الجزء الرابع
261
ص44 الصدر، محمد.
محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج4 (344ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1708/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1708) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
3-26-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
محاضرات
في
علم أصول الفقه
تقريراً لأبحاث
سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن محمد الصدر
الجزء الرابع
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
نظراً لحضور السيد الشهيد محمد الصدر قسماً كبيراً من الدورة الأصولية الأولى للسيد الشهيد محمد باقر الصدر إضافة إلى حضوره كامل الدورة الثانية، وتقريره لكِلا الدورتين، فإنه ينبغي التنويه إلى مايلي:
إن هذا المجلّد الذي يحتوي على مبحث المفاهيم يعود أصله إلى ثلاثة دفاتر من النسخة الخطية، وهي:
الدفتر الأول والدفتر الثاني من الدورة الأصولية الأولى، وأما الدفتر الثالث من الدورة الأصولية الثانية فقد تمّ تدوينه كهامش متمّم لمواضيع الدورة الأولى مع الإشارة إلى عائديته للدورة الثانية، إضافة إلى المحافظة على تعليقات السيد الشهيد محمد الصدر ضمن الهامش المذكور.
الإشراف العام
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر
ــــــــــ[7]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
المفاهيم
ويحتوي على:
ــــــــــ[13]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
المفاهيم(1)
قبل ذكر المفاهيم مفهوماً مفهوماً لا بُدَّ من التعرض لمقامين:
الأوّل: تعريف المفهوم.
الثاني: تحقيق ملاك المفهوم، أي: الملاك الفني في ثبوت المفهوم. ما هو الشيء الذي يجب أن يكون محلاً للنزاع نفياً وإثباتاً؟ وبلحاظ أيّ ملاك؟ ماذا يجب أن يدّعي من يزعم ثبوت المفهوم حتّى يتعيّن صدق كلامه؟ وماذا يجب أن يدّعي النافي؟ وهذا هو الضابط الكلّي في ثبوت المفهوم وعدمه.
ــــــــــ[15]ــــــــــ
(1) كان تاريخ الشروع في بحث المفاهيم يوم الأحد 1/5/1382هـ، 31/9/1962.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
المقام الأول: تعريف المفهوم
ــــــــــ[17]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أما المقام الأول: وهو في تعريف المفهوم الذي عقد البحث لأجل بيانه، وقد وقع الكلام في ذلك:
فذكر المحقّق العراقي في مقالاته(1) أنَّ المشهور(2) قد عرّفه: (أنَّه ما دلّ عليه اللفظ لا في محلّ النطق) بخلاف المنطوق فإنّه ما دلّ عليه اللفظ في محلّ النطق.
فكل معنى يكون اللفظ دالاً عليه لا في محل النطق فهو مفهوم وكل معنى دل عليه نفس اللفظ فهو منطوق.
ثُمَّ اعترض المحقّق العراقي(3) على هذا التعريف: بأنّه لا يستقيم؛ لأنّ قولهم في تعريف المفهوم: (إنَّه ما دلّ عليه اللفظ لا في محلّ النطق) يشمل جميع المداليل الإلتزامية، سواء كانت مفهوماً أو كانت شيئاً آخر غير المفهوم؛ وذلك
ــــــــــ[19]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأُصول 1: 395.
(2) انظر: مطارح الأنظار: 167، الفصول الغروية: 145، قوانين الأُصول 1: 384.
(3) انظر: مقالات الأُصول 1: 395، نهاية الأفكار 2: 469.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
لأنَّ كلّ مدلول التزامي يدلّ عليه اللفظ لا في محلّ النطق؛ ويلزم من ذلك أنَّ جميع المداليل الالتزامية مفاهيم. وهذا المحذور: إمّا أن يوجب بطلان تعريف المفهوم فقط، أو بطلانه وبطلان تعريف المنطوق أيضاً.
فإذا قلنا: إنَّه لا واسطة بين المفهوم والمنطوق، وإنَّ كلّ مدلول هو: إمّا منطوق، وإمّا مفهوم، فيلزم بطلان كلا التعريفين؛ لأنَّه كما يوجب سعة المفهوم يوجب -في عين الوقت- تضييق المنطوق، حيث إنَّ المداليل الإلتزامية تدخل في المفهوم وتخرج من المنطوق، فبدخولها في المفهوم -وهي ليست منه- يتسع معنى المفهوم إلى ما ليس بمفهوم في الواقع، ويَضيقُ المنطوق عن شموله للمداليل الإلتزامية، مع أنّها يجب أن تندرج به بعد أن خرجت من معنى المفهوم؛ لأنَّه لا واسطة بينهما.
أمّا إذا قلنا بالواسطة: فالإشكال يلزم في طرف المفهوم فقط، وهو عمومه إلى جميع المداليل الإلتزامية، وأمّا تعريف المنطوق فيبقى على حاله، وتكون هذه المداليل هي الواسطة بينهما.
ولكن هذا الكلام ينقدح جوابه من إضافة الدلالة إلى اللفظ في التعريف، بناءً على أنَّ المدلول الالتزامي لا يكون مدلولاً للفظ إلَّا إذا كان بيّنا بالمعنى الأخصّ، فلا يكون المعنى مدلولاً للفظ إلَّا إذا كان بيّناً بالمعنى الأخصّ، وحينئذٍ يكون اللفظ بنفسه دالاً عليه.
أمّا بالنسبة إلى البيّن بالمعنى الأعمّ أو غير البيّن فيكون اللفظ جزء الدالّ عليها، وذلك بضميمة شيء آخر هو في مقدمة الواجب، مثلاً تصوّر الملازمة،
ــــــــــ[20]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وهو مدلول عقلي للمعنى وليس اللفظ وحده دالاً عليه، بل لا بُدَّ من إضافة أمور أخرى مع اللفظ لتتم الدلالة على وجوب المقدّمة، ومن هذه الأمور الملازمة والبرهان عليها.
وأمّا بالنسبة إلى المدلول البيّن بالمعنى الأخصّ فيكون اللفظ تمام الدالّ. بعد أن اشترط دلالة اللفظ في محلّ النطق، فإنَّه لا يصدق في غير البيّن بالمعنى الأخصّ، فلعلّ قولهم السابق في التعريف يراد به تخصيص الدلالة في المفاهيم بخصوص المدلول الالتزامي البيّن بالمعنى الأخصّ. فيرجع التعريف حينئذٍ
-أي: بعد تخصيصه بهذه الاستفادة- إلى التعريف الثاني الذي ذكره النائيني.
ــــــــــ[21]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ذكر النائيني(1): أنَّ المفهوم هو اللازم(2) البيّن بالمعنى الأخصّ، فالمفهوم ليس هو مطلق المداليل الالتزامية، وإنّما هو اللازم البيّن بالمعنى الأخصّ. وبهذا يندفع الإشكال الذي ذكره المحقّق العراقي، ولكنّه يتوجه عليه إشكال آخر:
وهو أنَّ التعريف الثاني لا يمكن عدّه سليماً أيضاً؛ لأنَّ المفهوم ليس دائماً لازماً بيّناً لا بالمعنى الأعمّ ولا بالمعنى الأخصّ، بل قد يكون المفهوم لازماً خفياً في غاية الخفاء، كما يظهر من المسالك التي سلكها المحقّقون في البرهنة على المفهوم، وذلك كصاحب الكفاية(3) وغيره(4) الذين استدلّوا على المفهوم بملازمات برهانية خفيّة ليست من المدلول البيّن بالمعنى الأعمّ، فضلاً عن أن تكون بيّنة بالمعنى الأخصّ.
فتارةً نفرض أنَّ المفهوم ثابتٌ؛ لأنَّ العلّة في المنطوق منحصرةٌ، فإنّ قوله:
ــــــــــ[22]ــــــــــ
() انظر: أجود التقريرات 1: 413، 414، فوائد الأُصول 1: 477.
(2) المدلول الالتزامي إذا كانت الدلالة بيّنة بالمعنى الأخصّ. (المُقرِّر).
(3) انظر: كفاية الأُصول: 193.
(4) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 409 و420.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إذا كان زيد عالماً فأكرمه، يدلّ على أنَّ العلم علّةٌ منحصرةٌ لإكرامه، وبذلك يكون الانتفاء عند الانتفاء لازماً بيبناً بالمعنى الأخصّ، ولكنهم لم يستدلوا على المفهوم بهذا المسلك، بل بمسالك أخرى.
كما استدلوا عليه بإطلاق العليّة في الشرط، فمقتضى قوله: إذا جاء زيد فأكرمه، أنَّ مجيئه علّة مطلقاً في وجوب إكرامه، فهم هنا لم يستفيدوا الانحصارية، بل أصل العليّة المطلقة الثابتة في تمام الأحوال بمقتضى مقدّمات الحكمة. وإطلاق العلّة يستلزم عقلاً أن لا تكون هناك علّةٌ أخرى في بعض الأحوال، وإلَّا لو كان له علّتان لزم أن لا يكون مجيء زيد علّة في تمام الأحوال؛ لأنّنا لو فرضنا أنَّ هناك علّتين فإنَّ كلاً منهما لا بُدَّ وأن يكون جزء العلّة، لاستحالة صدور الواحد من الكثير، فلم يصر مجيء زيد علّة دائمة مطلقة، وإنّما تكون كذلك إذا لم يكن هناك علّة أخرى، فبإطلاق العلّة نثبت انحصار العليّة بواحدة، ومنه يثبت المفهوم. وهذا خلاف ما استفدناه من المنطوق من أنَّ العلّة مطلقةٌ في جميع الأحوال.
فهذا النحو من المفهوم لازم خفي وليس بيّناً، فليس الانتفاء عند الانتفاء لازماً للعليّة المطلقة فقط، بل مع الالتفات إلى أنَّ الواحد لا يصدر من الكثير، وأنَّ العللّ عند اجتماعها لا بُدَّ وأن تكون كلّ واحدة منها جزء العلّة(1).
وهناك ملازمة خفية أخرى قيلت في الاستدلال على ثبوت المفهوم وهي: أنَّ
ــــــــــ[23]ــــــــــ
() لا يلزم الانتفاء عند الانتفاء، بل لابدَّ من حدوده، وهو الانحصار في العليّة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
المنطوق يدلُّ على كون مجيء زيد بعنوانه علّة مع قطع النظر عن إطلاق العلّة، وهذا يلزم منه الانتفاء عند الانتفاء؛ لأنَّه إذا كانت هناك علّة أخرى فيجب أن يكون الجامع بينهما هو العلّة فلا يكون المجيء بعنوان كونه مجيئاً علّة، وهذا ليس من الدلالة البيّنة لا بالمعنى الأخصّ ولا بالمعنى الأعمّ(1).
إذن، هذا التعريف للمفهوم غيرُ تامٍّ أيضاً؛ لأنّه لا يناسب جملة من مسالك المفهوم.
ــــــــــ[24]ــــــــــ
() قال في الدورة الثانية: فيما يتعلّق بالمقام عند مناقشته للميرزا النائيني: وقرّب الاستدلال بقاعدة الواحد لا يصدر إلَّا من واحد بتقريبين:
الأوّل: أنَّ الشرط في الجملة الشرطية هو العلّة، سواء سبقه شيء أو لحقه.
الثاني: أنَّ الشرط المذكور دخيلٌ بعنوانه، فلو كان غيره دخيلاً لكان خلاف ذلك.
أنَّ الأوّل مبني على الواحد الشخصي، والثاني مبني على الواحد النوعي، ولم يقل: إنّها لو تمت يثبت المفهوم، وإنّما قال: لأنَّها غير تامّة في نفسها.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ذكر المحقّق الخراساني(1) في الكفاية أنَّ المفهوم هو: حكم إخباري، أو إنشائي تستتبعه(2) خصوصيّة المعنى المأخوذة في المنطوق والمدلول المطابقي، سواء وافقه في الكيف أو خالفه، أي: سواء وافقه في السلب والإيجاب أو خالفه.
وكأنّه أراد الفرار من الإشكالات السابقة، فهو أراد -أنّ المفهوم لازم لخصوصيّةٍ، خصوصيّة المعنى المأخوذة في المنطوق والمدلول المطابقي، لا لأصل المدلول المطابقي- أن يخرج المداليل الالتزامية الأخرى؛ لأنَّها مدلولة لنفس المدلول المطابقي، في حين أنَّ المفاهيم ليست مدلولةً لنفس المدلول المطابقي، بل مستقاة من حدود معيّنة فيه، هي التعليق والانحصارية.
فمثلاً: الوضوء مترتّب لأصل المدلول المطابقي، وهو وجوب الصلاة، أمّا مفهوم الشرط فليس لازماً ومترتّباً على الشرطيّة، بل لازم لخصوصيّة في الربط، وهو كون الربط بنحو العليّة الانحصارية.
وأراد بقوله: (سواء وافقه في الكيف أو خالفه) إدخال مفهوم الموافقة مع
ــــــــــ[25]ــــــــــ
() كفاية الأُصول: 193.
(2) لازم الخصوصيّة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
مفهوم المخالفة، وإدراجهما في محلِّ الكلام، فإنَّ مفهوم الموافقة موافق للمنطوق في السلب والإيجاب، ومفهوم المخالفة مخالف له في ذلك.
ولكن هذا الكلام غير صحيح: أمّا أولاً: فلأنّ التعريف لا يُعقل شموله لمفهوم الموافقة؛ لأنّه مدلول لذات المدلول المطابقي، لا أنَّه مستقى من حدٍّ من حدوده، وهذا –أي: كون المفهوم مدلولاً للمدلول المطابقي بحدٍّ من الحدود- إنَّما يتصوّر في مفهوم المخالفة دون مفهوم الموافقة، فحال مفهوم الموافقة حال المقدّمة في كونه تابعاً لأصل المدلول المطابقي. فإنَّ جعلنا المفهوم هو مطلق ما كان مدلولاً بالالتزام دخل المفهوم الموافقي، ودخلت معه أيضاً جميع المداليل الالتزامية، وإنّ خصصناه بحدٍّ من حدود المدلول خرج مفهوم الموافقة.
وهذا الإشكال إنّما يتمّ بالنسبة إلى المحقّق الخراساني نفسه حيث أراد إدخال مفهوم الموافقة في سلك المفاهيم، أمّا نحن فإنّما عقدنا بحث المفاهيم لبحث مفهوم المخالفة فقط(1).
ــــــــــ[26]ــــــــــ
() هذا إنّما يصحّ باعتبار أنَّ المفهوم لازم لخصوصيّة في المدلول المطابقي، وهي الانحصارية لا نفس المدلول، وهو الترتّب. هذا يتمّ حينئذٍ، ولكن من يتمسك بالمفهوم بإطلاق العليّة الذي يلزم من إطلاقها الانحصار والمفهوم بناءً عليه نرى أنّ المدلول المطابقي هو الترتّب وإطلاق العليّة. إذن، المفهوم لازم لإطلاق المدلول المطابقي لا لخصوصيّة فيه، بل لنفسه وهو الإطلاق، فيلزم منه أنَّ كلّ ما يكون لازماً لإطلاق المدلول المطابقي يكون مفهوماً، في حين إنّه باطل، كما في قول الآخوند: من أنّ وجوب المقدّمة عند وجوب ذيها من شؤون إطلاق الطلب. إذن، هذا من شؤون إطلاق المدلول المطابقي. وهذا نفس ما قيل في المفهوم. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ثانياً: أنَّ التعريف لا يصحّ في مفهوم المخالفة أيضاً؛ لكون المفهوم عبارة عن حكم إخباري أو إنشائي مستتبع لحدٍّ من حدود المدلول المطابقي غير صحيح؛ لأنَّه قد يمكن افتراض مدلول التزامي لحدٍّ من حدود المدلول المطابقي، مع أنّه ليس مفهوماً بلا إشكال(1).
وليس كلّ المداليل الالتزامية التي يستتبعها من حدود المدلول المطابقي هي مفاهيم، كما يظهر من جواب تعريف المحقّق الأصفهاني الآتي ذكره.
ــــــــــ[27]ــــــــــ
() قال في الدورة الثانية: لو قيل: (صلِّ)، وقيل: إنّ المدلول المطابقي هو الطلب، وكان الوجوب خصوصيّةً ثابتةً بالإطلاق ومقدّمات الحكمة، فيكون الوجوب لازماً لوجوب الصلاة الذي هو خصوصيّة زائدة، مأخوذة في المدلول المطابقي، ثابتةٌ بمقدّمات الحكمة.
وقد اختار في تعريف المفهوم: كلّ مدلول التزامي تكون نكتة اللزوم فيه قائمة بربط الحكم بطرفه.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ما ذكره المحقّق الأصفهاني(1): من أنَّ المفهوم هو التابع في الانفهام للمعنى المنطوقي. فالمفهوم -على حسب هذا التعريف- هو ما يُفهم بالتبع، لكنّه ليس كلّ ما يفهم بالتبع، بل لا بُدَّ أن تكون حيثية انفهامه مأخوذة في المدلول المطابقي حتّى يسمّى مفهوماً، وإلَّا فلا يسمّى مفهوماً. فمثلاً الانتفاء عند الانتفاء مدلول مفهومي؛ لأنَّه مفهوم بالتبع وبلحاظ حيثية الانفهام بالتبع، وهي الانحصارية، بخلاف مقدّمة الواجب فإنّه لم يؤخذ فيها حيثية الانفهام بالتبع؛ لأنّ (صلّ) يدلّ على ذات الملزوم لا على الحيثية التي بها نفهم ترتّب اللازم على الملزوم.
وهذا التعريف بحسب الواقع نتيجة لتعريف المحقّق الخراساني(2)؛ لأنّه قد ذكر فيه وجوب كون خصوصيّة ترتّب هذا على ذاك مأخوذة في المدلول المطابقي، وهذا لا يتعدى كونه توضيحاً لذلك التعريف.
ومقصوده بهذه الخصوصيّة هي الخصوصيّة الكاشفة عن ترتّب اللازم على الملزوم، أي: الخصوصيّة التي بها يكون اللازم لازماً للملزوم، وهي غير
ــــــــــ[28]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 575، 576.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 193.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
موجودة في (صلّ)، بل الموجود ذات الملزوم وهو وجوب الصلاة. أمّا برهان الملازمة فهو غير مذكور، بخلاف الشرط فإنّ هذه الخصوصيّة موجودة، وهي الانحصار الذي هو ملاك الملازمة في الانتفاء عند الانتفاء.
هذا هو مقصوده، إلَّا أنَّ الجواب على ذلك يرد كما يلي:
أنَّ هذه الخصوصيّة التي هي ملاك الملازمة: إمّا أن يراد بها صغرى برهان الملازمة، وإمّا كبراه.
ففي وجوب الصلاة مثلاً: الصغرى هي أنَّ الصلاة متوقفة على الوضوء، والكبرى هي أنَّ ما يتوقّف عليه الواجب يستحيل أن لا يكون واجباً.
فخصوصيّة الملازمة إن أُريد بها أخذ الصغرى في برهان الملازمة فهي مما يمكن أخذها في غير المفاهيم أيضاً، كما لو أمر بما يتوقّف على الوضوء فإنّ دلالته على الوضوء لا يسمّى مفهوماً(1).
أمّا الكبرى فقد لا تكون مأخوذةً حتّى في المفاهيم، كما لو فرضنا أنَّ المأخوذ في المفهوم هو العلّة المطلقة. والكبرى في المقام هي إستحالة وجود علّة أخرى، وإلّا لم تكن هذه العلّة علّة مطلقة، وهي لم تؤخذ في المنطوق.
إذن، الخصوصيّة المأخوذة في المدلول المطابقي إن كانت الصغرى -في برهان الملازمة- فقد تؤخذ ولا يكون المدلول مفهوماً، وأمّا الكبرى فقد لا تؤخذ حتّى في المفاهيم.
ــــــــــ[29]ــــــــــ
() مع أنّ صغرى برهان الملازمة مأخوذ فيه بعد أن دلّ الدليل على وجوب الصلاة المشروطة بالوضوء. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إذن، كلّ هذه التعاريف غير تامّة. والتحقيق لا بُدَّ وأن ينتهي بنا إلى تعريف آخر.
يختلف المحقّق الأصفهاني مع المحقّق الخراساني في تعريف المفهوم، فإنّ صاحب الكفاية(1) قيّد المفهوم بأنّه المدلول الالتزامي التابع لخصوصيّة في المدلول المطابقي، لا لأصل المدلول المطابقي، أي: على أن تكون هذه الخصوصيّة مأخوذةً فيه. وبهذا أخرج صاحب الكفاية وجوب المقدّمة في قول الشارع (صلّ)؛ لأنَّها مدلولة لنفس المدلول المطابقي لا لحدٍّ من حدوده.
أمّا المحقّق الأصفهاني(2) فلم يشترط في المفهوم أن يكون لازماً لخصوصيّة في المدلول المطابقي، وإنّما قوام مفهومية المفهوم عنده أن يكون المفهوم تابعاً في الانفهام للمدلول المطابقي، سواء كان تابعاً في الانفهام لأصله أو لخصوصيّة فيه، على شرط أن يكون المنطوق متكفلاً لبيان حيثية الانفهام.
وتوضيح ذلك: أنّه إذا وجدت ملازمة بين شيئين، كالملازمة الواقعة بين المقدّمة ووجوب الصلاة، أو الملازمة الواقعة بين ترتّب الجزاء على الشرط وبين الانتفاء عند الانتفاء، فتارةً يكون المنطوق متكفلاً لبيان ذات الملزوم إمّا بنفسه وإمّا لخصوصيّة فيه، وذلك كوجوب المقدّمة، وتارةً يكون المنطوق متكفّلاً لذات الملزوم بما أنّه متحيّث بالحيثية التي نفهم بها أنّه ملزومٌ، أي: تلك الحيثية
ــــــــــ[30]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 193.
(2) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 409، 410.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الواقعيّة التي يكون بها الملزوم ملزوماً ويفهم منها كونه ملزوماً، وهذا معنى حيثية الانفهام التبعي.
فإذا كان المنطوق متكفلاً لبيان ذات المدلول فهو لازمٌ عقليٌ وليس مفهوماً، كما في (صلّ) الذي تكفل ذات الملزوم، وهو وجوب الصلاة، لا الحيثية التي يكون بها الملزوم ملزوماً.
وأخرى يكون المنطوق متكفلاً لبيان الملزوم بما أنّه متحيّث بتلك الحيثية التي يكون بها الملزوم ملزوماً وتابعاً في الانفهام للازم، وحينئذٍ يدخل الملزوم في باب المفاهيم.
وذلك كما في مدلول القضية الشرطيّة الذي هو -إمّا وضعاً وإمّا إطلاقاً- ترتّب الجزاء على الشرط بحيثية كونه انحصارياً، وهذه الحيثية هي نفسها حيثية الملازمة، فحيثية الانفهام التبعي التي يكون بها الانتفاء عند الانتفاء لازماً لترتّب الجزاء على الشرط مذكورة في المنطوق، وبذلك يفترق المفهوم عن وجوب المقدّمة.
ولهذا قال: إنَّنا إذا فرضنا أنَّ القضية الشرطيّة تدلّ على واقع الانحصار لا على كونه منحصراً، أي: أنَّ الشرط هو في علم الله علّةٌ منحصرةٌ للجزاء، وأنّه في الواقع يلزم منه الانتفاء عند الانتفاء، ولكن اللفظ لا يدلّ على هذه الحيثية التي يكون بها الملزوم ملزوماً، فإنّها حينئذٍ لا تدلّ على المفهوم.
وخلاصة القول: أنّه إذا كان المنطوق متكفلاً لبيان ذات الملزوم المتحيّث لا يسمّى مفهوماً؛ لأنّ الملزوم وإن كان عقلياً لكنه لم يُذكر بحيثية كونه ملزوماً،
ــــــــــ[31]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أمّا إذا كان الكلام متكفلاً لبيان تلك الحيثية التي يكون بها اللازم لازماً والملزوم منفهماً منه -وهو كون الترتّب انحصارياً- كان اللازم مفهوماً.
هذا تمام توضيح ما أفاده المحقّق الأصفهاني.
وبهذا اتّضح الفرق بينه وبين ما أفاده المحقّق الخراساني، حيث إنَّ المحقّق الأصفهاني(1) أفاد: أنَّ المفهوم عبارة عن المدلول الالتزامي الذي يكون لازماً للمدلول المطابقي، سواء لأصل المدلول المطابقي أو لخصوصيّة فيه، لكن بشرط ذكر حيثية كونه ملزوماً، وإلّا فاللازم لازمٌ عقليٌ صرفٌ.
وقد سبق أن اعترضنا عليه(2) بأنَّ هذا التعريف لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنّ الحيثية التي يكون بها الملزوم ملزوماً، لا نفهم منها إلَّا أنّها عبارة عن البرهان القياسي لثبوت الملازمة؛ لأنَّ هذه الحيثية التي نفهم بها هذا من ذاك، أي: نفهم الانتفاء عند الانتفاء من ترتّب الجزاء على الشرط بنفس برهان الملازمة، ولا نتعقّل أنَّ هناك حيثية أخرى، فإنّ هذا البرهان هو حيثية الانفهام.
وهذا البرهان لا محالة مركّب من صغرى وكبرى. ففي وجوب الصلاة
-مثلاً- نقول: الصلاة متوقفة على الوضوء، وكلّ ما يتوقّف عليه الواجب يستحيل أن لا يكون واجباً، أمّا الصغرى فنثبتها من الخارج، وأمّا الكبرى فنثبتها بدليل عقلي آخر، من حيث إنّه إذا كان ما يتوقّف عليه الواجب جائزاً انقلب الواجب نفسه جائزاً أيضاً، وهو خلف.
ــــــــــ[32]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 409.
(2) راجع: ص29.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فحين يقول المدّعي: إنّه إذا أُخذت حيثية الانفهام في المنطوق يكون اللازم مفهوماً، وقلنا: إنَّ هذه الحيثية هي البرهان المنتج لفهم اللازم، فإمّا أن يكون المدّعى هو أخذ صغرى هذا البرهان في المنطوق، وإمّا أخذ الكبرى، فإن كان المدّعى أخذ صغرى برهان الملازمة في المنطوق فإنّها قد تُؤخذ في غير المفاهيم أيضاً، كما لو أمر بما يتوقّف على الوضوء فالصغرى مأخوذة في المدلول المطابقي، وهو وجوب الفعل بما أنّه متوقّف؛ لأنَّ الدليل دلّ على وجوب الصلاة بعنوان أنّها متوقفة على الوضوء، مع أنَّ الملزوم لا يكون مفهوماً. إذن، حيثية الصغرى قد تكون مأخوذةً في المنطوق ولا يكون الملزوم مفهوماً.
وأمّا كبرى برهان الملازمة فلأنَّها قد لا تؤخذ حتّى في بحث المفاهيم، مثل من يثبت المفهوم عن طريق إطلاق العليّة، حيث نقول: هذه علّة مطلقة في جميع الأحوال، وكلما تكون العلّة مطلقة يستحيل أن تكون معها علّة أخرى وإلَّا لم تكن علّة مطلقة. فالكبرى في هذا القياس غير مأخوذة في المنطوق.
إذن، تحصّل ممّا سبق إذا كان المقصود من حيثية الانفهام شيء آخر غير برهان الملازمة فنحن لا نتعقّل ذلك، وإن كان المقصود بها صغرى البرهان فهي قد تؤخذ في غير المفاهيم، وإن كان المقصود الكبرى فيه فقد لا تؤخذ حتّى في المفاهيم.
فتحصّل: أنَّ كلَّ هذه التعاريف ممّا لا يمكن المساعدة عليها.
والتحقيق فيما نحن فيه أن يقال: بأنَّ اللازم للقضية التي يجعل فيها حكم من الأحكام، إمّا أن يكون مدلولاً التزامياً لنفس الحكم، بحيث ينحفظ هذا
ــــــــــ[33]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
المدلول الالتزامي حتّى لو أبدلنا جميع أطرافه، غاية الأمر أنَّ أطرافه تتبدّل، كما في وجوب المقدّمة، فوجوبها مدلول التزامي لدليل ذيها، لكنّه لنفس الحكم بالوجوب، بحيث لو أبدلنا تمام متعلّقات الوجوب يبقى الوجوب على حاله، غاية الأمر أنَّ متعلّقاته تختلف.
وإمّا أن يكون مدلولاً التزامياً لطرف الحكم بما هو طرفٌ للحكم، كما هو الحال في مفهوم الموافقة، نحو: أكرم خدام العلماء. الدالّ بمفهوم الموافقة على وجوب إكرام المخدومين أيضاً، فإنّه لا يبقى له مفهوم موافقة لو أبدل الطرف، كما إذا قيل: لا تكرم خدام العلماء. فإنَّ هذا لا يعني سريان الحكم للمخدومين، بل إنَّ العلماء أصل لكلِ إكرام.
وهنا في هذا القسم لوحظت خصوصيّة المتعلّق لا خصوصيّة الحكم كالقسم الأول. وكلا هذين القسمين خارجان عن محلّ الكلام. فنحن لا نبحث في المدلول الالتزامي لذات الحكم، ولا لطرف الحكم، بل نبحث في قسم ثالث وهو ما كان مدلولاً التزامياً للربط بين الحكم وبين متعلّقاته، بحيث لو أبدلنا أطرافه كلّها يبقى المفهوم ثابتاً، وذلك بخلاف المدلول الالتزامي لذات الحكم، فإنَّه وإن كان يستلزم الانتفاء عند الانتفاء إلَّا أنَّ تغيير الحكم يستلزم تغيير اللازم، وكذلك بالنسبة إلى المدلول الالتزامي لطرف الحكم فإنّه ينتفي بانتفائه.
إذن، المدلول الالتزامي ثلاثة أقسام: قسم يتعلّق بذات الحكم، بحيث لو أبدلناه لم يبقَ المدلول الالتزامي. وقسم يتعلّق بطرف الحكم، بحيث لو أبدلناه لم
ــــــــــ[34]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
يبقَ. وقسم يتعلّق بالربط بين الحكم والطرف، بحيث إنّه يبقى محفوظاً حتّى مع تغيير جميع الأطراف، بحيث لو أبدلنا طرفا الربط لم يتغيّر المدلول الالتزامي.
وهذا هو الضابط الكلّي للمفاهيم، وبه يتبيّن أنّنا لا نتكلّم في المقام عن مقدّمة الواجب، ولا الضدّ، ولا مفهوم الموافقة، بل عن مفهوم المخالفة، سواء كان بيّناً بالمعنى الأعمّ أو الأخصّ، وسواء استتبعته خصوصيّة المعنى المأخوذة في المنطوق أو لا، ممّا ذكر في غضون التعاريف السابقة.
بقي لنا أن نذكر أنَّ المحقّق الخراساني فرّع على تعريفه للمفهوم في قوله: “فصحّ أن يقال: إنَّ المفهوم إنّما هو حكم غير مذكور، لا أنّه حكم لغير مذكور”(1).
حيث إنَّه في كلمات السابقين عليه(2) كان يُقال: إنَّ من مقوّمات المفهوم أنّه حكم لموضوع غير مذكور. وقد تنظّر صاحب الكفاية في ذلك بملاك أنَّ الموضوع مذكورٌ في مفهوم المخالفة، فيكون المفهوم حكماً لموضوع مذكور، فزيد هو موضوع وجوب الإكرام على تقديرٍ، وعدم الإكرام على تقديرٍ آخر. فموضوع المنطوق وموضوع المفهوم مذكور.
ولذا جعل عدم المذكورية في المفهوم للحكم خاصّة، فالمفهوم هو حكم غير مذكور، لا أنّه حكم لموضوع غير مذكور. وقد فرّع هذا البيان على تعريفه من أنَّ المفهوم مدلول التزامي من حيث إنَّ المدلول الالتزامي لا شكّ يكون
ــــــــــ[35]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 193.
(2) انظر: مطارح الأنظار: 167، هداية المسترشدين 2: 411.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
غير مذكور في المنطوق، وهو في مثالنا عدم وجوب الإكرام.
وهنا يقع الكلام في كلام المشهور وكلام الآخوند: هل يصحّ لنا أن نقول: إنَّ المفهوم هو حكم لموضوعٍ غير مذكور -كما قال المشهور- أو أن نقول: إنّه حكم غير مذكور -كما ذكر صاحب الكفاية- أو لا يصحّ لنا مثل ذلك؟
أمّا بالنسبة إلى الكلام المشهوري -الذي يقول: إنَّ المفهوم هو حكم لموضوع غير مذكور- فهذا القول يكون تارةً بلحاظ مفهوم المخالفة، وتارةً بلحاظ مفهوم الموافقة. أمّا في مفهوم المخالفة، فإن أُريد بالموضوع الذي قيل إنَّه غير مذكور هو موضوع الحكم بحسب مقام الإسناد في عالم الكلام، فهذا كما ذهب إليه الآخوند، فإنّ الموضوع في القضية الشرطيّة في عالم الإسناد في الكلام يكون مذكوراً وهو زيد، أمّا مجيئه فهو قيد في ترتّب الحكم على الموضوع، لا أنّه مأخوذ في الموضوع.
وإن أُريد به الموضوع بحسب الجعل والثبوت، فقد يكون موضوعه بحسب عالم الجعل ليس مذكوراً، كما بنى عليه المحقّق النائيني في بحث الواجب المشروط(1) من أنَّ جميع القيود لا بُدَّ أن تُؤخذ مفروضة الوجود في طرف الموضوع، فيمكن حينئذٍ أنَّ يُقال بأنّ الموضوع غير مذكور، حيث إنَّ عدم مجيء زيد مقوّمٌ للموضوع في القضية، فالموضوع هو زيد غير الجائي وهو غير مذكور، وحينئذٍ تتم الدعوى المشهورية، لكن بمعنى: أنّه ليس مذكوراً بما هو موضوع للمنطوق، ولكنه مذكور كحدٍّ من حدود الموضوع المنطوقي، وذلك كمفهوم
ــــــــــ[36]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 1: 170-176.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الغاية، فإنَّ الحكم مترتّب على الغاية، نحو (صمّ النهار إلى الليل) وموضوع العدم هو الليل، وهو مذكور في المنطوق، ولكنه ليس مذكوراً كموضوع للمنطوق، وإنَّما كحدٍّ من حدوده، وهذا الكلام يتمّ بناءً على أنَّ الغاية خارجة. إذن، فكلام المشهور يتمّ على أنّه مذكور كحدٍّ للمنطوق لا كموضوع له.
أما بناءً على مبنى المحقّق العراقي(1) من أنَّ الشروط على قسمين: شروط مقوّمة للموضوع، وشروط في ترتّب الحكم على الموضوع، والشرط ليس دائماً يجب أن يكون مأخوذاً في الموضوع. فهنا من الممكن انحفاظ الموضوع، فزيد هو الموضوع لكلِّ من المفهوم والمنطوق، وعدم المجيء أُخذ شرطاً في ترتّب الحكم على الموضوع، والموضوع نفسه مذكور.
والخلاصة: أنّه إن أُريد بكلام المشهور -أنَّ المفهوم حكم لموضوع غير مذكور- أنّ الموضوع هو الموضوع في عالم الكلام والإسناد، فهذا غير صحيح؛ لأنَّه مذكور. وإن أُريد الموضوع بحسب عالم الجعل والثبوت للمفهوم، فهو على مبنى الميرزا -من أنّ جميع القيوّد راجعة للموضوع- يكون الموضوع زيداً غير الجائي، وهو غير مذكور، ولكنّه غير مذكور بوصفه موضوعاً للحكم في المنطوق، ولكنّه مذكور كحدٍّ من حدود المنطوق، حيث إنّه ربما كان موضوع المفهوم مذكوراً كحدٍّ للمنطوق، كمفهوم الغاية.
أمّا على مبنى المحقّق العراقي فمن الممكن أن يقال: إنَّ زيداً هو الموضوع وحده، وعدم المجيء هو شرط في الترتّب، فيكون الموضوع مذكوراً.
ــــــــــ[37]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول 1: 395.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
هذا بالنسبة إلى الكلام المشهور.
أمّا كلام صاحب الكفاية -أنّ المفهوم هو حكم غير مذكور- فإن أُريد به شخص الحكم غير المذكور فهو تامّ في جميع المداليل الالتزامية، ولو كانت المداليل الالتزامية مذكورة لانقلبت مداليل مطابقية. وإن أُريد به نوع الحكم غير المذكور فهذا يصحّ فقط في باب مفهوم المخالفة، فإنَّ نوع عدم وجوب الإكرام غير مذكور؛ لوجود الاختلاف في الكيف بينهما، فإنَّ المنطوق إيجابي والمفهوم سلبيّ. إذن، المفهوم غير مذكور بسنخه في المنطوق.
ولكن هذا الكلام لا يتمّ في مفهوم الموافقة، فإنَّ سنخ الحكم في قوله تعالى فلاَ تَقُلْ لَـهُمَا أُفٍّ(1) -وهو الحرمة- مذكور في المنطوق، غاية الأمر أنَّ متعلّقهما يختلف، بل قد يكون المتعلّق واحداً، كأكرم خدام العلماء الدالّ بمفهومه الموافقي على وجوب إكرام العلماء أنفسهم، فأصل الوجوب مذكور بسنخه، ومتعلّقه وهو الإكرام مذكور أيضاً. غاية الأمر أنَّ الموضوع غير مذكور، وقد يكون الموضوع مذكوراً أيضاً كقولك: (إذا جاهد زيد مع العالم المجتهد فأكرمه) الدالّ بمفهومه الموافقي على وجوب الإكرام إذا جاهد مع الإمام، فسنخ الحكم وهو الوجوب مذكور، ومتعلّقه وهو الإكرام مذكور أيضاً، والموضوع وهو زيد مذكور أيضاً، غاية الأمر أنَّ الموضوع هو الذي أختلف، وهو في المنطوق الجهاد مع المجتهد، وفي المفهوم الجهاد مع الإمام.
هذا تمام الكلام في هذه التبعات.
ــــــــــ[38]ــــــــــ
(1) الإسراء: 23.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
المقام الثاني: تحقيق الضابط الكلّي لاقتناص المفهوم
ــــــــــ[39]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
يقع الكلام في تحقيق الضابط الكلّي في اقتناص المفهوم للقضيّة ذات المفهوم، فما هو هذا الضابط؟
بعضهم ذكر الضابط بلحاظ جميع المفاهيم(1)، وبعضهم ذكره بلحاظ القضية الشرطيّة، ثُمَّ يحوّل عليه في غيرها من المفاهيم. وهناك مسلكان في بيان هذا الضابط: مسلك المشهور الذي ذكره صاحب الكفاية(2) والنائيني(3)، وهو بيان للضابط في مطلق المفاهيم، وإن ذكراه في خصوص القضية الشرطيّة. والمسلك الذي تفرد به المحقّق العراقي(4). وهذان المسلكان متعاكسان، فما جعله المشهور محلاً للبحث جعله المحقّق العراقي مجمعاً عليه وبحث حول شيء آخر، وكذلك بالنسبة إلى المشهور في موقفه من قول المحقّق العراقي. وهذا من طرائف النزاع بين المحقّقين ودقائقه.
والتحقيق: أنَّ كلا المسلكين غير خالٍ من الإشكال. ونحن في هذا الصدد لا بُدَّ أن نذكر كلا المسلكين مع وجه التنظّر فيهما، ثُمَّ نذكر التحقيق بعد ذلك.
ــــــــــ[41]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار 2: 468-478.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 193.
(3) انظر: أجود التقريرات 1: 413.
(4) انظر: مقالات الأُصول 1: 395.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
قيل(1): بأنَّ اقتناص المفهوم من القضية الشرطيّة يتوقّف على إثبات دلالة القضية الشرطيّة على أمور:
الأمر الأول: اللزوم، أي: أنّ ترتّب الجزاء على الشرط إنّما يكون على نحو اللزوم لا المصادفة المحضة والاتفاق.
الأمر الثاني: أن يكون اللزوم لزوماً ترتّبياً، أي: لزوم مترتّب على مترتّب عليه، لا لزوماً عرضياً؛ لأنّ المتلازمين تارةً يكون تلازمهما ناشئاً من كونهما معلولين لعلّة ثالثة. وتارةً يكون ناشئاً من أنَّ الجزاء علّة والشرط معلولاً. فإذا كان اللزوم ترتّبياً يثبت المفهوم وإلّا فلا.
الأمر الثالث: أن يكون هذا الترتّب على نحو ترتّب المعلول على علّته التامّة، فإن كان على نحو ترتّب المعلول على علّته الناقصة فلا يستفاد المفهوم(2).
الأمر الرابع: أن يكون الترتّب ترتّباً على نحو العلّة المنحصرة لا العلّة ذات البدل أو العدل، وإلَّا لم يكن هناك انتفاء عند الانتفاء.
ــــــــــ[42]ــــــــــ
() انظر: فوائد الأصول 2: 475، 476.
(2) ترتّباً علّيّاً لا ترتّباً آخر زمانيّاً أو طبعيّاً كترتّبه على جزء علّته. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
والآخوند(1) لم يصرّح بهذه الوجوه الأربعة، وإنّما قال: بأنَّ ترتّب الجزاء على الشرط لا بُدَّ وأن يكون على نحو ترتّب المعلول على علّته المنحصرة. وتحليل هذه العبارة ينتج هذه الشروط الأربعة.
وأمّا في تقريرات النائيني(2): فذكر أنَّ الشرائط في ثبوت المفهوم ثلاثة، هي: أن يكون الترتّب لزومياً لا اتفاقياً، وأن يكون اللزوم على نحو العليّة
–أي: عليّة الشرط للجزاء- وأن تكون العلّة انحصارية. ولعلّ مراد الآخوند هو هذه الشرائط الثلاثة، وإن كان يبدو من عبارته أنّها أربعة.
وعلى أيّ حال فالظاهر أنَّ الضابط الكلّي في المفهوم وجود شرائط إمّا ثلاثة وإمّا أربعة، والفرق بينهما هو استثناء شرط تماميّة العلّة في تقريرات المحقّق النائيني من الضابط الكلّي.
وهم لم يستدلوا على هذه الشرائط، وإنّما استدلوا على أنَّ القضية الشرطيّة هل تكفل هذه الشرائط أو لا؟ وإنّما أشاروا فقط إلى وجه ذلك من حيث إنَّ الشرط الأخير -وهو الانحصارية- لا بُدَّ منه في المفهوم، وبما أنّه متوقّف على الشرائط الأولى ومترتّب عليها، فلا بُدَّ منها؛ لأنّ الشرط الرئيسي -وهو الرابع- متوقّفٌ عليها.
ومحصّل الدعوى المشهوريّة: أنّه إذا أمكن إثبات دلالة الكلام على هذه الأمور الأربعة يثبت المفهوم. وإن لم يمكن إثبات ذلك بالوضع أو الإطلاق لا يثبت المفهوم.
ــــــــــ[43]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 139.
(2) انظر: أجود التقريرات 1: 413.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
والتحقيق: عدم تماميّة الكلام في كلا شقيه، فلا أنَّ ثبوت المفهوم مترتّب على توفرها، ولا أنَّ عدمه مترتّب على عدم واحد منها. إذ يمكن إثبات المفهوم مع أنَّنا لا نعترف بها.
إذن، دعوى ثبوت المفهوم على هذه الشرائط الثلاثة أو الأربعة غير صحيح؛ لإمكان ثبوت المفهوم في اثنين منها. ودعوى أنَّ المفهوم ينتفي بانتفاء أحدها غير صحيح أيضاً؛ لإمكان ثبوت المفهوم ببعضها. إذن، المفهوم لا يدور مع هذه الأربعة وجوداً ولا عدماً. فهو إشكال واحد ينقض الطرفين، وبهذا اللحاظ ينحلّ إلى إشكالين:
الإشكال الأول: أنَّ هذه الشروط لا دخل لها بتمامها في إثبات المفهوم، بل نثبته بلا حاجة إليها(1)(2).
ــــــــــ[44]ــــــــــ
() لم يذكر الإشكال الثاني، والذي هو عبارة عن: عدم انتفاء المفهوم وأحد الشروط الثلاثة أو الأربعة؛ لإمكان إثباته ببعضها. (المُقرِّر).
(2) ذكر السيّد في الدورة الثانية الضابط المشهوري لاقتناص المفهوم، وقسّمه إلى ركنين:
أحدهما: العليّة الانحصارية. والآخر: كون المعلّق سنخ الحكم. والكلام عن كل واحدٍ من الركنين يقع على حدة.
الركن الأوّل: أنَّ الجملة الشرطيّة -كأيّ جملةٍ- لها مفاد تصوّري ومفاد تصديقيّ، والمفهوم تارةً يُدّعى اقتناصه على المستوى التصوّري وأخرى يُدّعى اقتناصه على المستوى التصديقي، وعليه فلابدّ من الكلام في كلا هذين المستويين:
المستوى الأوّل: فيما هي النكتة لاقتناص المفهوم على مستوى المدلول التصوّري للجملة،=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[45]ــــــــــ
=وبها تدلّ الجملة على الانتفاء عند الانتفاء على المستوى التصوّري أيضاً.
فالمدلول التصوّري للجملة الشرطية هو الربط بين الشرط والجزاء بنحو المعنى الحرفي، الذي يوازيه كلمة (الربط) بنحو المفهوم الاسمي، وهذا الربط يُتصوّر على نحوين:
النحو الأوّل: الربط بمعنى توقّف الجزاء على الشرط –أي: أنَّ الربط منظور له من جانب الجزاء- ونستطيع أن نسمّيها بالنسبة التوقّفيّة أو الالتصاقية، وما يوازيه من المفهوم الاسمي أن نقول: إكرام زيدٍ موقوفٌ على مجيئه.
النحو الثاني: الربط الاستلزامي والإيجادي للشرط بالنسبة إلى الجزاء –أي: أنَّ الربط منظور له من جانب الشرط- وهي النسبة الإيجادية والاستلزامية، وما يقابله من المفهوم الاسمي أن نقول: مجيء زيدٍ يستلزم وجوب إكرامه.
والجملة الشرطية لو دلّت على النسبة بالنحو الأوّل دلّت على المفهوم؛ بدليل أنّنا لو لاحظنا المفهوم الاسمي الموازي له لّما شكّ أحد في المفهوم، من دون فرق بين وجود العليّة واللزوم وعدمه، بل حتّى لو توقّف عليه وألتصق به صدفة.
فالنكتة الأساسية في استفادة المفهوم هي دلالتها على النسبة التوقّفيّة والالتصاقية. وأمّا حيثية الالتصاق هل هي بنحو العليّة أو الصدفة؟ فهي حيثية تعليليّة لا أهمية لها في استفادة المفهوم.
وأمّا لو دلّت الجملة على النسبة بالنحو الثاني، فمن الواضح أنّه لا مفهوم له؛ بدليل أنّ موازيها الاسمي لا يدلّ عليه؛ إذ لعلّه توجد علّة أخرى للجزاء.
فإن قيل: فإنّنا نقيّد النسبة الايجادية بالانحصار فيستفاد المفهوم.
قلنا: إنَّ أخذ الانحصار في المدلول التصوّري يتوقّف على أن نحوّل الانحصار إلى معنى نسبي حرفي، ليوضع له الحرف أو الهيئة، وليس هناك معنى حرفي من هذا القبيل؛ لأنّ= تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[46]ــــــــــ
=الاستلزامية لا يختلف حالها مع وجود ملزوم آخر وعدمه، ولا يتحصّص إلى حصّتين أو صنفين.
نعم، يمكن التصنيف بالمفهوم الاسمي للانحصار، إلَّا أنَّه خلف كونه معنىً حرفياً.
إذن، الضابط في استفادة المفهوم في المدلول التصوّري هو أن نثبت الربط الذي تدلّ عليه الجملة بنحو النسبة التوقّفيّة لا الاستلزامية.
ثُمَّ ذكر أنّ بين النسبتين تبايناً واختلافاً جوهريّاً، وليس التركيز في إحداهما على الشرط وفي الأخرى على الجزاء، خلافاً لِما قاله في الدورة السابقة. وهذا يوحي بأنّهما تعبير عن شيء واحد، إلَّا أنّهما في الحقيقة متباينان في الماهية؛ فإنّه بالنسبة إلى النسبة الاستلزامية نقول: الشرط يستلزم الجزاء، والجزاء مستلزم للشرط. وبالنسبة إلى النسبة التوقّفيّة، نقول: الجزاء متوقّف على الشرط، والشرط متوقّف عليه. والجملة الشرطية تدلّ على إحداهما لا عليهما معاً.
قلت له [المقرر]: إنّ ضمّ كلا النسبتين إلى كون الجزاء هو سنخ الحكم كضمّ الحجر إلى جنب الإنسان؛ فإنّه لو كان الجزاء سنخ الحكم كانت كلا النسبتين دالّتين على المفهوم، ولو كان الجزاء شخص الحكم فكلاهما لا يدلّ على المفهوم.
فأجاب: بأنَّ الثاني صحيح والأوّل غير صحيح؛ لأنّ النسبة الاستلزامية لو كان الجزاء هو سنخ الحكم فيها لم تدلّ على المفهوم؛ لاحتمال أن يكون فرداً آخراً من طبيعي الحكم له علّة أخرى.
فقلت له: إلَّا بضمّ قاعدة: الواحد لا يصدر إلَّا من الواحد.
فقال: نعم، إلَّا أنّه يمّت إلى المدلول التصديقي.
أقول: هذا الكلام منه يدلّ على أنّ النسبة التوقّفيّة لا دخل لها في المفهوم، مع ضمّ كون= تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[47]ــــــــــ
=المعلّق سنخ الحكم أو شخصه. الّلهم إلَّا أن يُريد كون كلا المطلبين بمجموعهما علّة لاستفادة المفهوم. انتهى.
المستوى الثاني: فيما هو الضابط في استفادة المفهوم في المدلول التصديقي، بعد فرض عدم ثبوت المفهوم على المستوى التصوّري، كما لو لم تثبت النسبة التوقّفيّة.
هنا يبدو الملاك المشهوري أوضح؛ فإنّه يكون ملاكاً كافياً لاستفادة المفهوم، لكن بعد تقييده بما قلناه في الإشكال الإجمالي الأوّل، من إمكان الاكتفاء ببعض الخصائص الأربعة المشهورية، فيكون الملاك على هذا المستوى هو التلازم ولو صدفة.
الركن الثاني: ويمكن التعليق على ذلك بتعليقين:
التعليق الأوّل: أنَّ انقسام الإطلاق إلى الشمولي والبدلي لا يعود إلى اختلاف الموضوع أو اختلاف مقدّمات الإطلاق، وإنّما يعود إلى اختلاف المحمول؛ فإنّ المحمول: إمّا أن يقتضي الوجود، وإمّا أن يقتضي العدم، فإن اقتضى الوجود أو الإيجاد اقتضى تأثيره في فردٍ واحدٍ من الطبيعة، فيكفي في صدق المحمول الخبري مجيء رجل واحد، وفي الإنشائي أن يأتي المكلّف بفرد واحد، وإذا اقتضى المحمول العدم أو الأعدام – كما في النفي والنهي- كان مقتضاه انتفاء جميع أفراد الطبيعي.
فليس معنى الإطلاق إلَّا تجريد الطبيعة من جميع الخصوصيات، وأمّا هذا الانقسام في الإطلاق فيعود إلى المحمول. وحينئذٍ يكون مفاد الجملة الشرطية: أنّ الطبيعة المعراة عن الخصوصيات معلّقة على الشرطِ ومربوطةٍ به، فإن كانت الجملة تفيد النسبة التوقّفيّة أو العليّة الانحصارية – بمعنى أنّ الركن الأوّل كان تامّاً – كان المفهوم تامّاً؛ لأنّ النسبة التوقّفيّة تفيد الضيق والقيد. فهي كالنفي والنهي في انتفاء كلّ أفراد الطبيعة عند انتفاء الشرط. وإن كانت الجملة دالّة على النسبة الإيجادية لم يكن المفهوم مستفاداً؛=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[48]ــــــــــ
=لأنّ الإيجاد من سنخ الأمر، يكفي فيه إيجاد فرد واحد. ومعه فإذا كان كلا الركنين تامّين كان المفهوم مستفاداً.
التعليق الثاني: أنّنا لو استفدنا العليّة الانحصارية على مستوى المدلول التصديقي، فبعض التقريبات التي ذكروها للمفهوم يمكن أن تتمّ مع تماميّة هذا الركن فقط. ولا تحتاج إلى الركن الثاني، بمعنى: أنّها تتمّ حتّى لو كان المعلّق شخص الحكم. فمثلاً: كان أحد التقريبات يفيد: بأنَّ مقتضى الإطلاق الأحوالي للشرط أنّه علّة، سواء قارنه شيء آخر أو لا، وذلك يلزم منه أنّه ليس هناك علّة أخرى؛ إذ لو وجدت علّة أخرى لكانت العلّة هي المجموع المركّب؛ لاستحالة اجتماع علّتين على معلولٍ واحدٍ؛ لأنّ الواحد بالشخص لا يصدر إلَّا من الواحد بالشخص، وحيث دلّ الإطلاق على استقلال الشرط بالعليّة، يثبت المفهوم.
وهذا البيان يتمّ حتّى لو كان المعلّق شخص الحكم، مع ضمّ ضميمة وهي استحالة اجتماع المثلين؛ إذ لو كان هناك علّة أخرى، فإن كانت علّة أخرى لنفس الحكم لزم اجتماع علّتين على معلول واحد، وإن كانت علّة لحكم آخر مماثل لزم اجتماع المثلين أو الوجوبين على موضوع واحد، فيتمّ المفهوم.
وهكذا الأمر بالنسبة للتقريب الآخر: وهو أنّه لو كانت هناك علّة أخرى غير الشرط، فإمّا أن يكون كلٌّ منهما بعنوانه علّةً، وإمّا أن يكون الجامع بينهما هو العلّة. فعلى الأوّل يلزم صدور الواحد بالنوع من المتعدّد بالنوع، وهو غير معقول، وعلى الثاني يكون خلاف ظاهر الشرط، من كونه مؤثراً بعنوانه لا بالجامع المنطبق عليه.
وهذا التقريب يتمّ في شخص الحكم أيضاً؛ لأنّه إن كان هناك علّة أخرى لحكم آخر مماثل فإمّا أن يكون كلاً منهما علّة بعنوانه أو بجامعه، فعلى الأوّل يلزم صدور الواحد بالنوع= تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ثُمَّ قالوا(1): إنَّ محلّ النزاع إثباتاً ونفياً هو هذه الشرائط الأربعة، بعد الفراغ عن أنَّ المعلّق في القضية الشرطيّة هو سنخ الحكم لا شخص الحكم. فإذا أثبت المثبت هذه الأمور الأربعة فكون المعلّق هو سنخ الحكم لا كلام فيه، وإلّا فإنّ المفهوم ينتفي بانتفاء سنخ الحكم.
أمّا إذا أُنكرت هذه الشرائط -وخاصّة الشرط الأخير وهو الانحصار- ينهدم المفهوم؛ لاحتمال وجود علّة أخرى، فلا يدلّ انتفاء الشرط على انتفاء الجزاء. أما إذا كان المعلّق شخص الحكم فإنَّ إثبات هذه الأمور الأربعة لا يكفي في إثبات المفهوم؛ لأنَّها غاية ما تجدي انتفاء شخص الحكم، في حين أنَّ المقصود من المفهوم انتفاء سنخ الحكم.
أمّا المحقّق العراقي(2) فذكر -حتّى عند هؤلاء المشهورين ارتكازاً- أنَّ هذه الخصوصيات الأربعة لا إشكال في أخذها، وإنَّما الإشكال فقط في أنَّ المعلّق هو سنخ الحكم أو شخص الحكم. فالقائل بالمفهوم همّه إثبات أنَّ المعلّق هو سنخ الحكم، والنافي للمفهوم همّه إثبات أنَّ المعلّق هو شخص الحكم.
ويأتي الكلام حول كلا المسلكين ونتكلّم أوّلاً حول مسلك المشهور:
حيث قالوا: لا إشكال في الفراغ عن أنَّ المعلّق سنخ الحكم لا شخصه، حيث إنَّ الشخص لا ينفع في المفهوم، والنزاع يقع في أنَّ الشرائط الأربعة
ــــــــــ[49]ــــــــــ
=من الكثير بالنوع وهو محال. وعلى الثاني يلزم خلاف ظاهر الشرط وإلغاء خصوصيته. إلَّا أنّه سوف يأتي عدم تماميّة هذين البرهانين. ومعه فالركن الثاني دخيلٌ في المفهوم.
() انظر: كفاية الأصول: 198، 199.
(2) انظر: نهاية الأفكار 2: 470.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
السابقة هل مأخوذة في القضية الشرطيّة أو لا؟ فإن أُخذت دلّت القضية على المفهوم، وإلّا فلا تدلّ. ومن هذا السبيل تختلف وجهات النظر في إثبات المفهوم وعدمه. وذلك بعد الفراغ من أنّ المعلّق هو سنخ الحكم.
ــــــــــ[50]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ثُمَّ أنّنا لو سلّمنا معهم الفراغ من أنَّ المعلّق هو سنخ الحكم، فهل يكون مركز البحث هو هذه الأمور الأربعة فقط، أو يمكن إثبات المفهوم بدونها؟
لنا كلامان مع المشهور في المقام:
الكلام الأول: أنَّ المناط في الانتفاء عند الانتفاء ليس كون العليّة انحصارية، بل كون القضيّة الشرطيّة دالّة على وجود الجزاء عند وجود الشرط، فمتى دلّت على حصر وجود الجزاء بفرض وجود الشرط كفى ذلك في إثبات المفهوم؛ لأنَّ ذلك يستلزم أنَّه مع عدمه ينعدم. وليس المراد بالحصر حصر العليّة التامّة، بل حصر وجود الجزاء عند وجود الشرط؛ لأنَّ الانتفاء عند الانتفاء يمكن أن يثبت بعدّة ملاكات:
أولاً: بملاك كونه علّة تامّة منحصرة، فتتمّ حينئذٍ هذه الأمور الأربعة.
ثانياً: بملاك أنَّ الشرط جزء العلّة المنحصرة، فإذا فرضنا ذلك فإنّ الجزاء ينتفي عند انتفاء الشرط؛ لأنَّ العلّة المنحصرة تنتفي بانتفاء جزئها؛ إذ لو فرضنا أنّ مجيء زيد كان جزء العلّة لإكرامه، فإنّ العلّة التامّة المنحصرة لن تتحقّق إلَّا بتحقّقه. وعلى هذا ينتفي الشرط الثالث من الشروط الذي ذكرها المشهور.
ثالثاً: ويمكن أن يكون حصر وجود الجزاء عند وجود الشرط من باب
ــــــــــ[51]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أنّهما متلازمان عرضيان لعلّة ثالثة منحصرة، فإذا انتفى الشرط فلا شكّ حينئذٍ بانتفاء العلّة المنحصرة، فينتفي الجزاء حينئذٍ، من دون أن يكون هناك ترتّب بينهما، فضلاً عن الترتّب العلّي الانحصاري.
رابعاً: أنّ حصر وجود الجزاء عند وجود الشرط من باب أنَّ الشرط هو أحد علل الجزاء، لكنّه ليس منحصراً، بل له علّة أخرى، ولكن تلك العلّة لا توجد خارجاً، كما إذا كان المتكلّم يعلم أنَّ مجيء زيد له سببان هما: مجيء بكر ومجيء عمرو. فمجيء عمرو في المقام ليس علّة منحصرة، ولكن يُعلم من الخارج أنَّ بكراً لن يجيء لأجل مرضه، فمن حق المتكلّم حينئذٍ أن يحصر مجيء زيد بمجيء عمرو، فيقول: إنَّ وجود زيد في المسجد محصور بفرض وجود عمرو خارجاً، لا لأنَّه ليس له علّة أخرى، بل لأنَّ العلّة الأخرى لن تتحقّق هذا اليوم. وهذا لا لأجل الانحصار في العليّة، بل لأنَّ المولى يعلم بعدم تحقّق العلّة الأخرى. إلَّا أنَّ هذا الوجه يتعلّق بالقضايا الإخبارية دون الإنشائيّة.
خامساً: أن يكون الحصر اتفاقياً محضاً، لو تعقلنا الاتفاق في عالم الامكان، من دون أن تكون علاقة بين وجود الشرط ووجود الجزاء. فكما يمكن لزيدٍ أن يطالع في وقت طلوع الشمس اتفاقاً، يمكن أن ينحصر وقت مطالعته في ذلك الوقت اتفاقاً أيضاً.
فمن هذا يظهر أنَّ مناط إثبات المفهوم من ناحية الانحصار ليس هو العليّة التامّة، بل هو حصر وجود الجزاء عند وجود الشرط، وهذا له خمسة ملاكات كما سبق.
ــــــــــ[52]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فلو فرضنا أنَّ الشخص تمكّن من إثبات دلالة القضية الشرطيّة على الحصر في ترتّب وجود الجزاء عند وجود الشرط -على الأساس الذي ذكرناه- فهو ليس بملزم بإثبات الشرائط التي ذكرها المشهور.
الكلام الثاني: نقول: بأنَّنا يمكن أنّ نثبت المفهوم حتّى لو لم تدلّ القضية الشرطيّة على الحصر، فحتّى لو لم يؤخذ الحصر في القضية الشرطيّة لا على نحو العليّة التامّة ولا على النحو الذي حققناه، حيث يكفي في المفهوم بأن يكون المعلّق هو سنخ الحكم.
وهذه الدعوى غير دعوى المحقّق العراقي؛ لأنَّ العراقي يوافق المشهور على الخصوصيّات التي ذكرها، ثُمَّ ينقل مجرى الكلام حول سنخ الحكم. ولكنَّنا نقول: إنَّنا إذا أثبتنا أنَّ المعلّق هو سنخ الحكم بطرزٍ مخصوص يكفي ذلك في إثبات المفهوم. وهذا ضابط في إثبات المفهوم في مقابل الانحصار في العليّة. وحينئذٍ فلا نحتاج إلى مؤنة زائدة في إثبات خصوصيات القول المشهوري.
والنكتة في ذلك، أنَّ المعلّق على الشرط هو: إمّا شخص الحكم وإمّا طبيعي الحكم ومطلقه. فإن كان المعلّق هو شخص الحكم فالمشهور يعترف في أنَّ إثبات هذه الخصوصيات الأربع التي ذكروها لا ينفع في إثبات المفهوم؛ لأنَّها حينئذٍ غاية ما تدلّ على انتفاء الشخص فقط عند انتفاء الشرط، في حين أنَّ المقصود بالمفهوم هو انتفاء طبيعي الحكم.
إذن، لا حاجة من جانبنا للكلام حول هذه الناحية. وإن كنا في الواقع لا نقول به.
ــــــــــ[53]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فالإطلاق في الحكم يتصوّر بمعنى صرف الوجود تارةً، وتارة بمعنى مطلق الوجود، أي: مرّة يشبه الإطلاق البدلي ومرة يشبه الإطلاق الإستغراقي. فمرّة يكون إطلاق القضية إطلاقاً بدلياً، بمعنى: أنَّ الواجب صرف الوجود، كـ(صلّ) الذي لا ينطبق إلَّا على أول الوجود، ومرّة يكون إطلاق القضية إطلاقاً استغراقياً كـأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(1) فإنّ هذا الحكم لا يختص بالوجود الأول للبيع، بل هو سار في جميع مصاديقه، ففي المقام تارةً نقول: إنَّ المعلّق هو طبيعي الحكم بمعنى صرف الوجود، أي: أنَّ الوجود الأول هو المعلّق، بمعنى: أنَّ الوجود الأول لإكرام زيد هو المنوط بمجيء زيد، وتارةً أنَّ المعلّق هو المطلق بنحو الإستغراق، أي: أنَّ كلّ فرد من أفراد وجوب إكرام زيد منوطٌ بمجيء زيد.
فإذا فرضنا أنَّ المعلّق هو طبيعي الحكم بنحو مطلق الوجود، أي: أنّ مطلق وجود الحكم ثابتٌ عند ثبوت الشرط، فمجرّد ثبوت أنَّ المعلّق هو الطبيعي يكفي في الدلالة على الانتفاء عند الانتفاء، وذلك في مجرّد الثبوت عند الثبوت، فضلاً عن اللزوم عند اللزوم.
فإذا فرضنا أنَّ القضية الشرطيّة تدلّ على اللزوم فوجوب مطلق إكرام زيد عند مجيئه يدلّ على الانتفاء عند انتفائه؛ لأنَّه لا يعقل أن يكون الإكرام واجباً عند عدمه(2) وإلَّا لم يكن لازماً.
ــــــــــ[54]ــــــــــ
() البقرة: 275.
(2) وجود وجوب إكرام زيد عند عدم مجيئه، وإلَّا لم يكن لازماً لوجوده عند عدمه. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
بل إنَّ مطلق الثبوت كاف في إثبات الانتفاء عند الانتفاء، من دون إثبات العليّة والانحصارية، بل ليس ذلك لازماً أصلاً، فإذا فرضنا أنَّ المولى علّق مطلق الحكم عليه فإنَّه يدلّ على الانتفاء عند الانتفاء.
نعم، إذا قلنا إنَّ مطلق الحكم بمعنى صرف الوجود، هو بمعنى الوجود الأول، فالعلّة إذا لم تكن منحصرة أمكن وجود الوجود الأول بعلّة أخرى، أمّا إذا كانت منحصرة فينتفي الأول بانتفائها، وبانتفاء الأول يستحيل الثاني وما بعده؛ لترتّبها عليه.
فإذا اثبتّنا أنَّ المعلّق هو سنخ الحكم بمعنى مطلق الحكم على نحو الإستغراق فإنّ هذا يكفي في اثبات المفهوم، حتّى لو لم نثبت أنَّ الشرط علّةٌ منحصرةٌ.
وفي الحقيقة أنَّ هذا الكلام دفعٌ لكلام المشهور من ناحية واثباتٌ للمفهوم عن طريق آخر ومن ناحية أخرى؛ لأنّنا تارةً نقول: إنَّ الانحصار مفاد لأداة الشرط فيثبت المفهوم، وتارةً نقول: إنّه يثبت إذا كان المعلّق هو طبيعي الحكم، بمعنى مطلق الوجود.
إذن، البرهان على أنّ المعلّق هو سنخ الحكم -بمعنى مطلق الوجود لا بمعنى صرف الوجود- يكفي في إثبات المفهوم، وإن لم نثبت اللزوم والترتّب والعلّيّة والانحصاريّة التي قال بها الجمهور.
وظهر ممّا سبق أنَّ ملاك المفهوم ليس هو الشرائط الأربعة التي ذكرها المشهور، بل هو دلالة القضيّة الشرطيّة على حصر وجود الجزاء عند وجود
ــــــــــ[55]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الشرط، وهذا الحصر لا ينحصر وجهه بالعليّة الانحصارية، بل له ملاكات خمسة يمكن تقريبها لهذا الانحصار، فإذا دلّت القضية الشرطيّة على الانحصار -أو على أحد ملاكاته- ثبت المفهوم، سواء دلّت القضية على العليّة الانحصارية أو لم تدلّ.
وأحد أساليب إثبات الجزاء عند وجود الشرط هو إثبات الإطلاق الإستغراقي في المعلّق بمقدّمات الحكمة، فيلزم الانتفاء عند الانتفاء.
ــــــــــ[56]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ذهب المحقّق العراقي(1) -وكما يظهر من سياق كلامه- إلى أنّ الخصوصيّة التي ذكرها الجمهور والتي تنحل إلى الشرائط الأربعة السابقة، وإن كانت مقوّمة للمفهوم كما ذهب المشهور، إلَّا أنَّها مفروغ عنها، ولا ينبغي الإشكال فيها، وإنّما الكلام في أنَّ المعلول للعلّة المنحصرة هل هو شخص الحكم أو سنخ الحكم؟
فإن كان المعلّق سنخ الحكم فتدلّ القضية على الانتفاء عند الانتفاء، من حيث إنَّ العلّة المنحصرة إذا انتفت ينتفي طبيعي الحكم، فلا إكرام لزيدٍ مع عدم مجيئه.
أمّا إذا كان المعلّق شخص الحكم فلا تدلّ القضية على المفهوم؛ لأنَّ غاية ما تدلّ عليه القضية هو انتفاء هذا الفرد عند انتفاء علّته المنحصرة، مما يُجوّز وجود فرد آخر مكانه؛ فيجب التصدي لإثبات هذا الجانب في المفهوم وإنكاره.
وهذه الدعوى للمحقّق العراقي تنحل إلى دعاوى أربع:
الأولى: أنَّ الخصوصيّة المشهورية التي هي العليّة الانحصارية دخيلة في المفهوم.
ــــــــــ[57]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار 2: 470.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الثانية: أنَّ هذه الخصوصيّة الدخيلة في المفهوم لا نزاع فيها ولو ارتكازاً.
الثالثة: بعد الفراغ عن هذه الخصوصيّة، فإنّ كان المعلّق هو شخص الحكم فلا مفهوم؛ لأنَّ غاية ما تدلّ عليه العليّة الانحصارية انتفاء شخص الحكم لا نوعه.
الرابعة: إذا كان المعلّق سنخ الحكم يثبت المفهوم؛ لأنَّه ينتفي بانتفاء علته المنحصرة.
وهي أنّ الخصوصيّة المشهورية دخيلة في ثبوت المفهوم، فالمحقّق العراقي يوافق بها المشهور، وينطبق عليها نفس التقريب السابق لمذهب المشهور تقريباً.
وهذه الدعوى إمضاء لكلام المشهور بحسب الحقيقة، فيرد عليها ما أوردناه على كلام المشهور حرفاً بحرف؛ من حيث إنَّ اقتناص المفهوم لا يتوقّف على إثبات العليّة الانحصارية.
وهي أنَّ الخصوصيّة المشهورة -أنَّ العليّة والانحصارية دخيلة في المفهوم- يجب أن يكون مفروغاً عنها في بحث المفاهيم؛ لأنّ المنكرين معترفون ولو ارتكازاً بها.
ــــــــــ[58]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
تقريب ذلك: أنَّ هذه الخصوصيّة المشهورية يجب أن يكون مفروغاً عنها في بحث المطلق والمقيّد، وحيث إنَّ القائلين بالمفهوم والمنكرين له يجمعون على الاعتراف بحمل المطلق على المقيّد، فيكشف ذلك على اعترافهم بهذه الخصوصيّة؛ لأنَّه يتوقّف عليه.
وتوضيح ذلك: أنَّه إذا جاء (أعتق رقبة) وجاء (أعتق رقبة مؤمنة) فإنَّ المستخرج للحكم إمّا أن يتوصّل إلى وحدة الحكم المبرز في المطلق والمقيّد، وأنَّ المولى متصدٍ لإبراز حكم واحد في كلٍّ من المطلق والمقيّد. وإمّا أن يتوصّل إلى أنَّ المقصود بيان فردين: أحدهما موجود في المطلق، والآخر يدلّ عليه المقيّد، أي: أحدهما وجوب عتق الرقبة، والآخر وجوب عتق الرقبة المؤمنة.
فإذا كنا لا نعلم بالوحدة ونحتمل أنَّ الفرد المقصود في المطلق غير الفرد المقصود في المقيّد، وأنَّ للمولى حكمين، فهنا لا موجب لحمل المطلق على المقيّد، بل نلتزم بظهور كلّ منهما بمدلوله ونوجب كلا الأمرين، والمفروض أنّنا لا نقول بمفهوم الوصف، وإلّا دلّ المقيّد على انتفاء وجوب عتق الرقبة بشكل مطلق، وحيث لا نقول بمفهوم الوصف فلا موجب لحمل المطلق على المقيّد ومن ثُمَّ نلتزم بحكمين.
وأمّا إذا أحرزنا بالإجماع ونحوه وحدة المطلوب، وكون المولى في كلا البيانين متصدّياً لبيان فرد واحد من الحكم، في مثل هذا قالوا بحمل المطلق على المقيّد؛ وحينئذ نتوصل أنَّ الواجب هو المقيّد لا المطلق.
ــــــــــ[59]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وهذا هو كلام مدرسة الآخوند(1) لا مدرسة الميرزا(2) الذي يقول بحمل المطلق على المقيّد، سواء أحرزنا وحدة الحكمين أم لم نحرز.
كما أنَّ المحقّق العراقي(3) قال: إنّ هذه الفُتيا لا تصحّ إلَّا بالالتزام بالعليّة الانحصارية في الشرط والوصف والغاية ونحوها؛ لأننا إذا فرضنا أنَّ القضية لم تكن دالّة على العليّة والانحصارية فلا موجب للالتزام بانتفاء شخص الحكم عند انتفاء الوصف أو الشرط؛ لأنَّه حينئذٍ من المحتمل أن يكون الإيمان علّةً، وأن يكون لهذا الفرد من الحكم علّةً أخرى على سبيل البدل، كما إذا قال ابتداءً: اعتق رقبة مؤمنة، أو سخيّة.
فحملهم المطلق على المقيّد المتوقّف على العليّة الانحصارية دليل على أنَّهم يستفيدون كون القيد المأخوذ شرطاً، أو وصفاً، أو غاية علّة منحصرة، غاية الأمر يبقى الكلام في أنّه علّة للشخص، أو لسنخ الحكم؟ فإن كان علّةً للشخص ثبت حمل المطلق على المقيّد وانتفى المفهوم، وإن كان علّةً للسنخ ثبت الطرفان.
ثُمَّ إنَّهم يبرهنون على وجوب حمل المطلق على المقيّد بأنَّ القيد في المقيّد ظاهر في دخوله في موضوع الحكم، فإذا انتفى القيد انتفى الحكم عقلاً لا محالة، وإذا انتفى حكم الخاص انتفى حكم العام؛ لأنَّ المفروض أنَّنا استفدنا حكماً واحداً في كلا القضيتين.
ــــــــــ[60]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 251.
(2) انظر: اجود التقريرات 1: 535- 537.
(3) انظر: نهاية الأفكار 2: 481، مقالات الأُصول 1: 396.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
يقول المحقّق العراقي(1) -حينئذٍ- إنَّ حمل المطلق على المقيّد ليس أمراً عقلياً، وإنّما هو أمر عرفي ارتكازي تخيله الآخوند، ولكنّه إنّما يتم إذا دلّت القضية على الانحصار في العليّة، وأمَّا إذا لم تكن علّةً منحصرةً فلا موجب لانتفاء شخص الحكم عند انتفاء القيد فرضاً عن سنخه؛ وذلك لأنّ العقل لا يمنع أن يكون هناك علّة أخرى مع الكرم هي السخاء مثلاً، ولكن الذي يمنع من ذلك هو الانحصار في العليّة، أي: دلالة الشرط والوصف والغاية ونحوها على الانحصارية.
وحيث إنَّ الكلّ -النافين للمفهوم والمثبتين له- يعترفون بحمل المطلق على المقيّد، وهو متوقف على هذه الخصوصيّة في مدلول القضية، فهم قائلون بهذه الخصوصيّة ولو ارتكازاً. وحينئذٍ يبقى الكلام في أنّه إذا كان المعلّق هو شخص الحكم فلا تدلّ القضية على المفهوم(2)، وإن كان المعلّق هو السنخ تدلّ القضية على المفهوم؛ لأنّ الشرط علّةٌ منحصرةٌ، والمعلول المنحصر هو الطبيعي فينتفي الطبيعي بانتفاء علّته المنحصرة. وهذه هي الدعوى الرابعة للمحقّق العراقي.
أمّا الدعوى الثانية فهي غير صحيحة أيضاً؛ وذلك لأنّ استفادة انتفاء شخص الحكم بانتقاء القيد أو الوصف، وإن كان يتوقّف على العليّة الانحصارية، وإلّا فالعقل لا يحكم بالانتفاء؛ لاحتمال أنَّ الإيمان أحد العلّتين
ــــــــــ[61]ــــــــــ
() انظر: مقالات الأصول 1: 395.
(2) وهذه هي الدعوى الثالثة للمحقّق العراقي. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
على سبيل البدل، لكن هذه العليّة الانحصارية لو كان المدّعى أنّها مأخوذة تحت اللفظ، أي: أنّ اللفظ بنفسه يدلّ عليها، وإنَّما إذا كانت تدلّ وضعاً على العليّة الانحصارية، فحينئذٍ ينسد باب البحث عن العليّة الانحصارية في المفاهيم، لأنّنا بحثنا ذلك في باب المطلق والمقيّد فلا حاجة إلى تكرار بحثها هنا أيضاً، لكن هذا ليس مسلماً حتّى عند القائلين بحمل المطلق على المقيّد، فهم ملزمون بإثبات دلالة القضية على الانحصارية ليتمّ الحمل، ولكنهم ليسوا ملزمين بإثبات أنّ العليّة الانحصارية مدلولة للفظ، بل إنَّ العليّة الانحصارية عندهم لازم لشيء آخر، ذلك الشيء الآخر هو المدلول للفظ، فاعِتق رقبة مؤمنة ظاهر بمعنى يستلزم العليّة الانحصارية إذا كان المعلّق شخص الحكم، ولا يستلزمها إذا كان المعلّق سنخ الحكم.
