يجوز له التأخّر عن وقت الصلاة، مع التمكن من الإتيان بها جماعة في الوقت.
ولكن في خصوص من لم يتمكن من القراءة الصحيحة أو القراءة التامّة وردت عدة روايات تدلّ على: أنَّ من لم يتمكن من القراءة التامّة يأتي بما يحسن منها، فإنَّه يكفي، ولو فرضنا أنَّه دخل الإسلام جديداً، ولم يتمكن من هذا أيضاً يقرأ ما يعرف من القرآن، فإن لم يعرف شيئاً يذكر الله تعالى، فهذا بحسب الأدلة الخاصّة، وإلّا لكان الإئتمام واجباً.
وعلى الجملة فإنَّ مسألة القراءة ليست من صغريات كبرى تلك القاعدة.
ــــــــــ[352]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إذا علمنا بشرطيّة شيء أو بجزئيّته في الجملة، وعلمنا أنَّه لا يجوز تركه في حال الالتفات، ولكن شكّكنا في بطلان العمل وصحّته، مع الإتيان بذات الواجب فاقداً لجزء نسياناً، فهل يحكم بصحّته، بدعوى: أنَّ الجزئيّة والشرطيّة مختصّتان بحال الذكر، ولا يعمّان حال النسيان، أو أنَّهما مطلقان فيحكم بالفساد عند تركه نسياناً، فوقع الكلام فيما هو الأصل في المقام، هل مقتضاه هو الصحّة، إلّا أن يقوم دليل على أنَّ الشرطيّة مطلقة فيحكم بالبطلان، أو العكس؟
إذا كان ترك السجدة الواحدة أو الذكر أو الطمأنينة ونحوها للنسيان فيحكم بالصحّة بلا إشكال للأحاديث التي وردت في بعض الموارد ولحديث: (لا تعاد)، فإنَّ حديث (لا تعاد) مطلق، خرجنا منه في بعض الموارد ويبقى الباقي، فتكون الصلاة بتركه صحيحة.
إلّا أنَّ الكلام وقع في أنَّ الحكم بصحّة الصلاة، هل هو من جهة من الجزئيّة خاصّة بحال الالتفات، أو لأنَّ العمل الفاقد لجزء أو شرط واجد للملاك ومحصّل له، فالسقوط يكون من جهة حصول الملاك، وهذا لا أثر له في
ــــــــــ[353]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
باب الصلاة، فإنَّها يحكم بصحّتها لا محالة، بلا فرق بين أن يُقال باختصاص الشرطيّة والجزئيّة، أو باشتمال العمل على الملاك في هذا الحال، إلّا أنَّ أثره يظهر في مورد آخر من جهة أنَّ الناسي للجزء الفاقد، هل تكليفه أمر معقول، حتّى يتكلّم في مرحلة الوقوع، أو أنَّ الناسي غير قابل للتكليف أصلاً، فإذا لم يكن الناسي قابلاً لتوجّه التكليف. إذن، يكون سقوط التكليف من جهة الملاك لا محالة، وما لا دليل على اشتماله على الملاك لا يحكم بصحّته.
ربما يُقال باستحالة ذلك، وأنَّ الناسي لا يعقل أن يكلّف بشيء أصلاً، وقالوا في وجهه: إنَّ الناسي إمّا أن يلتفت إلى نسيانه، أو لا يلتفت، وليس هنا شقُّ ثالث، فإنَّ النقيضين لا يرتفعان، وعلى كلا التقديرين لا يمكن تكليفه بشيء.
أمّا على تقدير الالتفات فواضح؛ لأنَّه إذا التفت إلى نسيانه كان ذاكراً فيتبدّل الموضوع، وإذا كان غافلاً عن النسيان ويتخيّل أنَّه أتى بتمام المأمور به في حقّه، فالغافل لا يمكن أن يتوجّه إليه التكليف، لأنَّه يعتبر في فعليّة التكليف إمكان الانبعاث، والغافل لا يعقل في حقّه الانبعاث، فعلى كلا التقديرين لا يمكن أن يكون الناسي مكلّفاً بشيء، فيتعيّن أن يكون السقوط من جهة الوفاء بالملاك، لا من جهة الامتثال وحصول المأمور به. ويترتّب عليه: الحكم ببطلانها في كلّ مورد لم يدّل دليل على السقوط، ولم يدلّ الدليل على وفاء الفاقد بالملاك.
وقد أجاب صاحب الكفاية(1) عن ذلك بوجهين:
ــــــــــ[354]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 368.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أوّلهما: أنَّ تكليف الناسي بعنوان كونه ناسيّاً، وإن كان غير ممكن كما ذكرنا، إلّا أنَّ المولى يوجّه الخطاب إلى الناسي بعنوان ملازم للنسيان لا نفس النسيان، والمكلّف وإن لم يكن ملتفتاً إلى الملازمة لا محالة، وإلّا لم يكن ناسيّاً، إلّا أنَّه ملتفت إلى اللازم، ويلتفت إلى وجدانه للعنوان المأخوذ في الخطاب، ففي مقام الثبوت يمكن تكليف الناسي بعنوان ملازم للنسيان.
وفيه: أنَّ فرض مثل هذا العنوان في عالم الثبوت وإن كان ممكناً، إلّا أنَّه ملحق بأنياب الأغوال، فإنَّ النسيان لا ينحصر في شخص أو زمان أو شيء معيّن، فقد يكون الإنسان ذاكراً للشيء في زمان ناسيّاً له في زمان آخر، وقد يكون ذاكراً لشيء وناسياً لآخر في زمان واحد، والناس لا ينقسمون إلى قسمين: ناسين وغير ناسين، حتّى يتوجّه التكليف إليهم، وإنَّما النسيان يختلف في الشخص الواحد فضلاً عن الكثيرين اختلافاً كثيراً، فهذا الفرض وهمي لا وجود له.
ثانيهما: -وهو العمدة- أنَّ تكليف الناسي بعنوانه وإن كان غير ممكن، ولكن تكليفه بعنوانه مكلّفاً من المكلفين أو مسلماً من المسلمين أو مؤمناً من المؤمنين ممكن، فيمكن أن يتوجّه الخطاب إلى عامّة المكلّفين بوجوب الإتيان بالأركان، وما يبطل بتركه عمداً أو نسياناً، ويكلّف الذاكرون فقط بذكر السجود وبالتشهد وبالطمأنينة ونحوها من الأجزاء والشرائط، وتكون النتيجة: أنَّ الناسي مكلّف بغير ما نسيه من الأجزاء، لكن لا بعنوان كونه ناسيّاً، بل بعنوان كونه مكلّفاً، فلو صلّى صلاة ناقصة نسياناً لغير ركن، فقد أتى
ــــــــــ[355]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
بالأركان وأتى بسائر الأجزاء والشرائط التي يلتفت إليها، وما تركه لا يكون مكلّفاً به.
والظاهر أنَّ هذا مراد شيخنا الأنصاري(1): من أنَّه يمكن تكليف الناسي بالفاقد، وإن كان مشتبهاً في التطبيق، والله العالم.
وعلى الجملة: فإنَّ الناسي مشتبه بتخيّل أنَّ صلاته كصلاة سائر المسلمين، والحال أنَّه ليس كذلك. إذن، فالناسي قابل لأنَّ يتوجّه إليه التكليف، لكن لا بعنوان كونه ناسياً، لكن بهذا النحو الذي ذكرناه، وما ذكره صحيح.
ومن هنا يظهر أنَّ ما ذكره شيخنا الأستاذ(2) إشكالاً على الشيخ من أنَّ هذا ليس من مورد الخطأ في التطبيق، فإنَّ الخطأ في التطبيق إنّما يكون إذا كان المكلّف ملتفتاً إلى الأمرين، ويتخيّل أنَّه من هذا القسم، ثُمَّ ينكشف أنَّه من القسم الآخر، كما لو كان ملتفتاً إلى وجوب الفعل، وأتى به بصفته واجباً، ثمَّ انكشف أنَّه مستحب، فهذا من الخطأ في التطبيق، وأمّا في المقام فلا يمكن التفات الناسي إلى النسيان، فلا يكون من موارد الخطأ في التطبيق.
والظاهر أنَّ الشيخ الأعظم يريد ما ذكره صاحب الكفاية، فإنَّ الناسي يتخيّل أنَّ ما أتى به هو صلاة كصلاة سائر المسلمين، والحال أنّه مخطأ في التطبيق، وليس هذا من ذاك، بل هو قسم آخر. وكيفما كان فما ذكره صاحب الكفاية صحيح، فيمكن أن يكون مورداً للتكليف.
ــــــــــ[356]ــــــــــ
() حكاه عنه الميرزا النائيني في فوائد الأُصول 4: 211.
(2) انظر: فرائد الأُصول 4: 211، 212.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إذا عرفت ذلك، فنقول: يقع الكلام في ما إذا شكّكنا في جزء أو شرط أنَّه مختصّ بحال العمد، فيكون الناسي مكلّفاً بغير هذا الشرط أو الجزء، أو أنَّ الشرط مطلق بلا فرق بين الناسي وغيره، فالبحث فيما تقتضيه الأُصول اللفظية أو العمليّة، وهنا مقامان:
إذا كان لدليل الواجب إطلاق، ولم يكن للدليل المقيّد إطلاق، وإنَّما ثبتت الجزئيّة أو الشرطيّة بإجماع أو سيرة أو بدليل لفظيٍّ ليس في مقام البيان، وشكّكنا أنَّ الشرطيّة مطلقة أو مقيّدة بحال التذكّر، فنتمسّك بدليل الواجب، ولا تصل النوبة إلى الأصل العملي، فلو كان لدليل الصلاة إطلاق ولم يكن للجزء أو للشرط إطلاق كالطمأنينة، فإنَّ المعروف أنَّها ثابتة عن طريق الإجماع، والمكلّف تركها في الصلاة نسياناً، فمقتضى إطلاق دليل الواجب هو صحّة الصلاة، فلو شكّكنا في هذا الجزء هل هو جزء على الإطلاق أو جزء حال التذكّر دون النسيان، فدليل المقيّد لا يكون له إطلاق لحال النسيان فيتمسّك بإطلاق دليل الواجب، ومقتضاه أنَّ المركّب الفاقد للجزء المنسي مأمور به في هذا الحال، فيحكم بصحّته، ولا تصل النوبة إلى الأصل العملي.
وإذا لم يكن لدليل الواجب إطلاق، ولا للدليل المقيّد الدالّ على الجزئيّة أو الشرطيّة، ففي هذا المورد لا يمكن التمسّك بالإطلاق لأيّ من الدليلين، فتصل النوبة إلى الأصل العملي الذي نتكلّم فيه عن قريب إن شاء الله تعالى.
وأمّا لو فرضنا أنَّ لدليل الجزئيّة إطلاق؛ إذ كان دليلاً لفظيّاً في مقام البيان،
ــــــــــ[357]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
كقوله: “لَا صَلَاةَ إِلَّا إِلَى الْقِبْلَة“(1) أو “لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُور“(2)، ومقتضاه أنَّ الطبيعة لا تتحقّق إلّا إذا كان المركّب إلى القبلة وبطهور، ولا يفرق حينئذٍ بين أن يكون لدليل الواجب إطلاق أو لم يكن؛ إذ على أيّ حال لابدَّ من الحكم ببطلان العمل، فلو أتى بالصلاة مستدبراً ناسياً يحكم ببطلان صلاته؛ لأنَّ الصلاة لا تتحقّق إلّا إلى القبلة.
فإذا لم يكن له إطلاق فواضح، فإنَّه ليس هنا إلّا إطلاق دليل المقيّد، وإن كان له إطلاق فلابدَّ من رفع اليد عنه؛ لأنَّ إطلاق المقيّد والمخصّص يتقدّم على إطلاق العامّ، ويكون قرينة عليه، فيؤخذ بالدليل المقيّد، والنتيجة: هو الحكم بفساد العمل، ففي هذه الصور يتمسّك بالدليل الاجتهادي، ولا تصل النوبة إلى الأصل العملي.
إلا أنَّه يقع هناك كلام من جهات:
الجهة الأوّلى: أنَّه قد يتخيّل أنَّ دليل الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة إذا كان بلسان الأمر أو النهي، كالأمر بالاستقبال أو التستّر أو بذكر الركوع، أو النهي عن الصلاة فيما لا يؤكلّ لحمه فلا إطلاق له جزماً، فإنَّ الناسي يستحيل أن يؤمر بشيء أو ينهى عن شيء، فلا يكون هذا الأمر والنهي شاملاً للناسين، فيدخل هذا في المتقدّم، وهو: ما إذا كان لدليل الواجب إطلاق، ولم يكن لدليل الجزئيّة إطلاق، فلو نسي جزءاً أو شرطاً أو أتى بمانع ثابت بالأمر أو النهي
ــــــــــ[358]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 278، باب القبلة، الحديث: 855.
(2) المحاسن 1: 78، عقاب من تهاون بالوضوء، الحديث: 1.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فيتمسّك بإطلاق دليل الواجب إذا كان له إطلاق.
والصحيح أنَّ هذا لا يتمّ، فإنَّ هذه الأوامر والنواهي إذا كانت مولويّة، فالأمر كما ذكروه، فإنَّ البعث والزجر لا يتوجّه إلّا إلى الذاكر دون الغافل والناسي، ولكن ذكرنا(1): أنَّ هذه الأوامر والنواهي ليست مولويّة بل المستفاد منها هو الإرشاد إلى الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة، ويكشف عن ذلك وجود هذه الأوامر في باب المعاملات بالمعنى الأعمّ، فمثل قوله: “نهى النبيّ عن بيع الغرّر“(2) لم يتوهم أحدٌ أنَّه محرّم من المحرّمات الإلهيّة، بل المستفاد من فساد البيع الغرّري كذلك لو ورد أمر كالأمر بالإقباض في الهبة، أو في الرهن، فلا يستفاد منها الوجوب، بل شرطيّة الإقباض، وكذلك في الأمر بالغسل من أبوال ما لا يؤكلّ لحمه، فيستفاد منه أنَّه لا يطهر إلّا بالغسل.
