الجزء الثاني
261
ص44 الصدر، محمد.
محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج2 (288ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1706/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1706) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
9-24-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
محاضرات
في
علم أصول الفقه
تقريراً لأبحاث
سماحة آية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء الثاني
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الصحيح والأعمّ في العبادات
ويحتوي على:
ــــــــــ[9]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وتحقيقه يقع في عدّة جهات:
الجهة الأولى: في أنَّ هذا النزاع في أسماء العبادات موضوعة للصحيح خاصّة أو للأعمّ منه ومن الفاسد؟ هل يتطرّق في جميع الاحتمالات المتقدّمة في مبحث الحقيقة الشرعيّة؟(1) أو يبتني على بعضها دون بعض؟
تفصيل القول في ذلك:
أنه بناءً على ثبوت الحقيقة الشرعيّة: لا إشكال في تطرّق هذا النزاع؛ إذ يقع الكلام بأنَّ الشارع هل وضع اللفظ لخصوص الصحيح؟ أم للجامع بين الصحيح والفاسد؟!
وكذلك القول بإنكار الحقيقة الشرعيّة كونها حقيقةً قبل الشارع، فيتكلم عن أن هذه الألفاظ في ماذا وضعت، هل وضعت للصحيح أو للأعمّ؟!
وأمّا إذا أنكرنا الوضع رأساً، وقلنا إنّها لم توضع للمعنى الشرعي، لا في
ــــــــــ[11]ــــــــــ
(1) راجع: محاضرات في علم أصول الفقه 1: 385.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الإسلام ولا قبله، فكيف يمكن أن يتطرّق النزاع؟!
قد يُتصوَّر أنَّ تصويرَ النزاع -بنحوٍ يكون للقائل بالصحيح والقائل بالأعمّ دعوى محتملةٌ معقولةٌ- غيرُ ممكن؛ إذ هل يتنازعان في تحديد الموضوع له مع أنَّ كلاً منهما يعترف بعدم الوضع؟! أم في تحديد المعنى المجازي مع أنَّه يصحّ استعمالُ كلٍّ من المعنيَين -الصحيح والأعمّ- مجازاً؟!
ومن هنا اتّجه البحث عن صيغة معقولة للنزاع بناءً على هذا التقدير، حيث طرحت صيغ عديدة:
وقوع النزاع في تشخيص المجاز الأوّلي والمجاز الثانوي(1)، فإنَّ الصحيحي والأعمّي وإن اتّفقا على كون اللفظ مستعملاً مجازاً في المعنى الشرعي على كلا التقديرين.
لكن الصحيحيَّ يقول بأنَّ العلاقة قد لوحظت أوّلاً بين المعنى اللغوي وبين الصحيحِ من المعنى الشرعي، ثم بعد ذلك لوحظت مناسبة ثانية طوليّة بين هذا المعنى المجازي -وهو الصحيح- وبين الأعمّ.
والقائل بالأعمّ يعكس المطلب. فيكون النزاع بينهما في المجاز الذي لوحظت العلاقة بينه وبين المعنى اللغوي ابتداءً.
ــــــــــ[12]ــــــــــ
(1) لاحظ: مطارح الأنظار: 4، بدائع الأفكار (الرشتي): 29، كفاية الأصول: 23.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وقد اعتُرض على هذه الصيغة في الكفاية(1) بأنَّها لا توصل المتنازعين إلى الثمرة المقصودة؛ لأنَّ الثمرة هي حمل اللفظ على الصحيح أو على الأعمّ. ومن الواضح أنَّه بعد اعترافهما معاً بأنَّ اللفظ ليس حقيقةً لا في الصحيح ولا في الأعمّ، فإن وجدت قرينةٌ صارفةٌ عن المعنى اللغوي ولم توجد قرينةٌ خاصّةٌ تعيِّن الصحيح أو الأعمّ يكون اللفظ مجملاً؛ لأنَّ كليهما مجازٌ، وليس في أحدهما ظهورٌ باعتبار الحقيقة لإنكار الحقيقة الشرعيّة.
والصحيحُ: أنَّ كلّاً من الإشكال وأصلِ الصيغة غيرُ تامٍّ:
أمّا عدم تماميّة الإشكال؛ فلأنّنا إذا تعقّلنا صيغة النزاع هذه فالثمرة تترتّب؛ لأنَّ الصحيحيَّ يحمل اللفظ على الصحيح عند القرينة الصارفة عن المعنى اللغوي من دون حاجةٍ إلى قرينة معيِّنة، وكذلك الأعمّي.
ونكتة المطلب: أنَّ نسبة المجاز الثاني إلى المجاز الأوّل على حدّ نسبة المجاز الأوّل إلى الحقيقة، والنكتة التي بيّنّاها في بحث الوضع(2) وأنه كيف ينعقد للفظ ظهور أوّلي في المعنى الحقيقي، ومعه لا تنتهي النوبة إلى المعنى المجازي وبأنّ اللفظ بنفسه مناسبٌ للمعنى الحقيقي، وأمّا مناسبته للمعنى المجازي فتقع في طول مناسبته للمعنى الحقيقي، فتكون الدلالة التصوّريّة الناشئة من اقتران اللفظ بالمعنى الحقيقي -لا محالة- أقوى من الدلالة التصوّريّة الناشئة من المعنى المجازي بتوسّط المعنى الحقيقي.
ــــــــــ[13]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 23.
(2) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 1: 311.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
إذن، فهذه النكتة بعينها تجري في المقام بين المجاز الأوّلي والمجاز الثانوي؛ فإنَّه بناءً على هذا التصوير يكون اللفظ مقترناً بالمعنى اللغوي، وبتوسّطه اقترن بالصحيح عند القائل بالصحيح، وبتوسّط الصحيح اقترن بالأعمّ؛ فنسبة اقترانه بالأعمّ إلى اقترانه بالصحيح كنسبة اقترانه بالصحيح إلى اقترانه بالمعنى الحقيقي؛ فكما أنَّه لو دار الأمر بين المعنى الحقيقي والمجازي يقدَّم الحقيقي، فكذلك يقدَّم المجاز الأوّلي على الثانوي.
فيمكن التوصّل إلى الثمرة بهذه الصيغة.
أمّا أنَّ أصل الصيغة غيرُ صحيح؛ فلأنَّ المطلب في نفسه غريبٌ ولا معنى للنزاع فيه؛ إذ كيف يتعقَّل القائلُ بالأعمّ قيامَ المناسبة بين المعنى اللغوي وبين الأعمّ، ولا يتعقّل قيامها بين المعنى اللغوي والصحيح؟! لأنَّ الصحيح أحد أفراد الأعمّ، فالمناسبة الموجودة مع الأعمّ موجودةٌ بنفسها مع الصحيح.
ومسألة المجاز الأوّلي والثانوي إنّما تُتصوَّر في معنيين مجازيَّين متغايرين؛ ففي هذه الحالة تقوم المناسبة أوّلاً مع أحدهما، ثمّ تقوم مع الآخر.
وهي التي تصوّرها المحقِّق الأصفهاني، وحاصلها(1):
أنَّ القائل بالصحيح يقول: إنَّ لفظ (الصلاة) مستعملٌ دائماً في الصحيح وليس مستعملاً في الأعمّ، وحين يراد منه الأعمُّ -بحيث يشمل الفرد الفاسد- فإنَّه لا يكون من استعمال اللفظ في الأعمّ، بل في الصحيح، ولكنّ المتكلِّم
ــــــــــ[14]ــــــــــ
(1) نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 57،58.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
يُعمِل عنايةً عقليّةً في تنزيل الفاسد منزلةَ الصحيح. هذا مدّعى الصحيحي.
أمّا الأعمّي فيقول: إنَّ لفظ (الصلاة) مستعملٌ في الأعمّ الجامع بين الصحيح والفاسد، وحين يريد المتكلِّم خصوصَ الصحيح يكون مدلولاً عليه بنحو تعدّد الدالّ والمدلول: فاللفظ مستعملٌ في الجامع، ويأتي بدالٍّ آخر على خصوصيّة الصحّة.
وبناءً على هذا يتوصّل المتنازعان إلى الثمرة المقصودة؛ لأنَّ الصحيحيَّ يقول: متى رأيتُ لفظاً وعلمتُ أنَّه لم يُرَدْ به المعنى اللغويُّ أحمله على المعنى الصحيح؛ لأنَّ إرادة الأعمّ منه تتوقّف على عنايةٍ زائدةٍ للمتكلِّم، وهي تنزيل الفاسد منزلة الصحيح، والأصلُ عدمُ إعمال هذه العناية.
أمّا القائل بالأعمّ فيقول: متى وجدتُ لفظاً وعلمتُ أنَّه لم يُرَدْ به المعنى اللغويُّ أحمله على الأعمّ؛ لأنَّ إرادة الصحيح تحتاج إلى عنايةٍ زائدةٍ، وهي وجودُ الدالِّ الآخر على قيد الصحّة، وحيث إنَّه غير موجودٍ فتثبت إرادةُ الجامع بمقدّمات الحكمة.
إلَّا أنَّ هذه الصيغة لا تتم، بمعنى أنَّ هاتين الدعويين بعيدتان:
أمّا القائل بالأعمّ، فافتراضه غيرُ عقلائيّ في المقام، وإن كان عقلائيّاً في أسماء الأجناس؛ ففي مثل لفظ (إنسان): إذا أراد المتكلِّم حصّةً خاصّةً منه فإنَّه لا يستعمل اللفظ في الحصّة الخاصّة، بل يستعمل اسم الجنس في الجامع ويأتي بدالٍّ آخر على الحصّة؛ لأنَّه لو استعمله في الحصّة لَكَان مجازاً؛ لأنَّه موضوعٌ للجامع.
أمّا في محلّ الكلام: فحيث إنَّ نسبة لفظ (الصلاة) إلى الأعمّ وإلى الصحيح على حدٍّ واحد -باعتبار أنَّ كليهما مجازٌ على حدٍّ واحد، لا أنَّ اللفظ حقيقةٌ في
ــــــــــ[15]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أحدهما ومجازٌ في الآخر- فما هو المبرِّر العقلائي ليُستَعْمَل اللفظ في الأعمّ حتّى يحتاج إلى دالٍّ آخر على الحصّة الخاصّة؟
كما أنَّ القائل بالصحيح لا ينبغي أن يقول: إنَّ اللفظ مستعملٌ دائماً في الصحيح، وإذا أريد به الفاسد فهو من باب إعمال عنايةٍ عقليّةٍ في تنزيله منزلة الصحيح فهذا كذب واضح؛ لأنَّه قد يُراد الفاسد بما هو فاسد، كقولنا: (الصلاة الفاسدة)، أو (الصلاة إمّا صحيحةٌ وإمّا فاسدة)، فهل أعملنا تلك العناية في التنزيل؟! هذا خلف؛ لأنّنا قسّمنا الصلاة إلى صحيحةٍ وفاسدة، ولو نُزِّل الفاسد منزلة الصحيح لقيل: (إنَّ الصلاة صحيحة).
إلّا أنّه مع هذا يمكن تصوير النزاع بين الصحيحي والأعمّي بتقريبات أخرى، منها: أن يُقال: إنَّهما وإن كانا ينكران الوضع في زمن النبيّ إلَّا أنّهما:
إمّا أن يعترفا بالوضع في زمنِ الأئمّة، وإمّا أن ينكرا الوضع الشرعي أصلاً، ويقولا بأنَّ الاستعمال كان دائماً بالقرينة.
فعلى الأوّل: يقع الكلام في أنَّ المعنى الموضوع له ما هو، هل هو الصحيح أم الأعمّ في الزمان المتأخر(1)؟!
وعلى الثاني: يُمكن تصوير النزاع أيضاً بالنحو الذي أشار إليه صاحب (الكفاية)(2)، وذلك بأن يقال: إنّهما يعترفان بأنَّ القرينة على المعنى الشرعي قرينةٌ
ــــــــــ[16]ــــــــــ
() وهو نزاع معقول وإن اختلف زمانه. (المُقرِّر).
(2) انظر: كفاية الأصول: 23.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
عامّةٌ وليست خاصّةً بكلّ موردٍ مورد، وحينئذ فيختلفان في مفاد هذه القرينة العامّة:
فالصحيحيُّ يقول: إنَّ مدلول القرينة عبارةٌ عن مجموع الأجزاء والشرائط التي بها يكون العمل صحيحاً، فمتى وجدت قرينةٌ صارفةٌ يُحمل على المعنى الصحيح ما لم تقم قرينةٌ خاصّةٌ على خلافها.
والأعميُّ يقول بخلاف ذلك، وبأنَّ مفاد القرينة هو المعنى الشرعي لكن بمرتبةٍ من مراتبه، كالأركان الخمسة أو معظم الأجزاء، فيحمل اللفظ عليه(1).
وقد يُتخيّل أنَّ هذا النزاع بلا مدرك، وبهذا لا يكون عقلانياً؛ لأنَّه لا مدرك لتعيين مفاد القرينة العامّة، ولم يرِد في الأخبار تحديدٌ لها، فتكون دعوىً بلا موجب.
إلّا أنَّ هذا التوهّم غير صحيح؛ لوجود وسيلةٍ لإثبات المدّعى، وهي التبادر؛ فإنَّه حين يؤتى بلفظ (الصلاة) وتنصب القرينةُ الصارفةُ عن المعنى اللغوي ننظر في ما يُتبادر منها:
هل هو المعنى الصحيح؟ فحينئذٍ يُستكشف أنَّ مفاد القرينة العامّة هو الصحيح. وإذا كان المتبادر هو الأعمّ، فحينئذٍ يُستكشف أنَّ مفادها هو الأعمّ؛ فإنَّه كما إنَّ التبادر مع عدم القرينة يكشف عن الوضع، فكذلك التبادر مع عدم الوضع يكشف عن القرينة العامّة الارتكازيّة.
فالخلاف بهذا الترتيب معقول.
ــــــــــ[17]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول 1: 138، منهاج الأصول 1: 192.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ويقع الكلام في عدّة مقامات:
وقد ذكرت في تفسير الصحّة عدّة تعبيرات(1)، فقيل: هي موافقة الأمر، وقيل: هي موافقة الغرض، وقيل: هي إسقاطُ الإعادة والقضاء.
وقد ذكر السيّد الأستاذ(2) -تبعاً للكفاية(3)– أنَّ هذه التفسيرات تفسيراتٌ باللوازم، وأنَّ الصحّة معناها الأصلي ليس ما تقدّم، بل معناها التماميّة في مقابل النقصان؛ فكونه صحيحاً يعني كونه تاماً في مقابل الناقص الفاسد.
ــــــــــ[18]ــــــــــ
(1) لاحظ: مطارح الأنظار: 6، بدائع الأفكار (الرشتي): 132، تقريرات الشيرازي 1: 316.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 135 -137.
(3)انظر: كفاية الأصول: 24.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ولهذا لا تُتعقَّل الصحّة إلّا في المركّبات التي لها أجزاء وشرائط؛ فإنَّها تكون تامّةً تارةً وناقصةً أخرى. وأمّا الأمور البسيطة فلا معنى للصحّة فيها؛ إذ لا معنى للتماميّة والنقصان فيها.
والمراد من التماميّة والنقصان: ما كان بلحاظ ذات الشيء واستجماعه للأجزاء والشرائط. أمّا إسقاط الإعادة والقضاء أو موافقة الأمر أو موافقة الغرض فهي من شؤون ذلك ولوازمه؛ فإنَّها تترتّب -لا محالة- على تماميّة الشيء من حيث الأجزاء والشرائط.
ولنا على هذا الكلام تعليقان:
التعليق الأوّل: أنَّ الصحّة ليست بمعنى التماميّة، وليس الفساد بمعنى النقصان، بل الصحّة بمعنى الواجديّة للخصوصيّة الملحوظة المرغوبة في الشيء؛ فالصحيح هو ما كان واجداً لها، والفاسد ما كان فاقداً لها، من دون نظر إلى التماميّة والنقصان.
ولهذا توصف البسائط بالصحّة والفساد عرفاً، فيقال: إنَّ هذا التفكير صحيح، وإنَّ هذا البرهان باطل. ولا معنى لِأَن تكون الصحّة باعتبار الأجزاء والشرائط؛ إذ قد تكون فكرةٌ بسيطةً ومع ذلك توصف بالصحّة، وذلك باعتبار وجدانها للجهة المرغوبة، كمطابقتها للواقع، أو وجدانها للمصلحة الفلانيّة.
فنسبة الصحّة والفساد إلى البسائط دليلٌ على أنَّ ملاكهما ليس هو التماميّة والنقصان، بل وجدان الخصوصيّة المرغوبة. نعم، وجدان هذه الخصوصيّة في المركّبات يكون بتماميّة أجزائها وشرائطها.
ــــــــــ[19]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
التعليق الثاني: أنَّ الصحّة سواءٌ أ كان معناها الواجديّة أم التماميّة، فلا معنى لِأَن يُقال: إنَّ الصحّة هي التماميّة بلحاظ الشيء ذاته -أي بلحاظ تماميّة أجزائه وشرائطه- بل التماميّة والنقصان هما دائماً بلحاظ شيءٍ آخر، وهنا يُنظر إلى الشيء بالنسبة إلى المقياس: فإن كان مطابقاً له كان صحيحاً، وإلّا كان فاسداً.
أمّا لو قطعنا النظر عن المقياس ونظرنا الشيء في نفسه، فحينئذٍ كلُّ شيءٍ واجدٌ لأجزائه وشرائطه؛ لأنَّه واجدٌ لذاته، ولا يعقل أن يكون فاقداً لأجزاء ذاته أو شرائطها. وانما يحصل النقصان باعتبار انتسابها إلى المقياس، فيتّصف بالصحة والفساد.
وحينئذ ما هو ذلك الشيء الآخر، حين نريد أن نصف الصلاة بالصحّة أو الفساد؟ والجواب هو عبارة عن أحد هذه العناوين: إمّا إسقاط القضاء والإعادة، أو موافقة الأمر، أو الغرض. فالصلاة الصحيحة هي الصلاة التي تحتوي على كلّ الأجزاء والشرائط التي يحتاجها موافقُ الأمر أو موافقُ الغرض، أو مسقط الإعادة والقضاء، وهذه المقاييس مقوّمةٌ للتماميّة والنقصان وليست لوازم لها.
وهذا هو معنى ما ذكره المحقِّق الأصفهاني(1) من أنَّ التماميّة تتحصّل بهذه العناوين، فلا مجال لإشكال السيّد الأستاذ(2) عليه من أنَّ المراد من
ــــــــــ[20]ــــــــــ
(1) نهاية الدراية في شرح الكفاية: 1: 58.
(2) محاضرات في أصول الفقه 1: 136.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
التماميّة: ما كان بلحاظ الأجزاء والشرائط، لا بلحاظ موافقة الأمر والغرض.
فإن أردتم التماميّة بلحاظ أجزاء وشرائط نفسه، فكلُّ شيءٍ كذلك.
وإن أردتم التماميّة بلحاظ أجزاء وشرائط موافق الأمر، فقد رجعنا إلى موافقة الأمر.
بعد أنْ اتّضح أنَّ الصحّة بمعنى التمامية والواجديّة، وأنَّه لابدَّ أن تُضاف إلى مقياسٍ هو أحد الأمور السابقة.
فنتساءل أنَّ القائل بالصحيح ماذا يريد حين يقول: إنَّ لفظ (الصلاة) موضوعٌ للصحيح بالخصوص؟ يوجد فيه احتمالان:
الاحتمال الأوّل: أنَّه موضوع لواقع الصحيح لا لعنوانه، بل هو منشأ انتزاع الصحيح. بمعنى أنَّ مفهوم الصحّة والتمامية والواجديّة غير مأخوذ في المسمّى، وإنما المسمّى منشأ انتزاع هذه العناوين، أي: للفعل الذي يكون مسقطاً وموافقاً ومحصّلاً. وهو ما سوف يقع الكلام فيه لاحقاً.
الاحتمال الثاني: أن يكون موضوعاً للفعل بما هو مُعَنْوَنٌ بهذه العناوين، بحيث يكون هذا الأمر داخلاً في المسمّى.
وهذا الاحتمال فيه تفصيلٌ، حاصله: أنَّ هذه الدعوى في عالم الوضع دعوى معقولة؛ إذ ليس من المستحيل أن يقال: إنَّ لفظ (الصلاة) موضوعٌ لمُسقط الإعادة وموافقِ الأمر، لكنّنا يجب أن نتصوَّر المسمّى بنحوٍ يمكن أن يتعلَّق به الأمر بعد ذلك؛ فإنَّ وضع لفظ (الصلاة) لأجل الأمر بها، فلابدَّ أن
ــــــــــ[21]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
يكون سنخَ مسمّىً يُمكن تعلّق الأمر به، ولا يلزم من ذلك محذورٌ في عالم الأمر.
وحينئذٍ نقول: لا يُمكن تعلّق الأمر بعنوان (موافِق الأمر) وعنوان (مسقِط الإعادة) ابتداءً؛ لأنَّ هذا العنوان يفترض وجود أمرٍ في المرتبة السابقة ولا يُنتزع من الفعل إلّا في طول تعلّق الأمر به، فكيف يكون موضوعاً للأمر؟
إذن، يلزم الدورُ بلحاظ عالم الأمر، فلا ينبغي أن يقال: إنَّ هذا العنوان هو المسمّى بالصلاة.
نعم، عنوان (محصِّل الغرض) يمكن تعلق الأمر به؛ لوقوعه في طول الغرض، فيعقل أن يكون هو المسمّى.
بعد أن اتّضح معنى الصحّة نقول: إنَّ للصحّة حيثيّاتٍ متعدّدةً؛ فإنَّ الشيء لا يكون صحيحاً على الإطلاق إلّا إذا حُفظت فيه تمامُ الأجزاء والشرائط وحفظ فيه قصدُ امتثال الأمر، وحفظ فيه القيود اللبّيّة، من قبيل: عدم النهي، وعدم المزاحِم إذا فرض عدمُ المزاحم شرطاً في الصحّة.
وهنا نتساءل: أن القائل بالوضع الصحيح هل يشترط في المسمّى تمامَ هذه الحيثيّات؟ أم إنَّه يشترط الصحّة بلحاظ بعض هذه الحيثيات دون البعض الآخر؟
أمّا الأجزاء، فلا إشكال في أنَّها منظورةٌ للقائل بالوضع للصحيح.
وأمّا الشرائط فالظاهر أنَّها داخلة تحت منظوره؛ حيث يعتبر الشرائط
ــــــــــ[22]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
مقوِّمةً كالأجزاء. غاية الأمر: أنَّ مقوّميّة كلٍّ بحسبه؛ فمقوميّة الجزء بنحو دخول القيد، ومقوّميّة الشرط بنحو دخول التقيّد وخروج القيد.
وقد نقل السيّد الأستاذ(1) عن تقريرات الشيخ(2) إشكالاً في المقام، وهو أنَّه لا يعقل دخل الشرائط في المسمّى في عرض دخل الأجزاء فيه؛ لوقوع الأجزاء في مرتبة المقتضي، والشرائط في طول المقتضيات؛ فمرتبة الأجزاء ومرتبة الشرائط طوليّتان، فكيف يُعقل أخذهما معاً في عالم التسمية في عَرْض واحد؟!
وقد أجاب السيّد الأستاذ(3) عن ذلك: بأنَّ مرتبة الأجزاء ومرتبة الشرائط وإن كانتا طوليّتين، لكن لا بأس في أن يوضع اللفظ الواحد للأمرين الطوليّين؛ فنسمّي الأب والابن بمجموعهما بلفظٍ واحد. وعليه، فإنَّ وقوع الشرط في طول المقتضي خارجاً لا ينافي عَرْضيّته في التسمية.
وهذا الكلام غريبٌ من الشيخ ومن السيّد الأستاذ؛ فكأنّهما تخيّلا أنَّ بين الشرط والمقتضي طوليّةً، وهو خلطٌ بين ذات المقتضي وذات الشرط وبين تأثير المقتضي وتأثير الشرط:
فذات المقتضي وذات الشرط عرضيّان لا طوليّة بينهما، بل قد يتّفق أحياناً أن يكون الشرط أسبقَ زماناً من المقتضي.
ــــــــــ[23]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 137.
(2) انظر: مطارح الأنظار 1: 101.
(3) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 137 ،138.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
والترتّب الطولي إنّما هو بين تأثير المقتضي وبين تأثير الشرط؛ حيث إنَّ تأثير المقتضي هو خروج المقتضى من أحشائه، ويكمن دور الشرط في مساعدة المقتضي على إخراج المقتضى منه، بمعنى تتميم فاعليّة الفاعل أو قابليّة القابل.
إذن، فذات فاتحة الكتاب وذات الطهارة ليس بينهما طولية حتّى يقع الكلام في مسألة الوضع أنّهما وضعا لأمرين طوليّين أم عَرْضيّين، فلا ينبغي الاستشكال في دخول الشرائط تحت نظر الصحيحي.
وأمّا قصد القربة:
فإن قيل(1) بأنَّه لا يُعقل أخذه في متعلَّق الأمر -كما هو المعروف-، فلا ينبغي أن يقال بدخل قصد القربة في المسمّى؛ لأنَّ الصحيحي مدعوٌّ إلى تصوير سنخ مسمّى يُعقل تعلّق الأمر به، فإذا لم يعقل تعلّق الأمر بقصد الأمر فلا يعقل أخذه في المسمّى.
وأمّا إذا قلنا بإمكان أخذه، فلا بأس في أن يكون هذا محلاً لنظر الصحيحي.
وأمّا الشروط اللبّيّة -كعدم النهي وعدم المزاحِم على فرض كون عدم المزاحم دخيلاً في الصحّة- فهي:
تارةً: تُضاف إلى المسمّى، فيقال: (عدمُ النهي عن الصلاة) و(عدمُ المزاحم عن الصلاة)، فحينئذٍ لا يعقل أخذُها في المسمّى؛ لأنَّ هذا الفرض يعني فرضَ
ــــــــــ[24]ــــــــــ
(1) انظر: بدائع الأفكار (الرشتي): 285، فوائد الأصول (النائيني) 1: 106، كفاية الأصول: 72.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
تماميّة الصلاة في مرتبةٍ سابقةٍ وكونها موضوعةً لمعناها.
وأخرى: تُضاف إلى ذوات الأجزاء، لا إلى المسمّى بما هو مسمّى. وفي هذه الحالة يكون من المعقول دخله في منظور الصحيحي.
هذا هو تمام الكلام في المقام الثالث، وفي الجهة الثانية.
ــــــــــ[25]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
يقع الكلام في مقامين:
المقام الأوّل: في تصوير الجامع بناءً على الصحيحي.
المقام الثاني: في تصوير الجامع بناءً على الأعمّي.
لقد استُشكل في تصوير الجامع على القول بالصحيح، وصياغته الفنيّة أن يُقال: إنَّ الجامع: إمّا أن يكون مركَّباً، وإمّا أن يكون بسيطاً. وعلى الثاني، فهو: إمّا أن يكون عنواناً ذاتيّاً، وإمّا أن يكون جامعاً انتزاعيّاً عرضياً. وعلى الأخير: فهو إما أن يكون من لوازم الماهيّة، وإمّا أن يكون جامعاً انتزاعيّاً ولا يكون من لوازم الماهيّة.
فالمتحصِّل أربعةُ شقوق؛ فلو أمكن إبطال هذه الشقوق الأربعة يتبرهن بذلك عدم إمكان الجامع.
وبعبارة أخرى: يمكن صياغة الإشكال بأن يقال: إنَّ احتمالات تصوير الجامع على الصحيحي لا تخرج عن احتمالات أربعة، وكلها غير معقولة.
ــــــــــ[26]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أن يكون الجامع تركيبياً، أي: مجموعةً من الأجزاء والخصوصيّات التي تجعلها هي الجامع، فنقول: (الفعل المشتمل على كذا وكذا هو الجامع).
وهذا الجامع غير معقول؛ لأنَّ أيّ مركَّب نفرضه فهو قد يتّصف بالصحّة وقد يتّصف بالفساد، ولا يعقل فرض مركَّبٍ يكون متّصفاً بالصحّة دائماً، حتّى أتمّ المركَّبات تتّصف بالفساد إذا صدرت في غير موقعها، كالتامّة من المسافر، والاختيارية ممّن تضرّه هذه الصلاة.
أن يكون الجامع عنواناً بسيطاً منطبقاً على الصلوات الخارجيّة انطباقَ الذاتيِّ على فرده، وذلك على حدِّ انطباق عنوان الإنسان على زيد وخالد. فيكون الجامع بسيطاً ذاتياً، ويكون كلُّ فرد من الصلاة الصحيحة مصداقاً بالذات لذلك الجامع على حدّ كون أفراد الإنسان مصداقاً لجامع الإنسان.
وهذا أيضاً أمرٌ غير معقول؛ لأنّنا نتساءل عن هذا الفرد من الصلاة الصحيحة: هل يكون فرداً من ذلك الجامع الذاتي بعد فرض طروّ نحو وحدةٍ عليه؟ أم يكون هذا الفرد بما هو متكثّرٌ وأشياءٌ متعدّدةٌ من ركوعٍ وتشهّدٍ وتسليمٍ؟
فإن ادّعي أنَّ هذا الفرد من الصلاة الصحيحة -بما هي كثرةٌ محضةٌ ومع قطع النظر عن طروّ وحدةٍ عليها- يكون مصداقاً للجامع، فهذا مستحيل؛ إذ يستحيل أن يكون الكثير بما هو كثيرٌ مصداقاً بالذات للبسيط بما هو بسيط.
وإن فرض أنَّ الصلاة تكون مصداقاً له بعد فرض طروّ نحو وحدةٍ عليها
ــــــــــ[27]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
من الخارج فهذا خلفٌ؛ لأنَّ ذلك يعني أنَّه ليس مصداقاً بالذات(1) لذلك الجامع، بل بالعرض؛ إذ يُنتَظَر به أن يكسب وحدةً من الخارج ليكون مصداقاً لذلك الجامع.
أن يكون الجامع بسيطاً، لكنّه ليس ذاتيّاً بالمعنى المصطَلح عليه في كتاب الكلّيّات، بل يكون أمراً انتزاعيّاً، لكنّه من لوازم الماهيّة، وهو المسمّى عندهم بـ(الذاتي في كتاب البرهان)، وتكون نسبته إلى الأفراد كنسبة عنوان (زوج) إلى الأربعة، والإمكان إلى الإنسان؛ فإنَّه عنوانٌ بسيطٌ انتزاعيّ، فإنَّه ليس ذاتيّاً للإنسان، وإنّما يكون من لوازم الماهيّة.
وهذا المطلب أيضاً غير معقول؛ فإنَّ لازم الماهيّة معلولٌ لتلك الماهيّة بمعنىً من المعاني؛ لأنَّ كلّ لازم معلولٌ لملزومه.
وفي المقام: حيث إنَّ الصلاة مركَّبةٌ من ماهيّاتٍ متعدّدةٍ، فلو كان هناك أمرٌ بسيطٌ يكون لازماً ذاتيّاً لهذه الصلاة فيلزم أن يكون هذا الأمر البسيط معلولاً لمجموع هذه الماهيّات، فيلزم معلوليّةُ البسيط للمركَّب، وهذا مستحيلٌ كما هو مبرهنٌ عليه في محلّه(2).
أن يكون الجامع الصحيحي انتزاعيّاً بسيطاً، وليس من لوازم الماهيّة، بل
ــــــــــ[28]ــــــــــ
() بل هو جامع عرضي. (المُقرِّر).
(2) انظر: إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين: 169، أصول المعارف: 66.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
منتزعٌ عن الصلاة، لا بلحاظ ذاتها، بل بلحاظ جهةٍ عرضيّةٍ قائمةٍ بها. وذلك كعنوان الأبيض المنتزع عن الجسم بلحاظ جهةٍ عَرَضيّة، وهي البياض. أو عنوان الفوق المنتزع عن السقف بجهةٍ عَرَضيّة.
وهذا الاحتمال أيضاً ساقط؛ لأنَّ لازم ذلك هو أنَّ هذا الفرد من الصلاة الذي بُدِئ بالتكبير وخُتِمَ بالتسليم لا يستحقّ اسم الصلاة إلّا في مرتبة عروض تلك الجهة الخارجيّة عليه، والتي بلحاظها ينتزع ذلك الجامع البسيط. كالجسم؛ فإنَّه لا يستحقّ عنوان الأبيض إلّا في مرتبة عروض البياض عليه.
إذن، فهذا العنوان يستحقّه الفرد باعتبار جهةٍ طارئةٍ على ذاته، وبدونه لا يكون هذا الفرد صلاةً، مع أنَّ من المعلوم بارتكاز المتشرّعة أنَّ هذه الصلاة الفرد -بما هي هي صلاةٌ-، من دون حاجةٍ إلى أن يُلحظ انضمامُ أمرٍ عرضيٍّ خارجيٍّ إليه ليكون به صلاةً.
وبهذه الصيغة يتمّ البرهان على إبطال الجامع الصحيحي؛ لأنَّه لا يخلو من هذه الاحتمالات الأربعة، وكلُّها باطلة.
وهناك تخلُّصاتٌ عن هذه الصيغة، أهمُّها اثنان: أحدهما لنا، وهو المختار، والآخر للمحقّق الخراساني (1). وقد اخترنا في التخلّص الأوّل الاحتمال الأوّل وتصوّرنا الجامع، بينما اختار المحقّق الخراساني أحد الاحتمالين الوسطين وتصوّر الجامع.
ــــــــــ[29]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 24،25.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أمّا التخلّص المختار فَبأَن نفرض الجامعَ جامعاً تركيبيّاً، لا عنواناً بسيطاً. وقد نشأ الإشكال في تصوير الجامع من نقطة أنّ كلّ جزء من الأجزاء هل نأخذه في هذا الجامع التركيبي أم لا؟ فإن أخذنا فاتحة الكتاب أخرجنا صلاة الأخرس، مع أنَّها صحيحة. وإن لم نأخذها أخرجنا صلاة غير الأخرس بدون الفاتحة، مع أنَّها باطلةٌ(1).
وقد نشأت هذه النقطة من الالتفات إلى جانب الوجود وأخذه بنحوٍ لا يقبل التجزئة والتحليل؛ فكأنّنا بين أمرين: إمّا أن نأخذ فاتحة الكتاب وإمّا أن لا نأخذها، وعلى كلا التقديرين يتوجّه الإشكال، مع أنَّ بإمكاننا التجزئة والتحليل بحيث يندفع الإشكال.
وحاصل النكتة فيه: أنَّ فاتحة الكتاب وإن كانت من طرف الوجود وجوداً واحداً، إلّا أنَّ لهذا الوجود الواحد أنحاء من العدم:
فتارةً: تنعدم الفاتحة انعداماً نسيانيّاً من الصلاة.
وأخرى: تنعدم انعداماً اضطراريّاً، كما في صلاة الأخرس.
وثالثةً: تنعدم انعداماً اختياريّاً.
وكذلك الأمر في التيمّم والوضوء؛ فإنَّ الوضوء:
تارةً: يُفقَد فقداً اضطراريّاً.
ــــــــــ[30]ــــــــــ
() وكذلك الوضوء؛ فإنّنا لو قيّدنا الصلاة بوجوده أخرجنا المتيمِّم، وإن قيّدنا الصلاة بعدمه أخرجنا صلاة المتوضّئ، وهي صحيحة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وأخرى: يُفقَد فقداً نسيانيّاً.
وثالثةً: يُفقَد فقداً اختياريّاً.
وهكذا بالنسبة إلى أيّ جزءٍ أو شرطٍ آخر يُمكن تحليله إلى حصصٍ متعدّدةٍ باعتبار حالات الترك ودواعيه ومقارناته.
ومعه يقال: إنَّ الجامع الصحيحي عبارةٌ عن الفعل المركَّب الذي لا يصدق عليه فقداناتٌ معيّنةٌ، كالفقدان العمدي لفاتحة الكتاب، أو الفقدان العمدي أو النسياني للوضوء؛ فهو فعلٌ مركّبٌ نضيِّقه بلحاظ حصص العدم.
فإذا ترك الفاتحة وهو أخرس أو ناسٍ، يصدق على صلاته أنَّها مركَّبٌ غيرُ فاقدٍ فقداً اختياريّاً للفاتحة. ويصدق أيضاً على فعل الإنسان المختار الذي يأتي بالفاتحة أنَّه مركَّبٌ غيرُ فاقدٍ فقداً اختياريّاً للفاتحة. أمّا المختارُ الذي يتعمّدُ إسقاطَها فلا يصدق عليه ذلك؛ فإنه فاقدٌ فقداً اختياريّاً لفاتحة الكتاب.
وبهذا استطعنا أن نجمع الأفراد الصحيحة كلَّها ونُخرِجَ الفرد الباطل.
أمّا الوضوء -الذي هو ركنٌ- فيكون تركه النسياني موجباً للبطلان أيضاً، فيقيَّد الجامع بأن لا يكون فاقداً فقداً اختياريّاً ولا نسيانيّاً، ولا اضطراريّاً غير مقرونٍ بالتيمّم. وهذا المركَّب ينطبق دائماً على الصحيح ولا ينطبق على الفاسد.
ومعه لا إشكال في تصوير الجامع الصحيحي، وهو الصحيحُ في دفع هذه العويصة.
نقوم بتطبيق الجامع التركيبي على كلّ جزءٍ من أجزاء الصلاة لتتّضح
ــــــــــ[31]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
جامعيّة هذا الجامع، فنقسّم أجزاء الصلاة وشرائطها إلى خمسة أقسام:
القسم الأوّل: أن يكون الجزء أو الشرط دخيلاً بنحو الركنيّة على الإطلاق، بحيث لا تُتَصوّر صحّتُها بدونه أصلاً، كقصد القربة وإسلام المصلّي.
وفي هذا القسم لا تأتي عويصةُ الإشكال؛ إذ لا إشكال ولا محذور في أخذ هذا الجزء أو الشرط في المركَّب جزءاً أو شرطاً؛ لأنَّ المفروض هو أنَّ كلّ فعلٍ فاقدٍ له ليس بصحيح أصلاً، فلا يلزم من أخذه إخراجُ بعض الأفراد الصحيحة.
القسم الثاني: أن يكون للجزء أو للشرط بدلٌ عرْضيٌّ تخييريّ، بحيث إن شاء المكلَّف فَعَل هذا، وإن شاء فَعَل ذاك. وهذا من قبيل فاتحة الكتاب والتسبيحات في الركعة الثالثة والرابعة، أو من قبيل الغسل والوضوء، بناءً على أنَّ كلّ غسلٍ يغني عن الوضوء.
ففي مثل هذه الموارد لا تأتي عويصة الإشكال أيضاً؛ لأنَّ بالإمكان أخذَ الجامع بين البدل والمُبدَل جزءاً في هذا الجامع التركيبي دون أن يلزم محذور؛ لأنَّ واجد الجامع صحيحٌ دائماً، وفاقدَه باطلٌ دائماً بعد فرض الركنيّة.
القسم الثالث: أن يُفرض أنَّ للجزء أو الشرط بدلاً عرضيّاً، ولكنّه ليس تخييريّاً، بل هو بدلٌ عرضيٌّ معيّن، بمعنى أن هذا في حالةٍ وذاك في حالةٍ أخرى، كالغسل والوضوء -بناءً على أنَّ الغسل وظيفةُ المحدث بالأكبر، والوضوءَ وظيفةُ المحدث بالأصغر-. وكذلك عدد الركعات في الصلوات الرباعيّة؛ فإنَّ وظيفة المسافر التثنية والحاضر التربيع، بحيث لا تصحّ وظيفة أحدهما من الآخر.
ــــــــــ[32]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وعويصة الإشكال تبدأ من هنا، فنقول:
إنَّ الجامع التركيبي إنْ أخذنا فيه الغسل دون الوضوء -أو العكس- فقد خرجت الصلاة الأخرى الصحيحة. وإن أخذنا الجامع بين الغسل والوضوء
-كما كنّا نفعل في القسم الثاني- فإنَّه أيضاً غير صحيح؛ فإنَّه ينطبق على وضوء المحدث بالأكبر؛ فإنَّها صلاةٌ مع أحد فردَيْ الجامع، مع أنَّها باطلة. وكذلك لو اغتسل المحدِث بالأصغر.
وجواب ذلك: أن نأخذ الجامع ونقول: إنَّ المأخوذ في الجامع التركيبي هو الجامع بين الغسل والوضوء(1)، أي: بين الغسل المسبوق بالحدث الأكبر والوضوء المسبوق بالحدث الأصغر، لا كلّ غسل وكلّ وضوء.
ومعه ينطبق الجامع على الصحيح دائماً ولا ينطبق على الفاسد أصلاً؛ فإذا توضّأ المحدث بالأصغر أو اغتسل المحدث بالأكبر انطبق الجامع، ولو كان بالعكس لم ينطبق، فتكون صلاته باطلة.
وفي باب العدد أيضاً نقول: إنَّ الدخيل في الجامع التركيبي هو الجامع بين ركعتين وأربع ركعات، لكن لا كلّ اثنتين وأربع، بل اثنتين مقرونة بالسفر وأربع مقرونة بالحضر، فيكون صحيحاً على الإطلاق.
القسم الرابع: أن يكون للجزء بدلٌ طوليّ، من قبيل التيمّم مع الوضوء؛ فإنَّ التيمّم بدلٌ طوليٌّ للوضوء، بمعنى: أنَّه لا تنتهي النوبة إليه إلّا بعد العجز عن الوضوء. وكذلك أيضاً فاتحة الكتاب مع إشارة الأخرس، أو مع الركوع
ــــــــــ[33]ــــــــــ
() لكن لا مطلق الغسل ومطلق الوضوء. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الجلوسي والإيمائي الركوع القيامي.
ففي مثل ذلك يمكن حلُّ العويصة بمثل ما حلَلْناها به في القسم الثالث حرفاً بحرف، بِأَن نقول: إنَّ الجزء الدخيل في الجامع التركيبي هو الجامع بين الركوع القيامي والركوع الجلوسي، لكن ليس بين مطلق الركوعين لِيَلْزم الإشكال، بل الجامع بين الركوع القيامي المقرون بالقدرة وعدم الضرر وبين الركوع الجلوسي المقرون بالعجز عن الركوع القيامي، فإذا صلّى الصحيحُ من قيام والمريضُ من جلوس انطبق الجامع، وإذا عُكس الأمر لم ينطبق الجامع؛ لأنَّ الركوع الجلوسي من الصحيح -وهو باطل- ليس ركوعاً جلوسياً مقروناً بالمرض.
القسم الخامس: أن نفترض صحّة الصلاة -أحياناً- بدون الجزء أو الشرط بلا بدل، كالجزء الذي يمكن أن يسقط بسبب التقيّة، كبسملة الفاتحة.
فالتخلّص في هذا القسم أشكل من الأقسام السابقة؛ فإنَّ الدخيل في المركّب:
إن كان هو البسملة بالخصوص، فصلاة من أسقط البسملة للتقيّة تخرج عن المركّب، مع أنَّها صحيحة.
وإن كان هو الجامع بين البسملة وبين التقيّة، فهذا أيضاً غير صحيح؛ لأنَّ التقيّة حالٌ خارجيّ للمكلَّف، وليست جزءاً أو شرطاً حتّى يقيَّد به الجامع.
وهنا يمكن التخلّص من الإشكال بإحدى صيغتين:
الصيغة الأولى: أن يقال: إنَّ الدخيل في الجامع التركيبي ليس هو البسملة
ــــــــــ[34]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
بعنوانها، بل هو أن لا يكون هذا الجامع التركيبي فاقداً للبسملة فقداً اختياريّاً، فيكون جامعاً مانعاً؛ لأنَّ من يسقط البسملة بدون تقية لا ينطبق عليه الجامع، وينطبق على من يُسقطها للتقيّة؛ فإنَّه ليس فاقداً فقداً اختياريّاً للبسملة؛ لأنَّ فقده اضطراريّ وليس اختياريّاً.
وبذلك يكون الجامع التركيبي معقولاً في تمام الأقسام الخمسة.
الصيغة الثانية: أن نرجع إلى ما قلناه في الأقسام السابقة من أنَّ المأخوذ في الجامع التركيبي هو الجامع بين البسملة وبين تقيّد الصلاة بالتقيّة، وهو فعلٌ من أفعال المكلّف ويقع تحت الأمر في باب الشروط.
وما لا يعقل جزئيّته هو الجامع بين البسملة وبين نفس التقيّة باعتبار أنَّها ليست فعلاً من أفعال المكلّف.
وبهذا أمكن الوصول إلى جامعٍ تركيبيٍّ يُعقل أن يقول فيه الصحيحي: إنَّ الواضع قد وضع اللفظ له(1).
ــــــــــ[35]ــــــــــ
() وقد قال السيّد: إنّنا نحتاج إلى هذا الجامع إذا قلنا بتوجّه أمرٍ واحدٍ بالصلاة إلى جميع المكلّفين بمختلف وظائفهم وأساليب صلواتهم -كما هو الصحيح-فنأخذ الجامع في طرف المأمور به، لا في المسمّى.
وقال في جواب بعض الأسئلة أيضاً: إنَّه كلّما وجدتم جزءاً أو قيداً أو شرطاً أو مانعاً فقيِّدوا الجامع بهذا النحو الذي عرفناه؛ ففي صلاة الغريق إذا تمكّن من النيّة والإيماء يُقال: إنَّ الواجب هو الركوع الجامع بين القيامي والجلوسي والإيمائي حال الاضطجاع والإيمائي حال الغرق، أو نحوه ممّا يكون أقلّ أنحاء الإيماء، وهلّم جرّاً. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
لقد سلك المحقّق الخراساني(1) مسلكاً آخر، فاختار تصوير الجامع على الصحيح بنحوِ الجامع البسيط المنتزع عن الأفراد الصحيحة المختلفة أشدّ الاختلاف في أجزائها وشرائطها.
وقد ذكر في توضيح مسلكه ما يرجع إلى مقدّمتين:
المقدّمة الأولى: أنَّ المستفاد من الأدلّة الشرعيّة هو: أنَّ الصلوات الصحيحة -على اختلاف خصائصها- مشتركة بأثرٍ نوعيّ، كالانتهاء عن الفحشاء والمنكر، وهذا ثابتٌ لكلّ الصلوات الصحيحة بالدليل الشرعي.
المقدّمة الثانية: إذا ثبت اشتراك تمام الصلوات الصحيحة في أثرٍ واحدٍ فيثبت -بالبرهان العقلي- أنَّه لابدّ من فرض جامع بين هذه الصلوات، وهو المؤثّر في ذلك الأثر الوحداني النوعي، وذلك ببرهان أنَّ الواحد لا يصدر إلَّا عن الواحد. وحيث أثبتنا أنَّ الأثر واحد، فيجب أن يكون المؤثِّر واحداً؛ فلو لم يكن هناك جامعٌ وحدانيٌّ لَلَزِم أن تكون كلّ صلاةٍ صحيحةٍ مؤثّرةً بخصوصيّتها في ذلك الأثر، فيلزم صدور الواحد عن الكثير، وهو مستحيل.
هذا الجامع الواحد النوعي لا بدّ أن يكون بسيطاً غير مركّب؛ لِما بُيِّن من استحالة الجامع التركيبي.
ومن الواضح أنَّه لا يقصد من هذا الجامع البسيط: العنوانَ البسيطَ الانتزاعيّ الذي يُنتزع عن الصلوات بلحاظ جهةٍ عَرَضيّةٍ خارجيّةٍ -وهو ما
ــــــــــ[36]ــــــــــ
(1)انظر: كفاية الأصول: 24،25.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ذكرناه في الاحتمال الرابع سابقاً(1)-؛ إذ لو كان يقصد ذلك لَأمكن أن يكتفى بالمقدّمة الأولى من برهانه دون حاجةٍ إلى الثانية؛ إذ بمجرد الاعتراف بأنَّ تمام الصلوات تشترك في إيجاد أثرٍ واحدٍ فحينئذٍ يُقال: إنَّه يُنتزع عن الصلوات
-بلحاظ ترتّب الأثر عليها- عنوانُ (الناهي عن الفحشاء والمنكر)، بلا حاجةٍ إلى ضمّ قانون الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد؛ إذ يصدق وجداناً عنوانٌ انتزاعيٌّ بلحاظ ترتّب الأثر عليها، وهو عنوان ما يترتّب عليه ذلك الأثر.
فبهذه القرينة يُعرف أنَّ مراده هو استكشافُ جامعٍ بسيطٍ ذاتيّ. وهو يريد أن يدّعي وجود جامعٍ ينطبق على الصلوات في مرتبةٍ سابقةٍ على ترتّب الأثر، بحيث يكون هو مؤثِّرَ الأثر وعلّتَه.
فالمطلوب هو الجامع الذاتي: إمّا الذاتي في كتاب الكليّات، وإمّا الذاتي في كتاب البرهان، وهما الاحتمال الثاني أو الثالث من الاحتمالات المتقدّمة(2).
وقد اعترضوا على كلام صاحب (الكفاية) باعتراضاتٍ، نذكر أهمّها:
ويتلخّص هذا الاعتراض(3) في أنَّ الواحد على ثلاثة أقسام:
الواحد بالشخص: أي بالعدد، بمعنى شخص واحد، من قبيل: زيد.
ــــــــــ[37]ــــــــــ
(1) راجع: ص27.
(2) راجع: ص28.
(3) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 144، 145.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الواحد بالنوع: والمقصود منه النوع الواحد، أي: ماهيّة نوعيّة واحدة مشتركة في ذاتيّاتها وإن تكثّرت بالأفراد.
الواحد بالعنوان: والمراد منه الواحد بالعنوان الانتزاعي بحيث ينطبق على أفراد متعدّدين مختلفين عدداً وماهيّةً، من قبيل عنوان الطويل الذي يصدق على النبات والحيوان والإنسان.
وقد قالوا هنا: إنَّ قاعدة الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد: إمّا مختصة بخصوص الواحد بالشخص ولا تجري في القسمين الأخيرين.
وإمّا أن يُبنى على جريانها في الشخص والواحد بالنوع. وأمّا الواحد بالعنوان فهو خارج عن القاعدة على كل تقدير، إذ لا يلزم أن يكون الواحد بالعنوان صادراً من الواحد: لا بالشخص، ولا بالنوع، ولا بالعنوان؛ فإنَّ العنوان الانتزاعي قد يصدق على الماهيّات المتباينة، وليست نسبةُ العنوان الانتزاعي إلى منشأ انتزاعه نسبةَ المعلول إلى العلّة حتّى تُطبَّق عليه القاعدة؛ إذ ليس له وجودٌ منحازٌ عن منشأ انتزاعه حتّى يكون معلولاً له.
نعم، لو أرجعنا باب الانتزاع إلى باب العليّة وقلنا بأنَّ نسبة العنوان إلى منشئه نسبةُ المعلول إلى العلّة، أمكن تطبيق القاعدة على الواحد بالعنوان، وذلك بأن يقال: إذا كانت المعلولات واحدةً بالعنوان فمعنى ذلك أنَّ لها جميعاً معلولاً واحداً هو العنوان الانتزاعي، وهو يكشف عن وحدةٍ نوعيّةٍ في العلل.
وحينئذٍ نقول في محلّ الكلام: إنَّ الأثر الواحد المترتّب على الصلوات الصحيحة ليس واحداً بالشخص ولا بالنوع، بل هو واحدٌ بالعنوان؛ فإنَّ
ــــــــــ[38]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
عنوان النهي عن الفحشاء والمنكر عنوانٌ انتزاعيٌّ عن مختلف الكمالات الشرعيّة المتباينة.
إذن، ليس لدينا أثرٌ واحدٌ لا بالشخص ولا بالنوع، بل لدينا أثرٌ واحدٌ بالعنوان، فلا تنطبق القاعدة. ومعه، فلا محذور في فرض عدم الجامع وتباين الصلوات تبايناً ذاتيّاً.
وهو اعتراض السيّد الأستاذ وحاصله(1): أنَّه لا يمكن فرض أنَّ المؤثِّر في هذا الأثر الوحداني هو الجامع؛ وذلك؛ لأن فرض أنَّ الجامع هو المؤثر فيه معناه أن خصوصيّة كلّ فردٍ صحيحي غير دخيلةٍ في الأثر؛ وإنّما الأمر ناشىء من الجامع بين المراتب.
وهذا أمرٌ غير صحيحٍ في باب الصلاة؛ إذ لا معنى لأن يقال في باب الصلاة: إنَّ المؤثِّر في النهي عن الفحشاء هو الجامع بين صلاة المسافر وصلاة الحاضر؛ فإنَّ ذلك يعني أنَّ ضمّ الركعتين الأخيرتين في صلاة الحاضر كضمّ الحجر إلى الإنسان؛ باعتبارها من خصوصيّة الفرد، وهي منعزلةٌ عن التأثير. وكذلك ما يفعله المسافر من التسليم بعد الركعتين، مع أنَّه لا إشكال في أنَّ لكلّ خصوصيّةٍ من هاتين الخصوصيّتين تمامَ الدخل في صحّة الصلاة وكونها ناهيةً عن الفحشاء والمنكر.
فإن أراد صاحب (الكفاية) جعل الجامع هو المؤثِّر دون الخصوصيّة فهو
ــــــــــ[39]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 145، 146.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
غير صحيح؛ للقطع بدخل الخصوصيّة في التأثير.
وإن أراد تصوير جامعٍ دون أن يكون هو المؤثّر، فكيف يبرهن عليه بقانون أنَّ الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد؟!
وهذا الاعتراض ليس بشيء؛ لأنَّ صاحب (الكفاية) يقول: إنَّ المؤثّر في ذلك الأثر ليس هو المركَّب بما هو مركّب، بل هو العنوان البسيط الانتزاعيُّ الثابتُ في المرتبة السابقة على ترتّب الأثر.
نعم، هذا العنوان البسيط المؤثّر منتزعٌ عن صلاة المسافر بخصوصيّاتها وعن صلاة الحاضر بخصوصيّاتها، فتكون هذه الخصوصيّات مقوّمة لانتزاع ذلك العنوان، والمؤثِّر هو العنوان البسيط:
فإن أردتم أنَّ الخصوصيّات دخيلةٌ في الأثر، فهذا ما يُنكره الآخوند، حيث يرى أنَّ تمام المؤثّر هو العنوان البسيط المنتزع من المركّبات.
وإن أردتم دخل الخصوصيّات باعتبار مقوّميّتها لانتزاع ذلك العنوان البسيط، فهذا صحيح، إلّا أنَّه لا ينافي مؤثّريّة ذلك العنوان، فلا يلزم محذورٌ في المقام.
وهو ما أورده السيّد الأستاذ(1) وغيره(2) على صاحب (الكفاية)، وحاصله: أنَّ هذا العنوان البسيط الوحداني المستكشف بقانون وحدة الأثر إنّما يكون منتزعاً عن الصلاة بما هي مشتملةٌ على قصد القربة، بمعنى: أنَّ لقصد
ــــــــــ[40]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 14.
(2) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 66، الهداية في الأصول 1: 83.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
القربة دخلاً في تحقّق هذا الجامع البسيط؛ إذ بدونه لا يتحقّق الأثر، وهو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر.
وحينئذٍ يقال: إنَّ من يدّعي أنَّ لفظ (الصلاة) موضوعٌ لهذا الجامع البسيط الوحداني:
إن ادّعى أنَّ قصد القربة مأخوذٌ فيه ومقوِّمٌ له على حدّ مقوّميّة الركوع والسجود له، فيلزم من ذلك كونُ قصد القربة مقوِّماً للمسمّى، ويلزم أن يكون مأخوذاً تحته أيضاً؛ لأنَّ كلّ ما هو مقوّمٌ للمسمّى فهو مأخوذٌ تحته. وحيث إنَّه لا يُمكن أخذ قصد القربة تحت الأمر، فمن غير الممكن أن يكون مقوِّماً للمسمّى.
وإن ألغى قصد القربة والتفت إلى سائر الأجزاء والشرائط، فيكون الجامع منتفياً؛ لأنّنا استكشفنا الجامع بين الصلوات بلحاظ اشتراكها في الأثر، ومن المعلوم أنَّه لا يُمكن استكشاف وجود الجامع ضمن الصلوات الخالية من قصد القربة.
وهذا الاعتراض غير وارد؛ لإمكان أن يقال: إنَّ الصلوات الصحيحة إذا لوحظت من سائر الجهات وتمت صحتها من غير جهة قصد القربة، فإنَّ هذا الجامع الوحداني وإن لم يكن صادقاً على هذه المركّبات بنحو القضيّة التنجيزيّة باعتبار فقدانها قصدَ القربة فلا يكون لها أثر، ولكنّه صادقٌ عليها بنحو القضيّة التعليقيّة، بأن نقول(1): إن كل واحد من هذه الصلوات لو كان معه قصد القربة
ــــــــــ[41]ــــــــــ
() إن الجامع هو ما كان (أ) لو انضم إليه قصد القربة فالجامع لا يكون هو الموضوع له وإنما الموضوع له هو أمر لو انضم إليه قصد القربة لكان هو الجامع وهو ذات المؤثر لا بما هو مؤثر ولا يمكن أن يعبر عنه بعدم وجود لفظ له في اللغة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
لانطبق عليك ذاك الجامع.
وهذا كافٍ في تصوير الجامع في مقام التسمية، بِأن يتمّ وضع لفظ (الصلاة) لا للناهي عن الفحشاء بالفعل، بل لِما إذا انضمّ إليه قصدُ القربة لكان ناهياً عن الفحشاء، وهو عبارةٌ عن الصلوات الجامعة لسائر الأجزاء والشرائط الأخرى، فيكون جامعاً بين سائر الصلوات الصحيحة ومانعاً عن كلّ الصلوات المختلّة من حيث نقصانُ الأجزاء والشرائط الأخرى(1)، إذ لا أثر لها حتّى لو انضمّ إليها قصدُ القربة.