فهم لا يقولون بأنّ العليّة الانحصارية مأخوذة في اللفظ، حتّى يشكل المحقّق العراقي عليهم بأنّه لم يبقَ لديهم من البحث سوى أنَّ المعلّق هل هو شخص الحكم أو سنخه؟
ويمكن أن يجيب المثبت للعليّة الانحصارية في باب المطلق والمقيّد والنافي لها في المفهوم، بأن لا ملازمة بينهما؛ لأنَّه تارةً يكون المعلّق شخص الحكم، وتارةً يكون المعلّق سنخه. فإذا كان المعلّق على الإيمان شخص هذا الفرد من وجوب العتق لا طبيعي الحكم، فنحتمل أنَّ لهذا الفرد في عالم الثبوت علّتان، كما نحتمل أنّ له علّة واحدة، فكما نحتمل أنّ الإيمان قيد انحصاري للحكم نحتمل أنّه قيد تخييري له بدل هو السخاوة.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إذن، فرض كلا من الانحصار والتخييرية ثبوتاً معقول. وفرض التخيير وعدم الانحصار -أي: أنَّ وجوب العتق له قيدان: أحدهما الإيمان والآخر السخاوة- يتصوّر على وجهين: إمّا أن يكون المأخوذ في مقام الجعل التقييد بالجامع بين السخاوة والإيمان، فيقال: يجب عتق الرقبة المتصفة بإحدى هاتين الصفتين، وإمّا أن يكون كلٌّ منهما مأخوذاً بعنوان مستقل في الجعل، فقوله: يجب عتق الرقبة المؤمنة جعل مستقل، ويجب عتق الرقبة السخيّة جعل مستقلّ آخر. وفرض عدم الانحصار غير ممكن في كلا الوجهين. أمّا على الثاني فإنَّه خلف؛ لأنَّ كلّ منهما مأخوذ بعنوان مستقلّ. وفرض جعلين يعني فرض حكمين، مع أنّنا نتكلّم في فرض وجود حكم واحد.
وأمّا بالنسبة إلى الشقّ الأوّل -وهو وجود جعل واحد منصب على الجامع بين السخاوة والإيمان ولو كان جامعاً انتزاعيّاً- فهو ليس خلفاً، ولكنه خلاف ظاهر القضية، وهو أن يكون الإيمان بعنوانه مأخوذاً لأصالة المطابقة بين مقام الإثبات ومقام الثبوت، وحيث كان ظاهر القضية هو أخذ الإيمان بعنوانه نعرف أنَّ مقام الثبوت كذلك.
فإذا بطل فرض عدم الانحصار بكلا شقيه تعيّن الانحصار، وانتفى شخص الحكم بانتفاء قيده.
إلَّا أنَّ هذا الكلام الذي يقوله المنكر للمفهوم -والقائل بحمل المطلق على المقيّد- لا يأتي إذا كان المعلّق سنخ الحكم، بل له الحق حينئذٍ أن يقول: لا دليل على العليّة الانحصاريّة إذا كان المعلّق سنخ الحكم.
وذلك لأنّ البرهان الذي ذكرناه آنفاً إنما يرد إذا كان المعلّق شخص الحكم
ــــــــــ[63]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ولا يرد في إثبات أنَّ الشرط علّة انحصارية إذا كان المعلّق سنخ الحكم؛ لأنّ الشقّ الثاني من البرهان ممكن بالنسبة إليه، فمن المعقول في سنخ الحكم أن يكون الإيمان بعنوانه مأخوذاً، كما أنّ السخاوة بعنوانها مأخوذة كلّ بجعل مستقل؛ وذلك باعتبار فردين من الطبيعي يكون فرد منهما متعلّقاً بالإيمان والآخر بالسخاوة. وليس هذا محالاً كالسابق؛ لأننا هنا لم نفرض حكماً واحداً ليكون خلفاً، بل فرضنا طبيعي الحكم.
إذن، يمكن للقائل بإنكار المفهوم أن يقول: إنّه لا دليل على وجود العليّة الانحصارية في سنخ الحكم، وإنّ هذا البرهان لا دافع له، وحينئذٍ فلا بُدَّ لمثبت المفهوم أن يستخدم قوته العلمية لدفعه.
وحيث فرقنا في العليّة الانحصارية بين شخص الحكم وسنخه، يبقى الكلام على حاله من أنَّ القضية الشرطيّة هل تدلّ على العليّة الانحصارية أو لا تدلّ إذا كان المعلّق سنخ الحكم؟ فهذا الأمر محلّ بحث وإشكال وليس مسلّماً كما ذهب إليه المحقّق العراقي(1).
وهذه الدعوى للمحقّق العراقي أيضاً(2) ومفادها: إذا كان المعلّق شخص الحكم فلا سبيل إلى إثبات المفهوم؛ لأنّ غاية ما تثبته العليّة الانحصارية
ــــــــــ[64]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول 1: 403- 405.
(2) انظر: مقالات الأُصول 1: 396.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
هو انتفاء الشخص، فلعلّ هناك شخصاً آخر يحل محلّه. قال هذا بعد أن فرغ من الدعوى الثانية، وهي أنّ العليّة الانحصارية مأخوذة في القضية ذات المفهوم.
وهذه الدعوى غير تامّة -لإمكان إثبات المفهوم إذا كان المعلّق شخص الحكم- لوجهين، إذ ليس ممتنعاً أن نقول بثبوت المفهوم مع كون المعلّق شخص الحكم، وهذا إشكال على المشهور أيضاً؛ لأنَّهم يذهبون مذهب المحقّق العراقي في المقام.
الوجه الأوّل: أنّ بعض تقريبات المفهوم -بناءً على أنَّ المعلّق هو سنخ الحكم كما موجود في الكفاية (1)– يمكن تقريبها مع ضميمة مختصرة لإثبات المفهوم في شخص الحكم أيضاً.
أحد هذه التقريبات هو دعوى التمسك بإطلاق العليّة في طرف الشرط، حيث تدلّ القضية على أنّ مجيء زيد علّة دائماً في وجوب الإكرام قارنه شيء آخر أو سبقه، أو لم يكن شيء من ذلك. وهذا يدلّ بالالتزام على عدم وجود علّة أخرى؛ لأنَّه لو كانت هناك علّة أخرى وكانت مقارنة لصار الشرط جزء العلّة، وإذا كانت متقدّمة انسلخ الشرط عن العليّة تماماً، فبدلالته على الانحصار يدلّ باللازم العقلي على عدم وجود شيء آخر يكون علّة، وإلا لم يكن الشرط علّةً تامّةً.
وهذا واضح إذا كان المعلّق سنخ الحكم؛ لأنَّ المعلول هو الطبيعي وهو
ــــــــــ[65]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 196.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
معلول دائماً لهذا الشرط، فلو كان له علّة أخرى لزم أن لا تكون علّةً تامّةً. إذن، ليس له إلَّا هذه العلّة.
أمّا في شخص الحكم فلا يدلّ على أنَّ هذه العلّة منحصرة لطبيعي الإكرام، بل لعلّ فرداً آخر من الطبيعي له علّة أخرى.
ولكن بضميمة إضافة صغيرة يتم هذا فيما إذا كان المعلّق شخص الحكم أيضاً، والضميمة هي استحالة اجتماع المثلين، لأنّنا إذا فرضنا أنّ هناك فردين من الطبيعي لوجوب الإكرام، لكلّ منهما علّة مستقلّة: أحدهما علّته مجيء زيد، والثاني مرضه. فإذا اجتمع المجيء والمرض يستحيل أن يكون كلٌّ منهما علّةً تامّةً، وإلَّا لزم وجود فردين في المقام، وهو محال؛ لاستحالة اجتماع المثلين.
إذن، بعد البرهان على استحالة اجتماع المثلين في شخص الحكم نعرف أنّه لا علّة أخرى للفرد الآخر، وإلّا لزم المحال، فلا بُدَّ من إلغاء الكلام المشهوري، وإلغاء الدعوى الثالثة للمحقّق العراقي من الأذهان.
الوجه الثاني(1): لتقريب المفهوم بناءً على أنَّ المعلّق هو شخص الحكم، هو أنَّ المعلّق لو كان شخص الحكم يمكن أن يقال: بأنّ الهيئة التي هي معنى القضية الشرطيّة وإن كان لا يعقل جريان مقدّمات الحكمة فيها إلَّا أنّ الهيئة في الجملة الشرطيّة تدلّ على الانحصارية للحكم المعلّق، لكن لا بما هو شخص، بل بما هو فرد للطبيعي، بحيث يلحظ الطبيعي في الطرف، وحينئذٍ ينتج المفهوم؛ لأنَّه إذا انتفى الشرط فقد انتفى هذا الشخص، لا بما هو شخص حسب الفرض، بل بما هو فرد للطبيعي، فتنتفي جميع أفراد الطبيعي، ويثبت المفهوم.
ــــــــــ[66]ــــــــــ
() هذا ما نقلته عمّا في دفتر الشيخ مفيد الفقيه عن التقريرات. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
والدعوى هي أنَّ المعلّق إذا كان هو سنخ الحكم يثبت المفهوم بعد أخذ العليّة الانحصارية، ثُمَّ فسّر السنخ بالإطلاق، يعني: طبيعي الحكم على إطلاقه. وقال بأنّ الإطلاق له نحوان: فتارةً: بمعنى صرف الوجود، وأخرى بمعنى مطلق الوجود، في قبال الشخص الفاقد للإطلاق بكلا المعنيين.
وتوضيحه: أنَّ الحكم لا محالة يتشخّص من ناحية تعليقه على الشرط، فله خصوصيّة وهي تعليقه عليه، وهذه الخصوصيّة قد لا تكون موجودةً بالنسبة لفرد آخر من الحكم، فمثل هذه الخصوصيّة لا يعقل أخذها في الحكم المعلّق؛ لأنَّها في طول التعليق، حيث إنّها طرف التعليق، فلا يعقل أخذها فيه بحيث يكون الحكم المعلّق هو المتخصّص بهذه الخصوصيّة، وهذا واضحٌ. فمن قال: بأنّ المعلّق هو شخص الحكم، ليس مراده بالشخص هذا المعنى قطعاً، بل مراده الفرد المتخصّص بخصوصيّةٍ في المرتبة السابقة على التعليق، أي: حصّة خاصّة متخصّصة بخصوصيّة في المرتبة السابقة على التعليق ملزومة للتعليق، بمعنى: أنَّها هي التي استدعت التعليق؛ ولأجل التوضيح نقول عن هذه الخصوصيّة
-وإن لم يذكرها هو-: بأنّها لتكن خصوصيّة الملاك مثلاً، فإنَّ الحكم بحسب التصوّر له ملاكات متعدِّدة، فالحكم الذي بالملاك الفلاني مثلاً ليس معلّقاً على الشرط، ولكن الحكم الذي بالملاك الآخر هو المعلّق عليه، وهذه خصوصيّة
ــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
للحكم في المرتبة السابقة على التعليق فهي معقولة، وحينئذٍ فإذا انتفى الشرط تنتفي هذه الحصّة، ولكن لعلّ هناك حكماً آخر بملاك آخر غير هذا الملاك.
هذا في شخص الحكم أمّا السنخ: فمعناه أنّ المعلّق هو الحكم ملغياً عنه الخصوصيّة، وحيث إنَّ الإطلاق يتصوّر دائماً على نحوين. فسواء كان المعلّق هو المطلق، بمعنى صرف الوجود الذي لا ينطبق إلَّا على الوجود الأول، كما هو المعنى المعروف عندهم لصرف الوجود، أو كان المعلّق هو المطلق، بمعنى الوجود الساري، فعلى كلا التقديرين يثبت المفهوم بعد الفراغ عن العليّة الانحصارية، فإنَّه يثبت انتفاء مطلق الوجود أو صرف الوجود عند انتفاء الشرط، ويكون كلٌّ منهما مساوقاً للانتفاء عند الانتفاء الذي هو المفهوم.
والكلام هنا يقع في مقامين:
المقام الأوّل: أنّه إذا تمّ كون المعلّق هو الحكم المطلق بأحد المعنيين، فهل هذا يثبت المفهوم أو لا؟
المقام الثاني: في تصوير الإطلاق بكلا المعنيين.
أمّا المقام الأوّل: فالتحقيق أنّه لو كان المعلّق هو سنخ الحكم المطلق، وأجرينا مقدّمات الحكمة وأنتجت إحدى نحوي الإطلاق، فحينئذٍ إن أنتجت كونه ملحوظاً بنحو مطلق الوجود يثبت المفهوم، سواء استفدنا العليّة الانحصارية أو لا؛ لأنَّه إذا انتفى مطلق الوجود الساري فلا يبقى هناك حكم آخر، وهذا هو معنى المفهوم. وأمّا إذا أنتجت مقدّمات الحكمة، كون الإطلاق ملحوظاً بنحو صرف الوجود -بمعناه المعروف عندهم- فحينئذٍ لا يتم
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
المفهوم؛ لأنَّ الشرط يكون علّة منحصرة للصرف الذي هو الوجود الأول من الحكم، ومعنى ذلك أنَّه ليس هناك علّة أخرى غيرها، وعليه فالوجود الأول للحكم من غير هذا الشرط غير معقول؛ لفرض الانحصارية وعدم علّة أخرى، فإذا انتفى الشرط المعلّق عليه صرف الوجود هنا ينتفي الوجود الأول للحكم مطلقاً، وليس هناك شرط آخر علّة للوجود الأول لفرض الانحصارية، كما أنّه ليس هناك علّة للوجود الثاني، إذ لا يعقل الوجود الثاني بدون الوجود الأول.
نعم، إذا حصل الشرط واحتملنا أنَّ الشرط الفلاني المسبوق بحصول هذا الشرط، بقيد أنّه مسبوق، وعلّة أخرى له، حينئذٍ يتم المفهوم؛ لأنَّه إذا انتفى الشرط المعلّق عليه الحكم فالشرط الآخر المحتمل الدخالة لا أثر له؛ لأنَّه مقيّد بكونه مسبوقاً بهذا الشرط، وحينئذٍ فإذا انتفى الشرط في المقام ينتفي الحكم جزماً ويثبت المفهوم.
فظهر بهذا أنَّ إثبات العليّة الانحصارية لغوٌ صرف؛ لأنَّه بناءً على تعليق الشخص لا مفهوم، مع قطع النظر عن البرهان السابق. وإن كان المعلّق هو السنخ بمعنى الوجود المطلق يثبت المفهوم مطلقاً، وإن لم تثبت العليّة الانحصارية. وإن كان المعلّق هو الصرف لا يثبت المفهوم مطلقاً، وإن أثبتنا العليّة الانحصارية.
وببيان آخر: أنّ المتّفق عليه من قبل المشهور والمحقّق العراقي(1) هو:
ــــــــــ[69]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار 2: 470، الفصول الغروية: 145، قوانين الأُصول 1: 384
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أنَّ اقتناص المفهوم بالتقريبات السابقة يتوقّف على أن يكون المعلّق سنخ الحكم، كما أنَّهما يقولان: إنَّ اقتناص المفهوم يتوقّف أيضاً على العليّة الانحصارية.
وإنّما الخلاف بينهما في أنَّ المشهور جعلوا نفس العليّة الانحصارية محلّ البحث -أي: أنّهم جعلوا نفس دلالة القضية على العليّة الانحصارية، وأنّ المفهوم يتوقّف عليها أو لا يتوقّف محلاً للنقض والإبرام- في حين أنَّ العراقي ذكر أنَّ دلالة القضية على العليّة الانحصارية لا ينبغي أن يكون محلّ بحث، بل يجب أن يكون معترفاً به من قبل جميع من قال بحمل المطلق على المقيّد
-كما سبق توضيحه- في حين يجب أن ينصب البحث حول ما إذا كان شخص الحكم هو المعلّق أو سنخ الحكم، فإن كان المعلّق سنخ الحكم ثبت المفهوم، وإلّا لم يثبت. هذا هو مورد الخلاف بين المشهور والمحقّق العراقي بعد اتفاقهما على توقف ثبوت المفهوم على ثبوت أنّ الشرط علّة منحصرة، وأنّ المعلّق هو سنخ الحكم.
كما قلنا إنّ بعض تقريبات المفهوم وإن كانت غير تامّة في نفسها إلَّا أنّها لو فرض تماميتها، فهي تجري حتّى فيما إذا كان المعلّق شخص الحكم، فضلاً عمّا إذا كان المعلّق سنخ الحكم. وهو التقريب من ناحية التمسك بإطلاق العليّة بعد ضمّ برهان استحالة اجتماع المثلين، واستحالة توارد العلتين على معلول واحد. فيثبت أنَّ هذه العلّة منحصرة وليس معها علّة أخرى، وإلّا لكانت كلّ منهما جزء العلّة. فبمقتضى إطلاق العليّة بعد ضمّ القانون العقليّ يثبت بأنّ المعلول ليس له علّة إلَّا الشرط.
ــــــــــ[70]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وهذا البرهان لو تمّ -وهو غير تامّ- لأمكن تقريبه في شخص الحكم أيضاً، كأن يقال: بأنّ مجيء زيد علّة في هذا الشخص من وجوب الإكرام، ولو كان المرض علّة أخرى لوجوب إكرامه، فإذا اجتمعا لا يكون هناك إلَّا شخص واحد من الوجوب، ويكون كلٌّ منهما جزء العلّة؛ لاستحالة اجتماع المثلين، وهو باطل. وهذا البرهان إنّما يتم عند من يقرب المفهوم عن هذا الطريق، أمّا عندنا فهو باطل من جهة سنخ الحكم فضلاً عن شخصه. وبناءً على هذا البرهان يظهر -بالنسبة إلى من يتمّ لديه- أنّ كون المعلّق سنخ الحكم غير لازم. هذا الكلام الأول.
ولنا كلام ثان: هو أنّه لا وجه لتوقف المفهوم على العليّة الانحصارية، بل يمكن إثبات المفهوم بدونها، بل يكفي مجرّد العليّة، بل مجرّد اللزوم، بل مجرّد الثبوت عند الثبوت. وذلك اكتفاء بنفس الدليل الدالّ على أنَّ المعلّق هو سنخ الحكم، وهو مقدّمات الحكمة. فإذا فرضنا أنّ مقدّمات الحكمة دلّت على أنَّ المعلّق هو سنخ الحكم بنحو مطلق الوجود ثبت المفهوم، حتّى لو لم تكن علّة فضلاً عن أن تكون منحصرةً. فإذا كان الجزاء هو مطلق وجوب الإكرام وفرض أنَّ فرداً منه ثابت عند عدم ثبوت الشرط للزم كذب القضية.
إلى هنا مرجع هذا الإشكال مع ضمّه للإشكال السابق هو أنَّ المفهوم لا يتوقّف على كون المعلّق سنخ الحكم، ولا على ثبوت العليّة الانحصارية في الشرط، وهما الركنان للمفهوم عند كلّ من المشهور والمحقّق العراقي لإمكان إثبات المفهوم من دون ذلك، ولكن يستنتج من هذا أنَّ الركن هو أحد
ــــــــــ[71]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الأمرين: إمّا العليّة الانحصارية، وإمّا سنخ الحكم بنحو مطلق الوجود. فهل نختار أحدهما على نحو البدل والتخيير، بعد أن عرفنا بطلان اجتماعهما؟
قلنا -تمشياً مع المذهب المشهوري في الإطلاق والتقييد- إنَّ العليّة الانحصارية ليس لها أثر في اقتناص المفهوم من القضية، بل تمام الأثر أنَّ المعلّق هو سنخ الحكم بنحو مطلق الوجود. فإذا تم هذا فإنما يتم في المفهوم، سواء دلّت القضية على العليّة الانحصارية أو لم تدلّ، وإذا لم يثبت لم تدلّ القضية على المفهوم، سواء دلّت على العليّة الانحصارية أم لا. إذن، ضمّ العليّة الانحصارية إلى ما هو الملاك للمفهوم -وهو سنخ الحكم بنحو مطلق الوجود- كضمّ الحجر إلى جنب الجدار.
فينحصر ملاك المفهوم بما إذا كان المعلّق سنخ الحكم بنحو مطلق الوجود. وينحصر همّنا في إثبات أنّ مقدّمات الحكمة هل تثبت ذلك أم لا؟
هذه الدعوى -وهي أنَّ العليّة الانحصارية لا دخل لها في ثبوت المفهوم- يبتني بيانها على مشرب مشهوري في المطلق والمقيّد، ونحن فيما يلي نتكلّم على طبق هذا المشرب، فنقول: إذا كانت مقدّمات الحكمة تنتج أنَّ المعلّق هو سنخ الحكم بمعنى مطلق الوجود يثبت المفهوم حتّى لو لم يثبت أنَّ الشرط علّة منحصرة، لأنَّ القضية لا يمكن أن تصدق إلَّا مع ثبوت عليّة الشرط للمطلق، وتكون كاذبة بتخلّف فرد منه فيما إذا كان له علّة أخرى. وحينئذٍ يتم المفهوم بلا حاجة إلى العليّة المنحصرة. هذا هو الشقّ الأول.
الشقّ الثاني: لو أنكرنا أنَّ المعلّق هو سنخ الحكم بمعنى مطلق الوجود لا
ــــــــــ[72]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
يمكن إثبات المفهوم بالعليّة الانحصارية؛ لأنَّ المعلّق إذا كان مفاد الجزاء ولم يكن مطلق الوجود، فإمّا أن يكون شخص الحكم أو صرف الوجود الذي هو أحد فردي الإطلاق، وصرف الوجود هو المساوق للوجود الأول. وعلى كلا التقديرين لا يمكن إثبات المفهوم بالعليّة الانحصارية؛ لأنّنا إذا فرضنا أنّ المعلّق هو شخص الحكم، وفرضنا ثبوت الانحصارية في العلّة، فهو لا يؤثر في إثبات الانتفاء عند الانتفاء؛ لاحتمال وجود علّة أخرى لفرد آخر من الحكم. ودعوى ضمّ استحالة اجتماع المثلين لنفي العلّة الأخرى لا نقبلها؛ لأنَّها إنّما تثبت عدم العلّة في ظرف فعليّة هذا الحكم لا بعد سقوطه. فإنَّنا إذا فرضنا أنَّ المجيء علّةٌ منحصرةٌ لشخص هذا الوجوب من الإكرام، فباستحالة اجتماع المثلين مع إطلاق العليّة نعرف أنَّه لا توجد علّة أخرى في عرض هذه العلّة، وإلّا لزم اجتماع المثلين، وهو محال. ولكن هذا لا يمنع من وجود علّة أخرى بعد سقوط الحكم إمّا بالامتثال وإمّا العصيان، ولا ينافي ذلك إطلاق العليّة، ولا برهان استحالة اجتماع المثلين.
إذن، لا يثبت المفهوم بمعنى الانتفاء المطلق عند الانتفاء، إذا كان المعلّق شخص الحكم، حتّى لو ضممنا برهان استحالة اجتماع المثلين، والاعتراف بالعليّة الانحصارية.
بناءً على هذا -أي: إذا قلنا: إنّ المعلّق شخص الحكم، واستفدنا العليّة الانحصارية، وضممنا برهان استحالة المثلين، واستحالة توارد العلل على معلول واحد (أنَّ مجيء زيد ليس له علّة أخرى في عرضه، وإلا لزم اجتماع المثلين) أو توارد العلل على معلول واحد- يثبت النفي المقيّد. أمّا وجود علّة
ــــــــــ[73]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أخرى بعد انتهاء هذا الحكم فلا يلزم منه أيّ من المحاذير، بل العلّة الأولى كانت منحصرة في المعلول الأول فلا يمكن أن يجتمع في عرضها علّة أخرى؛ للمحاذير السابقة. والعلّة الثانية لها معلول آخر، وهو منحصرٌ فيها ولا يمكن أن يجتمع في عرضها علّة أخرى على نفس النحو من الكلام. وهذا الإشكال يرد في سنخ الحكم أيضاً.
فغاية ما يثبت هو الانتفاء المقيّد، أي: عدم العلّة في عرض هذه العلّة لا في طولها، أي: أنَّها تثبت الانتفاء في ظرف وجود العلّة، أمّا بعد سقوط الحكم وعلّته فكون ليس هناك علّة أخرى فهذا غير معلوم. فلو ضممنا قضية أخرى إليّها وقلنا: إذا جاء زيد فأكرمه مرّة أخرى بعد أن أكرمته للمرة الأولى. ففي مثل هذه القضية علّة منحصرة.
وبضمّ النفي المقيّد إلى النفي المقيّد يثبت النفي المطلق، وهو حصيلة قضيتين لا قضية واحدة، وهذا ليس من المفهوم. ومثل هذا يرد في القضايا الانحلالية التي يتناول النفي فيها جميع الأفراد، نحو مهما جاء زيد فأكرمه. فبضمّ النفي المقيّد إلى النفي المقيّد الآخر في القضايا المنحلة ينتج النفي المطلق، ولكن هذا ليس من المفهوم في شيء.
فمن هذا يظهر أنَّه إذا كان المعلّق شخص الحكم لا يثبت المفهوم -وهو الانتفاء المطلق عند الانتفاء- بل يثبت الانتفاء المقيّد فقط، حتّى لو ضممنا العليّة الانحصارية، وضممنا برهان استحالة اجتماع المثلين.
أمّا إذا كان المعلّق هو الوجود الأول فالكلام هو الكلام. فلو فرض أنَّ الشرط علّةٌ منحصرةٌ، فغاية ما يثبت هو أنّه قبل وجوده لا توجد الطبيعة؛ لأنَّه
ــــــــــ[74]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
خلف كون الشرط علّةً منحصرةً للوجود الأول. لكن لو تحقّق الوجود الأول، فلا دلالة في القضية على عدم وجود علّة أخرى في طوله لوجوب الإكرام. فيتحصّل فيها النفي المقيّد أيضاً ولا تدلّ على النفي المطلق إلَّا بضمّ قضية إلى قضية، وهو ليس من المفهوم.
إذن، لا دخل للعليّة الانحصارية في ثبوت المفهوم وعدمه، بل القضية: إمّا أن تدلّ بدونها، وإمّا لا تدلّ حتّى معها. وهذا يكون إشكالاً ثالثاً على المشهور أيضاً.
ولكن هذا كله بناءً على مذهب مشهوري في الإطلاق والتقييد، ولكن على مشرب آخر -نحن نختاره- تكون العليّة الانحصارية فيه قسماً مستقلاً برأسه، كما أنَّ سنخ الحكم بنحو مطلق الوجود قسم آخر مستقل. إذن، الملاك هو أحد هذين الأمرين. فلنا ضابطان في المفهوم، لا ضابط واحد.
وبصورة أوضح نقول: إنَّ ما يمكن أن يورد من إشكالات في المقام ما يلي:
الإشكال الأول: قلنا(1): إنَّ المفهوم لا يتوقّف على ثبوت كون المعلّق سنخ الحكم بحيث ينتفي بانتفائه؛ لأنّ بعض التقريبات للمفهوم والتي -أوردت فيما إذا كان المعلّق سنخ الحكم- تأتي في شخص الحكم أيضاً. وهو تقريب المفهوم عن طريق إطلاق العليّة بعد ضمّ دليل استحالة توارد العلل على معلول واحد، وحينئذٍ يستكشف من عدم وجود علّة أخرى للمعلّق، وإلَّا لزم توارد العلل على معلول واحد. هذا الدليل الذي ذكر في سنخ الحكم يرد في شخص الحكم أيضاً بعد ضم استحالة اجتماع المثلين؛ لأنَّه لو كانت هناك علّة أخرى لفرد آخر
ــــــــــ[77]ــــــــــ
(1) راجع: ص67.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
واجتمعا في وقت واحد للزم اجتماع المثلين؛ لأنّ المفروض كلّ واحدة منهما علّة مطلقة لمعلولها.
إذن، كون المعلّق سنخ الحكم ليس ركناً تعيينياً بحيث ينتفي المفهوم بانتفائه، ولكن هذا الإشكال جدليٌّ متوجه إلى من يقول بصحة هذا التقريب من المشهور، ونحن لا نقول بهذا المبنى، بل نقول: إنَّه لا ينتج المفهوم بهذا التقريب لا في سنخ الحكم ولا في شخصه، بل غاية ما ينتج هو عدم العلّة في عرض المعلول لا في طوله. والحقيقة أنَّه ليس عندنا إشكال على التقريب الأوّل، ولكنّه إشكال إلزامي للمشهور.
الإشكال الثاني: وهو على تعيّنيّة الركن الثاني -العليّة الانحصارية- الذي اعتبروه للمفهوم؛ إذ يمكن الاستغناء عنه في فرضٍ، وهو إذا ما ثبت أنَّ مفاد الجزاء هو سنخ الحكم بنحو مطلق الوجود الذي هو أحد معنيي الإطلاق عند المحقّق العراقي(1).
وذلك لأنّ مقتضى ثبوت المطلق عند وجود العلّة هو أن لا يكون هناك فرد منه ثابت عند عدم العلّة -وهو الشرط- وإلا لم يكن علّةً مطلقةً للمعلّق المطلق. وهذا برهان واقعي لا جدلي، فنحن لا نقول بالركن الثاني، وإنّما نقول بالركن الأول فقط، وهو كون المعلّق سنخ الحكم بنحو مطلق الوجود.
الإشكال الثالث: وهو إشكال إلزامي، وهو إنكار ركنية الركن الثاني رأساً، بمعنى: أنَّ وجوده وعدمه سيّان في ثبوت المفهوم، بل المناط في المفهوم
ــــــــــ[76]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول 1: 395.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
هو الركن الأول فقط.
تقريب الإشكال: أنَّ المعلّق في طرف الجزاء: إمّا أن يكون شخص الحكم، وإمّا أن يكون صرف الوجود، وإمّا أن يكون مطلق الوجود. فإن كان المعلّق هو المطلق ثبت المفهوم، سواء كانت هناك عليّة انحصارية أو لم تكن، وإذا كان المعلّق صرف الوجود لا يثبت المفهوم، إذ لا أقل أنَّه لا يثبت الانتفاء بعد انتهاء أمد الفرد الأول، حتّى لو ضممنا استحالة اجتماع المثلين، واستحالة توارد العلل على معلول واحد، إذ لا مانع من وجود علّة أخرى لفرد آخر.
ومرجع هذا الإشكال ليس هو تعيينية الركن الثاني، بل ثبوته رأساً. وهو إشكال جدليٌّ وليس واقعيّاً؛ لأنَّه مبني على مشرب مشهوري في الإطلاق والتقييد، وهو هذا الحصر الثلاثي: إمّا شخص الحكم، وإمّا مطلق الوجود. ومطلق الوجود: إمّا صرف الوجود وهو الوجود الأول، وإمّا مطلق الوجود بالمعنى الاستغراقي، إلَّا أنَّنا لا نشرب من هذا المشرب ولا نوافق عليه.
ومدعانا في باب الإطلاق والذي سنذكره في باب (المطلق والمقيّد)(1) مفصّلاً هو أن يقال: إنّ الطبيعة إذا لوحظت مطلقة فمعناه أن تلحظ فانية إما في أحد الوجودات وهو الوجود الأول، وإمّا في جميع الوجودات، في مقابل أن تقيّد فتلحظ فانية في موضوع خاص. فحين يعلق عليها حكم لا بُدَّ أن تلحظ
ــــــــــ[77]ــــــــــ
(1) انظر: مباحث الأصول 4: 473، مبحث الإطلاق والتقييد.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فانية فيه، فإن كانت مقيّدة فتلحظ فانية في موضوع خاص، وإن كان إطلاقها بدلياً فتلحظ فانية في الوجود الأول، وإن كان إطلاقها إطلاقاً استغراقياً فتلحظ فانية في كلّ الموجودات.
ولكن هذا لا يمكن أن نوافق عليه؛ لأنَّ الطبيعة لا يمكن أن تلحظ فانية لا في أحد الموجودات ولا في كلّها؛ لأنَّه إن أُريد من أحد الموجودات وكلّ الموجودات مفهوم هذه الأمور فلا معنى لفناء مفهوم في مفهوم هو في عرضه، وإن أُريد من ذلك واقع هذه الوجودات فهو لا يُرى بالطبيعة، بل بمفهومه؛ لأنّ كلّ معنون يُرى بعنوانه لا بعنوان آخر، فما يُرى به واقع كلّ شيء هو مفهومه.
فالصلاة حين تلحظ بما هي خارجية ويعلّق عليها الحكم، فلها حينئذٍ حالتان: فإمّا أن تُلحظ بما هي خارجية ولا يضاف إليها أيّ قيد، ويحكم عليها بالحكم، فهنا لا بُدَّ وأن يكون الحكم استغراقياً ومتكثراً بتكثر أفراد المفهوم، والوجه فيه هو أنَّ كلّ فرد من الأفراد لو جرّد عن خصوصياته فهو مطابق مع الصورة الذهنيّة في نفس المولى، وهي الصورة للطبيعة الخالية عن القيود. ولا نعني بالسراية إلَّا كون المفهوم مطابقاً للخارج؛ لأنّ كلّ فرد في الخارج لو جرّد من خصوصياته لكان هو نفس ذات المعنى الطبيعي فيسري إليه الحكم. ومن هنا يظهر أنَّ من طبع الإطلاق هو الاستغراقية والسريان والانحلال.
وأمّا إذا فرضنا أنّ المولى قيّد الطبيعة بقيد فالحكم لا محالة يقف عند القيد ولا
ــــــــــ[78]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
يسري إلى الفاقد. وهذا القيد مرّة يكون على نحو تقييد البيع بكونه معاطاتياً فلا يسري إلى الفاقد؛ لأنَّه ليس هو نفس ما في نفس المولى بعد إلغاء خصوصياته. ومرّة يكون القيد هو قيد الوحدة، نحو: صلّ صلاة واحدة. فهذا يسمى بالإطلاق البدلي، وهذا يتصوّر في الأحكام التكليفية دون الأحكام الوضعية.
ومن هذا المدّعى يظهر أنَّ وظيفة مقدّمات الحكمة ونتيجتها دائماً تتلائم مع الإطلاق الاستغراقي، بعد فرض أنَّ اللفظ -وهو اسم الجنس- وضع للجامع بين العاري عن القيد والمقيّد، ولم يوضع لأحدهما بالخصوص، فإذا بقينا نحن والوضع فيحتمل أن يكون الحكم وارداً على المقيّد، كما يحتمل أن يكون وارداً على المطلق، وإنّما نثبت الإطلاق بمقدّمات الحكمة؛ لأنّ المولى لم يذكر سوى البيع ولم يقيده بالمعاطاتية ولا الوحدة. فما دام الحكم في مقام الإثبات عامّاً فهو عام أيضاً في مرحلة الثبوت، وبه يثبت أنَّ الحلّية(1) استغراقية. والعقل يستقل بالحكم بالاستغراق ولا يحتاج ذلك إلى مؤونة، بل الذي يحتاج إلى مؤونة هو الإطلاق البدلي؛ لأنّ معناه أخذ قيد الوحدة: إمّا بقرينة خاصّة وإمّا بقرينة عامّة، كما مضى في بحث الأوامر(2). إذن، تحصّل أنّ الإطلاق البدلي يحتاج إلى مؤونة بخلاف الإطلاق الاستغراقي، فإنَّ مجرّد مقدّمات الحكمة مع حكم العقل يكفي في إثباته.
فلا معنى لأنّ يُقال: إنَّ محلّ البحث إمّا صرف الوجود وإمّا مطلق الوجود؛ لأنّ الطبيعة لا تلحظ فانية لا في الصرف ولا المطلق، بل معنى
ــــــــــ[78]ــــــــــ
() مشيراً إلى آية: (أحل الله البيع). (المُقرِّر).
(2) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 3: 249.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الإطلاق هو الطبيعة العارية عن تمام الخصوصيات والقيود. هذا الإطلاق يكون هو مفاد الجزاء في المقام، فإذا فرضنا أنَّ القضية تدلّ على العليّة الانحصارية يثبت المفهوم؛ لأنّها علّةٌ منحصرةٌ للطبيعة بما هي هي، فلو ثبتت علّة لفرد منها لم تكن علّة للطبيعة.
أمَّا إذا لم يثبت انحصار العليّة فيمكن أن تكون الطبيعة ثابتة عند شيء آخر؛ لأنَّ الإطلاق ليس معناه أنّها ثابتة في جميع الموجودات، ولا أنَّها ثابتة في أحد الموجودات؛ لأنّ مرجع الأخير إلى البدليّة، وهي مقيّدة بالوحدة، وقد أُخذت خصوصيتها فيه، بل معنى الإطلاق لحاظ الطبيعة بما هي خارجية من دون أيّ تقييد، ونثبت ذلك بمقدّمات الحكمة، فإن ثبت حينئذٍ الانحصار في العليّة ثبت الانتفاء عند الانتفاء وإلَّا لم يثبت.
وبهذا يظهر أنَّ العليّة الانحصارية لها أثر في ثبوت المفهوم، وهو فيما إذا أثبتنا أنَّ مفاد الجزاء مطلق، بمعنى: الطبيعة الملحوظة بما هي خارجية، العارية عن جميع الخصوصيات.
وبهذا يتّضح -وهو الصحيح- أنَّ إثبات المفهوم لا يخلو من طريقين:
الطريق الأول: أن نثبت أنَّ مفاد الجزاء هو سنخ الحكم، بمعنى مطلق الوجود، سواء أثبتنا العليّة الانحصارية أو لا.
الطريق الثاني: أن نثبت أنَّ مفاد الجزاء هو سنخ الحكم، بمعنى الإطلاق الذي نحن نختاره، وهذا يحتاج إلى ضمّ العليّة الانحصارية، فمجموع هذين الأمرين هو ضابطٌ برأسه.
ــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إذن، يحتاج القائل بالمفهوم إلى إثبات أحد هذين الأمرين، ومن لم يثبت لديه كلا الأمرين لا يثبت عنده المفهوم.
وبتعبير آخر نقول: إنَّ الطبيعة المطلقة المعراة عن جميع الخصوصيات تارةً يُقال: لا بُدَّ من ملاحظتها فانية إمّا في صرف الوجود، وإمّا في مطلق الوجود، أي: إمّا في أحد الوجودات المتمثّل بالوجود الأول، أو في جميع الوجودات. فالأول هو الإطلاق البدلي، والثاني هو الإطلاق الاستغراقي الشمولي، وذلك كما يبني عليه سيّدنا الأستاذ(1) صريحاً والمشهور ظاهراً.
وتارةً: يبنى على أنَّ الطبيعة المطلقة المعراة عن كلِّ قيّد لا تفنى لا في أحد الوجودات ولا في جميعها، ولكن تلحظ بما هي خارجية، ولا نعني بالفناء إلَّا لحاظها خارجية وتعليق الحكم عليها، وهذا هو المذهب المختار.
وعلى المبنى الأول: وهو أنَّ أمرها لا يخلو من أحد أمرين على نحو مانعة الجمع والخلو، فإمّا أن تكون فانيةً في صرف الوجود، وإمّا فانيةً في مطلق الوجود. فإنّ كلامنا السابق -وهو أنَّ العليّة الانحصارية المشهورية لا يكون لها دخلٌ في المفهوم- يأتي هنا؛ لأنَّ مفاد الجزاء إن كان الطبيعة الفانية في مطلق الوجود، أي: في جميع الأفراد، فمجرّد تعليق مطلق الوجود على الشرط يدلّ على انتفاء مطلق الوجود عند انتفائه. وإن كان مفاد الجزاء هو صرف الوجود فغاية ما يدلّ عليه -حتّى ولو أخذنا العليّة الانحصارية بنظر الاعتبار- هو انتفاء العلّة في عرض الوجود الأول لا انتفائها في الوجود الثاني. إذن، لا أثر
ــــــــــ[81]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 2: 351، نفس المصدر 4: 369.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
للعليّة الانحصارية في المفهوم على هذا المبنى.
أمّا على المبنى الثاني المختار: وهو أنَّ الطبيعة لا تُلحظ فانية لا في أحد الوجودات ولا في جميعها؛ لأنّ ذلك شأن البدليّة والاستغراق في العموم لا في الإطلاق، فإنّ (أكرم كلّ عالم) عموم شمولي مرجعه إلى إكرام كلّ عالم، و(أكرم أيّ عالم) عموم بدلي مرجعه إلى إكرام أحد العلماء. أمّا الإطلاق فليس محدداً بـ (أي ولا كل) فلا يصحّ أن يُنظر بالطبيعة إلى كلِّ فرد ولا إلى واحد من الأفراد.
وبناءً على هذا نتصوّر دخالة العليّة الانحصارية؛ لأنّ المعلّق طبيعي الطلب، والبعث المُلغى عنه الخصوصيات والقيود بما هو خارجي، فإذا ثبت للطبيعي فرد آخر مع عدم شرطه المنحصر لم يكن علّةً منحصرةً له. أمّا إذا لم يكن المجيء علّةً منحصرةً للطبيعي فهنا يمكن أن يكون للطبيعي علتان فلا تدلّ القضية على الانتفاء عند الانتفاء، فيكون لإثبات العليّة الانحصارية أثر في إثبات المفهوم.
هذا ما قلناه سابقاً، أمّا الآن فنريد أن نقول: بأنَّ العليّة الانحصارية لا دخل لها حتّى بناءً على هذا المبنى، إذ يمكن إثبات المفهوم أيضاً حتّى بناءً على عدمها. فاقتناص المفهوم حتّى بناءً على هذا لا يتوقّف عليها.
فلنفرض أنَّ القضية تدلّ على العليّة فقط أو اللزوم فقط، ونريد أن نرى هل يثبت المفهوم أم لا؟ فإذا دلّت القضية على كون الشرط علّةً لمفاد الجزاء أو ملازماً له وعلمنا -ممّا سبق- أنَّ الجزاء هو الطبيعي المعرى عن جميع الخصوصيات، فببركة الإطلاق المدّعى في الجزاء يثبت أنَّ حكمنا على الجزاء
ــــــــــ[82]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
بالمعلولية أو اللزومية ثابتٌ للطبيعي من دون دخل أيّ خصوصيّة فيه. حيث يكون حكمنا بالمعلولية أو الملازمية منصب على طبيعي البعث أو وجوب الإكرام من دون أن يكون الوجوب ناشئاً من أيّ ملاك كالسخاوة والعلم، وليس لأيّ ملاك دخل فيه، فكون وجوب الإكرام معلولاً لمجيء زيد، هذه المعلولية ثابتة لحاقّ الطبيعي مع إلغاء هذه الخصوصيات، سواء كانت هي الشهامة أو العلم أو السخاوة، فهذه الخصوصيات ليست داخلة في العليّة لا وجوداً ولا عدماً.
إذن، لا محالة تكون القضية دالّةً على الانتفاء عند الانتفاء؛ لأنَّه لو ثبت وجوب إكرام زيد بملاك السخاوة في حالة عدم مجيئه، فمعناه: أنَّ الوجوب المعلول لمجيء زيد ليس هو الطبيعي المجرّد من جميع الخصوصيات، وذلك لأنَّ الحكم الناشئ من السخاوة ليس معلولاً للمجيء، وهذا خلاف رفض الخصوصيات، فلا بُدَّ أن يكون المعلّق على مجيء زيد والمعلول له هو الطبيعي المقيّد بأن لا يكون من ناحية السخاوة، فيثبت أنَّ الوجوب ناشئ بملاك غير ملاك السخاوة، وهو خلف الإطلاق وإلغاء الخصوصيات.
وإذا فرضنا الإكرام ثابت بملاك السخاوة في حال عدم مجيء زيد، لا يكون الطبيعي معرى عن جميع الخصوصيات؛ لأنَّ معناه أنَّ وجوب الإكرام الناشئ عن المجيء مقيّد بأن لا يكون ناشئاً عن السخاوة. وبهذا نكون قد أخذنا بعض القيود في الطبيعي الذي فرضناه عارياً عن كلِّ خصوصيّة.
بناءً على هذا يظهر أنَّ العليّة الانحصارية لا دخل لها، حتّى إذا اعتبرنا
ــــــــــ[83]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الإطلاق على هذا النحو، وأجرينا مقدّمات الحكمة، وأثبتنا بأنّ الطبيعة عارية عن جميع الخصوصيات. فإنّنا لا نحتاج إلى العليّة الانحصارية، لا بناءً على أنَّ المعلّق هو مطلق الوجود الذي يختاره المشهور، ولا بناءً على الطبيعة الملغى عنها الخصوصيات.
فإنّ المفهوم يتم حتّى إذا لم نقل بالعليّة الانحصارية، فالعليّة الانحصارية التي هي الركن الأساسي عند المشهور في المفهوم مما لا نحتاج إليه في اقتناص المفهوم، بل يكفي إثبات إطلاق الجزاء بمقدّمات الحكمة، مع نكتة سوف نبينها بعد قليل.
فحينئذٍ لا بُدَّ من النظر في كلِّ قضية، هل يمكن إجراء مقدّمات الحكمة فيها لإثبات الإطلاق في مفاد الجزاء أو لا؟ فإن أثبتنا ذلك، وأثبتنا اللزوم في الشرط لا لمجرّد الصدفة، فإنّ المفهوم يثبت من دون حاجة إلى الانحصار في العليّة. هذا هو الذي ينبغي أن يكون تحقيقاً للضابط الكلّي للمفهوم.
ــــــــــ[84]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
بقي هنا إشكال عام: هو: إذا كان المفهوم يثبت بإجراء مقدّمات الحكمة والإطلاق، فلماذا لم نسمع شخصاً يقول بإجراء مقدّمات الحكمة في غير القضية الشرطيّة، نحو أكرم زيداً؟! وهذا الإشكال يمكن أن يبيّن بوجهين:
الوجه الأول: لا إشكال من عدم جريان الإطلاق ومقدّمات الحكمة في مثل هذه القضايا، ولا فرق بينها وبين القضايا الشرطيّة.
الوجه الثاني: بناءً على هذا يثبت المفهوم لجميع القضايا بعد إجراء مقدّمات الحكمة وثبوت الإطلاق فيها.
والجواب عليه: أمّا بناءً على مبنى المشهور(1) القائل بعدم أخذ العليّة الانحصارية في مفاد مثل (أكرم زيداً) فالجواب واضح حيث إنّ هيئة أكرم زيداً لم تقع موضوعاً لحكم، ومقدّمات الحكمة إنّما تجري فيما يكون متعلّقاً للحكم أو موضوعاً له، وهنا لم يقع الوجوب لا متعلّقاً للحكم ولا موضوعاً له. فإنّ مقدّمات الحكمة تفيدنا في إثبات أنَّ طرف الحكم هو طرف مطلقاً، وهنا ليس بطرف أصلاً.
ــــــــــ[85]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 412، 413.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وأمّا بناءً على مبنى ضياء الدين العراقي(1) القائل: بأنَّ العليّة الانحصارية مأخوذة في كلِّ هيئة، ويترتّب عليه أنَّ زيداً في (أكرم زيداً) علّةٌ منحصرةٌ لوجوب إكرامه. فالجواب: أنَّ زيداً أُخذ محصّصاً لأحد طرفي النسبة وهو الإكرام، فلا يعقل إطلاق مثل هذه النسبة، ولا يعقل إجراء مقدّمات الحكمة فيها، لأنَّه قد ثبت تقييدها. وإنّما تجري مقدّمات الحكمة في حالة عدم التقييد، وتفصيل هذا الأمر يأتي في مفهوم الوصف واللقب.
فتحقّق مما سبق أنَّ الضابط في اقتناص المفهوم من القضية هو: إجراء مقدّمات الحكمة في مفاد الجزاء لإثبات إرادة المطلق، إمّا بالمعنى المشهوري، أي: مطلق الوجود، وإمّا بالمعنى الصحيح وهو الطبيعة الملغى عنها الخصوصيات، مع فرض دلالة القضية على اللزوم في نفسه، فيكون المفهوم تاماً من دون حاجة إلى العليّة الانحصارية.
نعم، لو فرض عدم جريان مقدّمات الحكمة في مفاد الجزاء لسبب من الأسباب، وأهونها أنَّ المولى في مقام الإهمال والإجمال، فلا معنى لجريان مقدّمات الحكمة في مثل هذا الفرض، وهنا نتصوّر الفائدة للعليّة الانحصارية، فإنّ القضية إذا كانت تدلّ على أنَّ الشرط علّةٌ منحصرةٌ للجزاء فيثبت المفهوم حينئذٍ؛ لأنَّه إذا كانت هناك علّة أخرى لوجوب الإكرام يلزم أن تكون العلّة هي الجامع؛ لاستحالة صدور الواحد من الكثير، وهذا خلاف ظهور القضية في أنَّ الشرط هو العلّة لا الجامع.
ــــــــــ[86]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار 2: 468.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وهذه هي النكتة التي قلنا: إنَّنا سوف نبيّنها فيما بعد البحث.
وبهذا يظهر أنّه مع تماميّة الإطلاق في مفاد الجزاء لا نحتاج إلى العليّة الانحصارية، ومع فرض اجتماعهما معاً فهو نور على نور.
هذا تمام الكلام في تحقيق الضابط الكلّي للمفهوم.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
مفهوم الشرط
ــــــــــ[89]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
يقع الكلام في القضية الشرطيّة: إذا جاء زيد فأكرمه.
الكلام فيها يقع في ثلاثة مقامات:
المقام الأول: في تحقيق مقام الجملة الشرطيّة، وفيه جهات ثلاث:
الجهة الأولى: في تحقيق معنى أداة الشرط، ودخول الربط في مفادها وعدمه.
الجهة الثانية: بعد فرض دخول الربط في مفادها، فهل طرف الربط والتعليق هو المدلول التصوّري أو التصديقي؟
الجهة الثالثة: بعد فرض أنَّ المعلّق هو المدلول التصوّري، فهل هو مدلول الهيئة، أي: النسبة(1)؟
المقام الثاني: في أنَّ المعلّق هل هو شخص الحكم أو سنخ الحكم؟
المقام الثالث: في أنَّ العليّة الانحصارية هل يمكن أن تستفاد من القضية الشرطيّة أو لا؟
ــــــــــ[91]ــــــــــ
() مدلول المادّة المعبّر عنه بالمادّة المنتسبة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وهو كلام عقلائي لغُوي.
هناك مسلكان في تحقيق معنى أداة الشرط وتفسيرها تفسيراً لغوياً: أحدهما مسلك مشهور اللغويين(1)، والآخر مسلك المحقّق الأصفهاني (2) ناسباً له إلى علماء اللغة.
فالمشهور يذهب إلى أنَّ أداة الشرط موضوعة للملازمة والتعليق بين مفاد جملة وجملة، كتعليق أكرم على نحو جاء زيد.
وأمّا المحقّق الأصفهاني فيذهب إلى أنَّ أداة الشرط موضوعة لكون مدخولها واقع موقع الفرض والتقدير، من دون أن تكون دالّةً على التعليق أصلاً، فـ(إذا) تخرج المدخول من التحقيق إلى التقدير، أي: لو فرض، وعلى تقدير مجيء زيد… غاية الأمر أنَّ التقدير فيها أخذ بالمعنى الحرفي لا المعنى الاسمي.
ــــــــــ[92]ــــــــــ
(1) انظر: إشارات الأُصول: 473، ضوابط الأُصول: 118.
(2) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 412.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أمّا ترتّب الجزاء على الشرط وكونه لازماً له أو معلولاً له، فهذا مستفاد من الترتيب الذكري للجزاء على الشرط، وهو الترتيب في مقام عقد القضية. وهذا الترتيب هو الدالّ على التعليق بأحد أنحائه(1). قال: هذا هو الذي يذهب إليه علماء العربية، وهو الصحيح لشهادة الوجدان وشهادة مرادفها في اللغة الفارسية؛ لأنّنا بحسب ما نفهمه تدلّ على هذا، ونستبعد أن تكون في اللغة العربية دالّة على غير ذلك.
توضيح هذا الكلام: بمقايسة المقام بالقضايا الحقيقية، إذا قايسنا القضية الشرطيّة بالحملية الحقيقية كـ(النار محرقة)، يظهر المقصود.
حيث قالوا في القضايا الحملية: إنَّها إمّا حقيقية، وإمّا خارجية، فنحو (مات كلّ من في المعسكر) هذه قضية خارجية، ونحو (كلّ إنسان فانٍ) هذه قضية حقيقية. والفرق بين الحقيقية والخارجيّة: أنَّه في القضية الحقيقية يُفرض وجود الموضوع ويحكم عليه بحكم، بحيث يكون المحمول ثابتاً للموضوع بتمام أفراده المحقّقة منها والمقدّر الوجود. فالفناء ليس مختصاً بالناس الماضين، ولا الذين يوجدون في المستقبل، ولا بالحاليين، بل هو يعمّهم جميعاً، بل هو يعمّ إنساناً مفروضاً لم يوجد في الماضي ولا الحاضر ولن يوجد في المستقبل، ولكن بعد فرض وجوده نحكم عليه أنّه فانٍ.
هذا بخلافه في القضية الخارجيّة فإنّ القضية الخارجيّة تختص بخصوص أفراد المعسكر، لا أنَّه إذا قدّرنا مليون فرد آخر في هذا الجيش نحكم بموتهم
ــــــــــ[93]ــــــــــ
() أي: على نحو الملازمة أو العليّة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أيضاً، بل لعلّهم يكونوا أحياء، ولعلهم يدرؤون الموت عن هؤلاء أيضاً، فالحكم بالفناء منصب على الأفراد المحقّقة الوجود في الخارج، أمّا في مجموع الأزمنة الثلاثة، أو أحد هذه الأزمنة.
إذن، القضية الحقيقية تجمع الأفراد المحقّقة والمقدّرة، وأمّا القضية الخارجيّة فإنَّها لا تشمل سوى الأفراد المحقّقة: إمّا في زمان معيّن، وإمّا في جميع الأزمنة. وهذه السعة التي اكتسبتها القضية الحقيقية على الخارجيّة إنّما كانت ببركة أخذ موضوعها مقدّراً لا حاكياً عن الأفراد الخارجيّة، كما هو الحال في القضية الخارجيّة.
وليس معنى ثبوت الحكم للمقدّر والمفروض أنَّ الحكم ثابتٌ للمفروض بما هو مفروض، أي: ثبوت الحرارة للنار المفروضة في الذهن؛ فإنَّ النار المفروضة في الذهن ليست حارةً، وإنَّما المقصود أنَّ الحكم يثبت للتقدير بما أنّه فانٍ في مقدّره وحاكٍ عنه، فتقدير وجود النار هو فرض لوجود الموضوع، لا أنّه هو الموضوع؛ وذلك باعتبار إفناء الفرض في المفروض، ويعلّق الحكم على الفرض بما هو فانٍ في مفروضه.
أمّا في القضايا الخارجيّة فإنّنا إذا فرضنا وجود مليون آخر فلا يكون فرضاً وتقديراً لموضوع الفناء؛ لاحتمال بقاء حياتهم حينئذٍ، بخلاف تقدير نار أخرى فإنّه يكون تقديراً لموضوع الحكم وهو الحرارة.
فتلخّص: أنَّ التقدير في القضية الحقيقية تقدير للموضوع، والتقدير في القضايا الخارجيّة ليس تقديراً لأفراد الموضوع.
ــــــــــ[94]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إذا اتّضح هذا فإنَّه يُدعى في المقام أنَّ وظيفة أداة الشرط هو جعل مجيء زيد مقدّراً بهذا المعنى من التقدير، فوظيفة أداة الشرط هو جعل مجيء زيد مفروضاً كتقدير الموضوع في القضية الحقيقية، ويكون الترتّب الذكري كاشفاً عن ترتّب مجيء الصديق على مجيئه في قولك: (إذا جاء زيد جاء صديقه)، لا أنَّ مجيء صديق زيد منوط بافتراض مجيء زيد، فمتى افترضنا مجيء زيد فإنَّ صديقه يأتي، بل منوط بواقع مجيء زيد، فهو منوط بالتقدير بما هو فانٍ في الموضوع، وذلك كالقضية الحقيقية التي يكون الحكم بالحرارة فيها متوجهاً إلى واقع النار لا تقديرها. والتقدير نفسه ليس إلَّا تقديراً للموضوع، لا أنَّه نفس الشرط والترتيب الذكري يدلّ على أنَّ الجزاء مترتّب على التقدير بما هو فانٍ في مقدّره لا بما هو هو.
فبناءً على هذا لا يستفاد التعليق من أداة الشرط، بل من الترتيب الذكري، وغاية ما يستفاد منها الفرض والتقدير(1).
ــــــــــ[95]ــــــــــ
() عنوّن السيّد -كما في الدورة الأولى- رأي المحقّق الأصفهاني، وذكر أنّه لم يستدلّ عليه، وقال: بأنّه يمكن الاستدلال عليه، وما يتحصّل من كلام السيّد برهاناً على ذلك أمران:
الأمر الأوّل: ما ذكره في الدورة الأولى من مقايسة الجملة الشرطية بالجملة الحملية الحقيقية التي قال المشهور: إنّها ترجع إلى القضايا الشرطية، والتي يجعل فيها الحكم منوطاً بتقدير وجود الموضوع. فالقضايا الشرطية والحملية معاً روحهما واحدة، وهو الفرض والتقدير في ما هو سابق على الحكم، وهو الموضوع أو الشرط.=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[96]ــــــــــ
=وهذا ما قد أجاب عنه في الدورة الأولى تفصيلاً فلا نعيد.
وقد قال في جوابه على سؤال حول ذلك: بأنّ الفرق بين القضايا الحقيقية والشرطية: بأنّ التعليق والتقدير أمرٌ عقلي لا يستفاد من دالّ معيّن في القضية الحملية. وأضاف: بأنّ هذا يصلح أن يكون إشكالاً على المحقّق الأصفهاني؛ باعتبار أنَّ دلالة الحمليّة على التقدير يدلّ على أنَّ هذه الدلالة لا تحتاج إلى دالٍّ معيّن في داخل الجملة، فكما أنَّ الحملية تدلّ على التقدير من دون دالٍّ معيّن فكذلك الشرطية، وأمّا كون الأداة دالّة على ذلك فهو أول الكلام.
أقول [المقرر]: وهذا جواب مغايرٌ لِما ذكر في الدورة الأولى، فراجع. انتهى.
الأمر الثاني: أنّنا نلاحظ أنَّ الجملة الشرطية يمكن أن يدخل عليها الاستفهام، إمّا على الشرط والجزاء معاً بأن نقول: هل إذا جاء زيد تكرمه؟ وإمّا على الجزاء فقط بأن نقول: إذا جاء زيد فهل تكرمه؟ والاستفهام في الحالة الأولى فعليٌ؛ لأنّه وارد على مجموع الجملة وغير منوط بالشرط، وأمّا الاستفهام في الحالة الثانية فالوجدان شاهدٌ على فعليته، مع أنّه لا يصحّ بناءً على مسلك المشهور، ويصح بناءً على مسلك المحقّق الأصفهاني.
أمّا بناءً على مسلك المشهور -من أنَّ مفاد الجملة الشرطيّة هو الربط والملازمة- فواضح؛ لأنّ الاستفهام يكون منوطاً بالشرط، كإناطة الوجوب في طرف الجزاء بالشرط أيضاً، مع أنّنا فرضنا فعليته.
وأمّا بناءً على مسلك المحقّق الاصفهاني -من أنَّ مفادها الفرض والتقدير- فإنّ الفرض والتقدير فعليٌ، فيكون مفاد الجزاء -وهو الاستفهام- فعلياً.
وقال السيّد أيضاحاً للبرهان: إنّ الاستفهام يختلف عن الحكم إذا وقع في الجزاء، فإنّ=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[97]ــــــــــ
=الحكم ينقسم إلى جعل ومجعول مشهورياً، والمحقّق الأصفهاني يرى أنَّ المعلّق هو المجعول، وأمّا الجعل فهو فعليٌ، وأمّا الاستفهام فغير منقسم إلى هذا الانقسام، وإنّما هو مرحلةٌ واحدة، فهل يمكن أن يكون معلّقاً على الشرط -مع أنَّ الوجدان شاهد بفعليته-؟ وليس ذلك إلَّا من أجل كون مفاد الشرط هو التقدير لا التعليق؟
إلَّا أنَّ هذا الوجه غير صحيح، فبالاضافة إلى ما تقدّم منّا من تفصيل في الدورة الأولى نقول هنا: إنَّ السرّ في فعليّة الاستفهام هو أنَّ العرف يفهم من الاستفهام عن الجزاء الاستفهام عن الجملة الشرطية كلّها، أي: يفهم النحو الأوّل من النحو الثاني منه بقرينة توجيه الكلام، وهو توجيه فعليّ.
بل يمكن إقامة الدليل على خلاف ما أفاده المحقّق الأصفهاني. هذا ما تمّ تناوله في الدورة الأولى مفصّلاً، مع تفصيل نذكر هنا بعض ما فيه من زيادات:
أنّ المحقّق الأصفهاني اعترف بأنّ جملة الشرط جملة تامّة لا ناقصة، بنفس كلامه بأنّها واقعة موقع الفرض والتقدير؛ لأنه لا يقصد التقدير تصوّراً، بل تصديقاً، وأنَّ المتكلّم فرض الشرط فعلاً.
وأنّه على المسلكين المشهوري والمختار في النسبة الناقصة لا يمكن أن يكون لها دلالة تصديقية بمعنى الكشف عن القصد الجدي؛ لأنّ المشهور عرّفها: بأنّها النسبة التي ليس لها مدلول جدي، وكذلك على المختار: من أنّها النسبة التي تجعل الشيئين شيئاً واحداً، بخلاف التامّة فإنّها تقوم بين شيئين بما هما شيئان، والمدول التصديقي يحتاج إلى قضية والقضية تحتاج إلى طرفين، وهو يتوفر في النسبة التامّة دون الناقصة.
فالمشهور يرى أنَّ غاية النسبة فرع المدلول التصديقي، وعلى المختار المدلول التصديقي فرع النسبة التامّة، وعلى أيّ حال لا يمكن أن يكون للنسبة الناقصة مدلول تصديقي.=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[98]ــــــــــ
=ثُمَّ إنّ الربط الذي تدلّ عليه الأداة سنخ معنى يتقوّم بطرفين، فإذا تمّ الشرط كان السامع منتظراً للجزاء، ومن هنا لا يصح السكوت عليه. وأمّا الفرض والتقدير فهو سنخ معنى يكفي فيه الشيء المفروض وليس له طرف آخر.
والحق أنَّ بيان السيّد لهذا البرهان مرتب ولطيف، إلَّا أنَّ ما ذكر في الدورة الأولى مع هذه الزيادات ما يكفي لاستيعابه.
أمّا دليل المحقّق الأصفهاني ضد المشهور فهو: أنَّ الاستفهام قد يدخل على الجملة الشرطية في جانب الجزاء (إذا جاءك زيدٌ فهل تكرمه) فما هو المعلّق في جانب الجزاء؟ فيه احتمالات:
الاحتمال الأوّل: أنَّ المعلّق هو المستفهم عنه لا الاستفهام، أي: أنَّ وجوب الإكرام معلّقٌ على الشرط. وهذا يقتضي جعل الاستفهام داخلاً على الجملة الشرطية ككلّ لا على الجزاء خاصّة.
إلَّا أنّ الدليل على بطلان هذا الاحتمال أي: على عدم صحة هذا الارجاع دائماً- أنّه إذا حُذفت -أحياناً- أداة الاستفهام، وقدّمناها في أول الجملة الشرطية لم يبق في الجزاء جملة كاملة يصح السكوت عليها.
ففي مثل قوله: (إذا جاءك زيدٌ فكيف حاله) إذا حذفت الأداة بقيت كلمة واحدة لا تفي بالجزاء، وهذا يدلّ على أنَّ الاستفهام مقوّم للجزاء.
الاحتمال الثاني: أنَّ المعلّق هو الاستفهام، وهو معلّق على الشرط بطبعه، أي: باعتبار وجوده الخارجي. ولازمه أنّه قبل مجيء زيد لا استفهام له.
والمحذور الأساسي في ذلك هو أنَّ الجملة لا تنتظر جواباً؛ لأنّ الاستفهام ليس فعلياً، مع أنّه يفهم منه عرفاً الاستفهام الفعلي.=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[99]ــــــــــ
=الاحتمال الثالث: أنَّ المعلّق هو الاستفهام على تقدير وجوده، أي: إناطته بوجوده الذهني لا الخارجي.
وهذا الاحتمال هو المتعين بعد نفي الاحتمالين الأوّلين، ولا يرد عليه كلا الاشكالين السابقين، فإنّه عند حذف الأداة تبقى جملة الجزاء يصح السكوت عليها، ويكون الاستفهام فعليّاً ينتظر الجواب.
وهذا الاحتمال ينسجم مع رأي المحقّق الأصفهاني ولا ينسجم مع رأي المشهور، فيكون دليلاً له. أمّا انسجامه مع رأيه فواضح؛ لأنّه طُعم بالفرض والتقدير.
وأمّا عدم انسجامه مع رأي المشهور؛ فلأنّ كون الاستفهام موقوفاً على الشرط بوجوده التقديري يتمّ بأحد اسلوبين:
الأسلوب الأوّل: أن نحوّل معنى الشرط لغةً إلى الفرض والتقدير، كما حوّله المحقّق الأصفهاني، وهذا لا يمكن للمشهور أن يقوله؛ لأنّهم لا يرون أنَّ الأداة تسبغ الفرض والتقدير على الشرط.
الأسلوب الثاني: أن نقيس الاستفهام بالأحكام، فكما أنَّ الأحكام لها مرتبتان: مرتبة الجعل، ومرتبة المجعول، فكذلك الاستفهام فإنّه في الأحكام يذهب المشهور إلى أنَّ الجزاء منوط بالشرط على طبعه، أي: بوجوده الخارجي، وهو المجعول لا الجعل. وهذا يساوق عقلاً إناطة الجعل بتقدير هذا الشرط. فلو كان للاستفهام مرتبتان كان كالأحكام، لكن فيه مرتبة واحدة؛ فإنّه حالةٌ وجدانية إفرادية، وأمّا تصوّر أكثر من مرتبة في عالم الاعتبار، فهذا الطريق مسدود أمام المشهور، فيتمّ البرهان.
إلَّا أنَّ هذا البرهان غير تامٍّ:
أولاً: أنّه بالإمكان اختيار الاحتمال الثاني، وهو كون الاستفهام مُعلّقاً على الوجود= تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[100]ــــــــــ
=الخارجي للشرط. وكون الاستفهام المُنشأ في حاق اللفظ ليس فعلياً لا محذور فيه، إذ بقرينة عرفية ينتزع من الاستفهام المعلّق الاستفهام عن التعليق، وهي نفس توجيه الكلام وطلب الجواب، وإن كان اللفظ قاصراً عن ذلك.
أقول [المقرر]: الاحتمال الثاني فيه محذور آخر، وهو عدم تصوّر إناطة المعاني النفسية التي منها الاستفهام بشيء غير متحقّق، فإنّه حالة نفسية متحقّقة فعلاً في النفس بنفس توجيه الكلام، ولا معنى للتعليق فيما متحقّق فعلاً.
وعلى ضوء ذلك يجاب على ما أجاب به السيّد بأنّ الاستفهام عن التعليق والاستفهام المعلّق هل هما واحد ذاتاً أو اثنان؟ والثاني مخالفٌ للوجدان العرفي، والأوّل يعني وجود أحدهما وانفهامه دون كلا الأمرين، وهو راجع إلى قصد المتكلّم أولاً، والفهم العرفي ثانياً، فإن فهم العرف الاستفهام عن التعليق -كما اعترف به– كان هو الاستفهام الوحيد في داخل الجملة. انتهى.
ثانياً: أنّنا لو قطعنا النظر عن النكتة التي ذكرناها، وسلّمنا بالإشكال على الشقّ الثاني، فإنّه يرد على الشقّ الثالث أيضاً؛ لأنّه يجعل الجزاء منوطاً بتقدير الشرط، فنسأل: هل المراد من ذلك إناطته بما هو تقدير وفرض ذهني، أو بما هو فانٍ في المقدّر وحاكٍ عنه؟
فإن اُختير الأوّل فمعناه أنَّ الأحكام المشروطة تصبح فعليّة بمجرّد جعلها؛ لأنّ المقدّر عليه وهو الوجود الذهني للشرط حاصلٌ، فكما أنَّ المحقّق الأصفهاني يرى أنّ الاستفهام يحرك نحو الجواب تحريكاً فعلياً، كذلك محركية الوجوب للإكرام يكون موجوداً قبل وجود الشرط خارجاً. وإن لم نقبل ذلك في باب الأحكام وقلنا: إنَّ الجزاء منوطٌ بالوجود الخارجي للشرط فيتمّ ذلك في الاستفهام أيضاً، ولا يكون فعليّاً فلا يتمّ الدليل.=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أمّا تصريح علماء العربية بذلك فلا نعرفه، ولا نعلم أنّهم يفهمون مثل هذه المطالب الدقيقة أولا؟ وعلى تقدير التصريح فهو ليس بحجّةٍ. وأمّا شهادة الوجدان بأنّ (إذا) لا تدلّ على الترتيب، وإنّما تدلّ على مجرّد التقدير، فهذا الوجدان متوفر لديه فقط، بل إنَّ عندنا وجداناً يخالفه.
وأمّا كون (إذا) بالفارسية تدلّ على التقدير دون الترتيب فهذا شيء يرجع إليه، ولا أدري ما هو ظهور (إذا) في اللغة الفارسية. وما هو موضع الآثار الشرعيّة إنَّما هو لفظ (إذا) في اللغة العربية لا مرادفاتها في اللغات، ومفادها هو الترتيب لا الفرض والتقدير.
وهذا شيء وجداني لا يحتاج إلى استدلال، ولكنّه بما أنّه قد استدلّ على رأيه ببيان فنيّ فنحن نجيبه ببيان فنيّ أيضاً حاصله:
أنَّ جملة (جاء زيد) لا إشكال في أنّها جملة تامّة في نفسها، والنسبة فيها نسبة
ــــــــــ[101]ــــــــــ
=أقول [المقرر]: للمحقّق الأصفهاني أن يختار أنَّ المعلّق في جانب الأحكام على تقدير الشرط هنا هو الجعل، وهو فعلي بفعليّة التقدير، وكذلك الاستفهام بوجوده الوحداني، أو بجانب جعله لو كان له مرتبتان، وفعليّة جانب الجعل في الاستفهام يكفي لطلب الجواب وتوجيه الكلام. والمجعول منوط بالوجود الخارجي للشرط، سواء في جانب الأحكام أو الاستفهام لو قلنا بتعدد رتبته، ومعه يكون إندفاع ما ذكره السيّد واضحاً. انتهى.
فالصحيح ما عليه المشهور من وضع الجملة الشرطية للربط بين الشرط والجزاء؛ لشهادة الوجدان، وشهادة علماء العربية.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
تامّة في قبال قولك (مجيء زيد) فهي نسبة ناقصة، ومن هنا يصحّ السكوت على الأولى دون الثانية.
والفرق بين النسبة التامّة والنسبة الناقصة ذاتي محفوظ في نفسه، فهما سنخان من النسبة: تامّة يصح السكوت عليها، وناقصة لا يصح السكوت عليها.
ففي قولنا (جاء زيد) بعد أن فرض أنَّ مدلوله النسبة التامّة لا ينسلخ عن كونها نسبة تامّة بعروض مختلف الأعراض عليها، كعروض أداة التحقيق والاستفهام والنفي والتمنّي والترجي، فإنّها تبقى في جميع هذه الأحوال نسبة تامّة. ومن هنا نحن تصوّرنا النسبة التامّة محفوظة وقابلة لطروّ مختلف هذه الأعراض عليها، كما مضى تقريره في المعنى الحرفي(1).
أمّا في المقام فإنَّها إذا طرأ عليها مفاد (إذا) تخرج عن كونها جملة تامّة. ومن هنا لا يصح السكوت عليها، بل يبقى الكلام ناقصاً، نحو (إذا جاء زيد…) وهذا وجداني بديهي لا يمكن إنكاره لا في اللغة العربية ولا في لغته.
فإذا فتّشنا عن السرّ في هذا الخروج من النسبة التامّة إلى النقص في النسبة لوجدنا أنَّنا إذا فرضنا أنَّ (إذا) كانت دالّةً على مجرّد التقدير في النسبة فلا وجه للخروج عن التماميّة إلى النقص، فكما أنّها لا تخرج عن التمام إلى النقص بالتمنّي أو الترجي كذلك لا تخرج بالتقدير، بل تكون نسبة تامّة مقدّرة تفترضها النفس افتراضاً، فلا نعرف وجهاً لخروجها من التمام إلى النقصان.
ــــــــــ[102]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 1: 17.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أمّا إذا كانت دالّةً على التعليق فلا محالة لا يصحّ السكوت عليه؛ لأنَّ مفاد (إذا) بعدُ لم ينته، فنفس خروج الكلام مما يصحّ السكوت عليه إلى ما لا يصحّ السكوت عليه، بعد العلم أنَّ (جاء زيد) نسبة تامّة لا تخرج من تماميتها، نعرف أنَّ (إذا) لها سنخ معنى لا يتمّ إلَّا بضمّ جملة إلى جملة. والمناسب له التعليق لا التقدير، لأنَّ التقدير لا يخرج النسبة عن تماميتها إلى النقص بخلاف التعليق.
فبهذا البيان الفنيّ مضافاً إلى الوجدان القطعي نعرف أنَّ الصحيح ما عليه المشهور، وهو أنَّ (إذا) موضوعة للتعليق. ولكنّه هل هو التعليق العلّي، أو العلّي الانحصاري، أو تعليق لمجرّد الترتّب، فهذا ما يقع الكلام حوله في المقام الثالث.
ويتّضح ممّا تقدّم أنَّ خروج الكلام من كونه تامّاً إلى النقص له منشئان:
فإمّا أن يكون منشأه أنَّ مدخول أداة الشرط قد انسلخ عن معناه وهو النسبة التامّة إلى النسبة الناقصة، وأصبح مدلوله هو النسبة الناقصة.
وإمّا أنَّ أداة الشرط دالّة على معنى، هذا المعنى لا يتمّ في الجملة الأولى فقط وإنَّما يحتاج في تماميته إلى جملة ثانية. فالتحوّل من التمام إلى النقص يحتاج إلى أحد هذين التقديرين.
وأمّا إذا لم يتمّ شيء من هذين التقديرين فتكون للجملة نسبة تامّة متلونة بلون الفرض والتقدير، كما لو فرضنا أنّ زيداً جاء.
كما لا يخفى أنَّ النسبة الناقصة هي النسبة التي تجعل المفهومين معنى واحداً بإفناء ذاتها، والنسبة التامّة هي التي تقوم بين الاثنين بما هما اثنان. والنسبة التقديرية لا ترجع الاثنين إلى شيء واحد، بل هي ربط للطرفين بما هما شيئان؛ لأنَّ معناها هو الربط بين شيئين.
ــــــــــ[103]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إذن، لا بُدَّ من الالتزام بأحد هذين التقديرين؛ لكي نتعقّل خروج النسبة من التمام إلى النقصان. فإذا التزمنا بالشق الثاني فهو المطلوب؛ لأنَّه إذا كان معنى أداة الشرط هو الفرض، فقد تمّ المعنى بالجملة الأولى، مع أنَّه لم يتمّ فلا بُدَّ أن نلتزم أنَّه سنخ معنى لا يتمّ إلَّا بالجملة الثانية، وذلك لا يكون إلَّا إذا كان معنى أداة الشرط هو التعليق والربط.
وإن التزمنا بالشقّ الأول وقلنا: بأنّ زيداً جاء قد انسلخ عن معناه، وهو النسبة التامّة ووضع للنسبة الناقصة المتلونة بلون الفرض والتقدير. فهذا الشقّ غير صحيح؛ لأنَّ النسبة الناقصة لا يعقل أن يكون لها دلالة تصديقية؛ لأنَّ الدلالة التصديقية من شؤون النسبة التامّة.
فمثلاً في الجملة الاستفهامية إذا فرضنا أنّها جملة تامّة يمكن حينئذٍ أن يكون لها كشف تصديقي، فهي وإن لم تدلّ بالوضع على الدلالة التصديقية، ولكن ينعقد لها الظهور التصديقي بالظهور السياقي والعقلائي، ويعرف من ذلك أنَّ المتكلّم في مقام الاستفهام. وأمّا إذا فرضنا أنَّ النسبة في الجملة ناقصة نحو (مجيء زيد) المستفهم عنه، فمثل هذا الكلام ليس له دلالة تصديقية، لأنَّه ليس فيه نسبة تامّة.
فإذا قبلنا (إذا جاء زيد) من النسبة التامّة إلى الناقصة لم يكن له دلالة تصديقية، ويكون حاله حال قولنا (غلام زيد). ووجهه واضح بعد معرفة معنى النسبة الناقصة الذي هو إرجاع الاثنين إلى معنى افرادي واحد، فكأنَّ المتكلّم قال شيئاً واحداً، مع أنَّه لا يمكن أن يقول بتحوّل النسبة إلى الناقصة
ــــــــــ[104]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
بمجرّد الفرض والتقدير، فإنَّ مؤدّاها أنَّه قد فرض مجيء زيد، لا أنَّها جملة ناقصة عارية عن الدلالة التصديقية. فمن كونها دلالة تصديقية -بعد العلم بأنَّ الدلالة التصديقية خاصّة بالنسبة التامّة- نعرف أنَّ لها نسبة تامّة، وبهذا يبطل الشقّ الأوّل.
