الجزء الثالث
261
ص44 الصدر، محمد.
محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج3 (512ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1707/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1707) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
6-25-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
محاضرات
في
علم أصول الفقه
تقريراً لأبحاث
سماحة آية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء الثالث
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الأوامر
ويحتوي على:
ــــــــــ[9]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
[الكلام في مادّة الأمر]
ــــــــــ[11]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يقع الكلام في مادّة الأمر في جهات:
حيث ذكروا لها معانٍ متعدّدة(1):
أحدها الطلب، فإنَّه في الجملة -على تفصيلٍ يأتي(2)– معنى للأمر.
ومنها: الفعل والفعل العجيب والحادثة والغرض وغيره.
ومن الواضح -كما ذكر المحقّقون(3)– أنَّ جملةً من هذه المفاهيم لا تستفاد من كلمة (الأمر) مباشرة؛ كالغرض، حيث يُقال: جئت لأمر كذا، فإنَّ الغرض يستفاد من اللام، وأمّا كلمة الأمر فلا تدلّ على مفهوم الغرض، بل على مصداقه، وهو التعدية، فعدّه من معانيها من باب اشتباه المفهوم بالمصداق.
ــــــــــ[13]ــــــــــ
(1) انظر: الفصول الغرويّة: 62، هداية المسترشدين 1: 565، بدائع الأفكار (العراقي): 198، الإحكام في اُصول الأحكام 2: 130، البحر المحيط في اُصول الفقه 2: 82.
(2) أنظر: ص16.
(3):انظر: كفاية الأصول: 61، تقريرات في أصول الفقه (البروجردي): 28.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ومن هنا وقعت محاولتان مترتّبتان:
الأولى: محاولة إرجاع المعاني المذكورة للأمر -غير الطلب- إلى معنىً واحدٍ، بحيث يكون جامعاً بين موارد استعمال كلمة الأمر.
الثانية: محاولة إرجاع كلّ معاني الأمر واستعمالاته إلى معنى واحدٍ، سواءٌ أكان الطلب أم غيره.
أما المحاولة الأولى: فقد يُقال: إنَّ ذلك المعنى الواحد هو الشيء؛ ولهذا ذكر صاحب الكفاية(1) أنَّ كلمة الأمر حقيقيّةٌ في الطلب وفي الشيء، وتلك المعاني
-غير الطلب- ترجع إلى الشيء؛ وبهذا يكون لها معنيان فقط.
وقد لاحظ المحقّق الأصفهاني(2) والميرزا النائيني(3) عليه بأنَّ الشيء بعرضه العريض لا يناسب أن يكون مدلولاً لكلمة الأمر؛ فقد ذكر الميرزا(4) أنَّ الشيء يطلق على الجوامد دون الأمر، فيقال: زيدٌ شيءٌ، ولا يُقال إنّه أمرٌ.
ومن هنا لم يستبعد أن يكون هذا المعنى الجامع أضيق دائرةً من مفهوم الشيء، وقد عُبّر عنه بالواقعة أو الواقعة المهمّة، وعُبّر عنه أحياناً بالحادثة(5).
ونظير ذلك ما ذكره المحقّق الأصفهاني(6) من أنَّ موارد استعمالات كلمة
ــــــــــ[14]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 62.
(2) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 249.
(3) انظر: أجود التقريرات 1: 86.
(4) المصدر السابق.
(5) انظر: غاية المأمول 1: 217، بدائع الأفكار (العراقي): 194.
(6) نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 250.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الأمر لا تناسب مفهوم الشيء، بل تناسب مفهوم الفعل، وهو مقاربٌ لمفهوم الميرزا عن الحادثة.
والصحيح في المقام: أنَّ مدلول كلمة الأمر حسب ما يستفاد من استعمالها في غير الطلب وإن لم يكن مساوقاً لمفهوم الشيء، إلَّا أنَّه ليس كما أفاد العلمان؛ فإنَّ عنوان الواقعة المهمّة ليس مدلولاً لكلمة الأمر؛ لوضوح صحّة استعمال كلمة الأمر في غير موارد الأهمّيّة، بل ليس من موارد الوقوع ولا الفعل أصلاً، فيقال: كلام فلانٍ ليس بأمرٍ مهمّ. ويقال: اجتماع النقيضين وشريك الباري أمرٌ مستحيلٌ، وعدم مجيء زيدٍ أمرٌ غريبٌ، مع أنَّ شريك الباري ليس واقعةً ولا حادثةً، وكذلك صفات الباري تعالى؛ حيث يُقال: إنَّ علم الله وقدرته أمورٌ لا يصل إلى فهمها الإنسان، مع أنَّها ليست حادثةً ولا واقعةً ولا فعلاً.
فهذه أضيق مدلولاً من كلمة الأمر، فإنّنا نرى أنَّ كلمة (الأمر) تستعمل في الجوامد أيضاً، والجوامد على قسمين: أسماء أعلام وأسماء أجناس، فما كان من قبيل أسماء الأجناس يصحّ استعمال كلمة (الأمر) فيه، فيقال: النار أمرٌ ضروريٌّ في الشتاء. نعم، ما كان من قبيل أسماء الأعلام بالذات أو بالعرض، لا يصحّ فيه ذلك.
وهذا كاشفٌ عن أنَّ مفهوم الأمر مساوقٌ مع شيءٍ من مفهوم الخصوصيّة، أي إنّه مطعَّمٌ بالجانب الوصفيّ، وأسماء الأعلام منسلخةٌ عن الجانب الوصفيّ ومتمحّضةٌ في الذاتيّة، فلا يطلق عليها بأنَّها أمرٌ وخصوصيّةٌ، وهي بخلاف أسماء الأجناس فإنّ فيها جانباً وصفيّاً في الجملة، فضلاً عن المصادر التي هي أوصافٌ بحسب الحقيقة.
ــــــــــ[15]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ولا بأس بدعوى كون هذا المفهوم الوسط -وهو الخصوصيّة- جامعاً، وكون تلك المعاني مصاديق له.
وأمّا المحاولة الثانية: وهي إرجاع كلّ معاني كلمة (الأمر) إلى معنىً واحدٍ نحسبها حساباً تفصيلياً أولاً، ثم نحسبها حساباً إجمالياً.
وهذا المطلب يُتصوّر على ثلاثة أنحاء:
النحو الأوّل: أن يُقال بإرجاع غير الطلب إلى الطلب.
وهو ما استقربه المحقّق الأصفهاني(1) حيث ذكر -بعد أن افترض أنَّ غير الطلب عبارة عن الفعل- فقال: إنّه يمكن القول بأنَّ استعمال كلمة الأمر في الفعل مرجعه إلى استعماله في الطلب بنحوٍ من العناية؛ لأنَّ الفعل في معرض أن يتعلّق به الطلب، ولذا يصحّ أن يعبَّر عن الفعل بمطلبٍ بلحاظ شأنيّة تعلّق الطلب به، فيصحّ أن يعبَّر عنه بالأمر باعتبار كونه في معرض تعلّق الطلب به.
وهذا لا يمكن الموافقة عليه؛ لما ذكرناه(2) من أنَّ كلمة الأمر قد تستعمل فيما لا معنى لتعلّق الأمر به أصلاً، كالأمور المستحيلة.
النحو الثاني: إرجاع الطلب إلى غير الطلب. وهو ما استقربه المحقّق النائيني على ما يظهر من تقريرات بحثه(3)، فإنَّه -بعد أن ذكر أن كلمة الأمر بحسب اللغة لها معنيان: الطلب والواقعة المهمّة- قال: إنَّ الطلب إنَّما يستعمل
ــــــــــ[16]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 249،250.
(2) راجع: ص15.
(3) انظر: أجود التقريرات 1: 86.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
في الأمر باعتبار أنَّه مصداقٌ للواقعة؛ فإنَّ الطلب واقعةٌ من وقائع العالم أيضاً.
وهذا النحو ساقطٌ أيضاً؛ وذلك بشهادة أمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ الطلب لو كان يُطلق عليه الأمر، بلحاظ أنَّ الطلب مصداقٌ للواقعة؛ فلِم كان هناك فرقٌ بين الطلب من الغير والطلب التكويني؟!
وتوضيحه: أنَّ الطلب على قسمين؛ أحدهما: الطلب التشريعي وهو الطلب من الغير، والآخر: الطلب التكويني، من قبيل طلب العلم والمال. ومن الواضح أنَّ كلمة الأمر في موارد الطلب إنّما تستعمل في موارد الطلب التشريعي. أمّا الطلب التكويني فلا يستعمل فيه الأمر. فلا يُقال: أمر العلم، إذا طلبه.
وهذا شاهدٌ على أنَّ الاستعمال ليس باعتبار أنَّ الطلب واقعةٌ من الوقائع، وإلَّا لم يكن فرقٌ بين الطلبين ولصحّ إطلاق الأمر على التكويني، فإنَّه واقعةٌ من الوقائع أيضاً. وهذا يكشف أنَّ الطلب التشريعي لوحظ بما هو كذلك.
الأمر الثاني: أنَّ الطلب تارةً يُلحظ بما هو طلبٌ، وأخرى يلحظ بما هو واقعة. فإن لوحظ بما هو طلبٌ أمكن أن يتعدى إلى متعلِّقه ولو بالباء، فيقال: الطلب المتعلّق بالصلاة. وأمّا إذا لوحظ بما هو واقعةٌ أو فعلٌ فلا يتعدّى إلى الصلاة، فلا يُقال: فعل الصلاة. ومن الواضح أنَّ الأمر ينسب إلى متعلّقه كالطلب، وهذا كاشفٌ عن أنَّ الأمر قد استعمل بمعنى الطلب، بما هو لا بما هو مصداقٌ للواقعة، وإلَّا لكان معنى قولنا: الأمر بالصلاة، يعني الواقعة في الصلاة، وهذا ممّا لا محصّل له.
النحو الثالث: وهو دعوى تصوّر جامعٍ بين الطلب والواقعة. والطلب
ــــــــــ[17]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يراد باعتباره مصداقاً لذلك الجامع. وهذا الاحتمال يرد عليه ما أوردناه على الاحتمال السابق، مضافاً إلى عدم تعقّل مثل هذا الجامع، فإنَّه إن أريد بالجامع ما يكون أوسع انطباقاً من الطلب والواقعة؛ من قبيل مفهوم الشيء، فيردُّ عليه: أنّه من الواضح أنَّ كلمة الأمر ليست أوسع انطباقاً من هذين المعنيين، فكيف يُدّعى وضعها لمثل هذا الجامع.
وإن أريد وضعها لجامعٍ مساوٍ للطلب والواقعة، فمن المعلوم أنَّه نفس الواقعة؛ لأنَّها صادقةٌ على الطلب، فيرجع إلى الاحتمال السابق.
وهناك حساب إجمالي، وهو استبعاد أن يكون لفظ الأمر له معنى واحد على الاحتمالات الثلاثة، وهذا منشؤه أمران:
الأمر الأوّل: تعدّد الجمع في كلمة الأمر(1)؛ فإنَّها حينما يراد منها الواقعة أو الخصوصيّة تُجمع على أمور، وحينما يراد منها الطلب تُجمع على أوامر. فمن المستبعد أن يكون لها معنىً واحدٌ . وبلحاظ بعض مصاديقه يجمع على أمور، وبلحاظ البعض الآخر يجمع على أوامر، فهذا بعيدٌ في اللغة.
الأمر الثاني: أنَّ لفظة الأمر(2) بلحاظ الطلب اشتقاقيةٌ غير جامدة، فيقال: (أمرٌ وآمرٌ ومأمورٌ) وبلحاظ الواقعة والشيء جامدةٌ لا يُشتقّ منها. وهذا شاهدٌ على أنَّ مادّة الأمر ليس لها معنىً واحدٌ؛ إذ لو كان لها معنىً واحدٌ فهذا المعنى
ــــــــــ[18]ــــــــــ
(1) انظر: هداية المسترشدين 1: 568، بدائع الأفكار (الرشتي): 200، نهاية الأفكار 1: 156،157.
(2) انظر: كفاية الأصول: 62، نهاية الأفكار 1: 157.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إن لوحظت فيه النسبة الناقصة بوجهٍ من الوجوه فيكون مصدراً ويصحّ الاشتقاق منه، وإن عُرّي منها يكون جامداً. وأمّا أنَّه بلحاظ بعض المصاديق يكون مشتقّاً وبلحاظ البعض لا يكون مشتقاً فهو أمرٌ مستبعدٌ في اللغة، فالمناسب أنَّ لكلمة الأمر معنيين، أحدهما لوحظت فيه النسبة الناقصة فصار مشتقّاً، والآخر لم تلحظ فصار من الجوامد.
ــــــــــ[19]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
هل يعتبر في مفهوم الأمر العلوّ أو الاستعلاء أو كلا الأمرين أو لا يعتبر شيءٌ منهما؟ هنا احتمالات(1).
وهذا البحث تارةً يساق بلحاظ كون الأمر موضوعاً لحكم العقل بوجوب الإطاعة؛ فإنَّ ما هو موضوع حكم العقل لوجوب الإطاعة، هل هو الطلب الصادر مع العلوّ أو مع العلوّ والاستعلاء أو بدونهما، فتكون المسألة عقليّةً وليست لغويّة.
ومن الواضح أنَّ حكم العقل بوجوب الإطاعة موضوعه الأمر الصادر من المولى، والمولويّة هي العلوّ الحقيقي، ولو لم تكن بلغة الاستعلاء بل بلغة الاقتراض مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّـهَ قَرْضاً حَسَناً(2) وغير المولى لا يجب طاعته.
وأُخرى تحرّر المسألة في أنَّ كلمة الأمر لغةً هل أُخذ فيها العلوّ أو الاستعلاء أو الجامع بينهما؟ بحيث تكون فائدتها فقهيّةٌ لا أصوليّة؛ اذ لو دلّ دليلٌ على وجوب إطاعة الوالدين مثلاً، فهل يعتبر في صدق الأمر من الوالد
ــــــــــ[20]ــــــــــ
(1) انظر: القوانين المحكمة في الأصول 1: 165-167، الفصول الغرويّة: 62، هداية المسترشدين 1: 569، بدائع الأفكار (الرشتي): 201.
(2) البقرة: 245.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وجود الاستعلاء؟ فلو طلب الوالد من ولده بلسان الاسترحام فقد يُقال إنَّه لا تجب طاعته، على إشكالٍ في هذه الثمرة الفقهية؛ إذ لو ورد دليلٌ بوجوب طاعة الوالدين، فمن الواضح -بمناسبات الحكم والموضوع- أنَّ الاستعلاء لا دخل له بوجوب الإطاعة، وإن كان مأخوذاً في الأمر لغةً. فإنَّ العرف يفهم أنَّ نكتة المطلب ليست هي تجبّر الأب واستعلاءه، بل هي علوّه الحقيقي على ولده. فلا تبقى ثمرةٌ فقهيّةٌ لهذا البحث.
وعلى أيّ حالٍ فهو بحثٌ في نفسه. والظاهر من خلال مراجعة الاستعمالات العرفيّة اعتبار العلوّ بلا إشكال؛ لأنَّ الطلب من المساوي أو الأخفض لا يسمّى أمراً حتّى لوكان الآمر مستعلياً. نعم، لو كان مستعلياً فهو يدّعي صدور الأمر منه، لا أنَّه يكون أمراً حقيقةً. فلا إشكال في كفاية العلوّ في نفسه، فيكون أمراً ولو كان بلسان الاسترحام.
وأمّا الاستعلاء، فالظاهر: عدم اعتباره، وكفاية العلوّ في نفسه؛ فإنَّه لا دخل له بحسب الاستعمالات العرفيّة.
ومنه يظهر أنَّ دعوى الجامع بين العلوّ والاستعلاء أيضاً ساقطةٌ، فالمناط هو العلوّ وحده، سواءٌ أكان معه استعلاءٌ أم لا. وهذا الكلام لا أثر له، لا أصوليّاً ولا فقهيّاً.
ــــــــــ[21]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بعد أن ثبت أنَّ كلمة الأمر موضوعةٌ للطلب، فهل تدلّ على جامع الطلب أو على الحصّة اللزوميّة منه فيما لو قال أمرتك بكذا.
والكلام يقع في مقامين:
الأول: في أصل دلالة كلمة (الأمر) على الوجوب.
والثاني: الكلام فيما هو ملاك هذه الدلالة، بعد الفراغ من دلالة الأمر على الوجوب.
لقد حاول بعض الأصوليين(1) الاستدلال لذلك بجملة من الآيات كقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ(2). وما يوازيها من الروايات(3).
ــــــــــ[22]ــــــــــ
() انظر: الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 57، معالم الدين ملاذ المجتهدين: 47، القوانين المحكمة في الاُصول 1: 73،74.
(2) النور: 63.
(3) الكافي 5: 74، كتاب الطهارة، الباب 15، باب السواك، الحديث 1، من لا يحضره الفقيه 1: 55، كتاب الطهارة، باب السواك، الحديث 123، وسائل الشيعة 2: 17، الباب 3 من أبواب السواك، الحديث 4، قال النبي’: “لو لا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسواك”.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بتقريب: أنَّه في هذه الآية الكريمة أُخذ عنوان الأمر موضوعاً للحذر، ومن المعلوم أنَّ الطلب الاستحبابي ليس موضوعاً للحذر، وإنّما الذي يكون موضوعاً له هو الطلب الوجوبي، فيُستكشف أنَّ الأمر مختصٌّ بالطلب الوجوبي، وليس أعمّ منه ومن الاستحبابي؛ إذ لو كان أعمّ لما وقع وجوب التحذّر على إطلاقه، بينما هو واقعٌ كذلك.
وسنخ هذا التقريب يقال في الروايات التي استدلّوا بها.
والتحقيق: أنَّه لا يمكن الاستدلال بذلك؛ حيث عندنا موضوعٌ وحكمٌ، والموضوع هو عنوان الأمر، والحكم هو التحذّر. ونحن نعلم من الخارج أنَّ الاستحباب لا محذور في مخالفته، فيكون خارجاً عن موضوع هذا الدليل جزماً. إلَّا أنَّ الأمر يدور بين أن يكون خروجه تخصّصيّاً أو تخصيصيّاً. فإن كانت كلمة الأمر موضوعةً للطلب الوجوبي، فالاستحباب خارجٌ تخصّصاً؛ بمعنى أنَّه ليس أمراً أصلاً. وإن كانت موضوعةً للجامع، فالاستحباب خارج تخصيصاً؛ بمعنى أنَّه سنخ أمرٍ لا حذر فيه.
والقائل -الذي استدلّ بالآية- بأنَّ الأمر يختصّ بالوجوب يدّعي خروج الاستحباب تخصّصاً فعليه أن يعيّن ذلك في مقابل احتمال الآخر.
وحينئذٍ ففي مسألة دوران الأمر بين التخصيص والتخصّص -وهي مسألة معنونة في مبحث العامّ والخاصّ- إن قلنا أنَّ أصالة عدم التخصيص لا
ــــــــــ[23]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
تجري ولا يثبت بها التخصّص، لأنَّها إنّما تجري فيما إذا احتمل شمول حكم العامّ للفرد، وأمّا إذا علم بأنَّ الفرد ليس مشمولاً لحكم العامّ ودار الأمر بين أن يكون عدم شموله من باب التخصيص أو التخصّص فلا تجري أصالة عدم التخصيص كما هو مبنى صاحب الكفاية(1) ومشهور المحقّقين(2) وحينئذٍ لا يمكن للمستدلّ أن يجري أصالة عدم التخصيص ليثبت التخصّص، فإنَّ التخصّص -الذي هو مرامه- فرع جريان أصالة عدم التخصيص، فإذا لم تجرِ لا يمكن إثبات عدم التخصيص، وأمّا إذا بنينا في تلك المسألة على جريان أصالة عدم التخصيص؛ لأنَّه على خلاف الأصل، وبها يتعيّن التخصّص. فأيضاً هذا لا ينطبق على محلّ الكلام(3).
والنكتة في ذلك: أنَّ من يقول بجريان أصالة عدم التخصيص في دوران الأمر بين التخصيص والتخصّص إنَّما يقول بذلك فيما إذا لم تكن -على فرض التخصيص- قرينة متّصلة على التخصيص، بل كان الأمر يدور بين التخصيص بلا قرينة متّصلة وبين التخصّص، فتجري أصالة عدم التخصيص.
أمّا إذا كانت هناك -على فرض التخصيص- قرينةٌ متّصلةٌ، فهذا ليس على
ــــــــــ[24]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأصول: 225،226.
(2) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 522، محاضرات في أصول الفقه 5: 237، نهاية الأفكار 1: 161،162.
(3) انظر: نهاية الأفكار 1: 161، 162، بدائع الأفكار (العراقي) 1: 197،198 منهاج الأصول 1: 162.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
خلاف الأصل بلا إشكال، ومقامنا من هذا القبيل؛ فلو فرض أنَّ مدلول كلمة (الأمر) أعمّ من الوجوب والاستحباب، فإنّه توجد قرينة على إخراج الاستحباب، وهو التحذير، مع مركوزية أنَّ الاستحباب ليس ملاكاً للعقاب، فيكون الأمر دائراً بين التخصّص وبين التخصيص مع القرينة المتّصلة، وليس أحدهما على خلاف الأصل.
فالاستدلال بهذه الآية الكريمة في غير محلّه.
ولكنّا في غنىً عن هذا الاستدلال، فإنَّه لم يستشكل في الفقه أحدٌ بخصوص دلالة الأمر على الوجوب، طبقاً للتبادر العرفي؛ ولذا لو قال المولى العرفيّ آمرك بكذا، وخصّ المأمور، فإنَّه يستحقّ العتاب والعقاب فيما لو خالف.
نعم، ما يكون جديراً بالبحث إنَّما هو بيان هذه الدلالة ونكتتها.
يقع الكلام في ما هو الملاك في دلالة الأمر على الوجوب. وهنا ثلاثة مسالك:
الأوّل: أن تكون دلالته بالوضع، بمعنى أنَّ كلمة (الأمر) موضوعةٌ لحصّةٍ خاصّةٍ من الطلب، وهي الطلب الإلزامي.
الثاني: أن تكون بالإطلاق ومقدّمات الحكمة لا بالوضع.
الثالث: أن تكون هذه الدلالة بحكم العقل.
والأوّل هو المشهور بين الأصوليين(1) والثاني هو الذي احتمله المحقّق
ــــــــــ[25]ــــــــــ
(1) انظر: القوانين المحكمة في الاُصول 1: 171، هداية المسترشدين 1: 595، كفاية الأصول: 63.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الخراساني(1) وبنى عليه المحقّق العراقي(2). والثالث هو الذي بنى عليه المحقّق النائيني(3) وتبعه عليه السيّد الأستاذ(4).
فلا بدَّ من تحقيق ذلك لما له من أثرٍ في مقام الجمع بين الأدلّة عند التعارض.
وهذه المسالك الثلاثة تجري في صيغة الأمر أيضاً كما تجري في مادّته. فأنَّ أصل الدلالة على الوجوب أمرٌ مفروغٌ عنه عرفيّاً وفقهيّاً، وإنّما الكلام في نكتة هذه الدلالة، وأنَّها هل هي الوضع أو الإطلاق أو حكم العقل.
أمّا احتمال أن يكون ملاك ذلك هو الوضع فتعيّنه موقوفٌ على إبطال الاحتمالين الآخرين؛ فإنَّ الدليل عليه إنّما هو الوجدان العرفي، وهو يكشف عن الوضع إذا أبطلنا الاحتمالين الآخرين وإلَّا لم ينحصر وجه هذه السيرة العقلائية بالوضع.
نأخذ أولاً الاحتمال الثالث، وهو أن تكون الدلالة على الوجوب بحكم العقل.
ــــــــــ[26]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 62.
(2) انظر: نهاية الأفكار 1: 162،163.
(3) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 136،137، اجود التقريرات 1: 195.
(4) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 13،14، دراسات في علم الأصول 1: 178، الهداية في الأصول 1: 223.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وخلاصة ما أفاده الميرزا(1) في توضيح ذلك، هو:
أنّ المدلول اللفظي للصيغة أو المادّة الطلب، بمعنى: تصدّي المولى إلى تحصيل هذا الفعل، وهذا التصدّي له حالتان: فتارة يقترن بنصب بيان من قبل المولى على الترخيص متّصلاً أو منفصلاً، وأخرى لا يقترن ببيان على الترخيص، فإن فُرض أنَّ المولى تصدّى لتحصيل الفعل واقترن ذلك ببيان الرخصة، فمثل هذا التصدّي ليس موضوعاً لحكم العقل بوجوب التحرّك والامتثال، لأنَّ للعبد أن يأخذ بالرخصة ولا يتحرّك.
وأمّا إذا تصدّى ولم يبيّن الرخصة، فهذا التصدّي يكون موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال، وفي هذه المرحلة يتّصف الأمر بعنوان الوجوب، فالوجوب صفةٌ للأمر حين يقع موضوعاً لحكم العقل بالامتثال. فالوجوب أمرٌ ثابتٌ في المرتبة المتأخّرة عن الأمر.
إذن، اللفظ لا يدلّ على الوجوب، وإنّما الوجوب شأنٌ من شؤون حكم العقل المترتّب على صدور الطلب من المولى.
ما أفاده المحقّق النائيني لا يمكن المساعدة عليه حلاً ونقضاً:
أمّا حلاً: فإنّنا نمنع أن يكون موضوع حكم العقل بلابدّيّة الامتثال ولزوم الطاعة، هو صدور الطلب من قبل المولى مع عدم صدور الترخيص من قبله؛
ــــــــــ[27]ــــــــــ
() انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 136،137، أجود التقريرات 1: 195.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
لوضوح أنَّه لو صدر منه طلب من دون صدور الترخيص، وكنّا نعلم واقعاً بأنَّ هذا الطلب نشأ من ملاكٍ غير شديد في نفس المولى وأنَّ المولى يرضى بتفويت هذا الملاك، فالعقل لا يحكم في مثل ذلك بلزوم الامتثال ووجوب الطاعة، بل لا يرى المخالفة منافيةً مع العبودية. فليس ميزان حكم العقل بلزوم الامتثال هو ما ذكره، بل حتّى لو صدر طلبٌ من دون ترخيص ولكنّ العبد أحرز إمكان المخالفة من غير ناحية بيان المولى، فلا يحكم العقل بلزوم الطاعة. فما هو موضوع حكم العقل هو صدور طلب من المولى وأن يكون الملاك شديداً بحيث لا تطيب نفس المولى بتفويته، وهذا يحتاج إلى إثبات. فلو صدر من المولى طلب ولم نعرف كون الملاك شديداً أكيداً فكيف نقول بوجوب الطاعة، إلَّا أن نقول: إنَّ لفظ الأمر مادّةً أو هيئةً يدلّ على شدّة الملاك(1)، وهذا رجوع إلى الدلالة اللفظيّة.
وإن قلنا بأنَّ لفظ الأمر لا يدلّ لغةً إلَّا على جامع الطلب، فلا يثبت الوجوب؛ لأنَّه فرع أن لا تكون نفس المولى راضيةً بالمخالفة ولم يثبت.
وأمّا نقضاً: فهناك عدة وجوه:
النقض الأول: فإنَّ هذا المسلك في تصوير دلالة الأمر على الوجوب له لوازم في الاستنباط في الفقه لا يلتزم بها أصحابه.
منها: أنَّه يلزم رفع اليد عن دلالة الأمر على الوجوب إذا دلّ عمومٌ عامٌّ على الترخيص مع أنَّه لا يلتزم فقيهٌ بذلك.
ــــــــــ[28]ــــــــــ
() وشدّة الملاك وعدم رضاء المولى بالمخالفة لا يمكن للعقل أن يشخّصه فيثبته أو ينفيه. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فلو ورد: (أكرم الفقيه)، وورد: (لا يجب إكرام العالم)، وهنا عادة ما يُقال في الفقه: إنَّ بين هذين الدليلين تعارضٌ بدويٌّ؛ لأنَّ الأوّل ظاهرٌ بوجوب إكرام الفقيه، والثاني يدلّ بعمومه على عدم وجوب إكرامه. ومقتضى الجمع العرفيّ بينهما جعل الخاصّ قرينةً على العامّ، وهو وجوب إكرام الفقيه. ونتيجته أنَّ الفقيه يجب إكرامه دون غيره.
وهذا الجمع إنّما يتمّ فيما إذا كان الوجوب في الأمر في الدليل الأوّل مدلولاً لفظياً للخطاب مادّةً أو هيئةً إمّا بالوضع -على الأقلّ إذا كان بنحو الدلالة الوضعية-أو بمقدّمات الحكمة؛ إذ يصبح التعارض حينئذٍ بين دلالتين لفظيتين، فتطبق قواعد الجمع الدلاليّ والقرينيّة.
وأمّا إذا كان الوجوب أجنبياً عن مدلول اللفظ، وأنَّ الأمر يدلّ على جامع الطلب، فلا تعارض بين الدلالتين أصلاً؛ لأنَّ الأوّل يدلّ على طلب إكرام الفقيه المناسب مع الوجوب والاستحباب، والعامّ (الثاني) ينفي الوجوب فقط، فلا تنتهي النوبة إلى الجمع الدلالي.
وإنّما عندنا حكم العقل بلزوم الامتثال، ومن الواضح أنَّه معلّقٌ على عدم صدور الترخيص من قبل المولى، والعامّ ترخيصٌ من قبله، فيكون العامّ وارداً على حكم العقل ويرتفع به موضوعه فيكون اللازم تقديم العامّ على الخاص، وهذا ممّا لا يلتزم به أحد؛ وذلك لأنَّ ارتكاز دلالة الأمر على الوجوب لا من باب حكم العقل، بل من باب الدلالة اللفظيّة.
النقض الثاني: ومن النقوض على الميرزا: أنَّ ما أفاده من أنَّ حكم العقل
ــــــــــ[29]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بلزوم الإطاعة موضوعه الطلب مع عدم البيان الترخيصي.
وحينئذٍ نسأل هل المراد منه عدم البيان المتّصل أو عدمه ولو منفصلاً، فإن أراد الأوّل، فمعناه: أنَّه لو صدر طلبٌ ولم تتّصل به قرينة على الترخيص، يحكم العقل بلزوم الإطاعة، ولو صدر الترخيص منفصلاً لكان هذا منافياً مع حكم العقل. وهذا مستحيل.
إذن، لا بُدَّ للميرزا أن يختار الشقّ الثاني -كما هو ظاهر عبارته ولعلّه صريحها(1)– وعليه فلو صدر من المولى طلبٌ ولم يقترن بالترخيص ولكن احتملنا أنَّه كان قد رخّص ترخيصاً منفصلاً، ففي مثله لا يمكن للعقل أن يحكم بالوجوب لأنَّ حكمه معلّقٌ على عدم صدور البيان لا متّصلاً ولا منفصلاً، بل يكون الوجوب مشكوكاً، ويمكن الرجوع إلى أدلّة البراءة في مقام نفي هذا الوجوب.
وأمّا لو سلكنا المسلك المتعارف، وقلنا بأنَّ دلالة الأمر على الوجوب دلالةٌ لفظيّةٌ فنقول: بأنَّ ظهور الأمر بالوجوب موقوفٌ على عدم القرينة المتّصلة على الترخيص، ومع عدمها ينعقد ظهورٌ فعليٌّ بالوجوب، فإن وجد بيانٌ منفصلٌ على الترخيص، يقع التعارض بين الظهورين، فيعمل بهما عمل المتعارضين.
وهذا النقض الثاني أيضاً يبرهن على أنَّ النكتة المركوزة في الأذهان الفقهية والعرفيّة ليست عبارةً عن حكم العقل بوجوب الإطاعة وإنّما هي الإطاعة اللفظيّة.
ــــــــــ[30]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 136، أجود التقريرات 1: 195.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المسلك الثاني: هو أن تكون دلالة الأمر على الوجوب دلالةً لفظيّةً ولكنّها ليست بالوضع بل هي بالإطلاق ومقدّمات الحكمة، كدلالة أسماء الأجناس على الإطلاق بمقدّمات الحكمة. ويمكن تقريب ذلك بوجوه:
وقد قرّب المحقّق العراقي ذلك(1) بما حاصله:
أنَّ الأمر مادّةً أو صيغةً يكون دالاً تصديقاً على الإرادة المولويّة القائمة في نفس المولى، وهذه الإرادة أمرها مردّدٌ بين أن تكون قويّةً وهي الوجوب أو ضعيفةً وهو الاستحباب. وبمقدّمات الحكمة نريد أن نثبت أنَّ هذه الإرادة المدلول عليها بالأمر إرادةٌ قويّةٌ أكيدةٌ وليست ضعيفةً.
وذلك ببيان: أنَّ الإرادة الشديدة تختلف عن الضعيفة في تأكّد الإرادة، بمعنى: أنَّهما يشتركان في أصل الإرادة، وتمتاز الشديدة بشدّتها وقوّتها، فما به امتياز الإرادة الشديدة هو الإرادة أيضاً، أي: قوّتها، وهذا معناه أنَّ الإرادة الشديدة لا تزيد على الإرادة بشيء، لا بما به الاشتراك ولا بما به الامتياز؛ لأنَّ ما به الاشتراك هو الإرادة وما به الامتياز هو الإرادة أيضاً.
وأمّا الإرادة الضعيفة فما به اشتراكها مع القويّة هو الإرادة، وما به امتيازها ليس هو الإرادة، بل هو فقدان الإرادة، بمعنى: فقدان المرتبة الشديدة من الإرادة.
ــــــــــ[31]ــــــــــ
(1) بدائع الأفكار (العراقي) 1: 197، نهاية الأفكار 1: 162،163، مقالات الأصول 1: 208.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وبناءً عليه نقول: بأنَّ الأمر الصادر من المولى يدلّ على الإرادة، فإن كان الثابت في نفس المولى هو الإرادة القويّة، فهذا الخطاب يبيّن تمام حقيقة هذه الإرادة، بلحاظ ما به اشتراكهما وبلحاظ ما به امتيازها؛ لأنَّ كل ذلك هو الإرادة، ولا تزيد على الإرادة بشيء، والخطاب المولويّ يناسب التعبير عن الإرادة بتمام هويّتها.
وأما إذا كان ما في نفس المولى هو الإرادة الضعيفة، فخطاب المولى يعبّر عمّا به الاشتراك في هذه الإرادة وهو أصلٌ، وأمّا ما به الامتياز منها فلا يعبّر عنه خطاب المولى، لأنَّه هو فقدان الإرادة.
إذن، الأمر يدور بين أن يكون ما في نفس المولى هو الإرادة القويّة فيكون بتمامه مبيّناً بالخطاب، وبين أن يكون هو الإرادة الضعيفة فلا يفي الخطاب ببيان تمام ما في نفسه. وعلى ذلك تجري مقدّمات الحكمة، ونقول: إنَّ الأصل كون المولى في مقام بيان تمام مرامه، فإن كان تمام مرامه هو الإرادة القويّة فقد بيّنها، وإن كان تمام مرامه هو الإرادة الضعيفة فهو لم يبيّنها؛ لأنَّه إنّما بيّن ما به الاشتراك دون ما به الامتياز منها، فلو كان يريد تلك المؤونة الزائدة لنصب قرينة، وحيث لم ينصب فتُحمل الإرادة على الإرادة القويّة.
وهذا البيان وإن كان صناعيّاً ولا يرد عليه جملةٌ من الإشكالات التي أُوردت عليه، ولكن يرد عليه: أنَّ الإطلاق الثابت بمقدّمات الحكمة ليس دلالةً عقليّةً برهانيّةً مبنيّةً على التعمّل العقلي، بل هو دلالةٌ عرفيّة المرجع فيها
ــــــــــ[32]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
هو الظهور الحاليّ للمتكلّم في أنَّه في مقام بيان تمام مرامه بشخص كلامه. فمتى ما دار الأمر بين أن يكون مرام المتكلّم سنخ مرامٍ يفي به كلامه أو سنخ مرامٍ يزيد على كلامه، فيُحمل على الأوّل.
وحينئذٍ يتبيّن أنَّه يحتاج لإجراء الإطلاق ومقدّمات الحكمة إلى أن يكون الدوران بين فردين أحدهما في نظر العرف فيه مؤونةٌ زائدةٌ على كلامه، والآخر -في نظر العرف- ليس فيه مؤونةٌ، ولا يكفي ثبوت ذلك بالنظر الفلسفيّ.
ومن الواضح أنَّ ما ذكره(1) -من أنَّ الإرادة القويّة ليس فيها مؤونةٌ زائدةٌ على أصل الإرادة وأنَّ في الإرادة الضعيفة ما به الامتياز ليس هو الإرادة بل الفقدان- تعمّلٌ عقليٌّ. وأمّا بالنظر العرفي فإنَّ العرف يرى أنَّ أحدهما فيه مؤونةٌ أزيد من الآخر، فلا ينعقد إطلاقٌ عرفيٌّ لتعيين غير ذي المؤونة في مقابل ذي المؤونة.
وبهذا ظهر: أنَّ المقصود في المقام: أنَّ العرف غير ملتفتٍ تفصيلاً إلى هذا الكلام حتى يُقال بما ذكره المحقّق العراقي من أنَّ العرف وإن لم يكن ملتفتاً إلى ذلك تفصيلاً ولكنّه يعرفه إجمالاً، بل المراد أنَّ العرف لا يصدّق أنَّ الطلب الشديد بلا مؤونةٍ والطلب الضعيف بمؤونةٍ، لا يصدّقه بصفته عرفيّاً سوقيّاً وإن كان يصدّقه بصفته فلسفيّاً.
وهناك تقريبٌ آخر لبيان الإطلاق، وهو أمتن من سابقه.
ــــــــــ[33]ــــــــــ
(1) بدائع الأفكار (العراقي) 1: 197، مقالات الأصول 1: 208.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهو يتوقّف على بيان مقدّمة:
وحاصلها: أنَّ المعروف بين جملةٍ من المتقدّمين(1): أنَّ كلاً من الوجوب والاستحباب مركّب، فالوجوب مركّبٌ من طلب الفعل مع المنع أو النهي عن الترك، والاستحباب مركّبٌ من طلب الفعل مع الترخيص في الترك، فهناك جزءٌ مشتركٌ بينهما وهو الطلب، ويمتاز كلٌّ منهما بجزءٍ آخر.
بناءً على ذلك، لا يمكن إجراء مقدّمات الحكمة؛ لأنَّ قوله: (صلِّ) يدلّ على الجزء المشترك، وهو طلب الفعل، لكن هل انضمّ إليه النهي عن الترك حتى يصير وجوباً أو الترخيص بالترك ليكون استحباباً؟ هذا ممّا لا يفي به كلام المولى، فيصبح مجملاً.
أمّا إذا قلنا بأنَّ الوجوب ليس مركّباً بل هو عبارةٌ عن طلب الفعل فقط، ولكنّ الاستحباب عبارةٌ عن طلبٍ مع الترخيص في الترك، بحيث يكون الفرق بينهما هو ثبوت الترخيص وعدم ثبوته، فالاستحباب مركّبٌ من جزئين وجوديّين، والوجوب مركّبٌ من جزءٍ وجوديٍّ وجزءٍ عدميّ.
بدليل أنّنا لو قلنا إنَّ الوجوب مركّبٌ من جزئين وجوديّين هما: طلب الفعل، والنهي عن الترك، لنقلنا الكلام إلى هذا النهي، ونقول: إنَّه هل صدر ترخيصٌ في مخالفته أو لا؟ فيمكن فرض كلا الجزئين، ولا يكون هناك وجوبٌ، بأن يكون هناك طلبٌ للفعل ونهيٌ عن الترك مع الترخيص بمخالفته، وهذا يكشف عن أنَّ قوام الوجوب ليس بذلك، بل وجوديّة الوجوب تكون
ــــــــــ[34]ــــــــــ
() انظر: معالم الدين وملاذ المجتهدين: 49، القوانين المحكمة في الأصول 1: 172.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بالطلب مع عدم الترخيص بالترك، الذي هو أمرٌ عدميّ.
وحينئذٍ يُقال: ما هو مرام المولى إمّا أنْ يكون مقيّداً بخصوصيّة وجوديّة أو بخصوصيّةٍ عدميّةٍ. وكلّما دار أمرُ مرام المولى كذلك، فإنْ نصبَ قرينةً على الخصوصيّة الوجوديّة أخذنا بها، وإن لم ينصب فنفس عدم نصب القرينة على الخصوصيّة الوجوديّة يكون قرينةً على الخصوصيّة العدميّة عرفاً.
وذلك كما في باب المطلق والمقيّد، فإنَّ امتياز المطلق بخصوصيّةٍ عدميّةٍ، وامتياز المقيّد بخصوصيّةٍ وجوديّة. والعرف يرى أنَّ ما هو المحتاج إلى البيان هو الخصوصيّة الوجوديّة، وعدم بيانها هو بيانٌ للعدم.
وهذا البيان أقرب إلى الفهم العرفيّ من سابقه.
يقع الكلام في أنَّه هل يمكن الاستغناء بهذا البيان -بالتقريبين السابقين- عن الالتزام بالوضع، بحيث تكون مقدّمات الحكمة كافيةً عنه أو لا؟ يوجد هنا إشكالان:
الإشكال الأول: إنَّ هذا الإطلاق -ولو فُرض عرفيّته ولو بالتقريب الثاني- لا يجري في سائر الموارد بل يجري في بعضها، ونحن نحتاج إلى وجهٍ للدلالة على الوجوب يجري في سائر الموارد ، كما هو المبنى فقهيّاً وعرفيّاً.
وتوضيحه يحتاج إلى بيان كبرى مقدّمات الحكمة مع بيان صغرياتها إجمالاً.
أمّا الكبرى -التي هي أساس مقدّمات الحكمة وروحها-: فهي أصلٌ عقلائيٌّ وظهورٌ حاليّ، وهي أصالة كون مرام المولى لا يزيد على كلامه، فإنَّ
ــــــــــ[35]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الأصل في كلّ متكلّمٍ أنَّه في مقام البيان؛ إذ لو زاد مرامه على مقدار مدلول كلامه، لكان معناه أنَّه ليس في مقام بيان الزيادة، مع أنَّه في مقام البيان. وحينئذٍ فكلّما دار الأمر بين احتمالين في مرام المولى، بحيث لا يزيد مرامه في أحدهما على مدلول كلامه وفي الآخر يزيد عليه، يتعيّن الاحتمال الأوّل، وهذا ما نسمّيه بالإطلاق ومقدّمات الحكمة.
وأمّا الصغرى، ففي بعض الحالات يدور الأمر بين احتمالين، ويكون هذا مصداقاً حقيقيّاً لتلك الكبرى، بمعنى: أنَّه على أحد الاحتمالين لا يزيد بالدقّة على مدلول كلامه وعلى الآخر يزيد مرامه بالدقّة على مدلول كلامه، فيتعيّن بمقدّمات الحكمة الاحتمال الأوّل.
مثاله: الإطلاق ومقدّمات الحكمة بناءً على مبنانا في بحث المطلق والمقيّد، حيث ذكرنا أنَّه يوجد تقييدٌ لحاظيٌّ وفي مقابله إطلاقٌ لحاظيّ، والتقييد اللحاظي يعني لحاظ قيدٍ في الطبيعة، والإطلاق اللحاظي مرجعه إلى لحاظ عدم دخل القيد في الطبيعة، وكلا هذين الأمرين خصوصيّتان زائدتان على الطبيعة، واسم الجنس لم يوضع للطبيعة مع أحدهما، بل وضع للجامع المحفوظ في المقيّد اللحاظي والمطلق اللحاظي المسمّى باللابشرط المقسميّ. وحينئذٍ إذا قال المولى وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ، فلفظة (بيع) بحسب مدلولها الوضعيّ لا تدل إلَّا على ذات الطبيعة، وهو الجامع بين المطلق والمقيّد. و الأمر دائرٌ بين احتمالين:
أحدهما: أن يكون موضوع الحلّية في وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ(1) هو المقيّد اللحاظي كالبيع المقيّد بالبلوغ.
ــــــــــ[36]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
والاحتمال الآخر: أن يكون موضوعها هو الجامع بين المطلق والمقيّد؛ اذ بيّنا هناك أنَّ هذا الجامع له إطلاقٌ ذاتيّ، ويعقل وقوعه موضوعاً للحكم الشرعي، وبذلك يتحقّق سريان الحلّية إلى تمام البيوع؛ لأنَّ هذا الجامع بنفسه سارٍ في تمام الأفراد، وهذا يسمّى بالإطلاق الذاتي. فإذا دار الأمر بين أن يكون موضوع البيع هو المقيّد أو هو الجامع بين المطلق والمقيّد يكون مصداقاً للكبرى التي بيّناها؛ فإنَّ الموضوع إن كان هو الجامع فمرام المولى لا يزيد على مدلول كلامه أصلاً؛ لأنَّ مدلول كلامه هو اسم الجنس الموضوع للجامع، وموضوع الحلّية في نفس المولى هو هذا الجامع أيضاً. وهو الذي له إطلاقٌ ذاتيّ.
ولكن إذا كان موضوع الحلّية هو البيع المقيّد بالعقد فقد زاد مرامه على كلامه؛ لأنَّ كلامه لا يدلّ إلَّا على الجامع ولا يدلّ على قيديّة اللفظ؛ فإذا دار الأمر بين أن يكون الموضوع هو الجامع أو هو المقيّد، يتعيّن الأوّل لا محالة.
إلَّا أنَّ هذا مبنيٌّ على ما اخترناه من إمكان أن يكون موضوع الحلّية هو اللابشرط المقسمي الذي يكون جامعاً بين المطلق والمقيّد.
ولكن ذهب جماعةٌ إلى امتناع وقوع الطبيعة الجامعة بين المطلق والمقيّد بدون إضافة شيءٍ اليها، موضوعاً للحكم الشرعي. وقالوا: إنَّ الموضوع إمّا أن يكون المطلق اللحاظي أو المقيّد اللحاظي(1).
وعلى هذا المبنى يكون مرام المولى على كلّ حالٍ زائداً على مدلول كلامه؛ لأنَّ مرامه إما الطبيعة المطلقة بالإطلاق اللحاظي أو الطبيعة المقيّدة بالتقييد
ــــــــــ[37]ــــــــــ
(1) انظر: مجمع الأفكار ومطرح الأنظار 3: 68.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
اللحاظي، وكلامه لا يدلّ على أحدهما، بل يدلّ على الجامع بينهما.
إذن، هناك خصوصيّةٌ زائدةٌ على ذات الطبيعة أخذها المولى في مرامه، ولكنّها لم تؤخذ في مدلول كلامه، ومعه لا تنطبق الكبرى في المقام. فهل تتعطّل مقدّمات الحكمة؟ كلا، بل نقول: إنَّ الأمر بالدقّة وإن كان يدور بين هذه الزيادة أو هذه الزيادة، وهي مردّدةٌ بين المتباينين، ولكن بحسب النظر العرفي يرى العرف أنَّ الإطلاق ليس زيادةً على أصل الطبيعة، بينما يرى التقييد زيادةً، فبالنظر العرفي تنطبق كبرى مقدّمات الحكمة وإن لم تنطبق بالدقّة؛ لأنَّ العرف يقول: إن كان مرام المولى المطلق فهو لا يزيد على مدلول كلامه عرفاً، وإن كان مرامه المقيّد فهو يزيد عليه، فتجري مقدّمات الحكمة.
وهناك مبنىً ثالثٌ يفرض أنَّ الأمر دائرٌ في مرام المولى بين مؤونتين وزيادتين، وهذه الزيادة على كلا التقديرين يراها العرف مؤونة، كما هو الحال في محلّ الكلام، فلو قال المولى: (صلّ) والأمر يدلّ على جامع الإرادة بدون أخذ قيد الترخيص ولا عدم الترخيص، ونحن نعلم أنَّ هذا الجامع ليس هو تمام مرامه، بل هناك زيادةٌ، وهي إمّا الشدّة وإمّا الضعف؛ إذ هي إمّا الترخيص أو عدم الترخيص، وهذه الزيادة يحسّ بها العرف، فإنَّه يرى أنَّ الوجوب فيه زيادةٌ عن أصل الطلب، كما أنَّ الاستحباب فيه زيادةٌ على أصل الطلب. وعليه فلا يمكن تعيين إحدى الزيادتين على الأُخرى بقانون كبرى مقدّمات الحكمة، إلَّا إذا اجتمع شرطان:
أحدهما: أن نحرز في موردٍ أنَّ المولى في مقام بيان تمام مرامه حتّى الزيادة، فقد كان في مقام بيان الزيادة.
ــــــــــ[38]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
والثاني: أن تكون إحدى الزيادتين أخفّ وأقلّ مؤونة من الأخرى في نظر العرف، وإن لم تكن معدومةً في نظره.
حينئذ يقال: إنَّ المولى ما دام في مقام بيان الزيادة، ولم يبيّن -باللفظ- زيادةً أصلاً، فلا بدَّ أن يكون قد اعتمد في مقام بيان الزيادة على السكوت، وكونه قد جعل عدم بيان المؤونة الأشدّ بياناً للمؤونة الأخفّ أقرب عرفاً من كونه قد جعل عدم بيان المؤونة الأخفّ بياناً للمؤونة الأشدّ، فيثبت بذلك المؤونة الأخفّ.
ومقامنا من هذا القبيل، ومن هنا يُعرف أنَّ الإطلاق في مقامنا بكلا التقريبين -تقريب المحقّق والتقريب الآخر- يتوقّف على إحراز كلا هذين الشرطين. وعليه، فلا ينفع هذا الإطلاق في إخراج عدم الزيادة في سائر الموارد، فإنَّ هذا الإحراز أمرٌ اتّفاقيٌّ قد يحصل وقد لا يحصل.
الإشكال الثاني: وهو يشبه الإشكال الذي أوردناه على مسلك النائيني ولكن بتقريبٍ آخر. فإنّنا قلنا في مقام مناقشة المحقّق النائيني -الذي يقول: إنَّ الوجوب بحكم العقل لا بدلالة اللفظ؛ بدعوى أنَّه كلما صدر من المولى أمرٌ ولم يصدر ترخيصٌ من قبله فإنَّ العقل يستقلّ بلزوم الاطاعة- إنَّ ما ذهب إليه يلزم تقديم عموم الترخيص على صيغة (افعل)؛ إذ لا تعارض بين الدليلين اللفظيّين لتطبّق عليهما قواعد التخصيص، فنبقى نحن وحكم العقل(1) والعموم صالحٌ لبيان الترخيص من قبله.
وعليه نقول: لو ورد (أكرم الفقيه)، وورد (لا إثم في ترك إكرام العالم) فإنَّه
ــــــــــ[39]ــــــــــ
() المعلّق على عدم الترخيص. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وإن كان يقع تعارضٌ بين الدليلين اللفظيّين بناءً على مسلك الإطلاق، ولكنّ هذا التعارض يكون تعارضاً بين إطلاقين بنحو العموم من وجه، ولا موجب لتقديم أحدهما على الآخر؛ لأنَّ (أكرم العالم) لا يدلّ على الوجوب بالنصوصيّة، وإنّما الوجوب مستفادٌ من إطلاق الطلب، فيعارض إطلاق العالم في قوله: لا يجب إكرام العالم.
فيدور الأمر بين أن نقيّد إطلاق العالم بغير الفقيه تحفّظاً على إطلاق (أكرمه) الظاهر بالوجوب أو أن نقيّد إطلاق الطلب في (أكرمه) فنحمله على الطلب غير الشديد؛ تحفّظاً على إطلاق العالم في الدليل الثاني، والنسبة بين الإطلاقين هي العموم من وجه، بمعنى: أنَّه يمكن رفع اليد عن أيٍّ منهما تحفّظاً على الآخر، ورفع اليد عن أحدهما ترجيحٌ بلا مرجّح، فيتساقطان.
وأمّا بناءً على مسلك الوضع، فلو قلنا أنَّ دلالة (أكرم) على الوجوب بالوضع، يكون (أكرم الفقيه) مخصّصاً لدليل (لا يجب إكرام العالم) فيقيّد العالم بغير الفقيه، ولا إشكال في أنَّ البناء الخارجي فقهاً وعرفاً على التخصيص، حتّى عند أصحاب مسلك الإطلاق. فهذا يكشف إنّاً أنَّ ملاك الدلالة هو الوضع لا الإطلاق.
وهذا الإشكال يمكن لأصحاب مسلك الإطلاق دفعه بأحد وجهين:
الوجه الأول: أن يُقال: إنّه بناء على مسلك الإطلاق وإن كان التعارض بين إطلاقين، ولكن مع هذا نلتزم بأنَّ دليل (أكرم الفقيه) مخصّصٌ لدليل (لا يجب إكرام العالم)؛ لأنَّ الأخصّيّة هي قرينةٌ عرفيّةٌ، ومناط هذه القرينة العرفيّة هي الأخصّيّة بلحاظ الموضوع، لا بلحاظ المحمول، يعني: أنَّه إذا تعارض
ــــــــــ[40]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
دليلان فلا بدَّ أن نلاحظ تارةً أحد الموضوعين مع الموضوع الآخر، فلو طبّقنا ذلك على هذين الدليلين، لوجدنا النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق؛ فإنَّ الفقيه أخصّ من العالم؛ لأنَّه أحد أقسام العالم. وتارةً نلاحظ مجموع الجهات: الموضوع والمحمول في الدليلين، فيكون في كلٍّ منهما جهة إطلاقٍ وأخصّيّة، فنكون بين إطلاقين.
فإن كان الميزان في النظر العرفي في مقام الجمع الدلالي هو الأخصّيّة المتحصّلة بلحاظ الموضوعين فقط، فهذا الاشكال غير وارد؛ لأنَّ الفقيه أخصّ من العالم، فيخصّصه. وإن كان الميزان في الأخصّيّة هو الأخصّيّة المتحصّلة في جميع الجهات، فهي غير موجودة، بل يقع التعارض بين الدليلين، فالمسألة مبنيّةٌ على تحقيق هذه النكتة في باب الجمع العرفي.
وهذا له في الفقه أمثلةٌ كثيرةٌ، نذكر أحدها تمريناً:
فقد ورد في رواية عن البول يصيب الجسد؟ قال: “صبّ عليه الماء مرّتين”(1). وورد في روايةٍ أخرى: “سألته عن بول الصبيّ يصيب الجسد، فقال: صبّ عليه الماء”(2). ومقتضى إطلاق (صبّ عليه الماء) أنَّه يكفي
ــــــــــ[41]ــــــــــ
(1) الكافي 5: 67، كتاب الطهارة، الباب 13، الحديث 7، تهذيب الأحكام 1: 249، كتاب الطهارة، الباب 12، الحديث 1، الوسائل 1: 343، الباب 26 في أبواب احكام الخلوة، الحديث 1.
(2) الكافي 5: 166، كتاب الطهارة، باب 36، الحديث 6، الاستبصار 1: 173، كتاب الطهارة، الباب 104، الحديث 2، الوسائل 3: 398، الباب 3 من أبواب النجاسات: الحديث 2.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
صبّ مرّةٍ واحدةٍ ولا يجب التعدّد؛ فإنّنا إذا نظرنا إلى الموضوعين كانت الرواية الثانية أخصّ من الأولى، فلو قيل: إنَّ الميزان في الأخصّيّة هو ذلك -لحاظ موضوع كلٍّ منهما- كانت الثانية مخصّصةً للأولى، فنفتي بعدم وجوب التعدّد في بول الصبيّ. وإذا كان الميزان ملاحظة مجموع جهات الدليل فلا تكون هناك أخصّيّة، بل يقع التعارض بين إطلاق الموضوع في الدليل الأوّل وإطلاق المحمول في الثاني.
الوجه الثاني: أن يقال: بإنَّنا وإن سلّمنا بأنَّ الأخصّيّة يجب أن تتحصّل بلحاظ مجموع جهات الدليل، فلا يتمّ الوجه الأوّل. وحينئذٍ يقال: بأنَّه وإن كان هناك تعارضٌ بين الإطلاق، لكن هناك فرقٌ بين المقام وبين المثال؛ لأنَّ الإطلاق على نحوين، فتارةً يكون الإطلاق نتيجته عرفاً السعة والشمول للأفراد والكثرة، كإطلاق (لا يجب إكرام العالم) وأُخرى يكون الإطلاق مقتضياً للحمل على الفرد كـ(السيّد) الذي ينصرف بإطلاقه إلى سيّد البلد. فإنَّ هذا الإطلاق لا يفيد التوسعة، بل يقتضي تعيين فردٍ بعينه.
فلو وقع تعارضٌ بين إطلاقين كلاهما يقتضي التوسعة وكان بينهما عمومٌ من وجه ولا مرجّح لأحدهما، تعارضاً وتساقطاً. وأمّا إنْ فرض أنَّ أحدهما كان يقتضي التوسعة والآخر يقتضي التعيين -كما لو ورد (أكرم العالم) وورد (لا تكرم زيداً) وكان زيدٌ متعدّداً، ولكنه ينصرف إلى العالم منهم- فيعامل الدليلان معاملة الخاصّ والعامّ؛ لأنَّ النتيجة المتحصّلة من (لا تكرم زيداً) هي أنَّ بعض أفراد العلماء لا يجب إكرامهم، وهذا أخصّ من الدليل الآخر.
ــــــــــ[42]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ومقامنا من هذا القبيل؛ فإنَّ الإطلاق هنا لا يعني التوسعة، بل هو بمعنى تعيين الوجوب في مقابل الاستحباب، وحينئذ يقال: إنَّ العرف يرى أنَّ النتيجة المتحصّلة من دليل (أكرم الفقيه) أخصّ من النتيجة المتحصّلة من دليل (لا يجب إكرام العالم) فيكون الأوّل مخصّصاً للثاني.
وعليه يتبيّن: أنَّ الإشكال الثاني على الإطلاق في غير محلّه، وإن كان الإشكال الأوّل في محلّه.
ومنه يظهر: أنَّه لا محيص عن الالتزام بالدلالة الوضعية على الوجوب؛ لأنَّ المسالك الأخرى لا تفي في تفسير المطلب.
وممّا ذكرناه ظهرت بعض الثمرات، بعضها تقدّم توضيحه أثناء مناقشة هذه المسالك، وبعضها سنذكرها مع ثمرات أخرى إن شاء الله تعالى:
جريان قواعد الجمع الدلالي بناءً على مسلك الوضع والإطلاق دونه على مسلك الميرزا وحكم العقل.
توضيحه: أنَّنا إذا بنينا على أنَّ الوجوب مدلولٌ عرفيٌّ لفظيٌّ للدليل، سواءٌ كان بالوضع أو بالإطلاق، ففي موارد الدليل الدالّ على الوجوب والدليل النافي للوجوب، نطبّق قواعد الجمع الدلالي العرفي بحمل ذي القرينة على القرينة.
وأمّا بناءً على مسلك حكم العقل، فإنَّ الوجوب لا يكون مدلولاً للّفظ. وحينئذٍ لا معنى للرجوع إلى قواعد الجمع الدلالي بين الدليلين.
ــــــــــ[43]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بناءً على المسلك الأوّل والثاني تثبت لوازم الوجوب. وأمّا على المسلك الثالث فلا يمكن إثباتها؛ فإنَّ الفقيه لو علم بأنَّ الدعاء عند رؤية الهلال واجبٌ ولم يكن مرخّصاً في تركه، لكان الدعاء عند آخر الشهر واجباً، ولو علم بأنَّه مستحبٌّ فالأمر يكون مستحباً.
فإن كان الفقيه يبني على الوضع أو الإطلاق يثبت لديه بدليل (ادعُ عند رؤية الهلال) وجوب الدعاء في أوّل الشهر بالمطابقة وعلى وجوب الدعاء في آخر الشهر بالالتزام؛ للعلم بأنَّه لو وجب هذا لوجب ذاك. والدليل حجّةٌ في كلا المدلولين المطابقي والالتزامي.
وأمّا على المسلك الثالث -أي: كون الدليل دالاً على الطلب فقط من دون تعرض للوجوب وإنّما الوجوب بحكم العقل-: فلا يمكن إثبات اللوازم كما هو واضح؛ لأنَّ حكم العقل مرجعه إلى لزوم الطاعة والامتثال، وليس له كشفٌ ونظرٌ إلى أحكام الشارع الأُخرى، فلا تكون اللوازم الأُخرى حجّة.
ثبوت دلالة السياق بناءً على الوضع، وسقوطها بناء على المبنيين الآخرين.
توضيحه: أنَّ مبنى الفقهاء في الفقه على أنَّه لو ورد في روايةٍ أوامر متعدّدةٌ، وثبت أنَّ بعضها ليست بواجبةٍ، وبعضها لا يُعلم بأنَّها واجبةٌ أو لا، كما لو ورد: إذا قمت إلى الصلاة فأذّن وأقم وكبّر سبعاً وادعُ بكذا وكذا، وعلمنا باستحباب الأذان والدعاء وشككنا بوجوب الإقامة، مبناهم على أنَّ وحدة السياق تقتضي
ــــــــــ[44]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الحمل على الندب أيضاً(1).
وهذه الدلالة بناءً على مسلك الوضع تامّة؛ فإنَّ مرجع دلالة السياق، إلى أنَّ هذه الكلمات المتشابهة التي وردت في سياق واحد يكون مدلولها العرفيّ واحداً، فإمّا أن يكون مدلولها جميعاً الوجوب أو يكون الاستحباب.
فإذا علمنا باستحباب الأوامر الأخرى ينثلم ظهور الباقي بالوجوب أيضاً.
وأمّا بناءً على مسلك حكم العقل، فالمدلول اللفظي هو أصل الطلب، والوجوب والاستحباب إنّما يكون بحكم العقل، فلا يمكن أن نثبت استحبابية (الإقامة) وعدم وجوبها ببركة وحدة السياق؛ فإنَّ وحدة السياق غاية ما تقتضيه هو وحدة المدلول اللفظي لهذه الكلمات، وهو على أيّ حالٍ واحدٌ. فلا مانع بناءً على هذا المسلك أن تكون الإقامة واجبةً، وما ذُكر قبلها وبعدها غير واجب، ولا يلزم من ذلك انثلام وحدة السياق؛ لأنَّ المدلول ليس إلَّا الطلب، وهو محفوظ.
وكذا الحال بناءً على الإطلاق -حسب التقريب الثاني الذي قرّبناه- فإنَّ الإطلاق يقتضي نفي الترخيص بالترك؛ فإنَّ غاية الأمر وجود كلماتٍ متعدّدةٍ تدلّ على الطلب، وإطلاقاتها تدلّ على أنَّ الطلب غير مرخّصٍ فيه، فلو ثبت من الخارج أنَّ بعض هذه المطلقات مقيّدة، فلا يلزم أن تكون كلّها مقيّدةً بل لعلّ بعضها غير مقيّد. كما لو ورد (أكرم العالم) و(أكرم الهاشمي) و(أكرم الكريم)،
ــــــــــ[45]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الفقيه 3: 9، كتاب الحج (الشاهرودي) 2: 396، المستند في شرح العروة الوثقى 14: 192.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وثبت تقييد الأوّلين بالعدالة، فلنا أن نتمسّك بإطلاق الثالث، فأصل المعنى
-على أيّ حال- محفوظٌ فيه، وهو الطلب.
فيما لو فرض وجود أمرٍ واحدٍ بشيئين، من قبيل: اغتسل للجمعة والجنابة، وعلمنا من الخارج بأنَّ غسل الجمعة ليس بواجب، فهل يمكن أن نثبت وجوب غسل الجنابة بمثل هذا الأمر أو لا؟
بناءً على المسلك الأوّل لا يمكن ذلك؛ لأنَّ الوجوب والاستحباب مدلول لفظي، فـ (اغتسل) إمّا أن تكون مستعملةً في الوجوب أو في الاستحباب أو في الجامع بينهما، أمّا استعمالها في الوجوب فهو غير محتمل؛ لأنَّ غسل الجمعة ليس بواجب. وأمّا استعمالها في الاستحباب أو الجامع ، فهو لا يبقي دلالةً على وجوب غسل الجنابة. ولا يمكن أن يقال: إنّها تستعمل في الوجوب بلحاظ غسل الجنابة، وفي الاستحباب بلحاظ غسل الجمعة؛ لأنَّ الوجوب بعد أن كان مدلولاً لفظياً، كان ذلك من استعمالها في معنيين، وهو غير ممكنٍ عرفاً.
وأما بناءً على مسلك الميرزا، فليس الأمر كذلك؛ فإنَّ (اغتسل) يكون موضوعاً للطلب، وهو مستعملٌ فيه على نحوٍ واحدٍ في الغسلين معاً، والوجوب إنّما هو بحكم العقل، فيمكن الالتزام بأنَّ غسل الجمعة ليس بواجبٍ عقلاً؛ لورود الترخيص في تركه، بخلاف غسل الجنابة.
وكذلك على مسلك الإطلاق -حسب ما قرّبناه- فإنَّ الأمر ينحلّ إلى أمرين، ومقتضى إطلاق كلّ منهما أنَّه طلبٌ لا رخصة في مخالفته، وأحدهما ثبت
ــــــــــ[46]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
تقييده من الخارج والآخر لم يثبت تقييده، وليس هذا من الجمع بين معنيين في الاستعمال، بل من باب التقييد في بعض الحصص، والإطلاق في بعضها؛ لأنَّ التقييد ضرورةٌ، والضرورات تقدّر بقدرها. كما لو ورد (أكرم العالم) وعلمنا باشتراط إكرام الفقيه بالعدالة، فتبقى الحصص الأخرى على الإطلاق. وهذا من باب الاقتصار في التقييد على القدر المتيقّن.
لو ورد أمرٌ بطبيعيّ فعل، من قبيل (أكرم العالم) وعلمنا من الخارج أنَّ إكرام العالم غير الفقيه ليس بواجب، فهل يمكن أن نثبت بهذا الدليل أنَّ إكرام غير الفقيه مستحبٌّ على أقلّ تقدير؟
إن بنينا على الوضع فلا يمكن إثبات الاستحباب؛ لأنَّ (أكرم) ظاهرٌ في الوجوب، وموضوعه العالم، وقد علمنا أنَّ غير الفقيه لا يجب إكرامه، فيخصّص بخصوص الفقيه، ويخرج غيره عن موضوع الدليل، وإذا خرج عنه فلا يبقى حجّةٌ على أصل الاستحباب أيضاً.
وأمّا على مسلك الميرزا، فبالإمكان أن نثبت مطلبين بنفس الخطاب: أحدهما: وجوب إكرام الفقيه، والآخر: استحباب إكرام غيره؛ لأنَّ مفاد (أكرم) هو الطلب، والعقل -حيث لم يرد ترخيص- يحكم بالوجوب في الفقيه، وفي غيره -حيث ورد الترخيص- يحكم بالاستحباب.
وكذلك الأمر بناءً على مسلك الإطلاق، فإنَّ مفاد (أكرم الفقيه) هو الطلب، ومقتضى إطلاقه أنَّه طلبٌ غير مرخّصٍ فيه، وهذا الإطلاق ثابتٌ في
ــــــــــ[47]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الفقيه، وساقطٌ في غيره. فلا موجب لرفع اليد عن أصل الدليل في غير الفقهاء، بل يبقى أصل الدليل ثابتاً، غاية الأمر نرفع اليد عن إطلاقه، والضرورات تقدَّر بقدرها.
ــــــــــ[48]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بعد أن ذكروا أنَّ لفظ الأمر موضوعٌ للطلب -كما تقدّم- وقع الكلام في تحقيق معنى الطلب، وهل هو صفةٌ قائمةٌ بالإنسان على حدّ قيام القدرة والإرادة أو هو فعلٌ نفسانيٌّ أو هو فعلٌ خارجيّ؟
ومن هنا وقع الكلام في تحقيق النسبة بين الطلب والإرادة، هل هو نفسها أو لا؟ فانجرّ الحديث الأصولي إلى حديثٍ كلاميٍّ وقع بين الأشاعرة والمعتزلة، حيث ذهب الأشاعرة إلى التغاير بينهما، والمعتزلة إلى أنَّه عين الإرادة(2).
وقد استدلّ الأشاعرة بعدّة أدلّة. وأحد هذه الأدلّة مبنيٌّ على مبناهم في الجبر، الأمر الذي جرّ هذه المسألة إلى مسألة الجبر والاختيار.
حيث قالوا(3): إنَّ هناك مقدّمتين مترتّبتين على بعضهما:
الأولى: أنَّ الإرادة التشريعيّة من قبل المولى لا يمكن أن تتعلّق بفعل غير
ــــــــــ[49]ــــــــــ
() من الجهات المعقودة لتحقيق حال مادّة الأمر. (المُقرِّر).
(2) انظر: بحوث في الملل والنحل 2: 327، غاية المرام في علم الكلام: 54، إحقاق الحق وإزهاق الباطل 1: 209.
(3) انظر: أبهى المراد في شرح علماء بغداد 2: 152،153، استقصاء النظر في القضاء والقدر: 56.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
مقدور للعبد، كالطيران إلى السماء، سلباً وإيجاباً.
الثانية: أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ فيهم من قبل الله تعالى، وليس لهم قدرةٌ عليها سلباً وايجاباً، فيثبت بذلك أنَّه يستحيل تعلّق الإرادة التشريعيّة من قبل الله تعالى بأفعال العباد، مع أنَّه لا إشكال في تعلّق الطلب من قبله، فإنَّ الله قد طلب الصلاة والصيام. وعلى ذلك فلا بدّ من الالتزام بأنَّ الطلب غير الإرادة.
ونحن لا يهمّنا التعرّض إلى المسألة الأولى أصلاً وأنَّ الطلب والإرادة أحدهما عين الآخر أو لا، إلَّا بمقدار ما يكون مرتبطاً بالمسألة الثانية، وهي مسألة الجبر والاختيار. ومن هنا لن نتعرّض إلى سائر أدلّة الأشعري على المغايرة بين الطلب والإرادة، وإنّما نقصر الكلام على مسالة الجبر والاختيار مختصراً.
وصفوة القول فيها: أنَّها تنحلّ إلى مسألتين: مسألة كلاميّة، ومسألة فلسفيّة.
أمّا المسالة الكلامية فالمقصود منها هو البحث الواقع بين الأشاعرة وغيرهم، حيث قال الأشاعرة بالجبر، وقال المعتزلة بالتفويض وقال الشيعة بالأمر بين الأمرين. وروح البحث في هذه المسألة إنّما هي في تشخيص الفاعل؛ فإنَّ هناك أفعالاً تصدر في الخارج من واجبات ومحرّمات ومباحات فمن هو الفاعل لهذه الأفعال؟
فمذهب التفويض(1) ذهب إلى القول بأنَّ الفاعل محضاً هو الإنسان، وليس
ــــــــــ[50]ــــــــــ
(1) انظر: أبكار الأفكار في أصول الدين 5: 60، جامع الأفكار وناقد الأنظار: 316، حقّ اليقين في معرفة أصول الدين: 102، مصنّفات ميرداماد: 223.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
لله نصيبٌ في هذه الفاعليّة. وذهب الجبرية إلى القول بأنَّ الفاعل محضاً هو الله دون الإنسان(1). والمذهب الثالث قال: بأنَّ كل منهما فاعل بالنحو المناسب له من الفاعليّة(2).
وأما المسألة الفلسفيّة فهي كبرى للمسألة الكلاميّة، فإنَّ روحها هو البحث بأنَّ فاعل هذا الفعل -مهما كان- هل يفعله اختياراً أو بلا اختيار، وهل أنَّ نسبة الفعل إلى فاعله اختياريّة أو لا.
ومن هنا يُعلم أنَّ الكلام في المسألة الأولى لا يكفي لحسم النزاع في باب الجبر والتفويض، فمثلاً لو ذهبنا إلى القول بالتفويض، فهذا وحده لا يكفي للقول بأنَّ الفعل اختياريٌّ للإنسان، فإنَّ الإحراق -مثلاً- ليس فعلاً اختيارياً للنار، بالرغم من أنَّه قد يُقال بأنَّ النار مستقلّةٌ به.
أمّا المسألة الكلامية، فيوجد فيها بدواً خمسة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن يكون الفاعل محضاً هو الإنسان، ولا نصيب لربّ العباد في الفاعليّة أصلاً. وهذا هو مذهب التفويض، ومرجعه إلى دعوى استغناء المعلول عن العلّة بقاءً؛ فإنَّ الإنسان وإن كان مخلوقاً لله تعالى، إلَّا أنَّه يحتاج إليه في أصل حدوثه لا في بقائه واستمراره؛ إذ لو كان محتاجاً لله بقاءً، لكان له تعالى نصيبٌ في الفاعليّة ولو طوليّاً. وإنكار هذا النصيب على الإطلاق
ــــــــــ[51]ــــــــــ
(1) انظر: الأربعين في أصول الدين: 8، الباب الحادي عشر: 156.
(2) انظر: إحقاق الحق وإزهاق الباطل 1: 415، جامع الأفكار وناقد الأنظار: 319.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
لا يتمّ إلَّا بناءً على أنَّ المعلول إنّما يحتاج إلى العلّة بحدوثه لا ببقائه(1).
وحيث إنَّ هذا المبنى ساقطٌ كما بُرهن في محلّه(2)، حيث ثبت أنَّ ملاك الحاجة إلى العلّة ثابتٌ حدوثاً وبقاءً، فلا يمكن انسلاخ الله تعالى عن الفاعليّة لهذا الفعل.
الاحتمال الثاني: أنَّ الفعل فعل الله سبحانه والإنسان منسلخٌ عن الفاعليّة بالمرّة، وإنّما هو محلٌّ قابلٌ لذلك لا أكثر، كالذي يفعله النجّار في الخشب، فإنّ الفعل فعل النجّار، والخشب قابلٌ له، وليس للإرادة ومبادئها القائمة بالإنسان أيّ تأثيرٍ في وجود هذا الفعل، وإنّما هو مجرّد صدفةٍ تتكرّر دائماً، وهو أنَّ فعل الله تعالى يقترن بإرادته.
وهذا الاحتمال هو الذي ينبغي أن يكون مقابلاً للوجدان المدّعى في كلماتهم، حيث قالوا: إنَّ هناك فرقاً بالضرورة بين حركة المرتعش وحركة غيره. وبحسب الحقيقة، فإنَّ هذا سارٍ في كلّ العلل والمعلولات في الكون، ولا يختصّ بالأفعال الاختياريّة. فقد يقال: إنَّ الإحراق ليس معلولاً للنار أصلاً، وإنّما هو فعل الله عزّ وجلّ، واقترانه بالنار صدفةٌ دائمةٌ بدون دخلٍ للنار فيه أصلاً. والوجدان الذي يُستعمل في سائر الموارد لنفي هذه الشبهة يُستعمل في المقام، وهو وجدانٌ سليمٌ كما أوضحناه في الأسس المنطقيّة للاستقراء(3).
ــــــــــ[52]ــــــــــ
(1) قال الشيخ الرئيس حاكياً عقيدة المفوِضّة في هذا المجال: (وقد يقولون: إنّه إذا أُوجِد فقد زالت الحاجة إلى الفاعل، حتى أنّه لو فقد الفاعل جاز أن يبقى المفعول موجوداً، كما يشاهدونه من فقدان البنّاء وقوام البناء)، انظر: الإشارات 3: 68.
(2) انظر: رسائل ومقالات 3: 91، لب الأثر في الجبر والقدر: 243.
(3) الأسس المنطقية للاستقراء: 421،422.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بقيت احتمالات ثلاثة جامعها هو التسليم بأنَّ لله وللإنسان نصيباً في الفاعليّة ولكلٍّ منها تصويرٌ مختلفٌ عن الآخر.
الاحتمال الثالث: أن يُقال: إنَّ كلاً من العبد والمولى له نصيبٌ في الفاعليّة لهذا الفعل، ولكن بمعنى أنَّ هذا الفعل له فاعلان طوليّان. فاعل أوّل وفاعلٌ للفاعل، فالفاعل المباشر هو عبارةٌ عن قدرة هذا الإنسان وسلطانه وعضلاته، وتمام قواه، والفاعل الآخر هو خالق هذه القوى؛ باعتبار أنَّها حدوثاً وبقاء مفاضةٌ من قبل الباري تعالى.
وهذا هو أحد الوجوه التي فُسّر بها الأمر بين الأمرين.
الاحتمال الرابع: أنَّ الفاعل المباشر لهذه الأفعال هو الله سبحانه، لكن الإرادة ومبادئها مقدّماتٌ اعداديّةٌ لصدور هذا الفعل من قبل الله تعالى من أجل قابلية المحلّ وجعله قابلاً للفيض.
وهو أيضاً أحد وجوه تفسير الأمر بين الأمرين.
الاحتمال الخامس: ذهب إليه عرفاء الفلاسفة ومتصوّفوهم(1)، وحاصله: أنَّ هذا الفعل له فاعلان: الله والعبد، وهاتان الفاعليّتان ليستا طوليّتين كما هو الحال في الاحتمال الثالث، كما أنَّهما ليستا عرضيتين كما هو الحال في الاحتمال الرابع، وإنّما هي فاعليّةٌ واحدةٌ، بنظرٍ تُنسب إلى العبد، وبنظر آخر تُنسب إلى الله، هذا على مبناهم في تصوير المخلوقات على أنَّها معانٍ حرفيّةٌ واستهلاكيّةٌ
ــــــــــ[53]ــــــــــ
() انظر: رسالة في سريان الوجود (صدر المتألهين): 142، كما أنَّ هذا الاحتمال ذكره العلّامة المجلسي في بحار الأنوار 5: 83.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وربطيّة. فكما أنَّ المعنى الحرفيَّ ليس له هويّةٌ في مقابل المعنى الاسمي، كذلك الموجودات بالنسبة إلى بارئها، فإذا نظر إلى هذه الموجودات بما هي تعلّقاتٌ واستهلاكاتٌ، فأفعالها عين فعل الباري تعالى، فإنَّ فعل المندكّ هو فعل المندك فيه. وبالنظر اللا اندكاكي هي أفعال الإنسان.
فهذه خمسة احتمالات: الأوّل ساقطٌ بالبرهان، والثاني ساقطٌ بالوجدان، والخامس مبنيٌّ على ذوقٍ صوفيّ في الوجود لا نفهمه، فنبقى نحن والاحتمال الثالث والرابع. وكلاهما معقولٌ وغير منافٍ للوجدان ولا للبرهان، ويمكن تفسير “الأمر بين الأمرين“ بهما.
هذا تمام الكلام في المسألة الكلاميّة.
إنَّ المسألة الكلاميّة وحدها لا تكفي لتعيين الجبر والاختيار؛ إذ بعد تعيين الفاعل يبقى السؤال عن أنَّه فاعلٌ بالاختيار أو لا؟
ومن هنا يُعلم أنَّ المسلك المعتزليّ بلا ضمّ عنايةٍ زائدةٍ لا يثبت الاختيار؛ لأنَّه يشخّص أنَّ الفاعل محضاً هو الإنسان، أمّا أنَّ دخله في الفاعليّة دخلٌ اختياريٌّ أو غير اختياريّ، فهو محتاجٌ إلى مؤونةٍ زائدةٍ وهي مؤونة المسألة الفلسفيّة.
نعم، المسلك الأشعريّ -الذي يشخّص الفاعل بالمولى تعالى- يكفي لنفي الاختيار عن الإنسان، لأنَّ الفعل إذا لم يكن فعله فمن الواضح أنَّه غير مختارٍ فيه؛ لأنَّ كلّ ذاتٍ غير مختارةٍ في أفعال غيرها، وإنّما هي مختارةٌ في أفعال نفسها.
ــــــــــ[54]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
والمسألة الفلسفيّة معقودةٌ لدفع شبهةٍ نشأت فلسفيّاً وأريد بها البرهان على إبطال الاختيار حتى بعد الاعتراف بأنَّ الفعل فعل الإنسان. وهي شبهةٌ مركّبةٌ من مقدّمتين:
الأولى: أنَّ الاختيار يتنافى مع الضرورة؛ لأنَّ الضرورة تساوق الاضطرار، فمهما كان صدور الفعل ضروريّاً من الفاعل، ولا يمكن عدم صدوره، فهذا معناه الاضطرار، مثل حركة المرتعش.
الثانية: أنَّ صدور الفعل من الإنسان بالضرورة، بمعنى أنَّه لا يصدر منه إلَّا إذا بلغ حدّ الضرورة. وما لم يكن عدمه ممتنعاً لا يصدر الفعل، وهذه الدعوى مستفادةٌ من قوانين العلّية التي تحكم عالم الإمكان(1)؛ حيث تقتضي أنَّ لكلّ ممكنٍ سبباً وعلّة، وأنَّ الممكن لا يمكن أن يوجد إلَّا إذا وجدت علّته، ومع وجودها يكون وجوده ضروريّاً، وهو المسمّى بالوجوب بالغير، وعدمه ممتنعاً وهو المسمّى بالامتناع بالغير.
وحيث إنَّ فعل الإنسان ممكنٌ فهو بحاجةٍ إلى علّة، ولا يعقل أن يوجد بدونها، ومع وجودها يكون وجوده ضروريّاً، ومع عدم العلّة يكون عدمه ضروريّ العدم. فهو في الحالتين ضروريّ.
فيثبت بمجموع المقدّمتين: أنَّ الإنسان ليس مختاراً في أفعاله؛ لأنَّ الاختيار ينافي الضرورة، وفعل الإنسان دائماً مسبوق بالضرورة.
ــــــــــ[55]ــــــــــ
(1) انظر: شرح المواقف 8: 146، الموقف الخامس: في الالهيّات، شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام 2: 336.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وقد اختلفت المسالك والمباني في كيفيّة التخلّص من هذه الشبهة، فبعضها ترجع إلى المناقشة في المقدّمة الأولى، وبعضها ترجع إلى المناقشة في المقدّمة الثانية.
وهو ما ذهب إليه مشهور الفلاسفة(1)، حيث ناقشوا في المقدّمة الأولى، مع الاعتراف بالمقدّمة الثانية، وقالوا: بأنَّ الاختيار لا يتنافى مع الضرورة، بل يتلاءم معها.
وذلك: لأنَّهم فسّروا الاختيار بأنَّ معناه: (إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل) يعني: إن أراد. ومن الواضح أنَّ هذه القضيّة الشرطيّة ناظرةٌ إلى الملازمة بين شرطها وجزائها، وليس لها نظرٌ إلى أنَّ شرطها هل هو موجودٌ بالضرورة أو مفقود بالضرورة؛ فإنَّ القضيّة الشرطيّة ليس لها نظرٌ إلى وجود شرطها وعدم وجوده.
إذن، هذه القضيّة صادقةٌ بصدق الملازمة، وقد يكون شرطها واجباً بالضرورة فيكون جزاؤها واجباً، وقد يكون شرطها ممتنعاً بالضرورة، فيكون جزاؤها ممتنعاً بالضرورة أيضاً، إلَّا أنَّ هذا لا يمسّ روح القضيّة الشرطيّة.
فقد يتّفق أن توجد في الإنسان علّةٌ توجِد الإرادة فيه بالضرورة، فيكون الجزاء وهو الفعل واجباً. وقد تكون الإرادة ممتنعةً فيكون صدور الفعل ممتنعاً بالغير. وعلى كلا الحالين فالقضيّة الشرطيّة صادقةٌ، وهي أنَّه لو أراد لفعل، من
ــــــــــ[56]ــــــــــ
(1) شرح المواقف 8: 57، القبسات: 312، شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام 5: 83.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
دون فرقٍ بين أن يكون وجوب الشرط -المستتبع لوجوب الجزاء- وامتناعه بالغير كما هو الحال في حقّ الإنسان، وبين إن كان وجوبه بالذات كما في إرادة الباري التي هي عين ذاته. إلَّا أنَّ وجوب الشرط أو امتناعه ذاتاً أو عرضاً لا ينافي صدق القضيّة الشرطيّة، التي هي روح الاختيار. فمتى لم تصدق القضيّة لم يثبت الاختيار كما هو الحال في المرتعش الذي لو أراد أن يوقف الحركة لما استطاع.
ومن هنا قالوا(1): بأنَّ ضرورة الفعل الناشئة من الإرادة تؤكّد الاختيار ولا تنافيه؛ لأنَّ الاختيار إنّما هو بصدق القضيّة الشرطيّة، فإذا ثبت أنَّ الصلاة تصبح ضروريّةً عند الإرادة، فهذا تأكيدٌ للملازمة بين الشرط والجزاء وتحقيقٌ بيّنٌ لصدق الشرطيّة؛ إذ لو لم يكن هناك ضرورةٌ ولابدّيّةٌ للصلاة على تقدير الإرادة لما كانت تلك الشرطيّة مضمونةَ الصدق.
وهذا هو مرجع ما قاله في الكفاية(2): من أنَّ الفعل الاختياري هو ما يكون صادراً عن الإرادة بمبادئها لا الصادر عن الإرادة الصادرة عن اختيار. وهذا الكلام مبنيٌّ على ما ذكرناه من تفسيرهم للاختيار. وبعد التسليم به يتمّ الاستدلال الذي ذكروه، إلَّا أنَّ الكلام في نفس صحّة هذا التفسير وهو: أنَّ الفعل الاختياري هو الفعل الذي تصدق عليه القضيّة الشرطيّة: لو شاء لفعل.
ــــــــــ[57]ــــــــــ
(1) انظر: شرح المواقف 8: 58، القبسات: 312، شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام 5: 83.
(2) انظر: كفاية الأصول: 68.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فإن كان هذا مجرّد اصطلاح للفلاسفة، فلا مشاحة في الاصطلاح، ولا معنى للنزاع فيه، وإن كان مرجعه إلى تشخيص معنى الكلمة لغةً، فأيضاً لا كلام لنا معهم فيه؛ لأنَّ البحث هنا ليس لغويّاً.
وإن كان منشأ الاستطراق إلى الفعل الاختياري هو تصحيح التكليف والحساب، حيث إنَّهما لا يتصوّران في حقّ من لا يكون الفعل اختيارياً له، فإنَّ الإنسان لا يحاسب على حركة أمعائه، ويحاسب على حركة أصابعه، ونحن نريد أن نعطي الفرق بين المطلبين، بقطع النظر عن كلمة الاختياري. فهذا بحثٌ واقعيّ.
فالكلام في ذلك تارةً يقع على مسلك الحُسن والقبح العقليّين، وأخرى بناءً على إنكارهما.
فإن تكلّمنا على ما هو الحقّ من التسليم بالحُسن والقبح العقليَّين، وأنَّ العقل يدرك حسناً وقبحاً واقعيّاً ثابتاً في نفس الأمر، فلا محصّل لكلِّ ما ذكرناه عنهم في المقام؛ لأنَّ الضرورة قاضيةٌ بأنَّ العقل الحاكم في باب الحسن والقبح لا يرى فرقاً أصلاً بين حركة الأمعاء التي تنشأ من الخوف مثلاً وحركة الأصابع التي تنشأ من الإرادة. فأيّ فرقٍ بينهما في نظر العقل من حيث صحّة العقاب في الثاني دون الأوّل؟!
فإنَّه كما أنَّ الخوف معلولٌ لأمورٍ داخليّةٍ وخارجيّةٍ، كذلك الإرادة معلولةٌ لأمورٍ خارجيّةٍ وداخليّةٍ.
فلا يبقى إلَّا أنَّ واضع لغة العرب سمّى الثاني اختياراً دون الأوّل. ولا فرق بينهما في حكم العقل، فينسدّ باب الحساب والعقاب.
ــــــــــ[58]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وأمّا بناءً على إنكار الحسن والقبح العقليَّين -كما ينكره الأشاعرة صريحاً(1) والفلاسفة مستتراً- حيث يقولون: إنَّهما من القضايا المشهورة وليست مضمونة الحقّانيّة(2).
نعم، تبقى عندنا مشكلة لغويّة التكليف؛ فإنَّ المرتعش وإن صحّ عقابه، إلَّا أنَّه ما هو الغرض في خطابه وعقابه؛ فإنَّه لا يغيّر من حاله شيئاً، فيمكن أن نقول في المقام: إنَّ الفعل الذي ينشأ من الإرادة وإن كان غير اختياريٍّ حقيقةً، بل هو كالفعل الناشئ من الخوف، إلَّا أنَّ له خصوصيّةً وهي أنَّه يمكن التدخّل في تغييره تشريعاً بنحوٍ لا اختياريٍّ أيضاً؛ فإنَّ الذي يشتهي المال الحرام وعلم أنَّه يضرب عليه سياطاً، فسوف يمتنع عن ذلك، بينما الخائف لو علم أنَّه يضرب على خوفه سياطاً، فلن يتغيّر خوفه. ومعه لا يكون العقاب والخطاب في حقّه لغواً صرفاً.
هذا صفوة ما ينبغي أن يُقال في التعليق على هذا المسلك.
وهو يسلِّم بالمقدّمة الأولى للشبهة وينكر المقدّمة الثانية، ويقول: بأنَّ الضرورة غير ثابتةٍ في أفعال الإنسان، تشكيكاً منهم في أصل الضرورة وأصل لزوم وجود المعلول بوجود العلّة؛ فإنَّ الشبهة كانت ناشئةً من ضرورة وجود المعلول عند وجود علّته، وأمّا إذا أنكرنا ذلك وقلنا بأنَّ الحادث ليس ضروريّاً،
ــــــــــ[59]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الإسلاميين 1: 258، أبكار الأفكار في أصول الدين 2: 117، أبهى المراد 2: 59، توضيح المراد: 528.
(2) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 104.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يمكن أن يوجد بصفة الإمكان بدون أن يخرج إلى الوجوب.
وهذا المسلك مال إليه بعض المتأخّرين من الفلاسفة غير المسلمين(1)، حيث تخيّلوا أنَّهم إذا أنكروا قانون ضرورة العلّية يمكن أن يدفعوا شبهة الجبر؛ إذ لا تبقى ضرورةٌ لفعل الإنسان، بل يكون باقياً على الإمكان حتّى عند صدوره، ومع عدم الضرورة يكون الاختيار ثابتاً.
وهذا المسلك حاله حال أصل الشبهة فقد وقع كلاهما في الخطأ؛ فإنَّ أصل الشبهة جعلت الضرورة بقولٍ مطلقٍ منافياً مع الاختيار، وهذا المسلك جعل الإمكان مساوقاً مع الاختيار، وكلاهما غير صحيح.
أمّا الأوّل: فهو واضح، فإنَّ الضرورة إذا كانت في طول الاختيار فلا تكون منافيةً للاختيار، وإذا لم تكن في طوله كانت منافيةً له.
ومعه لا بُدَّ من البحث في أنَّ ضرورة الفعل في طول الاختيار هل هي ناشئةٌ منه أو غير ناشئةٍ منه؟ فإن كانت ناشئةً منه فلا يعقل أن تكون منافيةً معه. نعم، لو كانت ضرورةً أجنبيّةً عن الاختيار فإنَّها تكون منافيةً معه.
ولمعرفة ذلك لا بُدَّ من معرفة معنى الاختيار، فإنَّ الفلاسفة فسّروه بالإرادة: إن أراد فعل(2). وقلنا: إنَّ هذا التفسير ليس صحيحاً، ويأتي الكلام في ذلك(3).
ــــــــــ[60]ــــــــــ
() على رأس المُنكِرين لقانون العلّية والسببيّة هو (ديفيد هيوم)، انظر: تاريخ الفلسفة الغربية (برتراند رسل) 3: 219.
(2) انظر: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة 6: 388.
(3) أنظر: ص65.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وأما الثاني: فهو أنَّ أصحاب هذا المسلك تخيّلوا أنَّ نفي الضرورة من العلّية مساوقٌ مع الاختيار، مع أنَّ هذا ليس بصحيح، فإنَّ مجرّد كون الفعل ليس ضرورياً لا يكفي في كونه اختياريّاً للفاعل، فإنَّ نفي ضروريّة العلّية معناه التسليم بالصدفة؛ فإنَّ هناك أحد فرضين:
إمّا أن نقول بوجود الشيء طبقاً لقانون العلّية.
أو نقول: إنَّ الممكن المتساوي الوجود والعدم يوجد بلا علّة.
ومن المعلوم أنَّ الصدفة بمجرّدها لا ينتزع منها العقل معنى الاختيار، فإذا غلى الماء صدفةً، فهل نقول إنَّ الغليان فعلٌ اختياريٌّ للماء؟!
وهذا يثبت أنَّ الاختيار ليس مساوقاً لتعطيل مبادئ العلّية وتسليم الإمكان المحض، فلا يتمّ هذا المسلك.
وحاصله: أنَّ الكائنات التي تعيش في ظلّ هذه الطبيعة مختلفةٌ في تحديد مجال سيرها، فإنَّ كلّ كائنٍ يوجد في مجال الطبيعة فهو محدّدٌ لا محالة، وهناك حدودٌ مفروضةٌ عليه قسراً من الطبيعة، وقد يفرض أنَّ الطبيعة قد حدّدت لهذا الكائن خطاً معيّناً له من السير، ولا تسمح له بالبديل، كالحجر الذي نقذفه إلى الأعلى فينزل، بحيث يمكن التنبّؤ بالدقّة مسبقاً عن هذا الشيء.
وقد يتّفق أنَّ الكائن قد أُعطيت له فرصةٌ لتصرّفاتٍ عديدةٍ على سبيل البدل، بحيث -حينما نلحظه- لا يمكن أن نتنبّأ بالدقّة بتصرّفاته، فإذا ألقيتَ حجراً على حيوانٍ فسوف يهرب، لكن أين يهرب، لا نعلم؛ لأنَّ الطبيعة لم تقيّده
ــــــــــ[61]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بالمقدار الذي قيّدت الحجر.
وأوسع من ذلك فرصة الإنسان؛ باعتبار أمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ غرائزه أكثر من غرائز الحيوان، فإنَّ فيها ميولاً روحيةً مضافاً إلى الجسدية؛ ولذا لا يمكن التنبّؤ بتصرّفه، فلعلّه يقف ويتحمّل الحجر ولا يهرب.
والأمر الثاني: أنَّ لديه عقلاً يتحكّم بالغرائز والميول، ويدرك المصالح والمفاسد، ولهذا تكون التصرّفات البديلة عنده أوسع ممّا لدى الحيوان، ولذا ينتزع من الإنسان عنوان الاختيار، فهو معنىً ينتزعه العقل من منطقة الفراغ والفرصة التي تعطيها الطبيعة للكائن في تصرّفاته.
وهذا الكلام وإن صدر من جملةٍ من الفلاسفة المحدثين إلَّا أنَّه لا محصّل له؛ لأنَّ هذا الكلام مرجعه إلى أنَّ الاختيار أمرٌ وهميّ، وليس أمراً حقيقياً.
توضيحه: أنَّ قولهم: إنَّ الفرصة المتاحة للحيوان أكبر من الفرصة المتاحة للحجر، وأنَّ الفرصة المتاحة للإنسان أكبر من فرصتهما. هذا في الحقيقة بالنسبة إلى الملاحظ الذي لم يطَّلع على كل الخصوصيّات والنكات، وأمّا الذي يكون مطّلعاً على كلّ النكات الدخيلة في تصرّف الحيوان أو الإنسان، فسوف يتنبّأ حتماً بشكل التصرّف. فالاختيار عنوانٌ يتوهّمه العقل، بسبب غموض الجهات الدخيلة في تصرّفه. وإلَّا فإنَّه لو التفت إلى كلّ الخصوصيّات لكان حال الإنسان حال الحجر، يمكن التنبّؤ بكيفيّة سيره.
وهذا هو عين القول بالجبر وليس دفعاً للشبهة.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهو الذي اختاره النائيني(1) في دفع الشبهة، حيث سلّم بالمقدّمتين معاً، ولكن لم يقبل إطلاق المقدّمة الثانية، فإنَّ قانون العلّيّة لا يشمل بإطلاقه الأفعال الاختياريّة للإنسان. وحاصل ما أفاده: أنَّ حدوث أيّ حادثةٍ لمحض إمكانها الذاتيّ أمرٌ غير معقول؛ فإنَّ الإمكان الذاتيّ معناه أنَّ وجودها وعدمها على حدٍّ واحدٍ، والإمكان بهذا المعنى نسبته إلى الوجود والعدم نسبةٌ واحدةٌ، فكيف يكون منشأً للوجود أو للعدم، فإنَّ ترجيح الوجود على العدم يحتاج إلى أمرٍ زائدٍ على الإمكان الذاتي. وهذا الأمر الزائد هو أحد شيئين:
أحدهما: العلّة التامّة، الموجبة لوجود الحادثة، بالضرورة.
ثانيهما: إعمال القدرة، فإنَّه قد يتّفق أنَّ الحادثة يكون لها إمكانٌ ذاتيٌّ وليس لها علّةٌ موجبةٌ له، ولكن يكون هناك شيءٌ يسمّيه الميرزا بإعمال القدرة، وهو يكون معوّضاً عن العلّة الموجبة، بمعنى أنَّ الإنسان الذي له قدرةٌ على جملةٍ من الأفعال، بعد أن تتمّ مبادئ الإرادة فيه، يبقى الفعل تحت قدرته فله أن يعملها ويأتي بالفعل أو أن لا يعملها. ولا يسوقه الشوق بالقهر إلى أن يأتي بالفعل.
فإذا قلنا: إنَّ الفعل مستندٌ بالضرورة إلى الشوق وهو من مبادئ الإرادة، لكان فعلاً غير اختياريٍّ للإنسان، على ما عرفناه من مسلك الحكماء. وأمّا إذا قلنا: إنَّ هذه المبادئ كلّها يمكن أن تتمّ، فحينئذٍ للإنسان أن يوجد الشيء أو أن لا يوجده. إذن ، إعمال القدرة يكون أمراً بديلاً للعلّة الموجبة.
ــــــــــ[63]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 131-133، أجود التقريرات 1: 89-91.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وحينئذٍ في غير الأفعال الاختياريّة، ينحصر وجودها بالعلّة الموجبة، وأمّا الإنسان فلا ينحصر إيجاده للفعل بذلك، بل يمكن إيجاده بإعمال القدرة.
هذا الذي ذهب إليه النائيني ينحلّ إلى مطلبين: إجماليّ وتفصيليّ. والإجماليّ صحيحٌ على ما يأتي توضيحه، والتفصيليّ محلّ إشكالٍ ومناقشة.
أمّا المطلب الإجمالي الصحيح، فهو قوله(1): بأنَّ مبادئ العلّية التي تحكم بأنَّ كلّ حادثةٍ لا توجد إلَّا بعلّةٍ موجبةٍ، هذا القانون لا بُدَّ من رفع اليد عن إطلاقه في الأفعال الاختياريّة، فإنَّنا لو التزمنا به(2) للزم أن نذهب إلى المسلك الأوّل وهو مسلك الحكماء، فإنَّ الفعل معلولٌ للإرادة والإرادة معلولةٌ لعللها، فلا يبقى معنى للاختيار، بل هناك شيءٌ آخر يعوّض عن الوجوب بالعلّة، يصلح أن يكون أساساً لوجود الحادثة، أمّا ما هو البديل للوجوب بالعلّة، فسيأتي فيما بعد(3).
وأمّا المطلب التفصيلي من كلامه، وهو ما أوضح به ذلك المطلب الإجمالي، فهو محلّ المناقشة والكلام؛ فإنَّه قال: إنَّه يوجد في عالم الأفعال الاختياريّة فعلان للنفس، أحدهما خارجيّ: كالصلاة. والآخر نفسانيّ، وهو أسبق رتبةً من الفعل الخارجي. فإنَّ الإنسان بعد أن يتصوّر الصلاة ويصدّق بفائدتها وينقدح في نفسه الشوق الشديد إليها، لا يحصل وجوبٌ تكوينيٌّ للصلاة؛ لأنَّ قانون: أنَّ الشيء ما
ــــــــــ[64]ــــــــــ
() انظر: أجود التقريرات 1: 91.
(2) وأنَّ نسبة الفعل الاختياري إلى الإرادة هي نسبة المعلول إلى العلّة. (المُقرِّر).
(3) أنظر: ص67 وما بعدها.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
لم يجب لم يوجد، غير سارٍ هنا. فالصلاة حتى بعد الإرادة تبقى على إمكانها والنفس بإمكانها أن تتحرّك وأن لا تتحرّك، فيصدر من النفس عملان طوليّان:
أحدهما: تحرّك النفس نحو الصلاة، يعني: تأثير النفس في إيجاد الصلاة، ونسبته إلى النفس نسبة الفعل إلى الفاعل، لا نسبة العرض إلى محلّه، كالإرادة التي نسبتها نسبة العرض إلى محلّه. وذلك هو اختيار النفس للصلاة؛ فإنَّها تختار أن تصلّي فتصلّي، فالاختيار عملٌ نفسانيٌّ وهو في طول الأوّل.
ثانيهما: الصلاة الخارجيّة، وهذه الصلاة وإن أصبحت ضروريّةً بعد اختيار النفس لها، لكنّ هذه الضرورة لا تنافي الاختيار؛ لأنَّها ضرورةٌ نشأت من الاختيار؛ إذ نشأت من العمل الأوّل وهو عين اختيار النفس وإعمالها لقدرتها، والضرورة في طول الاختيار لا تنافي الاختيار.
وعند ملاحظة هذين الأمرين الطوليَّين نراهما اختياريَّين حقيقةً. أمّا الأوّل وهو تحرّك النفس فهو اختياريٌّ لأنَّ هذا الفعل لم يجب، ولم يصبح ضرورياً بالإرادة حتّى يلزم خروجه عن الاختيار، فهو باقٍ على الإمكان والجواز. وأمّا الثاني وهو الفعل الخارجي كالصلاة، فهي -أي: الصلاة- وإن أصبحت ضروريّة بعد الاختيار لكن هذه الضرورة لا تنافي الاختيار، لأنَّها نشأت من الاختيار. إذن، كِلا الفعلين أصبح اختياريّاً.
ولنا حول هذا التفصيل عدّة تعليقات:
أوّلاً: أنَّ ما ذكره الميرزا من أنَّ الفعل الأوّل للنفس هو عبارةٌ عن تأثير النفس واختيارها وإعمالها لإمكاناتها في إيجاد الصلاة، هذا ليس فعلاً آخر غير
ــــــــــ[65]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الفعل الخارجي، فإنَّ الإعمال عين العمل، والتأثير عين الأثر؛ فإنَّها عناوين منتزعةٌ من شيءٍ واحدٍ وجوداً، فإنَّ أحدهما عين الآخر وجوداً ومصداقاً، وإن اختلفا مفهوماً؛ فإنَّ الإيجاد هو نفس الوجود لكن منسوباً إلى العلّة.
ثانياً: أنَّ إدخال فرضية هذا العمل النفساني في البحث لا دخل له في حلّ الشبهة؛ لأنَّ كلّ ما يقوله هو في العمل النفساني يمكن أن نقوله ابتداءً في العمل الخارجي. فلو لم نقبل هذه الفرضية، وقلنا بوجود فعلٍ واحدٍ وهو الصلاة، مع ذلك يمكن أن تندفع الشبهة بأن نلتزم في هذا العمل الواحد بما التزم به الميرزا في العمل النفساني، وأنَّه غير مشمولٍ لقانون العلّية.
وإن كان هذا لا يكفي في دفع الشبهة، فتأثير العمل وفرض عملين لا يكفي لدفعها.
ثالثاً: أنَّنا إذا لاحظنا الفعل النفساني ولاحظنا الفعل الخارجي، فسوف نرى أنَّ الفعل الخارجي ينطبق عليه قانون العلّية؛ لأنَّ له علة، وهو الفعل النفساني، وأمّا إذا لاحظنا الفعل النفساني نفسه، فقد ذكر أنَّه خارجٌ تخصيصاً عن قانون العلّية (ما لم يجب لم يوجد)، وهذا حيث إنَّه تخصيصٌ في قاعدةٍ عقليّةٍ، فلا بُدَّ من السؤال عن مصحّح هذا الفعل النفساني.
فإن قيل(1): إنَّ المصحح لوجوده هو مفهوم الوجوب، فهو خلف خروجه عن قانون العلّية، وإلَّا لابتلينا بالجبر.
وإن كان مصحّحه الإمكان الذي هو مفهومٌ سلبيّ، فيبقى هذا السؤال
ــــــــــ[66]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 132، أجود التقريرات 1: 91.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهو أنَّه لماذا أصبح الإمكان مصحّحاً لحدوث ذلك دون الحوادث الأخرى؛ لأنَّه ليس خروجاً تعبّديّاً، وإنَّما هو خروجٌ تابعٌ للملاكات العقليّة.
مع أنَّ الإمكان لو كان هو المصحح لوجوده لكان معناه: أنَّ وجوده صدفةٌ؛ لأنَّ نسبة الإمكان إلى الوجود والعدم على حدٍّ واحدٍ. وقد قلنا: إنَّ الصدفة غير الاختيار، وقد يقال: إنَّ هذا الفعل النفساني أو الهجمة مصحّحها هجمةٌ قبلها، وهذا يلزم منه التسلسل.
وأمّا ما ذكره الميرزا من أنَّ المصحّح لوجود الفعل هو إعمال القدرة، فهو غيركافٍ للجواب عن هذا السؤال؛ فإنَّنا نتكلّم عن مصحّح وجود هذا الإعمال، هل هو الوجوب أو الإمكان. وكلاهما لا يتمّ، كما عرفنا.
ومن هنا كان لا بُدَّ -توضيحاً لهذا البيان أو إيضاحاً لواقع مراد الميرزا- من طرح مفهومٍ ثالثٍ إلى جانب الإمكان والوجوب بالعلّة، وهو السلطنة. فالإمكان بما هو إمكانٌ، لا يصحّح وجود شيءٍ، لا في صقع النفس، ولا في صقع الطبيعة، وأمّا الوجوب بمعنى الضرورة الناشئة من العلّة التامّة، فلا شكّ أنَّها مصحّحةٌ لوجود الشيء، إلَّا أنَّها منافيةٌ مع الاختيار.
وأمّا السلطنة، فهي عبارةٌ عن أنَّ الذات لها أن تفعل ولها أن لا تفعل، وهو مفهومٌ ثالثٌ مغايرٌ للإمكان والوجوب ذاتاً ونتيجةً.
ومن هنا نأتي إلى توضيح أصل المطلب لذلك المعنى المجمل من كلام الميرزا الذي قلنا إنَّه صحيحٌ في نقاط:
ــــــــــ[67]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
النقطة الأولى: أنَّ قاعدة الوجوب بالعلّة (إنَّ الشيء ما لم يجب بالعلّة لا يوجد) لو كانت قاعدةً قد قام عليها البرهان، فلا معنى للالتزام بالتخصيص فيها، ولكنّ الصحيح أنَّها ليست قاعدةً مبرهنةً إنّما هي قاعدةٌ وجدانيّةٌ، لا يمكن إقامة البرهان عليها، فهي من المدركات الأوّليّة للعقل، كما تعرّضنا لذلك في الأسس المنطقية(1) وقلنا: إنَّ الاستدلال عليها دورٌ واضحٌ.
ومن هنا لا بُدَّ من الرجوع إلى حكم الفطرة السليمة التي أدركت هذه القاعدة.
النقطة الثانية: في تشخيص ما هو مقتضى الفطرة السليمة؛ وحاصل الكلام في ذلك: أنَّ الفطرة السليمة تحكم بأنَّ الإمكان وحده لا يكون مصحّحاً لوجود الشيء، بل لا بُدَّ من مصحّح وراء الإمكان. وهناك أمران لو ثبتا لرأى العقل مصحّحيّتهما:
أحدهما: العلّة الموجبة، فإنَّها توجب خروج الممكن عن التساوي وترجّح أحد الطرفين على الآخر فيوجَد.
ثانيهما: السلطنة، فلو وجدت ذاتٌ في العالم وكان لها سلطنةٌ، فالسلطنة أيضاً مصحّحةٌ لصدور الفعل فإنَّها تشترك مع الإمكان والوجوب في شيء، وتمتاز عنهما في شيء، فهي تشترك مع الإمكان الذاتي في أنَّ نسبتهما إلى الوجود والعدم على حدٍّ واحدٍ، ولكنّ السلطنة تمتاز عن الإمكان بأنَّ الإمكان لا بُدَّ فيه من ضمّ مرجّحٍ لأحد الطرفين لكي يوجد، فإنَّه لوحده لا يكفي في الوجود.
ــــــــــ[68]ــــــــــ
(1) انظر: الأسس المنطقية للاستقراء: 112-114.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وأمّا السلطنة، فيستحيل أن نفترض فيها أنَّها بحاجةٍ إلى إضافةٍ ليتحقّق هذا أو ذاك، فإنَّ هذا خلف مفهوم السلطنة؛ لأنَّ هذا معناه عدم وجود السلطنة؛ ومعنى السلطنة أنَّ له أن يفعل و له أن يترك، فإن كان لا يفعل أو يترك إلَّا بضميمة لانتفت السلطنة ويبقى الإمكان على حاله.
كما أنَّ السلطنة تشترك مع الوجوب بالعلّة في شيءٍ وتختلف في شيء، فهي تشترك معه في أنَّ الوجوب بالعلّة يكفي لصدور الشي بلا ضمّ ضميمةٍ وكذلك السلطنة. وتمتاز السلطنة على الوجوب في أنَّ صدور الشيء من العلّة الموجبة ضروريٌّ في حين أنَّ صدور الفعل مع السلطنة لا يكون ضروريّاً، وإلَّا كان خلف السلطنة، ففرقٌ بين (له أن يفعل) و (أنَّ عليه أن يفعل).
ومن هنا ينتزع العقل من السلطنة عنوان الاختيار، ولا ينتزعه، لا من الوجوب ولا من الإمكان لو أمكنت الصدفة.
النقطة الثالثة: والكلام فيها حول أنَّ هذه السلطنة هل هي موجودةٌ في العالم أو لا؟ بنحو الموجبة الجزئيّة يمكن أن نقيم البرهان على وجودها وتعيّنها في الله تعالى. وهذا خارجٌ عمّا نحن بصدده.
والكلام في أنَّ السلطنة هل هي موجودةٌ في الإنسان أيضاً؟ وهذا لا يمكن إقامة البرهان عليه، بل لا بُدَّ في إثباته إمّا بالرجوع إلى الوجدان أو إلى الشرع.
فإمّا أن نرجع إلى تقريبٍ يقول: بأنَّنا بعد أن نصدّق بالفائدة من الفعل ونشتاق إليه ونريده، نحسّ بوجداننا أنَّنا يمكننا أن نفعل ويمكننا أن لا نفعل. فنحسّ بالسلطنة بالوجدان .
ــــــــــ[69]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أو بتقريبٍ آخر يقول: إنَّ كثيراً ما يتّفق أنَّ الإنسان يختار أحد الفردين دون مرجّح فيه أصلاً، وإنّما المرجّح في الجامع كطريقي الهارب، ورغيفي الجائع، فلو كان قانون العلّية نافذاً عليها لمات جوعاً. وأمّا بقانون السلطنة، فيستطيع ترجيح أحد الطرفين بلا مرجّح.
وقد يقول الفلاسفة: إنَّ المرجّح موجودٌ في مبدأ أعلى منه في علم الباري، وبذلك يبطل هذا البرهان، ولكنّنا نقطع بالوجدان أنَّ هناك في بعض الموارد ترجيحاً بلا مرجّح.
وبهذا يتّضح أنَّ حصيلة هذا البحث هي تنقيح الكبرى كفرضية، وهي أنَّ السلطنة بنفسها قانونٌ مقابل قانون العلّية، وبذلك يندفع برهان الجبر. وأمّا إقامة البرهان على صغرى هذه الكبرى وهي وجود السلطنة فهو لا يكون برهانياً، بل يرجع إلى الوجدان أو المصادر الشرعيّة. وبهذا ينتهي مبحث اتّحاد الطلب والإرادة(1).