إذن، فهذا الاعتراض غير صحيح. والعمدة في الاعتراض على صاحب (الكفاية) في تصوير الجامع البسيط هو الاعتراض الأوّل، مضافاً إلى ما بيّنّاه(2) في مقام تقريب أصل العويصة من البرهنة على استحالة الجامع البسيط، وهو برهانٌ لم يرتفع بكلام المحقّق الخراساني؛ إذ لا يخلو أمرُه من أن يكون ذاتيّاً في كتاب الكلّيّات، أو ذاتيّاً في كتاب البرهان، أو جامعاً عرضيّاً منتزعاً بلحاظ جهة خارجيّة.
والكلّ باطلٌ بحسب ما تقدّم، وبذلك بطل مدّعى المحقّق الخراساني.
هذا تمام الكلام في تصوير الجامع على الصحيحي، وهو -على ما اخترناه- جامعٌ تركيبيّ.
ــــــــــ[42]ــــــــــ
() وهو وإن كان شاملاً للصلوات التامّة الفاقدة لقصد القربة، إلّا أنَّه مفروضٌ على مبنى من استحالة دخل قصد القربة في الأمر. (المُقرِّر)..
(2) راجع تعليق: 3.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
إنَّ التصوير الرئيسي للجامع على القول بالأعمّ أن يُقال: إنَّ الجامع عبارةٌ عن الأركان، أي: الأجزاء المهمّة في المركّب، بحيث كلّما انحفظت الأركان في المركّب انحفظ المسمّى، وكلّما نقص منها شيء فُقِد المسمّى(1).
وإذا قمنا بمناقشة هذا التصوير حينئذٍ يظهر الحال في تصويرات الجامع الأخرى(2).
على الرغم من أنَّ صاحب (الكفاية) قد تصوّر الجامع على الصحيحي إلا أنّه قد استشكل في الجامع على الأعمّي؛ حيث اعترض على تصوير الجامع
-على الثاني- بما حاصله(3): أنَّ الجامع إمّا أن يكون بسيطاً وإمّا مركّباً فهنا احتمالان:
أن يكون(4) جامعاً بسيطاً، وعليه فإشكالُ المحقّق الخراساني: هو أنَّ
ــــــــــ[43]ــــــــــ
() انظر: القوانين المحكمة في الأصول 1: 104.
(2) بالرغم من أنه تصور الجامع على الصحيحي مع ذلك استشكل على الجامع على الأعمّي. (المُقرِّر).
(3) انظر: كفاية الأصول: 25، وقد ورد هذا المعنى في كتاب القوانين المحكّمة في الأصول 1: 104.
(4) هذا بيان لاشكال صاحب الكفاية على الجامع الأعمي. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الجامع البسيط بين الأفراد الصحيحة أمرٌ معقولٌ ثابتٌ بقانون الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد؛ لأنَّ الأفراد الصحيحة كلَّها تشترك في أثرٍ واحد.
أمّا على الأعمّي فلا يوجد أثرٌ مشتركٌ بين الصلوات الصحيحة والفاسدة حتّى يُستكشفَ من وحدة الأثر وحدةُ المؤثر؛ إذ لا دليل على أنَّ الصلاة الفاسدة موضوعٌ للتأثير حتّى بنحو الاقتضاء فضلاً عن العلّيّة التامّة، ومعه لا يمكن استكشاف الجامع بالبرهان.
أن يكون الجامع الأعمّي مركباً، وذلك بِأَن تؤخذ أجزاء من الصلاة ويقال بأنَّها متى حفظت فإنَّ الجامع محفوظ في ضمنها. وهذا يُتصوَّر على نحوين؛ إذ:
تارةً: تؤخذ أجزاءٌ معيَّنةٌ بذواتها، كالأركان الخمسة.
وأخرى: يُؤخذ مقدارٌ من الأجزاء معيّنٌ عدداً، لا ذاتاً، وذلك من قبيل سبعة من أجزاء الصلاة العشرة؛ فمتى كان الفعل مشتملاً على ذلك فالجامع محفوظٌ، وإلّا فلا.
ويرد عليه بكلا احتماليه: أنَّ لازم ذلك كون إطلاق لفظ (الصلاة) على الصلاة الصحيحة تامّةِ الأجزاء والشرائط إطلاقاً عنائيّاً مجازيّاً -من باب إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكلّ-؛ حيث أُخذ الجامع مطلقاً من حيث انضمامُ سائر الأجزاء إليه، فتكون زائدةً على الجامع المسمّى، ويكون إطلاقُ اللفظ على المجموع المركَّب من الأركان الخمسة أو الأجزاء السبعة ومن غيرها مجازيّاً.
ــــــــــ[44]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وببيان آخر: إنَّ الجامع إذا كان عبارةً عن الأركان الخمسة فإنَّها حينما تلحظ مع سائر الأجزاء الأخرى:
إمّا أن تُؤخذ (بشرط شيء) من حيث انضمامُ سائر الأجزاء. وهذا خلفٌ؛ لأنَّه يعني أنَّه لو اختلّت سائر الأجزاء فلا يصدق عنوان الصلاة.
وإمّا أن تُؤخذ (لا بشرط) من حيث انضمامُ سائر الأجزاء. وهذا يعني أنّه: على فرض انعدام الأجزاء الأخرى فإنَّ ذلك لا يضرّ بالجامع. وعلى فرض وجود الأجزاء الأخرى فإنَّها لا تكون جزءاً من المسمّى ولا تدخل في الجامع، مع أنَّ هذا غير صحيح كما هو واضح؛ لأنَّ الأجزاء تكون دخيلةً في المسمّى حين وجودها، وإلّا لَمَا صحّ تطبيق عنوان الصلاة على تمام المركّب إلّا مجازاً من باب إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكلّ.
أمّا إشكال المحقّق الخراساني على تقدير كون الجامع بسيطاً على الأعمّي فغيرُ صحيح؛ لأنّنا لو قبلنا في الصحيحيِّ جامعَه البسيط لَأَمكن تصويرُه هنا أيضاً، ولكن بتغيير هذا الجامع من القضيّة التنجيزيّة إلى القضيّة الإبهاميّة الإجماليّة؛ إذ عادةً ما تكون كلُّ صلاةٍ من الصلوات الفاسدة صحيحةً من شخصٍ ما وفي زمانٍ ما بالمقدار الذي هي فيه تحت نظر الأعمّي.
ومعناه أنَّ ذاك الجامع البسيط اللاهوتي الذي استكشفه صاحب (الكفاية) بين الأفراد الصحيحة بقانون الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد ينطبق على كلّ الصلوات، لكن أحياناً؛ فالصلاة الفاقدة للقراءة لاهوتيّة، لكن من الأخرس.
ــــــــــ[45]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وعندها يُمكن أن يقال:
إذا وضع الشارع لفظ (الصلاة) لِما هو لاهوتٌ بالفعل فهذا معنى الوضع للصحيح.
وإذا وضع (الصلاة) لكلّ ما هو لاهوتٌ في زمانٍ ما ومن فاعلٍ ما فهذا معنى الوضع للأعمّي، وهو سنخُ جامعٍ لا يتوقّف على ضمّ جهةٍ عرضيّة.
أمّا الاحتمال الثاني الذي كان فيه الجامع تركيبيّاً -كالأركان الخمسة، أو الأجزاء السبعة- فقد حاول السيّد الأستاذ(1) التخلّص من إشكال المحقّق الخراساني فيه بأَن قال: إنَّ للّابشرطيّة نحوين؛ فتارة يلحظ الشيء بنحو (اللابشرط) بالنسبة إلى شيءٍ آخر، بحيث يكون هذا الآخر:
على فرض وجوده أجنبيّاً عنه، وعلى فرض عدمه لا يكون عدمُه مضرّاً به، وذلك من قبيل لحاظ الماء بنحو (اللابشرط) بالنسبة إلى الكأس.
وأخرى: يُلحظ الشيء بالإضافة شيء آخر (لا بشرط)، بحيث يكون عدمُ الآخر غيرَ مضرٍّ به، لكن يكون وجودُه دخيلاً، من قبيل لفظ (الكلمة)؛ فإنَّه موضوعٌ لحرفين، لكن (لا بشرط) من حيث انضمامُ الحرف الثالث والرابع إليه: فلو فُقِد الحرف الثالث -كما في كلمة (قم)- فإنَّ عدمه لا يضرّ بعد تحقّق الجامع في الحرفين الأوّلين. أمّا إذا وُجِد الحرف الثالث -كما في كلمة (زيد)-
ــــــــــ[46]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 159-161، دراسات في علم الأصول 1: 79، 80، الهداية في الأصول 1: 92،93.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
فإنَّه لا يكون أجنبيّاً عن الكلمة، بل داخلاً فيها ومندرجاً.
وحينئذٍ قال: إنَّ الجامع التركيبي ملحوظٌ للأعمّي بنحو اللابشرطيّة الثانية لا الأولى، بمعنى: أنَّ الأركان الخمسة أو السبعة لوحظت (لابشرط) من حيث باقي الأجزاء والشرائط، بحيث لو لم يوجد الباقي لم يضرّ ذلك بالجامع، ولو وجد كان جزءاً منه.
وهذا البيان من حيث جنبته العرفية صحيح، إلّا أنَّ صياغته الفنّيّة غير معقولة؛ إذ لا يُعقل أن تكون اللا بشرطيّة إلّا بالنحو الأوّل.
والبرهان على ذلك: أنَّ أخذ شيءٍ (لا بشرط) من ناحية شيءٍ آخر يعني الإطلاق في مقابل التقييد؛ فإنَّ (اللا بشرط) يُقابل الـ(بشرط شيء) والـ(بشرط لا). وليس مرجع الإطلاق -كما بيَّنّا مراراً(1)– إلى الجمع بين القيود، بل إلى رفض القيود؛ فإذا أُخذ الماء مطلقاً من حيث الكأس فذلك لا يعني أنّنا جمعنا بين قيدين: تقييد الماء بالكأس، وتقييد الماء بالأرض مثلاً، بل معناه رفض القيود، أي: ملاحظة ذات الماء وعدم ملاحظة وجود الكأس ولا عدمه وهو الإطلاق.
وحينئذٍ نقول: إذا لاحظنا الأركان الخمسة مطلقةً بالنسبة إلى التشهّد والتسليم مثلاً:
فإذا كان الإطلاق عبارةً عن الجمع بين القيود، فمعناه أنّنا لاحظناها تارةً مع التشهّد، وأخرى بدونه. وبهذا يتمّ مرام السيّد الأستاذ؛ لأنّنا لاحظنا
ــــــــــ[47]ــــــــــ
(1) انظر: بحوث في علم الأصول 3: 38، مباحث الأصول 5: 513.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الأركان مقيَّدةً به مع وجوده، ومقيَّدةً بعدمه عند عدمه.
وإذا كان الإطلاق عبارةً عن رفض القيود -كما هو مختارنا ومختاره- فأخذ الأركان مطلقةً بالنسبة إلى التشهّد يعني أنّنا لاحظنا الأركان بدون أن نأخذ وجود التشهّد ولا عدم وجوده، أي: بنحو إلغاء الخصوصيّات بحيث لا يكون وجود التشهّد دخيلاً ولا عدمُه دخيلاً، بناءً على أنَّ الإطلاق هو رفض القيود.
إذن، فالصياغة الفنّيّة على أساس أنَّ للّا بشرطيّة نحوين غير معقولة، وإن كان المُدّعى أمراً عرفيّاً وواقعاً، وهو أنَّ بعض المركّبات مع وجودها تكون دخيلةً، ومع عدم وجودها لا تكون مضرّة، لكن هذا لا بسب اللابشرطيّة، بل بسبب أمرٍ آخر.
وكذلك الحال في الكلمة؛ فإننا لو أخذناها لا بشرط من حيث الحرفُ الثالث فمعنى ذلك هو الإطلاق، بحيث لا يكون وجود الحرف الثالث دخيلاً ولا عدمُه، بل يكون كلٌّ من الوجود والعدم أجنبياً عن الجامع ولا يمكن انطباقه على الثلاثة أحرف.
ولهذا لابدَّ من تبديل تلك الصياغة الفنّيّة بأن يقال: حين تصوَّر الواضع جامعاً ووضع اللفظ له فليس الجامع عبارة عن عنوان (حرفين لا بشرط من حيث الحرفُ الثالث)، بل هو سنخُ عنوانٍ جامع قابل للانطباق على الحرفين والثلاثة أحرف، من قبيل عنوان (ما زاد على حرف واحد من الحروف الثمانية والعشرين متّصلاً بعضه ببعض)، فيوضع لفظُ (الكلمة) لذلك. وهذا جامعٌ
ــــــــــ[48]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ينطبق على الحرفين في (قم) وعلى الثلاثة أحرف في (زيد)، فإن وجد الحرف الثالث كان جزءاً من الجامع؛ وإن لم يوجد الحرف الثالث -كما في (زي) لا (زيد)- فإنَّ ذلك لا يضرّ بانحفاظ الجامع.
وهذا الشيء نفسُه نقوله في باب الصلاة؛ فإنَّ الجامع ليس عبارةً عن الأركان الخمسة بنحو اللا بشرط من حيث باقي الأجزاء والشرائط، بل هو الجامع المركَّب من بعض أجزاء الصلاة؛ فلو كانت أجزاء الصلاة ثمانيةً وعشرين جزءاً وأركانُها خمسةً فحينئذٍ نقول:
إن كان لفظ (الصلاة) موضوعاً للعمل المركَّب من مجموعة هذه الأجزاء(1) بحيث تكون مشتملةً على الأركان الخمسة: فإن كانت الأجزاء الأخرى موجودةً انطبق عليه الجامع. وإن لم توجد إلّا الأركان الخمسة فالعنوان صادقٌ عليه أيضاً.
وإن كان المناط هو العدد فحينئذٍ نقول: إنَّ لفظ (الصلاة) موضوعٌ لِما زاد على الستّة من هذه الأجزاء: فإن وجدت سبعة أجزاء فحينئذٍ يصدق عليها بتمامها أنَّها صلاة. وإن وجدت ثمانية أجزاء يصدق عليها أنَّها صلاة؛ لأنَّها مصداقٌ لِما زاد على الستّة.
وهذا جامعٌ انتزاعيٌّ، لكن لا باعتبار جهةٍ خارجيّةٍ طارئةٍ، بل هو عنوانٌ انتزاعيٌّ بقطع النظر عنها، فيعقل أن يكون هو الجامع.
ــــــــــ[49]ــــــــــ
() أي: الأجزاء المعروفة للصلاة، بحيث لا يمكن دخول التصفيق جزءاً في الجامع. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وبذلك اتّضحت معقوليّة الجامع التركيبي على الأعمّ.
نعم، يبقى كلامٌ واحدٌ، وهو أنَّ هذه الأجزاء الخمسة أو الستّة في نفسها ذات مراتب؛ فإنَّ الركوع تارةً: قياميّ، وأخرى: جلوسيّ، وثالثةً: إيمائيّ؛ فأي هذه الركعات نأخذ؟
جوابه واضح: وهو أنَّ أي جزء له مراتب، يؤخذ الجامع بين مراتبه، ولو الجامع الانتزاعي، أي: أحد المراتب بنحو البدل.
إذن، الجامع التركيبي معقولٌ على الصحيح وعلى الأعمّ.
ــــــــــ[50]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ذُكِرت عدّة ثمرات لهذا النزاع:
تتمثّل الثمرة الأولى في إجراء البراءة على القول بالأعمّ إذا شُكَّ في جزئيّة شيءٍ -كالسورة- ولم يقُم دليلٌ اجتهاديٌّ على الجزئيّة أو عدمها. أمّا على الصحيح فتجري أصالة الاشتغال(1).
وتصوير هذه الثمرة يكون ببيان مقدّمتين:
إنَّ القول بالوضع للأعمّ يستلزم كون الجامع الذي وضع له اللفظ جامعاً تركيبيّاً لا بسيطاً، بينما يستلزم القول بالوضع للصحيح كونَ الجامع جامعاً بسيطاً بناءً على ما ادّعاه صاحب (الكفاية) في كلتا المرحلتين.
إذا شُكّ في وجوب السورة وعدمه:
فإن كان الواجب جامعاً تركيبيٌاً -أي: إنَّ المركب بنفس أجزائه معروضٌ
ــــــــــ[51]ــــــــــ
(1) انظر: بدائع الأفكار (الرشتي): 141، الفصول الغرويّة: 49، كفاية الأصول: 28.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
للوجوب- يكون المقام من دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر؛ لأنَّ انبساط الوجوب على الأجزاء الأخرى معلومٌ، وانبساطه على العاشر مشكوكٌ، فتجري البراءة عنه بناءً على الانحلال في موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.
وأمّا إذا كان الجامع بسيطاً فمعروض الوجوب هو هذا العنوان البسيط الذي لا شكّ فيه، ولكنّ الشكّ في أنَّه هل يحصل بتسعة أجزاء أم بعشرة من قبيل أن يجب قتلُ شخص ولا يُعلم أنَّ قتله يحصل بتسع ضربات أم بعشر، وهذا يدخل في الشكّ في المحصِّل، لا في أصل الوجوب، فتجري أصالة الاشتغال.
فبهاتين المقدّمتين يُدّعى أنَّ الثمرة تتمثّل في جريان البراءة بناءً على الأعمّ؛ لأنَّ الجامع تركيبيّ، وجريان الاشتغال بناءً على الصحيح؛ لأنَّ الجامع بسيط.
وكلتا المقدّمتين محلُّ إشكال:
أمّا المقدّمة الأولى، فقد اتّضح ممّا سبق(1) أنَّ الجامع التركيبي معقولٌ على كلا القولين. كما بيّنّا أيضاً أنّنا لو تعقّلنا الجامع البسيط على القول بالصحيح فيمكن أن نتعقّله في الأعمّ أيضاً.
إذن، كلا نَحْوَي الجامع معقولٌ على كلا المسلكين.
ــــــــــ[52]ــــــــــ
(1) راجع الصفحة: تعليق 5.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أمّا المقدّمة الثانية، فقد استشكل فيها المحقّق الخراساني(1) وقال بجريان البراءة على كلا التقديرين، سواءٌ أ كان الجامع تركيبياً أم بسيطاً. أمّا إذا كان الجامع تركيبيّاً، فواضح. وأمّا إذا كان الجامع بسيطاً فهو على نحوين:
النحو الأوّل: أن يكون موجوداً بوجودٍ طوليٍّ مغايرٍ لوجود الأجزاء، كوجود الموت المغاير لوجود الضرب.
النحو الثاني: أن يكون الجامع البسيط موجوداً بنفس وجود الأجزاء، بحيث يحمل عليها بالحمل الشايع لكونه منتزعاً عنها؛ لأنَّ الجامع الانتزاعي موجودٌ بوجود منشأ انتزاعه.
فإن كان الجامع من قبيل الأوّل كان الشك في المحصِّل فتجري أصالة الاشتغال. وأمّا على الثاني فالوجوب -في الحقيقة- منبسطٌ على الأجزاء؛ لأنَّ وجود الجامع عينُ وجود الأجزاء، فيكون الشكُّ شكّاً في سعة الوجوب المنبسط على الأجزاء وضيقه، فيكون شكّاً في أصل الوجوب، لا في المحصِّل، فتجري أصالة البراءة.
وتوضيح الكلام في ذلك بأن يقال:
إذا كان الجامع تركيبيّاً فلا إشكال في أنَّ الشكّ في جزئيّة السورة يكون مجرىً للبراءة؛ لدخول المسألة حينئذٍ في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر.
ــــــــــ[43]ــــــــــ
(1) كفاية الأصول: 28.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وأمّا إذا كان الجامع بسيطاً فدخوله في الشكّ بين الأقلّ والأكثر أو في الشكّ في المحصِّل يختلف باختلاف سنخ هذا الجامع البسيط الذي نتصوّره في المقام، فإنّه يكون على عدّة أنحاء:
النحو الأوّل: أن نتصور الجامع البسيط بنحوٍ يكون له مراتبُ من الشدّة والضعف؛ فإنَّ البسيط قد يكون ذا مراتب، كالحمرة؛ فإنَّ منها الشديدة والضعيفة، فإذا علمنا أنَّ المرتبة الضعيفة من الجامع تتحقّق بتسعة أجزاء بلا حاجة إلى سورة، بينما لا تتحقّق المرتبة الشديدة إلّا بضمّ السورة، ولا ندري ما إذا كان غرض المولى تعلّق بمطلق هذا الجامع أم بمرتبته الشديدة.
ففي هذه الحالة يدخل المقام في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين؛ لأنَّ تعلّق التكليف بالأقلّ معلوم. وأمّا تعلّقه بالمرتبة الشديدة التي لا توجد إلّا بالجزء العاشر فغير معلوم، فيكون شكّاً في أصل الواجب، وتجرى البراءة عن المرتبة الشديدة، بدون فرقٍ بين أن يكون الجامع المشكّك مسبَّباً عن الأجزاء وفي طولها، أم منطبقاً على الأجزاء وموجوداً بوجودها؛ حيث يكون الشك -على أيّ حال- شكّاً في المرتبة الزائدة، فتجري عنها البراءة. وليس لهذا التفصيل أثرٌ كما ذهب إليه صاحب (الكفاية)(1).
النحو الثاني: أن يكون الجامع البسيط غير مشكّك، ولكنّه مسبَّبٌ عن الأجزاء، بمعنى: أنَّه موجودٌ بوجودٍ مغاير لها.
ــــــــــ[54]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 28.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وفي مثله لا ينبغي الإشكال في أنه مجرى الاشتغال؛ لتعلّق الوجوب بالمسبَّب لا بالسبب، ودوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في جانب السبب لا المسبَّب، فيكون شكّاً في المحصِّل، فتجري أصالة الاشتغال.
النحو الثالث: أن يكون الجامع البسيط غيرَ مشكّك، وموجوداً بعين وجود الأجزاء بحيث يُحمل عليها بالحمل الشايع، ولكن هذا الجامع إنما يُنتزع منها بلحاظ حيثيّة خارجيّة عَرَضيّة.
إذن، الجامع هنا عنوانٌ بسيطٌ عرضيٌّ منتزعٌ بلحاظ حيثيّة خارجيّة عَرَضيّة، كعنوان (المؤلِم)؛ فإنَّه عنوانٌ بسيطٌ منتزع عن نفس الضربات ويُحمل عليها بالحمل الشايع، فيقال: (هذا الضرب مؤلم)، ولكنّه يُنتزع من الضرب بلحاظ حيثيّة وجوديّة خارجيّة، وهي حيثيّةُ قيام الألم في نفس المضروب.
فإذا وجب هذا العنوان بِأَن قال المولى: (يجب عليك أن توجِد ما يؤلم زيداً)، وتردّد أمر الإيلام بين تسع ضربات وبين عشر، فلا إشكال حينئذٍ في جريان أصالة الاشتغال؛ فإنَّه وإن كان الجامع موجوداً بعين وجود الضرب باعتباره عنواناً اشتقاقيّاً ويُحمل عليه بالحمل الشايع، لكن مع ذلك لا تجري البراءة عن الضربة العاشرة؛ لأنَّ انتزاع الجامع لمّا كان بلحاظ حيثيّة خارجيّة فعندها تكون هذه الحيثيّة تحت العهدة عقلاً، ولا يخرج الإنسان عن عهدة التكليف بالإيلام إلّا إذا أحرز وجود الألم خارجاً، أي: أحرز الحيثيّة الخارجيّة التي ينتزع عنها عنوان (المؤلِم)، وحيث إنَّه لا يعلم تحقّقها بتسع ضربات فعندها تكون الحالة مجرىً لأصالة الاشتغال.
ــــــــــ[55]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وعليه، فلا يتمّ ما ذكره صاحب (الكفاية)(1) من أنَّه إذا كان الجامع منتزعاً عن نفس الأجزاء وموجوداً بوجودها فعندها تجري البراءة عن الزائد في الجامع البسيط المرهون بحيثيّة خارجيّة.
النحو الرابع: أن يكون الجامع البسيط غير مشكّك، وموجوداً بعين وجود الأجزاء، إلّا أنَّه غير منتزع عنها بلحاظ جهة عَرَضيّة، بل هو منتزعٌ عن رتبة ذات الأجزاء -بمعنى أنَّه ذاتيٌّ لها- بحيث تكون نسبته إليها نسبةَ عنوان الإنسان إلى زيد، فيكون ماهيّتها وحقيقتها.
في مثل ذلك يتمّ ما أفاده المحقّق الخراساني من أنَّه يكون مجرىً للبراءة. والنكتة في ذلك: أنَّ هذه الماهيّة البسيطة التي تعلّق بها الوجوب وإن كانت -بما هي ماهية- لا تردّد فيها بين الأقلّ والأكثر؛ باعتبارها بسيطةً ولا يُتَعقّل فيها ذلك، لكن من المعلوم أنَّ تمام الماهيّات إنّما تؤخذ محطّاً للوجوب بما هي فانيةٌ في عناوينها الذاتيّة. والمفروض أنَّ هذا العنوان عنوانٌ لهذه الوجودات المتكثّرة، فتكون هذه الوجودات وجوداً لذلك العنوان، ويكون العنوان واجباً بما هو فانٍ في هذا الوجود. وما هو تحت العهدة عقلاً هو المفنيُّ فيه (الوجود) لا الفاني (العنوان)، وهذا الوجود مردّدٌ بين الأقلّ والأكثر، فيرجع إلى تردّد أمر الواجب بين الأقلّ والأكثر، فيُنفى الزائد بالبراءة ويُقتصر على الأقلّ.
النحو الخامس: أن يكون الجامع عنواناً بسيطاً اعتباريّاً من المجعولات الاعتباريّة، كعنوان (الطّهور)، الذي هو عنوانٌ اعتباريٌّ يُنشِئُه الشارع ويطبّقه
ــــــــــ[56]ــــــــــ
(1) كفاية الأصول: 25.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
على الغسلات الثلاث والمسحات الثلاث، التي هي ستّة أعمال؛ فلو تردّد أمرُ الطهور بين الأقلّ والأكثر جرت البراءة أيضاً.
والسرّ فيه: أنَّه لمّا كان هذا الجامع أمراً اعتباريّاً وليس مشيراً إلى حيثيّة حقيقيّة في الخارج، فيكون مجرّد معرِّفٍ ومشيرٍ إلى الواقع، لا أكثر، فإنَّه وإن كان العنوان -الطهور- هو الذي وقع في لسان الدليل موضوعاً للوجوب، لكن يظهر بالتحليل أنَّه ليس هو الموضوع؛ لأنَّه اعتباريٌّ صرف، بل ما هو محطُّ الوجوب هو الغسلات والمسحات، فيكون الأمر دائراً بين الأقلّ والأكثر، فتجري البراءة عن الزائد.
إذن، بناءً على الجامع التركيبي تجري البراءة دائماً. أمّا بناءً على الجامع البسيط، فتجري البراءة على بعض التقادير، وعلى البعض الآخر تجري أصالة الاشتغال، ومعه لا تكون الثمرة ثابتة.
تتلخّص الثمرة الثانية في أنَّه لا يجوز -بناءً على الصحيحي- التمسّكُ بالإطلاق اللفظي لألفاظ العبادات بهدف نفي جزئيّة أو شرطيّة ما يُشكُّ في جزئيّته وشرطيّته.
وأمّا بناءً على الأعمّي فيجوز التمسك بالإطلاق اللفظي لنفي ذلك(1) بعد اشتراك الصحيحي والأعمّي في إمكان التمسّك بالإطلاقات المقاميّة، ولكنّهما
ــــــــــ[57]ــــــــــ
(1) لاحظ: بدائع الأفكار (الرشتي): 141، كفاية الأصول:28، فوائد الأصول (النائيني) 1: 77، نهاية الأفكار 1: 96.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
يختلفان في التمسّك بالإطلاق اللفظي.
ولتوضيح ذلك لا بدّ من الإشارة إلى التمييز بين الإطلاق اللفظي والإطلاق المقامي:
الإطلاق المقامي: وذلك حين يُفرض قيام المولى مقاماً يُحرَزُ فيه تصدّيه لبيان تمام الأجزاء والشرائط الدخيلة في مطلوبه، فبيّن -مثلاً- خمسة أجزاء وكف عن السادس بسكوته عنه، ويُسمّى ذلك: بالاطلاق المقامي. ويتميّز هذا الإطلاق بنكتتين:
إحداهما: أنَّ مركز هذا الإطلاق ومصبّه هو مقامُ المولى وكونه قد قام مقاماً أراد به استيعاب تمام الأجزاء الدخيلة في مطلوبه. أمّا ألفاظه فلا تدلّ على نفي السادس؛ فإنَّ إثبات شيء لا يستلزم نفي ما عداه.
ثانيهما: أنَّ هذا المقام يحتاج إحرازه إلى دليلٍ خاصّ؛ فإنَّ تعلّق الغرض المقامي للمتكلِّم بالحصر والاستيعاب أمرٌ اتّفاقيّ يحتاج إلى دليل خاصّ، وليس هو مقتضى الأصل.
الإطلاق اللفظي: فهو أن يأمر المولى بشيءٍ -كشرب الماء مثلاً- وتكون الكلمة التي دخلت تحت الأمر قابلةً -بحسب مدلولها اللغوي- للانطباق على الحارّ والبارد؛ فإذا شُكّ في أنَّ المولى قد أراد خصوص الواجد للبرودة أم أنَّه أراد كلا الشقّين دون فرقٍ بينهما، فحينئذٍ تجري مقدّمات الحكمة لإثبات أنَّ المولى أراد الجامع على إطلاقه ولم يُرِد حصّةً معيّنةً.
وهذا الإطلاق يتميز عن الإطلاق المقامي بنكتتين عكسيّتين:
ــــــــــ[58]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الأولى: أنَّ مركزه هو اللفظ لا المقام؛ فإنَّ اللفظ بنفسه شاملٌ للواجد والفاقد.
الثانية: أنَّ الإطلاق اللفظي وإن كان يحتاج إلى كون المولى في مقام البيان
-وإلّا لم يمكن إجراء مقدّمات الحكمة في كلامه- إلّا أنَّ كونه في مقام البيان هنا هو مقتضى الأصل العقلائي، ولا يحتاج إلى دليلٍ خاصٍّ كالإطلاق المقامي؛ لأنَّ الأصل في كلّ متكلِّم أنَّه في مقام بيان مرامه بكلامه.
إذا اتّضح ذلك يقال:
متى وُجد إطلاقٌ مقاميٌّ وتمّت فيه كلتا النكتتين -كما في الأخبار البيانيّة، كصحيحة حمّاد بن عيسى(1)– فإنَّ الصحيحي والأعمّي يتمسكان به؛ لأنَّه إطلاقٌ للمقام ولا دخل للّفظ فيه.
أمّا إذا وُجد إطلاقٌ لفظيٌّ ولم يوجد إطلاقٌ مقاميّ، كما إذا قال المولى: وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاَةَ(2)، وشككنا في أنَّ السورة جزءٌ من الواجب أم لا، فحينئذٍ:
بناءً على الأعمّي يجوز التمسّك بإطلاق لفظ (الصَّلاَة)؛ لأنَّ المولى أمر بالصلاة ولم يأخذ في مسمّاها السورة، ولفظ (الصَّلاَة) -في نفسه- قابل
ــــــــــ[59]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 311، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة والحدّ في التكبير، الحديث 8، من لا يحضره الفقيه 1: 300، أبواب الصلاة وحدودها، باب وصف الصلاة من فاتحتها، الحديث 915، تهذيب الأحكام 2: 81، كتاب الصلاة، الباب 8، الحديث 69.
(2) الأنعام: 72.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
للانطباق على الواجد والفاقد؛ فلو كان مراده خصوص الواجد لَنَصَبَ قرينةً، وحيث لم يفعل فهذا يعني أنَّه أراد المطلق.
وأمّا بناءً على الصحيحي فلا يمكن ذلك؛ لأنَّ السورة -على تقدير دخلها في الواجب- داخلةٌ في المسمّى أيضاً وجزءٌ منه، فلا يُحرز انطباقُ الصلاة على الفاقد فتجري فيه مقدمات الحكمة، فيحرز إطلاق المولى.
وهذه ثمرةٌ صحيحةٌ، وإن لم تكن أصوليّة. بعد هذا يقع الكلام في تحقيق الحال في الصحيح والأعمّ.
ــــــــــ[60]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
اختار السيّد الأستاذ(1) بأن أسماء العبادات موضوعة للأعمّ، أي: للأركان بنحو الجامع اللابشرطي الذي تقدّم الكلام عنه(2). وقال في تقريب ذلك: إنَّ أسماء العبادات موضوعةٌ على يد الشارع، فهو المرجع في تشخيص المسمّى؛ لأنَّه الواضع، فيُرجع في المسألة إلى الروايات الواردة عنه.
والمتحصّل عنده من الروايات الواردة في أجزاء الصلاة وشرائطها أنَّ المعنى الموضوع له هو الأركان؛ فقد دلّت هذه الروايات على دخل جملةٍ من الأجزاء في حقيقة الصلاة، وهي أربعة: التكبير، الركوع، السجود والطهارة.
أمّا التكبير فلأنَّه افتتاحُ الصلاة على ما دلّت عليه الروايات(3)؛ فقد دلّت
ــــــــــ[61]ــــــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه 1: 140، دراسات في علم الأصول 1: 80-82، الهداية في الأصول 1: 97-99.
(2) راجع: ص46.
(3) تهذيب الأحكام 3: 270، كتاب الصلاة، الباب 25، الحديث 95، الوافي 8: 1213، كتاب الصلاة، الباب 168، الحديث 8077-18، وسائل الشيعة 6 : 10، الباب 1 من أبواب تكبيرة الإحرام، الحديث 7.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
على أنَّه لا يُمكن الدخول في الصلاة إلّا بالتكبير، فلا تصدق بدونه. ولهذا يُلتزم بالبطلان مع عدمه، وإن لم يصرّح بذلك في حديث “لا تُعاد”(1) ؛ لأنَّ (لا تعاد) تفرض أنَّ الصلاة قد وجدت وأنَّ الإنسان قد دخل في صلاة، فيُقال: (لا تُعِدْها). أمّا إذا لم يُكبِّر فهو لم يدخل في صلاة أصلاً حتّى يُنْهى عن إعادتها.
وكذلك الركوع والسجود والطهارة(2)؛ لما دلّت عليه بعض الروايات من أنَّ ثلث الصلاة الطهور، وثلثها الركوع، وثلثها السجود. غاية الأمر لابدَّ من زحزحتها بحيث يدخل التكبير أيضاً.
وغير هذه الأجزاء ليست ركناً، حتّى التسليم، وإن ذهب بعضهم إلى ركنيّته(3)، ولكنّه غير صحيح ويشمله حديث “لا تُعاد”.
إذن، فلفظ (الصلاة) موضوعٌ للأعمّ، وهو الجامع المشتمل على هذه الأمور الأربعة.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 279، كتاب الصلاة، باب القبلة، الحديث 857، تهذيب الأحكام 2: 152، كتاب الصلاة، الباب 9، الحديث55، وسائل الشيعة 1: 371، الباب 3 من أبواب الوضوء، الحديث 8، 5: 471.
(2) الكافي 3: 273، كتاب الصلاة، باب فرض الصلاة، الحديث 8، من لا يحضره الفقيه 1: 33، كتاب الصلاة، باب أقسام الصلاة، الحديث 66، تهذيب الأحكام 2: 140، كتاب الصلاة، الباب 9، الحديث 2، وسائل الشيعة 6: 30، الباب 9 من أبواب الركوع، الحديث 8.
(3) انظر: جامع المقاصد في شرح القواعد 2: 327.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهذا الذي أفاده ينحلّ إلى جانبين: سلبيّ وهو أنَّ غير هذه الأجزاء الأربعة ليس دخيلاً في مفهوم الصلاة. وأمّا الإيجابي، فهو أنَّ هذه الأجزاء دخيلةٌ فيه.
أمّا الجانب السلبي، فهو الجانب الذي يختلف فيه مع القائلين بالوضع للصحيح، ويتفق معهم في الجانب الإيجابي، فإنّهم يدّعون دخول الباقي، بينما يرى هو خروجه. ودعواه أنَّ الوضع للأعمّ مرهونةٌ بإثبات الجانب السلبي من كلامه، والحال أنّه لم يتحصّل من كلماته دليلٌ عليه.
إنَّ غاية ما يُمكن أن يُتوهَّم الاستدلالُ به على الجانب السلبي أحدُ وجوهٍ ثلاثة:
الوجه الأوّل: أن يُقال: إنَّ غير هذه الأجزاء الأربعة ليس ركناً، بمعنى: أنَّ الإنسان لو أخلّ بغيرها سهواً أو نسياناً فلا تبطل صلاته، وهذا يعني أنَّه ليس دخيلاً؛ إذ لو كان كذلك لَبَطلت الصلاة بدونه.
وهذا غير صحيح؛ لِما بيّنّاه في تصوير الجامع على الصحيحي من أنَّ الصحيحي يدّعي جامعاً صحيحياً بحيث يكون كلُّ جزءٍ دخيلاً في حال التذكّر وغيرَ دخيل في صورة النسيان، فلا ربط للمسألة الفقهيّة بالمسألة الأصوليّة؛ فالمسألة الفقهيّة تدور حول صحّة الصلاة دون تشهّد من الناسي، هو أمرٌ صحيحٌ حتّى على مسلك الصحيحي والمسألة الأصوليّة، وهي: أن التشهد هل
ــــــــــ[63]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
هو دخيل في المسمّى أم لا؟
الوجه الثاني: أن يقال: إنّنا باستقراء الروايات رأينا نصّاً شرعيّاً على دخل الأمور الأربعة المتقدّمة في المسمّى، ولم نرَ نصّاً شرعيّاً يدلّ على دخل غير هذه الأمور في المسمّى، وبقرينة عدم النصّ يستكشف عدمُ الدخل في المسمّى.
وهذا الوجه غير صحيح؛ لتوقّفه على أمورٍ أَهْوَنُها: أن يكون غرض المولى قد تعلّق ببيان تمام ما له دخلٌ في المسمّى، وهذا غير محرَز، إنّما المحرز كون غرضه قد تعلّق ببيان تمام ما له دخلٌ في الواجب، وقد بيّنه في صحيحة حمّاد بن عيسى؛ فلعلّ التشهّد دخيلٌ في المسمّى، ولم يُبيِّنه.
الوجه الثالث: الاستدلال برواية: “الصَّلَاةُ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ: ثُلُثٌ طَهُورٌ، وَثُلُثٌ رُكُوعٌ، وَثُلُثٌ سُجُودٌ”(1)؛ بدعوى(2): أنَّ هذه الرواية تنفي دخلَ أيِّ شيء سوى الثلاثة؛ إذ لا يُعقل أن يكون للشيء الواحد أكثر من ثلاثة أثلاث. ولو بقينا والرواية لقلنا: إنَّ التكبيرة غير دخيلة أيضاً، ولكنّنا نقيِّد الحديث بالروايات السابقة، فينتج أنَّ هذه الأربعة دخيلةٌ وغيرها غير دخيل(3).
وهذا الوجه غير تامٍّ أيضاً؛ إذ بعد أن فُرض قيامُ دليلٍ من الخارج على أنَّ التكبيرة دخيلةٌ في المسمّى فقد انثلم هذا الحصر، فإنَّ هذا الحصر ليس شأنه
ــــــــــ[64]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 273، كتاب الصلاة، باب فرض الصلاة، الحديث 8، تهذيب الأحكام 2: 140، كتاب الصلاة، الباب9، الحديث2.
(2) انظر: التنقيح في شرح العروة الوثقى 15: 2.
(3) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 164.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
شأنَ المُطلقات بحيث لو ثبت خروج فردٍ منها تمسّكنا بالإطلاق بالنسبة للباقي، بل الحصرُ هنا قد ثبت بعنوان ثلث الصلاة. ومن المعلوم أنَّ عنوان الثلثيّة ينثلم حقيقةً بفرض وجودٍ رابع، سواءٌ وجد خامسٌ أم لا.
وحينئذٍ: ففي مقام الجمع بين هذه الرواية وبين ما دلّ على دخالة تكبيرة الإحرام لابدّ أن تحمل هذه الرواية على أنَّ المراد من الثلث: الأهميّة لدى المولى، من قبيل ما يقال في سورة التوحيد من أنَّها ثلث القرآن، أو أنَّها وسورة الفاتحة ثلثا القرآن(1)؛ لشدّة اهتمام الشارع بهما، وتنزيل سائر السور منزلة المعدوم إلى جانب أهميتها.
ومعه لا تبقى دلالةٌ على الحصر أصلاً؛ إذ لا منافاة بين كونه بمثابة الثلث وبين وجود أجزاء أخرى، فالجانب السلبي من كلامه لا دليل عليه.
أمّا الجانب الإيجابيّ من كلامه، وهو أنَّ السجود والركوع والطهارة والتكبير مقوِّمةٌ للمسمّى:
أمّا الثلاثةِ الأُوَلِ مقوِّمةً للمسمّى فقد استفاده من الرواية المثلِّثة.
ويرد على هذه الاستفادة: أنَّ كلمة (الصلاة) في هذه الرواية: إمّا أن نقول:
ــــــــــ[65]ــــــــــ
(1) المحاسن 1: 153، كتاب الصفوة، الباب 21، الحديث 77، الكافي 4: 644، كتاب فضل القرآن، الباب 12، الحديث 7، تهذيب الأحكام 2: 124، كتاب الصلاة، الباب 8، الحديث 237، وسائل الشيعة 6: 80، الباب 24 من أبواب القراءة في الصلاة، الحديث 1.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
إنَّ المراد منها الصلاة المأمور بها؛ بدعوى انصرافها إلى الصلاة المعهودة لدى المسلمين. وإمّا أن نقول: إنَّ المراد منها المسمّى والمعنى الموضوع له، وليس فيها نظر إلى باب الأمر.
فإن استظهرنا في أمثال هذه الروايات المعنى الأوّل، فمن الواضح أنَّ الرواية تكون دليلاً على مدخليّة الأمور الثلاثة في المأمور به، ولا تكون دليلاً على مقوّميّتها للمسمّى كما هو محلّ الكلام.
وإن أنكرنا هذا الانصراف وجمدنا على حاقِّ اللفظ، فتكون الرواية دالّةً على مدخليّة الثلاثة في المسمّى. لكنّنا نسأل عن الفرق بين هذه الثلاثة وبين فاتحة الكتاب في قوله: “لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب”(1)؛ فكما تحملون (الصلاة) على المسمّى، كذلك في هذه الرواية. فالمسمّى لا يوجد إلّا بالفاتحة. وكون الفاتحة لا تدخل أحياناً في الصلاة لا يوجب إلّا تقييداً في مدلول الرواية، وبه يثبت أنَّ الصلاة من غير الأخرس والناسي متقوِّمةٌ بفاتحة الكتاب. وقد بيَّنّا مراراً أنَّ الجامع على الصحيحي يمكن أن يكون جزءاً دخيلاً في حالةٍ وغيرَ دخيلٍ في حالة أخرى.
ــــــــــ[66]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 1: 196، الفصل التاسع، الحديث 2، مستدرك الوسائل 4: 158، الباب 1 من أبواب القراءة، الحديث 8، سنن الترمذي 2: 15، أبواب الصلاة، الباب 183، الحديث 247، سنن الدارمي 1: 312، كتاب الصلاة، الباب 36، الحديث 1242، مسند أحمد بن حنبل 2: 240، مسند الكثيرين من الصحابة، مسند أبي هريرة، الحديث 7268.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أمّا تكبيرة الإحرام، فقد استدَلّ على كونها دخيلةً في المسمّى بما دلّ على أنَّ افتتاح الصلاة التكبير؛ فهو ناظرٌ إلى المسمّى.
لكنّ الإنصاف أنَّه لا يوجد في الروايات الواردة في التكبير ما يصلح لإثبات ذلك.
ويمكن تقسيم هذه الروايات إلى عدّة طوائف:
الطائفة الأولى: ما دلّ على إجزاء تكبيرةٍ واحدةٍ في افتتاح الصلاة، كرواية زرارة: “أَدْنَى مَا يُجْزِئُ مِنَ التَّكْبِيرِ فِي التَّوَجُّهِ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ”(1).
ومن المعلوم أنَّ الإجزاء هنا إجزاءٌ بلحاظ الأمر لا بلحاظ المسمّى، أي: باعتبار امتثال الأمر لا باعتبار صدق المسمّى، فلا يدلّ على أنَّ التكبير مقوّمٌ للمسمّى.
الطائفة الثانية: ما دلّ على أنَّ التكبير أنف الصلاة، كرواية السكوني عن إسماعيل عن جعفر عن أبيه عن رسول الله في حديث، قال: “لِكُلِّ شَيْءٍ أَنْفٌ، وَأَنْفُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ”(2).
أمّا سنداً؛ فلأنَّ السكوني يروي عن النوفلي ومحمّد بن سعيد وكلاهما لم
ــــــــــ[67]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 137، كتاب الصلاة، الباب 20، الحديث 3، الوافي 8: 640، كتاب الصلاة، الباب 38، الحديث 8، وسائل الشيعة 6: 11، الباب 1 من أبواب تكبيرة الإحرام، الحديث 8.
(2) الكافي 6: 24، كتاب الصلاة، الباب 2، الحديث 16، وسائل الشيعة 4: 24، الباب 6 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 4.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
يثبت توثيقه(1).
وأمّا دلالة؛ فلأنَّ أنف الشيء ليس مقوِّماً له، فقد يُبتر أنفُ الشيء ويبقى العنوان محفوظاً.
الطائفة الثالثة: ما دلّ على أنَّ التكبير مفتاح الصلاة، كرواية ناصحٍ المؤذّن، عن أبي عبد الله في حديث، قال: “مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ”(2).
أمّا سنداً(3)؛ فلعدم توثيق ناصح المؤذِّن(4).
ــــــــــ[68]ــــــــــ
() راجع حول النوفلي: فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): 38، ذكر الطبقة الأولى، باب الحسن والحسين، الرقم 77، الفهرست (الطوسي): 59، باب الحاء، باب الحسين، الرقم 224، رجال ابن داود: 447، باب الحاء، الرقم 151، خلاصة الأقوال: 216، الفصل السادس في الحاء، الباب الثاني، الحسين، الرقم 9، معجم رجال الحديث 7: 112، باب الحاء، الرقم 3715. وراجع حول السكوني: فهرست أسماء مصنّفي الشيعة (رجال النجاشي): 26، ذكر الطبقة الأولى، باب الألف، الرقم 47، خلاصة الأقوال: 199، الفصل الأوّل: في الهمزة، الباب الثاني: إسماعيل، الرقم 3، الفوائد الرجاليّة: 235، الفائدة السادسة والثلاثون، تحقيق في حال السكوني، معجم رجال الحديث 4: 21، باب الهمزة، الرقم 1290.
(2) تهذيب الأحكام 3: 270، كتاب الصلاة، الباب 25، الحديث 95، الوافي 8: 1213، كتاب الصلاة، الباب 168، وسائل الشيعة 6: 10، الباب 1 من أبواب تكبيرة الإحرام، الحديث 7.
(3) وهذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها سنداً ودلالة. (المُقرِّر).
(4) لاحظ: معجم رجال الحديث 20: 131، باب النون، الرقم 12989.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وأمّا دلالةً؛ فلأنَّ مفتاح الشيء -بحسب الفهم العرفي- غيرُ دخيل في الشيء نفسه، وكما يتناسب هذا التعبير مع الجزء الداخل فهو يتناسب كذلك مع الجزء الخارج.
الطائفة الرابعة: ما دلّ على حصر افتتاح الصلاة بالتكبير، كرواية المجالس، بسنده إلى أنس، عن رسول الله، قال: “اللهُ أَكْبَرُ.. لَا تُفْتَتَحُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهَا”(1).
ولا يُمكن التعويل على هذه الرواية سنداً ودلالةً:
أمّا سنداً؛ فلضعف الطريق بعدّة من رجاله؛ باعتباره نبويّاً.
وأمّا دلالة؛ فلأنَّه إذا كانت (لا) نافيةً، فقد يقال بظهور الرواية في أنَّ افتتاح الصلاة دائماً هو التكبير. أمّا إذا كانت ناهية، فغاية ما تدلّ عليه الرواية هو الأمر بالتكبير. أمّا كون التكبير دخيلاً في المسمّى أم لا فلا تكون الرواية دالّةً عليه.
الطائفة الخامسة: ما دلّ على أنَّ تحريم الصلاة التكبير، كرواية القدَّاح، عن أبي عبد الله، عن النبي، قال: “افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ الْوُضُوءُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ”(2).
ومن الواضح جدّاً أنَّ معنى التحريم هو أن يحرَّم على الإنسان الإتيانُ بالمنافيات، وهو أجنبيٌّ عن باب دخله في المسمّى.
ــــــــــ[69]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 6: 12، الباب 1 من أبواب تكبيرة الإحرام، الحديث 12.
(2) الكافي 5: 202، كتاب الطهارة، الباب 46، الحديث 2، الوافي 6: 365، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 36، الحديث 1، وسائل الشيعة 6: 11، الباب 1 من أبواب تكبيرة الإحرام، الحديث 10. وفي بعضها ابن القدّاح.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الطائفة السادسة: هي أقوى الطوائف، وهي ما دلّ على أنَّه لا صلاة بدون افتتاح، كرواية عمّار، قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عَنْ رَجُلٍ سَهَا خَلْفَ الْإِمَامِ فَلَمْ يَفْتَتِحِ الصَّلَاةَ، قَالَ: “يُعِيدُ الصَّلَاةَ، وَلَا صَلَاةَ بِغَيْرِ افْتِتَاحٍ”(1)؛ فقد يقال: إنَّها تدلّ على نفي المسمّى بغير الافتتاح، فيكون الافتتاح مقوِّماً للمسمّى(2).
لكن يرد على ذلك:
أوّلاً: أنَّ هذه العبارة مقرونةٌ بقوله: “يُعِيدُ الصَّلَاةَ”، ومعنى ذلك: أنَّ ما أتى به صلاةٌ، ولذا فرض إعادته، وإلّا لم يكن معنىً للقول بالإعادة.
إذن، قد استعمل لفظ (الصلاة) في شخص هذا الخطاب في الصلاة الفاقدة للتكبير، وهو -على الأقلّ- صالحٌ ليكون قرينةً على أنَّ قوله: “لَا صَلَاةَ بِغَيْرِ افْتِتَاحٍ” يعني: من حيث الوظيفةُ، لا من حيث المسمّى؛ فقد اتّصل به ما يصلح للقرينيّة على الأقلّ، فيوجب الإجمال.
ثانياً: ننقض عليه بقوله: “لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب”(3)، وقوله: “مَنْ لَمْ يُقِمْ صُلْبَهُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ”(4)؛ إذ أيّ فرق بينها وبين قوله: “لَا
ــــــــــ[70]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 2: 354، كتاب الصلاة، الباب 16، الحديث 54، الوافي 8: 915، كتاب الصلاة، الباب 127، الحديث 8، وسائل الشيعة 6: 14، الباب 2 من أبواب تكبيرة الإحرام، الحديث 7.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 164.
(3) عوالي اللئالي 196:1، الحديث 2، مستدرك الوسائل 158:4، الحديث 5.
(4) المحاسن 81:1، كتاب عقاب الأعمال، الحديث 7، الكافي 320:3، باب الركوع وما يقال فيه، الحديث 4.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
صَلَاةَ بِغَيْرِ افْتِتَاحٍ”(1)؟! فإن استظهرنا هنا نفي المسمّى فلنستظهره هناك أيضاً؛ إذ لا فرق بينهما من حيث الاستفادة، لكن غاية الفرق بينهما: أنَّ “لَا صَلَاةَ بِغَيْرِ افْتِتَاحٍ” يشمل الناسي أيضاً، بينما “لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب” لا يشمله.
وقد ظهر بما ذكرناه أنَّه لا توجد رواية تامّة سنداً ولا دلالة بعنوان: “افتتاح الصلاة التكبير”(2)، وإنمّا مضامين الروايات هي ما ذكرناه، وهي لا تدلّ على المطلوب.
إذن، فلا الجانب السلبي من كلام السيد الخوئي يمكن إثباته بالروايات، ولا الجانب الإيجابي. وكما أنّ هذه المحاولة غير تامة، كذلك سائر الأدلّة التي استُدلّ بها للوضع للصحيح والأدلّة التي استدلّ بها للوضع للأعمّ.
أمّا الأدلّة التي ذكرت للوضع للصحيح فأهمّها أربعة:
الاستدلال بالآيات والروايات التي ترتّب الآثار على عنوان (الصلاة)، كما في قوله تعالى: إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ(4)، أو في: “الصَّلَاةُ
ــــــــــ[71]ــــــــــ
() تهذيب الأحكام 354:2، باب أحكام السهو، الحديث 53، وسائل الشيعة 716:4، أبواب تكبيرة الإحرام، الحديث 7.
(2) أو “الصلاة افتتاحها التكبير”. (المُقرِّر).
(3) لاحظ: هداية المسترشدين 1: 447، بدائع الأفكار (الرشتي): 134.
(4) العنكبوت: 45.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
مِعْرَاجُ المُؤْمِنِ”(1)، وذلك بدعوى أنَّ هذا المحمول لا يناسب الصلاة الفاسدة، بل هو محمولٌ للصحيحة خاصّة، ومع هذا فقد رُتِّب الأثرُ على طبيعيِّ الصلاة، فيثبت بذلك أنَّ طبيعيَّ الصلاة وعنوانها مختصّان بخصوص الصحيح منها؛ إذ لو كانت موضوعةً للأعمّ لَمَا أمكن هذا الحملُ عليها، بل كان ينبغي أن يقال: (إنَّ بعض الصلاة ينهى عن الفحشاء والمنكر).
وهذا الاستدلال غيرُ تامٍّ؛ لوجوه:
منها(2): إنَّ هذا الاستدلال يكون من باب تعيين التخصيص في موارد دوران الأمر بين التخصيص والتخصّص؛ فإنّنا نعلم من الخارج أنَّ الصلاة الفاسدة خارجةٌ عن موضوع هذه القضيّة: “الصلاة معراجُ المؤمن”، ويدور أمرُ خروجها بين أن يكون خروجاً تخصّصيّاً -بمعنى أنَّها ليست بصلاة أصلاً، كما هو الحال على الصحيح- وبين أن يكون تخصيصيّاً -كما هو الحال على الأعمّ-، فيكون الأمر دائراً بين التخصيص والتخصّص.
فإذا قلنا في مثل هذا المورد بأصالة عدم التخصيص وتعيُّن التخصّص، فعندها يكون لهذا الاستدلال وجه، ويثبت أنَّ الفاسدة ليست بصلاةٍ أصلاً.
لكن بناءً على أنّه في مثل ذلك لا تجري أصالة عدم التخصيص -كما هو المعروف والمختار في باب المطلقات- فلا يمكننا تعيينُ كون خروج الصلاة
ــــــــــ[72]ــــــــــ
(1) بحار الأنوار 79: 248، كتاب الصلاة، الباب 2، ذيل الحديث 2.
(2) لاحظ: نهاية الأفكار 1: 88، 89، بدائع الأفكار (العراقي) 1: 136، منهاج الأصول 1: 101.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الفاسدة عن موضوع الخطاب خروجاً تخصيصيّاً كما يقول الأعمّي، أم تخصّصيّاً كما يقول الصحيحي.
الاستدلال بالروايات النافية للصلاة بانتفاء بعض الأجزاء، من قبيل قوله: “لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب”(1) وقوله: “مَنْ لَمْ يُقِمْ صُلْبَهُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ”(2)؛ فإنَّ هذا النفي ظاهرٌ بانتفاء أصل المسمّى، فيدلّ على دخل الفاتحة في المسمّى، وهي ليست ركناً، فيثبت بعدم احتمال الفرق أنَّ سائر الأجزاء كذلك.
ويرد على هذا عدّة اعتراضات:
منها: أنّ لفظ (الصلاة) في أمثال ذلك:
إن قلنا: إنَّها منصرفةٌ إلى الصلاة المأمور بها، فيخرج عن محلّ الكلام ولا يدلّ على دخل الفاتحة في المسمّى، وإنّما يدلّ على دخلها في الأمر.
وإن منعنا هذا الانصراف وحملنا لفظ (الصلاة) على المسمّى، فيقع التعارض بين أمثال هذه الأحاديث الدالّة على الوضع للصحيح وبين رواية التثليث الدالّة على الوضع للأعمّ. وكما يمكن الجمع بينهما بتقديم هذه الرواية وحمل التثليث على الأهميّة، كذلك يمكن العكس بتقديم رواية التثليث وحمل
ــــــــــ[73]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي 196:1، الحديث 2، ومستدرك الوسائل 158:4، الحديث 5.
(2) المحاسن 1: 80، كتاب عقاب الأعمال، الباب 3، الحديث 7، الكافي 6: 167، الباب 24، الحديث 4، وسائل الشيعة 5: 489، الباب 2 من أبواب القيام، الحديث 2.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
هذه الرواية على أنَّه لا صلاة صحيحةً إلّا بفاتحة الكتاب.
دعوى قيام سيرة العقلاء المخترعين على أنّهم إذا اخترعوا شيئاً فإنّهم يضعون اللفظ لخصوص الصحيح منه، وبحكم كون الشارع واحداً منهم فإنَّه لم يتخطَّ طريقتهم، بل أمضى هذه السيرة ووضع اللفظ للصحيح من مختَرَعِه، لا للجامع الأعمّ(1).