أمّا الشقّ الثاني وهو أنّ أداة الشرط لم تستوفِ معناها، بل أنّ معناها إنّما يتمّ مع جملة أخرى. فكل من جملتي (هل جاء زيد) و(إن جاء زيد) دلالتهما تصديقية، غاية الأمر أنَّ (هل) قد استوفت معناها فلا تحتاج إلى تكملة، وأنّ (إن) لم تستوف معناها، بل تحتاج في إكماله إلى جملة أخرى.
بعد أن أثبتنا أنَّ أداة الشرط دالّة على التعليق والربط. نتساءل عن المعلّق في طرف الجزاء هل هو المدلول التصوّري أو التصديقي؟
يمكن أن يقال: إنَّ المعلّق هو المدلول التصديقي، والمقصود منه في الجملة الإخبارية هو الإخبار والحكاية، وفي الجملة الإنشائيّة الأمر النفساني المختلف باختلاف الحالات، فهو الطلب النفساني والاستفهام النفساني الخ.
قد يقال(1): إنَّ المعلّق هو المدلول التصديقي لا المدلول التصوّري:
ففي قولنا: إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، هناك مدلول
ــــــــــ[105]ــــــــــ
() انظر: محاضرات في أُصول الفقه 5: 72.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
تصوّري هو النسبة بين الطرفين، ومدلول تصديقي وهو الإخبار عن هذه النسبة، فهل المعلّق هو النسبة أو الإخبار عنها؟ أي أنَّ المعلّق أوّلاً وبالذات في عالم اللفظ وفي عالم الربط والإسناد هل هو المدلول التصوّري الذي هو النسبة، أو المدلول التصديقي الذي هو الاخبار عن النسبة في الجملة الخبرية، والاستفهام عنها في الجمل الإنشائيّة؟
قد يقال ابتداءً: إنّ المعلّق في الجزاء هو المدلول التصديقي:
ويستدلّ على ذلك بوجهين:
الوجه الأوّل: بناءً على أنَّ المدلول الوضعي والمعنى الموضوع له هو المدلول التصديقي، وأنَّ الدلالة التصديقية ناشئة من الوضع. وهو مذهب سيّدنا الأستاذ(1)(2)، حيث بنى على أنَّ الجملة الخبرية موضوعة لقصد الحكاية، فمدلول قولنا: (النهار موجود) هو الإخبار عن وجود النهار لا النسبة القائمة بين الطرفين. ومدلول (أكرم) هو الوجوب لا النسبة القائمة بين المتعلّق والمخاطب، فمدلوله معنى اسمي لا معنى حرفي، ويدلّ عليه بالدلالة التصديقية. فبناءً على أنَّ
ــــــــــ[106]ــــــــــ
() انظر: محاضرات في أُصول الفقه 5: 72، نفس المصدر 1: 83.
(2) قال في الدورة الثانية: إنَّ السيّد الأستاذ لا يمكن أن يقول: إنَّ المعلّق هو المدلول التصوّري، وسيكون للخلاف معه أثر، وهو أنَّ المعلّق في موارد عدم وجود المدلول التصديقي ما هو؟ إن كان هو المدلول التصوّري فهو خلف المبنى، وإن كان هو المدلول التصديقي فهو خلف الواقع؛ لكونه غير موجود، إلَّا أنَّ يتمحّل في القول: بأنَّ مجموع الجملة موضوعة للاستفهام المدلول فيها، لا بنحو تعدّد الدالّ والمدلول، كما سبق أن تعرّضنا لذلك.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
المعنى الموضوع له هو الدلالة التصديقية. يقال إنَّ المعلّق هو المدلول التصديقي؛ لأنّه المعنى الموضوع له والمستعمل فيه.
ولا مناص من ذلك على هذه المباني، ففي قولنا: إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، يكون المعلّق هو الحكاية من وجود النهار لا نفس النسبة، ومن هنا رتّب عليه أن لا مفهوم للجملة الخبرية الشرطيّة؛ لأنّ مقتضى انتفاء الشرط هو انتفاء الحكاية، وهو لا يدلّ على عدم المحكي؛ وذلك لأنَّ المعلّق هو الحكاية فتنتفي بانتفاء الشرط، وليس معنى انتفاء الحكاية انتفاء المحكي، نحو إذا لم تكن الشمس طالعة فأنا لا أقول إنّ النهار موجود، وذلك أعمّ من وجوده واقعاً وعدم وجوده.
ولكنّنا لا نساعد على هذه المباني؛ فإنّنا لا نقول: بأنَّ الوضع عبارة عن التعهد، وإنَّ الجملة موضوعة لقصد الحكاية في الخبرية والطلب في الإنشائيّة. فنحن نوافق المشهور في مذهبه: بأنَّ الجملة موضوعة للنسبة الخبرية والطلبية ودلالتها تصوّرية لا تصديقية، وأنَّ الدلالة التصديقيّة تنشأ من سياق الكلام والظهور العرفي، ومن هنا لا يمكن الموافقة على مذهب السيّد الأستاذ، فيبطل الاستدلال به على أنَّ المعلّق في طرف الجزاء هو المدلول التصديقي.
الوجه الثاني: بعد الاعتراف أنَّ الموضوع له هو المدلول التصوّري، نقول: إنَّ المعلّق هو المدلول التصديقي؛ وذلك لضيق الخناق لاستحالة رجوع التعليق إلى المدلول التصوّري؛ لأنَّ النسبة لا يعقل تقييدها وتعليقها، فلا بُدَّ من التأويل وإرجاع التعليق إلى المدلول التصديقي الذي هو ثانوي في اللفظ.
ــــــــــ[107]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وهذا الوجه غير صحيح؛ لأنَّ مفاد الهيئة ومفاد المعاني الحرفية يعقل فيها التقييد والتعليق، كما لا يمكن أن يكون المعلّق هو المدلول التصديقي.
وذلك لأنَّه قد لا يكون للمعلّق في طرف الجزاء مدلول تصديقي أصلاً، كما إذا جاءت الجملة الشرطيّة في معرض النفي لا الإثبات، كأن يقال: (ليس إذا جاء زيد فأكرمه) المقصود منه: أنَّ زيداً ليس بهذه المنزلة بحيث يستحق الإكرام عند مجيئه. فالجزاء لا يدلّ بالدلالة التصديقية على وجوب الإكرام في الجملة الإنشائيّة، أو على فعليّة الإكرام في الجملة الخبرية، بل الدلالة التصديقية للنفي لا للجزاء، فالجزاء متمحض للمدلول التصوّري.
فبهذا يتبرهن على أنَّ المعلّق هو المدلول التصوّري(1) لا التصديقي. نعم، يكون المدلول التصديقي معلّقاً بالتبع لا محالة.
إنَّ الجملة الخبرية كما في قولنا: (إذا طلعت الشمس فالنهار موجود) المدلول التصديقي فيها هو الحكاية عن وقوع النسبة خارجاً، وهذه الحكاية تتصوّر على ثلاثة أنحاء في القضية المشتملة على التعليق:
النحو الأوّل: أن تكون الحكاية حكايةً عن الملازمة والربط بين الجملتين،
ــــــــــ[108]ــــــــــ
() أفاد في الدورة الثانية: أنَّ المعلّق على الشرط هو المدلول التصوّري، قائلاً: إنّ المنبه لذلك هو انحفاظ معنى التعليق في الشرطية، مع عدم وجود المدلول التصديقي؛ أمّا لكونها أوردت هزلاً أو في صورتي الاستفهام والنفي، الذي لا يكون للجزاء حينئذٍ أيّ مدلول تصديقي.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وهذا الربط المستفاد من المعنى الحرفي في أداة الشرط يكون هو مصب الحكاية، ولا تكون الحكاية عن النسبة في طرف الجزاء، فيكون مدلوله مدلولاً تصوّرياً فقط، وهذا أمر معقول؛ لأنّ الملازمة والربط بين الجملتين يمكن أن تتعلّق بها الحكاية، فإذا صب المتكلّم الحكاية على الربط والملازمة فالحكاية تصدق إذا كان الربط موجوداً في الواقع، سواء وجد الطرفان أو لا، ومن هنا قيل: إنَّ صدق القضية الشرطيّة لا يستلزم صدق طرفيها.
النحو الثاني: أن تكون الحكاية حكايةً عن النسبة في طرف الجزاء لا في الربط بين الجملتين، وهو النسبة بين النهار والوجود، أي: الحكاية عن وجود النهار، وهذا يتصوّر على شكلين: فتارةً تكون الحكاية معلّقة على الشرط كمعلّقية المدلول التصوّري، أي: قبل طلوع الشمس لا حكاية له، وإنّما كشفه وحكايته عن النسبة منوط بطلوع الشمس، كما أنَّ النسبة التصوّرية منوطة بطلوع الشمس، وهو أمر معقول. والقضية تكون صادقةً إذا كانت هناك ملازمة في الواقع، سواء أكان الطرفان موجودين أم لا، ويصح قول المشهور: إنّ صدق القضية لا يسلتزم صدق طرفيها.
النحو الثالث: أن نفترض أنَّ الحكاية فعليّة، لكن متعلّقها هو النسبة المعلّقة في طرف الجزاء فأنا أحكي بالفعل عن وجود الجزاء عند وجود الشرط، وذلك على طراز الواجب المعلّق. وهذا معقول ثبوتاً، لكنّه خلاف الظاهر إثباتاً؛ لأنَّه يحتوي على اختلاف بين المدلول التصوّري والمدلول التصديقي، فإنّ المدلول التصديقي فعليٌّ والمدلول التصوّري معلّق، مع أنَّ المتفاهم العرفي على أنَّ المدلول التصديقي إذا انصبَّ على نفس مصبّ المدلول التصوّري يكون على
ــــــــــ[109]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
طبعه، وهنا يلزم كذب القضية إذا لم يوجد الشرط إلى الأبد؛ لأنَّه إخبار فعلي والمعلّق ليس بموجود، فتكون الحكاية كاذبةً لا محالة. نحو: (إذا أرسل نبي فإنّه يهدي الناس) فإنّ هذه القضية كاذبة؛ لأنَّه حكى عن المقيّد فإذا(1) لم يكن المقيّد موجوداً تكون القضية كاذبةً، وهذا في نفسه يثبت على أنّه مخالف للمتفاهم العرفي؛ لأنّ العرف لا يحكمون بكذب القضية إذا لم يكن الشرط موجوداً؛ لأنَّهم يفهمون أنّه يحكي عن الربط والملازمة، أو أنّ الحكاية معلّقة كالمدلول التصوّري، ومن هنا لا يحكمون بأنّه كاذب.
فهذه أنحاء ثلاثة كلّها معقولة وممكنة، ولكنّها تختلف من حيث آثارها فالنحو الأول والثاني لا يلزم فيهما كذب المخبر إذا لم يوجد الشرط، ويلزم إذا لم توجد الملازمة، أمّا الثالث فيلزم كذبه إذا لم يكن الشرط موجوداً حتّى مع وجود الملازمة، ولكنَّه بخلاف المتعارف.
هذا في الجمل الإخبارية أمّا في الجمل الإنشائيّة، نحو: (إذا جاء زيد فأكرمه) فالمعلّق هو المدلول التصوّري، وهو النسبة الطلبية. والمدلول التصديقي هو جعل هذه النسبة الطلبية ووجودها في عالم النفس والجعل والاعتبار.
ويمكن ثبوتاً أن تكون على شكلين:
أحدهما: أن يكون المدلول التصديقي -جعلاً ومجعولاً- معلّقاً على مجيء الشرط، كجعل وجوب الإكرام منوطاً بالمجيء، فلا جعل قبل المجيء.
ــــــــــ[110]ــــــــــ
() هنا إذا لم يتحقّق إمّا القيد وإمّا المقيّد، فإنَّ القضية تكون كاذبة، كما إذا لم يرسل نبي، أو لم يهدِ الناس. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ثانيهما: أن يكون المدلول التصديقي فعلّياً جعلاً لكنّه معلّق مجعولاً، وهذا معقولٌ، إلَّا أنَّه بناءً على الشكل الثاني يكون التعليق صورياً بحتاً؛ لأنَّ المجعول ليس له وجودٌ وراء عالم الجعل؛ لأنّ الطلب لا يوجد إلَّا بالجعل لا أنَّه بعد مجيء زيد يوجد الجعل، فالتعليق عنواني، أي: جعل لمِا هو المعلّق صورة لا واقعاً؛ لأنَّه موجود بنفس هذا الجعل، وحيث إنَّ الظاهر كون الجعل على نحو القضية الحقيقية المساوق للتعليق في المجعول، وهو فعليٌ والمعلّق صوري. وقلنا: إنّ الواجب المشروط فعليٌّ قبل وجود شرطه، وإن كان عنواناً مشروطاً؛ لأنّ المجعول ليس له وجودٌ وراء عالم الجعل، وقد أصبح فعلياً بفعلية الجعل، وإن كان معلّقاً تعليقاً صورياً، على تفصيل مرّ في الواجب المعلّق(1).
وحيث إنَّه مساوق للقضايا الحقيقية فنحمل القضية على الشقّ الثاني.
وببيان آخر: أنَّ المعلّق على الشرط هو المدلول التصوّري لا المدلول التصديقي. وأمّا المدلول التصديقي فيختلف حاله في الجملة الخبرية والجملة الإنشائيّة.
ففي الجملة الخبرية يمكن أن يكون المدلول التصديقي -الذي هو قصد الحكاية عن شيء- فعليّاً بتمامه، فيكون كلّ من القصد والحكاية المقصودة والمحكي عنه فعليّاً، وذلك إذا صب الحكاية على الربط بين الجملتين، ذلك الربط المستفاد من أداة الشرط الذي هو معنىً حرفياً على ما هو المختار، أو من
ــــــــــ[111]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 3 :430.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الهيئة على ما ذهب إليه المحقّق الأصفهاني(1)، وحينئذٍ يتمحض الجزاء للمدلول التصوّري.
وأخرى يكون القصد والحكاية فعليّين، ولكن المحكى عنه معلّق وليس فعلياً. فتارةً يكون كلّ من القصد والحكاية المقصودة والمتعلّق فعليّاً، وذلك إذا تعلّق القصد بالربط والملازمة بين الشرط والجزاء. ولا ينبغي أن يُشكل بأنّ الملازمة لم تجعل محمولاً للموضوع في القضية حتّى يمكن ثبوتها للموضوع، فلا معنى لحكايتها. هذا لا ينبغي أن يقال؛ لأنّ المقصود ليس هو الحكاية عن الموضوع، بل المقصود هو الحكاية عن النسبة بين الجملتين، هذا المعنى النسبي هو الذي تنصب عليه الحكاية كما تنصب على النسبة في القضايا الحملية، غاية الأمر أنَّ النسبة هناك قائمة بين مفهومين إفراديين وهنا النسبة قائمة بين جملتين. فالحكاية ليست عن ثبوت الملازمة لموضوعها حتّى يقال: إنّها لا تجوز الحكاية عنها، بل مرادنا الحكاية عن الملازمة بما هي معنى حرفي، أي: بما هي ربط نسبي بين الجملتين. هذه النسبة ينصبّ عليها قصد الحكاية كما ينصب على قولنا: زيد قائم، فالملازمة تلحظ بما هي نسبة، لا بما هي معنى اسمي تحتاج في حكايتها إلى موضوع آخر تنسب إليه.
ففي الشقّ الأوّل: يكون كلّ من القصد والحكاية والمحكي عنه فعلياً، والمحكي عنه هنا الربط والملازمة بين الطرفين.
أمّا الشقّ الثاني: فهو أن يكون كلّ من القصد والحكاية فعلياً، ولكن
ــــــــــ[112]ــــــــــ
(1) نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 607.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
المحكى عنه والمراد كشفه ليس أمراً فعلياً، بل هو أمر متأخر(1). فهو الآن عنده قصد بالفعل للحكاية والكشف بالفعل عن قيام زيد المتأخر والمقيّد والمنوط بمجيء عمرو. وهذا أمر معقول ثبوتاً، ولكن فرقه عن الأوّل أنَّه يلزم منه كذب القضية الشرطيّة إذا لم يوجد الشرط في الخارج، بخلاف الأوّل فإنّه لا يلزم كذبها مع عدم وجود الشرط إذا كانت الملازمة موجودة؛ لأنَّ الملازمة فيه ثابتة سواء وجد الطرفان أو لا. أمّا هنا فقد حكم بالفعل على أمر متأخّر، ومن المعلوم أنَّ المقيّد عدم عند عدم قيده، فإذا لم يتحقّق الشرط فإنّ المقيّد سوف لا يتحقّق، فقد حكى بالفعل عن أمرٍ لا يتحقّق، فالحكاية كاذبة لا محالة.
أما الشقّ الثالث: فهو أن يكون القصد فعلياً، وكلّ من الحكاية والمحكي عنه غير فعلي، أمّا القصد فهو فعلي لا محالة ولكنّه يقصد الحكاية على تقديرٍ، أي: يقصد الحكاية عن قيام عمرو حكاية مشروطة بمجيء زيد. وهذا معقولٌ ثبوتاً، وهو يمتاز عن الشقّ الثاني بأنّ القضية فيه لا تكذب إذا لم يوجد الشرط في الخارج؛ لأنَّه لا حكاية له حينئذٍ حتّى تتصف بالكذب.
نعم، الكشف عن الملازمة في جميع هذه الموارد الثلاثة موجود بالدلالة الالتزامية لا محالة؛ لأنَّه عندما يحكي عن ثبوت الجزاء على تقدير الشرط فهو يستلزم الملازمة بينهما، فيكون الربط محكياً بالدلالة الإلتزامية في كلِّ من الشقّين الثاني والثالث.
كما أنَّه على الأوّل لا محالة إذا فرضنا أنّه يحكي عن الملازمة، فهو يحكي
ــــــــــ[113]ــــــــــ
() وهذا هو النحو الثالث من حيث التقسيم المتقدّم. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
بالملازمة عن وجود اللازم حكاية مشروطة بوجود الملزوم.
هذا عن الجملة الخبرية(1).
ــــــــــ[114]ــــــــــ
() تعرض السيّد في الدورة الثانية للمدلول التصديقي، فذكر أنّه إذا لم يكن للجزاء مدلول تصديقي فلا معنى للكلام عن سريان التعلّيق من المدلول التصوّري إلى التصديقي. وإن كان للجزاء مدلول تصديقي فالقضية: إمّا إخبارية، وإمّا إنشائية.
فالجملة الإخبارية تتصوّر على ثلاث صور، وهي:
1- أن يكون القصد والحكاية والمحكي عنه كلّها فعليّة.
2- أن يكون القصد فعلياً أما بالنسبة إلى الأخيرين غير فعليين.
3- أن يكون الأوّلان فعليين والأخير معلّقاً.
أمّا الصورة الأولى فليس المحكي عنه هو الجزاء؛ لأنّه ليس فعلياً.
أقول [المقرر]: الحكاية الفعليّة تحتاج إلى محكي عنه فعليّ فتأمل. فيتعيّن أن يكون المحكي عنه هو التعليق والملازمة، ومع عدم صدق الشرط وبالتالي الجزاء لا تكذب الحكاية لفرض صدق الملازمة على أيّ حال. وهنا لا يكون المدلول التصديقي معلّقاً؛ لأنّ المدلول التصديقي هنا عبارة عن قصد الحكاية عن الملازمة والتعليق، وهو فعلي غير معلّق. انتهى.
أمّا الصورة الثانية فإنّ الحكاية عن الجزاء تكون منوطةٌ بوجود الشرط، وهي أيضاً يمكن أن تصدق بدون صدق طرفيها؛ إذ بدون تحقّق الشرط لا حكاية أصلاً. ومع عدمها لا معنى لكذبها، فإنّه فرع الحكاية، ولكن التعليق فيها سارٍ إلى المدلول التصديقي؛ لأنّ الحكاية عُلقت على الشرط بتبع تعليق المدلول التصوّري عليه.
ثُمّ إنَّ المدلول المطابقي لكلا هاتين الصوريتن يكون مدلولاً إلتزامياً للصورة الأخرى؛ فإنّ=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[115]ــــــــــ
=الحكاية عن الملازمة في الصورة الأولى تستلزم الحكاية عن الجزاء على تقدير وجود الشرط، والعكس صحيح. وهذا ما بيّناه مفصّلاً في الدورة الأولى.
أقول [المقرر]: استلزام الصورة الأولى للثانية محلّ كلام؛ لأنّ الحكاية الفعليّة عن الملازمة تستلزم الحكاية عن وجود الجزاء -على تقدير وجود الشرط- حكاية فعليّة لا معلّقة؛ كما هو فرض الصورة الثانية، فتكون أقرب للصورة الثالثة، كما أنَّ الاستلزام في الصورة الأولى للثانية عقلي بغض النظر عمّا قلناه، بخلاف استلزام الثانية للأولى فإنّه لا يتعيّن أن يكون عقلياً فإنَّ ترتّب الجزاء على الشرط قد لا يكون لملازمةٍ واقعيّةٍ، بل عرفية. انتهى.
أمّا الصورة الثالثة: فيرجع قولنا: (إذا جاء زيد جاء ابنه) إلى قوله: (سوف يجيء ابن زيد عند مجيء زيد) فلو لم يوجد الشرط يكون المتكلّم كاذباً؛ لأنّها حكاية فعليّة عن أمر استقبالي لن يقع خارجاً، بخلاف الصورتين السابقتين؛ إذ في الصورة الأولى إخبار عن الملازمة المفروض صدقها، وفي الثانية إذا لم يوجد الشرط لا توجد الحكاية أصلاً كما عرفنا.
أقول [المقرر]: كذب هذه القضية فرع تعلّق الحكاية بكلّ من الشرط والجزاء، فإذا لم يوجدا معاً كان كذباً لا محالة، أو إذا تحقّق الشرط من دون الجزاء. وأمّا بدون هذين الأمرين -كما هو ظاهر القضية- فلا يمكن كذبها؛ لوضوح كون الجزاء منوطاً بالشرط، والشرط مقدّر الوجود لم تتعلّق به الحكاية، فلو لم يتحقّق الشرط والجزاء تبقى صادقة لفرض صدق الملازمة.
وبتعبير آخر: أنّه بعد أن قلنا: بأنّ الصورة الأولى دالّةٌ بالالتزام على فعليّة الحكاية عن الجزاء المنوط بالشرط أصبحت الأولى والثالثة هي المتعاكسة في الدلالة دون الثانية -خلافاً لِما=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[116]ــــــــــ
=أفاد السيّد– فتصبح القضية الثالثة دالّة بالحكاية الفعليّة عن الملازمة، وهي صادقةٌ وإن كذب الطرفان. إنتهى.
والمدلول التصديقي فيها غير معلّق؛ لأنّ الحكاية فعليّة.
إلَّا أنّ هذه الصورة -الثالثة- خلاف الظاهر إثباتاً؛ لأنّ المدلول التصديقي تابع للتصوّري في التعليق والأطلاق إذا كان مصبها واحداً، فكلما وُجد التعليق في أحدهما سرى إلى الآخر، وبمقتضى أصالة التطابق بين مقام الإثبات ومقام الثبوت إذا كان المدلول التصوّري معلّقاً كان المدلول التصديقي معلّقاً. إلَّا أنَّ هذا خلاف الفرض في الصورة الثالثة؛ لأنّ مصب المدلولين: التصوّري والتصديقي واحد، وقد فرض كون التصوّري معلّقاً والتصديقي غير معلّق، ومن هنا كانت خلاف ظهور التطابق بين مقام الثبوت والإثبات.
في حين انَّ هذا الخلاف موجودٌ في الصورتين الأوّليين؛ إذ في الأولى أختلف المصبان؛ فإن التصوّري متعلّق بالجزاء والتصديقي بالملازمة، ومع اختلاف المصب لا بأس باختلاف الشؤون. وفي الفرضية سرى التعليق من التصوّري إلى التصديقي، فانسجم مع أصالة التطابق.
هذا هو التخريج اللمّي العقلي لفساد الصورة الثالثة. وأمّا التخريج الإنّي؛ فلأن العرف إذا سمع هذه الجملة: (إذا جاء زيدٌ جاء ابنه) وعلم بعدم وجود الشرط لا يتهم المتكلّم بالكذب، ولو احتُمل عدم الشرط احتُمل كذبه، مع أنّه ليس كذلك. إذن، هو لا يستظهر الصورة الثالثة من هذه الجملة.
أقول [المقرر]: العرف لا يفهم كذبها باعتبار ما قلناه؛ لوضوح أنّه لا يفهم تعلّق الحكاية بالشرط. نعم، لو وُجد الشرط منفكاً عن الجزاء لكان ذلك على خلاف=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أمّا الجملة الإنشائيّة نحو: (إذا جاء زيد فقم له).
هنا يمكن ثبوتاً أن يكون المدلول التصديقي عبارةً عن الحكاية عن ثبوت الربط بين الجملتين، فهو يريد أن يحكي عن الملازمة بين المجيء والنسبة الطلبية، وأنَّ هناك ملازمةً بين مجيء زيد ووجوب القيام له، إلَّا أنَّ هذا خلاف الظاهر عرفاً؛ لأنّ الجملة تنسلخ حينئذٍ عن كونها إنشائية إلى الخبرية؛ لأنَّ مدلولها التصديقي يكون هو الحكاية، فتكون جملة خبرية؛ لأنّ من خلاف الظاهر أن يكون مدلول الجملة الإنشائيّة خبرياً. هذا بالنسبة للشقّ الأوّل.
أمّا الشقّ الثاني: فهو أن نفترض أنَّ مدلول الجملة هو جعل الحكم على طبقها في طرف الجزاء، وهو جعل وجوب القيام، وكانت القضية من القضايا الحقيقية. فعندنا جعل وعندنا مجعول. فالجعل عبارة عن إيجاد الشيء في عالم
ــــــــــ[117]ــــــــــ
=الدلالتين المطابقية والالتزامية معاً كما هو معلوم، فيفهم العرف كذبها بوضوح.
هذا وقد عرضتُ اشكال كذب الجملة في الصورة الثالثة عليه فأجاب بما حاصله: بأنّه لا يخلو إمّا أن نفهم التعليق من هذه الجملة، وإمّا نفهم مجرّد القيد. فإنّ فهمنا التعليق كان المحكي هو الملازمة فيرجع إلى الصورة الأولى، إلَّا أن يرجع إلى تعليق الحكاية، فيرجع إلى الصورة الثانية، وإن فهمنا مجرّد القيد والوصف، اتصف بالكذب عند عدم وجود الموصوف.
هذا هو الذي نظر إليه السيّد ؛ إذ نظّره بقوله: سوف أرزق ولداً أبيض، فإذا رُزقت ولداً غير أبيض أو لم أرزق ولداً كانت القضية كاذبة.
أقول: استظهار الوصفية خلاف ظهور الشرطية بالربط والتعليق، وهذا معناه بطلان الإنقسام إلى الصورة لا بطلانها في نفسها مع صحتها تصوّراً. انتهى.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الذهن إيجاداً تقديرياً، وهو فرض النسبة بين المكلف والواجب، وكون الصلاة على المكلّف والمجعول هو المفروض.
ففي باب القضايا الحقيقية لا محيص عن الالتزام بأنّ الجعل فيها فعليٌّ وليس معلّقاً؛ لأنَّ معنى القضية الحقيقية هو كون الحكم مجعولاً على طرز الجعل الكلّي، وهذا الجعل الكلّي ثابت الآن وليس معلّقاً على مجيء زيد، ولكنّه منوط بالصورة الذهنيّة لمجيء زيد. فجعل وجوب الحجّ ليس منوطاً بالاستطاعة؛ لأنَّه كان موجوداً في نفس الرسول قبل أن يستطيع أحد من الصحابة، ولكن هذا الجعل منوط في نفسه بتقدير الاستطاعة.
فإذا فرضنا أنَّ الجعل منوط بتقدير وجود الاستطاعة وبوجودها الذهني، فالجعل مرتبط بتقدير وجود الشرط بحيث لو لا تقدير الشرط لا جعل، وحيث إنَّ التقدير فعلي، فالجعل فعلي لا محالة.
أمّا المجعول وهو وجوب الحجّ على المكلف، فهذا المطلب منوط بوجود الاستطاعة خارجاً وليس منوطاً على تقدير وجود الاستطاعة؛ ولذلك لا يمكن أن يكون المجعول فعلياً إلَّا بوجود الاستطاعة خارجاً؛ لأنَّ المولى إنَّما جعل الوجوب المعلّق على الاستطاعة خارجاً. فالوجوب منوط بالاستطاعة خارجاً، والجعل منوط بتقدير الاستطاعة ذهناً.
وإناطة الجعل بتقدير الاستطاعة ذهناً إناطة وقيد حقيقي؛ لأنَّه لا جعل لولاه، وإناطة المجعول بالاستطاعة الخارجيّة إناطة صورية؛ لأنَّه ليس وجوب الحجّ منوطاً بوجود الاستطاعة، فعندما يستطيع زيد الحجّ لا يحدث في الشريعة
ــــــــــ[118]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الإسلامية شيء جديد. فالوجوب ليس منوطاً بوجود الشرط خارجاً؛ لأنَّ معناه أنّه عندما يوجد الشرط يوجد الوجوب، مع أنَّ الوجوب موجود سابقاً لا أنَّه يحدث عند وجود الشرط. فالإناطة صورية بمعنى التحصيص لا بمعنى التعليق الحقيقي.
فوجوب الحجّ موجود من حين الجعل، ولكنّه منوط عنواناً بالاستطاعة، فنفس الجعل منوطاً بالتقدير إناطة حقيقية، والمجعول منوط بالمقدّر إناطة عنوانية. هذا هو مبنانا في تحقيق الواجب المطلق والمشروط(1).
هذا تمام الكلام في الجمل الإنشائيّة(2).
ــــــــــ[119]ــــــــــ
() سألته (سلّمه الله تعالى): عن الربط بين ما ذكره عن القضية الحقيقية وما ذكره عن القضية الإنشائيّة.
فقال (دام عزّه): كان مقصودنا من هذا الربط هو أنَّ الجعل لا يمكن أن يكون منوطاً بالشرط في القضايا الحقيقية؛ لأنّ عندنا جعل واحد واستطاعات متكثرة، وانّما الجعل منوط بتقدير الاستطاعة. في حين أنَّ الجعل في القضايا الخارجيّة يمكن أن يكون منوطاً بالشرط، كأن يقال: (إذا استطعت أنت فحجّ) فهذه القضية خارجية متوجهة إلى هذا الفرد بالذات، ويمكن أن يكون جعل الوجوب فيها متأخراً عن وجود الاستطاعة، كما أنَّ الواجب متأخّر عنه أيضاً. (المُقرِّر).
(2) تكلم في الدورة الثانية عن فرض كون الجزاء جملة إنشائية، وعنون المسألة بالنحو التالي:
الصورة الأولى: أن يكون المدلول التصديقي على مستوى الجملة الشرطية جملةً، وفيها لا معنى لسريان التعليق إلى المدلول التصديقي، فإنَّ هذا السريان إنّما يكون مع موازاة المدلول التصديقي للتصوّري للجزاء، وفي المقام ليس كذلك.
الصورة الثانية: أن يكون المدلول التصديقي موازياً للمدلول التصوّري للجزاء، وفيها يسري التعليق لا محالة.
ففي الصورة الأولى يكون المدلول التصديقي فعلياً غير معلّق وتكون الجملة على مستوى المدلول التصديقي خبرية. وقد يقال: إنّ هذا على خلاف أصالة المطابقة بتقريب:
أنَّ المدلول التصوّري للجزاء هو النسبة الطلبية أو الإرسالية، فكيف يكون المدلول التصديقي خبرياً؟ فإنّه يقال: إنَّ المدلولين ليسا متوازيين ليلزم تطابقهما، وأصالة التطابق جارية في المتوازيين خاصّة، والمفروض في المقام كون المدلول التصوّري خاصاً بالجزاء، والتصديقي على مستوى مجموع الجملة.
أمّا بالنسبة إلى القضايا الحقيقية فيمكن فيها أن ينفك الجعل عن المجعول، فيكون المعلّق هو المجعول دون الجعل. أمّا بالنسبة للقضايا التي يندمج جعلها بمجعولها، فلا بأس بتعليق الجعل فيها، إلَّا أنّ ذلك خلاف الظاهر عرفاً، وهذه كالقضايا الخارجيّة.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
هذه الجهة في بيان أنَّ المعلّق -بعد الفراغ عن أنَّه المدلول التصوّري أولاً وبالذات- هل هو النسبة الطلبية في (أكرم)، أو هو المادّة المنتسبة.
المشهور يذهب إلى أنّ المعلّق هو النسبة الطلبية، إلَّا أنَّ الميرزا(1) ذهب إلى أنّ المعلّق ليس هو النسبة الطلبية؛ لأنَّها معنى حرفي، والمعنى الحرفي لا يعقل فيه التقييد والتعليق، فلا بُدَّ من فرض معلّق آخر مدلول عليه في طرف الجزاء وهو المادّة، كالإكرام. فمجيء زيد قيد في الإكرام لا في النسبة الطلبية.
ــــــــــ[120]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 1: 179-182، ونفس المصدر 2: 479.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ولكنَّه قيد لا كقيدية الزوال للصلاة؛ فإنَّ هناك فرقاً بين قيدية الزوال للصلاة وبين قيدية الوضوء للصلاة، لأنّنا نحفظ الفرق بين قصد الوجوب والواجب، وذلك لأنَّ قيدية الطهارة تختلف وجداناً عن قيدية زوال الشمس. وكلّها ترجع إلى المادّة مع فرق بينهما.
وحاصل هذا الفرق: أنَّه ذكر: أنَّ قيد المادّة قيد للمرتبة السابقة على عروض الوجوب عليه، فالوجوب والنسبة الطلبية تعرض على المقيّد، أي: تعرض على الصلاة المقيّدة بالطهارة، فالواجب الإتيان بالمقيّد والقيد.
وأمّا في قيود الوجوب كالزوال والاستطاعة فتقييد المادّة به في عرض الوجوب، وذلك أنّه يعرض على المادّة أمران في مرتبة واحدة: هما النسبة الطلبية من ناحية والتحصّص والتقييد بصورة زوال الشمس من ناحية ثانية، فهما يعرضان في عرض واحد على المادّة، ومن هنا لا يجب تحصيل القيد. فإذا فرضنا أنّهما عرضا في مرتبة واحدة فيستحيل أن يكون التقييد معروضاً للوجوب بعد إن كان في رتبته.
هذا ما بيّنه الميرزا ونسبه إلى الشيخ الأعظم (1)، وذكر(2): أنَّ صاحب الكفاية وإن نسب إرجاع قيود الوجوب والواجب إلى المادّة بنحو ساذج، إلَّا أنَّ الذي سمعته من استاذي -وهو الميرزا الشيرازي- كان يُكذِّبُ
هذه النسبة، بل إنَّ الذي كان يقوله الشيخ الأعظم هو: إنَّ قيد الوجوب
ــــــــــ[121]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار 1: 236-238.
(2) انظر: فوائد الأُصول 1: 180، 181.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
قيد للمادة في المرتبة المتأخرة في عرض الوجوب، والقيود المتعارفة قيد للمادة في المرتبة المتقدمة، ولكن المتأخّرين اشتبهوا في النسبة.
ببيانٍ آخر: أنَّ المعروف والمشهور والموافق للقواعد العربية -على ما يقال- كون الشرط تعليقاً للمدلول التصوّري للهيئة. إلَّا أنّ النائيني ذكر وفاقاً للشيخ الأعظم ما حاصله: حيث إنَّ الهيئات موضوعة للنسب والروابط، وهي معان حرفية، والمعنى الحرفي لا يمكن فيه الإطلاق والتقييد، فلا محيص من الالتزام بأنَّ التعليق على الشرط لم ينصب على مدلول الهيئة. فلا بُدَّ أن يكون منصباً على شيء آخر، وهذا الشيء الآخر هو المادّة المنتسبة، يعني: أنَّ نفس الإكرام يكون مقيّداً بطلوع الشمس في قولنا: (إذا طلعت الشمس فأكرم زيداً) لا تلك النسبة الطلبية. وذكر المحقّق النائيني: أنّنا عندما نقول: بأنّ طلوع الشمس قيد للإكرام لا نعني أنَّ طلوع الشمس أصبح حاله حال قيود الواجب، أي: حال الوضوء للصلاة، فيكون الإتيان به واجباً، بل هناك فرق بين قيد الوجوب وقيد الواجب في كلِّ من مقام الثبوت ومقام الإثبات.
أمّا بحسب مقام الثبوت فقيد الواجب هو قيد للصلاة، وقيد الوجوب قيد لجعل الوجوب للصلاة.
وأمّا بحسب مقام الإثبات فمصب التقييد في قيد الوجوب والواجب هو المادّة دون الهيئة؛ لأنّ الهيئة معنى حرفي لا يعقل فيه الإطلاق والتقييد.
فالميرزا لا يدّعي أنَّ مركز التقييد في مقام الثبوت واحد، ولكنّه يدّعي أنَّ مركز التقييد في مرحلة الإثبات وعقد القضية واحد. فقيد الوجوب
ــــــــــ[122]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
والواجب هو الإكرام، لا أنَّ أحدهما قيد للهيئة والثاني قيد للمادة كما هو المشهور. فإذا قلنا: إذا طلعت الشمس فأكرم زيداً إكراماً شديداً، فالمشهور يذهب إلى أنَّ شديداً قيد للمادة، وإذا طلعت الشمس قيّد للهيئة، والنائيني يرجعهما إلى المادّة.
مع هذا إلَّا أنَّ هناك فرقاً بينهما حتّى بحسب مقام الإثبات. وحاصل هذا الفرق: أنَّ تقييد الإكرام بكونه إكراماً شديداً تقييد في الرتبة السابقة على عروض النسبة الطلبية عليه، فالإكرام بعد تقييده بكونه شديداً عرض عليه الوجوب. ومن هنا يجب الإتيان به وبقيده؛ لأنّ الطلب طلب للإكرام الشديد بما هو شديد؛ لأنّ تقييد المادّة بقيد الواجب في المرتبة السابقة على عروض الوجوب.
أمّا عروض الشرط فهو في عرض واحد مع عروض الوجوب، فيعرض على المادّة في عرض واحد. فالتقييد بالشرط لم يؤخذ في مرتبة سابقة على الوجوب، بل أخذ في مرتبة واحدة، ومن ثَمَّ فلا يكون معروضاً للطلب، فلا يجب الإتيان به تحصيلاً للواجب.
وذكر النائيني(1): أنَّ هذا الكلام للشيخ الأعظم لا كما ذكره عنه صاحب الكفاية(2). فالكلام هنا يقع في ناحيتين:
الناحية الأولى: في أنَّه لا يعقل رجوع الشرط إلى مفاد الهيئة، خلافاً
ــــــــــ[123]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 1: 180، 181.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 95.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
للمشهور الذين فرقوا في رجوع قيد طلوع الشمس والشرط، فأرجعوا الأول إلى الهيئة والثاني إلى المادّة، ولكن الميرزا قال: إنَّ ذلك غير معقول.
الناحية الثانية: في تعقّل ما ادّعاه الميرزا من رجوع التقييد إلى المادّة المنتسبة.
أمّا الكلام في الناحية الأولى: فادّعى الميرزا أنّه غير معقول؛ لأنَّه معنى حرفي، والمعنى الحرفي لا يعقل إطلاقه وتقييده، ويمكن أن يوجّه ذلك بوجهين:
الوجه الأول: أنَّ المعنى الحرفي جزئي من حيث إنَّ الوضع فيه عام والموضوع له خاص، والجزئي لا يعقل فيه الإطلاق والتقييد؛ لأنّ الإطلاق والتقييد شأن المفهوم لا شأن الأفراد الجزئية.
الوجه الثاني: أنَّ المعنى الحرفي يلحظ باللحاظ الآلي ويستحيل أن يلحظ باللحاظ الاستقلالي، فيستحيل إطلاقه وتقييده؛ لأنّ الإطلاق والتقييد فرع الالتفات إليه، مع أنّنا نغفل عنه دائماً.
وقد تصدّى لدفع هذين الإشكالين كلٌّ من المحقّق الخراساني(1) والمحقّق العراقي(2) والمحقّق الأصفهاني(3) وسيّدنا الأستاذ(4) كلّ بحسب ما سنح له. إلَّا أنّ الغريب من سيّدنا الأستاذ أنّه صار في مقام التخلص من الإشكال مع
ــــــــــ[124]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 199، 200.
(2) انظر: نهاية الأفكار 2: 474-477.
(3) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 290، 291.
(4) انظر: محاضرات في أُصول الفقه 5: 83-90.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الاعتراف بمبناه وأصله الموضوعي، مع أنَّ الإشكال بكلا تقريبيه لا أساس له على مبانيه؛ لأنَّه يبني على أنَّ الهيئة دالّة بالدلالة التصديقية، وأنَّ المعلّق هو المدلول التصديقي، وأنَّ المدلول التصديقي معنى قائم في النفس. فبناءً على هذا لا يكون مدلول هيئة أكرم معنىً حرفياً، بل هو معنى نفساني قائم في عالم النفس قابل للحاظ الاستقلالي.
حيث إنّه يذهب إلى أنّ الهيئة في الخبر موضوعةٌ لأمر نفساني ودالّةٌ بالدلالة التصديقية على ذلك الأمر النفساني، وأنّ المعلّق هو المدلول التصديقي، فلا يتصوّر معنى للإشكال بالنسبة إليه؛ لأنَّه مبني على الاعتقاد بأنّ مدلول الهيئة معنى نسبي ربطي. وأمّا إذا قلنا: إنَّه ليس ربطياً، وإنَّما هو أمر نفساني، هو الحكاية عن ثبوت المحمول للموضوع، أو الاستفهام، أو غير ذلك من الأغراض، فهذا الإشكال لا يأتي موضوعاً حتّى يجاب عنه.
ولكن سيّدنا الأستاذ(1) تصدّى إلى بيان أنَّ المعنى الحرفي يعقل فيه التقييد. مع أنّ هذا أمر لا يناسبه وإنّما يناسب المشهور؛ لأنَّهم يعتقدون أنّ الهيئة معنى حرفياً، ويناسبنا نحن أيضاً؛ لأنّنا نذهب مذهبهم، وحينئذٍ فلا بُدَّ أن نبرهن على إمكان تقييد المعنى الحرفي، أمّا هو فلا يعترف بالأصل الموضوعي للإشكال، فلا يناسبه الردّ عليه بالأسلوب الذي اتبعه في جوابه. إذن، كلامه لا بُدَّ أن يحمل على بيان مباني القوم لا مبانيه هو، وإنَّما لم يتعرّض لردّ الإشكال على مبناه؛ لوضوح عدم وروده.
ــــــــــ[125]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أُصول الفقه 5: 86.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وأمّا بناءً على مباني القوم فتكون الهيئة معنى حرفياً فكيف يعقل فيها الإطلاق والتقييد؟! بيان ذلك في بحث المطلق والمشروط(1).
أمّا الكلام في الناحية الثانية، فنقول: بعد إثبات أنَّ المعنى الحرفي يعقل فيه الإطلاق والتقييد، يأتي الكلام حول مطلب الميرزا وهو أنَّ القيد يرجع إلى المادّة المنتسبة لا إلى النسبة الطلبية.
وبيان ذلك: أنَّ تقييد المادّة بالشرط بطلوع الشمس تارةً يفرض تقييداً للمادّة بذاتها بحيث يكون مركز التقييد بالشرط هو ذات المعلّق، وتارةً يفرض تقييداً للإكرام بما هو معروض للنسبة الطلبية.
فإذا فرضنا أنَّ الشرط كان تقييداً للإكرام بذاته، بأن يلحظ بنفسه ويحكم عليه بحكمين: أحدهما التحصّص بالشرط، والثاني النسبة الطلبية، فهما في عرض واحد، والتحصّص بالشرط يطرأ على نفس ما يطرأ عليه الطلب.
مثل هذا التقييد يكون قيداً للإكرام لا للوجوب، من حيث إنَّ الإكرام بنفسه هو المعلّق على مجيء الشرط لا الإكرام بوصفه واجباً، والمفروض أنّنا نريد أن نتصوّر إرجاع القيد إلى المادّة بحيث ينتج كونه تقييداً للوجوب، أمّا إذا فرضنا أنَّ التقييد طرأ على ذات الإكرام فلم يحصل أيّ تقييد في الوجوب؛ لأنَّ تقييد معروض الوجوب إنّما يوجب تقييد العارض إذا كان تقييداً للمعروض بما هو معروض، لا بما هو هو.
نعم، يمكن أن نصحّح ذلك بدلالة الاقتضاء من حيث إنَّه لا معنى لتعليق
ــــــــــ[126]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 3: 405.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ذات الإكرام على مجيء زيد. والشارع لا يستطيع أن يعلّق ذات الإكرام على مجيء زيد جزافاً، فنفهم على أنَّ المقيّد هو الوجوب، بضمّ حكم العقل بأنَّ الشارع لا يتكلّم كلاماً لغواً.
فمن يدّعي القطع بأنَّنا لا نحتاج إلى ضمّ دليل العقل ومقدّمات دلالة الاقتضاء ليس بمجازف.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ التقييد بالشرط يعرض على الإكرام بما هو معروض للنسبة الطلبية لينتج تقييد الوصف، فهذا:
أولاً: خلاف ما صرّح به من العرضية؛ لأنّ تقييد المادّة بالشرط يكون حينئذٍ في طول تقييده بالوجوب؛ لأنّنا نقيّد الإكرام بما هو مطلوب بالشرط، لا في عرض الطلب.
ثانياً: أنَّ هذا غير صحيح؛ وذلك لأنّنا إذا قيّدنا الإكرام بالشرط لا بحيثية ذاته، بل بكونه معروضاً للنسبة الطلبية، فيكون اتّصافه بالوجوب هو المعروض للتقيد بالشرط، فهو منوط لاتصافه بالوجوب، وهي بنفسها معنى حرفي فيأتي فيها:
أولاً: أنَّها لا يمكن تقييدها.
ثانياً: أنَّ هذه النسبة غير معقولة؛ لأنَّ النسبة الطلبية لا تحتاج إلى نسبة أخرى لربطها بطرفيها؛ لأنّنا قلنا في مبحث المعاني الحرفية(1): إنّ ما هو نسبة بالحمل الشايع يكون مربوطاً بالذات ولا يحتاج إلى نسبة أخرى رابطة.
ــــــــــ[127]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 1: 216.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
نعم، يمكن إرجاعه إلى معنى اسمي هو مفهوم الوجوب، إلَّا أنّ هذا ممّا لا يدلّ عليه اللفظ، والإرجاع إلى ما لا يدلّ عليه اللفظ -بالإضافة إلى بداهة بطلانه- مخالف لمقصود الميرزا الذي يبحث عن إرجاع التقييد إلى أمر يدلّ عليه اللفظ.
فبهذا ثبت أنَّ أداة الشرط تدلّ على الربط، وأنَّ المربوط هو المدلول التصوّري، وأنّ المربوط هو الهيئة لا المادّة. وبهذا تم المقام الأول.
بعد الفراغ من المقام الأول في بيان مفاد الجملة الشرطيّة، حيث قلنا: إنّ أداة الشرط غير منسلخة عن معنى الربط والتعليق بالمرّة، بل هي موضوعة للربط والتعليق على إجماله. وقلنا: إنّ المعلّق والمربوط هو المدلول التصوّري لا المدلول التصديقي إلَّا بالتبع، وإنّ المدلول التصوّري المعلّق هو النسبة لا المادّة المنتسبة خلافاً للميرزا.
لابدّ من الكلام في المقام الثاني.
ــــــــــ[128]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
البحث معقودٌ لبيان أحد ركني اقتناص المفهوم على المذهب المشهور، الذي يذهب إلى ركنية كون المعلّق هو سنخ الحكم، بحيث لو كان المعلّق شخص الحكم لما أمكن اقتناص المفهوم.
أمّا نحن فقد ذكرنا ضابطين لاقتناص المفهوم:
أحدهما: أن يكون المعلّق هو طبيعي الحكم بعد إضافة أنَّ القضية الشرطيّة تدلّ على تعليق الجزاء على الشرط تعليقاً لزومياً.
ثانيهما: لو فرض أنَّه لم تجر مقدّمات الحكمة لإثبات سنخ الحكم، فلو أمكن إثبات العليّة الانحصارية في الشرط للجزاء لكفى ذلك في اقتناص المفهوم.
فعندنا ضابطان لا ركنان في ضابط واحد: أحدهما كون المعلّق سنخ الحكم، مع كون القضية دالّة على التعليق اللزومي. الثاني مع التنزّل عن مقدّمات الحكمة، فإنّ العليّة الانحصارية كافية في اقتناص المفهوم. فالمقام الثاني متكفل لبيان أحد ضابطي اقتناص المفهوم.
إذن، المقام الثاني ينحلّ إلى جهتين:
الجهة الأولى: أنَّ المعلّق هل هو سنخ الحكم أو شخص الحكم؟
ــــــــــ[129]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الجهة الثانية: في بيان هذه المؤونة الأخرى التي لا بُدَّ من إضافتها والتي بها يقتنص المفهوم بدون حاجة إلى العليّة الانحصارية.
الجهة الأولى: الكلام فيها تارةً يقع في مقام الثبوت، وأخرى في مقام الإثبات. أمّا الكلام بحسب مقام الثبوت، فهو: هل يمكن تصوير كون المعلّق سنخ الحكم أو لا يمكن؟
أمّا الكلام بحسب مقام الإثبات، فبعد ثبوت إمكان تصوير كون المعلّق سنخ الحكم، هل هناك طريق بحسب مقام الإثبات لإثبات أنَّ المعلّق سنخ الحكم؟
أمّا الكلام بحسب مقام الثبوت فقد أشرنا أنَّ من كلمات المحقّق العراقي(1) أنَّ شخص الحكم ليس مستمداً من كونه متخصّصاً بخصوصيّة التعليق على الشرط؛ لأنَّها في طول التعليق، فلا يعقل أن تكون مأخوذةً فيه، فلا بُدَّ أن تكون هناك خصوصيّةً أخرى ملزومة للتعليق بها يكون المعلّق شخصاً.
والذي دعا جملة من الأصحاب إلى ادّعاء أنَّ المعلّق شخص الحكم لا سنخ الحكم: هو أنَّ المعلّق مفاد الهيئة -على ما مضى في المقام الأول- وحيث إنَّ مفاد الهيئة معنى حرفي، فالهيئة ليست متكفلةً للطبيعي على إطلاقه، وذلك مبنياً على أنَّ الأسماء موضوعةٌ بالوضع العام والموضوع له العام، والحروف موضوعةٌ بالوضع العام والموضوع له الخاص، والمستعمل فيه خاص أيضاً. فمدلول الهيئة والمستعمل فيه خاصان. فلا يمكن أن يكون المعلّق سنخ الحكم وطبيعيه،
ــــــــــ[130]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار 2: 470.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
بل شخص الحكم. هذا هو منشأ الشبهة التي انقدحت في أذهان المتقدّمين.
ومن هنا ذكروا: بأنَّ المفهوم بناءً على هذا لا يتمّ اقتناصه من القضايا الشرطيّة التي يكون جزائها جملة إنشائية، وخصّوا المفهوم بما إذا كانت الجملة المتكفلة للوجوب جملة خبرية، أي: إذا كان المعلّق هو الوجوب بالمعنى الاسمي لا بالمعنى الحرفي، نحو قولنا: إذا جاء زيد كان إكرامه واجباً.
ومن النقوض على هذه الشبهة: أنّه يمكن إثبات الوجوب إذا كان مستفاداً على نحو المعنى الحرفي، كما يظهر من تقريرات الشيخ الأعظم(1) كما حكي عنه في الكفاية(2).
إلَّا أنَّ النقض مما لا أساس له، كما أنَّ الإشكال لا أساس له أيضاً.
أمّا النقض؛ فلأنّ المعلّق يكون دائماً هو المعنى الحرفي، سواء في الوجوب الاسمي أو الحرفي، فالمعلّق هو النسبة دائماً وليس المعلّق نفس الوجوب، بل هو مفاد هيئة (كان إكرامه واجباً) وحال هذه الهيئة حال هيئة (أكرمه). فإذا تمت تلك الشبهة فالمعنى المستعمل فيه والموضوع له خاص دائماً، سواء كان الوجوب مذكوراً على طرز المعنى الحرفي أو المعنى الاسمي؛ لأنّ المعلّق
-بالدقة- هو مفاد الهيئة وهو خاص؛ لأنَّه شخص هذه النسبة فانتفائه لا يوجب انتفاء الطبيعي، لو تمّ الإشكال.
وهذا النقض مبني على الخلط بين كون الوجوب مذكوراً على نحو المعنى
ــــــــــ[131]ــــــــــ
(1) مطارح الأنظار 1: 173.
(2) كفاية الأُصول: 198-200.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الاسمي وبين كونه معلّقاً. نعم، هو مذكور على نحو المعنى الاسمي، ولكنّه ليس معلّقاً، وإنّما المعلّق هو مفاد الهيئة. فليس هذا النقض نقضاً.
إلَّا أنَّ نفس الإشكال موضع نقاش، فقد ناقشه الآخوند -على مذهبه الذي تفرد به- بأنّ الوضع في الحروف عام والموضوع له عام، وأنّ حال الحروف حال أسماء الأجناس، فيكون المعلّق هو الطبيعي لا الشخص، فينتفي الإشكال.
نعم، الآخوند يذكر في باب الجمل الإنشائيّة أنّها تكون موجدةً للمعنى باللفظ، فطرز استعمالها في معناها هو إيجاد المعنى باللفظ. ومقصوده: أنّها موضوعة لمفهوم الطلب، ولكن طرز استعمالها هو إيجاد الطلب. وإيجاد الطلب جزئي، ولكنّه طرز استعمالها في معناها لا أنّه داخل في معناها، للقاعدة التي كررها وهي: أنَّ التشخصات المأخوذة في الاستعمال غير داخلة في الموضوع له ولا في المستعمل فيه. فالمعنى في الرتبة السابقة هو الطبيعي وإليه يرجع الشرط. وبهذا قد دفع الإشكال.
إلَّا أنَّ هذا الدفع غير صحيح؛ لأنّ الوضع في الحروف والهيئات -على مختارنا- عام والموضوع له خاص، ولا بُدَّ من الالتزام بأنّ الموضوع له في الحرف خاص. فلا بُدَّ في مقام دفع الشبهة لا إنكار أصل المبنى، بل القول: إنَّ هذا المبنى لا ينافي الإطلاق.
وتحقيق الكلام في الجواب: أنّه تارةً يكون على مبنى كون هيئة أكرم دالّة بالدلالة التصديقية على اعتبار الوجوب في نفس المتكلّم، وأنَّ المدلول
ــــــــــ[132]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
التصديقي هو الموضوع له، وأنَّ التعليق راجع إلى المدلول التصديقي، كما هي مباني السيّد الأستاذ(1). وتارةً يكون على المبنى المشهور والمختار من أنّ هيئة أكرم موضوعةٌ للمعنى الحرفي النسبي، وتدلّ عليه بالدلالة التصوّرية، وأنَّ المعلّق هو المدلول التصوّري(2).
أمّا على مباني سيّدنا الأستاذ، فلا تكون الهيئة دالّةً على معنى حرفي؛ لأنَّها غير موضوعة للنسبة، بل موضوعة ومستعملة في أمر نفساني هو اعتبار الوجوب، ولكن الإشكال يكون منجزاً لا بتقريب أنَّ المعلّق هو مفاد الهيئة وهي معنى نسبي، والمعنى النسبي جزئي، بل ببيان أنَّ مفاد الهيئة مدلول تصديقي، والمدلول التصديقي هو هذا الفرد من الاعتبار القائم في نفس المتكلم، لا مفهوم الاعتبار أو مفهوم المعتبر؛ لأنّ هذا المفهوم لا يكون مدلولاً تصديقياً؛ لأنّ اللفظ لا يدلّ على المفهوم بالدلالة التصديقية.
فمدلول هيئة (أكرم) لو قلنا: إنّها تصوّرية، لقلنا: إنّها يمكن أن تدلّ على طبيعي المجعول، ولكنها دلالة تصديقية كشفية، والمنكشف لا بُدَّ وأن يكون فرداً خاصاً، هو هذا الفرد من الجعل، فأكرم لا تكشف إلَّا فرداً خاصاً من الجعل، فغاية ما يدلّ عليه انتفاء الشرط هو انتفاء هذا الجعل عند انتفائه. أمّا انتفاء وجود جعل آخر فلا يوجد في القضية.
فبناءً على مباني السيّد الأستاذ ينبغي الاعتراف بأنّ المعلّق هو شخص
ــــــــــ[133]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أُصول الفقه 5: 86.
(2) انظر: كفاية الأصول: 198.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الحكم لا سنخ الحكم. فينهدم المسلك القائم على إثبات هذا الركن.
وأمّا بناءً على مباني المشهور من أنّ هيئة أكرم موضوعةٌ ومستعملةٌ بالدلالة التصوّرية. فالدلالة التصوّرية يمكن أن يكون مدلولها هو الطبيعي، كما يمكن أن يكون هو الخاص، أي: يمكن أن ينتقش منها في ذهن السامع صورة الطبيعي، كما يمكن أن تنتقش صورة الفرد.
وحينئذٍ يأتي الإشكال من حيث إنّ الهيئة ملحقة بالحروف والوضع فيها عام والموضوع له خاص، فالموضوع له جزئي، وهو أمر شخصي لا طبيعي.
والجواب يكون بحلّ المغالطة، وهو أنّنا حتّى لو قلنا: إنّ الموضوع له خاص إلَّا أنَّنا لا نفهم من كون الموضوع له خاصاً ما فهمه الآخوند من صاحب التقريرات(1)، وهو كون الموضوع له والمستعمل فيه جزئياً خارجياً، أو ذهنياً، أو إنشائياً.
فليس المراد من الخصوصيّة المأخوذة في الموضوع له لا الإنشائيّة ولا الذهنيّة ولا الخارجيّة، وإنّما مقصودنا هي الخصوصيّة الطرفية، والخصوصيّة الطرفية مقوّمة للمعنى الحرفي ولا يعقل تجريده عنها، ومن هنا كان الموضوع له خاصاً.
والسرّ فيه: أنَّ المعنى الحرفي هو عبارة عن النسبة، والنسبة متقوّمة دائماً بطرفيها، أي: بزيدٍ وبقائمٍ. فزيد وقائم كلّ منهما مقوّم لماهية هذه النسبة. إذن، فهي ماهية تختلف عن ماهية النسبة في قولنا عمرو قاعد. هذا هو المدّعى وبرهانه في محلّه.
ــــــــــ[134]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار1: 173.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
المدّعى هو: أنَّ لكلِّ نسبة ماهية مباينة لسائر الماهيات وليس حالها حال الأفراد إلى ماهية واحدة، حيث إنَّ طرفي النسبة من مقوّمات ماهية النسبة، وحيث اختلف الطرفان فلا محالة تختلف ماهياتها. ولا يعقل أخذ الجامع بين هذه النسب؛ لأنّ الجامع الحقيقي لا يكون إلَّا بإلغاء الخصوصيات، وهي خصوصيّة الطرفين التي هي دخيلة في ماهية النسبة، فمعنى إلغاءهما انتفاء النسبة. وهذا بخلاف إلغاء الخصوصيات في زيد وعمرو، فإنَّ هذه الخصوصيات ليست مقوّمة لإنسانيتهما.
بعد هذا لا بُدَّ وأن نلتزم بأنّ الوضع في النسب عامٌ، والموضوع له خاصٌ، وهو أنَّ الموضوع له هو كلّ نسبة نسبة، والواضع يتصوّر عنواناً مشيراً إلى النسب على كثرتها، فيكون الموضوعُ خاصاً، لكن لا بمعنى أنّه جزئي خارجي أو ذهني، فإنَّ للنسبة في قولك:( كلّ نار محرقة) أفراد كثيرة في الذهن وفي الخارج، بل معناه أنَّ النسبة تقوم بالطرفين، حيث إنَّ الطرفين داخلان في ماهية النسبة.
فإذا كان هذا هو المراد من كون الموضوع له خاص فيمكن طروّ التقييد عليه؛ لأنّ أفراده كثيرة في الخارج، فيخصّص ببعض أفراده دون الأفراد الأخرى.
بقيت هناك نكتة يحسن الالتفات إليها وهي: أنَّ هذا التحصّص تحصّص عرضي للنسبة، وليس إيجاداً لطرف ثالث للنسبة في عرض الطرفين الأولين كما قال المحقّق الأصفهاني(1).
ــــــــــ[135]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 425.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ونحن نقول: إنَّ هذه النسبة متقوّمة ماهية بطرفين، ولكنها يمكن أن تنطبق على أفراد متعدِّدة فإنَّ (النار محرقة) نسبة عامّة من حيث كونها ناشئة من (أ) أو من (ب)؛ وذلك لأنَّ النسبة الناشئة من (أ) غير النسبة الناشئة من (ب)، وهذا -أي: النار محرقة- هو الجامع بينهما؛ لأنَّه ليس أمراً داخلاً بحاقها فيمكن أن تقيد بـ (أ) أو (ب)، وهو تقييد يطرأ عليها بعد استكمال ذاتها، فيمكن أن نتصوّر جامعاً ونرجع التقييد إليه.
ونحن نريد أن نقول: إنَّ النسبة باعتبار طرفيها المأخوذة في عقد القضية لا يعقل إطلاقها ولا يتصوّر جامع بينها. فهي باعتبار تحصصها خاصّة ولا يعقل إطلاقها في قبال هذا التحصّص، ولكنّها تقبل التقييدات الثانوية التي تطرأ عليها بعد تحصصها بهذه الأطراف.
ففي محلّ الكلام: مدلول (أكرم) هو النسبة الطلبية، وهي لا محالة خاصّة باعتبار الإكرام والمكرم، فتحصصها بالإكرام والمكرم تحصص في مقام ذاتها، ولا يعقل إطلاقها من هذه الناحية، ولكنّها في القيود المتأخرة عن مقام ذاتها يعقل إطلاقها وتقييدها؛ لأنَّ النسبة قد تكون ناشئة من هذا الملاك أو غيره، فيمكن أنَّ يُطلق الحكم عليها باعتبار جميع الملاكات، أو يخصص الحكم بكونه ناشئاً عن ملاك معيّن.
ولكن المحقّق الأصفهاني(1) لم يتصوّر هذا المطلب، واضطر إلى القول: بأنَّ مخصص النسبة مخصص لها في مرتبة ذاتها، فهي متخصّصة بالمحمول
ــــــــــ[136]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 452.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
والموضوع والشرط، فجعل الشرط مخصصاً بحسب ذات النسبة لا في المرتبة المتأخرة. وقد قلنا في بحث الواجب المشروط(1): إنّه غير صحيح.
وهذا النزاع تظهر ثمرته في المقام من حيث إنَّه لا إشكال في رجوع الشرط إلى الطبيعي، فالنسبة من حيث التقييد بالشرط يمكن أنَّ تُعتبر مطلقة والشرط يرجع إلى النسبة المطلقة، والمحقّق الأصفهاني لم يتصوّر الفرق بين التقييدات في مقام الذات والتقييدات المتأخرة، فالنسبة -على رأيه – تكون ذات ثلاثة أطراف، والمعلّق يكون شخصيّاً لا محالة.
وبتصوير آخر نقول: ذهب المشهور إلى أنَّ المعلّق سنخ الحكم هو أحد الركنين في اقتناص المفهوم من القضية. وذهبنا إلى أنَّ المعلّق سنخ الحكم هو ملاك مستقل في المفهوم بعد ضمّ مؤونة أُخرى إليه، وهي دلالة القضية الشرطيّة على التعليق اللزومي في مقابل الصدفة والاتّفاق، من دون حاجة إلى إثبات العليّة الانحصارية في الشرط.
فالمقام الثاني قد عقد لبيان كون المعلّق سنخ الحكم الذي هو أحد الركنين عند المشهور، والركن الثاني هو العليّة الانحصارية، والذي هو بنفسه ملاك لاقتناص المفهوم عندنا مع إثبات اللزومية في الشرط.
وقد قلنا: إنَّ هناك إشكالاً مشهورياً حاصله هو: أنَّ المعلّق شخص الحكم، بدعوى: أنَّ المعلّق هو مفاد الهيئة، نحو هيئة أكرمه في قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) والهيئة من قبيل الحروف موضوعة بالوضع العام والموضوع له
ــــــــــ[137]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 3 :430.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الخاص، فيكون المعلّق خاصاً وشخصاً لا كلياً وسنخاً. ومن هنا قيل: بالتفرقة بين ما كان الوجوب فيه مستفاداً من الهيئة كأكرمه، أو كان مستفاداً من المعنى الاسمي، نحو: (إذا جاء زيد فإكرامه واجب) فإذا كان الوجوب مستفاداً على طرز المعنى الحرفي فهو خاص؛ لأنَّ الوضع فيه عام والموضوع له خاص فيكون المعلّق خاصاً، وأمّا إذا كان مستفاداً على طرز المعنى الاسمي والوضع في الأسماء عام والموضوع له عام، فيكون المعلّق عامّاً وسنخ الحكم.
هذا هو الإشكال المشهوري مع استثنائه، وقد قلنا: إنَّ الاستثناء غير صحيح، وأصل الإشكال غير صحيح.
أمّا أنَّ الاستثناء غير صحيح؛ فلأنّ المعلّق دائماً هو مفاد الهيئة، ولا يكون المعلّق هو المعنى الاسمي للوجوب. فالمعلّق هو مفاد هيئة (إكرامه واجب) لا الوجوب بما هو معنى اسمي إفرادي. وهو نفس الحال في هيئة أكرمه. فإذا تمّ الإشكال في هيئة أكرمه يتمّ هنا. والاستثناء ناشئ من الخلط بين ذكر الوجوب وكون الوجوب هو المعلّق. نعم، الوجوب مذكور بنحو المعنى الاسمي، لكنّه ليس هو المعلّق، بل المعلّق هو مفاد الجملة، وحاله حال سائر الهيئات.
كما أنَّ أصل الإشكال المشهوري أيضاً غير صحيح، لا لِما أفاده المحقّق الخراساني(1) مبنياً على ما اختاره وأختص به، حيث ذهب في باب الحروف والهيئات إلى أنَّ الوضع عام والموضوع له عام، والمستعمل فيه عام أيضاً. إذن، فالمعلّق وهو مفاد هيئة أكرم يكون سنخاً عامّاً كلّياً لا شخصيّاً. نعم،
ــــــــــ[138]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 10، 11.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
بالاستعمال يتشخّص؛ لأنّ الجملة الإنشائيّة -كما يرى- تُوجِد المعنى باللفظ، والوجود موجب للتشخيص، ولكن هذا من شؤون الاستعمال، وهي لا تؤخذ في الموضوع له. إذن، فالمستعمل فيه عام كالموضوع له فيكون المعلّق سنخ الحكم.
ولكن هذا غير صحيح؛ لأنَّه مبنيٌّ على أنَّ الموضوع له في الحروف والهيئات عامٌ وهو غير معقول. فقد بيّنا في باب الحروف والهيئات(1): أنّه لا بُدَّ أنَّ يكون الموضوع له خاصاً ولا يمكن أنَّ يكون عامّاً وبيّنا وجهه. وذلك بعد أنَّ أقمنا البرهان على أنَّ الموضوع له في الحروف والهيئات هو النسب والروابط، وقلنا: إنّه لا يمكن أنَّ يكون الموضوع له عامّاً؛ لأنَّ النسب والروابط لا يعقل الجامع الذاتي بينها، بل كلّ نسبة هي ماهيّة مستقلّة بنفسها متقوّمة بموضوعها ومحمولها ومغايرة ماهية مع كلّ النسب الأخرى. مغايرة ذاتاً وماهيّة مع النسب ذات المحمول والموضوع الآخر، ولا يمكن أن ننتزع بينهما جامعاً؛ لأنَّه يكون بإلغاء ما به الامتياز، وما به امتياز أحد النسبتين عن الأخرى هو محمولها وموضوعها، وإلغاء الموضوع والمحمول إلغاء للنسبة نفسها؛ لأنَّهما داخلان في ماهيّة النسبة، فإلغاءه إلغاء لماهيّة النسبة. إذن، لا يمكن انتزاع الجامع.
فلا بدّ أن تكون الحروف والهيئات موضوعةً. نعم، حيث إنَّ الواضع لا يتمكن من استحضار جميع النسب في وقت واحد فهو يتصوّرها بعنوان مشيراً
ــــــــــ[139]ــــــــــ
(1)انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 1 :206.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إليها ويضع اللفظ لها، فيكون الوضع فيها عاماً والموضوع له خاصاً، أمّا كون الوضع عاماً؛ فلأنّ العنوان المشير مشيرٌ إلى العموم. وأمّا كون الموضوع له خاصا؛ فلأنّ الموضوع له كلّ نسبة نسبة.
فدعوى أنَّ الوضع في الحروف عام والموضوع له عام من متفردات صاحب الكفاية التي لا يمكن القول بها. فهذا لا ينبغي أن يكون جواباً للإشكال، بل لا بُدَّ أن نعترف بأنَّ الموضوع له خاص، ولكن هذا الاعتراف لا يمنع من كون المعلّق سنخ الحكم بالنحو المطلوب في مقام اقتنصاص المفهوم.
توضيح ذلك: أنَّ هذا الإشكال المشهوري قد ذُكر في تلك المسائل بدعوى أنَّ الشرط لا يرجع إلى مفاد الهيئة؛ لأنَّه خاص والخاص لا يقبل التقييد. وأجبنا عنه هناك(1) بأنّ الخصوصيّة التي بها يكون مفاد الهيئة والحروف خاصاً، ليست هي خصوصيّة الجزئية الخارجيّة أو الجزئية الذهنيّة أو الإنشائيّة، وبمعنى أشمل: ليست هي الخصوصيّة الوجوديّة، بمعنى: أنّه جزئي وجودي: إمّا بحسب عالم الذهن، وإمّا بحسب عالم الخارج.
بل المقصود من أنَّ مفاد الهيئة خاص هو: الخصوصيّة الطرفيّة، ومعنى الخصوصيّة الطرفية هو: أنَّ معنى مفاد هيئة (أكرم) وهيئة (النار محرقة) وسائر الهيئات هو النسبة المتخصّصة بطرفيها، لا النسبة المطلقة من حيث طرفيها. فليس مفاد الجملة الخبرية هو طبيعي النسبة المطلقة من حيث كون موضوعها
ــــــــــ[140]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 1 :206.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
زيد أو عمرو أو بكر، ومن حيث كون محمولها قائم أو قاعد أو نائم؛ إذ لا يمكن أن يقال: إنَّ الواضع وضع هيئة الجملة الخبرية لطبيعي النسبة المطلقة من حيث الموضوعات والمحمولات؛ لأنّ الموضوع والمحمول مقوّم لماهيّة النسبة. والإطلاق معناه انتزاع الجامع وهو لا يمكن؛ لأنّ النسب ماهيّات متباينة بالذات. فهذا الإطلاق أمر محال.
فلا بُدَّ أن تكون النسبة مقيّدةً في مرتبة ذاتها، وهذه هي الخصوصيّة اللازمة للمعنى الحرفي، وهي خصوصيّة أطراف النسبة لا الخصوصيّة الوجوديّة، الذهنيّة أو الخارجيّة أو الإنشائيّة.
من هذا يتّضح إمكان رجوع القيد إلى مفاد الهيئة، فإنّ مفاد الهيئة ليس جزئيّاً وجوديّاً حتّى يقال: إنّه لا يشخّص، وإنّما خصوصيّته بأطرافه.
وهنا يمكن أن نتصوّر رجوع القيد إلى مفاد الهيئة بأحد بيانين: الأوّل: للمحقّق الأصفهاني، والبيان الآخر لنا.
قال المحقّق الأصفهاني(1): إنَّ هذه النسبة المتخصّصة بالموضوع والمحمول يمكن أن تكون متخصصة بثلاثة أشياء: بالموضوع، والمحمول، وبشيء آخر. إذن، تُوجد لدينا نسبة متقوّمة بطرفين، ونسبة أخرى متقوّمة بثلاثة أشياء هي: الموضوع والمحمول والشرط.
والنسبة الطلبيّة تتصوّر على نوعين:
إمّا متقوّمة بطرفين فقط: بالمادّة والمخاطب، أي: الإكرام والمكلّف.
ــــــــــ[141]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 330،329.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وإمّا أن تكون ماهيّة النسبة متقوّمة بثلاثة أطراف هي: الإكرام والمكلّف والشرط، فيكون الشرط أحد أجزاء ماهيّة النسبة. وتكون هذه النسبة المتقوّمة بثلاثة أطراف مغايرةً ذاتاً للنسبة المتقوّمة بطرفين؛ لأنّهما مختلفان في الذاتيات.
وبهذا فقد تصوّر نسبة متقوّمة بثلاثة ذاتيات وهي النسبة المعلّقة بالقضية الشرطيّة. إذن، فليس عندنا نسبة مطلقة نقيّدها بالشرط، بل النسبة بذاتها متقوّمة بالموضوع والمحمول والشرط، فهي متقوّمة بالشرط كتقوّمها بالطرفين، فهذا ليس تعليقاً وتقييداً للنسبة، بل بيان للمفهوم الثالث للنسبة.
بهذا تصوّر رجوع الشرط إلى مفاد الهيئة، وهو ليس مفاد التقييد بالشرط، بل أن يكون الشرط مقوّماً ذاتياً للنسبة في عرض محمولها وموضوعها، وقولنا: (إذا جاء زيد) بيان للمقوّم الثالث للنسبة.
وهذا الكلام إذا تمّ فإنَّ المعلّق في المقام يكون شخص الحكم لا سنخ الحكم، بمعنى: أنَّه لا يمكن إجراء مقدّمات الحكمة لإثبات أنَّ المعلّق هو طبيعي النسبة الطلبية؛ لأنّ المعلّق متقوّم بالأطراف الثلاثة التي أحدها الشرط، فالشرط ليس تقييداً عرضياً يطرأ على مفاد الهيئة لنستطيع أن نجري قبل طروه مقدّمات الحكمة فيكون شرطاً طارئاً على المطلق، بل إنَّ مفاد الهيئة ماهيّة متقوّمة ذاتاً بأطراف ثلاثة أحدها الشرط، فلا يعقل إجراء مقدّمات الحكمة لإثبات أنَّ المعلّق هو طبيعي النسبة لا شخص النسبة.
فلا بدّ أن يُسلّم أنَّ المعلّق شخص الحكم، بل هو ليس تعليقاً، بل بيان لنسبة ذات أطراف ثلاثة. وحينئذٍ يبطل اقتناص المفهوم المبني على هذا المبنى.
ــــــــــ[142]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أمّا نحن فلا نصوّر رجوع الشرط إلى مفاد الهيئة بهذا التصوير؛ إذ لا نقبل أنَّ تقييد مفاد الهيئة بالشرط معناه: أنَّ الشرط مقوّمٌ ذاتي للهيئة، بل إنَّ مقوّمات النسبة هي أطرافها الأولية التي تكون بها النسبة نسبة، وبدونها لا تتعقل النسبة وهي المحمول والموضوع. ولا معنى لإدخال مقوّم ذاتي آخر عليها، وإنّما الشرط أمرٌ طارئ على النسبة بعد تقوّمها بمقوّماتها. وهذه النسبة المتقوّمة بالطرفين مطلقة من باقي الجهات وقابلة للتقييد؛ لأنّها ليست جزئياً وجودياً.
نعم، إطلاقها من حيث الموضوع والمحمول غير معقول، ولكنّه معقول من حيث باقي الجهات، فهي قابلة أنَّ تقيّد بمجيء زيد، كما أنّها قابلة للإطلاق من هذه الناحية.
وأمّا ما قلناه: من أنّه لا يعقل فيها الجامع، فهو بلحاظ أطرافها الأوّلية، لا من حيث الطوارئ التي تطرأ عليها.
بناءً على هذا يظهر أنَّ المعلّق سنخ الحكم؛ لأنَّ المعلّق نسبة خاصّة من حيث الطرفين، ولكنّها مطلقة من حيث باقي الجهات، فيمكن إجراء مقدّمات الحكمة لإثبات الإطلاق في مفاد الهيئة في غير أطرافها الأولية(1)، أمّا بناءً على
ــــــــــ[143]ــــــــــ
() الوجه في جريان مقدّمات الحكمة في الجزاء المنتج لكون المعلّق هو سنخ الحكم وطبيعيه موقوف على أن يكون الحكم بمنزلة المتعلّق، والتعليق على الشرط بمنزلة الحكم؛ ليكون جريان مقدّمات الحكمة في المتعلّق دالاً على الإطلاق.