بقي أمران ينبغي التنبيه عليهما في نهاية المسألة الكلاميّة والمسألة الفلسفيّة:
الأمر الأول: أنَّ بعض الاحتمالات الخمسة التي طرحناها في المسألة الكلامية يسقط على ضوء ما قلناه في المسألة الفلسفيّة:
فإنَّنا في المسالة الفلسفيّة ذكرنا وجود مؤثّرين بالفعل في إيجاد الفعل من الإنسان. وفي المسألة الكلامية ذكرنا لذلك احتمالين:
ــــــــــ[70]ــــــــــ
() عطلة شهر رمضان المبارك. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أحدهما: أنَّ الفعل فعل الإنسان بقواه، وهو (الإنسان) بقواه فعل الله تعالى. والآخر: أن يكون الله تعالى هو الفاعل لفعل الإنسان؛ إذ لا فاعل ولا خالق سواه. وأمّا دخل الإنسان في هذا الفعل فهو بمعنى أنَّه مقدّمةٌ إعداديّةٌ. وقلنا بأنَّ كلا هذين الاحتمالين بلحاظ ما هو المهمّ في المسألة الكلاميّة -وهو إثبات الأمر بين الأمرين- على حدٍّ واحدٍ ولا يوجد وجدانٌ على إبطالها، كالوجدان الذي يُبطل مذهب الاشعري، ولا برهان كالبرهان الذي يُبطل كلام المعتزلي.
ولكن على ضوء المسألة الفلسفيّة بعد أن ثبت أنَّ صدور الفعل من الإنسان بالاختيار والسلطنة، لا بالجبر والضرورة، فلا بُدَّ من الالتزام بأنَّ الاحتمال الثاني من ذينك الاحتمالين غير صحيح، فإنَّ مرجعه إلى الجبر؛ إذ لو التزمنا بأنَّ الفعل فعل الله تعالى وأنَّ الإرادة مقدّمةٌ إعداديّةٌ لصدور الفعل، فما هو دخل الإنسان في صدوره بعد أن فرضنا أنَّه ليس بفاعل لهذا الفعل؟
وأمّا الإرادة نفسها فأيضاً لا يمكن أن نلتزم أنَّها من فعل الله؛ لأنَّ المفروض في هذا الوجه حصر الفاعليّة بالله عزّ وجلّ، فلا يتصوّر انتسابٌ فاعليّ للإنسان لا بالنسبة إلى الفعل الداخلي ولا بالنسبة إلى الفعل الخارجي، فأين الاختيار؟
ومعه فلا بُدَّ من طرح هذا الاحتمال والأخذ بالاحتمال الأوّل من هذين الاحتمالين.
الأمر الثاني: أنَّ هذا الاختيار الذي ثبت للإنسان في المسألة الفلسفيّة ليس
ــــــــــ[71]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
اختياراً مطلقاً؛ لوضوح أنَّ الإنسان ليس مختاراً في كلّ شيءٍ في العالم، فإنَّه ما أكثر الأشياء التي تقع رغم أنفه، وإنّما له اختيارٌ محدودٌ وضابطه: تلك الأفعال والتروك التي يكون للاعتقاد بالمصالح والمفاسد تأثيرٌ فيها، فكلّ فعل هو كذلك، يكون داخلاً تحت السلطنة التي حقّقناها.
ويدخل تحت هذا الضابط أمران:
الأوّل: الأفعال الخارجيّة كالصلاة والمشي.
الثاني: الإرادة والشوق والقصد إلى هذه الأفعال.
أمّا الأمر الأوّل فمن الواضح انطباق هذا الضابط عليه؛ فإنَّ للاعتقاد بالمصالح والمفاسد أثراً في إيجادها.
وأمّا الأمر الثاني فتطبيق الضابط عليه قد يكون بأحد وجهين:
الوجه الأوّل -وهو الصحيح-: أنَّ تطبيق هذا الضابط للاختيار على القصد والإرادة يكون باعتبار تأثيرها بالاعتقاد بالمصلحة بالمراد. فإنَّه حينما يعتقد بالمصلحة بالقيام يريد أن يقوم، وبهذا الاعتبار كانت داخلةً تحت الاختيار، ويصحّ تعلّق التكليف بها، فيوجب عليه حبّ أمير المؤمنين.
الوجه الثاني: أن يدّعى أنَّ الإرادة يمكن نشوؤها من مصلحة في نفسها دون أن تكون هناك مصلحةٌ في المراد، فلو لم تكن هناك مصلحةٌ في القيام ولكن قال له شخص: إنَّك لو أوجدت في نفسك إرادة القيام، فأعطيك ديناراً، بحيث يكون الجعل على الإرادة لا على القيام.
ــــــــــ[72]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ومن هنا وقع الكلام في أن الإرادة هل يمكن أن تنشأ من مصلحةٍ في نفسها من دون أن تكون المصلحة في المراد أو لا يمكن؟
قد يقال: إنَّه ممكنٌ وواقعٌ عرفاً في جملةٍ من الموارد، نذكر منها موردين:
المورد الأوّل: ما إذا فُرض أنَّ الشخص كان يريد أن يصوم وهو مسافر، قالوا: إنَّه يقصد إقامة عشرة أيّام ليصحّ صومه. وهذا المكث ليس فيه أيّ مصلحةٍ له، ولكنّه يقصده للتوقّف الشرعي عليه، فلو نوى الإقامة وخرج قبل العشرة صحّ صومه، بلا إشكال.
إلَّا أنَّ المحقّق العراقي(1) ذكر أنَّ نشوء الإرادة من مصلحةٍ في نفسها مستحيلٌ؛ للزوم الترجيح بلا مرجّح؛ لأنَّه إذا فرض أنَّ الفعل والترك على حدٍّ سواءٍ بالنسبة إلى المكلّف، فاقتضاء الفعل واستدعاؤه للإرادة دون الترك يكون ترجيحاً بلا مرجّح، وهو مستحيل.
والكلام يقع أوّلاً في أصل معقوليّة ذلك، وثانياً في هذا الفرع الفقهي.
الجهة الأولى: في أصل المعقوليّة، وأنَّه هل يمكن أن تنشأ الإرادة من مصلحةٍ في نفسها. والصحيح ما ذكره المحقّق العراقي من عدم المعقولية؛ فإنَّ الحبّ والبغض دائماً تعلّقيّ وتبعيّ، فلا ينشأ من مصلحةٍ في نفسه، بل من مصلحة متعلّقه. وليس البرهان عليه ما ذكره المحقّق العراقي، فإنَّ جوابه واضح. لأنَّ المرجّح موجود، ولكنه قائمٌ بنفس الإرادة لا في المراد.
ــــــــــ[73]ــــــــــ
(1) انظر: بدائع الأفكار (العراقي) 1: 207،208، نهاية الأفكار 1: 173.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إذن، لا بُدَّ -قبل أن نصل إلى كلام المحقّق العراقي- أن ندّعي بنحو المصادرة أنَّ الإرادة لا يمكن أن تنشأ عن مصلحة في نفسها؛ فإنَّه في عالم التكوين لا بُدَّ أن يطلب كلّ معلول من علّته، فإنَّ الإحراق يطلب من النار لا من الماء. وكذلك الإرادة جعلت لها علّةٌ مختصّةٌ، وهي الاعتقاد بالمصلحة في المتعلّق، فلا يمكن أن تطلب الإرادة من علّةٍ أخرى. وهذه مصادرةٌ وجدانيّةٌ، وما ذكره المحقّق العراقي يكون في طول هذه المصادرة.
الجهة الثانية: أنَه ما هو علاج هذا الفرض الذي تعرّض له جملةٌ من الأصوليّين. وهو أنَّ المكلّف لم تكن له أيّ مصلحةٍ في إقامة عشرة أيّام، ولكنّه يريد أن يصحّح صومه، وهو متوقّفٌ على قصد الإقامة. فقد نشأت الإرادة والقصد عن مصلحةٍ في نفس الإرادة لا في المقصود والمراد، فكأنَّ هذا نقضٌ على القول بالاستحالة.
وقد ذكر المحقّق العراقي أنَّ قصد الإقامة نشأ من مصلحةٍ قائمةٍ لا بالقصد محضاً، بل بحصّةٍ خاصّةٍ وهي الإقامة القصديّة، فتكون الإقامة بلحاظ بعض أبواب وجودها محطّاً للمصلحة، فلا يلزم النقض.
وهذا الكلام يحتاج إلى تمحيص؛ فإنَّه يُحتمل فيه أحد أمرين:
أحدهما: أن يريد بالحصّة الخاصّة من الإقامة: أنَّ المصلحة التي يتوخّاها المسافر قائمةٌ بالقصد، على نحو القيد والمقيّد، بحيث يكون محط المصلحة هو القيد مع التقيّد بنحوٍ ارتباطيّ.
وهذا جوابه واضحٌ فقهياً؛ فإنَّ الإقامة لا دخل لها أصلاً في تحقّق صحّة
ــــــــــ[74]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الصوم خارجاً ولو بنحوٍ ضمنيّ، فلو عدل عن الإقامة صحّ صومه السابق. فالنكتة قائمةٌ بالقيد فقط وهو القصد لا بالمقيّد، فالإشكال على حاله.
ثانيهما: أن يكون مراده من الحصّة الخاصّة، سدّ باب العدم؛ فإنَّ الإقامة قد تُعدم؛ لأنَّ المسافر لا يريدها، وأُخرى تعدم لعدم وجود القوت في البلد مثلاً، وما هو مصبُّ المصلحة هو سدّ أحد أبواب العدم وهو: عدم الإقامة من ناحية عدم القصد، فيكون حفظاً لمرتبةٍ من وجود الإقامة.
فإن أراد ذلك فهو صحيحٌ، إلَّا أنَّ هذا عبارةٌ أُخرى عن قيام المصلحة بنفس القصد، فإنَّ سدَّ باب عدم الإقامة الناشئ من عدم القصد لا يكون إلَّا بالقصد، وليس جزءاً من وجود الإقامة الخارجيّة إلَّا بنحو المسامحة في التعبير؛ فإنَّ سدّ باب العدم من ناحيه المقدّمة يكون بايجادها، فقد تمحّضت المصلحة بنفس القصد، فعاد الاشكال جزماً.
وتوضيح الكلام: إنَّنا تارةً نبني على أنَّ مناط صحّة الصوم للمسافر هو قصد الإقامة، ونفسّره بالإرادة، بمعنى الحبّ والشوق، وهذا الفرض يناسب طرح المسألة في كلماتهم. فإذا فسّرناه هكذا فالإشكال لا محيص عنه في أكثر فروض المسألة؛ وذلك: لأنَّ هذا المسافر تارةً يكون غرضه في صيام أقلّ من عشرة أيّام وأُخرى يفرض أنَّ غرضه في صيام عشرة أيّام فصاعداً. فإن كان الأوّل فمن الواضح أنَّه لا يتوقّف على وجود الإقامة خارجاً؛ لأنَّه لو صام يومين وسافر، صحّ صومه فقهيّاً، فلو حصل له حبٌّ للإقامة بنكتة تصحيح الصوم لكان قد نشأ الحب لنكتةٍ في الحب وهو ما منعناه سابقاً.
ــــــــــ[75]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وإن كان غرضه صوم عشرة أيّام فصاعداً، فهذا الشخص لو عدل عن الإقامة في أثناء العشرة. فهل يتمكّن من صوم الباقي في بلدٍ آخر ليس بينه وبين البلد الأوّل مسافةٌ شرعيّةٌ كما هو الحال في النجف والكوفة؟ فإن كان قد صلّى رباعيةً صحّ صومه إلى أن يُنشئ سفراً شرعياً، وليس وجوده في الكوفة سفراً شرعيّاً، وإذا لم يكن قد صلّى رباعيّةً، فلا يمكن أن يكمل صومه في الكوفة؛ لأنَّ مقتضى القاعدة انهدام حكم المقيم بالعدول عن القصد. غاية الأمر أنّا خرجنا عن ذلك بما إذا صلّى رباعيّةً، وبعد حمل الصلاة الرباعيّة على المثاليّة فلا بُدَّ من القول بعدم تمكّنه من الصوم.
إذن، صومه موقوفٌ على الجامع بين أمرين: بين أن يصلّي رباعيّةً وبين أن يقيم عشرة أيّام، ومن الواضح أنَّ هذا الشخص يصلّي رباعيّةً قبل أن تتحقّق منه إقامة عشرة أيّام، فإقامة عشرة أيّام تكون مسبوقةً بالرباعيّة، فلا يكون لها دخلٌ أصلاً في تصحيح الصوم.
فالإشكال بناءً على هذا يكون ثابتاً، فيضطرّ المكلّف إلى النظر إلى ملاكاتٍ أُخرى مرجّحةٍ كطيب المناخ للبقاء في البلد، حتّى ينشأ عنده حبّ الإقامة، ليصحّ منه الصوم.
وتارةً نبني على أنَّ مناط الإتمام والصيام ليس هو قصد الإقامة بمعنى الحبّ، بل بمعنى البناء على ذلك والالتزام به، وإن لم يكن يحبّ ذلك، بل لو اتّخذه جزافاً، بناءً على ما ذكرناه(1) من أنَّ الإنسان مسلّطٌ على أفعاله، ويستطيع
ــــــــــ[76]ــــــــــ
(1) راجع: ص69.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أن يختار الشيء جزافاً من دون مرجّح.
فعلى هذا ينتفي الإشكال السابق؛ لأنَّ التصميم والبناء فعلٌ من أفعال النفس وليست صفةً كالحبّ والبغض؛ فتكون تحت سلطان النفس كالأفعال الخارجيّة. ومعه يمكن أن ينشأ هذا الفعل من مصلحةٍ في نفسه. بل ذكرنا(1) أنَّ الالتزام، وكلّ فعلٍ للنفس لا يحتاج إيقاعه وجود مصلحةٍ، بل يمكن للنفس أن ترجّح ما يقع تحت سلطانها جزافاً، فلا إشكال من هذه الجهة.
نعم، يقع إشكالٌ من جهةٍ أخرى: هو أنَّ الالتزام ببقاء عشرة أيّام هل يمكن أن يقع بصورةٍ جديّة؟ قد يُقال: إنَّه لا يمكن؛ لأنَّ ما دعاه إلى الالتزام بذلك هو تصحيح الصوم، فإذا صحّ صومه يومين(2) فلا يبقى له أيّ داعٍ لبقاء التزامه، ومعه فلا يمكن الالتزام الجدّي الفعلي بالبقاء عشرة أيّام.
وقريبٌ من ذلك ما إذا بنينا على الفرضيّة الثالثة، وهي الفرضيّة الصحيحة، وهي أنَّ مناط الإتمام والصيام هو العلم بالمكث عشرة أيّام ولو لم يكن حبٌّ والتزامٌ، كما لو حُمل وحُبس في بلدٍ وهو يعلم بالبقاء عشرة أيّام.
ويشكل على هذا الكلام نفس الإشكال الأخير؛ إذ يُقال: إنَّه كيف يتأتّى له العلم، مع أنَّه يعلم أنَّ الالتزام بذلك يزول قبل العشرة، فإنَّ العلم إنّما يحصل نتيجةً لقراره.
وللتخلّص من هذا الإشكال لا بُدَّ من إيجاد مصلحةٍ في المقصود؛ لأنَّ
ــــــــــ[77]ــــــــــ
() راجع: ص70.
(2) وقد يدفعه الشوق إلى أهله إلى نقض هذا الالتزام. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
صحّة الصوم تتوقّف على القصد، والقصد يتوقّف على المصلحة في المقصود، فلا بُدَّ أن توجد المصلحة ليترتّب عليها القصد. وذلك إمّا بأن ينذر بقاء عشرة أيّام، أو يتعهّد البقاء عشرة أيّام.
المورد الثاني: ما لو أراد(1) الإنسان أن يتوضّأ قبل الوقت للصلاة. فمن يقول من الفقهاء بالاستحباب النفسي للوضوء، يمكنه أن يقول: اقصد هذا الاستحباب،. وإذا لم يكن قائلاً بذلك يلزم مقلّده بقصد غايةٍ أخرى بأن يقول: أقصد غايةً أُخرى غير الصلاة كالزيارة أو قراءة القرآن. وأمّا قصد الصلاة فغير ممكن؛ لأنَّها لم تتّصف بالوجوب، والأمر بها ليس فعليّاً.
وهذا الكلام المشهوريّ فيه مؤاخذتان:
المؤاخذة الأولى (بلحاظ البناء): ومفادها أنَّ هذا التلقين للمكلّف بأن يتوضّأ بقصد قراءة القرآن على طهور، لا يغيّر من الواقع شيئاً، فإنَّ هذا المكلّف ليس له إرادةٌ لذلك الأمر الاستحبابيّ أصلاً، وليس للأمر الاستحبابيّ لقراءة القرآن داعويّةٌ ومحرّكيّةٌ بالنسبة إليه، ولولا الصلاة لم يقصده، ومجرّد لقلقة اللسان به لا يكون كافياً؛ فإنّ تمام غرضه هو أن يصحّح وضوءه توصّلاً لصحّة الصلاة.
وتصحيح الوضوء -بناءً على هذا الكلام المشهوري- يتوقّف على أن
ــــــــــ[78]ــــــــــ
(1) انظر: منهاج الصالحين مع حواشي الشهيد الصدر 1: 60، كتاب الطهارة، المبحث الثالث: في الوضوء، الفصل السابع، المسألة 101، العروة الوثقى (الروحاني) 1: 137، فصل في شرائط الوضوء، المسألة 32.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يقصد الأمر الاستحبابي لقراءة القرآن، ولا يتوقّف على المقصود، يعني: أن تقع قراءةٌ خارجاً، فلو انصرف عن القراءة بعد الوضوء صحّ وضوءه؛ لأنَّه وقع على وجهٍ عباديّ.
إذن، يأتي فيه نفس الإشكال السابق، وهو أنَّ قصد القراءة كيف نشأ من قصد تصحيح الوضوء، مع أنَّ الغرض متعلّقٌ بنفس القصد لا بالمقصود.
ومن هنا يحتاج المكلّف إلى نفس ما احتاج إليه في ذلك الفرع، وهو أن يوجِد في نفسه نكتةً قائمةً بالقراءة، ويُرغّب نفسه بها، وأمّا مجرّد التلقين فلا يخرج عن كونه لقلقة لسان.
المؤاخذة الثانية (بلحاظ المبنى): إلَّا أنَّنا لسنا بحاجة إلى مثل هذا الكلام؛ لأنّنا نناقش في أصل مبنى هذا الكلام المشهوري، وتفصيله في محلّه. وإجماله: أنَّ صحّة الوضوء يكفي فيه قصد الصلاة التي لم يدخل وقتها ويقع الوضوء عباديّاً؛ وذلك: لأنَّ وقوع الوضوء عباديّاً يتوقّف على ركنين.
الأوّل: أن يكون الوضوء قد أمر به المولى، إمّا خطاباً وملاكاً أو ملاكاً فقط؛ لوضوح أنَّ كلّ فعلٍ ليس مطلوباً للمولى – لا خطاباً ولا ملاكاً- لا معنى للتقرّب به.
الثاني: أن يؤتى بالفعل بداعٍ من الدواعي التي تعتبر عقلاً من الدواعي الإخلاصيّة للمولى، والتي ترجع إلى الاهتمام بالمولى.
وكلا هذين الركنين موجودٌ في الوضوء قبل الوقت للصلاة. أمّا الركن الأوّل فهو ثابتٌ؛ فإنَّ الطلب المولوي للوضوء ثابتٌ لا بلحاظ الأمر الغيري،
ــــــــــ[79]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بل بالاستحباب النفسي، على ما هو الصحيح.
والركن الثاني متوفّرٌ أيضاً، وهو بأن يأتي المكلّف بإحدى المقدّمات قبل وجوب الواجب -لعلمه أنَّ المولى سوف يأمر به- لأجل التهيّؤ لامتثال أمره في وقته، وهذا من القصود الإخلاصيّة في مقام العبوديّة. فيتمّ كلا الركنين.
هذا تمام الكلام في مادّة الأمر.
ــــــــــ[80]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الكلام في صيغة الأمر
ــــــــــ[81]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ويقع البحث:
لا إشكال ولا ريب أنَّ قولَ شخص لآخر (صلّ) أو (اخرج) يدلّ على الطلب، إلَّا أنَّ الكلام في كيفية هذه الدلالة.
قد يُقال -بنحو الكلام الساذج-: إنَّ صيغة (افعل) موضوعةٌ للطلب، ومن الواضح أنَّه لا ينبغي أن يكون المقصود منه ما هو ظاهر لفظه، من أنَّ الصيغة موضوعةٌ لمفهوم الطلب كلفظ الطلب نفسه؛ فإنَّه مفهومٌ اسميٌّ غير مرادفٍ لصيغة (افعل)، والصيغة لا بُدَّ أن تكون موضوعةً لمعنىً نسبيّ كسائر الهيئات، وعليه فلا بُدَّ أن تكون موضوعةً بنحوٍ يكون مآلها ومغزاها إلى إفادة الطلب، وهو أمرٌ صحيحٌ.
فلا بدَّ لنا أن نعرف أنَّ المدلول الوضعي لها ما هو؟ كما ينبغي أن نبيّن استبعاد ما ذكره السيّد الأستاذ(1) من أنَّها موضوعةٌ لاعتبارٍ نفسانيّ وهو اعتبار
ــــــــــ[83]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 132، دراسات في علم الأصول 1: 175، غاية المأمول 1: 248.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الفعل على المكلّف؛ فإنَّه مبنيٌّ على جعل الدلالة الوضعيّة هي الدلالة التصديقيّة؛ فإنَّ لصيغة (افعل) دلالةً تصوّريّةً ثابتةً، سواءٌ صدرت من قاصد أو من غير قاصد، ودلالةً تصديقيّةً تدلّ على وجود شيء في نفس المتكلّم، سواء أعبّرنا عنه بالإرادة أم الاعتبار، وفي المقام نبحث عمّا هو المدلول لها وضعاً، والدلالة الوضعية هي الدلالة التصوّرية دون التصديقيّة، كما سبق في بحث الوضع(1).
وأمّا الدلالة التصديقيّة فهي ظهور سياقي له ملاك آخر غير الوضع. وإنّما وقع السيّد الأستاذ في ذلك؛ لأنَّه ذهب إلى أنَّ الوضع هو التعهد(2)، فاقتضى ذلك أن يقول: بأنَّ الدلالة الوضعية هي الدلالة التصديقيّة، فهو يبحث عن مدلول تصديقي لصيغة (افعل). ونحن نبحث في الدلالة التصوّرية.
ولتوضيح ذلك نذكر شيئاً ممّا ذكرناه في الجمل الفعليّة؛ فإنَّ (افعل) أيضاً جملةٌ فعليّةٌ، حيث قلنا لا إشكال في أنَّها تدلّ على النسبة الصدوريّة بين الفعل والفاعل، ولكن لا يمكن القول بأنَّ هذه النسبة الصدوريّة هي تمام مفاد: ضرب زيد. وبرهنّا على ذلك بمجموع أمرين:
الأوّل: أنَّ (ضرب زيد) لا إشكال في دلالته على النسبة التامّة.
الثاني: أنَّ النسبة الصدوريّة بين الفعل والفاعل نسبةٌ حقيقيّةٌ خارجيّةٌ،
ــــــــــ[84]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 1: 336.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 45، أجود التقريرات 1: 12، دراسات في علم الأصول 1: 27، غاية المأمور1: 111.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وعاؤها الأصلي هو عالم الخارج لا عالم اللحاظ والتصوّر، وقد برهنّا في بحث المعنى الحرفي(1): أنَّ كلَّ نسبة يكون موطنها الأصلي هو الخارج يستحيل أن تكون نسبةً تامّةً في عالم الذهن، بل يتعيّن أن تكون نسبةً ناقصةً تحليليةً.
إذن، جملة (ضرب زيد) لا يمكن أن تكون دلالتها فقط هي النسبة الصدوريّة، لأنَّ موطنها الأصلي هو الخارج، وكلّ نسبة هكذا حينما تنتقل إلى الذهن لا بُدَّ وأن تكون نسبةً ناقصةً، فلا يمكن أن تكون هي مدلول الجملة محضاً. ومن هنا قلنا إنَّه(2) يشتمل على نسبتين: نسبةٍ ناقصةٍ، هي مفاد هيئة الفعل، وهي النسبة الصدوريّة، ونسبةٍ تامّةٍ وهي مفاد الجملة. وقد أوضحنا هناك حقيقة النسبة التامّة، وقلنا إنَّها تلك النسبة التي يكون موطنها الأصلي هو الذهن واللحاظ، وقد سمّيناها بالنسبة التصادقيّة، أي: تصادق بين مفهومين في مقام حكايتهما عن الخارج.
وعليه، فضرب زيدٍ يرجع إلى قولنا: الذات التي وقع منها الضرب هي زيد. فتقع النسبة الصدوريّة الناقصة طرفاً للنسبة التامّة، والطرف الآخر للنسبة التامّة هو زيد. وطرفا النسبة الناقصة هما الضرب من ناحية، وذاتٌ مبهمةٌ صدر منها الضرب. وتدلّ النسبة التامّة على أنَّ تلك الذات المبهمة هي زيد.
وأمّا مدلول (اضرب) فله نسبتان؛ ناقصة: هي مدلول هيئة (افعل)، وتامّة: وهي مدلول هيئة الجملة (افعل أنت).
ــــــــــ[85]ــــــــــ
() انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 1: 219.
(2) يعني قولنا: (ضرب زيد). (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فأين الفرق بين (افعل) و(فَعَلَ)، هل في النسبة الناقصة أو التامّة؟
ومن هنا كان أمامنا بدواً احتمالان:
الاحتمال الأوّل: أن يكون الفرق بلحاظ النسبة التامّة. بمعنى: أنَّ هيئة (افعل) موضوعةٌ أيضاً للنسبة الصدوريّة الناقصة وهي نفسها الموجودة في (فعل). وإنّما الفرق بينهما في النسبة التصادقيّة التامّة؛ فإنَّ هذه النسبة في (ضرب) مرجعها إلى التصادق بين الذات المبهمة، التي أُخذت طرفاً للنسبة الناقصة في فعل، وبين زيد (الفاعل).
وقد قلنا: إنَّ التصادق بين مفهومين في عالم اللحاظ إنّما يكون باعتبار فنائهما، لا بما هما في عالم اللحاظ، لأنَّهما -بما هما في عالم اللحاظ- أحدهما غير الآخر. فلا بُدَّ من ملاحظة المفني فيه. وهو تارةً يكون عالم الخارج كما في (ضرب زيد) فإنَّها نسبةٌ تصادقيّةٌ بلحاظ عالم الخارج.
وتارة: تكون النسبة التصادقيّة – أي: المفني فيه- بلحاظ عالمٍ آخر غير عالم الخارج كعالم الاستفهام؛ كما في قولنا: (هل زيدٌ ضاربٌ) فإنَّه يدلّ على النسبة التصادقيّة بين زيد والضاربيّة، لا في عالم الخارج بل في وعاء الاستفهام.
ففي المقام قد يقال: إنَّ (فعل زيد)، تدلّ على النسبة التصادقيّة بلحاظ عالم الخارج. وفي (افعل يا زيد)، تدل على النسبة التصادقيّة بلحاظ عالم الطلب، الذي هو من قبيل عالم الاستفهام، فالذات التي تضرب هي زيد بلحاظ العالم الطلبيّ. ومعه تكون النسبة الناقصة في (فعل) و(افعل) واحدةً، ويكون الفرق في النسبة التامّة بينهما.
ــــــــــ[86]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذا الاحتمال غير صحيح؛ وذلك لأنَّ لازمه أن لا يكون هناك فرقٌ بين (افعل) و(فعل)، بغضّ النظر عن طروّ الجملة عليه؛ لأنَّ الفرق نشأ بلحاظ النسبة التصادقيّة التي هي مفاد الجملة التامّة. فلو قطعنا النظر عن الجملة التامّة ونظرنا إلى كل من (فعل) و(افعل) بما هما، لا يبقى فرق بينهما؛ إذ لا يبقى عندنا إلَّا النسبة الناقصة، وهي فيهما على حدٍّ واحد، مع أنَّ الوجدان اللغوي قاضٍ بوجود الفرق بينهما بما هما بغضّ النظر عن اندراجها في جملتين. وهذا دليل على أنَّ الفرق بينهما لم ينشأ فقط محضاً من جهة النسبة التصادقيّة، بل لا بُدَّ من فرق بينهما من ناحية النسبة الناقصة.
الاحتمال الثاني: أن يكون الفرق بينهما بلحاظ النسبة الناقصة التي هي مفاد هيئة (فعل) و(افعل). فـ(فعل) موضوعةٌ لنسبةٍ خارجيّة هي النسبة الصدوريّة، وأمّا (افعل) فمفادها هو النسبة البعثيّة الإرساليّة.
إذن، (فعل) موضوع للنسبة الناقصة الصدوريّة، أي: صدور الفعل من الفاعل؛ فإنَّ صدوره منه يوجب ربطاً مخصوصاً بينهما، وهو النسبة الناقصة.
وأمّا هيئة (اضرب) أو (افعل)، فمفادها نسبةٌ ناقصةٌ أُخرى، موطنها الأصلي هو الخارج، وهي النسبة الإرساليّة.
وتوضيحه: أنَّه لا إشكال في أنَّه يمكن أن نتصوّر إلقاء عينٍ على عينٍ، كإلقاء زيدٍ على الأرض، وهو فردٌ حقيقيٌّ من الإلقاء بحسب عالم التكوين. وهناك فردٌ آخر عنائي من الإلقاء بحسب عالم التكوين وهو إلقاء زيد على المطالعة والعمل، فنقول: ألقيناه نحو المطالعة. وهو إلقاء نحو ذات الكتاب
ــــــــــ[87]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الحقيقيّة ونحو المطالعة بالعناية؛ لأنَّ الكتاب أداةٌ للمطالعة.
وهذا الدفع يولّد ربطاً ونسبةً مخصوصةً بين المدفوع وهو (زيد) والمدفوع نحوه وهو المطالعة، وهي النسبة الإرساليّة والدفعيّة والتحرّكيّة. وهي نسبةٌ خارجيّةٌ على حدِّ النسبة الصدوريّة.
وحينئذٍ يقال: إنَّ مفاد (افعل) هو عبارةٌ عن هذه النسبة الإرساليّة، فإنّنا تارةً نعبّر عن مطالعة زيدٍ للكتاب، فنقول: (طالع زيدٌ الكتاب) وقد صدرت منه المطالعة، وأخرى نعبّر عن دفع وإرسال زيد نحو المطالعة فنقول: (طالع يا زيد الكتاب).
وحيث إنَّ هذه النسبة الإرساليّة تكون عادةً معلولةً لإرادة الشيء ولإرادة المادّة تكون لفظة (افعل) دالّةً بالدلالة المطابقيّة التصوّرية على النسبة الإرساليّة. وبالدلالة التصوّرية الالتزاميّة على الإرادة. ولذا لو سمعنا لفظة (افعل) من الحجر ينتقش في ذهننا هذان التصوّران باعتبار الملازمة النوعيّة بينهما.
وأمّا الطلب، فإن قلنا: إنّه عبارةٌ أُخرى عن الإرادة كما يقول صاحب الكفاية(1)، فتكون دلالة الصيغة عليه بالالتزام، وإن قلنا: إنَّ الطلب هو السعي نحو تحصيل المقصود؛ فإنَّ من أراد طلب العلم واشتاق إليه لا يصدق عليه أنَّه يطلب العلم إلَّا إذا سعى نحو المقصود. فحينئذٍ تكون صيغة (افعل) -باعتبار كونها دالّةً على الإرادة وواقعةً في طريق تحصيل المقصود- مصداقاً للطلب حقيقةً، فإنَّها سعيٌ من المولى لتحصيل المقصود، فينطبق الطلب عليها على حدِّ
ــــــــــ[88]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 64،65.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
انطباق العنوان الانتزاعي على منشأ انتزاعه.
ثُمَّ إنَّ صيغة (افعل) بمدلوليها التصوّريين يوجد وراءها مدلولٌ تصديقيّ، وهو الكشف عن أنَّ المتكلّم توجد في نفسه مبادئ هذا الطلب وهو الإرادة، وهذه الدلالة التصديقيّة غير مربوطةٍ بباب الوضع.
وحينئذٍ نقول: إنَّ المعروف بين المحقّقين المتأخّرين(1) أنَّ صيغة (افعل) لها معنىً واحدٌ، خلافاً لما يتراءى من الأقدمين(2)؛ حيث ذكروا لها معاني متكثّرةً كالطلب والتعجيز والتسخير.
فقال المتأخّرون(3): إنَّ الفرق بينهما في المدلول التصديقي لا التصوّري؛ فإنَّ هناك مدلولاً تصوّرياً محفوظاً واحداً، سواءٌ أريد بها الطلب أو الاستهزاء، وهو النسبة الإرساليّة، ولكنّ الداعي إلى الاستعمال يختلف، وهو المدلول التصديقي.
إلَّا أنَّ السيّد الأُستاذ -جرياً على مبناه- لم يوافقهم(4) في ذلك؛ لأنَّه بنى على أنَّ المدلول التصديقي هو معنى صيغة (افعل)، وقال: إنَّ مدلولها اعتبار الفعل على ذمّة المكلّف وطلبه منه. ولهذا التزم بوجود معانٍ عديدةٍ لهذه الصيغة؛ لأنَّ قصد الطلب أمرٌ، وقصد الاستهزاء أمرٌ ثانٍ، وقصد التعجيز أمرٌ ثالث، وهذه
ــــــــــ[89]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 69، بدائع الأفكار (العراقي) 1: 210، الحاشية على الكفاية 1: 172، حواشي المشكيني على الكفاية 1: 341.
(2) انظر: بدائع الأفكار (الرشتي): 211، هداية المسترشدين 1: 596،597.
(3) انظر: كفاية الأصول: 69، فوائد الأصول (النائيني) 1: 134، نهاية الأفكار 1: 177.
(4) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 122، غاية المأمول 1: 248.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
النتيجة التي انساق إليها السيّد الأستاذ -مضافاً إلى بطلان أصل مبناها- لها لازمٌ غريبٌ: وهو أن لا تكون مادّة الأمر في موارد التعجيز ونحوه مستعملة في المعنى الأصلي.
فلو قال شخصٌ لآخر: (طر إلى السماء) وأراد بذلك التعجيز، وفرضنا أنَّ معناها ابتداءً هو المدلول التصديقي وهو التعجيز، فهذا لا معنى له؛ لأنَّ التعجيز لا يكون بالطيران إلى السماء، وإنّما يكون بالأمر بالطيران إلى السماء، فيظهر عجزه. والمفروض أنَّها غير مستعملة بالأمر والطلب(1)، وإنّما هي مستعملة ابتداء في التعجيز، فلا تكون هناك مناسبة أصلاً بين التعجيز وبين الطيران إلى السماء إلَّا أن يكون تعبّداً صرفاً.
بينما على المسلك المشهور تكون دلالتها على التعجيز، باعتبار أنَّ طلب الطيران إلى السماء هو الذي سوف يظهر عجزه. وعلى أيّ حال، فالصحيح ما عليه المشهور من أنَّ صيغة (افعل) لها مدلولٌ تصوّريٌّ واحدٌ، وهو النسبة الإرساليّة والتحريكيّة، ودلالتها على شيءٍ في عالم النفس، هي دلالةٌ تصديقيّةٌ أجنبيّةٌ عن الدلالة الوضعية.
ــــــــــ[90]ــــــــــ
() ولا علاقة له بمدلول المادّة؛ فإنَّ التعجيز يكون بالأمر بالطيران لا بنفس الطيران؛ لأنَّه لو طار إلى السماء لما استُهزئ به. إذن، فالاستهزاء والتعجيز ليس لهما علاقةٌ مباشرةٌ مع مدلول المادّة. إذن فلا بُدَّ من الالتزام بتحويل مدلول المادّة، بأن يُقال: إنّها لم تستعمل في معنى، أو استعملت ولكنّه ليس هو التعجيز والاستهزاء، وأنَّه لم يكن التعجيز والاستهزاء بمدلول المادّة. وهذا غريب؛ فإنَّه إنّما يكون التعجيز والاستهزاء بعد الفراغ عن وجود مدلولٍ للصيغة في المرتبة السابقة غير مدلول المادّة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فبناءً على المشهور لو قال (صلّ) وشككنا أنَّه بداعي الطلب أو الاستهزاء مثلاً، فهل يمكن أن نعيّن داعي الطلب أو لا؟ قد يقال بعدم إمكانه؛ لأنَّنا فرضنا أنَّ اللفظ يستعمل دائماً بمعنىً واحدٍ، وكونه بداعي الطلب أو الاستهزاء يناسب هذا المعنى الواحد.
وحيث إنَّ صيغة (افعل) مصداقٌ من الطلب فهي تدلّ بالدلالة التصوّرية المطابقيّة على الإرسال والدفع، وتدلّ على مفهوم الطلب بالدلالة التصوّرية التبعية؛ لأنَّ الدال على المصداق دالٌّ بالتبع على عنوانه.
كما أنَّ صيغة (افعل)، حيث إنَّ لها دلالة تصديقيّةً على وجود الإرادة في نفس المتكلّم، فتكون مصداقا حقيقيّاً للطلب وهو السعي نحو تحصيل المقصود؛ لأنَّ المتكلّم إنّما يكشف عن إرادته بسبب السعي نحو تحصيل مقصوده.
إذا صدرت الصيغة فمقتضى أصالة الحقيقة أنَّها مستعملةٌ بالنسبة الإرساليّة، ولكن لا ندري أنَّها مستعملةٌ بداعي الطلب أو الاستهزاء مثلاً، فلا إشكال أنَّ ظاهر العبارة هو أنَّها صادرةٌ بداعي الإرادة دون الدواعي الأُخرى ما لم تقم عليها قرينة. والكلام في ما هو منشأ هذا الظهور؟
ذكر صاحب الكفاية(1): أنَّه يمكن أن يُقال: إنَّ وضع صيغة (افعل) للنسبة الإرساليّة مقيّدٌ بأن يكون الاستعمال بداعي الإرادة لا بغيره من الدواعي. فيكون ذلك قيداً في الوضع لا في المعنى الموضوع له؛ على ما تقدّم منه نظيره في
ــــــــــ[91]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول:69، حواشي المشكيني على الكفاية 1: 343.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
مبحث المعاني الحرفيّة، حيث ادّعى أنَّ النظر الآلي أُخذ قيداً في بحث الوضع(1).
وقد برهنّا على بطلان ذلك في بحث المعاني الحرفيّة(2)، وقلنا: بأنَّ الوضع ليس إنشاءً قابلاً للتقييد كالأحكام الشرعيّة، ويمكن أن يبيّن هذا الظهور بعدّة تعبيرات:
الأوّل: أنّنا بيّنا أنَّ صيغة (افعل) لها دلالتان تصوّريّتان: دلالة على النسبة الإرساليّة ودلالة التزاميّةٌ على الإرادة.
وحينئذٍ لو فرض أنَّ المدلول التصديقي هو الإرادة فقد تطابق هذا المدلول مع كلا المدلولين التصوّريين، وهذا هو معنى أصالة المطابقة بين المدلول التصوّري والتصديقي، حيث دلّت تصوّراً على مفهوم الإرادة، وتصديقاً على واقع الإرادة.
وأمّا إذا كان المدلول التصديقي عبارةً عن الاستهزاء أو التعجيز، فلا تحصل هذه المطابقة؛ لأنَّه يدلّ تصوّراً على الإرادة ولا يدلّ تصديقاً عليها. فأصالة السنخية بين المدلولين الذي هو أصلٌ عرفيٌّ عقلائيٌّ عامّ، يكون منشأً لنكتة ظهور الخطاب بأنَّه بداعي الإرادة خاصّة.
وبتعبير آخر: أنَّ الدواعي الأُخرى غير الإرادة نفرض وجود إرادةٍ قبلها، وأمّا الإرادة فلا نفرض قبلها تعجيزاً أو ستهزاءً؛ فإنَّ من يستعمل صيغة (افعل) بداعي الإرادة لا يكون له نظرٌ إلى التعجيز. وأمّا من يستعملها في
ــــــــــ[92]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 11،12.
(2) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 1: 188.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
التعجيز فلا بُدَّ أن يفترض لنفسه إرادةً حتى يظهر العجز. ومن هنا كان طبع المطلب يقتضي داعي الإرادة. وحملها على غيرها -حيث إنَّه يحتاج إلى فرض إرادة أوّلاً ثم إرادة تلك الدواعي- مؤونةٌ زائدةٌ منفيّةٌ بالإطلاق ومقدّمات الحكمة. هذا تمام الكلام في الجهة الأولى من صيغة الأمر.
ــــــــــ[93]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
قلنا: إنَّ لصيغة (افعل) وراء مدلوليها التصوّريين مدلولاً تصديقيّاً، وهو دلالتها على الإرادة، فهل تدلّ على ذلك بمرتبة الوجوب أو بمرتبةٍ ملائمةٍ مع الاستحباب أيضاً.
تقدّم الكلام في مادّة الأمر، وذكرنا أنَّ المسالك في دلالتها على الوجوب ثلاثة:
المسلك الأول: أنَّ دلالتها بحكم العقل، وهو مسلك الميرزا(1) وهو إن تمّ هناك يأتي هنا بدون زيادة ونقيصة. وقد تقدّم إبطاله.
المسلك الثاني(2): أنَّ الوجوب يثبت بالإطلاق، فإنَّ اللفظ الدالّ على الشوق والإرادة وإن كان بحسب وضعه يناسب مع الإرادة الشديدة والضعيفة، ولكنّ نعين الشديد بالإطلاق، بدعوى أنَّ الشديد أخفّ مؤونةً من الضعيف، وكلّما دار الأمر بين الأشدّ مؤونة والأخفّ مؤونة يتعيّن الحمل على
ــــــــــ[94]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 136، أجود التقريرات 1: 95.
(2) انظر: نهاية الأفكار 1: 162، بدائع الأفكار(العراقي) 1: 213.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الأخفّ. فيتعيّن الحمل على المرتبة الأعلائيّة. وقد تقدّم شرحه مع دفعه(1).
فإذا بنينا على هذا المسلك، فقد يُقال: إنَّه لا يمكن تطبيقه على صيغة (افعل)، فإنَّه إنّما يمكن تطبيقه على لفظٍ يدلّ على الإرادة والشوق ونحوها من الأمور القابلة للشدّة والضعف، فالإطلاق يعيّن المرتبة الشديدة. وأمّا صيغة (افعل) فمدلولها الإرسال والتحريك، ومن المعلوم أنَّه لا يختلف شدّةً وضعفاً بشدّة الشوق وضعفه، فإنَّ أشدّ الناس شوقاً إلى الطعام وأضعفهم شوقاً إليه يتحرّكان على نحوٍ واحدٍ إلى الطعام(2).
وهذا جوابه واضح؛ فإنَّ الإطلاق ومقدّمات الحكمة لو كان مجراها هو المدلول التصوّري لصيغة (افعل)، لكان لهذا الكلام مجال، بأن يُقال: إنَّ المدلول التصوّري لها هو الدفع، والدفع ليس له مراتب. ولكن -بحسب الحقيقة- مجرى مقدّمات الحكمة هو المدلول التصديقي للصيغة، وقد قلنا: إنَّ صيغة (افعل) لها مدلولان، والمدلول التصديقي منهما هو قيام الإرادة في نفس المتكلّم، وما لا يتصوّر فيه الشدّة والضعف إنّما هو المدلول التصوّري، وما تجري فيه مقدّمات الحكمة هو المدلول التصديقي، وهو قابلٌ للشدّة والضعف.
مضافاً إلى أنَّنا بيّنا أنَّ نفس الإرادة هي مدلولٌ تصوّريٌّ للصيغة، فإنَّها تدلّ بالدلالة التصوّرية الالتزاميّة على مفهوم الإرادة. فإن كان هناك إشكالٌ في عدم تصوّر الشدّة والضعف فإنَّما هو في المدلول التصوّري المطابقي فقط.
ــــــــــ[95]ــــــــــ
(1) راجع: ص39.
(2) انظر: أجود التقريرات 1: 95.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إذن، هذا المسلك لو تمّ هناك في مادّة الأمر، ينطبق هنا في الصيغة، إلّا أنَّه غير تامٍّ.
المسلك الثالث: الوضع للوجوب، وقد يشكل فيه هنا بأنَّ الوضع للوجوب معناه التقييد في المعنى الموضوع له، والمعنى الموضوع له هو الإرسال والتحريك، وهو ليس له حصتان، إحداهما تسمّى الوجوب والأُخرى الاستحباب؛ لما قلناه آنفاً من أنَّ التحريك دائماً على نحو واحد، فكيف يتصوّر تقييد بالمرتبة الشديدة.
وهذا الإشكال يمكن أن يجاب عنه:
إنَّ الإلقاء وإن كان غير متحصّص في نفسه إلى حصّتين في عالم التصوّر، لكنّه يتحصّص في عالم التصوّر من حيث منشأ الإلقاء، فإنَّه قد يكون بإرادةٍ قويّةٍ وقد يكون بإرادةٍ ضعيفةٍ، فكما يُتصوّر إلقاءٌ ناشئٌ من شوقٍ شديدٍ، كذلك يتصوّر إلقاءٌ ناشئٌ من شوقٍ ضعيفٍ. فالواضع يمكنه أن يضع صيغة (افعل) لجامع الإلقاء، ويمكنه أن يضعها لحصّةٍ من الإلقاء وهو الإلقاء الناشئ من الإرادة القويّة، بحيث تكون دالّةً بالتبع على تلك الإرادة القويّة. وبمقتضى التطابق بين المدلول التصوّري والتصديقي يستكشف أنَّ إرادة المتكلّم إرادةٌ قويّةٌ، وهو معنى الدلالة على الوجوب.
ثُمَّ إنَّه يمكن تقريب دلالة صيغة (افعل) على الوجوب ببيانٍ جديدٍ، لا يحتاج معه إلى أخذ الوضع أو أخذ الإرادة القويّة في المعنى الموضوع له.
ــــــــــ[96]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وتوضيحه: أنَّ صيغة (افعل) مدلولها التصوّري هو الإلقاء -كما قلنا- وهو إلقاء زيدٍ على المادّة كالإلقاء على الأرض، وهذا الإلقاء فيه سدٌّ لتمام أبواب العدم، بمعنى: أنَّ الإلقاء التكويني لشخصٍ على فعل إنّما يتحقّق إذا سدّ تمام أبواب العدم؛ فإنَّ الإلقاء معناه القهر نحو الفعل.
وحينئذٍ، فإذا صدرت صيغة (افعل) من المتكلّم واستفدنا من حاله أنَّه في مقام الإلقاء والدفع التشريعي، فمقتضى أصالة المطابقة بين المدلول التصوّري وبين حال ظهوره التصديقي هو أنَّ الإلقاء التشريعي على حدِّ ذاك الإلقاء التكويني الذي هو مدلول صيغة (افعل). فكما أنَّ ذاك الإلقاء التكويني يستبطن مقهوريّة المكلّف ولا مناص للفرد عنه، كذلك الإلقاء التشريعي بحيث لا يكون مناص للمكلّف بالمخالفة، وهو معنى الدلالة على الوجوب.
وهذا بيانٌ لإفادة صيغة (افعل) للوجوب بدون حاجةٍ إلى التمسّك بالوضع، ويكون الوجوب مستفاداً بالإطلاق ومقدّمات الحكمة. وعليه فلا ينبغي الإشكال بدلالة صيغة (افعل) على الوجوب، إمّا بهذا التقريب وإمّا بالوضع.
ــــــــــ[97]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الكلام في الجملة الخبريّة ودلالتها على الوجوب
ــــــــــ[99]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
لا إشكال في صحّة استعمال الجملة الخبريّة في إفادة الطلب والوجوب. وإنّما الكلام يقع في مقامين:
أحدهما: في تخريج دلالة هذه الجملة على الطلب مع أنَّها موضوعة للإخبار.
والمقام الثاني -أنَّه بعد تخريج ذلك-: هل تقتضي هذه الدلالة إثبات الطلب الوجوبي أو جامع الطلب بنحو مناسب مع الاستحباب.
وهنا يوجد مسلكان:
هو الذي انعقد عليه بناء المشهور بين المتأخّرين كصاحب الكفاية(1) ومن تبعه(2)، حيث ذهبوا إلى أنَّ الجملة الخبريّة في موارد الإنشاء مستعملةٌ في معناها
ــــــــــ[101]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 71.
(2) انظر: بدائع الأفكار (العراقي) 1: 215.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الموضوع له، وهو النسبة الصدوريّة، (فيعيد) الإخباريّة و(يعيد) الإنشائية مدلولهما التصوّري واحد، وهو النسبة الصدوريّة.
ولهذا كانت دلالتها على الطلب على خلاف مقتضى الطبع، فإنَّ مقتضاها الدلالة على الإخبار، وصرفها إلى الطلب بحاجةٍ إلى عناية، وما لم تقم عليها قرينةٌ تُحمل الجملة على ما هو مقتضى طبعها الأوّلي، وعلى أيّ حال في كلتا الحالتين مدلولهما التصوّري واحد، وهو النسبة الصدوريّة. وهنا يمكن تصوير دلالة الجملة الخبريّة على الطلب بالعناية مع بقاء مدلولها التصوري بعدّة وجوهٍ، نذكرها مع تمحيصها.
إنَّ الجملة الخبريّة لها مدلولٌ تصوّريّ هو النسبة الصدوريّة، ومدلولٌ تصديقيّ وهو قصد الحكاية والإخبار عن ثبوت النسبة خارجاً.
وحينئذ نقول: إنَّه بالإمكان التحفّظ على كلا المدلولين لـ(يعيد) في موارد استعمالها في الطلب. غاية الأمر نواجه في المقام استفهامين، الاستفهام الأوّل: هو أنَّ هذا الإخبار كاذبٌ، لأنَّه كثيراً ما يتخلّف. والاستفهام الآخر: هو أنَّه إذا كان هذا إخباراً صرفاً فكيف دلّ على الطلب.
وجوابهما في نكتةٍ واحدةٍ، وهي أنَّه يمكن الالتزام بأنَّ الإخبار عن وقوع هذه النسبة (وهي الإعادة) ليس إخباراً عن الإعادة كيفما اتّفق، بل من الإنسان الذي هو في مقام الامتثال والانقياد وتطبيق عمله على رأي الشرع. فهو يخبر عن صدور الإعادة عن مثل هذا الإنسان.
ــــــــــ[102]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وحينئذٍ يرتفع كلا الاستفهامين: أمّا الأوّل فجوابه أنَّ الشارع يخبر عن الإعادة في حقّ المصلّي الذي هو في مقام تطبيق عمله على وفق القواعد الشرعيّة. وأمّا الإنسان الذي ليس كذلك فلعلّه لا يعيد صلاته.
وأمّا السؤال الثاني فجوابه: إنَّ دلالته على الطلب تكون بالدلالة الالتزاميّة، باعتبار أنَّ إخبار المولى: (أنَّ مَن يطبّق عمله على القواعد الشرعيّة يُعيد) يكون دالاً على أنَّ القواعد الشرعيّة تقتضي الإعادة وتأمر بها. وبذلك تكون الجملة الخبريّة دالّةً على الطلب.
وبما ذكرناه ظهر وجه العناية في هذا الصدد الذي يجعل الحمل على الطلب على خلاف الطبع، وهذه العناية هي: أنَّه لا بُدَّ من أجل تصحيح ذلك من تضييق دائرة الإخبار، وأنَّ الشارع يخبر عمّن يطبق عمله على القواعد الشرعيّة، وأنَّ فاعل (يعيد) ليس هو مطلق الإنسان، بل خصوص المطيع، وهذا التقييد ينشأ من ظهور حال المولى في أنَّه في مقام إعمال المولوية، وليس في مقام الحكاية البحتة.
أن نتحفّظ على المدلول التصوّري للجملة الخبريّة، وهي النسبة الصدوريّة، وعلى المدلول التصديقي وهو قصد الحكاية، ولكن لا نفترض أنَّ قصد الحكاية يكون عن المدلول المطابقي وهو النسبة الصدوريّة، بل عن ملزوم المدلول المطابقي وهو تحريك المولى وطلبه؛ فإنَّ النسبة الصدوريّة كثيراً ما تنشأ من تحريك المولى وطلبه. فيصحّ للمتكلّم أن يخبر عن الطلب الذي هو الملزوم
ــــــــــ[103]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بالإخبار عن اللازم وهو ما يسمّى بالكناية، كالتعبير عن الكريم بكثير الرماد.
وهذا البيان يخرّج دلالة الجملة الخبريّة على الطلب مع بذل عناية وهي الحمل على الكناية، فإنَّ مقتضى طبع الكلام هو أن يكون المدلول التصديقي متوجّهاً إلى المدلول المطابقي، لا إلى اللوازم والملزومات؛ لأنَّ التوجّه إليها على خلاف الطبع.
أن نتحفّظ على المدلول التصوّري للجملة الخبريّة، ولكن نسلخها عن المدلول التصديقي نهائيّاً. فهي مستعملةٌ في النسبة الصدوريّة، ولكن بدون قصد الحكاية لا عن المدلول المطابقي ولا عن المدلول الالتزامي.
ولكن يُقال: إنَّ هذه النسبة الصدوريّة كثيراً ما تكون في طول النسبة الإرساليّة من قبل المولى، كما تقول: دفعته فاندفع، فينعقد بعد إقامة قرينةٍ على هذه الطوليّة دلالةٌ تصوّريةٌ مطابقيّةٌ على النسبة الصدوريّة ودلالةٌ تصوّريّةٌ التزاميّةٌ على النسبة الإرساليّة، فتصبح النسبة الإرساليّة مدلولاً التزاميّاً تصوّريّاً لكلمة (يعيد)، فتصبح دالّةً تصوّراً على نسبتين.
فإذا دلّت على النسبة الإرساليّة كشفت عن الإرادة والطلب كصيغة (افعل)، غايته أن هذه النسبة مدلولٌ مطابقيٌّ للصيغة والتزاميٌّ للجملة الخبريّة.
وفي هذا الوجه نحتاج لبذل عناية، وهي الانتقال تصوّراً من النسبة الصدوريّة إلى النسبة الإرساليّة؛ وهذا الانتقال لا يكفي فيه مجرّد اللفظ لوضوح أنَّ النسبة الصدوريّة قد تنشأ من غير النسبة الإرساليّة من غير ناحية
ــــــــــ[104]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المولى، فيحتاج الانتقال إلى قرينةٍ عليه، وإلَّا فإنَّ الذهن يقف على النسبة الصدوريّة ولا ينتقل إلى الإرساليّة.
أن يُقال: إنَّنا نتحفّظ على المدلول التصوّري وهو النسبة الصدوريّة ونسلخها عن المدلول التصديقي وهو الحكاية، ولا نلتزم بالانتقال تصوّراً من النسبة الصدوريّة إلى الإرساليّة، كما ادّعي في الوجه الثالث، ولكن ندّعي أنَّ النسبة الصدوريّة قابلة لأنَّ يتعلّق بها أمران نفسيان، فتارةً يتعلّق بها قصد الإخبار، فيُقال: زيدٌ يعيد صلاته، وأخرى يتعلّق بها أمرٌ نفسانيٌّ آخر وهو طلبها وإرادتها؛ فإنَّ المولى كما قد يخبر ويصدق وقوع النسبة الصدوريّة قد يريد وقوعها في الخارج أيضاً.
وبهذا يتبيّن أنَّ المدلول التصديقي تارةً يكون هو التصديق بالنسبة فيكون إخباراً، وأُخرى يكون هو طلب هذه النسبة فيكون إنشاءً.
ولكن هنا يحتاج إلى إعمال رويّة لنعرف ما هي العناية، إذ قد يتراءى أنَّه لا عناية في حمل (يعيد) على الإنشاء؛ فإنَّ التصديق كالطلب أمرٌ زائدٌ على النسبة الصدوريّة، فهما على حدٍّ واحد ولا مؤونة في أحدهما أشدّ من الآخر.
إلَّا أنَّ المؤونة موجودةٌ أيضاً؛ لأنَّ التصديق بالنسبة باعتباره علماً(1) يرى طريقاً محضاً لا يزيد على المعلوم بشيء، بخلاف الإرادة فإنَّها ليست طريقاً، لأنَّها ممّا ترى مستقلاً لا مما بها يُرى. فتزيد على النسبة، وبالدقّة كلاهما يزيد على
ــــــــــ[105]ــــــــــ
() وارتكازية كاشفية. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
النسبة، لكن باعتبار مرآتيّة العلم فكأنَّه لا يزيد على النسبة، ومن هناك كان الحمل على الإرادة محتاجاً إلى عنايةٍ زائدةٍ.
وهو مسلك السيّد الأستاذ(1) الذي يرى أن الجمل الخبريّة إذا استُعملت في مقام الطلب فقد انسلخت عن معناها رأساً واستُعملت في معنىً جديدٍ، لا بلحاظ المناسبة بين الطلب والنسبة الصدوريّة، بل تستعمل فيه المعنى الجديد رأساً؛ وذلك لأنَّه حوّل المداليل الوضعية إلى المداليل التصديقيّة.
ورتّب على ذلك: أنَّ الجملة الخبريّة في موارد الإخبار مدلولها التصديقي هو الحكاية، وفي موارد الانشاء مدلولها التصديقي هو الطلب. فليس هناك معنىً وحدانيّ محفوظٌ في كلتا الحالتين كما كان عليه الحال على مسلك المشهور.
وقد استشهد السيد الاستاذ لما ذكره بأنَّ هذه الجملة مستعملةٌ في الطلب ابتداء، فإنَّ الجملة الخبريّة لو كان معناها الخبري محفوظاً في موارد الطلب للزم جواز استعمال كلّ جملةٍ خبريّةٍ في مقام الإنشاء والطلب، مع أنَّنا نرى بالوجدان أنَّ الجملة الخبريّة إذا كانت متقوّمةً بفعلٍ ماضٍ أو كانت اسميّةً، فلا تقع في مقام الإنشاء، فالفعل الماضي لا يقع إنشاءً إلَّا في جزاء الجمل الشرطيّة بأن يُقال: إذا قهقه في صلاته أعاد؛ مع أنَّه لا يصحّ -الإنشاء- إلَّا في الجملة الخبريّة التي قوامها فعلٌ مضارعٌ أو ماضٍ أحياناً. فهذا يدلّ أنَّ الاستعمال ليس بلحاظ المناسبة.
ــــــــــ[106]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 137، غاية المأمول 1: 253، دراسات في علم الأصول 1: 179،180، الهداية في الأصول 1: 228.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ولنا حول ذلك تعليقان:
الأوّل: إنَّ المدلولات الوضعيّة ليست هي المدلولات التصديقيّة بل هي المدلولات التصوّريّة، وهي النسب التامّة التي وُضعت لها الجملة الخبريّة. فانحفاظ المدلول الوحداني للجملة في الإخبار والطلب ليس معناه انحفاظ المدلول التصديقي بل انحفاظ المدلول التصوّري.
الثاني: في الشاهد الذي ذكره، حيث ذكر أنَّنا لم نجد مثالاً لاستعمال الجملة الخبريّة في غير المضارع والماضي الواقع في الجملة الشرطيّة(1).
وفيه نقول: إنَّه لا إشكال من وقوعه في الجملة الخبريّة كما في الفعل الماضي من دون جملةٍ شرطيّةٍ: كـ(رحمك الله) و(غفر الله لك)، وهي جملةٌ خبريّةٌ يراد بها الطلب. إلَّا أنَّ هذا غير مطّردٍ كما هو الحال في الفعل المضارع. فلا معنى لأنْ يقول المولى: صلّيت أو صمت، في مقام الأمر بذلك، ولكن يقول تصلّي أو تصوم.
ونكتة المطلب: أنَّ تصدّي المولى للطلب لا يناسب مع فرض الفراغ عن وقوع الفعل في الماضي، فإنَّ النظر الطلبي نظرٌ ترقّبيٌّ واستدعائيّ، وهو لا يناسب مع مضيّ الفعل ووقوعه بحسب المناسبات العرفيّة الارتكازيّة، ولهذا لا يصحّ عرفاً أن يتقمّص المولى قميص الطلب ثُمَّ يستعمل الفعل الماضي الذي نظره نظر المضيّ والانتهاء، إلَّا إذا قلب معناه إلى شبه مضارع، كما إذا صار جزاءً
ــــــــــ[107]ــــــــــ
(1)انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 137، غاية المأمول 1: 253، دراسات في علم الأصول 1: 179،180، الهداية في الأصول 1: 228.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
في جملةٍ شرطيّة، مثل (إذا قهقه أعاد).
وأمّا مثل (غفر الله لك) و(رحمك الله)، فهذا في الحقيقة ليس طلباً بالمعنى المتعارف وإن كان إنشاءً، بل الظاهر أنَّ المراد به هو ترقّب أنَّ هذا المطلب قد صدر من المولى. وفرقٌ بين (غفر الله لفلان) وبين (اغفر لفلان) فلا يكون تهافتٌ بينه وبين نظر الفعل الماضي.
ولهذا اختصّ استعمال الفعل الماضي في مقام الإنشاء والطلب بما كان من هذا القبيل -الذي يرجع إلى مثل هذا التوقّع- واختصّ الطلب المتعارف بالمضارع أو الماضي الواقع في جزاء جملةٍ شرطيّة.
ــــــــــ[108]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إنَّ الجملة الخبريّة المفروض دلالتها على الطلب -بالوجوه السابقة- هل يستفاد منها الوجوب أو مطلق الطلب؟
يجب الرجوع في ذلك إلى الوجوه الأربعة السابقة، لنرى ماذا يقتضيه كلّ وجه.
الوجه الأوّل: أن نحمل الجملة الخبريّة على مدلولها التصوّري والتصديقي معاً في مقام الطلب، وأنَّه في مقام قصد الحكاية والإعادة من ذاك الشخص الذي يكون عمله مطبّقاً وفق القواعد الشرعيّة، ويكون دالاً بالالتزام على الطلب -كما سبق- وبناءً على هذا الوجه الظاهر تعيّن الوجوب في مقابل الاستحباب؛ لأنَّ هذا الوجه يقتضي بذل العناية وهي تضييق دائرة الفاعل؛ لأنَّه لو بقي على إطلاقه للزم الكذب. وحينئذٍ يدور الأمر بين الأقلّ والأكثر في التقييد، فإن كان الطلب وجوبيّاً، قيّد الفاعل بمن يكون عمله مطبّقاً وفق القواعد الشرعيّة حتى يصير الإخبار صادقاً حينئذ.
وأمّا إذا كان مستحبّاً فحتّى من كان عمله على طبق على القواعد الشرعيّة،
ــــــــــ[109]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
قد لا يأتي به، فإنَّ ترك المستحبّ أيضاً ينطبق على القواعد الشرعيّة. إذن، لا بدَّ -لكي لا يكون الإخبار كاذباً- من تقييدٍ زائدٍ في دائرة الإخبار، وأنَّه في حقّ شخصٍ يطبّق عمله على القواعد الشرعيّة بأفضل نحوٍ من أنحاء التطبيق. فإنَّ هذا لا محالة يصدر منه المستحبّ، لأنَّه هو التطبيق الأعلائي، وهذه العناية أشدّ في طرف الاستحباب. ومعه يتعيّن الحمل على الوجوب؛ لأنَّ مقتضى القاعدة البناء على الأقلّ في مقام التقييد.
الوجه الثاني: وهو الحمل على الكناية باعتبار الاستطراق من أحد المتلازمين إلى ملازمه، حيث كان صدور الفعل خارجاً ملازماً لطلبه من المولى، فيجعل الصدور قنطرةً للإخبار عن الطلب.
وهنا يمكن أن يُقال بتعيّن الوجوب أيضاً؛ لأنَّ القنطرة كلّما كانت أقصر كانت الدلالة أقوى، ومن الواضح أن مرتبة التلازم بين وقوع الفعل والطلب الوجوبي أوضح عرفاً من مرتبة التلازم بين وقوع الفعل والطلب الاستحبابي المقرون بالترخيص والترك، وخاصّةً مع شيوع ترك المستحبّات حتّى بين المتشرّعة، بلا ملازمةٍ هنا بين الاستحباب وإيجاد المستحب. فتنصرف الكناية إلى ما هو الأشدّ والأوضح لزوماً بحسب الارتكاز العرفي والمتشرّعي، فيكون كنايةً عن الوجوب لا الاستحباب.
الوجه الثالث: أنَّ المولى في لفظ (يعيد)، يستعملها في النسبة الصدوريّة تصوّراً، وينقل ذهن السامع تصوّراً إلى النسبة الإرساليّة، فيوجد لها مدلولين تصوّريين طوليين هما النسبة الصدوريّة والإرساليّة. والظاهر أيضاً تعيّن
ــــــــــ[110]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الوجوب بالبيان الأخير الجديد لكيفيّة استفادة الوجوب من صيغة (افعل) حتّى لو لم نقل بالوضع، بدعوى أنَّ مقتضى التطابق بين الإرسال التكويني المدلول عليه بالصيغة تصوّراً والإرسال التشريعي المدلول عليه بها تصديقاً، هو أنَّه كما أنَّ الإرسال التكويني لا يبقي مناصاً للعبد في الترك، كذلك في الإرسال التشريعي، وهو معنى الوجوب.
وهذا البيان يأتي بنفسه في الجملة الخبريّة بعد فرض كونها دالّةً التزاماً على النسبة الإرساليّة.
الوجه الرابع: إنَّ كلمة (يعيد) مستعملةٌ في مدلولها التصوّري المطابقي، والمدلول التصديقي لها هو الإرادة والطلب ابتداءً.
وبناءً على هذا الوجه لا يتمّ شيءٌ من الخصوصيّات لأجل إفادة الوجوب في مقابل الاستحباب، إلَّا إذا تمّ ذاك الإطلاق الذي نقلناه في بحث مادّة الأمر عن المحقّق العراقي وغيره من حمل الإرادة على الفرد الشديد؛ لأن الفرد الشديد كلّه إرادةٌ وشوقٌ بخلاف الضعيف.
فيقال: إنَّ المدلول التصديقي للجملة هو الإرادة، وهي مردّدةٌ بين الضعيفة والشديدة، وحيث إنَّ الشديدة كلّها إرادةٌ بخلاف الضعيفة، فيتعيّن بمقدّمات الحكمة الحمل على الشديدة. إلَّا أنَّ هذا البيان لم يكن تامّاً، فلا توجد نكتةٌ في هذا الوجه لإفادة الوجوب.
وأمّا ما هو الأقرب من هذه الوجوه الأربعة لو لم تكن هناك قرينةٌ خاصّةٌ على أحدها فهو الوجه الأوّل، بأن يتحفّظ على مدلولها التصوّري ومدلولها
ــــــــــ[111]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
التصديقي، وتحمل على قصد الحكاية عن نفس المدلول التصوّري لا الكناية عنه. غاية الأمر أن يقيّد إطلاق المادّة بالفاعل الذي يكون عمله مطابقاً للموازين الشرعيّة.
هذا هو المتعيّن؛ لأنَّ الوجوه الثلاثة الأُخرى تقتضي رفع اليد عن أصل المدلول التصديقي وحمله على مدلولٍ تصديقيّ آخر، بينما يتحفّظ في هذا الوجه على أصل هذا المدلول مع تقييد المادّة، وكلّما دار الأمر بهذا النحو يتعيّن الثاني.
التنبيه الأوّل: أنَّ الجملة الخبريّة إذا دخلت عليها (لام الأمر) فلا إشكال في دلالتها على الطلب، والظاهر أنَّها توجب قلب النسبة التي تدخل عليها من النسبة الصدوريّة إلى النسبة البعثيّة الإرساليّة. وبناءً عليه يأتي فيه كلُّ ما تقدّم في صيغة (افعل)، وتثبت دلالتها على الوجوب بنفس الوجوه السابقة.
التنبيه الثاني: أنَّ الجمل التي تستعمل في مقام إبراز إرادة المولى إن ثبت أنَّها موضوعةٌ للدلالة على الوجوب، فلا كلام. وأمَّا إن لم يثبت ذلك، فيمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: ما يكون دالاً على البعث والتحريك؛ إمّا بنحو المعنى الحرفي أو بنحو المعنى الاسمي كـ (آمرك) و(أطلب منك).
ومعه يمكن أن يستفاد منها الوجوب بالإطلاق الذي بيّنّاه في الوجه الأخير لصيغة الأمر، حيث قلنا: إنَّ مقتضى التطابق بين الإرسال الخارجي والإرسال التشريعي هو ذلك.
ــــــــــ[112]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
القسم الثاني: ما لا يستفاد منه التحريك لا بنحو المعنى الحرفي ولا الاسمي، ولكن يكون مضمونه الجعل في العهدة، كقوله: وَللَّـهِ عَلَى النَّاسِ(1)، وكُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ(2)، و(على فلان أن يتصدّق) فإنَّ مضمون (على) إنّما طلب الفعل من المكلّف على وجه الاستعلاء باعتبار وجوده في عهدته. وحيث إنَّ العهدة من الأوعية التي جُعلت لتحمّل المسؤوليّات والوجوب في باب الضمانات، فينعقد ظهورٌ سياقيٌّ بأنَّ كون الفعل في العهدة يستدعي كون المكلّف ملزماً به.
القسم الثالث: ما لا يكون فيه شيءٌ من النكتتين وإنّما يستفاد منه رغبة المولى بالطلب كـ (أحبّ أن تفعل كذا) أو (ارغب) ونحوه. وهذا لا يدلّ على الإرسال لا بالمعنى الحرفي ولا الاسمي ولا يكون مضمونه الجعل في العهدة.
وهو لا يدلّ على الوجوب إذا ورد مثله في الأدلّة.
وبهذا تمّ الكلام في الجملة الخبريّة.
ــــــــــ[113]ــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
(2) البقرة: 183.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
مبحث التعبّدي والتوصّلي
ــــــــــ[115]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
-1-
هذا البحث معقود لتنقيح ما هو الأصل اللفظي أو العملي عند الشكّ في كون الواجب تعبّديّاً أو توصّليّاً، وهو ينقسم إلى أربع مسائل باعتبار أنَّ التوصّليّة لها أربعة معانٍ(1).
المعنى الأوّل: ما يسقط بفعل الغير.
المعنى الثاني: ما يسقط بالفعل غير الاختياري لنفس المكلّف.
المعنى الثالث: ما يسقط بالفرد المحرَّم(2).
ــــــــــ[117]ــــــــــ
(1) وردت هذه المعاني في جملةٍ من المصادر بنحو التعرّض إلى بعضها دون بعض، فكانت مجموع المصادر متعرّضةً للمعاني الواردة في المتن، ومن تلك المصادر على سبيل المثال: تقريرات الشيرازي 2: 328، غاية المسؤول في علم الأصول: 197، مطارح الأنظار: 59، كفاية الأصول: 72، فوائد الأصول (النائيني) 1: 137،138، نهاية الأفكار 1: 138، محاضرات في أصول الفقه 2: 139،140.
(2) حكي ذلك عن صاحب المعالم، راجع: بحر الفوائد 2: 5، حاشية مجمع الفائدة والبرهان: 560، القوانين المحكمة في الأصول 1: 342،343.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المعنى الرابع -وهو المعروف(1)-: وهو ما يسقط بدون قصد القربة.
ويكون التعبّدي في مقابل كلّ واحدٍ من هذه الأربعة، ولهذا يقع الكلام في أربع مسائل:
إذا شكّ في كون واجبٍ توصّليّاً أو تعبّديّاً بالمعنى الأوّل: أي ما يسقط بفعل الغير. كما لو ثبت وجوب قضاء ما فات الميّت على ابنه الأكبر، وشكّ أنَّ هذا الوجوب هل يسقط بفعل الغير أو لا؟ والكلام في ذلك يقع في مقامين: الأوّل: في تاسيس الأصل اللفظي، والثاني: في الأصل العملي.
أمّا المقام الأوّل فيما هو مقتضى القاعدة بلحاظ الدليل الاجتهادي الدالّ على وجوب ذلك الفعل، فقد ذكر السيّد الأستاذ(2) أنَّ مقتضى القاعدة كونه تعبّديّاً ولا يسقط بفعل الغير.
وتوضيحه: أنَّ الشكّ في المقام لا يرجع إلى الشكّ في سعة دائرة الواجب وضيقه، بل إلى الشكّ في سعة دائرة الوجوب، فلو فرضنا أنَّ الواجب يسقط بفعل الغير فليس معناه أنَّ دائرة الواجب واسعةٌ بحيث يكون الواجب على زيدٍ
ــــــــــ[118]ــــــــــ
(1) راجع: بدائع الأفكار (الرشتي): 237، محاضرات في أصول الفقه 2: 154.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 142، مصابيح الأصول 1: 214، دراسات في علم الأصول 1: 185،186.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
هو الأعمّ من فعله وفعل غيره؛ لوضوح أنَّ هذا مستحيل، فإنَّ فعل الغير ليس تحت سلطان زيد، وإنَّما الواجب هو فعل زيدٍ بالخصوص بلا إشكال. وإنّما الشكّ في أنَّ وجوب هذا الفعل من زيد هل هو مقيّدٌ بعدم صدوره من عمرو أو ليس مقيّداً بذلك. فالشكّ ليس في دائرة الواجب -أي: في مدلول المادّة- بل في دائرة الوجوب، أي: في مدلول الهيئة، والشكّ في ذلك معناه أنَّ مدلول الهيئة هل هو مطلق أو مقيّد؟ ومقتضى الإطلاق ومقدّمات الحكمة ثبوت الوجوب سواءٌ فعل الغير أو لم يفعل، وهذا معناه عدم السقوط بفعل الغير.
هذا الكلام مبنيٌّ على ما أشرنا إليه من أنَّ الشكّ في السقوط بفعل الغير، ليس مرجعه الشكّ في أعمّية الواجب وأخصّيته، بل يرجع محضاً إلى الشكّ في ضيق الوجوب وسعته.
لكنّ هذا محلّ إشكالٍ صغرىً وكبرى.
أمّا الصغرى: فلأنّ ما ذكره من أنَّ الواجب يستحيل أن يكون هو الجامع بين فعل نفسه وفعل غيره، بدعوى أنَّ فعل الغير ليس تحت سلطان المكلّف ممنوع؛ لأنَّ فعل الغيرعلى قسمين: أحدهما: فعل الغير التسبيبي، والآخر: فعل الغير الأجنبي. فالثاني ليس تحت اختيار الإنسان، وأمّا التسبيبي فهو تحت القدرة إمّا تسبيباً إلجائيّاً أو بإيجاد الداعي في نفس الغير. ومن هنا يمكن الأمر به مباشرةً، بأنْ يؤمر الأب بصلاة ابنه؛ لأنَّه قادرٌعلى التسبيب إليه، فيعقل تعلّق الوجوب بين فعل المكلّف والحصّة التسبيبية من فعل الغير.
وأمّا الكبرى: فلو فرضنا أنَّ فعل الغير غير مقدورٍ للمكلّف -ولكن
ــــــــــ[119]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
سوف يأتي من السيّد الأستاذ(1) في المسألة الثانية والثالثة إمكان تعلّق التكليف بالجامع بين الفعل الاختياري والفعل غير الاختياري للمكلّف؛ لأنَّ الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدورٌ- فأيّ فرقٍ يبقى بين الفعل غير الاختياري وفعل الغير، فإنَّ نسبة الفعل غير الاختياري إلى المكلّف كنسبة فعل الغير إليه؛ لأنَّ كليهما ليسا تحت قدرته. وبهذا يتضح أنَّ السقوط بفعل الغير يمكن أن يكون لسعة دائرة الواجب، بحيث يرجع الشكّ فيه إلى الشكّ في هذه السعة.
وحينئذٍ فلا بُدَّ أن نرجع إلى ظهور المادّة لا إلى ظهور الهيئة لنرى أنَّه ماذا يقتضي؟ هل الواجب هو الجامع أو خصوص الفعل الصادر من زيد؟ فإن كان ظهوره يقتضي كون الواجب هو الجامع فمقتضى القاعدة السقوط بفعل الغير؛ لأنَّه مصداقٌ للجامع. وإن كان ظهوره يقتضي كون الواجب هو الحصّة الخاصّة، فمقتضى القاعدة عدم السقوط. فلا بُدَّ من الالتفات إلى ظهور المادّة ولا يكفي التمسّك بإطلاق الهيئة.
وحينئذٍ نقول: إنَّ عندنا أمران: أحدهما: أن يكون الفعل مستنداً إلى المكلّف وهو زيد. والآخر: أن يكون الفعل صادراً منه بالمباشرة لا بالتسبيب. أما الأوّل -وهو كون الفعل مستنداً إليه ومعلولاً له عرفاً- فلا إشكال في أنَّه مستفادٌ من المادّة، فلا ينطبق على فعل الغير؛ لأنَّ المنشئية(2) ملحوظةٌ في فعل الأمر -كما هو في الفعل الماضي والمضارع- مع إلباسه ثبوب النسبة الإرساليّة،
ــــــــــ[120]ــــــــــ
() انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 143،144، مصابيح الأصول 1: 214.
(2) النسبة الصدوريّة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فمقتضى ظهور المادّة أنَّه لا إطلاقٌ لمادّة يشمل الفعل الأجنبي للغير. ثُمَّ إنَّ الفعل الصادر من زيدٍ إمّا أن يصدر بالمباشرة أو بالتسبيب، والنسبة الصدوريّة محفوظةٌ في كليهما حتّى في الفعل الماضي، فضلاً عن فعل الأمر. فهل مقتضى ظهور المادّة هو الاختصاص بالحصّة المباشرة فيه أو يشمل الحصّة التسبيبية؟
فيه تفصيل: فإنَّ الفعل تارةً تكون نسبته إلى الفاعل نسبة الفعل إلى الفاعل فقط، وأُخرى تكون نسبته نسبة العرض إلى محله. ومثال الأوّل: فلو قال لزيد: (اغسل المسجد) فإنَّ الغسل عرضٌ للمسجد لا لزيد. ومثال الثاني: (اشرب الماء) فإنَّ له إلى زيد نسبتين، فإنَّه فاعل الشرب والمتّصف به. ففي القسم الأوّل: مقتضى الإطلاق هو الشمول للحصّة المباشريّة والتسبيبيّة معاً؛ لأنَّ المادّة غاية ما تقتضيه هي النسبة الصدوريّة، وهي محفوظةٌ في كلتا الحصّتين، ولا تقتضي أكثر من ذلك، فيسقط بفعل الغير.
وأمّا القسم الثاني: في مثل (اشرب يا زيد) لو أنَّ زيداً سبّب إلى أنَّ عمراً هو بنفسه يشرب الماء، فهذا ليس مصداقاً للمادّة؛ لأنَّ نسبة الفعل إلى الفاعل وإن كانت في المثال محفوظةً باعتباره صبّ الماء في فم عمرو، ولكنّه ليس معروضاً لزيد، فلا يكون للمادّة إطلاقٌ بالنسبة إليه. نعم، لو أنَّ زيداً أجبر عمراً على أن يُشربه لكان مصداقاً للمادّة؛ لأنَّه واجدٌ لكلتا النسبتين.
فيكون مقتضى القاعدة عدم السقوط بفعل الغير.
هذا تمام الكلام في الدليل اللفظي.
ــــــــــ[121]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
لو فرض عدم وجود إطلاق في الدليل الاجتهادي، فالمعروف أنَّه لا بُدَّ من الاحتياط، فلا يجوز الاكتفاء بفعل الغير. ويقرَّب ذلك بوجهين:
الوجه الأوّل: إجراء استصحاب بقاء الوجوب؛ لأنَّ الوجوب قبل فعل الغير كان ثابتاً، ويشكّ في سقوطه، فيُستصحب بقاؤه.
الوجه الثاني: أنَّه بقطع النظر عن الاستصحاب أو بناءً على منع جريانه في الشبهات الحكميّة -عند من يقول بمنع جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة(1) فإنَّ المقام شبهةٌ حكميّةٌ- تجري فيه أصالة الاشتغال؛ لأنَّ المورد من موارد الشكّ في سقوط التكليف، فما لم يحصل الجزم بفراغ الذمة تجري أصالة الاشتغال.
وتحقيق الكلام في المقام: أنَّ الشكّ تارةً يكون شكّاً في السقوط بفعل الغير، بمعنى احتمال أن يكون مصداقاً للواجب، بناءً على ما ذكرنا(2) من أنَّه يعقل ثبوتاً تعلّق الوجوب بالجامع بين فعل المكلّف وفعل غيره، خصوصاً الحصّة التسبيبيّة من فعل الغير، فالشكّ فيه يكون شكّاً في دائرة الواجب وأنَّه هل هو خصوص الفعل المباشري أو الجامع بينه وبين التسبيبي، فيدور أمر الواجب بين الوسيع والضيّق.
فالشكّ شكٌّ في دائرة الواجب؛ لأنَّ أصل الوجوب معلومٌ ويُشكّ في
ــــــــــ[122]ــــــــــ
(1) مثل السيّد الخوئي، انظر: دراسات في علم الأصول 4: 62، مصباح الأصول 3: 40.
(2) راجع: ص119.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إطلاقه، فتجري البراءة عن المؤونة الزائدة وهو قيد المباشريّة، كما هو الحال في سائر موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، ولا مجال لجريان أصالة الاستصحاب أو الاشتغال.
وتارةً أخرى: يفرض أنَّنا علمنا بأنَّ الواجب هو عبارةٌ عن الفعل المباشري خاصّة، لكن نشكّ بإطلاق الوجوب وتقييده، ولا ندري أنَّ هذا الوجوب يختصّ بما إذا لم يأتِ به الغير أو أنَّه مطلق؟
وهذا معناه أنَّ الشكّ شكٌّ في نفس الوجوب، فهل هو مقيّدٌ بعدم إتيان القيد أو مطلقٌ مجعولٌ، سواء أتى الغير بالفعل أو لا؟
وتقيّد الوجوب بعدم إتيان الغير يُتصوّر على نحوين:
النحو الأوّل: أن يكون الوجوب متقيّداً بعدم إتيان الغير على نحو الشرط المتأخّر، بحيث لو أتى الغير بالفعل ولو بعد يومين فلا وجوب أصلاً. وهذا معناه أنَّه مشروطٌ بعدم الإتيان بنحو الشرط المتأخّر.
النحو الثاني: أن يكون الوجوب مشروطاً بعدم الإتيان بنحو الشرط المقارن، بمعنى: أنَّه ما دام الغير لم يأت بالفعل فالوجوب ثابتٌ. فلو أتى به الغير يسقط الوجوب. فالوجوب في كلّ آنٍ منوطٌ بعدم إتيان الغير به في ذلك الآن.
فإن كان المشكوك من النحو الأوّل، وأنَّ الوجوب مقيّدٌ بعدم إتيان الغير على نحو الشرط المتأخّر، فلو أتى الغير بالفعل يكون الوجوب مشكوكاً من أوّل الأمر؛ لأنَّ الوجوب إن كان مشروطاً بالشرط المتأخّر، فلم يحدث
ــــــــــ[123]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وجوبٌ، وإن كان مطلقاً فقد حدث الوجوب، ومعه لا معنى لإجراء استصحاب الوجوب ولا أصالة الاشتغال.
أمّا الاستصحاب، فلأنَّه فرع وجود الحالة السابقة -الوجوب حدوثاً- مع أنَّه لا يقين بالوجوب. وأمّا اصالة الاشتغال، فلأنَّه لا شغل يقينيّ من أوّل الأمر، فتجري البراءة بلا إشكال.
وإن كان المشكوك من النحو الثاني، بمعنى: إنَّ الوجوب كان ثابتاً من أوّل الأمر يقيناً، ولكن يشكّ بارتفاعه بإتيان الغير. فإن قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة -كما هو الصحيح- فلا إشكال في جريانه؛ لأنَّ الوجوب معلومٌ حدوثاً ومشكوكٌ بقاءً، فيستصحب إلى ما بعد فعل الغير، وبه يتنجّز الوجوب.
وأمّا إذا قطعنا النظر عن الاستصحاب أو قلنا بعدم جريانه في الشبهات الحكميّة فهل المقام مجرىً للبراءة أو الاشتغال؟ هذا فيه تفصيل.
فإنَّ الشكّ في السقوط بفعل الغير يكون بإحدى نكتتين، فإنَّ فعل الغير قد تكون مسقطيّته بلحاظ كونه مستوفياً للغرض كالنظافة، وقد تكون مسقطيته بلحاظ زوال الغرض فيصبح الفعل غير محبوبٍ للمولى كالتشبّه بالكفار، فإنَّ المولى لا يحبّه مادام أتى به الغير، فيكون فعل الغير موجباً لسقوط محبّة المولى، فإن كانت مسقطيّة فعل الغير من باب الاستيفاء كما هو الغالب، فحينئذٍ إذا شكّ في المسقطيّة تجري أصالة الاشتغال كما قال المشهور(1)؛ لأنَّ الغرض
ــــــــــ[124]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول 74،75، فوائد الأصول (النائيني) 1: 139-143، نهاية الأفكار 1: 200، وتجدر الإشارة إلى أنَّ كلمات الأعلام خالية عن التفصيل.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المولويّ معلومٌ، والشكّ في استيفائه بفعل الغير، فتجري أصالة الاشتغال. وإن كانت المسقطيّة على النحو الثاني فيكون الشكّ في أصل الحبّ والغرض المولويّ، فتجري البراءة.
هذا حاصل ما ينبغي أن يُقال في تأسيس الأصل العملي. وبهذا تمّ الكلام في المسألة الأولى.
المسألة الثانية من مسائل التوصّلي والتعبّدي: هي تأسيس الأصل في التوصّلي بالمعنى الثاني، أي: فيما إذا شكّ أنَّ الواجب يسقط بالفعل الصادر من المكلّف بغير اختيار أو لا.
والكلام يقع في مقامين: الأوّل: في تأسيس الأصل اللفظي، والثاني: في تأسيس الأصل العملي.
وذلك فيما لو ورد أمر (اغسل) وشُكّ أنَّ الأمر بالغسل هل يسقط بالغسل غير الاختياري من المكلّف أو لا.
فهنا عندنا مادّةٌ وهيئةٌ، فإن ثبت بقرينةٍ أنَّ المادّة مقيّدةٌ بخصوص الحصّة الاختياريّة، فيمكننا الرجوع إلى إطلاق مفاد الهيئة لإثبات أنَّ وجوب هذه الحصّة الاختياريّة ثابتٌ على الإطلاق، سواءٌ أتى بالحصّة غير الاختياريّة أو لا، فيكون مقتضى القاعدة عدم سقوط التكليف بالحصّة غير الاختياريّة.
وأمّا إذا لم يثبت تقيّد المادّة بخصوص الحصّة الاختياريّة، وانعقد فيها
ــــــــــ[125]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إطلاقٌ يشمل الحصّة غير الاختياريّة، فمقتضى إطلاقها أنَّه أُريد الجامع بين الحصّة الاختياريّة وغيرها. ومعه يثبت الإجزاء والسقوط بالحصّة غير الاختياريّة؛ لأنَّه مصداقٌ للواجب، ولا مجال للتمسّك بإطلاق الهيئة لإثبات عدم السقوط؛ لأنَّ الوجوب لا يعقل أن يكون له أثرٌ مع وجود متعلّقه خارجاً. والمفروض أنَّ متعلّقه قد حصل في الخارج؛ لأنَّ هذا مصداقٌ للواجب.
فلا بدَّ أن نرى أنَّ المادّة هل لها إطلاقٌ يشمل الحصّة غير الاختياريّة أو لا؟
وقد استشكل في التمسّك بإطلاق المادّة بعدة إشكالات، بعد الفراغ عن أنَّ المادّة بحسب طبعها الأوّلي لا إشكال في إطلاقها وأنَّ كلمة الغسل لم توضع للحصّة الاختياريّة، بل لذات الشيء الجامع بين الاختياري وغيره.
وحاصله: أنَّ أمر (اغسل) هو بداعي الباعثيّة والمحرّكيّة للمكلّف نحو المادّة، ومن الواضح أنَّ هذا لا يعقل إلَّا نحو المقدور لاستحالة الباعثيّة نحو غير المقدور فيلزم منه أنَّ المادّة المبعوث نحوها إنّما هي الحصّة الاختياريّة.
والصحيح في جواب هذا الإشكال أن يُقال: بأنَّنا سلّمنا أنَّ صيغة (افعل) مفادها هو داعي الباعثيّة والمحرّكيّة، وسلّمنا أنَّه لا يمكن أن يكون إلَّا نحو المقدور، إلَّا أنَّ الكلام في أنَّ متعلّق الأمر يكون هو الجامع بين الحصّة الاختياريّة والحصّة غير الاختياريّة بنحو صرف الوجود لا بنحو مطلق الوجود. فهو طلبٌ
ــــــــــ[126]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 143،144، أجود التقريرات 1: 102،103.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
واحدٌ متعلّقٌ بالجامع، وليس طلباتٍ متعدّدةً بعدد الأغسال في الخارج، بحيث يتعلّق طلبٌ بالاختياري وغيره بنحو الانحلال ومطلق الوجود.
وحينئذٍ يُقال: إنَّه لا بُدَّ أن يكون صرف الوجود هذا اختياريّاً، لأنَّه هو متعلّق الباعثيّة والمحرّكيّة، ومن الواضح أنَّ الجامع بين الاختياري وغيره اختياريّ؛ لأنَّه يكفي في تحقّق الجامع بنحو صرف الوجود تحقّق أحد أفراده، وهو اختياريّ.
نعم، لو أرجعنا الأمر بصرف الوجود إلى أوامر متعدّدةٍ بتعدّد الأفراد ولكن على سبيل البدل، بمعنى: أرجعنا التخيير العقلي إلى التخيير الشرعي، حينئذٍ يبقى الإشكال قائماً، لكنّ هذا الإرجاع في غير محلّه كما حقّقنا(1).
وأجاب السيّد الأستاذ(2) على كلام الميرزا بوجهين:
الأوّل: أنَّ كلام الميرزا مبنيٌّ على أنَّ مفاد الأمر هو الباعثيّة والمحرّكيّة، فإنَّه بناء عليه يكون كلامه تامّاً؛ لأنَّ التحريك نحو أمر غير مقدور غير معقول.
لكن بناءً على ما سلكناه في صيغة الأمر، من أنَّ مفادها ليس هو التحريك والباعثيّة، بل مفادها هو اعتبار الفعل على ذمة المكلّف، ومعه، فأيّ محذورٍ في اعتبار الأمر غير الاختياري على ذمّة المكلّف. ولكنّ العقل يحكم بلزوم الامتثال على القادر دون العاجز.
ــــــــــ[127]ــــــــــ
(1) انظر: مباحث الأصول (القسم الأول) 2: 136، ونفس المصدر 3: 135.
(2) انظر: أجود التقريرات 1: 101، مصابيح الأصول 1: 218.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذا الجواب لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّه من الواضح أنَّ نظر الميرزا إلى المدلول التصديقي لصيغة (افعل) لا التصوّري، فإنَّ المدلول التصديقي على أي حال مطعمٌ بالباعثيّة، سواءٌ قلنا: إنَّه الطلب أو هو اعتبار الفعل على ذمّة المكلّف؛ فإنّ العرف لا يفهم من هذا الاعتبار مجرّد لقلقةٍ لسان، وإنّما هو لأجل التسبب لإيجاد الفعل في الخارج. وما أشار إليه السيّد الأستاذ فهو في المدلول التصوّري، حيث قال المشهور: بأنَّه هو النسبة البعثيّة(1)، وأنكره السيّد الأستاذ(2). ونظر الميرزا إلى المدلول التصديقي لا إلى المدلول التصوّري(3).
الثاني-وكأنَّه أراد أن ينقض به على الميرزا-: وهو يحتاج إلى مقدّمة، وحاصلها: في بحث الضدّ والتزاحم إذا وقعت الصلاة مزاحمةً للإزالة، وقلنا إنَّ الإزالة أهمّ، فإن قلنا بعدم إمكان الترتّب فيسقط الأمر بالصلاة رأساً. فهنا هل يمكن تصحيح الصلاة أو لا؟ وصحّتها متوقّفةٌ على إحراز الملاك. ثم بعد أن سقط الأمر كيف نحرز الملاك؟
الميرزا هناك يقول(4): إنَّنا نتمسّك بإطلاق المادّة لإثبات وجدان هذا الملاك؛ لأنَّها وقعت موضوعاً لمطلبين: أحدهما الوجوب، والآخر الملاك. فبلحاظ
ــــــــــ[128]ــــــــــ
( ) انظر: مقالات الأصول 1: 222، الهداية في شرح الكفاية: 106.
( ) انظر: أجود التقريرات 1: 101، دراسات في علم الأصول 1: 185.
( ) حيث ذكر الميرزا النائيني ما لفظه: “الأمر الشّرعي إنّما هو توجيه إرادة العبد نحو المطلوب، وتحريك عضلاته”، انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 144.
( ) فوائد الأصول (النائيني) 1: 325.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
محمولها الأوّل سقطت يقيناً بالمزاحمة مع الأهمّ، ولكن بلحاظ محمولها الثاني لا ندري بسقوطها، فنتمسّك بإطلاقها بلحاظ محمولها الثاني.
فقال السيّد الأستاذ: إن صحّ لكم هناك أن تثبتوا بإطلاق المادّة وجدانها للملاك، فهنا أيضاً نقول: إنَّ إطلاق المادّة بلحاظ الوجوب ساقطٌ؛ لأنَّه يحتاج إلى متعلّقٍ اختياريّ، ولكن لا بأس بدعوى إطلاق المادّة للحصّة غير الاختياريّة بلحاظ الملاك، فإنَّ الملاك يعقل شموله للحصّة الاختياريّة.
وهنا لا بُدَّ من إبراز الفرق بين المقامين بأحد بيانين يمكن للميرزا أن يدفع النقض عن نفسه بهما:
البيان الأوّل: أن يُقال: بأنَّ إطلاق المادّة في المقام بلحاظ المحمول الثاني وهو الملاك وإن كان جارياً ولكن يعارض إطلاق الهيئة.
وتوضيحه: أنَّه إن كانت المادّة على الإطلاق موضوعاً للملاك ووافيةً به، يلزم من ذلك أن يكون وجوب الفعل مقيّداً بعدم الإتيان بالحصّة غير الاختياريّة. فلو كانت الحصّة غير الاختياريّة وافيةً بالملاك على حدِّ الاختياريّة -غاية الأمر لا يمكن أن يتعلّق بها الأمر- فلا محالة يكون الوجوب مقيّداً بعدم وقوع الحصّة غير الاختياريّة؛ إذ مع وقوعها لا يبقى ملاكٌ فلا يبقى وجوب.
وإن كانت المادّة وافيةً بالملاك بحصّتها الاختياريّة فالملاك ثابتٌ، سواءٌ أتى بالحصّة الاختياريّة أو لا، فيحصل تعارضٌ بين إطلاق المادّة وإطلاق الهيئة. فإن تحفّظنا على إطلاق المادّة بلحاظ موضوعيّتها للمحمول الثاني يلزم من ذلك
ــــــــــ[129]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
رفع اليد عن إطلاق الهيئة، وتقييدها بعدم الحصّة غير الاختياريّة، بينما لو قيّدنا إطلاق المادّة للمحمول الثاني بالحصّة الاختياريّة، فسوف يكون الوجوب الذي هو مفاد الهيئة مطلقاً ثابتاً سواءٌ أتى بالحصّة غير الاختياريّة أو لا.
فبقاء المادّة على إطلاقها بلحاظ المحمول الثاني وبقاء الهيئة على إطلاقها وثبوت الوجوب على كلّ حال، غير معقول، فلا بُدَّ من رفع اليد عن أحد الإطلاقين.
وبعد تساقط الإطلاقين تنتهي النوبة إلى الأصل العملي، ولا يمكن إثبات السقوط بالدليل اللفظي.
وهذا بخلاف مورد المزاحمة فيما لو فرضنا أنَّ الصلاة وقعت مزاحمةً للإزالة، وكانت الإزالة أهمّ، فإطلاق مادّة الصلاة بلحاظ المحمول الثاني يكون ثابتاً، ولا يعارضها إطلاق الوجوب والهيئة، لأنَّ الوجوب ساقطٌ بالمزاحمة(1) على أيّ حال. وأمّا في المقام فلا يقطع بسقوطه، وإنّما يحتمل سقوطه بالحصّة غير الاختياريّة، فنتمسّك به، ونعارض به إطلاق المادّة بلحاظ المحمول الثاني.
هذا أحد الفرقين الفنيّين بين محلّ الكلام ومورد المزاحمة.
البيان الثاني: بالإمكان أن يُقال: إنَّ المادّة وإن وقعت موضوعاً لكلا المحمولين: الوجوب والملاك، لكن موضوعيّتها للملاك في طول موضوعيتها للوجوب، فالهيئة تدلّ بالمطابقة على وجوب المادّة، وبالالتزام على وجدانها للملاك.
ــــــــــ[130]ــــــــــ
() وعدم إمكان الترتب بحسب الفرض. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهنا لا بُدَّ أن نعرف أنَّه لا إشكال عند الجميع في أنَّ الدلالة الالتزاميّة تابعةٌ للمطابقيّة وجوداً، فلو لم يكن في الخطاب ظهورٌ يدلّ على الوجوب، فلا يكون فيه ظهورٌ يدلّ بالالتزام على الملاك. نعم، وقع النزاع في أنَّ الدلالة الالتزاميّة هل هي تابعةٌ للمطابقيّة في الحجّيّة -كما هي تابعةٌ في الوجود- أو لا؟ فلو انعقد للكلام كلا الدلالتين، ثُمَّ سقطت الدلالة المطابقيّة للعلم من الخارج، فهل تسقط الدلالة الالتزاميّة أو لا؟
والمشهور عند النائيني(1) والعراقي(2) وغيرهم(3)، هو عدم سقوط الدلالة الالتزاميّة عن الحجّيّة.
حينئذٍ نقول: لو قال المولى: (صلّ) لانعقد له ظهورٌ مطابقيٌّ في وجوب الصلاة والتزاميٌّ في ثبوت الملاك، غاية الأمر أنَّ خطاب (أزل) يكون كاشفاً عن بطلان المدلول المطابقي، أي: عدم وجود الوجوب للصلاة، وأمّا المدلول الالتزامي فلا كاشف عن بطلانه، فيؤخذ بالدلالة الالتزاميّة.
وأمّا في محلّ الكلام -فيما لو قال-: اغسل فإنَّ مدّعى الميرزا هو عدم انعقاد دلالةٍ مطابقيّةٍ أصلاً في الوجوب فضلاً عن الملاك؛ لأنَّ الكاشف عن عدمه
ــــــــــ[131]ــــــــــ
() انظر: فوائد الأصول (النائيني) 4: 756.
(2) انظر: بدائع الأفكار (العراقي) 1: 287.
(3) انظر: كفاية الأصول (مع حواشي المشكيني) 5: 143، مفتاح الأصول 4: 358، وقد ذكر السيّد الخوئي ما لفظه: (ما عن جماعة من المتأخرين منهم شيخنا الأستاذ من أنَّ سقوط اللفظ عن الحجّيّة بالإضافة إلى مدلوله المطابقي لا يستلزم سقوطه عنها بالإضافة الى مدلوله الالتزامي)، انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 362.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يعتبر قرينة متّصلة بالخطاب، وهو داعي البعث والتحريك، وهو لا يناسب بالبداهة مع الحصّة غير الاختياريّة. فهذه قرينةٌ متّصلةٌ، فلا ينعقد ظهورٌ للخطاب في الوجوب، ولا للمادّة إطلاقٌ بلحاظ المدلول المطابقي حتّى يترتّب عليه انعقاد المدلول الالتزامي وهو الملاك.
ففي المقام الدلالة المطابقيّة ذاتاً غير موجودة، فلا تنعقد الالتزاميّة، بينما في باب المزاحمة ذاتاً موجودة وإن كانت ليست بحجّة، وحيث إنَّ الدلالة الالتزاميّة غير تابعةٍ للمطابقيّة بالحجّيّة، فأمكن للميرزا التمسّك بها مع سقوط الدلالة المطابقيّة عن الحجّيّة.
إذن، الصحيح في الجواب على ما ذكره الميرزا من تقييد إطلاق المادّة هو: أنَّه لا موجب لإطلاق المادّة، فإنَّ داعي التحريك يناسب مع الجامع وصرف الوجود بين الحصّة الاختياريّة والحصّة غير الاختياريّة.
الإشكال الثاني على إطلاق المادّة ما ذكره السيّد الأستاذ(1) وهو مبنيٌّ على مباني أستاذه الميرزا(2).
وهذا الإشكال ينحلّ إلى أمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ الميرزا يبني على أنَّه كلّما استحال التقييد استحال الإطلاق؛ لأنَّ الإطلاق هو عدم التقييد في الموضع الذي يمكن فيه التقييد.
ــــــــــ[132]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 150.
(2) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 565، أجود التقريرات 1: 520.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الأمر الثاني: أنَّ تقييد المادّة الذي تعلّق بها الوجوب في (اغسل) بخصوص الحصّة غير الاختياريّة غير معقولٍ كما هو واضح. فإذا استحال التقييد، استحال الإطلاق لغير الاختياري.
إلَّا أنَّ هذا الكلام لا يناسب السيّد الأستاذ؛ لأنَّ الإطلاق الذي نريده ليس هو المقابل للفعل غير الاختياري، بل هو المقابل للتقييد بالفعل الاختياري، وهو أمرٌ معقول.
وتوضيح ذلك: أنَّ المقصود في المقام هو جعل المادّة منطبقةً على الحصّة غير الاختياريّة، وانطباق الطبيعة على أيّ حصّةٍ يتوقّف على عدم أخذ القيد المقابل لتلك الحصّة. فمثلاً: انطباق (أكرم العالم) على غير الهاشمي منوطٌ بالإطلاق المقابل للتقييد بالهاشمية، كما أنَّ انطباقه على الهاشمي منوط بالإطلاق المقابل للتقييد بغير الهاشمية. فالانطباق في كلّ حصّةٍ من شؤون الإطلاق الناتج من عدم التقييد بالحصّة الأخرى.
ففي المقام حصّتان: الغسل الاختياري والغسل غير الاختياري، وإنّما نجعل المادّة منطبقةً على غير الاختياري بالإطلاق، بمعنى: عدم التقييد بالاختياري. ومن الواضح أنَّ التقييد بالاختياري أمرٌ معقولٌ بلا إشكال، فالإطلاق المقابل له أمرٌ معقولٌ أيضاً، وهو الملاك في تطبيق المادّة على الحصّة الاختياريّة.
الإشكال الثالث على إطلاق المادّة هو إشكال اللغوية حيث يقال: إنَّ التمسّك بإطلاق المادّة في المقام غير صحيح؛ لأنَّه لغوٌ؛ إذ أيّ أثرٍ لإطلاقها للحصّة غير الاختياريّة مع عدم إمكان انبعاث العبد نحوها.
ــــــــــ[133]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذا يمكن أن يجاب عليه بأكثر من جواب:
منها: ما ذكره السيّد الأستاذ(1) من إفادته السقوط بالحصّة غير الاختياريّة، بمعنى أنَّه لو فرض صدفةً أنَّه وقعت منه الحصّة غير الاختياريّة فيكون قد أتى بالواجب.
إذن، لا يوجد إشكالٌ على التمسّك بإطلاق المادّة، فمقتضى القاعدة هو التمسّك به لإثبات تعلّق الوجوب بالجامع بين الفعل الاختياري وغير الاختياري. فيكون مقتضى الأصل اللفظي هو السقوط به.
ثم إنَّه بالإمكان أن يُقال: إنَّ مقتضى الأصل اللفظي هو السقوط حتّى لو لم يثبت إطلاق المادّة، وإنَّ الوجوب متعلّقٌ بالجامع بين الحصّتين، بأحد تقريبين:
التقريب الأوّل: ما نقلناه عن السيّد الأستاذ(2) من أنَّه يتمسّك بإطلاق المادّة بلحاظ محمولها الثاني كما سبق. وقد سبق أن تعرّضنا له وبيّنا وجهين من الفرق بين المقام وغيره، ولم يكن مقصودنا منهما تحميلها على الميرزا بمعنى أنَّه يلتزم بهما، بل مقصودنا بيان واقع المطلب.
التقريب الثاني(3): أنَّه لو سلّمنا أنَّ إطلاق المادّة سقط باعتبار البرهان العقلي
ــــــــــ[134]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 149، دراسات في علم الأصول 1: 184،185.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 137، غاية المأمول 1: 253، دراسات في علم الأصول 1: 179،180، الهداية في الأصول 1: 228.
(3) انظر: بدائع الأفكار(العراقي) 1: 249،250.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
القائم على استحالة الشمول للحصّة غير الاختياريّة، فما هو مدرك عدم السقوط؟ فليس هو إلَّا التمسّك بإطلاق الوجوب لإثبات أنَّه ثابتٌ وإن أتى بالحصّة غير الاختياريّة. نعم، لو كان إطلاق المادّة ثابتاً لما أمكن التمسّك بإطلاق الهيئة، إذ لو كانت الحصّة غير الاختياريّة مصداقاً للواجب فلا يعقل التمسّك بالهيئة لإثبات الوجوب؛ إذ لا يعقل ثبوته بعد تحقّق مصداقه، ولكن بعد سقوط إطلاق المادّة يتمسّك بإطلاق الوجوب لإثبات عدم السقوط.
ومعه فيقال: إنَّه لا يمكن التمسّك بإطلاق الهيئة. فإنَّه كان في (اغسل) إطلاقان: أحدهما: إطلاق الوجوب، وأنَّه ثابتٌ على جميع التقادير، والآخر: إطلاق المادّة وهو الغسل، ومقتضاه أنَّ المتعلّق هو مطلق الغسل، سواءٌ كان اختيارياً أو لا. ومن الواضح أنَّ المادّة تقيّد إطلاق الهيئة؛ اذ لا يعقل أن يكون الوجوب ثابتاً مع وقوع متعلّقه خارجاً.
ويرد على هذا الإشكال:
أوّلاً -حلاً-: أنَّ مدّعى هؤلاء الذين يقولون بسقوط إطلاق المادّة
-كالميرزا- أنَّ المقيّد له هو قرينةٌ متّصلةٌ لا منفصلةٌ وهو كون المولى في مقام المحرّكيّة مع بداهة استحالة التحريك نحو غير المقدور. فيشكّل ذلك قرينةً متّصلةً لتقييد إطلاق المادّة وينهدم أصل ظهورها، فلا يبقى بعد ذلك ما يوجب المنع عن إطلاق الهيئة ويكون موجباً لعدم السقوط.
ثانياً -نقضاً-: لو سلّمنا أنَّ المقيّد لإطلاق المادّة بالحصّة الاختياريّة كان مقيّداً منفصلاً وليس متّصلاً، فإنَّ ذلك يتنقض بسائر الموارد التي تقيّد فيها
ــــــــــ[135]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المادّة بقيدٍ منفصل، كما إذا قال: (صلِّ)، وقال بعد ذلك: (لا صلاة إلَّا بطهور واستقبال القبلة). وكان تقييد المادّة زائداً على المسمّى، فهل يلتزم بأنَّ الإتيان بالصلاة الفاقدة للاستقبال مسقطٌ أو لا؟ إن قيل بأنَّه مسقطٌ، فهو خلاف الضرورة. وإن قيل: إنَّه ليس مسقطاً فمدركه هو التمسّك بإطلاق هيئة (صلّ)، وأنَّه يجب الإتيان بالصلاة التامّة، سواءٌ أتى بالصلاة الناقصة أو لا. ولو تمّ إشكاله لما جاز التمسّك بإطلاق الهيئة؛ لأنَّ إطلاق المادّة قيَّده، فحين يقيّد المقيّد المنفصل إطلاق المادّة بخصوص الصلاة المستقبل بها القبلة، فلا يعود الإطلاق للهيئة، ولا يقتضي خصوص الصلاة الاستقباليّة سواءٌ أتى بغيرها أو لا.
ثالثاً: إنَّ هذا الكلام أساساً مبنيٌّ على أنَّ إطلاق الهيئة يقيّد بإطلاق المادّة، أي: أنَّ الوجوب يُقيّد بعدم الإتيان بالمتعلّق، يعني: صلِّ إذا لم يكن هناك صلاة، واغسل إذا لم يكن هناك غسل. مع أنَّ هذا التقييد أساساً غير صحيحٍ، على ما حقّقناه مفصّلاً في أبحاث الترتّب والتزاحم.
ومنشأ تخيّل هذا التقييد هو دعوى أنَّ الوجوب ما دام يسقط بعد الإتيان بمتعلّقه، فهو مقيّدٌ بعدم الإتيان بالصلاة. مع أنَّ سقوط الوجوب بالإتيان بالمتعلّق معناه سقوط فاعليّته لا سقوط فعليّته وخطابيّته. فإنَّ المطلوب فيه صرف الوجود، فلو أتى بصرف الوجود فمحرّكيّته العقليّة وفاعليّته تسقط؛ لأنَّ صرف الوجود قد تحقّق، لا أنَّ الوجوب يكون مقيّداً بعدم الإتيان بالمتعلّق خارجاً. وتمام الكلام في محلّه. ومعه فإطلاق المادّة لا يكون مقيّداً لإطلاق الهيئة
ــــــــــ[136]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أصلاً. وفي المقام لم يسقط الوجوب لا عن الفعليّة ولا عن الفاعليّة، أمّا عن الفعليّة فواضح، وأمّا عن الفاعليّة فلأنَّه لم يمتثل.
رابعاً: لو سلّمنا أنَّ مفاد إطلاق الهيئة يكون مقيّداً. لكن من قال: إنَّه مقيّدٌ بعدم وقوع الصلاة بعنوان أنها صلاة أو عدم وقوع الغسل بعنوانه، بل هو مقيّدٌ بعدم امتثاله، فمفاده: اغسل ما لم تمتثل، وصلّ ما لم تمتثل، وهو قيدٌ عقليّ شامل لإطلاق الهيئة ولو ببرهان استحالة بقاء الوجوب بعد امتثاله، وإطلاق المادّة يقول: هذا امتثالٌ، فيكون خارجاً عن إطلاق الهيئة، فلو سقط إطلاق المادّة بمقيّدٍ منفصلٍ بخصوص الحصّة الاختياريّة، فحينئذٍ يثبت أنَّ الحصّة غير الاختياريّة ليست امتثالاً. إذن، هي ليست خارجةً عن إطلاق الهيئة.
فهذا الإشكال ممّا لا يمكن المساعدة عليه.
والمتحصّل ممّا سبق: هو أنَّ مقتضى الأصل اللفظي إذا شكّ بالسقوط بالحصّة غير الاختياريّة هو السقوط؛ لأنَّ إطلاق المادّة معقولٌ، ولا بأس بالتمسّك به، ومقتضاه تعلّق الوجوب بالجامع بين الحصّتين.
وتحقيقه نفس التحقيق السابق للأصل في المسألة السابقة، وهو: إن قلنا بإمكان تعلّق الوجوب بالجامع بين الحصّة الاختياريّة والحصّة غير الاختياريّة، فالشكّ يكون شكّاً بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين وتجري البراءة.
ولو علم أنَّ الوجوب متعلّقٌ بالحصّة الاختياريّة وشكّ بأنَّه مقيّدٌ بعدم الحصّة غير الاختياريّة أو لا، فهنا إن كان الشكّ شكّاً في ثبوت التقييد بنحو
ــــــــــ[137]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الشرط المتأخّر، يعني: إنَّ ثبوت الوجوب من أوّل الأمر منوطٌ بعدم وقوع الحصّة غير الاختياريّة إلى الأخير، فإذا وقعت هذه الحصّة يكون شكّاً في أصل الوجوب فتجري البراءة عنه.
وأمّا إذا كان القيد مأخوذاً بنحو الشرط المقارن، فهذا الوجوب كان ثابتاً على كل حال؛ لأنَّه لم يكن هناك مسقطٌ، وحينما تقع الحصّة غير الاختياريّة يشكّ أنَّ ذاك الوجوب هل سقط أو لا. فإن قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة فهو، وإلَّا تنتهي النوبة إلى البراءة والاشتغال، فإن كانت المسقطيّة المحتملة من باب المسقطيّة بالتعذّر فيكون من قبيل الشكّ في القدرة فتجري اصالة الاشتغال، وإذا كانت المسقطيّة من باب خروجه عن كونه محبوباً وغرضاً للمولى أصلاً، فتجري البراءة.
إذن، البراءة تجري في أكثر الفروض دون بعضها.