وهذا لا محصَّل له؛ إذ لو سلّمنا السيرة كيف نستكشف إمضاء الشارع لها؟!
وتوضيحه: أنَّ السيرة العقلائيّة:
تارةً: يفرض أنَّها سيرةٌ مرتبطةٌ بالعبيد، من قبيل العمل بخبر الواحد والأخذ بالظواهر؛ ففي هذه الصورة يُستكشف من عدم ردع الشارع عن الأخذ بهذه السيرة إمضاؤه إيّاها؛ لأنَّه لو لم يكن راضياً بها وهو يرى المكلّفين يعملون بخبر الواحد -مثلاً- لوجب عليه ردعهم عن ذلك، فيُستكشَف من عدم ردعه موافقتُه لهم وإمضاؤه إيّاهم على العمل بهذه السيرة.
وأخرى: لا تكون السيرة مرتبطةً بعمل المكلّفين بما هم مكلّفون، بل تكون أجنبيّةً عن دائرة الشرع، وذلك كما في المقام. وفي هذه الحالة، سواءٌ كان ذوق الشارع موافقاً لسيرتهم أم مخالفاً، فإنَّه ليس من الضروري أن يردعهم عنها؛ لأنَّ عملهم بالسيرة ليس مرتبطاً بعالم الامتثال، فلا يجب ردعهم عنه، وبالتالي
ــــــــــ[74]ــــــــــ
(1) لاحظ: نهاية الأفكار 90:1، كفاية الأصول: 30.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
فلا يمكن أن نستكشف من عدم ردعه موافقته ذوقاً مع هذه السيرة.
إلّا أن يرجع ذلك إلى توجيهٍ أشرنا إليه سابقاً(1)، وذلك بأن يقال: إنَّه إذا صدر من الشارع وضعٌ -مثلاً- وتردّد الأمر ولم يصرِّح بأنَّه قد وَضَعَه لخصوص الصحيح أم للأعمّ، فحينئذٍ يقال: إنَّ انعقاد سيرة العقلاء على الوضع لخصوص الصحيح يوجب انعقاد ظهورٍ في كلام المولى في أنَّه قد وضع اللفظ لخصوص الصحيح، فيرجع الأمر إلى ظهور كلام المولى، فيكون حجّة.
ولكنّ إثبات مثل هذه السيرة -بنحوٍ تكون أكيدةً ومركوزةً بحيث توجب قرينةً لبيّةً متّصلةً- غير ممكنٍ عادةً؛ لأنَّها ليست سيرةً شائعةً ذائعة؛ إذ ما أقلّ المخترعين في العالم!
فإنَّه إذا قيل لنا: (فلانٌ صلّى) أو: (أنا صلّيت في المسجد) فإنَّه يتبادر من ذلك أنَّه صلّى صلاةً صحيحة، لا أنّ ما أتى به عبارة عن أفعالٍ بدون استقبالٍ وطهارةٍ وترتيب، والتبادر علامةُ الحقيقة.
ولا محصَّل لهذا الوجه أيضاً؛ لأنَّ التبادر إنّما يكون علامةً على الحقيقة إذا كان تبادراً حاقّيّاً ناشئاً من حاقّ اللفظ، لا من القرينة. واحتمالها هنا موجودٌ ولا يمكن رفعه؛ لأنَّ القرينة هنا هي المعهوديّة النوعيّة للصلاة الصحيحة، وهي
ــــــــــ[75]ــــــــــ
(1) راجع الصفحة: 54.
(2) القوانين المحكمة في الأصول 1: 107، هداية المسترشدين 1: 442، مفاتيح الأصول: 44، بدائع الأفكار (الرشتي): 145، كفاية الأصول: 29.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
توجب انصراف الذهن إلى خصوص الصحيح. ولا يمكن أن نمتحن ذهننا من دون هذه القرينة؛ لأنَّها قرينةٌ موجودةٌ في ذهننا دائماً. ومعه، لا يكون هذا التبادر علامةً على الوضع.
الأدلّة التي استُدِلَّ بها على الأعمّ أهمُّها أربعة:
إذ يصحّ أن نقسّم الصلاة إلى صحيحة وفاسدة، وهذا دليلٌ على أنَّها موضوعةٌ للأعمّ.
وهذا الكلام غير صحيح؛ لأنَّ صحّة التقسيم تشتمل على أمرين:
الأمر الأوّل: أنَّه يوجد للفظ (الصلاة) معنىً جامعٌ أعمّيٌّ قابلٌ للانقسام إلى الصحيح والفاسد، وهذا أمرٌ لا إشكال فيه.
الأمر الثاني: أنَّ هذا المعنى الأعمّي هل هو معنىً مجازيٌّ عنائيٌّ للفظ (الصلاة) أم أنَّه معنىً حقيقيّ؟!
فإن أريد بالاستدلال بصحّة التقسيم للوضع للأعمّ الاستدلالُ بالأمر الأوّل فقط، فهو لا يدلّ على المطلوب؛ لأنَّ الجامع موجود، ولكنّه قد يكون معنىً مجازيّاً.
ــــــــــ[76]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار: 14، هداية المسترشدين 1: 458، 461، بدائع الأفكار (الرشتي): 148.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وإن أريد الاستدلالُ بمجموع الأمرين، فهو محالٌ؛ لأنَّ الأمر الثاني هو عينُ المُتَنازَعُ فيه، فكيف يُجعل دليلاً على المطلوب؟!
نعم، يصلح أن يكون هذا منها لو كنّا عالمين حقيقةً بالوضع للأعمّ، لا أنَّه دليلٌ لتحصيل العلم بذلك.
وذلك من خلال الاستشهاد بموارد كثيرة استعمل فيها لفظ (الصلاة) في الأعمّ، من قبيل روايات: “أَعِدِ الصّلَاةَ”(2)؛ لأنَّ ما وقع خارجاً صلاةٌ باطلة، ومع هذا اعتُبِرَ صلاةً، ولهذا أمر فيه بالإعادة، التي تعني تكرارَ الصلاة. فهذا شاهدٌ على أنَّ لفظ (الصلاة) قد استعمل في الأعمّ.
وحينئذٍ نقول: إنَّ هذا الاستدلال أيضاً غيرُ صحيح؛ لأنّنا عندما نريد الاستدلال بهذا الاستعمال، فإنّنا:
تارةً: نقطع بأنَّ هذا اللفظ قد استعمل في المعنى الأعمّ، ثمّ نستدلّ بهذا الاستعمال على أنَّ اللفظ حقيقةٌ في الأعمّ.
وهذا استدلالٌ مغلوط؛ لأنّنا إن استدللنا بمجرّد استعماله في الأعمّ فإنَّ الاستعمال في الأعمّ أعمّ من الحقيقة والمجاز.
وأخرى: نقطع بأنَّ هذا اللفظ قد استعمل في المعنى الأعمّ بلا عنايةٍ وعلى وجه الحقيقة، ثمّ نستدلّ بهذا الاستعمال على أنَّ اللفظ حقيقةٌ في الأعمّ.
ــــــــــ[77]ــــــــــ
(1) انظر: هداية المسترشدين 1: 461، 462.
(2) مستدرك الوسائل 1: 476، الباب 26 من أبواب الجنابة، الحديث 2.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهذا استدلالٌ بالشيء على نفسه؛ لأنّنا إذا عرفنا أنَّه مستعملٌ بلا عناية فقد عرفنا أنَّه موضوعٌ للأعمّ.
ولا يمكن اللجوء إلى أصالة الحقيقة لإثبات كونه حقيقةً في الأعمّ؛ لِما بُيِّن في محلّه(1) من أنَّ أصالة الحقيقة إنّما تجري إذا شُكَّ في المراد، لا في ما إذا عُلِم المرادُ وشُكَّ في أنَّ الاستعمال حقيقيٌّ أم مجازيّ.
نعم، لو فُرِض وجودُ استعمالٍ لا نرى فيه -بحسب وجداننا- عنايةً أصلاً، لكنّنا لا ندري أنَّه استعمالٌ في الأعمّ أم في الصحيح، فإنَّ ذلك يُبرهن لنا على أنَّه استعمالٌ في الأعمّ، فيثبُت بذلك مساعدة وجداننا على أنَّ الأعمّ معنىً حقيقيٌّ لا مجازيّ.
إلّا أنَّ هذا مرجعه إلى المنبّهيّة لا أكثر، أي: لابدَّ أن نكون عالِمين ارتكازاً بأنَّ اللفظ موضوعٌ للأعمّ ومستعملٌ فيه. وبالتالي فهذا يعني التنبيه على ما هو معلومٌ سابقاً، لا أنّنا نكتسب علماً جديداً. ونحن لا نجد بوجداننا فرقاً بين: “أَعِدِ الصّلاةَ مِنْ سَجْدَةٍ” و “أَعِدِ الصّلاةَ مِنْ رَكْعَةٍ”، مع أنَّ الفاقدة للركعة ليست بصلاة حتّى عند الأعمّي، إلّا إذا قلنا: إنَّ الجامع ليس عبارةً عن الأركان، بل هو مجموع الأجزاء.
وهو ما ادّعاه المحقّق الأصفهاني(2)؛ حيث ذهب إلى أنَّ سيرة المخترعين
ــــــــــ[78]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في الأصول 4: 316، منهاج الأصول 2: 312.
(2) نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 83.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
العقلاء منعقدةٌ على الوضع للأعمّ، لكن بلحاظ الشرائط لا الأجزاء. وهذا من قبيل الطبيب الذي يصنع دواءً (معجوناً) من عشر موادّ، ويكون تأثيرُه متوقّفاً على استعماله في وقتٍ مخصوص -كوقت الحرّ، أو قبل الأكل- وضمن شرائط معيّنة؛ فإذا وضع الطبيب لفظاً لهذا الدواء فإنَّه يضعه للدواء المستجمِع للأجزاء التي يتركّب منها، وأما شرائط التأثير فلا يأخذها في المسمّى.
فهو أعمّيّ بلحاظ الشرائط، وإن كان صحيحيّاً بلحاظ الأجزاء، والشارع لم يتخطَّ هذه السيرة.
والجواب عن هذا الوجه -مضافاً إلى ما تقدّم-: أنَّ هذا خلطٌ بين المقامين؛ فإنَّ الوقت المعيّن شرطٌ لتناول الدواء، وليس شرطاً للدواء نفسه، وشروط الدواء عبارةٌ عن لونه وكثافته مثلاً، بخلاف الوقت؛ فإنَّه من شروط تناوله، ولعلّ الشارع يأخذ في التسمية شروطَ الذات (الدواء) ولا يأخذ شروط تناوله.
وفي المقام، فإنَّ دواءَ الشارع ومختَرَعَه عبارةٌ عن نفس العمل؛ فنسبة الطهارة إلى الصلاة ليست هي نسبة الحرارة أو الوقت بالنسبة إلى الدواء، بل هي نسبة اللون إلى الدواء. فالطهارة والاستقبال شروطٌ لنفس المخترَع، وليس حالُها حالَ الشروط التي أُشير إليها.
حيث يُقال في المقام(1): إنَّ المتبادر هو الأعمّ؛ فلو أطلق لفظ (الصلاة) مع
ــــــــــ[79]ــــــــــ
(1) لاحظ: مطارح الأنظار: 14، هداية المسترشدين 1: 458، بدائع الأفكار (الرشتي): 147، كفاية الأصول: 30.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
عدم وجود قرينةٍ على إرادة خصوص الصحيح منها كان المتبادَر هو الأعمّ، والتبادر علامةٌ على الحقيقة.
والجواب عن هذا الوجه: أنَّه لو سُلِّم هذا التبادر فغاية ما يكشف عنه هو الوضع في عصر التبادر، لا في عصرٍ سابقٍ عليه.
وتوضيحه: أنَّ القائلَ بالأعمّ هل يقصد بالتبادر الذي يدّعيه: التبادرَ في أذهاننا؟ أم التبادرَ في عصر رسول الله؟!
فإن كان يقصد به التبادرَ في زمن صدر الإسلام، فهذا ممّا لا سبيل لنا إلى معرفته، وإنّما سبيلُنا إلى معرفة التبادر في هذا الزمان.
وإن كان يقصد به التبادرَ في هذا الزمان فغاية ما يكشف عنه -لو سُلِّم- هو الوضع في هذا الزمان، ولا يكشف عن أنَّ لفظ (الصلاة) كان من أوّل الأمر موضوعاً للصحيح، ثمّ لكثرة استعمال المتشرّعة في الأعمّ نقل اللفظ إلى الأعمّ.
فإن قيل: إنّنا نُثبت بالتبادر الوضعَ في زماننا هذا، ثمّ نلجأ إلى أصالة عدم النقل لإثبات المطلوب.
قلنا: إنَّ أصالة عدم النقل إنّما تجري فيما لو لم نُحرز وجودَ مقتضٍ صالحٍ للنقل في نفسه، أمّا مع وجوده فلا تجري. وفي المقام الأمر كذلك.
فإنَّ لفظ (الصلاة):
إن كان موضوعاً من أوّل الأمر للأعمّ، فهو المطلوب.
وإن كان موضوعاً للصحيح، فقد وُجد مقتضٍ جزميٌّ للنقل إلى الأعمّ،
ــــــــــ[80]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهو كثرة استعمال المتشرّعة في الأعمّ، بنحوٍ لو كان موضوعاً للصحيح من أوّل الأمر لَكَان ملاكاً كافياً لنقله إلى الأعمّ. وفي مثل ذلك لا تجري أصالة عدم النقل.
إذن، فالاستدلال بالتبادر للأعمّ غيرُ صحيح.
اتّضح ممّا تقدّم أنَّ أدلّة كلٍّ من الصحيحيِّ والأعمّي -إلى جانب ما استفيد من الروايات- لا يمكن التعويل عليه.
وما يمكن أن يقال في المقام: هو ضرورة الرجوع إلى مسألة الحقيقة الشرعيّة فنرى:
إنْ انتهينا هناك إلى أنَّ الألفاظ الشرعيّة كانت موجودةً قبل الشارع، وأنَّ الشارع قد استعملها في معانيها الموجودة -كما استقربناه سابقاً(1)-، فحينئذٍ لا ينبغي الإشكال في أنَّ أسماء العبادات أسماءٌ للأعمّ؛ إذ لا معنى لأن يقال: إنَّ لفظ (الصلاة) كان قبل الشارع موضوعاً لما هو صحيحٌ عند الشارع، والمفروض أنَّ الشارع لم يُحدث وضعاً جديداً، وإنّما استعمل الألفاظ الشرعيّة في معناها المعروف.
فلا بد أن يقال: إنَّ هذه الألفاظ موضوعةٌ في البيئة العربيّة قبل الإسلام لجامع مرنٍ قابلٍ للتغيير والتبديل بنحو يكون منطبقاً على الشكل الإسلامي
ــــــــــ[81]ــــــــــ
(1) راجع: محاضرات في علم أصول الفقه 385:1.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
للعبادة وعلى غيره على حدٍّ سواء. وأمّا إذا اقلنا: إنَّ الشارع قد حصل منه وضعٌ جديدٌ، فهنا علينا أن ننظر إلى هذا الوضع:
فإن كان الوضع تعيّنيّاً فالظاهر أنّنا سوف ننتهي إلى النتيجة السابقة نفسها، ويكون اللفظ موضوعاً للأعمّ؛ لأنَّ الوضع التعيّني ينشأ من كثرة الاستعمال. ومن الواضح للمتتبّع في كلمات الشارع أنَّ الاستعمال في الأعمّ كثيرٌ جدّاً، بل لم نحرز -حتّى في موردٍ واحدٍ- استعمالَ اللفظ في الصحيح بخصوصه؛ فإنَّ الجامع الأعمّي ينطبق على الصحيح، فيكون الاستعمال في الأعمّ، ويُراد الصحيحُ بوصفه مصداقاً للأعمّ وحصّةً منه.
إذن، فالكثرة محرَزَةٌ بحيث توجب العلاقة بين اللفظ والمعنى، ولا نريد بالوضع للأعمّ إلّا هذا المعنى.
نعم، لو قلنا: إنَّ الوضع التعييني من الشارع، فاثبات أنّ هذا الوضع وضعٌ للصحيح أم للأعمّ في غاية الإشكال.
إلّا أنَّ هذا الاحتمال أضعف الاحتمالات.
وعليه، فالظاهر أنَّ ألفاظ العبادات موضوعةٌ للأعمّ(1).
هذا تمام الكلام في بحث الصحيح والأعمّ في العبادات.
ــــــــــ[82]ــــــــــ
() قال السيّد: “إنّنا نجد بوجداننا أنَّ المتبادر من (الصلاة) فعلاً جامعٌ مهملٌ يعبِّر عن الهيئة العامّة للصلاة، بغضّ النظر عن جزئيّات الأجزاء”. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الصحيح والأعمّ في المعاملات
ــــــــــ[83]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ويقع الكلام في جهات:
إنّ الصحّة في باب العبادات صحّةٌ شرعيّةٌ، بينما نواجه في باب المعاملات صحّتين: صحة شرعيّة، وصحة عقلائيّة؛ لأن للشارع فيها أحكاماً، وللعقلاء فيها أحكاماً.
ومن هنا يقع الكلام في أنَّ النزاع فيما بين الصحيحيّ والأعمّي هل هو في الصحّة العقلائيّة أم في الصحّة الشرعيّة؟ فهل يدّعي الصحيحيُّ أنَّ المأخوذ في مدلول البيع هو الصحّة الشرعيّة؟ أم يدّعي أنَّ المأخوذ فيه هو الصحّة العقلائيّة؟!
ذهب السيّد الأستاذ(1) إلى أنَّ النزاع إنّما هو في الصحّة العقلائيّة؛ أمّا الصحّة الشرعية فلا ينبغي الإشكال عند الطرفين في أنها غير مأخوذة، لأنه لا يعقل أخذ الصحّة الشرعية في مدلول البيع؛ إذ لو كان لفظُ البيع موضوعاً
ــــــــــ[85]ــــــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه 1: 193-196.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
للصحيح الشرعي لَلَزِم أن يكون معنى أدلّة الإمضاء -نحو: وَأَحَلَّ ٱللهُ ٱلبَيعَ(1)– تصحيح البيع الصحيح، وهو لغوٌ من الكلام.
وهذا الكلام من الغرائب؛ فلو كان المُراد من الصحّة الشرعيّة -التي أفيد بأنَّه لا يُعقل أن تُؤخذ في مسمّى البيع- عنوانَها، بحيث يكون لفظ (البيع) معناه الصحيح شرعاً. فهذا لا يعقل أن يكون مأخوذاً في دليل الإمضاء؛ لأنَّ مرجعه إلى أنَّ الشارع قد صحّح الشيء الصحيح.
ولكن كما لا يُعقل أخذُ الصحّة بهذا المعنى في موضوع إمضاء المعاملات، فكذلك لا يمكن أخذُها بهذا المعنى في موضوع الأمر بالعبادات؛ لأنَّ الصحّة هي المطابَقَة للأمر، فلا يعقل أن تُؤخذ الصحّة موضوعاً للأمر.
وليس مراد الصحيحيّ من أخذ الصحّة أخذَ عنوانِ الصحّة الشرعيّة ومفهومِها، بل مرادُه واقع الصحيح، أي: واقع تلك الأجزاء والشرائط التي لها -في علم الله تعالى- دخلٌ في المطلب.
وحينئذٍ، فأيُّ إشكالٍ في أن يكون البيعُ في دليل الإمضاء -وَأَحَلَّ ٱللَّـهُ ٱلبَيعَ-بمعنى التمليك بعوض، الجامع للشرائط؟! فإنَّ هذا الكلام صحيحٌ وليس لغواً.
وعليه لا يكون أخذ الصحّة الشرعيّة في المسمّى منشأً للإشكال أصلاً، لا في المعاملات ولا في العبادات. ومعه، فلا دليل على انحصار النزاع في خصوص الصحّة العقلائيّة دون الشرعيّة، بل يتأتّى النزاع في كلتيهما.
ــــــــــ[86]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
قالوا(1): إنَّ النزاع في باب المعاملات إنّما يجري بناءً على وضع ألفاظ المعاملات للأسباب، بخلاف ما لو كانت موضوعةً للمسبّبات فلا معنى لهذا النزاع، لأنّ السبب باعتباره مركباً من أجزاء ومقيَداً بشرائط يتصف بالتّمامية والنقصان، وبالتالي بالصحّة والفساد.
أمّا في جانب المسبّبات، فالمسبب هو نتيجة لمعاملة، أي: تمليك عين بعوض في البيع، ونحو ذلك في غيره، وهذه الأمور بسيطة لا تقبل التمامية والنقصان، بل تقبل الوجود والعدم، فاذا تم السبب كانت موجودةً، وإلّا فهي معدومة.
وحينئذ إذا كانت ألفاظ البيع والاجارة -مثلاً- موضوعة للأسباب –أي: للأنشاءات- فيعقل النزاع بين الصحيحي والأعمّي، بحيث يقول الصحيحي: إنّها موضوعة للإنشاء المستجمع كل الأجزاء والشرائط.
أمّا الأعمّي فيقول: إنّها موضوعة للجامع بين المستجمع والفاقد.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
(1) لاحظ: كفاية الأصول: 32، 33، بحوث في الأصول: 38، 39، جواهر الأصول 1: 350.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وأمّا إذا قلنا: إنَّ أسماء المعاملات موضوعة للمسبّبات كتمليك العين بالعوض، فلا معنى لوقوعه فاسداً، بل وجود النتيجة هو عين الصحّة وواقعها، فلا معنى للنزاع فيه.
وقد ناقش السيّدُ الأستاذ في ذلك(1) بناءً منه على إنكار المسبَّبات إلّا بالمعنى الذي اختاره؛ حيث ذكر أنَّ للسبب والمسبَّب معنيين:
فإنَّه تارة يُقصد من السبب: الإنشاءُ الذي يصدر من المكلَّف. ومن المسبَّب: حكمُ الشارع أو العقلاء بالملكيّة بعوض.
وأُخرى يُقصد من السبب: الإنشاءُ اللفظي أو الفعلي، أي: ما يُبرزُ الإنشاء، سواءٌ أ كان قولاً أم فعلاً. ومن المسبَّب: الاعتبارُ الشخصي القائم في نفس البائع؛ فإنَّه عندما يبيع الكتاب لزيدٍ يعتبره مالكاً له بعوضِ درهمٍ وهو المسبب.
أمّا المعنى الأوّل وهو أن يُرادَ بالمسبَّب التمليكُ بحكم الشارع أو العقلاء، فهذا المعنى غيرُ واردٍ في المقام؛ إذ المسبَّب بهذا المعنى فعلٌ للشارع أو العقلاء لا البائع، فإنَّ الذي يحكم به هو ذلك، فلا يحتمل أن يُقال: إنَّ لفظ (البيع) موضوعٌ للمسبَّب؛ إذ لا إشكال أنَّه موضوعٌ لما يكون فعلاً للبائع، ولذا يُنسب إليه في مثل قولنا: (باع، يبيع)، ولو كان اسماً للمسبب بالمعنى الأوّل لكان فعلاً للشارع لا للبائع، وهو خلاف الوجدان، فهذا غير داخل في احتمالات المسألة.
ــــــــــ[88]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 195.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
والتردد في أن الالفاظ موضوعة للأسباب أم للمسبّبات إنما هو بلحاظ المعنى الثاني، وبلحاظ ذلك يتصف كل منهما بالصحّة والفساد، فإن الانشاء يتصف بهما، وكذلك الاعتبار النفساني القائم في نفس البائع؛ فإنْ كان قد صدر من البائع بلا إكراهٍ وأُبرز بلفظ دال عليه يحكم بصحته، وإنْ صدر من غير أهله حكم بفساده.
إذن، النزاع كما يجري بناءً على أن تكون أسماء المعاملات موضوعةً للأسباب، كذلك يجري لو كانت موضوعةً للمسبّبات.
اتّضح لنا -على ضوء ما تقدّم- أنَّ ما أفاده السيّد الأستاذ -بناءً على المعنى الثاني الذي اختاره للسبب والمسبَّب- صحيحٌ. غير أنَّ من المعلوم أنَّ المشهور يريدون المعنى الأوّل، لا الثاني، وبناءً عليه قالوا بعدم اتّصاف المسبَّب بالصحّة والفساد.
أمّا إشكالُ السيّد الأستاذ(1) على المعنى الأوّل من أنَّ المسبَّب حكمٌ شرعيّ، وهو من أفعال الشارع لا البائع، فلا يُحتَمَلُ أن يكون اللفظُ موضوعاً له -فجوابُه-: أنَّ المسبَّب بالمعنى الأوّل وإن كان فعلاً مباشريّاً للشارع، ولكنّه فعلٌ تسبيبيٌّ للبائع، فيُنسَبُ إلى البائع فعلان:
مباشريّ، وهو الإنشاء، وتسبيبيّ، وهو التمليك بعوض، أي: نتيجة المعاملة.
ــــــــــ[89]ــــــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه 1: 195.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وإن شئتم قلتم: إنَّ للتمليك بعوضٍ فاعلين: أحدهما مباشريّ، وهو الشارع. والآخر تسبيبيّ، وهو البائع. فبلحاظ كون الفعل تسبيبيّاً يُنسب إلى البائع ويكون من أفعاله، وذلك من قبيل الإحراق الذي يُنسب إلى زيدٍ باعتباره مسبِّباً له من خلال إلقاء الورقة في النار، في حين إنَّ المباشِر للإحراق هو النار. وهذا الفعلُ التسبيبيُّ مقصودٌ ضمناً من المعاملة؛ لأنَّ المقصود ضمناً من كلّ معاملةٍ هو التسبُّب إلى النتيجة.
فقد يُتخيَّل أنَّ البائعَ والمشتري إنّما يوقِعان الإنشاءَ والاعتبارَ فقط، وهو ليس كذلك؛ فإنَّ هذا الاعتبار وإن كان موجوداً في نفس المتبايِعَيْنِ، إلّا أنَّه موجودٌ بوجودٍ أداتيٍّ استطراقيٍّ بهدف دخولهما تحت اعتبارٍ قانونيٍّ من قِبَل الشارع، سواءٌ أ كان شارعاً عقلائيّاً أم إلهيّاً؛ فإن الاعتبارين من البائع والمشتري إن أُريد بهما التوصُّل إلى النتيجة التكوينيّة المتمثّلة في حصول الثمن في يد البائع وحصول المشتري على الكتاب مثلاً، فهذا غيرُ متوقِّفٍ على الاعتبار(1)؛ فيكون الاعتبار لغواً.
ومن هنا، فإنَّ ما يستهدفه المتبايعانِ من الاعتبار هو إيجادُ الإلزام من الطرفين. ومرجعُ هذا الإلزام إلى قانونٍ يعلو على إرادَتَيهما الخاصّتين مجعولٍ من قبل الشارع الإلهي أو العقلائي، بل حتّى لو كان مجعولاً من قبلهما لو لم يكن هناك وجودا لغيرهما.
إذن، فالاعتباران يمثّلان تطبيقاً لقانونٍ ملزِمٍ لابدَّ من افتراضه في مرتبةٍ
ــــــــــ[90]ــــــــــ
() بل يتوقف على مجرد التوافق بين الإرادتين. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
سابقة، كما لو قال الشارع: (من ملّك كتابَه لشخصٍ آخر بدرهمٍ لزمه ذلك)، ولولا هذا القانون لكان الاعتبارُ لغواً صرفاً.
وإذا اتّضح أنَّ للبائع فعلين -أحدهما: مباشريّ، وهو الإنشاء. والآخر: تسبيبيّ، وهو النتيجة- كان النزاعُ في المسبَّبات بالمعنى الأوّل أمراً معقولاً؛ فكما يُعقل أن يكون لفظُ (البيع) موضوعاً للأسباب، كذلك يُعقل أن يكون موضوعاً للمسبَّبات.
وبذلك يصحُّ ما ذهب إليه المشهور من أنَّ ألفاظ المعاملات إذا كانت موضوعةً للأسباب فالنزاع في الصحيح والأعمّ معقولٌ، وإذا كانت موضوعةً للمسبَّبات -بالمعنى الذي شرحناه- فلا محصَّلَ للنزاع.
ــــــــــ[91]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
تقدّم في بحث العبادات أنَّه:
بناءً على القول بالصحيح: لا يجوز التمسّكُ بالاطلاق إذا شك في جزئية شيءٍ أو شرطيته للعبادة لنفيها، إذ بناءً على الصحيح يكون الخطاب مجملاً، ويُحتمل عدمُ انطباق عنوان (الصلاة) على فاقد السورة، فكيف يُتمسَّكُ بالإطلاق لنفي جزئيّتها؟!
وهذا بخلافه على المعنى الأعمّ؛ فإنَّه يمكن التمسّك بالإطلاق لنفي هذه الجزئيّة بعد انحفاظ الأركان المقوِّمة للمسمّى.
وهذا الكلام يأتي بعينه في المعاملات، فإنَّه إن قيل: بأنَّ أسماء المعاملات موضوعةٌ للصحيح وأريد بالصحّة: الصحّةُ الشرعيّة، فحينها يكون لفظُ (البيع) موضوعاً للإنشاء الجامع للشرائط، فإذا شُكَّ في شرطيّة شيءٍ شرعاً أو جزئيّته، فلا يمكن التمسُّك بإطلاق قوله تعالى: وَأَحَلَّ ٱللهُ ٱلبَيعَ(1) ونحوه
ــــــــــ[92]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
لإثبات صحّة هذا البيع؛ باعتبار أنَّه لم يُحرَز انطباقُ عنوان الصحيح الشرعيِّ على فاقد الخصوصيّة.
وأمّا بناءً على القول بالصحيح العقلائي -حيث يُؤخَذُ في مدلول ألفاظ المعاملات الصحّةُ العقلائيّة- فما يُشكُّ في دخله في البيع:
إن كان يُشَكُّ في دخله في الصحّة العقلائيّة رأساً بحيث يُحتمل عدم صحّة المعاملة عقلائيّاً بدونه، ففي هذه الصورة أيضاً لا يصحّ التمسُّكُ بالإطلاق.
وإن أحرزنا عدم دخله في الصحّة العقلائيّة لكنّنا احتملنا دخلَه في الصحّة الشرعيّة -من قبيل كون الإنشاء باللفظ-، فلا بأس حينئذٍ بالتمسّك بالإطلاق؛ لانطباق عنوان البيع على هذه المعاملة يقيناً -باعتبار انحفاظ الصحّة العقلائيّة فيها-، وإنّما الشكّ في صحّتها شرعاً، فيُمكن التمسُّكُ بالإطلاق لإثبات صحّتها شرعاً.
وأمّا بناءً على أنَّ لفظ (البيع) موضوعٌ لمطلق التمليك بعوض وإن لم يكن صحيحاً شرعاً ولا عقلائيّاً، فيجوز حينئذٍ التمسّكُ بالإطلاق لنفي ما يُحتمل دخلُه، سواءٌ ما يُحتمل دخلُه شرعاً أم عقلائيّاً؛ لأنَّ لفظ (البيع) محرَزُ الانطباق على الفاقد، فيثبت بالإطلاق صحّتُه.
وهذا الكلام صحيحٌ، إلّا أنَّه بالإمكان أن يُقال في المقام -كما في الكفاية(1)-: بأنَّه حيث يمتنع -على القول بالوضع للصحيح- التمسُّكُ بالإطلاق اللفظي؛ فإنَّ من الممكن التمسُّك بالإطلاق المقامي.
ــــــــــ[93]ــــــــــ
(1) لاحظ: كفاية الأصول: 33.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وسوف يأتي -بإذن الله- تحقيقُ هذا الكلام في الجهة الخامسة من هذه المسألة(1).
ــــــــــ[94]ــــــــــ
(1) انظر: ص100.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
نتعرّض في هذه الجهة لكلامٍ مشهورٍ ذكره المحقّق النائيني وغيره من الأعاظم(1)، حيث قالوا: بأن أدلّة الإمضاء -من قبيل: وَأَحَلَّ اللهُ ٱلبَيعَ(2)– التي يجوز التمسّكُ بإطلاقها لاثبات نفي الجزئية أو الشرطية بناءً على الأعمّي إنّما يمكن ذلك فيما إذا كان موضوع الامضاء في الدليل هو الأسباب. وأمّا إذا كان موضوعها عبارةً عن المسبَّبات، فحينها لا يمكن التمسُّك بإطلاقها لإثبات سعة السبب وانطباقه على فاقد الخصوصيّة أيضاً.
وحاصل ما ذكروه في وجه ذلك: أنَّ للمولى مقامين؛ فإنّه:
تارةً: يكون في مقام إمضاء السبب وهو الإنشاء.
وأخرى: يكون في مقام إمضاء المسبَّب المتمثّل في أصل النتيجة، وهي:
ــــــــــ[95]ــــــــــ
(1) لاحظ: فوائد الأصول (النائيني) 1: 80، أجود التقريرات 1: 48، 49، منتهى الأصول 1: 68، نهاية الأفكار 1: 99.
(2) البقرة: 275.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
التمليك بعوض، فعلى الأول التمسك بإطلاق الدليل لاثبات أن كل سبب وانشاء صحيح، لأنّه على الأعمّي يكون البيع موضوعاً لمطلق الانشاء فقد أحل الله مطلق الانشاء.
وأما إذا كان الامضاء منصب على الشريعة وأريد بالبيع التمليك بعوض فيكون المراد: أحلّ الله التمليك بعوض. ومن المعلوم أنَّه ليس ناظراً إلى السبب، وإلى أنَّ النتيجة المذكورة هل تتحقّق بالمعاطاة أم باللفظ؟
غير أنَّ السيّد الأستاذ قد استشكل في هذا المطلب(1)، مُدّعياً جواز التمسّك بإطلاق دليل الإمضاء لإثبات صحّة بيع المعاطاة ونحوه، سواءٌ كان الإمضاء منصبّاً على السبب أم على المسبَّب:
أمّا إذا كان الامضاء منصبّاً على السبب فالأمر متّفق عليه.
وأمّا إذا كان منصبّاً على المسبَّب، فالمسبَّب عندهم عبارةٌ عن الإمضاء العقلائي، أي: (التمليك بعوض) العقلائي، أو (الجعل) العقلائي. وعلى هذا ينصبُّ دليلُ الإمضاء الشرعي على الإمضاء العقلائي.
وحينئذٍ يُقال: إنَّ الإمضاء العقلائي ينحلُّ إلى أفرادٍ متعدِّدةٍ بعدد الأسباب؛ فإنّهم أمضوا الإنشاء المعاطاتي، واللفظي، والإنشاء من الطفل ومن البالغ… فإذا تصدّى الشارعُ إلى إمضاء المسبَّب -وهو الإمضاء العقلائي- فلا
ــــــــــ[96]ــــــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه 1: 184-190، أجود التقريرات 1: 49، 50، دراسات في علم الأصول 1: 93.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
محالة ينحلُّ إلى إمضاءاتٍ شرعيّةٍ كثيرةٍ بعدد الإمضاءات العقلائيّة، فيثبت بالدليل أنَّ المولى قد أمضى تمامَ تلك الأحكام العقلائيّة، بلا تمييزٍ بين السبب والمسبَّب؛ فكما أنَّ للسبب أفراداً عديدةً، كذلك الأمر بالنسبة إلى المسبَّب -وهو الإمضاء العقلائي- له أفراداً بعدد أسبابه وينحلُّ إلى إمضاءاتٍ كثيرةٍ، فيثبت بالإطلاق إمضاءُ تمام هذه الأسباب والمسبَّبات.
وتحقيق الكلام هو أنَّ ما أفاده المحقّق النائيني هو الصحيح، بمعنى أنَّ هناك فرقاً وجدانيّاً بين أن يكون دليلُ الإمضاء متعلِّقاً بالسبب وبين أن يكون متعلِّقاً بالمسبّب، وإنّما يُتمسَّكُ بالإطلاق على الأوّل دون الثاني.
وتوضيح النكتة في ذلك، بنحوٍ ينحلُّ معه الإشكالُ الذي أورده السيّد الأستاذ عليهم، وذلك في مرحلتين:
أمّا إمضاء المسبَّب فإنَّ إمضاء المسبَّب لا يعني ما ذكره السيّد الأستاذ(1) من إمضاء الإمضاءات العقلائيّة(2)؛ إذ بإمكاننا نقلُ الكلام إلى المشرِّع الأوّل المتمثّل في العقلاء؛ فإنّهم كذلك: تارةً: يُمضون السبب حينما يجوِّزون الإنشاء، وأخرى: يُمضون المسبَّب أو النتيجة حينما يُجوِّزون التمليك بعوض.
فنقول: إنَّ المشرّع حين يمضي المسبب، هل يلتفت إلى جعل قبله؟ الأمر
ــــــــــ[97]ــــــــــ
()محاضرات في أصول الفقه 1: 184-192، أجود التقريرات 1: 48-50.
(2) فكأنَّه ينظر إلى شارع قبله فيمضي ما أمضاه. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ليس كذلك؛ لأنّه حاكم قبل العقلاء.
فينبغي أنْ يكون امضاء المُسَبَّب بنحو لا يتوقف على وجود إمضاء سابق.
فإنَّ إمضاء المسبَّب في الشرع العقلائي وفي الشرع الإلهي بمعنىً واحدٍ، وهو إعطاءُ المكلَّف القدرةَ على النتيجة، أي: جعلُه قادراً على التمليك بعوض، غاية الأمر أنَّ القدرة إذا كانت معطاةً من قِبَل الشارع فالإمضاء شرعيّ، وإذا كانت معطاةً من قبل العقلاء فالإمضاء عقلائيّ.
وأمّا إمضاء السبب -وهو الإنشاء- فلا يعني إعطاءَ القدرة عليه؛ لوجود القدرة عليه تكويناً، بل معناه جعله صحيحاً ونافذاً.
وهي هل أنَّ لدليل الإمضاء إطلاقاً أم لا؟ فإن كان المرادُ إنفاذَ الإنشاء، فمن المعلوم أنَّ له إطلاقاً؛ لأنَّ معنى ذلك أنَّ الله تعالى أمضى كلَّ إنشاء، فيشمل اللفظيَّ والمعاطاتي.
أمّا إذا فرضنا تعلُّقَ دليل الإمضاء بالمسبَّب، أي بالتمليك بعوض، فكأنّه قال: إنّي أقدرتُ العباد على التمليك بعوض، وهو -أي: تمليك المال بعوض- لا يقبل التعدّد إذا لوحظ بالنسبة إلى مالٍ واحدٍ، وإنّما يُعقَلُ وجودُ تمليكين بعوض إذا لوحظ بالنسبة إلى موضوعين.
ومعنى ذلك: أنَّ هناك قدرةً واحدةً على التمليك بعوض في الموضوع الواحد؛ إذ لا يُعقل أن يوجد التمليكُ بوجودين عَرْضيّين، فتكون القدرةُ المجعولةُ من قبل الشارع قدرةً واحدةً.
ــــــــــ[98]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
نعم، هناك قدراتٌ متعدِّدةٌ على الأسباب، كاللفظ أو المعاطاة. وأمّا المسبَّبُ فليس له إلّا وجود واحد، فلا تتعلّق به إلّا قدرةٌ واحدة.
إذن، فمفادُ دليل الإمضاء هو إعطاءُ قدرةٍ واحدةٍ بالنسبة إلى كلّ موضوع، ويكفي في هذه القدرة أن يكون بعضُ الأسباب نافذاً؛ ولو كان سبباً واحداً، كالعقد باللغة العربيّة؛ إذ يكفي نفوذُ بعضها في كون المكلَّف قادراً على النتيجة، فلا يكون في دليل الإمضاء -بناءً على تعلّقه بالمسبَّب- أيّةُ دلالةٍ على إمضاء الأسباب.
وهذا مطلبٍ عرفيّ وجدانيّ قبل أن يكون مطلباً تحليليّاً؛ فإنْ قلتم: (فلانٌ قادرٌ على قتل المجرمين) فهل يفهم عرفاً من ذلك أنَّه قادرٌ على قتلهم بكلّ الأدوات المعدّة للقتل؟! إنّما يفهم من ذلك أنّه قادر على القتل ولو بسبب واحد.
وهذا معنى وجدانيّة هذا المطلب؛ فإنَّ ما دلّ على إقدار المكلَّف على المسبَّب لا يدلُّ على إقداره عليه بأيّ سبب.
وإن شئتم قلتم: إنَّ النتيجة يُمكن أن توجد بأحد وجودين على نحو البدل: إمّا بالإنشاء القولي أو الفعلي مثلاً، ولا توجد بوجودين عَرْضيّين، بل لها وجودٌ واحدٌ يتحقّق بهذا أو بذاك.
إذن، فالقدرة عليها قدرةٌ على سبيل البدل أيضاً؛ لأنَّها قدرةٌ على الجامع بين التمليكين: التمليك اللفظي والتمليك المعاطاتي، ويكفي في القدرة بنحو صرف الوجود القدرةُ على سببٍ واحدٍ، فلا يدلّ دليلُ الإمضاء على إمضاء أكثر من سببٍ واحدٍ على الإجمال.
وعليه، فما دلّ على إمضاء المسبَّب لا يدلّ بوجهٍ على إمضاء تمام الأسباب.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
اتّضح ممّا بيّنّاه في الجهات السابقة أنَّه بناءً على كون أسماء المعاملات موضوعةً للمسبّبات لا يُمكن التمسّكُ بإطلاقها اللفظي بالنسبة إلى الأسباب. كما إنَّها لو كانت موضوعةً لخصوص الصحيح من الأسباب فلا يمكن التمسُّك بإطلاقها اللفظي لإثبات صحّة ما يُشكُّ في صحّته.
ومن هنا أريد التعويض عن الإطلاق اللفظي في هذه الموارد بإطلاقٍ لبّيِّ يرجع إليه الفقيهُ عند إعواز الآخر، وهذا الإطلاقٌ اللبي يُمكن تقريبُه بتقريبين:
التقريبُ الأوّل الذي يُمكن أن يقرّب به الإطلاقُ الذي يُعوَّض به عن الإطلاق اللفظي هو أن يكون إطلاقاً بملاك دلالة الاقتضاء وصَوْناً لكلام الحكيم عن اللغويّة؛ فإنَّ قول المولى: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ(1) يعني: أحلَّ اللهُ السببَ الصحيحَ شرعاً، وهذا كلامٌ مجملٌ؛ لأنَّ السبب الصحيح شرعاً غيرُ معلومٍ بحسب الخارج، ولا نعلم أجزاؤه وشرائطه. فإنْ كان غرضُ المولى هو إصدار الكلام المجمَل على إجماله لكان لغواً. إذن، بدلالة الاقتضاء يقال: إنَّ
ــــــــــ[100]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
المولى قد استهدف بهذا الكلام توضيحَ إمضاء الطريقة العقلائيّة في بيان الأسباب وتحديدِها، فينعقد لهذا الكلام مدلولٌ إضافيٌّ ثانويّ، وهو قوله: “إنّي أمضيتُ ما عليه العقلاء، وأُرجعكم في ما هو السبب الصحيح عندي إلى الأنظار العقلائيّة”.
عندها يُتمسَّكُ بهذا الإطلاق اللبّي لتصحيح تمام ما يُشكُّ في صحّته إذا كان صحيحاً عند العقلاء.
إنَّ هذا الكلام وإن كان مجملاً، إلّا أنَّه -على إجماله- ليس لغواً محضاً ليكون له مدلولٌ ثانويّ، بل له فائدةٌ على إجماله؛ لأنَّ دليل الإمضاء يفيد -على أيّة حال- إمضاءَ ما هو القدرُ المتيقَّن من الأسباب؛ فإنّنا نعلم أنَّه لو أحلّ المولى البيع لَكَان العقدُ الجامعُ للشرائط المتيقّنةِ داخلاً تحت النفوذ، فلا معنى للقول باللغويّة.
نعم، لابدَّ من الاقتصار على القدر المتيقَّن منه، وهذا غير اللغويّة.
أمّا التقريبُ الثاني للإطلاق فهو ما يُسمّى بـ(الإطلاق المقامي)، بأن يقال: إنَّ المولى في مقام بيان ما هو الصحيح عنده؛ فهو في مقام إيصال الأحكام إلى العباد ليجري الناس على طبْقها.
فنعلم من ظاهر حال المولى أنَّه في مقام بيان تمام أحكامه. وحين ملاحظة كلام المولى نرى أنَّه لم يتعرّض لحدود ما هو الصحيح عنده ولشرائطه، فيقال:
ــــــــــ[101]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
إنَّ ذلك لأجل الحوالة على العرف والعقلاء لتشخيص ما هو الصحيح عنده، وإلّا لو لم يكن قد أحال إلى العرف والعقلاء لَكان عليه أن يتصدّى لبيان ما هو الصحيح عنده ببيانٍ مستقلّ.
وهذا التقريبٌ قابلٌ للمناقشة أيضاً؛ فإنّنا وإن كنّا نسلِّم بأنَّ ظاهر حال المولى هو كونه في مقام بيان ما هو الصحيح عنده، لكنْ هل ظاهرُ حاله أنَّه في مقام بيان ذلك في اللحظة التي قال فيها: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ(1) وفي شخص ذلك الكلام؟! أم أنَّه في مقام بيان ذلك على طول الزمان وبمجموع كلامه، لا بشخص ذاك الكلام؟!
فإذا كان الأوّل تم هذا البيان. أمّا على الثاني فلا يُمكننا أن ننفي جزئيّةَ شيءٍ أو شرطيّته إلّا بعد الاطّلاع على مجموع كلامه:
فإذا اطّلعنا على مجموع كلامه ولم نجد فيه ما يدلّ على جزئيّة اللفظ
-مثلاً- تمّ الإطلاقُ المقامي.
ولكن إذا شككنا ولم ندرِ أنَّه هل يوجد في مجموع كلام المولى ما يدلّ على البيان لكنّه لم يصلنا، فحينها لا يُمكن إحرازُ الإطلاق المقامي؛ لأنه يتوقف على السكوت من قبل المولى في مجموع الكلام
إذن، فمثلُ هذا الإطلاق لا يفي بغرض الفقيه ولا يعوِّض عن الإطلاق اللفظي.
ــــــــــ[102]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
نعم، هناك شيء آخر لا يرتبط بالأدلّة اللفظيّة، وهو عبارةٌ عن إمضاء السيرة العقلائيّة؛ فإذا انعقدت على المعاطاة ولم يصلنا ردعٌ عنها من الشارع فحينها نقول: إنَّها لو كانت غيرَ مرضيّةٍ عند الشارع لَرَدَع عنها، ولو كان قد ردع لوصَلّنا ردعُه، وحيث إنَّه لم يصل فمعنى ذلك أنَّه لم يردع، ممّا يعني أنَّه قد أمضى السيرة.
وهذا المطلب يثبت حتّى مع عدم وجود شيءٍ من عمومات التنفيذ، من قبيل قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ(1) وغيره.
ــــــــــ[103]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
لقد بيّنّا في ما سبق(1) أنَّ أسماء المعاملات إذا كانت موضوعةً للمسبَّب فحينئذٍ ينسدُّ بابُ البحث في الصحيح والأعمّ، بخلاف ما لو كانت موضوعةً للسبب. فينفتح هذا البحث.
ففي هذه الجهة سوف نفترض أنَّها موضوعةٌ للسبب، فنبحث بالتالي حول أنَّ الحقّ إلى جانب الصحيحي أم الأعمّي؟! بمعنى أنَّه هل الصحّة مأخوذةٌ في المعنى الموضوع له أم لا!
لا إشكال في أنَّ الصحّة الشرعيّة غير مأخوذة في المعنى الموضوع له؛ لأنَّ ظاهر حال الشارع -بما هو شخصٌ يعيش في مجتمعٍ له لغته وأعرافه- أنَّه يُمضي هذه اللغة والأعراف. وكلّما نصب الشارع قرينةً على عدم الإمضاء نرفع اليد عن هذا الظهور الحالي.
وبناء عليه: نلاحظ أنَّه عندما جاء الشارعُ كانت هناك لغةٌ تستعمل ألفاظَ
ــــــــــ[104]ــــــــــ
(1) راجع: ص87.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
(البيع) و(الإجارة) و(المضاربة)، وكان لتلك الأمور أحكامٌ معيّنةٌ في البيئة العقلائيّة، فيكون ظاهرُ حال الشارع إمضاءَ كلتا الجنبتين:
إمضاء الجنبة اللغويّة، من حيث إنّه يستعمل لفظ (البيع) في نفس مدلوله اللغوي.
أمّا الجنبة العرفيّة، فيُمضي أحكامَ العرف والآثارَ نفسَها.
ثمّ بعد ذلك أقام المولى قرائنَ على أنَّه لا يُمضي جملةً من تلك الأحكام، كتحريم الربا والبيع الغرري وبيع الطفل -مثلاً-.
وبناءً على ذلك، نرفع يدنا عن ظهور حاله في إمضاء الأحكام.
وأمّا ظهور حاله في إمضاء اللغة والتسمية فلا موجب لرفع اليد عنها؛ لأنَّ أدلّة الشرائط إنّما تتصرّف في ناحية الأحكام لا التسمية، فيبقى ظهورُ حال الشارع على حاله.
وهذا يدلُّ على أنَّ الشارع لم يتصرّف تصرّفاً لُغويّاً جديداً في هذه الألفاظ، وبذلك يثبت أنَّ الصحّة الشرعيّة غير مأخوذةٍ في المسمّى يقيناً.
بقي الكلام في أنَّ الصحّة العقلائية هل هي مأخوذة أم لا؟ والصحيح أنها غير مأخوذة أيضاً، وأن لفظ (البيع) موضوع للأعم من الصحيح والفاسد. وفي كلا الوجهين إشكال.
وتقريب ذلك: أنَّ وضعها للصحيح إنّما يكون بأحد وجهين:
الوجه الأول: أن يكون اللفظ موضوعاً لواقع الصحيح من دون أخذ عنوانه.
ــــــــــ[105]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الوجه الثاني: أن يكون عنوان الصحيح مأخوذاً.
أمّا الأول لازمه تغيّر الوضع بتغيّر الأحكام العقلائيّة؛ إذ قد تكون أجزاء البيع ثلاثة، وقد تكون أربعة، فهل تحتاج إلى وضعِ جديدٍ كلّما اختلف القيد؟! وهذا خلاف الوجدان.
أمّا الوجه الثاني: فهو غير صحيح، إلا أنّه لا يرد عليه الإشكال السابق، لأنَّ لفظ (البيع) إذا كان موضوعاً لمفهوم الصحيح عند العقلاء، فصحيحٌ أنَّه ينطبق تارةً على ثلاثة وأخرى على خمسة مثلاً، إلّا أنَّ هذا الاختلاف حاصلٌ في مصاديق المسمّى لا في مفهومه الباقي على حاله، فلا يلزم من ذلك تزلزل اللغة وتغيّرها تبعاً لتغيّر الأحكام العقلائيّة.
لكن يلزم أن يكون مفهوم الصحّة مستفاداً من نفس لفظ البيع، مع أنَّ هذا غيرُ صحيحٍ حتّى عند الصحيحي؛ لأنّنا نرى أنَّ لفظ (البيع) أو (الصلاة) -مثلاً-نسعمها ولا يخطر مفهوم الصحّة وجداناً، والحال أنَّه إذا كان اللفظ موضوعاً لمفهوم الصحيح لحصل الترادف.
ومعه فلا يكون موضوعاً للصحيح عند العقلاء، بل موضوعاً للجامع بين الصحيح والفاسد، أي للركن الركين الذي يبقى ثابتاً مهما تغيّرت أحكام العقلاء.
ــــــــــ[106]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أشرنا في ما سبق(1) إلى أنَّ النزاع حول كون أسماء المعاملات موضوعةً للصحيح أم الأعمّ، إنّما يتطرق بناءً على كونها أسماء للأسباب، وأنَّه لا معنىً لهذا النزاع بناءً على كونها أسماءً للمسبَّبات.
فهل أسماء المعاملات أسماء للأسباب حتّى يأتي النزاع المتقدّم، أم أنَّها أسماءٌ للمسبّبات حتّى ينغلق باب البحث؟
وقبل التحقيق في ذلك لابدَّ لنا من تقديم مقدّمةٍ نقتنصها من أبحاثنا السابقة في ما هو المراد من السبب والمسبَّب.
أمّا السبب فهو يتكوّن من ثلاثة عناصر يُسمّى مجموعُها سبباً:
العنصر الأول: هو الإنشاء، وأقصد به: اللفظَ الذي تُنشَأُ به المعاملة، أو ما يقوم مقامه، من قبيل الفعل في المعاطاة.
العنصر الثاني: هو المدلولُ التصديقيُّ للإنشاء: القائمُ في نفس المنشِئ، وهو
ــــــــــ[107]ــــــــــ
(1) راجع: ص87.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
اعتبارُ مضمونِ المعاملة؛ من قبيل اعتبار تمليك المال بعوضٍ في البيع، وهو فعلٌ نفسانيٌّ للمتكلِّم.
العنصر الثالث: هو قصدُ التسبُّب: بهذا الاعتبار إلى المسبَّب، والذي هو أمرٌ وراء هذه العناصر الثلاثة؛ فإنَّ البائع حين يعتبر المثمَن ملكاً للمشتري لابدَّ من أن يكون اعتبارُه بلحاظ غرض، وإلّا كان لغواً وعبثاً.
أمّا ما هو الغرض المصحِّحُ لهذا الاعتبار؟ ففيه احتمالان:
الاحتمال الأوّل: أن يكون الغرضُ هو التوصّل إلى السيطرة التكوينيّة، أي: سيطرة المشتري تكويناً على المثمَن، وسيطرة البائع كذلك على الثمن.
وهذا الاحتمالُ ساقطٌ؛ لوضوح أنَّه لا دخل للاعتبار في السيطرة التكوينيّة، فإنَّها تتوقّف على إرادتهما، سواءٌ اعتبر البائع الملكيّة في نفسه أم لم يعتبر.
الاحتمال الثاني: أن يكون الغرض هو التوصّل إلى إلزامات فوقيّة للطرف المقابل، بمعنى أنَّ كلًّا من البائع والمشتري يستهدفُ من الاعتبار التوصّل إلى إلزامات فوقيّة ضماناً لسلامة النتيجة فيما لو عدل أحدهما وأراد الفرار من المعاملة. وهذا الإلزام الفوقي هو الذي نسمّيه: (المسبَّب)، وهو عبارةٌ عن جعلٍ من قِبَل مقنِّن، سواءٌ تمثّل في الشارع العقلائي أم الإلهي، بل قد يتمثّل المقنِّن في نفس البائع والمشتري بحيثيّة عقلائيّتهما لا بحيثيّة تعاملهما.
إذن، لابدَّ من الالتزام بعنصرٍ ثالثٍ في السبب، وهو قصد التسبيب بالاعتبار إلى ذلك المسبَّب؛ إذ لو بقي الاعتبار بدون قصد التسبيب لكان
ــــــــــ[108]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
اعتباراً هزليّاً لا أثر له عقلائيّاً، فتكون جدّيّة المعاملة لا بالاعتبار فحسب، بل بكون هذا الاعتبار جدّيّاً ومسبَّباً به إلى الاعتبارات الفوقيّة، فهذه العناصر هي السبب.
أمّا المسبَّب فهو ذاك المتسبَّب إليه، وهو الإلزامات الفوقيّة، أو قل: الجعل القانوني على طبق ما أراده المتعاملان وتسبّبا إليه، سواءٌ أ كان من قبل الشارع الإلهي أم العقلائي.
إذا اتّضح المراد من السبب والمسبَّب، حينئذٍ يقع الكلام في أنَّ أسماء المعاملات أسماءٌ للأسباب أم للمسبّبات؟
ويظهر -على ضوء ما بيّنّاه- أنَّه لا يوجد تقابلٌ بين السبب والمسبَّب، بمعنى: أنَّ كلّاً منهما فردٌ من مفهومٍ واحدٍ هو مفهومُ (التمليك بعوض)؛ حيث إنَّ لهذا المفهوم فردين: أحدهما: في أفق الشخص، وهو السبب. والآخر: في أفق الشارع، وهو المسبَّب. أو قل: أحدهما: موجودٌ مباشريٌّ للمكلَّف، والآخر: موجودٌ تسبيبيٌّ له.
ومن الممكن أن يقال: إنَّ أسماء المعاملات موضوعةٌ لذاك المفهوم الذي أُلغيت عنه خصوصيّة الوجود المباشري وخصوصيّة الوجود التسبيبي، وهو مفهومٌ ينطبق على كلا الموجودين.
ولهذا نحن نرى بالوجدان عدم وجود عنايةٍ في إطلاق لفظ (البيع) على السبب ولا على المسبَّب على حدٍّ سواء؛ لأنّهما سنخان من الوجود لمفهومٍ واحد،
ــــــــــ[109]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ويعبّران عن خصوصيّتين قد تمّ إلغاؤهما من اللحاظ.
بل بإمكاننا أن نترقّى أكثر من ذلك، فنقول: صحيحٌ أنَّ السبب والمسبّب
-بحسب النظر الدقّي- نحوان من الوجود(1)، إلّا أنَّ حالهما -بحسب النظر العرفي- حالُ الإيجاد والوجود؛ فكما أنَّ إيجاد الشيء عينُ وجود ذلك الشيء ولا يختلف عنه أصلاً بحسب النظر العرفي، فكذلك الأمر بالنسبة إلى السبب والمسبّب؛ فبالنظر العرفي يلحظ السبب بما هو فانٍ في المسبّب وإيجادٌ له، وإيجاد الشيء لا يزيد على وجوده، بل هو عينه.
هذا هو تمام الكلام في الجهة السابعة.
ــــــــــ[110]ــــــــــ
() كل منهما موجود في أفق غير الآخر. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الاشتراك
ــــــــــ[111]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الكلام في الاشتراك، والبحث فيه يقع في جهات:
ادّعى بعضهم ضرورة وقوع الاشتراك في اللغة، مبرهناً على ذلك(1) بأنَّ المعاني التي يتصوّرها الذهن البشري غيرُ متناهية، بينما الألفاظ التي يضعها لتلك المعاني متناهية، فيضطرُّ الإنسان الاجتماعي -نتيجةً لذلك- إلى استخدام لفظٍ واحدٍ لعدّة معان لأجل تطابق المعاني مع الألفاظ؛ وهذا يعني ضرورة وجود الاشتراك في اللغة.
وقد أجيب عن هذه الدعوى بعدّة وجوه:
وهو ما ذكره المحقِّق الخراساني(2) من أنَّ المعاني إذا كانت غيرَ متناهيةٍ وأُريد الوضع لكلّ واحدٍ منها، فالأمر كما ذُكر. إلّا أنَّ هذا غيرُ معقولٍ في نفسه؛ لأنَّ
ــــــــــ[113]ــــــــــ
(1) لاحظ: كفاية الأصول: 35، مقالات الأصول: 160.
(2) كفاية الأصول: 35.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الأوضاع إذا كانت بعدد المعاني فيلزم صدورُ الأوضاع اللامتناهية من الإنسان المتناهي، في حين إنَّ ما يصدر منه عبارةٌ عن أوضاعٍ متناهيةٍ موازية لمعانٍ متناهيةٍ، فلا حاجة إلى الاشتراك.
وهذا الوجه غيرُ تامٍّ؛ لأنَّ الاشتراك كما قد يحصل بوضعٍ تفصيليٍّ بعدد المعاني، فكذلك قد يحصل بوضعٍ واحدٍ بنحو الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ؛ فلو فرضنا أنَّ المعاني غيرَ المتناهية عشرةٌ والألفاظَ خمسةٌ، ونريد أن نستوعب المعاني المتقدّمة بالألفاظ، فهل يجب أن نُصدِرَ عشرة أوضاعٍ بعدد المعاني غير المتناهية؟!
كلّا؛ بل بالإمكان الاستيعاب بأوضاع أقلّ مع حصول الاشتراك، وذلك بطريقة الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ؛ بأن نقوم -مثلاً- بانتزاع جامعٍ ما لخمسة منها ثمّ نضع له لفظاً، فعندها يُصبح لهذا اللفظ خمسةُ معانٍ، وبالتالي يُصبح اللفظ مشتركاً بين هذه المعاني الخمسة، وذلك كلّه عبر عمليّةٍ واحدةٍ، فلم يلزم صدور أوضاع على عدد المعاني.
وهذا الكلام يجري حتّى في اللامتناهي حقيقةً؛ إذ بإمكاننا أن ننتزع كمّيّاتٍ متناهيةً، ثمّ نضع لها الألفاظ بنحو الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ دون أن يلزم من ذلك صدورُ أوضاع غير متناهية.
وهو ما أفاده المحقِّق الخراساني أيضاً، حيث قال(1): إنّنا لو سلمنا
ــــــــــ[114]ــــــــــ
(1) كفاية الأصول: 35.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ودققنا الوجه الأول بأن فرضنا أن الأوضاع غير المتناهية من الواضع ولو باعتبار أنَّ الواضع هو الله عزّ وجلّ، إلّا أنَّ المستعمل ليس هو الله تعالى، بل هو الإنسان الذي يقوم باستعمال هذه الألفاظ إشباعاً لحاجته الاستعماليّة، ومن المعلوم أنَّ الإنسان المتناهي يستحيل أن تكون له حاجاتٌ استعماليّةٌ غيرُ متناهيةٍ، وإلّا لزم صدورُ اللامتناهي من المتناهي، وهو محالٌ.
وهذا الوجهُ غيرُ تامٍّ؛ لأنَّ الحاجة الاستعماليّة بوجودها الفعلي وإن كانت متناهيةً، ولكنّها -بوجودها التبادلي والعَرْضي- أوسع؛ لأنَّها تشمل المعاني التي يمكن أن يحتاج الإنسانُ إلى استعمالهما وتفهيمها. وإذا كان بالإمكان افتراضُ أنَّ هذه الحاجات كمّيّةٌ غير متناهية، فلابدَّ حينئذٍ من الوضع للجميع؛ لجهل الواضع بموطن الحاجة، والمفروض أنَّ ملاك الوضع هو إمكانُ الاحتياج، لا الاحتياج الفعلي، وهو -أي الإمكان- موجودٌ في المعاني غير المتناهية.
نعم، لو بُدّل هذا الجواب الشامخ بعبارة متواضعة لَكَان هو الجواب عن هذه المغالطة، وذلك بأن نقول: إنَّ الوجدان شاهدٌ على أنَّ هذه الحاجات -حتّى التبادليّة- متناهية، فحينها نكون قد حوّلنا البحث من البرهان الثبوتي إلى الوجدان القاضي بأنَّ دائرة إمكان الحاجة -أي: حتّى على سبيل البدل- متناهية.
وفي المقام جوابٌ ثالثٌ ذكره المحقِّق الخراساني أيضاً، ومفاده(1): أنَّ المعاني ليست غير متناهية، بل هي متناهية؛ لأنّنا لا نريد منها الجزئيّات، بل
ــــــــــ[115]ــــــــــ
(1) كفاية الأصول: 35.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الكلّيّات، وهي متناهيةٌ، وبهذا يكون بإزاء الألفاظ المتناهية معانٍ متناهيةٌ.
وهذا الجواب بالصياغة البرهانية غير مقبول، لأن المعاني بسائط ومركبات، فالبسائط كالشيء والوجود والعدم. والمركب كالانسان والهواء.
والمعاني المركبة على قسمين:
مركبات حقيقيّة: وهي المركّبة من جنسٍ وفصل، من قبيل: الإنسان والحيوان ونحوهما.
ومركبات اعتباريّة: وهي المركّبة تركيباً اعتباريّاً، من قبيل: دار، سوق، سفينة، ونحو ذلك.
فإذا فرضنا أنَّ المركّبات الاعتباريّة داخلةٌ في زمرة المعاني، فعندئذٍ يُمكن تصوير مركّباتٍ اعتباريّةٍ غير متناهيةٍ؛ إذ لو كانت المعاني الكلّيّة ألفاً لَأَمكننا أن نستخرج من كلّ اثنين منها أو ثلاثة معنىً مركّباً اعتباريّاً، ومن كلّ عددٍ من المعاني المركّبة معنًى مركّباً اعتباريّاً آخر.
وجواب هذا الوجه هو الوجدان؛ فإنَّ المعاني وإن كانت غير متناهية، إلّا أنَّها خارجةٌ عن محلّ ابتلاء الإنسان بالوجدان.
ما ذكره السيّدُ الأستاذ(1)؛ حيث ذكر أنَّ الألفاظ -كالمعاني- غيرُ متناهية؛ لأنَّها وإن كانت ثمانيةً وعشرين حرفاً، إلا أنه بالتركيب يحصل عددٌ غيرُ متناهٍ تقريباً من الكلمات.
ــــــــــ[116]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 199، 200، دراسات في علم الأصول 1: 98.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
هذا الجواب بالصيغة البرهانيّة غير تامٍّ. وأقلّ ما يُقال في بيان عدم تماميّته: أنَّ أيّ عددٍ نفرضه من الكلمات فهو بنفسه عبارةٌ عن معانٍ أيضاً؛ لأنّنا إذا أردنا من المعاني كلَّ ما يخطر على الذهن، فإنَّ الألفاظ بنفسها معانٍ تُضاف إلى تلك المعاني، وبهذا سيزيد عدد المعاني على عدد الألفاظ.
مع أنَّ الوجدان قاضٍ بأنّنا لا نحتاج أساساً إلى ألفاظٍ غير متناهية، بل يكفينا عددٌ معقولٌ منها يسدّ حاجة الوضع لعددٍ معقولٍ من المعاني.
إذن، فالجواب الصحيح لدفع دعوى وجوب الاشتراك يتلخّص في العبارة البسيطة التالية، وهي: أنَّ المعاني وإن كانت أكثرَ من الألفاظ حتماً، إلّا أنّنا لسنا بحاجةٍ إلى الوضع لها كلّها؛ لخروج جملةٍ كبيرةٍ منها عن معرضيّة التفهيم والتفهّم العرفي، وما هو داخلٌ في المَعْرِضيّة -بالوجدان- كمّيّةً محدودة.
ــــــــــ[117]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
إنَّ الدعوى التي نحن بصدد مواجهتها الآن معاكسةٌ تماماً للدعوى المتقدّمة؛ فهي تذهب إلى استحالة وقوع الاشتراك في اللغة، وامتناعَه امتناعاً غيريّاً، وذلك على أساس أنَّ الحكمة من الوضع تتمثّل في تفهيم المعاني وإيصالها إلى الغير، وحيث إنَّ الاشتراك يُعتَبَر دائماً منشأً للإجمال والتردّد، فيكون منافياً للغرض المطلوب من الوضع، وبهذا يمتنع امتناعاً غيريّاً.
والجواب عن هذه الدعوى يكون بصيغتين:
وفيها يُقال: إنَّ الغرض من الوضع لو كان هو خصوص التفهيم التفصيلي، لورد الإشكال؛ باعتبار أنَّ اللفظ المشترك لا يُحقِّق هذا الافهام التفصيلي.
إلّا أنَّه لا دليل على أنَّ الغرض المذكور هو ذلك، بل هو طبيعيُّ التفهيمِ الجامعُ بين التفهيم بالدرجة التفصيليّة والإجماليّة. ومن المعلوم أنَّ التفهيم بالدرجة الإجماليّة يترتّب على المشترك؛ فإنه(1) يحصل من كلامه علمٌ إجماليٌّ بأنَّه إمّا أراد هذا المعنى أو ذلك، أي: إمّا أراد السيّد وإمّا أراد العبد، وهذا عبارةٌ عن
ــــــــــ[118]ــــــــــ
() فلو قال: (رأيتُ مولىً). (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
مرتبةٍ من التفهيم تفوق مرتبة استعمال لفظٍ أعمّ منه(1)؛ والتفهيم بالمرتبة الإجماليّة ممّا يتعلّق به الغرض العقلائي.
وفيها يُقال: إنّنا حتّى لو سلّمنا بأنَّ الغرض من الوضع دائماً هو التفهيم بالدرجة التفصيليّة لا في جامع التفهيم، لكن مع ذلك يُقال بمعقوليّة الاشتراك وبمساعدته على تحقيق هذا الغرض، لكن بنحو جزء العلّة، لا بنحو تمام العلّة؛ فإنَّ التفهيم التفصيلي يتولّد في موارد الاشتراك من علّة مركّبة من جزءين: أحدُهما: اللفظ المشترك، والآخرُ: القرينة، كما إذا قال مثلاً: (رأيتُ مولاي فقبَّلت يده)؛ حيث يُعلَمُ من ذلك أنَّه أراد السيّدَ لا العبد.
وهذا الظهورُ ناتجٌ عن المجموع المركَّب من اللفظ والقرينة، بنحوٍ يكون كلٌّ منهما غيرَ كافٍ في التفهيم، كما لو حذف القرينة، أو حذف لفظ (المولى) وقال: (رأيتُ شخصاً فقبَّلت يده).
فأصبح المشترك جزءَ العلّة في التفهيم التفصيلي، وهو كافٍ لتحقيق الغرض العقلائي، فهذا البرهان غير صحيح.
نعم، وقع أصحاب مبنى التعهّد -كالسيّد الأستاذ(2)– في شبكةِ
ــــــــــ[119]ــــــــــ
() وقال: (رأيتُ شخصاً). (المُقرِّر).
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 202، 203، دراسات في علم الأصول 1: 99، الهداية في الأصول 1: 119، 120.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
برهانٍ آخر على استحالة المشترك؛ باعتبار أنَّ تفسير الوضع بالتعهّد يؤدي إلى إشكالٍ في تعقّل المشترك.
وتوضيح هذا الإشكال: هناك من يقول: بأنّ الوضع عبارة عن التعهد والالتزام من قبل الواضع، بأن يَقصد تفهيم المعنى إذا أتى باللفظ، وهذا التعهد له صيغتان:
إحداهما: أنَّه متى أتى باللفظ الفلاني فإنَّه يقصد تفهيم المعنى الفلاني.
والأخرى: أنَّه متى قصد تفهيم المعنى الفلاني أتى باللفظ الفلاني.
فالتعهد قضية شرطية بنحو يكون المأخوذ شرطاً في الأولى جزاءً في الثانية، فإذا أخذنا بالصيغة الأولى لمسلك التعهّد اتّجه الإشكالُ في تصوّر التعهّد المشترك؛ لأنَّ الواضع حين يضع لفظ (مولى) لمعنى (السيّد) يتعهّد بأنَّه متى أتى بلفظ (مولى) فإنَّه يقصد معنى (السيّد). ثمّ يضع هذا اللفظ لمعنى (العبد) متعهّداً بأنَّه متى أتى بلفظ (مولى) فإنَّه يقصد معنى (العبد).
وتتمثّل هاتان العمليّتان في قضيّتين شرطيّتين متّحدتين شرطاً مختلفتين جزاءً، ومعنى تحقّق هذين التعهّدين أنَّه متى أتى بلفظ (مولى) فإنَّه يقصد (المولى) و(العبد) معاً، مع أنَّ هذا غير مقصودٍ جزماً.
وعلى هذا الأساس يتهافت هذان التعهّدان؛ لأنَّ اجتماعهما يعني إلزامَ الواضعِ نفسَهُ بقصد كلا المعنيين متى أتى باللفظ، وهذا غيرُ ممكن.
وأمّا إذا أخذنا بصيغة التعهّد الثانية فلا يبقى تهافتٌ ولا محذور في المشترك؛ لأنَّه حين يضع لفظ (المولى) للسيّد يقول: «متى قصدتُ تفهيمَ معنى (سيّد)
ــــــــــ[120]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
قلتُ: (مولى)»، ثمّ يقول: «متى قصدتُ تفهيم معنى (عبد) قلتُ: (مولى)».
والشرطُ في هاتين القضيّتين ليس متّحداً -كما في الصيغة الأولى- ليحصل تدافعٌ بين الجزاءين في باب الاشتراك، وبالتالي فلن نواجه التهافت الذي واجهناه في الصيغة الأولى، والذي كان ناجماً عن اتّحاد الشرط في كلتا القضيّتين. ومعه، لا يبقى محذورٌ في البَين.
نعم، بناءً على الصيغة الثانية يلزم محذورٌ في باب الترادف؛ لاتّحاد الشرط في كلتا القضيّتين، وهو يولّد تدافعاً بين الجزاءين؛ فلو أراد الواضع وضع لفظَي (سبع) و(أسد) لمعنىً واحدٍ هو (الحيوان المفترس) مثلاً، فإنَّه يضع أوّلاً لفظ (أسد) للمعنى المذكور، ويقول: (متى قصدتُ تفهيم (الحيوان المفترس) قلتُ: (أسد)). ثمّ يقول: (متى قصدتُ تفهيم (الحيوان المفترس) قلتُ: (سبع)). وحيث يتمثّل هذان الوضعان في قضيّتين شرطيّتين متّحدتين شرطاً، فحينئذٍ يحصل التدافع بين الجزاءين؛ لعدم بناء الواضع على الإتيان بكلا اللفظين دائماً.
وعليه، فعلى تقدير أخذِنا بالصيغة الأولى حصل التدافع بين الوضعين في المشترك، وعلى تقدير أخْذِنا بالصيغة الثانية حصل التدافع بين الوضعين في الترادف.
إلَّا أنَّ التدافع بينهما في الحقيقة ليس تدافعاً ذاتيّاً، بل هو تدافعٌ إطلاقيّ، بمعنى: أنَّ الوضع الثاني يُزاحم إطلاقَ التعهّد الأوّل ولا يُزاحمُ ذاتَ هذا التعهّد؛ لإمكان اجتماع التعهّد الأوّل مع التعهّد الثاني مقيَّداً؛ إذ لو كان الوضعُ الثاني مقيِّداً للوضع الأوّل ارتفع التدافع، كما لو قال: (متى أتيت بلفظ (مولى)
ــــــــــ[121]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أردتُ (السيّد) فيما لو لم أكن قد أردتُ العبد)، أو (فيما لو أقمتُ قرينةً صارفةً عن إرادة (العبد)).
وقد اتّضح ممّا تقدّم أنَّ الاشتراك معقولٌ على مسلك التعهّد، لكن بشرط أن يكون الوضعُ الثاني ناسخاً لإطلاق الوضع الأوّل، فينتج عن ذلك تعهّدان أحدهما مشروطٌ بعدم الآخر.
ــــــــــ[122]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
بدايةً ينبغي أن يُعلَم في المقام أنَّ هذا البحث كما يقع في إمكان استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى، فكذلك يقع في إمكان استعمال اللفظ في معنيين: أحدهما حقيقيّ والآخر مجازيّ، وكذلك فيما لو كان كلا المعنيَين مجازيّاً.
كما ينبغي أن يُعلَمَ أنَّ المراد من استعمال المشترك في معنيين استعمالُه فيهما بما هما معنيان، بحيث يكون هناك استعمالان. أمّا إذا أُلبس المعنيان ثوبَ الوحدة وخلقَ منهما الذهنُ مركّباً اعتباريّاً، فحينئذٍ يكون هذا المركّب معنىً واحداً، ويكون الاستعمالُ استعمالاً واحداً للّفظ في معنىً واحد، وبالتالي يكون خارجاً عن محلّ الكلام.
إذا اتّضح ذلك قلنا: ادّعى جماعةٌ من المحقّقين(1) استحالةَ استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنىً. وقد قُرِّبت هذه الدعوى في كلماتهم بثلاثة وجوه:
وحاصل هذا الوجه المنسوب إلى المحقّق النائيني(2): أنَّ استعمال
ــــــــــ[123]ــــــــــ
(1) راجع: كفاية الأصول: 36، أجود التقريرات 1: 51، نهاية الأفكار 1: 108.
(2) محاضرات في أصول الفقه 1: 20، أجود التقريرات 1: 51.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
اللفظ في معنىً يتوقّف على تصوّر ذلك المعنى ولحاظه، إذ لا يعقل الاستعمال بدونه؛ فلو فرضنا أنَّ المستعمِل قد أراد استعمالَ لفظ (مولى) في (السيّد) و(العبد) في استعمالين في وقتٍ واحدٍ، فيتوجّب عليه عندئذٍ أن يلحظ كلا المعنيين.
وحينئذٍ نتساءل عمّا إذا كان المستعمِلُ يلحظ هذين المعنيين بلحاظٍ واحدٍ أم بلحاظين؟!
فعلى تقدير أنَّ المستعمِل يلحظهما بلحاظٍ واحد، فهذا يعني أنَّه يركِّب منهما مركّباً اعتباريّاً وحدانيّاً ثمّ يقوم بلحاظ هذا المركّب بلحاظٍ واحد.
وهذا خلفٌ كما هو واضح؛ فقد ذكرنا(1) أنَّ هذا الفرض خارجٌ عن محلّ النزاع؛ لأنَّه استعمالٌ للّفظ في معنىً واحدٍ.
وعلى تقديرِ أنَّ المستعمِل يلحظ المعنيين بلحاظين في الوقت نفسه فهذا غيرُ معقولٍ؛ إذ لا يصدر من النفس -بقطع النظر عن ضمّ ضمائم إليها- لحاظان في وقتٍ واحدٍ؛ وذلك لبساطتها.
نعم، يُمكن صدورُ لحاظين من النفس مع ضمّ الضمائم إليها؛ فتَلْحَظُ المُبصَرَ مع ضمّ جهاز البَصَر، والملموسَ مع ضمّ جهاز اللمس، فتتمكّن من لحاظ شكل التفاحة وملمَسَها في الوقت نفسه. أمّا إذا قطعنا النظر عن ضمّ الضمائم فالأمر غير ممكنٍ.
ــــــــــ[124]ــــــــــ
(1) راجع: ص123.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهذا البرهان غيرُ تامٍّ؛ لاختيارنا الشقَّ الثاني المتمثّلَ في أنَّ النفس تلحظ المعنيين بلحاظين استقلاليّين. وليس ذلك بمستحيل نقضاً وحلّاً:
ويُمكن النقضُ على الدعوى المتقدّمة بأمرين:
النقضُ الأوّل:
إنَّ الميرزا النائيني نفسه يعترف بقدرة النفس على لحاظ المركَّبات الاعتباريّة. ومن الواضح أنَّ النفس هي التي تُلبس هذا المركَّب الاعتباري ثوبَ الوحدة، وإلّا فهو متعدِّدٌ في نفسه. وهذا يعني أنَّ النفس -وفي المرتبة السابقة على إلباسها المركّباتِ الاعتباريّةَ ثوبَ الوحدة- تقوم أوّلاً بلحاظ هذه المركّباتِ بما هي كثيرةٌ، ثمّ تقوم لاحقاً بإلباسها ثوبَ الوحدة.
وبهذا يثبت أنَّ النفس قادرةٌ على لحاظين في عرضٍ واحد للكثير بما هو كثير.
النقضُ الثاني:
ماذا يصنع الميرزا النائيني بالقضايا التصديقيّة ذات الموضوع والمحمول، من قبيل: (الوجودُ والعدمُ لا يجتمعان)، أو: «(أ) غير (ب)»؟! إذ لابدَّ عند صدور الحكم من لحاظ كلٍّ من الموضوع والمحمول، وإلّا استحال صدوره.
وحينئذٍ نتساءل: هل تلاحظ النفسُ الموضوعَ والمحمولَ بلحاظٍ واحدٍ، أم بلحاظين مستقلّين؟!
ــــــــــ[125]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
فعلى الأول معناه أنَّ الموضوع والمحمول قد أصبحا مركّباً واحداً، فيستحيل أن تنعقد منه جملةٌ تامّة؛ لأنَّها إنّما تتركّب من طرفين، لا من طرفٍ واحد.
وعلى الثاني يثبِت تعدّد اللحاظ في آنِ صدورِ الحكم من قِبَل النفس.
أمّا الحلّ فهو بحث فلسفي ليس هنا مجاله، ولكنّنا نشير -على نحو الإجمال- إلى أنَّ النفس ليست بسيطةً بنحوٍ تُطبَّق فيه قاعدةُ: (الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد)، بل إنَّ لها حيثيّاتٍ متعدِّدةً يُمكن معها أن يصدرَ عنها لحاظاتٌ متعدِّدةٌ حتّى مع قطع النظر عن القوى والآلات.
ويتوقّف توضيح برهانه(1) على بيان أمرين:
الأمر الأوّل: إنَّ وجودَ اللفظ وجودٌ لماهيّتين: فهو وجودٌ حقيقيٌّ لماهيّة اللفظ، ووجودٌ تنزيليٌّ لماهيّة المعنى.
فلفظ (مولى) وجودٌ حقيقيٌّ لِلَفْظه، ووجودٌ تنزيليٌّ للمعنى، وهو (السيِّد). فما هو وجودٌ تنزيليٌّ لماهيّة المعنى عينُ ما هو وجودٌ حقيقيٌّ لماهيّة اللفظ. ومعه، فتعدُّدُ أحدِهما يساوق تعدُّدَ الآخر، ووحدةُ أحدِهما تُساوِقُ وحدةَ الآخر.
الأمر الثاني: إنَّ الوجود والإيجادَ شيءٌ واحد، فتعدُّد الإيجاد يُساوق تعدُّدَ الوجود، ووحدتُه تُساوقُ وحدتَه.
ــــــــــ[126]ــــــــــ
(1) انظر: بحوث في الأصول 1: 42، 43 نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 102، 103.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
فإذا تمّ الأمران نقول: إنَّ الاستعمال عبارةٌ عن إيجاد وجودٍ تنزيليٍّ للمعنى؛ فإذا أردنا أن نستعمل لفظ (المولى) في كلا المعنيين فهذا يعني وجود استعمالين، أي: إيجادين تنزيليّين.
وحيث قد ثبت في الأمر الثاني تعدُّدُ الوجود بتعدّد الإيجاد، فإذا كان لدينا إيجادان تنزيليّان فهذا يعني -بحكم الأمر الثاني- أنَّ لدينا وجودين تنزيليّين. وهذا يعني -استناداً إلى الأمر الأوّل(1)– أنَّ هناك وجودين حقيقيّين للّفظ، والحال أنَّه لا يوجد إلّا وجودٌ حقيقيٌّ واحد.
وعلى هذا الأساس يستحيل استعمالُ اللفظ المشترك في أكثر من معنىً.
وهذا الكلام لا يتحصل منه إلا الألفاظ؛ إذ حتّى لو فرضنا أنَّ الاستعمال عبارةٌ عن إيجادٍ تنزيليٍّ للمعنى، وأنَّ الإيجاد عين الوجود، إلّا أنَّ الإيجاد التنزيلي هو في الحقيقة إيجادٌ لتنزيل اللفظ منزلةَ المعنى، غاية الأمر أنَّه يُنسب مسامحةً إلى المنزَّل. فالإيجادان التنزيليّان هما -في الحقيقة- إيجادان لتنزيلين، والتنزيلان لمعنيين. فإذا لم تكن منافاة بين تعدّد التنزيل وبين وحدة المنزَّل، فأيُّ محذورٍ في أن يُنَزَّل اللفظُ منزلةَ معنيين في الوقت نفسه؟! فنقوم بتنزيل اللفظ منزلة (السيّد) ومنزلة (العبد) في الوقت عينه.
أمّا ما ذكره صاحب (الكفاية)(1) فتوضيحه: أنَّ الاستعمال عبارةٌ عن إراءةِ
ــــــــــ[127]ــــــــــ
() فنحتاج إلى لفظين. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الإنسانِ المعنى باللفظ بحيث يكون لحاظُ اللفظ لحاظاً مرآتيّاً آليّاً، ويكون اللفظ فانياً في المعنى على حدّ فناء المرآة في ذيها.
وبناءً عليه تكون الاستحالة على هذا البرهان واضحة؛ لأنَّ اللفظ إذا فني في معنىً ما فلا يُعقل أن يفنى في معنىً آخر؛ لأنَّ فناءه يعني أنَّه قد استُهلِكَ -في عالم التصوّر- إلى جانب هذا المعنى، فكيف يُعقَلُ أن يُستهلَكَ إلى جانب معنىً آخر؟!
وقد أشكل السيّدُ الأستاذ على هذا الكلام(1): بأنَّه مبنيٌّ على مسلك المشهور في معنى الوضع على أساس أنَّه الاعتبار والتنزيل. أمّا إذا قلنا إنَّ الوضع هو التعهّد فلا يتمّ هذا البيان، فالباب ليس باب إفناء اللفظ في المعنى.
والتحقيقُ: أنَّ برهان المحقِّق الخراساني غيرُ مرتبطٍ بمباني الوضع، بل هو مرتبطٌ بتحديد معنى الاستعمال. فإنَّه بعد أن يتمّ الوضع بأي معنى كان ننقل كلامنا إلى باب الاستعمال، فقد نقول: إنَّه الإفناء، وقد نقول: إنَّه العلاميّة من قبيل: العمود الموضوع على رأس الفرسخ.
وكلا هذين المعنيين للاستعمال معقول على جميع المباني في باب الوضع، وحيث لا برهانَ على أن يكون الاستعمالُ متعيِّناً في أحدهما، فيُمكن أن يكون مرآتيّاً ويمكن أن يكون عَلاميّاً، فحينها لا يتمّ برهانُ صاحب (الكفاية)؛ لأنَّ تماميّته متوقّفةٌ على اتّباع المستعمِل طريقةَ الاستعمال المرآتي. وأمّا إذا اتّبع المستعمِلُ طريقة الاستعمال العَلامي، فبإمكانه جعلَ اللفظ علامةً على شيئين،
ــــــــــ[128]ــــــــــ
(1) كفاية الأصول: 36، المقدّمة، الأمر الثاني عشر: استعمال اللفظ في أكثر من معنى.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
سواءٌ أ كان الوضعُ عبارةً عن الاعتبار أم التعهّد.
نعم، حيث إنَّ المرآتيّة في الاستعمال هي الغالب، وهي المنصَرَف من الاستعمال في المحاورات العرفيّة، فهذا يشكِّلُ نكتةً في استظهار عدم كون اللفظ مستعملاً في أكثر من معنى؛ إذ لا إشكال في أنَّ استعمال اللفظ في أكثر من معنى خلافُ الظاهر.
والنكتةُ في ذلك هي أنَّ الآليّة في الاستعمال على طبق الظهور العرفي، ومع الآليّة لا تعدّد في المعنى المستعمَل فيه. لا كما قيل -على حدّ ما قرأنا في الكتب(1)– من أخذ قيد الوحدة في المعنى الموضوع له.
ومما تقدّم فقد اتّضح أنَّ استعمال اللفظ في أكثر من معنىً أمرٌ ممكنٌ، ولكنّه على خلاف ظهور الدليل.
ــــــــــ[129]ــــــــــ
(1) راجع: مقالات الأصول 1: 164، نهاية الأصول: 63.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
المشتقّ
ــــــــــ[131]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
التحقيق أنه لا إشكال في صحّة إطلاق المشتقّ على المتلبِّس بالمبدأ فعلاً. كما إنَّه لا إشكال في صحّة إطلاقه على المنقضي عنه المبدأُ، وعلى من لم يتلبَّس بعدُ بالمبدأ.
كما إنَّه لا إشكال في أنَّ إطلاقه على المتلبّس بالمبدأ فعلاً إطلاقٌ حقيقيّ، وعلى من لم يتلبَّس بعدُ به إطلاقٌ مجازيّ.
إنّما يقع الكلامُ في أنَّ إطلاقه على من انقضى عنه المبدأ: هل هو صحيحٌ على نحو الحقيقة، أم على نحو المجاز؟
يرى القائلُ بالوضع لخصوص المتلبّس أنَّه مجازٌ، بينما يرى القائلُ بالوضع للأعمّ أنَّه إطلاقٌ حقيقيّ، فالخلاف إذن في سعة الموضوع له وضيقه.
والأقوال متعدِّدةٌ في البين(1): بين قائلٍ بالوضع لخصوص المتلبِّس مطلقاً، وقائلٍ بالوضع للأعمّ من المتلبِّس والمنقضي عنه المبدأُ مطلقاً، إلى قائلٍ بالتفصيل بين المشتقّات.
ويتوقّف توضيحُ الحال في هذا النزاع على بيان مجموعةٍ من المقدّمات.
ــــــــــ[133]ــــــــــ
(1) لاحظ: كفاية الأصول: 38، بدائع الأفكار (العراقي): 172.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
لا يخفى أنَّ لدينا ثلاثَ دوائر من الأسماء، بعضها أعمُّ من بعض:
الدائرة الأولى: الأوصاف الاشتقاقيّة، نحو: اسم الفاعل والمفعول، والصفة المشبَّهة.
الدائرة الثانية: مُطلق الأسماء الاشتقاقيّة، سواءٌ أ كانت أوصافاً أم لا، نحو: المصادر؛ فإنَّها مشتقّة، إلّا أنَّها ليست وصفاً للذات.
الدائرة الثالثة: مطلق الأسماء، سواءٌ أ كانت اشتقاقيّةً أم من الجوامد، نحو: الشجر والإنسان.
فلابدَّ من معرفة ما إذا كان النزاعُ في المقام يشمل كلَّ هذه الدوائر بكاملها أو بعضها، أم أنَّه يختصّ بقسمٍ خاصٍّ منها؟!
ولابدَّ لنا -في سبيل معرفة ذلك- من الوقوف على الضابط الفنّي في النزاع، بحيث يجري البحثُ بوجوده ويتوقّف بفقدانه.
وقد ذهب الأعلام(1) إلى تركّب الضابط الفنّي في جريان النزاع وتعقّله من ركنين:
ــــــــــ[135]ــــــــــ
(1) لاحظ: كفاية الأصول: 38، نهاية الأفكار 1: 118، فوائد الأصول (النائيني) 1: 83.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أن يكون الاسم ممّا يُحمل على الذات وتوصَفُ به، نحو: اسم الفاعل واسم المفعول، فيقال: (زيدٌ ضاربٌ) و(زيدٌ مضروبٌ)، وأمّا ما لا يحمل على الذات كـ(ضرب) فلا يُقالُ: (زيدٌ ضربٌ) إلّا على نحوٍ من المجاز، فلا يُعقل فيه النزاع؛ لأنَّه لا يُحمل على الذات حتّى يقع الكلام في أنَّه للذات المتلبِّسة أم للأعمّ منها ومن الذات المنقضي عنها المبدأُ.
أن يكون هذا الاسم الذي يُحمل على الذات إنّما يُحمل عليها بلحاظ حيثيّةٍ مصحِّحةٍ للحمل وهي قيام المبدأ بالذات. وحينئذ يقال: إن هذه الحيثيّةَ المصحِّحةَ للحمل:
تارةً: يُفترض إمكانُ ارتفاعها عقلاً مع انحفاظ الذات، كما هو الحال في (عادل) و(ضارب)؛ فإنَّه يمكن ارتفاع الضرب مع انحفاظ ذات الضارب.
وأخرى: يُفترضُ استحالةُ انحفاظ الذات عند ارتفاع حيثيّة الحمل، وذلك فيما لو كانت الحيثيّةُ ذاتيّةً بالمعنى الوارد في كتاب الكلّيّات، كما لو كانت جنساً أو نوعاً أو فصلاً؛ ففي هذه الحالة ترتفع الذات بارتفاعها؛ لأنَّها إن كانت نوعاً فهي تمامُ الذات، وإن كانت فصلاً أو جنساً فهي جزؤها، ومن هنا لا يُمكن زوال الحيوانيّة -مثلاً – مع انحفاظ ذات الحيوان.
ومن هنا يقال بأنَّ النزاع في كون المشتقّ موضوعاً لخصوص الذات المتلبّسة بالمبدأ أم للأعمّ إنّما هو في الأوصاف التي يُعقل فيها بقاءُ الذات بعد
ــــــــــ[136]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ارتفاع المبدأ؛ إذ في هذه الحالة يقع البحثُ في أنَّ هذه الذاتَ الباقيةَ بعد ارتفاع المبدأ: هل يُطلق عليها اسمُ الضارب أم لا؟! أمّا إذا ارتفعت الذات أيضاً فلا وجود للذات بقاءً حتّى يقع النزاع في أنَّه هل يُطلق عليها الاسمُ أم لا؟!
والتحقيق في المقام: أن هذا الذي أفادوه وقع مورداً للإشكال في كلماتهم، لأنهم أرادوا من خلال الركن الأوّل إخراجَ المصادر عن محلّ النزاع؛ لأنَّها لا تُحمَل على الذات. كما أرادوا من خلال الركن الثاني إخراجَ ما يكون مبدؤه ذاتيّاً له، من قبيل الشجر والحيوان.
إلّا أنّهم وقعوا في إشكالٍ بلحاظ الركن الثاني في المشتقّات التي تكون مبادئها عرضيّة لازمة للذات، كما هو الحال في الواجب والممكن والممتنع والسبب والعلّة ونحو ذلك، فيُقال مثلاً: إنَّ الوجوب -الذي هو مبدأُ الواجب- لازمٌ للذات، وهو وإن لم يكن ذاتيّاً لها بمعنى الذاتي الوارد في كتاب الكلّيّات، ولكنّه عبارةٌ عن حيثيّةٍ عرضيّةٍ لازمةٍ للذات ويستحيل بقاء الذات مع ارتفاعها.
وكذلك الحال في الإمكان بالنسبة إلى الإنسان.
وكذلك الحال في قولنا: (النارُ مولِّدةٌ للحرارة)؛ فإنَّ علّيّة النار للحرارة لازمةٌ للنار بحيث يستحيل ارتفاعُ المبدأ مع بقاء الذات.
وبهذا كلّه يختلّ الركن الثاني.
ــــــــــ[137]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ومن هنا اضطرّ السيّدُ الأستاذ(1) -في مقام التخلّص من هذا الإشكال- إلى القول بأنَّ المشتقّات التي تكون مبادئُها عرضيّةً لازمةً هي أمرٌ اتّفاقيٌّ في حالها وليست أمراً دائميّاً؛ باعتبار أنَّ الوضع في الهيئة الاشتقاقيّة وضعٌ نوعيٌّ لهيئة (فاعل)، وليس وضعاً شخصيّاً. وعليه، فإنَّ هيئة (واجب) لم توضَع أساساً لكي يُفتحَ بابُ الإشكال المتقدّم، بل إنَّ ما تمّ وضعُه هو طبيعيُّ هيئة (فاعل) الجامعُ بين (ضارب) و(واجب) مثلاً. ومن المعلوم أنَّه في هذه الهيئة الطبيعيّة يُمكن زولُ المبدأ مع انحفاظ الذات ولو بلحاظ بعض أفرادها، وهذا يكفي لتعقّل النزاع.
إلّا أنَّ التحقيق هو أنَّ هذه البلبلة نشأت من عدم تحقيق معنى الركن الثاني؛ حيث وقع خلطٌ بين الاستحالة الفلسفيّة والاستحالة المنطقيّة، في حين إنَّ المقصود من هذا الركن هو الاستحالة المنطقيّة.
ولأجل توضيح ذلك لا بدَّ لنا من تفسير معنى الاستحالتين، ثمّ نأتي بعد ذلك إلى تطبيقهما على الركن الثاني.
الاستحالة الفلسفيّة: ونقصد بها: ما يحكم العقل باستحالته على أساس برهانٍ أو بداهةٍ، لكن دون أن يكون ذلك من باب التناقض.
ــــــــــ[138]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 228، 229.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الاستحالة المنطقيّة: ونقصد بها: ما يحكم العقل باستحالته على أساس التناقض كالحكم باستحالة أن يكون (أ) (لا أ)؛ فإنَّ هذا مستحيلٌ منطقيّاً.
أمّا انفصالُ العلّة عن معلولها والملزومِ عن لازمِه فهو مستحيلٌ على أساس البرهان لا التناقض، وبالتالي فهو مستحيلٌ استحالةً فلسفيّة لا منطقيّة.
حينئذ نقول: إنَّ الركن الثاني لضابط محلّ النزاع هو أن لا يكون من المستحيل فرض زوال المبدأ مع فرض بقاء الذات، أي: أن لا يكون التفكيك بينهما مستحيلاً.
واستحالة التفكيك:
تارةً: تكون استحالةً منطقيّة، كما هو الحال في المبدأ الذاتي، من قبيل الجنس والفصل؛ فإنَّ في فرض زوال المبدأ مع فرض بقاء الذات تناقضاً؛ لأنَّ المبدأ هو الذات، كلاًّ أو جزءاً.
وأخرى: تكون الاستحالة فلسفيّة، نحو قولنا: (النارُ مولِّدةٌ للحرارة)، أو: (الله واجبٌ)؛ فارتفاعُ الوجوب مع بقاء الذات وإن كان مستحيلاً، ولكنّ هذه الاستحالة استحالةٌ فلسفيّةٌ لا منطقيّة؛ إذ لا تناقض في قولنا بثبوت الذات وعدم ثبوت الوجوب؛ لأنَّ أحدهما غير الآخر.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى استحالة ارتفاع علّيّة النار للحرارة مع بقاء النار، فإنَّها استحالةٌ فلسفيّةٌ وليست منطقيّة، وليس نحوَ قولنا: (النار باقية) و(النار غير باقية).
ــــــــــ[139]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
إذا اتّضح التمييز بين هاتين الاستحالتين نقول: إنَّ الركن الثاني للضابط الفنّي لمحلّ النزاع يتمثّل -على ضوء النكتة التي سوف نبيّنها- في أن لا يكون ارتفاعُ المبدأ مع بقاء الذات مستحيلاً استحالةً منطقيّة. وعلى ضوء ذلك: إذا كان المبدأُ ذاتيّاً، فاستحالة ارتفاعه مع بقاء الذات استحالةٌ منطقيّة، فلا يجري النزاع في الأوصاف التي تكون مبادئُها ذاتيّة.
وأمّا المبادئ العرضيّة اللازمة للذات، فاستحالةُ فرض زوالها مع بقاء الذات استحالةٌ فلسفيّةٌ وليست منطقيّة؛ بينما رأينا أنَّ الركن الثاني تمثّل في عدم الاستحالة المنطقيّة.
وعلى هذا الأساس فمن الأحسن أن نعيد صياغة الركن الثاني فنقول: أن يكون المبدأ غير الذات؛ إذ متى كان المبدأُ عينَ الذات أصبح ارتفاعه مع بقاء الذات مستحيلاً استحالةً منطقيّة. أمّا إذا كان المبدأُ غيرَ الذات ففرضُ ارتفاع المبدأ مع بقاء الذات ليس مستحيلاً استحالةً منطقيّة؛ لأنَّه لا يتضمّن تناقضاً، وإن كان مستحيلاً فلسفيّاً.
فإن قصدنا بالاستحالة الاستحالة الفلسفيّة تأتّى الإشكال، بخلاف ما لو عدلنا إلى الصياغة التي قدّمناها، وهي أن يكون المبدأُ غيرَ الذات.
بعد هذا يقع الكلامُ في تحقيق أنَّ أيّ صيغةٍ من هاتين الصيغتين أحقُّ بالركنيّة: الصيغة المشهورة أم الصيغة التي دفعنا بها الإشكال؟!
ــــــــــ[140]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أحياناً يتفق أن المبدأ غير الذات، لكنه يستحيل انفكاكه عن الذات كالإمكان والوجوب، ولكنه لا يضر بجريان النزاع، لأن النزاع إنما هو في الوضع للأعم أم لخصوص الصحيح. ومن المعلوم أنَّ غرض القائل بالوضع للأعمّ ليس هو التوصّل إلى الذات المنقضي عنها المبدأ خارجاً، بل التوصّل إلى استعمال اللفظ فيها بحيث يكون ذلك ممكناً. ومن الواضح أنَّ استعمال اللفظ في شيءٍ لا يتوقّف على إمكان وجوده خارجاً، بل على إمكان تصوّره؛ فضابطُ الاستعمال هو إمكانُ التصوّر، وتعميمُ الوضع هو إمكان الاستعمال؛ فمتى أمكن تصوّر الذات المنقضي عنها المبدأُ أمكن الاستعمال فيها، ومتى أمكن الاستعمالُ فيها أمكن الوضع لها، سواءٌ أمكن وجودها في الخارج أم لا.
وعلى أساس ما تقدّم نقول:
عندما يكون المبدأُ مغايراً للذات ولكنّه يكون ملازماً لها بحيث يستحيل خارجاً أن توجد بدونه، ولكن في عالم التصوّر يُمكن تصوّر الذات المنقضي عنها المبدأ، فيُمكن تصوّر ذاتٍ انقضى عنها الوجوب أو الإمكان أو العلّيّة أو المعلوليّة. ومعه يكون الاستعمال ممكناً، وإذا أمكن الأخير أمكن الوضع، وإذا أمكن الأخير أمكن جريانُ النزاع.
أمّا إذا كان المبدأ عينَ الذات، كما في مبدأ الإنسانيّة بالنسبة إلى الإنسان، فهنا لا يُمكن تصوّر الوضع للأعمّ من خلال القول: «إنَّ لفظ (الإنسان) موضوعٌ للإنسان المتلبِّس بالإنسانيّة وللإنسان المنقضي عنه مبدأُ الإنسانيّة»؛ لأنّنا بمجرّدِ افتراضنا الذاتَ نفترض تلبّسها بالمبدأ.
ــــــــــ[141]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
فهل يريد القائل بالأعمّ أن نجمع بين تصور الإنسان وعدم تصور الإنسان؟! هذا لا يمكن حتى في عالم التصور، أم يريد الجمع بين تصور الإنسان واللاإنسان؟! فهذا معقول، ولكنه متلبّس بالمبدأ لا محالة، فيكون إطلاق المشتق ممكناً حتى بناءً على الوضع لخصوص المتلبّس.
وبهذا اتّضح أنَّ الركن الثاني لمحلّ النزاع هو أن يكون المبدأ مغايراً للذات، لا أن يكون ممكنَ الانفكاك عنها.
والآن نأتي إلى الدوائر الثلاث المتقدّمة لنتبيَّن حدود النزاع فيها:
نبدأ بأوسع الدوائر، وهي الشاملة لمطلق الأسماء -المشتقّة منها وغير المشتقّة-لنتبيَّن مدى شمول النزاع لغير المشتقّات من الجوامد.
وقد فصّل الأعلام(1) بين قسمين من الجوامد:
1- الجوامد الموضوعة لعناوين منتزعة من مرتبة الذات، من قبيل: الحديد والإنسان.
2- الأسماء الموضوعة لعناوين عرضيّة خارجٍة عن الذات، من قبيل: عنوان الزوج والزوجة، عنوان السيف، عنوان السرير؛ فإنَّ عنوان السيف
-مثلاً- ليس ذاتيّاً للحديد، بل هو منتزعٌ عنه بلحاظ أمرٍ خارجي.
ــــــــــ[142]ــــــــــ
(1) لاحظ: كفاية الأصول: 39، المحجة في تقريرات الحجة: 1: 117.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ومن هنا فإنَّ النزاع لا يجري في القسم الأوّل؛ إذ لا يُعقل بقاءُ الذات مع زوال المبدأ، بخلاف القسم الثاني الذي يتأتّى فيه النزاع.
أمّا جريان النزاع في القسم الثاني فهو صحيحٌ ولا ينبغي الإشكال فيه؛ لتوفّر كلا الركنين المتقدّمين:
أمّا الركن الأول -المتمثّلُ في أن يكون الاسمُ ممّا يُحمل على الذات وتوصَفُ به- فمحفوظٌ؛ لأنَّ السيف والزوج -مثلاً- يُحملان على الذات.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الركن الثاني؛ فإنَّ الزوجيّةَ مغايرةٌ لذات زيد، و(حالة كونه سيفاً) مغايرةٌ أيضاً لماهيّة الحديد وزائدةٌ عليه.
أمّا القسم الأوّل الذي ذهبوا إلى عدم جريان النزاع فيه، فيجب أن نتساءل بدايةً عن المراد من الذات التي لا تبقى بعد زوال المبدأ عنها: هل المراد منها المركّب النوعي أم الجسم؟!
قالوا(1): إنَّ السيف مركب من مادة صرفة، وهي المسماة بالهيولى، ومن صورة جسمية تلبستها الهيولى وبها أصبحت جسماً.
ثم فوق الصورة الجسمية توجد صورة تسمى بالصورة النوعية، وهي كون السيف حديداً.
وعندنا أمر رابع: وهي الحالة التي يمتاز بها السيف عن المنشار الذي هو حديد.
ــــــــــ[143]ــــــــــ
(1) انظر: الشفاء (الطبيعيات) 1: 14، درر الفوائد: 2: 173، شرح الإشارات والتنبيهات 2: 101، رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا 2: 6.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ولا إشكال عندهم في جوهريّة الأمرين الأوّلين وذاتيّتهما، وفي أنَّ وجود المادّة يبقى محفوظاً بإحدى الصور الجسميّة على نحو البدل.
وأما الصورة النوعية، فهي محل الكلام بينهم في جوهريتها وعرضيتها؛ فالمشهور كونها جوهراً(1)، وهناك قول بعرضيتها(2).
ومن هنا اختلفوا في أنَّه إذا زالت الصور النوعيّة -كالحديديّة مثلاً- وتبدّلت إلى صورة نوعيّة أخرى -كما لو صار الخشبُ فحماً، أو النخلةُ خشباً بالقطع-، فهل تتبدّل الصورة الجسميّة أيضاً بذلك أم تبقى؟
منهم من قال: إنَّ الصورة الجسميّة تتبدّل بتبدّل الصورة النوعيّة؛ لتقوّمها بها وتحصّلها بها على حدّ تحصّل الجنس بالفصل؛ فإذا زالت الصورة النوعيّة زالت بالتالي الصورةُ الجسميّةُ وحدثت صورةٌ جسميّةٌ أخرى(3).
أمّا الحالة الخاصّة التي يمتاز بها السيف، فلا إشكال عندهم في كونها عرضاً.
ــــــــــ[144]ــــــــــ
(1) وهو مذهب الحكماء المشائين على ما نقل عنهم صاحب الحكمة المتعالية 5: 157.
(2) وهو مذهب القدماء من الفلاسفة، حيث ذكر صدر المتألهين في شرحه للهداية الاثيرية: 65، ما نصه: (فيه خلاف بين اتباع المعلم الأول من المشائين ومنهم الشيخ الرئيس ومن في طبقته وبين الاقدمين من اليونانيين كهرمس وفيثاغورس وافلاطون وحكماء الفرس والرواقين).
(3) انظر: الحكمة المتعالية في الأسفارالعقلية الأربعة 6: 182، 183، نهاية الحكمة: 134.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
هذا ولا إشكال في أنَّ عنوان الحديد منتزعٌ عن الجسم ومحمولٌ عليه بلحاظ الصورة النوعيّة (الحديديّة)، فنسبةُ هذه الصورة النوعيّة إلى الذات نسبةُ مبدأ الاشتقاق إليها (الذات). وحيث إنَّ هذا المبدأ ذاتيٌّ، فبارتفاعه ترتفع الذات، فلا يصحُّ فيه النزاع.
ويتوجّب علينا في المقام أن نقف على مرادهم من الذات التي ترتفع بارتفاع المبدأ:
فإن أرادوا المركّبَ الثلاثي من الهيولى والصورة الجسميّة والصورة النوعيّة (الحديديّة)، فهذا نوعٌ حقيقيّ، فيصحُّ ما يُقال من أنَّ الذات ترتفع بارتفاع المبدأ. لأنَّ المبدأ جزءٌ من الذات؛ إذ إنّ الصورة النوعية هي جزء ثالث من المركب، فمتى ارتفع الجزء ارتفع المركَّب.
إلّا أنَّه لا ملزم لنا بالنظر إلى هذه الذات، بل بإمكاننا تصوّرُ ذاتٍ أخرى متمثّلةٍ في المركّب الثنائي من القوّة الصرفة (الهيولى) ومن الصورة الجسميّة، وهو القدر المشترك بين الأجسام.
وهذا المركّب ذات، ولا إشكال في أنَّ عنوان الحديد يُحمَل عليه، فيقال: (الجسمُ حديدٌ)، أو: (الجسمُ تارةً يكون حديداً وأخرى يكون خشباً)، فهل يلزم من ارتفاع الحديديّة ارتفاعُ هذا المركَّب أم لا؟!
أمّا بناءً على ما بيناه في الركن الثاني من أنَّه عبارةٌ عن مغايرة المبدأ للذات، فهذا الركن ثابتٌ في المقام؛ لأنَّ الحديديّة أمرٌ زائدٌ على هذا المركّب الثنائي. كما إنَّ الركن الأوّل ثابتٌ، وهو الحمل على الذات كما أسلفنا. وإذا كان الأمر كذلك أمكن جريانُ النزاع فيه.
ــــــــــ[145]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أمّا إذا بقينا مع مسلك الأعلام في الركن الثاني وعبّرنا عنه بإمكان الانفكاك بين المبدأ والذات، ولم نميِّز بين الإمكان المنطقي والإمكان الفلسفي، فهنا يأتي التساؤل حول إمكان انفكاك الحديديّة عن المركّب الثنائي أم لا؟!
فإذا بقينا مع النظر الدقِّي الفلسفي، ففي المقام بحثٌ بينهم(1):
فمنهم من ذهب إلى تقوّم الصورة الجسميّة وجوداً بأشخاص الصور النوعيّة، فإذا زالت الصورة النوعيّة زالت الصور الجسميّة وتبدّلت إلى صورة أخرى؛ فإذا قُطعت النخلة وصارت خشباً تبدّلت صورتُها النوعيّة والجسميّة كذلك، ولا يعقل بقاءُ الأخيرة مع زوال الأولى.
ومنهم من ذهب إلى تقوّم الصورة الجسميّة بإحدى الصور النوعيّة على نحو البدل، فإذا زالت الصورة النوعيّة ظلّت الصورة الجسميّة قائمة؛ لأنَّ ما يقوّم الصورة الجسميّة ليس شخص هذه الصورة النوعيّة، بل الجامع، وهو محفوظ.
ومنهم من قال بعَرَضيّة الصورة النوعيّة؛ حيث نفى تقوّم الصورة الجسميّة بالصورة النوعيّة مطلقاً، سواءٌ بأشخاصها أم بجامعها. وبناءً على هذا المذهب تكون الصورة الجسميّة محفوظة. هذا بحسب تخيلات الفلاسفة.
أمّا بحسب تخيّل الإنسان العرفي، فلا إشكال في أنَّ الذات المتحصّلة من المركّب الثنائي والصورة الجسميّة محفوظةٌ بارتفاع الصورة النوعيّة؛ إذ لا يشكّ هذا الإنسان في بقاء النخلة بتبدّل جسمها بالقطع مثلاً. والفهم العرفي هو المحكَّم في البحث اللغوي، فحينها يكفي بقاءُ الذات بالنظر العرفي، سواءٌ
ــــــــــ[146]ــــــــــ
(1) انظر: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة 5: 145.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أكانت باقيةً بالنظر الدقِّي العقلي أم لا. وإذا كانت الذات محفوظةً حتّى بتبدّل الصور النوعيّة أمكن جريانُ النزاع فيها أيضاً.
نعم، بحسب الخارج لم يقع نزاعٌ في العناوين الذاتيّة ووقع في غيرها، وهذا بحسب مقام الوقوع لا الإمكان، ولم يدَّعِ أحدٌ أنَّ عنوان الحديد يصدق على الجسم حتى بعد زوال الحديدية عنه، فالقصورُ إذن قصورٌ إثباتيٌّ لا ثبوتيّ.
أمّا الحديث في الدائرة الثانية فيقع حول المشتقّات فيما إذا كانت تدخل بتمامها في محلّ الكلام أم أنَّ بعضها خارج محل النزاع؟
من الوضوح بمكان أنَّ بعضها -من قبيل المصادر والأفعال- لا يدخل في محلّ الكلام؛ لفقدان الركن الأوّل، وهو الحملُ على الذات. بل يختصّ النزاع بخصوص الأوصاف الاشتقاقيّة -من قبيل أسماء الفاعلين والمفعولين، وأسماء الزمان والمكان والآلة، والصفة المشبّهة-؛ فإنَّها تُحمَل على الذات.
يقع الكلام في الدائرة الثالثة -دائرة الأوصاف الاشتقاقيّة- في أنَّ النزاع هل يجري فيها بتمامها، أم أنَّ بعضها خارجٌ عن محلّ النزاع؟!
لقد ادّعي في بعض كلمات المحقِّق النائيني(1) خروجُ أسماء الآلة عن
ــــــــــ[147]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 83، ومن القائلين بخروج أسماء الآلة عن محل النزاع صاحب الفصول، انظر: الفصول الغروية: 60.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
محلّ النزاع، من قبيل (المفتاح)؛ إذ لا إشكال في أنَّه لم يؤخذ فيه فعليّة التلبّس، ولذا يُطلق عليه حقيقةً قبل التلبّس، فما ظنُّك به بعد التلبّس؟!
وجواب هذا الكلام واضح، وهو أنَّ التلبس إنّما هو باعتبار مبدئه، فإن فُرِضَ أنَّ المبدأ هو الفتح فهو داخلٌ في محلّ النزاع، وإن كان مبدؤه هو شأنيّة الفتح فهو أيضاً داخل؛ فإنَّ الآلة قد تفقد شأنيّة الفتح، فيقع الكلام في أنَّها هل تُسمّى مفتاحاً أم لا.
فالأعمّيُّ يقول بصدق المفتاح عليه، بينما يُنكر الأخصّيُّ ذلك.
ومن جملة ما تُوُهِّم خروجُه عن محلّ النزاع: أسماء الزمان، وذلك بناءً على الإشكال المعروف من أنَّ الذات في أسماء الزمان هي الزمان، فالذات في (مقتل) و(مضرب) عبارة عن الزمان، والمبدأ هو (القتل) و(الضرب). ومن المعلوم أنَّ الذات تنقضي بانقضاء المبدأ، فلا يُعقل النزاع في أسماء الزمان.
وقد تمّ التخلّص من هذا الإشكال بوجوهٍ عديدة:
لعلّ من ألطف الوجوه التي ذكرت في سياق التخلّص من هذا الإشكال: ما ذكره صاحب (الكفاية)؛ حيث قال(1): إنّنا نسلِّم باستحالة بقاء الذات مع انقضاء المبدأ، إلّا أنَّه لا بأس في وضع اللفظ للجامع ما بين الذات المتلبِّسة
ــــــــــ[148]ــــــــــ
(1) كفاية الأصول: 40.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
والذات المنقضي عنها المبدأُ؛ فإنَّ استحالة هذه الذات لا يمنع من وضع اللفظ للجامع بين الممكن والمستحيل، بل لا مانع من الوضع للمستحيل وحده؛ لأنَّ المدار في الوضع لمعنىً هو تصوُّرُه، لا وجوده الخارجي، وتصوّر المستحيل ممكنٌ، وإذا أمكن تصوُّرُه أمكن الاستعمال فيه، وإذا أمكن الاستعمال فيه أمكن الوضع فيه.
وكأنَّ صاحب (الكفاية) أراد أن يقدِّم بياناً قريباً لما ذكرناه من إمكان وضع اللفظ للذات المستحيلة فلسفيّاً.