فهذه الأوامر والنواهي الواردة بلسان واحد لا يستفاد منها إلّا الشرطيّة والجزئيّة والمانعيّة حسب اختلاف الموارد، فإذا لم تكن هذه الأوامر والنواهي مولوية، بل إرشاد إلى الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة، فهي في حكم الجملة الخبرية، فيكون معنى: “اغْسِلْ ثَوْبَكَ مِنْ أَبْوَالِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُه“(3) بمنزلة قولك: إنَّ ثوبك نجس ولا تزول نجاسته إلّا بالغسل بالماء.
إذن، كيف يمكن دعوى أنَّ هذه الأوامر والنواهي مختصّة بالذاكرين وغير
ــــــــــ[359]ــــــــــ
(1) محاضرات في علم الأُصول 4: 173.
(2) عوالي اللئالي 2: 248، باب المتاجر، الحديث: 17. مع اختلاف بعض الألفاظ.
(3) الكافي 3: 57، باب أبوال الدواب وأرو، الحديث: 3.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
شاملة للناسين، فإنَّ ظاهر الأمر بذكر الركوع مثلاً أنَّه جزء في الصلاة غير مختصّ بحال دون حال، فالجزئيّة مطلقة.
الجهة الثانية: أنَّ الجزئيّة المطلقة غير معقولة في نفسها، وكذلك الشرطيّة والمانعيّة فكيف يمكن البحث في مقام الإثبات، فيقال: هل الجزئيّة مطلقة أو مقيّدة بحال الذكر.
وذلك: أنَّ هذه الأحكام الوضعيّة قابلة للوضع، ولكن بتبع منشأ انتزاعها، فالشرطيّة تنتزع من الأمر بالمقيّد، والجزئيّة تنتزع من الأمر بشيء وشيء، والمانعيّة تنتزع من الأمر بشيء مقيّد بعدمه، فهذه الأمور غير قابلة للجعل ابتداء، بل بتبع منشأ الانتزاع، فإذا كان الأمر كذلك، فهل يعقل الأمر بواجب مطلقاً للناسي وغيره، حتّى يكون الناسي مكلّفاً بالمقيّد، حتّى يُقال: إنَّ الشرطيّة مطلقة لحال النسيان، فبما أنَّ الأمر مركّب من الجزء المنسي وغيره فلا يكون معقولاً؛ لأنَّه تكليف بما لا يطاق، فالشرطيّة والجزئيّة والمانعيّة المطلقة غير معقولة.
والجواب عن هذا لعلّه ظاهر: فإنَّنا لا نريد بالجزئيّة المطلقة أنَّ هذا جزء حتّى حال النسيان، فإنَّ الناسي مكلّف بالمركّب من الجزء المنسي وغيره، أو بالمقيّد بالمنسي أو بعدمه، فهذا غير معقول. بل مرادنا من الإطلاق في المقام أنَّ جزئيّة هذا الجزء ثابتة في جميع الأحوال، ففي أيّ مورد كان الأمر بالمركّب فهذا جزؤه، ولا يتصور أمر بالصلاة إلّا مع القبلة أو مع الطهور، فمتى ثبت الأمر بالصلاة فالأمر بالقيّد موجود، ونتيجة ذلك: أنَّه إذا كان المركّب فاقداً للجزء أو للشرط أو لعدم المانع فهذا غير مأمور به، فيحكم ببطلانه؛ لأنَّه غير مأمور به.
ــــــــــ[360]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فعلى ذلك إذا فرضنا أنَّ لدليل الواجب إطلاق أو ليس له إطلاق، وكان لدليل الشرط أو الجزئيّة أو المانعيّة إطلاق، فمقتضاه هو أنَّ الطبيعة لا تتحقّق إلّا مع القيّد، فلو نسي الإتيان بالقيّد يحكم ببطلان العمل.
الجهة الثالثة: قد يتوهّم أنَّ دليل الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة وإن كان له إطلاق، فمع ذلك لا تكون الجزئيّة مطلقة، بل يختصّ بحال الذكر، ويظهر حال غير النسيان من الكلام في النسيان.
وذلك: من جهة حديث الرفع، فإنَّه قد ذكرنا(1): أنَّ الرفع يختلف باختلاف متعلّقه، فقوله: (ما لا يعلمون) رفع ظاهري، لا رفع واقعي، وأنَّه في ظرف الجعل لا تكليف واقعاً، فإنَّه غير معقول، فإنَّه إذا كان التكليف خاصّاً بالعالمين، فما معنى الشكّ فيه؟ بل يقطع بعدمه، فلابدَّ من فرض تكليف مشترك يتعلّق العلم به تارة والجهل أخرى، ويكون حال الجهل مرفوعاً رفعاً ظاهريّاً غير واقعي.
وأمّا العناوين الأخرى غير ما لا يعلمون، فإنَّ الرفع فيها رفع واقعي، فما يضطر إليه وما يكره عليه لا يكون محرّماً واقعيّاً، وكذلك النسيان، فلو شرب النجس نسياناً لا يكون هذا محرماً واقعاً، فهذه الرواية ناظرة إلى الأدلّة المثبتة للتكاليف وحاكمة عليها جميعاً، ونتيجة ذلك تخصيص الأحكام على اختلافها التحريميّة والوجوبيّة بغير مورد النسيان والخطأ والإكراه وغيرها من هذه العناوين، ولا فرق في ذلك بين ما إذا كان لدليل الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة
ــــــــــ[361]ــــــــــ
(1) مصباح الأُصول 1: 298.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إطلاق، أو لم يكن لها إطلاق، فإنَّه حتّى لو كان لها إطلاق فعندئذ حديث الرفع يخصّصها بموارد التذكّر، فلا تكون شاملة لمورد النسيان، ونتيجة ذلك: الحكم بصحّة العمل إذا كان ترك الجزء أو الشرط أو الإتيان بمانع مستنداً إلى إكراه أو اضطرار أو نسيان.
والجواب عنه: أنَّ الجزئيّة والمانعيّة والشرطيّة -كما ذكرناه- منتزعة من الأحكام التكليفيّة، ولا يمكن رفع الجزئيّة بنفسها، إلّا برفع منشأ انتزاعها، فلو فرضنا أنَّ المكلّف نسى جزءاً أو شرطاً، فصحيح أنَّ حديث الرفع يرفع الجزئيّة بمنشأ انتزاعها، وهي: الأمر بالمركّب، ومعناه: أنَّ الناسي غير مكلّف بالمركّب من الجزء المنسي وغيره؛ لأنَّه تكليف بما لا يطاق وهو مرفوع، وأمّا أنَّ الفاقد مأمور به، فهو مّما لا يترتّب على حديث الرفع، فإنَّ هذا الحديث رافع لا مثبت، فيحتاج الأمر بالفاقد إلى دليل، بعد أن فرضنا أنَّ دليل الجزئيّة أو الشرطيّة أو المانعيّة مطلقة بالنحو الذي ذكرناه، وحديث الرفع رفع الأمر بالمركّب من المنسي وغيره أو بالمقيّد بالمنسي، وأمّا أنَّ الفاقد مأمور به فهو مّما لا يثبته حديث الرفع.
هذا فيما إذا فرضنا أنَّ الواجب ليس له أفراد كثيرة، بل له فرد واحد كالصوم، حيث يجب عليه الإمساك بين الحدّين، فإذا أفطر فأكلّ أو شرب ناسياً أنَّه صائم، فحديث الرفع يدلّ على أنَّ هذا المكلّف غير مكلّف بالإمساك في مجموع هذا الوقت، فلا يعاقب على ارتكابه ذلك، وأمّا أنَّ الإمساك عن غير ذلك في سائر الوقت فمّما لا يثبت بحديث الرفع، وإنَّما استكشفنا ذلك في الصوم بالروايات الخاصّة بأنّ تعمد الإفطار هو المضرّ دون تناوله نسياناً؛
ــــــــــ[362]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ولذلك لو فرضنا أنَّه أكره أو اضطر إلى الإفطار، كما لو اضطر إلى الانغماس في الماء لإنقاذ غريق، لا يحكم بصحّة صومه؛ إذ لا دليل على ذلك.
وأمّا إذا كان للواجب أفراد كثيرة كالصلاة المأمور بأدائها بين المبدأ والمنتهى، فلو صلّى ونسى جزءاً أو شرطاً في فرد واحد، وتذكّر بعد الفراغ أنَّه نسيه، فعدم شمول حديث الرفع واضح، فإنَّ هذا الحديث إنّما هو ناظر إلى الأدلّة المثبتة للأحكام على متعلّقاتها وموضوعاتها، والفرد الواحد الخارجي لم يتعلّق به الأمر، وإنَّما تعلّق الأمر بالجامع، فما تعلّق به الأمر لم يتعلّق به نسيان، وما تعلق به النسيان ليس بمأمور به، ويمكنه الإتيان بفرد آخر، وهذا واضح.
وكلامنا أنَّ الحديث يشمل الواجب، ولكنّه لا يثبت أنّ الباقي مأمور به، فيما إذا لم يكن للمأمور به أفراد متكثرة، وأمّا إذا كان له أفراد كثيرة فلا يشمله الحديث أصلاً.
إذا فرضنا أنَّ دليل الواجب لا إطلاق له، وكذلك دليل الشرطيّة والمانعيّة والجزئيّة، فإنَّ المكلّف بهذا الواجب إذا نسي جزءاً أو شرطاً أو أتى بمانع نسياناً، فهل يحكم بصحّة هذا العمل بمقتضى الأصل العملي، أو إنَّ مقتضى الأصل فساده؟
والصحيح التفصيل في المقام، فيقال: إنَّ الواجب إمّا أن يكون المكلّف متمكناً من الإتيان به كاملاً غير ناقص ولو في ضمن فرد آخر منه، كما في الصلاة في سعة وقتها؛ إذ يمكنه إعادة الصلاة والإتيان بالجزء المنسي في غير هذا
ــــــــــ[363]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الفرد، وقد يفرض أنَّ المكلّف لا يتمكن من الإتيان بفرد آخر، إمّا لأنَّه ليس له فرد آخر، أو أنَّ النسيان مستوعب لتمام الوقت، وهذا كالصوم مثلاً، فإذا نسي وأكلّ في أثناء زمان الإمساك، فهل الجزئيّة مطلقة؟ ونتيجته: أنَّ الإمساك في بقيّة الوقت غير مأمور به، فإنَّ المأمور به مقيّد بهذا الشيء، ومع عدمه لا أمر(1)، أو أنَّ الجزئيّة مقيّدة بحال الذكر، فيكون الإتيان بالباقي صحيحاً.
ومثله ما لو أمر المولى عبده بالوقوف ساعات معيّنة من طلوع الشمس إلى الزوال، فنسي في الساعة الأولى ثُمَّ تذكّر، ونشكّ في أنَّ الوقوف في الساعات الباقية مأمور به أو لا؟
فإذا فرضنا أنَّه غير متمكن من الإتيان بفرد آخر من الواجب فيرجع الشكّ في الجزئيّة المطلقة، وعدمها إلى الشكّ في ثبوت الأمر بالنسبة إلى الباقي؛ إذ لو كانت الجزئيّة مطلقة لم يجب الباقي، ولو كان الجزئيّة خاصّة بحال النسيان لوجب الباقي، وهو الوقوف في بقيّة الزمان، لأنَّ المقدار المنسي ليس بجزء للواجب، ومعلوم أنَّ أصالة البراءة تقتضي عدم الوجوب، فإنَّ ما كان واجباً أوّلاً، وهو مركّب من المقيّد وغيره سقط وجوبه جزماً، ولا يمكن الأمر به، والفاقد لذلك الجزء وإن كان يمكن الأمر به، إلّا أنَّه لا دليل عليه؛ لأنَّ المفروض أنَّه ليس له إطلاق، فيرجع إلى البراءة لأنَّه من الشكّ في التكليف.
ويلحق بذلك كلّ ما يرفع التكليف كالإكراه والاضطرار فلو اضطر أو أكره على عدم الوقوف مقدار ساعة، فنشكّ في وجوب الباقي، فبما أنَّ التكليف
ــــــــــ[364]ــــــــــ
() فإنَّ المفروض أنَّ الجزئيّة مطلقة، ولا أمر بالفاقد. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
مشكوك فيه، وليس هنا دليل نتمسّك به لإثبات وجوب الباقي، فيرجع إلى البراءة العقليّة والشرعيّة.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الواجب له فرد آخر يتمكن المكلّف من الإتيان به، كما في الصلاة لو نسي في فرد منها جزءاً، ثُمَّ تذكر أنّه نسي ذلك، فإنَّ الشكّ في الجزئيّة المطلقة ليس مرجعه إلى الشكّ في التكليف، فإنَّ التكليف ثابت على الطبيعي جزماً، وليس الفرد بخصوصه متعلّقاً للتكليف، فإنَّنا نعلم بأنَّ السورة أو أيّ جزء آخر هو جزء في الجملة، فإنَّه حال الذكر جزئيّته ثابتة، ولكنّه لم يتمّ دليل على الجزئيّة المطلقة، وأنَّه لا يتحقّق المركب إلّا معه.
فمرجع ذلك إلى أنَّ طبيعي الصلاة الجامع معلوم وجداناً، والتقيّيد بهذا الشيء حال الذكر معلوم وجداناً، وأمّا التقيّيد على نحو الإطلاق الشامل لحال النسيان فمجهول ولا نعلم به، فالأمر يدور بين التقيّيد وعدمه، وهو كلفة زائدة والأصل عدمه.
وبعبارة أخرى: أنَّنا بعدما فرضنا أنَّ الناسي مكلّف بالبيان المتقدّم لكن لا بوصفه ناسيّاً، بل يوجّه الخطاب إلى سائر المكلّفين، ثُمَّ يكون التقيّيد بالنسبة إلى الذاكرين، والناسي يلتفت إلى كونه مكلّفاً، وإلى التكليف وإلى كونه مقيّداً بحال الذكر، ويشكّ في تقيّيده المطلق، فنتمسّك بأصالة البراءة عن التقيّيد، وقلنا: إنَّ أصالة البراءة عن التقيّيد لا يعارضه أصالة البراءة عن الإطلاق، ونتيجته: أنَّ غير الذاكر غير مكلّف إلّا ببقيّة الأجزاء المعلوم تعلّق التكليف بها، ومعناه: أنَّ الجزئيّة غير ثابتة في حال النسيان، فيحكم بصحّة ما أتى به.