ونريد أن ننبّه على أنَّ الفروض المتعارفة فقهياً الداخلة في المسألة الأولى والثانية داخلةٌ في البراءة، خلافاً للأعلام الذين بنوا على جريان الاشتغال في هذه الفروض. ولأجل توضيح ذلك -يعني: أنَّ الفروع الفقهيّة عادةً تكون مجرىً لأصالة البراءة لا أصالة الاشتغال- نأخذ مثال وليّ الميّت إذا كان يعلم بأنَّ عليه القضاء عن الميّت ويشكّ أنَّه يسقط بفعل الغير، فإذا لم يكن هنا دليلٌ لفظيّ وانتهت النوبة إلى الأصول العمليّة فمقتضى القاعدة هو البراءة لا أصالة الاشتغال.
ــــــــــ[138]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وتوضيحه: أنَّ السقوط بفعل الغير مردّدٌ بين ثلاثة احتمالات:
الأوّل: أنَّه يحتمل مسقطيّة فعل الغير بلحاظ كونه مستوفياً للملاك المولوي.
الثاني: أن يكون فعل الغير موجباً لتعذّر الملاك والغرض، بحيث لا يمكن بعد ذلك تحصيله.
الثالث: أن تكون مسقطيّة فعل الغير من باب أنَّه يخرج الملاك عن كونه محبوباً للمولى وغرضاً له، باعتبار أنَّ الغير من أعداء المولى، فإذا فعل هذا الفعل فالمولى سوف يكره هذا الفعل ولا يريد صدوره من عبده.
وهذا الاحتمال الثالث غير واردٍ في الشرعيات. فإنّ احتمال المسقطيّة بفعل الغير عادةً يكون بأحد الاحتمالين الأوّلين، فنتكلّم على كلا الشقّين:
فإن فرض أنَّ المسقطيّة المحتملة لفعل الغير كانت بلحاظ الاحتمال الأوّل، فهذا الاحتمال يستلزم -ثبوتاً- أن يكون الوجوب على الوليّ مقيّداً بعدم إتيان الغير ولو بنحو الشرط المتأخّر، إذ لم نتعقّل الجامع بين فعل نفسه وفعل غيره؛ وذلك لوضوح أنَّ الغير لو كان يأتي بالفعل فالمولى لا يريده من الوليّ؛ لأنَّ المولى ليس له إلَّا غرضٌ واحدٌ، والمفروض أنَّ الغير يستوفيه ففي ظرف استيفائه لا يريد المولى منه شيئاً.
فإذا شكّ في هذه المسقطيّة يكون الشكّ شكّاً في أصل الوجوب، فتجري البراءة عنه.
وأمّا إذا فرض أنَّ الوليّ علم أنَّ فعل الغير ليس مستوفيا للملاك، ولكنّه
ــــــــــ[139]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يحتمل كونه مسقطاً من باب أنَّه يوجب تعذّر الملاك وعجز الوليّ عن تحصيل الملاك.
وعلى هذا الاحتمال يعني: لو فرض أنَّ الملاك كان بنحوٍ بحيث يتعذّر على الوليّ بإتيان الغير ويفوت عليه فهذا التفويت مأذون به فقهياً؛ لوضوح أنَّ وليّ الميّت لو علم أنَّ غيره سوف يصلّي عن أبيه في الجمعة الآتية فلا يجب عليه أن يسبقه بالصلاة عنه فهذا التفويت والتعجيز مأذونٌ به شرعاً. ففي المقام فعل الغير إمّا أن يكون مسقطاً أو لا. فإن كان مسقطاً فقد حصل تفويت غرض المولى، لكنّه تفويتٌ مأذونٌ فيه مِن قِبله. وإن لم يكن مسقطاً فغرض المولى يقتضي منه الآن الإتيان بالصلاة، فهو يشكّ في أصل اقتضاء الغرض للإتيان بها فهو يعلم بوجود تفويتٍ لو ترك الصلاة لكنّه لا يدري أنَّه تفويتٌ مِن قِبل الغير ليكون مأذوناً أو مِن قِبل نفسه لكي لا يكون مأذوناً فيه فتجري البراءة.
نعم، لو التزمنا فقهيّاً بوجوب مبادرة الوليّ إلى الصلاة لو علم بأنَّ الغير سوف يأتي بها -يعني أنَّ المولى لا يرضى بالتفويت الناشئ من فعل الغير ولا التفويت الناشئ من قبل نفسه- فتجري أصالة الاشتغال، ولكنّ ليس هذا إلَّا فرض فقهي غير صحيح.
فيما إذا شكّ في التوصّليّة بمعنى السقوط بالحصّة المحرَّمة، كما لو وجب غسل الثوب وشكّ أنَّه هل يسقط بالغسل الغصبيّ أو لا؟
ــــــــــ[140]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يقع الكلام في مقامين:
فلو فُرض أنَّ الحرام كان محرّماً بنفس العنوان الذي وقع واجباً، كما لو كان الغسل بماء دجلة حراماً وكان أصل الغسل واجباً، فالغسل بمطلقه وقع واجباً، وبمقيّده أصبح حراماً. فهنا لا إشكال أنَّ إطلاق المادّة في دليل الواجب لا يشمل الحصّة المحرّمة وإن قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي، فإنّ من يقول بذلك إنّما يقول به لو كان عندنا عنوانان، أحدهما تعلّق به النهي والآخر تعلّق به الأمر، لا ما إذا كان عندنا عنوانٌ واحدٌ.
فالمادّة تكون خاصّةً بالحصّة المحلَّلة، فلو أتى بالحصّة المحرَّمة يُشكّ بسقوط الواجب أو لا، فنتمسّك بإطلاق الهيئة لإثبات أنَّ وجوب الحصّة المحلَّلة مطلقٌ، سواءٌ أتى بالحصّة المحرّمة أو لا، وتكون نتيجته عدم السقوط.
وأمّا إذا كان للحصّة المحرّمة عنوانٌ آخر فيدخل في اجتماع الأمر والنهي. فإن قلنا بامتناع الإجماع، فلا يمكن إطلاق دليل الواجب لهذه الحصّة فتكون النتيجة هي النتيجة السابقة، وهي التمسّك بإطلاق الهيئة.
وأما إذا قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي، فهل يمكن التمسّك بإطلاق المادّة أو لا؟ بنى الميرزا(1) والسيّد الأستاذ(2) -على ما هو ظاهر كلماتهم- ذلك
ــــــــــ[141]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 144، أجود التقريرات 1: 102.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 151-154، دراسات في علم الأصول 1: 189، الهداية في الأصول: 1: 271.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
على مسألة أُخرى، وهي أنَّه هل يكفي أن يكون للواجب حسنٌ فعليّ أو يشترط أن يكون له حسنٌ فاعليّ؟ فإن قلنا بالاشتراط فلا يعقل أن يسقط الأمر بالغسل الحرام، فإنَّهما وإن كانا موجودين بناءً على اجتماع الأمر والنهي، ولكنّهما موجودان بفعلِ فاعلٍ واحدٍ، وهو قبيحٌ. وإن قلنا بكفاية أن يكون في الفعل حسنٌ فعليّ، أي: من حيث هو حسن، فلا بأس بإطلاق المادّة في المقام.
إلَّا أنَّ الميرزا اشترط الحسن الفاعلي والسيّد الأستاذ أنكره.
والصحيح أنَّه سواءٌ اشترطنا الحسن الفاعلي أو لا، وقلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي -من باب مغايرة الواجب للحرام- فلا بأس بالتمسّك بإطلاق المادّة. أمّا بناءً على عدم الاشتراط فواضح، وأمَّا بناءً على الاشتراط فأيضاً كذلك، فإنَّ من يدّعي تعدّد الواجب والحرام وجوداً، لا بُدَّ أن يدّعي تعدّدهما فاعلاً أيضاً، فإنَّ تعدّد الوجود يلازم تعدّد الإيجاد. فالحرام هنا قبيحٌ فعلاً وفاعلاً، والواجب حسنٌ فعلاً وفاعلاً.
إذن، الصحيح هو بناء هذه المسألة على مسألة الاجتماع، فإن قلنا بالامتناع لم يمكن التمسّك بإطلاق المادّة، ويتمسّك بإطلاق الهيئة(1)، وإن قلنا بالامكان، أمكن التمسّك بإطلاق المادّة.
والتحقيق في هذا المقام أنَّ الشكّ يرجع إلى الشكّ في الأقلّ والأكثر، سواءٌ قيل بجواز اجتماع الأمر والنهي أو قيل بامتناعه. أمّا بناءً على الجواز فواضح؛
ــــــــــ[142]ــــــــــ
() الذي يفيد عدم السقوط. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
لأنَّ المكلّف يعلم بتعلّق الوجوب بالجامع بين الحصّة المحلّلة والحصّة المحرّمة، ولا يعلم بتقييده بإحداهما، فتجري البراءة.
وأمّا بناءً على امتناع اجتماع الأمر والنهي، وأنَّه يستحيل إطلاق الواجب للحصّة المحرّمة. فقد يُقال: إنَّه ليس من الشكّ في الأقلّ والأكثر، بل من الشكّ في المسقط؛ لأنَّ تعلّق الوجوب بالحصّة المحرّمة مستحيل، فهو خاصّ بالمحلّلة، ويشكّ إنَّه مقيّدٌ بعدم الإتيان بالحصّة المحرّمة أو لا؟ وذلك يرجع إلى البراءة أو الاشتغال بحسب المباني.
والصحيح: أنَّ هذا موقوفٌ على تشخيص أنَّ امتناع الإطلاق في المادّة هل هو محذورٌ ثبوتيّ أو إثباتيّ.
فإن كان المحذور في إطلاق الواجب ثبوتيّاً وإثباتيّاً معاً، فما قلناه تامّ؛ لأنَّ المكلّف يعلم -ببرهانيّة هذا المحذور-: أنَّ الوجوب تعلّق بالحصّة المحلّلة، لاستحالة تعلّقه بالجامع بين المحلّل والمحرّم، ويكون الشكّ شكّاً بالمسقط.
وأمّا إذا كان المحذور محذوراً إثباتيّاً يرجع إلى إطلاق المادّة مع إمكان جعل الوجوب على الجامع، فمعنى هذا أنَّه من الممكن للمولى ثبوتاً أن يجعل الوجوب على الجامع، فإذا لم يتمّ الدليل اللفظي وانتهت النوبة إلى الأصل العملي، يكون الأمر دائراً بين الأقلّ والأكثر، لاحتمال تعلّق الوجوب بالجامع أو بالحصّة المحلّلة.
وأمّا كون امتناع اجتماع الأمر والنهي لمحذورٍ ثبوتيّ أو إثباتيّ فتحقيقه موكولٌ إلى مبحث اجتماع الأمر والنهي، وملخّصه:
ــــــــــ[143]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أنَّ الواجب تارةً يكون واجباً بنحو مطلق الوجود كـ (أكرم كلّ عالم)، وهنا لا إشكال في استحالة اجتماع الأمر والنهي؛ لأنَّ الأمر انحلاليّ، فكلّ فردٍ من المادّة يكون مشمولاً للوجوب، فإذا تعلّقت الحرمة بأحد أفراد المادّة يستحيل شمول الوجوب لها؛ للتضادّ بين الحكمين.
وأمّا إذا كان الحكم متعلّقاً بصرف الوجود الجامع بين الأفراد، فالحكم حينئذٍ لا يسري إلى الأفراد. فإذا ثبت الحكم لفردٍ لا يلزم اجتماع الضدّين؛ لتعدّد الموضوع فإنَّ موضوع الوجوب هو صرف الوجود وموضوع الحرمة هو الفرد، ولا يسري حكم صرف الوجود إلى الفرد؛ على ما سنبرهن عليه في بابه.
وعليه فلا يكون المحذور ثبوتيّاً، بل هو إثباتيّ، وحاصله: أنَّ الدليل الذي يدلّ على إيجاب الجامع بنحو صرف الوجود يدلّ بالدلالة الالتزاميّة -لا العقليّة العرفيّة- على الترخيص في تطبيق هذا الجامع على جميع أفراده، وهذا الترخيص يكون منافياً مع حرمة بعض أفراده. فالتنافي ليس بين الحرمة والمدلول المطابقي لـ (اغسل) بل بينهما وبين مدلوله الالتزامي.
إذن، يكون المحذور في إطلاق المادّة إثباتياً؛ فقط باعتبار الدلالة الالتزاميّة العرفيّة لدليل (اغسل). ومعه يكون الشكّ ثبوتاً راجعاً إلى الشكّ في تعلّق الوجوب بالجامع أو بالحصّة فيدخل في الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.
نعم، على القول بأنَّ المحذور ثبوتيّ؛ لتوهّم التضادّ بين وجوب صرف الوجود وبين الحرمة يرجع الشكّ إلى الشكّ في المسقط. وكلٌّ على مبناه بالنحو الذي تكلّمنا فيه.
ــــــــــ[144]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وعليه يكون مقتضى الأصل العملي هو البراءة؛ لأنَّها هي التي تجري في الشكّ في الأقلّ والأكثر الارتباطيين.
في تحقيق الأصل اللفظي والعملي في ما إذا شكّ في توصّليّة الواجب وتعبّديّته بالمعنى الرابع، وهو أنَّ التوصّلي ما لا يعتبر في مقام الفراغ عن عهدته قصد القربة، وبخلافه التعبّدي. فهل يمكن إجراء الأصل اللفظي أو العملي لنفي التعبّديّة أو لا.
ولتحقيق ذلك لا بُدَّ أن نعرف ما هو حاقّ الخصوصيّة التي بها يمتاز الواجب التعبّدي على التوصّلي في هذه المسألة.
وفي هذا المقام تُذكر عدّة وجوه، كلّها ترجع إلى ذلك العنوان الإجمالي وهو أنَّ التعبّدي لا يمكن الخروج عن عهدته إلَّا بقصد القربة والتوصّلي بخلافه.
إنَّ الواجب التعبّدي ممّا كان الأمر فيه متعلّقاً بالفعل مع قصد القربة، بحيث يكون هذا القصد مأخوذاً في متعلّق الأمر على حدّ مأخوذية سائر الأجزاء والشرائط، والتوصّليّ: ما تعلّق الأمر فيه بالفعل على الإطلاق سواءٌ انضمّ إليه قصد القربة أو لا.
ــــــــــ[145]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وفي تحقيق حال هذا الوجه وقع كلام، حيث ذهب المشهور من المحقّقين المتأخّرين(1) إلى استحالة أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر.
والكلام يقع في ذلك على مرحلتين:
الأولى: في قصد القربة حين يراد بها قصد امتثال الأمر.
الثانية: في قصد القربة مع القصود القربيّة الأخرى.
المرحلة الأولى في أخذ قصد امتثال الأمر قيداً في متعلّق الأمر
المعروف بين المحقّقين عدم إمكان أخذه في متعلّق الأمر. وقد برهن على ذلك بعدّة بياناتٍ لا حاجة إلى استعراض جميعها، وإنّما نذكر جملةً منها:
البيان الأوّل: ما يظهر من عبارة الكفاية(2)، حيث قال: بأنَّ ما لا يكاد يتأتّى إلَّا من قبل الأمر، لا يمكن أن يؤخذ في متعلّق الأمر.
وحاصله: دعوى أنَّ ذلك غير معقولٍ للزوم الدور والتناقض؛ لأنَّ قصد امتثال الأمر بحسب طبعه متأخّرٌ رتبةً عن الأمر؛ إذ لا يعقل وجوده إلَّا بعد
ــــــــــ[146]ــــــــــ
() انظر: نهاية الأفكار 1: 188، حواشي المشكيني على الكفاية 1: 359، فوائد الأصول (النائيني) 1: 148-155.
(2) انظر: كفاية الأصول: 72، حيث ذكر ما نصّه: (إنَّ التقريب المعتبر في التعبّدي إنْ كان بمعنى قصد الامتثال والإتيان بالواجب بداعي أمره، كان ممّا يعتبر في الطاعة عقلاً… وذلك لاستحالة أخذ ما لا يكاد يأتي إلَّا من قبل الأمر بشيء في متعلّق ذاك الأمر مطلقاً شرطاً أو شطراً…).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فرض أمر، فلو كان مأخوذاً في متعلّق الأمر للزم كونه بلحاظٍ آخر أسبق رتبةً من الأمر، لأنَّ متعلّق الأمر أسبق رتبةً من الأمر وأسبقية متعلّق الأمر من الأمر ثابتةٌ على كلّ حال، وإن كان هناك اختلافٌ في تفسيرها؛ فإنَّه إن قيل إنَّ الأمر ومتعلّقه موجودان بوجودين، فيكون تأخّر الأمر عن متعلّقه من تأخّر العارض عن معروضه، تأخّراً وجوديّاً.
وإذا قيل: إنَّ الأمر ومتعلّقه موجودان في أفق نفس الآمر بوجودٍ واحدٍ لا بوجودين، وإنَّ الحبّ والمحبوب والإرادة والمراد موجودان بوجودٍ واحد. فمتعلّق الأمر ليس متقدّماً على الأمر بالوجود، ولكنّه متقدّمٌ عليه بالطبع على أيّ حال، كتقدّم الإنسان على زيدٍ بالطبع؛ فإنَّ ميزان التقدّم بالطبع هو أنَّه كلّما كان للمتأخّر وجودٌ كان للمتقدّم وجودٌ دون العكس، وهو موجودٌ هنا أيضاً فإنَّه كلما كان للأمر بالصلاة وجودٌ كان لها وجودٌ أيضاً في أفق نفس الآمر؛ إذ كيف يأمر بشيءٍ دون أن يكون له وجودٌ في نفسه، وليس كلّما يكون للصلاة وجودٌ يكون للأمر وجود، فيكون المتعلّق أسبق من الأمر سبقاً طبعيّاً.
وعلى أيّ حالٍ فالمتعلّق أسبق من الأمر، فإذا أخذ قصد امتثال الأمر في المتعلّق لزم أن يكون متاخّراً ومتقدّماً، وهو تهافت؛ متأخّرٌ لأنَّه لا يتصوّر بدون الأمر، ومتقدّمٌ لأنَّه أُخذ في متعلّقه، والمتعلّق متقدّمٌ عليه.
وهذا المقدار من البيان واضح الاندفاع؛ إذ يكفي في اندفاعه أن نقول إنَّ المتأخّر غير المتقدّم؛ فإنَّ قصد امتثال الأمر بوجوده خارجاً يتوقّف على الأمر، وأمّا الأمر فهو يتوقّف على الوجود الذهني لقصد امتثال الأمر في أفق نفس
ــــــــــ[147]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الحاكم. فلا دور ولا تهافت. فلا يمكن تتميم الاستحالة بمثل هذا البيان وأمثاله.
البيان الثاني: أنَّ قصد امتثال الأمر إذا أُخذ في متعلّق الأمر يلزم الدور، لأنَّ كلّ أمرٍ مشروطٌ لا محالة بالقدرة على متعلّقه، فهو متأخّرٌ عن هذه القدرة تأخّر المشروط عن شرطه. فلو فرض أنَّ قصد امتثال الأمر أُخذ في متعلّق الأمر، فيكون الأمر بالصلاة بقصد الامتثال مشروطاً بالقدرة على الصلاة بقصد الامتثال. والمكلّف إنّما يقدر على ذلك بعد الأمر، ولا قدرة لديه قبل الأمر بأن يأتي بالصلاة بقصد امتثال الأمر، فيلزم الدور من الجانبين؛ لأنَّ الأمر متوقّفٌ على القدرة على متعلّقه توقّف المشروط على شرطه، والقدرة على الإتيان بالفعل بقصد امتثال الأمر يتوقّف على الأمر.
وهذا البيان أحسن حالاً من السابق لكنّه لا يرجع إلى معنىً صحيحٍ، لأنَّنا وإن سلّمنا أحد التوقّفين وهو توقّف القدرة على قصد امتثال الأمر على الأمر، ولكن من قال: بأنَّ الأمر يكون مشروطاً بهذه القدرة ومتوقّفٌ عليها. فإنَّ دليل اشتراط القدرة إنّما هو العقل، ومن الواضح أنَّه لا يحكم باستحالة التكليف بغير المقدور إذا كان نفس التكليف والأمر هو الذي يحدث القدرة. فلو كان كلام المولى مع عبده المشلول يشفيه من الشلل تكويناً، فلا بأس بأن يقول له: قم؛ لأنَّ القدرة وإن كانت غير موجودةٍ ولكنّها تحصل بالأمر، فلا يكون أمراً إحرجياً للعبد.
ومعه يندفع الدور؛ لأنَّ القدرة على قصد الامتثال متأخّرةٌ رتبةٌ عن الأمر،
ــــــــــ[148]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ولكنّ الأمر ليس متأخّراً رتبةً عن القدرة على قصد الامتثال، وإنّما هو متأخّرٌ عن إمكان(1) حصول القدرة بالأمر، وهذا الإمكان فعليٌّ قبل الأمر، لأنَّه مطلبٌ واقعيّ في نفسه. فلا يلزم الدور.
وهذا غير ما يقال: من أنَّ الأمر يشترط فيه القدرة وقت العمل؛ فإنَّه لا يكفي في دفع إشكال الدور، لأنَّ الأمر مشروطٌ بالقدرة حال العمل، والقدرة حال العمل مشروطةٌ بالأمر.
البيان الرابع: ما ذكره الميرزا النائيني(2) حيث قال: إنَّ هذا يلزم منه الدور وأخذ ما هو متأخّرٌ متقدّماً، لكن لا بلحاظ متعلّق الأمر كما كان الحال في البيان الأوّل، بل بلحاظ متعلّق متعلّق الأمر، وهو الموضوع.
وتوضيحه يكون ببيان مقدّمتين:
المقدّمة الأولى: أنَّ الاحكام الشرعيّة لها متعلّقات ولها متعلّقات المتعلّقات. أمّا المتعلّقات فهي عبارةٌ عن الأفعال التي يكون الحكم الشرعي مقتضياً للأمر بها أو للزجر عنها، كالصلاة وشرب الخمر. وأمّا متعلّق المتعلّق فهو عبارةٌ عن الأشياء الخارجيّة التي يكون المتعلّق الأوّل مربوطاً بها، كالخمر في حرمة شربها، وكالعقد في وجوب الوفاء به، فالوفاء هو المتعلّق الأوّلي والعقد هو المتعلّق الثانوي، وكالصلاة إلى القبلة، وهكذا.
ــــــــــ[149]ــــــــــ
() أي: صدق القضيّة الشرطيّة: لو أمر لأصبح قادراً. وصدق الشرطيّة لا يستلزم صدق طرفيها. (المُقرِّر).
(2) فوائد الأصول (النائيني) 1: 145-150، أجود التقريرات 1: 105-108.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذا الموضوع الذي هو متعلّق المتعلّق يؤخذ دائماً قيداً وشرطاً للحكم، بحيث يجعل بنحو القضيّة الحقيقيّة، والقضيّة الشرطيّة كل شرائطها تؤخذ مفروضة الوجود، كقوله: إذا كان هناك خمرٌ فيحرم شربه. ونتيجة ذلك: أنَّ الحكم تكون فعليته تابعةً لفعليّة موضوعه، ففعليّة وجوب الوفاء بالعقد لا تكون إلَّا بوجود العقد، هذا في مرتبة الفعليّة، ولكن في عالم الإنشاء -بالنظر التصوّري للجاعل- تكون مرتبة هذه الموضوعات قبل وجود الحكم؛ فإنّ المولى يرى بأنَّ الجعل متأخّرٌ عن المطلوب، وهذه الأشياء في مرتبةٍ متقدّمةٍ على المطلوب. فإنَّه أناط جعله بفرض هذه الأمور فرضاً حاكياً عن المفروض، وبهذا يكون جعله في طول المفروض.
وهذه المقدّمة تكون بمثابة الكبرى.
المقدّمة الثانية -وهي الصغرى لتلك الكبرى-: أنَّه لو أُخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر لوجد عندنا متعلّقٌ ومتعلّق المتعلّق، أمّا المتعلّق فهو قصد امتثال الأمر وليس هذا قيداً للأمر، وأمّا متعلّق المتعلّق فهو الأمر. إذن، نسبة الأمر إلى قصد امتثال الأمر نسبة القبلة إلى الصلاة.
ومعه تنطبق عليه الكبرى، وهي أنَّ المتعلّقات الثانويّة يلزم أخذها مفروضة الوجود في الجعل، فيلزم أن يكون نفس الأمر مأخوذاً مفروض الوجود في الأمر، وأخذ الأمر قيداً في الأمر يلزم منه التهافت في عالم فعليّة المجعول وفي عالم الجعل.
أمّا في عالم الفعليّة؛ فلأنَّ فعليّة كلّ مجعولٍ تابعةٌ لفعليّة موضوعه ومتعلّقه ــــــــــ[150]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الثانوي، فتكون فعليّة الأمر بالصلاة تابعةً لفعليّة متعلّقاته الثانويّة التي منها نفس الأمر.
وأمّا بحسب عالم الجعل والإنشاء فكذلك؛ لأنَّ المولى يرى -بالنظر التصوّري في عالم الجعل- أنَّ جعله متأخّرٌ عن مفروضاته، فإن كان ما يفرض وجوده هو نفس الأمر، فكأنَّه يرى أمره بعد أمره، فلا يستطيع أن يقول: إذا كان أمري موجوداً فأمري موجود.
وتمام النكتة في هذا البيان هو التمييز بين المتعلّق الأوّلي والمتعلّق الثانوي.
وقد أجاب السيّد الأستاذ عن هذا البيان بما حاصله(1) المنع عن إطلاق المقدّمة الأولى في البرهان، إذ لا يوجد برهان على أنَّ كلّ متعلّقٍ ثانويّ يجب أن يؤخذ مفروض الوجود في مقام جعل ذلك الحكم، وإنّما ملاك ذلك أحد أمرين: إثباتيّ وثبوتيّ، فإن وجد أحد الملاكين قلنا: إنَّ متعلّق المتعلّق قد أُخذ مفروض الوجود، وإلَّا فلا موجب لذلك.
أمّا الملاك الإثباتي فهو الاستظهار العرفي. فإذا استُظهر عرفاً من الدليل أنَّ المولى لا يريد المتعلّق الثانوي وأنَّه ليس من مقدّمات الواجب، بل من مقدّمات الوجوب، فيستكشف أنَّه أخذه مفروض الوجود. كـ (أوفوا بالعقود)(2). فإنَّ العرف يفهم أنَّ المولى لا يريد ايجاد العقد.
ــــــــــ[151]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 106،107، محاضرات في أصول الفقه 2: 158-161، دراسات في علم الأصول 1: 190،191.
(2) المائدة: 1.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وأمّا الملاك الثبوتي، وهو فيما إذا كان متعلّق المتعلّق أمراً غير اختياريّ للمكلّف، فحينئذٍ لا بُدَّ للمولى أن يأخذه قيداً للوجوب ومفروض الوجود فيه؛ فإنَّه لو جعل الوجوب مطلقاً من ناحيتة للزم التكليف بغير المقدور كالوقت في نحو (صلّ عند الزوال).
وأمّا إذا لم يلزم شيءٌ من هذين المحذورين فلا نلتزم بأخذ المتعلّق الثانوي مفروض الوجود. ولهذا في مثل: (لا تشرب الخمر)، لا يلزم أن يكون معناه: إذا وجد خمر فلا تشربه، بل معناه حرمةٌ فعليّةٌ مطلقةٌ سواءٌ كان هناك خمرٌ أو لا؛ لأنَّ كلا الملاكين غير موجود.
فإذا تمت هذه المناقشة في إطلاق الكبرى نأتي إلى المقدّمة الثانية وهي أنَّه إذا أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر فسوف يكون نفس الأمر متعلّق المتعلّق. ولكن هذا ليس من الضروري أن يكون مأخوذاً مفروض الوجود، فإنَّ كلا الملاكين غير موجودٍ فيه. أمّا الأمر الأوّل فواضح، وأمّا انتفاء المحذور العقلي فلأنَّ الأمر الذي هو الموضوع وإن كان غير اختياريٍّ للمكلّف كالوقت للصلاة، ولكن هناك نكتةٌ تفرّق بين الأمر وبين الوقت، وهي: أنَّ المولى لو لم يأخذ الوقت قيداً في الوجوب للزم إطلاق الوجوب حتى لفرض فقد الوقت، فيكون وجوب الصلاة ثابتاً حتى قبل الزوال، فيكون تكليفاً بغير المقدور، أو يستحيل أن يصلّي قبل الصلاة صلاةً عند الزوال. وأمّا في المقام -يعني: إذا لم يأخذ الأمر قيداً في الوجوب- فليس كذلك؛ إذ بتحقّق الأمر يستحيل أن لا يكون هناك أمر، فبنفس وجود الأمر يوجد موضوع الأمر، فقوله: (صلِّ إلى القبلة) لا يوجد القبلة، ولكنّ قوله: (صلّ بقصد الأمر) يوجد الأمر الذي هو
ــــــــــ[152]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
موضوعه. فهذا الموضوع يوجد بنفس الخطاب، فلا يعقل أن يكون للخطاب إطلاقٌ لحال فقده، فلا يلزم أن يؤخذ مفروض الوجود.
وعليه، فلا يلزم دورٌ أو تهافتٌ، لا في عالم المجعول ولا في عالم الجعل.
الصحيح في المقام
إلَّا أنَّ الصحيح في المقام إنَّ قصد امتثال الأمر لا يعقل أخذه في متعلّق الأمر -وفاقاً مع أصحاب البيانات الأربعة- وإن اختلف البرهان؛ وذلك لعدّة وجوهٍ يمكن أن تعتبر براهين مستقلّةً لإثبات الاستحالة، ويمكن أن يعتبر بعضها إصلاحاً لما أفيد في المقام من بيانات:
الوجه الأول: يمكن أن يعتبر إصلاحاً لما أفاده المحقّق النائيني في البيان الرابع، بحيث نبيّن ملاكاً للاستحالة يندفع به الإشكال الذي ذكره السيّد الأستاذ عليه.
وذلك: أنَّ الميرزا قد ذكر في البيان الرابع: أنَّ المتعلّقات الثانويّة يجب أن تؤخذ قيوداً في الحكم ومفروضة الوجود في عالم جعل الحكم، وكذلك الأمر لو أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر، حيث يكون الأمر متعلّقاً للمتعلّق، فيجب أخذه مفروض الوجود في مقام جعل الأمر، فيلزم تقدّم الشيء على نفسه.
وقد أشكل السيّد الأستاذ(1): أنَّه لا برهان عقليّ على أنَّ كلّ متعلّقٍ ثانويٍّ يجب أن يؤخذ قيداً في الأمر، وإنّما تؤخذ قيداً بالملاكين السابقين -وهما الظهور العرفي والمحذور العقلي- وكلاهما غير متوفّر في الأمر كما سبق.
ــــــــــ[153]ــــــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه 2: 159.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ونحن نقول: إنَّ أخذ قصد الامتثال في متعلّق الأمر يلزم منه توقّف المتعلّق وهو الصلاة مع قصد الامتثال على أمرٍ غير اختياريّ، وهذا ليس هو الأمر حتى يقال: إنَّه موجودٌ بنفس الخطاب، وإنّما هو شيءٌ آخر غير الأمر، فيجب أن يؤخذ قيداً في موضوع الأمر. وتوضيحه ببيان مقدّمتين:
المقدّمة الأولى: أنَّ الإتيان بالصلاة بقصد امتثال الأمر لا يتوقّف فقط على وجود الأمر، فإنَّ وجوده في الواقع غير كافٍ في ذلك، بل يتوقّف على وصول الأمر إلى المكلّف ولو بأدنى مراتب الوصول كالوصول الاحتمالي. والمكلّف لا يعقل منه صدور الصلاة بقصد الامتثال حتّى لو كان هناك أمرٌ إذا لم يصل إليه الأمر، ولو أتى بها بدون وصولٍ لكان مشرّعاً وكان ما فعله حراماً؛ لأنَّ معنى عدم الوصول -ولو احتمالاً- أنَّه لا يحتمل الأمر، فكيف يأتي بالصلاة بقصد امتثال الأمر؟! فصدور الصلاة بقصد الامتثال بشكلٍ مشروعٍ يتوقّف على الوصول ولو الاحتمالي منه. إذن، المتعلّق -وهو الصلاة- متوقّفٌ على الأمر مع وصوله، ووصول الأمر شيءٌ غير اختياريّ كنفس الأمر، لا يتكفّله نفس الخطاب ولا ينشئه؛ فإنَّ الخطاب يكفل وجود الأمر لا وصوله، فتنطبق عليه نفس القاعدة التي ذكرها السيّد الأستاذ، وهي ما إذا توقّف المتعلّق على أمرٍ غير اختياريّ لا يتحقّق بنفس الخطاب. فيلزم أن يكون وصول الأمر مأخوذاً في متعلّق الأمر.
نعم، لو كان الأمر بنحو القضيّة الخارجيّة لشخصٍ معيّنٍ، وكان المولى قد تكفّل الأمر وتكفّل إيصاله إلى المكلّف، فلا حاجة حينئذٍ إلى أخذ الوصول في
ــــــــــ[154]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المتعلّق، ولكن هذا لا يكون في القضايا الحقيقيّة، فيكون حاصل الأمر: إن وصل إليك الأمر فصلِّ بقصد امتثاله.
المقدّمة الثانية: قد برهنّا في بحث القطع أنَّه يستحيل أخذ وصول الحكم في موضوع ذلك الحكم، وهذا أمرٌ متّفقٌ عليه بين المانعين والمثبتين في هذه المسألة؛ لأنَّه لو أخذ وصول ذلك الحكم في موضوعه للزم التهافت؛ لأنَّ الحكم بمقتضى كونه قد قُيّد بوصول نفسه، يكون متأخّراً عن الوصول وحيث إنَّ الوصول انكشافٌ للمكنشف فيكون في طول الأمر، فيكون كلٌّ منهما في طول الآخر.
فإذا تمت هاتان المقدّمتان يتبرهن استحالة أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر، وليكن هذا تنقيحاً لما ذكره الميرزا.
الوجه الثاني: ويمكن أن يعتبر إصلاحاً للبيان الأوّل من البيانات الأربعة المتقدّمة، حيث كان حاصل البيان الأول: أنَّه لا يعقل أن يؤخذ في متعلّق الأمر ما لا يكاد يتأتى إلَّا من قبل الأمر؛ لأنَّه يلزم التهافت؛ إذ يكون الشيء متقدّماً ومتأخّراً.
وقد أشكل عليه(1): أنَّ المتأخّر غير المتقدّم، فإنَّ المتأخّر هو قصد امتثال الأمر بوجوده الخارجي، والمتقدّم هو قصد امتثال الأمر بوجوده الذهني والعنواني. فالأمر متأخّرٌ عن الوجود العنواني فلا يلزم التهافت في الرتب، فليكن المعنون متأخّراً والعنوان متقدّماً.
وهنا نقول: إنَّ الأمر في أفق نفس الحاكم عارضٌ على الوجود العنواني لا على الوجود الخارجي، فيكون متأخّراً عن الوجود العنواني، بحيث يرى الحاكم
ــــــــــ[155]ــــــــــ
(1) انظر: بدائع الأفكار (العراقي) 1: 223.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أنَّ الوجود العنواني له تقرّرٌ في المرتبة السابقة، ثم يطرأ عليه الأمر طروِّ العارض على المعروض. فهذان الأمران مترتّبان بنظر المولى، وهما في الحقيقة مترتّبان أيضاً، من قبيل ترتّب العارض على معروضه.
ثُمَّ إنَّ هذا الوجود العنواني -الذي وهو بلحاظ المولى يُرى كأنَّه في مرتبةٍ سابقةٍ على الأمر، وهو في الواقع سابقٌ عليه أيضاً- هل هو ملحوظٌ للمولى بما هو عنوانٌ وصورةٌ ذهنيّةٌ أو بما هو فانٍ في معنونه؟ ومن الواضح أنَّه يراه هو المعنون، ولو تصوّره عنواناً في مقابل المعنون لما أمر به؛ لأنَّه يريد المعنون لا العنوان، وإنَّما هو بالنظر التصوّري يرى به المعنون، وقد فرضنا أنَّ المولى يراه في مرتبةٍ سابقةٍ على الأمر. إذن، هو في شخص هذه الرؤية يرى المتعلّق -وهو المعنون- أسبق رتبةً من الأمر، وله تقرّرٌ قبل الأمر.
وحينئذٍ يثبت أنَّه يستحيل أخذ قصد امتثال الأمر في متعلّق شخص ذلك الأمر. وذلك لأن قصد امتثال الأمر يصبح متعلّقاً للأمر فيكون الأمر متقدّماً ومتأخّراً عن الوجود العنواني لقصد امتثال الأمر، وهذا يراه المولى رؤيةً مطابقةً للواقع، فهو يرى العنوان عين المعنون، ويرى طروّ الأمر بعد المفروغيّة عن العنوان الفاني في معنونه، فلا يعقل المفروغيّة عن قصد امتثال الأمر قبل الأمر بحيث يكون له تقرّرٌ قبل الأمر، بل هو متقوّمٌ بالأمر. وبه يتمّ البرهان.
وهذا هو الوجه الذي اعتمد عليه المحقّق العراقي(1) في استحالة ذلك. وهو وجهٌ صحيحٌ.
ــــــــــ[156]ــــــــــ
(1) انظر: بدائع الأفكار(العراقي) 1: 224.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الوجه الثالث: وهو لو أخذ قصد امتثال الأمر في متعلّق الأمر لكان هناك أمرٌ ضمنيٌّ بالصلاة وأمرٌ ضمنيٌّ آخر بقصد امتثال الأمر. فهذا الأمر المشتمل على هذين الأمرين الضمنيين لا يمكن أن يكون أمراً حقيقيّاً مجعولاً بداعي البعث والتحريك، إلَّا أن يكون لقلقة اللسان.
وتوضيحه: إذا لاحظنا الأمر الضمنيّ المتعلّق بذات الصلاة، نقول: إنَّ هذا الأمر لو لم يكن معه أمرٌ آخر ضمنيٌّ متعلّقٌ بقصد الامتثال، فهل يكفي وحده لتحريك العبد للإتيان بهذا الفعل لو لم يكن له داعٍ نفسانيٌّ شهوانيٌّ للإتيان به، أو لا يكفي؟
فإن كان محرّكاً للعبد نحو الإتيان بمتعلّقه وموجباً لقدح الإرادة للامتثال، فهذا عبارةٌ أُخرى عن قصد الامتثال، ومعه يلغى جعل الأمر الضمنيّ الآخر المتعلّق بقصد الامتثال ولا يكون محرّكاً؛ لكفاية الأوّل في المحرّكيّة. كما لا يكون مؤكّداً للمحرّكيّة؛ لأنَّ التأكّد إنّما يتصوّر في أمرين استقلاليين لا في ضمنيين مرجعها إلى ملاكٍ واحدٍ.
وإن فرض أنَّ الأمر بمقدار تعلّقه بالصلاة لم يكن كافياً لقدح الإرادة في نفس العبد نحو الصلاة فالأمر الثاني لا يوجب ذلك بالضرورة؛ لأنَّه لا يعقل للأمر الضمنيّ الثاني أن يؤكّد الأمر الضمنيّ الأوّل كما برهنّا عليه.
نعم، توجد فائدة واحدة لضم الأمر الثاني إلى الأوّل وهي: أنَّه لو لم يضمّ المولى الأمر الضمنيّ الثاني وبقي الأوّل وحده؛ فلو اتّفق أنَّ المكلّف صلّى بداعٍ
ــــــــــ[157]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
نفسانيّ، فقد سقط الأمر الأوّل؛ لأنَّه تعلّق بجامع الصلاة. وأمّا إذا انضمّ الأمر الضمنيّ الثاني وهو قصد الامتثال، فهذا الذي صلّى لم يسقط الأمر عنه لأنَّ تلك الصلاة غير صحيحة.
فالفائدة من ضمّ الأمر الثاني هي حفظ الأمر الضمنيّ الأوّل عن السقوط، إلَّا أنَّ هذه الفائدة لا تصحّح ما نحن بصدد البرهنة على استحالته وهو كون الأمر الثاني باعثاً ومحرّكاً في عرض محرّكيّة الأمر الأوّل.
الوجه الرابع: أنَّه إذا تعلّق أمر بالصلاة مع قصد امتثال الأمر، فهنا أمرٌ نفسيّ وحدانيّ متعلّقٌ بالمجموع المركّب من الصلاة وقصد امتثال الأمر، ولا محالة كل أمر هو محرّكٌ نحو متعلّقه. وقد تقدّم أنَّ تحريك الأمر نحو متعلّقه ليس على حدٍّ تحريك العلل التكوينيّة لمعلولاتها كنزول المطر بحكم الجاذبيّة، بل مرجع محرّكيّة الأمر إلى قدح الإرادة في نفس العبد، فالأمر بالصلاة يوجب قدح الإرادة في نفس الفرد نحو متعلّقه.
وهذه الإرادة التي يقدحها الأمر تتصوّر على ثلاثة أنحاء، وكلّها مستحيلةٌ. وبهذا يكون أصل هذا الأمر مستحيلاً.
النحو الأول: أنَّ الأمر النفسي الاستقلالي المتعلّق بالمجموع المركّب من الصلاة وقصد الامتثال يحرّك نحو المجموع بقدح إرادةٍ واحدةٍ متعلّقةٍ بالمجموع على حدّ سائر الموارد من الأوامر بالمجموع، فتنشأ في نفس العبد إرادةٌ للصلاة مع قصد الامتثال، وهذا غير معقولٍ؛ لأنَّ هذه الإرادة هي بنفسها قصد امتثال للأمر، فبمجرّد تعلّقها بالصلاة، فقد تمّ قصد الامتثال؛ إذ لا يراد
ــــــــــ[158]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
به إلَّا إرادة الفعل إرادةً ناشئةً من أمر المولى. ومعه لا معنى لأن تنبسط على الجزء الثاني الذي هو قصد الامتثال؛ لأنَّه تحصيلٌ للحاصل، فإنَّ قصد الامتثال قد حصل(1)، فتعلّقها به يكون إرادةً لنفس ما هو موجودٌ بنفس هذه الإرادة، وهو غير معقول. وأمّا في سائر موارد تعلّق الإرادة بالمجموع؛ فإنَّ وجود الإرادة لا يحقّق الجزء الآخر، بخلافه في المقام.
النحو الثاني: أن يكون الأمر بالمجموع من الصلاة وقصد الامتثال محرّكاً في إرادةٍ واحدةٍ متعلّقةٍ فقط بالصلاة من دون أن تكون إرادةً ومحرّكيّةً نحو الجزء الآخر أصلاً، وهو أمرٌ غير معقول؛ لأنَّ فرض تعلّق الأمر بكلا الجزئين هو فرض محرّكيّته لكلا الجزئين.
النحو الثالث: أن تكون محرّكيّة هذا الأمر متمثّلةً في حرّكتين طوليّتين، المحرّكيّة الأولى تتمثّل في محرّكيّة الأمر الضمنيّ المتعلّق بقصد الامتثال نحو قصد الامتثال، يعني: أن تنقدح في نفس العبد إرادة قصد الامتثال. وفي المرتبة الثانية تنشأ المحرّكيّة الثانية وهي المحرّكيّة نحو الصلاة، بحيث يصحّ استعمال (فاء الترتيب) بين الإرادتين: أراد قصد الامتثال في الصلاة فقصد الامتثال بالصلاة. وهو أيضاً غير معقول، لأنَّ معناه أنَّ الأمر له اقتضاءان طوليان، أي: إنَّ اقتضاء الأمر الضمنيّ الأوّل في طول اقتضاء الأمر الضمنيّ الثاني، ممّا يعني أنَّه في مرتبة اقتضاء الأمر الضمنيّ الثاني، لا اقتضاء للأمر الضمنيّ الأوّل.
ــــــــــ[159]ــــــــــ
() أو أنّها تحرك نحو نفسها. وهذا هو المطابق مع عبارة المحقق الأصفهاني في الآية. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذا غير معقول؛ لأنَّ الوجوبين ليسا طوليّين ليكون اقتضاؤهما طوليّاً، بل هما عرضيّان ببرهان كونهما ضمنيين موجودين بوجودٍ واحدٍ، والوجوبات الضمنيّة لا يعقل أن تكون طوليّة.
وحينئذٍ لنا أن نسأل: أنَّه في مرتبة اقتضاء الأمر الضمنيّ الثاني، هل اقتضاء الأمر الضمنيّ الأوّل موجودٌ أو لا؟ فإن قيل: غير موجودٍ، فهو خلف وجود الأوامر الضمنيّة بوجودٍ واحدٍ. وإن قيل: إنَّه موجودٌ، فيستحيل أن لا يكون له اقتضاءٌ؛ لأنَّ الأمر إذا كان موجوداً كان له اقتضاء.
إذن، الفروض الثلاثة السابقة لمحرّكيّة الأمر النفسي مستحيلةٌ، ولعلّ هذا هو حاقّ مقصود المحقّق الإصفهاني(1) من العبارة المجملة التي برهن بها على استحالة أخذ قصد امتثال الأمر في متعلّق الأمر ببرهان: (أنَّه يلزم داعويّة الشيء لداعويّة نفسه ومحرّكيّته نحو محرّكيّة نفسه).
وبذلك تمّ الكلام في المرحلة الأولى، وهو في أخذ خصوص قصد امتثال الأمر في شخص ذلك الأمر.
المرحلة الثانية: في أخذ سائر القصود القربيّة في متعلّق الأمر
وهي في أخذ قصد القربة في المتعلّق بمعنىً أوسع من المأخوذ في المرحلة الأولى، حيث تعمل فيه بعض العنايات، فيقع البحث في أنَّه بناءً على استحالة
ــــــــــ[160]ــــــــــ
() انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 325، حيث ذكر ما لفظه: (أن الانشاء حيث انه بداعي جعل الداعي، فجعل الأمر داعياً إلى جعل الأمر داعياً يوجب علّية الشيء لعلّية نفسه، وكون الأمر محركاً إلى محركيّة نفسه، وهو كعلّية الشيء لنفسه).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أخذ قصد متعلّق الأمر في شخص ذلك الأمر، هل تسري هذه الاستحالة إلى الأنحاء الأخرى المتصوّرة لأخذ قصد القربة في متعلّق الأمر، أو أنَّ بعضها ممكنٌ لا يلزم فيه محذور؟ وهذه الأنحاء متعدّدة.
النحو الأوّل: أن نُعمل أخفّ عنايةٍ ممكنةٍ في المقام، بأن نقول: إنَّ المأخوذ في متعلّق الأمر هو قصد امتثال طبيعيّ الأمر من دون نظرٍ إلى شخص ذلك الأمر.
وفرقه عن السابق: أنَّه في السابق كان نظر المولى إلى شخص ذلك الأمر، وهنا نفرض أنَّه تعلّق بقصد الامتثال للأمر الجامع القابل الانطباق على شخص هذا الأمر.
وبهذه العناية يرتفع الوجه الثاني من وجوه الاستحالة السابقة، وتبقى الوجوه الثلاثة الأخرى للاستحالة على حالها. ولنا في المقام دعويان.
الدعوى الأولى: أنَّه لو أخذ جامع الأمر لا شخصه، يرتفع الوجه الثاني للاستحالة، وهو الذي أصلحنا به ظاهر الكفاية، وقلنا: إنَّه من تحقيقات المحقّق العراقي(1).
ولأجل توضيح ذلك لا بُدَّ من بيان تقريبٍ ابتدائيٍّ لكيفيّة سريان البرهان إلى محلّ الكلام ومن ثَمّ دفعه.
وحاصل التقريب الابتدائي: بعد أن فرضنا انَّ متعلّق الأمر يكون ملحوظاً بما هو أمرٌ سابقٌ رتبةٌ على الأمر ومتحصّلٌ قبله، فيكون متعلّقه متعلّقاً بالحصّة
ــــــــــ[161]ــــــــــ
(1) بدائع الأفكار(العراقي) 1: 224.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
تامّة التحصّل في المرتبة السابقة على الأمر، فيستحيل أن يكون لها إطلاقٌ للحصّة التي لا تتحصّل إلَّا بالأمر.
وبتعبير آخر: أنَّ هنا حصتين إحداهما: الصلاة التي يؤتى بها بقصد امتثال شخص هذا الأمر، والأخرى: هي الصلاة التي يؤتى بها بقصد امتثال أمرٍ آخر. أمّا الحصّة الأولى فهي متقوّمةٌ بهذا الأمر، فلا يمكن وقوعها في مرتبةٍ سابقةٍ عليه. وأمّا الحصّة الثانية فهي تامّة التحصل والتعقّل بقطع النظر عن شخص هذا الأمر.
وقد بيّنّا سابقاً(1) عدم إمكان أخذ الحصّة الأولى في متعلّق الأمر، لأنَّه خلف ما يراه المولى من تقدّم المعروض على عرضه في عالم حكمه. فهل يمكن للمولى أن يأخذ الجامع بين الحصّتين على نحوٍ يكون للجامع إطلاقٌ يشمل الحصّة الأولى؟
قد يُقال: لا يعقل أخذ الجامع بينهما؛ لأنَّه بعد أن فرض أنَّ ما يؤخذ معروضاً لأمر المولى لا بُدَّ وأن يكون تامّ التعقّل والتحصّل وغير متقوّم بشخص هذا الأمر، فلا محالة ينطبق على الحصّة الثانية، ولا ينطبق على الحصّة الأولى، فلا محالة يحصل ضيقٌ قهريّ في معروض هذا الأمر عن الحصّة التي لا تتعقّل إلَّا بالأمر. إذن، يستحيل أخذ الجامع بالإطلاق لقصد امتثال الأمر.
إلَّا أنَّ هذا التقريب غير صحيح؛ لأنَّه خلط بين الرؤية التصوّرية والتقييد التشريعي المولوي.
ــــــــــ[162]ــــــــــ
(1) راجع: ص155-156.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وتوضيحه: أنَّ كون المعروض متحصّلاً في المرتبة السابقة عن الأمر، تارةً يفرض أنَّه يؤخذ قيداً تشريعيّاً في متعلّق الأمر على حدّ أخذ الطهارة والاستقبال فيه. فالمولى يقيّد الصلاة بعدّة قيودٍ منها التحصّل في المرتبة السابقة عن الأمر. إذن، كما أنَّ معروض الأمر لا ينطبق على فاقد الطهارة وفاقد الاستقبال كذلك لا ينطبق على الفرد الذي هو في طول الأمر؛ لأنَّه ليس له تحصّلٌ في المرتبة السابقة عن الأمر، لكن لا يوجد برهانٌ عقليّ أو شرعيّ على أنَّ التحصّل بقطع النظر عن الأمر قد أُخذ قيداً مولويّاً تشريعيّاً في معروض الأمر.
وتارة أخرى: أنَّ المولى حين يريد جعل الأمر لا بُدَّ أن يرى معروض أمره رؤيةً تصوّريّةً، فيراه تامّاً متحصّلاً بقطع النظر عن أمره. فهو يراه بما هو ملاحظٌ لا أنَّه يأخذه قيداً بما هو مشرّع.
ومعه لا بُدَّ أن يكون محطّ نظره التصوّري سنخ ماهيّةٍ غير متقوّمةٍ بالأمر، لأجل أن يتاح للمولى أن يراها قبل الأمر. وهذا المطلب يكفي فيه أن تكون هذه الماهيّة هي الجامع بين الحصّتين: الحصّة الطوليّة والحصّة القبليّة؛ إذ من الواضح أنَّ الجامع بين الفردين تامّ التحصّل في المرتبة السابقة عن الأمر بما هو ماهيّة؛ لأنَّ انتزاع هذا الجامع إنّما يكون بإلغاء الخصوصيّة التي يكون بها الطولي طوليّاً، وبالإلغاء لا يكون للماهيّة المنتزعة تقوّمٌ بالأمر، بل تكون تامّة التحصّل بقطع النظر عن الأمر.
وإطلاق الجامع للحصّة الطوليّة ليس معناه أنَّ تلك الحصّة منظورةٌ للمولى أيضاً، ليلزم أن تكون مرئيّةً له في الرتبة السابقة؛ لأنَّ الإطلاق ليس جمعاً بين
ــــــــــ[163]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الخصوصيّات، بل هو قصر النظر على الطبيعة، ومرجع هذا الإطلاق هو الانطباق القهري على تمام الأفراد.
نعم، يلزم من ذلك أن يكون ما هو طوليّ متأخّراً مصداقاً لما هو تحت نظر المولى، لكن لا يلزم أن يكون الطولي بنفسه تحت نظر المولى. وفرقٌ بين الأمرين.
إذن، لا بأس -من ناحية هذا البرهان- بأخذ الجامع في متعلّق الأمر ومعروضه. نعم، هذا الجامع ينحصر فرده خارجاً بالفرد الطولي؛ لأنَّه لا يوجد لنا فردٌ آخر من الأمر، إلَّا أنَّ هذا الانحصار لا محذور فيه، لأنَّ معنى الجامع هو ملاحظة الطبيعة، وهي متحصّلةٌ في المرتبة السابقة على الأمر.
الدعوى الثانية: أنَّ البراهين الثلاثة الأخرى للاستحالة تجري في المقام.
فلا يفرق بالنسبة إلى الوجه الأوّل والثالث والرابع في أن يكون مأخوذاً قصد امتثال شخص ذلك الأمر أو الجامع .
أمّا الوجه الأوّل: فإنَّه لو أخذ في متعلّق الأمر قصد امتثال طبيعيّ الأمر، فهو يتوقّف على وصول طبيعيّ الأمر الجامع بين شخص هذا الأمر وغيره، فيرجع التكليف بذلك إلى قضيّةٍ شرطيّةٍ حاصلها: إذا وصل إليك أمرٌ ما فصلّ بقصد امتثال الأمر.
وهذا وإن لم يلزم منه أخذ العلم بشخص الأمر في موضوع شخصه، ولكنّه يلزم الدور في عالم الفعليّة، لأنَّ المفروض خارجاً أنَّه لا توجد أوامر بالصلاة غير شخص هذا الأمر، فيرجع بالنتيجة إلى أنَّ فعليّة هذا الأمر متوقّفةٌ على وصول شخص هذا الأمر، لأنَّ فعليّته أنيطت بوصول الطبيعي المنحصر
ــــــــــ[164]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بشخص هذا الأمر، وهذا معنى توقّف وصوله على فعليّته، وفعليّته على وصوله، وهو التهافت والدور.
وعليه يبقى الوجه الأوّل وارداً في المقام.
نعم، لو كانت هناك أوامر أُخرى غير شخص هذا الأمر لم يلزم دورٌ في عالم الفعليّة، فإنَّها تتحقّق بوصول تلك الأوامر.
وأمّا الوجه الثالث: فلأنَّه لا يفرق في بيانه بين أن يكون متعلّق الأمر الثاني هو قصد امتثال شخص هذا الأمر أو قصد امتثال طبيعيّ الأمر الشامل له؛ لأنَّ الأمر الثاني -على أيّ حالٍ- لا يصلح للمحرّكيّة؛ لأنَّ العبد إن كان منقاداً تحرّك عن الأمر الأوّل، وإلَّا لم يتحرّك عن الثاني أيضاً.
وأمّا الوجه الرابع: فلأنَّ الأمر المتعلّق بالمجموع المركّب من الصلاة وامتثال طبيعيّ الأمر محرّكيّته بقدح الإرادة نحو هذا المجموع وهو غير معقول؛ لأنَّ هذه الإرادة بمجرّد تعلّقها بالجزء الأوّل -وهو الصلاة- يتمّ الجزء الثاني؛ لأنَّ الجزء الثاني هو قصد امتثال طبيعيّ الأمر، وهذه الإرادة مصداقٌ منه إلى آخر ما ذكرنا من تفاصيل في الوجه الرابع، فإنَّها كلّها ترد في المقام.
النحو الثاني من العناية: أن يؤخذ في متعلّق الأمر عنوانٌ ملازمٌ لقصد امتثال الأمر، لا نفسه كما نقل الميرزا(1) عن أستاذه السيّد الشيرازي(2)، ولا يلزم من ذلك محذور.
ــــــــــ[165]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 152، أجود التقريرات 1: 111.
(2) هو الميرزا محمد حسن الشيرازي، الملقب بالشيرازي الكبير، والمجدد الشيرازي.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وقد اعترض على ذلك:
أولاً: أنَّ هذا فرضه فرض أنياب الأغوال، فمن أين نأتي بهذا العنوان الملازم؟
وثانياً: ما ذكره المحقّق النائيني من أنَّنا لو تصوّرنا هذا العنوان الملازم لقصد امتثال الأمر فأيضاً يلزم المحذور، فإنَّه يمكن للعقل أن يفرض انفكاكه عن ملازمه.
فلو أمر المولى بالصلاة مع ذلك العنوان الملازم وتحقّق -فرضاً- هذا العنوان من دون تحقّق قصد الامتثال، فإنَّ فرض المحال ليس بمحال، فإن اكتفى المولى بهذه الصلاة، كان خلاف الضرورة؛ فإنَّها لا تصحّ إلَّا عبادة. وإن كان لا يكتفي بها فمعناه أنَّه يأخذ قصد الامتثال نفسه لا العنوان الملازم.
وكلا الاعتراضين ليس بشيء.
أمّا الأوّل: فهو إمكان الحصول على هذا العنوان الملازم؛ فإنَّ كل ضدّين لا ثالث لهما يكون أحد الضدّين ملازماً لعدم ضدّه.
فنقول: إنَّ داعي امتثال الأمر ضدٌّ عرفاً للداعي النفساني، وليس لهما ثالثٌ؛ لأنَّ الفعل الاختياري لا يمكن أن يقع إلَّا بداعٍ وهو أحد هذين الداعيين، فعدم أحدهما يساوق وجود الآخر، فعدم كونه بداعٍ نفسانيّ ملازمٌ لكونه مع الداعي الإلهي، فليفرض أنَّ الملازم المأخوذ في متعلّق الأمر هو عدم ضدّ هذا الداعي.
وبهذا يندفع الاعتراض الثاني أيضاً، فإنَّه لو أريد بفرض الانفكاك من باب
ــــــــــ[166]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فرض المحال، كانفكاك العلّة عن المعلول، واجتماع الضدّين فهذا لا معنى له؛ فإنَّه لا يلزم على الآمر أن يجعل أمره وافياً بغرضه على الفروض المستحيلة، وإنَّما عليه أن يجعله وافياً بغرضه على الفروض الممكنة، وإلَّا لم يكن أمره وافياً بالغرض لو أمكن اجتماع الضدّين.
وإن فرض الانفكاك الممكن -بالمعنى الغالبي- فهو غير موجودٍ في المقام؛ لأنَّ أحد الضدّين اللذين لا ثالث لهما يستحيل انفكاكه عن عدم الآخر.
فلا بدّ أن يبحث عن أنَّه لو أخذ في متعلّق الأمر هذا العنوان الملازم، هل يلزم محذور أو لا؟
أمّا الوجه الثاني الذي سقط في الدعوى الأولى، فهو ساقطٌ هنا أيضاً، لأنَّ المولى لا يرى في المرتبة السابقة عن أمره ملازماً متعلّقاً بأمره؛ فلا يلزم التهافت في الرؤية، ولكن بقيّة الوجوه تأتي.
وتبقى بقيّة الوجوه واردةً في المقام.
أمَّا الوجه الأوّل، فلأنَّ تمكّن المكلّف من الإتيان بالصلاة مع ذلك الأمر الملازم مع قصد الامتثال يتوقّف على وصول الأمر لا محالة، فيلزم أخذ وصول الأمر في موضوع الأمر.
وكذلك الوجه الثالث؛ لأنَّ الأمر المتعلّق بالصلاة مع ذلك العنوان الملازم ينحلّ إلى أمرين: أمر بالصلاة، وأمر بذلك العنوان، ومحرّكيّة هذا الأمر الثاني روحاً راجعةٌ إلى محرّكيّة قصد الامتثال، فيأتي فيه نفس البيان.
وكذلك الوجه الرابع؛ فالإرادة يستحيل أن تتعلّق بالمجموع المركّب؛ لأنَّها
ــــــــــ[167]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بمجرّد تعلّقها بالصلاة يتحقّق ذلك العنوان الملازم. فهذه العناية ليس فيها زيادةٌ عن سابقتها.
النحو الثالث من العناية: هو إمكان أخذ قصودٍ قربيّةٍ أُخرى غير قصد امتثال الأمر، فهل يمكن أخذها في متعلّق الأمر؟ وما يتصوّر منها أربعة:
وينبغي أن نسقط من هذه الأربعة اثنين وهما الأخيران؛ لوضوح أنَّ الإتيان بفعلٍ بداعي كون المولى أهلاً للعبادة فرع كون الفعل عبادةً فلا يمكن أن تكون عباديّته بهذا الداعي، فلا بُدَّ من وجود داعٍ آخر أسبق منه. وكذلك الإتيان بفعلٍ بداعي حسنه الذاتي، فإنَّ فرع تعنونه بعنوان حسن هو كونه تعبّداً وطاعةً للمولى، فلا يمكن أن تكون العباديّة ناشئةً منه.
فينحصر الأمر في الداعيين الأوّلين.
وفي ذلك نقول: إنَّ هناك ثلاث عوالم للحكم الشرعي هي: عالم الجعل، وعالم المحبوبيّة، وعالم الملاك والمصلحة، فالتحرّك إن كان عن عالم الجعل فهو قصد الامتثال، وقد يكون عن الحبّ والإرادة(1). وقد يكون الملاك والمصلحة كافياً لتحريك العبد سواء أثّرت في قدح إرادةٍ فعليّةٍ في نفس المولى أو لا.
ــــــــــ[168]ــــــــــ
() سواءٌ أنتجت خطاباً أو لا. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فهل يمكن أخذ القصدين -التحرّك عن عالم المحبوبيّة أو عن عالم المصلحة- في متعلّق الأمر أو لا يمكن؟
ولا إشكال بحسب عالم الإثبات في أنَّ قصد الإرادة والمحبوبيّة غير مأخوذ بخصوصه قيداً، وكذا قصد الملاك والمصلحة؛ إذ لو كان مأخوذاً بخصوصه قيداً لما صحّ الإتيان بالصلاة بقصد امتثال الأمر، مع أنَّه لا إشكال في صحّته. بل يلزم من أخذ قصد الإرادة أو المصلحة بالخصوص امتناع الإتيان بالصلاة بقصد امتثال الأمر، لا مجرّد عدم الاجتزاء بذلك؛ لأنَّ الصلاة إذا كانت متعلّقاً للأمر مع قيد قصد الإرادة أو المصلحة، فلا تكون ذات الصلاة واجباً استقلاليّاً ليؤتى بها بقصد امتثال الأمر، وإنّما هي واجبٌ ضمنيّ، والواجب الضمنيّ إنّما يعقل الإتيان به بقصد الامتثال، فيما لو كان الجزء الثاني من الواجب منضمّاً إليه، ولو بنفس ذلك القصد. وفي المقام لا يتمّ الواجب بقصد الامتثال؛ لأنَّ الجزء الثاني هو قصد الإرادة أو المصلحة. فيكون الإتيان بالصلاة إتياناً بالواجب الضمنيّ بقصد الامتثال بدون انضمام الجزء الآخر إليه، وهو أمرٌ غير معقول. إذن، قصد الإرادة أو المصلحة غير مأخوذٍ إثباتاً قيداً.
يقع البحث عن إمكان أخذ قصد الإرادة أو المصلحة في متعلق الأمر ثبوتاً وعدم إمكانه؛ وذلك استطراقاً إلى أنَّه هل يمكن أخذ الجامع بين الكلّ أو لا يمكن؟ فيقع الكلام في جهتين:
الأولى: في أخذ خصوص هذين القصدين مع الجزم أنَّه حتّى لو كان ممكناً ثبوتاً فهو غير واقعٍ إثباتاً.
ــــــــــ[169]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
والثانية: في إمكان أخذ الجامع بين القصود كلّها وعدمه.
الجهة الأولى: في إمكان أخذ قصد الإرادة والمحبوبيّة في متعلّق الأمر
وهنا نتكلّم عن أنَّ أخذهما في المتعلّق هل يلزم منه محذورٌ بلحاظ عالم الأمر تارةً وبلحاظ عالم الإرادة أخرى.
أمّا بلحاظ عالم الأمر، فالأمر يتعلّق بالإتيان بالصلاة بقصد الإرادة والمحبوبيّة، والصحيح أنَّه لا يلزم شيءٌ من الوجوه الأربعة السابقة.
أمّا الوجه الأوّل: فلأنَّ الإتيان بالصلاة مع قصد الإرادة يتوقّف على وصول الإرادة لا على وصول الأمر. فغاية ما يلزم هو أخذ وصول الإرادة في موضوع الأمر لا أخذ وصول الأمر في موضوعه. وما هو مستحيلٌ هو الثاني دون الأوّل.
وأمّا الوجه الثاني: لأنَّ معروض الأمر لم يؤخذ فيه قصد امتثال الأمر ليكون متقوّماً بالأمر، بل أخذ فيه قصد الإرادة، فلا يلزم كون معروض الأمر متقوّماً بالأمر.
وأمّا الوجه الثالث: لأنَّ الأمر المتعلّق بالمجموع المركّب ينحلّ إلى أمرين ضمنيين، أحدهما: الأمر بذات الصلاة، والآخر: الأمر بداعي الإرادة والأمر الثاني صالحٌ للمحرّكيّة، ولا يكفي عن محرّكيّته محرّكيّة الأمر الأوّل؛ لأنَّ محرّكيّة الأمر الأوّل معناها محرّكيّة الأمر لا محرّكيّة الإرادة. والأمر الثاني يريد من المكلّف أن يتحرّك عن الإرادة ولو لم يكن هناك أمرٌ. فمحرّكيّة الأمر الأوّل لا تحقّق مقصود الأمر الثاني ليكون لغواً.
ــــــــــ[170]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وأمّا الرابع كذلك أيضاً؛ إذ بالإمكان أن يكون الأمر بالمجموع محدثاً لإرادةٍ متعلّقةٍ بالمجموع، ولا يقال هنا: إنَّ الإرادة بمجرّد تعلّقها بالصلاة يحصل الجزء الثاني، فلا يعقل انبساطها على الجزء الثاني؛ فإنَّه يقال: إنَّ الجزء الثاني لا يحصل؛ لأنَّه عبارةٌ عن القصد الناشئ عن عالم الإرادة.
وأمّا بحسب عالم الإرادة فأيضاً لا ترد هذه الوجوه. أمّا الوجه الأوّل والثالث والرابع، فكلّها لا موضوع لها بالنسبة إلى عالم الإرادة؛ لأنَّها كلّها مبنيّةٌ على أنَّ الأمر لا بُدَّ أن يكون محرّكاً وباعثاً نحو أمرٍ مقدورٍ، وهذا شأن عالم الأمر لا شأن عالم الإرادة والحبّ؛ فإنَّه لا يلزم أن يكون الحبّ باعثاً ومحرّكاً بحيث لو لم يكن هناك بعثٌ لم يكن هناك حبّ؛ فإنَّ المحرّكيّة من خصائص الأمر لا الإرادة. فلو لزم إرادة أمرٍ غير مقدورٍ أو عدم محرّكيّة الإرادة، فهو عيبٌ في الأمر وليس عيباً في الإرادة.
وأمّا الوجه الثاني: فهو من حيث تقريبه لا يفرّق فيه بين عالم الأمر وعالم الإرادة؛ إذ كما أنَّ الأمر في عالمه له معروضٌ والآمر يرى معروض أمره قبل أمره فلا يمكن أن يتقوّم بشخص أمره، فكذلك المريد يرى بنظره الإرادي أنَّ للإرادة معروضاً، فلا يمكن أن يتقوّم بشخص هذه الإرادة.
ولكن يمكن التخلّص من ذلك بالعناية الأولى وهي أخذ طبيعيّ الإرادة، لا شخص هذه الإرادة، وهي تفي بدفع الوجه الثاني. فلم يبق محذورٌ لا بلحاظ عالم الأمر ولا بلحاظ عالم الإرادة.
وأمّا أخذ قصد المصلحة في متعلّق الأمر فإنَّه بلحاظ عالم الأمر فالكلام فيه
ــــــــــ[171]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
هو نفس الكلام السابق، فإنَّ الوجوه الأربعة كلّها لا تأتي.
وأمّا بلحاظ عالم نفس المصلحة فالصحيح أنَّ الوجوه الأربعة كلّها لا موضوعٌ لها في المقام.
أمّا الوجوه: الأوّل والثالث والرابع، فكلها متعلّقة بعالم الأمر -كما قلنا- وليس في عالم المصلحة عيباً أن تكون نفس المصلحة متعلّقة بغير المقدور أو خالية عن المحرّكيّة.
بل كذلك الوجه الثاني؛ لأنَّه يتصوّر بالنسبة إلى محمولٍ له عروضٌ في عالم نفس المولى ليرى معروضه قبل العارض. وأمّا المصلحة فهي أمرٌ واقعيٌّ تكوينيّ وليس عروضها لحاظيّاً ليلزم التهافت في عالم العروض.
إذن، لا إشكال من هذه الجهة.
وما ذكر في تقريرات المحقّق النائيني(1) من استحالة ذلك بدعوى: أنَّ المصلحة إذا كانت قائمةً بالفعل المأتيّ به بداعي المصلحة يلزم الدور في مقام الإتيان، لأنَّ الإتيان به بداعي المصلحة فرع تعلّق المصلحة به، وتعلّقها به فرع الإتيان به بداعي المصلحة.
ويكفينا أن نقول في المقام: إنَّ الإتيان بالفعل بقصد المصلحة لا يتوقّف على وجود المصلحة لذات الفعل، بل يتوقّف على دخل الفعل في ايجاد المصلحة، وهذا الدخل موجودٌ على كلّ حالٍ سواءٌ انضمّ إليه داعي المصلحة أو لا. ولكن هذا على تقدير إمكانه غير موجودٍ إثباتاً، وإنّما نبحثه استطراقاً إلى
ــــــــــ[172]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 151، أجود التقريرات 1: 108،109.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الجهة الثانية وهو إمكان أخذ الجامع.
نعم، يبقى مطلبٌ صغرويّ وهو أن يكون قصد المصلحة قصداً قربياً. فإنَّ المصلحة إن كانت تعود إلى المولى، فالإتيان بالفعل بقصدها يكون تقرّباً إليه. وأمّا المصلحة التي تعود إلى العبد -كما في الأوامر الشرعيّة- فإن امتثل المكلّف بقصد المصلحة ولم ينسب ذلك إلى المولى أصلاً، لم يكن تقرّباً وإن أتى به بقصد اهتمام المولى به فهو تحرّكٌ عن الإرادة.
وهذا شكٌّ صغرويّ يسجَّل في المقام؛ ليأتي الكلام عن الجهة الثانية.
الـجهة الثانـية: في أخذ الـجامع بين قـصد امتثـال الأمر والـمصلحة والـمحبوبيّة
هل يعقل أخذ الجامع بين قصد امتثال الأمر وقصد المصلحة -مثلاً- وقصد المحبوبيّة، بناءً على قربيّة هذه القصود جميعاً؛ بأن يقال: أمرت بالفعل على أن يكون بداعٍ قربيّ نحو المولى؟
الصحيح في المقام أن يُقال: إنَّ المحذور في أخذ قصد امتثال الأمر في متعلّق الأمر، لا بُدَّ من تشخّصه لنرى أنَّه جارٍ في المقام أيضاً أو لا. فإن كان المحذور وبرهان الاستحالة هو الوجه الأوّل، وهو أنَّه يلزم من أخذ قصد امتثال الأمر في متعلّق الأمر أن يؤخذ في متعلّق الأمر وصوله، فيكون الوصول مأخوذاً شرطاً في الأمر، وهو محال.
فهو لا يجري في أخذ قصد الجامع؛ لأنَّ الإتيان بالصلاة مع جامع هذه القصود لا يتوقّف على وصول الأمر، بل يكفي فيه وصول المصلحة أو وصول
ــــــــــ[173]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المحبوبيّة، ولا يلزم وصول الأمر، فلا يكون وصول الأمر قيداً في موضوع الأمر فلا يلزم المحذور. فيمكن للمولى أن يأخذ في موضوع الأمر وصول المصلحة، ويقول: إذا وصلت إليك المصلحة فآمرك أن تصلِّ مع الجامع، ولا يلزم الدور في عالم الفعليّة.
وكذلك الوجه الثاني للاستحالة لا يجري في المقام -وهو لزوم التهافت في عالم لحاظ المولى، لأنَّه يرى معروض أمره سابقاً تحصّلاً وتعقّلاً على الأمر، فلا يعقل أن يكون متقوّماً بنفس الأمر، فلو أخذ في المعروض قصد امتثال الأمر، لزم تقوّمه بالأمر- لوضوح أنَّه مع أخذ الجامع لا يرى قصد امتثال الأمر بعنوانه في المعروض حتى يكون خلف لحاظ المولى للمعروض سابقاً على أمره، بل غاية ما يرى في المعروض هو العنوان الجامع فلا يلزم محذور التهافت.
وأمّا إذا كان مدرك الاستحالة هو الوجه الثالث، فيمكن إجراؤه في المقام أيضاً، وحاصله: أنَّ الأمر الضمنيّ المتعلّق بقصد امتثال الأمر لا يعقل جعله بداعي المحرّكيّة؛ لأنَّ الأمر الضمنيّ المتعلّق بذات الصلاة إن كان كافياً في المحرّكيّة، فهو عبارةٌ عن قصد الامتثال ولا حاجة إلى الأمر الآخر. وإن لم يكن كافياً للمحرّكيّة، فالثاني مثله؛ لأنَّ مرجعهما إلى أمرٍ واحدٍ.
وهذا البيان يأتي في المقام، يعني: إذا أخذ الجامع في متعلّق الأمر؛ فإنَّ الأمر الضمنيّ المتعلّق بجامع قصد القربة لا يكون صالحا للمحرّكيّة؛ لأنَّ الأمر الضمنيّ بذات الصلاة إن كان صالحاً للمحرّكيّة نحوها، فهذا بنفسه إيجادٌ لذلك الجامع الذي يأمر به الأمر الثاني، فلا يبقى مجالٌ لمحرّكيّة الأمر الثاني لا
ــــــــــ[174]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
تأسيساً -كما هو واضح- ولا تأكيداً؛ لعدم تعقّل التأكيد في الأوامر الضمنيّة. وإن كان الأمر الأوّل المتعلّق بذات الصلاة لا يصح للمحرّكيّة، فالأمر الثاني مثله؛ لأنَّ ملاك تحريكهما واحد.
ومنه يُعرف أنَّ الوجه الرابع أيضاً يجري في المقام، وحاصله: أنَّه إذا تعلّق الأمر بالمجموع المركّب من الصلاة وقصد امتثال الأمر فهذا الأمر إن حرّك المكلّف، فمعناه أنَّه ينشئ إرادةً متعلّقةً بالمجموع، وهو غير معقول؛ لأنَّ هذه الإرادة بمجرّد تعلّقها بالصلاة يتحقّق الجزء الآخر تكويناً، فلا يمكن تعلّق الإرادة بالجزء الآخر.
وهذا يجري في المقام: فإنَّه إذا تعلّق الأمر بالصلاة مع جامع قصد القربة، فهذا الأمر إن كان محرّكاً فمحرّكيّته تكون بقدحه لإرادة في نفس العبد، متعلّقةٍ بالمجموع المركّب من الصلاة وقصد القربة، مع أنَّ تعلّقها بالمجموع غير معقول؛ لأنَّ الإرادة بمجرّد تعلّقها بالصلاة يتحقّق قصد القربة، فلا يمكن انبساطها على الجزء الثاني. إذن، محرّكيّة هذا الأمر نحو مجموع متعلّقه، أمرٌ غير معقول، فلا يمكن جعله على المجموع.
وعليه فإنَّ أخذ الجامع بين قصد امتثال الأمر وغيره من القصود الأخرى غير معقول.
وبهذا اتّضح أنَّ أخذ قصد امتثال الأمر في متعلّق الأمر أمرٌ غير معقول، فإنَّه لا يكفي في التخلّص من المحذور الانتقال منه إلى الجامع فإنَّه غير معقول. نعم، أخذ غيره بالخصوص معقول إلَّا أنَّه غير محتمل إثباتاً.
ومنه يتبيّن أنَّ الوجه الأوّل للفرق بين الواجب التعبّدي والواجب
ــــــــــ[175]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
التوصّلي -وهو أخذ قصد القربة وعدمه- غير معقول؛ لأنَّ قصد القربة لا يمكن أخذه في المتعلّق، وفاقاً لمشهور المحقّقين المتأخّرين(1).
وهو أن يُقال: يوجد أمران في الواجب التعبّدي: أمرٌ بذات العمل، وأمرٌ مجعولٌ بجعلٍ آخر متعلّقٍ بقصد امتثال الأمر الأوّل.
وهذا الكلام كأنَّه محاولةٌ للتخلّص من محذور الوجه الأوّل والوجه الثاني للاستحالة؛ فإنَّ الدور في الوجه الأوّل يندفع بتعدّد الجعل، فإنَّ الأمر الأوّل لم يؤخذ في متعلّقه قصد الامتثال ليلزم أخذ الوصول في موضوعه، والأمر الثاني أخذ في متعلّقه قصد امتثال الأمر الأوّل، ولازمه أن يؤخذ في موضوعه وصول الأمر الأوّل، ومعناه أنَّ فعليّة الأمر الثاني تتوقّف على فعليّة الأمر الأول، ولا محذور فيه.
ويندفع الوجه الثاني -وهو مسألة التهافت في عالم اللحاظ- بأن يُقال: إنَّ المولى حين أمر بالصلاة أوّلاً لم يأخذ في معروض أمره قصد امتثال الأمر، وحين أمر ثانياً أخذ في معروضه قصد امتثال الأمر الأوّل، فهو يرى الأمر الأوّل قبل الأمر الثاني، لا نفس الأمر الثاني قبل الأمر الثاني، فلا يلزم منه كون الملحوظ متأخّراً ملحوظ متقدّماً، فلا تهافت.
ــــــــــ[176]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 72، حيث ذكر ما لفظه: (ما لا يكاد أن يتأتّى إلّا من قبل الأمر لا يمكن أن يؤخذ في متعلّق الأمر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أمّا الوجهين الثالث والرابع، فلا يمكن التخلّص منهما بهذه الطريقة وهي تعدّد الأمر.
فإنَّ الأمر الأوّل والثاني، وإن فرض أنَّهما مجعولان بجعلين لكنّهما روحاً أمران ضمنيّان ناشئان من غرضٍ واحدٍ وملاكٍ واحدٍ. ومن هنا ياتي قولنا: إنَّه إن كان الأمر الأوّل كافياً للمحرّكيّة نحو ذات الصلاة، فالثاني لا تعقل محرّكيّته لا تأسيساً ولا تأكيداً، أمّا تأسيساً فواضح، وأمّا تأكيداً؛ فهو وإن كان مجعولاً بجعلٍ مستقلٍّ، ولكن ليس له ملاكٌ مستقلٌّ، فلا يعقل التأكيد في الملاكات والأغراض.
وإن كان الأمر الأوّل غير كافٍ للمحرّكيّة فالثاني مثله، فإنَّ ملاك الثاني هو ملاك الأمر الأوّل، فالأمر الثاني غير قابلٍ للمحرّكيّة، فلا يعقل جعله بداعي كونه باعثاً نحو الامتثال.
وتمام فذلكة الموقف هي: أنَّ ما بيّناه من برهانٍ لا يفرق فيه بين أن يكون الأمر الضمنيّ ضمنيّاً حقيقةً وصورةً، أو يكون الأمر الضمني ضمنيّاً حقيقةً أو استقلاليا صورةً. إلَّا أن نعطي للأمر الثاني معنىً جديد آخر يخرجه عن كونه أمراً حقيقةً كما سوف يأتي(1).
أمّا على ضوء كلمات المحقّقين، فهناك أشكالٌ لتعدّد الأمر:
الشكل الأوّل: أن يفرض وجود أمرين: أحدهما: متعلّقٌ بذات الصلاة
ــــــــــ[177]ــــــــــ
(1) أنظر: ص179.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ومطلقٌ من حيث قصد القربة، والثاني يتعلّق بالإتيان بذلك الجامع بقصد امتثال أمره.
الشكل الثاني(1): أنَّ الأمر الأوّل ليس مقيّداً ولا مطلقاً؛ لأنَّ التقييد غير معقول كما تقدم، فلا يمكن أن يتعلّق الأمر بالصلاة المقيّدة بقصد القربة. والإطلاق أيضاً غير معقولٍ بناءً على مبنىً له سوف يأتي تحقيقه، وهو: أنَّه إذا استحال التقييد استحال الإطلاق. فيكون الأمر الأوّل متعلّقاً بالمهمل، وهذا الإهمال معقولٌ ولا يلزم منه الإهمال في الواقع، لأنَّ الأمر الأوّل ليس هو تمام الواقع، بل هو شقٌّ منه، والشقّ الثاني هو الأمر الثاني وهو رافع الإهمال، فإمّا أن يرفعه إلى التقييد فيثبت التعبّديّة أو إلى الإطلاق فيثبت التوصّليّة.
ولهذا يسمّى الأمر الثاني بمتمّم الجعل في اصطلاح الميرزا، لأنَّ الأمر الأوّل لا يمكن أن يبقى على إهماله، فلا بُدَّ له من متمّمٍ يرفع إهماله لئلّا يلزم الإهمال في الواقع.
الشكل الثالث: أن يفرض تعدّد الأمر لا تعدّد الجعل، أي: إنَّ الأمرين ينشآن بإنشاءٍ واحدٍ وبجعلٍ واحدٍ، وهو ما اقترحه المحقّق العراقي(2).
وتفصيل الكلام هو:
الشكل الأوّل
وهو أن يتعلّق الأمر الأوّل بالمطلق، والثاني بالإتيان به بقصد القربة، فقد
ــــــــــ[178]ــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1: 116،117،. فوائد الأصول (النائيني) 1: 161،162.
(2) انظر: بدائع الأفكار (العراقي) 1: 225،226.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
استشكل عليه كما في الكفاية(1) بما حاصله: أنَّه لو أتى بذات الصلاة بدون قصد القربة فهو مصداقٌ من الأمر الأوّل؛ لأنَّ الأمر الأوّل مطلقٌ، وهو ينطبق على الفاقد كانطباقه على الواجد. وحينئذٍ نسأل: هل يسقط الأمر الأوّل أو لا؟
فإن قيل: إنَّ الأمر الأوّل يسقط من ناحية الإتيان بمتعلّقه فلم يبقَ موضوعٌ لامتثال الأمر الثاني، فيسقط بانتفاء موضوعه. إذن، مؤدّى ذلك أنَّ من أتى بالصلاة لا بقصد الامتثال يسقط عنه كلا الأمرين، وهو خلف.
وإن قيل: بأنَّ الأمر الأوّل لا يسقط بل يبقى محرّكاً حتّى بعد الإتيان بمتعلّقه، فهو غير معقول؛ لأنَّ الأمر إنّما يحرك بمقدار ما تعلّق به، وما تعلّق به هو المطلق والجامع، وقد وجد الجامع، فلو حرّك نحوه مرّةً أُخرى لزم التحريك نحو الحاصل. إذن، أصل هذه الفرضيّة غير معقولة.
ويمكن أن يُقال في مقام الجواب: بأنَّنا نختار الشقّ الأوّل، وأنَّ الأمر المتعلّق بالمطلق يسقط بالإتيان بالصلاة بدون قصد القربة، إلَّا أنَّ سقوطه يكون من باب تعذّر بقائه لا من باب استيفائه فإنَّه لم يستوف غرضه، والغرض أمرٌ وحدانيّ قائمٌ بمجموع الأمرين، ولا يستوفَى إلَّا بقصد القربة، فسقوطه كان اضطراراً لا استيفاءً.
فإذا كان الغرض محفوظاً، فهو يستدعي إنشاء أمرٍ آخر على طبقه، فإن ابتلي الأمر الثاني بنفس ما ابتلي به الأمر الأوّل فلا بُدَّ حينئذٍ من جعل أمرٍ ثالثٍ، وهكذا حتى يحصل السقوط الاستيفائي بالإتيان بالصلاة مع قصد امتثال
ــــــــــ[179]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 72،73.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الأمر. فالمكلّف إن لم يصلِّ أصلاً فالأمران بذاتهما محفوظان، وإن صلّى مع قصد امتثال الأمر فكلاهما قد امتثل، وإن صلّى بلا قصد امتثال الأمر، فالأمر المتعلّق بذات الصلاة بشخصه وإن سقط ولكن ينشأ أمرٌ آخر؛ لأنَّ غرض المولى باقٍ. ومعه يكون موضوع الأمر الثاني محفوظاً على أيّ حال؛ لأنَّه يقول: اقصدوا امتثال الأمر المتعلّق بذات الصلاة. فعلى أيّ حالٍ يوجد هذا الأمر ولو على نحو البدليّة. فمن هذه الناحية لا يأتي إشكال.
نعم، يأتي في المقام إشكالنا السابق، وهو: أنَّ الأمر الثاني يكون لغواً وغير قابلٍ للمحرّكيّة أصلاً فإنَّه إنّما يراد لقصد الامتثال، والأمر الأوّل يكفي لذلك، فإنَّه كلما مات أحيي من جديد.
بعبارة أخرى: أنَّ الأمر الأوّل يبقى بنوعه محفوظاً وإن سقط بشخصه، ومعه لا يكون الأمر الثاني مفيداً في المحرّكيّة.
الشكل الثاني
وهو أن يكون الأمر الأوّل متعلّقاً بالطبيعة المهملة لا المقيّدة ولا المطلقة، والأمر الثاني متعلّق بقصد امتثال الأمر الأوّل.
والذي دعا الميرزا إلى العدول من الشكل الأوّل إلى الثاني هو القول بأنَّ استحالة التقييد توجب استحالة الإطلاق، ومعه لا يبقى إلَّا الإهمال إلَّا أنَّ هذا الإهمال ليس إهمالاً في تمام المراتب في الواقع؛ فإنَّ الأمر الثاني في مرتبةٍ أُخرى، وفي مرتبة الأمر الثاني سوف يتبيّن المطلوب.
ــــــــــ[180]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذا الذي أفاده اعترض عليه في كلمات السيّد الأستاذ(1) باعتراضين.
الاعتراض الأوّل: وهو اعتراضٌ مبنائيّ، وحاصله: أنَّ استحالة التقييد لا توجب استحالة الإطلاق بل قد توجب ضرورته. وسوف يأتي تحقيق ذلك عند الدخول في صلب مسألة التعبّدي والتوصّلي.
الاعتراض الثاني: هو أنَّ الإهمال في الأمر الأوّل غير معقول(2). ويمكن تقريب ذلك بأحد بيانين:
البيان الأوّل: أن يلحظ نفس الحكم فيقال: بأنَّ هذا المجعول في الأمر الأوّل له حظّ من الوجود -لا محالة- في أفق الاعتبار، وكلّ شيء له حظّ من الوجود يجب أن يكون له تعيّنٌ في أفق وجوده؛ لاستحالة التردّد في أفق وجود الشيء. نعم، لا بأس بأن يكون للشيء إبهامٌ في مرحلةٍ بعد وجوده وهو المسمّى بمقام الإثبات، فيكون بحسب مقام الانكشاف مجملاً ومردّداً، وأمّا في أفق وجوده فلا بُدَّ من تعيّنه.
البيان الثاني: أن ينتقل إلى الحاكم ويُقال: بأنَّه يستحيل أن يأمر بالأمر الأوّل متعلّقاً بالمهمل؛ لأنَّ هذا معناه أنَّ الحاكم في عالم الجعل لا يدري ماذا يريد، هل المطلق أو المقيّد، ومن الواضح أنَّ المولى لا يشكّ في حدود حكمه. نعم غير المولى قد يشكّ فيه.
ــــــــــ[181]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 176-178، أجود التقريرات 1: 117.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 174.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وكلا البيانين روحهما واحدٌ وإن اختلفت طرز التعبير فيهما، وعليه فلا بُدَّ من اختلافٍ في طرز الجواب أيضاً.
أمّا البيان الأوّل: فالجواب عنه هو أنَّ تعلّق الأمر الأوّل بالطبيعة المهملة ليس معناه تعلّق الأمر بالمردّد بين المطلق والمقيّد، بحيث يكون متعلّق الأمر إمّا المطلق أو المقيّد بنحو التردّد في المتعلّق، فإنَّه لو كان المراد ذلك لكان محالاً، بل المراد هو أنَّ للطبيعة وجوداً متعيّناً في أفق الحكم والجعل، إلَّا أنَّ هذا الوجود المتعيّن لم ينضمّ إليه لا الإطلاق ولا التقييد؛ فإنَّ التقييد عبارةٌ عن لحاظ القيد مع الطبيعة، والإطلاق معناه لحاظ الطبيعة مع رفض القيد. فإن لوحظت الطبيعة بدون اللحاظين فهي المسمّى بالمهمل. وهذا ليس معناه أنَّ وجود الطبيعة يكون مردّداً.
وأمّا البيان الثاني: فيعرف فيه الكلام ممّا سبق؛ فإنَّ المولى لا يتردّد في مقام الجعل؛ فإنَّ مطلوبه بمقدار سعة ذات الطبيعة المهملة التي لم ينضمّ إليها لا التقييد اللحاظي ولا الرفض اللحاظي. ومادامت سعتها في مقام الانطباق متعيّنةً فلا محالة يكون مطلوب المولى متعيّناً، فإن قلنا بأنَّ المهمل في قوّة المقيّد، فلا يسري مطلوب المولى إلى غير المقيّد. وإن قلنا: إنَّ المهمل في قوّة المطلق، فهذه الطبيعة تسري إلى كلّ الأفراد، فمطلوب المولى أيضاً يسري إلى تمام الأفراد.
إذن، لا بُدَّ من صرف عنان الكلام إلى البحث في أنَّ المهملة في قوّة المطلق
ــــــــــ[182]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أو في قوّة المقيّد، وبذلك يتّضح الموقف(1).
الصحيح في الاعتراض على الشكل الثاني
والصحيح في مقام الاعتراض على الشكل الثاني هو أن يُقال:
إنَّ الطبيعة المهملة التي تعلّق بها الأمر الأوّل إن قلنا إنَّها بحكم المطلقة باعتبار كفاية الإطلاق الذاتي للسريان، فيرجع الشكل الثاني إلى الأوّل، ويرد عليه ما يرد عليه. غاية الأمر أنَّ الإطلاق هنا إطلاقٌ ذاتيّ في مقابل الإطلاق اللحاظي.
وإن فرض أنَّ الطبيعة المهملة في قوّة المقيّدة ولا تكفي ذات الطبيعة للسريان، فيرد على تعدّد الأمر بالنحو الذي ذكر إشكالان:
الإشكال الأوّل: أنَّنا لو تعقلّنا الأمر بالطبيعة المهملة وفرضنا أنَّها في قوّة المقيّدة، فما هي الحاجة إلى الأمر الثاني، بل يمكن الاكتفاء بالأوّل؛ فإنَّه يكون محقّقاً للمولى فائدة الأمر بالمقيّد من دون محذور الأمر بالمقيّد. فإنَّ المولى لم يلحظ قصد الأمر ليلزم المحذور، ولكن يحصل المقصود، وهو إلزام العبد بأن يأتي بالفعل من قبله؛ لأنَّ المفروض أنَّ الطبيعة المهملة في قوّة المقيّدة، فالأمر الأوّل لا يمكن امتثاله إلَّا بأن يؤتى بالمقيّد فيتحقّق مقصود المولى.
ــــــــــ[183]ــــــــــ
() ثُمَّ دخل السيّد في بيان كفاية لحاظ الطبيعة في الإطلاق وهو الذي سميّ بالإطلاق الذاتي وأنَّه كافٍ للسريان لأنَّ المقتضي موجود والمانع مفقود وهو محوّل إلى باب المطلق والمقيّد ولا حاجة إلى الإفاضة فيه. على أنَّه سوف يتّضح أكثر من درس اليوم الآتي. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الإشكال الثاني: أنَّ الأمر الأول المتعلّق بالطبيعة المهملة إن قلنا إنَّه في قوّة المقيّد فلا يرد عليه أكثر براهين استحالة التقييد، ولكن يرد عليه بعضها؛ فإنَّ تلك البراهين كانت أربعةً والبرهان الثاني -وهو التهافت في لحاظ المولى- لا يلزم؛ فإنَّ المولى لم يأخذ قصد الأمر في معروض أمره، كما لا يلزم البرهان الثالث والرابع، إذ في المقام فرض أنَّ الأمر يتعلّق بذات الطبيعة، لا بها مع قصد الأمر، ليلزم أن تكون حصّةً منها غير قابلةٍ للمحرّكيّة. ولكنّ البرهان الأوّل يكون وارداً؛ لأنَّ الأمر بالطبيعة المهملة -بعد أن فرضنا أنَّها في قوّة المقيّد- لا يمكن امتثاله إلَّا بالإتيان بالصلاة مع قصد الأمر، ومن الواضح أنَّ الإتيان بها يتوقّف إمكانه على وصول الأمر، فلا بُدَّ للمولى من أخذ وصول الأمر في موضوع الأمر، فيلزم المحذور.
ما ذكره المحقّق العراقي في الفرار من محذور قصد الأمر في متعلّقه
وممّا ذكرناه ظهر أيضاً الجواب على ما يُستفاد من المحقّق العراقي(1) في مقام الفرار من محذور أخذ قصد الأمر في متعلّقه.
وحاصل ذلك: أنَّ الأمر يتصوّر فيه ثلاث فرضيّات:
الأولى: أن يتعلّق الأمر بالصلاة المطلقة من ناحية قصد القربة.
والثانية: أن يتعلّق بالصلاة المقيّدة بقصد القربة. وكلا الفرضيّتين لا تنفع المولى؛ فإنَّ الأولى خلاف غرضه، والثانية مستحيلة.
ــــــــــ[184]ــــــــــ
(1) انظر: بدائع الأفكار (العراقي) 1: 225،226، مقالات الأصول 1: 239.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
والثالثة: أن يتعلّق الأمر بالحصّة الخاصّة المقيّدة، بنحوٍ يكون القيد والتقيّد كلاهما خارجاً عن متعلّق الأمر، ومرجع ذلك إلى أنَّ الأمر بالمقيّد معناه دخول التقييد وخروج القيد. وأمّا في الفرضية الثالثة المسمّاة بالحصّة التوأم، فالقيد والتقيّد خارجان، وما هو تحت الأمر هو ذات المقيّد. والمقيّد يؤخذ كمعرّفٍ ومشيرٍ إلى ذات الحصّة المقيّدة، كخاصف النعل(1)؛ فإنَّه إشارةٌ إلى الحصّة الخاصّة التي حباها الله تعالى بالإمامة.
ومعه يمكن أن يتوصّل المولى إلى غرضه بأمرٍ واحدٍ متعلّقٍ بالحصّة التوأم من دون لزوم أيّ محذور؛ لأنَّه لم يأخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر، فإنَّ المفروض خروج القيد والتقيّد، ومع هذا وصل المولى إلى غرضه لأنَّ الأمر يقف على الحصّة ولا يسري إلى غيرها.
وجواب ذلك ظهر ممّا ذكرناه ، وهي: أنَّ الحصّة تارةً يكون لها تعيّنٌ وتميّزٌ بقطع النظر عن القيد كالذوات الخارجيّة؛ فذات الإمام بقطع النظر عن خصف النعل، له تميّزٌ عن باقي الأفراد، وأخرى لا يكون للحصّة تعيّن في
ــــــــــ[185]ــــــــــ
() عن أبي سعيد الخدري، قال: كُنَّا جُلُوساً نَنْتَظِرُ رَسُولَ اَللَّـهِ، فَخَرَجَ عليْنَا مِنْ بَعْضِ بُيُوتِ نِسَائِهِ، قال: فَقُمْنَا مَعَهُ، فَانْقَطَعَت نعله، فَتَخَلَّفَ عَلَيْهَا عَلِيٌّ يخصفها، فمضى رَسُولُ اَللَّـهِ ومضينا مَعَهُ، ثم قام ينتظره وقمنا معه فَقَالَ: (إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ هَذَا اَلْقُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ)، فَاسْتَشْرَفنا وفينا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَقَالَ: (لاَ، وَلَكِنَّهُ خَاصِفُ اَلنَّعْلِ) يعني علياً (رضي الله عنه)، انظر: الألباني في السلسلة الصحيحة 5: 639، الحديث 2487.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
مقابل سائر الحصص إلَّا بالقيد، كما هو الحال في المفاهيم الكلية، فالإنسان الأبيض متميّزٌ عن غيره بتقيّده بالبياض.
ففي القسم الأوّل من الحصص، الحصّة التوأم أمرٌ معقولٌ فيها، بأن يكون كلٌّ من التقيّد والقيد خارجين عن موضوع الحكم، ولو أُخذ كان مشيراً إلى تلك الحصّة. وأمّا في القسم الثاني من الحصص، فإذا تعلّق الحكم بذات الطبيعة من دون دخول القيد والتقيّد في معروض الحكم، فهل يقف الحكم على الحصّة أو يسري إلى سائر الحصص؟ هذا مربوطٌ بما ذكرناه من كفاية الإطلاق الذاتي وعدمه.
فإن قلنا -كما هو الصحيح-: إنَّ الإطلاق يكفي فيه نفس ذات الطبيعة، ولا حاجة في السريان إلى لحاظ الإطلاق ما لم يمنع عن ذلك مانع، وهو التقييد. ومعه يستحيل أن يقف الأمر على الحصّة، بل يسري إلى سائر الأفراد؛ لأنَّ المقتضي موجودٌ وهو السريان، والمانع مفقودٌ وهو التقيد؛ فإنَّ المفروض أنَّه خارجٌ عن موضوع الحكم.
نعم، لو قلنا إنَّ إطلاق الطبيعة يحتاج إلى لحاظ الإطلاق فمرجع الحصّة التوأم يعود لما أسميناه بالطبيعة المهملة بلا لحاظ الإطلاق ولا لحاظ التقييد، فيسمّى بالحصّة التوأم؛ لأنَّ الأمر لا يسري إلى غير الحصّة.
فتبيّن أنَّ الحصّة التوأم أساساً غير معقولةٍ في الحصص المفهومية، إلَّا بناءً على مبنى أنَّ المهملة في قوّة المقيّدة.
ــــــــــ[186]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهو ما اقترحه المحقّق العراقي(1)، وهو يختلف عن الشكلين السابقين، فإنَّ الشكلين السابقين كانا مشتركين في خصيصةٍ واحدةٍ وهي أنَّ كلاً من الأمرين فيهما كان مجعولاً بجعلٍ مستقلّ.
أمّا المحقّق العراقي فإنَّه يرى تعدّد الأمر لا تعدّد الجعل، فهناك أمران: أحدهما متعلّقٌ بذات العمل، والآخر متعلّقٌ بقصد الامتثال، إلَّا أنَّ هذين الأمرين ينشآن بإنشاءٍ واحدٍ وبجعلٍ واحدٍ، رغم ما بينهما من الطوليّة والترتّب، فإنَّ الطوليّة بين المجعولين لا تنافي العرضيّة في مقام الجعل.
وقد شبّه المحقّق العراقي ذلك بخطاب: صدِّق العادل، فإنَّ فيه إشكالاً وهو أنَّه كيف يشمل الخبر مع الواسطة؛ فإنَّ هذا الخطاب إنَّما هو بلحاظ الأثر الشرعي، فلا بُدَّ أن يكون لخبر العادل أثرٌ حتّى يشمله دليل الحجّيّة، فلو أخبر العادل عن قول الإمام بوجوب السورة كان له أثرٌ، وأمّا لو أخبر عن زرارة، فليس له أثرٌ شرعيّ سوى نفس تصديق العادل. فكيف يعقل شمول وجوب تصديق العادل لإخبار العادل (سماعة) عن إخبار زرارة مثلاً، فإنَّه يلزم اتّحاد الحكم مع موضوعه.
وأجيب هناك(2): أنَّه يوجد وجوبان وأمران لصدق العادل بعدد الأخبار بحسب الخارج، فإنَّها قضيّةٌ حقيقيّةٌ تنحلّ بعدد الأخبار ذات الآثار الشرعيّة،
ــــــــــ[187]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول 1: 239،240، نهاية الأفكار 1: 190، 191، و 196.
(2) انظر: منهاج الأصول 3: 212، المحجّة في تقريرات الحجّة 2: 129.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فالوجوب الأوّل: وجوب تصديق العادل الذي أخبر عن وجوب السورة، والثاني: هو وجوب تصديق العادل الذي أخبر عن الأوّل، وأثره هو نفس الوجوب الأوّل، وهذا معناه: أنَّ الوجوبين طوليّان، وأحدهما يحقّق موضوع الآخر، ولكنّ هذين الأمرين الطوليّين جُعلا بجعلٍ واحدٍ في خطاب صدّق العادل، فهذا برهان على أنَّ الطوليّة بين المجعولين لا تنافي وحدة الجعل، فإذا صح هذا في خطاب صدّق العادل فليصحّ في المقام أيضاً.
الردّ على الشكل الثالث
والتحقيق في المقام: أنَّ هذا الكلام ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ محاولة المحقّق العراقي في تصوير تعدّد الأمر، وأنَّ أحدهما متعلّقٌ بذات الفعل والآخر بقصد الامتثال، تحتمل أحد شقّين:
أحدهما: أنَّ الأمرين الطوليّين أمران ضمنيّان، مرجعهما إلى أمرٍ نفسيّ استقلالي واحد.
والآخر: هو أنَّهما فردان مستقلان من الأمر.
فإن كان مراده أنَّ الكلام يجري مع التحفّظ على الضمنيّة، ومع هذا يتصوّر كونهما طوليّين ويقايسهما بوجوب تصديق العادل، فهذا غير معقول؛ فإنَّه في خطاب (صدّق العادل) الحكم بوجوب تصديق العادل له وعاءان: أحدهما عالم الجعل والإنشاء، من قبل المولى، والآخر عالم الفعليّة بتبع تحقّق موضوعه. أمّا عالم الإنشاء فمن الواضح أنَّه لا طوليّة فيه؛ إذ لا تعدّد ولا اثنينيّة، فإنَّ الجعل واحدٌ والمجعول بالذات المقوّم للجعل في أفقه واحدٌ لا محالة. وإنَّما
ــــــــــ[188]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
التعدّد والطوليّة في عالم الفعليّة، حيث إنَّ المجعول ينحلّ إلى أفرادٍ متعدّدةٍ بعدد أفراد موضوعه خارجاً، فتكون هناك فعليّاتٌ عديدةٌ بعضها في طول بعض، ففعليّة وجوب تصديق سماعة في طول وجوب تصديق زرارة.
وأمّا في المقام إذا كان الأمر بذات الفعل وبقصد الامتثال أمرين ضمنيّين مرجعهما إلى جعلٍ واحدٍ، فأين نتصوّر التعدّد والطوليّة، أمّا في عالم الجعل فليس هناك تعدّدٌ فضلاً عن الطوليّة، وأمّا في عالم الفعليّة فأيضاً لا يُعقل الطوليّة؛ إذ لا يعقل التعدّد لأنَّهما ضمنيّان، والضمنيّة تُحفظ في عالم الفعليّة أيضاً، فإنَّ فعليّة كلٍّ منهما فعليّةٌ ضمنيّةٌ كجعله، ومعه فكيف تعقل الطوليّة والترتّب هنا؟! وهذا بخلاف خطاب صدق العادل الذي ينحلّ إلى أحكامٍ استقلاليّةٍ بتعدّده، فتعقل طوليّة الفعليّة فيه.
وأمّا إذا كان مراد المحقّق العراقي رفع اليد عن الضمنيّة وأنَّه يوجد أمران استقلاليّان مجعولان بجعلٍ واحدٍ، فيصبح حالهما حال وجوب تصديق زرارة، ووجوب تصديق سماعة، وجوبان استقلاليّان أُنشئا بجعلٍ واحدٍ، فتعقل الطوليّة فيهما في عالم الفعليّة.
لكن هذا إنَّما يتعقّل فيما إذا صادف المولى في هذا الخطاب نفس ما صادفه في خطاب صدّق العادل، فإنَّ المولى إنَّما تمكّن من الجعل الواحد؛ لأنَّه وجد جامعاً بين المتعلّقين وهما تصديق زرارة وتصديق سماعة، وهو عنوان تصديق العادل، وأيضاً عنواناً جامعاً بين الموضوعين وهو الأثر الشرعي، ومعه أمكن جعل الوجوب على الجامع حين قال: صدّق العادل في الأثر الشرعي، فينحلّ إلى وجوبين طوليّين.
ــــــــــ[189]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وفي المقام إنَّما يتمكّن المولى من ذلك إذا وجد جامعاً بين المتعلّقين وهما: الصلاة وقصد الأمر، وجامعاً بين الموضوعين: بين ما به يمكن الصلاة وهو القدرة البدنيّة وبين ما به يمكن قصد الأمر وهو نفس الأمر. إلَّا أنَّ هذا مجرّد فرض، فإنَّ هذا الجامع غير موجودٍ، وإنَّما المولى ينشئ الوجوب ابتداءً على الصلاة وعلى قصد الأمر، لا على الجامع بينهما. وعليه فالتوصّل إلى حلّ المشكلة عن طريق فرض أمرين مجعولين بجعلٍ واحدٍ غير صحيح.
وبهذا اتّضح أنَّ كلاً من الأمر التعبّدي والتوصّلي متعلّقٌ بذات الفعل، وإذا كانا هكذا فكلاهما يسقط بالإتيان بذات الفعل لا محالة. إذن، أين يبقى الفرق بين الأمر التعبّدي والتوصّلي؟!
الفرق بينهما لبّاً وثبوتاً يكون في أن الأمر التوصّلي باعتبار نشوئه من غرضٍ يستوفَى بمجرّد الإتيان بالفعل، فإذا أتى بالفعل خارجاً يسقط، ولا موجب لاستئناف أمرٍ آخر بالفعل، فيسقط بلا بدل.
وأمّا في الأمر التعبّدي، فالأمر وإن كان يسقط بالإتيان بذات الفعل، ولكن حيث إنَّه ناشئٌ من غرضٍ لا يستوفى إلَّا بالحصّة القريبة خاصّة، فهو يسقط إلى بدل، بمعنى: أنَّ المولى بعد سقوط خطابه الأوّل يأمر مرّةً ثانيةً فإن أتى بذات الصلاة مع قصد القربة سقط الأمر لا إلى بدل، وإلَّا سقط ووُجد أمر آخر.
وهذا معنى من معاني تعدّد الأمر، وإن كان غير التعدّد الذي تقدّم فيما سبق ؛ فإنَّ ما تقدّم كان الأمر الأوّل فيه يتعلّق بذات الفعل والأمر الثاني يتعلّق
ــــــــــ[190]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بقصد القربة، أمّا هنا فإنَّ كليهما متعلّقٌ بذات الفعل.
والمثال العرفي لذلك: هو أن نفرض مولى له مكتبةٌ ويريد من خادمه أن يأتي بكتاب الوسائل، وخادمه لا يعرف القراءة، فيقول له: ائتني بكتاب، فيأتيه بكتاب، فإن كان هو الوسائل سقط الأمر لا إلى بدل، وإن كان غيره، قال له المولى: ائتني بكتاب آخر، فإن أتى بالوسائل فهو وإلَّا أمره مرّةً أخرى، وهكذا يتجدّد الخطاب إلى أنَّ يتوفّق الخادم إلى الإتيان بالوسائل. وكلّ هذه الخطابات المتعدّدة متعلّقها واحدٌ وهو ذات الفعل، لا أنَّ الأمر الثاني متعلّقٌ بقصد القربة.
وبعد أن عرفنا روح الفرق بين الأمرين، فالآمر بالأمر التعبّدي إن كان مع العبد في قضيّةٍ شخصيّة، فيمكن أن يتوصّل إلى مقصوده بالخطابات المتعدّدة، فيقول: صلِّ، فإن صلّى بقصد القربة فهو، وإلَّا يخاطبه مرّةً أخرى بخطاب وهكذا.
وأمّا في موارد الأمر الكلي فلا بُدَّ للمولى أن يأمر بالصلاة على وجهٍ كلّي، وينصب قرينةً على أنَّ هذا الأمر بالصلاة في حالة تجدّد، يسقط منه فرد وينشأ فردٌ آخر، فله توجّهاتٌ عديدةٌ نحو المكلّف، فهو يتوجّه إلى المكلّف مهما أتى بصلاةٍ غير قربيّةٍ، وبهذه القرينة يعوّض عن التوجّهات الشخصيّة وبها يحصل المقصود.
وهذه القرينة العامّة التي ينصبها على ذلك، تجعل المكلّف لا يخرج من العهدة إلَّا إذا صلّى بقصد القربة، لا بمعنى أنَّ الأمر انبسط على الفعل وقصد القربة، بل هو وافق على ذات الفعل، لكن حيث إنَّ له توجّهاتٍ عديدةً إلى
ــــــــــ[191]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المكلّف، فلا مناص من التخلّص منه إلَّا بالصلاة القربيّة ليسقط لا إلى بدل، فحال المكلّف حينئذٍ حال ما لو أمر المولى بقصد القربة.
وحيث إنَّ النتيجة نفس النتيجة، فيصحّ عرفاً أن تبيّن هذه القرينة العامّة بلسان تقييد الأمر، فيقال: صلّ بقصد القربة، وإن كان قولنا (بقصد القربة) ليس قيداً حقيقةً للأمر، وإنَّما هو قرينةٌ على أنَّ خطاب (صلِّ) يتوجّه بتوجّهاتٍ متعدّدةٍ، ويسقط إلى بدل، ما لم يؤتَ بالفعل بقصد القربة.
وبهذا ينحل التنافر بين الوجدان والبرهان، فإنَّه يفسّر لنا كيف أنَّنا نرى وجداناً أنَّ للمولى أن يأمر العبد بالصلاة بقصد القربة، مع أنَّه برهاناً بديهيّ الاستحالة؛ فإنَّ مجرّد تصوّره يكفي للجزم باستحالته.
ومعه يصحّ عرفاً أن يقال: إنَّ الفرق بين التعبّدي والتوصّلي في المتعلّق، وهذا يكفينا في هذا البحث؛ لأنَّ المهمّ هو التمسّك بإطلاق الخطاب لنفي التعبّديّة، إذ يكفي في إجراء مقدّمات الحكمة أن يكون التقييد ممكناً بالإمكان العرفي وإن كان ممتنعاً برهاناً، وليس هو تقييداً بل هو أمرٌ بذات الصلاة وتجدّد الأمر(1).
ــــــــــ[192]ــــــــــ
() فإن قلت: إنَّ المولى أمر بما لا يحبّه وهو ذات الفعل.
قلنا له جوابان:
الأوّل: أنَّه يكفي أن يكون الأمر بنفسه مقتضياً لإيجاد المحبوب وفي المقام كذلك؛ لأنَّ الأمر بنفسه يمكّن المكلّف من إيجاد الجزء الثاني.
والثاني: أنَّه يكفي أن يكون الأمر ممّا يحتمل ترتّب المحبوب عليه، وفي المقام كذلك، كما في مثال المكتبة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وبهذا نختم الكلام في المقدّمة في تحقيق حقيقة الواجب التعبّدي والتوصّلي. وندخل في لبّ المسألة.
نضيف نكتةً جديدةً وهي: أنَّه بالإمكان أن يقال: إنَّ التقييد الثبوتي بقصد القربة الذي قلنا إنَّه محال، ليس محالاً في حقّ كلّ إنسان، بل هو محالٌ في حقّ إنسان دون إنسان، فهي استحالةٌ مقيّدةٌ ثبوتاً لا مطلقة.
توضيحه: أنَّ بعض المحالات مستحيلةٌ من أيّ فاعل كالجمع بين الضدّين، وهناك بعض الاستحالات تختلف باختلاف أحوال الشخص، فالعبد المشلول يستحيل أن يأمره المولى العارف بشلله بالحركة، وأمّا المولى الذي يتخيّل صحّة عبده، فيمكن له أن يتصدّى لأمره وتحريكه، فهي استحالةٌ مقيّدةٌ تختلف باختلاف أحوال المولى.