إلّا أنَّ هذا الجواب غير صحيح في المقام؛ لأنّنا إذا توخّينا الدقّة فسنجد أنَّ بقاء الذات في أسماء الزمان مع انقضاء المبدأ ليس مستحيلاً فلسفيّاً فقط، بل هو مستحيلٌ من الناحية المنطقيّة؛ لاشتماله على التناقض، وقد قلنا: إنَّ مثل ذلك يستحيل دخولُه في محلّ النزاع.
وذلك: أنَّ مفهوم انقضاء المبدأ يشتمل على التجدّد الذي هو معنى الزمان؛ فإنّنا إذا تصوّرنا عالَماً غيرَ زمانيٍّ فلا انقضاء فيه أصلاً. إذن، فانقضاء المبدأ هو عين انقضاء الزمان، لا أنَّ لدينا انقضاءين: انقضاءً للمبدأ وآخر للزمان، بل إنَّ انقضاء المبدأ عبارةٌ عن تجدّد زمانٍ آخر، وإلّا فلو نظرنا إلى الأمور بنظرةٍ غير زمانيّة فستكون الحوادث كلّها غير منقضية وموجودةً بين يدي الله تعالى.
وهذا يعني أنَّ في فرض انقضاء المبدأ مع بقاء الزمان تناقضاً، فيكون الأمر مستحيلاً منطقيّاً، لا فلسفيّاً فحسب.
ــــــــــ[149]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الوجه الثاني عبارة عمّا ذكره جماعة من المحقّقين، كالمحقِّق الأصفهاني(1) والسيّد الأستاذ(2) وغيرهما(3)؛ حيث قالوا: إنَّ أسماء الزمان هي بنفسها أسماءُ المكان ولا يوجد للزمان أسماء مستقلّة. فمقتل دالٌّ على الذات التي تقع ظرفاً للقتل سواءٌ كان مكانياً أو زمانياً.
وعلى هذا الأساس يُعقل جريان النزاع في اسم الزمان؛ فإنَّ بقاء الذات الزمانيّة وإن كان غيرَ معقولٍ بعد انقضاء المبدأ، إلّا أنَّ الذات المكانيّة قابلةٌ للبقاء. ويكفي في تعقّل النزاع بقاءُ الذات ولو في بعض المصاديق، ولا يلزم أن يكون معقولاً في تمام الحالات وتمام مصاديق المعنى الموضوع له.
وهذا الجواب ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ أسماء الزمان والمكان وإن كانت متداخلةً -كما أفيد-، ولكنّ ذلك لا يعني أنَّ لكلمة (مقتل) معنىً وحدانيّاً بوضعٍ واحدٍ، فالتداخل هنا تداخلٌ في اللفظ لا في المعنى؛ حيث إنَّ هذه الكلمة قد صارت اسمَ زمانٍ بلحاظ معنىً، وصارت اسمَ مكانٍ بلحاظ معنىً آخر، لا أنَّ لها معنىً وحدانيّاً ينطبق على الزمان والمكان معاً.
وتوضيحُ ذلك بأن يُقال: إنَّ كلمة (مقتل) مثلاً لابدَّ من أن توضع للذات الملحوظة ظرفاً للقتل، ولكنّنا نتساءل عمّا إذا كان المأخوذ في المعنى الموضوع له
ــــــــــ[150]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 116، 119.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 232، 233، أجود التقريرات 1: 56، 57.
(3) انظر: جواهر الأصول: 2: 42.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
هو عنوان الظرفيّة بما هو مفهومٌ اسميٌّ أم واقع الظرفيّة:
فإن كان المأخوذ في المعنى الموضوع له هو عنوان الظرفيّة بما هو مفهومٌ اسميٌّ، فحينها يُمكن تصويرُ معنىً وحدانيٍّ جامعٍ ينطبق على الزمان الظرفي والمكان الظرفي؛ فإنَّ عنوان (الظرف) ينطبق عليهما معاً. وبهذا يتمّ ما ذكروه من أنَّه يُعقلُ في هذا الجامع انقضاءُ المبدأ مع بقاء الذات، ولو بلحاظ المكان.
لكنْ من الواضح أنَّ مفهوم الظرفيّة بما هو مفهومٌ اسميٌّ غيرُ مأخوذٍ في مفهوم المشتق؛ فإنَّ مفهوم الظرفيّة -على حدّ مفهوم الفاعليّة والمفعوليّة والآليّة- من المفاهيم التي تُنتزع عن المشتقّات، لا أنَّها تُؤخذ فيها وتدخل في مفهومها. ولهذا لا يخطر على ذهننا مفهومُ الظرفيّة من كلمة (مقتل)، وإنّما يخطر منها صورةٌ ننتزع منها بعد ذلك مفهوم الظرفيّة.
وإنّما المأخوذ في مفهوم المشتقّ واقعُ الظرفيّة، لا مفهومها، بمعنى أنَّه يتولّد في ذهننا من لفظ (المقتل) وجودُ نسبةٍ بين الذات والقتل، ويُنتَزَع من هذه النسبة مفهومُ الظرفيّة؛ وذلك على غرار اسم الفاعل ومفهوم الفاعليّة؛ فإنَّ اسم الفاعل موضوعٌ لذاتٍ ونسبةٍ ومبدأٍ، ثمّ ننتزع من الصورة مفهومَ الفاعليّة.
ولدينا نسبتان: نسبة الشي إلى مكانه، ونسبة الشيء إلى زمانه. وهاتان النسبتان متباينتان فلسفيّاً وعرفيّاً، وليستا من سنخٍ واحد:
أمّا فلسفيّاً؛ فلأنَّ نسبة الشيء إلى مكانه عبارةٌ عن مقولة (الأين)، أو مقوِّمِ هذه المقولة. ونسبةُ الشيء إلى زمانه هي مقولةُ (المتى) أو مقوِّمُ هذه المقولة. ومن المعلوم أنّهم اعتبروا هذه المقولاتِ العاليةَ متباينةً في عالم الماهيّة سنخاً وذاتاً.
ــــــــــ[151]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أمّا عرفيّاً، فلا إشكال في التباين الوجداني بينهما؛ لأنّنا عندما نتصوّر واقع احتواء الزمان للقتل ونتصوّر واقع احتواء المكان له، فنحن أمام احتواءين من سنخين، فهما نسبتان متباينتان ذاتاً، ولا جامع بينهما.
وعليه، فلابدَّ من وضع اللفظ لكلتا النسبتين، وذلك بأن يكون له مدلولان:
أحدهما: الذات مع واقع نسبة الزمان إلى الفرد.
والثاني: الذات مع واقع نسبة المكان إليها.
وحينئذٍ يقال: إنَّ جريان النزاع في (مقتل) إنّما هو بلحاظ أحد مدلوليه، وهو المدلولُ الثاني، دون الأوّل. وبالتالي يبقى الإشكال بلحاظ المدلول الأوّل على حاله.
الوجه الثالث الذي صوّروا به جريان النزاع في أسماء الزمان هو ما أفاده المحقِّق العراقي(1)، وهو أنَّ الزمان الذي ينقضي بانقضاء المبدأ إنَّما هو تلك القطعة الخاصّة من الزمان التي وقع فيها القتل، وهذه القطعة لا يعقل بقاؤها بعد انقضاء المبدأ، ولكنْ باعتبار اتّصالها بما قبلها وما بعدها من قطعات فإنَّها تكون موجودةً بوجودٍ واحدٍ امتداديّ؛ لأنَّ الاتّصال مساوقٌ للوحدة، وهذا الموجود الوحداني الطويل له بقاءٌ بعد انقضاء المبدأ.
ــــــــــ[152]ــــــــــ
(1) انظر: منهاج الأصول 1: 129، بدائع الأفكار (العراقي) 1: 161، 162.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الإشكال الأوّل: وقد أورد المحقِّق الأصفهاني على هذا الكلام(1): أنَّ المتّصف حقيقةً بالحدث إنّما هو تلك القطعة، لا الواحد الاتّصالي، مشبِّهاً ذلك بالأجسام الخارجيّة؛ فكما أنَّ اللحظاتِ واحدةٌ بالاتّصال، فكذلك الأجسام الخارجيّة. والحدث قد وقع في لحظةٍ، فيكون وقوعه على حدّ وقوع الحمرة في جزءٍ من هذا الجسم، ففي هذه الحالة: هل نقول باتّصاف الجسم كلِّه بكونه أحمر؟! وهذا بنفسه يجري في المقام بالنسبة إلى عمود الزمان؛ فإنَّ ما يتّصف بالمقتليّة هو ذلك الجزء الذي وقع فيه القتل دون غيره من أجزاء الزمان.
إلّا أنَّ هذا الكلام غير صحيح؛ لأنَّ هناك فرقاً بين الواحد المتّصل العَرْضِيِّ الأجزاء وبين الواحد المتّصل التدريجيِّ الأجزاء:
ومثالُ الواحدِ المتّصل العَرْضِيِّ الأجزاء: حمرةُ الجزء؛ فإنَّها ليست حمرةً للأجزاء الأخرى؛ لأنَّ هذا الجزء ليس تمامَ وجوده، بل جزؤه، فتكون نسبةُ الحمرة إلى المركَّب مجازيّة.
ومثالُ الواحد المتّصل التدريجيِّ الأجزاء: عمودُ الزمان؛ فإنَّ تمام وجوده في ذلك الحال هو ذلك الجزء، فإذا اتّصف هذا الجزءُ الزمانيُّ بـ(المقتليّة) فقد اتّصف الواحدُ العمودي بها؛ لأنَّ وجوده بتمامه هو وجود هذا الجزء، فيكون وصفُ الجزء وصفاً للواحد التدريجي.
الإشكال الثاني: نعم، قد تثارُ على المحقِّق العراقي شبهةٌ أخرى في
ــــــــــ[153]ــــــــــ
(1) نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 117، 118.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
المقام، وهي أنَّه يلزم ممّا ذكره أن يكون القائلُ بالأعمِّ ملتزماً بصحّة إطلاق اسم الزمان على الزمان إلى يوم القيامة؛ لانحفاظ كلٍّ من الاتّصال الزماني والذات، فيصدق على الآن أنَّه مقتلُ زكريّا بن يحيى‘.
ويُجاب عن ذلك بأنَّ المناط في بقاء الذات هو النظرُ العرفي لا النظرُ الدِقِّيُّ الفلسفي، وهو -أي: العرف- يعمد إلى عمود الزمان ويُقطِّعه إلى قطع متمثّلة في سنوات وأشهر وأيّام وساعات، ويرى أنَّ لكلّ قطعةٍ شخصيّةً وذاتيّةً مغايرةً لذاتيّة الشخصيّة الأخرى. كما يرى هذا العُرف أنَّه بعد انقضاء يوم مقتل زكريّا فإنَّ الذات قد انقضت.
نعم، ما دام يوم مقتله موجوداً فالذات محفوظةٌ عرفاً، وإن انقضى المبدأ.
وبذلك يتحصّل من المحقِّق العراقي جوابٌ صحيحٌ لحلّ الإشكال في جريان النزاع في اسم الزمان.
لقد قيل في عنوان المسألة: هل إنَّ المشتقّ موضوعٌ لخصوص المتلبِّس في الحال، أم للأعمّ؟! وحيث إنَّ كلمة (الحال) تدلّ على الزمان، فقد تُوُهِّمَ أنَّ القائل بالوضع لخصوص المتلبِّس يقول بأخذ الزمان في مدلول المشتقّ.
إلّا أنَّ المحقّقين المتأخّرين(1) قد أوضحوا خطأ هذا التوهّم، وأنَّه لا ينبغي
ــــــــــ[154]ــــــــــ
(1) انظر: هداية المسترشدين: 82، حقائق الأصول 1: 108، نتائج الأفكار 1: 140.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أن يُدّعى أخذُ الزمان في اسم الفاعل والمفعول ونحوهِما من الأسماء الاشتقاقيّة، والقائلُ بالوضع للمتلبِّس لا يدّعي ذلك؛ لوضوح أنَّ حالَ المشتقّ حالُ الأسماء الأخرى من الجوامد والمصادر؛ فكما أنَّه لم يؤخَذ فيها الزمان، وإنّما هي أسماءُ لذات الماهيّة التي لابدَّ أن تقع في زمان، فكذلك الأمر بالنسبة إلى كلمة (عالِم) التي لم يؤخذ في مفهومها الزمان.
وتوضيح ذلك: إنَّ مفاد كلمة (عالم) هو شيءٌ له التلبُّس بالعلم، وهذه الجملة من الواضح أنّ الزمان غير مأخوذ في مفرداتها، لأنها مركّبٌة من (جوامد) و(مصادر) وهي العلم والتلبس. ومن (حروف) هي الواو والياء. ومن الواضح أنّ الزمان غير مدلول عليه في هذه الجملة.
إذن، الزمان غيرُ مدلولٍ عليه في هذه الجملة، ومدلولُ كلمة (عالِم) ليس إلّا مدلول هذه الجملة، فينتج عن ذلك أنَّ الزمان غيرُ مأخوذٍ في مفهومِ كلمة (عالِم) الذي هو سنخُ مفهومٍ لا ينطبق على الذات الخارجيّة إلّا حين وجدانه للمبدأ وتلبّسه بالعلم، تماماً كما أنَّ عنوان الإنسان لا يصدق على النطفة إلّا إذا كانت واجدةً للجنس والفصل.
والنتيجة: أنَّ تصوّر أخذ الزمان في المشتقّ في غير محلِّه.
بعد الفراغ عن دلالة المشتقّ على المتلبّس من دون دلالة على الزمان، يقع الكلام حول ما يدلّ عليه من ناحيةٍ أخرى، فنسأل:
هل يدلُّ المشتقُّ على المتلبِّس على الإطلاق وبلا قيدٍ؟ أم يدلُّ على الذات
ــــــــــ[155]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
المتلبِّسة بالعلم، لكن لا كلّ تلبّس، بل التلبّس المقارن للنطق؟ أم يدلّ على الذات المتلبِّسة التي يكون تلبُّسُها مقارناً مع الجري والحكم؟
فهذه ثلاثة احتمالات:
ففي الاحتمال الأوّل يكون المشتقّ موضوعاً للمتلبِّس مجرّداً عن أيّ قيدٍ للتلبّس.
وفي الاحتمال الثاني يكون المشتقُّ موضوعاً للذات المتلبّسة بالمبدأ تلبّساً مقارناً للنطق. لكنّ هذا لا يعني أخذَ نفسِ زمانِ النطقِ في مفهوم المشتقّ، بل المأخوذ هو نفسُ النطق الذي هو أمرٌ زمانيّ، فتكون كلمة (عالِم) موضوعةً للذات المتلبِّسة بالمبدأ تلبّساً مقارناً للنطق.
أمّا في الاحتمال الثالث فالمشتقُّ موضوعٌ للذات المتلبِّسة بالمبدأ تلبّساً مقارناً للجري والحكم، لا النطق، أي: مقارناً للحكم بالمحمول على الموضوع، لا مقارناً لنطقي بالمحمول والموضوع؛ إذ قد يختلف الحكم مع النطق، كما لو قلتُ: (زيدٌ ضاربٌ بالأمس)؛ فإنَّ النطق بلحاظ اليوم، والحكم بلحاظ الأمس، فلا يكون التلبّسُ المقارنُ للنطق موجوداً، بخلاف التلبّس المقارن للحكم.
ويظهر بين هذه الاحتمالات فارقٌ في مقام الاستظهار من الخطاب؛ فلو قيل: (زيدٌ عالِمٌ) فلا إشكال في أنّنا نفهم من ذلك أنَّه عالمٌ الآن إذا كان زيد موجوداً، لكنّ مدلول كلمة (عالِم) قد يختلف.
فلو بنينا على الاحتمال الثاني فإنَّ كلمة (عالم) تدلُّ بظهورها الوضعيِّ على المتلبِّس في زمان النطق.
ــــــــــ[156]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ولو بنينا على الاحتمال الثالث فإنَّ كلمة (عالِم) تدلّ على أنَّ التلبّس موجودٌ حال الحكم. أمّا متى يوجد الحكمُ نفسُه فهذا ما يتعيّن بالإطلاق، فيُقال: حيث إنَّ المتكلِّم قد أطلق الزمان ولم يعيِّنه فإنَّه ينصرف إلى الزمان الحاضر، فتكون الدلالة على الزمان الحاضر إطلاقيّة.
وأمّا إذا أخذنا بالاحتمال الأوّل فإنَّ كلمة (عالِم) لا تدلّ على التلبّس في ظرف الجري والحكم فضلاً عن ظرف النطق، بل يُستفاد كلا التلبّسين من دالٍّ آخر:
أمّا التلبّس في حال الجري فالدال عليه ظهورُ الجملة في الاتّحاد والهوهويّة بين الموضوع والمحمول؛ فإنَّ هذا الظهور والاتّحاد يعني أنَّ (زيداً) هو عينُ (عالم)، وهذه العينيّة لا تصدق إلّا عندما يكون زيدٌ متلبِّساً.
أمّا الدالُّ على التلبّس مقارناً لزمان النطق -وبالتالي يكون زمان الجري هو زمان النطق- فهو الإطلاق؛ فحيث لم ينصب قرينةً ينصرف إلى الزمان الحاضر. فتكون عندنا بهذا اللحاظ ثلاثة دوال.
والصحيحُ من هذه الاحتمالات الثلاثة الاحتمال الأول، وهو أنَّ المشتقّ موضوعٌ للذات المتلبِّسة مع أخذ التلبّس بما هو هو، ومن دون أيّ قيد. أمّا الاحتمالان الآخران -الثاني والثالث- فباطلان:
أمّا إبطال الاحتمال الثاني فهو بأمرين:
أحدهما: أنَّ التلبّس لو كان مقيّداً بالنطق للزم أن يكون قولُنا: (زيدٌ
ــــــــــ[157]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ضاربٌ بالأمس) مجازاً؛ لأنَّه غير متلبِّس في زمان النطق، بل في زمان الجري، مع أنَّه لا إشكال في كونه حقيقةً.
ثانيهما: إن أريد أخذُ مفهوم النطق قيداً، فهذا واضح البطلان؛ إذ لا يخطر في ذهننا من كلمة (عالِم) نفسُ ما يخطر فيه من كلمة (نطق). وإن أريد واقع النطق قيداً، فيلزم من ذلك -عند عدم النطق- عدم المعنى للكلمة أصلاً، مع أنَّ لكلمة (عالِم) معنىً محفوظاً، سواءٌ أ نطق بها إنسانٌ أم لا.
والاحتمال الثالث باطلٌ أيضاً، وهو يواجه إشكالين كذلك:
الإشكال الأوّل: وهو من سنخ الإشكال الأخير الذي سجّلناه على الاحتمال الثاني المتقدّم، وحاصله: أنَّ المأخوذ قيداً في مدلول (عالِم):
هل هو مفهوم الجري والحكم أم واقع الجري والحكم؟ فإن قيل الأول، فهو باطل بالضرورة؛ لأنّنا لا نلتفت إلى مفهوم الجري والحكم عند سماعنا كلمةَ (عالِم).
وإن قيل الثاني، لزم من ذلك أن لا يكون لكلمة (عالِم) معنىً حيث يُؤتى بها مفردةً، لا في جملةٍ تامّةٍ؛ لأنَّ الحكم لا يكون إلّا في جملةٍ تامّة، وبدونها لا يكون واقع الجري موجوداً. مع أنَّ لكلمة (عالِم) معنىً متحصّلاً، سواءٌ أ جاءت مفردةً أم ضمن جملة.
الإشكال الثاني: أنَّ الجري يقع في طول الموضوع والمحمول، وهما (الذات) و(المشتقّ) في قولنا: (زيدٌ عالمٌ)، فكيف يُؤخذ قيداً في أحدهما؟!
ومعه يثبت أنَّ المشتقّ -بناءً على وضعه لخصوص المتلبِّس- موضوعٌ لمطلق
ــــــــــ[158]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
المتلبّس، أي دون قيد النطق وقيد الجري.
وعلى هذا الأساس ففي قولنا: (زيدٌ عالِمٌ) نحن بحاجةٍ -كما بيّنّا- إلى ثلاثة دوالّ:
الأوّل: كلمة (عالِم)، وهي تدلّ على مفهوم التلبّس.
الثاني: ظهورُ الجملة الحمليّة بالهوهويّة والعينيّة، وهو يدلُّ على أنَّ التلبّس محفوظٌ في ظرف إصدار الحكم.
الثالث: الإطلاقُ وعدمُ ذكر زمان آخر، وهو يدلُّ على أنَّ ظرف إصدار الحكم هو ظرف النطق(1).
قبل الدخول في تحقيق ما هو الحقُّ في ما وضع له اللفظ: هل هو خصوص المتلبِّس أم الأعمّ، لابدَّ من تصوير الجامع على القولين:
فعلى القول بالوضع لخصوص المتلبّس لابدَّ من تصوير جامعٍ ينطبق على الأفراد المتلبّسة ولا ينطبق على ما انقضى عنه المبدأ.
أمّا على القول بكونه حقيقةً في الأعمّ فلابدَّ من تصوير جامعٍ بين الأفراد المتلبسة والمنقضي عنها المبدأ بحيث يكون الإطلاق للأفراد إطلاقاً حقيقيّاً.
وأمّا إذا عجزنا عن تصوير الجامع على أحد القولين فهذا يعني استحالة ذلك القول ثبوتاً، فلا تصل النوبة إلى البحث فيه إثباتاً.
ــــــــــ[159]ــــــــــ
() أقول: ذكر السيّد أنَّ المشتقّ موضوعٌ للنسبة الناقصة، وهي نسبةُ تلبّس الذات بالمشتقّ. (المقرّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أمّا الجامعُ بناءً على القول بالوضع لخصوص المتلبِّس فلا إشكال في تعقّله وتصويره على النحو الذي بيّنّاه في المقدّمة السابقة؛ فإنَّ الذات التي لها التلبّس بالمبدأ مفهومٌ ينطبق على المتلبِّس ولا يعمّ غيره، ولا فرق في ذلك بين أن نقول ببساطة مفهوم المشتقّ أم بتركّبه:
وأمّا بناءً على تركّب مفهوم المشتقّ من (ذاتٍ) و(نسبةٍ) و(مبدأٍ)، فإنَّ الجامع عبارةٌ عمّا قلناه.
وأمّا بناءً على بساطة مفهوم المشتقّ، فإنَّ مفاد (عالِم) هو نفسُ مفاد الحدث، وهو (العِلم)، لكنّه أُخِذ لا بشرط من حيث الحمل، ولهذا صحّ حملُه على الذات، بينما أُخِذ في (عِلم) بشرط لا، فلم يصحّ حملُه.
ولوضوح أنَّ الجامع في المقام، هو نفس (العِلم)؛ فإنَّه يكون محفوظٌ في تمام موارد التلبّس.
أمّا بناءً على القول بكون المشتقّ حقيقةً في الأعمّ، فإنَّ تصوير الجامع لا يخلو من إشكال. وتوضيح ذلك:
إنَّ تصوير الجامع -بناءً على بساطة المفاهيم الاشتقاقيّة وكونِها نفسَ الحدث-غيرُ معقول أصلاً؛ لأنَّ مدلول كلمة (عالِم) -بناءً على هذا المبنى- ليس هو الذات، وليست الذات دخيلةً فيه، بل مدلولها هو نفسُ الحدث (العِلم) مأخوذاً لا بشرط. ومن الواضح أنَّ العلم غيرُ محفوظٍ في المنقضي عنه
ــــــــــ[160]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
المبدأ حتّى يكون جامعاً بين المتلبِّس والمنقضي، فيتعيّن -بناءً على البساطة- المصيرُ إلى الوضع لخصوص المتلبّس؛ إذ يكون الحدثُ حينئذٍ متّحداً مع الذات المتلبّسة. أمّا الذات المنقضي عنها المبدأُ فليست متّحدةً مع المبدأ، فلا يمكن انطباقه عليها، وبالتالي فلا يُمكن تصوير الجامع على الأعمّي.
وأمّا بناءً على التركيب وأخذ مفهوم الذات في المشتقّ، فيمكن تصوير الجامع بأحد وجوه:
وهو أن يُقال: إنَّ الجامع عبارةٌ عن الذات في أحد الزمانين(1): زمانِ التلبّس وزمان الانقضاء في مقابل زمان ما قبل التلبّس؛ فالذات الموجودةُ في الجامع بين الزمانين هي (عالِم)، وهذا ينطبق على زيد في زمن التلبّس كما ينطبق عليه في زمن الانقضاء.
وهذا الجامع وإن كان معقولاً في نفسه، إلّا أنَّه يستلزم أخذَ الزمان في مفهوم المشتقّ؛ لأنَّه اعتبر أنَّ الجامع هو الذات في أحد الزمانين. وقد فرغنا سابقاً(2) عن عدم أخذ الزمان في مفهوم المشتقّ، وبالتالي فلا يصلح للجامعية.
وهو أن يقال: إنَّ الجامع هو الذات التي يكون تلبّسها بالمبدأ إمّا قبل الجري وإمّا حين الجري، لا بعده. وبعبارة أخرى: هو الذاتُ المتلبّسةُ بتلبّسٍ
ــــــــــ[161]ــــــــــ
() أو الجامع الزماني. (المُقرِّر).
(2) راجع: ص154.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ليس بعد الجري. فحين نقول: (زيدٌ عالمٌ الآن)، فإن كان له تلبّسٌ فعليٌ أو قبل الآن فيكون مصداقاً للجامع، وإذا كان غير متلبّسٍ الآن وإنّما سوف يتلبّس غداً بالعلم، فهذا الإطلاق غير صحيح.
وهذا الوجهُ غير صحيح أيضاً؛ إذ قد أخذت فيه المقارنةُ بين التلبّس والجري؛ حيث لوحظ فيه التلبّسُ غيرُ المتأخّر عن الجري، مع أنّنا ذكرنا سابقاً(1) أنَّ التلبّس المأخوذَ في المشتقّ لم يُقيَّد بالجري، وأنَّ مفهومه محفوظٌ بقطع النظر عن الجري والحكم.
وذلك بأن يُقال: إنَّ المشتقّ مركّبٌ من (ذاتٍ) و(فعلٍ ماضٍ)؛ فالعالمُ هو (مَنْ عَلِمَ)، والضاربُ: (مَنْ ضَرَبَ)، والقائمُ: (من قامَ).. ومن الواضح أنَّ (من قام) يصدق على القائم بالفعل الذي استمرّ قيامُه إلى الحال وعلى من تلبَّس بالقيام وانقضى عنه القيام، وهذا المفهوم لم يُؤخذ فيه قيداً لا الزمان ولا الجري، بل هو مفهومٌ أفراديٌّ في نفسه.
ويعدُّ هذا الوجه من الوجوه المعقولة في تصوير الجامع، ولا يرد عليه:
دعوى أنَّ لازمه دخول مدلول الفعل الماضي في المشتقّ، مع أنَّ هذا بديهيُّ البطلان.
لأنَّه إن كان المقصود: أنَّ الفعل الماضي -بما هو مقوِّمٌ لنسبةٍ تامّةٍ- غيرُ
ــــــــــ[162]ــــــــــ
(1) راجع: ص157.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
داخلٍ في مفهوم المشتقّ فهذا صحيح، وإلّا انقلب المشتقُّ (قائمٌ) جملةً تامّةً يصحّ السكوت عليها، مع أنَّ الأمر ليس كذلك.
لكن ليس هذا هو المقصود، بل المقصود تحويلُ الفعل قيداً ثمّ أخذُه في المفهوم، وذلك كما في دخول الفعل الماضي على أداة الشرط، نحو قولنا: (إذا جاء زيدٌ فأَكْرِمْه)، أو (من جاء فأَكْرِمْه)؛ فقد أصبحت النسبة ناقصة وتحوّلت إلى قيدٍ ولم تبق نسبةً تامّةً.
ومن هنا فإنَّ دخول الفعل الماضي في المشتقّ يكون بنحو القيديّة، وهذا أمرٌ معقولٌ، ولا بداهة في البين تقتضي بطلانَه.
ولا يرد عليه أيضاً ما أشكل من أنَّه لو كان هذا معنى المشتقّ لكان قولُنا: (زيدٌ قائمٌ غداً) غلطاً؛ لأنَّ معناه: (زيدٌ مَن قام غداً)، وهذا تعبيرٌ خاطئ.
وذلك لأنَّ كلمة (غداً) في قولنا: (زيدٌ ضرب غداً) ليست قيداً لمادّة الفعل الماضي (الضرب)، بل هي قيدٌ للنسبة الحمليّة بين الموضوع -وهو الذات- وبين المحمول؛ فلو قلنا: (زيدٌ إنسانٌ غداً) كان توقيتاً للنسبة الحمليّة. إذن:
في قولنا: (زيدٌ قائمٌ غداً) لدينا نسبةٌ حمليّةٌ اتّحاديّةٌ بين (زيد) وبين مفاد اسم الموصول، فنقيّد(1) هذه النسبة بـ(غَداً)، فيكون التعبير بـ(قائم) صحيحاً؛ لأنَّ كلمة (غداً) ليست قيداً لمادّة الفعل الماضي (القيام)(2)، بل هي قيدٌ للنسبة، والقيام متقدِّم على هذه النسبة، وله طبع الفعل الماضي، ولذا عُبِّر عنه بالفعل الماضي.
ــــــــــ[163]ــــــــــ
() فيكون الضرب صادراً قبل ظرف النسبة الحملية. (المُقرِّر).
(2) وهو مادّة قام الذي هو فعل ماضي. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وعليه، فلا يرد إشكالٌ من هذه الناحية، فيكون الجامعُ المتقدّم معقولاً ثبوتاً، وعرفيّاً إثباتاً، وينبغي للقائل بوضع المشتقّ للأعمّ أن يتبنّى وضعَه لهذا الجامع.
وأحياناً تكون (غداً) قيداً لنسبةٍ ناقصةٍ مستبطنةٍ في المشتقّ، كما لو دخلت على المشتقّ المحلّى باللام، كما لو قلنا: (الشفيع غداً محمّدٌ). فـ(غداً) ليست قيداً لمادّة (شفع) حتّى يقال: إنَّه لا يُناسب الفعل الماضي، بل هي قيدٌ لنسبةٍ ناقصةٍ قائمةٍ بين مفاد (ال) وبين الذات؛ فإنَّ (ال) هنا بمعنى (الذي)، و(شفيع) مشتقٌّ أخذ فيه الذات، فيؤول قولُنا: (الشفيع غداً محمّدٌ) إلى (الذي هو ذاتٌ شفعت)، وهو يتضمّن نسبةً ناقصةً بين مفاد الموصول والذات، وهذه النسبة هي التي تقيَّد بكلمة (غداً).
إذن، فـ(غداً) لا ترجع إلى الفعل الماضي، بل: إمّا إلى النسبة في الجملة التامّة، وإمّا إلى نسبةٍ ناقصةٍ بين الموصول وبين الذات الاشتقاقيّة.
وهو للسيّد الأستاذ(1)؛ حيث ذكر أنَّ الجامع عبارةٌ عن انتقاض عدم المبدأ بوجوده، وهو أمرٌ محفوظٌ في المتلبِّس وفي المنقضي عنه(2) المبدأ؛ إذ من الواضح أنَّ عدم المتلبِّس قد انتقض بالوجود، وكذلك المنقضي عنه المبدأ؛ فإنَّ
ــــــــــ[164]ــــــــــ
() محاضرات في أصول الفقه 1: 250، 251.
(2) فإن أردتم منه خصوص التلبس إذن فيختص بالمتلبس أو الأعم فإين الجامع الأعم أي ننقل الكلام إلى هذا الجامع. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
عدم الضرب قد تحوّل إلى وجود الضرب. وإذا كان الأمرُ كذلك، فليكن انتقاض عدم المبدأ بوجوده هو الجامع.
إلّا أنَّ هذا الكلام يحتاج إلى تمحيص؛ لأن المشتقّ هو ذاتٌ لها هذا الانتقاض، وليس نفسَ هذا الانتقاض؛ لأنّنا إنّما نبحث بناءً على كون المشتقّ مفهوماً تركيبيّاً كما مضى منّا في أوّل البحث.
وحينئذٍ يقع السؤال حول كيفيّة وصفنا للذات بهذه الصفة؟
فإن كان وصفنا إيّاها بهذه الصفة على طرز الوصف الاشتقاقي -بأن نقول: (الذات المنتقض عدمُ المبدأ فيها بالوجود)-، فحينئذٍ يعود الإشكال مرّةً أخرى؛ لأنّنا:
إن أردنا المنتقض فعلاً، فحينها يختصّ بالمتلبِّس دون المنتقض.
وإن أردنا الأعمّ من المتلبّس بالانتقاض ومن انقضى عنه الانتقاض، فحينئذٍ لابدَّ من تصوير هذا الجامع الأعمّ.
وإن كان وصفُنا الذاتَ بهذه الصفة بصيغة الفعل الماضي، فحينئذٍ نرجع إلى الوجه السابق.
وإن كان وصفُنا الذاتَ بهذه الصفة بنحو المعنى الحرفي -بأن نقول: (ذاتٌ لها الانتقاض)، أو: (ذاتٌ ذاتُ انتقاض)- فمن المعلوم حينئذٍ أنَّ ظاهر ذلك هو فعليّة الاتّصاف، أي: فعليّة الانتقاض، لا الاتّصاف الأعمّ.
اللهمّ إلّا أن يقال: (إنَّه ذو انتقاضٍ في أحد الزمانين)، فيرجع ذلك إلى أحد الجوامع السابقة.
ــــــــــ[165]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهو للسيّد الأستاذ كذلك(1)؛ حيث قال: لو أعوزتنا الجوامع كلُّها فلنقل: إنَّ الجامع بين المتلبِّس والمنقضي عنه المبدأ هو عنوانُ (أحدهما)، وهو عنوانٌ انتزاعيٌّ، ولا بأس بذلك.
إلّا أنَّ هذا ليس بصحيح، لا لأنَّه جامعٌ انتزاعيّ، بل لخصوصيّةٍ في هذا الجامع الانتزاعي، وهي أنَّ عنوان (أحدهما) غيرُ قابلٍ للإطلاق الشمولي، بل إنَّ إطلاقَه دائماً بدليٌّ، وذلك كما لو قيل: (أكرم أحدهما)؛ فإنَّ المراد هو إكرام هذا أو ذاك، لا إكرامهما معاً؛ فلو كان مفهوم (عالم) هو مفهوم أحدهما لَكان إطلاقُه بدليّاً، ولَمَا أمكن أن يقال: (أكرِم كلَّ عالمٍ) بحيث يُراد به الشمولُ للمتلبِّس والمنقضي عنه المبدأ، مع أنَّ المشتقّ يقبل الإطلاق الشمولي. وهذا دليلٌ على أنَّ مفهومه لا يساوق مفهوم (أحدهما).
وهو أن يُقال: إنَّ الجامع بين المتلبّس والمنقضي هو الذاتُ غير المتلبِّسة فعلاً بالعدم الأزلي للمبدأ، وهو عنوانٌ يصدق على المتلبِّس بالعلم فعلاً وعلى المتلبِّس بالعلم سابقاً. وأمّا الذات التي لا علم لها حاضراً ولا ماضياً ولكن سوف تصبح عالمةً(2) غداً فهي ذاتٌ متلبِّسةٌ بالعدم الأزلي للمبدأ.
ــــــــــ[166]ــــــــــ
() محاضرات في أصول الفقه 1: 251.
(2) ولم تكن عالمة قبل ذلك. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهذا جامعٌ معقولٌ صحيح، وحالُه -من حيث المعقوليّةُ- حالُ الوجه الثالث، إلّا أنَّ فيه ضعفاً مستمدّاً من عدم عرفيّته؛ فإنَّ العرف لا يفهم كلمة (عالِم) عن طريق العدم. ومن هنا كان الوجه الثالث أفضل الوجوه.
وهذا التعريف(1) وإن اخذ فيه مفهوم المتلبس -وهو مفهوم اشتقاقي- إلا أنه يراد به المتلبس فعلا لا الاعم، ليرد الاشكال السابق. ولا يضرنا أخذ قيد الفعلية كما هو واضح لمن تأمل الفرق بين التعريفين.
ــــــــــ[167]ــــــــــ
() هذا جواب سؤال. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
يقع الكلام في مقامين:
المقام الأوّل: يقع في تأسيس الأصل العملي الذي يُرجع إليه حيث لا دليل على أحد الأقوال في المسألة.
والكلام فيه في ناحيتين:
الناحية الأولى: في تأسيس الأصل العملي بلحاظ المسألة المبحوث عنها، وأنَّه هل يوجد أصلٌ يمكن أن ننقِّح على أساسه قول القائل بالوضع للأعمّ والقائل بالوضع للمتلبّس.
الناحية الثانية: في تأسيس الأصل العملي بلحاظ الوظيفة العمليّة، وهو معنى تأسيس الأصل بلحاظ المسألة الفقهيّة.
أمّا تأسيس الأصل بلحاظ المسألة الأصوليّة، فقد يُتخيَّلُ إمكانُ إجراء الأصل لإثبات الوضع للأعمّ، وذلك باستصحاب عدم ملاحظة الخصوصيّة؛ باعتبار أنَّ الواضع حين أراد أن يضع لفظ المشتقّ أخذ الجامع بين المتلبّس والمنقضي بلا إشكال، وإنّما الإشكال في أنَّه هل أُخذ في هذا الجامع خصوصيّةُ
ــــــــــ[168]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
فعليّةِ التلبّس أم لا؟! وحيث إنَّ خصوصيّةَ فعليّةِ التلبّس حالةٌ وجوديّةٌ زائدةٌ مسبوقةٌ بالعدم، فحينئذٍ يجري استصحابُ عدمِها، فيثبت الوضع للأعمّ.
إلّا أنَّ هذا التوهّم باطلٌ؛ لوجوهٍ:
إنَّ هذا الاستصحاب لو تمّ، فإنَّه إنّما يتمّ فيما إذا كان هناك مفهومٌ واحدٌ متعيِّنٌ ودار الأمر بين مطلقه ومقيَّده: كما لو كنّا نعلم أنَّ لفظ (إنسان) موضوعٌ للحيوان الناطق، لكنّنا لا ندري ما إذا كان موضوعاً للمعنى المذكور على الإطلاق أم للحيوان الناطق العادل؟! فحينئذٍ يجري استصحابُ عدم ملاحظة خصوصيّة العدالة -مثلاً- بعد إحراز ملاحظة المفهوم الواحد، وهو الحيوان الناطق.
أمّا إذا فرضنا دورانَ الأمر بين مفهومين متباينين، غاية الأمر أنَّ أحدهما أوسعُ صدقاً من الآخر، وذلك كما لو لم ندرِ ما إذا كان لفظُ (إنسان) موضوعاً لمفهوم (الحيوان الناطق) أم لمفهوم (الشاعر)، وهذان المفهومان متباينان، وإن كان أحدُهما أوسع صدقاً من الآخر؛ حيث إنَّ الشاعر لا يكون شاعراً إلّا بعد أن يكون إنساناً. وفي مثل هذه الحال يكون أخذُ هذا المفهوم مشكوكاً، وكذلك أخذُ الآخر، فيكون الأمرُ دائراً بين متباينين، لا بين الأقلّ والأكثر.
ومقامنا من هذا القبيل؛ إذ لا يوجد عندنا مفهومٌ واحدٌ ملحوظٌ على كلّ حال مع دوران الأمر بين أن يكون ملحوظاً بمطلقه أم بمقيَّده، وإنّما عندنا مفهومان متباينان:
ــــــــــ[169]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أحدهما: مفهوم الذات المتلبّسة بالمبدأ.
والآخر: مفهوم الذات مع الفعل الماضي، على ما صوّرنا به الجامع على الأعمّ.
ومن المعلوم أنَّ هاتين الذاتين متباينتان في عالم المفهوميّة، وبالتالي فالنسبة بينهما ليست نسبةَ الأقلّ والأكثر حتّى يُقالَ: إنَّ الأقلَّ متيقَّنٌ والزائدَ مشكوكٌ.
ومعه، فلا معنى لإجراء استصحاب عدم الخصوصيّة.
لو سلّمنا بوجود مفهومٍ واحدٍ ملحوظٍ على أيّ حال، ودوران أمره بين المطلق والمقيّد، فحينئذٍ نقول: إنَّ استصحاب عدم لحاظ الخصوصيّة بناءً على أنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابلُ السلب والإيجاب، ولا يجري إذا كان التقابلُ بينهما تقابلَ التضادّ أو تقابل العدم والملكة.
وتوضيح ذلك: إنَّ في الإطلاق والتقييد ثلاثة مبانٍ:
المبنى الأوّل: أنَّ تقابلهما تقابلُ السلب والإيجاب؛ والإطلاق أمرٌ عدميّ، وهو عدمُ لحاظ القيد.
المبنى الثاني: أنَّ تقابلهما تقابلُ التضادّ؛ فكلاهما أمرٌ وجوديّ، لكنّ التقييد هو لحاظ القيد، والإطلاق هو لحاظُ عدمه.
المبنى الثالث: أنَّ تقابلهما تقابلُ العدم والملكة؛ فالإطلاقُ هو عدمُ التقييد في الموضع القابل له.
ــــــــــ[170]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
والمبنى الأول هو المختار، والثاني هو ظاهر كلام السيد الأستاذ(1)، والثالث هو مبنى المحقق النائيني(2).
إذا اتّضح ذلك نقول:
إنَّ إجراء استصحاب عدم لحاظ الخصوصية لإثبات الإطلاق إنّما يُتصوَّرُ على المبنى الأوّل من هذه المباني؛ إذ الإطلاق فيه أمرٌ عدميّ، وهو عدم لحاظ القيد، فاستصحابُ عدم الخصوصيّة يثبت الإطلاقَ.
وأمّا على المبنى الثاني، فكلٌّ من الإطلاق والتقييد مسبوقٌ بالعدم، فيجري استصحابُ عدمِ كلٍّ منهما. وكلٌّ من الاستصحابين لا يُثبت الآخر لا محالة لأن نفي أحد الضدين بالأصل لا يُثبت الضدَّ الآخر إلّا بالملازمة العقلية.
وكذلك الأمرُ على المبنى الثالث؛ إذ الإطلاق أمرٌ عدميٌّ مطعَّمٌ بالملكة. ومعه فلا يمكن إثباتُه باستصحاب عدم لحاظ الخصوصيّة؛ لأنَّ استصحاب عدم لحاظ الخصوصيّة لا يُثبت العدمَ الخاصَّ المطعّم بالملكة إلّا بالملازمة العقليّة وبناءً على الأصل المثبِت.
لو بنينا على أنَّ الإطلاق أمرٌ عدميٌّ صِرف لاندفع الإشكالُ السابق، ولجرى استصحابُ عدم لحاظ الخصوصيّة، وهو عينُ الإطلاق.
يبقى أنَّه لا أثرَ عمليّاً لهذا الاستصحاب، فلا يُعقل جريانُه؛ لأنَّ إثبات
ــــــــــ[171]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 5: 365، الهداية في الأصول 2: 399.
(2) انظر: فوائد الأصول (النائيني): 2: 565، أجود التقريرات: 1: 520.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الإطلاق في عالم ذهنِ الواضع ليس موضوعاً لحكمٍ شرعيّ، وإنّما هو سببٌ لتكوّنِ الظهور للمشتقّ بالأعمّ، والظهورُ موضوعٌ لحكمٍ شرعيٍّ بالحجيّة.
وعليه، فلا يثبُتُ بالمستصحَبِ الحكمُ الشرعيُّ إلّا بتوسّط لازمٍ عقليٍّ، وهو تكوّنُ الظهور.
ومعه فلا يوجد أصلٌ عمليٌّ يُنقِّح المدّعى بلحاظ المسألة الأصوليّة.
والكلامُ فيها يقع: تارةً: في الأصل الموضوعي، حيث نتحدّث في إمكان إحراز عنوان العالِم بالاستصحاب فيما لو كان زيدٌ متلبِّساً بالعِلم ثمّ زال عنه العلمُ بعد ذلك، فيثبُت بالاستصحاب أنَّ زيداً عالمٌ.
وأخرى: في الأصل الحكمي، وهو الأصل الجاري في وجوب الإكرام لو كان عالماً.
فالكلام يقع في جهتين:
قد يقال: حين كان هذا الشخصُ متلبِّساً بالعلم كان يصدق عليه عنوان (العالِم)، وبعد انقضاء العِلم عنه يُشكُّ في انطباق هذا العنوان عليه، فيُستصحب صدقُ العنوان عليه فيما إذا وقع (العالِم) موضوعاً لأثرٍ شرعيّ.
وهذا يُسمّى بالاستصحاب في الشبهة المفهوميّة؛ لأنَّ المفهوم مجملٌ مردّدٌ بين خصوص المتلبِّس وبين الأعمّ.
ــــــــــ[172]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
والتحقيقُ: هو عدم جريان هذا الاستصحاب كما بيّنّاه مفصَّلاً في بحث الاستصحاب(1).
وبيان ذلك إجمالاً بأن نقول: إنَّ لدينا في المقام ثلاثة أمور:
الأمر الأوّل: مقطوعُ الارتفاع، وهو فعليّة التلبّس بالمبدأ.
الأمر الثاني: مقطوعُ البقاء، وهو الجامعُ بين التلبّس والانقضاء، أو بين المتلبّس والمنقضي، وهو كونه ممّن عَلِمَ.
الأمر الثالث: مشكوكُ البقاء والارتفاع، وهو عبارةٌ عن مدلول كلمة (عالِم)؛ حيث إنّنا لا نعلم ما إذا كانت الكلمة المذكورة تدلّ على خصوص المتلبّس بالفعل الذي نقطع بارتفاعه، أم على الأعمّ الذي نقطع ببقائه؟! فيشكُّ حينئذٍ في أنَّ مدلولها باقٍ أم مرتفع.
والسؤال المطروح في المقام: في أيّ واحدٍ من هذه الأمور نُجري الاستصحاب؟
والجواب: إنَّ إجراءه متعذّرٌ في الجميع:
أمّا إجراؤه في الأمر الأوّل وهو فعليّة التلبّس بالمبدأ فهو غيرُ ممكنٍ؛ لوضوح أنَّه مقطوعُ الارتفاع؛ حيث إنّنا نقطع بأنَّ زيداً قد انقضى عنه المبدأ.
وأما الجامع بين المتلبِّس والمنقضي فهو أيضاً لا يعقل استصحابه؛ لأنَّه معلومُ البقاء.
وأمّا الأمرُ الثالث هو الذي يُتوهَّمُ كونُه مجرىً للاستصحاب، لأنَّه عبارة
ــــــــــ[173]ــــــــــ
(1) انظر: مباحث الأصول: 5: 342، 343.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
عن مدلول كلمة (عالِم) فإن كان المتلبّس فهو مرتفعٌ وإن كان الأعمّ فهو باقٍ. إذن، فيشكّ في بقاء المدلول وارتفاعه، فيجري الاستصحاب في مدلول اللفظ.
إلَّا أنَّه غير صحيح؛ لأنَّ مدلول اللفظ -بهذا العنوان- ليس موضوعاً لحكمٍ شرعي؛ فإنَّ وجوب الإكرام غير متوقّفٍ على عنوان مدلول اللفظ بحيث لو لم يكن هناك لفظٌ لتعطّلت الأحكام الشرعيّة، بل هو متوقّفّ على واقع مدلول اللفظ وما هو -بالحمل الشايع- مدلوله، أي إنَّه متوقّفٌ على المتلبِّس أو على الأعمّ. والأحكام الشرعيّة مرتبطةٌ بملاكاتها وموضوعاتها الواقعيّة، لا بمداليل الألفاظ.
نعم، دلالة اللفظ طريقٌ إلى تشخيص الموضوع وليست دخيلةً في الحكم الشرعيّ.
وبهذا فلا مجرى للاستصحاب الموضوعي أصلاً.
ونحن في هذا الصدد: تارةً: نفرض أنَّ التكليف قد تعلّق بصرف الوجود، كما إذا قال: (أكرم عالماً). وأخرى: نفرض أنَّ التكليف قد تعلّق بمطلق الوجود، كما إذا قال: (أكرِم كلَّ عالم).
إذا تعلّق التكليف بصرِف الوجود، فحينئذٍ يقع الكلام في أنَّه -في مقام امتثال هذا التكليف- هل يجزي أن نُكرِم هذا الشخص الذي كان متلبِّساً بالعلم وانقضى عنه المبدأ؟ أم لابدَّ من إكرام شخصٍ متلبِّسٍ بالفعل؟!
ــــــــــ[174]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
هذا الشكّ من قبيل دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الشبهة الحكميّة؛ لتردّد هذا الوجوب بين أن يكون وجوباً تخييريّاً بين المتلبِّس والمنقضي عنه المبدأ، وبين أن يكون تعيينيّاً بخصوص المتلبّس.
وفي هذه الحالة يتعيّنُ إجراءُ البراءة عن التعيين على ضوء ما بيّنّاه في بحث البراءة والاشتغال(1).
وتوضيح ذلك -بمقدار ما يرتبط بمحلّ الكلام-: أنَّ المولى حين يقول: (أكرِم عالماً)، ويكون أمرُ (عالِم) دائراً بين خصوص المتلبِّس وبين الجامع الأعمّي:
فتارةً: نفترض أنَّ نسبةَ الجامع الأعمّي إلى المتلبِّس نسبةُ الأقلّ والأكثر، بمعنى أنَّ هذا الجامع محفوظٌ في المتلبِّس، غاية الأمر أنَّ المتلبِّس يزيد عليه بزيادةٍ، وهي فعليّةُ التلبّس، وذلك من قبيل (الرقبة) و(الرقبة المؤمنة).
وأخرى: نفترض أنَّ مفهوم الجامع الأعمّي -في عالم المفهوميّة- مباينٌ لمفهوم خصوص المتلبِّس، وإن كانت النسبة بينهما في مقام الصدق والانطباق نسبةَ العموم المطلق.
فإن فرضنا أنّ الجامع الأعمّي مع المتلبس كان من الأول فيكون الأقلُّ والأكثرُ في نفس عالم الوجوب والواجب؛ لأنَّ الجامع محطٌّ للوجوب على كلّ حال: إمّا وحده، وإمّا مع ضمّ خصوصيّة التلبُّس، فوجوب إكرام الجامع معلومٌ، بينما تقيُّده بالخصوصيّة مشكوكٌ، فتجري البراءة عن الزائد.
وإن فرضنا على النحو الثاني فيكون الأمر -بلحاظ عالم عروض
ــــــــــ[175]ــــــــــ
(1) انظر: بحوث في علم الأصول 3: 143، وفي موضوع آخر من نفس المصدر 8: 463.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الوجوب-من باب الدوران بين المتباينين، حيث يكون كلٌّ منهما طارداً للآخر وليس محفوظاً في ضمنه، لكن بلحاظ عالم الكِلفة، التي هي نتيجة الوجوب، ويكون الأمر دائراً بين الأقلّ والأكثر؛ لأنَّ كِلفة الجامع الأعمّي أقلُّ من كِلفة خصوص المتلبِّس؛ باعتبار أنَّ دائرة صدق الجامع الأعمّي أوسعُ من دائرة صدق المتلبِّس.
وقد بيّنّا في محلّه(1) أنَّه عند دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر تجري البراءة، سواءٌ أ كان الدورانُ في عالم عروض الوجوب أم في عالم الكِلفة. فعندئذٍ تجري البراءةُ عن الكلفة الزائدة، أي: عن وجوب إكرام خصوص المتلبِّس، فيجوز الاجتزاءُ بإكرام المنقضي عنه المبدأ.
أمّا على ضوء الفرضيّة الثانية المتمثّلة في تعلّق التكليف بمطلق الوجوب، كما لو قال: (أكرم كلَّ عالمٍ)، وكان تكليفاً انحلاليّاً، وكان كلُّ فردٍ من العلماء موضوعاً لوجوبٍ مستقلٍّ، فالسؤال المطروح هنا هو: هل يجب إكرامُ زيدٍ الذي انقضى عنه المبدأ أم لا؟!
لقد فصّل صاحب (الكفاية)(2) بين صورتين:
الصورة الأولى: أن يكون الحكم قد حدث بعد انقضاء المبدأ عن هذا
ــــــــــ[176]ــــــــــ
(1) انظر: مباحث الأصول 4: 306.
(2) انظر: كفاية الأصول: 45.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
المؤمن، فيُشَكُّ في حدوث الوجوب في حقّه وعدمه، فتجري حينئذٍ البراءةُ أو استصحابُ عدم حدوث الوجوب.
الصورة الثانية: أن يكون الحكمُ قد حدث قبل انقضاء المبدأ عن المؤمن، فيكون الوجوب قد شمله ثمّ ارتفع عنه العلم، فيُشكُّ في بقاء الوجوب في حقّه وعدمه، فيجري استصحابُ بقاء الوجوب.
ولنا على هذين المطلبين تعليقٌ:
أمّا الصورة الأولى التي كان حدوثُ الحكم فيها بعد انقضاء المبدأ، فقد قال فيها بجريان البراءة باعتبار أنَّ الشكَّ شكٌّ في حدوث الوجوب.
وينبغي هنا التفصيلُ بين حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون أصلُ جعل الوجوب قد حدث بعد انقضاء المبدأ ولم يكن موجوداً حال وجود المبدأ.
وفي هذه الحالة يكون الأمرُ كما ذكره صاحب (الكفاية) (1)؛ فإنَّ الشكّ شكٌّ في أصل جعل الوجوب في حقّه، فتجري البراءةُ أو استصحابُ عدم الوجوب مثلاً.
الحالة الثانية: أن يكون أصلُ جعل الوجوب موجوداً، ولكنّ المجعول لم يكن فعليّاً باعتبار توقّفه على شرطٍ، كما لو جعل المولى وجوبَ إكرام العالم مقيَّداً
ــــــــــ[177]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 45.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
بالزوال أو بشهر رمضان، وكان زيدٌ عالماً، لكن زال عنه العلمُ قبل شهر رمضان.
وفي هذه الحالة قد يقال بإمكان إجراء الاستصحاب التعليقي لإثبات وجوب إكرامه -بناءً على ما سلكه نفسُ صاحب (الكفاية)(1) ووافقناه عليه في الجملة من جريان الاستصحاب التعليقي-، فيقال في المقام: لو كان قد دخل شهر رمضان قبل الآن لوجب إكرام هذا الشخص، فنستصحب هذه القضية المشروطة؛ فإنَّها كانت ثابتةً في حقّ زيدٍ حال تلبّسه، وبعد زواله يُشكُّ في بقائها على حالها أم لا، فنستصحب بقاءها، فيثبت بذلك وجوبُ إكرامه إذا دخل شهر رمضان(2).
فالصحيح إذن في الصورة الأولى هو التفصيلُ بين حالة الشكّ في أصل الوجوب وبين حالة الشكّ في فعليّته.
أمّا الصورة الثانية التي كان ارتفاعُ المبدأ فيها بعد شمولِ هذا الوجوب له وفعليّتِه في حقّه -كما لو زال عنه العلم بعد دخول شهر رمضان- فقد تمسّك صاحب (الكفاية) باستصحاب وجوب الإكرام، وهو استصحابٌ تنجيزي.
وقد سجّل السيّدُ الأستاذ هنا إشكالين(3):
الإشكال الأوّل: أنَّ الاستصحاب هاهنا استصحابٌ في الشبهة الحكميّة؛
ــــــــــ[178]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأصول: 411.
(2) ولا تصل النوبة إلى أصالة البراءة؛ لحكومة الاستصحاب عليها. (المُقرِّر).
(3) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 242-244.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
لأنَّ الشك في بقاء الوجوب من جهة إجمال المفهوم وتردّد الحكم بين أن يكون شاملاً لحال الانقضاء أو مخصوصاً بحال التلبّس، فالشبهة إذن حكميّة، وهو يبني على عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة كلّيّةً.
والجواب عن هذا الإشكال مبنائيّ؛ فإنَّ التحقيق هو جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة.
الإشكال الثاني: أنّنا لو سلّمنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة، مع هذا لا يجري في المقام؛ لعدم إحراز بقاء الموضوع، والحال أنَّه يُشترط في جريان الاستصحاب إحرازُ بقائه ووحدةُ القضيّة المتيقّنة موضوعاً ومحمولاً:
فإن كان موضوع الحكم عبارةً عن المتلبِّس بالفعل فهو مرتفع.
وإن كان عبارةً عن الجامع بين المتلبِّس والمنقضي عنه المبدأ فهو باقٍ.
وبهذا يكون موضوعُ الحكم في القضيّة المتيقّنة مردّداً بين المتلبِّس وبين الجامع الأعمّي: فإن كان خصوصَ المتلبِّس لم يكن محفوظاً بقاءً، وإن كان الجامع كان محفوظاً، وبالتالي لم تُحرز وحدةُ الموضوع، فلا يجري الاستصحابُ.
ثمّ قال: لهذه النكتة لا نلتزم بجريان الاستصحاب الحكمي في الشبهات المفهوميّة.
وقد سبق دفعُ هذا الكلام في بحث الاستصحاب(1)، ولكنّنا نقول على نحو الإجمال:
إنَّ الشبهة المفهوميّة لا تختلف عن سائر الشبهات الحكميّة الأخرى من
ــــــــــ[179]ــــــــــ
(1) راجع: مباحث الأصول: 526.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
هذه الناحية؛ إذ يوجد إشكالٌ عامٌّ في كلّ الشبهات الحكميّة، وهو عدم بقاء الموضوع: فإذا شككنا في ماءٍ متغيِّرٍ زال عنه التغيُّر بنفسه فتسصحب النجاسة، وقد استُشكل في جريان الاستصحاب في المقام بأنَّ الشكّ نشأ من ناحية الشكّ في الموضوع؛ فإنّه:
إن كان عبارة عن الماء المتّصف فعلاً بالتغيّر فهو مرتفع. وإن كان عبارة عن الماء الذي حدث فيه التغيّر فهو باقٍ.
