الجزء الثاني عشر
261
ص44 الصدر، محمد.
تقريرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج12 (264ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1746/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1746) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
5-22-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
تقريرات في
علم أصول الفقه
تقريراً لما أفاده سيدنا الأستاذ
آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الثاني عشر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ويحتوي على:
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الكلام في شرائط جريان الأُصول العمليّة
ــــــــــ[13]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
تقدم الكلام في الجملة في مباحث القطع.
أمّا الاحتياط فلا يعتبر في حسنه شيء، إلّا صدق عنوان الاحتياط، فإنَّه عبارة عن الإتيان بعمل موجب للجزم بدرك الواقع، وهو أمر حسن عقلاً، والروايات فيه كثيرة، كقوله: “أَخُوكَ دِينُكَ فَاحْتَطْ لِدِينِك”(2) وغيرها.
نعم، لو فرضنا أنَّ الاحتياط كان منافيّاً للاحتياط من جهة أخرى، ففي مثله لا يحكم بحسن الاحتياط، لأنَّه ليس احتياطاً، بل هو احتياط من جهة، وترك الاحتياط من جهة أخرى، كما لو شكّ أنَّ السورة جزء أو ليست بجزء، ولم يتمّ دليل على الجزئيّة، فلا إشكال في حسن الإتيان بها، أمّا لو كان الوقت ضيّقاً(3) -بحيث لو أتى بها لوقع بعض الصلاة خارج الوقت- فيجب عليه المحافظة على الوقت وترك السورة، وله نظائر.
وكذلك لو فرض أنَّ صورة الاحتياط بمقدار مخلّ بالنظام، فأيضاً لا
ــــــــــ[15]ــــــــــ
() كانت بداية الشروع يوم الاثنين بتاريخ: 18/11/1388، 27/1/1969.
(2) الأمالي (للمفيد): 283، الحديث: 9، الأمالي (للطوسي): 110، الحديث: 220.
(3) هذا المثال غريب، فإنَّ ترك السورة عند ضيق الوقت حتّى على تقدير وجوبها الواقعي واجبٌ، فتركها في هذه الصورة عصيان، وليس أنه خلاف الاحتياط فقط. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
يمكن أن يكون حسناً بحكم العقل، فإنَّ الإخلال بالنظام قبيح، فإنَّ الله تعالى -على ما يُستفاد من الآيات والروايات- أرشد الناس إلى إصلاح كلتا الجهتين: الدنيا والآخرة، فالعمل بالاحتياط بنحو يوجب إخلال نظام العالم، بحيث لا يتمكن المكلّف معه من العمل الذي ينفعه أو ينفع الآخرين، يكون قبيحاً.
هذا كلّه بالنسبة إلى غير العبادات من المعاملات بالمعنى الأعمّ، فإنَّه في جميع ذلك يكون الاحتياط حسناً، إلّا ما استثنيناه.
أمّا في العبادات، فهل الأمر كذلك أيضاً؟
أمّا في الموارد التي لا يتمكّن المكلّف من الامتثال التفصيلي لا جزماً ولا تعبّداً -يعني: لا بنحو العلم ولا العلمي- لا إشكال في حسن الاحتياط، وكذلك في الموارد التي لم يتنجّز فيها التكليف الواقعي، كما في الشبهات البدويّة الموضوعيّة، والشبهات الحكميّة بعد الفحص.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ التكليف الواقعي قد تنجّز، والمكلّف متمكّن من تحصيل العلم أو العلمي، فلا يفحص عن الدليل، كما لو دار الأمر بين وجوب شيء وعدمه، وكان يتمكّن من الفحص، فهل يجوز الاحتياط حينئذٍ، أو يجب عليه الفحص، إذ لعلّه يجد دليلاً على الوجوب، أو لا يجوز الاحتياط، أو فيه تفصيل؟
فيه كلام وأقوال:
منها: القول بالجواز.
ومنها: القول بعدم الجواز.
ومنها: القول بالتفصيل بين موارد العلم الإجمالي وعدمه.
ومنها: القول بالتفصيل بين لزوم الاحتياط للتكرار وعدمه.
ــــــــــ[16]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وقد تقدّم الكلام في مبحث القطع، وقلنا(1): إنَّ الاحتياط حسن في جميع هذه الموارد، بلا فرق بين تنجّز الواقع وعدمه، وموارد العلم الإجمالي وعدمه، واستلزام الاحتياط للتكرار وعدمه، فإنَّ المعتبر في العبادة هو الإتيان بذات العمل مضافاً إلى المولى، ولم يعتبر شيء آخر فيها. وبناءً على ذلك، نقول: بجواز الاحتياط وترك طريقي الاجتهاد والتقليد في الموارد التي يكون فيها الاحتياط ميسوراً.
وأما البراءة العقليّة في الشبهة الحكميّة فلا ينبغي الشكّ في أنَّها مشروطة بالفحص، وأنَّها لا تجري من دون فحص، والوجه في ذلك واضح: فإنَّ المراد من البيان -الذي هو قيد لها وغاية- ليس هو بيان المولى تكاليفه على نحو غير عادي، بل المراد به: أن يجعل المولى تكليفه على نحو يتمكن المكلّف من الوصول إليه، وبذلك يتمّ بيان المولى، فإذا أرسل المولى أمره في مكتوب إلى عبده، فليس للعبد أن لا يفتح المكتوب ويجري البراءة، فإنَّ وظيفة المولى إرسال الكتاب، ووظيفة العبد فتحه وامتثال ما فيه، فالبيان الذي يقبح العقاب بدونه هو جعل التكليف على نحو يصل إلى المكلّف، وأمّا إذا لم يصل إلى المكلّف، فتكون مخالفة التكليف من قبله، لا من قبل العبد، فلو وصل تكليف المولى بنحو يمكن للمكلّف أن يصل إليه، ولكنّه لم يفحص، فلم يصل إليه التكليف بتقصير منه، فحينئذ لا يقبح العقاب، فإجراء البراءة العقليّة مشروط بالفحص، وإحراز أنَّ البيان من قبل المولى لم يتمّ، وأنّه لا يوجد في مرحلة العبوديّة تقصير، وإنَّما هو قصور من قبل المولى، لأنَّه يبيّن تكليفه بنحو لم يصل إلى المكلّف.
ــــــــــ[17]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 10: 184.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وإنَّما الإشكال في البراءة الشرعيّة، فهل هو كذلك؟ أمّا بالنسبة إلى الشبهات الموضوعيّة فلا ينبغي الشكّ في عدم وجوب الفحص فيها، وذلك لأجل إطلاق الدليل، وهو قوله: “كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه“(1)، فلو كان المكلّف لا يدري أنَّه حلال أو حرام فهو له حلال، ولا حاجة للفحص حينئذٍ، والظاهر أنَّ الحكم فيها موضع وفاق، إلّا في بعض الموارد التي قالوا فيها بوجوب الفحص، فإنَّه ليس لهذا الدليل مقيد بما بعد الفحص.
إنّما الإشكال في الشبهات الحكميّة، والمعروف المشهور التمسّك بالبراءة الشرعيّة، بل لعلّه لا خلاف فيه، فيسأل عن دليل ذلك، مع أنَّ أدلّة البراءة أيضاً مطلقة، كقوله: “رفع عن أمتي ما لا يعلمون…”(2)، وقوله: “مَا حَجَبَ اللَّـهُ عَنِ الْعِبَادِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُم”(3)، فما هو المقيّد لهذا الإطلاق في الشبهات الحكميّة، وما هو الفارق بينها وبين الشبهات الموضوعيّة، ولماذا تجري في الموضوعيّة البراءة من دون فحص، ولا تجري في الحكميّة إلّا بعد الفحص؟
ــــــــــ[18]ــــــــــ
(1) المحاسن 2: 495، الباب 77، الجبن، الحديث 596.
(2) التوحيد (للصدوق): 353، باب الاستطاعة، الحديث: 24.
(3) الكافي 1: 164، باب حجج الله على خلقه، الحديث: 3.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
فإنّه لا خلاف في ذلك بين الفقهاء.
وفيه: أنَّ الإجماع لا يتمّ في المقام، لأنَّنا لا نحتمل كونه إجماعاً تعبديّاً كاشفاً عن رأي المعصوم.
وتوضيحه: أنّ كلّ مكلّف أوّل ما يدرك ويكون بالغاً له علم إجمالي بثبوت تكاليف إلزاميّة وجوبيّة أو تحريميّة في الشريعة، إذ لا يحتمل أن تكون الشريعة خاليّة من الأحكام الإلزاميّة، وهذا العلم الإجمالي مانع من الرجوع إلى الأصل في الحكم قبل الفحص، وأمّا إذا فحص ولم يجد دليلاً، فإنَّه يخرج الحكم عن أطراف هذا العلم الإجمالي، ويجري فيه الأصل.
وقد أورد صاحب الكفاية(1) على ذلك: بأنّ هذا الدليل أخصّ من المدّعى، فإنَّ المدّعى هو اشتراط جواز الرجوع إلى البراءة في الشبهات الحكميّة مطلقاً، ونحن قد نفرض الحكم مع عدم العلم الإجمالي، كما لو فحص وظفر
ــــــــــ[19]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 375.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
بالموارد المعلومة بالإجمال، فإنَّ العلم الإجمالي لا يبقى، فإنّ المعلوم بالإجمال له مقدار لا محالة، فإنَّ فحص وظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال انحلّ العلم الإجمالي، وبعد ذلك إذا احتمل المكلّف تكليفاً، فهل يجوز له الرجوع إلى البراءة أو لا يجوز؟ مع أنَّ المدّعى هو عدم جواز الرجوع إليها قبل الفحص مطلقاً، قبل انحلال العلم الإجمالي وبعده، مع أنَّ الدليل يختصّ بما قبل العلم الإجمالي، فلا بدَّ حينئذ من التماس دليل آخر على اشتراط جواز الرجوع إلى البراءة بما بعد الفحص.
وأورد عليه شيخنا الأستاذ(1): بأنّ هذا العلم الإجمالي غير قابل للانحلال، إلّا بعد الفحص عن تمام الموارد في جميع الأحكام، ولا يمكن أن ينحلّ بالظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال، فالعلم الإجمالي موجود، وعليه: فلا بدَّ من الفحص، إذ لا يتصوّر انحلاله إلّا بعد تماميّة الفحص عن تمام الأحكام المحتملة.
وذكر في وجه ذلك: أنَّ المعلوم بالإجمال قد يكون الملحوظ فيه هو المقدار العدّدي فقط، يعني: أنَّ العلم قد يكون متعلّقاً بالمقدار فقط دون تميّيز للمعلوم بالإجمال ومن دون علامة له، كما لو علمنا إجمالاً بوجود إناء نجس في عشرة أواني، ونحتمل أن يكون النجس أكثر أو الجميع، فالمعلوم إنّما هو العدّد فقط، فإذا ظفرنا بنجاسة إناء واحد من هذه الأواني -إمّا بالعلم الوجداني أو بدليل معتبر قائم مقامه- فينحلّ العلم الإجمالي طبعاً، لأنَّ القضيّة التي كانت منفصلة على نحو مانعة الخلو، وقد انحلّت إلى قضيّة حمليّة متيقّنة، وقضايا مشكوك
ــــــــــ[20]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 328، 329.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
فيها، فنقول: هذا نجس جزماً، وغيره مشكوك النجاسة.
وأمّا إذا كان للمعلوم بالإجمال علامة وتميّزٌ غير عنوان العدّد، كما إذا علم إنسان بأنَّه مدين لغيره، ويعلم أن كلّ فردٍ فرد من أفراد دينه مكتوب في دفتره الخاصّ، والدفتر موجود يستطيع الرجوع إليه، فهذا العلم الإجمالي له مقدار متيقّن، فلو وجد في دفتره هذا المقدار المعلوم، فهل يمكن أن يقال: إنّ العلم الإجمالي قد انحلّ، ولا يجب عليه الرجوع إلى بقيّة الدفتر؛ لاحتمال أنَّه مدين، ويرجع إلى البراءة أو استصحاب عدم الدين؟
لا يمكن الالتزام بالانحلال، لأنَّ المعلوم بالإجمال ليس هو عنوان العدّد فقط، بل تعلّق العلم الإجمالي بدين بخصوصيّة كونه مكتوباً في الدفتر، ومعلوم أنَّ المعلوم بهذه الخصوصيّة لا ينحلّ بالظفر بالعدّد المعلوم بالإجمال.
ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّ المعلوم بالإجمال للمكلّف ليس هو وجود التكاليف بعدّد معيّن كخمسين أو مئة، بل هو التكاليف الثابتة في الكتب المعتبرة، كالكتب الأربعة والوسائل والوافي، فالمعلوم بالإجمال متميّز بهذا التميّيز ومعلّم بهذه العلامة، ومعه كيف يمكن انحلاله بالظفر بالمقدار المعلوم بالإجمال؟ فلو ظفر بماْئة حكم يبقى العلم الإجمالي منجّزاً، لأنَّ معلومه كان ذا علامة، وهي: وجوده في هذه الكتب، فلا بُدَّ من الفحص.
والجواب عنه:
أوّلاً: أنّ هذا الكلام لو تمّ -وهو: أنَّ المعلوم بالإجمال إذا كان له علامة، لا ينحلّ العلم الإجمالي بالعثور على المقدار المعلوم- فإنَّه إنّما يتمّ فيما إذا لم يكن
ــــــــــ[21]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ما له علامة بنفسه مردّداً بين الأقلّ والأكثر، وأمّا إذا كان هو بنفسه أيضاً كذلك، وظفرنا بالمقدار المتيقّن منه بعد ذلك فلا معنى للمنع عن انحلال العلم الإجمالي، فلو علمنا إجمالاً بنجاسة إناء من عشرة، وليس له علامة إلّا عنوان الواحد، وعلمنا إجمالاً أنَّ إناء زيد -الذي هو في ضمن هذه الأواني- نجس، ويحتمل أن يكون النجس الذي نعلم به بعنوان العدّد، وهو: إناء زيد، و يحتمل أن يكون غيره، فهو يعلم بالنجاسة بعنوانين: أحدهما: العدّد فقط. والآخر: عنوان إناء زيد. فلو قامت البيّنة على أنّ هذا الإناء بخصوصه نجس، فهنا يمكن أن يقال: إنَّ العلم الإجمالي من ناحية العدّد وإن انحلّ، إلّا أنَّه من ناحية إناء زيد المعلوم نجاسته في البين لم ينحلّ، إذ لم يعلم أنَّ ما قامت البيّنة على نجاسته هو إناء زيد، فالعلم الإجمالي من ناحية تعلّقه بإناء زيد الذي هو معلّم ومميّز لم ينحلّ، ففي مثل ذلك يمكن أن يقال: إنَّ ما ذكره من عدم الانحلال تامّ.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ ما له علامة وتميّيز أيضاً أمره دائر بين الأقلّ والأكثر، بأن نعلم إجمالا بأنَّ ما لزيد من الأواني بين هذه العشرة أواني كلّها نجسة، ولكنّها مردّدة بين الأكثر والأقلّ -بين الثلاثة والأربعة مثلاً- فلو ظفرنا بالمقدار المعلوم بالإجمال، وقامت البيّنة على أنَّ ثلاثة منها هي أواني زيد، فعلمنا بنجاستها، واحتملنا أنَّ لزيد إناءً رابعاً نجساً، فإنَّه ينحلّ العلم الإجمالي.
ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّه وإن كان للمعلوم بالإجمال علامة وتميّيز، وهي: الأحكام الإلزامية الموجودة في الكتب الأربعة، ولكنّها هي بنفسها
ــــــــــ[22]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
مردّدة(1) بين الأقلّ والأكثر، ولا ندري أنَّها خمسمائة أو أكثر، فإذا ظفرنا بالفحص بمقدار المعلوم بالإجمال بعلامة أنَّه موجود في الكتب الأربعة مثلاً، والزائد عن ذلك مشكوك فيه، فكيف يمكن أن يقال: إنَّ العلم الإجمالي لم ينحلّ؛ لأنّه معلّم بعلامة؟
وثانياً: أنّنا لا نسلّم عدم الانحلال، حتّى في القسم الأوّل، فلو فرضنا أنَّ المعلوم بالإجمال كان له علامة وتميّيز، وليس أمره دائراً بين الأقلّ والأكثر -كما ذكرناه في المثال- فلو ظفرنا بنجس واحد قامت البيّنة على نجاسته، ولم تخبر عن كونه إناء زيد، فهنا أيضاً نلتزم بانحلاله، فإنَّ انحلال العلم الإجمالي ليس أمراً لا يمكن دركه، وإنَّما يحتاج إلى إقامة البيّنة والبرهان، وإنَّما معنى انحلاله هو زوال الترديد، وانحلاله إلى يقين وشكّ، ونحن نتيقّن أنَّ هذه الإناء نجس، ونحتمل أنَّ الباقي طاهر، وليس لنا علم بنجاسته، لاحتمال أنَّ هذا الواحد هو إناء زيد، فكيف يمكن أن يقال: إنَّ العلم الإجمالي لم ينحلّ؟ بل انحلال العلم الإجمالي أمر وجداني، ويرجع فيه كلّ إنسان إلى وجدانه ليرى أنَّه قد انحلّ وزال الترديد أو لا. فالصحيح: أنَّ العلم الإجمالي ينحلّ، حتّى في القسم الأوّل، فضلاً عن القسم الثاني الذي ذكرناه.
وثالثاً: لو سلمنا أنَّ العلم الإجمالي لم ينحلّ، فأيّ أثر لوجود العلم
ــــــــــ[23]ــــــــــ
() هذا يرجع إلى وجود علم إجمالي صغير في داخل الكتب المعتبرة أضيق دائرة من العلم الأوّل، ومعلوم أنَّ كلا العلمين ينحلّان بالظفر بمقدار المعلوم بالإجمال، إذا كان المعلوم فيهما متّحداً عدداً. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الإجمالي؟ فإنَّنا قلنا: إنَّ العبرة في تنجيز العلم الإجمالي بتعارض الأصول في أطرافه، لا بوجود العلم نفسه، وعليه: فلو سلّمنا أنَّ العلم الإجمالي لم ينحلّ، وأنَّ الترديد باقٍ، فإنَّ الأُصول في أطرافه غير متعارضة، فما هو المانع من الرجوع إلى الأصول في بقيّة الأطراف، إذ ليس فيها مخالفة(1) قطعيّة، فيجري فيه البراءة أو الإباحة أو الاستصحاب أو أيّ أصل آخر، ويترتّب عليه جواز الشرب أو التوضّي منه، فلا أثر لعدم انحلاله(2)، بعد فرض أنّ الأُصول غير متعارضة في أطرافه، ونرجع إلى الأصول في بقيّة الأطراف.
فما ذكره صاحب الكفاية هو الصحيح، وهو: عدم إمكان الاستدلال على وجوب الفحص في الشبهة الحكميّة بالعلم الإجمالي، فإنَّه إمّا ينحلّ أو على تقدير عدم انحلاله لا أثر له.
وأمّا ما ذكره من مثال الدفتر، وأنّه لا يجوز أن يرجع إلى الأصل قبل الفحص، لأنَّه مبنيٌّ على الاطمئنان بوجود شيء فيه، ولا يزول اطمئنانه من
ــــــــــ[24]ــــــــــ
() هذا فرع انحلال العلم الإجمالي، وإلّا مع فرض عدم انحلاله يعلم بالمخالفة -كما هو واضح- وتتعارض الأصول في الأطراف، وقد تكلّم السيّد هنا على أساس الانحلال من حيث لا يشعر، ومن ثمَ يرجع هذا الوجه إلى الوجه الثاني، ولا يكون وجهاً مستقلّاً. (المقرّر).
(2) إذا لم يكن منحلّاًّ فمعناه: وجود معلوم بالإجمال زائد على المقدار الذي حصلنا عليه، ومعه يكون العلم مؤثّراً في التنجيز لا محالة، وإنَّما يؤثّر مع الانحلال، فلا معنى لفرض وجوده وعدم تأثيره، وليس ذلك إلّا من التهافت في اللفظ. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
دون فحص، أو لأنَّ الترخيص بالرجوع إلى البراءة في مثل ذلك يوجب القطع بالمخالفة الواقعيّة كثيراً، كما ذكره جماعة في عدّة موارد:
منها: ما لو شكّ أنَّه مستطيع أو لا، أو شكّ أنَّ ماله بلغ النصاب أو لا، أو شكّ أنّه زاد ربحه عن مؤونة سنته أو لا؟ قالوا: أنَّه يجب عليه الفحص في كلّ ذلك، بالرغم من أنَّ الشبهة موضوعيّة، وعلّلوا ذلك: بأنَّنا نعلم من الخارج أنَّه إذا لم يفحص المكلّفون عن ذلك، فإنَّهم يقعون في خلاف الواقع كثيراً، فليلحق هذا بما ذكروه من وجوب الفحص في الشبهة الموضوعيّة لقيام دليل خارجي.
ومّما يدلنا على أنَّ العلم الإجمالي في مثال الدفتر منحلٌّ، وأنَّنا إذا حكمنا بوجوب الفحص فلدليل آخر يدلّنا على أنَّه لو ضاع الدفتر، فهل يجب على هذا المديون أن يعمل بالتكليف المشكوك إلى أن يعلم بالبراءة، أو أنَّه يكفي أن يأخذ بالقدر المتيقّن ويرجع في الباقي إلى البراءة؟ هذا يكفي بلا إشكال، ولو لم يكن العلم الإجمالي منحّلاً، فإنَّه لا يفرق بين وجود الدفتر وعدمه.
وعلى أيّ حال فانحلال العلم الإجمالي وجداني، وضابطه زوال الترديد، فإذا أعطى الدين المعلوم، وبعد ذلك يشكّ في بقاء دين آخر، فمعناه: أنَّ العلم الإجمالي قد انحلّ. فما ذكره لا يتم، وما ذكره صاحب الكفاية هو الصحيح.
عدم إطلاق له من الأوّل، ولا تقاس أدلّة البراءة في الشبهة الحكميّة بالبراءة في الشبهة الموضوعيّة، فإنّ أدلّة البراءة في الشبهة الموضوعيّة لا مانع من
ــــــــــ[25]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
إطلاقها، وأمّا في الشبهة الحكميّة فلا إطلاق لها من الأوّل، وذلك من جهة حكم العقل الذي هو كالقرينة المتّصلة بلزوم الفحص، فلا ينعقد لها الإطلاق من الأوّل.
وذلك: لما نعمله بالضرورة -ويعلمه كلّ ملتفت- من أنَّه ليس في الشريعة في تبليغ الأحكام إلى المكلّفين تبليغ غير عادي، ولا يكون الشارع ملزماً بدقّ أبواب المكلّفين لإبلاغهم الأحكام، كما هو الحال في القوانين العامّة في غير الشرائع، وإنَّما يكون تبليغ الأحكام على النحو المتعارف، ويجعل الشارع الحكم في موضع يمكن الوصول إليه عادة، ووظيفة العبد المكلّف هو السؤال عمّا شرّع عليه من الأحكام، فهذا يعرفه كلّ أحد باستقلال عقله به، فلا يكون العبد معذوراً إذا لم يفحص فيما لو كان الحكم في مورد الوصول ولم يصل إليه لتقصير من جهة المكلّف، فهذا الحكم العقلي يكون بمنزلة القرينة المتّصلة لأدلّة البراءة، فيكون مقيد اً لها، فيختصّ حديث الرفع بما إذا لم يعلم بعد الفحص، لا أنَّه لم يعلم قبل الفحص أو بتركه للسؤال.
وهذا الوجه لا بأس به فإنّ الحكم العقلي بمنزلة القرينة المتّصلة، فكأنَّه قال: رفع ما لا يعلمون بعد الفحص واليأس من الظفر بدليل.
ويمكن الاستدلال على وجوب الفحص بالآيات الآمرة بالسؤال، مثل: قوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(1)، فيجب على كلّ مكلّف إذا لم يكن عالماً بوظيفته أن يسأل عنها، ومعلوم أنّ السؤال -كما قلنا
ــــــــــ[26]ــــــــــ
(1) يوسف: 43.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
سابقاً- ليس بواجب نفسي بما هو سؤال، وإنّما وجوبه طريقي ومقدّمة للعمل.
ويدلّ على ذلك عدّة من الروايات الدالّة على وجوب التعلّم، وأنَّ الجاهل لا يكون معذوراً إذا لم يكن متعلّماً، فمن ذلك: “ما ورد بسند معتبر في تفسير قوله تعالى: فَلِلَّهِ الحُجَّةُ الْبَالِغَةُ(1)، فيقال للعبد يوم القيامة، هل علمت؟ فإن قال: نعم، قيل له: فهلا عملت، وإن قال: لا، قيل: فهلا تعلّمت حتّى تعمل”(2).
وهذه الرواية واضحة الدلالة على أنّ التعلّم واجب طريقي مقدّمة للعمل، لأنَّ الجاهل إذا كان مقصراً فإنَّه لا يكون معذوراً.
فهاتان تفيدان أدلّة البراءة، بما إذا كان المكلّف جاهلاً بعد الفحص واليأس، وأمّا إذا لم يفحص فإنَّه لا يكون معذوراً.
ويمكن الاستدلال على ذلك: بما تقدّم في البحث عن البراءة والاحتياط في الشبهات التحريميّة، وهو أخبار التوقّف، وهي أخبار كثيرة، كقوله: “قف عند الشبهة فإنَّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة“(3)، وهي مطلقة توجب التوقّف قبل الفحص وبعده، وأدلّة البراءة أيضاً مطلقة لما قبل الفحص وبعده، مع قطع النظر عمّا تقدّم فالتعارض بينهما تعارض بالتباين، فإنّ مقتضى روايات البراءة عدم العقاب على مخالفة الواقع عند الجهل قبل الفحص وبعده،
ــــــــــ[27]ــــــــــ
(1) الأنعام: 149.
(2) الأمالي (للمفيد): 227، المجلس السادس والعشرون، الحديث: 6.
(3) المحاسن 1: 215، الباب 8، التثبث، الحديث: 102.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ومقتضى روايات التوقّف وجود العقاب في كلا الموردين، ولكن بعض أدلّة التوقّف مقيد بما قبل الفحص، من قبيل: “فَأَرْجِهِ حَتَّى تَلْقَى إِمَامَك”(1)، فإنَّ موردها ما قبل الفحص، ولا بدَّ من الوقوف حتّى يسأل الإمام ويعرف الحكم.
إذن، تكون هذه الرواية مقيدة لإطلاق ما دلّ على الرفع مطلقاً بما بعد الفحص، فتنقلب النسبة بعد التقيّيد، ويكون حديث الرفع مخصّصاً لإطلاقات التوقّف بما قبل الفحص، والنتيجة: يجب التوقّف قبل الفحص، ولا يجب التوقّف بعده، وتكون النتيجة: أنَّ أدلّة البراءة إمّا مقيدة من أوّل الأمر بحكم العقل، أو من جهة التقيّيد بالآيات والروايات الموجبة للتعلّم، أو التقيّيد بالروايات الدالّة على وجوب التعلّم بما قبل السؤال برفع اليد عن إطلاق الرفع، فلا يجوز الرجوع إلى البراءة قبل الفحص.
ويظهر الحال بذلك في موارد التخيّير العقلي، وهو: موارد دوران الأمر بين المحذورين، فإنَّ الأمر فيها أيضاً كذلك، فإنّ العقل لا يحكم بالتخيّير إذا تمكن المكلّف من الفحص، بل الأمر فيه أوضح، فإنَّ الأصل الجاري في هذا المورد أصل عقلي، ومعلوم أنَّ حكمه بالتخيّير كحكمه بالبراءة وقبح العقاب بلا بيان، فإنَّه لا يشمل ما إذا تمكّن المكلّف من الفحص، وتمّ البيان من قبل المولى. نعم، إذا لم يتمّ البيان على كلا الطرفين فحينئذٍ يحكم العقل بالتخيّير.
أمّا الاستصحاب فدليله شرعي فقط، وهو: الروايات الناهية عن نقض اليقين بالشكّ، فإنّ قلنا: إنَّه لا يشمل الشبهة الحكميّة -كما بنينا على ذلك- فلا
ــــــــــ[28]ــــــــــ
(1) الكافي 1: 68، باب اختلاف الحديث، الحديث:10.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
مانع من الأخذ بإطلاقه لما قبل الفحص وبعده، ويكون حاله حال أدلّة البراءة في الشبهة الموضوعيّة، وأمّا إذا بنينا على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة، فالكلام فيه هو الكلام في البراءة الشرعيّة في التقيّيد بحكم العقل، أو بأحد المقيّدات السابقة.
فالمتحصّل: أنَّ الأصول العقليّة لا مقتضى لشمولها لما قبل الفحص، وأمّا الأصول الشرعيّة فإنَّ المقتضي فيها وإن كان تامّاً، وهو: الإطلاق، إلّا أنّ المانع موجود، وهو: المخصّص المتصّل أو المنفصل، فلا يجوز الرجوع إلى أصل عقلي أو شرعي قبل الفحص.
ــــــــــ[29]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
هل يلزم الفحص بمقدار يعلم الإنسان علماً وجدانيّاً بعدم الدليل، أو لا بُدَّ أن يطمئن بذلك، أو بنحو يظنّ بعدم الدليل؟
لا دليل على الاكتفاء به، وقد ذكرنا(1) في باب الظنّ: أنَّه ليس حجّة، إلّا إذا دلّ دليل في مورد بخصوصه على حجّيّته، وإلّا فإنَّه: لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا(2).
وهناك دعوى، وحاصلها: لا يمكن تحصيل الزائد على الظنّ، وذلك: لكثرة الروايات الواردة، فيكتفى بالظنّ؛ لأنّه المقدار الميسور، والزائد عنه غير ممكن، ولا يمكن التكليف بما لا يطاق.
لكنّها باطلة، فإنّ رواياتنا مبوبّة، وقد دوّنها العلماء المحقّقون، وخاصّة المحدّثون الثلاثة في كتبهم الأربعة، فإذا راجع الإنسان الباب المختصّ بالحكم والأبواب المناسبة معه يطمئن بالعدم، واحتمال كون الدليل مذكوراً في باب أجنبيٍّ بالكلّيّة عن هذا الباب ليس احتمالاً عقلائيّاً.
نعم، إنَّ هذا الكلام لو تمّ، فإنَّه يتمّ فيما قبل التبويب، كما في الأصول التي
ــــــــــ[30]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 104.
(2) يونس: 36.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
دوّنها أصحاب الأئمّة، ولم تكن مبوبة، فإنَّه كان يذكر حديث في الصلاة، وبعده حديث في الصوم، وبعده حديث في الحجّ، وهكذا، وكان الفحص فيها مشكلاً، وأمّا بعد التبويب فلا إشكال فيه، ولا سيّما بعد أن تقدّمنا المحدّثون والمتّتبعون والمدقّقون وارجعوا كلّ حديث إلى بابه، فإن كان هناك حديث بعيد قرّبوه وذكروه في بابه. إذن، فالاكتفاء بالظنّ غير ممكن لكونه ليس بحجّة.
أمّا لزوم تحصيل اليقين الوجداني بعدم وجود الدليل فهذا لا مقتضى له، فإنَّ الاطمئنان حجّة عقلائيّة، ولم يردع الشارع عن العمل به، فهو في حكم اليقين ما لم يدلّ دليل على لزوم تحصيل العلم بخصوصه، فإذا اطمئن الإنسان بعد الفحص في الأبواب المناسبة بعدم الدليل، فقد قامت لديه الحجّة بعدم البيان من قبل الشارع، فتجري في حقّه البراءة العقليّة والشرعيّة والاستصحاب لو قلنا بجريانه في الشبهات الحكميّة.على أنَّ العلم أمر غير متيسّر، ومع اعتباره ينسدّ باب الاستنباط، فإنَّ الإنسان يحتمل وجداناً أن يكون هناك دليل آخر لم يصل إليه مذكور في كتاب آخر مطبوع أو غير مطبوع.
إذن، فيجب الفحص بمقدار يحصل له الاطمئنان بعدم الدليل، فإن لم يحصل عليه كان له الرجوع إلى الأصل.
ــــــــــ[31]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
هل وجوب الفحص وجوب نفسي يعاقب المكلّف على مخالفته نفسه، أو إنَّه وجوب طريقي؛ لأجل تنجيز الواقع، ويكون العقاب على مخالفة الواقع، فإذا لم يتعلّم ووقع في مخالفة الواقع، فإنَّه يعاقب على مخالفة الواقع، وإذا لم يقع في مخالفته من باب الصدفة، فإنَّه يعاقب عقاب التجرّي، بناءً على أنَّه مستحقٌّ للعقاب على التجرّي وإلّا فلا يعاقب أصلاً، كما هو المعروف المشهور؟
نسب إلى المحقّق الأردبيلي(1) وصاحب المدارك(2) كون وجوب التعلّم نفسيّاً، ومال إليه صاحب الكفاية(3) في آخر كلامه، وأنّ العقاب يكون على نفس هذا الوجوب، بلا فرق بين المصادفة وغيره.
والظاهر أنَّ وجوبه طريقي، إذ لا دليل على أنَّ التعلّم بنفسه واجب، ومن المعلوم أنَّ محلّ الكلام في المقام ليس وجوب التعلّم في الأصول الاعتقاديّة التي يكون المطلوب فيها نفس العلم والمعرفة دون عمل(4)، كما أنَّ محلّ الكلام هو
ــــــــــ[32]ــــــــــ
(1) انظر: مجمع الفائدة والبرهان 2: 110.
(2) انظر: مدارك الأحكام 2: 344، 345.
(3) انظر: كفاية الأُصول: 376، 377.
(4) وإنَّه لا يجوز تقليد الآباء واتّباعهم، كما ورد في الآيات. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وجوب التعلّم في الأحكام الإلزاميّة من وجوب وإلزام، وإمّا إذا علمنا أنَّه ليس حكماً إلزاميّاً، ولكن لا ندري أنَّه مستحب أو مكروه أو مباح، فليكن هذا مّما نجهله من الأمور، ولا قائل بوجوب الفحص عنه، حتّى المحقّق الأردبيلي وصاحب الكفاية.
كما أنَّ موضوع البحث إنّما هو الوجوب العيني، لا الوجوب الكفائي، يعني: أنَّ محلّ الكلام هو لزوم الفحص عن تعلّق الأحكام بنفس الشخص في المسائل التي يبتلى بها، كالمسائل الراجعة إلى الصلاة والصيام، وأمّا المسائل التي يكون المكلّف أجنبيّاً عنها، فإنَّه لا يجب عليه تعلّمها، حتّى لو كانت إلزاميّة بلا إشكال، فلا يجب على الرجل تعلّم الأحكام الراجعة إلى المرأة، ولا يجب على المرأة تعلّم الأحكام الراجعة إلى الرجل.
نعم، يجب تعلّم جميع الأحكام الشرعيّة مما يتعلّق به أو بغيره من باب الوجوب الكفائي لئلا يندرس الدين وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إليهم(1)، فيجب أن يكون في الأمّة من يتعلّم الأحكام بمجموعها، ومن هنا قالوا: إنَّ وجوب الاجتهاد كفائيٌّ، لا وجوبٌ عينيٌّ، إلّا أن هذا الوجوب أجنبي عن الوجوب الأوّل الذي نتكلّم عنه.
ومن هنا يظهر أنَّ استدلال شيخنا الأنصاري(2) في المقام بآية النفر
ــــــــــ[33]ــــــــــ
(1) التوبة: 122.
(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 412.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ونحوها غير صحيح، فإنَّها ناظرة إلى الوجوب الكفائي لتعلّم مجموع أحكام الدين، مّما يتعلّق به ومّما لا يتعلّق به من الأحكام، وهو أمر آخر غير الأمر الأوّل. ومحلّ الكلام إنّما هو الأحكام الإلزاميّة المتعلّقة بنفس الشخص، فهل وجوب تعلّمها هو وجوب نفسي، وجوب أو طريقي على ما هو المعروف؟
استدلّ على كونه نفسيّاً، بقوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(1)، فإنَّ كلّ أمر ظاهر بأنَّه نفسيٌّ عينيٌّ تعيّينيٌّ، والوجوب الطريقي يحتاج إلى قرينة، ولا يحمل على الوجوب النفسي بدونها، لا أنّه واجب لأمر آخر. إذن، هو مطلوب سواء صادف الواقع أو لم يصادفه، وسواء انتهى ترك التعلّم إلى مخالفة الواقع أم لم يصادفه.
والجواب عن ذلك: أنَّ الظهور الأوّلي للأمر وإن كان هو ذلك، إلّا أنَّ هذا فيما إذا لم تكن هناك قرينة على رفع الإطلاق، والقرينة الداخليّة والخارجيّة موجودة في المقام.
أمّا القرينة الداخلية فباعتبار أنَّ الأمر بالسؤال أو التعلّم إذا كان عن حكم متعلّق بالعمل، فإنّه يفهم منه كون التعلّم مقدّمة للعمل، فإنَّه تارة يكون السؤال عن أوصاف النبيّ من علماء اليهود، فإنَّ اليهود لم يكونوا يعلمون بما في كتبهم، فأمروا بالرجوع إلى علمائهم وكتبهم، بقوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ…(2)، يعني: البراهين
ــــــــــ[34]ــــــــــ
(1) النحل: 43.
(2) النحل: 43، 44.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
والكتب، فالسؤال هنا يرجع إلى العقيدة والمعرفة بنفسها من دون أن يكون متعلّقاً بالعمل، ففي مثله لا إشكال أنّ ظاهر الوجوب هو الوجوب النّفسي.
وأمّا إذا كان السؤال عن أمر متعلّق بالعمل، كما إذا قيل: إذا لم تكن عالماً بوجوب السورة فأسأل أهل الذكر، فمعلوم أنَّ الظهور العرفي في كون السؤال مقدّمة للعمل، أو كما ورد في الروايات: بأنَّ الجاهل بالوقت أو بالقبلة ولا يستطيع الفحص بنفسه كالأعمى، فإنَّه يسأل البصير العارف.
ومعلوم أنَّه يرجع إليه للعلم الذي هو مقدّمة للعمل، وهو: الصلاة.
فالظهور العرفي في أنَّ السؤال مقدّمة للمعرفة التي هي مقدّمة للعمل، لا أنَّ للعلم خصوصيّة أوجبت جعل الوجوب على التعلّم بنفسه. فهذا خلاف الظاهر جدّاً.
وأمّا القرينة الخارجية فمنها: قوله -وقد تقدّمت الإشارة إليه- في تفسير قوله تعالى: فَلِلَّهِ الحُجَّةُ الْبَالِغَةُ “يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقال له: هلا عملت، فإن قال: ما علمت، يقال له: هلا تعلّمت“(1).
وسندها معتبر، وهي واضحة الدلالة على أنَّ السؤال مقدّمة للعمل، ولذا يكون السؤال عنه أوّلاً، وهذا معنى الوجوب الطريقي.
وكذلك قول النبيّ: في مجدور إصابته جنابة فغسلوه فمات فقال: “قتلوه قتلهم الله هلا يمّموه هلا سألوا“(2).
ــــــــــ[35]ــــــــــ
(1) المحاسن 1: 215، الباب 8، التثبت، لحديث 102.
(2) الكافي 1: 40، باب سؤال العالم وتذاكره، الحديث: 1.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وهذه أيضاً واضحة الدلالة بأنَّ السؤال مقدّمة للعمل، وأنّ العقاب إنّما هو من جهة عدم التيمّم الذي أوجب القتل، فظاهر هاتين الروايتين أنَّ التعلّم مطلوب للعمل، لا لنفسه ولا أثر له بنفسه، ولا يكون واجباً بنفسه، وهذا هو معنى الوجوب الطريقي.
مضافاً إلى أنَّ لنا أن نسأل القائل بالوجوب النّفسي، فنقول: إنّ ترك التعلّم إذا كان مقدّمة إلى ترك الواقع، وكان الواقع منجّزاً بعلم إجمالي أو بالاحتمال، لكون الشبهة قبل الفحص، فلو ارتكب المكلّف وترك التعلّم وصادف عمله الحرامَ الواقعي، فهل يعاقب على مخالفة الواقع؟
لا يمكن الالتزام بعدم استحقاق العقاب على مخالفة الواقع، بحكم العقل وبأخبار التوقّف الكثيرة، بأنَّه إذا ارتكب المكلّف، ولم يقف فقد وقع في الهلكة، وهذا لا شبهة فيه، والظاهر أنَّه لم يستشكل فيه أحد، فعلى تقدير الوجوب النّفسي، هل يعاقب بعقابين؟ على مخالفة الواقع على ترك التعلّم، أو يعاقب بعقاب واحد على ترك التعلّم، أو بعقاب واحد على مخالفة الواقع فقط.
أمّا استحقاق العقابين فيلزم منه أن يكون عقاب الجاهل بالحكم أكثر من عقاب العالم بالحكم، والظاهر: أنَّه لا يلتزم بهذا المحقّق الأردبيلي ولا غيره، ولا يمكن الالتزام به، غايته: أن يكون الجاهل كالعالم، وأمّا الزائد فلا. فاحتمال عقابين ساقط جزماً.
وأمّا إذا كان العقاب واحداً، فإن كان على مخالفة الواقع، فما معنى(1)
ــــــــــ[36]ــــــــــ
() لهذا القائل الالتزام بأنَّ التعلّم نفسي خطاباً وطريقي عقاباً، وله الالتزام بأنَّه إن لم يصادف ترك التعلّم الواقع صدفة فالعقاب على ترك التعلّم بنفسه للظهور بالوجوب على ما فهموه، وإن صادف الواقع اتّحد العقابان بعقاب على مخالفة الواقع، وأمّا وجوب التعلّم فيكون عصيانه مندكّاً في عصيان الواقع. فتأمّل. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وجوب التعلّم واستحقاق العقاب عليه؟ وإن كان على ترك التعلّم دون مخالفة الواقع فهذا باطل جزماً، بعد تنجّز الواقع ـ على الفرض ـ بالعلم الإجمالي أو بالاحتمال، فينحصر الأمر بأنَّ العقاب على مخالفة الواقع فقط، وأنَّ الوجوب طريقي لا نفسي.
لو فرض أنَّ المكلّف لم يتمكن من الإتيان بالواجب في ظرفه، ولو من جهة ترك التعلّم المؤدّي إلى النسيان أو الغفلة في ظرف الواجب، كما في الواجبات التي لها شرط أو وقت، ولم يحصل بعد كما في الصلاة أو الصوم المشروطة بالوقت، والحجّ المشروط بالاستطاعة، فإذا احتمل المكلّف في أحد هذه الواجبات قبل تحقّق شرطها أن يكون جزءاً من أجزائه واجباً، فلم يتعلّم قبل الوقت، وبعدما دخل الوقت وحصل الشرط كان المكلّف ناسياً أو غافلاً، ولو كانت غفلته مستندة إلى ترك التعلّم، فإن قلنا: إنَّ التعلّم واجب نفسيٌّ صحّ العقاب حينئذٍ، وإن قلنا: إنَّه واجب طريقي، فلماذا يعاقب المكلّف في هذا الفرض، فقبل الوقت المفروض أنَّه لم يكن وجوب ليجب التعلّم، وبعد الوقت فلأنَّه غافل، والغافل لا يكون مكلّفاً.
والنتيجة: أنَّه لا بأس بترك التعلّم إذا أدّى إلى ترك الواجب المشروط أو
ــــــــــ[37]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الموقّت إذا لم يتمكن المكلّف من الإتيان بها لغفلة أو غيرها، ولو كانت الغفلة من جهة ترك التعلّم. ولهذه الشبهة التزم صاحب الكفاية(1) بالوجوب النفّسي.
قد يفرض أنَّ المكلّف متمكن من التعلّم في وقت الواجب أو بعد حصول شرطه، فلا يتعيّن عليه التعلّم قبل الوقت، بل هو قبل الوقت وبعده سيّان، ففي مثله لا ينبغي الشكّ في عدم وجوب التعلّم قبل الوقت؛ لعدم المقتضي له على كلا القولين من الوجوب النفسي والوجوب الطريقي.
وهل يجوز له ترك التعلّم بعد الوقت وحصول الشرط؟ هذا مبنيٌّ على ما تقدّم من جواز الاحتياط مع التمكّن من العمل والامتثال التفصيلي، فإن قلنا بالجواز -وهو الصحيح- لم يجب عليه التعلّم، وإن استلزم الاحتياط التكرار.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ المكلّف لا يتمكن من التعلّم بعد الوقت، كما لو أراد أن يسافر إلى مكان بعيد لا يمكنه السؤال عن حكم المسألة هناك، والشرط قبل السفر غير حاصل، ويحصل هناك، فإذا لم يتعلّم الآن لم يتمكن من التعلّم بعد ذلك، ولكنّه متمكن من الاحتياط.
ــــــــــ[38]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 376، 377.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
في هذه الصورة أيضاً التعلّم غير واجب، فإنَّ للمكلّف طريقاً إلى امتثال الحكم الواقعي، ولو كان يتمكن من العمل، حتّى على القول بعدم جواز الاحتياط مع التمكّن من الامتثال التفصيلي؛ لأنَّ المكلّف غير متمكّن من الامتثال التفصيلي في هذه الصورة بعد حصول الشرط، وأمّا التعلّم قبل الوقت فأجنبي عن الواجب وغير واجب، وأمّا بعد الوقت فبما أنَّه غير متمكن من الامتثال التفصيلي على الفرض ولا من التعلّم، فيجوز له الاحتياط تكرار العمل أو بدونه.
ففي هذه الصورة أيضاً لا أثر للوجوب النفسي أو الطريقي؛ لعدم ترتّب محذور على ترك التعلّم.
هو ما إذا فرض أنَّه لا يتمكن من التعلّم، ولا يتمكن من الاحتياط، بل لا بُدَّ له من الامتثال الاحتمالي، كما إذا لم يتعلّم حكم الشكّ والسهو، وشكّ في السجود وهو في آخر القيام، أو في الركوع وهو في الهوي، فهو لا يدري أنَّه من موارد قاعدة التجاوز، لكي لا يعتني بالشكّ، أو ليس من مواردها؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يدخل في جزء آخر، ومقدّمة الجزء لا يكفي، ففي هذه الصورة لا يمكن الاحتياط، إذ على كلا التقديرين يحتمل المكلّف الامتثال والبطلان، فإنَّه إن رجع وتدارك فيحتمل زيادته في الركوع عمداً، وهي مبطلة للصلاة، وإن مضى في صلاته ولم يعتن بشكّه، فيحتمل بطلان صلاته لنقص الركن، فالاحتياط غير ممكن.
ــــــــــ[39]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ففي مثل ذلك لا بُدَّ من التعلّم، وإن كان قبل وقت الواجب وشرطه، وذلك: لأنَّ التكليف في ظرفه فعلي على الفرض، فعند عدم تمكّن المكلّف من الامتثال التفصيلي ولا الإجمالي يحتمل العقاب، فيجب دفع الضرر المحتمل، وأدلّة وجوب التعلّم حتّى على الوجوب الطريقي غير قاصرة الشمول لهذه الصورة، ولم يقيد فيها وجوب التعلّم بما إذا كان تعلّماً بعد زمان الواجب، فوجوب التعلّم يستثنى من سائر المقدّمات، فإنَّ غير التعلّم من المقدّمات، لا يجب تحصيلها قبل زمان الوجوب، وأمّا التعلّم الذي هو طريق إلى امتثال الواجب، وهو متمكّن منه قبل الوقت، فيحكم العقل بلزومه، فإنَّه بترك التعلّم يحتمل ترك الواجب الفعلي في ظرفه، ففي مثل ذلك، وعلى كلا القولين سواء على القول بالوجوب النفسي أو الطريقي يجب التعلّم قبل الوقت، لئلا يترك الواجب في ظرف فعليّته، وليس هذا الوجوب مقدّميّاً، حتّى يقال: إنَّه لا يعقل وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها، بل هو وجوب لتنجيز الواقع، والمولى لم يعذر عبده في المخالفة المستندة إلى ترك التعلّم، ففي هذه الصورة أيضاً لا فرق بين هذين القولين.
ومن هنا حكم الفقهاء بلزوم تعلّم أحكام السهو والشكّ التي يبتلى المكلّف عادةً، فقالوا: إنَّه واجب، وتاركه محكوم بالفسق؛ لأنَّه يحتمل مخالفة التكاليف المنجزّة عليه، فيستحقّ العقاب بترك الواجب الفعلي في محلّه.
ما إذا فرضنا أنَّ المكلّف إذا لم يتعلّم لم يتمكن من الإتيان بالواجب في
ــــــــــ[40]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ظرفه، إمّا لغفلة -كما هو في كثير من العوامّ بالنسبة إلى الأحكام الشرعيّة- ومنشأ عدم الالتفات ترك التعلّم، وإمّا أنَّ المكلّف الملتفت لا يتمكّن من الإتيان بالعمل في ظرفه، كما إذا سافر بعيداً، وهو لا يعلم أحكام الصلاة أصلاً، فهو لا يتمكن من الإتيان بها مع الالتفات إلى وجوبها.
فإذا كان ملتفتاً غير متمكن من الإتيان بالواجب، وإن كان عدم القدرة مستندة إلى ترك التعلّم، ففي مثله قد يقال: بناءً على الوجوب الطريقي لا بُدَّ من الالتزام بعدم العقاب؛ لأنَّ الوجوب في ظرفه ليس بفعلي؛ فإنَّ القدرة من شرائط التكليف، فإن لم يكن قادراً لم يستحقّ العقاب، والتعلّم قبل ذلك لم يكن بواجب، فإنَّ حفظ القدرة ليس بواجب، وهذا بخلاف الوجوب النفسي إذ يعاقب على تركه.
ولكن الصحيح أن يفصّل في هذه الصورة بين ما إذا كان ملاك الواجب في ظرفه تامّاً، بحيث علمنا أنَّ الشارع إنّما لم يكلّف للمانع، وهو: العجز، لا لعدم المقتضي، وهو: الملاك الملزم، كما إذا ألقى الإنسان نفسه من شاهق، فحينما يهوي يكون الخطاب ساقطاً لا محالة، ولكن الملاك محفوظ، فإنَّ كان الملاك كذلك
-والمثال الذي ذكرناه للصلاة من هذا القبيل جزماً، فإنَّ الصلاة عماد الدين، وأحد ما بُني عليه الإسلام- فالمقتضي تامٌّ، وإنَّما لم يكلّف هذا الرجل في هذا اليوم لعجزه عن الإتيان بالعمل، فعدم التكليف للمانع لا من عدم تماميّة المقتضي.
وفي مثله لا ينبغي الشكّ في أنَّ حكم العقل بقبح تفويت الملاكات الملزمة كحكمه بقبح معصية المولى، وهذا واضح لمن راجع وجدانه، فيرى أنَّ تعجيز
ــــــــــ[41]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
المكلّف للمولى عن الخطاب والتكليف بتعجيز نفسه، ولا فرق في نظر العقل بين هذا، وبين مخالفة التكليف الفعلي، ففي مثله يجب التعلّم حفظاً للملاك الملزم، ويستحقّ العقاب على ترك التعلّم، والامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار. وفي هذه الصورة أيضاً لا فرق بين القول بالوجوب النفسي والقول بالوجوب الطريقي، والآيات والروايات أيضاً غير قاصرة الشمول لهذه الصورة.
وأمّا إذا لم يتمكن المكلّف من الواجب في ظرفه، ولم يكن تامّ الملاك في ظرفه، يعني: أنَّ القدرة دخيلة في ملاكه، والعاجز ليس الملاك تامّاً بالنسبة إليه، فلو لم يكن في الوقت أو بعد حصول الشرط متمكناً من العمل لغفلة، أو عجز من ناحية أخرى، ولو استند عجزه إلى ترك التعلّم، ففي مثله الوجوب الطريقي لا يصحّ جزماً، لأنَّ هذا الوجوب معناه: الوجوب الذي يجعل بقصد تنجيز للواقع، وفي المقام لا واقع لا تكليفاً ولا ملاكاً.
أمّا تكليفاً فلقبح تكليف العاجز، وأمّا ملاكاً فعلى الفرض من اختصاص الملاك بالقادر، وما دلّ من الآيات والروايات على وجوب التعلّم لا يشمل هذه الصورة جزماً، إذ المفروض أنَّه لا وجوب ولا تكليف فيها واقعاً، حتّى يكون التعلّم مقدّمة للإتيان بالواجب في ظرفه.
وأمّا على القول بالوجوب النفسي فأيضاً لا يجب التعلّم، وذلك: أنَّ القائل بالوجوب النفسي، إنّما يقول به فيما إذا كان التكليف متوجّهاً إلى نفس الشخص، ولذا قلنا: بعدم وجوب تعلّم أحكام النساء، من قبل الرجال إلّا بنحو الوجوب الكفائي، لئلا تندرس أحكام الشريعة.
ــــــــــ[42]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وفي المقام التكليف ساقط للعجز، والملاك غير تامّ، فعلى هذا القول أيضاً لا موجب للقول بالوجوب في هذه الصورة، ولا يجب التعلّم لإيجاد موضوع التكليف، فإنَّه لا يجب على المكلّف أن يكتسب ليكون مستطيعاً.
فتحصل مّما ذكرناه: أنَّه لا أثر لهذا النزاع في أنّ وجوب التعلّم هل هو نفسيٌّ أو طريقيٌّ، وأنَّه في الواجبات المشروطة والموقّتة، فعلى الوجوب النفسيّ يجب التعلّم، على الوجوب الطريقي فلا يجب، كما يظهر من صاحب الكفاية بل في المورد الذي يمكن القول فيه بالوجوب الطريقي يقال فيه بالوجوب النفسيّ وفي المورد الذي لا يمكن فيه القول بالوجوب الطريقي لا يمكن القول بالوجوب النّفسيّ.
والصحيح أنَّ الوجوب طريقي، ولا عقاب إلّا عقاب واحد إذا صادف ترك التعلّم، لأنَّه يؤدّي إلى مخالفة الواقع، وأمّا إذا لم يؤدّ إلى مخالفة الواقع، فيعاقب على القول باستحقاق المتجرّي للعقاب.
القسم الأوّل: قد يكون ترك التعلّم لا ينافي الإتيان بالواجب ولا إحرازه تفصيلاً، كما لو كان متمكنا من التعلّم في الوقت أو عند حصول شرط الوجوب فيأتي بالواجب تفصيلاً، ففي هذه الصورة لا يجب التعلّم قبل حصول الشرط وقبل وقت الواجب يقيناً، إذ لا يترتّب عليه شيء من المحذور، وذلك كما في مسائل الحجّ على ما ذكرناه.
القسم الثاني: أن لا يكون ترك التعلّم موجباً لترك الواجب، ولكنّه يستلزم
ــــــــــ[43]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
فوات التميّيز، فلا يستطيع أن يميّز الواجب عن غيره، كما في القصر والتمام، فيما إذا ترك التعلّم قبل وقت الواجب، إلّا أنّه يمكنه الإتيان بالواجب بأن يجمع بين القصر والتمام، ففي هذه الصورة لا يجب التعلّم قبل الوقت أو قبل حصول الشرط، بل هو مخيّر بين أن يتعلّم ويأتي بالواجب متميّزاً، أو أن يترك التعلّم ويحتاط بعد ذلك، بناءً على ما ذكرناه من كفاية الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي، ففي هذه الصورة لا يشكّ بوجود الواجب، ويعلم أنّه قد أتى بوظيفته، وعندئذ لا يكون التعلّم واجباً.
القسم الثالث: قد يكون ترك التعلّم مؤدّيا إلى ترك الإحراز في الخارج، فإنّ المكلّف وإن كان قادراً على الإتيان بالواجب، إلّا أنّه لا يتمكن من إحراز الواجب، فهو لا يعلم أنّه أتى به أو لا، وذلك كالقصر والتمام فيما إذا لم يتمكّن من الجمع بينهما لضيق الوقت أو غيره من الأسباب، فلو ترك التعلّم وإن كان قادراً على الإتيان بالواجب، فإنّه لا دخل للتعلّم في القدرة، إلّا أنّه حيث لا يدري أنّ الواجب أيّ شيء هو فلا بُدَّ من الامتثال الاحتمالي، فيحتمل فوت الواجب والملاك الملزم المعلوم تحقّقه في ظرفه،
ففي مثل هذا القسم يجب التعلّم لا محالة، والوجه في ذلك: أنّ الملاك المعلوم لا بُدَّ من الخروج عن عهدته، وكذلك التكليف المعلوم في ظرفه لا بُدَّ من الخروج من عهدته يقيناً، والمكلّف قادر على الإتيان بالواجب وإحراز الملاك، فإذا ترك التعلّم فيحتمل أن يكون فيه تفويت للملاك الملزم والواجب في وقته، وبهذا يحتمل الضرر، والضرر المحتمل يجب دفعه بحكم العقل. إذن، يجب التعلّم ليتمكن من إحراز الواجب في ظرفه.
ــــــــــ[44]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
القسم الرابع: أن يكون ترك التعلّم موجباً لترك الواجب في ظرفه، فلو فرضنا أنّ الوقت لا يسع التعلّم -كما في بين الطلوعين- للقراءة وذكر الركوع والسجود وسائر الشرائط والأجزاء، فلو ترك التعلّم قبل الوقت فإنّ الصلاة تفوت في ظرفها، ويكون غير قادر على الإتيان بها، وكما لو ترك التعلّم ونسى بعد ذلك، ولا يتمكن من الإتيان بالواجب للنسيان، والجامع هو أنّ الترك يوجب العجز عن الإتيان بالتكليف، فإنّه وإن كان الوجوب في وقته ساقط؛ لأنّ التكليف مشروط بالقدرة وهو عاجز، إلّا أنّ الملاك إذا كان تامّاً في ظرفه، وكان ترك التعلّم مفوّتا للملاك الملزم، كما ذكرنا في المقدّمات غير التعلّم بأنّه يوجب تعجيز المولى عن التكليف بسبب عجز المكلّف عن الامتثال، وعليه: يجب التعلّم ليكون قادراً على العمل في ظرفه، وإنّما الكلام بأنّنا بأيّ دليل وقرينة يمكننا إحراز أنّ الفعل ذو ملاك ملزم في ظرفه، فيكون كسائر المقدّمات.
ومن هنا وقع الإشكال في وجوب التعلّم قبل الوقت، بدعوى: أنّ الوجوب إذا لم يكن متحقّقاً فلا موجب لوجوب التعلّم، وبعد تحقّق الوجوب يكون عاجزاً عن الامتثال، فلماذا يجب التعلّم؟
وهذا الذي ألجأ الأردبيلي(1) وغيره(2) إلى الالتزام بالوجوب النّفسي للتعلّم، وأنّ العقاب يكون على ترك التعلم نفسه، لا على ترك الصلاة وغيرها مّما لا يتمكن المكلّف من الإتيان بها في ظرفها .
ــــــــــ[45]ــــــــــ
(1) انظر: مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان 2: 110.
(2) انظر: مدارك الأحكام 3: 123، مسألة إخلال المصلّي بإزالة النجاسة عن بدنه أو ثوبه.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ولكنّنا ذكرنا: أنّ هذا منافٍ للأدلّة، فإنّ الأدلّة ظاهرة في أنّ التعلّم والسؤال نحو قوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(1) مقدّمة للعمل، لا أنّ التعلّم بنفسه واجب. إذن، فلا يكون هذا جواباً عن الإشكال، وهو: أنّ العقاب لماذا يكون؟ فإنّه قبل حصول الشرط وقبل الوقت لا وجوب على الفرض، فإنّنا لم نلتزم بالواجب التعليقي، إلّا إذا قامت عليه قرينة خاصة، وبعد وجود زمان الوجوب وتحقّق الشرط لا يكون المكلّف قادراً على الامتثال، فعلام يعاقب العاجز؟
وأجبنا عنه: بأنّ الملاك تامّ في ظرفه من ناحية التعلّم، أي: أنّ العجز من ناحية التعلّم لا يوجب سقوط التكليف، فالقدرة من ناحية التعلّم غير معتبرة في الملاك، فإنّه يؤتى بالمكلّف يوم القيامة، فيقال له: هلا عملت، فيقول: ما علمت، فيقال له: هلا تعلمت! وهكذا آية السؤال وغيرها من الأدلّة الدالّة على وجوب طلب العلم، وأنّ المكلّف لا بُدَّ وأن يفحص ويتعلّم، فنستكشف منها: أنّ القدرة من ناحية التعلّم غير دخيلة في الملاك، فيكون ترك التعلم اختيارا ترك للملاك الملزم، فإنّه وإن لم يكن التكليف فعليّاً، إلّا أنّ العقاب يكون من هذه الجهة.
إذن، يجب التعلّم في هذه الموارد التي يكون فيها العجز عن الامتثال بسبب ترك التعلّم، لأنّه يوجب تعجيز المولى عن الأمر، فالعقاب يكون على الفعل الاختياري وهو ترك التعلّم، باعتباره مؤدّياً إلى ترك الواجب في ظرفه.
ــــــــــ[46]ــــــــــ
(1) النحل: 43.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
هذا كلّه بالنسبة إلى ما هو الغالب من وجوب التعلّم على المكلّفين البالغين.
لو فرضنا أنّه يعلم فيما إذا لم يتعلّم الصلاة قبل بلوغه لا يتمكن من الإتيان بها في أوّل بلوغه، فتفوت الصلاة لا محالة، فهل يجب عليه التعلّم قبل البلوغ تحفظاً على الملاك في ظرفه أو لا يجب؟
اختار شيخنا الأستاذ وجوب التعلّم للصبي بعين البيان المتقدّم، وهو: أنّ الملاك إذا كان تامّاً في ظرفه -كما استكشفنا ذلك من الأدلّة- فتفويته قبيح عقلاً، فيعاقب على مخالفته، ولا يفرق في ذلك بين الصبي وغيره، وأدلّة رفع القلم عنه لا تنفع في المقام، فإنّها غير شاملة لمثل ذلك، فإنّ هذا حكم عقلي لا ينفعه حديث الرفع، وإنّما هذا الحديث ناظر إلى المجعولات الشرعيّة، لا إلى ما يكون العقل حاكماّ به مستقلّاً.
ولكنّنا ذكرنا: أنّ فعل الصبي إذا كان عند الشارع بمنزلة الخطأ بمقتضى قوله: “عمد الصبي خطأ“(1) فتّتحمّله العاقلة، وإن كان وارداً في باب الديّات. إذن، الفعل الاختياري للصبي في نظر الشارع في حكم الفعل غير الاختياري.
وبعبارة أخرى: أنّ ترك التعلّم بالنسبة إلى الصبي إمّا يترتّب عليه ترك الواجب في ظرفه، فهذا غير اختياري على الفرض فلا تكليف هنا، أو يترتّب على ترك التعلّم فعلاً ترك ملاك الواجب مستنداً إلى الاختيار، فاستند عجزه في
ــــــــــ[47]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 29: 90، الباب 36، باب حكم غير البالغ، الحديث 2.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ظرفه إلى اختياره فعلاً، وهذا لا يكون عذراً في نظر المولى، فإن كان هذا هو المدّعى فهو قابل للرفع الشرعي، فإنّ ترك التعلّم مرخّص به من قبل الشارع؛ لان القلم غير جار في حقّه، فيكون تركه للتعلّم كعدمه، فلا يمكن أن يعاقبه المولى بهذا الفعل الاختياري بعد أن رفع عنه القلم، وفرض وجود فعله كعدمه.
وبعبارة أكثر وضوحاً: أنّ ترك التعلّم الذي أوجب على الإنسان ليتمكن من الإتيان بالواجب في ظرفه من ناحية التكليف لم يكن فيه محذور، باعتبار أنّه لم يكن قادراً في ظرف العمل، والتكليف مشروط بالقدرة، فعند عدم الشرط لا تكليف، وقبل حصول الشرط ودخول الوقت لا تكليف؛ لعدم القدرة عليه أيضاً؛ لأنّه مشروط بشرط لم يتحقّق. إذن، فالوجوب ليس بفعلي لا قبلاً ولا بعداً، والعقاب إذا لم يكن من جهة مخالفة التكليف الفعلي، بل من جهة فوت الملاك في ظرفه، فمن أين استكشفنا أنّ الملاك من ناحية القدرة على التعلّم تامّ؟
والجواب: استكشفنا ذلك من الأدلّة الدالّة على وجوب السؤال ولزوم التعلّم، فإذا كانت هذه الأدلّة من الآيات والروايات خاصّة بالبالغين، وغير البالغ لم يؤمر بالسؤال. إذن، بأي شيء نثبت أنّ ترك تعلّم الصبي قبل بلوغه موجب لفوت الملاك الملزم؟
فإنّا نحتمل أنّ الملاك الملزم مختصّ بمن كان قادراً في الوقت على العمل دون غيره، وهذا غير قادر. نعم، في البالغين علمنا أنّه لا يعتبر في الملاك القدرة من ناحية التعلّم، واستكشفنا هذا مّما يدلّ على وجوب السؤال من الأدلّة، والظاهر أنّها غير شاملة للصبي.
ــــــــــ[48]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
إذن، لا يجب تعلّم الأحكام بالنسبة إلى الصبي قبل بلوغه، ولو أوجب فوت الواجب في ظرفه.
ثُمّ إنّ ما ذكرناه من وجوب التعلّم، وكونه واجباً طريقيّاً بالمعنى المتقدّم إنّما هو بالنسبة إلى الأحكام المتوجّهة إلى نفس المكلّف، وأمّا بالنسبة إلى أحكام الاخرين، كتعلّم أحكام النساء بالنسبة إلى الرجال، وتعلّم أحكام الحجّ بالنسبة إلى من لا يستطيع قطعاً، فهذه الأحكام لا تجب بأدلّة وجوب التعلّم؛ لأنّ الحكم لم يتوجّه إلى هذا الشخص ليجب تعلمه ويكون مقدّمة للامتثال، بل هو واجب نفسي، من باب أنّ التعلّم إذا لم يتحقّق في الخارج فإنّ أحكام الدين ستندرس حتماً، وهذا معنى وجوب الاجتهاد، إلّا أنّه وجوب كفائي، فإذا قام به من به الكفاية سقط عن الآخرين.
وهذا خارج عن محلّ البحث في المقام، فإنّ كلامنا فيما يكون ترك التعلّم موجباً لترك الامتثال أو عدم إحرازه، وأمّا ما يكون أجنبيّاً عن المكلّف، فوجوب التعلّم هناك ليس بهذا الملاك، بل بملاك لا بُدِّيّة حفظ أحكام الدين لتصل إلى سائر المكلّفين جيلاً بعد جيل، وهو لا يكون إلّا بالتعلّم.
وهل يختصّ وجوب التعلّم بما إذا كان يعلم بالابتلاء بشيء، أو يطمئن بالابتلاء به، أو يعمّ مورد الاحتمال والشكّ؟
الظاهر القول بالوجوب في فرض الاحتمال أيضاً، وعدم الاختصاص بالعلم بالابتلاء أو الاطمئنان به.
ــــــــــ[49]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ولكن قد يقال: بعدم وجوبه عند الاحتمال بجريان استصحاب عدم الابتلاء، فإنَّها شبهة موضوعيّة، ولا مانع من جريان الاستصحاب فيها.
وربّما يجاب جريان الاستصحاب بوجهين:
الوجه الأوّل: يعتبر في جريان الاستصحاب اليقين والشكّ الفعلي، ومعلوم أنّ الابتلاء أمرٌ استقبالي لم يحدث بعد، فلا يجري فيه الاستصحاب.
والجواب عنه: أنَّ الاستصحاب يتقوّم باليقين والشكّ الفعليّين، وهما متحقّقان عند المكلّف على الفرض، فإنَّه يعلم بعدم ابتلاءه فعلاً ويشكّ في بقاء حاله كذلك، أو ابتلاءه في المستقبل، فالشكّ فعليٌّ وإن كان المشكوك فيه أمر متأخّر، وهو مّما لا مانع منه، فإنّه لا مانع من أن يجري الاستصحاب في الأمور الماضيّة والحاليّة والاستقباليّة، إذا كان اليقين والشكّ فعليّين.
ولكنّ شيخنا الأستاذ(1) ناقش في الاستصحاب في المقام من وجه آخر، وحاصله: أنَّ الاستصحاب إنّما يجري فيما إذا كان الأثر الشرعي مترتّباً على الواقع، فيجري الاستصحاب لترتيب آثار الواقع، وهذا غير متحقّق في المقام، فإنَّ الأثر الشرعي المرغوب غير مترتّب على الواقع، فإنَّه ليس للابتلاء أثر شرعي، وإنَّما الأثر مترتّب على الشكّ واحتمال الضرر، وهو محرز بالوجدان، والعقل مستقلّ بلزوم دفع الضرر المحتمل، فما هو الموضوع للأثر الشرعي محرز بالوجدان، فلا يجري الاستصحاب. هذا حاصل ما أفاده.
وهذا مبنيّ على عدم جريان الاستصحاب إلّا في مورد يكون القطع طريقاً
ــــــــــ[50]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 88.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
محضاً إلى الواقع، وأمّا بناءً على قيام الاستصحاب مقام القطع الطريقي والقطع الموضوعي معاً، كما اختاره شيخنا الأستاذ(1) نفسه -وهو الصحيح- فلا حاجة لأن يكون المستصحب أثراً شرعيّاً، أو ذا أثر شرعي، بل لو كان الأثر مترتّباً على نفس الإحراز يكون الاستصحاب جاريّاً، وبه يحرز الواقع تعبّداً، فيكون الأثر مترتّباً عليه.
وقد وقع الكلام في ذلك في مباحث القطع، وسيأتي في مباحث الاستصحاب، وقد أصرّ صاحب الكفاية(2) على أنَّ الأمارات والأصول تقوم مقام القطع الطريقي دون القطع الموضوعي.
وقد ذكر شيخنا الأستاذ تبعاً للشيخ الأنصاري(3) -وهو الصحيح-: قيامها مقام كلا الأمرين، وعليه: فلا حاجة إلى أن يكون المستصحب أثراً شرعيّاً، أو ذا أثر شرعي، بل يكفي ترتّب الأثر على نفس الاستصحاب، وتترتّب عليه آثار اليقين.
ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّ المكلّف إذا كان عالماً بعدم الابتلاء أبداً، فطبيعة الحال لا يجب عليه التعلّم، فإنَّنا ذكرنا أنَّ وجوبه يختصّ بما إذا كان التكليف متوجّهاً إلى هذا الشخص دون غيره، فإذا علم بعدم الابتلاء لا يجب عليه تعلّم أحكام ذلك الموضوع، فإذا فرضنا أنَّه في فرض العلم لا يجب عليه
ــــــــــ[51]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 389، 390.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 263، 264.
(3) انظر: فرائد الأُصول 1: 33، 34.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
التعلّم، فبالاستصحاب يحرز المكلّف أنَّه لا يبتلي بهذه المسألة بحكم الشارع، فيندفع احتمال الضرر بحكم الشارع، ويجوز له ترك التعلّم؛ لأنّه عالم تعبدّاً بعدم الابتلاء.
فالصحيح في جواب الاستصحاب أن يقال: إنَّ تخصيص أدلّة وجوب التعلّم بما إذا علم المكلّف أو اطمئن بالابتلاء بعيد جدّاً، وإن كان الاستصحاب جاريّاً في نفسه، فإنَّ مقتضى إطلاقها أنَّ ترك الواقع متى ما استند إلى ترك التعلّم استحقّ المكلّف عليه العقاب، فإذا احتمل الابتلاء ولم يتعلّم وأدّى ذلك إلى مخالفة الواقع، فإنَّه يصحّ أن يقال له: لماذا لم تعمل؟ فيقول: ما علمت. فيقال له: هلا تعلّمت. فعدم شمول دليل الاستصحاب إنّما هو لإطلاق الوجوب، لا لعدم جريانه في نفسه(1).
الصورة الأولى: ما إذا كان الواقع موجوداً، ولم يتعلّم المكلّف حكمه ووقع في مخالفته، ففي مثل ذلك لا ينبغي الشكّ في استحقاقه للعقاب على مخالفة الواقع، بناءً على الوجوب الطريقي للتعلّم، وأمّا على مخالفة وجوب التعلّم نفسه فيصحّ بناءً على وجوبه النّفسي.
ــــــــــ[52]ــــــــــ
() أقول: هذا غريب من السيّد: فإنَّه كما يمكن بالاستصحاب رفع موضوع قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل -كما ذكر- يمكن به رفع موضوع الوجوب أيضاً، فإنَّه بعد أن ذكر أنَّ التعلّم غير واجب في موارد العلم بعدم الابتلاء، يكون هذا العلم مقيداً للدليل لا محالة، وباستصحاب عدم الابتلاء يتنقح موضوع التقيّيد؛ لأنَّه يكون غير عالم بالتعبّد، وبناءً على جعل الطريقيّة فينتفي الوجوب، كما هو واضح. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الصورة الثانية: أن يفرض التكليف في الواقع غير موجود أصلاً، والمكلّف احتمل أن يكون هذا الفعل في الواقع واجباً أو حراماً، ولم يتعلّم ولم يفحص، وارتكب الحرام أو ترك الواجب المحتمل، فصادف عدم وجود الحكم الإلزامي، بل كان مباحاً في الواقع فقد فعل مباحاً أو تركه، ففي هذه الصورة لا عقاب على مخالفة الواقع، إذ ليس هناك واقع على الفرض حتّى يعاقب على مخالفته، فإن كان هنا عقاب فهو إمّا على ترك التعلّم نفسه، بناءً على الوجوب النّفسي كما نسب إلى جماعة، أو بناءً على استحقاق المتجرّي للعقاب بناءً على الوجوب الطريقي، وذلك على ما تقدّم من أنَّ عقاب المتجرّي لا يختصّ بموارد القطع بالتكليف، بل يعمّ موارد الاحتمال المنجّز للواقع وسائر ما هو منجّز له من الأمارات والأصول، فإن قلنا باستحقاق المتجرّي للعقاب فيعمّ كلّ ذلك.
الصورة الثالثة: ما إذا فرضنا أنَّ التكليف في الواقع كان موجوداً سواء كان تحريميّاً أو وجوبيّاً، والمكلّف ترك التعلّم وارتكب الحرام أو ترك الواجب، ولكن لم يكن لترك التعلّم دخل في الارتكاب، يعني: على كلّ حال كان المكلّف يرتكب المخالفة، سواء تعلّم أو لم يتعلّم، وذلك: لأنَّ التكليف الواقعي لم يقم عليه الحجّة والبيان من قبل المولى، بحيث لو تفحّص لم يكن ليصل إلى الحكم الواقعي، فيجري البراءة ويرتكب، ولكن بحسب الواقع كان الفعل واجباً أو حراماً، فترك التعلّم لم يكن سبباً للارتكاب، فهل يستحقّ المكلّف في مثل ذلك العقاب على مخالفة الواقع، أو لا يستحقّ؛ لأنَّ الواقع لا يمكن الوصول إليه، وإنَّما يستحق العقاب على التجرّي على تقدير القول باستحقاق المتجرّي للعقاب؟
ــــــــــ[53]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ذكر شيخنا الأُستاذ(1) استحقاق العقاب واختاره، والوجه فيما ذكره: أنَّ الاحتمال منجّز للواقع، ويحتاج المكلّف في مخالفة الواقع إلى معذّر عقليٍّ أو شرعيٍّ، وفي المقام المفروض أنَّه لم يكن هناك معذّر عقلاً أو شرعاً، لأنَّ كلتا البراءتين لا تجرّي قبل الفحص، فلا مؤمّن له في الارتكاب، ولو كان التكليف بحيث لو تفحّص لما وصل إليه، ولكن الحكم بما أنَّه إلزامي، وليس له عذر في مخالفته، فيكون منجّزاً فيعاقب على مخالفته. نعم، لو تفحّص ولم يظفر بدليل الحكم فلا مانع من الارتكاب؛ للبراءة عقلاً وشرعاً.
وهذا الذي أفاده متين على تقدير أن يكون الدليل على وجوب الاحتياط وعدم جريان البراءة قبل الفحص ثابت، وهو: أخبار التوقّف، فإنَّها دلّت على وجوب التوقفّ والاحتياط قبل الفحص، لئلا يقع في مخالفة الواقع، فإنَّ الاحتمال قبل الفحص موجود، وقد ذكرنا في بحث البراءة(2): أنَّ وجوب التوقّف طريقي لا إرشادي إلى أنَّ الواقع منجّز قبل ذلك، ولا مانع من أن تكون هذه الأدلّة منجّزة للواقع، فإذا كان دليلنا على وجوب الفحص ذلك فيكون ما ذكره صحيحاً، وأمّا بعد أن يفحص وييأس عن العثور على دليل الحكم فيتحقّق موضوع الرجوع إلى البراءة فيرجع إليها.
وأمّا إذا بنينا على أنّ أخبار التوقّف والاحتياط كلّها إرشاديّة، فوجودها وعدمها سيّان، وإنَّما المنجّز قبل الفحص هو الآيات والأخبار الدالّة على
ــــــــــ[54]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 332، 333.
(2) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 279.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وجوب التعلّم، أو العلم الإجمالي بالأحكام قبل الانحلال، فالصحيح هو أنَّه لا يعاقب على مخالفة الواقع، فإنّ أدلّة وجوب السؤال والتعلّم إنّما هو السؤال عن حكم يمكن الوصول إليه بالسؤال، كما قاله الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(1)، فإذا فرضنا أنَّه انكشف بعد ذلك أنَّ الحكم الواقعي لم يكن ليصل إلى المكلّف وإن تعلّم وفحص، فطبعاً يكون وجوب السؤال ساقطاً. إذن، فالمنجّز للحكم لا يكون موجوداً، بل تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنَّنا ذكرنا(2): أنَّ المراد بالبيان البيان من الشارع بنحو يمكن المكلّف أن يصل إليه، فإذا لم يمكن له الوصول إليه حتّى لو فحص، فكيف يمكن العقاب على تكليف لم يكن يمكن الوصول إليه، ولم يجعل الشارع له منجّزاً كأخبار التوقّف؟! بل يكون العقاب على مثل هذا التكليف عقاباً بلا بيان.
وأمّا إذا كان المكلّف جاهلاً بالحكم فقد ذكرنا: أنَّه لا بُدَّ له أن يفحص، حتّى يتبيّن له الحكم، ولا يجوز له إجراء البراءة ولا غيرها من الأصول المؤمّنة، فإن علم بوظيفته فهو، وإلّا فيعمل عمل الجاهل بوظيفته.
فقد يفرض الكلام في العبادات، وقد يفرض الكلام في المعاملات بالمعنى الأعمّ.
أمّا في العبادات فإن فرض أنّه لم يتمشّ منه قصد القربة، فالعمل فاسد واقعاً، ولا يترتّب عليه أيّ أثرٍ، سواء صادف الواقع أو لا، من جهة أنَّ العمل
ــــــــــ[55]ــــــــــ
(1) النحل: 43.
(2) انظر: مصباح الأصول 1: 136.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
عبادة يشترط فيها قصد القربة، ولم يتحقّق هذا الشرط على الفرض، وأمّا لو فرضنا أنَّه تمشّى منه قصد القربة، ولو برجاء كونه مأموراً به، أو فرض أنَّه عمل ليس بعباديٍّ، كالبيع والإجارة والتطهير والذبح، فلو ذبح حيواناً مع احتمال أنَّ هذا الذبح غير جامع للشرائط، ولا يجزي في الحكم بحلّيّة اللحم ولا طهارته، وذلك للشكّ في الحكم الواقعي، ففي مثل ذلك يحكم بفساد العمل على كلّ تقدير، لكن هناك فرق بين هذا الفساد، والفساد في القسم الأوّل، وهو: العبادة التي لم يقصد بها القربة، فإنَّ الفساد هناك واقعي، وهذا فساد ظاهري، يعني: لا يمكن الحكم بصحّة العمل والاجتزاء به في مقام الامتثال، أو ترتيب الأثر على المعاملة أو الذبح أو غيره، مع الشكّ في مطابقته للواقع، لأنّنا فرضنا أنَّ تمام الأصول النافية ساقطة، فيحكم بالفساد على الإطلاق سواء طابق الواقع أو لم يطابقه.
وهذا هو الذي ذكره صاحب العروة في أوّل فرع من فروع الاجتهاد والتقليد، إذ قال(1) -ما حاصله-: إنّ عمل الجاهل التارك للاجتهاد والتقليد والاحتياط يحكم ببطلانه، أي: يحكم ظاهراً بالبطلان، فلا يجوز ترتيب الأثر عليه من امتثال في العبادة، أو ملكيّة للعوض في المعاملة، أو حلّيّة اللحم في الذباحة، ونحو ذلك.
وأمّا إذا فرضنا أنَّه بعد ذلك انكشف الحال، كما لو قلّد الجاهل مجتهداً
ــــــــــ[56]ــــــــــ
(1) انظر: العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء العظام (قدّس الله اسرارهم)) 1: 15-21.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
فبالنسبة إلى الأعمال السابقة، هل يحكم بصحّتها أو بفسادها، أو أنّ هنا تفصيلاً في المسألة؟
في بيان صور المسألة:
الصورة الأوّلى: أن يفرض أنَّ العمل الذي صدر من المكلّف حال جهله، والمفروض أنَّه ليس بعبادي، أو عبادي تمشّى منه قصد القربة، ويستكشف بأنّ هذا العمل مطابق للواقع وجامع لشرائط الصحّة، عبادة كان أو بيعاً أو ذباحة أو غيرها، وذلك بحسب فتوى من كان يجب عليه تقليده في زمان العمل، وفتوى من يجب عليه تقليده فعلاً، فكلاهما كانا متّفقين على الصحّة، أو نفرض أنَّ المجتهد بعينه باقٍ، وكان يفتي بالصحّة ولا زال يفتي بذلك، فيحكم بصحّة ذلك العمل بقاءً، ولا يترتّب عليه أثر فعلي كوجوب القضاء، فإنَّه فرع فوات الواقع والمفروض أنَّه لم يحصل، ولا الضمان في المعاملات، بعد فرض ملكيّته للثمن أو المثمن.
نعم، هنا شيء، وهو: أنّنا لو فرضنا أنَّه في علم الله كانت كلتا الفتوائين(1) مخالفة للواقع، فالعمل الذي عمله المكلّف في وقته يعاقب عليه، لأنَّنا ذكرنا: أنَّ المكلّف حين جهله إذا عمل عملاً وكان مخالفاً للواقع، ولم يكن له مؤمّن عن الواقع، فإنَّ الواقع يكون منجّزاً عليه. نعم، لو فرضنا أنَّه كان قد قلّد من يرى عدم وجوب الفعل فتركه، أو وجوب القصر فصلّى القصر استناداً إلى فتواه فيكون ذلك معذّراً له، ولكنّه لم يقلّد على الفرض، وكان عمله -صدفة-
ــــــــــ[57]ــــــــــ
() كذا تلفظ بها السيّد. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
مطابقاً للفتوى وغير مطابق للواقع فيكون الواقع منجّزاً عليه ولا مؤمّن له.
فالمخالفة للواقع في محلّها، لكن لا يجب عليه القضاء بعد ذلك، لأنّه مستند في ترك القضاء إلى الحجّة، وهي الفتوى السابقة واللاحقة.
الصورة الثانية: بالعكس، وهي: ما إذا انكشف مخالفة العمل للواقع، بمقتضى الفتوى السابقة لمن كان يجب عليه تقليده والفتوى الفعليّة لمن يجب عليه تقليده فعلاً، كما لو كان كلا المجتهدين يريان على الجنب: أن يتيمّم بدل الغسل ما دام العذر باقيّاً، ولكن هذا المسكين تيمّم تيمّما واحداً ثُمَّ توضّأ، فلم يكن على طهور بمقتضى الفتوائين السابقة واللاحقة، ففي مثل ذلك لا ينبغي الشكّ في فساد أعماله، وانكشاف أنَّه كان مخالفاً للواقع بمقتضى كلا الفتويين، فإنَّ صلاته فاقدة للطهور بمقتضى هذين الفتوائين، فيجب عليه الإعادة، إن كان الانكشاف في الوقت، أو القضاء إن كان الانكشاف بعده. هذا بالنسبة إلى الأركان كالطهور.
وأمّا في غير الأركان -كما لو كان يترك السورة أو يسبّح تسبيحة واحدة من التسبيحات الأربع، ثُمَّ انكشف أنَّها كانت واجبة- فهنا أيضاً يحكم بالبطلان، والوجه في ذلك: أنّ العمل بعدما فرضنا أنَّه مخالف للواقع يحتاج في الحكم بصحّته إلى دليل، والدليل المقتضي للصحّة هو إجزاء الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي الذي ادّعي عليه الإجماع -كما سبق في بحث الإجزاء(1)– أو حديث لا تعاد، وكلاهما يشمل المقام.
ــــــــــ[58]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 352.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الصورة الثالثة: إذا كان عمل الجاهل المقصّر موافقاً لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه الرجوع إليه، وكان مخالفاً لفتوى المجتهد الفعلي الذي يجب عليه الرجوع إليه فعلاً، بأن كان المجتهدان مختلفين في الفتوى، فكان الثاني يفتي بفساد العمل، وإن كان الأوّل يفتي بصحّته لو كان المكلّف رجع إليه.
ففي هذه الصورة الظاهر أنْ يبني على البطلان أيضاً، وذلك: لعدم المعذّر له في مخالفة الفتوى الفعليّة، وأمّا الفتوى السابقة فلا أثر لها في الحكم بالصحّة، والوجه في ذلك: أنَّ المفتي الفعليَّ يرى أنَّ العمل السابق محكوم بالبطلان ومخالف للواقع، والحكم بالإجزاء في مثل ذلك لأحد وجهين: إمّا الإجماع أو من جهة حديث (لا تعاد)، وكلاهما لا يتمّ.
أمّا من جهة الإجماع على إجزاء الحكم الظاهري عن الواقع -على ما ادّعاه غير واحد- فقد ناقشنا ذلك في مبحث الإجزاء(1)، وقلنا: إنَّ الإجماع غير تامّ، والقاعدة تقتضي عدم الإجزاء، والعمدة هو الفتوى الفعليّة، فإن كانت تقتضي بطلان العمل السابق فلا بُدَّ من ترتيب الأثر على البطلان، بل لو فرضنا أنَّنا سلّمنا الإجماع، وقلنا بإجزاء الحكم الظاهري عن الواقع، ولو انكشف الخلاف، إلّا أنّ مورد الإجماع -على تقدير تسليمه- هو ما إذا استند المكلّف في عمله إلى الحكم الظاهري، ثُمَّ تبدّل الحكم الظاهري، وفي المقام المفروض أنَّ المكلّف لم يستند في عمله إلى حكم ظاهري، وإنَّما طابق فتوى المجتهد الذي كان يجب عليه الرجوع إليه في ذلك الحين من باب الاتفاق، فأين الإجماع هنا؟
ــــــــــ[59]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 393، 394.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
أمّا حديث (لا تعاد)، فقد ذكرنا كذلك في ذلك البحث(1): أنَّ هذا الحديث بالنسبة إلى الصلاة والأجزاء غير الأركان، ولا مانع من شموله للجاهل أيضاً فيحكم بصحّة صلاته، فيما إذا انكشف ترك جزء أو شرط من غير الأركان، وقد قلنا: إنَّ (لا تعاد) غير خاصّ بالشمول للجاهل، وعدم اختصاصه بالناسي، وإن أصرّ شيخنا الأُستاذ على اختصاصه به(2)، ولكن ذكرنا: أنَّ (لا تعاد) مختصّ بالجاهل القاصر، ولا يشمل الجاهل المقصرّ، فلو اعتقد المكلّف باجتهاد أو تقليد أنَّ السورة غير واجبة في الصلاة، ثُمَّ تبدّل رأيه، أو قلّد مجتهداً يرى وجوبها، فإنَّه لا يعيد الصلاة.
وأمّا الجاهل المقصرّ -وهو محلّ كلامنا- فلا يمكن أن يكون مشمولاً للحديث، فإنَّه متمكّن من الفحص والتعلّم وقد تركه باختياره، وعمل عملاً محكوماً بالبطلان ظاهراً في ظرفه، فلا يكون مشمولاً للحديث جزماً. إذن، يحكم ببطلان عمله، ولو كان موافقاً لفتوى من كان يجب عليه الرجوع إليه، بل يجب عليه الإعادة، إن كان انكشاف الخلاف في الوقت، والقضاء إن كان بعده إذا كان مخالفاً لفتوى المفتي الفعلي على الفرض.
وهكذا بالنسبة إلى المعاملات بالمعنى الأعمّ، فلو غسل ثوباً بماء قليل مرّة واحدة، وكان المفتي السابق يفتي على طبقه، لكن الجاهل لم يستند في عمله إلى فتواه، ولكن عمل به دون استناد وصادفت المطابقة، ثُمَّ رجع إلى من يرى
ــــــــــ[60]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 392.
(2) انظر: فوائد الأُصول 1: 251 – 259.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وجوب تعدّد الغسلات، فإنَّه يحكم بنجاسة الثوب ونجاسة كلّ ما لاقاه، وهو موجود فعلاً بمقتضى فتوى المجتهد الفعلي.
الصورة الرابعة: وهو ما إذا كان العمل مخالفاً لفتوى من كان يجب عليه الرجوع في ذلك الوقت، ولكن من يجب عليه الرجوع إليه فعلاً يفتي بصحّة هذا العمل، كما لو صلّى بغير سورة جهلاً، أو غسل مرّة واحدة، وكان المفتي السابق يرى وجوب السورة ووجوب تعدّد الغسلات، فالعمل باطل في نظره، والثوب محكوم بالنجاسة في نظره، وفي مثل ذلك لا حاجة إلى الإعادة، حتّى فيما إذا كان الوقت باقياً، فإنّ ما أُتي به صحيح في نظر الحجّة القائمة فعلاً، فلا يجب(1) عليه الإعادة في الوقت ولا القضاء خارج الوقت، لأنَّ المجتهد الفعلي لا يرى صدق الفوت في الوقت ليجب القضاء، لكون فتواه على تصحيح العمل.
يبقى هنا شيء، وهو: أنَّنا لو فرضنا أنَّ المجتهد الثاني الذي يفتي بعدم وجوب القضاء لو فرضنا أنَّه في الواقع وفي علم الله كانت فتواه مخالفة للواقع، وأنَّ الصحيح هو ما ذهب إليه المجتهد الأوّل من وجوب السورة في الصلاة، أو تعدّد الغسلات مثلاً، فهذا يعاقب على ترك الصلاة في الوقت؛ لأنَّه جاهل مقصّر على الفرض، وكان يجب عليه الرجوع إلى شخص ولم يرجع، فليس له معذّر في ترك الصلاة في الوقت، فيقال له: هلا تعلمت ويكون معاقباً.
ــــــــــ[61]ــــــــــ
() إلَّا إذا كان المجتهد الفعلي يرى بطلان العمل للعامّيّ، إلَّا مع تقليد، فعمله هذا باطل، حتّى لو كان مطابقاً لفتواه وللواقع أيضاً؛ لأنَّه لم يكن مقترناً بالتقليد أو الحجّة في وقته، فيقع باطلاً ويجب عليه القضاء. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
نعم، بالنسبة إلى ترك القضاء فليس عليه عقاب، لأنَّه إن قيل له: لماذا لم تقض؟ فإنَّه يقول: استناداً إلى فتوى من يجب عليه الرجوع إليه، وهو أفتى بعدم وجوب القضاء، فهذا هو حكم العامّي.
ومنه يظهر حكم غير العامّي أيضاً، فلو فرضنا أنَّ مجتهداً كان يتمكن من الاستنباط فلم يفحص وعمل عملاً عباديّاً أو غير عباديٍّ، فالكلام فيه هو الكلام، فإنَّه إن وجد دليلاً وكان مقتضاه فساد العمل السابق فلا بُدَّ من الإعادة في الوقت، والقضاء خارج الوقت فيما ثبت فيه القضاء، وإذا كان مقتضى الدليل صحّة العمل السابق فلا حاجة إلى الإعادة في الوقت ولا القضاء خارجه، ولكن إذا وجد الدليل خارج الوقت فترك القضاء استناداً إلى الدليل، فيعاقب على تركه في الوقت، فالحكم في العامّي وغيره واحد، ولا فرق بينهما إلّا أنَّ العامي يرجع إلى المجتهد، والمجتهد يرجع إلى الدليل.
نعم، استثني من عمل الجاهل المقصر المخالف للواقع، فيما إذا خافت في موضع الجهر، أو أجهر في موضع الإخفات، وفيما إذا أتمّ في موضع القصر، فإنَّه يحكم بصحّة عمله، ولو فرضنا أنَّ الوقت باقٍ فلا حاجة إلى الإعادة.
وأمّا أصل الحكم فلا إشكال فيه، وقد وردت صحيحة زرارة في صورة ما إذا أتمّ في موضع القصر، ولا يجب عليه الإعادة، إلّا إذا قرأت عليه آية القصر وفسّرت له، وكذلك في الصوم، إلّا أنَّ الكلام والإشكال وقع في كيفيّة الحكم بصحّة عمل الجاهل المقصّر، والالتزام باستحقاقه العقاب.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ذكر صاحب الكفاية(1): يمكن أن تكون الصحّة لأجل اشتمال العمل في ظرفه على مقدار من المصلحة الإلزاميّة، ولكن المصلحة الزائدة على هذا المقدار -وهي: القائمة بالصلاة قصراً- فاتت على المكلّف ولا يمكن تداركها، وذلك للتضادّ بين المصلحتين، بمعنى: أنَّ المكلّف إذا حصل على المرتبة الناقصة من المصلحة لا يمكنه تحصيل المرتبة العالية.
فالعقاب من جهة مخالفة التكليف، وتفويت هذه المصلحة بالمرتبة العاليّة، والحكم بالصحّة لأجل اشتمال العمل حال الجهل على مقدار من المصلحة الإلزاميّة، وعدم وجوب الإعادة لعدم إمكان تدارك الفائت.
ولكن هذا الوجه لا يتمّ، لأمرين:
أوّلاً: فلأنَّ تصوير التضادّ بين المصلحتين لعلّه يلحق بأنياب الأغوال، فإنَّ التضادّ بين الأفعال والأعراض أمر موجود محسوس، فالإنسان لا يمكن أن يكون في مكانين في وقت واحد، أو يكون قائماً وقاعداً في وقت واحد، ولا أن يتصّف الجسم بالبياض والسواد في وقت واحد.
وأمّا تصوير التضادّ بين المصلحتين فلا دليل عليه، فإنَّ النّفس إذا كملت بتحصيل مرتبة من الكمال أصبحت مستعدة وقابلة للتكامل في ضمن مرتبة أخرى، وهكذا حتّى تبلغ إلى غاية كمالها الممكن، فهذا تصوير عقلي خيالي، ولا نعقل له وجهاً صحيحاً.
ــــــــــ[63]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 377-379.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وثانياً: أنَّ تلك المصلحة الإلزاميّة التي فرضناها مضادّة للمرتبة الأخرى من المصلحة، هل بينهما ارتباط بنحو الواجب الارتباطي، أو إنَّ كلّاً من المصلحتين ملزمة مستقلّاً بنحو الواجب الاستقلالي.
فما معنى حصول مقدار من المصلحة وبقاء مقدار آخر لا يمكن تداركه؟ فلا بُدَّ من الالتزام باستقلال المصلحتين، ومعه لا بُدَّ من الالتزام بحكمين إلزاميّين؛ لأنَّ كلاًّ منهما تقتضي في نفسها حكماً، وعلى ذلك يلزم: أنَّ الجاهل إذا لم يصلّ لا قصراً ولا تماماً لا بُدَّ أنَّ يعاقب بعقابين، ولازمه أن عقابه يكون أشدّ من عقاب العالم العامل، فإنَّه إذا ترك الصلاة يعاقب بعقاب واحد، وهذا لا يمكن الالتزام به.
والتزم كاشف الغطاء(1) بالترتّب في المقام، ولعلّه أوّل من أبدى الترتّب، وأنَّ هناك تكليفين أحدهما مترتّب على عصيان الأمر الآخر، فقال: إنَّ العقاب من جهة ترك المكلّف للواجب الأوّل الذي هو القصر -لو فرضنا أنَّ الجاهل أتمّ في موضع القصر- ولكن مع ذلك يحكم بصحّة التمام؛ لأنَّه مخاطب بالتكليف الثاني بنحو الترتّب، فإذا عصيت التكليف الأوّل فأنت مأمور بأمر آخر، فهنا نلتزم باستحقاق العقاب، كما التزمنا به في سائر موارد الترتّب، فإنَّه لو ترك إزالة النجاسة عن المسجد وصلّى، فإنَّه يحكم بصحّة صلاته؛ لأنَّه مأمور به بنحو الترتّب، ويعاقب على ترك الإزالة.
ــــــــــ[64]ــــــــــ
(1) انظر: كشف الغطاء: 27.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وأجاب شيخنا الأنصاري(1): بأنَّنا لا نعقل الترتّب؛ فإنَّه من الأمر بالضدّين في آن واحد، وهو محال على ما تقدّم الكلام فيه في بحث الترتّب مفصلاً(2)، وذكرنا هناك: أنَّ الالتزام بالترتّب لا يلزم منه الالتزام بالأمر بالضدّين.
ولكن شيخنا الأستاذ(3) مع التزامه بالترتّب وإصراره على جوازه ووقوعه(4) -وهو الصحيح- إذ كان يقول: نحن ربانيو الترتّب، ومع ذلك كان يراه غير معقول في المقام.
أوّلاً: أنَّ الترتّب هو أن يكون هنا أمران أحدهما يتعلّق بشيء والثاني يتعلّق بشيء آخر مترتّباً على عصيان الأمر الأوّل، وهذا في المقام غير ممكن، فإنَّه لا يمكن أن يؤمر بالقصر، ثُمَّ يؤمر بالتمام على تقدير عصيان الأمر الأوّل.
والسبب في ذلك: أنَّه إذا كان المكلّف ملتفتاً إلى أنَّه عاصٍ، وأنَّه مأمور بالقصر، فلا يصحّ منه التمام؛ لأنّ الحكم به خاصّ بالجاهل على الفرض، فينقلب الموضوع بالتفاته.
ــــــــــ[65]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار1: 562.
(2) انظر: محاضرات في أُصول الفقه 2: 480.
(3) انظر: أجود التقريرات 2: 338، 339.
(4) انظر: أجود العالم 1: 286.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وإذا فرضنا أنَّه غير عالم بذلك، وجاهل بوجوب القصر على ما هو المفروض فهو غير موجب للعصيان، والمفروض أنَّ موضوع التكليف هو العاصي، فكيف يمكن أن يتحرّك هذا المكلّف للحكم الذي موضوعه هو العصيان؟
وثانياً: إنَّ عصيان التكليف إنّما هو بتركه في تمام الوقت بترك جميع الأفراد العرضيّة والطوليّة، فلو صلّى تماماً وانكشف الخلاف في الوقت، فهنا يقال: بعدم وجوب الإعادة والصلاة قصراً، وإنَّما يكون عصياناً إذا كان الترك مستوعباً للوقت، فلا يصدق على المكلّف أنَّه عاصٍ؛ لإمكان التدارك في الوقت، فالأمر بالتمام مترتّب على العصيان وهو غير صادق.
وثالثاً: أنَّ إمكانه ملازم لوقوعه، فإنَّ كان للدليلين إطلاق ولا يمكن الجمع بين الإطلاقين، ففي مثل ذلك لا بُدَّ من رفع اليد عن أحد الإطلاقين لا محالة.
أمّا إطلاق دليل الأهمّ فلا موجب لرفع اليد عنه، وأمّا إطلاق دليل المهمّ فلا بُدَّ من رفع اليد عنه، إذ لا يعقل الأمر بالضدّين، فهذا الإطلاق يسقط دون أصل التكليف، والضرورات تقدّر بقدرها، فلو فرض ارتفاع التضادّ بين الحكمين برفع اليد عن إطلاق دليل المهمّ، فلا يبقى موجب لرفعها عن أصل الحكم، وتكون النتيجة: ثبوت التكليف بالأهمّ على الإطلاق، وبالمهم على تقدير عصيان الأهمّ. وهذا هو الترتّب، فإذا كان الترتّب ممكناً فهو واقع في موارد التزاحم بين الواجبين، إذا كان أحدهما أهمّ والآخر مهمّ.
ــــــــــ[66]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وأمّا في المقام فلم ينشأ القول بالترتّب من التزاحم، وإنَّما التزم به كاشف الغطاء لأمر آخر، فلو فرضنا أنَّ الترتّب أمر ممكن حتّى في المقام، فأيّ دليل دلّ على أنَّ الجاهل بوجوب القصر يجب عليه التمام؟ هذا يحتاج إلى دليل فلا يمكن الالتزام بالترتّب في المقام، وإن كنّا نلتزم به في سائر موارد التزاحم.
ولكن الظاهر أنّ شيئاً مّما أورده لا يأتي عليه.
أمّا ما ذكره أوّلاً وثانياً من أنَّ الترتّب إنّما يعقل فيما إذا كان أحد الحكمين مترتّباً على عصيان الحكم الآخر، وهو هنا لا يمكن، فقد قلنا في محلّه: إنَّ الالتزام بأخذ العصيان في الموضوع بلا ملزم، بل الترتّب يتقوّم بأن يكون أحد الأمرين مترتّباً على ترك الواجب الآخر، وإن لم يتحقّق عنوان العصيان، فإن فرضنا أنَّ في الشريعة أمرين: أمر بالصلاة تماماً، وأمر بها قصراً لمن لا يصلي قصراً، ومعلوم أنَّ المكلّف ملتفت إلى أنَّه لا يصلي قصراً.
وأمّا ما ذكره ثالثاً من أنَّ الترتّب يحتاج إلى دليل، فالدليل هو الإجماع على صحّة هذا العمل، والروايات الواردة فيه، وكلامنا في إمكان ذلك ثبوتاً، وإلّا فالوقوع معلوم، والدليل دالٌّ على الصحّة وعدم وجوب الإعادة، فإن كان الترتّب ممكناً كان الدليل عليه ذلك.
وبعبارة أخرى: إنَّ كاشف الغطاء لا يريد إثبات صحّة العمل بالترتّب، وإلّا فهو صحيح، وإنَّما يريد أن يثبت إمكانه بالترتّب.
ــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ولكن مع ذلك الصحيح أنَّ الالتزام بالترتّب في المقام غير ممكن، لوجهين:
أحدهما: ما أوردنا على صاحب الكفاية من الالتزام بملاكين، فإنَّه يرد عليه أيضاً: أنَّ لازمه أن يعاقب الجاهل بالحكم إذا ترك التمام بعقابين: عقاب على ترك القصر، وعقاب على ترك التمام، كما كان هو الحال في جميع موارد الترتّب، فإنّ المكلّف يعاقب على ترك الأهمّ، فإذا ترك المهمّ أيضاً يعاقب عليه، وعين هذا البيان جارٍ في المقام، وهذا معناه: أن يكون أَشدّ عقاباً من العالم بالحكم.
ثانيهما: أنَّه ينافي ما ورد من أنّ الواجب في كلّ يوم وليلة خمس صلوات، ولازم ما ذكره أن يكون الجاهل مكلّفاً بثمان صلوات، بالفجر والمغرب، وبالظهر والعصر والعشاء قصراً وتماماً، فالالتزام بالترتّب لا يمكن.
والصحيح في المقام أن يقال:
أمّا الصحّة فلا إشكال فيها؛ لما دلّت عليه الروايات، والمسألة موضع وفاق كصحيحة زرارة، وأنَّ الصلاة تامّة لا تحتاج إلى الإعادة فضلاً عن القضاء.
وأمّا مسألة استحقاق العقاب على ترك الواقع، فهذا لم يرد ولا في رواية ضعيفة، ولم يقم في المقام إجماع على استحقاق العقاب، على أنَّ المسألة ليست من المسائل التعبدّيّة ليمكن إثباته بالإجماع، بل استحقاق العقاب أمر عقليٌّ لا يثبت بالإجماع، والإجماع على تقدير ثبوته فهو للحكم التعبدّي.
وأمّا الشهرة فهي في نفسها ليست بحجّة، فضلاً عمّا إذا كان متعلّقها أمراً عقليّاً كاستحقاق العقاب.
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
إذن، فاستحقاقه لم يثبت، حتّى نقع في المحذور، فالصحيح أن يقال: إنَّ العمل محكوم بالصحّة من دون استحقاق عقاب.
والذي ندّعيه في المقام أنَّه ليس في المقام مخالفة الواقع، ليمكن أن يدّعى أنَّه لا يستحقّ العقاب على مخالفته، فندّعي أنَّه لا واقع، وإنَّما المأمور به في حال الجهل هو طبيعي الصلاة الجامع بين القصر والتمام والجهر والاخفات، فيختصّ فعليّته بمن بلّغه هذا الحكم، وأمّا غير ذلك من المكلّفين فالتخيّير ثابت لهم بين القصر والتمام.
وهذا لا محذور فيه أصلاً، فالجاهل إذا أتمّ صلاته فقد أتى بما هو المأمور به؛ لأنَّ المأمور به هو الطبيعي الجامع، وتوضيحه: أنَّ الرجل إذا كان جاهلاً بوجوب القصر، ولكن غفلة صلّى القصر قاصداً القربة، فهل يحكم بأنّ هذه الصلاة صحيحة، أو أنَّها فاسدة؟ مع الالتفات أنَّه لو صلّى تماماً لصحّ، ولكنّه صلّى قصراً جاهلاً وغفلةً.
فنحكم بصحّتها -كما هو الصحيح- إذ لا موجب للبطلان؛ لأنَّه أتى بالمأمور به جامعاً للشرائط، غاية الأمر: أنَّه لم يكن يدري أنَّ القصر واجب، كما لو صلّى متستّراً، وهو لا يدري أنَّ التستر شرط في الصلاة. ولا يجب عليه الإعادة ثانياً قصراً أو جهراً، بعد علمه بالحكم، فهو صحيحٌ قصراً، كما أنَّه لو صلّى تماماً يقع صحيحاً أيضاً، فهذا هو معنى التخيّير، وأنَّ الحكم الواقعي تعلّق بالجامع، فمن قرأت عليه آية القصر يتعيّن عليه التقصير، وأمّا الجاهل فهو مخيّر إذا صلّى قصراً أو صلّى تماماً فيحكم بصحّة صلاته، وهذا في الجهر والاخفات
ــــــــــ[69]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ثابت جزماً، لا يمكن أن يقال: إنَّ رجلين صليّا جهراً صلاة الفجر، فهل يحكم بصحّة صلاة العالم وببطلان صلاة الجاهل؟
هذا غير صحيح جزماً، وهذا يكشف عن أنَّ الجاهل مخيّر في الحكم، ولو فرضنا محالاً بطلان الإتيان بالواجب، ولا بدَّ من الإعادة بعد ذلك فالأمر أفحش، لأنَّ معناه: أنَّ الصلاة تماماً كان وجوبها وجوباً تعيّيناً، والجهر أو القصر لم يكن واجباً لا تعيّيناً ولا تخيّيراً، وإلّا لم يحتج إلى الإعادة. وعلى كلا التقديرين لا معنى للعقاب، إذ لا يوجد واقع حصلت مخالفته، ليلتزم بالعقاب على مخالفته.
وعلى الجملة: استحقاق العقاب أمر لم يرد عليه حتّى نصّ ضعيف، وإنَّما ذكروه تخيّلاً منهم أنَّه على طبق القاعدة، وليس الأمر كذلك، فإنَّه إذا صلّى الجاهل صدفةً على طبق الواقع، فهل يمكن أن نذهب إلى فسادها؟
لا يمكن الالتزام به جزماً، كما هو الحال بالإتيان بأيّ شرط جهلاً بشرطيّته، ولا يمكن الالتزام بالفساد، ولا يعتبر في شرطيّة الشرط العلم بشرطيّته، وإنَّما هو شرط بوجوده الواقعي، لكن لو التزمنا بالفساد، فمعناه: أنَّ الجاهل يتعيّن عليه الاخفات. إذن، فما معنى العقاب؟ هل عقاب على أمر غير واجب؟! هل هذا ممكن؟!
فلا بدَّ من الالتزام بالصحّة، فإذا قلنا: إنَّ كلتا الصلاتين صحيحة، أمّا من صلّى جهراً فلأنَّه مطابق لما هو وظيفته واقعاً، ومعلوم أنَّ الشرائط لا يعتبر فيها قصد القربة، حتّى يقال: إنَّ الجاهل لم يقصد القربة في الجهر، وإنَّما يجب قصدها
ــــــــــ[70]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
في القراءة، لا في خصوصيّة الجهر، فهو مصداق للواجب وصحيح، وأمّا لو صلّى إخفاتاً فصحيح أيضاً، لدلالة النصّ والتسالم على صحّته. إذن، فليس للجهر والاخفات دخل في الصحّة، ولا مأخوذ في المأمور به، وإلّا كان الآخر باطلاً، والنتيجة: أنَّ المأمور به هو الطبيعي الجامع بين الجهر والاخفات، والقصر والإتمام، وأيٌّ منهما أتى به الجاهل أجزأه. إذن، ما معنى العقاب، فإنَّه لم يخالف تكليفاً، حتّى يكون العقاب على مخالفته.
يبقى هنا كلام، وهو: أنَّ الصحيحة الدالّة على الصحّة لم تدلّ على عدم الإعادة فقط، حتّى يقال: إنَّه يعاقب على مخالفة الواقع كما قيل، بل دلّت على أنَّ صلاته تامّة “وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُه“(1)، وليس فيها نقص. إذن، كيف يمكن أن يقال: إنّ هذه الصلاة مخالفة للواقع وفيها نقص، ولكن لا يجب الإعادة لعدم إمكان استيفاء المصلحة؟ فهذا مضافاً إلى فساده في نفسه مناف لهذه الصحيحة الدالّة على الصحّة.
يبقى الكلام في مطلب تعرّضنا له في بحث القطع، وهو أنَّه بناءً على هذا من يجب عليه القصر، فإنَّه لا بُدَّ من تحقيق موضوعه، فإذا كان جميع المكلّفين مأمورين بالقصر، فلازمه أنَّ الجاهل مكلّف فيعاقب، وإن كان العالمون
بالحكم هم المكلّفين بالقصر، فمعناه: أخذ القطع بالحكم في موضوع ذلك
ــــــــــ[71]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 356، باب من تكلم في صلاته أو انصرف قبل أن يتمها أو يقوم في موضع الجلوس، الحديث: 2، الكافي 3: 347، باب السهو في القراءة، الحديث: 1.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الحكم، وهو مستحيل؛ فإنَّ العلم بالوجوب في مرتبة متأخرّة عن الوجوب، فكيف يؤخذ في موضوعه؟
وقد تقدّم إمكان ذلك، بمعنى: العلم بالانكشاف يؤخذ في موضوع المعتبر، لا في موضوع الاعتبار، وقلنا هناك: إنَّه فرق بين الاعتبار والمعتبر، فالاعتبار هو مرحلة الإنشاء، وهو الحكم على موضوع مقدّر الوجود، وهنا لا يعتبر وجود موضوع فعليٍّ خارجاً، لا مستطيع ولا سارق ولا غيره، ومرحلة الفعليّة هي مرتبة وجود هذه الموضوعات، كوجود المستطيع والسارق وغيره، فأيّ مانع من أخذ العلم بهذه الجملة: وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ(1) فالمبرز للاعتبار موضوع للفعليّة، فيقال على الناس الذين يبلغهم هذه الآية أن يحجّوا، فيؤخذ العلم بالإنشاء موضوعاً للمعتبر، ولذا ورد في باب التقصير: أنَّ من قرأت له آية القصر وفسّرت له هو الذي يجب عليه التقصير.
فالنتيجة: أنَّ القصر موضوعه هو العلم بوجوب القصر في الشريعة، وكذلك الحال في القصر والإتمام. إلى هنا تمّ الكلام عن وجوب الفحص في الشبهات الحكميّة.
وأمّا النسبة إلى الشبهات الموضوعيّة بعد العلم بجعل الحكم، فيما إذا كان منشأ الشكّ بالحكم هو الشكّ بالموضوع الخارجي.
ومّما لا خلاف فيه أنَّ الفحص غير واجب، ويدلّنا على ذلك قوله:
ــــــــــ[72]ــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
“كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه“(1)، وقوله: “لأنَّك كنت على يقين من طهارتك فشكّكت“(2)، وغيره من الأدلّة المطلقة، وليس هنا ما هو صالح للتقيّيد.
بل الدليل على عدم التقيّيد موجود، كقوله في صحيحة زرارة: “لا إلّا أن تذهب بالشكّ الذي وقع في نفسك“(3) وإلّا فالفحص غير واجب، وفي رواية: “أنَّه تزوج بامرأة ثُمَّ سألت فانكشف أنّها ذات بعل أو في العدّة، فقال الإمام: ولم سألت“(4)، وهذا مّما لا إشكال فيه.
ولكنَّ جماعة من الفقهاء ذكروا وجوب الفحص في عدة موارد، وقالوا: أنَّ من سافر مسافة لا يعلم بلوغها المسافة الشرعيّة الموجبة للقصر، فيجب عليه الفحص؛ ليعلم أنَّ وظيفته القصر أو التمام. وكذلك فيمن يشكّ في تمكنه من الحجّ واستطاعته، فأوجبوا الفحص عليه. وكذلك في باب الزكاة إذا شكّ أنَّ ماله بلغ حد النصاب أو لا. وكذلك في الخمس إذا شكّ أنّ أرباحه تزيد على مؤونة سنته أو لا.
وعلّلوا وجوب الفحص بأنَّ الحكم في هذه الموارد لا يظهر للمكلّف غالباً إلّا في الفحص، فنفس تشريع الحكم يدلّنا على وجوب الفحص، إذ لا طريق لنا إلى
ــــــــــ[73]ــــــــــ
(1) المحاسن 2: 495، الباب 77، الجبن، الحديث: 596.
(2) تهذيب الأحكام 1: 422، الباب 22، تطهير البدن والثياب والنجاسات.
(3) علل الشرائع 2: 361، الباب 80، علة غسل المني إذا أصاب الثوب، الحديث: 1.
(4) الكافي 5: 569، باب النوادر، الحديث: 55.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
إحراز الموضوع إلّا بالفحص، فنفس تشريعه يدلّ بالملازمة العرفيّة على وجوبه.
وهذا الذي ذكروه بحسب الكبرى لا بأس به، فإنَّه حكمٌ إلهيٌّ لا طريق إلى إحرازه خارجاً، إلّا أن يفحص المكلّف عن موضوعه، ولا بأس أن يقال: إنَّ جعله يدلّ بالملازمة العرفيّة على وجوب الفحص، وإلّا كان تشريعه لغواً، إذ لا يعلم به إلّا قليل.
إلَّا أنّه لا ينطبق على هذه الموارد، فإنَّ المسافة كسائر الموضوعات الخارجيّة، قد يعلم بتحقّقها بلا فحص، وقد يعلم بعدمها كذلك، وهو غالب كالقسم الأوّل أيضاً، وقد يشكّ في ذلك فلا يدري أنَّ المسافة بين البلدين ثمانية فراسخ أو أقلّ، لا فرق بين هذا الموضوع وغيره ممّا أخذ موضوعاً للأحكام، فكما أنَّ سائر الموضوعات قد يتعلّق العلم بوجودها أو بعدمها، فكذلك قد يشكّ، ومنشأ الشكّ هو الشكّ بالانطباق. إذن، لا مانع من الرجوع إلى الاستصحاب في موارد عدم العلم بالمسافة فيستصحب العدم، فيترتّب عليه وجوب التمام، لأنَّ القصر مترتّب على السفر ثمانية فراسخ، وإلّا فحكم المكلّف هو التمام ما لم يثبت خلافه.
وكذلك الحجّ، فقد يعلم المكلّف كونه مستطيعاً، وقد يعلم بعدمها، وقد يكون شاكّاً في ذلك، فيرجع إلى الأصل وعدم وجوب الحجّ عليه؛ لعدم تحقّق الاستطاعة، فهذا أيضاً غير داخل في ذلك.
وباب الزكاة أيضاً كذلك، فإنَّه قد يكون المكلّف يعلم أنّه يبلغ عنده النصاب، وقد يعلم أنَّه لا يبلغ، وقد يكون مشكوكاً، وليس تشريع هذا الحكم
ــــــــــ[74]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ملازماً لإيجاب الفحص؛ لكون المكلّف لا يعلم به إلّا بالفحص، بل من دون فحص قد يعلم بالحكم وقد لا يعلم.
وأمّا مسألة وجوب الخمس فهو يبتني على النزاع المعروف من ظهور الربح أو يجب آخر السنة.
فإن قلنا: بالثاني، وإن كان الخمس يتعلّق بالمال من أوّل ظهور الربح، كما هو ظاهر الآية والروايات أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ(1) وأنَّ التعلّق لمجرّد حصول الغنيمة، وكذلك قوله عن الغنيمة: “هي الفائدة التي يستفيدها الرجل يوماً بيوم فإذا أخاط الخيّاط ثوباً بخمسة دنانير فلنا منه دانق واحد“(2)، وهو يدّل على أنَّ الوجوب إنّما هو بعد تماميّة السنة، وليس من الأوّل وجوب، وإن كان المال مال الغير، فإنَّه إنّما يجب فيما يزيد على مؤونة السنة، وهو إنّما يتحقّق بعد مرور السنة، وبقاء الربح وعدم صرفه بالمؤونة. وإن قلنا: إنَّ الوجوب من الآن، فإنَّ الوجوب مشروط بعدم صرفه في مؤونته خلال سنته، فهو إرفاق من الله سبحانه بالمكلّفين.
فإن قلنا بالثاني وشككنا في ذلك فمقتضى الأصل عدم الوجوب، فإنَّه وإن كان يعلم أنَّ المال كان متعلّقاً لحقّ الغير، لكن لا يعلم أنَّه زاد عن مؤونة سنته.
وعلى المنسوب إلى المشهور من أنَّ الوجوب من الأوّل والسنة إرفاق، فلا يبعد القول بالوجوب؛ لاستصحاب عدم صرف الربح المستحقّ للغير في
ــــــــــ[75]ــــــــــ
(1) الأنفال: 41.
(2) تهذيب الأحكام 4: 122، الباب 35، الخمس والغنائم، الحديث: 5.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
مؤونة سنته، إلّا أن يفحص ويظهر له أنَّه صرفه فيها.
وكيفما كان لا نعرف وجهاً لوجوب الفحص في هذه الموارد، بل لا بأس بالرجوع إلى الأصل سواء كان مثبتاً كما في الخمس على المشهور، أو نافياً كما في سائرها، وإن كان الفحص هو الأحوط دائماً.
بقي هنا شيء ذكره شيخنا الأستاذ(1): أنَّ الفحص وإن لم يكن واجباً في الشبهات الموضوعيّة، إلّا أنّ معناه: تحصيل مقدّمات العلم، وهذا ليس بواجب.
بيانه: لو كانت كلّ المقدمات موجودة، ولا يتوقّف العلم بالحكم إلَّا على مجرّد النظر، كما لو كان الإنسان في برٍّ أو سطح دار مشرف على الأفق وشكّ في حصول الفجر، وتمام مقدّمات النظر إلى الفجر حاصله، ولا يحتاج العلم إلى النظر فقط، فهل يجوز له أن لا ينظر إلى الأفق، ويأكل ويشرب استصحاباً لّليل أو لا يجوز؟
ذكر عدم الجواز، بل لا بُدَّ من النظر في الأفق ليعرف أنَّ الفجر لم يطلع، ففي هذا المورد ونحوه الأصل لا يجري، فإنَّه لا يصدق عليه الفحص عرفاً.
وهذا لو كان قد ورد فيه رواية لصحّ ما قاله؛ لأنَّ الفحص هو التدقيق، وهذا لا يصدق عليه الفحص عرفاً، ولكنّه لم يرد في دليل، وإنَّما هو تعبير الفقهاء، وإنّما الدليل هو الإطلاقات، والموضوع فيها هو عدم العلم، وهذه
ــــــــــ[76]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 340.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
العناوين المأخوذة في الأدلّة صادقة في المقام، فإنَّ المكلّف لا يخلوا أمره من العلم أو الجهل أو الشكّ، والمفروض أنَّ هذا المكلّف شاكّ، فلماذا لا يرجع إلى الأصل؟! لا نرى مانعاً من ذلك، فالنظر المجرّد أيضاً غير واجب، فإنَّ تحصيل العلم في الشبهات الموضوعيّة غير لازم، ومتى كان الشكّ موجوداً يرجع إلى إطلاق الدليل وعدم المقيّد، فالصحيح هو جواز الرجوع إلى الأصل في جميع هذه الموارد.
ذكر شيخنا الأنصاري(1): أنَّ الفاضل التوني(2) اعتبر في جريان البراءة زائداً على الفحص أمرين آخرين:
أحدهما: أن لا يكون جريانها موجباً لضرر المسلم أو من بحكمه، كالكافر الذمّي أو المعاهد، فإن كان جريانها موجباً لهذا الضرر لم تجر البراءة، ومثّل لذلك: بما إذا فتح إنساناً قفصاً لغيره فطار الطائر الذي فيه، فلا يمكن الرجوع إلى أصالة البراءة من الضمان، لأنَّه موجب للضرر على مسلم، وفي مورده لا تجري البراءة، وكذلك إذا أمسّك حيواناً لغيره كالغزال أو نحوه، فلو فرّ الحيوان لا يمكن الرجوع إلى الأصل، لأنَّه يوجب تضرّر المسلم، وكذلك لو أمسّك الحيوان فمات طفله.
وأورد عليه شيخنا الأنصاري: بأنَّ الأمر وإن كان كما ذكره الفاضل
ــــــــــ[77]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 455.
(2) انظر: الوافيّة: 193، 194.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
التوني، فإنَّ البراءة لا تجري في مورد الضرر، إلّا أنَّه ليس من جهة كونه شرطاً لجريانها، فإنَّ نفي الضرر ينظر إلى الواقع، وهو من الأدلّة الاجتهاديّة، وفي مورد الدليل الاجتهادي لا يبقى مجال للرجوع إلى الأصل، وإنَّما يرجع إليه مع فقد الدليل وعدم النصّ.
فإذا كان دليل (لا ضرر) جارياً في حدودٍ فلا يمكن الرجوع إلى الأصل، فما ذكره من الاشتراط لا محلّ له.
لو فرضنا أنَّ الفاضل التوني يريد ما فهمه منه شيخنا الأنصاري، فإشكاله عليه وارد، وأمّا إذا كان الفاضل التوني قد أراد معنى آخر، وهو: أنَّه في مورد إذا لم يكن دليل، ولكن كان جريان البراءة مستلزماً للضرر على المسلم، أو من هو بحكمه، لا من جهة دليل (لا ضرر)، فجريان البراءة مشروط بعدم استلزامه للضرر، كما يظهر من أمثلته التي ذكرها، فالأمر كما ذكره.
وبيانه: قد ظهر مما تقدّم في حديث الرفع وما هو بمضمونه: أنّ جعل الترخيص والتوسّعة على المكلّفين عند الجهل، إنّما هو من جهة الامتنان على هذه الأُمّة، وإلّا فالمقتضي للجعل والاحتياط موجود، والامتنان يمنع من الجعل، كما في سائر العناوين المذكورة في الحديث أو غيره.
فإذا كان الحكم امتنانيّاً فلا بُدَّ أن يكون في مورد يكون فيه امتنان على الأمّة، وأمّا إذا كان امتناناً على بعض دون بعض، وكان على بعض خلاف الامتنان، فلا يكون مشمولاً للحديث(1)، فلو اتلف أحد مال غيره نسياناً، فلا
ــــــــــ[78]ــــــــــ
() كما في سائر العناوين المرفوعة في الحديث (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
يمكن له: إنَّ يقال أنّ حديث رفع النسيان ينفي الضمان، فإنَّه حاكم على الأدلّة المثبتة للضمان، ولا يمكن أن يكون الحديث شاملاً لذلك، فإنَّه وارد مورد الامتنان، ونفي الضمان ينافيه بالنسبة إلى المالك، وإن كان موافقاً للامتنان بالنسبة إلى المتلف.
وأمّا مثل حديث (لا ضرر) فلا يكون جارياً، فليس غرض التوني التمسّك به، فإنَّه قاصر الشمول عن أمثال المقام، وذلك: لأنَّ الضرر متحقّق لا محالة، فإنَّ جعل الضمان ضرر على المتلف، وعدم جعله ضرر على المالك، فلو فتح قفص الغير غفلةً أو نسياناً أو جهلاً فلا يمكن التمسّك بدليل لا ضرر، فإنَّ الحكم بالضمان وبعدمه ضرر لا محالة في كلّ منهما، فدليل لا ضرر لا يشمل المقام لتعارض الضررين، ولكن لا يمكن التمسّك في المقام أيضاً على ما ذكره التوني، فإنَّه مناف للامتنان، والحديث وارد مورد الامتنان، والمرفوع في هذه الموارد(1) هو خصوص الحكم التكليفي، وأمّا الضمان فلا يمكن الحكم بعدمه بالبراءة.
فالظاهر أنَّ الفاضل التوني قد تنبّه لهذه النكتة الدقيقة، وهي: ورود الحديث مورد الامتنان، فلا يعمّ ما كان خلافه، وإذا لم تجر البراءة يرجع إلى الإطلاقات: (من أتلف مال الغير فهو له ضامن)، ولا شكّ في صدق الإتلاف عرفاً، فإنَّ فتح القفص علّة لطيران الطير عرفاً، وقد أتلفه على صاحبه، وإن لم يكن علّة فلسفيّة، باعتبار أنَّ الطائر طار باختياره.
ــــــــــ[79]ــــــــــ
() جهلاً أو نسياناً أو خطأ. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وكذلك لو حبس حيواناً فمات ولده، فإنَّه لم يكن طريق لحفظ حياة الولد إلّا تغذيته بلبن أمه، فأيضاً يستند الإتلاف إليه، فما ذكره متين.
وهكذا الكلام فيما إذا كان الإتلاف عن جهل، ولكن الإتلاف لم يكن صادقاً، إذ تشبثوا بالبراءة عند عدم الإطلاق، وهذا أيضا لا يمكن؛ لأنَّ دليلها وارد مورد الامتنان، فلو كان على خلاف الامتنان على بعض الأمّة لا يكون جارياً.
ثانيهما: أن لا تكون البراءة موجبة لثبوت حكم إلزامي، ومثّل لذلك بأمثلة، منها: جريانها في أحد أطراف العلم الإجمالي، فإنَّ أصالة البراءة عن أحد الطرفين يستلزم وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر. ومنها: إذا شككنا في كرّيّة ماء لم يكن كرّاً، فاستصحاب عدم الكرّيّة لا يثبت تنجّسه بالملاقاة، فإنَّه يستلزم إثبات حكم إلزامي.
وهذان المثالان لا نعرف وجها لذكرهما، فإنَّ الكلام كان في أصالة البراءة، لا في كلّ أصل حتّى التنزيلي الذي هو ناظر إلى الواقع في الجملة كالاستصحاب، فليس هذا مثالاً للكبرى المذكورة.
وكيفما كان لا يمكن المساعدة عليه بوجه، وتفصيله: أنَّ الملازمة وإثبات حكم إلزامي عند جريان البراءة، تتصوّر في أُمور:
الأمر الأوّل: قد تكون الملازمة خارجيّة ناشئة من سبب خارجي، وإلّا فلا ملازمة بينهما أصلاً، وذلك كأطراف العلم الإجمالي، فإنَّه لا شكّ في أنَّ ارتكاب أحد الأطراف لا يستلزم عدم الآخر ولزوم الاجتناب عنه عقلاً و شرعاً، إذ
ــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
من الممكن في نفسه أن يكون كلاهما نجساً، أو يكونا طاهرين، وإنَّما الملازمة نشأت من أمر خارجي، وهو: العلم بنجاسة أحدهما، فبعد هذا العلم بالطبع إذا فرضت طهارة أحدهما فالنجس هو الآخر، لأنّه لا يحتمل طهارة كليهما، فإذا كان أحدهما محكوماً بالطهارة كان الثاني نجساً حتماً، فهي من الملازمات الاتفاقيّة لا العقليّة ولا الشرعيّة، وعدم جريان البراءة على ما ذكره صحيح، لكن لا لأنَّه يثبت الحكم في الطرف الآخر، والأصل المثبت ليس بحجّة، ولذلك لو فرضنا أنَّ الجاري في الطرفين لم يكن أصلاً بل كان أمارة، كما لو قامت أمارتان على طهارة الطرفين، فإنَّها أيضاً لا تكون حجّة، مع أنَّها تكون حجّة بالمدلول الالتزامي أيضاً، فليس منشأ عدم الجريان هو ذلك، بل منشأ عدم الجريان إنّما هو التعارض، فإنّ تخصيص جريان البراءة في أحدهما دون الآخر بلا مرجّح، وجريانها في كلا الطرفين مستلزم للقطع بالمخالفة. فما ذكره من عدم جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي صحيح، لكن لا بالمنشأ الذي ذكره، بل منشأه التعارض بين الأصول في الأطراف.
الأمر الثاني: قد يفرض أنَّ الحكم الإلزامي مترتّباً على الجواز في الطرف الآخر ترتّباً عقليّاً، كما لو قلنا باشتراط الأمر بالمهمّ بسقوط الأمر بالأهمّ، بناءً على امتناع الترتّب، فبما أنَّ الأمر بالضدّين غير ممكن، فلا محالة يكون الأمر بالمهم مشروطاً بعدم الأمر بالأهمّ، وإلّا لزم المحذور.
وبعبارة أخرى: بما أنّ الأمر بالأهمّ موجود فيكون معجّزاً عن الإتيان بالمهمّ، فيعتبر في الأمر به عدمه لاشتراط التكليف بالقدرة، فلزوم المهمّ
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ووجوبه متوقّف على جواز الآخر، فالاشتراط اشتراطٌّ عقليٌّ، فيعتبر في كلّ واجب أن تكون أضداده مباحة، وإلَّا لو كانت واجبة، وهي أهمّ على تقدير وجودها، لم يكن أمر بالمهمّ.
ولكن ليس هذا الاشتراط العقلي، إلّا من ناحية حكم العقل باشتراط كلّ تكليف بالقدرة، وأنَّ الأمر بغير المقدور قبيح، والمهمّ لا يكون مقدوراً، إلّا إذا لم يكن أمر بالمهمّ.
ومعلوم أنَّه إذا كان الأمر على تقدير وجوده أهمّ، كان جائز الفعل والترك، ولو بمقتضى أصالة البراءة، فالشارع رخّص في تركه لأنَّه لم يصل. إذن، فالمكلّف تكويناً قادر على الإتيان بضدّه، فإنَّ المعجّز هو التكليف الواصل، والتكليف الواقعي لا يكون معجّزاً بالضرورة مهما بلغ من القوّة، فالمعجّز هو وصول التكليف وتنجّزه وحكم العقل بلزوم طاعته، فإذا فرضنا أنَّ التكليف بالأهمّ لم يصل، وجاز ترك الواجب الواقعي بمقتضى أصالة البراءة العقليّة والنقليّة، فلا يكون المكلّف عاجزاً عن الإتيان بالطرف الآخر، فإذا جرت البراءة يترتّب عليه لازمه، وهو: وجوب الإتيان بالآخر، وذلك لإطلاق الدليل، فإنَّ رفع اليد عنه كان للأمر بالأهمّ، ومع عدم وصوله لا موجب لرفع اليد عنه.
فأصالة البراءة وإن ترتّب عليها حكم إلزامي، وهو: الأمر بالصلاة
-المهمّ- إلّا أنّ هذا الترتّب لا بُدَّ من الالتزام به، فإنَّ المانع عن الأمر بها هو حكم العقل، فإذا ارتفع المانع لا بُدَّ من التمسّك بالإطلاق، فإنكاره لجريان
ــــــــــ[82]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
البراءة باعتبار أنَّها مستلزمة لثبوت حكم إلزامي إنكار بلا موجب.
الأمر الثالث: قد يكون الترتّب شرعيّاً، كما لو كان إلزاماً شرعيّاً مترتّباً على إباحة شيء، فكانت الإباحة مأخوذة في موضوع دليل شرعي، وفيه أقسام:
القسم الأوّل: قد يفرض أنَّ الحكم الإلزامي مترتّب على الإباحة الواقعيّة بالخصوص، فإذا كان الأمر كذلك فمعلوم أنَّ الإلزام لا يترتّب على أصالة البراءة، فإنَّنا إذا أجريناها فتثبت إباحة هذا الشيء ظاهراً، ولا يترتّب على ذلك الحكم الإلزامي، فإنَّه مترتّب على الإباحة الواقعيّة، وأصالة البراءة لا تترتّب عليها الإباحة الواقعيّة، وهذا أمر واضح، فإنَّ أصالة البراءة نفي للإلزام في مرحلة الظاهر، ولا يترتّب عليه الإباحة الواقعيّة ليرتّب عليه أثره، فالإلزام وإن لم يكن مترتّباً، لكن لا من جهة أنَّ جريانها لا يترتّب عليه حكم إلزامي، بل لا يترتّب هذا الحكم لعدم موضوعه، وهو: الإباحة الواقعيّة، فليس هذا من الاشتراط في شيء.
نعم، لو كان الأصل تنزيليّاً ناظراً إلى الواقع فحينئذٍ يترتّب عليه ذلك، فلو كان الماء مسبوقاً بعدم الكرّيّة فاستصحبنا عدم كرّيّته فلاقته النجاسة فيحكم(1) بنجاسته لا محالة.
لكن كيف يمكن أن يقال: إنَّ الأصل بما أنَّه مثبت لحكم إلزامي لا يجري، فإنّنا نقول بجريانه؛ لأنَّ الموضوع للنجاسة هو ملاقاة الماء القليل للنجس، وكان مقتضى الاستصحاب هو قلّة الماء، وقد لاقى النجاسة وجداناً، ولا
ــــــــــ[83]ــــــــــ
() باعتبار أنَّ الموضوع أحرز بالتعبّد الشرعي. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
يمكن أن يقال: إنَّه لا يحكم بنجاسته، ولا نعرف وجهاً صحيحاً لإنكار الفاضل التوني لجريان الاستصحاب مع كونه تنزيليّاً.
فهذا المثال الذي ذكره مضافاً إلى خروجه عن محلّ الكلام -كما قلنا- غير صحيح، فإنَّ الموضوع إذا أحرز وجداناً أو بالتعبّد يترتّب عليه الحكم الإلزامي لا محالة.
القسم الثاني: وقد يفرض أنَّ الإلزام الواقعي مترتّب على الأعمّ من الإباحة الواقعيّة والظاهريّة، فهذا يترتّب على مطلق الإباحة، ولو كان أصلاً غير تنزيليٍّ كأصالة الإباحة، حيث التزم المشهور بأنَّ المكلّف إذا توضّأ بماء محكوم بالحلّيّة ظاهراً، ولو بأصالة الإباحة، ثُمَّ انكشف أنَّه كان مغصوباً فيحكم بصحّته -وقد تقدّم في مبحث اجتماع الأمر والنهي(1)– وقالوا(2): إنَّ المانع عن صحّته هو الحرمة الفعليّة المانعة للمكلّف عن التصرّف، ومع جريان أصالة الإباحة لا مانع من الحكم بصحّة الوضوء، وفي هذا الفرض لا يمكن انكشاف الخلاف، بل يحكم بمقتضى أصالة الإباحة بصحّة الوضوء واقعاً، حتّى إذا انكشف أنَّه كان مغصوباً، ولكن قد تقدّم الإشكال في ذلك(3).
القسم الثالث: ما إذا كان الإلزام الواقعي مترتّباً على الإباحة الواقعيّة، أو الإلزام الظاهري مترتّباً على الإباحة الظاهريّة، يعني: ما دام لم ينكشف الخلاف
ــــــــــ[84]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أُصول الفقه 4: 122.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 178.
(3) انظر: محاضرات في أُصول الفقه 4: 123، 124.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
يحكم بكونه مصداقاً للواجب، وإذا انكشف الخلاف يرتفع الحكم ولا نحكم بالمصداقيّة، وهذا مصاديقه كثيرة، فلو تردّد فرد بين كونه مباحاً أو غير مباح وحكمنا عليه بالحلّيّة، أو في الوضوء شككنا في ماء أنّه طاهر أو نجس، وحكمنا بطهارته بمقتضى أصالة الطهارة، وقلنا: بجواز الوضوء به، فوجوب الوضوء الواقعي مترتّب على الطهارة الواقعيّة، ووجوبه الظاهري مترتّب على الطهارة الظاهريّة، فلو انكشف الخلاف يحكم بالبطلان من أوّل الأمر؛ لأنَّه ينكشف أنَّه لم يكن مصداقاً للمأمور به واقعاً.
ففي جميع الصور التي ذكرناها لا مجال لما ذكره من أنَّ البراءة لا تجري فيها إذا ترتّب عليها إلزام، بل ما إذا كان موضوعه محرزاً بالأصل، فكيف لا يترتّب الإلزام؟ نعم، يترتّب الإلزام إلّا في صورة واحدة، وهي: ما إذا كان موضوع الحكم هو الطهارة الواقعيّة، وهذا ليس لأجل ما ذكره، بل لأجل عدم انحفاظ الموضوع.
ــــــــــ[85]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
قاعدة لا ضرر ولا ضرار
ــــــــــ[87]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ذكرها الشيخ الأنصاري(1): بعد شرائط جريان الأصول(2)،ويقع الكلام في عدّة جهات:
الجهة الأوّلى: في سند هذه الجملة المنسوبة إلى رسول الله، وهي قوله: “لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَار“(3).
الجهة الثانية: في متن ما صدر منه، ففي بعضها: ما ذكرناه. وفي بعضها: على مؤمن(4). وفي بعضها على مسلم(5).
الجهة الثالثة: في دلالة هذه الجملة، فهل المستفاد منها النهي عن الإضرار بالغير، أو ينظر إلى نفي الحكم الضرري، أو بلسان حكم نفي موضوعه؟
ــــــــــ[89]ــــــــــ
() فرائد الأُصول 2: 457-472.
(2) ويتعرّض لها في الفقه كثيراً، فحسن التعرّض لها. (المقرّر).
(3) الكافي 5: 292، باب الضرار، الحديث: 2، التهذيب 7: 146، الباب 10، بيع الماء والمنع منه والكلأ والمراعي وحريم الحقوق وغير ذلك، الحديث: 36.
(4) الكافي 5: 294، باب الضرار، الحديث: 8، الكافي 10: 486، باب الضرار، الحديث 8.
(5) معاني الأخبار: 281، باب المحاقلة والمزامنة والعرايا والمخابرة والمخاضرة والمنابذة والملامسة وبيع الحصاة وغير ذلك من الملاهي، عوالي اللئالي 1: 220، الحديث: 93. وفي كلا الحديثين ورد: في الإسلام.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ولا ينبغي الشكّ في صدور هذه الجملة منه، وقد ذكر جماعة: أنَّها مستفيضة(1) لا ينبغي الشكّ في صدورها، وقد وردنا فيها عدّة روايات فيها موثّق وصحيح، وذكر صاحب الوسائل عدّة منها في باب إحياء الموات، منها: موثقة زرارة، وفيها قصّة سمرة(2). وعن محمّد بن خالد مثله، ومنها: ما عن عقبة بن خالد(3) في حديث، قال: “لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَار“ (4).
وهذه الرواية أيضاً معتبرة فإنَّ ابن هلال وابن خالد وإن لم يوثّقا في كتب الرجال، إلّا أنَّهما وقعا في كامل الزيارات، فهما ثقتان. إذن، فمن حيث السند لا إشكال.
ــــــــــ[90]ــــــــــ
() نقله شيخ الشريعة في كتابه: قاعدة لا ضرر: 13.
(2) وسائل الشيعة 25، 428، الباب 12، عدم جواز الإخبار بالمسلم وأنَّ من كان له نخلة في حائط الغير وفيه عياله فأبى أن يستأذن وأن يبيعها بان قلعها ودفعها إليه، الحديث: 3.
(3) عن أبي عبد الله. (منه).
(4) نفس المصدر والجزء والباب، الصفحة 429، الحديث: 5.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
فقد وردت هذه الجملة في عدّة موارد، منها: قضية سمرة بن جندب، فقد ورد في هذه القصّة عدّة روايات، رواها الكافي بسندين: إحداهما: أنَّه قال: “لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَار“. ثانيهما: أضاف (على مؤمن).
وذكر الصدوق في الفقيه(1) هذه الرواية غير مذيّلة بشيء، يعني: ذكر القصّة من دون الجملة، فتكون الروايات متعارضة من جهة الزيادة والنقيضة. فنبحث أصل صدورها، وعدم صدورها كما في رواية الفقيه. وعلى تقدير أنّها مذكورة، فهل هي مختصّةٌ بالمؤمن، أو إنَّها مطلقة من هذه الناحية؟
أمّا رواية الصدوق فعلى تقدير أنَّها صحيحة ومعتبرة فلا بُدَّ من تقديم رواية الكافي، فإنَّ الأمر دائر بين الزيادة والنقيصة، وليس في رواية الصدوق نفي هذه الجملة، غايته: لم يذكرها الراوي، فلا يعارض برواية الكافي، إذ لا معارضة بين النقل وعدم النقل. نعم، لو كانت رواية الصدوق على نحو يستظهر منه نفي هذه الجملة، وأنَّه روى تمام ما صدر عن النبي كان بينهما منافاة، إلّا أن هذا الظهور غير موجود، غايته: عدم الرواية، لا رواية العدم.
على أنَّ رواية الفقيه غير معتبرة في نفسها، فلا يمكن أن يعارض بها رواية
ــــــــــ[91]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 3: 102، باب حكم الحريم، الحديث: 3423.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الكافي المعتبرة سنداً، فإنّ محمّد بن علي بن الحسين رواها عن الحسن الصيقل، وهذا لم يوثّق.
ورواية الكافي معتبرة، فلا تقع رواية الصدوق معارضةً لها، فهذه الجملة صدرت من النبيّ.
وأمّا ما رواه الكافي في سند آخر(1)، وأضاف: (على مؤمن) في قصة سمرة، فقد رواها علي بن محمّد بن بندار، والظاهر أنَّه المعروف بابن ماجيلويه، والظاهر أنَّه ثقة، ولكن الرواية مرسلة؛ لأنَّ أحمد بن عبد الله البرقي يرويه عن أبيه عن بعض أصحابنا، ولا يعلم من هو هذا البعض، فلا يمكن الاعتماد على هذه الرواية، فالذي يثبت أنَّه صدر عنه هذه الجملة بلا (مؤمن).
وقد روى الصدوق في ميراث أهل الملل(2) الرواية، وزاد: في الإسلام، وهذه الزيادة لم تثبت، فإنَّ الصدوق وإن ذكر في أوّل كتابه أنَّه لا يذكر إلّا الرواية التي تكون حجّة بينه وبين الله، فهذه الرواية وإن لم يذكر سندها، إلّا أنَّها كانت معتبرة عنده، وإلّا لم يصحّ نسبته إلى رسول الله، بقوله: قال.
ولكنّها لا تثبت عندنا، لأنَّنا لا نعلم طريقه إلى النبيّ، وقد استكشفنا في بعض الموارد استناده إلى كلّ شيعي لم يثبت فسقه، واعتمد على أصالة العدالة، فلا يمكن أن نتبع الصدوق في رواياته، ومنه هذه الرواية.
وكذلك ابن الأثير في نهايته نسب هذه الجملة إلى رسول الله، فإنَّه
ــــــــــ[92]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 295، باب الضرار، الحديث: 8.
(2) من لا يحضره الفقيه 4: 334، باب ميراث أهل الملل، الحديث: 5718.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
قال: “لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ في الإسلام“(1). وكذلك في مجمع البيان(2)، وكلاهما لم يثبت. إذن، فلا تثبت هذه الزيادة أيضاً. فالمتحصّل: أنّ هذه الجملة صدرت من دون زيادة.
ثُمَّ إنَّ هذه الجملة وردت في غير قضيّة سمرة، فوردت في مورد نهي رسول الله عن فضل الماء والكلأ(3)، ووردت أيضاً في الشفعة(4)، فعن محمّد بن يعقوب بسنده إلى عقبة بن خالد عن أبي عبد الله، قال: قضى رسول الله بالشفعة في الأرضين والمساكن… . وقال: لا ضرر ولا ضرار.
وقلنا من جهة السند: إنَّ محمّد بن هلال وعقبه بن خالد وقعا في إسناد كامل الزيارات، فهما ثقتان، والرواية معتبرة.
والرواية الأخرى بنفس السند عن أبي عبد الله، قال: قضى رسول الله بين المدينة في مشارف النخل… قضى بين أهل البادية أنَّه لا يمنع فضل الماء ليمنع فضل كلاء، فقال: لا ضرر ولا ضرار.
ووقع الكلام في أنَّ هذا من باب الجمع في المروي، يعني: أنَّ النبي
ــــــــــ[93]ــــــــــ
(1) النهاية في غريب الحديث والأثر 3: 81.
(2) انظر: مجمع البيان 1: 332.
(3) تهذيب الأحكام 7: 147، الباب 10، بيع الماء والمنع عن بيع الكلأ والمراعي وحريم الحقوق وغير ذلك، الحديث:36.
(4) الكافي 1: 435، 436، الباب 1، 138، الشفعة، الحديث: 4، الكافي 5: 280، باب الشفعة، الحديث: 4.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ذكر هذه الجملة من فروع قضائه بين أهل البادية، أو أنَّها جملة مستقلّة قالها في موضع آخر، وإنَّما الراوي رواها دفعة واحدة، وكذلك في رواية الشفعة، وعبارة الوسائل(1) ظاهرة أنَّه من متفرّعات الأولى، لقوله: (فقال: لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَار)، فهذا القول كان متفرّعاً على القضاء، فكأنّه ذكر صغرى لهذه الكبرى. ولكن هذا من غلط النسخة جزماً، فإنَّه في نسخة الكافي (وقال)، لا (فقال)، ولعلَّ الغلط مختصّ بهذه الطبعة(2)، ولم أراجع بقيّة الطبعات.
ويقع الكلام في أنّ الجمع في هاتين الروايتين -رواية الشفعة والرواية الأخرى-: هل هو من باب الجمع في الرواية، أو الجمع في المروي، وإنَّه كلام واحد صدر من رسول الله، أو كلامان جمعهما الراوي في روايته؟
أمّا بالنسبة إلى قضية الشفعة فالظاهر أنَّه جمع في الرواية لا في المرويّ، وهذا متعارف، فإنَّ ناقل الفتاوى قد ينقل جملة منهما من دون ارتباط بينهما، بل هو جمع في اللفظ، كذلك في الرواية، والظاهر: أنَّ هذه الرواية عن عقبة بن خالد من هذا القبيل، والذي يشهد على ذلك أمران:
الأمر الأوّل: أنَّ الحكم بالشفعة في مقام بيع الشريك حصّته لآخر، فبينه وبين الضرر عموم من وجه، فلا يمكن أن يكون هذا من باب تطبيق الكبرى على الصغرى، فحكمه بالشفعة لا يمكن أن يكون من صغريات نفي الضرر والضرار، لأنَّ النسبة بينهما عموم من وجه، فقد يفرض الضرر متحقّق، وحقّ
ــــــــــ[94]ــــــــــ
() انظر: وسائل الشيعة 25: 429. وقد جاء في الرواية: فإنّه لا ضرر ولا ضرار.
(2) وهي الطبعة الحديثة للوسائل. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الشفعة غير ثابت، كما لو كان الشركاء أكثر من اثنين، وباع أحدهم، فلا يثبت لهم حقّ الشفعة، مع أنَّهم قد يتضرّرون من شركة الرجل لهم في المال، وقد يفرض أنَّ حقّ الشفعة ثابت ولا ضرر، كما لو باع أحد الشريكين ماله من آخر تقي ورع لا ضرر فيه أبدأ، وربما فيه نفع للشريك، ومع ذلك يثبت حقّ الشفعة من دون أيّ ضرر، فكيف يمكن أن يكون مدرك ثبوت حقّ الشفعة نفي الضرر
الأمر الثاني: أنَّنا لو فرضنا أنَّ بيع الشريك حصّته من شخص آخر ملازم للضرر دائماً، ولم يكن بينهما عموم من وجه، فإمّا أن يكون الضرر في البيع فلازمه بطلان البيع؛ لأنَّه لا ضرر ولا ضرار، لا أنّ الشريك له حقّ الشفعة في نقل المال إليه، فإنَّ القاعدة تنفي الحكم الضرري، فإذا تضرّر الشريك من البيع فلا بُدَّ من الحكم ببطلان البيع، لا بثبوت حقّ الشفعة له، فإنَّها بنفي الحكم لا يثبت حكماً آخر، أو يكون الضرر من لزوم البيع وعدم التمكّن من فسخه، كما التزم به الشيخ في الغبن(1) ونحوه.
وعلى أيّ حال لا يثبت بهذه القاعدة حكم يتدارك به الضرر، وإنَّما تفيد نفي الحكم فقط، فما معنى جعل حقّ الشفعة، وجعله صغرى من هذه الكبرى؟ فلا يرتبط أحدهما بالآخر. فهذا يكون قرينة على أنَّ الجمع جمع في الرواية من قبل عقبة بن خالد، وليس في المرويّ.
وأمّا المورد الثاني -وهو مورد منع فضل الماء ليمنع فضل كلاء- فالظاهر أيضاً أنَّه من الجمع في الرواية، ويشهد له أمران أيضاً:
ــــــــــ[95]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 466.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الأمر الأوّل: أنّ منع فضل الماء ليس فيه أي ضرر على المالك، فإن الضرر هو النقص في المال أو النفس أو العرض، ومعلوم أنَّ منع فضل الماء ليس فيه أيّ ضرر أو نقص، غايته: أنَّه سدّ لانتفاع الغير، لا أنّ فيه ضرراً عليه، فأيّ ربط للقاعدة بهذا الحكم؟
الأمر الثاني: أنَّ هذا الحكم حكم تنزيهي لا محالة، وهو: نهيه عن منع فضل الماء، فإنّ الماء ملكه لا محالة، والناس مسلّطون على أموالهم، فإنّه إذا كان مباحاً لم يجز منعه لا للضرر، بل لإباحته العامّة، فمن المعلوم أنّ هذا الحكم أخلاقيٌّ تنزيهيٌّ، وليس حكماً إلزاميّاً، ليقال: لا ضرر ولا ضرار، بل يجوز له المنع وإن لم يكن محتاجاً إلى الماء.
ــــــــــ[96]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وهي تشتمل على مباحث:
وهو: اسم مصدر من الضرّ، ومقابله المنفعة، وهو: اسم مصدر من النفع، وذكر في الكفاية(1): أنَّ الضرر يقابل النفع. وفيه مسامحة واضحة؛ لأنَّ المصدر بإزاء المصدر واسمه بإزاء اسمه.
ثُمَّ إنّ الضرر عبارة عن النقص في المال أو في العرض أو في البدن، وأن يكون الإنسان واجداً لشيء فيفوته ذلك الشيء، فيقال: إنَّ التاجر تضرّر في تجارته إذا نقص ماله، أو تضرّر عرضه إذا ذهبت وجاهته بين الناس، وقد يكون النقص في البدن كيفيّةً كما لو تمرّض، وقد يكون النقص من جهة الكميّة كما إذا قطعت يده.
وفي قبال ذلك المنفعة كما لو زاد ماله أو جاهه أو بدنه، كما لو كان مريضاً فشفي، فهما أمران متقابلان بتقابل التضاد، فأحدهما خسران والآخر زيادة، وقد لا يوجدان، كما لو لم يربح التاجر ولم يخسر، فلا ضرر ولا نفع.
ــــــــــ[97]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 381.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وليس التقابل بينهما -كما في الكفاية- من تقابل العدم والملكة، وأنَّ الضرر هو انتفاء ما من شأنه الانتفاع، فإنَّ الضرر ليس أمرا عدميّاً، بل كلّ منهما أمر وجودي، وهما ضدّان ولهما ثالث، وهو فرض عدم الضرر والمنفعة.
ثم إنَّ الضرر قد يستعمل مجرّداً، وقد يستعمل مزيداً كأضرّ، فإذا استعمل مجرّداً أُسند ابتداءً، وإذا استعمل مزيداً أُسند بالباء.
ويحتمل فيه أمران:
أحدهما: أن يكون مصدراً من المجرّد، كالقتال مصدراً لقتل.
ثانيهما: أن يكون مصدراً من باب المفاعلة، كقاتل قتالاً.
ولكن يبعّد الأوّل حصول التكرار لقوله لا ضرر، فما فائدة هذا التكرار؟ بخلاف ما إذا كان من باب المفاعلة فيختلف المعنى.
ويؤيّد الثاني قوله في قضيّة سمرة بن جندب: “إِنَّكَ رَجُلٌ مُضَار“(1)، وهو اسم فاعل من باب المفاعلة. هذا ما يرجع إلى نفس كلمة الضرار.
وأمّا معناها فالمعروف بين علماء الصرف والنحو أنّ المفاعلة هو الفعل الصادر من الاثنين، كما قالوه في باب المفاعلة والتفاعل.
ولكنّ شيخنا المحقّق(2) قال: إنَّ الأمر ليس كذلك، وقد تفحّص موارد استعمال هذه الكلمة في القرآن كلّه، واستفاد من ذلك: أنّ هذه الصيغة (المفاعلة) لم
ــــــــــ[98]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 294، باب الضرار، الحديث: 8.
(2) انظر: نهاية الدراية 2: 746، 747.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
توضع لصدور الفعل من اثنين، وإنَّما تدلّ على أنَّ الفاعل في مقام إصدار هذا الفعل، صدر منه الفعل أو لم يصدر، فيقال: كاتبه، يعني: قام معه مقام الكتابة، سواء وصل الكتاب أو لم يصل، ولا يعتبر فيه صدور الكتاب من الطرف أيضاً.
وأمّا موارد استعماله في القرآن فواضحة، كقوله تعالى: يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلّا أَنفُسَهُمْ(1)، فإنَّه عبّر أوّلاً بـ(يخادع)، ثُمَّ عبّر يخدع، أي: صدر منه الخديعة، وهذا مستحيل على الله تعالى، فإنَّه يستحيل أن يخدع، فلذا قال: وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنفُسَهُمْ، ولكن قاموا في مقام أرادوا أن يخدعوا الله سبحانه، وليس معناه: أنَّهم خدعوا الله، والله خدعهم لصراحة ذيل الآية، بل المراد قيامهم هذا المقام، وقد تقع الخدعة وقد لا تقع.
ومنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّـهَ اشْتَرَى مِنْ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَـهُمْ بِأَنَّ لَـهُمْ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ(2)، فهي تدلّ أيضاً بوضوح على ما ذكره، إذ لا يعتبر في المقاتلة أنَّ كلّاً منهما يقتل الآخر، فإنَّ هذا نادر الوجود، بل كلّ منهما يقوم مقام القتل لصاحبه، وهذا معنى قوله سبحانه فيقتلون ويقتلون، فلا يعتبر في القتال صدور الفعل من الاثنين، بل قيامه هذا المقام.
فمعنى الإضرار: قيامه مقام إرادة الإضرار بالغير، سواء وقع عليه الضرر أو لم يقع، وفي ذيل رواية سمرة: أنَّه يريد أن يعوّضه بعذق أو أكثر، فلم يرض ولم يستأذن، فقال: إنّك رجل مضارٌّ، أي: معاند، وفي مقام أن تضرّ بأخيك.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
(1) البقرة: 9.
(2) التوبة: 111.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الاحتمال الأوّل: النفي الوارد على شيء، قد يراد به الإخبار عن عدم تحقّقه في الخارج، فيراد به النهي عنه، فالصدور في صورة إخبار، ولكنّ الواقع إنشاء.
وقد تقدّم الكلام فيه في باب الأوامر(1)، وقلنا: إنَّ الأمر يكون بالجملة الإنشائيّة، وبالجملة الإخباريّة، كقوله: يتوضّأ وأعاد صلاته. وهو قد يقع وقد لا يقع، وليس المراد به الإخبار، وإلَّا لزم الكذب في بعض الموارد، وإنَّما المراد به الأمر بذلك باعتبار كونه مؤمناً، والمؤمن لا يعصي الله تعالى، ولا يفوّت وظيفته الواجبة، فهو يدلّ على الوجوب، بل دلالته -على ما قال صاحب الكفاية(2)– على الوجوب أقوى من دلالة الجملة الإنشائيّة.
وهذا كما هو ثابت في الجمل الإخباريّة الإيجابيّة، كذلك في الجمل الإخباريّة السلبيّة، كقوله: المؤمن لا يكذب أو لا يزني، فالصورة وإن كانت إخباراً، إلَّا أنَّ الواقع هو بيان النهي والتحريم؛ لأنَّه لا يقع في الخارج من الملتزم بالدين والوظائف الواجبة، ومنه قوله تعالى: فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِّ(3)، فأراد: أنَّ الإنسان إذا كان حاجّاً لا يصدر منه هذه الأفعال، فهو لا يقع في الخارج في عالم التشريع، لا في عالم التكوين.
ــــــــــ[100]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 151، 152.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 70، 71.
(3) البقرة: 197.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الاحتمال الثاني: ما ذكره صاحب الكفاية(1): أنَّ هذه الجملة لم تستعمل في النهي؛ لأنَّ (لا) إذا دخلت على شيء فتدلّ على أنَّ مدخولها منهي عنه في المرتبة السابقة، كقوله: “لا ربا بين الوالد والولد“(2)(3). وليس المراد تحريم ذلك، بل المراد أنَّ الربا -الذي كان حراماً حتّى بين الوالد والولد- بينهما جائز؛ لأنَّه ليس بربا، وإن كان فيه زيادة، فيكون نفياً للحكم بلسان نفي موضوعه، فتكون حاكمة على دليل تحريم الربا، ونحوه قوله: “لا غيبة لمن ألقى جلباب الحياء“(4)(5)، ومنه قوله: “لا سهو للإمام إذا حفظ عليه من خلفه ولا سهو للمأموم إذا حفظ عليه الإمام“(6)، والمراد بالسهو هنا الشكّ، بقرينة: حفظ، فهو نفي للحكم بلسان نفي الموضوع، وبه ينتفي سائر أحكام الشكّ الثابتة بأدلّتها الأوّليّة، وتكون هذه الرواية حاكمة على سائر تلك الأدلّة.
وبعبارة أخرى: قد تكون هذه الكلمة داخلة على شيء، ويراد به النفي في الخارج، ولكنَّ النفي ليس نفياً حقيقيّاً، بل نفيٌ باعتبار المولويّة، ويُراد به عدم
ــــــــــ[101]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأُصول 381، 382.
(2) فتكون حاكمة بنفي الموضوع. (المقرّر).
(3) المقنع (للصدوق): 374.
(4) أي: المتجاهر بالفسق. (المقرّر).
(5) الاختصاص: 242، في بيان جملة من الحِكم والمواعظ والوصايا عنهم.
(6) الكافي 3: 358، 359، باب من شكّ في صلاته كلّها ولم يدر زاد أو نقص ومن كثر عليه السهو والسهر، الحديث: 5.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
صدق الطبيعة على هذا الفرد، فيقال: (لا ربا بين الوالد وولده)، وليس المراد به الحقيقة، فإنَّ الربا أمر تكويني، وهو: الزيادة، وإنَّما المراد به نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، وأنَّه ليس بربا في نظر الشارع، فلا يكون محرّماً، فيكون حاكماً على أدلّة حرمة الربا.
الاحتمال الثالث: ما يكون النفي في عالم التشريع ابتداءً، ولا يكون نفيّاً في الخارج، مثل: لا رَفَثَ(1)، وهذا على قسمين:
القسم الأوّل: فإنَّه قد يكون النفي وارداً على موضوع خارجي، وقد يكون وارداً على الحكم ابتداءً، كقوله: “لَارَهْبَانِيَّةَ فِي الْإِسْلَام”(2)، و”لا نَجْش في الإِسلام“(3) ونحوه، ممّا يكون النفي متعلّقاً بنفي شيء في الدين وفي الإسلام، لا في الخارج، وفي مثله لا بُدَّ من فرض أنَّ هذا الشيء كان ثابتاً في أحد الأديان السابقة، أو بنى عليه العقلاء ولو في الجملة فنفاه الشارع عن الدين، فالرهبانيّة كانت ثابتة في الأديان السابقة، فكان الفرد يترهّب وينعزل عن الناس لا يتّصل بهم ولا يتّصلون به، فكأنَّه ليس هناك عالم، وكأنَّ المخلوق هو وحده، وقد نفاها الشارع، فيدلّ على عدم مشروعيّته.
والقياس -على ما قالوا- أمر ارتكازي للعقلاء في الجملة، وأمر يقتضيه الطبع الإنساني، فنفاه الشارع.
ــــــــــ[102]ــــــــــ
(1) البقرة: 197.
(2) دعائم الإسلام 2: 193، فصل ذكر الرغائب في النكاح، الحديث: 701.
(3) الفائق في غريب الحديث 3: 277.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
والنجش: وهو الزيادة في سلعة من غير قصد العقلاء، وهو أمر متعارف بين العقلاء، وقد نفاه الشارع. فظرف النفي في كلّ ذلك هو الدين لا الخارج، فطبعاً يكون دالّاً على عدم مشروعيّة ذلك، وأنَّ الإسلام لم يأذن به.
القسم الثاني: قد يكون النفي وارداً على الحكم ابتداءً من دون توسيط موضوع، كالرهبانيّة والنجش والقياس، وذلك كقوله تعالى: مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(1) فهو ينفي الحكم الحرجي ابتداءً، وأنَّه لم يجعل الحرج في قوانين الدين والإسلام. فهذه موارد استعماله.
وقد أصرّ شيخ الشريعة الأصفهاني(2) -علماً أنَّه كتب فيها رسالة مستقلّة طبعت أخيراً- على أنَّها جملة خبريّة أريد بها الإنشاء، وأنَّه نهى عن الضرر والإضرار بالغير، أي: لا يجوز لأحد أن يضرّ غيره، ولا أن يقوم مقام الإضرار به، فهو نظير قوله سبحانه: فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِّ(3)، فليس في هذه الجملة دلالة على نفي الحكم الضرري، أو نفي الحكم في موارد الضرر.
وهذا الذي ذكره صحيح في الجملة، لما ذكرنا من أنَّ هذه الجملة يصحّ استعمالها للإنشاء، إلَّا أنَّ حملها على الإنشاء مع أنَّ ظاهرها الإخبار يحتاج إلى قرينة داخليّة أو خارجيّة، وبدونها كيف يمكن حملها على النهي؟ وإلَّا فظاهر
ــــــــــ[103]ــــــــــ
(1) الحج: 78.
(2) انظر: قاعدة لا ضرر: 15.
(3) البقرة: 197.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الجملة أنَّها خبريّة، وإنَّما حملناها على الإنشاء في بعض الموارد، باعتبار أنَّ الحمل على الإخبار فيها غير ممكن.
وأمّا إذا لم تقم قرينة على ذلك، فلماذا نحمله على الإنشاء؟ بل يبقى على خبريّته، وسنبيّن أنَّ هذه الجملة لا مانع من كونها إخباراً عن نفي الضرر حقيقةً، غايته: أنَّه ليس في الخارج، بل في عالم التشريع، كما في قوله: “لَارَهْبَانِيَّةَ فِي الْإِسْلَام”، ولم تقم قرينة على أنَّ المراد به نفي الضرر خارجاً، وإلَّا لصحّ ما ذكره، فإنَّ الضرر واقع في الخارج.
وبعبارة أُخرى: استعمال هذه الجملة في موارد النهي وإن لم يكن قابلاً للإنكار، إلَّا أنَّ حملها على خلاف الظاهر يحتاج إلى قرينة، ولا قرينة في المقام. فما ذكره لا يتمّ.
أضف إليه: إذا فرض أنَّ قوله: “فِي الْإِسْلَام” ثابت فالأمر واضح، فيمكن الحمل على الاخبار، وعندئذٍ لا تكون هناك قرينة على الإنشاء، إلّا أنَّ هذه الزيادة لم تثبت.
وهو: أنَّ المستفاد من هذه الجملة: أنَّ الأحكام المجعولة للعناوين الأوّليّة كالوضوء والغسل والصوم، بل الأحكام التحريميّة -وهذه الرواية ناظرة إلى تلك الأحكام الثابتة بإطلاقها لموارد الضرر، وأنَّها ترتفع في موارد الضرر- تدلّنا على نفي الحكم بنفي موضوعه، فينفي الضرر.
ويريد به أنَّ الأحكام المجعولة في موارده منفيّة، فإذا كان الوضوء ضررياً لم
ــــــــــ[104]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
يكن له حكمه؛ لكونه موضوعاً ضررياً، فيكون من نفي الحكم بلسان حكم الموضوع، كقوله: “لا ربا بين الوالد والولد“، فإنَّ المنفي هو الربا، والمراد به نفي حكمه، فإنَّ الربا متحقّق لا محالة.
وهذا التركيب لا مانع منه، وواقع في كثير من التعبيرات، وهو نظير قوله: “رفع عن أمتي الخطأ والنسيان“، ومعناه: أنَّ الفعل الذي له حكم شرعي كالتحريم -مثلاً- إذا وقع نسياناً أو خطأ فحكمه منفي، غايته: بلسان نفي الموضوع، وكذلك لو ترك واجباً، فالفعل الواقع خطأ أو نسياناً كأنَّه لم يقع فارتفع حكمه، فلا يشمله الدليل المثبت له الحكم، أو المرتّب عليه الحكم كالكفّارة ونحوه.
ولكنَّ هذا أيضاً لا يمكن الالتزام به، والوجه في ذلك: أنَّ الضرر ليس من العناوين المنطبقة على الفعل الخارجي، فهو ليس مصداقاً للضرر، ولا ينطبق عليه انطباق الكلّي على فرده، كانطباق الربا على الربا بين الوالد والولد، وإنَّما هو معلول للفعل الخارجي، فإنَّ الفعل يكون سبباً لوقوع الفاعل في الضرر، فإذا كان الأمر كذلك، فالنفي تعلّق بعنوان الضرر ولم يتعلّق بمنشئه، يعني: الفعل، فإنَّه تارة يكون مدلول الدليل أنَّ الوضوء الضرري ليس بوضوء فيصحّ بيانه، ولكنّ النفي تعلّق بعنوان الضرر، فال ضرر معلول للفعل، فنفي الضرر معناه نفي حكم الضرر، فلو كان من نفي الحكم بلسان نفي الموضوع فلا بُدَّ أن يكون المنفي هو حكم الضرر نفسه، لا حكم الفعل الضرري.
ومعلوم أنَّ حكم الضرر هو الحرمة، وهو: الإضرار بالغير، ومعناه: أنَّ
ــــــــــ[105]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الإضرار بالغير ليس بحرام، وهو خلاف المقصود، فإنَّ الضرر موضوع ومقتض لذلك الحكم، فكيف يكون مرتفعاً؟
فالممكن هو نفي ما يكون سبباً وعلّة للضرر، وهو: الفعل، بأن يُقال: بأنَّ الوضوء الضرري ليس بوضوء، ولكن في الرواية ليس كذلك، فما تعلّق به النفي في الرواية لا يمكن أن يكون من نفي الحكم بلسان نفي موضوعه، وما يمكن فيه ذلك غير موجود في الرواية، فكيف يمكن أن يكون هذا من نفي الحكم بلسان نفي موضوعه؟!
وفي مثل (لا ربا) أو (لا سهو للإمام) النفي تعلّق بنفس الربا والشكّ، فمعناه: أنَّه لا حكم له، لأنَّه ارتفع بارتفاع موضوعه، وهنا لو كان المنفي هو الفعل الضرري لأمكن ذلك هنا أيضاً، إلَّا أنَّه هنا غير واقع، وإنَّما الواقع هو نفي عنوان الضرر، فلو كان من نفي الحكم بلسان نفي الموضوع لكان من نفي حكم الإضرار بالغير، وهو خلاف الموضوع.
فإن قيل: كيف التزمتم برفع الحكم عن الفعل الصادر حال الخطأ والنسيان، مع أنَّ المرفوع في العبادة هو الخطأ والنسيان نفسه، فإذا التزمنا هناك برفع الفعل نلتزم به هنا، فما هو الجواب هناك هو الجواب هنا؟
قلنا: إنَّ الفرق بين ذاك المقام وهذا المقام واضح، لنقطتين:
الأولى: أنَّه لا يمكن الالتزام في الخطأ والنسيان إلَّا بذلك، وإلَّا لأصبح الكلام لغواً، فإنَّه ليس المراد ارتفاعهما في الخارج، وإلَّا أصبح الكلام كذلك، وإنَّما المراد الامتنان برفعهما في الشريعة المقدّسة، فيكون المراد من ذلك: أنَّ الفعل الصادر
ــــــــــ[106]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
عن خطأ أو عن نسيان كأنَّه لم يصدر(1)، فمن القرينة الخارجيّة وصون الكلام عن اللغويّة يتعيّن ذلك، وأمّا في المقام في لا ضرر فيمكن تفسيره بتفسير آخر يأتي(2)، بلا أن يكون نفيّاً بلسان الموضوع.
الثانية: الفرق بين الخطأ والنسيان والضرر، هو: أنَّ الخطأ والنسيان كلّ منهما علّة للفعل في الخارج، كما لو شرب الماء النجس خطأ أو نسياناً، فأصبح ذلك سبباً للشرب، وإلَّا لما شرب الماء النجس، فنسبتهما إلى الفعل نسبة العلّة إلى المعلول، ويصحّ أن ينفى المعلول بنفي علّته، يعني: كل ما ترتّب على الخطأ والنسيان فهو في حكم العدم(3)، فيصحّ أن يُقال: إنَّه من نفي الحكم بلسان نفي موضوعه، وهذا استعمال متعارف ولا نرى فيه أيّ محذور.
وأمّا الضرر فليس هو علّة للفعل الخارجي، حتّى ينفى الفعل بنفي علّته، بل معلول له، ولم نرَ في أيّ تركيب أن ينفى المعلول ويراد به نفي علّته(4)، إذ لم يرد هذا أبداً في الاستعمالات الشائعة، فلا يمكن أن يُراد به نفي الفعل المترتّب عليه الضرر، أي: نفي حكمه، ليكون من نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، فما
ــــــــــ[107]ــــــــــ
() فرفع الخطأ، يعني: رفع أثر الفعل الصادر عن خطأ، ويمكن أن يراد به الفعل نفسه، يعني: المنسي والمخطئ، واستعمال المفعول وإرادة الفعل موجود في اللغة. (المقرّر).
(2) وهو حمله على الجملة الخبريّة. (المقرّر).
(3) وفي بعض الروايات عمد الصبي خطأ، يعني: كأنَّه ليس بعامدٍ، فكأنَّه صدر منه الفعل خطأ. (المقرّر).
(4) يعني: نفي الحكم بلسان نفي العلّة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ذكره لا يمكن إثباته بوجه، ولم يوجد في غير (لا ضرر) في مورد، حتّى نحمل هذا عليه.
وبعبارة أخرى: أنَّ الأحكام التي أُخذ فيها الخطأ والنسيان، كالديّة وسجدّتي السهو لا يمكن أن ترتفع؛ لأنَّ هذا العنوان موجب لثبوتهما، فكيف يكون موجباً لرفعهما؟!
وذكر بعضهم(1): أنَّ المراد (بلا ضرر) نفي الضرر غير المتدارك، ومعناه: أنَّه إذا وقع ضرر لمكلّف ولمسلم فلا بُدَّ من تدارك، فلو أتلف مال غيره فلا بُدَّ من تداركه من جهة نفي الضرر، فإنَّ الشارع لم يشرّع ولم يجوّز ضرراً غير متدارك، فلا بُدَّ من تداركه، فدليل لا ضرر ناظر إلى وجوب التدارك.
وهذا الوجه لعلّه أردأ الوجوه، لأمور:
الأمر الأوّل: لأنَّه يحتاج إلى تقدير، بأن يُقال: لا ضرر غير متدارك، ولا موجب له بعد إمكان حمل الرواية على معنى صحيح على ما نبيّن.
الأمر الثاني: أنَّ أساس هذه الدعوى أنَّ الضرر المتدارك كأنَّه ليس بضرر، ولا ادّعاء الضرر، ولذا عبّر: بلا ضرر.
وهذا لو صحّ إنَّما يصحّ في التدارك الخارجي، فلو خسر رجل في تجارته، ثُمَّ ربح يصحّ أن يُقال ولو بالتسامح: إنَّه لم يتضرّر في هذه السنة، باعتبار أنَّ ضرره كان متداركاً بربح، ولكن الحكم بالتدارك وحكم الشارع بوجوب
ــــــــــ[108]ــــــــــ
(1) بشرى الوصول 6: 611.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
التدارك لا يلازم نفي عنوان الضرر، فإنَّ مجرّد الحكم والإلزام بالتدارك ما لم يكن تداركاً خارجيّاً لا يوجب نفي عنوان الضرر عن زيد -مثلاً- الذي تلف ماله، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ مفاد لا ضرر أنَّ أيّ ضررٍ يجب تداركه، فإنَّ وجوب التدارك يستلزم عدم صدق الضرر خارجاً.
الأمر الثالث: أنَّ هذه الدعوى فاسدة من أصلها، فإنَّ الشارع لم يوجب تدارك كلّ ضرر. نعم، في باب الإتلاف حكم بالضمان بالأدلّة الأخرى، سواء كان هذا الدليل أو لم يكن، أو في التلف عند يد الضمان.
أمّا في غير هذه الموارد كما لو تضرّر رجل من ناحية رجل آخر، فبأيّ دليل يلزم تداركه؟ فلو(1) استورد تاجر مالاً بقيمة، واستورد تاجر آخر نفس هذا المال وباعه بقيمة أقلّ فخسر التاجر الأوّل، فهل يلزمه تدارك هذا الضرر، مع أنَّ الضرر حصل مستنداً إلى التاجر الثاني، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ دليل لا ضرر ناظر إلى أنَّ أيّ ضررٍ وجد في الخارج يجب تداركه.
فهذا لم يثبت جزماً، حتّى إذا استند إلى شخص معيّن، فضلاً عن الضرر غير المستند إلى أحد، كما لو احترقت دار زيد، فهل يجب على المسلمين تداركه؟! لم يثبت هذا جزماً. فهذا الوجه لا يمكن الالتزام به.
فالصحيح ما ذكره شيخنا الأنصاري(2): من أنَّ دليل الضرر كدليل الحرج
ــــــــــ[109]ــــــــــ
() كما يحدث كثيراً. (المقرّر).
(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 460، 461.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ينظر إلى نفي الضرر في عالم التشريع، كما أنَّ دليل الحرج ينظر إلى نفيه في الدين والتشريع، ومعناه: أنَّ الحكم الضرري لم يشرع، ولم يجعل في الشريعة(1) المقدّسة(2).
ــــــــــ[110]ــــــــــ
() ألقى السيّد الأُستاذ في ليلة السبت محاضرة لم أتمكّن من حضورها، باعتبار انشغالي باحتفال الأربعين للحجّة المجاهد آية الله السيّد إسماعيل الصدر (قدّس سرّه الشريف). (المقرّر).
() ألقى السيّد الأُستاذ محاضرة لم أتمكّن من حضورها لألم ألمّ برجلي منعني من الحضور.
وقد فات في هاتين المحاضرتين على ما في سياق الموضوعات في الدراسات (وإن لم يكن يذكر مسألة التدارك) ما يلي: في بيان انطباق نفي الضرر على ما ذكر في قضيّة سمرة.
ربما يُقال: إنَّ ما ورد في قضية سمرة من نفي الضرر لا يمكن الاستدلال به في غير مورده، وذلك لأنَّ الضرر في لم يكن إلَّا في دخول سمرة على الأنصاري بغير استيذان، وأمّا بقاء عذقه في البستان فلم يكن يترتّب عليه ضرر أصلاً. ومع ذلك أمر النبي بقلع العذق والرمي به إليه. فالكبرى المذكورة فيها لا ينطبق على موردها فضلاً عن الاستدلال بها في غيره.
وأجاب عنه شيخنا الأنصاري: بأنَّ الجهل بكيفية انطباق الكبرى على موردها لا يضرّ بصحة الاستدلال بها فيما علم انطباقها عليه.
وما ذكره وإن كان وجيهاً في نفسه، إلَّا أنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ ما يستفاد من الرواية أمران:
أحدهما: عدم جواز دخول سمرة على الأنصاري بغير استيذانه.
الثاني: حكمه بقلع العذق والرمي به إليه.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ــــــــــ[111]ــــــــــ
والإشكال المزبور يبتني على أن يكون الحكم الثاني بخصوصه، أو منضمّاً إلى الأوّل مستنداً إلى نفي الضرر في الشريعة. وأمّا إذا كان المستند إليه خصوص الحكم الأوّل وكان الحكم الثاني من جهة ولايته على أموال الأُمّة وأنفسهم دفعاً لمادّة الفساد، كما ذكره المحقّق النائيني، أو تأديباً له لقيامه مقام المعاندة واللجاج، كما يدلّ عليه قوله: (اقلعها وارم بها وجهه). وقوله له: (فاغرسها حيث شئت)، فإنَّهما ظاهران في غضبه على سمرة، وأنَّه في مقام التأديب والتحقير، فالإشكال مندفع من أصله.
ثُمَّ إنَّ المحقّق النائيني ذكر في المقام جواباً آخر، وحاصله: أنَّ دخول سمرة على الأنصاري بغير استيذان إذا كان ضرريّاً، فكما يرتفع هو بنفي الضرر، كذلك يرتفع علّته التي هي ثبوت حقّ لسمرة في إبقاء نخلته في البستان، ونظير ذلك: ما إذا كانت المقدّمة ضررية، فإنَّه كما ينتفي بذلك وجوب المقدّمة كذلك ينتفي وجوب ذي المقدّمة، فلا مانع من سقوط حقّ سمرة، لكون معلوله ضررياً.
ولا يخفى عليك أنَّ كون المعلول ضررياً لا يوجب إلَّا ارتفاع نفسه دون علّته، فإنَّه بلا موجب، فإذا كانت إطاعة الزوجة لزوجها ضررية، لا يرتفع إلَّا وجوب نفسها، وأمّا الزوجيّة التي هي علّة لوجوب الإطاعة فلا مقتضى لارتفاعها أصلاً، كما أنَّه إذا اضطرّ أحد إلى شرب النجس فالمرتفع بالاضطرار إنَّما هو حرمته دون نجاسته التي هي علّة الحرمة، والالتزام بارتفاع العلّة في المثالين ونظائرهما يستلزم تأسيس فقه جديد، وقياس المقام بكون المقدّمة ضررية مستلزم لكون ذي المقدّمة ضررياً لا محالة، سواء قلنا بوجوب المقدّمة أم لم نقل به، فالمرتفع إنَّما هو وجوب ذي المقدّمة لكونه ضررياً بنفسه، ولا ربط له بانتفاء العلّة بارتفاع معلولها. (المقرر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ذكرنا أنَّ الرواية المباركة مشتملة على جملتين: إحداهما: لا ضرر. والأخرى: لا ضرار.
أمّا الأُولى: فيستفاد منها نفي الحكم الضرري في الشريعة المقدّسة، وقلنا: إنَّ النفي يراد به النفي الحقيقي، لكون الحكم في عالم التشريع قابلاً للنفي، ونفيه عبارة عن عدم جعل الحكم الضرري، بمعنى: أنَّ الشارع لا يلزم بشيء فيه الضرر، أو بترك شيء فيه الضرر، فمن هذه الجهة تكون (لا ضرر) ناظرة إلى جميع الأحكام المجعولة بعناوينها الأوّلية المطلقة للضرر وغيره، وتخصّصها في موارد عدم الضرر، فلو كان الوضوء ضررياً لم يجب، ولو كان ترك الحرام ضررياً ارتفعت حرمته.
وأمّا الجملة الثانية: فأيضاً ورد النفي فيها على عنوان الضرار، والضرار هو فعل خارجي، أي: قيام شخص مقام الإضرار بالغير، كالمنازعة والمقاتلة، فلا معنى لكون الضرار منفيّاً في عالم التشريع بعد كونه فعلاً خارجيّاً.
إذن، يكون النفي بمعنى النهي، فيستفاد منه: أنَّ الشارع لا يرضى بالضرار، فيكون الإضرار بالغير محرّماً؛ إذ لو لم يكن محرّماً لم يكن القيام مقام الإضرار بالغير محرّماً، فإنَّ الإقدام على الإضرار ليس من جهة حرمته. فيستفاد من حرمته حرمة الإضرار بالغير لا محالة.
وأمّا حرمة الإضرار بالنّفس فلا يستفاد من هذه الجملة، فإنَّ الإضرار من ــــــــــ[112]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
المفاعلة، ولا بدّ أن يكون الفعل بين الاثنين، لا باعتبار صدوره منهما -كما بيّنا عدم صحّته- بل لا بُدَّ من فرض اثنين يقوم أحدهما بإيجاد المادّة كخادع وقاتل، فقوله: (أنت رجل مضارٌّ) يعني: مضارّ غيرك، فلا يستفاد منه حرمة الإضرار بالغير(1). فالمستفاد من هاتين الجملتين نفي الحكم الضرري والنهي عن الإضرار بالغير تكليفاً.
وقد يتوهّم: أنَّ هذا ينافي السياق، فإنَّ كلمة (لا) دخلت على الضرر وعلى الضرار، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ النفي في الأوّل حقيقي، وفي الثاني مجازي. فإنَّه في الثاني لا يمكن أن يراد به النفي، وإلّا لزم الكذب لوقوع الضرار خارجاً، فلا بُدَّ أن يكون النفي ادّعائيّاً، فإنَّ الشارع لا يرضى به، فهذا تفكيك ينافي السياق.
ــــــــــ[113]ــــــــــ
() أقول: يمكن أن يُقال: بعدم إمكان استفادة حرمة الإضرار بالغير من لا ضرار. واستفادة حرمة الإضرار بالنّفس من لا ضرر نفسه؛ وذلك لأنَّ السيّد فهم من (لا ضرر) رفع حكم كلّ فعل، أو ترك يلزم منه الضرر. والحكم لا يختصّ بالأحكام الإلزاميّة -الوجوب والتحريم- كما مثّل به السيّد، بل يشمل الجواز أيضاً كما هو واضح، فإن أصبح جواز الفعل أو الترك مستلزماً للضرر ارتفع جوازه، وأصبح الفعل حراماً والترك واجباً، ومن ذلك الإضرار بالغير، والإضرار بالنّفس أيضاً.
وبذلك استفدنا حرمة الإضرار بالنّفس من لا ضرر، واستفدنا منها حرمة الإضرار بالغير أيضاً، فلو دلّت لا ضرار على هذا الحكم أيضاً لكان تكراراً مستأنفاً، فلا بدَّ أن يكون المراد بـ (لا ضرار) معنى آخر، يعود إلى فصل الخصومات وقطع دابر الخصومات ونحو ذلك، ممّا يكون مورد قضيّة سمرة مصداقاً له. انتهى. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
والجواب عنه: قد تقدّم في حديث الرفع، وقلنا(1): إنَّ النفي إنَّما يحمل على الحقيقة إلَّا مع القرينة على الخلاف، فبمقدار قيام القرينة نرفع اليد عنه، وأمّا في غير ذلك المقدار فلا.
كما ذكرنا ذلك(2) في ظهور صيغة الأمر في الوجوب: فإنَّه إذا كان متعلّقاً بأمرين، وثبت استحباب أحدهما، ولم يثبت استحباب الآخر، فنرفع اليد عن ظهوره في الوجوب فيما ثبت استحبابه، ويبقى ظهور الآخر في محلّه.
وفي حديث الرفع تعلّق الرفع بأُمور: أحدها: ما لا يعلمون، والرفع في هذه الفقرة ظاهري، ولكنّه رفع حقيقيٌّ، لأن الحكم قابل للجعل والرفع.
وأمّا غير ما لا يعلمون كما اضطروا إليه وما أكرهوا عليه والخطأ والنسيان ونحوه ممّا أريد به الفعل الخارجي، فهو غير قابل للرفع، فالرفع فيه غير حقيقي. والمراد به: رفع الحكم جدّاً. فالرفع فيما لا يعلمون حقيقي، وفي غيره غير حقيقي، وهذا ليس بعزيز، وحديث لا ضرر ولا ضرار حاله حال حديث الرفع في ذلك.
قد شاع أنَّ نفي الضرر في العبادات إنَّما يثبت في مورد الضرر الشخصي، فإن كانت ضرريّة لبعض دون بعض، فإنَّها تسقط من المتضرر دون غيره، فالعبرة بالضرر الشخصي، ولا تكون ضررية الوضوء ولو بالنسبة إلى سائر
ــــــــــ[114]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الأُصول 1: 302.
(2) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 230.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
المكلّفين موجبةً لرفع الحكم عن الجميع ولو عن واحد، وهذا واضح.
وأمّا في المعاملات فقد قالوا: إنَّ العبرة بالضرر النوعي، فيرفع الحكم إذا كان موجباً له، ولو لم يكن ضرراً شخصيّاً، وإنَّما قالوا(1) بذلك اغتراراً بما ذكره شيخنا الأنصاري(2) في خيار الغبن وباب الشفعة، فإنَّه استدلّ على الخيار بلا ضرر، باعتبار أنَّ إلزام الشارع بالعقد ضرري، فيثبت الخيار وينتفي اللزوم، لحكومة لا ضرر.
ولكن من الواضح أنَّ الغبن لا يوجب الضرر بالنسبة إلى جميع الناس، وإنَّما هو أمر قد يتّفق بأن يكون ضررياً وقد لا يكون، من قبيل: ما إذا زادت قيمة العين بعد المعاملة الغبنيّة بإضعاف قيمتها، فلا يكون فيه ضرر أصلاً، ومع ذلك يثبت فيه خيار الغبن، باعتبار أنَّ لزوم الالتزام بعقد وقع فيه غبن فيه ضرر على نوع الناس الذي هو الملاك في رفع الحكم.
وهذا الكلام لا محصّل له أبداً، والوجه في ذلك هو ما ذكرناه مراراً: من أنَّ الأحكام المجعولة في الشريعة إنَّما هي مجعولة على نحو القضيّة الحقيقيّة، وهي الحقيقيّة بمعنى: القضيّة الشرطيّة، ومن ذلك لا ضرر، فيكون معناها: إذا استلزم حكم الضرر على شخص انتفى الحكم؛ لأنَّ الشارع لم يجعل حكماً ضررياً، فإذا فرضنا أنَّ هذا لم يتحقّق بالنسبة إلى شخص، كيف يمكن الالتزام برفعه، باعتبار ضرريّته النوعيّة؟ فيلتزم بارتفاع وجوب الوضوء عن شخص،
ــــــــــ[115]ــــــــــ
(1) رسائل المحقّق الكلباسي: 454.
(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 466.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
باعتبار ضرريّته على شخص آخر، وهو غير ممكن.
والمعاملات أيضاً كذلك، فإذا كانت هذه المعاملة بالإضافة إلى شخص ضرريّة، وبالنسبة إلى عمرو غير ضرريّة لزيادة قيمة السلعة كما مثّلنا، فلا يكون في الالتزام بالعقد ضرر أبداً، ولا يمكن أن يُقال: إنَّ الضرر النوعي موجب للخيار، فإنَّ القضيّة الحقيقيّة تقتضي وجود موضوعها خارجاً، ومع عدم وجود الموضوع كيف يمكن الالتزام بثبوت الحكم؟!
وأمّا استدلال شيخنا الأنصاري على ثبوت الخيار بلا ضرر، فقد قلنا: بعدم تماميّته في محلّه من وجوه، وإنَّما عمدة الدليل على ذلك هو الاشتراط الضمني في العقود، فإنَّ المتعاملين في أيّ مورد ومعاملة، إنَّما يقدمان على المبادلة بينهما، من جهة التبديل في عين المال مع التحفّظ على ماليّته، فهذا الشرط شرط ضمنيٌّ، فلو تخلّف هذا الشرط وانكشف أنَّ البيع لا يكون بالنحو الذي اشترطاه، إمّا لأنَّ العين تسوى بأضعاف ما اشتراها المشتري، أو بالعكس، كان تخلّف الشرط الضمني موجباً للخيار، وحديث لا ضرر أجنبي عن ثبوت الخيار بالكلّيّة.
إنَّ دليل (لا ضرر) مخصّص بعدّة موارد، قد جعل المولى فيها أحكاماً ضرريّة، ولازمه الالتزام بالتخصيص بالأكثر، وهو مستهجن لا يصدر من الحكيم، ولازمه أن يلتزم أنَّ المراد بـ(لا ضرر) معنى لا يلزم منه ذلك -كما ذكره شيخنا الأنصاري- ولكن ذلك المعنى مجهول لنا، فلا يمكن التمسّك في
ــــــــــ[116]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
مورد نشكّ في شمولها له، إلَّا إذا تمسّك المشهور بها.
وذكروا من هذه الموارد: موارد الضمانات والحدود والتعزيرات التي ثبت فيها أحكام ضررية، فلا بُدَّ من الالتزام بالتخصيص فيها.
وأجاب شيخنا الأنصاري(1) عن الشبهة بما حاصله: إمكان أن يكون التخصيص بعنوان واحد، وإن كان له أفراد كثيرة، فلا يكون من التخصيص المستهجن.
وأورد عليه صاحب الكفاية(2): لا فرق في الاستهجان بين ما إذا كان بعنوان واحد، أو عناوين متعدّدة.
فلا بُدَّ من التكلّم في المقام في جهات:
قد يفرض أنَّ القضيّة خارجيّة، وقد يفرض أنَّها حقيقيّة، فالخارجيّة ينظر المتكلّم فيها إلى الأفراد الخارجيّة، وفي الحقيقة(3) ينظر إلى الموضوع المفروض الوجود، سواء كان له فرد في الخارج أو لم يكن أو لن يوجد له فرد إلى يوم القيامة كما في النواهي، أو أوجب هذا الحكم عدم وجود الموضوع في الخارج، كقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا(4)، ففي القضيّة الخارجيّة
ــــــــــ[117]ــــــــــ
() انظر: فرائد الأُصول 2: 464، 465.
(2) درر الفوائد: 284.
(3) كما يُقال: قتل من في المعسكر. (المقرّر).
(4) المائدة: 38.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
التخصيص بالأكثر مستهجن لا محالة، فلا يصحّ أن يُقال: قتل من في المعسكر، إلَّا بني تميم، وكانوا هم أكثر الأفراد، فإنَّ إلقاء الحكم العامّ على الأفراد الخارجيّة، وإخراج الأكثر بعنوان واحد أو بعناوين متعدّدة خارج عن قواعد المحاورة ومستهجن عرفاً.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ القضية حقيقيّة، والحكم ثابت على الموضوع المفروض الوجود، مع غض النظر عن تحقّقه خارجاً، فلا بُدَّ من التخصيص بالأكثر في مثل ذلك ولا استهجان فيه، فيصحّ أن يُقال: لا يصحّ التصرّف في مال امرئ إلَّا بإذنه، فإذا ورد دليل آخر، يقول: الكافر الحربي يجوز التصرّف في ماله بغير إذنه فيختصّ الحكم بالمسلم والكافر غير الحربي، والكافر الحربي أكثر من غيره في الخارج بمئات المرّات، ولا محذور في ذلك، فإنَّ الحكم ينظر إلى الكلّي، ولا ينظر إلى وجود أفراد الموضوع، وأنَّه قليل أو كثير. فالصحيح أن يُقال: إنَّ التخصيص بالأكثر المستهجن إنَّما هو في القضايا الخارجيّة، دون القضايا الحقيقيّة.
هل إنَّ حديث (لا ضرر) من قبيل القضايا الحقيقيّة أو الخارجيّة، فإنَّه ينفي الضرر في الشريعة المقدّسة، ويحكم بحرمة الإضرار بالغير؟ الظاهر أنَّها خارجيّة لا حقيقيّةً؛ فإنَّها تنظر إلى الأحكام المجعولة في الشريعة، وتقول: إنَّها مرفوعة في موارد الضرر نظير دليل نفي الحرج، ونتيجة ذلك: أنَّ التخصيص إذا كان تخصيصاً بالأكثر، فيكون مستهجناً لا محالة، فلا بُدَّ من الالتزام بأنَّ الحديث مجمل، إذ حمله على هذا المعنى لا يصدر من الحكيم.
ــــــــــ[118]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
هل إنَّ هذا التخصيص تخصيص بالأكثر أو لا؟ الظاهر أنَّه ليس تخصيصاً بالأكثر، فإنَّ الموارد التي ورد الدليل على أنَّه قد جعل حكم ضرري في الشريعة لا بُدَّ من الالتزام بالتخصيص فيها، ويمكن بيانه في موارد:
المورد الأوّل: كما ذكر جماعة من الفقهاء(1) -وليس بصحيح(2)– أنَّ المريض إذا أجنب نفسه وجب عليه الغسل، وتمسّكوا بجملة من الروايات.
وذكر بعضهم: أنَّه واجب، حتى لو أدّى به الغسل إلى الموت. فلو صحّ هذا كان تخصيصاً في لا ضرر، إلَّا أنَّ الحكم غير ثابت.
المورد الثاني: وردت رواية صحيحة(3) في باب الوضوء، وعمل بها المشهور(4)، ومضمونها: “أنَّ الماء يجب شراؤه وإن كان ثمنه كثيراً“(5)، والنقص في المال ضرر لا محالة حتّى الموسر، فهذا تخصيص في دليل لا ضرر، فلا يرتفع وجوب الوضوء بالضرر المالي. نعم، لو كان هناك ضرر آخر يرتفع به.
المورد الثالث: ملاقاة المائع أو غير المائع لنجس، فلو كان عنده شيء(6)
ــــــــــ[119]ــــــــــ
() المقنعة: 60، الخلاف 1: 156، ذكرى الشيعة 1: 186.
(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى 6: 279.
(3) الكافي 3: 74، الحديث: 17، من لا يحضره الفقيه 1: 35، الحديث: 71.
(4) انظر: المبسوط 1: 54، ذكرى الشريعة 1: 184، جامع المقاصد 1: 474.
(5) إلَّا إذا لزم ضرر آخر، كما لو يقع في عسر بعد بذل ماله. (المقرّر).
(6) كالمرق ونحوه من المايعات الثمينة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
تنجّس بملاقاة النجس فيحكم بنجاسته.
إمّا لا تبقى له قيمة كالمرق، فيحرم أكله فيتضرّر مالكه، وفي بعض الروايات: “يهرق المرق ويغسل اللحم“(1)، فإنَّه بإهراقه يسقط عن الماليّة.
وإمّا أن يفرض أنَّه تقلّ ماليّته كما لو تنجّس الدهن، فإنَّه وإن لم يمكن أكله، إلَّا أنَّه يمكن جعله صابوناً، فهذا حكم ضرري، لا بُدَّ فيه من الالتزام بالتخصيص بلا ضرر. فهذه هي موارد التخصيص وهي قليلة جدّاً، لا بأس من الالتزام بالتخصيص فيها.
وأمّا سائر الموارد التي ذكرها الشيخ فلا تكون تخصيصاً في القاعدة، كالقصاص والديّات والضمانات، فإنَّ فيها ضرراً مجعولاً ألزم به الشارع، فكيف يُقال: إنَّ الشارع لم يجعل حكماً ضررياً؟ وهذه الموارد كثيرة.
ولكن هذه الموارد لا تكون تخصيصاً، والوجه في ذلك: أنَّ دليل لا ضرر ورد مورد الامتنان على الأُمّة، كحديث الرفع ودليل الحرج، فإذا كان الأمر كذلك، فدليل نفي الضرر والحرج لا يشمل هذه الموارد التي لا يكون فيها امتنان على الأُمّة، فإنَّ الضمان وإن كان ضرراً على المتلف أو على من يده يد ضمان للزوم التدارك، ولكن الحكم بعدم الضمان لا يكون امتناناً على الأُمّة، بل امتنان عليه فقط، فإنَّه خلاف الامتنان على المالك.
وبعبارة أُخرى: أنَّ هنا ضرراً لا محالة إمّا على من تلف عنده المال إذا حكمنا بالضمان، أو على المالك إذا حكمنا بعدمه، فليس الحكم بالضمان إلَّا
ــــــــــ[120]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 25: 358، باب تحريم كلّ مايع يقطر فيه المسكر، الحديث: 1.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
امتناناً على المتلف، لا امتنان على الأُمّة، فدليل لا ضرر ولا حرج لا يشمل هذه الموارد، بل لا بُدَّ أن يكون الحكم امتناناً على جميع الأُمّة، لا على شخص دون شخص، وجعل عدم الضمان ليس كذلك.
ومن هنا قلنا: إنَّ رفع الاضطرار والإكراه ونحوها في حديث الرفع إذا كان منافياً للامتنان لا يكون مشمولاً للحديث، كما لو أكره على إتلاف مال الغير، فلا نرفع الضمان بالحديث، فإنَّه منافٍ للامتنان بالنسبة إلى من تلف ماله، وكذلك لو كان مضطراً إلى بيع داره -مثلاً- فلا نحكم بالبطلان، مع أنَّ رفع الاضطرار لا يفرق فيه بين الأحكام التكليفيّة والوضعيّة، فإنَّ الحكم بالبطلان منافٍ للامتنان، فإنَّه يقع في الشدّة والاضطرار، وذلك بخلاف الإكراه، فإنَّ الحكم بالبطلان موافق للامتنان، فنحكم بالصحّة مع أنَّ السياق واللسان واحد في الحديث.
إذن، مطلقات أدلّة الضمان، مثل: من أتلف مال الغير فهو له ضامن كلّها محكّمة، فإنَّ دليل لا ضرر غير شامل لهذه الموارد، فلا معنى لعدّها من التخصيص.
وأمّا موارد الخمس والزكاة، فإنَّ بنينا في هذه الموارد على دخول المال في كيس من عامل هذه المعاملة أو زرع أو غرس أو اشترى فيكون هو مالكاً، ثُمَّ ينتقل إلى المستحقّ، فيكون لهم بعد الحكم بكونه مالاً للمالك، وأُخرى نقول: بأنَّ المال من الأوّل مشترك بين المالك والمستحقّ(ما أنبتته الأرض ففيه العشر)، معناه: أنَّه من الأوّل ينبت الزرع وعشره للفقراء، فإذا التزمنا بالشركة من أوّل الأمر فهذا خارج عن موضوع لا ضرر من الأوّل، فإنَّه لم يدخل في ملكيّة هذا
ــــــــــ[121]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
المالك، فكيف يُقال: إنَّه تخصيص في دليله، بل هو ترك الانتفاع، ولم يحكم الشارع بملكيّته من الأوّل، والضرر نقصان في النفّس أو العرض أو المال، والنقص غير موجود هنا. وهذا ظاهر.
و أمّا إذا بنيّنا على أنَّ المال كلّه له، وبعد ذلك ينتقل إلى الفقير -كما لا يبعد أن يكون هذا هو ظاهر آية الخمس- فإنَّ الرجل يغنمه ويملكه، ثُمَّ عليه الخمس، أو كما قلنا في الزكاة أيضاً، فإنَّ الحكم المجعول من الأوّل جعل ضررياً وليس تخصيصاً، ومثله الحكم بالجهاد، فإنَّ هذا الحكم من الأوّل فيه ضرر وخوف، ولا مانع من جعل حكم ضرري لمصلحة تقتضي ذلك كحفظ بيضة الإسلام، وكذلك المصلحة تقتضي جعل وجوب الخمس والزكاة وهو ضرري من الأوّل، ومع ذلك ليس تخصيصاً في دليل لا ضرر، فإنَّنا قلنا: إنَّه ينظر إلى الأحكام المجعولة بالأدلّة الأوّليّة، و ليس مقيد اً بالضرر أو بعدم الضرر، وأنَّها تسقط في مورد الضرر.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الحكم من الأوّل مجعولاً ضررياً فلا يكون الدليل ناظراً إليه، فلا تكون هذه الأحكام تخصيصاً فيه، فأين التخصيص بالأكثر؟!
إذن، فهذه الشبهة ساقطة من أصلها، وهي: أنَّ الأخذ بدليل لا ضرر يستلزم الالتزام بتخصيص الأكثر.
النسبة بين (لا ضرر) وكلّ دليل مطلق نسبة العموم من وجه، فإنَّ دليل (لا ضرر) أعمّ من ذلك الحكم وغيره كالوضوء، وإطلاق دليل وجوب
ــــــــــ[122]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الوضوء من الآية المباركة والروايات يقتضي ثبوت الحكم في موارد الضرر وغيره، فيكون مورد الضرر مجمعاً لكلا الإطلاقين، ولكن يتقدّم إطلاق (لا ضرر) بالحكومة، ولا يلاحظ معها قوّة السند أو الدلالة أو نحوها ممّا يلاحظ في باب التعادل والتراجيح، فالرواية تقدّم على الآية المباركة والسنّة القطعيّة، ولا تلحظ معها المرجّحات، ولا تلحظ النسبة بينهما، فإنَّ الدليل الحاكم قرينة على المحكوم ومبيّناً للمراد منه، فإن كان معتبراً وحجّة يتقدّم على المحكوم، وإن كان أقوى سنداً ودلالة، فهنا أمران:
أحدهما: أنَّ دليل (لا ضرر) حاكم على الأدلّة الأوليّة المطلقة.
ثانيهما: أنَّ الدليل الحاكم يتقدّم على المحكوم ولو كانت النسبة بينهما عموماً من وجه، أو كان المحكوم أقوى دلالةً من الحاكم.
أمّا الأمر الأوّلى: وهو إثبات دليل (لا ضرر) حاكم على إطلاقات الأدلّة الأوليّة، فبيانه: أنَّ الدليلين الواردين قد يكونان متنافيّين في المدلول من دون أن يكون أحدهما ناظراً إلى الآخر، فلا يمكن الجمع بينهما تشريعاً فيدلّ أحدهما على طهارة شيء والآخر على نجاسته، أو وجوب شيء وحرمته وهكذا، والجامع أنَّه لا يمكن ثبوت الحكمين في الشريعة، بل أحدهما مجعول والآخر غير مجعول، وثبوت أحدهما يستلزم عدم الآخر، وفي مثله لا بُدَّ من الرجوع إلى المرجّحات في باب التعادل والتراجيح، كالمرجّحات الدلاليّة والسنديّة، وإن لم يكن فالتخيّير أو التساقط.
وأمّا الحكومة: فهي عبارة عن نظر أحد الدليلين إلى الآخر، أمّا بمدلوله
ــــــــــ[123]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
المطابقي أو الالتزامي، أمّا المطابقي فقليل، فتارةً ينظر إلى بيان المراد من الدليل الآخر، كقوله: -بعد أن قيل له: أين ما روي أنَّ الفقيه لا يعيد الصلاة؟-“إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الثَّلَاثِ وَ الْأَرْبَع“(1).
وأخرى: يكون الدليل ناظراً إلى جهة الصدور، فيبيّن الإمام أنّني إنَّما قلت ذلك تقية، لا لبيان الحكم الواقعي. وقد ورد في كثير من الروايات، فمنها: ما ورد في القنوت، وكيف خصّ مشروعيّته بالصلاة الجهريّة، ثُمَّ اعتذر إلى أبي بصير، وقال: “أصحاب أبي أتوني شكّاكاً فأفتيتهم بالتقيّة“(2)، وإلَّا فمشروعيّة القنوت عامّة لسائر الصلوات.
أمّا الالتزامي فقد يكون في عقد الوضع، وقد يكون في عقد الحمل للقضيّة، فقد يكون الدليل الحاكم ناظراً إلى الموضوع، وقد يكون ناظراً إلى المحمول.
أمّا الناظر إلى الموضوع فهو كثير في الروايات، كقوله: “لا ربا بين الوالد والولد ولا بين الزوج وزوجته ولا بين المولى وعبده“(3). ودليل حرمة الربا حكم بالحرمة على عنوان الربا، وقلنا: إنَّ القضايا الحقيقيّة واردة على الموضوعات المقدّرة الوجود، ولا تنقّح موضوعها في الخارج، فإذا فرضنا أنَّ الحاكم حكم بأنَّ هذا ليس بربا. إذن، فليس هذا مصداقاً للربا في حكم الشارع
ــــــــــ[124]ــــــــــ
(1) معاني الأخبار: 159، معنى ما روي أنَّ الفقيه لا يعيد صلاته، الحديث: 1.
(2) الكافي 3: 339، باب القنوت في الفريضة والنافلة ومتى هو وما يجزي فيه، الحديث: 3.
(3) تهذيب الأحكام 9: 756، باب 52، ليس بين الرجل وولده وما يملكه ربا، الحديث: 1.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ليكون حراماً، فيكون حاكماً على ذلك الدليل لا محالة، فإنَّ ذلك الحكم كان متوقّفاً على صدق عنوان الربا، فإذا لم يصدق لا يكون شاملاً لا محالة.
فالدليل الحاكم بالدلالة الالتزاميّة ينفي موضوع الدليل الآخر، وبنفي الموضوع ينتفي الحكم لا محالة.
هذا في النفي، وكذلك في الإثبات، كقوله: “الفقّاع خمر استصغره الناس“(1)، فكلّ حكم ثبت لعنوان الخمر يثبت للفقاع؛ لأنَّه من مصاديقه(2). قيل: ومن ذلك الطواف في البيت صلاة، ولكن هذه الرواية لم تثبت. فهذا ما ينظر إلى الدليل الآخر، ويتصرّف في عقد الوضع، يعني: في موضوعه إمّا نفيّاً أو إثباتاً.
وكذلك الحال في عقد الحمل، كما في المقام في دليل نفي الحرج فإنَّهما لا ينظران الوضوء وأنَّ الوضوء الضرري أو الحرجي ليس بوضوء، بل ينظر إلى نفي الحكم وأنَّ إطلاق الحكم غير شامل لموارد الضرر والحرج.
وبهذا يظهر إلى أنَّ دليل (لا ضرر) ناظر إلى تلك الأدلّة، فلو فرض أنَّ حكماً لم يكن مجعولاً، ولم يكن له إطلاق لموارد الضرر، فيكون دليل (لا ضرر) لغواً صرفاً(3).
ــــــــــ[125]ــــــــــ
() الكافي 6: 323، باب الفقّاع، الحديث: 9.
(2) ونحوه ما ورد في العصير العنبي: من أنَّه خمر لا تشربه. (المقرّر).
(3) فلو لم يجعل الحرمة للربا لا معنى لدليل (لا ربا)، ولو لم يجعل حكم الشكّ لا معنى لدليل (لا شكّ لكثير الشكّ). فكل دليل حاكم يكون لغواً عند عدم وجود الدليل المحكوم. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وهذا بناءً على ما هو الصحيح عندنا من أنَّ المجعول في باب الأمارات هو اعتبار ما ليس بعلم علماً، المعبّر عنه في كلام شيخنا الأنصاري بإلغاء احتمال الخلاف، فإنَّ دليل حجّيّة الأمارة ينظر إلى الأدلّة التي جعلت فيها الأحكام للشكّ أو للعلم، فينفي عنها أحكام الشكّ، ويثبت لها حكم العلم نفيّاً وإثباتاً، وقد قلنا: إنَّ الحكومة قد تكون بالنفي وقد تكون بالإثبات، والدليل الحاكم قد يكون حاكماً من كلا الجهتين، فلا بُدَّ من أنَّ يفرض الشكّ والعلم له حكم، والأمارة تنفي عنوان الشكّ وتثبت عنوان العلم، ودليل الأمارة يكون ناظراً إلى كلا الدليلين.
أمّا الأمر الثاني -وجه تقدّمه على سائر الأدلّة من دون لحاظ النسبة بينهما- فلما قلناه: إنَّ الدليل الحاكم يتقدّم وإن كان أضعف سنداً ودلالة، أمّا إذا كان الدليل الحاكم ناظراً إلى عقد الوضع فالوجه فيه واضح أيضاً، فإنَّ الدليل المحكوم أثبت الحكم على الموضوع المقدّر الوجود فحكم بحرمة الخمر مثلاً، فمعناه: أنَّ كلّ ما صدق عليه أنَّه خمر خارجاً كان حراماً، وما لا يصدق عليه أنَّه خمر لا يشمله الحكم، وقلنا: إنَّه يرجع إلى قضيّة شرطيّة، الجزاء فيها ثبوت الحكم، والشرط فيها وجود الموضوع خارجاً، وهو لا ينظر إلى أنَّ هذا المايع خمراً أو لا، فلو فرضنا أنَّ دليلاً أثبت الخمريّة لشيء، كقوله: “الفقّاع خمر استصغره الناس“(1) ، فتثبت الصغرى بالتعبّد بقول الإمام.
وكذلك في النفي، كما إذا ورد دليل على عدم الربا بين الوالد والولد، فلا
ــــــــــ[126]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه قبل قليل.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
معارضة بينه وبين تحريم الربا، فإنَّه إنَّما ثبت متوقّفاً على صدق الربا، فإن انتفى عنوانه في مورد تعبّداً، لا يمكن أن تشمله الحرمة لا محالة.
ووجه التقدّم فيما إذا كان الحاكم مبيّناً للمراد أو لجهة الصدور، أو إذا كانت الحكومة بمعنى التصرّف في عقد الحمل، فالوجه فيه ظاهر، فإنَّ حجّيّة أيّ دليل متوقّف على ثبوت أصالة الحجّة وأصالة الظهور، وأنَّ هذا هو مراد المتكلّم، فإذا شككنا في أنَّ مراد المتكلّم هو المعنى الظاهر أو غيره فمقتضى الأصل العقلائي هو أن يكون مراداً، وكذلك إذا شككنا في أنَّه مراد جدّي أو ذكره بداعٍ آخر من تقية أو غيره فمقتضى الأصل أنَّ ظاهر الكلام مرادٌ جدّيٌ.
فإذا فرضنا أنَّ المراد إنَّما هو قسم خاصّ، وليس هذا الظهور بمراد، أو ورد أنَّ هذا الإطلاق ليس بمرادٍ، مثل: (لا ضرر) الذي ينظر إلى دليل الوضوء، ويقول: إطلاقه ليس بمراد، أو ورد أنَّ الكلام الأوّل ليس بمراد وإنَّما صدر تقية، فمعلوم أنَّ الأصل لا يجري مع ورود الدليل، فإنَّ الأصل العقلائي إنَّما يجري فيما إذا لم يقم الدليل على خلافه، فإن قام على خلافه الدليل لا يمكن أن يتمسّك بالأصل، فالدليل الحاكم دليل على خلاف أصالة الظهور أو أصالة الجهة.
ومن هنا يظهر أنَّ الدليل الحاكم يتقدّم على المحكوم مطلقاً، لعدم المعارضة بينهما أصلاً، وكلّ قرينة بالنسبة إلى ذي القرينة كذلك، فإنَّ الدليل إنَّما يكون حجّة بإطلاقه أو بعمومه، وبالتالي ينتهي إلى أصالة الظهور، فإذا قامت قرينة على عدم إرادته لا يمكن إجراء أصالة الظهور.
ــــــــــ[127]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
فالنسبة بين (لا ضرر) وغيرها وإن كانت العموم من وجه، إلَّا أنَّه لما كان ناظراً إلى تلك الأدلّة فيكون مقدّماً عليها، ولا تلحظ النسبة بينهما.
إنَّ كلمة (الضرر) -كسائر الكلمات- موضوعةٌ لمعناها الواقعي من دون تقيّيده بعلم أو بجهل، وقلنا: إنَّ شمول العلم للموضوعات أو المتعلّقات أمر على القاعدة يقتضيه الإطلاق، فدليل نجاسة البول يثبت النجاسة على البول الواقعي، سواء علم به المكلّف أو لا، فلو انكشف للمكلّف حكم بالنجاسة من أوّل الأمر. نعم، اختصاص الأحكام بالعالمين أو للأعمّ منهم ومن الجاهلين أمر آخر وقد تقدّم بيانه.
فهنا أمران:
أحدهما: أنَّ موضوع التكليف أو متعلّقه غير مقيد بالعلم، ويكفينا هنا إطلاق الدليل؛ فإنَّ الألفاظ موضوعة لمعانيها الواقعيّة وكلمة (لا ضرر) كذلك، فيدلّنا الدليل على أنَّ كلّ حكمٍ ضرريٍّ -سواء بموضوعه أو متعلّقه ضرري(1)– مرفوع وغير مجعول، ولازمه أن يكون الخيار ثابتاً، حتّى مع العلم بالغبن، فلو أقدم عالماً بالغبن فلازم ذلك أن يثبت له الخيار، فإنَّ لزوم العقد ضرري، والشارع لم يجعل الحكم الضرري.
وما قيل كثيراً(2): -من أنَّ المغبون هو الذي أقدم على الضرر فلا يكون
ــــــــــ[128]ــــــــــ
() سواء علم أو لا. (المقرّر).
(2) انظر: المكاسب 5: 166.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
مشمولاً لدليل الضرر- كلام لا أساس له؛ إذ لا فرق بين أن يقدم أو لا يقدم، فهما سيّان في نفي الضرر.
وبعبارة أُخرى: إذا لم يحكم الشارع باللزوم فأين الإقدام على الضرر؟ فإنَّ الإقدام إنَّما هو في فرض حكمه باللزوم، ولو لم يكن هذا الحكم مجعولاً فلا أثر لإقدام المغبون وعدمه، فلازمه أن يثبت الخيار حتّى مع العلم بالغبن، وهو خلاف المقطوع والمتسالم عليه.
والظاهر أنَّ هذا الإشكال لا مدفع له إذا كان دليل الخيار لا ضرر، كما ذكره الشيخ(1)، إذ كيف جعل الشارع حكماً ضررياً وهو اللزوم، والإقدام لا أثر له؟
والصحيح: إنَّما ثبت الخيار بالشرط الضمني؛ لأنَّ المتبايعين ينظران إلى الماليّة، ويبادلان شخصاً بشخص مع التحفّظ على الماليّة، وإنَّما التبديل في الخصوصيّات؛ لأنَّ الحاجة تقتضي ذلك، فأحدهم يحتاج إلى ثوب، والآخر إلى فرش -مثلاً- فإذا ثبت ذلك فهو شرط ضمني في المعاملة، فيشترط البائع على المشتري أن يكون الثمن معادلاً للمثمن للماليّة، أو باختلاف يسير لا يعتني به العقلاء، وكذلك المشتري، فبناءً على أنَّ مستند الخيار هو ذلك فلا دليل على (لا ضرر).
ومنه يظهر الجواب ويرتفع أساس الإشكال، فإنَّه مع العلم بالغبن فهذا الشرط يرتفع، وهو: التساوي في الماليّة، بل مع العلم بعدم التساوي قد أقدم على المعاملة، ومعه لا موجب للخيار، ومقتضى الإطلاقات والعمومات لزوم البيع.
ــــــــــ[129]ــــــــــ
(1) انظر: المكاسب 5: 168.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وهكذا الحال في خيار العيب، فإنَّ البيع مبني على أصالة السلامة، وإن لم يصرّح به في اللفظ، فإذا ظهر في المبيع عيب حال العقد، فطبعاً تخلّف الشرط يوجب الخيار فيثبت له الخيار، وإن كان مدرك هذا الخيار الروايات الواردة في ذلك، حيث أثبت الأرش أو الخيار، فقد قيدّ الخيار بعدم العلم، فهذا الإشكال لا أساس له.
وقد يستشكل بما إذا توضّأ أو اغتسل بماء معتقداً عدم الضرر، ثُمَّ انكشف أنَّه كان ضررياً، فإنَّ مقتضى حكومة دليل (لا ضرر) أن يحكم ببطلان هذا الوضوء والغسل، فإنَّ المفروض أنَّه ضرري، والحكم الضرري مرتفع في الشريعة المقدّسة.
ونتيجته: أنَّ هذا الوضوء لم يكن مأموراً به وكانت وظيفته التيمّم، فلا بُدَّ من الحكم بالبطلان؛ لأنَّ الضرر موضوع للضرر الواقعي بلا دخل لعلم المكلّف، مع أنَّ الفقهاء أفتوا بالصحّة، ولم يلتزموا بالبطلان في هذه الصورة، فكيف يمكن أن يدّعى أنَّ دليل (لا ضرر) حاكم على الأدلّة الواقعيّة؟
وأجاب شيخنا الأُستاذ(1): أنَّ وقوع المكلّف في الضرر لم ينشأ من الحكم الشرعي، بل من فعل المكلّف وتخيّله أنَّ هذا الفعل غير ضرري، فلو فرضنا أنَّ الفعل لم يكن واجباً، وارتكبه معتقداً بعدم ضرريّته فيشمله أيضاً، فالحكم لا ينشأ من الضرر، فلا يكون مشمولاً للدليل.
وهذا الكلام لعلّه عجيب، فإنَّ العبرة بالحكومة ليس هو باختيار المكلّف الوقوع بالضرر، وإنَّما العبرة هو كون متعلّق الحكم ضرريّاً، وبتشريع الحكم
ــــــــــ[130]ــــــــــ
(1) انظر: منية الطالب 3: 111، 112.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الضرري في الشرع لو كان هذا الوضوء مشروعاً وواجباً، فهذا يعني أنّ الشارع ألزمنا بالضرر(1)، وقد فرضنا أنَّ الحكم الضرري مرتفعٌ.
وإذا بنيّنا على أنَّ الوضوء لم يكن واجباً. إذن، فلا بُدَّ من الحكم بالبطلان، إذ كيف يُقال: بأنَّه لم يكن واجباً، ولكن الضرر لم ينشأ من الحكم.
والصحيح في الجواب ما ذكرناه في حديث الرفع من التفرّقة بين رفع الاضطرار ورفع الإكراه، مع أنَّهما بلسان واحد(2): فإنَّ الحديث وارد مورد الامتنان، فإذا أكره الإنسان على بيع داره نحكم ببطلانه، فإنَّ الحكم بالصحّة على خلاف الامتنان، وأمّا المضطرّ فليس كذلك، فإنَّ الحكم بالبطلان يوقع المكلّف في الشدّة، فيكون خلاف الامتنان، فلا يشمل حديث الرفع صحّة البيع الاضطراري، بل نحكم بصحّته لقرينة الامتنان.
وهذا الكلام يجري في المقام بعينه، فإنَّ الحكم ببطلان الوضوء أو الغسل مخالف للامتنان، والامتنان يقتضي الحكم بالصحّة لا بالبطلان فيما إذا كان عالماً بالضرر قبل الوضوء، فنفي وجوبه موافق للامتنان.
وأمّا إذا ارتكبه معتقداً أنَّه غير ضرري، ثُمَّ انكشف كونه كذلك، فالحكم ببطلانه على خلاف الامتنان. إذن، فلا مانع من الحكم بصحّة هذا الوضوء أو الغسل وإن كان ضررياً.
ــــــــــ[131]ــــــــــ
() ولو أنَّ المكلّف أوجد الفعل لجهله بالضرر، فالسبب وإن كان اختياره، ولكنّه ينتهي إلى الشارع؛ لأنَّه هو الملزم به ولو حال الجهل. (المقرّر).
(2) انظر: دراسات في علم أُصول الفقه 3: 242، 243.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وأنَّ عدم شمول دليل (لا ضرر) لمثل المقام لا يكفي للحكم بالصحّة، فهو وإن لم يدلّ على بطلان الوضوء؛ لأنَّه خلاف الامتنان، ولكن لماذا يكون صحيحاً؟ فإنَّ صحّته فرع شمول الأمر له، وإلَّا فإن فرضنا أنَّ المقتضي قاصر، وأنَّ الأمر لا يشمله فلا يكون هذا مصداقاً للمأمور به، فكيف يحكم بصحّته؟
وبعبارة أُخرى: أنَّ دليل (لا ضرر) إنّما يكفي لرفع المانع عن الصحّة، لكنّ فقدان المانع لا يكفي للصحّة، بل لا بُدَّ من وجود المقتضي، وهو: كونه مصداقاً للمأمور به بإطلاق الدليل أو عمومه، فلا بُدَّ من البحث في أنَّ أوامر الوضوء والغسل هل تشمل هذا الوضوء أو لا؟
شمولها له يتوقّف على أحد أمرين على سبيل منع الخلو:
أحدهما: أن نلتزم أنَّ الضرر المترتّب على الوضوء أو الغسل لا يحرم ارتكابه في الشريعة، وإنَّما الحرام إلقاء النفس في التهلكة، أو ما علمنا بحرمته من الخارج كقطع الإنسان عضو من أعضائه، وأمّا مطلق الضرر كالحمى التي قد تترتّب على الوضوء، فهل هو حرام في الشريعة المقدّسة، حتّى لو تعمد ارتكابه أو لا؟ لا بُدَّ في الحكم بصحّة الوضوء من الالتزام بعدم حرمة هذا الفعل.
ثانيهما: أن نلتزم بأنَّه على تقدير حرمته لا تسّري الحرمة من المسبّب إلى السبّب، فإنَّ الوضوء سبّب للضرر والنقص في البدن كالحمى، وإن كان هذا محرّماً إلَّا أنَّ حرمته لا تسّري إلى سببه فلا يكون سببه محرّماً، وإلَّا لو كان الضرار محرّماً على الإطلاق، وسببه أيضاً محرّماً، فإنَّ المسبّب التوليدي إذا كان حراماً كان سببه محرّماً أيضاً، فلو كان القتل محرّماً كان سببه محرّماً؛ فإنَّه سببٌ
ــــــــــ[132]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
توليديٌّ له، فإذا كان السبب التوليدي للضرر -وهو الوضوء- محرّماً، لا يمكن الحكم بالصحّة في فرض الجهل بالضرر، فإنَّ المكلّف وإن كان معذوراً، إلَّا أنَّ الفعل لم يسقط عن حكمه الواقعي وهو الحرمة، ومعلوم أنَّ الفرد لا يكون مصداقاً للواجب وإن كان المكلّف جاهلاً، فإنَّ الجهل يؤثّر في الحكم الظاهري لا في الحكم الواقعي. إذن، فكيف يُقال بصحّة الوضوء لجهل المكلّف بالضرار، وإن كان حديث لا ضرر لا يشمله؟
وقد ذكرنا في بحث اجتماع الأمر والنهي مفصّلاً(1): إذا قلنا بالامتناع وسراية الحكم من متعلّقه إلى متعلّق الأمر، وقلنا: بأنّ الفساد لا يؤثّر الجهل في ذلك، ولا يمكن الحكم بالصحّة، فإنَّ الجهل لا أثر له في الحكم الواقعي، فإنَّ فتوى الفقهاء بالصحّة مبنيّة على قولهم بجواز اجتماع الأمر والنهي، وأنَّ هنا شيئين وإن اتّحدا في الوجود: أحدهما: مأمور به. والآخر: منهي عنه. فيدخل في باب التزاحم، ومعه يؤثّر الجهل في رفع الحرمة فيبقى الأمر على حاله.
وذكرنا هناك(2): أنَّ دعوى صاحب مفتاح الكرامة(3) بأنَّ الصلاة في الدار المغصوبة إذا كان جاهلاً صحيحة بالإجماع. وهذه الدعوى ساقطة للعلم بمدركها، ولا يمكن في هذه المسألة أن يتحقّق إجماع، فإنَّنا إذا قلنا بالامتناع يستحيل أن يكون المبغوض مأموراً به.
ــــــــــ[133]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الأُصول 3: 494.
(2) انظر: مصباح الأُصول 3: 501.
(3) انظر: مفتاح الكرامة 6: 137.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وعين هذا الكلام يجري في المقام حرفاً بحرف، فإنَّ جهل المكلّف لا يقلب المبغوض محبوباً؛ لأنَّه مبغوض، والمبغوض لا يتقرّب به.
وقد يُقال: بأنَّ الحكم بالصحّة مبنيٌّ على الأمر الأوّل فقط، وهو إنكار حرمة الإضرار بالنّفس، وأمّا إذا سلّمناه فلا يحكم بصحّة الوضوء، سواء قلنا بسراية الحرمة إلى السبب أو لم نقل، فحتّى لو لم يكن الوضوء حراماً لا يكون صحيحاً.
وذلك إذا كان المسبّب -وهو: الضرر- حراماً، فكيف يكون سببه -وهو: الوضوء- واجباً، فتكون العلّة واجبة والمعلول حراماً، فهذا غير معقول، فالحرمة وإن لم تسرِ إليه، إلَّا أنَّه لا يتّصف بالوجوب، فلا يكون مصداقاً للمأمور به فلا يمكن الحكم بصحّته، فيتوقّف الحكم بالصحّة على الأمر الأوّل دون الثاني.
ولكنّه لعلّه واضح الفساد، ويظهر فساده ممّا ذكرناه(1): أنَّ السبب والمسبّب موجودان بوجودين لا بوجود واحد، لا مانع من أن يكون أحدهما واجباً والآخر حراماً، إلَّا في محذور التكليف بما لا يطاق، يعني: لا يلزم استحالة في نفس الحكم، كالأمر بناءً على استحالة الاجتماع، فاستحالة ذلك من جهة عدم إمكان الامتثال في الخارج، فالباب باب التزاحم لا باب التعارض.
كما في عكسه كما لو كان إنقاذ الغريق متوقّفاً على التصرّف في الأرض المغصوبة، فالحكمان متزاحمان، ولا محالة نحكم بتقدّم الأهمّ مع العلم.
ــــــــــ[134]ــــــــــ
(1) مصباح الأُصول 3: 465، 466.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وأمّا إذا كان جاهلاً، وأحد الحكمين لم يؤثّر؛ للجهل، فلا مانع من تأثير الثاني، فإذا كانت الحرمة لم تصل إلى المكلّف لجهله بالضرر، فأيّ مانع من الأمر بالوضوء؟
وهذا مطّرد في جميع موارد التزاحم، فإنَّه يتوقّف على وصول كلا التكليفين إلى المكلّف، وأمّا إذا أحدهما لم يصل فلا مانع من فعليّة التكليف الآخر، وإن لم نلتزم بالترتّب، فإنَّه مع عدم وصول حرمة إزالة النجاسة عن المسجد، فأيّ مانع من الأمر بالصلاة؟
إذن، فالصحيح ما ذكرناه من أنَّ الحكم بالصحّة يتوقّف على أحد الأمرين اللذين ذكرناهما، فلا بُدَّ من الكلام في هذين الأمرين، وأنَّ الإضرار بالنفس محرّم أم لا، وعلى تقديره فهل يسري إلى علّته أو لا؟
ذكرنا في بحث مقدّمة الواجب(1): أنَّ ما يطلق عليه الفعل التوليدي على قسمين:
القسم الأوّل: قد يكون من العناوين المنطبقة على الفعل الخارجي، فهنا عنوانان: ذاتيٌّ وعرضيٌّ، ويتولّد العرضي من العنوان الأوّل، وإلَّا فليس في الخارج وجودان وجود للسبب ووجود للمسبّب، وإن كان يطلق عليهما ذلك، وذلك مثل التعظيم والهتك، فإنَّها من العناوين التوليديّة المتقوّمة بقصد الفاعل. ومعلوم أنَّ الهتك ليس له وجود خارجي غير العمل الصادر عن الفاعل، فهذا بنفسه مصداق للهتك والتعظيم، فإذا فرض أنَّ الهتك محرّم كان هذا الفعل
ــــــــــ[135]ــــــــــ
(1) انظر: الهداية في الأُصول 1: 87.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
هتكاً لا محالة فيحكم بحرمته، وإذا كان عبادة حكم بفسادها.
ولذا قالوا: إنَّ الصلاة منفرداً إلى جنب الجماعة باطلة، إذا كان هتكاً للإمام، فإذا كان العنوان التوليدي متّحداً مع العنوان الأوّلي في الخارج، فلا ينبغي الشكّ في سراية الحرمة من المسبّب إلى السبب، والتعبير بالسراية مسامحة، وإلَّا فهو حكم واحد له متعلّق واحد متعنون بعنوانين.
القسم الثاني: قد يفرض أنَّ العنوان التوليدي له وجود في الخارج، وما هو سبب له له وجود آخر، وفي مثل ذلك لا تسّري الحرمة من المسبّب إلى السبب
-كما ذكرناه في بحث المقدّمة- بعد أن كان أحدهما مبغوضاً دون الآخر. نعم، إطلاق الحرمة عليه مجازاً وإطلاقاً عرضيّاً لا بأس به، مثلاً: الإلقاء في النار والملاقاة، والاحتراق والحرقة، فهما وجود واحد، إذا أضيف إلى الفاعل يُقال: إحراق. وإذا أضيف إلى القابل يُقال: احتراق. وجامعه الإيجاد والوجود، وهما في الخارج موجودان بوجودين، فإذا كان أحدهما حراماً لا يكون الآخر حراماً، فإنَّ المفسدة الإلزاميّة ثابتة للمسبّب دون السبب. هذا بحسب الكبرى.
وأمّا بحسب الصغرى فالظاهر أنَّ الضرر من القسم الثاني لا الأوّل، فإنَّه نقص في المال أو في العرض أو في النفس. ومعلوم أنَّ السبب موجود بوجود آخر. فغسل مواضع الوضوء ليس نقصاً، بل موجود آخر يترتّب عليه النقص كالمرض مثلاً، فلو قلنا: الإضرار بالنفس محرّم، فالمحرّم هو المسبّب دون السبب، والسبب غير محكوم بالحرمة، فإنَّ وجوده منحاز عن وجود السبب.
فإذا فرضنا أنَّ حرمة المسبّب لم تصل إلى المكلّف لجهله بالضرر. إذن، ما
ــــــــــ[136]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
هو المانع من شمول أدلّة الوضوء له؟ فيكون مصداقاً للمأمور به، وعليه: يترتّب أنَّ الوضوء أو الغسل في موارد الجهل محكوم بالصحّة، حتّى لو قلنا بأنَّ الإضرار بالنفس محرّم.
على أنَّ هذا لم يثبت ولم يدلّ عليه دليل، إلَّا ما كان إلقاء للنفس بالتهلكة، أو ما ثبت من الخارج كقطع العضو، وأمّا بعنوان الإضرار بالنّفس فلم نجد عليه دليل.
وذكر الشيخ الأنصاري(1) في بحث لا ضرر: أنَّ الأدلّة العقليّة والنقليّة دلّت على حرمة الإضرار بالنّفس.
ولم نعلم هذه الأدلّة. أمّا الدليل العقلي فمعلوم أنَّه مفقود إذا كان الإضرار بداعٍ عقلائيٍّ، فلا يحكم العقل بقبحه، فإنَّنا نرى التجّار يسافرون في سبيل تجارتهم، وقد تترتّب عليه أضرار كثيرة، ولكن لهم غاية(2) من ذلك كطلب العلم أو المال ونحوه، ولو كان هذا مقدّمة لواجب أو لحرام لارتفع الحكم بدليل (لا ضرر) أو (لا حرج)، ولكنّهم يتحملون ذلك، فبأيّ دليلٍ عقليٍّ ثبت ذلك؟!
وأمّا الدليل النقلي فإن أراد به لا ضرر، فقد تبيّن ممّا تقدّم أنَّ الجملة الأُولى تنفي الأحكام الضرريّة من الشريعة، والجملة الثانية تثبت حرمة الإضرار
ــــــــــ[137]ــــــــــ
() انظر: رسائل فقهيّة: 116.
(2) وأمّا الفعل السفهائي فيلام عليه الإنسان، سواء كان ضرراً أو ليس بضررٍ. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
بالغير، وهو من المفاعلة ولا تكون إلَّا من شخصين.
وإن أراد التمسّك ببعض الروايات الواردة في المقام التي ربّما يستدلّ بها في المقام، وعندئذٍ يقع الكلام في تلك الروايات:
الرواية الأوّلى: لا ضرر، وقد سبق الكلام فيها.
الرواية الثانية: ما رواه الشيخ الكليني في باب تحريم الميتة بسنده عن الصادق -بما مضمونه-: (إنَّ الله تعالى لم يحرّم جملة من الأشياء، رغبة عنها ولم يحلّل جملة منها زهداً فيها، بل حرّم ما فيه ضرر وأحلّ ما فيه صلاح للإنسان وتقوية للبدن)(1)، ثُمَّ ذكر: (إنَّ إدمان أكل الميتة يوجب نحول الجسم وضعف البدن).
فقد يستدلّ بها على أنَّ كلّ ما يضرّ الإنسان فهو حرام في الشريعة المقدّسة. ولكنّها قاصرة الدلالة على تحريم كل مضرٍّ من جهة السند، باعتبار أنَّ الكليني رواها بطريقين: أحدها مرسل. والآخر ضعيف. ولا أقلّ من وقوع المفضّل بن عمر فيه.
وأمّا من جهة الدلالة فلم يظهر أنَّ الملاك في التحريم والتحليل هو الضرر والنفع، بل على تقدير تسليم السند، لا يمكن استفادة شيء من الرواية، إلَّا ما كان مضرّاً بنوعه فهو حرام، يعني: إنَّ الله حرّم أشياء فيها ضررٌ نوعيٌّ، فيكون الضرر حكمة للتشريع لا علّة للتحريم، وبعكس ذلك ما فيه نفع للإنسان، فالضرر والنفع لوحظا حكمة لا علّة، فلا يمكن الاستدلال بها.
ــــــــــ[138]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 242، باب علّل التحريم، الحديث: 1.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
والذي يدلّ على هذا أُمور:
الأمر الأوّل: أنَّ المستفاد منها: أنَّ الموجب لضعف البدن ونحول القوّة هو إدمان أكل الميتة، بأن يأكله دائماً، ولازمه أنَّ أكلها مرّة أو مرّتين لا بأس، وهذا لا يمكن الالتزام به جزماً، فلا يمكن أن يُقال: إنَّ الموضوع هو المضرّ.
الأمر الثاني: لو كان الضرر هو الملاك في ثبوت الحرمة، فإنَّ ذلك يعني: أنَّ أكل شيء قليل من المحرّمات لا يكون حراماً، فإنَّه لا يكون مضرّاً جزماً، وكذلك جملة من المحرّمات الأُخرى، مع أنَّها حرام جزماً.
الأمر الثالث: أنَّنا نقطع أنَّ الضرر لا يكون ملاكاً للتحريم، وذلك لعلمنا أنَّ بعض أقسام الميتة مضرّ بالبدن، إلَّا أنَّ بعض أقسامه لا يكون مضرّاً جزماً، فإذا فرضنا شخصين أحدهما ذبح ذبحاً صحيحاً، والآخر لم يسمّ عمداً، فيحكم بكونه ميتة لا محالة، فهل يكون هنا فرق تكويناً بين هذين الأمرين، فأحدهما مضرّ والآخر غير مضرٍّ؟
فالرواية لا يستفاد منها أنَّ الضرر هو الملاك في التحريم، وإلَّا لزم الالتزام بعدم التحريم في هذه الموارد، وهو خلاف الضرورة.
وممّا يدلّنا على هذا أيضاً ورود جملة من الروايات: كشرب الماء قائماً في بعض الأوقات(1). وأكل الجبن في النهار(2). فهل يمكن أن يُقال: إنَّه حرام.
وعلى الجملة: نستكشف من ذلك أنَّ الضرر ليس هو الملاك في تحريم شيء.
ــــــــــ[139]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 382، باب شرب الماء من قيام والشرب في نفس واحد، الحديث: 2.
(2) الكافي 6: 340، باب الجبن، الحديث: 4.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الرواية الثالثة: ما روي عن تحف العقول -قريباً من هذا المضمون-: (إنَّ الله تعالى علم في بعض الأشياء ضرراً فحرّمه، وفي بعضها نفعاً فأحلّه)(1).
والكلام فيها هو الكلام، فلا يستفاد منها أنَّ الضرر والنفع لوحظا على نحو العلّة، بل على نحو الحكمة.
وقد رويت في دعائم الإسلام(2) وفي الفقه الرضوي(3)، وكلّ هذه الكتب غير معتمدة، ورواياتها مرسلة.
إذن، لم نجد دليلاً على تحريم الإضرار بالنفس بما هو إضرار. نعم، المرتبة الراقية من الإضرار كإلقاء النفس بالهلكة وقطع الأعضاء دلّ الدليل على حرمته.
أمّا إذا كان المكلّف عالماً بالضرر، فهل يحكم بصحّة الوضوء أو ببطلانه أو يفرّق بين موارد الضرر والحرج، فيحكم بالبطلان في مورد الضرر وبالصحّة في الحرج؟
ــــــــــ[140]ــــــــــ
(1) تحف العقول: 337، ما يحلّ للإنسان أكله.
(2) دعائم الإسلام 2: 13، العضل، ذكر ما يحلّ أكله وما يحرم أن يؤكل من الطعام، الحديث: 418.
(3) فقه الرضا: 254، باب 37، النفعة والمأكل والمشارب والطعام.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
اختار صاحب العروة(1) والمحقّق الهمداني(2)، أنَّه في فرض الضرر يحكم بالبطلان، وأمّا في الحرج فيحكم بالصحّة.
واختار شيخنا الأُستاذ(3) عدم فرق بين الضرر والحرج في الحكم ببطلان الوضوء.
ونحن نختار الصحّة في كلا الفرضين فيما إذا لم يبلغ الضرر مرتبة الحرمة.
اختيار السيّد اليزدي
أمّا ما ذكره صاحب العروة فهو مبنيٌّ على حرمة الإضرار بالنّفس، بلا فرق بين أن نقول بحرمة السبب أو لا، فإنَّ السبب والمسبّب لا ينفكّان بحسب الوجود الخارجي، فإذا كان المسبّب حراماً لا يمكن أن يكون السبب واجباً، فالتقرّب بالسبب مع العلم بحرمة المسبّب أمر غير ممكن، فيستحيل أن يكون مصداقاً للمأمور به.
وتوهّم إمكان تصحيحه بالترتّب؛ لأنَّ الباب باب التزاحم كما تقدّم(4)؛ ولأنَّ المسبّب له وجود، والسبب له وجود آخر، غير ممكن؛ لأنَّ الإتيان بالمحرّم هو مع فرض وجود السبب، وإنَّما نلتزم بالترتّب فيما إذا كان المكلّف على تقدير العصيان متمكّناً من الإتيان به وعدمه، وأمّا في المقام فلا يمكن أن يُقال: (إذا أتيت بما هو متعلّق الحرمة وأضررت بنفسك فتوضّأ)، لأنَّ الضرر يحدث
ــــــــــ[141]ــــــــــ
(1) انظر: العروة الوثقى (مع تعليقات من الفقهاء العظام) 2: 171.
(2) انظر: مصباح الفقيه 6: 126 – 136.
(3) انظر: قاعدة نفي الضرر: 412.
(4) انظر: دراسات في علم الأُصول 2: 10.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
بالوضوء، وطلب الحاصل مستحيل، فلا بُدَّ أن يحكم في الفساد.
وأمّا في مورد الحرج فلا مانع من الالتزام بالصحّة؛ لأنَّ ارتكاب الفعل الحرجي ليس حراماً ولا مبغوضاً في الشريعة، غايته: رفع الحكم امتناناً، لا أنَّه كان حراماً، فلا مانع من الإتيان به متقرّباً إلى المولى، فإنَّ الأمر وإن كان مرتفعاً، إلَّا أنَّ المحبوبيّة والملاك باقٍ.
اختيار الميرزا النائيني
ولكن شيخنا الأُستاذ(1) لم يرتض ذلك وحكم بالفساد، حتّى في فرض الحرج، وذكر في وجهه: أنَّ التيمم أخذ في موضوعه عدم وجدان الماء، فالشارع قسّم المكلّف إلى قسمين: واجد للماء، وهو: أمر بالوضوء أو الغسل. وفاقد للماء، وهو: أمر بالتيمّم، فكيف يمكن أن يُقال: إنَّ شخصاً واحداً مكلّفاً بالوضوء أو التيمّم؛ لأنَّ لازمه أن يكون المكلّف واجداً للماء وفاقداً له، وهذا يشبه الجمع بين المتناقضين، وبما أنَّ المكلّف في حالة الضرر والحرج مكلّف بالتيمّم جزماً، بعد ارتفاع الأمر بالوضوء بلا ضرر، فيكون فاقداً للماء لا محالة، فلا يكون موضوعاً للأمر بالوضوء والغسل؛ لأنَّ موضوعها هو الوجدان.
الرأي المختار
والصحيح أن يقال بالصحّة في كلا الموردين، والوجه في ذلك بنحو يظهر منه فساد كلام شيخنا الأُستاذ: إنَّ الوضوء يصحّ مع العلم بالضرر، فضلاً عن
ــــــــــ[142]ــــــــــ
(1) . انظر: قاعدة نفي الضرر: 411، 412
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الحرج؛ وذلك لأنَّ الحرج ليس مبغوضاً للمولى، غايته: أنَّ التكليف مرفوع، فالمكلّف لم يرتكب بعمله هذا محرّماً. نعم، الوجوب مرفوع عن الوضوء والغسل للضرر أو الحرج، إلَّا أنَّ رفعه لا ينافي صحّة الوضوء، ليس لما ذكره الهمداني من أنَّ المرتفع هو الإلزام والمحبوبيّة باقية، لأنَّ المجعول ليس أمرين، بل أمر واحد وهو: الوجوب، وهو يرتفع بلا ضرر أو لا حرج.
بل لأجل ما ذكرناه من أنَّ لا ضرر ولا حرج ينظر إلى الأحكام الإلزاميّة دون غيرها، فالشارع لم يحرّم الفعل الضرري ولا الحرجي، وإنّما ارتفع الإلزام فيه.
وقد بيّنا أنَ الوضوء مستحبّ نفسي مقدّمة للواجب، وقد قلنا(1): إنَّ هذه المقدّمات في نفسها عباديّة، لا أنَّ عباديّتها نشأت من ذي المقدّمة، فهي عبادة مقدّمة لعبادة كصلاة الظهر والعصر، وبهذا تمتاز على سائر المقدّمات بكونها عباديّة، فإذا كانت هذه العبادات مستحبّة فدليل لا ضرر ولا حرج لا يرفع هذا الاستحباب، فالوضوء مستحبّ حتّى في حال الضرر والحرج، وقد فرضنا أنَّ الضرر والحرج ليس بمحرّم، فيمكن الإتيان بالوضوء لا بداعي الوجوب؛ فإنَّه غير واجب على ما تقدّم، بل بداعي الاستحباب النّفسي، فيحكم بصحّتها وبحصول الطهارة للمكلّف، وتصحّ الصلاة المترتّبة عليها أو الصوم ونحوه.
وممّا ذكرناه يظهر: أنَّ الحكم بالصحّة إنَّما هو لأنَّ الوضوء والغسل مستحبّان في نفسهما.
ــــــــــ[143]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 3: 244، 245.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وبهذا يظهر الجواب عمّا ذكره شيخنا الأُستاذ، فإنَّ موضوع الوضوء وموضوع التيمّم وإن كانا متقابلين -الواجد والفاقد- إلَّا أنَّ هذا بالنسبة إلى الوجوب التعيّيني، فلا يمكن أن نقول: أنَّه يجب عليه الوضوء تعيّيناً والتيمّم كذلك، ليقال: إنَّه جمع بين المتناقضين، بل نلتزم بجواز الوضوء والتيمّم، ومقتضى القاعدة وجوب الوضوء عليه؛ لإطلاق الآية المباركة، لكن دليل لا ضرر ولا حرج رفع هذا الوجوب، لكن هل يتعيّن عليه التيمّم أو لا؟ لا دليل على التيمّم وسقوط الاستحباب.
نعم، يجوز له أن يتيمّم بعنوان أنَّ الوضوء ليس بواجب، فيحكم بجواز الوضوء أو الغسل بداعي الأمر الاستحبابي، وجواز التيمّم باعتبار سقوط الوجوب(1).
وما ذكرناه من الحكم بالصحّة في كلا الفردين مبني على أُمور:
أحدها: أنَّ الإضرار بالنفّس ليس محرّماً في الشريعة، فالمتوضّي لم يرتكب محرّماً.
ثانيها: المستفاد من الآية والروايات أنَّ وجوب الوضوء التعيّيني موضوعه الوجدان، كما أنَّ وجوب التيمّم تعيّيناً مشروط بالفقدان، فالآية وغيرها إنَّما تكفّلت الوجوب التعيّيني، ولكن دليل الضرر والحرج لحكومته يقيد وجوب الوضوء، مع الوجدان بعدم الضرر والحرج، وليس معنى هذا أنَّ المكلّف فاقد للماء، بل هو واجد له، بل عنده ماء متمكّن من استعماله، وليس محرّماً عليه،
ــــــــــ[144]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في أُصول الفقه 3: 249.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
فهو قادر تكويناً وتشريعاً، فهذا في الحقيقة تخصيص بلسان الحكومة، لا أنَّه رافع للموضوع، فدليل الضرر والحرج لا يجعل المكلّف فاقداً للماء، فإنَّنا قلنا(1) غير مرّة: إنَّ الفقدان يتحقّق إمّا تكويناً أو شرعاً، فإذا فرضنا أنَّ الأمرين منتفيان، فكيف يكون هذا من موارد الفقدان، فهو واجد للماء. لكن لا يجب عليه الوضوء، فهو تخصيص في دليل الوضوء، إلَّا أنَّ التيمّم واجب تعيّيني أو تخيّيري، وليس في الآية تعرّض له، ولكن علمنا به من الخارج.
وذكرنا أنَّ دليل (لا ضرر) حاكم على الأدلّة الإلزاميّة فقط، وأمّا غيرها مّما يكون التخيّير بيد المكلّف فلا يكون نفي الضرر والحرج حاكماً عليه، فما يرتفع هو وجوب الوضوء، وأمّا استحباب الوضوء في نفسه أو استحباب الغسل في نفسه فلا يرتفعان بدليل (لا ضرر)، فالاستحباب باقٍ لواجد الماء. إذن، يحدث التخيّير، فيجوز له الوضوء لاستحبابه، ويجوز له التيمّم لعدم وجوبه، فإذا توضّأ بداعي استحبابه النّفسي فقد حصلت الطهارة.
ولمثل ما ذكرناه نظير، فقد يكون المكلّف مخيّراً بين الوضوء والتيمّم، ومورده -على ما ذكرناه في بحث الطهارة(2)– ما إذا كان له قرح أو جرح لا يتمكّن من غسله، فيقع في ضرر أو حرج، فهو غير مأمور بغسل هذا الموضع، فتارة يكون الموضع مجبوراً بجبيرة لا ينبغي الشكّ بوجوب الوضوء عليه، ويمسح على الجبيرة، كما في عدد من الروايات.
ــــــــــ[145]ــــــــــ
(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 54، 55.
(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 6: 194، 195.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وأُخرى يكون الجرح مكشوفاً في الوضوء، فيتوضّأ ويغسل ما حول الجرح، ويحتاط الفقهاء بوضع شيء على الجرح.
وأمّا الغسل فهنا الروايات مختلفة، ففي جملة منها: ورد الأمر بغسل ما حول الجرح كما في الوضوء، وفي بعضها: ورد الأمر بالتيمّم، ومقتضى الجمع بين الطائفتين هو حمل الأمر في كلّ منهما على الوجوب التخيّيري؛ لأنَّ كلّاً منهما ظاهر بالتعيّين، لدلالة الطائفة الأُخرى على كفاية الفعل الآخر.
وتكون النتيجة: الوجوب التخيّيري، ولا محذور في ذلك، وليس ذلك من الأحكام العقليّة غير القابلة للتخصيص.
نعم، لو بلغ الضرر مبلغ الحرمة كالتهلكة، فيما لو أقدم عليه عالماً عامداً لم يحكم بصحّة الوضوء؛ إذ لا يمكن التقرّب بسبب الضرر المحرّم. وهذا الذي ذكرناه يختصّ بالوضوء والغسل.
وأمّا في غيرهما ممّا لم يكن استحبابيّاً في نفسه، بل هو واجب كالقيام في الصلاة، فلو كان ضرريّاً أو حرجيّاً، وانتقلت الوظيفة إلى الجلوس؛ لأنَّ وجوب القيام قد سقط بدليل الضرر أو الحرج، فلو صلّى قائماً عالماً بالضرر أو مع تحمّل الحرج فيحكم ببطلان صلاته.
والوجه في ذلك: أنَّ الصحّة في العبادات يتوقّف على الأمر، ولا طريق لنا إلى استكشاف المحبوبيّة سوى الأمر -كما تقدّم غير مرّة- فلو سقط الأمر بالقيام لدليل لا ضرر أو حرج، فمن أين استكشفنا رجحان الصلاة قائماً ومحبوبيّته، بل
ــــــــــ[146]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الوظيفة هو الصلاة جالساً، فلو خالفها وتحمّل الضرر والحرج وصلّى قائماً، فهو وإن لم يرتكب محرّماً، إلَّا أنَّه لا دليل على أنَّ هذا العمل مأمور به ومسقط للأمر بالصلاة المتوجّه إليه، فلا يمكن الحكم بالصحّة، بل يحكم بالبطلان.
ومن هذا القبيل صيام شهر رمضان، فلو كان فيه ضرر أو حرج لسقط وجوبه، ولا يمكننا الحكم بالصحّة من ناحية الملاك والمحبوبيّة، إذ لا طريق لنا إليه، فإنَّه منحصرٌ بالأمر وقد سقط بدليل لا ضرر، ولا طريق لنا إلى كشف الاستحباب إليه؛ فلو تحمّل الضرر أو الحرج وصام لم يحكم بصحّة صيامه، ولا بدَّ له من القضاء.
ومن هنا يظهر أنَّ التفصيل الذي ذكره صاحب العروة غير تامّ، وما ذكره شيخنا الأُستاذ من الحكم بالبطلان مطلقاً غير تامٍّ، والصحيح: الحكم بالصحّة مطلقاً في خصوص الوضوء والغسل.
إذا اعتقد المكلّف الضرر فتيمّم، ثُمَّ انكشف له عدم الضرر، أو اعتقد أنَّ الماء غير موجود فتيمّم، ثُمَّ انكشف أنَّه موجود، وأنَّه لم يكن وظيفته التيمّم، فهل يحكم بصحّة تيمّمه أم لا؟
ويقع الكلام في مقامين:
المقام الأوّل: في انكشاف الخلاف خارج الوقت.
المقام الثاني: انكشافه داخل الوقت.
ــــــــــ[147]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وذكر شيخنا الأُستاذ(1): أنَّ المشهور في المسألة هو الحكم بالصحّة، ولا حاجة إلى إعادة الصلاة بالوضوء، لا في داخل الوقت ولا في خارجه.
أمّا خارج الوقت فكما قاله سواء في اعتقاد العجز التكويني أو اعتقاد العجز التشريعي من جهة الضرر، فالصلاة محكومة بالصحّة ولا حاجة إلى القضاء.
والوجه في ذلك: أمّا اعتقاد عدم وجود الماء خارجاً فالوجه واضح، فإنَّ موضوع التيمّم ليس هو عدم وجود الماء في الخارج، بل عدم وجدانه، وعدم القدرة على استعماله؛ فإنَّ الآية علّقت ذلك عليه، والمعتقد عدم الماء وجداناً لا يتمكّن من استعماله، وقد يتّفق أنَّ الإنسان يموت عطشاً والماء موجود، لأنَّه يعتقد عدمه، فإنَّ الذي يحرّك الفرد هو الشيء بوجوده العلمي لا بوجوده الخارجي، فتيمّمه صحيح ولا حاجة إلى القضاء.
وأمّا بالنسبة إلى الضرر فإن بنيّنا على أنَّ ارتكابه محرّم في الشريعة -كما ذكر شيخنا الأنصاري(2)، ولعلّه المعروف(3)– فالأمر كذلك؛ لأنَّ معتقد الحرمة غير متمكّن من استعمال الماء شرعاً في اعتقاده، فهو فاقد للماء.
وأمّا إذا بنيّنا على أنَّ الضرر ليس بمحرّم، وكان يسوغ له أن يتوضّأ أيضاً فيحكم بصحّة تيمّمه؛ فإنَّ تشريع التيمّم في حالة ظنّ الضرر منصوص، فضلاً
ــــــــــ[148]ــــــــــ
(1) انظر: قاعدة نفي الضرر: 411.
(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 461، رسائل فقهيّة 114، 115.
(3) منهاج العقول 3: 172، عوائد الأيام: 51.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
عن اعتقاد الضرر، وإن لم يكن الضرر موجوداً، فالتيمّم كان مشروعاً وقد صلّى به، فلا موجب للقضاء خارج الوقت. فالحكم الذي ذكروه هو الصحيح.
أمّا إذا فرضنا أنَّ الانكشاف كان في أثناء الوقت، والوقت بعدُ باقٍ، وانكشف أنَّ الماء موجود، أو أنَّ استعمال الماء غير مضرٍّ له، فهل يجب عليه إعادة الصلاة مع الطهارة المائيّة أو يكتفى بذلك؟
الحكم في هذه المسألة مبني على جواز البدار وعدمه، فإنَّ قلنا بجوازه وأنَّ التيمّم منوط بعدم التمكّن من الماء ولو آناً ما، ولا يعتبر فيه عدم الماء كلّ الوقت، حاله في ذلك حال التقيّة التي يجوز فيها البدار ولا تجب الإعادة في الوقت. فعلى هذا أيضاً لا تجب الإعادة بعين البيان المتقدّم؛ فإنَّ المفروض أنَّ تيمّمه مشروع؛ لأنَّه كان فاقداً للماء وغير متمكّن من الوضوء وإن كان موجوداً خارجاً، وكذلك اعتقاد الضرر وخوفه كان موجوداً فجاز له التيمّم.
وأمّا إذا بنيّنا أنَّ العبرة في التيمّم هو عدم الوجدان في مجموع الوقت، كما هو ظاهر الآية بأنَّ الفقدان في الطبيعة المأمور بها، وهي تتحقّق في مجموع الوقت، ولذا قلنا(1): لو علم بوجدان الماء في آخر الوقت لم يجز له التيمّم؛ لأنَّه واجد للماء في الوقت، وإن لم يكن واجداً فعلاً.
فلو اعتقد عدم الوجدان أو الضرر في مجموع الوقت، وتيمّم وصلّى وانكشف الخلاف، لم يجتزِ بما أتى به، فإنَّ الأمر كان خياليّاً، فتخيّل أنَّه فاقد للماء أو موجب للضرر. ومن هذا القبيل إذا احتمل الوجدان آخر الوقت، وأجرى
ــــــــــ[149]ــــــــــ
(1) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 10: 85.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الاستصحاب لعدم الوجدان وتيمّم، فهنا تيمّمه وإن كان مشروعاً، إلَّا أنَّه حكم ظاهري انكشف خلافه، وهو لا يقتضي الإجزاء.
فالحقّ هو التفصيل بين ما إذا كان انكشاف الخلاف في الوقت بالطهارة المائيّة فإنَّه متمكّن منها، وإذا كان الانكشاف بعد الوقت فلا يجب الإعادة.
إنَّ (لا ضرر) كما هي حاكمة على الأحكام الكلّيّة، كذلك يستفاد منها نفي الأحكام الضرريّة فيما إذا كان الحكم عدميّاً، يعني: إذا كان نفي الحكم ضرريّاً فيرتفع النفي، فينتج: أنَّ هذا الحكم ثابت في الشريعة، ورتّبوا على ذلك أمرين:
الأمر الأوّل: لو حبس أحد غيره فشرد حيوانه أو أبق عبده فيحكم بضمان الشخص الحابس، فإنَّ الحكم بعدم الضمان ضرري فيرتفع، ومقتضاه الحكم بالضمان.
الأمر الثاني: استدلّ صاحب العروة(1) في ملحقات العروة بقاعدة لا ضرر، واستدلّ(2) بالروايات الخاصّة على أنَّ الزوج إذا امتنع عن الإنفاق على زوجته، فللحاكم أن يطلّقها، فإنَّ عدم طلاقها ضرر عليها فيرتفع بالقاعدة، ونتيجته: جواز طلاق الحاكم لها.
أورد شيخنا الأُستاذ(3) بمنع الكبرى والصغرى معاً: أمّا الكبرى فذكر أنَّ
ــــــــــ[150]ــــــــــ
(1) انظر: محلق العروة الوثقى: 115.
(2) انظر: ملحق العروة الوثقى: 115، 116.
(3) انظر: قاعدة نفي ضرر: 421، 422.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
دليل لا ضرر حاكم على الأحكام المجعولة في الشريعة الإسلاميّة المقدّسة، وهي: الأحكام الوجوديّة، ومعناه: أنَّ دليل (لا ضرر) تخصّص تلك الأحكام بموارد عدم الضرر، لكنّه تخصيص بلسان الحكومة، وأمّا عدم الحكم فليس بمجعول فلا يكون الدليل ناظراً إليه، فإنَّ معنى لا ضرر هو أنَّ ما ثبت في الشريعة فهو مرتفع في موارد الضرر، وأمّا ما لم يجعل من الأحكام فغير ناظر إليه.
وأمّا الصغرى فإنَّ الموردين لا يشملهما الحديث، فإنَّه ينفي الضرر في عالم التشريع، وليس بناظر إلى تدارك الضرر الواقع في الخارج، وهذان المجعولان ليس فيهما الضرر مستنداً إلى الشارع، بل هو واقع خارجاً، غاية الأمر: للشارع أن يتداركه، وقلنا: إنَّ الحديث غير ناظر إلى التدارك.
بيان ذلك: أنَّه في المورد الأوّل ليس الحبس سائغاً في الشريعة، والضرر قد ترتّب في الخارج، غايته: أنَّ الشارع يتدارك هذا الضرر بالحكم بالضمان، وإلَّا فالضرر واقع في الخارج، ولا ضرر أجنبي عن التدارك كما قلنا.
وكذلك في المورد الثاني، فإنَّ الضرر مترتّب على امتناع الزوج عن الإنفاق، وهو أمر غير جائز شرعاً، والضرر قد وقع في الخارج، وهو غير مستند إلى الشارع. نعم، للشارع أن يتدارك هذا الضرر، وهو أمر أجنبي عن القاعدة.
أمّا ما ذكره بحسب الكبرى فلا يمكن المساعدة عليه، فإنَّ أيَّ موضوع خارجي وأيّ فعل من أفعال العباد لا يمكن أن يكون خاليّاً من حكم، غايته: أنَّه إمّا حكم وجودي أو حكم عدمي، فالشارع يحكم بالضمان ويحكم بعدم
ــــــــــ[151]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الضمان، ويحكم بالنجاسة ويحكم بعدمها، فكما أنَّ الحكم مستند إلى الشارع، كذلك عدم الحكم مستند إليه بقاء، وإن كان عدمه أزليّاً.
وبعبارة أُخرى: إنَّ عدم الجعل مساوق لجعل العدم بقاءً؛ ولأجل ذلك قلنا(1): بعدم الفرق في جريان الاستصحاب بين الحكم الوجودي والعدمي؛ لأنَّ كليهما مستند إلى الشارع.
فدعوى أنَّ لا ضرر ناظر إلى الأحكام الوجوديّة دون العدميّة لا يمكننا المساعدة عليها.
نعم، في الخارج لم نجد حكماً عدميّاً ضرريّاً، ليقال: بأنَّه ينتفي النفي ليثبت الحكم. أمّا المثالان فما ذكره شيخنا الأُستاذ تامٌّ في مناقشتهما.
وأما في المورد الثاني فإنَّ هنا أُموراً:
أحدهما: نفس الزوجيّة.
ثانيهما: لزوم الإنفاق.
ثالثهما: كون الطلاق بيد الزوج.
أمّا الحكم الأوّل والأخير فليس فيهما ضرر على أحد أبداً.
وأمّا لزوم الإنفاق على الزوجة فهو ليس بضرري، ولكن لو عصى هذا الحكم ولم ينفق فقد وقع الضرر في الخارج، غاية الأمر: يمكن للشارع أن يتدارك هذا الضرر بالحكم بجواز طلاقها، وهذا لا ربط له بالقاعدة؛ لأنَّها لا تتكفّل بيان تدارك الضرر.
ــــــــــ[152]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 4: 178.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
فعلى هذا لا يمكن إثبات جواز طلاق هذه الزوجة بدليل لا ضرر، وإن تمسّك به صاحب العروة. على أنَّنا ذكرنا أنَّ لا ضرر وردت مورد الامتنان على الأمّة، وليس هنا كذلك، بل الامتنان هنا على الواحد، فإنَّ الحكم بالضمان في الفرع الأوّل وإن كان امتناناً على من تلف ماله، إلَّا أنَّه ضرر على الحابس. وكذلك لو حكمنا بجواز الطلاق، فإنَّه وإن كان امتناناً على الزوجة، إلَّا أنَّه خلاف الامتنان على الزوج، فلا يمكن أن يكون مشمولاً لقاعدة لا ضرر.
ودعوى: أنَّ الحابس والزوج هما اللذان أقدما على ضررهما فلا يشمله دليل الضرر ساقط، فإنَّه لم يقدم على ضرر نفسه، بل أقدم على ضرر غيره، وأمّا إقدامه على ضمانه أو على جواز تطليق زوجته فهو فرع ثبوت هذا الحكم في الشريعة.
فدليل لا ضرر وإن كان لا يختصّ بالأحكام الوجوديّة، إلَّا أنَّه لم يوجد في مورد يكون فيه نفي الحكم ضرريّاً، ليكون لا ضرر مثبتاً، ويكون صغرى لتلك الكبرى.
تذنيب:
يبقى الكلام في الأدلّة الخاصّة الواردة في امتناع الزوج عن الإنفاق، وهي أدلّة تامّة دلّت على أنَّه يجب على الزوج أحد أمرين: إمّا الإنفاق أو الطلاق، واستشهد بقوله تعالى: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ(1). فإن عمل بذلك، وإلَّا فعلى الحاكم أن يفرق بينهما -كما تقول الرواية- وهذا حكم ثابت.
ــــــــــ[153]ــــــــــ
(1) البقرة: 229.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
إلَّا أنَّ شيخنا الأُستاذ ذكر أنَّ هذه الروايات معارضة بما دلّ على أنَّ الزوج إذا امتنع عن المواقعة ليس له(1) أن يطلّق، وأنَّ الزوجة إذا ابتليت فلتصبر، ومن ثَمَّ توقّف في جواز طلاق الحاكم.
ولكن الظاهر أنَّ هاتين الروايتين وردتا في موردين أحدهما أجنبي عن الآخر، فهذا في امتناع الزوج عن المواقعة مع إنفاقه عليها، وحكمها أنَّها ابتليت فلتصبر، والآخر فيما إذا امتنع عن الإنفاق، فهذا حكمه جواز حكم الحاكم بطلاقها.
وكيف ما كان فلا يمكن التمسّك بجواز الطلاق بدليل لا ضرر، وإنَّما يحكم بذلك للروايات الخاصّة، ولو كنّا نحن ودليل الضرر لم نحكم بجواز ذلك. نعم، لو كان الحاكم قادراً على أن يجبر الزوج على أحد الأمرين فهو، وإلَّا كان له حكم آخر.
والكلام في مسائل:
المسألة الأُولى: فيما إذا توجّه ضرران على شخص واحد، فدار أمره بين أن يختار هذا وذاك، ولهذه المسألة صور: فإنَّه قد يفرض أنَّ كلا الضررين مباح، أو أنَّ كليهما حرام، أو أحدهما مباح والآخر حرام.
الصورة الأوّلى: ما إذا فرضنا أنَّ كلا الضررين مباح، ولم يكن له مناص من اختيار أحدهما، كبعض الإضرار بالمال والنفس، ففي مثل ذلك يكون المكلّف مخيّراً بينهما.
ــــــــــ[154]ــــــــــ
() يعني: للحاكم الشرعي. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الصورة الثانية: إذا دار الأمر بين ضرر مباح وضرر محرّم، كإعطاء درهم لزيد أو تبذير المال بلا موجب، ففي مثل ذلك ليس للمكلّف أن يختار الحرام، ولا بدّ له من اختيار المباح.
الصورة الثالثة: إذا دار الأمر بين ضررين محرّمين، فيقال له: ألق مقداراً من المال في البحر أو أحرق ثوبك. وكلاهما تبذير محرّم، ولكن المكلّف لا مناصّ له من اختيار أحدهما.
وفي مثل ذلك تجري قاعدة التزاحم، فإنَّ ارتكاب كل منهما محرّم في نفسه لكنّه مضطر إلى اختيار أحدهما، فإن كانا متساويّين في الأهمّيّة تخيّر بينهما، وذلك لعدم إمكان بقاء كلّ من الحكمين على إطلاقه، فيتقيد كلّ منهما بعدم الإتيان بالآخر، وإذا كان في أحدهما مزية أو أهمّيّة، فبما أنَّه معلوم الأهمّيّة لا محالة يتقدّم، ولا بدَّ له من اختيار ما هو أقلّ ضرراً، وكذلك في موارد احتمال الأهمّيّة، وكان الاحتمالان متساويّين فلا بُدَّ من تقديم ما لم يحتمل أهمّيّته، لما قلناه في بحث التزاحم من تقديم محتمل الأهميّة(1).
ومن ذلك يظهر حكم ما إذا دار الأمر بين الإضرار بشخصين فأكره بين أن يأخذ من عمر أو من زيد مالاً، وإلَّا فإنَّه يقتل، فإنَّ حكم هذا حكم الصورة الأخيرة، فإنَّ الإضرار بالغير قليلاً أو كثيراً محرّم، وحيث إنَّ المكلّف مضطرّ إلى ذلك فيجري فيه قاعدة التزاحم، ويكون صغرى لها، فإن كان أحد الضررين معلوم الأهمّيّة أو محتملها فيبقى على إطلاقه، ولا يجوز ارتكابه، وإلَّا تخيّر بينهما.
ــــــــــ[155]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 2: 9.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
المسألة الثانية(1): إذا توجّه ضرر إلى أحد شخصين، كما لو أدخلت دابة رأسها في قدر غيره، بحيث لا بُدَّ من كسر القدر فيتضرر صاحبه، أو ذبح الشاة فيتضرر صاحبها، فأيّ الضررين يتقدّم؟ ولهذه المسألة صور: فقد يكون هذا من فعل أحد المالكين، وقد يكون من فعل شخص آخر مختار عاقل، وثالثة يكون بوقوع بآفة سماويّة، كما لو أرادت البقرة أن تشرب الماء فأدخلت رأسها في القدر.
الصورة الأُولى: ما إذا كان من فعل أحد المالكين، فلا ينبغي الشكّ في لزوم ردّ المال إلى مالكه، فإنَّه تصرّف في مال الغير بلا إذنه، فلا بُدَّ من تخليص المال ودفعه إلى صاحبها، فلو كان الفاعل هو صاحب القدر فلا بُدَّ أن يكسر قدره، وليس له أن يذبح البقرة ويعطي قيمتها؛ إذ مع إمكان دفع العين لا تصل النوبة إلى دفع القيمة، وكذلك في صاحب البقرة.
الصورة الثانية: إذا فرضنا أنَّ هذا من فعل شخص آخر، ففي مثل ذلك هو ضامن لكلا المالكين، فيجب أن يردّ كلا المالين إلى مالكيهما، ولكن حيث إنَّ ذلك غير ممكن، فلا بُدَّ من ردّ العين في أحدهما والقيمة في الآخر، وحيث إنَّه لا موجب للترجيح، حتّى لو كان أحدهما يسوي أكثر من الآخر؛ إذ إنَّ ذلك لا يوجب أهمّيّته وتأكّد وجوب ردّه، فهو مخيّر بين أن يذبح البقرة ويردّ ثمنها إلى صاحبها والقدر بنفسه إلى صاحبه أو العكس، وكون أحدهما أثمن لا يوجب ترجيحه بعد تساويهما في الدليل.
ــــــــــ[156]ــــــــــ
() قد أغفل السيّد ذكر صورة ما إذا دار أمر الضرر بين نفسه وغيره. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الصورة الثالثة: ما إذا لم يكن ذلك مستنداً إلى فعل فاعل بالاختيار، كما لو كان بآفة سماويّة وأمر اتفاقي، كما لو أدخلت البقرة رأسها في قدر شخص آخر، فقد يفرض أنَّ المالكين يتراضيان على شيء إمّا كسر القدر أو ذبح البقرة، ولا شكّ أنَّه المتّبع؛ لأنَّ كلّاً منهما مسلّط على ماله، وأُخرى يفرض أنَّ كلّاً منهما يختار ضرر الآخر، ولا يرضى بضرر نفسه، فلا بُدَّ حينئذٍ من الرجوع إلى الحاكم لفصل الخصومة.
ونسب إلى المشهور(1) أنَّه يختار أقلّ الضررين، ككسر القدر إذا كان أقلّ ثمناً، ويخسره صاحب البقرة. وهذا لا نعرف له وجهاً صحيحاً، على تقدير صحة النسبة، فأيّ موجب لإيقاع الضرر على شخص واحد بعدما كان الضرر متوجّهاً إليهما على حدّ سواء، ومجرّد كون أحدهما أقلّ قيمةً لا يوجب إيقاع الضرر عليه، فإلزام صاحب البقرة بالخسارة، مع أنَّ الضرر لم يستند إليه لا موجب له.
وما تقتضيه القاعدة في المقام أن يُقال: إنَّ قاعدة العدل والإنصاف، وهي: قاعدة عقلائيّة وردت على طبقه رواية ما إذا كان عند الودعي درهمان لشخص ودرهم لشخص، فتلف واحد لا يعلم لأيّهما، فورد النصّ بأنَّ الدرهمين الباقيّين أحدهما لصاحب الدرهمين جزماً والثاني مردّد، فحكم الإمام بالتنصيف بينهما.
فهذه القاعدة التي تقتضي إيصال المال إلى صاحبه ولو مقداراً، وهذا متعيّن
ــــــــــ[157]ــــــــــ
(1) انظر: جواهر الكلام 37: 208، 209، الدروس 3: 110، قاعدة نفي الضرر: 429، فرائد الأُصول 2: 471، العناوين 1: 325.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
عند العقلاء، وبناءً عليها لا بُدَّ في المقام من توجيه الضرر إلى كلا الشخصين، فإمّا أن تذبح البقرة ويقسّم الضرر الناتج منها عليهما معاً، فلو قلّت قيمتها دينارين فنصف الضرر يتحمّله صاحبها، ونصفه يتحمّله صاحب القدر، وكذلك إذا كسرنا القدر.
فإذا فرضنا أنَّ قيمة المالين متساوية، والضرر على حدٍّ سواءٍ، فالحاكم يتخيّر بين ذبح البقرة وكسر القدر، وإذا كان قيمة أحدهما أكثر، والضرر المتوجّه إليهما أكثر من الضرر على تقدير كسر القدر مثلاً، فلا بُدَّ للحاكم من اختيار الضرر القليل، فإنَّنا بعد أن فرضنا أنَّ الضرر مشترك بين الشخصين فليس له أضرارهما، فإنَّ إضرار المسلم حرام، وإنَّما يتقدّر بمقدار الضرورة، والمقدار القليل ممّا لا بُدَّ منه، وهو تحمّل نصف خسارة القدر -إذا كان أرخص- هذا ما تقتضيه القاعدة، وحيث لا نصّ في المقام فالمتّبع هذه القاعدة التي عليها بناء العقلاء.
ومرادنا من كون القيمة أكثر أن يكون الضرر أكثر، وإلَّا فلا عبرة بزيادة القيمة، فإنَّه قد يكون الضرر الناتج من الأرخص أكثر، كما لو كان الأرش(1) في البقرة أقلّ من الأرش في القدر، فلا بُدَّ للحاكم من أن يختار أقلّ الضررين.
وفي هذه الفروع كلّها لا بُدَّ من فرض أن يكون أحد الأمرين ممّا علمنا من الخارج أهمّيّته في نظر الشارع، وإلَّا تعيّن اختيار الآخر على جميع التقادير، فلو دخل رأس عبد في قدر، ولم يمكن إخراجه إلَّا بقتل العبد أو كسر القدر فلا
ــــــــــ[158]ــــــــــ
() يعني: الفرق بين صحيحه ومعيبه. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ينبغي الشكّ في عدم جواز قتل المؤمن مقدّمة لإيصال المال إلى مالكه، حتّى لو كان المالك هو الذي عمل ذلك، وحتّى لو كانت قيمة القدر أكثر من قيمة العبد بمراتب، لأهمّية حفظ النّفس المحترمة، فإذا كان من المالك يضمنه، وكذلك إذا كان من شخص ثالث، وإذا كان بآفة سماوية يتقسّط بينهما.
المسألة الثالثة: لو دار الأمر بين أن يتصرّف الإنسان في ملك نفسه فيتضرر الغير، أو لا يتصرّف فيتضرر نفسه، كما لو فرضنا أنَّه لم يكن له بالوعة فيتضرر هو، وإذا حفرها يتضرر الجار، فهل يجوز هذا التصرّف أو لا؟ وعلى تقدير جوازه إذا تضرر الجار بذلك، هل يكون هذا ضامن أو لا؟ فيه كلام، وللمسألة فروع(1).
قد يفرض أنَّ التصرّف إنَّما هو بداعي إضرار الجار فقط، وليس في ترك التصرّف ضرر على المتصرّف، وقد يفرض أنَّ التصرّف ليس بداعي الإضرار، بل بداعي هوى النفس، وليس فيه منفعة عقلائيّة تعود عليه، فإذا لم يفعل لا يتضرر بتركه، وقد يفرض أنَّه إذا ترك هذا تفوته المنفعة من دون أن يتضرر، ولكنّه إذا عمل هذا العمل يتضرر الجار بذلك، وقد يفرض أنَّ التصرّف موجب لإضرار الغير، وتركه موجب لإضرار نفسه. فهذه صور أربع.
ففي الصورة الأُولى لا يبعد الالتزام بحرمة هذا التصرّف، على ما نسب إلى المشهور(2) أيضاً، فإنَّ الإضرار بالغير محرّم في الشريعة المقدّسة، وهذا إضرار فيكون ممنوعاً. ولا يبعد استفادة ذلك من لا ضرار بالبيان المتقدّم.
ــــــــــ[159]ــــــــــ
() على نحو يعمّ غير ذلك أيضاً. (المقرّر).
(2) انظر: فرائد الأُصول 2: 470، 471، العناوين 1: 333.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وأمّا إذا فرضنا أنَّ للتصرّف نفعاً يعود إلى المتصرّف، أو أنَّ في تركه ضرراً يعود عليه، فيتصرّف الإنسان في ملك نفسه بداعي النفع أو دفع الضرر من دون أن يكون تصرّفاً في ملك الغير. فالظاهر جواز ذلك، فإنَّ الناس مسلّطون على أموالهم، ولم يعلم حرمة الإضرار بالغير إلى هذا الحدّ، وهو منع تصرّف المالك في ملكه، فلو فرضنا أنَّ تاجراً ذهب إلى جلب سلعة لينتفع بها، فتوقّع حصول الضرر على الغير لا يحتمل القول بحرمته، والمفروض أنَّ التاجر لم يتصرّف في مال الغير، وإنَّما أوجب ضرر الآخر، باعتبار كثرة وجود السلعة في السوق.
ومن هذا القبيل ما إذا بنى عمارة عالية بحيث منعت إشراق الشمس على الجار، فتضرّر الجار بذلك، كما لو كانت له زراعة تلفت بذلك مثلاً، ولكن المتصرّف ينتفع بتصرّفه في ماله أو يدفع به ضرراً عن نفسه. لا يبعد جوازه وإن أوجب ضرر الغير، فإنَّ الناس مسلّطون على أموالهم، ولم يتصرّف هو في مال الغير وإن استلزم تضرّره.
ولو فرضنا أنَّ دليل الجواز للتصرّف ودليل حرمة الإضرار لم يشمل المقام، فمقتضى البراءة هو الجواز.
وأمّا من جهة الحكم الوضعي -وهو: الضمان- فالظاهر أنَّه لا يضمن هذه الخسارة، فإنّ الضمان يترتّب على أحد أمرين:
الأمر الأوّل: الإتلاف بالمباشرة.
الأمر الثاني: يكون المال في يده ويتلف فيضمن لقاعدة اليد.
ــــــــــ[160]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وليس شيء منهما في المقام، فإنَّه يتلف لقلّة رغبة الناس، أو عدم إشراق الشمس، ولا يصدق عرفاً أنَّه أتلفه، وإن أوجد هذا الشخص بعض مقدّماته، فإنَّه لا يُقال في التاجر الأوّل أنَّه أتلف مال التاجر الثاني، ولا يبعد أنَّ هذا هو المرتكز في أذهان العقلاء، حيث لا يضمّنون التاجر الأوّل الذي خسّر الثاني.
وأمّا إذا فرضنا أنَّه تصرّف في مال شخص آخر، باعتبار أنَّ ترك تصرّفه ضرر عليه، أو في تصرّفه نفعاً عائداً إليه، كما في حفر البالوعة التي يؤثّر رطوبتها على حائط الجار فإذا كان في ترك التصرّف ضرر على الشخص، أو تفوته منفعة راجعة إليه، وإن كان فيه ضرر للجار أيضاً، فيدور الأمر بين الضررين أو بين منفعته وضرر الجار.
فنسب إلى المشهور جواز التصرّف، فإنَّ الناس مسلّطون على أموالهم، وإن ترتّب عليه ضرر الغير، وربّما استدلّوا بدليل لا حرج ولا ضرر. ولكن الظاهر أنَّ شيئاً منها لا يتمّ. أمّا دليل لا حرج فلأنَّه:
أوّلاً: أخصّ من المدّعى، فإنَّه ليس ترك الفعل الذي في إيجاده منفعة أو في تركه ضرر حرج دائماً، فإنَّ الحرج ما فيه صعوبة غير متحمّلة عادة، وهي غير موجودة دائماً.
ثانياً: لا يمكن شموله للمقام، لأنَّ التصرّف في مال الغير حرام، ولا يمكن أن يُقال: إنَّ لا حرج يكون حاكماً على لا ضرر، فإنَّ كلاهما من الأدلّة الحاكمة على الأدلّة الأوّليّة.
وإن شئنا قلنا: إنَّ المورد ليس من موارد لا ضرر ولا حرج، لأنَّ هذه أحكام
ــــــــــ[161]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
امتنانيّة على الأُمّة، لا على البعض دون البعض، فرفع الحكم بالإضرار بالغير، وإن كان فيه امتنان على المتصرّف، إلَّا أنَّه خلاف الامتنان بالنسبة إلى الجار.
وكذلك في دليل لا ضرر، فلو كان يقع في الضرر، فإنَّ في إيجاده ضرر على الجار. إذن، المتعيّن الرجوع إلى الأدلّة المانعة من التصرّف في مال الغير إلَّا بإذنه، فيكون محكوماً بالحرمة.
ثُمَّ إنَّه لو تصرّف هذا التصرّف، فهل يحكم بالضمان أو لا، فيما إذا وصلت الرطوبة إلى حائط الجار؟
الظاهر هو الضمان، فإنَّ النقص الوارد عل مال الغير بفعله واختياره ومستند إليه، وهو ضامن لهذا النقص، سواء قلنا بحرمة التصرّف أو بجوازه، فإنَّه نقص في مال الغير مستند إليه، فمقتضى أدلّة الضمان وجوب الخروج من عهدته. هذا تمام الكلام في قاعدة لا ضرر.
ــــــــــ[162]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الاستصحاب
ــــــــــ[163]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
يقع الكلام في جهات:
ذكر شيخنا الأنصاري(1): أنَّ الاستصحاب عرّف بتعاريف متعدّدة أسدّها: إبقاء ما كان، والمراد به: الحكم بالبقاء.
وذكر صاحب الكفاية(2): أنَّ هذه التعريفات المتعدّدة في كلماتهم ترجع إلى معنى واحد، وهو الحكم بإبقاء حكم أو موضوع ذي حكم شكّ في بقائه.
والظاهر أنَّ ما ذكراه (قدّس سرّهما) لا يتمّ على جميع المسالك؛ لأنَّ الأنظار في حجّيّة الاستصحاب مختلفة، إذ بعضهم يراه أمارة وأنَّه حجّة من باب الظنّ النوعي، شأنه في ذلك شأن سائر الأمارات كالشهرة والخبرالواحد، وهذا هو الذي يظهر من كلمات غير واحد من القدماء(3). وبعضهم(4)رأى حجّيّته من
ــــــــــ[165]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول3: 9.
(2) انظر: مناهج الأحكام: 223، ضوابط الأُصول: 396.
(3) انظر: معارج الأُصول: 289، مبادئ الوصول: 250،251، المعالم: 233،234، القوانين 3:122.
(4) انظر: شرح مختصر المنتهى 3:563.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
باب الظنّ الشخصي؛ لأنَّ كون الشيء متيقّناً سابقاً مشكوكاً لاحقاً، ينتج: الظنّ بالبقاء وهو حجّة، وهو إنَّما يتمّ على مسلك العامّة من حجّيّة الظنّ، وأمّا على مسلكنا فلا.
فلا يمكن تعريف الاستصحاب على نحو ينطبق على جميع هذه المسالك، فإنّا إذا اعتبرناه حجّة من باب الظنّ النوعي فليس هو نفس الحكم بالبقاء، بل هو كاشف عن الحكم. إذن، لا مناصّ من تعريفه بما عرفه بعضهم هو كون المكلّف على يقين وعلى شكّ بعد ذلك، فيقال: كنّا على يقين فشككنا، وكلّ ما كان كذلك فهو مضمون البقاء نوعاً، وقد دلّ دليل على حجّيّة هذا.
وكذلك على مسلك أنَّه حجّة من باب الظنّ الشخصي لا يتمّ تعريفه بالحكم، بل يكون عبارة عن الظنّ بالحكم، فلا بُدَّ أن يعرّف ويقال فيه: إنَّه عبارة عن الظنّ الناشئ من كون المكلّف على يقين ثُمَّ على شكّ.
نعم، إذا قلنا إنَّ الاستصحاب أصل عملي تعبّدي صحّ ما ذكراه، لكن مع التكميل؛ لأنَّه متقوّم باليقين والشكّ، وليس هو عبارة عن الحكم بإبقاء حكم واقعي من دون لحاظ اليقين، فلا بُدَّ أن يُقال: الحكم بإبقاء اليقين في ظرف الشكّ، والمقصود به العمل على طبقه، لأنَّ اليقين ليس اختياريّاً للمكلّف، يعني: الشارع حكم بأنَّ المكلّف متيقّن فعلاً، ولا ينقض بالشكّ أبداً. فما ذكره صاحب الكفاية من أنَّ جميع التعاريف تشير إلى معنى واحد لا يتمّ.
ــــــــــ[166]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
قلنا: إنَّ العبرة في كون المسألة أصوليّة ضمّ صغراها إلى كبراها، فلا بُدَّ أن يترتّب عليها حكمٌ شرعيٌّ كلّيٌّ، مع قطع النظر عن بقيّة المسائل(1).
وأمّا القواعد الفقهيّة فليست كذلك، يعني: لا يختصّ بها الفقيه -كما هو الحال في المسائل الأُصوليّة- بل الفقيه يطبّق قاعدة التجاوز والعامي يطبّقها أيضاً، ولا يستنتج منها حكمٌ كلّيٌّ، بل يطبّقها على الموارد ويستنتج منها أحكام جزئيّة.
والاستصحاب على القول بجريانه حتّى في الأحكام الكلّيّة كما هو المعروف(2)، فلو كان ماءً قليلاً نجساً، ثُمَّ تمّمناه كرّاً فاستصحبنا نجاسته، فيكون من المسائل الأصوليّة كسائر المسائل، وتطبّق هذه الكبرى على صغرياتها، فيفتي المجتهد بنجاسة الماء المتمّم كرّاً.
وأمّا على القول بعدم جريانه في الأحكام الكلّيّة الإلهيّة -كما هو الصحيح عندنا- وأنَّه مختصّ بالشبهات الموضوعيّة. إذن، فحاله حال قاعدة اليد والفراغ
ــــــــــ[167]ــــــــــ
() والنظر فيها إلى الفقيه، وهو يفتي العامي بالحكم الناتج. (المقرّر).
(2) انظر: كفاية الأُصول: 418، درر الفوائد: 577، 578، بحوث في علم الأُصول 6: 209.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
والتجاوز، فالمجتهد يستنبط أنَّ من كان على يقين فشكّ يبقى على يقينه، فيكون من القواعد الفقّهية، لا من المسائل الأصوليّة. وهذا هو الصحيح.
ــــــــــ[168]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
لا ينبغي الشكّ في أنَّ اليقين والشكّ صفتان متضادّتان لا يجتمعان في أمر واحد، فإنَّ اليقين أخذ فيه عدم احتمال الخلاف، والشكّ أخذ فيه احتماله. إذن، قد يكون متعلّق أحدهما غير متعلّق الآخر، وقد يكون واحداً، ولكنّ زمان اليقين والشكّ متعدّد.
بيان ذلك: إنَّ اليقين قد يتعلّق بأمرٍ، والشكّ بأمرٍ آخر أجنبيّ عنه بالكلّيّة، وهذا لا كلام لنا فيه، كما لو علمنا بعدالة زيد، وشككنا بعدالة شخص آخر، فلكلٍّ حكمه وليس بينهما ارتباط.
وقد يفرض أنَّ بينهما ارتباط ما، كما إذا كان متعلّقهما واحد، ولكنّ زمان اليقين غير زمان الشكّ، ومثاله: لو علمنا بعدالة زيد يوم الجمعة، ويوم السبت شككنا بعدالته السابقة، واحتملنا أنَّ اليقين السابق من الجهل المركّب، فالمتعلّق واحد من جميع الجهات حتّى الزمان، ولكنّ زمان اليقين والشكّ مختلف، وهذا هو قاعدة اليقين المعبّر عنه بالشكّ الساري، يعني: الشكّ بعد اليقين يسري إلى زمان اليقين، وهذا أجنبيٌّ عن الاستصحاب. وسيجيء إن شاء الله أنَّ هذا لا دليل على حجّيّته، وأخبار الاستصحاب غير شاملة له.
ــــــــــ[169]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وقد يفرض أنّ متعلّق اليقين والشكّ واحد ذاتاً لا زماناً، فعدالة زيد هي متعلّقهما معاً، لكنّها متعلّقة لليقين في زمان، ومتعلقة للشكّ في زمان آخر، وفي مثل ذلك يجتمع اليقين والشكّ في زمان واحد، ففي نفس الزمان متيقّن وشاكّ، والمتيقّن هو الحدوث، والمشكوك هو البقاء. وهذا هو الاستصحاب الذي يبحث عن حجّيّته في المقام.
وقد يفرض عكس ذلك -وهوما يسمّى بالاستصحاب القهقري- فإنَّ اليقين تعلّق بشيء في الزمان المتأخّر، ولكنّنا نشكّ أنَّه أمر حادث أو بقاء للأمر السابق، ومعناه: أنَّ الوجود الفعلي متيقّن، والوجود السابق مشكوك فيه، فالآن زيد متيقّن العدالة، فهل كان عادلاً قبل شهر أو لا؟ وكان في ذلك الحين قد شهد بشهادة، ولا دليل لنا على حجّيّة ذلك، فإنَّ الروايات الآتية واضحة الدلالة على أنَّ موردها هو سبق اليقين على الشكّ “لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشكّكت“(1)، فلا تثبت حجّيّة هذا الاستصحاب.
نعم، ثبتت حجّيّته في مورد واحد بسيرة العقلاء، وذلك: إذا علمنا ظهور اللفظ في معنى في زماننا هذا، ولا ندري أنَّ ظهوره أمر حادث أو كان من الزمان الأوّل، فمقتضى أصالة عدم النقل المتسالم عليها بين العقلاء حمل اللفظ على المعنى الظاهر فعلاً، وأنَّه كان سابقاً كذلك، وعليه جرت سيرة العقلاء في الإقرار والسجلات، وأمّا في غير باب الظهورات فلم يدلّ دليل على حجّيّة الاستصحاب القهقهري فيرجع إلى الأصول الآخر.
ــــــــــ[170]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 422، باب 22، تطهير الثياب والبدن من النجاسات، الحديث: 8.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وقد يفرض أنَّ اليقين تعلّق بشيء، والشكّ تعلّق بشيء آخر غير متّحدٍ معه بالذات، ولكن بينهما ارتباط، وهو: أنَّه يجمعهما كونهما من أجزاء علّة واحدة، فإن علمنا أنَّ المقتضى موجود، ولكن شككنا أنَّ المانع موجود أو لا، فيشكّ في وجود المعلول لا محالة، فاليقين والشكّ مجتمعان في الزمان، لكن يتغاير متعلّقهما، فإذا صبّبنا الماء على بشرة متنجّس، وشككنا أنَّه هنا حائل عن وصول الماء، ليبقى على نجاسته أو ليس هناك حائل ليطهر-وهذا يعبّر عنه بقاعدة المقتضي والمانع- فهل هنا أيضاً حجّة أو لا دليل على حجّيّته؟ فإنَّ مقتضى الأدلّة الآتية أن يكون اليقين متعلّقاً بعين ما تعلّق به الشكّ.
إلى هنا تبيّن أنَّ الاستصحاب متقوّم بفعليّة اليقين والشكّ وبذلك تخرج قاعدة اليقين، ومتقوّم بتقدّم اليقين وبه يخرج الاستصحاب القهقري، ومتقوّم متعلّق اليقين والشكّ واحداً فتخرج قاعدة المقتضي والمانع.
ينقسم الاستصحاب من جهة المتيقّن إلى أمر وجودي وإلى أمر عدمي، وعلى كلا التقديرين: فإمّا أن يكون من الموضوعات الخارجيّة، أو من الأحكام الشرعيّة. وعلى التقدير الثاني، فقد يكون من الأحكام الجزئيّة، وقد يكون من الأحكام الكلّيّة، وقد يكون الحكم من الأحكام الوضعيّة أو من التكليفيّة. وفي جميع ذلك تفصيل بين الفقهاء.
فبعضهم فصّل بين الحكم الجزئي والكلّي. وبعضهم فصّل بين الموضوعات والأحكام. وقد يفصّل بين الأحكام التكليفيّة والوضعيّة أو الوجودات والعدميّات.
ــــــــــ[171]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وكذلك ينقسم من جهة منشأ الشكّ، فإنَّ الشكّ قد يكون من ناحية المقتضي، وقد يكون الشكّ من جهة الرافع. إمّا من جهة الشكّ بحدوث الرافع، أو من جهة الشكّ في رافعيّة الموجود، وقد يكون من جهة الشبهة الحكميّة، وقد يكون بنحو الشبهة الموضوعيّة، وقد يكون من جهة الشكّ في حدوث الغاية كحدوث الليل بالنسبة إلى الصوم.
فبعضهم خصّ جريان الاستصحاب في الشكّ في الرافع، ولم يلتزم بجريانه في الشكّ في المقتضي كشيخنا الأنصاري، وبعضهم قال بجريانه مطلقاً كصاحب الكفاية. إلى غير ذلك من التفاصيل.
وينقسم باعتبار الدليل الدالّ على ثبوت المستصحب، فقد يكون الدليل لفظيّاً في الكتاب والسنّة، وقد يكون هو الإجماع والدليل اللبّي. فذهب بعضهم إلى جريانه مطلقاً. وخصّه بعضهم بالدليل اللفظي.
ولا حاجة إلى تطويل الكلام في هذه التفصيلات، وإن كان شيخنا الأنصاري(1) قد أتعب نفسه الزكية في ذكرها ومناقشاتها، إلَّا أنَّها ممّا لا يترتّب عليه شيء، فإنَّ العمدة في أدلّة الاستصحاب هو الروايات الدالّة على نقض اليقين بالشكّ، فلا بُدَّ من النظر في دلالتها، فإن كانت مطلقةً قلنا بجريانه مطلقاً، وإن كانت خاصّة قلنا بجريانه في ذلك القسم، فنتعرّض للروايات أوّلاً، ثُمَّ نتعرّض لمقدار دلالتها.
ــــــــــ[172]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 3: 26 – 36.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
تمسّكوا لحجيّة الاستصحاب بالسيرة العقلائيّة، وأنَّ العقلاء لا يعتنون بالشكّ بعد اليقين، ويرتّبون عليه الأثر في أمورهم المعاشيّة، بل ذكر شيخنا الأُستاذ(1) أنَّ البناء على الحالة السابقة من مرتكزات البشر، بل زاد على ذلك بأنَّه لو لم يكن كذلك لاختلّ نظام الدنيا فيما لو جرى القرار على العمل بالعلم الوجداني بخصوصه.
ولكن الأمر ليس كذلك. أمّا ما ذكره من اختلال النظام فقد نسب إلى جماعة من الفقهاء أنَّهم لا يقولون بحجّيّته مطلقاً فهل اختل نظامهم؟ وأمّا كونه من مرتكزات العقلاء فإنَّهم وإن كانوا يعملون على طبق الحالة السابقة، إلَّا أنَّه ليس مبنّياً على التعبّد ببقاء الحالة السابقة، بل ينشأ من عدّة أُمور:
فتارة: ينشأ من الاطمئنان الخارجي، كما نرى أنَّ الإنسان يخرج من داره لحاجة، ثُمَّ يرجع إلى بيته، حتّى مع الالتفات إلى أنَّ البيت لعلّه خرب بعد خروجه، لكنّه لا يعتني بهذا الاحتمال. ومنه: معاملة التجّار، فنرى التاجر
ــــــــــ[173]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 357، فوائد الأُصول 4: 331، 332.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
يرسل أموالاً إلى وكيله، مع احتمال أنَّه مات، وذلك لاطمئنانه ببقائه، ولأجل أنَّ هذا مبني على الاطمئنان لا للتعبّد، أنَّه لو حدث في البلد زلزلة ومات جماعة من أهله واحتمل التاجر أنَّ وكيله قد مات فإنَّه لا يبعث له المال.
وتارةً: يكون العمل على طبق الحالة السابقة من جهة الرجاء والاحتياط، كما لو كان ولد التاجر في ذلك البلد الذي حصل فيه زلزلة واحتمل أنَّه مات، فإنَّه يرسل إليه ما يحتاج إليه برجاء أنَّه حي.
وثالثة: يكون من جهة الغفلة عن البقاء وعدم البقاء، فهو غير ملتفت إلى أنَّ المتيقّن السابق قد ارتفع -ولعلّ هذا كثير في من يخرج من داره ويعود- ولا يبعد أن يكون رجوع الحيوانات إلى أوكارها من هذا القبيل، لا أنَّه لا يحتمل خرابه ويتمسّك بالاستصحاب؛ لأنَّه مرتكز على ما ادّعي، وإنَّما ذلك باعتبار الغفلة. فلما لم يكن عمل العقلاء مبنيّاً على أساس واحد، فكيف يمكن أن يدّعى أنَّ السيرة العقلائيّة قائمة على العمل بالحالة السابقة؟ إذن، فالصغرى ممنوعة.
ثُمَّ على تقدير ثبوت السيرة، فهل تكون الآيات الناهية عن العمل بالظنّ أو بغير العلم رادعة عن السيرة أو لا تكون؟
ذكر صاحب الكفاية(1) أنَّه على تقدير تحقّق السيرة فيكفي في الردع الآيات الناهية عن العمل بغير العلم؛ فإنَّ حجّيّة السيرة ثابتة من جهة الإمضاء الشرعي المنكشف بعدم ردع الشارع، فإذا نهى عنه لم تكن السيرة حجّة. وهذا
ــــــــــ[174]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 387.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
يناقض ما ذكره في باب حجيّة خبر الواحد؛ إذ قال(1): إنَّ سيرة العقلاء جرت على الأخذ بخبر الواحد.
ثُمَّ قال: إن قلت: إنَّ الآيات الناهية عن العمل بغير العلم كافية بالردع.
قلت: إنَّ الردع يتوقّف على تخصيص السيرة بهذه العمومات، فلو فرضنا أنَّ عدم التخصيص يتوقّف على الردع لكان دوراً. وعين هذا البيان يأتي في المقام. ولا ندري لماذا لم يطبّقه هنا، بل ذكر أنَّ الآيات صالحة للردع، مع أنَّهما من باب واحد.
نعم، بين المقام وخبر الواحد فرق من جهة أُخرى، وهي: أنَّنا لو توقّفنا عن أنَّ الآيات رادعة عن السيرة، أو السيرة مخصصّة للآيات، فإنَّه يدخل في كبرى أنَّ المخصّص المتقدّم هل العموم يكون رادعاً عن المخصّص المتقدّم؟ فإذا توقّفنا في ذلك يسقطان معاً. ففي مسألة حجّية خبر الواحد يمكن التمسّك باستصحاب حجّيّته قبل نزول هذه الآيات، فيقال: إنَّ العمل به كان حجّة؛ إذ المفروض أنَّه لم يكن ردع، وبعده يشكّ بارتفاع الحجّيّة؛ لاحتمال الردع بها فنستصحب، وهذا لا يمكن التمسّك به في المقام، لأنَّ الكلام في حجّيّة الاستصحاب، فلا يمكن التمسّك به في المقام وإلَّا كان دوراً.
والصحيح أنَّ الآيات لا يمكن أن تكون رادعة للسيرة على تقدير ثبوتها، والوجه في ذلك ما ذكرناه في بحث خبر الواحد، وهو: أنَّ هذه الآيات إرشاد إلى حكم العقل؛ فإنَّ العقل مستقلّ بكون الإنسان يجب أن يكون مأموناً عن
ــــــــــ[175]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 303.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الضرر والعقاب، وهذا لا يكون إلَّا بالقطع بعدم العقاب، أو بالقطع بما هو حجّة، أي: العلم الوجداني أو التعبّدي.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ ذلك غير متحقّق فاحتمال الضرر موجود، والظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً، فلو كان الواقع على خلاف الظنّ فلا يترتّب عليه أثر.
فإذا فرضنا أنَّ السيرة العقلائيّة جارية على شيء ولم يتحقّق من الشارع ردع، فكيف يمكن أن يكون هذا مشمولاً للآيات الناهية؟ ولا يحتمل أحد من العقلاء عدم جواز العمل بما جرت به السيرة العقلائيّة بالنهي عن العمل بالظنّ، ولذا لم يتوقّف أحد عن العمل بالظاهر، مع أنَّه حجّة بالسيرة العقلائيّة. ولم يتوهّم أحد عدم جواز العمل به؛ لأنَّه ظنّيٌّ، فيكون منهيّاً عنه. فلا فرق بين الاستصحاب وخبر الواحد والظواهر وغيره ممّا ثبتت فيه السيرة، فإنَّ رفع اليد عنها لا بُدَّ فيه من دليل خاصّ، كالقياس الذي وردت فيه روايات لعلّها متواترة في الردع عن العمل به، والذي يهوّن الخطب ما ذكرناه بأنَّ السيرة غير ثابتة.
وممّا استدلّ به على حجيّة الاستصحاب ثبوت الشيء في زمان مع الشكّ بارتفاعه في الزمان الثاني مفيد للظنّ، ولا بدَّ من العمل بالظنّ.
وهذا أشبه شيء باستدلالات العامّة الذين يعملون بالظنّ. أمّا على مبانينا من أنَّ الظنّ ليس بحجّة، فلو سلّمنا إفادته للظنّ لم يكن حجّة. على أنَّ الصغرى ممنوعة، فإنَّ تحقّق الظنّ الشخصي يختلف باختلاف الأُمور المتحقّقة،
ــــــــــ[176]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
فقد يكون الشيء مظنون البقاء، وقد يكون مظنون العدم، وقد يكون مشكوكاً فيه، وليس هنا ميزان كلّي.
استدلّوا على حجّيّته بالإجماع، وهذا أيضاً واضح الدفع، لأمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ الاتفاق لم يثبت، فإنَّ جملة منهم أنكروا حجّيّته على الإطلاق. وبعضهم أنكروه في بعض موارده كالشكّ في المقتضي أو الأُمور العدميّة.
الأمر الثاني: لو اتفقوا على حجّيّته، فهذا ليس إجماعاً تعبّدياً؛ إذ لعلّهم تخيّلوا قيام السيرة العقلائيّة عليه، أو تمسّكوا بالأخبار والروايات -كما هو المظنون- فالعبرة بمدركه، فإنَّ تمّ فهو، وإلَّا لم يكن حجّة.
منها: صحيحة زرارة التي فيها: “أيوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء، ثُمَّ سأله: إنَّه ينام ويتحرّك عنده شيء وهو لا يعلم، قال: لا حتى يستيّقن أنَّه قد نام وإلَّا فإنَّه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشكّ أبداً“(1).
أمّا سندها فصحيح، والإضمار غير مضرٍّ من زرارة لعلو شأنه، ولا يحتمل أنَّه سأل غير الإمام(2).
ــــــــــ[177]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 1: 8، الباب 1، الأحداث الموجبة للطهارة، الحديث: 11.
(2) ولا سيّما مع أهمّيّة سؤاله، على أنَّ جماعة ذكروا هذه الرواية مسندة إلى أبي جعفر الباقر. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وصاحب الوسائل وإن ذكر هذه الصحيحة عن إسناد الشيخ إلى الحسين بن سعيد، وظاهره أنَّ الشيخ رواها مبدوءاً بالسند عن الحسين بن سعيد(1) فهو يرويها عن كتابه، كما صرّح به في أوّل المشيخة: أنَّ الراوي الذي أبدأ به هو الذي أرويه عن كتابه(2).
ولكن الأمر ليس كذلك، فإنَّها مذكورة في التهذيب بسند الشيخ، وهو لا يروي عن ابن سعيد، وفيه أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، وهو لم يوثّق. فيوهم أنَّ الرواية تصبح ضعيفة، فإنَّها إنَّما تكون صحيحة إذا رويت عن كتاب ابن سعيد دون الطريق الآخر.
نعم، ورد توثيق أحمد هذا عن بعض المتأخّرين، ولكنّنا لا نعتمد على توثيقهم، فإنَّه مبني على الاجتهاد.
ولكنَّ واقع الأمر ليس كذلك، فإنَّ الشيخ ذكر طرقه إلى كتاب الحسين بن سعيد، وفي بعضه أحمد بن الوليد المذكور، ولو كان الأمر منحصراً بما ذكره في المشيخة كانت هذه المناقشة في محلّها.
ولكنّه ذكر في الفهرست(3) طرقه إلى الحسين بن سعيد، ويذكر: أنَّ الشيخ يروي جميع كتبه ورواياته بطريق صحيح. إذن، هذه الرواية من الروايات التي رواها عن الحسين بن سعيد بطريقه الصحيح، وذكر في آخر المشيخة(4): أنَّ
ــــــــــ[178]ــــــــــ
(1) انظر: شرح مشيخة تهذيب الأحكام: 4، 5.
(2) انظر: شرح مشيخة تهذيب الأحكام: 63 – 70.
(3) انظر: الفهرست: 58، 59.
(4) انظر: شرح مشيخة تهذيب الأحكام: 88.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ما ذكره هنا إنَّما هو بعض طرقه فليطلب البعض الآخر من الفهرست وغيره. إذن، فلا مناقشة من ناحية السند.
وقد سأل الإمام عن شبهة موضوعيّة وشبهة حكميّة، فسأل أوّلاً عن الحكميّة، وأنَّ الخفقة والخفقتان هل يوجبان الوضوء؟ وأجابه: لا. ومنشأ السؤال أحد أمرين:
الأمر الأوّل: إمّا أنَّ الخفقة والخفقتين داخلتان في النوم أو لا.
الأمر الثاني: أو أنَّه فرض أنَّهما ليستا من النوم، ولكنّه احتمل أنَّهما أيضاً مبطلتان للوضوء.
ثُمَّ سأل عن شبهة موضوعيّة، فإنَّ حرّك في جنبه شيء وهو لا يعلم؛ إذ لعلّ القلب أيضاً نام. فأجابه الإمام: أنَّه ما لم يستيقن النوم لا يجب عليه الوضوء، وإلَّا فإنَّه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشكّ أبداً.
ويقع الكلام من جهة الدلالة والاستشهاد بجملة: لا يجب عليه الوضوء حتى يستيّقن أنَّه قد نام حتى يجيء من ذلك أمر بيّن، وإلَّا فهو على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين أبداً بالشكّ ولكن ينقضه بيقين آخر.
وفيه احتمالات:
الاحتمال الأوّل: أن يكون قوله: “لأنَّه على يقين من وضوئه” تعليلاً للجزاء المقدّر، كما ورد في كثير من الآيات، كقوله تعالى: وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّـهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(1)، وإلَّا فإنَّه من المعلوم أنَّ غنى الله عن العالمين غير مترتّب
ــــــــــ[179]ــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
على كفرهم، فيحذف الجزاء وتقوم العلّة مقامه وتدلّ الفاء عليها، فتكون الرواية بمعنى: وإن لم يستيّقن لا يجب عليه الوضوء، فإنَّه على يقين من وضوئه…، فهي علّة قامت مقام الجزاء.
وعلى هذا الاحتمال -وهو الظاهر على ما نبيّن- فالدلالة على الاستصحاب واضحة؛ وذلك من جهة أنَّ قوله: (وإلَّا فهو على يقين…)، إمّا أن يراد به أنَّه لا ينقض اليقين بالشكّ، أو يراد به اليقين بالوضوء والشكّ في النوم على طبق سؤال زرارة، فيكون المعنى لا ينقض اليقين بالوضوء بالشكّ بالنوم، أو يراد الشكّ في بقاء الطهارة سواء كان من جهة احتمال النوم أو غيره، يعني: المتيقّن بالوضوء إذا احتمل زوال الطهارة لا يعتني بشكّه. ولا ينقض اليقين بالوضوء بالشكّ بالناقض، أو يراد باليقين طبيعي اليقين، وبالشكّ طبيعي الشكّ، يعني: الأمر المبرم لا ينقض بأمر غير مبرم، بلا فرق بين مورد الرواية وغيره، فتكون دالة على الكبرى.
وعلى هذا الشقّ الأخير يتمّ الاستدلال على الاستصحاب، فيقال: إنَّ الإمام أعطى ضابطة كلّية، وهي: أنَّ اليقين بشيء لا ينقض بالشكّ، وطبّقه على مورد السؤال تعليلاً له بهذه الضابطة.
وأمّا على الشقّين الأوّلين فلا يكون فيه دلالة على الاستصحاب مطلقاً، غايته: يدلّ على لزوم البناء على الطهارة، فيما إذا كانت متيقّنة وشكّ في بقائها من جهة النوم أو هو وغيره، فلا يكون فيها دلالة على حجّيّة الاستصحاب مطلقاً.
أمّا الشقّ الأوّل: فيرجع الكلام إلى أنَّ المتيقّن بالوضوء إذا شكّ في النوم لا
ــــــــــ[180]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
يجب عليه الوضوء، وهو ضعيف جدّاً، والوجه في ذلك: أنَّه على هذا الشقّ يكون المستفاد من العلّة هو هو بعينه ما كان مذكوراً في المعلول، فيقال: إنَّ المتيقّن بالوضوء وشاكّ في النوم لا يجب عليه الوضوء؛ لأنَّه متيقّن بالوضوء وشاكّ في النوم؛ لأنَّه يكون من تعليل الشيء بنفسه، فيكون من قبيح الكلام.
وأمّا الشقّ الثاني: فيمكن أن يُقال فيه: إنَّه علّل خصوص المورد بكبرى كلّية، وهي: أنَّ المتيقّن بالوضوء إذا شكّ في بقائه من جهة النوم لا يجب عليه الوضوء؛ لأنَّ كلّ متيقّن بالوضوء وشاكّ في بقائه من جهة النوم وغيره؛ فإنَّه لا يجب عليه الوضوء، ولا يكون من تعليل الشيء بنفسه.
إلَّا أنَّه بعيد عن سياق العبارة، فإنَّ سياقها يدلّ على الإطلاق، وليس هنا أيّ قرينة تدلّ على أنَّ المراد باليقين اليقين بالوضوء، وذكر الوضوء إنَّما هو باعتبار أنَّ اليقين من الصفات ذات الإضافة التي لا توجد إلَّا بطرفه، ومن هذه الجهة ذكر الوضوء، فاحتمال الاختصاص باليقين بالوضوء مع كونه في مقام التعليل الذي ظاهره التعليل بأمر ارتكازي ينافيه ذلك الاختصاص، فالظاهر أنَّه في مقام إعطاء الضابطة الكلّيّة، وبه يتمّ دلالته على الاستصحاب. هذا بناءً على أنَّ قوله: (فإنَّه على يقين من وضوئه) قائم مقام الجزاء.
الاحتمال الثاني: أن يكون الجزاء قوله: (فإنّه على يقين) توطئة للجزاء، وهذا غير محتمل بحسب القواعد العربيّة، فإنَّ الواو مانع عن أن يكون ما بعده هو الجزاء، فلو كان هو الفاء لأمكن ذلك، ولكنّه ليس كذلك، فإنَّ الجزاء إمّا بالفاء أو بلا فاء، وفي المقام عطف.
ــــــــــ[181]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الاحتمال الثالث: أن يكون قوله: “على يقين من وضوءه” جملة خبريّة ظاهراً، وانشائيّة واقعاً، فتكون بنفسها جزاءً.
وقد ذكره شيخنا الأستاذ(1) واستغربه، والوجه في ذلك: أنَّ هذه الجملة إن بقيت على ظاهرها من كونها خبريّة لا تصلح أن تكون جزاءً؛ لأنَّها غير متفرّعة على الشرط، وهو: اليقين بالنوم، فإنَّه استيّقن بالنوم، فإنَّه على يقين من وضوئه في زمان سابق، وإن أرجعناها إلى الجملة الإنشائيّة يصحّ هذا الترتّب، إلَّا أنَّ استعمال الجملة الاسميّة في مقام الطلب غير معهود، ولم أرَ هذا الاستعمال أبداً في أيّ استعمال عربي، فإنَّ الجملة الخبريّة وإن كانت تستعمل في مقام الطلب والإنشاء، إلَّا أنَّها خاصّة بالماضي والمضارع إذا كان قبله شرط، وأمّا الجملة الاسميّة(2) كقوله: فإنَّه على يقين من وضوئه، فلم نرَ استعمالها في مقام الطلب في اللغة العربيّة وغير العربيّة. نعم، يصحّ استعمالها في مقام الإنشاء لكن في غير الطلب، كزوجتي طالق وهذا العبد حرّ، مع أنَّ ذلك في خصوص المقام غير ممكن، فإنَّ المحمول هو قوله: “فإنَّه على يقين“، ولا معنى لطلب الكون على اليقين، فإنَّه غير قابل للطلب، فلا بُدَّ من التقدير: بأنَّه ماضٍ على يقينه، يعني: يجب عليه ذلك، وهذا التقدير لا دليل عليه. إذن، هذا الاحتمال ساقط.
والصحيح هو الأوّل وهو كون الجزاء مقدّراً والصلة قائمة مقامه، وتتمّ الدلالة على الاستصحاب.
ــــــــــ[182]ــــــــــ
() انظر: فوائد الأُصول 4: 336.
(2) أو يُقال: زيد قائم، يعني فليقم، وهذا لم يستعمل في استعمال فصيح. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
يمكن أن يُقال على هذين الاحتمالين الساقطين: إنَّ الرواية دالّة على حجيّة الاستصحاب من دون فرق بين الأوّل والأخيرين.
والذي يدلّنا على ذلك: أنَّ جملة نقض اليقين بالشكّ مستعملة في غير هذه الرواية، فيعلم أنَّه غير مختصّ بالشكّ في الطهارة من جهة الشكّ في النوم، فتكون قرينة على أنَّ خصوصيّة المورد ملغاة، والعبرة على طبيعي اليقين، سواء كان موطئاً للجزاء، أو هو بنفسه جزاء.
وممّا يدلّ على ذلك: -زائداً على تكرّر هذه الجملة في عدّة موارد- أنَّ لفظ اليقين في الرواية مطلق فيؤخذ بإطلاقه، وحينئذٍ يستفاد منه أنَّ الجزاء هو عدم نقض اليقين بالشكّ، أو أنَّه متمّم الجزاء، وأمّا ذكر الوضوء هنا لا يكون موجباً للتقيّيد، فإنَّ اليقين من الصفات ذات الإضافة ولا يوجد إلَّا متعلّقاً بشيء، فمن الممكن أن يكون قوله: “وإلَّا فإنَّه على يقين من وضوء” إنَّما هو من هذه الجهة، لا لخصوصيّة في الوضوء. إذن، لا مقيد لهذا الإطلاق، فدعوى أنَّ كلمة اللام عهد إلى الوضوء لا موجب له أبداً. والظاهر من الرواية أنَّه في مقام تطبيق الكبرى على الصغرى، فيؤخذ بالإطلاق.
ويؤكّده أنَّه أتى بكلمة النقض وهو في مقابل الإبرام، ويكون للشيء المبرم، ومن المعلوم أنَّ الإبرام قائم باليقين بما هو أمر مبرم، فخصوصيّة الوضوء ملغاة.
والذي يؤكّده كلمة (أبداً)، وأنَّ هذا الحكم أبدي دائمي، فيعلم أنَّه من
ــــــــــ[183]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
أحكام اليقين، وأنَّه متى وجد لا ينقض بالشكّ، وأنَّ هذا أمر ارتكازي من أنَّ الأمر المبرم لا يرفع اليد عنه بالأمر غير المبرم.
فلا مانع من الاستدلال بهذه الجملة على حجيّة الاستصحاب، وإن كانت دلالتها -بناءً على أنَّها علّة- أوضح، فإنَّه لا يكون إلَّا بالأمر الارتكازي عند العقلاء لا بأمر تعبّدي.
وقد يتوهّم أنَّ عدم جواز نقض اليقين بالشكّ إذا كان ارتكازياً عقلائيّاً فالاستصحاب مّما جرت عليه السيرة العقلائيّة، وإذا لم يكن ارتكازياً -على ما قلناه- فكيف يمكن أن نقول بأنَّ التعليل بأمر ارتكازي؟
ولكن هذا توهّم محض، فإنَّ السيرة العقلائيّة غير تامّة على ما ذكرناه، وهذه القاعدة: “أنَّ الأمر المبرم لا ينقض بالأمر غير المبرم” أمر واضح، وكلّ عاقل يعرف أنَّ الشكّ لا ينقض اليقين، ولكن الكلام في التطبيق، فكيف يمكن أن تجتمع هاتان الصفتان في مورد، حتّى يُقال: إنَّه لا ينقض بالشكّ.
فالتضييق تعبّدي لا محالة، والإمام ألغى جهة الزمان، فبقي اليقين والشكّ متعلّقان بشيء واحد مع قطع النظر عن الزمان، وهذا المقدار من التصرّف في الرواية ممّا لا بُدَّ منه، وإلَّا فهما لم يتعلّقا بأمر واحد حقيقة.
إذن، هذه القاعدة ارتكازية، لكنّ تطبيقها على الاستصحاب تعبّدي لاختلاف التعلّق.
ويظهر ممّا ذكرناه من أنَّ العبرة بطبيعي اليقين والشكّ أنَّ الرواية تشمل
ــــــــــ[184]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
تمام موارد الشكّ واليقين بلا فرق بين المتيقّن سواء كان وجوديّاً أو عدميّاً، وبين الشبهة الحكميّة أو موضوعيّة، وبين الحكم الوضعي أو التكليفي.
يقع الكلام فيما ذكره الشيخ(1) من التفصيل بين ما إذا كان الشكّ شكّاً في المقتضي أو شكّاً في الرافع (2)، فالتزم بجريان الاستصحاب في الثاني دون الأوّل.
والظاهر أنّ الشيخ لا يريد بالمقتضي في باب العلل والمعلولات، حيث إنَّ العلّة تتركّب من المقتضي والشرط وعدم المانع، فالمقتضي ما يعبّر عنه بالسبب، والشرط ما كان دخيلاً في فعليّة الأثر، كالمماسة للنار، والمراد بالمانع ما يقتضي خلاف ما يقتضيه المقتضي الأوّل، كالرطوبة المانعة عن الإحراق. ومعلوم أنَّ الشيخ لا يريد بتفصيله هذا المعنى، والوجه في ذلك:
أوّلاً: أنَّه يجري الاستصحاب في العدميّات، ومن المعلوم أنَّها لا تحتاج إلى علّة أصلاً، وإنَّما يحتاج إلى العلّة الوجود، فلا معنى لأن يُقال: إنَّه لا بُدَّ في العدم من إحراز المقتضي.
ثانياً: أنَّه يجري الاستصحاب في الأحكام التكليفيّة والوضعيّة، فإنَّ الأحكام اعتبارات من المولى، وليس لها مؤثّر إلَّا إرادة المولى وشوقه، وما معنى إحراز المقتضي فيها، حتى يُقال: إنَّ الاستصحاب متوقّف عليه، والذي يحتاج إلى العلّة هي الموضوعات الخارجيّة والموجودات التكوينيّة، وأمّا الأحكام فأمر
ــــــــــ[185]ــــــــــ
() انظر: فرائد الأُصول 3: 46 – 48.
(2) سواء في الشكّ في وجود الرافع أو رافعيّة الموجود. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
رفعها ووضعها بيد الشارع ولا مؤثّر فيها إلَّا إرادته.
كما أنَّه لا يحتمل أن يريد بالمقتضي الموضوع، باعتبار أنَّ موضوع الحكم قد يقال له المقتضي، فالأُمور الوجوديّة يعبّر عنه بالشرائط، والأُمور العدميّة بالموانع، فيقال: إنَّ المقتضي لانتقال المال إلى الوارث هو موت المورث، ولكنّه مشروط بأن يكون الوارث مسلماً إذا كان المورِّث مسلماً. فالشرط هو الإسلام، والمانع هو القتل مثلاً، والموضوع بهذا المعنى لا بُدَّ من إحرازه في جريان الاستصحاب، فإنَّ لزوم إحرازه في جريانه أمر متسالم عليه قد ذكره الشيخ وغيره، وقالوا: إنَّ الاستصحاب يغاير القياس، فإنَّ القياس إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر، والاستصحاب هو إسراء الحكم مع اتّحاد القضيّة المتيقّنة والمشكوكة موضوعاً ومحمولاً، بأن يتعلّق الشكّ واليقين بأمر واحد.
فهذا أمر متسالم عليه ولا بدَّ من اعتباره، فكيف يجعله الشيخ تفصيلاً في المقام، ويلتزم باعتبار إحراز المقتضي.
ثُمَّ إنَّ الموارد التي ذكر الشيخ فيها أنَّ الاستصحاب لا يجري فيها؛ لأنَّه شكّ في المقتضي لا ينطبق على ذلك جزماً، فمنها: ما إذا شكّ أنَّ خيار الغبن فوري أو لا، وذكر(1): أنَّ القضية المتيقّنة غير المشكوك فيها، مع أنَّهما متّحدان بأن يقال: كان زيد على خيار في المعاملة الفلانيّة ونشكّ ببقائه.
كما أنَّه لا يحتمل أن يريد الشيخ بالمقتضي ملاكات الأحكام، بحيث يعتبر
ــــــــــ[186]ــــــــــ
(1) انظر: المكاسب 5: 210.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
في جريان الاستصحاب إحرازها في الآن الثاني، ومع ذلك نحتمل ارتفاع الحكم للمزاحم، وهذا أيضاً لا يمكن، لأمرين:
الأوّل: أنَّ هذا لا يتمّ في الموضوعات الخارجيّة، ولا معنى لإحراز الملاك فيها، فإنَّ الملاك إنَّما يكون في الأحكام لا في الموضوعات.
الثاني: على تقدير لزوم إحراز الملاك يكون سدّاً لجريانه في جميع الأحكام؛ لأنَّه لا طريق لنا إلى إحراز الملاك بقاءً، إلَّا عن طريق الغيب الذي نحن محرومون منه. فمعناه: أنَّه لا يجري في الأحكام مطلقاً، مع أنَّه التزم بجريانه فيها.
ففي المعاطاة إذا شككنا في أنَّها لازمة أو جائزة ترتفع برجوع أحد الطرفين، والتزم(1) بجريان الاستصحاب، فكيف أحرز الشيخ الملاك هنا، وأنَّه باقٍ في الآن الثاني بعد الرجوع، فالمقتضي في كلام الشيخ له معنى آخر غير ذلك.
وذكر شيخنا الأُستاذ أنَّه يظهر مراده ممّا ذكره في الموارد المختلفة، فقد ذكر(2) في باب المعاطاة: أنَّنا لو شككنا أنَّها ترتفع بالرّد أو لا عند وجود العين، فنشكّ في بقاء الملكيّة فنستصحبها فيثبت اللزوم، فهذا جعله من موارد الاستصحاب، ولم يستشكل أنَّه شكّ في المقتضي.
ــــــــــ[187]ــــــــــ
(1) انظر: المكاسب 3: 51.
(2) انظر: المكاسب 3: 51.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وذكر(1) في خيار الغبن: إذا شككنا أنَّه فوري أو لا، فذكر هناك أنَّ الاستصحاب لا يجري لأنَّه من الشكّ في المقتضي إذا كان متمكناً من الفسخ ولم يفسخ، فما هو الفرق بين الموردين؟
ذكر شيخنا الأُستاذ(2) أنّه يظهر من هذه الموارد أنَّ الشيخ يريد معنى آخر، وحاصل ما ذكره: أنَّ كلّ موجود يوجد في هذه العالم فهو بحسب ذاته مستعد للبقاء زماناً مّا لا محالة، كما أنَّه ليس أزليّاً في وجوده، ويختلف هذا الاستعداد باختلاف ما جعله الله في كلّ صنف من حيوان وغيره، فيقال: إنَّ الفيل يعيش مئة سنة لو لم يعرض عليه عارض، وكذلك الجمادات تختلف استعداداتها من جهة البقاء وغيره.
فإذا شككنا في بقاء موجود تكويني خارجي، فقد يفرض أنّنا نعلم استعداد ذلك الشيء للبقاء مدّة ما، ولكن نشكّ في البقاء لأمر خارجي، كالإنسان الذي بطبعه يبقى عادة ثمانين سنة مثلاً إذا لم يطرأ عليه عارض، فإذا شككنا في بقائه، فاستعداد البقاء معلوم، والشكّ لأمر آخر. ففي مثله يجري الاستصحاب، وأمّا إذا شككنا في استعداده للبقاء كبعض الحيوانات فلا يجري الاستصحاب.
وأمّا في الأحكام الشرعيّة فهي أيضاً كذلك، فقد يكون حكم فعليٌّ مستعدّاً للبقاء في عمود الزمان لو لم يكن عارض ورافع من الخارج، كالطهارة
ــــــــــ[188]ــــــــــ
(1) انظر: المكاسب 5: 212، 213.
(2) انظر: فوائد الأُصول 4: 326، 331، أجود التقريرات 2: 354- 357.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
والنجاسة والملكيّة، فلو تنجس جسم فإنَّه يبقى نجساً آلاف السنين، وإنَّما يحتاج رفعها إلى رافع، لا أنَّها ترتفع بنفسها، ومثلها الطهارة الحدثيّة والخبثيّة، ونحوه الحدث نفسه، فإنَّه يبقى ما لم يطرأ عليه الرافع، ولا يرتفع في عمود الزمان بنفسه.
فإذا قسّنا هذه الأحكام إلى عمود الزمان، فليس لها حدّ مخصوص، بل هي قابلة للبقاء ما لم ترتفع برافع.
ومن هنا يظهر أنَّنا إذا شككنا في بقاء الطهارة إذا وجد المتيمّم الماء في أثناء طهارته، وليس هذا من موارد الشكّ في المقتضي، فإنَّ الرافع المحتمل إنَّما هو وجدان الماء، وإلَّا فالطهارة الحاصلة من التيمّم غير محدودة بزمان خاصّ، فالشكّ في الارتفاع يكون من الشكّ في الرافع، وقد يفرض أنَّنا علمنا أنَّ الحكم الشرعي محدود بغاية معيّنة، ونشكّ في أنَّها حصلت أو لم تحصل.
وقد يفرض أنَّنا نعلم أنَّ الحكم له غاية بحسب الزمان، ولكنّها مردّدة بين الأقلّ والأكثر في الزمان، فإذا علمنا أنَّ وجوب صلاة الفجر محدود بطلوع الشمس بحسب الزمان، وليس من الأحكام الباقية إلى الأبدّ، فإذا شككنا في ثبوت هذا الحكم من غير ناحية الغاية، بل من جهة الرافع، كما إذا احتمل المكلّف أنَّه صلّى، ففي مثله لا ينبغي الشكّ في استصحاب الحكم وثبوت بقائه؛ لأنَّه من الشكّ في الرافع، ولو كان الحكم مغيّى بغاية خاصّة.
ومثله الزوجية المنقطعة، فلو تزوّج لمدة شهر وشككنا في أنَّ الزوج في أثناء المدّة هل وهب زوجته المدة أم لا؟ فالشكّ في البقاء من جهة الشكّ في الرافع،
ــــــــــ[189]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وإلَّا فالزوجيّة بطبعها باقية إلى شهر، ويكون الاستصحاب جارياً.
ويلحق بذلك ما إذا شكّ في حصول الغاية، كما إذا شككنا في أنَّ الشمس هل طلعت أو لا؟ أو أنَّ أوّل الشهر هل تحقّق في الخارج أم لا؟ ففي مثله لا مانع من جريان الاستصحاب؛ لأنَّ طلوع الشمس أو رؤية الهلال أمر حادث مسبوق بالعدم، فنستصحب عدم الغاية، لا أنَّنا نستصحب الحكم؛ فإنَّ الحكم مسبّب عن حصول الغاية.
وأمّا إذا فرضنا أنَّنا شككنا في الغاية لا لأجل الشبهة الموضوعيّة بل الحكميّة، كما في الغروب المردّد بين استتار القرص أو ذهاب الحمرة عن قمّة الرأس(1)، أو من جهة تعارض الروايات، كغاية صلاة العشائين المردّدة بين انتصاف الليل فلا يكون بعد ذلك أداءً، أو أنَّها طلوع الفجر، فما لم يطلع فهما أداء، وإن كان يحرم تأخير الصلاتين عن انتصاف الليل.
ففيما إذا تردّدت الغاية بين القليل والكثير، ففي مثل ذلك يكون الشكّ من ناحية المقتضي، يعني: أيّ مقدار من الحكم جعل في الشريعة، هل جعل مغيى بانتصاف الليل أو بطلوع الفجر؟ فإذا انتصف الليل لا يمكن جريان الاستصحاب؛ لأجل عدم إحراز استعداد الحكم للبقاء في عمود الزمان.
ومن هذا القبيل ما إذا تردّد أمر الزوجية بين الانقطاع والدوام، أو تردّدت بين زمانين مختلفين، فبعد المقدار المتيقّن لا يمكن الرجوع إلى الاستصحاب؛ لأنَّه من موارد الشكّ في المقتضي.
ــــــــــ[190]ــــــــــ
() الغروب عن الأنظار أو عن الأفق الحقيقي. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وكذلك إذا علمنا أنَّ الحكم مجعول، ولكن لا ندري أنَّه مغيّى بزمان أم لا.
ومن هذا القبيل الشكّ في بقاء الخيارات إذا شككنا أنَّه فوري أو لا، فإنَّ خيار الغبن مجعول جزماً، ولكن نشكّ أنَّه مستمر أو محدود بالزمان الأوّل، ومثله إذا شككنا في الزوجيّة أنَّها مؤقّتة أو دائميّة، ففي مثل ذلك أيضاً منع عن جريان الاستصحاب لعدم إحراز المقتضي.
وملخّص الكلام أنَّ الشيخ يريد بالمقتضي والرافع: أنَّ المتيقّن تارة يكون بحسب عمود الزمان قابلاً للبقاء مع غضّ النظر عن أي أمر آخر(1)، ويحتاج عدمه إلى رافع فيجري الاستصحاب، وأُخرى يكون الشيء في نفسه غير قابل للبقاء، مع غضّ النظر عن أمر آخر(2)، ففي مثل ذلك لا يجري الاستصحاب.
نعم، يبقى الكلام في وجه هذا التفصيل، فإنَّ ظاهر عبارة الشيخ الأنصاري -على ما فهمه صاحب الكفاية(3)– الاستدلال على ذلك: بأنَّ اليقين في الروايات أريد به المتيقّن، فإنَّه لا معنى للنهي عن اليقين بعد أن انتقض وجداناً، وإنَّما أريد المتيقّن؛ لأنَّه أقرب المجازات، فكأنَّه قال: لا تنقض المتيقّن، وإنَّما يطلب نقضه إذا كان في الشيء إبرام واستحكام فينتقض: كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا(4).
ــــــــــ[191]ــــــــــ
() وإن لم يوجد شيء، أو ينعدم شيء. (المقرّر).
(2) وإن لم يوجد شيء، أو ينعدم شيء في العالم. (المقرّر).
(3) انظر: كفاية الأُصول: 390، 391.
(4) النحل: 92.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
إذن، فلا بدَّ أن يكون المتيقّن أمراً قابلاً للبقاء في عمود الزمان، ولا دليل على حجّيّة الاستصحاب فيما لو كان الشكّ من ناحية المقتضي.
وعليه: فيرد عليه ما أورده صاحب الكفاية(1)، وهو: أنَّ إطلاق النهي عن النقض على اليقين بما فيه من إبرام واستحكام، ولم يرد به المتيقّن، فأُريد به النقض، لكنّه النقض العملي، يعني: عدم ترتيب الأثر على ارتفاعه، واليقين أمر مستحكم، سواء تعلّق بما فيه إبرام واستحكام أو بما ليس فيه ذلك. إذن، لا موجب للتفصيل بين موارد إحراز المقتضي وغيرها، ولو كان وجه تفصيل الشيخ ما هو ظاهر عبارته لكان إشكال صاحب الكفاية عليه في محلّه.
وقد ذكر شيخنا الأُستاذ(2) في توجيه كلام الشيخ -وإن كان لا يقتضيه ظاهر عبارته- أمراً آخر، وحاصله: أنَّ الشيخ يريد بالتفصيل: إنَّ النقض وإن استند في الروايات إلى نفس اليقين، باعتبار أنَّ له ثباتاً ودواماً، فيقف الماء، أي: ثبت، فكأنَّ غير المتيقّن لم يثبت رأيه على شيء، فإذا ثبت على شيء فهو متيقّن ومستيّقن، كما يطلق عليه لفظ العلم في مقابل الجهل، فإنَّ الجاهل لم ينكشف لديه الشيء، فيقال: علم، أي: انكشف لديه الشيء، وهما بحسب المعنى واحد يكشفان عن صفة واحدة لكن باعتبارين، فاعتبار العلم في مقابل الجهل وعدم الانكشاف، وإطلاق لفظ اليقين في مقابل الشكّ وعدم ثبات الرأي.
ــــــــــ[192]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 391، 392.
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 379.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
كما أنَّه يطلق عليه لفظ القطع أيضاً، وهو بمعنى: الجزم في مقابل التردّد والاضطراب، فإنَّ الشاكّ مضطرب يذهب إلى هنا وهناك، فإذا ارتفع غيره فيقطع بشيء يرضى به.
ومن هذه الجهة لا يطلق لفظ الموقن أو القاطع على الله تعالى، باعتبار أنَّه تعالى لم يكن فيه اضطراب أو حركة أو جري أو عدم ثبوت، حتّى يُقال: إنَّه ثبت أو جزم على شيء، والقطع واليقين اعتبر فيهما هذا المعنى، فلا يتصوّر في الله سبحانه، بل يُقال: إنَّه عالم باعتبار الانكشاف، ولم يعتبر في هذا المفهوم المسبوقيّة بالجهل، بل هو الانكشاف سواء كان مسبوقاً بالجهل أو لا، كعلمه تعالى والعلم بالنّفس لكلّ مدرك، فصفة اليقين الواردة في الروايات أخذ فيها الثبوت والاستقرار.
ومن جهة أخرى: نعلم أنَّ المنهي عن نقض اليقين ليس باعتبار اليقين نفسه، وذلك واضح، فإنَّه كان متعلّقاً بالطهارة أو عدالة زيد مثلاً، فإذا تحفظّنا على الزمان، فهو كان متطهّراً قبل ساعة، وهذا اليقين باقٍ ولم يزل، فالآن هو متيقّن من طهارته السابقة، وإذا ألغينا الزمان ولم نلاحظ الحدوث والبقاء، فاليقين منتقض وجداناً. وعلى كلا التقديرين لا يصحّ النهي عن النقض، فالنهي عن صفة اليقين بما هو غير معقول، وهذا واضح.
كما أنَّه لا يراد به النهي عن عدم ترتيب آثار نفس اليقين، لو كان لليقين السابق أثر؛ فإنَّه لو تمّ فإنَّما يتمّ فيما لو كان اليقين مأخوذاً في موضوع حكم. ومعلوم أنَّه في باب الاستصحاب أخذ اليقين طريقاً، كما هو مورد الرواية:
ــــــــــ[193]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
“فإنّك كنت على يقين من وضوئك“.
فإذا اتَّضح ذلك كلّه: نعرف أنَّنا لو فرضنا أنَّ اليقين من الأوّل كان قاصراً عن ترتيب الأثر بما هو طريق إلَّا مدّة من الزمان، ولم يكن متعلّقه قابلاً للدوام، فما معنى للنهي عن النقص؟ في حين إنَّه في الزمان اللاحق كان الجري العملي بلا مقتضي، فلا معنى لما بعد مدّة أن يُقال: (لا تنقض …)، لأنَّه من الأوّل كان قاصراً، ولو شككنا في أنَّ له استعداداً للبقاء أو لا؟ فبالنسبة إلى المقدار الزائد نشكّ في صدق النهي. فليس ما ذكره الشيخ مبنيّاً على إرادة المتيقّن من اليقين كما ذكر صاحب الكفاية، بل أراد بيان أنَّ الشيء لا بُدَّ أن يكون في نفسه قابلاً للبقاء ليصحّ النهي عن نقضه، وأمّا إذا كان محدوداً فبالنسبة إلى الزائد لا يوجد هناك مقتضي للجري العملي من الأوّل وإلى الأبد فلا يصدق النقض.
وقد يورد على الشيخ: بأنَّنا نسلّم أنَّ هذه الصحيحة وغيرها من الروايات المشتملة على النهي، فلنفرض أنَّها لا تشمل موارد الشكّ في المقتضي، ولكن أدلّة الاستصحاب غير منحصرة في ذلك، فمنها: رواية محمّد بن مسلم في حديث الأربعمائة الذي رواه في الخصال: “من كان على يقين وشكّ فليبق على يقينه فإنَّ اليقين لا يدفع أو لا ينقض بالشكّ“(1). فهذه الرواية غير قاصرة الشمول لمورد الشكّ في المقتضي، وقد تقدّم الكلام في سند هذه الرواية، وقلنا: إنَّه تامّ(2).
ــــــــــ[194]ــــــــــ
(1) الخصال 2: 619، الحديث: 10.
(2) تهذيب الأحكام 2: 361، باب 17، ما يجوز الصلاة فيه من اللباس والمكان وما لا يجوز، الحديث: 27.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان، وفيها: “لا، لأنَّك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيّقن أنَّه نجّسه“، فهذه الصحيحة تدلّنا على أنَّ الشيء إذا كان متيقّناً لا يعتنى بالشكّ الطاري، من غير أن يذكر فيه لفظ النقض، فيتمسّك بإطلاقها لموارد الشكّ في المقتضي.
ولكنّ الظاهر: أنَّه لو لم يتمّ دلالة الصحاح على حجّيّة الاستصحاب مطلقاً، فلا يمكن الاستدلال بهاتين الروايتين، وذلك:
أمّا حديث الأربعمائة فإنَّ المضي على اليقين هو عبارة عن عدم نقض اليقين، فلو كان اليقين من الأوّل قاصراً أو يشكّ في محدوديّته بزمان، فيرد فيه عين ما قيل في نقض اليقين بالشكّ، ولا سيّما أنَّ كلمة النقض ذكرت في هذه الرواية على ما في الخصال، وفي رواية أُخرى لا يدفع بالشكّ وهو بمعنى النقض؛ إذ لا بُدَّ أن يكون اليقين مقتضيّاً للجري العملي، حتّى يرفع اليد عنه.
وأمّا صحيحة عبد الله بن سنان فلم يذكر فيها لفظ النقض أو المضي، فلا بأس بذلك، إلَّا أنَّ التعدّي عن مورد الرواية إلى غيرها يحتاج إلى دليل، غايته: أنَّها دالّة على لزوم ترتيب آثار الطهارة عند الشكّ في النجاسة الطارئة، ومع التجريد عن خصوصيّات السؤال، فلا يعتنى بكونه ثوباً أو سبب نجاسته، بل لا يعتنى بالنجاسة أيضاً فتكون قاعدة عامّة كقاعدة الطهارة، فالكبرى المستفادة منها هي: أنَّ كل شيء طاهر لم نعلم بتنجّسه بعد ذلك نرتّب عليه آثار الطهارة، وأمّا التعدّي إلى سائر الموارد فلا دليل عليه.
وعلى تقدير تسليم هذا التعدّي فمورد الرواية من موارد الشكّ في الرافع،
ــــــــــ[195]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
فإنَّ الطهارة من الموجودات التي تبقى بنفسها إلَّا بالرفع، فغايته: أن نتعدّى إلى مثلها مّما يكون شكاّ في الرافع، وأمّا الشكّ في المقتضي فيحتاج التعدّي إليه إلى دليل.
ويبقى الكلام في أصل الاستدلال، وأنَّ ما ذكره شيخنا الأُستاذ في تفسير كلام الشيخ الأنصاري صحيح أو لا؟ والظاهر أنَّه لا يفرق الحال بن موارد الشكّ في المقتضي والشكّ في الرافع.
المورد الأوّل: موارد الشكّ في النسخ، فإنَّ جريان الاستصحاب فيها كأنَّه من الضرّوريات، كما ادّعى الأمين الاسترآبادي(1). وقد التزم به الشيخ(2) وشيخنا الأُستاذ(3)، مع أنَّه من باب الشكّ في المقتضي، والوجه فيه واضح: فإنَّه لا يمكن النسخ من الله تعالى في الأُمور التشريعيّة، كما لا يمكن البداء في الأُمور التكوينيّة منه تعالى، فإنَّه لا يقدم على شيء من أفعاله، فالرفع غير ممكن لا في التكليف ولا التشريع، فإنَّه مستلزم للجهل.
بل البداء والنسخ من قبيل الدفع، لا من قبيل الرفع، فالحكم من الأوّل محدّد بأمد، غاية الأمر: أنَّه لم يظهر، وأظهر بعد ذلك، فهو رفع بحسب مقام الإثبات لا في مقام الثبوت، فإذا شككنا في النسخ فنشكّ في أنَّ الحكم هل كان محدوداً
ــــــــــ[196]ــــــــــ
(1) انظر: الفوائد المدنيّة: 288.
(2) انظر: فرائد الأُصول 3: 227.
(3) انظر: أجود التقريرات 2: 411.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
بزمان أو غير محدود؟ وهذا عين الشكّ في المقتضي، ولازم هذا البيان هو اعتبار الشكّ في الرافع في موارد الاستصحاب، وعدم جريان استصحاب الحكم في موارد الشكّ في النسخ، مع أنّهم يلتزمون بجريانه.
المورد الثاني: أنَّ لازم كلام الشيخ -لو أراد بالشكّ في المقتضي ما فسّره شيخنا الأُستاذ- عدم جريان الاستصحاب في أكثر الموجودات الخارجيّة، ففي مثل الشكّ في حياة زيد ولحياته آثار كبقاء زوجيّته وجواز تقليده وملكيّته لأمواله، لو شككنا في بقاء الحياة فتستصحب حتّى يثبت الموت بطريق شرعي، فلو بنيّنا على أنَّ الاستصحاب لا يجري في موارد الشكّ في المقتضي، فمعلوم أنَّ الإنسان وبقيّة الموجودات الخارجيّة يختلف استعداده للبقاء، ومعلوم أنَّ الإنسان لا يبقى إلى الأبد لولا الرافع، بل من الأوّل استعداده قاصر، فالاستعدادات بحسب الأمزجة مختلفة، فلو شككنا في حياة زيد، وقد بلغ على تقدير حياته 75 سنة كيف يمكن الاستصحاب، مع أنَّنا لم نحرز استعداد مزاجه للبقاء؟ ومعلوم أنَّ ذلك يوجب هدم الاستصحاب في أكثر الموارد، وهذا لا يمكن الالتزام به جزماً، وهذا يكشف عن عدم اعتبار كون الشكّ في المقتضي.
الأمر الثالث: أنَّ لازم هذا البيان عدم جريان الاستصحاب في موارد الشكّ في الغاية، كما لو شككنا في رؤية هلال رمضان أو شوال، مع أنَّ هذا منصوص، كقوله: “صُمْ لِلرُّؤْيَةِ وَأَفْطِرْ لِلرُّؤْيَة“(1) وقد استدلّ بها الشيخ
ــــــــــ[197]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 4: 164، باب 41، علامة أول شهر رمضان وأخره، ودليل دخوله، الحديث: 306.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
على حجّيّة الاستصحاب، مع أنَّ الشكّ فيه من الشكّ في المقتضي، فإنَّنا نشكّ من الأوّل أنَّ شهر رمضان في هذه السنّة تسعة وعشرون أو ثلاثون يوماً، فلا نعلم حدّه من أوّل الأمر.
فمحلّ هذه الشبهة في الاختصاص بالشكّ في الرافع، وهو: أنَّ الشكّ واليقين المأخوذان في موضوع الاستصحاب إن لاحظنا متعلّق اليقين بما هو مقيد ومحدود بزمان ما، فكنّا على يقين بطهارة الثوب يوم الجمعة فهذا لا ينتقض ولن ينتقض إلى يوم القيامة، فإنَّنا متى سُؤلنا عن حال الثوب يوم الجمعة، قلنا: إنَّه طاهر، فهو باقٍ تكويناً ولا حاجة إلى النهي، وأمّا إذا ألغينا الزمان وأخذنا طبيعي الطهارة، فيصحّ أن يُقال: إنَّ طهارة الثوب يوم الجمعة متيقّنة، وطهارته بعينها يوم السبت مشكوكة، فكما أنَّ هذا يصحّح صدق نقض اليقين بالشكّ ولو بالمسامحة العرفيّة في موارد الشكّ في الرافع، كذلك في موارد الشكّ في المقتضي.
وبعبارة واضحة: أنَّنا إذا علمنا بشيء متيقّن، ولكن لم نعلم أنَّه محدود بزمان أو غير محدود، كخيار الغبن -إذا ناقشنا في صدق النقض هنا- وقلنا: إنَّ المتيقّن هو جعل الخيار في الزمان الأوّل، وما بعده غير معلوم من الأوّل، فكيف يصدق نقض اليقين بالشكّ؟ فعين هذا البيان يجري في موارد الشكّ في الرافع، فيقال: فيما إذا كان الإنسان يصلّي متيمّماً ووجد الماء أثناء صلاته، وشككنا أنَّه ناقض أو لا؟ هنا قالوا: هذا من موارد الشكّ في الرافع؛ لأنَّ للطهارة مقتضى
ــــــــــ[198]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
البقاء فيجري الاستصحاب، فعندئذٍ يأتي هذا البيان، ونقول: أنَّ المتيقّن هو الطهارة قبل الوجدان، وأمّا بعده فغير معلوم (متيقّن) من الأوّل، وليس له مقتضي للجري العملي.
فإذا أخذنا هذا القيد، فينتج: أنَّ المقتضي قاصر، فيما إذا كان الشكّ شكّاً من جهة المحدوديّة من جهة الزمان، وكذلك إذا كان الشكّ شكّاً في الرافع، فإنَّ اليقين إنَّما تعلّق بحصّة خاصّة، و إذا ألغينا هذا القيد و لم نلاحظ هذه الخصوصيّة في طبيعة اليقين و الشكّ، ففي كليهما يصحّ أن يُقال: إنَّ الطهارة متيقّنة وهي مشكوك فيها، والخيار كان متيقّناً وهو مشكوك فيه، فيصدق النقض بالمسامحة العرفيّة في كلا الموردين، وحيث إنَّ المستفاد من هذه الصحيحة إلغاء خصوصيّة الزمان “لأنَّك كنت على يقين من طهارتك” فطبيعي الطهارة متيقّنة، وهي مشكوك فيها، لا الطهارة التي كان عليها قبل أن يتحرّك إلى جنبه شيء وهو لا يعلم، فنهى عن نقض اليقين بالشكّ، فنعرف أنَّ ذلك باعتبار إلغاء هذه الخصوصيّة، ومع إلغائها تنحلّ القضية المتيقّنة والمشكوكة.
فعين البيان الذي ذكره الإمام في الطهارة يجري في الخيار أيضاً مع فرق بينهما، وهو: أنَّ احتمال الارتفاع في الطهارة من جهة الرافع، واحتمال ارتفاع الخيار باعتبار احتمال محدوديّته من جهة الزمان، ولا نرى فرقاً في صدق النقض بالمسامحة العرفيّة(1)، بل بالدقّة لا نقض في كليهما أيضاً.
ــــــــــ[199]ــــــــــ
() التي لا بُدَّ منها. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
فالصحيح أنَّ هذا التفصيل الذي ذهب إليه الشيخ وشيخنا الأُستاذ لا يمكن المصير إليه، بل الاستصحاب حجّة بلا فرق بين أن يكون الشكّ من جهة الرافع أو من جهة المقتضي.
ثُمَّ إنَّ الشيخ ذكر تفصيلاً آخر -والظاهر أنَّه اختصّ به- وهو: أنَّ يفرّق في موارد الشكّ في البقاء، بين أن يكون الحكم السابق ثابتاً بدليل لفظي أو بدليل عقلي، فتختصّ حجّيّة الاستصحاب بالأوّل، وأمّا إذا ثبت الحكم الشرعي بدليل عقلي فلا يجري فيه.
وملخّص ما ذكره مع التوضيح: أنَّ الدليل إذا كان لفظيّاً فينظر إلى ما يستفاد منه عرفاً، فقد تكون بعض الخصوصيّات مقوّمة للموضوع، بحيث ينتفي بانتفائها، فكان الموضوع هو ذاك العنوان المرتفع، فكان واسطة في العروض بالنسبة إلى الموضوع، كما في مثّل العدالة المأخوذة موضوعاً في الشهادة أو التقليد أو الجماعة، فيرى العرف أنَّ تمام الموضوع نفس هذا العنوان، فإنَّ العادل لا يكذب فتؤخذ بشهادته، فلو فرضنا أنَّه زالت العدالة، فالشخص وإن كان هو الشخص بعينه، إلَّا أنَّه لا يحتمل بقاء الحكم الأوّل لانتفاء الموضوع؛ لأنَّه يتبدّل في الوصف فيتبدّل العنوان المأخوذ في الموضوع عرفاً، وهو: عنوان العدالة، فلو فرضنا أنَّه ورد في دليل خاصّ: أنَّه تسمع شهادته، وبعد ذلك يرى العرف أنَّه حكم جديد مماثل للأوّل، وليس بقاء للحكم الأوّل.
وقد يكون العنوان المأخوذ في الدليل اللفظي من قبيل الواسطة في الثبوت،
ــــــــــ[200]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
والمأخوذ في الموضوع هو ذات الشيء، كالتغيّر الذي هو علّة لثبوت النجاسة للماء، فالتغيّر صفة أوجبت نجاسة الماء، ومعروضها هو الماء نفسه، فلو زال وصف التغيّر، وشككنا في بقاء النجاسة وارتفاعها، يعني: شككنا أنَّ العلّة محدثة فقط أو مبقية أيضاً، فيصحّ أن يُقال: إنَّه كان نجساً ويشكّ في بقاء النجاسة فيصدق نقض اليقين بالشكّ، فلو دلّ دليل خاصّ على بقاء النجاسة بعد زوال التغيّر، وكان مّما لا يراه العرف حكماً جديداً، بل هو الحكم الأوّل الباقي بعد ذلك، فإذا شككنا في البقاء فنستصحب.
وقد يشكّ في الاعتبار، وأنَّه من قبيل الأوّل أو الثاني، وأنَّ الوصف من قبيل مقوّم الموضوع أو من قبيل الواسطة في الثبوت، فلا يمكن الاستصحاب لعدم إحراز نقض اليقين بالشكّ، كما في عنوان السفر المأخوذ في وجوب التقصير في الصلاة، فلو حضر في أثناء الوقت وشككنا في بقاء وجوب التقصير عليه، وشككنا أنَّه من قبيل عنوان العدالة أو من قبيل الواسطة في الثبوت، والموضوع هو ذات المكلّف، فلا يحرز صدق عنوان اليقين بالشكّ فلا يجري الاستصحاب، وتكون الشبهة مصداقيّة. فهذا هو حال الدليل اللفظي.
وأمّا في الأحكام العقليّة، فإنَّه دائماً يكون الشكّ من جهة الشكّ في حكم آخر غير الحكم المتيقّن، والوجه فيه: أنَّ المكلّف لا يشكّ في بقاء الحكم إذا زالت صفة من صفاته؛ لأنَّ الشيء إمّا وجودي فانعدم أو عدمي فوجد، وإلَّا لو كان الموضوع باقياً بخصوصيّاته لا معنى للشكّ في البقاء، فلو ارتفعت إحدى الخصوصيّات وكان الدليل عقليّاً فلا يمكن جريان الاستصحاب.
ــــــــــ[201]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
والوجه في ذلك: أنَّ الإهمال في الواقعيّات أمر غير معقول، ولا معنى لأنَّ يشكّ العقل في موضوع حكم نفسه، فهذا الوصف الذي تبدّل إما أن يجزم العقل بعدم دخله في موضوع حكمه فيتيقّن في البقاء، أو يجزم بدخله فيرتفع حكمه يقيناً ويرتفع بارتفاعه الحكم الشرعي المترتّب عليه لا محالة؛ لأنَّه إنَّما استكشف بقاعدة الملازمة.
نعم، نحتمل أنَّ الشارع حكم في فاقد القيد حكماً إلَّا أنَّه حكم جديد، فلا معنى لجريان الاستصحاب فيه، والحكم الأوّل المترتّب على الحكم العقلي قد ارتفع جزماً.
وشكّ العقل في أنَّ هذا القيد دخيل في الموضوع أو غير دخيل فيه لا معنى له؛ فإنَّ الإهمال غير معقول. إذن، في الموارد التي يكون الحكم الشرعي مستكشفاً عن طريق الحكم العقلي لا معنى لجريان الاستصحاب؛ لأنَّ الأمر دائر بين اليقين بالبقاء، واليقين في الارتفاع، ولا معنى للشكّ.
وأورد عليه صاحب الكفاية(1) وتبعه شيخنا الأُستاذ(2): بأنَّ الحكم الشرعي تابع للعقلي في مرحلة الإثبات والاستكشاف، لا في مرحلة الثبوت، فيمكن أن يكون الملاك باقيّاً ولكن العقل لم يدركه، فلو ارتفعت خصوصيّة في الموضوع وبه ارتفع الحكم العقلي فلا يكون العقل جازماً بالحكم الشرعي، لتلازمهما في مقام الإثبات، إلَّا أنَّ بقاء الحكم الشرعي واقعاً محتمل، لاحتمال عدم دخلها إلَّا
ــــــــــ[202]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 386، 387.
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 352.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
في الإثبات والاستكشاف دون مقام الثبوت، فالحكم الشرعي يكون مشكوك البقاء، فإذا لم تكن الخصوصيّة من المقوّمات للموضوع عرفاً فيمكن التمسّك بالاستصحاب أيضاً، كما هو الحال في الدليل اللفظي تماماً.
فالشكّ في الحكم العقلي غير ملازم لارتفاع الحكم الشرعي، لاحتمال بقائه بنفس الملاك أو بملاك آخر ملازم له. هذا ملخّص كلام الكفاية.
وزاد عليه شيخنا الأُستاذ(1): أنَّ موضوع الحكم العقلي يمكن أن يكون من باب الأخذ بالقدر المتيقّن، فإنَّ العقل لا يدرك تمام الخصوصيّات الواقعيّة فيحكم بأنَّ الواجد لهذه الخصوصيّة واجد للملاك، وأمّا إذا ارتفعت فيحتمل بقاء الحكم لا محالة.
والذي يمكن أن يُقال في المقام: هو التفصيل بين الأحكام العقليّة المستقلّة، والأحكام العقليّة المتأخّرة عن الأحكام الشرعيّة.
أمّا المستقلّة منها كحكم العقل بقبح الظلم وحسن العدل الذي هو محلّ الكلام بين الأشاعرة وغيرهم، من أنَّ العقل هل يدرك ذلك أم لا؟ فنفته الأشاعرة وأثبته المعتزلة والعدليّة الإماميّة. فالحكم الشرعي التابع لمثل هذا الحكم العقلي مستقلّ، فيتّحد موضوعه مع موضوعه، وجميع الأحكام التابعة لأحكام العقل العملي راجعة إلى هاتين القضيّتين، كما أنَّ جميع أحكام العقل النظري ترجع إلى استحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما، فبما أنَّ عنوان الظلم والعدل مقوّمان للحكم العقلي، فلو تبدّل هذا العنوان فلم يصدق عليه الظلم،
ــــــــــ[203]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 406.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
فينتفي الحكم العقلي جزماً، وينتفي الحكم الشرعي كذلك؛ لأنَّه إنَّما كان ثابتاً لهذا العنوان بنفسه، فإنَّ الشارع إنَّما حكم بالتحريم بما أنَّه ظلم، فلو فرضنا أنَّ الحرمة ثابتة لملاك آخر، فهي ليست هي الحرمة الأُولى، بل حرمة أُخرى ثابتة لموضوع آخر، والحرمة المتيقّنة منتفيّة.
ودعوى كون الحكم الشرعي تابع للعقلي إثباتاً لا ثبوتاً منتفيّة هنا أصلاً، فإنَّه بعد انتفاء خصوصيّة من خصوصيّات الموضوع يكون الحكم سالباً بانتفاء الموضوع. ففي هذا القسم من الأحكام العقليّة يرتفع الحكم الشرعي جزماً.
وقد يكون الحكم الشرعي الثابت بدليل عقلي كاشفاً عن الحكم الشرعي، كما لو استكشف العقل وجود مفسدة في الفعل بعين المفسدة الموجودة في الفعل الآخر، كما لو أحرزنا أنَّ علّة تحريم الخمر هي الإسكار، وجزم العقل -مثلاً- أنَّ عين الحالة التي تعرض للإنسان بشرب الخمر تعرض عند استعمال البنج، فيستكشف حكم الشرع بالتحريم لا محالة.
فالحكم الشرعي ليس مترتّباً على الحكم الفعلي، بل هو مستكشف عن طريق حكم العقل عن طريق استكشاف الملاك، فإذا فرضنا أنَّنا شككنا في بقاء الحكم الشرعي لانتفاء خصوصيّة، والعقل غير جازم ببقاء الملاك، فهنا يجري الاستصحاب لعين ما ذكروه من أنَّ الحكم الشرعي تابع للحكم العقلي في مرحلة الإثبات دون الثبوت؛ فإنَّه الحكم الشرعي وإن كان مشكوكاً فيه في الآن الثاني، إلَّا أنَّنا نحتمل بقائه بشخصه بعين الملاك أو بملاك آخر، فالبقاء محتمل فنتمسّك بأدلّة الاستصحاب، إذا كانت الخصوصيّة غير مقوّمة للموضوع.
فإن كان نظر الشيخ إلى الأحكام العقليّة المستقلّة فتفصيله تامّ، وإن كان
ــــــــــ[204]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
نظره إلى النحو الثاني لا يتمّ تفصيله، بل لا فرق بين الأحكام المستفادة من دليل عقلي أو دليل شرعي، فإذا احتملنا البقاء فنتمسّك بالاستصحاب، فالتفصيل في غير محلّه.
نسب إلى الفاضل التوني(1) التفصيل بين الأحكام التكليفيّة والوضعيّة، فأنكر جريانه في الأُولى وسلّمه في الثانية. هذا ظاهر كلامه.
ولكن شيخنا الأنصاري(2) ذكره على نحو آخر، ويتحصّل من كلامه: أنّه ينكر جريانه في نحوي الحكم، وإنَّما يرى جريانه في موضوع الحكم وبتبعه يثبت الحكم، فيجري الاستصحاب في وجود الشرط، أو بارتفاع المانع، فيترتّب عليه الحكم، فالتزم بجريان الاستصحاب في الشرط والسبب والمانع، لا في الشرطيّة والسببيّة والمانعيّة التي هي من الأحكام الوضعيّة، وهو ينكر جريانه في سائر الأحكام الوضعيّة والتكليفيّة، فليس هو تفصيلاً في أقسام الحكم، بل منكر له في ذلك أصلاً.
وذكر في كلامه –على ما ذكره الأنصاري–: أنَّ الحكم غير قابل لجريان الاستصحاب فيه، فإنَّ كلّ حكم إذا فرضنا أنَّه مؤقّت بوقت، فلا إشكال بثبوته في تمام الوقت؛ تمسّكاً بالدليل الأوّل، لا باعتبار ثبوته بالآن السابق الذي هو معنى الاستصحاب، وبعد الوقت يرتفع الحكم بارتفاع غايته لا محالة ولا معنى
ــــــــــ[205]ــــــــــ
(1) انظر: الوافيّة: 201، 202.
(2) انظر: فرائد الأُصول 3: 125.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
للاستصحاب، وأمّا إذا لم يكن الحكم مؤقّتاً فإطلاق الدليل يثبت الحكم في جميع الأزمان بنفسه ولا حاجة إلى الاستصحاب. والحكم الوضعي أيضاً كذلك بعيّن البيان.
ولذا أورد عليه شيخنا الأنصاري: بأنَّ الحصر غير حاصر، فإنَّه يمكن أن يكون الحكم مؤقّتاً ولكن الوقت يدور بين القليل والكثير، فبعد الزمان الأوّل نتمسّك بالاستصحاب، فيمكن أن يكون الحكم مؤقّتاً ومع ذلك يجري الاستصحاب، كما لو شككنا أنَّ صلاة الظهرين مغياة بين غروب الشمس أو زوال الحمرة، وكالشكّ في مدّة العقد المنقطع.
وكذلك قد يشكّ في أنَّ الحكم مؤقّت أو غير مؤقّت، ففي مثله أيضاً لا مانع من التمسّك بالاستصحاب، فكأنَّ الفاضل التوني فرض الانحصار في القسمين وأنَّه يكون للدليل إطلاق، مع أنَّه قد لا يكون له إطلاق كالإجماع، فما ذكره الفاضل التوني لا يرجع إلى محصّل.
لكن تبعاً إلى شيخنا الأنصاري(1) وصاحب الكفاية(2) لا بُدَّ من التكلّم في الأحكام الوضعيّة لنرى إمكان جريان الاستصحاب فيها، فإنَّ تقسيم الحكم إلى وضعي وتكليفي مبني على ما ذكرناه: من أنَّ الحكم عبارة عن اعتبار نفساني مبرز بمبرز في الخارج مّمن بيده الأمر.
ــــــــــ[206]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 3: 125 – 148.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 399 – 404.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وأمّا إذا فسّرنا الحكم بالإرادة والكراهة أو الرضا وعدمه، فإنَّه لا معنى حينئذٍ إلى انقسام الحكم إلى الوضعي والتكليفي؛ إذ لا معنى لأن تنقسم الإرادة إلى ذلك، فإنَّ الإرادة من مبادئ الحكم لا هي نفسه، والحكم إنّما هو الاعتبار النفّساني من قبل المولى على ما ذكرناه.
ثُمَّ إنَّ كل ما فرضناه موجوداً في الخارج يتّصف بكونه موجوداً، في قبال ما هو معدوم، فينقسم إلى ما هو موجود متأصّل، وله ما بإزاء من الخارج، كالجوهر والعرض في الممكنات، وإلى موجود غير متأصّل في الخارج، وهو ما ليس له ما بإزاء في نفسه، بل ينتزع من غيره كالفوقيّة والتحتيّة، والأبوّة والبنوّة والأخوّة، وهو ممّا يختلف باختلاف الإضافات، ويسمّى: الوجودات الانتزاعيّة.
والأُمور المتأصّلة قد تكون خارجيّة تكوينيّة، كالأُمور الجوهريّة والعرضيّة بوجوداتها الخارجيّة والعلميّة، فإنَّها كلّها أُمور واقعيّة متأصّلة، وأمّا أن تكون متأصّلة ولكنّها موجودة في عالم الاعتبار، لا في عالم التكوين، فمن بيده الاعتبار يعتبر زيداً مالكاً، فيصحّ أن يُقال حقيقة: أنَّ الملكيّة موجودة، ولكنّها لا توجد في عالم التكوين بأسبابه وعلّله، بل هي موجودة في عالم الاعتبار، فهي متحصّلة وليست تنتزع من شيء آخر، لكن ظرف وجودها ليس هو الخارج، بل عالم الاعتبار.
كما أنَّ الأُمور الانتزاعيّة قد تكون منتزعة من مقام ذات الشيء، وقد تنتزع من إضافة شيء إلى شيء، كالعلّيّة والمعلوليّة، فإنَّ ما هو الموجود في الخارج هو ذات العلّة والمعلول، فإنَّهما متأصّلان ولهما ما بإزاء في الخارج، ولكن العلّيّة أمر
ــــــــــ[207]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
انتزاعي من ذات العلّة، باعتبار سببيّتها للمعلول.
ومن هذا القبيل الإمكان والامتناع، فإنَّنا إذا لاحظنا الطبيعة في ذاتها فوجدناها لا موجب لوجودها ولا لعدمها، فننتزع منها معنى الإمكان، وإلَّا فالإمكان ليس من الموجودات الخارجيّة، وإلَّا لكان ممكناً أو واجباً.
وقد تنتزع من إضافة شيء إلى شيء آخر، كالأبوّة والبنوّة والسبق واللحوق والتقدّم والتأخّر، فإنَّها إنَّما تصدق بملاحظة إضافة شيء إلى شيء آخر.
ثُمَّ إنَّ الموجودات الانتزاعيّة، كما أنَّها تنتزع من الموجودات التكوينيّة، كذلك تنتزع من الموجودات الاعتباريّة أيضاً، كما لو اعتبر الشارع ملكيّة الوارث عند موت المورِّث، فالملكيّة موجودة متأصّلة في عالم الاعتبار، لا في عالم التكوين، فإذا حكم الشارع بكونه مالكاً ينتزع من هذا سببيّة موت المورث لملكيّة الوارث، فالسببيّة ليس لها ما بإزاء في الخارج كالعلّيّة، وإنَّما هي من الأُمور الانتزاعيّة، ومنشأ انتزاعه الأمر الاعتباري.
وبهذا ظهر الفرق بين الموجود الاعتباري والانتزاعي، فإنَّ الانتزاعي ليس له ما بإزاء في الخارج، وغير مجعول لا تكويناً ولا تشريعاً، والموجود الاعتباري موجود متحصّل، غايته: في عالم الاعتبار، لا في عالم التكوين.
هل الأحكام الوضعيّة أمور خاصّة، أو كلّ ما لا يكون تكليفيّاً يكون وضعيّاً؟
الظاهر الثاني، فإنَّ كلَّ أمر منتزع من الأمر المجعول هو حكم.
ــــــــــ[208]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
بيان ذلك: أنَّ حكم الشارع إمّا أن يكون متعلّقاً بفعل المكلّف أو بغيره، فما كان متعلّقاً بغير فعل المكلّف يكون من الحكم الوضعي جزماً، ومغايراً للحكم التكليفي كما هو معلوم، ولا ربط له بفعل المكلّف أصلاً، بل هذا الاعتبار الخارجي-كالملكيّة أو الزوجيّة التي هي أمر اعتباري- رفعه ووضعه بيد الجاعل، ومتعلّقه ليس فعل المكلّف بل الإنسان.
وإذا فرضنا أنَّ الاعتبار الشرعي متعلّق بالفعل، فهو ينقسم إلى قسمين:
تارة: يتعلّق بالفعل باعتبار اقتضائه وجوده أو عدمه، كما في اشتغال الذمّة بالواجب، أو بالدين في طرف اقتضائه للوجود.
وقد يكون لا هذا ولا ذاك، بل يعتبر المكلّف مختاراً ومطلق العنان، وهذا جامع للإباحة والاستحباب والكراهة، غايته: قد يكون الترجيح في الفعل أو في الترك أو لا ترجيح لهما، وهذه هي الأحكام التكليفيّة الخمسة.
وأمّا إذا تعلّق الاعتبار بفعل المكلّف لا على نحو يقتضي فعل أو تركه أو مطلق العنان، بل الاعتبار من سنخ آخر، كما لو اعتبر المولى فعل المكلّف شرطاً في شيء أو مانعاً عن شيء، فمتعلّقه وإن كان هو الفعل لكن لا على نحو يقتضي وجوده أو عدمه، بل يعتبر الفعل قيد اً في الشيء وجوداً، وهو: الشرطيّة، أو عدماً، وهو: المانعيّة.
إذن، كلّ ما تعلّق به الاعتبار المولوي بنحو لا يقتضي البعث أو الزجر أو إطلاق العنان فهو حكم وضعي، سواء لم يتعلّق بفعل المكلّف أصلاً أو تعلّق به.
إذن، الحكم الوضعي لا ينحصر في أشياء خاصّة، بل كلّما لم يكن من
ــــــــــ[209]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الأحكام الخمسة التكليفيّة فهو حكم وضعي.
ثُمَّ إنَّه ذكر بعضهم، والظاهر أنَّ أوّل من تكلّم به هو الشهيد(1) وذكره صاحب القوانين(2) في الصحيح والأعمّ، إذ عبرا عن المركّبات الواجبة في الشريعة بالماهيّات الجعليّة الاختراعيّة، فتخيّل بعضهم أنَّها أيضاً من الأحكام الوضعيّة والمجعولات الشرعيّة.
وهذا غير صحيح جزماً، فإنَّ الماهيّة غير قابلة لتعلّق التشريع بها، فإنَّنا قلنا: إنَّ الشريعة عبارة عن جعل شيء في عالم التشريع، وثبوت شيء في عالم التشريع عيناً كثبوته في عالم الخارج مع اختلاف الوعاء، وأمّا الماهيّات فهي ليست أمراً اعتبارياً وغير قابلة للتحقّق في عالم الاعتبار، فإن أدرك الشارع مصلحة في مجموع أفعال مقيدة بقيودٍ وجوديّةٍ وعدميّةٍ فيتصوّرها، ويصدق بمصلحتها الملزمة، ويجعلها تحت الأمر، ويطلب إيجادها في الخارج، فما هو مجعول هو وضعها في ذمّة المكلّف، غاية الأمر: أنَّه يتصوّر الماهيّة، وهو أمر أجنبي عن الوجود الاعتباري التشريعي. نعم، لا مانع من التعبير بالماهيّة الاختراعيّة، باعتبارها لم تكن معهودة، لا أنَّها مخترعة حقيقة بما هي ماهيّة.
فالصحيح أنَّ المجعول التشريعي لا يتجاوز الحكم، وغيره لا يكون مجعولاً، وقد تكلّمنا(3) في ذلك في بحث الصحيح والأعمّ ظاهراً.
ثُمَّ إنَّ الجعل في الأحكام بنوعيها قد يكون على نحو القضيّة الحقيقة، وهو
ــــــــــ[210]ــــــــــ
(1) القواعد والفوائد1: 158.
(2) انظر: القوانين 1: 103.
(3) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 1: 260 – 262، دراسات في علم الأُصول 1: 69.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الغالب في الأحكام الشرعيّة، بل جميعها من هذا القبيل، فيجعل الحكم على الموضوع المقدّر الوجود في الخارج، فيعتبر الحجّ على المستطيع أو الملكية للوارث.
ولكن قد يفرض أنَّ الحكم مجعول على نحو القضيّة الخارجيّة، كما لو أمر أحد المعصومين شخصاً بالخروج إلى الجهاد مثلاً، فيجب عليه الخروج، وليس هذا من قبيل القضايا الحقيقيّة، بل من جهة الأمر الشخصي، فيجب الجهاد عليه ولو لم يكن واجداً لشرائطه. وكذلك في الأحكام الوضعيّة كما لو جعل أمير المؤمنين مالك الأشتر والياً، أو شخصاً قاضياً بالجعل الشخصي.
وقد ذكرنا(1): أنَّ القضية الحقيقيّة ترجع إلى القضية الشرطيّة لا محالة، فيرجع قولنا: (الخمر حرام) إلى قولنا: (إذا وجد في الخارج شيء وصدق عليه أنَّه خمر فهو حرام) وقلنا: إنَّ القضيّة الحقيقيّة الحمليّة تختلف عن الشرطيّة في استفادة المفهوم، وإلَّا فهما سواء. هذا في الحكم الوضعي والتكليفي.
وقد تلاحظ السببيّة والشرطيّة والمانعيّة بالنسبة إلى نفس التكليف، كاشتراط الاستطاعة في الحجّ، وقد تلاحظ بالنسبة إلى المكلّف به، فيقال: إنَّ الصلاة مشروطة بكذا، وكذا المانع، كالحيض المانع من التكليف، أو ليس غير المأكول مانع من الصلاة. والكلام في أنَّ هذه الأُمور هل هي قابلة للجعل، أو غير قابلة كذلك، أو فيه تفصيل؟
ــــــــــ[211]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الأُصول 2: 299، محاضرات في أُصول الفقه 5: 274.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ذكر صاحب الكفاية(1) أنَّها بالنسبة إلى التكليف نفسه غير قابلة للجعل، فإنَّ سببيّة شيء لشيء أو دخله فيه على نحو الشرطيّة أو المانعيّة لا يكون جزافاً، وإنَّما من جهة الربط الواقعي بين العلّة والمعلول، فإن كان الشيء مربوطاً واقعاً يكون سبباً أو شرطاً أو مانعاً، وهذه أُمور واقعيّة ولا يمكن أن تناله يد الجعل التشريعي، وبجعله علّة لا يكون علّة ولا يترتّب عليه المعلول.
والتفصيل في المقام: إنَّ التكليف قد يُراد به مرحلة الجعل، يعني: الاعتبار المبرز بمبرز على نحو القضايا الحقيقيّة على ما قلناه، فإنَّ المولى يلاحظ الماهيّة ويلاحظ ما له دخل بها من الشروط والموانع، فإذا تمّ لديه ذلك، فإنَّه يأمر به لا محالة، فالعلّة للجعل هي الإرادة، ودخل الشرط أو المانع دخل واقعي، وحال الحكم بالنسبة إلى المولى حال سائر الأفعال الاختياريّة، فالأمر كما أفاده، فدخل شيء في إرادة الفعل الاختياري شرطاً أو مانعاً أو سبباً في صدور الحكم من الأُمور الواقعيّة التي لا تنالها يد الجعل تشريعاً، بل هذه الأُمور سابقة على الجعل وفي مرحلة علّله.
ومعلوم أنَّ المؤثّر في الفعل الاختياري -كما ذكره هنا وفي بحث الشرط المتأخّر(2)– إنَّما هو الوجود النفسي لا الوجود الخارجي، يعني: أنَّ الفعل يستند إلى الإرادة لا محالة، فهو يريد الفعل لو اعتقد فيه المصلحة، حتّى لو لم تكن هناك مصلحة، وما هو دخيل هو لحاظ الفاعل للمصلحة أو المفسدة دون
ــــــــــ[212]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 401، 402.
(2) انظر: دراسات في علم الأُصول 1: 263.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وجودها الخارجي. فما ذكره من أنَّ السببيّة وأخواتها في التكليف غير قابلة للجعل أمر صحيح.
وأمّا السببيّة والشرطيّة والمانعيّة بالنسبة إلى مرحلة المجعول وفعليّة الحكم بعد تمامية الحكم، كما لو جعل المولى وجوب الحجّ على كلّ مستطيع، وفي مقام الجعل، وهي بمنزلة القضيّة الشرطيّة، فنقول هنا: الاستطاعة شرط لوجوب الحجّ، ولا نريد به تأثيرها في الوجوب أبداً، فإنَّا ذكرنا(1): أنَّ الحكم معلول لإرادة المولى وجعله، ولا يكون الموجود الخارجي مؤثّر فيه أصلاً، وإنَّما نعبّر بالشرط في هذا ونحوه تشبيهاً، وإلَّا فليس هنا اشتراط أبداً، وإنَّما الاستطاعة موضوع للحجّ أخذه المولى مفروض الوجود.
فالوجود الخارجي للاستطاعة هو شرط لوجوب الحجّ، لا الاستطاعة بوجودها التصوّري في ذهن المولى، فإنَّ المفروض أنَّها أخذت مفروض الوجود، فلا يمكن أن يُقال: إنَّ الشرطيّة نشأت من الربط الواقعي بين العلّة والمعلول، فإنَّه لا علّيّة ولا معلوليّة، وإنَّما المولى جعل الاستطاعة موضوعاً لوجوب الحجّ، يعني: فرض وجود المستطيع في الخارج وأوجب عليه الحجّ.
فالشرطيّة هنا والسببيّة أيضاً هنا لا معنى لها إلَّا أخذه مفروض الوجود، فيقال: إنَّ الموت أو البيع أو الحيازة سبب لملكيّة الوارث أو المشتري أو الحائز، وهذا ليس معناه أنَّ الموت علّة يؤثّر في الملكيّة، فإنَّها أمر اعتباري، فكيف تكون مترشّحة من الموت، بل أمرها بيد المولى وناشئة من جعله، ولا تنشأ من أمر
ــــــــــ[213]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 1: 265.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
خارجي، وإنَّما يطلق عليها السبب تشبيهاً لترتّب الملكيّة عليها ترتّب الحكم على موضوعه.
وهذا اصطلاح من الفقهاء فقط ولا شيء وراء الاصطلاح، فيعبّرون في الأحكام التكليفيّة بالشرطيّة، وفي الوضعيّات بالسببيّة، وإلَّا فمرجعهما إلى شيء واحد، والحكم معلول لإرادة الشارع، وقد أخذ ذلك مفروض الوجود، وليس هنا علّيّة أو معلوليّة حتّى يُقال: إنَّها غير قابلة للجعل.
إلَّا أنَّها بنفسها غير قابلة للجعل، وإن لم تكن من الأُمور التكوينيّة، فإنَّها غير مجعولة استقلالاً، وإنَّما هي مجعولة بتبع أخذها في موضوع الحكم، فلو أخذ الاستطاعة في موضوع الوجوب، فيُقال: إنَّها شرط، وأمّا إذا أوجب الحجّ على سائر المكلّفين، فلا يُقال: إنَّه شرط.
فالشرطيّة والسببيّة والمانعيّة إنَّما تنتزع من أخذ شيء في الموضوع وجوداً أو عدماً، فإن أخذ بوجوده قيداً، فيقال: إنَّه شرط وسبب على اختلاف التكليف والوضع، وإن أخذ عدمه في الموضوع، فيقال: إنَّه مانع، كالحيض بالنسبة إلى الصلاة.
إذن، فالصحيح أَنَّ هذه الأُمور بالنسبة إلى التكليف في مقام الفعليّة مجعولة، لكن لا استقلالاً، بل بتبع جعل الحكم وكيفيّة أخذ المولى شيئاً في موضوع حكمه.
وتارة: تكون الشرطيّة والمانعيّة قيد اً في متعلّق التكليف، كاشتراط الصلاة بالاستقبال، أو بعدم لبس أو مصاحبة غير المأكول، وهنا أيضاً لا شرطيّة ولا
ــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
مانعيّة، وإنَّما هي باعتبار تقيد المتعلّق بوجوده أو بعدمه، وقلنا: بأنَّها لا تجعل استقلالاً، فإنَّه لا يمكن جعل الشرطيّة ما لم يعتبر هذا الشيء شرطاً في الواجب أو مانعاً فيه، فلو جعل المولى الاستطاعة شرطاً في الحجّ مع اعتراف أنَّ الحجّ يتحقّق بدونه ومطلق بالنسبة إليها، فإنَّه لا يكون هذا شرطاً، فالشرطيّة والسببيّة والمانعيّة والجزئيّة إنَّما ينتزع من تقيّيد موضوع الأمر بشيء أو متعلّقه بشيء، فلو أمر بالمركّب من السورة وغيرها فإنَّها تكون جزءاً لا محالة، وأمّا إذا لم يأمر كذلك فإنَّها لا تكون جزءاً له.
فالمتحصّل مّما ذكرناه: أنَّ الأحكام الوضعيّة مجعولة مستقلاً ويتعلّق بها الاعتبار بنفسها من دون لحاظ حكم تكليفي، كالملكيّة والزوجيّة، وقد عبّرنا عنها بالموجودات المتأصّلة في عالم الاعتبار.
وقد يكون الحكم الوضعي منتزعاً من حكم آخر مجعول في نفسه كالشرطيّة والجزئيّة، فإنَّها أحكام وضعيّة منتزعة من وجود حكم متأصّل في عالم الاعتبار.
فيكون ما ذكره صاحب الكفاية(1) من أنَّ شرائط التكليف غير قابلة للجعل لا تصحّ إلَّا في شرائط الجعل الذي هو خارج عن محلّ الكلام.
وأمّا ما ذكره شيخنا الأنصاري(2) من أنَّ الأحكام الوضعيّة مطلقاً منتزعة عن الأحكام التكليفيّة فممكن ثبوتاً، ولكن في مرحلة الإثبات ليس الأمر
ــــــــــ[215]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 401، 402.
(2) انظر: فرائد الأُصول 3: 130.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
كذلك، فليست الملكيّة منتزعة من جواز التصرّف.
والوجه في ذلك: أنَّ مقتضى الأدلّة أنَّ جواز التصرّف وعدمه إنَّما هو من أحكام الملكيّة، وهي في مرتبة سابقة على ذلك، فـ”النَّاسُ مُسَلَّطُونَ عَلَى أَمْوَالِهِم”(1) و”لا بيع إلَّا في ملك“(2)، قد أخذ في موضوع التصرّف الملك، فهي في مرتبة سابقة عليها، لا أنّها منتزعة منه.
على أنَّه لا ملازمة بين الملكيّة وجواز هذه التصرّفات، فقد تكون جائزة مع عدمه، وقد لا تكون جائزة معه، فلو كان المالك محجوراً عليه فلا يجوز له التصرّف، مع أنّه مالك، فكيف يمكن أن يقال: إنَّها منتزعة من جواز التصرّف؟
أو قد نفرض أنَّ المالك كلّي، والكلّي ليس له أن يتصرّف مع أنَّه مالك، وإنَّما المتصرّف شخص خاص.
بل قد يفرض أنَّ المالك غير مدرك وهو مالك كالميت، بناءً على ما هو الصحيح من أنَّ الثلث باق على ملكه، بل قد يفرض في الجمادات كالوقف على المسجد بناءً على أنَّ الوقف هو التمليك على ما هو الصحيح.
فالأدلّة لا تساعد على أن تكون الملكيّة منتزعة من جواز التصرّف، بل هي من أحكامها.
وممّا يدلّنا على ذلك في مرحلة الإثبات أنَّ الزوجة الصغيرة لا يجوز وطئها مع أنَّها زوجة، فلو شككنا بطرو طلاق الوكيل بعد البلوغ يجوز وطؤها
ــــــــــ[216]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 1: 222، الحديث: 99.
(2) عوالي اللئالي 2: 247، باب المتاجر، الحديث: 16.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
لاستصحاب الزوجيّة بلا إشكال، مع أنّه على ما ذكره يشكل المطلب، فإنَّها على صغرها لم تكن زوجة، وفي حال البلوغ يحتمل الطلاق.
نعم، يصح ما ذكره في الجزئيّة والشرطيّة ونحوها من الأمور المنتزعة من الأحكام التكليفيّة، دون الأحكام الوضعيّة المتأصّلة في عالم الاعتبار.
فهل هما مجعولان شرعيّان أو أمران واقعيّان كشف عنهما الشارع؟
ظاهر كلام شيخنا الأنصاري(1) الثاني، فإنّ الشارع هو المطّلع على الواقعيّات كالطبيب المطلّع على مزاج الأشياء، فيقول عن شيء: إنّه بارد أو حار، والحرارة والبرودة أمران واقعيّان كشف عنهما الطبيب، فكذلك الطهارة والنجاسة.
ولكن الظاهر أنَّهما حكمان شرعيّان، ولا محالة أنّ حكمه بهما كحكمه في بقيّة الموارد، فالحكم ناشئ من أمر واقعي هو المصلحة المتعلّقة به، وليست الأحكام جزافاً لا محالة، فإنَّه لماذا يحكم بوجوب الصلاة دون شيء آخر؟ أو بحرمة الخمر دون شيء آخر؟ لا بُدَّ من وجود أمر واقعي دعا المولى إلى ذلك.
ولا يلزم أن تكون هناك نظافة واقعيّة أو قذارة واقعيّة، بل مصلحة واقعيّة للحكم بالطهارة أو النجاسة، فالكافر وإن كان يمكن أن تكون عقيدته مؤثّرة في نجاسته، ولكن ولده لماذا حكم بنجاسته، وبمجرّد أن يسلم أبوه أو يسبى
ــــــــــ[217]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 3: 130.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
يحكم بطهارته، فهل كانت قذارة واقعيّة قد زالت؟ هذا بعيد جدّاً.
ولا يبعد -والله العالم- أنّ الحكم بالنجاسة على الكفار هو ابتعاد المسلمين عنهم وعدم معاشرتهم لهم فيكتسبوا من أخلاقهم، وكذلك حكمة نجاسة الخمر هو ابتعاد المسلمين عنه، حيث يكون مانعاً عن الصلاة لا محالة، وللشهيد كلام يقول فيه(1): إنَّ الحكم بالنجاسة ينشأ أمّا من الاستقذار أو من طلب الفرار. فلعلّه يريد ذلك.
وعلى تقدير تسليم ما قاله الشيخ الأعظم، فإنه إنّما يتمّ في الطهارة والنجاسة الواقعيّين، وأمّا الظاهريّتان فلا إشكال في أنَّه حكم شرعي ظاهري جعل لأجل التسهيل على المكلّفين.
وأمّا احتمال أن يكون قوله: “كُلُّ شَيْءٍ نَظِيفٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ قَذِر“(2) من باب التنزيل، فهو منزّل منزلة القذر لا أنّه حكم شرعي، والقذر أمر واقعي والمشكوك فيه منزّل منزلته، فإنّ التنزيل هنا لا يمكن؛ لأنّ معنى التنزيل ترتيب آثار النظيف الواقعي عليه، فلو شككنا في طهارة ماء وغسلنا به ثوباً، وكان منزّلاً منزلة الطاهر وانكشف نجاسته، فلازمه الحكم بطهارة الثوب حينئذٍ.
فالظاهر أنَّ الطهارة والنجاسة -كالزوجيّة والملكيّة- من الأمور المجعولة مستقلّاً.
ــــــــــ[218]ــــــــــ
(1) القواعد والفوائد :15: 314.
(2) تهذيب الأحكام 1: 285، باب 12، تطهير الثياب وغيرها من النجاسات، الحديث: 119.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وقد سبق في بحث دلالة النهي عن الفساد، فمنهم من التزم بأنَّهما من الأحكام الوضعيّة. ومنهم من أنكره، ومنهم من فصّل بين العبادات والمعاملات كصاحب الكفاية(1)، فالصحّة في العبادات غير مجعولة؛ لأنَّها عبارة عن مطابقة المأتي به مع المأمور به.
وبعبارة أخرى: أنَّ المحكوم بالصحّة والفساد هو الفرد الخارجي ومنشأها هو المطابقة، وهي أمر واقعي وعدمها أيضاً، وهو لا تناله يد الجعل. وأمّا الصحّة في باب المعاملات فهي مجعولة، فإنَّها تنتزع من ترتّب الأثر على المعاملة وعدمه.
وذكرنا في ذلك البحث(2): أنَّ الأمر في المعاملات كالأمر في العبادات، فإنَّ الكلّي لا يتّصف بالصحّة والفساد، وإنَّما يتّصف به الفرد الخارجي أو المفروض وجوده، وهو أيضاً ينتزع من انطباق موضوع الحكم على الموجود الخارجي، فلو كان الموجود الخارجي مصداقاً للموضوع الكلّي بقيوده، أو كان المفروض وجوده في الخارج، فإذا انطبق عليه الموضوع الكلّي فهو صحيح، وإلّا فباطل.
فعلى تقدير الانطباق وعدمه ليسا من الأمور الواقعيّة، فالصحّة والفساد غير قابل لتعلّق الجعل بهما. هذا بحسب مقام الثبوت.
وأمّا بحسب مقام الإثبات -يعني: مقام الشكّ والظاهر- فكلاهما قابل
ــــــــــ[219]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 186، 187.
(2) انظر: محاضرات في أُصول الفقه 4: 140.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
للجعل، كما في موارد قاعدة الفراغ والتجاوز وأصالة الصحّة في العقود والإيقاعات، فلو صلّى وشكّ بعد الفراغ أنَّ المأمور به كان منطبقاً على المأتي به أو لا، فالشارع تعبّداً يحكم بالانطباق وبصحّة المأتي به، وكذلك لو وقع بيع أو نكاح نشكّ في صحّته، فنبني على صحّته، وأنَّ موضوع الحكم منطبق على الموجود الخارجي، فالصحّة والفساد قابلان للجعل عند الشكّ.
فالصحيح هو التفصيل بين الصحّة والفساد الواقعيّين والظاهريّين، ففي الثاني يكون قابلاً للجعل، وأمّا في الأوّل فلا.
قيل: إنَّهما من الأحكام الوضعيّة، ففي جملة من الموارد التي دلّ الدليل فيها على السقوط على نحو الرخصة أو العزيمة، كسقوط صلاة الجمعة عن المسافر والمرأة والعبد وموارد أخرى.
والظاهر أنَّهما لا يكونان من الحكم الوضعي، بل يرجعان إلى ترخيص الشارع وعدمه، فمعنى العزيمة: أنَّ الشارع لم يجوّز الإتيان بهذا العمل، يعني: غير مشروع، فإن أتى بالفعل في مورد السقوط كان تشريعاً محرّماً، ومعنى السقوط بنحو الرخصة: أنّ له أن يأتي به وأن يتركه، غايته: أنَّ المشروعيّة هنا ليست على حدٍّ المشروعيّة قبل السقوط.
وينتج ممّا ذكرناه: أنّ ما يكون منتزعاً من غيره من الأحكام كالجزئيّة والمانعيّة والسببيّة لا يجري فيه الاستصحاب جزماً، لأنَّ المفروض أنَّ الجعل فيها ليس مستقلّاً، وإنَّما هو تابع لأمر آخر، وحينئذٍ فإن جرى الاستصحاب في
ــــــــــ[220]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
منشأ الانتزاع تبعه هذا، ولا معنى لجريانه فيه، وإن لم يجر في المنشأ لمانع أيضاً فلا معنى لجريانه في الأمر الانتزاعي.
وأمّا القسم الآخر الذي يتعلّق به الجعل بنفسه فحاله حال الحكم التكليفي، فإن قلنا بجريانه فيه نقوله فيهما معاً، وإن أنكرناه أنكرناه فيهما معاً؛ لاتّحاد الملاك، لأن كلا النحوين من الحكم قابل لتعلّق الجعل فيه، فيقال: هذا كان واجباً. ويقال: كان هذا ملكاً لزيد، وإن لم يجر الاستصحاب لمانع لم يجر فيهما معاً.
فما نسب إلى الفاضل التوني من جريان الاستصحاب في الأحكام التكليفيّة والوضعيّة لم نعرف له وجهاً. هذا تمام الكلام في جريان الاستصحاب في الأحكام الوضعيّة.
ذهب النراقي إلى انكار جريان الاستصحاب في الأحكام الكلّيّة، وخصّ جريانه في الشبهات الموضوعيّة.
وذكر في وجهه: أنَّ الحكم الكلّي وإن كان يجري استصحابه في مرحلة المجعول، فيقال: إنَّ هذا الماء النجس، إذ المفروض أنّه كان قبل التيمّم كرّاً نجساً، ويشكّ في نجاسته بعد ذلك فيستصحب، إلّا أنَّه يعارض باستصحاب آخر، وهو: استصحاب عدم جعل النجاسة لهذا الماء بعد تتميمه كرّاً، فإنَّ جعلها أمر حادث مسبوق بالعدم، والقدر المتيقّن منه قبل التيمّم كان كرّاً، وبعده يشكّ فيه فيستصحب عدمه.
ثُمَّ أورد على نفسه: أنَّ استصحاب النجاسة اليقين والشكّ فيه فعليّان،
ــــــــــ[221]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وأمّا استصحاب عدم جعل النجاسة، فزمان اليقين منفصل عن زمان الشكّ باليقين بالنجاسة في زمان فلا يجري.
وأجاب: أنَّنا نفرض الكلام قبل حصول الماء في الخارج، فنقول: أنَّ الماء المتغيّر المتنجّس حال تتميمه لم يكن الحكم بنجاسته موجوداً، ونشكّ بجعل النجاسة له، فالاستصحابان متعارضان.
وتفصيل الكلام: أنّ ما ذكره صحيح، وذلك بإنكار جريان الاستصحاب في الحكم الإلزامي لا في الشبهات الموضوعيّة ولا الحكميّة. نعم، لا مانع من جريان الحكم الترخيصي فيهما، ويتمسّك في الشبهات الموضوعيّة باستصحاب الموضوع لا محالة، كاستصحاب عدالة زيد ونحوه، فيختصّ باستصحاب الموضوعات والأحكام الترخيصيّة.
وإثبات هذا المطلب يحتاج إلى ثبوت أمرين:
الأمر الأوّل: ويحتاج التكلم فيه إلى عدّة أقسام:
القسم الأوّل: أنَّ الشكّ في الحكم تارة يكون من جهة الشكّ في سعة الجعل وضيقه من جهة الزمان -إذا لم يكن للدليل إطلاق، وإلّا يخرج عن محلّ الكلام وهو التمسّك بالاستصحاب- كوجوب صلاة الجمعة، حيث علمنا أنَّه كان واجباً في الشريعة المقدّسة، وشككنا أنَّه خاصّ بزمان الحضور، أو يعمّ زمان الغيبة. وادّعى المحقّق الاسترابادي أنَّ جريان الاستصحاب هنا المعبّر عنه باستصحاب عدم النسخ من الضروريّات(1).
ــــــــــ[222]ــــــــــ
(1) انظر: الفوائد المدنيّة: 288.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
القسم الثاني: أن يكون الشكّ في سعة المجعول وضيقه، وذلك كحرمة وطي الحائض، فلا ندري أنَّها خاصّة بزمان الدم، أو تعمّ حال الحدث لو انقطع الدم، فالشكّ ليس من جهة النسخ جزماً، بل من جهة الشكّ في المجعول. وهذا ينقسم إلى فردين:
فقد يفرض أنَّ الحكم حكم انحلالي، كمثال الحائض فإنّ الحكم فيها انحلالي لا محالة، لأن كلّ فرد محكوم بحرمة غير الحرمة الثابتة للفرد الآخر، وقد يفرض أنَّ الحكم حكم واحد استمراراً وبقاءً، فهو غير منحلّ بحسب الأفراد كالماء القليل المتنجس إذا تمّم كرّاً، فالنجاسة الثابتة قبل إتمامه وبقاء هذا الحكم -على فرضه- ليست نجاسة أخرى غير الأولى، بل النجاسة فرد واحد من الحكم يشكّ في بقاءه بعد التيمّم.
القسم الثالث: أن لا يكون الشكّ من جهة السعة والضيق من جهة الزمان ولا من جهة المجعول، وإنَّما الشكّ من جهة الأمور الخارجيّة، وهو المعبّر عنه: بالشبهة الموضوعيّة، كالشكّ في أنَّ الغروب تحقّق في الخارج أو لم يتحقّق، فنشكّ في وجوب الإمساك وعدمه، وليس منشأ الشكّ هو الشكّ في سعة الجعل أو سعة المجعول وضيقهما، وإنَّما هو من جهة الشكّ في الأمر الخارجي، وأنَّ الشمس غربت أولا، ونحو ذلك الشكّ في اليوم الثلاثين من شهر رمضان. هذا هو الأمر الأوّل.
الأمر الثاني: أنَّ الحكم مطلقاً في مرحلة الجعل ومرحلة الفعليّة في الشبهات الموضوعيّة والحكميّة، ليس أمراً قديماً أزليّاً، بل أمر حادث مسبوق
ــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
بالعدم، فإنَّه لا شكّ أنَّ جعل الحكم إنّما يكون بعد تشريع الأديان وإرسال الرسل بجعل الحكم على الموضوع المفروض وجوده. وكذلك بالنسبة إلى تحقّق الموضوع خارجاً، فإنَّ فعليّة الحكم تتوقّف عليه لا محالة، فبحسب الجعل والفعليّة، أو الكبرى والصغرى، الحكم مسبوق بالعدم، وكنّا على يقين من عدمه فنشكّ فيه.
ومقتضى هذين الأمرين أنَّ الاستصحاب في وجود الأحكام يعارض باستصحاب العدم، فعدم جريان الاستصحاب ليس لعدم وجود المقتضى، بل لوجود المانع.
الكلام في القسم الأوّل
والظاهر أنَّ الاستصحاب في الحكم الإلزامي لا يجري في القسم الأوّل؛ لأنَّه يعارض باستصحاب عدم الجعل في الزائد، فإنّ القدر المتيقّن من جعل وجوب صلاة الجمعة، هو: زمان الحضور، ونشكّ في جعل الزائد، والحكم أمر مسبوق بالعدم فيستصحب، ويعارض استصحاب عدم النسخ.
وهذا مبني على ما هو الصحيح من أنّ النسخ ليس رفعاً للحكم الثابت بالبداء المستحيل عليه سبحانه، بل النسخ نسخ بحسب الصورة، وفي واقع الأمر أنَّ الجعل لم يكن، ومن الأوّل كان الحكم محدوداً، ولمصلحة لم يظهر الشارع القيد، وبعد ذلك بيّن أنَّ الحكم محدودٍّ بحد زمانيٍّ مخصوصٍ، فيرجع النسخ إلى الشكّ في الجعل من أوّل الأمر، فنشكّ في جعل الزائد فيكون استصحاب عدم الحكم من الآن الثاني معارض باستصحاب عدم النسخ، فهو
ــــــــــ[224]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
شكّ مسبوق بيقينين، والأصل عدم تحقّق الجعل في غير المقدار المتيقّن.
الكلام في القسم الثاني
وأمّا من جهة الشكّ في الحكم من جهة سعة المجعول وضيقه، وقلنا: إنَّ هذا القسم ينقسم إلى ما يكون حكمها واحداً غير انحلالي، كالحكم بنجاسة الماء وبعد تتميمه كرّاً يحتمل زوال النجاسة، فالقضيّة المتيقّنة عين المشكوك فيها، فيصحّ فيها الاستصحاب، فيحكم ببقاء النجاسة، أو كمثل الشكّ في جواز وطي الحائض بعد النقاء، فالاستصحاب في نفسه غير جار؛ لما تقدّم من أنَّ الحكم بالحرمة في المقام انحلالي، وليس شخصيّاً واحداً، فإنَّ كلّ وطي له حكم خاص.
وبناءً عليه، فقبل انقطاع الدم كانت أفراد طبيعي الوطي محرّمة جزماً، وأمّا الفرد الموجود بعد ذلك قبل الاغتسال، فهذا الفرد متى كان حراماً، فإنَّه فرد غير الأفراد المفروضة حين وجود الدم، فالاستصحاب في نفسه لا يجري لعدم اتحاد القضيّتين.
وعلى تقدير تسليم جريانه يكون حاله حال القسم الأوّل من هذا القسم، يعني: الماء المتغيّر بعد تتميمه كرّاً يشكّ في البقاء وعدمه، وهنا يقينان:
أحدهما: اليقين بالحكم وباعتباره فيجري استصحاب النجاسة أو الحرمة.
ثانيهما: اليقين بعدم الجعل، فإنَّه أمر حادث، ولا ندري أنَّ حرمة وطي الحائض التي لم تكن وجعلت في الشريعة بأيّ مقدار، فهل هو خاصّ بحال الدم أو أوسع منه؟ والأصل يقتضي عدم تحقّق الجعل إلّا بالمقدار المتيقّن، وكذلك جعل النجاسة للماء، فإنَّه قبل التيمّم جعلت له النجاسة يقيناً، وأمّا
ــــــــــ[225]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
جعل الزائد لما بعد التيمّم فهو مجهول، والأصل يقتضي عدمه. إذن، ففي مثل ذلك يحكم بسقوط الاستصحاب للتعارض.
الكلام في القسم الثالث
وهو الشبهات الموضوعيّة، فاستصحاب الحكم فيها أيضاً غير جار، والوجه في ذلك:
أوّلاً: أنَّ جريانه يتوقّف على اتّحاد القضيّتين، فهنا شكّ في بقاء الموضوع، وما نريد إثبات الحكم له يحتمل أنَّه مغاير للمتيقّن، فلم يحرز الاتّحاد، ففي مثال اليوم الثلاثين لا يمكن استصحاب وجوب الصوم، فإنَّ الصوم إنّما كان واجباً لأجل كونه من شهر رمضان، ونحن لا ندري أنَّ هذا اليوم منه، فلم يحرز الموضوع حتّى يجري الاستصحاب.
وكذلك إذا شككنا في غروب الشمس، فكيف نستصحب وجوب الإمساك، فإنَّه كان واجباً في النهار لا في الليل، ونحتمل أنَّ هذا الآن هو من الليل لا من النهار؟ فلا يمكن جريان الاستصحاب في نفسه. نعم، الاستصحاب الموضوعي لا مانع منه، كعدم غروب الشمس وعدم رؤية الهلال.
وعلى تقدير التسليم، وأنَّ الاستصحاب في نفسه جارٍ، فإنَّه معارض باستصحاب عدم الجعل، فإن الشارع يلاحظ الموضوعات الخارجيّة حين الجعل على نحو فرض الوجود، ونحن لا نعلم أنّ هذا الموضوع قد جعل عليه الحكم أو لا، فالشكّ شكّ في سعة المجعول وضيقه من الأوّل، باعتبار الأفراد الخارجيّة، فيجري استصحاب عدم الجعل.
ــــــــــ[226]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
فالمتحصّل مّما ذكرناه: أنَّ استصحاب الحكم في موارد الأحكام الكلّيّة والجزئيّة لا يجري، بلا فرق بين الأحكام التكليفيّة والوضعيّة الإلزاميّة كالنجاسة، فينحصر الاستصحاب بموارد الأحكام الترخيصيّة وموارد الشبهات الموضوعيّة بجريانه في الموضوع لا في الحكم.
أورد عليه شيخنا الأنصاري(1): أنَّ الزمان قد يفرض أنَّه مقوّم للموضوع، كالصوم يوم الخميس، فإذا ثبت له حكم شرعي لا يمكن استصحابه في اليوم الثاني، فإنَّه فرد آخر غير الفرد الأوّل، ومقتضى الأصل عدم ثبوت الحكم له، فيجري الاستصحاب العدمي دون الوجودي.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الزمان لم يؤخذ قيد اً في الموضوع، فإذا ثبت له الحكم وشككنا في ثبوته في الزمان الثاني فيجري استصحاب الوجود، وهو: استصحاب وجود الحكم وبقائه، ولا يمكن التمسّك باستصحاب عدم الوجود، فإنَّ العدم قد انتقض بالوجود، فإنَّنا علمنا بالوجود، فالمعلوم هو الوجود لا عدمه، فلا يمكن استصحاب العدم.
ففي مثال الماء قد يؤخذ وصف القلّة قيد اً، فلا يجري استصحاب النجاسة بعد التتميم كرّاً، لأنَّ هذا فرد آخر غير الأوّل، وأمّا إذا لم تؤخذ القلّة قيد اً، فكيف يمكن أن يقال: إنَّه لم يكن نجس والآن كما كان، فإنَّ عدم النجاسة قد انتقض بالنجاسة، فيجري استصحاب الوجود لا استصحاب العدم.
ــــــــــ[227]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 3: 210، 211.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
فكأنَّ الفاضل النراقي قد خلط بين الأمرين، بل يقول الشيخ: إنَّه لا يوجد مورد للمعارضة بين الاستصحابين أصلاً، فإنَّه مع وجود القيد لا يجري استصحاب الوجود في نفسه، بل يجري استصحاب العدم وحده، ومع عدم أخذ القيد يجري استصحاب الوجود دون العدم.
وعلى ما بيّناه لا يرد ما ذكره شيخنا الأنصاري، فإنَّه ينظر إلى مقام المجعول فقط، فإنَّه مسبوق بالوجود لا بالعدم، واستصحاب العدم إنّما هو بلحاظ مرتبة الجعل دون مرتبة المجعول، فنشكّ في أنَّ الجعل تعلّق بموضوع وسيع أو ضيّق، فاستصحاب بقاء الوجود لا يعارض باستصحاب عدم الوجود الفعلي، حتى يقال: إنَّه غير موجود، بل معارضه استصحاب عدم الوجود في الحالة الثانية، وهو جار؛ لأنَّ الجعل وعدمه معاً حادث مسبوق بالعدم. ومحلّ الكلام هو ما إذا لم يؤخذ الزمان قيداً في المجعول، فإنَّ الاستصحابين يكونان متعارضين، باعتبار أنَّ الشكّ مسبوق بيقينين: اليقين بالنجاسة، واليقين بعدم جعلها في الزائد على القدر المتيقّن.
فليس محل كلام النراقي ما إذا أخذ الزمان قيداً تارة وظرفاً أخرى، بل كلامه في خصوص ما إذا أخذ ظرفاً لا قيداً، ومع ذلك يتعارض الاستصحابان. فما ذكره الشيخ الأنصاري لا يرد على النراقي.
ومن هنا يظهر أنَّ ما ذكره صاحب الكفاية في المقام ليس بصحيح أيضاً، فإنّه ذكر: أنَّ القائل بالمعارضة جمع بين النظرين في دليل الاستصحاب، فتارة
ــــــــــ[228]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ينظر بالنظر المسامحي العرفي فيجري الاستصحاب، فإنَّ الماء إذا تمّ كرّاً فالموضوع عرفاً هو الموضوع، والكرّيّة من الحالات، فيمكن استصحاب نجاسته، وتارة ينظر إليه بالنظر الدقّي فيجد الموضوع متبدّلاً، فإنَّ ما كنّا على يقين بنجاسته هو الماء القليل، وما نشكّ بنجاسته هو الكرّ بوصف الكرّيّة، فهما موضوعان فلا يجري الاستصحاب.
وقال (1): لا يمكن الجمع بين هذين النظرين في دليل واحد، فإنَّه إمّا أن يكون مسوقاً بالنظر العرفي فيجري الاستصحاب، أو بالنظر الدقّي فلا يجري، ولا يمكن الجمع بينهما. ومعلوم أنَّ الخطاب إلى العرف فالعبرة بالنظر العرفي لا الدقّي. إذن، لا مجال لدعوى المعارضة.
وقد ظهر جوابه أيضاً: فإنَّ النراقي لا يريد أنَّ الاستصحاب يجري بالنظر العرفي، ولا يجري بالنظر الدقّي، بل يسلّم أنَّه مسوق بالنظر العرفي والموضوع واحد، بل يدّعي أنَّه مسبوق بيقين بلحاظ مرتبة الوجود، وفي مرحلة الجعل مسبوق باليقين بالعدم، فيتعارض الاستصحابان.
إنَّ الاستصحاب الوجودي جارٍ دون العدمي، لاتصال زمان اليقين بالشكّ في جريان الاستصحاب، فإنَّ كلمة الفاء في دليل الاستصحاب يدلّ على الترتّب، والشكّ مترتّب على اليقين، فلا بُدَّ من اتصال زمان الشكّ باليقين.
ومن المعلوم في المقام: أنَّ المرأة بعد أن حكم عليها بحرمة الوطي، فقد
ــــــــــ[229]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 410.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
انتقض عدم الحرمة بالوجود، فزمان الشكّ متّصل باليقين بالوجود، ومنفصل عن زمان اليقين بالعدم.
وأجاب عن ذلك: بأنَّ اليقين بعدم الحرمة كان موجوداً في زمان اليقين بالحرمة أيضاً، فإن كنّا على يقين بحرمة وطي الحائض حال الدم، وكنّا على يقين بعدم جعل الزائد، ولو في أوائل الإسلام، فكلا اليقينين متّصلان بالشكّ، فلا مانع من جريان الاستصحاب.
وأورد عليه شيخنا الأستاذ(1): أنَّ العبرة في الاتّصال ليس هو اتّصاف صفة اليقين بصفة الشكّ، فإنَّه قد يتيقّن ثُمَّ ينام، ثُمَّ يجري الاستصحاب، مع انفصال الزمان، بل العبرة إنّما هو باتّصال زمان المتيقّن بزمان المشكوك فيه، وحينئذ فيستصحب ويحكم بالبقاء، ومرجعه أنَّ المعتبر في الاستصحاب أن يكون الشكّ في البقاء لا في الحدوث. وعليه: فالاتّصال في المقام غير موجود، فإنَّ الحرمة بعد انقطاع الدم متّصل بزمان الحرمة، وهو حال الدم.
وأمّا زمان عدم الحرمة فقد انفصل عنه، فيصحّ أن يقال: إنَّ هذه المرأة كانت محرّمة الوطي، ونشكّ به بعد الحرمة المتيقّنة، وأمّا عدم الحرمة قبل الحيض فهو منفصل، فلا يجري استصحابه.
والظاهر بل المتيقّن أنَّ شيخنا الأستاذ تخيّل أنّ الفاضل النراقي يريد بالاستصحاب العدمي استصحاب عدم الحرمة قبل الحيض. نعم، لو كان مراده هذا فالجواب ما ذكره من أنَّه قد انتقض بالوجود، بل يريد به ما ذكرناه
ــــــــــ[230]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 405، 406.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
من استصحاب عدم جعل الحرمة لهذه المرأة بعد انقطاع الدم، وزمان اليقين متّصل بزمان الشك، فإنّا كنّا على يقين بعدم جعل الحرمة قبل نزول الآية المباركة، ونشكّ بعد نزولها أنّ عدم الجعل تبدّل بالجعل مطلقاً، أو في خصوص حال الدم، ومقتضى الاستصحاب عدم جعل الزائد.
وبعبارة أُخرى: أنَّ النراقي تارة ينظر إلى مرتبة الفعليّة، وأخرى إلى مرتبة الجعل، لا أنَّه يعارض بين الاستصحابين في مرتبة الفعليّة.
بقي شيءٌ:
إنَّنا نعلم بجعل الحرمة لوطء الحائض، لكن لا نعلم أنَّه مضيّق أو موسّع، فكيف يجري أصالة عدم جعل الحرمة المطلقة، مع أنَّ أصل الجعل معلوم، وكلتا الخصوصيّتين مشكوكة.
وبعبارة أخرى: أنَّنا نعلم أنَّ الحائض بعد انقطاع الدم وقبل الغسل لها حكم من جهة الوطي، إمّا الجواز وإمّا الحرمة، فإن كانت الحرمة محدودة بزمان الدم، فبعد ذلك جعل الترخيص، وإن كانت مطلقة فالمجعول هو الحرمة، فالمجعول إمّا الترخيص أو الحرمة، فكيف يمكن أن يقال: إنَّ الأصل عدم جعل الترخيص، بل الأصل عدم جعل الترخيص والحرمة.
ولكنّه يندفع بأنّ أصالة عدم جعل الحرمة مطلقاً له أثر، وأمّا أصالة عدم جعل الحرمة المقيّدة فلا أثر له شرعاً، وإنَّما الأثر يترتّب على عدم جعل الحرمة على الإطلاق.
ــــــــــ[231]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وأمّا معارضة استصحاب عدم جعل الحرمة باستصحاب عدم جعل الترخيص فباطل، لأمور:
الأمر الأوّل: أنَّ الاستصحاب الثاني لا يجري في نفسه، فإنَّ الأفعال على الترخيص في نفسها، إلّا ما ورد فيه التحريم أو الإيجاب، فالترخيص لا يحتاج إلى جعل مستقلّ، بل هو أمر ثابت من الأوّل، والأحكام الإلزاميّة هي التي تجعل تدريجاً، حتّى يكمل الدين(1)، فالترخيص قبل نزول الآية المباركة كان ثابتاً، والمقدار الذي ثبت من الوطي إنّما هو في زمان الدم، وأما بعده فلم يثبت، ومقتضى الاستصحاب بقاء الترخيص لا عدم الترخيص، فهذان الاستصحابان غير متعارضين.
نعم، بعض الأفعال كانت ممنوعة من الأوّل، كالأفعال التي لا تختصّ بشريعة دون شريعة كالزنا والسرقة والتعدّي على أموال الناس وأعراضهم، وهي أحكام لا نشكّ فيها، حتّى نحتاج إلى الاستصحاب.
الأمر الثاني: لو سلّمنا أنَّ استصحاب عدم الترخيص جرى في نفسه، فالحرمة أو الترخيص مجعول، وأصالة عدم الترخيص في نفسه جار، فإنَّه لا معارضة بين هذين الأصلين، فإنَّ الأصلين إنّما يسقطان بالتعارض لأجل التنافي بين مدلوليهما، فأحدهما يثبت والآخر ينفي، بحيث لا يمكن التعبّد بكلا المدلولين، أو لأجل المخالفة العمليّة، كما سبق أن ذكرنا في مبحث العلم الإجمالي.
ــــــــــ[232]ــــــــــ
() على ما يحتمل أن يكون معنى قوله: كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
أمّا إذا لم يكن لا هذا ولا ذاك فلا مانع من جريان الأصلين، ولو علمنا إجمالاً بمخالفة(1) أحدهما للواقع، كما في المتنجّسين المعلوم طهارة أحدهما لا بعينه، كما سبق أيضاً.
والمقام من هذا القبيل، فلو سلّمنا أنَّ استصحاب عدم الترخيص جارٍ في نفسه، فلا معارضة بين الاستصحابين، لأنَّ جعل التحريم وجعل الترخيص متضادّان، فنبني على أنَّ كلا الضدّين غير موجود، وأنَّ الشارع لم يجعل لا التحريم ولا الإباحة، وليس في ذلك تنافٍ ولا مخالفة عمليّة، فيكون كلا الأصلين جاريّين.
غاية الأمر: أنَّنا نعلم أنَّه جعل أحدهما، فليس في هذا إلّا المخالفة الالتزاميّة، وهي لا محذور فيها.
الأمر الثالث: لو بنيّنا على تعارض الأصلين، فلا تصل النوبة إلى استصحاب بقاء الحرمة، فيقال: إنَّ الأصلين يسقطان في مرتبة سابقة، وتصل النوبة إلى استصحاب بقاء الحرمة الثابتة حال الدم.
وهذا لا يتمّ: فإنَّ هذا الاستصحاب هو طرف المعارضة أيضاً في مرتبة واحدة.
ثُمَّ لو فرضنا أنَّ بين الأصلين معارضة، فليس منشؤها إلّا العلم الإجمالي بأنّ أحد الأمرين مجعول، وهما: الترخيص والتحريم، ونسبة هذا العلم إلى عالم
ــــــــــ[233]ــــــــــ
() يـعني: الـمخالفة الالتزاميّة، وهي لا بـأس بها، ولا تضرّ بجريان الأصـلين. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الجعل والى عالم المجعول على حدّ سواء، فكما أنَّ استصحاب عدم جعل الترخيص يعارض استصحاب عدم جعل التحريم، كذلك استصحاب الحرمة حال الدم، فيكون استصحاب عدم جعل التحريم طرفاً لمعارضة الأصلين، ويسقط الجميع في مرتبة واحدة.
والملاك أنَّ حرمة نقض اليقين بالشكّ في نفسه قابل لأن يجري في أيّ واحدة من هذه الأمور: الحرمة الفعليّة، وعدم جعل الترخيص، وعدم جعل التحريم؛ لتماميّة أركانها، ولكن لا يمكن الجمع بين هذه الأمور وترجيح بعضها على بعض بلا مرجّح، فيسقط الجميع في عرض واحد، ولا موجب لجعل المعارضة بين الأصلين، فتصل النوبة إلى استصحاب الحرمة الفعليّة، بعد اتّحاد الملاك في المعارضة بينهما. إذن، الاستصحاب لا يجري في الشبهة الحكميّة للمعارضة الدائميّة.
وقد ذكر شيخنا الأستاذ(1) في الجواب عن هذه المعارضة: أنَّ استصحاب عدم جعل التحريم غير جارٍ في نفسه، فيبقى استصحاب الحرمة الفعليّة بلا معارض.
والوجه في ذلك: أنّ الاستصحاب لا بُدَّ له من أثر، ولا أقلّ من الأثر العقلي كوجوب الإطاعة، ولا يترتّب أيّ أثر لجعل الحرمة ولعدم جعلها، فإنَّ الأحكام في مرتبة الإنشاء ما لم تتحقّق موضوعاتها في الخارج لا يترتّب عليها أيّ أثر شرعي أو عقلي، فما هو معنى استصحاب عدم جعل التحريم، فإنَّه لا
ــــــــــ[234]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 406.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
أثر له؟ فيكون استصحاب الحرمة بلا معارض، فيجري الاستصحاب في الأحكام الإلزاميّة.
لكنّه لا يتمّ؛ باعتبار أنّ حكم العقل بوجوب الطاعة وقبح المعصية يتوقّف على أمرين ينتفي بانتفاء أحدهما، وهما: جعل الحكم على نحو القضيّة الحقيقيّة، ووجود الموضوع في الخارج، فالموضوع من دون الجعل، أو الجعل بلا موضوع لا أثر له، وبضم الصغرى إلى الكبرى يتمّ موضوع الحكم العقلي بوجوب الإطاعة.
فكما أنَّ استصحاب الوجود يترتّب عليه الأثر، إذا شككنا أنَّ الجعل السابق ارتفع برافع أو أنَّه باق، كما لو أوصى عمر بثلث ماله لزيد، وشككنا أنَّه عدل عن وصيته أو لا، فنستصحب بقاء جعل هذه الوصية، ويترتّب عليه تمليك المال إلى زيد، فالاستصحاب له أثر يظهر عند وجود الموضوع، وإن لم يظهر أثره قبله.
وكذلك الاستصحاب العدمي، كما لو شككنا أنَّه أوصى بماله أو لا فنستصحب عدم الوصية، فنحرز باستصحاب عدم الجعل، فلا يجب على المكلّف الاجتناب عنه.
وبعبارة واضحة: أنَّنا لا نحتاج من الاستصحاب إلّا أن لا يكون التعبّد به لغواً، ولا يعتبر فيه الأثر الفعلي، فلو لم يكن التعبّد لغواً، ويترتّب عليه الموضوع خارجاً، فلا مانع من جريان الاستصحاب وجوداً وعدماً،
فالصحيح أن ما ذكره النراقي متين جدّاً، والاستصحاب في موارد الشبهات
ــــــــــ[235]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الحكميّة متعارض دائماً، فلا يكون جارياً، ولا يمكن إثبات أيّ حكم شرعي من الأحكام الإلزاميّة بالاستصحاب.
ودعوى أنَّ الاستصحاب في مقام الفعليّة لا يجري لا لأجل المعارضة، بل لأجل حكومة استصحاب عدم الجعل على استصحاب الحرمة الفعليّة.
وذلك: لأنَّ الشكّ في بقاء الحرمة الفعليّة ينشأ من الشكّ في سعة المجعول وضيقه، فإنَّه لا موجب للشكّ في بقاء حرمة الوطي بعد انقطاع الدم، إلّا الشكّ في أنَّ المجعول وسيع أو ضيّق، فأحد الشكّين مسبّب عن الآخر، فإذا جرى استصحاب عدم الجعل في الزائد، فإنَّه يكون حاكماً على استصحاب الحرمة الفعليّة، فالاستصحاب لا يجري في الأحكام، لا لأجل المعارضة بل لما ذكرناه.
مدفوعة؛ فإنَّ السببيّة هنا وإن كانت صحيحة، إلّا أنّ السببيّة والمسببيّة مطلقاً لا توجب تقدّم الأصل السببي على المسبّبي، وإنَّما توجب التقدّم إذا كانت السببيّة شرعيّة، يعني: كان الحكم في المسبّب من آثار الحكم في السبب، كالوضوء في ماء يشكّ في طهارته، وهو مسبوق بالطهارة، فاستصحاب الحدث جارٍ في نفسه لاحتمال نجاسة الماء، وهو لا يرفع الحدث، واستصحاب الطهارة في الماء جار أيضاً في نفسه، فهذا الماء مشمول للطهارة شرعاً، ومن آثار طهارة الماء أنَّه يرفع الحدث والخبث، فاستصحاب الطهارة في الماء يزيل الشكّ في المسبّب بحكم الشارع بضمّ الوجدان إلى الأصل، فيكون الأصل المسبّبي حاكماً لا معارضاً.
ــــــــــ[236]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وأمّا إذا لم تكن السببيّة شرعيّة -كما في المقام- فليس من آثار سعة المجعول وضيقه شرعاً بقاء الحرمة وعدمها بعد ذلك، وإنّما يترتّب ذلك عليه قهراً، فلا يتقدّم الأصل الجاري في السبب على الأصل الجاري في المسبّب، فالصحيح هو المعارضة كما ذكرناه.
ثم إنّ الفاضل النراقي لم يفرق بين الأحكام الإلزاميّة وغيرها، ولكن الصحيح هو التفصيل، فيقال بعدم الجريان في الإلزاميّة لما ذكرناه من المعارضة.
وأمّا غير الإلزاميّة فلا مانع من جريانه فيها، لعدم المعارضة، كاستصحاب الطهارة، فإنَّ الأفعال -كما قلنا- في نفسها كانت مورداً للترخيص، إلّا ما كانت مشتركة بين جميع الملل كالسرقة وغيرها، وأمّا الأحكام الأخرى الإلزاميّة فهي حادثة.
وأمّا غير الإلزاميّة فهي كانت ثابتة سابقاً والافعال كانت مرخصاً بها، كما يستفاد من بعض الروايات والآيات، كما في قوله تعالى: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا(1)، و”كلّ ما حجب الله علمه….”(2)، وغير ذلك. إذن، فاستصحاب عدم الترخيص في غير المقدار المتيقّن لا يجري، فإنَّ الترخيص كان موجوداً، ففي مرحلة الجعل والفعليّة يجري استصحاب الترخيص دون استصحاب عدم الترخيص، ففي الشبهات الحكميّة غير الإلزاميّة، لا بأس أن نستصحب الترخيص والإباحة.
ــــــــــ[237]ــــــــــ
(1) الحشر: 7.
(2) الکافي 1: 164، باب حجج الله على خلقه، الحديث: 3.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وأما الأحكام الوضعيّة فهي بنفسها -مع قطع النظر عن الأحكام المترتّبة عليها- أجنبيّة عن المكلّف أصلاً، ككونه عبداً أو وقفاً أو ملكاً، وإنَّما تتنجّز على المكلّف باعتبار آثارها من الأحكام التكليفيّة، فينظر إلى تلك الأحكام، فإن كانت لا توجب وقوع المكلّف في كلّفة كالطهارة التي يترتّب عليها جواز الشرب والأكل وصحّة الوضوء والغسل فيجري استصحاب الطهارة، ولا يعارضه عدم جعل الطهارة، فإنَّ الأشياء كانت كلّها على الطهارة فيستصحب.
وأمّا إذا كان الحكم الوضعي من الأحكام التي يترتّب عليها التكليف، كالنجاسة التي يترتّب عليها حرمة الأكل والشرب وغيره، فيجري فيه الكلام السابق، وهو عدم جريان استصحاب النجاسة(1) للمعارضة.
وملخص القول: أنّ كلّ حكم إلزامي أو يرجع إليه لا يمكن جريان الاستصحاب فيها إذا كانت الشبهة حكميّة، وأمّا الأحكام الترخيصيّة أو ما ينتهي إلى ذلك فلا مانع من جريان الاستصحاب فيها.
ولم يبق شيء في المقام قابل للتعرّض، إلّا أمرين ذكرهما شيخنا الأستاذ(2).
ــــــــــ[238]ــــــــــ
() فيما لو كان نجساً وشككنا ببقاء النجاسة بالشبهة الحكميّة، كالماء النجس المتمّم كرّاً. (المقرّر).
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 358.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الأمر الأوّل: قد يقال: إنَّ هذه الصحيحة وغيرها من الروايات الآتية، إنّما وردت في الشبهات الموضوعيّة دون الحكميّة، فيدّعى أنَّ الاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكميّة لعدم المقتضي؛ لاختصاص دليله من الأوّل بالشبهات الموضوعيّة، كما ادّعاه جماعة من الإخباريّين كصاحب الحدائق(1) والاسترآبادي(2) وغيره، وأنَّ الاستصحاب قاعدة فقهيّة لا يجري إلّا في الموضوعات.
وهذا ساقط، فإنَّ مورد الروايات وإن كان هو الشبهات الموضوعيّة، إلّا أنّ التعليل عامّ (ولا ينقض اليقين بالشكّ أبداً)، فإنَّها كبرى كلّيّة طبّقها الإمام على المورد، والعبرة بها لا بالصغرى، فكلّما صدقت كان موضوعاً لها كانت الشبهة موضوعيّة أو حكميّة، فدلالة الرواية على جريانه في الحكميّة في نفسها تامّة، وإن كان لا يجري للمعارضة.
الأمر الثاني(3): أنَّ الصحيحة لا تدلّ على جريانه في كلّ مورد، وإنَّما النتيجة مهملة، يعني: جريانه في بعض الموارد، ولا بدَّ من إنتاج الشكل الأوّل من كلّيّة الكبرى، وإلّا احتمل أنّ هذا المورد ليس منه.
وتقريبه: أن لا ينقض اليقين بالشكّ نفي وارد على العموم، ونتيجته: سلب العموم لا عموم السلب، فالممنوع نقض اليقين بالشكّ في جميع الموارد لا
ــــــــــ[239]ــــــــــ
(1) الحدائق الناضرة 1: 54.
(2) الفوائد المدنيّة: 284 – 288.
(3) انظر: أجود التقريرات 2: 360، 361.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
في كلّ مورد مورد. إذن، فلا يمكننا الاستصحاب في كلّ مورد مورد، فيختصّ حرمة النقض ببعض الموارد.
وهذا واضح الفساد، لأمرين:
الأمر الأول: فلأنَّه لو تمّ فهو إنّما يتمّ لو ورد النفي على العموم(1)، وكان العموم مدخولاً له، فتكون النتيجة سلب العموم لا عموم السلب، والمقام ليس من هذا القبيل، فإنَّ كلمة اليقين مفرد معرف باللام ولا يفيد العموم كالنكرة، فليس نفياً وارداً على العموم، بل العموم يستفاد من السلب، ويثبت في مرتبة متأخرّة عن السلب، فيكون من عموم السلب لا من سلب العموم.
الأمر الثاني: أنّ هذا الكلام من أصله غير صحيح، حتّى لو ورد النفي على العموم، وكان العموم في مرتبة سابقة على النفي، بل يختلف هذا باختلاف الموارد ويفهم من القرائن الخارجيّة. فإنَّ العموم يلاحظ على نحوين:
النحو الأوّل: على نحو العموم المجموعي، فيرد النفي على العام المجموعي، كالمثال المتقدّم، وهو: لا أملك كلّ هذه الدراهم.
النحو الثاني: أن يراد من العموم العموم الاستغراقي، ويكون (كلّ) آلة لاستغراق الأفراد، ويكون النفي وارداً على كلّ فرد فرد، كقوله تعالى: إِنَّ اللَّـهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ(1)، وكقولنا: لا تهن العلماء، فليس المراد به
ــــــــــ[240]ــــــــــ
() مثل لا أملك كلّ هذه الدراهم، يعني: لا أملك المجموع، ولا ينافي أنَّه مالك لبعض دون بعض. (المقرّر).
(2) لقمان: 18.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
المجموع، وهذا يعرف من القرائن الخارجيّة.
وفي المقام حتّى لو كان لفظ اليقين مقيّداً للعموم بنفسه، فالقرينة قائمة على أنَّه أُريد به العموم الاستغراقي، وهو قوله: أبداً، وتطبيق الكبرى على المورد، فلو أُريد نفي المجموع كيف ينطبق على المورد؟ هذا تمام كلامنا في دلالة الصحيحة والتفصيلات.
ومنها: الصحيحة الأخرى لزرارة(1)، “قال: قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من المني فعلمت أثره إلى أن أُصيب له الماء، فحضرت الصلاة، ونسيت أن بثوبي شيئاً وصليت، ثُمَّ إنّي ذكرت بعد ذلك، قال: تعيد الصلاة وتغسله“.
وهذا حكم على مقتضى القاعدة في لزوم إعادة الناسي للصلاة، وقد علّل في بعض الروايات من أنَّه من التسامح بالنجاسة، فإنَّ العالم بها قد تسامح إلى أن أدّى إلى النسيان.
“قلت: فإن لم أكن رأيت موضعه وعلمت أنَّه قد أصابه فطلبته ولم أقدر عليه، فلما صليّت وجدته، قال: تغسله وتعيد، ثُمَّ سأل عن صورة الظنّ، فقال: قلت: فإن ظنّنت أنّه قد أصابه ولم أتيقّن ذلك فنظرت فلم أرَ شيئاً فصليت فرأيت فيه، قال: تغسله وتعيد الصلاة“.
فتعجّب زرارة من الحكم بالصحّة، وقال: “قلت: لم ذلك، قال:
ــــــــــ[241]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 421، باب 22، تطهير البدن والثياب من النجاسات، الحديث: 8.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشكّكت وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً”(1).
ويظهر من هذه الرواية أنَّ المراد بالشكّ معناه اللغوي، وهو: خلاف اليقين، لا بالمعنى المصطلح عليه، وهو: تساوي الطرفين، فإنَّ زرارة فرض الظنّ، فلا يرفع اليد عن اليقين إلّا بيقين مثله، وأمّا الظنّ فهو شكّ.
ثُمَّ يسأل عن صورة العلم الإجمالي، بقوله: “قلت: فإني قد علمت أنّه قد أصابه ولم أدرِ أين هو فاغسله، قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك“.
وهذا على مقتضى القاعدة في الاشتغال وتنجّز العلم الإجمالي.
“قلت: فهل عليّ إن شكّكت في أنَّه أصابه شيء أن أنظر فيه، قال: لا ولكنّك إنّما تريد أن تذهب الشكّ الذي وقع في نفسك“.
ويظهر من هذه الرواية أنَّ الفحص غير واجب إذا شكّ بنجاسة ثوبه أو نحوه. نعم، ما دون الفحص كمجرّد النظر، ومن هنا لم يجوّز الإفطار لمن يمكن له معرفة الفجر بمجرّد النظر، وهذه الصحيحة تدلّ على أنّ هذا أيضاً غير واجب، فلو سلّمنا أنَّ النظر غير الفحص، فالنظر أيضاً غير لازم لصريح الرواية.
قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة. فهنا يفصّل الإمام بين صورتين حيث قال في الصورة الأولى: “تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في
ــــــــــ[242]ــــــــــ
(1) علل الشرائع 2: 361، باب 80، علّة غسل المني إذا أصاب الثوب، الحديث: 1.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
موضع منه ثُمَّ رأيته“. مّما يعني: أنَّ أصل النجاسة معلوم، وإنَّما الشكّ في موضع الثوب، فإذا رآه في أثناء الصلاة يستكشف منه بطلان الصلاة من الأوّل.
والصورة الأخرى قوله: “وإن لم تشكّ ثُمّ رأيته رطباً قطعت الصلاة“، يعني: رفعت اليد عن الاستمرار بالصلاة، وإن لم يحكم ببطلانها فعلاً وغسلته، ثُمّ بنيت على الصلاة. فلا بُدَّ من تقيّيد هذه الصحيحة بما إذا كان متمكناً من الغسل، من دون أن يأتي بمنافيّات الصلاة، كالاستدبار أو التكلّم أو غيره.
ثُمَّ قال الإمام: “لأنّك لا تدري لعلّه شيء أوقع عليك فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك“.
وههنا صورة ثالثة لم يسأل عنها زرارة، وهو: ما إذا علم وهو في الصلاة أنَّ هذه النجاسة كانت من السابق، وليست بنجاسة حادثة، كما لو كانت النجاسة يابسة أو كان سببها منحصراً بما حدث له قبل الصلاة كذبح الذبيحة، والمذكور في الصحيحة أمران:
أحدهما: أن يكون عالماً بالنجاسة قبلاً، ورآه وهو في الصلاة، فأمره بالغسل والإعادة.
ثانيهما: أنّه رآه ابتداء في الصلاة فحكم بالغسل والاستمرار بالصلاة.
وأمّا في هذه الصورة، فهل يحكم بصحّة الصلاة أو لا؟
فيه كلام بين الأعلام، واختار شيخنا الأنصاري(1) الحكم بالصحّة للأولويّة القطعيّة، لأنَّ الإمام حكم في الفرع الثالث من هذه الصحيحة بالصحّة، وقال:
ــــــــــ[243]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 3: 61.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
تغسله ولا تعيد، وعلّل بقاعدة الاستصحاب، فإذا كان مجموع الصلاة لا يحتاج إلى الإعادة فيما إذا وقعت مع النجاسة فبعض الصلاة أولى بالصحّة.
ولكن الفرق بين الصورتين واضحة، فإنَّه إذا فرغ من الصلاة فكلّ الصلاة وقعت بالنجاسة، وأمّا إذا التفت في أثناء الصلاة، فهو عالم بالنجاسة وهو في الصلاة، فكيف يمكن أن يقال بالأولويّة؟ فإنَّه وإن أمكن دعواها بالنسبة إلى الأجزاء السابقة، وأمّا بعد الالتفات فهي ممنوعة.
فالظاهر هو الحكم ببطلان الصلاة، وذلك لقوله في مقام التعليل: “وذلك لعلّه أمر وقع عليك ولا ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ“. ويظهر من هذا التعليل؛ أنَّه لو كان عالماً أنَّه كان قبل ذلك فلا بُدَّ من الإعادة. فهذه هي مسائل الصحيحة.
وأمّا الاستدلال على الاستصحاب فقد استدلّ بجملتين فيها:
إحداهما: الجملة الأخيرة حيث علّل الإمام عدم وجوب قطع الصلاة، بل عدم جوازه باحتمال أنّ هذه النجاسة حادثة فلعلّه شيء أوقع عليه، وليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ، ومعناه: أنَّنا نبني على أنَّ النجاسة من أوّل الصلاة لم تكن؛ لأنَّها أمر حادث، ودلالتها على ذلك واضحة.
ثانيتهما: الجملة المتقدّمة حيث علّل عدم وجوب إعادة الصلاة لمن صلّى في ثوب وهو جاهل بنجاسته، ونظر فلم ير شيئاً وبعد الصلاة وجد تلك النجاسة، قال: تغسله ولا تعود، قلت: لم ذلك قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك فشككت….الخ.
ــــــــــ[244]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وبالنسبة إلى الكبرى الاستدلال واضح، بل هي أوضح من الصحيحة السابقة، فإنَّها صريحة في التعليل على أنَّ السابقة كانت ظاهرة فيها، والظاهر أنَّه في مقام تطبيق كبرى ارتكازيّة على صغراها.
وإنَّما الإشكال في الصغرى، حيث يقال: إنّ الإعادة ليست من نقض اليقين بالشكّ، بل باليقين، فإنَّ زرارة علم بوجود النجاسة بعد الصلاة. نعم، لو كان الاستصحاب بلحاظ جواز الدخول في الصلاة فنعم؛ إذ يُقال له: يجوز لك الدخول وأنت شاكّ، ولكن الاستصحاب كان بلحاظ عدم الإعادة، وهو من نقض اليقين باليقين، ولأجل ذلك قد يقال: إنّ هذه الرواية غير واردة في مقام بيان الاستصحاب، بل لبيان قاعدة اليقين.
أمّا الجملة الأولى فقد حكم الإمام بالغسل وعدم إعادة الصلاة، وقال: “لأنّك كنت على يقين من طهارتك“.
والمكلّف هنا متيقّن بالصلاة مع النجاسة، فكيف يكون الاستصحاب علّة لعدم وجوب الإعادة؟ ومن ثَمَّ ذهب بعضهم إلى أنَّ الصحيحة ناظرة إلى قاعدة اليقين.
وهذا الاحتمال باطل جزماً، فلا يمكن حمل الجملة على قاعدة اليقين، فإنَّها متقوّمة بيقينٍ سابقٍ وشكٍّ سارٍ إلى زمان اليقين، والشكّ فيها شكّ في الحدوث، وفي الاستصحاب الشكّ فيه شكّ في البقاء.
وهذا لا يمكن تطبيقه على المقام، إذ المفروض أنَّه لا شكّ للمكلّف بعد الصلاة، بل هو يتيقّن بوقوع الصلاة مع النجاسة، حتّى يقال: إنَّ الرواية ناظرة إلى قاعدة اليقين.
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ثُمَّ أين اليقين السابق؟ فإن أُريد به اليقين قبل ظنّ الإصابة، حيث كان على يقين من طهارته، ثُمَّ ظنّ أنّ النجاسة أصابته فنظر فلم ير شيئاً، فهذا اليقين لم يرتفع، فإنّ المكلّف بعد الصلاة أيضاً قاطع بالطهارة في ذلك الحين.
وإن أُريد به اليقين بعد ظنّ الإصابة، فهو وإن ارتفع، إلّا أنّ زرارة لم يفرض هذا اليقين، بل ذكر: أنَّه نظر فلم ير شيئاً، ولم يقل أنَّه يتيقّن بالعدم، بل بقي على شكّه، حتّى يقال: إنَّ اليقين موجود وقد ارتفع، فهو مورد لقاعدة اليقين.
إذن، فكلا ركني قاعدة اليقين غير متحقّق في مورد الرواية، فلا بُدَّ من حملها على الاستصحاب، فإن عرفنا كيفيّة تطبيق الكبرى فهو، وإن لم نعرف فيبقى ذلك على مجهوليّته، ولكن الكبرى تامّة.
وكيفما كان، فالاستدلال بهذه الصحيحة على الاستصحاب تامّ، بل هي أظهر من الصحيحة السابقة.
وأمّا بيان كيفيّة التعليل، فقيل ذلك في بيان مانعيّة النجاسة وشرطيّة الطهارة في الصلاة، حيث وقع الكلام في ذلك، وأنَّه هل هناك ثمرة على هذا الخلاف، أو أنَّه خلاف علمي فقط؟
فقد يقال بالجمع بين هذين الأمرين، فيقال: إنَّ النجاسة شرط والطهارة مانع، ولا يمكن أن يكون أحد الضدّين شرطاً والآخر مانعاً، للزوم اللغويّة المحضة، وذلك للملازمة، فإنّ اعتبار الشرطيّة لأحد الضدّين مغن عن اعتبار المانعيّة للآخر، كما في الضدّين اللذين ليس لهما ثالث كالحركة والسكون.
ــــــــــ[246]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
والمقام من هذا القبيل، فإنَّ الطهارة والنجاسة ليس بينهما ثالث، أو هما من قبيل العدم والملكة، وعلى أيّ حال فليس هنا شقّ ثالث لا طاهر ولا نجس، فاعتبار الطهارة شرط يغني عن اعتبار مانعيّة النجاسة، وكذلك العكس، فالصحيح أنّ أحدهما هو الثابت.
والذي يظهر من الرواية، هو: أنَّ الشرطية للطهارة، لا أنَّ النجاسة مانع، من قبيل قوله: “لا صلاة إلّا بطهور“(1)، وقلنا: إنَّ كلمة طهور اسم لما يتطهر به، كما أنَّ الوقود ما يوقد به، والظاهر منها بقرينة ذيلها أنَّ المراد بالطهور ليس هو خصوص الطهارات الثلاث، وإن كانت هي طهوراً أيضاً، لقوله في ذيلها: “ويجزيك في الاستنجاء ثلاثة أحجار وأما البول فلا يجزي إلّا الماء“، فيظهر فيه أنَّه في مقام اشتراط الصلاة بالطهارة من الخبث أيضاً. فالظاهر أنَّ الطهارة شرط، لا أنَّ النجاسة مانع، فالصلاة بالنجاسة باطلة لفقدان الشرط لا لوجود المانع. ولكن الكلام في أنَّه له ثمرة أو أنَّه مجرد نزاع علمي.
الظاهر هو الثاني، لأنَّ المكلّف لو صلّى بثوب نجس غافلاً، ثُمَّ التفت إلى أنَّه كان نجساً، فلا يحتمل الفتوى بالبطلان، سواء كانت الطهارة شرط أو النجاسة مانعة، وذلك للروايات التي تدلّ على أنَّ النجاسة إذا لم تكن معلومة فالصلاة صحيحة.
فإن قلنا: إنَّ الطهارة شرط، فشرطيّتها في فرض الالتفات، وكذلك إذا قلنا: إنَّ النجاسة مانعة، فإنَّ المانع هي النجاسة الواصلة بمنجّز، يعني: لم يكن
ــــــــــ[247]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 1: 50، الباب 3، آداب الأحداث الموجبة للطهارة، الحديث: 83.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
مؤمنّاً من النجاسة الواقعيّة، فهذا محكوم بالصحّة بلا إشكال ولا كلام.
وكذلك لو كان المكلّف عالماً بنجاسة شيء بالعلم أو بالعلمي، ثُمَّ نسي وصلّى بالثوب، وبعد الصلاة انكشف أنَّه كان طاهراً، ولم يكن العلم مطابقاً للواقع، فتصحّ صلاته بلا إشكال، فإنَّ أدلّة البطلان في فرض النسيان فيما إذا كان الثوب أو البدن متنجساً، وأمّا إذا انكشف أنَّ الثوب كان طاهراً فلا ينبغي الشكّ في الصحّة، لأنَّه على تقدير مانعيّة النجاسة، فإنَّها غير موجودة، حتّى تكون مانعاً، وعلى تقدير شرطيّة الطهارة، فليس الشرط هو الطهارة بوجودها العلمي والاحرازي، بل الطهارة الواقعيّة كافية في تحقّق الشرط.
ففي حال عدم الالتفات يحكم بالصحّة، سواء قلنا بالشرطيّة أو المانعيّة، ومع الالتفات يحكم بالبطلان على كلا القولين، بل مجرّد احتمال النجاسة الواقعيّة بلا مؤمّن يكون كافيّاً في الحكم بالبطلان بلا فرق بين القولين، ولا بدَّ من إحراز عدم النجاسة بمؤمّن.
ومن هنا لا يجوز الصلاة في أطراف العلم الإجمالي على كلا القولين، فالظاهر عدم الثمرة بين هذين القولين.
نعم(1)، يحتمل في فرع واحد أن يفرق بين الأمرين، وهو: ما إذا علمنا بنجاسة في أحد ثوبين، وصلّى المكلّف صلاتين كلّ صلاة في ثوب، ثُمَّ انكشف
ــــــــــ[248]ــــــــــ
() وبالنسبة إلى الملتفت الذي يصلّي في الثوب النجس مع عدم تنجّز النجاسة لا يحتاج إلى الإعادة على كلا القولين، فإنَّ شرطيّة الطهارة ليس هو الواقعيّة، بل هو الإحراز، وهذا محرز للطهارة بالأصل على الفرض. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
نجاسة كلا الثوبين، فقد يقال: بناءً على اشتراط الطهارة نحكم ببطلان كلا الصلاتين، وأمّا بناء على مانعيّة النجاسة المنجّزة(1) فيحكم ببطلان إحداهما، لأنَّه لم يكن عالماً إلّا بنجاسة واحدة، ووقعت الصلاة الثانية بالنجاسة من باب الاتفاق. إذن، يكون الشرط أحد الأمرين، وهما: الإحراز والطهارة الواقعيّة، لا خصوص أحدهما.
ولكن الظاهر أنَّ الأمر ليس كذلك، ولا تظهر الثمرة هنا أيضاً، فإنَّه على القول باشتراط الطهارة، حيث قلنا: إنَّ الشرط أعمّ من الواقع والظاهر، فيمكن الرجوع إلى أصل الطهارة في أحد الثوبين لا معيّناً، والأصول إنّما تسقط في أطراف العلم الإجمالي بعينها، وأمّا الرجوع إلى الأصل في غير المعلوم بالإجمال على إجماله فلا مانع منه.
ونتيجة ذلك: هو الحكم ببطلان إحدى الصلاتين، وبطلان الأخرى لا بعينه(2)، فكما أنَّه بناءً على مانعيّة النجاسة المنجّرة لم تتنجّز إلّا بنجاسة واحدة فيحكم ببطلان إحدى الصلاتين، كذلك لو قلنا بشرطيّة الطهارة.
ونظير ذلك ما إذا صلّى صلاتين وعلم إجمالاً ببطلان إحداهما بفقدان ركن مثلاً، واحتمل بطلان الثانية أيضاً، وقلنا في محلّه: إنَّ العلم الإجمالي إنّما يؤثّر في بطلان إحدى الصلاتين، ولا مانع من الحكم بصحّة الثانية بقاعدة الفراغ، ففي
ــــــــــ[249]ــــــــــ
() لعدم تحقّقها بوجودها الواقعي والإحرازي. (المقرّر).
(2) فلو صلّى بكل منهما صلاة وانكشف نجاسة كليهما، فإحداهما محكومة بالصحّة لوجدانها الشرط، وهو الطهارة الظاهريّة. (المقرّر).
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
خصوصيّة الصلاتين لا يمكن جريان القاعدة للتعارض، وأمّا جريانها في إحداهما لا بعينه فلا مانع منه، فيأتي بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة. فلا فرق بين القولين، وإن كان الصحيح، هو: أنَّ الطهارة شرط، لا أنَّ النجاسة مانعة.
ذكر صاحب الكفاية(1) أن جريان الأصل ليس باعتبار ما بعد الصلاة، بل بما قبلها، فيقال: إنَّ الطهارة أعمّ من الواقعيّة والمحرزة.
قد يقال: إنَّ الشرط ليس هو خصوص الطهارة الواقعيّة حتّى يقال انكشف عدمه، ولا خصوص الظاهريّة حتّى يقال: إنَّه لا يصحّ، وإنَّما الشرط هو الجامع بينهما.
فهذا التعليل ناظر إلى ذلك، ولذا قال: “أنّك كنت على يقين“، ولم يقل: إنَّك على يقين، يعني: حينما شرعت في الصلاة كنت على يقين من طهارتك فشكّكت فكان الاستصحاب جاريّاً في حقّه.
فزرارة -والله العالم- خاصّة مع جلالة قدره كان عالماً بصحّة الصلاة مع الجهل بالنجاسة، وإنَّما سأل عن ذلك باعتبار تعلّق الظنّ بالنجاسة، وإنَّ الظنّ هل يلحق بالعلم أو لا؟ وإلّا من البعيد عدم معرفته بذلك الحكم، ولذا حكم بالصحّة وعلّله بأنَّ الظنّ ليس بحجّة، لأنّك حين تصلّي كنت محرزاً للطهارة، والشرط كان متحقّقاً؛ لأنَّه أعمّ من الظاهريّة والواقعيّة.
فيتمّ الاستدلال بالصحيحة على الاستصحاب، ويكون التطبيق باعتبار أنّ
ــــــــــ[250]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 393، 394.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الشرط أعمّ من الوجود الواقعي والظاهري للطهارة، وإذا كانت النجاسة مانعة فالنجاسة المنجّزة هي المانع، دون ما إذا كانت منفيّة بالأصل.
ثُمَّ لا إشكال في أنَّ النجاسة على تقدير مانعيّتها، ليست كذلك بوجودها الواقعي، بل بوجودها المنجّز، ولذلك لا خلاف في صحّة صلاة الغافل وانكشاف وجود النجاسة، كما أنَّه بناءً على الشرطيّة لا يحتمل أن يكون الشرط هو خصوص الطهارة الواقعيّة لصحّة الصلاة فيما إذا صلّى معتمداً على أصل أو أمارة تقتضي الطهارة، ثُمَّ انكشف وجود النجاسة أيضاً، فإنَّه لا تجب الإعادة بلا خلاف.
كما أنَّ ما ذكره صاحب الكفاية من أنَّ الشرط هو إحراز الطهارة بخصوصه موافق لما ذكرناه من التسالم على صحّة صلاة من قطع بنجاسة شيء أو قامت بيّنة ونحوها، وغفل وصلّى، ثُمَّ انكشفت طهارتها، لا يحتمل الحكم بالإعادة.
فنتيجة ذلك أنَّ الشرط أمر جامع بين الطهارة الواقعيّة والظاهريّة، وأحدهما كاف في الصحّة بالنسبة إلى الملتفت، وأمّا غير الملتفت فلا يعيد شيء منهما، بل تصحّ صلاته أساساً.
فعلى ذلك يصحّ التعليل في الرواية لما قبل الصلاة، فإنَّه كان عندك حجّة على الطهارة فكانت الصلاة واجدة للشرط فلا حاجة إلى الإعادة، وإنَّما تجب إذا لم نقل بحجّيّة الاستصحاب، وهو خلف.
وأمّا احتمال أنّ قول زرارة رأيت فيه، يعني: رأيت نجاسة في ثوبي مع احتمال حدوثها بعد الصلاة ساقط جزماً، لأنَّه خلاف ظاهر الرواية جزماً؛ لأنَّه
ــــــــــ[251]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
فرض علماً قبل الصلاة، ثُمَّ فرض علماً إجماليّاً، ثُمَّ فرض علماً بعد الصلاة، ولذا سأل أنَّه لماذا يعيد؟
على أنَّ لازم ذلك وجوب الإعادة فيما إذا انكشف أنَّ الصلاة كانت قبل الصلاة بمقتضى التعليل، وهو: الاستصحاب، فإنّ مقتضاه أنَّ الصلاة كانت واجدة للطهارة مثل قوله: “لعلّه شيء أوقع عليك“.
ومقتضاه أنَّه إذا انكشف أنَّ النجاسة كانت أثناء الصلاة فيجب الإعادة؛ لأنَّه لا شكّ باقترانها بالنجاسة، مع أنَّه خلاف الإجماع القطعي، والروايات في المقام. فالرواية تحمل على ظاهرها من أنَّ زرارة سأل عن حكم نجاسة سابقة ظنّ أنَّها أصابته، ونظر ولم يجد شيئاً، وبعد الصلاة وجدها.
وقد يعلّل: بأنَّ الرواية ناظرة إلى أجزاء الحكم الظاهري عن الواقع، فإنّ هذه الكبرى مفروغ عنها، والإمام علّل بالصغرى وأنَّ الحكم الظاهري الاستصحابي متحقّق قبل الصغرى.
وذكر شيخنا الأستاذ(1) أنّ هذا أيضاً تامّ، وإن استشكل فيه صاحب الكفاية(2).
والظاهر أنَّ جميع ما ذكر من الاستشكال والجواب لا يرجع إلى محصّل، لما ذكرناه في بحث الإجزاء(3): من أنّ إجزاء الحكم الظاهري عن الواقعي ما دام
ــــــــــ[252]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 364 – 366.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 295.
(3) انظر: تقريرات في علم أُصول الفقه 2: 352 – 356.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الجهل موجوداً ولم ينكشف الخلاف، فهو أمر لا ينبغي الإشكال فيه، ومعنى جعل الحكم الظاهري هو هذا، يعني: البناء على أنَّ الواقع متحقّق وأنَّ هذا امتثال له، وهذا هو معنى الإجزاء.
وأما إذا انكشف الخلاف فقد ارتفع موضوع الحكم الظاهري، وهو: الشكّ، فتوضّأ بماء معتقداً طهارته بحكم ظاهري، ثُمَّ بعد الوضوء انكشف أنَّ الماء كان نجساً، فإجزاء هذا الأمر الظاهري عن الواقع ليس لازماً لجعل الأمر الظاهري، وإنَّما يكون هذا الأجزاء بدليل خاص، كموارد قاعدة التجاوز والفراغ.
وقيام الدليل على الإجزاء ملازم لرفع اليد عن الواقع، فإنَّه مع التحفّظ على الواقع يكون القول بالإجزاء في المقام غير معقول.
ففي رفع الخبث ثبت أنَّ الشارع رفع اليد عن شرطيّة الطهارة الواقعيّة فيجزي أن يكون الشرط أعمّ من الواقع والظاهر، فبانكشاف الخلاف لا ينكشف أنّ الصلاة كانت فاقدة للشرط، لأنَّ الشرط أعمّ من الواقع والظاهر، لأنَّ المفروض إجزاء الحكم الظاهري.
وأمّا إذا كان الواقع كالطهارة الحدثيّة على حاله، فكيف يمكن الالتزام بالإجزاء؟ وهذا غير معقول، فالإجزاء ملازم للتصرّف بالواقع ورفع اليد عنه، ونتيجته: أنّ هذين الأمرين شيء واحد، يعبّر عنه تارة بأنَّ الشرط أعمّ من الواقع والظاهر، ويعبّر أخرى: أنّ الأمر الظاهري في خصوص الطهارة الخبثيّة يقتضي الإجزاء، والمطلب فيهما واحد. إذن، يتم التعليل باعتبار أنَّ المقام صغرى من هذه الكبرى.
ــــــــــ[253]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
منها: صحيحة ثالثة لزرارة(1): قال: وإذا لم يدر في ثلاث هو أو أربع، وقد أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها أخرى، ولا شيء عليه، ولا ينقض اليقين بالشكّ ولا يدخل الشكّ في اليقين ولا يخلط أحدهما بالآخر، ولكنّه ينقض الشكّ باليقين ويتم على اليقين، فيبنى عليه، ولا يعتد بالشكّ في حال من الحالات.
قالوا: إنَّ المراد باليقين عدم الإتيان بالركعة الرابعة، فإنَّ الشاكّ بين الثالثة والرابعة كان متيقّناً بعدم الركعة الرابعة في زمان، ويشكّ بالإتيان بها، ومقتضى الاستصحاب عدمها، والإمام حكم بذلك.
وأورد على هذا الاستدلال بوجوه:
وحاصله(2): أنَّ محتملات هذه الصحيحة أمور: أن يكون المراد باليقين والشكّ ما تعلّق بالإتيان بالركعة الرابعة، فيكون دالّاً على الاستصحاب، إلّا أنّه لا يمكن حمل الرواية على ذلك، لأنَّ حكم الإمام بالإتيان بالرابعة، إذا حملنا الرواية على التقيّة، لأنّ العامّة يحكمون بالإتيان بها متصّلة، وهو مقتضى الاستصحاب، إلّا أنّ الحمل على التقية يحتاج إلى قرينة، وهي غير موجودة.
وحمله على الجدّ ولزوم الإتيان بالركعة متصّلة خلاف مذهب الاماميّة. إذن، فحمل الرواية على الاستصحاب لا يتمّ على مذهب الاماميّة. إذن، فلا بُدَّ
ــــــــــ[254]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 352، باب السهو في الثلاث والأربع، الحديث: 3.
(2) انظر: فرائد الأُصول 3: 62، 63.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
من حمل الشكّ واليقين على معنى آخر غير ما هو مقوّم للاستصحاب، بل حملهما على ما تعلّق بفراغ الذمّة، كما حمله في موثّقة عمار(1): “إِذَا شَكَكْتَ فَابْنِ عَلَى الْيَقِين“(2)، إنَّ المكلف إذا شكّ فلا بُدَّ أن يعمل عملاً يتيقّن فيه بفراغ الذمّة، وهذا هو معنى الاحتياط، ولا بدَّ أن يأتي بركعة منفصلة، إذا كان صلّى ثلاثاً فهي رابعة، وإلّا لم يكن عليه شيء.
وعليه: فلا يتمّ الاستدلال بالصحيحة على الاستصحاب، بل يكون مفاده الأمر بتحصيل اليقين.
إلّا أنّ صاحب الكفاية(3) لم يرتض ذلك، وحملها على الاستصحاب، وذلك: أنَّ مقتضى الاستصحاب هو عدم الإتيان بالركعة السابقة، وهذا مطلق من حيث الإتيان به متصّلاً ومنفصلاً، ولكن ثبت التقيّيد من الخارج، بأن يؤتى بها بعد الصلاة.
ولكن الظاهر أنَّ ما أفاده لا يتمّ أصلاً، والوجه في ذلك واضح: فإنّ معنى الاستصحاب هو البناء على ما كان المكلّف متيقّناً منه، وما كان الواجب من الأوّل هو الإتيان بأربع ركعات متصّلة، فلو أتى بها منفصلة وسلّم ما بينها متعمداً كان مبطلاً للصلاة.
ــــــــــ[255]ــــــــــ
(1) وهو اسحاق بن عمار.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 351، باب احكام السهو في الصلاة، الحديث: 1025.
(3) انظر: كفاية الأُصول: 396.
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
وبعد أن أتى بثلاث ركعات من المأمور به، فيقينه متعلّق بعدم الرابعة المتصلة وشكّه أيضاً متعلّقاً بهذا أيضاً، ونتيجته: لزوم الإتيان بها منفصلة، فإنّ مقتضى الاستصحاب إبقاء اليقين السابق، فإذا جرى الاستصحاب كان منتجاً لذلك، وأين الإطلاق في المقام ليقيّد بالأدلّة الأخرى بالانفصال؟
فالصحيح أن يجاب بجواب يبتني على أمور:
الأوّل: ما تقدّم من أنَّ إجزاء الأمر الظاهري عن الواقع عند انكشاف الخلاف لا يكون إلّا بتغيّير في الواقع، ومعه لا يكون في الحقيقة حكم ظاهري، وإن أُخذ الشكّ في موضوعه.
الثاني: أنّه قد استفدنا من الروايات منها موثقة عمّار: أنّك إن نقصت أو زدت لم يكن عليك شيء فإنّ من أتى بركعة منفصلة بعد الصلاة ثُمَّ انكشف النقصان، فإنَّه يجزي عن الواقع ولا يجب الإعادة.
ومن هذا نستكشف أنَّ الركعة المنفصلة حال الشكّ تقوم مقام المتصّلة في الواقع، يعني: وظيفة الشاكّ المنفصلة، وهذا حكم واقعي، ولا تضرّ زيادة الأركان بينها، وهذا الذي بيده مصداق واقعي، ومعه إذا انكشف الخلاف لا تجب الإعادة. فمن المقدّمتين ينكشف أنَّ المأمور به واقعاً هو الإتيان بالركعة المنفصلة.
وعلمنا من الأدلّة قطعاً أنَّ هذا حكم للشاكّ بوصف كونه شاكاً، فلو فرضنا أنَّ الشكّ ارتفع وانكشف له أنَّ الصلاة تامّة فلا حاجة إلى صلاة
ــــــــــ[256]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الاحتياط، فإنَّ الاحتياط إنّما هو لما يحتمل أنّه أنقصه، فإذا علم أنَّه لم ينقص، فلا حاجة إلى صلاة الاحتياط بلا إشكال، كما أنَّه لو علم بالنقصان قبل الشروع بصلاة الاحتياط، فلا إشكال في وجوب الإعادة، فإنّ أحكام الشكّ ترتّب الأحكام على الشاكّ لا المتيقّن. فانقلاب الواقع قد أُخذ في موضوعه أمران:
الأمر الأوّل: النقص الواقعي.
الأمر الثاني: كون المكلّف شاكاً، إذ تكون الركعة المنفصلة متمّمة للصلاة واقعاً.
فإذا كان الأمر كذلك، وكان الموضوع مركّباً من النقص الواقعي والشكّ الوجداني فالاستصحاب يجري لتحقيق جزء الموضوع، فالمكلّف به وجداني ونقص الصلاة محرز بالاستصحاب، ونتيجته: الإتيان بالركعة المنفصلة.
ومن هنا يظهر أنَّ الاستصحاب يجري من دون تقيّيد، كما ذكر صاحب الكفاية وليس هنا تقيّيد لدليله، فإنَّه لولا أدلّة الركعة المنفصلة لا بُدَّ من الإتيان بها متصّلة، ولا إطلاق لدليله لمثل ذلك، ومع تلك الأدلّة يكون الاستصحاب محقّقاً للموضوع.
نعم، هذه الأدلّة مقيدة للأدلّة الأوليّة التي دلّت على وجوب الإتيان بالركعات متصّلة، ويستفاد من هذه الروايات الخاصّة أنَّ ذلك خاصّ بغير الشاكّ.
ولا يبعد أنّ الإتيان بالركعة أو الركعتين منفصلتين يستفاد من هذه الصحيحة أيضاً، لأنَّ قوله: يركع بركعة أو ركعتين بفاتحة الكتاب، فيه دلالة أو
ــــــــــ[257]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
إشعار على الانفصال، لأنَّ المتصّلة فيها التسبيحات تعيّيناً أو تخيّيراً، والأمر بفاتحة الكتاب فيه إشعار أو دلالة بالاستقلال.
وأيضاً قوله: لا يدخل أحدهما في الآخر، فهو ظاهر بأنَّه يأتي بالمشكوك فيه مستقلّاً وبالمتيقّن مستقلّاً ولا يدخل أحدهما في الآخر، فتكون هذه الرواية ظاهرة بالإتيان بنحو الانفصال، وإن لم يصرح الإمام بذلك؛ لأجل أنَّ فتوى العامّة على الاتّصال. إذن، فالصحيحة تكون دالّة على الاستصحاب بمقتضى ظاهرها.
ومن هنا يظهر: أنَّ قوله في موثّقة عمار: “إذا شكّكت فابن على اليقين“، المراد منه: البناء على اليقين السابق، لا ما ذكره شيخنا الأنصاري من البناء على أنّك لم تأت بالمشكوك فيه، وحكمه علمناه من روايات الشكّ، وهو: الإتيان بالركعة المنفصلة.
انتهت هذه الدورة لسيّدنا الأستاذ آية الله الخوئي في علم الأُصول، بتاريخ ليلة يوم السبت 15/10/1391، 4/12/1971 بنهاية مباحث الاجتهاد والتقليد.
ــــــــــ[258]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الكلام شرائط جريان الأُصول العمليّة 15
موضع الإشكال في الشبهة الحكميّة 18
المقيّدات المتصوّرة للإطلاق 19
الوجه الأوّل: الإجماع 19
الوجه الثاني: العلم الإجمالي 19
الوجه الثالث: عدم الإطلاق 25
مقدار الفحص 30
وجوب التعلّم 32
إيراد على الوجوب الطريقي 37
صور وجوب التعلّم وعدمه 38
الصورة الأوّلى: التعلّم في وقت الواجب 38
الصورة الثانية: عدم إمكان التعلّم بعد الوقت 38
الصورة الثالثة: الواجب الفعلي 39
الصورة الرابعة: الغفلة والالتفات 40
ــــــــــ[259]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
صور ترك التعلم قبل وقت الواجب وشرطه 43
وجوب تعلّم الصبي 47
في موارد وجوب التعلّم 49
في حكم صور المسائل 52
ما ذكره صاحب الكفاية 63
ما ذكره كاشف الغطاء 64
ما ذكره الشيخ الأنصاري 65
ما ذكره شيخنا الميرزا 65
كلامنا فيما ذكره شيخنا الأستاذ 67
ما نذكره في المقام 68
تحقيق موضوع من يجب عليه القصر 71
بعض الأمثلة على الشبهة الموضوعيّة 72
معنى الفحص عند شيخنا الأُستاذ 76
اعتباران للفاضل التوني 77
قاعدة لا ضرر ولا ضرار 89
البحث في الجهة الأولى 90
البحث في الجهة الثانية 91
البحث في الجهة الثالثة 97
ــــــــــ[260]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
الأوّل: معنى الضرر 97
الثاني: معنى الإضرار 98
الثالث: النهي المستفاد من كلمة (لا) 100
ما ذكره شيخ الشريعة الأصفهاني 103
ما ذكره صاحب الكفاية 104
ما ذهب إليه بعضهم 108
ما أفاده شيخنا الأعظم 109
تنبيهات قاعدة لا ضرر 112
التنبيه الأوّل 112
التنبيه الثاني 114
التنبيه الثالث 116
الجهة الأوّلى: التخصيص المستهجن 117
الجهة الثانية: هل حديث (لا ضرر) من القضايا الخارجيّة 118
الجهة الثالثة: هل التخصيص بالأكثر أو لا 119
التنبيه الرابع 122
التنبيه الخامس 128
التعرّض لبعض الفروع 140
الفرع الأوّل: العلم بالضرر 140
ــــــــــ[261]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
اختيار السيّد اليزدي 141
اختيار الميرزا النائيني 142
الرأي المختار 142
الفرع الثاني: انكشاف عدم الضرر بعد اعتقاده 147
الفرع الثالث: نفي الحكم العدمي 150
التنبيه السادس 154
الاستصحاب 165
الجهة الأُولى: في تعريفه 165
الجهة الثانية: أنَّ هذه المسألة أصوليّة أو قاعدة فقهيّة 167
الجهة الثالثة: في امتياز الاستصحاب عن قاعدة اليقين وعن قاعدة المقتضي والمانع 169
ما ذكره الشيخ الأعظم 171
أدلّة الاستصحاب 173
الدليل الأوّل: السيرة العقلائيّة 173
الدليل الثاني: افادة الظنّ 176
الدليل الثالث: الإجماع 177
الدليل الرابع: الروايات 177
ما قد يقال في التوجيه 183
ــــــــــ[262]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
إيقاظ 184
التفصيل بين الشكّ في المقتضي والشكّ في الرافع 185
ما ذكره شيخنا الميرزا 187
توجيه آخر لكلمات الشيخ من قبل الميرزا النائيني 192
موارد النقض 196
موارد الحلّ 198
التفصيل بين ما إذا كان المستصحب عقليّاً أو شرعيّاً 200
التفصيل بين الأحكام التكليفيّة والوضعيّة 205
الفارق بين الموجود الانتزاعي والاعتباري 206
حقيقة الحكم الوضعي 208
السببيّة والشرطيّة والمانعيّة 211
جملة من موارد الأحكام الوضعيّة 217
المورد الأوّل: الطهارة والنجاسة 217
المورد الثاني: الصحّة والفساد 219
المورد الثالث: الرخصة والعزيمة 220
التفصيل الذي اختاره الفاضل النراقي 221
إيراد الشيخ الأعظم ونقده 227
إيراد صاحب الكفاية ونقده 228
ــــــــــ[263]ــــــــــ
تقريرات في علم أصول الفقه، ج12
ما أشكل به النراقي على نفسه 229
أمران ذكرهما الشيخ الأستاذ والردّ عليهما 238
كيفيّة تطبيق الكبرى على المورد 250
الوجه الأوّل: ما تعرّض له شيخنا الأنصاري 254
الوجه الثاني: ما تعرّض له صاحب الكفاية 255
الوجه الثالث: ما نذكره في المقام 256
الفهرس 259