وفي المقام أخذ قصد القربة مستحيل، لكن هل استحالته مطلقة، بحيث لا يتعقّل صدوره من أيّ مولى كالجمع بين الضدّين، أو أنَّ استحالته مقيّدة كتكليف المشلول؟ فلا بُدَّ لنا أن ننظر إلى براهين هذه الاستحالة لنرى أنَّها تبرّهن على أيّ الاستحالتين.
فلو رجعنا في إثبات الاستحالة إلى التقريب الثاني من التقريبات الأربعة السابقة وهو لزوم التهافت في اللحاظ؛ لأنَّ قصد الأمر يراه المولى في طول الأمر فكيف يأخذه في متعلّق الأمر. هذا البرهان لا يختلف حاله في المولى الشرعي والمولى العرفي لأنَّه يستحيل لأيّ إنسانٍ أن يرى التناقض فهذا ينتج
ــــــــــ[193]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
استحالةً مطلقةً، ولكن إذا تجاوزنا هذا البرهان، ولو بحمل الأمر على طبيعيّ الأمر لا على شخصه، فتبقى التقريبات الأخرى، وهي تنتج استحالةً مقيّدةً لا مطلقة.
فالتقريب الأوّل حاصله: أنَّ أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر يلزم منه أخذ نفس الأمر أو وصوله في متعلّقه، وهو يلزم التكليف بغير المقدور؛ لأنَّ الأمر من قبيل القبلة، فكما أنَّها أمرٌ غير اختياريّ لا بُدَّ من أخذه مفروض الوجود في الأمر، فكذلك الأمر غير الاختياري.
ومن الواضح كون هذا التقريب إنَّما يجري في حقّ من التفت إلى هذه النكتة لا في حقّ من لم يلتفت إليها من العلماء فضلاً عن الجهلاء، فإنَّ من لم يلتفت إلى أنَّ أخذ قصد القربة قيداً في المتعلّق يلزم منه التكليف بغير المقدور، فهل يمكن أن يأمر أولاده وعبيده(1) بذلك لأنَّه لا يرى أنَّه يكلّفهم بأمر غير مقدور؟!
نعم، المولى الملتفت إلى هذه النكتة يستحيل منه ذلك كالشارع المقدس.
ونفس الكلام يجري في التقريب الثالث والرابع، حيث كان مفادهما أنَّ الأمر المتعلّق بقصد القربة تستحيل محرّكيّته، وكلّ من التفت إلى هذا البرهان يستحيل في حقّه جعل هذا الأمر بداعي التحريك، وأمّا المولى الغافل عن هذه النكتة ويتخيّل أنَّ الأمر الضمنيّ المتعلّق بقصد القربة حاله حال الأمر الضمنيّ المتعلّق بالركوع والسجود في المحرّكيّة، فيعقل في شأنه أن يأمر بداعي
ــــــــــ[194]ــــــــــ
() ويقصد الأمر على إطلاقه. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
التحريك، وإن لم يتحقّق التحريك. إذن، التقييد ثبوتاً في حقّ الملتفت إلى هذه النكات مستحيلٌ، فهي استحالةٌ مقيّدةٌ لا مطلقة.
ومن هنا أمكن القول: إنَّ الإنسان العرفي حيث لا يتوصّل إلى هذه النكات لسذاجته، فهو يأخذ قصد القربة قيداً في المتعلّق. نعم، المولى الملتفت إلى هذه النكات لا يعقل منه ذلك، فصحّ لنا أن نقول: إنَّ أخذ قصد القربة ثبوتاً معقولٌ من الإنسان العرفي، وغير معقول من الإنسان الأصولي الدقيق أو المولى الذي لا تخفى عليه خافية، وهذا يؤكد أنَّ المولى الدقّي إذا أراد أن يبيّن تلك النكتة العرفيّة، وهي تجدّد الأمر، فإنَّه يبيّنه بلسان التقييد، فإنَّه في مقام البيان يتابع العرف، فهو يستعمل نفس هذا التعبير ويقول: صلّ بقصد القربة.
ــــــــــ[195]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
-2-
ولبّ البحث هو فيما إذا شكّ في كون الواجب تعبّديّاً أو توصّليّاً، فما هو مقتضى الأصل؟ والكلام يقع في مسألتين: في الأصل اللفظي والأصل العملي.
والكلام في الأصل اللفظي يقع في مقامين:
الأوّل: في الإطلاق اللفظي.
والثاني: في الإطلاق المقامي بعد عدم ثبوت الإطلاق اللفظي.
هل يمكن التمسّك بالإطلاق اللفظي لنفي التعبّديّة وإثبات التوصّليّة أو لا؟ ففيما لو قال المولى: اغسل ثوبك، وشككنا في اعتبار قصد القربة وعدم اعتباره، فهل يمكن نفي التعبّديّة بالإطلاق أو لا؟
والكلام هنا يقع تبعاً للمسالك.
أمّا بناءً على مسلك السيّد الأستاذ(1) القائل بأنَّ أخذ قصد الأمر في متعلّق
ــــــــــ[196]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 158- 161، ونفس المصدر 2: 172، دراسات في علم الأصول 1: 197. ولاحظ أيضاً: أجود التقريرات 1: 106، 107.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الأمر معقولٌ، فلا إشكال في جواز التمسّك بالإطلاق (إطلاق المادّة) لنفي أخذ قصد القربة، لأنَّ حاله حال سائر القيود التي تنفى بالإطلاق.
وأمّا بناء على استحالة أخذ قصد القربة ثبوتاً بالمعنى الذي قرّرناه للإنسان الدقّي مع إمكان التقييد إثباتاً حتّى للإنسان الدقّي –يعني: بناءً على أنَّ التعبّدي أمرٌ بذات الفعل ولكنّه يتجدّد إذا لم يأتِ به المكلّف بقصد الأمر- أيضاً يمكن التمسّك بالإطلاق لنفي التعبّديّة بأحد بيانين:
البيان الأول: أن يُقال بأنَّ قصد الأمر وإن كان لا يحتمل أخذه قيداً في متعلّق الأمر ثبوتاً ولكنّا قلنا إنَّ أخذه قيداً إثباتاً أمرٌ معقولٌ وصحيحٌ، أي: أنَّ القيديّة الإثباتيّة بنفسها تكون بياناً لتلك النكتة الغامضة المجملة ارتكازاً في أذهان الناس وهي التجدّديّة في الأمر التعبّدي؛ فإنَّ تقييد الأمر بقصد القربة بها وإن كان أمراً مستحيلاً ولكنّ تقييده بياناً ليس مستحيلاً، ومن هنا يُجري العرف مقدّمات الحكمة، ويقول: لو كان أخذ قصد القربة معتبراً لبيّنه بلسان التقييد، وحيث إنَّه لم يبيّنه فهو توصّليّ.
البيان الثاني: لو تنزّلنا عن دعوى أنَّ التقييد الإثباتي بيانٌ عرفيّ للتجدّد، وفرضنا أنَّ الإنسان العرفي ملتفتٌ تفصيلاً إلى حاقّ المطلب، فنتمسّك بالإطلاق لنفي التجدّديّة؛ لأنَّها بنفسها عنايةٌ زائدةٌ لا يفي بها الإطلاق؛ بأن يقال: صلّ وكلّما صلّيت بدون قصد القربة فصلِّ، وظاهر الأمر هو الأمر الواحد المتعلّق بصرف الوجود. وبذلك يثبت كونه أمراً توصّليّاً.
ــــــــــ[197]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وإذا لاحظنا في المقام مسلكاً ثالثاً غير مسلك السيّد الأستاذ ومسلكنا، وهو مسلك من يفصل بين قصد الأمر وجامع قصد القربة، فيرى أنَّ أخذ الأوّل غير معقول، ولكنّ الثاني معقول، فنتيجته أيضاً التمسّك بالإطلاق لإثبات التوصّليّة(1). فإنَّه لو قال: (اغسل) ولم يقيّد بجامع قصد القربة، لكان بإمكاننا نفي أخذ قصد القربة بجامعه وبشخصه أيضاً.
أمّا نفي اعتبار الجامع، فلأنَّ أخذه ممكن، ولم يأخذه المولى إثباتاً، وأمّا نفي اعتبار قصد شخص الأمر، فهو وإن لم يمكن أخذه ثبوتاً ولكنّنا نقول إنَّه لو كان دخيلاً في غرض المولى، لكان عليه أن يأخذ جامع قصد القربة على الأقلّ ويكون عليه أن يضيّق المادّة بحيث يجعلها أقرب إلى غرضه، فعدم أخذ الجامع كاشفٌ عن أنَّه لا الجامع ولا قصد الأمر دخيلٌ في غرضه.
نعم، لو فرض على هذا المسلك أنَّه أخذ الجامع وشككنا باعتبار قصد الأمر بالخصوص أو لا، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق لنفي قصد الأمر على ما يأتي.
وإذا أخـذنا مسلكاً رابعاً وهو مسلك صاحب الكـفاية (2)والمشهور(3)
ــــــــــ[198]ــــــــــ
(1) انظر: الهداية في الأصول 1: 249.
(2) انظر: كفاية الأصول: 72،73.
(3) انظر: أجود التقريرات 1: 104-107، نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 224،225، نهاية الأفكار 1: 188-193.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
القائلين بعدم إمكان أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر، وأنَّ الأمر التعبّدي والأمر التوصّلي واحدٌ متعلّقٌ بذات الفعل، تأتي هنا ثلاثة اعتراضاتٍ رئيسيّةٍ
–بناءً على هذا المسلك- على التمسّك بالإطلاق لنفي التعبّديّة.
الاعتراض الأول: أنَّ إطلاق الخطاب في مقام الإثبات نريد أن نستكشف به إطلاق الأمر في مقام الثبوت، مع أنَّ إطلاقه في مقام الثبوت مستحيلٌ، واستكشاف أمرٍ مستحيلٍ بالإطلاق مستحيلٌ، وذلك؛ لأنَّه إذا استحال التقييد بقصد القربة استحال الإطلاق من هذه الناحية.
فهل إنَّ استحالة التقييد توجب استحالة الإطلاق أو لا؟ ولتوضيح ذلك نضع لذلك ميزاناً كلّياً ثُمَّ نطبّق المورد عليه.
والميزان الكلّي لذلك هو أن يقال: إنَّ استحالة التقييد تنشأ من عدّة ملاكاتٍ بعضها يستوجب استحالة الإطلاق وبعضها لا يستوجب.
الملاك الأوّل (لاستحالة التقييد): أن يكون ثبوت الحكم للمقيّد مستحيلاً باعتبار عدم صلاحيّة ذات المقيّد لوقوعه موضوعاً للحكم، كما إذا قيل: (صلِّ إن كنت عاجزاً)، وملاك الاستحالة أنَّ ذات العاجز يستحيل أن يقع موضوعاً للأمر بقطع النظر عن كونه مستقلاً أو في ضمن غيره.
وهذا الملاك بنفسه يبرهن على استحالة الإطلاق، لأنَّ ملاك الاستحالة ليس في التقييد بما هو تقييدٌ، بل في ثبوت الحكم لذات المقيّد وهو محفوظٌ في حالتي الإطلاق والتقييد معاً.
الملاك الثاني: أن تكون استحالة التقييد باعتبار عدم تعقّل المقسميّة، بأن
ــــــــــ[199]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يقال: إنَّ حرمة شرب الخمر مقيّدةٌ بأن يكون الخمر خمراً؛ لأنَّ تقييد الخمر بالخمريّة فرع أن يكون الشيء منقسماً لنفسه ولنقيضه حتّى يقيّد بنفسه، ويستحيل أن يكون الشيء مقسماً لنفسه ولنقيضه.
وهذا الملاك لو تمّ، فإنَّه يوجب استحالة الإطلاق أيضاً؛ لوضوح أنَّ كلاً منهما فرع المقسميّة.
الملاك الثالث: أن يكون التقييد مستحيلاً باعتبار نتيجته، أعني: قصر الحكم على المقيّد، وهذا مستحيلٌ، مثل أن يقال: إنَّ الخطاب بالفروع لا يمكن أن يخصّص بخصوص الكفار؛ لأنَّه لو كان مقيّداً لنتج عنه قصر الحكم على الكافر، فينتج لغويّة الخطاب عرفاً.
ولكنّ هذا الملاك غير موجودٍ في الإطلاق؛ لأنَّ الملاك هو نتيجة التقييد، ومن المعلوم أنَّها غير محفوظةٍ في ضمن الإطلاق، فلو قال: (أيّها الناس صلّوا) لم يكن الخطاب مستهجناً ويشمل المسلمين وغيرهم.
الملاك الرابع: أن يكون ملاك الاستحالة قائماً بالتقييد بما هو تقييد، بقطع النظر عن نتائجه ومقدّماته، من قبيل أن يقال: إنَّ تقييد الحكم بخصوص العالم به مستحيلٌ. فإنّ المحذور ليس في ثبوت الحكم لذات العالم، بل في أخذ هذا القيد قيداً.
وحينئذٍ فهل يجري هذا المحذور أو لا؟ إن قلنا إنَّ الإطلاق هو الجمع بين القيود، فقد يتوهّم أنَّ ملاك الاستحالة في التقييد يجري في الإطلاق، على كلامٍ
ــــــــــ[200]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يأتي، لأنَّ الإطلاق بناءً على هذا المسلك يشمل كلّ التقييدات بما فيها هذا التقييد المستحيل.
وأمّا إذا قلنا إنَّ الإطلاق هو تعرية الخطاب من كلّ التقييدات، فملاك استحالة التقييد لا يكون ملاكاً لاستحالة الإطلاق؛ لأنَّ الملاك قائمٌ بالتقييد، وقد فرضنا أنَّ الإطلاق ليس فيه تقييدٌ أصلاً، ليجري فيه ملاك الاستحالة، فإن أريد إثبات أنَّ الإطلاق مستحيلٌ، فلا بُدَّ من إبراز ملاكٍ آخر غير ملاك استحالة التقييد.
بعد هذا البيان نرى أنَّ هذه الكبرى هل تنفع القائلين باستحالة أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر لإثبات مدّعاهم وهو عدم إمكان التمسّك بالإطلاق لإثبات التوصّليّة؛ لأنَّ الإطلاق غير معقول؟
قد يتوهّم –في بادئ الأمر- أنَّ القائلين بهذا يمكنهم أن يدّعوا أنَّه إذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق أيضاً، عبر إثبات أنَّ المقام من القسم الأوّل أو الثاني، لا من الثالث أو الرابع، فيقع البحث في أنَّ ملاك الاستحالة من أيٍّ من هذه الأقسام.
ولكنّ الصحيح أنَّ هذه الكبرى لا تنفع بشيءٍ لإثبات مدّعاهم حتّى لو قالوا: إنَّ الاستحالة هنا من القسم الأوّل أو الثاني، فإنَّه –مع ذلك- ينتج عكس مقصودهم.
فدعوى أنَّ المقام من القسم الأوّل أو الثاني معناه إنَّه إذا استحال تقييد
ــــــــــ[201]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الصلاة بقصد الأمر استحال إطلاقه لها ولو بالإطلاق والشمول، وهذا الشمول –للصلاة المقيّدة بقصد الأمر- من بركات رفع قيد عدم قصد القربة. وأصحاب الدعوى لا يريدون أن يقولوا إنَّ تعلّق الأمر بالصلاة مع قصد القربة ولو بالشمول والإطلاق غير معقول، وإنّما يريدون أن يقولوا: إنَّ تعلّقه بالصلاة اللاقربيّة غير معقول. إذن، الشمول الذي تستدعي هذه الكبرى استحالته غير الشمول الذي يريدون إثبات استحالته.
وبتعبير واضح: عندنا شمولان: شمول الأمر للحصّة القربيّة، وشموله للحصّة اللاقربيّة. وما هو محلّ الكلام في بحث التعبّدي والتوصّلي إنّما هو الثاني، وأنَّ الأمر هل يشمل الحصّة اللاقربيّة ليكون توصّليّاً أو لا؟ والمراد هو إثبات الإطلاق لشموله لها، وهؤلاء يمنعون ذلك.
ومن الواضح أنَّ شمول الأمر للحصّة اللاقربيّة هو من نتائج عدم تقييده بقصد القربة.
وأمّا الكبرى لو تمّ في المقام تطبيقها فهي تقتضي استحالة الشمول الآخر، وهو شمول الأمر للحصّة القربيّة؛ لأنَّ تعلّق الأمر بالمقيّد بقصد القربة محال، فتعلّقه به ولو بالإطلاق محال. وهذا من نتائج عدم تقييد متعلّق الأمر بعدم قصد القربة.
إذن، الكبرى لو تمّت لأثبتت استحالة الشمول، لكن هذا الشمول غير الشمول الذي ينفع المدّعي إثبات استحالته.
ــــــــــ[202]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ومن هنا قام المحقّق النائيني(1) بمحاولة ترميم هذه الكبرى، بحيث جعلها بنحوٍ يمكن أن يستفيد منها منكر الإطلاق، فإنَّه بدلاً عن أن يقول: بأنَّ استحالة ثبوت الحكم للمقيّد يستلزم استحالة ثبوت الحكم له، ولو بالشمول، قال بصيغة أخرى: متى ما كان أخذ قيدٍ في المتعلّق مستحيلاً، فرفض نفس ذلك القيد (الذي هو معنى الإطلاق) مستحيلٌ أيضاً.
وحينئذٍ تكون هذه الكبرى نافعةً في محلّ الكلام، لأنَّ مَن ينكر الإطلاق يقول: بأنَّ أخذ قصد القربة في المتعلّق مستحيل، وإذا استحال أخذه استحال رفضه أيضاً، ومعه يستحيل شمول الأمر للحصّة غير القربيّة، ومعه لا يمكن إثبات هذا الأمر المستحيل بمقدّمات الحكمة إثباتاً، وحينئذٍ يطرح هذا السؤال: أنَّه ما هو الدليل على هذه الكبرى الميرزائية؟
يمكن أن يبيّن ذلك بعدّة بيانات:
البيان الأوّل: ما تكون عبارة الميرزا نصّاً فيه وهو أنَّ ذلك باعتبار أنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة، فإذا استحال التقييد استحال الإطلاق؛ لأنَّ الإطلاق هو عدم التقييد في الموضع القابل(2).
ــــــــــ[203]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 105،110، فوائد الأصول (النائيني) 1: 146و 155.
(2) انظر: أجود التقريرات 1: 105-110، فوائد الأصول (النائيني) 1: 146و155.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
البيان الثاني: ما يُستلمح من كلماته أيضاً(1)، وهو أن يقال: إنَّ التقييد بقصد الأمر والإطلاق من ناحية الأمر غير معقول بنكتةٍ واحدةٍ وهي عدم المقسمية، فإنّ انقسام الصلاة إلى ما يكون مأتيّاً به بقصد القربة، وما يكون مأتيّاً به لا بقصدها، في طول الأمر ومتأخّرٌ رتبةً عن الأمر، وفي المرتبة السابقة عليه لا يوجد هذا الانقسام في الطبيعة، ولذا يسمّى هذا بالانقسامات الثانوية في مقابل الانقسامات الأوّليّة.
إذن، في المرتبة السابقة على الأمر ليست الطبيعة مقسماً(2).
البيان الثالث: وهو مبنيٌّ على مجموع أمرين:
الأمر الأول: أنَّ الإطلاق عبارةٌ عن الجمع بين القيود، أي: إسراء الحكم إلى تمام الحالات من قبيل العموم بحيث تكون الحالات بما هي حالاتٌ منظوراً ــــــــــ[204]ــــــــــ
() انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 145، 147، حيث ذكر ما لفظه: (لا إشكال في أنَّ كلّ حكم له متعلّق وموضوع… ثم إنَّ كلاً من الموضوع والمتعلّق له انقساماتٌ عقليّةٌ سابقةٌ على مرحلة ورود الحكم عليه، وهذه الانقسامات تلحق له بحسب الإمكان العقلي، ولو لم يكن هناك شرعٌ ولا حكمٌ… ولكلّ منهما أيضاً انقساماتٌ تلحقهما بعد ورود الحكم عليهما، بحيث لولا الحكم لما أمكن لحوق تلك الانقسامات لهما… ثُمَّ إنَّه لا إشكال في إمكان التقييد أو الإطلاق بالنسبة إلى كلّ من الموضوع والمتعلّق بلحاظ الانقسامات السابقة على ورود الحكم… وأمّا الانقسامات اللاحقة للحكم فلا يمكن فيها التقييد ثبوتاً، وإذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق…).
(2) والإطلاق والتقييد فرع كون الطبيعة مقسماً لواجد القيد وفاقده، وفي المقام ليس كذلك فيكون الإطلاق ممتنعاً. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إليها في المرتبة السابقة على الحكم.
الأمر الثاني: أنَّ المحذور في أخذ قصد القربة قيداً في متعلّق الأمر هو محذورٌ لحاظيّ، وهو أنَّ المولى يستحيل أن يلحظ قصد القربة في مرتبة معروض الأمر، لأنَّ قصد الأمر يُرى متأخّراً عن الأمر، فيلزم التهافت في اللحاظ.
وحينئذٍ يقال: إنَّه كما يستحيل التقييد يستحيل الإطلاق، أمّا التقييد فلأنَّه يلزم منه أن يرى المولى قصد الأمر قبل الأمر، وهو تهافتٌ في اللحاظ، وأمّا الإطلاق فلأنَّه جمعٌ بين القيود، بمعنى أنَّه يرى كلتا الحالتين، حالة قصد الأمر وحالة عدم قصده، ومن المعلوم أنَّ حالة قصد الأمر لا يمكن أن ترى لا وحدها ولا مع غيرها.
وهذه التقريبات الثلاثة كلّها غير تامّة.
أمّا البيان الثالث؛ فلأنَّه مبنيٌّ على مقدّمةٍ غير صحيحة، وهي أنَّ الإطلاق هو الجمع بين القيود في اللحاظ، مع أنَّ الإطلاق هو قصر النظر على ذات الطبيعة من دون لحاظ أمرٍ زائدٍ، وقد بيّنا في محلّه(1) الفرق بين العموم والإطلاق الحكمي.
وأمّا البيان الثاني غير صحيح أيضاً؛ وذلك لأنَّ استحالة أخذ قصد القربة قيداً في متعلّق الأمر لو كان برهانه عدم المقسميّة لكان ما ادّعي تامّاً، فكما يبرهن على عدم إمكان التقييد، كذلك يبرهن على عدم إمكان الإطلاق. ولكنّ هذا ليس برهان استحالة التقييد، بل هي ثابتةٌ ببرهانٍ آخر من البراهين الأربعة
ــــــــــ[205]ــــــــــ
(1)انظر: مباحث الأصول 4: 228.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
السابقة. وأمّا ما قيل في التقريب من أنَّ الطبيعة في المرتبة السابقة على عروض الأمر ليست مقسماً للحصّة القربيّة والحصّة اللاقربيّة، وإنّما تكون مقسماً لها في طول الأمر، فإنَّه غير صحيح، فإنّ ما يحصل هو إمكان وجود القسمين خارجاً لا المقسميّة المفهوميّة، وفرقٌ بينهما.
وتوضيحه: أنَّ الطبيعة بقطع النظر عن عروض الأمر عليها لا إمكان لوجود حصّتين منها خارجاً؛ لأنَّ المفروض عدم الأمر، وإنّما يمكن وجود الحصّتين بعد الأمر، فتوجد صلاةٌ بقصد الأمر، وصلاةٌ أخرى لا بقصد الأمر.
وأمّا انقسام الطبيعة في عالم المفهومية لهاتين الحصّتين بمعنى: مصداقيّة الحصتين لها، فهي محفوظةٌ بقطع النظر عن الأمر، فإنّ الحصّة المأتي بها بقصد الأمر صلاةٌ والحصّة الأخرى صلاةٌ أيضاً على أيّ حال، فالمقسمية محفوظةٌ في المرتبة السابقة على الأمر، فإنّ مناط المقسميّة هو المصداقيّة لا إمكان وجود المصداقين خارجاً(1).
وأمّا البيان الأول: فيمكن الردّ عليه بثلاثة اعتراضات:
الأوّل: ردٌّ حلّي: وهو أنَّه لماذا يكون التقابل بين الإطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة، فإنّ المسألة ليست مسألةً لغويّةً لشرح مدلول كلمة الإطلاق والتقييد، ككلمة أعمى وكلمة بصير، لنرجع إلى اللغة فنرى أنَّ الإطلاق هو عدم التقييد في الموضع القابل، كما أنَّ الأعمى هو عدم البصر في الموضع القابل، بل المسألة مسألةٌ واقعيّةٌ؛ لأنّنا نريد بالإطلاق تلك النكتة التي
ــــــــــ[206]ــــــــــ
() فالمصداقيّة فعليّةٌ وإن كان وجود المصداق لا يكون إلَّا بعد الأمر. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بها يحصل سريان الطبيعة إلى تمام الأفراد، وهي التي نتكلّم عن إمكانها واستحالتها الآن، وفي تشخيص تلك النكتة يوجد مسلكان كما أشرنا مراراً.
المسلك الأوّل: أنَّ تلك النكتة هي نفس القابليّة للطبيعة للانطباق على الأفراد، غاية الأمر أنَّ هذا المقتضي الذاتي قد يقرن بالمانع وهو لحاظ التقييد، فإذا لم يوجد المانع يؤثّر المقتضي أثره.
وبناءً عليه يكون التقابل بينهما تقابل السلب والإيجاب(1)، فإنّ التقييد عبارةٌ عن لحاظ القيد في الطبيعة، والإطلاق يكفي فيه عدم لحاظ القيد وعدم المانع، وأمّا المقتضي للسريان فهو ذاتيّ في الطبيعة فيؤثّر أثره من دون لحاظ أن يكون التقييد ممكناً أو غير ممكن.
المسلك الثاني: أنَّ الذي يقتضي السريان هو لحاظ الطبيعة بنحوٍ تكون منطبقةً على الأفراد، لا قابليّتها الذاتيّة. بناءً عليه يكون التقابل بين الإطلاق والتقييد من تقابل التضاد(2)، فإنَّهما أمران وجوديّان، فإنَّ التقييد عبارةٌ عن لحاظ القيد، والإطلاق عبارةٌ عن لحاظ سريان الطبيعة.
ــــــــــ[207]ــــــــــ
() وقد تبنّاه المصنّف، ونسب إلى الشيخ الأنصاري، وذهب إليه المحقق العراقي حيث قال: (إنّ جعل التقابل بين الإطلاق والتقييد مطلقاً من باب تقابل التضاد أو العدم والملكة منظور فيه؛ لأن ما به قوام هذا الإطلاق هو عدم لحاظ التقييد ولو من جهة استحالته، فيكون التقابل بينهما من باب الإيجاب والسلب محضاً)، انظر: نهاية الأفكار 3: 17.
(2) نسب إلى المشهور، انظر: أجود التقريرات 1: 232، وقد تبنّاه المحقّق السيّد الخوئي انظر: دراسات في علم الأصول 2: 337، محاضرات في أصول الفقه 2: 172، 174.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فعلى كلا المسلكين لا يتصوّر أن يكون التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة، ولا نتصوّر فرضاً ثالثاً يصحّ معه ذلك.
الثاني: وهو ردٌّ نقضيّ، وحاصله: أنَّه لو سُلّم أنَّ استحالة التقييد يوجب استحالة الإطلاق، ففي محلّ الكلام يوجد عندنا تقييدان متقابلان، مقابل كلٍّ منهما إطلاق:
التقييد الأوّل: تقييد الصلاة بقصد الأمر.
التقييد الثاني: تقييدها بالدواعي النفسانية.
وفي مقابل كلا التقييدين إطلاق.
وتقييد الصلاة بقصد الأمر مستحيلٌ، فإذا استحال ذلك استحال الإطلاق المقابل له الذي ينتج الشمول للحصّة غير القربيّة. إذن، هذا الأمر لا يشمل الحصّة غير القربيّة؛ لأنَّ الإطلاق مستحيل.
وتقييد الصلاة بالداعي النفساني أيضاً مستحيل؛ فإنَّه يستحيل للمولى أن يأمر عبده أن يصلّي لا بداعي أمره؛ فإنَّ الأمر يصبح لغواً؛ لأنَّه إن صلّى لا بسبب هذا الأمر، كان الأمر بلا أثر، وإن صلّى بسبب الأمر، فصلاته باطلةٌ على الفرض، فيكون هذا الأمر غير قابل للمحرّكيّة، فهذا التقييد مستحيلٌ، ومعه فالإطلاق المقابل له مستحيل.
فيكون كلا التقييدين والإطلاقين مستحيلاً، ويصبح الواجب سنخ طبيعةٍ غير قابل الانطباق على الحصّة القربيّة وعلى غيرها، وكذلك الحال في متمّم
ــــــــــ[208]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الجعل، فيبقى الأمر مهملاً إلى الأبد، ويؤدّي إلى السفسطة(1).
الاعتراض الثاني: صاحب هذا الاعتراض يعترف أنَّ استحالة التقييد ثبوتاً لا تقتضي استحالة الإطلاق، ولكنّه يقول أنَّه ضروريّ وواجب، لأنَّ أمر المولى يدور بين ثلاثة أمور: (التقييد والإهمال والإطلاق) والتقييد بقصد القربة غير معقولٍ كما سبق، والإهمال غير معقولٍ أيضاً، فينحصر المطلب بالشقّ الثالث وهو الإطلاق، فيكون الإطلاق واجباً وضروريّاً بحسب عالم الجعل، ومعه لا نحتاج في إثباته إلى مقدّمات الحكمة بحسب مقام الإثبات، بل نقطع به برهاناً.
ولكنّ هذا الإطلاق الثبوتي لا ينفعنا بشيءٍ؛ لأنّنا نريد إثبات التوصّليّة، والتوصّلي يمتاز على التعبّدي بحسب الغرض لا بحسب عالم الجعل، وإلَّا فبحسب عالم الجعل كلاهما مطلقٌ؛ لاستحالة التقييد واستحالة الإهمال، فالغرض من الأمر التوصّلي مطلقٌ يحصل حتّى بدون قصد القربة، والغرض في التعبّدي لا يحصل بدونه، فإذا أردنا إثبات التوصّليّة لا بُدَّ لنا أن نثبت الإطلاق في الغرض لا في الجعل.
فإن قيل: إنَّ الإطلاق في الجعل يكشف عن الإطلاق في الغرض.
قلنا: نعم، هذا فيما لو أمكن للمولى أن يطلق وأن لا يطلق في عالم الجعل ومع هذا أطلق، فيكشف عن إطلاق غرضه؛ لأنَّ الجعل تابعٌ للغرض، وأمّا إذا كان الإطلاق ضروريّاً في عالم الجعل، فهو لا يكشف عن إطلاق الغرض، فلا
ــــــــــ[209]ــــــــــ
() فإنَّه بمتمّم الجعل لا يمكن أن يقيّد ويقال امتثل الأمر الأوّل لا بداعي الأمر الأوّل. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ينفعنا بشيءٍ فلا يمكن أن نثبت به التوصّليّة.
وتحقيق هذا الاعتراض يتوقّف على مطلبٍ أشرنا إليه مراراً، وهو: أنَّ المهمل –يعني: الطبيعة التي لم يُلحظ فيها التقييد والإطلاق- إن قيل أنَّه في قوّة المطلق لأنَّ الطبيعة بذاتها تقتضي السريان –كما هو الصحيح- فيكون هذا الكلام تامّاً؛ إذ ليس عندنا إلَّا شقّان: مقيّدٌ ومطلقٌ؛ لأنَّ المهمل اللحاظي في قوّة المطلق اللحاظي، فإذا امتنع المقيّد وجب المطلق، ولكنّه لا يكشف عن الإطلاق الغرضي فيتمّ الاعتراض.
وأمّا إذا بنينا أنَّ المهمل اللحاظي في قوّة المقيّد اللحاظي فلا بُدَّ لنا أن نلاحظ البراهين التي بها برهنّا على استحالة التقييد اللحاظي بقصد القربة، لنرى أنَّها هل تقتضي أيضاً استحالة المهمل الذي هو في قوّة المقيّد أو لا؟
وحينئذٍ فإن اتّبعنا بعض البراهين السابقة –التي تقتضي استحالة المقيّد واستحالة المهمل الذي هو في قوّة المقيّد أيضاً- كبرهان الميرزا(1) وهو لزوم الدور فأيضاً يتمّ هذا الاعتراض؛ لأنَّه إذا استحال المقيّد والمهمل وجب المطلق اللحاظي. ولكونه ضروريّاً لا يكشف عن الإطلاق الغرضي.
وأمّا إذا كان برهاننا على استحالة المقيّد لا يبرهن على استحالة المهمل الذي هو في قوّة المقيّد، كما لو كان هو الوجه الثالث أو الرابع، فهنا إذا استحال المقيّد بقي المهمل غير مستحيل، ومعه يبقى هناك شيئان ممكنان، أحدهما الإهمال الذي هو في قوّة التقييد والآخر الإطلاق الذي هو في مقابل التقييد،
ــــــــــ[210]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 146، 147.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فإذا اختار المولى الإطلاق في عالم الجعل، كشف عن إطلاق الغرض؛ لأنَّ المولى ليس مضطرّاً إلى الإطلاق، فلا يرد الاعتراض.
وحيث إنَّ الصحيح من هذه التقادير هو التقدير الأوّل –وهو كون المهمل في قوّة المطلق- يتمّ هذا الاعتراض الثاني.
الاعتراض الثالث: وهو مبنيٌّ على التنازل عن كلا الاعتراضين السابقين، فصاحب هذا الاعتراض لا يقول بأنَّ الإطلاق مستحيلٌ ولا ضروريّ، بل يقول: إنَّه يمكن للمولى ثبوتاً الإهمال والإطلاق معاً في عالم الجعل. ويقول أيضاً: إنَّ هذا الإطلاق اللحاظي الذي هو ممكنٌ بحسب عالم الجعل لا يمكن أن نثبته بمقدّمات الحكمة بحسب مقام الإثبات؛ لأنَّ مرجعها بناءً على هذا التقدير إلى دلالةٍ عرفيّةٍ مفادها أنَّ عدم التقييد في مقام التخاطب يدلّ على الإطلاق في مقام الجعل.
وحينئذٍ لا بُدَّ أن نرى أنَّ الدالّ على الإطلاق هو عدم التقييد إذا كان للمولى أن يقيّد أو هو عدمه ولو لم يمكن للمولى أن يقيّد، فإن قلنا بالأوّل كما لو قال: (أكرم العالم) ثمّ مُنع من التكلّم، فلا يكون عدم التقييد التخاطبي كاشفاً عن الإطلاق في عالم الجعل، وهذا معناه أنَّ الإطلاق الحكمي الإثباتي أُخذ فيه القابليّة، وهذا بخلاف مدّعى الميرزا من أخذ القابليّة، حيث كان نظره إلى عالم الثبوت، ولذا لم نقبله. ولو كان نظره إلى عالم الإثبات لقبلناه؛ فإنَّه في المقام لا يمكن للمولى أن يقيّد في مقام المخاطبة، ولعلّه لم يقيّد؛ لأنَّه لا يتمكّن أن يقيّد، فلا يكون عدم التقييد كاشفاً عن الإطلاق.
ــــــــــ[211]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذا مبنيّ على إرجاع مقدّمات الحكمة إلى دلالةٍ عرفيّةٍ بهذا المعنى. وحينئذٍ يجب أن نعرف أنَّ الكاشف عن الإطلاق هل هو عدم بيان التقييد مع إمكان بيانه، أو هو عدم كلّ ما يخلّ بالإطلاق؟ فإن كان الأوّل لم يتمّ الإطلاق، وإن كان الثاني ولو بالإهمال، فحينئذٍ يكون عدم بيانه محفوظاً في المقام؛ لأنَّ المولى كان يمكنه أن ينصب قرينةً على أنَّ خطابه مهملٌ وليس فيه إطلاقٌ وإن استحال عليه نصب القرينة على التقييد.
وقد اتّضح من هذا كلّه أنَّ الصحيح من هذه الاعتراضات الثلاثة هو الاعتراض الثاني.
ومعه فلا يمكن التمسّك بالإطلاق اللفظي لإثبات التوصّليّة ونفي التعبّديّة.
وأمّا الإطلاق المقامي فإذا تعذّر الإطلاق اللفظي كما في المبنى الرابع السابق فهل يمكن التمسّك بالإطلاق المقامي أو لا؟
ويقرَّب الإطلاق المقامي بتقريبين.
التقريب الأوّل: ما أفاده المحقّق العراقي(1) وغيره، وحاصله: أنّنا إذا أقمنا برهاناً على أن قصد الأمر أو قصد القربة، لو كان دخيلاً في غرض المولى فلا بُدَّ له من بيان هذا الدخل ولو بنحو الجملة الخبريّة، إذا تعذّر أخْذه قيداً في متعلّق الأمر، وحينئذٍ نستكشف من عدم البيان عدم دخله في الغرض.
ــــــــــ[212]ــــــــــ
(1) انظر: بدائع الأفكار (العراقي) 1: 237، نهاية الأفكار 1: 199.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أمّا البرهان فهو عبارةٌ عن لزوم نقض الغرض. فمتى ما لزم من عدم البيان نقض الغرض مع كون قصد القربة دخيلاً في غرض المولى، يتمّ البرهان، ومتى ما لم يلزم نقض الغرض لا يتمّ البرهان، ومن هنا كان موضوع هذا التقريب أنَّه متى يلزم نقض الغرض ليتمّ البرهان وبالتالي يتمّ الإطلاق المقامي.
وقد أوضح المحقّق العراقي(1) أنَّ لزوم نقض الغرض يتوقّف على أحد أمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ قصد القربة يكون من القيود المغفول عنها عرفاً.
والأمر الثاني: أنَّه لو سلّم أنَّ قصد القربة من القيود غير المغفول عنها عرفاً غالباً، فهل تجري أصالة البراءة أو أصالة الاشتغال عند الشكّ في دخله في غرض المولى؟ وهنا يبنى على أنَّ هذا الشكّ مجرى للبراءة.
فإن تمّ أحد الأمرين تمّ الإطلاق المقامي. وإلَّا لم يتمّ.
وتوضيحه: أنَّه إذا تمّ الأمر الأوّل وقلنا إنَّ قصد القربة من القيود المغفول عنها عادةً، يقال: إنَّه لو كان قصد القربة دخيلاً في غرضه وهو يعرف كونه مغفولاً عنه، فلو لم يبيّنه لغفل الناس عنه ولما أتوا به، فيلزم نقض غرضه، ومن هنا يتمّ البرهان، ويستكشف من عدم بيان المطلب بالجملة الخبريّة أنَّ قصد القربة ليس دخيلاً في غرض المولى.
كما أنّا لو أنكرنا الأمر الأوّل وقلنا: إنَّ قيد قصد القربة ممّا يلتفت إليه الناس عرفاً، إلَّا أنَّ الشكّ في دخله في الغرض مجرىً للبراءة، فأيضاً لو كان
ــــــــــ[213]ــــــــــ
(1) نفس المصدر السابق.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
قصد القربة دخيلاً في غرضه يلزم من عدم البيان نقض الغرض؛ لأنَّ المولى يعلم أنَّه لو لم يبيّن لأجرى الناس أصالة البراءة، فيلزم نقض الغرض. فأيضاً نستكشف من عدم البيان بنحو الجملة الخبريّة عدم الدخل.
وأمّا إذا لم نقبل كلا الأمرين، وقلنا إنَّ قصد القربة قيدٌ ملتَفتٌ إليه، وإنَّ الأصل الجاري عند الشكّ فيه هو أصالة الاشتغال، فلا يكون المولى ناقضاً لغرضه لو لم يبيّن دخل قصد القربة؛ إذ لعلّه اعتمد في تحصيل غرضه على أصالة الاشتغال.
وهذا التقريب يرد عليه اعتراضان:
الاعتراض الأوّل: بأنَّ هذا الإطلاق المقامي بهذا البيان لا ينفع في أكثر الموارد، وليس هو المقصود في المقام، فإنَّ غاية ما يثبته أنَّ عدم بيان المولى لدخل قصد القربة، ولو بجملةٍ خبريّةٍ، يكشف عن عدم دخله في الغرض، وهو إنّما ينفع فيما إذا أحصينا تمام ما صدر من المولى من الكلمات والبيانات وجزمنا أنَّه لم يصدر عنه بيانٌ لدخل قصد القربة في الغرض ولو بنحو الجملة الخبريّة. فحينئذٍ يتمّ البرهان.
ولكن كيف نحرز السكوت المطلق من المولى، فلعلّه بيّن ولم يصل إلينا البيان، وجلّ ما نحرزه أنَّ المولى –مثلاً- سكت عن المطلب في صحيحة زرارة بالخصوص، ومن الواضح أنَّ سكوته عند صدور شخص هذا الخطاب لا يكشف عن عدم دخله في الغرض، إذ لا يلزم نقض الغرض لو كان قد بيّن قبل ذلك أو بعده.
ــــــــــ[214]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الاعتراض الثاني: أنَّ هذا التقريب يبرهن عقلاً على أنَّ قصد القربة –لو أحرزنا السكوت المطلق- ليس شرطاً واقعيّاً دخيلاً في غرض المولى؛ فإنَّه لا يبرهن على أن يكون قصد القربة شرطاً ذكرياً عند الالتفات إليه ولو على سبيل الصدفة؛ فإنّ الشرط قد يكون شرطاً على الإطلاق، حتّى عند الغفلة، ولذا يحكم ببطلان العمل لو صدر ناقصاً من الغافل، وقد يكون الشرط في حال الذكر دون حال الغفلة، وهذا الإطلاق المقامي بهذا البرهان إنَّما ينفي الشرطيّة الواقعيّة المطلقة ولا ينفي الشرط بالمعنى الثاني.
ولو قلنا بالشرط الأوّل وهو كون قصد القربة ممّا يغفل عنه عادةً، فنقول: إنّه لو كان قصد القربة شرطاً ذكريّاً وفرضنا أنَّ أصالة الاشتغال تجري عند الالتفات، فلا يلزم نقض الغرض؛ لأنَّ الشرطيّة ليست موجودةً في حقّ الغافل، والملتفت تجري في حقّه أصالة الاشتغال. إذن، هذا الإطلاق المقامي لا يتمّ.
التقريب الثاني –للإطلاق المقامي- وهو التقريب الوجيه وحاصله: أن يُدّعى أنَّ المولى حين يقول: (اغسل) أو (صلّ)، فلا إشكال أنَّ مدلول خطابه هو الجعل والحكم، وظاهر حاله أنَّه في مقام بيان تمام ما يطلبه، ولكنّه إنّما يكون كذلك لا بالنحو الذي يكون الأمر منظوراً إليه بالنظرة الاستقلالية، بل بما هو كاشفٌ عن الغرض، فإنَّه إنّما يهتمّ بإيصاله إلى عبده من أجل ذلك، فالأمر عرفاً ملحوظٌ بالمعنى الحرفي وبما هو كاشفٌ عن الغرض. إذن، ظاهر حال المولى أنَّه في مقام بيان تمام ما يأمر به بما هو كاشفٌ عن الغرض يعني: في مقام بيان تمام الغرض. فإذا سكت ولم يبيّن دخل قصد القربة ولو بنحو الجملة الخبريّة، فإنَّ ذلك باعتبار الظهور الحالي، لا باعتبار نقض الغرض.
ــــــــــ[215]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذا إطلاقٌ مقاميّ لا بأس بادّعائه في المقام.
هذا حاصل الكلام في المقام الأوّل في تأسيس الأصل اللفظي عند الشكّ في التعبّديّة والتوصّليّة.
المقام الثاني: في تأسيس الأصل العملي إذا شكّ في تعبّديّة الواجب وتوصّليّته ولم يقم دليلٌ اجتهاديّ عليه، فهل المرجع أصالة البراءة أو الاشتغال؟
الذي يتبادر إلى الذهن بدواً أنَّ المقام هو صغرى من صغريات الأقلّ والأكثر الارتباطيّين، فإنَّه لو فرض وجوب قصد القربة، فهو جزءٌ من الواجب الأصلي، فمرجعه إلى ذلك، فإذا بني هناك على البراءة يبنى هنا على البراءة أيضاً، أو بُني هناك على الاشتغال فهنا أيضاً كذلك.
وتفصيل الكلام في ذلك: أنّنا تارةً نبني على أنَّ قصد القربة ممّا يمكن تعلّق الأمر الشرعي به، إمّا بالأمر الأوّل بناءً على إمكانه أو بالأمر الثاني على مسلك متمّم الجعل(1)، فعلى هذين المسلكين تجري البراءة.
أمّا على المسلك الأوّل: فيكون حاله حال سائر ما يشكّ في جزئيّته وشرطيّته، فيكون المقام من صغريات الأقلّ والأكثر الارتباطيّين فتجري البراءة فيه.
ــــــــــ[216]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 115، 116.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وأمّا على المسلك الثاني: فإنَّ متمّم الجعل روحه روح الأمرين الضمنيين وإن لم يكن في الجعل ضمنيان والشكّ في اعتبار قصد القربة يكون شكّاً في الوجوب الزائد فتجري البراءة عنه؛ لأنَّ وجوب الصلاة معلومٌ ووجوب القصد بالجعل الثاني مجهول. وكذلك تجري البراءة على مسلكنا في تصوير الواجب التعبّدي، فإنّنا لو شككنا في واجبٍ أنَّه تعبّديّ أو توصّليّ فإنَّ هذا يعني أنّنا بعد أن نصلّي صلاةً مجرّدةً عن قصد القربة نشكّ في وجود أمرٍ ثانٍ بالصلاة أو لا؟ فأيضاً يرجع إلى الشكّ في الوجوب الزائد، فنجري البراءة منه. نعم، ليس هو وجوب قصد القربة بل وجوب تكرار نفس العمل.
وإنّما الكلام بناءً على مبنىً آخر كمبنى المحقّق الخراساني(1) الذي يقول: إنَّ الأمر التعبّدي أمرٌ واحدٌ متعلّقٌ بذات الفعل، ولكن في موارد التعبّديّات لا يسقط هذا الأمر بمجرّد الإتيان بالفعل، بل يبقى ببقاء الغرض فيحكم العقل بلزوم إسقاطه بالإتيان بالفعل بقصد القربة. فلو شكّ في تعبّديّة الواجب
–ظاهر المحقّق الخراساني- تجري أصالة الاشتغال وإن قلنا بجريان البراءة في موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيّين.
ولتوضيح الحال في ذلك لا بُدَّ من استعراض المسألة من جهتين:
الأولى: في البراءة العقليّة، والأخرى في الشرعيّة.
ــــــــــ[217]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 74، نهاية الأفكار 1: 196.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
في جريان البراءة العقليّة في المقام لو قيل بجريانها في موارد الأقلّ والأكثر، وهذا بحثٌ فرضيٌّ على مسلكنا، فإنّنا نبني على أنَّ البراءة العقليّة لا أساس لها في الأحكام الشرعيّة.
ولأجل توضيح ذلك لا بُدَّ من استعراض مهمّ الوجوه التي يستند إليها في بحث الأقلّ والأكثر الارتباطيّين لإثبات الاشتغال العقلي والمنع عن البراءة لنرى أنَّها تجري في المقام أو لا. وعلى فرض جريانها فهل يكون الجواب الذي يجاب به عن تلك الوجوه في تلك المسألة كافياً هنا أيضاً أو لا؟
الوجه الأول: دعوى تشكيل علمٍ إجماليّ في موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيين، إذ يعلم إجمالاً إمّا بوجوب الأقلّ لا بشرط ومطلقاً، أو بوجوبه بشرط شيءٍ ومقيّداً، ويدعى تنجيز هذا العلم الإجمالي.
وهذه الصيغة لا معنى لادعائها في المقام بناءً على المبنى الذي نتكلّم عنه؛ لأنَّنا نعلم أنَّ الوجوب الشرعي تعلّق بالمطلق على كلّ حال، ولم يتعلّق بالمقيّد؛ لأنَّ أخذ قصد القربة في الأمر الشرعي مستحيل.
الوجه الثاني: أن يقال: لو سلّمنا أنَّ العلم الإجمالي ينحلّ إلى العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ والشكّ البدوي بوجوب الزائد، ولكنّ العلم التفصيلي بوجوب الأقلّ، لا إشكال بلزوم الإتيان بمتعلّقه، أي: أن يأتي بما يقطع بانطباق متعلّق الأمر بالأقلّ عليه.
ــــــــــ[219]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ومن الواضح أنَّ الأمر بالأقلّ هنا مردّدٌ بين أن يكون أمراً نفسيّاً استقلاليّاً أو ضمنيّاً؛ لأنَّ السورة إن كانت جزءاً فالأمر بالباقي ضمنيّ وإلا فهو استقلاليّ، فإن كان استقلاليّاً فمتعلّقه قابلٌ للانطباق على التسعة المجرّدة عن العاشر، وأمّا إذا كان أمراً ضمنيّاً، فالأمر الضمنيّ يستحيل أن يتعلّق بالمطلق، بل يتعلّق بالطبيعة المهملة غير القابلة للسريان إلى فاقد القيد، فلو أتى بتسعة أجزاء بلا عاشرٍ فهو لا يقطع بأنَّ المأمور به في الأقلّ ينطبق على ما أتى به.
وهذا الوجه أيضاً لا يجري في المقام على المبنى الذي نتكلّم عنه، لأنّنا نعلم على كلّ حالٍ أنَّ الأمر تعلّق بالمطلق ولم يتعلّق بالمهمل، لاستحالة وقوف الأمر على الحصّة المقيّدة بقصد القربة، وإنَّما نشكّ أنَّ غرض المولى هل استوفي بذلك أو لا.
الوجه الثالث: لو سلّمنا أنَّ الأمر بالأقلّ متعلّقه هو ذات الأقلّ، سواءٌ كان استقلاليّاً أو ضمنيّاً وذات الأقلّ ينطبق على الفاقد كما ينطبق على الواجد، لكن يقال: أنَّه لو أتى المكلّف بالأقلّ بدون السورة فما أتى به وإن كان مصداقاً للأقلّ وجداناً ولكنّه لم يحرز سقوط الأمر بالأقلّ؛ فإنَّ سقوطه مشكوكٌ فيه لوضوح أنَّ الأمر بالأقلّ إن كان استقلاليّاً فسوف يسقط بالإتيان بمتعلّقه، وإن كان ضمنيّاً، فالأوامر الضمنيّة بما أنَّها متلازمةٌ في الثبوت والسقوط، فسوف يبقى ولن يسقط.
هذا الوجه يمكن إجراؤه في محلّ الكلام، بأن يقال: إنَّ الأمر بذات الصلاة معلومٌ تفصيلاً، فلو أتى بذات الصلاة بدون قصد القربة، فإن كان الأمر
ــــــــــ[219]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
توصّليّاً فإنَّه يسقط، وإن كان تعبّديّاً فالمفروض لا يسقط، بل يبقى ببقاء علّته وملاكه فالمكلّف يشكّ في سقوطه فتجري أصالة الاشتغال؛ لأنَّ الشغل اليقيني يستدعي الإسقاط اليقيني.
الوجه الرابع: أنّنا لا نلتفت إلى الأمر ولكن نلتفت إلى الغرض، فإنّ الواجب الارتباطي وراءه غرضٌ وحدانيٌّ معلومٌ وجداناً، كالمعراجيّة الشأنيّة في الصلاة، ويشك أنَّه –أي: الغرض، وهو المعراجيّة الشأنيّة- يحصل بالأقلّ أو لا، فيكون المورد من موارد الشكّ في المحصّل للغرض، وكلّما كان الشكّ في المحصّل تجري أصالة الاشتغال.
وهذا الوجه أيضاً يمكن إجراؤه في محلّ الكلام، فإنَّه يوجد غرضٌ معلومٌ ويشكّ أنَّه هل يحصل بالصلاة بدون قصد القربة أو لا، فتجري أصالة الاشتغال.
فيقع الكلام في أنَّ التقريب الثالث والرابع، اللذَين يمكن إسراؤهما إلى محلّ الكلام هل يمكن إسراء جوابهما إلى محلّ الكلام أيضاً أو لا، فإن أمكن ذلك فهو –يعني: إثبات البراءة في المقامين- وإلَّا نثبت فرضيّة الكفاية(1) وهي جريان البراءة هناك وعدم جريانها هنا.
وفي هذا المجال يمكن ادّعاء بيانين في تصوير أنَّ الجواب الوارد في تلك المسألة لا يسري لهذه المسألة.
ــــــــــ[220]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 74.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
البيان الأول: مبنيٌّ على التقريب الثالث لأصالة الاشتغال، وهو ما سبق أن ذكرناه.
وهذا التقريب يُدفع في باب الأقلّ والأكثر بهذا البيان: بأنَّ المكلّف إذا أتى بالتسعة فقط ولم يأتِ بالعاشر فهو وإن كان يشكّ في سقوط الأمر بالأقلّ لاحتمال كونه ضمنيّاً، إلَّا أنَّ هذا الشكّ من تبعات الشكّ في وجود الأمر الضمنيّ بالزائد، لاحتمال أن يكون الأمر بالأقلّ توأماً مع أمرٍ ضمنيّ آخر هو الأمر بالزائد. فحينئذٍ التأمين عقلاً عن ذلك المنشأ -وهو التكليف بالزائد- يستدعي عقلاً التأمين من ناحية الشكّ المذكور أيضاً وهو الشكّ في السقوط، فلا تجري أصالة الاشتغال، فإنّ الشكّ في التكليف الزائد يندرج تحت البراءة العقليّة فكذلك الشكّ في السقوط.
لكن هذا الدفع لا يأتي في محلّ الكلام؛ لأنَّ الشكّ في سقوط الأمر بالصلاة عند الإتيان بها بلا قصد القربة، ليس ناشئاً من الشكّ في التكليف الزائد؛ فإنّ قصد القربة لم يتعلّق به تكليفٌ؛ لأنَّه مستحيلٌ على الفرض، فيكون الشكّ في السقوط مجرىً لأصالة الاشتغال؛ لأنَّه ليس من تبعات الشكّ البدوي في التكليف الزائد.
إلَّا أنَّ هذا البيان ليس صحيحاً:
توضيحه: أنَّ الشكّ في السقوط ينبغي أن نقسّمه ونقول: إنَّ له نحوين:
النحو الأوّل: الشكّ في سقوط الأمر الناشئ من احتمال مطلبٍ يرجع إلى المولى ويكون من وظيفة المولى بيانه.
ــــــــــ[221]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
النحو الثاني: أن يكون شكّاً في السقوط ناشئاً من جهةٍ ترجع إلى العبد ولا يكون من وظيفة المولى بيانه. ومقصودنا ممّا يرجع إلى المكلّف هو جهة الامتثال والشكّ في أنَّه امتثل أو لم يمتثل.
فالقسم الثاني مجرى لأصالة الاشتغال عقلاً.
وأمّا القسم الأوّل: وهو أن يرجع الشكّ في السقوط إلى جهةٍ غير الامتثال، سواءٌ كانت عبارةً عن وجوب شيءٍ زائدٍ كما في موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيين أو كانت عبارةً عن دخل شيءٍ زائدٍ في الغرض، كما في الشكّ في التعبّدي والتوصّل، فإنَّه –على كلّ حال- شكٌّ راجعٌ إلى المولى وعليه رفعه وبيانه. فيكون مثل هذا الشكّ في السقوط مجرىً للبراءة عقلاً.
ومعه لا فرق في جريان البراءة بين الأقلّ والأكثر وبين محلّ الكلام؛ لأنَّ الشكّ في السقوط لا يرجع إلى الإتيان بذات المتعلّق الذي هو في عهدة المكلّف بل إلى نكاتٍ على المولى بيانها وهو دخل الزائد في الأمر أو في الغرض، فتجري البراءة في كلا الحالين.
البيان الثاني: وهو مبنيّ على التقريب الرابع السابق. فيجاب عنه ويقال: إنَّ الشكّ في المحصِّل للغرض بما هو غرضٌ، ليس مجرىً لأصالة الاشتغال وإنّما الشكّ في المحصّل للواجب يكون مجرى لها. وذلك لأنَّ الغرض بما هو غرضٌ لا يقع في عهدة المكلّف عقلاً، ليكون ملزماً بالإتيان بمحصِّله حتّى إذا ما شكّ فيه وجب عليه الاحتياط، بل الغرض إنَّما يقع في عهدة المكلّف بمقدار ما يتصدّى المولى لتحصيله والتسبيب إليه تشريعاً. ومن الواضح أنَّ هذا المقدار
ــــــــــ[222]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الذي تسبّب المولى إليه تشريعاً مردّدٌ بين الأقلّ والأكثر، والقدر المتيقّن منه إنَّما هو التسعة والزائد عليه مشكوكٌ فيكون مجرىً للبراءة.
حينئذٍ يقال: إنَّ هذا الجواب إنَّما يتمّ فيما إذا كان القيد المشكوك فيه مما يمكن للمولى التصدّي إلى تحصيله بالأمر به، كالسورة. وأمّا إذا كان الشكّ في دخل شيءٍ في الغرض وكان مما لا يعقل للمولى تحصيله وكان عاجزاً عن الأمر به كما هو الحال في قصد القربة، بناءً على هذا المبنى، فيقع الغرض بنفسه تحت العهدة، فإذا شكّ في محصّله تجري أصالة الاشتغال، وبحث التعبّدي والتوصّلي من القسم الثاني.
إلَّا أنَّ هذا البيان أيضاً غير تامّ، لأنَّ المولى وإن كان لا يتمكّن من الأمر بقصد القربة ولكن يمكن أن يتصدّى لتحصيله ولو بالإخبار، ومعه يكون الغرض داخلاً في العهدة بمقدار التصدّي، ولا يقاس هذا على ما إذا كان المولى عاجزاً حقيقةً عن الكلام.
وهكذا يتّضح أنَّ الصحيح هو أنَّه لو بنى على البراءة العقليّة في الارتباطيّين، ينبغي أن يبني عليها في المقام.
لو قلنا –كما نقول- بجريانها في موارد الارتباطيّين فقد يقال: إنَّها لا تجري في موارد التعبّدي؛ لأنَّ البراءة الشرعيّة أدّلتها ناظرةٌ إلى التكاليف والتحميلات الشرعيّة، ومن الواضح أنَّ المفروض في المقام –التعبّدي والتوصّلي- لا يحتمل التكليف بقصد القربيّة وإنّما يحتمل دخله في الغرض الواقعي، وإنّما تجري
ــــــــــ[223]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
البراءة عند الشكّ في التكليف كما في موارد الارتباطيّين. وأمّا في المقام فلا تجري البراءة الشرعيّة.
وهذا البيان في غير محلّه، لما يأتي:
أوّلاً: فلإمكان دعوى أنَّ دليل البراءة لا يختصّ بالحكم الإنشائي، بل يشمل كلّ جهةٍ مولويّةٍ قابلةٍ للتحميل على العبد من قبل المولى عقلاً، سواءٌ كانت حكماً إنشائيّاً أو غرضاً نفسانيّاً.
ثانياً: أنَّ عناوين الإلزام والتكليف تنتزع لا محالة حتّى من الجملة الخبريّة، فإنَّ المولى إذا بيّن دخل قصد القربة في الغرض ولو بنحو الجملة الخبريّة ينتزع من ذلك عنوان الإلزام، وهو يكفي في جريان البراءة.
إذن، الصحيح هو جريان البراءة الشرعيّة فيها، ومن الكلام في قصد القربة ظهر الحال في قصد الوجه والتمييز أيضاً.
ــــــــــ[224]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
في دلالة الأمر على النفسيّة والتعينيّة والعينيّة
ــــــــــ[225]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ينقسم الواجب أيضاً إلى نفسيّ وغيريّ، وتعيينيّ وتخييريّ، وعينيّ وكفائيّ. وقيل: إنَّ إطلاق الصيغة يقتضي النفسيّة والعينيّة والتعيينيّة(1).
ومن هنا يقع الكلام في ثلاث جهات:
المعروف(2) أنَّ إطلاق الصيغة يقتضي النفسيّة في مقابل الغيريّة، ويمكن أن يبين بثلاثة تقريبات:
التمسّك بالإطلاق الأحوالي للوجوب في دليل (توضّأ) مثلاً. ونقول: بأنَّ مقتضى الإطلاق الأحوالي للوجوب في هذا الدليل أنَّ وجوب الوضوء ثابتٌ
ــــــــــ[227]ــــــــــ
() قال صاحب الكفاية: (قضية إطلاق الصيغة، كون الوجوب نفسياً تعيينياً عينياً)، انظر: كفاية الأصول: 76.
(2) انظر: كفاية الأصول: 108، وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول: 285، فوائد الأصول (النائيني) 1: 220-222، بدائع الأفكار (العراقي) 1: 372.
(3)انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 220-222.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
على كلّ حالٍ سواءٌ زالت الشمس أو لا، وسواءٌ وجبت الصلاة أو لا. وهذا يستلزم كونه واجباً نفسيّاً؛ لأنَّه لو كان واجباً غيريّاً لاستحال إطلاقه الأحوالي لحالة عدم وجود أمرٍ بذي المقدّمة وعدم فعليّة وجوبه.
وهذه النفسيّة تكون مدلولاً التزامياً للإطلاق لا مطابقيّاً؛ لأنَّ المدلول المطابقي هو ثبوت الوجوب في تمام الأحوال. وهو بما (هو هو) ليس معناه الوجوب النفسي، ولكنّه يستلزم نفي الغيريّة وبالتالي تعين النفسيّة.
واستفادة النفسيّة بهذا التقريب يتوقّف على تصوير الإطلاق الأحوالي وعلى أن لا يكون الواجب الذي نشك أنَّه نفسيّ أو غيريّ ملازماً لذلك الوجوب النفسي على كلّ حال.
وتوضيحه: أنَّ المولى قد يأمر بالوضوء من دون أن يقيّده بالزوال، ونحن لا ندري كونه وجوباً نفسيّاً أو غيريّاً، فيمكن إثبات النفسيّة بالإطلاق الأحوالي كما سبق. وأمّا إذا قال المولى: (توضّأ إذا زالت الشمس) بحيث كان وجوب الوضوء مقيّداً بقيدٍ ملازمٍ دائماً مع وجوب الصلاة فهذا الإطلاق بهذا التقريب لا يكون تامّاً؛ لأنَّه لا يوجد إطلاقٌ أحواليّ في الوجوب لكي نثبت أنَّه ثابتٌ على كلّ حال، سواءٌ زالت الشمس أو لا. إذن، هذا التقريب قاصرٌ في الجملة، فهو إنَّما يفيد في إثبات النفسيّة إذا فرض وجود إطلاقٍ أحواليّ لدليل الوضوء يشمل صورة فقدان وجوب الصلاة. وأمّا إذا لم يكن كذلك فلا يمكن إثبات النفسيّة به.
وقد يقال: إنَّ هذا الإطلاق وإن كان قاصراً عن إثبات النفسيّة في هذا الفرض، ولكن لا أثر لذلك. فإنَّه لو قال: (توضّأ) فهناك أثرٌ للنفسيّة وهو
ــــــــــ[228]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إثبات الوجوب حتّى قبل الزوال، وأمّا إذا قال: (إذا زالت الشمس فتوضّأ)، فماذا يهمّنا من كونه نفسيّاً أو غيريّاً، إذ على كلّ حال لا بُدَّ من الإتيان به عقلاً.
فإذا لاحظنا ما قبل الزوال لم يجب الوضوء، سواءٌ كان نفسيّاً أو غيريّاً؛ لأنَّ المولى قيّده بالزوال، وإذا لاحظنا حالة الزوال فيجب، سواءٌ كان نفسيّاً أو غيريّاً.
إلَّا أنَّ هذا الكلام غير صحيح، بل يبقى مع هذا أثر للنفسيّة، فإنَّه بناءً على اقتضاء الإطلاق للنفسيّة يثبت على المكلّف واجبان نفسيّان هما الوضوء والصلاة، بحيث لو تركهما معاً لعوقب بعقابين، بخلاف ما إذا قلنا إنَّ إطلاق الصيغة لا يقتضي النفسيّة هنا، فلا يثبت عليه ذلك، ولا بدَّ حينئذٍ من الرجوع إلى الأصول العمليّة.
أن نلحظ دليل (صلّ) لا دليل (توضّأ) ونتمسّك بإطلاق مادّته؛ لنفي قيدية الوضوء للصلاة، فيثبت بالالتزام أنَّ الوضوء ليس واجباً وجوباً قيديّاً غيرياً، بل هو واجب وجوباً نفسيّاً.
وهذا التقريب يتوقّف على افتراض عدّة أمور:
أوّلاً: أن يكون لذاك الواجب النفسي –الذي يحتمل كون الوضوء مقدّمةً له- دليلٌ على وجوبه، لا أنَّ وجوبه محتملٌ من ناحية نفس دليل (توضّأ)؛ فإنَّه في مثل ذلك لا معنى للرجوع إلى إطلاق المادّة في دليل (صلّ).
ثانياً: أن يكون الوجوب الغيري المحتمل وجوباً غيريّاً بملاك التقييد
ــــــــــ[229]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الشرعي، لا غيريّاً بملاك التوقّف التكويني الواقعي؛ فإنَّ المقدّمات على قسمين: مقدّمةٌ يتوقّف عليها الواجب تكويناً كنصب السلّم للكون على السطح والقيام للتعظيم، ومقدّمةٌ لم تكن مقدّمةً إلَّا لأخذها قيداً في الواجب كالوضوء للصلاة.
فهذا الواجب الملحوظ إذا كان وجوبه الغيري المحتمل بمعنى كونه قيداً شرعيّاً في الواجب الآخر، فيمكن حينئذٍ نفي هذه القيديّة بإطلاق المادّة للدليل الآخر، أمّا إذا كان توقّفاً تكوينيّاً فلا يمكن نفيه بإطلاق المادّة لدليل الواجب الآخر؛ لأنَّ هذا الإطلاق إنَّما ينفي أخذه قيداً من قبل الشارع لا أنَّه ينفي التوقّف التكويني. فلو قال: انصُبْ السلّم، لم يمكن الرجوع إلى إطلاق (كن على السطح)؛ لأنَّ نصب السلّم مقدّمةٌ تكوينيّةٌ لا شرعيّة.
ثالثاً: أن لا يكون هذا البيان المجمل المردّد بين النفسي والغيري متّصلاً بخطاب ذي المقدّمة، بل منفصلاً عنه؛ إذ لو كان متّصلاً وفرضنا كونه مجملاً فسوف يسري الإجمال إلى نفس خطاب (صلِّ) فيتعذّر التمسّك بإطلاق المادّة فيه.
فإذا تمّت هذه الأمور الثلاثة يصحّ هذا التقريب الثاني، وإلَّا فلا.
التمسّك بالإطلاق في دليل (توضّأ) بحيث تثبت النفسيّة بالدلالة المطابقيّة، بأن يقال: إنَّ النفسيّة والغيريّة خصوصيّتان في الوضوء. إحداهما: وجوديّة، وهي الغيريّة. والأخرى: عدميّة، وهي النفسيّة؛ لأنَّ الوجوب النفسي هو الوجوب الذي لم ينشأ من وجوبٍ آخر. والغيري هو الذي نشأ من وجوبٍ آخر.
ــــــــــ[230]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وكلّما دار الأمر في كلام الإنسان العرفي بين أن يكون المدلول متخصّصاً بالخصوصيّة الوجوديّة أو بالخصوصيّة العدميّة، يتعيّن حمله على العدميّة، ويكون عدم بيان الوجوديّة بياناً للخصوصيّة العدميّة؛ كما هو الحال في الإطلاق والتقييد، فإنَّ الإطلاق أمرٌ عدميّ، والتقييد أمرٌ وجوديّ، والعرف يرى أن الخصوصيّة الوجوديّة مؤونةٌ زائدةٌ، فيكون عدم بيان الخصوصيّة الوجوديّة -وهو التقييد- بياناً للخصوصيّة العدميّة وهي الإطلاق.
وهذا التقريب ينحلّ إلى كبرى وصغرى. فالكبرى هي: أنَّه كلّما دار الأمر بين خصوصيّتين: (وجوديّة وعدميّة) كان عدم بيان الوجوديّة بياناً للعدميّة، والصغرى: أنَّ النفسيّة خصوصيّةٌ عدميّةٌ، والغيريّة وجوديّة.
والنتيجة هي أنَّ الإطلاق يثبت النفسيّة.
وفي كلّ من الصغرى والكبرى إشكال.
أمّا الكبرى فإنَّها غير تامّة، ولا يتوهّم كونها هي نكتة إثبات الإطلاق بمقدّمات الحكمة في أسماء الأجناس، فإنَّ الأمر يدور بين الإطلاق والتقييد، وكلاهما مؤونة زائدة. إضافة إلى أنَّ مقدّمات الحكمة ليست وظيفتها إثبات الإطلاق اللحاظي في مقابل التقييد اللحاظي، بل وظيفتها تعيين الإطلاق الذاتي، فلا نجعل عدم بيان التقييد اللحاظي بياناً للإطلاق اللحاظي، بل عدم بيان التقييد اللحاظي دليلٌ على عدم أخذ الخصوصيّة أصلاً في الماهيّة.
نعم، هذه الكبرى صحيحةٌ بمقدار ما سوف نشير إليه بعد الحديث عن الصغرى.
ــــــــــ[231]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وأمّا الصغرى؛ فلأنَّ كلاً من النفسيّة والغيريّة أمران وجوديّان؛ فإنَّ الوجوب النفسي الذي يقع موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال ليس متقوّماً بمجرّد أن لا يكون ناشئاً من ملاكٍ في غيره، بل لا بُدَّ أن يكون ناشئاً من ملاكٍ في نفسه، فإنَّه بهذه الخصوصيّة يكون موضوعاً للعهدة عقلاً.
وهو ما يمكن أن يكون تعديلاً للتقريب الثالث من خلال إبدال الكبرى هناك بكبرى أخرى، وذلك بأن يقال: إنَّه كلّما دار أمر مقام الثبوت بين خصوصيّتين، وكان أمر مقام الإثبات أيضاً تابعاً لهاتين الخصوصيّتين، بمعنى: أنَّ كلّاً من الخصوصيّتين الثبوتيّتين كان يناسبهما خصوصيّةٌ بحسب الفهم العرفي في مقام الإثبات، فإن رأينا أنَّ مقام الإثبات والبيان كان واجداً لإحدى الخصوصيّتين الإثباتيّتين نستكشف بأصالة المطابقة أنَّ مقام الثبوت واجدٌ للخصوصيّة التي يناسبها ذلك.
وفي المطلق والمقيّد لو كان أمر مقام الثبوت دائراً بين الإطلاق اللحاظي والتقييد اللحاظي، فرفض القيد ثبوتاً يشابهه إثباتاً السكوت عن القيد، وأخذه ثبوتاً يشابهه إثباتاً ذكره.
وحينئذ نقول: إنَّ المولى لم يأخذ القيد إثباتاً، ومقتضى أصالة المطابقة بين المقامين أنَّه كما لم يؤخذ القيد إثباتاً كذلك لم يؤخذ لحاظاً بحسب مقام الثبوت، فالنكتة في أصالة الإطلاق هي أصالة التطابق بين مقام الإثبات والثبوت، وهي نكتة عرفيّة عقلائية.
ــــــــــ[231]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ولذا لا تجري هذه الكبرى في المثال الذي نقض به على الكبرى السابقة، وهو فيما إذا علمنا إجمالاً أنَّ العالم قد قُيّد إمّا بخصوصيّة العدالة أو بخصوصيّة عدم الفسق، فإنَّ مقام الإثبات لا يشابه كلا الخصوصيتين الثبوتيتين فإنَّ أخذ العدالة ثبوتاً يناسبه لفظها إثباتاً، وكذلك عدم الفسق، بخلاف تلك الكبرى، فإنَّه لا إشكال في أنَّ العرف لا يعيّن أحد التقييدين في مقابل الآخر، وهذا يكشف أنَّ النكتة لديه ليست مجرّد كون إحدى الخصوصيتين وجوديّةً وأخرى عدميّةً، بل مسألة التسانخ والتطابق بين مقام الثبوت ومقام الإثبات.
بناءً على هذا، يمكن أن يدّعى تطبيق هذه الكبرى في محلّ الكلام فيما إذا شكّ في واجبٍ أنَّه نفسيّ أو غيريّ، بأن يقال: إنَّ الوجوب النفسي والوجوب الغيري مختلفان ثبوتاً، فإنَّ الواجب النفسي ملحوظٌ بما هو هو بالمعنى الاسمي وبالأصالة، والواجب الغيري ملحوظٌ بالتبعية والحرفيّة، وما يناسب الأصالة في عالم اللحاظ هو الأصالة في عالم الإفادة والبيان، ويناسب التبعيّة ثبوتاً التبعيّة إثباتاً.
وهذا معناه: أنَّ المولى إذا قال ابتداءً: (توضّأ) ولم يجعله مربوطاً بالصلاة، فيقال: بأنَّ لحاظ المولى الإثباتي هو لحاظ استقلالي، ومقتضى التطابق بين مقام الإثبات والثبوت أن يكون الوجوب أيضاً ملحوظاً استقلالاً سنخ لحاظه إثباتاً.
ومن هنا لا ينبغي الاستشكال في أنَّه متى ما صدر من المولى بيانٌ لوجوب شيءٍ، فظاهره كونه واجباً نفسيّاً ولو لم يكن له إطلاقٌ أحواليّ، وأيضاً حتّى لو لم يكن للآخر (صلّ) إطلاقٌ أحواليّ أصلاً، ما لم يقترن بالبيان خصوصيّةٌ توجب التبعيّة أو توجب الإجمال.
ــــــــــ[233]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وتحقيق ذلك يختلف باختلاف المباني في حقيقة الوجوب التخييري، ونتكلّم على ثلاثة مبانٍ:
الذي يتوهم أنَّ الوجوب التخييري مرجعه إلى وجود وجوبين مشروطين وكلٌّ منهما مشروط بعدم حصول الآخر.
وحينئذٍ فمن الواضح أنَّ مقتضى الإطلاق هو التعيينيّة، ومرجع ذلك إلى التمسّك بالإطلاق الأحوالي في الهيئة، فإنَّه إن كان تخييرياً فلا بُدَّ أن يكون وجوب الإطعام مقيّداً بعدم عتق الرقبة، وإلَّا فلا، فمرجع الشكّ في التعيينيّة والتخييريّة في المقام إلى أنَّ وجوب الصوم –مثلاً- هل هو وجوبٌ مقيّدٌ بترك الأفراد مطلقاً أو لا؟ ومقتضى الإطلاق الأحوالي هو وجوب الصوم، أَعتَق أو لم يعتق، وهو يثبت التعيينيّة.
ــــــــــ[234]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 2: 232، نتائج الأفكار في الأصول 4: 209.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إنّ مرجع الوجوب التخييري إلى وجوبٍ واحدٍ متعلّقٍ بالجامع بينهما، وعليه يمكن تقريب التمسّك بالإطلاق لإفادة التعيينيّة بأحد تقريبين:
الأول: أنَّ ظاهر قوله (صُم) أو قوله (أطعِم) أنَّ الوجوب متعلّقٌ بالإطعام بعنوانه لا بعنوانٍ آخر منطبقٍ عليه؛ فإن كان وجوبه تعيينيّاً فهذا الظهور محفوظٌ، وإن كان وجوبه تخييريّاً فهو متعلّقٌ بالجامع، لا بهذا العنوان بالخصوص، وهذا خلاف ظاهر ارتباط مدلول الهيئة بمدلول المادّة.
الثاني: التمسّك بالإطلاق الأحوالي الذي ذكرناه على المبنى الأوّل، بناءً على أنَّ كلّ وجوبٍ مقيّدٌ بعدم الإتيان بمتعلّقه؛ فإنَّ ظاهر قوله: (أطعم) أنَّه يجب سواءٌ أعتقت أو لا، وهذا لا يناسب أن يكون الوجوب تخييريّاً؛ إذ لو كان تخييريّاً متعلّقاً بالجامع فلا يمكن شموله لفرض وجود العتق؛ لأنَّ الوجوب التخييري مرجعه إلى إيجاب الجامع، ولا معنى لأن يكون وجوب الجامع محفوظاً حتّى مع الإتيان بالفرد الآخر، على المبنى الذي أشرنا إليه.
أنَّ الوجوب التخييري سنخ طلبٍ مشوبٍ بجواز الترك إلى بدل، فهو مرتبةٌ متوسّطةٌ بين الوجوب التعييني والاستحباب.
ــــــــــ[235]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 140، محاضرات في أصول الفقه 4: 32.
(2) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 249.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وتوضيح ذلك: أنَّ المولى في جميع موارد الوجوب التعييني والتخييري والاستحباب لديه طلبٌ مطلقاً، لكنّ الطلب الاستحبابي طلبٌ مشوبٌ بجواز الترك المطلق. والطلب التعييني لا يرخص في ترك امتثاله، وأمّا الطلب التخييري فهو مرتبةٌ وسطى بين المرتبتين، فإنَّ المولى يرخّص في بعض أنحاء تركه وهو الترك إلى بدلٍ لا مطلقاً. إذن، الوجوب التخييري عبارةٌ عن وجوبٍ مطلقٍ مقترنٍ بجواز حصّةٍ من حصص الترك، ويأتي تحقيقه في محلّه.
فلو بنينا على ذلك تكون نسبة الوجوب التخييري إلى التعييني نسبة الاستحباب إلى الوجوب، فنفس البيانات السابقة لتوضيح انعقاد إطلاق الصيغة للوجوب تأتي في المقام لتعيين اقتضاءالصيغة للوجوب التعييني في مقابل التخييري. وقد قلنا سابقاً(1): بأنَّنا لو لم نلتزم بأنَّ صيغة (افعل) موضوعةٌ للوجوب، ولكنّها –مع ذلك- تدلّ عليه بالإطلاق، لما بيّناه من أنَّ مفاد صيغة (افعل) هو النسبة البعثيّة الإرساليّة، والنسبة الإرساليّة تكويناً مساوقةٌ للوصول والانبعاث، وبه يسدّ تمام أبواب العدم، فالإلقاء التشريعي بالصيغة يكون ظاهراً بكونه إلقاءً يسدّ به تمام أبواب العدم، وقد أثبتنا به الوجوب في مقابل الاستحباب، والآن نثبت به الوجوب التعييني في مقابل التخييري؛ لأنَّ الإلقاء التكويني حيث لا يسمح بأيّ حصّةٍ من حصص العدم فكذلك التشريعي، وهو معنى أنَّ الوجوب تعيينيّ.
ــــــــــ[236]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وتمام ما قلناه في الجهة الثانية يأتي في الجهة الثالثة وهي: ما إذا دار الأمر بين العينيّة والكفائية، والصحيح أنَّ مقتضى الإطلاق هو العينيّة.
ــــــــــ[237]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الأمر في مورد توهّم الحظر
ــــــــــ[239]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إذا ورد الأمر في مورد تخيّل الحرمة والحظر أو عقيبهما فلا يكون له ظهورٌ في الوجوب. نعم، وقع بينهم خلافٌ(1) في أنَّ له ظهورٌ في الإباحة أو في الحكم السابق على الحرمة أو لا؟
وقد ذكر السيّد الأستاذ(2): أن انسلاخ صيغة الأمر عن الظهور في الوجوب في هذه الحالة ثابتٌ على كلّ حالٍ سواءٌ قلنا بأنَّ دلالتها على الوجوب بحكم العقل أو بالإطلاق ومقدّمات الحكمة أو بالوضع، فإنَّه حتّى لو كانت بالوضع لا يبقى له ظهورٌ فعليّ بالوجوب، فإنَّه يدخل تحت كبرى احتمال قرينة المتّصل، فإنَّ مورديّته للحظر صالحةٌ لإجمال الصيغة، واتّصال الكلام بما يحتمل قرينيته يوجب الإجمال، بلا فرقٍ بين الظهور الوضعي وغيره.
ــــــــــ[241]ــــــــــ
(1) انظر: تلك الأقوال وموارد الاختلاف، هداية المسترشدين 1: 663، وبدائع الأفكار (العراقي): 239، تقريرات الشيرازي 2: 42.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 205،206، دراسات في علم الأصول 1: 212.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذا الكلام بهذا المقدار يمكن أن يعلّق عليه ويقال: إنَّه ما هي القرينة التي يحتمل قرينيّتها على الظهور؟ ولا يوجد في المقام إلَّا كون المورد من موارد توهّم الحظر. وهذا معنى احتمال كون المولى في مقام بيان الإباحة، واحتمال هذا الشيء كيف يبطل الظهور، ومتى كان الاحتمال يوجب الإجمال؟
ولكنّ تحقيق المطلب: أنَّ صيغة الأمر لها مدلولان: مدلولٌ تصوّريّ ومدلولٌ تصديقيّ، فالتصوّري عبارةٌ عن النسبة البعثيّة الإرساليّة، والمدلول التصديقي عبارةٌ عن الطلب، يعني: وجود إرادةٍ في نفس المولى فيكون طلباً مولويّاً للمادّة، والأمر في مورد توهّم الحظر لا يختلّ مدلوله التصوّري، وليس حاله حال كلمة (أسد) مع القرينة على المجاز، إذ تكون مستعملةً بمعناها المجازي لا الحقيقي. غاية الأمر أنَّ هناك مدلولين تصديقيين كلاً منهما يناسب مع النسبة الإرساليّة، يصلح أن يكون بداعي إرادة الشيء، فإنَّها تستلزم إلقاء الشخص عليه. ويناسب أن تكون بداعي كسر تحرّج الشخص، فإنَّ أفضل أسلوبٍ لكسر الشخص هو أن يؤخذ بيده ويُلقى على المادّة. فحين يقول: (صلِّ صلاة الليل) ينحصر المدلول التصديقي بإبراز الطلب والإرادة، لا كسر التحرّج؛ إذ لا حرج لديه، وأمَّا في مثل (اصطادوا) فلا يمكن أن تقول أنَّ المدلول التصديقي جزماً هو الإرادة، بل هو كسر التحرّج؛ باعتبار كونه مورداً لتوهّم الحظر، فهذه المورديّة ليست قرينةً في مرتبة المدلول التصوّري للفظ بل هي قرينةٌ توجب الإجمال في مرتبة المدلول التصديقي.
ــــــــــ[242]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ومن هنا يظهر أنَّ الخلاف في أنَّ الصيغة هل يكون له ظهورٌ في الإباحة أو لا، بلا موجب، فإنَّ مدلولها التصوّري، وهو النسبة الإرساليّة، لم يختلف. وهو كما يناسب مع كسر التحرّج، كذلك يناسب مع الإرادة والطلب.
فالصحيح: أنَّ الأمر في مورد توهم الحظر ليس له ظهورٌ في الوجوب، دون أن يكسب ظهوراً آخر من حكم غير الوجوب.
هناك قرينةٌ عامّةٌ تفيد في المقام وهي تتوقّف على بيان مقدّمتين:
المقدّمة الأولى: أنَّ احتمال القرينة المتّصلة كاحتمال قرينية المتّصل يوجب الإجمال.
فإنَّه إذا صدر من المتكلّم كلامٌ، فتارةً يحتمل فيه قرينيّة المتّصل، كما لو قال: (رأيت أسداً) ثم نطق بكلمةٍ أخرى لم نسمعها. وأخرى يفرض احتمال وجود القرينة المتّصلة، كما لو قال: (رأيت أسداً) ولا ندري أنَّه هل سكت أو قال: (يرمي). ففي احتمال قرينيّة المتّصل لا إشكال عند المشهور في إجمال الخطاب. وأمّا في الفرض الثاني فإنَّ المشهور في الكفاية(1) وما بعدها ذهبوا إلى عدم الإجمال به. لكنّنا حقّقنا في بحث الظواهر أنَّه أيضاً يوجب الإجمال. وفي المقام نأخذه أصلاً موضوعيّاً.
المقدّمة الثانية: أنَّ القرائن المتّصلة التي يحتمل وجودها على قسمين: تارةً
ــــــــــ[243]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 286، درر الفوائد: 516،، مصباح الأصول2: 120، نهاية الأفكار3: 344، نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 172.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
لفظيّة، وأخرى ارتكازيّة، فاللفظيّة كما لو احتمل وجود كلمة (يرمي)، وهو يوجب الإجمال، والارتكازية باعتبار أنَّ الارتكازات المتشرعيّة والعرفيّة تكون من القرائن التي تحفّ الكلام. واحتمال وجود قرينةٍ لبيّةٍ ارتكازيّةٍ يوجب الإجمال أيضاً.
فإذا اتّضحت المقدّمتان يُقال: إذا وردت صيغة (افعل) في روايةٍ واحتملنا أنَّها كانت مقترنةً بقرينةٍ متّصلةٍ لفظيّةٍ توجب صرفها عن ظهورها في الوجوب إلى الاستحباب، فإنَّ ذلك يوجب إجمال الصيغة وسقوط ظهورها في الوجوب، ولكنّ هذا الاحتمال له ما ينفيه وهو شهادة الراوي، فإنّ ظاهره أنَّه ينقل تمام الواقعة بكلّ خصائصها الدخيلة في فهم المعنى، فلو كانت هناك كلمةٌ أخرى وقرينةٌ لفظيّةٌ لنقلها. فزرارة له شهادتان: أنَّ ما نقلته هو ما قاله الإمام، وما لم أنقله لم يقله الإمام، فننفي بمقتضى هذه الشهادة احتمال القرينة المتّصلة اللفظيّة، ولا نبتلى بالإجمال.
ولكن إذا احتملنا القرينة اللبيّة فلا نافي لهذا الاحتمال؛ لأنَّ ظاهر الراوي هو نقل الملابسات الشخصيّة واللفظيّة، لا نقل الارتكازات الكلّية الموجودة في الأذهان العرفيّة والمتشرعيّة. فعدم نقله للارتكاز لا يكون شهادةً بعدمه. فاحتمال وجود القرينة اللبيّة لا دافع له، فمتى ما وجد هذا الاحتمال فإنَّ صيغة (افعل) تكون مجملةً.
ولتنقيح الصغرى نتساءل: متى يكون هذا الاحتمال –احتمال أن يكون صدور صيغة افعل قد اقترن بجوٍّ ارتكازيّ- مانعاً من انعقاد ظهور صيغة الأمر في الوجوب؟
ــــــــــ[244]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
والمراد منه: الاحتمال العقلائي المعتدّ به، لا الاحتمال بعرضه العريض من باب (ما قرع سمعك فدعه في ساحة الإمكان)، فإنَّ مثل هذا الاحتمال لا يوجب الإجمال عند العقلاء، وإنّما هو الاحتمال العقلائي، فمتى يحصل هذا الاحتمال عند الفقيه؟
هناك ميزانٌ عامّ لحصول الاحتمال –لا على سبيل الحصر-: وهو ما إذا وردت (افعل) تأمر بفعل وكان المتطابق عليه بين علماء الإماميّة هو عدم الوجوب إلَّا بقولٍ شاذّ. وهذا الجوّ العامّ للفتوى لا نريد أن نستدلّ به كإجماع، بل نريد أن نجعله كاشفاً احتماليّاً عن وجود ارتكازٍ في زمان أصحاب الأئمّة على عدم الوجوب. وهذا بخلاف ما لو كانت المسألة خلافيّةً، فإنَّه لا توجد حينئذٍ قرينةٌ على وجود هذا الارتكاز؛ إذ كيف يوجد الارتكاز على عدم الوجوب في عصر الأئمّة ثُمَّ حصل الخلاف في بدايات عصر الفتوى؟!
وإذا جاء هذا الاحتمال –أي: الارتكاز- أوجب الإجمال؛ لأنَّه يصير من احتمال القرينة المتّصلة.
وبناءً على هذه النكتة الكليّة استطعنا أن نتخلّص من جملةٍ من الأوامر التي لا قرينة لفظيّة معها على الاستحباب كغسل الجمعة وغيره، ذلك الذي أوجب اختلافاً كبيراً بين الفقهاء. نعم، توجد شهرةٌ فتوائيّةٌ كبيرةٌ على عدم الوجوب، فمن كان يرى حجيّة الشهرة والإجماع المنقول، يرفع به يده عن ظهور الصيغة في الوجوب، وأمّا من لا يرى ذلك فماذا يصنع في المقام؟! وعلاجه هو تطبيق هذه النكتة.
ــــــــــ[245]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
دلالة الأمر على المرّة أو التكرار
ــــــــــ[247]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الكلام في دلالة الأمر على المرّة أو التكرار يقع في مقامين:
الأوّل: في تشخيص دلالة الأمر على ذلك بلحاظ المدلول الوضعي لصيغة الأمر.
الثاني: أنَّه بعد افتراض أنَّ كلّ واحدٍ من المرّة والتكرار ليس داخلاً في المدلول الوضعي لهذه الكلمة، وإنَّما مدلولها هو ذات الطبيعة، يقع الكلام عن اقتضاء الأمر للدلالة على ذلك بمقتضى الإطلاق.
الظاهر عدم اقتضائها لأيٍّ منهما؛ لأنَّ المتفاهم عرفاً من هذه الكلمة يناسب مع المرّة والتكرار، فإنّ هيئة (افعل) تدلّ على النسبة الإرساليّة، ومادّتها تدل على الطبيعة من دون أخذ قيد المرّة أو التكرار فيها.
وهناك مؤيدان لهذا الكلام:
أحدهما: لو كان التكرار –مثلاً- مأخوذاً إمّا في طرف الهيئة أو في طرف المادّة للزم أن يكون استعمال صيغة (افعل) المقترنة بما يدلّ على المرّة استعمالاً
ــــــــــ[249]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
مجازيّاً؛ لأنَّ فيه تجريداً للهيئة أو المادّة عن التكرار، مع أنَّ الوجدان العرفي قاضٍ بعدم وجود العناية.
ثانيهما: أنَّ التكرار لو كان مأخوذاً في كلمة (اغسل) أو (صلّ)، فهو إمّا أن يكون مأخوذاً في مدلول هيئة الصيغة أو في مادّتها، لأنّنا قد فرغنا أنَّه لا يوجد وضعٌ للمجموع المركّب من الهيئة والمادّة.
أمّا أخذه في مدلول الهيئة، فمعناه دلالتها على طلب المتكرّر لا الطلب المتكرّر، يعني: أنَّ التكرار مرادٌ في المتعلّق لا في الطلب نفسه، فإنّنا لا نريد طلبين على مادّة واحدة، بل نريد فردين من مادّةٍ واحدةٍ. وهذا له لازمٌ غريبٌ، وهو أن يكون طرف النسبة مأخوذاً في مدلول الحرف أيضاً، فإنَّ الهيئة تدلّ على النسبة الإرساليّة، وأمّا ما أرسل نحوه فهو مستفادٌ من دالٍّ آخر على نحو تعدّد الدال والمدلول، لا أنَّ الحرف يدلّ بنفسه على النسبة وعلى طرفها. فالقول بأنَّ هيئة (افعل) دالّةٌ على طلب المتكرّر بحيث تدلّ على الطلب بما هو معنىً حرفيّ ونسبةٌ إرساليّةٌ وعلى طرفه، وهو الأفراد المتكرّرة من مدلول المادّة.
وأمّا أخذ التكرار في مدلول المادّة بمعنى: أنَّ هيئة (افعل) تدلّ على ذات النسبة الإرساليّة ولم يؤخذ فيها طرفها ولكن المادّة وهي (الغسل) في (اغسل) تدلّ على تكرار الأفراد المتعدّدة لهذه الطبيعة، فهذا أيضاً له لازمٌ غريبٌ؛ بناءً على ما هو المعروف: من أنَّ المادّة السارية في كلِّ المشتقّات بما فيها هيئة المصدر موضوعةٌ بوضعٍ نوعيٍّ واحد، لا أنَّها موضوعةٌ في كلّ هيئةٍ بوضعٍ على حدةٍ،
ــــــــــ[250]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فلو كان التكرار داخلاً في مدلول المادّة في (افعل) للزم أن يكون داخلاً في المصدر وغيره من المشتقّات، مع أنَّه لا إشكال عندهم أنَّ المصدر لا يدلّ إلَّا على ذات الطبيعة(1). وهو لازمٌ غريبٌ.
وعليه فمن الواضح أنَّ هذه الخصوصيّات –المرّة والتكرار- غير مأخوذةٍ وضعاً لا في الهيئة ولا المادّة، وإنّما تدل الصيغة على طلب الطبيعة.
ــــــــــ[251]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه2: 207، 208.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بعد فرض خروج هاتين الخصوصيتين عن المدلول الوضعي، فما هو المدلول الإطلاقي للصيغة، وهل تقتضي المرّة أو التكرار، أو ليس لذلك ضابطٌ نوعيّ كما قالوا(1)؟
الصحيح: أنَّ هناك ضابطاً نوعياً لذلك لا ترفع اليد عنه إلَّا بقاعدة حاكمةٍ عليه. وحاصلها: أنَّ مقتضى الأمر بلحاظ المتعلّق هو عدم التكرار –أي: عدم الانحلال وعدم التعدّد- وبلحاظ الموضوع أو متعلّق المتعلّق هو التكرار وتعدّد الحكم.
فحين يقال: أكرم العالم، فمتعلّقه الإكرام وموضوعه العالم، وهذا الطلب إذا لوحظ بالنسبة إلى العالم فهو يقتضي التكرار، أي: الانحلال وتكثّر الحكم بتكثّر العلماء، فهناك طلباتٌ عديدةٌ انحلاليّة، فلا يكفي في الامتثال أن نكرم عالماً واحداً. وأمّا من ناحية المتعلّق فزيد العالم هل يجب أن نكرمه بإكراماتٍ
ــــــــــ[252]ــــــــــ
(1) انظر: الفصول الغرويّة: 71، حقائق الأصول1: 182، وقد ذكر صاحب المحاضرات ما لفظه: (أن هذا النزاع لا يقوم على أساس صحيح وواقع موضوعي)، انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 15.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
متعدّدةٍ؟ الطلب هنا لا يقتضي التكرار، ولا يكون انحلاليّاً ومتكثراً، بل يقتضي الاكتفاء بالمرّة الواحدة.
وهذا الفهم لا إشكال في أنَّه مطابقٌ للفهم العرفي، إلَّا أنَّ المهمّ هو تفسير هذا الفهم وتخريجه.
وليس الوجه في تفسيره وتخريجه هو دعوى(1) أنَّ الإطلاق ومقدّمات الحكمة يجري في المتعلّقات بنحوٍ يثبت الإطلاق البدلي ويجري في الموضوعات بنحوٍ يثبت الإطلاق الشمولي، حتّى يقال: كيف اختلفت نتيجة مقدّمات الحكمة؟! فإنَّ الصحيح أنَّ الشموليّة والبدليّة بمعنى تعدّد الحكم في الموضوع وعدمه في المتعلّق، كلاهما أجنبيٌّ عن مقدّمات الحكمة، فإنّ مقدّمات الحكمة لها وظيفةٌ واحدةٌ تؤدّيها في كلا المقامين على وتيرةٍ واحدةٍ. وهذه الوظيفة هي أنَّ الطبيعة لوحظت بنفسها بلا قيدٍ، فمقدّمات الحكمة تثبت خلوّ الطبيعة في عالم اللحاظ التشريعي للمولى عن القيود والضمائم، وأنَّ العالم والإكرام ليس فيهما قيدٌ زائدٌ، وإلى هنا تسكت مقدّمات الحكمة.
وبعد أن نثبت ذلك نستفيد الانحلال والتعدّد في جانب الموضوع وعدمه في جانب المتعلّق، ببيان: أنَّ هذا الوجوب له معروضٌ بالذات مقوّمٌ له في أفق نفس الجعل، وهو صورة الإكرام متعلّقاً وصورة العالم موضوعاً، وإذا لاحظنا عالم الجعل فلا نجد إلَّا جعلاً واحداً أو وجوباً واحداً، ولا توجد وجوباتٌ متعدّدةٌ لا بلحاظ المتعلّق ولا بلحاظ الموضوع.
ــــــــــ[253]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه2: 208.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إلَّا أنَّ هذه الصور الذهنيّة المقوّمة للجعل إنَّما أخذت بما هي فانيةٌ في الوجود الخارجي ومرآةٌ له، ومعه ننتقل إلى المفني فيه أو المعروض بالعرض وهو عالم المجعول، فنرى أنَّ صورة العالم لم تؤخذ بما هي صورةٌ ذهنيّةٌ، بل بما هي مرآةٌ عن الوجود الخارجي، ومن هنا يمكن تطبيقها على الوجود الخارجي، وعند تطبيقها على وجودٍ لَحِقها المحمول أيضاً، ونحن نرى أنَّ العالم له وجودٌ متكثّرٌ في الخارج في المرتبة السابقة عن وجوب الإكرام، فالصورة تنطبق على هذا وعلى ذاك من العلماء، فيتبعها المحمول وهو وجوب الإكرام. ومن هنا تثبت عندنا أحكامٌ متعدّدةٌ، وهي أحكامٌ انحلاليّةٌ، بمعنى: أنَّه في عالم الجعل ليس هناك إلَّا جعلٌ واحدٌ، وإنّما تكثّرت بالإضافة إلى الأمور الخارجيّة.
وأمّا بلحاظ المتعلّق وهو الإكرام، فهو وإن وقع مرآةً للخارج، إلَّا أنَّه في المرتبة السابقة على الوجوب لا توجد إكراماتٌ متعدّدةٌ ليجعل في تعدّد تطبيقها وجوباتٌ متعدّدةٌ؛ لأنَّ الإكرام في طول الوجوب ومن تبعاته، لا في المرتبة السابقة عليه، فلا يعقل أن يكون هذا منشأً لتعدّد الوجوب، فلا يبقى إلَّا الوجوب الواقف على الطبيعة.
وهذه قاعدةٌ عامّةٌ في المتعلّقات والموضوعات في باب الأوامر، وهي كما تشمل الأوامر تشمل النواهي أيضاً، فإنّ تعدّد الحكم زجراً وتحريماً كتعدّد الأمر والطلب تحريكاً وبعثاً. فبلحاظ الموضوع يكون عندنا تحريماتٌ متعدّدةٌ وبلحاظ المتعلّق تحريمٌ واحدٌ.
نعم، تختلف الأوامر عن النواهي في شيءٍ واحدٍ، وهو أنّا لو فرضنا أنَّ أمراً أو نهياً ليس له موضوع، كقم ولا تقم، وكلاهما لا يقتضي تعدّد الحكم لا إيجاباً
ــــــــــ[254]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ولا سلباً، لكنّ هذين الحكمين يختلفان في طريقة امتثالهما على ما أشار إليه صاحب الكفاية(1) في النواهي من أنَّ الإيجاب الواحد للطبيعة يُكتفى فيه بفردٍ واحدٍ، والنهي عنها لا يكتفي فيه بذلك؛ لأنَّ الطبيعة توجد بفردٍ واحدٍ ولا تنعدم إلَّا بانعدام تمام أفرادها، وانعدام الطبيعة بانعدام تمام أفرادها، وهو غير تعدّد الحكم الذي قلناه.
اتّضح ممّا ذكرناه عدّة أمور:
الأمر الأوّل: الجواب على الإشكال الذي أشرنا إليه، فإنَّه قد يستشكل ويقال: كيف أنَّ الحكم بلحاظ موضوعه يكون انحلاليّاً بخلافه بلحاظ متعلّقه، مع أنَّ الملاك فيهما معاً هو مقدّمات الحكمة، وهي واحدةٌ فيهما؟!
فقد تبيّن أنَّ تعدّد الحكم في الموضوع وعدم تعدّده في طرف المتعلّق ليس من شؤون الإطلاق ومقدّمات الحكمة.
وهذا يوضّح: أنَّ التعدّد وعدمه إنّما هو في عالم التطبيق والفعليّة، وما هو مدلول الخطاب إنَّما هو عالم الجعل، فإنّ كلام المولى ناظرٌ إلى الجعل(2) لا ناظراً إلى عالم المجعول، ومقدّمات الحكمة إنَّما هي دخيلةٌ في تشخيص مرتبة كلام المولى الذي هو عالم الجعل، فلا ربط بين مقدّمات الحكمة وبين التعدّد وعدمه في الموضوعات والمتعلّقات.
ــــــــــ[255]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأصول: 149.
(2) وبلحاظ عالم الجعل لا تعدّد أصلاً، لا في الموضوع ولا في المتعلّق. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الأمر الثاني: الفرق بين هذه الشموليّة وعدمها في الحكم، وبين الشموليّة والبدليّة في باب العمومات، فإنّنا قلنا هنا: إنَّ (إكرام العالم) شموليّ بالنسبة إلى العالم وبدليّ بالنسبة إلى الإكرام، وهذه الشموليّة تختلف عن الشموليّة والبدليّة المستفادة من العموم الوضعي، فإنَّه في باب العموم يوجد عندنا عمومٌ بدليّ وعمومٌ شموليّ، فمرّةً يقول: أكرمه بكلّ الإكرامات أو: أكرم كلّ عالم، أو يقول: أكرمه بأيّ الإكرامات، و: أكرم أيّما عالم.
ففي (أكرم كلّ عالم) أو (كلّ إكرام) عمومٌ شموليّ يقتضي تكثّر المتعلّق أو الموضوع، وفي المثالين الآخرين يقتضي البدليّة وثبوت فردٍ واحدٍ لا أكثر.
والفرق بين ذلك وبين باب الإطلاق هو: أنَّ الشموليّة والبدليّة في باب العموم ثابتةٌ بالدلالة اللفظيّة؛ لأنَّها ملحوظةٌ للمولى؛ فإنَّه لا يرى الطبيعة بما هي، بل يرى الأفراد ولو بصورةٍ إجماليّةٍ، ويجعل الوجوب عليها: مرّةً على جميعها، ومرّةً على البدل، بخلافه في الإطلاق؛ فإنّ لحاظ المولى لطبيعة المتعلّق وطبيعة الموضوع على حدٍّ واحد، وإنّما كانت الشموليّة والبدليّة بلحاظ التطبيق والفعليّة.
ومن هنا صحّ أن يُقال: إنَّ الشموليّة والبدليّة على قسمين:
أحدهما: ما يكون أجنبيّاً عن عالم لحاظ المولى، بحيث يكون سنخ لحاظ المولى سنخاً واحداً فيهما، وإنَّما الشموليّة والبدليّة من شؤون عالم التطبيق.
والآخر: أن تكون الشموليّة والبدليّة منتزعتين من نكتتين من خطاب المولى بحيث يكون سنخ لحاظ المولى هنا غير سنخ لحاظه هناك.
ــــــــــ[256]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الأمر الثالث: أنَّ النهي كالأمر في جهة، ويختلف عنه في جهةٍ أخرى، فإنَّه كالأمر في قاعدة أنَّ الحكم بلحاظ المتعلّق يكون واحداً وبلحاظ الموضوع يكون متعدّداً ما لم تقم قرينةٌ على الخلاف، فـ (لا تكرم الفاسق) له عمومٌ بدليٌّ في الإكرام وشموليٌّ في الفاسق، فبلحاظ طبع القضيّة هناك تحريمٌ واحدٌ للإكرام وتحريماتٌ متعدّدةٌ للفسّاق، ومعناه: أنَّه لو عصى وأكرمه مرّةً تسقط الحرمة.
ومورد اختلاف النهي عن الأمر: فمع أنَّ الوجوب بلحاظ المتعلّق وجوبٌ واحدٌ والحرمة بلحاظ المتعلّق حرمةٌ واحدةٌ، لكن في مقام الامتثال يكتفى بامتثال الوجوب بفردٍ واحدٍ؛ لأنَّ الطبيعة توجد بوجودٍ واحدٍ من أفرادها، ولا يكتفى في النهي إلَّا بترك جميع الأفراد؛ لأنَّ الطبيعة لا تنعدم إلَّا بانعدام تمام أفرادها.
وهذا الفرق غير مربوطٍ بمقام اللفظ ومقدّمات الحكمة.
الأمر الرابع: أنّنا قلنا إنَّ مقتضى القاعدة في باب الأمر والنهي هو التعدّد بلحاظ الموضوع والوحدة بلحاظ المتعلّق، لكن هذا إنّما يكون إذا لم تكن قرينةٌ على خلافها، فإن كانت قرينةٌ على التعدّد بلحاظ المتعلّق أو عدم التعدّد في الموضوع، أُخذ بها، وكانت حاكمةً على القاعدة الأوّليّة، ولأجل توضيح القرينة الحاكمة، نذكر نموذجين:
النموذج الأوّل: ما إذا حصل التنوين في موضوع الحكم، فإنَّه تارةً نقول: أكرم العالم وأخرى نقول: أكرم عالماً. ففي الأوّل يتعدّد الحكم بلحاظ الموضوع طبقاً للقاعدة، بخلافه في الثاني، فإنَّ التنوين مرجعه إلى أخذ قيد الوحدة فيه، وبعد أخذ قيد الوحدة يستحيل أن يتكثّر تطبيقه على فردين في عرضٍ واحدٍ؛
ــــــــــ[257]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
لأنَّه خلف قيد الوحدة، وإذا امتنع تطبيقه على الخارج امتنع تعدّد الحكم.
النموذج الثاني: أن توجد قرينةٌ في نفس الدليل تدلّ على تعدّد الحكم بلحاظ المتعلّق، وهذه القرينة توجد عموماً في النواهي، ففي قولنا لا تكرم زيداً، قلنا: إنَّ مقتضى القاعدة وجود حكمٍ واحدٍ، بحيث لو عصى وأكرمه لا يكون هناك حكمٌ آخر، ولكن هناك قرينةٌ توجب تعدّد الحكم.
الأمر الخامس: بيّنا فيما سبق أنَّ مقتضى القاعدة بالنسبة إلى المتعلّقات عدم التعدّد وبالنسبة إلى الموضوعات –أي متعلّقات المتعلّقات- هو الانحلال وتكثّر الأحكام بتكثّر أفراد الموضوع.
ومن هنا يعلم أنَّ هذا الانحلال لا نريد به كلّ ما يكون متعلّقاً للمتعلّق كيفما اتّفق، بل ما يكون موضوعاً للقضيّة، فإنَّ متعلّق المتعلّق قد لا يكون موضوعاً لها، فلو قيل أكرم العالم في المسجد فالمسجد يمكن أن نسمّيه بمتعلّق المتعلّق، وما ذكرناه من الانحلال ثابتٌ للموضوع من قبيل العالم لا من قبيل المسجد من الملابسات.
ولهذا لو قيل: (تيمَّم بالتراب) فلا يستفاد منه وجوب التيمّم بكلّ تراب، كما يستفاد الانحلال في (عالم)، والنكتة في ذلك هي أنَّ الفرق بين الموضوعات والمتعلّقات هو أنَّ القضيّة بالنسبة إلى الموضوع تنحلّ إلى قضيّةٍ شرطيّةٍ مفروضة الموضوع، يعني: إذا وجد عالمٌ فأكرمه، ولا يستفاد منه أنَّه يجب إيجاد العالم، وهذا هو الذي أوجب الانحلال؛ لأنَّ فعليّة الجزاء تابعةٌ لفعليّة الشرط، فلو وجد للشرط فعليّاتٌ ومصاديق متعدّدةٌ، يوجد للجزاء فعليّاتٌ متعدّدةٌ أيضاً.
ــــــــــ[258]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذه النكتة تأتي في الموضوع الحقيقي لا في مثل (تيمَّم بالتراب)؛ لأنَّه لا يفهم منها أنَّ التراب أُخذ مفروغاً عنه، ولا ينحلّ الدليل (إذا وجد ترابٌ فتيمّم به) أو (إذا وجد ماءٌ فاغتسل به)، ولذا يجب إيجاده مع الإمكان عند عدم وجوده، فإنَّه مقدّمةُ وجودٍ لا مقدّمة وجوب. ومن هنا لا يفهم العرف الانحلال منه كما يفهم من (أكرم العالم).
الأمر السادس: أنَّنا بيّنا أنَّ الأمر والنهي على مقتضى القاعدة لو لوحظا على متعلّقيهما فلا تعدّد في الحكم. نعم، التزمنا بالتعدّد في النواهي لقرينةٍ خاصّةٍ. ولو قطعنا النظر عن هذه القاعدة يكون حكماً واحداً، فإنّنا بيّنا أنَّه بالرغم من وحدة الحكم في الأمر والنهي معاً، إلَّا أنَّ بينهما فرقاً في اقتضائهما في مقام الامتثال، فإنَّه يكفي في امتثال الأمر الواحد إكرامٌ واحدٌ، وأمّا في امتثال النهي الواحد فلا يكفي إلَّا ترك كلّ الإكرامات؛ لأنَّ الأمر إيجادٌ للطبيعة والنهي إعدامٌ لها، والطبيعة توجد بفردٍ واحدٍ. ولا تنعدم إلَّا بانعدام كل أفرادها(1).
وهذا المطلب –وهو أنَّ الأمر بما أنَّه إيجادٌ فيكفي فيه إيجاد فردٍ واحدٍ، والنهي حيث إنَّه إعدامٌ فيتوقّف على انعدام سائر الأفراد- صار مورداً للإشكال عند جملةٍ من المتأخّرين(2)، حيث اعتقدوا أنَّه قائمٌ على مبنى في مسألةٍ فلسفيّة، وهو مبنىً غير صحيح، وقالوا: إنَّه لا يعقل ذلك، فإنَّه خلف التقابل بين الوجود والعدم.
ــــــــــ[259]ــــــــــ
(1) انظر: هداية المسترشدين3: 27، كفاية الأصول: 149، فوائد الأصول (النائيني) 1: 395.
(2) انظر: نهاية الدرايّة في شرح الكفاية 1: 475.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وتوضيح هذا الاعتراض يتوقّف على الإشارة الإجمالية إلى ذلك المبنى الفلسفي المدّعى ابتناء هذه المسألة عليه.
أمّا ذلك البحث الفلسفي، فهو البحث عن وجود الكلّي الطبيعي وعدم وجوده في الخارج، فقد اختلف الحكماء في ذلك، وعقدت لذلك مسألتان:
المسألة الأولى: أنَّ الكلّي الطبيعي موجودٌ في الخارج أو غير موجود أصلاً، وهو ذهنيٌّ محضٌ؟ ذهب مشهور الحكماء المتقدّمين(1) إلى أنَّه موجودٌ في الخارج واستدلوا عليه بقولهم: إنَّ الأفراد موجودةٌ في الخارج بلا إشكال، والكليّ الطبيعي عين هذه الأفراد، ولذا يصحّ أن يحمل عليها بالحمل الشايع الذي ملاكه الهوهوية. وعين ما هو موجودٌ في الخارج موجودٌ في الخارج.
أو قولوا: إنَّ الفرد مشتملٌ على الكلّي مع زيادةٍ، والفرد موجودٌ في الخارج. إذن، الكلّي الطبيعي موجودٌ في الخارج.
المسألة الثانية: أنَّهم بعد أن اتّفقوا على وجوده اختلفوا في نحو وجوده، وهو الخلاف المعروف بين الشيخ الرئيس والرجل الهمداني(2)، فكان الهمداني يَرى أنَّ الكلّي الطبيعي موجودٌ بوجودٍ واحدٍ عدديّ يتميّز عن الوجودات
ــــــــــ[260]ــــــــــ
(1) انظر: الحاشية على تهذيب المنطق: 250، رسائل الشجرة الإلهيّة: 92، تحرير القواعد المنطقيّة:170.
(2) صادف الشيخ الرئيس الهمداني في مدينة همدان، وقد أفرد الشيخ رسالة لردّه، انظر: رسالة بعض الأفاضل إلى علماء مدينة السلام، ضمن رسائل ابن سينا: 463-479.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الفرديّة بالسعة والشمول والعمق، وذهب ابن سينا وبقيّة الحكماء إلى أنَّ الطبيعي ليس له وجودٌ واحدٌ عدديّ في الخارج، بل له آلاف الوجودات بالآف الأفراد، فهو موجودٌ بحصصٍ كثيرةٍ في أفرادٍ كثيرة(1).
ومن هنا قالوا: إنَّ القول الأوّل معناه: أنَّ نسبة الكلّي إلى الأفراد نسبة الأب إلى الأبناء، والقول الثاني معناه: أنَّ نسبته نسبة الآباء إلى الأبناء. فما ذكرناه من أنَّ وجود الطبيعة بوجودٍ واحدٍ وعدمها بعدم كلّ أفرادها، يناسب قول الرجل الهمداني، فإذا قلنا: إنَّ الكلّي الطبيعي له وجودٌ واحدٌ عدديّ، يصحّ أن يُقال: إنَّ هذا الوجود الواحد للطبيعة يكفي فيه وجود فردٍ واحدٍ، لوضوح أنَّ الكلّي الطبيعي عين الفرد، فإذا وجد الفرد وجد الكلّي، ولا ينعدم إلَّا إذا انعدمت سائر الأفراد؛ إذ ما دام هناك فردٌ واحدٌ فالأب موجود، وهذا الأب لا يموت إلَّا إذا مات كلّ أبنائه.
وأمّا بناءً على القول الثاني المشهور من أنَّ الكلي الطبيعي له وجوداتٌ متعدّدةٌ بعدد الأفراد، أي: له عدة وجودات، وفي مقابل كلّ وجودٍ عدمٌ، فله وجوداتٌ وأعدامٌ متعدّدةٌ، فكما أنَّ الفرد الواحد يحقّق وجوداً للطبيعة كذلك العدم الواحد يحقّق عدماً للطبيعة، فكيف يتصوّر أنَّ الوجود للطبيعة يكفي فيه الواحد، وعدمها لا يكفي فيه إلَّا انعدام تمام الأفراد؟!
إذن، هذا المبنى مبنيٌّ على قول الرجل الهمداني، وهو باطل. فالمبنى باطل.
ــــــــــ[261]ــــــــــ
(1) انظر: النجاة: 10، رسائل ابن سينا: 463-467، شرح المنظومة (قسم الفلسفة): 99، بحوث في الأصول (الأصفهاني) 1: 104.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وللجواب عن ذلك نقول: إنَّ هذا في الحقيقة نشأ من الخلط بين التناقض الفلسفي في عالم الوجود الخارجي وبين التناقض المنطقي في عالم المفاهيم؛ فإنّ هذا النزاع بين الشيخ الرئيس والرجل الهمداني كان نزاعاً بلحاظ الوجود الخارجي، وهذا العالم أجنبيّ عن محلّ الكلام أصلاً؛ لأنَّ أمر المولى بالإكرام أو نهيه عنه لو كان يمكن تعلّقه ابتداءً بالخارج من دون توسيط المرايا الكاشفة لصحّ هذا الاعتراض؛ فإنَّه لا يوجد في الخارج طبيعةٌ تتحقّق بوجودٍ واحدٍ ولا تنعدم إلَّا بانعدام سائر الأفراد؛ إذ لا يوجد في الخارج إلَّا زيد وفي مقابله عدم نفسه، إلَّا إذا صدق ظنّ الرجل الهمداني.
إلَّا أنَّ الأمر والنهي يستحيل أن ينصبّ على الخارج ابتداءً؛ لأنَّه من وجودات عالم نفس المولى، وهو يتعلّق بمفهومٍ حاضرٍ في نفسه بما هو حاكٍ عن الخارج، فممّا ينصبّ عليه التكليف إنّما هو مفاهيم الوجود والعدم بما هي حاكيةٌ عن الخارج. يعني: أنَّ مصبّه هو الوجود العنواني والعدم العنواني، وفي عالم العناوين والمرايا، وفي عالم عقد القضايا الكلّي الطبيعي دائماً كلّي طبيعيّ همدانيّ؛ فإنَّ مفهوم وجود الصلاة، حيث إنَّه قابلٌ لأن يكون ما بإزائه أمورٌ كثيرةٌ في الخارج، فلو وجد شيءٌ ما بإزائه في الخارج، فهو موجود، ولو لم يوجد ما بإزائه شيءٌ فهو منعدمٌ لا محالة. ولا ربط لهذا في النزاع بين ابن سينا والرجل الهمداني، فإنَّ نظرهما إلى الوجود الخارجي لا إلى الوجود العنواني في عالم النفس.
والصحيح: أنَّ ما ذكرناه لا محيص عنه، وهو أنَّ الأمر حيث إنَّه إيجادٌ فيكفي فيه إيجاد فردٍ واحدٍ، والنهي حيث إنَّه إعدامٌ فيتوقّف على انعدام سائر الأفراد.
ــــــــــ[261]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
تعدّد الامتثال أو تبديله
ــــــــــ[262]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
– 1-
حكم الأفراد الطوليّة هو حكم الأفراد العرضيّة في النهي، سواءٌ على مقتضى القاعدة أو على مقتضى القرينة. فلو قال: لا تكذب، وكان له أفرادٌ عرضيّةٌ وطوليّةٌ وكان مقتضى القاعدة وحدة النهي، فهو لا يكون إلَّا باجتناب كلّ الأفراد الطوليّة والعرضيّة، وعلى القاعدة: كلّ كذبٍ له نهيٌ خاصٌّ به من الأفراد الطوليّة والعرضيّة.
وأمّا في الأوامر فمقتضى القاعدة عدم الانحلال بالنسبة إلى الموضوع والمتعلّق، فيحصل الامتثال بالفرد الواحد كما قلنا.
إلَّا أنَّه كما يحصل امتثالها بفردٍ واحدٍ يحصل أيضاً بمجموع الفردين العرضيّين، كما لو قال تصدَّق بدرهم، فتصدّق بدرهمين؛ لأنَّ الطبيعة لم يؤخذ فيها قيد الوحدة، فيكون الامتثال حاصلاً في كلا الحالين.
وأمّا في الأفراد الطوليّة فهل يمكن أن يقال ذلك، فلو تصدّق بصدقتين في زمانين، يحصل الامتثال بمجموعها؛ لأنَّ الطبيعة تنطبق على الأفراد الطوليّة كانطباقها على العرضيّة؟
ــــــــــ[265]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الصحيح: استحالة ذلك، فإنّ الفردين العرضيّين يكونان طرفين للتخيير، بخلاف الطوليّين، بمعنى: أنَّ الواجب لا ينطبق على مجموع الفردين الطوليّين وإن كان ينطبق على مجموع الفردين العرضيّين؛ لأنَّ التخيير إمّا عقليّ أو شرعيّ، والتخيير العقلي مرجعه إلى تعلّق الوجوب بالجامع بمعنى: تعلّقه بذات الطبيعة والعقل حاكمٌ بتطبيقها على الأفراد، وهذا التخيير موجودٌ في الأفراد العرضيّة؛ لأنَّ الوحدة والاثنينيّة غير دخيلتين في غرض المولى، فالصدقة الواحدة والصدقتان يحصل الامتثال بأيّهما، ولكن في الفردين الطوليين لا يمكن للعقل أن يقول بالتخيير؛ لوضوح أنَّه بالإتيان بالدفعة الأولى يحصل الامتثال ويسقط الأمر، ومعه يستحيل أن تكون الثانية دخيلةً في الامتثال وجزءاً منه، ومعه يكون مستحيلاً دخل الدفعتين في الدفعة، بخلاف دخل المرّتين في المرّة، وهذا ضيق من ناحية الوجوب لا من ناحية الواجب، فإنّ الوجوب يكون ساقطاً وأمّا الواجب فهو الطبيعة وهي تنطبق على الدفعة الثانية أيضاً.
وأمّا التخيير الشرعي بالنحو الذي تصوّره صاحب الكفاية(1) في التخيير بين الأقلّ والأكثر، فيمكن أن يخيّر المولى بين الدفعة الأولى بشرط لا من حيث الدفعة الثانية وبين الدفعتين. إلَّا أنَّ هذا لا يفي به الخطاب، بل يحتاج إلى لسانٍ مخصوص.
فالصحيح: أنَّ الوجوب بلحاظ الأفراد الطوليّة لا يكون منبسطاً عليها بلحاظ الامتثال.
ــــــــــ[266]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأصول: 141، 142.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
– 2 –
ومن هنا ندخل في بحثٍ آخر، وهو أنَّه هل يمكن تبديل الامتثال في الأفراد الطوليّة أو لا، فإنَّ الامتثال بعد أن تحقّق في الفرد الأوّل فهل يمكن للعبد أن يأتي بالفرد الثاني ليكون امتثالاً بدلاً عن الأوّل؟
ذهب صاحب الكفاية(1) إلى التفصيل في ذلك فذكر أنَّ الغرض من الأمر تارةً تكون نسبته إلى المتعلّق نسبة المعلول إلى العلّة، وحينئذٍ فبإتيان المتعلّق يسقط الغرض وبه يسقط الأمر، ومعه لا معنى لتبديل الامتثال، إذ لا يبقى أمرٌ حتى يُمتثل.
وأخرى تكون نسبته نسبة المقتضى إلى المقتضي، كما لو قال: أئتني بالماء، فلو جاء به لا يرتفع به العطش، فيبقى الغرض فيبقى الأمر فيمكن تبديل الامتثال.
وقد ناقش في ذلك جملةٌ من المحقّقين المتأخّرين(2)، وقبل التعرّض إلى ذلك
ــــــــــ[267]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 79.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه1: 209، دراسات في علم الأصول1: 214، نهاية الدرايّة في شرح الكفاية 1: 241، 242.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يجب الإشارة إلى أنَّ هناك فرضاً خارجاً عن محلّ النزاع، وهو ما إذا كان الواجب مشروطاً –بنحو الشرط المتأخّر- بشرطٍ أخلّ به المكلّف، فإنَّه ليس من تبديل الامتثال بل من باب هدم الامتثال الأوّل، كما لو قال: إئتني بماءٍ وضعه في الغرفة إلى أن أئت إلى الغرفة، فسكب العبد الماء بعد أن جاء به، ووضع مكانه ماءً آخر، فهذا يكشف عن عدم كون الأوّل امتثالاً؛ لأنَّ امتثاليّة الأوّل مشروطةٌ بالبقاء، ولم يحصل شرطه.
واعترض على ذلك جماعةٌ كالمحقّق الأصفهاني(1) والسيّد الأستاذ(2): بأنَّ هذا التفصيل في باب الغرض غير معقول؛ إذ لا بُدَّ أن يفرض الغرض دائماً غرضاً مستوفًى بإحضار الماء، ونسبته إليه نسبة المعلول إلى العلّة، ولا يمكن أن يفرض أنَّ الغرض لا يستوفى بمتعلّق الأمر، وإلَّا لم يكن هو الغرض الداعي إلى الأمر. وأمّا ما يُرى في هذا المثال وأمثاله من أنَّ المولى لم يشرب الماء الذي أمره بالإتيان به، فإنَّه من جهة الخلط بين الغرض الأدنى والغرض الأقصى، فالأقصى للمولى هو رفع العطش، والأدنى له هو التمكّن من رفع العطش بلا زحمة، وهذا الأمر بإحضار الماء نشأ من الغرض الأدنى لا من الغرض الأقصى، ومن الواضح أنَّه قد استوفي في المقام. فإنَّه بمجرّد الإتيان بالماء قد حصل التمكّن من رفع العطش، وهو معلولٌ لإحضار الماء ولا يتخلّف عنه.
ــــــــــ[268]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدرايّة في شرح الكفاية 1: 241، 242.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 209، دراسات في علم الأصول 1: 214.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ما ذكره المحقّق الخراساني والمعترضون ممّا لا يمكن المساعدة عليه. فالصحيح: أنَّه لا يمكن تبديل الامتثال بالامتثال وفاقاً للمعترضين، كما أنَّه لا يجب أن يكون الغرض نسبته إلى المتعلّق نسبة المعلول إلى العلّة وفاقاً لصاحب الكفاية.
وفي مناقشة صاحب الكفاية نقول: بأنّنا نسلّم أنَّ الغرض تارةً تكون نسبته إلى المتعلّق نسبة المعلول إلى العلّة، وأخرى لا تكون كذلك، ولكن في كلتا الحالتين –بعد فرض أنَّ المكلّف قد أتى بكلّ ما تعلّق به التكليف- يستحيل تبديل الامتثال؛ لأنَّ ما ذكره من إمكان تبديل الامتثال في فرض كون الغرض مقتضياً لا علّةً تامّةً مبنيٌّ على الاعتقاد بأنَّ الأمر يبقى ببقاء غرضه. وقد سبق أن ذكرنا(1) في باب التعبّدي والتوصّلي: أنَّ الأمر ليس تابعاً في سقوطه لبقاء غرضه، وإنّما تابعٌ لتحريكه وبقاء فاعليّته.
وعليه، فإنّ الأمر إن بقي بعد صرف الوجود فلنا أن نسأل: أنَّ هذا الآمر ماذا يريد؟ هل يريد صرف الوجود القابل للانطباق حتّى على ما أوتي به، أو يريد تضييق متعلّق الأمر بنحوٍ لا ينطبق على ما أوتي به فعلاً، ويريد الإتيان بفردٍ آخر.
وكلاهما باطلٌ؛ أمّا الأوّل فهو تحصيلٌ للحاصل، وأمّا الثاني فهو غير معقول إلَّا بإيجاد أمرٍ جديدٍ؛ لأنَّ الأمر الأوّل قد سقط، وهو تابعٌ لجعله، والأمر قد جُعل على صرف الوجود، فلا تتغيّر أطرافه فلا يعقل بقاؤه، فإذا لم
ــــــــــ[269]ــــــــــ
(1) راجع: ص136.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يكن بقاؤه معقولاً فتبديل الامتثال غير جائز.
وفي مناقشة المعترضين نقول: نعم، الصحيح أنَّ الغرض من الأمر بإحضار الماء هو التمكّن من رفع العطش، ولكنّ هذا الغرض غرضٌ مقدّميّ لا غرض نفسيّ، وإنّما وقع في نفس المولى؛ لأنَّه مقدّمة لرفع العطش. وبناءً على المختار
–وفاقاً للسيّد الأستاذ(1) نفسه في بحث مقدّمة الواجب- من أنَّ الغرض يتعلّق بالحصّة الموصلة لا بمطلق الحصص، فالغرض يتعلّق بالتمكّن الذي يُرفع به العطش، فيكون الغرض المقدّمي مركّباً من جزئين أحدهما التمكّن والآخر حيثيّة الإيصال إلى ذي المقدّمة، فيكون التمكّن غرضاً مقدّميّاً ضمنيّاً، ومعه يستحيل استيفاؤه وحده؛ لأنَّ الغرض الضمنيّ لا يستوفى إلَّا في ضمن الغرض الاستقلالي.
فإن قيل: إنَّه بمجرّد الإتيان بالماء يحصل الغرض الضمنيّ بمقدار تعلّقه بالتمكّن.
قلنا: إنَّ هذا محالٌ؛ لأنَّ الضمنيّ لا يجعل إلَّا ضمن الاستقلالي.
وإن قيل: أنَّه يحصل بذلك كلّ الغرض المقدّمي.
قلنا: إنَّه خلاف الواقع.
ونفس هذه الفكرة يمكن أن تفرض في الأغراض النفسيّة أيضاً، بأن كان غرض المولى متعلّقاً بخصوصيتين: إحداهما تحت اختيار العبد وهي الصلاة، والأخرى ليست تحت اختيار العبد، فيأمر بالصلاة برجاء أن توجد الخصوصيّة
ــــــــــ[270]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 415،416.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الأخرى، فإذا أتى بها فقط فلا يتمّ استيفاء الغرض، وما لم تنضمّ الخصوصيّة الأخرى إلى الصلاة لا يكون الغرض مستوفىً مع أنَّ متعلّق الأمر قد أوتي به.
ولا يقال: إنَّه كيف أصبح متعلّق الأمر غير مطابقٍ مع متعلّق الغرض، مع أنَّه يجب أن يكون مطابقاً له؟
فجوابه: إنَّ هذا صحيحٌ لو أمكن للمولى أن يأمر بكلّ متعلّق الغرض. أمّا لو كان جزء متعلّقه أمراً غير اختياريّ فهو يجعل أمره متعلّقاً بالجزء الاختياري لا محالة، فلا يكون الإتيان بمتعلّق الأمر علّةً لاستيفاء الغرض.
بعد هذا يقع الكلام في تطبيق فقهيّ ادّعي أنَّه شاهدٌ على إمكان تبديل الامتثال بالامتثال. وهو ما دلّ على جواز إعادة الصلاة جماعة(1).
فقد ورد في بعض الروايات أنَّ الله تعالى يختار أحبّهما إليه، وفي بعضها أنَّه يجعلها الفريضة إن شاء. فلا بُدَّ من النظر إلى حال هذا التطبيق.
وهذه الروايات على ثلاث طوائف:
ما كان بلسان الأمر بالإعادة فقط، ومضمونها هو: صلّيت فوجدت جماعة فقال: أعد صلاتك معهم(2)، وهي ليس فيها أيّ ظهورٍ للتبديل، بل غايته
ــــــــــ[271]ــــــــــ
() انظر: روض الجنان 2: 989، كتاب الصلاة، شرائط إمام الجماعة، مدارك الأحكام 4: 341، كتاب الصلاة، الركن الرابع، مستند الشيعة 8: 168، كتاب الصلاة، في صلاة الجماعة.
(2) تهذيب الأحكام 3: 50، كتاب الصلاة، باب أحكام الجماعة، الحديث 175، وقد ورد في الأصل ما لفظه: “سألت أبا عبد الله عن الرجل يصلي الفريضة ثم يجد قوماً يصلون جماعة، أيجوز أن يعيد الصلاة معهم، قال: نعم“.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
جواز أن يصلّي رباعيّةً بعنوان صلاة الظهر، وأمّا أنَّها هي التي سوف تكون امتثالاً للأمر أو لا، فهذا لا يستفاد من الروايات.
ما دلّ على جواز الإعادة بلسان: ويجعلها الفريضة، ومنها: رواية هشام بن سالم عن أبي عبد الله أنَّه قال في الرجل يصلّي الصلاة وحده، ثم يجد جماعة قال: “يصلّي معهم ويجعلها الفريضة إن شاء”(1).
فقد يقال: إنَّ المراد أنَّه يجعلها المصداق الفعلي للواجب، وهذا هو تبديل الامتثال.
وهي رواية هشام بن سالم السابقة، فقد يجاب عن الاستدلال بها بعدّة وجوه:
الوجه الأول: أن المقصود من قوله: “ويجعلها الفريضة” التنبيه إلى أنَّه لا بأس بأن يصلّي مع الجماعة، لكنّه لا بُدَّ أن يقصد بها صلاةً فريضةً ولا يجوز جعلها تطوّعاً، فإنَّ المفروض أنَّه صلّى فريضة الوقت، فقوله: يصلًي معهم لا يتعيّن كونها فريضةً، بل لعلّه يصلّي معهم تطوّعاً، فدفع هذا الاحتمال بقوله: (ويجعلها الفريضة). ومعه لا يكون للعبارة ظهورٌ في جواز تبديل الامتثال بالامتثال.
ــــــــــ[272]ــــــــــ
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 384، باب الجماعة وفضلها، الحديث: 1130، الكافي 3: 379، كتاب الصلاة، باب الرجل يصلي وحده ثم يعيد في جماعة، الحديث: 1.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إلَّا أنَّ هذا الاحتمال خلاف ظاهر الرواية لأمرين:
الأوّل: أنَّه لم يقل: (ويجعلها فريضةً) وظاهر تعريفها باللام هو العهد والإشارة إلى صلاة الوقت التي فُرض الفراغ عنها.
الثاني: قوله: (إن شاء) فإنَّها إمّا أن نجعلها مربوطةً بكلا الجملتين وهما: (يصلّي معهم) و(ويجعلها الفريضة)، وفي مقابل ذلك أن لا يصلّي معهم، أو أن نجعلها قيداً للجملة الثانية فقط -وهي: (يجعلها فريضة)- وفي مقابله أن لا يجعلها الفريضة.
أمّا الاحتمال الأوّل وهو رجوع قوله: “إن شاء” إلى كلتا الجملتين، فهو خلاف ظاهر الرواية، لأنَّ ظاهر السؤال أنَّ هذا الذي وجد الجماعة يشاء بطبعه أن يصلّي مرّةً ثانيةً، وإلَّا فلا موجب لهذا السؤال.
وبتعبير آخر: أنَّ هذا السائل لم يكن يحتمل وجوب الإعادة، بل يسأل عن مشروعيّة الإعادة، وإرادة الإعادة على تقدير المشروعية مسلّمٌ من سياق العبارة، فيكون الاحتمال الأوّل خلاف الظاهر.
فيتعيّن الاحتمال الثاني وهو إرجاع القيد إلى قوله (ويجعلها الفريضة) وفي مقابله: أن لا يجعلها فريضةً إن شاء. ومعه فهذا لا يتلاءم مع هذا القصد من العبارة؛ لأنَّ من الواضح أنَّه لا يمكن أن يصلّي معهم ولا يجعلها فريضةً بل لا بُدَّ أن يجعلها فريضة؛ بخلاف ما لو فسّرنا الجملة بما فرضه المستدلّ –من جعلها الفريضة التي فرغ منها- بمعنى: أنَّه إن شاء جعلها نفس تلك الفريضة وفي مقابله أنَّه إن شاء جعلها فريضةً أخرى ولو قضاءً.
ــــــــــ[273]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الوجه الثاني: أنَّ المقصود من الإشاءة إشاءة إعادة فريضة الوقت التي فرغ منها، لكنّ عنوان الفريضة أُخذ مشيراً إلى ذات صلاة الظهر التي فرغ منها لا إلى كونها لا تزال فريضةً، فإنَّها وإن اكتسبت الاستحباب بالإعادة، لكنّها فرضٌ في نفسها، فلا تكون فيها دلالةٌ على جواز تبديل الامتثال بالامتثال.
إلَّا هذا الوجه غير تامّ؛ لأمرين:
الأول: أنَّ حمل العنوان على المعرفيّة المحضة في مقابل الموضوعيّة يحتاج إلى قرينة، فإنّ ظاهر العنوان هو الموضوعيّة لا المعرفيّة.
الثاني: لو فرض أنَّ العبارة كانت صريحة فقال: “ويجعلها صلاة الظهر“. مع هذا فهناك فارقٌ كبيرٌ بين لسان (ويجعلها صلاة الظهر) ولسان (أعد معهم صلاة الظهر)، فإنّ الثاني غايته أن يحصل عندنا صلاتان للظهر، فلعلّ الأولى واجبةٌ والثانية مستحبّة، فأين تبديل الامتثال بالامتثال. وأمّا في المقام فقال: (ويجعلها فريضة) بمعنى: (ويجعلها الظهر) أي: فليجعلها ذلك الفرد من صلاة الظهر وهو واجبٌ على أيّ حال. وهو معنى تبديل الواجب. كما أنَّ جملة (إن شاء) تخالف هنا الاحتمال.
الوجه الثالث: أن يُقال: إنَّ هذه الرواية لم ترد بلحاظ (ما بعد الصلاة) بل بلحاظ: (أثناء الصلاة) بقرينة قوله: (يصلّي الصلاة وحده) فجعله بالمضارع لا بالماضي، فيكون ظاهراً بحال تلبّسه بالصلاة، فكأنَّ المراد أنَّه في أثناء الصلاة المفردة أقيمت صلاة جماعة. وقد ورد أنَّ له أن يحوّل صلاته المفردة إلى النافلة ثُمَّ يصلّي معهم فريضةً، وله أن يستمرّ بصلاته الفريضة ويصلّي معهم قضاءً.
ــــــــــ[274]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فكأنَّ هذه الرواية تشير إلى ذلك.
هذا الاحتمال أردأ الاحتمالات ولا يشفع له الفعل المضارع، فإنّ (ثُمَّ) ظاهرة بالفراغ عن هذه الحالة. والقرينة على ضعفه: أنَّه يلزم منه أنَّ الإمام لم يبيّن الحكم بالمطابقة، وما هو حكم صلاته التي بيده، وإنَّما انتقل إلى لازم ذلك وهو جواز نقلها إلى النافلة أو جواز القطع. وهذا ليس جواباً عرفيّاً، بل ظاهر الجواب أنَّ الإمام يبيّن الحكم العملي للمكلّف، والإعادة التي بيّنها إنَّما تكون على تقدير أنَّ المكلّف فرغ من الصلاة.
والصحيح في المقام أن يقال: إنَّ هذه الرواية غاية ما تدل عليه أنَّ المكلّف له أن يطبّق عنوان الواجب على هذا الفرد الثاني ويسحب عنوان الواجب عن الفرد الأوّل، وهذا له أحد وجهين:
الأوّل: تبديل الامتثال بالامتثال الذي قلنا باستحالته.
والثاني: أن يكون الواجب مشروطاً بنحو الشرط المتأخّر، على أن لا يأتي فردٌ آخر أفضل منه يطبّق عليه المكلّف عنوان الواجب، فإنّ الواجب لو كان مقيّداً بهذا القيد وأتى بالصلاة الثانية –الأفضل- فهو ليس من باب تبديل الامتثال بالامتثال بل من باب إخراج الفرد الأوّل من أصله عن كونه امتثالاً ومصداقاً للواجب، وهذا خارجٌ عن محلّ النزاع كما سبق أن قلنا.
والرواية تذكر النتيجة –وهي تطبيق عنوان الواجب على الفرد الثاني- ولا تذكر الوجه في ذلك، ومعه لا تكون الرواية دليلاً على جواز الامتثال بالامتثال.
ــــــــــ[275]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ما كان بلسانٍ يختار الله أحبّهما إليه؛ ففي رواية أبي بصير قال: “قلت لأبي عبد الله: أصلي ثم أدخل المسجد فتقام الصلاة وقد صليت. فقال: صل معهم يختار الله أحبهما إليه“(1).
بدعوى: أنَّ الله يختار أحبّهما إليه في باب تطبيق الواجب عليه، وهو من تبديل الامتثال بالامتثال، ولكنّ هذه الطائفة ليس فيها روايةٌ معتبرةٌ بخلاف الطائفة الثانية.
ويظهر الحال بما حقّقناه في الجواب عن الطائفة الثانية الجواب عن الطائفة الثالثة التي هي بلسان (يختار الله أحبّهما إليه). فإنَّها مضافاً إلى سقوطها سنداً، يرد على الاستدلال بها ما ذكرناه في الطائفة الثانية؛ فإنَّ اختيار أحبّهما كما يناسب أن يكون من باب تبديل الامتثال كذلك، يناسب أن يكون من باب تبديل الامتثال بأن يكون الواجب مقيّداً بشرطٍ متأخّرٍ وهو أن لا يؤتى بفردٍ أحبّ إلى الله منه، ومع الإتيان به يخرج الواجب عن كونه واجباً.
ومعه لا حاجة إلى التمحّل في الجواب بأن يدّعى: أنَّ المراد أنَّ الله يختار أحبّهما إليه في مقام الأجر والثواب لا في مقام تشخيص الوظيفة وتعيين الامتثال.
ــــــــــ[276]ــــــــــ
(1) الكافي 6: 338، كتاب الصلاة، الباب 55، الحديث 2، تهذيب الأحكام 3: 270، كتاب الصلاة، الباب 25، الحديث 96، وسائل الشيعة 8: 403، الباب 54، من أبواب صلاة الجماعة، الحديث10.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذا الجواب خلاف ظاهر الرواية:
أوّلاً: لأنَّ الملحوظ في السؤال إنَّما هو الجانب الوظيفي لا الجانب الثوابي، ولا يوجد قرينةٌ على الجانب الثوابي ليُحمل الاختيار عليه.
وثانياً: أنَّ ظاهر قوله: (يختار أحبّهما إليه) يدلّ على أنَّ هذا الاختيار واقعٌ بلحاظ مقام لا يتحمّل شمول كلا الفعلين له، ولذا يحتاج إلى اختيار أحدهما، ومن الواضح أنَّ الاختيار إذا كان ناظراً إلى مقام الامتثال فالأمر كذلك فإنَّه لا يكون إلَّا بفردٍ واحدٍ، وأمّا إذا كان الملحوظ هو مقام الأجر والثواب، فهو يشملهما معاً. وهو ما تشير إليه الرواية وإنَّ كلاهما محبوبٌ في نفسه، وإن كان ذاك أحبّ.
إلَّا أنْ يراد من الأجر: الأجر المخصوص على الوظيفة الواجبة، والمكلّف أتى بالصلاة الثانية استحباباً، لكنّ الله تعالى يعطيه ثواب من صلّى فريضته جماعةً، وهذا يحتاج إلى مؤونة.
ــــــــــ[277]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الفور والتراخي
ــــــــــ[279]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
– 1 –
لا إشكال ثبوتاً أنَّه يمكن أن يكون الأمر متعلّقاً بالطبيعة المقيّدة بالفوريّة، كما يمكن أن يكون متعلّقاً بالطبيعة المقيّدة بالتراخي، كما لا إشكال في إمكان تعلّقه بالطبيعة بدون أحد القيدين.
والقسم الأوّل يتصوّر على نحوين: بنحو وحدة المطلوب، وأخرى بنحو تعدّد المطلوب، فعلى الأوّل لو عصى يسقط الأمر ولا شيء عليه، وعلى الثاني يكون أوامر متعدّدة، بعضها متعلّقٌ بالفوريّة وبعضها متعلّقٌ بالطبيعة فلو سقط بعضها، لا موجب لسقوط البعض الآخر.
وهذا أيضاً يتصوّر له شقّان:
الشق الأوّل: أنَّ تعدّد المطلوب قد يكون بنحو أنَّه لو عصى الفوريّة يجب أن يأتي به فوراً ففوراً. وتصويره: أن يكون الأمر متعلّقاً بنحو الانحلال بكلّ فردٍ من الأفراد الطوليّة، غايته أن تعلّق الأمر بكلّ فردٍ مشروطٌ بعدم الإتيان بمتعلّق السابق عليه، وكل أمرٍ مقيّدٌ بالفوريّة.
ــــــــــ[281]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الشق الثاني: أنَّ تعدّد المطلوب بنحو أنَّه إذا عصى الفوريّة تسقط الفوريّة رأساً. وتصويره أن يكون هناك أمران: أمرٌ بذات الطبيعة، وأمرٌ بإيقاعها فوراً في الزمان الأول، فلو عصى الثاني بقي الأول. وكلّ هذه الشقوق معقولةٌ له ثبوتاً.
ــــــــــ[282]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
– 2 –
ويقع الكلام في مقام الإثبات في عدّة جهات:
والكلام يقع في أنَّه هل يمكن إثبات الفوريّة والتراخي من ناحية دلالة نفس الخطاب؟
لا إشكال أنَّ التراخي لا معنى لدلالة نفس الخطاب عليه، وإنّما الكلام في الفور فهل توجد دلالة عليه؟ الصحيح: أنَّه لا توجد مثل هذه الدلالة، لا من ناحية المادّة؛ لأنَّها تدلّ على أصل الطبيعة أو على المقسم بين الوجود السريع والبطيء، ولا من ناحية الهيئة؛ لأنَّها تدل على الطلب بالمعنى الحرفي، ولهذا يصحّ بلا عناية التقييد بعدم الفوريّة، بينما لو كانت الفوريّة مأخوذةً لأوجب هذا التقييد التجوّز والعناية.
وأحسن ما يقال في تقريب الفوريّة: أن يُدعى: أنَّ الخطاب يدلّ على الفوريّة من ناحية هيئته؛ لأنَّها تدلّ على الإرسال والتحريك بنحو المعنى الحرفي، وهذا الإرسال يوازي بحسب الفهم العرفي والعقلائي التحريك التكويني الخارجي، وينعكس على الصيغة تمام خصائص الدفع الخارجي بحسب ظهور الخطاب.
ــــــــــ[283]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ومن الواضح أنَّ الدفع الخارجي لو كان تامّ الفاعليّة في نفسه لما قبل التراخي، وإلَّا فلا يكون قد أثّر أثره، وهذا معناه دلالة الخطاب على الفوريّة، فالأصل فيه ذلك ما لم تقم قرينةٌ على الخلاف.
وهذا البيان غير تامّ، فإنَّ نكتة الفرق بين الدفعين هي أنَّ التحريك الخارجي إنَّما اقتضى الفوريّة باعتباره دائماً تحريكاً نحو أمرٍ جزئيّ آنيّ، ويستحيل أن يكون نحو الكلّي، وأمّا التحريك الإنشائي التشريعي الذي هو مدلول صيغة (افعل)، فباعتباره ليس تكوينيّاً، فيعقل أن يتعلّق بالجامع أو بالطبيعة، ومعه لا يقتضي إلَّا وجود(1) تلك الطبيعة وهي كما توجد في ضمن الفرد الأوّل كذلك توجد في ضمن الفرد الثاني.
وإن شئتم قلتم: إنَّ الفوريّة ليست من لوازم التحريك بذاته، بل من شؤون كون التحريك جزئيّاً، وهذا من شؤون خارجيّة التحريك. أمّا التحريك الشرعي للصيغة فإنَّه يبقى على نحو الجامع، وفاعليّة هذا التحريك تكون بوجود الجامع، وهو كما يوجد في ضمن الفرد الأوّل يوجد في ضمن الفرد الثاني. فالظاهر أنَّه لا دلالة من ناحية نفس خطاب (افعل) –لا مادّةً ولا هيئةً- على الفور فضلاً عن دلالته على التراخي.
وهنا نبحث عن وجود دلالةٍ عامّةٍ في الشرع تقتضي وجوب الفوريّة إلَّا ما خرج بدليل.
ــــــــــ[284]ــــــــــ
() وفاعلية هذا التحريك تكون بوجود الجامع. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وقد استدلّ على وجوب الفوريّة(1) بآية الأمر بالمسارعة إلى المغفرة في سورة آل عمران(2) وآية الاستباق إلى الخيرات في سورة البقرة(3)؛ بدعوى أنَّها أمرت بالمسارعة إلى المغفرة والاستباق إلى الخيرات. ومن الواضح أنَّ الإتيان بالواجب في أوّل وقته مصداقٌ لذلك فيكون ذلك واجباً.
وقد يناقش هذا الاستدلال بعدّة وجوه:
أنّ الأمر بالمسارعة والاستباق لو كان أمراً مولويّاً لكان مقتضى القاعدة حمله على الوجوب، ولكنّه أمرٌ إرشاديٌّ من قبيل الأوامر الواردة بأصل الطاعة،
ــــــــــ[285]ــــــــــ
() ورد الاستدلال بهما للقول بالفوريّة في كتب الأعلام، منها: العدّة في أصول الفقه (الطوسي) 1: 229، القوانين المحكمة في الأصول 1: 199، هداية المسترشدين 2: 61، 65، الفصول الغرويّة: 76.
(2) سورة آل عمران، الآية: 133: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
(3) سورة البقرة، الآية: 148: فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ.
(4) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 215، كفاية الأصول: 80، وقد ناقش السيّد الخوئي في الوجه الأوّل في كتابه: دراسات في علم الأصول 1: 217. وأيضاً في الهداية في الأصول 1: 297.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
باعتبار أنَّ مورد هذا الأمر ممّا يستقلّ العقل بحسنه، فإنَّه يستقلّ بالإسراع إلى تحقيق أغراض المولى، فيكون الأمر الصادر من الشارع تنبيهاً إلى ذلك، ومعه لا مجال لإثبات حكم شرعيّ إلزاميّ به.
وهذا الوجه غير تامٍّ، أمّا أولاً: فلإمكان منع استقلال العقل بحسن ذلك في فرض تكوّن نسبة الأفراد الطوليّة إلى غرض المولى على حدٍّ واحد. بحيث لا يكون الفرد الأوّل محصّلاً لمرتبةٍ من الغرض أكبر من المرتبة التي يحصلها الفرد المتأخّر، فلا يحكم العقل بالإسراع بما هو إسراع. نعم، قد ينطبق عليه عنوانٌ ثانويّ يكون به حسناً، فإنّ المكلّف يحتمل أنَّه يموت أو يعجز فيسرع إلى الطاعة فيكون من باب التحفّظ.
وثانياً: لو سلّمنا حكم العقل بحسن الإسراع بما هو إسراعٌ فلا إشكال أنَّ هذا الحكم العقلي ليس بمرتبةٍ لزوميّةٍ بحيث يحكم العقل بقبح تارك الإسراع. فهناك مجالٌ لأنْ يُعمل المولى مولويّته في الإلزام بذلك كما هو ظاهر الخطاب في نفسه، بخلاف أوامر الإطاعة، فإنَّ العقل يحكم بها بدرجة الإلزام، ومعه قد يقال: إنَّه لا معنى للإلزام بها من قبل المولى.
وثالثاً: أنَّ حكم العقل بالإسراع –لا على نحو الإلزام- لا يمنع من أمر الشارع بالإسراع مولويّاً، ولو استحباباً أيضاً؛ لأنَّ غاية ما يتوهّم كونه مانعاً عن ذلك: هو كونه تحصيلاً للحاصل، لأنَّ الأمر إنَّما هو لإحداث الداعي في نفس المكلّف باعتبار جعل الفعل أرجح من تركه، ولمّا كان للإسراع رجحانٌ ذاتيّ، فلا داعي لاستحبابه توصّلاً إلى هذا الرجحان.
ــــــــــ[286]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
نعم، الإلزام به لا بأس به؛ لأنَّه يوجد مرتبةٌ أعلى من الرجحان أكثر من الـرجحان العقلي، بخـلاف الأمر الاستحبابـي فإنَّـه يكون لغواً وتحصيلاً للحاصل.
إلَّا أنَّ هذا التوهّم غير صحيح؛ لأنَّ الأمر الاستحبابي بالإسراع يكشف عن محبوبيّةٍ نفسيّةٍ من قبل المولى بالإسراع، وبهذا يتأكّد رجحانه الذاتي. إذن، يكون فيه رجحانٌ بلحاظين ولا يكون الأمر الاستحبابي لغواً.
أن يُقال: إنَّ الأمر وإن كان مولويّاً ولكنّه يحمل على الاستحباب بلحاظ قرينةٍ وهي: أنَّه لو حمل على الوجوب للزم تخصيص الأكثر، وهو مستهجنٌ، لأنَّ أكثر الواجبات وكلّ المستحبات ثبت أنَّه لا يجب الفور فيها، بخلاف ما لو حملناه على الاستحباب. فإنَّه لا بأس به في جميع الموارد. وقد بنى على ذلك السيّد الأستاذ(2).
وهذا الوجه لا يتمّ على مبنى السيّد الأستاذ(3) والميرزا(4)، ويتمّ على مبنانا، فإنّنا إن بنينا على أنَّ دلالة صيغة الأمر على الوجوب دلالةٌ عقليّة، فلا يلزم
ــــــــــ[286]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأصول: 80.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 215، 216، دراسات في علم الأصول 1: 218، الهداية في الأصول 1: 296.
(3) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 131، 132.
(4) انظر: فوائد الأصول 1: 136.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
تخصيص الأكثر، فإنَّ الأمر وجوب ما لم يرد ترخيصٌ بخلافه، وقد ورد ترخيصٌ في أكثر الموارد، وهذا ليس تخصيصاً بالأكثر؛ لأنَّ الوجوب ليس مدلولاً لفظيّاً حتى يكون الأكثر خارجاً منه.
نعم، بناءً على مسلك آخر يقول: إنَّ الوجوب مدلولٌ لفظيّ لصيغة (افعل) فلا بأس أن يقال: إنَّها لو كانت مستعملةً في معناها الموضوع له للزم تخصيص الأكثر؛ لأنَّه لا وجوب في أكثر الموارد، وقد أشرنا في محلّه أنَّ هذا من ثمرات المسلكين.
ما ذكره المحقّق العراقي(1) وهو: أنَّ الأمر بالاستباق لو كان إلزاميّاً بالإتيان بالصدقة –مثلاً- فوراً للزم من ذلك محذورٌ بحسب مقام ظاهر الدليل.
وتوضيحه: أنَّ ظاهر الآية أنَّ الخيرات والمغفرة أمرٌ يمكن تحقيقه بسرعة، ويمكن تحقيقه مع التباطؤ، غاية الأمر أنَّ المولى يأمر بإيجادها بسرعة. مع أنَّه لو فرضنا أنَّ الأمر كان أمراً إلزاميّاً فمعناه أنَّ المولى قد وظّفنا بالصلاة فوراً، فلو لم نصل فوراً فنحن لم نأتِ بالخير، مع أنَّ ظاهر الدليل انحفاظ هذا الخير حتّى مع عدم الإتيان به فوراً. وهذا بخلاف ما لو حملناه على الاستحباب أو الإرشاد، وأنَّ الخير والوظيفة تحصل إمّا بسرعة أو بتباطؤ.
ويرد عليه: أنَّ مفاد دليل الأمر بالاستباق والمسارعة لو كان المراد به الوجوب الشرطي فمعناه أنَّه لو صلّى متأخّراً فصلاته باطلة، وهذا معناه أنَّ
ــــــــــ[288]ــــــــــ
(1) انظر: بدائع الأفكار (العراقي)1: 252، المقالات الأصوليّة 1: 258.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الخير منحصرٌ في أوّل الوقت ولا يحصل بعده خير أصلاً. وعلى هذا يتمّ ما قاله، ولكن المدّعى أنَّ مفاده الوجوب النفسي، ويبقى إطلاق دليل الصلاة على حاله، بحيث تقع صلاته صحيحةً مع التباطؤ، وحينئذٍ لا يكون مبايناً مع ظاهر الخطاب.
إلَّا أن يقال: إنَّ نظر المحقّق العراقي –أو غيره- إلى أنَّ ظاهر قوله فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ(1) هو مجموع الخيرات التي أمر بها الشارع، فمجموع ما أمر به الشارع بالإمكان المسارعة والتباطؤ فيه، فلو كان الأمر بالإسراع شاملاً للإسراع لاختلّ هذا الظهور، إلَّا أنَّ هذا تكلّفٌ غير صحيح؛ إذ لا بُدَّ من فرض أنَّ الآية ناظرة إلى غير الخير المأمور به فيها. فإنَّها ناظرةٌ إلى الخيرات السابقة عليها، وإلَّا لوقع الإشكال سواءٌ كان الأمر وجوباً أو استحباباً.
أنّ آية فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ليس فيها ظهورٌ أصلاً في الإلزام بالفوريّة، فإنَّ الاستباق ليس بمعنى الإسراع بل بمعنى التسابق من باب: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ(2). فالآية تأمر بالمسابقة العامّة إلى الخيرات، ومن الواضح أنَّ هذا ليس إلَّا تشويقاً، وإلَّا لتعذّر الامتثال من الجميع، فإنَّهم لو صلّوا في أوّل الوقت لما كان هناك سابق.
وأمّا آية المسارعة فإن لم نستظهر من سياقها الإسراع التشريعي فلا بأس أن
ــــــــــ[289]ــــــــــ
(1) البقرة: 148.
(2) المطففين: 26.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
نلتزم بالوجوب، بمعنى: أنَّ كلّ شخصٍ عليه ذنبٌ أو تبعةٌ أو مؤاخذةٌ فيجب عليه أن يسرع في أقرب وقت إلى المغفرة والتوبة، ومن هنا نقول: بأنَّ وجوب التوبة فوريٌّ، وإن لم يمكنه التوبة فيجب عليه الرجوع لبدلها ممّا دلّ على كونه سبباً للمغفرة.
إذن، لا دلالة في كلا الآيتين على وجوب الفوريّة.
ويقع البحث فيها أنَّه لو قيل بدلالة الأمر على الفوريّة بأحد الوجوه المتقدّمة، ووجب الإتيان بالمادّة فوراً، فإن أتى بها فوراً فهو وإن لم يأت بها فوراً فهل يسقط أصل الأمر أو أنَّه يبقى من دون فوريّة، أو انّه يكون ملزماً بأصل الفعل وبفوريّته؟ كلّ هذه الاحتمالات محتملةٌ ثبوتاً؛ إذ من الممكن أن يكون هناك طلب واحد متعلّق بالحصّة الفوريّة، ومعه يتعيّن الاحتمال الأوّل، ومن الممكن أيضاً أن يكون هناك طلبان، أحدهما متعلّقٌ بالطبيعة والآخر متعلّقٌ بالحصّة الفوريّة، فإذا لم يأتِ بالحصّة الفوريّة فقد عصى الأمر الثاني، ويبقى الأوّل على حاله، فينتج الاحتمال الثاني. ومن الممكن أن يكون هناك استدعاءاتٌ متعدّدةٌ، كلٌّ منها منوطٌ بعصيان السابق، وهو ينتج الاحتمال الثالث.
يقع الكلام في أنَّ الدليل –الذي افترضناه على الفوريّة- هل يعيِّن أحد هذه الاحتمالات أو يكون مجملاً؟
ــــــــــ[290]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وتحقيق الحال في ذلك هو: أنَّه لا بُدَّ من ملاحظة الدليل الدالّ على الفوريّة:
أوّلاً: إن كان عبارة عن دعوى أنَّ الفوريّة مأخوذةٌ قيداً في مدلول المادّة، بحيث يرجع قولنا (صلّ) إلى صلِّ فوراً، فحينئذٍ لا ينبغي الإشكال في أنَّ المتعيّن هو الاحتمال الأوّل من الاحتمالات الثلاثة، إذ يستفاد من الدليل طلبٌ واحدٌ متعلّقٌ بالحصّة الخاصّة المقيّدة بالفوريّة، فإذا سقط فلا يبقى إلزامٌ بأصل الفعل فضلاً عن فوريّته.
والوجه فيه واضح، وهو: أنَّ مفاد مدلول الهيئة طلبٌ واحدٌ، فتكون نسبة الطلب إلى الفوريّة نسبة الوجوب إلى أجزاء متعلّقه لا نسبته إلى أفراد متعلّقه، فعندنا واجبٌ واحدٌ مركّبٌ تحليليّ، من الفعل والفوريّة، والمفروض أنَّ هذا لم يؤتَ به خارجاً وليس في الهيئة ما يقتضي إنشاء طلبٍ آخر على طبيعيّ الفعل، فيسقط الأمر رأساً.
ثانياً: إن كان المدرك في الفوريّة ما بيّناه من أنَّ الصيغة حيث إنَّها تحريكٌ تشريعيّ يوازي التحريك التكويني، وتمام خصائص التحريك التكويني تنطبق على التحريك التشريعي عرفاً، فتكون الصيغة دالّةً على تلك الخصائص، ومن جملة تلك الخصائص الفوريّة.
وبناءً عليه يتعيّن الاحتمال الثالث؛ لأنَّ هذا هو مقتضى الموازنة بين التحريك التكويني والتشريعي، فإنّ التحريك التكويني باليد لو لم يؤثّر أثره
ــــــــــ[291]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وبقي التحريك مستمرّاً فإنَّه يستدعي بقاء اقتضائه للفوريّة: فوراً ففوراً. إلَّا أنَّ الكلام في أنَّ التحريك التشريعي –الذي هو مفاد صيغة (افعل)- هل يستمرّ أو لا؟ وجوابه: إنّنا إذا لم نستفد بقاء الطلب أصلاً واحتملنا سقوطه، فالمتعيّن هو الاحتمال الأوّل. وإن استفدنا بقاءه، فالمتعيّن هو الثالث(1).
ثالثاً: وإن كان مدرك وجوب الفوريّة هو الآيتين الكريمتين –آية المسارعة والاستباق- فلا إشكال بناءً عليه في سقوط الاحتمال الأوّل من الاحتمالات الثلاثة؛ إذ لا يحتمل أنَّه لو لم يأتِ به فوراً يسقط أصل الوجوب عنه؛ لأنَّ الفوريّة لم تؤخذ قيداً في الواجب الأوّل، بل أمر بها بدليلٍ آخر، ولسان هذا الدليل ليس لسان التقييد بل لسان جعلٍ تكليفيّ آخر، فيتحصّل وجوبان: وجوب الصلاة ووجوب الفوريّة، فإذا لم يأتِ بالصلاة فوراً سقط الوجوب الثاني، ولكن لا موجب لسقوط الأوّل، ومعه فلا موجب للاحتمال الأوّل يقيناً.
فإذا لم يسقط وجوب الصلاة، فهل يبقى على فوريته أو يبقى بلا فوريّة؟
توضيحه: أنَّ الإسراع إلى الخير هل ينحصر مصداقه بالمبادرة المطلقة التي تتحقّق بإيجاد الصلاة في أوّل وقتها أو أنَّ الإسراع إلى الخير يتحقّق بالمبادرة، بمعنى الإتيان بفردٍ كان بالإمكان تأخيره والإتيان بما هو بعده، فلو صلّى قبل
ــــــــــ[292]ــــــــــ
() والقرينة موجودة؛ فإنّ مقتضى إطلاق المادّة هو بقاء التحريك التشريعي؛ لأنَّه تعلّق بالمطلق، والمطلق لا يزال بالإمكان إيجاده، فإذا ثبت بقاء التحريك لحقته لوزامه ومنها السرعة في التحرك. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
انتهاء الوقت بقليل يصدق عليه المسارعة(1)، أو أنَّ الإسراع يختلف مصداقه باختلاف الأحوال، ففي أوّل الوقت يكون مصداقه منحصراً بالفرد الأوّل، فإن لم يأتِ به يكون مصداقه منحصراً بالفرد الثاني، فإن لم يأتِ بالفرد الثاني فبالفرد الثالث، وهكذا، ففرديّة كلّ فردٍ في طول عدم تحقّق الفرد السابق عليه. فهذه ثلاثة احتمالاتٍ لمفهوم الإسراع.
أمّا بناءً على الاحتمال الأوّل للإسراع فيتعيّن سقوط الفوريّة لو لم يأتِ بالفرد الأوّل. نعم، يبقى أصل وجوب الصلاة على حاله، ولكن لا يبقى دليلٌ على الفوريّة.
وأمّا بناءً على الاحتمال الثاني، فكلا الخطابين باقٍ في حقّه: (أقيموا الصلاة) و(سارعوا)؛ إذ بإمكانه أن يوجد الإسراع فعلاً.
وهنا ذكر المحقّق العراقي(2) أنَّ هذا التقدير خلف المفروض؛ لأنَّ معناه أنَّ المكلّف الذي لم يأتِ بالفرد الأوّل لم يعص أصلاً، لأنَّ الإسراع له أفرادٌ متعدّدةٌ، ومصداقيّة الفرد الثاني في عرض مصداقيّة الفرد الأوّل، فلا يجب عليه أن يبادر ويأتي بالفرد الثاني، ومعه عيّن المورد بالاحتمال الأوّل غافلاً عن الاحتمال الثالث.
إلَّا أنَّ الصحيح أنَّه يمكن إثبات وجوب الفوريّة بناءً على الاحتمال الثاني أيضاً؛ فإنَّ دليل وجوب المسارعة إلى الخير يتكفّل بجعل هذا الوجوب بنحو
ــــــــــ[293]ــــــــــ
() فغير الفرد الأخير كله إسراع. (المُقرِّر).
(2) انظر: بدائع الأفكار (العراقي) 1: 253.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
القضيّة الحقيقيّة الانحلاليّة، فهناك خيرٌ مجعولٌ في المرتبة الأولى وهو وجوب الصلاة بين حدّين فيكون هذا الخير موضوعاً لوجوب المسارعة وهو الإتيان بما قبل الفرد الأخير، وهذا الوجوب للمسارعة بنفسه خيرٌ أيضاً، فيكون موضوعاً لوجوب المسارعة بالإتيان بما قبل الأخير من الأفراد، والمسارعة إليه تكون بالإتيان بما قبله وهكذا. حتّى يصل إلى الفرد الأوّل، كما هو مقتضى القضيّة الانحلاليّة التي يحقّق كلّ فردٍ منها موضوعاً لفردٍ آخر، كما قرأتم في الإشكال على خبر الواحد مع الوسائط.
وعليه فمقتضى ذلك هو بقاء الخطابين معاً: الأمر بالصلاة ووجوب الإسراع فوراً ففوراً.
وأمّا بناءً على الاحتمال الثالث لمفهوم الإسراع فمن الواضح أنَّ مقتضى القاعدة هو بقاء الوجوب والإتيان به فوراً ففوراً.
هذا تمام الكلام على الاحتمالات الثلاثة.
بعد سقوط الاحتمال الأوّل –أي: سقوط أصل الأمر- ذكر المحقّق العراقي أنَّ الاحتمال الثالث ساقطٌ أيضاً؛ لأنَّ الإسراع إمّا أن يكون بخصوص الفرد الأوّل، أو بما قبل الأخير من الأفراد؛ فإن بنينا على الأوّل فبعد عدم الإتيان بالفرد الأوّل يسقط خطاب (سارعوا)، ولا يبقى الأمر بالفور موجوداً ويكون حال الفرد الثاني حال الفرد الثالث. وأمّا على الثاني فهو يقتضي عدم وجوب الفور أصلاً؛ لإمكان تأجيله إلى ما قبل الأخير، وهذا خلاف
ــــــــــ[294]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المفروض، فلا يمكن أن نستفيد من الدليل الاحتمال الثالث. فيتعيّن الاحتمال الثاني. ولنا عليه عدّة تعليقات:
التعليق الأول: أنَّه بالإمكان تخريج الاحتمال الثالث ببيان: أنّنا نختار الشقّ الثاني من كلام المحقّق العراقي، وهو أنَّ الإسراع له أفرادٌ عديدةٌ بعدد ما قبل الفرد الأخير، سواءٌ كانت فرديّة هذه الأفراد عرضيّةً أو طوليّة.
حينئذٍ نقول: حيث إنَّ الصلاة الجامعة بين الأفراد العشرة خيرٌ، فيتحقّق موضوع الإسراع إلى هذا الخير، وهو بالإتيان بما قبل الفرد العاشر، وبهذا يتحقّق عندنا خيرٌ جديدٌ وهو الجامع ما بين التسعة الأولى. ويتحقّق أيضاً موضوعٌ ثانٍ لوجوب المسارعة بناءً على أنَّ القضيّة حقيقيّةٌ تنحلّ بنحوٍ يمكن أن يكون بعض أفرادها محقّقاً لبعض أفرادها الآخر. والمسارعة إلى هذا الخير تكون بالإتيان بما قبل الأخير منه، يعني: ما قبل الفرد التاسع فيتحقّق خيرٌ جديدٌ ثالثٌ، وهو الإسراع إلى ما قبل التاسع وتشمله القضيّة، وهكذا حتى ينتهي التسلسل إلى ما قبل الثاني. فتنشأ عشرة وجوبات: وجوب الصلاة وتسعة وجوبات للإسراع، بحيث لو لم يأتِ إلى آخر العشرة يعصي بعشرة عصيانات. وهو معنى فوراً ففوراً.
التعليق الثاني: أنَّنا نقطع النظر عن كون القضيّة حقيقيّة، بحيث توجد بعض أفرادها، ونفرض أنَّ الأمر بالمسارعة ناظرٌ إلى الخير الثابت بغضّ النظر عن المسارعة، لا الخير الثابت بها.
حينئذٍ يترشّح جوابٌ جديدٌ وحاصله: أنَّ الخير عبارةٌ عن كلّ فعلٍ يكون إيجاده خيراً –شرعاً- من تركه وأفضل، وإذا لاحظنا دليل (أقيموا الصلاة)
ــــــــــ[295]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وعرفنا أنَّ للمسارعة عشرة أفرادٍ مترتّبةٍ زماناً، فالخير في أوّل الزوال هو الجامع بين العشرة، بدليل (أقيموا الصلاة)، ولكن –ونحن في أوّل الزوال- لو لاحظنا التسعة المتأخّرة عن الفرد الأوّل فلا يكون إتيانها خيراً من عدمها؛ إذ قد يكون عدمها توأماً مع الإتيان بالفرد الأوّل. والخير الآن هو الجامع بين العشرة خاصّة، فيشمله (استبقوا الخيرات)، فيجب الإسراع إليه. فلو اخترنا أنَّ الإسراع له فردٌ واحدٌ هو الفرد الأوّل ينطبق عليه الخير، فسيكون الفرد الأوّل من الجامع واجباً.
فلو فرض أنَّ المكلّف لم يأتِ بالفرد الأوّل فقد عصى، ولكن حينما خرج وقته ينطبق –في طول تعذّر الفرد الأوّل من الصلاة- على الجامع بين التسعة الباقية؛ لأنَّ الإتيان بأحدها خيرٌ للمكلّف من عدم شيءٍ منها، وهذا لم يثبت بدليل (سارعوا)، بل بدليل (أقيموا الصلاة)، وحينئذٍ يأتي الأمر بالمسارعة، فيجب أوّل التسعة وهو الثاني، فلو عصى يكون الجامع بين الثمانية الباقية خيراً، فيجب الإتيان بأوّل أفراده وهو الفرد الثالث، وهكذا إلى التاسع، فيصبح هناك أمرٌ بالإتيان به فوراً ففوراً بحيث لو لم يأتِ به لعصى عشرة عصيانات.
وبهذا يتّضح أنّنا إذا اخترنا الشقّ الثاني للمحقّق العراقي، وهو أنَّ الإسراع له أفرادٌ متعدّدةٌ نتمسّك بالجواب الأوّل، وإن اخترنا الشقّ الأوّل نتمسّك بالجواب الثاني.
التعليق الثالث: أنَّه يمكننا أن نختار الشقّ الثاني، وهو أنَّ الإسراع له أفرادٌ متعدّدةٌ وهو ما قبل العاشر، ومع هذا نجيب من دون حاجةٍ إلى افتراض أنَّ القضيّة حقيقيّةٌ تشمل نفسها، فنقول: إنَّ مفهوم الإسراع الذي تصوّرنا له
ــــــــــ[296]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أفراداً متعدّدةً إن كانت هذه الأفراد في مصداقيّتها للإسراع عرضيّةً ومتكافئةً، تمّ إشكال المحقّق العراقي، ولكن يمكن أن يقال: إنَّ مصداقيّة هذه الأفراد ليست متواطئةً بل مشكّكةٌ، بمعنى: أنَّ مصداقيّة كلّ فردٍ للإسراع في طول تعذّر الفرد أو الأفراد السابقة عليه، كالتيمّم الذي يكون مصداقاً للطهور عند تعذّر الطهارة المائيّة.
حينئذٍ نقول: إنّه كلما تعلّق أمرٌ بالجامع بين مصاديق متعدّدة؛ فإن كانت عرضيّةً في مصداقيّتها جاز للمكلّف الإتيان بأيّ فردٍ منها. وأمّا إذا كانت مصداقيّتها طوليّةً فيفهم العرف من الأمر بالجامع بين هذين الفردين الطوليّين: أنَّ إرادة المولى على حدّ طوليّة الفردين، بحيث إنَّ المولى يريد أن يمتثل بالفرد الأوّل، فإن تعذّر يريد أن يمتثل بالفرد الثاني.
وحينئذٍ نقول في المقام: إنَّ الأمر تعلّق بجامع الإسراع، وهو له أفرادٌ طوليّةٌ متعدّدةٌ، فتكون فرديّة كلِّ فردٍ مترتّبةً على تعذّر السابق، فلا يجوز الانتقال من السابق إلى اللاحق إلَّا بمبرّرٍ شرعيّ، فلو أخّر كثيراً فقد عصى بعصياناتٍ متعدّدةٍ، وهو معنى فور فوراً.
ــــــــــ[297]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
البحث في الإجزاء
ــــــــــ[299]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
البحث في الإجزاء صغرويّ وكبرويّ، أمّا البحث الكبروي فله صيغتان:
الصيغة الأولى: أنَّ الإتيان بالفعل المحصّل للغرض هل يكون مجزياً أو لا؟
الصيغة الثانية: أنَّ الإتيان بمتعلّق الأمر هل يكون مجزياً ومفرغاً لعهدة المكلّف أم لا؟
والصحيح في كلتا الصيغتين هو الإجزاء بالنسبة إلى شخص ذلك الأمر.
أمّا الصيغة الأولى فيحكم فيها بالإجزاء؛ لأنَّ حقّ المولى على العبد ليس إلَّا استيفاء غرض المولى، وبعده لا يستقلّ العقل بحقٍّ للمولى على العبد، ومعه يكون المكلّف قد خرج عن العهدة.
وأمّا الصيغة الثانية فيحكم بالإجزاء أيضاً؛ وذلك لما برهنّا عليه سابقاً(1) من أنَّ الإتيان بمتعلّق الأمر يساوق سقوط ذلك الأمر، ويستحيل بقاء الأمر بعد الإتيان بمتعلّقه، سواءٌ بقي غرضه أو لا. ومع سقوطه لا معنى للعهدة من ناحيته، وهذا هو الإجزاء.
وهذا ليس فيه نقاشٌ أصلاً.
ــــــــــ[301]ــــــــــ
(1) انظر: بحوث في علم الأصول (الهاشمي) 2: 135.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وإنَّما الكلام في البحث الصغروي: وهو أنَّ الإتيان بالمأمور به الاضطراري أو الظاهري هل يكون مصداقاً لإحدى هاتين الصيغتين بلحاظ الأمر الواقعي أو لا؟ فإن كان مصداقاً يحكم بالاجزاء وإلَّا فلا.
وهذه المصداقيّة تارةً يُفرض استظهارها من شخص دليلٍ خاصّ لنكتةٍ خاصّةٍ من شخص حكمٍ خاصّ، كالحكم الاضطراري بالصلاة جالساً، المستفاد من رواية أنَّ الصلاة جلوساً مصداقٌ لإحدى الصيغتين، وهذا من عمل الفقيه؛ لأنَّها من حكمٍ خاصّ، وليس نظر الأصولي إلى هذه النكات التي تختلف فيها رواية عن رواية، وإنّما النظر إلى الألسنة الكلّية لأدلّة الأحكام الظاهريّة والاضطراريّة، وأنَّها هل يمكن أن يستكشف منها مصداقيّة الفعل الظاهري والاضطراري لإحدى الصيغتين أو لا.
وعلى ضوء ذلك يقع الكلام في مقامين:
المقام الأوّل: الإجزاء في الأوامر الاضطراريّة.
المقام الثاني: الإجزاء في الأوامر الظاهريّة.
ــــــــــ[302]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يقع الكلام فيه على مرحلتين:
المرحلة الأولى: في مقام الثبوت، بمعنى استيعاب الصور التي يمكن أن يقع عليها هذا الواجب الاضطراري ثبوتاً، وما هي آثار هذه الصور والفوارق بينها.
المرحلة الثانية: في مقام الإثبات، لنرى أن أدلّة الأحكام الاضطراريّة ظاهرةٌ في أيّ واحدٍ من تلك الصور.
يقع الكلام في الصور الممكنة ثبوتاً، وهي أربعة:
الصورة الأولى: أن تكون هذه الوظيفة الاضطراريّة -كالصلاة الجلوسيّة- وافيةً بتمام ملاك الصلاة القياميّة بلا نقيصة.
الصورة الثانية: أن تكون وافيةً بجلّ ملاك الواقع بحيث لا تبقى إلَّا بقيّةٌ استحبابيّةٌ من الملاك يرضى المولى بتفويتها.
الصورة الثالثة: أن تكون وافيةً بجزء ملاك الواقع، ويبقى الجزء الآخر وهو لزوميٌّ ومهمّ، ولكن يتعذّر استيفاؤه بعد الإتيان بالصلاة الجلوسيّة بحيث لا يستوفى حتّى لو أتى بالصلاة القياميّة.
الصورة الرابعة: أن تكون وافيةً بجزءٍ من ملاك الواقع، ويبقى الجزء الآخر مهمّاً ولزوميّاً وقابلاً للاستيفاء.
ــــــــــ[303]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وأمّا آثار هذه الصور فبلحاظ أربعة أحكام:
من الواضح أنَّ الصور الثلاث الأولى حكمها هو الإجزاء، أمّا الصورة الأولى فواضح؛ لأنَّ الفعل استوفى تمام الملاك فيدخل تحت الصيغة الأولى للبحث الكبروي، وكذلك الثانية. وأمّا الثالثة؛ فلأنَّه لا يمكن تدارك الباقي. نعم، في الصورة الرابعة يحكم بعدم الإجزاء؛ لإمكان تدارك الباقي.
بمعنى أنَّه في صور الإجزاء هل يجوز البدار في الصلاة جوازاً وضعيّاً، بمعنى أنَّه لو بادر تقع صلاته صحيحةً ومجزيةً أو لا. يعني هل يحكم بالإجزاء على فرض البدار أو لا؟
والصحيح: أنَّ الصور الثلاث حكمها واحدٌ، فإنَّه إذا علم أنَّ وفاء الفعل بتمام ملاك الواقع أو جلّه أو بجزئه الذي يتعذّر به الباقي، مشروطاً بعدم البدار، فالبدار لا يكون جائزاً وضعاً، ولو بادر لا يكون مجزياً؛ لأنَّ وفاء الصلاة بذلك فرع عدم البدار.
وأمّا إذا كان وفاء الصلاة بهذه المقادير مطلقاً حتّى لو وقعت في أوّل الوقت فيجوز البدار وضعاً من دون فرقٍ بين الصور الثلاث أيضاً.
من الواضح أنَّه في الصورتين الأولى والثانية يجوز البدار تكليفاً؛ لأنَّ الصلاة في أوّل الوقت إن كانت وافيةً بالواقع فالبدار جائزٌ، وإن لم تكن وافيةً
ــــــــــ[304]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فالبدار أمرٌ لغوٌ وعبثٌ، ولكن لا حرمة فيه.
وأمّا في الصورة الثالثة: فإن كان هذا التعذّر إنَّما يحصل فيما إذا أوتي بها في آخر الوقت، وأمّا في أوّل الوقت فلا يحصل تعذّر، فيجوز حينئذٍ الإتيان بها في أوّل الوقت وإن كانت لا تجزي(1).
وأمّا إذا كانت بحيث لو أوتي بها في أوّل الوقت مفوّتةً لبعض الملاك فلا تجوز؛ لأنَّ فيها تفويتاً لغرض المولى مع احتمال القدرة في آخر الوقت، وعليه فلا يجوز البدار.
إذن، جواز البدار الوضعي وجوازه التكليفي في الصورة الثالثة متعاكسان، فإنَّه إن ثبت أنَّ الصلاة وافيةٌ بالبعض ومفوّتةٌ للباقي مطلقاً حتّى في أوّل الوقت فيجوز وضعاً ولكن لا يجوز تكليفاً، وإن انعكس المطلب فكانت مفوّتةً على تقدير أن لا يؤتى بها في أوّل الوقت، فالإتيان بها في أوّل الوقت لا يجوز وضعاً وغير مجزيةٍ ولكن تجوز تكليفاً.
ولكن قد يقال: إنَّ عدم الجواز التكليفي يستلزم عدم الجواز الوضعي، بمعنى أنَّه لو كانت الصلاة مفوّتةً لبعض الملاك مطلقاً -ولو في أوّل الوقت- جاز البدار وضعاً ولم يجز تكليفاً، فقد يقال: إنَّ حرمة البدار تكليفاً تستدعي بطلانه وضعاً؛ لأن النهي عن العبادة يقتضي فسادها وليس كما قلنا إنَّهما متعاكسان.
ــــــــــ[305]ــــــــــ
() بل تكون لغواً في أوّل الوقت، وإنَّما تكون واجدةً للنكتة في آخر الوقت، وهي كونها محرزةً لبعض الملاك ومفوّتةً للبعض الآخر. (منه). (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وتحقيق الكلام في ذلك: إنْ فرض تفويت الجزء المهمّ من الغرض بملاك المضادّة بين هذا الفعل وبين ذاك الجزء من غرض المولى -من باب أنَّ أحدهما مساوقٌ لعدم الآخر- فلا موجب لتعلّق النهي بهذه الصلاة؛ لأنَّ الأمر بأحد الضدّين الوجوديين لا يقتضي النهي عن ضدّه الآخر، فلا نهي في المقام. ليقتضي البطلان. نعم، يكون النهي عقليّاً.
وإن كان التفويت بملاك المانعيّة باعتبار أنَّ هذه الصلاة الجلوسيّة مانعةٌ عن وجود ذلك الجزء المهمّ من الغرض، ومن الواضح أنَّ عدم المانع من المقدّمات، فيصبح عدم هذه الصلاة من المقدّمات. فإن أنكرنا المحبوبيّة والمبغوضيّة المقدّمية أساساً فلا إشكال أيضاً.
وإن اعترفنا به ولكن قلنا أنَّ النهي الغيري لا يوجب البطلان فأيضاً لا إشكال، وإنَّما ينحصر الإشكال فيما إذا كان التفويت بملاك المانعيّة، وأنَّ مقدّمة الواجب واجبةٌ، وأنَّ المبغوضيّة الغيريّة تستدعي البطلان، كالنفسيّة فتكون هذه الصلاة الجلوسيّة مبغوضةً، فإنَّ عدم هذه الصلاة من مقدّمات ذلك الجزء، فيكون وجودها وهو الضدّ العامّ له مبغوضاً فيوجب البطلان إذا لم نفرّق بين النهي وبين المبغوضيّة في لزوم البطلان.
إلَّا أنَّه قد يقال: إنَّ هذا النهي الغيري لا يقتضي البطلان في خصوص المقام وإن اقتضاه في غير المقام؛ لأحد تقريبين:
التقريب الأوّل: أنَّ هذه المبغوضيّة الغيريّة يستحيل أن تكون موجبةً للبطلان وإلَّا يلزم من وجودها عدمها؛ لأنَّ هذه المبغوضيّة هي في طول صحّة
ــــــــــ[306]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
العمل؛ لأنَّ العمل لو لم يكن صحيحاً وضعاً ووافياً بنكتة الإجزاء، لجاز البدار، وإنّما يكون غير جائزٍ في أوّل الوقت باعتبار كونه مجزياً في أوّل الوقت، فيستيحل أن تقتضي سلب الصحّة وإلا يلزم من وجوده عدمه.
بخلاف مبغوضيّة الصلاة في الدار المغصوبة فإنَّها يمكن أن تقتضي البطلان؛ لأنَّها ليست في طول الصحّة، بل هي غصب سواءٌ صحّت أو لا.
وجواب ذلك: أن يقال: إنَّ المبغوضيّة فرع الصحّة، يعني أنَّ المبغوض هو العمل الصحيح المجزي ولكن هذه المبغوضيّة لو اقتضت عدم الصحّة لا يلزم هدمها لنفسها، بل غاية ما يلزم هو تعذّر أن يوجد المبغوض في الخارج لا أكثر من ذلك.
فإنّ وجه اقتضاء المبغوضيّة المتعلّقة بالعمل الصحيح للبطلان: وهو أنَّ المكلّف حيث يجب أن يأتي بالفعل بقصد القربة، فإذا كان العمل مبغوضاً لا يتمكّن أن يقصد به القربة، فيبطل. إذن، مبغوضيّة العمل الصحيح توجب تعذّر العمل الصحيح في الخارج لا انقلاب العمل الصحيح إلى الفاسد.
وإن شئتم قلتم: إنَّ هذه المبغوضيّة إذا لوحظت في أفق نفس المولى فهي متعلّقةٌ بالعمل الصحيح وتبقى هكذا إلى الأبد؛ لأنَّ العمل الصحيح هو الذي يفوّت الجزء الآخر من غرضه، فتعلّق المبغوضيّة بالعمل الصحيح في نفس المولى لا يلزم منه عدم تعلّقها بالعمل الصحيح.
نعم، تعلّق هذه المبغوضيّة بهذا العنوان مع وصولها إلى المكلّف يعجّز المكلّف عن أن يأتي بمصداق لهذا العنوان، وهذا لا يعني إفناء المبغوضيّة، فإنَّه
ــــــــــ[307]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
لا بأس أن توجد مبغوضيّةٌ لا يتحقّق مصداقها في الخارج، بل هو من أتمّ آثارها وفوائدها.
التقريب الثاني: أن يُقال: سلّمنا أنَّ هذه المبغوضيّة الغيريّة لا يلزم من وجودها عدمها لكن يستحيل تعلّقها بهذا العنوان؛ لأنَّه تكليفٌ بغير المقدور لما بيّناه من أنَّ هذه المبغوضيّة توجب تعجيز المكلّف عن إيقاع العمل الصحيح.
فهذه المبغوضيّة إن لم تقتض البطلان فهو الصحيح، وإن اقتضت البطلان وعجز المكلّف عن العمل الصحيح فكيف يكون مبغوضاً؟
وهذا يمكن الجواب عليه بأن يُقال: إنَّه لو سلّم ذلك في النهي فلا يسلّم في المبغوضيّة؛ لأنَّه لا يشترط فيها أن تتعلّق بالمقدور. إذن، هذان الجوابان عن الإشكال غير صحيحين، وإنّما الصحيح المنع عن الأصول الموضوعيّة له، ولا أقلّ من إنكار اقتضاء النهي الغيري للبطلان. هذا كلّه في الحكم الثالث.
هل يجوز له بعد دخول الوقت أن يعجّز نفسه عن القيام ليصلّي صلاةً جلوسيّةً أو لا يجوز؟ أمّا في الصورة الثالثة فيما إذا كانت الصلاة الجلوسيّة مفوّتةً لبعض الملاك، فينبغي أن يقال: إنَّ الاضطرار الواقع بالاختيار هل هو كالاضطرار الذي لا يقع بالاختيار أو لا، بمعنى: اشتراكهما في نكتة الصورة الثالثة، أو انّه لو أوقع نفسه في الاضطرار لا يحصل على شيء منه؟
وعلى كلا التقديرين لا يجوز فإنَّ النكتة إن كانت موجودةً فقد فوّت على المولى جزء الغرض. وإن لم تكن موجودةً فقد فوّت كلّ الغرض.
ــــــــــ[308]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وأمّا في الصورتين الأولى والثانية فإن كانت نفس النكتة موجودةً فيجوز إيقاع نفسه بالاضطرار لانحفاظ الغرض، وإن فرض أنَّ النكتة غير موجودةٍ، وأنَّ الوفاء فرع الاضطرار قهراً، فلا يجوز إيقاع نفسه في الاضطرار. هذا هو تمام الكلام في مقام الثبوت.
أمّا الكلام في مقام الإثبات، فيقع في مسألتين:
الأولى: فيما إذا ارتفع الاضطرار في أثناء الوقت، وقد أتى المكلّف بالوظيفة العذريّة، فهل تجب الإعادة أو لا؟
الثانية: لو استمرّ الاضطرار إلى آخر الوقت، وتبدّل العجز إلى القدرة في خارج الوقت، فهل يجب عليه القضاء أو لا؟
إن فرض أنَّ الدليل الاضطراري أُخذ في موضوعه استيعاب العجز لتمام الوقت، فمن الواضح أنَّ ما أتى به من الصلاة العذريّة لا يكون مجزياً، حتّى لو قيل بإجزاء الأوامر الاضطراريّة عن الواقع؛ إذ لا أمر بحسب الفرض؛ لأنَّ المفروض أنَّه لم يستوعب العذر تمام الوقت، فشرطه غير متحقّق، فالصلاة المأتيّ بها ليست مصداقاً للواجب الاضطراري ليتكلّم عن أنَّها تجزي أو لا. وإنّما هي مصداقٌ لحكمٍ ظاهريّ؛ إذ إنَّه حين أتى بها كان معتقداً وجداناً أو استصحاباً على استمرار العذر إلى آخر الوقت، فيدخل في باب إجزاء الأوامر الظاهريّة لا الاضطراريّة.
ــــــــــ[309]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وأخرى يفرض أنَّ دليل الأمر الاضطراري لم يؤخذ في موضوعه استمرار العذر إلى آخر الوقت، بل أخذ فيه العذر حين الأداء سواءٌ ارتفع بعده أو لا، بحيث كان الأمر الاضطراري مقتضياً لجواز البدار، فتقع الصلاة الجلوسيّة مصداقاً للواجب المجعول في دليل الوظيفة الاضطراريّة، فيقع الكلام في أنَّ الإتيان بهذا المصداق هل يكون مغنياً عن الإعادة أو لا؟
وهنا لا بُدَّ أن يقال: إنَّ دليل الأمر الواقعي بالصلاة الاختياريّة إمّا أن يفرض أنَّ له إطلاق في نفسه يشمل حتّى المكلّف الذي كان مريضاً في أوّل الوقت ثُمَّ صحَّ قبل الغروب، فيشمله في حال مرضه وجوب الصلاة قائماً، وأخرى يفرض أنَّ هذا الدليل ليس له إطلاقٌ يشمل مثل هذا المورد، ولو من أجل أنَّ الدليل هو الإجماع، وهو دليلٌ لبّي.
إذا كان لدليل الأمر إطلاقٌ فهو يقتضي وجوب الإعادة وعدم الإجزاء، فإن أريد رفع اليد عن اقتضاء هذا الإطلاق لوجوب الإعادة فلا بُدَّ أن يدّعى كونه مقيّداً بدليل الأمر الاضطراري.
ومن هنا يقع الكلام في أنَّ دليل الوظيفة الاضطراريّة بأيّ بيانٍ يكون مقيّداً لدليل صلّ قائماً؟ يمكن أن يبيَّن ذلك بعدّة تقريبات:
التقريب الأوّل: أنَّ دليل الأمر الاضطراري يدلّ بالالتزام العقلي على الإجزاء، وهو يقتضي عدم وجوب الإعادة وهدم الإطلاق في دليل صلّ قائماً، وبيان هذه الدلالة الالتزاميّة العقليّة هو أن يُقال: إنَّ دليل الواجب
ــــــــــ[310]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الاضطراري يكشف كشفاً حكميّاً أنَّ الصلاة الجلوسيّة واجدةٌ لأحد هذه الصور الأربع التي تقدّمت في مقام الثبوت، وهي ثلاثٌ منها كانت تقتضي الإجزاء، والرابعة كانت تقتضي عدم الإجزاء، فندّعي بالبرهان العقلي أنَّها غير معقولة الاجتماع مع الأمر الاضطراري.
توضيح ذلك: أنَّه لو كانت هذه الصلاة الجلوسيّة وافيةً بتمام ملاك الواقع أو بجلّه، كما في الصورتين الأولى والثانية، فيمكن للمولى أن يجعل أمراً تخييرياً في حقّ هذا المريض الذي يرتفع عذره في الأثناء بين الجلوسيّة في أوّل الوقت أو القياميّة في آخره، وهذا أمرٌ اضطراريّ معقول.
وأمّا في الصورة الرابعة: فيما إذا كان الفعل وافياً لبعض مصلحة الواقع، ويبقى مقدارٌ مهمٌّ ملزمٌ، فهنا إن أمر المولى بالصلاة القياميّة تعييناً فهذا معناه أنَّه لا يوجد أمرٌ اضطراريّ أصلاً(1). وإن أمر بالجلوسيّة تعييناً فهذا غير معقول، إذ لا إشكال أنَّه كان بإمكانه أن يؤخّر إلى آخر الوقت ويصلّي الصلاة القياميّة، أو أنَّه يأمر أمراً تخييريّاً بينهما، فإن كان تخييراً بين المتباينين فهو خلف؛ لأنَّ المفروض أنَّ الصلاة الجلوسيّة لا تفي بتمام غرض المولى وتبقى بقيّةٌ مهمّةٌ، فهو محتاجٌ إلى الثاني (القياميّة) على أيّ حال، سواءٌ أتى بالأوّل (الجلوسيّة) أو لا، أو يأمر تخييريّاً بين الأقلّ والأكثر، إمّا بالصلاة القياميّة في آخر الوقت أو بكلتا الصلاتين، وهذا أيضاً غير معقول؛ لأنَّ التخيير بين الأقلّ والأكثر غير معقول؛
ــــــــــ[311]ــــــــــ
() وإذا استحالت سائر الأقسام تعيّن هذا القسم، وهو المطلوب، فإنَّ الصورة الرابعة لا تكون مناسبةً مع الأمر الاضطراري. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
لأنَّ مرجعه إلى الترخيص بالزائد والإلزام بالأقلّ.
إذن، الأمر الاضطراري غير معقول على تقدير الصورة الرابعة، ومعه فهذه الصورة لا تناسب الأمر الاضطراري، وإنَّما يناسبه صورة الإجزاء في الجملة، فإذا دلّ دليلٌ على تعلّق أمرٍ اضطراريٍّ بنحوٍ ما بالجلوسيّة فهو يدلّ بنفسه على نفي الصورة الرابعة، فتتعين صورة الإجزاء. فيثبت عدم وجوب الإعادة.
هذا ما أفادته مدرسة المحقّق النائيني في توضيح الإجزاء(1)، ولهذا بنى الميرزا والسيّد الأستاذ(2) على أنَّ دليل الأمر الاضطراري يقتضي الإجزاء عن الواقع بهذا البيان.
ولنا كلامان مع هذا البرهان:
الكلام الأوّل: في تحقيق حال أحد هذه الأشكال الثلاثة للأمر الاضطراري، وهو الأمر التخييري بين الأقلّ والأكثر: فإمّا أن يصلّي قائماً آخر الوقت، أو يجمع بينها وبين الصلاة الجلوسيّة أوّل الوقت، حيث ادّعي في البرهان أنَّه مستحيل.
بينما يلاحظ أنَّ السيّد الأستاذ(3) –مثلاً- في بحث المطلق والمقيّد بنى على إمكان مثل هذا التخيير بين الأقلّ والأكثر، فإذا ورد (اعتق رقبةً) و(اعتق رقبةً
ــــــــــ[312]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 245،246.
(2) انظر:محاضرات في أصول الفقه 2: 231-234.
(3) انظر: محاضرات في أصول الفقه 5: 375 و379.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
مؤمنةً) قالوا: إنَّ الخطاب الأوّل يتصوّر فيه احتمالان ثبوتيان:
الأوّل: أنَّ مرجعه إلى أمرٍ تعيينيّ بعتق الرقبة المؤمنة، بحيث يكون عين الخطاب الثاني، وكان إطلاقه صوريّاً غير مقصود، وهو معنى حمل المطلق على المقيّد.
والثاني: أنَّ مفاد اعتق رقبة أمراً تخييرياً بين الأقلّ والأكثر، يعني: إمّا أن تعتق رقبةً مؤمنةً، وإمّا أن تعتق رقبةً غير مؤمنة ثُمَّ رقبة مؤمنة.
وقد قيل هناك(1) بأنَّ جعل وجوبٍ تخييريّ يكون على هذا الشكل معقولٌ ثبوتاً، ولكنّه خلاف الظاهر إثباتاً، بينما هو مثل محلّ الكلام تماماً، فإن كان معقولاً كان معقولاً في بحث الإجزاء وبحث المطلق والمقيّد أيضاً، وإلَّا لم يكن معقولاً فيهما.
وأمّا في بحث الواجب التخييري قالوا(2): إنَّ الأمر التخييري بين الأقلّ والأكثر مستحيلٌ إلَّا أن يرجع الى المتباينين، بأن يؤخذ الأقلّ بشرط لا من حيث الزيادة، وحينئذٍ قد يقال في المقام أيضاً: فلنأخذ الأقلّ بشرط لا في بحث الإجزاء، وفي بحث المطلق والمقيّد، فنقول في مسألتنا: إنَّ التخيير بين صلاة قياميّةٍ مشروطةٍ بأن لا يكون قبلها صلاةٌ جلوسيّةٌ، وبين قياميّةٍ قبلها جلوسيّة، وهما متباينيان.
ــــــــــ[313]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه، ج 5، ص 380.
(2) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 235، أجود التقريرات 1: 186، محاضرات في أصول الفقه 4: 44-47.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وفي مسألة المطلق والمقيّد: إنَّ التخيير بين عتق رقبةٍ مؤمنةٍ بشرط لا من حيث عتق رقبةٍ كافرةٍ قبله، وعتق مؤمنةٍ بشرط شيءٍ من عتق رقبةٍ كافرةٍ قبله، فليكن ممكناً فيهما.
وما ينبغي أن يقال: إنَّ التخيير بين الأقلّ والأكثر غير معقول -كما أفادت مدرسة النائيني- ما لم يرجع إلى المتباينين بأخذ الأقلّ بشرط لا من حيث الزيادة.
لكن أخذ الأقلّ بشرط لا ليس دائماً يصحّح التخيير بين الأقلّ والأكثر، وفي بحث الإجزاء والمطلق والمقيّد لا تصحّحه البشرط لائية.
وتوضيح ذلك: أنَّ الأقلّ إذا أخذ بشرط لا، يكون مبايناً مع الأكثر، فيكون من قبيل الضدّين المتباينين، فنقول: إنَّ هذين الضدّين تارةً يُتصوّر لهما ثالثٌ، وأخرى لا يتصوّر لهما ثالثٌ مع انحفاظ الأقلّ.
مثال الأوّل: لو فرضنا أنَّه في باب التسبيحات في الثالثة والرابعة كان مخيّراً بين تسبيحةٍ واحدةٍ بشرط لا من حيث الزيادة، أو تسبيحةٍ بشرط ضمّ اثنين إليها، فهنا يمكن انحفاظ التسبيحة الواحدة مع زوال البشرط لائية والبشرط شيئية معاً بأن يأتي بتسبيحةٍ واحدةٍ مع ضمّ واحدةٍ إليها، فقد عدل عن كلا فردي الواجب التخييري.
ومثال ما إذا لم يكن ذلك: ما إذا فرضنا أنَّ التسبيحة الواحدة أخذت بشرط لا من حيث ضمّ الثالثة إليها –لا من حيث ضمّ الثانية إليها- وأخذت بشرط شيءٍ من حيث ضم الثالثة إليها، فهنا لا يتصوّر الإتيان بالتسبيحة إلَّا بتحقّق أحد القيدين، فإنَّه إن أتى بالثالثة فقد تحقّقت البشرط شيئية، وإن لم يأت
ــــــــــ[314]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
به فقد تحقّقت البشرط لائية، سواءٌ أتى بالثانية أو لا.
والصحيح: أنَّه متى كان بالإمكان الإتيان بذات الأقلّ مع انتفاء كلتا الخصوصيّتين، فيمكن للمولى أن يلزم بالأقلّ، ويلزم بإحدى الخصوصيّتين.
وأمّا إذا كان لا يمكن ذلك مع انحفاظ الأقلّ، بل كان وقوع إحدى الخصوصيّتين قهريّاً حينئذٍ، فلا يمكن زائداً على الإلزام بالأقلّ الإلزام بإحدى الخصوصيتين؛ لأنَّ الجامع بينهما قهريّ الحصول فيستحيل التكليف به.
وهذا الضابط حين نطبقه في محل الكلام نرى: أنَّ معنى التخيير بين الأقلّ والأكثر مع أخذ الأقلّ بشرط لا، معناه الصلاة القياميّة بشرط لا من حيث الجلوسيّة، والصلاة القيامة بشرط شيء من حيث الجلوسيّة.
وهذا ينحل إلى أمرين: أمر بالصلاة القياميّة على كل حال، وأمر بالجامع بين الخصوصيّتين. وهذا الجامع قهريّ الحصول على فرض حصول القياميّة، فإنَّها متى ما حصلت: فإمّا قبلها جلوسيّة أو لا؛ لأنَّ ارتفاع النقيضين محال.
ومعه لا ينفع أخذ الأقلّ بشرط لا في تصحيح التخيير بين الأقلّ والأكثر.
فما ادّعي أنَّ الشقّ الثالث غير معقولٍ صحيحٌ، ولا يمكن تصحيحه بأخذ الأقلّ بشرط لا، وما ادّعي من ذلك في باب الإطلاق غير صحيحٍ، فإنَّه من قبيل محلّ الكلام.
الكلام الثاني: أنَّنا نسلّم أنَّ الأشكال الثلاثة للأمر الاضطراري كلّها غير معقولةٍ في الصورة الرابعة، ولكن يوجد هناك شقٌّ رابعٌ وراء هذه الأشكال الثالثة، ولا برهان على إبطاله.
وتوضيحه: أنَّ هذه الأشكال الثلاثة كانت تفترض وحدة الأمر، وهو إمّا
ــــــــــ[315]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أمرٌ تعيينيّ بالجلوسيّة، أو تخييريّ بين الصلاتين، أو تخييريّ بين الأقلّ والأكثر. وكلها فيها محذور. ولكن يمكن تصوّر أمرين: أمرٌ يتعلّق بالجامع بين الصلاة الجلوسيّة والقياميّة، وهذا هو الأمر الاضطراري؛ إذ به تتّصف الجلوسيّة بأنَّها مصداقٌ للواجب، وهو الجامع الذي أمر به بهذا الأمر، والأمر الثاني يتعلّق بخصوص الصلاة الاختياريّة، فهذا المكلّف الذي يرتفع عذره في الأثناء إن أتى بالجلوسيّة في أوّل الوقت فقد أتى بالواجب ويسقط عنه الأمر بالجامع، ولكن لا تكون مجزيةً؛ لأنَّه بعد البرء يجب عليه الصلاة الاختياريّة، فبهذا اجتمع الأمر الاضطراري مع عدم الإجزاء، أي: مع الصورة الرابعة. وأمّا إذا لم يصلّ في أوّل الوقت إلى أن انتفى عذره، فهو يصلّي صلاةً قياميّةً، ويسقط بها كلا الأمرين؛ لأنَّها مصداقٌ لهما معاً.
هذا الكلام يمكن أن يوجَّه إليه شبهةٌ واحدةٌ، وهي أنَّه قد يُقال: إنَّ جعل الأمر بالجامع لغوٌ من المولى؛ لأنَّه على أيّ حالٍ لا بُدَّ أن يأمر بالحصّة الاختياريّة، وهي تكفيه، فما فائدة الأمر بالجامع. إذ لو كان الأمر بالجامع كافياً فهو المطلوب، إلَّا أن المفروض أنَّه لا يغني لعدم الإجزاء. ولكنّ الأمر بالحصّة يغنيه عن الأمر بالجامع بالحصّة، فجعل أمرين لغوٌ ولا بدَّ من الاكتفاء بجعلٍ واحدٍ.
وجوابها: أنَّ المولى لا بُدَّ له من جعلين؛ لأنَّ المكلّف ينقسم إلى ثلاثة أقسام.
ــــــــــ[316]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
توضيح ذلك: أنَّ المولى حين ينظر إلى طبيعيّ المكلّف يجد أنَّه ينقسم إلى ثلاثة أصناف.
الصنف الأوّل: المختار في تمام الوقت.
الصنف الثاني: المريض في تمام الوقت.
الصنف الثالث: الذي كان مريضاً في أوّله وشفي في الأثناء.
ولا بدَّ للمولى أن يجعل حكمه على هذه الأقسام الثلاثة، بحيث لا يبقى واحدٌ منها بلا حكم.
وحيث فرضنا عدم الإجزاء؛ لأنَّنا نتكلّم على تقدير الصورة الرابعة، فلا بُدَّ للمولى أن يجعل أمراً بالصلاة الاختياريّة للصنف الأوّل والثالث كما هو واضح. وهذا الجعل لا يمكن أن يشمل الصنف الثاني. إذن، لا بُدَّ من جعلٍ ثانٍ يكون تشخيصاً للوظيفة لهذا الصنف. فهذا الجعل من جهة ضرورة قيام المولى به له صيغتان:
إحداهما: أن يجعل أمر الصلاة الاضطراريّة بالخصوص للمريض في تمام الوقت.
ثانيهما: ما قلناه من أنَّه يجعل أمراً بالجامع بين الصلاتين على طبيعيّ المكلّف، ويتوجّه إلى الصنف الثاني؛ لأنَّه قادرٌ على أحد فردي الجامع، فالمولى لا بُدَّ له من جعلين ولا يكون لغواً، فالصورة الرابعة تناسب مع جعلين، وهذا معناه أنَّ دليل الأمر الاضطراري لا ينفي الصورة الرابعة، بل يجتمع معها، فلا يكون دليلاً على الإجزاء. وبهذا يبطل برهان الميرزا.
ــــــــــ[317]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ثُمَّ لو سلّمنا برهان الميرزا فغايته أنَّه يتمّ فيما إذا فُرض أنَّ دليل الحكم الاضطراري ورد في خصوص من كان مريضاً ثم شفي في الأثناء، وأمّا إذا فرض أنَّه كان مطلقاً، كما لو كان بلسان أنَّ من كان مريضاً وأراد أن يصلّي فليصلِّ عن جلوسٍ سواءٌ شفي بعد ذلك أو لا، فدليل الأمر الاضطراري يكون تحته صورتان: استيعاب العذر لتمام الوقت، وارتفاعه في الأثناء.
ومن المعلوم أنَّ دليل الأمر الاضطراري بالإضافة إلى الصورة الأولى لا يعارض مع دليل الحكم الواقعي، فإنّ دليل الحكم الواقعي لا يشمل هذه الصورة أصلاً.
وأمّا إطلاق دليل الأمر الاضطراري للصورة الثانية، فهو يعارض دليل الحكم الواقعي، فإنَّه يستلزم ببرهان الميرزا الإجزاء وعدم وجوب الإعادة، ودليل الحكم الواقعي يستلزم وجوب الإعادة. إذن، كل منهما ببرهان الميرزا ينفي الآخر. فدليل الحكم الاضطراري ينفي الإعادة، أي: شمول الحكم الواقعي كهذه الصورة؛ ولذلك دليل الحكم الواقعي يثبت الإعادة وينفي شمول دليل الحكم الاضطراري كهذه الصورة، فيتعارضان بنحو العموم من وجهٍ، ويجتمعان في صورة ما إذا كان معذوراً وصلّى ثُمَّ ارتفع عذره.
والنتيجة وإن كانت هي النتيجة؛ لأنَّه بعد تساقطهما يكون الأصل هو عدم الإعادة. ولكن قد يتّفق مرجّح لدليل الحكم الواقعي على الآخر، كما لو كان بالعموم والآخر بالإطلاق، فيجب الأخذ بالراجح.
نعم، يتمّ برهان الميرزا فيما إذا كان دليل الحكم الاضطراري وارداً في هذه
ــــــــــ[318]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الصورة، فإنَّه لو تمّ برهان الميرزا يصبح هذا الدليل مخصّصاً للحكم الواقعي، ولكن عرفنا أن برهان الميرزا غير تامّ.
هذا هو تمام الكلام في التقريب الأوّل لتقييد دليل الحكم الواقعي بدليل الأمر الاضطراري.
التقريب الثاني: دعوى الإطلاق المقامي في دليل الأمر الاضطراري، وحاصله: أنَّه لو ثبت في دليلٍ من أدلّة الأوامر الاضطراريّة، واستظهرنا من حال المتكلّم أنَّه في مقام بيان تمام الوظيفة، وبيَّن مطلوبيّة الصلاة الجلوسيّة، وسكت عن مطلوبيّة القياميّة بعد ارتفاع العذر، فسكوته يدلّ على عدم وجوب الإعادة وإلَّا كان عليه البيان.
وهذا موقوفٌ على قيام قرينةٍ على أنَّ المولى في مقام بيان تمام الوظيفة، ومقتضى طبع اللفظ أنَّه في مقام بيان الوظيفة الاضطراريّة، فإن لم تقم قرينةٌ على ذلك فلا محصّل لهذا الإطلاق المقامي.
إلَّا أنَّ هذا الإطلاق أيضاً يكون معارضاً مع دليل الأمر الواقعي؛ لأنَّه يقول الوظيفة هي الصلاة من جلوس، ومقتضى إطلاقه أنَّ الصلاة من قيام ليست وظيفة ودليل الحكم الواقعي بالإطلاق لصورة ما إذا ارتفع العذر في أثناء الوقت، يثبت وظيفية الصلاة القياميّة، فإن كان أحدهما أظهر من الآخر أخذ به لضيق الإطلاق المقامي وسعة الآخر، وإلَّا يتعارضان ويتساقطان ويرجع إلى الأصول العملية، وهي تقتضي الإجزاء وعدم وجوب الإعادة.
هذا كلّه فيما إذا كان لدليل الحكم الواقعي إطلاقٌ يشمل هذه الحالة، بحيث يقتضي عدم الإجزاء.
ــــــــــ[319]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
التقريب الثالث: ويمكن تقريب هذا الإطلاق بنحوٍ أحسن، بحيث لا يرد عليه إشكال المعارضة، فإنّنا كنا نقول: إنَّ المولى في مقام بيان الوظيفة الفعليّة، واقتصر على بيان الصلاة الجلوسيّة فيكشف عن كونها كافيةً في الوظيفة الفعليّة، وهو معنى الإجزاء.
وأمّا الصيغة الجديدة فهي: إنَّ لسان الدليل الاضطراري لسانه لسان جعل البدل والوجود التنزيلي للواقع، وقد يكون هذا اللسان لفظيّاً كقوله: “التراب أحد الطهورين“(1) أو قد يكون لساناً مقاميّاً لسانه الأمر بالصلاة الجلوسيّة ولكن يقتضي منه جعل الوجود البدلي للوظيفة الواقعيّة.
وحينئذٍ فهذا الوجود التنزيلي للوظيفة الواقعيّة هل هو وجودٌ تنزيليٌّ بلحاظ تمام الوظيفة الواقعيّة وتمام مراتب غرض المولى منها، أو بلحاظ بعضها؟ فمقتضى إطلاق البدليّة أنَّه بدلٌ بلحاظ تمام مراتب المبدل منه، وهو الوظيفة الواقعيّة، فيثبت الإجزاء.
وهذا البيان يختلف عن سابقه بأنَّه إذا تمّ الإطلاق بهذا البيان، فلا يرد
ــــــــــ[320]ــــــــــ
() ورد مضمونه في كتب الحديث، لاحظ: تهذيب الأحكام 1: 197، كتاب الطهارة، الباب 8، الحديث 45، الاستبصار 1: 161، كتاب الطهارة، الباب 96، الحديث 2، وسائل الشيعة 3: 270، باب 14 من أبواب التيمّم، الحديث 15، وبإسناده عن الحسين بن سعيد عن حمّاد عن حريز عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عن رجلٍ أجنب فتيمّم بالصعيد وصلّى ثُمَّ وجد الماء، قال: لا يعيد، إنَّ ربّ الماء ربّ الصعيد فقد فعل أحد الطهورين.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الإشكال السابق، وهو إيقاع المعارضة بين إطلاق الدليل الاضطراري ودليل الوظيفة الواقعيّة الاختياريّة، فإنَّه إنَّما كان يرد بحسب صيغة الأمر لوضوح أنَّ كلا من صيغتي الأمر ليس له نظرٌ إلى الآخر، فكلّ واحدٍ منهما ينظر إلى الوظيفة الفعليّة ويحددها بشيءٍ، فهما في مرتبةٍ واحدةٍ فيتعارضان.
وأمّا في البيان الجديد فقد يقال: إنَّ إطلاق الدليل الاضطراري يكون حاكماً على إطلاق دليل الأمر الواقعي، فإنَّه وإن اقتضى ثبوت الأمر بالصلاة الاختياريّة، وأنَّها ذات مصلحةٍ غير مستوفاةٍ، ويدلّ بالالتزام أنَّ دليل البدليّة ليس مجزياً ولكن يقدَّم عليه الدليل الاضطراري، فإنّنا إذا أعطيناه لسان جعل الوجود البدلي للوظيفة الواقعيّة الاختياريّة يكون ناظراً، فيقدم عليه بالحاكميّة.
ثم إنَّ المحقّق العراقي في مقالاته(1)، قرّب الإطلاق ببيانٍ لا يبعد أن يكون ظاهره الصيغة الثانية، وعقَّبه بإشكالين:
الإشكال الأوّل: أنَّه ادّعى إيقاع المعارضة بين إطلاق دليل الأمر الاضطراري الذي يقتضي كون البدل بلحاظ تمام مراتب المبدل، وبين إطلاق دليل الأمر الواقعي (صلّ قائماً) في كون قيد القيام دخيلاً في المصلحة ولو في بعض مراتبها، فإنَّه لو فرض أنَّ الصلاة الجلوسيّة كانت وافيةً بتمام مراتب المصلحة، فمعناه أنَّ القيام غير دخيلٍ في شيءٍ من المصلحة، فظهور القيد هذا يعارض ظهور دليل الأمر الاضطراري في أنَّ الصلاة الجلوسيّة وافيةٌ بتمام مراتب المبدل.
ــــــــــ[321]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول 1: 274،275، بدائع الأفكار (العراقي) 1: 270،271.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وقد ظهر جوابه ممّا ذكرنا ، فإنَّنا إذا سلّمنا هذه الصيغة من الإطلاق وأعطينا للدليل الاضطراري لسان جعل الوجود التنزيلي، فيكون هذا الدليل ناظراً إلى الدليل الواقعي، فيكون حاكماً، ويقدَّم إطلاقه على دليل الوظيفة الواقعيّة، فلا يصحّ إيقاع المعارضة بين الإطلاقين.
الإشكال الثاني: أنَّه مع المعارضة يقدَّم ظهور دليل الأمر الواقعي على ظهور دليل الأمر الاضطراري وبيّن في وجه التقديم بيانين:
البيان الأوّل: أنَّ دلالة دليل الأمر الاضطراري على الإجزاء والوفاء بتمام مراتب المبدل إنَّما هو بالإطلاق ومقدّمات الحكمة، فإنّ البدل على الإطلاق هو متقضى إطلاق البدليّة، وأمّا في الطرف الآخر وهو الظهور الثابت في دليل الأمر الواقعي في أن القيام له دخل في المصلحة في الجملة.
ومن الواضح أنَّ هذا ليس إطلاقاً، بل ظهورٌ وضعيّ للهيئة التركيّبية من القيد والمقيّد، فيكون التعارض بحسب الحقيقة بين دلالةٍ إطلاقيّةٍ ودلالةٍ وضعيّةٍ، ومتى ما تعارض مثل هذين الظهورين يقدَّم الظهور الوضعي.
وهذا البيان ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ دليل (صلّ قائماً) لم يرد في خصوص محلّ الكلام -وهو مَن كان مريضاً وصلَّى من جلوس وارتفع مرضه في أثناء الوقت- بل هو مطلقٌ يشمل هذا المكلّف والمكلّف المختار في تمام الوقت.
وحينئذٍ نقول: إنَّ (صلّ قائماً) له دلالتان: دلالة على أنَّ القيام له دخلٌ في المطلوب، ولنفرض كونه وضعيّاً، ودلالةٌ أخرى، وهي: أنَّ دخل القيام لا يختصّ بحالٍ دون حالٍ، بل يشمل الأصحّاء والمرضى، والإطلاق الذي له
ــــــــــ[322]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
دخلٌ إنَّما يكون بمقدّمات الحكمة، وما هو طرف المعارضة مع دليل الأمر الاضطراري ليس هو أصل دخل القيام في المصلحة، بل إطلاقه لصورة من ارتفع عذره في الأثناء.
ولذا لو قال في الدليل الواقعي: صلّ قائماً إن كنت صحيحاً في طول الوقت، لما لزم التجوّز، بل التقييد، فكلاهما يكون إطلاقٌ بمقدّمات الحكمة.
البيان الثاني(1): –أغرب من البيان الأوّل- وهو: دعوى أنَّ دليل الأمر الواقعي حاكمٌ على دليل الأمر الاضطراري، وذلك: لأنَّ مقتضى ظهور الدليل الواقعي هو دخل القيام في المصلحة على الإطلاق، وهذا يقتضي وجوب حفظ القدرة على القيام لأجل تحقيق المصلحة، ومعنى وجوب حفظها المنع من تفويت القدرة، أي: المنع من إيقاع الإنسان نفسه في الاضطرار، فدليل الأمر الواقعي يمنع من الاضطرار، والاضطرار هو موضوع دليل الأمر الاضطراري، فيكون دليل الأمر الواقعي رافعاً لدليل الأمر الاضطراري.
هذا الكلام منه من الغرائب؛ لأنَّ الميزان في حاكميّة دليلٍ على آخر أن يكون أحدهما رافعاً لموضوع الدليل الآخر في عالم الجعل والاعتبار، لا ناهياً عن إيقاعه في عالم الخارج والتكوين.
فقوله: “لا ربا بين الوالد وولده“(2)، يكون حاكماً؛ لأنَّه ينفي عنوان الربا
ــــــــــ[323]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول 1: 277، بدائع الأفكار (العراقي) 1: 267، 268.
(2) الكافي 9: 755، كتاب المعيشة، الباب 52، الحديث 26، من لا يحضره الفقيه 3: 277، أبواب القضايا والأحكام، باب الربا، الحديث 4001.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
في عالم الجعل عن هذه المعاملة. وأمّا إذا نهى عن هذه المعاملة، فهو ليس حاكماً على دليلٍ يدلّ على حكمٍ من أحكامها؛ لوضوح أنَّه لو عصى هذا النهي لشمله دليل الحكم الآخر، ولو بالمعصية. وإذا شمل موضوع الدليل الثاني يوجد محموله لا محالة.
وما هو موجودٌ في المقام في دليل الحكم الواقعي –لو سلِّم- فغايته أنَّه يحرم على الإنسان إيجاد الاضطرار، وهذا غير مربوط بالاضطرار.
فهذان الإشكالان غير تامّين، والإطلاق بالصيغة الثانية تامّ في كلّ دليلٍ استفيد منه التنزيل.
نتعرّض الآن الى تقريبين للإجزاء، أحدهما يستفاد من كلمات المحقّق العراقي، وله تلميحٌ في كلمات المحقّق الأصفهاني، والآخر مستفادٌ من كلمات المحقّق الأصفهاني.
التقريب الأوّل: وهو الذي بنى عليه المحقّق العراقي في استفادة الإجزاء من دليل الأمر الاضطراري(1).
وتوضيحه: أنَّ دليل (صلّ جالساً) بعد فرض تماميّته وتوجّهه إلى هذا المكلّف في أوّل الوقت، ومقتضى ظهور الأمر أنَّ الأمر بالصلاة الجلوسيّة أمرٌ تعيينيّ لا تخييريّ؛ لأنَّه كلّما أمر المولى بشيءٍ ودار أمره بين التعيين والتخيير فمقتضى إطلاق الصيغة هو كونه تعيينيّاً.
ــــــــــ[324]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول 1: 87.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
حينئذ نقول: إنَّ تعيينيّة هذا الأمر لا يناسب إلَّا فرضيّةً واحدةً من ثلاث فرضيات، وهي فرضيّة تتضمّن الإجزاء، فيثبت الإجزاء ببركة ظهور الصيغة بالتعيين.
الفرضيّة الأولى: أن يكون هناك ملاكٌ واحدٌ بتمامه يستوفى بالصلاة القياميّة، وبتمامه يستوفى الجلوسيّة الاضطراريّة، وهي لو صدقت يحكم بالإجزاء بملاك الاستيفاء.
وهي لا تناسب مع الأمر التعييني بالصلاة الجلوسيّة؛ لأنَّها متى صدقت ناسبت مع الأمر بالجامع بينها وبين القياميّة، أي: أمراً تخييريّاً لا تعيينيّاً بالجلوسيّة؛ لوضوح أنَّ الملاك قائمٌ بالجامع على الفرض، ومعه لا معنى لأن يكون الأمر بالجلوسيّة تعينيّاً، فهذه الفرضيّة لا تناسب الأمر التعييني. وهذا معناه أنَّ ظهور الصيغة بالأمر التعييني ينفي هذه الفرضيّة.
الفرضيّة الثانية: أن يكون هناك ملاكان: ملاكٌ قائمٌ بالجامع بين الصلاتين، والآخر قائمٌ بالصلاة القياميّة، وهو يمكن استيفاؤه حتّى بعد الإتيان بالصلاة الاضطراريّة؛ لأنَّها إنَّما تفي بالملاك الأوّل دون الثاني.
وهذه الفرضيّة لو صدقت لكان الحكم هو عدم الإجزاء؛ لأنَّ الاضطراريّة إنَّما وفت بالملاك الأوّل، وأمّا الملاك الثاني فلم يُستَوفَ، والمفروض أنَّه يمكن استيفاؤه فلا بُدَّ من إعادة الصلاة.
لكن هذه الفرضيّة أيضاً لا تتناسب مع الأمر التعييني بالصلاة الجلوسيّة؛ لأنَّ الأمر بها إنَّما هو بلحاظ الملاك الأوّل المفروض، وهو قائمٌ بالجامع بين
ــــــــــ[325]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الصلاتين، فلا معنى لأن يكون أمراً تعيينيّاً بالجلوسيّة، بل لا بُدَّ أن يكون أمراً تخييريّاً؛ لأنَّه نشأ من ملاكٍ تخييريّ قائمٍ بالجامع. إذن، ظهور إطلاق الصيغة في دليل الأمر الاضطراري بالتعيينيّة ينفي هذه الفرضيّة.
الفرضيّة الثالثة: أنَّ هناك ملاكين أحدهما قائمٌ بالجامع بين الجلوسيّة والقياميّة، والآخر قائمٌ بخصوص الاختياريّة، ولكنّنا نفرض أنَّ استيفاء الملاك الجامع بالصلاة الجلوسيّة يوجب تعذّر استيفاء الملاك الثاني بالصلاة القياميّة.
وهذه الفرضيّة -كالأولى- أيضاً تستبطن الإجزاء لو صدقت، لكن الإجزاء هنا لا باستيفاء الملاك بل بلحاظ التفويت.
وهذه الفرضيّة فيها مسوّغٌ للأمر التعييني بالصلاة الجلوسيّة؛ لأنَّ المفروض فيها أنَّ الصلاة الجلوسيّة مفوّتةٌ للملاك الثاني، ومعذّرةٌ من استيفائه، ومن الواضح أنَّ ما هو مفوّتٌ لغرض المولى يحكم العقل بقبحه، فهو لا يأذن بالصلاة الجلوسيّة، ولكن هذا الحكم العقلي معلّقٌ على عدم مجيء ما يخالفه من الشرع، فإذا جاء ما يخالفه نرفع اليد عن ذلك. فيمكن أن نفترض أنَّ المولى يأمر تعييناً بالصلاة الجلوسيّة ليرفع موضوع حكم العقل بقبح التفويت؛ لأنَّه لو أمر بالجامع فقط، لنهانا العقل عن تطبيق الجامع على هذا الفرد؛ لأنَّه يفوّت على المولى غرضه. فالمولى من أجل أن يطلق العنان لنا بالجلوسيّة، يجعل أمره أمراً بالجلوسيّة خاصّةً، إذ الأمر بالجامع لا يكفي في ذلك.
إذن، هذه الفرضيّة هي الوحيدة التي تبرر الأمر التعييني بالجلوسيّة، فيكون إطلاق الصيغة للدليل الاضطراري الدالّ على التعيين معيّناً لهذه الفرضيّة.
ــــــــــ[326]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إلَّا أنَّ هذا لا يمكن المساعدة عليه؛ لإيرادين:
الإيراد الأوّل: أنَّ الأمر التعييني بالصلاة الجلوسيّة -الذي يفرضه في الفرضيّة الثالثة- يسوّغ أنَّ الشارع يريد أن يرفع موضوع حكم العقل بقبح التفويت بالصلاة الجلوسيّة.
ونحن ننكر أصل قبح التفويت ببرهان: أنَّ الأمر الواقعي المتعلّق بالصلاة القياميّة هل متعلّقه هو القياميّة المقيّدة بأن لا يقع قبلها جلوسيّةٌ، أو هو مطلق القياميّة بين الحدّين، سواءٌ كان قبلها صلاةٌ جلوسيّةٌ أو لا؟
فإن فرض أنَّه أمر بصلاةٍ قياميّةٍ مقيّدةٍ بأن لا يكون قبلها صلاةٌ جلوسيّة، فهذا معناه الإلزام بالقيد؛ لأنَّ الإلزم بالمقيّد إلزامٌ بالنتيجة بقيده، ومعه يستحيل الإلزام بالاضطراريّة؛ لأنَّه يصير هناك تهافتٌ بالإلزام.
وإن فرض أنَّه أمر بقياميّةٍ بين الحدّين مطلقاً، سواءٌ وقع قبله صلاةٌ جلوسيّةٌ أو لا، فالعقل هنا لا يحكم بقبح الإتيان بالصلاة الجلوسيّة، حتّى لو فرض أنَّها كانت مفوّتةً لملاك المولى؛ لأنَّها في هذا الفرض لا تفوّت مأمور المولى. نعم، تفوّت غرض المولى الذي لم يأمر به المولى، ومن المعلوم أنَّ غرض المولى ما لم يأمر المولى على طبقه، ولم يتصدّ إلى تحصيله، لا يدخل في عهدة المكلّف، والمفروض أنَّ المولى هو أهمل غرضه، فإنَّه أهمل مطلق الصلاة لا الصلاة المقيّدة، فإذا لم يحكم العقل بقبحها فيكون الإلزام التعييني بها جزافاً، فالأمر التعييني بالصلاة الجلوسيّة غير معقولٍ على كلّ حالٍ في كلا الصورتين.
الإيراد الثاني: أنّنا لو سلّمنا أنَّ الإتيان بالصلاة الجلوسيّة يقبح عقلاً لولا
ــــــــــ[327]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
تدخّل الشارع؛ لكونه تفويتاً، إلَّا أنَّ حكم العقل بهذا كما يرتفع بالإلزام كذلك يرتفع بالترخيص، فكما أنَّ الإلزام التعييني بالجلوسيّة يرفع موضوع حكم العقل بقبح التفويت كذلك الترخيص بها، ومعه يكون بالإمكان أن يأمر بالجامع بين الصلاة ويرخّص بالجلوسيّة، إمّا بأن يُقال أنَّ الأمر بالجامع يستلزم الترخيص في تمام أفراده، أو يقال بالترخيص المستقلّ في الصلاة الجلوسيّة.
والشارع يتعيّن عليه أن يسلك مسلك الترخيص، لا أن يسلك مسلك الإلزام؛ لأنَّه يوجد محذوران في الإلزام التعييني بالصلاة الجلوسيّة:
المحذور الأوّل: لو ألزم تعييناً بالصلاة الجلوسيّة، وعصى المكلّف حتّى ارتفع عذره، فلا إشكال أنَّه يؤمر بالصلاة القياميّة، فلو عصى الى آخر الوقت يلزم أن يكون مستحقّاً لعقابين؛ لأنَّه ارتكب معصيتين، فيلزم أن يكون المضطرّ في بعض الوقت أسوأ حالاً من المختار في تمام الوقت؛ لأنَّ المختار لا يستحقّ إلَّا عقاباً واحداً.
المحذور الثاني: أنَّه لو لم يصلّ صلاة جلوسيّة، وصلّى صلاةً قياميّةً في آخر الوقت، فيلزم على فرضيّة الأمر التعييني أن يكون هذا عاصياً، مع أنَّه أتى بالقياميّة، واستوفى تمام ملاك المولى.
إلَّا أن يلتزم المحقّق العراقي أنَّ الأمر التعييني بالصلاة الجلوسيّة مقيّدٌ بأن لا يأتي بالقياميّة بعد ذلك، إلَّا أنَّ هذا معناه التصرّف في إطلاق الهيئة، وكلّ هذا الحساب كان مبنيّاً على أنَّ إطلاق الهيئة يقتضي التعيينيّة. إذن، الحفاظ على هذا الإطلاق يستلزم رفع اليد عنه من ناحيةٍ أخرى.
ــــــــــ[328]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
التقريب الثاني للاصفهاني(1): وحاصله: أنَّ الجامع تارةً يفرض وفاؤه بالملاك الاضطراري والاختياري بتمام مراتبه، وهذا يعني الإجزاء. وأخرى يفرض أنَّ الملاك قائمٌ بالجامع بين الفعلين، إلَّا أنَّ مرتبة الشدّة من الملاك لا تحصل بالجامع، وإنَّما تحصل المرتبة الشديدة بتطبيق الجامع على خصوصيّة الفعل الاختياري.
وإذا كان واقع ملاك المولى على هذا النحو، لو أُتي بالصلاة الجلوسيّة في حال الاضطرار فقد استُوفي أصل الملاك، فقد بقيت المرتبة الخاصّة من الملاك القائمة بخصوصيّة الفعل الاختياري لا بالجامع، إذ لو كانت قائمةً بالجامع لحصلت بالصلاة الاضطراريّة، وإنَّما هي قائمةٌ بما به الامتياز للصلاة الاختياريّة عن الاضطراريّة وهو القيام مثلاً. وهذا معناه أنَّ أمر المولى حقيقةً سوف يتوجّه نحو القيام في الصلاة لا نحو الصلاة القياميّة؛ لأنَّ الأمر يتعلّق بما يُحصِّل المرتبة الزائدة وهو الخصوصيّة لا ذو الخصوصيّة، يعني القيام لا الصلاة القياميّة.
مع أنَّ دليل الأمر الواقعي الذي نريد أن نثبت به عدم الإجزاء مفاده إنَّما هو الأمر بالصلاة القياميّة لا بخصوصيّة القيام بالصلاة.
وهذا معناه أنَّ مفاد الدليل -وهو الأمر بالصلاة ذات الخصوصيّة- غير محتمل، سواءٌ قيل بالإجزاء أو قيل بعدمه، أمّا لو قيل بالإجزاء؛ فلأنَّ معناه أنَّه لا أمر بالإعادة أصلاً، وأمّا لو قيل بعدمه، فهذا معناه أنَّ الأمر يقوم بالجامع، والمرتبة الشديدة من الملاك تقوم بالخصوصيّة –ما به امتياز الصلاة الاختياريّة-
ــــــــــ[329]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 256.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهو القيام فيكون الأمر متعلّقاً به، ومن هنا صحّ القول بأنَّ ما هو مدلول الدليل غير محتمل، وما هو محتملٌ -وهو الأمر بالخصوصيّة- لم يدلّ عليه دليلٌ؛ لأنَّ لسان الأمر الواقعي هو لسان الأمر بذي الخصوصيّة، لا بالخصوصيّة نفسها(1).
وهذا البيان لو تمّ لا يقتضي قيام الدليل على الإجزاء بل يقتضي إبطال دلالة الأمر الواقعي على عدم الإجزاء، فيرجع في إثبات الإجزاء: إمّا إلى إطلاقٍ من الإطلاقات، أو إلى أصلٍ من الأصول.
إلَّا أنَّ هذا التقريب غير صحيح؛ لأمرين:
الأمر الأوّل: تفطّن له نفس المحقّق الأصفهاني(2) في بعض كلماته حيث ذكر أنَّه لو تصوّرنا عدم الإجزاء بالنحو الذي ذكر في هذا التقريب بأن يكون ملاكٌ واحدٌ قائمٌ بالجامع بين الصلاة الجلوسيّة والقياميّة وتكون مرتبته الشديدة قائمةً بخصوصيّة الصلاة القياميّة، لتمّ ما قيل في الدليل.
لكن يمكن أن تفترض أنَّ هناك ملاكين مستقلّين: أحدهما قائمٌ بالجامع بين الصلاتين، والآخر قائمٌ بالصلاة القياميّة، بحيث يقوم بذي الخصوصيّة لا بالخصوصيّة، يعني أنَّ المؤثر في الملاك الثاني هو المجموع المركّب من حيثيّة الاشتراك وحيثيّة الامتياز.
ومعه يمكن للمولى أن يأمر بالإعادة بلسان الأمر بذي الخصوصيّة بما هو
ــــــــــ[330]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 256،257.
(2) المصدر السابق.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ذو الخصوصيّة؛ لأنَّه يريد أن يحصل الملاك الثاني، فيتعلّق الأمر بالصلاة القياميّة.
الأمر الثاني: أنّنا لو فرضنا أنَّه لم يكن عندنا ملاكان، بل كان عندنا ملاكٌ واحدٌ كالذي قيل في أصل الدليل، فأيضاً يمكن تصوير قيام الأمر الشرعي بذي الخصوصيّة، وذلك لإمكان افتراض أنَّ الجامع بين الصلاتين الذي هو الحيثيّة المشتركة، يكون مقتضياً بطبعه للملاك لأصله ولمرتبته الشديدة معاً، لكنّ اقتضاءه لأصله لا يحتاج إلى شرط، بل بنحو العليّة التامّة، وأمّا اقتضاء الجامع للمرتبة الشديدة فهو بحاجةٍ إلى ضمّ شرط، فتكون الحيثيّة المشتركة في كلٍّ من أصل الملاك وفي مرتبته.
ومعه فإذا صلّى صلاةً جلوسيّةً فقد وجد الجامع، وبهذا وجد أصل الملاك؛ لأنَّ اقتضاءه له علّيٌّ تنجيزي. ولكن لم توجد مرتبته الشديدة لعدم توفّر شرطه، فلا بُدَّ للمولى أن لا يأمر بالخصوصيّة، بل بذي الخصوصيّة، أي: بالجامع المتخصّص بالخصوصيّة القياميّة؛ لأنَّ المفروض أنَّ المؤثر في المرتبة الشديدة هو المجموع المركّب من الحيثيّة المشتركة والحيثيّة الخاصّة. ومعه يعقل تعلّق الأمر بذي الخصوصيّة فيتطابق ما هو المحتمل مع لسان الأمر الواقعي. ومعه يتعلّق الأمر بالإعادة بلسان صلِّ.
مضافاً إلى أنَّه لو سلّم هذا التدقيق فلا إشكال أنَّ الأمر الشرعي حيث يلحظ أنَّه لا بُدَّ أن يكون ذا صيغةٍ مقبولة عرفاً، وحيث إنَّ الأمر بالخصوصيّة
-بأن يقول: أوجد قياماً في صلاة- فالمولى العرفي يجعل أمره حينئذٍ متعلّقاً
ــــــــــ[331]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بالصلاة القياميّة، وإن كان بحسب الدقّة الأصوليّة –لو تنزّلنا عن الجوابين السابقين- الإرادة متعلّقةٌ بالخصوصيّة لا بذي الخصوصيّة.
هذا تمام الكلام في هذين التقريبين، فإذا أضيف إلى ما سبق ثلاثة تقريبات، تصبح خمسة تقريبات للإجزاء. وقد عرفنا أنَّه لا يتمّ شيءٌ منها إلَّا التقريب الثالث في جملةٍ من الموارد، أي: التقريب الثاني للإطلاق المقامي.
هذا كلّه فيما إذا كان لدليل الأمر الواقعي إطلاق.
وهذا له صورتان:
الصورة الأولى: أن لا يكون لدليل الأمر الواقعي إطلاقٌ يقتضي وجوب الإعادة، ولكن له إطلاقٌ يقتضي عدم وجوب الإعادة، بحيث يثبت الإجزاء بنفس دليل الأمر الواقعي.
وهذا يتّفق فيما إذا كان دليل الأمر الواقعي منحلاً إلى دليلين: أحدهما يدلّ على الأمر، والآخر يدلّ على الجزئيّة أو الشرطيّة، وفرضنا أن المتعذّر كان هو الجزء أو الشرط، وكان دليل الجزئيّة لبّياً ليس فيه إطلاقٌ يشمل صورة الاضطرار حين العمل، فيتمسّك بنفس إطلاق دليل الواجب الواقعي لإثبات مصداقيّة هذه الصلاة الاضطراريّة للواجب الواقعي ابتداءً، فيحكم بإجزائها.
ومثالها في الفقه جميع ما يتعذّر من الأجزاء والشرائط التي دليلها لبّي لا إطلاق فيه كالطمأنينة.
الصورة الثانية: أن يفرض أنَّ دليل الواجب الواقعي ليس له اقتضاءٌ لا
ــــــــــ[332]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
لوجوب الإعادة ولا لعدم وجوبها، كما لو كان دليلاً مجملاً أو لبّياً بحيث لا إطلاق له لتمام الحالات، بل ثبت الوجوب الواقعي بنحو القضيّة المهملة.
وحينئذٍ إن فرض أنّنا استفدنا من أدلّة الأحكام الاضطراريّة الإجزاء، بتقريبٍ من التقريبات السابقة، فلا إشكال من الحكم بالإجزاء؛ لأنَّ المقتضي موجودٌ وهو الدليل الاجتهادي على الأمر الاضطراري، والمانع مفقود؛ لأنَّه ليس إلَّا إطلاق دليل الأمر الواقعي، والمفروض عدمه.
وإن فرض أنَّه لم يتمّ شيءٌ من التقريبات التي تستوجب دلالة الأمر الاضطراري على الإجزاء، فتنتهي النوبة إلى الأصول العمليّة، فما هو الأصل الجاري في المقام.
ذكر صاحب الكفاية(1) أنَّ الأصل هو البراءة عن وجوب الإعادة. وقد يعترض على ذلك باعتراضين:
الاعتراض الأوّل: ما ذكره المحقّق العراقي(2)، حيث اعترض بتفصيلٍ حاصله: أنَّ الشكّ في الإجزاء تارةً يكون من ناحية احتمال كون الجلوسيّة وافيةً بتمام أو بجلّ ملاك الواقع بحيث لا يبقى شيءٌ معتدٌّ به، وهما الصورة الأولى والثانية من الصور الأربع السابقة، فيصبح الشكّ في أنَّ هذه الصلاة الجلوسيّة هل
ــــــــــ[33]ــــــــــ
(1) كفاية الأصول: 85.
(2) انظر: مقالات الأصول 1: 271،272، نهاية الأفكار 1: 230، بدائع الأفكار (العراقي) 1: 271،272.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
هي داخلةٌ في الصورة الأولى أو في الرابعة التي تقتضي عدم الإجزاء كما تقدّم.
وقد يكون الشكّ في الإجزاء بعد العلم بأنَّ الصلاة الجلوسيّة ليست وافيةً بتمام ملاك الواقع، ويبقى قسمٌ منه غير مستوفى، ولكن يحتمل الإجزاء باعتبار احتمال عدم إمكان التدارك، فالأمر دائرٌ بين الصورة الثالثة السابقة أو الرابعة.
أمّا في الفرض الأوّل وهو الدوران بين الأولى والرابعة، فقد ادّعى أنَّ المقام من الشكّ في التعيين والتخيير؛ لأنَّ المكلّف إن كان فعله داخلاً في الصورة الأولى فهو مخيّرٌ بين الصلاة الجلوسيّة والقياميّة؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما وافٍ بتمام الملاك، وإن كان داخلاً في الرابعة التي هي صورة عدم الإجزاء فهو مأمورٌ بالصلاة القياميّة بالخصوص، وحيث إنَّ المورد من دوران الأمر بين التعيين والتخيير فتجري أصالة الاشتغال؛ لأنَّ مختار المحقّق العراقي(1) هو ذلك، بل هو مختار صاحب الكفاية(2) أيضاً، ومن هنا استشكل عليه.
وقبل أن ننتقل إلى الفرض الثاني نحقّق هذا الفرض: أنَّ هذا الفرض يفترض دوران أمر الصلاة الجلوسيّة بين الصورة الأولى والرابعة، وحكم الصورة الأولى واضحٌ، وهو وجود أمرٍ بالجامع بين الصلاتين الجلوسيّة والقياميّة؛ لأنَّه وافٍ بتمام الملاك، وأمّا حكم الصورة الرابعة فيوجد فيه ثلاثة مبانٍ:
المبنى الأوّل: وهو المختار، حيث تصوّرنا الأمر الاضطراري في الصورة الرابعة خلافاً لمدرسة الميرزا(3)، وتصوّرنا ذلك بأمرين: أمرٌ متعلّقٌ بالجامع،
ــــــــــ[334]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار 3: 288.
(2) انظر: كفاية الأصول: 367.
(3) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 245،246.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وأمرٌ آخر متعلّقٌ بالصلاة القياميّة.
وعلى هذا المبنى يتبيّن أنَّ الأمر بالجامع بحدّه معلومٌ على كلا التقديرين، فإنَّه على تقدير الصورة الأولى، فالأمر بالجامع بحدّه ثابتٌ، وعلى تقدير الصورة الرابعة فهناك أمران أحدهما الأمر بالجامع بحدّه، فهو معلومٌ على كلّ حال.
وإنَّما الشكّ في أمرٍ ثانٍ فبناء على الأولى لا أمر ثاني، وبناء على الرابعة هناك أمرٌ ثانٍ، فيكون المورد من دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليَّين، لا بين التعيين والتخيير؛ لأنَّ معنى دوران الأمر بين التعيين والتخيير هو وجود أمرٍ واحدٍ مع الشكّ في تعيينيّته وتخييريّته، وأمّا في المقام فالأمر التخييري بالجامع معلومٌ تفصيلاً على كلّ حال، وإنّما الشكّ في جعلٍ آخر وخطابٍ مستقلّ وهو الأمر بالصلاة القياميّة، وهذا من دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليَّين.
المبنى الثاني: في الصورة الرابعة وهو الذي يتصوّر الأمر الاضطراري أنَّه من باب التخيير بين الأقلّ والأكثر، يعني بين الصلاة القياميّة وحدها، أو هي مع الجلوسيّة.
فإذا أخذنا بهذا المبنى يقال: بأنَّ هذا معناه أنَّ المقام يصير من دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر الارتباطيَّين، ويكون أجنبيّاً أيضاً عن دوران الأمر بين التعيين والتخيير.
فإنَّه بناءً على هذا لا يوجد إلَّا خطابٌ واحدٌ، وهذا الخطاب مفاده إمّا التخيير بين المتباينين -لو صدقت الصورة الأولى–وهما الجلوسيّة والقياميّة، وإمّا التخيير بين الأقلّ والأكثر من الصلاة القياميّة أو مجموع الصلاتين لو
ــــــــــ[335]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
صدقت الرابعة لوجود أمرٍ واحدٍ.
فهناك أمرٌ تخييريّ على كلّ حال، وأحد عدليه هو الصلاة القياميّة والعدل الآخر هو القياميّة بناءً على الصورة الأولى، ومجموع الصلاتين بناءً على الرابعة. إذن، عدل الواجب يدور الأمر فيه بين الأقلّ والأكثر، فنجري البراءة بلا إشكالٍ، ولا يدور الأمر بين التعيين والتخيير.
وإن شئتم قلتم: إنَّ الجامع بين الصلاة الجلوسيّة والقياميّة معلوم الوجوب على كلّ حال، ولكن لا يعلم بوجوب الجامع بين الصلاة القياميّة والزائد على الصلاة الجلوسيّة، فهذا الجامع مقدارٌ منه معلوم الوجوب والآخر مشكوك الوجوب، فتجري البراءة عن الزائد.
المبنى الثالث: للميرزا الذي لا يتعقّل الأمر الاضطراري في الصورة الرابعة أصلاً بل يتعيّن جعل الأمر بالصلاة القياميّة فقط.
وبناءً عليه يصدق الدوران بين التعيين والتخيير؛ لأنَّه يوجد عندنا أمرٌ واحدٌ، فإن كانت الصورة الأولى صادقةً فهو أمرٌ تخييريّ بين الصلاتين، وإن صدقت الرابعة فهو أمرٌ تعيينيّ بالقياميّة، فنعلم بأمرٍ واحدٍ يدور أمره بين أن يكون تعيينيّاً أو تخييريّاً، فمن قال هناك بالاشتغال يقول به هنا، ومن قال بالبراءة هناك -كما هو الصحيح- يقول هنا بالبراءة.
إذن، تصوير دخول المقام تحت البراءة والاشتغال يختلف باختلاف المباني.
وأمّا في الفرض الثاني، وهو أن يكون الفعل الاضطراري دائراً بين الصورة الثالثة والرابعة، بحيث يعلم أنَّه غير وافٍ بتمام ملاك الواقع، بل تبقى
ــــــــــ[336]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بقيّةٌ مهمّةٌ، لكن لا يُدرى أنَّها هل يمكن تحصيلها أو لا يمكن؟ فيكون الأمر دائراً بين الإجزاء بملاك التفويت وعدم الإجزاء.
ذكر(1): أنَّ المورد وإن كان من موارد الشكّ في التكليف -لأنَّه يشكّ أنَّه مكلّفٌ بالإعادة أو لا؛ لأنَّه إن كان قادراً على استيفاء الباقي فهو مكلّفٌ به وإلَّا فلا- مع ذلك تجري أصالة الاشتغال؛ لأنَّه من الشكّ في التكليف على أساس الشكّ في القدرة، فهو شاكّ في أنَّه هل يتمكّن من استيفاء الباقي أو لا.
وفي مثل هذه الموارد لا تشمله أدلّة البراءة، بل يكون مجرىً لأصالة الاشتغال. وهذا أيضاً بحاجةٍ إلى تحقيقٍ وتفصيل، وذلك بأن يقال: بأنَّ الصورة الثالثة التي هي صورة الإجزاء بملاك التفويت فيها عدّة مبانٍ نتكلّم عنها جميعاً.
المبنى الأوّل: أن نلتزم بالصورة الثالثة بتعلّق الأمر بالجامع، وأنَّ الصلاة الجلوسيّة إذا كانت وافيةً ببعض الملاك والباقي لا يمكن تداركه فيأمر بالجامع بين الصلاتين، ويرخَّص تطبيقه على كلا الفردين، ولو استلزم التفويت لو طبّق المكلّف الجامع على الصلاة الجلوسيّة، إذ نفترض أنَّ هناك مصلحةً في إطلاق عنانه يتدارك بها قبح التفويت.
على هذا المبنى تكون الصورة الثالثة كالأولى تماماً، فكما في الأولى يأمر المولى بالجامع بين الصلاتين باعتبار وفائه بتمام الملاك، كذلك هنا يأمر بالجامع باعتبار المصلحة في التسهيل على المكلّف، وهذا معناه أنَّ التردّد بين الرابعة
ــــــــــ[337]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 3: 374، فوائد الأصول (النائيني) 3: 428.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
والثالثة يكون كالتردّد بين الرابعة والأولى الذي تكلّمنا عنه بشقوقه الثلاثة بالنسبة للصورة الرابعة.
المبنى الثاني: مبنى المحقّق العراقي(1) الذي كان يفترض أنَّ بإمكان المولى في الصورة الثالثة أن يأمر أمراً تعيينيّاً بالصلاة الجلوسيّة على النحو الذي شرحناه فيما سبق(2)؛ فإنَّه يريد أن يرفع قبح التفويت ولا يكون إلَّا بالأمر التعييني للصلاة الجلوسيّة. وهذا معناه: أنَّ المولى لا يريد التحفّظ حقيقةً على ملاك الصلاة القياميّة، وإنّما يريدها إذا لم يأت العبد بالصلاة الجلوسيّة، إذ لا يعقل أن يأمر تعييناً بالجلوسيّة ويأمر بالتحفّظ على ملاك الصلاة القياميّة بتمامه؛ لأنَّه سوف يفوت على أيّ حال.
يعني يكون وجوب القياميّة وجوباً مشروطاً بعدم الإتيان بالجلوسيّة، فيكون عندنا وجوبان، وجوبٌ تعيينيٌّ بالجلوسيّة ووجوبٌ بالقياميّة مشروطٌ بعدم الإتيان بالصلاة الجلوسيّة، بحيث يكون عدم الإتيان بها قيداً في الوجوب لا في الواجب؛ لأنَّه لو كان قيداً للواجب للزم تحصّله، مع أنَّ المولى يأمر بالجلوسيّة.
فهنا يمكن للمكلّف أن يقول: بأنّي أعلم بوجوب القياميّة على كلّ حال، ولكن لو كان المورد داخلاً في الصورة الثالثة، فالأمر بها مشروطٌ بعدم الإتيان بالجلوسيّة، وأمّا على تقدير الصورة الرابعة، فوجوب القياميّة وجوبٌ مطلق؛
ــــــــــ[338]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول 1: 274-277، بدائع الأفكار 1: 267،268.
(2) راجع: ص331.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
لأنَّ الجلوسيّة لا تفوِّت على المكلّف استيفاء ملاك القياميّة.
وهذا معناه أنَّه يعلم بوجوب الصلاة القياميّة لو لم يصلِّ من جلوس على كلّ حال، سواءٌ صدقت الصورة الثالثة أو الرابعة، ويشكّ أنَّه لو صلّى من جلوس هل تجب القياميّة أو لا؛ لأنَّه على تقدير الصورة الثالثة لا يجب، وعلى تقدير الرابعة تجب، فتجري البراءة عن هذا الوجوب.
ولا مجال في المقام لحديث الشكّ في القدرة؛ لأنَّ الشكّ في القدرة إنَّما يكون مجرىً لأصالة الاشتغال فيما إذا كان شكّاً في القدرة على ما دخل في عهدة المكلّف بعد دخوله في العهدة، وما يدخل في عهدة المكلّف إنَّما هو الواجب ومتعلّق الأمر.
وما يشكّ في القدرة عليه ليس هو ذات الواجب، أي: الصلاة القياميّة، وإنَّما الشكّ في القدرة على تحصيل الغرض من الواجب، وهو لا يدخل تحت العهدة إلَّا بمقدار ما تصدّى المولى لتحصيله.
فالشكّ في القدرة من ناحية متعلّق الأمر ممنوعٌ صغرى، وأمّا من ناحية الغرض فهو لا يدخل في العهدة ليحكم العقل بأصالة الاشتغال من ناحية الشكّ في القدرة، فإنّنا قلنا بأنَّ تفويته القطعي جائزٌ إذا لم يتصدَّ المولى لتحصيله فضلاً عن تفويته الاحتمالي.
وقد يقال: إنّه يمكن في هذا الفرض تشكيل علم إجماليّ؛ بأن يُقال: إن كان المقام من الصورة الثالثة فهناك إلزامٌ تعيينيّ بالصلاة الجلوسيّة كما هو المفروض. وإن كان من الصورة الرابعة، فهناك إطلاقٌ بالإلزام بالصلاة
ــــــــــ[339]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
القياميّة، يعني: على تقدير الإتيان بالجلوسيّة فلا يمكن إجراء البراءة عن القياميّة على تقدير الإتيان بالجلوسيّة؛ لأنَّه طرفٌ لعلمٍ إجماليّ، أمّا الإلزام التعييني بالجلوسيّة أو الإلزام بالقياميّة على تقدير الإتيان بالجلوسيّة فيكون العلم الإجمالي منجّزاً.
وجواب ذلك: إنَّ هذا العلم ليس منجّزاً حتّى لو فرضنا أنَّ الإلزام التعييني بالجلوسيّة –على تقدير الصورة الثالثة- كان إلزاميّاً حقيقيّاً لا شكليّاً؛ لأنَّ أحد طرفيه تقديريٌّ وتعليقيّ، فلا يكون علماً إجماليّاً بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير؛ لأنَّ هذا الذي دخل عليه الوقت وهو مريضٌ ويعلم أنَّه سوف يرتفع عنه المرض في الوقت، يعلم أنَّ الصلاة الجلوسيّة واجبةٌ فعلاً، أو القياميّة واجبةٌ لو أتى بالجلوسيّة؛ لأن وجوب القياميّة لو لم يأتِ بالجلوسيّة معلومٌ تفصيلاً، وما هو طرف العلم الإجمالي هو وجوبها لو أتى بالجلوسيّة، وإنَّما يصبح هذا التكليف فعليّاً لو أتى بالجلوسيّة، ومعه يخرج الأمر التعييني بالجلوسيّة عن محلّ الابتلاء، فلا يكون العلم الإجمالي منجّزاً.
المبنى الثالث: المبنى القائل أنَّه في الصورة الثالثة لا يعقل الأمر الاضطراري أصلاً، لا الأمر بالجامع بين الصلاتين، ولا الأمر بالجلوسيّة خاصّة؛ لأنَّ كلاً من الأمرين يوجب تفويت الملاك، وهو غير جائز.
فهذا معناه أنَّ الأمر المتعلّق بالصلاة القياميّة -بناءً على الصورة الثالثة- يكون أمراً بها مقيّداً بأن لا يأتي بالصلاة الجلوسيّة.
وأمّا بناءً على الصورة الرابعة، فيكون أمره بالقياميّة مطلقاً، سواءٌ أتى قبلها
ــــــــــ[340]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بالجلوسيّة أو لا. فيكون شكّ المكلّف هكذا: أنَّ المولى هل يأمر بالصلاة الاختياريّة المقيّدة بالصلاة الجلوسيّة، أو يأمر بالصلاة الاختياريّة مطلقةً.
هناك كان الأمر دائراً بين الوجوب المقيّد والوجوب المطلق، وهنا بين وجوب المقيّد ووجوب المطلق، فإن كان المكلّف يعلم أنَّه سوف يرتفع مرضه فهو من أوّل الوقت يعلم إجمالاً أنّه يجب عليه القياميّة إمّا مطلقاً وإمّا مقيّداً فتجري أصالة البراءة عن القيد الزائد، وهو إن لا تقع صلاةٌ جلوسيّةٌ قبل القياميّة، فيمكنه أن يأتي بالجلوسيّة وبعد ارتفاع المرض لا بُدَّ له من أن يأتي بالقياميّة، ولا يمكن أن يجري البراءة عنها؛ لأنَّ وجوب الأقلّ معلومٌ بالعلم الإجمالي، لأنَّه يعلم إجمالاً إمّا بالمقيّد أو المطلق، فلا يمكنه أن يترك المقيّد والمطلق معاً.
وأمّا إذا كان في أوّل الوقت تخيل بقاء مرضه فلم يتشكّل عنده علمٌ إجماليّ؛ لأنَّه يتخيّل أنَّه لا يجب عليه صلاةٌ قياميّةٌ لا مطلقاً ولا مقيّداً، فصلّى جلوساً ثم ارتفع مرضه، فيكون شكّه في وجوب الصلاة القياميّة شكّاً في وجوب المطلق بعد تعذّر المقيّد، فتجري البراءة عن المطلق.
ولا مجال هنا للتمسّك بحديث الشكّ في القدرة؛ لأنَّه إنَّما يصحّ إذا تعيّن الواجب وشكّ أنَّه يقدر عليه أو لا، لا فيما إذا تردّد الواجب بين أمرين أحدهما يقدر عليه والآخر لا يقدر عليه.
الاعتراض الثاني على إجراء أصالة البراءة في المقام: هو أن يقال إنَّها محكومةٌ بالاستصحاب بصيغةٍ تعليقيّة، بناءً على ما هو مختار صاحب الكفاية(1)
ــــــــــ[341]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 411.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وغيره(1) من إمكان الاستصحاب التعليقي.
بأن يُقال: إنَّ المؤمن الذي كان مريضاً أوّل الوقت وصلّى من جلوسٍ ثُمَّ ارتفع مرضه خلال الوقت، يقول: إنَّ ارتفاع العذر لو كان قبل ساعةٍ قبل الإتيان بالجلوسيّة لوجب عليه القياميّة بلا إشكال، فهذه قضيّةٌ شرطيّةٌ يعلم بها حدوثاً فيستصحبها فيثبت أنَّه لو ارتفع مرضه لوجب عليه القيام، وقد ارتفع مرضه بالوجدان فتجب الصلاة القياميّة، ويكون هذا الاستصحاب حاكماً على أصالة البراءة.
والتحقيق في كيفيّة التخلّص من هذا الاعتراض بأن يُقال بإنكار العلم بهذه القضيّة الشرطيّة من أوّل الأمر، فإنّ هذا المكلّف لو كان ارتفع مرضه قبل الصلاة الجلوسيّة فماذا يتوجّه إليه من خطاب؟ بناءً على عدم الإجزاء كان يتوجّه إليه وجوبٌ متعلّقٌ بالصلاة القياميّة خاصّة، وأمّا بناءً على الإجزاء (في الصورة الأولى) يكون الخطاب المتوجّه إليه قبل مرضه وبعده خطاباً واحداً، وهو الأمر بالجامع بين الصلاتين، أي: الإتيان بالصلاة الاختياريّة حين الاختيار، والاضطراريّة حال الاضطرار، وهذا الأمر كان ثابتاً من أوّل الأمر، ويبقى على حاله حتّى بعد ارتفاع مرضه. غاية الأمر، أنَّه حين المرض كان يمكن للمكلّف أن يطبّقه على أحد فردين إمّا الصلاة الجلوسيّة الآن أو القياميّة بعد ذلك، ولكن بعد أن ارتفع مرضه انحصر الجامع بالقياميّة؛ لأنَّه لو أتى
ــــــــــ[342]ــــــــــ
(1) ذهب إلى إمكان الاستصحاب التعليقي جملة من الأعلام، أمثال: السيد بحر العلوم، وشريف العلماء، والعراقي، انظر: بيان الأصول 7: 160.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بالجلوسيّة لم تكن اضطراريّةً منه؛ لقدرته على القيام، وهذا الانحصار غير تعلّق التكليف الشرعي بالقياميّة.
فبناءً على هذا نقول: ماذا تستصحبون؟ هل تستصحبون حدوث أمرٍ شرعيّ بالقياميّة على تقدير ارتفاع الاضطرار، فلا نسلّم اليقين بالحدوث، لأنَّنا حتّى الآن شاكّون بالإجزاء وعدمه. وعلى تقدير الإجزاء فالتكليف متعلّقٌ بالجامع، ولا توجد القضيّة الشرطيّة: أنَّه لو ارتفع العذر لأمر بالصلاة القياميّة تعييناً.
وإن أردتم استصحاب الانحصار على تقدير ارتفاع الاضطرار فمن الواضح أنَّ هذا الانحصار ليس حكماً شرعيّاً وأثراً مولويّاً ليجري فيه الاستصحاب بل هو أمرٌ عقليّ؛ لتعذّر أحد فردي الجامع، فينحصر في الفرد الآخر. إذن، هذا الاستصحاب لا محصّل له.
وبذلك تحقّق أنَّ البراءة جاريةٌ إذا انتهت النوبة إلى الأصول العمليّة.
هذا كلّه هو البحث في وجوب الإعادة إذا ارتفع العذر في أثناء الوقت.
وأمّا إذا استمرّ العذر في تمام الوقت وارتفع بعد خروجه، فيقع الكلام في وجوب القضاء وعدمه. ويقع الكلام في ثلاثة مقامات:
المقام الأوّل: هل هناك مقتضى من قبل الدليل الاجتهادي –الدالّ على وجوب القضاء- لوجوب القضاء أو لا؟
المقام الثاني: بعد فرض أنَّه له هذا الاقتضاء في نفسه، فهل يوجد في دليل الأمر الاضطراري اقتضاءٌ على خلاف ذلك للإجزاء أو لا؟
ــــــــــ[343]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المقام الثالث: فيما إذا لم يوجد اقتضاءٌ في دليلٍ اجتهاديّ أصلاً، فما هو مقتضى الأصول العمليّة؟
إنّ دليل وجوب القضاء هل فيه اقتضاءٌ لوجوب القضاء أو لا؟ إذ دليل (صلّ) في الوقت قد سقط بخروج الوقت.
أمّا الكلام في الأصول في الصيغ الكلّية فيقال: إنَّ استفادة ذلك يختلف باختلاف ما هو الموضوع في لسان دليل وجوب القضاء، فإن كان موضوعه هو فوت الفريضة الفعليّة، فمن الواضح أنَّ دليل القضاء لا إطلاق له؛ لأنَّه لم يفت الواجب الفعلي؛ لأنَّ الواجب الفعلي لم يكن هو القياميّة، بل الجلوسيّة وقد أتى بها.
وإن كان موضوعه مطلق فوت الواجب ولو كان اقتضائيّاً شأنيّاً في نفسه، يعني أن يكون واجباً لولا الطوارئ، فلا إشكال في وجوب القضاء؛ لأنَّه فاتته الصلاة القياميّة، وهي واجبةٌ لولا الطوارئ.
وإن كان موضوعه هو فوت الملاك القائم بالواجب، فيكون المقام شبهةً مصداقيّةً لدليل وجوب القضاء؛ لأنَّ المفروض أنَّنا نشكّ في الإجزاء وعدمه، فعلى تقدير الإجزاء لم يفت الملاك، وعلى تقدير عدمه فقد فات الملاك، ففوت الملاك أمرٌ مشكوكٌ فيه، فيكون شبهةً مصداقيّةً لدليل القضاء، ولا يجوز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة.
نعم، قد يمكن إحراز موضوع دليل القضاء بالأصل الموضوعي، وهو الاستصحاب، وذلك: أنَّ فوت الملاك تارةً يراد به مجرّد الأمر العدمي، وهو
ــــــــــ[344]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
عدم تحصيل الملاك، وأخرى يراد به عنوان الخسارة التي هي منتزعةٌ من هذا الأمر العدمي.
فإن كان الأوّل أمكن إجراء الاستصحاب؛ فإنَّه قبل الصلاة الجلوسيّة لم يكن الملاك محصّلاً جزماً فنستصحب عدم تحصيله، فينقّح به موضوع دليل وجوب القضاء.
وأمّا إذا كان فوت الملاك بمعنى الخسارة المنتزعة من عدم الإتيان، وهي لازمٌ ثبوتيّ له، فباستصحاب عدم الإتيان لا تثبت هذه الخسارة، إلَّا بناءً على الأصل المثبت، فلا يمكن التمسّك بدليل القضاء لا وجداناً ولا تعبّداً.
بعد فرض وجود إطلاقٍ في دليل وجوب القضاء –مثلاً- فهل يوجد في دليل الأمر الاضطراري ما يمكن أن يكون حاكماً على ذلك الإطلاق أو مقيّداً له، بحيث يحكم بالإجزاء وعدم وجوب القضاء أو لا؟
من الواضح أنَّ دليل الأمر الاضطراري إذا فرضنا أنَّ له لساناً يقتضي جواز البدار في أوّل الوقت، وفرضنا في المسألة السابقة أنَّنا استفدنا الإجزاء من دليل الأمر الاضطراري إذا كان لسانه جواز البدار، وقلنا أنَّه لا تجب عليه الإعادة، فمن الواضح عدم وجوب القضاء بعده، لكن إذا فرضنا –مثلاً- أنَّ دليل الأمر الاضطراري لم يكن بلسانٍ يقتضي جواز البدار ليقتضي الإجزاء من ناحية الإعادة، بل أنَّه بلسان: أنَّ من تعذّر عليه القيام في تمام الوقت يجوز له الجلوس، فلا بُدَّ حينئذٍ أن يقع الكلام مباشرةً في أنَّ هذا الدليل هل يستفاد منه عدم وجوب القضاء أو لا؟
ــــــــــ[345]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهنا نرجع إلى وجوهنا الخمسة التي استدلّ بها لاقتضاء الأمر الاضطراري لعدم وجوب الإعادة لنرى أنَّها لو تمّت لنفي وجوب الإعادة فهل تتمّ لنفي وجوب القضاء؟
الوجه الأوّل: دعوى الملازمة العقليّة الثبوتيّة –برهان الميرزا(1)– أنَّ جعل الأمر الاضطراري بنحوٍ يكون لسانه جواز البدار يستلزم الإجزاء، فلا معنى لوجوب الإعادة، فهل الأمر الاضطراري في المقام يستلزم عقلاً عدم وجوب القضاء؟
قد تدَّعى هذه الملازمة ببرهان: أنَّ هذا المريض لو صلّى من جلوسٍ وارتفع مرضه بعد خروج الوقت، نسأل: أنَّ القيام هل كان دخيلاً في الملاك على الإطلاق، أو دخيلاً في الصلاة الأدائيّة القياميّة في صورة التمكّن لا مطلقاً؟ فإن كان الأوّل بحيث إنَّ الملاك لا يتحقّق بلا قيام الصلاة مطلقاً فهذا يستلزم أنَّ المولى لا يأمر بالصلاة الجلوسيّة أصلاً، مع أنَّ المفروض أنَّه أمر بها، فهذا الاحتمال غير صحيح.
وأمّا على الاحتمال الآخر، وهذا يناسب مع الأمر الاضطراري وهو يستلزم الإجزاء، لأنَّه إذا لم يكن القيام دخيلاً في ملاك الصلاة الأدائيّة في حقّ غير المتمكّن، فهذا المريض الملاكُ ليس دخيلاً في حقّه، فقد استوفى الملاك، فهو لم يفته شيءٌ حتّى يجب عليه القضاء.
إذن، الأمر الاضطراري ينافي وجوب القضاء، فإذا ثبت هذا الأمر يحكم بالإجزاء. إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ لوجود شقٍّ ثالثٍ في مقابل هذين الاحتمالين،
ــــــــــ[346]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 245، أجود التقريرات 1: 195، 196.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهو أن يكون القيام دخيلاً في مصلحة الصلاة الأدائيّة في بعض مراتبها دون بعض. ففي مثل هذا الفرض يأمر بالصلاة الجلوسيّة في الوقت لأنَّه يريد استيفاء المراتب التي لا دخل للقيام بها، ومع هذا يأمر بالقضاء بلحاظ بعض المراتب الأخرى التي للقيام دخلٌ فيها، فيصدق الفوت ويجب القضاء.
الوجه الثاني: أن يتمسّك بالإطلاق المقامي ويقال: إنَّ دليل الأمر الاضطراري مقتضى إطلاقه المقامي أنَّ هذا هو تمام الفريضة فلا تجب الإعادة.
وهذا لا يتمّ في القضاء؛ لأنَّ كون هذا هو تمام الوظيفة ثابتٌ؛ لأنَّه إنَّما هو بلحاظ الوقت، وهذا لا ربط له بوجوب القضاء، إلَّا أن نستفيد عنايةً زائدةً وهي أنَّ هذا تمام الوظيفة حتّى بلحاظ تبعات المطلب، ومنها وجوب القضاء إذا كان المولى في مقام بيانها.
الوجه الثالث: وحاصله: أنَّ دليل الأمر الاضطراري يُجعل مصداقاً تنزيليّاً للواجب الواقعي، فإذا كان لسانه لسان البدليّة والتنزيل فنتمسّك بإطلاقه لإثبات أنَّ هذا الفرد الاضطراري مُنزَّل منزلة الواقعي بتمام مراتبه.
هذا البيان لو تمّ هناك لتمّ هنا، فإنَّه يكون حاكماً على دليل وجوب القضاء ورافعاً لموضوعه، وهو من لم يأتِ بالواجب الواقعي، فإن هذا قد أتى بالواجب الواقعي تنزيلاً.
الوجه الرابع: للمحقّق العراقي(1)، إثبات الإجزاء من ظهور الأمر بالتعيين،
ــــــــــ[347]ــــــــــ
(1) انظر: بدائع الأفكار (العراقي) 1: 267،268.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
حيث إنَّه لا يناسب إلَّا مع الإجزاء بملاك التفويت، كما سبق.
وهذا لا يأتي في محلّ الكلام؛ لأنَّ الأمر بالصلاة الجلوسيّة تعيينيٌّ على كلّ حال؛ لأنَّ المفروض استيعاب العذر لتمام الوقت، فتعيينيته لا تنفي وجوب القضاء، وإن نفت وجوب الإعادة هناك.
الوجه الخامس: ما حصّلناه من كلمات المحقّق الأصفهاني(1): أنَّ الواجب على تقدير وجوب الإعادة إنَّما هو تحصيل الخصوصيّة لا ذيها، والدليل إنَّما دلّ على وجوب ذي الخصوصيّة، فما هو مدلول الدليل غير محتمل، وما هو محتملٌ ليس مدلولاً له.
هذا أيضاً لا يتم؛ لأنَّه بعد وجود دليلٍ على وجوب القضاء -كما فات- فلا بأس من التمسّك به، فمع فرض أنَّ الفائت هو الخصوصيّة فلا تجب الخصوصيّة. إذن، هذه الوجوه الخمسة كلّها لا تتمّ هنا -حتّى لو تمّت هناك- باستثناء الوجه الثالث.
هذا هو تمام الكلام في المقام الثاني.
لو لم تحصل دلالةٌ اجتهاديّةٌ لا من دليل وجوب الأداء الاضطراري ولا من دليل وجوب القضاء، فما هو مقتضى الأصول العملية؟
ــــــــــ[348]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 256،257.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ذكر صاحب الكفاية(1) أنَّه تجري البراءة في المقام، كما ذكر أنَّها تجري عن وجوب الإعادة، بل ذكر أنَّها تجري عن وجوب القضاء بطريقٍ أولى.
وتحقيق الكلام:
أنَّه تارةً يقال: إنَّ القضاء مأمورٌ به بالأمر الأوّل، بمعنى: أنَّه من أوّل الوقت يوجد أمرٌ بجامع الصلاة من دون تحديدٍ بالوقت، وأمرٌ آخر بإيقاع الجامع في الوقت، فإذا لم يأتِ بالصلاة في الوقت سقط الأمر الثاني بالعصيان، ويبقى الأمر الأوّل فيجب عليه القضاء.
وأخرى يقال: إنَّ القضاء بأمرٍ جديدٍ معلّقٌ على عنوان الفوت. أمّا على التقدير الأوّل فتجري البراءة عن وجوب القضاء، ويكون المقام من دوران الأمر بين التعيين والتخيير، فإنّ الأمر بالجامع غير المحدّد بالوقت، إن كانت الصلاة الأدائية الجلوسيّة وافيةً بملاك الواقع فتكون فرداً من ذلك الجامع المأمور به بالأمر الأوّل، فيكون الأمر متعلّقاً بالجامع بين القياميّة مطلقاً والجلوسيّة من المريض أداءً، ولو فرض عدم الإجزاء فمعناه أنَّ الأمر الأوّل متعلّقٌ بخصوص الصلاة القياميّة لا بالجامع بينها وبين الجلوسيّة، وعلى هذا التقدير لا موجب لافتراض أمرٍ بالجامع بينهما.
نعم، هناك أمرٌ آخر تعيينيّ بالجلوسيّة للمريض الذي يستمرّ عذره طيلة الوقت.
ــــــــــ[349]ــــــــــ
(1) كفاية الأصول: 85،86، حيث ذكر ما لفظه: (وبالجملة فالمتّبع هو الإطلاق لو كان، وإلَّا فالأصل، هو يقتضي البراءة من إيجاب الإعادة، لكونه شكّاً في أصل التكليف، وكذا عن إيجاب القضاء بطريقٍ أولى).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إذن، يوجد وجوبٌ تعيينيّ، أو نتيجته على المريض بالصلاة الجلوسيّة أداءً، وهذا معلومٌ على كلّ حال، وزائداً عليه يوجد وجوبٌ آخر وهو الأمر بالصلاة بلا قيد الوقت، وهو إمّا متعلّقٌ بخصوص القياميّة لو قيل بعدم الإجزاء، أو بالجامع بينها وبين الجلوسيّة لو قيل بالإجزاء، فيكون من دوران الأمر بين التعيين والتخيير، فمن يبني على البراءة هناك يجريها في المقام.
ومن هنا يتضح أنَّ جريان البراءة هنا في القضاء أخفى من جريانها في الإعادة على بعض المباني؛ لأنَّه هناك ليست المسألة من دوران الأمر بين التعيين والتخيير؛ لأنَّ الأمر بالجامع محرزٌ على أيّ حال، وأنَّ الشكّ في أمرٍ آخر يتعلّق بالصلاة القياميّة؛ ولذا قلنا إنَّ الأمر هناك يدور بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليَّين، بخلاف المقام فإنَّ الأمر دائرٌ بين التعيين والتخيير.
هذا إذا بُني أنَّ القضاء بالأمر الأوّل، وأمّا إذا بنينا على أنَّ القضاء بأمرٍ ثانٍ، بمعنى أنَّه بعد انتهاء الوقت يحصل عنوان الفوت، ويكون موضوعاً لوجوب القضاء، فتجري البراءة أيضاً من باب الشكّ البدوي في أصل التكليف. وعلى هذا التقدير يمكن أن تظهر حيثيّتان للأولويّة هنا على المسألة السابقة.
الحيثيّة الأولى: أنَّ الشكّ هنا يكون بنحو الشبهة البدويّة على كلّ حال، بخلاف المسألة السابقة؛ فإنَّه على بعض المباني من دوران الأمر بين التعيين والتخيير، وعلى بعضها من الأقلّ والأكثر الارتباطيين.
الحيثية الثانية: هناك تعرّضنا إلى إشكالٍ على جريان البراءة، وهو أنَّه قد
ــــــــــ[350]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يُقال بحاكميّة الاستصحاب التعليقي على جريان البراءة، فإنَّه لو تمكّن من الصلاة القياميّة قبل أن يصلّي من جلوس لوجبت القياميّة، فنستصحب، ولكنّه لا يأتي في المقام؛ لأنَّه: لو انتهى الوقت قبل أن يصلّي من جلوس للزم عليه القضاء، وهذا غير صحيح؛ لأنَّ موضوع وجوب القضاء هو عنوان الفوت لا عنوان انتهاء الوقت.
فيرجع إلى قولنا: لو انتهى الوقت قبل الصلاة الجلوسيّة لتحقّق الفوت، فتستصحبه، وهذا يكون من الاستصحاب التعليقي في الموضوعات، وهو لا يجري حتّى لو قلنا بجريانه في الأحكام(1)، بخلافه في المسألة السابقة فإنَّ جزاء القضيّة الشرطيّة حكمٌ شرعيٌّ.
إذن، الشبهة هنا أضعف منها هناك.
هذا تمام الكلام في المقام الثالث، وبه انتهى البحث في إجزاء الأوامر الاضطراريّة عن الواقع.
ــــــــــ[351]ــــــــــ
() على ما حُقّق في محلّه. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أمّا إجزاء الأوامر الظاهريّة عن الواقع بعد انكشاف الخلاف، والانكشاف تارةً يكون بالقطع واليقين، وأخرى بتبدّل الحكم الظاهري إلى حكمٍ ظاهريّ آخر، فيقع الكلام من هذه الناحية في مقامين:
لا إشكال أنَّ القاعدة تقتضي عدم الإجزاء؛ لأنَّ الأوامر الظاهريّة باعتبار اختلاف مرتبتها عن مرتبة الأحكام الواقعيّة، وعدم كونها موجبة لتغيّر الواقع، حينئذٍ تبقى الأحكام الواقعيّة على حالها، وغاية ما تنتجه الأحكام الظاهريّة هو التنجيز والتعذير، ومعه يكون الحكم الواقعي مقتضياً لوجوب الإعادة.
وفي مقابل ذلك قد يقرَّب الإجزاء بعدّة تقريبات أهمّها تقريبان:
التقريب الأوّل: للمحقّق الخراساني في الكفاية(1)، وقد اختار الإجزاء في موارد الأصول العمليّة غير التنزيليّة، وقاعدة الاشتغال ممّا لا نظر إليه إلى الواقع.
وخلاصة الوجه: أنَّ دليل الحكم الظاهري تارةً يكون لسانه لسان جعل
ــــــــــ[352]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 86.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الطهارة أو الحلّية ابتداءً(1) كما في قوله: “كلّ شيءٍ طاهرٌ(2) وكلّ شيءٍ حلال“(3) وأُخرى لسانه لسان إحراز الطهارة والحلّية الواقعيّة، وإن كان في الحقيقة يوجد حكمٌ ظاهريّ مجعولٌ في هذا الدليل، إلَّا أنَّ لسانه هو التعبّد بإحراز الواقع.
ومثال ذلك: دليل حجّيّة الأمارات، فإنَّ لسانه لسان صدق العادل، والعادل ليس في مقام جعل طهارةٍ أخرى في مقابل الطهارة الواقعيّة، وإنَّما تمام همّه الكشف عن الطهارة الواقعيّة.
وحينئذٍ يقال: إنَّه بالنسبة إلى أدلّة الأحكام الظاهريّة من اللسان الأوّل، لو كانت هذه الطهارة موضوعاً لحكمٍ شرعيّ، فمقتضى القاعدة هو الإجزاء؛ لأنَّ دليل قاعدة الطهارة أوجد فرداً آخر في مقابل الطهارة الواقعيّة، وبذلك وسّع من دليل “لا صلاة إلَّا بطهور“(4) إلى الأعمّ من الطهارة الواقعيّة والظاهريّة، فتقع هذه الصلاة بطهور.
ــــــــــ[353]ــــــــــ
() في مقابل الحكم الواقعي. (المُقرِّر).
(2) تهذيب الأحكام 1: 285، كتاب الطهارة، الحديث 119، وسائل الشيعة 3: 467، باب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.
(3) الكافي 10: 542، كتاب المعيشة، باب 159، الحديث 41، تهذيب الأحكام 7: 226، كتاب النجاسات، باب 21، الحديث 9، وسائل الشيعة 17: 89، باب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.
(4) دعائم الإسلام 1: 100، كتاب الطهارة، ذكر أمر الله عزّ وجلّ عباده المؤمنين بالطهارة، من لا يحضره الفقيه 1: 58، باب: فيمن ترك الوضوء أو بعضه أو شكّ فيه، الحديث 129، تهذيب الأحكام 2: 140، كتاب الصلاة، باب 9، الحديث 3، وسائل الشيعة 1: 365، باب 1 من أبواب الوضوء، الحديث 1.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وأمّا إذا كان لسانه هو اللسان الثاني، فهذه الصلاة تكون باطلة؛ لأنَّها غير واجدةٍ للشرط؛ لأنَّ الشرط غير متوفّر. أما الطهارة الواقعيّة فغير موجودةٍ على الفرض، وأمّا الطهارة الأخرى فالمفروض أنَّ الدليل لا ينهض لإثباتها، وإنَّما تعبّدنا بنفس الطهارة الواقعيّة.
وهذا التقريب واجه عدّة اعتراضاتٍ من قبل مدرسة المحقّق النائيني أهمّها ثلاثة:
الاعتراض الأوّل: –وهو من الاعتراضات التي اتّفق فيها الميرزا والسيّد الأستاذ-(1) أن يقال: إنَّ دليل أصالة الطهارة، وإن كان حاكماً على دليل “لا صلاة إلَّا بطهور”(2) بمعنى: أنَّه يُوجِد فرداً من الطهارة، وهي الطهارة الظاهريّة، ولكن هذه الحكومة ظاهريّةٌ لا واقعيّة، ومعه يستحيل أن تكون مؤثّرةً في تغيير مفاد الدليل المحكوم سعةً وضيقاً.
توضيح ذلك: أنَّ الدليل الحاكم مع الدليل المحكوم على قسمين:
القسم الأوّل: أن يكونا في عرضٍ واحدٍ كدليل “لا صلاة إلَّا بطهور” مع دليل الطواف بالبيت صلاة، فإنَّ الثاني يكون حاكماً على الأوّل؛ لأنَّه يوجد فرداً
ــــــــــ[354]ــــــــــ
() انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 250، أجود التقريرات الخوئي 1: 198،199، محاضرات في أصول الفقه 2: 255-258، دراسات في علم الأصول 1: 230،231.
(2) دعائم الإسلام 1: 100، كتاب الطهارة، ذكر أمر الله عزّ وجلّ عباده المؤمنين بالطهارة، من لا يحضره الفقيه 1: 58، باب: فيمن ترك الوضوء أو بعضه أو شكّ فيه، الحديث 129، تهذيب الأحكام 2: 140، كتاب الصلاة، باب 9، الحديث 3، وسائل الشيعة 1: 365، باب 1 من أبواب الوضوء، الحديث 1.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
جديداً من الصلاة وهي الطواف، وهما عرضيّان؛ لأنَّه لم يؤخذ في أحدهما الشكّ في مفاد الآخر. وفي مثل ذلك تكون الحكومة حكومةً واقعيّةً، بمعنى: أنَّ الدليل الثاني يكون موسّعاً حقيقةً لموضوع الدليل الأوّل.
القسم الثاني: أن يكون الدليل الحاكم في طول الدليل المحكوم، بأن يكون مفاد الدليل الحاكم حكماً ظاهريّاً، والحكم الظاهري أخذ في موضوعه الشكّ في الأحكام الواقعيّة، فلا محالة يكون في طول الحكم الواقعي؛ لأنَّه أخذ الشكّ في الواقع في موضوعه، فمثل هذه الحاكميّة يستحيل أن تكون حاكميّةً حقيقيّةً بحيث يتصرّف الدليل الحاكم في مدلول الدليل المحكوم؛ لأنَّه متأخّرٌ عنه رتبةً، وما كان متأخّراً عنه يستحيل أن يكون مؤثّراً فيه. إذن، ليست هنا حكومة، بل هنا صورة الحكومة، وإنَّما يتمحّض مدلول الدليل الحاكم في مقام الجري العملي ما دام الشكّ موجوداً، وهذا هو معنى كون الحكومة ظاهريّة.
وحينئذٍ يقال: إنَّ محل الكلام من القسم الثاني؛ لأنَّ مفاد دليل أصالة الطهارة حكمٌ ظاهريّ أخذ في موضوعه الشكّ في الواقع، فيستحيل أن يؤثّر في مفاد دليل الحكم الواقعي، بل تكون الحاكميّة ظاهريّةً مرجعها إلى الجري والعمل.
وهذا من الاعتراضات التي اتّفق فيها الميرزا والسيّد الأستاذ.
وهذا الاعتراض لا يرد على صاحب الكفاية؛ لأنَّنا يجب أن نميّز بين أدلّة الأحكام الواقعيّة، فإنَّه في مقابل دليل أصالة الطهارة يوجد عندنا دليلان واقعيّان:
الأوّل: دليل أنَّ الثوب إذا اصابه البول يتنجّس، ومفاده ينطبق على هذا
ــــــــــ[355]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الثوب المشكوك الذي أجرينا فيه أصالة الطهارة؛ لأنَّ الملاقاة حاصلةٌ في الواقع.
الثاني: دليل صلِّ في الطاهر، وهذا مفاده غير مفاد الدليل الأوّل؛ لأنَّ مفاد الأوّل نفي الطهارة وإثبات النجاسة، ومفاد هذا الدليل هو وجوب إيقاع الصلاة مع الطهارة، فنسبته إلى الأوّل نسبة الحكم إلى الموضوع، فما هو نسبة دليل أصالة الطهارة إلى هذين الدليلين؟
مفاد دليل أصالة الطهارة متأخّرٌ رتبةً عن الدليل الواقعي الأوّل؛ لأنَّه أخذ فيه عدم العلم بالقذارة، يعني الشكّ في مفاد الدليل الأوّل فيكون في طوله، وأمّا بلحاظ الدليل الثاني فلم يؤخذ في موضوع دليل أصالة الطهارة الشكّ في شرطيّة الطهارة في الصلاة. إذن، لا موجب لافتراض أن يكون مفاد دليل أصالة الطهارة في طول الدليل الواقعي الثاني.
وصاحب الكفاية لا يريد أن يقول: إنَّ دليل أصالة الطهارة حاكمٌ على الدليل الأوّل وموسَّع لدائرة الطهارة حقيقةً، وإلَّا لورد عليه الإشكال؛ لأنَّه في طوله فكيف يوسّعه، بل المدّعى أنَّ دليل أصالة الطهارة يكون موسّعاً لموضوع الدليل الواقعي الثاني.
ومن الواضح أنَّه لا طوليّة بينهما؛ لأنَّه لم يؤخذ الشكّ في مفاد الثاني في دليل أصالة الطهارة.
الاعتراض الثاني(1): بأن يُقال: إنَّه كما يوجد “لا صلاة إلَّا بطهور” يوجد
ــــــــــ[356]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 251، أجود التقريرات 1: 199،200، محاضرات في أصول الفقه 2: 254،255، دراسات في علم الأصول 1: 230.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
دليل “لا وضوء إلَّا بماءٍ طاهر”(1)، ودليل “أنَّ ملاقي الطاهر طاهر”، فهي عدّة أدلّةٍ أخذ في موضوعها الواقعي عنوان الطاهر، فلو كان دليل أصالة الطهارة حاكماً واقعاً على موضوع “لا صلاة إلَّا بطهور” فليكن حاكماً على موضوع سائر الأدلّة فينتج فرداً جديداً من الماء الطاهر، ولازمه أنَّه لو توضّأ بالماء النجس جهلاً ثُمَّ انكشف أنَّه نجسٌ لكان وضوءاً صحيحاً، وكذلك لو أدخلتُ يدي في ماءٍ نجسٍ إجراءً لأصالة الطهارة ثُمَّ انكشف حاله؛ فيدي لم تتنجّس بعد توسيع موضوع هذه الأدلّة، مع أنَّه لا يُظَنّ بفقيهٍ أنَّه يلتزم بذلك، وإن كانت حاكميّته ظاهريّة. إذن، لا يتمّ حتّى في دليل “لا صلاة إلَّا بطهور”.
هذا النقض يمكن للمحقّق الخراساني أن يتخلّص عنه بفرضيّةٍ أصوليّةٍ يبقى تحقيقها في ذمّة الفقه.
وحاصلها: أنَّ الدليل الذي نريد جعله محكوماً لدليل أصالة الطهارة تارةً يتكفّل حكماً على عنوان الطهارة وعدم الطهارة، وهو عنوانٌ وجوديّ في مقابل النجاسة، وأخرى يتكفّل حكماً على عنوان النجاسة وعدم النجاسة، فمثلاً دليل شرطيّة الطهارة في الصلاة أخذ فيه عنوان الطهارة، ولو فرض أنَّ دليل بطلان الوضوء بالماء النجس كان مأخوذاً فيه عنوان النجس، فيمكن لصاحب الكفاية أن يقول: إنَّ الحاكميّة التي أدّعيها لدليل أصالة الطهارة، إنَّما تكون على دليل حكمٍ مترتّبٍ على عنوان الطهارة؛ لأنَّه يثبت الطهارة ويوجد فرداً منها. صحيح
ــــــــــ[357]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 315، الحديث: 6، وقد ورد بما لفظه: (إنَّ الله فرض الوضوء على عباده بالماء الطاهر والرخصة).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أنَّ النجاسة الواقعيّة موجودةٌ إلى جنب هذه الطهارة، ولكنّ الدليل الواقعي يريد الصلاة في الطاهر، وهذا طاهر.
وأمّا إذا كان مفاده مترتّباً على عنوان النجاسة، فلو أجرينا أصالة الطهارة في هذا الماء ولكن النجاسة الواقعيّة محفوظةٌ على حالها، فيشمله قوله: لا تتوضّأ بالنجس، ولا يستطيع دليل أصالة الطهارة أن يخرج هذا الماء من قوله: (لا تصلّ في النجس) إلَّا إذا غيّر النجاسة الواقعيّة، والمفروض أنَّه لا يغيّرها.
فيندفع النقض على صاحب الكفاية.
الاعتراض الثالث(1): اختصّ به المحقّق النائيني، وحاصله: أنَّه عندنا في المقام مطلبان بناءً على نظريّة صاحب الكفاية.
المطلب الأوّل: توسيع دائرة الشرطيّة بحيث تشمل الطهارة الظاهريّة كما تشمل الواقعيّة.
المطلب الثاني: وهو بمثابة الموضوع للمطلب الأوّل(2)، فإنَّ الطهارة الظاهريّة أمرٌ مفروغٌ عنه في هذا التوسيع فإن الموسِّع يريد أن يجرّ الشرطيّة ويعمّمها للطهارة الظاهريّة.
بينما دليل أصالة الطهارة مكلّف -من قبل صاحب الكفاية- بتكليفٍ غير مقدورٍ بأن يوجد كلا هذين المطلبين. إذ من الواضح أنَّ الطهارة الظاهريّة غير مفروغٍ عنها بغضّ النظر عن هذا الدليل، فهو بنظرٍ واحدٍ يجعل الطهارة
ــــــــــ[358]ــــــــــ
() انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 249.
(2) وهو إيجاد الطهارة الظاهريّة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الظاهريّة، وأيضاً يوسِّع الشرطيّة إلى الطهارة الظاهريّة.
وهذان المطلبان لا يمكن أن يشملهما نظرٌ واحدٌ.
فالطهارة الظاهريّة إن فرضت مفروغاً عنها فيستحيل أن تكون مجعولةً بهذا الدليل، وإن فرضت مجعولةً بهذا الدليل فيستحيل أن تتكفّل تعميم الشرطيّة في المرتبة المتأخّرة.
وهذه الصيغة يمكن تقديم إجابتين عليها كلٌّ منهما مبتنيّةٌ على معنىً من الحكومة غير المعنى الذي تبتني عليه الإجابة الأخرى.
الإجابة الأولى: أنَّ الدليل الذي يكون موسّعاً موضوع دليل الشرطيّة وهو دليل أصالة الطهارة، لا نريد بكونه موسعاً أن نثبت معه الشرطيّة بنفس هذا الدليل، وإنَّما هو يثبت أصل الطهارة الظاهريّة، وأمّا سعة دائرتها فهي تثبت بإطلاق دليل الشرطيّة “لا صلاة إلَّا بطهور”.
وتوضيحه: أنَّ المقصود من حاكميّة دليل أصالة الطهارة على “لا صلاة إلَّا بطهور” الحاكميّة بمعنىً يساوق الورود، بمعنى أنَّ دليل أصالة الطهارة يحقّق فرداً من موضوع دليل الشرطيّة فيشمله هذا في نفسه.
فإنَّ الحاكميّة على نحوين:
النحو الأوّل: أن يوجِد الدليل الحاكم فرداً حقيقيّاً من موضوع الدليل المحكوم، كما لو كان موضوع الدليل المحكوم عنوان الحجّة(1) فدليل حجّيّة خبر الواحد يحقّق فرداً من الحجّيّة حقيقةً. وهذا هو الذي نسمّيه بالورود.
ــــــــــ[359]ــــــــــ
() في قوله: إذا قامت الحجّة فليتصدق. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
النحو الثاني: أنَّ الدليل الحاكم يدّعى أنَّه أحدث فرداً استطراقاً إلى إجراء ذاك الحكم إلى هذا الفرد، كما لو قال: جارك قريبك، فهو لا يحدث قرابةً حقيقيّةً، وإنَّما يدّعي ذلك لإسراء حكم وجوب صلة الرحم إلى الجار، فهذا فردٌ باعتبار الادّعاء والتنزيل.
وهذان القسمان من الحاكميّة يختلفان في نكتةٍ وهي أنَّه في القسم الأوّل: يكون الحكم ثابتاً بالدليل المورود لا بالدليل الوارد، وإنّما الدليل الوارد يوجد الموضوع فقط، وفي القسم الثاني: يثبت الحكم بالدليل الحاكم. فوجوب صلة الجار يكون بدليل “جارك قريبك”.
حينئذٍ نقول: بأنَّ دعوى صاحب الكفاية أنَّ دليل أصالة الطهارة يحكم على دليل الشرطيّة، لو أراد بها الحكومة من القسم الثاني، بمعنى أنَّ دليل أصالة الطهارة نظره إلى إثبات الحكم باعتبار التنزيل والادّعاء لكان لهذا الإشكال صورةٌ؛ إذ كيف يتكفّل الدليل كلا المطلبين بإنشاءٍ واحدٍ.
وأمّا إن أريد بالحكومة القسم الأوّل فمن الواضح أنَّ هذا الإشكال غير واردٍ لما بيّناه من أنَّ ثبوت الحكم فيه لا يكون بالدليل الحاكم بل بالدليل المحكوم، فدليل أصالة الطهارة لا يتكفّل توسعة الشرطيّة، وإنَّما يتكفّلها دليل “لا صلاة إلَّا بطهور” بأن يقال: إنَّه أريد منه جامع الطهارة الواقعيّة والظاهريّة، ودليل أصالة الطهارة يحدث فرداً من هذا الجامع وتوسّع الشرطيّة بالدليل المحكوم، فلم يجتمع المطلبان على دليل أصالة الطهارة فلم يلزم الجمع بين أمرين بنظرٍ واحدٍ.
ــــــــــ[360]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذا الجواب ينحلُّ به اعتراضان آخران:
الاعتراض الأوّل: للمحقّق النائيني(1)، حيث قال: إنّه كيف يعتقد صاحب الكفاية بأنَّ دليل أصالة الطهارة حاكمٌ على دليل الشرطيّة، مع أنَّ مختار صاحب الكفاية(2) أنَّ الدليل لا يكون حاكماً إلَّا إذا كان بلسانه اللفظي مبيّناً للمقصود، بمعنى: أعني وأقصد، وإلَّا فلا يكون حاكماً؛ ولهذا أنكر حاكميّة أدلّة حجّيّة الإمارات على أدلّة الأصول.
وقد انقدح جوابه ممّا ذكرناه، فإنَّه إنَّما يرد لو كان مقصود صاحب الكفاية الحاكميّة بمعنى القسم الثاني الذي ذكرناه، مع أنَّه قد يكون مراده الورود، وفي الورود لم يشترط أحدٌ أن يكون الدليل الوارد جائياً بلسان أقصد وأعني، ولذا اختار تقدّم أدلّة الأمارات على الأصول بالورود مع أنَّها غير جائيةٍ بلسان أقصد وأعني، ونفس هذا المبنى منه يكون قرينةً على مقصوده.
الاعتراض الثاني: وهو مربوطٌ بجواب الاعتراض الثاني النقضيّ الذي ذكرناه ، فإنَّ الميرزا قال فيه: إن بنينا على الحاكميّة الواقعة على دليل الشرطيّة فلا بُدَّ من الالتزام بها على سائر الأدلّة، ويلزم منه الإجزاء لو توضّأ بماءٍ نجسٍ جهلاً والتفت بعد ذلك.
وأجبنا على ذلك: أنَّه يمكن لصاحب الكفاية أن يفرّق بين الأدلّة التي أُخذ في موضوعها عنوان الطاهر، والأدلّة التي أُخذ في موضوعها عنوان النجس،
ــــــــــ[361]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 249، أجود التقريرات 1: 198.
(2) انظر: كفاية الأصول: 86.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فكلّ دليلٍ أُخذ في موضوعه عنوان الطاهر يكون دليل أصالة الطهارة حاكماً عليه، وكلّ دليل من القسم الثاني لا يكون حاكماً عليه؛ لأنَّه يحدث فرداً من الطهارة لا أنَّه ينفي النجاسة الواقعيّة.
وقد يورد على هذا الجواب: بأنَّ دليل أصالة الطهارة وإن كان مفاده المطابقي هو الطهارة ولكنّه مع هذا ينفي النجاسة.
وتوضيحه: أنَّ هذا الدليل إمّا أن نقول: إنَّ مدلوله هو الطهارة فقط، من دون تعرّضٍ إلى نفي النجاسة. أو نقول: إنَّ مدلوله المطابقي هو الطهارة والالتزامي العرفي هو نفي النجاسة، أمّا على الأوّل: كيف يصحّح الآخوند الوضوء بالماء الذي تجري فيه قاعدة الطهارة، فإنَّ دليل الوضوء بالماء النجس باطل، ودليل أصالة الطهارة لا ينفي النجاسة، فما هو المؤمّن المصحّح لهذا الوضوء في حال الشكّ، قبل أن ينكشف الخلاف، مع أنَّه لا إشكال في جواز الاعتماد على أصالة الطهارة في حال الشكّ، فيلزم على صاحب الكفاية أنَّه في حال الشكّ لا يجوز التوضّي بهذا الماء.
وإن قال صاحب الكفاية: إنَّ دليل أصالة الطهارة له مدلولان: الطهارة وعدم النجاسة، وهما متلازمان عرفاً، ففي حال الشكّ يجوز لنا الوضوء بهذا الماء؛ لأنَّ أصالة الطهارة تعبِّدنا بعدم النجاسة، فيأتي نقض الميرزا، فإنَّه بلحاظ المفاد الأوّل يكون حاكماً على دليل “لا صلاة إلَّا بطهور” وبلحاظ المفاد الثاني يكون حاكماً على دليل لا تتوضّأ بالنجس، وإن كانت الحاكميّة بشكلين فالحاكميّة الأولى بتوسعة دليل الشرطيّة، والثانية بتضييق دائرة النجس وإخراج
ــــــــــ[362]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فردٍ منه، فإن كانت هذه الحاكميّة واقعيّةً يلزم الإجزاء في كلٍّ منها، وإن كانت ظاهريّةً يلزم عدم الإجزاء في كلٍّ منهما.
هذا يمكن الجواب عنه على ضوء ما قلناه : وهو أنَّ صاحب الكفاية مراده من الحاكميّة الورود. فدليل “لا صلاة إلَّا بطهور” حيث إنَّ موضوعه هو طبيعيّ الطاهر فيكون دليل أصالة الطهارة وارداً عليه بمدلوله المطابقي؛ لأنَّه يحدث فرداً آخر حقيقيّاً من موضوع دليل الشرطيّة.
وأمّا بلحاظ مدلوله الثاني وهو التعبّد بعدم النجاسة فلا يعقل أن يكون وارداً على دليل لا تتوضّأ بالنجس، فإنَّه إن كان يفني النجاسة الواقعيّة فيلزم أنَّ مفاده واقعيّ لا ظاهريّ، وهو خلف(1). إذن، التعبّد بعدم النجاسة ليس مساوقاً مع عدم النجاسة، ولكن التعبّد بالطهارة مساوقٌ مع الطهارة، فيعقل الورود بلحاظ الدليل الأوّل دون الدليل الثاني.
نعم، يبقى شيءٌ واحدٌ على صاحب الكفاية وهو أنَّه كيف يفهم من موضوع دليل الشرطيّة جامع الطهارة، مع أنَّ المستظهر منه خصوص الواقعيّة وإلَّا لكنّا نستظهر من دليل (لا تتوضّأ بالنجس) جامع النجاسة، فيلزم بطلان الوضوء به، فكيف استظهر هناك جامع الطهارة، وهنا جامع النجاسة.
الإجابة الثانية: على هذا الاعتراض: وهو مبنيّ على أن تكون حاكميّة قاعدة الطهارة على دليل الشرطيّة حاكميّةً تنزيليةً وادّعائيّةً فيكون مفاد الحاكم تنزيل غير الموضوع منزلة الموضوع بلحاظ حكمه؛ بأن يقال: بأنَّ ما ذكره مبنيّ
ــــــــــ[363]ــــــــــ
() إلَّا إذا قيل بالتعبّد فيه وانقلاب النجاسة الظاهريّة إلى الواقعيّة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
على أن يكون موضوع التوسعة هو الطهارة الظاهريّة، فإنَّه إذا كان كذلك فالموضوع هنا هو الطهارة الظاهريّة والمحمول هو توسعة الشرطيّة لها، ودليل القاعدة قد تكفّل كلا الأمرين -الموضوع والمحمول معاً- وهو غير معقول.
ولكنّ موضوع التوسعة ليس هو الطهارة الظاهريّة، بل موضوعها هو مشكوك الطهارة، بأن يقول: دليل الطهارة: إنَّ كلّ ما لا تعلم أنَّه قذرٌ فهو بحكم الطاهر عندي في الشرطيّة.
ومن الواضح أنَّ ذات المشكوك أمرٌ واقعيٌّ وجدانيٌّ مفروغٌ عنه قبل هذه القاعدة. إذن، لم ينشأ الموضوع والمحمول بجعلٍ واحدٍ، وأمّا الطهارة الظاهريّة فهي منتزعةٌ عن هذا التنزيل لا أنَّها موضوعٌ له كما يتخيل، فإنَّه بعد التنزيل انتزع عنوان أنَّ هذا طاهرٌ تنزيلاً.
وبذلك تبيّن أنَّ اعتراضات المحقّق النائيني على صاحب الكفاية لا يرجع شيءٌ منها إلى ما يصحّ الاعتماد عليه.
فالصحيح في تحقيق أصل المطلب أن يقال: إنَّ دليل أصالة الطهارة يقابل دليلين واقعيَّين:
الأول: دليل أصل نجاسة ما لاقى مع البول بعد أن لاقى الثوب مع البول في الواقع وأنا لا أعلم.
الثاني: دليل الشرطيّة “لا صلاة إلَّا بطهور” ولا تجوز في النجس.
وفي تشخيص مفاد قاعدة الطهارة يقع بحثان:
البحث الأوّل: مفادها بالنسبة إلى الدليل الأوّل، في أنَّ دليل قاعدة الطهارة هل يمكن أن يخصِّص ذاك الدليل أو لا، ولا معنى هنا للحاكميّة؛ لتعارض
ــــــــــ[364]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المدلولين ووقوع أحدهما في عرض الآخر، وليس أحدهما يحقّق موضوع الآخر، فإن كان هناك شيءٌ فهو التخصيص كما هو ظاهر كلام صاحب الحدائق(1). وإذا تمّ التخصيص فستصبح قاعدة الطهارة حكماً واقعيّاً والصلاة معها صلاةً واقعيّةً، ولا إشكال في الإجزاء.
وقد ذكرنا في بحوث شرح العروة، الجزء الثاني(2) أنَّ هذا لا يمكن استظهاره، وهذا يجب أن نأخذه أصلاً موضوعيّاً؛ لأنَّنا نتكلّم بالحكم الظاهري لا الحكم الواقعي، فنفرغ في المقام أنَّ دليل النجاسة الواقعي ليس مخصّصاً؛ وأنَّ دليل الطهارة ظاهري.
البحث الثاني: في نسبة قاعدة الطهارة إلى دليل الشرطيّة، بعد أن ثبت عدم التخصيص فمفاده طهارةٌ ظاهريّةٌ تنزيليّةٌ ادّعائيّةٌ لا واقعيّة.
فيقع الكلام في أنَّ تنزيل مشكوك الطهارة منزلة الطاهر الواقعي يمكن أن يكون بأحد لحاظين:
اللحاظ الأوّل: أن يكون هذا التنزيل بلحاظ موضوعيّته للأحكام(3) الشرعيّة، ويمكن على أساس إسراء الآثار المترتّبة للطاهر الواقعي على الطاهر الظاهري، وتتمّ الحاكميّة التي قالها الآخوند(4).
ــــــــــ[365]ــــــــــ
() انظر: الحدائق الناضرة 1: 136.
(2) بحوث في شرح العروة الوثقى 2: 210،211.
(3) التي منها الشرطيّة. (المُقرِّر).
(4) انظر: كفاية الاصول: 86.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
اللحاظ الثاني: أن يكون هذا التنزيل بلحاظ موضوعيّته للجري العملي والوظيفية العملية في عالم الامتثال والعصيان. ومن الواضح أنَّه لا معنى لدعوى حكومة دليل قاعدة الطهارة على دليل الشرطيّة؛ لأنَّه يكون قاصراً عن توسعة دائرة موضوعه، بل يكون وظيفته فقط تعيين الوظيفة للمكلّف ما دام شاكّاً، فإذا ارتفع شكّه عمل على اليقين لا محالة.
فلا بدَّ أن نعرف أنَّ مفاد دليل الطهارة هو التنزيل بلحاظ موضوعيّته للأحكام أو موضوعيّته للجري العملي، حينئذٍ يقال: إنَّ التنزيل الذي أخذ في موضوعه الشكّ يختلف عن الموارد الأخرى التي لم يؤخذ في موضوعها الشكّ، فإنَّ الثاني كقوله: “جارك قريبك” ينحصر معناه في التنزيل بلحاظ الحكم الشرعي، إذ لا يتصوّر جريٌ إلَّا من ذلك، وأمّا مع أخذ الشكّ فإن لم يكن قرينةٌ على صرف التنزيل إلى لحاظ الجري العملي دون الأحكام فلا أقلّ من أنَّه يوجب الإجمال من هذه الناحية، بحيث لا يبقى ظهورٌ في أنَّ التنزيل بلحاظ الأحكام في عالم الجعل.
وممّا يؤيّد ذلك: قوله: “كلّ شيءٍ نظيفٌ حتّى تعلم أنَّه قذرٌ، فإذا علمت أنَّه قذر فقد قذر“.
توضيح التأييد: أنَّ قوله “فإذا علمت…” إنفاذٌ للعلم، فإنَّ المولى بعد أن بيَّن وظيفة الشكّ صار في مقام بيان وظيفة العلم، ولا إشكال أنَّ هذا الإنفاذ للعلم يبدأ زمانه من حيث زمان حدوث العلم، ولكن هل ينفذ العلم في تمام معلومه أو في بعضه، فإنَّ هذا المؤمّن فعليٌّ حين الشكّ مع الثوب، ثُمَّ علم أنَّه كان قذراً من أوّل الأمر، والعلم يتعلّق بالنجاسة من أوّل الأمر، فهل ينفذ
ــــــــــ[366]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
علمي من الآن أو ينفذ من أوّل الأمر؟ ظاهره الثاني، يعني: من الآن يحكم بتمام آثار النجاسة السابقة من أوّل الأمر إلى الآن. وهذا معناه أنَّ الشرطيّة لم تتوسّع حقيقةً؛ إذ لو كانت قد توسّعت ووقعت الصلاة مع الشرط حقيقةً لما نفذ العلم قبل زمان حدوثه، فيكون هذا قرينةً على أنَّ التنزيل في صدر العبارة صوريٌّ ظاهريٌّ بلحاظ مقام العمل لا بلحاظ الأحكام الشرعيّة.
هذا تمام الكلام في التقريب الأوّل للإجزاء.
التقريب الثاني: دعوى أنَّ أدلّة الحجّيّة تتكفل جعل الأحكام الظاهريّة بنحو السببيّة لا بنحو الطريقيّة الصرفة، والسببيّة ذات معانٍ يجمعها أنَّ الأعمال التي يؤتى بها على طبق الحكم الظاهري تكون واجدةً للملاك والمصلحة، بخلاف ما إذا قيل بالطريقيّة الصرفة إلى الواقع فإنَّه لا تحصل مصلحة الواقع أصلاً، وعلى السببيّة يكون قد استوفى الملاك ومعه لا موجب للإعادة فضلاً عن القضاء.
وتحقيق الكلام في ذلك بالمقدار المناسب لهذه المسألة: أنَّ الاحتمالات بدواً في تصوير جعل الحجّيّة في أدلّتها:
الاحتمال الأوّل: جعل السببيّة بالنحو الأشعري(1)، وهو فرض أنَّ الله سبحانه وتعالى ليس له أحكامٌ واقعيّةٌ محفوظةٌ في المرتبة السابقة على ما تؤدّي إليه الأمارات والحجج والأصول، بل حكمه عزّ وجلّ يدور مدار هذه الأمارات والأصول.
ــــــــــ[367]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 116، الهداية في الأصول 1: 319.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذه السببيّة بقطع النظر عن صحّة نسبتها إلى الأشعرية مساوقةٌ مع الإجزاء والتصويب؛ لأنَّها لا تفترض وجود حكمٍ واقعيّ في مقابل أدلّة الأمارات والأصول ليقع الكلام بأنَّ امتثال الحكم الظاهري هل يجزي أو لا. بل يصبح الحكم الظاهري هو حكم الله الوحيد وقد امتثل.
الاحتمال الثاني: ما يصطلح عليه أصحابنا بالسببيّة المعتزليّة(1) بغضّ النظر عن صحّة النسبة وهي أنَّ الله تعالى له أحكامٌ مجعولة في المرتبة السابقة على قيام الأمارات والأصول، ولكن كلّ حكمٍ مغيّى بعدم قيام الأمارة على خلافه، فمن حين قيام الحجّة على خلافه يسقط الحكم الواقعي.
وهو يستلزم التصويب والإجزاء معاً؛ لأنَّه مع قيام الأمارة على الخلاف لا يبقى حكمٌ واقعيّ وراء هذا الحكم المجعول في هذه الحجّة، وهذا معنى التصويب ويساوق الإجزاء إذ ليس عندنا أمران ليقع الكلام في أنَّ امتثال هذا الأمر يجزي عن ذاك الأمر أو لا.
الاحتمال الثالث: فرض الطريقيّة الصرفة في أدلّة الأحكام الظاهريّة وهو الذي حقّقناه ثبوتاً واخترناه في بحث الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة(2)، وحاصله: أنَّ جعل الأحكام الظاهريّة لم ينشأ إلَّا للتحفظ على الملاكات الواقعيّة بالمقدار الممكن مع مراعاة الأهمّ فالأهمّ، وهذا هو معنى الطريقيّة الصرفة.
ــــــــــ[368]ــــــــــ
(1) أجود التقريرات 2: 116، الهداية في الأصول 1: 320.
(2)انظر: مباحث الأصول 2: 14، الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذا الاحتمال يساوق عدم الإجزاء وعدم التصويب؛ لأنَّ معناه أنَّه في مورد المخالفة للواقع يكون الحكم الواقعي محفوظاً في نفسه ومقتضى إطلاق دليله وجوب الإعادة، ومقتضى إطلاق دليل القضاء وجوبه، ولم يحصل في الامتثال الظاهري استيفاء الغرض الواقعي؛ لأنَّنا فرضنا أنَّ الحكم الظاهري لمجرّد الإيصال إلى الواقع، وقد تخلّفت هذه النكتة.
الاحتمال الرابع: أن يلتزم في أدلّة الحجّيّة والأمارات في وجود مصالح وملاكات في مؤدّياتها تحفّظاً على ظهور الأمر في كونه حقيقيّاً في مقابل كونه طريقيّاً يعني ناشئاً من مصالح قائمةٍ في متعلّقه لا مجرّد أنَّه موصلٌ إلى تكليفٍ آخر، فهذا نحوٌ من السببيّة ولكن لا يلزم منه الإجزاء ولا التصويب؛ لأنَّ غاية ما يقتضيه الظهور المزعوم للأمر بالحقيقيّة هي أنَّ هناك مصلحةً بالإتيان بما أخبر الثقة بوجوبه، ولكن لا يثبت أنَّ هذه مصلحةٌ من سنخ مصلحة الواقع بحيث يستوفى بالإتيان به. إذن، لا استيفاء في الملاك الواقعي فنتمسّك بإطلاق دليله في بقاء ملاكه فتجب الإعادة، وهذا أيضاً بعينه معناه عدم التصويب.
الاحتمال الخامس: أن يقال بالسببيّة ووجود مصالح في الأحكام الظاهريّة لدفع شبهة ابن قبّة(1) القائل بأنَّ تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة قبيحٌ على
ــــــــــ[369]ــــــــــ
(1) وهو محمد بن عبد الرحمان بن قِبَة أبو جعفر الرازيّ، قال النجاشي: (محمد بن عبدالرحمان بن قبة الرازي، أبو جعفر: متكلم، عظيم القدر، حسن العقيدة، قوي في الكلام، كان قديما من المعتزلة وتبصر وانتقل، له كتب في الكلام ) قال الشيخ الحر في تذكرة المتبحرين: ( الشيخ أبو جعفر، محمد ابن عبدالرحمان بن قبة الرازي: فقيه، متكلم، عظيم الشأن، من علماء الامامية، له كتب منها: كتاب الانصاف، نقل منه المفيد في كتاب العيون والمحاسن ) قال الشيخ الطوسي : (محمد بن قبة الرازي: يكنى أبا جعفر، من متكلمي الامامية وحذاقهم، وكان أولا معتزليا، ثم انتقل إلى القول بالإمامة، وحسنت طريقته وبصيرته، وله كتب في الامامة ) انظر: موسوعة طبقات الفقهاء 4: 408.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المولى، فيلتزم لأجل ذلك بوجود المصلحة، ولكنّ هذه المصلحة التي يراد بها تدارك ذلك القبح يفترض قيامها في نفس جعل الأحكام الظاهريّة لا في متعلّقاتها، كما تصوّر بعض الأصوليّين في بحث الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة(1).
بناءً عليه أيضاً لا إجزاء ولا تصويب؛ لوضوح أنَّها مصلحةٌ في نفس الجعل وليست مصلحةً استيفائيّةً يستوفى بها الجهات الواقعيّة، فمقتضى إطلاق الدليل الواقعي هو لزوم الإعادة.
الاحتمال السادس: احتمال السببيّة بالنحو الذي سمّي في كلمات الميرزا بالمصلحة السلوكيّة(2)، وهي تعبّر عن الالتزام بوجود مصالح من أجل دفع شبهة ابن قبّة، ولكنّ الفرق بينها وبين الاحتمال الخامس هو أنَّ المصلحة هناك قائمةٌ بنفس جعل المولى، وأمّا هنا فالمصلحة قائمةٌ بفعل المكلّف، ولكن ليست قائمةً به بعنوانه الأوّلي بل بعنوانٍ ثانويّ وهو عنوان سلوك طريق الأمارة بالمقدار الذي يفوّت الواقع، فبهذا المقدار تحصل مصلحةٌ تداركيّةٌ يستوفى بها
ــــــــــ[370]ــــــــــ
(1) يقصد به السيّد الخوئي في دراسات في علم الأصول 3: 120-121، غاية المأمول 2: 104.
(2) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 255.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ذلك الواقع، ومعه لا يبقى إشكال ابن قبّة ويرتفع القبح المذكور.
ومن هنا يعلم أنَّ المصلحة هنا قائمةٌ بفعل المكلّف بعنوانه الثانوي وفي الخامس قائمةٌ بفعل المولى، ويعلم أنَّ المصلحة هنا تداركيّةٌ للمصلحة القائمة، وأمّا في الاحتمال الخامس فهي مصلحةٌ في نفس الجعل وهي تداركيّةٌ لرفع القبح عن المولى نفسه.
وبناءً على هذا الاحتمال لا إشكال أنَّه إذا انكشف الخلاف في أثناء الوقت، وكذب الثقة، وأنَّ الواجب ليس صلاة الجمعة بل صلاة الظهر، من عدم التصويب وعدم الإجزاء؛ لأنَّ هذه المصلحة إنَّما يحصل بها التدارك بمقدار ما تفوّته الأمارة، ومن الواضح أنَّ الأمارة فوّتت فضيلة أوّل الوقت، وأمّا مصلحة أصل الصلاة الأدائية فلم تفت؛ لارتفاع التعبّد في أثناء الوقت، فلا موجب للتدارك، فمقتضى القاعدة وجوب الإعادة وعدم الإجزاء.
وأمّا لو استمرّت حجّيّة الأمارة إلى آخر الوقت، فلا بُدَّ من فرض أنَّ مصلحة الأمارة تتدارك كل الخسارة الواقعة منه، فهنا قد يقال –كما ذكر السيّد الأستاذ(1)– أنَّه لا يجب عليه القضاء؛ لأنَّ القضاء فرع الفوت والخسارة، وهنا لم تحصل الخسارة بعد فرض التدارك والجبر بالمصلحة السلوكيّة.
ولكنّ الصحيح هو وجوب القضاء؛ لأنَّ تدارك المصلحة السلوكيّة هو بمقدار ما يكون فائتاً بمقدار الأمارة.
ومن الواضح أنَّ الفائت هو مصلحة القيد –وهو الوقت- لا مصلحة
ــــــــــ[371]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 275،276.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أصل الصلاة، فدليل وجوب القضاء -سواءٌ قلنا إنَّه بالأمر الأوّل أو بالأمر الثاني- لسانه لسان وجوب التدارك، فهو في مقام استيفاء المصلحة القائمة بأصل الصلاة، والأمارة لم تفوِّت إلَّا مصلحة القيد، وأمّا مصلحة أصل الصلاة فلم تفت؛ لإمكان الإتيان بها خارج الوقت، فيجب.
نعم، لو قلنا بأنَّ دليل وجوب القضاء ليس في مقام تدارك شيءٍ من المصلحة، وأنَّ المصلحة الأدائيّة بتمامها تُستوفى بالمصلحة السلوكيّة، فلا بأس هنا بالقول بعدم وجوب القضاء، ولكن هذا خلاف ظاهر دليل وجوب القضاء، وهو تدارك شيءٍ ممّا مضى لا تأسيس مصلحةٍ جديدةٍ(1).
وعليه، بناءً على هذا الاحتمال لا ينبغي التفصيل بين وجوب الإعادة
ــــــــــ[372]ــــــــــ
() وأمّا إذا كان القضاء بأمرٍ جديدٍ فقد يُقال: إنَّ فرض المصلحة السلوكيّة يستلزم عدم وجوب القضاء لأنَّ القضاء فرع الفوت، والمصلحة السلوكيّة جبرت الفوت فلم يفت شيءٌ؛ لأنَّ كلّ ما كان مترقّب الفوت فقد أوجدت المصلحة السلوكيّة تداركاً له، فيكون دليل المصلحة السلوكيّة رافعاً لموضوع دليل وجوب القضاء وهو الفوت، إلّاَ أنَّ هذا الكلام في غير محلّه، فإنَّ فرض المصلحة السلوكيّة لا يستلزم رفع موضوع القضاء لإمكان حدوث فوت الخسارة، والمصلحة السلوكيّة تجبره، وفرقٌ بين جبران الخسارة وبين عدم الخسارة، والتعويض لا ينفي الخسارة نفسها. وغاية ما تقتضيه المصلحة السلوكيّة هو التعويض وهو لا ينفي أصل الخسارة، فإذا كان موضوع دليل وجوب القضاء هو مطلق الخسارة والفوت سواءٌ جبر بالمصلحة السلوكيّة أو لا، فلا يكون دليل المصلحة السلوكيّة رافعاً لدليل موضوع وجوب القضاء. والإشكال مبتنٍ على أنَّ دليل المصلحة السلوكيّة نافٍ لأصل الخسارة، والأمر ليس كذلك. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ووجوب القضاء، فتجب الإعادة والقضاء معاً. فحال هذا الاحتمال حال الاحتمالات السابقة من حيث عدم الإجزاء وعدم التصويب، غير الاحتمالين الأوّلين.
مع أنَّ مقصودنا من التصويب هو: أنَّ قيام الأمارة يحدث تغيّراً في الواقع قبل العمل، والإجزاء هو: حصول التغيّر في الخطاب الواقعي، لا بمجرّد قيام الحجّة على الخلاف، بل بالجري على طبق هذه الحجّة.
الاحتمال السابع: بينّه المحقّق الأصفهاني(1) من أجل تصوير فرضيّةٍ ينفكّ فيها الإجزاء والتصويب، فيحكم بالإجزاء دون التصويب.
وذلك بأن يقال بالسببيّة، بمعنى: أنَّ قيام الأمارة المخالفة للواقع يحدث ملاكاً في صلاة الجمعة بحيث تكون هذه الصلاة وافيةً بالغرض الواقعي، وعلى حدّ صلاة الظهر، من حيث وفائها بالغرض الواقعي، وهذه المصلحة تقوم بذات الفعل الذي أدّت الأمارة إلى وجوبه، سواءٌ فات على المكلّف شيءٌ أو لم يفت، وليست كالمصلحة السلوكيّة جبراناً لما فات.
بناءً عليه تكون فرضيّة الإجزاء واضحةً؛ لأنَّه بالإتيان بالجمعة يكون قد استوفى الملاك الواقعي، سواءٌ انكشف الخلاف في الوقت أو بعده.
ولكن يبقى هذا السؤال: إذا كانت صلاة الجمعة بذلك مستوفيةً للملاك يلزم أن ينقلب الوجوب التعييني لصلاة الظهر إلى وجوبٍ تخييريّ بينها وبين
ــــــــــ[373]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 266-270، بحوث في الأصول (الأصفهاني): 121.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
صلاة الجمعة، بعد أن أصبحت كالظهر في الوفاء بالملاك الواقعي. فيلزم تبدّل الواقع وتبدّل إرادة المولى التعيينيّة إلى إرادةٍ تخييريّةٍ، وهذا تصويب، فلا بُدَّ من دفع هذا الإشكال.
ومن ذلك يمكن أن يبيّن عدّة بيانات:
البيان الأوّل: أنَّه لا يعقل تبدّل الأمر الواقعي من الأمر التعييني إلى التخييري، ببركة قيام الأمارة المخالفة على الواقع؛ لأنَّ الملاك الذي فرضناه قائماً بصلاة الجمعة باعتبار قيام الأمارة بها، لم يكن قائماً بها بعنوان صلاة الجمعة وإلَّا فقبل خبر الثقة كانت واجدةً للعنوان دون المصلحة، وإنَّما أصبحت واجدةً للملاك باعتبار قيام الأمارة المخالفة للواقع على وجوبها بقيد كونها مخالفةً للواقع، فهذا الوجوب التخييري لا بُدَّ أن يكون وجوباً تخييريّاً منوطاً بقيام الأمارة على الخلاف، وأمّا إذا لم تقم الأمارة على الخلاف فتجب الظهر تعييناً.
ومن الواضح أنَّ مثل هذا الوجوب لا يمكن وصوله إلى المكلّف؛ لأنَّ إحراز الوجوب المشروط لا يكون إلَّا بإحراز شرطه، وشرطه هو قيام الأمارة المخالفة للواقع، ومن الواضح أنَّ المكلّف إذا علم أنَّها مخالفةٌ للواقع فسوف ترتفع حجّيّتها ويزول دليلها، فتجب عليه صلاة الظهر تعييناً وإن كان شاكّاً بمخالفتها للواقع، فلم يحرز الشرط لهذا الوجوب التخييري، فهذا الوجوب للجامع سنخ وجوبٍ لا يمكن وصوله وإحرازه.
وهذا البيان يمكن أن يجاب عنه بعدّة طرق، ولا أقلّ أن يُقال: إنّه إنَّما يكون له وجهٌ فيما إذا أخذنا الشرط قيداً في الوجوب، يعني: شرط قيام الأمارة
ــــــــــ[374]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المخالفة للواقع إذا أخذناه شرطاً في الوجوب كان لهذا الكلام وجهٌ؛ لأنَّ وصول الوجوب لا يكون إلَّا بوصول شرطه وهو غير قابل للوصول.
وأمّا إذا كان هذا الوجوب التخييري مطلقاً لمن قامت الأمارة عنده على الخلاف وغيره، ولكنّه متعلّق بالجامع بين صلاة الظهر وبين صلاة الجمعة، التي هي مفاد أمارةٍ كاذبةٍ، فيصير الشرط قيداً في أحد عدلي الواجب، فيمكن أن يصل إلى المكلّف، غاية الأمر أنَّ المكلّف إذا لم تقم عنده أمارةٌ مخالفةٌ فأحد فردي الجامع لا يمكن أن يتحقّق بالنسبة إليه.
البيان الثاني(1): أنَّ الجامع بين صلاة الظهر وبين صلاة الجمعة -لو أخذنا القيد بالواجب وقيّدنا صلاة الجمعة التي تقوم الأمارة على وجوبها خلافاً للواقع- لا يتحقّق إلَّا مع الوجوب التعييني لصلاة الظهر ولا يتعقّل بدونه، إذ بدونه أيّ معنىً لصلاة الجمعة التي قامت الأمارة على وجوبها خلافاً للواقع، إذ لا واقع لكي تقوم الأمارة على خلافه، ما لم تنحفظ الإرادة التعيينيّة لصلاة الظهر. فكيف ينقلب هذا الوجوب التعييني إلى التخييري، إذ بمجرّد انقلابه يرتفع تصوّر هذا الجامع، وأيضاً لا يرجع إلى محصل؛ لأنَّ الجامع -بما هو مفهومٌ من المفاهيم- يتعقّل حتّى قبل الوجوب التعييني، وإنّما لا يوجد بحسب الخارج في أحد فرديه إلَّا في ضمن الوجوب التعييني، وكم فرقٌ بين أن يكون الجامع لا يعقل تقرّراً ومفهوماً قبل الوجوب التعييني وبين أن لا يعقل تحقّق
ــــــــــ[375]ــــــــــ
(1) انظر: بحوث في الأصول (الأصفهاني): 121، نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 266-270.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
قبله، وما هو الواقع هو الثاني لا الأوّل.
وحقيقة المطلب: أنَّه بمثل هذه الفرضيّة يستحيل تعلّق الإرادة التعيينيّة من المولى لصلاة الظهر؛ لأنَّ هذه الإرادة التعيينيّة موقوفةٌ على ملاكٍ تعيينيٍّ في متعلّقها، وهذا لا يوجد؛ لأنَّ المفروض أنَّ صلاة الجمعة الفلانيّة بديلٌ لها.
نعم، نفس الإرادة التعيينيّة فيها ملاك؛ لأنَّها ينشأ منها بركة، وهي أنَّ صلاة الجمعة سوف تصبح ببركتها ذات مصلحة، وهذه فائدةٌ قائمةٌ بنفس الإرادة، لكن بينّا سابقاً(1) أنَّ الإرادة لا تنشأ من مصلحةٍ في نفسها؛ بل تنشأ من مصلحةٍ في متعلّقها، فهذا النحو غير معقولٍ في نفسه.
البيان الثالث: أنَّ الإرادة التعيينيّة لصلاة الظهر وإن كان ينشأ منها توسعة الملاك إلَّا أنَّها لا يمكن أن تقلب الملاك، وإلَّا لزم من وجوده عدمه، فإنَّ سعة الملاك الناشئة من الإرادة التعيينيّة يستحيل أن تهدم الإرادة التعيينيّة وإلَّا لزم من وجوده عدمه.
تنبيه:
تحصّل ممّا تقدّم أنَّ الإجزاء والتصويب متلازمان؛ لأنَّ البيانين الأوّلين يستلزمانهما، والأربعة التي بعدها ينفيانهما، والسابع غير تامّ في نفسه.
ونريد بالإجزاء المساوق للتصويب: الإجزاء بملاك الاستيفاء لا الإجزاء بملاك التعذّر، فإنَّه متى ما فرضنا أنَّ الوظيفة الظاهريّة تكون مستوفيةً لتمام ملاك الواقع فلا محالة ينقلب الواقع من التعيينيّة إلى التخييريّة، وهو التصويب.
ــــــــــ[376]ــــــــــ
(1) راجع: ص73.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ولكنّ الإجزاء بملاك تعذّر استيفاء ملاك الواقع يمكن افتراضه بدون تصويب، بأن يفرض أنَّ الوظيفة الظاهريّة واجدةٌ لمصلحةٍ مغايرةٍ لمصلحة الواقع، فهناك مصلحتان متغايرتان تعيينيّتان: إحداهما قائمةٌ بالواقع وهي صلاة الظهر، والأخرى قائمةٌ بصلاة الجمعة، ولكن نفرض التضادّ بينهما بحيث مع استيفاء إحداهما يتعذّر استيفاء الأخرى، فلو استوفيت مصلحة صلاة الجمعة يتعذّر أن تستوفى المصلحة الواقعيّة القائمة بصلاة الظهر، ونتيجة ذلك اجتماع الإجزاء مع عدم التصويب، أمّا الإجزاء فلأنَّه حين يصلّي صلاة الجمعة وينكشف الخلاف لا تجب الإعادة، فإنَّها إنَّما تجب تحصيلاً للملاك الواقعي، والمفروض أنَّه أصبح متعذّر الاستيفاء بعد استيفاء المصلحة الأخرى المضادّة، وهذا معنى الإجزاء.
وأمّا عدم التصويب، أي: بقاء صلاة الظهر وجوباً تعيينيّاً فأيضاً واضح؛ لأنَّ المفروض أنَّ صلاة الجمعة لم تصبح عدلاً لصلاة الظهر في الملاك الواقعي، بحيث يستوفى الملاك الواقعي بأيّهما كان، ولكنّ المفروض أنَّ صلاة الجمعة ذات ملاكٍ آخر برأسه، فلا موجب لانقلاب الوجوب الواقعي من التعيينيّة إلى التخييريّة، فاجتمع الإجزاء مع عدم التصويب.
ــــــــــ[377]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ولكن قد يستشكل على هذا الاجتماع وحاصله: أنَّكم فرضتم مصلحتين متضادّتين، فهل أنَّهما بنظر المولى بدرجةٍ واحدةٍ من الأهمّية، أو أنَّ المصلحة الظاهريّة أقلّ من المصلحة الواقعيّة، فإن فرضتا متساويتين في اهتمام المولى مع كونهما متضادّتين، فيلزم أن يجعل أمره تخييريّاً، فينقلب الأمر التعييني إلى التخييري، وهذا هو التصويب.
وإن فرضتم أنَّ اهتمامه بمصلحة الظهر أشدّ بمراتب من مصلحة الجمعة -ولذا يحافظ على الأمر التعييني بها- فكيف يأمر بصلاة الجمعة مع أنَّها مفوّتةٌ للمصلحة الأخرى؟!
وجواب ذلك: أنَّه بالإمكان اختيار كلٍّ من الشقّين، ولا يرد إشكال، أمّا الشق الأوّل، وهو: تساوي هاتين المصلحتين المتضادّتين في الأهمّية، فلا موجب لانقلاب الأمر الواقعي من التعيينيّة إلى التخييريّة، لأنَّ هاتين المصلحتين هما لزوميتان تعيينيّتان لا مصلحتان على البدل، لأنَّ المفروض أنَّ أحدهما لا يستوفي الآخر، غاية الأمر أنَّه وقع التزاحم بينهما خارجاً لضيق قدرة المكلّف عن الجمع.
وحينئذٍ يقال: إنَّ التزاحم إنَّما يقتضي استحالة الأمرين الفعليَّين المنجّزين المتزاحمين حينما يكون كلاهما واصلاً إلى المكلّف، فإنَّه تكليفٌ بغير المقدور، وأمّا إذا كان أحدهما واصلاً والآخر غير واصل فلا بأس به.
وهذا هو أحد فروق باب المعارضة عن المزاحمة، فإنَّ خطاب (صلّ) و(لا تصلّ) يتعارضان وصلا أم لا. وأمّا خطاب (صلِّ وأزل) فإنَّما يتزاحمان إذا وصلا وأمّا إذا لم يصلا فلا تزاحم؛ لأنَّ المكلّف لا يقع في ضيق عند عدم وصول أحدهما إليه.
ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّ خطاب (صلّ الظهر وصلّ الجمعة) وإن كانا متزاحمين واقعاً، لكن لا يعقل وصولهما معاً إلى المكلّف، فإن وصل الواقع ارتفع الظاهر، وإن وصل الظاهر ففرضه هو فرض عدم وصول الواقع.
ــــــــــ[378]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وحينئذٍ فلا منافاة بينهما، فليبقَ كلاهما تعيينيّاً على حاله، ولا يلزم التصويب.
وأمّا إذا اخترنا الشقّ الثاني، وهو أنَّ المصلحة الواقعيّة أهمّ بمراتب من المصلحة الظاهريّة، نعم يكون الحكم الظاهري مفوّتاً للمصلحة الواقعيّة، وهذا ليس شيئاً جديداً غير إشكال ابن قبّة، فلا بُدَّ من جوابٍ عليه، فإمّا أن نقول: إنَّ التفويت واقعٌ على أيّ حالٍ، سواءٌ جعل الحكم الظاهري أو لا، كما هو مبنى الطريقيّة، أو نلتزم بوجود مصلحةٍ في الجعل الظاهري يتدارك فيه ما هو الفائت.
هذا تمام الكلام في المقام الأوّل، وهو البحث عن الإجزاء إذا انكشف الخلاف وجداناً.
إذا انكشف الخلاف تعبّداً ففيه حالتان:
انكشاف الخلاف بالأمارة التي تثبت لوازمها وتمام آثارها كما لو صلّى الجمعة بجريان استصحاب وجوبها، ثم قامت عنده أمارةٌ تدلّ على وجوب صلاة الظهر تعييناً، لا إشكال هنا أنَّه يترتّب على انكشاف الخلاف وجوب الإعادة بل وجوب القضاء، فإنَّ هذه الأمارة حتّى لو لم تكن موجودةً من أوّل الأمر، فالحجّيّة واقعةٌ من الآن، ولكن مؤدّى الحجّيّة ناظرٌ إلى الماضي والحاضر والمستقبل، فالحجّيّة من الآن تثبت تمام المؤدّى على سعته، فمن الآن يحكم ببطلان الصلوات السابقة، ووجوب الإعادة والقضاء.
ــــــــــ[379]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
من دون فرق بين أن نقول: إنَّ وجوب القضاء بالأمر الأوّل أو الثاني أو أنَّ موضوعه عدم الإتيان أو الفوت؛ لأنَّ الأمارة على أيّ حالٍ تثبت اللوازم.
أن ينكشف الخلاف بالأصل، فهل تجب الإعادة والقضاء أو يفصل بينهما، أو يفصل بين بعض الأصول وبعض؟
فهنا عدّة صور:
الصورة الأولى: أن يفرض أنَّ الأصل الذي كشف الخلاف كان استصحاباً جارياً لإحراز عدم امتثال التكليف كاستصحاب عدم الإتيان، كما لو كان شكّ في بعض أعضاء وضوئه مع الدخول في بعضها الآخر، وكان يجري قاعدة التجاوز، ثُمَّ لمّا انتهى الوقت ثبت عنده أنَّ قاعدة التجاوز لا تجري في الوضوء، فإن انكشف ذلك في الوقت فلا إشكال من عدم الإجزاء لوجود المنجّز في حقّه، وهو استصحاب عدم الإتيان.
وأمّا لو فرض أنَّ هذا الاستصحاب لم يجرِ في حقّه إلَّا بعد انتهاء الوقت، فهل يثبت به وجوب القضاء أو لا؟
إذا كان وجوب القضاء بالأمر الأوّل فلا إشكال أنَّه يثبت باستصحاب عدم الإتيان؛ لأنَّ الأمر الأوّل معلوم التوجّه إليه ويشكّ بامتثاله، والاستصحاب يثبت عدم الامتثال فيكون منجّزاً عليه بالاستصحاب، فلا بُدَّ من الإتيان به. وأمّا إذا كان القضاء بالأمر الثاني فإن قيل: إنَّ موضوعه هو عدم الإتيان فأيضاً ينفع استصحاب عدم الإتيان؛ لتنقيح موضوع وجوب القضاء. وأمّا إذا قلنا أنَّ موضوع وجوب القضاء هو الفوت والخسارة الذي هو لازمٌ
ــــــــــ[380]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
عقليّ لعدم الإتيان، فيشكل استصحاب عدم الإتيان؛ لأنَّه لا يثبت الفوت إلَّا بنحو الأصل المثبت؛ على ما في الكفاية(1)، فتجري بالنسبة إليه أصالة البراءة عن وجوب القضاء؛ لأنَّه شكّ في تكليف جديد لم يحرز موضوعه.
وهذا كلامٌ موافقٌ للصناعة، ولكن يبقى فيه إشكالٌ فقهيٌّ واحدٌ، وهو أنَّ هذه الصناعة لا تختصّ بما إذا جرى الاستصحاب بعد الوقت، بل يجري في أثناء الوقت، فإنَّه لو شكّ في الوقت أنَّه صلّى في الوقت أو لا، وعصى ولم يصل إلى أن انتهى الوقت، فهل يجب عليه القضاء أو لا؟ مقتضى هذه الصناعة أن يقال: إنَّ القضاء إن كان موضوعه عدم الإتيان فيجبُ، لاستصحاب عدم الإتيان، وأمّا إذا كان موضوعه الفوت فلا يجب القضاء؛ لكونه لا يثبت باستصحاب عدم الإتيان، مع أنّنا لا نظنّ بفقيهٍ يلتزم بذلك، أي عدم وجوب القضاء كما هو مقتضى هذه الصناعة.
وأمّا ما قد يقال: من أنَّ الاستصحاب إذا جرى في الوقت، فنفس الاستصحاب يثبت وجوباً ظاهريّاً، وهذا الوجوب قد فات يقيناً فيجب قضاؤه، وأمّا إذا لم يجر الاستصحاب في الوقت فإنَّه لم يحرز فوت شيءٍ لا الواجب الواقعي ولا الواجب الظاهري: أمّا الواجب الواقعي فإثبات فوته بالاستصحاب مثبت، وأمّا الواجب الظاهري فلعدم جريان الاستصحاب في حقّه، وأمّا لو جرى الاستصحاب في حقّه في الوقت فيكون فوت الوجوب الظاهري وجدانيّاً فيجب قضاؤه.
ــــــــــ[381]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 87.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فهذا فرقٌ بين الفرضين، وتتوقّف تماميّته على دعوى الاستظهار من دليل وجوب القضاء، فإنَّنا إذا استظهرنا فيه أنَّه إنشاءٌ لأمرٍ نوعيّ بالقضاء غير محدّد اللون والصيغة وتحدّد صيغته بتحدّد صيغة ما فات، فإن كان ما فات واجباً كان قضاؤه واجباً، وإن كان مستحبّاً كان مستحبّاً، وإن كان واجباً واقعيّاً كان القضاء واجباً واقعيّاً، وإن كان ظاهريّاً كان ظاهريّاً.
إذا استظهرنا هذا فلا بأس بالتفرقة بين الفرضين، فإنّ الاستصحاب إن جرى في الوقت يثبت وجداناً فوت الواجب الظاهري فيجب قضاؤه وجوباً ظاهريّاً، بخلاف ما إذا لم يجر الاستصحاب في الوقت، لأنَّه لم يحرز فوت شيءٍ أصلاً.
وأمّا إذا لم نقبل هذا الاستظهار وقلنا إنَّ دليل القضاء حكمٌ واقعيٌّ كسائر الأدلّة الأوّليّة، فمفاده الوجوب الواقعي للقضاء، فنسأل ما هو موضوعه: هل فوت الواجب الواقعي أو فوت مطلق الواجب وإن كان ظاهريّاً؟ فإن كان الأوّل كان إثباته بالاستصحاب مثبتاً فلا يجب القضاء، وإن كان الثاني فبالاستصحاب يثبت وجوبٌ ظاهريّ فيكون قد فات فيجب القضاء، لكن لازمه أن يكون وجوب القضاء واقعيّاً، حتّى لو كان قد صلّى في الواقع، وهذا لا يُظنّ الالتزام به من فقيه.
فحلّ العويصة لا يكون إلَّا باستظهار الأمر النوعي للقضاء، وهذا ليس ببعيد، والفرق بينه وبين غيره واضحٌ، فإنَّه ليس أمراً تأسيسيّاً بل أمرٌ بإبقاء ما مضى ببعض مراتبه، فأيّ شيءٍ كان لون ما مضى يكتسب وجوب القضاء لونه، فيمكن التفرقة بين الصورتين.
ــــــــــ[382]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الصورة الثانية: أن يكون انكشاف الخلاف ثابتاً بالاستصحاب أيضاً، لكن لا باستصحابٍ موضوعيٍّ هو استصحاب عدم الإتيان، بل باستصحابٍ حكميٍّ هو استصحاب بقاء الوجوب، فإنَّ هذا الشخص مثلاً كان يتخيّل وجود دليلٍ حاكمٍ على استصحاب وجوب الجمعة، لكن بعد خروج الوقت ثبت لديه انتفاء الحاكم، فيثبت في حقّه أركان الاستصحاب.
فهنا إن كان الاستصحاب جارياً في حقّ المكلّف في الوقت بعد انكشاف انتفاء الحاكم في الوقت، فلا إشكال في أنَّ هذا الاستصحاب يكون منجّزاً لوجوب صلاة الجمعة، فلو عصى ولم يصلّ الجمعة فهل يجب عليه أن يقضيها ولو ظهراً؟ هنا أيضاً يقال: بأنَّ دليل وجوب القضاء مدلوله أمرٌ نوعيّ، فإن كان ما فات ظاهريّاً وجب القضاء ظاهراً، وقد فات الوجوب الظاهري يقيناً.
وأمّا إذا لم يجرِ الاستصحاب في حقّه إلى آخر الوقت، وجرى في حقّه بعد الوقت، فهل يجب عليه القضاء، هنا يأتي نفس التفصيل السابق: وهو أنَّ وجوب القضاء إن كان موضوعه عدم الإتيان بالواجب فيمكن أن يتحقّق ببركة الاستصحاب؛ لأنَّه مركّبٌ من جزئين: (عدم الإتيان بشيء) و(أن يكون ذاك الشيء واجباً)، والجزء الأوّل وجدانيٌّ له؛ لأنَّه ترك صلاة الجمعة، والجزء الآخر ثابتٌ بالاستصحاب؛ لاستصحاب وجوبها، فيتنقّح موضوع وجوب القضاء، فيجب.
وأمّا إذا قلنا إنَّ وجوبه مترتّبٌ على فوت الواجب، فلا يمكن إثبات الفوت باستصحاب الوجوب إلَّا بناءً على الأصل المثبت.
ــــــــــ[383]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ولكن هنا قد يتوهّم: إمكان إثبات الفوت بالاستصحاب من دون مثبتيّة، والمثبتيّة السابقة لا تجري في هذه الصورة، بأن يدّعى أنَّ موضوع وجوب القضاء مركّبٌ من جزئين: فوت شيءٍ، وأن يكون ذاك الشيء واجباً، والجزء الأوّل وجدانيّ، والثاني بالاستصحاب، ومن أجل ورود هذه الشبهة جعلنا هذه الصورة مقابلةً للصورة الأولى.
وجوابها: أنَّ موضوع وجوب القضاء -بناءً على كونه هو الفوت- لا يصحّ أن يجعل مركّباً وإن كان التركيب هو مقتضى القاعدة العرفيّة في باب الأدلّة، وإنَّما أخذ بنحو التقييد يعني فوت الشيء الواجب، والنكتة في ذلك: أنَّ الفوت لا يتحقّق في الشيء إلَّا إذا كان له مزيّةٌ، فالفوت أمرٌ منتزعٌ من وجوب الشيء مع عدم الإتيان به خارجاً، لا أنَّ كلّ شيءٍ لم يقع خارجاً يقال إنَّه قد فات الإنسان، فيكون استصحاب الوجوب مثبتاً ولا يثبت الفوت. إذن، حكم الصورة الثانية حكم الصورة الأولى.
الصورة الثالثة: أن يفرض انكشاف الخلاف بأصالة الاشتغال بقانون منجّزيّة العلم الإجمالي، كما لو كان له في أوّل الوقت علمٌ إجماليٌّ بوجوب الظهر أو الجمعة، ولكنّه كان يتخيّل أنَّه منحلٌّ بقيام الأمارة على وجوب الجمعة، ثُمَّ تبيّن له أنَّ هذه الأمارة ليست حجّةً فأصبح العلم الإجمالي منجّزاً، وكان قد صلّى الجمعة بتخيّل أنَّها هي الواجبة، والآن تنجّز عليه وجوب صلاة الظهر، فلو لم يصلِّ فهل يجب القضاء أو لا؟
فهنا قد يفرض أنَّ انهدام الأمارة قبل الإتيان بصلاة الجمعة، وأخرى يفرض بعد الإتيان بها في الوقت، وثالثةً يفرض انهدامها بعد الوقت.
ــــــــــ[384]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فإن انهدمت الأمارة قبل الإتيان بصلاة الجمعة فأصبح حاله حال من كان له علمٌ إجماليّ بإحدى الصلاتين من دون أمارة فيكون هذا العلم منجّزاً عليه، فتجب عليه الموافقة القطعيّة بالإتيان بالصلاتين.
وأمّا لو فرض أنَّه صلّى الجمعة فقط -أحد طرفي العلم- ولم يؤدِّ الظهر
-تسامحاً- حتّى خرج الوقت، فقد خالف أصالة الاشتغال، ووجوب الموافقة القطعيّة للعلم الإجمالي، فهل يجب عليه حينئذٍ قضاء صلاة الظهر؟ هنا يمكن إثبات وجوب القضاء عليه بعدّة محاولات.
المحاولة الأولى: وجوب القضاء –كما في البيان السابق- على من تنجّز عليه الأداء، كان هو التمسّك بالأمر النوعي للقضاء، فهنا قد يقال: أنَّ الأداء لم يحرز فيه الوجوب الواقعي ولا الظاهري، وإنَّما كان واجباً عليه بحكم العقل فقط بقانون العلم الإجمالي، فإجراء دليل القضاء يتوقّف على عنايةٍ زائدةٍ وهي أنَّ هذا الدليل يشمل حتّى موارد الوجوب العقلي، بحيث يشمل كلّ موارد مقتضيات الأداء، سواءٌ كان هذا مثل هذا المقتضي شرعيّاً أو عقليّاً فإن ادّعيت هذه العناية ورد نفس البيان لوجوب القضاء.
المحاولة الثانية: إذا أنكرنا هذه العناية الزائدة، وقلنا إنَّ دليل وجوب القضاء ناظرٌ إلى تدارك خطابات الشارع نفسه لا إلى التنجيزات العقليّة، فكيف نخرج وجوب القضاء بالنسبة إليه مع أنَّه لم يحرز أنَّه فاته واجبٌ واقعيٌّ ولا ظاهريّ. وهذا الإشكال بهذه الصيغة لا يفرق فيه بين أن يكون موضوع وجوب القضاء هو فوت الواجب أو عدم الإتيان به.
ــــــــــ[385]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وقد يتخيّل أنَّه بناءً على الثاني نستصحب عدم الإتيان بالواجب، ولكنّه غير صحيح؛ لأنَّه لا شكّ فيما أتينا به، وإنَّما الشكّ في أنَّ ما أتينا به واجبٌ أو ما لم نأتِ به واجب، فاستصحاب عدم الإتيان غير مؤثّر.
المحاولة الثالثة –في تخريج وجوب القضاء-: وهو أنَّ وجوب القضاء طرفٌ للعلم الإجمالي من أوّل الأمر؛ لأنَّه يعلم إجمالاً، إمّا أنَّ الظهر واجبةٌ عليه أو الجمعة، ويعلم أيضاً إمّا الجمعة واجبةٌ عليه أو قضاء الظهر، لو لم يأت بالظهر في وقتها، فقضاء الظهر يتنجّز وجوبه بالعلم الإجمالي الثاني.
هذا الكلام ليس صحيحاً على الإطلاق، فإنّ العلم الإجمالي الأوّل صحيح، لكنّ الطرف الثاني للعلم الثاني ليس وجوباً فعليّاً بل وجوبٌ منوطٌ بعدم الإتيان بالظهر في الوقت، وحينئذٍ فإن كان المكلّف بانياً على عدم الإتيان بالظهر في الوقت فهو يعلم بفعليّة الشرط للقضاء فيكون علماً إجمالياً بالتكليف على كلّ تقدير، وإن كان علماً إجماليّاً في التدريجيّات فيكون هذا العلم منجّزاً.
وأمّا إذا كان المكلّف غير بانٍ على عدم الإتيان بصلاة الظهر فقبل الإتيان بصلاة الجمعة لا يكون هذا العلم الإجمالي علماً بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير؛ لأنَّ وجوب القضاء غير معلوم الفعليّة في ظرفه؛ إذ لعلّه سوف يأتي بصلاة الظهر.
وأمّا بعد أن يأتي بصلاة الجمعة ويبني حينئذٍ على أن لا يأتي بصلاة الظهر فسوف يتحقّق شرط القضاء، ولكنّه يخرج خطاب الجمعة عن محلّ الابتلاء؛ لسقوطه بالامتثال، فلا يكون منجّزاً.
فهذه المحاولات الثلاث لوجوب القضاء غير ناجحة، وإذا لم نستطع
ــــــــــ[386]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إثبات وجوب القضاء لو لم يأت بصلاة الظهر خلال الوقت فما ظنّك لو حصل هذا العلم بعد الوقت.
المحاولة الرابعة: مبنيّةٌ على دعوى أنَّ القضاء بالأمر الأوّل لا بأمرٍ جديد، فإنَّه بعد فوات الوقت يسقط القيد ويبقى الأمر بجامع الصلاة فعليّاً، فمن أوّل الوقت كان الأمر بالجامع فعليّاً، فيتشكّل له علمان إجماليّان: علمٌ إجماليّ بلحاظ الأمر الأوّل بوجوب صلاة قصر أو تمام بدون تقييد بالوقت، والآخر علمٌ إجماليٌّ بلزوم إيقاع هذه الصلاة التي هي إمّا قصرٌ أو تمامٌ في الوقت وكلاهما منجّز، فلو أتى بأحد الطرفين فهذا معناه امتثال أحد طرفي العلم الإجمالي الأوّل والعلم الإجمالي الثاني، وأمّا الطرف الآخر للعلم الأوّل فيبقى منجّزاً عليه ويجب امتثاله، فلو أوقع كلا الصلاتين في الوقت، فقد وافق موافقةً قطعيّةً لكلا العلمين، ولو ترك التمام يتعيّن عليه الإتيان بها بعد الوقت بقانون تنجيز العلم الإجمالي الأوّل. وهذا العلم الإجمالي كان موجوداً في أوّل الوقت، فيكون علماً إجماليّاً بالتكليف على كلّ تقدير.
ويمكن الإشكال على هذه المحاولة بأمرين:
الأمر الأوّل: أنَّها مبنيّةٌ على أنَّ القضاء بالأمر الأوّل، وهذا المبنى غير مقبولٍ في الفقه.
الأمر الثاني: أنَّه لو كان القضاء بالأمر الأوّل فالمحاولة إنَّما تنجح في تنجيز وجوب الفعل الثاني لو تشكّل العلم الإجمالي قبل الإتيان بالفعل الأوّل، يعني: قبل أن يأتي بصلاة القصر تشكّل عنده علمٌ إجماليٌّ بوجوب القصر أو التمام،
ــــــــــ[387]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فيكون علماً بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير، فيكون منجّزاً، وأمّا إذا لم يحدث هذا العلم الإجمالي إلَّا بعد الإتيان بالقصر، أو كان حادثاً ولكنّه منحلٌّ بقيام الحجّة على تعيّن القصر، وإنَّما أصبح غير منحلٍّ بعد الإتيان بالقصر، فمثل هذا العلم الإجمالي ليس منجّزاً للإعادة فضلاً عن القضاء؛ لأنَّه قد خرج أحد طرفيه عن محلّ الابتلاء قبل حدوثه، وذلك حين أتى بصلاة القصر.
المحاولة الخامسة: أنَّ وجوب قضاء صلاة الجمعة منجّزٌ عليه بالعلم الإجمالي، لكن لا العلم الإجمالي الذي ذكرناه في المحاولة الثالثة ، بل علمٌ إجماليّ إمّا بوجوب قضاء صلاة الظهر بعد أن نفرض أنَّها فاتت، يعني: صلّى الجمعة واقتصر عليها إلى أن خرج الوقت، وحينئذٍ تشكّل علماً إجماليّاً بوجوب قضاء صلاة الظهر فعلاً أو وجوب صلاة الجمعة في الأسبوع الآتي.
فإنَّه إن كان الواجب هو الظهر فيجب عليَّ قضاؤها الآن؛ لأنّي صلّيت الجمعة دون الظهر هذا اليوم، وإن كان الواجب هو الجمعة فليس عليَّ القضاء هذا اليوم؛ لأنّي صلّيتها، بل الواجب في الاسبوع الآتي. وهذا علمٌ إجماليٌّ منجّزٌ لأنَّ كلّ وجوبٍ هو فعليٌّ في ظرفه، وفي الواقع أنَّ وجوب صلاة الجمعة في الأسبوع الآتي طرفٌ لعلمين إجماليَّين فنقول: إمّا يجب الجمعة في الأسبوع الآتي، أو يجب عليّ أمران، هما: قضاء الظهر الآن، وأداء الظهر في الأسبوع الآتي.
وهذا العلم يمكن تشكيله في أثناء الوقت لو أتى بالجمعة، فإنّنا نحتاج إلى منجّزٍ لوجوب صلاة الظهر فنقول: إنَّ المنجّز هو العلم إجمالاً أمّا أداء صلاة الظهر الآن أو أداء الجمعة في الأسبوع الآتي. وهذه محاولةٌ صحيحةٌ فيما لو فُرض تعدّد الواقعة لا في مثل الحادثة الواحدة التي لا تتكرّر.
ــــــــــ[388]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الصورة الرابعة: من صور جريان الأصل العملي فيما لو فرض أنَّ الأصل كان هو أصالة الاشتغال العقليّة، وكانت جاريةً باعتبار دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر عند من يرى جريانها فيها، فلو أتى بالأقلّ فهل يجب عليه الإتيان بالأكثر أو لا؟
إن كان مدرك أصالة الاشتغال في المقام هو العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ لا بشرط أو وجوبه بشرط شيء، فترجع هذه الصورة إلى الصورة الثالثة، ويأتي فيها تمام ما قلناه .
وإن كان المنجّز للاشتغال هو مسألة الشكّ في تحقّق الغرض بالإتيان بالأقلّ، فأيضاً يقع الإشكال في أنَّه كيف يجب القضاء مع أنَّ الأداء لم يجب بدليلٍ شرعيّ بل بأصالة الاشتغال؟ وتأتي المحاولات الأربع الأولى مع أجوبتها. أمّا المحاولة الخامسة فلا تأتي في المقام؛ إذ لو اقتصر على الأقلّ فإنَّه لا يقول: أعلم إجمالاً إمّا بوجوب الأكثر من هذا اليوم أو وجوب الأقلّ من اليوم الآتي؛ لأنَّ وجوب الأقلّ في اليوم الآتي معلومٌ على كلّ حال، ولذلك جعلناها صورةً مستقلّة.
وبذلك اتّضحت تمام صور المسألة، وتمّ بحث إجزاء الأحكام الظاهريّة عن الواقع، وتبيّن أنَّه في كلّ موردٍ يكون لدليل الحكم الواقعي إطلاقٌ فمقتضى القاعدة عدم الإجزاء. نعم، يتصوّر الإجزاء فيما لو لم يكن لدليل الحكم الواقعي إطلاقٌ أو يقوم دليلٌ خاصّ على الإجزاء كما في موارد رجوع العامّي من مقلَّدٍ إلى مقلَّدٍ آخر، أو الإخلال بجزءٍ غير ركنيٍّ من الصلاة، وإلَّا فالقاعدة هي عدم الإجزاء.
ــــــــــ[389]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذه القاعدة تنسحب بطريقٍ أَولى على الأوامر الخياليّة، كما لو تخيّل حكماً واقعيّاً ولم يكن هناك حكمٌ ظاهريّ، وإنَّما قلنا (أولى) باعتبار أنَّ وجهي الإجزاء اللذين ذكرناهما فيما سبق لا يأتيان في المقام.
ــــــــــ[390]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
مبحث مقدّمة الواجب
ــــــــــ[391]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
– 1-
وموضوع النزاع في المقام هو المقدّمة الوجوديّة لا الوجوبيّة؛ فإنَّ هذين القسمين يختلفان بحسب عالم الجعل وعالم الملاك معاً، أمّا بحسب عالم الجعل فالمقدّمة الوجوبيّة تؤخذ مفروضة الوجود، كقوله: المستطيع يجب عليه الحجّ، ويكون الوجوب منوطاً بها.
وأمّا المقدّمة الوجوديّة فالوجوب يكون مطلقاً من ناحيتها.
وأمّا بحسب عالم الملاك فالمقدّمة الوجوبيّة دخيلةٌ في اتّصاف الفعل في كونه ذا مصلحة، وبتعبير آخر: دخيلةٌ في احتياج الإنسان إلى هذا الفعل، والمقدّمة الوجوديّة دخيلةٌ في ترتّب المصلحة خارجاً، وبعبارة أخرى: في إشباع حاجة الإنسان.
فبرودة الهواء مقدّمةٌ وجوديّةٌ، يعني دخيلة في اتّصاف النار بأنَّها ذات مصلحةٍ واحتياج الإنسان إليها. وأمّا سدّ منافذ الغرفة فهو مقدّمةٌ وجوديّةٌ للدفء؛ لأنَّها دخيلةٌ في إشباع الاحتياج وتحقّقه خارجاً.
وما هو محلّ النزاع هو المقدّمة الوجوديّة؛ لوضوح أنَّ المقدّمة الوجوبيّة
ــــــــــ[393]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
-بعد فرض أخذها مفروضة الوجود في الحكم- يستحيل أن تكون واجبةً بذلك الوجوب المترتّب عليها.
هذا في موضوع النزاع.
وأمّا محمولها، فليس المراد من وجوبها اللابديّة التكوينيّة، أي: الشيء الذي لا يمكن أن يوجد الواجب بدونه، فإنَّ هذا عبارةٌ أخرى عن كونه مقدّمة للواجب. كما أنَّه ليس المراد في المقام اللابديّة العقليّة بمعنى حكم العقل بتنجّز المقدّمة عليه وعدم صحّة الاعتذار بعدم الإتيان بالواجب؛ لأنَّ المقدّمة غير موجودة، وهذا وإن كان شيئاً أزيد من المقدّمة، إلَّا أنَّه ليس محلاً للنزاع؛ لوضوح الاتّفاق عليه، فإنَّ العقل بعد أن يستقلّ بتنجّز التكليف يرى أن ترك المقدّمة ليس معذّراً عن تركه(1).
كما أنَّه ليس النزاع في الوجوب المولوي المجعول جعلاً فعليّاً تفصيليّاً(2)؛ لوضوح أنَّ الجاعل كثيراً ما يكون غافلاً عن المقدّمة أصلاً، لا تخطر له على بال، وإنّما المراد هو الوجوب المولوي الموجود شأناً بحيث لو التفت لطلبه.
والمدّعى ثبوت هذا الوجوب لهذا الموضوع باعتبار الملازمة العقليّة، وأنَّ مقدّمية المقدّمة تستلزم عقلاً مثل هذا الوجوب وليس النزاع في خصوص الدلالة اللفظيّة الالتزاميّة، فإنَّها إنَّما تكون في اللازم البيّن لا في مطلق اللازم وإن كان خفيّاً على ما يصطلحون؛ إذ لا مبرّر لقصر النزاع على خصوص ذلك
ــــــــــ[394]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 296.
(2) نفس المصدر السابق.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
مع كون الآثار المطلوبة للوجوب الغيري تترتّب عليه، سواءٌ كانت الملازمة بدرجةٍ تستتبع الدلالة اللفظيّة أو لم تكن، فكونها بتلك الدرجة ليس له دخلٌ في الغرض ليكون النزاع مقصوراً عليه.
ــــــــــ[395]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
– 2 –
قسّمت المقدمة إلى مقدّمة وجود ومقدّمة وجوب، وقد أشرنا إليه ولا نعيد(1).
وهناك تقسيمات أخرى لا حاجة إلى الدخول في بحثها، إذ لا يترتّب عليها محصول كالمقدّمة العقليّة والشرعيّة ومقدّمة الوجود ومقدّمة الصحّة(2)، فإنَّه متى ما وجدت المقدّمة الوجوديّة جرى النزاع، سواءٌ كانت مقدّمةً عقليّةً ذاتيّةً أو شرعيّةً عرضيّةً، نشأت من تقييد الواجب بفعلٍ من الأفعال، كتقييد الصلاة بالوضوء، فإنَّ ذات الصلاة غير متوقّفةٍ على الوضوء، لكنّ الصلاة المقيّدة بكونها على وضوءٍ متوقّفةٌ عليه لا محالة.
والذي يستحقّ التعرض له: هو تقسيم المقدّمة إلى الشرط المقارن والمتقدّم والمتأخّر، وهو يذكر تمهيداً لإشكالٍ معروفٍ في تعقّل الشرط المتأخّر.
إذ يقال: إنَّ الشرط المتأخّر غير معقولٍ في نفسه؛ لأنَّه إمّا أن يفرض أنَّه لا
ــــــــــ[396]ــــــــــ
() راجع: ص393.
(2) أو مقدّمة داخليّة أو خارجيّة. (المُقرِّر). انظر: هداية المسترشدين2: 92، كفاية الأصول: 89، فوائد الأصول1: 263، نهاية الأفكار1: 262.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يؤثَّر في مشروطه شيئاً أو يؤثَّر، أمّا على الأوّل فهو خلف الشرطيّة إذ لا نتعقّل للشرطيّة إلَّا التأثير الضمنيّ للشرط، وكونه جزءاً للعلّة، وأمّا إن فرض تأثير الشرط المتأخّر فهل يكون تأثيره في ظرف وجود مشروطه المتأخّر أو في ظرف الشرط المتأخّر، وكلاهما غير معقول. أمّا أن يكون في زمان المشروط فهو غير معقولٍ؛ لأنَّ الشرط المتأخّر معدومٌ في الزمان المتقدّم، فيلزم من تأثيره تأثير المعدوم، وهو باطلٌ بالبداهة العقليّة، وإن كان ظرف تأثيره هو الزمان الثاني، فلا يلزم منه تأثير المعدوم لكن يلزم أن يكون مؤثّراً في الماضي، والماضي قد وقع ويستحيل أن ينقلب الواقع عمّا وقع عليه. هذا هو التقريب الأمتن لهذا الإشكال(1).
ولذا يقع التخلّص منه في عدّة مقامات:
المقام الأوّل: في تحقيق حال الإشكال فيما إذا كان الشرط المتأخّر شرطاً لنفس الوجوب.
المقام الثاني: في تحقيقه فيما إذا كان شرطاً متأخّراً للواجب.
المقام الثالث: في تحقيق حال الشرط المتقدّم الذي ألحقه صاحب الكفاية.
الكلام في الشرط المتأخّر لنفس الحكم، كما لو حكم بوجوب الصلاة أو الصوم في النهار على من لا يصلّي صلاة الليل في الليلة الآتية أو على من
ــــــــــ[397]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات1: 224.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يصلّيها. وقد ذكر صاحب الكفاية(1) في مقام دفع هذا الإشكال في باب الأحكام أنَّ ما هو الشرط في الحقيقة إنَّما هو الوجود اللحاظي لا الوجود الخارجي، والوجود اللحاظي مقارنٌ دائماً.
توضيحه: أنَّ الحكم فعلٌ من أفعال المولى قائمٌ به قيام الجعل بالجاعل، فهل الجعل يتوقّف على وقوع صلاة الليل أم على لحاظ صلاة الليل؟
من الواضح أنَّه لا يتوقّف على وقوع صلاة الليل، نعم يتوقّف على لحاظها؛ لوضوح أنَّه لو لم يلحظها لما أمكنه أن يجعل مثل هذا الجعل، والوجود اللحاظي مقترنٌ مع الجعل فالشرط يكون شرطاً مقارناً وما هو متأخّر –وهو وقوع صلاة الليل خارجاً- ليس شرطاً بحسب الحقيقة.
اعترضت على ذلك مدرسة المحقّق النائيني(2) بأنَّ هذا الكلام منه خلط بين الجعل والمجعول. فإنَّه يوجد في عالم إنشاء الحكم أمران:
أحدهما: الجعل وهو يتحقّق في لحظةٍ وينتهي، ومرجعه أنَّ المولى يلحظ موضوعاً كليّاً ويفترض وجوده وينشئ عليه حكماً(3)، وهو يتحقّق من المولى حتّى لو لم يوجد مكلّفٌ أصلاً.
ــــــــــ[398]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأصول: 93.
(2) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 278، 279، محاضرات في أصول الفقه2: 312، دراسات في علم الأصول1: 256- 258.
(3) بنحو القضيّة الشرطيّة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ثانيهما: المجعول عبارةٌ عن فعليّة جزاء هذه القضيّة الشرطيّة بفعليّة شرطها، كما إذا وجد شخصٌ مستطيعٌ أو مالكٌ لنصابٍ زكويّ فقد أصبح الشرط فعليّاً فيصبح الجزاء فعليّاً، وتنشأ قضيّةٌ تنجيزيّةٌ بدل الشرطيّة، وهي أنَّ فلاناً يجب عليه الحجّ فعلاً، وهذا هو المجعول.
وحينئذٍ فما ذكره الآخوند من أنَّ الشرط هو الوجود اللحاظي لا الخارجي إنَّما يناسب عالم الجعل وإنشاء القضيّة الشرطيّة، فإنَّه مقارنٌ للحاظ الشرط، وأمّا في عالم المجعول فإنَّ فعليّة المجعول تابعةٌ لوجود الشرط خارجاً لا للحاظه، فإذا فرضنا أنَّ الشرط كان متأخّراً فيلزم أن يكون الوجوب نتيجة شرط بعدُ لم يوجد، فلا يتمّ الوجه الذي ذكره صاحب الكفاية.
إنَّ إشكال الشرط المتأخّر في الأحكام يتصوّر في ثلاثة مواقع لا بُدَّ من علاجه فيها.
يعني عالم إنشاء الحكم على موضوعه المقدّر الوجود على نهج القضيّة الحقيقيّة، وفي هذا العالم يمكن تصوير إشكال الشرط المتأخّر بتقريبين:
التقريب الأوّل: هو التقريب الأصلي السابق، وهو لزوم تأثير المتأخّر في المتقدّم، والمعدوم في الموجود. وهو يندفع بما ذكره صاحب الكفاية(1) فإنّ
ــــــــــ[399]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 93.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ما هو المؤثّر في جعل المولى إنَّما هو لحاظ المولى لا واقع الشرط خارجاً واللحاظ مقارنٌ للجعل، والمتأخّر إنَّما هو الملحوظ الخارجي، فما هو شرط للجعل ليس بمتأخّر، وما هو متأخّرٌ ليس مؤثّراً في عمليّة الجعل.
التقريب الثاني: لزوم التهافت في اللحاظ؛ لأنَّ المولى حين يجعل حكمه بوجوب الحجّ منوطاً بالاستطاعة، يعني يأخذ الاستطاعة مفروغاً عنها وثابتةً في نفسها، وينشئ الوجوب.
وحينئذ يقال: بأنَّ الاستطاعة إذا كانت شرطاً مقارناً أو متقدّماً فهذه المفروغية في محلّها، وينشئ الاستطاعة في أفق ما بعد الاستطاعة، وأمّا إذا كان الشرط متأخّراً فيقع التهافت في لحاظ المولى؛ فإنَّه إن أخذ ذات الشرط مفروغاً عنه، فهو في أفق لحاظه ذاك لا يرى الزمان إلَّا من ليلة الأحد فصاعداً، وإذا أخذ صلاة ليلة الأحد شرطاً في صوم يوم السبت فكيف يلحظ صوم يوم السبت؟! وجعل ذلك الوجوب معناه الرجوع إلى يوم السبت، وهذا تهافتٌ في اللحاظ، وهذا ظاهر تقريب الميرزا لإشكال الشرط المتأخّر كما في التقريرات(1).
وجواب هذا التقريب واضحٌ، فإنَّه لا تهافت؛ لأنَّ أخذ الشرط مفروض التحقّق يختلف باختلاف كيفية تحقّقه، فإن أخذ مفروض الوجود سابقاً فيلزم التهافت، مثل أن يقول: إذا وجدت الصلاة سابقاً فيجب أن تصوم يوم السبت فهذا تهافت، وأمّا إذا أخذ الشرط بوجوده اللاحق بصيغة الفعل المضارع فلا تهافت فيه بأن يقول إذا كان سوف يصلّي في الليل فيجب أن يصوم يوم السبت،
ــــــــــ[400]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 157-159، أجود التقريرات 1: 224-226.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذا لا تهافت فيه ولا يكون رجوعاً إلى الوراء.
حيث يأتي إشكال الشرط المتأخّر بتقريبه الأوّل المعروف، فإنّ الحكم بعد جعله بنحو الشرطيّة تكون فعليّة الجزاء معلولاً لفعليّة الشرط، فإذا كان الشرط متأخّراً لزم تأثير المتأخّر في المتقدّم.
وجوابه: أنَّ عالم المجعول عالمٌ خياليّ وليس عالماً حقيقيّاً، على ما يأتي في بحث الواجب المشروط(1).
وحاصل الكلام فيه: أنَّنا ندّعي أنَّ المولى بعد أن يجعل وجوب الحجّ على المستطيع بنحو القضيّة الحقيقيّة الشرطيّة، فإذا وجدت الاستطاعة لزيد لا يحدث شيءٌ جديدٌ غير ما هو موجودٌ من أوّل الأمر، ولو كان يحدث شيءٌ جديد لورد الإشكال، فإنَّ هذا الجديد يكون سببه متأخّراً عنه، ولكنّنا ننكر حدوث ذلك؛ لأنَّ هذا الذي يدَّعى وجوده إمّا أن تكون نسبته إلى ذلك الجعل الأوّل نسبة المجعول إلى الجعل أو نسبة المسبب إلى السبب، فإن كانت النسبة هي الأولى فهو مستحيل؛ لأنَّ نسبة الجعل والمجعول هي نسبة الإيجاد والوجود، وهما متّحدان حقيقةً متغايران اعتباراً، فلو كان هذا مجعول ذاك لكان عينه ولاستحال أن يتخلّف عنه فهو خلف تخلّل الفترة بينهما.
وإن كانت نسبة هذا الشيء الحادث إلى ذاك الجعل نسبة المسبّب إلى السبب والمقتضى إلى المقتضي، وقد يتأخّر المقتضى عن المقتضي حتّى يستكمل شرائطه
ــــــــــ[401]ــــــــــ
(1) أنظر: ص435.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فهذا أقلّ محذوراً من الأوّل، ولكنّه باطلٌ في نفسه أيضاً؛ لأنَّ هذا المقتضى الذي يحدث بوجود الاستطاعة هل يحدث في عالم نفس الجاعل أو في عالمٍ خارج نفسه، أمّا حدوثه في الخارج فهو باطلٌ؛ لوضوح أنَّ الوجوب ليس من قبيل الحقائق الخارجيّة كالبياض والحمرة ليفرض وجوده في الخارج، وأمّا حدوثه في نفس المولى فهو أيضاً غير صحيح؛ لأنَّ فعليّة الحكم تابعةٌ لواقع الاستطاعة خارجاً، سواء التفت المولى إلى ذلك أو لا، بل حتّى لو اعتقد بعدمها، فكيف يتصوّر أن يكون واقع الاستطاعة بوجوده الخارجي يحدث شيئاً في نفس المولى.
فيتّضح أنَّ المجعول ليس له ثبوتٌ حقيقيٌّ وراء عالم الجعل، وإنّما هو مجرّد نظرٍ تصوّريٍّ للجاعل، فإنَّه حين جعل الوجوب كأنَّه بالنظر التصوّري قذف هذا الوجوب على المستطيع خارج عالم نفسه، ولكنّ هذا خيالٌ، فإنَّ كلّ ما وجد إنَّما هو في عالم نفسه.
إشكال الشرط المتأخّر بلحاظ عالم الملاك أشدّ إعضالاً؛ لأنَّنا ذكرنا فيما سبق(1) أنَّ شرط الوجوب يختلف عن شرط الواجب خطاباً وملاكاً، وقلنا إنَّ شرط الوجوب يكون مؤثّراً في احتياج العبد إلى الفعل وشرط الواجب يكون مؤثّراً في كيفية إشباع هذه الحاجة، فالاستطاعة تؤثّر في احتياج العبد إلى الحجّ كتأثير البرد في الحاجة إلى النار، فشرط الوجوب له مؤثّريّة تكوينيّةٌ في احتياج العبد إلى الفعل بغضّ النظر عن جعل المولى.
ــــــــــ[402]ــــــــــ
(1) راجع: ص393.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وحينئذٍ فإن كان شرط الوجوب شرطاً مقارناً كالزوال فلا بأس أن يقال: إنَّ الزوال أحدث -حين وجوده- احتياجاً لدى المكلّف إلى الصلاة، فيكون من قبيل تأثير الموجود في الموجود، وأمّا إذا كان شرطاً متأخّراً كالمثال السابق، فيقال: بأنَّ هذا الشرط المتأخّر للوجوب المتقدّم أحدث احتياجاً إلى صوم يوم السبت من أوّل فجره، بناءً على المختار من تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد، يعني: أنَّ الصلاة المتأخّرة مؤثّرةٌ في ملاك هذا الوجوب، فالاحتياج حدث يوم السبت بسبب صلاة يوم الأحد، وهذا تأثير المعدوم في الموجود.
وإن شئتم قلتم: إنَّ العبد في فجر يوم السبت هل هو محتاجٌ إلى الصوم أو لا؟ فإن لم يكن محتاجاً فلا معنى للوجوب لتبعيّة الحكم للمصالح، وإن كان محتاجاً غير مربوطٍ بالصلاة المتأخّرة فالكلّ محتاجون، وهو خلف. وإن كان محتاجاً بشكلٍ مربوطٍ بذلك فهو من تأثير المعدوم في الموجود.
وجوابه: أنّنا نختار أنَّ صلاة ليلة الأحد لا تحدث الاحتياج منذ فجر يوم السبت ليلزم الإشكال، بل هي تحدث الاحتياج حينها بحيث تحدث حالة في المكلّف تجعله بحاجةٍ إلى صومٍ.
فقد توجد حاجةٌ إلى صومٍ بعديّ فيصبح شرطاً متقدّماً، وأخرى تحدث احتياجاً إلى صوم يوم السبت بحيث إنَّ صوم السبت لم يكن مهمّاً يوم السبت ولكنّه صار مهماً ليلة الأحد، إذا كان صوم يوم السبت يحدث أثراً بإتيان المكلّف إلى ليلة الأحد وإلَّا فلا معنى لهذا التأثير، غاية الأمر أنَّه إذا لم يصم يتعذّر عليه صومه.
ــــــــــ[403]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فيمكن للمولى أن يحكم بوجوب صوم يوم السبت منوطاً بصلاة ليلة الأحد؛ لأنَّها تحدث احتياجاً من حينها، وفي حينها حيث لا يمكن التكليف بصوم يوم السبت فيحكم بوجوبه منوطاً بذاك الشرط من أوّل الأمر كالحكم بوجوب شراء الفحم في حقّ الإنسان الذي يبقى حيّاً إلى الشتاء، ويتعذّر عليه شراء الفحم من حينه.
وثالثةً يفرض أنَّ هذا الشرط يحدث حاجة إلى الجامع بين الصوم المتأخّر والمتقدّم، فيمكن للمولى أن يحكم بوجوب صوم يوم إذا صلّيت ليلة الأحد، وهذا أيضاً شرطٌ متأخّرٌ معقولٌ.
يقع الكلام في تصوير الشرط المتأخّر للواجب، كأغسال المستحاضة في ليلة الأحد التي تكون شرطاً في صحّة صوم يوم السبت. وإشكال الشرط المتأخّر هنا يدور في موقعين:
في تعقّل هذا الشرط المتأخّر بلحاظ كونه شرطاً لمشروطٍ متقدّمٍ، ويفترض أنَّ المشروط المتقدّم هو ذات الواجب، فيقال: إنَّ المشروط وقع قبل شرطه، مع أنَّ الشرط من أجزاء العلّة للمشروط ويستحيل تأخّره عنه.
وجوابه واضح؛ لأنَّ غسل ليلة الأحد -وإن كنّا نسمّيه شرطاً ونسمّي صوم نهار السبت مشروطاً، ولكنّهما ليسا من باب المؤثّر والأثر، بل الغسل-
ــــــــــ[404]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ليس له دخلٌ أصلاً في صوم السبت؛ لبداهة أنَّ المستحاضة تستطيع أن تصوم يوم السبت ولا تغتسل ليلة الأحد.
وإنّما نسمّيه شرطاً ومشروطاً بمعنىً آخر من الشرطيّة بدون أن يكون له تأثيرٌ وعلّيةٌ، فإنَّ الشرطيّة لها معنيان:
الأول: الشرطيّة بمعنى المؤثّرية وكون شيءٍ دخيلاً في علّة وجود الشيء الآخر.
الثاني: الشرطيّة بمعنى التحصيص والتقييد، أي: إنَّ المفهوم القابل للانطباق على فاقد القيد وواجده يشترط أن يقيَّد في عالم اللحاظ والتصوّر بشرط، والتحصيص بالمتقدّم والمقارن والمتأخّر ممكنٌ، وليست نسبته إليه نسبة العلّة إلى المعلول، بل نسبة القيد إلى المقيّد.
وإشكال الشرط المتأخّر أن يكون بالشرط المتأخّر بالمعنى الأوّل ولا يرد الإشكال على الشرطيّة بالمعنى الثاني كما هو واضح، وأغسال المستحاضة إذا لوحظت إلى الصوم فهي شرطٌ بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأوّل؛ لوضوح أنَّ الصوم يمكن أن يحدث بدون غسل، فالغسل فيه محصّص له.
باعتبار دخل الغسل في ترتّب ووجود المصلحة التي هي ملاك الأمر بالصوم، فإنّنا قلنا بأنَّ شرط الوجوب يكون مؤثّراً في الاحتياج واتّصاف الشيء بكونه ذا مصلحة، وأمّا شرط الواجب فهو دخيلٌ في وقوع المصلحة خارجاً وترتّبها على مقتضيها، والغسل بالنسبة إلى المصلحة يكون شرطاً بالمعنى الثاني، أي: أن يكون دخيلاً في تحقّق المصلحة وترتّبها على ذيها، غاية الأمر يكون
ــــــــــ[405]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الدخل بنحو الشرطيّة لا بنحو الاقتضاء فإنَّ المقتضي هو الصوم، والشرط له هو الغسل الليلي.
فنسأل في المقام: أنَّ المصلحة متى تترتّب؟ هل في نهار السبت أو في ليلة الأحد؟ فإن كانت تترتّب في النهار يلزم تأثير المتأخّر في المتقدّم، كما لو احترقت الورقة في يوم السبت لأجل الملاقاة في ليلة الأحد، وإن كانت المصلحة تترتّب عند الغسل، فلا يكون الغسل مؤثّراً قبل وجوده، ولكن هذه المصلحة كيف وجدت بعد انعدام المقتضي لها؟ كما لو كانت النار في يوم السبت وانطفأت في الليل ثُمَّ جفّت الورقة وحصل الاحتراق بعد جفافها، وهذا غير معقول.
تصدّى المحقّق الخراساني(1) للجواب على ذلك، وتوضيحه يتوقّف على بيان أمرين:
القسم الأوّل: أشياء واقعيّةٌ موجودةٌ في الخارج، كوجود الماء والبياض والحلاوة في الخارج.
القسم الثاني: أشياء اعتباريّةٌ صرفةٌ يخلقها العقل متى ما شاء ويتحكّم فيها، كاعتبار بحرٍ من زئبق، أو جبلٍ من ذهب، ونسبة العقل إليها نسبة الفاعليّة.
القسم الثالث: وسطٌ بين الأمرين يسمّيها الحكماء بالاعتباريّات الواقعيّة(2)،
ــــــــــ[406]ــــــــــ
(1) كفاية الأصول: 93، 94.
(2) انظر: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة 7: 232.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فهي اعتباريّاتٌ لا وجود لها في الخارج، ولكنّها ليست خياليّةً بحتةً بل لها جنبةٌ واقعيّةٌ، لا يستطيع العقل التحكّم فيها، كالإضافات نحو التقدّم والتأخّر، والعقل يرى أنَّ دوره دور الانفعال لا الفاعليّة، فهي ليست من القسم الثاني، كما أنَّها ليست عندهم من القسم الأوّل، فإنَّ التقدّم ليس له وجودٌ في الخارج ليدخل في القسم الأوّل؛ لوضوح أنَّه لو كان للتقدّم وجودٌ لا بُدَّ له من تقدّم حتّى يلزم التسلسل في العلل والمعلولات الخارجيّة، وهو مستحيل.
ونحن في أبحاثنا في المعنى الحرفي سمّينا هذا القسم –الثالث- بأشياء لوح الواقع في قبال الثاني الذي هو لوح الاعتبار.
إنَّ الحسن والقبح يختلفان عن المصلحة والمفسدة، فإنَّ المصلحة والمفسدة موجودةٌ في الخارج فتكون راجعةً إلى القسم الأوّل، وأما الحسن والقبح فقد يحكم العقل بحسن شيءٍ وفيه أعظم المفاسد، وقد يحكم بقبحه وفيه أعظم المصالح، كإنقاذ النبيّ باعتباره عدوّ النبيّ، فهو راجعٌ إلى القسم الثالث. فالعقل يحكم بحسن العدل وقبح الظلم بشكل لا دخل له بتغييره.
فإذا تمّ الأمران فصاحب الكفاية كأنَّه يريد أن يقول: إنَّ إشكال الشرط المتأخّر في الموقع الثاني لو كان الملاك هو عبارةً عن المصالح والمفاسد الموجودة خارجاً، إذ يستحيل تأثير المتأخّر في وجود المتقدّم، ولكن إذا كان الملاك هو الحسن والقبح فوجوب الصوم لأجل حسنه، وحيث إنّهما من القسم الثالث فيعقل أن يكون معلولاً مستنداً إلى أمرٍ اعتباريٍّ مثله (من القسم الثالث)
ــــــــــ[407]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فالحسن مستندٌ إلى أمرٍ اعتباريٍّ هو التقدّم، فإنّ العقل حين يقيس صوم المستحاضة إلى الغسل يقول إنَّه قبله، فالحسن ناشئ من عنوان القبليّة الذي هو ناشئ من مقايسة العقل بين الأمرين، فلم يلزم محذورٌ أصلاً. ويكون دور الغسل الواقع في الليل هو أنَّه أحد طرفي المقايسة بين الأمرين.
وهذا الكلام كأنَّه لا يأتي لو كان الملاك هو المصلحة، لأنَّها موجودٌ خارجيّ، فلا يعقل أن تنشأ من عنوانٍ اعتباريٍّ عقليٍّ هو عنوان التقدّم، بل ينحصر تفسيرها بأنَّها ناشئةٌ من نفس الغسل الذي هو من القسم الأوّل، فيكون إشكال الشرط المتأخّر محكّماً.
إلَّا أنَّ هذا الذي ذكره لا يصلح تفسيراً للواقع المحسوس في موارد الشرط المتأخّر؛ لأنَّنا لو سلّمنا الأصول الموضوعيّة لكلامه، فغاية ما ينتج هو تفسير الشرط المتأخّر في الموارد التي يكون فيها المولى مولى حكيماً عقلائيّاً تكون أحكامه صادرةً عن الحسن والقبح العقليَّين.
لكنّ الشرط المتأخّر لا ينحصر في ذلك بل يجري في التكاليف الناتجة من المصالح والمفاسد سواءٌ كان المراد مصالح المولى ومفاسده أو مصالح المكلّف ومفاسده، فقد يكلَّف المريض بشرب دواءٍ مشروطٍ بشرطٍ متأخّرٍ كالمشي أو النوم ونحوهما. ومن الواضح أنَّها قيودٌ باعتبار المصلحة والمفسدة لا باعتبار الحسن والقبح العقليَّين.
وتحقيق الحال في تفسير الشرط المتأخّر في الموقع الثاني وهو موقع الملاك، أن
ــــــــــ[408]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يقال: إنَّ الإشكال إنَّما نشأ من افتراض أنَّ صوم المستحاضة مع الغسل المتأخّر كلاهما يشكّلان جزئي العلّة للملاك، أي: المصلحة الملحوظة للمولى تبارك وتعالى، غاية الأمر أنَّ الصوم يشكّل المقتضى والغسل الشرط لهذه المصلحة، وحيث إنَّ هذين الجزئين مختلفان زماناً، وقع الإشكال من حيث إنَّ هذه المصلحة متى توجد، إن وجدت عند وجود الصوم فيلزم أن يكون الشرط مؤثّراً قبل وجوده وهو محال، وإن وجدت في الليل وبعد انقضاء المقتضي فهذا محالٌ أيضاً.
إلَّا أنَّ أصل هذا الافتراض بلا مبرّر، بل يمكن أن نفترض افتراضاً ينحلّ على أساسه الإشكال، وهو أن يكون الصوم علّةً لشيءٍ، وذاك الشيء مع الغسل يكون علّةً للمصلحة، ففي مثال الدواء قلنا: الدواء كالصوم، والتمشّي بعده كصوم المستحاضة، والملاك صحّة المريض، فيأتي الإشكال بنفسه كما هو واضح، وكلّ إنسانٍ عرفيّ يستطيع الجواب عليه: وهو أنَّ نفس استعمال الدواء ليس مقتضياً للشفاء بصفته عمليّةً آنيّةً، بل هذه العمليّة مقتضيةٌ لأثرٍ يحدث عند حدوثها، كدرجةٍ معيّنةٍ من الحرارة، وهذه الدرجة تبقى بعد هذه العمليّة، وبقاء المعلول بعد زوال العلّة المحدثة بأسبابٍ حافظةٍ له أخرى كبقاء الدار بعد موت البنّاء، ثُمَّ هذه الحرارة تقترن بالتمشّي فينشأ الملاك وهو الصحّة، فيكون المقتضى هو الحرارة، والشرط هو التمشّي، وهما مقترنان زماناً، فلم يلزم تأثير المتأخّر في المتقدّم.
وهذا البيان ليس معناه تصحيح الشرط المتأخّر، بل معناه إنكاره، فإنَّ الشرط إنَّما يبدو متأخّراً إذا أغمضنا عن بعض حلقات العلل، وأمّا إذا التفتنا إليها جميعاً لا يكون متأخّراً.
ــــــــــ[409]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ومعه يمكن للمولى أن يكلّف المريض بشرب الدواء والتمشّي، لا أنَّه يكلفه بإيجاد الحرارة المعيّنة، للزوم أن يكون التكليف متعلّقاً بأمرٍ مفهومٍ عرفاً.
وهذا المطلب نتعقّله في غسل المستحاضة أيضاً، تعقّلاً غيبيّاً، أي نقول: إنَّه بالإمكان أن يكون كذلك، وينتج وجود المصلحة في الليل لا عند الصوم في النهار؛ لأنَّ العلّة إنَّما تتمّ في ذلك الحين.
هذا تمام الكلام في الموقع الثاني للإشكال، وبه يتمّ الكلام في المقام الثاني.
قال صاحب الكفاية(1): إنَّ هذا الشرط كما يرد في الشرط المتأخّر يرد في المتقدّم أيضاً؛ فإنَّ العلّة لا بُدَّ أن تكون مقارنةً للمعلول زماناً، ولا يصحّ أن تسبقه، كما لا يمكن أن تتأخّر عنه؛ إذ لو كان الشرط متقدّماً للزم تأثير المعدوم في الموجود.
وقد انحلّت هذه المشكلة -ممّا قلناه- في المقام الثاني، فإنَّها تنشأ من إسقاط سلسلةٍ من العلل إذا أريد توجيهها باعتبار الملاك، وإن أريد توجيهها بلحاظ الواجب فقد قلنا إنَّ مرجع العليّة إلى التحصيص والتضييق لا إلى السببيّة والتأثير.
فالشرط المتقدّم يؤثّر في أمرٍ مقارنٍ له، وهذا أيضاً يؤثّر في أمرٍ مقارنٍ له.
إلَّا أنَّ الأعلام لم يقبلوا استحالة الشرط المتقدّم؛ لوضوح توفّر الشرائط المتقدّمة في العالم الخارجي، إلى جانب أنَّ الصيغة للإشكال معقولةٌ فكيف يمكن الجمع بينهما.
ــــــــــ[410]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 92، 93.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
من هنا التزم المحقّق الأصفهاني(1) وتبعه السيّد الأستاذ(2) أنَّ الشرط المتقدّم معقولٌ بشرط أن لا يكون له أيّ معنىً من معاني المؤثّريّة، وأمّا إذا سلخ من المؤثّريّة فما معنى الشرط؟
هنا يقول المحقّق الأصفهاني: بأنَّ الشرط على قسمين:
الأوّل: الشرط الذي يساهم في فاعليّة الفاعل أو قابليّة القابل، وهذا معنى التأثير الحقيقي، فإنَّه يوجد شيئاً جديداً(3).
الثاني: ما لا يكون خلّاقاً لأمرٍ حقيقيّ، بل وظيفته أنَّه يقرّب المعلول إلى إمكان أن يترتّب على علّته، فهو يعطي الإمكان ويسلب صفة الامتناع لا أكثر، وهذا اسمه المعدّ أو المقدّمة الإعداديّة. وحينئذٍ قال: بأنَّ الشرط المتقدّم معقولٌ في هذا القسم الثاني دون القسم الأوّل.
وهذا الكلام رغم كونه كلاماً شائعاً بين الحكماء إلَّا أنَّنا لم نتعقّله؛ لأنَّه إمّا أن يرجع إلى ما قلناه، وإمّا أن لا يكون له معنى، لأنَّهم يقولون: إنَّ وظيفة الشرط أن يقرب الشيء نحو الإمكان، أي: اللاامتناع.
وهنا نسأل: ما المراد باللا امتناع؟ إن أردتم به اللا امتناع الذاتي، فهو مستحيلٌ؛ لأنَّ الماهيّة الممتنعة ذاتاً يستحيل أن تقترب نحو الإمكان إلى الأبد، والماهيّة الممكنة ذاتاً لا معنى لتقريبها إليه، وإن أراد به التقريب نحو اللاامتناع
ــــــــــ[411]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 395.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 305، 306.
(3) نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 395.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بالغير –يعني امتناع الشيء بسبب عدم وجود علّته- فهذا معناه أنَّه يقرّب نحو وجود العلّة والمؤثّر، فلا بُدَّ أن نفترض أنَّ هذا مؤثّرٌ ليكون مقرّباً نحو وجود العلّة، أي: أن يكون هذا مؤثّراً في إيجاد جزء العلّة وله دورٌ مّا في وجود المعلول ليكون وجوده مقرّباً نحو اللا امتناع بالغير، فلا بُدَّ من المرتبة السابقة على دخله في الإمكان في كونه دخيلاً في الجملة.
وإن أريد دخله في الإمكان: الإمكان الاستعدادي، فإنَّهم يرون أنَّ هناك قسماً ثالثاً من الإمكان يسمّى بالإمكان الاستعدادي، فالبيضة يمكن ذاتاً تحوّلها إلى فرخ، ولكن تحتاج إلى الإمكان الاستعدادي وهو تهيّؤٌ معيّنٌ لكي تتقبّل صورة الفرخ من الدجاج، فهذا الاستعداد والتهيّؤ إن كان مجرّد أمرٍ انتزاعيّ، فكيف يكون مؤثّراً في الوجود الخارجي، وإن كان هذا الإمكان حقيقيّاً وهو حالةٌ معيّنةٌ في البيضة وحين تنشأ تبقى حتّى تصير البيضة دجاجة، فهذا معناه أنَّ الشرط مقارنٌ وليس متأخّراً.
وهذا هو معنى ما قلناه من أنَّ الشرط المتأخّر لا بُدَّ أن نبحث فيه عن حلقةٍ في الوسط يمكن أن نسمّيها بالإمكان الاستعدادي فإنَّه لا مشاحة في الاصطلاح.
وبذلك تم الكلام في تقسيمات المقدّمة.
ــــــــــ[412]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
تقسيمات الواجب
ــــــــــ[413]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
– 1 –
قُسّم الواجب إلى الواجب المطلق والواجب المشروط، فوجوب الحجّ مشروطٌ بالاستطاعة، ووجوب الظهر مشروطٌ بالزوال، وكلٌّ منهما مطلقٌ من حيث شرط الآخر.
ووقع الإشكال في تعقّل الواجب المشروط بحيث يكون الوجوب مشروطاً، ويقع الإشكال في مقامين:
المقام الأوّل: الإشكال في مقام الثبوت بغضّ النظر عن ألسنة الأدلّة، حيث يقال: إنَّ الوجوب المشروط في مقام الثبوت غير معقول، بل الوجوب يكون دائماً مطلقاً والاشتراط دائماً يكون في الواجب.
المقام الثاني: أنَّه بحسب مقام الإثبات فإنَّ القيد لا يرجع إلى مدلول الهيئة الذي هو الوجوب، بل لا بُدَّ من إرجاعه إلى شيءٍ آخر كالمادّة، وكلا الإشكالين عقليٌّ ثبوتيٌّ، لكنّ أحدهما متّجهٌ إلى مقام الثبوت للوجوب والآخر متّجهٌ إلى مقام الإثبات للوجوب.
ــــــــــ[415]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أمّا بالنسبة لهذا المقام، أي: حال الوجوب وهو لا زال في عالم نفس المولى قبل أن يبرزه باللفظ، فهل يمكن أن يكون الوجوب مقيّداً مشروطاً أو لا؟
يوجد عندنا في مقام الثبوت للوجوب ثلاث مراحل: مرحلة الملاك، ومرحلة الإرادة، أي: الشوق، ومرحلة الجعل على طبق هذا الشوق.
إنَّ الملاك في هذه المرحلة ينقسم إلى مطلقٍ ومشروطٍ؛ لأنَّ الملاك عبارةٌ أخرى عن الاحتياج كاحتياج الإنسان إلى النار، ومن الواضح أنَّ الاحتياجات قد تكون موجودةً دائماً(1)، بل وعلى الإطلاق وهي غير منوطةٍ بشيءٍ دون شيءٍ كالاحتياج إلى الهواء، وقد تكون منوطةً بشيءٍ كالاحتياج إلى النار فإنَّها منوطةٌ ببرودة الهواء.
والاحتياج المشروط لا يكون له وجودٌ قبل الشرط أصلاً، فهو أمرٌ خارجيّ تكوينيّ يوجد بوجود برودة الهواء، وهذا واضحٌ لا نزاع فيه.
عندنا إرادةٌ مطلقةٌ كإرادة الطعام المطلقة وهي غير منوطةٍ بالمرض، وعندنا إرادةٌ منوطةٌ كإرادة شرب الدواء المنوطة بالمرض، ولكن وقع النزاع في تكييف هذه الإرادة المنوطة، وهناك نظريّاتٌ متعدّدةٌ في تخريجها:
ــــــــــ[416]ــــــــــ
() وفعليّةً على كلّ تقدير. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
هذه النظرية منسوبةٌ إلى تقريرات الشيخ على ما في الكفاية(1)(2) وحاصلها: أنَّ الإرادة المشروطة من حيث جنبة الإرادة ليست مشروطةً، بل هي كاملة الفعليّة لا فرق بينها وبين الإرادة المطلقة من ناحية الفعليّة بأيّ شكلٍ من الأشكال.
وإنَّما الفرق بينهما من ناحية المتعلّق، وذلك أنَّ الإرادة المطلقة إرادةٌ فعليّةٌ ومتعلّقةٌ بوجود شيءٍ غير مقيّدٍ بقيد، وأمّا الإرادة المشروطة فهي فعليّةٌ ولكنها متعلّقةٌ بوجود شيءٍ معلّقٍ على تقدير من التقديرات.
فإن قيل: إنَّ قيد المرض إن كان مأخوذاً في المراد لا في الإرادة فيلزم التحريك نحوها وطلبها في الإرادة التشريعيّة، أو التحريك نحوها في الإرادة التكوينيّة؛ لأنَّ معنى ذلك أنَّ القيد من شروط الواجب فلا بُدَّ أن يمرّض نفسه ليشرب الدواء.
يقال: إنَّ الشرط الذي أنيطت به الإرادة وإن كان مأخوذاً في المراد ولكنّه مأخوذٌ على نحوٍ لا يمكن الإلزام به من قبل تلك الإرادة، فمثلاً يراد من الفرد أن يشرب الدواء في كأسٍ نظيفٍ عند المرض، فالنظافة يترشّح عليها الإلزام من قبل الإرادة، أمّا المرض فلا يترشّح عليه الإلزام من قبلها، والسرّ في ذلك: أنَّ
ــــــــــ[417]ــــــــــ
() وظاهر المحقّق الخراساني والسيّد الأستاذ* قبولها أيضاً. (المُقرِّر).
[* انظر: محاضرات في أصول الفقه2: 325].
(2) انظر: كفاية الأصول: 95، ولاحظ: مطارح الأنظار: 45،46.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
هذا القيد أخذ بوجوده الاتّفاقي قيداً، أي أخذ بوجوده غير الناشئ من محرّكيّة هذه الإرادة، ومثل هذا القيد يستحيل الإلزام به من قبل هذه الإرادة،؛ لأنَّه لدى الإلزام به يخرج عن كونه مصداقاً للقيد المطلوب.
وهذه النظريّة تبدو غريبةً، فإنَّها أرجعت القيود كلّها إلى المراد وأعفت الإرادة منها، فلم يبقَ فرقٌ بين أن يراد منه أن يشرب الماء فعلاً أو أن يشرب الدواء عند المرض.
لماذا كلّ هذه العناية في مقام صرف القيود عن الإرادة بخلاف الفهم الفطري الأوّلي للمسألة المقتضي للتفريق بين الإرادتين؟
الذي يتحصّل من كلماتهم هو الاستناد في ذلك إلى الوجدان وإلى البرهان: أمّا الوجدان(1) فلأنَّ المولى إذا التفت إلى شيءٍ فهو إمّا يريده وإمّا لا يريده، أمّا على الثاني فلا كلام، وإن أراده فقد افترضنا منذ البدء فعليّة الإرادة، ومعه يكون من الخلف أن نفترض أنَّها مشروطةٌ وغير موجودة.
وحينئذٍ فالإرادة قد تكون متعلّقةً بشيء على الإطلاق وقد تكون متعلّقةً بشيءٍ على تقدير وجوده الاتّفاقي، والأوّل هو المطلق، والثاني هو المشروط.
وهذا البيان مغالطةٌ واضحة؛ لأنَّه من قال: أنَّ الواجب المشروط مندرجٌ في الشقّ الثاني، فإنَّه إن أردتم بالإرادة الأعمّ من المشروطة وغيرها أو خصوص غير المشروطة، يعني: إمّا أن يريد ولو مشروطاً، وإمّا أن لا يريد شيئاً، فصحيحٌ لا كلام على الثاني، لكن لا بُدَّ أن نبحث من جديدٍ عن معنى المشروطة، وإن كنتم تريدون
ــــــــــ[418]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 96.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أنَّه إمّا أن يريد إرادةً مطلقةً وإمّا أن لا يريد، فالمشروطة مندرجةٌ في الثاني.
وإلَّا فالوجدان قاضٍ بأنَّ الإرادتين تختلفان اختلافاً في الارتباط الذاتي على ما سوف يتّضح، لا أنَّ الوجدان على خلافه.
وأمّا ما يصلح أن يقدَّم كبرهانٍ على هذه النظريّة فهو دعوى(1): أنَّه من موارد الإرادة المشروطة، نرى أنَّها تكون محرّكةً نحو بعض مقدّمات المراد، ولا يعقل ذلك ما لم تكن موجودةً وتامّةً بالفعل.
وتوضيحه: أنَّ المراد بالإرادة المشروطة وهو الحجّ عند الاستطاعة، وقوعه يتوقّف على مقدّماتٍ منها الاستطاعة ومنها بذل الزاد والراحلة، وهي مربوطةٌ بالمكلّف نفسه، وهناك مقدّمةٌ مربوطةٌ بالمولى وهي الخطاب والطلب؛ لوضوح أنَّه لو لم يطلب ذلك لما حجّ المكلّف خارجاً، ونحن نرى وجداناً أنَّ المولى حين تكون لديه إرادةٌ مشروطةٌ للحجّ على تقدير الاستطاعة يترشّح منها إرادةٌ(2) غيريّةٌ للخطاب فيصدر منه الخطاب، وفعليّة الإرادة الغيريّة فرع فعليّة الإرادة النفسيّة فنعرف أنَّ الإرادة المشروطة بالحجّ موجودةٌ بالفعل وإلا ما أمكن أن يترشّح منها إرادةٌ غيريّةٌ، وهذا البرهان يمكن الجواب عليه بأحد افتراضين:
الافتراض الأوّل: أن يقال: إنَّ صدور الخطاب من المريد لعلّه باعتبار ملاكٍ نفسيٍّ قائمٍ في الخطاب لا بصفته مقدّمةً من مقدّمات المراد، فلا يكون صدوره كاشفاً عن فعليّة إرادة الحجّ، بل تكون للمولى إرادتان إحداهما تكوينيّةٌ
ــــــــــ[419]ــــــــــ
() محاضرات في أصول الفقه2: 327، 328.
(2) قبل حصول الاستطاعة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
مطلقةٌ هي إرادة نفس الخطاب والأخرى تشريعيّةٌ مشروطةٌ، وهي إرادة الحجّ.
الافتراض الثاني: لو سلّمنا أنَّ الخطاب خالٍ من الملاك النفسي والإرادة النفسيّة وأنَّ صدوره إنَّما كان لمحض الاستطراق إلى مراده الأصلي.
فنقول: لعلّ صدور الخطاب يكون من قبيل المقدّمات المفوّتة فلا يكون كاشفاً عن فعليّة الإرادة؛ فإنَّ المولى لو كان يعلم بتحقّق شرط الإرادة في حينه وأنَّه سوف يعجز عن إبلاغ الخطاب في حينه لكلّ مكلّف فمن الآن يصدر هذا الخطاب فيكون هذا مقدّمةً لمطلوبٍ لم ينجز طلبه بعد، وهو الذي يسمّيه الأصوليّون بالمقدّمة المفوّتة وليس صادراً من أجل كون الإرادة فعليّة.
فلا الوجدان تامٌّ ولا البرهان تامٌّ، بل البرهان على خلاف ذلك، أي: دعوى فعليّة الإرادة المشروطة على الإطلاق، وغير مربوطةٍ بالشرط أصلاً، وإنَّما الشرط في المراد لا في الإرادة. والبرهان على بطلانه ينشأ من مشكلةٍ أشرنا إليها(1)، حيث قلنا: إنَّهم التفتوا إلى أنَّ الشرط إذا كان قيداً في المطلوب كان واجب التحصيل فيصبح تحصيل الاستطاعة للحجّ واجباً، وعالجوا ذلك: بأنَّ الاستطاعة أُخذ وجودها الاتّفاقي قيداً في الحجّ، ومعه يستحيل سريان الإلزام إليه وانبعاث الإيجاب نحوه؛ لأنَّه بمجرّد الإلزام به يخرج عن كونه اتّفاقياً فلا يتحقّق فيه المطلوب.
إلَّا أنَّه جوابٌ ناقصٌ؛ لأنَّه يفسّر لنا وجه عدم سراية الإلزام المولوي إلى القيد، لكن لا يفسّر لنا وجه عدم ترشّح الشوق الغيري إلى هذا القيد في عالم
ــــــــــ[420]ــــــــــ
(1) راجع: ص417.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الشوق، فإنَّه يلزم من الشوق النفسي نحو المقيّد ترشّح شوقٍ غيريّ نحو القيد، وإن كان المولى لا يستطيع أن يلزم به؛ لأنَّه إذا ألزم به خرج عن كونه قيداً، مع أنَّ المولى لا يحبّ القيد في كثيرٍ من الموارد، ذلك القيد الذي يكون قيداً في الواجب المشروط، بل أحياناً يبغضه؛ لأنَّه يكون حراماً، فوجوب الكفارة مشروطةٌ بالإفطار عمداً وهو مبغوضٌ للمولى، وإذا رجع القيد إلى المشروط، لكان معناه أنَّ حبّ المولى للكفّارة فعليّ، وإنَّما لم يلزم بالإفطار؛ لأنَّه أخذ بوجوده الاتّفاقي قيداً، ولكن يلزم أن يترشّح شوقٌ من الشرط إلى المشروط مع أنَّه مبغوضٌ غاية البغض.
وأخذ القيد بوجوده الاتّفاقي يمنع عن الإلزام به، لا أنَّه يمنع عن حبّه والشوق إليه؛ لأنَّه كلّ من اشتاق إلى المقيّد اشتاق إلى قيده.
حيث ذهب(1) إلى أنَّ الإرادة المشروطة والمطلقة موجودان بوجودٍ فعليٍّ قبل وجود الشرط، أي: قبل تحقّق الاستطاعة خارجاً، وإلى هنا تلتقي هذه النظريّة مع النظريّة الأولى.
لكنّ المحقّق العراقي يقول: إنَّ الإرادة المشروطة إنَّما تكون موجودةً بوجودٍ فعليٍّ قبل حصول الاستطاعة، لا لأنَّها مطلقةٌ –كما في النظريّة الأولى- بل لأنَّها مشروطةٌ ومنوطةٌ، وقد وجد شرطها لأنَّها مشروطةٌ بلحاظ الاستطاعة
ــــــــــ[421]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول 1: 310، بدائع الأفكار (العراقي) 1: 340- 342، نهاية الأفكار 1: 298.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهو موجود بالفعل.
وكأنَّه أراد بهذا أن يشبع الوجدان النظري الذي أشرنا إليه، فإنَّ الوجدان قاضٍ أنَّ هناك ارتباطاً بين نفس الإرادة وبين العطش لا أنَّ الإرادة لا علاقة لها بالعطش، ومن هنا أصبحت النظريّة الأولى خلاف الوجدان الفطري، ولكنّ المحقّق العراقي ربط بين لحاظ العطش والإرادة، وبرهن عليه: بأنَّ الوجود الخارجي للاستطاعة لا يعقل أن يكون مؤثّراً في نفس المولى، فإنَّه إنَّما يكون مؤثّراً بلحاظه وتصوّره؛ لأنَّ الاستطاعة بوجودها الخارجي لا يمكن أن تكون مؤثّرةً في عالم النفس ابتداءً، وإنَّما المؤثّر هو وجودها اللحاظي والنفسي.
هذا هو الفارق الأوّل بين النظريّتين، ويترتّب عليه دعوى فارقٍ آخر بينهما: هو أنَّ أصحاب النظرية الأولى كانوا يقعون في مشكلةٍ من حيث إنَّ الإرادة إذا كانت فعليّةً قبل الاستطاعة فلماذا لم تكن محرّكةً نحوها، وأجابوا عليه بأنَّ القيد أُخذ في المراد بوجوده الاتّفاقي.
وأمّا أصحاب النظريّة الثانية لو وجِّه إليهم هذا السؤال، لأجابوا عليه بجوابٍ آخر وهو: أنَّ الإرادة وإن كانت فعليّةً بفعليّة شرطها إلَّا أنَّها منوطةٌ بلحاظ الاستطاعة، ومن النتائج التكوينيّة لذلك كون فاعليّتها منوطةً بوجود الملحوظ وهو وجود الاستطاعة خارجاً.
فهناك اناطتان: إناطةٌ لنفس الإرادة باللحاظ، وإناطةٌ لفاعليّة الإرادة بالملحوظ، والصحيح عدم صحّة البرهان وعدم صحّة النظريّة.
أمّا البرهان فهو يفترض أنَّ الإرادة أمرها دائرٌ بين أن تكون منوطةً
ــــــــــ[422]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بالاستطاعة بوجودها الخارجي أو بلحاظ الاستطاعة، فإذا امتنع الأوّل تعيّن الثاني، وامتناع الأوّل باعتبار أنَّ الاستطاعة أمرٌ خارجيّ والإرادة أمرٌ نفسانيّ. بينما يوجد عندنا شقٌّ ثالثٌ: وهو التصديق بوقوعها خارجاً المساوق لوقوعها خارجاً، وهو أمرٌ نفسانيّ كوجودها اللحاظي التصوّري، فيعقل إناطة الإرادة به، ولا يتعيّن أن تكون منوطةً باللحاظ التصوّري المحض.
وأصل النظرية على خلاف الوجدان؛ فإنَّه قاضٍ بأن مجرّد لحاظ العطش من المرتوي لا يحدث في نفسه شوقاً إلى شرب الماء؛ لأنَّ الشوق بحسب تركيب الإنسان إنَّما ينشأ باعتبار ملازمة الشيء لقوّةٍ من قواه وحاجةٍ من حاجاته، أو الميل إلى ما يُكمّله حين يكون عنده إحساسٌ بالنقص من جهةٍ من الجهات، والمرتوي لا توجد أيّ قوّةٍ من قواه تناسب مع شرب الماء بل يكون مضرّاً بحاله، فلا ينقدح في نفسه شوقٌ لشرب الماء، ومجرّد تصوّر العطش هو تصوّر ملاءمته لقواه، وهو لا يحدث الشوق، فإنَّه فرع الملاءمة لا فرع تصوّرها.
فهي على ما في تقريرات بحثه(1): حيث قال: إنَّ الإرادة موجودةٌ بوجودٍ فعليّ، وفيه يتّفق مع النظريّتين السابقتين.
لكن الموجود بهذا الوجود الفعلي ليس هو الإرادة الفعليّة –على ما قيل في النظريّتين السابقتين- بل هو الإرادة المعلّقة، فهو يفرّق بين الوجود والموجود، فالإرادة المعلّقة موجودةٌ بوجودٍ فعليّ، وقاس ذلك بالأمور الاعتباريّة بحيث
ــــــــــ[423]ــــــــــ
( ) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 189-191، أجود التقريرات1: 137-140.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
يمكن أن تتصوّر نزول المطر فعلاً ويمكن تصوّر نزوله في ليلة الجمعة الآتية، فهذان المطران موجودان فعلاً في ذهنكم، لكنّ أحد هذين المطرين مطرٌ فعليّ والآخر مطرٌ معلّقٌ على ليلة الجمعة الآتية.
وهذا خلطٌ بين الموجودات الاعتباريّة والموجودات الخارجيّة، ولتوضيحه نقول: إنَّ الوجود تارةً يكون وجوداً للشيء حقيقةً، كوجود المطر حين نزوله، وأخرى يكون وجود الشيء بالعنوان كوجود المطر في الذهن، ويمكن أن يكون الوجود وجوداً حقيقيّاً وعنوانيّاً لنفس الشيء. فوجود المطر ذهناً وجودٌ حقيقيّ ذهنيّ ووجودٌ عنوانيّ مسامحيّ للمطر الخارجي، وكلّ وجودٍ لما هو الموجود به يستحيل أن يكون وجوده فعليّاً والموجود به ليس فعليّاً، لأنَّ وجود كلّ شيءٍ هو عينه، وهذا واضحٌ في الوجود الحقيقي بأن يقال: إنَّ الوجود الحقيقي للمطر، المطر المعلّق، ولكن يعقل في الوجودات العنائية أن يكون الوجود فعليّاً والموجود معلّق، كتصوّر المطر في الشتاء الآتي.
وحينئذٍ نقول: إنَّ الإرادة حيث إنَّها من الموجودات الخارجيّة فإنَّنا نتكلّم عن واقعها في عالم النفس لا عن وجودها اللحاظي، فيستحيل أن يكون وجودها فعليّاً والموجود معلّقاً، ولا يقاس ذلك على الأمور التصوّريّة الاعتباريّة.
والصحيح في المقام أن يقال: إنَّه في جميع الموارد للإرادة المشروطة عندنا إرادتان:
الإرادة الأولى: إرادة شرب الماء وهي ليست بفعليّةٍ قبل العطش بل لا توجد إلَّا بعد تحقّق شرطها خارجاً أو التصديق بوجود شرطها خارجاً، لما
ــــــــــ[424]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ذكرناه من أنَّ الإرادة والشوق فرع الملاءمة للقوى، والملاءمة لا تكون إلَّا عند تحقّق الشرط خارجاً.
الإرادة الثانية: وهي فعليّةٌ ومطلقةٌ وغير مشروطةٍ كما قال أصحاب النظريّة الأولى(1)، إلَّا أنَّهم أعطوا صفات الإرادة الثانية للأولى بتخيّل أنَّها إرادةٌ واحدة.
وهذه الإرادة المطلقة توجد دائماً إلى جنب الإرادة المشروطة، وصيغتها: أنَّ هذا الذي يريد شرب الماء على تقدير العطش يريد شيئاً آخر، وهو أن لا يتحقّق العطش مع عدم شرب الماء، أي: أن لا يتحقّق شرط الوجوب مع عدم الواجب. فإنَّ هذا مبغوضٌ إليه بإرادةٍ فعليّة، فإنَّ الإنسان في حال الارتواء يبغض فعلاً العطش الذي لا ماء معه، ويريد عدمه بإرادةٍ فعليّةٍ فإنَّه منافرٌ لقواه الفعليّة.
وهذه الإرادة المطلقة غير إرادة شرب الماء فإنَّها لا تبعث نحو شرب الماء، بل تبعث نحو أن لا يتحقّق العطش الذي لا ماء معه، ولهذا لو علم أنَّه إذا ذهب إلى السطح فسوف يعطش ولا يجد ماءً، فهذه الإرادة تمنعه عن الذهاب إلى السطح، وأمّا إرادة شرب الماء فليس لها هنا دور وإنّما هي منوطةٌ بوجود العطش فليس لها وجودٌ قبله أصلاً.
وبنظرة أكثر تحليلية يمكن أن يقال: إنَّ إرادة شرب الماء التي تحصل بعد العطش إنَّما هي تصوّرٌ للإرادة الأولى المطلقة، فإنَّ مرجع هذه الإرادة المطلقة
ــــــــــ[425]ــــــــــ
(1) وهم الشيخ الأنصاري، المحقّق الخراساني، والسيّد الخوئي، وقد تقدّم تخريج مصادرهم.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إلى ارادة الجامع بين اللاعطش أو وجود الماء، فإنَّ مطلوبها يشبع على كلا التقديرين، فهذه الإرادة ذات اقتضاءٍ تخييريّ في أوّل الأمر، وبعد حدوث العطش يتعيّن اقتضاؤها إلى التعيين وهو إرادة شرب الماء، فإنقلابها إلى التعيين فرع وجود الشرط خارجاً.
هذا تمام الكلام في تحقيق الإرادة المشروطة، فإن فرض أنَّنا التزمنا في باب الأحكام بمرحلتين هما الملاك والإرادة، ولم نلتزم بمرحلةٍ ثالثةٍ هي مرحلة الجعل والاعتبار، وإنّما الخطاب ليس إلَّا إبراز الإرادة، إذن، لا توجد مرحلةٌ ثالثةٌ في عالم الثبوت لنتكلّم بالنسبة إليها.
وحين يبرز إرادته بخطابٍ يكون لهذا الخطاب كشفان: كشفٌ عن الإرادة المشروطة وكشفٌ آخر عن الإرادة المطلقة، حتّى لو كان بنحو القضيّة الشرطيّة (إذا استطعت فحجّ)، فإنَّه بالمطابقة يكشف عن الإرادة المنوطة وبالالتزام عن المطلقة، وعلى كلا الكشفين ينتزع العقل منها البعث والمحرّكيّة، فإنَّه يكون باعتبار الكشف عن الإرادة والباعثيّة تكون على طبع الإرادة المنكشفة، فالباعثيّة المتنزعة من الخطاب بلحاظ كشفه عن الإرادة المشروطة باعثيّةٌ مشروطةٌ، وباعثيّته بلحاظ كشفه بالالتزام عن الإرادة المطلقة، تكون باعثيّةً مطلقةً.
وهنا أودّ أن أشير إلى شيءٍ أنَّه بانكشاف هذه الإرادة المطلقة ينحلّ الإشكال الذي أشرنا إليه فيما سبق ، حيث قالوا: إنَّ المولى يصدر الخطاب قبل أن تتحقّق الاستطاعة، مع أنَّه إنَّما يصدره توصّلاً إلى مطلوبه، فيكشف عن فعليّة الإرادة.
ــــــــــ[426]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فهنا نعلم أنَّ صدور الخطاب إنَّما يكون بمحرّكيّة الإرادة المطلقة، لا بمحرّكيّة الإرادة المشروطة، فإنَّه لو لم يوجد الخطاب لوجد عطش لا ماء معه.
إذا افترضنا أنَّ الحكم له في عالم ثبوته مرحلةٌ ثالثةٌ تسمّى بمرحلة الجعل والاعتبار، وهذه المرحلة وإن لم يكن لها أيّ أثرٍ فإنَّ تمام الملاك في نظر العقل إنَّما هو مرحلة الملاك والإرادة مع تصدّي المولى لإبرازه، ولكن قد يُقال: إنَّ العقلاء جروا على صياغة إرادتهم بالجعل والاعتبار كتنظيمٍ للعلاقات بين الموالي والمكلّفين.
وحينئذٍ نقول: إنَّنا أيضاً نواجه السؤال: أنَّ الاستطاعة هل هي قيدٌ في الإلزام أم في متعلّقه؟ والصحيح أنَّ القيد قيد في نفس الإلزام.
والبرهان عليه يتكوّن من أمرين:
الأمر الأوّل: أن كلّ قيدٍ أُخذ في متعلّق الإلزام أي في الواجب فلا بُدَّ أن يكون محرّكاً نحوه بذلك الوجوب؛ لأنَّ فرض كونه قيداً في الواجب هو فرض فعليّة الوجوب قبله، والتحريك نحو المقيّد تحريكٌ نحو القيد.
الأمر الثاني: أنَّ القيود غير الاختياريّة يستحيل أن تؤخذ قيداً في الواجب، بل يتعيّن أخذها قيداً في الوجوب، إذ لو أُخذت قيداً في الواجب للزم محرّكيّة الوجوب نحوها؛ لأنَّه يساوق فعليّة الوجوب قبلها فيكون التحريك نحو المقيّد تحريكاً نحو القيد، والقيد غير اختياريّ، فلا يعقل التحريك نحوه.
وحينئذٍ نقول: إنَّ الاستطاعة لو أخذت قيداً في الواجب فإمّا أن تكون
ــــــــــ[427]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
مأخوذةً قيداً بمطلق وجودها أو بوجودها الاتّفاقي غير الناشئ من الإلزام، فعلى الأوّل يلزم أن يكون الوجوب محرّكاً نحوها، والتحريك نحوها خلف، وعلى الثاني فوجودها الاتّفاقي ليس اختياريّاً للمكلّف ولا يعقل التحريك نحوه، فيلزم محذور الأمر الثاني: وهو التحريك نحو أمرٍ خارجٍ عن اختيار المكلّف، وبهذا يتعيّن أن تكون الاستطاعة مأخوذةً قيداً في الوجوب لا في الواجب.
وعلى ضوء ما ذكرناه تبيّنت الضابطة الكلّية في رجوع القيود إلى الوجوب أو الواجب، وهي تقوم على أساس أصلٍ موضوعيّ أشرنا إليه.
وحاصله: أنَّ كلّ قيدٍ إذا لم يؤخذ قيداً في الوجوب وأخذ قيداً في الواجب ففرض عدم أخذه قيداً في الوجوب هو فرض فعليّة الوجوب قبله، وفرضه هو فرض فاعليّة الوجوب ومحرّكيّته، ومع محرّكيّته لو فرض أنَّه كان محرّكاً نحو المقيّد، وفرض أنَّ القيد غير اختياريّ يلزم محذور، وإذا لم يكن غير اختياري لا يلزم محذور، فأيّ القيود ينبغي أن تؤخذ في الوجوب وأيّها ينبغي أن تؤخذ في الواجب. فنقول:
القسم الأوّل: وهي القيود الدخيلة في أصل وجود الملاك والاحتياج، كالاستطاعة للحجّ.
القسم الثاني: وهي ما يكون قيداً في فعليّة المصلحة خارجاً مع فرض الاتّصاف قبله، كالسفر إلى مكّة للحجّ.
ــــــــــ[428]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أمّا هذا القسم من القيود فتارةً تكون اختياريّةً، بمعنى: أنَّه يمكن الإلزام بها من قبل المولى، وأخرى لا تكون كذلك، فإن كانت قيوداً اختياريّةً فهذه القيود لا يمكن سحبها من الوجوب وأخذها في الواجب محضاً ببرهان عدم المقتضي لذلك؛ لأنَّها قيودٌ بها يتحقّق الملاك، فلو أخذت قيوداً في الواجب دون الوجوب لزم أن يكون الوجوب محرّكاً نحوها مع أنَّه لا مقتضى للتحريك نحوها؛ فإنَّ المولى لا مقتضي عنده لأنْ يحرّك نحو شيءٍ دخيلٍ في اتّصاف الفعل بالمصلحة، وإنَّما يحرك نحو الفعل بعد تعلّق المصلحة به، فيتعيّن أن تكون مأخوذةً في الوجوب.
وإن كانت القيود غير اختياريّةٍ ولا يمكن الإلزام بها، إمّا لكونها خارجةً عن اختيار الإنسان محضاً كطلوع الفجر والزوال، أو لكونه اختياريّاً في نفسه ولكنّه قُيّد بكونه اتّفاقياً، والحصّة الاتّفاقيّة لا يمكن التحريك نحوها من قبل المولى.
حينئذٍ البرهان يقول: إنَّه لا يمكن أخذها في الواجب محضاً؛ لعدم المقتضي ولوجود المانع، أمّا عدم المقتضي فلنفس البيان السابق؛ إذ لو أخذت في الواجب محضاً يلزم التحريك نحوها وهو بلا مقتضٍ، فإنَّ المولى لا يهمّه أن يحدث الملاك وإنَّما يهمّه أنَّه لو حدث يستوفى.
وأمّا وجود المانع فهو أنَّ هذه القيود غير اختيارية، والتكليف بالقيد غير الاختياري غير معقول، إذ لو كان قيداً في الواجب دون الوجوب، لكان
ــــــــــ[429]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الوجوب فعليّاً قبله، فيكون محرّكاً نحو المقيّد، والتحريك نحو المقيّد تحريك نحو القيد تبعاً، والتحريك نحو غير الاختياري مستحيل.
فالقيود الدخيلة في الملاك –قيود الاتّصاف- جميعاً لا بُدَّ أن تؤخذ قيوداً في الوجوب.
ولكن بعد فرض أخذها قيداً في الوجوب لا مانع من أخذها قيداً في الواجب. فلو استطاع يجب عليه الحجّ المقرون بالاستطاعة –فلو حجّ متسكّعاً بعد زوال استطاعته لم يجز- لوجود المقتضي وعدم المانع، أمّا وجود المقتضي فلما فرضناه من أن المصلحة لا تترتّب إلَّا على الحصّة من الحجّ المقرونة بالاستطاعة خارجاً، وأمّا عدم المانع فلأنَّ المانع إنَّما كان هو التكليف بغير مقدور، وهنا أخذ الاستطاعة قيداً في الواجب لا يلزم منه التكليف بغير المقدور؛ لأنَّها أخذت في الوجوب أيضاً، ففرض وجود الوجوب هو فرض وجود القيد، ومع وجود القيد يكون التحريك نحو المقيّد تحريكاً نحو ذات المقيّد ونحو التقيّد لا نحو القيد؛ لأنَّ القيد مفروض الوجود وذات المقيّد والتقيّد اختياريّ فلا يلزم من التحريك نحوها محذور.
وأمّا هذا القسم فهو القيود الدخيلة في وقوع المصلحة خارجاً، فهي على قسمين: اختياريّةٌ وغير اختياريّة، فإن كانت اختياريّةً فلا تؤخذ في الوجوب وتؤخذ محضاً في الواجب؛ لأنَّ المقتضي موجودٌ والمانع مفقود، أمّا المقتضي فلأنَّها دخيلةٌ في إيجاد المصلحة، وأمّا المانع فلعدم لزوم التحريك نحو أمرٍ غير اختياريّ.
ــــــــــ[430]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وأمّا إذا كانت قيوداً غير اختياريّةٍ ولكنّها قيودٌ في الترتّب لا في الاتّصاف كما لو كان طلوع الفجر قيداً في ترتّب المصلحة من الصوم، حينئذٍ لا يعقل سحبه من دائرة الوجوب وأخذه محضاً في دائرة الواجب، بل لا بُدَّ من أخذه في دائرة الوجوب أيضاً، ولا يعقل إطلاق الوجوب من ناحيته، لا لعدم المقتضي فإنّ المقتضي له موجود؛ لأنَّ المفروض أنَّ هذا القيد غير دخيل في الاتّصاف بالمصلحة، ولكن لوجود المانع، لأنَّ الوجوب إذا كان غير مأخوذٍ فيه هذا القيد يكون مطلقاً، فيكون محرّكاً نحو القيد، وهو تحريكٌ نحو أمرٍ غير اختياريٍّ وهو غير معقول.
نعم، هناك استثناءٌ واحدٌ لهذا الحكم وهو ما إذا أحرز المولى في نفسه أن القيد سوف يوجد خارجاً وهو طلوع الفجر بالنسبة إلى تمام المكلّفين بهذا التكليف، فلا بأس أن يجعل الوجوب مطلقاً من ناحيته، فإنَّ المقيّد بقيدٍ غير اختياريّ مضمون الوجود يكون اختياريّاً وإنَّما لا يكون اختياريّاً إذا لم يكن مضمون الوجود.
بقيت الإشارة إلى نكتة، وهي: أنَّ ما تعقّلناه في المرحلة الثالثة من الوجوب المشروط لا يعني مقايسة باب الأحكام بباب القضايا الحقيقيّة مقايسةً تامّةً، كما هو ظاهر كلمات المحقّق النائيني(1).
فإنَّه بعد أن تعقّل الوجوب المشروط قال: إنَّ الحكم يجعل على نحو القضيّة الشرطيّة، فيقال: إذا استطعت فحجّ، كما أنَّ القضيّة الحقيقيّة يرجع روحها إلى
ــــــــــ[431]ــــــــــ
(1) فوائد الأصول (النائيني) 1: 171-177، أجود التقريرات 1: 127.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
القضيّة الشرطيّة وكما أنَّ قضيّة النار حارّةٌ لها مرحلتان: مرحلة القضيّة الشرطيّة ومرحلة القضيّة الفعليّة، وهي مرحلة فعليّة الحرارة بفعليّة النار، كذلك في القضيّة الحكميّة هناك مرحلة القضيّة الشرطيّة وهي مرحلة الجعل، ومرحلة القضيّة الفعليّة وهي مرحلة فعليّة الوجوب بفعليّة الاستطاعة.
فبهذا تصوّر للحكم مرحلتين: عالم الجعل وعالم المجعول، وقد أشرنا إلى أنَّ هذه المقايسة بين القضيّة الحكميّة وبين القضيّة الحقيقيّة التكوينيّة بلحاظ المرحلة الأولى صحيحة، ولكّنها بلحاظ المرحلة الثانية غير صحيحة، فإنَّ (قضية النار حارّةٌ) لها مرحلةٌ فعليّةٌ ولكنّ قضيّة (المستطيع يجب عليه الحجّ) ليس لها وراء عالمها وجودٌ فعليّ، على ما تقدّمت الإشارة إليه(1) ويأتي إن شاء الله تعالى: أنَّ الحكم ليس له عالم فعليّةٍ وراء عالم الجعل، فإنَّ المولى حين يحكم بوجوب الحجّ على المستطيع لا شكّ أنَّه يحدث شيئاً لم يكن –سواءٌ كان هناك مستطيعٌ في الخارج أو لا- وهذا الذي يحدث هو نفس الجعل والاعتبار، أو هو القضيّة الشرطيّة: لو كان مستطيعاً لوجب عليه الحجّ.
ثُمَّ بعد أن يفرض أنَّ الاستطاعة توجد خارجاً فهل يحدث شيءٌ بوجودها، بأن يُقال: بأنَّ الجزاء كان موجوداً بوجودٍ تقديريّ والآن موجودٌ بوجودٍ فعليّ تبعاً لفعليّة الشرط، فقد ناقشنا ذلك وقلنا أنَّه لا يحدث شيءٌ آخر وراء عالم الجعل والاعتبار.
ــــــــــ[432]ــــــــــ
(1) راجع: ص402.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وخلاصة ما برهنّا عليه في ذلك: أنَّ حدوث شيءٍ عند الاستطاعة خارجاً إمّا أن تكون نسبته إلى الجعل نسبة المجعول إلى الجعل، أو أن تكون نسبته نسبة المسبّب إلى السبب.
فإن كانت نسبته هي نسبة المجعول إلى الجعل بمعنى أنَّ الجعل جعل له فهذا غير معقول؛ فإنَّ المجعول مع الجعل كالوجود والإيجاد، وأحدهما عين الآخر، وفي المقام توجد المغايرة بينهما؛ لأنَّ الاعتبار كان موجوداً بدون المجعول، ثم وجد المجعول.
هذا المطلب نريد أن نعمّقه فنقول: إنَّ الاعتبار النفساني صفةٌ من الصفات النفسيّة ذات الإضافة كالحبّ والبغض والعلم والقدرة، فإنّ العلم يحتاج إلى معلوم، والقدرة إلى مقدور، والحبّ إلى محبوب، والاعتبار إلى معتبر، وأمثال هذه الصفات ليست الإضافة فيها إلى طرفها إضافةً زائدةً على ذاتها، بل هي إضافةٌ مستبطنةٌ في حاقّ ذاتها، إذ لو كانت زائدةً لكان حالها حال زيادة البياض على الجسم، ولازمه أنَّنا كما يمكن أن نتعقّل الجسم بما هو هو من دون بياض ولا لون، كذلك يمكن أن نتعقّل الحبّ في مرتبة ذاته من دون إضافةٍ إلى محبوبه، بينما هذا غير معقولٍ بالوجدان، فإنَّنا لا يمكن أن نتصوّر الحبّ في أيّ مرتبةٍ من المراتب دون إضافةٍ إلى محبوب، ولا العلم في أيّ مرتبةٍ بدون معلوم. وهذا يبرهن على أنَّ هذه الإضافات ليست إضافةً عرضيّةً زائدةً على الذات، وإنَّما هي مقوّمةٌ لذات الحبّ والعلم والاعتبار في مرتبة ذوات هذه الأشياء.
فإذا كانت هذه الإضافة ثابتةً في ذات الحبّ فنسأل: إنَّ هذه الإضافة هل هي ثابتةٌ بلا طرفها أو مع طرفها؟ الأوّل غير معقول؛ لأنَّ الإضافة تتقوّم
ــــــــــ[433]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بطرفين فيتعيّن أن يكون المحبوب ثابتاً أيضاً في مرتبة ذات الحبّ، وهذا معناه أنَّ المحبوب بالذات والمعلوم بالذات، هو نفس الصورة القائمة في عالم الحبّ والعلم، وأمّا ما يحاكيه في الخارج فهو المحبوب بالعرض والمعلوم بالعرض والمعتبر بالعرض.
ومعنى بالعرض أنَّه ليس متعلّقاً للعلم أو الحبّ حقيقةً، وإنَّما هو أمرٌ يماثل ما تعلّق به العلم أو الحبّ.
وهذا برهان على أنَّ المعتبر بالذات موجودٌ في عالم نفس الاعتبار ويستحيل وجوده خارجاً عنه؛ لأنَّ الاعتبار صفةٌ نفسانيّةٌ ذات إضافةٍ فيشمله البرهان السابق، وأمّا المعتبر بالعرض فليس معتبراً بالحقيقة، بل هو مشابهٌ للصورة الذهنيّة والمحكيّ عنه بها؛ لوضوح أنَّ الصور الذهنيّة إنَّما يلحظها العالم والمحبّ والمعتبر بصفتها كاشفةً عن الخارج بحيث لا يرى إلَّا الخارج، وإن كان في الحقيقة لا يراها إلَّا هي فيكون الخارج في النظرة الإفنائيّة كأنَّه هو المحبوب والمعلوم والمعتبر.
فهذا الذي يوجد بوجود الاستطاعة إن أريد أنَّه هو المعتبر بالذات فهذا غير معقولٍ كما عرفنا ، وإن أريد أنَّه هو المعتبر بالعرض، فهو صحيح، إلَّا أنَّ المعتبر بالعرض غير موجودٍ بالاعتبار إلَّا بالعرض والنظر الإفنائي.
وأمّا إذا قيل بأنَّ وجوب الحجّ موجودٌ عند الاستطاعة مسبّباً وسببه الجعل ولكن ليس الجعل وحده بل هو مع وجود الاستطاعة، هذا أيضاً قلنا سابقاً أنَّه غير صحيح، فإنَّ هذا المسبّب إمّا أن يكون موجوداً خارجياً أو موجوداً نفسانيّاً، أمّا الأوّل فباطل؛ لأنَّ الأحكام ليست موجوداتٍ خارجيّةً، وأمّا الثاني
ــــــــــ[434]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فهو غير معقول لأنَّ هذا المجعول تابعٌ لوجود الاستطاعة خارجاً سواء علم بها الجاعل أو لا، فكيف يفسّر فعليّة المجعول بأمرٍ نفسانيّ ينشأ من واقع الاستطاعة خارجاً سواءٌ علم به المولى أو لا.
فالشقوق كلّها باطلةٌ، فتبيّن أنَّ الحكم المجعول والمعتبر ليس له وجودٌ إلَّا في عالم الاعتبار بنحو القضيّة الشرطيّة.
نعم، هذه القضيّة قبل وجود شرطها لا تكون محرّكةً ولا فاعلةً بحكم العقل، وأمّا بعد وجوده فتكون محرّكةً وفاعلةً، لا أنَّه يحدث شيءٌ جديدٌ، نعم لا بأس أن يقال: إنَّه يوجد شيءٌ مسامحةً بالنظر الإفنائي التصوّري؛ لأنَّه كأن المولى يرى الخارج، فهو يرى كأنَّ شيئاً وجد في الخارج، وهذه النظرة وإن كانت كاذبةً بالبرهان، إلَّا أنَّها نظرةٌ ارتكازيّةٌ عرفيّةٌ جرى عليها العرف، وكذا الميرزا في تصوير عالم الجعل والمجعول؛ لأنَّ المجعول بالنظرة الإفنائية هو الخارج، فكأنَّه جعل الخارج. فنحن لا ننكر عالم المجعول بحسب النظر العقلائي وإنَّما ننكره بالنظر الدقي.
هذا تمام الكلام في المقام الأوّل، أي: في مرحلة الثبوت.
وأمّا بالنسبة إلى المقام الثاني، أي: مرحلة مقام الإثبات بعد أن تعقّلنا الوجوب المشروط بحسب مقام الثبوت، فنقول: إنَّ المولى لو بيَّن هذا الوجوب بشكلٍ لا يكون الدالّ على الوجوب هيئةً، كما لو قال: وجوب الحجّ مشروطٌ بالاستطاعة، فلا إشكال، ولكن إذا أفاد الوجوب بالهيئة فقال: إذا جاءك زيدٌ
ــــــــــ[435]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فأكرمه، فإنَّ الهيئات ملحقةٌ بالحروف، فمدلولها النسبة الإرساليّة القائمة بين المكلّف والمادّة، والنسب لا يمكن تقييدها عندهم، ومعه لا يمكن أن يرجع القيد إلى الهيئة مع الاعتراف بأنَّ مقتضى الفهم العرفي والقواعد اللغويّة هو رجوع القيد إلى مدلول الهيئة.
وفي طول قولهم بالاستحالة قالوا بأنَّ القيد يرجع إلى المادّة، ومن هنا توصلنا إلى أنَّ القيد قيدٌ للواجب.
وتصوير الإشكال في تقييد الهيئة يرجع إلى بيانين:
البيان الأوّل: أنَّ التقييد إنَّما يطرأ على المفهوم الكلي، فإنَّه هو القابل للسعة والضيق، وأمّا الجزئيات فهي أفرادٌ متعيّنةٌ لا يعقل فيها الإطلاق والتقييد. والمعاني الحرفيّة بناءً على ما تقدّم(1) من أنَّها موضوعةٌ بالوضع العامّ والموضوع له الخاصّ- تكون أموراً خاصّةً جزئيّةً، فلا تقبل الإطلاق والتقييد.
وجواب ذلك واضحٌ، وهو الخلط بين الجزئيّة الحقيقيّة والجزئيّة التي فرغنا عنها في بحث الوضع.
فإنّ الجزئيّة بالمعنى الذي فرغنا عنه في باب الحروف لا تنافي الكلّية بمعنى قابليّة الصدق على كثيرين.
بيان ذلك: أنَّنا قلنا في باب الحروف(2) أنَّ لنا استعمالين لـ(من) أحدهما في قولنا: (سرت من البصرة إلى النجف)، والآخر: (سرت من النجف إلى كربلاء)،
ــــــــــ[436]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 1: 299.
(2) انظر: بحوث في علم الأصول (الهاشمي) 1: 93.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهاتان النسبتان لها طرفان، وتتغاير إحدى النسبتين مع النسبة الأخرى بالطرفين وطرفا النسبة في الجملة الأولى غير طرفيها في الجملة الثانية.
وقد وقع الكلام في أنَّه هل يمكن القول: إنَّ مدلول (من) هو الجامع بين الاستعمالات بعد إلغاء خصوصيّة الطرفين هنا وخصوصيّتهما هناك. وتكون (من) موضوعةً لجامع النسبة الابتدائيّة، كما نصنع في أسماء الأجناس فهل يمكن ذلك في باب الحروف؟
قلنا: إنَّ ذلك في باب الحروف مستحيلٌ؛ لأنَّ النسبة متقوّمةٌ ذاتاً بطرفيها، باعتبار كونها أمراً اندكاكيّاً وكذلك النسبة الأخرى، فإذا أردتم أن تأخذوا الجامع بين النسبتين فإن ألغيتم الطرفين في الجملتين فقد ألغيتم أصل النسبة هنا وأصلها هناك، وإن لم تلغوا الطرفين فالنسبتان متباينتان ولا يمكن تحصيل الجامع قبل الإلغاء، فيتعيّن أن يكون الحرف موضوعاً بالموضوع له الخاصّ، بمعنى أنَّ الموضوع له هو النسبة المتقوّمة بخصوص أطرافه.
فمعنى أنَّ الموضوع له خاصّ وجزئيّ يعني أنَّه خاصّ بلحاظ طرفي النسبة، يعني النسبة المحفوظة بطرفيها لا المأخوذة لا بشرط من ناحيتها، في مقابل من يتوهّم أنَّ الموضوع له هو النسبة التي لم يؤخذ فيها طرفٌ أصلاً.
فهذا ما فرغنا عنه في بحث الوضع(1)، ومن الواضح أنَّ الجزئيّة الطرفيّة بهذا المعنى لا ينافي الصدق على كثيرين، فيكون كلّياً بهذا المعنى، فإنَّها وإن تحدّدت بطرفيها ولكن بلحاظ صدقها على الخارج تصدق على كثيرين فلو سار
ــــــــــ[437]ــــــــــ
() انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 1: 298.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
جماعةٌ من البصرة إلى النجف كان كلّ واحدٍ مصداقاً من هذه النسبة، ومعه يمكن فيها الإطلاق والتقييد، لأنَّ الإطلاق من شؤون الكلّي بمعنى صدقه على كثيرين، وإنَّما سمّيناه جزئيّاً بلحاظ الجزئيّة الطرفيّة.
البيان الثاني: أنَّ الإطلاق والتقييد فرع توجّه المولى إلى الشيء، فإنَّه حكمٌ من قبل المولى وهو فرع الالتفات إليه، والمعاني الحرفيّة معانٍ آليّة(1) وليست استقلاليّةً فلا يمكن التوجّه إليها، والالتفات إليها تفصيلاً، فلا يمكن الحكم عليها بالإطلاق أو التقييد.
وجوابه: أنَّ الآلية في المعاني الحرفيّة ماذا يراد بها؟ إن أريد بها المرآتيّة على حدّ مرآتيّة المرآة، يعني: أنَّ الإنسان ينظر إلى المرآة نظراً فنائيّاً استطراقيّاً وتمام نظره الاستقلالي إلى الصورة، بمعنى: أنَّه غافلٌ عن أنَّ أمامه مرآةً بل يتخيّل أنَّ الذي أمامه إنسان إلَّا إذا التفت إلى المرآة كزجاج، فلو أراد في مثل ذلك أن يحكم لانصبّ الحكم على المرئيّ في المرآة لا على المرآة نفسها.
فإن أردتم أنَّ المعاني الحرفيّة يُغفل عنها وتمام التوجّه والنظر إلى المعاني الاسميّة، فهو واضح البطلان؛ لأنَّه كثيراً ما يكون التوجّه إلى المعنى الحرفي، كما لو قال: أين فلان؟ فقال: في المسجد، فالنظر إلى النسبة بين زيد وبين المسجد، ولم يقم برهانٌ على أن تكون المعاني الحرفيّة مغفولاً عنها أبداً.
وإن أردتم بالآليّة الوجود التبعي الاندكاكي؛ لأنَّ المعنى الحرفي نسبيٌّ والنسبة مندكّةٌ ذاتاً بطرفيها، ولا يمكن أن توجد بوجودٍ مستقلّ لا في الخارج
ــــــــــ[438]ــــــــــ
(1) على ما أفاده المحقّق الخراساني، كفاية الأصول: 11، 12.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ولا في الذهن، وإلَّا لخرجت عن كونها نسبةً وأصبحت أمراً منسوباً، وهذا المعنى من الآليّة صحيح.
وبناءً على هذا المعنى يُقال في الإشكال: إنَّ المعنى الحرفي حيث كان موجوداً تبعاً فلا يعقل توجّه النفس نحوه، فإنَّ توجّه النفس نحو شيءٍ هو عبارةٌ أخرى عن وجوده في النفس، وحيث إنَّ الإطلاق والتقييد فرع توجّه النفس، وهو مساوقٌ مع الوجود الاستقلالي المستحيل على المعنى الحرفي، فيستحيل الإطلاق والتقييد في المعنى الحرفي، فهذا التقريب له صورةٌ بدويّة.
إلَّا أنَّه أيضاً قابلٌ للدفع بعدّة وجوه:
منها: أنَّه لو سلّم أنَّ التوجّه الاستقلالي نحو هذا الوجود التبعي خلف كونه تبعيّاً، وسلّم أنَّ الإطلاق والتقييد يحتاج إلى وجودٍ استقلاليّ ولا يكفي فيه الوجود التبعي، فغايته أن نلتزم أنَّ الإطلاق والتقييد ينصبّ على المعنى الحرفي بواسطة معنىً اسميّ مشيرٍ إلى المعنى الحرفي، وهو كافٍ في ذلك، فيرجع القيد إلى ذلك الواقع المشار إليه بتوسّط هذا العنوان شأنه في ذلك شأن الوضع فإنَّه حكم على المعنى الحرفي أيضاً، وكما يقال فيه بأنَّ الواضع وضع الحرف بتوسّط عنوانٍ مشيرٍ إليه، فليكن كذلك في باب الإطلاق والتقييد.
وبذلك تم بحث مقام الثبوت وبحث مقام الإثبات وتبيّن أنَّ الواجب المشروط ليس فيه محذورٌ لا إثباتاً ولا ثبوتاً.
وهناك كلامٌ يتردّد في بعض الكتب تارةً يُقرّب بلحاظ مقام الإثبات وأخرى مقام الثبوت.
ــــــــــ[439]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أمّا في مقام الثبوت بأن يُقال(1): إنَّ الواجب المشروط تفكيكٌ بين الاعتبار والمعتبر، لأنَّ الاعتبار فعليّ والمعتبر بعد ذلك.
وأمّا في مقام الإثبات: فإنَّ الوجوب المشروط تفكيكٌ بين الإنشاء والمنشأ، بناءً على المشهور بأنَّ الإنشاء إيجادٌ للمعنى باللفظ.
ظهر جوابه ممّا ذكرناه في مناقشة الميرزا إذ ظهر أنَّ المعتبر موجودٌ بعين وجود الاعتبار، والمنشأ موجودٌ بعين وجود الإنشاء، فلا إشكال. فإن إراد المستشكل أنَّ المعتبر والمنشأ بالذات قد انفكّ عن الاعتبار والإنشاء فقد برهنّا على عدمه، وإن أراد أنَّ المعتبر والمنشأ بالعرض قد انفكّ، فهو صحيح؛ لأنَّ هذا ليس معتبراً ولا منشأً حقيقةً.
وبذلك تمّ بحث الواجب المطلق والمشروط.
ــــــــــ[440]ــــــــــ
() ورد في كفاية الأصول: 97.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
– 2 –
الأصل في هذا التقسيم هو صاحب الفصول(1)، حيث ذكر أنَّ القيود المأخوذة في الواجب على نحوين: تارةً تؤخذ على نحوٍ يترشّح عليها الإلزام والتحريك من قبل المولى، وأخرى على نحو لا يترشّح عليها الإلزام. وبذلك جعل القسمة ثلاثيّة؛ بأن يقال: إنَّ القيد إمّا قيدٌ للوجوب وإمّا قيدٌ للواجب، وعلى الثاني إمّا مأخوذٌ في الواجب بنحوٍ قابلٍ لأنْ يترشّح عليه الإلزام والتحريك من قبل المولى، وأخرى مأخوذاً فيه بنحوٍ لا يكون قابلاً لذلك، وذلك بأن يؤخذ بوجوده الاتّفاقي والصدفتي قيداً، وقد سمّي الأوّل بالمشروط، والثاني بالمنجّز، والثالث بالمعلّق.
وهذا المعلّق الذي ذكره هو عين المشروط بحسب تقريرات الشيخ له في المسألة السابقة(2)، فإنَّه أرجع الواجب المشروط إلى أنَّ القيود تؤخذ في الواجب بنحوٍ لا يترشّح عليها الإلزام والتحريك، غير أنَّ الشيخ استعمل هذه الصياغة بالنسبة إلى قيود الاتّصاف بالمصلحة، كتحقّق الاستطاعة الدخيلة في اتّصاف
ــــــــــ[441]ــــــــــ
(1) انظر: الفصول الغرويّة: 79، 80.
(2) انظر: مطارح الأنظار: 45، 46.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الحجّ بكونه ذا مصلحة، وادّعى أنَّ هذه تؤخذ قيداً في الواجب لا في الوجوب.
وصاحب الفصول يعترف أنَّ قيود الاتّصاف تؤخذ في الوجوب لا في الواجب، وإنَّما كلامه في قيود الترتّب ووجود المصلحة خارجاً، وقسّمها إلى قسمين: فبعضها ممكن التحصيل، وبعضها لا يكون إلزاميّاً، إمّا لكونه بحسب طبعه غير اختياريّ أو باعتبار أنَّه مأخوذٌ بوجوده الاتّفاقي قيداً.
ومن هنا كان كلامه صحيحاً ومعقولاً بلا إشكالٍ بالنسبة إلى عالم الملاك وإلى عالم الحبّ والبغض؛ فإنَّه في عالم الملاك القسمة الثلاثيّة صحيحة، فإنَّ الملاك إذا نسب إلى قيدٍ فإمّا أن يكون قيداً في اتّصاف الفعل بالمصلحة فهو المشروط وإمّا أن يكون قيداً في تحقّق المصلحة، فإن كان قيداً اختياريّاً، قابلاً للتحريك نحوه فهو المنجّز، وإن لم يكن اختياريّاً فهو المعلّق.
وكذلك الحال بحسب عالم الحبّ والبغض، فإنَّ اشتياق المولى وحبّه لفعلٍ إذا لوحظ بالنسبة إلى قيدٍ فتارةً يكون دخيلاً في أصل اشتياق المولى فهو الإرادة المشروطة التي فرغنا من تفسيرها، وأخرى يكون قيداً في المحبوب، فإن كان اختياريّاً فهو المنجّز أو غير اختياريّ فهو المعلّق.
ولا يرد على هذا المعلّق ما أوردنا على الشيخ في بحث الواجب المشروط من أنَّ لازم جعل القيد قيداً في المتعلّق هو ترشّح الحبّ الغيري على هذا القيد، وإنّما ورد على الشيخ باعتبار أنَّه يقول: إنَّ قيود الاتّصاف أخذت قيوداً في المحبوب، ومن الواضح أنَّ قيود الاتّصاف لا يعقل انقداح الشوق نحوها،
ــــــــــ[442]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بل قد تكون مبغوضة.
وأمّا صاحب الفصول فيقول: إنَّ قيود الترتّب مأخوذةٌ في المحبوب، لكن بشكل لا يمكن التحريك نحوها، وفي الإمكان انبعاث الشوق الغيري إلى القيد، ولكن حيث إنَّه أمرٌ غير اختياري فلا يحرّك نحوه.
وإنّما يبقى الإشكال في الواجب المعلّق، فيما بعد الملاك والحبّ من مراحل حقيقة الحكم.
والإشكال فيه يكون من وجهين:
هو الوجه المهمّ. وحاصله: أنَّ القيد -وهو الزمان- إن فرض كونه قيداً في الواجب نسأل عن أنَّه هل يؤخذ أيضاً قيداً في الوجوب بنحو الشرط المقارن، أو بنحو الشرط المتأخّر، أو لا يكون قيداً للوجوب أصلاً، ويكون الوجوب فعليّاً قبل وجود القيد؟
فإن فرض أنَّ طلوع الفجر أخذ شرطاً للواجب بنحو الشرط المقارن وشرطاً للوجوب بنحو الشرط المتأخّر بحيث يكون الوجوب فعليّاً من حيث غروب الشمس، لكن مقيّداً بوجود الفجر بعد ذلك، فمن يقول باستحالة الشرط المتأخّر –أعني الميرزا(1)– يقول باستحالة ذلك.
ومن يقول بإمكانه، يقول: إنَّ هذا يكون قسماً من الواجب المشروط لا شيء
ــــــــــ[443]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 278، 279.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
في مقابله، فالأولى أن يقال: بأنَّ الواجب المشروط تارةً يكون الوجوب فيه مشروطاً بشرطٍ مقارنٍ، وأخرى مشروطاً بشرطٍ متأخّرٍ، فليس هو قسماً في مقابله.
وإن قيل بأنَّ قيد طلوع الفجر لم يؤخذ في الوجوب أصلاً، فالوجوب فعليّ من حين غروب الشمس، فإذا كان فعليّاً فتكون فاعليّته فعليّةً أيضاً فيكون محرّكاً نحو أمرٍ استقباليّ.
ومن الواضح أنَّ المقيّد غير اختياريّ فعلاً، فيكون تحريكاً نحو أمرٍ غير معقول.
وتوضيح الجواب على هذا الإشكال: أنَّه يوجد في المقام قيدان: أحدهم قيد طلوع الفجر، والآخر: أن يكون المكلّف على تقدير طلوع الفجر قادراً على الصوم حيّاً صحيحاً.
ولا إشكال أنَّ الوجوب الذي نفترض فعليّته من غروب الشمس، مشروط بنحو الشرط المتأخّر بالشرط الثاني، ولكنّنا ننكر أن يكون مشروطاً بالشرط الأوّل، ولو بنحو الشرط المتأخّر.
والفرق بين القيدين: أنَّ القيد الثاني -وهو القدرة على الصوم على تقدير طلوع الفجر- قيدٌ لا يمكن للمولى أن يتصدّى لإحرازه ووقوعه خارجاً؛ لأنَّ المولى يجعل الحكم على نحو القضيّة الحقيقيّة، ولا يدري من هو قادرٌ ومن هو ليس بقادر، فلو جعل المولى حكمه مطلقاً من حيث هذا الشرط للزم فعليّته في حقّ من سوف لن يكون قادراً عند طلوع الفجر، وهو تكليفٌ بغير مقدور. ــــــــــ[444]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ومعه لا بُدَّ له من أن يقيّد الوجوب بهذا الأمر الثاني.
وأمّا بعد فرض أخذ القيد الثاني شرطاً متأخّراً في الوجوب فهل يلزم أن يؤخذ القيد الأوّل على نحو الشرط المتأخّر أيضاً.
الصحيح: أنَّه لا يلزم؛ فإنَّ هذا القيد -وهو طلوع الفجر- وإن كان قيداً غير اختياريّ وقلنا إنَّ كلّ قيدٍ غير اختياريّ لا بُدَّ من أخذه قيداً في الوجوب، لكن استثنينا من ذلك القيود التي يعلم المولى أنَّها مضمونة الوقوع خارجاً، إذ يكون المقيّد بها أمراً اختياريّاً بالنسبة إلى جميع المكلّفين؛ فإنَّ اختياريّة المقيّد عبارةٌ عن اختياريّة ذات المقيّد واختياريّة التقيّد، واختياريّة التقيّد تحصل باختياريّة القيد أو باعتبار أنَّه مضمون الوجود خارجاً، ومعه فيعقل الأمر الفعلي المطلق بالمقيّد.
نعم، المقيّد في آن الغروب ليس اختياريّاً، ولكنّ المفروض أنَّ كلّ أمرٍ لا يقتضي الفوريّة، بل يقتضي امتثاله على عمود الزمان حين يكون اختياريّاً.
نعم، لو قلنا: إنَّ الأمر بالمقيّد أمرٌ بالقيد، للزم الأمر بأمرٍ غير اختياريّ وهو القيد، ومجرّد كونه سيقع خارجاً لا يجعله اختياريّاً.
ولكنّ الصحيح: أنَّ الأمر بالمقيّد ليس أمراً بالقيد، بل بذات المقيّد وبالتقيّد، وكلاهما اختياريّ، فالوجوب فيه ثلاثة أقسام: قيدٌ لنفس الوجوب، كالقدرة على تقدير الطلوع ولو على نحو الشرط المتأخّر وهو المشروط. وقيدٌ للواجب بنحوٍ يترشّح عليه الإلزام كقيد الطهارة من الجنابة، وهناك قيدٌ للواجب مع عدم أخذه قيداً في الوجوب، وهو نفس طلوع الفجر وهو المعلّق من دون أن يلزم التكليف بأمرٍ غير اختياريّ ولا إرجاع الواجب المعلّق إلى المشروط.
ــــــــــ[445]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
في استحالة الواجب المعلّق، وحاصل صيغته الإجمالية: أنَّه يلزم من الواجب المعلّق انفكاك المراد التشريعي عن الإرادة التشريعيّة، بمعنى فرض فعليّة الإرادة من دون فعليّة المراد، وهو انفكاكٌ غير معقول، وتتّضح هذه الصيغة بأحد تقريبين:
التقريب الأوّل: وهو ما أشار إليه صاحب الكفاية(1) ناسباً له إلى بعض معاصريه وأوضحه المحقّق الأصفهاني(2) وحاصله مركّب من مقدّمتين:
المقدّمة الأولى: أنَّ الإرادة التكوينيّة لا يعقل أن يتخلّف عنها مرادها، ولا يراد بذلك أنَّ الإنسان فعّال لما يريد، يقول للشيء كن فيكون، بل المقصود أنَّه حيث لا قدرة للإنسان على شيءٍ فهو لا يريد ذلك الشيء، ففرض الإرادة التكوينيّة هو فرض القدرة وغيرها من المبادئ، فالإرادة الفعليّة يستحيل تخلّف المراد عنها.
المقدّمة الثانية: أنَّ الإرادة التشريعيّة على وزان التكوينيّة، فكما يستحيل تخلّف المراد التكويني عن إرادته، كذلك يستحيل الانفكاك بين المراد التشريعي وبين إرادته.
فإذا تمّت المقدّمتان يثبت استحالة الواجب المعلّق؛ لأنَّه توجد الإرادة التشريعيّة ولم يوجد المراد.
ــــــــــ[446]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 101، 102.
(2) نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 323- 327.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وأمّا البيان التفصيلي لهاتين المقدّمتين:
أمّا برهان المقدّمة الأولى: فبيان ما ذكروه في توضيح المدعى: أنَّ جسم الإنسان قد يتحرّك كالحجر كما لو دفعه دافعٌ، وهي حركةٌ ناشئةٌ من الأسباب الخارجيّة وغير مربوطةٍ بالنفس المديرة للبدن، وهذا خارجٌ عن محلّ الكلام لأنَّه تحريكٌ غير اختياريّ، وكلامنا في التحريك الاختياري.
وأخرى يتحرّك بالنحو المتميّز عن الجوامد وهو تحريك القوى العضليّة المنبثة في الجسم، وهذا من شؤون النفس الإنسانيّة، ولكن من شؤونها بمرتبتها العضليّة، وهذا التحريك لا إشكال أنَّه لا يكفي في حصوله مطلق الشوق فإنَّه قد يحدث الشوق الضعيف المبتلى بالمانع فلا يتحرّك الإنسان، ولكن لا بُدَّ من التفتيش عن هذا التحريك النفساني في عالم النفس أيضاً، فإنَّه لا ينشأ من أسبابٍ خارجيّةٍ، فإنَّه خلف كونه نفسانيّاً.
وليس المحرّك هو مطلق الشوق، فلا بُدَّ من الالتزام بأنَّ المحرّك هو درجةٌ عاليةٌ من الشوق يمكن أن نسمّيه بالشوق الكامل، فيكون من باب تأثير أمرٍ نفسانيّ في أمرٍ نفسانيّ، فإنَّ مرتبة الشوق أعلى في النفس من مرتبة الحركة.
والمدعى: أنَّ كلّ فعلٍ له حالةٌ منتظرةٌ فلا يوجد شوقٌ كاملٌ بالنسبة إليه، لا أنَّه يوجد وينفكّ عنه المشتاق إليه، لأنَّه إذا وجد الشوق الكامل ولم يوجد المتعلّق ولم تتحرّك العضلات؛ فلا يخرج ذلك عن أحد احتمالاتٍ كلّها غير معقولة:
الأول: أنَّ عدم تحرّك العضلات من باب انفكاك المعلول عن العلّة، وهو مستحيل.
ــــــــــ[447]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الثاني: أنَّه لم يتحقّق؛ لأنَّ مقتضيه لم يتحقّق بأن نفرض أنَّ مقتضيه أمرٌ خارجٌ عن النفس كنزول المطر، وهذا مستحيلٌ فإنَّ المؤثر الخارجي يحرّك جسم الإنسان كما يتحرّك الحجر، والعضلات لا تتأثّر إلَّا بأوامر النفس ومؤثّريّتها، ووراء عالم النفس لا توجد حالةٌ منتظرةٌ.
الثالث: أنَّ المقتضي موجودٌ وهو الشوق الكامل إلَّا أنَّ الشرط غير موجودٍ وهو طلوع الفجر، هذا أيضاً ساقطٌ؛ فإنَّ طلوع الفجر لا يمكن أن يكون شرطاً فإنَّ الشرط إمّا متمّمٌ لفاعليّة المقتضي أو لقابليّة القابل، أمّا الأوّل فلا معنى له فإنَّ المتمّم لفاعليّة الفاعل هو القيد الذي يحصّصه وينوّعه كالملاقاة بالنسبة إلى النار فإنَّها تحصصها، وأمّا طلوع الفجر فليس من محصّصات الشوق الكامل الموجود في عالم النفس.
وأمّا كونه متمّماً لقابليّة القابل فهو أيضاً غير صحيح، فإنّ القابل هو القوى العضليّة وقابليّتها للتحرّك تامّةً بالفعل، وليس طلوع الفجر دخيلاً في ذلك، فيستحيل أن لا تتحرّك.
وأمّا برهان المقدّمة الثانية: وهي أنَّ الإرادة التشريعيّة أيضاً لا يتخلّف مرادها، فليس المراد من ذلك أنَّ كل إرادة تشريعيّة لا بُدَّ أن توجد في الخارج وإلَّا لم يوجد عاصٍ.
وإنّما المراد: أنَّ الفرق بين الإرادتين: أنَّ التكوينيّة متوجّهةٌ نحو نفس المريد، والتشريعيّة متوجّهة إلى غير المريد، فإذا فرضنا أنَّ المكلّف مطيعٌ إطاعةً تامّةً لا يتخلّف عن إرادة مولاه فهذه الواسطة اجتزناها، إذن، لا يتخلّف مرادها عنها.
إذن، لا يمكن أن تكون الإرادة التشريعيّة بنحو الواجب المعلّق؛ لأنَّه يلزم
ــــــــــ[448]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
انفكاك الإرادة عن المراد، حتّى بالنسبة إلى أشدّ الناس انقياداً.
المناقشة الأولى: إذا فرض أنَّ الشوق تعلّق بتحريك العضلات على الإطلاق ومن دون قيد فيتمّ هذا البرهان. وأمّا لو فرضنا أنَّ الشوق قد تعلّق بتحريك العضلات المقيّد بطلوع الفجر، فلا يمكن تحريك العضلات فعلاً، لا لأنَّ المقتضي غير موجود، بل لأنَّ الشرط غير موجود، وهو الوقت، والوقت دخيلٌ في قابليّة القابل، فإنَّ العضلات غير تامّة القابلية للتحرّك الخاصّ الفجري.
المناقشة الثانية: أنَّ الأعلام تمسّكوا بعنوان تحريك العضلات، أي: الفعل المباشري للحركة، وهناك أمورٌ غير مباشرية تترتّب على تحريك العضلات كإلقاء الورقة المسبّب عن التحريك.
فنسأل: هل اصطلحتم بالإرادة على الشوق الكامل المتعلّق بالفعل المباشر، وأمّا الشوق المتعلّق بغيره فلا تسمّونه إرادةً، فقد يكون برهانكم صحيحاً في حدود الفعل المباشري.
ولكن ما حال الأشواق المتعلّقة بالعناوين التوليديّة أو بالعنايات كالتقييد بالوقت.
إن قلتم إنَّه لا ينفكّ عنها متعلّقها فبرهانكم لا يتمّ؛ لأنَّ هذه المسبّبات ليست نفسانيّةً حتّى تحتاج إلى مؤثّرٍ نفسانيّ وإنَّما هو فعلٌ طبيعيّ تكوينيّ يحتاج إلى مرور زمانٍ(1).
ــــــــــ[449]ــــــــــ
() كالاحتراق الذي يحتاج الى زمان. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وإن سلّمتم أنَّ تلك الأشواق الأخرى ينفكّ عنها متعلّقها، وإن لم يكن اسمها إرادةً عندنا، فلا مشاحة في الاصطلاح، ولكن نقول إنَّ الإرادة التشريعيّة أيضاً كذلك، فإنَّها قد تتعلّق بمسبّبات من هذا القبيل، فكما سلّمتم بالانفكاك في الإرادة التكوينيّة فكذلك في الإرادة التشريعيّة.
فلا يتمّ هذا التقريب الأوّل.
التقريب الثاني(1) للوجه الثاني على استحالة الواجب المعلّق، وحاصله: أنَّ الإرادة التشريعيّة عبارةٌ عن شوق المولى إلى صدور الفعل من الغير باختياره، وليس كلّ شوقٍ إلى ذلك يسمّى إرادةً تشريعيّة، كما أنَّه ليس كلّ شوقٍ إلى فعل نفسه يسمّى إرادةً تكوينيّة، وكما أنَّ الشوق المتعلّق بفعل الإنسان لا يسمّى إرادةً تكوينيّةً، إلَّا إذا وصل إلى درجةٍ يكون كافياً لتحريك عضلات الإنسان إلى المقصود، كذلك الشوق التشريعي لا يسمّى إرادةً إلَّا إذا وصل إلى مرتبةٍ بحيث يحرّك عضلات المولى المشتاق لبعث المكلّف نحو المشتاق إليه، وأمّا إذا كان شوقه موجوداً لكن لا بدرجةٍ بحيث يترشّح منه شوقٌ تكوينيٌّ محرّكٌ للمولى نحو بعث المكلّف إلى الطاعة، فلا يكون هذا الشوق إرادةً تشريعيّة.
وهذا معناه أنَّ قوام صيرورة الشوق إرادةً تكوينيّةً هي أن يصبح محرّكاً للمولى بأن يبعث العبد إلى العمل.
وهنا نسأل: إنَّ إيجاد البعث والتحريك من قبل المولى هل يراد به إيجاد الباعث بالفعل أم ما يمكن أن يكون باعثاً؟ المراد هو الثاني لا الأوّل؛ لوضوح
ــــــــــ[450]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 324.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أنَّ الباعثيّة يضايفها الانبعاث. فلو كان البعث فعليّاً كان الانبعاث فعليّاً أيضاً، مع أنَّه من الواضح أنَّه ليس من لوازم الإرادة التشريعيّة الانبعاث الفعلي، كما هو الحال في العصاة. فما هو اللازم للإرادة التشريعيّة ليس هو البعث الفعلي بل البعث بالإمكان، ويساوق الانبعاث بالإمكان أيضاً.
هذه النتيجة نطبقها في المقام ونقول: إنَّ المولى إذا جعل الوجوب من الغروب للصوم المقيّد بطلوع الفجر، فيقول: إنَّ الوجوب لا يعقل أن يكون فعليّاً لأنَّ الإرادة التشريعيّة متقوّمةٌ بإيجاد الباعث بالإمكان، وخطاب المولى عند الغروب لا يمكن أن يكون بعثاً؛ لأنَّه لا يمكن الانبعاث عنه حتّى في المطيع، فلم يوجد باعثٌ بالإمكان وقد فرضنا أنَّ من الخصائص اللازمة للإرادة التشريعيّة إيجاد الباعث بالإمكان وما لم يوجد لم توجد، هذا ما ذكره المحقّق الأصفهاني(1) لاستحالة الواجب المعلّق.
ما ذكره غير تامّ حلاً ونقضاً.
أما حلاً: فلأنَّه يقول: إنَّ الشوق المتعلّق بفعل الغير لا يكون إرادةً تشريعيّةً إلَّا إذا تحرّك منه شوقٌ تكوينيّ يحرك المولى نحو تحريك العبد وبعثه إلى ما يشتاق إليه.
وهذا الكلام صحيحٌ، بمعنى: أنَّنا هنا لا نريد أن نبحث عن الإرادة التشريعيّة بحسب مفهومها العرفي أو العقلي متقوّمةً بهذه النكتة أو لا؛ لأنَّ
ــــــــــ[451]ــــــــــ
(1) نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 324.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
البحث ليس في المفاهيم ولا في حقائق الاشياء، وإنَّما يجب أن نبحث ونقول: إنَّه أيّ شوقٍ من أشواق المولى يوجب امتثال العبد بحكم العقل، فنقول: إنَّ الأشواق التي تحرّك المولى يجب أن تحرّك العبد أيضاً، وأمّا الشوق الذي لا يحرّك المولى لا يجب على العبد إطاعته أيضاً؛ لأنَّ غاية ما تقتضيه العبوديّة أن تكون عضلات العبد وقواه كعضلات المولى وقواه، وحيث إنَّ المولى لم يتحرّك فلا يجب على العبد أن يتحرّك أيضاً، فهذا المطلب صحيحٌ بهذه النكتة.
وحينئذٍ لا بُدَّ أن نرجع إليها لنرى أنَّه هل يشترط في صيرورة الشوق إرادةً تشريعيّةً، أن يكون متّصفاً بالباعثيّة الإمكانيّة من حين وجوده أو أن يكون الشوق محرّكاً للمولى نحوها يصدق عليه أنَّه من مقدّمات المطلوب؟ من المعلوم أنَّ غاية ما تقتضيه هو الثاني أي إيجاد المقدّمات.
ومن الواضح أنَّ الإنشاء والطلب من مقدّمات ذلك سواءٌ اتّصف من أوّل وجوده بالباعثيّة بالإمكان أو كان يتّصف بذلك على عمود الزمان، ويكفي ذلك في موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال وحفظ غرض المولى.
وأمّا نقضاً: فيمكن النقض بموارد الواجب المنجّز إذا كان مقيّداً بفعلٍ زمانيٍّ لا بُدَّ وأن يقع قبله، كما لو أمر بالصلاة المقيّدة بوقوع الوضوء قبلها، فهذا واجب منجّزٌ لأنَّه لم يقيّد بالزمان المتأخّر، فنسأل: إنَّ هذا الوجوب هل هو باعثٌ بالإمكان فعلاً أو لا؟ طبعاً لا، لأنَّ مقدّمته غير موجودةٍ والانبعاث نحو الصلاة المقيّدة بالوضوء غير معقول، كما أنَّه لا يعقل في أوّل الغروب الانبعاث نحو الصوم المقيّد بالفجر، فيلزم المحذور.
ــــــــــ[452]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وقد التفت المحقّق الأصفهاني إلى هذا النقض، ودفعه في حاشيته على الكفاية(1)، ثُمَّ التفت إلى أنَّه غير تامٍّ في حاشيته على الحاشية(2) وكلّ ذلك لم يُجدِ في دفع النقض.
وتوضيحه: أنّنا إذا اشترطنا في الحكم أن يكون باعثاً بالإمكان فمعناه اشتراط إمكان الانبعاث أيضاً لأنَّه مساوقٌ له.
ومن هنا يقع الكلام أنَّه ما المراد بإمكان الانبعاث: هل الإمكان الذاتي، أو الإمكان الوقوعي، أو الإمكان بالغير، أو الإمكان الاستعدادي.
بيّن في حاشيته على الكفاية(3) أنَّه المراد بالإمكان هنا الإمكان الوقوعي، ومعناه: أنَّه لا يلزم من وجوده محال، فإنَّ كلّ ما كان كذلك فهو ممكنٌ بالإمكان الوقوعي، وكل ما يلزم من وجوده محالٌ فهو ممتنع بالامتناع الوقوعي، وميزانه أن يكون علّته ممكنةً سواءٌ كانت موجودةً خارجاً أو لا، وأمّا ميزان الإمكان بالغير فهو وجود العلّة وعدمها.
وحينئذٍ قال(4): فرقٌ بين الصوم المقيّد بالنهار وبين الصلاة المقيّدة بالوضوء، فإنَّه إن فرض فعليّة الوجوب عند غروب الشمس فمتعلّقه هو الصوم المقيّد بالنهار. فنقول: إنَّ الباعثيّة بالإمكان غير موجودة؛ لأنَّ الانبعاث
ــــــــــ[453]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 324.
(2) نفس المصدر السابق.
(3) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 327.
(4) المصدر نفسه.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بالإمكان غير موجود؛ لأنَّ وقوع الصوم فعلاً مستحيلٌ بالاستحالة الوقوعيّة؛ لأنَّه يلزم منه اجتماع الزمانان أو تناقضٌ أو تضادٌّ، وإن وقع بلا قيده فهو خلف.
وأمّا الصلاة المقيّدة بالوضوء فإنَّما يمتنع عن أن توجد لا لأنَّ علّتها غير ممكنة بل لأنَّ علّتها غير موجودة، فلا يكون لها استحالةٌ وقوعيّةٌ بل من الامتناع بالغير.
ثُمَّ التفت في حاشيته على الحاشية أنَّ هذا لا يتمّ؛ لأنَّ الوضوء وإن كان ممكناً في خطّ الزمان، ولكنّه ليس ممكناً الآن، ونحن نتكلّم في الآن لا في خطّ الزمان؛ لأنَّه فعلٌ تدريجيّ يستحيل أن يقع في آنٍ، فوقوعه في آنٍ مستحيلٌ استحالةً وقوعيّة؛ إذ يستحيل وقوع التدريجي دفعةً، وبالتالي يكون وجود الصلاة في هذا الآن مستحيلاً استحالةً وقوعيّة.
إذن، الانبعاث في الآن الأوّل مستحيلٌ استحالةً وقوعيّة، فالبعث مستحيلٌ استحالةً وقوعيّةً فيأتي الإشكال من هذه الناحية.
ومن هنا جاء بمعنىً جديدٍ للإمكان وقال: إنَّ مقصودنا من إمكان الانبعاث هو الإمكان الاستعدادي، ويعني به قابليّة العضلات للتحرّك نحو الشيء، بمعنى: أنَّ القوّة العضليّة مستعدّةٌ للانطباق نحو هذا الشيء في مقابل أن تكون مشلولةً ونحوه.
وبعد أن فسّر الإمكان بهذا المعنى ذكر أنَّه في محلّ النقض –وهو الصلاة المقيّدة بالوضوء- الإمكان الاستعدادي ثابتٌ فعلاً –في الآن الأوّل- نحو القيد والمقيّد، غاية الأمر خروج هذين الإمكانين إلى عالم الفعليّة يكون بنحو الترتّب.
ــــــــــ[454]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وأمّا في موارد الواجب المعلّق كالصوم المقيّد بطلوع الفجر، فلا يوجد استعدادٌ نحو القيد والمقيّد معاً؛ لأنَّ القيد وهو طلوع الفجر لا يمكن للقوى العضليّة أن توجده، ومعه لا يوجد أيضاً استعدادٌ وتهيُّؤٌ للفعل المقيّد به، فلا إمكان استعداديّ في مورد الواجب المعلّق، وبه اختلف عن مورد النقض.
هذا أيضاً لا يرجع إلى محصّل؛ لأنَّ الإمكان الاستعدادي بهذا المعنى ليس له دخلٌ في تعقّل الحكم أصلاً. ولا إشكال في تعلّق التكليف في موارد عدم حصول هذا الإمكان الاستعدادي، فلو كان الإنسان مشلولاً يمكنه أن يربط به سلكٌ كهربائيّ يمكن به الحركة، فهذا يمكن أن يكلّف بالمشي ولا يكون تكليفه قبيحاً، مع أنَّ متعلّق هذا التكليف وهو المشي لا يوجد إمكانٌ استعداديٌّ له في القوّة العضليّة، وإنَّما يكتسب الاستعداد بإيصال السلك، فلو قلنا بأنَّ الإمكان الاستعدادي دخيلٌ في أصل تعقّل التكليف للزم أن يكون التكليف بالمشي مشروطاً بإيصال السلك، فيكون إيصاله مقدّمةً وجوبيّةً لا وجوديّة، مع أنّنا نرى بالإمكان جعلها مقدّمةً وجوديّةً بحيث يقول له: امشِ على نحوٍ يكون المكلّف مسؤولاً عن إيجاد هذه المقدّمة، وهي إيصال السلك.
إذن، الإمكان الاستعدادي ليس دخيلاً في حقيقة الحكم، فهذا التخلّص من النقض غير وارد، وما أفيد غير تامٍّ حلاً ونقضاً.
وقد تبيّن أن الواجب المعلّق معقول، ولكن في القيد الذي يفرض أنَّ المولى يحرز وجوده خارجاً كما في مثل طلوع الفجر.
هذا تمام الكلام في الواجب المشروط والمعلّق. بقي لهذه المسألة تنبيهات لا بُدَّ من التعرض لها.
ــــــــــ[455]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المقدّمات المفوّتة التي من أجلها دخل الأصوليّون في بحث الواجب المشروط والمعلّق.
المعروف بين الأصوليين(1) أنَّ الوجوب إذا كان مطلقاً فعليّاً يترشّح منه الوجوب على مقدّماته. وأمّا إذا كان مشروطاً فالمقدّمة الوجوبيّة لا تتّصف بالوجوب كما قلنا فيما سبق(2). وأمّا المقدّمات الوجوديّة فقبل فعليّة الوجوب لا تتّصف بالوجوب؛ لأنَّ الوجوب الغيري تابعٌ لفعليّة الوجوب النفسي عندهم، وإنّما تجب المقدّمات بعد فعليّة الوجوب النفسي.
وبهذا وقع إشكالٌ بلحاظ ما ثبت شرعاً من وجوب إيجاد المقدّمات قبل وجوب ذيها، كإيقاع غسل الجنابة قبل طلوع الفجر لتصحيح الصوم، لأنَّه لو لم يغتسل لفات الواجب، إلى عدّة موارد أخرى ثبت فيها أو قيل فيها بوجوب المقدّمة المفوّتة، فقد اتّصفت المقدّمة بالوجوب الغيري مع أنَّ الوجوب النفسي لم يصبح فعليّاً. والبحث بهذا المقدار بحث ثبوتي صرف.
وفي مقام علاج هذه المشكلة يوجد اتّجاهان رئيسيّان:
الاتّجاه الأوّل: أن قيد الواجب النفسي -كطلوع الفجر- لو كان من قيود
ــــــــــ[456]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 104، فوائد الأصول (النائيني) 1: 196.
(2) راجع: ص393.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الاتّصاف، أي: دخيلاً في اتّصاف الفعل بكونه ذا مصلحة، لتمّ الإشكال، لأنَّه لا ملاك ولا إرادة ولا جعل قبل وجود الاتّصاف، فكيف ينشأ الوجوب الغيري؟ ولكن نقول: إنَّ هذا القيد ليس من قيود الاتّصاف بل من قيود ترتّب المصلحة خارجاً، ففي داخل هذا الاتّجاه يوجد موقفان:
الموقف الأوّل: أنَّ هذا القيد لمّا كان من قيود الترتّب، فالحكم بتمام مراتبه فعليٌّ قبله ملاكاً وإرادةً وخطاباً، وذلك: إمّا بنحو الواجب المعلّق بحيث يكون الوجوب فعليّاً والواجب متأخّراً، أو بنحو الوجوب المشروط بالشرط المتأخّر بأن يكون الوجوب فعليّاً ومشروطاً بطلوع الفجر، بناءً على إمكان الواجب المعلّق والشرط المتأخّر.
الموقف الثاني: موقف من لم ير إمكان الواجب المعلّق والشرط المتأخّر، فيقول: إنَّ طلوع الفجر الذي هو من قيود الترتّب لا يعقل وجود الخطاب قبله، وإن كان يمكن أن يوجد قبله الملاك والإرادة، فإنّ المعلّق إن كان مستحيلاً خطاباً فهو ليس مستحيلاً ملاكاً على الأقلّ.
إذن، مبادئ الحكم موجودةٌ قبل طلوع الفجر، وهذا يكفي في مقام تنجيز الإتيان بالمقدّمات المفوّتة؛ لأنَّ هذه المبادئ تكون موضوعاً لحكم العقل بالمنجّزيّة.
الاتّجاه الثاني: يسلّم بأنَّ طلوع الفجر من قيود الاتّصاف لا من قيود الترتّب. فقبله لا يوجد ملاكٌ ولا إرادة ولا خطابٌ فعليّ، ولكن مع هذا تتنجّز المقدّمات المفوّتة.
ــــــــــ[457]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهنا وجدت محاولتان للجواب:
إحداهما: محاولة المحقّق العراقي(1) التي تقول: إنَّ الوجوب المشروط له نحو فعليّةٍ قبل وجود شرطه في الجملة بحيث يمكن أن يترشّح منه وجوبٌ على المقدّمات.
ثانيهما: محاولة النائيني(2) التي تجعل وجوب المقدّمات باعتبار أنَّ عدمها يلازم فوت الملاك في ظرفه.
وعليه فإشكال المقدّمات المفوّتة له أكثر من جواب:
الجواب الأوّل: الالتزام بالواجب المعلّق، فيترشّح الوجوب منه على مقدّماته. وهذا يتوقّف على ثلاثة أمور:
الأمر الأوّل: أن يكون القيد معلوم التحقّق عند تمام المكلّفين، وأمّا إذا لم يكن كذلك يلزم أخذه قيداً في الوجوب ولو بنحو الشرط المتأخّر؛ لئلّا يؤدّي التكليف من دون التقييد به إلى التكليف بغير المقدور، فيرجع إلى الواجب المشروط.
الأمر الثاني: أن يكون القيد من قيود الترتّب لا من قيود الاتّصاف؛
ــــــــــ[458]ــــــــــ
(1) انظر: بدائع الأفكار (العراقي) 1: 340- 346.
(2) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 197- 204.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
لوضوح أنَّه إذا كان من قيود الاتّصاف بمعنى كونه دخيلاً في اتّصاف الفعل بكونه ذا مصلحة، إمّا بنحو الشرط المقارن أو المتأخّر، لا يبقى موجبٌ ومقتضٍ لإطلاق الوجوب من ناحيته، كما هو معنى الواجب المعلّق، فإنّ معناه أنَّ الوجوب جُعل مطلقاً من ناحية طلوع الفجر، وهو بلا مقتضٍ لو كان هو من قيود الاتّصاف، وأمّا لو كان الاتّصاف مطلقاً كان الوجوب المطلق يتبع الاتّصاف المطلق، وإذا كان من قيود الترتّب فيعقل أخذ الوجوب مطلقاً من ناحيته؛ لأنَّ المقتضي للوجوب موجودٌ والمانع مفقودٌ، أمّا المقتضي فهو عدم تقيّد اتّصاف الملاك به، وأمّا عدم المانع فهو عدم لزوم التكليف بغير المقدور، لأنَّنا فرضنا أنَّ المولى ضمن وجود هذا القيد.
الأمر الثالث: إمكان الشرط المتأخّر؛ لأنَّ الوجوب الحادث عند غروب الشمس وإن لم يكن مقيّداً بطلوع الفجر بنحو الشرط المتأخّر، ولكنّه مشروطٌ لا محالة بقدرة المكلّف على تقدير طلوع الفجر، لوضوح أنَّ هذا الشرط ليس مضمون الوجود عند المولى، فلا بُدَّ من أخذ هذا الشرط قيداً في الوجوب بنحو الشرط المتأخّر.
ففرضيّة الواجب المعلّق تتوقّف على هذه الأمور الثلاثة، وهذه الأمور الثلاثة كثيراً ما تتمّ، وكلما تمّت يصبح هذا الجواب صحيحاً.
الجواب الثاني: ما ذكره صاحب الكفاية(1): من الالتزام بالوجوب الفعلي قبل طلوع الفجر، بشكلٍ مشروط بالطلوع على نحو الشرط المتأخّر، ومعه لا
ــــــــــ[459]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 104، 105.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
غرو من ترشّح الوجوب منه على المقدّمات المفوّتة.
وهذا لا يتوقّف على الأمر الأوّل الذي توقّف عليه الجواب الأوّل؛ فإنَّ المولى لو كان يحتمل أنَّ الفجر لن يطلع مع هذا تكون هذه الفرضيّة معقولةً على أيّ حال، ولا يلزم التكليف بغير المقدور؛ لأنَّ الوجوب مقيّدٌ بطلوع الفجر بنحو الشرط المتأخّر.
كما أنَّه لا يتوقّف على الأمر الثاني وهو أن يكون طلوع الفجر من قيود الترتّب لا من قيود الاتّصاف، بل هو معقولٌ على أيّ حال، فيمكن أن يكون طلوع الفجر قيداً من قيود الاتّصاف بنحو الشرط المتأخّر بعد أن كان الوجوب مقيّداً به أيضاً. كما يمكن أن يكون قيداً من قيود الترتّب لكن مأخوذاً قيداً للوجوب في حالة ما إذا لم يكن القيد مضمون الحصول لدى المولى على كلّ حال، فهو فرارٌ من التكليف بغير المقدور بجعل التكليف منوطاً به.
نعم، هذه الفرضيّة تتوقّف على الأمر الثالث، وهو إمكان الشرط المتأخّر كما هو واضح؛ لأنَّنا فرضنا الوجوب مشروطاً بطلوع الفجر على نحو الشرط المتأخّر، ومن هنا كانت الفرضيّة الثانية أوسع صدقاً من الفرضيّة الأولى.
بينما ذكر المحقّق الأصفهاني(1) أنَّه يحتاج تصحيح الفرضيّة الثانية إلى تصحيح الفرضيّة الأولى، وبدونه لا تصحّ، فالفرضيّتان إمّا أن تصحّا معاً أو تبطلا معاً.
وقال في توجيهه: إنَّنا إن قلنا باستحالة تأخّر زمان الواجب عن الوجوب
ــــــــــ[460]ــــــــــ
() نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 333- 336.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فكلتا الفرضيّتين غير معقولة، لأنَّ معناه استحالة الواجب المعلّق ونفس النكتة توجب استحالة الواجب المشروط بالشرط المتأخّر، فإنَّه يلزم منه انفكاك الواجب عن الوجوب، فإمكان الفرضيّة الثانية يتوقّف على إمكان الواجب المعلّق.
وهذا الكلام ينظر إلى بعض براهين استحالة المعلّق لا إلى جميعها، فإنّنا إذا نظرنا إلى البرهان الثاني: وهو استحالة انفكاك المراد عن الإرادة فهو يبرهن على استحالة المعلّق وعلى استحالة المشروط بالشرط المتأخّر.
وأمّا إذا كان البرهان على استحالة المعلّق هو البرهان الأوّل: وهو لزوم التكليف بغير المقدور، فهو إنَّما ينشأ في المعلّق من ناحية أنَّ القيد المعلّق عليه لم يؤخذ قيداً في الوجوب، بخلافه في المشروط فإنَّه أُخذ قيداً في الوجوب، فلا يتوهّم وجود التكليف بغير المقدور، بل الأمر على ما قلناه بالعكس، فإنَّ الفرضيّة الثانية لا تحتاج إلَّا إلى الأمر الثالث من الأمور الثلاثة بخلاف الأولى فإنَّها تحتاج إلى الثلاثة كلّها والمطلب الذي يتوقّف عليه كلتا الفرضيتين هو إمكان الشرط المتأخّر.
والصحيح على ما عرفنا سابقاً(1) هو إمكانه، بل يمكن القول أنَّه لو قيل بامتناع الشرط المتأخّر ببعض براهينه فإنَّه لا يسري إلى محلّ الكلام، وتوضيحه: أنَّ امتناع الشرط المتأخّر إمّا باعتبار أنَّ الشرط المتأخّر للوجوب مؤثّرٌ في اتّصاف الفعل بكونه ذا مصلحة في الزمان السابق، وإمّا باعتبار إشكال التهافت في اللحاظ في عالم جعل المولى كما قال الميرزا(2).
ــــــــــ[461]ــــــــــ
(1) راجع: ص399.
(2) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 159، 160.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فإن كان البرهان هو الأوّل، أمكن دفعه في المقام بأن يقال: إنَّ طلوع الفجر ليس من قيود الاتّصاف أصلاً بنحو الشرط المتأخّر، بل هو من قيود ترتّب المصلحة بنحو الشرط المقارن، وإنَّما أخذه المولى شرطاً متأخّراً لئلّا يلزم التكليف بغير المقدور، وليس وظيفته إيجاد الملاك قبله ليلزم تأثير المتأخّر في المتقدّم.
نعم، لو كان البرهان هو الثاني وهو التهافت في اللحاظ، فهو لا يفرق فيه بين الموردين.
وحيث إنَّ الشرط المتأخّر معقولٌ على أيّ حالٍ فالفرضيّتين الأولى والثانية معقولة، غاية الأمر أنَّ الأولى معقولةٌ لو تمّت الأمور الثلاثة كلّها.
ثُمَّ إنَّه لو تمّت الشرائط الثلاثة يتعيّن الجواب الأوّل وهو المعلّق، فالجواب الثاني له شرطان: أحدهما تماميّة الشرط الثالث، وثانيهما: أن لا يتمّ الأمران الأوّلان. ثُمَّ إنَّه بعد أن تبيّن أنَّ كلاً من هذين الجوابين موقوفٌ على إمكان الشرط المتأخّر فقد أشرنا(1) بأنَّه معقولٌ في المقام بناءً على ما بنينا عليه من إمكانه، بل قلنا إنَّه يمكن الالتزام به في المقام ولو قلنا باستحالة بعض البراهين المتقدّمة.
ثُمَّ إنَّه قد يقال في المقام إنَّ قيد طلوع الفجر إن فرض أنَّه لم يكن من قيود الاتّصاف، وإنَّما كان أخذه من باب ضيق الخناق، كان إمكان الشرط المتأخّر أحسن حالاً في المقام من غير المقام، وأمّا إذا كان من قيود الاتّصاف فقد يقال:
ــــــــــ[462]ــــــــــ
(1) راجع: ص399.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إنَّ الشرط المتأخّر مستحيلٌ في المقام وإن بنينا على إمكانه في غير المقام.
وتوضيحه: أنَّ الوجوب المشروط بالشرط المتأخّر تارةً يفرض أنَّ متعلّقه وهو الواجب سابقٌ أيضاً على الشرط المتأخّر، كما لو أوجب صوم يوم السبت مشروطاً بالصلاة ليلة الأحد، وأخرى يكون من قبيل محلّ الكلام فإنَّ الوجوب سابقٌ على الشرط المتأخّر، وهو طلوع الفجر، إلَّا أنَّ الواجب لاحقٌ له، حينئذٍ يقال: إنَّ هذا الفرق موجبٌ لإمكان ذلك، واستحالة هذا، ولأجل معرفة ذلك لا بُدَّ أن نتذكّر ما قلناه في تأخّر شرط الوجوب، وكيف وجد الاتّصاف بالملاك من يوم السبت ناشئاً من صلاة ليلة الأحد.
أجبنا عليه بإبراز فرضيّةٍ وهي: أنَّ صلاة ليلة الأحد تحدث الاتّصاف والاحتياج حينها لا قبلها، لكن يحدث الاحتياج إلى صوم يوم نهار السبت الذي مضى ولا يمكن تداركه فعلاً، فمن أجل اطّلاع المولى على ذلك والتحفّظ على ذلك يجعل وجوبه يوم السبت مشروطاً بالصلاة ليلة الأحد.
فقد يتوهّم أنَّ هذه الفرضيّة في هذا المثال لا بأس بها، ولكنّها لا تجري في المقام بأن نقول: إنَّ طلوع الفجر يكون سبباً للاحتياج حينه فإنّ الاحتياج يكون احتياجاً إلى فعلٍ في حينه لا إلى فعلٍ سابقٍ، فلماذا يسرع المولى بالوجوب من الغروب، ويجعله منوطاً بالشرط المتأخّر. فلا يعقل الشرط المتأخّر هنا حتّى مع تعقّله هناك.
وهذا الكلام غير صحيح في أمثال المقام؛ لأنَّ الفعل هنا أيضاً متقدّم، فإنّ طلوع الفجر يحدث احتياجاً في آنّ طلوع الفجر إلى شيءٍ ليس بيد الإنسان
ــــــــــ[463]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فعلاً، وهو صوم نهار رمضان المقيّد بالغسل، أي: بالمقدّمة المفوّتة. ومن الواضح أنَّ هذا الصوم المقيّد ليس تحت اليد الآن فلا بُدَّ للمولى أن يجعل الوجوب مبكّراً مشروطاً بالشرط المتأخّر. ومعه فالجوابان معاً يصحّان ويعقل الشرط المتأخّر.
الجواب الثالث: يمكن لشخصٍ أن يقدّمه لو تعذّر عليه الواجب المعلّق والواجب المشروط بالشرط المتأخّر كالميرزا(1) بأن يكون الوجوب ثابتاً حين غروب الشمس وجوباً فعليّاً مطلقاً لا معلّقاً ولا مشروطاً، ولكنّ متعلّق هذا الوجوب ليس هو صوم نهار رمضان على الإطلاق لكي لا يكون مقدوراً على وجه التقييد ليلزم المعلّق والمشروط، وإنَّما متعلّق الوجوب هو سدّ بعض أبواب عدم هذا الشيء فإنَّ الوجود أمرٌ بسيطٌ، ولكنّ العدم قابلٌ لأن يتحصّص بحصصٍ متعدّدةٍ بعدد أسباب هذا العدم.
فإنَّ كونه لا يصوم غداً، يمكن لأحد أمور: إمّا لأنَّ رمضان غير موجود، وإمّا لأنَّه غير قادر، وإمّا لأنَّه لم يغتسل قبل الفجر، فيكون الوجوب السابق على الفجر متعلّقاً بنفي عدم الصوم من ناحيةٍ غير طلوع الفجر، ويكون التكليف متعلّقاً بنفيها وإعدامها بوجوبٍ فعليٍّ مطلق، وهذا الوجوب لا يحتاج إلى الشرط المتأخّر أصلاً، كما لا يرد عليه إشكال انفكاك الإرادة عن المراد الذي كان برهاناً على استحالة المعلّق، فإنّ المراد ليس هو صوم نهار رمضان، بل المراد هو نفي الأعدام الأخرى وهي عمليّةٌ تبدأ من الآن، باعتبار أنَّ الاغتسال الآن
ــــــــــ[464]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 276.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
هو نفيٌ لبعض تلك الأعدام، وحينئذٍ فمن الواضح أنَّ الغسل يكون مقدّمةً لواجبٍ فعليٍّ مطلق، فيكون وجوبه على القاعدة.
الجواب الرابع: يعترف هذا الجواب بأنَّ طلوع الفجر من قيود الاتّصاف لا من قيود الترتّب، ويعترف أنَّه شرطٌ في الوجوب بنحو الشرط المقارن لا بنحو الشرط المتأخّر.
لكنّه يقول: لو التزمنا في بحث الواجب المشروط بأنَّه لا يوجد فعلاً إلَّا بعد وجود شرطه وأنَّ جعل الوجوب المشروط هو على نهج القضيّة الحقيقيّة، فكما لا توجد الحرارة إلَّا بعد وجود النار، كذلك لا يوجد الوجوب المشروط إلّاَ بعد وجوب شرطه، لحصل الإشكال في المقدّمات المفوّتة؛ لأنَّ كلّ وجوبٍ مشروطٍ ليس له فعليّةٌ قبل وجوب شرطه، فكيف يترشّح منه وجوبٌ غيريّ فعليّ على المقدّمات المفوّتة.
ولكنّ صاحب هذا الجواب يريد أن يبني على مسلك المحقّق العراقي(1) الذي يقول: بأنَّ الوجوب المشروط فعليٌّ قبل وجود شرطه، حيث كان يقول بأنَّ الوجوب منوطٌ بالوجود اللحاظي للشرط لا بالوجود الحقيقي له، فيمكن أن يترشّح منه الوجوب الفعلي على المقدّمات.
هذا الكلام غير صحيح؛ لأنَّ هذا الوجوب المشروط باعتبار أنَّه معلّقٌ على الوجود التقديري للشرط، نسأل أنَّ هذا الوجوب هل يكون محرّكاً نحو متعلّقه أو لا؟
ــــــــــ[465]ــــــــــ
(1) انظر: بدائع الأفكار (العراقي) 1: 340- 346.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
من الواضح أنَّه لا يكون محرّكاً نحوه، لكن لماذا لا يحرّك رغم فعليّته؟ يقول: ذلك باعتبار أنَّ إناطته بالوجود التقديري للاستطاعة يوجب إناطة فاعليّته بالوجود الحقيقي للاستطاعة.
بناءً عليه يقال: إنَّ وجوب الصوم وإن كان فعليّاً قبل وجود الشرط، لكنّه منوطٌ بتقدير الشرط، فإذا ترشّح منه وجوبٌ غيريّ على المقدّمات فلا محالة يكون هذا الوجوب الغيري منوطاً أيضاً بافتراض الشرط وتقديره؛ لأنَّ الوجوب الغيري تابعٌ للنفسي في وجوده.
وحيث إنَّ هذه الإناطة تستتبع إناطة فاعليّة الوجوب النفسي بوجود الشرط خارجاً فيكون الوجوب الغيري كذلك، فنقع في الإشكال من جديد، إذ كيف يؤاخذ من يترك المقدّمات مع أنَّه لا فاعليّة لوجوبها قبل طلوع الفجر.
والحقيقة أنَّ تابعيّة فاعليّة الوجوب المشروط لوجود الشرط خارجاً ليس أمراً جزافاً، بل من باب أنَّ الوجوب المشروط ليس وجوباً فعليّاً، بل هو وجوبٌ تقديريّ. نعم، الوجوب التقديري موجودٌ بالوجود الفعلي، حيث قلنا إنَّه في باب الاعتباريّات يمكن أن يكون الأمر التقديري موجوداً بالوجود الفعلي، وحيث إنَّه تقديريٌّ لم يكن له فاعليّةٌ ومحرّكيّةٌ إلَّا بعد صيرورته فعليّاً.
وما تقدّم منّا سابقاً من أنَّ الوجوب المجعول ليس له وجودٌ آخر وراء عالم الجعل، ليس معناه أنَّ الموجود من أوّل الأمر هو الوجوب الفعلي، بل هو الوجوب التقديري وتكون فاعليّته منوطةً بتحقّق شرطه، فهذه الأجوبة
ــــــــــ[466]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الأربعة كانت تحاول تصحيح المقدّمات المفوّتة عن طريق الوجوب.
الجواب الخامس: يفترض فيه عدم إمكان جعل الوجوب قبل وجود الشرط وعدم إمكان المعلّق والمشروط بالشرط المتأخّر، وأنَّ طلوع الفجر ليس من قيود الاتّصاف بالنسبة إلى عالم الملاك والإرادة. وحينئذٍ فالمولى وإن كان لا يمكنه أن يجعل وجوب الصوم من حين الغروب لحصول محذور المعلّق وغيره، إلَّا أنَّ الإرادة والشوق فعليٌّ قبل طلوع الفجر؛ لأنَّ الطلوع ليس من قيود الاتّصاف بل من قيود الترتّب، ونفرض أنَّ المولى أبرز ذلك إلى المكلّف ولو بالجملة الخبريّة، بأنَّ إرادته فعليّة.
فهذه الإرادة الفعليّة كافيةٌ لتنجيز المقدّمات المفوّته، لأنَّ العقل كما يحكم بوجوب تحصيل التكليف الشرعي كذلك يحكم بوجوب تحصيل الغرض الشرعي الذي تصدّى المولى بإبرازه بالمقدار الممكن.
بل يمكن القول: بأنَّه يترشّح الوجوب الشرعي الغيري على المقدّمات المفوّتة؛ لأنَّ الكلام المشهور بأنَّ الغيري تابعٌ للنفسي لا أساس له، بل هما معلولان لعلّةٍ ثالثةٍ هي الملاك، فإنَّه يولد أولاً وبالذات وجوبٌ لذي المقدّمة وثانياً وبالعرض وجوبٌ للمقدّمة، فكلاهما ينشأ من فعليّة الملاك، والمفروض في المقام أنَّ الملاك فعليٌّ من أوّل الغروب، ولكن لا يمكن للمولى جعل الوجوب النفسي عليه خوفاً من المعلّق والمشروط بالشرط المتأخّر، ولكن لا محذور من الوجوب الغيري. وهذا جوابٌ تامٌّ في نفسه أيضاً.
الجواب السادس: أنَّ طلوع الفجر من قيود الاتّصاف لكلّ المراحل الثلاث:
ــــــــــ[467]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الملاك والإرادة والخطاب، بحيث لا ملاك ولا إرادة ولا خطاب قبله.
حينئذٍ نقول: بأنَّه توجد هنا حالتان:
فتارةً نقول: إنَّ هذا المؤمن إذا لم يغتسل غسل الجنابة قبل الفجر، فلا محالة سوف يكون عاجزاً عن الصوم، وبه سوف لن يتوجّه إليه الخطاب، فلا يكون بذلك عاصياً لخطاب المولى.
ولكن نسأل عن الملاك المولوي: هل هو مشروطٌ بالقدرة عند طلوع الفجر أو هو ثابتٌ حتّى مع العجز؛ لوضوح أنَّ الخطاب لا يعقل ثبوته مع العجز ولكن الملاك يعقل ثبوته مع العجز، فإن فرض أنَّ الملاك كان مشروطاً بالقدرة وغير ثابتٍ مع العجز، فهذا المكلّف لم يعصِ لا خطاباً ولا ملاكاً، وعلى هذا التقدير نقول: بعدم وجوب المقدّمات المفوّتة.
وأخرى نقول: إنَّه عند طلوع الفجر يصبح الملاك فعليّاً في حقّ القادر والعاجز معاً، فهذا المؤمن قد فوّت الملاك في ظرفه، وهو لا يجوز عقلاً، ببيان أمرين:
أحدهما: أنَّ التفويت الاختياري للملاك الملزم الذي تصدّى المولى للتحريك نحوه بالمقدار الممكن تفويته الاختياري قبيحٌ كالتفويت الاختياري للخطاب الملزم.
ثانيهما: إنَّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فالمؤمن التارك للغسل وإن كان عاجزاً عن الصوم إلَّا أنَّ هذا الامتناع ناشئٌ من اختياره ترك الغسل، فهو تفويتٌ اختياريّ، ومعه يثبت أنَّ هذا المؤمن يستحقّ العقاب؛ لأنَّه فوّت الملاك
ــــــــــ[468]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الملزم في ظرفه تفويتاً اختياريّاً، وكلّ من فوّته كذلك يستحقّ العقاب.
وهذا الجوب صحيحٌ بعد فرض عدم تمكّن المولى من حفظ الملاك بخطابٍ آخر معلّقٍ أو مشروط.
ويقع الكلام بناءً على هذا في أنَّه هل يمكن أن نستكشف من حكم العقل بقبح التفويت حكم الشرع أم لا؟
وهذا هو الذي اختاره الميرزا(1) والسيّد الأستاذ(2) ثُمَّ اختلفا بينهما في أنَّ نكتة هذا الوجه هل تكشف عن خطابٍ شرعيٍّ متعلّقٍ بالمقدّمات المفوّتة أم لا؟ ذهب الميرزا إلى الأوّل.
واعترض السيّد الأستاذ(3) على ذلك، وقال: إنَّ توهّم استكشاف خطابٍ شرعيٍّ متعلّقٍ بالمقدّمات المفوّتة مبنيٌّ على قاعدة إجراء الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، وحيث إنَّ العقل حكم بقبح تفويت الملاك الناشئ من تفويت المقدّمة، فيستكشف منه حرمة تفويت هذه المقدّمات ووجوب الإتيان بها.
حينئذٍ استشكل(4) في هذا وقال: بأنَّ قاعدة الملازمة إنَّما تجري في الأحكام العقليّة المربوطة بالملاكات السابقة على تكاليف المولى كقبح الظلم وحسن العدل، وأمّا الأحكام العقليّة الواقعة في طول التكليف والمولويّة كقبح المعصية
ــــــــــ[469]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (النائيني) 1: 198- 204.
(2) انظر: أجود التقريرات 1: 150- 156.
(3) انظر: أجود التقريرات 1: 151.
(4) لاحظ: أجود التقريرات1: 151.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
واستحقاق العقاب عليها، فلا تستلزم حكماً مولويّاً ولا منشأ لهذا الاستتباع، لأنَّه بعد حكم العقل يكون جعل الحكم المولويّ لغواً. ومقامنا من هذا القبيل فإنَّ حكم العقل بقبح تفويت الملاك المولوي، على حدّ حكمه بقبح معصية المولى، فكما أنَّ الثاني لا يستتبع حكماً شرعيّاً بل يكون لغواً، كذلك حال الأوّل.
والتحقيق في هذا الخلاف بين الميرزا والسيّد الأستاذ: أنَّ الصحيح هو ما ذهب إليه الميرزا حسب منهج هذا البحث، فإنَّه يستكشف خطاباً شرعيّاً يكون مفاده وجوب المقدّمات المفوّتة.
ولا يرد عليه ما أورده السيّد الأستاذ؛ لأنَّ هذا الخطاب الذي ندّعيه ليس بقانون الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، بل هو استكشافٌ لمّي –على ما هو مقصود الميرزا على الظاهر- من ناحية الملاك، فإنّ المولى حيث كان لديه ملاكٌ منوطٌ بطلوع الفجر، وسوف يكون فعليّاً سواءٌ اغتسل الجنب قبل الفجر أو لا، فلا بُدَّ من حفظ هذا الملاك تشريعيّاً، وخطاب وجوب الصوم لا يكفي لحفظ الملاك؛ لأنَّه منوطٌ بالقدرة، والمكلّف إذا لم يغتسل سوف يكون عاجزاً عن الصوم فلا يتوجّه إليه الخطاب، فيحتاج إلى خطابٍ آخر يحفظ الملاك تشريعيّاً حتّى في فرض إرادة المكلّف بتفويت القدرة، ولا يكون ذلك إلَّا بجعل خطابٍ آخر، وبمجموع الخطابين يحفظ الملاك.
وهذا الخطاب مستكشفٌ لمّياً من ناحية ملاكه لا إنّياً من ناحية حكم العقل.
ومن هنا يعرف حال إشكال اللغويّة، إذ أيّ فرقٍ بين هذا الخطاب وخطاب
ــــــــــ[470]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
صم إذا طلع الفجر، فإنّ المولى إذا شخّص الملاك فيجب أن يتصدّى لحفظه، وأمّا إذا لم يتصدَّ لحفظه فلا يحكم العقل بوجوب طاعته، كما سبق أن قلنا، فكلا الخطابين ناشئان من منشأٍ واحدٍ وهو الملاك، فكما أنَّ الخطاب المشروط لا يكون لغواً كذلك هذا الخطاب، لأنَّهما خطابان تشريعيّان لحفظ الملاك.
فهذه هي أدلّة الأعلام وهي ستّة، وكان واحدٌ منها ساقطاً فتبقى خمسةٌ معقولةٌ على مستوى منهج البحث الدائر بينهم.
إلَّا أنَّ الصحيح هو تغيير منهج البحث، ومنه يتّضح حال هذه الأجوبه، فالتحقيق أن يقال: إنَّ شبهة المقدّمات المفوّتة وفرض وجوب مقدّماتٍ للمطلوب قبل مجيء زمانه بحيث إذا لم يؤتَ بها لتعذّر الإتيان بالمطلوب في وقته، وهذه الشبهة لا تختصّ بخصوص المطلوب التشريعي من الغير، بل تشمل المطلوب التكويني للفرد؛ فإنَّه قد يكون هناك مطلوبٌ تكوينيّ في زمانٍ وهو يعلم أنَّ المقدّمات لا تتيسّر له في ظرفه، كما هو شأن العأقلّ في كلّ أطوار حياته، فهذا المطلوب التشريعي أفرضوه مطلوباً تكوينيّاً.
وحينئذٍ نقول: إنَّ المولى الذي فرضنا أنَّه يطلب الصوم عند طلوع الفجر طلباً مهمّاً، فهل هو يهيئ المقدّمات المفوّتة في نفسه أو لا، فإن كان هو لا يهيّئها ويرخّص لنفسه تفويت غرضه، فهذه المقدّمات من العبد أيضاً غير واجبة؛ لأنَّ العبد إنَّما يتحرّك بمقدار ما يتحرّك المولى لو كان الغرض تكوينيّاً.
وإن شئتم قلتم: إنَّ المولى إذا كان في المطلوبات التكوينيّة التي له لا يتحرّك
ــــــــــ[471]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
إلى حفظها قبل وقتها. إذن، سوف لن يتحرّك لحفظها تشريعاً بالإلزام بمقدّماتها قبل الوقت، فلا تجب المقدّمات المفوّتة.
وإن فرضنا –كما هو الواقع- أنَّ المولى يتحرّك في مورد المقدّمات المفوّتة في المطلوبات التكوينيّة حفاظاً عليها في حينه، فلا بُدَّ أن نفتّش عن نكتة ذلك، فإذا عرفناها فنفس هذه النكتة تكون نكتةً لحفظ المولى للمقدّمات المفوّتة في مورد التشريعات الاستقباليّة، وذلك بإيجابها والإلزام بها.
إذن، ينتهي البحث إلى أنَّ هذا المولى بما أنَّه له مطلوبٌ تكوينيّ استقباليّ فلا بُدَّ أن يهيّئ مقدّماته، فهيّأ الماء قبل سفره؛ لأنَّه يعلم أنَّه لا ماء في سفره، فلا بُدَّ أن نرجع إلى الأجوبة الخمسة التي ذكرها الأعلام لنرى دورها في هذا الصدد.
ثلاثة أجوبةٍ من التي تقدّمت وهي:
هذه الأجوبه مرجعها إلى دعوى: أنَّ الظرف الاستقبالي قيدٌ في الترتّب لا في الاتّصاف، وأنَّ شوق المولى فعليٌّ من أوّل الأوّل وغير منوطٍ بطلوع الفجر، بحيث لو أمكنه جر الفلك لطلوع الفجر لفعل، ومع فعليّة الإرادة تخرج المقدّمات المفوّتة عن كونها مقدّماتٍ مفوّتة، فإنَّها مقدّماتٌ معاصرةٌ للإرادة لا أنَّها مقدّماتٌ قبل الإرادة، والمقدّمات المفوّتة معناها المقدّمات التي يؤتى بها قبل ظرف الإرادة.
ــــــــــ[472]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهذه النكتة المشتركة يمكن إجراؤها في المقام فإنَّ المولى إذا تعلّق له غرضٌ تكوينيّ في الصوم عند طلوع الفجر بحيث يكون قيداً للترتّب لا للاتّصاف(1)، والإرادة موجودةٌ قبله، فيقوم ويغتسل غسل الجنابة.
إلَّا أنَّ هذه النكتة لا تكون حلاً، لأنَّ المقدّمات المفوّتة موجودةٌ في موارد تكون القيود قيداً للاتّصاف لا للترتّب، فهذا الإنسان الذي يعلم أنَّه سوف يعطش فيحضر الماء من الآن فهل هو قيد الترتّب، بحيث لو استطاع أن يعطّش نفسه لفعل؟ ليس الأمر كذلك بلا إشكال(2)، فإخراج المقدّمات عن كونها مقدّماتٍ مفوّتةً وجعلها معاصرةً للإرادة مجرّد افتراض لا يفسّر الواقع بل نحتاج إلى تفسير آخر لها.
كما أنّنا إذا لاحظنا الجواب الثاني من الأجوبه الستّة، وهو أن يكون الوجوب فعليّاً ولكنّه مشروطٌ بالشرط المتأخّر، فإنَّه أيضاً لا يحلّ المشكلة؛ فإنَّنا قلنا(3) في بحث الشرط المتأخّر: إنَّ الفرضيّة لإمكانه هي أنَّ الشرط المتأخّر يكون سبباً وقيداً للاتّصاف حينه لا قبله، ولكن حيث إنَّ ما يحتاج إليه حينه قد مضى زمانه، فالمولى من باب التحفّظ يجعل الوجوب سابقاً.
هذا لا معنى له في المقام، لأنَّ جعل الوجوب سابقاً هو تحفّظٌ على المقدّمات المفوّتة وكلامنا الآن في أنَّ المولى –لا العبد- كيف يتحفّظ على هذه
ــــــــــ[473]ــــــــــ
() بحيث لو استطاع أن يجرّ الفلك لفعل. (المُقرِّر).
(2) بل إذا لم يكن عطشاً فالحمد لله على العافية. (المُقرِّر).
(3) راجع الصفحة: 392.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المقدّمات؛ فإنَّه قبل طلوع الفجر لا احتياج ولا ملاك ولا شوق ومع ذلك نجد المولى يأمر بالمقدّمات، فيكون ذلك تحفّظاً تكوينيّاً من قبل المولى على هذه المقدّمات، والآن نقلنا الكلام إلى كيفيّة تحفّظ المولى عليها.
وأمّا الجواب الأخير، من أنَّ العقل يحكم على العبد بوجوب الإتيان بالمقدّمات المفوّتة لئلّا يلزم تفويت غرض المولى، ونحن نتكلّم في الغرض التكويني لنفس المولى، فنسأل أنَّ المولى لو وقع في نفس الموقع هل يأتي بالمقدّمات أو لا؟ فهنا لا معنى لحكم العقل بالتحفّظ، فإنَّه إذا كان يهمل المقدّمات فلا تجب على العبد أيضاً، وإذا كان يتحفّظ عليها فلا بُدَّ أن نفتّش عن نكتة ذلك، وهي بنفسها تكون ملاكاً للوجوب الشرعي للمقدّمات المفوّتة.
إذن، الأجوبة الخمسة جملةٌ منها لا يمسّ النكتة التي ينبغي أن ينصبّ عليها البحث، نعم ثلاثة أجوبةٍ مرجعها إلى شيءٍ يمسّ النكتة، فإنَّ الأمر المشترك بينها هو أنَّ القيد المتأخّر من قيود الترتّب لا الاتّصاف وهذا معناه أنَّ الاتّصاف والإرادة فعليّةٌ قبل القيد، لكن قلنا إنَّه لا يفي بتفسير الواقع.
كما أنَّ المسلك المنسوب إلى الشيخ الأعظم(1) في باب الواجب المشروط من أنَّ قيود الاتّصاف كقيود الترتّب كلّها قيود في المراد لا قيود في الإرادة هو أيضاً يمسّ روح المشكلة ويعالج النكتة؛ إذ لو صحّ هذا المسلك تكون الإرادة الفعليّة محرّكةً نحو المقدّمات المفوّتة، ولكنّ المسلك غير صحيح
ــــــــــ[474]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار: 45، 46.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
على ما بيّنا سابقاً؛ لأنَّ قيود الاتّصاف يختلف حالها في عالم الشوق والإرادة عن قيود الترتّب، كما يختلف حالها في الملاك، فإنَّ قيود الترتّب قيودٌ في المراد وقيود الاتّصاف قيودٌ في نفس الإرادة.
كما أنَّ المسلك المختار للمحقّق العراقي() في عالم الإرادة وهو أنَّ قيد الاتّصاف قيدٌ للإرادة بلحاظه وتصوّره، فالإنسان بمجرّد أن يتصوّر العطش يريد الماء.
هذا المسلك يعني أنَّ الإرادة فعليّةٌ قبل وجود العطش خارجاً؛ لأنَّها تدور مدار تصوّر العطش، ويدّعي هذا المسلك أيضاً أنَّ هذه الإرادة الفعليّة فاعليّتها تامّةٌ من سائر الجهات، إلَّا من جهة ذلك القيد الذي أُنيطت الإرادة بلحاظه، فهي لا تحرّك نحو أن يُعطّش الإنسان نفسه، فإنّ هذا التصوّر من النتائج التكوينيّة لإناطة الإرادة بلحاظ العطش.
هذا المسلك لو صحّ فهو يعالج النكتة أيضاً؛ فإنَّ إرادة شرب الماء موجودةٌ بالفعل قبل العطش، وفاعليّتها تامّةٌ من غير ناحية إيجاد العطش، فهذه الإرادة هي التي تحرّك نحو المقدّمات المفوّتة، فلو علم أنَّه سوف يبتلى بالعطش وسوف لن يجد الماء فهو من الآن يدّخر الماء، ولكنّه مسلكٌ غير صحيح كما بيّنا سابقاً، حيث قلنا إنَّ مجرّد تصوّر العطش لا يوجد شوقاً نحو شرب الماء، وإنَّما يوجده تحقّق العطش خارجاً.
ــــــــــ[475]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول 1: 108-110.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الذي يفي بالجواب في المقام ويكون صحيحاً مبنىً وبناءً، هو ما ذكرناه في بحث الواجب المطلق والمشروط، حيث ذكرنا انحلال الإرادة المشروطة إلى إرادتين، وبه تنحلّ هذه المشكلة.
توضيحه: أنَّ الشخص الذي يُفرض أنَّه سوف يبتلى بالعطش وسوف يكون عاجزاً عن شرب الماء، تارةً يفرض أنَّ القدرة حينئذٍ دخيلةٌ في اتّصاف الفعل بكونه ذا مصلحةٍ بحيث مع العجز لا يكون متّصفاً، وأخرى يفرض أنَّ القدرة غير دخيلةٍ في الاتّصاف وإنَّما الدخيل هو تحقّق العطش، فإن كانت القدرة في ظرف قيد الاتّصاف –وهو العطش- دخيلةً في الاتّصاف فهذا المؤمن سوف لن يهيّئ الماء، غاية الأمر أنَّه يعجز عن شرب الماء والمفروض أنَّه مع العجز لا ملاك فلا يفوت عليه شيءٌ في وقته.
وأمّا إن لم تكن القدرة دخيلةً في الاتّصاف وإنَّما تمام الدخيل هو نفس قيد العطش سواءٌ كان الفرد قادراً أو عاجزاً، حينئذٍ يكون له إرادتان: مشروطةٌ: وهي إرادة شرب الماء مشروطةً بالعطش والعطش قيد الاتّصاف بالنسبة إليها فهي ليست فعليّةً قبل العطش وإنَّما تكون فعليّةً عند العطش، وهناك إرادةٌ مطلقةٌ وراء كلّ إرادة مشروطةٍ متعلّقةٍ بالجامع بأنَّ لا يعطش عطشاً لا ماء معه وهي إرادةٌ موجودةٌ من أوّل الأمر، فإنَّه من الأوّل يخاف جدّاً ويشمئزّ من أن يعطش عطشاً لا ماء معه، ويمكن أن نعبّر عنها بإرادة الجامع بين أن لا يعطش
ــــــــــ[476]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وأن يكون هناك ماءٌ يشربه؛ لأنَّ مزاج الإنسان –سواءٌ كان مرتوياً أو لا- مناسبٌ مع هذا الجامع، فإرادة الجامع فعليّةٌ من أوّل الأمر. نعم، تناسب مزاجه مع شرب الماء بالخصوص لا يكون إلَّا بعد العطش وأما قبله فقد يشمئزّ من شرب الماء.
وهذا المؤمن يعلم أنَّه إذا لم يهيّئ الماء من الآن فسوف يفقد كلا فردي هذا الجامع المحبوب له فعلاً، فمن الطبيعي أن تكون إرادته المطلقة الفعليّة المتعلّقة بالجامع محرّكةً له بأن يهيّئ الماء فعلاً، لئلّا يفقد الجامع، فلو صار هذا الإنسان مولى وصار مطلوبه التكويني تشريعيّاً فأيضاً نفس الشيء فإنَّه يوجد إرادتان تشريعيّتان، إرادةٌ منوطةٌ وإرادةٌ للجامع وهي فعليّةٌ قبل العطش وقبل تحقّق قيد الاتّصاف، وهي التي تبعث المولى نحو حفظ المقدّمات المفوّتة، حفظاً تشريعيّاً بجعل خطابٍ منجّزٍ لها على العبد، هذا هو جوهر المطلب.
فيتصدّى للحفظ التشريعي للمقدّمة المفوّتة بأحد أنحاء الحفظ، إما بجعل الوجوب لذي المقدّمة سابقاً على طلوع الفجر، بتصوير من التصويرات المعقولة لذلك، أو بجعل الوجوب من طلوع الفجر ويجعل خطابٍ آخر لحفظ المقدّمات المفوّتة. ثمّ إنَّه بعد افتراض إرادتين في موارد الإرادات المشروطة إحداها إرادة شرب الماء المشروطة بالعطش، والأخرى: إرادة الجامع بين أن لا يعطش أو يعطش عطشاً معه ماء. فحينئذٍ يقع تساؤل مفاده: بما أنَّ إرادة الجامع إرادةٌ تخييريّةٌ باعتبار تعلّقها بالجامع، والإرادة الأخرى إرادة تعيينيّة، فهل الإرادة التعيينيّة المشروطة هي تطوّرٌ لتلك الإرادة التخييريّة المتعلّقة بالجامع،
ــــــــــ[477]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بمعنى أنَّها عينها، غاية الأمر أنَّها انقلبت من التخييريّة إلى التعيينيّة، فقد كانت تخييريّةً بين الأمرين، وبعد أن تعذّر أحد الأمرين –وهو أن لا يعطش- وانحصر بالفرد الثاني وهو أن يشرب الماء فانقلب الشوق إلى الشوق التعييني، أم إنَّ هذه الإرادة التعيينيّة إرادةٌ أخرى ليست من شؤون الإرادة الأولى، بل يحدث ملاكٌ للإرادة التعيينيّة وراء الإرادة التخييريّة المتعلّقة بالجامع؟
قد يُقال: إنَّ الإرادة التعيينيّة لشرب الماء إرادةٌ مستقلّةٌ عن الإرادة الأخرى، بدعوى: أنَّ كلاً من الإرادتين لها نكتةٌ غير نكتة الأخرى، فليست إحداهما امتداداً وتطوّراً للأخرى، فإنَّ الإرادة المتعلّقة بشرب الماء الحاصلة عند العطش شوقٌ نفسانيٌّ جسديٌّ لا يختلف فيه الحيوان عن الإنسان، وأمّا تلك الإرادة الأولى المتعلّقة بالجامع فهي شوقٌ عقلانيٌّ مبنيٌّ على التبصّر والتأمّل، ولهذا لا يوجد مثل هذا الشوق عند غير الإنسان العاقل.
إلَّا أنَّ هذا الكلام غير صحيح، والصحيح أنَّه لا توجد نكتتان للإرادتين بل هناك نكتةٌ واحدةٌ، فإنَّ مطلوب الإنسان على كلّ حالٍ هو الارتواء أو دفع ألم العطش، وهذا الارتواء يمكن أن يوجد بأحد أمرين:
أحدهما: أن لا يعطش.
ثانيهما: أن يعطش ويشرب الماء.
فهناك مطلوبٌ نفسيٌّ واحدٌ وهو الارتواء، وفردا الجامع المتعلّق للإرادة التخييريّة يعبّر عن مقدّمتين تصلح أن تكون موصلةً إلى ذلك المطلوب، وشوقه التعييني لشرب الماء بعد العطش ليس إلَّا من شؤون شوقه إلى الارتواء، فكلا
ــــــــــ[478]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الإرادتين بملاكٍ واحدٍ، فإنَّ المطلوب كان متوقّفاً على الجامع ثم أصبح متوقّفاً على الفرد.
وهذا الكلام سيّالٌ في كلّ الإرادات المشروطة التي وراءها إرادةٌ مطلقةٌ للجامع فإنَّ هناك مطلوباً نفسيّاً واحداً وهو أن يتوقّف على الجامع بين أن لا يوجد قيد الاتّصاف أو يوجد مع وجود الرافع للحاجة، فإن حصل قيد الاتّصاف توقّف على وجود الرافع للحاجة.
وهنا قد يقال: إنَّ هذه الإرادة لو كانت عين تلك الإرادة فلماذا تنقلب من الإرادة التخييريّة للجامع إلى الإرادة التعيينيّة لأحد فرديه، فإنّ مجرّد تعذّر أحد فردي المحبوب لا يوجب تبدّل الشوق، فلو كان يحب أن يدخل عليه أحد ولديه وتعذّر عليه دخول ولده الأكبر فإنَّ شوقه لا يتبدّل بل يبقى متعلّقاً بالجامع، غاية الأمر أنَّ أحد فردي الجامع يكون متعذّراً، وإن كان عمليّاً ينحصر أمر الجامع بالفرد الثاني، إلَّا أنَّ انقلاب الشوق من الجامع إلى الفرد من التخييريّة إلى التعيينيّة شيءٌ آخر.
وجواب هذا الكلام: بإعطاء ضابطٍ كليّ أنَّه متى يتحوّل الشوق من الجامع إلى الفرد ومتى لا يتحوّل؛ وذلك: أنَّ الشوق إذا كان متعلّقاً بالجامع وتعذّر أحد فرديه، فهل ينقلب إلى شوقٍ للفرد أو يبقى شوقاً للجامع.
إذا كان الشوق شوقاً نفسيّاً أصليّاً متعلّقاً بالجامع وليس غيريّاً. إذن، يبقى على الجامع؛ فإنَّ المحبوب بالأصالة هو الجامع، ويبقى هو المحبوب حتّى لو تعذّر كلّ أفراده فضلاً عمّا إذا تعذّر بعض أفراده، وأمّا إذا كان الشوق المتعلّق
ــــــــــ[489]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
بالجامع شوقاً غيريّاً ناشئاً من توقّف محبوبٍ نفسيّ على الجامع، فلو كان يشتاق إلى مجيء أحد الولدين لا في نفسه بل لكي يأتيه بالدواء فإذا تعذّر أحد فردي الجامع فينقلب هذا الشوق ويتعلّق بالفرد ويصبح شوقاً تعيينيّاً إلى الفرد الممكن؛ لأنَّ نكتة الشوق هي المقدّمية والتوقّف، وحين كان يمكن استدعاء كلا الولدين كانت المقدّمة هي الجامع، وحين تعذّر أحدهما كانت المقدّمة هي خصوص الآخر.
والشوق الغيري يتعلّق دائماً بما هو المقدّمة، فحين تتعيّن المقدّمة بواحد فإنَّه يتعلّق به الشوق لا محالة. فإذا عرفنا هذا الضابط نطبّقه في المقام، فإنَّنا عرفنا أنَّ الشوق المتعلّق بالجامع في الإرادة التخييريّة شوقٌ غيريٌّ ناشئٌ من مطلوبيّة الارتواء الذاتي، وبعد أن عطش خارجاً تنحصر المقدّمة في أن يشرب الماء فيتحول الشوق الغيري إلى ما هو المتعيّن.
وبهذا عرفنا كيف أنَّهما معاً شوقٌ واحدٌ، وكيف أنَّه يتحوّل من التخييريّة إلى التعيينيّة.
فهنا يمكن القول: إنَّ هذا الإنسان بعدُ لم يعطش ولكنّه يعلم أنَّه سوف يعطش وأنَّه لن يجد الماء في ظرفه، فسوف يتحوّل الشوق من الجامع إلى الفرد، لأنَّه بعد العلم بحدوث العطش يعلم أنَّ الارتواء لا يحصل إلَّا بشرب الماء، فإنَّ ملاك انقلاب الشوق هو انحصار المقدّمة به، وهو كما يكون بعد العطش كذلك يكون قبل العطش، مع العلم بعدم حصول الماء في حينه، فالشوق إلى الماء موجودٌ فعلاً قبل العطش.
هذا هو التحليل الفنّي للجواب على شبهة المقدّمات المفوّتة.
ــــــــــ[480]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
عقد لأجل تحقيق حال التعلّم في الصور المختلفة، وتحقيق الحال فيها: أنَّ هناك عدّة صور لا بُدَّ من التكلّم في كلّ واحدةٍ منها:
الصورة الأولى: أن يفرض العلم بوجود تكليفٍ فعليّ تامّ كبرى وصغرى لمن يعلم بوجوب الحجّ عليه فعلاً ولا يعلم شيئاً من أحكام الحجّ، وفي هذه الصورة يوجد ثلاثة فروض:
الفرض الأوّل: أن يكون أصل الإتيان بالواجب متوقّفاً على التعلّم، فإن من لا يعرف قراءة الفاتحة أو السورة أو الأذكار كيف يتصوّر فيه أن يأتي بصلاةٍ صحيحةٍ ولو من باب الصدفة لا بالتعلّم، وحيث إنَّ الواجب فعليٌّ بحسب الفرض فتكون المقدّمة واجبةً بالواجب الغيري ومنجّزةً بتنجّز الواجب عليه.
الفرض الثاني: أنَّ ذات الواجب قد يتحقّق صدوره منه بلا تعلّم، كما لو كان الواجب مردّداً بين أمورٍ متعدّدةٍ وهو قادرٌ على واحدٍ منها، وقد يكون هو الواجب صدفةً ولكن يكون إحراز الواجب بالجمع بين أطراف الشبهة المحصورة متوقّفّاً على التعلّم، فيكون التعلّم في مثله مقدّمةً علميّةً فلا تتّصف بالوجوب الغيري، ولكنّها تكون منجّزةً، لأنَّ الواجب الأصلي منجّزٌ ومقتضاه حكم العقل بوجوب تحصيل الموافقة القطعيّة له وهو لا يكون إلَّا بالتعلّم، فيتنجّز عليه التعلّم.
الفرض الثالث: أن لا يتوقّف على التعلّم لا أصل الواجب ولا إحرازه، كما لو كان الاحتياط ممكناً من دون أن يتعلّم، ففي مثل ذلك لا يجب التعلّم بعد
ــــــــــ[481]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
البناء على أنَّ الامتثال الاجمالي ليس في طول الامتثال التفصيلي، بل في عرضه فيكون المكلّف مخيّراً بين أن يتعلّم فيمتثل تفصيلاً وبين أن يمتثل امتثالاً إجماليّاً، وكلاهما جائز له.
الصورة الثانية: أن يفرض العلم بوجود تكليفٍ مع تحقّق موضوعه في المستقبل، كما لو كان يعلم أنَّه يستطيع الحجّ بعد سنة، فهنا فروض ثلاثة:
الفرض الأوّل: أنَّ إتيان الحج في ظرفه متوقّفٌ على التعلّم قبل الاستطاعة، وبعده لا يمكن التعلّم، فهذا يدخل في المقدّمات المفوّتة التي قرأناها فيما سبق، فيقال فيه ما قيل فيها.
الفرض الثاني: أنَّ هذا المؤمن لا يستطيع التعلّم بعد الاستطاعة ولكن ليس أصل الحجّ متوقّفاً على التعلّم، وإنَّما إحرازه متوقّفٌ عليه، كما لو كانت التلبية مردّدةً بين صيغٍ كثيرة لا يمكن الجمع بينها.
وهذا لا يدخل في بحث المقدّمات المفوّتة بالمعنى المتقدّم؛ لوضوح أنَّه لو أهمل التعلّم يكون قادراً على أصل الحجّ، وإن لم يكن قادراً على إحرازه، والمقدّمات التي قرأناها إنَّما تكون فيما لو أهملها لكان عاجزاً في الوقت بحيث لا يتوجّه إليه الخطاب.
ولكن يكون هذا ملزماً بالتعلّم قبل الاستطاعة بضمّ أمرين:
أحدهما: وجوب تحصيل الموافقة القطعيّة عقلاً.
ثانيهما: أنَّ التفويت بالاختيار لا ينافي الاختيار، وهذا إذا ترك التعلّم فسوف يكون مضطراً إلى ترك الموافقة القطعيّة، والاكتفاء بالموافقة الاحتماليّة،
ــــــــــ[482]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وهو من الامتناع بالاختيار، فيحكم عليه بلزوم التعلّم لئلّا يصدق عليه التفويت الاختياري للموافقة القطعيّة.
الفرض الثالث: أنَّ هذا الشخص لو ترك التعلّم قبل الاستطاعة، أمكنه التعلّم بعدها أو الاحتياط ولا إشكال في عدم وجوب التعلّم.
الصورة الثالثة: أنَّ هذا الشخص يحتمل وجود تكليفٍ فعليّ بالنسبة إليه، كما لو كان يعلم أنَّه مستطيعٌ ولكن لا يدري هل المستطيع يجب عليه الحجّ أو لا، فيكون شكّه في الكبرى مع علمه بالصغرى.
وهذا احتمالٌ في الشبهة الحكميّة قبل الفحص، فيكون منجّزاً ولا تجري فيه الأصول المؤمّنة، فإن اختار أن يفحص عن أصل الوجوب فنعم الاختيار، وإن لم يشأ أن يفحص وأراد أن يحتاط فيتعامل مع وجوب الحجّ المحتمل هنا كتعامله مع وجوب الحجّ المعلوم في الصور السابقة لأنَّ الاحتمال في هذه الصورة منجزاً كالعلم.
الصورة الرابعة: أنَّ هذا الشخص يشكّ في الصغرى سواءٌ علم بوجوب الحجّ على المستطيع أو لا. وهذه شبهةٌ موضوعيّةٌ يجري فيها استصحاب عدم الاستطاعة ويكون مؤمّناً عن وجوب الحجّ، فلا يجب عليه التعلّم.
الصورة الخامسة: أن يفرض احتمال أنَّه سوف يستطيع فيما بعد، فهل هذا الاحتمال ينجّز عليه تعلّم أحكام الحج أو لا؟
قد يتمسّك هنا بالاستصحاب، وهو استصحاب عدم الاستطاعة الاستقبالي، وقد يستشكل في إجراء هذا الاستصحاب بعدّة استشكالات:
ــــــــــ[483]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الإشكال الأوّل: ما ذكره السيّد الأستاذ(1) من كون المورد طرفاً لعلمٍ إجماليّ دائماً، فإنَّه يعلم إجمالاً أنَّه سوف تحدث له بعض الوقائع التي لها أحكام، أمّا الاستطاعة أو النصاب الزكوي أو ملاقاة النجاسة ونحوها، وأنَّه إذا لم يتعلّمها الآن يعلم بالابتلاء بالمخالفة القطعيّة لجملةٍ منها، فتتعارض الاستصحابات في أطراف العلم الإجمالي.
إلَّا أنَّ هذا الكلام في غير محلّه؛ وذلك:
أوّلاً: لإمكان فرض انحلال العلم الإجمالي؛ فإنّ الإنسان كثيراً ما يستطيع أن يحدس الوقائع القريبة الوقوع في حياته، فالعلم الإجمالي الكبير ينحلّ إلى علمٍ إجماليٍّ صغيرٍ بنفس المقدار من الوقائع التي هي ألصق بحياته ويبقى الباقي شبهة بدوية.
ثانياً: لو فرض عدم انحلال العلم الإجمالي فقد لا تتعارض الاستصحابات؛ لأنَّه بالاستصحاب يراد التأمين من ناحية التعلّم وليس كلّ هذه الوقائع ممّا يكون التعلّم فيها قبل الابتلاء في ظرفها، وأمّا الوقائع التي يمكن فيها التعلّم بعد الابتلاء بها فلا أثر للاستصحاب فيها، فاستصحاب عدم الابتلاء ليس جارياً في تمام الوقائع لتقع المعارضة بين الاستصحابات.
الإشكال الثاني: ما أفاده المحقّق النائيني(2) من أنَّ استصحاب عدم الابتلاء غير جارٍ؛ لأنَّ الأثر الشرعي مترتّبٌ على نفس الاحتمال لا على
ــــــــــ[484]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 1: 373.
(2) انظر: فوائد الأصول 1: 207.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المحتمل؛ فإنّنا باستصحاب عدم الابتلاء نريد أن ننفي وجوب التعلّم وهو ليس مترتّباً على واقع الاستطاعة المستقبليّة، بل مترتّبٌ على الاحتمال؛ فإنَّ موضوعه الشكّ لا واقع الاستطاعة، فباستصحاب عدم الاستطاعة لا يمكن أن ننفي وجوب التعلّم، وهذا الكلام بظاهره لا يمكن المصير إليه، وإن كان له تأويلٌ صحيحٌ يجب المصير إليه.
فإنَّنا تارةً نقول: إنَّه دلّ الدليل على وجوب تعلّم ما لم يُعلم من التكاليف التي يحتمل الابتلاء بها، فلا مانع من إجراء استصحاب عدم الاستطاعة، لأنَّ المانع إن كان هو أنَّ موضوع وجوب التعلّم هو الشكّ، والاستصحاب لا يقوم مقام العلم، فهو مبنيٌّ على عدم قيام الأصل التنزيلي مقام القطع الموضوعي.
والميرزا يقول بقيامها، فإنَّنا بالاستصحاب نعلم بعدم الابتلاء.
وإن كان المانع هو أنَّ الاستصحاب إنَّما يقوم مقام القطع الموضوعي بعد جريانه في نفسه، وجريانه فرع أن يكون حكماً شرعيّاً أو موضوعاً للأثر الشرعي، مع أنَّ الأثر وهو وجوب التعلّم ترتّب على نفس الشكّ لا على المشكوك.
وجوابه: بعد فرض تسليم المبنى أنّنا نريد أن نستصحب عدم الاستطاعة، وهو موضوعٌ لحكمٍ شرعيّ، وهو وجوب الحجّ، فلا عيب فيه، وهناك تقريبٌ آخر يتّجه فيه هذا الإشكال.
فإنّ دليل وجوب التعلّم وهو مثل قوله: “هلا تعلّمت” يدلّ على أنَّ كلّ مخالفةٍ صادرةٍ بسبب عدم التعلّم تكون منجّزةً على المكلّف، ومعاقباً عليها.
ــــــــــ[485]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
وحينئذٍ فهذا الذي يحتمل أنَّه سوف يستطيع فيما بعد، سوف يقع في مخالفةٍ من ناحية ترك التعلّم؛ لأنَّه سوف لن يستطيع التعلّم بعده، واستصحاب عدم الاستطاعة لا ينفي أنَّه سوف لن تقع منه هذه المخالفة في ذلك الحين إلَّا بنحو الملازمة العقليّة، فدليل الاستصحاب لا يرفع موضوع وجوب التعلّم أصلاً، وعليه فمقتضى إطلاق دليل وجوب التعلّم هو لزوم التعلّم من باب دفع الضرر المحتمل بترك التعلّم.
هذا صفوة القول في صور مسألة وجوب التعلّم.
ــــــــــ[486]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
1- أبكار الأفكار في أصول الدين، تأليف: الآمدي، سيف الدين، تحقيق: احمد محمد مهدي، الناشر: دار الكتب، القاهرة – مصر، سنة الطبع: 1423هـ.
2- ابهى المراد في شرح علماء بغداد، تأليف: ابن عطية، جميل حمود، الناشر: مؤسسة الأعلمي، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، سنة الطبع: 1423هـ.
3- أجود التقريرات، تأليف: الخوئي، أبو القاسم الموسوي، تقرير أبحاث الشيخ محمد حسين النائيني، الناشر: مطبعة العرفان، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1393هـ .
4- إحقاق الحق وإزهاق الباطل، تأليف: مرعشي، نو الله، تعليق: السيد ألمرعشي النجفي، الناشر: مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1409هـ.
5- الإحكام في أصول الأحكام، تأليف: الآمدي، علي بن محمد، تحقيق: عبد الرزاق عفيفي، الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت – لبنان، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1402هـ.
6- الاربعين في أصول الدين، تأليف: الغزالي، أبو حامد، الناشر: دار
ــــــــــ[487]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الكتب العلمية، بيروت – لبنان، سنة الطبع: 1409هـ.
7- الاستبصار فيما اختلف فيه من الأخبار، تأليف: الطوسي، محمد بن الحسن، الناشر: دار الكتب الإسلامية، طهران – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1390هـ.
8- استقصاء النظر في شرح القضاء والقدر، تأليف: العلامة الحلي، جمال الدين ابو منصور بن سديد الدين، تحقيق: محمد الحسيني، الناشر: دار الإنباء عن الغيب، مشهد – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1418هـ.
9- الأسس المنطقية للاستقراء، تأليف: الصدر، محمد باقر، الناشر: دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 2004م.
الأسس المنطقية للاستقراء، تأليف: الصدر، محمد باقر، الناشر: دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1996م.
10- الباب الحادي عشر، تأليف: العلامة الحلي، أبو منصور حسن بن يوسف بن علي بن المطهر، شرح: الفاضل المقداد السيوري، الناشر: مؤسسة مطالعات إسلامي، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1365هـ.
11- بحر الفوائد في شرح الفرائد، تأليف: الاشتياني، محمد حسن بن جعفر، الناشر: مكتبة سماحة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1403هـ.
12- البحر المحيط في أصول الفقه، تأليف: الزركشي، بدر الدين، تحقيق: محمد محمد تأمر، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى،
ــــــــــ[488]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
سنة الطبع: 1421هـ – 2000م.
13- بحوث في الأصول، تأليف: الأصفهاني، محمد حسين، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم
– إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1416هـ.
14- بحوث في علم الأصول، تأليف: الهاشمي، محمود الشاهرودي تقرير أبحاث السيد محمد باقر الصدر، الناشر: مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت، قم – إيران، الطبعة: الثالثة، سنة الطبع: 1417هـ .
15- بدائع الأفكار في الأصول، تأليف: الآملي، الميرزا هاشم ، تقرير أبحاث الشيخ ضياء الدين العراقي، الناشر: المطبعة العلمية، النجف الأشرف - العراق، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1370هـ.ش.
16- بدائع الأفكار، تأليف: الرشتي، حبيب الله بن محمد علي، الناشر: مؤسسة آل البيت، قم – إيران ، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1313هـ.
17- بيان الأصول ، تأليف: الصافي، لطف الله، الناشر: دائرة التوجيه والإرشاد الديني في مكتب المرجع الديني آيه الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي الگلبايگان، قم – ايران ، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 2012م .
18- تاريخ الفلسفة الغربية، تأليف: برتراند رسل، ترجمة: محمد فتحي الشنطي، الناشر: المكتبة المصرية، سنة الطبع: 1977م.
19- تقريرات في أصول الفقه، تأليف: الاشتهاردي، علي بناه، تقرير
ــــــــــ[489]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أبحاث حسين البروجردي، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1417هـ.
20- تهافت الفلاسفة، المؤلف: الغزالي، محمد بن محمد الطوسي، المحقق: سليمان دنيا، الناشر: دار المعارف بمصر ، الطبعة: الرابعة، سنة الطبع: 1999م.
21- تهذيب الأحكام، تأليف: الطوسي، محمد بن الحسن، الناشر: دار الكتاب الإسلامي، طهران – إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1407هـ.
22- جامع الأفكار وناقد الأنظار، النراقي، محمد مهدي بن ابي ذر، تحقيق: مجيد هادي زادة، الناشر: انتشارات حكمت، طهران – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1423هـ.
23- حاشية مجمع الفائدة والبرهان، تأليف: الوحيد البهبهاني، محمد باقر بن محمد، تحقيق: مؤسسة العلامة المجدد الوحيد البهبهاني، الناشر: مؤسسة العلامة المجدد الوحيد البهبهاني، قم – إيران ، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1417هـ.
24- الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، تأليف:البحراني، آل عصفور، يوسف بن احمد بن ابراهيم، تحقيق: محمد تقى ايروانى- سيد عبد، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم – إيران ،الطبعة: الاولى ، سنة الطبع: 1405هـ . ق.
ــــــــــ[490]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
25- حق اليقين في معرفة أصول الدين، تأليف: شبر، عبد الله، الناشر: أنوار الهدى، قم – إيران، الطبعة تاليف: الحكيم، محسن الطباطبائي، الناشر: مكتبة بصيرتي: الثانية، سنة الطبع: 1424هـ.
26- حقائق الأصول، ، قم- إيران، الطبعة: الخامسة، سنة الطبع: 1408هـ.
27- الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، تأليف: الملا صدرا، محمد بن ابراهيم، الناشر: مطبعة مكتبة مصطفوي، قم – إيران، سنة الطبع: 2000م .
28- دراسات في علم الأصول، تأليف: الشاهرودي، علي الهاشمي، تقریر أبحاث السيد أبو القاسمالخوئي، الناشر: مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1419هـ .
29- دعائم الإسلام، تأليف: أبو حنيفه، نعمان بن محمد التميمى، الناشر: مؤسسه آل البيت، قم – إيران، الطبعة الثانية، سنة الطبع: 1385 ه ق .
30- الذريعة إلى أصول الشريعة، تأليف: علم الهدى، علي بن حسين، الناشر: جامعة طهران، مؤسسة النشر والطباعة، طهران – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1418هـ.
31- رسالة في سرَيان الوجود، تألف: صدر الدين الشيرازي، محمد بن ابراهيم، مخطوط.
ــــــــــ[491]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
32- رسائل ومقالات، تأليف: السبحاني، جعفر، الناشر: مؤسسة الإمام الصادق، قم – إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1425هـ.
33- روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، تأليف: العاملى، الشهيد الثانى، زين الدين بن على، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم – إيران الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1402 ه ق.
34- سلسلة الاحاديث الصحيحة، تأليف: الالباني، محمد ناصر الدين، الناشر: مكتبة المعارف، الرياض – المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1999م.
35- شرح المنظومة(تعليقات حسن زاده)، تأليف: آملي، حسن زاده، تحقيق: مسعود الطالبي، الناشر: نشر ناب، طهران – إيران، سنة الطبع: ١٣٦٩هـ .ش.
36- شرح المنظومة، تأليف: السبزواري، ملا هادي، تحقيق: حسن زادة الآملي، الناشر:نشر ناب ،قم – ايران، الطبعة: الاولى، سنة الطبع:1369هـ . ش.
37- شرح المواقف، تأليف: اللإيجي، عبد الرحمن بن أحمد، تحقيق: محمد الحلبي، الناشر: الشريف الرضي، قم – إيران.
38- شرح هداية المسترشدين(حجية الظن)، تأليف: الأصفهاني النجفي، محمد باقر بن محمد تقي بن عبد الرحيم، الناشر: عطر العترة، قم – إيران،
ــــــــــ[492]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1416هـ.
39- شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام، اللاهيجي، عبد الرزاق بن علي، تحقيق: أكبر أسد علي زادة، الناشر: مؤسسة الإمام الصادق، قم – إيران، سنة الطبع: 1425هـ.
40- العروة الوثقى، تأليف: الروحاني، محمد صادق، الناشر: مؤسسة الإمام الصادق، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1412هـ.
41- غاية المأمول من علم الأصول، تأليف: الجواهري، محمد تقي، تقرير أبحاث أبو القاسم الخوئي، تحقيق: مجمع الفكر الإسلامي: مجمع الفكر الإسلامي، قم – ايران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1428هـ.
42- غاية المسؤول في علم الأصول، تأليف: الشهرستاني، محمد حسين الحسيني، تقرير أبحاث الشيخ محمد حسين الفاضل اللنكراني الناشر: مؤسسة آل البيت، قم – إيران، الطبعة: الأولى.
43- الفصول الغروية إلى الأصول الفقهية، تأليف: الأصفهاني، محمد ﺣﺴﻴﻦ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻴﻢ، الناشر: دار إحياء العلوم، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1404هـ.
44- فوائد الأصول، تأليف: الكاظمي، محمد علي، تقرير أبحاث الشيخ محمد حسين النائيني، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1418هـ.
45- القبسات، تأليف: الميرداماد، محمد باقر بن محمد، تحقيق: مهدي
ــــــــــ[493]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
محقق، الناشر: جامعة طهران، طهران – إيران، سنة الطبع: 1374هـ . ش.
46- القوانين المحكمة في الأصول، تأليف: القمي، الميرزا أبو القاسمبن محمد حسن، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1430هـ.
47- الكافي، تأليف: الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق، الناشر: دار الكتب الإسلامية، طهران – إيران، الطبعة: الرابعة، سنة الطبع: 1407هـ.
48- كتاب الحج ، تأليف: الشاهرودى، سيد محمود بن على الحسينى، تحقيق: ابراهيم جناتى الشاهرود، الناشر: مؤسسة انصاريان، قم – ايران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1402هـ . ق.
49- كفاية الأصول، تأليف: الخراساني، محمد كاظم بن حسين، الناشر: مؤسسة آل البيت، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1409هـ.
50- لب الأثر في الجبر والقدر، تأليف: السبحاني، جعفر، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1418هـ.
51- مباحث الأصول، تأليف: الحائري، كاظم الحسيني، تقرير أبحاث السيد محمد باقر الصدر، الناشر: مكتب السيد كاظم الحائري، الطبعة: الأولى، قم – إيران، سنة الطبع: 1408هـ .
52- مجمع الأفكار ومطارح الأنظار، تأليف: بور، محمد علي اسماعيل، تقريرات أبحاث الميرزا هاشم الآملي، الناشر: المطبعة العلمية، قم – إيران، الطبعة، الأولى، سنة الطبع: 1395هـ.
53- محاضرات في أصول الفقه، تأليف: الفياض، محمد إسحاق، تقرير ــــــــــ[494]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
أبحاث السيد أبو القاسم الخوئي، الناشر: مؤسسة انصاريان للطباعة والنشر، قم – إيران، الطبعة: الرابعة، سنة الطبع: 1417هـ.
54- محاضرات في علم أصول الفقه، تأليف: الصدر، محمد محمد صادق، تقرير أبحاث السيد أبو القاسم الخوئي، الناشر: المحبين للطباعة والنشر، سرمدي – قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 2013م ، 1434هـ.
55- المحجة في تقريرات الحجة، تأليف: الگلبايگاني، علي الصافي، تقریر أبحاث الحجة السيد محمد الكوه كمري التبريزي، الناشر: مؤسسة السيدة المعصومة، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1421هـ .
56- مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، تأليف: العاملي، محمد بن علي الموسوي، الناشر: منشورات الفجر، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1429هـ – 2008م.
57- مستند الشيعة في أحكام الشريعة، تأليف: النراقى، مولى احمد بن محمد مهدى، تحقيق: مؤسسه آل البيت، الناشر: مؤسسه آل البيت قم – ايران، الطبعة: الاولى، سنة الطبع:1415هـ.
58- المستند في شرح العروة الوثقى، تأليف: الخوئى، السيد أبو القاسم الموسوى، تحقيق: مرتضى البروجردی.
59- مصابيح الأصول، تأليف: بحر العلوم، علاء الدين، تقرير أبحاث أبو القاسم الخوئي، الناشر: مركز نشر كتاب، طهران – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1430هـ.
ــــــــــ[495]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
60- مصباح الفقيه، تأليف: الهمدانی، رضا بن محمد هادى، تحقيق: محمد باقرى- نورعلى نورى- محمد ميرزائى- سيد نور الدين جعفريان، الناشر: مؤسسة الجعفرية لإحياء التراث و مؤسسة النشر الإسلامي، قم – ایران، الطبعة:الاولى ، سنة الطبع: 1416هـ.
61- مصنفات ميرداماد، تأليف: الدماد، محمد باقر، تحقيق: عبد الله نوراني، الناشر: انتشارات انجمن آثار ومفاخر فرهنكي، طهران – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1385 – 1381هـ . ش.
62- مطارح الأنظار، تأليف: الكلانتري، أبو القاسم، تقرير أبحاث الشيخ مرتضى الأنصاري، الناشر: مؤسسة آل البيت، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1404هـ.
63- معالم الدين وملاذ المجتهدين، تأليف: الشهيد الثاني، حسنبن زين الدين، الناشر: القدس، قم- إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1418هـ.
64- مقالات الأصول، تأليف: العراقي، ضياء الدين، الناشر: مجمع الفكر الإسلامي، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1420هـ.
65- من لا يحضره الفقيه، تأليف: الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم – إيران، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1411هـ.
66- منهاج الصالحين، تأليف: الحكيم، محسن الطباطبائي، تعليق: محمد باقر الصدر، الناشر: دار التعارف للمطبوعات، بيروت – لبنان، سنة الطبع: 1410هـ – 1990م.
ــــــــــ[496]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
67- النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعية والالهية، تأليف: ابن سينا، أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا البَلْخيّ، الناشر: محيي الدين صبري الكردي، القاهرة : سنة الطبع: 1996م.
68- نهاية الأفكار في مباحث الألفاظ، تالیف: البروجردي، محمد تقي النجفي، تقرير أبحاث ضياء الدين العراقي، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم – إيران، الطبعة: الثالثة، سنة الطبع: 1417هـ.
69- نهاية الدراية في شرح الكفاية، تأليف: الأصفهاني، محمد حسين، الناشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، بيروت – لبنان، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1429هـ .
70- الهداية في الأصول، تأليف: الخوئي، ابو القاسم، تقرير أبحاث حسن الصافي الاصفهاني، الناشر: مؤسسة صاحب الامر، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1417هـ.
71- وسائل الشيعة، تأليف: العاملي، محمد بن حسن، الناشر: مؤسسة آل البيت، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1409هـ.
72- وسيلة الوصول إلى علم الأصول، تأليف: السبزواري، الميرزا حسن، تقرير أبحاث أبو الحسن الاصفهاني، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم – إيران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1422هـ.
ــــــــــ[497]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
[الكلام في مادّة الأمر] 13
[الجهة] الأولى: في معاني كلمة الأمر 13
الجهة الثانية: اعتبار العلو والاستعلاء في مفهوم الأمر 20
الجهة الثالثة: في دلالة كلمة الأمر على جامع الطلب أو الحصّة اللزومية 22
المقام الأول: البحث في أصل دلالة كلمة (أمر) على الوجوب 22
المقام الثاني: ملاك ونكتة دلالة الأمر على الوجوب 25
الدلالة على الوجوب بحكم العقل 27
الردّ على ما ذكره الميرزا 27
دلالة الأمر على الوجوب بالإطلاق 31
الوجه الأوّل: ما ذكره المحقّق العراقي في المقام 31
الرد على ما ذكره المحقّق العراقي 32
الوجه الثاني: تقريب آخر 33
الإشكالات ا لواردة على هذا المسلك 35
الثمرات الفقهيّة المترتّبة على المسالك الثلاثة 43
الثمرة الأولى 43
ــــــــــ[499]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الثمرة الثانية 44
الثمرة الثالثة 44
الثمرة الرابعة 46
الثمرة الخامسة 47
الجهة الرابعة: النسبة بين الطلب والإرادة 49
المسألة الكلامية في بحث الجبر والاختيار 51
المسألة الفلسفية في بحث الجبر والاختيار 54
دفع الشبهة الفلسفية 56
المسلك الأوّل 56
المسلك الثاني 59
المسلك الثالث 61
المسلك الرابع 63
مناقشة المسلك الرابع 64
توضيح مراد الميرزا 67
تنبيهان 70
نشوء الإرادة عن مصلحة في نفسها 73
الكلام في صيغة الأمر 83
الجهة الأولى: في دلالة صيغة الأمر على الطلب 83
مناقشة مبنى السيّد الأستاذ 83
ــــــــــ[500]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
ظهور استعمال صيغة الأمر بداعي الطلب دون غيره 91
الجهة الثانية: في دلالة الصيغة على الوجوب 94
الكلام في الجملة الخبريّة ودلالتها على الوجوب 101
المقام الأوّل: في تخريج دلالتها على الطلب 101
المسلك الأول: كونها في معناها الموضوع له 101
الوجه الأوّل 102
الوجه الثاني 103
الوجه الثالث 104
الوجه الرابع 105
المسلك الثاني: الاستعمال في معنى جديد 106
المقام الثاني: دلالة الجملة الخبريّة على الطلب الوجوبي أم على الجامع بينه وبين الاستحباب 109
تنبيهان 112
مبحث التعبّدي والتوصّلي 117
المعاني الأربعة للتوصّلي والتعبّدي 117
المسالة الأولى: الشكّ في كون الواجب تعبدياً أو توصلياً بالمعنى الأوّل 118
المقام الأول: في تأسيس الأصل اللفظي (الاجتهادي) 118
المقام الثاني: في تأسيس الأصل العملي 122
ــــــــــ[501]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المسألة الثانية: في تأسيس الأصل في التوصّلي بالمعنى الثاني 125
المقام الأوّل: في تأسيس الأصل اللفظي 125
إشكالات حول إطلاق المادّة 126
الإشكال الأوّل: ما ذكره الميرزا النائيني 126
جواب السيّد الخوئي على الإشكال ونقده 127
الدفاع عن رأي الميرزا 129
الإشكال الثاني: ما ذكره السيّد الخوئي 132
الإشكال الثالث: استلزام اللغوية 133
إمكان إثبات التوصّليّة بغضّ النظر عن إطلاق المادّة 134
المقام الثاني: في مقتضى الأصل العملي 137
تنبيه 138
المسألة الثالثة: الشكّ في التوصّليّة بالمعنى الثالث 140
المقام الأول: في تأسيس الأصل اللفظي 141
المقام الثاني: تأسيس الأصل العملي 142
المسألة الرابعة: فيما إذا شكّ في توصلية الواجب وتعبديته بالمعنى الرابع 145
الوجوه في امتياز التعبّدي عن التوصّلي في هذه المسألة 145
الوجه الأوّل: في أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر وعدمه 145
تحقيق الحال في الوجه الأوّل 146
المرحلة الأولى في أخذ قصد امتثال الأمر قيداً في متعلّق الأمر 146
ــــــــــ[502]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الصحيح في المقام 153
المرحلة الثانية: في أخذ سائر القصود القربيّة في متعلّق الأمر 160
إمكان أخذ قصد الإرادة أو المصلحة في متعلق الأمر ثبوتاً 169
الجهة الأولى: في إمكان أخذ قصد الإرادة والمحبوبيّة في متعلّق الأمر 170
الجهة الثانية: في أخذ الـجامع بين قـصد امتثـال الأمر والـمصلحة والمحبوبيّة 173
الوجه الثاني: الفرق بين التعبّدي والتوصّلي من ناحية تعدّد الأمر ووحدته 176
كلمات المحقّقين في المقام 177
الشكل الأوّل 178
الشكل الثاني 180
الصحيح في الاعتراض على الشكل الثاني 183
ما ذكره المحقّق العراقي في الفرار من محذور قصد الأمر في متعلّقه 184
الشكل الثالث 187
الردّ على الشكل الثالث 188
الوجه الثالث: الفرق اللبي والثبوتي بين التوصّلي والتعبّدي 190
إمكان التقييد الثبوتي بقصد القربة في الجملة 193
ــــــــــ[503]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
في تحقيق حال الواجب التعبّدي والتوصّلي 196
المسألة الأولى: في الأصل اللفظي 196
المقام الأول: في الإطلاق اللفظي 196
المسلك الأول: مسلك السيّد الأستاذ 196
المسلك الثاني: المسلك المختار 197
المسلك الثالث: الفصل بين قصد الأمر وجامع قصد القربة 198
المسلك الرابع: مسلك المشهور وصاحب الكفاية 198
مقالة الميرزا في المقام 203
تقريب مقالة الميرزا 203
إبطال التقريبات السابقة 205
المقام الثاني: في الإطلاق المقامي 212
المسألة الثانية: الأصل العملي 216
تحقيق الحال في المسألة 217
الجهة الأولى في جريان البراءة العقليّة 218
الوجوه التي يستند إليها لجريان أصالة الاشتغال 218
تصوير تعدّد الجواب في المسألتين 220
الجهة الثانية: في جريان البراءة الشرعيّة 223
في دلالة الأمر على النفسيّة والتعينيّة والعينيّة 227
الجهة الأولى: مقتضى إطلاق الصيغة من حيث النفسيّة والغيريّة 227
ــــــــــ[504]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
التقريب الأول 227
التقريب الثاني 229
التقريب الثالث 230
التقريب الرابع 232
الجهة الثانية: مقتضى إطلاق الصيغة من حيث التعيينيّة والتخييريّةً 234
المبنى الأول 234
المبنى الثاني 235
المبنى الثالث 235
الجهة الثالثة: مقتضى إطلاق الصيغة من حيث العينيّة والكفائية 237
الأمر في مورد توهّم الحظر 241
مورد توهّم الحظر 241
ما ذكره السيّد الأستاذ في المقام 241
التحقيق في المقام 242
تفريع وتتمة 243
دلالة الأمر على المرّة أو التكرار 249
المقام الأوّل: دلالة كلمة الأمر على المرّة أو التكرار وضعاً 249
المقام الثاني: اقتضاء الأمر للمرة أو التكرار بلحاظ المدلول الإطلاقي 252
تذنيب 255
ــــــــــ[505]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الكلي الطبيعي وأنحاء وجوده في الخارج 260
تعدّد الامتثال أو تبديله 265
تعدّد الامتثال 265
تبديل الامتثال بالامتثال 267
رأي صاحب الكفاية 267
الاعتراض على مقالة صاحب الكفاية 268
التحقيق في المقام 269
التطبيق الفقهي لتبديل الامتثال بالامتثال 271
الطائفة الأولى 271
الطائفة الثانية 272
مناقشة الطائفة الثانية 272
الطائفة الثالثة 276
مناقشة الطائفة الثالثة 276
الفور والتراخي 281
الكلام في مقام الثبوت 281
الكلام في مقام الإثبات 283
الجهة الأولى: إثبات الفوريّة والتراخي بنفس الخطاب 283
الجهة الثانية: وجود دلالة عامة تقتضي الفورية 284
ــــــــــ[506]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الاستدلال بآية المسارعة والاستباق 285
مناقشة الاستدلال 285
الوجه الأول 285
الوجه الثاني 287
الوجه الثالث 288
الوجه الرابع 289
الجهة الثالثة: هل يسقط الواجب بترك الفور 290
المقتضي لتعيين الفوريّة 290
التعليق على ما ذكره المحقّق العراقي في المقام 294
البحث في الإجزاء 301
المقام الأوّل: الإجزاء في الأوامر الاضطراريّة عن الواقع 303
المرحلة الأولى: مقام الثبوت 303
الحكم الأوّل: الإجزاء وعدمه 304
الحكم الثاني: الحكم بجواز البدار وضعاً 304
الحكم الثالث: جواز البدار تكليفاً عقلاً وشرعاً بالإتيان بالصلاة الجلوسيّة في أوّل الوقت 304
الحكم الرابع: جواز إيقاع الإنسان نفسه في الاضطرار 308
المرحلة الثانية: مقام الإثبات 309
المسألة الأولى: في ارتفاع الاضطرار أثناء الوقت 309
ــــــــــ[507]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
فرضيّة وجود إطلاق للأمر الواقعي يقتضي الإعادة 310
شبهة على الكلام الثاني 316
دفع الشبهة 316
تقريبان آخران للإجزاء 324
فرضيّة عدم وجود إطلاق للأمر الواقعي يقتضي الإعادة 332
دعوى صاحب الكفاية في جريان البراءة في المقام 333
المسألة الثانية: في استمرار العذر لتمام الوقت وارتفع بعد خروجه 343
المقام الأوّل: في اقتضاء الدليل الدال على إثبات وجوب القضاء 344
المقام الثاني: في اقتضاء دليل الأمر الاضطراري للإجزاء وعدمه 345
المقام الثالث: في اقتضاء الأصول العمليّة عند عدم وجود الاقتضاء أصلاً 348
المقام الثاني: الإجزاء في الأوامر الظاهريّة عن الواقع 352
المقام الأوّل: اقتضاء عدم الإجزاء عند اكتشاف الخلاف وجداناً 352
تقريبات الإجزاء 352
في تصوير جعل الحجّيّة في أدلتها 367
المقام الثاني: اقتضاء الإجزاء أو عدمه عند اكتشاف الخلاف تعبّداً 379
الحالة الأولى: انكشاف الخلاف بالأمارة 379
الحالة الثانية: انكشاف الخلاف بالأصل 380
مبحث مقدّمة الواجب 393
ــــــــــ[508]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
المقدّمة الوجوديّة 393
تقسيمات المقدّمة 396
المقام الأول: في تحقيق حال الإشكال فيما إذا كان الشرط المتأخّر شرطاً لنفس الوجوب 397
اعتراض مدرسة المحقّق النائيني على صاحب الكفاية 398
تحقيق الكلام في المقام 399
الموقع الأوّل: عالم الجعل 399
الموقع الثاني: عالم المجعول 401
الموقع الثالث: عالم الملاك 402
المقام الثاني: في تحقيق حال الإشكال فيما إذا كان الشرط المتأخّر شرطاً للواجب 404
الموقع الأوّل: كون المشروط متقدّماً على شرطه 404
الموقع الثاني: كون الشرط المتأخّر مؤثّراً في الملاك 405
فيما أفاده صاحب الكفاية في المقام 406
الأمر الأوّل: في كون الأشياء ثلاثة أقسام 406
الأمر الثاني: في كون الحسن والقبح مختلفاً عن المصلحة والمفسدة 407
نقد ما أفاده صاحب الكفاية في المقام 408
المقام الثالث: تعميم محذور الشرط المتأخّر إلى الشرط المتقدّم 410
نقد المحقّق الأصفهاني والسيّد الخوئي للقول باستحالة الشرط المتقدّم 410
ــــــــــ[509]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
تقسيمات الواجب 415
الواجب المطلق والواجب المشروط 415
المقام الأوّل: الإشكال في مقام الثبوت 416
المرحلة الأولى: مرحلة الملاك 416
المرحلة الثانية: مرحلة الإرادة 416
النظرية الأولى: المنسوبة لتقريرات الشيخ الأعظم 417
النظرية الثانية: للمحقّق العراقي 421
النظرية الثالثة: للمحقّق النائيني 423
المرحلة الثالثة: مرحلة الجعل والاعتبار 427
انقسام القيود بلحاظ عالم الملاك إلى قسمين 428
القسم الأوّل: ما يكون دخيلاً في أصل وجود الملاك والاحتياج 429
القسم الثاني: ما يكون قيداً في فعليّة المصلحة خارجاً 430
تنبيه: 431
المقام الثاني: الإشكال في مقام الإثبات 435
تتمة 439
الواجب المعلّق والواجب المنجز 441
وجوه الإشكال على الواجب المعلّق 443
الوجه الأوّل 443
مناقشة الوجه الأوّل 444
ــــــــــ[510]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3
الوجه الثاني 446
في مناقشة كلا المقدّمتين 449
مناقشة التقريب الثاني حلاً ونقضاً 451
تنبيهات 456
التنبيه الأوّل: في المقدّمات المفوّتة 456
علاج إشكالية المقدّمات المفوّتة 456
محاولتان للجواب 458
أجوبة إشكاليّة المقدّمات المفوّتة 458
مناقشة أجوبة إشكالية المقدّمات المفوّتة 471
الجواب الصحيح في المقام 476
التنبيه الثاني: التعلّم في الصور المختلفة 481
فهرس المصادر 487
فهرس الكتاب 499
ــــــــــ[511]ــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج3