أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
علم أصول الفقه ج1

محاضرات في علم أصول الفقه

الجزء الأول

261

ص44 الصدر، محمد.

محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج1 (360ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1705/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1705) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

2-23-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com



محاضرات 

في 

علم أصول الفقه

تقريراً لأبحاث

سماحة آية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن محمد الصدر 

الجزء الأول  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 



بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 

مباحث الألفاظ

ويحتوي على:

[مقدّمة مباحث الألفاظ]

[الأمر الأول: في تعريف علم الأصول وموضوعه وتقسيم أبحاثه]

الأمر الثاني: الكلام في الوضع

[الأمر الثالث: الدلالة على المعنى المجازي]

[الأمر الرابع: الإطلاقات الإيجادية]

الأمر الخامس: في تبعية الدلالة للإرادة

الأمر السادس: في أنه هل يكون للمركّبات وضع زائد على وضع موادها أو لا

الأمر السابع: في علامات الحقيقة والمجاز

الأمر الثامن: الحقيقة الشرعية

 

ــــــــــ[11]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 





[مقدّمة مباحث الألفاظ]

[الأمر الأول: في تعريف علم الأصول وموضوعه وتقسيم أبحاثه]

 

  • الجهة الأولى: [في تعريف علم الأصول]
  • الجهة الثانية: موضوع علم الأصول
  • الجهة الثالثة: في تقسيم مباحث علم الأصول

ــــــــــ[13]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 






[مقدّمة مباحث الألفاظ]

 

المقدمة

 

ويقع الكلام فيها في عدّة أمور: 

[الأمر الأول: في تعريف علم الأصول وموضوعه وتقسيم أبحاثه]

 

الأمر الأوّل: ويقع الكلام فيه في عدّة جهات؛ الأولى في تعريف علم الأصول، والثانية في موضوع هذا العلم، والثالثة في تقسيم مباحثه.

 

الجهة الأولى: [في تعريف علم الأصول]

 

وهي البحث في تعريف علم الأصول، لا إشكال أن الفقيه حين يباشر عملية الاستنباط يرتّب مقدّمات كثيرة ومتنوّعة. كما لو باشر استنباط الحكم بالتيمّم بمطلق وجه الأرض، فإنه يرتّب مقدّمات متعدّدة، منها: حجّية الظهور، ومنها: ظهور صيغة الأمر في الوجوب ومنها: ظهور لفظ الصعيد لمطلق وجه الأرض، ومنها: حجّية خبر الثقة.

ــــــــــ[15]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ولا إشكال أنه ليست تمام المقدّمات داخلة في نطاق وظيفة علم الأصول. فإن جملة منها يبحث ويحقّق في علم الحديث، كوجود الرواية نفسها، ومنها ما يُذكر في علم الرجال كوثاقة الراوي، ومنها ما يُذكر في العلوم العربية كظهور كلمة (الصعيد) لمطلق وجه الأرض، ومنها ما يُبرهن عليه في المنطق، ككون الشكل الأوّل من القياس -بل الأشكال الأخرى منه- منتجة أو لا.

 وهناك مقدّمات في هذه العملية تُذكر عادةً في علم الأصول وتطلب منه كظهور صيغة (افعل) في الوجوب وأن خبر الواحد حجة. 

فهل يوجد مأثر حقيقي وضابط موضوعي لسنخ المقدّمات التي تطلب من علم الأصول عن المقدّمات التي تذكر في غيره. أو لا يوجد؟ وإنما جمعت المقدّمات في علم الأصول لأنها لم تذكر في العلوم الأخرى من دون وجود ضابط حقيقي يميزها عن غيرها؟ وحينئذٍ فالمطلب من تعريف علم الأصول أن يتوصل إلى ضابط حقيقي يميز المقدّمات التي تطلب من علم الأصول عن المقدّمات التي تطلب في غيره. فإن وجد ذلك، فمعناه أننا توصلنا إلى تعريفه وإلّا فلا. 

وهنا نستعرض بعض التعريفات: 

التعريف المشهوري

فالتعريف المتعارف الذي ذكره صاحب القوانين وأدخل عليه النائيني(1) 

ــــــــــ[16]ــــــــــ

(1) فوائد الأُصول 1: 19، مقدّمة في بيان نبذة من مباحث الألفاظ، تعريف علم الأُصول؛ أجود التقريرات 1: 3، المقدّمة، الفصل الأوّل في تعريف العلم وموضوعه وفائدته.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

بعض التعديلات. هو: (أن علم الأصول هو العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية). وهذا يوجّه إليه عادةً ثلاث مؤاخذات:

مؤخذات ثلاث على التعريف

المؤاخذة الأولى: عدم مانعية التعريف 

أن هذا التعريف لم يصنع شيئاً؛ لأننا كنّا بصدد توضيح ضابط للمقدّمات التي تقع في عهدة علم الأصول دون غيره، في حين أن هذا التعريف يصدق على تمام المقدّمات التي تتدخّل في استنباط الحكم الشرعي، كوثاقة الراوي وظهور لفظ (الصعيد)، فإنها قواعد ممهّدة للاستنباط، فلا بُدّ أن تكون مقدّمات أصولية.

والمرزا تصدّى لإصلاح هذا التعريف، فأضاف الكبروية إليه فقال: إنه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي، على شرط أن يكون لها مركز الكبرى في القياس. واستخرج وثاقة الراوي ونحوها؛ لأنها تقع صغرى في القياس لا كبرى.

إلا أن هذا القيد وإن أخرج المسائل التي لا ينبغي إدراجها في علم الأصول، إلّا أنه تخرج بعض المسائل التي لا ينبغي الإشكال في كونها أصولية. نذكر له بعض الأمثلة:

منها: الأبحاث التي ترجع في بعض الظواهر اللفظية لظهور صيغة الأمر بالوجوب، أو ظهور الشرطية بالنفي عند الانتفاء، أو ظهور المطلق في الإطلاق. ومن المعلوم أن الظهور لا يقع كبرى في القياس، بل يقع صغرى، ويحتاج إلى 

ــــــــــ[17]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

كبرى فوقها هي كبرى حجّية الظهور. فحاله في ذلك حال وثاقة زرارة. 

المثال الثاني: بحث اجتماع الأمر والنهي. هل يقع إمكان اجتماعهما، أو امتناعه صغرى أو كبرى في القياس، إذا فرضنا فقيهاً يقول بالامتناع، فإنه يقول دليل: (صلّ) و(لا تغصب) يستحيل اجتماعهما، يعني: متعارضان، فيطبّق عليها أحكام التعارض. فالامتناع حقّق صغرى للكبرى؛ فأنتج النتيجة الفقهية. وأما إذا كان الفقيه يقول بالجواز، فإنه بالجواز يحقّق صغرى وهي تمامية إطلاق (صلّ) و(لا تغصب). وحينئذٍ يحتاج إلى ضمّ حجّية الظهور إليه لتنتج النتيجة. 

المثال الثالث: بحث (أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه) فإن المراد منه ليس هو حرمة الضدّ، فإنها حرمة غيرية لا تستتبع تنجيزاً ولا تعذيراً. وإنما المراد به إثبات صحّة العبادة المضادّة للواجب. فالفقيه الذي يرى الاقتضاء يقول: إني أحقّق أن العبادة منهيّ عنها، فتكون صغرى لكبرى أن النهي عن العبادة يقتضي الفساد. وكذلك القائل بعدم الاقتضاء، فإنه بهذا يريد أن يحافظ على إطلاق خطاب (صلّ). فهذا ما يوجب اختلال التعريف بإضافة قيد الكبروية عليه. إذن فالمؤاخذة الأولى إلى الآن تامّة.

تعريف السيد الأستاذ

التعريف الآخر: هو الذي أفاده السيّد الأستاذ(1) حيث قال: إن علم 

ــــــــــ[18]ــــــــــ

(1) محاضرات في أُصول الفقه (الفيّاض) 1: 8، تمهيد، الأمر الثاني: في تعريف علم الأُصول.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الأصول يشتمل على القواعد التي يكون لها دخل في استنباط الحكم الشرعي، على شرط أن تكون هذه القاعدة بمفردها صالحة لأن يُستنبط منها الحكم، بلا حاجة إلى ضمّ قاعدة أخرى أصولية إليها. فكلّ قاعدة تكون كذلك هي قاعدة أصولية، وإلّا لم تكن أصولية. 

وقد أفاد(1) أن هذا الكلام لا يرد عليه شيء من المؤاخذات الثلاث السابقة، وتصدّى لتوضيح ذلك فذكر: أن المؤاخذة الأولى القائلة باندراج وثاقة الراوي في علم الأصول، غير واردة على هذا التعريف، فإنها بمفردها مما لا يُستنبط منها الحكم الشرعي، إلّا بضمّ قاعدة أخرى أصولية هي حجّية خبر الثقة. ونحوها كلمة (الصعيد).

اعتراض السيد على تعريفه وإجابته عنه

وهنا اعترض على نفسه ببعض الاعتراضات. 

نذكر منها اعتراضين: 

الاعتراض الأوّل: أن ظهور صيغة (افعل) في الوجوب قاعدة أصولية، مع أنها تحتاج إلى ضمّ قاعدة أصولية أخرى هي حجّية الظهور، وإلّا لم يثبت الوجوب. فيلزم أن يكون ظهور صيغة (افعل) قاعدة غير أصولية.

وقد أجاب عن ذلك: أنه وإن كان يُحتاج إلى قاعدة حجّية الظهور، إلّا أن هذه القاعدة ليست أصولية؛ لأنها ليس فيها بحث في علم الأصول، لكونها 

ــــــــــ[19]ــــــــــ

(1) راجع محاضرات في أُصول الفقه (الفيّاض) 1: 12، 13، تمهيد، الأمر الثاني: في تعريف علم الأُصول، الركيزة الثانية في التعريف.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

واضحةً مسلّمةً، فأنكر(1) أصولية حجّية الظهور، فتخلّص بذلك من النقض. 

الاعتراض الثاني: قاعدة (أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه)، إذ يريد الفقيه أن يستنبط بطلان العبادة. وهذا لا يكفي فيه مجرّد القول بـ(أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه)، وإنما يحتاج إلى ضمّ قاعدة أصولية أخرى، وهي أن النهي عن العبادة يقتضي فسادها.

وأجاب عنه: بأن هذه المسألة وإن كانت تحتاج إلى ضمّ قاعدة أصولية على تقدير القول بالاقتضاء ليثبت البطلان. إلّا أنها على تقدير القول بعدم الاقتضاء تثبت الصحّة، بلا حاجة إلى ضمّ قاعدة أخرى. ويكفي في أصولية القاعدة أن تكون على أحد تقديريها كافية بمفردها لاستنباط الحكم الشرعي(2).

التعليق على ما أفاده السيد الأستاذ

وهذا الكلام لنا عليه ثلاثة تعليقات: 

التعليق الأوّل: ما المراد من أن القاعدة الأصولية تكفي بمفردها لاستنباط الحكم الشرعي، بلا حاجة إلى قاعدة أصولية أخرى؟ هل المراد أنها تكفي بمفردها دائماً، أو أنها تكفي ولو في مورد واحد بنحو القضيّة الجزئية؟

ــــــــــ[20]ــــــــــ

() أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه (الفيّاض) 1: 6، تمهيد، الأمر الأوّل: في أقسام القواعد والمبادئ، القسم الثاني؛ غاية المأمول من علم الأُصول (الجواهري) 1: 104، تعريف علم الأُصول.

(2) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه (الفيّاض) 1: 14، 15، تمهيد، الأمر الثاني: في تعريف علم الأُصول، شبهات ودفوع، الشبهة الثانية.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فإن كان المراد الأوّل(1)، فهذا واضح البطلان، فإن ظهور صيغة (افعل) إذا كان سندها ظنّياً لا يكفي في إثبات الحكم، ما لم يضمّ حجّية خبر الواحد. وإذا كان المتن ظنّياً فإنه لا يكفي حجّية الخبر إلّا بضمّ حجّية الظهور وإن أنكر أصوليتها. 

وإن أراد الثاني(2) فصيغة (افعل) ينطبق عليه ذلك؛ لأننا يمكن أن نفرضها في دليل قطعي من سائر الجهات. لكنّ نفس الشيء يمكن أن نفترضه في كلمة (الصعيد) بأن وردت في دليل قطعي من سائر الجهات، إلّا من جهة هذه الكلمة. حينئذٍ بمجرّد أن يجزم الفقيه بأنها موضوعة للأعمّ فإنه يستنبط الحكم الشرعي، بلا حاجة إلى ضمّ قاعدة أصولية أخرى. إذن فهذا الميزان ليس فنيّاً.

التعليق الثاني: أن السيّد الأستاذ لا بُدّ أن يُنكر قواعد أصولية أخرى غير حجّية الظهور؛ لأنه يوجد في الأصول بحوث في مقام تشخيص أقوى الظهورين من أضعفهما، كالبحث أن العموم الشمولي أقوى من البدلي، أو الإطلاق الوضعي أقوى من الحكمي، أو المنطوق أقوى من العموم، وهذه أبحاث وحدها لا تكفي لاستنباط الحكم الشرعي في الانتاج، وإنما تحتاج إلى قاعدة حمل الأضعف على الأقوى، أي: قاعدة الجمع العرفي، فيكون مضطرّاً إلى 

ــــــــــ[21]ــــــــــ

() صرّح السيّد الخوئي بإرادة المعنى الأوّل في: غاية المأمول من علم الأُصول (الجواهري) 1: 104، تعريف علم الأُصول.

(2) صرّح السيّد الخوئي بإرادة المعنى الثاني في: الهداية في الأُصول (الأصفهاني) 1: 21، مقدّمة، الأمر الثاني: في تعريف علم الأُصول.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

القول إنها ليست قاعدة أصولية، مع أنها فيها أبحاث وإشكالات وتحقيقات. لو كانت بحوث تشخيص الظهور أصولية؛ تصبح محتاجة إلى ضمّ قاعدة أخرى إليها. 

التعليق الثالث: في المسألة التي ذكرها (أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه)، حيث قال إنها على تقدير القول بعدم الاقتضاء لا تحتاج إلى ضمّ قاعدة أصولية أخرى.

الصحيح: أنها أيضاً تحتاج إلى قاعدة أخرى لإثبات الصحّة؛ لأننا لو نفينا الاقتضاء لم يكفِ لتصحيح الصلاة إلّا بإثبات أحد مطلبين، باعتبار أن الصلاة لا تصحّ إلّا بوجه قربي، فلا بُدّ أن نثبت صلاحيتها للتقرب بأحد وجهين: 

إما أن نلتزم بالأمر الترتّبي -لو قلنا بإمكان الترتّب- لِتصح الصلاة به. وهو قاعدة أصولية. 

وإما أن نقول بأن الملاك غير تابع في السقوط للخطاب. فإن الأمر بالصلاة وإن كان ساقطاً بناءً على استحالة الترتّب -كما يرى صاحب الكفاية(1)– إلّا أن الملاك موجود، فتصحّ الصلاة باعتباره. 

وهاتان قاعدتان أصوليتان، ينطبق عليهما تعريفه. فإذا لم تثبت كِلتا هاتين القاعدتين إذن لا تصحّ الصلاة -وإن لم تكن حراماً- لأنها لا تصحّ إلّا بقصد التقرّب لعدم إحراز الأمر ولا الملاك. 

ــــــــــ[22]ــــــــــ

(1) راجع كفاية الأُصول: 134، المقصد الأوّل: في الأوامر، الفصل الثالث في الإجزاء، فصل في مسألة الضدّ، الترتّب.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

إذن فالمؤاخذة الأولى ترد على تعريف السيّد الأستاذ، كما ترد على التعريف المشهوري.

المؤاخذة الثانية: عدم الشمول التعريف للأصول العملية

المؤاخذة الثانية: دعوى أن هذا التعريف المشهوري لا يشمل الأصول العملية، فإنه يمكن أن يقال: إن الأصول العملية قواعد ليست في مقام إحراز الحكم الشرعي؛ لأنها ليست في مقام إحراز الواقع فلا يصدق عليها التعريف. فيلزم أن تكون خارجة عن علم الأصول. 

هذا الإشكال هو الذي تعرّض له في الكفاية(1) دون الإشكال الأوّل، وتصدّى للجواب عليه، بإضافة قيد إلى التعريف المشهوري، فقال: (أو التي ينتهي إليها في مقام العمل). وإن كان هذا ليس جواباً؛ لأن إضافة (أو) لا يحصّل لنا الجامع أو الضابط الكلّي، وإلّا لأمكن تعريف علم الأصول بتعداد مباحثه معطوفة بـ(أو). وتبقى المؤاخذة محتاجة إلى جواب. 

ولهذه المؤاخذة جوابان: ناقص وتامّ: 

أما الناقص، فما أشير إليه في التقريرات(2) من توسعة الحكم للواقعي والظاهري، فالأصول هو القواعد المهمّة لاستنباط الحكم الشرعي بنوعيه. والأصول العملية يستنبط منها أحكام ظاهرية تتدخّل في التعريف. 

ولو تمّ هذا فإنما يتمّ في الأصول العملية الشرعية التي يكون مفادها حكماً 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

(1) كفاية الأُصول: 9، المقدّمة، الأمر الأوّل، تعريف العلم وموضوعه.

(2) أجود التقريرات 1: 3، المقدّمة، الفصل الأوّل: في تعريف العلم وموضوعه وفائدته.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ظاهرياً. ولا يتمّ في الأصول العملية؛ لأنها لا تكون مؤدّية إلى استنباط حكم شرعي أصلاً، لا واقعي ولا ظاهري. فيبقى الإشكال على حاله. 

وأما الجواب التامّ عليها، فبأن نعطي تفسيراً جديداً لعملية الاستنباط. فإننا إن كنّا نريد بالاستنباط الاحراز للحكم الشرعي الواقعي، فالمؤاخذة صحيحة؛ لأن الأصول العملية ليست في مقام إحرازه. ولكنّنا إن قلنا إن المراد بالاستنباط معنى يشمل الإثبات الوجداني والإثبات العنائي والتنجيزي والتعذيري. والأصول العملية أيضاً توجب إقامة الحجّة التعذيرية أو التنجيزية على الواقع؛ فترتفع المؤاخذة(1)

المؤاخذة الثالثة: شمول التعريف لجملة من القواعد 

المؤاخذة الثالثة: أن هذا التعريف يشمل جملة من القواعد الفقهية، فإنها مما يُستنبط منها الحكم الشرعي. كقاعدة الفراغ، والصحّة، و(لا ضرر)، و(لا حرج)، و”ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده“. فيُستنبط من قاعدة الفراغ صحّة الصلاة، ومن قاعدة (لا ضرر) ارتفاع وجوب الصوم والوضوء.. وهكذا.

ولكنّ الصحيح أن هذه المؤاخذة غير تامّة؛ لأن هذه القواعد على قسمين: قواعد تجري في الشبهات الموضوعية، وقواعد تجري في القواعد الحكمية. 

ــــــــــ[24]ــــــــــ

() وهذا ما تبنّاه المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 19، مقدّمة، تعريف علم الأُصول؛ والسيّد الخوئي في محاضرات في أُصول الفقه 1: 9، تمهيد، الأمر الثاني: في تعريف علم الأُصول.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

أما القاعدة الجارية في الموضوع كقاعدة الفراغ والصحّة ونحوها، التي يحرز بها موضوع الحكم الشرعي وصغراه دون كبراه إذن تكون خارجة عن محلّ الكلام؛ لأن مقصودنا من القواعد التي يُستنبط منها الحكم الشرعي، القواعد التي تقع في طريق استنباط الكبرى لا الصغرى في الموضوع.

وأما القواعد الفقهية التي تجري في الشبهات الحكمية، فنذكر لها مثالين: 

الأوّل: قاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده). فإنها تنتج أن البيع يضمن بصحيحه، إذن فيضمن بفاسده. لكن مع هذا لا تدخل في التعريف؛ لأن هذه القاعدة بنفسها هي الجعل الصادر من الشارع على فرض حقّانيتها-، فإنها جعلٌ كلّي شرعيٌ. وهو يتحصّص إلى حصص متعدّدة بتعدّد المعاملات. فلا معنى لأن يقال: إننا نستنبط منها الجعل؛ لأنها بنفسها الجعل. ثُمّ يُستنبط منها جعل تحليلي، هو جزء من مدلولها في الحقيقة. والمراد باستنباط الحكم في التعريف ما كان استنباطاً لحكم على مجعول من قبل الشارع، وهو المسمّى بالكبرى، ولا يشمل مثل هذه القاعدة. 

المثال الثاني: قاعدة نفي الضرر أو الحرج. أيضاً الكلام فيها هو الكلام، فإنها جعلٌ وحدانيٌ صادر من قبل الشارع أو مصاديق بالتحليل:

أحدها: الحكم بعدم وجوب الصوم من الضرر أو الحرج.

ثانيها: الحكم بعدم وجوب الوضوء كذلك وهكذا. 

فهي حصص تحليلية من جعل واحد. إذن، فليست هي جعل إلهي يُستنتج منه جعل آخر؛ لكي يندرج في التعريف. 

ــــــــــ[25]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

نعم، هناك استدراك واحد حول (لا ضرر) و(لا حرج). وهو أن هذه القاعدة أحياناً يستدلّ بها على البراءة. فإن أحد مقدّمات دليل الانسداد هو عدم وجوب الاحتياط التام، ويستدلّ عليه بنفي العسر والحرج. إذن فقد صارت هذه القاعدة دليلاً على البراءة ولو في الجملة. فهي بهذا اللحاظ تصبح قاعدة أصولية؛ لأن البراءة بنفسها قاعدة أصولية تقع في مقام الإثبات التعذيري لجعول واقعية أخرى. فتصبح (لا حرج) براءة في الحقيقة. ولا ضير في ذلك، فإنه لا فرق في أصولية البراءة بين أن يكون لسانها لسان: (رفع عن أمتي ما لا يعلمون) أو لسان: (لاحرج). 

فهذه هي المؤاخذات الثلاث. وقد اتّضح أن المؤاخذة الثانية والثالثة يمكن الجواب عليهما، وتصحيح التعريف في مقابلهما. نعم، بقي علينا المؤاخذة الأولى فقد بقيت بلا جواب. ومن أجل هذا حاول السيّد الأستاذ الرجوع إلى تعريف آخر. 

الاعتراض الثاني: الذي كان يرد على التعريف، أنه لا يشمل الأصول العملية؛ لأنه لا يُستنبط منها الحكم الشرعي؛ لأنه لا نظر لها إلى الواقع.

وقد أجاب السيّد الأستاذ عن هذا الإشكال سنخ ما تقدم منّا في التعريف المشهوري، حيث ذكرنا أننا نعطي للاستنباط معنى واسعاً بحيث يشمل الإثبات التنجيزي والتعذيري، يعني القاعدة التي تكون مقيمة للحجّة على الحكم الشرعي. والأصل العملي يكون قاعدة أصولية؛ لأنه يكون مؤدّياً إلى التنجيز للحكم الواقعي أو التعذير عنه. 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ولنا على هذا كلام واحد، وهو: أنه بناءً على هذا المعنى الواسع للاستنباط، يلزم أن يُدخل مسألة حجّية القطع في المسائل الأصولية، مع أنه صرّح في بحثه أنها ليست من المسائل الأصولية. وذلك: لأن حجّية القطع حالها حال حجّية خبر الواحد وقاعدة، قبح العقاب بلا بيان، يثبت بها الحكم الشرعي إثباتاً تنجيزياً أو تعذيرياً، إذ لولا حجّية القطع لا يثبت الحكم بشيء أصلاً. فهي مقدّمة تقع في طريق الإثبات التنجيزي أو التعذيري للحكم الواقعي. 

وهذا يلزم منه محذوران: 

أحدهما: أن يلتزم السيّد الأستاذ بأن مسألة حجّية القطع مسألة أصولية، مع أنه بنى على أنها ليست أصولية. 

ثانيهما: أنه بعد فرض أنها أصولية يلزم أن تخرج كلّ أو جلّ مباحث علم الأصول حسب تعريفه عنه. فإن قاعدة البراءة أو الاستصحاب أو حجّية خبر الواحد، لا تكفي في التنجيز ما لم يضمّ إليها قاعدة أصولية، هي: قاعدة حجّية القطع. فتخرج هذه القواعد عن كونها أصولية؛ لأنه يشترط كونها مستقلّةً في التنجيز والتعذير عن الواقع.

الاعتراض الثالث: أن التعريف يشمل القواعد الفقهية؛ لأنها يُستنبط منها الحكم الشرعي.

أجاب السيّد الأستاذ عليه: أننا نعطي للاستنباط معنى ضيّقاً، بحيث لا يشمل القواعد الفقهية؛ لأن الاستنباط له نحوان: 

الأوّل: استنباط نحو تطبيق المقدّمة على النتيجة. 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

والثاني: بنحو توسيط المقدّمة في إثبات النتيجة.

فعلى الأوّل تكون النتيجة مصداقاً من مصاديق المقدّمة، وحصّة منها، مثل أن نقول: إن المقبوض بالبيع الفاسد مضمون؛ لأن (ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده)، والبيع يُضمن بصحيحه فيُضمن بفاسده.

وعلى النحو الثاني تكون المقدّمتان متغايرتين متلازمتين، فنثبت إحداهما بالأخرى من باب إثبات أحد المتلازمين بملازمه، كإثبات وجوب السورة بظهور صيغة (افعل) في الوجوب. فإن وجوب السورة حكم شرعي، وظهور الصيغة مطلب لفظي، ولكنهما متلازمان بناءً على حجّية الظهور. 

المراد من الاستنباط في التعريف

قال السيّد الأستاذ: إن المراد من الاستنباط في التعريف هو الاستنباط التوسيطي لا الاستنباط التطبيقي. بهذا تخرج القواعد الفقهية عن علم الأصول؛ لأن الاستنباط فيها دائماً توسيطي لا تطبيقي. 

وتعليقنا عليه: أن الاستنباط وإن كان ينقسم إلى تطبيقي وتوسيطي كما ذكر. إلّا أننا يمكننا أن نقسّم الاستنباط التوسيطي إلى قسمين: 

النحو الأوّل: أن تكون النتيجة عبارة عن حكم كلّي ملازم مع المقدّمة، كالتلازم بين ظهور صيغة (افعل) في الوجوب ووجوب السورة.

والنحو الثاني: أن تكون المقدّمة محقّقةً لموضوع الحكم الإلهي الكلّي، وتكون النتيجة عبارة عن تحقّق مصداق جزئي من الحكم، كصحّة بيع المعاطاة. فإننا إن أردنا أن نستنبط فيها صحّة البيع كان هذا من قبيل التطبيق. وأما إذا 

ــــــــــ[28]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

أردنا أن نستنبط منها جواز تصرّف المشتري فيما اشتراه فهذا تحقيق لموضوع الحكم الشرعي، بمعنى أن القاعدة جعلت المشتري مالكاً، والمالك موضوعاً للحكم بجواز التصرّف. فهذا توسيط لا تطبيق؛ لأن الحكم بنفوذ التصرّف ليس من مصاديق صحّة المعاطاة.

فنسأل السيّد الأستاذ: أن الاستنباط التوسّطي الذي أخذه في التقريب، هل يراد به ما يشمل كِلا النحوين، أو يختصّ بالمعنى الأوّل؟

فإن ادّعى أنه يشمل كِلا نحوي التوسيطين.. فيلزم منه دخول جميع القواعد الفقهية في علم الأصول؛ لأنها جميعاً تحقّق موضوعاً لأحكام شرعية، فقاعدة (نفوذ المعاطاة) تحقّق موضوعاً لجواز التصرّف، وقاعدة (ما يُضمن) تحقّق موضوعاً لوجوب دفع القيمة، إلى غير ذلك.

وأما إذا ادّعي أن التوسّط خاصّ بالمعنى الأوّل، وهو الملازمة بين القاعدة وبين الحكم الإلهي الكلّي، وأما تحقّق الموضوع فلا يدخل فيه. فيلزم أن تكون بعض مسائل علم الأصول خارجة عنه على مبنى السيّد الأستاذ. فقاعدة (أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه) يستنبط الفقيه منها صحّة الصلاة أو بطلانها. فالمقدّمة هي القول بالاقتضاء، والنتيجة هي القول بالبطلان، وهما متغايران. لكن بحسب الحقيقة أحدهما يحقّق موضوع الآخر؛ لأن صحّة الصلاة حكم كلّي مجعول على المكلف الجامع للشرائط الفاقد للموانع، كما يُعرّف في محلّه من دليله، ومن جملة الشرائط أن لا يكون فعله محرّماً، كما أن من جملة أجزاء موضوع الحكم بالبطلان أن يكون الفعل محرّماً. فإذا نفينا الاقتضاء فقد أثبتنا 

ــــــــــ[29]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

موضوع الحكم بالصحّة، وإذا [أثبتنا] فقد أثبتنا موضوع الحكم بالبطلان. 

ولكن هذا الاعتراض لا يرد علينا؛ لأننا نقول: إن ملاك المسألة الأصولية هو: التوسّط في إثبات أصل الحكم الكلّي دون إيجاد الموضوع. 

وأما مسألة: (أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه)، فنحن لا نجعل ثمرتها الفقهية صحّة الصلاة وبطلانها ليأتي هذا الإشكال. ولكنّ لهذه المسألة ثمرة أخرى، ترجع بحسب الحقيقة إلى إثبات أصل الكبرى، لا إلى تحقيق الموضوع على ما سوف يُذكر في محلّه(1)

تعريف المحقق العراقي

التعريف الرابع(2): تعريف المحقّق العراقي، حيث توجّه باهتمامه إلى دفع الإشكال الأوّل من الإشكالات الثلاثة السابقة، وهو النقض بالمسائل اللغوية والرجالية، مع أنها مقدّمات في استنباط الحكم الشرعي. 

فقال: الفرق بين المقدّمة الأصولية وغيرها أن المقدّمة الاستنباطية إن كانت هي بنفسها منصبّة لإثبات الحكم بحيث يكون مفادها إثبات الحكم أو خصوصية فيه. وأما إذا كانت المقدّمة مفادها أجنبي عن الحكم فهي ليست 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

() أقول: ذكر أن هذه الثمرة عبارة عن تصحيح الأمر الترتّبي بالصلاة على تقدير القول بعدم الاقتضاء. (المقرِّر).

(2) كان التعريف الأوّل التعريف المشهوري، والتعريف الثاني للنائيني بالتعديل الذي أدخله على التعريف المشهوري، والتعريف الثالث للسيد الخوئي، وهذا هو التعريف الرابع.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

أصولية، وإن كان يستفاد منها في مقام إثبات الحكم. 

فمثلاً ظهور صيغة (افعل) في الوجوب مسألة لغوية، ولكنّها أصولية؛ لأن ظهور صيغة (افعل) ناظرة لإثبات الحكم، ولهذا لولا الوجوب لا معنى لصيغة (افعل). 

وأما كلمة (الصعيد) فهي لغوية، وليست بنفسها متصدّية لبيان الحكم؛ ولهذا فهي لها معنى محفوظ في نفسه، مع قطع النظر عن تمام الأحكام الشرعية. 

وكذلك وثاقة الراوي فإنها مطلب معقول في نفسه، بقطع النظر عن الأحكام الشرعية، وليس لسانها متعرّضاً ابتداءً لبيان الحكم. 

وقبل الإشكال عليه لا بُدّ من توضيح بعض الخصوصيات في هذا الكلام فقد تَوُهُم أن كلام المحقّق العراقي يُنقض عليه بمسألة العامّ والخاصّ والمطلق والمقيد والمفاهيم، في حين أنها تندرج في ميزانه. فبحث المفاهيم يندرج في كلام المحقّق العراقي؛ لأن المفهوم عبارة عن دلالة الشرطية على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط. فكان المفهوم بلسانه ناظر إلى الحكم إثباتاً ونفياً. وكذلك الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة، فإن مفاد الإطلاق في أَحَلَّ اللَّـهُ البَيْعَ(1) ابتداءً ثبوت الحكم على الطبيعة، فهو ناظر إلى وضع الحكم على التعيين. 

ولا ينبغي أن يُقاس هذا الإطلاق بمسألة كلمة (الصعيد)، فإن الفرق بينهما في غاية الوضوح، فإن مطلق وجه الأرض معنى لكلمة (الصعيد) بوجودها الأفرادي، وأما الإطلاق الثابت بالمقدّمات فهو ناظر في الحقيقة إلى 

ــــــــــ[31]ــــــــــ

(1) البقرة: 275.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

المحمول وهو الحكم. ولهذا لا تجري المقدّمات إلّا في النسبة التامّة لا في الكلمة المفردة. وهذا دليل على أن الإطلاق الحكمي ناظر إلى الحكم. 

وكذلك ينطبق التعريف على مباحث العموم، بناءً على أن يكون معنى العموم دلالة الأداة على استيعاب الحكم لتمام أفراد المدخول، ولا يُقاس بالظهورات اللغوية الافرادية. 

فإلى هنا يتبيّن وجه معقول لكلام المحقّق العراقي، وأن كلّ مقدّمة استنباطية إذا كانت ناظرة إلى إثبات حكم أو خصوصية في الحكم ككونه استيعابياً أو مطلقاً فهي مقدّمة أصولية، وإلّا فلا. فلو كانت ذات معنى محفوظ في نفسه سواء جاء حكم أو لا فهي ليست مقدّمة أصولية.

اعتراضات ترد على تعريف المحقق العراقي

إلّا أن هذا التعريف مما لا يمكن المساعدة عليه؛ لورود عدّة اعتراضات نقتصر على بعضها. 

الاعتراض الأول: النقض بالقواعد الفقهية

أن هناك قواعد استدلالية تذكر في الفقه دون الأصول، وهي واجدة للنكتة التي ذكرها، أي: إنها قواعد استدلالية ناظرة إلى إثبات الحكم. فلو كان تمام الملاك في القاعدة الأصولية هو ذلك للزم من ذلك اندراج هذه القواعد في علم الأصول. 

وعلى سبيل المثال نذكر بعض الأمثلة: 

المثال الأوّل: عندنا مسألة في علم الأصول: أن دليل الأمر إذا نسخ فيه 

ــــــــــ[32]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الوجوب، هل يبقى دالّاً على الجواز أو لا؟ هناك من يقول بأنه يدلّ على الجواز، بدعوى أن هذا الدليل دلّ على أمرين: كلّي الجواز، وعلى خصوصية الوجوب، فإذا زالت خصوصية الوجوب تبقى دلالته على أصل الجواز. 

وهناك بحث آخر في بحث المقبوض بالعقد الفاسد، في أن أدلّة الإمضاء للمعاملات تقتضي كون السلعة مثلاً- مضمونة بالثمن المقرّر في مقام المعاملة، وتثبت مضمونية الكتاب وكونه مضموناً بالمسمّى. فإذا ثبت في مورد بطلان المعاملة، وأن الثمن ليس ثمناً له فهل يمكن بدليل الامضاء إثبات أصل الضمان أو لا؟ 

هناك من يدعي إمكان ذلك بدعوى: أن دليل الإمضاء يثبت أمرين: 

أحدهما: كلّي الضمان، وأن السلعة مضمونة في الجملة.

 وثانيهما: أنه مضمون بالثمن، فإذا ثبت فساد المعاملة يبطل الأمر الثاني ويبقى الأمر الأوّل، ويثبت أصل الضمان بالمِثل أو القيمة. 

هذا البحث سنخ ذلك البحث تماماً لا فرق بين البحثين أصلاً. فإن كِليهما ناظر إلى إثبات الحكم ابتداءً، فلا بُدّ إذن من تحصيل فرق ما بين هاتين القاعدتين، ولا يكفي إبراز تلك النكتة التي ذكرها؛ لأن كِلتيهما لها نظر وإثبات للحكم الشرعي، فلا بُدّ من إبراز فارق آخر بين القواعد الأصولية وغيرها، وبعد إبرازه يتبيّن أن ذاك الفارق وحده يكفي لحلّ تمام المشاكل، بلا حاجة إلى ضمّ دعوى أن المسألة الأصولية تكون ناظرة إلى الحكم. 

المثال الثاني: يُبحث في الفقه عن أن الدليل الذي يدلّ على مطهرية شيء، 

ــــــــــ[33]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

هل يدلّ على طهارته بالالتزام، أو لا؟ هناك من يقول بدلالته عليه. فلو ثبت هذا لكانت هذه قاعدة استدلالية كلّية يثبت بها أنه متى ما دلّ دليل على مطهرية شيء يكون دالّاً على طهارته. ومن هنا التزم الفقهاء أن كلّ ما دلّ من القرآن الكريم على مطهرية الماء يدلّ على طهارته، أي فرق بين هذا وبين مسألة الضدّ ونحوها؟ فلا بُدّ من التفتيش عن فرق آخر، ومعه يتبيّن أن ذاك وحده يكفي بلا حاجة إلى ضمّ هذه النكتة.

والأمثلة من الفقه على أمثال هذه القواعد كثيرة، فلا بُدّ من فرض نكتة أخرى لكي يُعرف أنها ليست أصولية. 

الاعتراض الثاني: النقض بالقواعد التي تثبت الصحة والبطلان

مبنيّ على التصوّر المشهوري للثمرة في بحث: (أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده). حيث ذهبوا إلى أن الحكم المستنبط من المسألة هو صحّة العبادة وبطلانها.

فنقول: إن هذه القاعدة الأصولية ليست بنفسها ناظرةً إلى إثبات الصحّة والبطلان، وليس مفادها بنفسها هو صحّة الصلاة أو بطلانها. فإنه لو قيل إن الأمر بالإزالة يقتضي النهي عن الصلاة، تبطل الصلاة لا بمفاد هذا الاقتضاء، بل بمفاد قانون أن النهي عن العبادة يقتضي الفساد. فالبطلان مدلول لتلك القاعدة لا لهذه القاعدة، فهذا الميزان لا ينطبق على الاقتضاء. 

ومثله القول بعدم الاقتضاء، فإنه بنفسه ليس مفاده صحّة الصلاة، وإنما تستفاد حينئذٍ من إطلاق خطاب (صلِّ)؛ لأن إطلاقه لا مانع منه إلّا الاقتضاء 

ــــــــــ[34]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

للحرمة، وقد فرض عدمه. فهذا اللاقتضاء بنفسه لا يدلّ على الصحّة، بل تُستفاد الصحّة من إطلاق الدليل. 

إذن فهذه النكتة التي ذكرها المحقّق العراقي، وهي: أن تكون القاعدة بنفسها ناظرة إلى إثبات الحكم، غير موجودة في مسألة الضدّ بناءً على الفهم المشهوري للثمرة. 

الاعتراض الثالث: النقض بالقواعد المنطقية

القواعد المنطقية، فإنها ناظرة إلى إثبات أصل الحكم حين تدخل في مقام الاستنباط، مثلاً حين يقول الفقيه:

– وجوب السورة قام عليه خبر الثقة.

– وكلّ ما قام عليه خبر الثقة فهو ثابت.

يوجد هنا مقدّمة منطقية دخيلة في الاستنباط، وهي الشكل الأوّل من القياس، ومفاده النظر إلى نفس الحكم، فإن مفاد الشكل الأوّل: إذا كان الحدّ الأصغر مصداقاً للحدّ الأوسط، وكان الحدّ الأوسط مصداقاً للحدّ الأكبر. إذن؛ فالحدّ الأصغر مصداقاً للحدّ الأكبر. إذن، فمفاده تصحيح النتيجة التي هي الحكم الشرعي في المقام. 

إذن، فما هو الفرق بين القواعد المنطقية والقواعد الأصولية؟ فإن كِليهما يكون ناظراً إلى نفس الحكم. 

إذن، فنحن بين أمرين: إن اقتصرنا على خصوص النكتة التي ذكرها، فسوف ترد هذه الاعتراضات ولا جواب عليها. وإذا لم نقتصر عليها، وأضفنا 

ــــــــــ[35]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

نكتة أخرى إليها لدفع هذه الإشكال، فلعلّ تلك النكتة وحدها كافية بلا ضمّ هذه النكتة. 

 الاعتراض الرابع: النقذ على تعريف المحقق العراقي

بقي هناك اعتراض آخر على تعريف المحقّق العراقي، يحسن التعرّض له في المقام: وهو أن المحقّق العراقي يرى أن القاعدة الأصولية هي: تلك القاعدة التي تكون ناظرة إلى نفس الحكم عند الاستنباط، ودالّة على نفس الحكم، لا على أطرافه كموضوعه مثلاً. 

فنسأل ونقول: بأن المراد من كون القاعدة الأصولية ناظرة إلى نفس الحكم، هل المراد النظر باللسان اللفظي، أو المراد مطلق الدلالة بنحو يشمل الكشف: كشف الأمارة عن ذي الأمارة، والحجّة عن ذي الحجّة، والبرهان عن المبرهَن؟ 

فإن أريد الدلالة اللفظية بالخصوص، فمن المعلوم أن جملة من قواعد علم الأصول ليس لها دلالة لفظية، من قبيل أبحاث الاستلزامات، فإن دلالتها معنوية لُبّية، وليست لفظية؛ لأن الاستلزامات صور واقعية غير لفظية، فيلزم خروجها عن علم الأصول. 

وإن أريد مطلق الدلالة بنحو يشمل الدلالة المعنوية، فيلزم دخول مسألة وثاقة الراوي في علم الأصول؛ لأن وثاقة الراوي هي الدليل على صدقه، وعلى ثبوت الحكم الذي نقله. فالكاشف المعنوي عن وجوب السورة هو وثاقة زرارة، الذي روى وجوبها على حدّ إثبات (ظهور الصيغة في الوجوب) للحكم، فهي أمارة مثبتة لنفس الحكم؛ فتدخل مسائل الرجال في علم الأصول.

ــــــــــ[36]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

نعم، ليس لها لسان لفظي؛ لأنها مثبتة إثباتاً معنوياً لا إثباتاً لفظياً. وعلى أيّ حال فيرد أحد المحذورين. 

التعريف المختار 

بعد هذا نقول بأنه يمكن أن يُعرّف علم الأصول: أنه العلم بالقواعد المشتركة بالاستدلال الفقهي خاصّة. 

توضيح ذلك: أن نسبة علم الأصول إلى علم الفقه هي نسبة علم المنطق إلى كلّ العلوم، نسبته إلى الاستدلال الفقهي نسبة المنطق إلى الاستدلال العلمي مطلقاً، أليس قرأنا أن الاستدلال العلمي فيه أجزاء مادّية؟

تختلف من علم إلى علم، وأجزاء صورية مشتركة بين تمام العلوم.

فالقواعد المشتركة بين العلوم، مثل إنتاج الشكل الأوّل أو الثاني، لم يؤخذ فيها مادّة من علم معيّن، بل أخذت (لا بشرط) من حيث المادّة. فهي قاعدة مشتركة بين العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها. وهناك مواد أجزاء تختلف من علم إلى علم، فمواد القياس في العلوم الرياضية غيرها في العلوم الطبيعية، كما لو قلنا في العلوم الطبيعية: (إن الحديد معدن)، و(المعدن يتمدّد بالحرارة). وفي العلوم الرياضية نقول: (عدد سبعة لا ينقسم إلّا على نفسه)، و(كلّ عدد لا ينقسم إلّا على نفسه فهو عدد أوّلي). فقاعدة الشكل الأوّل محفوظة إلّا أن المواد اختلفت. 

فهذه نسبة المنطق إلى سائر العلوم، ونفس هذه النسبة موجودة لعلم الأصول بالنسبة إلى علم الفقه، فإن الاستدلال الفقهي فيه جنبتان:

ــــــــــ[37]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

إحداهما: قواعد مشتركة، أخذت (لا بشرط) من حيث المادّة.

والأخرى: قواعد أخذت مربوطة بمادّة معيّنة. 

فمثلاً حجّية خبر الواحد من مقدّمات الاستنباط، وكذلك وثاقة زرارة، إلّا أن حجّية خبر الواحد من القواعد المشتركة في الاستدلال الفقهي، ومأخوذة (لا بشرط) من حيث المادّة؛ ولذا يمكن أن يثبت بها وجوب السورة، أو وجوب الصوم، أو أيّ مادّة من مواد فعل المكلف. أما رواية زرارة الدالّة على وجوب السورة، فلا يمكن أن يثبت بها إلّا وجوب السورة، دون غيره، فهي مقدّمة مادّية في الاستنباط.

وهذا هو معنى قولنا: “إن علم الأصول هو العلم بالقواعد المشتركة بالاستدلال الفقهي“، فكلّ مقدّمة أخذت (لا بشرط) من حيث المادّة فهي مقدّمة أصولية. وكلّ مقدّمة أخذت (بشرط شيء) من حيث مادّة مثبتة فهي أجنبية عن علم الأصول. 

بقي علينا مطلبان: 

الأوّل: أن هذا التعريف يشمل تمام مباحث علم الأصول.

 الثاني: أنه يخرج تمام المقدّمات الأجنبية عن الأصول، كالمقدّمات الرجالية والقواعد الفقهية. 

شمول التعريف لكل مسائل علم الأصول

أما المطلب الأوّل: وهو أن هذا التعريف يشمل تمام المقدّمات التي يبحث عنها في علم الأصول، فهذا يتّضح باستقراء القواعد الأصولية، فإننا إذا 

ــــــــــ[38]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

لاحظناها نجد أنها جميعاً مأخوذة (لا بشرط) من حيث المادّة. ومقصودي من المادّة أفعال المكلّفين. 

ولكن مع هذا يمكن أن نقسّم القواعد الأصولية الواجدة لهذه النكتة إلى قسمين: 

الأوّل: ما كان (لا بشرط) من حيث المادّة، ولكنّه (بشرط شيء) من حيث نوع الحكم الذي يثبت به، كدلالة صيغة (افعل) على الوجوب، فإنها (لا بشرط) من حيث المادّة؛ لأنه يمكن أن يثبت بها وجوب أيّ فعل من الأفعال. ولكنّها (بشرط شيء) من حيث الأحكام، فلا يمكن أن نثبت بها الإباحة أو الكراهة، وإنما يثبت بذلك نوع مخصوص من الحكم الشرعي، وهو الوجوب. 

والقسم الآخر: يكون (لا بشرط) من حيث المادّة، ومن حيث أقسام الحكم أيضاً، كالاستصحاب فإنه (لا بشرط) من حيث المادّة ومن حيث الحكم؛ لأنه يمكن استصحاب الكراهة والإباحة، وكذلك حجّية خبر الواحد فإنها (لا بشرط) من كلّ الجنبتين، وحجية الشهرة والإجماع والظهور ومباحث المفاهيم. 

إذن فهذا التعريف قدر جامع بين مباحث علم الأصول. 

عدم شمول التعريف لغير مسائل علم الأصول

المطلب الثاني: أن بقية المقدّمات تخرج بناءً على هذا التعريف. 

فمن جملة المقدّمات مسائل علم الحديث، أي: روايات الكتب الأربعة، فإنها مقدّمات في الاستنباط، ولكن لا ينطبق عليها هذا التعريف؛ لأنها أخذت 

ــــــــــ[39]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

بشرط شيء من حيث المادّة، لأن الرواية الثالثة على وجوب السورة أخذت بشرط شيء من حيث هذه المادّة. 

وتخرج أيضاً مسائل علم اللغة البحتة، ككلمة (الصعيد) هل هي موضوعة لخصوص التراب، أو للأرض؟ ويُستنبط منها الحكم الذي أُخذ في موضوعه (الصعيد) دون غيره، فقد أُخذت (بشرط شيء) من حيث المادّة. 

وهذا هو الفرق لتعرّض علماء الأصول لبعض مسائل اللغة دون بعض آخر. فإن ما تعرّضوا له قد أُخذ (لا بشرط) من حيث المادّة، كظهور صيغة الأمر في الوجوب، وظهور مادّة الأمر في الحصّة الاختيارية. وأما ظهور كلمة (الصعيد) مأخوذة (بشرط شيء)، وحتى بحث (الصحيح والأعمّ) بحث غير أصولي؛ لأنه يُستنبط منه حكم خاصّ بالصلاة، وقد أُخذ (بشرط شيء) من حيث المادّة. وكذلك بحث المشتقّ فإنه أُخذ (بشرط شيء) من حيث المادّة؛ لأن كلّ فعل من أفعال المكلّفين لا يكون مضافاً إلى عنوان اشتقاقي لا يستنبط حكمه من هذا. فـ(أكرم العادل) تستنبط منه دون: (صلِّ) فهناك ضيق في المادّة. بخلاف ظهور صيغة (افعل) في الوجوب فإنه يتصوّر شمولها لكلّ فعل(1)

ــــــــــ[40]ــــــــــ

() سُئِل أن مسألة: (اقتضاء النهي عن العبادة للفساد) كيف تكون أصولية، مع أنها أُخذت (بشرط شيء) بالنسبة الفساد خاصّة، ولا يُستنبط منها شيء آخر؟

فأجاب ما حاصله: بأن العبادة لم تؤخذ في موضوع هذه المسألة، وإنما أُخذ موضوعها تامّاً لكلّ شيء، فقيل: إن النهي عن الشيء يقتضي الفساد. ولكن حيث لا يكون غير العبادات والمعاملات قابلاً للاتّصاف بالصحّة والفساد، لا يمكن تطبيق المحمول في هذه المسألة عليها. وإنما يكون المتّصف بالصحّة والفساد هو العبادات والمعاملات، فينطبق عليها محمولها وهو الفساد. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وكذلك أيضاً تخرج القواعد الفقهية، مثلاً قاعدة (ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده). وهناك قاعدة استدلالية في الفقه تكون مبدأً استدلالياً لتلك القاعدة، (أن دليل الصحّة هل يثبت به الضمان إذا بطل الضمان بالغرامة). وكِلتا القاعدتين لا ينطبق عليهما التعريف؛ لأنه أُخذ فيها مادّة معيّنة، لأنه لا يُستنبط منهما إلّا الضمان في العقد الفاسد دون شيء آخر. 

بقي عندنا قواعد علم الرجال، مثل وثاقة زرارة، فإنها أيضاً لا تدخل في التعريف؛ لأن وثاقته وإن كانت تفيد في استنباط حكم أيّ مادّة يخبر بها زرارة. ولكنّ وثاقته ليست من المقدّمات الداخلة في الاستدلال الفقهي. لأن مرادنا بالاستدلال الفقهي: القياس الأخير الذي يباشره الفقيه بما فيه من صغرى وكبرى. وهذه المقدّمة تدخل في قياس قبل الأخير، لا في الأخير؛ لأننا نرتّب قياسين، ونقول: (هذا خبر زرارة)، و(زرارة ثقة)، فهذا خبر الثقة. فهذا قياس دخلت فيه المقدّمة الرجالية، ونتيجته أن هذا خبر الثقة.

والقياس الثاني: (وجوب السورة أخبر به الثقة) و(كلّ ما أخبر به الثقة فهو ثابت)؛ إذن فهذه المسألة مقدّمة في قياس ما قبل الأخير، وليست مقدّمة في الأخير. 

أما القياس الأخير فهو مكوّن من مقدّمتين: الصغرى مأخوذة من علم 

ــــــــــ[41]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الحديث؛ لأننا من الوسائل نعرف أن وجوب السورة أخبر به الثقة أو لا. والكبرى فيه مقدّمة مشتركة أصولية. 

ومنه يُعرف أن القواعد المنطقية أيضاً خارجة عن علم الأصول؛ لأن قاعدة الشكل الأوّل لا تشكّل مقدّمة في القياس الأخير، وإنما هي برهان صحّته.

ومن هنا يصحّ أن يقال: إن علم الأصول هو العلم بالقواعد المشتركة للاستدلال الفقهي للقياس الأخير

الضابط في القاعدة الأصولية

والضابط في أصولية القاعدة اجتماع أمرين:

أحدهما: كون المقدّمة صالحة للوقوع في القياس الأخير الذي هو معنى الاستدلال الفقهي.

الثاني: أن لا تكون مقدّمة مأخوذة (بشرط شيء) من حيث المادّة.

ومجموع الأمرين يتوفّران في جميع مباحث علم الأصول المقارنة. 

فإن مباحث الحجج ومباحث تقع كبريات في القياس الأخير، وأبحاث الظواهر تقع صغرى فيه، وأبحاث الاستلزامات العقلية تقع كبرى فيه، وكلّها أبحاث غير مادّية؛ لأنها لم يؤخذ فيها مادّة معيّنة. 

وباقي المسائل التي هي مقدّمات في الاستنباط فاقدة لأحد الشرطين. 

وبحسب الحقيقة أن هذا الضابط ليس مجرّد عنوان منتزع عن الأبحاث الواقعة في علم الأصول خارجاً، بحيث لاحظناها واخترعنا لها ضابطاً جامعاً 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

مانعاً. كما كان هو الحال في الضوابط السابقة. فإنها تجشّمات من أجل تحصيل الجامع المانع؛ لأجل تصحيح كلمات الأصوليين، وإلّا يبقى السؤال بأنه ما هي النكتة التي من أجلها اختير خصوص هذه المقدّمة؟ فإن القاعدة التي تكفي بمفردها للاستنباط، أو التي لها نظر إلى الحكم الشرعي مع غيرها، مشتركة الإفادة لغرض الأصولي. 

وأما هذا الضابط الذي نقوله فهو يصحّح ما وقع ويوجّهه؛ لأن نكتته ومناسبات الحكم والموضوع معه، لأن علم الأصول نشأ في طول علم الفقه، فحين كانوا يرون القاعدة مناسبة مع مسألة فقهية يذكرونها معها كقاعدة الضمان أو الإقرار. فبقي الفقه فقهاً، ثُمّ التفتوا إلى أن هناك قواعد لا مادية و(لا بشترط) من حيث المادّة، يعني نسبتها إلى كلّ أفعال المكلّفين على حدّ واحد. فأين يضعونها من الفقه؟ فأفرزوا لها علماً مستقلّاً، من دون أن يهمّهم أن تكون القواعد بمفردها كافية، وهي ناظرة إلى الحكم أو لا. فإن هذه التعاريف لا تناسب نكتة تأسيس هذا العلم(1).

وكذلك من الواضح المناسبة في الشرط الآخر، وهو أن تكون مقدّمة في القياس الأخير، يعني من المبادئ التصديقية المباشرة لا من مبادئ المبادئ؛ إذ من الواضح أننا كلّما صعدنا في المبادئ وصلنا إلى دوائر أوسع من هذا العلم، يعني تكون مؤثّرة في مجموعة من العلوم لا في الفقه بالخصوص، فمن المناسب أن تكتب في أصول مجموع العلوم، لا أصول الفقه بالخصوص. 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

() هذا بالنسبة إلى حد الشرطين حينئذٍ. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فلو أردنا أن نؤسّس من جديد علم الأصول، يجب أن نؤسّسه انطلاقاً من هذا الضابط. 

ومن هنا يتّضح مطلب: أننا أشرنا أن بعض القواعد الأصولية تكون (لا بشرط) من حيث المادّة، و(بشرط شيء) من حيث نوع الحكم كظهور صيغة (افعل) في الوجوب، وهذا يكفي في أصولية المسألة. 

ولكن هذا إنما يكون فيما إذا كان نوع الحكم سنخ حكم سيّال في الفقه، لا يختص بباب دون باب كالوجوب والصحّة والبطلان، ولهذا ذكرت صيغة (افعل) في علم الأصول. ولهذا ذكرت مسألة (أن النهي عن الشيء يقتضي الفساد) سواء كانت عبادة أو معاملة أو ايقاعاً أو غيرها، فإنها من حيث المادّة لا بشرط، تعمّ كلّ ما يتّصف بالصحّة والفساد. ومن حيث الحكم أُخذت بشرط الصحّة والفساد، وهو أمر سيّال في الفقه. 

وأما إذا كان الحكم خاصّاً بباب معيّن، كقاعدة أن الدليل الدالّ على مطهرية شيء هل يدلّ على طهارته؟ فإنها من المادّة (لا بشرط)، إلّا أنها من حيث الحكم أخذت من حيث نوع مخصوص من الحكم، وهو الطهارة، وهي أمر لا يُذكر إلّا في كتاب الطهارة دون باب الصلح أو الإجارة مثلاً. 

فالقاعدة الأصولية تكون (لا بشرط) من حيث المادّة، ومن حيث الحكم إما (لا بشرط) أو بشرط نوع مخصوص بنحو سيّال في تمام أبواب الفقه. وأما إذا كان حكمه خاصّاً بكتاب معيّن أصبح من أصول ذلك الكتاب أو من أصول الفقه بتمامه. 

ــــــــــ[44]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

بهذا تبيّن تعريف صحيح ثبوتاً وإثباتاً. يعني أنه هو الذي ينبغي أن يؤسّس عليه علم الأصول، وهو المنطبق على عمل الحاجبي والعضدي(1) في جميع أبوابه(2)

قال: بأن قاعدة (لا ضرر) و(لا حرج) قاعدة مادّية؛ لأن الضرر والحرج عنوان ثانوي منطبق على أفعال المكلّفين، فتكون القاعدة أخذت (بشرط شيء) بالنسبة إليها، فلا تكون أصولية.

خروج حجية القطع عن علم الأصول 

أما حجّية القطع فهي خارجة عن علم الأصول، فنكتة أنها لا تثبت بها المقدّمة وإنما تثبت بها مقدّمية المقدّمة في تمام أبحاث علم الأصول، فمثلاً حجّية خبر الواحد مقدّمة مشتركة واقعة في القياس الفقهي، إلّا أن حجّية خبر الواحد لا تثبت بحجّية القطع بل بدليلها الخاصّ، إلّا أن مقدّميتها فرع حجّية القطع، إذ لو لم يكن القطع حجّة لا تكون حجّية خبر الواحد صالحة لأن تقع مقدّمة 

ــــــــــ[45]ــــــــــ

() الحاجبي، أبو عمرو عثمان بن عمر المصري الفقيه المالكي، المعروف بابن الحاجب، المتوفّى سنة 646 هـ، صاحب كتاب مختصر الأُصول والمعروف بـمختصر ابن الحاجب، وهو كتابٌ مهمٌّ في بابه، وعليه شروح كثيرة أهمّها شرح العضدي للقاضي عضد الدين الأيجي عبد الرحمن بن أحمد، وهو العالم بالأُصول والمعاني والعربيّة، والمتوفى سنة 756 هـ.

(2) ذكرأنَّ قاعدتَي (لا ضرر) و(لا حرج) قاعدتان ماديّتان؛ لأنَّ الضرر والحرج عنوانٌ ثانويّ منطبقٌ على أفعال المكلّفين، فتكون القاعدة أُخذت (بشرط شيء) بالنسبة إليها، فلا تكون أُصوليّة (المقرّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

لإقامة الحجّة على الواقع، فحجّية القطع ليس وظيفتها إثبات المقدّمة، ولا أنه مقدّمة في نفسه، بل يثبت تمام المقدّمات في علم الأصول، فلا بُدّ من افتراض وجوده في المرتبة السابقة عن علم الأصول، والبحث في مباحثه. 

ــــــــــ[46]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 











الجهة الثانية: موضوع علم الأصول

 

من الجهات الثلاث التي نتكلّم عنها: 

وهي الكلام في موضوع علم الأصول. 

اعتاد علماء الأصول في مثل هذا المقام أن يذكروا ضوابط كلّية، ادّعوا أنهم أخذوها من الحكماء والفلاسفة(1)، وصاروا في مقام تطبيقها على علم الأصول وغيره من العلوم الداخلة في محلّ ابتلاء. ومن هنا دخلوا في إشكالات واعتراضات، وسندخل فيه إجابة لبعض الإخوة.

إذن نقدّم لذلك ثلاث مقدّمات: 

المقدّمة الأولى: أن كلّ علم لا بُدّ له من موضوع.

المقدّمة الثانية: أن كلّ علم يبحث فيه عن العوارض الذاتية لذلك الموضوع.

الثالثة: أن العرض الذاتي ما يعرض للموضوع بلا واسطة أو واسطة مساوية، دون ما يعرض له بواسطة أمر أخصّ أو أعمّ داخلي وخارجي أو أمر مباين، فهذه كلمات ثلاث: 

ــــــــــ[47]ــــــــــ

() مع أن بعض هذه المقدّمات لا يوجد لها في كلمات الفلاسفة عين ولا أثر. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

المقدمة الأولى: أن لكلّ علم موضوعاً.

وقعت محلّ الإشكال عند علماء الأصول، فبعضهم(1) ذهب أنه لا برهان على ذلك، وبعضهم(2) ذهب أن البرهان قائم على عدم وجود الموضوع لكلّ علم بنحو الموجبة الكلّية؛ لأن الموضوعات مسائلها من قبيل الوجود والعدم، ولا جامع بين الوجود والعدم. 

المقالة الأولى: في أنه لا برهان على هذا المدعى

يقع الكلام أوّلاً في المقالة الأولى، وهي أنه لا برهان على هذا المدّعى. 

توضيح الكلام في ذلك: أن هذا المدّعى يستدلّ له في كلماتهم بأحد دليلين: 

الدليل الأول: قاعدة الواحد لا يصدر إلا من واحد 

تطبّق قاعدة أن الواحد لا يصدر إلّا من واحد(3). بتوضيح: أن لكلّ علم غرضاً يختصّ به وهو واحد كلّي، وإن لم يكن واحداً شخصياً. وكما أن الواحد بالشخص لا يصدر إلّا من واحد بالشخص، كذلك الواحد الكلّي أو النوعي لا يصدر إلّا من واحد كلّي. إذن فقد استنتج من ذلك أن فرض وجود غرض واحد كلّي للعلم يكشف عن وجود جامع كلّي بين موضوعات مسائل ذلك العلم؛ إذ لو كانت موضوعاته متباينة للزم وجود الواحد الكلّي من كثرات كلّية متعدّدة وهو خُلف القاعدة. 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

(1) أُنظر: جواهر الأُصول 1: 28، المقدّمة: الأمر الأوّل: في موضوع العلم. 

(2) أُنظر: نهاية الأفكار 1-2: 9، المقدّمة: الأمر الأوّل: في بيان تعريف العلم وموضوعه.

(3) أُنظر: الحكمة المتعالية 2: 204، 212، شرح المنظومة (قسم الحكمة): 133-134.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وتحقيق الكلام في هذا الاستدلال: أن أغراض العلوم تُتصوّر في مرتبتين:

الأولى: مرتبة التدوين والدرس والتعلم والتعليم، فإن كلّ من يدرس علماً أو يدونه لا بُدّ أن يكون له غرض في ذلك. ولا ينبغي أن يكون نظر هذا البرهان إلى الغرض في هذه المرتبة؛ لأن الغرض في مرتبة التدوين والدرس يختلف من شخص إلى آخر. فقد يتعلّق غرض إنسان في دراسة نصف العلم، وقد يتعلّق غرضه على دراسة جميع العلم، بل قد يتوقّف على دراسة علوم متعدّدة، مع أن الغرض واحد، ولا يوجد في هذه المرحلة لكلّ علم غرض نوعي؛ لكي يطبّق عليه قاعدة (أن الواحد لا يصدر إلّا من الواحد). 

المرتبة الثانية: مرتبة القواعد التي تدوّن بوجودها النفس الأمري في اللّوح المناسب لها. فإن هذه القواعد تارةً تكون أموراً تكوينية كالملازمات، وأخرى جعلية كالإعراب في علم النحو. وكلّ قاعدة لها وعاؤها المناسب. فهذه القواعد في وعائها المناسب يترتّب عليها أثر واحد كلّي، وهو المسمّى بغرض العلم، ومن أجل هذا قالوا: إن الغرض من علم النحو صون اللسان من الخطأ. بقطع النظر عن أغراض الأشخاص. وينبغي أن يكون البرهان مطبّقاً في هذه المرتبة. 

ومعنى تطبيقه في هذه المرتبة: الاعتراف بأن هناك غرضاً واحداً كلّياً في وجودها النفس الأمري، وهو صون اللسان. إلّا أنه يتبادر إلى ذهن الإنسان: أن هذا ليس أثراً للقواعد بوجودها النفس الأمري، فإنها بوجودها النفس الأمري لا يترتّب عليها صون اللسان، فكيف يطبّق عليها قاعدة أن الواحد لا يصدر إلّا من الواحد.

ــــــــــ[49]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ولأجل الجواب على ذلك تقريبان؛ لإثبات أن هناك غرضاً كلّياً على القواعد بوجودها النفس الأمري:

التقريب الأوّل: أن الغرض من القواعد النحوية ليس هو الصون الفعلي للسان، بل التمكّن من صون اللسان عن الخطأ. وإذا أردنا أن نعمّق ذلك نقول: إن صون اللسان في الخارج له علّة مركّبة من أجزاء متعدّدة، منها إرادة الفاعل وعلمه، ومنها القواعد النفس الأمرية، فالقواعد جزء العلّة للصون. وإنما يتخلّف؛ لأن باقي أجزاء العلّة غير موجودة.

إذن فيوجد أثر واحد كلّي يكون للقواعد تأثير ضمني فيه، بحيث لو انضمّ الجزء الآخر لترتّب المعلول خارجاً. 

إلا أن هذا التصوير لا ينفعنا في تطبيق البرهان؛ لأن المراد من وقوع صيانة اللسان -خارجاً- هل المراد به واقع الصيانة، يعني أن يقول: (ضرب زيدٌ)، ولا يقول: (ضرب زيداً)؟ أو يراد عنوان الصيانة، وأنه لم يخطئ؟ فإن كان الغرض واقع الصيانة، إذن فعندنا في المقام أغراض متباينة لا غرض واحد. لأن واقع الصيانة في مسألة الفاعل هو أن يقول: (ضرب زيدٌ)، وفي مسألة المفعول أن يقول: (ضربت زيداً)، وهما متباينان. إذن، فلم نحصل على غرض وأثر واحد كلّي يكون مصداقاً لقاعدة: أن الواحد لا يصدر إلّا من واحد. 

وإن كان الغرض هو عنوان الصيانة وهو غرض مشترك لمسألة الفاعل والمفعول. فيكون (ضرب زيد) و(ضربت زيداً) غرضاً بما هو صيانة لا بخصوصيته، فيكون عندنا غرض واحد كلّي هو الصيانة عن الخطأ، وقد استند 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

إلى القواعد النحوية، إلّا أنه استند إليها لا باعتبار جامع ذاتي للقواعد النحوية، بل باعتبار وصف عرضي مشترك بينها، وهو كونها عقلائية ومقبولة عند العقلاء. 

فلا يلزم أن تكون الجهة المشتركة ذاتية، بل يكفي أن تكون جهة مشتركة عرضية مع تباين موضوعاتها ومحمولاتها، وهي التباني عليها من قبل العقلاء(1). فهذا التقريب لا يحقّق مصداق القاعدة. 

التقريب الثاني: أن الغرض من القواعد النفس الأمرية ليس هو أن يوجد الكلام الصحيح خارجاً، بل هو أن يصحّ الكلام في نفسه. فإنه لو كان الغرض هو الأوّل يقال: إن القواعد وحدها لا تكفي له. وإن كان الغرض هو الثاني، وهو تصحيح الكلام سواء نطق به إنسان خارجاً أو لا، وهو مما يترتّب حتماً على القواعد النحوية. فالقواعد على الأوّل كانت جزء العلّة، وفي الثاني تكون القواعد النحوية علّة تامّة له. 

وهذا أيضاً لا ينفع، فإن صحّة الكلام لا معنى له إلّا مطابقة الكلام مع القاعدة النحوية، أي جعل الكلام مطابقاً لها، والمطابقة نسبة قائمة بين القاعدة والكلام الخارجي. ومعه لا معنى لأن يبرهن على وحدة الموضوع بوحدة الغرض؛ لأن المطابقة ليست إلّا هذه النسبة القائمة بين الكلام والقاعدة.

ــــــــــ[51]ــــــــــ

() ويكفي نفي القضيّة الكلّية، فلا يقال: إن النحو وإن كان كذلك إلّا أنه في غيره ليس كذلك، فإنه يقال: إنه ما دام في النحو غير موجود فهو ليس ضرورياً لكلّ العلوم. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فإننا إن كنّا نرى أن القواعد النحوية بينها جامع قبل هذه النسبة، فلا حاجة إلى البرهان عليها بالغرض، وإن لم يكن بينها جامع فلا يعقل للنسبة أن تكون جامعاً؛ لأن النسبة تتقوّم بطرفيها، فهناك نسب عديدة بعدد القواعد. وهي تابعة بعددها وكلّيتها لأطرافها، فإن كان جامع بين الأطراف كان بين النسب جامع، وإلّا فلا. فلا معنى لأن يبرهن على المطابقة بين القواعد وموضوعاتها الخارجية على وحدة الغرض، فإن كون النسب أمراً واحداً كلّياً فرع أن طرفها أمر واحد كلّي، ولا يمكن أن تكون هي برهاناً على أن طرفها أمر واحد كلّي. 

الدليل الثاني: تمايز العلوم بتمايز الموضوعات

لإثبات المدّعى، أن التمايز بين العلوم بالموضوعات، فلا بُدّ وأن يفرض لكلّ علم موضوع، إذ لولا ذلك لم يكن متميّزاً عن سائر العلوم، ففرض كونه علماً هو فرض كونه ذا موضوع. 

وهذا التقريب كأنّه يفترض به أصل موضوعي، وهو أن التمايز بين العلوم بالموضوعات. والمحقّق الخراساني(1) ناقش في هذا الأصل الموضوعي، وقال: لو كان تمايز العلوم بالموضوعات لكان كلّ باب بل كلّ مسألة علماً على حدة؛ لأن باب الفاعل موضوعه الفاعل، وباب المفعول موضوعه المفعول. مع أنهم لا يلتزموا بذلك. 

ــــــــــ[52]ــــــــــ

(1) أُنظر: كفاية الأُصول: 8، مقدّمة، الأمر الأوّل: في موضوع العلم.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

هذا الإشكال جوابه واضح جداً؛ لأن من يقول بأن تمايز العلوم بالموضوعات لا يقصد به أيّ موضوع كيفما اتّفق ليرد الإشكال. بل يقصد الموضوع الذي لا تكون عوارضه الذاتية عوارض ذاتية لموضوع أعمّ منه، وإلّا لو كان موضوعاً تكون عوارضه الذاتية عوارض ذاتية أعمّ منه، فلا يصلح أن يكون موضوعاً للعلم.

فمثلاً: الفاعل موضوع من الموضوعات متميّز عن المفعول، ولكنّ عوارضه الذاتية لموضوع أعمّ منه وهو الكلمة، ولذا لا يمكن جعل عنوان الفاعل موضوعاً للعلم، فيندفع هذا النقض من صاحب الكفاية. 

ولكنّ أصل هذا الاستدلال غير صحيح، فلا يعقل أن نستدلّ على وجود الموضوع لكلّ علم بأن تمايز العلوم بموضوعاتها، ولأننا إذا لم يتبيّن لنا حتى الآن لكلّ علم موضوع، كيف نعرف أن تمايز العلوم بموضوعاتها. فإن ذلك فرع إثبات الموضوع لكلّ علم. فإذا كانت هذه القضيّة مشكوكة لنا فكيف نبرهن بها على المدعى؟

نعم، لو ثبت أن تمايز العلوم بالموضوعات بدليل تعبّدي أمكن ذلك، لكن بغض النظر عن التعبّد لا يمكن. 

فهذان البرهانان أُقيما على عدم وجود الموضوع للعلم. 

المقالة الثانية: في قيام البرهان على المدعى 

وقد ادّعى الآغايون بعد ذلك دعوى أخرى، وقالوا: إن البرهان قائم على أنه ليس لكلّ علم موضوع، وأن بعض العلوم لا يمكن أن يكون له موضوع. 

ــــــــــ[53]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وقد قُرب في كلمات السيّد الأستاذ(1) تقريبين: 

أحدهما: أننا إذا لاحظنا علم الفقه فسنجد أن محمولاته كلّها أحكام شرعية اعتبارية، فلو كنّا نريد أن نتصوّر جامعاً حقيقياً مقولياً بين مسائل العلم، بحيث يجمع بموضوعه بين موضوعات هذا العلم، وبمحموله بين محمولاته، لتعذّر علينا ذلك. إن هذا غير متصوّر في علم الفقه؛ لأن المحمولات فيه أمور اعتبارية والجامع بين الأمور الاعتبارية لا يكون إلّا اعتبارياً، ولا يمكن أن يكون حقيقياً. إذن فلا يمكن أن نتصوّر قضيّة جامعة محمولاً وموضوعاً لعلم الفقه. 

إلا أنه مما لا يمكن المساعدة عليه؛ لأن محمولات علم الفقه وإن كانت أحكاماً شرعية اعتبارية، إلّا أن الاعتبار فيه حيثيتان: حيثية نفس الاعتبار، وحيثية المعتبَر. والأوّل أمر حقيقي، والثاني أمر اعتباري وهمي. 

فإن اعتبارك أمر حقيقي قائم بنفسك. نعم المعتبَر أمر خيالي وليس حقيقياً. والجامع المطلوب في المقام ليس بلحاظ حيثية المعتبَر، بل بلحاظ حقيقة الاعتبار، وهي أمور حقيقية قائمة في نفس المولى، ناشئة من اهتمامات وملاكات حقيقية، وهي أمور حقيقية يُتصوّر فيها الجامع الحقيقي. 

التقريب الثاني الذي ذكر: أيضاً بالنسبة إلى علم الفقه، حيث يقول: إن 

ــــــــــ[54]ــــــــــ

(1) أُنظر: أجود التقريرات 1: 3 – 7، المقدّمة، الفصل الأوّل: في تعريف العلم وموضوعه وفائدته؛ محاضرات في أُصول الفقه (الفيّاض) 1: 18، 20، تمهيد، الأمر الثالث: في بيان موضوع العلم، الجهة الأُولى.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

موضوعه عبارة عن أمور مختلطة، بعضها جوهر كـ(الدم نجس)، وبعضها من الكيف المسموع كـ(القراءة واجبة)، وبعضها من الوضع كـ(الركوع واجب)، وبعضها من الأمور العدمية كـ(التروك). فتصوير الجامع بينها يلزم منه تصوير الجامع بين مقولتين عاليتين كالوضع والكيف، أو بين الوجود والعدم، وهو غير معقول. 

هذا أيضاً لا ينبغي المساعدة عليه، ولأجل توضيحه لا بُدّ من التنبيه على نكتة، هل المراد من تصوّر الجامع للعلم، تصوير موضوع له، بحيث يكون جامعاً بين موضوعات مسائله حسب تدوينها الخارجي؟ إذن فيتعذّر فرض الموضوع الكلّي للعلم لا للفقه فقط، بل حتى للفلسفة العالية التي سلّموا بأن لها موضوعاً واحداً كلياً، وأنه تنطبق عليها هذه الجهات(1)

وذلك: لأن موضوع الفلسفة العالية هو الوجود، بينما الموجود في كثير من مسائل الفلسفة يقع محمولاً: كـ(العقل موجود) و(الواجب موجود). هذا بحسب التدوين، ومع هذا لم يستشكل الفلاسفة والأصوليون بوجود الموضوع الكلّي للفلسفة.

وهذا معناه أننا حين نريد أن نتصوّر الموضوع الكلّي للعلم، لا يلزم أن نتصوّره بحيث ينطبق على مسائله المدونة، بل نتصوّره مطابقاً مع ترتيب من الترتيبات للعلم. وبذلك تكون الفلسفة العالية تامّة. والمسألة هكذا تصير: أن 

ــــــــــ[55]ــــــــــ

(1) راجع كتاب المكاسب 3: 346-347، البيع، شروط المتعاقدين، الكلام في عقد الفضولي.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الوجود قد يكون واجباً، وقد يكون ممكناً، جوهراً أو عرضاً أو فلكاً. فتصبح هذه محمولات للموجود، وإن دوّنت على أن الموجود محمول لها. فإن التدوين قد ينشأ من سلائق لغوية ونحوها. 

إذن فلا بُدّ من التنبيه إلى نكتة: أننا إذ نريد أن نحقّق موضوعاً لعلم ما لا يلزم أن يكون منطبقاً على موضوع مسائله حسب ما دوّنت، بل حسب ترتيب من الترتيبات الصحيحة في الواقع. 

وحينئذٍ يقال: إن الموضوع موجودٌ لعلم الفقه. فإن الجامع المراد هو جامع بين محمولات العلم حسب تدوينها، فكما كان الوجود جامعاً لموضوعات الفلسفة مع أنه وقع محمولاً لها حسب تدوينها. فموضوع علم الفقه ليس هو (فعل المكلّف) كما يقال، فإن كثيراً ما يقع الموضوع الأعيان الخارجية كالدم. وإنما موضوعه الحكم الشرعي، ونسبته إليه كنسبة الوجود إلى الجوهر والعرض. فيقال: (الجوهر موجود) ومعناه أن الوجود متعيّن بوجود جوهري. هنا أيضاً يقال: (الصلاة واجبة) ومعناه أن وجوب الصلاة متعيّن بوجوب الصلاة، وكلّ مسائل الفقه بحث في تعيينات الحكم الشرعي، كما أن الفلسفة بحث في تعيينات هذا الوجود. 

تحقيق الكلام في المقام

وتحقيق الكلام في المقام: هو أن كلّ علم من العلوم لا إشكال في أن له وحدةً وبها صار علماً. كما أنه لا إشكال في أن وحدته ثابتة له في المرتبة السابقة على التدوين. وعلم النحو لم يصبح علماً واحداً باعتبار تدوينه، بل هو واحد في 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

أُفقه المناسب له. وهذه الوحدة لا بُدّ أن تنشأ من أحد أمور ثلاثة: الموضوع أو المحمول أو العرض.

فإن نشأت وحدته من وحدة الموضوع، فقد ثبت أن للعلم موضوعاً. وإن نشأت من وحدة المحمول، فهذا المحمول هو موضوع العلم؛ لأننا لا نريد بالموضوع إلّا ما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية، كما في الفلسفة فإنه لا جامع بين الجوهر والعرض، ولكنّ هناك جامعاً بين وجود الجوهر ووجود العرض. 

وإن نشأت الوحدة من وحدة الغرض، فهذا الغرض إن كان من سنخ النِسب، إذن فلا يعقل وحدته إلّا بوحدة طرفه، فيرجع إلى وحدة الموضوع أو المحمول. وإن كان أمراً حقيقياً خارجياً معلولاً للقضايا؛ فيكون هو موضوع العلم(1)، كالصحّة والمرض لعلم الطبّ، فإن مسائله كلّها تلحظ باعتبار دخلها في ذلك، فموضوعه هو الصحّة والبحث فيه عن أسبابها ومواقعها، وكذلك في الفلسفة العالية، فإنه يبحث عن سببها الأقصى وهو الواجب وهو من العوارض الذاتية، على ما سوف نفسر به ذلك. والفلاسفة حين قالوا: (إن لكلّ علم موضوعاً)، لم يريدوا أكثر من ذلك، فإن ابن سينا في (الشفاء) قال: إن العلم تارةً يكون له موضوع واحد كالحساب موضوعه العدد. وأخرى 

ــــــــــ[57]ــــــــــ

() إن الموضوع ليس المراد به ما جعله المدوّن موضوعاً اصطلاحياً، بل يُراد بالموضوع محور البحث سواء كان موضوعاً أو محمولاً أو غرضاً. كذا قال بعض الإخوان. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

موضوعات متعدّدة، وعلى الثاني: إما أن تجمعه بجنس واحد، أو لا. وعلى الثاني: 

إما أن تجمعه مناسبة واحدة، فما يجمعه جنس واحد كالخط والسطح فإنه يجمعهما المقدار، وما تجمعه المناسبة الواحدة هو النقطة والخط والسطح، فإن نسبة النقطة إلى الخط كنسبة الخط إلى السطح. 

وأخرى لا يكون له مناسبة أصلاً كعلم الطب فإنه لا جامع بين موضوعاته إلّا دخله في الغرض.

إذن لم يرد الفلاسفة إلّا أمراً واضحاً، مجرّد تقديره كافٍ في التصديق به، وهو أن العلم ما دام علماً واحداً لا بُدّ له من محور وهو إما الموضوع أو المحمول أو الغرض. ولم يريدوا ما فهمه الأصوليون فوقعوا في إشكالات.

إذن فخفاء المطلب من أن لكلّ علم موضوعاً، يستند إلى مجموع أمرين:

الأوّل: أن الآغايون تصوّروا أن معنى: (لكلّ علم موضوعاً كلّياً) لزوم انتزاع جامع كلّي من مسائله حسب وضعها التدويني. ومن هنا استشكلوا أن عدداً من العلوم لا نجد جامعاً بين موضوعات مسائله. 

إلا أن هذا لا يصحّ، فإن موضوع العلم لا يجب أن يكون جامعاً بين موضوعات العلم حسب وضعها التدويني، وإنما لا بُدّ أن يكون للعلم موضوع، ولو فرض أنه لم يكن منتزعاً من موضوعات المسائل، بل يكون منتزعاً من محمولاتها، أذ قد يجيء التدوين منعكساً لأسباب لغوية ونحوية وغيرها. 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الأمر الثاني: أنهم تخيّلوا أن العوارض الذاتية للشيء عبارة عمّا يعرض له بعد الفراغ عن وجوده؛ ولذا استبعدوا أن يكون البحث عن أسباب الشيء وعلله من عوارضه الذاتية. فلم يفترضوا وجود علم كالطب موضوعه الصحّة، ويبحث فيه عن عوارضه الذاتية وهي أسباب الصحّة وموانعها وقواطعها، لأجل تخيّل أن العرض الذاتي لا بُدّ أن يكون في طول وجود الشيء كالبياض، إلّا أن هذا غير صحيح على ما سيأتي تفصيله. 

وإجماله أنه في الفلسفة العالية وقع البحث عن الأسباب القصوى للوجود الذي هو موضوع العلم، والبحث عن أسباب الصحّة كالبحث عن أسباب الوجود بحث عن العوارض الذاتية للعلم. 

وبعد الالتفات إلى هذين الأمرين يصبح المدّعى واضحاً، وأن العلم له وحدة في المرتبة السابقة على التدوين، لا أنه بتدوينه صار علماً واحداً، فما هو ميزان هذه الوحدة؟

إن كان ميزانها هو الموضوع الكلّي المنتزع من موضوعات مسائله حسب تدوينها، فهو وإن كان ميزان الوحدة هو انتزاع عنوان كلّي من محمولات المسائل حسب تدوينها، فهذا هو موضوع العلم، ويكون البحث بحثاً عن تعيّنات ذلك الموضوع الكلّي.

وإن كان هذا الجامع هو الجامع بين النسب في قضايا ذلك العلم، فحيث أن النسبة معنى حرفي، ولا يعقل الجامع بينهما إلّا بتبع الجامع بين طرفيها وهو الموضوع والمحمول. إذن رجع إليهما. 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وإن كان ما به الوحدة هو الغرض، وكان الغرض أيضاً من سنخ النِسب أيضاً، كالغرض من علم النحو الذي هو تصحيح الكلام الراجع إلى نسبته بين الكلام والقاعدة النحوية، إذن فجامعيته بجامعية طرفيها، فرجع إلى الأوّل.

وإن كان الغرض سنخ أمر له وجود حقيقي منحاز من قضايا العلم، كالغرض من الطب وهو الصحّة، فهذا هو نفسه موضوع العلم ويكون البحث بحثاً عن أسبابه. 

هذا تمام الكلام في القضيّة الأولى وهو أن لكلّ علم موضوعاً.

المقدمة الثانية والثالثة في العرض الذاتي وتفسيره

وهنا قضيّة ثانية، وهي: أنه في كلّ علم يبحث عن العوارض الذاتية لذلك الموضوع لا العوارض الغريبة. وقضية ثالثة في تفسير العرض الذاتي، حيث إن المنقول عنهم أنه: هو الذي يعرض للشيء بلا واسطة أو بواسطة أمر مساوٍ دون ما يعرض بواسطة أمر أعمّ، سواء كان خارجياً أو داخلياً، ودون ما يعرض بواسطة أمر أخصّ أو مباين، فالعرض الذي يعرض بلا واسطة أو بواسطة أمر داخل وهو الفصل أو خارج وكان البناء على ذاتيتها، وأما غيره فلعلّ المعروف لدى المتقدّمين أنها أعراض غريبة وليست ذاتية، ومجموع هاتين القضيتين وقع موضوعاً لثلاثة اشكالات لدى علماء الأصول:

الأوّل: في تحديد العرض الذاتي.

الثاني: هل يشترط في العلم أن يبحث عن العوارض الذاتية فيه، أو يجوز البحث فيه عن العوارض الغريبة؟

ــــــــــ[60]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الثالث: أنه بعد قبول ذلك يقع الكلام أنه كيف يمكن تطبيق ذلك على سائر العلوم؟

الاستشكال الأوّل في تحديد العرض الذاتي

هل هو المحمول الذي يثبت للموضوع بلا واسطة أو بواسطة أمر مساوٍ. مع الالتزام بأن ما يعرض بواسطة أمر أعمّ أو أخصّ أو مباين يكون عرضاً غريباً. 

تقسيم المحقق العراقي للعرض

استشكل في ذلك المحقّق العراقي وغيره، وهو أجود من حقّق المسألة، ذكر: أنه في مقام تمييز العرض الذاتي عن الغريب لا ينبغي أن نقسّم العرض إلى هذه الأقسام السبعة. وإنما لا بُدّ من تقسيم آخر. 

وحاصل تقسيمه: هو أن العرض أو المحمول بالنسبة إلى الموضوع يُتصوّر على أنحاء:

 الأوّل: أن يكون المحمول ذاتياً للموضوع بمعنى الذاتي في كتاب الكلّيات أي: نوعاً له أو جنساً أو فصلاً. 

الثاني: أن يكون المحمول خارجاً عن ماهيّة الموضوع لكنّه لازم له، بحيث يكون الموضوع وحده كافياً في الاتّصاف بهذا العرض بلا سبب من الخارج، كالحرارة بالنسبة إلى النار. 

الثالث: ما كان محتاجاً إلى سبب وواسطة وهو عرض مفارق. لكنّ هذه الواسطة حيثية تعليلية.

ــــــــــ[61]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

بمعنى أن الواسطة ليست معروضاً لهذا العرض، بل هي علّة له. كمجاورة النار التي هي واسطة في ثبوت الحرارة للماء، فإن الحرارة للماء ليست ذاتية ولا لازمة، بل تحتاج إلى واسطة، وهي هنا المجاورة، حيثية تعليلية ليست معروض الحرارة، بل هي معطية لها. 

وهذه الحيثية التعليلية قد تكون مباينة أو مساوية أو أعمّ أو أخصّ، يعني تدخل أقسام الوسائط في تقسيم المشهور، ويمكن أن تكون حيثيات تعليلية، وإلى هنا هذه الأقسام الثلاثة ينبغي الاعتراف بأن العرض ذاتي لموضوعه؛ لأنه يعرض لموضوعه حقيقة وبالدقّة. أما القسم الأوّل فواضح؛ لأنه من ماهيّته، وكذلك القسم الثاني؛ لأنه لازم له، وكذلك الثالث؛ فإنه وإن احتاج إلى واسطة إلّا أنه واسطة تعليلية لا تقييدية، وما هو محطّ العرض أو الحرارة هو الماء حقيقة، وفي ذلك لا يفرّق كون الواسطة أعمّ أو أخصّ أو مباين؛ لأن تمام النكتة كون الواسطة تعليلية.

القسم الرابع: أن يكون المحمول عارضاً بواسطة، وتكون الواسطة حيثية تقييدية، وهي محطّ العرض حقيقةً. لكنّنا هنا نفترض أن ذا الواسطة يكون جزءاً تحليلياً من الواسطة، كعروض أعراض النوع على الجنس، فإنه يعرض على الجنس بواسطة أمر أخصّ وهو النوع. فلو لاحظنا ذا الواسطة نرى أنه معروض ضمني للعرض لا استقلالي وهو الجنس، والمعروض الاستقلالي له هو النوع؛ لأن الجنس جزء من النوع، فالعارض على النوع استقلالاً عارض على الجنس ضمناً. 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الموضوع هنا معروض ضمني لا استقلالي، بخلاف الأقسام الثلاثة السابقة الذي كان استقلالياً.

القسم الخامس: أن يكون العرض عارضاً بواسطة، إلّا أن الواسطة جزء من الموضوع لا أن الموضوع جزء من الواسطة ، من قبيل عروض الشيء على النوع بواسطة الجنس، الذي هو أعمّ منه وجزء منه. 

القسم السادس: أن تكون الواسطة تقييدية لا تعليلية وتكون ذاتاً مباينة مع ذيها، ولكنّها متّحدة معه وجوداً، كأعراض الفصل بالنسبة إلى الجنس، أو أعراض الجنس بالنسبة إلى الفصل، فإن الفصل والجنس متغايران ماهيّة متّحدان وجوداً. 

القسم السابع: أن تكون الواسطة مع ذيها متغايرين وجوداً وماهيّةً كما لو قيل: الجسم بطيء أو سريع. فإن البطء والسرعة تعرضان على الحركة وهي موضوعها وبتوسّطها تعرض السرعة على الجسم، والحركة والجسم متغايران ذاتاً وماهيةً. 

ثُمّ يقول: إن المناط في ذاتية العرض إما عالم الحمل أو عالم العروض. فإن تكلّمنا بلحاظ الحمل يعني ما يصحّ حمله حقيقة وبالدقّة. فكلّ الأقسام الستة عدا الأخير تكون أعراضاً ذاتية، فإنها يصحّ حملها حقيقية؛ لأنه إما لا واسطة، أو واسطة تعليلية، أو تقييدية متّحدة وجوداً مع ذيها، والاتّحاد في الوجود يصحّح الحمل. 

وإن كان المناط هو الذاتية بلحاظ العروض فمن الواضح أن الأقسام الثلاثة الأخيرة ليس فيها عروض، وإنما العروض للواسطة لا لذي الواسطة، 

ــــــــــ[63]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فإنه من الواضح أن الأقسام الثلاثة الأولى تجدها عروض حقيقةً، فتكون ذاتية. وأما القسم الرابع وهو ما يعرض للجنس بواسطة النوع، فهنا يوجد عروض على موضوع الجنس، لكنّه عروض ضمني، فإن قلنا بكفاية العروض الضمني في الذاتية أدرجناه في الثلاثة الأولى، وإن قلنا بتقوّم الذاتية بالاستقلال بالعروض أدرجنا الرابع في الأقسام الأخيرة.

ثُمّ يستظهر من كلمات الفلاسفة أن المناط في الذاتية هو العروض لا الحمل، والعروض الاستقلالي لا الضمني. ومعه تكون الأقسام الثلاثة الأولى ذاتية فقط. وهذا مطلب دقيق ألطف ما قيل في المقام؛ لأنه لو كان مناط الذاتية مطلق العروض ولو ضمنياً أو أوسع من ذلك، وهو أن يكون الحمل حقيقياً، للزم أن تكون العوارض الذاتية للنوع عوارض ذاتية للجنس، فإن لها عروضاً ضمنياً على الجنس، ويكون حملها على الجنس أيضاً حملاً حقيقياً بلا عناية. 

وهذا يقتضي أن يكون العلم الذي يبحث عن الجنس يبحث عن عوارض النوع أيضاً، فمثلاً علم الحيوان يجب أن يبحث عن عوارض الإنسان، والعلم الطبيعي الذي موضوعه الجسم يجب أن يبحث في الطبّ أيضاً؛ لأنه جسم بحال مخصوص. مع أن المحقّق العراقي نقل عن المحقّق الطوسي في (شرح الإشارات): إذا كان هناك موضوعان بينهما عموم مطلقاً، فيكون بحث الأخصّ تحت بحث الأعمّ، وقد استفاد المحقّق العراقي أن بحث الأخصّ لا يدخل تحت بحث الأعمّ(1)

ــــــــــ[64]ــــــــــ

(1) اُنظر: شرح الإشارات والتنبيهات 1: 401، النهج التاسع، إشارة في نقل البرهان وتناسب العلوم.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وهذا برهان على أن بناءهم ليس على كفاية العروض الضمني، فضلاً عن صحّة الحمل؛ لأن العروض الضمني موجود هنا، مع أنهم لم يقبلوا أن يكون البحث عن النوع داخلاً في العلم الباحث عن الجنس، فينحصر العرض الذاتي بخصوص الأقسام الثلاثة الأولى. 

مناقشة كلام المحقق العراقي

إلا أن هذا الذي أفاده يرد عليه ثلاثة إشكالات: 

الإشكال الأوّل: فيما استفاده من كلمات الحكماء، وجعله دليلاً على أن مرادهم من الذاتية ليس هو الذاتية بلحاظ الحمل ولا مطلق العروض، بل بلحاظ العروض الاستقلالي خاصّة؛ لأن المحقّق الطوسي وغيره جعلوا علم الجنس فوق علم النوع، والعلم الباحث عن عوارض النوع تحت علم الجنس. وهذا معناه أن عوارض النوع ليست ذاتية للجنس، مع أن لها عروضاً ضمنياً له. 

وهذا غريب منه، فكأنّه قرأ جزءاً من كلام المحقّق الطوسي، ولم يقرأ الجزء الثاني؛ فإنه قال في (شرح الإشارات) (1): إذا كان بين الموضوعين عموم مطلق فالبحث عن عوارض الأخصّ تحت البحث عن عوارض الأعمّ. لكن ليس معنى التحتية ما فهمه المحقّق العراقي وهي أنها خارجة عنه، بل المراد منها ما يلائم كونه مندرجاً فيه، وما كان في طوله وخارجاً عنه، بدليل أنه هو شرح 

ــــــــــ[65]ــــــــــ

(1) راجع شرح الإشارات والتنبيهات 1: 401-403، النهج التاسع، إشارة في نقل البرهان وتناسب العلوم.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

مقصوده، ويقول(1): بأن الموضوع العامّ والخاصّ تارةً يفرض أن نسبتهما نسبة النوع إلى الجنس كالإنسان والحيوان، وأخرى يفرض نسبة المقيّد إلى المطلق، بمعنى أن الخاصّ أصبح خاصّاً بضمّ قيد خارجي، لا فصل ذاتي كالإنسان والإنسان العراقي. 

ثُمّ يقول: إذا كان الخاصّ من قبيل النوع من الجنس فهو تحت علم الجنس، وجزء من علم الجنس، وإن كان من قبيل المقيّد مع المطلق فهو تحته وليس جزءاً. 

إذن فكلام المحقّق الطوسي صريح بأن عوارض النوع ذاتية للجنس، وداخلة في علم الجنس. ومثله موجود للشيخ الرئيس ابن سينا في (منطق الشفا) (2)، فتخيّل أن عوارض النوع غريبة عن الجنس لا أساس له. ومعه يبطل ما ذكره عن العرض الذاتي عن أن المناط هو للعروض الاستقلالي. 

الإشكال الثاني: أنه لا يعقل التفكيك والتفصيل بين الحمل والعروض بالنحو الذي ادّعاه المحقّق العراقي، حيث قال: إن المناط في الذاتية هو الحمل، فالستة كلّها ذاتية، وإن كان هو العروض فالثلاثة أو الأربعة الأولى ذاتية(3). فكأنّه يفرّق بين الحمل والعروض، ويجعل دائرة الحمل أوسع من دائرة العروض. 

ــــــــــ[66]ــــــــــ

(1) راجع المصدر السابق.

(2) راجع كتاب الشفاء (ابن سينا): 144، المقالة الخامسة، الفصل الخامس.

(3) راجع نهاية الأفكار 1: 13-17، المقدّمة، الأمر الأوّل: في بيان تعريف العلم وموضوعه، وبدائع الأفكار 1: 10-13، المقدّمة، الجهة الرابعة، المقدّمة الثانية.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

هذا غير معقول، فإن الحمل مع العروض لا ينفكّان. 

توضيح ذلك: أن الواقع له مرتبتان: مرتبة الوجود، ومرتبة التحليل التي هي أيضاً مرتبة من مراتب نفس الأمر والواقع. 

فإذا لاحظنا مرتبة الوجود فمتى ما صدق الحمل صدق العروض وبالعكس، فإذا لاحظنا هذه المرتبة فلا بُدّ أن نقول إن الأقسام الستة كلّها فيها الحمل والعروض ذاتي، ولا معنى لأن يقال: إن عرض الفصل ليس عرضاً ذاتياً للجنس؛ لأن وجود الفصل هو وجود الجنس في الخارج، فهو بلحاظ مرتبة الوجود عرض حقيقي ومحمول حقيقي. 

وإن لاحظنا مرتبة التحليل، فيكون الجنس شيئاً والفصل شيئاً آخر، وفي تلك المرتبة لا حمل ولا عروض، فعوارض الفصل لا تعرض للجنس ولا تحمل عليه أيضاً؛ لأن الحمل مناطه الاتّحاد، وفي مرتبة التحليل الجنس والفصل متغايران ولا اتّحاد بينهما. 

إذن فالتفصيل بين العروض والحمل غير معقول. بل إذا أريد التفصيل فلا بُدّ أن يفصل بين مرتبة الوجود ومرتبة التحليل، وفي كلٍّ من المرتبتين يكون العروض والحمل متلازمين، فإذا صدق أحدهما صدق الآخر، وإنما ينفكّان إذا أخذنا أحدهما من مرتبة والآخر من مرتبة أخرى. 

الإشكال الثالث: وهو الذي تتّضح به حقيقة الحال. 

وحاصله: أن مراد الحكماء من العرض الذاتي ليس هو ما كان ذاتياً عروضاً، أو حملاً بلحاظ مرتبة للتحليل فقط، ببرهان: أنه لو كان مرادهم هذا 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

للزم أن تكون عوارض النوع غريبة عن الجنس، مع أنهم يصرّحون بخلافه كما عرفنا.

كما أنه ليس مرادهم من الذاتية، الذاتية عروضاً وحملاً بلحاظ مرتبة الوجود، وإلّا يلزم أن يكون العرض الذي يعرض بواسطة أمر خارجي أعمّ أو أخصّ عرضاً ذاتياً؛ لأنه يصحّ حمله وعروضه بلحاظ مرتبة الوجود حقيقة. مع أنهم اتّفقوا أن ما يعرض بواسطة أمر خارجي أعمّ أو أخصّ ليس ذاتياً. 

إذن، فالمقصود من الذاتية شيئ آخر غير الذاتية في العروض والحمل لا في مرتبة التحليل ولا الوجود، لموضوع المسألة وفي محمولها، بل المقصود من الذاتية هو المنشئية لمحمول المسألة. 

فإن موضوع المسألة له نسبتان إلى محمولها:

تارة: يلحظ بما هو محلّ له ومعروض له على حدّ معروضية الجسم المباين والحركة، وهذا هو الذي جرى عليه المحقّق العراقي.

وأخرى: يلحظ الموضوع بالنسبة إلى المحمول بنسبة المنشئية، أي: بما هو منشأ له وعلّة له. والذاتية بهذا المعنى يختلف معناها عن الأوّل. فإن الذاتية بمعنى المحلّية معناها ما قاله المحقّق العراقي، وهو: ما يعرض للموضوع حقيقة ولو بواسطة تعليلية كالحرارة للماء. 

وأما نسبة المنشئية وكون الموضوع علّة في إيجاد العرض، فإن النسبة بين المعنيين عموم من وجه، فاجتماعهما في نحو: (النار حارة) فإن النار محلّ للحرارة ومنشأ لها. وقد يفترقان كما في حرارة الماء بمجاورة النار، فإن لاحظنا 

ــــــــــ[68]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

حرارة الماء بنسبة المحلّية فهي عرض ذاتي للماء، وليست عرضاً ذاتياً لمجاورة النار. وإن لاحظناها بنسبة المنشئية فهي ليست عرضاً ذاتياً للماء؛ لأنه ليس منشأ للحرارة بل عرض ذاتي لمجاورة النار. 

ومراد الحكماء من العرض الذاتي هو ما كان ذاتياً بالمنشئية، سواء كان ذاتياً بالمحلّية أو لم يكن. 

وعلى هذا التفسير تتّضح النكتة في قولهم: إن العرض الذي يعرض بلا واسطة أو بواسطة أمر مساوٍ -داخلياً أو خارجياً- ذاتي. والعرض الذي يعرض بواسطة أمر أعمّ أو أخصّ -داخلياً أو خارجياً- أو مباين وغير ذاتي. 

أما الثاني فمن الواضح؛ لأن معنى كونه يعرض بواسطة الأخصّ أو المباين: أن الموضوع وحده لا يكفي لعروضه ما لم ينضمّ الأخصّ أو المباين، فمنشئية الموضوع للعرض ليست منشئية ذاتية.

هناك نسبتان يمكن ملاحظتهما في نسبة الموضوع إلى المحمول: هي كون الموضوع محلّاً للمحمول، والأخرى كون الموضوع منشأ للعرض وعلّة له. وبينهما عموم من وجه، يجتمعان في الحرارة والنار، فإنها محلّ ومنشأ للحرارة حقيقة. وقد تفترق المنشئيه عن المحلّية، فيصدق أحدهما حقيقة ولا يصدق الآخر حقيقة، فالعوارض التي تعرض لموضوعاتها بواسطة هي حيثية تعليلية، كالحرارة العارضة للماء بواسطة مجاورة النار، إذا لوحظ هذا العرض مع الماء فالمنشئية الحقيقية غير موجودة؛ لأن الماء ليس منشأ لها. ولكن المحلّية الحقيقية موجودة؛ لأنه محلّ لها حقيقة. كما أنه إذا لوحظت حرارة الماء بالنسبة إلى تلك 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الحيثية التعليلية التي صارت سبباً لتسخين الماء، نرى أن المنشئية الحقيقية ثابتة، فإن المجاورة منشأ للتسخين، ولكن المحلّية الحقيقية غير ثابتة؛ لأن المجاورة لا معنى لعروض الحرارة عليها.

وكلام المحقّق العراقي كان مبنيّاً على أن الميزان في الذاتية هو المحلّية الحقيقية حملاً وعروضاً -مثلاً-، بينما الصحيح أن الميزان في الذاتية ليس هو ذلك، لا بحسب مرتبة التحليل، ولا بحسب مرتبة الوجود.

لا بحسب مرتبة التحليل وإلّا يلزم أن تكون عوارض النوع غريبة عن الجنس، ولا عوارض الوجود وإلّا لزم أن تكون العوارض الستة كلّها حقيقية. 

بل الميزان في الذاتية هو المنشئية، فالعرض الذاتي هو العرض الذي يكون موضوع المسألة منشأ له ومستتبعاً له؛ إما بلا واسطة أو مع الواسطة. 

ومنه نعرف نكتة ما كرّره الحكماء من كون العارض الذي يعرض بلا واسطة أو بواسطة أمر مساوٍ سواء كان داخلياً أو خارجياً عرضاً ذاتياً. كما صرّح به المحقّق الطوسي في (شرح الإشارات)(1). وأما العرض الذي يعرض للموضوع بواسطة أمر أعمّ أو أخصّ فليس ذاتياً. يتّضح هذا بناءً على تفسيرنا. 

أما العرض الذي يعرض على الموضوع بلا واسطة عرض ذاتي؛ فواضح انطباقه على التفسير، لأن فرضه هو فرض كون الموضوع وحده منشأ كافياً لوجود المحمول. إذن، فالمنشئية التي هي ميزان العرض الذاتي محفوظة. 

وما يعرض بواسطة أمر مساوٍ عرض ذاتي، سواء كان داخلياً كالفصل أم 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

(1) راجع شرح الإشارات والتنبيهات 1: 302-303.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

خارجياً. هذا أيضاً منطبق على التفسير الذي قلناه. 

وبرهانه: أننا فرضنا أنه يعرض على الموضوع بواسطة أمر مساوٍ، فننقل الكلام إلى تلك الواسطة المساوية، فنقول: إنها هل تعرّض بواسطة أمر أعمّ أو أخصّ أو مساوٍ أو بلا واسطة؟

أما أنها تعرض الواسطة على الموضوع بواسطة أمر أخصّ، فهو خُلف، وإلّا لكانت أخصّ؛ لأن ما يعرض بواسطة الأخصّ أخصّ. 

ونحوه لو كانت تعرّض بواسطة أمر أعمّ، يعني لجهة له خُلف؛ لأنه يكون أعمّ، لأن ما يعرض بواسطة الأعمّ أعمّ، مع أن الفرض أن الواسطة مساوية. 

إذن يبقى فرضان وهما أن تعرض الواسطة على الموضوع بلا واسطة، أو بواسطة أمر مساوٍ:

فإن كانت تعرّض على الموضوع بلا واسطة، فهذا معناه أن الموضوع يستتبع الواسطة بذاته، ويستتبع معلولها بواسطتها، فيصير الموضوع علّة للواسطة وعلّة لما يتبعها. فتحفظ المنشئية الحقيقية. 

وإن عرضت الواسطة على واسطة مساوية، لقلنا فيها نفس الكلام، إلى أن ننتهى إلى واسطة مساوية تعرض على الموضوع بلا واسطة، فينتهي تسلل المحمولات، وينتهى في منشئيته إلى الموضوع نفسه، وهو معنى الذاتية. 

وأما أن العرض الذي يعرض للموضوع بواسطة أمر أخصّ ليس عرضاً ذاتياً. فما يعرض للحيوان بواسطة المساوي ليس هو ما كان كذلك في الصدق والانطباق، بل المراد ما كان كذلك مورداً سواء كان منطبقاً عليه أو لم يكن. 

ــــــــــ[71]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فحين نقول مثلاً: بأن العرض الذي يعرض بواسطة أمر مساوٍ عرضٌ ذاتيٌ. لا نريد بالأمر المساوي ما يكون منطبقاً على الموضوع، بل ما كان متكافئاً معه مورداً بحيث متى ما كان هذا موجوداً كان ذاك موجوداً. فإن هذا هو نكتة جعله عرضاً ذاتياً، فلو كان موضوع علّةً لعرض من الأعراض، وكان هذا العرض علّة لعرض آخر، فالعرض الثاني يعرض على الموضوع بواسطة عرض مساوٍ، ولكنّه مباين مع الموضوع؛ لأن العرض مباين مع الجوهر، ولكنّه عرض ذاتي، لأنه يستتبعه بذاته. 

ولذا مثّل المحقّق الطوسي(1) لِما يعرض بواسطة أمر مساوٍ: ما يعرض بواسطة فصله أو بواسطة عرض آخر مساوٍ له. مع أن العرض الآخر مغاير له وجوداً.

إذن فالمقصود الأعمّية والأخصّية والمساواة، بحسب المورد، ومعه يرجع المباين إلى هذه الأقسام ولا يكون قسماً برأسه. 

فقد بُرهنت كلّ الدعاوى على هذا التفسير، وهو ما كانت ذاتيته بلحاظ منشئية الموضوع للمحمول، لا محلّية الموضوع للمحمول.

هذا تمام الكلام في الجواب عن الإشكال الأوّل من الإشكالات الثلاثة. 

تنبيهات

بقي علينا أن ننبّه إلى عدّة أمور: 

الأمر الأوّل: أننا قلنا إن الملحوظ في الذاتية ليس هو نسبة المحلّية، بل نسبة المنشئية والعلّية. لكن يجب الالتفات إلى مطلب هنا، وهو: أن العروض -يعني 

ــــــــــ[72]ــــــــــ

(1) أُنظر: شرح الإشارات والتنبيهات 1: 302-303.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

حامل العرض- هو بحسب الحقيقة بالنسبة إلى العرض؛ لأنه علّة مادّية له. حيث ذكر الحكماء أن العلل أربع للشيء: الفاعل، والصورة، والمادة، والغاية.

فالمادّة علّة بمعنى من المعاني للعرض. لكنّها ليست علّة تامّة. فالخشب علّة مادّية للسريرية، لكن لا بُدّ أن ينضمّ إلى ذلك سائر العلل الثلاث الأخرى ليتحوّل الخشب إلى سرير. 

ففي مثل ذلك لا يكون العرض عرضاً ذاتياً بالنسبة إلى المادّة؛ لأن المادّة لا تستتبع ذلك العرض، بل هي محلّ له. فلو أردنا أن ندوّن علماً عن الخشب لا ندوّن به البحث عن السريرية. 

نعم، قد يتّفق أن المادّة سنخ مادّة يكون فرضها في الخارج مساوياً تماماً لفرض الغاية والفاعل أيضاً، من قبيل مادّة النبات، فإنها يعرض لها أعراض من النمو والحياة والتغذية، فلو أسّسنا علماً نبحث فيه عن هذه المادّة لبحثنا عن هذه الأعراض؛ لأنها أعراض ذاتية لها. وإن كان بحسب الحقيقة فاعل هذه الأعراض غير المادّة وليست المادّة. ولكن حيث إن فرض هذه المادّة مساوقٍ لفرض تمامية العلل الأخرى؛ لأن الفاعل من حيث هو فاعل لا قصور فيه، وإنما ينتظر أن تكون المادّة مستعدة، وحين تكون مستعدّة يُفاض عليها أعراضها، فيكون العرض ذاتياً لها؛ لأن المادّة تستتبع العرض في المقام. 

الأمر الثاني: أننا بينّا أن العرض الذي يعرض للشيء بواسطة أمر أخصّ عرض غريب وليس ذاتياً، باعتبار أن معنى عروضه بواسطة أمر أخصّ هو أن هذا الموضوع بمفرده لا يكفي لترتّب هذا العرض، ما لم ينضمّ إليه ذلك الأمر 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الأخصّ، فما يعرض على الإنسان العراقي يكون عرضاً غريباً عن طبيعي الإنسان. 

لكن نستثني من ذلك صورة واحدة لا يأتي فيها هذا البرهان، وهي: عروض الفصل على الجنس، عروض الناطقية على الحيوانية، فإن الناطقية بالدقة تعرض على جنس الحيوان بواسطة أمر أخصّ وهو: أن بعض الحيوان ناطق، نقول: (الحيوان ناطق)؛ لأن بعض الحيوان ناطق، والبعض أخصّ من الجنس، فقد عرض الفصل على الجنس بواسطة الأخصّ وهو الموجبة الجزئية. 

ولكن نقول: إن العرض ذاتي للجنس هنا؛ لأن الفصل هنا الذي يعرض على بعض الحيوان، ليس معنى بعض الحيوان: أننا أضفنا إلى الحيوان شيئاً ثُمّ أضفنا إليه الفصل؛ إذ لو كان هكذا لم يكن الفصل فصلاً، بل كان الفصل هو ذاك العنوان الذي دخل فيه بعض الحيوان، وهو خُلف. إذن، فبعض الحيوان الذي عرض عليه الفصل يستحيل أن يزيد على ذات الحيوان بشيء، وإلّا كان ذاك فصلاً، وما نقول عنه أنه فصل يكون عرضاً خاصّة لا فصلاً وهو خُلف. 

فالفصل وإن عرض بواسطة أمر أخصّ وهو بعض الحيوان، إلّا أن هذا البعض هو عين الأعمّ، فلم يصبح عرضاً غريباً، بل هو عرض ذاتي حسب تعريفنا بالبرهان أيضاً؛ لأن الأمر الأخصّ هنا يختلف عن الأمر الأخصّ في سائر الموارد. 

والفرق بينهما: أن الأمر الأخصّ هنا لا يعقل أن يزيد على ذات الحيوان بشيء، وإلّا لزم الخُلف بينهما في سائر الموارد حين كان يعرض عرض على 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الإنسان بواسطة أمر أخصّ وهو العراقي، فكان هو الأخصّ يزيد على الأمر الأعمّ بشيء وهو العراقية، فلا يكون العرض ذاتياً(1)

فلتكن هذه النكتة على ذكر منكم لتنفع في الإشكال الثالث، فإنها يتّضح منها مطلب، وهو: أن الفصول أعراض ذاتية بالنسبة إلى الجنس، إذن فأعراض الفصول أيضاً ذاتية للجنس؛ لأن ما يعرض على الموضوع بواسطة أمر ذاتي أيضاً يكون ذاتياً، لأنه معلول المعلول فهو مستتبع بالواسطة. 

وبهذا يُعرَف أن عوارض النوع تكون ذاتية بالنسبة إلى الجنس، وإن كانت هذه العوارض تعرض بواسطة أمر أخصّ، وهو النوع، ولكن حيث إن نوعية هذا النوع بفصله، والفصل عرض ذاتي للجنس، وهذا العرض ذاتي بالنسبة إلى الفصل، فهذا العرض ذاتي للجنس أيضاً. 

وما قلنا من أن ما يعرض بواسطة أمر أخصّ ليس ذاتياً، يختصّ بالبرهان في غير هذه الصورة. 

نضيف الآن: أن المنشئية قد تكون بلحاظ كون الموضوع علّة غائية للعرض كما سبق في المادّية والفاعلية-، فإذا فرض أن هناك تدبيرات كونية لجسم الإنسان لها علّة غائية واحدة، وهي صحّة الإنسان، فالصحّة هي علّة غائية لهذه التدبيرات الطبيعية. ومعه فيكون للصحّة منشئية لهذه التدبيرات، لكن لا على نحو العلّة الفاعلية بل الغائية، ولهذا تكون متأخّرة وجوداً عنها، كما هو شأن العلّة الغائية، فإنها متأخّرة عن معلولها وجوداً. 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

() قال السيّد إن هذا مبني على أن ما به الاشتراك عيناً ما به الامتياز. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وبهذا نعرف معنى قولنا فيما سبق: إذا كانت مجموعة من العوارض والمحمولات مؤثّرة في غرض واحد، فيمكن أن يجعل هذا الغرض موضوعاً للعلم، ويكون البحث عن عوارضه الذاتية بلسان البحث عن مقدّماته وشرائطه وموانعه. فإن الصحّة إذا كانت علّة غائية لمجموعة من الأمور فهي لها المنشئية بالنسبة إليها، فتكون تلك الأمور أعراضاً ذاتية لها؛ لأن ميزان العرض الذاتي هو المنشئية، وهي كما نتصوّر في العلّة الفاعلية كذلك نتصوّر في العلّة الغائية. 

إذا اتّضح ما قدّمناه، فالإشكالات التي أثيرت نستطيع أن نعرف جوابها. 

الاستشكال الثاني: في أن البحث عن العرض الذاتي دون الغريب

فننتقل هنا إلى الكلام الآخر، وهو أنه يجب أن يبحث في العلم عن العرض الذاتي دون الغريب، حيث اعترض عليه في جملة من كلمات الأعلام كالمحقّق الأصفهاني(1)، فأنكر لزوم ذلك في العلم. كما أن السيّد الأستاذ(2) أنكر ذلك(3)

جواب هذا الكلام يتّضح بمجموع أمرين: 

أحدهما: أن المقصود من الذاتية في العوارض الذاتية: الذاتية في المنشئية والعلّية. 

ــــــــــ[76]ــــــــــ

() أُنظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية (الأصفهاني) 1: 3، مقدّمة: موضوع العلم.

(2) أُنظر: أجود التقريرات 1: 5، مقدّمة، الفصل الأوّل: في تعريف العلم وموضوعه وغايته، تعليق رقم 1.

(3) وذكر أنه ليس لا بُدّ أن يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية، بل ولا في المسألة الواحدة، فيمكن أن يبحث في كلّ مسألة عن عرض غريب. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ثانيهما: أن الذين اشترطوا أن يبحث في العلم عن العوارض الذاتية يريدون البحث البرهاني خاصة، لا أنه كلّما وقع بحث ولو بنحو الجدل أو الخطابة أو السفسطة لا بُدّ أن يكون بحثاً عن العوارض الذاتية، بل كلما أريد البحث البرهاني في نظر المنطق الأرسطي فلا بُدّ أن يكون بحثاً عن العوارض الذاتية. 

حينئذ نقول: إن العلم بثبوت المحمول للموضوع على نحوين:

أحدهما: العلم بثبوته مع عدم العلم باستحالة أن لا يكون ثابتاً له. فمثلاً نعلم أن زيداً فقير، دون أن نعلم باستحالة أن لا يكون فقيراً، هذا في نظرهم ليس علماً برهانياً، بل هو قابل للزوال؛ لأنه علم بثبوت المحمول للموضوع، لا بلحاظ الحيثية المستدعية بالضرورة لذلك. 

وأخرى: نعلم بثبوت المحمول للموضوع، ونعلم بأنه يستحيل أن لا يكون محمولاً عليه، فنعلم بأن زوايا المثلث تساوي قائمتين، ويستحيل أن لا يكون كذلك. وهذا هو العلم البرهاني. 

وهذا يكون فيما إذا كان الموضوع بنفسه مستدعياً للمحمول، أو يكون بينها حدّ أوسط يكون مستدعياً للموضوع، وهو ناشئ من الحدّ الأوسط، بحيث يكون ثبوت المحمول للموضوع ناشئاً من الحدّ الأوسط، والحدّ الأوسط ناشئاً من الموضوع. فيكون العلم علماً برهانياً. 

وهم حين يقولون: إنه يجب أن يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية، يريدون به العلم البرهاني، وهو الذي يطلب فيه تحصيل علم برهاني. ومثل هذا 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

لا يُتصوّر إلّا في العوارض الذاتية بالمعنى الذي قلنا، وهو المنشئية. فإن العرض إذا كان ذاتياً للموضوع بمعنى المنشئية، فإنه إذا كان يعرض عليه بلا واسطة أو بواسطة الحدّ الأوسط فيكون العلم بثبوت المحمول للموضوع علماً برهانياً. وأما إذا علم بثبوت المحمول للموضوع بدون ذينك النكتتين(1)، فيكون هذا العلم علماً قابلاً للزوال؛ إذ لا علم باستحالة أن لا يكون ثابتاً له. 

وهذا الإشكال نشأ من عدم أخذ هذين الأمرين بنظر الاعتبار. 

كلام في العروض بواسطة الأمر الأخص

كذلك تبيّن جواب إشكال آخر ذكروه، وهو أنه إذا كان لا يبحث في العلم إلّا عن العوارض الذاتية، وإذا كان العرض الذي يعرض بواسطة الأمر الأخصّ عرضاً غير ذاتي، فكيف نصنع في جملة من العلوم التي يبحث فيها عن محمولات موضوعات المسائل، وموضوع المسألة أخصّ من موضوع العلم، فقد عرض محمول المسألة على موضوع العلم بواسطة أمر أخص؟(2).

أيضاً ظهر جوابه مما بيّناه؛ لأننا قلنا إن ما يعرض بواسطة أمر أخصّ وإن كان غريباً، إلّا أن له استثناءً واحداً وهو عروض الفصل على الجنس، وما يعرض على الجنس بتبع عروض الفصل على الجنس، فإنه عرض ذاتي كما سبق. فلا يبقى إشكال من هذه الناحية. 

فلنفرض أن موضوع العلم هو الجنس، وموضوع المسألة هو النوع، وقد 

ــــــــــ[78]ــــــــــ

() أي: بدون واسطة أو بواسطة الحدّ الأوسط. (المقرِّر).

(2) فلا يكون عرضاً ذاتياً بالنسبة إلى العلم. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

عرض محمول النوع على الجنس بواسطة النوع؛ فيكون عرضاً ذاتياً بناءً على أن ميزان الذاتية هو المنشئية، على ما قلناه. 

نقد ما أفاده المحقق الأصفهاني في المقام

وبما ذكرناه تبيّن وجه الخلل فيما أفاده جملة من المحقّقين كالمحقّق الأصفهاني(1) وغيره. 

حيث ذكروا في ضابط كون العرض الذي يعرض بواسطة أمر أخصّ ذاتياً: أن هذا الأمر الأخصّ الذي صار واسطة إن كان مجعولاً بنفس جعل الموضوع لا بجعل آخر، فيكون العرض الذي يعرض بواسطته ذاتياً للموضوع. وإن كان مجعولاً بجعل آخر يكون العرض غريباً. فالعرض الذي يعرض للإنسان بواسطة كونه عراقياً، فالعراقية مجعولة بجعل آخر غير جعل الإنسان، فيكون العرض عرض الواسطة غريباً بالنسبة إلى ذي الواسطة.

ومثال الآخر: كالجسمية التي تعرض على الموجود بتوسّط كونه جوهراً. والجوهرية أخصّ من الوجود، فالموضوع هنا هو الوجود، والواسطة هي الجوهرية، والعرض الذي يعرض بواسطتها هو الجسمية، ولكن حيث إن الجوهرية مع الجسمية والواسطة مع العرض مجعولان بجعل واحد، فيكون العرض ذاتياً. فقد جعلوا ميزان الذاتية والغرابة والعرض الذي يعرض بواسطة أمر أخصّ هو: أن الواسطة مع العرض مجعولان بجعل واحد أو بجعلين. 

هذا غير صحيح؛ لأن كونهما مجعولين بجعل واحد إنما يصحّح كون 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

(1) أُنظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 3، المقدّمة، موضوع العلم.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

العرض أوّلياً الذي يعرض أوّلاً وبالذات. وأما العرض الذاتي فهو أوسع من ذلك، فقد وضّحنا أن العرض الذاتي قد يكون معلولاً لعرض ذاتي، بحيث ينتهي بالآخرة إلى الموضوع. فلا يلزم أن يكون العرض أو الواسطة مجعولين بجعل واحد، بل قد يكونان مجعولين بجعلين، ويكون العرض ذاتياً؛ لأن الذاتية تكون بلحاظ المنشئية إما بلا واسطة أو بواسطة أمر ذاتي. 

فهذا الكلام خلط بين اصطلاح العرض الذاتي واصطلاح العرض الأوّلي، فاصطلاح العرض الأوّلي لعلّه يتمّ فيه هذا الميزان دون العرض الذاتي، فإن ما يعرض بتوسّط عرض ذاتي يكون عرضاً ذاتياً، ويكون اليقين به يقيناً برهانياً. 

الاستشكال الثالـث: أن تمايز العلـوم هل هو بالـموضوعات أو بالأغراض؟

ومن مجموع ما قلناه تبيّن حال الخلاف المعروف ما بينهم: من أن تمايز العلوم هل هو بتمايز الموضوعات أو بتمايز الأغراض؟

فإن هذا التقابل بين الموضوع والغرض إنما هو بناءً على تفسير مشهوري للعرض الذاتي، وهو الذاتية بلحاظ المحلّية، فيكون الغرض أمراً في مقابل الموضوع. فيقال: إن موضوع علم النحو هو الكلمة، وغرضه هو صيانة اللسان من الخطأ. 

أما بناءً على ما أوضحناه من أن المراد من العوارض الذاتية: ما كان بلحاظ المنشئية والعلّية. إذن، فنفس الغرض يكون موضوعاً أيضاً، فلو كان علم له غرض واحدٌ في علم الطبّ فهو يصلح أن يكون موضوعاً له، وتكون القضايا 

ــــــــــ[80]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فيه باحثة عن أحواله، على ما قلنا من أن العلّة الغائية تكون معلولاتها عوارض ذاتية بالنسبة إليها.

فموضوع العلم ليس هو محطّ محمولاته، بل منشأ محمولاته. والمنشأ قد يكون بنحو العلّة الفاعلية، وبنحو العلّة الغائية، فلا يبقى تقابل بين الموضوع والغرض، حتى يبحث أن تمايز العلوم بالموضوعات أو بالأغراض، بل كلّ غرض يفرض للعلم إما أن يكون بنفسه موضوع للعلم، أو يكون موضوعه ما كان سبباً ومنشأ له، فتبيّن أن تمايز العلوم دائماً بالموضوعات. 

وبهذا تمّت كلمات علماء الأصول التي يذكرونها مقدّمة في علم الأصول، والإنصاف أنه لم يكن ينبغي الاهتمام بها، وإتعاب النفس في تحقيقها، فإنها لا ترجع إلى محصَّل بالنسبة إلى غرض الأصولي.

ما هو موضوع علم الأصول؟

بعد هذه الكلمات لا بُدّ من ذكر موضوع علم الأصول. 

فإن علماء الأصول وقعوا في حيص وبيص في تطبيق تلك القواعد، فبعضهم قال: إن موضوعه الأدلّة الأربعة بما هي هي وبعضهم قال: موضوعه الأدلّة الأربعة بما هي أدلّة أربعة(1) كما ذهب إليه جلّ (القوانين)(2). وفي (الكفاية) الإشكال على كِلا الوجهين(3)

ــــــــــ[81]ــــــــــ

( ) الفصول الغرويّة: 12، المقدّمة في تعريف العلم وبيان موضوعه.

( ) اُنظر: القوانين المحكمة في الأُصول 1: 47، المقدّمة: في رسم العلم وموضوعه.

( ) اُنظر: كفاية الأُصول: 8، المقدّمة، الأمر الأوّل: في تعريف العلم وموضوعه.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ومن هنا قال جملة من المحقّقين(1) أنه لا موضوع له، وذهب جماعة(2) إلى أنه يوجد له موضوع، لكنّه غامض لا يمكن التعبير عنه. وإنما يقال في الجملة: إن موضوعه هو الكلّي المنطبق على مسائله. 

وهذا إنما حصل لأنهم كانوا يفتّشون عن جامع كلّي بين موضوعات مسائل علم الأصول بحسب تدوينها، فيجدون أنه لا جامع بينها. ونحن قد أشرنا سابقاً أن هذا لو كان هو المتّبع في الفلسفة العالية لتعذّر اكتشاف موضوع لها فضلاً، عن علم الأصول. وإن كان لها موضوع باعتبار أن موضوع العلم لا ينتزع بلحاظ تدوين مسائله، بل باعتبار روح مسائله، ولذا قالوا: إن موضوع الفلسفة هو الوجود المطلق، وعكسوا التدوين، وقالوا: إن (الجوهر موجود) معناه: (الوجود جوهر)، و(الوجود نفس)، و(الوجود عقل)، إذن فالوجود هو الجامع بين مسائل الفلسفة. 

إذن فلا بُدّ من تحصيل الجامع بين الموضوعات لا بحسب تدوينها، بل بحسب روح مسائله، وهو ما سنطبّقه على علم الأصول.

ــــــــــ[82]ــــــــــ

() اُنظر: أُصول الفقه (المظفّر) 1: 6، موضوع علم الأُصول، غاية المأمول من علم الأُصول (الجواهري) 1: 101، موضوع علم الأُصول، جواهر الأُصول 1:59، الأمر الأوّل: في موضوع العلم، الجهة الرابعة، في موضوع علم الأُصول.

(2) اُنظر: كفاية الأُصول: 8، المقدّمة، الأمر الأوّل: في تعريف علم الأُصول وموضوعه، فوائد الأُصول 1: 29، موضوع علم الأُصول.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

في أن الموضوع هو الأدلة الأربعة

وقد اعترض في كلمات المتأخّرين(1) بأنه لا يناسب جعل الأدلّة الأربعة موضوعاً للعلم، لا بما هي، ولا بما هي أدلّة؛ لأن موضوع العلم يجب أن يكون منطبقاً على موضوعات مسائله، وهذا لا يتحقّق في علم الأصول، فإن الأصول العملية موضوعها الشكّ في التكليف، وهو ليس أحد الأدلّة الأربعة. وكذلك في أبحاث الاستلزامات فإن الموضوع فيها هو التكليف دائماً، وإن التكليف بشيء هل يستلزم التكليف بإيجاد مقدّمته أو لا؟ والتكليف لا ينطبق عليه عنوان الأدلّة الأربعة، سواء أخذت بما هي أدلّة أو بما هي هي. 

وكذلك الحال في مسائل الحجج، يقال إن الشهرة حجّة، فالموضوع هو الشهرة، وهي ليست مصداقاً للأدلّة الأربعة، من دون فرق بين أخذ الأدلّة الأربعة بما هي هي، أو بما هي أدلّة. 

نعم، يظهر الفرق بين هذين التصورين للأدلّة الأربعة في البحث عن حجّية ظواهر الكتاب مثلاً، فإنه إذا كان الموضوع البحث عن الأدلّة الأربعة بما هي أدلّة وحجّة، فلا يمكن البحث عن الحجّية في علم الأصول؛ لأنها أخذت 

ــــــــــ[83]ــــــــــ

(1) راجع بدائع الأفكار (الرشتي): 32، الأمر الثاني: الكلام في موضوع أُصول الفقه، حواشي المشكيني على الكفاية 1: 58، 68، المقدّمة، الأمر الأوّل: في موضوع العلم، أجود التقريرات 1: 9، المقدّمة، الفصل الأوّل: في تعريف العلم وموضوعه، درر الفوائد (الحائري) 1: 3، موضوع علم الأُصول، نهاية الأفكار (البروجردي) 1: 18، المقدّمة، الأمر الثاني: في تعريف العلم وموضوعه، موضوع علم الأُصول.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

قيداً في موضوعه، والموضوع لا يبحث عنه في ذلك العلم. بخلاف ما لو كانت هي ذوات الأدلّة؛ إذ لا بأس حينئذٍ من دخول هذا البحث في أبحاث علم الأصول. 

وبعض أبحاث الحجج كحجّية الخبر الواحد، وقع الكلام فيه هل هو من قبيل حجّية الشهرة، بمعنى: أنه خارج على كِلا التصورين؛ لأن خبر الواحد هو موضوع المسألة، وهو ليس مصداقاً لأحد الأدلّة الأربعة؟ أو من قبيل أنها كمسألة حجّية ظواهر الكتاب، فإنه بناءً على أن يكون موضوع علم الأصول هو ذوات الأدلّة؟ فهذا بحث عن أحد الأدلّة بأحد غايات موجودة في الكتب، ولعلّ أسهلها توسيع نطاق السنة إلى ما يشمل الخبر الحاكي. 

نعم، يبقى داخلاً تحت موضوع علم الأصول مباحث الألفاظ، التي موضوعها اللفظ، كظهور صيغة (افعل). فإن كان موضوعها هو الصيغة الواردة في الكتاب والسنة، إذن فهو مصداق لبعض الأدلّة الأربعة. 

إلا أننا أشرنا سابقاً إلى أن هذا الإشكال نشأ من الجمود في مقام تطبيق قانون موضوع العلم. 

ودفعه يكون ببيان عدّة أمور، بعضها تقدم سابقاً:

الأمر الأوّل: ما سبق من أن اقتناص موضوع العلم، لا يجب أن يكون بلحاظ موضوعات المسائل حسب تدوينها الخارجي الفعلي، وإنما الميزان في اقتناص موضوع العلم أن يكون منطبقاً على ما هو روح الموضوع في المسألة. 

الأمر الثاني: أن موضوع العلم وإن كان يبحث في ذلك العلم عن 

ــــــــــ[84]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

عوارضه، ولكن ليس المقصود من ذلك: أن تكون نسبته إلى محمولات ذلك العلم نسبة المحلّ إلى عرضه؛ لأننا أوضحنا أن المراد من العرض العروض بلحاظ المنشئية والاستتباع؛ دون الحالّ بالنسبة إلى المحلّ. فقد يكون نسبة الموضوع إلى المحمول في العلم نسبة العلّة إلى المعلول، والمؤثّر إلى الأثر. 

الأمر الثالث: أن مسائل علم الأصول -كما بيّنا في تعريفه- عبارة عن القواعد المشتركة في القياس الفقهي، وهي الاستنباط. ومقصودنا منه القياس الذي ينجّز أو يعذّر عن الواقع، كلّ ما يكون قاعدة مشتركة فيه فهو قاعدة أصولية.

وحيث إن كلّ مسألة في علم الأصول، إنما تكون دخيلة في قياس التنجيز والتعذير بوجودها الواصل، لا بوجودها النفس الأمري. فالقاعدة الأصولية بحسب الحقيقة عبارة عن الوجود الواصل، لا الوجود النفس الأمري، فلو جعل المولى الحجّية لخبر الواحد ولم تصل، لا يكون لها أثر في التنجيز والتعذير، وإنما تكون كذلك بوجودها الواصل، فالقواعد الأصولية هي إثباتات هذه العناوين كخبر الواحد، لا ذات حجّية خبر الواحد. 

إذا اتّضحت هذه الأمور الثلاثة يتّضح أن ما ذكره المتقدّمون من أن موضوع علم الأصول هو: الأدلّة الأربعة في غاية الوجاهة؛ لأن علم الأصول هو العلم بإثباتات القواعد المشتركة في القياس الفقهي. وحينئذٍ فلا بُدّ من فرض مرجع مفروغ عن حجّيته قبل علم الأصول؛ ليكون هو الواسطة في إثبات القواعد المشتركة. فإننا هل نثبت القواعد المشتركة بواحدة منها أي: 

ــــــــــ[85]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

بقاعدة أصولية؟ هذا خُلف. فلا بُدّ من إثباتها بفرض حجّة فوقانية ثابتة حجيتها قبل هذا العلم، ويكون هو المصدر لإثباتها إما مباشرة أو بالواسطة. 

وهذا المصدر الفوقاني.. كانوا يقولون إن المصادر الأربعة مصادر مفروغ عن حجّيتها قبل علم الأصول، وفي علم الأصول نريد أن نثبت القواعد المشتركة بهذه المصادر إما مباشرة أو بصورة غير مباشرة، فقاعدة الملازمة نثبتها بالعقل، وقاعدة البراءة أو حجّية خبر الواحد نثبتها بالكتاب أو بالسنة وهكذا. وتمام القواعد لا بُدّ من انتهاء إثبات حجّتها إلى أحد هذه الأدلّة الأربعة. 

فيصحّ أن يقال: إن موضوع علم الأصول هو الأدلّة الأربعة، ومحمولات مسائله هو إثبات هذه الأدلّة للقواعد المشتركة. وقد قلنا إن المحمول لا يلزم أن تكون نسبته إلى الموضوع نسبة الحالّ إلى المحلّ، بل نسبة المعلول إلى العلّة، وفي المقام يتوصّل به إلى إثبات القواعد المشتركة، كما يقال في المنطق: إن موضوعه هو المعلوم التصوري أو التصديقي للتوصل إلى المجهول التصوري أو التصديقي(1).

ومعه لا يأتي شيء من الإشكالات السابقة، فإنها كانت مبنية على النظر إلى تدوين المسائل، فيقال: الموضوع هو الشهرة، في حين أن الموضوع هو الأدلّة الأربعة مباشرة أو بالواسطة، فالبحث عن الشهرة، بحث عن أنه هل في أحد الأدلّة الأربعة ما يثبت حجّية الشهرة أو لا؟

فالبحث في علم الأصول حول شؤون الأدلّة الأربعة، بما هي مثبتة 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

(1) اُنظر: الحاشية على تهذيب المنطق: 19، موضوع المنطق.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

للقواعد المشتركة، لا عن القرآن بصفته معجزاً، أو السنة بصفتها بليغة، أو العقل بصفته مجرّداً فإن لذلك أبحاثاً أخرى. 

إذن فكون الأدلّة الأربعة غير منطبقة على موضوعات المسائل حسب تدوينها لا يؤسّس إشكالاً، وإلّا لسرى الإشكال حتى إلى الفلسفة العالية. وإنما نقول: إن الأصولي ليس لديه إلّا الأدلّة الأربعة، أو باستثناء الإجماع الذي تكون حجّيته بعد علم الأصول. وبها يتوصّل إلى القواعد المشتركة المؤسّسة في علم الأصول. وهذا معنى كونها موضوعاً لها. وإنما أُدخل الإجماع في المقام باعتبار اعتقاد بعض القدماء أن البحث عنه واقع في المرتبة السابقة عن علم الأصول. 

ومن المحتمل قوياً أن يكون مراد من قيّد وقال: إن الموضوع الأدلّة الأربعة بما هي أدلّة، مقصودهم هذا البيان، أي: الأدلّة الأربعة بما هي يتوصّل بها إلى نكتة في قياس شرعي. فيكون تنبيهاً على مطلب صحيح. 

وبهذا ينتهي الكلام عن الجهة الثانية.

ــــــــــ[87]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 







الجهة الثالثة: في تقسيم مباحث علم الأصول

 

ذكر السيد الأستاذ في مقام تقسيمها: أن القواعد الأصولية تنقسم إلى أربعة أقسام: 

القسم الأوّل: القواعد التي تؤدّي إلى العلم الوجداني بثبوت الحكم، وهي أبحاث الاستلزامات، كقاعدة الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، أو حرمة ضدّه. 

القسم الثاني: القواعد التي توجب العلم التعبّدي بالحكم. وهذا يدخل تحته صنفان:

الصنف الأوّل: يكون البحث فيه عن صغرى الحجّة، بأن يقال: صيغة (افعل) ظاهرة في الوجوب، أو العامّ المخصّص ظاهر في تمام الباقي.

الصنف الآخر: أن يكون البحث فيه عن كبرى الحجّة، أي عن حجّية الحجّة، كالبحث عن حجّية الشهرة أو خبر الواحد. 

القسم الثالث: القواعد التي تقرّر الوظائف العملية الشرعية، وأصالة البراءة الشرعية، وأصالة الاحتياط الشرعية، عند فقدان العلم الوجداني والتعبّدي. 

القسم الرابع: الأصول العملية العقلية التي ينتهي إليها الفقيه عند فقدان 

ــــــــــ[88]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

القاعدة التي تقرّر الوظيفة العملية الشرعية، كقاعدة قبح العقاب بلا بيان، وأصالة الاشتغال العقلي(1).

وتحقيق الكلام في المقام: 

أننا نتصوّر لحاظين للتقسيم: 

1- التقسيم بلحاظ عملية الاستنباط

أن يكون التقسيم بلحاظ عملية الاستنباط، بمعنى أننا نريد أن نحدّد في التقسيم، ونميّز القواعد التي تستند إليها عملية الاستنباط في المرتبة الأولى والثانية والثالثة والرابعة. بدعوى أن عملية الاستنباط تستند إلى أربع رتب من القواعد، لا ينتهى إلى واحدة إلّا بعد فقدان ما قبلها، فيكون التقسيم بلحاظ الطولية في عملية الاستنباط بين هذه الأقسام. 

ولعلّ ظاهر كلام السيّد الأستاذ أيضاً هو النظر إلى هذا اللحاظ.

ما يرد على هذا التقسيم

فإن كان هذا هو الملحوظ فيرد على هذا التقسيم: 

أوّلاً: أن القسم الثاني ليس في طول فقدان القسم الأوّل، بناءً على ما هو المشهور المنصور من أن حجّية الأمارات غير مشروطة بانسداد باب العلم، فإنها حجّة سواء كان يمكن تحصيل العلم الوجداني على الحكم الشرعي أو لا. 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

(1) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه 1: 6 – 8، تمهيد، الأمر الأوّل: في تقسيم القواعد والمبادئ.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فليس هناك طولية بين القسم الثاني والأوّل. بحيث إن الفقيه يجب أن ييأس عن الحصول على قاعدة توجب العلم الوجداني، لينتهى إلى الأمارات والحجج، هذا غير لازم. 

ثانياً: أنه إذا كان الملحوظ هو الترتّب الطولي بلحاظ عملية الاستنباط، فلا بُدّ أن تجعل العلوم التعبّدية أيضاً ذات مراتب، لا أن تُدرج كلّها في القسم الثاني؛ لأن بعضها مترتّب على عدم بعضها الآخر. 

فمثلاً العلم التعبّدي المجعول في طرف الدلالة، مقدّم على العلم التعبّدي المجعول في طرف السند. 

توضيحه: لو كان عندنا قرآن يدلّ على الوجوب، وخبر واحد ظاهره الحرمة، فهذا في القرآن علم تعبّدي في جانب الدلالة، وفي خبر الواحد علم تعبّدي في جانب السند. والمختار وفاقاً للسيد الأستاذ أن العلم التعبّدي المجعول في طرف الدلالة مقدّم على العلم التعبّدي المجعول في طرف السند؛ ولذا نبني في الفقه على أن ظهور الخبر لا يعارض ظهور الآية، بل لا بُدّ من الرجوع إلى الآية، فإن لم يجد رجع إلى الخبر.

ثُمّ ماذا يصنع هذا التقسيم مع الاستصحاب؟ مع أنه في طول الأمارات وقبل الأصول، فكأنّه مرتبة بذاتها، فلو كان الملحوظ استيعاب الرتب الطولية للقواعد بلحاظ عملية الاستنباط لناسب جعل الاستصحاب مرتبة في نفسه، فإنه حدّ وسط بعد الأمارات وقبل الأصول. 

ثالثاً: أن ما فرض من الطولية بين الأصول العملية العقلية والأصول 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

العملية الشرعية ليس صحيحاً على الإطلاق. فإن بعض الأصول العقلية تكون قبل الأصل العملي الشرعي لا بعد فقدانه. 

فإن الأصل العملي العقلي أصلان: البراءة في الشبهة البدوية، وأصالة الاشتغال في أطراف العلم الإجمالي.

وفي أصالة الاشتغال مبنيان:

أحدهما: أن تكون أصلاً تعليقياً، بمعنى أن العقل يحكم بالاشتغال معلّقاً على عدم مجيء الرخصة من قبل الشارع، وبمجيئها يرتفع موضوع حكم العقل.

ثانيهما: أن تكون أصالة الاشتغال منجزية بتّية، لا مشروطة بعدم مجيء الترخيص من قبل الشارع. 

وحينئذٍ فأصالة الاشتغال التعليقية يصحّ أن يقال: إنها في طول الأصول الشرعية، فالفقيه إن وجد براءة شرعية لم تصل النوبة إلى الاشتغال، وأما أصالة الاشتغال التنجيزية فهي مقدّمة على البراءة الشرعية، فإن معناها أن العقل يحكم بلزوم الاحتياط على كلّ حال، ومعه يستحيل جعل البراءة من قبل الشارع؛ لأنه مناقض مع حكم العقل، فتكون البراءة الشرعية في طول أصالة الاشتغال. 

إذن، فالأصول العقلية ليس تمام صيغها ومدّعياتها تقع في القسم الرابع في طول الأصول الشرعية، الطولية على الإطلاق غير مسلمة بين القسمين. 

وبهذا يتّضح أن التقسيم إذا كان الملحوظ فيه المراتب الطولية في عملية 

ــــــــــ[91]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الاستنباط فهو ليس فنيّاً. 

2- التقسيم بلحاظ مناسبات البحث في علم الأصول

أن نقسّم مباحث علم الأصول بلحاظ مناسبات بحثية راجعة إلى نفس علم الأصول، بقطع النظر عن عملية الاستنباط في الفقه. 

ومعنى ذلك: أننا إذا وجدنا علم الأصول يتكوّن من مجموعات، تتميز كلّ واحدة بمبادئ تصورية وتصديقية تختلف بها عن المبادئ التي تحتاجها المجموعات الأخرى، فيصحّ أن نقسم الأصول إلى مجموعات، وتكون نكتة التقسيم هي غير الأقسام بمبادئ تصورية وتصديقية خاصّة بها. 

وهذا اللحاظ لم يتبع في هذا التقسيم أصلاً؛ إذ لم يبرز فيه المبادئ التصورية والتصديقية التي يختلف بها عن الأقسام الأخرى. 

وإذا أردنا أن نقسّم علم الأصول على هذا فلا بُدّ أن نقول: إن البحث فيه إما عن ذات الحجّة أو عن الحجّية. 

القسم الأوّل: البحث عن ذات الحجّة وذات الدليل 

وهذا تحته ثلاثة أصناف؛ لأن الدليل الذي نبحث عن وجوده وعدمه: تارةً يدلّ على الحكم من الناحية اللفظية، وهذه هي مباحث الألفاظ، كظهور صيغة (افعل) في الوجوب.

ومن المعلوم أن مباحث الألفاظ تتميّز بمبادئ تصورية وتصديقية لا تحتاجها باقي المسائل، فلا بُدّ أن نعرف في تمام هذا الصنف معنى الدلالة والظهور، وطرف تشخيص الظاهر من غيره، وهذه لا تحتاجها مباحث 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الاستلزامات العقلية أو بحث حجّية خبر الواحد. 

الصنف الثاني: البحث عن ذات الحجّة التي تكون دلالتها عقلية برهانية لا لفظية، كما هي الاستلزامات العقلية لبحث الضدّ والمقدّمة، فإن الملازمات حجج يبحث عن وجودها ودلالتها عقلية برهانية، قائمة على أساس التلازمات الفلسفية بين المحمول والموضوع.

وهو يتميز بمبادئ تصورية وتصديقية لا يحتاجها باقي الأصناف، إذ لا بُدّ أن تعرف معنى الحكم ومبادئ الحكم، وأنه هل هناك تضادّ بين الأحكام أو لا؟ أو هل هناك تماثل بينها أو لا؟ وهذه أمور لا يحتاجها الصنف الأول.

الصنف الثالث: هو البحث عن ذات الحجّة، الذي تكون دلالته على الحكم لا لفظية ولا عقلية برهانية، بل من باب تراكم الاحتمالات والقرائن كالبحث عن السيرة والإجماع، فإن دلالتها من باب تراكم الاحتمالات حتى يحصل اليقين بالمطلب. 

وهذا القسم أيضاً له مبادؤه التصورية والتصديقية الخاصّة. فلا بُدّ وأن تعرف أن الاحتمالات متى تتراكم، وكيف تتراكم، وما هي مقتضيات ذلك وموانعه؟ وإن كان لم يبحث في علم الأصول عن ذلك. 

القسم الثاني: البحث عن الحجية

وهو بحث الحجّية، فهو يتميّز عن الأوّل بأصنافه الثلاثة أنه يحتاج إلى مبادئ لم يكن الأوّل محتاجاً إليها، فهو محتاج إلى تصوّر معنى الحجّية والمنجزية والمعذّرية، ومعرفة الألسنة الممكنة للمنجزية والمعذرية، ويدخل في ذلك 

ــــــــــ[93]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

البحث عن إمكان جعل الحكم الظاهري أساساً، وهو بحث الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية. 

والقسم الأوّل لم يكن يحتاج كلّ هذه النكات، ومعه يناسب إفراد هذا القسم عن الأوّل. والتكلّم عن الحجج بكِلا مرتبَتيها: الأمارة والأصل. 

هذا تمام الكلام في الجهة الثالثة، وبه تمّ الكلام في الأمر الأوّل.

ــــــــــ[94]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 







الأمر الثاني: الكلام في الوضع

 

  • الجهة الأولى: في تشخيص حقيقة الوضع
  • الجهة الثانية: في بيان من هو الواضع
  • الجهة الثالثة: في أقسام الوضع
  • الجهة الرابعة: في الاقسام الواقعة للوضع

ــــــــــ[95]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 






الأمر الثاني: الكلام في الوضع

 

الأمر الثاني: في الوضع ويقع الكلام فيه في عدّة جهات: في حقيقة الوضع وحقيقة الواضع، وفي أقسام الوضع، وفيما وقع من هذه الأقسام.

 

الجهة الأولى: في تشخيص حقيقة الوضع

 

فما لا إشكال فيه أن اللفظ مع المعنى بينهما في ذهن العالم بالوضع سببية حقيقية في عالم الوجود الذهني، فهناك سببية وملازمة بين الوجود الذهني للفظ والوجود الذهني للمعنى، فمتى ما سمع كلمة (ماء) انتقش في ذهنه تصوّر معنى الماء، وهو المسمّى بالدلالة التصورية، ومعناها هذه الملازمة… بالدقة. 

كما لا إشكال أيضاً: أن هذه السببية القائمة حقيقة بين الوجودين الذهنيين للفظ والمعنى، ليست ذاتية(1) بحيث لا تحتاج إلى فاعل خارجي، وإلّا لمَا اختلف 

ــــــــــ[97]ــــــــــ

(1) حكي ذلك عن سليمان بن عبّاد الصيمري البصري، لاحظ: تمهيد القواعد: 82، القسم الأوّل: في قواعد الأُصول الفقهيّة، المقصد الثاني، الباب الأوّل: في اللغات، القاعدة الثامنة عشرة، القوانين المحكمة 1: 439، الباب الثالث: في العموم والخصوص، المقصد الأوّل: في صيغ العموم، إرشاد الفحول 1: 41، مدخل إلى علم الأُصول، الفصل الثالث، المبحث الثاني: عن الوضع، البحر المحيط في أُصول الفقه 1: 413، تغيير الألفاظ اللغويّة، المحصول (الرازي) 1: 244، حكم تعلّم أُصول الفقه، الباب الأوّل، النظر الثاني: في البحث عن الوضع.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الناس باختلاف علمهم بالوضع وجهلهم به. 

فإذا ضممنا هاتين القضيتين إلى بعضهما: اللفظ سبب لإيجاد الصورة الذهنية للمعنى، وأنه ليس سبباً ذاتياً لذلك. إذن؛ ينتج أنه لا بُدّ أن يوجد أمر خارجي قد انضمّ إلى اللفظ فأصبح به اللفظ سبباً لتصوّر المعنى في عالم الذهن. فيقع الكلام عن هذا الأمر الخارجي. 

وهذا الأمر نسمّيه بالوضع ونتكلّم عن حقيقته، وأنه ماذا صنع الواضع بحيث جعل اللفظ سبباً للمعنى؟

وفي هذا البحث يوجد ثلاثة مسالك: مسلك التعهّد، ومسلك الاعتبار، ومسلك الجعل الواقعي. 

1- مسلك التعهد

المسلك الأوّل: مسلك التعهّد، وهو الذي اختاره السيّد الأستاذ وجماعة من المحقّقين من قبله(1)

ــــــــــ[98]ــــــــــ

(1) راجع أجود التقريرات 1: 10، 13، المقدّمة، الفصل الثاني: في جملةٍ من المباحث اللّغويّة، التعليقة رقم 3، محاضرات في أُصول الفقه 1: 44، 49، تمهيد، الأمر الرابع: في الوضع، الجهة الثانية: في حقيقة الوضع، الهداية في الأُصول 1: 27، الأمر الثالث: في الوضع، دراسات في علم الأُصول 1: 31، الأمر الثالث: في الوضع، درر الفوائد (الحائري) 1: 4، في حقيقة الوضع.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وحاصله: أن هذا الأمر الخارجي الذي جعل اللفظ سبباً للدلالة على المعنى عبارة عن تعهّد من قبل الإنسان اللغوي؛ أنه متى ما قصد تفهيم المعنى الفلاني أتى باللفظ الفلاني من أجل تفهيمه، فهو عبارة عن التعهّد بقضية شرطية: متى ما قصد معنى الماء أتى يلفظ الماء. 

وهذا التعهّد أمر معقول في نفسه؛ لأنه تعهّد بأمر اختياري للإنسان، فإذا تعهّد الإنسان اللغوي بذلك نشأ ببركة هذا التعهّد عهد بالقضية الشرطية، وبضمّ أصالة وفاء العقلاء بتعهّداتهم، تحصل هناك ملازمة بين اللفظ والمعنى، وأن العاقل متى ما قال: (ماء)، فالظاهر أنه وفّى بتعهّده وقصد الماء، وبذلك نفسّر حصول السببية والدلالة بين اللفظ والمعنى.

ويُستخلص من هذا المبنى: 

أوّلاً: أن الملازمة قائمة بين طرفين هما؛ (اللفظ)، و(قصد تفهيم المعنى). فإنهما الشرط والجزاء في الشرطية المتعهَّد بها: (أنه متى ما قصد تفهيم المعنى أتى باللفظ). فيكون مدلول اللفظ هو قصد تفهيم المعنى؛ لأنه هو طرف الملازمة. 

ثانياً: أن الدلالة التي نشأت ببركة هذا التعهّد تصديقية، لا تصورية؛ لأن هذا التعهّد ينقل ملازمة من اللفظ وإرادة تفهيم المعنى، فاللفظ يدلّ على أن المتكلّم قصد تفهيم المعنى، وهو معنى الدلالة التصديقية، وطبعاً تكون الدلالة التصورية موجودة في ضمن التصديقية.

ــــــــــ[99]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ثالثاً: أن كلّ إنسان لغوي فهو واضع؛ لأن الوضع هو التعهّد والتعهّد لا يكون إلّا فيما يقع تحت اختيار المتعهّد، وما يقع تحت اختيار المتكلّم وهو كلامه لا كلام الآخرين، فكلّ إنسان لغوي هو واضع، لكن هذا واضع بالأصالة والآخرون واضعون بالتبع.

ما يرد على هذا المسلك

ولنا حول هذا المبنى ثلاث كلمات: 

الكلمة الأولى: وجود ملازمة بين الجزاء والشرط 

إن أصحاب مبنى التعهّد يريدون أن يقولوا: إن تعهّد الإنسان اللغوي بهذه القضيّة الشرطية يُوجِد ملازمة بين الجزاء والشرط؛ فيكون أحدهما دالّاً على الآخر. 

نقول: هذه القضيّة الشرطية المتعهَّد بها تُتصوّر على ثلاثة أنحاء:

النحو الأوّل: أن يتعهّد الواضع: أنه متى ما قصد تفهيم المعنى أتى باللفظ. بحيث يكون الشرط قصد تفهيم المعنى، والجزاء الإتيان باللفظ، وهو النحو المطابق مع ظاهر كلمات السيّد الأستاذ. 

إذا كان كذلك، فمن الواضح أنه لا يحقّق دلالة اللفظ على المعنى؛ لأن هذا النحو من التعهّد يجعل أن الشرط يستلزم الجزاء دون العكس، فقصد تفهيم المعنى يستلزم الإتيان باللفظ فيدلّ على اللفظ، وليس أن الإتيان باللفظ يدلّ على تفهيم المعنى الذي هو المقصود في المقام، فإن مقتضى القضيّة الشرطية هو استلزام الشرط للجزاء دون العكس، فيكون الشرط دالّاً على الجزاء دون 

ــــــــــ[100]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

العكس. فما حصل بالتعهّد ليس هو المطلوب وما هو المطلوب لا يحصل بالتعهد. ومعه لا يمكن تصحيح دلالة اللفظ على المعنى بذلك. 

النحو الثاني: أن الواضع يتعهّد بعكس هذه القضيّة، بأن نقول: إنه متى ما صدر على لسانه كلمة (ماء)، فسوف يحدث في نفسه قصداً لتفهيم المعنى. 

فيكون الشرط مستلزماً للجزاء ودالّاً عليه. فنثبت بذلك دلالة اللفظ على المعنى، كما هو المطلوب، إلّا أنه من الواضح أن مثل هذه الشرطية لا يتعهّد بها عاقل، فإن استعمال اللفظ في مقام التفهيم اللغوي في طول قصد التفهيم، لا أنه متى ما أتى باللفظ قصد التفهيم. 

النحو الثالث: أن يتعهّد: بأن لا يأتي بلفظة ماء إلّا في حالة يقصد بها تفهيم المعنى، فيتعهّد أنه إذا لم يكن قاصداً لمعنى الحيوان المفترس فلا يأتي بلفظ أسد(1). فإذا أتى باللفظ نفهم انتفاء الشرط، وأنه قد قصد تفهيم المعنى.

وهي صيغة معقولة وعقلائية ليست كالثانية- وتُوجِد الدلالة المطلوبة. لكنّها أيضاً باطلة؛ لأن التعهّد بأنه متى ما لم يكن قاصداً لتفهيم المعنى فلا يأتي باللفظ، يتضمّن التعهّد بعدم الاستعمال المجازي، وأنه لا يستعمل كلمة (أسد) في الرجل الشجاع، فإنه يجعل على نفسه إلزاماً بأن لا يأتي بلفظ أسد مهما كانت الأحوال، إلّا إذا قصد الحيوان المفترس، مع أنه من الواضح أن المجاز قد أخذه الواضع بنظر الاعتبار(2)، وأنه حتى عند وضع الأسد للحيوان المفترس كان 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

() إذا كذب الجزاء نستكشف كذب الشرط. (المقرِّر).

() فإنه باب من أبواب اللغة. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

بانياً أو كان يحتمل أنه يستعملها في الرجل الشجاع، فكيف يعقل منه التعهّد بأن لا يأتي بلفظة (أسد) إلّا إذا قصد تفهيم الحيوان المفترس.

فللتعهّد هذه الصيغ الثلاث، وهي إما غير معقولة أو غير مفيدة.

قد يقال: إنه يمكن تصوير صيغة رابعة، هي تعديل للصيغة الثالثة بحيث يندفع عنها الإشكال السابق.

وحاصلها: أن الواضع يتعهّد بأن لا يأتي باللفظ إلّا إذا كان قاصداً لتفهيم المعنى الحقيقي، ويستثنى ما إذا كان قد أقام قرينة على الخلاف؛ رعاية للمعنى المجازي، فيعود إلى أنه لا يأتي باللفظ إلّا إذا قصد المعنى الحقيقي أو المجازي مقروناً بالقرينة.

وحينئذٍ فإن صدر من المتعهّد كلمة (أسد) ولم يأت بقرينة، يتعيّن أن يكون قاصداً لتفهيم المعنى الحقيقي وهو الحيوان المفترس، فتحصل الدلالة التصديقية على المعنى. 

أولاً: ويرد على ذلك: أن هذه القرينة سواء أريد بها خصوص المتّصلة أو الأعمّ منها ومن المنفصلة، على كِلا التقديرين لا يبقى هذا المقدار من العناية لتصحيح هذا التعهّد، لوضوح أن الإنسان اللغوي قد يستعمل اللفظ في المعنى المجازي بدون قرينة أصلاً فيما إذا تعلّق غرضه بالإجمال والإبهام. فإذا صدر منه ذاك التعهّد، فهو خُلف بنائه ولو احتمالاً على أن يستعمل اللفظ المجازي بلا قرينة. فهذا المقدار من العناية لا يكفي لدفع الإشكال. 

ثانياً: أن المراد بالقرينة هل هو خصوص المتصلة أو الأعمّ؟ فإن كان المراد 

ــــــــــ[102]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

خصوص المتّصلة، فمن الواضح أنه كثيراً ما يعتمد المتكلّم على قرينة منفصلة وهذا التعهّد يكون تعهداً ضمنياً بإلغاء القرينة المنفصلة، مع أن الفرد اللغوي قد يعتمد عليها. 

وإذا كان المراد الأعمّ من القرينة المتّصلة والمنفصلة، فإذا صدر الاستعمال من المتكلّم وشككنا أنه هل سوف ينصب قرينة منفصلة أو لا فمعناه أننا لم نحرز دلالة اللفظ بالفعل على المعنى الموضوع له؛ لأن دلالته فرع التعهّد بذلك، وهو لا يفترض استكشاف قصد تفهيم الحيوان المفترس، إلّا مع عدم وجود القرينة مطلقاً حتى المنفصلة، فيشكّ في مثل هذا الحال أنه هل له دلالة وضعية على المعنى الحقيقي أو لا؟ 

لأن هذه الدلالة تنشأ عند أصحاب التعهّد من الملازمة، وهي إنما تحصل مع عدم وجود القرينة المنفصلة، ومع الشكّ فيها، يشكّ في وجود الدلالة، مع أنه لا إشكال في البناء على الحمل على المعنى الموضوع. 

فإن قيل: إنه في صورة الشكّ بالقرينة المنفصلة، نجري أصالة عدم القرينة، فإنها من الأصول العقلائية، فنحرز بها موضوع التعهّد وموضوع الدلالة الوضعية، فنحمل اللفظ على المعنى الحقيقي.

قلنا: إن هذا الأصل لا يجريه العقلاء من باب التعبّد الصرف، بل من باب أن القرينة المنفصلة على خلاف ظهور اللفظ ودلالته. إذن فهذا الأصل إنما يجري لو فُرِغ قبله عن دلالة اللفظ، فكيف يمكن نشوء الدلالة من أصالة عدم القرينة؟! وإنما لا بُدّ أن يفرض تمامية الدلالة الوضعية وفعليتها، فإذا شكّ في 

ــــــــــ[103]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

أن المتكلّم ينصب قرينة أو لا. يقال: إنه لا ينصب؛ لأنه خلاف تلك الدلالة. وفي المقام الدلالة الوضعية أوّل الكلام؛ لأن المفروض إناطتها بعدم القرينة ولو منفصلة. 

هذا هو الكلام في إبطال مبنى التعهّد. 

كلمتنا الثانية: مبنى التعهد

مع مبنى التعهّد لو غضضنا النظر عن كلمتنا الأولى، وفرضنا أن إحدى الصيغ الأربع أصبحت معقولة وموجبة لما ادّعاه أصحاب التعهّد من دلالة اللفظ على المعنى. 

لكن نقول: إن تفسير الوضع بالتعهّد أمر غير محتمل بحسب الخارج؛ لأن معناها أن فهم المعنى من اللفظ عملية استدلالية على أساس الملازمة بين الشرط والجزاء باعتبار: أنه متى ما كان شيء مستتبعاً لشيء آخر، وكان الشيء الأوّل موجوداً فالشيء الثاني موجوداً حتماً، فالفهم أصبح استدلالياً. 

ومن الواضح أن فهم المعنى يحصل للطفل من دون أي قدرة للاستدلال عنده كلفظ (أمّ) أو لفظ (حليب). فإنه لم يستنتجها استنتاجاً منطقياً أرسطياً. إذن فعملية فهم المعنى من اللفظ له سنخ ملاك سابق على الاستدلالات المنطقية، وهذا الملاك لعلّه كافٍ في فهم المعنى من اللفظ، بلا حاجة إلى التعهد. وسيتّضح أن هذه النكتة كافية وأنها هي حقيقة الوضع(1)

ــــــــــ[104]ــــــــــ

() أقول: فإن قلت: إن الاستدلال يحصل في نفس الطفل ارتكازاً، حاله في ذلك حال الحكم لديه بحرارة كلّ نار عند ملامسة النار لأوّل مرّة، بدليل أنه يخاف من كلّ نار بعد ذلك. مثاله في الكبار استدلال العامي على وجود الله والنبوة ونحوها فإنه موجود في نفسه بدون أن يستطيع أن يعرب عنه الكلام، بدليل أنه لو لم يكن كذلك كان مقلّداً وبالتالي ليس مسلماً. إذن فليكن هذا الاستدلال اللغوي من ذاك القبيل. 

وهذا ما عرضناه على السيّد، فأنكر أن يكون هذا من قبيل الاستدلال وإن فرض وجوده في نفس الطفل في مثال النار ونحوه. إلا أن الجواب الأوسع على ذلك هو إنكار أن تكون بعض مقدّمات هذا الاستدلال ارتكازية، فإن الاستدلال الارتكازي لو سُلّم فهو إنما يتمّ في مقدّمات كلّها ارتكازية حتى تكون منتجة للنتيجة ارتكازاً. 

وأما إذا كان بعض المقدّمات يتوقّف على الكسب والتعلّم، فهو مما لا يحصل للطفل بطبيعة الحال، فإنه خُلف كونه غير متعلّم. 

والاستدلال في المقام يتوقّف على مقدّمات كسبية كقاعدة وفاء العقلاء بتعهداتهم، فإنها لا تُعرف إلّا بمعاشرة الناس والاطلاع على حال العقلاء. مضافاً إلى صغرى التعهّد فإنها أيضاً غير مفهومة للطفل تصوّراً فضلاً عن التصديق بها. 

وقد يجاب بالنسبة إلى الصغرى: بأن التعهّد ارتكازي لدى كلّ عالم بالمعنى؛ لأن العلم بالمعنى فرع الوضع، وقد سلّمنا -نتيجةً للتنزّل عن المناقشات السابقة -أن الوضع هو التعهّد.

إذن فالوجود الارتكازي للتعهّد -بهذا المقدار- موجود، وهو كافٍ في إحراز صغرى القياس الارتكازي. 

وهذه المناقشة وإن لم تكن ببعيدة، إلّا أننا لو سلّمناها فلا يمكن أن نسلّم ارتكازية كبرى الوفاء. ومعه لا يكون القياس اللغوي ارتكازياً، كما ذكر السيّد. (المقرر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

بعد أن سمع الطفل لفظ (حليب) عدّة مرات مستعملاً في معناه، هل 

ــــــــــ[105]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

استكشف تعهّداً من قبل أمه بذلك، وأن هناك ملازمة في المقام، أو أصبح ذهنه ينتقل إلى المعنى بدون ذلك؟

فإن قالوا: إنه استكشف الملازمة فهذا بديهي البطلان بالنسبة إلى الطفل.

وإن قالوا بالثاني إذن يثبت بذلك أن انتقال ذهن السامع بدون مطلب التعهّد، وإنما هو لنكتة أخرى تأتي. 

الكلمة الثالثة: إشكال الدور

نتعرّض فيها إلى إشكال مشهوري على مبنى التعهّد وهو إشكال الدور. 

وتوضيحه: أننا نأخذ الصيغة المعروفة للتعهّد: أنه متى ما قصد تفهيم المعنى يأتي باللفظ. حينئذٍ يقال: بأن تعهّده بالإتيان باللفظ عند قصد تفهيم المعنى لا يخلو من أحد أمرين: 

إما أن يكون إرادة مقدّمية ناشئة من قصد تفهيم المعنى، فكأنّه يترشّح من قصد تفهيم المعنى قصد مقدّمي وإرادة مقدّمية تتعلّق بالإتيان(1) باللفظ، فيكون تعهّده بالإتيان باللفظ بهذه الإرادة المقدمية. 

وإما أن تكون إرادته للإتيان باللفظ إرادة نفسية غير مترشحة من قصد تفهيم المعنى. وكِلاهما باطل. 

أما كونها إرادة مقدّمية، فهو غير معقول للزوم الدور(2)؛ لأنها إذا كانت مقدّمية مترشحة من قصد تفهيم المعنى، فهو فرع كون اللفظ دالّاً على المعنى، ــــــــــ[106]ــــــــــ

() والتعهّد هو إرادة الإتيان باللفظ عند قصد تفهيم المعنى. (إيضاح). (المقرِّر).

(2) يعني إرادة الإتيان باللفظ أو التعهّد. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وهذا فرع التعهّد؛ لأن الوضع هو التعهّد على الفرض؛ فيلزم الدور، فيستحيل أن تكون إرادة الإتيان باللفظ عند قصد تفهيم المعنى إرادة مقدّمية له.

وأما كونها إرادة نفسية مستقلّة، فهذا في نفسه معقول، لكنّه يحتاج إلى غرض الإتيان باللفظ مع قطع النظر عن تفهيم المعنى، وهذا غير موجود بالوجدان. فإذا لم يكن فيه غرض نفسي فكيف يتعلّق به قصد نفسي وتعهّد نفسي؟!

والجواب على ذلك:

قد يجاب بأن يقال: أنه عندنا إرادتان لا إرادة واحدة؛ إرادة جزئية للفظ في مقام الاستعمال، وإرادة كلّية للفظ في مقام التعهّد. فالإرادة الجزئية للإتيان 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

باللفظ مقدمية منه ومتوقّفة على كون اللفظ دالّاً على المعنى. وأما دلالة اللفظ فليست موقوفة على الإرادة الجزئية، بل على الإرادة الكلّية على نهج القضيّة الحقيقية الشرطية، بأنه متى ما أراد المعنى أتى باللفظ. إذن فقد اختلف الموقوف والموقوف عليه.

هذا ليس جواباً على الإشكال، وذلك لأن هذه الإرادة الكلّية الشرطية ليست إلّا عين تلك الإرادة الفعلية، غاية الأمر عينها بوجود تقديري لا تنجيزي، وليس عندنا إرادتان بل إرادة واحدة، قبل تحقّق شرطها تكون شرطية وبعد تحقّق شرطها تكون فعلية. فالعطشان يريد الماء بالإرادة الفعلية، وقبل العطش يريد أن يشرب الماء كلما عطش. وهذه عين تلك الإرادة لكنّها بعد تحقّق الشرط تكون فعلية، فهناك تعبيران عن إرادة واحدة. فإرادة الإتيان باللفظ قبل قصد تفهيم المعنى نسمّيها قضيّة شرطية، وإرادته بعد القصد نسمّيها فعلية. فلم ينحلّ الإشكال بهذا البيان. 

والصحيح في حلّه أن يقال: إن التعهّد ليس من سنخ الإرادة حتى يأتي الإشكال بأنها هل هي مقدّمية أو نفسية؟ بل التعهّد من سنخ الالتزام وجعل المسؤولية على الإنسان، فهو سنخ النذر لا سنخ الإرادة، فهو يوجب على نفسه أنه متى ما قصد تفهيم المعنى أتى باللفظ.

وهذا فعل نفساني، وهو قد ينشأ ويفعله الفاعل لمصلحة في نفس هذا الفعل، وهو حصول الدلالة ما بين اللفظ والمعنى، بناءً على مبنى التعهّد من أن الدلالة ناشئة عنه. إذن فينقدح في ذهن الواضع هذا الداعي النفساني ولا محذور في ذلك أصلاً. 

فهذا الإشكال على مبنى التعهّد غير صحيح، والصحيح في إبطاله هو ما قلناه في الكلمة الأولى والثانية(1)

2- مسلك الاعتبار

لتصوير حقيقة الوضع. أنه عبارة عن الاعتبار، والواضع يقوم باعتبار مخصوص به تحلّ الدلالة بين اللفظ والمعنى. أما ما هو هذا الاعتبار وماذا يعتبر؟ فقد اختلف أصحاب هذا المسلك في تصوير هوية هذا الاعتبار، وذكروا لذلك وجوهاً ثلاثة: 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

() عطلة شهر رمضان المبارك. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الوجه الأول: اعتبار وضع اللفظ على المعنى

أن الوضع عبارة عن الاعتبار، وهو اعتبار وضع اللفظ على المعنى. 

توضيحه: أن أحد الأساليب في جعل شيء يدلّ على شيء وضعه عليه، فمثلاً حين نضع العلم على رأس الفرسخ أو على البئر، يكون دليلاً على أن هذا رأس الفرسخ أو أن هذه بئر(1). إذن فوضع شيء على شيء طريق معمول في جعل الشيء الموضوع دالّاً والشيء الموضوع عليه مدلولاً. 

وهذا الوضع على قسمين: 

تارةً: يكون وضعاً خارجياً حقيقياً، كالمثال الذي قلناه.

وأخرى: يكون الوضع اعتبارياً، يعني يعتبر كون اللفظ موضوعاً عليه دون أن يكون موضوعاً عليه حقيقة. وهذا هو معنى الوضع في الألفاظ عند صاحب هذا الوجه. 

فكما أن الوضع الحقيقي يكون منشأ للدلالة، كذلك وضع اللفظ اعتباراً على المعنى يكون منشأ لدلالة اللفظ على ذلك المعنى. 

اعتراض السيد الاستاذ على هذا الوجه

وقد اعترض عليه السيّد الأستاذ(2) باعتراضين مترتّبين ثانيهما ينشأ من أوّلهما: 

الاعتراض الأوّل: أن وضع اللفظ للمعنى ليس مرجعه إلى ذلك؛ لأن 

ــــــــــ[109]ــــــــــ

(1) راجع نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 20، 23، تعريف الوضع.

(2) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه 1: 42، 44، تمهيد، الأمر الرابع: في الوضع، الجهة الثانية: في حقيقة الوضع.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وضع العلم على رأس الفرسخ فيه ثلاثة عناصر: أحدها: الموضوع وهو العلم. 

والآخر: الموضوع عليه وهوالمكان. 

والثالث: الموضوع له وما هو دالّ عليه وهو عبارة عن كونه رأس الفرسخ.

فلو قيل إن وضع اللفظ للمعنى هو إيجاد لذلك المطلب إيجاداً اعتبارياً، فأيضاً نحتاج إلى ثلاثة عناصر، مع أنه لا يوجد عندنا إلّا عنصران: الموضوع وهو اللفظ، والموضوع عليه وهو المعنى، ولا يوجد شيء ثالث يسمّى الموضوع له. 

إذن فعملية وضع اللفظ للمعنى لا تشابه عملية وضع العلم على رأس الفرسخ بهذا الاعتبار. 

الاعتراض الثاني: الذي ينشأ من الأوّل: أنه تبيّن بما بيناه في الاعتراض الأوّل أن المعنى هو المعنى الموضوع عليه لا الموضوع له، مع أننا عادةً نقول إنه الموضوع له لا الموضوع عليه، فإنه لو تمّ ما قيل ينتزع من المعنى كونه الموضوع عليه، مع أننا عادةً نعبر بكونه موضوعاً له. 

وكلّ ذلك مما لا يمكن المساعدة عليه. 

فإذا بقينا نحن وهذين الاعتراضين فبإمكان صاحب هذا الوجه أن يدفع كِلا هذين الاعتراضين.

دفع ما اعترض به السيد الأستاذ 

أما الاعتراض الأوّل: فجوابه أن الموضوع عليه والموضوع له أحيانا يكون لهما تغاير خارجي حقيقي، كما لو وضعنا على الارض المسبعة للدلالة على كونها 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

كذلك، فالموضوع هو العلم والموضوع عليه هو الأرض، والموضوع له هو وجود الحيوانات المفترسة. وأحياناً يكون الموضوع له عين الموضوع عليه، وإنما الفرق بينهما تحليلي لا خارجي إشارتي كما في وضع العَلم على رأس الفرسخ، فإن الموضوع عليه هو هذه الارض، وهي بنفسها رأس الفرسخ وليست شيئا آخر، فهذه الارض بما هي مرئية لنا موضوع عليه، وبما هي موصوفة بكونها رأس الفرسخ موضوع له. 

ونحوه إذا وضعنا عَلماً على الارض الذهبية مع وجود الفرق التحليلي نفسه. 

ومحلّ الكلام يمكن أن يدّعى أنه من قبيل الثاني لا الأوّل، يعني أن الموضوع له عين الموضوع عليه، لكن بالتحليل هما أمران. فالموضوع عليه هو المعنى المستعمل فيه على إجماله والموضوع له هو كون هذا المعنى هو الحيوان المفترس. فالمعنى المستعمل فيه بمنزلة الأرض، والحيوان المفترس بمنزلة رأس الفرسخ. وهما متّحدان خارجاً متغايران تحليلاً. 

وبهذا البيان اتّضح دفع الاعتراض الثاني: إذ تبيّن أن المعنى هو الموضوع له، فإن اللفظ وضع على المعنى المستعمل فيه على إجماله. لكن إنما وضع لأجل أن يدلّ على الحيوان المفترس، فقد أصبح المعنى هو الموضوع له بهذا الاعتبار. 

وإن شئتم قلتم: إنه أصبح للمعنى لحاظان بلحاظ كونه مستعملاً فيه يكون الموضوع عليه، وبلحاظ كونه دالّاً على الحيوان المفترس يكون الموضوع له. 

فكِلا الاعتراضين غير تام. 

ــــــــــ[111]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

نقض الوجه الأول

إلّا أن هذا الوجه في نفسه غير صحيح، ويرجع إلى التلاعب بالالفاظ؛ لأنه يريد أن يجعل الوضع للمعنى اعتباراً للوضع الخارجي. 

واشكاله واضح: أن الوضع الاعتباري ليس بأحسن حالاً من الوضع الخارجي الحقيقي. ونحن إذا حسبنا حساب الوضع الخارجي نرى أن وضع العَلم على رأس الفرسخ ما لم ينظم إليه عناية زائدة لا يدلّ على كونه رأس الفرسخ، كما لو وضعه من دون أن يكون قاصداً على وضع الأعلام على رؤس الفراسخ، وإنما يكشف هذا العَلم بوضعه عن رأس الفرسخ لو انضمّ إلى الوضع الخارحي أمر آخر نفساني قصدي. 

فاذا لم يكن الوضع الخارجي كافياً في دلالة الموضوع على الموضوع عليه، لم يكن بوجوده الاعتباري كافياً في الدلالة عليه. ما لم تنضمّ نكتة أخرى خارجية لكي تحصل الدلالة. 

وإن شئتم قلتم: إن ايجاد الشيء بالاعتبار لا يترتّب عليه أثر، إلّا إذا كان الوضع بوجوده الحقيقي مما يترتّب عليه أثر، والوجود الحقيقي في المقام ما لم ينضمّ إليه نكتة فإنه لا يكون منشأ للدلالة، فكذلك الوضع الاعتباري. 

الوجه الثاني: المعتَبر كون اللفظ عين المعنى

الوجه الثاني لمسلك الاعتبار، أن يقال: بأن الوضع عبارة عن الاعتبار، والمعتبر هو كون اللفظ عين المعنى أو كونه وجوداً للمعنى، فكأنّ الواضع حين 

ــــــــــ[112]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

يلتفت إلى اللفظ والمعنى يرى المغايرة بينهما، والمباين لا يكون دالّاً على مباينه(1)، فلأجل أن يوجد دلالة على المعنى يعتبر أن اللفظ وجود للمعنى، فيكون اللفظ ببركة كونه وجوداً للمعنى بالاعتبار حاكياً عنه؛ لأنه بهذا الاعتبار نفسه وعينه. وإذا كان اللفظ نفس المعنى فيمكن أن يرينا المعنى وهو معنى دلالة اللفظ على المعنى. 

وذلك مثل قول السكاكي(2) يعتبر الرجل الشجاع أسد، والشارع يقول: “الطَّوافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ(3). والمرزا يقول(4): الأمارات جعلت علما اعتبارا وليس علما حقيقيا. 

المناقشة في الوجه الثاني

ناقش فيه السيّد الاستاذ(5)، وحاصلها: أن مرجعه إلى تنزيل اللفظ منزلة 

ــــــــــ[113]ــــــــــ

() راجع نهاية النهاية (الأيرواني) 1: 6، المقدّمة، الأمر الثاني: في الوضع.

(2) راجع مفتاح العلوم: 156، القسم الثالث في علمَي المعاني واللسان، الفصل الثاني، الأصل الثاني من علم اللسان، المجاز.

(3) نهج الحقّ وكشف الصدق: 472، الفصل الخامس في الحجّ، وعوالي اللئالي 2: 167، باب الطهارة، الحديث 3.

(4) اُنظر: فوائد الأُصول 3: 107، المقام الثاني في الظنّ، المبحث الأوّل في إمكان التعبّد بالأمارات.

(5) راجع أجود التقريرات 1: 10، المقدّمة، الفصل الثاني: في جملةٍ من المباحث اللغويّة، هامش 3، محاضرات في أُصول الفقه 1: 41، 42، تمهيد، الأمر الرابع: في الوضع، الجهة الثانية: في حقيقة الوضع، القول الثاني، غاية المأمول من علم الأُصول 1: 110، الكلام في الوضع، الهداية في الأُصول 1: 26، الأمر الثالث: في الوضع.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

المعنى على حدّ تنزيل الطواف منزلة الصلاة، والتنزيل لا يعقل إلّا إذا كان هناك أثر للمنزّل عليه، ويراد بالتنزيل إسراؤه على المنزّل. فيكون أثر التنزل عليه ثابتاً للمنزّل ببركة التنزيل، كما هو الحال في قوله: “الطَّوافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ“. 

وهنا إذا كان الوضع عبارة عن تنزيل اللفظ منزلة المعنى، إذن فلا بُدّ ان يترتّب أثر من آثار المعنى على اللفظ ببركة التنزيل، مع أننا لا نجد أي أثرٍ من آثار المعنى مترتباً على اللفظ فكيف يعقل التنزيل(1)؟!

هذا الإشكال مرجعه في الحقيقة إلى مجموع أمرين:

الأوّل: أن دعوى كون اللفظ وجوداً للمعنى، مرجعه إلى التنزيل.

الثاني: أن التنزيل لا بُدّ أن يجري بعض أحكام المنزّل عليه على المنزّل. وهنا لا نرى مثل ذلك فلا يعقل التنزيل. 

وكلّ من هذين الأمرين لا يمكن المساعدة عليه ويمكن الذبّ عنه: 

أما الأمر الأوّل: فنقول: إن اعتبار كون اللفظ وجوداً للمعنى لا يتعيّن حمله على التنزيل. 

وذلك يتمّ ببيان مقدّمة مشابهة لمحلّ الكلام، فإن المرزا(2) ادّعى في مبحث 

ــــــــــ[114]ــــــــــ

(1) راجع أجود التقريرات 1: 10، المقدّمة، الفصل الثاني: في جملةٍ من المباحث اللغويّة، هامش 3، محاضرات في أُصول الفقه 1: 41، 42، تمهيد، الأمر الرابع: في الوضع، الجهة الثانية: في حقيقة الوضع، القول الثاني، غاية المأمول من علم الأُصول 1: 110، الكلام في الوضع، الهداية في الأُصول 1: 26، الأمر الثالث: في الوضع.

(2) راجع فوائد الأُصول 3: 107، المقام الثاني: في الظنّ، المبحث الأوّل: في إمكان التعبّد بالأمارات.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الأمارات أن خبر الواحد جُعل علماً وطريقاً. وهناك استُشكل على المرزا(1) بمثل هذا الاشكال وهو: أن الأمارة إذا كانت قد اعتبرت علماً بمعنى أن الشارع نزّلها منزلة الطريق، فلا بُدّ أن يكون هناك حكم شرعي للطريق حتى يسري التنزيل إلى الأمارة، مع أن القطع الطريقي ليس له حكم شرعي، بل أثره المنجزية والمعذّرية وهما من حكم العقل لا من حكم الشرع، فلا معنى للتنزيل الشرعي للأمارة منزلة القطع الطريقي. 

وأجاب المرزا هناك(2): أن المدّعى ليس هو أن الأمارة مُنزّلة مَنزِلة القطع، بل كونها فرداً من القطع بالاعتبار، وهناك فرق بين الأمرين فإن المولى لو نزّل الأمارة منزلة القطع لورد الاشكال واحتاج التنزيل إلى الأثر. 

وأخرى يعتبر المولى الأمارة قطع وعلم كما إذا اعتبرنا أنه يوجد في هذا المسجد بحر من زئبق، وهذا اعتبار معقول وسهل المؤونة، ولو لم يكن هناك أيّ أثر شرعي للبحر من زئبق. 

فاذا التفتنا إلى الفرق بين باب الاعتبار وبين التنزيل، نقول: يمكن لصاحب هذا المعنى أن يدعي أن الوضع ليس هو تنزيل اللفظ منزلة المعنى ليُحتاج إلى أثر، وإنما هو فرض وخيال واعتبار في أن اللفظ وجود للمعنى، ولا يحتاج ذلك إلى أثر شرعي. 

ثُمّ لو سلّمنا أن بابه باب التنزيل لا باب الاعتبار نأتي إلى الأمر الثاني وهو: 

ــــــــــ[115]ــــــــــ

(1) راجع أجود التقريرات 1: 10.

(2) أُنظر المصدر السابق.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

أن اللفظ لا يترتّب عليه أي أثر من آثار المعنى فكيف ينزّل منزلته؟ نعم، لو أخذنا آثار المعنى الخارجية فهي لا تترتّب على اللفظ، لكن المعنى كان له أثر مهم وهو أن الاحساس به خارجاً يوجب تصوّره ذهناً، وهذا المطلب يحصل ببركة الوضع للفظ، فإنه متى ما وقع اللفظ في حِسّنا انتقل ذهننا إلى صورة الحيوان المفترس. 

أما حاقّ بطلان هذا الوجه، فهو أنه ليس إلّا تصرّفاً في الالفاظ لا أكثر، فإن هذا الأثر الذي كان ثابتاً بالمعنى وهو أنه عند الاحساس بالمعنى يتصوّر الذهن صورة الحيوان المفترس، وهي خصوصية تكوينية للمعنى، فكيف أمكن إيجاد هذه الخصوصية التكوينية للّفظ بمجرّد تنزيل اللفظ منزلة المعنى؟ ولو كان في الإمكان إسراء الخصوصيات التكوينية من المنزّل عليه إلى المنزّل، لأمكن إسراء خصوصية الإحراق من النار إلى الماء بتنزيله منزلتها مع أن هذا لا يقول به عاقل. 

فنحن نطالب بالفرق بين هذه الخصوصية التكوينية وبين غيرها، فإن غيرها لا يسري بالاعتبار فكيف هذه الخصوصية كذلك؟ فما هي نكتة الفرق؟ وبدون إبراز تلك النكتة لا يكون هذا الوجه تامّا. 

الوجه الثالث: اعتبار اللفظ أداة لتفهيم المعنى 

ومنه يظهر الحال في الوجه الثالث، وهو: كون الوضع اعتباراً بمعنى كون اللفظ أداةً لتفهيم المعنى، فإن الأداتية تارةً تكون تكوينية، وأخرى تكون اعتبارية. 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

أيضاً فظهر حاله مما ذكرناه، فإن أصحاب مسلك الاعتبار لم يتكلّموا في أصل النكتة، وهي أنه كيف حصل بالاعتبار ملازمة حقيقية بين اللفظ والمعنى؟ هذا كان يجب عليهم أن يفسّروه، مع أنهم تركوه وتكلّموا أن المعتبر ما هو؟ هل هو كون اللفظ على المعنى أو وجوداً أو أداةً للمعنى؟ هذه كلّها معانٍ شعرية خيالية. 

إذن فهذا المسلك بهذا المقدار قاصر عن توضيح حقيقة الأمر. 

3- مسلك جعل السببية الواقعية

لتصوير الوضع: مسلك جعل الملازمة أو السببية الواقعية بين اللفظ والمعنى. 

تقريبه: أن الأمور الثابتة على ثلاثة أقسام: 

القسم الأوّل: الأمور التي تكون ثابتة بوجودها الخارجي كالجواهر والاعراض. 

القسم الثاني: الأمور التي تكون ثابتة بالاعتبار بحيث لا وجود لها إلى إلّا به. فلو انقطع الاعتبار زال الوجود عنها، كما لو اعتبرنا بحراً من زئبق في هذا المسجد.

 القسم الثالث: ما يكون ثبوته بنحو من الواقعية بحيث يكون له واقعية في نفس الأمر، وله نحو من الثبوت محفوظ بقطع النظر عن اعتبار المعتبرين. كإمكان الإنسان، فإنه ليس موجوداً في الاعتبار فقط، بل هو ثابت بقطع النظر عن اعتبار أيّ معتبر، وكذلك ليس من القسم الأوّل الذي يكون ثبوته على حدّ 

ــــــــــ[117]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ثبوت نفس الإنسان والجواهر والأعراض، بحيث يكون له وجود خارجي. وإلّا لكان للإمكان إمكان. إذن فالإمكان قسم ثالث من الأمور الثابتة، فهو من الأمور الواقعية المحفوظة في نفس الامر. 

ومن هذا القسم الملازمات والسببيات، فإن سببية النار للإحراق، أمر واقعي محفوظ في نفسه بقطع النظر عن اعتبار المعتبر. 

حينئذٍ يقال: بأن الملازمة بين اللفظ والمعنى التي هي عبارة عن كون اللفظ سبباً للمعنى يدخل في القسم الثالث من هذه الإقسام. فهو ليس امراً له وجود خارجي، وليس هو أمراً اعتبارياً خيالياً كالبحر من زئبق. بل هو أمر واقعي له ثبوت في الواقع. إذن فالوضع عبارة عن جعل هذه السببية الواقعية بين اللفظ والمعنى(1)

وقد اعترض على هذا المسلك السيّد الأستاذ بالتهافت المنطقي(2).

وتوضيحه: أن الوضع إذا كان عبارة عن جعل هذه السببية بين اللفظ والمعنى وكان أمراً واقعياً على حدّ سببية النار للإحراق. حينئذٍ نسأل أن الواضع الذي يجعل هذه السببية الواقعية هل يجعلها مطلقاً أو مقيّداً بصورة العلم بالوضع؟ 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

(1) أُنظر: نهاية الأفكار 1: 25، المقدّمة، الأمر الثاني: في الوضع، مقالات الأُصول 1: 62، المقالة الثانية: حقيقة الوضع.

(2) اُنظر: محاضرات في أُصول الفقه 1: 39، تمهيد، الأمر الرابع: في الوضع، الجهة الثانية: في حقيقة الوضع.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فإن قيل: إنه يجعل سببية اللفظ للمعنى مطلقاً في حقّ كلّ أحد من دون تقييد بالعلم بالوضع، فيلزم أن يكون اللفظ سبباً لتصوّر المعنى لكلّ أحد سواء كان عالماً بالوضع أو جاهلا به. مع أن المشاهَد وجداناً أن اللفظ لا يكون سبباً لتصوّر المعنى إلّا في ذهن العالم بالوضع، أما الجاهل فهو يسمع اللفظ ولا يلتفت إلى المعنى. 

وإن قيل: إنه يجعل السببية مشروطة بالعلم بالوضع، ويقول: إذا كنت عالماً بالوضع فاللفظ اجعله سبباً للمعنى، فيلزم الدور؛ لأن سببية اللفظ للمعنى الواقعية المجعولة من قبل الواضع مشروطة بالعلم بالوضع فهي في طوله. والوضع هو نفس هذه السببية عند أصحاب هذا المسلك، فالعلم بالوضع يكون هو العلم بسببية اللفظ للمعنى فيرجع إلى أن تكون سببية اللفظ للمعنى مشروطة بسببية اللفظ للمعنى، فيلزم التهافت وكون شيئين كلٍّ منهما في طول الآخر هو الدور، إذن فهذا المسلك غير معقول. 

جواب الاعتراض ودفع محذور الدور

ونحن لو بقينا وهذا الاعتراض، فإنه لا يمكن قبوله، ويمكن تصوير المسلك بنحو لا يكون فيه محذور الدور فيما إذا ادّعى صاحب هذا المسلك: أن ما هو السبب للانتقال إلى المعنى هو المجموع المركّب من جزأين؛ أحدهما اللفظ، فاللفظ جزء السبب للانتقال وهو سبب في حقّ الجاهل والعالم. والجزء الآخر هو العلم بأن اللفظ جزء السبب، أو العلم بالدخل الضمني للفظ. 

وحينئذٍ فالسببية التامّة الاستقلالية هي في طول العلم، والعلم ليس في 

ــــــــــ[119]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

طولها، بل في طول السببية الضمنية. فالموقوف على العلم غير الموقوف عليه العلم. فالموقوف على العلم هو السببية التامّة والموقوف عليه العلم هو السببية الناقصة. ولا دور ولا يكون الجعل تهافتاً منطقياً. 

مناقشة المسلك الثالث

ولكن الأشكال الوارد على هذا المسلك أنه أيضاً مجرّد عبارة لم يصنع شيئاً، إلّا أنه كرّر نفس المدّعى من جديد ولم يحلّ المشكلة. 

فإن صاحب المسلك ماذا يقصد بجعل السببية؟ هل يقصد جعلها مباشرة، أو جعلها يتوسّط أمر آخر؟ فإن كان يقصد الجعل المباشري للسببية يعني أن اللفظ بحسب طبعه ليس سبباً للانتقال إلى المعنى، ولكن الواضع يجعل هذه السببية جعلاً مباشراً فيخلق فيه سببية واقعية للانتقال إلى المعنى. 

فهذا المعنى غير معقول في نفسه في سائر موارد التكوين؛ لأن السببية بين الأشياء ذاتية للسبب وغير قابلة للجعل، ولا يمكن أن نجعل ما ليس سبباً للحرارة سبباً للحرارة. 

نعم، يعقل أن نوجد فيه ما هو السبب بأن نجعل الماء حاراً، فيصبح سبباً للحرارة، ولكن هذا ليس بابه باب السببية المباشرية، وإنما سبب الحرارة هو نفس الحرارة، وإنما أنا جعلت الحرارة في الماء لا جعلت ما ليس سبباً سبباً.

فإن أُرِيد من سببية اللفظ أن الواضع يجعل اللفظ بذاته سبباً بعد أن لم يكن سبباً فهو أمر مستحيل. 

وإن كان المراد بها ضمّ ما هو السبب بالذات إلى اللفظ كجعل الماء سبباً 

ــــــــــ[120]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

للحرارة بايجاد الحرارة فيه فهذا أمر معقول، بأن توجد في اللفظ خصوصية زائدة يصبح بها سبب بالعرض. 

وحينئذٍ نسأل ماهي تلك الخصوصية الزائدة؟ هذا لم يبيّن في هذا المسلك فما هي نكتة الاشكال غير مبيّنة في هذا المسلك. 

حقيقة الوضع على ضوء القوانين التكوينية

كيف تنشأ الدلالة بين اللفظ والمعنى؟ وكيف يصبح اللفظ سبباً لتصور المعنى، مع أنه بحد ذاته ليس سبباً لذلك؟

تحقيق ذلك أن يقال: إنه في باب الانتقال من إدراك شيء إلى تصوّر شيء يوجد قانون أوّلي تكويني ثابت مخلوق من قبل خالق العالم، وهو أن الإحساس بالشيء يوجب الانتقال التصوّري إلى معناه، الإحساس بالاسد يوجب الانتقال إلى تصوّر معنى الحيوان المفترس، فالإحساس بالشيء سبب وتصوّر معناه مسبب. 

وهناك قانونان تكوينان ثانويان أيضاً، لهما حكومة على هذا القانون:

 أحدهما: أن الإنسان لو لم يحسّ بالشيء ولكن أحسّ بما يشابه ذلك الشيء فأيضاً ينتقل منه إلى تصوّر ذلك المعنى. مثلا نرسم صورة الأسد على الورق فإذا رآها إنسان يتصوّر في ذهنه الحيوان المفترس، مع أنه لم يرَ الحيوان المفترس نفسه. وهذا قانون تكويني غير مربوط بجعل الواضع. 

وهذا له حكومة على القانون الأوّلي. فإنه يجعل الإحساس بالمشابه بمنزلة الإحساس به، ولكنّها حكومة تكوينية لا تنزيلية ادّعائية. 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

القانون الثانوي الثاني: الذي له حكومة أيضاً على القانون الأوّلي: أننا لو لم نرَ الحيوان المفترس ولا شيئاً مشابهاً لهيكله. ولكن أدركنا شيئاً كان يقترن بالحيوان المفترس اقتراناً شديداً، مخصوصاً، فأيضاً ننتقل منه إلى تصوّر الحيوان المفترس، فكأنّ المقترن يصير في هذه الحالة وهو: أنه يوجب الانتقال الذهني إلى الشيء الآخر. 

وهذا الاقتران المخصوص؛ تارةً يكون خصوصية كمّية، يعني كثرة الاقتران بمئات المرّات، مثلاً في علم الرجال نرى أن النوفلي يروي دائماً عن السكوني، فإذا رأينا كلمة السكوني وحدها ينتقل ذهننا إلى النوفلي. 

وقد يكون الاقتران المخصوص بكيفية مخصوصة ولو كان حدوثه مرّة واحدة. كما لو سافر إنسان إلى بلد، ومرض مرضاً شديداً هناك، فكلّما تصوّر اسم ذاك البلد تذكّر نوع المرض الذي ابتلي به. 

تطبيق القوانين التكوينية على المقام

حينئذٍ نقول: إن الدلالات التي يتواضع عليها الناس بعضها تطبيق للقانون الثانوي الأوّل، وبعضها تطبيق للقانون الثانوي الثاني. 

فمما يتواضع عليه الناس: الاشارة التصويرية، وهي لغة عالمية، وقد تواضع عليها الناس منذ أقدم الزمان بين مختلف اللغات والملل، وهي تطبيق للقانون الثانوي الأوّل؛ اذ بالإشارة تحدث حالة مشابهة لطالب يلبس عمامة، فينتقل منها إلى ذلك المفهوم. 

ومنها ما يكون تطبيقا للقانون الثانوي الثاني، فالإنسان منذ الأوّل كان 

ــــــــــ[122]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

يلاحظ أن أصواتاً معيّنة تقترن بحيوانات معيّنة، فلكلّ حيوان صوت معيّن مقترن معه اقتراناً متكرّراً. فإذا سمع الزئير ولم يرَ الأسد، فسماعه له يوجب انتقاله إلى صورة الأسد وهذا تطبيق للقانون التكويني الثاني. 

وقد يتّفق أن لا يسمع الزئير، بأن يقلّد إنسان الأسد في صوته، فينتقل ذهن السامع إلى صورة الأسد وهذا تطبيق لكِلا القانونين؛ لأنه انتقل من شبيه الزئير إلى الزئير، وهذا تطبيق للقانون الأوّل، وانتقل من الزئير إلى الأسد، وهذا تطبيق للقانون الثاني. ولذا لو أراد أن يُفهِم من لا يعرف اللغة على وجود الأسد في البين، فإنه يصدر صوتاً مشابهاً لصوت الأسد.

وكذلك يضمّ هذين القانونين لو أردنا بهذا الصوت أن نعبّر عن شخص يشبه الأسد كالرجل الشجاع، أو أن هنا إنساناً بليداً كالحمار لا يفهم فيقلّد الاسد تارةً والحمار أخرى. فدلالة صوت الأسد على الرجل الشجاع تكون بتطبيقات عديدة لهذين القانونين؛ لأن صوته يدلّ على الزئير والزئير يدلّ على الأسد والاسد يدلّ على الرجل الشجاع. 

تفسير الوضع التعيّني والتعييني

وإلى هنا نرى أنه بلا إعمال أيّ عناية من قبله وفي حدود هذين القانونين التكوينين، أمكن أن يوجد لغة لنفسه؛ لأنه بأصوات متعدّدة يمكنه أن يفهم أشياء متعدّدة، إما نفس أصحاب الأصوات، أو ما يشبه أصحابها من بعض الجهات. 

والعناية لا تتدخّل لا في كبرى القانون؛ لانها تكوينية، ولا في صغرى 

ــــــــــ[123]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

القانون، وهي أن الزئير قد اقترن مع الأسد مراراً عديدة؛ لأن هذا أمر خارجي اتّفاقي. 

ثُمّ حيث إن هذا الشخص الذي أصبح يستعمل صوتاً يشبه صوت الزئير في مقام تفهيم معنى الرجل الشجاع، وصوت الحمار في مقام تفهيم معنى البليد، فهذا الاستعمال إذا تكرّر مراراً عديدة فاقترن في ذهن السامع مراراً عديدة، فيصبح هذا تطبيقاً للقانون الأوّل بلا حاجة إلى مسألة المشابه، ويدلّ الصوت ابتداءً على البليد الغبي. 

وهذا هو معنى الوضع التعيّني الذي يقولون إنه ينشأ من كثرة الاستعمال، يعني إيجاد صغرى من قبل الإنسان للقانون الثاني، فإنه إذا وجد التكرّر فقد وجدت صغرى هذا القانون وهو الوضع التعيّني.

ثُمّ إن الإنسان يصبح له تهيّؤ نفساني -على طول الزمان- وألفة استيناس من الأصوات إلى المعاني، فهنا يجيء الوضع التعييني. فالواضع على طبق الحاجة يضع بعض الألفاظ لبعض المعاني، يعني يقرن بينهما قرناً آنياً بخلاف ذاك الاقتران المتكرّر، بل يعملها بعملية واحدة مؤكّدة كالمرض في السفر، وهذا هو الوضع التعييني. وهو إيجاد لصغرى القانون التكويني الثاني، وليس فيه أيّ تصرّف من الواضع أكثر من ذلك. 

ومن هنا يتّضح أن إتعاب النفس في ان الواضع هل يعتبر اللفظ على المعنى أو تحته أو تنزيلاً له أو نحو ذلك، كلّه شعر لفظي، وإنما هو إيجاد صغرى للقانون التكويني. وذلك بأن يوجد حادثة يقترن بها اللفظ مع المعنى اقتراناً 

ــــــــــ[124]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

اكيداً شديداً. وهذا الاقتران الشديد تارةً ينشأ من كثرة الاستعمال، وأخرى من الاقتران الآني، كتسمية الأشخاص. 

هذا حاصل حقيقة الوضع. 

توضيح

مبنيّاً على ذلك تتّضح عدّة أمور: 

الأمر الأول: أن الوضع ليس إنشائياً تسبيبياً

إن الوضع ليس من الأمور الإنشائية التسبيبية التي تحصل بالإنشاء كالبيع ونحوه من المعاملات، فإن البيع لا إشكال أنه معنى إنشائي، وإن اختلفوا في ما بينهم في المنشأ. وأما الوضع فليس أمراً إنشائياً. 

أما الوضع التعيّني فهو واضح؛ لأنه ليس فيه إنشاء ولا جعل من قبل إنسان مخصوص، بل هو عبارة عن الاقتران المتكرّر بين اللفظ والمعنى في تصوّر الانسان، وهو أمر خارجي ليس فيه أيّ إنشاء. 

وأما الوضع التعيّني، بمعنى حصول الارتباط الأكيد بعملية واحدة، فقد يصدر إنشاء من الواضع فيقول: (سمّيت ولدي عليّاً)، لكن هذا الإنشاء له حيثيتان:

إحداهما: حيثية كونه إيجاداً انشائياً لمعنى اعتباري خيالي، وهو أن هذا اللفظ عين ذاك المعنى، وهو بهذه الحيثية لا يكون ميزاناً للدلالة بين اللفظ والمعنى.

وثانيهما: أن نفس هذا الإنشاء يوجب نحو اقتران ذهني بين اللفظ 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

والمعنى، وهو الذي يكون ميزاناً للدلالة؛ لصيرورته صغرى لذلك القانون الثانوي التكويني. 

فالوضع التعيّني بما هو ميزان الدلالة ليس إنشائياً، ومن هنا لا يهمّ التحدّث عما هو المنشأ في هذا الإنشاء، هل هو جعل اللفظ على المعنى، أو وجوداً تنزيلياً له، أو أداة له أو غير ذلك؟ فإن المهمّ هو الحيثية التكوينية لهذا الإنشاء لا الحيثية الجعلية الاعتبارية له. 

الأمر الثاني: انتاج الوضع للدلالة التصورية دون الدلالة التصديقية

إن دلالة اللفظ على المعنى دلالة تصوّرية وليست تصديقية. 

فإن الدلالة على نحوين:

دلالة تصورية: بمعنى أنه متى ما سمعنا لفظ الأسد انتقل ذهننا إلى تصوّر الحيوان المفترس. وهذه هي الدلالة التصوّرية.

وأما الدلالة التصديقية: فهي أن المتكلّم أراد بهذه الكلمة تفهيم معنى الحيوان المفترس. 

وبناءً على هذا المسلك في حقيقة الوضع: أن الوضع لا ينتج إلّا الدلالة التصوّرية؛ لأنه ليس إلّا إيجاد صغرى لقانون ثانوي تكويني يقول: متى ما اقترن شيئان اقتراناً اكيداً فمتى ما تصوّرنا أحدهما انتقلنا إلى الآخر منها، هذا القانون هو الانتقال التصوري من أحدهما إلى مقارنه. والوضع ليس إلّا إيجاد صغرى له. إذن فلا تكون نتيجته إلّا الدلالة التصوّرية، وهي ثابتة سواء صدر اللفظ من إنسان عاقل أو من اصطكاك حجرين.

ــــــــــ[126]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وأما الدلالة التصديقية فليست مربوطة بالوضع، وإنما هي باعتبار ظهورات عقلائية زائدة على ما سوف يأتي في محلّه. 

اعتراض السيد الأستاذ في المقام ودفعه 

وأما ما اعترض به السيّد الأستاذ على ذلك: حيث ذكر أن الدلالة التي تحصل عند سماع اللفظ من اصطكاك حجرين ليست وضعية مجعولة من قبل الواضع، فإنه لا يعقل أن يجعل الدلالة مطلقاً حتى لو صدرت من الاصطكاك، فإن هذا الإطلاق لغو، فإن الواضع حيث إنه حكيم غرضه من الوضع هو أن يتفاهم العقلاء فيما بينهم، لا أن يتفاهم الحجر مع الإنسان!! فلا محالة يكون المجعول من قبل الواضع مخصوصاً بخصوص ما إذا صدر اللفظ من العاقل الملتفت. 

هذا الإشكال كأنّه مبني على التخيّل القديم لمعنى الوضع، فإنه إذا كان الوضع عبارة عن أمر إنشائي مجعول من قبل الواضع، يحصل الملكية في باب البيع من قبل الواضع، فهو من المحمولات التشريعية التي يتصوّر فيها الإطلاق والتقييد. 

حينئذٍ يقال: إنه يجعله مطلقاً أو في خصوص ما إذا صدر اللفظ من إنسان عاقل. فقد يقال(1): إنه لا معنى لأن يجعله الواضع مطلقاً؛ لأنه لغو، بل لا بُدّ أن يجعله مقيّداً. 

ولكن بناءً على ما أوضحناه من أن الوضع ليس مجعولاً إنشائياً حتى يتصوّر 

ــــــــــ[127]ــــــــــ

() إلّا أن هذا غير صحيح؛ لأن الإطلاق لا يحتاج الى مؤونة إنما التقييد هو المحتاج الى مؤونة. فعدم التقييد هو إرسال للمطلب على طبعه، والمؤونة تحتاج إلى سبب، فلا يكون الإطلاق لغواً. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

له الإطلاق والتقييد، وإنما هو أمر تكويني قد يستعان عليه بعبارة إنشائية.

فإنه إذا حصل الاقتران بين اللفظ والمعنى لا يفرّق بين أن يصدر اللفظ من فم إنسان أو من فم حجر، ولا يستشكل على الواضع بأن الفهم من الحجر لغو، فإنه يقول إن هذه عملية لا تتبعّض، وليست إنشائية حتى أقيّدها. 

ولهذا قد يحصل هذا الاقتران من قبل الواضع التعيّني بلا إنشاء ولا جعل، كما في الاقترانات التي تلقى في أذهان الأطفال بين الألفاظ والمعاني كلفظ (الحليب) و(البابا) و(الماما). من دون أن تقول له: وضعت لفظ الحليب لهذا الشيء أو فوقه أو تحته!! ونحو ذلك من الأمور الخيالية. 

الأمر الثالث: في مدخلية العلم بالوضع

أليس المعروف بأن العلم بالوضع له دخل في الانتقال إلى المعنى؟ معنى ذلك أن الوضع بوجوده النفس الأمري لا يوجب اقتراناً في ذهني أنا، وما لم يوجب اقتراناً متأكّداً في ذهني لا يصير وضعاً حقيقة بالنسبة لي وإن كان وضعاً بالنسبة إلى غيري. وهذا الاقتران المتأكّد يحصل غالباً بالعلم بالوضع، ويحصل عند الأطفال بالتلقين والتكرار دون علم بالوضع. 

وبذلك تمّ الكلام في الجهة الأولى.

 الأمر الرابع: دلالة الألفاظ على المعاني المجازية (1)

في وجه دلالة الألفاظ على المعاني المجازية أنه يصبح اللفظ بالنحو الذي 

ــــــــــ[128]ــــــــــ

() قاله السيّد الاستاذ بعد البحث. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

قلناه على (الأسد)، فإنه يكون صغرى للقانون الثانوي الأوّل. فإن الرجل الشجاع مشابه للأسد. فيحصل للأسد دلالة على الرجل الشجاع حتى من دون قرينة. 

غاية الأمر أنها دلالة تحت الشعاع بالنسبة إلى الحيوان المفترس؛ لأنها في طولها. فلا تبرز في الذهن إلّا عند اختفاء هذه الدلالة، فيكون خطور الحيوان المفترس أسبق إلى الذهن من الرجل الشجاع؛ لأن خطور الحيوان المفترس لا يحتاج إلّا إلى قانون الاقتران والآخر يحتاج إلى قانون المشابه. 

فتفهيمها يحتاج إلى قرينة لتتحوّل من تحت الشعاع إلى ما فوق الشعاع وتكون مفهومة.

ــــــــــ[129]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 










 

الجهة الثانية: في بيان من هو الواضع

 

بعد تنبيهات الجهة الأولى في حقيقة الوضع يقع الكلام في الجهة الثانية في بيان أنه من هو الواضع، ذاك الشخص الذي قرن الألفاظ الكثيرة بمعانيها الكثيرة.

ذهب جملة من المحقّقين ومنهم المحقّق النائيني(1)، إلى استقراب أن الواضع هو الله سبحانه وتعالى. والذي يظهر أنه مبني على استبعادين لفرض أن يكون الواضع إنساناً:

في استبعاد أن يكون الإنسان هو الواضع

أحدهما: أننا لو نظرنا إلى اللغة لوجدنا أن ما تشتمل عليه من ألفاظ ومعانٍ وخصوصيات، يستبعد أن يكون تحت سيطرة وقدرة شخص واحد فكرياً وذهنياً، فلو كان الواضع إنساناً لكان سنخ إنسان له اطلاع على دقائق الأفكار مما لا يكاد يوجد عادةً إلّا في الأنبياء واشباههم، بخلاف مالو فرضنا أن الواضع هو الله تعالى. 

وقد أجاب عنه الآغايون(2) بأننا لو فرضنا أن شخصاً واحداً قام بإنشاء لغة بكاملها بتمام مطالبها فهو بعيد جداً. 

ــــــــــ[130]ــــــــــ

(1) أُنظر: فوائد الأُصول (الكاظمي) 1: 30، المقدّمة، المبحث الأوّل: في الوضع.

(2) راجع بدائع الأفكار (الآملي) 1: 28، المقدّمة، الأمر الثاني: في الوضع.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

إلّا أن الأمر ليس هكذا، فإن اللغة لم توجد دفعة واحدة، وإنما وجدت بالتدريج حسب حاجة الناس واحتياجاتهم ليست من الأوّل واسعة بحيث تحتاج إلى لغة واسعة، بل تبدأ قليلة ثُمّ تتّسع بالتدريج، وكذلك اللغة توجد محدودة ثُمّ تتّسع بالتدريج. فلا بأس أن يقال إن الإنسان هو واضع اللغة، فإن الواضع في الحقيقة هو الأجيال المتعاقبة على طول الزمان، وهذا لا استبعاد فيه أن يضع دقائق اللغة على سعتها. 

الاستبعاد الثاني: ان الوضع لو كان من قبل إنسان مخصوص لكانت حادثة مهمّة تسجّل في التاريخ أن فلاناً وضع اللغة الفلانية، مع أنه لم يذكر في التاريخ، فاللغة إذن من وضع الله تعالى. 

أجاب عنه الآغايون(1): أن اللغة لو كانت من وضع شخص واحد لكانت حادثة مهمة، إلّا أن هذا لم يقع جزماً، بل كلّ من يتصدّى لوضع لغة جديدة يضحك عليه الناس، وإنما اللغة من وضع الاجيال المتعاقبة. فهذا الاستبعاد في غير محلّه. 

والتحقيق في هذه المسألة: أن الاستبعادات التي نواجهها على فرض أن يكون الواضع هو الإنسان لا تنحصر بهذين الاستبعادين، ليُجاب بهذه الأجوبة، بل هناك استبعادات وإشكالات أخرى.

الاستبعاد الأوّل: أنه قد يقال: بأن الإنسان لو قُطع عن الله سبحانه وتعالى، فيُسأَل: أنه كيف التفتّ إلى نكتة أنه يملك اصواتاً متعدّدة، وأنه قادر على 

ــــــــــ[131]ــــــــــ

(1) راجع المصدر السابق.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

جعلها ادوات لتفهيم المعاني؟ كيف توجّه الإنسان إلى ذلك في بادئ الأمر قبل فرض أيّ لغة من قبيل أن يقال إن الإنسان كيف التفت إلى أن الحبة إذا زُرعت وسُقيت فإنها تنتج حنطة! 

هذا الاستبعاد قد يُجعل شاهداً أن ذلك كان إلهاماً من قبل الله تعالى. وكذلك يقال في زراعة الحبة حصل في نفسه شعوراً وخطوراً في ذلك؛ فقرن بالإلهام صوت (ماء)، على معناه، وصوت (هواء) على معناه. 

وهذا الاستبعاد يمكن ردّه على أساس ما أشرنا إليه سابقاً من أن دلالة الأصوات على المعاني بلا وعي من قبل الإنسان في البداية؛ لأننا قلنا إن أصوات الزئير والنهيق وخرير الماء وتساقط الأشجار اقترنت في حياة الإنسان بمعانٍ معيّنة، فصار لها بمقتضى القانون الثاني دالّة على معانٍ معيّنة، من دون أن يلتفت إلى ذلك، بل فجأة رأى نفسه يفهم من الزئير وجود الأسد، وحدث ذلك من دون أيّ عناية أصلاً، وحين أراد أن يُفهم الآخر معنى الأسد استعمل الزئير. 

فلعلّ التفات الإنسان إلى اللغة من تلك الاقترانات المصادفية التي أوجبت تطبيق ذلك القانون، من دون حاجة إلى إلهام مباشر من قبل الله تعالى. 

الاستبعاد الثاني: مبني على مسالك الآغايون في باب الوضع كالتعهّد، أو كون اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى، فلو كان الإنسان هو الواضع، فمعناه أنه قبل أن يتكلّم بأيّ كلام اتّصف بصفة الواضعية، فقد صار واضعاً قبل أن يكون مستعملاً؛ لأن الاستعمال دائماً في طول الوضع، وقد كان ساكتاً صامتاً ثُمّ تمّ الوضع بالتعهّد أو بالاعتبار، والمعاني الدقيقة الموقوفة على ثقافات عالية. 

ــــــــــ[132]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ومن البعيد أن يصل الإنسان إلى تلك المراتب العقلانية وهو فاقد للغة بالمرّة. 

وهذا بخـلاف ما إذا قـلنا بأن الله تعالى قام بعهدة هذه التعهّدات والاعتبارات. 

وهذا استبعاد في محلّه، إلّا أنه لا ياتي على مبنانا في تصوّر الوضع، فإنه ليس إلّا عبارة عن كون اللفظ مقترناً بالمعنى في تصوّر الإنسان، وهذا يمكن أن يحصل مع الأطفال. فالبشر اقترن في ذهنهم أصوات متعدّدة بمعانٍ متعدّدة على سبيل الصدفة، وبهذا تكونت اللغة ثُمّ توسّعت بالتدريج. 

الاستبعاد الثالث: وهو أيضاً مبني على مباني الآغايون. افرضوا أن الناس كانوا صامتين، ثُمّ وصلوا إلى درجة من الوعي بحيث وضعوا تعهّدات واعتبارات، فنسأل أنه بأيّ لغة أُبرزت هذه التعهّدات والاعتبارات؟ أليست هذه الفاظ محتاجة إلى أوضاع وتعهّدات سابقة؟ فقبل أيّ وضع كيف كان يستعمل الجملة لإفهام مراده؟ خصوصاً وأنها جملة محتوية على نفائس اللغة كالاسم والفعل والنسبة الناقصة والتامّة، وبعض معانيها غير محسوسة كالتعهّدات والاعتبارات. فكيف يكون كلّ ذلك قبل وضع اللغات؟ اذن فينبغي أن يقال: إن الله تعالى وضع اللغة.

وهو استبعاد وجيه على مباني الآغايون دون مبانينا؛ لأننا نقول: إنه نشأت اللغة بدون أن يدري الإنسان بالاقترانات الكثيرة، حتى تكوّنت ألفاظ، أخذها الواضع واستعملها في مقام الوضع. 

الاستبعاد الرابع: أننا نعرف أن اللغة تنشأ بين جماعة من الناس، فاقتران 

ــــــــــ[133]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

لفظ (ماء) مع معناه هل حصل في ذهن إنسان واحد فأخبر غيره، أو حصل في ذهن الكثيرين من باب توارد الخاطر من دون ربط لأحدهم بالآخر؟ 

إن كان من باب توارد الخاطر فهو معنى الإلهام. وإن كان في ذهن واحد منهم، فكما أن هذا يضع الكلمة للمعنى، يضع غيره كلمة أخرى لنفس المعنى، وكيف يوافق الاخرون على وضع أحدهم، ما لم يكن الله تعالى قد الهمهم أن كلمة (الماء) تناسب معناها. 

وهذا استبعاد في محلّه، والجواب عليه على مباني الآغايون في غاية الإشكال، بخلافه على مبنانا؛ لأننا نقول: إن الناس كلّهم صدفة صاروا يستعملون لفظ (الماء) مثلاً؛ لأن اللغة تنشأ من اقترانات نوعية وملابسات وظروف مشتركة فيما بينهم من دون تشريع وفرض من قبل أحدهم، فاللغة تنشأ بشكل سماعي واتّفاقي نتيجة أن الاقترنات كانت مشتركة.

وعليه فلا يوجد أي استبعاد أن يكون الواضع هو الإنسان، ولكن لا يوجد استبعاد عكسي في أن الله تعالى هو الواضع، وأنه عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا(1)؛ فاختصّ الإلهام باللغة الأولى للبشر، ثُمّ تركهم الله تعالى على طبعهم في توسيع اللغات، لا يوجد أيّ دليل بخلافه. بل ينسجم مع الذوق الديني.

ــــــــــ[134]ــــــــــ

(1) البقرة: 31.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 



 

الجهة الثالثة: في أقسام الوضع

 

في الأقسام الممكنة للوضع، وسوف يقع الكلام في الجهة الرابعة فيما هو واقع منها. 

توضيحه بنحو يرتبط بما ذكرناه في الجهتين السابقتين: 

أنه اتّضح مما ذكرناه أن دلالة اللفظ على المعنى مرجعها إلى قانون تكويني، وهو: أن الإلتفات إلى المقارن يقتضي الإلتفات إلى ما يقارنه إذا كان التقارن قويّاً. 

وأما صغريات القانون ففي أوّل الأمر فهنا عدّة صغريات بفعل الطبيعة بدون تدخّل الإنسان أيضاً. ثُمّ إن الإنسان بعد أن التفت إلى ما تكوّن لديه من دلالات، صار هو بدلاً عن الطبيعة يوجد الصغرى بأن يقرن اللفظ المخصوص مع المعنى المخصوص؛ فيتكوّن من ذلك دلالة اللفظ على المعنى طبقاً للقانون. 

وهذا القرن من الإنسان تارةً يحصل بكثرة الاستعمال وهو الوضع التعيّني، وأخرى بالجعل والإنشاء وهو الوضع التعييني.

ثُمّ إنهم قالوا: إن الوضع -ويريدون به الوضع التعييني الذي يحتاج إلى جعل مخصوص من قبل الواضع- لا بُدّ فيه من تصوّر المعنى واللفظ، ومن هنا 

ــــــــــ[135]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

قالوا(1): إنه توجد أربعة أقسام متصوّرة بدواً:

1-الوضع العامّ والموضوع له العامّ.

 2- الوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ.

 3- الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ.

 4- الوضع الخاصّ والموضوع له العامّ. 

أن يتصور الواضع معنى ويضع لفظاً لنفس ما تصوره

أما القسمان الأوّلان: الوضع العامّ والموضوع له العامّ والوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ. فالجامع بينهما أن الواضع يتصوّر شيئا ويضع اللفظ لنفس ما تصوّره، سواء كان المتصوَّر عامّاً أو خاصّاً، وهذا مما لم يُستشكل في معقوليته. 

أن يتصور الواضع معنى ويضع لفظاً لغير ما تصوره

وإنما وقع الكلام في القسمين الأخيرين، وأنه هل يعقل أن يتصوّر الواضع معنى عامّاً ويضع اللفظ لأفراده ومصاديقه؟ أو يتصوّر المعنى الخاصّ ويضع اللفظ للعامّ؟ 

ــــــــــ[136]ــــــــــ

() أُنظر: هداية المسترشدين 1: 170، تقسيمات اللفظ، الفائدة الخامسة: أقسام الوضع باعتبار الموضوع له، بدائع الأفكار (الرشتي): 39، المقدّمة، الأمر الرابع: في ذكر جملةٍ من المبادئ اللغويّة، بديعة الكلام في أقسام الوضع، كفاية الأُصول: 10، 11، المقدّمة، الأمر الثاني: في تعريف الوضع وأقسامه.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فالقول الغالب في القسم الثالث هو الإمكان(1)، وهناك من قال بالامتناع(2). والقول الغالب في الرابع هو الامتناع(3)، وهناك من قال بالإمكان(4)

تحقيق القول في تصوير الوضع العام والموضوع له الخاص

ونحن نتكلّم في الثالث، أي: الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، ومنه يظهر الحال في الرابع. 

ذهب المشهور إلى الإمكان: بدعوى أن الوضع للمعنى وإن كان يحتاج إلى تصوّر المعنى، إلّا أنه يكفي التصوّر الإجمالي، وتصور العامّ تصوّر اجمالي للخاصّ وهو يكفي للوضع للأفراد. 

وما يُعترض به على ذلك اعتراضان. 

ــــــــــ[137]ــــــــــ

() أُنظر: كفاية الأُصول: 10، 11، المقدّمة، الأمر الثاني: في تعريف الوضع وأقسامه، بدائع الأفكار (الآملي) 1: 34، الأمر الثاني: في الوضع، الجهة الثالثة: في تقسيم الوضع، فوائد الأُصول 1: 31، المقدّمة، المبحث الأوّل: في الوضع.

(2) جواهر الأُصول 1: 89-90، الأمر الثاني: في الوضع، الجهة الرابعة: في أقسام الوضع، المقام الأوّل، مجمع الأفكار 1: 23، الأمر الثاني: في الوضع، فصلٌ: في أقسام الوضع.

(3) أُنظر: كفاية الأُصول: 10-11، المقدّمة، الأمر الثاني: في تعريف الوضع وأقسامه، بدائع الأفكار (الآملي) 1: 34، الأمر الثاني: في الوضع، الجهة الثالثة: في تقسيم الوضع، وفوائد الأُصول 1: 31، المقدّمة، المبحث الأوّل: في الوضع.

(4) أُنظر: بدائع الأفكار (الرشتي): 40، مقدّمة، الأمر الرابع: في ذكر جملةٍ من المباحث اللغويّة، الموضع الأوّل، بديعة: في تقسيم الوضع، ودرر الفوائد (الحائري) 1: 5، تقسيم الوضع، وفوائد الأُصول (الكاظمي) 1: 31.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الاعتراض الأول: أن الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ أمر غير معقول

لأن معناه أن الواضع يتصوّر الجامع ثُمّ يضع اللفظ لأفراده. ومن الواضح أن الجامع إنما يحصل عليه الإنسان بتجريد الأفراد عن الخصوصيات، فإذا جرّد زيداً وعمراً عن الخصوصيات يبقى جامع الإنسانية، فيجرّد عن الخصوصيات التي بها قوام الأفراد بما هي أفراد. إذن، فكيف يعقل أن يكون الجامع حاكياً عن الأفراد ومنطبقاً عليها بخصوصياتها، مع أنه انتزع الجامع بتجريده عن المشخّصات؟ إذن، فيستحيل أن يكون لحاظ الجامع لحاظاً للأفراد(1)(2).

فالواضع حين يتصوّر الجامع يضع اللفظ لأيّ شي؟ هل يضعه للمقشَّر عن الخصوصيات؟ فمعناه أن الموضوع له عامّ، أو أنه يضعه لأفراده المتخصّصين، فهو لم يلحظها وإنما لاحظ الجامع المجرّد. 

جواب المحقق العراقي عن الاعتراض الأول

وقد أجاب المحقّق العراقي عن هذا الإشكال بما يرجع حاصله إلى التفرقة بين قسمين من الجوامع، فإن الجامع على قسمين: 

القسم الأوّل: جامع يأخذه العقل من الأشياء نفسها بعد تجريدها عن 

ــــــــــ[138]ــــــــــ

() نعم لوكان الجامع يحكي عن الافراد بخصوصياتها أمكن انطباقه على الافراد، وأمكن الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، إلّا أن هذا مستحيل. (المقرِّر).

(2) راجع حواشي المشكيني على الكفاية 1: 80، المقدّمة، الأمر الثاني: في الوضع.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الخصوصيات، وهذا الجامع لا يمكن لنا أن نحصل عليه من الأفراد إلّا بتجريدها عن الخصوصيات، فلو تصوّرنا مثل هذا الجامع لا يمكن الوضع للخاصّ؛ لأنه قد جُرّد عن خصوصيات الأفراد. 

القسم الثاني: الجامع الذي يعطيه العقل بنفسه إلى الأفراد، فهو ينشئ عنواناً ويُلبسه للأفراد لا أنه يأخذه منها، مثل بعض العناوين الانتزاعية كعنوان (الخاصّ) و(الفرد)، فإنها عناوين جامعة بين أفرادها(1)

وهذا الجامع الذي نحن نعطيه للفرد يمكن أن نخيطه بشكل يكون على قدر الفرد بخصوصياته، فيكون منطبقا على كلّ فرد بخصوصيته. ومعه فيمكن للواضع أن يتصوّر مثل هذا الجامع ويضع اللفظ للأفراد. 

فالوضع العامّ والموضوع له الخاصّ إن كان بلحاظ القسم الأوّل من الجامع فهو غير معقول؛ لأنه لا يرى الخاصّ بما هو خاصّ. وإن كان بلحاظ القسم الثاني فهو معقول. 

وهذا الجواب -طبعاً- مما لا يمكن المساعدة عليه؛ لأن الجامع من القسم الثاني لا يمكن الالتزام بكونه أمراً إنشائياً واعتبارياً من قبل النفس، ببرهان أنه لو كان كذلك لمَا صحّ حمله على الأفراد إلّا بالعناية والتجوّز؛ لأن ملاك الحمل هو الاتّحاد في الوجود، فلو كان عنوان الفرد والخاصّ اعتبارياً لَما أمكن حمله؛ لأن ملاك الحمل هو الاتّحاد ولا اتّحاد بعد فرض كونه إنشائياً من قبل النفس 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

(1) أُنظر: بدائع الأفكار (الآملي) 1: 39، المقدّمة، الأمر الثاني: في الوضع، الجهة الثالثة: في تقسيم الوضع، مقالات الأُصول 1: 73، 77، المقالة الثانية: أقسام الوضع، نهاية الأفكار (البروجردي) 1: 37، المقدّمة، الأمر الثاني: في الوضع.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

إلّا بالعناية. مع أنه لا إشكال في صحّة الحمل الجامع بكِلا قسميه على الخارجيات. اذن فلا بُدّ من الالتزام بأن كلّ جامع يصحّ حمله على الخارج فهو منتزع من خارج وعاء عامّ عالم الذهن لا انه معطى من عالم الذهن اذن فهذا الجواب غير تام. 

إلّا أن أصل الإشكال غير صحيح؛ لأن نكتة كفاية تصوّر الجامع في الوضع للأفراد محفوظة على كلّ حال، سواء قلنا إن الجامع منتزع بعد تجريد الأفراد عن الخصوصيات أو بدون ذلك. على ما سوف يظهر من جواب الإشكال الثاني. 

الاعتراض الثاني

الإشكال الثاني: أن هذا الجامع حتى لو فرض أنه كان منتزعاً عن الخصوصيات كما ادّعى المحقّق العراقي، يأتي إشكال جديد وهو: ان العامّ والخاصّ متباينان مفهوماً وإن كان وجود الخاصّ خارجاً عين وجود العامّ، لكنّهما في عالم المفهومية متباينان. وحينئذٍ فكيف يرى المباين بالمباين؟ وكيف يرى مفهوم الخاصّ بمفهوم الجامع؟ 

وهذا لا يفرّق فيه بين أن نقول إن الجامع منتزَع من التجريد عن الخصوصيات، أو بعد التلبّس بالخصوصيات. 

ما يندفع به كِلا الاعتراضين

وتحقيق الحال في حلّ هذا الإشكال بنحو يندفع به كِلا الإشكالين:

هو أن يقال: إننا حين نريد أن نحكم على شيء من الأشياء لا بُدّ أن 

ــــــــــ[140]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

نستحضره حتى نحكم عليه؛ لأن الحكم على الغائب غير معقول، واستحضاره يكون بإحدى طريقتين: 

الأولى: أن نستحضر موضوع الحكم بحقيقته وكنهه فنحكم عليه. 

فاذا أردنا أن نحكم أن الجزئي يمتنع صدقه على كثيرين، فنستحضر واقع الجزئي -وهو زيد- ونحكم عليه بذلك. 

الطريقة الثانية: أن تستحضر شيئاً آخر غير الجزئي، ولكنّه عينه بالحمل الأوّلي لا بالحمل الشايع الصناعي، وذلك بأن نتصوّر نفس مفهوم الجزئي ونحكم عليه. فنحن لم نتصوّر جزئياً حقيقياً بل هو كلّي. ولكن مفهوم الجزئي بالحمل الأوّلي جزئي، ومن هنا صحّ أن نعلّق عليه أحكام الجزئي. فهنا لم نتصوّر حاقّ الموضوع، لكن تصوّرنا شيئاً هو عينه بالحمل الأوّلي وإذا اتّضح ذلك نقول: إنه عندنا حكم وهو الوضع، نريد أن نعلّقه على واقع الأفراد. فهنا إما أن نتصوّر واقع الأفراد حقيقة، وإما أن نتصوّر شيئاً هو واقع الأفراد بالحمل الأوّلي، وهو نفس عنوان الأفراد، فنتصوّر عنوان الأفراد ونضع اللفظ له. ويكون الوضع لمعنون هذا العنوان وهو الأفراد بحقائقهم. 

وبهذا يتّضح أن الشرط العامّ في تصحيح عملية الوضع أن يكون المعنى الموضوع له متصوّراً إما بحقيقته كما هو في القسمين الأوّلين للوضع، وإما أن يكون متصوّراً بمباين له لكنّه عينه بالحمل الأوّلي: 

ومن مجموع ما ذكرناه: 

1- اتّضح عدم معقولية القسم الرابع أيضاً كما سوف نذكر. 

ــــــــــ[141]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

2- إن بينه(1) -أي المحقق العراقي- وبين صاحب الإشكال الأوّل جهة اتّفاق وهي عدم معقولية الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ في الجوامع الانتزاعية عن الخارج. 

وجهة اختلاف وهي معقولية هذا الوضع في الجوامع الاعطائية من قبل النفس، فإنها تنطبق على الأفراد بخصوصياتها وحاكية عنها. 

أما جهة الاختلاف بينهما فقد سبق أن ناقشناها آنفاً، وأما جهة الاتّفاق بينهما في الجوامع الأخذية بأنه لا يعقل الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ؛ لأنه لا ينطبق على الأفراد بخصوصياتها، ولا يحكي عنها، لأنه إنما يتصوّر بعد تجريدها فكيف يتصوّره الواضع ويضع للأفراد. 

ونحن وإن كنّا نقبل أن مثل هذا الجامع كالانسان لا يعقل فيه قيد الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، إلّا أن النكتة التي ذُكرت في المقام غير تامّة.

وتوضيح الحال فيه: أن الفرد له اصطلاحان: 

الأوّل: فرد الإنسان، بمعنى: هذا الإنسان المخصوص، المنضمّ إليه عوارض مخصوصة كالطول والبياض. 

الثاني: أن يكون الفرد بمعنى الحصّة، يعني: شخص هذه الإنسانية التي نشير إليها عند الاشارة إلى (خالد)، بدون أن تدخل فيها الخصوصيات. وهذه الحصّة متميّزة عن الحصص الأخرى حتى لو قطعنا النظر عن أن هذا أبيض وذاك أسمر، فإن هذا الإنسان غير ذاك الإنسان على أيّ حال. 

ــــــــــ[142]ــــــــــ

() ذكر جواب المحقّق العراقي ثُمّ قال…: (المقرِّر). 

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فإن كان مراد هؤلاء من أن جامع الإنسان مثلا لا ينتزع إلّا مع تجريد الأفراد عن الخصوصيات، إن أُرِيد الفرد بالاصطلاح الأوّل، وأُرِيد بالخصوصيات الأعراض الطارئة عليه. فهذا صحيح، وإنه لا بُدّ من قطع النظر عنها في مقام انتزاع الجامع، إلّا أنه حتى بعد قطع النظر عنها يوجد عندنا فرد بالمعنى الثاني وهو الحصّة، فإن قالوا: إنه هنا أيضاً لا بُدّ أن نجرّد الحصّة عن خصوصياتها، فمعناه أنهم فرضوا الحصّة مركّبة من أمرين: خصوصية وحيثية مشتركة، وهو غير صحيح؛ فإننا لو قطعنا النظر عن الخصوصية في (خالد) هل تبقى عين إنسانية (زيد)؟ كلا، بل هي غيرها على أيّ حال. 

وهذا معناه أننا حين ننتزع الجامع نجرّد الأفراد عن الخصوصية بالمعنى الأوّل للفرد حتى تبقى الحصّة، وليس بعد ذلك تجريد آخر؛ لأن الحصّة ليست إلّا صرف الإنسانية. إذن، فالجامع ينطبق على الحصّة بتمامها، ويحكي عنها بتمامها لا على جزء دون جزء. إذن، فلماذا لا يمكن الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ والجامع بهذا المعنى. إذن، فالنكتة الملحوظة في هذا الإشكال غير وافية بالإبطال(1)

ما يندفع به الاعتراض الثاني

الإشكال الثاني: في الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ. 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

() الحصّتان إحداهما عين الأخرى مفهوماً لا يستطيع الذهن البشري التفرقة بينهما. ولكن أحداهما غير الأخرى خارجاً. وقال السيّد أيضاً في تخريج ذلك إنه هذا راجع إلى الاعتقاد الفلسفي بأن ما به الاشتراك عين ما به الامتياز. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وحاصله: أن المفهوم العامّ مع المفهوم الخاصّ، هذان المفهومان وإن كانا موجودين بوجود واحد خارجاً. لكنّهما بما هما مفهومان في عالم الذهن متباينان لا محالة. ومعه يقال: بأن الواضع إذا تصوّر المفهوم الجامع وهو الإنسان لا يعقل أن يضع اللفظ للأفراد يعني لمفهوم زيد وعمرو. 

فإن ذلك لا يخلو من أحد وجوه أربعة:

الوجه الأول: أما أن يدّعى أن تصوّر الجامع صار حيثية تعليلة لتصوّر الفرد، أي سبباً لانتقال ذهنه إليه، فهذا خارج عن محلّ الكلام، فإنه يدخل في الوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ. 

الوجه الثاني: وأما أن يدّعى أن مفهوم الإنسان ومفهوم زيد يوجدان بحضور وتصوّر واحد لدى الإنسان فهو أمر غير معقول؛ لأننا بيّنا أنهما متباينان في عالم المفهومية، فكيف يوجدان بحضور واحد في الذهن البشري؟

الوجه الثالث: وأما أن يفرض أن مفهوم (زيد) لم يحضر لا في طول تصوّر الإنسان ولا بنفس حضوره، بل هو غائب مطلق عن الذهن. لكن مع هذا أصدر الواضع حكمه عليه، فهو أيضاً أمر غير معقول. 

إذن يتعيّن الفرض الرابع، وهو أن الواضع أصدر حكمه على نفس الجامع الذي تصوّره، فيكون الوضع عامّاً والموضوع له أيضاً عامّاً. 

وفي مقام الجواب نختار الشقّ الرابع من هذه الشقوق الأربعة، فالواضع يتصور الجامع ويضع اللفظ له، لكنّه يصير من الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، بمعنى أنه يصدر الحكم على العامّ ويستقرّ الحكم على الخاصّ. ــــــــــ[144]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وتوضيحه: يكون ببيان مقدّمتين: 

المقدمة الأولى: أن العناوين كلّها إذا لوحظت بالنظر الأوّلي التصوري فهي واجدة لحيثياتها المقومة لها لا محالة، فمفهوم الكلّي واجد للكلّية والجزئي للجزئية والإنسان للإنسانية. ويستحيل أن يكون بالنظر الأوّلي فاقداً بأن نقول: الإنسان ليس بانسان، أو الجزئي ليس بجزئي؛ لأنه تناقض مستحيل. 

ولكن بنظر ثانوي تصديقي تختلف، فيكون بعضها واجدة لحيثياتها، وبعضها فاقدة لها، فنحن بالنظر الأوّلي نرى الجزئي واجداً للجزئية، ولكن بالنظر الثاني نرى أن مفهوم الجزئي من المفاهيم الكلّية لا الجزئية، وهو يقبل الصدق على كثيرين. وفي مقابله عنوان الكلّي فإنه بكِلا النظرين كلّي. 

المقدمة الثانية: أن في القضيّة يوجد مرحلتان: 

الأولى: مرحلة إصدار الحكم وعقده من قبل النفس أو الحاكم.

والثانية: مرحلة ثبوت المحكوم به للموضوع حقيقة. 

وفي المرحلة الأولى: لايحتاج إلّا إلى إحضار موضوع القضيّة بالنظر التصوري، فإنه يكفي لأن يحكم الحاكم عليه؛ لأن الحكم يتوقّف على تصوّر الموضوع، وهو بالنظر التصوري قد أحضر الموضوع. 

فمن يريد أن يحكم على المستطيع بوجوب الحج يكفي أن يحضر المستطيع تصوّراً. 

وأما في مرحلة جريان الحكم على موضوعه، وثبوت المحكوم به على الموضوع، فالمحكوم يثبت على ما هو الموضوع بالنظر التصديقي الحقيقي، يعني 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

أن زيداً مستطيع له زاد وراحلة حتى يجب عليه الحجّ. 

مثال المقدّمتين: (الجزئي لا ينطبق على كثيرين). وهي قضيّة صحيحة عند من أنكر الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ وعند من قال به، مع أنها في بادئ الأمر فيها إشكال وهو: أن هذا الرجل أحضر في ذهنه مفهوم الجزئي وهو ينطبق على كثيرين إذن فالقضية كاذبة، فإنه حكم على هذا المفهوم بحكم زيد وخالد، فإن الجزئي ينطبق على كثيرين، إلّا أن زيداً لا ينطبق على كثيرين. 

جواب ذلك: يتّضح من المقدّمتين، حيث قلنا: إن مفهوم الجزئي بالنظر الأوّلي واجد لنفسه، وبالنظر التصديقي فاقد لنفسه وليس بجزئي. فالحكم في قضيّة (الجزئي يمتنع صدقه على كثيرين)، هو حكم معلّق على مفهوم الجزئي، وهو بالنظرة الأولى التصورية واجد للجزئية وهو يكفي للحكم؛ لأنه بشخص هذا النظر يراه الحكم أهلاً للحكم. 

لكن في المرحلة الثانية، أي في مرحلة ثبوت المحمول للموضوع، يثبت المحمول لِما يكون جزئياً بالنظر التصديقي لا لِما كان جزئياً بالنظر الأوّلي؛ فلا يكون مفهوم الجزئي موضوعاً لهذه القضية، فصار مفهوم الجزئي موضوعاً للقضية، مع أن الحكم ثابت لأشياء أخرى وهو زيد وخالد. 

فإذا قلنا: وضعت لفظ (الإنسان) للجزئي من الإنسان. فالواضع يتصوّر مفهوم الجزئي ومفهوم الخاصّ الذي هو بالنظر الأوّلي خاصّ وجزئي ويصدر الحكم له. لكن المحكوم عليه هو ما كان بالنظر التصديقي خاصّاً، فيكون الوضع لزيد وبكر وخالد. 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وهكذا يتلخّص أنه يعقل الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، بأن يحضر مفهوم عام هو بالنظر الأوّلي التصوري خاصّ وإن لم يكن بالنظر التصديقي خاصّاً. وهو كافٍ في الحكم وإيجاد العلاقة وان كانت العلاقة تستقر على ما يكون خاصّاً بالنظر التصديقي. 

اتّضح أن الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ أمر معقول، إلّا أنه يختصّ ببعض الجوامع دون بعض، وذلك لاختصاص النكتة التي ذكرناها له بها. 

فما كان من الجوامع يكون بالنظر التصوّري جزئياً ويصبح الحكم بالنظر التصديقي سارياً إلى الأفراد، كمفهوم فرد الإنسان أو جزئي الإنسان يعقل فيه الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ بخلاف مفهوم الإنسان نفسه، فلا يعقل فيه ذلك؛ لأنه ليس خاصّاً لا بالنظر التصوري ولا التصديقي. فإن ما يكون خاصّاً بالنظر التصوري هو مفهوم الخاصّ لا مفهوم الانسان. إذن، فلا يعقل أن يتصوّره الواضع ويضع اللفظ للأفراد. 

إذن، فهذا معناه التفصيل بين الجامع الذي كان من قبيل الفرد والخاصّ، فيعقل فيه ذلك؛ لانه خاصّ بالنظر التصوري، وإن لم يكن خاصّاً بالنظر التصديقي. دون جامع الإنسان لأنه ليس خاصّاً بكِلا النظرين. 

القول في الخاص والموضوع له العام

ومن مجموع ما ذكرناه اتّضح حال القسم الرابع: وهو الوضع الخاصّ والموضوع له العام بأن يتصوّر زيداً ويضع اللفظ لمفهوم الإنسان، وذلك لأنه يُراد فيه جعل اللفظ للعامّ مع أن المتصوّر هو (زيد)، وهو ليس عامّاً لا بالنظر 

ــــــــــ[147]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

التصديقي ولا التصوري، ومفهوم زيد غير مفهوم العام. 

إذن، فهو غير معقول بناءً على ما بيّناه من أن إصدار الحكم لا بُدّ فيه من إحضار الموضوع بأحد النظرين. وهنا الواضع يريد أن يضع اللفظ للعامّ فلا بُدّ له من إحضار ما هو عامّ باحد النظرين، وزيد ليس عامّاً بكِلا النظرين. فلا يكون هذا القسم معقولاً. 

فكلّ مَن يضع للإنسان إما أن يحضر مفهوم الإنسان في ذهنه. أو يتصوّر مفهوم العامّ الذي ينطبق على زيد، من دون أن يتصوّر مفهوم الإنسان، فيكون من الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ؛ لأنه تصوّر جامعاً ووضع لاحد أفراده وهو مفهوم الانسان. 

إذن فالقسم الثالث معقول في الجملة، والرابع غير معقول.

تمّ البحث في الجهة الثالثة في أقسام الوضع المتعدِّي.

ــــــــــ[148]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 








 

الجهة الرابعة: في الاقسام الواقعة للوضع 

 

وقد عقدت في الحقيقة لتحقيق معنى الحروف والهيئات؛ لأنه لا إشكال أن الوضع العامّ والموضوع له العامّ واقع خارجاً كاسماء الأجناس، كما أن الوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ واقع كاسماء الأعلام، وإنما وقع الكلام عن وقوع الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، حيث مثّلوا له بوضع الحروف والهيئات. 

ويقع الكلام بهذا اللحاظ في مقامين: 

المقام الأوّل: في الحروف. 

يوجد في تحقيق معانيها ثلاثة مسالك:

الأوّل: ينكر المعاني للحروف أصلاً.

الثاني: أن الحروف معانيها هي معاني الأسماء، والفرق بينهما عرضي لا ذاتي.

الثالث: أن معاني الحروف مباينة ذاتاً للأسماء (وقد يندرج في كلّ قسم عدد من الأقوال والاحتمالات). 

المسلك الأول: إنكار وجود معانٍ للحرف أصلاً

أما المسلك الأوّل وهو: أن الحروف لم توضع لمعنى فقد قيل في بيانه: إن 

ــــــــــ[149]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الحروف حالها حال العلامات الإعرابية كالضمّة والفتحة. ليست دالّة على شيء، وإنما هي علامة على أن الاسم قد أُريد منه الخصوصية الفلانية. ولهذا لو أُخذ الحرف من وحده لم يتحصّل منه معنى(1)

الإشكال على المسلك الأول

قالوا في التعليق عليه: إنه ماذا يريد صاحب هذا المسلك(2) أن يقول؟ هل يريد من قوله أن الحروف ليس لها معانٍ، أن جملة (السير من البصرة إلى الكوفة)، مثل جملة: (السير البصرة الكوفة)؛ لأن الحروف حشو زائد؟ فهذا بديهي البطلان. وإن اعترف أن لها دخلاً في فهم المعاني، فهذه الخصوصيات التي نفهمها بـ(من) و(إلى) لا نفهمها بدونها هل نفهمها مِن (من) و(الى)، أو من (الأسماء الظاهرة)؟

فإن قيل الأوّل فهو معنى أن الحروف لها معانٍ. وإن قيل إننا نفهمها من (الأسماء الظاهرة) بمعنى أن كلمة (السير) استُعملت في السير الذي يكون بحال مخصوص مبدوء بالبصرة، ويختم بالكوفة. فمن الواضح أن كلمة (السير) غير موضوعة لهذه الخصوصيات، وإنما هي موضوعة لطبيعة السير، 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

() راجع تشريح الأُصول (النهاوندي، ط حجريّة): 40-41، في المعنى الحرفي وبيان أنَّ الحرف لا يدلّ على معنى في نفسه، شرح الكافية في النحو 1: 35-42، استطراد إلى تعريف كلّ من الفعل والحرف، في معاني الحروف.

(2) راجع محاضرات في أُصول الفقه 1: 59، التمهيد، الأمر الرابع: في الوضع، الجهة الرابعة: في أقسام الوضع إمكاناً ووقوعاً، المقام الثاني، القول الثاني.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فانفهام ذلك إن كان من الحرف، فهو المطلوب. وإن كان شيئاً آخر، فلا يوجد عندنا شيء آخر غير الاسم والحرف. 

دفع الإشكال

إلّا أنه بالإمكان توجيه هذا المسلك بنحو لا يرد عليه هذا الاشكال. بأن يقال: بأن صاحب هذا المسلك لعلّه يعترف بأن هناك خصوصيات تُستفاد من (من) و(إلى)، ويدّعى أنها مستفادة من نفس الاسم وليست مدلولةً بالحرف، ويدّعي أن كلمة (السير) موضوعة لإفادة هذه الخصوصيات؛ وذلك: أن كلمة (السير) لها أوضاع متعدّدة لا وضع واحد، فهي في حال توحّدها وانفرادها موضوعة لذات الطبيعة. وكلمة (السير) المسبوقة بـ(من) أو الملحق (من) بها موضوعة لحصة خاصّة من السير. 

وهذا أمر معقول، ولا إشكال فيه ثبوتي، ويتحصّل منه أننا استفدنا السير بخصوصياته من نفس كلمة (السير) لا جزأه منها وجزأه من الحروف بنحو تعدّد الدالّ والمدلول، وإنما دلّت على ذلك لاقترانها بـ(من) و(الى) فهي قيود لكلمة (السير) لا دوالّ مستقلّة. 

والأثر الفنّي لذلك: أنه على ذلك لا يمكن تسليط التقييد على مدلول الحرف ابتداءً(1)؛ لأن المفروض أنه ليس له مدلول أصلاً، والحرف ليس له مدلول أصلاً، بخلاف ما إذا دلّت كلمة (السير) على الطبيعة، والحرف على الخصوصية، فقد يدّعى أنه يمكن تقييدها، على ما سوف يأتي. 

ــــــــــ[151]ــــــــــ

() ويعني توجيه التقيّد إلى المعنى الاسمي. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فهذا المسلك معقول ولا يشبه اجتماع النقيضين، وكما قيل باعتبار أن الحرف دخيل في الدلالة وليس له معنى، فإن معنى كونه دخيلاً في الدلالة، كونه قيداً في تكوّن المعنى للاسم وفي وضع الاسم لمعناه المخصوص وإن لم يكن للحرف معنى. 

المسلك الثاني: الفرق بين الحروف والأسماء عرضي لا ذاتي

وهو مختار صاحب الكفاية(1): أن الحرف موضوع لنفس المعنى الذي وضع له الاسم، فالمعنى الحرفي والمعنى الاسمي متّحدان ذاتاً، لكنّهما مختلفان في جهة عرضية. 

وكلامه ينحلّ إلى جهتين: 

الجهة الأولى: هي أن المعنى الاسمي هو المعنى الحرفي ولا يوجد فرق ذاتي بينهما كـ(من) و(الابتداء) وكـ (إلى) و(الانتهاء)، غاية الأمر أنهما يختلفان في جهة عرضية، وهي أنه متى ما لوحظ (الابتداء) و(الانتهاء) بما هو هو باللحاظ الاستقلالي عبّر عنه بالاسم، ومتى ما لوحظ باللحاظ الآلي بما هو حالة في غيره وفانٍ في غيره، يعبّر عنه بالحرف. فهما مختلفان باعتبار خصوصية اللحاظ الاستعمالي في مقام الاستعمال. 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

() راجع كفاية الأُصول: 11، 12، المقدّمة، الأمر الثاني: تعريف الوضع وأقسامه. وهو منسوبٌ إلى المحقّق الرضي، فلاحظ: محاضرات في أُصول الفقه (الفيّاض) 1: 54، التمهيد، الأمر الرابع: في الوضع، الجهة الرابعة: في أقسام الوضع إمكاناً ووقوعاً، المقام الثاني، القول الأوّل.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الجهة الثانية: أن هذا الفارق العرضي بين معنى الاسم ومعنى الحرف هاتان الخصوصيتان؛ (اللحاظ الآلي) و(الاستقلالي) هل هما قيد في المعنى الموضوع له، أو هما ليس كذلك؟ بل كِلاهما وضع لمعنى الابتداء، لكن كان اللحاظ قيداً في الوضع، بأن قال الواضع: ضع (مِن) للابتداء باللحاظ الآلي، والاسم للابتداء الاستقلالي؟ 

وكأنّ صاحب الكفاية أخذ الجهة مفروغاً عنها، ولذا لم يتعب نفسه في البرهنة عليها، وإنما بحث مفصّلاً عن الجهة الثانية، فيقيم البراهين الصورية؛ أن اللحاظ الآلي والاستقلالي لا يمكن أخذه قيداً في الموضوع، بل ينحصر كونهما قيداً في الوضع. 

فلا بُدّ من التكلّم في هاتين الجهتين. 

في أن الفارق عرضي بلحاظ الاستعمال

أما الجهة الأولى: أن معنى الاسم والحرف واحد، وليس بينهما فارق ذاتي، بل عرضي بلحاظ الاستعمال. 

اعترض عليه من قبل المتحقّقين المتأخّرين بعدّة اعتراضات: 

الاعتراض الأوّل: إن معنى الحرف لا يعقل أن يكون له نحوان من اللحاظ في عالم الذهن

ما ذكره المحقّق الاصفهاني في حاشيته على الكفاية(1)، حيث قال: إن معنى 

ــــــــــ[153]ــــــــــ

(1) اُنظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية (الأصفهاني) 1: 26 – 27، التحقيق في المعنى الحرفي.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الحرف لا يعقل أن يكون له نحوان من اللحاظ في عالم الذهن، فيلحظ تارةً باللحاظ الآلي، وأخرى باللحاظ الاستقلالي مع أنه معنى واحد، هذا غير معقول؛ لأن المعنى الحرفي إذا كان له نحوان من اللحاظ في الذهن، يعني: له نحوان من الوجود الذهني؛ وجود ذهني تبعي، ووجود ذهني استقلالي، فيلزم أن يكون لمعنى الحرف نحوان من الوجود في الخارج أيضاً طبقاً لما في الذهن؛ يكون له وجود استقلالي تارةً، وتبعي أخرى. مع أن معاني الحروف وهي النِسب والروابط ليس لها وجودٌ استقلالي أصلاً. ومعه يكون وجودها الذهني متمحّضاً بالوجود الاندكاكي الضمني.

هذا البرهان كأنّه مبني على هذا الأصل الموضوعي، وهو أن أنحاء الوجود الخارجي لا بُدّ أن تكون على قدر أنحاء الوجود الذهني. مع أن هذا الأصل بلا موجب أصلاً. فإنه قد يكون للشيء نحو من الوجود في الذهن ولا يكون له ذاك النحو من الوجود في الخارج. 

مثلاً الأعراض، كالبياض، فإن له في عالم الذهن نحوين من الوجود، فإنه قد يوجد في ضمن تصوّر الإنسان الأبيض كذلك يوجد بنفسه في الذهن، حيث يمكن للأنسان أن يتصوّر ماهيّة البياض، فماهيّة البياض قابلة للوجود في الذهن بوجود غير مرتبط بالموضوع. مع أنه في الخارج لا يعقل وجوده إلّا مرتبطاً بجسم. وهذا يبرهن على أن الذهن قد يعطي أنحاء من الوجود للمفاهيم لا مطابق لها في الخارج. 

فكذلك يمكن أن يُفرض أن المعنى الحرفي له نحوين من الوجود: تارةً 

ــــــــــ[154]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

يوجد بوجود استقلالي، وأخرى تبعي. ولكنّه في الخارج يوجد بنحو واحد. 

ثُمّ كأنّ الاصفهاني(1) حمّل على صاحب الكفاية مطلباً، وهو: أن معاني الحروف هي النسب فقال: إنها لا تقبل الوجود الاستقلالي. مع أن هذا أوّل الكلام بينه وبين صاحب الكفاية. 

وصفوة القول: أننا وإن كنّا نقبل أن النسبة لا يعقل لها نحوان من الوجود، كما سيأتي، لكنّنا لا نقبل هذا الطرز من البرهان؛ اذ لا برهان على لزوم التطابق بين أنحاء الوجود الخارجي وأنحاء الوجود الذهني. 

نعم، لا بُدّ من استئناف كلام يبرهن على عدم الاستقلالية ذهناً وخارجاً، وهذا كلام آخر. 

الاعتراض الثاني: لزوم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر

الاعتراض الثاني: أنه لو كان لا يوجد فرق ذاتي بين المعنى الاسمي والحرفي، وإنما الفرق بينهما باللّحاظ، للزم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر ولو بنحو المجاز(2)؛ أما بناءً على أن اللحاظ الآلي والاستقلالي ماخوذ قيداً في المعنى 

ــــــــــ[155]ــــــــــ

() اُنظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 26، التحقيق في المعنى الحرفي.

(2) راجع فوائد الأُصول (الكاظمي) 1: 48 -49، المقدّمة، المبحث الأوّل: في الوضع، المقام الأوّل: في بيان معاني الحروف والمايز بينهما وبين الأسماء، أجود التقريرات 1: 15، المقدّمة، الفصل الثاني: في جملة من المباحث اللغويّة، المقام الأوّل: في بيان ما به يمتاز الحرف عن الاسم، محاضرات في أُصول الفقه، (الفيّاض) 1: 57، 58، التمهيد، الأمر الرابع: في الوضع، الجهة الرابعة: في أقسام الوضع إمكاناً ووقوعاً، المقام الأوّل، القول الأوّل، دراسات في علم الأُصول 1: 53، المقدّمة، الأمر الثالث: في الوضع، أقسام الوضع، المقام الثاني: تحقيق الكلام في المعاني الحرفيّة.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الموضوع له فجواز استعمال الحرف في محلّ الاسم أو العكس، لا يخلو من تصرّف في المعنى الموضوع له، إلّا أنه فليكن من باب المجاز، باعتبار قرب معناه منه، فإن الابتداء الآلي قريب من الابتداء الاستقلالي لاشتراكهما في معنى الابتداء.

وأما على مسلك صاحب الكفاية وهو أن اللّحاظ قيد في الوضع لا في الموضوع له، فالمجاز أصح وأوضح. فإن الحرف يكون قد استُعمل في شخص ما وضع له لكن مع التأويل، فإذا صحّ استعمال الأسد في الرجل الشجاع مجازاً مع أنه مباين له، فكيف لا يصحّ استعمال (من) في معنى الابتداء مع أنه لا تباين ذاتي بينهما؟ مع أنه لا إشكال في عدم صحّة ذلك، فيكشف ذلك عن التباين الذاتي بينهما. 

وهذا الاعتراض للنائيني والسيّد الأستاذ(1)

وهذا الاعتراض إذا سرنا على المسلك المشهوري للوضع فيمكن الذبّ عن صاحب الكفاية: 

بأن يقال: بأن صحّة استعمال اللفظ مجازاً فرع أن يكون له دلالة في نفس الوقت على المعنى الحقيقي. فإن اللفظ إذا كان له دلالة على المعنى الحقيقي ببركة الوضع، حينئذٍ ينشأ له دلالة أخرى بالمناسبة على ذاك المعنى الآخر المناسب. 

ــــــــــ[156]ــــــــــ

(1) راجع المصدر السابق.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فصحّة استعمال اللفظ في المعنى المناسب موقوف على دلالته على المعنى الحقيقي، حتى بتبعه ينشأ صحّة استعماله في المعنى المناسب. 

وحينئذٍ فإن ادّعينا أن لفظ (من) باعتبار أن اللحاظ الآلي قيد في الوضع، فإذا لم يكن هناك لحاظ آلي بل استقلالي كموارد استعمال الأسماء ففي هذا الزمان العلقة الوضعية بين (من) والابتداء غير موجودة؛ لأنها مشروطة باللحاظ الآلي، والمشروط عدم عند عدم شرطه، ففي هذا الزمان ليس لها معنى موضوع له، فإذا لم يكن لها معنى حقيقي لم يكن لها دلالة مجازية أيضاً، فإن الدلالة المجازية فرع الدلالة الحقيقية في نفس ذاك الزمان. 

فهذا يشبه أن نفرض أن كلمة (أسد) نُسخ وضعها عن الحيوان المفترس، فلا يبقى لها دلالة مجازية على الرجل الشجاع؛ لأنها في طولها ومن ترشّحاتها. 

إذن فهذا الوجه أيضاً غير تامّ. 

الاعتراض الثالث: لزوم إنقلاب المعنى الإسمي إلى حرفي

ما ذكره السيّد الاستاذ(1) في تعليقته: أن المعنى الحرفي لو كان ملاك حرفيته بملاحظته باللحاظ الآلي الفنائي، للزم أن تكون المعاني الإسمية معانيَ حرفية؛ لأن كثيراً من المعاني الاسمية المأخوذة في موضوعات القضايا الملحوظ فيها 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

(1) أُنظر: أجود التقريرات 1: 15، المقدّمة، الفصل الثاني: في جملة من المباحث اللغويّة، المقام الأوّل: في بيان ما به يمتاز الحرف عن الاسم، محاضرات في أُصول الفقه (الفيّاض) 1: 57، 58، التمهيد، الأمر الرابع: في الوضع، الجهة الرابعة: في أقسام الوضع إمكاناً ووقوعاً، المقام الأوّل، القول الأوّل.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الخارج، إنما تلحظ بما هي فانية في معنونها الخارجي. ففي قولنا: (النار محرقة)، فالنار مفهوم اسمي، لكنّه لوحظ بما هو فانٍ في معنونه الخارجي، فيلزم أن يكون معنى حرفياً، مع أنه لا إشكال أنه مفهوم اسمي، وهذا برهان على أن تميّز المعنى الحرفي عن الاسمي ليس بمجرّد اللحاظ الآلي والاندكاكي، بل بأمر ذاتي أعمق من ذلك(1)

وهذا الاعتراض أيضاً مما لا يمكن المساعدة عليه، فإن اللحاظ الآلي والفنائي له معنيان: 

أحدهما: لحاظ المفهوم فانياً في معنونه وواقعه. كمثال: النار محرقة، وهذا الفناء واضح جداً، ومرجعه إلى أنه من الواضح أن الإنسان حين يقول: (النار محرقة) لا يريد أن يحكم على النار الموجودة في ذهنه بأنها محرقة، فإنها ليست محرقة، وإنما الاحراق صفة النار الخارجية وهو المعنون. فلا محالة يحضر هذه الصورة الذهنية للنار، ويلحظها بما هي فانية ومرآة للمعنون الخارجي، ليصحّ الحكم. 

وأما حقيقة هذا الإفناء، فليس هو أنه توجد في الذهن عملية واستهلاك حقيقة، بحيث يكون في الذهن شيئان: مفهوم النار، وواقعه، وأحدهما يستهلك 

ــــــــــ[158]ــــــــــ

(1) اُنظر: أجود التقريرات 1: 15، المقدّمة، الفصل الثاني: في جملة من المباحث اللغويّة، المقام الأوّل: في بيان ما به يمتاز الحرف عن الاسم، محاضرات في أُصول الفقه (الفيّاض) 1: 57، 58، التمهيد، الأمر الرابع: في الوضع، الجهة الرابعة: في أقسام الوضع إمكاناً ووقوعاً، المقام الأوّل، القول الأوّل.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

في الآخر ويندكّ فيه؛ اذ من الواضح أن المعنون الخارجي لا يعقل وجوده في الذهن، ولا يوجد في الذهن إلّا شيء واحد هو الصورة الذهنية لمفهوم النار، وهذه الصورة إن كانت موجودة فالاستهلاك منتفٍ وإن استُهلكت وانعدمت فكيف يلحظ معنونها؟ 

وإنما معنى الفناء والاندكاك: أن الصورة الذهنية لها لحاظان: باللحاظ الأوّلي التصوّري هي نار، وباللحاظ التصديقي الذي يكشف حقيقتها هي صورة ذهنية من مقولة الكيف، وليست ناراً. فمعنى الإفناء في قولنا: (النار المحرقة) أننا لا نستعمل النظر الثاني، بل نستعمل النظر الأوّل؛ لأننا لو استعملنا النظر الثاني لَما قلنا إنها محرقة.

وهذا أمر معقول صحيح وهو الموجود في المفاهيم.

القسم الثاني من الفناء: فناء مفهوم في مفهوم، واندكاك معنى في معنى. وهذا هو الذي يدّعى عادةً في الحروف بأن يقال: إن معنى (من) هو الابتداء الملحوظ مندكّا في معنى الاسم، وهو (السير) و(الكوفة) و(البصرة)، فالابتداء تارةً يلحظه الذهن شيئاً في نفسه فيعبّر عنه بالابتداء، وأخرى يلحظه طوراً في غيره فلا يرى إلّا صاحب الطور بما هو متطوّر بهذا الطور فيعبّر عنه بـ(من). 

وهذا المعنى يختلف في القسم الأوّل؛ لأن بابه باب فناء معنى في معنى، وذلك بابه باب فناء العنوان في المعنون.

وحينئذٍ نقول: إن صاحب الكفاية إذ يقول: إن الفرق بين المعاني الاسمية والحرفية باللحاظ الآلي والاندكاكي، لا يقصد ما يشمل القسم الأوّل، بل 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

مقصوده القسم الثاني. لا يريد أن مفهوم المعنى الحرفي في واقع المعنى الحرفي حتى يقال: إنه موجود في الأسماء أيضاً، بل هو فانٍ في المعنى الاسمي، فلا يرد عليه النقض.

وكون هذا مراداً لصاحب الكفاية واضح من عبارته؛ لأنه يقول: إن المعنى الحرفي حالة في غيره. ويقصد بالـ(غير) المعنى الاسمي؛ ولذا يشبّه الحرف مع الاسم كالعرض مع الجوهر في الخارج، فكما أن العرض لا يُرى بحياله، كذلك معنى الحرف لا يُرى بحياله في مقابل المعنى الاسمي. 

ومما يؤيّد ذلك: أنه فرّع(1) على مبناه عدم إمكان تقييد المعنى الحرفي(2)، باعتبار أنه ملحوظ باللحاظ الآلي الغفلتي، فكيف يطلق ويقيّد! فإنه فرع الالتفات، وهذا التفريع شاهد على أن مراده من اللحاظ الآلي فناء مفهوم في مفهوم، بحيث يغفل عن المفهوم، وأما فناء المفهوم في الخارج فلا يمنع عن الاطلاق والتقييد؛ لأنه ليس فيه غفلة وفناء، بل استبدال نظر بنظر. 

الاعتراض الرابع: النقض بالمصادر

ما أُفِيد أيضاً في التعليقة(3)، وحاصله النقض بالمصادر، وهو يحتاج إلى مقدّمة مختصرة: 

ــــــــــ[160]ــــــــــ

() في مبحث مفهوم الشرط. (المقرِّر).

(2) اُنظر: كفاية الأُصول: 195، المقصد الثالث: المفاهيم، فصل: الجملة الشرطيّة.

(3) راجع أجود التقريرات 1: 15، 16، المقدّمة، الفصل الثاني: في جملةٍ من المباحث اللغويّة، المقام الأوّل: في بيان ما به يمتاز الحرف عن الاسم.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وهي أن الآغايون بما فيهم السيّد الأستاذ فهم فرّقوا بين المصادر وأسمائها. فاسم المصدر موضوع للحدث بما هو هو مع قطع النظر عن فاعله. والمصدر هو الحدث بما هو حالة وصفة لفاعله أو مفهومه. 

وحينئذٍ يقال: لو كان المعنى الحرفي قوام حرفيته يكون ملحوظاً حالة لغيره. إذن، فالمصادر أيضاً تكون معنى حرفياً؛ لأنها ملحوظة بما هي حالات في غيرها. 

إلّا أنه لا يمكن المساعدة عليه، لوضوح أن المصدر له وضعان ومركّب من دالّين: المادّة، والهيئة. والمادة موضوعة لذات الحدث، والهيئة موضوعة لمعنى حرفي لا محالة. بخلاف اسم المصدر، فإن مادّته وضعت للحدث ولم توضع هيئته لشيء.

فأنتم تقطعون بماذا؟ هل تقولون يلزم أن مادّة المصدر معنى حرفي؟ هذا لا يمكن(1). فعندنا دالّان: أحدهما اسم وهو المادّة، وحرف وهو الهيئة. فأين انقلاب المعنى الاسمي إلى معنى حرفي؟! 

الاعتراض الخامس: إمكان تعلق اللحاظ الاستقلالي

أيضاً أُفِيد في التعليقة(2)

وحاصله إنكار أن يكون من مميّزات المعنى الحرفي اللحاظ الآلي، بل قد 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

() فان للآخوند أن يجيب أنها لم تلحظ باللحاظ الآلي. (المقرِّر).

(2) أُنظر: أجود التقريرات 1: 15، 16، المقدّمة، الفصل الثاني: في جملةٍ من المباحث اللغويّة، المقام الأوّل: في بيان ما به يمتاز الحرف عن الاسم.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

يتعلّق به اللحاظ الاستقلالي، خلافاً للمطلب المشهور، فإن اللحاظ الاستقلالي كما يمكن أن يتعلّق بالمعنى الاسمي، كذلك يمكن أن يتعلّق بالمعنى الحرفي، بحيث يكون تمام التوجّه إليه، كما لو علمنا زيداً سافر من كربلاء إلى النجف، لكن لا ندري أنه سافر بالسيارة أو الحصان. فالسؤال والتوجّه إنما هو نحو المعنى الحرفي، وهذا مناط سفره بالسيارة. إذن، فهو يقبل اللحاظ الاستقلالي. 

هذا الكلام أيضاً لا يمكن المساعدة عليه، والصحيح أن المعاني الحرفية
-كما قال المشهور- لا يمكن تعلّق اللحاظ الاستقلالي بها، وكما هو مقتضى مبنى السيّد الأستاذ. 

فإنهم بانون على أن الفرق بين المعاني الاسمية والحرفية ذاتي. فإنهم يقولون: بأن الحرف تبعيته ليست ناشئة من لحاظه الآلي، بل ناشئة من حاقّ ذاته. وأن المعنى الاسمي استقلاليته غير ناشئة من اللحاظ، بل ناشئة من حاقّ ذاته، وهذا معناه: أن المعنى الحرفي ذاتاً متعلّق بالغير ومرتبط به. 

ومن الواضح أن الوجود -سواء كان موجوداً خارجياً أو ذهنياً وهو المعبّر عنه باللحاظ- هو وجود لتلك الماهيّة وإبراز لها على واقعها. فإذا كانت تلك الماهيّة في عالم الماهوية متعلّقة ومندكّة، وليس لها استقلال فكيف توجد مستقلّة؟

يستحيل وجودها وجوداً استقلالياً ما دامت التبعيّة مأخوذةً فيها وفي ذاتيّتها فاللّحاظ الاستقلالي للمعنى الحرفي أمر غير معقول. 

وأما ما قيل من المثال، فنحن لم نلحظ المعنى الحرفي باللحاظ الاستقلالي، 

ــــــــــ[162]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

بل لحظنا المعنى الاسمي باللّحاظ الاستقلالي، والمعنى الحرفي باللّحاظ التبعي كما سيأتي. 

وأما المثال وأمثاله الذي قد يتراءى فيه أن السائل توجّه لحاظه الاستقلالي إلى المعنى الحرفي، حين يسأل عن كيفية ركوب زيد. قد يتخيّل أن اللحاظ الاستقلالي توجّه نحو المعنى الحرفي ابتداء. 

ولكن هذا غير صحيح، بل هذا المثال ونظائره لا يخلو من أحد وجهين: 

الأول: اما أن يكون السائل قد انتزع مفهوما اسمياً مشيراً إلى المعنى الحرفي، وقد تعلّق لحاظه الاستقلالي بذلك المفهوم المشير كما لو قال: (أسألك عن كيفية ركوب زيد)، وأخذه مشيراً إلى واقع النسبة بين السفر والسيارة. 

ففي مثل ذلك اللحاظ الاستقلالي متعلّق بهذا المفهوم الاسمي المشير لا بالمعنى الحرفي ابتداء. 

الوجه الآخر: أن لا يأخذ مفهوماً مشيراً، بل يستحضر نفس المطلب الأوّلي ويقول: (هل سافر زيد بالسيارة أو بالطائرة؟). فهنا اللحاظ الاستقلالي لم يتعلّق بالمعنى الحرفي، بل تعلّق بطرفه، أي: بالمعنى الاسمي المتخصّص بالمعنى الحرفي، وتعلّق بالمعنى الحرفي بالتبع لا بالاستقلال، فإن مرجع سؤاله إلى أن لحاظه الاستقلالي تعلّق بالحصّة، أي: السفر المقيّد بكونه بالسيارة وللسفر المقيد بكونه بالطيارة. فهو يسأل عن أنه أيّ من الحصّتين قد وجدت في الخارج، مع علمه بالجامع بينهما. 

إذن، فاللحاظ الاستقلالي متعلّق بالحصّة، وهو المعنى الاسمي المقيّد 

ــــــــــ[163]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

بالمعنى الحرفي، ولحاظ التقيّد لحاظ تبعي، ومعه فلا يكون هذا المثال وأمثاله شاهداً على تعلّق اللحاظ الاستقلالي بالمعنى الحرفي. 

وبهذا تمّ اندفاع الاعتراض الخامس أيضاً.

التحقيق في المسلك الثاني

والتحقيق أن هذا المسلك غير صحيح في نفسه، غاية الأمر يجب أن يبيّن الاعتراض بتعبير آخر غير هذه الاعتراضات الخمسة. 

وحاصله: أن يقال: إنه عندنا شيئان:

أحدهما: مفهوم الابتداء.

والآخر: النسبة الواقعة بين (السير) و(البصرة).

 وهذان أمران مختلفان: 

فإن مفهوم الابتداء مفهوم من المفاهيم الاستقلالية في ذاته، وقابل لأن يوجد بوجود استقلالي في عالم الذهن، فإن كلّ فرد يستطيع ان يتصوّره دون أن يتصوّر أطرافه. وقد يقال إنه يندرج في مقولة الإضافة كالابوّة والبنوّة. 

وأما النسبة القائمة بين (السير) و(البصرة)، فهي ليست صالحة للوجود الاستقلالي في عالم الذهن. لما سيأتي من البرهان على أن النسب بحسب ذاتها متقدّمة ومرتبطة بالغير، وما كان بذاته فقير يستحيل أن يكون غنياً بوجوده؛ لأن الوجود ليس إلّا وجود تلك الماهيّة التي هي مرتبطة بالغير. 

حينئذٍ نقول: ماذا يريد صاحب الكفاية بهذا المعنى الواحد الذي قالوا: إنه هو معنى الاسم ومعنى الحرف؟

ــــــــــ[164]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

هل يقولون: أن معنى (من) ومعنى الابتداء، هو مفهوم الابتداء، أو هو حاقّ النسبة؟ 

فإن قالوا: هو مفهوم الابتداء، هذا المفهوم القابل للوجود الاستقلالي في عالم الذهن، فإن لوحظ بما هو عُبّر عنه بكلمة الابتداء، وإن لوحظ حالة في غيره عُبّر عنه بكلمة (من).

فيرد عليهم: أن الابتداء وإن كان قابلاً للّحاظين كما أشرنا، لكن حين يلحظ الابتداء بما هو حالة وطور لغيره. فهو لا محالة يشتمل على طرز نسبة بين الابتداء وبين ذاك الذي لوحظ الابتداء حالاً له؛ فإن السير والابتداء مفهومان استقلاليان. وكلّ مفهومين استقلاليين إذا أُريد ربطهما فنحتاج إلى النسبة بينهما، فبالدقّة يوجد عندنا أمران: (الابتداء الآلي) و(النسبة). فإن قلتم: إن (من) موضوعه للابتداء الآلي، فما هو الموضوع للنسبة؟ فإنه ليس عندنا إلّا الاسم والحرف(1)، فلا بُدّ من دلالة الحرف على النسبة، وبذلك يحصل التغاير الذاتي بينهما، على ما سوف ياتي. 

وإن كان هذا المعنى الواحد هو حاقّ النسبة بين (السير) و(البصرة) -لا بين الابتداء والسير- في قولنا: (سرت من البصرة) فهذا هو الموضوع له الحرف. إلّا أنه لا يعقل أن يكون موضوعاً له كلمة (الابتداء)؛ لأنها تدلّ على معنى صالح للوجود الاستقلالي في الذهن، ومعنى (من) لا يصلح للوجود الاستقلالي على ما سبق. إذن، فيتعيّن أن كلمة (الابتداء) موضوعة لمفهوم 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

() وأقصد بالحرف الجامع بين الحروف والهيئات. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الابتداء، و(من) موضوعة لحاقّ النسبة، وهو معنى التغاير الذاتي بينهما. 

هذا تمام الكلام في الجهة الأولى من كلام صاحب الكفاية. 

وقد تبيّن أن مدّعاه باطل فيها، فلا يبقى موضوع للجهة الثانية، وهي أن اللّحاظ الآلي أُخذ قيداً في الوضع أو في الموضوع له، ومعه لا موجب للتعرّض لها. 

المسلك الثالث: ان معاني الحروف مباينة ذاتاً للأسماء

وهو المسلك المشهور بين المحقّقين المتأخّرين كالنائيني(1) والاصفهاني(2) والسيّد الأستاذ(3) وغيرهم. 

ولهذا المسلك عنوان جامع اتّفقوا عليه، ولكلٍّ منهم وجه خاصّ في بيان ذلك. 

ــــــــــ[166]ــــــــــ

() راجع فوائد الأُصول (الكاظمي) 1: 48 – 51، المقدّمة، المبحث الأوّل: في الوضع، المقام الأوّل: في بيان معاني الحروف والمايز بينهما وبين الأسماء، أجود التقريرات 1: 14-17، المقدّمة، الفصل الثاني: في جملةٍ من المباحث اللغويّة، المقام الأوّل: في بيان ما به يمتاز الحرف عن الاسم.

(2) راجع نهاية الدراية في شرح الكفاية (الأصفهاني) 1: 26- 28، تحقيقٌ في المعنى الحرفي.

(3) راجع محاضرات في أُصول الفقه (الفيّاض) 1: 70-71، التمهيد، الأمر الرابع: في الوضع، الجهة الرابعة: في أقسام الوضع إمكاناً ووقوعاً، المقام الأوّل: في تحقيق المعاني الحرفيّة، دراسات في علم الأُصول 1: 42، الأمر الثالث: في الوضع، أقسام الوضع، المقام الثاني: في تحقيق المعاني الحرفيّة، بدائع الأفكار (الآملي) 1: 56-57، الأمر الثاني: في الوضع، الجهة الرابعة: في ما وقع من أقسام الوضع، عمدة الأقوال في وضع الحروف.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

تحقيق وتوضيح في المقام

أما توضيح وتحقيق هذا المسلك: 

المرحلة الأولى

أننا حين نواجه قضيّة خارجية كاشتعال النار في الموقد، ننتزع منها مفاهيم عديدة موازية ومطابقة مع الحقائق التي نواجهها في هذه القضيّة، كمفهوم (النار) ومفهوم (الموقد)، وشيئاً ثالثاً بإزاء علاقة النار والموقد. 

ونحن إذا لاحظنا جملة من هذه المفاهيم التي ننتزعها كالنار والموقد، نرى أن هذه المفاهيم بالنظر التصوّري عين حقائقها، ولكنّها بالنظر التصديقي غير حقائقها، كما سبق أن قلنا: مفهوم النار بالنظر التصوّري نار، وبالنظر التصديقي ليس ناراً، بل صورة ذهنية قائمة في ذهني. وحيث إننا بيّنا أن إصدار الحكم على حقيقة من قبل النفس، يكفي فيه إحضار ما هو بالنظر التصوّري تلك الحقيقة، ولا يحتاج إحضار إلى ما هو بالنظر التصديقي عينها. وحيث إن هذا عينها بالنظر التصوّري، فنحكم عليه بأحكام حقيقة النار، وحيث إن هذا المفهوم ليس عين النار بالنظر التصديقي، فلا تنشأ خواصّ النار الحقيقية له، ولهذا لا يحترق الذهن بإحضار هذا المفهوم؛ لأن حضور الخواصّ تابع لأن يكون بالنظر التصديقي عين الحقيقة، بخلاف الحكم، فإنه يكفي أن يكون بالنظر التصوّري عين الحقيقة. 

فإذا عرفنا أن ملاك أصل الحكم غير ملاك ثبوت الخصائص للحقيقة. حينئذٍ يقال: إن المفاهيم المنتزعة من تلك الواقعة، بعضها ننتزعها من أجل 

ــــــــــ[167]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

تصحيح إصدار الحكم كمفهوم (النار)، فأنا لا أُريد أن أحرق ذهني، بل أُريد أن أحكم عليها بأنها متّقدة. وحيث إن هذا الغرض يتأتّى من كون المفهوم عين الحقيقة بالنظر التصوّري، فيكفي أن أحضر مثل ذلك في ذهني لتصحيح الحكم. 

وبهذا يُعرف أن تمام المفاهيم التي تستحضر لأجل أن يقسم عليها أو يحكم بها، تنتزع بنحو بحيث تكون عين الحقيقة بالنظر التصوّري، دون التصديقي. ولا أحتاج إلى أن أوجد حقيقة النار في ذهني أبداً. 

وأما بالنسبة إلى المفهوم الذي أنتزعه من العلاقة بين النار والموقد، فليس غرضي من تحصيله هو إصدار الحكم عليه، بل غرضي أن أُنشئ بين النار الموجودة في ذهني والموقد الذي في ذهني استحكاماً، بحيث ترجع هذه المفردات إلى مفهوم تركيبي، فلا بُدّ أن تحصل في ذهني الخصائص التكوينية لهذه العلاقة، فإن من شأنها أن ترتبط شيئاً بشيء، وأنا أُريد أن أربط بين النار والموقد. إذن، فالغرض تعلّق بالحصول على الخصائص التكوينية للحقيقة، وهذا لايكون إلّا بإحضار ما هو بالنظر التصديقي -فضلاً عن التصوّري- عين الحقيقة؛ لأننا قلنا: إن مجرّد العينية بالنظر التصوري لا تكفي لحضور خصائص الحقيقة. 

إذن فلا بُدّ في هذا المفهوم المنتزَع من العلاقة بين النار والموقد أن أحصل على شيء يكون بالنظر التصديقي أيضاً عين تلك الحقيقة؛ لكي تظهر خصائصه التكوينية بذهني.

ــــــــــ[168]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وبهذا يتّضح أن هناك فرقاً أساسياً بين الغرض من إحضار مفهوم النار والموقد، ومن انتزاع مفهوم من العلاقة بينهما. فإن الغرض الأوّل هو تصحيح إصدار الحكم، وهو يكفي فيه أن يكون عين الحقيقة بالنظر التصوري. وأما الغرض الثاني هو أن تظهر في ذهني الخصائص التكوينية للعلاقة، وهو لا يكون إلّا إذا كان المفهوم المنتزَع بالنظر التصديقي عين الحقيقة. 

وهذه المفاهيم من النحو الثاني، هي عبارة عن المفاهيم التي تكون دائما بإزاء العلاقات، وهي مفاهيم الحروف، وتلك المفاهيم من النحو الأوّل، هي مفاهيم الأسماء. 

فإلى هنا حصّلنا فرقاً جوهرياً بين الأسماء والحروف، وهو: أن مداليل الأسماء سنخ مفاهيم ينتزعها الذهن، بنحو يرى بالنظر التصوري عين الحقيقة، ولا يحتاج فيها إلى أكثر من ذلك؛ لأن الغرض منها إصدار الحكم فقط. وأما سنخ مفاهيم الحروف فينتزعها الذهن بنحو بحيث تُرى بالنظر التصديقي عين الحقيقة، لأن المطلوب هو حصولها -آثارها- في الذهن، وهو الربط والشدّ بين الأمرين، وهذا هو أحد معاني القول المشهور من أن المعاني الاسمية إخطارية والحرفية إيجادية.

المرحلة الثانية

يتفرّع على هذه المرحلة الأولى من توضيح الكلام مرحلة ثانية، وهو أن مدلول الحرف ليس هو مفهوم النسبة ولا مفهوم الربط ولا مفهوم العلاقة؛ لأن مفهوم النسبة بالنظر التصديقي عين النسبة، ولكنّه بالنظر التصديقي غير 

ــــــــــ[169]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

النسبة، وكذلك مفهوم العلاقة والربط وغيرها. وقد برهنّا في المرحلة الأولى: أن المفهوم المنتزع الذي يكون بإزاء الحرف لا بُدّ أن يكون عين الحقيقة. بالنظر التصديقي، فضلاً عن التصوري. فلا تصلح هذه الأمور أن تكون مداليل للحروف. 

بعد هذا نقول: بأن هذا المفهوم الذي انتزعناه بلحاظ العلاقة الخارجية، بحيث كان بنفسه واجداً للحقيقة بالنظرين التصوري والتصديقي، فكان هناك علاقة في الذهن بين النار والموقد الذهنيين بإزاء العلاقة الخارجية بين النار والموقد الخارجيين. فهل هاتان العلاقتان فردان من ماهيّة واحدة، فهناك ماهيّة محفوظة في الوجود الذهني والوجود الخارجي. كما يقال في الماهيّات الأخرى، أو أن العلاقة الذهنية مغايرة ذاتاً مع العلاقة الخارجية، بحيث لا يعقل وجود جامع ذاتي نوعي بين العلاقتين. 

الصحيح هو الثاني؛ لأن الجامع الذاتي لا يحصل إلّا بافراز الخصوصيات العرفية، والابقاء على المقوّمات يعني الغاء ما به الامتياز وابقاء ما به الاشتراك. 

وفي المقام ما به الامتياز لكلٍّ من العلاقتين هو طرفها، فإن كلّ علاقة تتميّز بطرفين غير الطرفين للأخرى، فالعلاقة الذهنية طرفاها ذهنيان والأخرى طرفاها خارجيان، فإن أردنا أن نلغي ما به الامتياز، وهو الطرفان، فلا علاقة أصلاً؛ لأن العلاقة متقوّمة بطرفيها، وإن لم نلغِ ما به الامتياز لم يمكن الوصول إلى الجامع. 

وقولوا نفس الشيء بين العلاقة الذهنية في ذهن المتكلّم، والعلاقة في ذهن 

ــــــــــ[170]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

السامع. فإن لكلٍّ منهما طرفين، فإن أبقينا عليها لم يمكن الوصول إلى الجامع وإن ألغيناهما لم تبقَ العلاقة أساساً. 

فهذه هي المراحل الثلاث للكلام في المعنى الحرفي(1).

المرحلة الثالثة

أنه عندنا ثلاث نسب في ثلاثة أوعية في الخارج، وفي ذهن المتكلّم، وفي ذهن السامع؛ فنبرهن على أنه لا يوجد جامع ذاتي حقيقي بينها. 

على خلاف ما قد يتراءى في بادئ الأمر، من أنه يوجد بينها جامع وهو نفس مفهوم النسبة. ولكنّنا نبرهن على أنه لا يوجد جامع ذاتي بينها، ومفهوم النسبة جامع عرضي وليس ذاتياً. والبرهان يتكوّن من ثلاث كلمات: 

ــــــــــ[171]ــــــــــ

() أقول: لا يخفى أن هذا البرهان لا يبرهن على استحالة انتزاع جامع اسمي ومفهوم استقلالي للنسب القائمة في الذهن، أو في الخارج، كما نصّ على ذلك السيّد بعد البحث، وإنما يبرهن على استحالة وجود جامع ماهوي ذاتي بين النسب، يكون من سنخ النسب نفسها يحمل خصائصها المشتركة. ولا بُدّ أن يُراد بهذا الجامع الجامع بمعناه الخارجي، أي: ما هو بالنظر التصديقي جامع؛ لكي يكون من المتوقّع أن يحمل خصائص أفراده المشتركة، فهذا يكون هو المستحيل في النسب، لا الجامع الذهني، أي: ما يكون بمفهومه التصوري جامعاً؛ اذ لا يلزم أن يكون الجامع بهذا اللّحاظ ذا خصائص حقيقية. وهذا واضح في مفهوم الإنسانية فضلاً عن مفاهيم الحروف. إلّا أن الجامع حينئذٍ يستحيل إلى معنى اسمي، لا إلى معنى حرفي، كما هو واضح. انتهى. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الكلمة الأولى: أن تحصيل الجامع الذاتي بين الأفراد يكون بالتحفّظ على المقومات الذاتية للأفراد، وإلغاء الخصوصيات العرضية عنها. 

الكلمة الثانية: أن كلّ نسبة من هذه النسب الثلاث، لها مقوّمات ذاتية مغايرة للنسبة الأخرى؛ لأن كلّ واحدة طرفاها المقوّمان لها هو شخص هذا الوجود للنار وشخص هذا الوجود للموقد، ومن المعلوم أن شخص هذا الوجود للنار في الخارج مغاير لشخصها في ذهن المتكلّم ومغاير لشخصها في ذهن السامع، فإنها وإن كانت راجعة إلى مفهوم واحد، إلّا أنها وجوداً متغايرة، والنسبة لا تتقوّم بالمفهوم، بل بطرفها الشخصي الموجود في طرفها. 

الكلمة الثالثة: أنه حين نريد أن ننتزع جامعاً ذاتياً بين هذه النسب الثلاث: هل نتحفّظ على المقوّمات الذاتية للأفراد أو نلغيها؟ إن تحفّظنا عليها فقد عرفنا أنها متغايرة، فكيف يعقل انتزاع الجامع بينهما؟ وإن ألغيناها فلم يكن هذا الجامع ذاتياً بل عرضياً؛ لأن الجامع الذاتي لا بُدّ أن تنحفظ فيه المقوّمات الذاتية للأفراد.

المرحلة الرابعة

المرحلة الرابعة من الكلام: وهي متفرّعة على الثالثة.

فإنه بعد أن ثبت أنه لا جامع ذاتي بين هذه النسب الثلاث، يتبيّن أن النسبة الذهنية القائمة في ذهن المتكلّم ليس لها تقرّر ماهويّ في المرتبة السابقة على الوجود وبغضّ النظر عنه بينما المفاهيم الاسمية لها تقرّر ماهويّ في المرتبة السابقة على الوجود وبقطع النظر عنه.

ــــــــــ[172]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

توضيحه: أن الصورة الذهنية للنار يمكننا بنظرة أخرى أن نحلّلها إلى ماهيّة ووجود، فنقول: (النار وجدت في ذهن المتكلّم)، وهذا معناه. أن النار فُرضت موضوعاً في هذه القضيّة التحليلية، ولوحظت بما هي من دون إدخال الوجود عليها، ثُمّ يحكم عليها بالوجود، وهذا معناه أن مفهوم (النار) في مرتبة وقوعه موضوع في هذه القضيّة التحليلية قبل أن نصل إلى محمولها وهو الوجود. إذن يكون لها تقرّر في المرتبة السابقة على الوجود. 

وهذا التقرّر الماهوي يجري في المفاهيم الاسمية. 

وأما في المفاهيم الحرفية: فهذا النحو من التقرّر الماهويّ غير معقول؛ لأن النسبة الذهنية في ذهن المتكلّم متقومة بشخص وجود طرفيها. إذن، فبقطع النظر عن الوجود ليس لها تقرّر ماهويّ في نفسه فإنها متقوّمة في وجود طرفيها، إذن فنقرّرها في طول الوجود. ولا يمكن أن نفرضها بغضّ النظر عن الوجود، ونحكم عليها أنها موجودة تارةً ومعدومة أخرى. 

وهذا الكلام -في الحقيقة- من نتائج عدم تصوّر الجامع الذاتي؛ لأنه لو أمكن انتزاعه لكان معناه أن ماهيّة هذه النسبة سنخ أمر كلّ غير متقوّم بشخص هذا الوجود للطرفين، فإذا لم يكن متقوّماً بشخص هذا الوجود، فيكون له تقرّر ماهويّ في المرتبة السابقة على الوجود. وأما بعد أن ذكرنا أن لكلّ نسبة مقوّمات ذاتية مغايرة للأخرى، وهو وجود الطرفين. إذن، فبقطع النظر عن الوجود هو فاقد لمقوّماته الذاتية، فلا يكون له تقرّر ماهويّ. 

وهذا معنى من معاني القول المعروف من أن المعاني الاسمية إخطارية، 

ــــــــــ[173]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

والحرفية إيجادية، فالمعاني الاسمية مقوّماتها الذاتية مفهومية يمكن انحفاظها في موضوع القضيّة قبل أن يحكم عليها بالوجود أو بالعدم. وأما أشخاص النسب فمقوّماتها أشخاص وجود أطرافها، فبقطع النظر عن مرتبة الوجود الذهني والاستعمالي لا ذات أصلاً

المرحلة الخامسة

وهي من فروع ما تقدّم في المرحلة الثالثة.

وهي أن يظهر فرق آخر بين المعاني الاسمية والحرفية، وهي أن المعاني الاسمية كما لو تصوّرت النار والتفتّ إليها بقيد وجودها الذهني أو بالنظر التصديقي، تكون نسبتها إلى النار الخارجية نسبة المماثل إلى المماثل والجزئي إلى الجزئي؛ لأن هذا فرد وذاك فرد، وأما إذا التفتّ بغضّ النظر عن ذهني، يعني بالنظر التصوّري، فنسبتها اليها نسبة الجامع إلى المصداق.

 وأما في المعاني الحرفية فالنسبة بين النسبة الخارجية والنسبة الذهنية هي دائماً نسبة المماثل إلى المماثل؛ لأنه إذا التفت إليها بلحاظ الوجود فهذا فرد وذاك فرد، وإذا التفتّ إليها بقطع النظر عن الوجود لم يكن لها تقرّر ماهويّ كما برهنا، ولا يمكن أن تكون نسبة النسبة الذهنية إلى الخارجية نسبة الجامع إلى الأفراد.

وهذا معنى ثالث لذلك القول المعروف، في المعنى الاسمي يكون منطبقاً على الخارج على حدّ انطباق الكلّ على الفرد، فكأنّه أخذ من الخارج وأخطر في الذهن منه.

بخلاف معاني الحروف فإنها مغايرة لما في الخارج. 

ــــــــــ[174]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

يبقى سؤال وهو: أنه إذا كان مغايراً للخارج فكيف يحكي عنه؟

وجوابه: أن حكايته عنه تكون بتبع حكاية المعنى الاسمي. فإنه حين ينظر إلى النار والموقد الذهني بالنظر التصوّري يراهما عين النار والموقد الخارجي، فحين ينظر بهذا النظر إلى النسبة الذهنية يراها هي النسبة الخارجية، وهذا معنى حكاية المعاني الحرفية الذهنية عن الخارج. 

تقريب المشهور للمسلك الثالث

فإذا تمّت هذه المراحل الخمس يتوضّح مسلك المشهور، ويتوضّح مسلك المحقّق النائيني(1) حيث ذهب إلى أن المعاني الحرفية إيجادية والمعاني الاسمية إخطارية. 

وكان هذا المطلب حُمِل على محامل غريبة من قبل المحقّقين المتأخّرين عنه، حيث حمل معناه على أن الحروف نفسها إيجادية، فأشكلوا عليه: أن (من) إيجاديتها إنما هو بلحاظ مدلولها، فلا بُدّ من النظر إليه. والمرزا لم يقل إن الحروف إيجادية، بل قال إن المعاني الحرفية إيجادية. 

ومن هذه المراحل الخمس يتّضح القول المعروف بأن المعاني الحرفية إيجادية والاسمية إخطارية. فإن المقصود بذلك يتّضح بما ذكرناه. وهو أن الايجادية لها ثلاثة أركان:

الركن الأوّل: أن المعنى الحرفي إيجادي من حيث إن الغرض منه لا يتأتّى إلّا إذا كان عين الحقيقة بالنظر التصديقي، وهذا مبيّن في المرحلة الأولى. 

ــــــــــ[175]ــــــــــ

(1) أُنظر: فوائد الأُصول 1: 34-43.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الركن الثاني: أنه سنخ معنى ليس له تقرّر ماهويّ في المرتبة السابقة على الوجود الذهني للسامع والمتكلّم. بخلاف المفهوم الاسمي فإنه متقرّر ذاتاً بقطع النظر عن الوجود، وهذا مبيّن في المرحلة الثالثة والرابعة. 

الركن الثالث: أن نسبة المعنى الحرفي إلى الخارج ليس نسبته نسبة الكلّي إلى مصداقه، بل المماثل إلى المماثل، وهذا ما ذكر في المرحلة الخامسة. 

ولعلّ التأمّل في ما ذكرناه يؤدّي إلى الجزم إلى أن الوجوه التي نذكرها(1) ترجع إلى معنى واحد، مع حفظ ما ينبغي أن ينسب إلى الأعلام، ولا خلاف إلّا في الاصطلاحات والألفاظ. 

الوجه الأول: ما نُسب إلى المحقق النائيني

من وجوه المسلك الثالث ما نُسب إلى المحقّق النائيني(2)، حيث يرى: 

أن المعاني الحرفية متميّزة ذاتاً عن الاسمية؛ لأنها عبارة عن واقع الربط وحقيقته، ولكن قيل في توضيح مراده: إنه يرى أن ما بإزاء الحرف هو الربط الكلّي بين لفظة (النار) ولفظة (الموقد) في قولنا: (النار في الموقد). فهذا فرد من الربط وهو مدلول الحرف، ومن هنا كان الحرف ايجاديا في نظره. 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

() التي ذكرها المحقّق الأصفهاني والسيّد الأستاذ والمرزا. (المقرِّر).

(2) راجع فوائد الأُصول (الكاظمي) 1: 34-43، المقدّمة، المبحث الأوّل: في الوضع، المقام الأوّل: في بيان معاني الحروف والمايز بينها وبين الأسماء، القول الثالث، أجود التقريرات 1: 14-15، المقدّمة، الفصل الثاني: في جملةٍ من المباحث اللغويّة، المقام الأوّل: في ما به يمتاز الحرف عن الاسم.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وقيل في تفسير الايجادية: إن كلمة (في) هي التي أوجدت هذا الربط الكلامي، ولولاها لَما وجد الربط. 

وأما في توضيح برهان المرزا على هذا المدّعى: فإنه يقول: إن المعاني على قسمين: إما إخطارية وإما ايجادية، والمعنى الحرفي لا يعقل أن يكون إخطارياً فيتعيّن أن يكون إيجادياً. 

وفُسّرت الإخطارية: أن يكون للفظ معنى قابلاً للّحاظ الاستقلالي قبل التكلّم. وفُسّرت الإيجادية: أن يكون الحرف موجوداً للربط في مرحلة الكلام.

وقيل: كأنّ المرزا يرى أن الأمر يدور بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يكون معنى الحرف إخطارياً. وهذا معناه: أنه قابل للحاظ الاستقلالي، أو إيجادياً، وهذا معناه: أنه لا يوجد قبل الكلام أيّ شيء يصلح أن يكون معنى للحرف. 

إشكال السيد الأستاذ على الميرزا النائيني

ومن هنا أشكل السيّد الأستاذ(1) على مدّعى المرزا وعلى دليله. 

1- الاعتراض على المدعى

أما إشكاله على مدّعى المرزا، وهي أنها توجد الربط الكلامي دون أن يكون خلفها معنى قد تتقرّر في ذهن المتكلّم. 

أشكل عليه: بأنها وإن أوجدت الربط الكلامي، لكن من الواضح أنها إنما 

ــــــــــ[177]ــــــــــ

(1) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه (الفيّاض) 1: 63-65، التمهيد، الأمر الثالث: في الوضع، الجهة الرابعة: في أقسام الوضع إمكاناً ووقوعاً، المقام الأوّل: في تحقيق المعاني الحرفيّة.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

توجده باعتبار دلالتها على معنى، فلا محالة يكون الربط في عالم الكلام انعكاساً لربط في عالم قبلي قبل الكلام، ويكون دلالة الحرف على المعنى في ذلك العالم القبلي هو المنشأ لإيجاد الحرف الربط في عالم الكلام، ولو لم يكن للحرف أيّ معنى قبل الكلام، إذن كيف يوجد الربط فيه؟

وواضح أن المرزا إذا كان يدّعي هذا المطلب الذي فُسر به كلامه، وهو أن الحرف إيجادي، وأنه ليس له ما بإزاء إلّا نفس الربط الحاصل في عالم الكلام، فهذا الجواب في غاية الصحّة والمتانة، فإن الربط في ذهن المتكلّم ما هو الدالّ عليه إذا لم يكن الحرف دالّاً عليه؟ فمن الواضح أن ربط الحرف من نتائج دلالته على معنى. 

لكنّنا نستبعد جداً -والله أعلم- أن يكون مراد المرزا هذا المعنى الواضح البطلان. بحيث يتخيّل أن هناك ربطاً مستقلّاً للكلام، وأن هذا الربط من منشآت الحرف وموجوداته. 

والمظنون ان المرزا لا يقول بإيجادية الحروف، بل بإيجادية المعاني الحرفية، فإن المعنى الحرفي الموجود في ذهن المتكلّم حال الاستعمال هو إيجادي. وهو وإن عبّر أنه يوجد الربط في عالم الكلام، إلّا أن مراده مدلول الكلام لا الكلام بما هو أصوات، وإلّا فهو لا ربط فيه. فرجع إلى أن المعنى الحرفي القائم في الذهن معنى إيجادي في مقابل المعنى الاسمي، ومعناه ما قلناه من الأركان الثلاثة التي أهمّها الركن الثاني، وهو معنى دقيق صحيح، لا يحتمل أن يرفضه نفس السيّد الأستاذ أيضاً، فإنه يسوق إليه البرهان كما قلنا. 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

2- الاعتراض على البرهان

وأما برهان المرزا، فأشكل عليه السيّد الأستاذ أنه هناك شقّ ثالث، فيكون الحرف لا إخطارياً ولا إيجادياً، فإنه إذا فُسّرت الإخطارية بأن يكون للحرف معنى قابلاً للاستقلالية في الذهن، والايجادية أن لا يكون للحرف معنى إلّا في عالم الكلام. فيكون له شقّ ثالث وهو: أن يكون للحرف وجود قبلي عن الكلام، ولكنّه 

لا يوجد بوجود استقلالي، فلا تتبرهن الإيجادية بنفي الإخطارية.

لكن على ما قلناه لا يتمّ الإشكال، فإن الإخطارية ليس معناها عند المرزا كون المعنى قابلاً للوجود الاستقلالي في الذهن، بل ما كان للمفهوم تقرّر في المرتبة السابقة على الوجود الذهني، فكأنّه شيء يخطر في الذهن، والحرف ما لم يكن له تقرّر ماهويّ في المرتبة السابقة على الوجود. إذن فالقسمة حاصرة بينهما. ونحن نبرهن أن المعنى الحرفي يستحيل أن يكون له تقرّر ماهويّ في المرتبة السابقة على الوجود، كما قلنا في المرحلة الثالثة. إذن، فيبطل كونه إخطارياً، فيتعيّن كونه إيجادياً، إذن فمرام المرزا نِعْمَ المرام وبرهانه نِعْمَ البرهان. وليس للمرزا مرام زائد عما قلناه، بل ما قلناه مستفاد من إفاداته(

)

ــــــــــ[179]ــــــــــ

(1) أقول: هناك شبهة ترد على ما قاله السيّد عن المعنى الحرفي، وأنه بنفسه رابط بين الوجودين الذهنيين، وأنه إنما تترتّب عليه آثاره فيما إذا وجد في الذهن بالنظر التصديقي. 

وحاصلها: أن هذا الوجود التصديقي للمعنى الحرفي في الذهن، هل هو رابط بين الطرفين=

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

=الذهنيين منظوراً إليهما بالنظر التصوّري، أو منظوراً إليهما بالنظر التصديقي؟ وفي كِلا الشقّين إشكال. فيدلّ ذلك على وجودخلل في المبنى إجمالاً. 

أما إذا كان المعنى الحرفي بوجوده التصديقي الذهني رابطاً بين طرفيه منظوراً إليها بالنظر التصوّري، فهو محال؛ لاستلزامه التهافت في اللحاظ، فإن عالم اللحاظ التصديقي مباين لعالم اللحاظ التصوّري، فما يكون فرداً من أحد العالَمين لا يصلح أن يربط بين طرفين من العالم الاخر، وبعبارة أخرى: أن الذهن بالنظر الواحد إلى المجموع التركيبي من الطرفين المنسوبين إلى بعضها البعض: إما أن ينظر بالنظر التصوّري أو بالنظر التصديقي، وإما أن ينظر بكِلا النظرين ولا رابع. أما الجمع بين النظرين فهو مستحيل باللحاظ الواحد كما هو واضح. وأما الاقتصار على نظر واحد فهو ينافي وجود ما يخالفه في هذا المجموع التركيبي، فإن النظر التصوّري ينافي وجود النسبة لغرض كونها بالنظر التصديقي، والنظر التصديقي ينافي وجود الطرفين التصوّريين. 

وأما إذا كان المعنى الحرفي بوجوده التصديقي الذهني رابطاً بين الطرفين منظوراً إليهما بالنظر التصديقي، فهو ممكن ثبوتاً، ولا يرد عليه الإشكال السابق. إلّا أن القضيّة الذهنية حينئذٍ لا تكون كاشفة عن الخارج، لوضوح أن الوجود الذهني إنما يكشف عن الخارج بالنظر التصوّري لا بالنظر التصديقي. 

فإن قلت: إن المعنى الحرفي يكون رابطاً بين الطرفين بالنظر التصديقي، ولكنّه يكون كاشفاً عن الخارج وذلك بالنظر التصوري.

قلنا: إن هذا غير ممكن؛ للتهافت في اللحاظ، فيرد عليه عين الإشكال السابق. 

وقد ذكرت موجزاً لهذه الشبهة للسيد الأستاذ. 

فاجاب بما حاصله: أن المعنى الحرفي الذهني يمكن أن يكون رابطاً الطرفين الذهنيين سواء نظر إليهما بالنظر التصوّري أو بالنظر التصديقي، ويكتسب المعنى الحرفي صفته (من=

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ــــــــــ[181]ــــــــــ

=كونه ملحوظاً باللّحاظ التصوّري أو التصديقي من طرفيه)؛ فإن كانا ملحوظين باللّحاظ التصديقي كان المعنى الحرفي كذلك. وإن كانا ملحوظين باللّحاظ التصوّري كان المعنى الحرفي بالتبع كذلك، بحيث يراه الذهن كاشفاً عن الخارج، وإن كان في واقعه جزئياً خارجياً في مقابل الخارج. يكون كِلا الكشف والربط متحقّقاً في جانب اللّحاظ التصوّري للطرفين. 

أقول: إلّا أن هذا الجواب لا يكاد يكون كافياً؛ لأن ما ذُكر في الشبهة من الإشكال ينتج الاستحالة الثبوتية في أن يكون المعنى الحرفي بالنظر التصديقي رابطاً بين الطرفين بالنظر التصوّري، فإذا استحال ذلك كان معناه استحالة وجوده بين الطرفين، فكيف يقال: إنه موجود ولكنّه ملحوظ بالتَّبع لحاظاً تصورياً؟! وإنما يتمّ كلام السيّد بعد التسليم بإمكان هذا الربط، وقد برهنّا على استحالته. 

هذا، ولكن في الإمكان الجواب على الشبهة بأحد وجهين مأخوذين من مباني السيّد: 

الوجه الأوّل: أن يقال: إنه غاية ما استفيد من كلمات السيّد السابقة كون المعنى الحرفي الذهني جزئياً موجوداً في مقابل المعنى الحرفي الخارجي. وهذا الوجود وإن عبّر عنه بالنظر التصديقي، إلّا أنه ليس المراد منه نفس المعنى التصديقي المذكور في المعاني الاسمية بتمام خصوصياته. فإن اللحاظ التصديقي للمفاهيم الاستقلالية من قبيل العدم والملكة، أي: فيما يكون قابلاً للّحاظ التصوّري. وأما ما لا يكون قابلاً للّحاظ التصوّري فلا يمكن أن يلحظ باللّحاظ التصديقي لذلك المعنى، وإنما غاية ما في الباب كونه موجودا ًذهنياً بنفس ماهيّته.

فاذا تمّ ذلك لم يرد إشكال التهافت السابق في الشبهة، بل نقول: إن الطرفين وإن لوحظا باللّحاظ التصوّري. فإن المعنى الحرفي يربط بينهما بنفس وجوده، لا باعتبار كونه ملحوظاً بأيّ لحاظ. ومن هنا نقول: إنه موجود يربط بين موجودين، لم يؤخذ في ربطه بين الطرفين اللّحاظ التصديقي بعنوانه حتى يرد إشكال التهافت.= 

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الوجه الثاني: ما نُسب إلى المحقق الأصفهاني

الوجه الثاني: ما أضيف إلى المحقّق الاصفهاني. 

حيث ذكر السيّد الأستاذ أنه اختار أن الحرف موضوع لواقع الربط، لكنّه ذكر أن واقع الربط عنده ليس هو الربط الكلامي، بل الوجود الرابط الخارجي، وهو الذي وضع له الحرف. 

فإن الوجودات الخارجية على ثلاثة أقسام: 

1- ما يكون موجوداً في نفسه لنفسه كالجوهر وكالواجب. غاية الأمر أن الواجب موجود في نفسه لنفسه بنفسه. والجواهر موجودة بغيرها، والمراد من الوجود في نفسه أنه وجود شيء من الأشياء بحيث يكون للموجود تقرّر 

ــــــــــ[182]ــــــــــ

=الوجه الثاني: أن يقال: إنه استفيد من بعض كلمات السيّد كون المعنى الحرفي ليس إلّا حدّاً للمعنى الاسمي لا أكثر، وليس له وجود بحياله يشار إليه ويتعلّق به اللّحاظ. وإنما اللحاظ محضاً للمعاني الاسمية أو للطرفين. 

وحينئذٍ يقال: إن (النار) و(الموقد) تارةً يتصوّرهما الذهن على عمومهما، فلا يكونان مرتبطين، وأخرى يتصوّرهما الذهن محدودين، بمعنى أنه يتصوّر حصّة من النار وهي التي في الموقد، ويتصور حصّة من الموقد وهو الذي فيه النار. والمعنى الاسمي سواء كان مطلقاً أو محدوداً فإنه يكون كاشفاً عن الخارج باللحاظ التصوري، وليس المعنى الحرفي إلّا الحدّ. وفي الإمكان تصوّر المحدود بكِلا اللحاظين. ويكون الحدّ تابعاً للمحدود في اللحاظ، ولا يأتي إشكال تهافت اللحاظ؛ لعدم وجود أيّ لحاظ على الحدّ، فإنه ليس عندنا في الواقع الذهني، إلّا الشيء المحدود. 

والله العالم بحقائق الأمور. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ماهويّ ذاتي بقطع النظر عن عالم الوجود. والمراد من الوجود لنفسه أنه لا يحتاج في وجوده إلى موضوع. 

2- الموجود في نفسه لغيره، بمعنى أنه له تقرّر ذاتي ماهويّ، ولكنّه محتاج في تحقّقه خارجاً إلى موضوع كالأعراض. 

3- ما يكون موجوداً لا في نفسه ولا لنفسه بحيث ليس له تقرّر مفهومي ذاتاً بقطع النظر عن عالم الوجود، وهو المسمّى بـ(الوجود الرابط) في مقابل القسم الثاني المسمّى بـ(الوجود الرابطي). 

والمحقّق الأصفهاني(1) يقول: إن الحروف موضوعة للقسم الثالث من الوجود. 

إشكالات السيد الأستاذ على المحقق الأصفهاني

وأشكل عليه السيّد الأستاذ(2) بما يرجع إلى ثلاثة إشكالات: 

الإشكال الأوّل: أن الكلمات دائماً تكون موضوعة للمفاهيم، بقطع النظر عن الوجود الخارجي والذهني، ولم توضع الالفاظ لهذا الوجود. فإنها تكون موضوعة لمعنى قابل لأن يوجد في الذهن، وهو ذات المفهوم، وأما الوجود 

ــــــــــ[183]ــــــــــ

() راجع بحوث في الأُصول (الأُصول على المنهج الحديث) 1: 25-26، المقدّمة، المقام الأوّل: في المبادئ التصوّريّة اللغويّة، الفصل الثاني: في تحقيق المعاني الحرفيّة.

(2) راجع محاضرات في أُصول الفقه (الفيّاض) 1: 67-70، الأمر الثالث: في الوضع، الجهة الرابعة: في أقسام الوضع إمكاناً ووقوعاً، المقام الأوّل: في تحقيق المعاني الحرفيّة، القول الثالث، غاية المأمول من علم الأُصول 1: 123، 124، في المعنى الحرفي.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الذهني لا يعقل أن يوجد في الذهن مرّة أخرى، والوجود الخارجي لا يعقل أن يوجد في الذهن، فكيف يقال: أن الحروف موضوعة للوجود الخارجي الرابط؟!

الإشكال الثاني: أن الحروف تستعمل في موارد لا إشكال في عدم الوجود الرابط فيها، كما لو قلنا: (إن الوجود لله واجب). فلو قلنا: إن (اللام) تكون بإزاء الوجود الرابط، للزم أن يكون هناك وجود رابط بين الله ووجوده، مع أن الله تعالى عين الوجود وصرف الوجود، ولا يتعقل وجود رابط بينه وبين وجوده. 

وكذلك في الاعتباريات الصرفة والكلّيات كقولنا: (الحيوان جنس للإنسان). فإن جنسية الحيوان للإنسان إنما هي بلحاظ عالم الاعتبار، لا باعتبار الخارج حتى يتصوّر وجود رابط خارجي بينهما. 

الإشكال الثالث: أن الوجود الرابط اساساً لا برهان على ثبوته في الخارج حتى في موارد الأعراض مع موضوعاتها. فإنه من قال: عندنا ثلاثة وجودات: للجسم والبياض ووجود ثالث رابط. 

تحقيق الكلام حول الإشكالات المتقدمة

وهذه الإشكالات الثلاثة كأنّها كلّها مبنيّة على الاعتقاد بأن المحقّق الاصفهاني يرى أن الحرف موضوع للوجود الرابط الخارجي. وهذا لا طريق لنا إلى معرفته إلّا كتابته وهي لا يتحصّل منها هذا المعنى. 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وإنما الظاهر منها أنه يقول(1) بوضع الحروف لواقع النسبة، ويمثّل النسبة بالوجود الرابط ويقول: النسبة مع المعنى الاسمي كالوجود الرابط مع المعنى المحمولي. لا أنه يقول: إن الحرف موضوع للوجود الرابط الخارجي. وإنما هو موضوع للنسبة القابلة للوجود ذهناً وخارجاً. 

وهذه النسبة محفوظة عنده سواء كان هناك وجود رابط خارجي أو لم يكن. ولهذا يصرّح، بأن النسبة الحرفية محفوظة في موارد (هل) البسيطة فضلاً عن المركّبة. فإنه في موارد (هل البسيطة): (هل الإنسان موجود؟) النسبة موجودة بين الإنسان وأصل وجوده. مع أن (حاج شيخ) لا يدّعي الوجود الرابط بين الماهيّة والوجود؛ لأن الماهية أمر تحليلي منتزع عن الوجود، ومع هذا لا يرى انحفاظ النسبة في ذلك المورد. وهذا أكبر شاهد على أن مراده من المعنى الحرفي ليس هو الوجود الرابط الخارجي، بل المراد هو الماهيّة المستهلَكة في الطرفين التي يكون تقرّرها في طول الوجود. وهذه الماهيّة قد تكون ذهنية، لها ما بإزاء في الخارج وهو الوجود الرابط. وقد تكون ذهنية ليس لها ما بإزاء في الخارج يعني ليس في الخارج وجود رابط. 

وكيف يتصوّر من (حاج شيخ) هذا القول، مع أنه على الأقل أن الوجود الرابط الخارجي غير موجود في القضايا الكاذبة كـ(زيد في الدار)، مع أن معناها محفوظ بين الصادق والكاذب. فلو كان مفاد الحرف هو الوجود الرابط الخارجي، لم يكن معنى للحرف في موارد كذب القضية؛ لعدم وجوده، مع أن 

ــــــــــ[185]ــــــــــ

(1) أُنظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية (الأصفهاني) 1: 27، التحقيق في المعنى الحرفي.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

معنى الحرف سنخ معنى محفوظ في موارد صدق القضيّة وكذبها. وهذا معناه أن الحرف غير موضوع للوجود الرابط الخارجي، بل هو موضوع للنسبة المستهلكة في الطرفين، فإن وجد لها مطابق في الخارج كانت صادقة وإلّا فكاذبة.

بناءً على هذا يظهر أن ما ذكره المحقّق الاصفهاني ليس شيئاً يختلف عن المراحل الخمس التي ذكرناها لتوضيح هذا المسلك. 

وقد ظهر حال هذه الاعتراضات الثلاثة للسيد الأستاذ، مما قلناه؛ 

أما الاعتراض الأوّل: فقد التفت المحقّق الاصفهاني نفسه إلى هذا الإشكال، وأجاب عنه: أن الواضع في الوضع لا ينبغي له أن يأخذ زائداً على المعنى قيد الوجود الخارجي أو الذهني؛ لأن الغرض من الوضع هو الانتقال، وهو لا يكون إلّا لذات المعنى لا للوجود الخارجي أو الذهني، لكن إذا أراد أن يضع لسنخ ماهيّة هي في طول الوجود وتقرّرها في طول وجود الطرفين، فلا بُدّ أن يأخذهما لا من باب قيد زائد على المعنى، بل من باب أن الوجود مقوّم لمعنوية المعنى ودخيل في تقرّره المفهومي(1)

كما أن الإشكال الثاني غير وارد؛ فإن المحقّق الاصفهاني لا يدّعي أن الحروف موضوعة للوجود الرابط بل للنسبة(2)، وهي محفوظة سواء كان هناك وجود رابط خارجي أو لا. 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

(1) راجع نهاية الدراية في شرح الكفاية (الأصفهاني) 1: 26-30، تحقيق في المعاني الحرفيّة.

(2) راجع المصدر السابق.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ومنه يظهر أن الاعتراض الثالث لا ربط له بمدّعى المحقّق الاصفهاني. افرضوا أن الوجود الرابط لا تحقّق له في الخارج، هذا مطلب فلسفي وليس مطلباً أصولياً؛ لأننا لا ندّعي أن الحرف موضوع بإزاء الوجود الرابط، بل موضوع للنسبة التي هي قوام ربط القضيّة في ذهن المتكلّم. فهذه الاعتراضات كلّها لا ترد. 

نعم، قد تكون واردة لو كان مراد المحقّق الاصفهاني وضع الحروف للوجود الرابط. 

الوجه الثالث للسيد الأستاذ 

ما ذكره السيّد الأستاذ نفسه(1). وسيظهر أنه إن كان صحيحاً فهو يرجع إلى ما قلناه، وإلّا فلا يمكن المساعدة عليه. 

وحاصل هذا الوجه الثالث: أن المفاهيم الاسمية قابلة للتقسيم والتحصيص إلى حصص كثيرة، بحيث يكون المفهوم قابلاً للانطباق على كلّ واحدة من تلك الحصص.

وحينئذٍ تارةً: يتعلّق غرض المتكلّم بإفادة طبيعة المعنى الاسمي بحدّ ذاته، 

ــــــــــ[187]ــــــــــ

(1) أُنظر: محاضراتٌ في أُصول الفقه (الفيّاض) 1: 75-76، التمهيد، الأمر الثالث: في الوضع، الجهة الرابعة: في أقسام الوضع إمكاناً ووقوعاً، المقام الأوّل: تحقيق في المعاني الحرفيّة، ما هو المختار، دراسات في علم الأُصول 1: 42، التمهيد، الأمر الثالث: في الوضع، أقسام الوضع، المقام الثاني: تحقيق الكلام في المعاني الحرفيّة، الهداية في الأُصول 1: 43-44، الأمر الثالث: في الوضع، في وضع الحروف.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وأخرى: يتعلّق غرضه بإفادة حصّة خاصّة من حصص هذه الطبيعة، فإن تعلّق غرضه بإفادة الطبيعة بحدّ ذاتها كمفهوم (الضرب)، فيستعمل نفس كلمة (الضرب) بلا حاجة إلى ضمّ الحرف إليها، فيقول: (الضرب موجود). 

وأما إذا تعلّق غرضه بتفهيم حصّة خاصّة من حصص طبيعة المفهوم الاسمي، وهي خصوص (الضرب في الدار) مثلاً. فبِمَ يفيد هذه الحصّة الخاصّة؟ فالاسم وهي كلمة (الضرب) وحدها لا تكفي لإفادة تلك الحصّة؛ لأن تلك الحصّة تنحلّ إلى ذات مفهوم الضرب وإلى التحصّص والتقيّد، وكلمة الاسم موضوعة للأمر الأوّل، وأما التحصّص وتضيّق الطبيعة بحصّة خاصّة فلم توضع له كلمة (الضرب)، فمن هنا احتيج إلى كلمة أخرى تدلّ على التحصّص، وهي كلمة (في) في قولنا: (الضرب في الدار موجود). 

فالحصّة الخاصّة مستفادة بنحو تعدّد الدالّ والمدلول؛ لأنها تنحلّ إلى ذات الطبيعة وإلى ضيق في الطبيعة، فذات الطبيعة مدلول عليه بالاسم، ومحدوديتها وضيقها مدلول عليه بالحرف. ومن هنا يصحّ أن يقال: إن الحرف موضوع لتحصيص المفاهيم الاسمية، بحيث تحدّد مقدار دائرة انطباقها فلا تنطبق إلّا على هذه الحصّة. 

وليس المراد مفهوم الضيق وعنوانه، فإن مفهومه من المفاهيم الاسمية التي يعبّر عنها بكلمة (ضيق)، بل المراد واقع الضيق والمحدودية في المفهوم الاسمي في مقام الانطباق على أفراده. فهذا هو مدلول الحرف. 

وحيث إن الوجه الأوّل حمل على الربط الكلامي، والثاني حمل على الوجود الرابط الخارجي، فيكون هذا وجهاً ثالثاً في مقابل الوجهين السابقين. 

ــــــــــ[188]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

مناقشة الوجه الثالث

وتحقيق الكلام في ذلك: أننا إذا لاحظنا مفهومين من المفاهيم مثل مفهوم (الإنسان) و(الحصان)، أو مفهوم (الضرب) و(الدار). فإن أمكن انتزاع نسبة قائمة بين هذين المفهومين كما هو الحال في (الضرب) و(الدار) وهي نسبة الظرف إلى المظروف.. إذا أمكن انتزاعها فلا محالة يعقل في طول ذلك أن نحصّص مفهوم (الضرب) إلى ما يكون واجداً للنسبة وطرفاً لها وإلى ما يكون فاقداً لها. وحينئذٍ فبالإمكان تحصيص مفهوم (الضرب) بأخذ هذه النسبة، وبه ينشأ ضيق في دائرة صدق هذا المفهوم، بحيث يستحيل أن يصدق هذا المفهوم على فاقد النسبة. وهذا هو معنى تحصيص المفهوم الاسمي. إذن، فتحصيصه وتضييق دائرته بلحاظ مفهوم آخر، إنما يكون في طول إمكان انتزاع نسبة تقوم بين مفهومين. 

وأما إذا تصوّرنا مفهومين من دون أن نتعقّل أو أن نفترض أيّ نسبة بينهما، فلا يعقل تحصيص أحدهما بلحاظ الآخر، بحيث ينشأ ضيق في دائرة قابلية أحدهما بلحاظ الآخر. فإذا تصوّرنا مفهوم (الإنسان) ومفهوم (الحصان). فإذا التفتنا إلى نسبة بينهما كـ(الإنسان على الحصان) أو معه أو مالك له، فيمكن تحصيص الإنسان إلى (ما يكون طرفاً لهذه النسبة) وما يكون فاقداً لها. 

وأما إذا لم تُنتزع أيّ نسبة بينهما وبقينا نحن والمفهومين الإسميين، فلا يعقل في مثل ذلك أن يتحصّص الإنسان بالحصان. 

إذن، فتحصيصه به دائماً لا يكون إلّا في طول افتراض نسبة وتحصيص 

ــــــــــ[189]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الإنسان إلى ما يكون طرفاً لها ومايكون فاقداً لها.

وقد ذكرت هذا الأمر مقدّمة لمناقشة الوجه الثالث. 

وحينئذٍ نقول: إنه ما هو مرادكم من القول بأن الحرف موضوع لضيق المعنى الاسمي وتحديده بلحاظ المفهوم الآخر؟

إن كان مرادكم منه أن الحرف موضوع لِما هو منشأ هذا الضيق وملاكه، وهو النسبة القائمة بين (الضرب) و(الدار)، وهي النسبة الظرفية التي في طول تعقلّها يتضيّق الضرب ويتحدّد. 

فهذا عين ما قلناه من أن الحروف موضوعة للنسب، ولا يكون هذا وجهاً في مقابله. 

وإن كان مرادكم أن الحرف موضوع لنفس التحصيص والضيق، لا للنسبة التي تكون منشأ له، بل لضيق دائرة المعنى الاسمي في الانطباق، فيكون مطلباً جديداً غير ما قلناه. 

لكن يرد عليه: 

أوّلاً: أن هذا التحصيص لا يمكن فرضه إلّا بلحاظ فرض نسبة في المرتبة السابقة بين المفهومين كما ذكرنا في المقدّمة، وبدونها لا يتضيّق أحد المفهومين بالآخر. وحينئذٍ ننقل الكلام إلى تلك النسبة، ونقول: إن الحرف إذا كان موضوعاً للضيق المسبّب عن تلك النسبة وغير موضوع للنسبة أصلاً، فما هو الدالّ على تلك النسبة؟ لأن الضيق لا يكون إلّا في طول فرض النسبة. فإن قيل إن عليها دالّاً آخر، فهو غير موجود. وإن قيل إن الدالّ عليها هو الحرف، 

ــــــــــ[190]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فرجعنا مرّة أخرى إلى وضعه للنسب، ولا حاجة إلى إدخال مسألة الضيق؛ لأن وضعه للنسبة يكفي للربط بين المفاهيم.

ثانياً: وهذا الإشكال الثاني مشتمل على الشواهد على مدّعانا في البرهان الأوّل.

وحاصله: أن التحصيص أمر قد يتّفق في المعنى الحرفي وقد لا يتّفق، وليس أمراً دائمياً فيه؛ لأن قوام الحرف بالنسبة، وهي تارةً يتولّد منها تضييق في دائرة الصدق على الأفراد، وأخرى لا يتولّد منها ذلك، وهذا أكبر شاهد على أن الحرف غير موضوع للتحصيص. 

مثلاً حرف العطف المتمحّض في العطف. مثلاً (حافظ على إكرام زيد وعلى صحته) أو (جاء الإنسان والحيوان)، ما هو التحصيص هنا؟ قد يتخيّل أن التحصيص هنا هو: أن الإنسان المقترن مع الحيوان جاء، والحيوان المقترن مع الإنسان جاء. فأريد بالإنسان الحصّة الخاصّة التي هي مع الحيوان. لكن ما رأيكم في قولنا: (الحرارة والبرودة لا يجتمعان). هل أريد بالحرارة الحصّة المقترنة مع البرودة، وبالبرودة الحصّة المقترنة مع الحرارة؟ ليس هذا هو المقصود، بل المراد أنهما لا يقترنان أصلاً. 

فالحرف العاطف لم يكن مؤثّراً في تحصيص الحرارة والبرودة بحصّة خاصّة، وذلك من أجل أن الحرف ليس موضوعاً للتحصيص، بل للنسبة، والنسبة التي هي بإزاء حرف العطف لا توجب التحصيص كما سيأتي.

وكذلك حرف الاستثناء، مثل قولنا: (تصدق بالدراهم العشرة إلّا 

ــــــــــ[191]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

واحداً) فـ(إلا) هل يوجب تحصيص العشرة بالتسعة؟ مع أن العشرة ليس لها حصتان: تسعة وعشرة، حتى يقال: إنها أوجبت تحصيص العشرة بالعشرة ناقصاً واحد، فإن ذلك ليس فرداً من العشرة، فالنسبة الاستثنائية لا تقبل التحصيص أصلاً. 

وقولوا نفس الشيء في حروف الإضراب: (جاء زيد، بل عمرو). وحروف التفسير: (عندي إنسان، أي: حيوان ناطق). إلى كثير من الحروف التي لا يتصوّر فيها التحصيص. 

وما ذلك إلّا لأن التحصيص من نتائج المعنى الحرفي، وليس هو هو، بل هو النسبة، وهي قد توجب التحصيص وقد لا توجبه. 

إذن فالصحيح أن هذا الوجه لا يصحّ إلّا بإرجاعه إلى المسلك العامّ. وهو أن الحرف موضوع لِما هو منشأ الضيق وهو النسبة، فيكون تعبيراً مسامحياً عن ذلك المسلك.

نعم، يحتمل أن يكون هناك توجيه دقيق لكلام السيّد الأستاذ، إلّا أن كلامه لا يفي ببيانه ولا بإثباته، وهو ما سنذكره بعنوان تحقيق الحال في هذا المسلك الثالث المشهور. 

تحقيق الحال في المسلك الثالث

والآن لا بُدّ من محاسبة هذا المسلك الثالث. كأنّه في هذا المسلك يرى أن القضيّة المعقولة في قولنا: (النار في الموقد) موازية للقضية الخارجية، فكما يوجد في الخارج (ظرف) و(مظروف) و(نسبة بينهما)، كذلك في الذهن. فهناك ثلاثة 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

موجودات ذهنية، اثنان منها موجودات في نفسها، وواحد منها موجود لا في نفسه. فهذا هو محصّل المسلك الثالث. 

فلا بُدّ أن نحسب حسابنا؛ لنرى أننا حين نتعقّل النار في الموقد، فما هي عناصر هذا التصوّر وما هي الموجودات الذهنية فيه.

أما في الخارج فيقولون: إن هناك ناراً وهناك موقداً، وكِلاهما فرد من مقولة الجوهر، وهناك ربطاً خارجياً ونسبة (موجود) لا في نفسه يربط بينهما. وهناك ظرفية الموقد للنار ومظروفية النار للموقد، وهما مقولان داخلان عندهم في مقولة الإضافة. وقد نتعقّل شيئاً ثالثاً نُسمّيه بمقولة (الأين)، ويريدون بها الهيئة الوجودية الحاصلة بلحاظ ارتباطه بالمكان. 

فهذا هو الموجود في الخارج على أكثر التقادير. 

وهناك روابط أخرى نتصوّرها أيضاً، فإن كلّ عرض مربوط بمعروضه لا محالة، لكنّنا نقتصر على محلّ الحاجة.

فإذا انتقلت هذه القضيّة إلى الذهن، لا إشكال أن هذه القضيّة المعقولة لا تشتمل على تصوّر الظرفية والمظروفية والأينيّة التي هي مفاهيم اسمية. لم أتصوّرها أبداً حين تصوّرت: (النار في الموقد). نعم، بنظر ثانٍ انتزع ذلك وبالنظر الأوّل لم يدخل ذلك في تصوّري، ففي مرتبة منشأ الانتزاع لم يكن تصوّري تصوّراً لمفهوم الظرفية والمظروفية، بل هو تصوّر لشيء هو منشأ انتزاع يمكنني أن أنتزع منه ذلك. 

إذن لم يبقَ لي من الأمور الستة إلّا الثلاثة الأولى: (النار) و(الموقد) و(الربط). 

ــــــــــ[193]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الوجود الذهني الواحد والتغاير الخارجي

ونريد أن نبرهن على أن (النار) و(الموقد) ليسا موجودين متعدّدين متغايرين على وزان وجودهما في الخارج. 

وذلك: لأنه لو كان عندي وجودان ذهنيان متغايران: صورة ذهنية للنار ومثلها للموقد. فلا يخلو إما أن يكون بين هاتين الصورتين ربط ونسبة أو لا. فإن لم يكن بينهما ربط ونسبة، فمعنى ذلك أن ما أتصوّره حين أقول: (النار في الموقد)، كالذي أتصوّره حين أقول: (النار)، (الموقد). مع أنه في القول الأوّل لا إشكال أن هناك شيئاً ثالثاً يضاف إليهما. 

وهذا الشيء الثالث إما هو مفهوم النسبة، وهو باطل؛ لأن مفهوم النسبة ليس نسبة، بل هو مفهوم اسمي. وإما هو واقع النسبة مطابق للنسبة الخارجية على حدّ مماثلة المماثل للمماثل(1)، فكما أن النار الخارجية مظروف والموقد ظرف في الخارج، كذلك في الذهن. هذا أيضاً غير صحيح، لأنهما أمران ذهنيان من مقولة الكيف النفساني وليس أحدهما ظرفاً للآخر، بحيث إن صورة ذهنية تكون مكاناً للصورة الذهنية الأخرى. فإن كلّها أعراض وكلّها مجرّدة عن المكان، إذن فالنسبة الظرفية المكانية غير معقولة في الذهن. 

وأما نسبة أخرى من النِسب الحقيقية، كالاقتران الزماني(2). فهو ممكن، إلّا أنها نسبة مباينة للنسبة الخارجية، فكيف تحكي عنها؟

ــــــــــ[194]ــــــــــ

() وهي النسبة الواقعية المكانية. (المقرِّر).

(2) فإنها زمانية وإن لم تكن مكانية، فهذه النسبة مناسبة مع تجرّد الصورة. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

إذن فكلّ الشقوق غير معقولة، إذن فالفرضية المقدّمة غير معقولة.

فيتبرهن أن النار والموقد ليسا موجودين بوجودين متغايرين اثنين في قولنا: (النار في الموقد)، خلافاً للخارج، بل هناك وجود واحد في الذهن هو وجود لماهيّة، إذا حلّلناها نقول: هي ماهيّة النار في الموقد. فالنسبة جزء تحليلي في ماهيّة هذا الوجود الوحداني، لا أنها موجودة حقيقة في أفق القضيّة المعقولة. 

وكم فرق بين المطلبين! فالنسبة في الوجود الذهني من قبيل الجنس أو الفصل في الوجود الخارجي، فكما أن الإنسان الخارجي يمكن تحليله إلى حيوان ناطق، والحيوانية موجودة تحليلاً لا وجوداً، كذلك في الذهن ليس عندنا إلّا وجود ذهني واحد، ماهيّته هي النار في الموقد. وهي تنحلّ إلى ثلاثة أجزاء: (نار) و(موقد) و(نسبة). فالنسبة جزء تحليلي لهذا الوجود الذهني لا جزء وجودي.

خلاصة الكلام

وبهذا يتبيّن أن ما هو مدلول الحرف وما هو مدلول الاسم، يخلقان موجوداً واحداً في الذهن لا موجودين. 

وهذا أحد الفوارق الأساسية بين نشأة الذهن ونشأة الخارج. فإن الخارج يتحفّظ على المغايرة بين وجود النار ووجود الموقد، وينشئ ربطاً ونسبة بينهما. وأما الذهن فلا يستطيع ذلك؛ لأنه متى وجد فيه أمران متغايران استحال أن يربط بينهما، كما برهنّا؛ ولذا يجعل الذهن القضيّة الخارجية الثلاثية.. يجعلها وجوداً واحداً.

ــــــــــ[195]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وأظن أن تمام التشويشات نشأت من عدم التمييز بين النسبة التحليلية والنسبة الحقيقية، فالمعنى الحرفي إن ادّعي هو النسبة الحقيقية، بحيث يكون موجوداً ثالثاً في الذهن، فهو غير صحيح، ولعلّه هو الذي أوجب أن السيّد الأستاذ(1) يعرض عن مسلك المشهور، ويذكر عبارات غامضة كالتحصيص والتضييق، وأراد هذا المطلب وإن لم تفِ به عباراته. 

وإن أُريد الوضع للنسبة التحليلية مع كون الموجود في الذهن أمراً واحداً، فهو صحيح ولا محيص عنه. 

وبذلك نعرف مفاد هيئة الجمل الناقصة كقولنا: (الرجل العالم)(2)

ــــــــــ[196]ــــــــــ

() أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه 1: 75-80، التمهيد، الأمر الثالث: في الوضع، الجهة الرابعة: في أقسام الوضع إمكاناً ووقوعاً، المقام الأوّل: في تحقيق المعاني.

(2) أقول: قد يقال: إنه يمكن اختيار أحد الشقوق التي ذكرها السيّد في برهانه، وهو أن المتحقّق في الذهن بين الطرفين -(النار) و(الموقد)- هو النسبة الواقعية المكانية، ولا يرد عليه ما ذكره السيّد من أن الوجود الذهني غير قابل للنسبة المكانية، ولا تحلّ إحدى الصورتين في الأخرى. فإن ذلك إنما هو باعتبار اللّحاظ التصديقي للصورتين، وأما باللحاظ التصوري الكاشف عن الخارج، فيمكن وجود النسبة الواقعية بينهما؛ لأن الوجود الذهني بالنظر التصوّري (نار) و(موقد)، ومن الواضح وجود النسبة الواقعية بين النار والموقد. 

فإن قلت: فكيف اختلف الوجود الذهني بأحد اللّحاظين عنه باللحاظ الآخر؟

قلنا: بأنه لا دليل على لزوم اتّحاد اللوازم والخصوصيات بين اللّحاظين، بل هما مختلفان جزماً حيث تكون الصورة الذهنية بأحد اللّحاظين كاشفة، وباللحاظ الآخر غير=

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 

 ــــــــــ[197]ــــــــــ

=كاشفة. فمن الممكن أن تكون ذات نسبةٍ بأحدهما، ومجردةً عن النسبة باللحاظ الآخر. 

فإن قلت: فإنك اعترفت بتمامية البرهان في اللّحاظ التصديقي، ومعه يتبرهن على أن الصورة بهذا اللّحاظ صورة واحدة، فكيف تصبح صورتين باللحاظ التصوري؟

قلنا: في الإمكان رفض نتيجة البرهان في اللحاظ التصديقي أيضاً، فإن غاية ما يثبته البرهان هو استحالة وجود الربط بين الصورتين الذهنيتين باللّحاظ التصديقي. وهذا يناسب أحد أمرين: إما أن تكون الصورة واحدة. وإما أن تكون متعدّدة بلا ربط بينهما بهذا اللّحاظ. فلا يتبرهن الشقّ الأوّل بالتعيين على ما أراده السيّد الأستاذ.

فإن قلت: إن ما يثبت ذلك هو بداهة ارتباط الصورتين في قولنا: (النار في الموقد)؛ فيتعيّن الشقّ الأول.

قلنا: كلّا. فإن الارتباط وإن كان موجوداً إلّا أنه لا يتعيّن أن يكون بكِلا اللّحاظين –كما قلنا في أوّل هذا الكلام- بل يكفي أن نثبت أن الصورتين منفصلتان باللّحاظ التصديقي، ولكنّهما متّصلتان باللّحاظ التصوّري. 

إلّا أنه مع ذلك لا يكاد يتمّ هذا الذي قلنا، وذلك لمِا سبق أن برهن عليه السيّد من تعلّق النسبة بالوجودين بما هما وجودان متشخّصان، وهذا معناه تعلّقها بالوجودين الذهنيين باللّحاظ التصديقي. فإذا استحال ذلك –طبقاً للبرهان الأخير- تعيّن كونها صورة واحدة. 

فإن قلت: إن الوجودين التصوّريين أيضاً نحو من الوجود يمكن أن تتعلّق به النسبة. وإن لم يمكن تعلّقه بين الوجودين التصديقيين؛ فيتمّ ما قلناه.

قلنا: إن تعلّقها بالوجود التصوّري صرفاً معناه تعلّقها بالعناوين الكاشفة، وهو منافٍ لكون طرفها هو الوجود المتشخّص، فإن العنوان يكون كلّياً دائماً، وإذا كان طرفها كلّياً كانت النسبة كلّية أيضاً.=

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 القول المختار في المعاني الحرفية

النسبة التحليلية لا تستدعي طرفين تكون هي ربطاً بينهما، بل هنا أمر وجودي واحد، أحد أجزاء ماهيّته هو النسبة. وقد برهنا أن مفاد الحرف ليس هو النسبة الواقعية(1) الذهنية، فضلاً عن النسبة الواقعية الخارجية.

وبناءً على هذا فإن المسلك الثالث الذي يُتراءى منه أن الحروف موضوعة للنسبة الواقعية الذهنية غير صحيح، بل لا بُدّ من إصلاحه من وضعها للنسبة التحليلية.

نعم، هذا الذي قلناه ينطبق على النسب الأولية للحروف لا على النسب الثانوية، فإن النسب الأولية تحليلية دائماً بخلاف النسب الثانوية.

توضيحه: أنه كما في باب الـمفاهيم الاسمية عندنا معقـولات أوّلية 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

=أقول: كذا أجاب بعض الإخوان حفظه الله. إلّا أنه لا يخلو من مناقشة: وهو أن العنوانية غير ملازمة للكلّية، فإن الصورة الذهنية قد تكشف باللحاظ التصوّري عن الكلّي وقد تكشف عن الجزئي، كما هو المفروض في قولنا: (النار في الموقد). فيأتي التساؤل عن صورة ما إذا كان المنكشف جزئياً. إلّا أن يقال: إنه يكفي النقض بالصورة الأخرى مع عدم احتمال الفرق في الصور الذهنية عموماً. فتأمّل.

مضافاً إلى عدم التلازم بين كلّية الطرفين وكلّية النسبة، لا في الذهن ولا في الخارج، بعد البرهان على أنها لا تقوم إلّا بين وجودين واقعيين؛ فيتعيّن القول إنها تقوم بالعنوان بذاته. لولا أن يكون هذا في واقعه رجوعاً إلى اللّحاظ التصديقي، فتأمّل. انتهى. (المقرِّر).

() يعني: غير التحليلية. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ومعقولات ثانوية، فالمعقولات الأوّلية هي المفاهيم الموازية لِما في الخارج كالإنسان والبياض. والمعقولات الثانية هي المفاهيم المتحصّلة في طول المعقولات الأوّلية بحسب أفق المعقولات الأوّلية في الذهن. فبعد أن تتصوّر (الإنسان) و(الحيوان) و(الناطق)، تقول: (الإنسان نوع) و(الحيوان جنس) و(الناطق فصل). 

هذا يتصوّر شبيهه في النسبة الحرفية، فإنها على قسمين:

الأوّل: النسب الحرفية التي توازي ما في الخارج، كالنسبة الظرفية القائمة بين الظرف والمظروف، وهي نسبة أوّلية؛ لأنها توازي ما في الخارج.

الثاني: النسب الثانوية التي يكون تحصّلها وانتزاعها ليس من الخارج، بل من أُفق عقد القضيّة في الذهن، أي: من الوجود الذهني لا من الخارج، كالنسبة الاضرابية والاستثنائية والتوكيدية والتحقيقية، ونحوها.

فالنسبة الاضرابية: (جاء زيد بل عمرو)، ويدلّ على الاضراب بنحو حرفي لا بنحو اسمي. وهي نسبة قائمة بين مُضْرَب عنه والمضرب إليه. هي نسبة ثانوية فبينما نسبة الظرفية موطنها الأصلي هو الخارج، ولكن النسبة الإضرابية موطنها الأصلي هو الذهن؛ إذ لو لم يكن حاكم ومستعمل لَما كان للنسبة الاضرابية معنى أصلاً، ولا معنى لوجودها في الخارج. 

حينئذ نقول: إن ما قلناه وبرهنّا عليه من أن مفاد الحرف هو النسبة التحليلية لا الواقعية ولو ذهناً. كان المنظور فيه القسم الأوّل من الحروف الموضوعة للنسب الأولية، كـ(في) و(من) و(عن) و(على). وأما في النسب 

ــــــــــ[199]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الثانوية التي يكون موطنها الأصلي هو نفس الذهن، وليست متحصّلة من الخارج كالنسبة الإضرابية، فإن الموضوع له حرف (بل) هو النسبة الإضرابية. وليس في ذهننا وجود واحد هو وجود لزيد وعمرو معاً، بل هنا وجود ذهني للمُضرَب عنه ووجود ذهني آخر للمضروب إليه، وبينهما تقوم نسبة فنائية اندكاكية هي النسبة الإضرابية. 

ولا يأتي البرهان الذي قلناه؛ لأن النسبة الإضرابية واقعاً يمكن أن تقوم بين طرفين، لأن حاقّ موطنها هو الذهن، بخلاف النسب الأوّلية التي موطنها هو الخارج. فإن النسبة المكانية غير معقولة في الذهن بين الوجودين الذهنيين، ولكنّ النسبة الإضرابية ممكنة بينهما، وبها يرتبط أحدهما بالآخر نحو ارتباط، بحيث ينتزع عن الطرفين أنهما متضايفان، فيقال: (زيد معدول عنه) و(عمرو معدول إليه)، فهي تحصل بين طرفين ذهنيين مستقلّين. ومقصودي الصور الذهنية بما هي حاكية عن الخارج. 

هذا هو المختار في باب الحروف(1)

ــــــــــ[200]ــــــــــ

() أقول: قد يرد هناك إشكال ينتج التفصيل فيما قاله السيّد في النسب الأوّلية. حيث قال باستحالة تحقّقها في الذهن مطلقاً بالبرهان الذي ذكره، والتزم نتيجة لذلك بوجودها التحليلي. 

فنقول: إن النسب على ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: ما يوجد في الخارج ويستحيل وجوده في الذهن، كالنسبة الظرفية ونحوها من النسب الأوّلية.

القسم الثاني: ما يوجد في الذهن ويستحيل وجوده في الخارج، وهو كلّ النسب الثانوية.=

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 

ــــــــــ[201]ــــــــــ

=القسم الثالث: ما يمكن وجوده في الذهن والخارج معاً، كالاقتران الزماني كما اعترف به السيّد الأستاذ نفسه فيما سبق- ولعلّ منها نسبة العلّية وغيرها.

إذا عرفنا ذلك تحصّل لنا انقسام النسب الأوّلية الخارجية إلى ما يستحيل وجوده في الذهن، وإلى ما يمكن وجوده فيه كالاقتران الزماني. 

ومنه نعرف أن البرهان الذي ذكره السيّد خاصّ بالنسب الأوّلية التي يستحيل وجودها في الذهن، وأما النسب الممكن وجودها فيه فلا يتمّ فيها البرهان، وإنما يقال بإمكان قيامها في الذهن بين طرفين ذهنيين مستقلّين، لإمكان وجودها في الذهن بنفسها، شأنها في ذلك شأن ما قاله السيّد عن النسب الثانوية. 

إن قلت: فإن النسبة الزمانية قد لا تكون مماثلة للنسبة الخارجية، كما لو كان الاقتران الذهني فعلياً والاقتران الخارجي المحكي سابقاً، كما في قولنا: (كنّا مع زيد بالأمس). فيتعيّن في مثل ذلك ونحوه أن تكون النسبة الزمانية تحليلية. 

قلنا: إنه يكفي النقض على الكبرى التي ذكرها السيّد، وهي: أن كلّ النسب الأولية تحليلية. ولو بمورد واحد، وهو صورة تماثل النسبة الزمانية الذهنية مع النسبة الخارجية، كما لو كانت كِلتا النسبتين حاليّة. 

فإن قلت: إننا إن تكلّمنا على صعيد الوضع نجد أن وضع (مع) للنسبة القائمة بين طرفين مستقلّين لا يفي بكلّ النسب الزمانية الذهنية، لفرض كون النسبة -في صورة عدم تماثل الذهن مع الخارج في الزمان- تحليلية. لكن وضع (مع) للنسبة التحليلية الزمانية، وافٍ بكِلا الصورتين، وممكن الاستعمال في كِلا الموردين، حتى في صورة التماثل. 

قلنا: يرده: 

أوّلاً: أننا لا نتكلّم على صعيد الوضع، وإنما نتكلّم على صعيد البرهان الثبوتي.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 

 

ــــــــــ[202]ــــــــــ

وثانياً: أننا لو تكلّمنا على صعيد الوضع أمكن أن يقال: إن (مع) موضوع للنسبة الاقترانية الزمانية –على الفرض-، وهذا يكون مصداقه الذهني على نحوين: تارةً نسبة قائمة بين طرفين مستقلّين، وأخرى نسبة تحليلية بين طرفين تحليليين. ولا يكون ذلك مخلّاً بالوضع. 

هذا ولكنّ ما ادّعيناه لا يكاد يتمّ؛ لأن بعض النسب الأوّلية، وإن كان يمكن أن توجد في الذهن بنفسها كالاقتران والعلّية، إلّا أنها لا تكون كاشفة عن الخارج أصلاً، وما يكون كاشفاً عن الخارج هو وجودها التحليلي خاصّة.

توضيح ذلك: أن لدينا في الذهن مرتبتين من الوجود أو اللحاظ:

 أحدهما: اللّحاظ التصديقي، أي: وجود الصورة الذهنية بصفتها وجوداً نفسانياً معيّناً مشخّصاً. وهو بهذا اللحاظ يكون مشمولاً للقوانين الكونية المناسبة له كالاقتران الزماني والعلّية، أي نشوء بعض الصور الذهنية من بعضٍ بتداعي المعاني وغيره، أو الملازمة بين صورتين كصورة اللفظ وصورة المعنى، إلى غير ذلك من القوانين. والذهن بهذا اللّحاظ أو هذه المرتبة من الوجود لا ربط له بالكشف عن الخارج أصلاً.

اللحاظ الثاني: اللحاظ التصوّري، أو عالم الكشف عن الخارج. وبهذا اللحاظ يكون مشمولاً لقوانين أخرى كصحّة الحمل، فيقال: (النار محرقة)، وكمصداقية ما في الذهن للمفهوم الواقعي، فيقال: (النار الذهنية نار)، أو أنه قد تصوّر النار. 

وحينئذٍ نعرف بجلاء أن النسبة الزمانية والعلّية وغيرها لا يمكن أن تحفظ في كِلا اللّحاظين، بل ما يوجد منه باللّحاظ الأوّل قد لا يوجد ما يماثله باللّحاظ الثاني. وقد ينعكس الأمر. 

مثال الأوّل: أن أتصور السيّد الحكيم وابن سينا في وقت واحد، مع أنهما في الخارج في زمانين.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 

ــــــــــ[203]ــــــــــ

ومثال الثاني: ما إذا تصوّرت المقترنين بتصوّر طولي في الزمان، فأتصوّر (الفوق) أوّلاً ثُمّ أتصوّر (التحت) مثلاً. وفي كلّ ذلك، لا يكون الكاشف عن الخارج هو الاقتران أو الاختلاف الزماني باللّحاظ الأوّل، بل هو الاقتران أو الاختلاف الزماني باللّحاظ الثاني. 

ومنه يتبرهن على أن مجرّد تقارن الصورتين تكويناً في الذهن، ليس فيه أيّ جهة من الكاشفية، سواء كان الخارج مماثلاً له أو مختلفاً. إذن، فلا بُدّ أن نبحث عن سنخ نسبة زمانية أخرى يكون ملحوظاً بها الكشف عن الخارج، وليس ذلك إلّا النسبة باللّحاظ التصوّري. 

وحينئذ فنقول: إن البرهان الذي ذكره السيّد تامّ حتى في النسبة الزمانية، فإن النسبة الزمانية الواقعية بين (زيد) و(عمرو) الخارجيين، يستحيل أن توجد في الذهن. فإذا أُريد الكشف عنها في الصورة الذهنية لم يمكن التوصّل إلى ذلك إلّا بالنسبة التحليلية أو الاقتران الزماني التحليلي. 

إذن، فالاقتران الزماني بوجوده التكويني في الذهن غير كاشف، وليس له ما بإزاء في الخارج. وما يراد الكشف عنه وهو الاقتران الخارجي لا يستحيل وجوده في الذهن.

وقل نفس الشيء في العلّية، فإن صورة النار توجد صورة الحرارة من باب تداعي المعاني، لا أنها تكون علّة للحرارة بالمعنى الخارجي. إذن فهاتان علّيتان متباينتان، فلا يكون أحدهما كاشفاً عن الآخر.

وبعبارة أخرى: أن ما يراد الكشف عنه مباين لما هو موجود في الذهن، ولا يمكن أن يكشف المباين عن المباين. وما هو مندكّ في الخارج وكاشف عنه ليس هو النسبة الزمانية التي توجد في الذهن بين طرفين مستقلّين، فيتبرهن القول بأن النسب الأوّلية على غرار واحد في وجودها التحليلي. انتهى. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [المقام الثاني: تشخيص مفاد الجمل التامّة والناقصة]

المقام الثاني(1) في تشخيص مفاد الجمل التامّة كـ(زيد عالم) أو الناقصة كـ(زيد العالم).

يوجد في الجمل مسلكان:

[مسلك المشهور]

أحدهما منسوب إلى المشهور(2)، وهو أن مفاد الجملة هو النسبة بين الطرفين: الموضوع والمحمول. وكذلك الجملة الناقصة: مفادها النسبة بين الوصف والموصوف. إلّا أنهم يقولون: إن الجملة التامّة موضوعة للنسبة التامّة، والجملة الناقصة موضوعة للنسبة الناقصة. وكأنهم يتصوّرون سنخين من النسبة يمكن تصوّرها بين (زيد) و(عالِم). أحدهما: تامّ في قولنا (زيدٌ عالِم)، والآخر: ناقص، وهو مفاد قولنا: (زيد العالِم).

ولهذا قالوا: إن (زيداً عالِم) يصحّ السكوت عليها، وجملة (زيد العالِم) لا يصحّ السكوت عليها.

ــــــــــ[204]ــــــــــ

() وسيكون البحث الآتي تطبيقاً -بحسب نظرنا- للنتائج التي انتهينا إليها في المقام الأوّل. (منه). (المُقرِّر).

(2) نسبه السيّد الخوئي في محاضرات في أُصول الفقه 1: 84، بحث الإنشاء والإخبار، وفي: دراسات في علم الأُصول 1: 46، الأمر الثالث: الوضع، المقام الثاني: الهيئات.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [مسلك السيد الأستاذ]

 في مقابل ذلك يوجد مسلك آخر اختاره السيّد الأستاذ(1) حيث ادّعى أنه لا يعقل أن تكون الجملة موضوعة للنسب، ولم يتعقّل التمامية والنقصان في النسب.

[اعتراضات على مسلك المشهور]

واعترض على مسلك المشهور بعدّة اعتراضات، وجعلها برهاناً لمسلكٍ آخر، وهو أن الجملة الخبرية التامّة موضوعة لأمرٍ نفساني، هو قصد الحكاية عن ثبوت الشيء أو عن نفيه، والجمل الناقصة موضوعة لعين ما اختاره في باب الحروف، فإنه اختار هناك(2) أن الحروف موضوعة لتحصيص المعاني الأسمية وتضييقها، كذلك هيئة التوصيف في قولنا (زيدٌ العالِم)، موضوعة لتخصيص زيد بالعالمية.

وسوف يتوضّح هذان المسلكان وتحقيق الحال فيهما بذكر الاعتراضات الأربعة التي وجّهها السيد الأستاذ إلى مسلك المشهور، إذن فلا بُدّ من ذكر هذه الاعتراضات:

[الاعتراض الأوّل: النقض بعدم تعقّل النسبة في بعض الموارد والردّ عليه]

إنكم كيف تقولون إن الجملة موضوعة للنسبة! مع أنه في بعض موارد الجمل لا تتصوّر النسبة أصلاً، كما هو الحال في قولنا: (شريك الباري ممتنع)، 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

() اُنظر: محاضرات في أُصول الفقه (الفيّاض) 1: 85، الإنشاء والإخبار.

(2) راجع محاضرات في أُصول الفقه (الفيّاض) 1: 75، المعاني الحرفيّة، دراسات في علم الأُصول 1: 44 – 45، الأمر الثالث: في الوضع، المقام الثاني.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فإنه لا يتعقّل نسبة خارجية بين شريك الباري والامتناع؛ لأن تحقّق النسبة فرع تحقّق طرفيها، وكذلك في قولنا: (العنقاء ممكنة). مع أن هذه الجملة صحيحة من الناحية اللغوية والنحوية(1).

فهذا دليل على أن مفاد الجملة ليس هو النسبة، وإلّا لم يمكن تعقّل مثل هذه الجملة التي يكون وجود الطرفين فيها مستحيلاً.

والتحقيق في المقام: أن النسبة التي يناقش هذا المعترض في كونها مأخوذة في مدلول الجملة، ماذا يريد بها؟

إن كان يريد بها النسبة الخارجية -كما هو صريح كلامه حيث ذكر: أن المشهور يقولون بوضع الجمل للنسب الخارجية-، فيرد عليه:

أوّلاً: أن المشهور لا يريدون بالنسبة النسبة الخارجية، وهذا الكلام شبيه بما صدر منه في المقام الأوّل، حيث فسّر كلام حاج شيخ(2) بأن المراد من النسبة: الوجود الرابط الخارجي. مع أن المشهور لم يكونوا يريدون الوجود الرابط الخارجي هناك، ولا النسبة الخارجية أصلاً، بل معنى المحقّق سيأتي توضيحه.

ــــــــــ[206]ــــــــــ

() راجع دراسات في علم الأُصول 1: 46، تمهيد، الأمر الثالث: في الوضع، المقام الثاني، الهيئات.

(2) اُنظر: دراسات في علم الأُصول 1: 39-40، تمهيد، الأمر الثالث: في الوضع، المقام الثاني: في وقوع الوضع العامّ والموضع له الخاصّ، الهداية في علم الأُصول 1: 50، في ما يذكر في مقدّمة علم الأُصول، الأمر الثالث: في الوضع، معاني هيئات المركّبات، غاية المأمول من علم الأُصول 1: 131-132، مبادئ علم الأُصول، الكلام في الوضع، وضع الهيئات.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وثانياً: إذا كان ملحوظكم هو النسبة الخارجية، فلماذا خصّصتم الاعتراض بجملتين أو أربع، فإن النسبة الخارجية غير موجود في القضايا الحملية المبنيّة على الهوهوية، كقولنا: (زيد عالِم)، فإنه قد توجد نسبة خارجية بين (زيد) و(العلم)، ولكن المحمول هنا ليس (العلم) بل (عالم)، و(العلم) هو عين (زيد)، ووصف اشتقاقي متحدّ مع (زيد)، كما سيأتي توضيحه في بحث المشتقّ، إذن فـ(زيد) و(العالِم) لا توجد نسبة خارجية بينهما، لأنها إنما تتعقّل فيما إذا كانت هناك اثنينية بينهما، وحيث لا اثنينية لا تتعقّل النسبة الخارجية.

*****

وإذا كان مراده النسبة بين المفاهيم، فسيأتي تصوير هذه النسبة حتى في مثل قولنا: (شريك الباري ممتنع).

[الاعتراض الثاني: عدم تعقّل التعهّد في النسبة والردّ عليه]

كأنّه بناه -السيد الأستاذ- على مسلكه في باب الوضع، حيث سبق أنه اختار في حقيقة الوضع أنه عبارة عن التعهّد، أيّ تعهّد الواضع أنه متى ما أتى باللفظ فهذا هو معناه(1).

ــــــــــ[207]ــــــــــ

(1) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه 1: 44 – 45، تمهيد: في حقيقة الوضع، دراسات في علم الأُصول 1: 32 – 33، تمهيد، الأمر الثالث: في الوضع، المختار في حقيقة الوضع، الهداية في الأُصول 1: 27، في ما يذكر في مقدّمة علم الأُصول، الأمر الثالث: في الوضع، غاية المأمول من علم الأُصول 1: 113، الكلام في الوضع.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

يقول(1): إنه بناءً على أن الوضع هو التعهّد فلا بُدّ أن يكون المعنى الموضوع له أمراً داخلاً تحت اختيار الواضع ليعقل التعهّد به، فإن ما لا يدخل تحت الاختيار لا معنى للتعهّد به، ومعه فالنسبة بين (زيد) و(عالِم) ليست تحت اختيار الواضع ولا المستعمِل، فإني لا أستطيع أن أجعل زيداً عالِماً ولا الشيخ المفيد عالِماً، فلا يعقل التعهّد بهذه النسبة، وأنه متى ما قال الواضع: (زيد عالِم) فالنسبة واقعة، فإنها ليست تحت اختياره، وما هو تحت اختياره هو أمر نفساني هو قصد الحكاية عن علم زيد، فهذا مطلبٌ معقول وذاك أمرٌ غير معقول.

وهذا الاعتراض أعجب من الاعتراض السابق؛ لأننا إذا جارينا هذا الطرز من التعبير، فماذا نقول عن الحروف التي قال عنها السيد الأستاذ(2): إنها موضوعة لتحصيص المفاهيم الأسمية، فهل التحصيص تحت الاختيار لو قلنا مثلاً: (زيدٌ في السماء ممكن). وماذا نقول في المفاهيم الإفرادية، فإن (زيد) هو (ابن خالد)، فما معنى التعهّد بـ(ابن خالد)؟

وحلّ هذه المغالطة: أنه بناءً على مسلك التعهّد، لا إشكال أن التعهّد به أمر نفساني دائماً؛ لأن الإنسان لا يتعهّد إلّا بما يرجع إلى اختياره، حتى في الكلمات 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

() أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه 1: 85، بحث الإنشاء والإخبار، دراسات في علم الأُصول 1: 47، تمهيد، الأمر الثالث: في الوضع، المقام الثاني، الهيئات، الهداية في علم الأُصول 1: 50، في ما يذكر في مقدّمة علم الأُصول، الأمر الثالث: في الوضع، معاني هيئات المركّبات.

(2) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه (الفيّاض) 1: 75، المعاني الحرفيّة؛ دراسات في علم الأُصول 1: 44 – 45، الأمر الثالث: في الوضع، المقام الثاني.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الإفرادية، بناءً على هذا المسلك، فالمتُعهّد به في المفاهيم الإفرادية هو إخطار صورة (النار) أو (زيد) في ذهن السامع، أي: أن تنتقش الصورة تصوّراً في ذهن السامع. ومعنى أن الحرف موضوع للتحصيص: أننا تعهّدنا إخطار الحصّة في ذهن السامع.

أما في الجملة التامّة، فلو قلنا بالتعهّد فلا منافاة بينه وبين مسلك المشهور، وإنما هو حصّة، فمرجع ذلك أن الواضع تعهّد بصورة هذه النسبة في ذهن السامع، وهو أمر معقول على مسلك التعهّد، ومعه لا يقتضي مسلك التعهّد إبطال المسلك الأوّل.

غاية ما يقتضيه هو أن المتعهد به أمر نفساني، وأما ما هو هذا الأمر النفساني، فالمشهور يقول: هو إخطار النسبة وتصوّراً للمسلك الثاني يقول: إنه قصد الحكاية عن وقوع النسبة في الخارج. وهذا الخلاف لا ربط له أصلاً بمسلك التعهد.

[الاعتراض الثالث: لزوم انعدام الدلالة التصديقية والردّ عليه]

كأنه مبنيٌ على أصلٍ موضوعي(1)، وهو أن جملة (زيد عالِم) تختلف عن الكلمات الإفرادية في نكتة، وهي: أن الكلمات الإفرادية ليس لها دلالة تصديقية، بل لها دلالة تصوّرية فحسب، وأما الجملة فلها دلالة تصديقية، أي: 

ــــــــــ[209]ــــــــــ

(1) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه 1: 85، بحث الإنشاء والإخبار، المقام الأوّل: في الجملة الخبريّة وبطلان مسلك المشهور، الهداية في علم الأُصول 1: 51، في ما يذكر في مقدّمة علم الأُصول، الأمر الثالث: في الوضع، معاني هيئات المركّبات.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

توجب التصديق ولو ظنّاً -اقتضاءً- للسامع بمدلولها، بخلاف الكلمات الإفرادية.

حينئذٍ يقول: إن كان مدلولها هو النسبة -كما يقول المشهور-، فيلزم أن لا يكون لها دلالة تصديقية؛ إذ من الواضح أن مجرّد سماع الجملة من فم إنسان لا يكفي للتصديق بوقوع النسبة في الخارج ما لم يكن ثقة عندنا وكثيراً ما نسمع الجملة ونحن نقطع بعدمها.

وأما إذا كان مفاد الجملة هو قصّة الحكاية، فالدلالة التصديقية محفوظة؛ لأننا إذا سمعناها من المتكلّم فمن الطبع الأوّلي أن نظنّ أنه يقصد الحكاية سواءً كان صادقاً أو كاذباً، وحيث فرضنا أن الجملة فيها قصد الحكاية فيتعيّن الثاني دول الأوّل.

وهذا الاعتراض لا يمكن المساعدة عليه أيضاً؛ لأننا تارةً: نبني على مسلك التعهّد في باب الوضع، وأخرى: على الحقّ المشهور فيه من أن الوضع غير التعهّد.

فإن مشينا على المسلك الحقّ: فقد تبيّن أن الدلالة التي تنشأ من الوضع دائماً هي الدلالة التصورية لا التصديقية، بمعنى أن ينتقش في ذهن السامع تصوّراً ولو من اصطكاك حجرين.

ولا يوجد دلالة تصديقية تنشأ من الوضع أصلاً، لا في المفردات ولا في الجملة الناقصة منها والتامّة.

فالجملة حين توضع للنسبة بناءً على مسلك المشهور، غاية ما يُطلب منها 

ــــــــــ[210]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

أن يكون لها دلالة على النسبة تصوّراً، بحيث ينتقش في ذهن السامع صورتها، على حدِّ تصوّر (النار) عند سماع لفظها، ولا يعقل أن يطلب من الوضع أكثر من هذا المقدار.

وأما الدلالة التصديقية للجملة التامّة: فليس منشأها الوضع، بل سيأتي في مبحث تبعيّة الدلالة للإرادة: أنها تنشأ من ظهورات سياقية وأمارات نوعيّة غير باب الأوضاع.

فحينما يقول إنسانٌ عاقل: (زيد عالِم)، تحدث دلالتان: إحداهما: صورة النسبة وهي المستندة إلى الوضع. والأخرى: أن هذا الإنسان أراد أن يحكي عن ذلك ويُخبِر به، وهذه غير مستندة إلى الوضع، بل ناشئة من ظهور حاله؛ ولهذا تتحكّم فيها القرائن الحالية ونحوها، ومنها نستظهر أنه يقصد الحكاية عن هذا المطلب. فلا يمكن أن نطلب هذه الدلالة من الوضع.

وأما إذا سلكنا مسلك التعهد: فتكون الدلالة الوضعية دائماً دلالة تصديقية حتى في الكلمات الإفرادية فضلاً عن الجمل التامّة، فانه إذا قال: (نار)، فمعناه أنه متى ما أتى باللفظ فإنه يقصد إخطار هذا المعنى، فاستكشف بالدلالة الوضعية أنه يوجد في نفس المتكلّم قصد إخطار هذا المعنى، وهذه دلالة تصديقية، ففي قولنا: (زيد عالِم) تكون دلالتها تصديقية، بمعنى الإتيان بما تعهّد به.

غاية الأمر: يبقى خلاف بين المشهور والسيد الأستاذ، حيث يقول المشهور بأن دلالة الجملة هو إخطار النسبة. وعلى مسلك السيد الأستاذ: أنه هو (قصد 

ــــــــــ[211]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الحكاية)(1). وعلى أيّ حال فالدلالة التصديقية للجملة محفوظة، إذن فكون الدلالة تصديقية لا ربط له بمحلّ الكلام.

[الاعتراض الرابع عدم تصوّر الفرق بين النسبة التامّة والناقصة]

وهو أوجه الاعتراضات وأمتنها وإن لم يذكره السيد الأستاذ في كتاباته. 

وحاصله: أن المشهور يبنون على أن الجملة موضوعة للنسبة(2)، وحينئذٍ فيجب أن نفرّق بين الجملة التامّة والناقصة، كقولنا: (علم زيد) و(زيد عالِم)، مع أن المشهور يقولون إن كِليهما موضوع للنسبة(3)، فكيف يمكن أن نفرّق بين هاتين الجملتين، ونفسّر كيف أن إحداهما ناقصة والأخرى تامّة؟!

المشهور يقولون بدواً في الجواب(4): إن النسبة نسبتان: نسبة تامّة بين (زيد) و(العلم)، تدلّ عليها جملة (زيد عالِم). ونسبة ناقصة تدلّ عليها جملة: (علم زيد). وهذا -كما يقول السيد الأستاذ- لا نتعقّله؛ لأن النسبة ليست شيئاً يزيد 

ــــــــــ[212]ــــــــــ

(1) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه 1: 80 – 81، المعاني الحرفيّة، الأمر الثالث: في معانيها جميعاً حكائيّة.

(2) أُنظر: كفاية الأُصول: 18، المقدّمة، السادس: وضع المركّبات، نهاية الدراية 1: 24-48، المقدّمة، الأمر الثاني: في تعريف الوضع وأقسامه، الوضع في الحروف، نهاية الأفكار 1-2: 54، المقدّمة، الأمر الثاني: في شرح معاني الهيئات، ودراسات في علم الأُصول 1: 46، التمهيد، الأمر الثالث: في الوضع، الهيئات.

(3) راجع المصدر السابق.

(4) راجع المصدر السابق.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وينقص، وإنما هي أمر بسيط، غير قابل للزيادة والنقصان، ومعه لا نتصوّر نحوين من النسبة حتى نتصوّر فرقاً بين هاتين الجملتين.

إذن فالمشهور يعجزون عن التفريق بين الجملة التامّة والجملة الناقصة، بخلاف ما إذا بنينا على المسلك الثاني وقلنا بأن الجملة الناقصة موضوعة للنسبة التحصيصية، وتكون دالّة عليها بالدلالة التصورية، والجملة التامّة موضوعة لقصد الحكاية، وبهذا تكون دلالتها تصديقية، وبهذا نفرّق الجمل التامّة عن الناقصة.

[التحقيق في تصوّر الفارق بين النسبتين]

ولكن التحقيق هو أن التمامية والنقصان من شؤون النسبة بما هي هي في المرتبة السابقة على طروّ التصديق عليها، أو طروّ النفي أو أيّ حالة نفسانية عليها. وهي تحت النظر التصوّري تارةً تكون تامّة وأخرى ناقصة، والفرق بين (زيد عالِم) و(علم زيد) أو (زيد العالِم)، ليس هو وجود التصديق في أحدهما دون الآخر، بل لا بُدّ من تصوير فرق بينهما في عالم التصوّر المحض قبل أن نصل إلى مرحلة التصديق.

ومما يشهد لذلك: أنه في قولنا: (هل زيد عالم)، فأداة الاستفهام طرأت على جملة (زيد عالم)، ومن الواضح أن هذه الجملة ليس لها دلالة تصديقية؛ لأن المتكلّم مستفهم، فهو ليس في مقام الحكاية والتصديق، وما يعقل الاستفهام عنه هو المطلب التصوّري لا التصديقي، فلا بُدّ أن نفرض أن (زيداً عالم) مفاده مطلب تصوّري محض؛ ليعقل تعلّق الاستفهام به.

ــــــــــ[213]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وفي هذا المثال بالذات، لو أردنا أن نبدل (زيد عالِم) بجملة ناقصة فنقول: (هل زيد العالِم)، يكون الاستفهام ناقصاً يحتاج إلى متمّم كقولنا (هل زيد العالِم موجود).

فقولنا: (هل زيد عالِم) صحيح، وقولنا: (هل زيد العالِم) غير صحيح، مع أن كِليهما متمحّض في المطلب التصوّري، فلماذا صحّ أحدهما دون الآخر؟ لا يمكن أن يقول صاحب المسلك الثاني: إن هذا من جهة أن (زيد عالِم) تصديقي و(زيد العالِم) تصوّري؟ لعدم معقولية الاستفهام عن المطلب التصديقي، فهذا شاهدٌ على أنه عندنا مطلبان تصوّريان مع أنهما مختلفان، بدليل على أنه يصحّ دخول أداة الاستفهام على أحدهما ولا يصحّ دخولها على الآخر.

إذن فتمامية النسبة ونقصانها من شؤون النسبة بالنظر التصوّري المحض، في المرتبة السابقة على التصديق.

وأما تصوير ذلك: فهو وإن لم يفِ به ما اطّلعت عليه من كلمات المشهور فيما أعلم، فإن كلماتهم غير متّفقة ولكن تحقيقه أن يُقال:

إن النسبة الناقصة هي النسبة التحليلية، والنسبة التامّة هي النسبة الواقعية، فإننا سبق أن قلنا: إن النسب على قسمين:

القسم الأوّل: النسب التحليلية كنسبة (في) في قولنا (النار في الموقد).

القسم الثاني: النسب الحقيقية كالنسب الاضرابية في قولنا: (اضرب زيداً بل عمراً).

وقلنا: إن النسب التحليلية غير موجودة في صقع الذهن، بل هو وجود 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ذهني واحد، هو وجود لمركّب تحليلي ينحلّ إلى أجزاء أحدها هو النسبة وهي النسبة التحليلية.

هذا بعينه نقوله في النسب الناقصة التي هي مفاد الجمل الناقصة، ففي قولنا: (علم زيد)، لا يوجد أمران في الذهن: (زيد) و(العلم) والنسبة بينهما، بل هناك وجود ذهني واحد، ينحلّ إلى أجزاء: إلى (علم) و(زيد)، وربط مخصوص بينهما، وهو كالربط المخصوص بين (النار) و(الموقد) في قولنا: (النار في الموقد).

وبذلك يظهر معنى قولنا: إن النسبة في قولنا (علمُ زيدٍ) نسبة ناقصة لا يصحّ السكوت عليها، لأنها لا تُرى في عالم الذهن، فإنه السامع والمتكلِّم لا يرى شيئين ليصحّ السكوت عليه، بل يرى شيئاً واحد وبالتحليل يستخرج منه النسبة، فحينما يلقي: (علم زيد) فكأنه ألقى شيئاً واحداً لا شيئين.

وأما النسبة في الجمل التامّة: كـ(زيد عالِم)، فهي نسبة واقعية في صقع الذهن، بحيث يرى شيئين بينهما نسبة، كالنسبة الاضرابية في الحروف، وهذه النسبة هي النسبة التصادقية بين (زيد) و(عالِم).

مثاله العرفي: أن يفرض شخصاً واحداً انتقشت صورته في مرآتين، فهنا عندنا عالمين، عالم المرايا وعالم ذي المرآة، ففي عالم المرايا يوجد عندنا شيئان متغايران: هي هذه الصورة وتلك الصورة، وبينهما نسبة هي التشابه، بل أزيد من ذلك هي نسبة التصادق؛ إذ قد يوجد التشابه بدون التصادق كصورة التوأمين. فهي نسبة التصادق، أي: إن ما يُرى في هذه الصورة هي عين ما يُحكى عند تلك الصورة.

ــــــــــ[215]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وأما عالم ذي المرآة ففيه شيء واحد، هو (زيد) ولا يتصوّر وجود النسبة هناك.

ففي محلّ الكلام نقول: إن هناك واقعاً واحداً في نفس الأمر – وهو الخارج أو غيره – وقد أُخذ عن هذا الواقع مفهومان ذهنيان: مفهوم (زيد) ومفهوم (عالِم)، وقد لوحظا بما هما مشيران إلى شيء واحد وحاكيان عن واقعٍ واحد.

فهنا في عالم الذهن يوجد شيئان حاكيان: مفهوم (زيد) ومفهوم (عالِم). وبهذا تنشأ بينهما نسبة واقعية في عالم الوجود الذهني، غاية الأمر أني حين ألحظهما بنحو الفناء في عالم واحد، تنشأ بينهما نسبة هي النسبة التصادقية، وهذه النسبة هي مفاد قولنا (زيد عالِم)، وهي نسبة تامّة. 

وبهذا يُعرف لماذا هي تامّة؛ لأنها هي نسبة واقعية في عالم الذهن، ولماذا تلك ناقصة؟ لأنها تحليلية لا يرى الذهن إلّا شيئاً واحداً.

وكِلتا هاتين النسبتين هما في عالم التصوّر المحض، وقد فرقنا بينهما بلا طروّ التصديق بينهما.

وبهذا ظهر السرّ في أنه لماذا يصحّ قولنا (هل زيد عالِم) ولا يصحّ (هل زيد العالِم):

أما صحّة الأوّل: فلأن الاستفهام إنما يكون عن نسبة، والنسبة واقعية في عالم الذهن.

وأما عدم صحة الثاني: فلأن النسبة في قولنا: (زيد العالِم) نسبة تحليلية، فأنا في عالم الذهن أرى شيئاً واحداً، فقولنا: (هل زيد العالِم) كقولنا: (هل زيد).

وبذلك اندفع الاعتراض الرابع عن المشهور.

ــــــــــ[216]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [مناقشة مسلك السيّد الأستاذ]

إذن فالاعتراضات الأربع غير واردة على المشهور. وهو مطلب معقول بالنحو الذي حقّقناه

بل مسلك المشهور هو المتعيّن ولا يعقل غيره، والمسلك الثاني غير معقول في نفسه على ما سيأتي.

بل إن المسلك الثاني في نفسه غير صحيح، فإنه يكون مورداً لإشكالين: إشكالٌ مبنائي، وإشكالٌ آخر.

الإشكال الأوّل: المبنائي، توضيحه: أن السيد الأستاذ الذي يقول: إن جملة (زيد عالِم) تدلّ على قصد الحكاية(1). ماذا يُريد بهذه الدلالة؟ هل يريد بها الدلالة التصوّرية، بمعنى أن هذه الجملة تدلّ بالدلالة التصوّرية على مفهوم قصد الحكاية، بحيث ينتقش في ذهن السامع ذلك؟

أو يُريد الدلالة التصديقية -كما هو صريح كلامه- بحيث تكون كاشفة عن وجود فرد جزئي من قصة الحكاية قائمٌ في نفس المتكلّم.

فإن أراد الأوّل: فهو بديهي البطلان باعتبار أن هذه الدلالة التصورية من شؤون نفس كلمة: (قصد الحكاية)، لا من شؤون جملة: (زيد عالِم). فإنه من الواضح أننا نفهم من (زيد عالِم) غير ما نفهمه من لفظة (قصد الحكاية)، فلو كان (زيد عالِم) يدلّ بالدلالة التصوّرية على نفس مفهوم (قصد الحكاية)، لكان 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

(1) محاضرات في أُصول الفقه 1: 80 – 81، المعاني الحرفيّة، الأمر الثالث: في معانيها جميعاً حكائيّة.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

مرادفاً لكلمة (قصد الحكاية)، مع أن هذا واضح البطلان.

وإن أراد الشق الثاني: فهذه الدلالة التصديقية نسلّمها ولا ينكرها المشهور، لكن هذه الدلالة التصديقية ليست هي الدلالة الوضعية، ونحن نتكلّم الآن عن الدلالة الوضعية لجملة (زيد عالِم). وهي ليست دلالة وضعية؛ ببرهان أننا ذكرنا: أن الدلالة التي تتحصّل من الوضع دائماً دلالة تصوّرية وليست تصديقية.

وإنما كان هذا إشكالاً مبنائياً؛ لأننا لو بنينا على أن الوضع هو المتعهّد لأمكن أن تكون الدلالة الوضعية تصديقية، ولكنّنا لم نقبل ذلك، فهذه الدلالة حيث إنها تصديقية فلا يعقل أن تكون وضعية، وإنما هي تنشأ من قرائن حالية وسياقية، على ما سبق ويأتي في مبحث تبعيّة الدلالة للإرادة.

الإشكال الثاني: أنه بعد شهادة الوجدان بأن جملة (زيد عالِم) ينبغي أن يكون لها سنخ معنى واحد محفوظ في تمام موارد استعمالاتها، فلا بُدّ أن يكون سنخ معناها الموضوع له يُناسب تمام موارد استعمالاتها، كقولنا (زيد عالِم) و(هل زيد عالِم) و(أخبركم أن زيداً عالم). فقد وقعت في الجملة الأولى مبتدأ وخبراً، وفي الثانية مدخولاً لأداة الاستفهام، وفي الثالثة وقعت مفعولاً للإخبار؛ لأنها هي المُخبر به.

فإن بنينا على مسلك المشهور فيمكن تصوير معنى واحد محفوظ لهذه الجملة في الموارد الثلاثة بأن يُقال: إنها في تمام الموارد الثلاثة تدلّ على النسبة التامّة، غاية الأمر أنها بلحاظ المدلول التصديقي تارةً تكون محطّاً للإخبار 

ــــــــــ[218]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

والتصديق، وأخرى محطّاً للاستفهام، وأخرى مفعولاً للإخبار.

وأما إذا قلنا إن (زيد عالِم) موضوع لقصد الحكاية، فكيف يمكن انحفاظ هذا المعنى إذا صارت مدخولاً للاستفهام أو مدخولاً للفعل، فإنه لا إشكال أن المُستَفهم عنه والمخبر به ليس هو قصد الحكاية، بل هو الواقع، فيلزم أن لا يكون لهذه الجملة سنخ معنى واحد محفوظ في الموارد الثلاثة، وحيث إن الوجدان شاهد بأن المعنى الوضعي محفوظ في هذه الموارد، إذن فلا بُدّ أن يكون هو الدلالة التصوّرية للنسبة بذاتها؛ ليعقل تعلّق الإخبار بها والاستفهام عنها والتصديق بها.

[تطبيق ما تقدّم على الجملة الخبرية]

ثُمّ إن ما أوضحناه من معنى (زيد عالِم)، حيث قلنا: إنه موضوع للنسبة الواقعية التامّة وهي النسبة التصادقية، بمعنى أن مفهوم (زيد) ومفهوم (عالِم) حاكيان عن واقعٍ واحد، فينتزع منها النسبة التصادقية، وهي نسبة قائمة في عالم الذهن، وقد طبّقنا ذلك على الجمل الخبرية الإسمية.

ونفس هذا البيان يأتي أيضاً في الجُمل الخبرية الفعلية، فإنه في قولنا: (علم زيد) أو (ضرب زيد)، يوجد عندنا عدّة أمور: الأمر الأوّل: مادة الفعل وهي الضرب. والثاني: هيئة الفعل. والثالث: هيئة الجملة، من إضافة الفعل إلى الفاعل، مضافاً إلى كلمة (زيد). ومادة الفعل موضوع للحدث، وهيئة الفعل موضوعة للنسبة الصدورية -أي: الصدور بما هو نسبة قائمة بين الضرب والضارب-، وهذ النسبة نسبة ناقصة، بمعنى أنها نسبة تحليلية على الكلام 

ــــــــــ[219]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الذي سبق، بحيث يندمج كلّه في موجود واحد.

وهذه النسبة الناقصة قائمة بين الحدث وهو (الضرب)، وبين ذاتٍ مّا مبهمة.

وهيئة الجملة تدلّ على النسبة التصادقية، أي تدل على أن تلك الذات المبهمة في الفعل هي عين (زيد).

نعم هناك كلمات كثيرة في تحقيق حال النسب الناقصة التي هي مفاد المشتقّات، وهي خارجة عن محلّ الكلام فعلاً.

هذا تمام الكلام في الجُمل الخبرية(1).

ــــــــــ[220]ــــــــــ

() أقول لا بُدّ من التنبيه على عدّة أمور:

الأمر الأوّل: ذكر السيد بعد البحث: أنني -أي: السيد- حين نقضت على السيد الأستاذ بمثل قولنا: (هل زيد عالِم) باعتبار أن الاستفهام ليس عن قصد الحكاية، بل عن الواقع. أجاب: بأنه يمكن الالتزام بوضع هذا المركّب بمجموعه للدلالة على الاستفهام عن علِم زيد.

فنقضت عليه بأمرين:

أحدهما: قولنا (أخبرك أن زيداً قائم)، فإنه إذا كان من المحتمل وضع (هل) مع مدخولها بوضع جديد، فإنه لا يحتمل وضع (أخبرك) ومدخولها بوضع جديد؛ فإنه خلاف الوجدان.

الثاني: أنه يصحّ في جواب (هل زيد عالِم؟)، أن يُقال: نعم، وهو -بحسب اللغة- بمنزلة التكرار لـ(زيد عالِم)، فإذا كان مجموع الأداة ومدخولها موضوعاً لمعنى واحد، لم يكن (زيد عالِم) في نفس الجملة موضوعاً لمعنى أصلاً، ومعه يكون تكرارها بلا معنى، وهو خلاف الوجدان.=

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 

ــــــــــ[221]ــــــــــ

=فأجاب: بأننا نلتزم بأنه تكرار للفظ وليس تكراراً لنفس ما وقع مدخولاً للأداة، يمكن أن يكون ذاك غير موضوع، وهذا موضوع لمعنى.

فأجبته: بأن الارتكاز اللغوي قاضٍ بأنَّ (نعم) تكرارٌ لنفس المدخول، وليس تكراراً للفظ؛ بدليل أنه لو قال: (هل جاء المولى؟) فأجاب الآخر: (نعم)، لا يصحّ أن يقصد من كلمة (المولى) الأولى المالك، ومن كلمة (المولى) الثانية العبد، مع أنه لو كان تكراراً للّفظ لصحَّ ذلك.

قال السيد: وبذلك تمَّ الكلام بيني وبين السيد الأستاذ.

الأمر الثاني: سألته: أنه في قولنا: (زيد في الدار)، يوجد نسبة تامّة، فكيف يتمّ ذلك؟

فأجاب: بأن هذا يحتاج إلى تقديرٍ كائنٍ أو موجود، كما قدّره اللغويون والنحويون، ونِعْمَ ما فعلوا.

الأمر الثالث: سألته: أنني أشعر وجداناً بأن الذات المبهمة في قولنا: (ضرب زيد)، تنعدم وتفنى.

فقال: نعم، هذا بحسب الشعور النفسي باعتبار سرعة انتقال الذهن في المعاني فلا يلتفت إلى وجود الذات المبهمة. ولكنّها موجودة بدليل أننا لو قلنا: (زيد ضرب) التفتنا إلى الذات المبهمة، ومن هنا نقدّر الضمير، مع العلم أن الوجدان قاضٍ بأن كِلا الجملتين على حدٍّ واحد.

فقلت له: إن وجداني قاضٍ بأن خفاء الذات المبهمة في (ضرب زيد) أكثر منه في (زيد ضرب).

فقال: بأن وجداني قاضٍ بالتساوي بينهما.

الأمر الرابع: سأله بعض الإخوان: أن النحويين يلتزمون عادةً بوجود نسبتين تامّتين في قولنا (زيد ضرب): إحداهما بين (زيد) و(ضرب)، والأخرى بين (ضرب) والضمير، مع أنه على قولكم تكون نسبة تامّة واحدة هي الأولى، وتكون الثانية نسبة ناقصة.=

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

=فأجاب: بل هي نسبة واحدة، وليست نسبتين، فإن قولنا (زيد ضرب) على حدِّ قولنا (ضرب زيد)، فإن معناه (زيدٌ ضرب زيدٌ)، وتكون زيدٌ الأولى توطئة لإعادة الضمير لا أكثر.

فقال الأخ: إذن فتلتزمون بعدم وجود النسبة بين (زيد) و(ضرب).

فأجاب: نعم.

الأمر الخامس: أنه قد يُقال: ما الحاجة إلى تقدير الذات المبهمة والمصير إلى إنفهامها من اللفظ. بل في الإمكان القول على أن مادّة الفعل تدلّ على معنى بسيط وهو المبدأ، وهيئته تدلّ على معنى بسيط هي النسبة الصدورية، وحيث تحتاج النسبة إلى طرفين، يُقال: إن أحد طرفيها هو المادّة والطرف الآخر هو الفاعل الظاهر أو المُضمر، فما الحاجة إلى الذات المبهمة؟

نقول: الحاجة إلى الذات المبهمة هو: أن النسبة الصدورية من النسب الأوّلية التي ظرفها الخارج، ويستحيل حصولها في الذهن، فإن الموجودات الذهنية لا يصدر بعضها من بعض ولا يحلّ بعضها في بعض، فلو كان طرف النسبة الصدورية هو الفاعل الظاهر أو المستتر لكانت الجملة بتمامها نسبة ناقصة غير تامّة؛ لأننا قلنا فيما سبق: إن النسب الأوّلية تكون دائماً تحليلية في الذهن، وقلنا قبل قليل: إن النسب التحليلية هي النسب الناقصة. وحيث كان الفاعل طرفاً لنسبة أوّلية إذن تكون النسبة بين الفعل والفاعل نسبة ناقصة، لازمه عدم صحّة السكوت عليها، وهو خلاف الوجدان.

ومن هنا كان لا بُدّ أن نبحث عن طرفٍ آخر للنسبة الصدورية تكون النسبة فيها ناقصة، وهي الذات المبهمة، وتكون النسبة بين المبدأ والذات المبهمة تحليلية؛ لأنها نسبة أولية، فإذا تمَّ ذلك أمكن أن تكون النسبة بين الفعل والفاعل الظاهر أو المُضمر تامّة، فإنها تكون نسبة تصادقية قائمة في الذهن بنفسها فإنها من النسب الثانوية لا الأوّلية. انتهى. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [في الجمل الإنشائية]

أما الجمل التامّة الإنشائية، على كِلا المسلكين.

[مسلك السيّد الأستاذ]

أما عند السيد الأستاذ: فحالها حال الجمل الخبرية، من حيث إنها موضوعة لإبراز أمرٍ نفساني(1)، وتكون دلالتها على مدلولها دلالة تصديقية، غاية الأمر أن هذا الأمر النفساني في الجمل الخبرية هو قصد الحكاية، بمعنى أن الجمل تكشف وجود جزئي من قصد الحكاية في نفس المتكلِّم، والجملة الاستفهامية، موضوعة لأمر نفساني هو قصد الحكاية، بل هو طلب فهم المطلب، وتكون دلالتها عليه دلالة تصديقية، بمعنى كونها تكشف عن فرد جزئي من هذا الطلب قائم في نفسِ المتكلّم.

وقد أشرنا إلى أن هذا المسلك غير صحيح، فإن الدلالات التي يذكرها السيد الأستاذ كلّها مقبولة عندنا وعند المشهور، ولكنّها ليست دلالات وضعية، بل دلالات ثانوية ناشئة من القرائن الحالية والسياقية، تأتي في طول الدلالة الوضعية.

فلا بُدّ -في المرتبة السابقة على هذه الدلالات- من تصوّر دلالات 

ــــــــــ[223]ــــــــــ

() أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه 1: 88، بحث الإنشاء والإخبار، المقام الثاني: في مفاد الجملة الإنشائيّة، الهداية في الأُصول 1: 59، مقدّمة علم الأُصول، الأمر الثالث: في الوضع، في الإنشاء والإخبار، دراسات في علم الأُصول 1: 54، تمهيد، الأمر الثالث: في الوضع، الفرق بين الإخبار والإنشاء، غاية المأمول من علم الأُصول 1: 137، الكلام في الوضع، الفرق بين الخبر والإنشاء.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

تصوّرية للجمل الإنشائية محفوظة حتى لو سمعنا الجملة من اصطكاك الحجرين. وحينئذٍ يتعيّن المصير إلى مسلك المشهور.

[مسلك المشهور]

المشهور يقسّم الجمل الإنشائية إلى قسمين: 

الأوّل: الجمل الإنشائية التي بلفظها بلا زيادة، تستعمل تارةً في مقام الإخبار، وفي مقام الإنشاء أخرى، كـ(أنتِ طالِق) و(بِعتُ الكتاب بدينار). 

الثاني: الجملة المتمحّضة في الإنشاء كـ(هل زيدٌ عالِم).

أما القسم الأوّل: فليس فيه أيُّ مطلبٍ جديد، فإن مدلوله التصوّري الوضعي هو عين ما شخّصناه سابقاً، لا فرق عند المشهور في مدلولها التصوّري بين أن تستعمل إنشاءً أو إخباراً، وهو النسبة التامّة التصادقية، وأما الإنشائية والإخبارية فهو راجعٌ إلى المداليل التصديقية.

فإن الجملة إذا صدر من عاقل كان وراء الجملة مدلول تصديقي لا محالة، يعني أن يكون في نفسه شيء حين قال ذلك، فإن كان هو قصد الحكاية كانت إخبارية، وإن كان هو إيجاد أمر اعتباري كانت الجملة إنشائية.

وأما [القسم الثاني]: الجمل التي تختصّ بمورد الإنشاء: كـ(هل زيد عالِم). أما (زيد عالِم) فمدلولها الوضعي التصوّري هو النسبة التصادقية القائمة بين (زيد) و(عالِم)، فما هو المدلول التصوري الوضعي لِكلمة (هل)؟

لا إشكال أن مدلولها التصوري ليس هو مفهوم الاستفهام، لوضوح أنه مفهوم اسمي استقلالي، فلا يمكن أن يُقال: إن (هل) تدلّ عليه، ولكن لا ــــــــــ[224]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

إشكال أنه يفهم من الجملة الاستفهام، فكيف يفهم ذلك منها؟

[تصوير مسلك المشهور بعدّة وجوه]

وعلى مسلك المشهور يمكن تصويره بعدّة وجوه، وقبل ذلك لا بُدّ من الإشارة إلى مطلب هو: أن الاستفهام أمرٌ قائمٌ بين الإنسان المتفهم والمستفهَم عنه، وهو النسبة التامّة القائمة بين (زيد العالِم) حينئذٍ نتصوّر نسبتين: إحداهما قائمة بين الاستفهام والنسبة المستفهَم عنها-، فإن الاستفهام طرأ على (زيد العالِم) فوجدت بينهما نسبة: أحد طرفيها هو الاستفهام، والآخر: نسبة (زيد العالِم) التامّة.

[الوجه الأوّل للمحقّق العراقي]

فإذا تصوّرنا هذه النسبة فالوجه الأوّل لمسلك المشهور أن نقول: إن هل تدلّ على النسبة الثانية التي وقعت بين النسبة التصادقية وبين الاستفهام، وهذه النسبة تحتاج بالأخرة إلى طرف آخر غير (زيد العالِم)، وهو مفهوم الاستفهام، وهو يكون مأخوذاً قيداً في نفس مدلول (هل)، بحيث يفهم منها بالدلالة المطابقية، بحيث إن (هل) تدلّ على نسبة الاستفهام، وهذا معناه أن (هل) تدلّ على النسبة وعلى أحد طرفيها بنحو القيدية.

سنخ ما قلناه في هيئة (ضرب) التي قلنا: إنها تدلّ على النسبة الصدورية المأخوذ فيها الذات بنحو القيدية، مع أن الذات مفهومٌ اسمي.

وهذا الوجه هو الذي اختاره المحقّق العراقي(1).

ــــــــــ[225]ــــــــــ

() راجع نهاية الأفكار (البروجردي) 1: 56 – 58، المقدّمة، الأمر الثاني: في الوضع، الجهة الأُولى: في المعاني الحرفيّة، في شرح معاني الهيئات، بدائع الأفكار (الآملي) 1: 63 – 65، الفرق بين الجملة الخبريّة والإنشائيّة، منهاج الأُصول 1: 48 – 49، الفرق بين الإنشاء والإخبار.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [الوجه الثاني للمحقّق الأصفهاني]

الوجه الثاني في تصوير مسلك المشهور وهو الذي أفاده المحقّق الأصفهاني(1)

وحاصل هذا الوجه: أن الاستفهام الذي هو حالة قائمة بين المستفهِم والمستفهَم عنه، ينتزع عن هذه الحالة مفهوم اسمي هو مفهوم (الاستفهام)، ثُمّ إن هذه الحالة ينشأ في طولها ربط مخصوص بين المستفهِم والمستفهَم عنه -بين الذات المستفهِمة والنسبة المستفهَم عنها-، ربط مخصوص لم يكن لو لا حالة الاستفهام.

وكما أن تلك الحالة يتحصّل منها مفهوم اسمي هو مفهوم الاستفهام، يتحصّل من ذلك الربط معنى حرفي نسبي هو مفاد (هل)، ولفظة (الاستفهام) تدلّ على ذاك المعنى الاسمي، ولفظة (هل) تدلّ على هذا المعنى الحرفي، ويعبّر عن هذا الربط المخصوص بالنسبة الاستفهامية، لكن لا يُراد به النسبة بين الاستفهام والقضية، بل ربط بين ذات المستفهم والقضية.

وهذا التصوير يختلف عن التصوير السابق:

أوّلاً: في حقيقة تلك النسبة وأطرافها، فالمحقّق العراقي اختار أنها نسبة قائمة بين الاستفهام والقضية المستفهَم عنها، وأما هنا فهي نسبة قائمة بين 

ــــــــــ[226]ــــــــــ

() راجع نهاية الدراية (ط: سيّد الشهداء) 1: 34 – 35، (ط: آل البيت) 1: 62.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الذات المستفهمة والقضية المستفهَم عنها، وهي موازية مع الاستفهام، وليس الاستفهام طرفاً لها.

ويترتّب على ذلك(1): أن نفس مفهوم الاستفهام خارج عن حريم مدلول (هل) بالمرّة، ليس مأخوذاً حتى بنحو القيدية، بينما كان على ذلك الوجه مأخوذاً بنحو القيدية. نعم، تدلّ (هل) على مفهوم الاستفهام بالدلالة التصورية الالتزامية؛ لأن الربط المخصوص الذي هو مفاد (هل) هو في طول الاستفهام ومن نتائجه، فكلمة (هل) تدلّ بالمطابقة على ذلك الربط المخصوص، وبالالتزام على الاستفهام.

والغريب أن مقرّر بحث المحقّق العراقي(2) ذكر الوجه الثاني الذي هو مختار المحقّق الأصفهاني، ولم يذكر الوجه الأوّل الذي هو المُحَقَّق في (المقالات)(3)، والتمييز بين الوجهين لا يخلو من دقّة.

[الوجه الثالث في تصوير مسلك المشهور]

وهناك تصوير ثالث لا يُبقي مجالاً لهذين الوجهين في تشخيص مفاد (هل) وأمثالها في الجُمل الإنشائية.

ــــــــــ[227]ــــــــــ

() وهذا ثانياً. (المقرِّر).

(2) راجع نهاية الأفكار 1: 56 – 58، المقدّمة، الأمر الثاني: في الوضع، الجهة الأُولى: في المعنى الحرفي، في شرح معاني الهيئات، بدائع الأفكار 1: 63-65، الفرق بين الجملة الخبريّة والإنشائيّة.

(3) راجع مقالات الأُصول 1: 99 -100، المقالة الرابعة: في المعاني الحرفيّة، نتائج ولوزام، الفرق بين الإخبار والإنشاء.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وذلك أننا لو لاحظنا ذينك الوجهين لرأيناهما مشتركين في نكتة، وهي: أن مفاد (هل) هي نسبة أخرى غير النسبة التصادقية وإن اختلفا في تشخيصها. فعلى كِلا الوجهين لا بد من تصوير نسبتين: تصادقية، ونسبة أخرى تكون هي مفاد أداة الاستفهام.

لكن هذا غير صحيح -بعد التأمّل في معنى النسبة التصادقية بالنحو الذي شرحناه-، فإن النسبة التصادقية لها طرفان، أو لها ثلاثة أطراف؟ لها بالدقة ثلاثة أطراف. 

ففي قولنا: (زيد عالِم)، طرفاها (زيد) و(عالم)، والطرف الثالث هو ما فيه التصادق. فإن (زيد) و(عالم) مفهومان متغايران في عالم الذهن، نقول إنهما متصادقان، لكن في أيّ شيء؟ لا معنى للتصادق إلّا بلحاظ وعاء من الأوعية، فلا بُدّ من لحاظ ما فيه التصادق ليتمّ أركان هذه النسبة.

وهذا الطرف الثالث يختلف، ففي الجُمل الخبرية كـ(زيدٌ عالِم)، الوعاء الذي فيه التطابق، هو وعاء التحقّق، وفي جملة (هل زيد عالِم)، يكون وعاء التصادق هو وعاء الاستفهام، يعني أن (زيد) و(عالِم) متصادقان بلحاظ واقعة محفوظة في وعاء الاستفهام، وفي: (ليت الشباب يعود) محفوظ في وعاء التمني، إلى غير ذلك من الأوعية.

إذن فليس عندنا نسبتان، بل واحدة وهي النسبة التصادقية، وطرفها الثالث ما فيه التصادق.

وإذا كان هذا الطرف وعاؤه وعاء التحقّق لا يحتاج إلى أداة مستقلّة، بينما 

ــــــــــ[228]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

إذا كان وعاؤه وعاء آخر فانه يحتاج إلى أداة مستقلّة في اللغة العربية.

فالنسبة التصادقية لا تستكمل مقدّماتها بطرفين حتى تحتاج إلى تعيين نسبة أخرى، بل لها مقوم ثالث يمكن أن تكون (هل)دالّة عليه.

هذا تمام الكلام في مفاد الحروف والجُمل(1).

[في أن الموضوع له في الحروف والهيئات عامّ أم خاصّ؟]

تلخَّص من البحوث السابقة أن الحروف والهيئات موضوع للنسب، لكنّ بعضها موضوع للنسب التحليلية، وبعضها موضوع للنسب الواقعية.

يقع الكلام بعد ذاك في تشخيص أن الموضوع له في باب الحروف والهيئات هل هو عامّ أو خاصّ؟ والكلام في ذلك تارةً يقع في موارد النسب الواقعية 

ــــــــــ[229]ــــــــــ

() لم يذكر السيد أن مفاد النسب الإضرابية ونحوها هل هو جملة تامّة أو جملة ناقصة؟ والمتبادر من قولنا: (زيد بل عمرو) أو (زيد إلّا عمرو) ونحوه كونها نسباً ناقصة لا يصحّ السكوت عليها، إلّا أنه بعد ضمّ كلمتين للسيد يتحصّل أنه يرى كونها نسبة تامّة:

الأولى: أن هذه النسب نسب ثانوية حقيقية، فان ظرفها الذهن لا الخارج.

الثانية: ان مناط تمامية النسبة هو كونها حقيقية -كما سبق-، فيثبت كون هذه النسب حقيقية. 

أقول: وقد ذكر بعض الإخوان أن السيد قال: إن لهذه النسب أطرافاً ثلاثة لا طرفين: 

أحدهما: المضرب عنه. والآخر المضرب إليه. والثالث المضرب فيه. أو بلحاظه وهو الحكم؛ إذ لا معنى للإضراب ولا الاستثناء إلّا بلحاظه ومع إلحاق هذا الطرف وملاحظته يتمّ كون النسبة تامّة. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وأخرى يقع في موارد النسب التحليلية فالكلام يقع في جهتين: 

[الجهة الأولى: في موارد النسب الواقعية]

الجهة الأولى أن الموضوع له هل هو عامّ أو خاصّ في موارد النسب الواقعية كالتصادقية والاضرابية والتأكيدية والاستثنائية؟

وفي هذا الصدد لا بد أن نرى أنه ما المراد بكون الموضوع له عامّاً أو خاّصاً. ليس المراد من ذلك الصدق على كثيرين في الخارج وعدمه، بمعنى أن وضع الحرف للعامّ يعني أن مدلول الحرف يصدق على كثيرين في الخارج، ومعنى كونه خاصّاً كونه لا يصدق كذلك، ليس المُراد ذلك؛ لوضوح أن النسب الواقعية التي موطنها الأصلي هو الذهن لا تصدق على الخارج أصلاً، وليست منطبقة على الخارج أصلاً، فإنها قائمة في صقع الوجود الذهني بين مفهومين، وليس لها أفراد في الخارج، ليس هناك نسب اضرابية ولا تأكيدية، في الخارج ولا تصادقية؛ لأنه في الخارج لا يوجد نسبة بين (زيد) و(عالم)، بل زيد عين العالِم، والخارج عين الوحدة.

كما أنه ليس المُراد بالعمومية والخصوصية التعبير الذي ورد في كلام المحقّق النائيني في بيان معنى ذلك، حيث ذكر: أن مدلول الحرف له طرفان لا محالة(1)، فهيئة (زيد عالِم) لها طرفان، ولا إشكال أن الطرفين خارجان عن حريم مدلول المعنى الحرفي، لكن يقع الكلام في أن يقيّد المعنى الحرفي بالطرفين، هل هو داخل في معنى الحرف أو لا؟

ــــــــــ[230]ــــــــــ

(1) أُنظر: فوائد الأُصول 1: 44-45، المبحث الأوّل: في الوضع، البحث في الحروف.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فالقول بأن الموضوع له عامّ في الحروف، يعني: أن الطرفين خارجان قيداً وتقيّداً، ومعنى أن الموضوع له خاصّ: أن الطرفين داخلان قيداً وإن كانا خارجَين قيداً.

فالعمومية والخصوصية وإن لم تكن بلحاظ عالم الخارج، بل في عالم الذهن، لكن معنى العمومية والخصوصية ما أشرنا إليه.

وهذا الطرز من التعبير أيضاً ليس صحيحاً؛ لأنه يوهم أنه يوجد طرفان ومعنى حرفي، ويوجد تقيّد لهذا الطرف وتقيّد لهذا الطرف، وهذا غير صحيح؛ لأن المعنى الحرفي بذاته ربط وشدّ بين الطرفين، فلا يوجد بينه وبين طرفيه ربطٌ آخر وتقيّد آخر، وإلّا لاحتاج هذا التقيّد إلى ربط آخر. فليس لنا معنى حرفي وقيد وتقيّد ليصحّ ما قال، فإنه مبني على تعقّل ثلاثة أمور، وهو غير متعقّل، فإن تقيّد المعنى الحرفي بذاته لا بتقيّدٍ زائد.

بل الذي ينبغي أن يُقال في معنى كون الموضوع له عامّاً أو خاصّاً، هو: أن هذه النسب الواقعية كالتصادقية هل يتصوّر بينها جامعٌ مع إلغاء الطرفين أو لا يتصوّر؟ فان تصوّرناه بين هذه النسب يكون الموضوع له عامّاً، وتكون جامعيته باعتبار الصدق على كثيرين في نفس وعاء الذهن، وأما إذا لم نتعقّل الجامع بينهما، فلا يكون له أفراد كثيرون في الذهن.

فإذا أمكن القول بوجود جامع بين النسب التصادقية، وكون الحرف موضوعاً لذلك الجامع، فالموضوع له عامّ، وإلّا فالموضوع له خاص.

والصحيح أن هذا الجامع مستحيل -كما سبق أن أوضحناه-، وخلاصة ما 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

أوضحناه: أن المعنى النسبي كالنسبة التصادقية أو الاضرابية متقوّمة بشخص طرفيها، -كما برهنا عليه سابقاً- فإن أُريد انتزاع جامع حقيقي بين نسبتين تصادقيتين: فإما أن تُلغى خصوصيات الأطراف، أو أن يتحفّظ عليها. فإن تحفّظنا عليها، استحال أخذ الجامع مع تباين الأطراف وتقوّمها بها، وإن ألغينا الطرفين فقد ألغينا النسبة ذاتها؛ لأنها تتقوّم بهما.

وحينئذٍ فيتعيّن أن يكون الحرف موضوعاً بإزاء أفراد النسب في عالم الذهن لا بلحاظ جامع، وهذا هو معنى كون الموضوع له خاصّاً، وعليه فيتعيّن أن يكون الوضع عامّاً والموضوع له خاصّاً، بأن يتصوّر الواضع مفهوماً إجمالياً يُشير به إلى أشخاص النسب التصادقية مثلاً أو الاضرابية أو التأكيدية، ويضع اللّفظ بإزاء تلك النسب.

[الجهة الثانية: في موارد النسب التحليلية]

الجهة الثانية في الحروف والهيئات الموضوعة بإزاء النسب التحليلية، كمفاد (في) و(عن) و(إلى) ونحوها، مما يكون موطنها الأصلي هو الخارج(1).

وهنا لا بُدّ من الكلام بنحوٍ أسبق من ذلك، بمعنى: أن الحرف ليس له بنفسه وضعٌ مستقلّ بناءً على هذا المبنى؛ ليَقع الكلام في أن الموضوع له خاصّ أو عامّ، فإن هذا الكلام فرع التسليم بأن الحرف له وضعّ مستقلّ في نفسه. أما 

ــــــــــ[232]ــــــــــ

() ومعنى كون النسبة تحليلية كما سبق أن الموجود الذهني في قولنا: (النار في الموقد) موجود واحد، فيقع الكلام في أن الوضع عامّ والموضوع له خاصّ أو لا؟ (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

هنا فبِحسب الدقّة لا يعقل أن يكون للحرف وضع مستقلّ، بحيث يدلّ قولنا: (النار في الموقد) على ثلاثة معاني بتعدّد الدالّ والمدلول؛ لأن هذا معناه أنه يوجد ثلاث انتقالات ذهنية بلحاظ الكلمات الثلاث، مع أننا برهنّا أنه لا يوجد في عالم الذهن بإزاء هذه الجملة إلّا وجود واحد -أي: انتقال ذهني واحد- فلِهذه الجملة دلالة واحدة تصورية؛ لأنَّ معنى الدلالة هو انتقال الذهن إلى المعنى، باعتبار أن الجملة بمجموعها موضوعة لذلك الوجود الوحداني والحصّة الخاصّة.

نعم، كلمة (النار) وكلمة (الموقد) موضوعة لمعنى ونفهم معناها، ولكن كلمة (في) ليست موضوعة لمعنى، وإنما هي في ضمن الجملة موضوعة بذلك الوضع الوحداني.

وهذا الوضع بنحو الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ لا محالة؛ لأن الواضع حين وضع كلمة (النار) و(الموقد) و(زيد) و(البيت) لمعانيها، وضع الجملة المشتملة على (في) للحصّة الخاصّة، وهي التي تكون النسبة جزءاً تحليلياً منه، فيكون الوضع عامّاً والموضوع له خاصّاً. أما كون الوضع عامّاً فلأن الواضع لم يتصوّر كلّ النسب واحدة واحدة، بل تصوّر معنى إجمالياً لذلك، ووضع الحرف لذات تلك الجُمل.

هذا تمام الكلام في الأمر الثاني.

ــــــــــ[233]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 







[الأمر الثالث: الدلالة على المعنى المجازي]

 

  • [المسلك الأوّل القائل بلزوم عناية إضافية]
  • [المسلك الثاني: القائل بعدم لزوم عناية إضافية]

ــــــــــ[235]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 









[الأمر الثالث: الدلالة على المعنى المجازي]

 

لا إشكال أن اللّفظ له دلالتان اقتضائيتان على المعنى الحقيقي وعلى المعنى المجازي، كما لا إشكال أن الدلالة الثانية في طول الأولى، بمعنى أن فعليّتها متوقّف على وجود مانع عن الدلالة الأولى، وإلّا فسوف تكون الأولى فعلية، ولا تصل النوبة إلى المعنى المجازي. كما أنه لا إشكال أن الدلالة الأولى محتاجة إلى العناية الوضعية، بمعنى أنه لا بُدّ في حصولها من وضع اللّفظ للمعنى الحقيقي، وإلّا لم يكن للفظ دلالة شأنية عليه.

وإنما الكلام في الدلالة الشأنية الثانية كدلالة لفظ الأسد على الرجل الشجاع، هل يكون أيضاً محتاجاً إلى عناية زائدة، أو يكفي لحصولها نفس وضع اللّفظ للمعنى الحقيقي؟ فهذان مسلكان في المعنى المجازي.

وهذا الخلاف بين هذين المسلكين ينبغي أن يكون في مجاز الكلمة، لا في مجاز السكاكي(1) المعروف، فإن التجوّز يكون على قسمين: 

أحدهما: التجوّز في الكلمة بحيث يؤتى بلفظة (أسد) ويُراد بها غير المعنى الحقيقي وهو الرجل الشجاع، وهو تجوّز في مرحلة الاستعمال.

ــــــــــ[237]ــــــــــ

(1) هو يوسف بن أبي بكر محمّد بن علي السكّاكي. أُنظر: مفتاح العلوم: 156، القسم الثالث: في علمَي المعاني والبيان، الفصل الثاني، الأصل الثاني من علم البيان، المجاز.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ثانيهما: التجوّز في مرحلة التطبيق والادّعاء، بأن يفرض أن كلمة (الأسد) قد استعملت في معناها الموضوع له، لكن ادُّعيَ عناية: أن زيداً فرد من الحيوان المفترس، فهو مجاز في مقام تطبيق المفهوم على مصداقه الخارجي.

وهذا التجوّز ينبغي أن يكون خارجاً عن محلّ الكلام، فإنه غير مربوط باللّفظ، فإن اللّفظ قد استعمل في معناه الحقيقي، ولا يحتاج في ذلك إلى عناية، وإنما العناية في تطبيق المفهوم على غير فرده الحقيقي، فالعناية هنا عقلية وليست لفظية واستعمالية.

ــــــــــ[238]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 










[المسلك الأوّل القائل بلزوم عناية إضافية]

 

وإنما الكلام في الاحتياج إلى عناية زائدة، إنما هو في موارد التجوّز في الكلمة، كما لو استعملت لفظة (أسد) في الرجل الشجاع، فهل يحتاج تصحيح هذا الاستعمال إلى عناية إضافية زائداً على وضع اللّفظ للمعنى الحقيقي أو لا؟

والمسلك الأوّل القائل بلزوم عناية إضافية في ذلك، يمكن تقريبه بعدّة وجوه:

[التقريب الأوّل: الوضع للمعنى المجازي المشروط بالقرينة]

الوجه الأوّل ما ذكره السيّد الأستاذ، وحاصله(1): دعوى أن هناك عناية زائدة تكون هي المصحّحة لاستعمال اللّفظ في المعنى المجازي، وهي وضع اللّفظ للمعنى المجازي، لكن وضعاً مشروطاً لا وضعاً مطلقاً. 

توضيحه: أن السيّد الأستاذ يبني على أن الوضع هو التعهّد، فكما أن اللّفظ موضوع للمعنى الحقيقي، بمعنى: أن الفرد يتعهّد أنه كلما أتى بكلمة (أسد) يقصد الحيوان المفترس، كذلك هو موضوع للمعنى المجازي، بمعنى أنه يتعهّد أنه متى ما قصد الرجل الشجاع يأتي بكلمة (الأسد).

ــــــــــ[239]ــــــــــ

(1) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه 1: 94 – 95، مقدّمة علم الأُصول، الأمر الخامس: استعمال اللفظ في المعنى المجازي.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

غاية الأمر أن الوضع الأوّل وضعٌ مطلق، والوضع الثاني وضعٌ مقيّد بالقرينة، فمتى ما أراد الرجل الشجاع أتى بلفظ (أسد) مقترناً بالقرينة كـ(يرمي) أو (يخطب) مثلاً في قولنا: (رأيت أسداً يرمي).

ومن أجل هذا لو فرض أن اللّفظ لم يؤتَ معه بالقرينة يُحمل على الحقيقي؛ لأن وضعه للمعنى المجازي مقيّد بفرض وجود القرينة، فمع عدمها يُحمل على الحقيقي.

ويرد على ذلك:

أولاً: أن هذا التعهّد من قِبَل الواضع في المعنى المجازي لغو؛ لأنَّ المقصود من الوضع تصحيح الاستعمال، يعني: جعل السامع ينتقل ذهنه ويعرف مُراد المتكلّم، ومن الواضح أن هذا التعهّد لا أثر له في تحقيق ذلك؛ لأنه مشروط بالقرينة، ومع وجودها تكون كافية لتعريف ما هو مُراد المتكلّم بلا حاجة إلى هذا الوضع، فلو قال: (رأيت أسداً يرمي)، نعرف أن مُراده الرجل الشجاع ولو بدون الوضع الكلّي.

وإن شئتم قلتم: إن المُراد من هذا الوضع هو انتقال ذهن السامع إلى المُراد في فرض وجود القرينة، فهو لغو؛ لأنها تكفي في تعيين المُراد. وإن كان الغرض انتقال السامع في فرض عدم وجود القرينة، فهذا لا يكفي لذلك؛ لأنه مشروط بها. إذن فافتراض هذا الوضع المشروط لا يترتّب عليه أثر.

ثانياً: أن صحّة استعمال اللّفظ في المعنى المجازي إن كانت من نتائج هذا الوضع المشروط، يلزم أن لا يصحّ استعمال اللّفظ في المعنى المجازي إلّا مع 

ــــــــــ[240]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وجود الشرط وهو القرينة، مع أن من الواضح أن استعمال اللّفظ في المعنى المجازي صحيح حتى بدون قرينة، غاية الأمر أنه يكون بابه باب الإجمال والإغماض.

إذن فصحّة الاستعمال في المعنى المجازي أوسع من هذا الوضع المشروط.

[التقريب الثاني: الوضع للمعنى المجازي وضعاً نوعيّاً]

أن يُقال(1): بوضعٍ مطلقٍ نوعي، بأن يلتزم أن لفظ (الأسد) موضوع لكِلا المعنيين من دون تقييد بالقرينة، غاية الأمر أن لفظة (الأسد) موضوعة للحيوان المفترس بعنوانه الأصلي، وهي موضوعة للرجل الشجاع لا بما هو رجل شجاع، بل بما هو مُشاكل(2) للحيوان المفترس، ومن هنا كان وضعاً نوعياً؛ لأن الواضع لم يلاحظ كلّ الاستعمالات المجازية، بل وضع كلّ لفظ لِما يُشاكل معناه.

وهذا التقريب لا يأتي عليه الاعتراضان السابقان.

لكن يرد عليه: أنه يلزم -بناءً على هذا-: العرضية بين الدلالتين، وهما دلالة اللّفظ على المعنى الحقيقي، ودلالته على المعنى المجازي، ولا يمكن 

ــــــــــ[241]ــــــــــ

() أُنظر: حواشي المشكيني على الكفاية 1: 89 – 99، مقدّمة علم الأُصول، الثالث: مبحث المجاز.

(2) وهذا لا يلازم الطولية؛ إذ لو أخذنا في الوضع الثاني؛ كونه مشابهاً للموضوع له الأوّل بما هو موضوع له، كان طولياً. ولكنه أُخذ في الوضع الثاني؛ كونه مشابهاً لذات الموضوع له الأوّل. فلا طولية. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

تصوير الطولية بينهما؛ لأن حال اللّفظ حينئذٍ حال لفظ له معنيان في عرض واحد، وليست إحدى الدلالتين مشروطة بعدم الدلالة الأخرى؛ باعتبار عرضية الوضعين المستتبع لعرضية الدلالتين.

بل بناءً على هذا لا يمكن أيضاً تصوير الطولية بين نفس المعاني المجازية، مع أنه لا إشكال أن بعض المجازية أقرب من المعاني المجازية الأخرى. وأخذها في طول الآخر، فكيف نتصوّر أحدهما أقرب والآخر أبعد، إذا كان ميزان الدلالة هو الوضع، وكان بالنسبة إلى جميع المعاني على حدّ واحد؟

[التقريب الثالث: الوضع للمعنى المجاز بملاك استعمال العرب القدماء]

إن هذه العناية الزائدة التي لا بُدّ من فرضها في المعنى المجازي، هي عبارة عن أن مؤسّسي اللغة وقدماءها قد استعملوا اللّفظ في المعاني المجازية، فمتى استعملوه صحّ لنا أن نستعمل، وإذا لم يستعملوا لا يصحّ لنا أن نستعمل، وقد ذكر المحقق العراقي -الذي اختار هذا الوجه- في تقريبه: أنه إذا لم يكن هذا الاستعمال قد جرى على لسان العرب القدماء، فلا يكون استعمالاً عربياً؛ لأن المُراد بالاستعمال العربي ما جرى على لسانهم(1).

وهذا البيان أضعف من سابقيه؛ لأننا ننقل الكلام إلى نفس أولئك الأوّلين 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

(1) راجع بدائع الأفكار (الآملي) 1: 87 – 88، الأمر الخامس: في ما يصحّ به الاستعمال. ومجمع الأفكار 1: 45، بحث المجاز.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الذين استعملوا اللّفظ بالمعنى المجازي، هل كان استعمالهم مستنداً إلى وضع أو لا؟ فإن كان بالوضع رجع إلى الوجه الأوّل، وإن كان بلا وضع وكان الوضع للمعنى الحقيقي كافياً، فهذا كما صحّح لهم الاستعمال يصحّح لنا أيضاً.

وأما دعوى: أن الكلام إنما يكون عربياً إذا كان قد جرى على لسان العرب القدماء، غير صحيحة؛ لأن المُراد من الكلام العربي ما تُستَمدّ صحّته من أوضاع اللغة العربية، لا الكلام الذي جرى على لسان العرب الأوائل.

[التقريب الرابع: الوضع للمعنى المجازي بملاك ترخيص الواقع]

ما يظهر من صاحب الكفاية(1)، كأنّه فسّر هذه العناية بالترخيص من قِبَل الواضع، فإن لم يرخّص لم يصحّ الاستعمال المجازي وإن رخّص صحّ(2).

وهذا أسخف من السوابق جميعاً؛ لأن المُراد من الترخيص هنا إن كان هو الترخيص التكليفي، فهو شأن المولى الذي تجب إطاعته، والمولى ليس كذلك. وإن كان المُراد الترخيص الوضعي بمعنى صحّة الاستعمال، فمن الواضح أنها غير مجعولة بالاستقلال، بل مجعولة بتبع الوضع، وقد ظهر حال الوضع فيما تقدّم.

ــــــــــ[243]ــــــــــ

() قال السيد: إن صاحب (الكفاية) لم يختر هذا الوجه وإن ذكره في عبارته. (المقرِّر).

(2) أُنظر: كفاية الأُصول: 13 – 14، المقدّمة، الثالث: كيفيّة استعمال المجازي بالوضع أو الطبع. وقد نسب المحقّق العراقي ذلك إلى المشهور، فلاحظ: منهاج الأُصول 1: 62، المقدّمة، الأمر الثالث: صحّة الاستعمال بالوضع أم بالطبع.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فهذه التقريبات الأربعة لتصوير العناية الإضافية غير صحيحة، وبذلك بطل المسلك الأول.

[التقريب الخامس: الوضع بشرط عدم إرادة المعنى التحقيقي]

حاصله: الالتزام بأن دلالة اللّفظ على المعنى المجازي موقوفة على الوضع، فيلتزم بوضعين بهذا اللحاظ، كما هو الحال في التقريب الأوّل.

لكن يختلف هذا الوجه عن الأوّل في نكتة، وهي: أن الوضع المدّعى للمعاني المجازية في التقريب الأوّل كان مشروطاً بالقرينة -كما كان يدّعي السيد الأستاذ-، أما في هذا الوجه فندّعي أن الوضع للمعنى المجازي مشروط بعدم إرادة المعنى الحقيقي، سواء نصب قرينة أو لم ينصب، فلفظ (الأسد) غير المقرون بإرادة المعنى الحقيقي يكون موضوعاً للرجل الشجاع.

وتغيير صيغة الشرط يوجب اندفاع كِلا الإشكالين على ذاك التقريب.

وكان الإشكال الأول: أن وضع اللّفظ للمعنى المجازي إذا كان مشروطاً بالقرينة فهو لغو صِرف؛ لأن القرينة وحدها كافية لتفهيم المعنى من دون الوضع.

وهو لا يرد هنا، فإنه لا يُقال: إن الوضع لغو، فإنه لم يفرض في شرطه وجود القرينة الكافية في انفهام المعنى، وإنما فرض في شرطه عدم إرادة المعنى الحقيقي، وهو غير كافٍ في انفهام المعنى المجازي؛ فيكون الوضع الثاني كافياً في مقام التفهيم.

وكان الإشكال الثاني: أن استعمال اللّفظ في المعنى المجازي صحيح حتى 

ــــــــــ[244]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

بلا قرينة -في موارد الإجمال والغموض-، فلو كانت الصحّة متوقّفة على القرينة لم يصحّ، مع أنه صحيح بلا إشكال.

أيضاً لا يرد على هذا التقريب الخامس؛ لأن شرط الوضع ليس هو القرينة، بل عدم إرادة المعنى الحقيقي سواء كان المتكلّم مجملاً أو مستعملاً للمعنى الحقيقي، فدائرة الاستعمال تكون مساوية لدائرة الوضع وليست أضيق منها، بأن يُقال: إن الوضع المجازي مشروط بالجامع بين عدم القرينة وإرادة الإجمال. لكنّه يرد عليه نفس الإشكال فيما إذا كان في الكلام قرينة تفيد الإجمال، فإن فيه دلالتين حينئذٍ لتوفّر الشرط لكِلا الوضعين

نعم، هذا الطرز من التعبير إذا لم تُصرف عنايات زائدة يرد عليها إشكالٌ آخر.

وتوضيحه: أننا قلنا: إن الدلالة التي تنشأ من الوضع هي الدلالة التصوّرية، ولا إشكال في أن الدلالة التصورية للفظ (الأسد) على المعنى الحقيقي أقوى وآكد من دلالته التصورية على الرجل الشجاع، ومن هنا لو خلّي وطبعه ينعقد له ظهور في المعنى الحقيقي، حتى إننا لو سمعنا لفظ (الأسد) من اصطكاك الحجرين يتبادر إلى ذهننا المعنى الحقيقي دون المجازي.

بعد تسليم هذا الوجدان نقول: إننا إذا بنينا على وضعين بصيغة التقريب الخامس، فلو صدر لفظ (الأسد) من غير العاقل المختار كاصطكاك الحجرين أو النائم أو الغافل، يلزم أن يكون اللّفظ مورداً لكِلا الوضعين: أما المعنى الحقيقي فواضح، وأما المعنى المجازي فلأن شرطه موجود؛ لأنه لم يرد المعنى 

ــــــــــ[245]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الحقيقي، ويلزم أن تكون دلالته على كلّ منهما بالدلالة التصوّرية على نحوٍ واحد، مع أنه لا إشكال أن دلالته على المعنى الحقيقي أقوى من دلالته على المجازي.

وصفوة القول في إبطال المسلك الأوّل، وتعيين الثاني الذي يقول بعدم الاحتياج إلى العناية: أن هذه العناية المدّعاة في المسلك الأوّل لا يخلو أمرها: إما أن توجب دلالة اللّفظ على المعنى المجازي، بنحوٍ تكون في عرض دلالته على المعنى الحقيقي، أو في طولها.

فإن كانت موجبة لدلالة عرضية، بحيث تكون نسبة اللّفظ في مقام الدلالة على كِلا المعنيين على نحوٍ واحد، فهو خلاف الأصل الخارجي المسلّم، وهو أن دلالة اللّفظ على المجازي في طول عدم دلالته على الحقيقي.

ــــــــــ[246]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 











[المسلك الثاني: القائل بعدم لزوم عناية إضافية]

 

إن كان تصوير العناية بنحوٍ ينتج الدلالة الطولية، بحيث لا تصل النوبة إلى الدلالة الأضعف إلّا إذا سقطت الدلالة الأشدّ، فهذا لا يحتاج إلى العناية الزائدة، بل يكفي فيه نفس وضع اللّفظ للمعنى الحقيقي.

وتوضيح ذلك: أننا قلنا: إن الوضع إنما يوجب دلالة اللّفظ على المعنى؛ باعتبار كونه سبباً في اقتران اللّفظ والمعنى بشكلٍ أكيد وشديد، فيوجب انتقال الذهن من اللّفظ إلى المعنى.

ثُمّ هناك اقتران آخر تكويني لا يحتاج إلى وضع واضح -بين المعنى ومعنى آخر-، بين الحيوان المفترس والرجل الشجاع، ناشئ من الأعراف ونحوها، فهذان اقترانان طوليان(1)، وهما ينتجان لا محالة اقتراناً بين اللّفظ والرجل الشجاع؛ لأن المقترن بالمقترن مقترن.

لكن اقتران اللّفظ بالرجل الشجاع أضعف من اقترانه بالحيوان المفترس؛ لأن اقترانه بالرجل الشجاع كان بتوسّط اقترانه بالحيوان المفترس، وكلّما تعدّدت الوسائط كان الاقتران أضعف لا محالة.

ومن هنا كانت دلالة اللّفظ على المعنى الحقيقي آكد وأقوى من دلالته على 

ــــــــــ[247]ــــــــــ

() بالحيوان اقتران اللّفظ، واقتران الحيوان المفترس بالرجل الشجاع. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

المعنى المجازي. وهذا هو المقصود من الطولية، فإن المتبادر هو الأقوى لا محالة، وقد ينتبه الذهن إلى الأضعف وقد لا ينتبه أيضاً.

ونفس الشيء نقوله في المعاني المجازية، فإنها ليست على وتيرة واحدة، بل بعضها أشدّ التصاقاً وبعضها أقلّ، فكلّما كانت أشدّ التصاقاً كان اقترانه غير المباشر مع اللّفظ أقوى من الاقتران غير المباشر مع معنى آخر.

إذن فالصحيح هو المسلك الثاني، وهو أن صحّة الاستعمال في المعنى المجازي لا يحتاج إلى عناية أصلاً. هذا تمام الكلام في التنبيه الثالث.

ــــــــــ[248]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 











[الأمر الرابع: الإطلاقات الإيجادية]

 

  • المقام الأول: بلحاظ كبرى الإطلاق الإيجادي
  • [المقام الثاني: وهو بحث الصغرى]

ــــــــــ[249]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 






[الأمر الرابع: الإطلاقات الإيجادية]

 

الأمر الرابع في إطلاقاتٍ في مقابل الاستعمال وهي التي تسمّى بالإطلاقات الإيجادية، فإن الاستعمال عبارة عن جعل ذهن السامع ينتقل من الحاكي إلى المَحكي، وأما الإطلاق الإيجادي فهو عبارة عن جعل ذهن السامع ينتقل إلى الموضوع مباشرةً، والكلام فيه تارةً بلحاظ الكبرى، وأخرى بلحاظ الصغرى.

 

المقام الأول: بلحاظ كبرى الإطلاق الإيجادي

 

وحاصل الكلام فيه: أنه لا إشكال أن إحضار الشيء في ذهن السامع له وسيلتان: وسيلة حكائية، ووسيلة إيجادية. فالحكائية هي أن يُؤتى بلفظ حاكٍ عن الشيء، بحيث ينتقل أوّلاً إلى الحاكي ومنه إلى المحكي، وأما الوسيلة الإيجادية فهي عبارة عن إيجاد ذلك الشيء خارجاً في معرض إحساسه وشعوره، فإنه يكون سبباً في انتقال صورته في ذهن السامع، فإذا سألني شخص: (ماذا في يدك؟) فتارةً أقول: (سبحتي) وهو إخطار حكائي، وأخرى: أفتح يدي ليراها، وهي وسيلة إيجادية لإخطار المعنى، وليس حكائياً؛ لأن ذهن السامع لا ينتقل من شيء إلى (السبحة) بل ينتقل إليها ابتداءً.

ــــــــــ[251]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ومن الواضح أن إخطار المعنى بوسيلة حكائية هو الاستعمال الذي يحتاج إلى مصحّح؛ لكي يحكي شيء عن شيء آخر، وهذا المصحّح: إما هو الوضع كما هو الحال في باب الحقيقة، أو الطبع كما هو الحال في باب المجاز.

وأما إخطار المعنى بوسيلة إيجادية فهو لا يحتاج إلى مصحّح جعلي، بل نفس القضية بطبعها التكويني كافية فيه، فإن الإنسان إذا أحسّ بشيء انتقشت صورته في ذهنه لا محالة.

ولا إشكال في أن الوسيلة الإيجادية هي الوسيلة الأوّلية في مقام إخطار المعنى، والوسيلة الحكائية هي وسيلة ثانوية، وأن الإنسان بقطع النظر عن الوضع يتاح له الوسيلة الإيجادية بخلاف الوسيلة الحكائية.

وهناك فرقان أساسيان بين الوسيلتين لا بد من الالتفات إلى نكتتهما:

الفرق الأول: أن الوسيلة الإيجادية لا يمكننا اتّخاذها، إلّا إذا كان المعنى الذي نريد أن نحضره في ذهن السامع معنى جزئياً خاصّاً، بخلاف الوسيلة الحكائية فإنها تفيد حتى في إحضار المعنى العامّ.

توضيحه: أنه في موارد الوسيلة الإيجادية توجد شيئاً بقصد إخطار صورته في ذهن السامع، ومن الواضح أن ما نوجده دائماً هو جزئي خاصّ؛ لأن الكلّي على سعته لا يعقل وجوده في الخارج، فبهذه الوسيلة يمكننا أن نحصل على الصورة الذهنية -للسامع- لهذا الفرد الجزئي، لا أكثر.

وتوهّم: أن هذا الإيجاد للفرد، إيجاد للكلّي؛ لأنه موجود بوجود فرده، فلماذا لا نحصل على صورة ذهنية للكلّي في ذهن السامع؟!

ــــــــــ[252]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

مدفوع: بأننا وإن أوجدنا الكلّي، لكنّنا أوجدناه بوجود تحليلي ضمني
-يعني: في ضمن الفرد-، فلا محالة تكون الصورة الذهنية موازية للموجود الخارجي الذي أوجدناه، فكما أن الموجود الخارجي كان كلّياً بشرط شيء وهو: الخصوصية، كذلك الصورة الذهنية هي كلّي بشرط شيء، لا الكلّي بحدّه ولا بشرط. ومن المعلوم أن الصورة الذهنية للكلّي بشرط شيء مباينة للصورة الذهنية للكلّي لا بشرط، إذن ففي الحقيقة أوجدنا صورة فرد في ذهن السامع، ويكون وجود الكلّي في ضمن الصورة على حدّ وجوده في الموجود الخارجي.

نعم، يمكن أن نجعل هذه الصورة الذهنية للكلّي بشرط شيء، مقدّمة إعدادية لينتقل ذهن السامع إلى صورة الكلّي لا بشرط، وهذا يكون بابه باب الحكاية لا باب الإيجاد؛ لأن معناه انتقال ذهن السامع من شيء إلى شيء، وهو خُلف.

وأما لو اقتصرنا على الجنبة الإيجادية فلا يعقل أن نحصل إلّا على صورة الفرد.

وبخلاف ذلك الوسيلة الحكائية، فإنه يختلف باختلاف جعل اللّفظ حاكياً، فقد يكون اللّفظ موضوعاً للجزئي فيحكي عن الجزئي، وقد يكون اللّفظ موضوعاً للكلّي فيكون حاكياً عن الكلّي.

والفرق الثاني: أنه في موارد الوسيلة الإيجادية إذا أردنا أن نحضر معنى في ذهن السامع بالإيجاد، ثمّ نحكم عليه بحكم، كما لو جئنا بشيء ثمّ نقول: (كتاب). فهنا نحتاج إلى الالتفات إلى نكتة، وهي: أنه في مقام الحصول على 

ــــــــــ[253]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

قضيّة في ذهن السامع نحتاج إلى إحضار موضوعها ومحمولها والنسبة بينهما، أما الموضوع فقد أحضرناه بالوسيلة الإيجادية، وأما المحمول فقد أخطرناه بالوسيلة الحكائية، فقد اختلفت الوسيلة في طرف الموضوع عنها في طرف المحمول، وأما النسبة فلا بُدّ أن تحضر بالهيئة القائمة بين الموضوع والمحمول، ودلالة الهيئة على النسبة دلالة حكائية تحتاج إلى الجّعل والوضع، وليست إيجادية، وهنا لا بُدّ من بحث في أن الهيئة التي وضعها الواضع للدلالة على النسبة، هل هي الهيئة القائمة بين وسيلتين حكائيتين، أو هي الأعمّ منه ومن الهيئة القائمة بين المجموع المركّب من وسيلة حكائية ووسيلة إيجادية.

فإن فرض الأوّل: إذن فتشكيل جملة والتوصّل إلى قضيّة بإحضار الموضوع إيجادياً وإحضار المحمول حكائياً يكون خطأ، لا من باب خطأ الوسيلة الحكائية، بل لأن الهيئة القائمة للمجموع المركّب بين اللّفظ والخارج ليست موضوعة لمعنى -مثلاً-. وإن كانت قد وضعت للنسبة: فانه يمكن التوصّل بها إلى القضيّة المعنوية الذهنية.

فهاتان نكتتان على ضوئهما ننتقل إلى بحث.

ــــــــــ[254]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 







[المقام الثاني: وهو بحث الصغرى]

 

وفيه يقع الكلام في جهتين:

الأولى: في إطلاق اللّفظ وإرادة نوعه أو صنفه أو مثله.

والجهة الثانية: في إطلاق اللّفظ وإرادة شخصه.

[الجهة الأولى: في إطلاق اللّفظ وإرادة نوعه أو صنفه أو مثله]

أما الجهة الأولى وهي إطلاق اللّفظ وإرادة نوعه وصنفه ومِثله. فقد ذهب بعضهم إلى أن إطلاق اللّفظ وإرادة النوع والصنف من باب الإيجاد لا من باب الحكاية، بل ذهب السيد الأستاذ إلى أن إطلاق اللّفظ وإرادة المِثل أيضاً من باب الإيجاد(1).

وقالوا في تقريبه: إن الوسيلة الحكائية إنما يتّخذها العاقل فيما إذا كان غير متيسّر له إيجاد الموضوع خارجاً، فيوجد المعنى الحاكي عنه.

وأما لو كان ذلك متيسّراً له فلا معنى لتبعيد المسافة وإيجاد حاكٍ عنه، والموضوع إن كان هو النوع فقد أوجده بإيجاد فرده، وإن كان الموضوع هو الصنف أو المِثل، فأيضاً قد أوجده، غاية الأمر أنه يحتاج إلى تقييد، فإن الموضوع ليس هو مطلق الضرب، بل الضرب في قولنا: (ضرب زيد)، بل (ضرب) 

ــــــــــ[255]ــــــــــ

(1) راجع محاضرات في أُصول الفقه 1: 95، التمهيد، الوضع، الأمر السادس.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

خاصّ، فلا بُدّ من تقييده بالحرف بقولنا: (الضرب) في قولنا: (ضرب زيد) (1).

وقد اتّضح مما بيّناه في المقام الأوّل، من الفارق الأوّل: أن هذا الكلام غير معقول؛ لأن الإنسان حين يوجد النوع ويقول: (ضرب فعل ماضٍ)، وإن كان قد أوجد النوع بفرده، لكنّه لا يمكن أن يحصل على صورة النوع في ذهن السامع إلّا بالنحو الذي أوجده، والمفروض أنه أوجد الطبيعة بنحو مخصوص، فغاية ما يحصل عليه هو الصورة الذهنية للطبيعة الخاصّة، ويكون وجود الطبيعة في الذهن وجوداً تحليلياً على حدّ وجودها في الخارج، ومعه لم نحصل على موضوع القضيّة؛ لأننا نريد أن يكون الموضوع هو الكلّي، وهو غير معقول بالوسيلة الإيجادية.

نعم، لو جعلنا هذه الصورة الذهنية مقدّمة إعدادية للانتقال إلى صورة الكلّي على سعته، كان معقولاً، إلّا أن هذا بابه باب الحكاية لا باب الإيجاد كما قلنا.

إذن فكون إطلاق اللّفظ وإرادة نوعه من باب الإيجاد غير معقول.

ومنه يظهر حال ما قاله السيد الأستاذ(2) في إطلاق اللّفظ وإرادة الصنف 

ــــــــــ[256]ــــــــــ

() إلّا أن تقييد الصنف يكون قيداً كلّياً، وتقييد الشخص يكون قيداً جزئياً. (المقرِّر).

(2) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه 1: 95 -101، مقدّمة في علم الأُصول، الأمر الخامس: استعمال اللفظ في المعنى المجازي، حيث تعرّض لذلك بنحو الإجمال، ثمَّ بحث بعد ذلك بنحو التفصيل، ودراسات في علم الأُصول 1: 60 -61، التمهيد، الأمر الثالث: في الوضع، الكلام في استعمال اللفظ في نوعه أو صنفه أو مثله.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

والمِثل، وأن بابه باب الإيجاد، فإننا نسأل: أن الحرف دلّ على تقييد ماذا؟ هل دلّ على تقييد الوجود الخارجي الذي أوجدناه؟ فهذا مستحيل؛ لأن الوجود الخارجي جزئي حقيقي لا يقبل الإطلاق والتقييد.

وإن قيل: إنه يدلّ على تحصيص وتضييق للمعنى الذي أريد بهذا الوجود الخارجي، فهذا بابه باب الاستعمال، أيّ إننا أردنا بالوجود الخارجي شيئاً وراء وجوده الخارجي.

إذن فالصحيح أن إطلاق اللّفظ وإرادة نوعه أو صنفه أو مِثله كلّه من باب الاستعمال، والمصحّح له هو العلاقة النوعية بين الفرد ونوعه أو صنفه أو مِثله(1).

ــــــــــ[257]ــــــــــ

() قلت له: كيف يمكن انعقاد هيئة بين الموجود الخارجي الذي يجعل موضوعاً، والمحمول الذهني، مع أنهما من عالمين مختلفين ومتباينين في السنخ والهوية؟

فأجاب: أن انعقاد الهيئة بين خارجيين، وهو (الكتاب) والصوت الذي صدر من الإنسان، وهو لفظ (كتاب)، كما هو الحال في هيئة (زيد عالم)، فإنها منعقدة بين خارجيين وهو صوت (زيد) وصوت (عالم).

فقلت له: إن الكلام بصفته حروفاً هو متصرّم الوجود، ولا يمكن انعقاد أيّ هيئة له، وإنما الدالّ هو صورة اللّفظ في الذهن والمدلول هو المعنى، والهيئة إنما توجد بين أمرين قارّين؛ وهما صورة اللّفظ الموضوع وصورة اللّفظ المحمول، ومعه يرجع الإشكال في عدم إمكان إيجاد هيئة بين الكتاب الخارجي وصورة اللّفظ الذي أصبح محمولاً.

فأجاب: بأن الهيئة تكون ذهنية بين صورة الكتاب وصورة اللفظ.

فقلت له: هذا يكون من باب الحكاية؛ لأن واقع الكتاب أوجد في ذهني صورة الكتاب.

فقال: هذا من باب الإيجاد لا الحكاية، فإنّ الحكاية إنما هي الانتقال من صورة ذهنية إلى صورة ذهنية، لا من وجود خارجي إلى صورة ذهنية. انتهى. (المقرِّر ).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [الجهة الثانية: في إطلاق اللّفظ وإرادة الشخص]

الجهة الثانية من بحث الصغرى وهو: إطلاق اللّفظ وإرادة الشخص.

لو كان الموضوع للقضيّة نفس هذا الفرد الخاصّ، فهل يمكننا التوصّل إلى إحضار القضيّة في ذهن السامع، بالتلفيق بين الوسيلة الإيجادية والوسيلة الحكائية، مثل (زيد لفظ)؟

اتّضح مما بيّناه: أن هذا متوقّف على ثبوت شرطين:

الشرط الأوّل: ان يكون موضوع القضيّة المعنوية التي نريد إحضارها في ذهن السامع بالتلفيق بين الوسيلتين أمراً جزئياً لا كلّياً؛ لِما سبق من استحالة إحضار الكلّي في ذهن السامع بالوسيلة الإيجادية.

وهذا الشرط محفوظ في إطلاق اللّفظ وإرادة شخصه؛ لأن موضوع القضيّة المعنوية التي يراد إحضارها في ذهن السامع، هو شخص هذا الفرد لا الكلّي الطبيعي، فبإيجاد الفرد نحصل على صورة ذهنية موازية لهذا الفرد في الخارج.

الشرط الثاني: أنه لا يكفي في تصحيح مثل هذه القضيّة المعنوية مجرّد كون الوسيلة الإيجادية أمراً معقولاً، فإننا بالوسيلة الإيجادية نحضر صورة الموضوع، وبالوسيلة الحكائية نحضر صورة المحمول في ذهن السامع.

وأما النسبة بينهما فهي بحاجة إلى دالّ عليه، وهو الهيئة، فيقع السؤال عن 

ــــــــــ[258]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

أن الهيئة الموضوعة للنسبة هل تشمل الهيئة الملفّقة من الوسيلتين؟ أو هي عبارة عن الهيئة المتحصّلة من مجموع وسيلتين حكائيتين؟

فإن كان الثاني: فهيئة (زيد لفظ) ليست دالّة على النسبة؛ لأنها متحصّلة من الوسيلتين، فلا تكون دالّة على النسبة، فلا تحصل القضيّة المعنوية.

وإن كان الصحيح هو الأوّل: فالهيئة في المقام تكون دالّة على النسبة.

والصحيح في ذلك بحسب ما هو المستظهر عرفاً، هو التفصيل بين ما إذا كان التلفيق بين وسيلة حكائية، ووسيلة إيجادية هي لفظ بطبعها، لا ما إذا كانت وسيلة حكائية وسيلة إيجادية ولكنّها ليست لفظاً بطبعها:

فعلى الأوّل: تكون الهيئة موضوعة لإفادة النسبة، ولهذا حين نقول: (زيد لفظ)، ونقصد إيجاد الموضوع لشخص لفظ زيد، نكون قد حصلنا على الدالّ على النسبة؛ لأن الهيئة متحصّلة من وسيلتين لفظيتين.

وأما على الثاني: وهو ما إذا كانت الوسيلة الإيجادية ليست من سنخ الألفاظ، كإحضار الكتاب موضوعاً للحكم، فالهيئة المتحصّلة منه ليست موضوعة للنسبة.

ففي مثل (زيد لفظ) كِلا الشرطين يكون متحقّقاً، فيمكن إحضار القضيّة المعنوية بالوسيلتين.

[دفع إيراد المحقّق الأصفهاني]

وبذلك اندفع ما أورده المحقّق الأصفهاني على إطلاق اللّفظ وإرادة شخصه، فإنه اعترض بالنقض. وقال: إنه لو كان يصحّ عقد القضيّة المعنوية في 

ــــــــــ[259]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ذهن السامع بإيجاد الوسيلتين، لصحّ أن نضرب شخصاً ونقول: (ضرب)، مع أن هذا غير صحيح عرفاً، فهذا يكشف عن نكتة توجب عدم صحّة إبراز اللّفظ وإرادة شخصه أيضاً(1).

إلّا أن هذا غير صحيح؛ لِما قلناه من أن مجرّد استعمال الوسيلة الإيجادية لا يكفي لإيجاد القضيّة المعنوية، إلّا بعد أن تكون الهيئة المتحصّلة من الوسيلتين موضوعة للنسبة، وهذا أمرٌ جعلي راجعٌ إلى واضع اللغة. وأما لو لم تكن موضوعة للنسبة فلا يمكن عقد القضية المعنوية في ذهن السامع؛ لعدم إحضار الدالّ على النسبة، وحينئذٍ فيمكن أن نحصّل فرقاً بين: (زيد لفظ) وبين أن نضرب شخصاً ونقول: (ضرب)، ونقول: إن الهيئة المتحصّلة من لفظين موضوعة للنسبة، سواء كان الموضوع بالوسيلة الإيجادية أو الحكائية، وأما الهيئة المتحصّلة من ضمّ عالمين(2) إلى بعضهما فلم يضعها الواضع للنسبة.

[الاستدلال على الاستحالة بوجهين]

إذن فـ(زيد لفظ) يصلح مثالاً للوسيلة الإيجادية، فيقع الكلام في أنه هل ينحصر وجهه في ذلك؟ أو يعقل أن يكون بنحو الاستعمال أيضاً؟ فقد يقال: إنه أيضاً يعقل أن يكون بنحو الوسيلة الحكائية بنحو الاستعمال، فشخص اللّفظ يستعمل في نفسه، فيكون هناك لفظ ومعنى، وقد يقال: إن هذا غير معقول، وما ذكر في مقام البرهان على الاستحالة يرجع إلى وجهين أساسيين:

ــــــــــ[260]ــــــــــ

() راجع نهاية الدراية 1: 36 – 38، في صحّة إطلاق اللفظ وإرادة شخصه.

(2) عالم الخارج وعالم الذهن. (المقرِّر ).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [الوجه الأوّل: لزوم اتّحاد الدالّ والمدلول]

ما نقله صاحب (الكفاية)(1) عن صاحب (الفصول)(2) من لزوم اتّحاد الدالّ والمدلول، فإنه لو أريد به الاستعمال بحيث يكون قد استعمل للدلالة على نفسه يكون اللّفظ دالّاً ومدلولاً، والدالّ والمدلول متضايفان، والتضايف من أقسام التقابل، فلا يعقل اجتماعهما في شيء واحد.

وقد أجاب المحقّق الخراساني(3): أنه يكفي في المقام الاختلاف الاعتباري والحيثي بين الدالّ والمدلول، فهو من حيث كونه لفظاً صادراً من صاحبه يكون دالّاً، ومن حيث كونه مراداً يكون مدلولاً.

وقد حمل المحقّق الأصفهاني(4) مراد صاحب (الكفاية ) في هذا المطلب،
-حمل هذه الإرادة(5)– على الإرادة التكوينية التي هي من مبادئ صدور الفعل الاختياري، فإن كل فعل اختياري يصدر عن الإرادة ويكشف عنها كشفا إنيّاً، فكأنّ صاحب (الكفاية) يقول: بأن اللفظ من حيث إنه صادر يكون دالّاً، ومن حيث كونه كاشفاً عن الإرادة التكوينية للفاعل يكون مدلولاً.

ــــــــــ[261]ــــــــــ

() راجع كفاية الأُصول: 14، المقدّمة، الأمر الرابع: في صحّة إطلاق اللفظ وإرادة نوعه.

(2) راجع الفصول الغرويّة: 22، السطر 51، فصلٌ: القول في الوضع، إطلاق اللفظ وإرادة نوعه.

(3) أُنظر: كفاية الأُصول: 14 – 15، المقدّمة، الأمر الرابع: في صحّة إطلاق اللفظ وإرادة نوعه.

(4) أُنظر: نهاية الدراية 1: 36 – 37، فصلٌ: في صحّة إطلاق اللفظ وإرادة شخصه.

(5) التي أخذها في طرف المدلول. (المقرِّر ).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فاعترض عليه: أن دلالة اللّفظ على الإرادة دلالة عقلية لا دلالة استعمالية، ونحن كلامنا في تصحيح الدلالة اللفظية الاستعمالية.

إلّا أن الصحيح أن مراد صاحب (الكفاية) بالإرادة التي صوّر بها المدلول، ليست هي الإرادة التكوينية، وإلّا لكان من باب استعمال اللّفظ بالإرادة، ويكون المدلول هو الإرادة(1)، مع أن صاحب (الكفاية) بصدد توضيح أن المدلول هو نفس اللّفظ لا الإرادة.

فلا يكون من باب استعمال اللّفظ في نفسه، فهذا شاهد على أن مراده من الإرادة هو الإرادة التفهمية، فإن هذا اللّفظ أريد به تفهيم شيء، فإن مرجع الاستعمال إلى أن المستعمل يريد باللفظ تفهيم شيء من حيث إنه أريد به التفهيم دالّ، ومن حيث إنه أريد تفهيم نفسه به هو مدلول، وبهذا يتحقّق التغاير الاعتباري بين الدالّ والمدلول.

ولكن يبقى الكلام في كبرى هذا المطلب، وهو: أن التغاير الاعتباري هل يكفي في رفع محذور التقابل بين الدالّ والمدلول أو لا يكفي؟

الصحيح أنه لا يكفي في أمثال المقام، فإن المتضايفين على قسمين: 

قسم منها: لا يوجد بينهما تعاند ذاتي كالعالم والمعلوم، فإن التعاند بينهما في عالم المفهوم لا في عالم الوجود، فإن الذات قد تكون عالمة بنفسها، ومن هنا يكفي التغاير الحيثي بينهما.

وقسم يكون التعاند بينهما خارجياً أيضاً، كالعلّة والمعلول. فإن الشيء لا 

ــــــــــ[262]ــــــــــ

() ويكون التغاير بينهما حقيقياً، ولا نحتاج إلى التكلّم عن التغاير الحيثي. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

يعقل أن يكون علّة أو معلولاً لنفسه وإن اختلفت الحيثيات، والدالّ والمدلول علّة ومعلول لكن بحسب عالم الوجود الذهني لا بحسب الوجود الخارجي، فإن الدالّ علّة للوجود الذهني للمدلول، وبذلك تحصل الدلالة، فيكون التعاند بينهما تعانداً وجودياً لا مفهومياً فقط، فيستحيل اجتماعهما حينئذٍ.

إذن فالتغاير الاعتباري الذي صوّره صاحب (الكفاية) لا يكفي لتصحيح هذا الاستعمال.

[الوجه الثاني: لزوم اجتماع اللحاظ الآلي والاستقلالي في شيء واحد]

كما ذكر ذلك في تقريرات المحقّق العراقي(1)، فإن استعمال اللّفظ في المعنى، معناه: جعل اللّفظ آلة للمعنى، فيكون ملحوظاً باللحاظ الآلي؛ باعتباره مرآة له وفانياً فيه، ويكون المعنى ملحوظاً باللحاظ الاستقلالي، فلو استعمل اللّفظ في شخصه، لزم كونه ملحوظاً باللحاظ الآلي بما هو لفظ والاستقلال بما هو معنى، مع أن اللحاظين متنافيان يستحيل اجتماعهما في شيء واحد.

وتحقيق الكلام في هذا الإشكال: أن الاستعمال إما أن نبني على أنه إفناء للّفظ في المعنى، بحيث يكون النظر الاستعمالي من قبيل النظر المرآتي، وإما أن نبني أن الاستعمال بابه باب العلامية لا المرآتيّة، فاللّفظ علامة والمعنى ذو العلامة، وكلٌّ منهما قابل للّحاظ الاستقلالي، ثمّ ينتقل من أحدهما إلى الآخر، 

ــــــــــ[263]ــــــــــ

(1) أُنظر: بدائع الأفكار 1: 88 – 89، في صحّة أنحاء استعمال اللفظ في اللفظ، نهاية الأفكار 1: 61 – 62، المقدّمة، الأمر السادس، منهاج الأُصول 1: 64، الأمر الرابع: في صحّة إطلاق اللفظ وإرادة نوعه.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

كما ينتقل من أعمدة الحديد إلى أن هذا عشرة أميال.

فإن بنينا على الوجه الثاني، فلا موضوع لهذا الإشكال؛ لأنه مبني على أن يكون اللّفظ ملحوظاً باللّحاظ الآلي في مقام الاستعمال، فإن نفينا ذلك لم يلزم اجتماع اللحاظ الآلي واللحاظ الاستقلالي.

وأما بناءً على الوجه الأوّل للاستعمال، إذن فمثل هذا أمر غير معقول في أطلاق اللّفظ وإرادة شخصه، لكن لا من باب استحالة اجتماع اللّحاظين، بل تتعيّن استحالته قبل أن تصل النوبة إلى ذلك.

فإن اللحاظ الآلي في نفسه يستدعي الاثنينية بين الآلة وذي الآلة، وحيث لا اثنينية بينهما فاللّحاظ الآلي والآلية بنفسها غير معقولة، بقطع النظر عن محذور اجتماع اللحاظ الآلي واللحاظ الاستقلالي.

وإنما تصل النوبة إلى استحالة اجتماع اللّحاظين في مورد آخر غير هذا، كما لو قيل بأن اللّفظ ملحوظ آلة لمعنى وملحوظ في نفسه أيضاً، وأما لو لوحظ آلة لنفسه فاللحاظ الآلي بنفسه غير متعقّل قبل مسألة اجتماع اللّحاظين.

فكان الأحسن صياغة الإشكال بناءً على آلية الاستعمال، هكذا بدون حاجة إلى التشبّث بمسألة استحالة اجتماع اللّحاظين.

فاتّضح مما قلناه أن استعمال اللّفظ وإرادة شخصه يكون من صغريات الوسيلة الإيجادية فقط، وأن استعمال اللّفظ في مِثله وصنفه ونوعه من صغريات الوسيلة الحكائية.

هذا هو تمام الكلام في التنبيه الرابع.

ــــــــــ[264]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 







الأمر الخامس: في تبعية الدلالة للإرادة

 

  • [الكلام في مقام التصور]
  • [الكلام في مقام التحقيق]

ــــــــــ[265]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 






الأمر الخامس: في تبعية الدلالة للإرادة

 

ذُكرت في هذا الأمر عدّة حيثيات ووقع في كلمات الأكابر خلط بينها، بحيث أرجع بعضها إلى بعض، وفرض أن ملاك بعضها هو ملاك الباقي، مع أن هذه الحيثيات متغايرة، فهناك ثلاث حيثيات لا بُدّ من التمييز بينها، وإن الملاك في كلٍ منها غيره في الأخريين.

الحيثية الأولى: أن دلالة اللّفظ على المعنى -التي تنشأ من الوضع- هل هي دلالة تصوّرية أو تصديقية؟

الحيثية الثانية: أن الدلالة هل هي تابعة للإرادة أو لا؟

الحيثية الثالثة: أن الإرادة هل هي مأخوذة قيداً في المعنى الموضوع له أو لا؟

وكلّ واحدة منهما لا يرجع إلى الأخرى، وملاك كلّ واحدة غير ملاك الأخرى، وإن وقع الخلط بينها، فلا بُدّ أن نفهمها أولاً تصوّراً، ثمّ نتكلّم عما هو التحقيق فيها.

ــــــــــ[267]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 





[الكلام في مقام التصور]

 

[الحيثية الأولى: هل دلالة اللّفظ على المعنى دلالة تصوّرية أو تصديقية؟]

أما الحيثية الأولى، هو أن الدلالة الوضعية هل هي دلالة تصوّرية أو تصديقية؟ هل هي مجرّد انتقاش المعنى في ذهن السامع، أو أن اللّفظ يكون له كشف عن مطلب نفساني قائم لدى المتكلّم؟

والملاك الفنّي في هذه الحيثية هو تشخيص أن الوضع هو التعهّد أو الاعتبار بأحد تقريباته السابقة؟ 

فإن كان الوضع هو التعهّد، بحيث يحدث الواضع بالتعهّد ملازمة بين اللّفظ وبين القصد النفساني للتفهيم، فتكون الدلالة الناشئة عنه دلالة تصديقية، ويكون اللّفظ كاشفاً عن أمر نفساني للمتكلّم(1).

وأما إذا بنينا أن الوضع هو الاعتبار بالتقريب الذي حقّقناه، وهو الاقتران بين اللّفظ والمعنى قرناً شديداً، بحيث متى ما تصوّر الإنسان أحدهما انتقل إلى 

ــــــــــ[268]ــــــــــ

(1) راجع محاضرات في أُصول الفقه 1: 104، مقدّمة علم الأُصول، الأمر السادس: أقسام الدلالة، الكلام في مفاد الدلالة الوضعيّة.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الآخر، فلا محالة تكون الدلالة الوضعية تصوّرية، ولا يعقل أن يكون الوضع بهذا المعنى مؤدّياً إلى أن تكون الدلالة الناشئة من الوضع دلالة تصديقية، سواء أخذت الإرادة قيداً في الموضوع له أو لا.

فإن أخذها قيداً في الموضوع له معناه: أن المدلول التصوّري هو المعنى مع الإرادة، وهذا لا يغيّر جوهر الدلالة من الدلالة التصوّرية إلى الدلالة التصديقية، غاية الأمر أن المعنى إما ذات الشيء أو الشيء المقيّد بالإرادة -أي: المعنى المراد بما هو مراد- بل حتى لو سمعنا اللّفظ من اصطكاك الحجرين أيضاً ينتقل الذهن -بناءً على أخذ الإرادة- تصوّراً صورة المعنى المراد، غاية الأمر أننا نعلم تصديقاً أن الحجر لا يريد.

[الحيثية الثانية: في أن الدلالة هل هي تابعة للإرادة أو لا؟]

يعني: أن الدلالة الوضعية هل هي تابعة لإرادة المتكلّم وموقوفة عليها، بحيث بدون الإرادة لا دلالة؟ أو أن الدلالة غير تابعة للإرادة؟

وهو معنى يختلف تصوّراً وملاكاً عن الحيثية السابقة:

 أما تصوّراً: فواضح، فإنه هناك كنّا نتكلّم في جوهر الدلالة الوضعية، وأنها هل هي تصوّرية أو تصديقية، وهنا نتكلّم في تبعيتها وتوقّفها على وجود الإرادة عند المتكلّم أو لا.

وأما ملاكاً: فتبعية الدلالة للإرادة بناءً على مسلك التعهّد الذي هو ملاك الدلالة التصديقية في الحيثية السابقة، فإنه بناءً على التعهّد لا يعقل القول بأن الدلالة الوضعية تابعة للإرادة؛ لأن صاحب التعهّد يريد أن يجعل اللّفظ كاشفاً 

ــــــــــ[269]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

عن الإرادة، فإذا صارت دلالة اللّفظ فرع الإرادة، فمعناه أننا يجب أن نحرز الإرادة من الخارج بدالّ آخر؛ لتتمّ الدلالة، وهو خُلف مبنى التعهّد، فإن صاحب مبنى التعهّد يريد جعل اللّفظ كاشفاً عن الإرادة.

إذن فالملاك الفنّي للدلالة التصديقية في الحيثية الأولى لا يناسب تبعية الدلالة للإرادة في الحيثية الثانية.

بل هذه التبعية إن كان لها تقريب معقول فإنما هو على مسلك الاعتبار، بأن يُدّعى أن الإرادة مأخوذة قيداً في الوضع الاعتباري، لكن ليست قيداً في المعنى الموضوع له؛ لأن الإرادة تصبح قيداً في مدلول اللّفظ، ولا معنى لأن يُقال: إن دلالة اللّفظ على المعنى فرع وجود الإرادة خارجاً(1).

بل لا بُدّ أن تأخذ الإرادة أما في العلقة الوضعية، فتكون الدلالة الوضعية فرع العلقة الوضعية -وحيث لا إرادة- لا علقة وضعية وحيث لا علقة وضعية لا دلالة وضعية.

أو يُقال: إن الإرادة تؤخذ قيداً في اللّفظ، بمعنى أن الواضع يضع اللّفظ الذي معه الإرادة للمعنى الفلاني، واللّفظ الذي ليس معه إرادة يكون مهملاً غير موضوع، فتتمّ تبعية الدلالة للإرادة، وسيأتي تحقيق ذلك.

الحيثية الثانية يُراد بها تحديد ظرف الدلالة الوضعية، وأنها هل هي مطلقة أو أنها ثابتة في طرف وجود الإرادة؟

ــــــــــ[270]ــــــــــ

() ومعه فلا تتمّ تبعية الدلالة للإرادة؛ لعدم توقّف الدلالة على وجود الإرادة، وإنما ينحصر تصوير التبعية بناءً على مسلك الاعتبار فيما إذا أخذت في الوضع، فانه حيث لا إرادة لا وضع أو قيد في اللّفظ، (منه). (المقرِّر ).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [الحيثية الثالثة: في كون الإرادة مأخوذةً قيداً في المعنى الموضوع له]

الحيثية الثالثة في تحقيق ما هو المدلول، وأنه هل هو ذات المعنى أو المعنى مع الإرادة؟

وهو يختلف بمدلوله المطابقي عن المطلبين السابقين؛ لأننا لا نريد أن نعرف جوهر الدلالة أو ظرفها، بل نريد أن نعرف حدود مدلول هذه الدلالة.

فهذه الحيثيات متغايرة بالدلالة المطابقية، وقد يثبت بعضها بملاك لا يثبت به المطلب الآخر.

ــــــــــ[271]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 





[الكلام في مقام التحقيق]

 

[الحيثية الأولى: هل دلالة اللفظ على المعنى دلالة تصوّرية أو تصديقي؟]

أما الحيثية الأولى، وهي: أن جوهر الدلالة كونها دلالة تصوّرية أو تصديقية؟!

الصحيح أن الدلالة الوضعية التي تحصل بالوضع دلالة تصوّرية، وليست تصديقية وليست مستبطنة للدلالة التصديقية، والاستدلال على ذلك يكون بمجموع مقدّمتين:

المقدّمة الأولى: أن الوضع ليس هو التعهّد، بل هو الاعتبار بالمعنى الذي فسّرناه به وهو الاقتران الشديد.

المقدّمة الثانية: أن تصوير كون الدلالة الوضعية تصديقية معقول بناءً على التعهّد، وغير معقول على الاعتبار، وحينئذٍ يتعيّن أن تكون الدلالة الوضعية تصوّرية وليست تصديقية.

أما المقدّمة الأولى: فقد تقدَّم توضيحها وتحقيقها في بحث الوضع(1).

ــــــــــ[272]ــــــــــ

(1) راجع: ص100.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وأما المقدّمة الثانية: فقد أشرنا إليها بالأمس.

وتوضيحه:

أما كونه معقولاً على مسلك التعهّد: ففي غاية الوضوح؛ لأن التعهد يوجد ملازمة بين وجود اللّفظ ووجود الإرادة، فإنه يتعهد أنه لا يأتي باللفظ إلّا حين الإرادة، فينشأ من هذه الملازمة الانتقال التصديقي من أحدهما إلى الآخر.

وأما عدم معقوليته بناءً على مسلك الاعتبار: فهو أيضاً واضح؛ لأن الاعتبار هو قرن صورة اللّفظ مع صورة المعنى في ذهن الإنسان، وهذا القرن يوجب تلازماً بين تصوّر اللّفظ وتصوّر المعنى، فينتقل من تصوّر اللّفظ إلى تصوّر المعنى وهو انتقال تصوري.

بقي أن نعرف أن هذا لا يفرّق فيه بين أن نقول: إن الإرادة مأخوذة قيداً في الموضوع له أو لا.

نقول: فإن لم تكن مأخوذة وكان الموضوع له ذات المعنى، فمن الواضح حينئذٍ أن الانتقال تصوّري محض. وأما إذا كانت مأخوذة قيداً في المعنى الموضوع له، فقد يتوهّم أن هذا يجعل الدلالة تصديقية، إلّا أنه غير صحيح:

وتفصيل القول في ذلك: أن الإرادة التي تكون مأخوذة في المعنى لا تخلو من أحد ثلاثة احتمالات:

الأوّل: أن يكون المأخوذ مفهوم الإرادة الكلّي، فالموضوع له لفظ (الماء) هو السائل المراد.

ــــــــــ[273]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الثاني: أن يكون المأخوذ مفهوم الإرادة على وجه جزئي، يعني مفهوم إرادة هذا الإنسان بالخصوص، فحين يصدر من إنسان لفظ (ماء)، يكون معناه السائل المراد من هذا الإنسان بالخصوص.

الثالث: أن يكون المأخوذ قيداً في المعنى واقع الإرادة، لا مفهومهاً، بمعنى وجودها في نفس المتكلّم.

وفرق هذا عن الوجهين السابقين: أنه في الوجهين السابقين لم يؤخذ قيداً وجود الإرادة، بل مفهومهاً خالياً من الوجود والعدم، وأما في التصوّر الأخير فقد أُخذ واقع الإرادة قيداً، بمعنى وجودها الخارجي، بحيث لو لم تكن موجودة فالمعنى غير تامّ في نفسه.

وإن شئتم قلتم: إنه على الوجه الثالث ما يخطر في ذهن السامع هو صورة سائل مراد بنحوٍ -يكون للصورة- مطابق للواقع في نفس المتكلّم، بخلافه على الوجهين الأوّلين، فإنه لم يؤخذ فيها قيد المطابقة للواقع أو لها مصداق في الخارج.

أما التصوّر الأوّل: فهذا أمر معقول سوف يقع البحث عنه في المطلب الثالث، ولو قلنا به لا ينتج كون الدلالة تصديقية بناءً على مسلك الاعتبار؛ لأن غاية ما يوجبه أخذ الإرادة المفهومية قيداً هو: أن يكون المدلول التصوّري هو المعنى مع مفهوم الإرادة، فلم تخرج الدلالة عن كونها تصوّرية، وإنما طعّمنا المدلول بقيد زائد(1)، كما لو قيّدنا السائل بكونه حارّاً أو بارداً.

ــــــــــ[274]ــــــــــ

() وكما لا يكشف اللّفظ عن وجود الماء كذلك لا يكشف عن وجود الإرادة خارجاً. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وأما التصوّر الثاني: وهو أن يكون المأخوذ المفهوم الجزئي للإرادة كإرادة (زيد) مثلاً لو كان متكلّماً، فأيضاً الكلام هو الكلام، فإن إرادة (زيد) مفهوم من المفاهيم القابلة للتصوّر كمطلق الإرادة، فإذا أصبح قيداً في المعنى لا تخرج الدلالة عن كونها تصوّرية ولا تكون تصديقية.

وأما على الاحتمال الثالث: وهو أن يكون المأخوذ هو مفهوم الإرادة المطابق للواقع، وأن للإرادة مصداقاً في نفس المتكلّم، فقد يُقال: إن هذا يوجب تطعّم الدلالة التصوّرية بالتصديقية؛ لأنها توجب الانتقال إلى صورة المعنى وصورة الإرادة المشروطة بأن يكون لها مطابق في الخارج، وهذا هو معنى التصديق.

إلّا أن هذا الاحتمال الثالث غير معقول في نفسه، بناءً على مسلك الاعتبار.

وتوضيحه: أن القرن بين شيئين تارةً يكون قرناً للوجود الخارجي لأحدهما بالوجود الخارجي للآخر، وأخرى يقرن الوجود التصوّري لأحدهما بالوجود التصوّري للآخر.

فإن قرن أحدهما بالآخر بلحاظ وجوديهما الخارجيين، كاقتران (الحرارة) بـ(النار)، فمثل هذا الاقتران يوجب الانتقال التصديقي من أحدهما للآخر، فإذا رأينا (النار) انتقلنا منه تصديقاً إلى وجود (الحرارة).

وأما إذا كان القرن بين الوجودين الذهنيين، فغاية ما يوجبه هو الملازمة بين التصوّرين، بحيث ينتقل من أحدهما إلى الآخر، ولا يعقل إلّا أن يكون هذا الانتقال تصوّرياً؛ لأن الانتقال فرع الملازمة، وإنما هي ثابتة بين التصوّرين لا بين الوجودين.

ــــــــــ[275]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ففي محلّ الكلام إن فرض أن الواضع قرن بين وجود اللّفظ الخارجي ووجود الإرادة الخارجي، فهذا عبارة عن التعهّد، فيكون الانتقال تصديقياً، إلّا أن هذا خُلف مسلك الاعتبار. وإن كان القرن بينهما بلحاظ الصورتين الذهنيتين، إذن فيستحيل أن يكون هذا القرن موجباً للملازمة إلّا في عالم التصوّر، وهذا لا يوجب إلّا الانتقال التصوّري. وأما أن ما تصوّرته موجود أو لا، فهذا خارج عن عهدة هذا القرن، ليس في عهدة الوضع بل في عهدة شيء آخر.

إذن فالاحتمال الثالث غير معقول على مسلك الاعتبار، وإنما المعقول هو أحد الاحتمالين الأوّلين، وبناءً عليهما لا تتغيّر الدلالة من كونها تصوّرية إلى كونها تصديقية.

إذن فعلى مسلك الاعتبار لا يعقل أن تكون الدلالة الوضعية تصديقية، وحيث إن هذا المسلك هو الصحيح دون مسلك التعهّد، إذن فلا يعقل أن تكون الدلالة الوضعية تصديقية.

نعم، هناك دلالة تصديقية، ولكنّها لا تنشأ من الوضع، بل من أمارة الغلبة، وهي أن العاقل إذا تكلّم بكلام فهو يقصد تفهيم المعنى، وهذه الغلبة تكون أمارة نوعية على ذلك، وحيث إن هذه الغلبة أمر ارتكازي في الأذهان العرفية فتحسب من القرائن المتّصلة، بحيث ينعقد للكلام ظهور سياقي تصديقي كاشف عن وجود هذه الإرادة.

إلّا أن هذه الدلالة ليست وضعية، بل هي ثابتة بعد الوضع وفي طوله. 

هذا تمام الكلام في تحقيق الأمر الأوّل.

ــــــــــ[276]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [الحيثية الثانية: أن الدلالة هل هي تابعة للإرادة أو لا؟]

أن الدلالة تابعة للإرادة أو لا، وما يطلب هنا ليس جوهر الدلالة، بل حدّها وشرطها، بحيث إن دلالة اللّفظ في طول وجود الإرادة عند المتكلّم أو لا.

تحقيقه أن يُقال: إننا تارةً نبني على مسلك التعهّد في باب الوضع، وأخرى على غيره. أما على مسلك التعهد، فلا يعقل تبعية الدلالة للإرادة؛ لأنه يقتضي أن تكون الدلالة الوضعية تصديقية، فيطلب من اللّفظ أن يكون كاشفاً عن الإرادة، فكيف يعقل أن يُقال: إن كاشفية الإرادة فرع وجود الإرادة؛ لأن معناه أننا بحاجة إلى أن نحرز من الخارج وجود الإرادة، ليصبح اللّفظ كاشفاً عن الإرادة، ومثل هذا الكشف يكون لغواً لا محصّل له؛ لأنه كشف لِما هو مكشوف.

فهذا البحث بناءً على مسلك التعهّد غير معقول، إلّا بعنايات، بحيث يرجع إلى بحث لفظي.

وأما على غير مسلك التعهّد كمسلك الاعتبار وهو إيجاد علقة اعتبارية بين اللّفظ والمعنى، فهنا قد يُقال -كما في كلمات السيد الأستاذ-: إن هذه العلقة الاعتبارية لا بُدّ من تصويرها، بحيث تكون الدلالة تابعة للإرادة(1).

وتوضيح ما ذكروه في ذلك: أن الواضع حين يضع اللّفظ له غرض 

ــــــــــ[277]ــــــــــ

(1) راجع محاضرات في أُصول الفقه 1: 104 -105، مقدّمة علم الأُصول، الأمر السادس: أقسام الدلالة.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

عقلائي، وهو أن ينتقل السامع من اللّفظ إلى المعنى، لكن ليس الانتقال كيف ما كان، بل انتقاله إلى المعنى حين يريد المتكلّم تفهيم المعنى، أما انتقال السامع إلى المعنى حين يصدر اللّفظ من النائم أو الحجر فليس متعلّقاً للغرض العقلائي أصلاً. 

وحينئذٍ لا بُدّ للواضع أن يجعل الوضع على طِبق غرضه، بأن يقيّد نفس الوضع أو العلقة الوضعية بصورة وجود الإرادة التفهيمية؛ لأنه لو لم يقيّد لكان وضعه لغواً؛ لأنه ليس داخلاً تحت غرضه، ومرجع ذلك إلى أن الدلالة تابعة للإرادة؛ لأن دلالة اللّفظ على المعنى فرع كونه موضوعاً له، وموضوعيته له قيّدت بإرادة التفهيم، فبالآخرة تكون الدلالة موقوفة على الإرادة.

إلّا أن هذا البيان غير صحيح، وذلك لوجهين:

الوجه الأوّل: أننا لو سلّمنا أن غرض الواضع هو الانتقال إلى المعنى في ظرف الإرادة لا مطلقاً، مع هذا لا يلزم محذور من الجعل مطلقاً؛ لأن الواضع إذا وضع بنحو الإطلاق يحصل على غرضه أيضاً؛ لأن المقيّد محفوظ في ضمن المطلق، غاية الأمر صار جعله أوسع من دائرة غرضه، فإن كنّا نقول في باب الإطلاق: إن فيه مؤونة زائدة عقلاً أو عقلائياً يصبح الوضع لغواً، فإن الواضع لماذا كلّف نفسه هذه المؤونة مع أنها خارجة عن غرضك؟!

وأما إذا قلنا بأن الإطلاق ليس فيه مؤونة زائدة، كما حقّقناه في محلّه؛ لأن الإطلاق ليس فيه مؤونة لحاظية زائدة، إذن فالواضع لم يأتِ بمؤونة زائدة ليقال: إنه لماذا أتى بها.

ــــــــــ[277]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وهذا الوجه الأوّل مبني على التصوّرات المشهورية التي اقتضاها الوجه الذي نناقشه.

الوجه الثاني: وهو حقّ الجواب.

وهو أن هذا الطرز من التفكير الموجود في ذلك البيان هو: أن الوضع مجعول اعتباري تشريعي كالملكية والزوجية، بحيث يقبل التقييد، كما يجعل المولى وجوب (الصلاة) تارةً مطلقاً، وأخرى مقيّداً بالزوال، مع أن هذا التوهّم غير صحيح، وقد اتّضحت عدم صحّته مما قلناه في بيان حقيقة الوضع.

حيث قلنا: إن الواضع تمام ما يعمله هو أن يقرن اللّفظ بالمعنى في ذهن الإنسان، وإذا كان يستعمل الاعتبار فمن باب أنه مقدّمة إعدادية لذلك القرن، وهذا القرن يكون علّة تكوينية لانتقال الذهن من اللّفظ إلى المعنى.

إذن فعندنا شيئان: أحدهما: قرن اللّفظ بالمعنى قرناً شديداً، والآخر: معلول هذا القرن وهو وجود ملازمة تكوينية بين تصوّر اللّفظ وتصوّر المعنى.

إذن فماذا يقيّد؟ أما نفس القرن فهو فعل خارجي لا معنى لأن يقيَّد.. فعل يتسبب إليها الواضع: إما بتكرار اللّفظ مقروناً بوجود (الحليب) أو (الماء)، أو بالاعتبار، وأما معلوله فهو ملازمة تكوينية قائمة بين المقترنين: اللّفظ والمعنى، ولا يمكن للإنسان أن يوجد القرن بين شيئين ثمّ يقول اشتهاءً: أنا افرض الملازمة في الليل لا في النهار. فإن هذا تفكيك بين المعلول والعلّة.

نعم، الشيء الذي يمكن في المقام هو أن يقيّد أحد طرفي الاقتران، مثل أن 

ــــــــــ[279]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

يقيّد لفظ (زيدُ) [المرفوعة](1) بالمعنى الفلاني، وهذا ليس في الحقيقة تقييداً للقرن أو الوضع ولا للملازمة الناشئة منها، بل هو تحصيص لطرفها، أو مثلاً: يأخذ قيداً في المعنى فيقرن بين (زيد) وبين (الإنسان الطويل)، وأما تقييد نفس الوضع فهو غير معقول.

إذن فهذا البيان غير صحيح. نعم، يبقى فرضان:

أحدهما: أن يُقال: إن الإرادة لا تكون قيداً في نفس الوضع، بل قيداً في اللفظ.

الآخر: أنها تكون مأخوذة قيداً في المعنى.

فهل يصحّح أحدهما تبعية الدلالة للإرادة أو لا؟

أما أخذ الإرادة قيداً في المعنى، فهذه الإرادة إن أريد بها مفهوم الإرادة، فغاية الأمر أن لفظة (زيد) تدلّ على مفهوم الإرادة ولو صدرت من لافظ نائم، وهذا غير تبعية الدلالة للإرادة، فإن دلالة اللّفظ على المفهوم لا تتوقّف على وجوده خارجاً.

وإن كان المأخوذ قيداً هو الوجود الخارجي للإرادة، فهذا غير معقول كما سبق.

وأما أخذ قيد الإرادة قيداً في اللّفظ كأخذ التنوين فيه، فيقرن الواضع بين اللّفظ المنضمّ إلى الإرادة، فإذا لم يكن مقترناً بها يكون مهملاً غير دالّ على شيء. فهنا قد يتخيّل أن الدلالة تكون تابعة للإرادة.

هذا أيضاً غير معقول. لِما بيّناه بالأمس من أن الملازمة لها عالمان: إما 

ــــــــــ[280]ــــــــــ

(1) كذا في الخطية.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ملازمة في عالم الوجود الخارجي بين وجودين كـ(النار) و(الحرارة)، فيصير الانتقال من أحدهما إلى الآخر تصديقياً. أو ملازمة في عالم التصوّر بين تصوّرين، ويكون الانتقال من أحدهما إلى الآخر تصوّرياً.

والواضع لا يريد أن يجعل ملازمة بين الوجودين، وإلّا كان الانتقال تصديقياً، ورجع إلى مسلك التعهّد، مع أننا نتكلّم على مسلك الاعتبار، إذن فلا بُدّ أن يجعل الملازمة بين التصوّرين. وحينئذٍ فأيّ قيد يؤخذ في اللّفظ إذا كان تصوّرياً كالتنوين يكون معقولاً. وأما الوجود الخارجي فليس قيداً تصوّرياً، بل هو قيد تصديقي، ورجوع إلى الملازمة في عالم الخارج، وهو خُلف.

فبهذا اتّضح أنه بناءً على مسلك الاعتبار لا يعقل تبعيّة الدلالة للإرادة كما لا يعقل بناءً على التعهّد.

[الحيثيّة الثالثة: أن الإرادة هل هي مأخوذة في المعنى الموضوع له أو لا؟]

أخذها فيه يمكن أن يذكر له ثلاثة افتراضات:

الافتراض الأوّل: أن يكون المأخوذ في المعنى الموضوع له مفهوم الإرادة على وجه كلّي.

الافتراض الثاني: أن يكون المأخوذ مفهوم الإرادة، لكنّ المراد هو المفهوم الجزئي للإرادة، يعني شخص الإرادة المضافة إلى المتكلّم.

الافتراض الثالث: أن يكون المأخوذ شخص الإرادة وواقعها القائم في نفس المتكلّم. 

أما الافتراض الأوّل: فيكون المنسبق إلى الذهن السائل المراد حين نقول كلمة (ماء). وهذا ليس منه محذور ثبوتي، وإنما ينحصر محذوره ووجه ببطلانه كونه خلاف الوجدان خارجاً. فإن مفهوم الإرادة لا ينسبق من الألفاظ على حدّ انسباقه من لفظ (الإرادة). وأما إذا قيل (ماء) فلا ينسبق إلى ذهننا ذاك المفهوم الذي ينسبق إلى ذهننا من كلمة (إرادة).

ــــــــــ[281]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وأما الافتراض الثاني: أن يكون المأخوذ حصص مفهومين في جامع الإرادة، يعني: إرادة هذا الإنسان وذاك الإنسان، فهو مفهوم جزئي.

أيضاً إبطاله بنفس إبطال الافتراض السابق.

نعم، قد يعترض عليه بمحذور آخر، وهو أنه يلزم بناءً على أخذ الحصص المفهومية للإرادة كون وضع أسماء الاجناس من الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ؛ لأن الواضع تصوّر مفهوم الإرادة ووضع (الماء) للسائل الذي اقترن بواحد من حصص هذا المفهوم، إلّا أن هذا ليس محذوراً في نفسه؛ إذ لا برهان على أن أسماء الاجناس موضوعة بالوضع العامّ والموضوع له العامّ، بل هو إشكال جدلي. والمهمّ في إبطال هذا الافتراض هو الإشكال الأوّل.

واما إذا كان المأخوذ في الموضوع له هو الوجود الخارجي في نفس المتكلّم للإرادة:

أما إذا بنينا على مسلك التعهد، فبحسب الحقيقة أن الإرادة هي تمام مدلول اللّفظ لا جزء مدلوله؛ لأن الدلالة الوضعية بناءً عليه دلالة تصديقية، يعني دلالة الإرادة والكشف عن أمر واقعي خارجي قائم في نفس المتكلّم وهو الإرادة. 

ــــــــــ[282]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وأما بناءً على مسلك الاعتبار -بناءً على المختار في تحقيق حقيقة الوضع-، فأخذ واقع الإرادة في المعنى الموضوع له أمر غير معقول؛ لأن الانتقال من تصوّر اللّفظ إلى واقع الإرادة غير معقول.

ووجهه ما بيّناه سابقاً: من أن الانتقال من شيء إلى شيء فرع الملازمة بين التنقل منه والتنقل إليه. فإن كانت الملازمة بين الوجودين الخارجيين، كـ(النار) و(الحرارة). فيكون الانتقال من أحدهما إلى الآخر تصديقياً. وإن كانت الملازمة بين وجودين تصوّرين كان الانتقال تصوّرياً، ولا يعقل قيام ملازمة بين تصوّر ووجود.

ففي محلّ الكلام حينما يوضع اللّفظ وتؤخذ الإرادة بوجودها الخارجي في المعنى الموضوع له، فهل أخذ الملازمة بين الإرادة واللفظ؟ فهذا يكون مرجعه إلى التعهّد بأنه لا يوجد اللّفظ إلّا حين توجد الإرادة، وهو خُلف مسلك الاعتبار. وإن كانت الملازمة بين الوجود الخارجي للإرادة وتصوّر المعنى، فهو غير معقول؛ لِما قلناه من أن الملازمة لا يعقل قيامها بين تصوّر ووجود.

ولذا قلنا إن تقييد اللّفظ أو المعنى بالقيود معقول، لكن بالقيود التصوّرية، لا القيود التصديقية الخارجية.

إذن فأخذ الإرادة بوجودها الخارجي في المعنى الموضوع له غير معقول.

وهذا هو الوجه الصحيح، في نكتة عدم المعقولية. 

ــــــــــ[283]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [اعتراض المحقّق الخراساني ]

غير أن المحقّق الخراساني ذكر(1) وجوهاً أخرى لبيان عدم معقولية ذلك، أهمّها وجهان:

الأوّل: انه يلزم من أخذ واقع الإرادة في المعنى الموضوع له، عدم إمكان انطباق الالفاظ على الخارجيات؛ لأنها تصبح معاني عقلية.

وتوضيح المقصود بنحو يتّضح منه المراد والجواب أن يُقال:

إن الإرادة انما تتعلّق بالحقيقة بالصورة الذهنية للشيء الموجودة في أفق الإرادة، فما هو المراد بالحقيقة هو صورة شرب (الماء) وهو المسمّى بالمراد بالذات. وحيث إن هذا الوجود الذهني هو وجود لماهيّة من الماهيّات، تكون الإرادة منسوبة بالعرض إلى ماهيّة هذا الوجود الذهني. فتكون الماهيّة بقطع النظر عن الوجود الذهني مرادة بالعرض. 

فهناك إذن نسبتان: نسبة ذاتية للإرادة مع مرادها بالذات، وهو الوجود الذهني مما هو موجود ذهني، ونسبة عرضية إلى ذات الماهيّة بما هي.

إذا اتّضح ذلك يقال: إن لفظة (الماء) أو (الشرب) بناءً على أن يكون قد أُخذ في موضوعها الإرادة.

فإما أن تكون لفظة (الشرب) موضوعة للمراد بالذات، وإما أن تكون موضوعة لذوات الماهيّات، لكن مقيّدة بنسبة الإرادة إليها بنسبة عرضية.

فإن كان المقصود هو الأوّل، فهذا يرد عليه إشكال صاحب (الكفاية)؛ 

ــــــــــ[284]ــــــــــ

(1) أُنظر: كفاية الأُصول: 16- 17، الأمر الخامس: وضع الألفاظ للمعاني الواقعيّة لا بما هي مرادة.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

لأن الموجود الذهني بما هو موجود ذهني لا يعقل انطباقه على الخارج.

وأما إذا كان المقصود هو الثاني، فمثل هذه الماهيّة المقيّدة بنسبة عرضية بالإرادة، قابلة للانطباق على الخارج؛ إذ لم يؤخذ فيها الموجود الذهني قيداً. ولذا أشير إلى الماء الخارجي، وأقول: (إن هذا هو مرادي). وكأنه قد وقع خلط في كلام المحقّق الخراساني بين النسبة الذاتية والنسبة العرضية.

إذن فهذا الإشكال على أخذ الإرادة غير وارد.

الإشكال الثاني للمحقّق الخراساني(1): أننا لو كنّا نعبّر عن الإرادة بقصد تفهيم المعنى، فهذا لا يعقل أخذه قيداً في المعنى شرطاً أو شطراً؛ لأنه في طوله؛ لأن إرادة الشيء في طول المراد، فهي ترى في مرتبة متأخّرة عن المراد. فقصد تفهيم المعنى في مرتبة متأخّرة عن تفهيم المعنى، وبالآخرة عن ذات المعنى. فكيف يمكن أخذها قيداً فيه، وإلّا لزم التهافت في اللّحاظ وأخذ المتأخّر في المتقدّم، وكون الإرادة متأخّرة عن نفسها. 

وهذا الإشكال أيضاً مبني على المغالطات؛ باعتبار أن قصد تفهيم تمام المعنى، هو في طول تمام المعنى، فلا يعقل أخذه قيداً فيه. وأما قصد تفهيم جزء المعنى فيعقل أن يكون هو الجزء الآخر للمعنى. فإذا ادُّعيَ ذلك لا يلزم أيّ إشكال. بأن يُقال: بأن لفظة (الماء) لها معنى مركّب من جزأين: أحدهما: السائل البارد بالطبع، والثاني: قصد تفهيم هذا الجزء. فيكون المعنى متكوّناً من أمرين طوليين، ولا بأس بذلك.

هذا تمام ما أردنا التعرّض له في الأمر الخامس من المقدّمة.

ــــــــــ[285]ــــــــــ

(1) انظر: المصدر المتقدّم.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 




الأمر السادس: في أنه هل يكون للمركّبات وضع زائد على وضع موادها أو لا

 

  • [الاحتمال الأوّل: هل الهيئة التركيبية موضوعة بوضعٍ ثالث؟]
  • [الاحتمال الثاني: هل المجموع المركّب وضع بوضع زائد؟]

ــــــــــ[287]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 







الأمر السادس: في أنه هل يكون للمركّبات وضع زائد على وضع موادها أو لا

 

توضيح الكلام في ذلك: أن الجملة التركيبية التامّة، سواء كانت اسمّية كـ(زيد عالم) أو فعليّة كـ(ضرب زيد) لها ثلاثة أنواع من الأجزاء.

النوع الأوّل: موارد المفردات كـ(زيد) و(عالم) في قولنا: (زيد عالم).

النوع الثاني: هيئات المفردات، كالهيئة الاشتقاقية لـ(عالم)، أو هيئة فعل الماضي في (ضرب).

النوع الثالث: الهيئة التركيبية القائمة بمجموع الكلمتين، كهيئة تقديم هذا وتأخير ذاك.

والجملة عبارة عن المجموع المركّب عن هذه الأنواع الثلاثة.

لا إشكال أن مواد المفردات موضوعة لمعانيها، كما تقدّم في الاسماء والحروف. وهذا الأمر عُقد للسؤال عن أنه هل للمركّبات وضع زائد على وضع المفردات أو لا. وهذا فيه احتمالان: 

أحدهما: أن يراد به النوع الثالث، بعد معلومية وضع النوعين الأوّلين لمعانيها، فهل الهيئة التركيبية موضوعة بوضع ثالث أو لا. وسمّيت الهيئة 

ــــــــــ[289]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

التركيبية بالمركّب لأنها الجزء الصوري له.

الاحتمال الثاني: أنه بعد الفراغ أن الانواع الثلاثة قد وضعت لمعانيها، فهل المجموع المركّب من هذه الانواع الثلاثة وضع لمعنى أو لا؟

فنتكلّم في كلٍّ من هذين الاحتمالين.

ــــــــــ[290]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 













[الاحتمال الأوّل: هل الهيئة التركيبية موضوعة بوضعٍ ثالث؟]

 

الاحتمال الأوّل: أن يكون النزاع في نفس النوع الثالث، وأن الهيئة التركيبية هل هي موضوعة لمعنى إلى جانب المواد والهيئات الإفرادية أو لا؟

وهنا يوجد عدّة دعاوى: 

[الدعوى الأولى للمشهور: أن الهيئة التركيبية موضوعة بوضع زائد]

هي الدعوى المشهورة(1)، وهي أن الهيئة التركيبية موضوعة بوضع زائد، وهي موضوعة للنسبة بين المبتدأ والخبر أو الفعل والفاعل. 

وهذا هو الصحيح، وأن الهيئة التركيبية موضوعة لمعنى لم توضع له المفردات لا بموادها ولا بهيئاتها، وهي النسبة التصادقية التامّة بالمعنى الذي قلناه. وسيظهر تعيّن ذلك بعد مناقشة الدعاوى الأخرى.

ــــــــــ[291]ــــــــــ

(1) أُنظر: نهاية الدراية 1: 41-42، المقدّمة، السادس: وضع المركّبات، ومقالات الأُصول 1: 109-110، المقالة الخامسة، وضع المركّبات، ودراسات في علم الأُصول 1: 63، وضع المركّبات.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [الدعوى الثانية للمحقّق النائيني: الفصل بين الهيئة التركيبية للجمل الإسمية والجمل الفعلية]

الدعوى الأخرى ما ذهب إليه المحقّق النائيني(1) حيث فصل بين الهيئة التركيبية في الجملة الاسمّية، فهي موضوعة للربط بين الجزئين، وبين الجملة الفعليّة، فإنها غير موضوعة بوضع خاصّ فيها.

وذكر في وجه الفرق بين الجملتين: أننا نحتاج في الجملة إلى ما يدلّ على النسبة والربط حتى يتحصّل معنى الجملة. وفي الجملة الاسمّية مفرداتها لا تدلّ على الربط وعلى النسبة، فمن هنا احتجنا إلى وضع آخر للهيئة التركيبية للجملة الاسمّية. وأما في (ضرب زيد) فالهيئة الإفرادية للفعل، وهي هيئة الفعل الماضي مثلاً، هي بنفسها تدلّ على الربط والنسبة: نسبة الفعل إلى فاعله. فإذا كانت النسبة مفادة بالهيئة الإفرادية، فلا حاجة إلى وضع آخر للهيئة التركيبية ليفاد بها معنى الربط والنسبة.

[اعتراض المحقّق العراقي على دعوى الميرزا النائيني]

وقد اعترض على ذلك المحقّق العراقي باعتراضين: 

[الاعتراض الأوّل: وهو اعتراض نقضي]

إن مقتضى ما ذكر في وجه عدم احتياج الهيئة التركيبية في الجملة الفعليّة(2)

ــــــــــ[292]ــــــــــ

() راجع أجود التقريرات 1: 32، المقدّمة، الفصل الثاني: في جملة من المباحث اللغويّة، الأمر الثالث: في أنَّ للمركّبات وضعاً أم لا.

(2) أُنظر: منهاج الأُصول 1: 75، الأمر السادس: في وضع المركّبات، مقالات الأصول 1: 110، المقالة الخامسة وضع المركّبات..

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

إن الجملة الاسمّية في بعض الموارد لا تحتاج إلى وضع، كالجملة الاسمّية التي يكون محمولها فعلاً كقولنا: (زيد ضرب). فإننا أيضاً لا نحتاج فيها إلى وضع الهيئة التركيبية للنسبة؛ لأن ضرب موجود وهو بنفسه يدلّ على النسبة والربط.

وهذا الاعتراض النقضي غير وارد:

وذلك: أنه في قولنا (زيد ضرب) توجد نسبتان:

إحداهما: نسبة الفعل إلى فاعله الذي هو ضمير مستتر تقديره (هو). فإن الخبر هنا جملة فعليّة فيها فعل وفاعل.

ثانيتهما: النسبة بين (زيد) الذي هو المبتدأ وبين (هو).

والنسبة التي ذكرها الميرزا، والتي يكفي في إفادتها هيئة الفعل، ولا تحتاج إلى وضع الهيئة التركيبية، إنما هي النسبة الأولى. وأما الهيئة التركيبية فلا بُدّ أن تكون موضوعاً لإفادة النسبة الثانية القائمة بين (زيد) و(هو). 

[الاعتراض الثاني: وهو اعتراض حلّي]

الاعتراض الثاني للعراقي على دعوى النائيني(1): إن هيئة (ضرب) وإن كانت تدلّ على نسبة الفعل إلى الفاعل، لكن لم يؤخذ فيها فاعل مخصوص، بل أُخذ فيها نسبة الفعل إلى فاعلٍ مّا على وجه الإبهام. وأما تعيّن الفاعل في (زيد)، فلا تدلّ عليه هيئة الفعل. فلا بُدّ من أن توضع الهيئة التركيبية لإفادة تعيّن ذلك الفاعل المبهم بهذا الفاعل المعيّن.

وهذا الاعتراض غير صحيح كأصل دعوى المحقّق النائيني.

ــــــــــ[293]ــــــــــ

(1) راجع المصدر السابق.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

والبيان الذي يظهر به بطلان كِلا الأمرين:

إن نسبة الفعل إلى الفاعل الذي اتّفق ذينك العلمان على تحقّقها، غاية الأمر أن الميرزا ادّعى أنها تدلّ على نسبة الفعل إلى شخص (زيد)، والعراقي ادّعى أنها تدلّ على نسبته إلى فاعل مبهم. وعلى دعوى الميرزا لم يبقَ شيء آخر توضع له الهيئة التركيبية، وعلى مدّعى المحقّق العراقي، بقيت حاجة إلى ما يدلّ على التعيين.

وهذا أساساً غير صحيح، فإن نسبة الفعل إلى الفاعل، نسبة أوّلية، وليست ثانوية، بمعنى أن موطنها الأصلي هو الخارج وليس موطنها الأصلي هو الذهن. فإن (الضرب) إنما ينتسب إلى الضارب في الخارج لا في عالم التصوّر. وقلنا فيما سبق: إن النسب الأوليّة تكون مدلولاً للحرف بنحو النسب الناقصة، ويستحيل أن تكون تامّة. والنسب الثانوية هي التي تكون تامّة.

ونسبة الفعل إلى الفاعل، نسبة أوّلية، إذن فيجب أن تكون نسبة ناقصة لا تامّة، يعني: أنه يوجد مفهوم واحد ينحلّ إلى (ضرب)، وإلى ذات، وإلى نسبة بين (الضرب) والذات.

وحينئذٍ يتبرهن أننا نحتاج في قولنا: (ضرب زيد) نسبة أخرى، تكون تامّة، غير نسبة الفعل إلى الفاعل، وعليه فيتعيّن أن تكون الهيئة التركيبية في الجملة الفعليّة موضوعة للنسبة التصادقية بالمعنى السابق. فيكون عندنا دالّان: 

أحدهما: هيئة الفعل، يدلّ على نسبة الفعل إلى الفاعل بنحو النسبة الناقصة.

ــــــــــ[294]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

والثاني: الهيئة التركيبية تدلّ على النسبة التصادقية بين الفعل مادّةً وهيئةً وبين (زيد).

وهذا ما يسوق إليه الوجدان أيضاً، فإنه قاضٍ بأن (ضرب) ليست نسبته تامّة، مع أنها لو كانت دالّة على نسبة تامّة لصحّ السكوت عليها، مع أنها ليست كذلك بالوجدان، وهذا دليل على أن نسبتها ناقصة، والنسبة التامّة مدلولة بالهيئة التركيبية. مع أنه بناءً على دعوى المحقّق العراقي، تكون النسبة تامّة. إذ لا فرق في الدلالة على النسبة بين الفعل والفاعل المعيّن، أو بينه وبين الفاعل المبهم.

وبإبطال هذه الدعوى الثانية يتنقّح صحّة الدعوى الأولى، وهي أن النسبة التامّة تكون مدلولة للهيئة التركيبية في الجملة الفعليّة والاسمّية معاً.

[الدعوى الثالثة: أن هيئة الجملة الفعليّة موضوعة للنسبة دون الجملة الإسمية]

الدعوى الثالثة كأنّها معاكسة للثانية: أن هيئة الجملة الفعليّة موضوعة للنسبة، دون هيئة الجملة الاسمّية، بل النسبة في قولنا: (زيد قائم) مدلول عليها بضمير مستتر دائماً، فيكون كقولنا: (زيد هو قائم).

وهذه الدعوى لا يمكن المساعدة عليها؛ لأن هذا الضمير المستتر الذي يُدّعى تقديره، لا يمكن أن يحصل به ربط ونسبته بين (زيد) و(قائم)، لوضوح أن كلمة (هو) بنفسها مفهوم اسمّي وليس معنى حرفياً، غاية الأمر أنه في غاية الغموض والإبهام، بحيث يتعيّن بمرجعه. ومعه فيستحيل أن يكون به الربط، 

ــــــــــ[295]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

بل هو يحتاج إلى ربط بينه وبين طرفه وهو عالم-.

فإدخال فرض الضمير تطويل للمسافة بلا موجب. ولا بُدّ -بالآخرة- من الانتهاء إلى دلالة الهيئة التركيبية، إذن فلنقل من أوّل الأمر: إن الهيئة التركيبية لجملة (زيد عالم) هي الدالّ على النسبة، وعليه فيتعيّن الدعوى الأولى.

ــــــــــ[296]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 




[الاحتمال الثاني: هل المجموع المركّب وضع بوضع زائد؟]

 

الاحتمال الثاني في عنوان هذه المسألة وهو أن يُقال: إن المراد من المركّب الذي يقع البحث عن أنه هل هو موضوع بوضع آخر أو لا. ليس هو الهيئة التركيبية -أي: الجزء الصوري للمركّب-، بل المجموع المركّب من الجزء الصوري والجزء المادّي. أي: مجموع الأنواع الثلاثة التي عرفناها فيما سبق. 

المعروف أنه ليس له وضع زائد وراء تلك الاوضاع. وقد يبرهن على نفي ذلك:

بأن يُقال تارةً: بأنه لوكان هناك وضع زائد على وضع المفردات، للزم الانتقال إلى المعنى مرّتين؛ لأنه يوجد عندنا دالّان على المعنى: الأجزاء، والمجموع المركّب. فيكون قولنا: (زيد عالم) دالّاً مرّتين على المعنى، فيلزم الانتقال إلى المعنى مرّتين. مع أن ذلك لا يحصل، فإنه ليس حالنا حين نسمع الجملة من شخص واحد هو حالنا حين نسمع الجملة من شخصين.

ويقال تارةً أخرى: بأن الوضع الثاني لغو؛ إذ بعد أن فرضنا أن المواد، والهيئات الإفرادية والتركيبية قد وضعت لمعانيها، فالمعنى الجُملَي قد أفيد بتلك الاوضاع، فلا حاجة إلى وضع جديد للمركّب. ويكون الوضع الثاني لغواً صرفاً.

ــــــــــ[297]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وتحقيق الكلام في المقام:

إن المعنى الجُملَي تارة يكون سنخ معنى يكون قابلاً لأن يفاد بنحو تعدّد الدالّ والمدلول، بأن ينحلّ المعنى إلى أجزاء، يدلّ على كلّ جزء منه جزء من اللفظ، فيكون مجموع الكلام مشتملاً على دوالّ عديدة بعدد أجزاء ذلك المعنى الجُملَي بنحو تعدّد الدالّ والمدلول.

وأخرى يفرض أن المعنى الجُملَي سنخ معنى لا يعقل تحليله وإفادته بنحو تعدّد الدالّ والمدلول، بأن كان بعض أجزائه لا يمكن إفادته بدالّ مستقلّ.

مثال الأوّل: ما كان مشتملاً على طرفين وعلى نسبة تامّة، فيكون منحلّاً إلى موضوع ومحمول ونسبة، وكلٌّ منها قابل لأن يدلّ عليه دالّ مستقلّ. 

ومثال الثاني: ما إذا كان المعنى الجُملَي مشتملاً على النسبة الناقصة كـ(النار في الموقد) أو (السير من البصرة إلى الكوفة)، فالمعنى الجُملَي ينحلّ إلى ثلاثة أجزاء (نار) و(موقد) ونسبة ظرفية. ولكن نسبة الظرفية لا يعقل أن يكون عليها دالّ مستقلّ، لأنها نسبة ناقصة، وهي -كما سبق أن برهنّا- نسبة تحليلية لا واقعية، أي: في صقع الوجود الذهني لا توجد نسبة تسمّى النسبة الظرفية، بل يوجد مفهوم واحد ينحلّ إلى (نار) و(موقد) ونسبة بينهما.

فإذا كانت النسبة تحليلية، وليس لها وجود مستقلّ في عالم الذهن، فيستحيل أن يكون لها دالّ في عالم اللّفظ أيضاً. بل لا بُدّ أن لا يكون هناك إلّا دالّ واحد أيضاً كما أن الوجود في الذهن واحد.

وعليه فمتى ما كان المعنى الجُملَي من قبيل القسم الأوّل فتكون إفادته بنحو تعدّد الدالّ والمدلول، ومعه لا معنى لدعوى وضع آخر للمركّب. فإنه 

ــــــــــ[298]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

يكون في نفسه أمراً غير معقول، فإن الوضع ليس عبارة عن الاعتبار، حتى يقال: إن الواضع اشتهى أن يعتبر اعتباراً جديداً. بل الوضع عبارة عن قرن اللّفظ بالمعنى، والواضع بعد أن يقرن أجزاء الجملة بمعانيها، لا معنى لقرن آخر بين المركّب والمعنى الجُملَي. فإنه قد اقترن المركّب بالمعنى الجُملَي بنحو تعدّد الدالّ والمدلول، والاقتران لا يتعدّد.

وأما إذا كان المعنى الجُملَي مشتملاً على النسبة الناقصة التي يستحيل أن يكون مدلولاً عليها بتعدّد الدالّ والمدلول، فلا بُدّ أن يكون تمام الجملة موضوعة لتمام المعنى الجُملَي. كما أوضحناه مفصلاً في أواخر بحث المعاني الحرفية(1)، وقلنا بأن كلمة (في) غير موضوعة لمعنى، بل مجموع المركّب موضوع للحصّة الخاصّة. 

وهذا لا يرد عليه كِلا الاشكالين اللذين ذُكرا. 

أما مسألة لزوم الانتقال إلى المعنى مرّتين؛ فلأنه لا يوجد في المقام إلّا دالّ واحد. فإن كلمة (نار) وكلمة (في) وكلمة (موقد)، ليس لها إلّا وضع واحد، وليس للمفردات في داخل المركّب وضع ليلزم الانتقال مرّتين. 

وكذلك إشكال اللغوية، فإنه مبني على تخيّل أن المفردات لها أوضاع ودلالات، فيقال: إن وضع المركّب يكون لغو، إلّا أن ذلك مستحيل، فإنه يستحيل إفادة المعنى الجُملَي المشتمل على النسبة الناقصة بنحو تعدّد الدالّ والمدلول.

ــــــــــ[299]ــــــــــ

(1) راجع: ص232.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ومن هنا يتّضح الشيء الذي قلناه في آخر بحث المعنى الحرفي، وهو الفرق بين الجمل التامّة والناقصة. فإن الجمل التامّة ليس فيها وضع زائد على وضع مفرداتها. وأما الجمل الناقصة، حيث إنها تشتمل على النسب التحليلية فلا بُدّ أن يكون للمركّب وضع باستقلاله، لكنّه ليس وضعاً زائداً على وضع المفردات، بل هو بدل عن وضع المفردات.

فإن أراد القائل بالوضع للمركّبات وجوده في الجمل التامّة، فهو غير صحيح، وإن اراده في الجمل الناقصة، فهو صحيح، إلّا أن وضع المركّب بدل عن وضع المفردات، وليس هو زائداً عليه كما هو ظاهر المدّعى.

إذن فالمدّعى على أيّ حال غير صحيح.

ــــــــــ[300]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 






الأمر السابع: في علامات الحقيقة والمجاز

 

  • [العلامة الأولى]: التبادر 
  • العلامة الثانية: صحّة الحمل
  • العلامة الثالثة: الاطّراد

ــــــــــ[301]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 








الأمر السابع: في علامات الحقيقة والمجاز

 

ذكروا للحقيقة ثلاث علامات: التبادر، وصحّة الحمل، والإطراء.

 

[العلامة الأولى]: التبادر 

 

أما التبادر فقد قيل في تقريب كونه علامة على الحقيقة(1): إن الانتقال إلى معنى مخصوص عند سماع لفظ مخصوص لا بُدّ أن ينشأ من أحد سببين:

أحدهما: أن يكون موضوعاً لذلك المعنى.

الثاني: أن تكون قرينة خاصّة أو عامّة تدلّ عليه. وإلّا فلا معنى للانسباق؛ لأن الألفاظ ليست لها دلالة ذاتية على المعنى. 

ــــــــــ[303]ــــــــــ

(1) أُنظر: مبادئ الوصول إلى علم الأُصول: 80، القسم الثاني، الفصل الأوّل، المبحث الرابع: الحقيقة والمجاز، مفاتيح الأُصول: 68، مفتاحٌ: في القول في بيان أمارات الحقيقة والمجاز، هداية المسترشدين: 44، السطر 49، عاشر العلامات على الحقيقة: التبادر، القوانين المحكمة 1: 56، المقدّمة، قانونٌ: طرق معرفة حقائق الألفاظ والمجازات، التبادر علامةُ الحقيقة، الفصول الغرويّة: 33، السطر 22، تقريرات الشيرازي 1: 69؛ كفاية الأُصول: 18، الأمر السابع: علائم الحقيقة والمجاز.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فإذا حصل التبادر في مورد وعلم عدم القرينة، واستناده إلى حاقّ اللّفظ فيستكشف منه وجود الوضع؛ إذ لا موجب له إلّا الوضع.

[إشكال لزوم الدور]

وهنا إشكال معروف(1) تعرّض له صاحب (الكفاية) في علامية التبادر(2)، وهو لزوم الدور؛ لأن معنى كون التبادر علامة على الوضع: أن العلم بالوضع يتوقّف على التبادر؛ لأن العلم بذي العلامة يتوقّف على حصول العلامة وهو التبادر، وما لم تحصل لا علم بذيها. والتبادر متوقّف على العلم بالوضع؛ لأن من كان جاهلاً بالألفاظ ومعانيها كيف يتبادر إلى ذهنه المعنى الحقيقي من اللفظ.

[جواب المحقّق الخراساني والردّ عليه]

وقد أجاب المحقّق الخراساني(3) عن ذلك بالتمييز بين العلم المتوقّف على التبادر والعلم الذي يتوقّف عليه التبادر، فادّعى أن الأوّل هو العلم التفصيلي 

ــــــــــ[304]ــــــــــ

() تعرّض للإشكال الكثيرُ من علماء الأُصول، فلاحظ على سبيل المثال: الفصول الغرويّة: 33، علامات الحقيقة والمجاز؛ هداية المسترشدين: 44، السطر 49، عاشر العلامات على الحقيقة: التبادر؛ تقريرات الشيرازي 1: 69؛ بدائع الأفكار: 70 – 71، القول في الأمور التي يُعرف بها الحقيقة والمجاز، المقام الأوّل، الأمور العلميّة: في إثبات الوضع؛ مقالات الأُصول 1: 111، المقالة السادسة: علامات الحقيقة والمجاز.

(2) أُنظر: كفاية الأُصول: 18، الأمر السابع: الحقيقة والمجاز.

(3) راجع المصدر السابق.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

بالوضع، والثاني هو العلم الإجمالي(1) الارتكازي بالوضع، وأحدهما غير الآخر فلا دور. وقد ارتضي من قبل المتأخّرين(2) عنه. 

وحاصله: أن العلم بالوضع له نحوان من الوجود في عالم النفس:

تارةً: يكون موجوداً فيها بوجود مغفول عنه إجمالي ارتكازي، فهو عالم بالوضع، ولكنّه ليس عالماً بأنه عالم؛ لأنه غير ملتفت بأنه عالم.

وقد يوجد هذا العلم بوجود تفصيلي بحيث يبرز إلى ظاهر عالم النفس، فيقترن بالالتفات التفصيلي، بحيث يكون عالماً بالوضع وعالم بأنه عالم به.

وحينئذٍ فيقال: إن التوقّف على التبادر هو العلم التفصيلي بالوضع. وأما التبادر فلا يتوقّف على العلم التفصيلي بالوضع، بل يكفي فيه العلم بالوضع بوجوده الارتكازي.

ــــــــــ[305]ــــــــــ

() وليس المراد بالعلم الإجمالي هو المصطلح بمعنى العلم بأن (الأسد) موضوع إما لكذا أو لكذا؛ لوضوح أن أصل هذا العلم لا يكفي لوقوع التبادر؛ لأن نسبة العالم إلى المعنيين على حدّ واحد، فلا يعقل أن يتبادر معنى بعينه، وإنما التبادر التفصيلي فرع العلم التفصيلي بالمعنى، فالعلم الذي يتوقّف على التبادر والعلم الذي يتوقّف فيه التبادر كِلاهما علم تفصيلي بالمعنى الأصولي، (منه). (المقرِّر ).

(2)أُنظر: مقالات الأُصول 1: 113، المقالة السادسة: علامات الحقيقة والمجاز، حواشي المشكيني على الكفاية 1: 125، الأمر السابع: علائم الحقيقة والمجاز، مجمع الأفكار 1: 61 – 62، الأمر السابع: في علائم الوضع، محاضرات في أُصول الفقه 1: 114، الأمر السابع: ذكروا للحقيقة علائم، منتهى الأُصول 1: 40، الأمر السادس: في علائم الحقيقة والمجاز.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وهذا الجواب ليس إلّا مجرّد اصطلاحات لا محصّل لها، فإن ماهيّة التبادر للمستعلم بالنحو المذكور يبقى إشكال الدور فيها على حاله، بناءً على التصوّر المشهوري للوضع وهو الاعتبار.

توضيح ذلك: أن المقصود من التبادر إما تحصيل أصل العلم بالوضع، أو المقصود به مجرّد تبديل العلم من كونه إجمالياً إلى كونه تفصيلياً. فإن كان المقصود به تحصيل أصل العلم بالوضع فإشكال الدور محكم؛ لأن أصل العلم به لا بُدّ من فرض وجوده قبل التبادر ولو بنحو إجمالي؛ ليكون سبباً لإيجاد التبادر في أذهاننا، فكيف يعقل تحصيل أصل العلم بالوضع بهذه العلامة؟

وإن كان المقصود بهذه العلامة مجرّد تبديل علمنا بالوضع من علم ارتكازي إلى تفصيلي، فهذا يحصل بمجرّد الاستعلام، بلا حاجة إلى الوصول إلى العلامة(1). فإن من يريد أن يحوّل علمه الإجمالي بالوضع إلى علم تفصيلي 

ــــــــــ[306]ــــــــــ

() هل يراد جعله دليلاً إنّياً على أصل الوضع، أو علامة على العلم بالوضع؟ فإن أريد جعله علامة على أصل الوضع والاعتبار من قبل الواضع فهو غير معقول؛ لأن التبادر ليس معلولاً للوضع بوجوده الواقعي؛ ليكشف عنه إنّاً، فإن إنشاء الواضع ليس له أيّ علّية لتبادرٍ ذهني، بل تمام العلّة للتبادر هو العلم بالوضع، سواء كان هناك وضع في الواقع أو لا، فجعل التبادر برهاناً على نفس الوضع غير معقول. وأما جعله برهاناً على علم المستعلم بالوضع أيضاً غير معقول؛ لأن علمي بالوضع من الموجودات الحاضرة في نفسي، بحيث يكون مجرّد التفاتي إليه كافٍ للتصديق به، ويكون معلوماً مباشرة لا بالبرهان والدليل، بل يستحيل توسيط برهان بين الفرد وعلمه؛ لأن علمه حاضر لديه. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

بمجرّد أن يلتفت إلى هذه الإرادة(1) يتحوّل ذلك التحوّل، بلا حاجة إلى أن يطلب ذلك بالتبادر. فالنوبة لا تصل إلى التبادر ليتمسّك بعلاميته. فلنقل هنا: إن علامة الحقيقة هي طلب الحقيقة، وكلّ من يريد أن يعرف معنى اللّفظ يكفي أن يلتفت إلى اللّفظ.

وحينئذٍ فلا يعقل أن يطلب المستعلم شيئاً بهذه العلامة، بل بمجرّد حالة الاستعلام يحصل مقصوده. فلا يتمّم المطلب، والإشكال في علامية التبادر باقٍ على حاله.

[الجواب على ضوء مسلك القرن الأكيد]

إلّا أن الصحيح أن إشكال الدور من أصله لا معنى له؛ لأنه مبنيّ على التصوّرات المتعارفة في باب الوضع. لو قلنا: إن الوضع عبارة عن أمر اعتباري، يوجب انتقال الذهن من اللّفظ إلى المعنى للعالم به. حينئذٍ يأتي الإشكال: أن هذا المستعلم قبل أن يعلم بالجعل لا ينتقل ذهنه، وبعد أن يعلم به لا حاجة له إلى علامية التبادر.

ولكن بناءً على ما نقحّناه في بحث الوضع من أن حقيقته هي: قرن اللّفظ بالمعنى في ذهن الإنسان بالتكرّر قرناً شديداً أكيداً، فمن الواضح حينئذٍ أن هذا القرن بنفسه يكون سبباً في التبادر قبل أن يحصل علم بالوضع أصلاً. يعني: قبل أن يلتفت الإنسان أنه قد تحقّق بهذا القرن عنوان الوضع.

ويمكن تقريب ذلك بالالتفات إلى الطفل، فإنه بعد اقتران لفظ (الحليب) 

ــــــــــ[307]ــــــــــ

() لأن تمام العلوم الإجمالية الارتكازية بمجرّد الالتفات إليها. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

بالحليب، ينسبق إلى ذهنه ذلك، من دون أيّ علم بالوضع؛ لأنه غير قابل لإدراك العلوم التصديقية فعلاً، فهذا القرن التصوّري في ذهنه صار سبباً للتبادر.

ومعه نقول: بأن العلم بالوضع يتوقّف على أن يكون استباق وتبادر للمعنى من اللّفظ، بمعنى أن العلم بالوضع ينشأ من حالة: أن ذهننا متى سمع لفظ (أسد) يتصوّر الحيوان المفترس، وهذه الحالة لا يتوقّف نشؤها في ذهننا على العلم بالوضع(1)، بل قد تنشأ من روح الوضع وواقعه، وهو الاقتران الأكيد الشديد(2). حتى بدون وضع، فلو قيل لنا: (سكوني) ينسبق إلى ذهننا: (النوفلي)، مع أنه لم يوضع أحدهما للآخر.

وبهذا يندفع إشكال الدور، وتكون هذه العلامة معقولة.

هذا كلّه إذا لوحظت العلامة بالنسبة إلى المستعمل، وأن الجاهل بالوضع أريد تعليمه طريقة للعلم بالوضع، بأن يحصل التبادر عنده. وأما إذا قلنا بأن التبادر عند العالم يكون أمارة على الوضع عند الجاهل، فيكون خارجاً عن إشكال الدور؛ لأن علم الجاهل يتوقّف على علم العالم، إلّا أن هذا يخرج عن باب التبادر إلى باب الاطّراد الذي سوف نتكلّم عنه.

هذا هو الكلام في العلامة الأولى.

ــــــــــ[308]ــــــــــ

() التبادر متوقّف على واضع الاقتران لا على العلم بالاقتران. (المقرِّر).

(2) فإن الاقتران في عالم الذهن حتى لو لم يكن يعلم به، يكون مؤثّراً في الانسباق إلى المعنى، فلا دور؛ لأن العلم التصديقي بالوضع فرع التبادر، والتبادر فرع القرن للفظ بالمعنى(المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [قياس المقام على سائر موارد الملازمات]

وقد يُقاس المقام على سائر موارد الملازمات؛ فيقال: بأن ذهننا كيف ينتقل إلى المعنى، إلّا إذا كنّا عالمين بالملازمة بين اللّفظ والمعنى، فإذا انتقل الذهن من (النار) إلى (الاحتراق)، فهو فرع علمنا بأن النار تحرق، وإلّا لم ينتقل ذهننا إلى ذلك. فكيف يُدّعى في المقام أن الانتقال إلى المعنى ليس فرع العلم بالملازمة وهي الوضع؟

جوابه: أن الملازمة تارة تكون بين المدرَكين، وأخرى بين نفس الإدراكين، فإن كانت بين المدرَكين كـ(النار) و(الاحتراق)، فإنما يحصل الانتقال إذا كنت عالماً بالملازمة بينهما. وأما إذا كانت الملازمة بين نفس الإدراكين، والحالتين الذهنيتين، فهذه الملازمة سوف تؤثّر أثرها، سواء علم بها الإنسان أو لا. 

ومحلّ كلامنا من قبيل الثاني. فإن الانتقال من اللّفظ إلى المعنى ليس باعتبار الملازمة خارجاً، بل باعتبار الملازمة بين نفس الإدراكين التصوّريين في عالم الذهن، وهذه الملازمة نشأت باعتبار قرن اللّفظ بالمعنى. ومتى ما كانت الملازمة بين الإدراكين، تكون الملازمة بثبوتها النفس الأمري كافية في الانتقال، سواء علم بذلك أو لم يعلم. 

من قبيل انتقال الإنسان من حبّ ذي المقدّمة إلى حبّ المقدّمة، سواء كان عالماً بوجوب المقدّمة بوجوب ذيها، أو لم يكن عالماً؛ لأن الملازمة تؤثّر أثرها تكويناً.

ــــــــــ[309]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فالعلم التصديقي بالوضع يتوقّف على التبادر، والتبادر يتوقّف على الوجود النفسي الأمري للملازمة. وعليه، فيتّضح أن هذه العلامة معقولة.

[نكتة في علّية الوضع أو القرينة للتبادر]

وهنا نكتة لا بُدّ من الالتفات إليها، بعد الفراغ عن معقولية علامة التبادر.

وحاصلها: أنه في التقريب الابتدائي لعلاميّة التبادر قيل فيه: إن التبادر وانسباق المعنى من اللّفظ له علّتان: إما الوضع، وإما القرينة. وحيث لا قرينة، إذا وجد الانسباق والتبادر يكشف كشفاً (إنّياً) عن الوضع؛ لاستحالة أن يوجد المعلول بدون علّة. وقد اتّضح أن هذا التقريب معقول على مبنانا، وغير معقول على التصوّر المشهور.

إلّا أن الانسباق إلى ذهن المستعمل ليس له علّتان فقط، بل له ثلاث علل.

توضيحه: أن الوضع يرجع روحه إلى القرن في ذهن السامع بين اللّفظ والمعنى. لكن القرن على نحوين: 

تارة: يكون القرن في ذهن (زيد) قرناً شخصياً لمناسبات شخصية.

وأخرى: يكون قرناً نوعياً، يعني اقترن اللّفظ بالمعنى في ذهنه؛ باعتباره أحد أفراد أهل اللغة. والوضع الذي نريد أن نحصّل علامته هو القرن النوعي، فهذا القرن النوعي هو الوضع العامّ الاجتماعي، الذي يكون هو ميزان الفهم في مقام استخراج المعاني من الألفاظ.

وأما القرن الشخصي فقد يتّفق لـ(زيد) لخصوصية من الخصوصيات، فإن كثيراً من الخصائص التي تقوم بالفرد لها تأثير في إيجاد هذا الاقتران، كمطالعته، 

ــــــــــ[310]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وكتابته، وعشيرته، وحرفته، وغيرها. أو بحكم صدف معيّنة اقترن معنى معيّن بلفظ معيّن ولم يقترن في ذهن غيره. كما لو كان له ولد اسمه (عمران)، فحين يسمع الكلمة يخطر في ذهنه ابنه، مع أنها نوعيّاً نسبتها إلى ابنه وغيره على حدٍّ سواء. 

وكلٌّ من القرنين: الشخصي، والنوعي، يولّد الانسباق والتبادر، والوضع المطلوب إثباته بالعلامة إنما هو القرن النوعي؛ لأننا نريد أن نعيّن ما هو مراد المتكلم، وهو لا بُدّ أن يعيّن باعتبار القرن النوعي. 

ومن هنا قلنا في بحث الظواهر(1): إنه يوجد ظهور شخصي ونوعي. وأردنا بالشخصي: الظهور الناشئ من التبادر المتولّد من القرن الشخصي، وأردنا بالنوعي: ما كان ناشئاً من التبادر المتولّد من القرن النوعي. وما هو موضوع للحجّية والعمل هو الثاني.

إذا التفتنا إلى الفرق بين القرنين نعرف أن التقريب الابتدائي للتبادر غير صحيح؛ إذ نقول: إن التبادر ينشأ من أحد أمور ثلاثة: القرينة، والقرن النوعي الذي نسمّيه بالوضع، والقرن الشخصي. فإنه حين يسمع كلمة (عمران) بدون قرينة ولو من اصطكاك الحجرين؛ ينسبق ابنه إلى ذهنه وليس هو الوضع.

وحينئذٍ لإثبات العلامة واستكشاف الوضع بالتبادر لا بُدّ من نفي استناد التبادر إلى القرينة، واستناده إلى القرن الشخصي. فإذا أمكن ذلك جعل التبادر علامة على القرن النوعي الذي هو الوضع. 

ــــــــــ[311]ــــــــــ

(1) كما سيأتي في الأجزاء اللاحقة بإذن الله تعالى.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

أما احتمال نشوء التبادر من قرينة، فلا بُدّ من الفحص والتفتيش عن كلّ ما يكتنف اللّفظ من حال أو مقال؛ لأجل أن يعرف أنه هل يكون مستنداً إلى القرينة أو لا؟ وبالفحص يمكن أن يحصل الجزم بعدم القرينة، وإن لم يحصل الجزم، واحتمل وجود القرينة، لا يمكن اثبات الوضع، ولا يمكن نفي القرينة المشكوكة بأصالة كلام القرينة؛ لما بيّناه في بحث الظواهر من أن أصالة عدم القرينة من الأمارات العقلائية التي يتعبّد بها في طريق استخراج مراد المتكلّم لا أكثر من ذلك.

وهنا أصالة عدم القرينة وإن كانت أمارة عقلائية إلّا أن العقلاء إنما يتعبّدون بها في استكشاف مراد المتكلّم، لا بمقدار استكشاف الأوضاع اللغوية والعرفية. وهذا التفكيك ليس عزيزاً في الأمارات، فإن جملة منها يتعبّد بها بمقدار، ولا يتعبّد بها بمقدار آخر.

وفي المقام لا يراد هذا الأصل من أجل تعيين مراد المتكلّم، فإنه معلوم، وإنما نريد تشخيص الوضع، وهذا لا يكون بهذا الأصل. إذن فلا بُدّ من الجزم والاطمئنان بعدم القرينة، وإلّا بطلت علامية التبادر. 

وأما الاحتمال الثاني وهو استناد التبادر إلى الاقتران الشخصي، فهذا الاحتمال أيضاً قد ننفيه بالفحص والتدبّر في حياتنا للتأكّد من أنه لم يقع في حياتنا ما يؤثّر في الذهن تبادراً شخصياً.

وقد ننفيه بالأصل العقلائي القائم بأصالة التطابق بين التبادر الشخصي والتبادر النوعي، بدليل أن العقلاء لا يتوقّفون في معرفة معنى الخطاب الصادر 

ــــــــــ[312]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

من الموالي أو غيرهم، إلّا بعد أن يعرضوا الخطاب على الآخرين؛ ليعرفوا أنه تبادر شخصي أو نوعي. وهذا كاشف عن انعقاد السيرة العقلائية على أصالة التطابق بين الظهور الشخصي والظهور النوعي. فهم يجعلون التبادر الشخصي أمارة على التبادر النوعي، ويجعلون التبادر النوعي قرينة على الوضع، بحيث يثبت به مراد المتكلّم. وبهذا يتمّ الكلام في علامية التبادر.

ــــــــــ[313]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 













العلامة الثانية: صحّة الحمل

 

فقد ادُّعيَ(1): أن صحّة حمل اللّفظ المجهول المعنى على معنى بالحمل الأوّلي الذاتي يدلّ على أن هذا الموضوع هو عين المعنى الذي وضعت له كلمة (أسد) ذاتاً. وبالحمل الشايع الصناعي يدلّ على أنه فرد منه.

فإذا قلنا: (الحيوان المفترس أسد) بالحمل الأوّلي، دلّ على أن الحيوان المفترس متّحد ذاتاً مع المعنى الموضوع له كلمة (الأسد). وإذا قيل: (زيد انسان) بالحمل الشايع، دلّ على أن زيد ينتسب إلى معنى كلّي هو المعنى الموضوع -كلمة (الإنسان)-.

وهذه العلامة لا محصّل لها أصلاً؛ لأن المحمول في الكلمة المجهولة، هل نفرض استعماله في معنى معيّن دون أن نعرف في المرتبة السابقة أنه هو المعنى الموضوع له أو غيره؟ أو نفرض استعماله في معنى فرغنا عن كونه هو الموضوع له؟

فإن كان استعماله في معنى لا ندري أنه هو المعنى الموضوع له أو غيره، فصحّة الحمل غاية ما تقتضيه هو أن الحيوان المفترس هو عين المعنى الذي استعملنا به لفظ (الأسد)، والذي لا ندري أنه معنى حقيقي له أو مجازي. فكيف يتعيّن الوضع؟

ــــــــــ[314]ــــــــــ

(1) أُنظر: الفصول الغرويّة: 38، السطر 4.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وإن فرغنا عن أن لفظ (الأسد) مستعمل في معناه الموضوع له، فقد فرغنا إذن عن معرفة المعنى الموضوع له، فما معنى جعل صحّة الحمل علامة على الحقيقة؟! إذن فالعلامة الثانية غير صحيحة(1).

ولا يندفع هذا الدور بما قلناه في التبادر من أن التبادر لا يتوقّف على العلم بالوضع بل على واقع الوضع، وهو القرن الذهني بين اللّفظ والمعنى.

لا يأتي هذا البيان في المقام؛ لأن صحّة الحمل لا نقول إنها متوقّفة على واقع الوضع وواقع القرن، كما هو الحال في التبادر. والفرق بينهما: أن صحّة الحمل عبارة عن حكم تصديقي من قبل المستعمل بأن هذا ذاك. ومن المعلوم أن هذا الحكم فرع الالتفات إلى كلٍّ من الموضوع والمحمول في نفسه، وإلّا لم يمكن الحمل، ومجرّد كون الموضوع له في علم الله هو ذاك لا يكفي في صحّة الحمل بدون أن يعلم الحامل بذلك. وهذا بخلاف التبادر، فإنه ليس حكماً تصديقياً، بل عبارة عن الانسباق التصوّري من تصوّر إلى تصوّر آخر، وهذا المعنى لا يتوقّف على علم تصديقي، بل يتوقّف على القرن بين اللّفظ والمعنى، ومن هنا كانت علامية التبادر معقولة وعلامية صحّة الحمل غير معقولة.

 

ــــــــــ[315]ــــــــــ

() فيكون دوراً واضحاً؛ لأن العلم بصحّة الحمل فرع العلم بالوضع، فكيف يطلب العلم بالوضع من صحّة الحمل؟! (المقرِّر ).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 

العلامة الثالثة: الاطّراد

 

يمكن تقريب علاميته بعدّة وجوه:

[الوجه الأوّل: الاطّراد في التبادر]

أن يُقال: إن المراد من الاطّراد الذي يعتبر علامة في المقام، هو الاطّراد في التبادر(1).

توضيحه: أننا قلنا في التبادر: إن التبادر الذي يكون علامة الحقيقة هو التبادر الذي يكون تبادراً من حاقّ اللّفظ بدون الاستناد إلى القرينة. وحينئذٍ فلو حصل التبادر في ذهننا مرّة واحدة، فنحتمل استناده إلى القرينة. وهذا الاحتمال قلّما يمكن نفيه في مورد واحد.

ولكن إذا تكرّر هذا التبادر في مختلف الأمكنة والأزمنة والأحوال، فهذا هو الاطّراد في التبادر، فإنه 

يوجب بالتدريج زوال احتمال وجود القرينة في الانسباق. فإنه بحساب الاحتمالات تكون احتمالات وجود القرينة في كلّ الموارد موهونةً جداً. وحينئذٍ 

ــــــــــ[316]ــــــــــ

(1) أُنظر: لاحظ: بدائع الأفكار (الآملي) 1: 97، الأمر الثامن: في علائم الوضع، في علاميّة التبادر والاطّراد.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

يحقّق الاطّراد موضوع التبادر؛ إذ يثبت به أنه تبادر من حاقّ اللفظ. ولا يكون الاطّراد على هذا الوجه علامة مستقلّة.

[الوجه الثاني: الاطّراد في الاستعمال]

إن المراد من الاطّراد: الاطّراد في الاستعمال، وكان هذا هو مراد كلمات السيّد الأستاذ(1).

بمعنى: أننا حين نسمع شخصاً استعمل لفظاً في معنى، ونحن نعلم أن استعماله موقوف على أحد أمرين: إما الوضع أو القرينة. فإذا استعمله مرّة ولم ندرِ أنه استعمال حقيقي أو مع القرينة، واحتمال القرينة لا يمكن نفيه في الاستعمال الواحد. ولكنّنا إذا رأينا المستعمل العربي استعمل لفظ (الأسد) في الحيوان المفترس مئات المرات؛ فيبعد وجود القرينة، ويحصل الوثوق والقطع
-مثلاً- بعدم القرينة ولو في بعض هذه الموارد. فإذا لم يكن قرينة فيتعيّن الوضع. 

والاطّراد بهذا المعنى لا يصحّ جعله علامة؛ لأن الاستعمال لا تنحصر صحّته عرفاً بأحد أمرين: الوضع، أو القرينة. فإن المصحّح للاستعمال ليس هو ذلك، وإنما المصحّح للانفهام هو ذلك.

فإنه عندنا مطلبان: الاستعمال الذي هو عمل المتكلّم، والانفهام الذي هو عمل السامع. والانفهام يتوقّف على ذينك الأمرين، فإذا سمعنا بشكل مطّرد فمعناه عدم وجود القرينة، وهذا معناه الاطّراد في التبادر.

ــــــــــ[317]ــــــــــ

(1) راجع محاضرات في أُصول الفقه 1: 124، الأمر السابع: ذكروا للحقيقة علائم، علاميّة الاطّراد.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ولكنّ المستعمل لا يتوقّف غرضه على ذلك، بل قد يستعمل اللّفظ في المعنى المجازي من دون نصب قرينة على ذلك، إذا كان مراده الإجمال والإهمال. فوجود استعمال في المعنى بدون قرينة لا يكشف عن الوضع.

ولكن بالاطّراد بالتبادر يتعيّن أن يكون الانفهام مستنداً إلى الوضع لا إلى القرينة.

[الوجه الثالث: اطّراد الحيثية المصحّحة للإطلاق]

هو الذي أشير إليه في (الكفاية)(1) وهو أن ميزان الاطّراد: اطّراد الحيثية المصحّحة للاستعمال في التصحيح.

إن المقصود من الاطّراد اطّراد الحيثية المصحّحة للإطلاق، بمعنى أنه إذا أطلق لفظ على فرد، وكان إطلاقه عليه بلحاظ وجدان الفرد لحيثيةٍ، فتلك الحيثية هي المصحّحة للإطلاق؛ فننظر إليها: فإذا كانت دائماً مصحّحة للإطلاق، فنعرف أن الإطلاقات حقيقية. وإذا كانت أحياناً تصحّح وأحياناً لا تصحّح، فالاستعمال مجازي.

فإذا أطلقنا لفظ (الأسد) على هذا الحيوان من حيث كونه حيواناً مفترساً، وهي حيثية مطّردة، متى ما وجدت صحّحت الاستعمال، فالاستعمال حقيقي. وحينما نطلقه على (زيد)؛ باعتبار كونه مشابهاً للحيوان المفترس، وهي غير مطّردة لوجود كائنات مشابهة لا يصحّ إطلاق لفظ (الأسد) عليها كالمشابه له بالرائحة، إذن فهذا الاستعمال مجازي.

ــــــــــ[318]ــــــــــ

(1) راجع كفاية الأُصول: 20، الأمر السابع: علائم الحقيقة والمجاز.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ويرد عليه ما أورده صاحب (الكفاية)(1): من أن الحيثية المصحّحة للإطلاق مطّردة دائماً، في الحقيقة والمجاز، فإن الحيثية في باب المجاز ليس هو مطلق المشابهة، بل في أظهر الصفات، وهي مطّردة، فلا يكون علامة.

[الوجه الرابع: اطّراد الاستعمال بلا قرينة]

التقريب الرابع في تفسير الاطّراد أن يُقال: أن يراد به اطّراد الاستعمال بلا قرينة، بمعنى أنه متى ما لاحظنا أن لفظ (الأسد) عند أبناء المحاورة، يستعملونه بدون أن ينصبوا قرينة في تمام الاستعمالات.

والفرق بين عنوان هذا التقريب والتقريب الثاني: أنه هناك كان يُقال: إن الاطّراد في الاستعمال يكشف عن أنه استعمال بلا قرينة، وأما هنا فنقول: إنه يجب أن نحرز أنه استعمال بلا قرينة؛ ليكون الاطّراد علامة على أنه هو المعنى الموضوع له.

لأنه إذا استعمل العربي لفظ (الأسد) في الحيوان المفترس مرّة واحدة، لقلنا إن الاستعمال أعمّ من الحقيقة. ويحتمل أنه استعمل في المعنى مجازاً، ولم ينصب قرينة؛ لتعلّق غرضه بالإجمال. وأما إذا كان هذا الاستعمال ديدن أبناء المحاورة دون نصب قرينة، فالأمر يدور بين احتمالين أحدهما: الوضع، والآخر: أنه غير موضوع، واستعملوه بدون قرينة، ولكن من باب الصدفة أن الجميع كان غرضهم بالإجمال. فإن الإجمال وإن كان قد يتّفق مرّة ومرّتين ولكنّه لا يكون طريقة عامّة؛ لأنه على خلاف الطريقة اللغوية في التفهيم 

ــــــــــ[319]ــــــــــ

(1) راجع المصدر السابق.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

والتفهّم. فيستبعد الاحتمال الثاني، فيتعيّن الأوّل. وهذا هو التقريب الصحيح لعلامية الاطّراد.

وأما الوجوه السابقة فكلّها غير تامّة.

ــــــــــ[320]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 












الأمر الثامن: الحقيقة الشرعية

 

  • [المقام الأوّل: في البحث الثبوتي]
  • [المقام الثاني: في البحث الإثباتي]
  • المقام الثالث: في تصوير الثمرة

ــــــــــ[321]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 







الأمر الثامن: الحقيقة الشرعية(1) (2)

 

يقع الحديث عنها في ثلاثة مقامات:

1- في الثبوت.

2- في الإثبات.

3- في ثمرة البحث.

 

[المقام الأوّل: في البحث الثبوتي]

 

أما المقام الأوّل في بحث الثبوت، يعني: ما هي الأنحاء الممكنة من الوضع التي يمكن صدورها في مقام إيجاد الحقيقة الشرعية.

لا إشكال أن ذلك يمكن إيجاده بالوضع التعيّني الحاصل بكثرة الاستعمال، كما يمكن إيجاده بالوضع التعييني.

ــــــــــ[323]ــــــــــ

() الأربعاء: 28 / 1 / 1392 – 15 / 3 / 1972لم يحصل درس في هذا اليوم. (المقرِّر).

(2) الأمر الثامن هو (تعارض أحوال اللّفظ) ولم يتعرّض له الماتن. أما الحقيقة الشرعية فهي الأمر التاسع حسب تسلسل (الكفاية).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

غير أن المحقّق الخراساني(1) قد تعرّض إلى مطلب محلّه المناسب هو بحث الوضع: وهو أن الوضع التعييني، كما قد يحصل التصريح بإنشائه كذلك قد يحصل بالاستعمال الواحد. وهذا مطلب كلّي لا يختصّ بباب الحقيقة الشرعية. ولكنّه إنما تعرّض له هنا؛ لأنه يريد أن يكسر سورة استبعاد الوضع التعيّني في الحقيقة الشرعية، بأن يقول النبيّ: (وضعت اللّفظ الفلاني لكذا)؛ إذ لو كان لوصل إلينا. فقد أبدى المحقّق الخراساني شقّاً آخر معقولاً في الوضع التعييني، من حيث أنه لا ينحصر بالإنشاء والجعل؛ ليستبعد حصوله من النبي، بل يمكن حصوله بنفس الاستعمال.

فمن هنا وقع البحث الثبوتي بأن حصول الوضع بنفس الاستعمال هل يكون أمراً معقولاً أو لا؟

والكلام في ذلك يقع على ثلاثة تقديرات:

[التقدير الأوّل: بناءً على أن الوضع أمر واقعي]

الأوّل: بناءً على مسلكنا في باب الوضع، وأن الوضع أمر واقعي -لا إنشائي جعلي-، يوجده الواضع في ذهن السامع، وهو قرن اللّفظ بالمعنى قرناً شديداً.

فمن الواضح معقولية إيجاد الوضع بالاستعمال، فإن الاستعمال في الحقيقة ليس إلّا وسيلة من وسائل هذا القرن في ذهن السامع. فإن القرن قد يكون سببه الجملة الصريحة في الإنشاء، وأخرى يكون وسيلته نفس الاستعمال. كما قلنا: إن الأمّ تضع الحليب أمام الطفل وتقول: (حليب.. حليب..).

ــــــــــ[324]ــــــــــ

(1) أُنظر: كفاية الأُصول: 21، الأمر التاسع: الحقيقة الشرعيّة.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [التقدير الثاني: بناءً على أن الوضع أمر إنشائي]

الثاني: وهو تقدير أن يكون الوضع أمراً إنشائياً كالمعاملات والمعاوضات، يحصل بالإنشاء. 

وفي هذا التقدير يوجد اتّجاهان في باب الإنشاء:

الاتّجاه الأوّل: اتّجاه السيد الأستاذ وغيره(1)، وهو: أن المطالب الإنشائية عبارة عن أمور نفسانية تبرز باللّفظ. فنسبة اللّفظ إلى الإنشاء نسبة المبرِز إلى المبرَز، لا نسبة السبب إلى المسبّب.

الاتّجاه الثاني: أن المطالب الإنشائية مطالب إيجادية واعتبارات توجد باللّفظ، وهو الاتّجاه الذي نُسب إلى المشهور.

ــــــــــ[325]ــــــــــ

() أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه 1: 126، الأمر السابع: في الحقيقة الشرعيّة، دراسات في علم الأُصول 1: 67، الأمر الثامن: في الوضع، الحقيقة الشرعيّة، الهداية في الأُصول 1: 76 – 78، الأمر الثامن: في الحقيقة الشرعيّة، غاية المأمول من علم الأُصول 1: 149، الكلام في الوضع، الحقيقة الشرعيّة. والمقصود بـ (غيره) كلّ من فسّر الوضع بالاعتبار، أو التنزيل، أو جعل اللفظ علامةً على المعنى، أو تعيين اللفظ للمعنى، مثل ما في: بدائع الأفكار (الرشتي): 34، الأمر الرابع: في ذكر جملةٍ من المبادئ اللغويّة، الموضع الأوّل، بديعة الكلام في حدّ الوضع، حواشي المشكيني على الكفاية 1: 74، الأمر الثاني: في الوضع، نهاية الدراية 1: 22 – 23، تعريف الوضع. وقد تقدّم من الشهيد الصدر الأوّل في بحث الوضع التطرّق إلى النظريّات وفوارقها، فراجع.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فإن قلنا: إن الوضع أمر إنشائي، وقلنا: إن الإنشاء أمر نفساني يبرز في اللّفظ. فيكون إيجاد الوضع بنفس الاستعمال أمراً غير معقول؛ لأن الاستعمال ليس أمراً نفسانياً، بل أمر خارجي. بل لا بُدّ أن يفرض الوضع موجوداً قبل الاستعمال في نفس الواضع -إما اعتباراً أو تعهّداً-، ويكون الاستعمال مبرزاً له. فإيجاد الوضع بالاستعمال غير معقول، ولكن إبراز الوضع به أمر معقول.

وإن قلنا: إن الوضع أمر إنشائي، وإن الإنشائيات أمور إيجادية يُتَسبَّب إلى إيجادها باللّفظ؛ فيعقل تصوير الوضع بالاستعمال. وذلك: بأن يستعمل الواضع لفظة (الماء) في معناها، ويتسبّب بذلك إلى إنشاء العلقة الوضعية وإنشائها اعتباراً.

فهنا في الحقيقة استعمالان طوليان:

أحدهما: استعمال لـ(لماء) في المعنى الذي يراد الوضع له، وهو ليس(1) استعمالاً إنشائياً؛ لأنه استعمال لمعنى إفرادي.

والثاني: استعمال الاستعمال الأوّل في مقام إنشاء الوضع به. فإن الاستعمال الأوّل ينشأ به في طول تمامية العلقة الوضعية، ويكون أمراً معقولاً.

وهما استعمالان عرضيان زماناً طوليان رتبةً، والمستعمل فيه في الأوّل هو المعنى، والثاني أمر تصديقي هو العلقة الوضعية، واللّفظ في الأوّل هو ذات اللّفظ، وفي الثاني هو عملية الاستعمال. ومنه يفهم أن اللّفظ استعمل في الأوّل استعمالاً آلياً، وفي الرتبة الثانية استعمالاً استقلالياً. ولا محذور فيه مع تعدّد الرتبة.

ــــــــــ[326]ــــــــــ

() وهو ليس إخباراً ولا إنشاءً؛ لأنه استعمال كلمة إفرادية. (المقرِّر).

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

التقدير الثالث: أن يكون الوضع مفهوماً جامعاً بين الفرد الإنشائي والفرد الحقيقي

ولعلّ هذا هو ظاهر (الكفاية)(1)، ويُقال: بأن الوضع هو تعيين أو تخصيص اللّفظ؛ لكي يدلّ على المعنى. وهذا التعيين يُتصوّر له فردان:

إنشائي: بأن يقول: (عيّنت اللّفظ الفلاني للدلالة على المعنى الفلاني).

وفردٌ حقيقي: وذلك بنفس الاستعمال، فإنه يكون مصداقاً للتخصيص، وفرداً واقعياً للتعيين.

وهذا التصوير على التقدير الثالث غير صحيح؛ لأن الاستعمال دائماً جزئياً، بمعنى: تعيين شخص هذا اللّفظ لهذا المعنى، بينما الوضع كلّي: تعيين كلّي هذا اللّفظ لهذا المعنى.

بهذا اتّضح حاقّ الكلام على التقادير الثلاثة. 

ثُمّ إنه قد أشكل على هذا الاستعمال بإشكالين:

الأوّل: لزوم اجتماع اللّحاظ الآلي والاستقلالي

 لأن اللّفظ والمعنى في عالم الوضع يجب أن يُلحظا باللّحاظ الاستقلالي، وفي عالم الاستعمال يجب أن يُلحظا باللّحاظ الآلي. فلو توحّد الوضع ــــــــــ[327]ــــــــــ

() أُنظر: كفاية الأُصول: 9، الأمر الثاني: تعريف الوضع وأقسامه. وقد تبنّاه السيّد الخميني في: جواهر الأُصول 1: 84، الأمر الثاني: في الوضع، الجهة الثانية: في حقيقة الوضع.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

والاستعمال يلزم اجتماع اللّحاظين(1).

وهذا الإشكال ليس بشيء:

أما على مسلكنا، وأن الوضع عبارة عن أمر واقعي، وهو القرن: فلأن الوضع ليس أمراً مجعولاً يحتاج إلى لحاظ اللّفظ والمعنى لحاظاً استقلالياً، بل يحصل من دون التفات إلى اللّفظ والمعنى أصلاً؛ ولهذا قد يحصل القرن صدفة بلا واضع أصلاً. وقد يحصل من كثرة الاستعمالات، مع أن اللّحاظ آلي في الاستعمال.

وأما بناءً على أن الوضع مطلب إنشائي

فإن قلنا باتّجاه السيّد الأستاذ وهو: أن الإنشاءات أمر نفساني يبرزها اللفظ. فمن الواضح أن اللّحاظين لم يجتمعا؛ لأن الوضع والاستعمال لم يجتمعا، لأن الوضع في عالم النفس والاستعمال في عالم اللّفظ. فلم يجتمعا في عالم واحد، فلا محذور من هذه الناحية.

وإن قلنا: الإنشاء أمر إيجادي، فأيضاً كذلك؛ لأننا قلنا: أنه يوجد استعمالان طوليان: استعمال اللّفظ في المعنى، واستعمال هذا الاستعمال في الإنشاء. واللّحاظ في الأوّل آلي، واللحاظ في الثاني استقلالي.

وأما التقدير الثالث فلم نتعقّله في نفسه حتى نتكلّم بناءً عليه. فإننا إذا 

ــــــــــ[328]ــــــــــ

() أجود التقريرات 1: 33 – 34، الفصل الثاني، المقام الثاني: أقسام الوضع، الأمر الرابع: الحقيقة الشرعيّة. وقد تبنّاه السيّد محسن الحكيم في: حقائق الأُصول 1: 48، الأمر التاسع: اختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعيّة.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

أنكرنا مصداقية الاستعمال للوضع، فلا تصل النوبة لهذا الإشكال، وإن سلّمنا به فمعناه بأنه لا يشترط في الوضع اللّحاظ الاستقلالي.

الإشكال الثاني: أن الاستعمال لا بُدّ أن يكون إما حقيقياً وإما مجازياً 

إن الاستعمال لا بُدّ أن يكون إما حقيقياً وإما مجازياً، وهذا الاستعمال ليس شيئاً منهما. أما أنه ليس حقيقياً؛ فلأن اللّفظ بعدُ ليس موضوعاً لهذا المعنى، وليس مجازياً؛ لأن المجازية فرع العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي، وهو لم يحصل له معنى حقيقي أصلاً، فيكون الاستعمال غلطاً(1).

وقد يتخيّل في مقام دفع الإشكال(2): أن الاستعمال هنا حقيقي؛ لأن الوضع وإن كان في طول الاستعمال إلّا أنه مقارن له زماناً. فيكون اللّفظ مستعملاً في المعنى الموضوع له بالوضع الحاصل في آن الاستعمال، وهذا كافٍ في كون الاستعمال حقيقي. 

وتحقيق الحال أن يُقال: إن الاستعمال على نحوين: استعمال تفهيمي، واستعمال غير تفهيمي. فالتفهيمي هو الذي يراد به نقل السامع إلى المعنى، ولو اقتضاءً. وغير التفهيمي هو جعل اللّفظ قالباً لمعنىً، من دون غرض التفهيم.

حينئذٍ يُقال: إن الوضع إن كان يوجد بلحاظ الاستعمال التفهيمي، 

ــــــــــ[329]ــــــــــ

() أُنظر: كفاية الأُصول: 21، الأمر التاسع: في ثبوت الحقيقة الشرعيّة.

(2) أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه 1: 129 – 130، الأمر السابع: في الحقيقة الشرعيّة، المقام الثاني: في وقوع الوضع التعييني الاستعمالي، الهداية في الأُصول 1: 78، الأمر الثامن: في الحقيقة الشرعيّة.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فالإشكال وارد. فإن الاستعمال التفهيمي لا بُدّ أن يكون مستنداً إلى الوضع أو إلى إحدى علاقات المجاز؛ إذ بدونه لا يكون في اللّفظ استعداد للانفهام. ولا ينفع فيه الدعوى التي قلناها، فإنها دور واضح، فإن الوضع الذي حصل في آن الاستعمال هو في طول الاستعمال التفهيمي، فلو توقّف الاستعمال التفهيمي عليه لأصبح دوراً.

ولكنّ هذا أوّل الكلام، فإننا لا نريد إيجاد الوضع بالاستعمال التفهيمي، بل بالاستعمال الآخر الذي يمكن أن يسمّى بالاستعمال الإعلامي، يعني الإعلام بالوضع، وهو مجرّد إفناء اللّفظ في المعنى، وإلقاء المعنى بإلقاء اللّفظ، سواء كان السامع قابلاً لفهم ذلك أو لا، فإن استعمالية الاستعمال غير متوقّفة على قابلية الفهم؛ ولهذا يمكن الاستعمالات الغلط، فيقول: (ماء)، ويريد به (الحجارة)، ولكنّه مستهجن.

والاستعمال غير التفهيمي لا يجب أن يكون إما مستنداً إلى الوضع أو إلى العلاقة؛ لأنه لم يقصد به التفهيم، بل قصد به إيجاد الوضع. غاية الأمر أن يُقال: إن الاستعمال غير التفهيمي مستهجن عند العقلاء. نقول: نعم، إلّا ما قُصد به الوضع، فإنه غرض عقلائي أيضاً.

إذن فإيجاد الوضع التعييني بالاستعمال أمرٌ معقول.

ــــــــــ[330]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 





[المقام الثاني: في البحث الإثباتي]

 

المقام الثاني مقام الإثبات، وأنه هل صدرت الحقيقة الشرعية وتمّ على يد الشارع الوضع للمعاني الشرعية أو لا؟

نتكلّم أوّلاً عن الوضع التعيّني، وثانياً عن الوضع الصريح التعييني، وثالثاً عن الوضع التعييني بالاستعمال.

الوضع التعيّني الحاصل بكثرة الاستعمال

أما الوضع التعيّني الحاصل بكثرة الاستعمال فيتوقّف على عدّة أمور: 

الأوّل: أن لا تكون الألفاظ متداولة قبل الشارع الإسلامي في نفس هذه المعاني، وإلّا فلا معنى لدعوى حصول الوضع التعيّني في المقام؛ لأن استعمال النبي للفظ (الصلاة) يكون استمراراً لعرف لغوي سابق، لا منشأً لوضع جديد. وهذا مطلب يأتي تحقيقه.

ثانياً: يتوقّف على عدم إثبات الوضع التعييني من أوّل الأمر، وإلّا لم تنتهِ النوبة إلى الوضع التعيّني الناشئ من كثرة الاستعمال، والمحتاج إلى طول زمان، بل يكون الوضع التعييني مغنياً، وسوف يأتي تحقيقه.

ثالثاً: يتوقّف على أن تكون قد وجِدت كثرة استعمالية معتدٍّ بها تكفي لإيجاد العلقة الوضعية بين اللّفظ والمعنى.

ــــــــــ[331]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [إشكال في المقام]

وقد يستشكل في هذا الشرط بأحد تقريبين:

[التقريب الأوّل للإشكال]

أن يُقال(1): إن الاستعمالات التي صدرت من النبي لا نحرز أنها كثيرة بالدرجة الكافية لإيجاد العلقة الوضعية. نعم، لو حسبنا استعمالات النبي والصحابة من سائر المسلمين لكانت كمّية كبيرة جداً كافية لإيجاد العلقة الوضعية. لكن العلقة تكون ناشئة من الشارع والمتشرّعة لا حقيقة شرعية.

هذا التقريب جوابه واضح: وهو أننا لم ننذر نذراً أن يكون الجعل مستنداً محضاً إلى الشارع، بل المهمّ في الغرض الفقهي أن نثبت ظهور لفظ (الصلاة) في عهد النبي، وهو يثبت بحصول الوضع التعييني اجتماعياً، سواء حصل باستعمالات النبي فقط، أو مع استعمالات الصحابة. فإنه على أيّ حال يحصل قرن أكيد شديد بين اللّفظ والمعنى، وهو يوجب تبادر المعنى من اللّفظ وهو معنى الظهور. وهو كافٍ في إثبات المطلب.

[التقريب الثاني للإشكال]

إن الكثرة من الاستعمالات وإن كانت موجودة ولو بضمّ استعمالات 

ــــــــــ[332]ــــــــــ

() راجع أجود التقريرات 1: 34، الأمر الرابع: في الحقيقة الشرعيّة، أُصول الفقه (المظفّر) 1: 36 – 37، الحقيقة الشرعيّة، محاضرات في أُصول الفقه 1: 133، الأمر السابع: في الحقيقة الشرعيّة، المقام الثاني: في وقوع الوضع التعييني الاستعمالي، دراسات في علم الأُصول 1: 67، الحقيقة الشرعيّة.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الصحابة، لكنّ هذه الاستعمالات كانت دائماً مقرونة بالقرينة. ومعه فلا تؤدّي إلى الوضع التعيّني، فإنه إنما يحصل باستعمالات خالية عن القرينة.

وكان الوجه في هذا الاشتراط في الوضع التعيّني هو أن يُقال: إن القرن الشديد الذي يحصل في الذهن.. إن كانت الاستعمالات دائماً مقرونة بالقرينة، إذن فالقرن سوف يحصل بين (الصلاة) مع القرينة والمعنى الشرعي، لا بين ذات (الصلاة) والمعنى الشرعي، وهذا لا يكفي لتصوير الوضع. فإن الوضع إنما يكون بالقرن بين ذات لفظ (الصلاة) والمعنى الشرعي.

إلّا أن هذا الكلام غير صحيح؛ لأن القرينة لو كانت لفظاً مشخّصاً بعينه، فمثلاً دائماً يقول: (الصلاة الشرعية).. فهذا الإشكال وارد؛ لأن القرن الذهني صار بين لفظ (الصلاة) الشرعية والمعنى الشرعي، لا بين ذات اللّفظ والمعنى.

لكنّ الأمر ليس كذلك، فإن القرينة وإن سُلِّم وجودها في الاستعمالات المتعدّدة، إلّا أنها من أشكال شتّى: تارةً لفظ، وأخرى حال، وثالثة ارتكاز. فالقرن يحصل بين المعنى وبين اللّفظ المحفوظ في تمام الاستعمالات. أما القرائن باعتبار تعدّدها وتنوّعها لا تكون طرفاً للقرن. فالقرن يكون بين ذات اللّفظ والمعنى الشرعي، وبذلك يتمّ الوضع التعيّني.

[الوضع التعييني بالتصريح]

ثُمّ يـقع الكلام في الوضع التعييني الذي يحـصل بالتصريح بقول: (وضعت). 

ــــــــــ[333]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

هذا الاحتمال ساقط، يعني احتمال أن النبي قال: (وضعت لفظة الصلاة لكذا)؛ لأن العادة جارية أن الواضع حين يريد أن يجعل اللّفظ دالّاً على المعنى، يريد جعله عرفاً لغويّاً عامّاً. وهذا الغرض الاجتماعي لا يحصل إلّا بإلقاء المطلب اجتماعياً، ونحن لا نحتمل أن النبي ألقى المطالب اجتماعياً، ومع ذلك لم ينقل عنه، مع نقل كلّ ما يسترعي الانتباه من سيرته وأقواله.

[الوضع التعييني بنفس الاستعمال]

الآن نتكلّم عن ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني بنفس الاستعمال.

حصول الوضع التعييني بالاستعمال من قبل النبي ليس أمراً مستبعداً مستغرباً، كما كان الحال في الوضع التصريحي؛ لأن الوضع التصريحي كان يقتضي صدور جملة إنشائية من قبل النبي، وحيث إنه لم ينقل؛ يستبعد صدوره. وأما هذا فيقتضي صدور الاستعمال غير التفهيمي بقصد الوضع. وهذا ليس مستغرباً؛ إذ ما أكثر الاستعمالات التي صدرت منه، فلعلّ أوّلها كان استعمالاً بهذا النحو.

لكن ما هو الدليل على تصدّي النبي على إيجاد الوضع التعييني بالاستعمال؟

[الدليل على المدّعى]

غاية ما يتحصّل من كلماتهم دليلاً على ذلك: أنهم يقولون: إن النبي يعتبر بالنسبة إلى المركّبات الاختراعية الشرعية مخترعاً؛ لأنه هو جعل أجزاءها وشرائطها، وسيرة العقلاء الجارية أن أيّ واحد منهم إذا ابتكر معنىً جديداً 

ــــــــــ[334]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

يتصدّى إلى وضع لفظ له. فيستكشف من ذلك أنه تصدّى إلى وضع المعاني الجديدة التي اخترعها، وحيث إنه لم يصرّح بذلك، فيُحمل على الوضع بالاستعمال.

ومن الواضح أن هذا الدليل بهذه الصيغة قاصر عن إثبات المطلوب؛ لأننا لو سلّمنا الصغرى وهي: أن رسول الله مخترع لهذه المعاني، وسلّمنا الكبرى العقلائية لها. فغاية ما يفيد: الظنّ بأن النبي لم يتجاوز السيرة العقلائية، ولا يمكن حصول الجزم والعلم بأن النبي قد طبّق نفس ما عليه العقلاء المخترعون.

والظنّ لا يكون حجّة؛ لأنه لا دليل على حجّية مثل هذا الظنّ.

[إجراء تعديل على صياغة الدليل]

إلّا أن هذه الصيغة يمكن إجراء تعديل عليها، بحيث تكتسب صفة فنّية لا يرد عليها هذا الإشكال.

وهو أن نقول: بأن استقرار سيرة المخترعين من العقلاء، وكون ديدنهم على وضع ألفاظ لإفادة المعاني التي يخترعونها. حيث إنه عقلائي وعرفي، فإنه يحدث ظهوراً في نفس الاستعمال الأوّل الذي صدر من النبي أنه يراد به إيجاد الوضع. فيكون ظهوراً لفظياً وبهذا يثبت المطلوب.

وفرق هذا البيان عن سابقه: أنه -يعني الوجه الأخير- وإن كان لا يوجب الجزم واليقين، وإنما يوجب الظنّ، إلّا أننا أرجعنا هذا الظنّ إلى الظهورات العرفية، فيكون حجّة.

ــــــــــ[335]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [إشكال في المقام]

وحينئذٍ يمكن أن يستشكل على هذا الدليل بمنع الصغرى، وهي: أن الشارع مخترع لهذه المعاني. وأن الشارع ليس مخترعاً لهذه المعاني، فإنها معانٍ كانت موجودة وثابتة قبل مجيء الشريعة، وإنما الشارع عبّر عنها. إذن فالمعاني ليست مستحدثة ولا هو مخترع لها، فلا يشمله كبرى السيرة العقلائية في باب المخترعين.

وهذا المطلب يمكن الاستئناس له بعدد كبير من الآيات القرآنية الواردة في أحوال الأنبياء السابقين على اختلاف مراتبهم. فإن استقراء الآيات في خصوص (الصلاة) -على الأقلّ- تدلّ على أنها كانت أمراً معهوداً في شرائع كلّ الأنبياء، وأنها قدر مشترك بين الرسالات(1).

ــــــــــ[336]ــــــــــ

() نحو: فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ سورة آل عمران، الآية: 39، وقوله تعالى: رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ سورة إبراهيم، الآية: 37، وقوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي سورة إبراهيم، الآية: 40، وقوله تعالى: وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً سورة مريم، الآية: 31، وقوله تعالى: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ سورة مريم، الآية: 55، وقوله تعالى: فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي سورة طه، الآية: 14، وقوله تعالى: أَقِمْ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ سورة لقمان، الآية: 17، وقوله تعالى: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ سورة هود، الآية: 87، وقوله تعالى: وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً سورة الأنفال، الآية: 35، وقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ سورة البقرة، الآية: 183، وقوله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2) وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ(3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ سورة الماعون، الآيات: 1 – 5. مباحث الأُصول، ق1، 1: 289، الحقيقة الشرعيّة.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وقد يُستشكل في الاستدلال بهذه الآيات فيُقال: إنها وإن كانت تدلّ على أنه كانت هناك (صلاة) و(صيام) و(زكاة) في الشرائع السابقة، إلّا أنه من قال إنها قد استعملت بالمعنى الشرعي، بل استعملت بالمعنى اللغوي(1)

فإن قيل: إن كلمة (الصلاة) في عهد صدور هذه الآيات كان معناها الحقيقي هو المعنى الشرعي، فنحملها عليه من باب أصالة الحقيقية. فهذا معناه الاعتراف بوجود الحقيقة الشرعية، وهذا تمام مقصودنا في المقام.

وإن لم نعترف بأن هذه الألفاظ في زمان نزولها كانت حقيقية بالمعنى الشرعي، فكيف يمكن أن نعرف أنها استعملت بالمعنى الشرعي؛ لنعرف أنها كانت مستعملة في الشرائع السابقة بهذا المعنى؛ إذ لعلّ الصلاة التي كانت موجودة في أيام عيسى هي الصلاة بالمعنى اللغوي لا بالمعني الشرعي.

[دفع الإشكال]

إلّا أن هذا الإشكال في غير محلّه.

إما لأننا على كلّ حال نسلّم بالحقيقة الشرعية، وأن الألفاظ حقيقة بالمعنى الشرعي ولو بنحوِ كثرةِ الاستعمال. فنحن نجري أصالة الحقيقة في الآيات التي 

ــــــــــ[337]ــــــــــ

() أُنظر: الفصول الغرويّة: 43، فصلٌ: قد اشتهر أنَّ الأصل في الاستعمال الحقيقة، كفاية الأُصول: 21، المقدّمة، الأمر التاسع: الحقيقة الشرعيّة، نهاية النهاية (الإيرواني) 1: 31، مبحث الحقيقة الشرعيّة.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

تحدّثت عن وجود الصلاة في الشرائع السابقة، ونثبت أن المقصود بها المعنى الشرعي، خصوصاً الآيات المدنية بعد أن تمّت كثرة الاستعمال وتحقّق به الوضع التعيّني. وما هو محلّ النزاع: الوضع التعييني.

وإذا كانت هذه المعاني قديمة، فالنبي ليس مخترعاً، فلا موجب لتطبيق الكبرى العقلائية عليه.

وإما لأننا يكفينا الشكّ فإن هذه الآيات توجب احتمالاً كبيراً بأن الصلاة بالمعنى الشرعي كانت موجودة في الشرائع السابقة، وهذا الشكّ يكفي لدفع هذا الاستدلال، فإنه مبتنٍ على الجزم بأن النبي مخترع، والاحتمال كافٍ لإبطاله.

هذا مضافاً إلى أنه يمكن أن نقول: إن المعنى الشرعي لكلمة (الصلاة) وأمثالها كان موجوداً في الشرائع السابقة، كذلك لفظة (الصلاة) بشخصها كانت مستعملة في المعنى الشرعي.

والذي يقرّب هذا المدّعى: أنه كان يوجد عدد كبير من العرب يدين بدين اليهودية والنصرانية في جزيرة العرب وغيرها، وهم لا محالة كانوا يمارسون عباداتهم، وتلك العبادات الشرعية التي ثبّت قدمها قبل، فماذا كانوا يسمّون هذه العبادات؟ 

هل كان الإنسان العربي يسمّي هذا العمل بـ(الصلاة)، أو بغيرها، أو لا يُعبّر عنه بشيء؟

أما أنه لا يُعبّر عنه بشيء فهو غريب؛ لشيوعه في حياة الفرد.

ــــــــــ[338]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وأما أنه يُعبّر عنه بغير لفظ (الصلاة)؛ إذ لو كانت كلمة حيّة مشهورة بين الناس فمن البعيد أن تموت هذه الكلمة، ولا يبقى لها أثر لا في الشعر ولا في الخطب ولا في غيرها. صحيح أنه استغني عنها بعد الإسلام، إلّا أن الاستغناء التدريجي يقتضي الاختفاء التدريجي لا الاختفاء الدفعي.

إذن فالمتعيّن أنهم كانوا يستعملون ألفاظ (الصلاة) و(الصيام) في معانيها الشرعية، والنبي والقرآن استعملها بصفته عربياً، لا أنه جاء بكلمات مبهمة فاستعملها في معانيها الجديدة.

ومن مؤيّدات ذلك: أنه جاء في القرآن نسبة الصلاة إلى المشركين: وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ البَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً(1)، وهو ظاهر أنه كان هناك عمل يسمّيه المشركون صلاة. والقرآن يشجبه ويقول: إنه كان مكاءً وتصديةً، وليس عبادة حقيقية. وكذلك قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(2) وهي واردة في سياق الكفّار. 

وممّا يؤيّد ذلك ورود كلمات الصلاة في (إنجيل برنابا)(3)، فإنه سواء كان صحيحاً أو لا، فإنه يوجد ظنّ كبير أنه كان موجوداً قبل الإسلام، وليس موضوعاً من قِبل المسلمين، سواء كان قد كتبه أو ترجمه إلى العربية، فقد عبّر عن المعنى الشرعي بـ(الصلاة).

ــــــــــ[339]ــــــــــ

(1) الأنفال: 35.

(2) الماعون: 4-5.

(3) راجع انجيل برنابا: 94، الفصل الأوّل، و95، وغيرها، الفصل الثاني.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وهذا يؤيّد كون هذا المعنى موجوداً في البيئة العربية قبل الإسلام.

أما (الحجّ) فهذا من القطعيات؛ لأن (الحجّ) بصفته عبادة كان موجوداً عند العرب، وكانوا يحجّون كلّ سنة، حتى سمّوا السنة (حجّة)، فالمظنون بالظنّ القوي أن الألفاظ فضلاً عن المعاني كانت موجودة قبل الإسلام، وأن النبي لم يخرج عن الألفاظ التي كانت موجودة قبله. وعلى أيّ حال فهذا الدليل غير تامّ. ومعه فلا دليل على الوضع التعييني الاستعمالي.

[بيان أصل موضوعي في المقام]

هناك أصل موضوعي لكلّ ما سبق، وهو: أن النبي استعمل الألفاظ في معانيها الشرعية، ولكن هناك من قال(1): بأنه يمكن القول بأن النبي لم يستعمل اللّفظ في المعنى الشرعي، بل استعمله في المعنى اللغوي وأراد المعنى الشرعي بتعدّد الدالّ والمدلول.

بتقريب: أن المعاني الشرعية بالنسبة إلى المعاني اللغوية نسبة الحصص إلى الجامع، كـ(الحجّ) و(الصوم)، بل حتى (الصلاة) التي معناها اللغوي الانعطاف لا الدعاء، الذي قد يكون انعطافاً من العبد إلى الله تعالى، أو انعطاف الله على عبده، وقد اعتبرت هذه الحركات مصداقاً للانعطاف.

إذن فبالإمكان أن نفترض أن النبي لم يستعمل اللّفظ بما هو حصّة، بل استعمله في الجامع، وخصوصية هذه الحصّة مفادة بدالّ آخر، وهو قرينة عامّة ارتكازية. إذن فلم يحصل استعمال اللّفظ في المعنى الشرعي مراراً كثيرة 

ــــــــــ[340]ــــــــــ

(1) أُنظر: منهاج الأُصول (الكرباسي) 1: 90، الأمر التاسع: في الحقيقة الشرعيّة.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

حتى حصل الوضع بكثرة الاستعمال.

إلّا أن هذا الإشكال لا يكون وارداً على دعوى حصول الوضع التعيّني بكثرة الاستعمال؛ لأن المستشكل كانّه يرى أن الوضع التعيّني لا يكون إلّا إذا استعمل اللّفظ في الخاصّ بما هو خاصّ مراراً عديدة حتى يكون حقيقة فيه. وأما إذا استعمل في الجامع وكان الدالّ على الخصوصية قرينة أخرى، فلا ينشأ وضع تعيّني.

وهذا بحسب الحقيقة جمود على عنوان هذا المطلب، وهو أن الوضع التعيّني يحصل بكثرة الاستعمال. فيكون الإشكال وارداً؛ لأن اللّفظ لم يستعمل بالخاصّ بل بالجامع.

لكن لا موجب للجمود على ذلك، بل لا بُدّ من الالتفات إلى أن كثرة الاستعمال كيف توجب الوضع التعيّني. وذلك كما قلنا: إنها توجبه؛ باعتبار أنها توجب اقتراناً أكيداً شديداً.

وهذا الاقتران كما يحصل باستعمال اللّفظ الموضوع للجامع بالخاصّ بما هو خاصّ مجازاً إلى أن يتقوّى الاقتران، فيحصل الوضع، كذلك لو أطلق اللّفظ وأريد الجامع، وكانت هناك قرينة عامّة ارتكازية على إرادة خصوصية، أيضاً يحصل قرن شديد أكيد بين اللّفظ والحصّة الخاصّة، لأن الذهن العرفي يتعوّد على أنه متى سمع اللّفظ ينتقل ذهنه إلى الحصّة الخاصّة. فإن الملتفت إليه دائماً تفصيلاً هو اللّفظ والمعنى دون القرينة العامّة الارتكازية. فتنشأ علقة شديدة بين اللّفظ والمعنى التي هي عبارة عن الاستعمال.

ــــــــــ[341]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

وبهذا اتّضح أن خلاصة البحث في المقام الثاني: أنه إذا ثبت أن هذه المعاني الشرعية مخترعات للشارع فينبغي القول بالوضع التعييني الاستعمالي، بالمعنى الذي سبق أن قلنا به بعد الإصلاح. وإن قلنا: إن المعاني قديمة وغير مخترعة للشارع: فإن كانت الألفاظ مستحدثة على يد الشارع، فنقول بالوضع التعيّني الناشئ من كثرة الاستعمال. وإن قلنا: إن المعاني والألفاظ معاً قديمة قبل الإسلام، إذن فلا وضع شرعي أصلاً. لكن يكون هناك وضع لغوي، ويكون المعنى الشرعي منهما حقيقياً للّفظ، لكن باعتبار وضع سابق على الشارع في البيئة العربية.

ــــــــــ[342]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 








المقام الثالث: في تصوير الثمرة 

 

إنه إذا ورد لفظ في الكتاب أو السُنّة، ولم يعرف أن المراد به المعنى اللغوي أو الشرعي، فإن قلنا بالحقيقة الشرعية، وإن اللّفظ موضوع للمعنى الشرعي بالوضع التعيّني أو التعييني، وقلنا إن هذا الوضع أوجب نقل اللّفظ من المعنى الأوّل إلى الثاني، بحيث يكون ناسخاً للوضع الأوّل.

إما بتقريب: أن المخترع إذا أراد أن يضع لفظاً لمعنى، فإنه يخصّصه به وينقله عن معناه السابق.

وإما بتقريب: أن كثرة الاستعمال أصبحت من الكثرة بحيث أصبح المعنى الأوّل تحت الشعاع، وأصبح القرن مع المعنى الشرعي آكد وأقوى.

فإن تمّ ذلك يتعيّن الحمل على المعنى الشرعي. وأما إذا ثبت الوضع الشرعي، لكن لم يثبت النقل باعتبار أن ظاهر حال المخترع هو الوضع لا أن ينتزعه من معناه الأوّل، وكثرة الاستعمال لم توجب ذلك. ونتيجته هو التوقّف؛ إذ يصبح للّفظ معنيان: لغوي، وشرعي.

وإذا أنكرنا الحقيقة الشرعية، فلا بُدّ من الحمل على المعنى اللغوي.

ــــــــــ[343]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

إلّا أن السيّد الأستاذ(1) تبعاً للميرزا أنكر وجود ثمرة لهذا البحث، وقال في بيان ذلك: إن الثمرة إنما تظهر إذا كان عندنا استعمال ورد في الكتاب أو السُنّة النبوية، ونشكّ أنه ما هو المراد منه. وأما في كلمات الأئمة جميعاً فلا إشكال في ثبوت الحقيقة في أيامهم، فلا معنى لتأثير البحث في أيامهم.

وحينئذٍ يقول بأن النصوص الدينية في زمن الرسول من الكتاب والسُنّة، كلّها تلقّيناها عن طريق الأئمة، هم نقلوا لنا أحاديث النبي. وحينئذٍ ففي مقام معرفة المعنى الذي يراد من لفظ (الصلاة) يجب أن ننظر إلى ما هو الحقيقة في زمان الإمام الناقل. وفي زمانه لا إشكال أن اللّفظ كان حقيقة.

إذن فلا ثمرة في المقام.

وهذا البيان غريب؛ لأنه إن فرض أنه تمّ في السُنّة النبوية، فكيف يمكن تماميته بالنسبة إلى القرآن الكريم؟ فإننا لم نتلقّه عن طريق الإئمة، بل تلقّيناه بالتواتر عن رسول الله، بلفظه لا بمضمونه ومحتواه. بمعنى أن تمام المسلمين بما فيهم الأئمة جيلاً بعد جيل رووا القرآن رواية لفظية لا بالمضمون. فلا بُدّ أن يكون الميزان في معرفة المراد من لفظ (الصلاة) الوراد في القرآن الكريم هو الظهور في زمن نزول الآية. 

ــــــــــ[344]ــــــــــ

() أُنظر: محاضرات في أُصول الفقه 1: 126، 132، 134، الأمر السابع: في الحقيقة الشرعيّة، الجهة الثانية: الوضع على قسمين، الثمرة، دراسات في علم الأُصول 1: 66، الحقيقة الشرعيّة، الهداية في الأُصول 1: 75، الأمر الثامن: في الحقيقة الشرعيّة، غاية المأمول من علم الأُصول 1: 148، الحقيقة الشرعيّة.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

فالحديث حيث إنه يجوز نقل مضمونه، فالإمام حين يروي حديثاً لا بُدّ أن نفهم معناه في عصر الإمام. وأما القرآن فينقل الإمام ألفاظه. وأما على ماذا تدلّ الألفاظ؟ فلا بُدّ من بحث آخر خارج عن عهدة الإمام(1). فإنكار الثمرة بهذا البيان لا يمكن المساعدة عليه.

نعم، قد يُقال -كما وقعت في كلمات الميرزا(2)-: إنه لا يوجد مورد مشكوك فيه، بل كلّ مورد معه قرائن متّصلة ومنفصلة. وهذا بحث آخر عهدته على مدّعيه.

هذا تمام الكلام في الحقيقة الشرعية(3).

ــــــــــ[345]ــــــــــ

() فالميزان في ما نقل باللّفظ هو: ظهور عصر الصدور، سواء كان كتاباً أو سُنّة. والميزان في ما نقل بالمعنى هو: ظهور محصّل النقل. (المقرِّر).

(2) أُنظر: أجود التقريرات 1: 33، الأمر الرابع: في الحقيقة الشرعيّة، هداية المسترشدين 1: 416، 417، ثمرة الحقيقة الشرعيّة.

(3) تاريخ الانتهاء من هذه الأبحاث: يوم الثلاثاء المصادف 5/2/1392 هـ، النجف الأشرف.

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 



الفهرس

 

[مقدّمة مباحث الألفاظ] 15

[الأمر الأول: في تعريف علم الأصول وموضوعه وتقسيم أبحاثه] 15

الجهة الأولى: [في تعريف علم الأصول] 15

التعريف المشهوري 16

مؤخذات ثلاث على التعريف 17

المؤاخذة الأولى: عدم مانعية التعريف 17

تعريف السيد الأستاذ 18

اعتراض السيد على تعريفه وإجابته عنه 19

التعليق على ما أفاده السيد الأستاذ 20

المؤاخذة الثانية: عدم الشمول التعريف للأصول العملية 23

المؤاخذة الثالثة: شمول التعريف لجملة من القواعد 24

المراد من الاستنباط في التعريف 28

تعريف المحقق العراقي 30

اعتراضات ترد على تعريف المحقق العراقي 32

الاعتراض الأول: النقض بالقواعد الفقهية 32

ــــــــــ[347]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الاعتراض الثاني: النقض بالقواعد التي تثبت الصحة والبطلان 34

الاعتراض الثالث: النقض بالقواعد المنطقية 35

الاعتراض الرابع: النقذ على تعريف المحقق العراقي 36

التعريف المختار 37

شمول التعريف لكل مسائل علم الأصول 38

عدم شمول التعريف لغير مسائل علم الأصول 39

الضابط في القاعدة الأصولية 42

خروج حجية القطع عن علم الأصول 45

الجهة الثانية: موضوع علم الأصول 47

المقدمة الأولى: أن لكلّ علم موضوعاً. 48

المقالة الأولى: في أنه لا برهان على هذا المدعى 48

الدليل الأول: قاعدة الواحد لا يصدر إلا من واحد 48

الدليل الثاني: تمايز العلوم بتمايز الموضوعات 52

المقالة الثانية: في قيام البرهان على المدعى 53

تحقيق الكلام في المقام 56

المقدمة الثانية والثالثة في العرض الذاتي وتفسيره 60

الاستشكال الأوّل في تحديد العرض الذاتي 61

تقسيم المحقق العراقي للعرض 61

ــــــــــ[348]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

مناقشة كلام المحقق العراقي 65

تنبيهات 72

الاستشكال الثاني: في أن البحث عن العرض الذاتي دون الغريب 76

كلام في العروض بواسطة الأمر الأخص 78

نقد ما أفاده المحقق الأصفهاني في المقام 79

الاستشكال الثالـث: أن تمايز العلـوم هل هو بالـموضوعات أو بالأغراض؟ 80

ما هو موضوع علم الأصول؟ 81

في أن الموضوع هو الأدلة الأربعة 83

الجهة الثالثة: في تقسيم مباحث علم الأصول 88

وتحقيق الكلام في المقام: 89

1- التقسيم بلحاظ عملية الاستنباط 89

ما يرد على هذا التقسيم 89

2- التقسيم بلحاظ مناسبات البحث في علم الأصول 92

القسم الأوّل: البحث عن ذات الحجّة وذات الدليل 92

القسم الثاني: البحث عن الحجية 93

الأمر الثاني: الكلام في الوضع 97

الجهة الأولى: في تشخيص حقيقة الوضع 97

1- مسلك التعهد 98

ــــــــــ[349]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

ما يرد على هذا المسلك 100

الكلمة الأولى: وجود ملازمة بين الجزاء والشرط 100

كلمتنا الثانية: مبنى التعهد 104

الكلمة الثالثة: إشكال الدور 106

2- مسلك الاعتبار 108

الوجه الأول: اعتبار وضع اللفظ على المعنى 109

اعتراض السيد الاستاذ على هذا الوجه 109

دفع ما اعترض به السيد الأستاذ 110

نقض الوجه الأول 112

الوجه الثاني: المعتَبر كون اللفظ عين المعنى 112

المناقشة في الوجه الثاني 113

الوجه الثالث: اعتبار اللفظ أداة لتفهيم المعنى 116

3- مسلك جعل السببية الواقعية 117

جواب الاعتراض ودفع محذور الدور 119

مناقشة المسلك الثالث 120

حقيقة الوضع على ضوء القوانين التكوينية 121

تطبيق القوانين التكوينية على المقام 122

تفسير الوضع التعيّني والتعييني 123

توضيح 125

ــــــــــ[350]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الأمر الأول: أن الوضع ليس إنشائياً تسبيبياً 125

الأمر الثاني: انتاج الوضع للدلالة التصورية دون الدلالة التصديقية 126

اعتراض السيد الأستاذ في المقام ودفعه 127

الأمر الثالث: في مدخلية العلم بالوضع 128

الأمر الرابع: دلالة الألفاظ على المعاني المجازية 128

الجهة الثانية: في بيان من هو الواضع 130

في استبعاد أن يكون الإنسان هو الواضع 130

الجهة الثالثة: في أقسام الوضع 135

أن يتصور الواضع معنى ويضع لفظاً لنفس ما تصوره 136

أن يتصور الواضع معنى ويضع لفظاً لغير ما تصوره 136

تحقيق القول في تصوير الوضع العام والموضوع له الخاص 137

الاعتراض الأول: أن الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ أمر غير معقول 138

جواب المحقق العراقي عن الاعتراض الأول 138

الاعتراض الثاني 140

ما يندفع به كِلا الاعتراضين 140

ما يندفع به الاعتراض الثاني 143

القول في الخاص والموضوع له العام 147

ــــــــــ[351]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الجهة الرابعة: في الاقسام الواقعة للوضع 149

المقام الأوّل: في الحروف. 149

المسلك الأول: إنكار وجود معانٍ للحرف أصلاً 149

الإشكال على المسلك الأول 150

دفع الإشكال 151

المسلك الثاني: الفرق بين الحروف والأسماء عرضي لا ذاتي 152

في أن الفارق عرضي بلحاظ الاستعمال 153

الاعتراض الأوّل: إن معنى الحرف لا يعقل أن يكون له نحوان من اللحاظ في عالم الذهن 153

الاعتراض الثاني: لزوم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر 155

الاعتراض الثالث: لزوم إنقلاب المعنى الإسمي إلى حرفي 157

الاعتراض الرابع: النقض بالمصادر 160

الاعتراض الخامس: إمكان تعلق اللحاظ الاستقلالي 161

التحقيق في المسلك الثاني 164

المسلك الثالث: ان معاني الحروف مباينة ذاتاً للأسماء 166

تحقيق وتوضيح في المقام 167

المرحلة الأولى 167

المرحلة الثانية 169

المرحلة الثالثة 171

ــــــــــ[352]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

المرحلة الرابعة 172

المرحلة الخامسة 174

تقريب المشهور للمسلك الثالث 175

الوجه الأول: ما نُسب إلى المحقق النائيني 176

إشكال السيد الأستاذ على الميرزا النائيني 177

1- الاعتراض على المدعى 177

2- الاعتراض على البرهان 179

الوجه الثاني: ما نُسب إلى المحقق الأصفهاني 182

إشكالات السيد الأستاذ على المحقق الأصفهاني 183

تحقيق الكلام حول الإشكالات المتقدمة 184

الوجه الثالث للسيد الأستاذ 187

مناقشة الوجه الثالث 189

تحقيق الحال في المسلك الثالث 192

الوجود الذهني الواحد والتغاير الخارجي 194

خلاصة الكلام 195

القول المختار في المعاني الحرفية 198

[المقام الثاني: تشخيص مفاد الجمل التامّة والناقصة] 204

[مسلك المشهور] 204

[مسلك السيد الأستاذ] 205

ــــــــــ[353]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [اعتراضات على مسلك المشهور] 205

[الاعتراض الأوّل: النقض بعدم تعقّل النسبة في بعض الموارد والردّ عليه] 205

[الاعتراض الثاني: عدم تعقّل التعهّد في النسبة والردّ عليه] 207

[الاعتراض الثالث: لزوم انعدام الدلالة التصديقية والردّ عليه] 209

[الاعتراض الرابع عدم تصوّر الفرق بين النسبة التامّة والناقصة] 212

[التحقيق في تصوّر الفارق بين النسبتين] 213

[مناقشة مسلك السيّد الأستاذ] 217

[تطبيق ما تقدّم على الجملة الخبرية] 219

[في الجمل الإنشائية] 223

[مسلك السيّد الأستاذ] 223

[مسلك المشهور] 224

[تصوير مسلك المشهور بعدّة وجوه] 225

[الوجه الأوّل للمحقّق العراقي] 225

[الوجه الثاني للمحقّق الأصفهاني] 226

[الوجه الثالث في تصوير مسلك المشهور] 227

[في أن الموضوع له في الحروف والهيئات عامّ أم خاصّ؟] 229

[الجهة الأولى: في موارد النسب الواقعية] 230

ــــــــــ[354]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [الجهة الثانية: في موارد النسب التحليلية] 232

[الأمر الثالث: الدلالة على المعنى المجازي] 237

[المسلك الأوّل القائل بلزوم عناية إضافية] 239

[التقريب الأوّل: الوضع للمعنى المجازي المشروط بالقرينة] 239

[التقريب الثاني: الوضع للمعنى المجازي وضعاً نوعيّاً] 241

[التقريب الثالث: الوضع للمعنى المجاز بملاك استعمال العرب القدماء] 242

[التقريب الرابع: الوضع للمعنى المجازي بملاك ترخيص الواقع] 243

[التقريب الخامس: الوضع بشرط عدم إرادة المعنى التحقيقي] 244

[المسلك الثاني: القائل بعدم لزوم عناية إضافية] 247

[الأمر الرابع: الإطلاقات الإيجادية] 251

المقام الأول: بلحاظ كبرى الإطلاق الإيجادي 251

[المقام الثاني: وهو بحث الصغرى] 255

[الجهة الأولى: في إطلاق اللّفظ وإرادة نوعه أو صنفه أو مثله] 255

[الجهة الثانية: في إطلاق اللّفظ وإرادة الشخص] 258

[دفع إيراد المحقّق الأصفهاني] 259

[الاستدلال على الاستحالة بوجهين] 260

[الوجه الأوّل: لزوم اتّحاد الدالّ والمدلول] 261

ــــــــــ[355]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [الوجه الثاني: لزوم اجتماع اللحاظ الآلي والاستقلالي في شيء واحد] 263

الأمر الخامس: في تبعية الدلالة للإرادة 267

[الكلام في مقام التصور] 268

[الحيثية الأولى: هل دلالة اللّفظ على المعنى دلالة تصوّرية أو تصديقية؟] 268

[الحيثية الثانية: في أن الدلالة هل هي تابعة للإرادة أو لا؟] 269

[الحيثية الثالثة: في كون الإرادة مأخوذةً قيداً في المعنى الموضوع له] 271

[الكلام في مقام التحقيق] 272

[الحيثية الأولى: هل دلالة اللفظ على المعنى دلالة تصوّرية أو تصديقي؟] 272

[الحيثية الثانية: أن الدلالة هل هي تابعة للإرادة أو لا؟] 277

[الحيثيّة الثالثة: أن الإرادة هل هي مأخوذة في المعنى الموضوع له أو لا؟] 281

[اعتراض المحقّق الخراساني ] 284

الأمر السادس: في أنه هل يكون للمركّبات وضع زائد على وضع موادها أو لا 289

[الاحتمال الأوّل: هل الهيئة التركيبية موضوعة بوضعٍ ثالث؟] 291

[الدعوى الأولى للمشهور: أن الهيئة التركيبية موضوعة بوضع زائد] 291

[الدعوى الثانية للمحقّق النائيني: الفصل بين الهيئة التركيبية للجمل الإسمية والجمل الفعلية] 292

[اعتراض المحقّق العراقي على دعوى الميرزا النائيني] 292

ــــــــــ[356]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [الاعتراض الأوّل: وهو اعتراض نقضي] 292

[الاعتراض الثاني: وهو اعتراض حلّي] 293

[الدعوى الثالثة: أن هيئة الجملة الفعليّة موضوعة للنسبة دون الجملة الإسمية] 295

[الاحتمال الثاني: هل المجموع المركّب وضع بوضع زائد؟] 297

الأمر السابع: في علامات الحقيقة والمجاز 303

[العلامة الأولى]: التبادر 303

[إشكال لزوم الدور] 304

[جواب المحقّق الخراساني والردّ عليه] 304

[الجواب على ضوء مسلك القرن الأكيد] 307

[قياس المقام على سائر موارد الملازمات] 309

[نكتة في علّية الوضع أو القرينة للتبادر] 310

العلامة الثانية: صحّة الحمل 314

العلامة الثالثة: الاطّراد 316

[الوجه الأوّل: الاطّراد في التبادر] 316

[الوجه الثاني: الاطّراد في الاستعمال] 317

[الوجه الثالث: اطّراد الحيثية المصحّحة للإطلاق] 318

[الوجه الرابع: اطّراد الاستعمال بلا قرينة] 319

ــــــــــ[357]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

الأمر الثامن: الحقيقة الشرعية 323

[المقام الأوّل: في البحث الثبوتي] 323

[التقدير الأوّل: بناءً على أن الوضع أمر واقعي] 324

[التقدير الثاني: بناءً على أن الوضع أمر إنشائي] 325

التقدير الثالث: أن يكون الوضع مفهوماً جامعاً بين الفرد الإنشائي والفرد الحقيقي 327

الأوّل: لزوم اجتماع اللّحاظ الآلي والاستقلالي 327

الإشكال الثاني: أن الاستعمال لا بُدّ أن يكون إما حقيقياً وإما مجازياً 329

[المقام الثاني: في البحث الإثباتي] 331

الوضع التعيّني الحاصل بكثرة الاستعمال 331

[إشكال في المقام] 332

[التقريب الأوّل للإشكال] 332

[التقريب الثاني للإشكال] 332

[الوضع التعييني بالتصريح] 333

[الوضع التعييني بنفس الاستعمال] 334

[الدليل على المدّعى] 334

[إجراء تعديل على صياغة الدليل] 335

[إشكال في المقام] 336

[دفع الإشكال] 337

ــــــــــ[358]ــــــــــ

محاضرات في علم أصول الفقه، ج1 

 [بيان أصل موضوعي في المقام] 340

المقام الثالث: في تصوير الثمرة 343

الفهرس 347