ــــــــــ[365]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إلّا أنَّ هذا إنَّما يتمّ بناءً على ما هو الصحيح من إمكان تصور تعلّق التكليف بالناسي، وأمّا إذا أنكرنا ذلك، وذهبنا إلى عدم إمكان أن يتوجّه إليه التكليف بالمركّب من المنسي وغيره، ولا الأمر بالخالي من الجزء المنسي، وإنَّما يحكم بالصحّة أحياناً لا من جهة كون المأتي به امتثالاً للأمر، بل من جهة أنَّه مسقط للغرض واستيفاءً له، فيحكم بفساد العمل لا محالة، فإنَّ الأمر قد سقط بالنسبة إلى الناسي يقيناً بالمركّب، وليس هنا أمر آخر متعلّق ببقيّة الأجزاء؛ لأنَّه غير معقول، وإنَّما يحكم بصحّة العمل لوفائه بالغرض، وحيث إنَّنا لا نعرف أنّه وافٍ بالغرض في غير مورد النصّ، فيكون الشكّ شكّاً في الامتثال، وليس شكّاً في التكليف، ومعه يرجع إلى قاعدة الاشتغال دون أصالة البراءة.
وهذه هي الثمرة بين ما إذا قلنا بإمكان تكليف الناسي، وبين ما إذا قلنا باستحالة ذلك.
هل الزيادة في واجب زيادة عمديّة أو سهويّة، تقتضي صحّة هذا العمل الذي زيد فيه عمداً أو سهواً، أو تقتضي بطلانه، أو يفرق بين العمد والسهو، ولابدَّ من الكلام في مفهومها، وثمَّ في حكمها.
أمّا الكلام في تحقيق مفهوم الزيادة فيقع في جهتين:
الجهة الأولى: في إمكان تحقّق الزيادة على نحو الحقيقة في المركّبات الاعتباريّة وعدمه.
الجهة الثانية: في اعتبار قصد الزيادة في تحقّقها وعدمه.
ــــــــــ[366]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أمّا الجهة الأوّلى: فقد يُقال: أنّ الزيادة لا تتصور في واجب أصلاً، فإنَّ أجزاء الواجب إذا أخذت لا بشرط بالنسبة إلى الشيء المأتي به عمداً أو سهواً، فلا يمكن أن تتحقّق الزيادة أصلاً، فإنَّ اللابشرط كما يجتمع مع عدمه يجتمع مع وجوده، فلا تتصور الزيادة فيه، وإن أخذ فيه بشرط لا، كما لو قيّد الجزء بقيد الوحدة كالركوع، فإن أتى بركوع آخر، فإنَّه لم يأتِ بالواجب؛ لأن المقيّد ينتفي بانتفاء قيده، فالأمر دائر بين النقيصة وعدمها، وأمّا الزيادة فغير معقولة.
الجواب عنه: أنَّ اعتبار اللاشرطيّة لا ينافي تحقّق الزيادة في الواجب، باعتبار أنَّ المأخوذ جزءاً للمركّب لا بشرط يكون على نحوين:
النحو الأوّل: أنَّ المأخوذ في هذا الطبيعي هو طبيعي هذا الشيء من دون فرق بين الواحد والأكثر، وبناءً على هذا لا تتحقّق الزيادة؛ إذ لا فرق بين الواحد والمتعدّد.
النحو الثاني: أنَّ المأخوذ في الواجب هو صرف الوجود المنطبق على الوجود الأوّل، سواء كان بعده شيء أو لم يكن، فوجوده وعدمه سيّان في جزئيّته للواجب، فإذا أتى به -يعني(1): بالجزء الواجب- فقد تحقّق الجزء، وإذا أتى به ثانياً كان زائداً على الجزء لا محالة.
ويظهر ذلك بملاحظة أمور أخر غير مسانخة لأجزاء الواجب، فإنَّ نسبة أجزاء الواجب إليه إمّا لا بشرط أو بشرط شيء أو بشرط لا؛ لأنَّ الإهمال غير معقول، فالتشهد -مثلاً- إمّا مقيّد بهذا الأمر غير المسانخ، أو مقيّد بعدمه لا
ــــــــــ[367]ــــــــــ
() إيضاح. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
بشرط بالنسبة إليه، فإذا فرض أنَّه مقيّد فمعلوم أنَّه يكون التشهد مشروطاً به وإلّا وقع باطلاً، وإذا كان مقيّداً بعدمه فأتى به فقد نقص؛ لأنَّ فقدان القيد يوجب فقدان المقيّد، وإذا أخذ لا بشرط فهل معناه أنَّ هذا الأمر جزء من الصلاة، بل معنى أخذه لا بشرط في التشهد أنَّه لا دخل لوجوده ولا لعدمه في جزئيّة التشهد في الصلاة، لا أنَّه إذا وجد كان جزءاً أيضاً، فلو فرضنا أنَّه حكّ رأسه بقصد أنَّه جزء من الصلاة فقد زاد في الصلاة، فإذا تصورنا هذا في الأمور غير المسانخة لأجزاء الواجب، فتتصّور في المسانخة لها أيضاً كذلك. إذن، فالزيادة متصور ة.
على أنَّنا لو فرضنا أنَّ عنوان الزيادة غير متصور بالدقة العقليّة، إلّا أنَّ العناوين المأخوذة في الروايات غير ناظرة إلى الدقّة العقليّة، وإنَّما هي ناظرة إلى الفهم العرفي، ولا شكّ أنَّه بالفهم العرفي يصدق عنوان الزيادة إن أتى بفعل قاصداً عنوان الجزئيّة، أو غير قاصد في بعض الموارد، فيصدق أنَّه زاد في العمل شيئاً، والحكم متوقّف على المفاهيم العرفيّة.
الجهة الثانية: هل يعتبر في مفهوم الزيادة القصد، بأن يأتي بالزيادة بعنوان أنَّه من هذا العمل، أو لا يعتبر؟
لا شكّ أنَّ الواجبات متركّبة من أجزاء مختلفة، ولاسيّما الصلاة التي ذكرنا أنَّها مؤلّفة من ماهيّات متعدّدة ومقولات مختلفة، فالتركيب بين أجزائها تركيب اعتباري لا حقيقي، فإذا كان تركيباً اعتباريّاً فيكون أمره تابعاً للقصد، لأنَّها ليست من الأمور الحقيقيّة التي توجد بغض النظر عن القصد، فإذا أتى في
ــــــــــ[368]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الواجب بشيء بدون قصد، لا يصحّ أن يُقال: إنَّه زاد في عمله، وإنَّما قصد أن يأتي بالعمل بلا ضميمة شيء، من قبيل: حكّ الرأس في أثناء صلاته. إذن، فالزيادة متقوّمة بالقصد، ولا يصدق على شيء عنوان الزيادة من دون قصد.
نعم، بالتعبّد الشرعي في خصوص السجدة حكمنا بأنَّ الإتيان بها وإن لم يكن بقصد الجزئيّة، بل بعنوان آخر يتحقّق عنوان الزيادة بالتعبّد، حيث اعتبر الشارع في الصلاة أنَّ لا تتحقّق فيها سجدة زائدة على سجداتها الأربع أو الست أو الثمان، وقد فهمنا ذلك من قوله: “أنَّها زيادة في الفريضة“(1)، تعليلاً لعدم قراءة سورة العزيمة في الصلاة ويسجد في الصلاة لها، فمع أنَّ المكلّف لا يأتي بالسجدة بعنوان الصلاة، بل بعنوان سجود التلاوة، وقد أطلق الإمام لفظ الزيادة عليه، وبالأولويّة نستكشف أنَّ الركوع أيضاً كذلك، فليس للمكلّف أن يركع بغير قصد الصلاة، فهو يقصد عنوان الركوع، ولكنَّه يأتي به بداع آخر غير داعي الصلاة. هذا بالنسبة إلى الأجزاء المسانخة.
وأمّا الأجزاء غير المسانخة فالأمر فيها واضح، وأنَّ الإتيان بها من غير قصد لا يحقّق عنوان الزيادة في الصلاة، كرفع اليد مّما لا يكون مانعاً في الصلاة، وأمّا إذا قصد الزيادة بذلك فأتى بفعل بأن يكون جزءاً من الصلاة فيكون زيادة في الفريضة ويلحقه حكم الزيادة الآتي. هذا هو الكلام في مفهوم الزيادة.
ــــــــــ[369]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 6: 106، الباب 40، عدم جواز قراءة سورة من العزائم في الفريضة وجوازها في النافلة ووجوب العدول عنها لو شرع فيها في الفريضة ناسياً، الحديث: 4. مع اختلاف بعض الألفاظ.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إذا عرفت ذلك، فنقول: أنّ الزيادة المفروضة إمّا أن تكون عمديّة أو سهويّة، فإن دلّ دليل على بطلان الواجب أو المستحب -يعني مطلق العبادة- في خصوص الزيادة العمديّة أو الأعمّ منها ومن السهويّة -على ما سنتعرّض له إن شاء الله- فهو، وإن بقينا نحن ومقتضى الأصل، فمقتضاه عدم بطلان الواجب في الزيادة العمديّة، فضلاً عن السهويّة.
وتقريبه: أنَّ الشكّ في بطلان العمل بالزيادة مرجعه إلى الشكّ في تقيّد هذا العمل بعدم هذا الشيء، وفرضنا أنَّه لم يدلّ دليل على ذلك التقيّد، فمقتضى أصالة البراءة عدم التقيّد -على ما هو الميزان في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، فهذا من مصاديق تلك الكبرى التي تعرضنا لها بنفس التقريب السابق- باعتبار الجامع معلوم الوجوب، والشكّ في إطلاقه وتقيّيده، والإطلاق لا يكون مجرى للبراءة، باعتباره توسّعة على المكلّف، فتجري البراءة عن التقيّيد بلا معارض.
هذا إذا لم تكن الزيادة العمديّة ملازمة مع أمر آخر موجب للبطلان، كما لو(1) كان الواجب الذي زاد فيه عباديّاً، وكان المكلّف قد قصد امتثال الأمر بالمركّب منه ومن الجزء الزائد، فمثلاً: من جاء بخمس ركعات بقصد الأمر المتعلّق بخمس ركعات، وهذا لا يحتاج بطلانه إلى دليل خاصّ، بل هو باطل بمقتضى القاعدة، فإنَّ ما قصده لا واقع له، وما له واقع لم يقصده، فيحكم بالبطلان، لا من جهة اعتبار عدم الزيادة في الواجب، بل من جهة عدم حصول الامتثال.
ــــــــــ[370]ــــــــــ
() مثال للمنفي. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
نعم، لو فرضنا أنَّه قصد الأمر الواقعي، ولكنّه في مقام الامتثال بنى تشريعاً على أنَّ الأمر متعلّق بما فيه الزيادة، فلا يكون ذلك مبطلاً، والمقدار الزائد يكون تشريعاً، ولا يضرّ بصحّة العمل من جهة الامتثال، وإن كان هذا محرّماً من جهة الزيادة، فمقتضى الأصل ما لم يكن هناك دليل على البطلان، هو عدم البطلان في الزيادة العمديّة، فضلاً عن السهويّة، إلّا فيما إذا كان عنوان الزيادة مستلزماً للبطلان من جهة أخرى. هذا ما تقتضيه القاعدة.
أمّا في الصلاة فقد دلّ الدليل على أنَّ: “مَنْ زَادَ فِي صَلَاتِهِ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ“(1)، ومقتضاه: أنَّ الزيادة محقّقة للبطلان، بلا فرق بين الزيادة العمديّة والسهويّة وبين الأركان وغيرها، وليس معناه: أنَّ العمل صحيح، والإعادة واجبة بوجوب آخر، فتجب عليه الصلاة في هذا اليوم مرّتين، بل عليه الإعادة إرشاد إلى البطلان؛ لأنَّه لم يأتِ بالمأمور به، ومعناه: أنّه أخذ في الصلاة عدم الزيادة.
وورد أيضاً: “من استيقن أنَّه زاد في صلاته المكتوبة استقبل صلاته استقبالاً“(2) فقد دلّت على البطلان في الزيادة السهويّة، بلا فرق بين الأركان وغيرها، ويثبت البطلان في الزيادة العمديّة بالأولويّة.
في قبال هاتين الروايتين ورد حديث: “لا تعاد الصلاة إلا من خمس:
ــــــــــ[371]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 355، باب من سها في الأربع والخمس ولم يدر زاد أو نقص أو استيقن أنَّه زاد، الحديث: 5.
(2) الكافي 3: 348، باب السهو في الركوع، الحديث: 3.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الوقت والطهور والقبلة والركوع والسجود“(1) حيث دلّت على أنَّ الصلاة إذا كان فيها خلّل لا تعاد إلّا في هذه الموارد الخمسة.
وقد وقع الكلام في اختصاص هذا الحديث بالنقصان أو شموله للزيادة. والظاهر أنَّه لا موجب لدعوى الاختصاص بالنقصان، بل مقتضى إطلاق هذا الحديث أنَّ غير هذه الموارد لا يوجب البطلان، بلا فرق بين الزيادة والنقيصة.
ولكن ذكر غير واحد، منهم: شيخنا الأستاذ(2): أنَّ الحديث مختصّ بالخلّل النقصي دون الزيادة، لأنَّ جملة من المذكورات في الحديث لا يتصور فيها زيادة كالقبلة والوقت والطهور، فيكون هذا قرينة على أنَّ المراد هو الخلّل من جهة النقص، فالحديث لا يدلّ على بطلان الصلاة بالزيادة، بل لابدَّ من استفادته من حديث آخر.
ولكن هذه الدعوى لا يمكن المساعدة عليها بوجه، فإنَّ الحديث لم يرد في خصوص الوقت والقبلة والطهور، وإنَّما يفيد أنَّ كلّ جزء وشرط لا تعاد الصلاة من جهة الإخلال به زيادةً أو نقيصةً، غاية الأمر: أنَّه لا يتصور الزيادة في بعض المذكورات وفي بعض غيرها كستر العورة، ولكن ذلك لا يوجب اختصاص الحديث بالنقصان وعدم شموله للزيادة، بل المذكور فيها كبرى كلّيّة بلا فرق بين الزيادة والنقيصة.