وذلك مشروط بثلاثة شرائط:
الأوّل: أن لا يكون ما ذكره المحقّق الأصفهاني صحيحاً، وهو عود الشرط إلى الهيئة في عرض ارتباطها بأطرافها، وهذا ما تمّ بيانه مفصّلاً في الدورة الاولى.=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[144]ــــــــــ
=الثاني: أن لا يكون المعلّق بالأصالة هو المدلول التصديقي، كما ذهب إليه السيّد الأستاذ، وهذا ما تمّ بيانه مفصّلاً في الدورة الاولى.
على أنَّ المدلول التصديقي جزئي دائماً؛ لأنّه يدلّ على وجود نفسي معيّن كقصد الحكاية، وأمّا المدلول التصوّري فهو كلّي؛ وبناءً على ذلك تكون النسبة الارسالية (التصوّرية) كلية.
والوجه في إطلاق هذه النسبة ليس هو إطلاق طرفها، بل إطلاقها من حيث ملاكها كوجوب إكرام زيد بملاك الشفقة وبملاك السخاوة.
الثالث: أن لا يكون المدلول التصديقي على طبق النسبة الارسالية في طرف الجزاء، بل يكون على طبق النسبة الربطية للجملة الشرطية ككل.
فإنّه لو كان على طبق الجملة ككل؛ فإنَّ معناه أنَّ النسبة الارسالية في طرف الجزاء وقعت موضوعاً وطرفاً للمدلول التصديقي، لا أنّها وقعت موازية له.
ومعه نقارن ـ كما في الاطلاق ـ بين الصورة الذهنيّة التي يدلّ عليها اللفظ والصورة الذهنيّة التي في نفس المولى، ونقول: إنَّ هذه كتلك بأصالة التطابق، وإنَّ ما هو موضوع للربط واقعاً هو ما دلّت عليه الهيئة إثباتاً، وهو نفس النسبة الارسالية بلا قيد زائد، وهو روح جريان مقدّمات الحكمة.
وأمّا إذا كان المدلول التصديقي على طبق النسبة الارسالية بإزاء الجزاء فهنا يتعذر جريان مقدّمات الحكمة، ومن ثُمَّ إثبات أنَّ المعلّق هو طبيعي الحكم؛ لأنَّ النسبة الارسالية تكون مطابقة للمدلول التصديقي، وهو يزيد على الكلّي بالخصوصيات دائماً، ومعه لا معنى لجريان قاعدة التطابق بين مقام الثبوت ومقام الإثبات، ومن ثُمَّ لا تجري مقدّمات الحكمة لإثبات أنَّ المعلّق هو طبيعي الحكم.
وأمّا أنَّ المدلول التصديقي هل هو بإزاء الجزاء أو بإزاء الجملة ككل؟ فالصحيح بحسب الظهور العرفي أنّه بإزاء الربطية التي تدلّ عليها الجملة ككل.=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
مبنى المحقّق الأصفهاني فلا يمكن إجراء مقدّمات الحكمة(1).
ــــــــــ[145]ــــــــــ
=والسر في ذلك كونه صغرى ـ أيضاً ـ من أصالة التطابق؛ لأنَّ النسبة الارسالية وقعت
ـ بحسب المدلول التصوّري ـ طرفاً للنسبة الربطية التامّة؛ فإن كان المدلول التصديقي على طبق النسبة الربطية والنسبة الارسالية طرف له، فقد حصل التطابق، وأمّا إذا كان المدلول التصديقي على طبق النسبة الارسالية في طرف الجزاء، بحيث أصبحت النسبة الرئيسية المقصودة هي النسبة الارسالية الطرفية، فتكون على خلاف أصالة التطابق؛ لأنّها أصبحت رئيسية ثبوتاً بحسب قصد المتكلّم، وطرفية إثباتاً.
بتعبير آخر: أنَّها رئيسية بحسب المدلول التصديقي، وطرفيّة بحسب المدلول التصوّري، وإذا لم يحصل التطابق فالعرف يفهم الصورة التي يحصل التطابق فيها، وهو كون المدلول التصوّري مطابقاً للنسبة الربطية لمدلول الجملة ككل.
فالشرائط الثلاثة كلّها تامّة.
يبقى إشكال، وحاصله: أنَّ الظهور أمرٌ وجداني، فإن حصل فهو المطلوب، وإن لم يحصل لا معنى لإثباته بالطرق الصناعية والفنية.
وجوابه: أنَّه حين يكون الذهن مختلطاً لا يستطيع أن يميّز الظهور ويشكّ فيه، وإنمّا يمكن أن يثبت له الظهور بدليل إنّي، وهو تطبيق الصغرى على كبرى مسلّمة، فمثلاً: أنَّ كبرى جريان مقدّمات الحكمة وأصالة التطابق أمرٌ لا يشكّ فيه هذا الإنسان، فإذا استطعنا أن نبرهن صناعياً بأنَّ المورد صغرى لتلك الكبرى كان ذلك منبّهاً له على وجود الظهور. (المُقرِّر).
() قال في الدورة الثانية في بحث رجوع القيد أو الشرط إلى المادّة أو الهيئة: إنّنا في ذلك نذكر طرحتين:
الأولى: ما ذكره المحقّق الأصفهاني، والأخرى: ما عليه المختار.
أمّا المحقّق الأصفهاني فذكر ما حاصله: أنَّ رجوع الشرط إلى مفاد الهيئة على نحوين:=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[146]ــــــــــ
=أولاً: رجوعه إليها بعد أن استكملت وجودها وأصبحت معنى حرفياً، فيكون التقييد لاحقاً لوجودها كالتقييد للمفاهيم الاسميّة، وهذا يرد عليه الاشكال؛ لأنّها معنى حرفي وهو جزئي آلي.
ثانياً: أن يدخل القيد في أصل تعميم النسبة وبنائها، بحيث تنشأ أطراف ثلاثة: المادّة، والمخاطب، والشرط. فلا يرد الاشكال؛ لأنَّ الهيئة إنّما تصبح جزئية وآلية بعد وجودها، وقد أرجعنا القيد إليها قبل وجودها.
وهذا معناه أنَّ النسبة مع الأطراف الثلاثة في عرض واحد، وهذا لم نقبله، وقد تقدّم تفصيل ذلك في الدورة الأولى.
أمّا الطرحة المختارة فالكلام فيها عين الكلام الذي سبق في بحث المطلق والمشروط. نعم، يمكننا أن نقول هنا: إنَّ المعنى يمكن تقييده بواسطة معنى اسمي مشير إليه، وهذا روح رأي الميرزا النائيني في إرجاع القيد إلى المادّة المنتسبة.
ثُمَّ إنّ العلاقة بين النسبة الارسالية في أطراف الجزاء والشرط تتصوّر على ثلاثة
أنحاء:
النحو الأوّل: أن يكون تقييد المادّة بالشرط سابقاً رتبةً على تقييدها بالنسبة الارسالية فيكون الارسال إلى الاكرام المقيد.
النحو الثاني: أن يكون كلاهما عرضياً، الشرط والارسال.
النحو الثالث: أن تكون الطولية بالعكس، حيث يطرأ الوجوب أولاً على المادّة، ويطرأ الشرط في المرتبة اللاحقة.
والنحو الأوّل غير صحيح؛ لأنَّ لازمه أنَّ الوجوب يطرأ على المقيّد بما هو مقيّد، وهذا يستلزم-عرفاً على الأقل- ترشّح الوجوب على الشرط، مع أنَّ ذلك لا يفهم عرفاً يقيناً.=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وبهذا يرتفع الإشكال المشهوري.
وأمّا الكلام بحسب مقام الإثبات، فهل المعلّق في لسان الدليل من الكتاب والسنة هو سنخ الحكم؟
بعد الفراغ عن إمكان كون المعلّق هو السنخ والمطلق، لا يبقى إشكال
ــــــــــ[147]ــــــــــ
=والنحو الثاني باطل جزماً، وإن كان هو ظاهر التقريرات؛ لأنّه حينئذٍ لا توجد أيّ علاقة تقييدية بين الشرط والوجوب، لا مباشرة؛ لأنّ الشرط لا يكون قيداً للوجوب، ولا بالواسطة، أي: أن يكون الشرط قيداً لمتعلّق الوجوب؛ لأنّ كلّ قيد في المتعلّق لابدّ أن يكون سابقاً رتبة على طروّ الوجوب في حين فرضناه عرضياً، فيكون تقييداً بلا مقيّد له.
ومع بطلان الأوّلين يتعيّن الثالث؛ إذ يكون الشرط قيداً للإكرام بما هو معروض للوجوب، لا بمعنى أنّه قيد نسبة الإكرام إلى الوجوب كما فهم السيّد الأستاذ، وأشكل عليه بأنّه رجوع إلى الأشكال؛ لأنّنا هربنا من رجوع القيد إلى النسبة، بل بمعنى: إرجاعه إلى الإكرام المعروض للوجوب بما هو مفهوم أفرادي وحصّة من الإكرام، وهو غير إناطة النسبة وتقييدها.
لا يقال: إنَّ الجملة الشرطية تدلّ على الربط بين نسبتين، فكيف أصبح طرف النسبة افرادياً؟!
فإنه يقال: إنَّ طرف النسبة يمكن أن يكون إفرادياً غاية الأمر يكون طرفاً لها بصفته معروضاً للوجوب، أي: النسبة الارسالية الطارئة عليه في المرتبة السابقة.
وهذا يرجع إلى ما قلناه: من أنّنا ننتزع من (أكرم) مفهوماً اسمياً هو الإكرام المقيد بالوجوب ونعلقه بالشرط، وهذا هو معنى المادّة المنتسبة التي قالها الميرزا، وإنّما أوجب التشويش باعتبار أنّهم نقلوا عنه كون التقييد عرضياً.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
بحسب مقام الإثبات في كلماتهم؛ لأنّ كلماتهم تنصب على مقام الثبوت من حيث عدم إمكان رجوع القيد إلى الهيئة؛ لأنَّها شخص وليس سنخاً، وأمّا إذا أثبتنا أنَّ المعنى الحرفي يقبل الإطلاق والتقييد، فيمكن أن نُجري مقدّمات الحكمة لإثبات أنَّ المعلّق هو النسبة الطلبية، من حيث كونها طبيعة معراة عنها الخصوصيات، وملغاة عنها القيود.
إلَّا أنَّ المقام لا يخلو من شوب إشكال في إجراء مقدّمات الحكمة لإثبات أنَّ المعلّق هو سنخ الحكم. فلا بُدَّ في تتميم المطلب من التخلص من هذه الشائبة.
وحاصل هذه الشائبة: أنَّ الإطلاق الذي نثبته بإجراء مقدّمات الحكمة -وهو في قبال التقييد- في قبال أن يكون المعلّق مقيّداً بملاك مخصوص، نحو أن يكون المعلّق في (أكرم زيداً) هو النسبة الطلبية بملاك السخاوة أو الشهامة، فتجري مقدّمات الحكمة لرفض هذه الخصوصيات، وتعرية الطبيعة عنها.
ولابدّ في إجراء مقدّمات الحكمة أن يكون التقييد عرفياً بحيث يتعارف ذكره، والتقييد به في المحاورات العرفية، حتّى يكون عدمه كاشفاً عن الإطلاق بوجه من الوجوه، بمعنى: لا بُدَّ أن يكون التقييد تقييداً عرفياً يُقبل من المتكلّم بما هو من أهل العرف والمحاورة أنَّ يقيّد بمثله. كما أنّه لا بُدَّ أن لا نكون عالمين وقاطعين أنَّ المتكلّم لا يذكر القيد، ولو كان مراده مقيّداً، ففي هذا الفرض لا تجري مقدّمات الحكمة؛ لأنَّ نتيجة هذا العلم هي أنَّ المولى ليس في مقام بيان مراده، فأصالة أنَّ المولى في مقام البيان لا تجري، فتختل إحدى مقدّمات الحكمة.
ــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ففي القضايا الشرطيّة نحو: (إذا زالت الشمس فصلِّ)، و (إذا تغيّر الماء ينجس)، نريد أن نثبت إطلاق النسبة الطلبية في قبال تقييدها، وهذا يحتاج إلى:
أوّلاً: أنّه تقييد عرفي بحيث لو أثبت القيد لا يخرج البيان عن كونه بياناً عرفياً، ونفرض التقييد المنفي بالإطلاق هو التقييد بملاك السخاوة، فلو أراد أن يبينه ماذا يقول؟ (إذا جاء زيد فأكرمه بملاك السخاوة) وهذا قطعاً ليس بياناً عرفياً، أو يقول: (إذا جاء زيد فأكرمه لأجل أن تتعود على الكرم).
إذن، لا بُدَّ أن نطمئن أنَّ التقييد المنفي بمقدّمات الحكمة هو سنخ تقييد لو أبرز لِما كان خارجاً عن تقييد أهل العرف والمحاورة؛ لأنَّه لو كان خارجاً عن العرف لا يذكره ولو كان مقصودة المقيّد؛ لأنّ الشارع خاطب أهل العرف والمحاورة، فهو لا يخرج على طريقتهم.
ثانياً: لا بُدَّ أن يكون عندنا احتمال أنَّ المولى في مقام البيان من جهة القيد، من حيث إنَّ المعلّق هو المقيّد، والقيد عرفي يمكن بيانه، فإذا حصل الوثوق عند شخص من تتبّع القضايا الشرطيّة في الشريعة أنَّ الشارع ليس في مقام البيان من ناحية القيد؛ لأنَّه لم يقيّد المعلّق في مورد من الموارد، ولو كانت طريقته مبنية على ذكر القيد لورد ولو في مورد واحد. في حين أنّه هناك نجده يبيّن قيود الموضوع فيقيّد المجتهد بالعادل مثلاً، فإذا لم يقيّد نقول: إنّ المولى في مقام البيان ولم يقيد. إذن، فمرداه أصل الموضوع معرى عن القيد. فنعرف في مقامنا أنّه لم تجر طريقة الشارع على هذا التقييد، ولعلّ سببه عدم عرفية مثل هذا التقييد.
وهذا إشكال صغروي، فمن رأى أنّه تقييد عرفي قال بأنّي أحتمل أنَّ المولى
ــــــــــ[149]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
في مقام البيان حتّى من جهة القيد، فتجرى مقدّمات الحكمة بلا إشكال.
وقد تطابق الأصحاب على إجراء مقدّمات الحكمة كما يظهر من كلماتهم؛ لأنّهم حصروا كلامهم في مقام الثبوت دون الإثبات، فلعلّ ذلك ناشئ من جزمهم بإمكان التقييد العرفي، إن لم يكن سكوتهم ناشئاً عن الغفلة عن الإشكال.
هذا حال كون المعلّق سنخ الحكم ثبوتاً وإثباتاً.
الجهة الثانية: قلنا فيما سبق: كون المعلّق سنخ الحكم هو أحد الركنين في اقتناص المفهوم عند المشهور، أمّا عندنا فهو ملاك برأسه مع إضافة خصوصيّة زائدة، وهي دلالة القضية الشرطيّة على التعليق بنحو اللزوم دون الحاجة إلى أن تدلّ القضية على العليّة الانحصارية في الشرط.
أمّا إذا قلنا: إنَّ القضية الشرطيّة لا تدلّ على اللزوم أصلاً، بل بمحض الصدفة والاتفاق، ففي مثل هذا لا يثبت المفهوم وإن كان المعلّق هو الطبيعي؛ لأنَّه إذا كان وجود الطبيعي بنحو الصدفة فلعلّ عدمه يثبت بالصدفة أيضاً.
فلا بُدَّ من الالتزام تتميماً للملاك بأنّ القضية الشرطيّة دالّة على اللزوم، وهذا اللزوم على نحوين: ففي طرف الشرط هو استتباع الشرط للجزاء، وفي طرف الجزاء هو تعليق الجزاء على الشرط. فمجيء زيد مستتبع لوجوب إكرامه، ووجوب إكرامه منوط بمجيء زيد. فالقضية (إذا جاء زيد فأكرمه) تدلّ على الربط بين الشرط والجزاء، فإذا أردنا أن نُعبّر عن هذا التعليق في طرف الشرط قلنا: هو استتباع الشرط للجزاء، وإذا أردنا أن نُعبّر عنه في طرف الجزاء قلنا: إنّه تعليق الجزاء على الشرط.
ــــــــــ[150]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فهنا لا بُدَّ أن نفرض أنَّ القضيّة الشرطيّة دالّةٌ على إناطة الجزاء بالشرط، وتعليق الجزاء على الشرط على نحو اللزوم، فإذا دلّت على ذلك وكان المعلّق هو الطبيعي، فالطبيعي معلّق على الشرط تعليقاً لزومياً، فإنّه ينتفي بانتفاء الشرط؛ لأنَّ هذا التعليق ينحل إلى تعليقات متعدِّدة بعدد أفراد طبيعي الحكم، فإذا انتفى المجيء انتفى جميع الأفراد المعلّقة، سواء كان اللزوم من باب المعلولية أو من باب لزوم أحد المعلولين لعلّة واحدة للمعلول الآخر. وإن لم ينتفي جميع الأفراد فإنّ ذلك يعني أنَّ ليس كلّ الأفراد معلّقة على الشرط، بل كان بعض أفراده معلّقاً دون بعض، فليست الطبيعة الملغي عنها الخصوصيات معلّقة، وهذا خلف.
هذه المؤونه -وهي أن تدلّ القضية الشرطيّة على تعليق الجزاء على الشرط تعليقاً لزومياً- هل يمكن إثباتها أم لا؟
الظاهر أنّه لا يمكن إثباتها بالنحو الذي عليه المشهور، لإمكان منع دلالة القضية على اللزوم رأساً؛ لأنَّه وإن قالوا: إنَّها دالّة على اللزوم؛ لأنَّنا نرى استعمالها في موارد الصدفة لا يخلو عن عناية، وهذه العناية كاشفة عن أخذ اللزوم في أداة الشرط.
إلَّا أنَّ هذا منقوض بموارد استعمالها في القضايا الاتفاقية من دون عناية أصلاً، ومنه يظهر أنَّ هذه العناية ليست ناشئة من الوضع، وإنَّما هي ناشئة من نكتة أخرى.
وهذه الموارد هي في القضايا الشرطيّة المعقودة بلحاظ الزمان الماضي، إذا ــــــــــ[151]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
قلت: (كلما طلعت الشمس ينهق الحمار) فالعناية فيه ظاهرة بلا إشكال، ولكن إذا قلت: (مهما كان زيد يأتني كان يجدني مريضاً) بمعنى: أنني أخبر عن الماضي بحيث لا يعم الحاضر والمستقبل، فليس فيها عناية أصلاً، ومع هذا فلا ملازمة أصلاً.
ومن هنا يظهر أنَّ المؤونة التي نشعر بها ليست ناشئةً من الوضع، وإلاَّ لم يفرّق بين الماضي والمستقبل، وإنّما هي ناشئة من ناحية المدلول التصديقي، حيث إنَّ المدلول التصديقي في القضايا الشرطيّة التي تعقد بلحاظ المستقبل هو الحكاية عن الثبوت عند الثبوت، وهذه الحكاية لا ملاك لها إلَّا أحد أمرين:
فإمّا أن يطلع ثبوت الملازمة بين الشرط والجزاء، وإمّا يطلع على الصدفة بين وقوعهما بإخبار معصوم ونحوه. والاطلاع على الملازمة مفروض العدم، كما أنَّ إخبار المعصوم غير متحقّق، ومن هنا تنشأ العناية في القضايا التي تعقد بلحاظ المستقبل، أمّا في الماضي فالاطلاع على الملازمة وإن كان غير ممكن إلَّا أنّ الإطلاع على الصدفة له طريق متعارف، وهو استقراء الحوادث الماضية، ومن هنا انتفت المؤونة فيها.
فاللزوم من شؤون الظهور الثانوي السياقي للقضية الشرطيّة لا الظهور الوضعي، وإلا لأحسسنا بالمؤونة في الماضي أيضاً.
وملخّص القول: أنّنا لا نقول بدلالة القضية الشرطيّة على اللزوم أصلاً؛ لأنَّ دعوى أخذ اللزوم فيها بدعوى وجود العناية في القضايا التي ترد مورد الصدفة باطلة؛ لأنَّنا نقول: إنّها قد تكون خالية من العناية رغم ورودها مورد الصدفة، وذلك كما في القضايا المعقودة بلحاظ الماضي.
ــــــــــ[152]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إذن، فالملازمة ليست ناشئةً من الظهور الوضعي، وإلَّا لّما كان فرق بين الماضي وغيره، ولأحسسنا المؤونة في الماضي أيضاً، بل هي ناشئة من الظهور الثانوي التصديقي؛ لأنّه لا يمكن بيان الملازمة إلَّا بالعلم بكبرى الملازمة وهي مقطوعة العدم، أو بالإطلاع على الصدفة وهو لا يقع إلَّا في الماضي دون المستقبل، ومن هنا نشأت المؤونة في القضايا المستقبلة؛ لأنَّه إخبار على خلاف الطبع والعادة والمؤونة هي من ناحية الإخبار والمدلول التصديقي لا التصوّري. أمّا في الماضي فليس هناك مؤونةً؛ لأنَّ الإطلاع على الصدفة ممكن الحصول بلحاظ العادة الجارية.
وعليه: فنحن نقول بدلالة القضية الشرطيّة على اللزوم، لكن لا على نحو ما قالوا: من أنّه ناشئ من الظهور الوضعي، بل من الظهور السياقي الثانوي في القضايا الشرطيّة المبنية على نحو القضايا الحقيقية. فإنّ ظهور مثل هذه القضايا في اللزوم مسلّم(1).
ــــــــــ[153]ــــــــــ
() أمّا اللزوم فقد بحثه في الدورة الأولى، إلَّا أنّه في الدورة الثانية بيّنه ببيانٍ أكثر تفصيلاً حيث قال فيما قال: إنَّ استعمال الجملة الشرطية في غير اللزوم وإن كان فيه عناية، لكن هذه العناية فيها فرضيتان:
الأولى: كونها عناية للمجاز باعتبار أخذ اللزوم وضعاً كما ادّعى المشهور.
الثانية: أنَّ الشرطية فيها ثلاثة احتمالات:
الأوّل: اللزوم.
الثاني: كون الجزاء موجوداً دائماً بحيث يمكن للمتكلّم أن يحذف الشرط، ولكنه أخبر عن=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[154]ــــــــــ
=الجزاء في حالة الشرط، وسكت عن الباقي كقولنا: (إذا كان الحمار ناهقاً كان الإنسان ناطقاً) أو (إذا نزل المطر كان الإنسان ناطقاً)؛ إذ لا ملازمة، لكن كون الإنسانُ ناطقاً أمرٌ أبدي ثابت، مع وجود الشرط وعدمه.
الثالث: أن يقترن الجزاء بالشرط صدفة دائماً بنحو القضية الخارجيّة.
فالاحتمال الأوّل -وهو اللزوم- هو المطلوب، والاحتمال الثاني معقولٌ ثبوتاً إلَّا أنّه خلاف الظاهر اثباتاً؛ لأنَّه خلاف إناطة الجزاء بالشرط، وهذا مفهوم بنحو السالبة الجزئية، وهو ثابت حتّى في الوصف؛ إذ لولاه لكان الوصف لاغياً، فلو كان الحكم بوجوب الإكرام ثابتاً لكلّ العلماء غير العدول لكان التقييد بالعدالة لاغياً، كذلك في المقام لو كان الجزاء يشمل كلّ الحالات لكان تقييده بالشرط جزافاً.
أمّا الاحتمال الثالث فهو غير صحيح اثباتاً؛ وذلك:
أولاً: يقتضي كون القضية خارجية.
ثانياً: استعمال علم الغيب في التعرف على الاقتران صدفةً في الأزمنة الثلاثة، وهو خلاف المحاورات العرفية، ومع انتفاء الاحتمالين الأخيرين يتعيّن اللزوم.
والعناية الموجودة في الاحتمال الثالث ليست عناية المجاز، باعتبار استعمالها في غير اللزوم الموضوع له، إذ لو كان الأمر كذلك لتوقعنا وجود العناية لو عقدت القضية للماضي كقولنا: (كان إذا جاء زيد نزل المطر) مع أنّه لا عناية فيها وجداناً، وإنّما العناية الخاصّة فيما إذا عقدت للمستقبل. إذن، فهناك فرق بين الماضي والمستقبل، وهو لا يفسّر على الفرضية الأولى؛ إذ عليها في كلّ موردٍ لا لزوم فيه يكون تجوزاً، وأمّا على الفرضية الثانية فباعتبار أنَّ الإخبار عن المستقبل يحتاج إلى استعمال علم الغيب دون الماضي. إذن، فاللزوم غير مأخوذ في المدلول الوضعي. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أمّا الكلام في التعليق. فنقول: إنَّ اللزوم تارةً يلحظ في طرف الشرط، وتارةً يلحظ في طرف الجزاء. وقولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) يدلُّ على الربط بين الجملتين. وهذا ما أثبتناه في المقام الأول. وهذا الربط يمكن أن يلحظ بعينين: فإذا لاحظناه من طرف العين اليمنى نعبّر عنه بأنَّه استتباع الشرط للجزاء، وأخرى نلحظه بالعين اليسرى فيكون مرجعه إلى أنَّ الجزاء منوطٌ مربوطٌ ومعلّقٌ على الشرط.
وهذان اللحاظان غير متلازمين فيمكن لحاظ أحدهما فقط، كما يمكن لحاظ الاثنين معاً.
وإذا فرضنا أنَّ القضية الشرطيّة تدلّ على استتباع الشرط للجزاء بنحو اللزوم(1)، فهل يكفي ذلك في ثبوت المفهوم؟ كلا لا يكفي؛ إذ لعلّ وجوب الإكرام لازم أعمّ، أي: لعلّ وجوب الإكرام ثابت عند عدم المجيء؛ لأنَّه لازم أعمّ؛ وذلك كالنار فإنّها مستتبعة لزوماً للحرارة، ولكن قد توجد الحرارة بدون النار؛ لأنّ الحرارة لازم أعمّ للنار، ولا يمكن أن نثبت أنَّ الجزاء لازم مساوي بنفس مدلول القضية الشرطيّة.
أمّا إذا فسّرنا الربط بمعلّقية الجزاء على الشرط، كما هو المناسب لتعبير علماء اللغة -كما نقل الميرزا(2)-. فحينئذٍ يدلّ هذا التعليق على انتفاء المعلّق
ــــــــــ[155]ــــــــــ
() كما هو مقتضى تسميتها بالقضية الشرطية، أي: أنَّها تدلّ على كون الشرط شرطاً. (المُقرِّر).
(2) انظر: فوائد الأُصول 2: 481.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
عند انتفاء المعلّق عليه، سواء كان التعليق بملاك العليّة أو بملاك معلوليته لعلّة ثالثة؛ لأنَّ هذا هو معنى التعليق؛ فإذا أثبتنا بمقدّمات الحكمة أنَّ المعلّق هو الطبيعي فيثبت انتفاءه عند انتفاء الشرط، ويثبت المفهوم.
فدلالة القضية الشرطيّة على المفهوم مبنية على أن يكون مفاد الجزاء هو الطبيعي على إطلاقه، وعلى أنَّ الربط اللزومي إنّما يكون في طرف الجزاء الذي معناه التعليق. وحينئذٍ يكون الطبيعي معلّقاً في طرف الجزاء تعليقاً لزومياً، فينحل تعليق الطبيعي إلى تعليقات متعدِّدة بعدد أفراد الطبيعي، كما في القضايا الاستغراقية.
ثُمَّ إنَّنا بعد أن أثبتنا أنَّ القضيّة تدلّ على اللزوم بالظهور الثانوي التصديقي، نتساءل هل تدلّ القضية الشرطيّة على التعليق؟ الظاهر عدم دلالتها لا على التعليق، ولا على الاستتباع، فإنّ الواضع كان أعمى لم ينظر لا بالعين اليمنى ولا اليسرى، وإنّما وضع القضية للربط بين الجملتين. أمّا مركز الثقل في هذا الربط هل هو الشرط فيكون عبارة عن الاستتباع، أو هو الجزاء فيكون عبارة عن التعليق؟ فهذا ما لم يلحظه الواضع. فكثيراً ما يستعمل أهل العرف والمحاورة الجملة الشرطيّة على كلا الصورتين. ومتى قصد المتكلّم التعليق في القضية كان لها مفهوم.
وهذه النكتة ليس لها ضابط عام. فنقطة الضعف في هذا الملاك للمفهوم أنّه لا يمكن أن نثبته لا بقرينة عامة ولا بالوضع، ولكنّه أحد وجهي الوضع، ومع قصد المتكلّم له يثبت المفهوم وإلَّا فلا.
ــــــــــ[156]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ولعلّ تقديم الجزاء على الشرط كثيراً ما يكون لملاحظة الربط بالعين اليسرى من حيث إنَّ المتكلّم أراد أن يعلّق الوجوب على المجيء، لا أنّه أراد أن يبيّن أنَّ المجيء مستتبع للوجوب. ومن الممكن أن يكون هذا قرينة عامة لقصد التعليق في طرف الجزاء، وأنا لا أعرف قرينة أخرى تدلّ على ذلك.
ومن هنا يكون المفهوم بالملاك الأول منوطاً بهذه النكتة، وهي أنّ المتكلّم لحظ الربط بالعين اليسرى، فإن ثبت ذلك ثبت -المفهوم بالملاك- الأول.
هذا تمام الكلام في المناط الأول للمفهوم، وبه ينتهي الكلام عن المقام الثاني.
ــــــــــ[157]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
عُقد هذا المقام لبيان الضابط الثاني للمفهوم عندنا والذي هو أحد الركنين لاقتناص المفهوم عند المشهور، وهو العليّة الانحصارية. وسوف نرى أنّ كلّ ما ذكر من تقريبات المفهوم يكشف أنَّهم كانوا يحسون بوجود المفهوم ثُمَّ يستدلّون عليه، أي: أنّهم يحاولون إثبات هذا المعنى العرفي بأدلّةٍ عقليةٍ، وإلَّا فهل يُستدلّ عرفياً على المفهوم بقاعدة أنَّ الواحد النوعي لا يصدر إلَّا من واحد نوعي. وإنّما كانوا يحسون المفهوم فأرادوا أن يوجهوا إحساسهم.
نذكر أولاً التقريب الذي يختص بنا في إثبات المفهوم عن طريق العليّة الانحصارية، ثُمَّ نأتي إلى التعريفات الأخرى ونذكر مناقشاتها.
الذي يمكن أن يُقال في المقام: إنَّ المطلوب هنا هو أن نجعل القضية الشرطيّة دالّة على اللزوم العلّي الانحصاري لطبيعي الحكم. هذا المطلب يمكن إثباته فنياً في القضايا المتكفّلة لجعل الأحكام دون غيرها. وهذا بنفسه يشهد على صحّة نفسه؛ لأنَّ المركوز في الأذهان أنّ هناك فرقاً بين الجملة الخبرية والإنشائيّة، نحو: (إذا جاء زيد فأكرمه) و (إذا استعمل زيد السم فإنّه يموت).
ــــــــــ[158]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فإنّ أحداً لا يقول: بأنّه لا يموت إلَّا باستعمال السم. والتقريبات المذكورة عندهم يشكل فيها هذا الفرق بين الجمل الإخبارية والإنشائيّة بخلاف هذا التقريب الذي هو مبني على الاعتراف بالفرق مع توجيهه.
المطلوب هنا هو أن نجعل القضية الشرطيّة في الأحكام دالّةٌ على اللزوم العلّي الانحصاري لطبيعي الحكم. أمّا اللزوم فقد فرغنا منه، وقلنا: إنّه مدلول للظهور السياقي التصديقي للقضايا المعقودة على نهج القضايا الحقيقية، كما هو الشأن في القضايا الشرعيّة. بقي علينا في المقام أن نُثبت العليّة الانحصارية.
ففي باب الجمل الخبرية نحو: (إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود) تدلّ القضايا على اللزوم، لكنّنا لا يمكن أن نثبت العليّة الانحصارية لاحتمال أن يكون الشرط ملازماً مع العلّة لا علّة. أمّا في المقام – في قضايا الأحكام- فيمكن أن نثبت العليّة الانحصارية وننفي كونه ملازماً للعلّة؛ إذ يمكن أن نثبت في قضايا الأحكام أنّ وجوب الإكرام معلولٌ لمجيء زيد لا لملازم المجيء دون ملازمه.
ووجه الفرق بينهما: في الجمل الخبرية والإنشائيّة هناك مدلول تصوّري، وهناك مدلول تصديقي. فالمدلول التصوّري هو تعليق النسبة على الشرط. والمدلول التصديقي -الذي هو مدلول للظهور الثانوي السياقي في الجمل الخبرية- هو قصد الحكاية، وفي الجمل الإنشائيّة ليس هو قصد الحكاية عن الحكم، بل نفس الحكم، فليس هو الحكاية عن ثبوت هذا الجعل في نفس المتكلّم، بل نفس الجعل، فجعل الحكم في الإنشائيّة هو من قبيل قصد الحكاية في الخبرية.
ــــــــــ[159]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
والشرط بحسب المدلول التصوّري يرجع إلى النسبة، لكن حيث إنَّ هناك ظهوراً للمطابقة بين المدلول التصوّري والمدلول التصديقي، فيثبت به أنَّ الشرط شرط للمدلول التصديقي في الجملة الخبرية، فيثبت بمقتضى المطابقة أنَّ طلوع الشمس شرطٌ وقيدٌ في المدلول التصديقي الذي هو قصد الحكاية، فيثبت كونه شرطاً في الحكاية. وهذا يناسب مع كونه هو العلّة، وكونه ملازماً للعلّة. حيث من حق المتكلّم أن يقيّد حكايته في حال الشرط فيقول: أنا لا أخبر عن برودة الهواء إلَّا في هذا الحال، إمّا لأنَّ هذا الحالة علّة للبرودة أو ملازم مع العلّة، فتوقياً عن كذب الحكاية يجعل الحكاية مشروطة. هذا النحو من الاشتراط لا يستلزم كون الشرط علّةً للنسبة، بل يناسب كونه ملازماً للعلّة. إذن، لايمكن أن نثبت العليّة في الجمل الخبرية.
أمّا في الجمل الإنشائيّة فيثبت بمقتضى أصالة المطابقة بين المدلول التصوّري والتصديقي، فإنّ مجيء زيد كما هو شرط للمدلول التصوّري -وهو النسبة الطلبية- فهو شرط وقيد على نحو اللزوم للمدلول التصديقي أيضاً وهو الجعل. فالمدلول التصديقي ليس هو الحكاية عن الجعل وإلَّا لانقلبت الجملة الإنشائيّة إلى جملة خبرية، بل هو نفس الجعل، والقيد راجع إلى الجعل، وهذا أمر مرتكز عند أهل العرف، حيث يفهمون أنَّ الشرط قيد لنفس الجعل الثابت في نفس المتكلّم.
وهنا نرى أنّه هل يتصوّر أن يكون الشرط قيداً، وأن لا يكون هو الموضوع؟ لا يمكن ذلك؛ إذ لا معنى لقيدية شيء للحكم إلَّا أخذه موضوعاً للجعل، وما هو ملازم للموضوع لا يكون قيداً للجعل ولا للمجعول.
ــــــــــ[160]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
نعم، هذا أمرٌ معقول في الأمور التكوينية، ولكن لا معنى للقيدية في الحكم إلَّا الموضوعية، والملازم ليس قيداً للجعل ولا للمجعول، وإلَّا كان الجعل منوطاً بتقديره، والمجعول ليس له وجود عند وجود الجعل خارجاً، ولكنّه موجود بالجعل، ووجوده بالجعل عبارة عن تحصيصه به.
إذن، بعد أن أثبتنا أنَّه علّة، وهو علّة للطبيعي الذي يثبت بمقتضى مقدّمات الحكمة، فيكون علّة لكلِّ فرد من أفراد الطبيعي.
لكن هل هو علّة منحصرة أو ليس بمنحصرة؟ هنا يأتي البرهان الملفق الذي أثبتنا به ثبوت المفهوم عند انتفاء شخص الحكم؛ لأنَّنا نريد أن نثبت أنَّ الشرط علّةٌ لكلِّ أشخاص الطبيعي، أمّا احتمال أن يكون هناك علّةٌ أخرى لبعض الأشخاص في عرض هذه العلّة فندفعه بذلك البرهان الملفق.
فيثبت أنَّ الشرط علّةٌ منحصرةٌ لطبيعي الحكم، فيثبت الانتفاء عند الانتفاء.
وببيانٍ آخر نقول: بعد الفراغ عن دلالة القضية الشرطيّة -خبرية كانت أو حكمية -على اللزوم من ناحية الظهور السياقي الثانوي لها، نجد أنَّ هناك فرقاً بين الجملة الخبرية والحكمية بلحاظ المراحل الأخرى.
توضيح ذلك: أنَّ مقتضى المطابقة بين المدلول التصوّري والمدلول التصديقي أنَّ الشرط الراجع إلى المدلول التصوّري للجزاء قيد بنحو اللزوم للمدلول التصديقي للجملة، والمدلول التصديقي للجزاء في الجملة الخبرية هو الحكاية عن ثبوت النسبة في طرف الجزاء، والمدلول التصديقي للجزاء في
ــــــــــ[161]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الجملة الإنشائيّة هو نفس الحكم والجعل لا الحكاية عنه، وإلَّا لاتصفت بالصدق والكذب كاتّصاف الجمل الخبرية بها؛ وعليه فالشرط في الجمل الشرطيّة الخبرية قيد للحكاية، والشرط في الجمل الشرطيّة الإنشائيّة قيد للجعل والمجعول الثابت في عالم النفس. وقيدية الشرط للحكاية في باب الإخبار لا يلازم كون الشرط علّةً ومؤثراً في المحكى عنه، بل يناسب أيضاً مع كون الشرط ملازماً لعلّة المحكي، فإنَّ المخبر قد لا يكون مطّلعاً إلَّا على ملازم العلّة فيقيّد حكايته بوجود ملازم العلّة. إذن، على كون الشرط علّةً للجزاء لا من ناحية المدلول التصوّري ولا من ناحية المدلول التصديقي.
أمّا الأول فلأنّ المفروض أنّ العليّة غير مأخوذةٍ في المعنى الموضوع له.
وأمّا الثاني فلأنّ المدلول التصديقي إنّما هو كون الشرط قيداً ومرتبطاً لزومياً بالحكاية عن الجزاء، وكونه كذلك بالنسبة إلى الحكاية يلائم مع كونه علّة للمحكي عنه، ومع كونه ملازماً للعلّة، فلا دلالة على العليّة في الجمل الخبرية الشرطيّة.
وأمّا في باب الجمل الشرطيّة الإنشائيّة كما في قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) فبعد أن نثبت بمقتضى أصالة المطابقة بين المدلولين التصوّري والتصديقي كون المجيء قيداً لنفس الجعل والمجعول، يمكننا إثبات كون المجيء بنفسه علّةً لوجوب الإكرام لا ملازماً للعلّة؛ إذ لا معنى لعلّية شيء لوجوب الإكرام إلَّا كون تقديره مقوّماً لجعل وجوب الإكرام، وكون ذات المقدّر محصصاً للمجعول؛ لأنَّنا لا نتعقّل وجوداً للمجعول عند وجود الشرط خارجاً لتكون
ــــــــــ[162]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
عليّة الشرط وشرطيته بالنسبة إلى الوجوب حقيقية، بل لا وجود للوجوب إلَّا بنفس الجعل، فبناءً على هذا المبنى ينحصر معنى كون المجيء علّة لوجوب الإكرام في كونه بتقديره مقوّماً للجعل وبمقدّره محصص للمجعول، وحيث ثبت أنَّ المجيء قيد في نفس الجعل فيثبت بذلك كونه موضوعاً له، أي: مقدّر الوجود في عالم الجعل؛ لأنّ الشيء لا يكون قيداً ومرتبطاً ارتباطاً لزومياً بالجعل إلَّا إذا كان مأخوذاً مقدّر الوجود في موضوعه، وهذا معنى العليّة.
وبهذا يظهر الفرق بين باب الجعل وباب التكوين، فإنّه في باب التكوين يكون ارتباط الحرارة لزومياً بعلتها -وهي النار- مساوقاً لارتباطها اللزومي بجميع ما يلازم النار، وأمّا في باب الجعل فليس الأمر كذلك؛ فإنَّ ارتباط الجعل بشيء ارتباطاً لزومياً مساوقاً لكون ذلك الشيء علّته وموضوعه؛ إذ لا ارتباط للجعل بغير موضوعه ولو كان ملازماً للموضوع، حيث لا معنى لارتباط الشيء بالجعل لزومياً إلَّا أخذه مقدّر الوجود، وأخذ شيء مقدّر الوجود لا يساوق أخذ ملازمه مقدّر الوجود أيضاً، فطرف الربط اللزومي للجعل ينحصر في العلّة، أي: الموضوع، بخلافه في باب التكوين.
وإلى هنا أمكن إثبات كون المجيء علّةً وموضوعاً في جعل وجوب الإكرام، وبلحاظ إجراء مقدّمات الحكمة في مفاد الجزاء ومدلوله التصوّري المنتجة لكون المدلول طبيعي النسبة بأيّ ملاك كانت. وبلحاظ أصالة المطابقة بين المدلول التصوّري والتصديقي يثبت أنَّ المنوط بالمجيء ليس هو المدلول التصديقي- أي: وجوب الإكرام بما هو شخص- بل بما هو فرد من طبيعيّه، أي: لا دخل لكونه بملاك كذا أو كذا في عليّة المجيء له، وهذا يُنتج كون المجيء علّةً لطبيعي الحكم،
ــــــــــ[163]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أي: موضوعاً لكلِّ جعل متصوّر من جعوله؛ وبعد ذلك يبقى علينا إثبات أنَّه الموضوع المنحصر في كلِّ جعل، وهذا يثبت بالبرهان الملفق المشار إليه سابقاً(1) حيث نقول: إنّه لو كان له بدل في جعل من الجعول لكان مرجعه إلى كون الموضوع هو الجامع بينه وبين بدله، وهو خلاف أصالة المطابقة بين مقام الإثبات ومقام الثبوت، وهكذا يثبت اللزوم العلّي الانحصاري(2).
هذا، وقد ادّعى الأعلام ثبوت هذا الضابط وهو اللزوم العلّي الانحصاري بتقريبات متعدِّدة(3):
مرجع هذا التقريب إلى دعوى أنَّ تمام الخصوصيات مأخوذة في المعنى الموضوع له. فيكون اللزوم العلّي الانحصاري مأخوذاً في الأداة وضعاً، فتدلّ على الانتفاء عند الانتفاء.
ــــــــــ[164]ــــــــــ
(1) راجع: ص161.
(2) هذه المحاضرة منقولة من خط الشيخ مفيد الفقيه سلّمه الله. (المُقرِّر).
(3) أفاد في الدورة الثانية فيما يتعلّق بالمقام: أنّه في البحث عن العليّة الانحصارية توجد في الكتب عدّة تقريبات بعضها يعود إلى مقام المدلول التصوّري وبعضها إلى المدلول التصديقي، وعموماً يمكن القول: إنّ التقريبات التي تبتني على دعوى الانسباق والتبادر تعود إلى المدلول التصوّري، والتقريبات التي تبتني على دعوى الاطلاق تعود إلى المدلول التصديقي؛ لأنّ الاطلاق الحكمي مدلوله تصديقي دائماً.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وهذا التقريب وإن ذُكر في الكتب(1) إلَّا أنَّني لا أظن أنّ أحداً من المحقّقين التزم به؛ لأنَّهم اعترضوا عليه: بأنّ الضرورة قاضية كون الجملة الشرطيّة في غير مورد العليّة الانحصارية خاليةً عن عناية المجاز، في حين إنّه لو كانت العلّة الانحصارية داخلة في الموضوع له لأحسسنا بالمؤونة المجازية. فهل في نحو: (من شرب الخمر يدخل جهنم) أو (من شرب السم يموت) عناية في حين إنَّ العلّة فيه ليست منحصرةً. وهذا يدلّ على عدم أخذ اللزوم العليّ وضعاً في المقام.
بأن يُقال: إنَّ أداة الشرط وإن لم تكن موضوعة لخصوص هذه الحصّة وهي العليّة الانحصارية، إلَّا أنّها تنصرف إليها، وملاك الانصراف كونه أكمل الأفراد؛ لأنَّ أكمل أفراد الربط هو كونه لزومياً علياً انحصارياً.
هذا الانصراف تارةً يُبيّن بمعنى الإطلاق، وأنّ مقتضى مقدّمات الحكمة كون هذا الربط عليّاً انحصاريّاً؛ لأنَّه أكمل أفراد الربط.
وهذا سنخ ما يُقال في دلالة الأمر على الوجوب، من أنَّ الأمر وإن كان موضوعاً للطلب إلَّا أنَّه يدلّ بمقدّمات الحكمة على الوجوب؛ لأنَّ الوجوب هو الطلب الكامل. هذه الدعوى ادّعاها صاحب الكفاية(3) في مباحث الأمر
ــــــــــ[165]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار 2: 28،29، فوائد الأُصول 2: 480، محاضرات في أُصول الفقه 4: 200.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 195.
(3) انظر: كفاية الأُصول: 63.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
بعد التنزّل عن دلالة الصّيغة على الوجوب بالوضع.
ببيان: أنَّ الفرد الكامل والشديد من الطلب هو الوجوب، فإذا تردد اللفظ بين أن يراد به الفرد الكامل الشديد أو الفرد الناقص الضعيف، فمقدّمات الحكمة تفيد أنَّ المراد هو الفرد الكامل الشديد؛ لأنَّ الفرد الكامل الشديد من الطبيعة هو الطبيعة كلّها، وكماله هي شدة في الطبيعة، فليس كماله أجنبي عن الطبيعة، والناقص نقصه ليس من الطبيعة. فما به امتياز الكامل إنّما هو من الطبيعة، وما به امتياز الناقص أمر عدمي ليس من الطبيعة. فالفرد الكامل من البياض ذاته بياضٌ وشدته بياض، والفرد الناقص منه ذاته بياض، ولكن نقصانه ليس ببياض، فلفظة بياض تنطبق على الكامل بذاته وبخصوصيته، وتنطبق على الضعيف بذاته دون خصوصيته.
فالطلب الشديد ذاته طلب وشدته طلب، وأمّا الضعيف فذاته طلب، ولكن ضعفه ليس طلباً، بل هو رخصة. ولفظة الأمر تدلّ على طبيعي الطلب، فإذا تردد الأمر بين الوجوب الذي هو الطلب الشديد، وبين الاستحباب الذي هو الطلب الضعيف نقول: إنّه لو كان الأمر وجوبياً لدلّت عليه اللفظة بذاته وخصوصيته. أمّا بالنسبة إلى الضعيف فهي دالّة على ذاته دون خصوصيته، والمولى في مقام البيان ولم ينصب قرينة، فنعرف أنَّ مقصوده هي الطبيعة التي هي طلبٌ كلّها دون الطبيعة الضعيفة؛ من حيث إنَّ الشدة في الطلب طلب والضعف ليس طلباً، فلا تكون الطبيعة الضعيفة طلباً كلّها.
ــــــــــ[166]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
هذا البيان بُيّن في الكفاية وارتضاه المحقّق العراقي(1)، وبنى عليه. وهذا الأمر نفسه يمكن أن يرد في المقام فيُدّعى هنا أنَّ الربط على أقسام: ربط لزومي علّي انحصاري، وربط علّي لزومي غير انحصاري، والربط غير الانحصاري أضعف من الربط الانحصاري، فتجري مقدّمات الحكمة لإثبات حصّة من الربط.
وقد يُبيَّن هذا التقريب لا بمعنى إجراء مقدّمات الحكمة، بل بالانصراف من حيث أنّ اللفظ ينصرف عرفاً إلى الأكمل، فإذا قيل: حيوانٌ، ينصرف إلى الإنسان؛ لأنَّه أكمل الحيوانات.
وهذا التقريب بكلا شقيّه واضح البطلان.
أمّا من ناحية مقدّمات الحكمة فقد قلنا: إنّ مثل هذه المقدّمات تختص بالمحقّق العراقي(2)؛ لأنَّها تنتج ظهوراً إطلاقياً لا يفهمه العرف. فالعرف لا يفهم أنَّ الوجوب طلب كلّه، والاستحباب ذو خصوصيّة عدمية، ويشعر تبعاً لذلك بمؤونة في الطلب الضعيف.
وإلَّا فلا بُدَّ أن نُجري مقدّمات الحكمة في كلِّ الأوامر، فإذا طلب مني إنسان أن آتيه بكتاب فلا بُدَّ أن آتيه بالقرآن؛ لأن أكمل الكتب هو القرآن.
وهذا المطلب ليس من الظهور العرفي. ومقدّمات الحكمة ليست أمراً عقلياً، وإنّما هي تابعة للفهم العرفي، فهي لا تنعقد لنفي مؤونة إلَّا إذا كان
ــــــــــ[167]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول 1: 421.
(2) انظر: مقالات الأُصول 1: 208، نهاية الأفكار 2: 481.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
العرف يشعر بها، أمّا إذا لم يشعر بها أهل العرف فلا تنتفي بمقدّمات الحكمة.
أمّا التقريب بالانصراف فيأتي فيه أيضاً ما أفاده المحقّق الخراساني(1) في مناقشة هذه الدعوى صغروياً وكبروياً.
أمّا من ناحية الكبرى: وهي أنَّ كلّ لفظ ينصرف إلى الأكمل؛ فلأنَّ ملاك الانصراف هو شدة علاقة اللفظ مع بعض أفراد الطبيعة، وكون الشيء أكمل أفراد الطبيعة لا يقوي علاقته باللفظ الموجب لكونه منصرفاً إليه.
أمّا منع الصغرى: فلأنَّ اللزوم العلّي واحد سواء كان انحصارياً أو لم يكن، ولا يعلم كون الانحصاري أقوى في عليّته من غير الانحصاري. وهذا الجواب يرد إذا أخذنا الربط في الجملة الشرطيّة بالعين اليمنى، أمّا بالنسبة إلى العين اليسرى فقد قلنا: إنَّنا لا نحتاج إلى العليّة الانحصارية، بل يكفي مجرّد الربط اللزومي في ثبوت المفهوم(2).
ــــــــــ[168]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأُصول: 195.
(2) أضاف في الدورة الثانية في منع الصغرى قائلاً:
أمّا منع الصغرى؛ فلأنَّ الجامع الذي يدّعى انصرافه فنتساءل هل هو النسبة التوقّفيّة أو هو النسبة الاستلزامية؟ أمّا الأولى فهي وحدها كافية في انتزاع المفهوم، سواء كان التوقّف على أساس العليّة الانحصارية أو لا.
وأمّا النسبة الاستلزامية فهي في حالة الانحصار ليست بأقوى منها في حالة عدم الانحصار؛ لأنّ تعدد العلّة ووحدتها لا ربط لها بدرجة الايجاد والاستلزام بين العلّة والمعلول، وإنّما تختلف درجة حاجة المعلول إلى العلّة بوجود علّة أخرى، وهذا رجوع إلى النسبة التوقّفيّة.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
كلاهما علّة موجبة لامتناع العدم ووجوب الوجود بالغير فهما متساويان. وهذه المناقشة من صاحب الكفاية في غاية المتانة.
بعد الفراغ عن ثبوت اللزوم العلّي ولو من ناحية الوضع، فهذا الوجه معقود للنكتة الأخيرة في المسألة فقط وهو الانحصارية، وهو وارد فقط فيمن يعترف بثبوت اللزوم العلّي للشرط.
وحاصله: أنَّ إطلاق الشرط يعني: أنَّه لم يسبقه ولم يقارنه ولم يلحقه شيء آخر، فإنّ مقتضى إطلاق الشرط من حيث كونه علّةً أنّه علّةٌ سواء قارنه شيء أو سبقه شيء أو لم يكن كذلك، وهذا يدلّ على كونه منحصراً؛ لأنَّه لو سبقته علّة أخرى فإنَّه لا يكون علّةً، وإذا اجتمعا كان جزء العلّة، وهو خلاف الإطلاق الذي يقتضي كون الشرط علّةً تامّةً في جميع الأحوال، فيثبت الانحصار(2).
وهذا الإشكال أخذ فيه اللزوم، وكون الشرط علّةً تامّةً؛ لأنَّه لو قلنا: إنَّ الجملة الشرطيّة لا تأبى كون الشرط جزء العلّة فينتفي هذا البيان.
إذن، لا بُدَّ في هذا التقريب من إثبات أصل اللزوم والعليّة، ثُمَّ إثبات الانحصارية بالإطلاق.
ــــــــــ[169]ــــــــــ
() انظر: نهاية الأفكار 2: 482، كفاية الأُصول: 196.
(2) أضاف في الدورة الثانية إلى التقريب الثالث ما لفظه: (غير أنّه استفاد العليّة من ترتب الجزاء على الشرط اثباتاً بعد ضمّ أصالة التطابق بين مقام الإثبات ومقام الثبوت).
هذا وقد تمّ تقسيم هذا التقريب إلى ثلاثة تقريباتٍ في الدورة الأولى كما مرّ.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أمّا اللزوم فيدّعى فيه الوضع؛ لأنّ استعمال الجملة الشرطيّة في موارد الصدفة والاتفاق منه عناية، وأمّا العليّة فلا يدّعى استفادتها من الوضع؛ لأنَّ استعمال الجملة في غير العليّة لا مسامحة فيها، بل العليّة تستفاد من ترتيب الجزاء على الشرط.
والترتّب لا إشكال فيه؛ لأنّ الجزاء متفرّع على الشرط إمّا بالفعل كما إذا أتى بالفاء، وإمّا بالقوّة كما لوحظت الفاء مقدّرة. وأمّا أنّه ثبوتاً كذلك فبأصالة المطابقة بين مقام الثبوت ومقام الإثبات.
وبهذا استفاد المحقّق النائيني العليّة. وليس المراد أنَّ التفريع موضوع للعليّة وإلَّا لزم المجاز أيضاً في مورد عدم العليّة. بل المراد أنَّ هذا التفريع يستكشف منه بأصالة المطابقة أنَّه متفرّع ثبوتاً، يعني: في نفس المتكلّم ومقام عقد القضيّة، والترتّب ثبوتاً معناه العليّة.
فإذا ثبت اللزوم والعلّية يبقى إثبات الانحصارية، وهي تثبت بالإطلاق ومقدّمات الحكمة. وقد بُيّنت مقدّمات الحكمة بعدّة تقريبات: تارةً بلحاظ الإطلاق الأحوالي، وأخرى بلحاظ الإطلاق البدلي، وثالثة بلحاظ الإطلاق الشؤوني للترتّب.
ويُلاحظ على ذلك: أمّا اللزوم فقد قلنا: بأنّه ليس مأخوذاً وضعاً في أداة الشرط، بل مدلول الظهور السياقي الثانوي.
وأما العليّة واستفادتها من الترتّب فهذا يختلف أيضاً عمّا بيّناه؛ حيث لم نستفد العليّة من ظهور ترتّب الجزاء على الشرط، بل استفدناها من نكتة تختص
ــــــــــ[170]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
بخصوص باب الأحكام دون الجملة الخبرية، وهذا هو الفرق بيننا وبينهم، ومع قطع النظر عمّا ذكرناه هناك فاستفادة العليّة غير صحيح؛ لأنَّ الترتّب لا ينحصر في الترتّب العلّي، ولو سلّم أنَّ الترتّب في مقام الإثبات يكشف عنه في مقام الثبوت فإنَّ الترتّب الزماني والطبعي فيه تفريع مع عدم العلّية، فاستكشاف العلّية من الترتّب استكشاف للأخص من الأعمّ.
هذا مع أنَّ مصحّح هذا الترتّب قد يكون هو لحاظ عالم المتكلّم من دون أن يكون هناك ترتّب في الخارج؛ ولذا لا نجد مؤونة في التفريع حتّى لو لم يكن الجزاء متفرّعاً على الشرط خارجاً؛ وما ذاك إلَّا لأنَّه يكفي في صحة هذا التفريع التفرّع بحسب عالم العقل وعقد القضية، فمثل هذا التفريع الإثباتي لا بكشف ثبوتي(1).
ــــــــــ[171]ــــــــــ
() قال في الدورة الثانية: أنّه فيما يتعلّق بمسألة دلالة القضية الشرطية على الترتب العلّي بين الجزاء والشرط، واستفادة ذلك من أصالة التطابق بين مقام الثبوت ومقام الإثبات، غير صحيح؛ وذلك لأنّ لمقام الإثبات معنيين:
المعنى الأوّل: أن يُراد بمقام الإثبات المعنى التصوّري الاستعمالي الذي يريد المتكلّم إخطاره في ذهن السامع، ويراد بمقام الثبوت كونه صادراً عن المتكلّم جداً، وأصالة المطابقة بهذا المعنى صحيحة، إلَّا أنّها لا تنطبق على محلّ الكلام؛ لأنّ معناه أنَّ الترتب أُخذ في مرحلة المدلول التصوّري للقضية الشرطية، وهو ممّا لا يرضاه المستدلُّ.
المعنى الثاني: أن يُراد بمقام الإثبات جانب الالفاظ، ويُراد بمقام الثبوت المعنى المقصود للمتكلّم، وهذا المعنى منطبق صغروياً بأن يقال: بمّا أنَّ الجزاء متأخر لفظياً عن الشرط ويترتّب عليه، ففي عالم الثبوت مترتّب عليه أيضاً.
إلَّا أنَّ أصالة المطابقة بهذا المعنى غير صحيحةٍ، فإنّها إنمّا تتم بين المدلول الاستعمالي والجدي بغض النظر عن الالفاظ، والبرهان على ذلك:
أنَّ الترتّب اللفظي قد لا يدلّ على الترتّب الواقعيّ كما في قولنا: (جاء زيد وعمر وبكر) فإنهم قد يكونوا جاؤوا سوية أو على خلاف ذكرهم.
وأمّا دلالة قولنا: (جاء زيدٌ ثُمَّ عمر) على الترتب فباعتبار أنَّ أداة العطف (ثُمَّ) تدلّ بالدلالة التصوّرية الاستعمالية على الترتّب، فبأصالة المطابقة بمعناها الصحيح نقول: المتكلّم يريد الترتّب أيضاً جداً. إذن، فأصالة التطابق لا يمكن أن تتم بها دلالة القضية على العليّة؛ لأنها غير منطبقة في المقام، وبمعنى آخر: غير صحيحةٍ.
أقول [المقرر]: هذا البرهان كأنّه غير موجودٍ في الدورة الأولى. انتهى.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أمّا الانحصار فلنا أن نرجع إلى تقريبات مقدّمات الحكمة التي أفادوها لإثبات الانحصارية:
التمسك بالإطلاق الأحوالي بدعوى: أنَّ مقتضى إطلاق الشرط حيث حكم عليه بالعليّة أنّه علّة في تمام أحوال وجوده، وإن قارنه شرط آخر أو سبقه أو تأخر عنه، وينكشف من هذا عدم وجود علّة أخرى. وهذا معنى الانحصارية، إذ لو كان هناك علّة أخرى فيلزم أن لا يكون هذا الشرط علّة على الإطلاق، فإذا اجتمع مع علّة أخرى فإنّه يكون جزء العلّة؛ لاستحالة توارد العلل على معلول واحد. وهذا خلاف إطلاق عليته في تمام الأحوال(2).
ــــــــــ[172]ــــــــــ
() انظر: كفاية الأُصول: 196.
(2) قال في الدورة الثانية: وهذا التقريب راجع إلى التقريب الأوّل من التقريبات الثلاثة في الدورة الأولى، ويمكننا في هذه الدورة أن نتكلّم بتفصيل أكثر فيما يتعلّق بأسلوب إثبات الانحصارية.
فنقول: إنّه مع وجود الشيء الآخر الذي يحتمل وجوده مع الشرط توجد محتملات ثلاثة:
الأوّل: أن يستقل كلٌّ منهما بإيجاد شخص هذا الحكم، وهذا منافٍ مع قانون العليّة.
الثاني: أن يكون كلٌّ منهما علّةً مستقلّةً لفرد من الحكم بحيث يوجد مع اجتماعهما وجوبان للإكرام، وهذا يلزم منه اجتماع المثلين.
الثالث: أن يكون كلٌّ منهما جزء العلّة لشخص هذا الحكم، وهو خلاف ظاهر الشرطية في أنَّ الشرط علّة تامّة للجزاء، أو هو خلاف الاطلاق الأحوالي للشرط في أنّه علّة، سواء قارنه شيء أو تقدمه أو تأخر عنه، كما تقدّم في الدورة الاولى.
وهذا يمكن أن يعترض عليه باعتراضات ثلاثة:
الأوّل: أنَّ هذا الوجه يتوقّف على إثبات العليّة، وهي تثبت بظهور الترتب وأصالة التطابق، مع أنَّ الترتّب لا ينحصر بالترتّب العليّ، بل يشمل الترتّب الزماني كقولنا: (إذا حصل البرق حصل الرعد) مع أنّه لا عليّة بينهما.
الثاني: وهذا الاشكال راجع إلى الاشكال الأوّل الذي تقدّم في الدورة الأولى.
اكتفى (دام ظله) في هذا الاشكال بمجرّد كون العلّة الأخرى لا تجتمع مع الشرط، بحيث لا يكون للشرط إطلاق أحوالي بالنسبة إليه. ولم يذكر كونه مضاداً للشرط كما في الدورة الأولى.
الثالث: هذا الاشكال بعينه الاشكال الثالث في الدورة الأولى.
[المقرر] هذا وقد ذكر في الدورة الأولى إشكالات أخرى أعرض عنها هنا.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إلَّا أنَّ هذا البيان غير تامٍّ:
أولاً: أنّه لا يتمّ إذا كان البدل المحتمل للشرط مضاداً للشرط بحيث لا يمكن اجتماعهما، فإنّه في مثله لا يتمّ الإطلاق الأحوالي؛ إذ ليس من أحوال
ــــــــــ[173]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الشرط المعقولة اجتماعه مع ضده ليثبت كونه علّةً تامّةً في جميع أحواله حتّى حال اجتماعه مع الضد، وعليه فلا نافي لعدلية الضد إذا احتملناه، والإطلاق لا يشمله لنتمسك به.
ثانياً: أنّه لو كان العدل ضداً بالعرض كما لو احتملنا تقيّد عدليته بعدم هذا الشرط، فهذا تضاد بالعرض، وهنا لا مانع من التمسك بالإطلاق الأحوالي، فيقال: بأنَّ الشرط الفلاني علّة حتّى في حال الشرط الآخر؛ لأنَّه لا أثر له مع الاجتماع؛ لأنَّ أثره مقيّد بعدم الشرط، ففي حال اجتماعهما يكون هذا الشرط حاكماً، ويتمّ الإطلاق الأحوالي. وفي مثل هذا لا مانع من فرض كون المرض مثلاً علّة ً، والإطلاق لا يبرهن على عدم ذلك؛ لأنَّ علّيّته مفروضة مع عدم هذا الشرط، وهذا الاحتمال لم ينف بالإطلاق؛ لأنَّ الإطلاق إنّما يثبت كونه علّةً حال وجوده.
ثالثاً: أنَّنا من أين استفدنا كون الشرط علّةً تامّةً بحيث لا يحتاج إلى ضميمة؟ إنّما عرفنا ذلك من الإطلاق الأحوالي للشرط، حيث نقول: إنّه لو كان جزءاً وكان يحتاج إلى متمّم للزم تقييد المجيء، وحيث لم يقيّد فمقتضى إطلاقه استكشاف عدم دخل أيّ خصوصيّة في مؤثرية الشرط، بل يترتّب عليه الجزاء في أيّ حال.
وعدم تماميّة العليّة، وكون الشيء جزء العلّة له منشآن: أحدهما نقصانه الذاتي، والآخر نقصانه من ناحية وجود علّتين. وببرهان استحالة صدور الواحد من الكثير ثبت أنَّ كلاً منهما جزء العلّة، فهذه الجزئية ناشئة من التزاحم
ــــــــــ[174]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
مع علّة أخرى. وهذا الإطلاق الأحوالي ينفي كونه جزء علّة بملاك القصور الذاتي، ولا ينفي كونه جزء العلّة بملاك النقصان العرضي؛ لأنّ الإطلاق حتّى في هذا الحال موجود، فلا يثبت بالإطلاق العليّة المنحصرة.
رابعاً: أنّه لا مانع من الالتزام بالإطلاق الأحوالي في فرض وجود علّة أخرى أيضاً، ولكن إذا احتمل أنَّ أحدهما علّة تامّة لفرد آخر من الحكم غير هذا الحكم فلا يلزم اجتماع العلّتين، بل ذاك وجوب وهذا وجوب آخر، وهذا لا يُنفى بالإطلاق الأحوالي.
خامساً: إذا فرض أنَّ العدل المحتمل كان مقيّداً بسبق علّيته على العلّة المذكورة في القضية الشرطيّة، قلنا: إنَّ الإطلاق الأحوالي لا يجدي إذا احُتمل أنَّ المجيء علّة، ولكن رؤيته في السوق علّة سابقة عليه. فلا يمكن أن ينفي هذا الاحتمال بالإطلاق الأحوالي؛ لأنَّه لا يجتمع معه ولا يقترنان زماناً ليكون أحد أحواله.
وكذلك إذا كانت العلّة مقيّدة في عليتها بحال عدم المجيء، وفي حال الاجتماع تبطل العليّة؛ لأنَّها مقيّدة في حال عدم المجيء.
هذا في فرض المقارنة، أمّا في فرض السبق، فلو كانت هناك علّة أخرى غير المجيء، وكانت تلك العلّة سابقة على المجيء؛ لانسلخ المجيء عن العليّة بالمرة، وتكون العليّة منحصرةً بالعلّة السابقة. فتارةً يفرض أنَّ السبق كان لحدوث تلك العلّة مع معاصرتها للمجيء بقاءً، وأخرى نفرض أنّها علّة سابقة وحكمها سابق وقد انتهى أمده حين المجيء، فالسبق إمّا يكون حدوثاً وبقاءً وإمّا حدوثاً مع الاجتماع بقاءً. فإمّا أن يكون السبق حدوثاً فقط، فيكون جزء
ــــــــــ[175]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
العلّة بقاءً، فيكون حاله حال المقارنة من هذه الناحية، وفيه يختل ظهور القضية الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث.
وأمّا لو فرضنا سبق تلك العلّة حدوثاً وبقاءً بحيث ينتهي أمدها قبل المجيء، فإن كان المعلّق صرف الوجود -بالمعنى المشهوري- بمعنى الوجود الأول، فلا محالة ينسلخ الشرط عن المؤثّرية؛ لأنّ الوجود الأول لا يعقل أن يتكرر مرتين، والمفروض أنَّ تلك العلّة قد استقلت بإيجاده فلا مجال لإيجاده مرة أخرى من قبل الشرط. وأمّا إذا فرض أنَّ مفاد الجزاء هو الطبيعة بحد ذاتها المعراة عنها جميع الخصوصيات، فيمكن أن يكون الشرط علّةً لفرد من الطبيعة وذاك علّة لفرد آخر من الطبيعة. والمفروض أنَّ العلّة انتهى أمدها فلا يلزم اجتماعهما. هذا ما به امتياز زمن السبق على زمن المقارنة.
واتّضح من هذا: أنَّ تقريب المفهوم بالإطلاق الأحوالي يبرهن على الانحصار في العليّة، وقد اتّضحت المناقشة فيه نقضاً وحلاً، أمّا نقضاً فبما سبق أن ذكرناه، وأمّا حلاً فبما بيّناه من أنَّ تمايز العليّة إنَّما استفدناها من ناحية الإطلاق الأحوالي للشرط، وهو برهان على عدم نقصان العلّة نقصاناً ذاتياً، لا نقصانها بملاك التزاحم؛ لأنَّ التزاحم لا يتنافى مع الإطلاق الأحوالي وإنَّما يتنافى مع النقصان الذاتي، كما سبق أن حققناه(1).
نعم حاول المحقّق الأصفهاني(2) إصلاح هذا التقريب، فذكر أنَّ من
ــــــــــ[176]ــــــــــ
(1) راجع: ص174-175.
(2) نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 610،609.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الممكن إثبات الانحصار من ناحية ظهور القضية الشرطيّة أيضاً، لا باعتبار الإطلاق الأحوالي، بل باعتبار ظهور الشرط أنّه بعنوانه دخيل.
ظاهر الشرط كونه دخيلاً في الوجوب بعنوانه، فلو كانت هناك علّة أخرى للزم كون الدخيل هو الجامع لا الشرط بعنوانه، أو تلك العلّة بعنوانها؛ لاستحالة صدور الواحد من الكثير. وهذا خلاف ظاهر الشرط فإنّه ظاهر في كونه دخيلاً بعنوانه.
فهذه استفادة للمفهوم من ناحية الشرط، مع ضمّ قانون أنّ الواحد لا يصدر إلَّا من واحد.
والفرق بين بيان المحقّق الأصفهاني هذا وبين بياننا في مختارنا. أنّنا أيضاً تمسّكنا بظهور أنَّ العنوان بخصوصه دخيلٌ، لكننّا تمسّكنا بذلك لإثبات العليّة الانحصارية بالإضافة إلى كلِّ شخصٍ شخصٍ في طبيعي الحكم، لا بالإضافة إلى نفس الطبيعي.
وقلنا: إنَّ ظهوره بأنَّه بخصوصيته دخيل في الشخص يبرهن أنَّ العلّة المنحصرة للشخص هو هذا؛ لأنَّه إذا كانت هناك علّة أخرى فإمّا أن تكون بجعل آخر، وهذا خلف فرض كون الحكم شخصاً؛ لأنّ الشخصيّة توجب وحدة الجعل. وإمّا أن تكون بنفس الجعل، فلا بُدَّ أن يكون المجعول هو الجامع. هذا بعد ضمّ أنَّ الحكم الواحد لا يمكن أن يكون له جعلان، ولم نحتج هناك إلى قانون: أنَّ الواحد لا يصدر إلَّا من واحد.
والمحقّق الأصفهاني يريد هنا أن يثبت الانحصارية لطبيعي الحكم؛
ــــــــــ[177]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ومن هنا يحتاج إلى القانون. فهو بيان لإثبات الانحصارية بالنسبة إلى الطبيعي لا الشخص، ونحن بنينا على هذا الظهور برهاناً، وسميناه بالملفّق، وأثبتنا به الانحصار إلى شخص الحكم، بخلاف المحقّق الأصفهاني الذي يريد أن يثبت الانحصار في طبيعي الحكم.
هذا البيان له مركّب من ظهور عرفي وبرهان عقلي، أمّا الظهور العرفي فهو ظهور الشرط في كونه بعنوانه دخيلاً، وهذا ينفي عليّة الجامع، وأمّا البرهان العقلي فهو استحالة صدور الواحد من الكثير وهو ينفي عليّة الافراد. فلو وجدت علّة أخرى فإمّا أن يكون الجامع علّةً، وإمّا كلّ منهما بخصوصه. والأول مناف للظهور العرفي، والثاني مناف للقانون العقلي، فلا بُدَّ أن يكون الشرط علّةً منحصرةً.
وهذا الذي أفاده غير صحيحٍ أيضاً؛ لأنَّ الجزء الأول وهو ظهور الشرط أنَّه بعنوانه علّة وإن كان صحيحاً -ونحن قد جعلنا هذا الجزء من برهانه بنفسه جزءاً من برهان لنا واستفدنا منه انحصار العليّة لشخص الحكم- إلَّا أنَّ الجزء الثاني وهو أن يكون الشرط بخصوصه علّةً لحصّةٍ من وجوب الإكرام، والثاني يكون علّةً لحصّةٍ أخرى من الوجوب، ومحذور ذلك هو استحالة صدور الواحد بالنوع من الكثير بالنوع.
فمثل هذا البرهان لا مجال لتطبيقه في محلّ الكلام؛ لأنَّه إمّا أن يطبّق بلحاظ الحكم، وإمّا بلحاظ الملاك.
أمَّا بلحاظ الحكم بأن يُقال: بأنَّ الوجوبين هنا فردان من نوع واحد، فهما
ــــــــــ[178]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
متحدان في النوع فلا يمكن أن يصدرا إلَّا من واحد بالنوع، فلا بُدَّ أن يكون بين عليتهما -المجيء والمرض- وحدة بالنوع. فمن الواضح أنَّ الحكم الشرعيّ معلولٌ للحاكم لا للشرط كما حقّقناه قبل قليل؛ حيث بيّنا أنَّ الحكم معلولٌ للحاكم وهو فعل اختياري له، وأمّا مجيء زيد بالنسبة إلى وجوب الإكرام فليس علّةً لوجوب الإكرام، وإنّما هو مرتبط بالجعل والمجعول، وارتباطه بالجعل بمعنى: أنَّ تقديره ملتصق بالجعل؛ لأنَّ القضية مجعولة على نحو القضية الحقيقية، وقد جعل الحكم منوطاً بتقدير مجيء زيد، وأمَّا نفس المجيء فهو محصص للمجعول. فليس بابه باب العليّة حتّى تجري عليه قوانين العليّة التي أحدها أنَّ الواحد لا يصدر إلَّا من واحد. فتطبيق هذا القانون على باب الأحكام غير صحيح.
وأمّا بلحاظ المصالح بأن يُقال: إنَّه إذا كان المجيء بعنوانه علّةً للوجوب فلا محالة أنّه علّةٌ للملاك والمصلحة الداعية للجعل، كما أنَّ المرض علّةٌ أيضاً في المصلحة. والمصلحة أمر تكويني خارجي معلول للمجيء والمرض. وعليه فيمكن دخول المسألة في باب العلل، إلَّا أنَّ المصلحتين ليستا من طبيعة واحدة. فمن قال بأنَّ المصلحة المعلولة للمجيء هي من نوع المصلحة المعلولة للمرض، بل هما من ماهيتين مختلفتين، وإنَّما اشتركتا في جامع عرضي انتزاعي واحد، وليس لهما جامع حقيقي. وهذا القانون إنَّما يراد به الواحد بالعنوان الذاتي لا الواحد الانتزاعي؛ لأنَّ الأمور المشتركة بالعنوان الانتزاعي يمكن أن تصدر عن علل متعدِّدة في النوع، ولم يقلّ أحد بوجوب صدورها عن علل متحدة نوعاً.
ــــــــــ[179]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فهذا الإصلاح الذي حاوله المحقّق الأصفهاني لإثبات المفهوم لا يمكن المساعدة عليه(1).
ــــــــــ[180]ــــــــــ
() قال في الدورة الثانية:
التقريب الرابع: وهو الإصلاح المنسوب إلى المحقّق الأصفهاني في الدورة الأولى، الذي عنونه بعنوان اصلاح التقريب، حيث ذكر: أنّه إذا وجدت علّة أخرى إلى جنب الشرط فهناك ثلاثة احتمالات:
الأوّل: أن يكون جزء العلّة لهذا الشخص من الحكم، وهذا خلاف ظهور إطلاق الترتّب المنتج للعليّة التامّة.
الثاني: أن يكونا معاً علّتين مستقلّتين لنفس الفرد، وهذا خلاف قانون العليّة.
الثالث: أن يكونا معاً علّتين مستقلّتين لفردين من الحكم، فهنا نتساءل:
هل هذا علّة بعنوانه والآخر علّة بعنوانه، أو أنّهما علّة بلحاظ جامع بينهما؟ إذا على الأوّل يلزم صدور الواحد بالنوع من الكثير بالنوع، وعلى الثاني يلزم كون خصوصيّة المجيء (الشرط) ملغية وغير دخيلة في الشرطية أو الجزاء. وهو خلاف ظاهر العنوان في كونه دخيلاً بخصوصه.
ثُمَّ إنَّ الاحتمال الثالث يمكن أن يكون برهاناً بعد التنزّل عن البرهان السابق، وذلك بملاحظة أنَّ الشرط والعلّة الأخرى المحتملة لا يجتمعان، وعليه فلا يلزم اجتماع المثلين، إلَّا أنَّه يمكن أن يبرهن عليه بغيره من البراهين السابقة.
أمّا الاحتمال الأوّل: وهو كونهما جزء العلّة، فإننّا كنا قد نفيناه بإطلاق الترتّب وظهور العليّة التامّة، إلَّا أنّه هنا أوضح إندفاعاً، وذلك لغرض اختلافهما وعدم اجتماعهما؛ إذ معه يكون فرض كونهما جزء العلّة هو فرض تعذر العلّة التامّة؛ لأنَّ المفروض تعذر اجتماعهما.
وأمّا الاحتمال الثاني: وهو كونهما علّتين مستقلّتين لشخص الحكم، فكنا نفيناه بقانون العليّة، القاضي باستحالة ذلك، لكنّه هنا أوضح استحالةً؛ لفرض عدم اجتماع العلّتين.
إلَّا أنَّ ذلك لا يتمّ؛ إذ يمكن أن نختار الاحتمال الثالث [الشقّ الثالث]، ولا يلزم محذور، أمّا إذا أنكرنا القاعدة الفلسفية القائلة: (الواحد بالنوع لا يصدر من الكثير بالنوع) وخصصناها بالواحد الشخصي فواضح، وإن قلنا بها فهو باطل أيضاً. وتفصيل ذلك قد مرّ.
ثُمَّ إنَّ هذه البراهين الثلاثة متكونة من ثلاث نقاط؛ الأولى والثانية منها مشتركةٌ: وهما استفادة اللزوم من المدلول الوضعي، واستفادة الترتب العلّي بأصالة التطابق، أمّا الثالثة فهي مختلفة.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وبهذا يتمّ الكلام حول التمسّك بالإطلاق الأحوالي للشرط لإثبات المفهوم، مع ما عقّبناه عليه.
وهو أن يُقال أيضاً بالتمسّك بإطلاق الشرط، لكن لا الإطلاق من حيث الأحوال، بل الإطلاق من حيث ذكر البدل وعدمه، بدعوى أنَّ الشرط يتصوّر فيه نحوان من الإطلاق: إطلاق من حيث الأحوال ويقابله التقييد الأحوالي، وهناك إطلاق آخر من حيث البدل ويقابله التقييد بالبدل بعنوان (أو)، نحو: إذا جاء زيد أو كان مريضاً فأكرمه.
وفي هذا التقريب بملاك التمسك بإطلاق الشرط من حيث البدل في قبال تقييده بالبدل، تقييده بـ(أو). ولم يذكر في مقام تقريبه إلَّا تشبيهه بالواجب
ــــــــــ[181]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 196.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
التخييري بأن يُقال: إنَّ مرادنا من إطلاق الشرط هو إطلاق الواجب لإثبات التعيينية إذا شكّ بين التخييرية والتعيينية.
فإذا شككنا أنَّ صوم شهرين متتابعين هل هو واجب تعييني أو تخييري؟ نتمسك بإطلاق الواجب في مقابل تقييده بـ(أو). فلو كان مراده الواجب التخييري لقال: أو أعتق رقبة، وما لم يقل ذلك يستكشف أنَّ مراده تعييني.
ويقاس المقام بذلك المقام فنتمسك بإطلاق الشرط في قبال تقييده بـ(أو) ونثبت أنَّ الشرط علّةٌ منحصرةٌ(1).
ــــــــــ[182]ــــــــــ
() [المقرر] ذكر في الدورة الأولى الإطلاق المقابل للتقييد بـ (أو) فحسب، أمّا في الدورة الثانية فقد ذكر إضافةً لذلك الإطلاق المقابل للتقييد بالواو بنفس التقريب وحاصله:
أنّه إن أراد الإطلاق المقابل للتقييد بالواو فإنّه لا يحتاج المولى إلى إبراز شيء زائد، وإذا أراد القيد التخييري احتاج إلى التقييد بالواو أو بالأمر الوجودي، فعدم التقييد إثباتاً دالٌّ على عدمه ثبوتاً.
أجاب على ذلك بعين الجواب الذي ذكره في الدورة الأولى:
نعم، وإن كان الجواب بنفس الروح هنا إلَّا أنه قد أوضحه أكثر فقال:
إنّه ماذا يراد بالتقييد بالشرط، هل يراد توقف الجزاء على الشرط؟ إذن، يكون للجملة الشرطية مفهوم؛ لأنَّ الاطلاق الاحوالي للتوقف يثبت التوقّف المطلق، وهو يثبت الانحصار المثبت للمفهوم، ولكن هذا لا يمكن إثباته ببرهان: حيث إنّه لا إطلاق في الجزاء، فيكون مقيّداً ومتوقفاً…
فإن التوقّف غير مطلق، فالتقييد يشمل التوقّف أو النسبة التوقّفيّة كما يشمل النسبة الايجادية، وهي لا تثبت الانحصار المثبت للمفهوم، وما هو البديهي هو مجرّد الربط الملائم مع كلا النسبتين.
وإن أراد من التقييد معنى يلائم مع النسبة الايجادية الاستلزامية، فالإطلاق لا يدلّ على الانحصار بالتقريب الذي ذكره؛ إذ ليس كلّ مطلب لم يذكر في الكلام يستكشف عدم وجوده في العالم. وإنّما هو خصوص ذاك الذي لو وُجد في الكلام لكان مضيّقاً لدائرة ما.
وأمّا إذا كان مجرّد مطلب إضافي فلعلّ المتكلّم يسكت عنه حتّى مع وجوده، وفي المقام كذلك، فقولنا: إذا جاءك زيد أو أهدى إليك هدية فأكرمه، فكون الهدية تستلزم وجوب الإكرام لا يضيّق دائرة استلزام المجيء له، وإنّما يضيّق استلزاماً إلى استلزام فلا يكون عدم ذكره كاشفاً عن عدمه.
وكم فرق بينه وبين الوجوب التخييري، فإنّ ذكر العدل هناك يضيّق من دائرة الاستلزام بخلافه في المقام.
وهذه البراهين تدلّ على وضوح المفهوم؛ لأنّهم لم يجدوا لاثباته ـ بعد الوجدان ـ إلاَّ مثل هذه التلفيقات العجيبة. نعم، العطف بالواو يكون مضيّقاً لدائرة الاستلزام.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وقد أشكل عليه المحقّق الخراساني في الكفاية ببيان الفرق بين الواجب والشرط. فالواجب وقع معروضاً للوجوب، والشرط وقع موضوعاً ومعروضاً للزوم والعلّية، فهما من هذه الناحية لا فرق بينهما، لكن الإطلاق في الواجب صحيح ومعقول وفي الشرط غير معقول.
والفرق بينهما أنَّ الوجوب -الذي تعلّق بالصوم وصار الصوم معروضاً وموضوعاً له- له سنخان: تارةً يكون وجوباً تعيينياً، وتارةً يكون وجوباً
ــــــــــ[183]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
تخييرياً، يعني: أنَّ محمول الواجب -الذي صار نفس الواجب موضوعاً له- له حصتان: فإمّا أن يكون تعييناً أو تخييرياً، ولا شكّ أنَّ كلّ منهما يمتاز عن الآخر بخصوصيّته. وقد ذُكر في بحث صيغة الأمر(1) أنَّ الخصوصيّة التي يمتاز بها الوجوب التعييني على الوجوب التخييري لا تعتبر مؤونة زائدة في نظر العرف، بخلاف ما يمتاز به الوجوب التخييري على الوجوب التعييني، فإنَّه يعتبر مؤونة زائدة في نظر العرف.
ولهذا الأمر عدّة تقريبات، أذكر أوضحها: أنَّ الوجوب التخييري وجوبٌ مشوب بجواز الترك إلى بدلٍ، وأمّا التعييني فهو وجوب خال من هذه الخصوصيّة. فقهراً يكون الخلو خصوصيّة زائدة كالإشابة بالدقة، لكن عرفاً كونه مشوباً مؤونة دون كونه خالياً. فيقال هناك: إنَّ المولى لو كان مراده جعل التعييني فقد أدى مراده، وأمّا إذا كان مراده الوجوب التخييري؛ وحيث إنَّه يحتوي على مؤونة زائدة عرفاً ولم يبينها فقد أخل بغرضه. فيستكشف من عدم بيانها عدم كون هذه الحصّة من الوجوب مراده، وهو الوجوب التخييري، بل تلك الحصّة الخالية من المؤونة، وهي الوجوب التعييني.
هذه الحصّة لو أراد أن يذكرها لقال: صم أو أعتق، وحيث إنّه لم يقل ذلك نعرف أنَّ مراده ليس الوجوب المتصف بالمؤونة.
وأمّا في محلّ الكلام فالشرط وقع موضوعاً للحكم باللزوم والعلّية. والعلّة التي ترتّبت على الشرط لا يختلف حالها في العليّة، سواء كانت
ــــــــــ[184]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 3: 77.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
انحصارية أو لم تكن. فالانحصار لا يوجب خصوصيّة في نفس العليّة؛ لأنَّ معنى العليّة إيجاب وجوده، وترجّح جانب وجوده على عدمه، وذلك متوفّر سواء كانت العليّة منحصرة أو لا، فالانحصار لا دخل له في العليّة.
إذن، لا وجود لنحوين: أحدهما له مؤونة، والثاني ليس له مؤونة؛ لننفي المقيّد بالمؤونة بالإطلاق.
هذا ما أفاده المحقّق الخراساني مع شيء من التطوير، وهو في غاية المتانة. هذا هو التقريب المتعارف لهذا الإطلاق.
أمّا المحقّق النائيني(1) فقد اعتمد على هذا الإطلاق في إثبات المفهوم، لكنّه صاغه بصياغة أخرى، وحاصلها: أنَّ الجملة الشرطيّة لا يخلو الشرط فيها من أن يكون محقّقاً للموضوع، أو لا يكون محقّقاً للموضوع، فتارةّ يكون محقّقاً للموضوع بحيث لا معنى للوجوب لولاه، نحو: (إذا رزقت ولداً فاختنه) إذ لا معنى لوجوب الختان عند عدم ولادة الطفل.
وأخرى لا يكون الشرط محقّقاً للموضوع، نحو: (إذا جاء زيد فأكرمه) إذ يمكن إكرامه مع عدم مجيئه بأن نذهب إلى بيته ونكرمه.
فإذا فرض أنَّ القيد محقّق للموضوع فلا كلام لنا فيه؛ لأنّ الشرط وقع موضوعاً وليس قيداً في القضية.
وإنّما الكلام فيما إذا لم يكن الشرط محقّقاً للموضوع، فهنا لا محالة يكون مفاد الجزاء مقيّداً بمجيء زيد، فتدلّ القضية الشرطيّة على تقييد مفاد الجزاء،
ــــــــــ[185]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 2: 482،481، أجود التقريرات 1: 417-420.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وهو وجوب الإكرام بالشرط، وهو مجيء زيد. وهذا التقييد يتصوّر ثبوتاً على نحوين: تارةً يقيّد وجوب الإكرام بالمجيء فقط، وأخرى يقيّد على سبيل البدل بين المجيء وبين المرض. وهذان نحوان من التقييد، التقييد بالمجيء فقط حصّة من التقييد، والتقييد على سبيل البدل حصّة أخرى. فهما يختلفان باختلاف طرفيهما؛ لأنَّ طرف الأول هو المجيء فقط، وطرف التقييد البدلي هو المجيء والمرض على سبيل البدل.
فإذا شككنا أنَّ مراد المولى هل هو التقييد بالمجيء فقط أو التقييد بأحد الأمرين على سبيل البدل، فنقول: إن كان مراده التقييد بالمجيء فقط فقد بيّنه؛ لأنَّ ما به امتيازه عن البدلي أمر عدمي، وهو مدلول كلمة (فقط)، ومدلولها أمر عدمي وليس مؤونةً عرفيةً. وأمّا التقييد البدلي فامتيازه على ما لا بدل له بعدلية المرض إنَّما هو بأمرٍ وجودي، فإذا دار أمر المولى بين أن يكون مراده التقييد بالمجيء فقط الذي هو ما به امتيازه أمر عدمي، أو التقييد على سبيل البدل الذي هو ما به امتيازه بذكر العدل، وهو أمر وجودي. فمقدّمات الحكمة ترشدنا إلى أنَّ مراده التقييد بالمجيء فقط؛ إذ لو كان مراده البدل لذكره؛ لأن البدل يحتوي على مؤونة زائدة، والمؤنة تحتاج إلى بيان، والبيان هو ذكر العدل، وحيث إنَّ المولى أطلق الشرط دون ذكر العدل، فنستكشف أنَّ مراده للتقييد بما ليس فيه مؤونة زائدة.
فهذا الرأي كالبحث في الواجب التعييني والتخييري؛ لأنَّ عندنا حصتين من التقييد: أحدهما عدمية والأخرى وجوديّة، والعدميّة لا تعدّ مؤونة عرفاً بخلاف الوجودية، وعند الإطلاق يستكشف أنَّ مراد المولى هي المؤونة العدميّة.
ــــــــــ[186]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وهذا البيان لا يرد عليه ما أورده المحقّق الأصفهاني(1)، حيث أشكل في حاشيته على الحاشية: أنَّ هذا التقريب غيرُ معقولٍ في إطلاق الشرط؛ لأنَّ إطلاق الشيء لا يعقل أن يكون إلَّا بلحاظ الحالات التي يكون الشيء محفوظاً فيها، كإطلاق البيع في الحلّية من حيث كونه عقدياً أو معاطاتياً؛ لأن البيع محفوظ في العقد والمعاطاة، ولكن لا معنى لأن يقال بإطلاق البيع من حيث كونه موجوداً أو معدوماً.
وحينئذٍ يقال: إنَّ إطلاق الشرط في قبال ذكر العدل غير معقول؛ لأنَّ معناه: سواء وجود العدل أو لا، وهذا محال؛ لأن فرض وجود العدل فرض لعدم وجود المبدل منه، وهو غيرُ معقولٍ.
وهذا الإشكال ناشئ من أنَّ المحقّق الأصفهاني لم يطلّع على ما قاله المحقّق النائيني تفصيلاً؛ لأنَّ مراد المحقّق النائيني -كما هو ظاهر التقريرات-(2) هو أنَّ الإطلاق هنا إطلاق في مقام العبارة، أي: عدم ضمّ ضميمة في مقام اللفظ إلى الشرط، بمعنى: أنَّه قال:( إذا جاء زيد فأكرمه) ولم يضم إليه قوله: أو مرض.
فهذا إطلاق في مقام اللفظ في مقابل التقييد في مقام اللفظ، وليس معناه إسراء الشرط بحسب الواقع حتّى يُقال: إنَّه لا يعقل إسرائه إلى حالة البدل؛ لأنَّ فرض البدل فرض لعدم المبدل، بل معناه خلو عبارة الشرط من ضميمة،
ــــــــــ[187]ــــــــــ
(1) نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 611،610.
(2) . انظر: أجود التقريرات 1: 417، 418.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فهو إطلاق في العبارة لا في مضمون العبارة.
وهذا الإطلاق ينفع في إثبات أنَّ المراد بالتقييد هو الحصّة التي لا مؤونة فيها؛ لأنَّ الحصّة التي فيها مؤونة تحتاج إلى ضميمة، فلو كان مراده التقييد بأحد الشيئين لاحتاج الشرط إلى ضميمة. فليس المراد من إطلاق الشرط اسراءه، بل خلوه من ضميمة في مقام البيان. هذا هو مراد الميرزا النائيني، وهو ممّا لا يرد عليه إشكال المحقّق الأصفهاني.
ولكنّه لا يتمّ في إثبات المفهوم؛ لأنَّه فرغ عن أمر -هو جوهر إثبات المفهوم على بعض الملاكات، وهو محلّ النزاع- وهو أنَّ القضية الشرطيّة تدلّ على تقييد الجزاء بالشرط، ومن ثُمّ تدلّ على تعليق الجزاء على الشرط. وحينئذٍ لم يبق له إلَّا أنّ يُثبت الانتفاء عند الانتفاء من حيث أنَّ القضية الشرطيّة لو كانت تدلّ على تعليق الجزاء على الشرط فلا محالة ينتفي المقيّد بانتفاء قيده، فتدلّ القضية على الانتفاء عند الانتفاء.
بل إنَّنا حينئذٍ لا نحتاج إلى ضميمة الإطلاق في الشرط؛ لأنّنا قد بيّنا أنَّ هناك ملاكين في اقتناص المفهوم أحدهما استفادة التعليق ودلالة القضية الشرطيّة على اللزوم بالعين اليسرى، أي: دلالتها على كون الجزاء معلّقاً على الشرط، فيثبت المفهوم حينئذٍ من دون حاجة إلى العليّة الانحصارية، والملاك الآخر هو العليّة الانحصارية.
والميرزا بصدد إثبات الملاك الثاني وهو العليّة الانحصارية، إلَّا أنّنا نجد أنَّ روح دعواه ترجع إلى الملاك الأول، وعنوان دعواه يرجع إلى الملاك
ــــــــــ[188]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الثاني. فهو يريد أن يُثبت العليّة المنحصرة، إلَّا أنَّ روح دعواه ترجع إلى دلالة القضية على اللزوم بالعين اليسرى، أي: أخذ التقييد والتعليق في القضية الشرطيّة. فإن ثبت هذا كان ضابطاً للمفهوم، ولكن سبق أن قلنا: إنّه لا دليل لنا على أنَّ التعليق مأخوذ في القضية الشرطيّة؛ لأنّها موضوعةٌ للربط بين الجزاء والشرط وتدلّ بالظهور الثانوي السياقي على اللزوم، أمّا أنَّ هذا الربط اللزومي هل يدلّ على استتباع الشرط للجزاء أو تعليق الجزاء على الشرط؟ فمثل هذا غير مأخوذ في مدلول الجملة الشرطيّة.
إذن، فقد فرغ عن شيء لو تمّ كان ضابطاً في اقتناص المفهوم، لكنّه ليته استدلّ على هذا الذي فرغ عنه، وهو أنَّ الجملة الشرطيّة تدلّ على تعليق الجزاء على الشرط.
نعم، هناك عبارة في التقريرات(1) يمكن أن يُستخرج منها برهان على هذه الدعوى، وحاصل البرهان: أنَّ مفاد الجزاء لا يخلو إمّا أن يكون مطلقاً من ناحية وجود الشرط أو مقيّداً به؛ لأنَّ الإهمال غير معقول. والإطلاق غير معقول؛ لأنَّه خلاف مقصود المولى، فلا بُدَّ أنَّ يتعيّن التقييد، فإذا ثبت أنَّ مفاد الجزاء معلّق على الشرط فيثبت الانتفاء عند انتفاء الشرط؛ لأنَّ المقيّد عدم عند عدم قيده.
إلَّا أنّ هذا لا يرجع إلى محصل؛ لأنّ هذا التقييد لا معنى له على فرض أنَّ القضية الشرطيّة دالّةٌ على اللزوم بالعين اليمنى؛ لأنَّنا إذا فرضنا أنَّها لا تدلّ على
ــــــــــ[189]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 417، 418، والعبارة هي: أنَّ دلالة القضية الشرطيّة على المفهوم أعني به انتفاء التالي عند انتفاء المقدّم تتوقف على أمور …
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
تقييد الجزاء بالشرط، بل تدلّ على استلزام الشرط للجزاء، فهنا لا يُعقل أن يكون مفاد الجزاء مقيّداً بالشرط؛ لأنَّ التقييد بالشرط من شؤون عليّة الشرط للجزاء فلا يعقل أن يؤخذ طرفاً لهذه العليّة. ومفاد الجملة الشرطيّة أنَّ مجيء زيد مستلزم لوجوب الإكرام فلا يعقل أن يقال: إنّه علّة لوجوب الإكرام المقيّد بالمجيء؛ لأنَّ التقييد من شؤون العليّة فلا يعقل أن يؤخذ طرفاً في العليّة، بل طرف العليّة هو الإكرام مطلقاً ثُمَّ يحصل تقييده بالعليّة. فمفاد الجزاء يتقيد في طول كون الشرط علّة له، وليس المقيّد مأخوذاً طرفاً له، وكم فرق بين العبارتين!!
فهذا البرهان صوّري؛ لأنَّه إنَّما يرد على من يقول بدلالة القضية على اللزوم بالعين اليسرى، ولا يأتي على من يقول باللزوم بالعين اليمنى.
وبهذا يتمّ ما ذكرناه من أنَّه لا دليل على أنَّ القضية الشرطيّة دالّة على تقييد مفاد الجزاء بالشرط، ولكن لو تمّ فما أحسنه لإثبات المفهوم، لكن لا دليل عليه؛ لاحتمال أن يكون الجزاء لازماً أعم للشرط، فنحتاج حينئذٍ إلى إثبات العليّة الانحصارية، وهو لا يثبت ببيان الميرزا؛ لأنَّ ذلك البيان راجع إلى إثبات تعليق الجزاء على الشرط.
فهو لا يرجع إلى محصل في إثبات المفهوم.
وبهذا ينتهي التقريب الثاني من تقريبات الإطلاق، وهو التقريب الثالث في الكفاية(1).
*****
ــــــــــ[190]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 197،196.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
كان الكلام في إثبات الإنحصار في الشرط عن طريق التمسك بالإطلاق، قلنا: أن الإطلاق يبين بوجوه متعدد:
الأول: الإطلاق الأحوالي للشرط.
الثاني: الإطلاق العدلي للشرط.
الثالث: إطلاق مفاد أداة الشرط. وهذا هو الإطلاق الأوّل في الكفاية.
بعد الفراغ عن أنَّ مفاد أداة الشرط هو الربط اللزومي العلّي، أو الربط اللزومي فقط بين الشرط والجزاء، يتمسّك بالإطلاق المدّعى لإثبات الانحصارية.
إذن، فلا يراد بالإطلاق إثبات تمام الخصوصيّات، بل الانحصارية فقط بعد الفراغ عن تلك الخصوصيّات. وإنّما الكلام أنَّ هذا الرابط اللزومي العلّي هل هو انحصاري أو ليس انحصارياً؟ وهل هذا الربط اللزومي العلّي يكون للغير أيضاً أو لا؟ فإن كان للغير أيضاً فلا يكون انحصارياً، وإن لم يكن للغير كان انحصارياً لا محالة. فصاحب هذا القول يدّعي أنَّنا نثبت أنَّ مفاد أداة الشرط هو الربط اللزومي العلّي الذي لا يكون للغير بالإطلاق وإجراء مقدّمات الحكمة.
ولم يذكر له في الكفاية أيّ تقريب إلَّا بالمقايسة مع صيغة الأمر إن تردد أمر الوجوب فيها بين النفسي والغيري. فإذا شككنا أنَّ وجوب الوضوء في قوله (توضأ) لنفسه أو أنَّ وجوبه للغير، نقول: إنَّ مدلول صيغة الأمر تردد بين
ــــــــــ[191]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
حصتين من الوجوب: وجوب لا للغير ووجوب للغير، والوجوب للغير فيه مؤونة زائدة، والوجوب لا للغير ليس فيه مؤونة زائدة بحسب العرف؛ لأنّ مؤونته هو مدلول (لا) في قولنا: لا للغير، ومدلول (لا) أمر عدمي. فإذا دار الأمر بينهما في مراد التكلّم يثبت بمقدّمات الحكمة أنَّ المراد هو الوجوب لا الغير؛ إذ لو كان مراده الوجوب للغير للزم عليه نصب قرينة، في حين إنَّه لم ينصب قرينة.
ونفس هذا البيان يرد في مسألتنا حيث يمكن أن يُقال: إنَّ مفاد أداة الشرط تردد بين حصّتين من اللزوم العلّي، حصّة يكون فيها اللزوم لزوماً للغير، وحصّة لا للغير بل للشرط نفسه فقط، فنثبت بمقدّمات الحكمة أنَّ المراد بأداة الشرط هو اللزوم العلّي الذي لا يكون للغير.
وجوابه: أنَّه قد تقدَّم في الأبحاث السابقة كما أشار إليه أيضاً المحقّق الخراساني(1.) وحاصله: كون العلّةٌ منحصرةً أو ليست بمنحصرةٍ ليس من خصوصيات العليّة، فالعليّة المضافة إلى الشرط لا يختلف حالها، سواء كان هناك علّةٌ أخرى أو لم يكن، وقيد الغير هنا ليس من خصوصيات هذه العليّة، بل معناه أنَّ هناك فرد آخر من العليّة هو للغير، لا أنَّ هذا الفرد متخصّص بخصوصيّة زائدة حتّى تُنفى بمقدّمات الحكمة. وذلك بخلاف المسألة في الوجوب، فإنَّ الوجوب على تقدير كونه غيرياً يكون متخصصاً بخصوصيّة زائدة، وهي كونه معلولاً للغير، إن قلنا: إنَّ هذه خصوصيّة.
ــــــــــ[192]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 196.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وقد ذكرنا في صيغة الأمر(1): أنَّ إثبات النفسية في قبال الغيرية بمقدّمات الحكمة إنَّما تكون؛ لأنَّ الوجوب الغيري يحتوي على مؤونة زائدة، وهي كون الوجوب الغيري معلولاً للغير، وكون الوجوب النفسي ليس بمعلولٍ للغير، فالوجوب النفسي وإن كانت فيه مؤونة زائدة عقلاً إلَّا أنَّها ليست بمؤونة عرفية، ويمكن أن تُنفى بالإطلاق. إلَّا أنَّ مؤونة الوجوب الغيري هي الضيق الحاصل بالغيرية، بحيث يكون الوجوب ضيّقاً بوجود الصلاة فتضيّق دائرته تبعاً لقيده، فتنتفي هذه المؤونة بمقدّمات الحكمة.
يبقى -بعد ذلك- شيء واحد، وهو أنَّه قد ذكر المحقّق الخراساني(2) إشكالاً آخر وهو: أنَّ مفاد أداة الشرط معنى حرفي، وهو لا تجري فيه مقدّمات الحكمة؛ لاستحالة الإطلاق والتقييد في الحروف، وينبغي أن يكون مراده هو الإشكال بلحاظ الآلية في المعاني الحرفية لا بلحاظ الجزئية فيها. فإنَّا قد بيّنا أنَّ هذا الإشكال المشهوري -وهو عدم إمكان رجوع الإطلاق والتقييد إلى الهيئات والحروف- يمكن أن يقرب بتقريبين:
أولاً: من حيث إنَّه جزئي والجزئي لا يقبل الإطلاق والتقييد.
وثانياً: من حيث إنَّه ملحوظ باللحاظ الآلي، والتقييد حكم عليه، وهو يستدّعي لحاظ ذلك الشيء، فينقلب المعنى الحرفي عن لحاظه الآلي. فلو أردنا أن نجعل هذا الإشكال واقعيّاً يجب أن نقول: إنَّ ثقله منصب على الآليّة لا الجزئية.
ــــــــــ[193]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 3: 79.
(2) كفاية الأُصول: 195.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إلَّا أنّه على كلا التقديرين لا ينبغي إيراد هذا الإشكال؛ وذلك:
أمّا أولاً: فلما حققناه في بحث الواجب المطلق والمشروط(1)، وما أشرنا إليه فيما سبق من إمكان رجوع التقييد إلى مفاد الهيئات والحروف.
وأمّا ثانياً: فمع قطع النظر عن ذلك وتسليم استحالة رجوع التقييد إلى المعاني الحرفية، فلا ينبغي أن يرد هذا الإشكال أيضاً: والنكتة في ذلك: هو أنَّ الإطلاق والتقييد الذي يتوهم كونه ممتنعاً هو الذي بمعنى التوسعة والتضييق؛ لأنَّه يُقال: إنَّ المعنى الحرفي إمّا جزئي، أو ملحوظ باللحاظ الآلي. وأمّا في المقام فليس الإطلاق والتقييد بمعنى التوسعة والتضييق، بل بمعنى أنَّ المعنى الحرفي وإن كان جزئياً وملحوظاً باللحاظ الآلي إلَّا أنَّ أمره مردد بين جزئيين: بين جزء به مؤونة زائدة، وجزء ليس به مؤونة زائدة.
فإذا كان الأمر كذلك فننفي المؤونة بمقدّمات الحكمة، ونقول: إن كان مراد المولى من هذا الحرف هو ذو المؤونة لكان عليه بيانه. وكونه جزئياً لا يغني المولى عن بيان المؤونة الزائدة لو كانت هناك مؤونة. فالمقصود بالإطلاق والتقييد هو وجود الموؤونة الزائدة وعدمها لا التوسعة والتضييق، وهو أمر معقول حتّى في باب الجزئيات. والاستحالة لو تمّت فهي ترد في التقييد والإطلاق بمعنى التوسعة والتضييق، أمّا في المؤونة فلا بأس بالإطلاق والتقييد بلحاظها، وهذا هو المدّعى في المقام. فنعرف من الإطلاق أنَّ المراد من المدلول الحرفي هو تلك الحصّة من اللزوم العلّي الذي هو غير مضاف إلى الغير، ولو
ــــــــــ[194]ــــــــــ
(1) . انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 3: 405.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
كان مراده المضاف لكان عليه أن يبيّن هذه المؤونة الزائدة.
ففي هذا الإشكال خلط بين الإطلاق والتقييد بمعنى التوسعة والتضييق، وبين وجود المؤونة الزائدة وعدمها. وهذا الأخير معقولٌ حتّى في الجزئيات.
وبهذا يتمّ الكلام في هذا التقريب(1).
ــــــــــ[195]ــــــــــ
() قال في الدورة الثانية بعد تمام الكلام عن التقريبات: إنَّ التقريبات الخمسة السابقة لإثبات المفهوم التي ذكرها الأصحاب غير صحيحة؛ وذلك لأنَّ إثبات الظهور يكون بأحد أنحاء:
النحو الأوّل: تطبيق كبرى مفروغ عنها في الجملة في المقام، كالتقريبات التي حاولت تطبيق كبرى مقدّمات الحكمة، تطبيقاً برهانياً، وقد ثبت عدم صحة ذلك؛ لعدم صحة هذه التطبيقات.
النحو الثاني: أن يكون اللفظ دالاً على معنى مفروغ عنه، وهو يستلزم معنى آخر ببرهان على الملازمة، وهو أيضاً غير تامًّ في المقام؛ لأنَّ ما هو القدر المتيقن دلالة الجملة الشرطية عليه لا يستلزم بالبرهان الانحصار.
النحو الثالث: أن تكون الحيثية التعليليّة للاستظهار قابلةً للادراك المباشر، كما لو كانت هناك قرينةً عامةً أو خاصّةً خافيةً على منكر الظهور أمكن اثباتها له، وهذا أيضاً غير موجود؛ لأنّنا نتكلّم عن دلالتها على المفهوم في صورة وجود القرينة.
النحو الرابع: الانصراف والمتبادر بشكل ساذج، وهو أن يقال: إنَّ المنسبق من الجملة الشرطية ثبوت المفهوم؛ لأنَّ المنصرف من الربط المستفاد ومن أداة الشرط هو النسبة التوقّفيّة بالمعنى الذي ذكرناه، وهذا هو الطريق الصحيح.
أقول [المقرر]: لم يجزم السيّد في الدورة الأولى بهذه الدلالة؛ بل اعتبر الدلالة على النسبة التوقّفيّة أو الاستلزامية أمراً غير متعيّن، بل هو بحسب قصد المتكلّم… انتهى.=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[196]ــــــــــ
=لكن يبقى بحث مهم في تنسيق وجداناتنا ضمن نظرية موحدة قابلة لتفسيرها جميعاً، فإنّ هناك عدّة وجدانات:
الأوّل: الوجدان القاضي بثبوت المفهوم للجملة الشرطية، إذا كان الجزاء انشائياً.
الثاني: أنَّ دلالتها على المفهوم ليست بنحو لو لم تدلّ عليه لكان مجازاً، كما استفاد الأعلام.
الثالث: أنَّها سنخ دلالةٍ قابلةٍ للتبعيض والتجزئة، فلو ثبت وجود علّة أخرى إلى جنب الشرط ينتفي الانحصار، ولكن لا يلغو المفهوم رأساً، بل يتبعض فنلتزم بوجود علّتين وعدم وجود علّة ثالثة.
الرابع: أنّه لا مفهوم للجملة الشرطية إذا كان جزاؤها إخبارياً، فلابدّ من تخريج يفي بتفسير هذه الوجدانات كلها. ومنكروا المفهوم لم يستطيعوا التوفيق بينها فصاروا إلى إنكار المفهوم.
والفائدة من هذا البحث -بالرّغم من أنه بحث تفسيري لا استدلالي، أي: يعتبر المفهوم مفروغاً عنه لا مشكوكاً فيه- فائدتان:
الأولى: إذا عجزنا عن إيجاد نظرية عامة نستكشف أنَّ بعض هذه الوجدانات على خطأ وأنّها وجدانات تسرّعية لا موضوعية بحيث لا يمكن التعويل عليها؛ لأنّها لو كانت موضوعية ناتجة من طبع القضية لوُجدت لدينا تلك النظرية.
الثانية: أنّنا من خلال النظرية العامة يمكن أن نستكشف جوهر الدلالة المفهومية هل هي وضعية، أو إطلاقية، أو هما معاً، أو شيئاً آخر. الأمر الذي يساعدنا جداً عند معارضتها مع دلالات أخرى.
أمّا النظرية التي تنسق الوجدانات فهي:
الوجدان الأوّل: عدم الشعور بالتجوز مع استعمال القضية الشرطية في صورة عدم الانحصار، بل عدم الترتّب، بل عدم العليّة، فحتّى لو كانا معلولين لعلّة ثالثة، بل لو كان الشرط معلولاً للجزاء لّما كان هناك تجوز، لكنهم قالوا: إنَّ استعمالها في موارد عدم= تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[197]ــــــــــ
=اللزوم يلزم التجوز.
وقالوا: بأنَّ اللزوم مدلول وضعي. وقلنا: بأنَّ التجوز غير موجود. وأمّا العناية الموجودة فيه وجداناً -كما في مثال إذا كان الإنسان ناطقاً كان الحمار ناهقاً- فمستنده إلى شيء آخر.
الوجدان الثاني: الوجدان الآخر المستفاد من القضية الشرطية هو الانتفاء عند الانتفاء، فقد أحس الأصوليون بتناقضٍ بين هذين الوجدانين؛ لأنَّ ضابط المفهوم عندهم هو دلالة القضية على اللزوم الترتّبي العلّي الانحصاري، فهو إن كان مأخوذاً في الوضع كذب الوجدان الأوّل، وإن لم يكن كذلك كذب الثاني؛ إذ كيف تدلّ القضية على المفهوم من دون دلالتها على ضابطه.
وقد وُجد في حلِّ هذا التناقض اتجاهان:
الاتجاه الأوّل: أنَّ هذه الخصائص -على الأقل ما وراء اللزوم- غير مأخوذٍ في الوضع، وبهذا يصدق الوجدان الأوّل، والقضية دالّة عليها بالاطلاق بأصالة التطابق أو مقدّمات الحكمة، فيصدق الوجدان الثاني كما فعل المحقّق النائيني وغيره، وقد عرفنا عدم تماميته؛ لأنَّ ما ذكروه من الوجوه غير كافٍ لاثبات العليّة والانحصار.
الاتجاه الثاني: اتجاه صاحب الكفاية الذي وجد التناقض بين هذين الوجدانين مستحكم فمال إلى إنكار الوجدان الثاني بالمرة. فأنكر المفهوم في القضية الشرطية أصولياً، مع أنّه يطبقه في الفقه بلا اشكالٍ.
والصحيح: هو الحفاظ على كلا الوجدانين، وذلك بأن نقول: إنَّ الخصائص الأربع التي يراها المشهور، كلّها غير مأخوذة وضعاً في القضية الشرطية، وبذلك يصدق الوجدان الأوّل، ولا يكون استعمالها في خلاف مداليلها مجازاً.
إلَّا أنَّ هناك خصوصيّةً واحدةً مأخوذةً وضعاً، هي النسبة التوقّفيّة، ونحن نأخذ هذا كمصادرة وجدانية، ولا نقصد من التوقّف معناه الفلسفي، بل العرفي والفطري،= تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[198]ــــــــــ
=بالمعنى المؤدي إلى الالتصاق وعدم الانفكاك بينهما.
أقول [المقرر]: يظهر أنَّ السيّد استدلّ في داخل وجدانه استدلالاً إنّياً على ذلك انطلاقاً من وجدانية المفهوم إليها، حيث إنَّه ممّا يتوقّف عليها المفهوم. وإلاَّ فمن الواضح عدم دلالة القضية بمجرّدها على النسبة التوقّفيّة، ودوران العرف بينها وبين النسبة الاستلزامية. وعقد القضية بالنسبة إلى كلا النسبتين صحيحٌ ومحتاج في تعيينها إلى القرينة، كما مال إليه السيّد في الدورة الأولى، فهي موضوعة لهما بنحو الاشتراك المعنوي -أي: لمطلق الربط- أو اللفظي، وعليه فلا يمكن القول: بأنّ استعمالها في النسبة الاستلزامية محتاج إلى العناية، كما هو واضحٌ ولازم كلامه.
وعلى كلا التقديرين لا يتعيّن استعمالها في التوقّفيّة ليتعيّن فهم المفهوم، لو كانت هي ملاكه الأساسي على مبنى السيّد. نعم، يمكن للسيّد أن يدّعي اختصاص هذه الدلالة بالجمل الإنشائيّة الشرطية، وأمّا الجمل الإخبارية فهي دالّة على النسبة الاستلزامية، وبذلك يتمم وجدانه الرابع أيضاً.
إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ لعدّة جهاتٍ، أهمها: أنَّ الهيئات موضوعة بوضع نوعي واحد، بلا نظر إلى المادّة، ومن هنا كان لابدّ لهيئة الشرطية أن تكون موضوعةً لشيء واحد في كلا الشكلين، ولا يحتمل تعدد الوضع في الهيئة الواحدة، وحيث إنَّه من المحرز وجداناً دلالة الشرطية الإخبارية على الاستلزام دون التوقّف، فكذلك في الإنشائيّة، ولا أقل من الشكّ حينئذٍ. انتهى.
واستعمال القضية في مثل قولنا: (إذا كان الحمار ناهقاً كان الإنسان ناطقاً) وإن كان يحتوي على العناية وجداناً، إلَّا أنَّه ليس من باب عدم اللزوم كما قالوا، بل من باب عدم التوقّف؛ لكون الجزاء أبدياً غير منوطٍ بالشرط ولا متوقّف عليه أصلاً.
الوجدان الثالث: أنَّ المفهوم قابل للتجزئة، وأنَّه مع ثبوت العدل يمكن ملاحظة الانحصار بالنسبة إلى الثالث ولا ينتفي المفهوم.=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[199]ــــــــــ
=كما أنَّه في صورة ثبوت العدل لا يكون الاستعمال مجازاً، وهذا ما اتفقوا عليه أيضاً.
وتنسيقه مع الوجدانين السابقين أنَّ النسبة التوقّفيّة الوضعية وحدها غير كافية للدلالة على المفهوم ما لم ينضم إليها إطلاقان:
الإطلاق الأوّل: الجاري في طرق النسبة الارسالية للجزاء والمثبت بأنَّ المعلّق هو طبيعي الحكم بأيِّ ملاكٍ كان، فلو ثبت العدل للشرط لا نرفع اليد عن النسبة التوقّفيّة أصلاً. بل نقيد هذا الاطلاق فيثبت أنَّ بعض حصص الوجوب متوقفٌ على الشرط، ومعه تكون الجملة مستعملةً بمدلولها الوضعي ولا يلزم المجاز.
أقول [المقرر]: ولعلّه يمكن إثبات الانحصار بالنسبة إلى الثالث؛ لأنه يثبت توقف طبيعي الجزاء على هاتين العلتيّن، فإذا انتفتا معاً انتفى الطبيعي لا محالة، وبهذا تمت كلا صيغتي الوجدان الثالث. انتهى.
الإطلاق الثاني: الإطلاق الأحوالي للتوقف، وأنَّه ثابت في كلِّ الأحوال، فإنَّ النسبة التوقّفيّة لا تثبت أكثر من صرف التوقّف، وأمّا ثبوته المطلق فلا يثبت إلَّا بالإطلاق، فإذا ثبت وجود العدل يكون مقيّداً لهذا الإطلاق، وإنَّ توقف الجزاء على الشرط ثابتٌ في حال عدم وجود ذلك العدل، فلا يلزم المجاز.
وعلى أيِّ حال فالمفهوم متوقف على النسبة التوقّفيّة الوضعية مع ضمّ هذين الإطلاقين.
الوجدان الرابع: أنَّ المفهوم قابل للتبعيض، وقد انقدح وجهه ممّا سبق، حيث ثبت أنَّ الجزء الأخير من استفادة المفهوم هو الاطلاق، وإذا كان كذلك فالاطلاق قابل للتقييد، فلو قيّدنا الرقبة بالمؤمنة أمكن التمسك بالإطلاق لنفي الهاشمية، وكذلك شأن الفقيه أن يقيّد ويعمل بالإطلاق.
الوجدان الخامس: أنَّ الجملة الخبرية ليس لها مفهوم، وهذا الوجدان لا يخلو من صعوبة في تنسيقه مع الوجدان الثاني، وهو وجود المفهوم للقضية الإنشائيّة؛ لأنّ أداة الشرط ذات وضع نوعي واحد، فأمّا أن تكون موضوعةً للنسبة التوقّفيّة أو للنسبة الارسالية،= تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وبذلك يتمّ الكلام في أصل مفهوم الشرط.
ويقع الكلام بعده في تنبيهات المسألة.
ــــــــــ[200]ــــــــــ
=فعلى الأوّل يكون لكلا نوعين الشرطية مفهوم، وإلَّا لا يكون لهما معاً مفهوم فكيف يمكن التفريق بينهما؟
الفرق بينهما ناتج من المباني التي أسسناها في بحث الوضع في الفرق بين الجمل التامّة والجمل الناقصة، حيث قلنا: إنَّ النسب على قسمين:
القسم الأوّل: ما يكون موطنها الأصلي هو الذهن، وهي تكون تامّة ذهناً لوجود طرفيها في الذهن، وهي النسبة الحكمية بين الموضوع والمحمول، كما في قولنا: هذا ذاك، المفيد عالم. فإنَّ ما هو موجود في الخارج شيء واحد، وإنَّما يتحلّل في الذهن إلى مفهومين بينهما نسبة تامّة.
إذا عرفنا ذلك نقول: إنَّ الجملة الخبرية نسبة تامّة فيجب أن نرجع إلى القسم الثاني، فليس مفادها النسبة الواقعيّة، بل النسبة الحكمية الذهنيّة، وتكون هي المعلّق على الشرط، فتقيّد القضية الشرطية، أي: أنّه بدون الشرط لا حكم عندي. فغايته انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، لا انتفاء النسبة الواقعيّة، وكم فرق أن نقول: (موت زيد معلّق على السم) أو نقول: (إذا شرب زيد السم فإنّه يموت) فإنّه في المثال الأوّل نسبة ناقصة خارجية تكون هي المعلّق، وفي المثال الثاني نسبة تامّة حكمية تكون هي المعلّق، وذلك بخلاف القضية الإنشائيّة فإنّها وإن كانت محتويةً على نسبةٍ تامّةٍ حكميةٍ، إلَّا أنَّه ليس ورائها واقع يكون بإزائها، فانتفاءها يكون مفهوماً بخلاف النسبة الحكمية للقضية الخبرية.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الكلام في تنبيهات المسألة
ــــــــــ[201]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
بعد الفراغ عن ثبوت المفهوم للقضية الشرطيّة يقع الكلام في أنَّ المفهوم الذي هو الانتفاء عند الانتفاء أيقتضي انتفاء وجوب الإكرام المقيّد عند انتفاء الشرط أم لا يقتضي انتفاء المقيّد؟
مقتضى المنطوق أنَّه في حال وجود الشرط يجب الإكرام المطلق القابل للانطباق على أيّ فرد من الإكرام، ولكن المنفي في طرف المفهوم أهو وجوب المطلق فلا ينافي وجوب المقيّد وهو الضيافة مثلاً، فلا يدلّ على عدم وجوب الضيافة عند عدم المجيء، أو نقول: بأنَّ المفهوم يدلّ على انتفاء وجوب أصل الإكرام عند عدم الشرط، سواء الوجوب المطلق أو المقيّد؟
وهذا الذي يقال في جانب المادّة يأتي في جانب الهيئة أيضاً، فإنَّ الوجوب المدلول للهيئة مطلق من حيث كونه في الليل أو في النهار، ومطلق من حيث تمام الأحوال، فنرى هنا أيضاً أنَّه بعد أن فرض أنَّ المنطوق هو الوجوب المطلق، فالمفهوم هل يدلّ على انتفاء المطلق فيناسب ثبوت الوجوب المقيّد، أو يدلّ على انتفاء مطلق الوجوب؟
ــــــــــ[203]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
والظاهر من المتفاهم العرفي كون المنفي مطلق الوجوب من كلتا الناحيتين المادّة والهيئة، والنكتة العرفية في ذلك: أنَّ التعليق هل هو سابق على إجراء مقدّمات الحكمة، أو إجراء مقدّمات الحكمة سابقة على التعليق. أي: أنّنا هل نعلّق المطلق أو نطلق المعلّق. فإنّنا تارةً نجري مقدّمات الحكمة في مفاد الهيئة ونثبت الإطلاق من حيث الأحوال أو في المادّة، فيتحقّق لدينا وجوباً مطلقاً ثابتاً للإكرام المطلق ثُمّ نعلّق هذا الوجوب المطلق الثابت للإكرام المطلق على الشرط، فينتفي هذا الوجوب عند انتفاء الشرط، ولا موجب لانتفاء غيره، وهذا معناه أنَّنا علّقنا المطلق.
وأخرى نعلّق الجامع بين المطلق والمقيّد فنكون قد علّقنا أصل وجوب الإكرام. وهنا جريان مقدّمات الحكمة لإثبات الإطلاق تجري في المعلّق بعد تعليقه، ففي الرتبة السابقة على التعليق يكمن أصل الوجوب الجامع بين المطلق والمقيّد. فعند انتفاء الشرط ينتفي أصل وجوب الإكرام لا الوجوب المطلق.
وهذا يرجع إلى الارتكاز العرفي، فإذا كان منصباً على تعليق المطلق فالذي ينتفي هو المطلق دون المقيّد، أو أنَّ العرف يفهم الإطلاق أولاً ثُمَّ التعليق فينتفي أصل الوجوب. والرأي هو أنَّ العرف يفهم التعليق أولاً ثُمَّ الإطلاق ثانياً، سواء في باب الإطلاق في المادّة أو الإطلاق في الهيئة.
هذا ما ينبغي أن يقال في مقام اقتناص انتفاء المطلق أو المقيّد إذا كان الإطلاق ثابتاً بمقدّمات الحكمة في الهيئة أو المادّة (1).
ــــــــــ[204]ــــــــــ
() قال في الدورة الثانية:
هل أنّ المنتفي بالشرط هو الوجود المطلق مادةً وهيئة، أو مطلق الوجود؟=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[205]ــــــــــ
=قد أوضح ذلك في الدورة الأولى، وأختار أنَّ التعليق سابق على الاطلاق، حيث قال: بأنّ هذا مطابق للفهم العرفي، فيكون المنتفي هو أصل الحكم لا إطلاقه الملائم مع ثبوت المقيّد.
أمّا في الدورة الثانية فبالإضافة إلى ما ذكره في الدورة الأولى، إلَّا أنَّه أضاف أيضاً بأنَّ هذا يمكن إثباته بالبرهان مضافاً إلى الفهم العرفي.
وحاصله: أنَّ التعليق حكم وموضوعه هو وجوب إكرام زيد. ومن هنا قد يتخيل أنَّه إذا دار أمر الموضوع بين المطلق والمقيّد يحمل على المطلق تماماً، كقوله تعإلى أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ إذا دار أمر البيع بين المطلق والمقيّد يحمل على المطلق في المرتبة السابقة على طروّ الحكم بالحلّية، فكذلك في المقام يحمل الحكم على المطلق في المرتبة السابقة على طروّ الإطلاق عليه، فيكون الإطلاق سابقاً على التقييد، ويكون من تعليق المطلق لا من إطلاق المعلّق.
إلَّا أنّ هذا غير صحيح، فإنه إنّما يصح في الموارد التي يدور الأمر فيها بين المطلق والمقيّد مع عدم إمكان الوقوف على الجامع بينهما وهو الطبيعة المهملة، كما في قوله تعالى أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ فيتعيّن الحمل على المطلق بعد استحالة الإهمال وعدم الدليل على القيد، ولكن فيما إذا كان الحمل على المطلق متعيناً، كما في المقام، وإنَّما يراد بالحكم كلا فرديه المطلق والمقيّد، وهذا الجامع لكلا فرديه يطرأ عليه التعليق ومقدّمات الحكمة في المقام لا تعين المطلق بل تعين الجامع، فينتفي هذا الجامع -بكلا حصتيه- عند انتفاء الشرط.
هذا هو البرهان الصناعي المطابق للوجدان العرفي.
وممّا ينبغي ايضاحه في المقام: أنَّ الماهية كالبيع في أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ قد يكون لها حصتان خارجيتان: هما البيع العقدي، والبيع المعاطاتي. والحكم قد يكون شاملاً لكلا الحصتين فيكون مطلقاً، أو لأحداهما فيكون مقيّداً، وهذا هو المسمى بالإطلاق اللابشرط=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[206]ــــــــــ
=القسمي ومقابله التقييد. والماهية المنقسمة إلى هذين المفهومين الذهنيين هي اللابشرط المقسمي، غير القابل للاستقلال في الوجود، وإنّما هو موجود بوجود أحد فرديه لا محاله، وحيث لا استقلال له لا يمكن أن يكون موضوعاً لحكم.
ونحو ذلك -تماماً- يقال في الاطلاقات الموجودة لمادة الاكرام في مثل: (إذا جاء زيدٌ فاكرمه).
وأمّا بالنسبة إلى الوجوب الموجود في طرف الجزاء فأيضاً له حصتان خارجيتان -بحسب ما يناسب لهما من الخارجيّة- هما: وجوب مطلق الاكرام ووجوب الاكرام الخاص. وهما خارجيتان بالرّغم من أننا استعملنا مفهوم الإطلاق والتقييد فيهما، فإنهما راجعان إلى الاكرام لا إلى الوجوب. فإذا تمّ ذلك جئنا إلى المطلق القسمي في طرف الوجوب، فإن الوجوب قد يكون شاملاً لكلتا ذينك الحصتين فيكون مطلقاً، وقد يكون مختصاً بإحداهما فيكون مقيّداً، وهذا هو الاطلاق القسمي والتقييد المقابل له.
والتعليق الشرطي إذا انصب على الوجوب المقيّد كان المعلّق هو خصوص تلك الحصّة، وتنتفي بانتفائه، وإن كان التعليق منصباً على الوجوب المطلق كان معناه سريان التعليق إلى كلا الحصتين، فينتفيان معاً بانتفاء الشرط.
وبذلك يتّضح أننا على أيّ حال بحاجة إلى إطلاق سابق على التعليق. وأمّا الذي قلناه: من إمكان تقدّم الإطلاق على التعليق وتأخره عنه فهو إطلاق الاكرام، فإن التعليق إن طرأ على وجوب مطلق الإكرام كان على خلاف مقصودنا. وإن طرأ التعليق على مطلق وجوب الاكرام، سواء كان وجوباً للإكرام المطلق أو الاكرام المقيّد، فهو على وفق المقصود.
فإن قيل: فما هو الضابط في كون مقدّمات الحكمة تجري في الاكرام أو في الوجوب؟
قلنا: إنَّ جريانها في الاكرام تقييد للحكم لبّاً؛ لأنّه حصر له في إحدى حصتيه، بينما لو= تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[207]ــــــــــ
=أهملنا الاكرام وأجرينا المقدّمات في طرف الحكم فيثبت تعليق مطلق وجوب الاكرام، فقد انتجت مقدّمات الحكمة أوسع مدى للحكم، وهي لابّد أن تنتج ذلك دائماً.
هذا وينبغي الإشارة إلى أنّه في دفع بعض الشبهات عمّا قلناه طريق لتعميقه وتوضيحه: فإنه قد يقال: المعروف على الألسن أنَّ المفهوم ينفي نفس الشيء الثابت في المنطوق، وهو معنى كون المفهوم نقيضاً للمنطوق، فإذا كان المنطوق وجوباً متعلّقاً بمطلق الاكرام كان المنفي بالمفهوم وجوب مطلق الاكرام، أمّا وجوب الاكرام المقيّد فلم يكن ثابتاً في المنطوق لينفى في المفهوم.
وجوابه: أنَّ هذا المعروف صحيحٌ بمعنى أنَّ مفهوماً واحداً في الجزاء يحكم بوجوده عند وجود الشرط وبعدمه عند عدمه، ولكن مفهوم طبيعي وجوب الاكرام له حصتان:
وجوب مطلق الاكرام ووجوب الاكرام الخاص، ومقتضى الاطلاق كون المعلّق هو الجامع بين الحصتين، فهذا الجامع هو الذي ينتفي بانتفاء الشرط ويوجد بوجوده، ولكنه لا ينتفي إلَّا بانتفاء كلتا حصتيه؛ لأنَّ الطبيعة لا تنتفي إلَّا بانتفاء جميع أفرادها. وأمّا عند وجوده فيكفي فيه وجود إحدى الحصتين. ومن هنا يصح القول: بأنَّ المفهوم يقتضي انتفاء وجوب مطلق. وأمّا المنطوق فيكفي لاثباته وجود الوجوب في ضمن إحدى الحصتين.
وقد اختلف المنطوق والمفهوم من ناحية طبيعة الإثبات والنفي مع وحدة المفهوم الذي أصبح متعلّقاً بهما.
أمّا تعيين الحصّة التي يدلّ عليها المنطوق من هاتين الحصتين فيكون بإجراء مقدّمات الحكمة في طول التعليق؛ لأنَّ المتكلّم الذي يكون في مقام إفادة التعليق ينظر إلى طرفي الإثبات والنفي معاً، والمفروض عدم وجود القرينة على تقييد الحكم المعلّق، فيثبت إطلاق الحكم المعلّق.=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[208]ــــــــــ
=ولو جرت هذه المقدّمات في المرتبة السابقة على التعليق لكان معناه أنَّ المعلّق هو وجوب مطلق الاكرام فيضر بالمقصود، بل يبقى الحكم مهملاً في المرتبة السابقة على التعليق وتجري فيه مقدّمات الإطلاق بعده.
فإن قيل: فلماذا الانتظار باجراء مقدّمات الحكمة إلى ما بعد التعليق، أليس الأفضل اجراؤها قبله؟
قلنا: إنَّ جريانها قبل التعليق تضييق في دائرة التعليق؛ لأنّ مرجعه أنَّ المعلّق ليس هو الطبيعي على اطلاقه بل ضمن إحدى الحصتين، وجعل التعليق على الحصّة خلف مقدّمات الحكمة التي تجري لاثبات كون المعلّق طبيعي الوجوب بتمام حصصه، بل يستحيل إجراء مقدّمات الحكمة لاثبات إطلاق الاكرام في المرتبة السابقة على التعليق، إلَّا على تقدير ينهدم فيه المفهوم؛ وذلك لأنَّ وجود المفهوم يتوقّف ـ كما قلنا ـ على أنَّ المعلّق هو مطلق الحكم لا شخص الحكم ونثبت ذلك بمقدّمات الحكمة. وقلنا: إنَّ ذلك يتوقّف على شروطٍ ثلاثة، مرجع الثاني والثالث منها إلى أن لا يكون المدلول التصديقي بإزاء جملة الجزاء، بل بإزاء الجملة الشرطية نفسها، أي: بإزاء النسبة التوقّفيّة، لا بإزاء النسبة الارسالية في طرف الجزاء، وهذا معناه أنَّ المعلّق ليس حكماً حقيقياً بالحمل الشايع، بل مفهوم الوجوب بنحو المعنى الحرفي، يعني: المدلول التصوّري له دون التصديقي.
وما دام مفاد جملة الجزاء هو المفهوم لا الجعل الحقيقي فلا يُعقل إجراء مقدّمات الحكمة لاثبات أنّه أريد بوجوب الاكرام مطلق الوجوب؛ لأنّها تجري لاثبات المطابقة بين مقام الإثبات ومقام الثبوت، أي: بين المدلول الاستعمالي وهو المفهوم والمدلول التصديقي وهو الحكم الحقيقي الحي.
والمفروض هنا أنّنا سلخنا الجزاء عن المدلول التصديقي وبقي مدلولاً تصوّرياً محضاً، فلا=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[209]ــــــــــ
=معنى لجريان المقدّمات في الاكرام الذي ليس له حكم ناجز حقيقي قبل التعليق.
إلَّا أنَّ نغير المبنى ونقول: إنَّ المدلول التصديقي بإزاء جملة الجزاء، وحينئذٍ لا مفهوم كما عرفنا. وبهذا نعرف التلازم بين تماميّة الركن الثاني للمفهوم وصحة هذا المدّعى.
وفي طول التعليق نحصل في حالة وجود الشرط على حكم ناجز، لكنّه مهمل يمكن إجراء مقدّمات الحكمة فيه.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
في قولنا: (إذا وجد عالم فأكرمه) أو (إذا رزقت ولداً فاختنه) جنبتان، إحدى الجنبتين تشابه القضايا الشرطيّة؛ لأنَّ الجزاء فيها رُبط ربطاً شرطياً. والجنبة الأخرى تشابه قضايا الوصف واللقب؛ لأنَّ الشرط في الواقع موضوعٌ للجزاء.
وبعبارة أُخرى: أنَّ الجزاء -وهو الإكرام- رُبط بوجود العالم ربطاً شرطياً، ومن هنا قد يُدّعى أنَّ لها مفهوماً، فتدلّ القضية على عدم وجوب إكرام من يوجد من غير العلماء، وأخرى تشبه قضايا الوصف واللقب؛ لأنَّ الشرط
-الذي ربط به الجزاء- هو موضوع للجزاء في الحقيقة وليس أمراً زائداً على الموضوع أتى إليه من الخارج وكان قيداً لثبوت الجزاء للموضوع. ومن هنا يُدّعى أنّها ليس لها مفهوم.
قبل تحقيق المقام لا بُدَّ من التنبيه على كلمة سبقت مراراً، وهي أنَّ اقتناص المفهوم بلحاظ أيّ خصوصيّة يتوقّف على أن يكون المعلّق هو الطبيعي المطلق القابل للانطباق على فرض وجود الخصوصيّة وفرض عدمها.
فالمعلّق في قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه). إن كان هو طبيعي وجوب
ــــــــــ[210]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الإكرام القابل للانطباق على فرض المجيء وعدم المجيء، فبالمفهوم نثبت أنَّه إذا لم يوجد الشرط فهذا الطبيعي لا يوجد. وأمّا إذا فرضنا أنَّ المعلّق ليس هو الطبيعي القابل للانطباق على فرض وجود الشرط وعدمه، بل هو طبيعي الوجوب المتخصّص بخصوصيّة، بحيث لا يمكنه الانطباق والوجود حال عدم المجيء، فلا يثبت المفهوم؛ لأنَّ غاية ما يدلّ عليه أنَّ هذه الحصّة تنتفي. أمّا أنَّه لا يوجد وجوب آخر حال فقد الشرط فهذا غير معلوم.
إذن، فنفي الوجوب بالمفهوم عند عدم الشرط متوقف على أنْ يكون المعلّق طبيعياً قابلاً للانطباق عند وجود الخصوصيّة وعدمها، فيدلّ حينئذٍ على انتفاء الطبيعي على الإطلاق عند انتفاء الشرط. وأمّا إذا فرضنا أنَّ المعلّق ملازم لثبوت الشرط ولا يوجد عند عدمه فلا يثبت المفهوم.
من هذا يتلخّص: أنَّ اقتناص المفهوم بلحاظ أيّ خصوصيّة، أي: بلحاظ الشرط أو اللقب أو الوصف موقوف على أنْ يكون المعلّق طبيعياً قابلاً للانطباق على حال وجود الخصوصيّة وعدمها، وأمّا إذا فرض أنَّ المعلّق كان حصّةً ملازمة للخصوصيّة ولا يعقل انطباقها عند فقدها، فلا يثبت المفهوم؛ لأنَّ غاية ما تدلّ عليه القضية حينئذٍ هو أنَّه بانتفاء الشرط تنتفي هذه الحصّة فقط، أمّا عدم ثبوت حصّة أخرى فلا يكون ثابتاً.
هذا هو الأصل الموضوعي للبحث.
أمّا مسألة القضايا الشرطيّة التي يكون فيها الشرط مسوقاً لبيان الموضوع، فهل لها مفهوم أم لا؟
ــــــــــ[211]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ذهب المحقّق العراقي في مقالاته(1): إلى أنَّ في مثل هذه القضايا سيتعارض ظهوران: ظهور للقضية الشرطيّة في أنَّ طبع الخصوصيّة فيها أنَّها مأخوذة بما هي شرط لا بما هي موضوع، نحو: (إذا وجد العالم فأكرمه)، فوجود العالم له ظهور بما هو موضوع وله ظهور آخر بما أنَّه شرط. وهذان الظهوران يتنافيان.
توضيح ذلك: أنَّ الخصوصيّة المأخوذة شرطاً في القضية الشرطيّة ظاهرها كون المعلّق مجرّداً عنها ومطلقاً من ناحيتها قابلاً للانطباق على حال وجودها وحال عدمها. فالظاهر من نحو: (إذا جاء زيد فأكرمه) أنّ وجوب الإكرام أخذ مطلقاً من حيث المجيء وعدمه، ومن حيث ملزوم المجيء وعدمه. فمفاد الجزاء هو طبيعي الوجوب القابل للانطباق على المجيء وعلى عدم المجيء. ويسمّيه بـ (التجريد) وهو عبارة عن الإطلاق وعن قابلية الانطباق على حال وجود الخصوصيّة وعدمها. فالمناسب عرفاً هو كون مفاد الجزاء قابلاً للانطباق، وببركة هذا الظهور- الظهور بالتجريد وقابلية الانطباق- يثبت المفهوم؛ لأنَّ المعلّق حينئذٍ هو طبيعي الوجوب على إطلاقه، فإذا انتفى الشرط ينتفي الطبيعي على إطلاقه.
فالشرط بطبيعته يناسب مع تجريد الجزاء وقابليته للانطباق حال وجود الشرط وعدمه.
وأمّا الموضوع في القضايا الحمليّة نحو: (أكرم العالم) فيكون بحسب
ــــــــــ[212]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأُصول 1: 398-401.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
طبيعته موجباً للإهمال، من ناحية انطباق الوجوب على الموضوع، فيوجب عدم تماميّة الإطلاق في مفاد الجزاء، ويكون مهملاً لا مقيّداً ولا مطلقاً بحسب مقام الإثبات. أمّا أنّه ليس بمقيّد؛ لأنّه لا قرينة على التقييد. وأمّا أنّه ليس بمطلق؛ فلأنّ كونه موضوعاً يوجب عدم تماميّة مقدّمات الحكمة وعدم جريان الإطلاق.
فهناك اقتضاء للموضوع، وهو صيرورته مهملاً. والمهمل بمنزلة المقيّد، فلا يكون له مفهوم؛ لأنَّ المعلّق ليس هو الطبيعي القابل للانطباق على حال وجود الشرط وعدمه، بل هو المهمل، والمهمل في قوة المقيّد، فغاية ما تدلّ عليه القضية هو انتفاء المعلّق المهمل، وذلك لا يثبت انتفاء صفة أخرى.
فالمحقّق العراقي يرى بأنَّ الخصوصيّة عندما تُجعل شرطاً فمقتضى طبعها هو أنَّ مفاد الجزاء مطلق من ناحيتها فيثبت المفهوم، وعندما تكون موضوعاً فمقتضى طبعها الإهمال في مفاد الجزاء فلا يثبت المفهوم. فلو اجتمعت الخصوصيّتان في شيء واحد، فكان شيء واحد شرطاً وموضوعاً فمن حيث كونه شرط يقتضي بطبعه إطلاق الجزاء وثبوت المفهوم، ومن حيث كونه موضوعاً يناسب إهمال الجزاء الذي هو في قوة تقييده، ومن ثَمَّ فلا يثبت المفهوم.
ثُمَّ قال(1): وإلى هذين الوجهين على سبيل التوزيع أشار الشيخ الأعظم(2)، وصاحب الكفاية(3) في آية النبأ، حيث إنَّ الشرط فيها مسوق لبيان الموضوع،
ــــــــــ[213]ــــــــــ
(1) مقالات الأُصول: 401.
(2) انظر: فرائد الأصول 1: 257، 258.
(3) انظر: كفاية الأصول: 296.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فأحد هذين العلمين نظر إلى طبع الخصوصيّة من حيث إنَّها موضوع فقال: بعدم المفهوم. ونظر الآخر إليها من حيث إنّها شرط فقال: بأنَّ لها مفهوم.
هذا حاصل ما أفاده المحقّق العراقي.
وهذا الكلام الذي أفاده المحقّق العراقي، أصله الموضوعي صحيح من حيث إنَّه حينما يراد إثبات المفهوم بلحاظ خصوصيّة فلا بُدَّ أن يثبت أنَّ المعلّق مطلق من ناحيتها، وأمّا إذا فرض أنَّ المعلّق هو الحصّة التوأم معها فيثبت انتفاء تلك الحصّة دون غيرها. وهذا صحيح، ولكن الكلام فيما استفاده المحقّق العراقي في المقام.
والتحقيق: أنَّ المقام ليس من قبيل تعارض المقتضيين في مقام الإثبات ليكون من باب التعارض بين الدلالتين فيقع الكلام بأنَّ أيّ الدلالتين أقوى، التجريد أو الإهمال؟ بل في المقام يستحيل ثبوت المفهوم بنفس البرهان الذي يقام في موارد اللقب والوصف على عدم ثبوت المفهوم. نفس ذلك البرهان يجري هنا من دون أن يكون انتفاء المفهوم بحسب الإثبات من باب تعارض المقتضيين، بل يستحيل إثبات المقتضى لإثبات المفهوم في المقام. وهذا هو الفرق بيننا وبين المحقّق العراقي.
نحن نقول: إنَّ اقتضاء المفهوم غير موجود: وتوضيح ذلك: هو أنَّه في قولنا: (أكرم العالم) أولاً نتكلّم في اللقب والوصف -وإن كان لهذا الكلام مقام آخر- لنرى أنَّه في نحو: (أكرم العالم) لماذا لا يوجد مفهوم؟ ثُمَّ نذكر كيف أنَّ هذا البرهان نفسه يسري إلى المقام، من دون أنْ يكون لهذا الكلام مقابل.
وفي قولنا: (أكرِم العالم لا محالة) لا بُدَّ وأنْ نتصوّر نسبتين، نسبة تامّة
ــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ونسبة ناقصة. النسبة التامّة هي مدلول (أكرِم)، فإنَّ (أكرِم) فعل، ومدلول الفعل نسبة تامّة، وهي في المقام النسبة الطلبية القائمة بين المادّة (الإكرام) والمخاطب، فإنَّنا قلنا كما قال المشهور(1): بأنَّ صيغة الأمر موضوعة للنسبة الطلبية المتقوّمة بطرفين هما المادّة والمخاطب.
وهنا توجد نسبة أخرى، وهي هيئة إضافة (الإكرام) إلى (العالم). وهي نسبة ناقصة لا يصحّ السكوت عليها، كما هو الحال في جميع هيئات الإضافة.
فهذه نسبة ناقصة وتلك نسبة تامّة، ومتى اجتمعتا فلا يعقل أن تكون النسبة الناقصة في عرض النسبة التامّة؛ إذ لو كانت في عرضها لبقيت النسبة الناقصة ناقصة إلى الابدّ، ولأحسَسنا أنَّ جزءاً من هذا الكلام لا يزال مفاده ناقصاً إلى الآن، مع أنَّنا لا نحس في الكلام أيّ نقصان.
والوجه في ذلك: هو أنَّ النسبة الناقصة لا تكون في عرض النسبة التامّة، بل تكون مأخوذةً في أحد طرفي النسبة التامّة، بحيث تشكل أحد طرفيها فتندك في ذلك الطرف، فلا تبقى إلَّا النسبة التامّة، وهي نسبة يصح السكوت عليها.
وهذا قانون عام في جميع موارد اجتماع النسبة التامّة مع النسبة الناقصة. وهما لا يكونان في عرض واحد، وإلَّا لبقيت النسبة ناقصة، بل تؤخذ النسبة الناقصة في طرف التامّة.
وقد بيّنا (2) أنَّ النسبة التامّة والناقصة تختلفان اختلافاً جوهرياً، وأنَّ وظيفة
ــــــــــ[215]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 69، نهاية الأفكار 1: 177، 178.
(2) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 3: 405.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
النسبة الناقصة هو إرجاع الشيئين إلى شيء واحد، وتصييّر المفهومين المستقلّين مفهوماً إفرادياً واحداً، ومن هنا جاء نقصانها.
إذن، عند اجتماعهما يكون هذا المفهوم الإفرادي -الذي استفدناه من النسبة الناقصة- أحد طرفي النسبة التامّة، وتبدو الناقصة كطرف للتامة، لا أنَّها نسبة في عرض التامّة، وحينئذٍ فلا يبقى إلَّا النسبة التامّة، وهي نسبة يصح السكوت عليها. ففي: (أكرِم العالم) نسبة تامّة هي مدلولة لـ(أكرِم)، ونسبة ناقصة مدلولة لهيئة إضافة المادّة إلى العالم (أكرِم العالم) وهي ليست في عرض النسبة التامّة، بمعنى: أنَّ التامّة موجودة بين طبيعي الإكرام وبين الفاعل، والناقصة موجودة بين طبيعي الإكرام والعالم، بل أنَّ النسبة الناقصة هي طرف للنسبة التامّة. فهي تجعل إكرام العالم شيئاً واحداً، وهذا يقع طرفاً للنسبة التامّة. ففي المقام لا يبقى إلَّا النسبة الطلبية التامّة التي أحد طرفيها أنت، وطرفها الثاني النسبة الناقصة المستترة التي صيّرت من الشيئين شيئاً واحداً.
وفي القضية الشرطيّة التي يكون الشرط فيها مسوقاً لبيان الموضوع نحو: (إذا وجد العالِم فأكرِمه). فإنَّ (أكرِم) نسبة تامّة قائمة بين المادّة والفاعل، والمادّة مضافة ببركة الضمير إلى (العالِم). والنسبة الناقصة لا بُدَّ وأنْ تقع طرفاً للنسبة التامّة، بمعنى: أنَّ النسبة التامّة الطلبية (في أكرِم) أحد طرفيها هو (أنتَ) وطرفها الثاني هو (إكرام العالِم). فالمعلّق هو النسبة الطلبية ذات الطرفين بهذا النحو، فيدلّ التعليق أنَّه إذا لم يوجد الشرط لم توجد هذه النسبة. ولا يدلّ انتفائه على انتفاء النسبة الطلبية الأخرى.
ــــــــــ[216]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ولا يعقل أن تكون مطلقةً من حيث وجود العالم وعدمه؛ لأنَّنا بعد أن بيّنا أنَّ إكرام العالم صار طرفاً للنسبة التامّة، فالنسبة متقوّمة بأطرافها ويستحيل إطلاقها من حيث طرفيها. وذلك بخلاف قولنا: (إذا جاء زيد فأكرِمه) فإنَّ النسبة الطلبية هناك متقوّمة بطرفين: هما الفاعل وإكرام زيد. وهذه النسبة يعقل انحفاظها مع فرض عدم المجيء، فيمكن اقتناص المفهوم.
وبهذا يتبرهن على أنَّ إطلاق النسبة الطلبية المسوقة لبيان الموضوع مستحيل، وأنَّ تقييدها ضروري. وكم فرق بين هذا وبين المحقّق العراقي حيث قال: بأنَّ الإطلاق خلاف المتفاهم العرفي(1).
ــــــــــ[217]ــــــــــ
() ذكر السيّد في الدورة الثانية نفس التقريب في الدورة الأولى، مع الاختلاف في اصطلاح الدورتين حيث أصبح يسمّي النسبة الناقصة في طرف الجزاء بالنسبة الارسالية والنسبة التامّة في الشرطية بالنسبة التوقّفيّة، غاية الفرق أنَّه في الدورة الأولى كرَّس أغلب البحث للتطبيق على القضية الوصفية باعتبارها شبيهة للشرطية في ذلك. وأمّا في الدورة الثانية فكرَّس الحديث عن الشرطية بعد ذكر الكبرى، وهي استحالة كون النسبة الناقصة في عرض التامّة، بل لابدَّ أن تكون طرفاً لها لتتم، أي: ليصح السكوت عليها، وإلَّا بقيت ناقصة إلى الأبد. (المُقرِّر).
وذكر في الدورة الثانية بخصوص المقام: أنَّ الشرط إذا كان ملازماً مع وجود الموضوع وعدمه مع عدمه، فإنَّ أُريد بالتقييد بالشرط انتفاء مصبّه عند انتفائه، فهذا ضروري حتّى في القضايا الوصفية المحضة كقولنا: (اختن ولدك) فإنَّ انتفاء الختان بانتفاء الولد ضروري فلم تعطنا أداة الشرط دلالة ثابتة لولاها، وإن أُريد بالمفهوم نفي مصب أوسع من مصب القضية كأنه قال: إذا لم ترزق ولداً فلا يجب ختان ولدك أصلاً، فهو ممّا يدلّ عليه الكلام؛ لأنَّ التقييد بالشرط يقتضي انتفاء مصبه مع انتفائه لا أكثر.
نعم، لو كان التقييدان عرضيين فلا بأس باستفادة المفهوم، بأن يكون المقيّد بالشرط هو وجوب الختان المطلق الثابت في المرتبة السابقة عن التقييد بالموضوع، فيكون المعنى إذا لم ترزق ولداً لا يجب ختان أصلاً، فيكون له مفهوم، إلَّا أنّنا برهنا على استحالته.
ثُمَّ قال: أنَّ هناك حالة وسط بين الحالتين وهما: الشرط القابل للانفكاك عن الموضوع، والشرط المسوق لبيان الموضوع، وتلك الحالة هي أن يكون الشرط مسوقاً لتحقّق الموضوع ولكن ليس مساوقاً معه وجوداً وعدماً، بل هناك علّة بديلة يمكن صدور الموضوع عنها. ومثاله الرئيسي هو الآية الكريمة: {إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا}، بناءً على أنَّ الموضوع هو النبأ والشرط هو مجيء الفاسق به، والحكم هو وجوب التبيّن، فيكون محصل المراد إذا جاء الفاسق بنبأ فيجب التبيّن. ومن الواضح أنَّ مجيء الفاسق بالنبأ مسوق لبيان الموضوع، وهو النبأ، ولكن ليس علّته الوحيدة، لإمكان أن يجيء العادل بالنبأ أيضاً.
وفي مثل ذلك يثبت المفهوم؛ لأنَّ الميزان ليس كون الشرط مسوقاً لتحقّق الموضوع، لكي ينفى في المقام، فإنَّ ذلك ممّا لم تدلّ عليه آية أو رواية أو برهان، وإنَّما الميزان هو كون انتفاء الشرط عند انتفاء الموضوع قهرياً ضرورياً، فلا تكون الشرطية دالّةً على أمرٍ زائد على ما هو طبع القضية تكويناً، وفي المقام ليس كذلك؛ إذ مع عدم مجيء الفاسق بالنبأ يمكن فرض تحقّق النبأ بمجيء غيره به، ومعه يكون ملاك عدم المفهوم منتفياً، فيثبت المفهوم بنفس الملاك الذي يثبت به في القضايا الشرطية عموماً. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إذن، فالمعلّق هو نسبة غير قابلة للإطلاق مع وجود الخصوصيّة وعدمها، فلا يثبت المفهوم.
وقلنا: إنَّه يستحيل أن تكون النسبة الطلبية في المقام مطلقة من حيث فقد
ــــــــــ[218]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الخصوصيّة لتقتضي المفهوم؛ لأنَّ أحد طرفي النسبة هو الإكرام بما هو إكرام للعالم لا ذات الإكرام، والنسبة تتقوَّم بطرفيها فيستحيل أن تكون مطلقةً من حيث وجود العالم وعدم وجود العالم.
فمراحل الاستدلال هي كما يلي:
1- النسبة الطلبية مقوّمة بطرفيها، واحد طرفيها هو إكرام العالم بما هو إكرام العالم، فيستحيل أن تكون مطلقةً منه.
2- لماذا لا يكون طرفها ذات الإكرام لا إكرام العالم؟ الدليل عليه إذا اجتمعت النسبة التامّة والناقصة تكون النسبة الناقصة مأخوذةً طرفاً للنسبة التامّة، ومعناه أنَّ إكرام العالم وقع طرفاً للنسبة التامّة.
3- إذا كان المعلّق نسبة طلبية أحد طرفيها إكرام العالم فيستحيل الإطلاق فيها من حيث وجود العالم وعدمه، فيستحيل أخذ المفهوم منها.
ــــــــــ[219]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
نحو: (إذا خفي الأذان فقصر) و(إذا خفيت الجدران فقصر). في هاتين القضيتين إذا لم نقل بالمفهوم رأساً لأي منهما فلا يبقى إشكال نبحث عنه. فإمّا أن ننكر مفهوم الشرط وإمّا أن تكون القضية مبنية لا بنحو الشرطيّة بل بعنوان آخر كالوصف واللقب، نحو: (الذي خفي عليه الأذان فليقصر) و (الذي خفي عليه الجدران فليقصر) فلا يبقى تعارض بينهما، بل نقول: إنَّه بحسب القاعدة وجوب التقصير مترتّب على كلِّ من هذين الشرطين.
وإنَّما نشأت المعارضة من القول بوجود المفهوم، ومن دلالة القضية الشرطيّة على المفهوم، إمّا في كليهما وإمّا في أحدهما فقط. فإذا دلّت كلتاهما على المفهوم فمنطوق كلّ منهما يعارض مفهوم الأخرى، حيث تدلّ الأولى على وجوب التقصير بخفاء الأذان، سواء خفت الجدران أو لم تخف، وإذا لم يخف الأذان فلا وجوب للتقصير. وتدلّ الثانية بمفهومها على وجوب التقصير بخفاء الجدران سواء خفي الأذان أو لا، وإذا لم تخف الجدران فلا وجوب للتقصير، فيعارض النفي المستفاد من المفهوم في إحديهما مع الثبوت المستفاد من الأخرى.
وأمّا إذا كان المفهوم في أحديهما فقط كأن تبيّن أحدهما بنحو القضية
ــــــــــ[220]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الشرطيّة والأخرى بنحو القضية الوصفية أو اللقبية، نحو: (إذا خفى الأذان فقصر) و(الذي تخفى عليه الجدران يقصر). فالثانية ليس لها مفهوم؛ لأنَّها بيَّنت بنحو اللقب أو الوصف، فيثبت معارضة واحدة بين مفهوم الشرطيّة ومنطوق الوصفية، ولا يكون لمنطوق الشرطيّة معارض؛ لأنَّ الوصفية لا مفهوم لها.
فموضوع الكلام في حل المعارضة بين قضيتين شرطيتين تعدِّد شرطاهما واتحد جزاءاهما، على القول بالمفهوم، إمّا في كلا القضيتين وإمّا في واحدة منهما فقط.
وقد ذكر صاحب الكفاية (1): أنَّ تصوير الجمع بين القضيتين يكون بأحد وجوه:
الأوّل: إمّا بإلغاء المفهوم في كلِّ منهما، فنحن نتحفظ على المنطوق وهو الثبوت عند الثبوت ونرفع اليد عن الانتفاء عند الانتفاء، فلا تبقى معارضة بينهما؛ لأنَّ المعارضة ناشئة عن الالتزام بالمفهوم.
ثانياً: وإمّا أن نلتزم بتقييد المفهوم، بحيث يكون لكلِّ منهما مفهوم بلحاظ الثالث، لكن ليس لهما مفهوم بلحاظ صاحبه. فهنا يدلّ (إذا خفي الأذان فقصر) على انتفاء وجوب التقصير عند انتفاء خفاء الأذان سواء خفيت الجدران أو لا. فنرفع اليد عن إطلاق خفاء الجدران، ويبقى الإطلاق على حاله بالنسبة إلى القضايا الأخرى. إذن، فنحن نرفع اليد عن إطلاق المفهوم لا عن نفس المفهوم.
الثالث: وإمّا أن نرفع اليد عن إطلاق المنطوق، فنعتبر أنَّ كلّ من الخفائين
ــــــــــ[221]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 202،201.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
جزء الشرط، فما هو الشرط في الحقيقة هو مجموع الأمرين. وحينئذٍ لا تبقى معارضة بين القضيتين. فنحن نتحفظ على المفهوم، ونقول: بأنَّه إذا انتفى الأذان لا يجب التقصير؛ لانتفاء جزء العلّة. فنتحفظ على المفهوم من دون رفع اليد عن أصل ثبوته، ولا رفع اليد عن إطلاقه، بل رفع اليد عن إطلاق المنطوق.
الرابع: أن نلتزم أنَّ كلَّ من الشرطين علّةٌ تامّةٌ، لا أنَّهما جزء شرط، لكن لا بعنوانه، بل بالعنوان الجامع المشترك بينهما لا بعنوانهما الخاص.
ثُمَّ شرَع صاحب الكفاية بعد ذكر هذه الوجوه الأربعة بتمحيصها، كما سوف نشير إليه.
وقبل الدخول في تمحيص الوجوه لا بُدَّ من التنبيه على أنَّ الوجوه الأربعة ترجع إلى وجهين؛ وذلك لأنَّ الوجه الأوّل وهو رفع اليد رأساً عن المفهوم فيرجع إلى الوجه الثاني وهو رفع اليد عن إطلاق المفهوم، فهو ليس وجهاً في قبال الوجه الثاني.
والوجه في ذلك: هو أنَّ المعارضة والإشكال ينحلُّ برفع اليد عن الإطلاق؛ لأنَّ الإشكال إنّما نشأ من إطلاق المفهوم لا من أصل المفهوم، أي نشأ الإشكال من دعوى: أنّه يدلّ بمفهومه على أنَّه إذا لم يخف الأذان لا يجب التقصير، سواء خفيت الجدران أو لم تخف. فالإطلاق هو المنشأ للمعارضة؛ لأنَّه إذا لم يكن الإطلاق فلا معارضة، فحلّ المعارضة يكون برفع اليد عن إطلاق المفهوم.
ــــــــــ[222]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إلَّا أنَّ الكلام في أنّه هل يعقل رفع اليد عن إطلاق المفهوم منفرداً، أو أنَّ رفع اليد عن إطلاقه لا يكون إلَّا برفع اليد عن نفس المفهوم من رأس؟ هذا بحث، لكن ليس معناه أنَّ رفع اليد عن أصل المفهوم هو الحل، بل الحل هو برفع اليد عن إطلاقه، غاية الأمر أنَّه يمكن أنْ يلزم منه رفع اليد عن المفهوم نفسه. إذن، فالحل يرجع إلى شيء واحد وهو رفع اليد عن الإطلاق، وهو ثابت في الوجهين، لكن يقال: إنه هل يلزم من رفع اليد عن الإطلاق إلغاء المفهوم أو لا؟ فإذا ثبت ذلك لا يكون إلغاء المفهوم حلاً للإشكال، بل هو أمر يتوقّف عليه.
أمّا في الوجه الثالث فنحن نقيّد المنطوق لا المفهوم، فالمفهوم يبقى على حاله، وإنَّما نرفع اليد عن إطلاق المنطوق، أي: نعتبر أنَّ خفاء الأذان جزء العلّة، فنرفع اليد عن الثبوت عند الثبوت مطلقاً، ونقول: إنَّه إنَّما يجب التقصير إذا انضمَّ إلى خفاء الأذان خفاء الجدران أيضاً. وهذا وجه مستقل في الجواب على المسألة في قبال الجواب السابق.
وأمّا الرابع وهو الالتزام بكون الشرط بعنوانه ليس شرطاً بل هو شرط بالجامع المنطبق عليه، فهذا الوجه يرجع إلى رفع اليد عن الإطلاق؛ لأنّنا إذا قلنا: إنَّ الجزاء لم يعلق على الأذان بل على الجامع، فالمفهوم ينشأ بلحاظ الجامع لا بلحاظ الأذان، أي: أنَّ الجزاء ينتفي عند انتفاء الجامع لا عند انتفاء الشرط المصرح به في القضية. فكل منهما فرد العلّة لا جزء العلّة بخلاف الوجه الثالث، فهذا مرجعه إلى تقييد إطلاق المفهوم، غاية الأمر أنَّه بيان لكيفيّة التحفّظ على
ــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أصل المفهوم مع رفع اليد عن إطلاق المنطوق. فليس هذا الوجه حلاً في قبال تلك الحلول.
فالوجه الرابع بيان لرفع اليد عن إطلاق المنطوق مع التحفظ على أصل المفهوم، والوجه الأوّل بيان لرفع اليد عن إطلاق المفهوم مع التحفّظ على المنطوق. إذن، فكلّ منهما راجع إلى أحد الوجهين الآخرين، وليسا وجهين مستقلَّين.
وحينئذٍ فلا يبقى عندنا إلَّا الوجه الثاني والوجه الثالث، فإمّا أن نرفع اليد عن إطلاق المفهوم، وإمّا أن نرفع اليد عن إطلاق المنطوق؛ ولذا اشتهر بعد الآخوند عنونة المسألة بهذا العنوان.
ومن هنا تبين أنَّ ظاهر كلام المحقّق الخراساني -المقتضي لكون الوجه الرابع وجهاً في عرض الوجوه الثلاثة- لا يمكن المساعدة عليه. كما أنَّ آخر كلامه المناقض بظاهره لأوّل كلامه لا يمكن المساعدة عليه أيضاً. فإنَّه ذكر أنَّ الوجه الرابع لا محيص عن الالتزام به، وهو أنَّ الشرط هو الجامع لاستحالة صدور الواحد من الكثير بما هو كثير، فيكون الشرط معلّقاً على كلِّ منهما بلحاظ الجامع لا بلحاظ عنوان كلّ شرطٍ على حدةٍ. إذن، فلا بُدَّ من الالتزام بالوجه الرابع، وهذه العبارة التي أريد الفات النظر إليها، بعد الالتزام برفع اليد عن المفهوم.
ظاهر هذه العبارة يناقض ما قاله أولاً؛ لأنَّ ظاهرها أنَّ الوجه الرابع ليس وجهاً لرفع الإشكال فكأنه يحتاج إلى تتميم، بخلاف كلامه في الأول حيث جعل الوجوه الأربعة في عرض واحد. أمّا هنا فإنَّه لم يكتف به، بل قال: إنَّه إنّما
ــــــــــ[224]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
يرد بعد رفع اليد عن المفهوم، فهو يقول: إنَّه ليس وجهاً في قبال تلك الوجوه. أمّا نحن فقد قلنا: إنَّه يرجع إلى الوجه الثالث، وهو يقول: إنَّه لا بُدَّ من الالتزام به ولكنّه يحتاج إلى تتمّة. وهذا هو الفرق بيننا وبينه.
ولنا أن نسأل أنَّه لماذا قال: لا بُدَّ من الالتزام بأنّ الجامع شرط لاستحالة صدور الواحد بما هو واحد من الكثير بما هو كثير، بعد الالتزام بانكار المفهوم؟ والنكتة الفنية في ذلك لا تخلو من أحد أمرين -كما أشار إليها المحقّق الأصفهاني في حاشيته-(1): أنَّ يكون مقصوده من قوله: (إنَّه لا بُدَّ من الالتزام) بأنَّ الشرط هو الجامع بعد رفع اليد عن المفهوم، أنَّ هذه البعدية المراد بها المعيّة، أي: مع الالتزام برفع اليد عن المفهوم. أو أنَّ مقصوده هو التأخّر الرتبي، أي: لا مجال للثاني إلَّا مع إنكار الأوّل.
فإن أراد مجرّد المعيّة، أي: لا بُدَّ من الالتزام بهذين الأمرين معاً لحل الإشكال، فوجهه ما يلي: يوجد -في نظر الآخوند- محذوران عقليان:
أحدهما: بلحاظ المنطوقين، والآخر: بلحاظ المفهومين.
أمَّا الأول: فهو استحالة صدور الواحد من الكثير بما هو كثير، فالمنطوقان بما هما منطوقان مع غضّ النظر عن مفهوميهما يحتويان على هذا المحذور العقلي. هذا المحذور يحل بالالتزام بأنَّ العلّة في الحقيقة هو الجامع لا هذا بخصوصه.
وأمّا الآخر: هو أنَّ مفهوم كلّ منهما ينافي منطوق الآخر. وهذا المحذور يحل برفع اليد عن المفهوم، مثلاً.
ــــــــــ[225]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 614.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وإنْ أراد من البعدية معنى التأخّر الرتّبي، من حيث إنَّ الالتزام بكون الجامع شرطاً لا هذا بخصوصه ولا ذاك بخصوصه، فهذا إنَّما يصحّ ويتوجّه بعد الالتزام بإلغاء المفهوم، لأنَّنا لو قلنا بالمفهوم فلا ضرورة للالتزام بشرطية الجامع.
وقد وجّه المحقّق الأصفهاني(1) هذا الأمر: بأنّنا لو قلنا بالمفهوم -وهو الانتفاء عند الانتفاء- فإنَّ الانتفائين معاً ينافيان الثبوت عند الثبوت، فلا بُدَّ من الالتزام بكون الجامع علّة لاستحالة أنْ يصدر الجزاء من كليهما. فإنَّنا لو قلنا بثبوت المفهوم وبالانتفاء عند الانتفاء والتزمنا بالمعارضة وإمكان اجتماع النقيضين فلا حاجة إلى الجامع.
بناءً على هذا فإنَّنا إمَّا أن نلتزم بالمفهوم لكلِّ منهما وبالمعارضة وإمكان ثبوتهما معاً. فإذا تنقح الثبوت عند الثبوت بدون الانتفاء عند الانتفاء فلا بُدَّ من الالتزام بالجامع؛ لأنَّ الواحد لا يصدر من الكثير، فالالتزام بعلّيّة الجامع فرع أنْ يتنقح الثبوت عند الثبوت في كلِّ منهما. وإنَّما يكون ذلك عند إلغاء المفهوم، الذي معناه عدم الثبوت لا في هذا ولا في ذاك.
وبعبارة أكثر دقّة وتفصيلاً(2): أنَّ الالتزام بشرطية الجامع فرع أنْ تتم دلالة
ــــــــــ[226]ــــــــــ
() انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 613، 614.
(2) أملى عليَّ السيّد الصدر أستاذنا الأعظم (سلّمه الله تعالى) العبارة التالية لتوضع عوضاً من هذه العبارة المرتبكة في آخر هذه المحاضرة، وذلك حول توجيه المحقّق الأصفهاني لقول الآخوند. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
القضية على ثبوت الحكم عند ثبوت كلّ من الشرطين، فإنَّه يقال حينئذٍ: بإنَّ الشرط هو الجامع؛ لاستحالة صدور الواحد من الكثير وفرض الالتزام بثبوت الحكم عند كلّ من الشرطين هو فرض إلغاء المفهوم؛ إذ مع التحفظ على المفهوم في كلتا القضيتين يثبت عدم ترتّب الحكم على خفاء الجدران وحده وخفاء الأذان وحده، وإنَّما ينحصر ترتّبه بصورة وجود المجموع، وفي هذه الحالة لا مجال ولا موجب لاستكشاف الجامع، حيث لم تبق عندنا إلَّا علّة واحدة وهي المجموع، فضرورة استكشاف الجامع موقوفة ومترتّبة على عدم القول بالمفهوم.
هذا ما أفاده المحقّق الأصفهاني في شرح قول الآخوند.
أمّا أصل المطلب فإنَّ الوجوه الأربعة ترجع إلى وجهين: فإمّا أن نقيّد المفهوم أو أنْ نقيّد المنطوق. فيقع الكلام أنَّ مقتضى القواعد الفنية ما هو؟ هل هو رفع اليد عن إطلاق المفهوم، أو رفع اليد عن إطلاق المنطوق، أم الحكم بتعارضهما وتساقطهما والرجوع إلى الأصل؟
ذهب بعض المحقّقين كالمحقّق النائيني(1) إلى أنّه لا موجب لتعيّن رفع اليد عن أحدهما خاصّة، حيث ذكر أنَّ المعارضة تقع بين الإطلاقين فلا موجب لرفع اليد عن أحد الإطلاقين، بل مقتضى القاعدة هو التساقط، كما سوف نوضحه.
وذهب البعض إلى أنّ مقتضى القاعدة هو تقييد إطلاق المفهوم فيقيّد
ــــــــــ[227]ــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1: 423-426.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
مفهوم كلّ منهما بمنطوق الأخرى، وهذا معناه التحفظ على المنطوقين معاً، وإنَّ كلّ منهما سبب تام على حدة. وهذا مذهب سيّدنا الأستاذ(1).
والتحقيق في المسألة يرجع إلى الاختلاف في المباني والمسالك في إثبات المفهوم. فبناءً على بعضها يتعيّن رفع اليد عن المفهوم، وبناءً على الأخرى يتعيّن القول بالمعارضة والرجوع إلى أصل آخر.
إذا أثبتنا المفهوم بالإطلاق -بالتقريب الأول- وهو الإطلاق الأحوالي وقلنا: بأنَّ مقتضى الإطلاق في الشرط هو أنَّ خفاء الأذان علّةٌ تامّةٌ في تمام الأحوال، سواء قارنه شيء آخر أو لا، فلو كان الشيء الآخر علّة تامّة في نفسه للزم في حال المقارنة صيرورة هذا الشرط جزء العلّة، وحيث أثبتنا بالإطلاق الأحوالي أنَّ خفاء الأذان هو العلّة التامّة في تمام الأحوال فيستكشف منه عدم وجود علّة أخرى. فحينئذٍ يثبت رفع اليد عن المفهوم، أي: تقديم إطلاق المنطوق على إطلاق المفهوم.
والنكتة في ذلك هو انحلال العلم الإجمالي بكذب أحد الإطلاقين إلى العلم بكذب أحدهما المعيّن والشك البدوي بكذب الآخر.
وتوضيحه: أنَّ المحتمل ثبوتاً أحد أمرين: أن يكون كلٌّ منهما علّةً تامّةً أو أن يكون المجموع علّةً. أمّا الاحتمال الأول فيناسب مع التحفظ على المنطوقين
ــــــــــ[228]ــــــــــ
(1) محاضرات في أصول الفقه 4: 249،248.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ورفع اليد عن إطلاق المفهومين. وأمّا الاحتمال الثاني فيناسب مع التحفظ على إطلاق المفهومين ورفع اليد عن إطلاق المنطوقين.
فالأمر دائر بين أن يكون كلٌّ منهما علّةً أو أن يكون مجموعهما علّة، وعلى كلا التقديرين، ففي صورة اجتماع الخفائين نعلم تفصيلاً بأنَّ خفاء الأذان ليس علّةً تامّةً، وأمّا لأنَّهما علّتان ويكون كلٌّ منهما عند الاجتماع جزء العلّة، أو لأنَّهما من أوّل الأمر جزء العلّة. فلا معنى للتمسّك بالإطلاق الأحوالي لإثبات العليّة التامّة بعد العلم التفصيلي بكذب الإطلاق. فيسقط الإطلاق في المفهوم من هذه الناحية. فنتمسّك بإطلاق المنطوق من حيث ترتّب الجزاء على الشرط حال عدم الاجتماع. ونحن نفهم من هذا الإطلاق أنَّه علّة سواء انضم خفاء الجدران أو لا، فمن إطلاقه لحال عدم الاجتماع نستفيد أنَّه علّة تامّة؛ لأنَّه لو كان جزء العلّة لّما ترتّب عليه الجزاء بانفراده.
فإذا لم نثبت بالإطلاق الأحوالي أنَّ خفاء الأذان علّةٌ تامّةٌ في حال الاجتماع فلا يمكن أن نثبت بالإطلاق أنَّ خفاء الجدران ليس علّةً، وهذا دليل على عدم الانحصارية، فلا يبقى مجال للمفهوم.
ونحن نعلم إجمالاً أنَّ أحدهما كاذب: إمّا الإطلاق المنطوقي وإمّا الإطلاق المفهومي. وهذا العلم الإجمالي ينحل إلى العلم التفصيلي بكذب الإطلاق المفهومي، بناءً على أنَّ المفهوم في القضية الثانية يستفاد من الإطلاق الأحوالي للشرط، ونحن نعلم بكذب هذا الإطلاق الأحوالي للشرط؛ لأنَّنا لا نحتمل أنَّ الشرط علّةٌ تامّةٌ في تمام الأحوال حتّى في حال الاجتماع، بل هو جزء العلّة يقيناً إمّا
ــــــــــ[229]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
من أوّل الأمر وإمّا فقط في حال الاجتماع.
فعلى هذا لا بُدَّ من أن ينحل العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي بكذب الإطلاق في المفهوم والشك البدوي في إطلاق المنطوق فنتمسك به، وينتج تقديم الإطلاق في المنطوق وتقييد إطلاق المفهوم في كل منهما، ويكون كل من الشرطين علّةً في نفسه.
بناءً على مسلك المحقّق النائيني(1) الذي تمسّك بالإطلاق العدلي للشرط وأثبت المفهوم عن هذا الطريق، حيث قال: إنَّ الشرط مطلق في قبال (أو) ومنه ينتج المفهوم؛ إذ لو كانت هناك علّةٌ أخرى لقال: (أو كذا) فإطلاقه ينتج المفهوم. كما أنَّ إطلاقه المقابل للتقييد بالواو ينتج أنَّ الشرط علّةٌ تامّةٌ إذ لو كان جزء العلّة لقال: وخفيت الجدران. فمن ناحية الإطلاق في قبال التقييد بالواو يثبت أنَّ الشرط علّةٌ تامّةٌ ومن ناحية الإطلاق في قبال التقييد بـ (أو) يثبت الانحصار، والأمر يدور بين رفع اليد عن الإطلاق المقابل لـ (أو) المنتج للمفهوم أو الإطلاق المقابل للواو والمنتج لتقييد المنطوق. فيقع التعارض بين الإطلاق المقابل للواو الذي يثبت كونه علّةً تامّةً والإطلاق المقابل لـ(أو) الذي يثبت المفهوم. ولا بُدَّ من رفع اليد عن أحدهما وإلّا لزم التناقض.
ــــــــــ[230]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 2: 482-484.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فالميرزا النائيني(1) قال: التعارض حين يقع بين هذين الإطلاقين لا مرجح لأحدهما على الآخر بالأخذ، به بل يحكم بالتساقط للتعارض، للعلم الإجمالي بكذب أحدهما، ولا بُدَّ من الرجوع إلى الأصل العملي، وبه يثبت نتيجة إطلاق المفهوم؛ لأنَّه إذا وجد أحد الشرطين دون الآخر نشك في تحقيق الجزاء فأصالة البراءة منه، وهذه النتيجة مساوقة مع التحفظ على إطلاق المفهوم في كلتا القضيتين.
ثُمَّ يذكر وجهاً لتقديم إطلاق المنطوق على إطلاق المفهوم، أي: تقديم الإطلاق المقابل للواو على الإطلاق المقابل لـ(أو). فيتحفظ على الإطلاق المقابل للتقييد بالواو برفع اليد عن الإطلاق المقابل للتقييد بـ (أو)، بدعوى تأخّر أحدهما رتبة عن الآخر. فالإطلاق المقابل لـ (أو) متأخّر رتبة عن الإطلاق في مقابل الواو؛ لأنَّ الإطلاق المقابل للواو يُنقِّح تماميّة العلّة في نفسها، والإطلاق المقابل لـ (أو) يُنقِّح انحصارها. وهذا مبني على ما سبق من الضابط المشهوري حيث فرضت الانحصارية بعد تماميّة العلّة، فالتكلّم في انحصارها إنّما يكون بعد الفراغ عن تماميّتها في نفسها. وعليه يكون الإطلاق المتقدّم رتبة حجّة، والإطلاق الآخر ساقط.
وقد أجاب عن ذلك: أنَّ هذين الإطلاقين وإن كان أحدهما متأخّر رتبة عن الآخر لكن ميزان السقوط بالمعارضة هو العلم الإجمالي بالمعارضة، وهو موجود بالنسبة إليهما على سواء. وطوليتهما لا تعني طولية العلم الإجمالي أيضاً، فالعلم
ــــــــــ[231]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 2: 488،487.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الإجمالي الذي هو مدار التساقط متساو بينهما فيسقطان معاً عند المعارضة.
هذا الذي أفاده نقسمه إلى ثلاثة أمور:
الأمر الاوَّل: دعوى أنَّ الإطلاقين يتعارضان، ولا مرجّح من تقديم أحدهما، فيتساقطان.
الأمر الثاني: بعد التساقط نرجع إلى الأصل العملي، ونتيجته موافقة مع إطلاق المفهوم.
الأمر الثالث: شبهة أنَّ الإطلاقين طوليان مع جوابها.
ونحن نأخذ بالجواب عليها من الأمر الثالث إلى الأوّل.
أمّا الأمر الثالث فكل منهما غير تامٍّ لا أصل الشبهة ولا جوابها:
أمّا أصل الشبهة فلما بيّناه في بحث ضابط المفهوم من أنَّ تماميّة العلّة لا دخل لها في الانحصار الذي هو دخيل في اقتناص المفهوم، فإنَّ كون الشيء جزء العلّة يكفي في اقتناص المفهوم، فليس المقصود من الانحصار هو انحصار العلّة التامّة حتّى تكون التماميّة مأخوذة في موضوع الانحصارية، بل الانحصارية بما لها من التأثير سواء كان تأثيرها تامّاً أو ناقصاً. فلو كان جزؤها منحصر يثبت المفهوم. فكون العلّة تامّة غير لازم لاقتناص المفهوم، بل اللازم كون تأثيرها بها، ولا يقوم شيء مقامها في مقدار تأثيرها، سواء كان تأثيرها تامّاً أو ناقصاً. إذن، فلا تأخر للانحصار على التماميّة، فالإطلاق المتكفل للانحصار ليس في طول الإطلاق المتكفّل للتماميّة.
ــــــــــ[232]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ولو سُلّمت الطولية بمعنى أنَّ الشيء الذي يفيدنا في إثبات المفهوم هو انحصار العلّة التامّة بحيث يتوقّف على فرض التماميّة في الرتبة السابقة على الانحصار. فالإطلاق المثبت للانحصار معلوم الكذب تفصيلاً، لأنَّه إمّا أن يكون علّةً تامّةً؛ لأنَّ أحدهما إذا كان علّة تامّة فالثاني علّة تامّة. فلا معنى للانحصار وإمّا أن لا يكون علّة تامّة وليس بمنحصر؛ لأنَّنا فرضنا الانحصار موقوف على التماميّة. إذن، فالانحصار الموقوف على التماميّة معلوم الكذب. وينحلّ العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي في سقوط الإطلاق الأول، والشك البدوي في سقوط الثاني.
وأمّا الأمر الثاني للميرزا وهو أنّه بعد تساقط الإطلاقين، المقابل للواو والمقابل لـ (أو)، يكون المرجع فيه الأصول العملية، وهي تقتضي نتيجة المفهوم؛ لأنَّه إذا وجد أحد الشرطين يشك في ثبوت الجزاء، والأصل عدم ثبوته. فالنتيجة: هي الالتزام بأنَّ كليهما علّة منحصرة.
هذا لا يمكن المساعدة عليه، سواء كان مراده خصوص هذا المورد وهو وجوب التقصير عند خفاء الأذان أو الجدران، أو كان مراده سائر الجمل الشرطيّة المتعدد شرطها المتحد جزائها.
وذلك: أمّا على التقدير الأول -وهو خصوص هذه المسألة- فليس الأمر كذلك؛ إذ ليست نتيجة الأصل هي نتيجة التحفظ على إطلاق المفهوم، لأنَّه لو خفي الأذان ولم تختفِ الجدران يشكّ في وجوب التقصير، فلا تجري أصالة البراءة؛ لأنَّه شكّ منجز للعلم الإجمالي بين القصر والتمام، من حيث إنَّه إذا كان
ــــــــــ[233]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
خفاء الأذان علّةً مستقلّةً فيجب التقصير، وإن كان جزء العلّة والجزء الآخر غير موجود فيجب التمام. فهذا الشكّ منجز وتتعارض فيه البراءة عن القصر بالاشتغال بالتمام.
بقي أنَّه يمكن جريان الاستصحاب في المقام فيما اذا خرج من بلدته قبل الظهر ووصل إلى مكان يختفي فيه أحدهما ثُمَّ حل الوقت هناك، ولكن لا مجال لإجراء الاستصحاب إلَّا الاستصحاب التعليقي(1) الذي لا نقول به ولا يقول به الميرزا(2).
فمقتضى الأصل وجوب الاحتياط والجمع.
هذا لولا القول: إنَّه هناك مرجع فوقاني يرجع إليه بعد تعارض الإطلاقين بناءً على أنَّ القصر هو تخصيص من أدلة التمام، وحينئذ يرجع إلى الاطلاقات الأولى، وهي تقتضي وجوب التمام على كل مكلف خرج منه ما خفى عليه الأذان والإقامة، ولكن ما خفي عليه أحدهما لا نعلم بخروجه، فنتمسك بالإطلاقات الأوّليّة ويثبت التمام وينحل العلم الإجمالي. ولا مجال حينئذٍ للاحتياط. أمّا لو قلنا: بأنَّ المطلقات الأولية ساذجة وليست متكفّلةً إلَّا لبيان أصل الوجوب، وأنَّ القصر والتمام تنويع للمطلق، فالتمام إنَّما ثبت بدليل التنويع في أدلة القصر. وحينئذٍ لا معنى للرجوع إلى الاطلاقات، ويكون العلم الإجمالي منجزاً.
ــــــــــ[234]ــــــــــ
() لو كان حلّ عليه الوقت قبل ساعةٍ في بيته لوجب عليه التمام، فالآن يجب عليه التمام. (المُقرِّر).
(2) انظر: فوائد الأُصول 4: 458، 466، 472.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وإن أراد من المقام أمثال المقام فالإشكال فيه أوضح؛ إذ قد يكون الجزاء حكماً ترخيصياً، نحو: إذا كان الإنسان هاشمياً فلا يجب تقديم العلوي عليه، وإذا كان الإنسان عالماً فلا يجب تقديم العلوي عليه. وشككنا أنَّ عدم الوجوب متوقف على كلا الشرطين أو يكفي أحدهما، فإذا كان الإنسان هاشمياً ولم يكن عالما فيجرى أصالة البراءة عن الوجوب، فالأصل هنا موافق مع كفاية أحد الأمرين.
أمّا الأمر الأوّل للميرزا وهو(1): أنَّ هذين الإطلاقين: الإطلاق في مقابل ــــــــــ[235]ــــــــــ
() قال: قلنا انه بعد فرض دوران الأمر بين التحفظ على إطلاق المنطوقين أو إطلاق المفهومين، حيث ينتج إطلاق المنطوقين أن كلاً منهما شرط تام وعلة ومؤثرة مستقلة في الجزاء سواء انظم إليه الآخر أو لا، وينتج إطلاق المفهومين الانتفاء عند الانتفاء. فإما أن نحافظ على إطلاق المفهوم ونحكم بانتفاء الجزاء عند انتفاء الشرطين فيكون مجموعهما علة واحدة، وإما أن نحافظ على إطلاق المنطوق ونحكم بترتيب الجزاء على كل منها وعدم انتفائه إلا بانتفاء كِلا الشرطين فإن كل منها عله تامة.
قلنا ان تحقيق المطلب يختلف باختلاف المباني في تحقيق استفادة المفهوم. اما على مبنى من أثبت المفهوم بالإطلاق الأحوالي بدعوى أن الإطلاق الأحوالي يقتضي ثبوت العلية التامة للشرط حتى في حال اجتماعه مع الشيء الآخر، وهذا يستلزم عقلا ألا يكون ذلك علة، لأنه لو كان ذلك علة لكان كل منها جزء العلة لا محالة عند الاجتماع، ففرض كونه عله تامة حتى مع الاجتماع هو فرض أن لا علة أخرى، وهذا مساوق للانحصار المساوق للمفهوم.
بناء على هذا المسلك لا بد من رفع اليد عن إطلاق المفهوم والتحفظ على إطلاق المنطوق،=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[236]ــــــــــ
=لأن الإطلاق المنتج للمفهوم وهو الإطلاق الأحوالي لخفاء الجدران لحال اجتماعه مع الآخر الذي ينتج انه علة تامة حتى في حال الاجتماع، المستلزم لعدم علية غيرة. هذا الإطلاق الأحوالي معلوم السقوط تفصيلا سواء قلنا أنهما علتان أو علّة واحدة، لأنه لا يخلو أمر الخفائين من أحد أمرين: إما أن يكون كل منهما علة مستقلة أو مجموعهما علة واحدة، وعلى كِلا التقديرين إذا اجتمعا يكون كل منها جزء العلة، إما من أول الأمر أو لأنهما علتين مستقلتين واجتمعا فلا بد ان يكون كلا منهما جزء العلة. فالإطلاق الأحوالي في العلية التامة لحال الاجتماع الذي هو ملاك اقتناص المفهوم معلوم السقوط تفصيلاً، لأننا لا نحتمل انه علة تامة عند الاجتماع بل هو جزء العلة حينئذ وما من أول الأمر أو عند الاجتماع. فالإطلاق الأحوالي معلوم السقوط فلا دلالة على المفهوم.
اما إطلاق خفاء الجدران لحال عدم الأذان فليس معلوم السقوط تفصيلاً، لأننا نحتمل أن يكون كل منهما علة تامة، فنحتمل تحقق الجزاء في حال الانفراد، فنتمسك بالإطلاق لإثبات ذلك.
فالإطلاق الأحوالي له شعبتان شعبة بلحاظ حال الاجتماع وهو المنتج للمفهوم وهو معلوم السقوط. وشعبة بلحاظ حال الافتراق وهو ينتج العلية التامة المساوق لإطلاق المنطوق، فهنا الإطلاق ليس معلوم السقوط لأنه يحتمل أن يكون الشرط علة، فيأخذ بهذا الإطلاق. فتجري أصالة الإطلاق في حال الافتراق ولا تعارضها أصالة الإطلاق في حال الاجتماع للقطع بسقوطه.
فبناء على هذا المسلك ينبغي ان يقال بتقديم إطلاق المنطوق الذي ينتج كون كل منها علة تامة لا جزء العلة، لأن الإطلاق الأحوالي للشرط بلحاظ حال الاجتماع معلوم السقوط تفصيلا، لأن الشرط ليس بعلة تامة يقيناً، إما لنقصانه ذاتا من أول الأمر أو عند الاجتماع فقط. فالإطلاق الأحوالي له شعبتان شعبة بلحاظ الاجتماع الذي يثبت=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
(الواو) والإطلاق في مقابل (أو) يتعارضان ولا مرجّح لأحدهما على الآخر، فيحكم بالمعارضة ويرجع إلى الأصول العملية.
ــــــــــ[237]ــــــــــ
=العلية الانحصارية وشعبة بلحاظ الانفراد الذي يثبت تمامية العلة، وهذان الإطلاقان لا يتساقطان بالمعارضة؛ لأن الأول منهما معلوم السقوط تفصيلاً، فيبقى الإطلاق الثاني بلا معارض.
وأما بناء على مسلك من أثبت المفهوم بالإطلاق العدلي كالمحقق النائيني. فقد ذكر المرزا أنه عندنا إطلاقين: إطلاق للشرط في مقابل (أو) وإطلاق له في مقابل الـ(واو). والإطلاق الأول ينتج الانحصار والمفهوم والثاني ينتج كون الشرط علة تامة لا جزء العلة. فيكون التعارض بين الإطلاق العدلي في قبال (أو) وبين الإطلاق الساذج في قبال الـ(واو)، للعلم الإجمالي بكذب أحدهما، إذ لا يمكن التحفظ على كِلا الإطلاقين وإلا نتج التناقض، فلا بد من التقييد أما بالـ(واو) أو بـ(أو) فالأول ينتج ان مجموعهما علة والثاني ينتج أنهما علتين.
فلا بد من أحد التقييدين أما بالـ(واو) فيكون كل من الشرطين جزء العلة ونتحفظ على إطلاق المفهوم بالتصرف بإطلاق المنطوق أو بأو ويكون كل منهما علة تامة وحينئذٍ نتحفظ على إطلاق المنطوق مع التصرف في إطلاق المفهوم.
ومن هنا يقع التعارض بين الإطلاقين، وحيث لا مرجح لأحدهما على الآخر فيسقطان بالمعارضة. انتهى.
ثم ذكر أن نتيجة إجراء الأصل العلي هي نتيجة التحفظ على إطلاق المفهوم ثم ذكر وجهاً للتحفظ على إطلاق المنطوق وناقشه.
وقد ذكرنا وجه المناقشة في كل ذلك ووصلنا الى الدعوى الأولى [الأمر الأول] الرئيسية. أما الأمر الأول للميرزا وهو… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ولم يستشكل سيّدنا الأستاذ(1) في كل من الأمر الثاني والثالث، إنَّما استشكل في الأمر الأول وهو سقوط الإطلاقين لتعارضهما والرجوع إلى الأصول.
استشكل في ذلك وقال: إنَّ مقتضى فن المعارضة هو تقديم المنطوق على المفهوم، فنتصرّف في مفهوم كل من القضيتين بمنطوق الأخرى. فنقول: (إذا خفي الأذان فقصّر وإذا لم يخفِ الأذان فلا تقصّر، إلَّا إذا خفيت الجدران) فينتج أنَّ منطوق كل منهما علّةٌ مستقلّةٌ، وأنَّ منطوق كل منهما مقيّد لمفهوم الأخرى.
وتوضيحاً لذلك البيان قدّم مقدّمة:
وحاصلها(2): أنَّه إذا وقعت المعارضة بين دليلين بحيث كان كل منهما طرفاً للمعارضة، فلا بُدَّ أن نطبّق قوانين باب التعارض عليهما لا على سواهما. وهذا واضح، ولكن هذا الأمر الواضح إنّما هو مقدّمة لأمر غير واضح، وهو ما لو فرض أنَّ هناك دليلا ثالثاً ليس طرفاً للمعارضة، ولكننا لو تصرفنا فيه ورفعنا اليد عن ظهوره لم تبق معارضة بين الدليلين. في مثل هذا المقام لا يجوز في فن المعارضة أن نتصرف في الدليل الثالث؛ لأنَّه ليس أحد المتعارضين.
وهو يمثّل لهذه الكبرى بمثال وسوف نمثل لها بمثال آخر، أمَّا هو فيقول: إذا فرضنا أنَّه ورد (أكرم كل عالم) وورد (لا يجب إكرام زيد العالم) بحيث
ــــــــــ[238]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 5: 98-109.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 5: 104-109.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
يحتمل استحباب إكرامه. فالدليل الثاني (الخاصّ) دليل على عدم وجوب إكرام زيد، وقد وقع طرفاً للمعارضة مع العموم الأول، ومقتضى قواعد باب التعارض تقديم الخاص على العام، والقول بأنَّ عموم كل عالم لا يشمل زيداً.
لكن هنا لو تصرّفنا في ظهور صيغة أكرم، الظاهرة في الوجوب، وحملناها على الاستحباب لارتفعت المعارضة بين الدليلين، وقد يكون رفع اليد عن ظهور الصيغة في الوجوب أهون من تخصيص العام بناءً على أنَّ ثبوت الوجوب يكون بالإطلاق. ولكن هذا لا يجوز؛ لأنَّ ظهور الصيغة في الوجوب ليس طرفاً للمعارضة، بل الذي وقع طرفاً للمعارضة هو الخصوص والعموم، فإذا رفعنا اليد عن ظهور صيغة أكرم في الوجوب تنحل المعارضة، ولكننا لا يمكن أنْ نرفع اليد عنه، لأنَّنا إنَّما نُجري قواعد التعارض في الطرفين المتعارضين ثُمَّ نحكم في المقام بالتخصيص.
وقد فرّع على هذه المقدّمة تحقيق المقام فقال: نحن إذا قيّدنا المنطوقين معاً ورفعنا اليد عن إطلاقهما، أي: قيدناهما بالواو ترتفع المعارضة، ولكن ليس هذا عملاً فنياً في المعارضة، بل يقتضي أن نلحظ طرفي المعارضة ونرى أيّهما حقيق بالتقديم وأيهما حقيق بالتأخير. وهنا عندنا معارضتان معارضة مفهوم الأولى لمنطوق الثانية، ومعارضة مفهوم الثانية لمنطوق الأولى؛ لأنَّ مفهوم كل منهما يدلّ على انتفاء التقصير عند انتفاء شرطه سواء وجد الشرط الآخر أم لا. فلا بُدَّ أن نحسب لكل من هاتين المعارضتين حساب مستقلّ.
الآن نرى أيهما حقيق بالتقديم وأيهما حقيق بالتأخير؟ نرى أنَّ المنطوق هو
ــــــــــ[239]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الحقيق بالتقديم؛ لأنَّه أخص من المفهوم؛ لأنَّ المفهوم يقول: إنَّه إذا لم يخف الأذان فلا يجب التقصير سواء خفيت الجدران أو لا، ومعنى (سواء) هو الإطلاق، أي: لا يوجد علّة غير خفاء الأذان، وخفاء الأذان بمنطوقه يدلّ على أنَّه علّة، وهو يوجب تقييد النفي العام في المفهوم، فهنا عندنا نفي عام وإثبات خاص، ولا بُدَّ من تقديم الإثبات الخاص على النفي العام. ونفس هذا الكلام يرد بالنسبة إلى القضية الثانية، فنقيّد مفهوم كل منهما بمنطوق الثانية.
هذا الذي أفاده أمّا من حيث المقدّمة- وهو أنَّ الفن يقتضي إجراء قواعد التعارض بين المتعارضين لا في الشيء الثالث الخارج- فالكلام متين جداً، ولكن الذي يظهر من المثال أنَّ مدعاه فيه غير متين جداً. فإنَّ المدّعى بالكبرى وإنْ كان صحيحاً صناعةً فيما إذا ورد (أكرم كل عالم) وورد (لا تكرم زيداً) وأنا لا أعلم بعلم زيد فليس هناك معارضةً بينهما لجهالة علم زيد، فلو ورد دليل ثالث يقول: زيد عالم. فهنا تحصّل المعارضة بين الدليلين الأولين، وهنا يقتضي أن نطبق قواعد المعارضة بين العام والخاص دون الثالث؛ لأنَّه لا يتعرض إلى وجوب الإكرام. فالدليل الثالث الذي يحقق موضوع العام، والمعارضة لا تكون طرفاً للمعارضة من الناحية الفنية، وإنَّما طرفاها العام والخاص. وحيث إنَّ مقتضى القواعد تقديم الخصوص على العموم يقدّم الخاصّ.
وهذه الكبرى في هذه المثال صحيحةٌ، وأمّا في غير هذا المقام يكون الدليل الثالث منقحاً لموضوع الدليلين المتعارضين، ولا يعقل هذا الفرض، وهو أنَّنا لو
ــــــــــ[240]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
تصرّفنا في الدليل الثالث تنحل المعارضة، مع أنَّه ليس طرفاً للمعارضة.
والبرهان على ذلك: أنَّ انحلال المعارضة بالتصرف في الدليل الثالث مساوق للقول: بأنَّ صدقهما معاً موقوف على كذب ذلك الدليل، بمعنى: أنَّه لو كذبناه لصدق الدليلان، وإلّا فلماذا تنحل المعارضة عند رفع اليد عن هذا الدليل الثالث؟ إذن، فصدقهما يستلزم كذب الثالث، وهذا مساوق إلى أنَّ صدق الثالث يلازم كذب أحدهما. فيحصل علم إجمالي إمّا بكذب الآخر وصدقهما وإمّا كذب أحدهما وصدق الآخر. وهذا العلم الإجمالي منجز، وهو ملاك المعارضة في الأدلة الاجتهادية.
إذن، يكون الثالث طرف للمعارضة مع الجامع، فلا يخرج عن طرفية المعارضة، فلو كان لهما ظهور أقوى من ظهور الثالث نقدّمه ونحكم بكذب الثالث.
وفي المثال عندنا ثلاثة ظهورات: ظهور الخصوص في نفي الإلزام، وظهور للعام في العموم، وظهور ثالث هو ظهور الصيغة في الوجوب. ونحن نعلم إجمالاً إمّا بكذب ظهور الصيغة في الوجوب، أو كذب أحد الأمرين، فإذا كانا صادقين فالصيغة كاذبة، أو أنَّ الصيغة صادقة فأحدهما كاذب، فظهور الصيغة في الوجوب يدخل في المعارضة؛ لأنَّه طرف للعلم الإجمالي الذي هو ميزان المعارضة.
وإنَّما لا نقول برفع اليد عن ظهور الصيغة في الوجوب؛ لأنَّه لا يمكن علمياً رفع اليد عن هذا الظهور بخلاف العموم، لأنَّ رفع اليد عن ظهورٍ إنَّما
ــــــــــ[241]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
يكون باعتبار قرينةٍ في الظهور الآخر، وهنا ظهور الخاص لا يصلح عرفاً للقرينية على التصرف بظهور الصيغة في الوجوب، ولكنّه يصلح عرفاً للقرينية على التصرّف بالعام، بدليل أنَّه لو جمع بين الدليلين نرى أنَّ القرينة تحكم على ذي القرينة كما يذهب إليه الميرزا(1) والسيّد الأستاذ(2). فهل يفهم العرف من الجمع بين العام والخاص أنَّ (أكرم) محمولة على الاستحباب أو أنَّه تخصيص للعام؟ فالخاصّ يصلح قرينة عرفاً على العموم ولا يصلح قرينة على صيغة الأمر.
فظهور الصيغة في الوجوب طرف للمعارضة ولكنّه طرف غالب، ومن هنا نتحفظ عليه ونقول بظهورها في الوجوب؛ لأنَّ الخصوص يصلح قرينة للعموم ولا يصلح قرينة للصيغة.
هذا حال المقدّمة فنياً.
وخلاصة القول في ذلك: أنَّ القاعدة التي ذكرها إنّما تصحّ في الموارد التي يكون الدليل الثالث مسوقاً لبيان موضوع أحد الدليلين، وأمّا في غير هذا المورد، فلا يعقل خروج الدليل الثالث عن طرفية المعارضة ببرهان أنَّ فرض حل المعارضة برفع اليد عن الظهور الثالث هو فرض أنَّ صدقهما متوقّف على كذب الآخر وهو مساوق إلى أنَّ صدق الآخر متوقف على كذب أحدهما، فيتكون علم إجمالي إمّا بصدق ذلك الثالث أو كذب أحد هذين، والعلم الإجمالي هو المدار في
ــــــــــ[242]ــــــــــ
(1) انظر: اجود التقريرات 1: 535- 356.
(2) انظر: محاضرات أصول الفقه 5: 107، أجود التقريرات 1: 502، 503.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
المعارضة، فيكون طرف المعارضة هو الآخر والجامع، فإذا كان الآخر أضعف ظهوراً منهما فنتحفّظ عليهما ونتصرف فيه؛ لأنَّه طرف للخصومة.
أمّا المثال فالفرض فيه غير معقول؛ لأنَّ ظهور صيغة الأمر طرف للمعارضة؛ لأنَّنا نعلم إجمالاً إما بكذب ظهور الصيغة في الوجوب وصدق الآخرين، أو كذب أحد الآخرين مع صدق الصيغة، وهذا العلم يوجب المعارضة بين ظهور الصيغة وبين الجامع.
ولكنّنا نتحفّظ عليها، لا لأنَّها خارجة عن طرفية المعارضة، بل لأنَّها لا يمكن التصرّف فيها؛ لأنَّ الخصوص يصلح قرينة على العموم ولا يصلح قرينة على ظهور الصيغة.
وعلى كلِّ حال فالقانون الكبروي صحيح، ولكن ليس بالنحو الذي أُفيد.
إذن، المقدّمة هي أنَّنا لو قيّدنا المنطوقين معاً بالواو وقلنا: (أذا خفي الأذان والجدران فقصّر) فقهراً يرتفع التعارض؛ لأنّه ينتج كون المجموع علّة واحدة، إلَّا أنَّ هذا التقييد ليس له ميزان فني؛ لأنّنا لا بُدَّ أن نلحظ طرفي المعارضة وننظر أيّهما أقوى وأيّهما أضعف، ونقدّم الأقوى حينئذٍ.
وهنا عندنا معارضتان: معارضة بين منطوق الأولى ومفهوم الثانية، ومعارضة بين منطوق الثانية ومفهوم الأولى. فالأولى بمنطوقها تقول: إنَّ الأذان علّة في التقصير. ومفهوم الثانية يقول: أذا لم تخف الجدران فلا تقصر سواء خفي الأذان أو لم يخف، ونفس التعارض موجود بالنسبة إلى منطوق الثانية ومفهوم الأولى.
ــــــــــ[243]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إذن، التعارض واقع بين المنطوق وبين (سواء) يعني: الإطلاق، فقهراً يكون منطوق الأولى مقيّداً لمفهوم الثانية وبالعكس. إذن، فما تقتضيه قواعد المعارضة هو تقييد المفهوم في كل منهما بمنطوق الأخرى؛ لأنَّ المنطوق أخصّ. أمّا تقييد المنطوقين وإن كان يرفع المعارضة إلَّا أنَّه غير جائز كما مضى في المقدّمة.
هذا البيان الذي أفاده لا علاقة له بالمقدّمة، فإنَّ ذلك القانون وإنْ كان صحيحاً في نفسه، إلَّا أنَّه أجنبي عن باب تقييد المنطوقين؛ لأنَّ هذا التقييد ليس من باب تأويل الدليل الثالث؛ لأجل رفع المعارضة.
وتوضيحه: أنَّ عندنا معارضتين معارضة بين منطوق الأولى ومفهوم الثانية، ومعارضة بين منطوق الثانية ومفهوم الأولى. في هذه المعارضة هل يمكن حلها من بين طرفيها بالتصرف بالدليل الثالث غير منطوق الأول ومفهوم الثاني؟ هذا الدليل الثالث الذي يتصوّر في المقام هو منطوق القضية الثانية. مع أنَّه لا تحلّ المعارضة برفع اليد عنه، فإنَّ مجرّد تقييد منطوق القضية الثانية وحده الذي ينتج أنَّه ليس علةً تامّةً، بل هو علّة مع غيره، لا يوجب حل المعارضة بين منطوق الأولى ومفهوم الثانية إذا بقي هذان الطرفان على أطلاقهما، فلا يكفي في الحل تقييد منطوق الثانية.
وكذلك الحال في القضية الثانية في تعارض منطوقها مع مفهوم الأولى، فإنَّه لا يجدي في حلّ المعارضة تقييد منطوق القضية الأولى.
نعم، تقييد إطلاق المنطوقين معاً يوجب الحل، لكنّه من باب رفع اليد عن
ــــــــــ[244]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أحد المتعارضين لا تأويل الدليل الثالث؛ لأنَّ المنطوق هو طرف للمعارضة.
وتقييد كلا المنطوقين يوجب الحل، لكن لا بتأويل دليل ثالث بل بإسقاط أحد المتعارضين؛ لأنَّ كل منطوق وقع طرفاً للمعارضة مع مفهوم الأخرى. وكم فرق بين هذا الواقع وبين القانون الذي يراد تطبيقه!!
وببيانٍ آخر: نحن نقصد بالقضية الأولى: إذا خفي الأذان فقصر، ونقصد بالقضية الثانية: إذا خفيت الجدران فقصر؛ لأنَّ الأذان أشرف من الجدران. فالتعارض واقع بين منطوقي القضيتين ومفهوم الأخرى.
إذن، فكلا المنطوقين قد وقعا طرفاً للمعارضة، ولا إشكال من أنَّ تقييد منطوق الأولى يحل المعارضة الأولى؛ لأنَّنا قد رفعنا اليد عن أحد طرفي التعارض، وهذا ليس من باب تأويل الدليل الثالث.
أمّا لو رفعنا اليد عن منطوق الثانية مع إبقاء منطوق الأولى على حاله، فإنَّ المعارضة لا ترتفع بين منطوق الأولى ومفهوم الثانية.
إذن، المعارضة بين منطوق الأولى ومفهوم الثانية قائمة، وهي لا تحل بالتصرف في منطوق الثانية، بل إنّما تحل بالتصرف في منطوق الأولى باعتبار أنَّه طرف المعارضة. ونفس الكلام يأتي في المعارضة الثانية بين منطوق الثانية ومفهوم الأولى أيضاً.
إذن، المعارضة تحلّ بالتصرف في أطلاق كلا المنطوقين، ولكن لا من باب التصرّف بالدليل الثالث، بل تحل كل من المعارضتين بالتصرّف في طرفيهما، وكم فرق بين هذا وبين القاعدة التي يراد تطبيقها في محلّ الكلام!!
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إذن، فهذا القانون لا علاقة له بالنتيجة التي يريدها؛ لأنَّ الذي يدّعي تقييد المنطوقين لا يدعيها على أنّه حل للمعارضة بدليل ثالث، بل يدّعي تقييد المنطوقين؛ لأنَّ كلاً منهما طرف في إحدى المعارضتين، وحينئذ يقدّم المنطوق على المفهوم. إذن، فالذي ينبغي أن يُقال: إنَّ أيهما أولى بالتقديم المنطوقين أو المفهومين؟
وحينئذٍ يتجه كلام السيّد الأستاذ في أنَّ مقتضى فن المعارضة هو أن نرفع اليد عن المفهوم في كل منهما بدعوى: أنَّ المنطوق أخصّ من المفهوم.
لكن هذا البيان لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لأنَّ كل قضية لو كانت دالّةً بمنطوقها على كون الشرط علّةً تامّةً بالصراحة لكانت أخصّ من مفهوم الثانية؛ لأنَّ الثانية بمفهومها تنفي وجود علّة أخرى، وهو إطلاق لا محالة، فإذا دلّ دليل على أنَّ الأذان علّةٌ تامّةٌ لكان أخصّ منه ولوجب الأخذ به.
لكن كون العلّة تامّة ليس مدلولاً بالصراحة للمنطوق إلَّا أنْ يُدّعى أنَّ القضية موضوعة للعليّة التامّة، وهذا مالا نَدّعيه ولا يَدّعيه السيّد الأستاذ ولا الميرزا. إذن، فهي ليست دالّةً على العليّة التامّة بالصراحة، وإنّما العليّة التامّة مستفادة من إطلاق المنطوق الأحوالي؛ لأنَّه إذا كان الشرط جزء العلّة لكان على المولى تقييد الشرط بالواو، فمن كونه علّة سواء خفيت الجدران أو لا نستفيد التماميّة. إذن، فلفظ (سواء) موجود في المنطوق وفي المفهوم.
وعليه، فالتعارض حاصل بين إطلاقين لا بين مطلق ومقيّد.
وإنّما يصحّ البيان الذي أفيد إذا كانت العليّة التامّة مأخوذةً في وضع أداة
ــــــــــ[246]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الشرط؛ لأنَّ المنطوق يكون حينئذٍ أخصّ مطلقاً من المفهوم في القضية الثانية، وأمَّا إذا عرفنا أنَّ تماميّة العلّة إنّما تستفاد من الإطلاق الأحوالي للشرط، وهو كون الشرط علّةً سواء خفيت الجدران أو لا. فإذا كان كذلك فالإطلاق الأحوالي نسبته إلى إطلاق المفهوم العموم والخصوص من وجه، ولا وجه لتقديم أحدهما على الأخر.
مما تقدَّم يظهر الحال في إثبات المفهوم بالإطلاق الثالث: إطلاق أداة الشرط وهو أنَّ الترتّب الذي هو مفاد أداة الشرط يدلّ على أنَّ الشرط علّةٌ لا غير، أي: أنَّه علّةٌ منحصرةٌ.
إذن، فهناك إطلاقان لا بُدَّ من رفع اليد عن أحدهما: إمّا الإطلاق الأحوالي للشرط المثبت للعليّة التامّة، وإمّا إطلاق أداة الشرط المثبت أنَّ الشرط علّةٌ منحصرةٌ. ويُدّعى في المقام بأنَّ الإطلاق الأحوالي للشرط يقع طرفاً للمعارضة مع إطلاق الترتّب المنتج للانحصار، فيتعارض الإطلاقان.
ولكن هذا الكلام قابل للمناقشة؛ وذلك لأنّنا إذا فرضنا أنّنا قربنا إطلاق أداة الشرط لنفي قيد الغير وقلنا: إنَّ الجزاء مترتّب على الشرط لا غير. فقيد الغير هذا نحتاج إليه على كل حال، أمّا أنْ يكون الغير عدلاً أو جزء علّة. فإنَّ الترتّب ترتّب الجزاء على الشرط مع الغير فهذه الـ(مع) يمكن أن تكون بدليةً، ويمكن أن تكون جمعيةً، بمعنى: أنْ يكون الشرط جزء العلّة أو فرد علّة.
هذا الإطلاق يُدّعى عدم جريانه في نفسه للعلم بأنَّ مفاد أداة الشرط هو
ــــــــــ[247]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ترتّب غير ممزوج بالغير، فهذا الإطلاق لو تمّ في نفسه فلا يتمّ في المقام؛ لأنَّ الشرط في المقام إمّا جزء علّة أو فرد علّة، فليس الترتّب مستغنياً عن الغير، وإنْ لم نعلم سنخ تَقوّمه بالغير هل أنَّه جزء العلّة أو أنَّه علّة أخرى.
إذن، الترتّب متحصّص بالغير على كل حال، أمّا الغير العدلي أو الغير الانضمامي، ولا يعلم سنخ هذا التحصّص، فالمولى ليس في مقام البيان من ناحية أداة الشرط؛ لأنَّ الترتّب يحتوي على مؤونة زائدة ولم تبين، وهي التحصّص بالغير إمّا العدلي وإمّا الانضمامي.
وعلى كل حال فعلى جميع المسالك الثلاثة للتمسك بالإطلاق سواء أثبتنا المفهوم بالإطلاق العدلي أو الأحوالي، أو إطلاق أداة الشرط، فإنَّنا لا نلتزم بإلغاء أصل المفهوم، بل نتحفّظ عليه بلحاظ الجهات الأخرى. فإذا شككنا أنَّه يوجد سبب ثالث هو سبب للتقصير، فإنَّنا ننفيه بالمفهوم، وهذا معنى عدم إلغائه؛ والوجه فيه: أنَّ المعارضة قائمة بمقدار إطلاق المفهوم لا بمقدار أصل المفهوم. والإطلاق الموجب للانتفاء عند الانتفاء قابل للتبعيض والتحصّص فيسقط مقدار منه بالمعارضة ويبقى المقدار الآخر على حاله.
فالإطلاق العدلي الذي يقول به الميرزا: يسقط في قبال (أو خفي الجدران)؛ لأنَّه طرف للمعارضة معه، لكن إطلاقه في قبال (أو خفيت المئذنة) يبقى على حاله، وهذا معنى قولنا: إنَّ الإطلاق قابل للتحصّص، فمقدار حصّة تسقط بالمعارضة ويبقى الباقي على إطلاقه.
فظهر أنَّ المسالك الثلاثة في الإطلاق يختلف حالها، فبناءً على الإطلاق
ــــــــــ[248]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
العدلي لا موجب لتقديم المنطوق على المفهوم، بل يتعارضان ويتساقطان، وأمّا بناءً على الإطلاق الأحوالي -إضافة إلى الإطلاق الثالث الذي ألحقناه به- فإنَّ المنطوق يُقدَّم؛ لأنَّ الإطلاق المنتِج للمفهوم يُعلَم بسقوطه تفصيلاً، بخلاف المنطوق فيُتَمَسَّك به، ولكن على كل حال لا نلتزم بإلغاء المفهوم رأساً، بل يبقى المفهوم من سائر الجهات الأخرى؛ لأنَّ الإطلاق قابل للتحصّص.
هذا تحقيق المطلب على مبنى الإطلاق.
وأمّا بناءً على ثبوت المفهوم بدعوى أنَّ جميع الخصوصيات الدخيلة في المفهوم مدلولة للقضية الشرطيّة وضعاً. وأنَّ تمام الضابط من الترتّب اللزومي العلّي الانحصاري يثبت من ناحية وضع أداة الشرط، فيقع التعارض لا محالة بين الظهور الوضعي والظهور الإطلاقي؛ لأنَّ المفهوم ثابت بالظهور الوضعي في قبال ظهور المنطوق الاطلاقي الناشئ من مقدّمات الحكمة.
وحينئذٍ فإنْ قلنا: إنَّه مهما تعارض الظهور الإطلاقي والظهور الوضعي فإنَّ الظهور الوضعي أولى بالتقديم، كما يذكر ذلك الشيخ الأعظم(1) والميرزا(2)، فلا بُدَّ من تقديم المفهوم؛ لأنَّ ظهوره وضعي بخلاف المنطوق، فإنَّ ظهوره إطلاقي. وإن قيل: بأنَّ هذه الحكومة لا أساس لها -كما هو التحقيق تبعاً للمحقّق الخراساني(3)– وإنَّما يقدّم الظهور الوضعي في أغلب الموارد من باب
ــــــــــ[249]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول 4: 97، 98.
(2) انظر: أجود التقريرات 1: 539، فوائد الأصول 4: 721.
(3) انظر: منتهى الدراية في شرح الكفاية 3: 623- 626.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الأقوائية في الظهور على الظهور الإطلاقي، ولكن قد ينعكس المطلب ويكون الظهور الإطلاقي بحسب الارتكاز العرفي أقوى. فإذا كان المدار هو الأقوائية فلا يعلم أنَّ أيّ المفهومين أقوى ليقدم، بل يلتزم بالتعارض والتساقط؛ لعدم وجود مبرر فني للتقديم.
والفرق بين مسالك الإطلاق وهذا المسلك أنَّنا إذا التزمنا بالتعارض والتساقط في هذا المسلك بين الظهور الوضعي والظهور الإطلاقي لا يبقى مجال لأصل المفهوم؛ لأنَّ مرجع التساقط هو أنَّه لم يتعيّن عندنا استعمال أداة الشرط في معناه الحقيقي، وهو الترتّب اللزومي العلّي الانحصاري، فلا بُدَّ أن تكون مستعملةً في معنى مجازي. فبعد سقوط أصالة الحقيقة بالمعارضة فلا يبقى دليل على أنَّ الأداة مستعملة في اللزوم العلّي الانحصاري في سنخ الحكم. ولا يكون هذا قابلاً للتحصّص، بخلاف الإطلاق فإنَّه يتحصّص بلحاظ الجهات، فإذا سقط بعضه يبقى الباقي. ولكن هنا إذا سقط الظهور الوضعي لا يبقى دليل المفهوم أصلاً؛ لأنَّ ذلك الدليل كان هو أصالة الحقيقة وقد سقط، فلعلّها مستعملة في اللزوم العلّي أو مجرّد اللزوم، ولا دافع لهذا الاحتمال.
أمّا بناءً على مسلكنا في إثبات المفهوم فنقول: نحن قلنا: بأنَّ اللزوم مدلول للظهور السياقي الثانوي للقضية الشرطيّة، وكون الشرط علّةً فهو من ناحية أنَّنا لا نفهم من ملازمة الجزاء للشرط في الجعل إلَّا كون الشرط علّةً، وكونه علّةً لطبيعي الحكم إنَّما يكون بإجراء مقدّمات الحكمة، وكونه علّةً انحصارية
ــــــــــ[250]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فنثبتها بالبرهان الملفّق، أي: بظهور الشرط بدخله بعنوانه في كل حصّة من الجعل، إذ لو كان هناك شرط آخر علّة مع هذا الشرط للزم أنْ يكون الدخيل في التأثير هو الجامع، وهذا خلاف ظهور الشرط بدخله بعنوانه.
هذا ملخّص تقريبنا.
إلَّا أنَّه قد يُقال هنا: إنَّه تقع المعارضة بين ظهور الشرط بأنَّه علّة بعنوانه الدالّ على الانحصار المساوق للمفهوم، مع إطلاق الشرط الأحوالي لحال الانفراد الدالّ على العلّيّة التامّة.
أليس الأمر دائراً بين أنْ يكون الشرط علّةً تامّةً أو أنْ يكون مجموع الشرطين علّةً؟ فبمقتضى الإطلاق الأحوالي للشرط نثبت أنَّ خفاء الأذان علّةٌ تامّة بدلية يؤثّر سواء انضم إليه خفاء الجدران أو لا، وهذه العليّة التامّة استفدناها من الإطلاق الأحوالي للشرط لحال الانفراد. وهو يقع طرفاً للمعارضة مع ظهور الشرط في دخله بعنوانه، فإنَّ هذا الظهور ينافي مع كون هذا علّة تامّة وذلك علّة تامّة؛ لأنَّ فرض أنَّ كلاً منهما علّة تامّة هو فرض أنَّ الجامع علّة لا كل بعنوانه؛ فيقع التعارض بين الظهور الأحوالي للشرط وظهوره بدخله بعنوانه.
فالأمر دائر في الشرطين: إمّا أنْ يكون كلٌّ منهما علّةً مستقلّةً أو جزء علّة، فإذا كان كلٌّ منها علّةً مستقلّةً فلا بُدَّ أنْ يكون الجامع علّةً، من ناحية البرهان الملفق، وأمّا إذا كان كل منهما جزء العلّة فلا بأس أن يكون كلّ بعنوانه جزء العلّة.
ــــــــــ[251]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فظهور الشرط أنّه بعنوانه دخيل يستلزم عقلاً أن يكون الشرط جزء العلّة لا تمام العلّة؛ إذ لو كان علّةً تامّةً لما كان هذا بعنوانه دخيل وذاك بعنوانه دخيل، بل لكان الجامع دخيلاً. والإطلاق الأحوالي في الشرط يدلّ على أنَّه علّةٌ تامّةٌ؛ لأنَّه لو كان جزء العلّة لما كفى وحده في ترتّب الجزاء. فالإطلاق الأحوالي لحال الانفراد يدلّ على العليّة التامّة وظهور الشرط أنَّه بعنوانه دخيل يدلّ بالالتزام على أنَّ الشرط جزء العلّة، فإذا تعارضا وتساقطا فإنَّه تنتج عندنا نتيجة غريبة، وهي أنّه لا يبقى عندنا دلّيلاً على إثبات أصل المفهوم؛ لأنَّ ظهور الشرط بعنوانه دخيل قد سقط، فيثبت أنَّه ليس دخيلاً بعنوانه، بل بجامعه، أي: بجامع بين الاثنين أو بين الثلاثة، فلا يبقى لدينا مُعيَّن للجامع هل هو بين الأذان والإقامة أو بينها وبين شيء ثالث، وبهذا يبطل أصل المفهوم؛ إذ لا يمكننا أنْ ننفي علّة الثالث به. وهذا من نتائج إبقاء المعارضة بهذا الترتيب على مسلكنا.
ولكن دفع هذا الكلام بأن يقال: إنَّ هذا الكلام- وهو أنْ نجعل طرف المعارضة مع الإطلاق الأحوالي لحال الانفراد المثبت للعليّة التامّة هو ظهور شرط في أنَّه بعنوانه دخيل المثبت للانحصار المساوق للمفهوم- لا موجب له، بل نجعل طرف المعارضة مع الإطلاق الأحوالي هو جريان مقدّمات الحكمة في طرف الجزاء.
ونحن أثبتنا بمقدّمات الحكمة أنَّ المعلّق في طرف الجزاء هو طبيعي الحكم بجميع أفراده لو كانت له أفراد، فنعارضه مع الإطلاق الأحوالي ونقول: إنَّ المقيّد ليس هو الطبيعي بتمام حصصه، فتخرج حصّة المعارض ويبقى الباقي، فيحصل لنا مجال للتمسّك بالمفهوم بلحاظ الحصص الأخرى.
ــــــــــ[252]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فالتصرّف لا ينبغي أن يكون في ظهور الشرط أنَّه بعنوانه دخيل، بل في إطلاق الجزاء فطرف المعارضة هو إطلاق الجزاء مع الإطلاق الأحوالي للشرط. ولا موجب لتقديم أحدهما فيتساقطان ويرجع إلى الأصول العملية أو القواعد الفوقانية.
هذا بحسب الكلام الفني. وأمّا بحسب الكلام غير الفني فإنَّ العرف لا يستشكل بتقديم المنطوق، ويجعل المنطوق قرينة على المفهوم، ويفهم أنَّ كلاً من الشرطين علّة تامّة. أمّا الوجه في ذلك: فلعلّه لأنَّ الغلبة في هذا الطرف، أي: أنَّ كون المولى مهملاً للعدل أقوى من كونه مهملاً للجزء الآخر من العلّة. فاهتمام المتكلّم العقلائي عادة يكون ببيان الجزء الآخر من العلّة لو كان هناك جزء آخر أكثر من اهتمامه ببيان العدل لو كان هناك عدل. فكون المتكلّم في مقام البيان من تلك الجهة آكد وأقوى.
ولم أذكر ذلك كبرهان على الفهم العرفي، ولكنّي لا أشك أنَّ العرف يقدّم المنطوق على المفهوم وحينئذٍ فيقدّم المنطوق في كل منهما على مفهوم الآخر.
ــــــــــ[253]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
عقد هذا التنبيه لبيان حال ما إذا تعدّد الشرط أو تعدد الجزاء، إذا فرض أنَّه تعدد الشرط نحو: (إذا جاءك شخص وكان عالماً ويلبس الثوب الأبيض فأكرمه). حيث يفرض هنا شروط متعدِّدة للجزاء. ولا شبهة أنَّ هذه الشروط توجب تضييق دائرة المنطوق ثمُّ توجب توسّعة دائرة المفهوم. فهي توجب تضييق المنطوق؛ لأنّها إنَّما تكون مؤثّرة إذا اجتمعت، فلو فُرِض تخلّف أحدها فإنَّ الجزاء لا يوجد وتَوجَّب توسعة المفهوم؛ لأنَّ الجزاء ينتفي بانتفاء واحد منها أياً كان. وهذا لا يفرق فيه على جميع المسالك في إثبات المفهوم، سواء أثبتنا المفهوم بالوضع أو بالإطلاق، فالنتيجة هي أنَّ تعدّد المذكور في جملة الشرط يوجب هذه النتيجة، وهذه مساوقة إلى أنَّ هذا المجموع علّةٌ تامّةٌ منحصرةٌ، فينتفي الجزاء بانتفاء أيّ واحد من الأجزاء؛ لأنَّ الكلّ ينتفي بانتفاء بعض أجزائه. وهذا ما لم يستشكل فيه ولا ينبغي الإشكال فيه.
قد تقع في طرف الجزاء أمور متعدِّدة وفي طرف الشرط شرط واحد نحو: (إذا جاءك زيد فأكرمه) وعطف على الجزاء أموراً أخرى. وأحد أمثلة ذلك ما ورد في باب تحريم الغيبة: (إذا عاشر الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم
ــــــــــ[254]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم. فذاك الذي حرمت غيبته، ووجبت مودته، وثبتت عدالته)(1)، فهذه ثلاث أمور رُتبت على الشرائط المتعدّدة، فإذا انتفى أحد هذه الأمور الثلاثة كأنْ واعدهم فأخلفهم، فهل يدلّ المفهوم على انتفاء الأمور الثلاثة التي في الجزاء بمعنى انتفاء مجموع الثلاثة بانتفاء الشرط، أو أنَّ المفهوم هو انتفاء المجموع، بمعنى: أنَّ هذا الشخص لا يثبت له المجموع، ولعلّه من الممكن ثبوت أحدها له؟ فهذا هو محلّ الكلام.
قد يُقال إنَّ المفهوم ثلاثة سلوب، وقد يقال أنَّه انتفاء المجموع، وهو يحصل بانتفاء أي واحد من أجزاء الجزاء.
وميزان ذلك: أنَّ العطف تارةً يلحظ في طول التعليق، وتارةً يلحق التعليق في طول العطف. ففرض أنَّ الجملة الثانية معطوفة على الأولى بعد فرضها معلّقة، والعطف يدلّ على التشريك في الحكم، وأنَّ حكم المعطوف عليه ثابت للمعطوف أيضاً، فإذا كان العطف في طول التعليق فالمحصّل منه هو أنّ التعليق الثابت للأول ثابت للثاني، وما دام هذا التعليق من باب تعليق الجزاء على العلّة المنحصرة، وما دام العطف في طول التعليق فيدلّ على أنَّ هذا التعليق الأول يسري إلى الثاني، فيدلّ -لا محالة- على أنَّ الثاني معلّق مستقلاً كالأول، والثالث
ــــــــــ[255]ــــــــــ
(1) الكافي 2: 239، باب المؤمن وعلاماته وصفاته، الحديث 28: ونَص الحديث (من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، كان مّمن حرمت غيبته، وكملت مروءته، وظهر عدله، ووجبت اخوته). وسائل الشيعة 12: 279، باب: تحريم اغتياب المؤمن ولو كان صدقاً، الحديث 2.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
معلّق مستقلاً كالثاني، فيكون الجزاء عبارة عن جزاءات مستقلّة متعدِّدة لعلةٍ واحدةٍ منحصرةٍ، فإذا انتفت هذه العلّة تنتفي جميع الجزاءات.
وأخرى يكون التعليق في طول العطف، فالمتكلّم يعلق الجمل المتعاطفة، بعد أنْ يقال: (حرمت غيبته، ووجبت مودته، وثبتت عدالته) تعلّق هذه الجمل على ما إذا كان كذا، فالتعليق تعليق بعد العطف لا قبله، فنسبة العطف إلى أيّ من الثلاثة نسبة واحدة، وليس العطف متأخّراً عن التعليق حتّى يختص التعليق بالجملة الأولى.
فإذا فرض أنَّ التعليق بعد المعلّق، فيمكن أن يفرض أنَّه تعليق واحد أو تعليقات ثلاث. فإذا فرض تعليقاً واحداً فيكون طرف التعليق هو المجموع لا الثلاثة بما هي ثلاثة؛ لأنَّ التعليق لا يكون طرفه أكثر من شيء واحد، فتدلّ القضية حينئذٍ على انتفاء المجموع عند انتفاء الشرط لا انتفاء الجميع. أمَّا إذا فرضنا أنَّه تعليقات ثلاثة فينتفي الجميع لا المجموع عند انتفاء للشرط.
فإذا كان العطف عطفاً على المعلّق فلا محيص من انتفاء الجميع لا المجموع؛ لأنَّنا فرضنا أنَّ الأولى معلّقة والثانية معطوفة عليها، فالأولى تنتفي بانتفاء الشرط ويتبعها الباقي بحكم العطف، وحينئذٍ فيتعيّن القول بانتفاء الجميع. وأمّا إذا كان التعليق للجمل بعد تعاطفها، فيدور الأمر بين استظهار وحدة التعليق فينتفي المجموع عند انتفاء الشرط وبين استظهار تعدد التعليق، فلا بأس من انتفاء الجميع.
فتحصّل: أنَّه بحسب مقام الثبوت إذا فرضنا أنَّ التعليق كان في رتبة سابقة
ــــــــــ[256]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
على العطف فلا بُدَّ من الالتزام بانتفاء الجميع، وإذا كان العطف في رتبة سابقة على التعليق واستظهرنا وحدة التعليق وكان طرف التعليق هو المجموع، فينتفي المجموع حينئذٍ قهراً بانتفاء الشرط، وإنْ استظهرنا تعدد التعليق فينتفي الجميع عند انتفاء الشرط(1).
ــــــــــ[257]ــــــــــ
() بعد أن قسّم الاحتمالات في الدورة الثانية إلى:
الاحتمال الأوّل: أن يكون العطف في طول التعليق.
الاحتمال الثاني: أن يكون التعليق في طول العطف.
الاحتمال الثالث: أن يكون التعليق في طول العطف كالاحتمال الثاني، إلَّا أنَّ الفرق بين الاحتمالين أنه في هذا الاحتمال التعليق لم يطرأ على الصلاة والصوم ممّا هي جملة جزاء واحد، بل يطأ عليها بما هي جزاءات متعدِّدة.
وتكلّم في الدورة الثانية عن عين ما تكلَّم به في الدورة الأولى، لكنّه أضاف:
قد يقال: إنَّ المتعيّن هو الثالث دون الأوّل والثاني؛ وذلك بالبرهنة على بطلان الأوّلين:
أمّا الاحتمال الأوّل؛ فلأنَّ العطف يدلّ على نسبةٍ ناقصةٍ، فإنَّ قولنا: (زيدٌ وعمرو) لا يصح السكوت عليه، وقد برهنا في بحث المعاني الحرفية أنَّ النسبة الناقصة لا بدَّ أن تقع طرفاً للنسبة التامّة ولا يمكن أن تكون في عرضها، وإلّا بقيت ناقصة إلى الأبد، ولو وُجد في الكلام ما لا يصح السكوت عليه، مع أنَّه خلاف المفروض.
ومعنى ذلك في المقام: أنَّ الجمل المتعاطفة في الجزاء وقعت طرفاً للتعليق على الشرط. وهذا معناه طروّ التعليق على العطف دون العكس المفروض في الاحتمال الأوّل.
وأمّا الاحتمال؛ الثاني فلأنَّ مؤونة لحاظ الأمور المتعاطفة شيئاً واحداً بمجموعها يحتاج إلى مؤونة، فإن ثبت فهو كما في الحديث: (إذا عاشر الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فذلك الذي حرمت غيبته، ووجبت مودته، وثبتت تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وأمّا بحسب مقام الإثبات فإنَّ الشقَّ الثاني خلاف الظاهر؛ فإنَّنا إذا فرضنا إن لم نستظهر أنَّ العطف في طول التعليق فإنَّنا لا نستظهر أنَّ التعليق في طول العطف، مع كون المعلّق هو المجموع؛ لأنَّ المجموع عبارة عن تركيب اعتباري
ــــــــــ[258]ــــــــــ
عدالّته). فقد لوحظ المجموع شيئاً واحداً بقرينة قوله: (فذاك).
أقول [المقرر]: لا بدّ أنَّ مراد السيّد التمثيل لمجرّد إرادة المجموعية وإلّا فإنَّ الحديث لا ينطبق على محلّ الكلام؛ لأنَّ محلّ الكلام لحاظ الجمل المتعاطفة في الجزاء واحدة. والحديث لاحظ هذا المؤونة في جانب الشرط لا الجزاء. انتهى.
وأمّا إذا لم توجد هذه المؤونة فإن هذا اللحاظ خلاف الظاهر ومع انتفاء الأوّلين يتعيّن الثالث.
وهذا البيان صحيحٌ بحسب النتيجة؛ لأنَّ ما هو مفهوم عرفاً هو الثالث من هذه الاحتمالات، وهو أن يكون التعليق في طول العطف مع لحاظ الأمور المتعاطفة في جانب الجزاء أموراً متكثرة. فينحلّ التعليق إلى تعليقات متعدِّدة؛ لاستحالة أن يكون للتعليق الواحد أكثر من طرف واحد.
إلَّا أنَّ إثبات الثالث يكفي فيه نفي الثاني ولا يحتاج إلى نفي الأوّل؛ لأنَّه متّفق معه بالإنتاج.
ومن هنا قد يناقش في الإشكال الذي ذكرناه على الشقّ الأوّل؛ وذلك لأنَّنا فرضنا العطف يدلّ على نسبة ناقصة، مع أنَّه في الواقع يدلّ على نسبة تامّة، فإنَّنا قلنا في مبحث المعاني الحرفية: إنَّ كلّ نسبةٍ موطنها الأصلي هو الخارج تكون ناقصة، وكلّ نسبة موطنها الأصلي هو الذهن تكون تامّة. والنسبة في العطف موطنها الذهن؛ لأنَّه ليس المراد اجتماعهما في الخارج في مثل قولنا: (زيد وعمرو لا يجتمعان)، وإنَّما المراد اشتراكهما ذهناً، وهذا الاشتراك مفهوم من العطف بلا نقصان، وإنَّما المتصوّر الملحوظ في العطف هو قصور السياق؛ لأنَّه اشتراك بدون حكم، ومتوقف على الحكم في إعطاء مدلوله النهائي.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فلا بُدَّ أن نأتي بشيء يدلّ عليه ولم نأتِ بمثل هذا الشيء، ففرض انتزاع عنوان غير مذكور من عنوان مذكور يحتاج إلى عناية عرفاً ولم تذكر، فاستظهاره خلاف الظاهر.
فإلى هنا يتّضح أنَّ الظاهر هو انتفاء الجميع؛ لأنَّنا إن لم ندع -ولا يبعد ادعاءه- أنَّ العطف في طول التعليق، فلا أقل من أنَّ التعليق في طول العطف، ولكن المعلّق متعدد، فيتعلّق التعليق لتعدده. هذا إذا فرضنا أنَّ الجزاء جمل متعدِّدة.
وتارةً: يفرض أنَّ الجزاء جملة واحدة ولكن فيه أحكام متعدِّدة. فهل المفهوم هو انتفاء الجميع أو انتفاء المجموع عند انتفاء الشرط؟ ومثّلوا له بـ(إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء) فإنَّ الجزاء هنا وإن كان جملة واحدة، لكن حيث (شيء) نكرة واقعة في سياق النفي وهو يدلّ على العموم، وهذا العموم عبارة عن أحكام متعدِّدة بالانحلال، فالسلوب متعدِّدة بالانحلال أيضاً.
فإذا لم يكن الماء كراً فهل المفهوم هو انتفاء جميع السلوب فينجسه كل الأشياء أو بعض السلوب؟ فغاية ما يدلّ عليه هو أنَّه ينجّسه شيء في الجملة لا كل شيء. وهذا معنى قول الميرزا: هل مفهوم السالبة الكلّية موجبة كلية أو موجبة جزئية(1).
وبنوا على هذا إثبات انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس. فبناءً على أنَّ
ــــــــــ[259]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 2: 485.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
مفهوم السالبة الكلّية موجبة كلية لا جزئية، فيكون مفهوم (إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء) إذا لم يبلغ الماء قدر كر ينجسه كل شيء.
وذكر المحقّق النائيني(1): أنَّ هذه الثمرة لا تترتّب على هذا البحث، فإنَّه لا معنى للاستدلال على انفعال الماء القليل بالمتنجس بهذا الدليل حتّى لو قلنا: إنَّ المفهوم موجبة كلية؛ لأنَّه ليس المقصود من (شيء) كل شيء حتّى الشيء الطاهر، بل المقصود أنَّه لا ينجّسه شيء مما ثبت أنَّه منجس بالأدلة الشرعيّة للأشياء. فالمتنجس إمّا أن يقوم دليل من الخارج على أنّه منجّس لِما يلاقيه فنتمسك بهذا الدليل لإثبات كونه منجّساً، وإذا لم يدلّ مثل هذا الدليل فلا يمكن أن نستدلّ بالمفهوم.
جواب ذلك: في المقام إذا فرضنا أنَّ المتنجس دلّ الدليل على أنّه منجّس لغير الماء فهذا يكفي في إدراجه في المفهوم، بمعنى: أنَّه ينجسه شيء مما ثبت أنَّه من شأنه التنجيس في الجملة، ولا يشترط في المقام قيام الدليل على التنجيس بدليل مطلق شامل حتّى للماء أيضاً، بل ما يكون من شأنه أن ينجّس بالجملة.
يبقى الكلام في تحقيق أصل المطلب وهو ما إذا كان الجزاء متضمناً لأحكام متعدِّدة فهل يدلّ على انتفاء كل الأحكام أو بعضها عند انتفاء الشرط؟
ــــــــــ[260]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 421، 422، فوائد الأُصول 2: 485، 486.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أمّا بحسب مقام الثبوت فلا يخلو أمر المعلّق من أحد أنحاء ثلاثة: فتارةً يكون المعلّق عدم الحكم كما إذا صرح بالمعنى الاسمي للعموم فقال: عموم الاعتصام وعدم التنجّس معلّق على بلوغ الماء كراً. فإذا كان المعلّق هو عموم الحكم فلا إشكال أنَّ المفهوم يكون حينئذٍ هو انتفاء العموم، وهو لا يلازم مع انتفاء أصل الحكم، ولا دلالة للقضية في المقام على انتفاء أصل الحكم، فإذا كان المعلّق هو عموم الحكم فيكون المفهوم موجبة جزئية، لا موجبة كلية وهذا واضح.
وإذا فرض أنَّ المعلّق كان هو جميع الأحكام لا عموم الأحكام، فلا محالة يكون المفهوم موجبة كلية. فإذا فرضنا أنَّ المعلّق هو جميع السلوب التي تستفاد من الجزاء فلا محالة ينحلّ التعليق إلى تعليقات متعدِّدة بعدد السلوب؛ لأنَّ المعلّق إذا كان أموراً متكثرة بما هي متكثّرة فإنَّه يوجب تكثر نفس التعليق لعدم إمكان وجود تعليق واحد لأمور متعدِّدة.
إذن، تنحل القضية الشرطيّة إلى تعليقات وسلوب متعدِّدة، ولكل تعليق مفهوم على حدة، فيدلّ على انتفاء معلّقه عند انتفاء الجزاء. فبحسب الحقيقة ليس عندنا مفهوم واحد بل مفاهيم متعدِّدة وكل تعليق له مفهوم مستقل، فيكون المفهوم موجبة كلية، وهذا واضح.
وثالثة يكون المعلّق هو مجموع الأحكام لا عموم الأحكام ولا جميعها، وذلك بمعنى: أنَّ الأحكام وإن كانت في الواقع غير ارتباطية، أي: أنَّ عدم
ــــــــــ[261]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
تنجيس الدم للكر لا يلازم عدم تنجيس البول للكر، لكن بحسب عالم التعليق يمكن أن يعلّق الأمر المركب فنفرض هذه الأحكام أمراً واحداً ويعلّق هذا المركب الاعتباري على الشرط، وإن كانت الأحكام بحسب عالم الجعل مستقلّة عن بعضها البعض(1).
ــــــــــ[262]ــــــــــ
() قالفي الدورة الثانية: التنبيه الثالث: إذا وُجد في طرف الجزاء أداة للعموم فيكون التعليق منصباً عليه بأحد ثلاث احتمالات:
الأوّل: أن يكون المعلّق هو صفة العموم المتمثل بالأداة.
الثاني: أن يكون المعلّق هو العام لا العموم، لكنّه بنحو الاستغراق، بمعنى: انصباب التعليق على الأفراد فرداً فرداً.
الثالث: أن يكون المعلّق هو العام، مع لحاظ الافراد بنحو العام المجموعي.
أمّا بناءً على الاحتمال الأوّل فلا إشكال في كون المفهوم يقتضي انتفاء العموم لا انتفاء الحكم عن الأفراد بنحو السالبة الكلّية، بل لا يزيد عن السالبة الجزئية.
وأمّا بناءً على الاحتمال الثاني: يقتضي المفهوم انتفاء الحكم عن كلِّ الأفراد، أي: السالبة الكلّية، لا لما نُقل عن الميرزا: من أنَّ النقيض العرفي للموجبة الكلّية يختلف عن النقيض المنطقي، فإنَّ النقيض المنطقي هو السالبة الجزئية، إلَّا أنَّ النقيض العرفي هو السالبة الكلّية، فإنَّ هذا لا يتمّ؛ لأنَّ العرف يفهم من السالبة الجزئية والموجبة الكلّية التناقض، بل باعتبار انحلال الحكم على الأفراد انحلالاً بعددهم، وكلّ حكم انحلالي يكون طرفاً للتعليق، فيقتضي المفهوم انتفاء شخص الحكم بانتفاء الشرط وبعد ضمّ هذه الأحكام إلى بعضها البعض تتكون السالبة الكلّية.
وأمّا بناءً على الاحتمال الثالث: فغاية ما يقتضيه المفهوم هو انتفاء هذا المجموع الاعتباري تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وهذا تعليق لنفس الأحكام لا لعموم الحكم، ولكن تعليق نفس الأحكام بعد جعلها أمراً واحداً. ونحن في تعليق العموم لا نحتاج إلى فرض كل واحد من الأحكام جزء لمركّب اعتباري واحد، بخلاف الشقّ الثالث فإنّنا لا بُدَّ أن نفرض أنَّ كلّ حكم من الأحكام جزء من مركّب اعتباري ننشئه الآن، ونسبة المركّب إلى الأحكام نسبة الكلّ إلى الجزء، لا نسبة الجامع إلى أفراده. إذن، فأخذ
ــــــــــ[263]ــــــــــ
أمّا انتفاء بعضها فلا. فتكون النتيجة موافقةً للاحتمال الأوّل.
نعم، على بعض مباني المفهوم يمكن أن نستفيد انتفاء الجميع في الاحتمال الثاني، كما لو بنينا على المفهوم بلحاظ الاطلاق الأحوالي للشرط، وأنَّه علّةٌ سواء قارنه شيء آخر أو لا، فإن مقتضى هذا الاطلاق هو كون الشرط علّةً مستقلّةً للمجموع، سواء اقترن بالآخر المحتمل العليّة للبعض أو لا؛ إذ لو لم يكن للبعض علّة لا يكون هذا علّة مستقلّة لكلّ المجموع، فإذا انتفى الشرط تنتفي مجموع أجزائه.
وأمّا على مسلكنا من استفادة المفهوم من النسبة التوقّفيّة فلا اشكال أنَّه يقتضي انتفاء المجموع، وهو أعم من انتفاء الجميع.
وأمّا في مقام الاستظهار فإنَّ العموم تارةً يستفاد بنحو المعنى الاسمي كجميع وكل، وأخرى بنحو المعنى الحرفي كالألف واللام الداخلة على الجمع لو قيل بوضعها لافادة العموم. فإن كان على النحو الأوّل كان الظاهر من الجملة هو الاحتمال الأوّل، وأمّا الاحتمال الثاني فظاهره تعليق العام لا العموم؛ لأنّه هو المنظور إليه مستقلاً. وأمّا العموم فهو نسبة ناقصة مندكّة في جنب العام، ومعه فإن استظهر من العموم الاستغراقية بلحاظ أنَّ المجموعية مؤونة زائدة تعين الاحتمال الثاني، وإن قامت قرينة على المجموعية تعين الاحتمال الثالث. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
التركيب الاعتباري بين الأحكام مؤونة عرفاً، ونحن لا نحتاج إليها في الأول، ولكن نحتاج إليها في الثالث.
ومقصودي من هذا دفع الخلط الحاصل في تقريرات النائيني بين تعليق العموم وتعليق المجموع. في حين إنَّ أحدهما غير الآخر، ففي الأول – تعليق العموم- نتصوّر الجامع بما هو جامع ونقول: إنَّ هذا الجامع سار في جميع أفراده فيكون المعلّق هو سريان الجامع إلى أفراده، أمّا في الثالث فننشأ مركّباً اعتبارياً بحيث تكون النسبة بينه وبين أجزائه نسبة المركّب إلى الفرد، لا نسبة الجامع إلى الفرد، ثُمَّ نعلّق هذا المركّب على وجود الشرط.
وإذا تمّ هذا المركّب يكون نتيجته نتيجة الشقّ الأول؛ إذ مقتضى قانون التعليق هو انتفاء المجموع عند انتفاء الشرط، ولكن هل ينتفي المجموع كله؟ فهذا ما لا دلالة للقضيّة الشرطيّة عليه.
يبقى أنَّ الفرق بين الثالث والأوّل أنَّه على بعض المباني في المفهوم يمكن تنقيح كون المفهوم موجبةً كلّيّةً على الشقّ الثالث بخلاف الأول. وذلك إذا فرضنا أنَّنا قلنا: إنَّ المفهوم يثبت ببيان أنَّ الواحد لا يصدر إلَّا من واحد، باعتبار أنَّ ظاهر الشرط في القضية الشرطيّة أخذ بعنوانه علّة، فلو كان للجزاء علّة أخرى للزم صدور الواحد من الكثير، فيمكن تقريب هذا البرهان على الوجه الثالث أيضا بأن يقال: يثبت بقضية (إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شيء) أنَّ الكرية بعنوانها علّة في مجموع هذه السلوب – باعتبار أنَّها مركب اعتباري- فلو فرض أنَّ بعض هذه السلوب لها علّة أخرى، فيلزم حينئذٍ أن يكون لذلك
ــــــــــ[264]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
البعض علتان، ويلزم صدور الواحد من الكثير وهو محال، فهذا البرهان لو تمّ يمكن تقريبه لإثبات الانحصارية للكرية بالنسبة إلى جميع السلوب لا إلى بعض السلوب فقط.
أمَّا بالنسبة إلى الشقّ الأوّل فإنَّه لا يمكن صدور علّة أخرى لعموم الحكم، أمّا وجود علّة أخرى لبعض الأفراد فلا يلزم منه صدور الواحد من الكثير، فأصل الجامع لم يصدر من الكرّية، بل إسرائه إلى أفراده، وهذا الإسراء ليس له علّة أخرى، ولكن هذا لا يمنع أن يكون لبعض الأفراد علّة أخرى. وهذا بنفسه فرق بين الأوّل والثالث اللذين لم يفرّق بينهما في تقريرات النائيني.
وهكذا الكلام أيضاً بناءً على التمسّك ببعض المسالك الأخرى، حيث يمكن تتميم المفهوم على الشقّ الثالث دون الأول، وهو الإطلاق الأحوالي. وذلك بأن يقال: إنَّ ظاهر القضية أنَّ الكرّية علّةٌ تامّةٌ بالفعل لمجموع السلوب في تمام الأحوال، فلو فرض أن كان لأحدها علّة أُخرى للزم أن لا يكون الشرط علّةً تامّةً لمجموع السلوب، بل علّة ناقصة لبعضها.
نعم، على البعض الآخر من التقريبات وهي المهمّ منها ومن المسلك الذي نرتضيه لا يتمّ المفهوم، والمقصود من هذا التفريق بين الشقّين الأوّل والثالث.
فاتضح من هذا: أنّه إذا كان المعلّق هو عموم الحكم فيكون المفهوم موجبة جزئية ولا يثبت الإيجاب الكلّي. وإذا كان المعلّق جميع الأحكام فيكون المفهوم موجبة كلية؛ لأنَّه ينحل إلى تعليقات متعدِّدة. وإذا كان المعلّق مجموعاً اعتبارياً فيمكن أنَّ يتمّ المفهوم على بعض المسالك دون بعض.
ــــــــــ[265]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وبهذا اتضح الفرق بين الأول والثالث، كما اتضح أنَّه على الثاني يكون المفهوم موجبة كلية، لا لأنَّ هناك فرقاً بين علم الأصول والمنطق، حيث ذكر المناطقة: أنَّ نقيض السالبة الكلّية موجبة جزئية في حين أنَّه لا مانع في علم الأصول أن يكون نقيض السالبة الكلّية موجبة كلية، وذلك لأنَّ المنطق يريد اقتناص النقيض بالبرهان. أمّا في علم الأصول فلا يقتنص النقيض بالبرهان، بل بالظهور العرفي. ولا مانع حينئذٍ أن يكون نقيض السالبة الكلّية موجبةً كلّيّةً.
ويتّضح من هذا أنَّه لا فرق بين علم الأصول والمنطق، بمعنى: أنَّ الظهور هو على طبق البرهان؛ وذلك لأنَّ التعليق يتعدّد بتعدد أطرافه، فهو تعليقات متعدِّدة ونقيض كل شيء خلافه، والمجموع يكون موجبةً كلّيّةً.
أمّا بحسب مقام الإثبات: فتعدّد الأحكام تارةً يكون ثابتاً بالعموم، وتارةً يكون ثابتاً بالإطلاق عن طريق إجراء مقدّمات الحكمة.
فإذا كان ثابتاً بأداة العموم، فالظاهر عرفاً هو الأوّل لا الجميع ولا المجموع، أمّا المجموع؛ فلأنه مؤنة زائدة بنظر العرف، وهو أن نُكوِّن من الافراد مركباً اعتبارياً وهو خلاف الظاهر، وأمّا الجميع فلأنَّ المعلّق هو مفاد أداة العموم وهو إسراء الجامع إلى جميع الأفراد وليس هو جميع الافراد. فالمفهوم عرفاً من قولنا: (إذا كنت كريماً فأكرم كل عالم) هو الشمول واسراء الحكم إلى كل فرد، ومن هنا لا يفهم أنَّه إذا لم تكن عالماً فلا يجب عليك إكرام
ــــــــــ[266]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
عالم أصلاً. فبحسب الفهم العرفي في موارد أداة العموم يكون المعلّق هو العموم لا الجميع ولا المجموع.
أمّا إذا ثبت الإطلاق بمقدّمات الحكمة فالكلام فيه هو الذي بيّناه في التنبيه الأول في المطلقات البدليّة.
لأنَّه تارةً يكون التعليق في طول الإطلاق نحو: (إذا كنت بالغاً صح بيعك) فبمقدّمات الحكمة يثبت إطلاق البيع، فإذا لم يبلغ فهل المفهوم أنَّه إذا لم تبلغ لم تصحّ جميع بيوعك أو لا يصح لك بيع في الجملة؟
نقول: إذا كان التعليق في طول الإطلاق فيكون المعلّق هو الصحّة المطلقة للبيع المطلق، فينتفي بانتفاء الشرط، ولا موجب لانتفاء الصحّة المقيّدة. وإذا كان المعلّق أصل الصحّة فتنتفي بانتفاء الشرط. والمتفاهم العرفي يقتضي أنَّ الإطلاق في طول التعليق. ومن هنا يفهم العرفي عدم صحة كلّ بيع للصبي، ومرجع هذا الفهم فنياً هو أنَّ الإطلاق في طول التعليق.
بقي الكلام في أنَّ قوله: “إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء” من أيّهما؟ فإذا فرضنا أنَّه إطلاق ساذج فحاله حال صح البيع، فيكون مفهومه موجبة كليّة، وإذا فرضنا أنَّ النكرة الواقعة في سياق النفي فيها ظهور في العموم فحاله حال أداة العموم. إذن، فتطبيق المقام عليه يرجع إلى الفهم العرفي من وقوع النكرة في سياق النفي هل يفيد العموم أو لا يفيد العموم(1)؟
ــــــــــ[267]ــــــــــ
() تمّ هذا الدفتر في علم الأصول من تقريرات العلامة المفضال حجّة الإسلام والمسلمين سيّدنا وأستاذنا السيّد محمد باقر الصدر (دام ظله العلي)، وقد وقع الفراغ= تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[268]ــــــــــ
=منه بيد أقل العباد عملاً وأكثرهم زللاً المحتاج إلى رحمة ربه الكريم، محمد الصدر بن السيّد محمد صادق الصدر، النجف الأشرف، العراق بتاريخ آخر محاضرة في الدفتر [يوم الأحد 27/6/1382هـ، 23/11/1962م].
احتوى هذا الدفتر على أربع وثلاثين محاضرة من بحث المفاهيم ابتداء من أولها إلى نهاية التنبيه الرابع من مباحثها، وقد حضرتها كلها ما عدا ثلاث محاضرات، وقد كتبت محتويات هذه المحاضرات الثلاثة من بعض الزملاء في البحث، والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، وسلام على من اتبع الهدى. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
بقية مبحث المفاهيم
ــــــــــ[269]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
لو فرض بأنَّ القيد الراجع إلى مفاد الجملة الإنشائيّة في نحو: (أكرمه) من قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) لم يكن على نحو القضية الشرطيّة، بل كان راجعاً إلى مفاد هيئة (أكرمه) من دون صبه بعنوان الشرطيّة. فهو يرجع إلى مفاد الجملة الإنشائيّة لا بعنوان القضية الشرطيّة، أي: بدون أداة الشرط، غاية الأمر نحن قد قيّدنا مفاد هيئة أكرم في نحو: (حين يجيء زيد أكرمه).
هذه الجملة وأمثالها لا تسمى شرطية، وليست مركبة من قضيتين تامتين، كما في سائر القضايا الشرطيّة؛ في سائر القضايا الشرطيّة تكون القضية الشرطيّة مركبة من قضيتين تامتين نحو: (إذا جاء زيد فأكرمه). فـ (جاء زيد) قضية تامّة، و(أكرمه) قضية تامّة أيضاً، ووظيفة أداة الشرط الربط بين هاتين القضيتين التامتين بربط تام أيضاً. أمَّا في المقام فعندنا قضية واحدة، إلَّا أنَّ
ــــــــــ[271]ــــــــــ
() شرع السّيد في الدفتر الثاني (من الدورة الأولى) الذي يحتوي على تكملة مباحث المفاهيم بتاريخ 2/12/1962م.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
مفادها قيّد بقيد، بحيث استظهر من العبارة أو بالقرينة أنَّ القيد ليس راجعاً للمادة، بل هو راجع للهيئة.
تارةً: يكون القيد قيداً للمادة، أي: للمعنى الاسمي المدلول لمادة أكرمه، فيكون القيد أحد قيود الواجب بحيث يجب إحضاره لأجل إكرامه، فإذا احتملنا رجوع القيد إلى المادّة فلا ربط لهذا البحث ببحث المفاهيم.
أمّا إذا استظهرنا أنَّ القيد ليس قيداً للمادة بل هو قيد للهيئة، أي: هو قيد الوجوب لا قيد الواجب، وهو مقدّمة وجوبية لا مقدّمة وجودية، فيستظهر من نحو: (أكرم زيداً عند مجيئه)، أنَّه قيد ومقدّمة وجوبية، فلا وجوب لولا المجيء. فيقع الكلام أنَّ المنتفي عند انتفاء القيد هل هو شخص الحكم أو سنخ الحكم؟
أي: أنَّه هل تدلّ القضية على المفهوم كما لو صبت على نحو القضية الشرطيّة أو لا تدلّ؟
وإثبات المفهوم في المقام يحتاج إلى أحد ملاكين: إمّا بإثبات العليّة الإنحصارية، وإمّا بإثبات الملاك الآخر وهو التعليق والتضييق.
قد يقال في المقام: إنَّ المفهوم يثبت في مثل هذه الجمل بملاك التعليق، الذي سميناه بالاستلزام المنظور إليه بالعين اليسرى. ألم يكن هذا ملاكاً برأسه لإثبات المفهوم؟
وذلك بأن يقال: بأنّه لا يحتمل أن تكون الجملة متضمنة للاستلزام المنظور إليه بالعين اليمنى، أي: أنَّ قوله: (عند مجيء زيد) موضوع للدلالة على كونه
ــــــــــ[272]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
علّةً وسبباً للإكرام؛ لأنَّ المفروض أنَّها ليست جملة شرطية، فلا نحتمل أنَّها دالّة على الاستلزام بالعين اليمنى. وحينئذٍ فهي قضية تقييدية لا محالة، ولا معنى لقوله: (عند مجيئه) إلَّا أن يكون قيداً لأكرم.
وفي القضية الشرطيّة كما نحتمل أن يكون (أكرِم) معلقاً على المجيء نحتمل شيئاً آخر، وهو دلالة القضية الشرطيّة على سببية الشرط للجزاء. أمّا هنا فلا معنى للاستلزام المنظور إليه بالعين اليمنى؛ إذ لا توجد أداة شرط تدلّ على شرطية الشرط للجزاء. إذن، فمرجع هذا التقييد لا محالة إلى الضابط الثاني في إثبات المفهوم وهو التعليق والتقييد، والمقيّد عدم عند عدم شرطه.
إلَّا أنَّ هذا الضابط يحتاج في تتميمه إلى إجراء مقدّمات الحكمة لإثبات أنَّ المقيّد سنخ الحكم لا حصّة خاصّة من الحكم؛ لأنَّه لو كان المقيّد حصّة خاصّة فلا تدلّ القضية على انتفاء سنخ الحكم، بل على انتفاء هذه الحصّة المقيّدة فقط، ولا تدلّ على إنتفاء أيّ حصّة أخرى. فلا بُدَّ أن نثبت أنَّ طرف التعليق هو الطبيعي على إطلاقه بواسطة إجراء مقدّمات الحكمة.
وللمنع من جريان مقدّمات الحكمة لإثبات الإطلاق مجال. ففي نحو (أكرِم زيداً عند مجيئه) هناك نسبتان: نسبة مدلولة لـ(أكرِم) وهي نسبة إنشائية يصح السكوت عليها، ونسبة بين القيد والمقيّد، أي: بين (أكرِم زيداً) و(عند مجيئه)، وهذه النسبة الثانية في (عند مجيئه) نسبة ناقصة، ونحن قد تعقّلنا طروّ القيد على النسبة التامّة فيطرأ التقييد على مدلول الهيئة، إلَّا أنَّ النسبة التامّة البعثية قابلة للتحصّص من حيث المجيء وعدمه، والمتكلّم يلحظ حصّة خاصّة
ــــــــــ[273]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
من النسبة البعثية، فالقيد مرجعه إلى التحصيص وإرادة حصّة خاصّة من (أكرِم)، كما هو الحال في كل موارد التخصيص.
وفي المقام، أي: في نحو (أكرِم زيداً عند مجيئه) نريد من (أكرِم) حصّة خاصّة من النسبة الطلبية لا النسبة البعثية على إطلاقها، فعندما تراد هذه الحصّة المقيّدة لا يمكن أن تجري مقدّمات الحكمة في ذات المقيّد في المرتبة السابقة على التقييد ثُمَّ يقيّد؛ لأنَّه بحسب العرف والموافق للفن أنَّ مقدّمات الحكمة لا تجري في ذات المقيّد ثُمَّ يقيّد، بل يقيّد ثُمَّ تجري عليه مقدّمات الحكمة.
والوجه فيه واضح؛ لأنَّ التقييد يوجب تضييق لحاظ المتكلّم من أوّل الأمر لا أنَّ المتكلم يلحظ الشيء عارياً ثُمَّ يقيده، فهو من أوّل الأمر يريد إبراز هذه الحصّة الخاصّة، غاية الأمر أنَّها بينت بتعدد الدالّ والمدلول. ففي موارد التخصيص ليس هناك إرادتان في نفس المتكلم إرادة للجامع وإرادة للتخصيص، بل التخصيص يوجب تحصيص الإرادة. فالإرادة تنصب على المقيّد ابتداءً. فمقدّمات الحكمة لا يمكن أن تجري في ذات المقيّد في المرتبة السابقة على التقييد بل تجري بعد طروّ التقييد.
ففي المقام، قولنا: (أكرم زيداً عند مجيئه) هذا تحصص وتقييد، فكأنَّ المولى يبيِّن حصّة خاصّة من النسبة البعثية وهي الحصّة المقيّدة بالمجيء. أمّا أنَّ هذا القيد قيد للطبيعي أو لحصّة خاصّة من حصصه فهذا لا يعلم ولا يمكن أن يُعلم بواسطة إجراء مقدّمات الحكمة؛ لأنَّه إنْ أُريد جريانها قبل التقييد في ذات المقيّد فليس هناك لحاظ للمتكلم له، وإنْ أُريد جريانها بعد التقييد فهذا في كون أنَّ التقييد هو تقييد للمطلق.
ــــــــــ[274]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وهذا بخلافه في القضايا الشرطيّة المتعارفة، فهناك ربط بين قضيتين تامتين بما هما تامتان. وقد قلنا: إنَّ الفرق بين النسبة التامّة والناقصة أنَّ التامّة ينظر إليها بما هي كثرة والناقصة ترجع الكثير إلى شيء واحد. إذن، لا مجال للإطلاق والتقييد في النسبة الناقصة في نحو: (أكرِم زيداً عند مجيئه)، أمّا في القضايا الشرطيّة فهناك نسبة تامّة في طرف الشرط ونسبة تامّة في طرف الجزاء، ومدلول الأداة نسبة تامّة أيضاً وهو الربط بين الطرفين، فليس شأنها هو إرجاع الكثير إلى الواحد، ومن هنا يمكن جريان مقدّمات الحكمة فيها. بخلافه في النسب الناقصة فلا يمكن إجراء مقدّمات الحكمة.
ومن هنا يظهر: أنَّه لا يتمّ الملاك الآخر وهو العليّة الإنحصارية؛ لأنَّه يتوقّف على إجراء مقدّمات الحكمة أيضاً، وهي لا تجري في المقام.
فتكشّف الفرق بين القضية الشرطيّة والمقام، أنَّ النسبة والربط بين الحكم والقيد في المقام نسبة ناقصة. والنسبة الناقصة ترجع الأمرين إلى أمر واحد. فكأنّ المتكلّم من أول الأمر بيّن حصّة خاصّة، ومقدّمات الحكمة لا تجري في المرتبة السابقة على التخصيص ثُمَّ تخصص؛ إذ ليس هناك عالمان في إرادة المتكلّم.
أمّا في القضية الشرطيّة فالربط ثابت بين قضيتين تامتين، فليس هناك لحاظ واحد بل لحاظات متعدِّدة. إذن، هناك يمكن إجراء مقدّمات الحكمة في دعوى أنَّ الجزاء معلّق بمطلقه لا بمقيّده.
ويعطف على هذه القضايا بعض القضايا الشرطيّة، وهي التي كانت الأداة
ــــــــــ[275]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فيها متكفلة الدلالة على موضوع الحكم، بحيث تكون دالّة بإعتبار تضمنها للمعنى الاسمي على موضوع الحكم. كقول القائل: (من جاء أكرمه) فهي وإن كانت شرطية لا موصولة إلَّا أنَّها على نحو قولنا: الذي جاء أكرمه مع الأشراط، وهو العليّة الانحصارية فيأتي فيه نفس البرهان الذي ذكرناه في باب الوصف للاستدلال على أنَّ القضايا الوصفية لا مفهوم لها باعتبار أنَّ الموضوع هناك محصّص لمادة أكرم العالم، فالعالم محصص للإكرام وبالتالي محصص لأكرم التي هي أحد طرفيها الإكرام. إذن، لا يمكن إجراء مقدّمات الحكمة في الجزاء لإثبات أنَّ المعلّق هو المطلق دون المقيّد.
هذا البرهان بعينه يأتي قي القضايا الشرطيّة إذا كانت أداة الشرط فيها متكفلة للدلالة على موضوع الحكم نحو: (أكرم من يجيء) فهيئة أكرم متحصصة بالمادّة وهو الإكرام، والإكرام متحصص بالمجيء. فلا يمكن إجراء مقدّمات الحكمة في الإكرام لإثبات الوجوب سواء جاء أو لم يجئ.
فهذه القضايا الشرطيّة تُلحَق بالقضايا غير الشرطيّة بالحكم بعدم المفهوم.
يبقى من القضايا الشرطيّة غير هذه القضايا، وهي التي ليست متكفلة لبيان الموضوع. فأداة الشرط في هذه القضايا متضمنة للظرفية كـ(إذا)، فإنَّ مرجع قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) هو أنَّه حين مجيء زيد أكرمه. غاية الأمر أنَّ الفرق بين (إذا) وبين (حين) أنَّ (إذا) موضوعة للربط التام بين الجملتين، فلا ينبغي أنْ يقاس مثل (إذا) على الظرفيات التي نفينا المفهوم عنها.
صحيح أنَّ كليهما متكفل للظرفية، إلَّا أنَّ البيان هناك من حيث إنَّ مفاد
ــــــــــ[276]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
التقييد نسبة ناقصة وهو عبارة عن التحصيص، فلا يمكن إجراء مقدّمات الحكمة، وهذا لا يأتي هنا؛ لأنَّه هنا توجد نسبة تامّة، فيمكن إجراء مقدّمات الحكمة ثُمَّ التقييد؛ لأنَّ النسبة التامّة تكون بين الطرفين بما هما طرفان، فيمكن إجراء مقدّمات الحكمة في أحد الطرفين(1).
ــــــــــ[277]ــــــــــ
() قال في الدورة الثانية: التنبيه الخامس: إذا ورد التقييد على مفاد الأمر بغير الجملة الشرطية فهل تدلّ على المفهوم أو لا؟ كما لو قال: (أكرم زيداً عند مجيئه) وأراد إرجاع القيد إلى مفاد الهيئة، كما هو الظاهر عرفاً لا إلى المادّة.
لم تقع دعوى ثبوت المفهوم في التطبيقات الفقهية لمثل هذه الجملة، ولا ينبغي الاستشكال في عدمه وإنَّما في تخريج ذلك فنياً.
وكلّ طريقةٍ في تخريج المفهوم تشمل المقام فهو يعتبر نقضاً على ذلك. كما في طريقة الميرزا في إثبات المفهوم بالتمسك بالاطلاق المقابل لـ (أو) المثبت للعليّة التعيينية، فهو شامل للمقام أيضاً، فلابدّ من تصوّر طريقة لاثبات المفهوم غير شاملةٍ لمحلّ الكلام.
على أنَّ ليس مقصودي هو الاشكال على الميرزا؛ إذ يمكنه منع الاطلاق في هذه الجملة، وإنّما المراد مجرّد التمثيل.
وتوضيح الحال في ذلك: قلنا فيما سبق: إنَّ أحد ركني اقتناص المفهوم هو أن يكون المعلّق في طرف الجزاء هو طبيعي الحكم، وقلنا إنَّ هذا يثبت بجريان مقدّمات الحكمة في طرف الجزاء. وقلنا أيضاً: إنَّ جريانها يتوقّف على أن لا يكون المدلول التصديقي بإزاء النسبة الارسالية، بل تبقى على المدلول التصوّري، ويكون المدلول التصديقي بإزاء النسبة التعليقية المدلول للجملة ككل؛ لأنَّ النسبة الإرسالية إن كان لها مدلول تصديقي دلّت على وجود حكم واحد شخصي، فيتعذر إجراء مقدّمات الحكمة، وإنَّما يمكن=
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ــــــــــ[278]ــــــــــ
=إثبات كون المعلّق طبيعي الحكم فيما إذا سحبنا المدلول التصديقي من النسبة الارسالية إلى النسبة التعليقية، بحيث تكون موضوعاً له.
وهذا التحليل يتوقّف على أن تكون النسبة الربطية (التعليقية) نسبةً تامّةً يُعقل أن يقع بإزائها المدلول التصديقي كما هو الحال في القضية الشرطية؛ لأنَّ موطنها الأصلي هو الذهن، وأمّا في المقام فقولنا: (عند مجيئه) نسبة ناقصة لا تامّة؛ لأنَّه يراد الربط بين الوجوب والمجيء الخارجي لا الربط في أفق الحكم بين نسبتين ذهنيتين، وكلّ نسبة موطنها الخارج تكون في عالم الذهن ناقصة، وتوجد نسبة واحدة تامّة في هذه الجملة هي النسبة الإرسالية في أكرم، ومعه يستحيل سحب المدلول التصديقي من موازاة النسبة التامّة إلى موازاة النسبة الناقصة؛ لأنَّ النسبة الناقصة لا يكون بإزائها مدلول تصديقي، ومعه لا يمكن أنْ نثبت أنَّ المقيّد هو طبيعي الحكم، وهذا هو سر الفرق بين الجملتين.
وهذا قانون عام في المفاهيم، فكلّ جملةٍ كانت النسبة التقييدية فيها تامّة ثبت فيها المفهوم، وكلّ جملةٍ كانت فيها هذه النسبة ناقصة انتفى المفهوم.
أقول [المقرر]: لا يخفى أنَّ هناك فرقاً بين أسلوب الدورة الأولى وهذه الدورة، أعني الثانية.
حيث إنَّه في الدورة الأولى بدأ بعدم توفر الركن الأوّل للمفهوم الذي أسماه في الدورة الثانية بالنسبة التوقّفيّة، ثُمَّ أعقبه بذكر عدم توفر الركن الثاني.
كما أنّه بالنسبة إلى الركن الأوّل فقد ذكر: أنَّنا في القضية الشرطية ادّعينا الوجدان على دلالتها على النسبة التوقّفيّة، وهنا لا ندّعي هذا الوجدان. فحتّى لو أمكن محالاً إجراء مقدّمات الحكمة في طرف الجزاء وإثبات أنَّ المعلّق سنخ الحكم، فإنَّه لا يكون كافياً في استفادة المفهوم. إنتهى.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ذكر مشهور المحقّقين(2) في هذه المسألة أنَّه إذا وردت قضيتان شرطيتان وكان الجزاء فيهما متحداً، والشرط فيهما متعدداً، فهل يقتضي ذلك تعدد الحكم فيها المساوق لعدم التداخل، أو لا يقتضي ذلك للتداخل؟ فمثلاً إذا ورد (إذا جاء زيد فأكرمه) و (إذا أهدى لك هدية فأكرمه) واجتمع مجيء زيد مع إهدائه الهدية، فهل تقتضي هاتان القضيتان وجوبين للإكرام، أو تقتضيان وجوباً واحداً؟ فالأول: هو القول بعدم التداخل في الأسباب والثاني: هو القول بالتداخل فيها. وعلى الأول فهل يلزم امتثالان للحكمين، أو يكفي امتثال واحد وإكرام واحد؟ وكان الأولى بهم تسمية هذا النزاع بالتداخل في عالم الجعل والإمتثال وعدمه، لا بين الأسباب والمسبّبات، إذ لا سببية بين الحكم وامتثاله، ولكنّه اصطلاح جروا عليه.
ــــــــــ[279]ــــــــــ
() فيما يلي ما نقلته عن دفتر السيّد محمد باقر الحكيم (سلّمه الله تعالى وأيّده) من تقريرات سيّدنا الأستاذ. (المُقرِّر).
(2) انظر: فوائد الأصول 1: 739، كفاية الأصول: 202، أجود التقريرات 1: 426.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وقد ذكروا قدس سرهم(1): أنَّ الملاك في هذا النزاع هو تعارض ظهورين: أحدهما ظهور الشرط في الاستقلال في مقام التأثير، بمعنى: كونه مؤثراً في أصل وجود الحكم في قبال أن يكون مؤثراً في حده كما هو الحال في تأكّد الحكم، فإنَّه لا معارضة حينئذٍ بحيث يكون أحدهما علّة لأصل الحكم والثاني علّة لتأكده، فينتفي التعارض الذي هو ملاك عدم التداخل، وثانيهما إطلاق مادة الجزاء المقتضي للتداخل؛ لأنَّ الالتزام بتعدد الحكم مع التحفظ على إطلاق المادّة يلزمه اجتماع المثلين على صرف الوجود؛ لأنَّ صرف الوجود لا يتحمل إلَّا حكماً واحداً وإلَّا لزم اجتماع المثلين. وهذا الملاك إنَّما هو ملاك للنزاع الأول دون الثاني.
وقد ذكر المحقّق الخراساني(2) تعليقاً على هذا النزاع: أنَّه لا يبقى مجال إذا اخترنا الوجه الثالث من وجوه الجمع في مسألة تعارض إطلاق المنطوق مع إطلاق المفهوم، وكان مفاد ذلك الوجه – كما سبق- هو رفع اليد عن إطلاق المنطوق، فإنَّه مع رفع اليد عن إطلاق المنطوق يكون كلاً من الشرطين جزء العلّة، ومع كون كل منهما جزء العلّة لا يبقى مجال لظهور الشرط في الاستقلال في التأثير؛ إذ حتّى مع القول بهذا الظهور يمكن أن يكون هذا الاستقلال بلحاظ كونه جزء العلّة لا تمام العلّة.
ــــــــــ[280]ــــــــــ
(1) انظر: الأصول في علم الأصول 1: 155، مقالات في الأصول 1: 406، أجود التقريرات 1: 433.
(2) انظر: كفاية الأصول: 201.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وقد يتراءى من كلام المحقّق الخراساني أنَّ هناك طولية بين هذه المسألة والمسألة السابقة، وأنَّه ينبغي أن تنقّح تلك المسألة في المرتبة السابقة على هذه المسألة.
ولأجل تحقيق هذه المسألة نتكلّم في جهتين:
الحقيقة أنَّ القضايا الشرطيّة المتحد جزاؤها والمتعدد شرطها مختلفة، فقد تكون القضيتان بحيث لا تندرج إلَّا تحت المسألة السابقة، وقد تكون بالعكس. وثالثة تكون مندرجة تحت كُلٍّ من المسألتين:
فالقسم الأوّل: فيما إذا كانت القضيتان بحيث لا يُعقل فيهما عدم التداخل، كما في المثال المشهور في تلك المسألة، فإنَّ القصر لا يعقل فيه التعدّد ولا يمكن إلَّا أن يكون قصراً واحداً، وحينئذٍ فلا يتأتّى هذا النزاع.
أمّا القسم الثاني: فهو فيما إذا كانت القضيتان لا مفهوم لهما أو كان لهما مفهوم بحسب ظهورهما، لكن علمنا من الخارج بعدم المفهوم لهما كما إذا ورد: (من جاء عندك فأكرمه) و(من أهدى إليك هدية فأكرمه)، بناءً على القول بعدم المفهوم فيهما كما سبق، أو كما ورد :(إذا بِلت فتوضأ، وإذا نمت فتوضأ)، فإنّنا في المقام نعلم من الخارج بعدم المفهوم فيهما. وفي مثل هذين القسمين لا ينبغي أن يقع كلام في طولية المسألتين بلحاظها وعدمها؛ لعدم اندراجهما تحت كلا القسمين. نعم، في القضيتين اللتين تتأتى فيهما كلاً من المسألتين ينبغي تحقيق الطولية وعدمها، كما هو الحال في المثال المذكور في صدر المسألة: (إذا جاء زيد
ــــــــــ[281]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فأكرمه) و(إذا أهدى إليك هدية فأكرمه).
وقد أشرنا سابقاً(1) إلى كلام المحقّق الخراساني الذي قد يتراءى منه كون هذه المسألة في طول المسألة السابقة، وكلامه في نفسه في غاية المتانة، ولكن هذا هل يعني كونهما طوليتين أو لا؟
الصحيح: أنَّ الطولية من كلا الطرفين؛ ذلك لأنَّه كما ذكر المحقّق الخراساني(2): أنَّه إذا رفعنا اليد عن إطلاق المنطوق في المسألة السابقة لا يبقى مجال للبحث في هذه المسألة، فإنَّ رفع اليد عن إطلاق المنطوق يعني رفع اليد عن كون الشرط علّةً تامّةً للجزاء، وإذا لم يكن علّةً تامّةً وكان جزء العلّة فلا بُدَّ أن يكون كلاً من الشرطين سبباً واحداً، وهذا يؤدّي إلى نتيجة التداخل، فلا يبقى مجال للبحث في عدم التداخل حتّى لو تحفّظنا على ظهور الشرط في استقلاله في التأثير.
فكذلك الحال فيما إذا رفعنا اليد عن إطلاق المادّة الذي هو طرف المعارضة في المسألة الثانية فإنه لا يبقى مجال للبحث في المسألة السابقة؛ إذ لو قيدنا إطلاق المادّة المؤدّي إلى القول بعدم التداخل يكون الجزاء في كل من القضيتين غير الجزاء في القضية الثانية، فلا يكون حينئذٍ تعارض بين إطلاق المفهوم وإطلاق المنطوق، بل لا يكون هناك جزاءً واحداً وإنّما جزاءات متعدِّدة أحدهما مقيّد بقيد والآخر مقيّد بقيد آخر مغاير للقيد السابق، فمثلاً: إذا رفعنا اليد عن
ــــــــــ[282]ــــــــــ
(1) راجع: ص 280.
(2) انظر: كفاية الأصول: 201، 202.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إطلاق مادة الإكرام في قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) و(إذا أهدى إليك هدية فأكرمه) بأن قيّدنا الإكرام في القضية الأولى بخصوص الإكرام الاحترامي، والإكرام في القضية الثانية بخصوص الإكرام المالي، فحينئذٍ لا يبقى تعارض بين إطلاق مفهوم القضية الأولى الذي هو إذا لم يجئك فلا تحترمه سواءً أهدى إليك هدية أو لا، وبين إطلاق منطوق القضية الثانية إذا أهدى إليك هدية فأكرمه إكراماً مالياً، كذلك العكس.
إذن، ليست المسألة الأولى في طول المسألة الثانية، كما أنَّ الثانية ليست في طول الأولى.
وبالجملة: فإنَّ هنا أموراً أربعة: ظهور الشرط في الاستقلال التأثيري، وإطلاق المادّة في الجزاء، ومنهما تتشكل المسألة الثانية، وإطلاق المنطوق، وإطلاق المفهوم، ومنهما تتشكل المسألة السابقة. وليست هناك طولية بين ذينك الأمرين وهذين الأمرين، كما لا طولية في العكس؛ وذلك لأنَّه كما أنَّ رفع اليد عن أحد الأمرين الأولين يؤدي إلى سد باب البحث في الأمرين الآخرين كذلك الأمر بالعكس.
وهنا يبرز سؤال: ما هو موقف الفقيه المستنبط من هذه المعارضة؟ فهل يقدِّم المعارضة الأولى في البحث، أو المعارضة الثانية، أو يختار أيّهما شاء، أو يكون الجميع معارضة واحدة؟
أمّا تقديم أحدهما على الآخر فلا ملاك له كما أسلفنا؛ إذ لا طولية بينهما أصلاً، وأمّا اختيار أحدهما اشتهاءً فهو غير صحيح؛ لأنَّ النتيجة قد تختلف باختلاف مبدأ الشروع في البحث، فإنَّه مثلاً إذا شرعنا في المسألة الأولى وفرضنا
ــــــــــ[283]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أنَّ إطلاق المفهوم أقوى من إطلاق المنطوق، كان لازم ذلك القول: بأنَّ هناك حكماً واحداً في المسألة الثانية، وهو نتيجة القول بالتداخل، وهذا بخلاف الشروع في المسألة الثانية، مع فرض كون ظهور الشرط في الاستقلال أقوى من إطلاق المادّة، فإنَّه لا بدَّ من تقديم الظهور والقول بعدم التداخل.
وهذه النتيجة تختلف عن النتيجة السابقة. ومنشأ الاختلاف هو مبدأ الشروع فلو اختار فقيه الشروع في الأولى يختار نتيجة تختلف عن نتيجة الفقيه الذي يشرع في الثانية. وهذا يمكن فرضه حتّى لو كان هذان الفقيهان متّفقين في جميع المباني والأصول الموضوعية، وإنَّما اختلفا من ناحية اختيار أحدهما لمبدأ الشروع بشكل يخالف الآخر.
كما أنّه لا يمكن جعل الجميع معارضة واحدة؛ لأنَّ ميزان كون الجميع معارضة واحدة أنَّه لو رفعنا اليد عن أحد الأطراف لانحلت المعارضة؛ لأنَّ منشأ المعارضة العلم الإجمالي فيلحقها أحكامه، فإذا رفعنا اليد عن أحد الأطراف وبقيت المعارضة على حالها نستكشف أنَّ هذا الطرف ليس من أطرافها، وأنَّ ما بقي من الأطراف هو أطراف المعارضة.
وفي المقام يمكن رفع اليد عن بعض الأطراف مع بقاء المعارضة على حالها، فإنَّه لو رفعنا اليد عن إطلاق المفهوم تبقى المعارضة بين ظهور الشرط في الاستقلال وبين إطلاق المادّة على حالها. وكذلك فيما لو رفعنا اليد عن ظهور الشرط في الاستقلال تبقى المعارضة بين إطلاق المنطوق وإطلاق المفهوم؛ لأنَّ المعارضة بينهما تنشأ من ظهور الشرط في العليّة التامّة وظهور المفهوم في الانتفاء حتّى مع ثبوت الشرط الآخر.
ــــــــــ[284]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ومن هنا يتّضح: أنَّه لا بد من سلوك طريق آخر لعلاج هذه المعارضة، وقد اتضحت معالم هذا الطريق مما ذكرناه في تضاعيف مناقشتنا الأخيرة، حيث ظهر أنَّه عندنا معارضتان لا معارضة واحدة -من مناقشتنا للفرض الأخير- حيث قلنا: إنَّه لا يمكن أن تكون جميع الأطراف منضويةً تحت لواء معارضة واحدة، كما اتضح أيضاً أنَّ المعارضة ليست بين طرفين، وإلّا لاختلفت النتيجة بالإشتهاء والإختيار.
وإنَّما لا بُدَّ أن تكون هناك معارضتان ولكن بين أطراف ثلاثة، ومجموع الأطراف وإن كانت أربعة إلَّا أنَّ هناك طرفين مشتركين بين كلتا المعارضتين، فالمعارضة الأولى مثلاً بين إطلاق المنطوق وإطلاق المادّة من جهةٍ، وظهور الشرط في الاستقلال من جهةٍ أخرى، والمعارضة الثانية بين إطلاق المنطوق وإطلاق المادّة من جهةٍ أيضاً، وإطلاق المفهوم من جهةٍ أخرى، فما به الإمتياز بين المعارضتين هو إطلاق المفهوم وظهور الشرط في الاستقلال، وما به الاشتراك هو إطلاق المنطوق وإطلاق المادّة.
ونحن نرى أنَّ رفع اليد عن أيّ طرف من أطراف هاتين المعارضتين يؤدي إلى انحلال تلك المعارضة. كما أنَّ النتيجة لا تختلف باختلاف مبدأ الشروع، فسواء شرعنا بالمعارضة الأولى أو شرعنا بالمعارضة الثانية، تكون النتيجة واحدة. كما أنَّه أيّ شيء لو تصرفنا فيه اقتضى انحلال المعارضة بين شيئين، ولا بد وأن يكون طرفاً للمعارضة أيضاً إلَّا في مورد واحد سبق تحقيقه.
ــــــــــ[285]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وفي المقام إطلاق المادّة بالنسبة إلى المسألة السابقة لو تصرفنا فيه لانحلت المعارضة فيها فهو طرف للمعارضة أيضاً، وكذلك إطلاق المنطوق بالنسبة إلى هذه المسألة لو تصرفنا فيه لانحلت المعارضة فيها فهو طرف للمعارضة أيضاً.
الكلام في تحقيق الأصل العملي الجاري في المقام عندما لا يكون دليل اجتهادي من الداخل أو الخارج معيّن لأحد القولين. والكلام فيه تارةً بلحاظ النزاع الأول، أعني: التداخل وعدمه في الأسباب، وأخرى بلحاظ النزاع الثاني، أعني: التداخل وعدمه في المسبّبات.
أمّا بلحاظ النزاع الأول، فالأصل العملي الجاري في المقام موافق لنتيجة التداخل؛ إذ يشك عند اجتماع السببين في التكليف الزائد بعد العلم بوجود تكليف واحد، فإذا جاء زيد وأهدى هدية نشك في أنَّه يجب علينا إكرامان لزيد أو إكرام واحد، فأصل البراءة عن هذا التكليف الزائد محكَّم. هذا إذا كان حكماً إلزامياً، وأمّا الاستصحاب العدمي فهو جارٍ، سواء كان الحكم إلزامياً أو غير إلزامي. وهذا الاستصحاب الحكمي لّما كان عدمياً فهو جارٍ حتّى على مبنى السيّد الأستاذ في الاستصحاب(1)، فإنَّه إنَّما يقول بعدم جريان الاستصحاب الحكمي إذا كان جارياً في الوجود لمعارضته بالاستصحاب العدمي، أمّا إذا كان عدمياً فلا معارضة ولا مانع من الجريان.
ــــــــــ[286]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الأصول 2: 155، الهداية في الأصول 4: 136.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
نعم، بناءً على بعض المباني في الاستصحاب(1) يمكن أن تكون النتيجة موافقة لعدم التداخل وذلك كما إذا قلنا: بجريان الاستصحاب التعليقي بتقريب استصحاب السببية التعليقية، كما يمثّل له بغليان العصير الزبيبي، فإنَّ الغليان كان سبباً لنجاسة العصير العنبي فنستصحب هذه السببية لحالة صيرورة العنب زبيباً، وترتب الحكم الشرعيّ على مثل هذا الاستصحاب؛ باعتبار أنَّ السببية أمر انتزاعي ناشئ من ترتب الحرمة على الغليان، فاستصحابها يثبت ما هو منشأ الانتزاع، وهو الحرمة المترتبة على الغليان.
وفي المقام يقال: بأنَّ النوم المجتمع مع البول كان سبباً لوجوب الوضوء حينما كان غير مجتمع مع البول، ونشك الآن في سببيته لذلك فنستصحب هذه السببية، فيثبت وجوب آخر للوضوء غير الوجوب الثابت من جهة البول.
كما أنَّه بناءً على جريان الاستصحاب في القسم الثالث من استصحاب الكلّي على بعض فروضه يجري الاستصحاب بشكل يوافق نتيجة القول بعدم التداخل، فإنه إذا بال ونام ثُمَّ توضأ يشك ببقاء كلي وجوب الوضوء بعد العلم بتحقّقه في ضمن فرد علمنا بارتفاعه، وهذا الشكّ ناشئ من ناحية احتمال وجود فرد آخر من أول حدوث الفرد المعلوم ارتفاعه، لا ناشئ من ناحية احتمال وجود فرد آخر مقارن لارتفاع الفرد المعلوم ارتفاعه. وهناك من يقول بجريان هذا الفرض من استصحاب القسم الثالث – وهو فرضنا في مسألتنا هذه- ولا يقول بالفرض الثاني.
ــــــــــ[287]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول 3: 223،222، مطارح الأنظار 4: 332.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ولكنّنا لا نقول بكلا المبنيين في الاستصحاب؛ ولذا فمختارنا في الأصل العملي هو ما تكون نتيجته موافقة للتداخل.
وأما بلحاظ النزاع الثاني، أعني: التداخل وعدمه في المسبّبات: فقد اختار المحقّق النائيني(1) أنَّ الجاري فيه هو أصالة الاشتغال؛ لأنَّ الشكّ في المقام شكّ في المسقط والامتثال بعد العلم بوجود تكليفين، ومجرى هذا الشكّ هو الاشتغال؛ لأنَّ الاشتغال اليقيني بالحكمين يستدعي البراءة اليقينية منهما، وهي لاتكون إلَّا بامتثالين.
ولكن ما ذكره محلّ نظر؛ لأنَّ الشكّ هنا وإن كان شكاً فيما يمتثل به إلَّا أنَّ مرجعه في الحقيقة إلى الشكّ في أصل التكليف والحكم.
وتوضيح ذلك: أنَّ القائل بالتداخل في المسبّبات لو كان يقول بالتداخل فما تفسيره لعدم التداخل في الأسباب، بمعنى: وجوبين متعلّقين بحصتين متباينتين متغايرتين، ولكن الإتيان بحصّة واحدة تقتضي سقوط الوجوب الآخر لو كان يقول بالتداخل في المسبّبات بهذا الترتيب كان كلام المحقّق النائيني متعيّن وفي محلّه؛ لأنَّ تمام ماله دخل في التكليف معلوم، وإنَّما نشأ الشكّ في كون الحصّة الخاصّة مسقطة للوجوبين معاً أو لا؟ وأمّا لو كان يقول بالتداخل في المسبّبات بعد تفسيره لعدم التداخل في الأسباب بوجود حكمين متعلّقين بحصتين في المادّة يمكن أن تنطبق إحداهما على الأخرى، فحينئذٍ لا مورد لكلام المحقّق النائيني؛ لأنَّنا حينما ننتهي إلى الأصل العملي نحتمل
ــــــــــ[288]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 2: 490، أجود التقريرات 1: 426.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
بحسب الواقع التداخل وعدمه، فنحتمل أن يكون مجعول المولى حكمين متعلّق أحدهما مغاير لمتعلّق الآخر. فمرجع الشكّ في الحقيقة إلى الشكّ فيما هو مجعول المولى ويكون كل من متعلّق الحكمين من قبيل دوران الأمر بين التعيين والتخيير، فوجوب الوضوء المجعول بسبب النوم يدور أمره بين أن يكون وجوباً للوضوء المنطبق على جميع الوضوءات، فتكون النتيجة هي التداخل، أو يكون وجوباً للوضوء المنطبق على حصّة خاصّة، فتكون النتيجة عدم التداخل، وكذلك الحال في الحكم الآخر فإنَّه يدور أمره بين أن يكون متعلّقاً بالعنوان المنطبق على جميع الوضوءات أو حصّة خاصّة مغايرة لتلك الحصّة. ولما كنّا نقول في الدوران بين التخيير والتعيين بجريان أصالة البراءة عن التعيين كانت النتيجة متّفقة مع القول بالتداخل.
والمحقّق النائيني(1) وإنْ كان يقول في تلك المسألة بالإحتياط إلَّا أنَّ الإشكال يرد عليه؛ إذ بنى على أن المسألة من موارد الشكّ في المسقط لا من موارد الدوران بين التعيين والتخيير.
أمّا الآن فنعود إلى البحث في تداخل الأسباب والمسبّبات. والكلام في ذلك يقع في مسألتين:
الأولى: في تداخل الأسباب وعدمه.
الثانية: بناءً على عدم التداخل في الأسباب هل تتداخل المسبّبات؟
أمّا المسألة الأولى: فالكلام فيها يقع في مقامات ثلاثة:
ــــــــــ[289]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 1: 334، 335، و3: 425.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
المقام الأول: هل هناك ظهور للقضية الشرطيّة يقتضي عدم التداخل وتعدد الحكم عند اجتماع الشرطين أو لا؟
المقام الثاني: بعد تسليم وجود ظهور في الشرطيّة يقتضي تعدد الحكم وعدم التداخل، هل هناك لهذا الظهور ظهور معارض آخر، أو أنَّ هذا الظهور بلا معارض؟
المقام الثالث: بعد تسليم وجود ظهور آخر معارض للظهور الأول الدالّ على عدم التداخل، يتكلّم عن كيف تعالج هذه المعارضة بين الظهورين، وهل يُقدّم أحدهما أو يتساقطان؟
وقبل الدخول في البحث لا بدَّ من الإشارة إلى مقدّمتين:
المقدّمة الأولى: أنه قد يُستشكل في هذا البحث بحسب مقام الثبوت، فيقال: إنَّه لم تصل النوبة إلى أنْ نبحث عن الظواهر اللفظية، بل يقع الكلام قبل هذا في معقولية عدم التداخل، بمعنى: أنَّ مقام الثبوت لم نفرغ عنه بعد، فلم تصل النوبة إلى أنَّه مقتضى القواعد حسب الظهور اللفظي ما هو؟ إذن، قبل هذا لا بدَّ أنْ نبحث عن أنَّه أمر معقول أو لا، وبعد الفراغ عن ذلك نتكلّم عن قواعد الظهور اللفظي. ومن هنا قد يستشكل في أصل معقولية التداخل ويُقال: إنَّ التداخل في الأسباب غير معقول، بل يتعيّن عدم التداخل بالضرورة ثبوتاً لا بالظهور إثباتاً؛ لأنَّ المفروض أنَّ كلاً من الشرطين علّة تامّة مستقلّة في العليّة لا جزء العلّة، والمفروض أنَّ المعلول وهو الحكم قابل للتكرار والتعدّد، فيمكن أن يتحقّق وجوبان، فلا قصور من ناحية فاعلية الفاعل، ولا من ناحية
ــــــــــ[290]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
قابلية القابل؛ لأنَّ كليهما تام، فلو فرض أنَّه تداخل ولم يتعدد يكون خلفاً لأحد الفرضين: إمّا تماميّة الفاعل وإما القابل، والخلف محال.
إلَّا أنَّ حلَّ هذه المغالطة: هو أنَّ فاعلية الفاعل تامّةٌ، إلَّا أنَّ الكلام في تماميّة قابلية القابل، فإنَّنا وإنْ فرضنا الكلام في حكم يقبل التعدد والتكثر، ومعنى هذا أنَّه يمكن ثبوتاً التعدد فيه، والقائل بالتداخل يدّعي: أنَّ ما هو مدلول الجزاء في نحو: (إذا نمت فتوضأ، وإذا بلت فتوضأ) هو سنخ مدلول لا يقبل التعدد، وإن كان في واقعه يمكن تصويره بحيث يقبل التعدّد.
توضيح ذلك: أنَّ وجوب الوضوء تارةً يتصوّر على نحو التحصيص، أي: تحصيص الوضوء وتكثيره، فيعقل تعدد الحكم حينئذٍ؛ لأنَّ كل وجوب يتعلّق بحصّةٍ، وهذا بخلافه في المقتل فإنَّه حتّى لو حصص فإنَّه لا يعقل التعدد فيه.
وتارةً: يتصوّر على نحو صرف الوجود، فلو لم يحصص الوضوء ولوحظ على نحو صرف الوجود فهو لا يقبل حكمين وإلَّا لزم اجتماع المثلين وهو محال. ففرض أنَّ الحكم يقبل التعدّد في موضوع النزاع معناه أنَّه لو لوحظ محصّصاً لكان يمكن أن يتكثّر بخلاف سائر الموارد التي حتّى لو لوحظ متحصصاً فإنَّه لا يمكن التعدد في الحكم.
فحينئذٍ يقع النزاع في إثبات أنَّه هل هناك قرينة على لحاظ التحصّص أو لا؟ فالقائل بعدم التداخل يقول: بوجود القرينة، وهو ظهور القضية الشرطيّة على الاستقلال بالتأثير، والقائل بالتداخل يقول: بوجود قرينة على العدم، وهي إطلاق المادّة المقتضي للتداخل.
إذن، لا نزاع في مقام الثبوت؛ لأنَّه إن ثبت التحصيص فلا إشكال في
ــــــــــ[291]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
تماميّة القابل والفاعل، وإن لوحظ صرف الوجود فلا إشكال في حتمية التداخل. ولكن البحث إنَّما هو في مرحلة الإثبات، هل هناك ما يدلّ على التحصيص أو لا؟ هذا هو الأمر الأول الذي ينبغي التنبيه عليه.
المقدّمة الثاني: هو أنَّ مسألة تداخل الأسباب هذه، لا بدَّ أن يفرغ فيها من أنَّ كلاً من الشرطين سبب في نفسه، ثُمَّ يبحث عن أنَّهما يتداخلان أو لا؟ فالبحث عن أصل سببية السببين في غير محلّه في هذا البحث. كما صدر من المحقّق النائيني(1) فإنَّه ذكر أنَّ التحقيق هو عدم التداخل، وتكلّم حول أمرين:
الأمر الأوّل: ساقه لتنقيح أنَّ ظهور القضية الشرطيّة هو أنَّ النوم الأوّل سبب والنوم الثاني سبب آخر؛ لأنَّ النوم لوحظ على نحو مطلق الوجود لا صرف الوجود، فهو انحلالي فيرجع إلى كون كلّ منهما سبب مستقلّ؛ لأنَّ الإطلاق استغراقي ومقتضاه تعدد الحكم عند تعدّد النوم. ولا يعارضه ظهور هيئة الجزاء في وحدة الحكم؛ ولأنَّ هذه الهيئة ليس لها ظهور، بل تابعة لتعدّد الموضوع ووحدته وهو الشرط، وحيث لوحظ متعدّداً، فالحكم متعدّد أيضاً.
الأمر الثاني: ذكر فيه شبهة كون أنَّ إطلاق المادّة يقتضي وحدة الحكم ودفعه.
في حين أنَّ هذا أجنبي عن كلامنا؛ لأنَّ القائلين بالتداخل يقولون: إنَّ كلّ نوم أو بول سبب في نفسه، غاية الأمر يقولون بالتداخل بينهما.
فتحقيق أنَّ الشرط انحلالي وأنَّ الشرط استغراقي وإن كان صحيحاً إلَّا أنَّه خارج عن محلّ النزاع.
ــــــــــ[292]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إذن، لا بُدَّ أن يفرغ عن مقام الثبوت، وأنَّ الشرط لو خلي وطبعه يكون سبباً تاماً، ثُمَّ نبحث عن التداخل أو عدمه. أمّا لو قلنا: إنَّ ظاهر قولهم: (إذا نمت فتوضأ) هو صرف الوجود الذي هو عبارة عن الوجود الأول فلا نقول إلَّا بوجوب واحد.
وخلاصة القول في ذلك: أنَّ القول بالتداخل وعدمه مفروغ عنه في مقام الثبوت؛ لأنَّه إذا لوحظ التحصيص في المنطوق فلا إشكال بعدم التداخل، وإذا لوحظ صرف الوجود فلا إشكال بالتداخل، وإنَّما يتكلّم هناك عن وجود قرينة على لحاظ التحصيص أو لا. فلا يأتي إشكال عدم المعقولية؛ إذ ما معنى أنَّ قابلية القابل تامّة، هل هي بمعنى أنّه قابل بالمقدار الذي دلّ عليه اللفظ؟ لا، ليس قابلاً للتكثّر؛ لأنَّه لعلّه يدلّ على عدم التحصيص.
كذا فإنَّ الإشكال في تعدد الحكم من ناحية صرف الوجود أو مطلق الوجود أجنبي عن المقام؛ لأنَّه إذا قيل بحكم واحد على ملاك صرف الوجود فليس قولاً بالتداخل، بل القول بالتداخل إنَّما يكون مع الاعتراف بأنَّ المطلوب هو مطلق الموجود.
والكلام في هذه الجهة يقع في مقامات ثلاثة:
قالوا(1): هناك ظهور يقتضي عدم التداخل وتعدد الحكم، وهذا الظهور هو
ــــــــــ[293]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 2: 493، مقالات الأصول 1: 406، 407.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ظهور القضية الشرطيّة في العليّة التامّة وظهورها في الاستقلال في التأثير. وظهور قوله: (إذا نمت فتوضأ) أنَّ النوم علّة تامّة، وقوله: (إذا بلت فتوضأ) أنَّ البول علّة تامّة ومعلول كل منهما هو أصل وجود الحكم لا حدّ الحكم وتأكده. فما دام الشرط علّة مستقلّة لأصل وجود الحكم، فلا بُدَّ أن يوجد حكمان، وهذا القول يعني عدم التداخل؛ لأنَّه عند القول بالتداخل لا بدَّ من رفع اليد عن أحد هذين الظهورين، فإمّا أنْ نقول: إنَّ كلاً منهما ليس علّة تامّة، أو أنَّ أحدهما علّة لأصل وجود الحكم والثاني علّة لتأكده. فهذان الظهوران بمجموعهما دليل على عدم التداخل وعلى تعدد الحكم.
هذا هو البيان المشهوري لبيان اقتضاء القضية الشرطيّة لعدم التداخل، ويقع الكلام في كل من الظهورين:
أمّا الظهور الأول وهو ظهور الشرطيّة في العليّة التامّة وإن كان في نفسه تاماً، ولهذا جعلنا إطلاق المنطوق معارضاً لإطلاق المفهوم في المسألة السابقة، إلَّا أنَّه لا يتمّ المقصود.
والنكتة فيه: أنَّ هذا الظهور لم ينشأ من ناحية وضع القضية أو أداة الشرط للعليّة التامّة، وإنَّما نشأ من ناحية الإطلاق الأحوالي للشرط، فقولنا: إذا نمت فتوضأ سواء نزل المطر أو لا، وسواء بلت أو لا، نعرف من خلال الإطلاق أنَّ النوم لا يحتاج في علّيته إلى ضمّ المطر والبول إليه. فهذا الإطلاق الأحوالي هو مدرك كونه علّة تامّة، وهو لا يقتضي كونه علّة تامّة في فرض اجتماعه مع البول. وإنَّما ينقّح أنَّه لو استقل لكان كافياً في التأثير؛ إذ لو لم يكن كافياً لكان على المولى
ــــــــــ[294]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
البيان بأن يقول: (إذا نمت وبلت فتوضأ) فهذا يدلّ أنَّ الشرط بمفرده يستتبع وجود الحكم، أما لو اجتمعا فلا دليل على أنَّ كلاً منهما علّة تامّة، بل لعلّهما جزء العلّة. فالإطلاق الأحوالي إنَّما ينفي العليّة الضمنية في حال الإنفراد، ولكنه لا ينفي العليّة الضمنية في حال الاجتماع؛ لأنَّها لا تنافي الإطلاق الأحوالي. إذن، لا دليل على العليّة التامّة في حال الاجتماع حتّى تصل النوبة إلى البحث حول الظهور الثاني بعد هذا.
ولعلّ المحقّق الخراساني(1) قد التفت ثبوتاً إلى هذه النكتة، وإن لم يذكرها، ولم يذكرها غيره أيضاً، فأبدل الظهور الأول إلى ظهور الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث مع ظهورها في الاستقلال في التأثير. فلا بُدَّ من تعدد الوجوب، لكن لا من ناحية العليّة التامّة، بل من ناحية هذا الظهور.
هذا الظهور تامّ كما بيّناه في مبحث المشتق(2) من أنَّ ظاهر الأفعال الحدوث، أي: أنَّ جهة الحدوث متضمنة في معنى الفعل. ففي المقام كذلك؛ لأنَّ المعلّق هو صيغة الأمر وهو متضمن للحدوث، فمعناه تعليق حدوث البعث على حدوث الشرط. إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ في موارد القضايا المتقارنة فيما إذا تقارن الشرطان، كما إذا جاء زيد وأهدى هدية، أو تحقّق الحدثان في وقت واحد، فلا ظهور للقضية الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث؛ لأنَّ الحكم يحدث عند كل من الشرطين، بل إنَّ هذا الظهور إنَّما يتمّ في صورة التعاقب.
ــــــــــ[295]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 202-204.
(2) محاضرات في علم اصول الفقه 2: 126.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وببيان آخر نقول: قيل: إنَّ الجملة الشرطيّة ظاهرة بعدم التداخل بتقريب أن ظاهرها هو كون الشرط علّة تامّة لا جزء العلّة، كما أنَّ ظاهرها أيضاً أنَّ هذه العلّة التامّة معلولها أصل وجود الجزاء الذي هو أصل وجود الحكم، أي: أنَّ معلولها مستقل في الوجود لا حدّ للوجود.
فإذا جمعنا بين هذين الظهورين، وفرضنا وقوع كل من الشرطين، فيكون كلٌّ منهما علّةً تامّةً بحسب الظهور الأوّل، والمعلول لكل منهما هو أصل الوجود، أي: وجود مستقل، فلا محالة يتحقّق وجودان مستقلان للوجوب، ومعناه عدم التداخل.
أمّا الظهور الأول فمدركه دلالة القضية الشرطيّة على العليّة التامّة المفروغ عنها فيما سبق من البحث، حيث أوقعنا هناك المعارضة بين إطلاق المنطوق وبين إطلاق المفهوم. إذن، فدلالة القضية الشرطيّة على كون الشرط علّة تامّة مفروغ عنه.
أمّا الظهور الثاني وهو أنَّ المعلول وجود مستقلّ لا حدّ للوجود فمدركه أنَّ المعلّق في القضية الشرطيّة هو تمام مفاد الجزاء. ومفاد الجزاء هو النسبة الطلبية أو البعثية لا حدّ في النسبة، فالمعلّق بحسب المدلول التصوّري وبحسب المدلول التصديقي -بعد إجراء أصالة المطابقة بين هذين المدلولين- هو أصل الطلب لا حدّ منه، فيثبت بهذا أنَّ المعلّق هو أصل المدلول التصوّري والتصديقي للجزاء. ومن مجموع هذين الظهورين للقضية الشرطيّة يثبت عدم التداخل.
ــــــــــ[296]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ونحن قد بيّنا فيما سبق أنَّ هذا التقريب ليس صحيحاً ولا يمكن المساعدة عليه، وإن كان مشهورياً؛ لأنَّه لو فرض أنَّ العليّة التامّة كانت مأخوذةً في الموضوع له في القضية الشرطيّة لكان هذا التقريب صحيحاً، لكن ليس الأمر كذلك، بل القضية الشرطيّة لا تدلّ على العليّة التامّة بالوضع، بل بالإطلاق، حيث إنَّ مفادها هو ترتب الجزاء على الشرط في تمام الأحوال، سواء وجد شيء آخر أو لا، فإطلاق الترتب يدلّ بالالتزام على أنَّه علّة تامّة؛ لأنَّه لو كان الشرط محتاجاً في ترتب الجزاء عليه إلى شيء آخر لقيّد به في نحو: (إذا نمت فتوضأ) فيقال: إذا نمت وحصل شيء آخر فتوضأ، فإطلاق الترتب بلحاظ الأحوال المفروضة للشرط يقتضي كونه علّة تامّة، وهذا الإطلاق لا يقتضي عدم التداخل عند اجتماع الشرطين؛ لأنَّ الترتّب محفوظ، سواء فرض التداخل أو لا. فعلى كلِّ حال الجزاء موجود عند وجود النوم، ومع انحفاظ الترتّب لا معنى لجعل الإطلاق دليلاً على تماميّة العلّة.
نعم، هو دليل على أنَّ الشرط في حال الانفراد يكون علّةً تامّةً. أمّا في حال الاجتماع فعلى كلا التقديرين إطلاق الترتّب محفوظ في البين، سواء كان جزء العلّة أو تمامها. فالإطلاق لا يفيد في هذه المسألة وإنْ أفاد في تلك المسألة. ففي مسألة إذا خفي الأذان نتكلّم في حالة انفراد أحد الشرطين عن الآخر، وهو ما إذا خفي الاذان فقط، وهو مورد المعارضة.
أمّا هنا فنتكلّم عن فرض اجتماع الشرطين، وحينئذٍ فالترتب محفوظٌ على كل حال، سواء قلنا بالتداخل أو لم نقل.
ــــــــــ[297]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وفي الكفاية(1) وقع تعبير آخر، حيث بيّن الآخوند الظهور المقتضي لعدم التداخل ببيان آخر، وحاصله أن يقال: بأنَّ القضية الشرطيّة ظاهرة بالحدوث عند الحدوث، بدلّ ظهورها بالعليّة التامّة، وظاهرة أيضاً في أنَّ الحادث هو وجود مستقلّ، لا أنَّ الحادث هو حدّ أو مرتبة من الوجود.
فلو فرض أنَّه نام ثُمَّ بال، فمقتضى ظاهر القضية الشرطيّة، أنَّه حينما يتحقّق السبب الثاني يحدث شيء، وهو وجود لا حدّ ومرتبة في الوجود، ومعناه: أنَّه وجود آخر، وهو قول بعدم التداخل.
هذا البيان –أي: دعوى ظهور القضية الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث- تامٌ إذا فرض أنَّ الجزاء كان جملة فعليّة. فإنَّنا بيّنا في بحث المشتق والهيئات والمعاني الحرفية وصيغة الأمر، أنَّ الحدوث متضمّن في معاني الأفعال بخلاف الأسماء الاشتقاقية كاسم الفاعل واسم المفعول، فإنَّه متكفّل لنتيجة الحدوث. فقوله: (توضأ) متكفل لمعنى الحدوث، والمقصود من الحدوث حدوث وجود المادّة، أي: حدوث وجود مستقل لأصل الوجود، لا حدوث مرتبة من الوجود. هذا ظهور مسلّم في القضايا الفعلية، ولكنه غير مسلّم إذا كان الجزاء جملة اسمية لا فعليّة، نحو: إذا أهدى لك زيد هدية فإكرامه واجب، فهذا ليس متضمناً لمعنى الحدوث؛ لأنَّنا قلنا: إنَّ اسم الفاعل متضمن لنتيجة الحدوث لا للحدوث.
وفي الجملة الفعلية فالظهور وإن كان تاماً إلَّا أنَّ استنتاج عدم التداخل منه
ــــــــــ[298]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 202.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أيضاً فيه إشكال؛ وذلك لأنَّه تارةً يفرض تقارن الشرطين، وتارةً يفرض تعاقبهما. فإذا تقارنا في الظهور لا يدلّ على عدم التداخل، لأنَّهما إذا تقارنا فإنَّه يحدث وجود واحد فظهور كل من القضيتين في الحدوث عند الحدوث محفوظ، والحادث هو أصل الوجود لا مرتبة من الوجود، غاية الأمر أنَّه تأثير ضمني. ونحن قد رفعنا اليد عن ظهور القضية الشرطيّة في العليّة التامّة. إذن، مثل هذا الظهور وإنْ كان مسلّماً في الجملة الفعلية إلَّا أنَّه لا يدلّ على عدم التداخل إذا تقارنا.
أمّا إذا تعاقبا قبل الامتثال، فمقتضى ظهور الشرطيّة في مثل هذا أنه يحدث في يوم السبت وجود ويحدث في يوم الأحد وجود آخر، وهذا قول بحدوث وجوبين، وحيث إنَّهما لا يمكن أن يتعلّقا بشيء واحد، فلا بُدَّ أن يكون كلٌّ منهما متعلّقاً بحصّة خاصّة، وينتج هذا عدم التداخل، لكن ينبغي أن يكون ملحوظاً أنَّ عدم التداخل لم ينتج من ظهور القضية الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث فقط، بل قد ضممنا إليه ضمناً ظهوراً آخراً هو ظهور الشرطيّة الأولى بالإطلاق الأزماني، بحيث يشمل وقته زمان الحكم الثاني، وإلَّا فمن المحتمل لولا هذا الظهور أنَّه يحدث يوم السبت وجوب ويرتفع يوم الأحد؛ لأنَّه مقيّد ببقائه بعدم وجود الوجوب الآخر. إذن، عدم التداخل يتنقح لا بواسطة ظهور القضية الشرطيّة بالحدوث عند الحدوث فقط، بل بواسطة الإطلاق الأزماني أيضاً. فنحن نسلّم بهذا المقدار بعدم التداخل إذا كانت الجملة فعليّة لا اسمية، وفيما إذا تعاقبا لا فيما إذا تقارنا، ومع وجود الإطلاق الأزماني وتماميّة مقدّمات الحكمة فيه.
هذا تمام الكلام في المقام الأول في وجود دلالة إثباتية على عدم التداخل.
ــــــــــ[299]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
قالوا: بأنَّ الدلالة التي تقتضي التداخل في قبال دليل عدم التداخل هي إطلاق المادّة في كل من القضيتين الشرطيتين؛ لأنَّ إطلاق المادّة يقتضي أن يكون المعروض لكل منهما شيء واحد، فلو كانت كل واحدةٍ منهما توجد حكماً آخر غير ما توجده الأخرى عند الاجتماع للزم اجتماع المثلين على مادة واحدة وهو محال. فإطلاق المادّة دليل على التداخل.
هذا هو البيان المشهوري للتداخل والآخوند (1) سلّم الدلالة وأوقع المعارضة بين الظهورين، وصار في مقام حلّ المعارضة، وادعى أنَّ الظهور الأوّل مقدّم على الثاني، إلَّا أنَّ الميرزا(2) والسيّد الأستاذ(3) وبعض إشارات المحقّق الأصفهاني(4) أنكروا وجود دلالة تقتضي التداخل.
أمّا الميرزا(5): فقد أفاد في المقام أنَّ منشأ هذا التوهم-أي: كون إطلاق المادّة يدلّ على التداخل ووحدة الحكم- هو تخيل أنَّ مقتضى الإطلاق هو ملاحظة الماهية بنحو صرف الوجود غير القابل للإنطباق إلَّا على فرد واحد، فلو فرض أنَّ مفاد إطلاق المادّة في كل منهما هو صرف الوجود غير القابل للإنطباق إلَّا على فرد واحد. إذن، يستحيل تعلّق طلبين بصرف الوجود؛ لأنَّه يلزم اجتماع
ــــــــــ[300]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 202، 203.
(2) انظر: فوائد الأصول 2: 493.
(3) انظر: محاضرات في أصول الفقه 4: 254، الهداية في الأصول 2: 273، 274.
(4) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 429.
(5) انظر: أجود التقريرات 1: 426، فوائد الأصول 2: 493.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
بعثين على شيء واحد وهو محال. إلَّا أنَّ أخذ صرف الوجود في مدلول الأمر بلا موجب فإنَّه لم يؤخذ لا في جانب الهيئة ولا في جانب المادّة، فالهيئة موضوعة للطلب والمادّة لأصل الوجود، والإطلاق لا يقتضي لحاظ الماهية بنحو صرف الوجود، بل يقتضي عدم تقييدها بشيء من الخصوصيات، كأن يكون في المسجد أو البيت أو الليل أو النهار.
فتحصّل من ذلك: أنَّه إذا قلنا بوجود وجوبين وتحفظنا على إطلاق المادّة لا يتحصّل لدينا وجوبان متعلّقان بصرف الوجود، بل بطبيعة واحدة وهي الوضوء، كل من الشرطين يقتضي بنفسه وجوداً غير الوجود الذي يقتضيه الشرط الآخر، ولا نحتاج إلى أن نخصص الطبيعة في المرتبة السابقة على عروض الشرط ثُمَّ نقول: إنَّ كلاً منهما يتعلّق بحصّة منه حتّى يلزم خلاف إطلاق المادّة، فإنَّ هذا بلا موجب، فإنَّ المعلول يتحصّص بنفس علّته، لا في المرتبة السابقة. فإن الطبيعة إنَّما تتحصّص وتتعيّن بنفس فاعلية المقتضي في مقام إيجاد المقتضى، وحينئذٍ توجد بوجودين. وفي مقامنا بعثان وطلبان متعلّقهما أصل الطبيعة، غاية الأمر أنَّ كلاً منهما يقتضي إيجاد فرد غير الفرد الذي يقتضيه الآخر، فلا محالة تتحصّص الطبيعة، لأنَّ كلاً منهما يقتضي الاختصاص بوجود مستقل منهما. إذن، الطبيعة في المرتبة السابقة لا تتحصّص.
وهذا البيان غير مطابق مئة بالمئة مع التقريرات(1)؛ لأنَّ كلام التقريرات غير فني، فلا بُدَّ أن يكون هذا هو مقصود الميرزا.
ــــــــــ[301]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 429.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إلَّا أنَّ هذا غير صحيح؛ وذلك لأنَّ الطلب ليس مقتضياً حقيقياً لإيجاد الطبيعة، بل المقتضي الحقيقي لذلك هو حكم العقل بوجوب الامتثال. وحكم العقل لا يقتضي أكثر من تطبيق متعلّق إرادة المولى على فرد في الخارج. فلو فرض أنَّ متعلّق كل منهما نفس الطبيعة، وهي تصدق على الفرد الخارجي، فهذا الفرد يكون مبعوثاً إليه بكلا البعثين ويلزم اجتماع المثلين. فلو فرض أنَّ متعلّق هذا نفس متعلّق ذاك فلا بُدَّ من اجتماعهما على متعلّق واحد، وحينئذٍ لا تحصّص لا في المرتبة السابقة ولا في المرتبة اللاحقة؛ لأنَّه ليس هو الفاعل والمقتضي حتّى تتحصّص الطبيعة بمقتضاه.
فهذا الإطلاق ينافي الإطلاق المقتضي لعدم التداخل، ولا يكون ما ذكره الميرزا جواباً.
بعد فرض تماميّة الظهور لعدم التداخل بحسب مقام الإثبات الذي بحثناه في المقام الأول. وبعد تماميّة الظهور الذي يقتضي التداخل، أي: إطلاق المادّة الذي بحثناه في المقام الثاني. نتكلّم الآن -في المقام الثالث- في حلّ المعارضة بين الظهورين.
والمحقّق النائيني(1) لم ينته إلى هذا المقام؛ لأنَّه لا يقول بوجود الدلالة على التداخل، فإنَّ إطلاق المادّة لا يدلّ عليه. فتبقى الدلالة على عدم التداخل بدون معارض.
ــــــــــ[302]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 2: 493.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ولكنَّ المحقّق الخراساني(1) حيث إنَّه اعترف في كل من المقامين بوجود الدلالة في البين. فقد انتهى إلى المقام الثالث، وهو علاج المعارضة بين هذين الظهورين. فذكر أنَّ ظهور القضية الشرطيّة في عدم التداخل مقدّم على إطلاق المادّة؛ لأنَّ إطلاق المادّة إنَّما تكوّن ببركة مقدّمات الحكمة، وإحدى هذه المقدمات: عدم بيان الخلاف. وظهور القضية الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث أو الاستقلال في العليّة والمعلولية يكون بياناً للخلاف، فيرفع موضوع مقدّمات الحكمة في جانب إطلاق المادّة. فيقدّم الظهور الأول بالورود على الظهور الثاني.
هذا الكلام طبعاً لا يخلو من أنظار:
النظر الأوّل: لأنَّ المعارضة في المقام -بحسب التحليل- ليست إلَّا بين إطلاقين، لا بين إطلاق وظهور عرفي وضعي حتّى يصلح الظهور الوضعي أن يكون وارداً على الظهور الإطلاقي. وذلك على كلا التقريبين، فإنَّنا قد أشرنا إلى أنَّ هناك تقريبين لعدم التداخل:
التقريب الأوّل: دعوى ظهور القضية الشرطيّة بأنّ الشرط علّةً تامّةً مع ضمّ ظهورها بالاستقلال بالتأثير، أي: أنَّ المعلول هو أصل الوجود. وهنا طرف المعارضة مع إطلاق المادّة هو ظهور الشرط بالتماميّة والاستقلال، وهو ظهور ناشئ من مقدّمات الحكمة. فإنَّ ظهور الشرط على التماميّة إنَّما هو بالإطلاق، فإنَّنا وصاحب الكفاية لم نقبل القول بدلالة القضية الشرطيّة على
ــــــــــ[303]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 202، 203.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
العليّة التامّة وضعاً، فهي ليست مدلولةً لظهور عرفي ناشئ من غير مقدّمات الحكمة، بل من الظهور الأحوالي في جانب الشرط. فلو سلّم أنَّ هذا الظهور الأحوالي الإطلاقي صار طرفاً للمعارضة مع إطلاق المادّة، فلا موجب لتقديم أحد الإطلاقين على الآخر.
التقريب الثاني: وهو التمسك بظهور القضية الشرطيّة بالحدوث عند الحدوث، وأنَّ الحادث أصل الوجود. وهذا الظهور عرفي لم ينشأ من مقدّمات الحكمة؛ لأنَّ نفس الأفعال متضمنة وضعاً للحدوث. إلَّا أنَّنا أشرنا إلى أنَّ هذا التقريب ينفع في مورد تعاقب السببين لا في حال اجتماعهما؛ لأنَّ ظهور القضية الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث يبقى محفوظاً في حال الاجتماع. وإنَّما ينفع هذا الظهور عند التعاقب. وأشرنا كذلك إلى أنَّ ظهور القضية الشرطيّة الثانية في الحدوث عند الحدوث لا يكفي وحده في إثبات عدم التداخل، بل لا بدَّ من التمسك بالإطلاق الأزماني للحكم الموجود في القضية الأولى؛ لأنَّه كيف نثبت أنَّ الحادث الأول باقٍ في عرض الثاني الذي هو معنى التداخل إلَّا بهذا الإطلاق الأزماني لحكم الجزاء في الأوّلى. فمجرّد ظهور القضية الشرطيّة الأولى في الحدوث عند الحدوث لا يكفي لإحراز بقاء الحكم الأول إلى زمان الثاني ليستنتج وجود حكمين في زمان واحد، بل الذي يثبت هذا هو الإطلاق الأزماني. وهو ناشئ عن مقدّمات الحكمة وحاله حال الأول، لا مرجح بينهما. فظهور المعارضة بين إطلاق المادّة والإطلاق الأزماني ثابت ولا موجب لتقديم أحدهما على الآخر.
النظر الثاني: لو سلّمنا بأنَّ طرف المعارضة مع إطلاق المادّة ظهور عرفي
ــــــــــ[304]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وضعي مثلاً، وهو ظهور الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث. واحتملنا أنَّ احتمال تبدّل الحكم غير موجود، أي: أنَّ ما أثبتناه عن طريق الإطلاق الأزماني نفترضه قطعياً. فما الذي يكون طرف المعارضة حينئذٍ مع إطلاق المادّة ليس هو الإطلاق الأزماني؛ لأنَّنا قد اعتبرناه قطعياً، بل هو ظهور القضية الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث، فالمعارضة وقعت بين ظهور إطلاقي وظهور وضعي. إلَّا أنَّنا قد بيّنا -كما أنَّ الآخوند في الكفاية(1) قد بيّن- أنّه لا يمكن المساعدة على تقديم الظهور الوضعي على الظهور الإطلاقي إذا فرض أنَّه كان منفصلاً.
والشيخ الأعظم(2) بيَّن أنَّ الظهور الوضعي إذا كان متصلاً فيكون وارداً على الظهور الإطلاقي، وإذا كان منفصلاً فيكون حاكماً عليه. أمّا الآخوند فقد ذكر أنَّه في فرض الاتصال يصحّ القول بالورود، والوجه فيه: أنَّ الظهور الإطلاقي إنَّما هو نتيجة مقدّمات الحكمة، وأحد المقدّمات هو عدم بيان الخلاف وقد بُيّن الخلاف بالظهور الوضعي فيرفع موضوع الظهور الإطلاقي، وهذا هو معنى الورود. هذا مع فرض الاتصال.
أمّا مع فرض الانفصال وهو أن يكون الظهور الوضعي قد ورد في كلام آخر، فقد خالف المحقّقُ الخراساني الشيخ الأعظم في ذلك؛ لأنَّ الظهور الإطلاقي موقوفٌ على مقدّمات الحكمة، وأحد هذه المقدّمات هو عدم بيان الخلاف في حال التكلّم لا مطلقاً ولا منفصلاً. فالنزاع بين الشيخ الأعظم
ــــــــــ[305]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 233، 234.
(2) انظر: فرائد الأصول 4: 97، 98.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
والآخوند هو هل أنَّ من مقدّمات الحكمة عدم البيان مطلقاً فيكون الظهور الوضعي بياناً وحاكماً، أو هو عدم بيان الخلاف متصلاً بالخصوص فلا يكون حاكماً؟ الآخوند يرى البيان متصلاً، فهو غير موجود وقد تمت مقدّمات الحكمة في الإطلاق. إذن، فكلّ من الظهورين تنجيزي ولا وجه لحكومة أحدهما على الآخر. نعم، يقدّم الأقوى منهما.
وفي المقام ادّعى الآخوند أنَّ الظهور الوضعي وارد على الظهور الإطلاقي. وهذا إنَّما يتمّ على مبناه إذا كان الظهور الوضعي متصلاً. وهذا هو نظره، فإنَّه جعل إطلاق المادّة في كل قضية معارضاً مع ظهور تلك القضية نفسها في الحدوث عند الحدوث. وحيث إنَّ ظهور القضية الشرطيّة بالحدوث عند الحدوث ظهور وضعي، وأمّا إطلاق المادّة فهو ظهور حكمي من مقدّمات الحكمة، فيقدّم.
إذن، لا بُدَّ فيما يلي من تحقيق أنَّ ظهور المادّة هل هو طرف للمعارضة مع نفس ظهور الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث أو مع شيء آخر؟ فإن كان هكذا فالظهور الوضعي متصل بالظهور الإطلاقي فيتمّ كلام الآخوند. وإلَّا فلا يتمّ.
فتارةً نفرض اقتران الشرطين وتارةً نفرض تعاقبهما. فإذا فرضنا اقترانهما ووجد الشرطان في وقت واحد كأن زارنا زيد وأهدى هدية. فهنا إطلاق المادّة يعارض ظهور القضية الشرطيّة بعدم التداخل، وهو على حسب التقريب الأول كون الشرط علّةً تامّةً وكونه مستقلاً في التأثير، أي: كون المعلول أصل الوجود لا مرتبة في الوجود. فلو فرضنا أنَّ العليّة التامّة والاستقلال في التأثير
ــــــــــ[306]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ظهور وضعي للقضية الشرطيّة فما هو طرف المعارضة مع إطلاق المادّة: أهو ظهور الشرطيّة في العليّة التامّة والاستقلال في التأثير أو أنَّه شيء آخر؟
نرى أنَّه ليس هو ظهور هذه القضية نفسها بالتماميّة والاستقلال؛ لأنَّه لو كان لِما أمكن الجمع بينهما ثبوتاً مع أنَّه يمكن ثبوتاً الجمع بينهما. إذن، فلا يتصوّر أنَّ هناك معارضةً ثنائيةً أحد طرفيها إطلاق المادّة والطرف الآخر ظهور الشرطيّة في الاستقلال؛ لأنَّه يمكن أنْ يصدق هذان الظهوران معاً ويكذب ظهور آخر. فإطلاق المادّة في قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) ليس معارضاً لنفس ظهور هذه القضية بالاستقلال بالتأثير، بل يمكن أن يصدقان ويكذب ظهور آخر.
والوجه فيه: أنَّ المعارضة ليست بين هذين الظهورين، بل بين ظهور إطلاق المادّة وبين المجموع المركب من ظهور إذا زارك في الاستقلال، وإذا أهدى في الاستقلال، وأكرمه الثانية في الإطلاق، فالمعارضة هي بين إطلاق المادّة وبين المجموع المركب من هذه الثلاثة، وكذلك في إطلاق المادّة في القضية الأخرى.
إذن، ما هو طرف المعارضة ليس متصلاً؛ لأنَّ المركّب من المتصل والمنفصل منفصلٌ لا محالة. وعدم الالتفات إلى هذه النكتة جعل صاحب الكفاية يطبق قانون الورود والمعارضة بزعم أنَّ طرف المعارضة متصل.
هذا هو تحليل المطلب في فرض الاقتران.
أمّا في فرض تعاقب الشرطين قبل الامتثال، فإطلاق المادّة في نحو: (إذا أهدى هدية فأكرمه) طرف للمعارضة مع ماذا؟ ليس مع ظهور القضية الأولى؛ لأنَّنا لا نحتمل فقهياً أنَّ إطلاق المادّة يكذّب ظهور الأولى في الاستقلال، ولا
ــــــــــ[307]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
نحتمل أنَّ القضية الشرطيّة الأولى لا تؤثر، بل قد أثَّرت وجوب طبيعي الحكم. فإطلاق المادّة ينحصر معارضته مع ظهور القضية الشرطيّة الثانية في التماميّة، ولكن الحكم هو الحكم؛ لأنَّ المعارضة وقعت بلحاظ كلام منفصل، ومثل هذا لا يكون معارضاً إلَّا بكلام منفصل، فلا يكون بياناً إلَّا بلحاظ كلام منفصل، فإطلاق المادّة في الثانية طرف للمعارضة مع ظهور القضية الشرطيّة الأولى، لكنّه لا يعتبر بياناً متصلاً؛ لأنَّه ليس بياناً للخلاف إلَّا بلحاظ ظهور القضية الشرطيّة الثانية، فلا يكون وارداً وتكون المعارضة تامّةً.
إذن، فلا يقدّم الظهور التداخلي على عدم التداخلي؛ لأنَّ طرف المعارضة منفصل وليس بمتصل، ولا يكون أحدهما حاكماً على الآخر.
تبقى دعوى أنَّ الإطلاق في جانب الشرط مقدّم على الإطلاق في جاب الجزاء؛ لأنَّ الجزاء بحسب مقام الثبوت تابع للشرط، أي: معلول له، فكذلك في مقام الإثبات، فمقام إثبات الجزاء لا يعارض مقام إثبات الشرط، أي: أنَّ ظهور الجزاء لا يعارض ظهور الشرط.
وأمّا إذا لاحظنا التقريب الثاني لعدم التداخل، وهو ظهور القضية الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث، وأنَّ الحادث هو الوجود. ذلك الظهور الذي سبق أنْ أشرنا إليه فيما سبق من أنَّه يتأتى في مورد تعاقب الشرطين لا في مورد اقترانهما، وإنَّما يكون دليلاً على عدم التداخل في صورة التعاقب لا في صورة الاقتران.
في هذا المقام، أي: في صورة تعاقب الشرطين ما هي أطراف المعارضة
ــــــــــ[308]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
بحسب الحقيقة بدواً؟ وما الذي يعارض إطلاق المادّة؟
إطلاق الوضوء ليس طرفاً للمعارضة مع ظهورات القضية الشرطيّة الأولى؛ لأنَّنا لا نحتمل فقهياً أنَّ ظهور الشرطيّة في الحدوث عند الحدوث منسلخ بحيث لا يؤثر أثراً. وقلنا: إنَّ إطلاق المادّة يعارض الإطلاق الأزماني في جزاء الشرطيّة الأولى؛ لأنَّ الإطلاق الأزماني يقتضي بقاء الحكم الأول، وإطلاق المادّة في القضية الثانية يقتضي حدوث حكم الآن، ولا يعقل تحقّق جديد للطبيعي على الإطلاق مع بقاء حكم سابق عليه.
وحيث إنَّ المعارضة واقعة بين إطلاق وإطلاق فلا مرجح صناعة لأحدهما على الآخر، وهذا تامٌّ. إلَّا أنَّنا نفرض الكلام في مورد نقطع فيه ببقاء الحكم الأول كما هو الحال في مورد الوضوء، إذ إنَّ لازم تقييد الحكم الأوّل بقاءً بعدم حدوث السبب الثاني تضييق عالم امتثاله، فمن يعلم أنَّه سوف يصدر منه البول يجب أن يتوضأ من النوم، وإلَّا كان عاصياً. والمفروض أنَّه يمكن أن يمتثل الحكم السابق حتّى بعد حدوث السبب الثاني، ففرض أنَّه يمكن امتثال الحكم السابق حتّى بعد حدوث السبب الثاني الذي هو مفروغ منه يساوق فرض القطع ببقاء الحكم السابق وعدم ارتفاعه. فنفرغ من هذه الخصوصيّة، خصوصيّة أن الحكم السابق باقٍ ومستمر حتّى بعد حدوث السبب الثاني.
فحينئذ إطلاق المادّة في الشرطيّة الثانية لا يعارض الإطلاق الأزماني في الأولى؛ لأنَّه قطعي ومفروغ عنه، ولكنه يعارض أحد أمرين: إمّا ظهور الثانية نفسها بالحدوث عند الحدوث، أي: أنَّ إطلاق المادّة في القضية يكذّب ظهورها
ــــــــــ[309]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
نفسها في الحدوث عند الحدوث، ويوجب حملها على أصل الثبوت عند الثبوت ولو بقاءً. وإمّا أنَّ إطلاق المادّة يعارض أصل إطلاق الشرط فيها، لحال مسبوقيته بالنوم، فنتحفظ على ظهور القضية بالحدوث عند الحدوث، ولكنَّنا نقيّدها بما لم يسبق نومه.
فالمعارضة الأولى مطلقة من حيث سبق النوم وعدمه ونقول: إنَّه يثبت وجوب الوضوء بعنوان ثبوته بقاءً. أمّا إذا تحفّظنا على ظهور القضية بالحدوث عند الحدوث ورفعنا اليد عن أصل إطلاق الشرط لحال مسبوقيته بالنوم، فنقيّدها بصورة عدم سبق النوم.
إذن، فإطلاق المادّة لا بُدَّ أن يستدعي أحد هذين التصرفين، أمّا التصرف الأول- وهو رفع اليد عن ظهور القضية بالحدوث عند الحدوث – فهو غير جائز؛ لأنَّه ظهور عرفي وضعي، وهو متضمن في معنى الفعل، وقد قلنا: إنَّ استعمال الفعل في معنى بقائي مجازي. إذن، ظهور القضية بالحدوث عند الحدوث يكون مقدّماً على إطلاق المادّة؛ لأنَّه أقوى الظهورين.
تبقى المعارضة بين إطلاق المادّة وبين إطلاق الشرط لحال سبق النوم، فنتحفظ على ظهور القضية في الحدوث عند الحدوث ونقيّد الشرط بصورة عدم سبق النوم. وهنا يقع التعارض بين إطلاقين: هما إطلاق المادّة وإطلاق الشرط لصورة سبق النوم. ودعوى أنَّ أحدهما أقوى دعوى غير صناعية. إلَّا أنَّه لا يعقل التعارض بينهما ولا بُدَّ من تقديم إطلاق الشرط. وذلك بالبرهان.
وحاصل هذا البرهان: أنَّنا لو رفعنا اليد عن إطلاق الشرط وقيّدناه بصورة
ــــــــــ[310]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
عدم سبق النوم، فلا يبقى موضوع لإطلاق المادّة؛ لأنَّه لا يبقى في صورة سبق النوم جزاء ولا حكم للقضية الثانية، فلا حكم لها في هذا الحال ولا مادة لها حتّى يُتكلّم عن إطلاقها وتقييدها. فلا يعقل أن يكون إطلاق المادّة معارضاً لإطلاق الشرط لصورة سبق النوم؛ لأنَّ سقوط إطلاق الشرط يستلزم سقوط إطلاق المادّة. فلا بُدَّ أن يُقدّم إطلاق الشرط على إطلاق المادّة.
فتبيّن أنَّه في المورد الذي يوجد تعارض بين ظهورين نقول بعدم التداخل إلَّا في بعض الموارد، كمورد تقارن الشرطين، أو إذا كان الجزاء جملة اسمية، فإنَّنا لا نقول بعدم التداخل.
وبهذا انتهى الكلام عن المسألة الأولى التي دار البحث فيها عن تداخل الأسباب وعدمه. وظهر أنَّ الحق هو القول بالتفصيل خلافاً للمشهور(1) الذي قال بعدم التداخل مطلقاً، ولغير المشهور الذي قال بالتداخل مطلقاً(2). والمستنتج مما بيّناه هو التفصيل. ففي فرض تعاقب الشرطين نقول بعدم التداخل فيما إذا كان الجزاء جملة فعليّة، ويكون ظهور القضية الشرطيّة بعدم التداخل مقدّماً على إطلاق المادّة ببيان سبق، لا من ناحية كون ظهور الشرط ظهور وضعي وظهور المادّة ظهور إطلاقي.
إذن، فالقاعدة تقتضي في بعض الموارد التداخل وتقتضي في الموارد الأخرى عدمه.
ــــــــــ[311]ــــــــــ
(1) تقدم تخريجه آنفاً.
(2) تقدم تخريجه آنفاً.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
بعد الفراغ عن عدم تداخل الأسباب وتعدد الحكم، فإذا قلنا بوجود وجوبين للوضوء، فهذان الوجوبان الحادثان من قبل السببين، هل يحصل امتثالهما بالإتيان بفعل واحد أو يحتاج امتثالهما إلى فردين؟ وقلنا: إنَّه بحسب الواقع ينبغي أن تسمى مسألة التداخل في الأسباب التداخل في عالم الجعل، والتداخل في المسبّبات التداخل في عالم الامتثال.
أمَّا دعوى عدم التداخل في عالم الامتثال فتقريبها: أنَّه بعد أن فرغنا عن وجود وجوبين متوجهين إلى الطبيعة، وفرغنا عن استحالة اجتماع المثلين، فلا بُدَّ من الالتزام بتحصيص المتعلّق ورفع اليد عن إطلاق المادّة، وذلك بتقييد كل منهما بعنوان (الآخر)، أي: أنَّ كلاً من الوجوبين متعلّق بوضوء على أن لا يكون هو الوضوء الذي يمتثل به الوجوب الآخر. وبهذا احترزنا عن اجتماع الوجوبين على شيء واحد. وحينئذٍ فلا محالة من الإتيان بوضوئين؛ لأنَّه لا يمكن أن يصدق على الوضوء الواحد أنَّه وضوء وأنَّه آخر؛ لأنَّ أحد الوجوبين قد تعلّق بوضوء، وتعلّق الوجوب الآخر بوضوء آخر، ولا يمكن أن يصدق على الوضوء الواحد كلا هذين العنوانين: الوضوء والآخر؛ لأنَّ الشيء الواحد لا يمكن أن يصدق على نفسه وعلى غيره.
نعم، لو فرضنا أنَّه أتى بفرد واحد فإنَّه لا يتعيّن أن يكون امتثالاً لهذا الحكم أو ذاك؛ لأنَّ كلاً منهما صالح للإنطباق عليه ولا يتعيّن أحدهما بالخصوص. نعم، إذا فرضنا أنَّ أحدهما المعيّن كان مقيّداً بأنَّه غير ما يمتثل به
ــــــــــ[312]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الوجوب الآخر، ولم يكن الآخر مقيّداً، فتتم الحكومة حينئذٍ بينهما. فإنَّ شمول دليل المطلق لهذا الفرد بلا محذور، وبشموله له يرتفع موضوع الآخر، أما الآخر فهو مقيّد بعدم شمول الأول له، ومع شموله له يرتفع موضوعه. نعم لو كانا مقيّدين لا يتعيّن شموله لأحدهما، وإن كان الوضوء محصلاً لأحد الملاكين.
وفي قبال هذا القول يوجد القول بالتداخل في المسبّبات وكفاية الامتثال الواحد، بدعوى: أنَّ الوجوب وإن كان متعدداً -والمفروض أنَّه يستحيل اجتماع الوجوبين على موضوع واحد- إلَّا أنَّه في المقام يمكن تعقّل التداخل بأن لا نلتزم بالتحصيص بعنوان (الآخر) حتّى يلزم التباين بين العنوانين، بل نلتزم بتعدّد العنوانين، فالوضوء له عنوانان: عنوان الوضوء المطهر من البول، وعنوان الوضوء المطهر من النوم. والوجوب الناشئ من النوم تعلّق بالوضوء المطهر من النوم، والوجوب الناشئ من البول تعلّق بالوضوء المطهر من البول. فللوضوء عنوانان ثانويان، وكل وجوب متعلّق بعنوان غير عنوان الآخر، وإذ يمكن تصادقهما معاً في الخارج فيكفي الامتثال الواحد؛ لأنَّ هذا الامتثال يكون مصداقاً لعنوان المطهر من النوم والمطهر من البول. فيكون الوجوبان متعلّقين بعنوانين ثانويين منطبقين على الوضوء. وبهذا نكون قد تخلصنا من محذور اجتماع المثلين لتعدد العناوين، ومع ذلك التزمنا بكفاية الامتثال الواحد؛ لأنَّ هذين العنوانين غير متباينين في مقام الصدق كعنوان (الآخر).
وينبغي أن يُنظر إلى هذه المسألة بحسب مقام ثبوتها وبحسب مقام إثباتها، أمّا مقام ثبوتها فتحقيق الأمر فيه يرجع إلى المباني في جواز اجتماع الأمر والنهي.
ــــــــــ[313]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فإن بنينا على كفاية تعدد العناوين في لوح الواقع، الذي هو لوح متوسط بين محض الاعتبار ومحض الوجود، إن فرضنا كفاية تعدد العناوين في رفع غائلة اجتماع الأمر والنهي، فهذا ممكن في المقام؛ لأنَّ كل وجوب تعلّق بعنوان غير العنوان الذي تعلّق به الوجوب الآخر. ومثل هذا التعدّد في العناوين يكفي في رفع الغائلة.
وإن قلنا: إنَّه لا بُدَّ في رفع استحالة اجتماع الأمر والنهي من تعدد الوجود الخارجي، ولا يكفي تعدد العناوين. فهنا لا يوجد تعدد في الوجود؛ لأنَّ المفروض أنَّ العنوانين متحدان في الوجود الخارجي، وأنَّ التركيب بينهما اتحادي لا انضمامي.
اللهم إلَّا أن يُقال بمسلك الميرزا(1) في مبحث اجتماع الأمر والنهي، والذي تابعه عليه السيّد الأستاذ(2)، من أن التضاد ليس بين الأمر والنهي، بل بين النهي والترخيص في تطبيق الأمر على الحصص. فحينئذٍ لا يبقى محذور في مسألتنا؛ لأنَّ كل من الوجوبين مساوق للترخيص، والترخيص في التطبيق لا ينافي الأمر الآخر.
وأمّا بحسب مقام إثبات هذه الدعوى وكان فَرْضُنا أنَّ تعدد العنوان يكفي في رفع الغائلة، فهل يتعيّن ذلك صناعة؟
الذي يظهر من تضاعيف كلامنا أنَّ هذه الدعوى تلائم التحفظ على
ــــــــــ[314]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 331، فوائد الأصول 2: 398.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 3: 362.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إطلاق المادّة؛ لأنَّ الوجوبين يتعلّقان بالطبيعة بعنوانين، فتكون المادّة شاملة بدلياً لتمام الافراد. بخلاف القائل بعدم التداخل فإنّه يقيّد المادّة بالآخر مما يوجب تضييق المادّة.
وهناك ظهور آخر في قبال إطلاق المادّة وهو كون الوضوء بعنوانه واجباً، وبحسب أصالة المطابقة بين مقام الإثبات والثبوت، وأنَّ ما لم يُذكر إثباتاً لم يُذكر ثبوتاً، وأنَّ ما ذُكر إثباتاً أُخذ ثبوتاً، وحيث إنَّه ذُكر عنوان الوضوء إثباتاً فلا بُدَّ أنْ يكون الواجب بحسب مقام الثبوت هو عنوان الوضوء لا عنوان آخر ينطبق عليه، وهذا يقتضي عدم التداخل. فالمعارضة قائمة بين هذين الظهورين. إطلاق المادّة الذي يقتضي التداخل وظهور العنوان أنَّه بنفسه دخيل الذي يقتضي عدم التدخل.
وعند التعارض بين هذين الظهورين يقدّم ظهور العنوان؛ لأنَّه أقوى من إطلاق المادّة، وظهور العنوان يقتضي أنَّه بنفسه مأخوذ إثباتاً، فهو بأصالة المطابقة مأخوذ ثبوتاً أيضاً. فالمعارضة قائمة بين هذين الظهورين، وقد قلنا: إنَّ أصالة المطابقة بين ما ذكر إثباتاً فهو مذكور ثبوتاً مقدمة على ما لم يذكر إثباتاً فهو غير موجود ثبوتاً. فأصالة المطابقة بين الوجود والوجود أقوى من أصالة المطابقة بين العدم والعدم.
وهذا البيان هو النكتة الفنية التي بحسبها قلنا بحمل المطلق على المقيّد؛ لأنَّ التعارض هناك في الحقيقة بين إطلاقين: إطلاق المطلق الذي يقول: إنَّ قيد الإيمان لم يذكر إثباتاً فهو غير موجود ثبوتاً، وإطلاق المقيّد الذي يقول: بأنَّ
ــــــــــ[315]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
القيد قد ذكر إثباتاً فهو موجود ثبوتاً. ومن هنا يكون تقديم المقيّد على المطلق؛ لأنَّ أصالة المطابقة بين الوجود والوجود أقوى من أصالة المطابقة بين العدم والعدم.
وفي مقامنا الأمر دائر بين: إمّا يكون المولى قد ذكر عنوان الوضوء فهو مأخوذ ثبوتاً، وإمّا لم يذكره فهو غير مأخوذ ثبوتاً. فيقدّم أصالة المطابقة بين الموجود والموجود على أصلة المطابقة بين المعدوم والمعدوم.
فالصحيح في المسألة الثانية: هو عدم التداخل في المسبّبات ووجوب الاتيان بفردين. كما أنَّ الصحيح في المسألة الأولى: هوالتفصيل في تداخل الأسباب.
وهنا تمّ البحث في التداخل أسباباً ومسبّبات.
ــــــــــ[316]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
إذا كان هناك مفهومٌ مطلقٌ وعلمنا من الخارج بوجود مقيّد له فهل يوجب ذلك المقيّد تقييد إطلاق المفهوم، أو يوجب إنتفائه من رأس؟ فإذا ورد مثلاً: (إذا جاءك العالم فأكرمه) فمفهومه أنَّه إذا لم يجئك العالم وجاءك الجاهل لا يجب إكرامه، سواء كان الجاهل أباك أو غيره. ولكن علمنا من الخارج أنَّ الأب إذا جاء يجب إكرامه سواء كان عالماً أو جاهلاً، فهل يوجب ذلك تقييد المفهوم بغير الأب وبقاء أصل المفهوم بحاله؟ فإذا احتملنا وجوب إكرام الجار في فرض مجيئه وكان جاهلاً ينفي المفهوم وجوبه- كما هو الحال في إطلاق المنطوق، حيث إنَّ المقيّد يوجب تقييده لا انتفائه من رأس، كما إذا قال: (أكرِم كلّ عالم) وعلمنا من الخارج أنَّ العالم الفاسق لا يجب إكرامه- فإنَّه هل يوجب تقييد وجوب الإكرام بغير الفساق من العلماء لا انتفاء أصل وجوب الإكرام حتّى من العدول منهم. أو أنَّه يوجب انتفاء المفهوم رأساً وعدم وجود المفهوم للقضية حينئذٍ؟
يختلف ذلك بإختلاف المباني والمسالك في اقتناص المفهوم، فعلى جميع المباني التي يحتاج فيها إلى إجراء مقدّمات الحكمة في الجزاء لإستفادة الإطلاق منه من جهة احتياج اقتناص المفهوم إلى كون المعلّق مطلق الحكم لا يسقط
ــــــــــ[317]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
المفهوم بالتقييد عن الحجية رأساً؛ لأنَّ الإطلاق المستفاد من مقدّمات الحكمة قابل للتقييد من ناحية، والبقاء على الإطلاق من ناحية أخرى، من جهة إجراء مقدّمات الحكمة في ناحية دون أخرى. ففي قوله: (إذا جاءك عالم فأكرمه) يمكن إجراء مقدّمات الحكمة في مفاد الجزاء وهو الإكرام وإثبات إطلاقه، إلَّا من ناحية الأب فلا يكون شاملاً لإكرام الأب، فإذا انتفى مجيء العالم ينتفي مطلق الإكرام المعلّق على المجيء ولا ينتفي إكرام الأب؛ لأنَّه لم يكن معلّقاً، فلو جاء جار فاسق لا يجب إكرامه، أمّا على القول: بأنَّ المعلّق على الشرط مطلق الحكم من جهة دلالة أداة الشرط وضعاً من دون حاجة إلى إجراء مقدّمات الحكمة في مفاد الجزاء، وعلى القول بعدم احتياج اقتناص المفهوم إلى إثبات كون المعلّق مطلق الحكم، بل يكفي كونه شخّص الحكم أيضاً ببيان أنَّه لو ثبت شخص آخر من الحكم بعلّة أخرى في فرض انتفاء الشرط يلزم منه صدور الواحد بالنوع من الكثير بالنوع (مثلاً) وهو محال.
فإن قلنا: إنَّ العليّة الانحصارية مدلول عليها بظهور واحد بسيط لا يخلفه بعد فرض سقوط ظهور آخر، كما أنَّ الأمر كذلك على مبنى استفادة العليّة الانحصارية من الوضع أو من الإنصراف إلى أكمل الأفرد فلا محالة يسقط المفهوم بالتقييد رأساً. وكذا إن قلنا باستفادة العليّة الانحصارية ما يستلزمه ظهور واحد بسيط لا يخلفه بعد فرض سقوط ظهور آخر دالّ على ما يستلزم العليّة الانحصارية كظهور القضية الشرطيّة في كون الشرط بعنوانه دخيلاً لا بعنوان أعمّ بناءً على استفادة العليّة الانحصارية منه واستلزامه له بتقريب أنَّه لو كان هناك عنوان آخر يترتّب عليه الجزاء أيضاً واجتمعا في مورد لم يكن كل
ــــــــــ[318]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
واحد من العناوين علّة منحصرة للزوم توارد العلتين على معلول واحد وهو محال من جهة قانون أنَّ (الواحد لا يصدر إلَّا من الواحد)، بل لا بُدَّ أن يكون مجموعهما علّة، فعلى هذا أيضاً يسقط المفهوم بالتقييد رأساً.
وأمّا أن قلنا: إنَّ العليّة الانحصارية مستفادة من ظهورات عديدة مجتمعة كمقدّمات الحكمة الجارية في قبال كل تقييد، فالمفهوم لا يسقط بالتقييد رأساً، بل يبقى على حاله في غير مورد التقييد، وكذلك إذا قلنا باستفادة العليّة الانحصارية من ظهور يخلفه غيره بالنسبة إلى باقي الأفراد بعد انتفاء الظهور الأوّل بالتقييد بأن يكون للقضية ظهورات طولية، وذلك كما لو قلنا باستفادة دلالتها من الظرف المطلق إلى الأكمل فالأكمل، فعلى هذا أيضاً لا يسقط المفهوم بالتقييد رأساً، بل يبقى على حاله في غير ما خرج بالتقييد(1).
ــــــــــ[319]ــــــــــ
() ملاحظة: هذا التنبيه السابع نقلته من خطّ الشيخ محمّد إبراهيم الأنصاري (سلّمه الله عز وعلا). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
انقدح مما حقّقناه في مفهوم الشرط النكتة الفنية في عدم اقتناص المفهوم للوصف في قولنا: (أكرم العالم العادل) وذلك مما بيّناه في مفهوم الشرط من النكتة الفنية لعدم اقتناص المفهوم بلحاظ خصوصيّة من الخصوصيات، بمعنى: أنَّ الحكم ينتفي بانتفاء تلك الخصوصيّة، إذ إنَّ قوام اقتناص المفهوم حينئذٍ هو أن يكون الحكم مع الخصوصيّة، هو طبيعي الحكم القابل للإنطباق على فرض فقد الخصوصيّة أيضاً. فمثلاً قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) يتوقّف اقتناص المفهوم على أن يكون مفاد (أكرمه) هو طبيعي الوجوب غير المقيّد بالمجيء، إذ لو كان المعلّق هو المقيّد بالمجيء فينتفي الوجوب المقيّد، ولا يدلّ ذلك على انتفاء طبيعي الوجوب. فإذا فرضنا أنَّ مفاد الجزاء حصّة من الوجوب وهو الوجوب المقيّد بالمجيء، فإذا علّق هذا الوجوب على المجيء فغاية ما تدلّ عليه العليّة الانحصارية هو انتفاء هذا المقيّد، ولعلّه يوجد وجوب آخر للإكرام غير المقيّد.
فلابدّ في اقتناص المفهوم أن يكون مفاد الجزاء هو طبيعي الوجوب، ولم تؤخذ فيه خصوصيّة المجيء في الرتبة السابقة على التعليق، فالمعلّق هو الطبيعي لا المقيّد بالمجيء.
ــــــــــ[321]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وهذا ما سبق أن أثبتناه بالإطلاق بعد إجراء مقدّمات الحكمة، وقلنا: إنَّ مفاد (أكرِم) كمفاد الجملة الاسميّة من حيث جريان مقدّمات الحكمة فيه لإثبات الإطلاق، ما يعني: أنَّ المعلّق هو طبيعي الوجوب لا الوجوب المقيّد، فتحصّل: أنَّ طبيعي الوجوب هو المعلّق، ومقتضاه انتفاء الطبيعي.
هذه النكتة التي يتوقّف عليها اقتناص المفهوم – وهو كون الحكم مطلقاً من ناحية الخصوصيّة التي يراد إثبات عدم الحكم عند فقدها- كانت أمراً معقولاً في القضية الشرطيّة، وكان لنا سبيل إلى إثبات الإطلاق ببركة مقدّمات الحكمة وأصالة الإطلاق. أمّا في القضايا الوصفية فغير معقولة التحقّق أصلاً، فنحن في نحو: (أكرم العالم العادل) نريد إثبات المفهوم من حيث العدالة، بمعنى: حيث لا عدالة لا وجوب للإكرام. وهذا موقوف على أنَّ مفاد أكرم هو طبيعي الوجوب غير المقيّد بالعدالة، كما أنَّ اقتناص المفهوم من ناحية المجيء في القضايا الشرطيّة يتوقّف على أنَّ مفاد (أكرِم) مطلق من ناحية المجيء.
ولا يعقل أن يكون مفاد (أكرِم) مطلقاً من ناحية العدالة؛ لأنَّ مفاد هيئة (أكرِم)- وهو النسبة الطلبية المقيّدة بطرفيها اللذين هما الإكرام والفاعل-مقيّد بمفاد مادة أكرم (أحد الطرفين للهيئة)، فهي تدلّ على الوجوب المقيّد بالإكرام. ومادّة (أكرِم) لا محالة مقيّدة بالإضافة إلى المفعول، أي: أنَّ الواجب هو الإكرام الخاص، وهو إكرام العالم، والعالم يتقيّد بهيئة التوصيف بالعدالة. ومن ثُمّ يتقيّد مفاد هيئة (أكرِم) بالعدالة؛ لأنَّ قيد قيد القيد قيدٌ، فهو وجوب إكرام خاص لعالم خاص.
ــــــــــ[322]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
فيستحيل إطلاق مفاد هيئة (إكرام) من ناحية العدالة وإجراء مقدّمات الحكمة لإثبات المفهوم.
هذا حاصل ملاك إثبات المفهوم، وقد بيّناه بصيغة فنية في مبحث مفهوم الشرط، وقلنا: إنَّ في جملة الوصف نسبتان: نسبة تامّة ونسبة ناقصة، فالتامّة في (أكرِم) التي أحد طرفيها الإكرام والثاني الفاعل. والناقصة بين الإكرام والعالم العادل، فالإكرام وقع طرفاً لنسبتين: إحداهما تامّة، وهي هيئة (أكرِم)، والثانية ناقصة، وهي هيئة إضافة الموصوف إلى صفته، وإذا كان شيء واحد وقع طرفاً لنسبتين فلا بُدَّ أن تكون الناقصة مأخوذةً في مرتبة طرف النسبة التامّة ولا يمكن أن تكون في عرضها؛ لأنَّ النسبة الناقصة لو كانت في عرض النسبة التامّة لبقيت ناقصة إلى الابدّ؛ لأنّها ناقصة لا يصح السكوت عليها، مع أنَّ الكلام يصح السكوت عليه، فنعرف من ذلك أنَّ النسبة الناقصة اندمجت في النسبة التامّة وأصبحت طرفاً لها.
مقامنا من هذا القبيل فالإكرام وقع طرفاً لنسبتين: للنسبة التامّة وهو مدلول الفعل، والنسبة الناقصة وهو إضافة الفعل إلى مفعوله والموصوف إلى صفته، فلا بُدَّ أن تكون النسبة الناقصة طرفاً للنسبة التامّة. فيتحصّل لدينا نسبة تامّة بعثية أو طلبية أحد طرفيها الإكرام الخاص وهو إكرام العالم العادل، فأين الإطلاق حتّى يمكن اقتناص المفهوم؟!
وبما بيّناه ظهر الخلل فيما أفاده المحقّقون في المقام، فقد أفاد المحقّق
ــــــــــ[323]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
العراقي(1) في مقام بيان عدم المفهوم للوصف، بعد المفروغية عمّا بيّناه من لزوم إثبات إطلاق الحكم من ناحية الخصوصيّة التي يراد إثبات المفهوم من جهتها، وذكر أنَّ الإطلاق غير تامّ، لكن لا لِما بيّناه، بل علّله بالفهم العرفي، فإنَّه بحسب المتفاهم العرفي يلحظ الحكم مهملاً من ناحية الوصف، كما يلحظ مهملاً من ناحية أصل الموصوف، لا مطلقاً ولا مقيّداً. فلا إطلاق في القضية الوصفية؛ لأنَّ الحكم فيها مهمل، والمهملة في قوة الجزئية.
ومما بيّناه يظهر بطلان هذا القول، فإنَّ الحكم ليس مطلقاً ولا مهملاً، بل لا بدَّ أن يكون مقيّداً، فلا يمكن اقتناص المفهوم من جهته.
أمّا المحقّق الأصفهاني(2) فإنّه ذكر في تقريب مفهوم الوصف: أنَّه يمكن تقريب مفهوم الوصف بعد إثبات العليّة الانحصارية في العدالة؛ وذلك لأنَّ العدالة لو لم تكن علّةً منحصرةً، وكان يجب علينا أن نُكرم العالم الفاسق إذا كان طويلاً -مثلاً- فتكون العلّة حينئذٍ هي الجامع بين الأمرين؛ لاستحالة صدور الواحد بالنوع من الكثير بالنوع، وهذا خلاف ظهور الوصف في دخله بعنوانه.
هذا البيان بيّنه ثُمَّ حاول أن يستشكل في صغراه، ولكنَّنا لو فرضنا أنَّ هذا البيان تامٌّ والقاعدة العقلية التي ذكرها مسلّمةٌ، مع ذلك لا ينتج المقصود؛ وذلك لأنَّ هذه حصّة من الوجوب وتلك حصّة أخرى، وانتفاء هذه الحصّة لا يدلّ على انتفاء السنخ.
ــــــــــ[324]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول 1: 411، 412، نهاية الأفكار 2: 499.
(2) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 435، 436.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أمّا المحقّق النائيني(1) فقد ذكر أنَّ اقتناص المفهوم من الوصف يتوقّف على أحد ملاكين: إمّا إثبات العليّة وإمّا كون القيد قيداً للحكم في (أكرِم العالم العادل)، فإمّا أن نثبت كون (العادل) علّةً للحكم. وقد أضاف السيّد الأستاذ(2) إلى ذلك كونه علّةً منحصرةً؛ لأنَّ كونه علّةً فقط لا يكفي في اقتناص المفهوم. فإذا لم نتبيّن ذلك أثبتنا أنَّ (العادل) قيدٌ للحكم، والمقيّد عدم عند عدم قيده.
وكلاً من هذين الملاكين لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّه لو سلّم أنَّ هناك دليلاً على كون الوصف علّةً منحصرةً فهو منحصر بالنسبة إلى مدلول (أكرِم) وهو الوجوب المقيّد، فغاية ما يلزم من كونه علّةً منحصرةً للوجوب المقيّد هو انتفاء الوجوب المقيّد عند انتفائه، ولا يلزم منه انتفاء سنخ الحكم.
وأما الملاك الثاني -وهو بيان كون العالم راجع إلى الحكم لا الموضوع- فقد ذكر أنَّه خلاف الظاهر ولا يصار إليه إلَّا بقرينة، فيردّ عليه: أنَّ (عادل) لا يمكن رجوعه إلى مفاد (أكرِم) أصلاً، فإنَّ الخصوصيّة لا ترجع إلى مفاد (أكرِم) إلَّا إذا كانت من خصوصيات (أكرِم). والعادل ليست من الخصوصيات التي يتحصص بها الوجوب حتّى يرجع إليه. نعم، زمان العدالة وحينها يحصّص الوجوب تقول: (أكرِم العالم حين عدالته)، لكن العدالة غير محصّصة للوجوب، نعم، هي محصّصة للعالم؛ لأنَّها من خصوصياته. إذن، فلا يعقل أن ترجع العدالة ابتداءً وبدون ضميمة الحين أو الزمان إلى الحكم؛ لأنَّها من
ــــــــــ[325]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 435.
(2) انظر: أجود التقريرات 1: 435.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
خصوصيات الموضوع لا من خصوصيات الحكم.
ولو أرجعناها إلى حين العدالة، وأرجعنا الحين إلى مفاد (أكرِم)، فلا يفيد في اقتناص المفهوم أيضاً؛ لأنَّنا قد بيّنا أنَّ التقييدات بغير أدوات الشرط لا تدلّ على المفهوم، وبيّنا النكتة الفنية في ميزة التقييد بالشرط دون سائر التقييدات، وذلك في تنبيه من تنبيهات مفهوم الشرط. فيكون هذا القيد حاله حال تلك التقييدات التي لا يتمّ المفهوم فيها.
فكلا الملاكين لا يتمّ فيهما المفهوم.
هذا خلاصة الكلام في مفهوم الوصف.
ومنه يظهر وجه عدم المفهوم في كل من اللقب والعدد لنفس الملاك.
نعم، الوصف يدلّ على أنَّ الوجوب ليس ثابتاً للعالم على إطلاقه، والدليل عليه: أنَّ أصالة المطابقة بين مقام الثبوت ومقام الإثبات تقتضي أنَّ العدالة مأخوذة ثبوتاً كما هي مأخوذة إثباتاً، فلو فرض أنَّ كل العلماء واجب إكرامهم فيكون قيد العدالة لغواً. إذن، قيد العدالة مأخوذ في مقام الثبوت. فالمفهوم بقدر السالبة الجزئية يجري في الوصف.
فلو فُرض أنَّ الوصف لا يدلّ على أنَّ غير العادل لا يجب إكرامه بتمام أفراده، لكنّه يدلّ على أنَّ ليس كلّ عالم يجب إكرامه، وإلّا لم يكن هناك موجب لتقييد العالم بالعادل.
توضيح هذا المعنى: تارةً يُفرض أنَّ الحكم الذي هو المدلول التصديقي للجملة عبارة عن الإرادة، ونقول: إنَّ الحكم من مقولة الإرادة، كما ذهب إليه
ــــــــــ[326]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
المحقّق العراقي(1). وأخرى نقول: إنَّ الحكم هو عبارة عن الجعل والاعتبار، وليست الإرادة إلَّا من مبادئ الحكم.
فإنْ بنينا على الأوّل -وهو أن الحكم هو الإرادة- ففي المقام لا يتمّ المفهوم حتّى بنحو السالبة الجزئية؛ إذ من الممكن ثبوتاً أن يكون للمولى إرادات متعدِّدة متعلّقة بالأقسام لا بالمقسم. فلو فرضنا أنَّ العالم من حيث هو عالم لا يشتاق المولى إلى إكرامه ولا يريده، بل يشتاق إلى إكرام العالم الفقيه بما هو فقيه، والعالم الطبيب بما هو طبيب، والعالم المهندس بما هو مهندس، فهو يشتاق إلى إكرامهم بعناوينهم الخاصّة. ونتيجته أنَّه يجب إكرام كلّ عالم، لكن كلّ صنف بعنوانه الخاص. وهذا أمر معقول ولا يشكل عليه إشكال اللغوية، وهو أنَّه إذا كان كلّ عالم يجب إكرامه فلماذا يقيّد؟!
والجواب هو: لأنَّ المولى لا يشتاق إلى المقسم، بل إلى الأقسام، فتكون له إرادات بعدد الأقسام، وتكون كلّها مشتاق إليها. ثُمَّ هو في مقام البيان يبيّن أحد هذه الأشواق فيقول: (أكرم العالم الفقيه) وأصالة المطابقة بين مقامي الثبوت والإثبات تُثبت أنَّ هذا القيد المأخوذ إثباتاً مأخوذ ثبوتاً، ولكن هذا لا يدلّ على أنَّه لا يريد الأقسام الأخرى، إذ لعله يشتاق إلى الأقسام بما هي أقسام ولا يشتاق إلى المقسم.
وأمّا على المبنى الثاني وهو ما إذا فرضنا أنَّ الحكم -وهو المدلول
ــــــــــ[327]ــــــــــ
(1) حيث ذهب المحقّق العراقي: إلى أنَّ الحكم التكليفي المولوي قوامه بالإرادة؛ انظر: نهاية الأفكار 3: 60- 69.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
التصديقي للجملة- عبارة عن الجعل والاعتبار، وادعينا ظهوراً سياقياً بيّناه في مبحث أنَّ النهي عن العبادة هل يستدعي الفساد، وسنبينه في مبحث الجمع بين الحكم الواقعيّ والظاهري(1)، وحاصله: هو ظهور الجعل والحكم في كونه مقدمياً، وأنَّه أتى به المولى لغرض تنفيذ الخطاب ولا مصلحة في نفس الخطاب، وهذه المصلحة وإن كانت محتملة ثبوتاً إلَّا أنَّه ليس مما يفهمه العرف، بل إنَّ العرف يفهم أنَّ حكم المولى هو استطراق صرف لحصول المتعلّق في الخارج، فالحكم متمحض في الطريقية للوصول إلى المتعلّق، ولا مصلحة في نفسه.
هذا هو الظاهر إثباتاً، وبعد الفراغ منه، نقول: إذا قال المولى: (أكرم كلّ عالم فقيهٍ) فمقتضى أصالة المطابقة بين مقام الثبوت ومقام الإثبات أنَّ المولى أخذ قيد الفقاهة في موضوع الجعل، فجعل وجوب الإكرام على العالم الفقيه بما هو فقيه.
يبقى سؤال: أنَّه هل يجب إكرام سائر العلماء؟ لو فرض أنَّه يجب إكرام سائر العلماء بتمامهم، ففي مقام الثبوت إمّا أن يكون الحكم مجعولاً بجعل واحد للوجوب على طبيعي العالم، أو بجعول متعدِّدة بأنْ جعل على كلّ من العالم الطبيب والعالم المهندس كلّ بعنوانه.
فإذا فرضنا أنَّه جعل جعلاً واحداً على الطبيعي، فيكون الجعل على الفقيه بما هو فقيه لغواً وعبثاً؛ لأنَّ ذلك الجعل يتناوله. ولو فرضنا أنَّه جَعل جعولاً متعدِّدة ففي المقام يكون التقييد لغواً في جميع هذه الجعول؛ لأنَّ المفروض أنَّه
ــــــــــ[328]ــــــــــ
(1) انظر: بحوث في علم الأصول 4: 405.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
يريد في الخارج أن يتوصّل إلى إكرام تمام العلماء، وهذا التقييد ليس له غرض في نفسه؛ لأنَّ هذا الغرض وإن كان محتملاً إلَّا أنَّه خلاف الظاهر. فلا مقدّمية لهذا القيد، فهو لغو.
فعلى كلا الوجهين لا نحتمل جعل وجوب الإكرام على جميع العلماء. وهذا هو معنى اقتناص المفهوم بنحو السالبة الجزئية، وأحد الوجهين أن نبني على أنَّ الحكم هو الجعل والاعتبار لا الإرادة والشوق، والثاني أن ندّعي أنَّ الجعل والحكم في مقام الإثبات ظاهر بأنه أُريد منه الطريقية لا الموضوعية. هذا تمام الكلام في مفهوم الوصف.
ــــــــــ[329]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أمّا مفهوم الغاية فقد ذكر المحقّقون كالمحقّق النائيني(1)، أنّه ليس للغاية مفهوم إنْ فرض رجوعها إلى الموضوع أو المتعلّق، كما لو قال: (اكنس الأرض إلى الباب) فإنَّ القيد غاية للأرض التي يجب كنسها فليس لها مفهوم. وكذلك إذا كانت غاية للمتعلّق نحو: (صم إلى الليل) بنحو يرجع التقييد بالليل إلى الصيام، فإنَّه لا يدلّ على انتفاء طبيعي الوجوب في الليل. والوجه فيه واضح، فإنّه إذا كانت الغاية حدّاً للموضوع أو المتعلّق فإنّها تكون وصفاً مبيّناً بـ(حتّى) أو (إلى). فكما أنكرنا مفهوم الوصف ننكر هذا المفهوم، كلّ بحسب تقريبه في نفس مفهوم الوصف.
نعم، قالوا: إنَّ الغاية إذا رجعت إلى الحكم يكون لها مفهوم لا محالة، نحو (يحرم العصير العنبي المغلي حتّى يذهب ثلثاه)، فهذا القيد غاية لنفس الحرمة، أي: أنَّ الحرمة مستمرة إلى أنْ يذهب ثلثاه.
وقالوا في المقام: إنَّ أداة الغاية لها مفهوم، وقالوا -كما في تقريرات الميرزا وتعليقات السيّد الأستاذ(2) عليها-: إنَّها تكون حدّاً لنفس الحكم، ولا يعقل
ــــــــــ[331]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 2: 504، 505.
(2) انظر: أجود التقريرات 1: 436، 437.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وجود الحكم بعد حدّه، وإلّا كان خلف كونه حدّاً.
وقد أصبح من الواضح بطلان هذا الرأي لِما سبق أن ذكرناه، فإنَّ كونه غايةً وحدّاً للحكم وإن كان مسلّماً، إلَّا أنَّ الكلام يقع في كونه غايةً وحدّاً للسنخ أو الشخص. فإذا كان حدّاً للشخص فغاية ما يدلّ عليه هو ارتفاع الشخص لا طبيعي الحرمة، فالحرمة الثابتة بعنوان كونه مغليّاً ترتفع، ولعلّ هناك حرمة أخرى. فلا يكفي كونها غايةً للشخص في اقتناص المفهوم، كما أشار إليه المحقّق العراقي(1).
بل إنَّ المفهوم يتوقّف على إثبات الإطلاق في المغيى حتّى يثبت انتفاء طبيعي الحكم. وبنى المحقّق العراقي على أنَّ حاله حال الوصف، فيكون مهملاً من ناحية الغاية، أو حاله حال الشرط فيكون مطلقاً من ناحيتها.
وقد ظهر مما سبق بطلان هذا المبنى؛ لأنَّ الإطلاق في مفاد المغيى وهو الحكم أمر لا يمكن، فلا يمكن إجراء مقدّمات الحكمة لإثبات الإطلاق. والنكتة فيه: أنَّ (حتّى) و (إلى) تدلّ على الربط بين مدخولها والمغيّى بنحو النسبة الناقصة. فالحرمة مستمرة حتّى يذهب ثلثاه، فالغاية تدلّ على الربط بين مدخولها وبين ما قبلها بنحو النسبة الناقصة. إذن، فلا يمكن إجراء مقدّمات
ــــــــــ[332]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار: 415-417، و2: 497، 498.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الحكمة. لِما بيّناه من أنَّ التقييدات للحكم تارةً تكون مستفادةً بنحو النسبة التامّة، وتارةً تكون مستفادة بنحو النسبة الناقصة، فإذا كانت التقييدات مستفادة بنحو النسبة التامّة بعد ملاحظة الاثنين معا، فيمكن إجراء مقدّمات الحكمة في الحكم لإثبات أنَّ القيد طرأ عليه بما هو مطلق، أي: في الرتبة السابقة على تقييده، أمّا التقييدات المستفادة بنحو النسبة الناقصة فإنّها تحصّص نفس الحكم وتجعله حصّة من الطبيعي؛ لأنَّ مؤداها هو إرجاع الشيء إلى واحد، فكأنَّ المولى بيّن حصّة من الحكم، فلا يبقى لدينا شيئان لنجري مقدّمات الحكمة. ففي القضايا المتعارفة لا نستطيع المساعدة على دلالتها على المفهوم. يبقى إثبات المفهوم بالوضع، فيقال: إنَّ أداة الغاية موضوعة لانتفاء ما قبلها لِما بعدها. إذا تمت دعوى الوضع فيمكن تنقيح المفهوم. وأمّا بنحو الصناعة فلا يمكن.
ــــــــــ[333]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الكلام في مفهوم الاستثناء. نحو قولنا: (أكرم كلّ عالم إلَّا الفساق). فيدلّ هذا الاستثناء على استثناء وجوب الإكرام من الإثبات إلى النفي ومن النفي إلى الإثبات. فإنَّ قولنا: (لا يجب إكرام عالم إلَّا الفقيه). يدلّ على وجوب إكرام الفقيه، فإنَّ الاستثناء من النفي يؤدي إلى الإثبات والاستثناء من الإثبات يؤدي إلى النفي.
وتحقيق هذه الدلالة: هو أن أدوات الاستثناء تارةً يرجع محصل مدلولها إلى توصيف ذات الموضوع وتحصيصه مع قطع النظر عن ترتب الحكم عليه، كما هو الحال في الاستثناء بـ (غير) مثلاً. نحو: (أكرم كل عالم غير فاسق)، فـ(غير فاسق) يرجع بحسب مدلوله إلى تحصيص ذات الموصوف بما هو هو، ثُمَّ يترتّب الحكم على موضوع محصّص لا محالة، وقد تستعمل إلَّا بمعنى غير أيضاً.
فأداة الاستثناء التي تكون بمعنى (غير) ابتداءً أو في بعض الأحيان إنّما ترجع إلى تحصيص ذات الموضوع بما هو هو وترتب الحكم عليه بعد التحصيص، وفي مثلها لا نقول بالمفهوم؛ لأنَّها لا ميزة لها على مفهوم الوصف، فإنَّ قولنا: (أكرم العالم غير الفاسق) كقولنا: (أكرم العالم العادل). وتجري فيه نفس النكتة -لعدم إمكان المفهوم- التي سبقت في الوصف حرفاً بحرف.
ــــــــــ[335]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
وأمّا أداة الاستثناء التي لا ترجع إلى تحصيص الموضوع في الرتبة السابقة لورود الحكم عليه، فإنّها ترجع إلى الإخراج والاقتطاع من الموضوع لا بما هو هو، بل بوصفه موضوعاً للحكم، كما في الموارد المتعارفة لاستعمال (إلَّا)، فإنّها ليست بمعنى (غير)، بل إنّها ترد للإخراج بالمعنى الحرفي النسبي لا المعنى الاسمي الاستقلالي. ففي مثل هذه المقامات أداة الاستثناء ليست للإستثناء من ذات الموضوع بما هو هو مع قطع النظر عن ترتب الحكم عليه، فيحصّص الموضوع ثُمَّ يرد الحكم على المحصّص، فلو كان حاله هكذا لكان كالوصف في عدم ترتّب المفهوم عليه، بل الاستثناء في المقام إخراج واقتطاع من الموضوع بما هو موضوع للحكم في حال كونه ظرفاً للحكم وليس إخراجاً منه بحد ذاته.
وإلّا لو فرضنا أنَّ الاستثناء هنا إخراج من ذات الموضوع، أي: إخراج عن المعنى المستعمل فيه، فيكون (إلَّا الفساق) إخراج للفساق عن المعنى المستعمل فيه لفظ (العالم) لا إخراج من العالم بلحاظ موضوعيته للحكم.
ولو كان الأمر على الوجه الأول-، أي: أنَّ الاستثناء يخرج المستثنى من المراد الاستعمالي للمستثنى منه، أي: من ذات المستثنى منه- للزم فيه التجوز إذا فرض أن المستثنى منه كان شاملاً للمستثنى بالوضع لا بالإطلاق، كما في قولنا: (أَكَلَ الدجاجة إلَّا رأسها) فالدجاجة بالوضع تشمل الرأس، فلو فرضنا أنَّ (إلَّا رأسها) كان إخراجاً للرأس من المعنى المستعمل فيه، فيكون لفظ (الدجاجة) الموضوع للمجموع المركّب قد استعمل في الجزء لا الكل، مع أنَّه ليس في الكلام تجوّز، ولم يدّع أحد أنَّ الاستثناء موجب للتجوّز. إذن، إخراج
ــــــــــ[336]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الرأس ليس إخراجاً من المستعمل فيه، وإلّا لزم التجوّز، بل بلحاظ الحكم الإخباري والإنشائي لا المراد الاستعمالي.
ويتّضح من هذا: أنَّ أداة الاستثناء وظيفتها إخراج المستثنى لا بلحاظ عالم الاستعمال، وإلّا لزم التجوّز، بل بلحاظ ترتب الأحكام لئلّا يلزم التجوّز. فإذا أثبتنا هذا نعرف حينئذٍ أنَّ أداة الاستثناء تدلّ على الاستثناء من الموضوع بما هو موضوع للحكم، لا من ذات الموضوع بما هو هو.
فيظهر أنَّ (أكرم كل عالم إلَّا الفاسق) ليس استثناء من ذات العالم، أي: من المدلول المستعمل فيه، بل من العالم بصفته موضوعاً لوجوب الإكرام، أي: أنَّ العالم الواجب إكرامه لا ينطبق على الفاسق. وليس الاستثناء تحصيصاً للموضوع في المرتبة السابقة ويصب الحكم على الموضوع المحصص، فلا يكون دلالة على المفهوم.
فإذا ثبت ذلك فنقول: إذا قال المولى: (أكرِم كل عالم إلَّا الفاسق) فإنَّه يدلّ لا محالة على أنَّ الفاسق مستثنى لا من ذات العالم، بل بما هو موضوع لوجوب الإكرام، أي: أنَّ الحكم غير ثابت للفاسق. ولا بأس في المقام من إجراء مقدّمات الحكمة لإثبات الإطلاق في الوجوب، فينتج أنَّ طبيعي وجوب إكرام العالم لا يثبت للفاسق لا بهذا الجعل بشخصه ولا بجعل آخر، فينفي عن الفاسق طبيعي وجوب إكرام العالم.
بقي شيء: وهو أنَّ المنفي ليس هو طبيعي الوجوب؛ لأنَّ (أكرِمه) تخصّصت بالإكرام (أي بمادتها) و(الإكرام) قد تخصص بالعالم كما سبق أن
ــــــــــ[337]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
ذكرنا في مفهوم الوصف(1)، بل المنفي هو طبيعي وجوب إكرام العالم؛ لأنَّ الهيئة تخصّصت بالمادّة، والمادّة تخصصت بالموضوع، وهو العالم، فالمنفي هو طبيعي وجوب إكرام العالم، أي: أنَّ الفاسق لا يوجد هناك وجوب إكرام عالم يشمله. فالاستثناء استثناء من طبيعي العالم بما هو موضوع للوجوب، فلا محالة ينتفي الوجوب عند انتفائه، ولكن الذي ينتفي هو الوجوب المدلول لهيئة (أكرم) وهو وجوب مقيّد بالعالم، فطبيعي وجوب إكرام طبيعي العالم هو الذي ينفى عن الفاسق لا محالة.
فإذا استظهرنا من وجوب إكرام العالم المنفي، أنَّ المنفي هو طبيعي وجوب إكرام العالم بما هو عالم، أو أنَّ المنفي هو طبيعي وجوب إكرام ذات العالم- وإن لم يكن بوصفه عالماً، بل بوصفه هاشمياً- فلا يكون معارضاً للدليل الدالّ على وجوب إكرام الهاشمي الشامل للفاسق العالم. وإذا فرضنا أنَّ المنفي هو طبيعي وجوب إكرام ذات العالم، فيكون دليل وجوب إكرام الهاشمي العالم الشامل للفاسق منافياً لدليل (أكرِم العالم إلَّا الفاسق) فيعارضه.
وأصل المفهوم يثبت بالالتفات إلى نكتة أنَّ الاستثناء ليس استثناءً من ذات الموضوع بما هو هو، أي: من الإرادة الاستعمالية، بل بوصفه مراداً للحكم، فيثبت أنَّ طبيعي موضوع هذا الحكم لا يشمل الفاسق.
ولكن هذا المفهوم هل يعارض إطلاق دليل إكرام الهاشمي الشامل
ــــــــــ[338]ــــــــــ
(1) راجع: ص321.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
للفاسق؟ هذا مبني على أنَّ المنفي هل هو وجوب إكرام العالم بما هو عالم أو ذات العالم؟
هذا في طرف الاستثناء من الإثبات.
أمّا الاستثناء من النفي نحو: (لا يجب إكرام عالم إلَّا الفقيه) فلا إشكال في ثبوت المفهوم؛ فإنَّ الفقيه استثني من العالم بما هو موضوع لحكم عدم وجوب الإكرام، ونقيضه هو طبيعي وجوب الإكرام، فيثبت الوجوب هنا لا محالة.
فظهر(1) أنَّه في باب الاستثناء لا بُدَّ أن نفصّل، فإنَّ الاستثناء على قسمين:
تارةً: يكون بمعنى (غير) أو ما يرجع إليها، فهو تخصيص لذات الموضوع بما هو هو، ثُمَّ بعد ذلك يصب عليه الحكم، وفي مثله لا نقول بالمفهوم بنفس الملاك الذي ذكرناه في الوصف.
وقد يكون الاستثناء إخراجاً واقتطاعاً بنحو المعنى الحرفي من المستثنى منه، لا بلحاظ المراد الاستعمالي، وإلّا لزم التجوّز، بل بما هو موضوع للحكم الإخباري أو الإنشائي. ففي مثل هذا المقام بالنسبة إلى الاستثناء من الإثبات لا إشكال أنَّه يثبت النفي، أي: نفي طبيعي وجوب إكرام العالم بالنسبة إلى الفاسق. أمّا أنَّه هل يعارض هذا المفهوم الدليل الدالّ على وجوب إكرام الهاشمي؟ فذلك موقوف على أنَّ المنفي هل هو طبيعي وجوب إكرام العالم بما هو عالم أو ذات العالم؟ فعلى الأوّل لا يقع التعارض، وعلى الثاني يتعارضان.
ــــــــــ[339]ــــــــــ
() ثم لخص سيدنا الأستاذ هذا المبحث بقوله:… (المقرر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
أما الاستثناء من النفي، أي: من نفي طبيعي الوجوب، فيثبت الوجوب ولو ببعض حصّصه. وبه يثبت المفهوم.
وبهذا ينتهي المهم من مسائل مفهوم الاستثناء.
وبه ينتهي ما أردنا إثباته من بحث المفاهيم، وقد أسقطنا بعض الخصوصيات والتفاصيل؛ لأنَّ مَنْ لاحظ الكلمات التي قلناها يعرف الباقي على مقتضى القاعدة(1).
ــــــــــ[240]ــــــــــ
(1) تمّ بحث المفاهيم بتاريخ 11/8/1382هـ، 7/1/1963م.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
تنويه 7
المقام الأول: تعريف المفهوم 19
الأول: تعريف المحقّق العراقي ومناقشته 19
الثاني: تعريف الميرزا النائيني ومناقشته 22
الثالث: تعريف الآخوند الخراساني ومناقشته 25
الرابع: تعريف المحقّق الأصفهاني 28
الفرق بين تعريف الخراساني والأصفهاني للمفهوم 30
الصحيح في تعريف المفهوم 33
هل المفهوم حكم غير مذكور أو حكم لموضوع غير مذكور 35
المقام الثاني: تحقيق الضابط الكلّي لاقتناص المفهوم 41
مسلك المشهور في إثبات المفهوم 42
مناقشة مسلك المشهور في إثبات المفهوم 51
مسلك المحقّق العراقي في إثبات المفهوم ومناقشته 57
الدعوى الأولى: أنَّ العليّة الانحصارية دخيلة في المفهوم ومناقشة ذلك 58
الدعوى الثانية: ضرورة الفراغ عن العليّة الانحصارية ومناقشة ذلك 58
ــــــــــ[341]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الدعوى الثالثة: إذا كان المعلّق سنخ الحكم فلا يثبت المفهوم ومناقشة ذلك 64
الدعوى الرابعة: ثبوت المفهوم إذا كان المعلّق سنخ الحكم ومناقشة ذلك 67
المدّعى المختار في باب الإطلاق والتخلّص منه إلى الضابط الكلّي للمفهوم 77
إشكال عام 85
مفهوم الشرط 91
المقام الأول: في تحقيق معنى القضية الشرطيّة وأداة الشرط 92
الجهة الأولى: في معنى أداة الشرط (إذا) 92
الجهة الثانية: في طرف الربط والتعليق هل هو المدلول التصوّري أم التصديقي 105
أثر التعليق في المدلول التصديقي 108
الجهة الثالثة: هل المعلّق النسبة الطلبية أم المادّة المنتسبة؟ 120
المقام الثاني: هل المعلّق سنخ الحكم أو شخص الحكم 129
المقام الثالث: في إمكان استفادة القضية الشرطيّة من العليّة الانحصارية وعدم ذلك 158
التقريب الأول: أخذ الترتّب اللزومي الانحصاري وضعاً في القضية الشرطيّة 164
التقريب الثاني: دعوى الانصراف 165
ــــــــــ[342]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
التقريب الثالث: التمسك بإطلاق الشرط لإثبات العليّة الانحصارية 169
الأوّل: تقريب الإطلاق الأحوالي للشرط 172
الثاني: تقريب الإطلاق البدلي للشرط 181
الثالث: تقريب إطلاق مفاد أداة الشرط 191
الكلام في تنبيهات المسألة 203
التنبيه الأول: هل المفهوم يقتضي انتفاء المقيّد أو الأعمّ 203
التنبيه الثاني: بيان القضايا التي يكون الشرط فيها محقّقاً للموضوع 210
التنبيه الثالث: في حل المعارضة بين المنطوق والمفهوم في القضيتين الشرطيتين المتعدد شرطاهما والمتحد جزاءاهما 220
حل التعارض بناءً على مسلك إثبات المفهوم بالإطلاق الأحوالي 228
حل التعارض بناءً على مسلك إثبات المفهوم بالإطلاق العدلي ومناقشته 230
حلّ التعارض بناءً على مسلك إثبات المفهوم بإطلاق أداة الشرط 247
حلّ التعارض بناءً على المسلك المختار 250
التنبيه الرابع: فيما إذا تعدّد الشرط أو تعدّد الجزاء 254
إذا كان الشرط واحداً والجزاء متعدداً 254
فيما إذا كان الجزاء جملة واحدة يتضمّن أحكاماً متعدِّدة 259
فيما إذا كان الجزاء متضمّناً لأحكام متعدِّدة، فبانتفاء الشرط هل تنتفي جميع الأحكام أم بعضها 260
ــــــــــ[343]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج4
الكلام بحسب مقام الثبوت 261
الكلام بحسب مقام الإثبات 266
بقية بحث المفاهيم: القسم الثاني من مفهوم الشرط 271
التنبيه الخامس: المفهوم في غير الجملة الشرطيّة 271
التنبيه السادس: في تداخل الأسباب والمسبّبات وعدم تداخلها 279
الجهة الأولى: في تحقيق النسبة بين هذه المسألة والمسألة السابقة 281
الجهة الثانية: في تحقيق الأصل العملي الجاري في المقام 286
المسألة الأولى: في تداخل الأسباب وعدمه 293
المقام الأول: هل هناك ظهور يقتضي عدم التداخل أو لا 293
المقام الثاني: هل هناك دلالة تقتضي التداخل في الأسباب أو لا 300
المقام الثالث: في حلّ المعارضة بين الظهورين 302
المسألة الثانية: في تداخل المسبّبات وعدمه 312
التنبيه السابع: العلم بوجود المقيّد هل يوجب تقييد إطلاق المفهوم أم يوجب انتفائه من رأس 317
مفهوم الوصف 321
مفهوم الغاية 331
مفهوم الاستثناء 335
الفهرس 341