فيكون الشكُّ في بقاء الحكم ناشئاً من التردّد في الموضوع بين الباقي والمرتفع، فلم تُحرَز وحدةُ الموضوع في القضيّة المتيقّنة والقضيّة المشكوكة.
وقد أجاب عنه السيّدُ الأستاذ(1): بأنَّ حيثيّةَ التغيّرِ المحتملَ دخلُها في الموضوع وإن كانت مرتفعةً، إلّا أنَّها حيثيّةٌ تعليليّةٌ لا تقييديّة؛ فإنَّ الحيثيّات قد تكون تقييديّةً ركنيّةً بحيث يتعدّد الموضوعُ بتغيّرها، وقد تكون تعليليّةً لا يتعدّد الموضوع بتغيّرها، والتغيُّر في الماء من قبيل الثاني، فيكون الاستصحاب جارياً.
وهذا الكلام يجري في الشبهات المفهوميّة حرفاً بحرف؛ فإنَّ الشكَّ في الحكم ينشأ من تردّد الموضوع بين الباقي جزماً والمرتفع جزماً، فلابدَّ من أن يُنظر إلى الخصوصيّة المرتفعة، وهي خصوصيّة التلبّس:
فإن كانت خصوصيّة التلبّس حيثيّةً تعليليّة بنظر العرف وليست تقييديّة، فعندئذٍ يجري الاستصحابُ، ولا يقدح فيه زوالُها؛ لأنَّ انحفاظ الموضوع يكون بانحفاظ الحيثيّات التقييديّة لا التعليليّة.
ــــــــــ[180]ــــــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه 1: 243، 244.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
فلا نتعقّل فرقاً بين الشبهة المفهوميّة الحكميّة، والشبهة الحكمية غير المفهوميّة من هذه الناحية، فيكون الصحيح ما ذكره صاحب (الكفاية) من جريان استصحاب وجوب الإكرام.
ثم إنَّنا قد تعرّضنا لفرضيّتين: الأولى: أن يكون التكليف متعلِّقاً بنحو صرف الوجود، والأخرى: أن يكون متعلِّقاً بنحو مطلق الوجود. لكن ماذا لو اجتمعت الفرضيّتان معاً في الفقه، فقيل له: (أكرم عالماً)، وقيل له: (أكرم كلَّ عادل)، ثمّ ابتُلي بشخصٍ منقضٍ عنه العلمُ وبشخصٍ منقضيةٍ عنه العدالةُ، ففي هذه الحالة سوف يتشكّل لديه علمٌ إجماليٌّ بإلزامٍ مردّد؛ لأنَّ المشتقّ:
إن كان موضوعاً لخصوص المتلبِّس، فحينها لا يجوز له امتثالُ الخطاب الأوّل (أكرم عالِماً) في زيدٍ المنقضي عنه العلمُ(1).
وإن كان المشتقُّ موضوعاً للأعمّ، وجب عليه أن يكرم خالداً الذي انقضى عنه مبدأ العدالة.
فإن بنينا على مبنانا من جريان البراءة عن التعيين بالنسبة إلى (زيدٍ) ومن جريان استصحاب بقاء الوجوب بالنسبة إلى (خالد)، فعندها يكون هذا العلم الإجماليُّ منحلاًّ؛ لأنَّ أحدَ طرفيه مجرىً للأصل المثبت للتكليف، والآخرَ مجرىً للأصل النافي للتكليف، فيجري كلا الأصلين، ولا تعارض بينهما.
ــــــــــ[181]ــــــــــ
() لأنَّ الكلفة تكون ثابتةً، فيجب تطبيقُ الامتثال على شخصٍ متّصفٍ بالعلم فعلاً. (المقرّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أمّا إذا بنينا على ما بنى عليه السيّدُ الأستاذُ(1) من جريان البراءة في الصورتين، فتتعارض البراءتان، ويكون العلم الإجماليُّ منجّزاً.
هذا هو تمام الكلام في تأسيس الأصل العملي.
ــــــــــ[182]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 242، 244.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
إنَّ في وضع المشتقّات عدّة أقوال(1)؛ فمنهم من قال بوضعها لخصوص المتلبِّس، ومنهم من قال بوضعها للأعمّ، ومنهم من قال بالتفصيل بين بعض المشتقّات وبعض. وقد استُدِلَّ لكلّ قولٍ بوجوه.
لكنّ الإنصاف أنَّه -قبل الدخول في هذه الوجوه- يكفي التدبّر في نفس المدّعى للوصول إلى القول بوضع المشتقّ لخصوص المتلبِّس وبطلان مقالة الأعمّي؛ إذ لابدَّ للقائل بالوضع للأعمّ من تصوير جامعٍ معقولٍ ينطبق على المتلبِّس وعلى من انقضى عنه المبدأ ليكون هو الموضوع له. وقد استعرضنا في المقدّمة الثالثة(2) الوجوه المتصوَّرة للجامع، فلم نرَ منها شيئاً معقولاً سوى وجهين:
الوجه الأوّل: وهو الوجه المختار، وهو عبارةٌ عن دخول الفعل الماضي في مدلول المشتقّ؛ فـ(عالِم) يعني: (مَنْ عَلِمَ)، وهو عنوانٌ ينطبق على المتلبِّس والمنقضي.
ــــــــــ[183]ــــــــــ
(1) راجع: كفاية الأصول: 38.
(2) راجع: ص159.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الوجه الثاني: أن يقال: إنَّ الجامع عبارة عن الذات غير المتلبِّسة فعلاً بالعدم الأزلي، وهو منطبقٌ على المتلبِّس وعلى المنقضي؛ لانتقاض العدم الأزلي فيهما بالوجود.
وبالتأمّل في هذين الجامعين -اللذين تنحصر دعوى القائل بالوضع للأعمّ في أحدهما- يتبيَّن أنَّه لا يُمكن المصادقة على مقالة الأعمّي، وأنَّ المتعيِّن هو القول بالوضع لخصوص المتلبِّس؛ فإنَّ كلا الجامعين ممّا لا يساعد عليه الفهم العرفي:
أمّا الجامع الثاني؛ فلصعوبة تصوّره عرفاً، وأنَّه هو المعنى الذي وضع له الواضع وفهمه السامع؛ حيث يقضي الوجدان العرفي عدمَ تبادر مفهوم العدم والعدم الأزلي إلى الذهن من كلمة (عالِم)، بل المتبادَرُ إلى الذهن أمرٌ ثبوتيٌّ صِرف، لا نفيُ أمرٍ عدميٍّ كما هو المفروض في هذا الجامع.
وأمّا الجامع الأوّل، فهو وإن لم يكن غريباً مثل سابقه، إلّا أنَّ التدبّر فيه قاضٍ بأنَّ الوجدان العرفي يكذب مفهوميّة هذا الجامع وكونَه مدلولَ المشتقّ بعد أن أُخِذ فيه الفعلُ الماضي على نحو الركنيّة؛ فإذا حكمنا على زيدٍ بأنَّه عالمٌ، فقد حكمنا عليه بمفاد الفعل الماضي، فيلزم أن يكون المبدأ حادثاً في حقّ زيد قبل زمان الجري والحكم ليصدق الفعل الماضي في هذا الزمان. أمّا إذا كان مبدؤه حادثاً في آن الجري والحكم، فهذا هو مفاد الفعل المضارع لا مفاد الفعل الماضي، وهو على خلاف مُدّعى هذا الجامع.
وهذا على خلاف الوجدان العرفي الذي لا يشترط في الحكم على زيدٍ بأنَّه
ــــــــــ[184]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
عالمٌ أن يكون حدوثُ العلم عنده قبل زمان الجري والحكم، بل يكفي أن يكون العلم موجوداً مع زمان الجري والحكم.
وإن شئتم قلتم: إنَّ الوجدان العرفي شاهدٌ على أنَّه متى صدق الفعل المضارع صدق اسم الفاعل، ولا يتوقّف صدقُه على صدق الفعل الماضي، ولو كان الماضي دخيلاً لما كفى صدقُ الفعل المضارع.
ومن اللوازم المترتِّبة على إدخال الفعل الماضي في مدلول المشتّق: أنَّه عندما يكون المبدأُ آنيَّ الحدوث -كالضربة الواحدة مثلاً- لا يصدق اسمُ (ضارب) على زيدٍ إلّا بعد انقضاء المبدأ؛ فالسؤال المطروح هو أنَّ حكمنا على زيدٍ بأنَّه ضاربٌ هل هو بلحاظ آنِ حدوث المبدأ؟ أم بلحاظ الآنِ الثاني؟!
فعلى الأوّل: لا يصدق الفعلُ الماضي، بل المضارع، ومعنى ذلك أنَّ الفعل الماضي غيرُ دخيل في مفاد المشتقّ.
وعلى الثاني: لا يجوز إطلاقُ عنوان ضارب حقيقةً على الذات إلّا بعد انقضاء المبدأ عنها.
وعليه، يكون المشتقُّ حقيقةً في المنقضي خاصّةً، لا في المتلبِّس. ومثلُ هذا دليلٌ عرفيٌّ على أنَّ هذا الجامع لا يصلح لِأَن يكون هو الموضوع له. وإذا بطل كلا الجامعين المحتملين ثبوتاً، بَطَلا إثباتاً، فيبطل الوضع للأعمّ.
إذن، فتحليلُ المدّعى نفسه كافٍ لتعيين القول بالوضع لخصوص المتلبِّس، ويكفينا مؤونةَ التعرّض للوجوه المذكورة في المقام. ولكنّنا سوف نعمد -مع ذلك- إلى المرور عليها إجمالاً.
ــــــــــ[185]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وفي ما يلي أربعة وجوهٍ للقول بالوضع لخصوص المتلبِّس:
ويقوم هذا الوجه على أنَّ المتبادر من المشتقّ هو خصوص المتلبِّس(1).
وقد أشكل الأعمّي على ذلك بأنَّ التبادر المذكور ربما يكون ناشئاً من الانصراف بسبب كثرة استعمال المشتقّ في المتلبِّس، لا من الوضع.
وقد أجاب صاحبُ (الكفاية) عن ذلك(2): بأنَّ الاستعمال في حالات الانقضاء أكثرُ بكثيرٍ من الاستعمال في حالات التلبّس، فكيف يُدَّعى أنَّ الاستعمال في خصوص المتلبّس أوجب التبادر.
وقد أوقع ذلك صاحبَ (الكفاية) بين محذورين: فهو إمّا أن يعترف بأنَّ الاستعمال في المتلبِّس أكثرُ منه في المنقضي، وإمّا أن يعترف بالعكس كما جاء في كلامه:
فإن قال بالأوّل اتّجه إليه الإشكال بأنَّ التبادر تبادرٌ انصرافيٌّ ناشئٌ من كثرة الاستعمال في المتلبِّس.
وإن قال بالثاني اتّجه إليه إشكالٌ آخر مفاده أنَّه كيف يكون الاستعمالُ في المنقضي أكثرَ منه في المتلبِّس مع أنَّه بنفسه يدّعي الوضعَ لخصوص المتلبِّس؟!
ــــــــــ[186]ــــــــــ
(1) لاحظ: كفاية الأصول: 45، بدائع الأفكار (الرشتي): 185، منهاج الأصول 1: 143.
(2) كفاية الأصول: 46، 47.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
فإنَّ كون الاستعمال في المنقضي أكثر يعني أنَّ الحاجة الاستعماليّة للأعمّ أشدّ، والوضع يتبع الحاجات.
وقد حاول صاحب (الكفاية) التخلّصَ من كلا المحذورين عن طريق القول: إنّنا إذا لاحظنا الاستعمالاتِ الواقعةَ للمشتقّ فسوف نجد أنَّها قد صدرت بعد زمان انقضاء المبدأ عن الذات، وهذه الاستعمالات قابلةٌ لكلا الوجهين: فهي قابلةٌ لأن تكون مستعملةً في المتلبِّس إذا كان الجريُ بلحاظ حال التلبُّس، كما إنَّها قابلةٌ لأن تكون مستعملةً في الأعمّ إذا كان الجريُ بلحاظ حال الانقضاء. ومعه إن قلنا بالوضع لخصوص المتلبِّس فيتعيّن فيها أن يكون الجريُ بلحاظ زمان التلبّس، تمسّكاً بأصالة الحقيقة؛ إذ لو كان الجريُ بلحاظ حال الانقضاء لَكان مجازاً على هذا المبنى.
أمّا بناءً على الوضع للأعمّ فلا تجري أصالةُ الحقيقة هنا؛ لأنَّ زمان الجري والحكم -سواءٌ أ كان بلحاظ حال التلبّس أم بلحاظ ما بعده- هو على أيّ حال حقيقةٌ، فتجري هنا أصالة الإطلاق التي توجب أن يكون زمان الجري هو زمان النطق، وزمان النطق هو زمان الانقضاء؛ لأنَّ هذه الاستعمالات صدرت في زمان الانقضاء، وهذا يعني أنَّها مستعملةٌ في المنقضي عنه المبدأ -لا في المتلبِّس- بمقتضى أصالة الإطلاق.
وبناءً عليه يكون صاحب (الكفاية) قد تغلّب على الأعمّي على كلّ حال.
أمّا كيف يكون الوضع لخصوص المتلبِّس مع أنَّ الاستعمالات في الأعمّ أكثر، فإنَّه -بناءً على الوضع للمتلبِّس- تكون الاستعمالاتُ في المتلبِّس أكثر؛
ــــــــــ[187]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
لأنَّ كلّ هذه الاستعمالات المجملة سوف تكون في المتلبِّس ببركة أصالة الحقيقة.
أمّا دعوى أنَّ تبادر خصوص المتلبِّس ينشأ من الانصراف لا من الوضع، فالقائل بالأعمّ لا يستطيع الالتزام بها؛ إذ -بناءً على مسلكه- تكون كلّها استعمالاتٍ في المنقضي بمقتضى أصالة الإطلاق، فمن أين يتأتّى له القول بأنَّ كثرة الاستعمال في المتلبِّس أوجبت الانصراف؟!
ونحن لدينا في المقام كلامان: كلامٌ نعلِّق به على كلام صاحب (الكفاية)، وكلامٌ آخر نعلِّق به على أصل الإشكال:
الأوّل: أمّا كلامُنا مع صاحب (الكفاية)، فإنّنا لا نسلِّم بما ذكره من أنَّ أكثر الاستعمالات هي في المنقضي عنه المبدأ، وذلك حتّى بناءً على القول بالوضع للأعمّ؛ لأنَّ استعمالات المشتقّ: إمّا أن تأتي في جمل تطبيقيّة، وإمّا في جمل غير تطبيقيّة.
ونعني بالجمل التطبيقيّة أنَّ هناك ذاتاً مشخّصةً يُشار إليها وتوصف بالمشتقّ، فيقال: (زيدٌ عالم) وذلك خلافاً للجمل غير التطبيقيّة -من قبيل: (أكرم العالم)- حيث لم تُلحظ ذاتٌ معيّنةٌ.
وحينئذ نقول:
أمّا الجملة غير التطبيقيّة فالمستعمِل لم يَلْحَظ فيها ذاتاً معيّنةً وأجرى عليها المشتقَّ لِيُقال بأنَّ زمان الجري هو زمان النطق.
ــــــــــ[188]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وأمّا الجملة التطبيقيّة التي لاحظ فيها المستعمل ذاتاً وأجرى عليها المشتقّ فهي: إمّا أن تكون إسناديّةً فيها فعلٌ وفاعلٌ، نحو: (رأيتُ العالِم) و(ضرب العالِمُ)، وإمّا أن تكون حمليّةً، نحو قولنا: (زيدٌ عالمٌ).
فإن كانت الجملة التطبيقيّة إسناديّةً، فمقتضى الإطلاق فيها أنَّ الجريَ وتطبيقَ عنوان (العالم) إنّما هو بلحاظ زمان صدور الفعل عن الذات، لا بلحاظ زمان النطق؛ فحين يقول: (أكرَمَني عالِمٌ) يفهم العرف أنَّ ذاتاً أجرى عليها المشتقّ في زمان الإكرام، لا في زمان النطق حتّى يُقال: (إنَّ هذا الزمان انقضى عنه المبدأ، فيتعيّن كونه مستعملاً في المنقضي)، بل لعلّ هذا العالم غير موجود ولا علمه موجود لأنَّه مات.
وإن كانت الجملة التطبيقيّة حمليّةً: فتارةً يُفرض أنَّ الذات منعدمةٌ حال الكلام، كما في قولنا: (الشيخ المفيد عالم)، وأخرى يُفرض أنَّها باقيةٌ، نحو: (زيدٌ عالِم).
فإن كانت الذات منعدمةً، فالجري لا يكون في زمان النطق، بل في زمان وجود الذات بعد معلوميّة ارتفاع الذات، ولا ذات أصلاً في زمان النطق حتّى يجري عليها عنوان (العالِم) على كلا القولين. فيتعيَّن -على كلا القولين- أن يكون الجريُ بلحاظ وجود الذات، لا بلحاظ زمان النطق.
أمّا إن كانت الذاتُ باقيةً إلى زمان النطق، فمقتضى أصالة الإطلاق كونُ الجري في زمان النطق. لكنّنا لا نسلِّم بأنَّ الغالب في زمان النطق هو انقضاء المبدأ، بل الغالب بخلافه.
ــــــــــ[189]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
فأين كثرةُ الاستعمالات في المنقضي بناءً على الأعمّ كما جاء في كلام صاحب (الكفاية)(1)؟! إذن، فكلامُه غيرُ تامّ.
الثاني: أمّا إشكال الأعمّي باحتمال كون التبادر انصرافيّاً ناشئاً من كثرة الاستعمال فإنَّه لا يضرّنا حتّى على تقدير التسليم به؛ لأنَّه يعني حصولَ النقل العرفي للمشتقّ من الوضع للأعمّ إلى خصوص المتلبِّس، وهو ما أسميناه (الوضعَ التعينّي)، في حين إنّنا نجد أنَّ ما يستحوذ على اهتمام الفقيه هو تشخيص الأوضاع العرفيّة، دون الأوضاع اللغويّة القديمة المنسوخة. فليكن التبادر مبنيّاً على ذلك.
يتمثّل الوجهُ الثاني من أوجه الاستدلال على الوضع لخصوص المتلبِّس في أنَّه لو كانت الأوصاف الاشتقاقيّة موضوعةً للأعمّ لَلَزم من ذلك انتفاءُ التضادِّ بين (جاهل) و(عالم) وبين (قائم) و(قاعد)(2) ؛ حيث يُمكن أن يكون شخصٌ واحدٌ جاهلاً وعالماً، مع أنَّ التضادَّ بين الأوصاف الاشتقاقيّة المأخوذة من المبادئ المتضادّة أمرٌ ثابت.
إلّا أنَّ هذا الاستدلال غيرُ تامٍّ فيما إذا أريد جعلُه دليلاً حقيقيّاً على المدّعى؛ لأنّه:
إن أُريد الاستدلال ببرهان أنَّ العلم والجهل متضادّان، فهذا غير صحيح؛
ــــــــــ[190]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 45.
(2) انظر: كفاية الأصول: 45.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
لأنَّ التضادّ بين المبدأين لا يستلزم التضادَّ بين مدلولَي الهيئتين الاشتقاقيّتين المأخوذتين منهما؛ إذ -بناءً على الأعمّ- قد يُطعَّم مدلولُ الهيئة الاشتقاقيّة بما يخرجه عن التنافي؛ فبعد أن يُطعَّم مفهوم (عالم) ومفهوم (جاهل) بالفعل الماضي فإنّهما يتحوّلان إلى فعلين ماضيين، ولا تنافي بين الفعلين الماضيين.
وإن كان المراد أنَّ التضادّ بين (عالم) و(جاهل) أمرٌ واضحٌ وارتكازيٌّ في الذهن العرفيِّ العام، فإنَّ هذا الارتكاز يقع في طول معرفة المعنى لا أنَّه يجعل دليلاً عليه فإنَّه إنّما ارتكز ذلك باعتبار معرفة معنى (عالم) و(جاهل)، وأنَّ أوّلهما خصوص المتلبِّس بالعلم والثاني بالجهل، وإلّا فلو كان الإنسان جاهلاً بمعناهما فلا يقوم لديه ارتكازُ التضادّ بينهما، ومعه لا يُمكن جعلُ الارتكاز دليلاً حقيقياً على المطلوب.
نعم، يصلح هذا لأن يكون منبّهاً للارتكاز حين الغفلة، فقد يكون عالماً بالوضع والتضادّ ولكنّه غافلٌ عن ذلك فينبَّه بالتضادّ بينهما على أنَّ ذلك ناشئٌ من الوضع لخصوص المتلبّس.
يتمثّل الوجهُ الثالث في صحّة سلب المشتقّ (عالِم) عن المنقضي عنه المبدأ (زيد)(1)، فيقال: (زيدٌ ليس بعالم)، وصحّة السلب علامةٌ على المجازيّة كما ذُكر(2).
ــــــــــ[191]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 47.
(2) لاحظ: قوانين الأصول: 17، هداية المسترشدين 1: 240.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وقد استُشكل في ذلك(1) بأنّه:
ما المراد بصحة السلب، هل يراد به صحة سلب (عالِم) بالكلّيّة. أم صحة سلب (عالِم) مقيداً بعلم فعليّ؟! فإن أُريد الأول فهو خلاف الواقع، لأن زيداً عالمٌ بعلم سابق. وإنْ أُريد الثاني فهو صحيح، لكن صحة سلب المقيد لا تدلُّ على صحة سلب المطلق.
وهذا الإشكال قد نشأ من الخلط بين تقييد الوصف الاشتقاقي وبين تقييد مبدأ الوصف الاشتقاقي؛ فإنّنا:
تارةً: نقول: (زيدٌ ليس بعالم الآن).
وأخرى: نقول: (زيدٌ ليس بعالمٍ بعلمٍ موجودٍ الآن).
فإن كان الاستدلالُ على الوضع لخصوص المتلبِّس بصحّة السلب بالجملة الأولى بحيث يكون (الآن) قيداً للـ(عالِم)، فيصحُّ حينئذٍ الاستدلالُ بهذه الجملة؛ لأنَّ النزاع بين الأعمّي وبين الأخصّي يكمن في أنَّ المنقضي عنه المبدأُ: هل يُطلق عليه أنَّه عالِمٌ الآن أم لا؟! فإذا صحّ قولُنا: (زيدٌ ليس بعالمٍ الآن) دلّ ذلك على أنَّ المشتقّ ليس موضوعاً للأعمّ، بل لخصوص المتلبِّس.
وأمّا إذا كان (الآن) قيداً لمبدأ الاشتقاق (العِلم) لا للوصف الاشتقاقي (العالِم)، كما في الجملة الثانية القائلة: (زيدٌ ليس بعالمٍ بعلمٍ موجودٍ الآن)، فهذا الكلام يعترف بصدقه حتّى القائلُ بالأعمّ؛ باعتبار أنَّ زيداً وإن لم يكن عالماً بعلمٍ فعليٍّ، ولكنّه متّصفٌ الآن بكونه عالماً بعلمٍ سابق؛ فتلبّسه بالعلم آناً ما
ــــــــــ[192]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 47.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
كافٍ في اتّصافه بأنَّه (عالِمٌ) إلى آخر عمره.
نعم، أصل (صحّة السلب) و(صحة الحمل) ليسا من أدلّة الحقيقة والمجاز؛ حيث ذكرنا(1) أنَّه من نتائج العلم بالمعنى الموضوع له اللفظ، وإنّما يُتوسَّلُ به بغية التنبيه على أمرٍ معلومٍ سابقاً، لا بغية تزويدنا بعلمٍ جديد.
وقد ذكر هذا الوجهَ المحقِّقُ النائيني(2)، وهو مركّبٌ من أمرين:
الأمر الأوّل: عبارةٌ عن دعوى قيام البرهان على بساطة المفاهيم الاشتقاقيّة، وأنَّ مفهومها هو نفس مفهوم المبدأ، غاية الأمر أنَّ المبدأ لوحظ في جانب المشتقّ (لا بشرط) فصحّ حملُه على الذات، بينما لوحظ في المصادر (بشرط لا) فامتنع حمله عليها.
الأمر الثاني: أنَّه -بناءً على بساطة المفهوم الاشتقاقي- لا يُعقل الوضعُ للأعمّ؛ إذ لا يُتصوَّر جامعٌ أعمّيٌّ.
فإذا تمّ الأمران تحصّل منهما برهانٌ على أنَّ وضع المشتقّ لخصوص المتلبِّس.
أمّا الأمر الثاني في هذا الوجه فقد تقدّم الحديث عنه سابقاً(3)، وتبيّن أنَّه صحيح، حيث انتهينا إلى أنَّه -بناءً على بساطة المفهوم الاشتقاقي وكونِ اسم الفاعل لا يختلف عن المصدر بشيء إلّا بـ(الشرطيّة) و(الشرط لائيّة)- لا يُعقل
ــــــــــ[193]ــــــــــ
(1) انظر: بحوث في علم الأصول: 1: 169.
(2) فوائد الأصول (النائيني) 1: 120، 121، أجود التقريرات 1: 63، 76.
(3) راجع الصفحة: 154.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
تصويرُ جامعٍ للأعمّ، فيكون الوضع للأعمّ -بناءً على البساطة- أمراً غيرَ معقول.
أمّا الأمر الأوّل، وهو بساطة المفاهيم الاشتقاقيّة، فهذا ما لا نقبله، وسوف يأتي تحقيقُه في الخاتمة(1).
ومن هنا، فالأفضل تبديلُ هذا البيان بالبيان الذي ذكرناه في بداية الاستدلال، وهو أنّه:
إن قيل ببساطة المفهوم الاشتقاقي لم يمكن تصويرُ الجامع أصلاً، وأصبح الوضعُ للأعمّ غيرَ معقول.
وإن قيل بتركّب المفهوم الاشتقاقي فالجامع وإن كان معقولاً ثبوتاً، إلّا أنَّه غيرُ معقولٍ عرفاً.
وبهذا يمتنع الوضع للأعمّ على كلا التقديرين، وهذا هو العمدةُ في الاستدلال على الوضع لخصوص المتلبِّس.
وبما ذكرناه من هذه الأدلّة ظهر وجهُ الخلل في ما استدلَّ به الأعمّيُّ على دعواه، فلا حاجة إلى التعرّض للأدلّة التي استُدلَّ بها للوضع للأعمّ بنحو الموجبة الكلّيّة.
يبقى في المقام بحثٌ معقولٌ في دعوى الأعمّيّة بنحو الموجبة الجزئيّة؛ بأن تكون بعضُ المشتقّات موضوعةً للأعمّ من المتلبِّس والمنقضي عنه المبدأ، نحو:
أسماء الِحرَف والصناعات، من قبيل: (بقّال) و(شاعر).
ــــــــــ[194]ــــــــــ
(1) انظر الصفحة: 210.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وأسماء الآلات، من قبيل: (مفتاح).
وأسماء الأماكن، من قبيل: (مسبح).
والحقيقة أنَّ مثل هذه الدعوى تستحقُّ الالتفات في الجملة؛ إذ قد يخطر في بادئ الرأي أنَّ الأمثلة التي ذكرناها قد تُستعمل في الذات المنقضي عنها المبدأ بلا عناية؛ فيُستعمَل لفظُ (صائغ) في من حرفتُه الصياغة وإن لم يمارِس الصياغةَ فعلاً، كما يُستعمَل لفظُ (شاعر) في من لم ينظم الشِّعر فعلاً، كما يُطلق (مذبح) على المكان المعدِّ للذبح وإن لم يُذبح فيه حيوانٌ فعلاً، وهكذا…
ويُمكن أن يُستدلَّ على هذه الموجبة الجزئيّة بالقول: إنَّه لا إشكال في صحّة إطلاق هذه المشتقّات التي ذكرناها مع عدم التلبّس الفعلي كما جاء في الأمثلة المتقدّمة، والتي يُحتمل فيها -أي: في صحّة الإطلاق- أحدُ وجوه:
أن تكون صحّة إطلاق هذه المشتقّات ناشئةً من كون هيئة المشتقّ موضوعةً للأعمّ من المتلبِّس ومن المنقضي عنه المبدأ.
وهذا الوجه هو المطلوب للقائل بالوضع للأعمّ، ولذا يحتاج إلى إبطال سائر الوجوه الأخرى لتفسير صحّة الإطلاق في المقام:
فإن أمكنه إبطالهُا فحينئذٍ ينحصر تفسيرُ صحّة الإطلاق بهذا الوجه، فيثبت الوضع للأعمّ ولو بنحو الموجبة الجزئيّة.
وإن بقي بعضُ الوجوه محتملاً، فحينئذٍ لا مميِّز لهذا الوجه في مقابل الوجوه الأخرى.
ــــــــــ[195]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أن تكون صحّة إطلاق هذه المشتقّات مع عدم التلبّس الفعلي ناشئةً من التوسّع في مادّة المشتقّ؛ حيث يُراد بالمادّة: الحِرفة والصناعة، لا الفعليّة. وبهذا أمكن تفسيرُ صحّة إطلاق (صائغ) على من لم يشتغل بالصياغة فعلاً؛ باعتبار أنَّ المراد بالصياغة: الصناعة والحرفة، وتلبُّسه بالحرفة فعليٌّ.
وما يمكن أنْ يبرز من قبل الأعمّي في مقام إبطال هذه التفسير هو أنْ يقال: لو كان مدلول المادّة -كالصياغة والشعر- هو الحرفة والصناعة لَلَزِم أن يكون مدلولاً لها حين تعرض عليها سائرُ الهيئات الأخرى؛ لاشتراك هذه الهيئات في المادّة الموضوعة بوضعٍ واحدٍ نوعيٌ؛ فمادّة (صاغ) متّحدة مع مادّة (يصوغ)، وهي موضوعةٌ بوضعٍ نوعيٍّ واحدٍ، فلو كان مدلول مادّة (صائغ) عبارة عن الحرفة لَلَزِم أن تكون مادّة (صاغ) و(يصوغ) كذلك، مع أنّنا نرى بالوجدان أنَّ مادّة الصياغة في (صاغ) و(يصوغ) تدلّ على الحدث لا على الحرفة.
أن تكون صحّة إطلاق هذه المشتقّات مع عدم التلبّس الفعلي ناشئةً من التوسّع في الهيئة، فيُقال: إنّنا لو سلّمنا بعدم التوسّع في المادّة، وبأنَّ المراد من المادّة: العمليّة، لا الحرفة والصناعة، غير أنّنا نقول بوضع الهيئة في (صائغ) للمتلبِّس بالتلبّس الشأني لا التلبّس الفعلي. ولهذا يصحّ إطلاق (صائغ) على هذا المؤمن؛ لانحفاظ تلبّسه الشأني بالصياغة. وبهذا لا يثبت الوضع للأعمّ.
وهذا أيضاً لا بد للقائل بالأعم إبطاله بأن يقال: إنَّ لهذا الوجه مجالاً فيما لو
ــــــــــ[196]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
كانت هيئة (صائغ) موضوعةً بوضعٍ شخصيٍّ للذات المتلبّسة بالتلبّس الأعمّ من الفعلي والشأني، وكانت هيئة (ضارب) موضوعةً للتبّس الفعلي لا الشأني. غير أنَّ كلتا الهيئتين موضوعةٌ بوضعٍ نوعيٍّ واحد، فإنَّهما مصداق لهيئة (فاعل).
فهذه الهيئة هل أخذ فيها التلبّس الفعلي؟ أم الأعمّ من الشأني والفعلي؟!
فإن قيل بالثاني، فقد تبنّيتم سابقاً عدم صدق (ضارب) على من لم يكن متلبّساً فعلاً بالضرب.
وإن قيل بالأوّل، أمكن النقض بـ(صائغ) الذي يصحّ إطلاقه على الذات غير المتلبّسة فعلاً.
أن تكون صحّة إطلاق هذه المشتقّات مع عدم التلبّس الفعلي ناشئةً من التوسّع في مدلول الجملة، بمعنى أنَّ إطلاق المشتقّ (صائغ) على الذات (زيد) يشتمل على التوسعة والتصرّف، لكن لا في مادّة (صائغ) ولا في الهيئة، بل في مدلول جملة: (زيدٌ صائغ) الدالّة على(1) الهوهويّة بين الموضوع والمحمول، فيكون مدلول الجملة عبارةً عن الجري الشأني لا الفعلي. وتعني الهوهوية الشأنيّة أنَّ هذا هو ذاك شأناً واقتضاءً، لا فعلاً ودائماً.
وبذلك يسلم من الإشكال الذي أوردناه على الوجهين الثاني والثالث.
غير أنَّ بإمكان الأعمّي أن يُبطِل هذا الوجه بالقول: إنَّ هذا الوجه يعني أنَّ التوسعة جاءت من الجملة لا من الكلمة، فيكون حالُ كلمة (صائغ) حالَ
ــــــــــ[197]ــــــــــ
() بقرينة أنَّ الصياغة حرفةٌ وصناعةٌ عرفاً. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
كلمة (ضارب)، وهذا خلافُ الوجدان القاضي بأنَّ مفهوم كلمة (صائغ) -في نفسها وبلحاظ كونها كلمةً إفراديّةً، ومن دون إجرائها على ذاتٍ وإيقاعها محمولاً- أوسعُ من مفهوم (ضارب)، وهذا يعني أنَّ التوسعة لم تنشأ من الجملة.
أن تكون صحّة إطلاق هذه المشتقّات مع عدم التلبّس الفعلي غيرَ ناشئةٍ من التصرّف في المادّة أو الهيئة أو الجملة كما في الأوجه السابقة، بل من التصرّف في أمرٍ خارجيٍّ، فيُقال: باعتبار أنَّ الصياغة تتكرّر من الصائغ عدّة مرّات في اليوم مثلاً، يُعمِلُ العرفُ عنايةً ارتكازيّةً، بحيث يرى أنَّ الصياغة مستمرّةٌ منه ويُلغي الفترات التي تتخلّل الصياغة، فهو يُنزِّل الإنسانَ غيرَ المتلبّس بالصياغة فعلاً منزلةَ الصائغ فعلاً، وبهذا ينطبق عليه العنوان.
فالعناية قد أُعمِلت في أمرٍ خارجيّ، وهو عبارةٌ عن حال هذا الرجل، وبعد إعمال هذه العناية ينطبق عليه أنَّه (صائغٌ) دون تصرّفٍ في المدلول الداخلي.
غير أنَّ بإمكان الأعمّي أن يبطل هذا الوجه على غرار ما فعله مع الأوجه السابقة؛ إذ لو صحّت هذه العناية العرفيّة الارتكازيّة التي يقوم على أساسها هذا الوجه لصحّ أن نقول في زيدٍ الصائغ المشتغل فعلاً بالصلاة: إنَّه متلبّسٌ بالصياغة فعلاً، مع أنَّ هذا غيرُ صادقٍ جزماً، وهذا دليلٌ على عدم عرفيّة العناية التي يقوم عليها هذا الوجه.
ــــــــــ[198]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وإذا بطلت الوجوه الأربعة الأخيرة، تعيّن الوجه الأوّل القائلُ بأنَّ هيئة (صائغ) موضوعةٌ للأعمّ من المتلبّس ومن المنقضي عنه المبدأ.
يمكن لنا أن نسجّل بعض الملاحظات على ما مرّ، فنقول:
لماذا يستوحش المستدلُّ للأعمّ من الوجه الثالث القائم على أساس أنَّ هيئة (صائغ) موضوعةٌ للمتلبِّس، مع إرادة التلبّس الأعمّ من الفعلي والشأني؟! فقد أشكل المستشكلُ بأنَّ لازم ذلك هو كون هيئة (صائغ) موضوعةً بوضعٍ شخصيٍ؛ إذ لو كانت موضوعةً بوضعٍ نوعيٍّ بلحاظ طبيعيِّ صيغة (فاعل) للمتلبّس الشأني لَلَزِم صدقُ العنوان في (ضارب) و(قاتل) في موارد التلبّس الشأني، مع أنَّه غيرُ صادق.
إلَّا أنَّ هذا غير تامّ؛ لأنَّ القائل بالأعمّ يدّعي التفصيل في المشتقّات، ويذهب إلى أنَّ (صائغ) موضوعةٌ للأعمّ، و(ضارب) لخصوص المتلبِّس، وهذا لا يتمّ إلّا بدعوى تعدّد الوضع.
فإذا صحّ تعدّد الوضع، فلماذا يُستَنْكَرُ من القائل بالوضع لخصوص المتلبِّس دعوى وجود وضعين لهيئة (فاعل)؛ فهي في هيئة (صائغ) و(شاعر) موضوعةٌ للمتلبّس الأعمّ من الشأني والفعلي، وفي (ضارب) ونحوه موضوعةٌ للمتلبِّس الفعلي.
ــــــــــ[199]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
إنَّ الصحيح في المقام اختيارُ الوجه الثالث، وذلك بأن يقال: إنَّ مفاد هيئة (صائغ) هو التلبّسُ الأعمُّ من الفعلي والشأني، لكن دون الالتزام بأنَّ لهيئة صائغ وضعاً شخصيّاً، بل يُقال: إنَّها موضوعةٌ بالوضع النوعي لطبيعيِّ صيغة (فاعل)، مع الالتزام بأنَّ هذه التوسعة مأخوذةٌ في طبيعيِّ اسم الفاعل؛ فهي موضوعةٌ بوضعٍ نوعيٍّ للمتلبِّس بالتلبّس الأعمِّ من الفعلي والشأني.
ولسنا نقصد من التلبّس الشأني مجرّد إمكان التلبّس وقابليّته، بل نقصد التلبُّسَ الاحترافي، وهو التلبّس الذي يُتّخذ المبدأ فيه حرفةً أو ديدناً وطريقة، وهذا محفوظٌ في سائر أسماء الفاعلين.
غاية الأمر أنَّ هذا النحو من أنحاء التلبّس لا يصدق في نحو (ضارب) و(قائم)؛ لعدم اتّخاذ (الضرب) و(القيام) حرفةً في السوق، بينما يصدق في مثل (صائغ) باعتبار اتّخاذ الصياغة حرفةً في السوق.
فالفارق إذن بين (قائم) و(صائغ) لا يكمن في المفهوم والمعنى الموضوع له حتّى يلزم تعدّد الوضع، بل الوضع واحد والموضوع له واحد بالنحو الذي قلناه.
وبذلك يندفع دليل الأعمّي؛ لأنّا فسّرنا انطباق عنوان الصائغ على الذات غير المتلبّسة فعلاً بالصياغة، مع التحفّظ على الوضع لخصوص المتلبّس.
على أنَّ هذه التوسعة تجري في تمام أسماء الفاعلين بل في سائر الأوصاف الاشتقاقيّة، من قبيل أسماء الأماكن؛ فالمذبح حيث أخذ فيه المتلبس، بمعنى اتخاذ الذبح في هذا المكان. غاية الفرق وجود المصداق في بعضها دون بعض.
ــــــــــ[200]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أنَّ من غير الصحيح أن نفسّر ظاهرة صحّة إطلاق لفظ (صائغ) مثلاً على غير المتلبّس فعلاً بالصياغة على أساس الوجه الأوّل المتمثّل بالوضع للأعمّ؛ لأنه ليس من الصحيح أن نفسر هذه الظاهرة بالوضع للأعم -وهو الوجه الأول الذي يريده الأعمّي من هذا الدليل- لأنَّه لو تمثّلت نكتةُ صحّة الإطلاق في أنَّ (صائغ) وضعت للأعمّ من المتلبّس والمنقضي عنه المبدأ، لَلَزِم من ذلك صحّةُ إطلاق (صائغ) حتّى في الحالة التي يترك فيها الصائغ حرفته وينتقل إلى حرفة أخرى، كما لو أصبح الصائغ بقّالاً. والحال أنّنا لا نشكّ -بحسب الوجدان- في عدم صدق (صائغ) عليه في هذه الحالة. فهذا يدلّ على أنَّ التوسعة التي لوحظت ليست قائمةً على أساس الوضع للأعمّ، وإنما هي باعتبار توسعة دائرة التلبّس للتلبّس الشأني.
وأيضاً لو كانت كلمة (صائغ) موضوعةً للأعمّ، لَلَزِم صحّة إطلاق (صائغ) على من لم يحترف حرفة الصياغة ولكنّه قام بالصياغة لمرّة واحدة مثلاً، فلو كان الأمر كذلك لصحّ إطلاق (صائغ) عليه طول عمره. والحال أنّنا لا نشكّ في عدم صدق (صائغ) عليه في الحالة المذكورة إلّا بالعناية، كما أنَّه لا يصدق على تارك الضرب أنَّه ضاربٌ إلّا بالعناية.
هذا تمام الكلام في أدلّة الأعمّي. وقد اتّضح أنَّ الصحيح هو أنَّ المشتقّ حقيقةٌ في خصوص المتلبِّس.
ــــــــــ[201]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
لو ثبت وضعُ المشتقّ للأعمّ لكان الفارق بينه وبين المبدأ واضحاً جدّاً؛ لِصِدق (عالم) على الذات حتّى بعد زوال العِلم، فلا معنى لاحتمال اتّحادهما مفهوماً وذاتاً.
ولكن بعد أن ثبت الوضع لخصوص المتلبّس وعدم انطباق مفهوم (عالم) إلّا مع وجود العلم، فحينئذٍ يقع تقاربٌ شديدٌ بين (عالم) و(علم)، فيقع الكلام عمّا إذا كان هناك فارقٌ ذاتيٌّ بين مدلول المشتقّ ومدلول المبدأ، أم أنّهما متّحدان مدلولاً ومفهوماً، مع اختلافهما في خصوصيّات هذا المفهوم وما يطرأ عليه؟
ومن هذا البحث ينشأ النزاع حول بساطة المفهوم الاشتقاقي وتركّبه؛ فمن يعتقد بالعينيّة الذاتيّة بين المبدأ والمفهوم الاشتقاقي يقول ببساطة المفهوم الاشتقاقي، بينما بإمكان المعتقد بتغايرهما القولُ بتركّبه.
ولابدَّ لنا أوّلاً من الكلام في معنى المصدر ليتبيّن لنا الفرق بينه وبين المفاهيم الاشتقاقية.
قيل: إنَّ المصدر هو أصل المشتقّات(1). غاية الأمر أنَّه لا يُراد من ذلك أنَّ
ــــــــــ[202]ــــــــــ
(1) لاحظ: أجود التقريرات 1: 60، منهاج الأصول 1: 202.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
المصدر -بوجوده اللفظي- أصلُ المشتقّات بوجوداتها اللفظيّة؛ لوضوح أنَّ للمصدر هيئةً خاصّةً مباينةً لسائر المشتقّات؛ فلو لوحظ (ضَرْب) و(ضارب) بوجوديهما اللفظيّين فهما متباينان؛ لأن كل واحد متقوّم بهيئة غير(1) الآخر..
ومن هنا، فإنَّ المقصود من كون المصدر أصلاً للمشتقّات كونُه كذلك بلحاظ المعنى والمدلول، بمعنى: أنَّ مفاد المصدر هو مادّةُ سائر المشتقّات والمعنى المحفوظ والساري فيها، وهذا معنىً يُعقل ادّعاؤه في المقام.
أمّا التحقيق في صحّة ذلك وبطلانه فمبنيٌّ على معرفة أنَّ المصدر:
هل هو موضوعٌ بمادّته لذات الحدث بدون قيدٍ زائدٍ، ولم يوضع بهيئته لأيّ معنىً نسبيٍّ قد يلحظ في الحدث فيحصّصه بنحوٍ خاصّ. وعلى هذا التقدير يكون المصدر معنىً محفوظاً في سائر المشتقّات الأخرى؛ لانحفاظ ذات الحدث فيها جميعاً.
أم أنَّ حالَ المصدر حالُ سائر المشتقّات، فيكون له وضعان: أحدهما لمادّته والآخر لهيئته؛ فهو موضوعٌ بلحاظ مادّته لذات الحدث، وبلحاظ هيئته لمعنىً نسبيٍّ على حدّ هيئات سائر المشتقّات.
وعلى هذا التقدير لا يكون المصدر أصلاً للكلام حتّى بلحاظ المعنى؛ لأنَّه موضوعٌ لنسبةٍ مخصوصةٍ تُباين سائرَ النسب.
المعروف بين المحقِّقين المتأخّرين أنَّ الهيئة المصدريّة أيضاً موضوعةٌ لمعنى، ويُذكر في تقريب ذلك قولان:
ــــــــــ[203]ــــــــــ
() غير الهيئة التي يتقوم بها الآخر. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهو القولُ المعروف بين المحقّقين المتأخّرين(1)، ويتلخّص في أنَّ هيئة المصدر موضوعةٌ للنسبة الناقصة التقييديّة، بمعنى أنَّ بالإمكان إضافة الحدث -الذي هو مدلول المادّة- إلى ذات فاعله أو إلى ذات مفعوله بنحو النسبة الناقصة، كما يمكن أن يضاف بنحو النسبة التامّة؛ فإضافة (الضرب) إلى (الضارب) في: (ضَرَبَ زيدٌ) هو بنحو النسبة التامّة، وفي: (ضَرْبُ زيدٍ) هو بنحو النسبة الناقصة.
فهيئةُ المصدر موضوعةٌ لإضافة المبدأ إلى فاعلٍ ما أو مفعولٍ ما على نحو الإجمال والإبهام، وبهذا امتاز المصدرُ عن أسماء المصادر من قبيل: (حُسْن) و(عُذْر) و(غُسْل)، أو أسماء الأجناس التي لم يُؤخذ فيها أيُّ معنىً نسبي.
وهذا المطلب يمكن أن يستشكل فيه بعدّة تقريبات:
ما ذكره المحقِّق النائيني حيث قال(2): لو كانت النسبة الناقصة -التي هي معنىً حرفيٌّ- مأخوذةً في المصدر لَلَزِم أن يكون المصدر مبنيّاً في اللغة؛ لأنَّ أحد أسباب البناء في لغة العرب هو تضمّن اللفظ معنىً حرفيّاً وكونه شبيهاً بالحرف، والحال أنَّ المصدر ليس مبنيّاً.
ــــــــــ[204]ــــــــــ
(1) لاحظ: بدائع الأفكار (الرشتي): 50.
(2) أجود التقريرات 1: 63، فوائد الأصول (النائيني) 1: 109.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وجوابه: أنَّ ما عُدَّ سبباً من أسباب البناء إنّما هو تضمُّن الاسم بمادّته لمعنىً حرفي، لا بهيئته، نحو أسماء الإشارة والموصول، التي تدلّ على معانٍ غيرِ متحصِّلةٍ إلّا بضمّ غيرها إليها.
أمّا في المقام، فنحن لا ندّعي أنَّ المصدر يتضمّن بمادّته معنىً حرفيّاً، بل بهيئته؛ باعتبار أنَّ مادّة المصدر موضوعةٌ لذات الحدث، وهيئته هي الموضوعة لهذا المعنى الحرفي.
ولا ينبغي أن يُتوهَّم أنَّ تضمّن هيئة الكلمة للمعنى الحرفي يكفي لبنائها؛ بدليل أنَّ الأفعال الثلاثة تضمّنت المعنى الحرفيَّ بهيئتها لا مادّتها، وهي مع ذلك مبنيّة، والمصدر كذلك.
وهذا لا يتم، لأنَّ الفعل مبنيّ بالأصالة، لا باعتبار تضمّنه لمعنىً حرفيٍّ.
إننا إذا بنينا على أنَّ مفاد هيئة المصدر نسبةُ الحدث إلى ذاتٍ ما، فإنَّه يلزم في قولنا: (ضرب زيد) أن يكون لدينا نسبتان ناقصتان تقييديّتان في عرضٍ واحد، وهو أمر غير معقول(1)؛ فإنَّه إذا اجتمعت نسبتان ناقصتان على شيءٍ واحد، فلابدَّ من أن تكون النسبتان طوليّتين، كقولنا: (ماءُ الورد الجيّدُ)؛ فهنا نسبتان ناقصتان: إضافيّةٌ، وتوصيفيّة، وتقع إحداهما في طول الأخرى، أي: إنَّ ماء الورد -بما هو كذلك – يوصف بكونه جيّداً، وهذا أمرٌ معقول.
أمّا أن تكون النسبتان الناقصتان في عرض واحد، فهو أمرٌ غير معقول:
ــــــــــ[205]ــــــــــ
(1) لاحظ: فوائد الأصول (النائيني) 1: 108.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
لأن كون شيءٍ طرفاً للنسبة عبارةٌ عن اندكاكه في مفهومٍ تركيبيّ ولا يمكن أن يندكّ الشيء الواحد في مفهومين تركيبيّين في مرتبة واحدةٍ. نعم، لا بأس أن يندكّ في مفهوم ويندكّ المركّب في مركّبٍ أوسع منه، وهو معنى الطوليّة في النسبة الناقصة.
ففي محلّ الكلام حين نقول: (ضرب زيد) صار الحدث وهو مدلول المادّة طرفاً لنسبتين ناقصتين في عرضٍ واحدٍ، إحداهما: نسبته إلى ذات (ما) على وجه الإبهام وهو مدلول الهيئة المصدرية، والآخر نسبته إلى زيدٍ وهو مدلول هيئة الإضافة.
ولا مخلص عن ذلك إلّا بأن يقال: إنَّ النسبة الثانية ليس طرفها الحدث، بل هو الذات، فيرجع قولنا: (ضرب زيد)، إلى حدثٍ صادرٍ من ذاتٍ، تلك الذات هي زيد. وهذه العناية تخالف الوجدان العرفي؛ فإنَّ ما هو طرف الإضافة مع زيد ليس هو الذات بل هو الحدث وهو مدلول المادّة، ومعه صار الحدث طرفاً لنسبتين ناقصتين في عرضٍ واحدٍ. وهذا ممّا لا محصل له.
وقد يُقال: إنَّ الحدث بما هو منسوبٌ بالنسبة الأولى يقع طرفاً للنسبة الثانية وهي الإضافة، وهو أمرٌ معقولٌ.
وجوابه: إنَّ ذلك غير صحيح؛ لأنَّ نسبة الحدث إلى الذات هي عين نسبة الحدث إلى زيد، فإنّهما متطابقان على أمرٍ واحدٍ خارجاً، وليس أحدهما غير الآخر؛ فإنَّ ذلك إنّما يتمّ في نسبتين طوليٍّتين، وأمّا في المقام فنسبة الحدث إلى الذات وإلى زيد في مرتبةٍ واحدةٍ، فهما عرضيّتان. إذا، فلا محيص عن الإشكال.
ــــــــــ[206]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهذا الإشكال بهذا المقدار يمكن أن يجاب عليه بأن يقال: إنَّه مبنيٌّ على أن يكون مفاد هيئة المصدر هو النسبة مع الذات، فيكون عندنا نسبتان ناقصتان وذاتان. ولكن إذا قلنا إنَّ هيئة المصدر تدلّ على النسبة فقط لا على المنسوب إليه وهو الذات(1)، والإضافة هي التي تعيّن طرف النسبة(2). فالمنتسب هو الحدث، والمنتسب إليه هو (زيد)، والدالّ على الحدث هو المادّة، والدالّ على النسبة هو هيئة المصدر، والدالّ على تعيين المنسوب إليه هو هيئة الإضافة. فلا تكون عندنا هيئتان ناقصتان واقعتان على شيءٍ واحدٍ.
ولكن ما قلناه في الجواب عن الإشكال الثاني ينشأ منه إشكالٌ ثالثٌ، وحاصله: إنَّ هيئة المصدر لو كانت دالّة على النسبة وعلى طرفها وهي الذات المبهمة، فحينئذٍ يكون المصدر معنىً مستقلاً في نفسه، وليس لازم الإسناد إلى الغير كالفعل.
وأمّا إذا بنينا على أنَّ هيئة المصدر دالّةٌ على النسبة فقط، دون طرفها، وحينئذٍ يكون المصدر واجب(3) الإسناد كالفعل الماضي الذي لا يكون تامّ المعنى في نفسه بدون إسناد، مع أنَّ الضرب قد يُتكلّم عنه بدون إسناد، فنقول: الضرب حلالٌ والضرب حرام.
ــــــــــ[207]ــــــــــ
() بل تكون الذات ملغات تماماً على دلالة الهيئة. (المُقرِّر).
(2) فلا يلزم المحذور. (المُقرِّر).
(3) وبعبارة أخرى: إنَّه لا يتحصّل له معنىً إلاّ بالإسناد. (منه). (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهذا كاشفٌ عن أحد أمرين: إمّا أنَّ النسبة وطرفها كلاهما داخلٌ في هيئة المصدر، أو كلاهما خارجٌ عن مدلول المصدر.
وجوابه: أنَّ هذا الاعتراض إنّما يرد على المشهور القائل بأخذ النسبة في مدلول المصدر، لو كانت دعواهم أنَّ النسبة ملحوظةٌ دائماً في هيئة المصدر، إلاّ إنّهم لا يقولون بذلك، بل يقولون إنَّ موارد استعمال هيئة المصدر على قسمين: فتارةً يؤتى بالمصدر من دون أن يفرض للهيئة معنىً أصلاً، ويسمّون ذلك بالهيئة لحفظ المادّة في قالب معيّنٍ فقط. وتارةً يؤتى بها للدلالة على النسبة الناقصة التقييديٍة. وعليه فلا يرد الإشكال؛ لأنَّه من موارد عدم إسناد المصدر فتكون الهيئة معطّلةً والمراد به المادّة فقط. فيصبح المصدر اسم مصدر في الحقيقة.
تحصّل مّما سبق: أنَّ الهيئة المصدريّة تدلّ على النسبة الناقصة، وهيئة الإضافة في قولنا: (ضرب زيدٍ) تدلّ على تعيين طرف النسبة. لكنّنا نعلم أنَّ هيئة الإضافة لا تدلّ فقط على طرف النسبة بل على النسبة أيضاً، بدليل وجود الإضافة في الأسماء الجامدة التي لا تدلّ على النسبة كقولنا: (غلام زيدٍ)، فإنَّ النسبة مدلولةٌ لهيئة الإضافة لا للمفردات في الجملة.
فإذا كانت هيئة الإضافة دالّةً على النسبة، والتزمنا بأنَّ المصادر دالّةٌ على النسبة أيضاً، للزم تعدّد الدالّ على النسبة. مع أنَّ الوجدان قاضٍ بأنَّه لا فرق بين قولنا: (ضرب زيد) وقولنا: (غلام زيد) من حيث وحدة النسبة ووحدة الدال عليها.
ــــــــــ[208]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
إذن فالصحيح في المقام: أنَّ المصادر بهيئاتها لم يؤخذ فيها النسبة الناقصة التقييديّة، لا هي وحدها ولا هي مع طرفها؛ فإنَّ الهيئة إن دلّت على الذات لزم إشكال العرضيّة، وإن دلّت على النسبة وحدها ورد الإشكال الأخير.
وهو للمشهور القائلين بأنَّ هيئة المصدر موضوعةٌ لمعنىً زائدٍ على مدلول المادّة، وقد ذكره المحقق النائيني(1)؛ فإنَّه لم يقبل القول السابق، واعترض عليه بالاعتراض الأوّل السابق، واختار قولاً آخر لمدلول هيئة المصدر.
فقال(2): إنَّ المصدر بمادّته موضوعٌ لذات الحدث كما إنَّ اسم المصدر أيضاً بمادّته موضوعٌ لذات الحدث كـ(غَسل) و(غُسل)، ولكن هيئة اسم المصدر موضوعةٌ لمعنىً وهيئة المصدر موضوعةٌ لمعنىً يقابله. فهيئة اسم المصدر موضوعةٌ لملاحظة عدم انتساب الحدث إلى الذات، فكأنَّها موضوعةٌ للدلالة على الحدث بما هو شيءٌ من الأشياء في نفسه، مقيّداً بعدم الانتساب إلى الذات. وهيئة المصدر موضوعةٌ لإلغاء هذا القيد(3)، لا أنَّها موضوعةٌ للانتساب. وفرقٌ بين المطلبين(4).
وهذا الذي ذكره لا يخلو من خفاءٍ؛ فإنَّه بظاهره لا يمكن المساعدة عليه؛
ــــــــــ[209]ــــــــــ
() انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 108.
(2) فوائد الأصول (النائيني) 1: 99.
(3) أي عدم الانتساب إلى الذات. (المُقرِّر).
(4) فوائد الأصول (النائيني) 1:1: 108، 109، أجود التقريرات 1: 61،62.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
لأنَّ مراده من أنَّ هيئة اسم المصدر موضوعةٌ لملاحظة عدم انتساب الحدث إلى الذات يحتمل أحد أمرين:
الأمر الأول: أنَّ هيئة اسم المصدر موضوعةٌ لتقييد الحدث -أي: مدلول المادّة- بأن لا يكون منسوباً إلى الذات.
فإن أراد ذلك، فإنَّه يردّ عليه:
أوّلاً: إنَّ هذا خلاف الوجدان في اسم المصدر؛ إذ لو كان كذلك للزم عدم صدق اسم المصدر على الغُسل الخارجي، فإنَّ أيَّ غسلٍ يقع في الخارج فهو منسوب إلى ذاتٍ لا محالة. ويلزم أيضاً عدم صحّة الإضافة في اسم المصدر، مع أنه يقبل الإضافة بلا إشكال؛ إذ يصحّ أن نقول: (غُسل زيد) كما يصحّ أن نقول: (غَسل زيد).
ثانياً: لو سلمنا أنَّ اسم المصدر موضوعٌ بهيئته لعدم الانتساب إلى الذات، وأنَّ هيئة المصدر موضوعةٌ لعدم هذا الانتساب، فعدم هذا الانتساب يكفي فيه عدم وضع الهيئة أصلاً في المصدر، ولا يحتاج إلى وضعٍ للهيئة لعدم التقييد(1).
الأمر الثاني: إن هيئة اسم المصدر تدلّ على عدم الانتساب لا بمعنى تقييد مدلول المادة بعدم الانتساب، بل بمعنى أنَّ اسم المصدر من حيث هو لا يدلّ على الانتساب، لا أنَّه يدلّ على عدم الانتساب، يعني: أنَّ عدم الانتساب من ناحيته
ــــــــــ[210]ــــــــــ
() فإن أردتم بالإطلاق الإطلاق الذاتي القابل للتقييد فيكفي فيه عدم وضع الهيئة فيكون وضعها لغواً. وإن أردتم الإطلاق غير القابل للتقييد فهذا خلاف الوجدان، فإنَّه يقضي بإمكان التقييد بأن تقول: الغسل غير المنتسب إلى الذات. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ثابتٌ، وإن كان الانتساب في الواقع حاصلٌ، إلاّ أنَّ اسم المصدر لا يدلّ عليه.
فإن أراد ذلك، فإنَّه يردّ عليه:
أوّلاً: إنَّ عدم الدلالة في اسم المصدر على الانتساب أمرٌ صحيحٌ، وهو لا ينافي الانتساب من جهة الإضافة، ففي قولنا: (غسل زيد)، الانتساب ليس من ناحية كلمة (غسل) بل بلحاظ الإضافة. وهذا يكفي فيه أن لا تكون هيئة اسم المصدر موضوعةً للنسبة. فما معنى أن تقول: إنَّ هيئة اسم المصدر موضوعةٌ لذلك؛ فإنَّه يكفي في عدم الدلالة على الانتساب عدم الوضع؟!
وثانياً: لو فرض أنَّ مراده هو هذا(1)، فإنَّ ذلك يقابله في المصدر الدلالة على الانتساب، وهو القول الأوّل الذي لا يؤمن به.
ويمكن أن يستدلّ على أخذ النسبة الناقصة في هيئة المصدر بعدّة أدلة، لابدَّ من التعرّض لها.
إنَّه لا إشكال في وجود فرقٍ بين مفهوم المصدر ومفهوم اسم المصدر.
فلو بنينا على أنَّ هيئة اسم المصدر أُخذت فيها النسبة الناقصة التقييدية فيمكن تحصيل الفرق بينهما، وذلك بأن يقال: إنَّ اسم المصدر يدلّ على ذات الحدث، وهيئته لم توضع لنسبة أصلاً. وأمّا المصدر فهو بمادّته موضوعٌ لذات الحدث، وبهيئته موضوعٌ للنسبة الناقصة.
ــــــــــ[211]ــــــــــ
() وأنَّ اسم المصدر لا يدلّ على الانتساب. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وأمّا إذا لم نبنِ على أخذ النسبة في هيئة المصدر فحينئذٍ لا يبقى فرقٌ بين المصدر واسم المصدر، بل يدلّ كلاهما على ذات الحدث من دون مزيّةٍ لأحدهما على الآخر.
وتحقيق الكلام في ذلك: إنَّه في مقام التفرّقة بين المصدر واسمه لابدَّ من فرض مائزٍ بين المفهومين ينحفظ به هذا الفرق، وما يكون وجهاً للفرق بينهما عدّة اعتبارات:
الاعتبار الأوّل: ما بنى عليه المشهور من أنَّ المصدر أُخذ في هيئة النسبة الناقصة التقييدية دون اسم المصدر، فلو لم نستطع إبراز اعتبارٍ آخر للفرق لانحصر المطلب في ذلك، ولثبت مدّعاهم، لكنّ المطلب لا ينحصر في ذلك، بحسب ما سنذكر من الاعتبارات الآتية.
الاعتبار الثاني: بأن يقال: إنَّ النسبة بين المصدر واسم المصدر هي نسبة الفعل إلى الانفعال، فالمصدر هو الفعل، واسم المصدر هو الانفعال والتأثّر به.
وهذا لا يمكن المساعدة عليه بظاهره ما لم يرجع إلى معنىً آخر. وذلك: لوضوح أنَّ الانفعال بنفسه مصدرٌ من المصادر المزيدة، وليس هو اسم المصدر. فنسبة الانكسار إلى الكسر ليست نسبة اسم المصدر إلى المصدر، بل هي نسبة المصدر المزيد إلى المصدر المجرّد.
الاعتبار الثالث: بأن يقال: إنَّ المصدر هو الفعل واسم المصدر هو الأثر المتولّد من الفعل والنتيجة المتحصّلة منه، فالبيع يناسب المعنى المصدري،
ــــــــــ[212]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
والملكية تناسب المعنى الاسم المصدري.
وهذا أيضاً بظاهره غير صحيح؛ ففي كثيرٍ من الموارد ليس هناك شيئان متغايران أحدهما فعلٌ والاخر نتيجته حتّى يعبّر عن الفعل بالمصدر وعن النتيجة باسم المصدر. بل هناك شيءٌ واحدٌ يعبّر عنه بـ(غَسل) تارةً وبـ(غُسل) أخرى.
الاعتبار الرابع: بأن يقال: إنَّه عند ملاحظة الفعل مع نتيجته فسوف نجد ثلاث حالات:
الحالة الأولى: ما إذا فرض أنَّ الفعل كان منصبّاً على ذاتٍ مفروغ عنها، وكان الفعل مؤثّراً في شكلها، وذلك كفعل النسّاج مع الفراش الذي يصنعه، فهنا نسجٌ ونسيج، فالعمل ونتيجته هنا أمران متغايران خارجاً؛ لأنَّ الفراش الذي حاكه الحائك كان له وجودٌ مادّي قبل أن يصنعه الحائك.
الحالة الثانية: حالة كون العمل والفعل منشئاً لأصل الذات، كما في خلق الله تعالى لزيد. فهنا يوجد شيئان: أحدهما الفعل وهو الخلق، والآخر المخلوق وهو زيد، والتغاير بينهما تغايرٌّ اعتباريٌّ تحليليٌّ لا حقيقيٌّ؛ لأنَّ خلق الله لزيدٍ هو عين ذات زيد، ومرجعهما إلى حقيقةٍ واحدةٍ بحسب الخارج وإن كان العقل يحلّلهما إلى أمرين.
الحالة الثالثة: أنَّ الفعل لم يحقّق ذاتاً مستقلّةً أصلاً كالقيام والقعود والأكل والشرب، ففي هذه الحالة نقول: بأنَّ العرف هنا أيضاً يتعمّل في التحليل سنخ التحليل الذي تعمّله في الحالة الثانية، فيحلّل القيام -بنحوٍ من الاعتبار والعناية- إلى مرحلتين: مرحلة التكوين والإيجاد.
ــــــــــ[213]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ومرحلة التكوّن والانوجاد. وإن كان ما بإزاء أحدهما خارجاً عين ما بإزاء الآخر.
نعم، هذا التحليل أخفى من التحليل في الحالة الثانية؛ لوضوح أنَّه في المقام ليس عندنا ذاتٌ أصلاً، وهناك كان عندنا ذاتٌ وهي زيد، ولكن روح هذا وذاك واحدة.
وحينئذٍ فالمرحلة الأولى يعبَّر عنها بالمصدر، والمرحلة الثانية يعبَّر عنها باسم المصدر، من دون أن تكون النسبة مأخوذةً في أيًّ منها.
إذا اتّضح ذلك فمن المظنون جدّاً أن يكون المراد من كلمات القوم -التي عبّرت بأنّهما كالفعل الانفعال أو كالسبب والمسبّب أو كالفعل والنتيجة- هو ما ذكرناه؛ فإنَّه ليس المقصود أنَّ هناك سبباً وفعلاً، أو انفعالاً ومسبباً مغايراً له، حتّى يرد الإشكال، بل هناك شيءٌ واحدٌ، يُحلّل إلى مرحلتين -كما قلنا-، فيعبّر عن المرحلة الأولى بالفعل والسبب، وعن الثانية بالانفعال أو المسبّب. إلاّ إنَّها تعبيراتٌ عنائيةٌ؛ لأنَّ تعدّد المرحلتين أمرٌ عنائيّ راجعٌ إلى النظر العرفي.
وبهذا اتَّضح مطلبان:
الفرق بين المصدر واسم المصدر.
وإبطال الدليل الذي ذكرناه لأخذ النسبة الناقصة التقييديّه في هيئة المصدر؛ فإنّه كان يَدّعي أنَّ الفرق بينهما يتوقّف على أخذ هذه النسبة في المصدر، لكن بناء على ما قلناه لا يلزم أخذ النسبة لأجل حفظ الفرق.
ومن هذا الذي قلناه يتبيّن أيضاً أنَّ اسم المصدر أعمق في الاسمية؛ لأنَّه
ــــــــــ[214]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
يشبه أسماء الأعلام كـ(زيد) الذي يعبّر عن المرحلة الثانية من الحالة الثانية، واسم المصدر الذي يعبّر عن المرحلة الثانية من الحالة الثالثة.
أن يقال: إنَّ النسبة الناقضة التقييدية لو لم تكن مأخوذةً في هيئة المصدر لما بقي فرقٌ بين المصادر مجرٌداتها ومزيداتها، فلا يبقى فرقٌ بين: كرم وإكرام وتكريم، أو بين: خروج وإخراج. وحينئذٍ تكون المصادر كلّها مشتركةً في المادّة الموضوعة لذات الحدث، فلو لم تكن هيئاتها موضوعةً لنسبٍ مختلفةٍ لم يبقَ بينها فرق.
غاية الأمر أنَّ كلاً منها موضوع لنسبةٍ ناقصةٍ غير النسبة الموضوع لها الآخر.
وهذا الدليل أيضاً قابلٌ للمناقشة؛ لأنَّ هذه النسبة التي يدّعي صاحب هذا الدليل أنَّها مأخوذةٌ في باب المزيد مثل (إفعال) أو (تفعيل) أو (انفعال)، وبها يمتاز عن المصدر المجرّد -هذه النسبة- يمكن تحويلها إلى مفهومٍ اسميّ وأخذها في مدلول المادّة، بأن يُدّعى أن المادّة المحفوظة فيها ليست موضوعةً لمعنىً واحد، فإنَّها في المصدر المجرّد موضوعةٌ لذات الحدث، وفي المصدر المزيد موضوعةٌ لذات الحدث مع إضافة مفهومٍ اسمي آخر، وهو المفهوم الاسمي الذي يوازي النسبة التي يُقال: أنَّها مأخوذةٌ في الهيئة.
فمثلاً يقال: إنَّ (إفعال) موضوعٌ للنسبة التحميلية للمبدأ كـ(إخراج) و(إدخال)، يعني: تحميل الدخول والخروج، وبهذا يصبح الفعل متعدّياً. وهذه
ــــــــــ[215]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
النسبة بإزاء مفهومٍ اسميّ، وهو مفهوم التحميل، فحينئذٍ يقال:
إنَّ هذه المادّة موضوعةٌ لتحميل ذات الحدث الذي يدلّ عليه المصدر المجرّد من ذلك الباب.
ويقال إنَّ هيئة (افتعال) كـ(استماع) موضوعةٌ لنسبةٍ مخصوصةٍ، هي نسبة المطاوعة، فنقول: إنَّ مفهوم المطاوعة مطعّمٌ في نفس مدلول المادّة المحفوظة في هيئة (افتعال).
إذن، فالفرق بين المصادر محفوظٌ، سواءٌ قلنا بأخذ النسبة في الهيئات أو لم نقل بذلك.
وهذا الدليل أوجه من الدليلين السابقين، وحاصله: أنّنا إذا لاحظنا مصدرين مجرَّدين كـ(ضرب) و(خروج)، نرى أنَّ كلاً منهما له قابلٌ وفاعل، والفاعل والقابل قد يتّحدان كمن يضرب نفسه أو يخرج نفسه، وقد يختلفان كمن يضرب غيره أو يخرج غيره.
وحينئذ فلو فرضنا أنَّ النسبة الناقصة لم تكن مأخوذةٌ أصلاً، فينبغي أن نقول بصحّة إضافة (ضرب) إلى كلّ ما يصحّ إضافة الخروج إليه، وإضافة الخروج إلى كلّ ما يصحّ إضافة الضرب إليه، فيصحّ أن نضيف الضرب إلى فاعله، فنقول: ضرب زيد لعمرو. ولكن هل يصحّ أن نضيف الخروج إلى فاعله، فنقول: خروج زيد، أي: الخروج الذي فعله في غيره؟!
وعدم صحّة إضافة بعض المصادر إلى فاعلها وتعيّن إضافتها إلى قابلها مع
ــــــــــ[216]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
أن بعضها يصح فيه ذلك. وهذا كاشفٌ عن أنَّ هناك نحوين من النسبة التقييديّة أُخذت في المصادر، فبعضها أخذت فيه النسبة الناقصة التقييديّة إلى الفاعل، فلا يصحّ إضافته إلى القابل، وبعضها أُخذت فيه النسبة إلى القابل، فلا يصحّ إضافته إلى الفاعل، وبعضها أخذت فيه كلتا النسبتين أو ما يعمّهما(1).
وأمّا إذا قلنا بأنَّ النسب غير مأخوذةٍ أصلاً في المصادر، فلماذا تقبل بعض المصادر الإضافة إلى الفاعل وبعضها لا تقبل ذلك، مع أنَّ إضافة الحدث إلى فاعله تكون دائماً على حدًّ واحد.
والجواب عنه: إنّنا قلنا فيما سبق إنَّ العرف يحلّل القيام أو الخروج إلى مرحلتين: مرحلة التكوين ومرحلة التكوّن. فالمرحلة الأولى التي نسمّيها بالمصدر فيها -بالتحليل العرفي- جهتان: جهة إيجاد وجهة قبول. فبعض المصادر موضوعةٌ لإحدى هاتين الجهتين الأولى مثلاً أو الثانية، وبعضها يناسب كلا الجهتين:
فما كان من المصادر موضوعاً لجهة القبول من المرحلة الأولى، فلا تصحّ إضافته إلى الفاعل، بل يضاف إلى القابل دائماً، مثل خروج.
بخلاف (ضرب) فإنَّها موضوعةٌ لجهة الفعل أو الأعمّ من الجهتين، ولهذا يصحّ إضافته إلى الفاعل وإلى القابل.
إذن، فصحّة إضافة المصدر إلى الفاعل وعدمها من شؤون مدلول المادة بحسب الحقيقة لا من شؤون الهيئة.
ــــــــــ[217]ــــــــــ
() فيصحّ إضافته إلى الفاعل والقابل معاً. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
هذا هو تمام الكلام في مناقشة هذه الأدلّة الثلاثة، وقد اتّضح أنَّ النسبة الناقصة التقييديّة غير موضوعة في هيئة المصدر. وأنَّ المصدر موضوعٌ لذات الحدث فقط.
ــــــــــ[218]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
يقع الكلام في مدلول الأوصاف الاشتقاقيّة.
حتّى يتبيّن الفرق بين المصدر وبين الأوصاف الاشتقاقيّة، يمكننا تلخيص الأقوال فيما هو مدلول المشتق في أربعة أقوال:
القول الأوّل: إنَّ الوصف الاشتقاقي موضوعٌ بمادّته لذات الحدث كالمصدر. وأمّا هيئتة فإنَّها لم توضع لأيّ نسبةٍ من النسب، وإنّما وضعت هيئة (ضارب) للابشرطية من الحمل، بمعنىً يأتي توضيحه(1). ومَن يقول بهذا في المشتقّ يقول في المصدر بعدم أخذ النسبة، وإنّما وضعت هيئته -على ما يُقال- لأخذ الحدث (بشرط لا) من ناحية الحمل. وهذا القول هو الذي ذهب إليه المحقّق الدوّاني(2) وتبعه المحقّق النائيني(3).
القول الثاني: إنَّ المشتقّ موضوعٌ لعنوانٍ بسيطٍ منتزعٍ عن الذات بلحاظ
ــــــــــ[219]ــــــــــ
(1) انظر الصفحة: 211.
(2) انظر: مجموعة مضنّفات على المدرّس الطهراني (رسالة في مباحث الحمل) 2: 205، نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 132.
(3) لاحظ: أجود التقريرات 1: 65، فوائد الأصول (النائيني) 1: 160 -109.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
قيام المبدأ بالذات بحيث تكون نسبة هذا العنوان إلى الذات نسبة العنوان الانتزاعي إلى منشأ انتزاعه، ونسبته إلى المبدأ نسبة العنوان الانتزاعي إلى مصحّح الانتزاع؛ فإنَّه بضمّ المبدأ إلى الذات يصحّ أن ينتزع منها عنوانٌ بسيطٌ يكون مدلولاً لـ(ضارب) و(عالم).
هذا هو ظاهر كلام المحقّق الخراساني(1).
القول الثالث: إنَّ المشتقّ بمادّته موضوعٌ للحدث وبهيئته موضوع للنسبة الناقصة التقييديّة بحيث يكون حاله حال المصدر على القول المشهور.
ولكن لابدَّ أن يُدّعى أنَّ النسبة المأخوذة في المصدر غير النسبة المأخوذة في المشتقّ ليبقى بينهما فرق. وهذا القول للمحقّق العراقي(2).
القول الرابع: إنَّ مدلول المشتقّ عبارةٌ عن الذات والمبدأ، والنسبة بينهما بنحو التركيب. وقد اختاره ببعض معانيه المحقّق الأصفهاني(3) والسيّد الأستاذ(4).
ولابدَّ لنا من الكلام عن كلّ واحدٍ من هذه الأقوال:
أمّا القول الأوّل وهو الذي ذهب إليه الدواني والنائيني، فهو ينحلّ إلى
ــــــــــ[220]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 38، 39.
(2) انظر: مقالات الأصول 1: 190،191.
(3) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 113.
(4) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 266-268.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
دعوى إثباتيّة ودعوى سلبيّة. أمّا الدعوى السلبية فهي أنَّ النسبة لم تؤخذ في مدلول هيئة المشتقّ. وأمّا الإثباتية فهي أخذ اللابشرطية فيها. ونتكلّم عن كلا الدعويين.
أمّا الدعوى السلبيّة، فقد استُدلّ عليها -في كلام هذين المحقّقين-بعدّة وجوه:
ما ذكره المحقّق الدوّاني(1) من أنّنا لو رأينا شبحاً أبيض أمامنا، فالمحسوس بالذات إنّما هو نفس البياض لا الذات التي هي محطّ البياض؛ فإنَّ المحسوس بالبصر إنّما هو الضوء واللون دون الذات.
فلو فرض أنَّه لو لم يقم برهان على احتياج البياض إلى ذات -كما لم يقم برهان عند المتفلسفين المتأخّرين-وكنّا نحتمل قيامه بذاته، فحينئذٍ لا إشكال عرفاً بأنّنا نصفه بأنَّه أبيض، ولا نحتاج إلى البرهان الفلسفي على أنَّه عرضٌ يحتاج إلى ذات. وهذا دليلٌ على أنَّ مفهوم (أبيض) لم تؤخذ فيه النسبة والذات. وإلاّ لما أمكن استعمال المشتقّ في المقام، وتوصيف البياض بأنَّه أبيض.
وهذا البيان في الحقيقة تعقيدٌ بلا موجب، بل يمكن توسيعه بأن يُقال: إنّنا كما يمكن أن نصف العرض بالمشتقّ قبل أن يقوم برهانٌ على عرضيته، فكذلك
ــــــــــ[221]ــــــــــ
(1) انظر: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة 8: 202، نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 131.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الأمر بعد أن يقوم البرهان على ذلك، إذ يمكننا أن نصف نفس العرض، فنقول: (النور منيرٌ) أو (الوجود موجودٌ)، فيمكن للدوّاني أن يستدلّ بهذا الإطلاق أيضاً؛ لأنَّه في مثل ذلك ليس عندنا ذاتٌ لها نوريّةٌ، بل هنا شيءٌ واحدٌ، وهو نفس النور، وحيث إنَّه إطلاقٌ صحيحٌ عرفاً فيستدلّ به على أنَّ الذات والنسبة غير مأخوذةٍ في مفهوم المشتقّ، وإلاّ لما صحّ هذا الإطلاق.
وكذلك يمكن إجراء هذا البيان فيما إذا قام البرهان على أنَّ المبدأ ذاتٌ وليس عرضاً، كما في علم الله تعالى؛ حيث قام البرهان على أنَّه عين ذاته تعالى، فليس هناك ذاتٌ ونسبةٌ وعرضٌ، فلو فرض أنَّ النسبة مأخوذةٌ في مدلول المشتقّ لما صحّ إطلاق (عالم) على العلم الذي هو ذات.
والجواب عن ذلك في تمام هذه الموارد: إنَّ من يقول بأخذ النسبة فقط أو بأخذ النسبة والذات في مدلول المشتقّ:
لو كان يريد بالذات الماخوذة أنَّها ذاتٌ بقيد كونها مغايرةً مع المبدأ، فهذا الإشكال واردٌ عليه.
وأمّا إذا كان المدّعى أخذ ذاتٍ مبهمةٍ في مدلول المشتقّ بنحو قابل لأن تكون غير المبدأ تارة وعين المبدأ أخرى، وتكون النسبة مأخوذةً، لكن لا بمعنى التلبّس المساوق للمغايرة، بل بمعنى الوجدان وكون الذات واجدةً لهذا المبدأ، فتصحّ حينئذٍ تمام هذه الاستعمالات. حيث يوجد هناك شيءٌ واجدٌ للمبدأ: (النور منير)، أو (الله العالم)، لكن وجدانه للمبدأ وجدانٌ ذاتيّ، لا وجدانٌ عرضيّ، وتكون كلّ هذه الاستعمالات جاريةً على القاعدة.
ــــــــــ[222]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ما ذكره المحقّق النائيني(1) حيث قال: إنَّ مدلول الأوصاف الاشتقاقيّة: إمّا أن تكون النسبة لوحدها مأخوذة فيها أو الذات والنسبة، وكلاهما باطل، فيتعيّن أن يكون مدلولها هو ذات المبدأ بلا زيادة.
أمّا أنَّ الذات مأخوذةٌ بدون نسبة، فذلك مّما لا محصل له؛ إذ لا يكون هناك ارتباطٌ بين مدلول الهيئة ومدلول المادّة، أي: بين الذات والحدث. وهو خلاف الوجدان.
وإن كان المأخوذ في الهيئة هو الذات مع النسبة فذلك يلزم تضمّن الكلمة لمعنىً حرفيّ؛ لأنَّ النسبة معنىً حرفيّ، وهو يوجب البناء في لغة العرب، مع أنَّ الأوصاف الاشتقاقيّة غير مبنيّةٍ في اللغة العربيّة.
وهذا الوجه غير صحيح.
أوّلاً: إنَّه يمكننا اختيار الشقّ الثاني، فلا يلزم إشكاله؛ لما سبقت الاشارة إليه(2) من أنَّ التضمّن للمعنى الحرفيّ إنّما يوجب البناء في الاسم إذا كان التضمّن بلحاظ مادّة الاسم لا بلحاظ هيئتة. والتضمّن إنّما يكون في هيئة المشتقّ لا في مادّته.
وثانياً: لو سلّمنا أنَّ تضمّن المعنى الحرفيّ -سواءٌ كان بلحاظ مدلول المادّة أو بلحاظ مدلول الهيئة -يكون موجباً للبناء، فهو لا ينطبق على محلّ الكلام؛
ــــــــــ[223]ــــــــــ
(1)انظر: أجود التقريرات 1: 63-66، فوائد الأصول (النائيني) 1: 106.
(2) راجع الصفحة: 197.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
لأنّه بناءً على أخذ الذات والنسبة معاً في مدلول هيئة المشتقّ يكون مدلولها الحصّة الخاصّة من الذات، يعني: الذات التي لها العلم، والحصّة الخاصّة بما هي حصّةٌ خاصّةٌ مفهومٌ اسميّ وليست معنىً حرفياً. نعم، بالتحليل تنحلّ إلى قيدٍ ومقيّدٍ وتقيّد.
والمراد من أنَّ الاسم إذا تضمّن معنىً حرفياً يكون مبنياً هو: أنَّ معنى الكلمة إذا كان غير متقوّمٍ في نفسه كأسماء الإشارة والموصول يكون مبنيّاً. وفي المقام الحصّة الخاصّة مفهومٌ اسميّ مستقلّ. نعم، لو حلّل لكان مشتملاً على التقيّد، ولكنّ هذا غير تضمّن الاسم لمعنىً حرفيّ، وإلاّ لزم أن يكون كثيرٌ من الأسماء مبنيّةً كالسيف الموضوع للحديد المصفّح، والسرير الموضوع للخشب المعمول بنحوٍ معيّن، فيكون دالاً على حصّةٍ خاصّة.
وهو للمحقّق النائيني(1)، وحاصل ما ذكره: أنَّ النسبة التي يُدّعى أخذها في مدلول هيئة المشتقّ إمّا أن تكون مأخوذةً مع الذات أو بدون الذات، فإن اُخذت مع الذات فهذا باطل؛ ببراهين المحقّق الشريف التي سوف تأتي(2) كلزوم أخذ النوع في الفصل ونحوه. وإن كانت النسبة مأخوذةً من دون الذات فهذا غير معقول؛ لأنَّ النسبة تتقوّم بطرفين، ولا يعقل استغناؤها بطرفٍ واحد.
ــــــــــ[224]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 63، وفوائد الأصول (النائيني) 1: 103.
(2) انظر: ص251-252.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهذا الكلام بظاهره الإشكال عليه واضح؛ لإمكان اختيار الشقّ الثاني، ودعوى أنَّ النسبة لا تتقوّم بطرفٍ واحدٍ صحيحةٌ، ولكن هذا لا يلزم أن يكون طرفاها مدلولين لنفس الدالّ على النسبة، وكلامنا في أنَّ هيئة المشتقّ هل تدلّ على النسبة أو عليها مع الذات؟ فلو قلنا: إنَّ المادّة تدلّ على الحدث والهيئة تدل على النسبة، فلا يلزم محذور تقوّم النسبة بطرفٍ واحدٍ، لأنَّ النسبة لها طرفان، لكنّ هيئة المشتقّ لا تدلّ عليهما كما هو الحال في الحروف فإنَّها تدلّ على النسبة دون الطرفين.
وكان الأحسن له أن يقول في مقام إبطال الشقّ الثاني: إنَّ براهين المحقّق الشريف أيضاً تبطل ذلك؛ فإنَّها تبطل تقوّم المشتقّ بالذات. ومن الواضح أنَّه لو كان مشتملاً على نسبةٍ متقوّمةٍ بالذات، فإنَّه يكون متقوّماً بالذات أيضاً.؛ لأنَّ المشتقّ يتقوّم بالنسبة، والنسبة متقوّمةٌ بالذات، فيرجع إلى تقوّم المشتقّ بالذات، فيلزم المحذور المُتخيّل.
ومن المحتمل أن يكون مراد المحقّق النائيني مطلباً آخر أحسن، وإن كانت العبارة قاصرةٌ عن أدائه، وحاصله: أنَّ هيئة المشتقّ إن كانت دالّة على النسبة من دون الذات يلزم تقوّم النسبة بطرفٍ واحدٍ، لا في نفس الأمر والواقع، بل في مرحلة مدلول الكلام. فالمحذور يلزم في مرحلة مدلول الكلام، فإنَّ لها طرفاً واحداً(1).
ــــــــــ[225]ــــــــــ
() وهذا خلاف الوجدان؛ فإنَّه لو كان المشتقّ دالاً على النسبة فقط، فأحد الطرفين وحده ليس له مفهومٌ ما لم يسند إلى الفاعل. وهو خلاف الوجدان؛ حيث إنَّ للمشتقّ مفهوماً مستقلاً، لا يحتاج إلى متمّم. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهذا مطلبٌ فنيّ، لكن يبقى الإشكال عليه بإمكان أخذ النسبة مع الذات؛ لأنَّ براهين المحقّق الشريف(1) لا محصّل لها على ما سوف يأتي(2).
وهو بأن يُقال: إنَّ أخذ النسبة مع الذات يلزم منه محاذير المحقّق الشريف. وإنَّ أخذها من دون الذات يلزم إباء المشتقّ عن الحمل على الذات؛ لأنَّ النسبة مساوقةٌ للمغايرة والاثنينيّة بين الطرفين، والحمل يساوق الاتّحاد بين الأمرين، فيكون الحمل ممتنعاً.
وهذا الوجه يشكل عليه بنفس ما أشكلنا به على الوجه السابق بعد إصلاحه، بأن نقول: إنَّه بالإمكان أخذ الذات والنسبة، ولا يلزم من ذلك أيّ محذور؛ لا محاذير المحقّق الشريف؛ لأنَّها محاذير باطلة، ولا محذور امتناع الحمل؛ لأنَّ الذات متّحدةٌ مع زيدٍ وعمرٍو خارجاً.
أمّا الدعوى الإثباتية -في القول الأوّل -وهي أنَّ هيئة المشتقّ موضوعةٌ للابشرطيّة، أي: إنَّ مدلول المادّة ملحوظٌ (لا بشرط) من ناحية الحمل، ومن هنا صار صالحاً للحمل على الذات، بينما مدلولها في المصدر غير صالح لذلك؛ لأنَّ هيئة المصدر موضوعةٌ لملاحظته (بشرط لا) من حيث الحمل. وهذه الدعوى تحتاج إلى تفسير؛ فإنَّ البشرط لائيّة واللابشرطيّة في المقام فسِّرت بثلاثة تفسيرات:
ــــــــــ[226]ــــــــــ
(1) انظر: الأعلام (الزركلي) 7:5.
(2) انظر: ص251-252.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهو ما انساق إليه الجمود على حاقّ العبارة، حيث قيل: إنَّه يعني انحفاظ مفهوم وحدانيّ في المشتقّ وفي المصدر، وهو الحدث، ولكن هذاالمفهوم الوحداني حينما قيس إلى الحمل اُخذ تارةً (بشرط لا) من ناحية الحمل فوضع له المصدر، وأخرى اُخذ (لا بشرط) من تلك الناحية فوضع له المشتقّ.
وقد أشكل الأعلام(1) على هذا الكلام: بأنَّ أخذ المبدأ مقيّداً بعدم الحمل و(بشرط لا) من ناحيته أو أخذه مطلقاً من هذه الناحية -هذا-لا أثر له في صحّة الحمل وإبطاله؛ لأنَّ أخذه مقيّداً بعدم الحمل أو أخذه مطلقاً إنّما هما اعتباران في عالم الذهن في كيفيّة لحاظ هذا المفهوم الوحداني، والاعتبارات الذهنيّة لا دخل لها في تصحيح الحمل؛ لأنَّ ملاك صحّة الحمل هو الاتّحاد في الوجود، وملاك عدم صحّة الحمل هو عدم الاتّحاد في الوجود. فما دام الاتّحاد في الوجود بين المفهوم الوحداني والذات ثابتاً فالحمل صحيح، سواءٌ اعتُبر (بشرط لا) أو (لا بشرط)، وإذا كان الاتّحاد في الوجود غير ثابت، فلا يصحّ الحمل على أيّ حال.
وهذا الكلام ينحلّ إلى أمرين:
الأمر الأوّل: إنَّ هذا المفهوم الوحداني إذا كان مغايراً مع الذات فلا يمكن تصحيح حمله عليها بمجرّد اعتبار اللابشرطية.
وهذا الكلام صحيح؛ فإنَّ الحمل الحقيقي مرجعه إلى الهوهويّة، وهي فرع
ــــــــــ[227]ــــــــــ
(1) انظر: الفصول الغروية: 62، محاضرات في أصول الفقه 1: 325.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الاتّحاد والعينيّة بينهما. ومجرّد اعتبار هذا (لا بشرط) من ناحية الحمل على ذاك لا يبرّر الحمل، فلو اعتبرنا الحجر (لا بشرط) من ناحية الحمل على الإنسان فإنَّ ذلك لا يصحّح حمله عليه.
الأمر الثاني: إنَّه مع فرض الاتّحاد في الوجود بينهما لا يمكن إبطال الحمل بالاعتبار.
وهذا الأمر قابلٌ للمناقشة في المقام؛ فإنَّ أخذ هذا المفهوم (بشرط لا) من ناحية الحمل قد يكون بنفسه مانعاً تعبّديّاً عن عقد قضيّةٍ حمليّة، بأن يقال: زيدٌ علم، وإن كان العلم متّحداً مع ذات زيد.
وتوضيح ذلك: إنَّ (بشرط لا) من ناحية الحمل مرجعه إلى أخذ عدم الحمل قيداً، وهو يُتصوّر على وجهين:
أحدهما: أن يكون المراد هو أخذ عدم واقع الحمل خارجاً قيداً، ويكون قيداً للعلقة الوضعيّة؛ بناءً على ما سبق في بحث الحروف من أنَّ صاحب الكفاية والمشهور(1) تصوّروا إمكان تقييد العلقة الوضعيّة. فالواضع قيّد الوضع بما إذا لم يكن المبدأ محمولاً على الذات، ومعه لا يصحّ الحمل؛ لأنَّه في ظرف الحمل لا وجود للعلقة الوضعية؛ لأنَّها مشروطةٌ بعدم زمان الحمل، والمشروط عدمٌ عند عدم شرطه، فكلمة (العلم) في ظرف الحمل تكون مهملةً، فلا يمكن أن نقول: (زيدٌ علم) وإن فرض أنَّ العلم متّحدٌ مع زيد.
ثانيهما: أن يكون المراد هو أخذ عدم الحمل بما هو مفهومٌ تصوّريّ قيداً في
ــــــــــ[228]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول 12، 13، محاضرات في أصول الفقه 1: 10.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
المعنى الموضوع له: (بشرط لا) في العلقة الوضعيّة، فكلمة (علم) موضوعةٌ للحدث الذي لا يحمل، أي: الحصّة الخاصّة من العلم، وحينئذٍ -فأيضاً- يتعذّر حمله على الذات؛ لأنَّ حمله على الذات يكون خلفاً، يعني: لا يكون مصداقاً لهذا المفهوم؛ فإنَّ مفهوم الحدث الذي لا يحمل إن طبّقناه على حدثٍ يُحمل على الذات بالفعل فهو خلفٌ، ولا يكون مصداقاً له، وإن طبّقناه على حدثٍ لا يُحمل على الذات فهو معنى عدم الحمل.
فاتّضح أنَّ عدم صحّة الحمل يمكن التوصّل إليه بالتصرفّات الاعتباريّة رغم كونه متّحداً في الوجود مع الذات.
وعليه، فالأمر الثاني غير تامّ، بخلاف الأمر الأوّل فإنَّه تامّ.
فإن أراد المحقّق الدواني وأمثاله(1) تصحيح حمل (عالم) على الذات بأخذه (لا بشرط) من ناحية الحمل، وتخيّلوا أنَّ مجرّد أخذ المغاير (لا بشرط) للحمل على مغايره كافياً في ذلك، فهو واضح البطلان.
وهذا التفسير للابشرطية ليس هو مراد أصحاب هذا القول كما صرّحوا به وإن فهمه الأصوليّون منهم.
وهو مراد أصحاب هذا القول على ما هو ظاهر كلماتهم كالمحقّق الدواني(2)
ــــــــــ[229]ــــــــــ
(1) كفاية الأصول: 55، مقالات الأصول 1: 93.
(2) انظر: مجموعة مصنّفات علي المدرّس الطهراني (رسالة في مباحث الحمل) 2: 205، نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 132.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
والمحقّق النائيني(1)؛ حيث قالوا: إنَّ مفهوم المشتقّ والمصدر مفهومٌ وحدانيٌّ محفوظٌ، ويطرأ عليه (بشرط لائيّة) في المصدر و(اللابشرطيّة) في المشتقّ، ولكنهما ليسا بلحاظ نفس الحمل، بل بلحاظ خصوصية قبل الحمل، يترتّب عليها جواز الحمل وعدمه.
وهنا نسأل عن ذلك المطلب الأسبق ما هو؟
أوضح المحقّق النائيني ذلك وقال: بأنَّ الحدث عرضٌ، والعرض له وجودٌ في نفسه، وهذا الوجود في نفسه هو وجودٌ لموضوعه. فالعلم له وجودٌ في نفسه مضافٌ إلى العلم، فيقال: (هذا وجود العلم)، وله وجودٌ لموضوعه، يعني: قيامه به، وليس هذان وجودين للعرض وهو (العلم)، فإنّ له وجوداً واحداً، هذا الوجود الواحد له حيثيّتان، حيث نستطيع أن نضيفه إلى ماهية العرض، فنقول: (إنَّه وجودٌ للعلم) كما أنَّ عين هذا الوجود يمكن أن نضيفه إلى الموضوع، ويكون طوراً من أطواره ومظهراً من مظاهر الذات. والأوّل عين الثاني. حال ذلك حال الصورة في المرآة، فإنّ وجود المرآة وجودٌ للمرآة نفسها، وهو وجودٌ للصورة المنعكسة فيها.
وحينئذ فإن فرضنا أنّنا لاحظنا هذا الوجود بمقتضى طبعه، من دون أن نعمل فيه عنايةً، فحينئذٍ نرى أنَّه يصحّ حمله على الذات؛ لأنه وجودٌ للموضوع وطورٌ من أطواره.
وإن أعملنا عنايةً وفكًكنا بين وجوده لنفسه ووجوده لموضوعه، والتفتنا إلى
ــــــــــ[230]ــــــــــ
(1) انظر: اجود التقريرات 1: 73، وفوائد الأصول (النائيني) 1: 117.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وجوده في نفسه فقط، فحينئذٍ تحصل المغايرة بين العرض والموضوع، فلا يصحّ الحمل عليه. والأوّل هو معنى اللابشرطيّة. والثاني هو معنى البشرط لائيّة.
وكذلك الحال في الصورة في المرآة؛ إذ يصحّ أن نقول: هذه صورة إنسانٍ، كما يصحّ أن نقول: إنَّ هذه مرآةٌ.
هذا ما أفاده المحقّق النائيني.
الاعتراضات على التفسير الثاني
وقد اعترض على ذلك بعدّة اعتراضات(1):
الاعتراض الأوّل
وحاصله: أنه كيف يتعقّل تصوّر مفهومٍ وحدانيّ يكون بلحاظٍ قابلاً للحمل على الذات وبلحاظٍ آخر غير قابلٍ للحمل، مع وحدته ذاتاً؟! فإنَّ هذا المفهوم الوحداني إمّا أن يكون وجوده واقعاً عين وجود الذات، وحينئذٍ يصحّ حمله على الذات متى ما تصوّرناه، وإمّا أن يكون وجود مغايراً لوجود الذات، وحينئذٍ فلا يصحّ حمله على الإطلاق مهما تصوّرناه.
وعليه، فلا يعقل التحفّظ على مفهومٍ وحدانيّ، بأن نقول: إنَّه بلحاظٍ يقبل الحمل، وبلحاظٍ لا يقبله، بل يجب أن نلتزم بأنَّ ما يقبل الحمل مفهومٌ وما لا يقبله مفهومٌ آخر، فهما مفهومان متغايران ذاتاً. ومن هنا التزموا بأنَّ مفهوم المشتقّ مغايرٌ ذاتاً مع مفهوم المصدر، وقالوا: إنَّ مفهوم المصدر هو الحدث،
ــــــــــ[231]ــــــــــ
(1) انظر: اجود التقريرات 1: 74، ومحاضرات في أصول الفقه 1: 278-280.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهو مغايرٌ للذات مفهوماً، وإنَّ المشتقّ أُخذ فيه (الشيء)، ومن هنا صحّ حمله على الذات.
وهذا الاعتراض لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ أصحابه مضطرّون للاعتراف بإمكان تصوير مفهومٍ واحدٍ محفوظٍ في الحالتين، ولكن يصحّ حمله بلحاظٍ ولا يصحّ بلحاظٍ آخر.
وحينئذٍ ننقل الكلام من المشتقّات ومصادرها الحقيقيّة إلى المشتقّات ومصادرها الجعليّة، فنأتي إلى مفهوم (شيء) الذي أدخلوه في المشتقّ وبه صحّحوا الحمل، فنقول: بأنَّ (شيء) مشتقٌّ بنفسه، له مصدرٌ جعليٌّ، وهو الشيئيّة، وذاتٌ وذاتيّةٌ وإنسانٌ وإنسانيّةٌ. ولا إشكال أنَّ (شيء) يحمل على (زيد)، لكنْ الشيئيّة لا تحمل على (زيد). إذن، فأحدهما يصحّ حمله على الذات وهو (شيء)، والآخر لا يصحّ حمله وهو (الشيئيّة). وحينئذٍ نسأل أصحاب هذا الاعتراض: أنَّ (شيء) و(شيئيّة) هل يحتفظان بمفهومٍ واحد، أو أنَّ (الشيء) طُعّم بمفهومٍ وراء (الشيئيّة)؟ فإن قلتم: إنّهما كـ(عالم) و(علم)، فقد طعّم (شيء) بمعنىً آخر، وحينئذٍ نسأل: ما هو هذا المعنى الزائد، فهل هو نفس مفهوم الشيء؟! وحينها يكون معنى الشيء (شيء له الشيئية)(1). فلا بدَّ أن يفرض أنَّه مفهومٌ أعمّ من الشيء ليطعَّم به، وما هو أعمّ من الشيء غير متصوّر. ومعه يثبت أنَّ (شيء) و(شيئيّة) لهما مفهومٌ وحدانيّ، ولكن يصحّ حمله بلحاظٍ ولا يصحّ حمله بلحاظٍ آخر.
ــــــــــ[232]ــــــــــ
() هذا غير معقول؛ لأنَّه يلزم منه أخذ العرض في موضوع نفسه. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وفي المقام أيضاً يمكن أن يقال: إنَّ (علم) و(عالم) شيءٌ واحدٌ، يعني: لهما مفهومٌ واحدٌ محفوظٌ فيهما، ولكنّه تارةً يلحظ بنحو ملاحظتنا لـ(شيء) فيصحّ حمله، وأخرى يلحظ بنحو ملاحظتنا لـ(شيئيّة) فلا يصحّ حمله.
وتحليل ذلك بعد إقامة البرهان عليه: أنَّه قد يفرض أنَّ مفهومين موجودان بوجودٍ واحدٍ كالعلم والذات، ولكنّ هذا الوجود الوحداني الذي هو وجودٌ لكلا المفهومين (زيد) و(علم) يمكن تحليله بحسب عالم التحليل إلى جزئين، فتكون حصّةٌ من هذا الوجود مظهراً لهذه الماهية وهي (زيدٌ) وحصّةٌ أُخرى منه مظهراً للماهيّة الأخرى وهي (العلم) أو (البياض). وهذا تحليلٌ لا واقع له في الخارج، كما هو الحال في تحليل الماهيّة إلى الجنس والفصل بالنسبة إلى النوع.
فهذا الوجود الواحد الذي ظهرت به كلتا الماهيّتين بالمنظار التحليلي يمكن أن يكون شيئين. وحينئذٍ ففي مقام حمل مفهوم العلم على الذات:
إن نظرنا إلى عالم الخارج الذي هو عالم وحدة المفهومين وجوداً فنقول: (زيدٌ عالمٌ)، و(عالمٌ) هو عبارةٌ عن العلم المنظور إليه بحسب طبعه الخارجي.
وأخرى ننظر إلى صقع التحليل التجزيئي فنرى المغايرة في الوجود، فلا يصحّ حمل أحدهما على الآخر. فكلمة (علم) موضوعةٌ عند الميرزا للحدث الذي له حصّةٌ في عالم التحليل، ومن هنا قال: إنَّ هذا يحتاج إلى عنايةٍ ليلحظ (بشرط لا) من حيث الحمل، بخلاف كلمة (عالم) فإنَّها موضوعةٌ لنفس الحدث، ولكن بحسب الطبع الخارجي وجود الحدث في نفسه هو عين وجوده لموضوعه.
ــــــــــ[233]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
إذن، هذا أمرٌ معقولٌ، ولابدَّ من الالتزام به في (شيء) و(شيئيّة) بالبرهان، وأنَّ هناك مفهوماً واحداً محفوظاً، تارةً يلحظ بنحوٍ يصحّ حمله وأخرى بنحوٍ لا يصحّ حمله.
الاعتراض الثاني
إنَّ كلام المحقّق النائيني من أنَّ وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه إن صحّ فإنّما يصحّ في الأعراض الحقيقيّة كالعلم والقدرة والبياض والسواد، ولا يصحّ في الاعراض الانتزاعيّة كالزوجيّة والإنسان والوجود؛ فإنَّ المفاهيم الانتزاعية ليس لها وجودٌ في الخارج حتّى يقال: إنَّ وجودها في نفسها عين وجودها لموضوعها.
وهذا الاعتراض لو تمّ لكان هدماً لمبنى المستشكلين أنفسهم؛ لأنّهم بإبطالهم لكلام الميرزا يريدون أن يقولوا: إنَّ مفهوم المشتقّ ليس متّحداً مع مفهوم المصدر، بل هما مفهومان متباينان؛ ولذا صحّ حمل أحدهما دون الآخر. وحينئذٍ نسأل: أنَّه كيف صحّ حمل مفهوم (عالم) على الذات؟ وجوابهم هو: أنَّه أُخذ فيه مفهوم (شيء). فنقول: إنَّ (شيء) بنفسه مفهومٌ انتزاعيّ، فإذا لم نتصوّر نحواً من الاتّحاد بين المفاهيم الانتزاعية ومناشئ انتزاعها، فكيف صحّ حمل سائر الأعراض بإدخال مفهوم (شيء) الذي هو مفهومٌ انتزاعيّ؟!
فإن اعترفتم بالوحدة بينهما بنحوٍ من الاتّحاد المناسب فقد ارتفع إشكالكم؛ فكما أنَّ العرض الحقيقي وجوده عين موضوعه وجوداً فكذلك العرض الانتزاعي له.
ــــــــــ[234]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وإن أنكرتم هذا المطلب، فمعناه أنَّ مفهوم (شيء) الذي صحّحتم به حمل سائر المصادر على الذات لا يصحّ حمله؛ لأنَّه عنوانٌ انتزاعيٌّ. فإذا لم تكن وحدة بين المفاهيم الانتزاعيّة ومناشئ انتزاعها فكيف يصحّ الحمل؟!
الاعتراض الثالث
وهو أنَّه لو سلّمنا أنَّ العرض حينما يقاس إلى موضوعه يكون وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه، فيصحّ حمله عليه، ويراد بالأبيض نفس البياض بما هو طورٌ من أطواره. فإنَّ ذلك لا يسري إلى أسماء المكان والزمان.
وتوضيحه: إنَّ المشتقّ تارةً يحمل على ذاتٍ نسبتها إلى الحدث نسبة الموضوع إلى عرضه، فيقال: (زيدٌ عالم) و(الحائط أبيض)، وأخرى يحمل على ذاتٍ نسبتها إلى الحدث نسبة المظروف إلى ظرفه الزماني والمكاني، فنقول: (كربلاء مقتل الحسين) أو (يوم عاشوراء مقتله)، فنسبة القتل إلى المكان والزمان ليست كنسبة العرض إلى موضوعه، فما ادّعي في كلمات المحقّق النائيني من أنَّ الحدث بما هو عرضٌ يكون وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه فيصحّ حمله عليه، لو تمّ فإنّما يتمّ في مثل (زيد عالم) و(الحائط أبيض)، ولا يتمّ في أسماء الزمان والمكان، فكيف صحّ حملها؟! فلابدَّ من الالتزام بأنَّ (مقتل) يختلف مفهوماً عن (قتل) وإلاّ لما صحّ حمله على الزمان والمكان، بل يلتزم بأنَّه مطعّمٌ بمفهومٍ زائدٍ هو مفهوم (شيء)، يعني: شيءٌ له ظرفية القتل زماناً أو مكاناً، فيثبت أنَّ مفهوم المشتقّ مغايرٌ لمفهوم المصدر.
وهذا أيضاً قابلٌ للدفع من قبل المحقّق النائيني بأن يدّعي دعوى إضافيّة:
ــــــــــ[235]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهي أنَّ المبدأ في (مقتل) ليس هو ذات القتل، بل هو محلّيّة القتل.
وتوضيح ذلك: أنَّه اختار جماعةٌ من المحقّقين -كصاحب الكفاية(1) وهؤلاء المستشكلين-: أنَّ جملةً من المشتقًات قد طُعّم مبدؤها بالحرفة والصناعة كـ(صائغ)، ومن هنا يصحّ إطلاقها على المحترف وإن لم يكن مشغولاً بعمل الصاغة، ويكون استعمالاً في المتلبّس بالمبدأ لا في المنقضي.
ونفس تلك المؤونة يمكن أن تدّعى في أسماء الأزمنة والأمكنة، بأن يقال: إنَّ (مقتل) عين المبدأ وهو القتل. ولكنّ القتل لم يُرد به نفس عمليّة القتل بل ظرفيّة القتل ومحلّيّته، في مقابل الحرفة هناك. ومن الواضح أنَّ المحلّيّة أمرٌ قائمٌ بالمكان والزمان، ونسبتها إليها نسبة العرض إلى موضوعه، وإن لم يكن القتل من عوارض الزمان والمكان. وحينئذٍ ينطبق عليه: أنَّ هذه الوعائيّة وجودها في نفسها عين وجودها لموضوعها، فيصحّ حملها على الذات، فيقال: هذا الزمان أو المكان مقتل.
فهذا الاعتراض أيضاً ليس بشيء.
الاعتراض الرابع
وهو أوضح الاعتراضات(2): حيث ذكر الميرزا في مقام تفسير حمل المشتقّ على الذات: أنَّ المشتقّ وإن كان هو نفس الحدث، ولكن حيث إنَّ العرض وجوده لنفسه عين وجوده لموضوعه، فإذا لوحظ العرض على مقتضى طبعه صحّ حمله على الموضوع.
ــــــــــ[236]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأصول: 43، منهاج الوصول ألى علم الأصول1: 208.
(2) وأقربها إلى الذهن. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهنا نقول: إنَّ عندنا عبارتين متغايرتين، فتارةً نقول: إنَّ العرض وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه. وأخرى نقول: إنَّ وجوده في نفسه عين وجود موضوعه. فأيّهما تقصدون؟
فإن أردتم الأولى، فمعنى ذلك: أنَّ وجوده في نفسه -هذا الوجود بنفسه -حاضرٌ للموضوع، فهذا الوجود مضافٌ بإضافتين: إضافةٍ إلى ماهيّة البياض وإضافةٍ إلى الموضوع بإضافة العرضيّة؛ باعتبار أنَّه عارضٌ عليه ومرتبطٌ به. فهذا المعنى لا يصحّح الحمل؛ لأنَّ معنى العبارة أنَّ الوجود الذي هو طرف الإضافة إلى ماهية البياض هو عين الوجود الذي هو طرف الإضافة إلى الموضوع، ولكن مع ذلك يحفظ التغاير بين وجود العرض ووجود الموضوع. فكيف يصحّ حمله عليه؟
ومّما يبرهن على ذلك: أنَّ نفس هذه العبارة صادقةٌ في المعلول مع العلّة، فإنَّ المعلول الحقيقي وجوده في نفسه عين وجوده لعلّته الحقيقيّة، بمعنى: أنَّ هناك وجوداً واحداً مضافٌ إلى المعلول وهو حاضرٌ بذاته لعلّته، ولذا قالوا: بإنَّ الوجودات الخارجيّة للمعلولات الربّانيّة هي من مراتب علم الله تعالى بها؛ فإنَّها بنفس وجودها حاضرةٌ لعلّتها، والعلم هو حضور الشيء للشيء الآخر. ومع هذا لا يصحّ توصيف العلّة بالمعلول؛ ولذا اختار صاحب الأسفار(1) عند تعريف (حلول العرض والموضوع): أنَّ العرض ما يكون وجوده في نفسه عين وجوده للموضوع على وجه الاتّصاف والناعتيّة، فقد أضاف هذا القيد ليخرج
ــــــــــ[237]ــــــــــ
(1) انظر: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة 1: 265.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
المعلول مع العلّة؛ فإنَّه يصدق عليه ذلك بدون القيد، والفرق بينهما هو أنَّ المعروض يتّصف بالعرض، والعلّة لا تتّصف بمعلولها.
إذن، فالصيغة الأولى لا تصحّح الحمل.
وإن أردتم الصيغة الثانية، بحيث يُدّعى: أنَّ هناك وجوداً واحداً هو وجودٌ لماهيّة الإنسان ووجودٌ لماهيّة البياض وماهيّة العلم ولسائر الماهيّات العرضيّة، وهذه الماهيّات كلّها تظهر بوجودٍ واحدٍ، ولا برهان على استحالة ظهور مفاهيم متعدّدةٍ بوجودٍ واحدٍ، بل ادُّعي هذا بالنسبة إلى الصور الذهنيّة للأعراض مع النفس، فإنَّها قائمةٌ بالنفس على حدّ قيام الوجودات الخارجيّة للأعراض بموضوعاتها وأنَّها موجودة بمعنى وجود النفس. وحينئذ فلا استنكار لدعوى الميرزا، فإنَّه كما أنَّ الصور الذهنيّة موجودةٌ بعين وجود النفس كذلك الوجودات الخارجية للأعراض، وجوداتها بعين وجود موضوعاتها.
وبناءً عليه فاختلاف أعراض الجسم إنّما يرجع إلى تبدّل حدود الوجود الواحد، لا إلى زوال وجودٍ وحدوث آخر، كما قيل في النفس -بناء على أنَّ الصور الذهنيّة موجودةٌ بعين وجود النفس -فيما لو تصوّر شيئاً ثم تصوّر شيئاً آخر: إنَّه تغيّرٌ في حدود الوجود لا في أصل الوجود.
وما يقال(1) -في الكلمات -من: أنَّ العرض مباينٌ ماهيةً ووجوداً للجوهر؛ لأنَّ وجود العرض وجودٌ رابطيٌ ووجود الجوهر وجودٌ استقلاليّ، إنّما ينفع للخطابة، ولا يوجد عليه برهان من الفلسفة. فإن أدّعى الميرزا العينيّة بهذا
ــــــــــ[238]ــــــــــ
(1) وهو قول المشائين، انظر: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة4: 280.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
المعنى، فنحن عاجزون عن البرهنة على كلامه.
ولكن مع هذا نقول: إنَّه لا إشكال أنَّ الإلهامات العامّيّة للإنسان تفترض المباينة بين وجود العرض ووجود موضوعه، واللغة إنّما هي بنت إنسان الشارع، وحين نتكلّم عن اللغة فلابدَّ أن نتكلّم عن إلهامات الشارع لا عن براهين الفلسفة.
إذن، فلابدَّ من الالتزام بأنَّ (علم) و(عالم) مفهومان متغايران عرفاً؛ إذ لو كان (عالم) عين (علم) لما صحّ حمله على الذات.
والتفسير الثالث للابشرطيّة والبشرط لائيّة هو ما ذكره المحقّق الخراساني
-على ما هو ظاهر عبارته -حيث قال: إنَّ المشتقّ عنوانٌ بسيطٌ منتزعٌ عن الذات بلحاظ تلبّسها بالمبدأ(1).
وتوضيحه: أنَّ اللابشرطيّة والبشرط لائيّة ترجعان إلى تغايرٍ ذاتيّ في المفهوم، فمفهوم المبدأ مغايرٌ سنخاً وذاتاً مع مفهوم المشتقّ؛ لا أنَّ هناك مفهوماً وحدانيّاً يكون محفوظاً في المشتقّ والمصدر فيكون الاختلاف في اللحاظ كما هو الحال في التفسيرين السابقين.
فأخذ الـ(بشرط لا) يعني أخذ المفهوم الذي بطبعه وذاته (بشرط لا)، وأخذ اللابشرط يعني أخذ المفهوم الذي بطبعه وذاته (لا بشرط)؛ فإنَّ أحد المفهومين بطبعه وذاته لا يأبى عن الحمل، وهو معنى اللابشرطيّة، والآخر
ــــــــــ[239]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول 38، 39.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
بذاته يأبى عن الحمل، وهو معنى البشرط لائيّة.
أمّا ما هما هذان المفهومان المتغايران؟
فيقال: إنَّ مفهوم المصدر هو الحدث كالضرب ونحوه ممّا هو مدلول المادّة. وأمّا مدلول المشتقّ فهو عنوانٌ انتزاعيٌّ بسيطٌ، منتزعٌ عن الذات بلحاظ تلبّسها بالمبدأ، وتكون الذات منشأً لانتزاع هذا العنوان، ويكون الحدث مصحّحاً لهذا الانتزاع. وإنّما قيدناه بالبسيط في مقابل القول الآتي-وهو أن يكون مدلول المشتقّ عنواناً انتزاعيّاً مركّباً، بأن يكون مدلوله: شيءٌ له العلم بحيث يجمع بين المبدأ والذات والنسبة بينهما-. فالذات المعروضة للمبدأ بذاتها غير مأخوذةٍ في مدلول المشتقّ ولا الحدث بنفسه ولا النسبة -بناءً على رأي الآخوند(1)– وإنّما اسم الفاعل موضوعٌ لعنوانٍ بسيطٍ منتزعٍ من هذا المركّب الثلاثي.
وبذلك يظهر الفرق السنخي والذاتي بين مفهوم (عالم) ومفهوم (علم)؛ فإنَّ مدلول المصدر هو الحدث، أمّا مدلول اسم الفاعل فهو ما قلناه.
ويظهر من ذلك: أنَّ المبدأ الذي هو مدلول المصدر هو بذاته (بشرط لا)؛ لأنَّ مدلول المصدر هو الحدث، وهو مغايرٌ وجوداً مع الذات، ولذا فهو بطبعه يأبى الحمل على الذات، فلا يصحّ أن يقال: زيدٌ علمٌ. وهذا معنى أخذه (بشرط لا).
وأمّا المشتقّ فمفهومه سنخ مفهومٍ بطبعه لا يأبى الحمل على الذات لأنَّه عنوانٌ منتزعٌ من الذات. إذن فهو متّحدٌ مع الذات؛ لأنَّ العنوان الانتزاعي
ــــــــــ[240]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 38، 39.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
متّحد مع منشأ انتزاعه. وهذا هو معنى اللابشرطيّة.
ثم صار الأخوند في مقام الاستدلال عليه وإبطال القول بالتركيب الذي أشرنا إليه، فاستعرض براهين المحقق الشريف التي سوف تأتي(1).
وهذا التفسير فيه مواقع للنظر:
الموقع الأوّل
إنَّ هذا القول يفترض أنَّ هناك -وراء المركّب الثلاثي من: زيد والعلم ومن النسبة بينهما- عنواناً بسيطاً انتزاعيّاً ننتزعه من زيد بلحاظ علمه، يكون هو مدلول كلمة (عالم). وهذا ممّا لا نتعقّله؛ فإنّنا لو قطعنا النظر عن عالم الألفاظ ونظرنا إلى ذوات المعاني، فلا نجد إلاّ صورة ذاتٍ لها، وليس هناك معنىً يُنتزع في طول ذلك، حيث تكون نسبته إلى الذات المتلبّسة نسبة العنوان الانتزاعي إلى منشأ الانتزاع.
وإنّما حصل ذلك التوهّم باعتبار الألفاظ؛ فكأنَّه توهّم لفظ (عالم) عنواناً بسيطاً منتزعاً في طول المركّب الثلاثي، مع أنّا لو قطعنا النظر عن الألفاظ وتوجّهنا إلى المعاني فلا نجد إلاّ المركّب الثلاثي. وحينئذٍ فإمّا أن نقول: إنَّ المشتقّ موضوعٌ لهذا المركّب الثلاثي، وهو مفاد القول الرابع القائل بالتركيب. وإمّا أن نقول: إنَّ المشتقّ موضوع لمفهومٍ بسيطٍ يتولّد من هذا المركّب، وهذا المفهوم غير موجودٍ في أذهاننا.
ــــــــــ[241]ــــــــــ
(1) انظر الصفحة: 242.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
والبرهان على ذلك: هو أنَّه لو كان قيام المبدأ بالذات يوجب انتزاع عنوانٍ بسيطٍ من الذات بلحاظ تلبٍسها بالمبدأ للزم التسلسل في الأمور الانتزاعيٍة؛ لأنَّ هذا العنوان البسيط المنتزع حدثٌ من الأحداث ومبدأٌ من المبادئ، غاية الأمر أنَّه من المبادئ الانتزاعيّة، فيلزم من ذلك أنَّ العقل ينتزع مفهوماً ثالثاً -في طول ذلك- من الذات بلحاظ تلبّسها بهذا العنوان البسيط، فننقل الكلام إليه حتّى يتسلسل.
فإن قلنا: إنَّ التسلسل في الأمور الانتزاعيّة محال. فهذا محال(1).
وإن قلنا: إنَّه ليس بمحال. فهذا خلاف الوجدان؛ لأنَّ الوجدان قاضٍ بأنَّ العقل عاجزٌ عن انتزاع مفاهيم غير متناهيةٍ عند ملاحظة الذات. وهذا منبّهٌ على أنَّه لا يوجد مفهومٌ انتزاعيٌ وراء المركّب الثلاثي، وإن خيّل له ذلك باعتبار لفظ (عالم) مع أنَّه يدلّ على أمرٍ غير ما يدلّ عليه لفظ (زيد) ولفظ (علم).
الموقع الثاني
وهو أنَّ إشكالات المحقّق الشريف الآتية لو كان لها محصّلٌ، وكانت تبرهن على عدم أخذ الذات في المشتقّ، فهي تبرهن أيضاً على عدم أخذ عنوانٍ بسيطٍ منتزعٍ عن الذات في المشتقّ؛ لأنَّه عنوانٌ في طول الذات ومتقوّمٌ بها، فأخذه مقوّماً للمشتقّ مساوقٌ لأخذ الذات مقوّماً له بالتبع. فنفس الإشكالات تكون واردةً(2).
ــــــــــ[242]ــــــــــ
() ولا يكون هناك مفهومٌ بسيطٌ منتزعٌ ليكون هو مدلول المشتقّ. (المُقرِّر).
(2) وكان صاحب الكفاية لا يرى بورود إشكالات المحقق الشريف على مختاره. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الموقع الثالث
هو أنَّ الكلام عن هذا العنوان البسيط بعد فرض وجوده، وحينئذٍ نقول: إنَّ صاحب هذا القول فرض أنَّه مدلول المشتقّ، وأنَّه لا يأبى عن الحمل بذاته على (زيد). فكيف صحّ حمله مع أنَّ مناط صحّة الحمل هو الاتّحاد في الوجود؟! وحينئذٍ:
فإمّا أن يكون هذا العنوان البسيط متّحداً وجوداً مع (زيد)؛ لأنَّه أمرٌ انتزاعيٌّ، والأمر الانتزاعي متّحدٌ وجوداً مع منشأ انتزاعه.
وإمّا أن تعترفوا بأنَّ الأمور الانتزاعيّة مغايرةٌ وجوداً مع مناشئ انتزاعها.
فإن قلتم بالأوّل، لزم من ذلك صحّة حمل مبادئ المشتقّات على الذات، بمصادرها لا بمشتقّاتها. فنقول: (الإنسان إمكان) و(الأربعة زوجيّة)؛ لأنَّ الإمكان منتزعٌ عن الإنسان والزوجيّة منتزعةٌ عن الأربعة؛ إذ لو كانت لا تأبى عن الحمل، فلماذا لم يصحّ حملها.
وإن اخترتم الثاني، فكيف صحّ حمل العنوان البسيط على الذات؟! وعليه، فلابدَّ لكم من إبراز ما هو ملاك الحمل، لكي يصحّ حمل هذا العنوان البسيط دون سائر المبادئ الانتزاعيّة في المصادر.
إذن، فمجرّد كون المشتقّ مفهوماً انتزاعيّاً، لا يكفي في صحّة الحمل.
من خلال البيان المتقدم اتّضحت وجوه المناقشة في القول الثاني من الأقوال الأربعة. كما اتّضحت وجوه المناقشة في التفسيرات الثلاثة للقول الأوّل، لأنَّ التفسير الثالث هو عين القول الثاني.
ــــــــــ[243]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
المتمثّل بأنَّ المشتقّ بمادّته موضوعٌ للحدث وبهيئته موضوعٌ للنسبة وحدها من دون أخذ الذات فيه. وهو ظاهر كلمات المحقّق العراقي على ما في تقريرات بحثه(1).
وحاصل دليله هو الاستقراء؛ فإنَّ من يستقرئ الهيئات في اللغة يجدها موضوعةً لمعانٍ حرفيّة، لا لمعانٍ اسميّة، فيثبت بذلك أنَّ هيئة (عالم) غير موضوعةٍ للذات، وإلاّ كانت معنىً اسميًاً. إذن، فلابدَّ أن تكون موضوعة للنسبة، والذات غير دخيلةٍ: لا في مدلول الهيئة ولا في مدلول المادّة.
وهذا الكلام يواجه الصعوبة الأساسية، وهي أنَّه -بناءً على ذلك- كيف يتصوّر تصحيح الحمل، مع أنَّ العلم لا يصحّ حمله على زيد، فإذا لم نأخذ الذات فكيف نقول: زيدٌ عالمٌ، أو زيدٌ ضاحكٌ، أو الضاحك عالمٌ؛ فإنّنا لا نريد بذلك: أنَّ الضحك علمٌ. بل نريد أنَّ الذات المتّصفة بالضحك متّصفةٌ بالعلم.
هذه المشكلة تعرّض لها المحقّق العراقي نفسه، ثُمَّ صار في مقام الجواب عنها -بنحوٍ من الاضطراب-.
ويتلخّص من التقريرات جوابان:
الجواب الأوّل: أنَّ الذات وإن لم تكن مأخوذةً في مدلول هيئة (عالم) ولا في مدلول هيئة (ضاحك)، ولكنّها مدلولٌ عليها بالدلالة الالتزاميّة؛ لأنَّها تدلّ
ــــــــــ[244]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار 1: 143، 144، مقالات الأصول 1: 190-192.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
بالمطابقة على النسبة، وحيث إنَّ النسبة ملازمةٌ مع طرفيها، فتكون هيئة المشتقّ دالّةً بالالتزام على الذات أيضاً. وهذا يكفي لتصحيح الحمل.
وهذا البيان لا يمكن المساعدة عليه:
أوّلاً: إنَّه من الواضح أنَّ الحمل في قولنا: (العالم ضاحك) إنّما هو بلحاظ المدلول المطابقي للكلمة لا بلحاظ المدلول الالتزامي، وإلاّ لجرى الكلام نفسه في المصدر، بناءً على مختاره وغيره من المحقّقين من أنَّ النسبة الناقصة التقييديّة مأخوذةٌ في هيئة المصدر؛ إذ تكون لها دلالةٌ التزاميّةٌ على الذات؛ لأنَّ النسبة لا تقوم إلاّ بطرفيها، ولصحّ قولنا: (العلم ضحك) مع أنَّه ليس بصحيح بلا إشكال.
ثانياً: إنَّ هيئة المشتقّ وإن سلّمنا أنَّها تدلّ بالالتزام على تصوّر الذات، ولكنها هل تدلّ على ذلك بنحوٍ تكون هي المقيّد أو بنحوٍ تكون هي القيد؛ فإنّنا مرّةً نتصوّر ذاتاً مقيدةً بالعلم أو لها العلم، وأخرى نتصوّر ضرباً أو علماً مستنداً إلى الذات.
وصحّة الحمل موقوفةٌ على تصوّر الذات في الموضوع والمحمول في (العالم ضاحك) بنحو المقيّد لا بنحو القيد، أي: ذاتٌ لها العلم وذاتٌ لها الضحك؛ ليرجع قولنا إلى معنى: (أنَّ ذاتاً لها العلم هي ذاتٌ لها الضحك).
وأمّا إذا أخذ النحو الثاني فإنَّه يرجع إلى قولنا: (علم ذات هو ضحك ذات).
والدلالة الالتزاميّة على تقدير ثبوتها لا تعطينا الصورة الأولى؛ لأنَّ ملاك الدلالة الالتزاميّة في (عالم) إنّما هو دعوى أنَّ النسبة لا يمكن تعقّلها بلا طرفين،
ــــــــــ[245]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
فلابدَّ عند تعقّل النسبة من تعقّل طرفيها. لكن هذا إنّما يكون بنحوين: (ذاتٌ لها العلم) أو (علمٌ له ذات). وكلاهما معقول. فالتصوّر الأوّل لا يمكن أن يتحصّل من الدلالة الالتزامية.
فالجواب الأوّل من المحقّق العراقي على المشكلة غير صحيح.
الجواب الثاني: دعوى أنَّ النسبة التي هي مدلول هيئة المشتقّ لو كانت نسبةً من قبيل النسبة الحلوليًة والصدوريًة لاستدعت المغايرة بين المبدأ والذات؛ لأنَّها مساوقة لكونهما شيئين متغايرين تقوم بينهما نسبة الحلول أو الصدور. فلو كانت إحدى النسبتين موجودةً بين (العلم) و(زيد) لاستعصى الحمل؛ لأنَّ ذلك مساوقٌ لملاحظتهما شيئين متغايرين، فلا يعقل حمل أحدهما على الآخر.
ولكنّ النسبة المأخوذة في المشتقّ هي النسبة الاتّحادية؛ فإنَّ النسبة بين (علم) و(زيد) تارةً يعبَّر عنها بمعنىً اسميّ، فيقال: اتّحاد، وأخرى بنحو النسبة الاتّحاديّة، وكذلك الظرفيّة تارةً يعبَّر عنها بنحوٍ اسميّ، فيقال: ظرفية، وأُخرى بنحوٍ حرفيّ، فيقال: العصفور في الحديقة. فهيئة (عالم) موضوعةٌ للاتّحاد بين المبدأ وزيد.
وهذا الكلام لا يتحصَّل لنا منه معنى؛ لأنَّ صحّة الحمل لا يكفي فيها وجود دالّ في الكلام على الاتّحاد بنحو المعنى الحرفيّ أو المعنى الاسميّ؛ فإنَّ حمل المبدأ على الذات فرع الاتّحاد الحقيقي لا فرع وجود دالّ على الاتّحاد؛ لأنَّ الدالّ على الاتّحاد لا يصيرهما متّحدين حقيقةً، وما هو مناط الحمل هو اتّحادهما حقيقةً ووجوداً، فكون مدلول هيئة المشتقّ عبارةً عن النسبة الاتّحاديّة لا ينفع شيئاً
ــــــــــ[246]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
سوى جعل الاتّحاد مدلولاً للكلام، بينما صحّة الحمل ليس ملاكه ذلك، بل وجود الاتّحاد حقيقةً بين الموضوع والمحمول، فإن كان الاتّحاد متحقّقاً فالحمل صحيح، سواءٌ وجد دالّ على الاتّحاد أو لا، وإن كان الاتّحاد غير ثابتٍ والمغايرة متحقّقةً وجوداً فالحمل غير صحيح، سواءٌ وجد دالّ على الاتّحاد أو لا.
إذن، فمشكلة عدم صحّة الحمل على هذا القول واردة.
و يردُ على هذا القول ما نقلناه عن المحقّق النائيني في مقام الإشكال على أخذ النسبة في مدلول المشتقّ عند التكلم في الوجه الثالث؛ حيث أشكل بدعوى: أنَّ أخذ النسبة من دون الذات في هيئة المشتقّ يلزم تقوّمها بطرفٍ واحدٍ وهو الحدث، مع أنَّ النسبة لا يعقل تقوّمها بطرفٍ واحدٍ. وقد أصلحنا هذا الكلام سابقاً(1) وقلنا: إنَّه لا ينبغي أن يراد به: أنَّ النسبة بواقعها متقوّمة بطرفين، بل ينبغي أن يراد به: أنَّ النسبة في مرحلة مدلوليٍتها في الكلام يجب أن تكون متقوّمةً بطرفين وإلاّ كان الكلام ناقصاً.
فلو كان المشتقّ بمادّته يدلّ على الحدث وبهيئته يدلّ على النسبة للزم كون (ضارب) ناقصاً؛ لأنّ النسبة حينئذٍ تكون متقوّمةً بطرفٍ واحدٍ في الكلام؛ إذ لا دالّ على الذات، فيلزم منه نقصان الكلام، وهو خلاف الوجدان؛ فإنَّ حال (ضارب) لا يحتاج إلى متمّم لنقصانه.
إذن، فهذا القول لا محصّل له.
ــــــــــ[247]ــــــــــ
(1) راجع: ص225.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهو المتمثل بأنَّ مدلول المشتقّ هو النسبة مع الذات، أي: (عالم) موضوعة لشيء له العلم، وهو القول بتركب المفهوم الاشتقاقي في مقابل القائلين بالبساطة. ويقع الكلام في مقامين:
المقام الأوّل: في ما يدّعى برهاناً على هذا القول.
المقام الثاني: فيما يدّعى برهاناً على نقض هذا القول.
وحاصل برهان أصحاب هذا القول هو: أنَّ المشتقّات يجب أن يكون لها مفهومٌ مغايرٌ لمفهوم المصدر، ولا يعقل اتّحادهما؛ لأنَّ (علم) لا يصحّ حمله على الذات، وهو برهان المغايرة، و(عالم) يصحّ حمله وهو برهان الاتحاد. فالمغاير غير المتّحد؛ وإلاّ لما صحّ حمله تارةً ولم يصحّ أخرى. فلابدَّ من الالتزام بالمغايرة الذاتيّة بين المفهومين بأن يقال: إنَّ المصدر موضوعٌ للحدث وهو غير الذات، والمشتقّ موضوعٌ لشيء له الحدث، وهذا الشيء هو عين زيد.
وهذا البيان اندفع بما ذكرناه(1) في تفسير المحقّق النائيني للابشرطيّة والبشرط لائيّة؛ إذ بينّا هناك أنَّه يمكن انحفاظ مفهومٍ واحدٍ، يطرأ عليه لحاظان واعتباران، بأحدهما يصّح حمله، وبالآخر لا يصحّ حمله. ومثّلنا له بمثال: الشيء والشيئيّة؛ فإنَّ الشيء لا يزيد على الشيئيّة بشيءٍ أصلاً، مع أنَّ (شيء) يصحّ حمله على زيد بخلاف الشيئيّة. كما بيّنا هناك: أنَّ الاعتبارين هما النظر الجمعي والنظر
ــــــــــ[248]ــــــــــ
(1) راجع: ص224.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
التحليلي؛ فإن لوحظ بالنظر الجمعي صحّ حمله، وإن لوحظ بالنظر التحليلي فتكون المغايرة ثابتة ولا يصحّ الحمل.
والتحقيق هو: أنّنا إن تكلّمنا بمنظار الدقّة والواقع فقد لا يكون هذا البرهان تامّاً في شيءٍ من المشتقّات أصلاً؛ لأنَّ المشتقّات المحمولة عل الذوات يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
الأوّل: ما يكون مبدؤه أمراً ذاتيّاً بمعنى الذاتي في كتاب الكليّات كـ(زيد إنسان) فإنَّ الإنسانيّة التي هي المصدر الجعلي لإنسان ذاتيٌّ لـ(زيد) لأنَّها نوعٌ له.
الثاني: ما يكون مبدؤه ذاتيّاً بمعنى الذاتي في كتاب البرهان، أي: إنَّه أمرٌ لازمٌ للذات، ويكفي نفس وضع الذاتي لانتزاعه منها بلا ملاحظة أمرٍ خارجيّ، كـ(زيد شيء).
الثالث: أن يكون المصدر أمراً عرضيّاً، والمراد به: ما يحتاج إلى ملاحظة أمرٍ خارجيّ كالبياض والعلم في قولنا: زيدٌ عالم أو أبيض.
فلو نظرنا بمنظار الدقّة نرى: أنَّه لا إشكال في أنَّ وجود المبدأ في القسم الأوّل هو عين وجود الذات، كما أنَّ المبدأ في القسم الثاني كذلك أيضاً؛ فإنَّ وجوده بعين وجود منشأ انتزاعه وهو الذات. وأمّا القسم الثالث فقد بينّا -فيما سبق(1) -أنَّه لا برهان فلسفيّ على أنَّ الأعراض الحقيقيّة وغيرها مغايرةٌ للذات. فلعلّ كلّ هذه المبادئ عين الذات وليست مغايرةً لها، فلماذا نحتاج إلى ضمّ
ــــــــــ[249]ــــــــــ
(1) راجع الصفحة: 224.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
مفهومٍ زائدٍ لتصحيح الحمل؛ فإنَّ الحمل متوقّفٌ على الاتّحاد، وفي المقام لا برهان على المغايرة.
ولكنّا قلنا: إنَّه بالنظر العرفي النظري لا إشكال في أنَّ الأعراض الحقيقيّة من مبادئ القسم الثالث كـ(العلم) و(البياض) مغايرةٌ وجوداً مع وجود الذات، وحيث إنَّ اللغة بنت العرف والفطرة وليست بنت الفلسفة والدقّة فلابدَّ من الاعتراف بالنظرة العرفيّة والالتزام بالمغايرة؛ ولهذا يُحتاج لتصحيح حملها على الذات إلى أخذ مفهوم (شيء) ونحوه فيها؛ لأنَّ مفهوم الشيء متّحدٌ مع الذات.
ففي حمل الأعراض الحقيقيّة نحتاج إلى أخذ ما هو ذاتيٌّ في كتاب الكليّات أو في كتاب البرهان، كمفهوم الشيء أو مصداق الشيء كما عبّر المحقّق الشريف، مثل: إنسانٌ له العلم أو شيءٌ له العلم.
ونتيجة ذلك: أنَّ هذا البرهان صحيحٌ على مستوى الإدراك العرفي الفطري وإن كان هذا غير مطّردٍ في القسمين الأوّلين؛ فإنَّه فيهما لا نحتاج إلى ضمّ ضميمة؛ لأنَّ الاتّحاد ثابتٌ حتّى في الإدراك الفطري. وحيث إنَّ المشتقّات في اللغة تكون مبتلاةً بالمبادئ من الأعراض الحقيقيًة فلابدَّ من أخذ مفهوم الشيء أو مصداقه فيها.
هذا تمام الكلام في المقام الأوّل من هذا القول(1).
ــــــــــ[250]ــــــــــ
() قد يقال: إنَّ لازم ذلك هو التفصيل بين المشتقّات والقول بأخذ مفهوم الشيء في بعضها دون البعض الآخر؟!
فأجاب السيّد دام ظله: أنَّ الواضع لو كان يريد أن يضع (ناطق) وضعاً شخصيّاً وكان مؤمناً بنظر المناطقة في كونه ذاتيّاً، فله أن لا يأخذ مفهوم الشيء فيه. ولكنّ وضع الهيئة نوعيٌّ في الحقيقة، وفي هذا الوضع لا يخلو الحال من أن يأخذ مفهوم الشيء أو لا يأخذه، فإن لم يأخذه كان الحمل في المشتقّات من القسم الثالث ممتنعاً. إذن، فيتعيّن أخذه في هذا الوضع النوعي للمشتقّ.
قلت له: بأنَّ هذا يكون في المبادئ الذاتية لغواً؟!
فقال: كلا، فإنَّه لو لم يكن كذلك كان اللازم تعدّد الوضع وهو أشدّ مؤونةً من أخذ مفهوم الشيء في الوضع النوعي، واختيار أخفّ المؤونتين ليس لغواً.
وأمّا المشتقّات المتمحّضة في القسمين الأوّلين كالزوجيّة والإمكان، فالعرف يرى أنَّ المبدأ عين الذات، ويرى إمكان الحمل باعتبار البشرطيّة لا واللابشرط بالمعنى الذي ذكرناه في تفسير كلام الميرزا. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
قد يبرهن على إبطال أخذ الذات في مدلول الهيئة الاشتقاقيّة بالتفصيل عادةً، بافتراض أنَّ أخذ الذات فيه احتمالان:
الاحتمال الأوّل: أن يكون مفهوم الشيء مأخوذاً في مفهوم المشتقّ.
الاحتمال الثاني: أن يكون مصداق الشيء مأخوذاً في مدلول المشتقّ، والمراد به ما هو المعروض للمبدأ حقيقةً، أي: واقع معروض المبدأ، فالمعروض في (ضاحك) حقيقةً هو الإنسان وفي (صاهل) هو الحصان.
وبعد هذا يبرهن على عدم صحّة كلا الاحتمالين.
أمّا الاحتمال الأوّل، فقد برهنا على استحالته ببرهانٍ مأخوذٍ من بعض
ــــــــــ[251]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
كلمات المحقّق الشريف في حاشيته على (شرح المطالع)(1). حيث قيل: إنَّ أخذ مفهوم الشيء في المشتقّ غير معقول؛ لأنَّ المشتق قد يكون فصلاً كالناطق، فلو اُخذ فيه مفهوم الشيء للزم أخذ العرض العامّ في الذاتي وتقوّم الذاتي بالعرض، وهو أمرٌ غير معقول.
وهذه الصيغة ناقشها المحقّق النائيني مع تسليمه بالبرهان، ولكنّه اقترح تبديل صيغة البرهان بصيغةٍ أخرى، فقال: بأنَّ الأفضل أن يُقال: إنَّ دخول مفهوم الشيء في (الناطق) يلزم منه دخول الجنس -لا العرض العامّ- في الفصل(2). وقال: بأنَّ هذا مبنيٌ على أنَّ الشيء ليس مفهوماً عرضياً، بل هو جنس الأجناس تقع تحته كلّ الأجناس العالية والمقولات الممكنة.
فالفرق بينهما مبنيٌ على تحقيق هويّة مفهوم الشيء، فالميرزا يقول: بأنَّه جنس الأجناس وليس عرضاً عامّاً، فيقترح الصيغة الثانية وهي لزوم دخول الجنس في الفصل وتقوّم الفصل بالجنس، وهو أيضاً مستحيلٌ في نفسه. بينما يرى صاحب الصيغة الأولى أنَّ مفهوم الشيء عرضٌ عامّ، فيلزم من دخوله في الناطق تقوّمه بأمرٍ عرضيّ.
فالكلام تارةً يقع في تعديل الميرزا وأخرى في أصل الصيغة.
أمّا التعديل الذي ذكره الميرزا، فهو مبنيٌ على أنَّ (الشيء) هو الجنس العالي الذي تدخل تحته كلّ الأجناس العالية.
ــــــــــ[252]ــــــــــ
(1) انظر: حاشية الشريف على شرح المطالع: 11.
(2) انظر: أجود التقريرات 1: 69 -71، وفوائد الأصول (النائيني) 1: 111-113.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وهذه الدعوى لا ينبغي أن تردّ بما قيل: من أنَّ مفهوم (الشيء) لا يعقل أن يكون جنساً عالياً وإلاّ لزم وجود جنس أعلى من المقولات العشر؛ فإنَّها أجناسٌ عاليةٌ، وكلّها ينطبق عليها مفهوم (الشيء)، فيلزم أن لا تكون أجناساً عاليةً، بل ترجع إلى جنس أعلى منها، بينما تقرّر في محلّه من الحكمة أنَّها أجناسٌ عالية.
فهذا الكلام لا ينبغي أن يقال لمثل الميرزا؛ فإنَّها حوالةٌ على الحكمة المطلوب منها أنَّ المقولات العشر أجناسّ عاليةٌ. وهذا ممّا لم يبرهن عليه في الفلسفة أصلاً وأنَّه يستحيل أن يكون إثنان منها أو أكثر داخلاً تحت جنسٍ أعلى منها كما اعترف به صاحب الأسفار(1).
نعم، حاولوا البرهنة على أنَّ مفهوم العرض ليس جنساً عالياً أو أنَّ مفهوم الوجود ليس جنساً عالياً. ولم يبرهنوا على أنَّه ليس هناك جنسٌ أعلى من هذه المقولات. وترسُّخ هذا التقسيم في الأذهان أدّى إلى توهّم البرهنة عليه.
وما ينبغي الإيراد به على الميرزا هو: أنَّ مفهوم (الشيء) يستحيل أن يكون جنساً عالياً؛ ببرهانٍ يخصّ مفهوم الشيء، وحاصله: أنَّ مفهوم الشيء لو كان جنساً عالياً لاحتاج في صيرورته نوعاً إلى ضمّ فصل إليه. وحينئذٍ ننقل الكلام إلى هذا الفصل فنقول: هل هو (شيءٌ) أو ليس بـ(شيءٍ) من الإشياء؟ فإن قيل: إنَّه ليس بـ(شيء) فهو غير معقول؛ لأنَّه مفهومٌ، وكلّ مفهومٍ شيءٌ لا محالة. فلابدَّ إذن من الاعتراف بأنَّ الفصل الذي ينضمّ إلى جنس الشيء هو (شيءٌ) في نفسه.
ــــــــــ[253]ــــــــــ
(1) انظر: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة 4: 8.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
وحينئذٍ نسأل: إنَّ مفهوم (الشيء) الذي ينطبق عليه هل هو تمام حقيقة الفصل أو جزؤها؟ فإن كان تمام حقيقته يلزم كون الفصل عين الجنس، وهو محال، وإن كان مفهوم (الشيء) جزء حقيقة الفصل، فلا بدَّ(1) من ضمّ فصلٍ إليه لكي يتحدّد، فننقل الكلام إلى فصل الفصل، ونسأل: أنَّه شيءٌ من الأشياء أو لا؟ فإن كان شيئاً وليست الشيئيّة حقيقته بل جزؤها فيحتاج إلى فصل، وهكذا حتّى يتسلسل وتتركّب الماهية من أجزاء لا متناهية. فهذا برهان على استحالة كون الشيء جنساً عالياً.
هذا، مضافاً إلى أنَّ (الشيء) لو كان جنساً عالياً للزم -على أيّ حال- محذور دخول الجنس في الفصل، سواءٌ قلنا بالبساطة أو التركيب؛ لأنَّ (الشيء) إذا كان جنساً عالياً فإنَّه يصدق على أفراده صدقاً ذاتيّاً، فلو كان (الناطق) أمراً بسيطاً وهو المبدأ، فالمبدأ يصدق عليه مفهوم (الشيء) لا محالة. فلو كان صدق (الشيء) على أفراده صدقا ذاتيّاً، للزم محذور دخول الجنس في الفصل.
ولا مُدفع لهذه المغالطة إلاّ بالبرهنة على عدم جنسيّة مفهوم (الشيء) كما برهنّا، وعليه فلا يرد محذور دخول الجنس في الفصل.
وأمّا أصل الصيغة، وهي أنَّه يلزم من أخذ مفهوم الشيء في المشتقّ دخول العرض العامّ في الفصل، فهو مبنيّ على الالتزام بأنَّ كلمة (ناطق) قد اتّخذت فصلاً بما لها من المعنى اللغوي والعرفي، فيلزم دخول العرض العامّ في الفصل.
ــــــــــ[254]ــــــــــ
() يعني: أنَّ الفصل مركّبٌ من (شيءٍ) وزيادة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ولكنّ هذا أوّل الكلام، فمن قال: إنَّ المناطقة اعتبروا كلمة (ناطق) فصلاً بما لها من مدلولٍ عرفيّ؟! بل نقطع بعدمه، فإنَّ جعلها فصلاً لابدَّ فيه من التصرّف في مادّة هذه الكلمة وهو النطق، فإنَّ المراد به عرفاً التكلّم أو الإدراك(1) وكلاهما ليس ذاتيّاً بل هما عرضان. وما هو الفصل هو مبدأ التكلّم ومبدأ الادراك. إذن، فلابدَّ من حمل الناطق على غير معناه العرفي، فإذا كان هذا متوقّفاً على التصرّف في المادّة فلماذا يستبعد التصرّف في الهيئة أيضاً.
ولو سلّم أنّهم لم يتصرّفوا في الهيئة، فغاية ما يلزم هو اشتباه المناطقة في تشخيص المعنى العرفي لـ(ناطق)، حيث خُيّل لهم أنَّ مفهوم (الشيء) غير دخيلٍ فيه. وهذا الاشتباه ليس أمراً عزيزاً؛ فإنَّ تشخيص المعنى اللغوي والعرفي ليس من شأن المناطقة، بل هو شأنٌ من شؤون العرفي واللغوي. فلا يكون فهمهم برهاناً لتشخيص المعنى اللغوي والعرفي.
نعم، هذه الصيغة ترجع إلى محصّل بحسب غرض المحقّق الشريف؛ لأنّهم لم يكونوا بصدد تعيين المفهوم اللغوي لـ(ناطق) وأنَّه اُخذ فيه مفهوم الشيء أو لا. وإنّما كان المحقّق الشريف بصدد التعليق على تعريف (الفكر) وأنَّه ترتيب أمورٍ معلومةٍ لإنتاج أمرٍ مجهولٍ، فنقض عليه بالفصل الذي هو أمرٌ واحدٌ لا أمورٌ متعددة. فأجاب شارح (المطالع)(2): بأنَّ الفصل أيضاً مركّبٌ؛ لأنَّ معناه (شيءٌ له النطق)، فهو أمرٌ متعدّدٌ بحسب الجمع المنطقي أيضاً. فأجاب المحقّق
ــــــــــ[255]ــــــــــ
() مع شيء من المسامحة. (المُقرِّر).
(2) انظر: حاشية الشريف على شرح المطالع: 9.
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الشريف: بأنَّ هذا غير معقول؛ إذ يلزم منه حصول العرض العامّ في الفصل، وهذا غير معقول.
فنظر المحقّق الشريف إلى ذوات المعاني وأنَّ الفصل من حيث هو هل هو أمرٌ واحدٌ أو أمران؟ فيبرهن على أنَّه أمرٌ واحدٌ. وهذا لا ربط له بمدلول كلمة (ناطق)، وأنَّه اُخذ فيها مفهوم (الشيء) أو لا. فإنّه أمرٌ لغويٌّ، وكلام المناطقة فيه ليس بحجّة، حتّى لو أرادوا ذلك.
إذن، فأصل الصيغة -كالتعديل -لا يرجع إلى محصّل.
وهو أن يكون المأخوذ في المشتقّ مصداق الشيء. وقد برهن على استحالته بأنَّه يلزم انقلاب القضيّة الممكنة إلى ضروريّة، فـ(الإنسان كاتبٌ) يكون مرجعها إلى (الإنسان إنسانٌ له الكتابة)، فيصير من حمل الشيء على نفسه، وهو ضروريّ. فتكون هذه القضية ضروريّةً، مع أنَّه لا إشكال في أنَّها قضيّة ممكنة.
وهذا المقدار من البيان أجيب عنه حلاً بأنَّ حمل الإنسان على الإطلاق ضروريٌّ كقولنا: الإنسان إنسان. لكنّ هذا (الإنسان) المأخوذ في (كاتب) لم يؤخذ على إطلاقه، بل اُخذ مقيّداً بقيد الكتابة، وهو ليس قيداً ضروريّاً، والمقيد بغير الضروري غير ضروريّ لا محالة. فلا يكون الحمل ضروريّاً.
وأجيب عنه نقضاً: بأنَّه لو تمّ هذا المطلب فلماذا لم تستشكلوا به على
ــــــــــ[256]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الاحتمال الأوّل أيضاً؛ فإنَّ مفهوم الشيء اُخذ في (كاتب)، ويكون معنى قولنا: (الإنسان كاتب) هو (الإنسان شيءٌ له الكتابة)، ومن المعلوم أنَّ حمل الشيء على الإنسان بالضرورة كحمل الإنسان عليه.
وهناك محاولاتٌ لتصحيح المحذور ودفع الإشكال عليه، بعضها يفي بدفع الحلّ والنقض، وبعضها يفي بدفع الحلّ فقط، نختار منها في المقام ثلاث محاولات:
المحاولة الأولى
بأن يقال: إنَّ مصداق (الشيء) إذا فرض دخوله في المشتقّ، فقد يتّفق أن يكون جزئيّاً خارجيّاً لا يقبل التقييد، كقولنا: (زيدٌ كاتبٌ)، فلو كان مصداق الشيء مأخوذاً في المشتقّ لكان معنى قولنا: (زيدٌ كاتبٌ) هو (زيدٌ له الكتابة)، وحيث إنَّه جزئيٌّ خارجيٌّ، فهو لا يقبل التقييد كالمفاهيم الكليّة، بل هو عين الموضوع بحسب الخارج، فلا يعقل أن يكون قولنا: (له الكتابة) محصّصاً لـ(زيد)، بل هذا القول مجرّد مشير إلى واقعه الخارجي، فهو في قوّة قولنا: (زيدٌ زيدٌ). فتعود القضيّة ضروريّةً؛ فإنَّه إن كان مصداق (الشيء) المأخوذ في المشتقّ مفهوماً كليّاً، كان ذلك الجواب وجيهاً، ولكن إذا كان مصداق (الشيء) جزئيّاً كانت القضيّة ضروريّة على كلّ حال.
وهذا البيان لو تمّ يدفع الحلّ والنقض معاً، أمّا الحلّ فلأنَّه يقول: بأنَّ التقييد هنا غير معقول؛ لأنَّ (زيد) جزئيّ خارجيّ. وأمّا النقض؛ فلأنَّ مفهوم
ــــــــــ[257]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
(الشيء) كلّي، وهو قابل للتقييد، فيأتي فيه أنَّ المقيّد بقيدٍ غير ضروريّ غيرُ ضروريّ، بخلاف مصداق الشيء الذي يكون جزئيّاً خارجيّاً.
لكن هذا البيان غير تامّ:
أوّلاً: لأنَّه مبنيٌّ على أن يكون المراد من مصداق الشيء هو ما وصف في القضيّة، ففي قولنا: (زيدٌ كاتب) الموصوف هو (زيدٌ) وفي (الإنسان كاتبٌ) هو الإنسان. وأمّا إذا أردنا منه تلك الطبيعة التي يمكن أن تتّصف بالمبدأ، فهي أمرٌ كلّي دائماً وليست جزئيّاً خارجيّاً.
ثانياً: لو سلّمنا أنَّ مصداق الشيء يكون أحياناً جزئيّاً خارجيّاً، فلا نسلّم أنَّ (زيد) لا يقبل التقييد؛ فإنَّه إنّما لا يقبل التقييد الأفرادي، ولكنّه يقبل التقييد الأحوالي، فإنَّ له حالاتٍ كثيرةً متواردةً عليه، وقابليّته من ناحية تلك الأحوال. وحينئذٍ يأتي نفس الجواب من أنَّ (زيد) قد قيَّد في طرف المحمول بقيد غير ضروريّ لكن بنحو التقييد الأحوالي لا الأفرادي، فيخرج عن كونه ضروريّاً.
المحاولة الثانية
وهي أنّنا حين نقول (الإنسان كاتبٌ) وصار بمنزلة قولنا: (الإنسان إنسانٌ له الكتابة)، فهنا:
إمّا أن نفرض أنَّ (له الكتابة) مجرّد مشيرٍ ومعرّفٍ إلى ذات الإنسان، فيكون بمنزلة قولنا: (الإنسان إنسانٌ) ولا تكون (له الكتابة) قيداً، فتكون القضيّة ضروريّة.
وإمّا أن نفرض أنَّ (له الكتابة) قيدٌ حقيقيٌّ، وحينها لا يلزم انقلاب
ــــــــــ[258]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الممكنة إلى الضروريّة، ولكن يلزم منه محذور آخر، وهو حمل الخاصّ على العامّ وكون المحمول أخصّ من الموضوع، مع أنه لا يجوز أن يكون أخصّ منه مفهوماً؛ إذ يصحّ أن نقول: (الإنسان حيوان)، لكن لا يصحّ أن نقول: (الحيوان إنسان)؛ لأنَّه أخصّ مفهوماً. وفي المقام من الواضح أنَّ (الإنسان) مع القيد أخّص من (الإنسان) نفسه، فيكون أخصّ منه مفهوماً، فلا يجوز حمله أيضاً.
وهذا البيان لو تمّ فإنَّه يدفع الحلّ والنقض؛ أمّا الحلّ؛ فلأنَّ اعتبار (له الكتابة) مشيراً يلزم منه الضروريّة، واعتبارها قيداً يجعلها أخصّ مفهوماً. وأمّا النقض؛ فلأنَّه لو قيّد مفهوم (الشيء) بقيد (له الكتابة) فلا يلزم أن يكون المحمول أخصّ من الموضوع.
ولكن هذا البيان غير تامّ، وتوضيحه: أنَّ الحمل في القضية الحمليّة متقوّم بالموضوع والمحمول، وهنا يوجد تصوّران للقضيّة الحمليّة:
التصوّر الأوّل: أنَّ دور الموضوع والمحمول دوران متشابهان متسانخان، وذلك بأن يلحظ المفهوم في طرف المحمول والمفهوم في طرف الموضوع بما هما مرآتان إلى وجود نفس أمريّ أو خارجيّ واحد، وبهذا الاعتبار يصحّ حمل أحدهما على الآخر، ونسبة الموضوع والمحمول إلى ذلك الواقع على حدًّ واحدٍ، ويفنيان فيه على نهجٍ واحد.
فإن قلنا بهذا التصوّر، فمن الواضح أنَّ هذا الحمل إنّما يصحّ في حالة الاتّحاد في الوجود، فإذا كانا متّحدين في الوجود صحّ الحمل، سواءٌ كان
ــــــــــ[259]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الموضوع أخصّ من المحمول أو بالعكس؛ لأنَّ دور الموضوع هو عين دور المحمول، وهو المرآتيّة للوجود الواحد، وهو متحقّقٌ على أيّ حال. فاشتراط أن لا يكون المحمول أخصّ مفهوماً يكون بلا موجب.
التصوّر الثاني: أنَّ دور الموضوع يختلف سنخاً عن دور المحمول؛ فالموضوع يُنظر إليه بما هو ذاتٌ لا بما هو مفهومٌ حتّى لو كان مفهوماً، كقولنا: (الإنسان كاتبٌ)، يعني: يُنظر إليه بما هو عين مصاديقه وواقعه. وأمّا المحمول فإنَّه لا يلحظ بما هو مرآةٌ بل بما هو مفهومٌ، ويكون معنى الحمل هو أنَّ هذه الذات الملحوظة في طرف الموضوع تندرج في المفهوم المأخوذ في طرف المحمول.
فإذا قلنا بهذا التصوّر أيضاً لا نرى موجباً لاشتراط أن يكون المحمول أعم من الموضوع، بل يمكن أن يكون أخصّ؛ لأنَّ الموضوع بناءً على هذا التصوّر ليس هو المفهوم ليقال إنَّه أعمّ أو أخصّ، بل هو الذات والمصداق، والمصداق دائماً لا يكون أعمّ من المحمول؛ فإنَّ ما هو مصداق (الإنسان) في الخارج هو عين مصداق (الإنسان الكاتبٌ) أو (الفاني) في الخارج.
فعلى كلا التصوّرين لا موجب لذلك الاشتراط، فهذه المحاولة غير تامّة.
المحاولة الثالثة
بأن يُقال: إنَّ مصداق (الشيء) إذا دخل في (كاتب) فإنَّه يلزم أن يكون معنى قضية (الإنسان كاتب) هو (الإنسان إنسانٌ له الكتابة)، فيكون المحمول مركّباً من جزئين: إنسان وكتابة، فتنحلّ القضيّة إلى قضيّتين:
ــــــــــ[260]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الأولى: الموضوع مع الجزء الأوّل من المحمول، يعني: (الإنسان إنسان).
والثانية: الموضوع مع الجزء الثاني من المحمول. والأولى ضروريّة دون الثانية.
وهذا يدفع الحلّ دون النقض؛ فلو قيل: (الإنسان شيءٌ له الكتابة) فإنَّه أيضاً يلزم الانحلال إلى قضيّتين: إحداهما ممكنة والأخرى ضررويّة.
إلاّ إنَّه غير تامّ؛ لأنَّ تعدّد القضيّة مساوقٌ لتعدّد الحكم، وفي المقام يوجد حكمٌ واحدٌ؛ لأنَّ المحمول إنّما انحلّ إلى جزئين باعتبار أخذ النسبة الناقصة فيه. وهذا تحليلٌ خارج أفق الحاكم والذهن، وإلاّ ففي هذا الأفق المحمول شيءٌ واحدٌ؛ لما قلناه في بحث الحروف: من أنَّ النسبة الناقصة تصيّر طرفيها شيئاً واحداً. ومعه لا يعقل تعدّد صدور الحكم منه، بل هناك حكمٌ واحدٌ؛ لأنَّ المحمول في ذهن الحاكم شيءٌ واحدٌ، وإذا كان الحكم واحداً فالقضية واحدة.
إذن، فالجواب على المحذور واردٌ، وهو أنَّه لا يلزم منه صيرورة القضيّة ضروريّة.
نعم، أخذ مصداق (الشيء) في نفسه غير صحيح؛ لأنّه: إن اُريد به ما حكم عليه في القضيّة، كـ(زيد) في قولنا: (زيدٌ كاتبٌ) و(الإنسان) في قولنا: (الإنسان كاتبٌ) فقد لا يكون المشتقّ محمولاً أصلاً، بل محمولاً عليه، كقولنا: (أكرم الكاتب). فما هو المأخوذ فيه؟!
وإن اُريد بمصداق الشيء: تلك الطبيعة التي من شأنها -في عالم الأعيان-أن تتّصف بالكتابة، وهو (الإنسان) في (كاتب)، فهو باطلٌ بالوجدان؛ لأنه
ــــــــــ[261]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
يصحّ بالوجدان استعمال (الكاتب) في غير (الإنسان) بأن نقول: (غير الإنسان كاتبٌ)، وهو وإن كان كذباً إلاّ أنَّه استعمالٌ صحيحٌ وليس فيه تناقضٌ. بينما لو كان مفهوم (الإنسان) مأخوذاً من (كاتب) لكانت القضيّة متناقضةً ترجع إلى قولنا: (غير الإنسان إنسان).
إذن، فالصحيح أنَّ مصداق الشيء غير مأخوذٍ في المشتقّ، وإنّما المأخوذ فيه مفهوم الشيء.
هذا تمام الكلام في المشتقّ.
ــــــــــ[262]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ــــــــــ[263]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم-إيران ، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1416 هـ.
ــــــــــ[264]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ــــــــــ[265]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
محمّد تقي، التقديم: حسن المصطفويّ، الناشر: مؤسّسة إسماعيليان، قم -إيران، سنة الطبع: ١٣٧٧ه.ش.
ــــــــــ[266]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الطبعة: الثانية، سنة الطبع:1404 هـ.
ــــــــــ[267]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الناشر: المكتبة العلمية الإسلامية، طهران-إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1378 هـ.ش.
ــــــــــ[268]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ــــــــــ[269]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الفكر الإسلامي، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1420 هـ.
ــــــــــ[270]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
ــــــــــ[271]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
[الصحيح والأعمّ في العبادات] 11
[الجهة الأولى: تحرير محل النزاع] 11
الصيغ المعقولة للنزاع بناءً على ضوء إنكار الوضع مطلقاً 12
الصيغة الأولى: 12
الصيغة الثانية: 14
الصيغة الثالثة: 16
الجهة الثانية: في تحقيق حال الصحّة المأخوذة في عنوان المسألة 18
المقام الأول: في تفسير الصحّة 18
اعتراض السيّد الخوئي والردّ عليه 18
المقام الثاني: في ما هو المراد من الوضع للصحيح 21
المقام الثالث: في اشتراط الصحّة بلحاظ جميع الحيثيّات 22
الجهة الثالثة: في تصوير الجامع 26
المقام الأوّل: في تصوير الجامع بناءً على القول بالصحيح 26
الإشكال على تصوير الجامع 26
ــــــــــ[273]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الاحتمال الأوّل 27
الاحتمال الثاني 27
الاحتمال الثالث 28
الاحتمال الرابع 28
التخلّص من الإشكال 29
الطريق الأوّل: التخلُّص المختار 30
تطبيقات للتخلّص المختار 31
الطريق الثاني: تخلُّص المحقّق الخراساني 36
الاعتراض على تخلّص صاحب (الكفاية) 37
الاعتراض الأوّل 37
الاعتراض الثاني 39
الاعتراض الثالث 40
المقام الثاني: في تصوير الجامع بناءً على القول بالأعمّ 43
اعتراض صاحب (الكفاية) 43
الاحتمال الأول 43
الاحتمال الثاني 44
مناقشة الاحتمال الأول 45
مناقشة الاحتمال الثاني 46
المختار في المقام 48
ــــــــــ[274]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الجهة الرابعة: في تصوير ثمرة النزاع 51
الثمرة الأولى: في إجراء أصالَتي البراءة والاشتغال 51
تصوير الثمرة الأولى 51
المقدّمة الأولى 51
المقدّمة الثانية 51
النقاش في المقدّمتين 52
النقاش في المقدّمة الأولى 52
النقاش في المقدّمة الثانية 53
التحقيق في المقام 53
الثمرة الثانية: في صحّة التمسّك بالإطلاق اللفظي لألفاظ العبادات 57
الجهة الخامسة: في تحقيق الحال في الصحيح والأعمّ 61
مختار السيّد الأستاذ 61
مناقشة مختار السيّد الأستاذ 63
ما يستدل به على الجانب السلبيّ 63
الكلام في الجانب الإيجابيّ 65
أدلّة القائلين بالوضع للصحيح 71
الدليل الأوّل 71
الدليل الثاني 73
الدليل الثالث 74
ــــــــــ[275]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الدليل الرابع: دعوى التبادر 75
أدلّة القائلين بالوضع للأعمّ 76
الدليل الأوّل: صحّة التقسيم 76
الدليل الثاني: كثرة الاستعمال 77
الدليل الثالث: التمسّك بسيرة العقلاء 78
الدليل الرابع: التبادر 79
المختار في مسألة وضع ألفاظ العبادات 81
الصحيح والأعمّ في المعاملات 85
الجهة الأولى: الصحّة الشرعيّة والصحّة العقلائيّة 85
مذهبُ السيّد الأستاذ 85
الجهة الثانية: جريان النزاع على فرض وضع الألفاظ للأسباب والمسبّبات 87
ما طرحه السيّد الأستاذ 88
مع السيّد الأستاذ 89
الجهة الثالثة: ثمرة النزاع في وضع أسماء المعاملات 92
تمهيد 92
نقل الكلام إلى بحث المعاملات 92
الجهة الرابعة: التمسّك بإطلاق الدليل حالَ تعلّق الإمضاء بالمسبَّبات 95
تحديد موضوع الإمضاء 95
كلام السيّد الخوئي 96
ــــــــــ[276]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
تحقيق الكلام والانتصار للمحقّق النائيني 97
المرحلة الأولى 97
المرحلة الثانية 98
الجهة الخامسة: التعويض عن الإطلاق اللفظي بإطلاق لبّي 100
التقريب الأوّل: أن يكون إطلاقاً بملاك دلالة الاقتضاء 100
المناقشة في التقريب الأوّل 101
التقريب الثاني: أن يكون إطلاقاً مقاميّاً 101
المناقشة في التقريب الثاني 102
الجهة السادسة: تحقيق الحال بناءً على وضع أسماء المعاملات للأسباب 104
الكلام في الصحّة الشرعيّة 104
الصحّة العقلائيّة 105
الجهة السابعة: في كون أسماء المعاملات موضوعةً للأسباب أم للمسبَّبات؟! 107
تمهيدٌ 107
تحديد الموضوع له في أسماء المعاملات 109
الاشتراك 113
الجهة الأولى: دعوى وجوب وقوع الاشتراك 113
الجواب على دعوى وجوب الاشتراك 113
الوجه الأوّل: تناهي الأوضاع الصادرة من الإنسان 113
الوجه الثاني: تناهي حاجات الإنسان الاستعماليّة 114
ــــــــــ[277]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الوجه الثالث: تناهي المعاني نفسها 115
الوجه الرابع: تماثل الألفاظ والمعاني في عدم التناهي 116
الصحيح في دفع دعوى وجوب الاشتراك 117
الجهة الثانية: دعوى استحالة وقوع الاشتراك في اللغة 118
الصيغة الأولى: كون الغرض من الوضع طبيعيّ التفهيم 118
الصيغة الثانية: دخالة الاشتراك بنحو جزء العلّة 119
استحالة الاشتراك على ضوء مبنى التعهّد 119
الجهة الثالثة: استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى 123
وجوه استحالة الاستعمال في أكثر من معنى 123
الوجهُ الأوّل: ما نُسب إلى المحقِّق النائيني 123
الجواب على الوجه الأوّل 125
الجواب النقضي 125
النقضُ الأوّل: 125
النقضُ الثاني: 125
الجواب الحَلّي 126
الوجه الثاني: ما ذكره المحقِّق الأصفهاني 126
الوجه الثالث: ما ذكره صاحب (الكفاية) 127
المشتقّ 133
تمهيد 133
ــــــــــ[278]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
المقام الأوّل: في مقدّمات البحث 135
المقدّمة الأولى: في تحرير محلّ النزاع 135
الضابط الفنّي في جريان النزاع 135
الركن الأوّل 136
الركن الثاني 136
تصويرُ الإشكال المترتِّب على الركن الثاني 137
تخلّص السيّد الخوئي من الإشكال 138
التحقيق على أساس التمييز بين الاستحالتين: الفلسفيّة والمنطقيّة 138
تطبيق الاستحالتين على الركن الثاني 140
التحقيقُ في أنَّ أيّ الصيغتين أحقُّ بالركنيّة 140
تطبيق الركن الثاني بصيغته الجديدة على الدوائر الثلاث 142
الدائرة الأولى: مطلق الأسماء 142
أقسام الجوامد 142
الدائرة الثانية: المشتقّات 147
الدائرة الثالثة: الأوصاف الاشتقاقيّة 147
خروج أسماء الآلة 147
الإشكال على دخول أسماء الزمان في محلّ النزاع 148
التخلّص من الإشكال 148
الوجه الأوّل: جواب صاحب (الكفاية) 148
ــــــــــ[279]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الوجه الثاني: جواب الأصفهاني والسيّد الخوئي 150
الوجه الثالث: جواب المحقّق العراقي 152
إشكالان على ما ذكره المحقّق العراقي 153
المقدّمة الثانية: في معنى كلمة (الحال) 154
الكلام الأوّل: في عدم أخذ الزمان في مفهوم المشتقّ 154
الكلام الثاني: في دلالة المشتق على المتلبس مطلقاً 155
الصحيح في المقام 157
المقدّمة الثالثة: في تعقّل جامعٍ على القولين 159
أوّلاً: تصويرُ الجامع بناءً على القول بالوضع لخصوص المتلبِّس 160
ثانياً: تصويرُ الجامع بناءً على القول بالوضع للأعمّ 160
الوجه الأوّل: الذاتُ في أحد الزمانين 161
الوجه الثاني: الذات المتلبّسة بتلبّسٍ غير متأخّرٍ عن الجري 161
الوجه الثالث: المفهوم الأفرادي غير المتقيّد بالزمان والجري 162
الوجه الرابع: انتقاضُ عدم المبدأ بوجود المبدأ 164
الوجه الخامس: عنوانُ أحدهما 166
الوجه السادس: الذاتُ غير المتلبّسة فعلاً بالعدم الأزلي للمبدأ 166
المقام الثاني: في أصل النزاع في المشتقّ 168
الناحية الأولى: في تأسيس الأصل العملي بلحاظ المسألة الأصوليّة 168
وجوه دفع التوهّم 169
ــــــــــ[280]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الوجه الأوّل 169
الوجه الثاني 170
الوجه الثالث 171
الناحية الثانية: في تأسيس الأصل العملي بلحاظ المسألة الفقهيّة 172
الجهة الأولى: في جريان الأصل الموضوعي 172
الجهة الثانية: في جريان الأصل الحكمي 174
الفرضية الأولى: تعلّق التكليف بصرف الوجود 174
الفرضية الثانية: تعلّق التكليف بمطلق الوجود 176
كلام صاحب (الكفاية) في المقام 176
التعليق على كلام صاحب الكفاية 177
الصورة الأولى 177
الصورة الثانية 178
أدلّة الأقوال في وضع المشتقّ 183
تمهيد 183
وجوه الوضع لخصوص المتلبّس 186
الوجه الأوّل: التبادر 186
تعليقُنا في المقام 188
الوجه الثاني: التضادّ القائم بين الأوصاف الاشتقاقيّة 190
الوجه الثالث: صحّة سلب المشتقّ عن المنقضي عنه المبدأ 191
ــــــــــ[281]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الوجه الرابع: بساطة الأوصاف الاشتقاقيّة 193
الوضع للأعمّ بنحو الموجبة الجزئيّة (القول بالتفصيل) 194
وجوه الاستدلال على الوضع للأعمّ بنحو الموجبة الجزئيّة 195
الوجه الأوّل 195
الوجه الثاني 196
الوجه الثالث 196
الوجه الرابع 197
الوجه الخامس 198
تتميم 199
الملاحظة الأولى 199
الملاحظة الثانية 200
الملاحظة الثالثة 201
المقام الثالث: في الفرق بين المشتقّ ومبدئه 202
معنى المصدر -المبدأ- 202
في وضع هيئة المصدر 203
القول الأوّل: وضع هيئة المصدر للنسبة الناقصة التقييديّة 204
التقريب الأول 204
التقريب الثاني 205
التقريب الثالث 207
ــــــــــ[282]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
التقريب الرابع 208
القول الثاني: وضع هيئة المصدر لمعنى زائد على مدلول المادّة 209
الاستدلال على أخذ النسبة الناقصة في هيئة المصدر 211
الدليل الأوّل: وجود الفرق بين المصدر واسم المصدر 211
التحقيق في المقام 212
الدليل الثاني: الفرق بين المصادر المجرّدة والمزيدة 215
الدليل الثالث: صحّة الإضافة إلى الفاعل والقابل 216
مدلول الأوصاف الاشتقاقية 219
الأقوال في مدلول المشتقّ 219
التحقيق في الأقول 220
القول الأول 220
أوّلاً: الدعوى السلبية 221
الوجه الأوّل 221
الوجه الثاني 223
الوجه الثالث 224
الوجه الرابع 226
ثانياً: الدعوى الإثباتية 226
التفسير الأول: 227
التفسير الثاني: 229
ــــــــــ[283]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الاعتراضات على التفسير الثاني 231
الاعتراض الأوّل 231
الاعتراض الثاني 234
الاعتراض الثالث 235
الاعتراض الرابع 236
التفسير الثالث: 239
الموقع الأوّل 241
الموقع الثاني 242
الموقع الثالث 243
القول الثاني 243
القول الثالث 244
الإشكالات على القول الثالث 244
الإشكال الأول ومناقشته: 244
الإشكال الثاني: 247
القول الرابع 248
المقام الأول: فيما يدّعى برهاناً على هذا القول 248
تحقيق الكلام في المقام 249
المقام الثاني: فيما يدّعى برهاناً على إبطال هذا القول 251
البرهان على استحالة الاحتمال الأول ومناقشته 251
ــــــــــ[284]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2
الكلام في تعديل الميرزا 252
الكلام في أصل الصيغة 254
البرهان على استحالة الاحتمال الثاني ومناقشته 256
الإشكال على البرهان حلاً 256
الإشكال على البرهان نقضاً 256
دفع الإشكالات 257
المحاولة الأولى 257
المحاولة الثانية 258
المحاولة الثالثة 260
فهرس المصادر 263
فهرس الكتاب 273
ــــــــــ[285]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، ج2