وأمّا أنَّ هذا الحديث يعمّ العامد أو لا يعمّ، فلا ينبغي الشكّ في
ــــــــــ[372]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 279، باب القبلة، الحديث: 857.
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 309، 310.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الاختصاص بالناسي، لا لمجرّد أنَّ تفويت الجزء أو الشرط عمداً ينافي الشرطيّة والجزئيّة، بل لأنَّ الحكم بعدم الإعادة ووجوبها حكم من صلى، فيقال له: أعد أو لا تعد، فـ (لا تعاد) ناظر إلى أنَّه قد تحقّق في صلاته خلّل في جزء أو شرط، فالرواية لا تجيز الترك العمدي لجزء أو شرط.
إذن، فهذا الحديث مطلق من جهة الزيادة والنقيصة، ولكنّه خاصّ بالنسيان، ولا يعمّ العمد، ومقتضى إطلاق الرواية الأولى أنَّ الزيادة مطلقاً سواء كانت عن عمد أو نسيان مقتضية للإعادة من دون فرق بين أن تكون الزيادة في الأركان أو غيرها، فهي خاصّة من جهة، وعامّة من جهة، فهي من جهة الزيادة خاصّة وغير متعرضّة للنقيصة عمداً وسهواً، وعامّة من جهة الأركان وغيرها، فتكون النسبة مع (لا تعاد) نسبة العموم من وجه؛ لأنَّ (لا تعاد) خاصّة بالناسي، ولكنّها عامّة للخلّل بالزيادة والنقيصة.
أمّا بالنسبة إلى الأركان فليس بين الروايتين معارضة، فإنَّ مقتضى الرواية الأولى أن يحكم بالبطلان، ومقتضى حديث (لا تعاد) أنَّ الصلاة تعاد بالخلّل الركني.
وأمّا بالنسبة إلى غير الأركان فلو زاد في الصلاة فهو مورد اجتماعهما، فإنَّ مقتضى الرواية الأولى أنَّه موجب للإعادة، وفي حديث (لا تعاد) أنَّه لا يجب الإعادة، فالنسبة بينهما عموم من وجه، ويجتمعان في الجزء غير الركن.
ويتقدّم حديث (لا تعاد) على تلك الرواية بالحكومة، فإنَّه ناظر إلى الأجزاء والشرائط، ومعناه: أنَّ كلّ ما ثبت للصلاة من أجزاء وشرائط ومن
ــــــــــ[373]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
جملتها عدم الزيادة التي ثبتت بتلك الرواية، فجزئيّتها خاصّة بحال العمد، وأمّا في حال النسيان ليس لها جزئيّة ولا شرطيّة، إلّا هذه الخمس، فبما أنَّ لسان (لا تعاد) لسان الحكومة، وناظر إلى الروايات المقيّدة للجزئيّة والشرطيّة، فهي تتقدّم على تلك الرواية بالحكومة، والنتيجة: أنَّه لا بأس بالزيادة السهويّة.
وبهذا البيان ظهرت النسبة بين (لا تعاد) والرواية الثانية، فإنَّ قوله: (من استيقن أنَّه زاد في المكتوبة…)(1) وإن كان مورده النسيان، لكن مورده خصوص الزيادة، فمن جهة الزيادة خاصّة، ولكنها عامّة للأركان وغيرها، و(لا تعاد) خاصّ بغير الأركان، ولكنّه عام من جهة النقيصة والزيادة، ويتعارضان في الجزء غير الركني الذي هو مورد اجتماعهما، وبعين البيان نقول: بما أنَّ حديث (لا تعاد) حاكم وناظر إلى أدلّة الأجزاء والشرائط فهو مقدّم على تلك الرواية.
فالنتيجة: أنَّ الزيادة العمديّة موجبة للبطلان مطلقاً، لقوله: (من زاد فعليه الإعادة) بلا معارضة، لأنّنا قلنا: إنَّ (لا تعاد) لا يشمل العامد، والزيادة في الأركان موجبة للبطلان بمقتضى جميع هذه الروايات، وإن كانت الزيادة سهويّة في غير الأركان، فلا تجب الإعادة تمسّكاً بإطلاق حديث (لا تعاد)، وبه نرفع اليد عن الروايتين الأخيرتين.
وأمّا النقيصة فالعمديّة منها موجبة للبطلان مطلقاً، فإنَّ هذا هو معنى الجزئيّة والشرطيّة، وقلنا: إنَّ (لا تعاد) لا تشمل النقيصة العمديّة، وأمّا النقيصة
ــــــــــ[374]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 345، كتاب الجنائز، باب النوادر، الحديث: 2، مع اختلاف في بعض الألفاظ.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
السهويّة فليست موجبة للبطلان، إلّا في بعض الموارد المخصوصة.
وإن لم يكن من الأركان كالقيام في حال التكبير لمن وظيفته القيام، وكالجلوس حاله لمن وظيفته الجلوس، فمن خالف بطلت صلاته بحسب الدليل الخاص.
وأمّا بالنسبة إلى الطواف فهو يبطل بالزيادة العمديّة بلا إشكال، للروايات الدالّة على أنَّ الطواف كالصلاة، لا الكلام المعروف بأنَّ: “الطواف في البيت صلاة“(1) فإنَّه كلام لم يثبت وروده، بل للدليل الخاصّ بأنَّ حكم الطواف من هذه الجهة حكم الصلاة، وكلاهما يبطلان بالزيادة العمديّة، ولكن الفرق بينهما أنَّ الصلاة تبطل بالزيادة العمديّة، ولو لم يكن قاصداً للجزئيّة كالركوع والسجود، فلو سجد للتلاوة أو للشكر يحكم ببطلان صلاته، لقوله: “أنّها زيادة في المكتوبة…“(2)، وأمّا الطواف فليس كذلك، فلو أتى بشرط ثامن ولم يقصد الجزئيّة لهذا الطواف ولا لطواف آخر، لا يكون طوافه باطلاً، والبطلان يتوقّف على قصد الجزئيّة لهذا الطواف أو لطواف آخر، فلو قصد الجزئيّة لغير هذا الطواف فيحكم ببطلان الأوّل أيضاً، وذلك للزوم القران بين الطوافين، وهو ممنوع. وتمام الكلام في الفقه(3).
ــــــــــ[375]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 2: 372.
(2) الكافي 3: 345، كتاب الجنائز، باب النوادر، الحديث: 2.
(3) انظر: المعتمد في شرح العروة الوثقى 29: 66.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وأمّا النقيصة فقد دلّ الدليل على أنَّها إذا وقعت عمداً تكون مبطلة، والطواف ركن من أركان الحجّ، لقوله: “أليس الحج إلّا الطواف“ و“أليس الحجّ إلّا الوقوف“(1)، فالطواف والوقوف ركنان في الحجّ، وأمّا الزيادة السهويّة فإنَّه إذا لم يتمّ الشوط يقطعه، وإذا أتمّه أتى بطواف آخر، ولا يبطل طوافه، وأمّا في النقيصة السهويّة فإن كان متمكناً من الإتمام أتمّه، وإن كان قد رجع إلى بيته استناب في إتمامه، وكلّ ذلك للنصوص الخاصّة.
إذا تعذّر بعض أجزاء المركّب أو شرائطه، فهل يجب الإتيان بالباقي أو إنَّ التكليف يكون ساقطاً؟
الكلام في هذا من جهة التمسّك بالأدلّة، أو من جهة التمسّك بالبراءة بعينه هو الكلام في النسيان، وقد أشرنا هناك(2): أنَّ هذا الكلام لا يختصّ بالنسيان، بل يعمّ ما إذا ترك جزءاً أو شرطاً لإكراه أو اضطرار أو نحوه، فإن كان لدليل الجزئيّة والشرطيّة إطلاق -بالمعنى السابق- فيتمسّك به، ويستكشف أنَّ الفاقد غير مأمور به، وإن لم يكن له إطلاق وكان لدليل الواجب إطلاق فيتمسّك به، ويثبت أنَّ الفاقد مأمور به، فإنَّ القدر المتيقّن من دليل الشرطيّة هو شرطيّته حال الاختيار والعمد دون حال التعذّر، وإذا لم يكن لكلا الدليلين إطلاق ينتهي الأمر إلى التمسّك بأصالة البراءة، وقد فصّلنا بين ما
ــــــــــ[376]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 2: 93، الحديث: 247.
(2) التنبيه الثاني.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إذا تمكّنا من الإتيان بفرد آخر أو لا، ففي الأوّل نقول بالصحة؛ لأنَّنا نشكّ بالتقيّيد في هذا الحال بعد العلم بتعلّق التكليف بالمركّب في الجملة، فنرفع اليد عن التقيّيد، والنتيجة: هي الحكم بالصحّ، وأمّا إذا لم يكن له فرد آخر، كالصوم إذا أكره في أثنائه على تناول المفطر، ونشكّ في وجوب الباقي، ومقتضى البراءة عدم الوجوب.
وإنَّما الكلام في باب التعذّر، ويقع البحث عن أمرين:
ويقرّب جريانه بعدّة وجوه:
الوجه الأوّل: إنَّ بقيّة الأجزاء التي يتمكن المكلّف من الإتيان بها، سواء كانت واجبة بوجوب ضمنيٍّ أو ضمن وجوب المركّب، وبعد التعذّر وإن كنا لا نحتمل الوجوب الضمني؛ إذ لا يمكن الأمر بالمركّب منه ومن المتعذّر، لكن نحتمل أصل الوجوب، فنستصحب طبيعي الوجوب الجامع بين الضمني وغيره، فنحكم بأنَّ الباقي واجب.
والجواب عنه:
أوّلاً: أنَّنا لا نقول بالاستصحاب في الشبهات الحكميّة، كما تقدّم سابقاً(1)، بل نقول: إنَّ الاستصحاب خاصّ بالشبهات الموضوعيّة، ولا يمكن إثبات حكم إلزامي كلّي بالاستصحاب. نعم، استصحاب الأحكام الترخيصيّة لا بأس به.
ــــــــــ[377]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 4: 63، 64.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ثانياً: أنَّنا لو تنزلنا عن هذا، وقلنا: بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة، فهو في المقام غير جارٍ، فإنّه من استصحاب الكلّي من القسم الثالث الذي لا نقول به، كما لا يقول به المحقّقون جزماً، فإنَّ المتيقّن قد ارتفع يقيناً، والشيء المحتمل فرد آخر غير المتيقّن، وهذا ليس مورداً للاستصحاب، فإنَّ المتيقّن هو الوجود الضمني منه ومن غيره، وهذا غير محتمل البقاء، لأنَّه ارتفع بالتعذّر، والذي نحتمله الآن هو الوجوب النّفسّي الاستقلالي المتعلّق بهذه الأجزاء، وهو مشكوك الحدوث، فكيف يمكن الاستصحاب في المقام؟
ثالثاً: لو تنزلنا عن هذا أيضاً، وقلنا: بجريان الاستصحاب في الكلّي من القسم الثالث، فهو إنَّما يجري فيما إذا كان المكلّف متمكناً أوّل الوقت، ولكنّه لم يصلّ لعذر أو لاطمئنانه أو يقينه بأنّه سوف يصلي بعد ذلك، ثُمَّ طرأ عليه التعذّر، فهناك لا بأس أن يقال: -بعد التنزّل عن الأمرين السابقين- إنَّ باقي الأجزاء كانت واجبة عليه، ونشكّ بوجوبها فنستصحب، وأمّا لو لم يكن متمكناً من تمام الأجزاء والشرائط من أوّل الأمر، فنحن نشكّ في وجوب الباقي ابتداء، بعد العلم بعدم التكليف للمركّب، فلا يكون مورداً(1) للاستصحاب.
ولكن شيخنا الأستاذ(2) أصرّ على جريان الاستصحاب من هذه
ــــــــــ[378]ــــــــــ
() ومعلوم أنَّ الوجوب في كلّ يوم غير الوجوب في اليوم الآخر، فإنَّ الوجوب الأوّل قد امتثل بالأمس، والوجوب في هذا اليوم مشكوك تعلّقه بالباقي من أوّل الأمر. (المقرّر).
(2) انظر: فوائد الأُصول 4: 562.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الجهة، بتقريب: أنَّ مجرى هذا الاستصحاب إنَّما هو الفقيه والمرجع، وليس المكلّف نفسه، فإنّه ليس لشكّه ويقينه أثر، والفقيه لا يعتبر قيد وجود الموضوع خارجاً، بل يفرض وجوب المركّب على المكلّف، ثُمَّ يفرض تعذّر بعض أجزائه، فيشكّ في وجوب الباقي فيستصحب، بلا فرق بين أن يكون التعذّر من أوّل الوقت أو بعده.
وهذا الوجه لا يمكن المساعدة عليه، وذلك: لأنَّ جريان الاستصحاب في الشبهة الحكميّة بالنسبة إلى الفقيه، وإن لم يحتج إلى وجود الموضوع في الخارج تحقيقاً، وإنَّما يحتاج إلى فرض وجود الموضوع في الخارج، يعني: أنّ هناك امرأة تحيّضت، وقد ارتفع عنها حيضها ولم تغتسل بعد، فيقول: هذه المرأة المفروضة الوجود كانت محرّمة الوطء، ونشكّ في بقاء الحرمة فنستصحب، فهناك يقين وشكّ مفروضان، فنفرض موضوعاً محكوماً بحكم، ونشكّ في ارتفاع الحكم فنستصحب، فلابدَّ من فرض حكم متيقّن سواء كان هو الحرمة أو الوجوب أو النجاسة أو غير ذلك ليجري الاستصحاب بلحاظ الشكّ فيه. فأين الوجوب الثابت في المقام؟
إمّا الوجود التقديري له فمفروض العدم، وإمّا الوجود المفروض له فأيضاً كذلك، فإنَّ المفروض أنَّ التعذّر كان من أوّل الوقت، ولم يفرض وقت تكون الصلاة واجبة عليه، حتّى يستصحب، فالوجوب غير ثابت على الفرض والتقدير، ومثل هذا أن يفرض امرأة حائض بعد النقاء وقبل الغسل، وباستصحاب حرمة الوطي يحكم بحرمة وطي امرأة أخرى غير حائض، هذا غير ممكن لتعذّر الموضوع، فهذا المكلّف تعذّر عليه الجزء أو الشرط من أوّل ــــــــــ[379]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الوقت، فما معنى جريان الاستصحاب في حقّه؟
إذن، حتّى على تقدير القول بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة في القسم الثالث من الكلّي، لا يكون هنا جارياً أيضاً لعدم وجود اليقين بالحالة السابقة، فإنَّ الشكّ في الحدوث لا في البقاء.
وتوضيح ذلك: أنَّ الاستصحاب يجري في مواضع ثلاثة ليس لها رابع:
الموضع الأوّل: أن يفرض جريانه بالنسبة إلى مرحلة الجعل والثبوت من دون نظر إلى التحقّق الخارجي تحقيقاً أو فرضاً، وإنَّما النظر إلى ضيق وسعة نفس الجعل، ويرجع ذلك إلى الشكّ في النسخ، وفي مثل ذلك لا حاجة إلى وجود الموضوع خارجاً، بل نقول: إنَّ الخمر كان حراماً في الشريعة، ونفرض أنَّنا شكّكنا في نسخه، فإن كان هناك دليل يدلّ على ثبوته في كلّ زمان فهو المرجع، وإلا استصحبنا عدم النسخ.
وادّعى الأمين الاسترآبادي(1): أنَّ جريان الاستصحاب في هذا المورد مسلّم، حتّى عند الإخباريّين المنكرين لجريان الاستصحاب.
بل قد يكون جعل الحكم سبّباً لأن لا يكون موضوعه موجوداً، كما في الحدود والتعزيرات والديّات والقصاص، فإنَّ جعل الحكم يكون سبّباً لعدم موضوعه، فإنَّ قوله تعالى: السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا(2) يكون سبّباً لعدم السرقة في الخارج.
ــــــــــ[380]ــــــــــ
(1) انظر: الفوائد المدنيّة: 288.
(2) المائدة: 38.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الموضع الثاني: أنَّنا لا نحتمل النسخ، إلّا أنَّ موضوع الحكم مردّد بين الوسيع والضيق، وذلك مثل الشكّ في حرمة وطي الحائض بعد النقاء وقبل الغسل، فنشكّ في أنَّ الموضوع هل هو الحائض، بمعنى: المتصّفة بالدم، أو أنَّ الموضوع هو حدث الحيض، فلو ارتفع الدم ولم تغتسل فالموضوع باقٍ فيحرم وطيها، فيشكّ في بقاء الحكم فيستصحب بناءً على ما هو المعروف من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة، فيقال: إنَّنا لا ندري أنَّ الحرمة مقيّدة بالدم، بحيث إذا ارتفع الدم ارتفع الحكم بارتفاع موضوعه، أو مقيّد بالحدث فالموضوع باقٍ، فنشكّ في بقاء الحكم فنستصحب.
وهذا القسمان يشتركان في أنَّه لا يحتاج جريان الاستصحاب إلى وجود الموضوع في الخارج، بل يكفي فرضه خارجاً، فنفترض وجود سارق أو شارب الخمر، إلّا أنَّهما يفترقان في أنَّ الشكّ في القسم الأوّل ليس من جهة الشكّ في سعة الموضوع وضيقه، فإنّه محرز ومعلوم، بل الشكّ من جهة الحدّ من جهة الزمان(1)، وأمّا في القسم الثاني فنقطع بعدم النسخ، ولكن الشكّ في أنَّ الموضوع هل هو وسيع أو ضيق؟ فهما من هذه الجهة على طرفي نقيض.
الموضع الثالث: وهو جريانه في الأحكام الجزئيّة، مع القطع بعدم النسخ وعدم التردّد في موضوع الحكم سعة وضيقاً، فنعلم أنَّ ملاقي البول نجس ولم ينسخ، والموضوع أيضاً معلوم، وهو: أنَّ المتنجّس ما دام لم يغسل فهو باق على نجاسته ولو يبس، ولكن الشكّ من جهة الغسل الخارجي، فيشكّ في بقاء
ــــــــــ[381]ــــــــــ
() إذ نحتمل أنَّه مقيّد بزمان خاصّ. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
نجاسته لاحتمال تطهيره بمطر أو غيره، ففي مثل ذلك يتمسّك بالاستصحاب، فيقال: إنَّ هذا كان محكوماً بالنجاسة، ونشكّ في بقائها فيستصحب، وهنا نحتاج إلى تحقّق الموضوع خارجاً، وبدونه لا معنى لجريانه بالاستصحاب.
ومن أمثلته: أنَّ زيداً كان على وضوء جزماً، ويشكّ أنَّه نام فارتفع وضوؤه أو لا فيستصحب، وهذا الاستصحاب لا يختصّ إجرائه بالفقيه، بل كلّ مكلّف يجريه، والعبرة بيقينه وشكّه، لا بيقين الفقيه وشكّه.
فهذه هي أقسام الاستصحاب ولا يتصور له قسم رابع، ومحلّ الكلام فيما إذا كان التعذّر من أوّل الوقت، فلا يدخل في شيء منها.
أمّا استصحاب حكم الشبهة الموضوعيّة فمعلوم؛ لأنَّ الشكّ ليس من جهة الموضوع والعوارض الخارجيّة، بل في الحكم الشرعي من حيث إنَّ وظيفة المكلّف هل هي الإتيان بالباقي أو لا؟ واحتمال النسخ أيضاً غير موجود، وأمّا من جهة سعة الموضوع وضيقه، فهو أيضاً ليس كذلك؛ لأنَّ المفروض أنَّ التعذّر كان من أوّل الوقت، فليس المفروض ثبوت حكم الشكّ في ارتفاعه بارتفاع قيد من قيوده، كما لو تعذّر عليه الإمساك في بعض الوقت، وشكّكنا في وجوب الصوم عليه في باقي الوقت، فإنَّنا حينئذٍ نشكّ في أصل وجوب الصوم عليه، فكيف يكون مورداً للاستصحاب؟
وعلى الجملة فإنَّ الاستصحاب متقوّم باليقين والشكّ، إمّا بنحو ثبوته خارجاً أو ثبوته فرضاً، وليس في المقام كذلك، فإنَّ الحكم مشكوك من أوّل الوقت، ولم يعلم ثبوته في زمان، فلا معنى لجريان الاستصحاب فيه.
ــــــــــ[382]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الوجه الثاني: إجراؤه في الوجوب الاستقلالي على نحو مفاد كان التامّة، بأن يُقال: قبل ذلك كان الوجوب الاستقلالي للصلاة متحّققاً، ويشكّ بتعذّر جزء أو شرط في بقائه(1) وارتفاعه، فيستصحب بقاء وجوب الصلاة على نحو مفاد كان التامّة.
وفيه:
أوّلاً: أنَّ هذا يتوقّف على صحّة جريان الاستصحاب في الأحكام الكلّيّة، ولا نقول به.
وثانياً: مع الإغماض عن ذلك، فإنَّه مثبت؛ فإنَّ الوجوب النّفسّي على نحو مفاد كان التامّة لا يترتّب عليه وجوب الباقي غير المتعذّر من الأجزاء والشرائط، فإنَّه لازم عقلي.
وثالثاً: أنَّه إنّما يتمّ فيما إذا كان التعذّر في أثناء الوقت. أمّا إذا كان التعذّر من أوّل الوقت، فأين كان الوجوب الاستقلالي ثابتاً ليستصحب، فيكون شكّاً في الحدوث لا في البقاء.
الوجه ثالث: استصحاب الوجوب النّفسّي على نحو مفاد كان الناقصة، بأن يُقال: إنَّ هذه الصلاة التي يتمكن منها المكلّف كانت واجبة عليه بوجوب نفسي استقلالي، ونشكّ في بقائه، بدعوى: أنَّ المتعذّر إذا كان شيئاً لا يعدّ عرفاً من الأركان المقوّمة، وبتعذّره لا يخرج المركّب عن حقيقته الأوّليّة، فكأنَّه هو هو.
ــــــــــ[383]ــــــــــ
() هذا فرض غير معقول، فإنَّه مع التعذّر نقطع بارتفاع الحكم، ولا نحتمل بقاءه. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وذكروا في بحث الاستصحاب: أنَّ العبرة في وحدة القضيّة المتيقّنة والمشكوكة بنظر العرف، فإذا كان الباقي معظم الأجزاء، وكان المتعذّر قليلاً غير دخيل في ماهيّة المركّب، فيصحّ أن يُقال: إنَّ هذه الأجزاء حين انضمامها إلى الجزء المتعذّر كانت واجبة، ونشكّ في بقاء الوجوب بعد التعذّر فنستصحب، ولا يكون الاستصحاب مثبتاً، وهذا نظير استصحاب الكريّة في الماء، فيما إذا أخذنا من الكرّ شيئاً قليلاً، بحيث لا يكون -عند العرف- الباقي والسابق موجودين مختلفين، بل يعتبران شيئاً واحداً، ففي مثل ذلك يصحّ أن يُقال: هذا الماء كان كرّاً، ونشكّ بارتفاع كرّيّته فنستصحب، مع أنَّه بالدقّة العقليّة لم يكن هذا كرّاً، بل هذا مع الماء المأخوذ وبضميمته، ولكن حيث إنَّ هذا والماء الأوّل بنظر العرف شيء واحد، فيصحّ أن يُقال: هذا كان كرّاً ونشكّ فنستصحب، فكما يجري الاستصحاب هناك يجري هنا أيضاً.
إلّا أنّ هذا التقريب يتوقّف على أمرين:
أحدهما: أن يلتزم بجريان الاستصحاب في الأحكام الإلهيّة الكليّة عند الشكّ في ارتفاعهما، نتيجةً لارتفاع بعض خصوصيّات الموضوع، ولا نقول به، وسيجيء الكلام عنه قريباً إن شاء الله تعالى في مبحث الاستصحاب.
ثانيهما: يتوقّف على أن يكون الجزء أو الشرط المتعذّر مّما ليس له دخل في حقيقة هذا الواجب، وهذا بالنسبة إلى الموضوعات العرضيّة واضح، فإنَّ أمر هذا الموضوع يرجع إلى العرف، فإذا لم يرَ العرف أنَّ هذا الجزء أو الشرط مقوّماً، فإنَّه يرى وحدة القضيّة المتيّقنة والمشكوكة، كحرمة وطي الحائض بعد
ــــــــــ[384]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ارتفاع الدم، فإنَّ الموضوع هو الموضوع بعينه، وهكذا أيّ موضوع إذا ارتفعت عنه خصوصيّة غير دخيلة في حقيقته، بل تعتبر من التوالي والحالات.
وأمّا إذا كان الموضوع موضوعاً شرعيّاً، ولم يكن راجعاً إلى العرف -كما هو محلّ الكلام- فإذا أمر المولى بمركّب أو مقيّد، وتعذّر بعض أجزائه أو شرائطه، فمن أين يمكن تحصيل الجزم بوحدة القضيّة المتيقّنة والمشكوكة، فلعلّ هذا الجزء أو القيد دخيل في المركّب، ومعه لا يمكن إجراء الاستصحاب، ولا يمكننا دعوى أنَّ هذا الموجود كان واجباً بالوجوب الاستقلالي، ونشكّ في بقائه، بل لعلَّه مغاير معه، وهو المركّب منه ومن غيره، فلا يمكن التمسّك بالاستصحاب.
ولكن يمكن الجواب عن ذلك، بعد تسليم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة، بأن يقال: إنَّ الشارع إذا أمر بمركّب ولم يبيّن أنَّ جزءاً أو شرطاً دخيل في ماهيّته -كما بيّن في بعض أجزاء الصلاة وشرائطها، كما في الركوع والسجود والطهور- فقد أرجع ذلك إلى العرف، فلو تعذّر جزء من أجزائه بحيث يكون الباقي والمركّب منه ومن المتعذّر في نظر العرف شيئاً واحداً، فلا بأس بأن يقال بجريان الاستصحاب.
وبعبارة أُخرى: إنَّ جريان الاستصحاب في الشبهة الحكميّة مبني على نحو من التسامح لا محالة، ولا يمكن أن يقال: إنَّ المتيقّن والمشكوك أمر واحد بالدقّة، ولكن بحسب الفهم العرفي يصحّ الاتّحاد، وبلحاظه يجري الاستصحاب عند الشكّ في البقاء، وإذا بني على هذه المسامحة فهو جارٍ عند
ــــــــــ[385]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
تعذّر جزء أو شرط ممّا لم يبيّن الشارع دخله في الماهيّة، فإنَّ العرف بحسب نظره المسامحي يصحّح الاتّحاد بين القضيّتين، ويتمّ بذلك الاستصحاب.
ولكن مّما يهون الخطب أنَّنا لا نلتزم بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة.
ومن ذلك كلّه ظهر أنَّه لا يمكن التمسّك بالاستصحاب فيما إذا ثبت وجوب شيء؛ لتعذّر بعض أجزائه أو شرائطه، وعلى تقدير جريانه في الشبهات الحكميّة، فهو إنّما يكون فيما إذا كان التعذّر في أثناء الوقت، وأمّا إذا كان التعذّر من أوّل الوقت فيكون شكّاً في أصل الحدوث، لا في البقاء ليجري الاستصحاب. هذا تمام كلامنا في الاستصحاب.
وقد استدلّ بها على وجوب الإتيان بما يتمكن المكلّف منه، ويكون بعض أجزائه وشرائطه متعذّرة، وهذا التعذّر لا يوجب سقوط الوجوب.
الرواية الأولى: ما نسب إلى رسول الله، أنَّه قال: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)، وهذه رواية غير موجودة في كتبنا، لا بسند قوي ولا ضعيف، وإنَّما رواها العامّة في كتبهم عن أبي هريرة عنه، قال: خطبنا رسول الله فقال: أيَّها الناس قد فرض الله عليكم الحجّ فحجّوا، فقال رجل: أفي كلّ عام يا رسول الله، فسكت حتّى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثمَّ قال: (ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان
ــــــــــ[386]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على(1) أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)(2).
وهذه الرواية لا تكون مدركاً للحكم الشرعي، لأنَّها ليست في كتبنا، وخاصّة أنَّ راويها هو أبو هريرة المعلوم حاله، وقد كتب الحجّة شرف الدين رسالة خاصّة في كذبه(3).
ودعوى: أنَّ هذه الرواية منجبرة بعمل الأصحاب ممنوعة صغرى وكبرى.
أمّا الكبرى فقد تقدّم الكلام عليها غير مرّة، وتكلمنا عنها مفصّلاً في بحث خبر الواحد، وقلنا: إنَّ المدار في حجّيّة الخبر هو وثاقة الراوي أو الوثوق الشخصي بالرواية، فإنَّ الاطمئنان حجّة في نفسه، ومجرّد كون الأصحاب قد عملوا بالرواية لا يجعلها حجّة.
وأمّا بحسب الصغرى فإنَّها غير منجبرة حتّى على تقدير تسليم الكبرى، لأنَّ كثيراً من الأصحاب وبخاصّة القدماء منهم لم يذكروا ذلك، ولم يستندوا في وجوب الباقي إلى هذه الرواية، فلعلّهم استندوا إلى قاعدة(4) الميسور، أو إلى
ــــــــــ[387]ــــــــــ
() كذا في الدراسات، وأعتقد أنَّها (إلى)، والمراد كثرة ذهابهم إلى أنبيائهم، والله العالم. (المقرّر).
(2 ) صحيح مسلم 2: 975، الباب 73، فرض الحجّ مرّة في العمر، الحديث: 412، سنن النسائي: 283، باب 1، من وجوب الحجّ، الحديث: 2619، سنن الكبرى 2: 319، باب 1، وجوب الحجّ، الحديث: 1.
(3) تحت عنوان: أبو هريرة.
(4) يعني إلى رواية أخرى غير هذه. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ما علموه في خصوص الصلاة من أنَّها لا تسقط بحال.
نعم، في خصوص الصلاة تمسّكوا بقاعدة الميسور، ولعلّ للصلاة خصوصيّة، باعتبار أنَّها لا تسقط بحال، وأمّا أنَّه في كلّ مورد إذا تعذّر جزء أو شرط يجب الإتيان بالباقي اعتماداً على هذه الرواية، فذلك مّما لم يثبت.
على أنَّ النسائي في صحيحه ذكر غير مرّة هذه الرواية، وفيها: فأتوا به ما استطعتم، ومعلوم أنَّ كلمة (ما) في هذه الرواية زمانيّة، يعني: ما دام استطعتم، وفي أيّ زمان استطعتم، ومعناه: شرطيّة القدرة في الواجب، وأين هذا من الأمر بالأجزاء المتمكن منها عند تعذّر جزء؟!
إذن، فمتن هذه الرواية غير معلوم، وأنَّ الصادر عن رسول الله على تقدير صحّته غير معلوم ما هو.
وبهذا يظهر أنَّ دعوى الإنجبار ساقطة؛ إذ لا يعلم أنَّه أيّ منها رواها أبو هريرة، ليقال: إنَّها منجبرة(1). إذن، فهذه الرواية ساقطة جزماً.
ومع ذلك نتكلّم في دلالة الرواية، فهل هي دالّة على وجوب الباقي عند تعذّر بعض الأجزاء أو لا؟
الاحتمال الأوّل: الاستدلال بها مبنيٌّ على أن تكون كلمة (ما) موصولة، وكلمة (من) تبعيضيّة، ليكون المعنى: إذا أمرتكم بشيء فأتوا ببعض (من)
ــــــــــ[388]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ المنجبر على تقدير ثبوت تمسّك المشهور بقاعدة الميسور هو النصّ الأوّل من الرواية دون هذا النصّ، لعدم دلالة الأخير على المقصود، فالاعتماد للمشهور دائماً يكون على الدليل الدالّ، لا غير الدال، كما هو واضح، فتأمّل. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
أجزاءه ما استطعتم، وحينئذٍ تدلّ على المدّعى من أنَّه عند تعذّر بعض أجزاء الواجب يجب الإتيان بالمقدار المستطاع منه.
ولكنّ -مع أنَّه في نفسه لا دليل عليه لوجود احتمالين آخرين على ما نبيّن- هذا لا ينطبق على مورد الرواية، فإنَّ موردها هو الحجّ، وليس الأمر في الحجّ كذلك، بحيث لو لم يتمكن المكلّف من تمام الحجّ يجب عليه بعضه.
نعم، هذا في الصلاة ثابت بلا إشكال في جميع أجزائها وشرائطها، إلّا القليل كالطهور إذا لم يتمكن منه فيجب الإتيان بالباقي، وأمّا في الحجّ فلم يذهب إليه أحد، فهذا المعنى غير منطبق على مورد الرواية.
على أنَّ هذا المعنى لا يرتبط بالسؤال، فإنَّ السائل سأل عن المرّة والتكرار، فأيّ ربط لأن يجاب بقوله: إذا أمرتكم بواجب فأتوا من أجزائه ما استطعتم؟ نعم، لو كانت هذه الجملة مستقلّة لكان احتماله موجوداً، وأن تكون (ما) موصولة و(من) تبعيضيّة، إلّا أنّ ارتباطه بالسؤال مفقود، فالمعنى الذي يتوقّف عليه الاستدلال لا ينسجم مع السؤال المذكور في الرواية، فهذا المعنى ساقط، فالاستدلال بالرواية ساقط أيضاً.
الاحتمال الثاني: أن تكون (ما) موصولة، وتكون (من) بيانيّة، من قبيل: خاتم من حديد، فيكون المعنى: إذا أمرتكم بواجب فأتوا من أفراده ما استطعتم، وقد ذكرنا في بعض الدورات السابقة(1): أنَّ (من) البيانيّة هي بعينها التبعيضيّة، غاية الأمر: أنَّ التبعيض قد يكون في المركّب، وقد يكون في الكلّي،
ــــــــــ[389]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 465.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
فبعض المركّب أجزاؤه، وبعض الكلّي أفراده، فإذا قيل: (خاتم من حديد) يكون المعنى هو التبعيض، فإنَّ الحديد كلّي، والخاتم فرد منه، فقوله -على تقدير صدق أبي هريرة-: إذا أمرتكم بواجب فأتوا ببعض أفراده ما استطعتم، أي: المقدار المستطاع من الأفراد، وهذا معنى قابل لأن يكون مراداً.
إلّا أنّه أيضاً لا ينطبق على المورد، فإنَّنا نعلم من الخارج أنَّه لا يجب الإتيان بكلّ فرد مستطاع من الحجّ، وإنَّما يجب الحجّ في العمر مرّةً واحدةً. نعم، ذهب بعضهم(1) إلى وجوبه في كلّ سنة على تقديره الجدة والاستطاعة، إلّا أنَّ سيرة المسلمين والروايات المتسالم عليها بين الفريقين على أنَّه في العمر مرّة واحدة، فيكون قوله -لو كان مراداً- يجب الحجّ في كلّ سنة مرّةً منافياً لقوله: لو قلت: نعم، لوجب. ولو وجب لما استطعتم، فإنَّه معلوم أنَّ النبيَّ في مقام بيان عدم الوجوب، وأنَّه لو قال: نعم، لوجب، ولكنَّه لم يقل نعم. إذن، فهذا المعنى لا ينطبق على المورد.
الاحتمال الثالث: أن تكون كلمة (من) بمعنى (الباء) والمراد بها التعدية، فإنَّ كلمة (أتى) لازمة، ولابدَّ في تعديتها من أن يكون من باب الأفعال، فيقال: أتاه الله الحكمة، أو يعدّى بـ (الباء)، فيقال: أتى بالفاحشة، ولا يستعمل وحده متعدّيّاً، فلا يُقال: أتى الصلاة أو أتى الحجّ، بل أتى بهما، فتكون لكلمة (من) معنى الباء، ويكون المعنى حينئذٍ: فأتوا به ما دمتم مستطيعين، وهو يدلّ على اعتبار القدرة في التكاليف، وهو أجنبي عمّا استدلّ به عليه بالكلّيّة، ويكون
ــــــــــ[390]ــــــــــ
(1) انظر: علل الشرائع 2: 405.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
حاصل كلامه: أنَّ الحجّ واجب في العمر مرّة واحدة، والمكلّف إذا لم يكن مستطيعاً لا يجب عليه الحجّ، وهذا المعنى بمناسبة المورد ينبغي أن يكون هو المراد.
إذن، فالرواية -على تقدير تسليم سندها وفرضها صحيحة أو منجبرة- لا يمكن الاستدلال بها لقصور دلالتها عن ذلك.
الرواية الثانية: رواية الأفزاري المنقولة في كتاب (عوالي اللئالي) مرسلاً عن أمير المؤمنين: “مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّه“(1).
والكلام في السند فيها مثل الكلام عن سند الرواية الأولى، فإنَّ مؤلّف هذا الكتاب غير معتمد عليه، وقد ناقش فيه –كما ذكر الشيخ الأنصاري(2)– صاحب الحدائق(3) الذي لا يرى المناقشة في الروايات.
على أنَّ الرواية مرسلة، ولو كان راويها من أوثق الناس. إذن، فالرواية قاصرة من حيث السند. وفي دعوى الإنجبار بعمل المشهور ما تقدّم، بل أسوأ حالاً مّما تقدّم.
أمّا من جهة الدلالة فيحتمل أن يكون (كلّ) في الجملتين مستعملةً في العموم الاستغراقي، يعني: عموم السلب، وأنَّ النفي شامل لكلِّ فرد، أو مستعملتين في العموم المجموعي، يعني: سلب العموم، ويحتمل أن يكون المراد من أحدهما سلب العموم، ومن الآخر عموم السلب، فالمحتملات أربعة.
فإن أُريد من الجملة الأولى عموم السلب فيكون معناها: ما لا يدرك أيّ
ــــــــــ[391]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 4: 58، الحديث: 207.
(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 116.
(3) انظر: الحدائق الناضرة 1: 99.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
جزء من أجزائه، أو أيّ فرد من أفراده، وحينئذٍ ما معنى قوله: (لا يترك كلّه) على تقدير سلب العموم أو عموم السلب؟ فإن كان كلّ فرد على نحو عموم السلب فهو غير ممكن، إذ لا يبقى معنى للجملة الثانية، فلابدَّ أن يكون المراد من الجملة الأولى سلب العموم، يعني: ما لا يدرك جميع أجزاءه أو أفراده، بل يدرك بعضها فيؤتى منها بالمقدار الممكن، ويكون في الثاني بعكسه فيفيد عموم السلب، فما لا يدرك جميعه لا يترك كلّ فرد من أفراده، أو كلّ جزء من أجزائه، ويكون محصّل الرواية: إذا لم يدرك الجميع لا يترك الجميع، فلا يجمع بين التروك، فيأتي ببعض الأفراد أو الأجزاء.
وأورد صاحب الكفاية(1): أنَّ (لا يترك) سواء كان نهياً أو نفياً أُريد به النهي، فإنّ ظهوره في التحريم ينافيه ظهور كلمة (ما) في الشمول للواجبات والمستحبات، ولا يمكن الأخذ بكلا الظهورين؛ إذ من المقطوع به أنّ المستحب إذا تعذّرت بعض أجزائه لا يجب الإتيان بالباقي، فيدور الأمر بين رفع اليد عن ظهور (ما) بالشمول فيختصّ بالواجبات، ويبقى ظهور (لا) في الحرمة على حاله، أو يرفع اليد عن التحريم ويؤخذ بالرجحان. إذن، لا تكون الرواية دليلاً على لزوم الإتيان بالباقي.
وهذا الكلام يرد عليه:
أوّلاً: ما ذكرناه في بحث الأوامر(2) والنواهي، وقلنا: بأنَّ الوجوب والحرمة
ــــــــــ[392]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 371.
(2) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 147.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ليسا من مداليل الألفاظ، بل صيغة الأمر تدلّ على إبراز الاعتبار النفسي بجعل الفعل في ذمّة المكلّف، وصيغة النهي موضوعة لإبراز حرمان المكلّف عنه، ولذا يقال له التحريم، ولا يفرق في ذلك بين الوجوب والاستحباب من ناحية وبين الكراهة والحرمة من ناحية أخرى، وإنَّما يستكشف الوجوب بحكم العقل، فإنَّ هذا الأمر إذا لم يكن مقترناً بالترخيص من الشارع، فلابدَّ من الإتيان به أخذاً بقانون العبوديّة، فلا يجوز ترك الواجب ولا فعل الحرام، فاللفظ مستعمل في معنى واحد لا في معنيّين.
إذن، فـ(لا يترك) مستعمل في النهي، وخرجنا من ذلك في المستحبات، إذ قامت قرينة على الترخيص، فيبقى النهي في الواجبات على حاله بحكم العقل.
وثانياً: لو سلّمنا أنَّ ما ذكره صحيح، وأنَّ النهي يستعمل في التحريم، وأنَّ الأمر يدور بين رفع اليد عن أحد الظهورين، فمع ذلك يمكن الاستدلال بالرواية، لأنَّنا لو رفعنا اليد عن ظهور النهي في التحريم وحملناه على الرجحان، فإنَّه يمكن أن يقال: إنَّ المركّب الواجب إذا تعذّر بعض أجزاءه، فإنَّ أمره دائر بين الوجوب واللغويّة؛ إذ لا نحتمل كون الإتيان بالباقي مستحباً، فإذا ثبت الرجحان بالرواية ثبت الوجوب بالملازمة قطعاً.
والصحيح في الجواب أن يُقال: إنّ قوله -لو صحّت الرواية-: (ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه)، فيه احتمالات ثلاثة:
الاحتمال الأوّل: أن تكون (ما) قد استعملت في خصوص الكلّي باعتبار أفراده، يعني: لو أمرتكم بطبيعة لها أفراد ولم تتمكّنوا من الإتيان بكلّ فرد فلا
ــــــــــ[393]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
تتركوه جميعاً، فإذا لم تتمكّنوا من صلاة الليل في كلّ ليلة فلا أقلّ من بعض الليالي في الأسبوع أو في الشهر مرّة، وكذلك في سائر المستحبات والواجبات.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد بها المركّب باعتبار أجزائه، يعني: أنَّ المركّب المأمور به إذا لم يتمكّن المكلّف من الإتيان بتمامه فلا يترك جميع أجزائه.
الاحتمال الثالث: أن يكون المراد هو الجامع(1) بين المركّب والكلّي.
أمّا الاحتمال الثالث فغير ممكن؛ وذلك: لأنَّ قوله (لا يترك كلّه) في المركّبات لابدّ أن يكون على نحو الأمر المولوي، فإنَّ العقل لا يستقلّ بلزوم الإتيان بالباقي عند تعذّر المركّب بتمامه، وإنَّما غاية ما كان يستقلّ به هو لزوم الإتيان بالمركّب قبل التعذّر امتثالاً للأمر المتعلّق به، وأمّا بعد أن تعذّر بعض أجزائه فلا يحكم العقل فيه باللزوم، فيحتاج إلى أمر شرعي، فيكون قوله (لا يترك) نهيّاً مولويّاً لا محالة.
وأمّا إذا كان التعذّر هو لبعض أفراد الكلّي، ولم يتمكن من الإتيان بجميع أفراد الواجب، كما في صوم رمضان إذا لم يتمكن المكلّف من صوم الشهر كلّه، فإنّه لا يتركه كلّه، بل يأتي بالمقدار الممكن، و هذا لا يحتاج إلى النهي المولوي، بل يثبت بحكم العقل؛ لأنّ كلّ” واحد من الأفراد واجب مستقلّ، ومعلوم أنَّ سقوط واجب، لا يوجب سقوط واجب آخر، فهذا لا يحتاج إلى رواية ولا استدلال، بل يثبت بحكم العقل، فيكون (لا يترك) نهيّاً إرشاديّاً -قطعاً- إلى
ــــــــــ[394]ــــــــــ
() يقصد بالجامع المجموع: أن يكون كلاهما مقصوداً، لا الجامع، بمعنى: مفهوم أحدهما، كما هو واضح. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
حكم العقل، فإذا كان النهي في أحدهما إرشاديّاً، وفي الآخر مولويّاً، فإنّه لا يمكن الجمع بينهما، فإنَّ النهي الإرشادي من قبيل الجملة الخبريّة، والنهي المولوي مبرز للاعتبار النفّسّي، ولا يمكن الجمع بين هذين الأمرين.
إذن، لابدَّ من الاختصاص بأحدهما، أمّا بالكلّي فتكون الرواية ناظرة إلى أمر قد استقلّ به العقل، باعتبار أنَّه إذا لم يتمكن المكلّف من فرد من الواجب لا يوجب سقوط واجب آخر، أو تختصّ بالثاني فيكون نهيّاً مولويّاً، وحيث لا قرينة في البين على ما أريد بها الكلّي أو المركّب فتسقط الرواية من جهة الإجمال، بل لا يبعد أن يقال: إنَّها ظاهرة بالكلّي والأفراد، دون المركّب والأجزاء، فإنَّه بعد الفراغ عن عدم إرادة الجامع، وإمكان إرادة الكلّي، فإنَّه يتعيّن، لأنّهم قالوا بوجوب الباقي في المركّب، فيما إذا كان الباقي معظم الأجزاء، وأمّا إذا فرضنا أنَّ المتعذّر نصف الواجب أو ثلثه، فإنَّه لا يمكن الالتزام بوجوب الباقي، فلابدَّ من التقيّيد بما إذا كان الباقي معظم الأجزاء، وهذا تقسيم زائد لا دليل عليه، وهو يؤكّد أن يكون المراد به الكلّي والأفراد دون المركّب والأجزاء، وأمّا بالنسبة إلى الكلّي وأفراده فالإطلاق على حاله، وأمّا في المركّب فلا مناص من التقيّيد في أنَّ المتعذّر لا يعتدّ به، فيكون هذا مؤيّداً لإرادة الكلّي لا المركّب.
وقد يُقال: إنَّ الرواية ظاهرة بإرادة المركّب دون الكلّي، لما تقدّم في بحث الأوامر والنواهي(1): من أنَّ ظاهر الأمر المولويّة، والإرشاديّة تحتاج إلى قرينة، فإذا لم تقم قرينة على الإرشاد في مورد فظاهره المولويّة، فتحمل الرواية على
ــــــــــ[395]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 1: 217.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إرادة المركّب وأجزائه، ليكون الأمر مولويّاً، لا على إرادة الكلّي ليكون إرشاديّاً.
والجواب عن هذا: أنَّ ما ذكرناه صحيح فيما إذا كان الأمر بشيء قابلاً لأن يكون مولويّاً، وأن يكون إرشاديّاً، ففي مثل ذلك ظهوره في المولويّة لا ينكر، والإرشاد يحتاج إلى قرينة، وذلك فيما إذا كان المتعلّق معلوماً، وشكّكنا في أنَّ الأمر للإرشاد أو المولويّة، ففي مثل ذلك لو خالف الأمر وترك امتثاله يعاقب، ولا يقبل عذره باحتمال كونه إرشاديّاً، وأمّا إذا لم يتعيّن المأمور به بشيء، بل على تقدير يكون الأمر مولويّاً وعلى تقدير يكون إرشاديّاً، فلم يثبت بناء العقلاء على تعيّن الأمر في المولويّة، ومقامنا من هذا القبيل إذ على تقدير إرادة الكلّي يكون الأمر إرشاديّاً، وعلى تقدير إرادة المركّب يكون مولويّاً. فالصحيح أنَّ هذه الرواية ساقطة سنداً ودلالة، كما كان هو الحال في الرواية الأولى.
الرواية الثالثة: ما ذكره في غوالي اللئالي عن أمير المؤمنين، أنَّه قال: “الميسور لا يسقط بالمعسور“(1).
وهذه الجملة كثيرة الدوران على ألسنة الفقهاء، إذ يستدلّون بقاعدة الميسور في كتاب الصلاة، فذهبوا إلى أنَّ المركّب إذا كان له أجزاء متعدّدة، وكان المتعذّر قليلاً، ويصدق على الباقي أنَّه ميسور منه، فإنَّه يجب الإتيان بما يتمكّن منه المكلّف.
والكلام في سند هذه الرواية هو الكلام في سند الرواية الثانية بعينه؛ لأنَّها مروية أيضاً في غوالي اللئالي، ومؤلّفه مجهول الحال.
ــــــــــ[396]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 4: 58، الحديث: 205. وقد ورد بما لفظه: “لا يُتْرَكُ الْمَيْسُورُ بِالمَعْسُور”.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
وأمّا الكلام في الدلالة بعد فرض صحّة الرواية، فهي أيضاً لا تدلّ على المقصود، والوجه في ذلك: أنَّ المحتمل في كلمة (لا يسقط) أمور ثلاثة:
الأوّل: أن تكون هذه الكلمة ناهية، فالميسور ينهى عن السقوط بالمعسور.
الثاني: أن تكون خبريّة مستعملة في مقام الإنشاء، فيكون في ذلك نهيّاً، وفي الظاهر إخباراً، كما هو الحال في جملة من الموارد، منها قوله: “إذا تكلّم في صلاته أعاد صلاته“(1)، ونحوه في النهي أيضاً(2).
الثالث: أن تكون جملة خبرية محضة، يعني: أخبر المعصوم -لو صحّت الرواية- عن أنَّ الشيء لا يسقط عن ذمّة المكلّف بتعذّر شيء آخر.
أمّا الاحتمالان الأولان فغير معقولين في أنفسهما، لأنَّ النهي عن السقوط أمر لا معنى له، لأنَّ السقوط ليس فعلاً للمكلّف، حتّى يتعلّق به تكليف من أمر أو نهي أو إباحة، وإنَّما السقوط فعل من أفعال المولى، فإنَّه هو الذي يحكم بالسقوط، وعدمه وليس فعلاً من أفعال المكلّف، فلا يمكن النهي عن السقوط ابتداء بحسب اللبّ، فالاحتمالان الأوّلان يسقطان.
فيتعيّن أن يكون المراد بـ (لا يسقط) الإخبار، يعني: أنّ كلّ شيء في أيّ مورد كان ثابتاً لا يسقط بتعذّر شيء، بلا فرق بين الأفراد والأجزاء، فلو كان الواجب ذا أفراد، كصوم رمضان إذا تعذّر عليه صوم بعض الأيام، فلا يحكم
ــــــــــ[397]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 354، باب أحكام السهو في الصلاة، الحديث: 1029، مع اختلاف في بعض الألفاظ.
(2) الكافي 3: 318، باب عزائم السجود، الحديث: 6.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
بوجوب صوم الأيام الأخر، وكذلك(1) في المركّب وأجزائه إذا تعذّر بعضها، فيصحّ أن يقال: إنَّ الأجزاء الأخر لا تسقط عن الذمّة بسقوط هذا الجزء، سواء كان في الواجبات أو المستحبات.
بل يمكن الالتزام بشمول الرواية لغير الكلّي والمركّب، كما إلتزم به الفقهاء فيما إذا كان الشيء ذا مراتب عالية ومراتب دانيّة، وتعذّرت المرتبة العاليّة، فإنَّهم قالوا: تجب المرتبة الدانيّة بقاعدة الميسور كما في الإيماء، فإنَّه يجب على المكلّف أوّلاً الركوع والسجود، فإذا لم يتمكن المكلّف منهما فتصل النوبة إلى الإيماء بالرأس، ثُمَّ تصل النوبة إلى الإيماء بالعينيّن، فإن لم يتمكن من هذه المراتب فيجب عليه الإيماء باليد، فإنَّه ميسور وهو مرتبة نازلة عن الإيماء بالرأس والعينيّن، والميسور لا يسقط بالمعسور.
فيمكن أن يقال: إنَّ إطلاق الرواية كما يشمل الكلّي والمركّب يشمل المرتبة الدانيّة عند تعذر العاليّة، ولا يلزم أنّ من ذلك الإشكال المتقدّم، وهو: أنَّ الجملة الواحدة لا يمكن استعمالها في المولويّة والإرشاد معاً، فإنَّها مستعملة في الإخبار فقط، فكأنَّه أخبر وقال: كلّ شيء كان ثابتاً لا يسقط بتعذّر شيء آخر، فيمكن الاستدلال بها على المطلوب.
ولكن الظاهر أنّ هذا أيضاً لا يتمّ، والوجه في ذلك: أنَّ نسبة عدم السقوط إلى أفراد الواجب فيما إذا كان بعضها ميسوراً وبعضها معسوراً نسبة حقيقيّة،
ــــــــــ[398]ــــــــــ
() فإنَّه يصحّ أن يقال: إنَّ الوجوب ثابت، وإنَّه ساقط، وكما يصحّ أن يقال: إنَّ الصلاة ثابتة، وأنَّها ساقطة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
كما لو كان يعسر على المكلّف الصوم في بعض أيام شهر رمضان، فيصحّ أن يقال: (الميسور لا يسقط بالمعسور)، باعتبار أنَّ الميسور واجب بوجوب مستقلّ فلا يسقط بسقوط غيره، وكذلك الحال في المستحبات، كما لو لم يتمكن المكلّف من صلاة الليل في كلّ ليلة، فما تمكن منه يبقى ولا يسقط.
وأمّا بالنسبة إلى أجزاء الواجب فلو فرضنا أنَّ بعض أجزاء الواجب تعذّر، فهل يجب الباقي أو لا؟ متى كان وجوبه ثابتاً لكي يصحّ أن يقال: لا يسقط، فإنَّ السقوط فرع الثبوت، وقد فرضنا أنَّه إخبار وليس إنشاءً، فهو يخبر عن أنَّ الواجب باقٍ على ما كان عليه، ولم يرتفع وجوبه بتعذّر جزءه، بل إذا كان الباقي واجباً أو مستحباً فهو ثابت بوجوب أو استحباب جديد حادث، فلا يكون مشمولاً للرواية؛ لأنّه لم يكن ثابتاً ليحكم بعدم سقوطه، وكذلك إذا فرضنا أنَّ التعذّر أثناء الوقت، فإنَّ هذه الأجزاء وإن كانت واجبة سابقاً، إلّا أنّه كان وجوباً ضمنيّاً، لا وجوباً استقلاليّاً، وهو قد سقط جزماً، وبقاؤه غير معقول، فلو كان الباقي واجباً لكان واجباً بوجوب آخر، فهو وجوب شبيه بالوجوب الأوّل وليس عينه. نعم، بالعناية يمكن أن يقال: إنَّ الوجوب باقٍ، وأمّا بالدقّة العقليّة فلا، فيصحّ أن يقال: إنّ هذه الأجزاء كانت واجبة أو مستحبة، ولم يسقط وجوبها أو استحبابها، ولكنّه مبني على المسامحة جزماً، فإنَّ الوجوب السابق مرتفع جزماً، والوجوب الموجود فرد جديد.
وأوضح من ذلك: إذا كان المتعذّر مرتبة، والميسور مرتبة أخرى، فمتى كان الإيماء باليد ثابتاً وواجباً حتّى يقال: إنَّه باق. نعم، يمكن ذلك بعناية
ــــــــــ[399]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
زائدة، وهو أن يقال: إنّ طبيعي الوجوب للإيماء كان ثابتاً، فهو باقٍ ولو في ضمن فرد آخر.
إذن، فالرواية تشمل الكلّي حقيقة، والمركّب بعناية، والمراتب بعناية أوضح، وهذا يحتاج إلى قرينة، وظاهر النسبة هو النسبة الحقيقيّة، وبهذا تختصّ الرواية بالأفراد للكلّي فتكون أجنبية عن محلّ الكلام.
وأمّا في خصوص الصلاة فقد علمنا من الخارج أنَّها لا تسقط بحال، وأنَّ تعذّر جزء أو شرط لا يوجب سقوط الباقي، وينتقل من مرتبة إلى مرتبة أخرى ولا تكون ساقطة، ولكن لو بقينا نحن والقاعدة لما قلنا بوجوب الباقي.
وكذلك فيها فيما إذا لم يكن المتعذّر مّما له دخل في قوام الصلاة، فلو كان فاقد الطهور فإنَّا لا نقول بوجوب الباقي، إلّا على نحو الاحتياط.
ــــــــــ[400]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
بقي الكلام فيما إذا تردّد أمر شيء بين أن يكون جزءاً أو شرطاً، وبين أن يكون مانعاً أو قاطعاً، فلا ندري أنَّ وجود هذا الشيء معتبر في الواجب أو عدمه معتبر، ونعلم بأحدهما إجمالاً، فإذا لم يكن لنا علم باعتباره جزءاً أو مانعاً، وتمحّض الشكّ في كونه بدويّاً، فلا ينبغي الشكّ في الرجوع إلى البراءة، على ما هو الصحيح من الرجوع إلى البراءتين العقليّة والشرعيّة في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.
وأمّا إذا علمنا بالاعتبار في الجملة، ولكن تردّد اعتباره بين جزئيّته ومانعيّته، فما هو التكليف في المقام؟ في المسألة صور.
إذا كانت الواقعة واحدة، وكان من الواجب المضيّق، ودار الأمر بين اعتبار الشيء فيه وجوداً أو عدماً، فهذا يكون من دوران الأمر بين المحذورين، والمكلّف لا يتمكن من الموافقة القطعيّة ولا من المخالفة القطعيّة. نعم، يتمكن من المخالفة بترك أصل الواجب، لكن على تقدير الإتيان بالعمل، فإنَّ المكلّف لا يتمكّن من المخالفة القطعيّة ولا الموافقة كذلك، إذ لا يمكن رفع النقيضين ولا الجمع بينهما، فيتنزّل من الموافقة القطعيّة إلى الموافقة الاحتماليّة، فهو مخيّر بين أن يأتي بالمشكوك وأن لا يأتي به.
ــــــــــ[401]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
إذا كانت الوقائع متعدّدة، والمكلّف متمكن من الموافقة القطعيّة في إحدى الوقائع، و متمكن من المخالفة القطعيّة أيضاً، فلو دار الأمر في الصلاة مثلاً بين اعتبار شيء وجوداً أو عدماً، وصلّى الفجر مقترناً بوجوده وصلى الظهر مقترناً بعدمه، فلا محالة يقطع ببطلان إحدى الصلاتين، فهو وإن كان يعلم بالموافقة في إحدى هذين الواجبين جزماً، إلّا أنَّ العلم بذلك ملازم للعلم بالمخالفة القطعيّة لا محالة، فيدور الأمر بين أن يأتي به في واجب ولا يأتي به في واجب آخر، ليحصل له العلم بالمخالفة القطعيّة وبالموافقة القطعيّة، وبين أن يلتزم بالفعل في الجميع، أو الترك في الجميع لتكون المخالفة والموافقة احتماليّة في الجميع.
وقد قلنا: إنَّ حكم العقل بقبح المخالفة القطعيّة باقٍ على حاله، ونتيجته: تخيّر المكلّف من الإتيان بالترك مطلقاً أو الإتيان مطلقاً، غاية الأمر: كان كلامنا هناك في الوجوب والحرمة الاستقلاليّين، وهنا في الوجوب والحرمة الضمنيّين.
فلو بنى على أن يأتي به في زمان، ولا يأتي به في زمان آخر، فهو مستلزم للمخالفة القطعيّة، وهو غير جائز، فيكون التخيّير ابتدائياً لا استمرارياً.
إذا كان الواجب موسّعاً وله أفراد متعدّدة، وكان الوقت واسعاً يتمكن المكلّف من الإتيان بالصلاة مقترنة بالفعل تارةً، ومقترنة بعدمه تارةً أخرى، ليحصل له الموافقة القطعيّة، فهل يجب عليه الاحتياط؟
ــــــــــ[402]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ذكر شيخنا الأنصاري(1): أنَّ وجوب الاحتياط أو عدمه متفرّع ومبني على البحث في مسألة الأقلّ والأكثر، فإن قلنا بالبراءة هناك قلنا بها هنا أيضاً، وأنَّ المكلّف مخيّر بين الفعل والترك، وإن قلنا بالاحتياط هناك نقول به هنا أيضاً، ولابدَّ من الإتيان بالواجب مرّتين، مرّة مع الجزء المشكوك وأخرى مع عدمه.
ولكن لا يمكن المساعدة على ذلك، والوجه فيه: أنَّ دوران الأمر بين المحذورين قد يفرض في الطبيعي المأمور به، وقد يفرض في فرد من أفراد الطبيعي، فإن فرضنا أنَّ الدوران في فرد الطبيعي، مّما يعني: هذا الفرد الخارجي للصلاة يدور أمره بين المحذورين، إذ يدور أمر شيء فيها بين كونه جزءاً أو كونه مانعاً، فبالنسبة إلى هذا الفرد لا يمكن الموافقة القطعيّة ولا المخالفة القطعيّة بلحاظه، لأنَّه إن أتى به فقد وافق موافقة احتماليّة، وإن تركه فكذلك، فلا مناص له من أخذ الأمرين إمّا الإتيان به أو تركه.
ولكنّنا ذكرنا(): أنَّ الأمر لا يسري إلى الفرد الخارجي، وإنَّما هو مصداق لذات المأمور به، ولا يوصف أنَّه مأمور به، والمركّبات والبسائط في ذلك على حدٍّ سواء، فما تردّد أمره بين المحذورين -وهو الفرد- غير مأمور به، وما هو مأمور به -وهو الطبيعي- لم يدر أمره بين المحذورين، لأنَّه يتمكن من الإتيان بفردين للصلاة تارةً مع وجود المشكوك، وأخرى مع عدمه، فيحصل له العلم بالامتثال لا محالة.
ــــــــــ[403]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 401، 402.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
ومع تمكن المكلّف من الموافقة القطعيّة والمخالفة كذلك، فإنَّه إن لم يأت بالصلاة رأساً فقد خالف جزماً، وإذا أتى بالصلاة مرّتين مقترنةً بالمشكوك تارة وبعدمه أُخرى فقد وافق جزماً، ومعه كيف لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً، وكيف يمكن قياس المقام بالأقلّ والأكثر الارتباطيّين؟! فإنَّه هناك لم يكن فيه إلّا الشكّ في اعتبار أمر آخر زائد على ما هو المتيقّن، فإذا قلنا بالبراءة هناك كيف يمكن القول بها هنا مع العلم باعتبار شيء، ودار أمره بين الوجود والعدم والمكلّف متمكن من الإتيان به على كلّ تقدير، وكيف يتنزّل إلى الموافقة الاحتمالية، مع التمكن من الموافقة القطعيّة. فالصحيح وجوب الاحتياط والإتيان بالواجب مرّتين، تارة مع الجزء المشكوك وأخرى مع عدمه.
ولعلّ هذا من الغرائب التي صدرت من شيخنا الأنصاري، ولذلك لم يلتزم في صغريات هذه المسألة بالبراءة، مع أنَّه يقول بالبراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، فلو دار الأمر بين القصر والتمام، فيما لو سافر أربع فراسخ غير قاصد الرجوع ليومه، وغير ناو لإقامة عشرة أيام، فقد احتاط الشيخ بالجمع، مع أنّ هذه المسألة من صغريات مسألتنا هذه، فإنَّ الركعتين مأمور بهما قطعاً، وأمّا الركعتان الأخيرتان فنشكّ أنَّهما جزء من المأمور به أو مبطل ومانع لها، باعتباره زيادة في الأركان.
أو بعبارة أخرى نقول: إن أمر السلام في الركعة الثانية يدور بين الجزئية والمانعيّة، فإنها إن كانت قصراً فهو جزء، وإن كانت تماماً فهو كلام زائد قاطع، فيدور أمره بين الجزئية والقاطعيّة، فإن كانت هذه المسألة مبنية على مسألة الأقل
ــــــــــ[404]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
والأكثر، وقد اختار الشيخ فيها البراءة، فلا بُدَّ من القول بالتخيير في القصر والتمام. فكيف التزم بالاحتياط.
هذا تمام كلامنا في هذه المسألة.
ــــــــــ[405]ــــــــــ
[أصالة الاحتياط] 13
[الأمر الأوّل: الآيات القرآنيّة] 13
الأمر الثاني: الروايات الشريفة 16
النسبة بين أدلّة الاحتياط والبراءة 26
تخيّل مرفوض 29
استدلال الإخباريّين على وجوب الاحتياط في الشبهات التحريميّة 31
الوجه الأوّل: العلم الاجمالي 31
الوجه الثاني: أصالة الحظر 44
الوجه الثالث: دفع الضرّر 45
أصالة عدم التذكيّة 49
بيان الأصل الموضوعي في كلمات الشيخ الأعظم 49
الكلام في الشبهة الموضوعيّة 52
الكلام في الشبهة الحكميّة 59
الآثار المترّتبة على أصالة عدم التذكيّة 61
ــــــــــ[407]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
دعوى المحقّق الهمداني وجوابها 63
تعجب المحقّق البحراني في غير محلّه 65
في حسن الاحتياط 69
الكلام فيما ذكره شيخنا الأستاذ 71
الاحتياط في طول الأمر أم في عرضه 73
التسامح في أدلّة السنن 77
الجهة الأولى: هل المستفاد منها تخصيص أدلّة الحجّيّة 78
الجهة الثانية: في النتيجة المترتَّبة 82
في ثمرة أخرى مرفوضة 84
ثمرة أخرى مقبولة 85
الجهة الثالثة: التعدّي من الاستحباب إلى الكراهة 90
الكلام في جريان البراءة في الشبهة الموضوعيّة 93
اللباس المشكوك 102
الكلام في دوران الأمر بين المحذورين 109
التوصليّات مع وحدة الواقعة 112
التحقيق في القول الأوّل 113
تحقيق الحال في القول الثاني 114
ــــــــــ[408]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
تحقيق الحال في القول الثالث 115
تحقيق الحال في القول الرابع 116
النقاش مع صاحب الكفاية 119
الفرق بين الرجوع إلى الاستصحاب وإلى الإباحة 120
التعيّين أو التخيّير 122
العبادات مع وحدة الواقعة 125
الدوران بين الوجوب والحرمة 127
فرعٌ 132
تعدّد الواقعة 134
لا مجال للتزاحم خلافاً للميرزا النائيني 136
هل التخيّير بدويٌّ أم استمراريٌّ 141
العلم الإجمالي 145
لا فرق في جريان الأُصول في مرحلتي الجعل والإمتثال 148
جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي 151
الأمر الأوّل: إمكان جعل الحكم الظاهري في جميع الأطراف 151
الأمر الثاني: إمكان جريان الأصل في بعض الأطراف 158
الأمر الثالث: في إثبات الشمول 164
ثمرة النزاع 167
الأمر الرابع: شموله لبعض الأطراف دون بعض 168
ــــــــــ[409]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
تنبيهات العلم الاجمالي 177
التنبيه الأوّل: الأطراف الطوليّة 177
تحقيق الشيخ الأستاذ في المسألة 180
مقتضى تحقيقنا في المقام 181
التنبيه الثاني: ما يترتّب على العلم الإجمالي 187
التنبيه الثالث: ما لو تعلّق بتكليف إلزامي 188
التنبيه الرابع: في الارتفاع 192
التنبيه الخامس: البحث في نحوين 199
التنبيه السادس: في اختصاصه بالدفعيّات أو لا 201
التنبيه السابع: الشبهة غير المحصورة 208
الوجه الأوّل: إذا كان الحصر عسراً 208
الوجه الثاني: ما ذكره شيخنا الأنصاري 210
الوجه الثالث: صعوبة الامتثال الجزمي 211
الوجه الرابع: ما ذكره الميرزا النائيني 212
الوجه الخامس: الصحيح في المقام 215
الوجه السادس: مسقطيّة العسر 219
الوجه السابع: النظر في الروايات 220
إرشادان 221
الإرشاد الأوّل: اختلاف كلماتهم 221
ــــــــــ[410]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الإرشاد الثاني: شبهة الكثير في الكثير 223
التنبيه الثامن: الاضطرار إلى المعيّن وإلى غير المعيّن 225
المسألة الأولى: الاضطرار إلى المعيّن 229
الصورة الأولى: تأخّر الاضطرار 229
الصورة الثانية: سبق الاضطرار 232
الصورة الثالثة: سبق التكليف وتأخّر العلم 234
المسألة الثانية: الاضطرار إلى غير المعيّن 237
التنبيه التاسع: خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء 245
التنبيه العاشر: اشتراط القدرة في التكليف 260
التنبيه الحادي عشر: البحث في ثلاث صور 261
التنبيه الثاني عشر: ملاقي الشبهة المحصورة 268
تفصيل الكلام في الصورة الأولى 277
تفصيل الكلام في الصورة الثانية 284
تفصيل الكلام في الصورة الثالثة 292
دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين 303
الوجه الأوّل: دعوى استحالة الانحلال من قبل الآخوند 306
منشأ فساد ما ذكره 307
الوجه الثاني: ما ذكر في المنع من الرجوع إلى البراءة 308
عدم الدليل على الدعوى المزبورة 310
ــــــــــ[411]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الوجه الثالث: عدم معقوليّة الانحلال من قبل الشيخ الأُستاذ 312
الجواب عمّا أفاده شيخنا الأستاذ 313
الوجه الرابع: ما ذكره الآخوند في المقام 314
جواب الشيخ الميرزا 314
الجواب النقضي والحلّي 315
الجواب الآخر للميرزا النائيني 319
جريان البراءة الشرعيّة بلحاظ الأجزاء الخارجيّة 323
في التمسّك بالاستصحاب 329
دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في المركّبات التحليليّة 334
تميّيز محلّ الكلام في مسألة الدوران 346
تنبيهات الأقلّ والأكثر 353
التنبيه الأوّل: العلم بالجزئيّة أو الشرطيّة 353
المقام الأوّل: وجود الإطلاق 357
المقام الثاني: عدم وجود الإطلاق 363
التنبيه الثاني: الزيادة في الواجب 366
الكلام في الصلاة 371
الكلام في الطواف 375
التنبيه الثالث: تعذّر بعض الأجزاء أو الشرائط 376
الأمر الأوّل: ما يقتضيه الاستصحاب 377
ــــــــــ[412]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11
الأمر الثاني: الروايات 386
التردّد بين الجزئيّة والشرطيّة وبين المانعيّة والقاطعيّة 401
الصورة الأولى: وحدة الواقعة 401
الصورة الثانية: تعدّد الوقائع 402
الصورة الثالثة: تعدّد الأفراد 402
الفهرس 407
ــــــــــ[413]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج11