الجزء الخامس
261
ص44 الصدر، محمد.
محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج5 (384ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1709/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1709) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
0-27-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
محاضرات
في
علم أصول الفقه
تقريراً لأبحاث
سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الخامس
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الكلام في: مباحث العموم والخصوص
ويحتوي على:
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الكلام في: مباحث العموم والخصوص(1)
[ويقع الكلام في جهات:]
عرّف المحقّق الخراساني العموم(2): بأنَّه استيعاب المفهوم لكلِّ الأفراد، أو بتعبير آخر: لكلِّ ما يصلح أن ينطبق عليه من الأفراد.
وذكر المحقّق العراقي في مقالاته(3): أنَّ العموم هو استيعاب المفهوم لكلِّ ما يصلح أن ينطبق عليه مدخوله، أي: مدخول العموم بلحاظ الأداة.
ففي العبارة الأولى لم يكن ذكر لكلمة المدخول، فهناك: مستوعِب ومستوعَب، واستيعاب. فالمستوعِب: هو المفهوم العامّ، وهو مستوعِب لما يصلح أن ينطبق عليه، أي: أنّه مستوعِب لأفراده، فأفراده مستوعَبةٌ. واستيعاب المفهوم لأفراده هو العموم الذي يَدُلّ عليه أحد أدوات العموم نحو: (أكرم كلَّ
ــــــــــ[13]ــــــــــ
() كان تاريخ الشروع في بحث العامّ والخاص يوم الأحد 7/10/1382هـ، 3/3/1963م. (المُقرِّر).
(2) انظر: كفاية الأصول: 215.
(3) انظر: مقالات الأصول1: 429.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
رجلٍ) فالمستوعِب هنا (رجل) والمستوعَب أفراد الرجل. واستيعاب الرجل لأفراده هو العموم، ويَدُلّ عليه أداة العموم وهو (كلّ). هذا ما يُفهم من عبارة المحقّق الخراساني.
المحقّق العراقي غيّر العبارة فقال: العموم هو استيعاب المفهوم لكلِّ ما يصلح أن ينطبق عليه، أي مدخول العموم، لماذا قال هكذا؟ هذه العبارة تختلف عن الأولى، ولعلّ سببه أن المحقق العراقي وجد أنه في بعض الموارد يكون المستوعِب مفهوماً يستوعب أفراد مفهوم آخر، لا أنَّه يستوعب أفراد نفسه كما في عبارة الكفاية. أمّا في عبارة المحقّق العراقي: (لأفراد مدخوله) فقد يكون (مدخوله) هو نفس المفهوم المستوعب، وقد يكون غيره.
توضيح ذلك: أنَّ أداة العموم قد تكون متضمنة للمعنى الحرفي فقط، أي: للاستيعاب فقط لا بما هو معنى اسمي، بل بما هو نسبة بين المستوعِب والمستوعَب كما هو الحال في لام الجماعة، فإنَّه يَدُلّ على الاستيعاب بنحو النسبة، استيعاب العلماء لجميع أفراده، أي: أفراد العلماء. في قوله: (أكرم العلماء).
وهذا القسم تنطبق عليه عبارة صاحب الكفاية :(استيعاب المفهوم لكلِّ الأفراد) حيث تحقّق هنا استيعاب مفهوم علماء لأفراده والذي دلّ عليه بنحو المعنى الحرفي هو لام الجماعة.
وأخرى تكون أداة العموم غير متمحّضةٍ للمعنى الحرفي، بل تكون متكفّلةً للمعنى الاسمي، أي: أنَّها تكون متكفّلةً -زيادة على الاستيعاب- على مفهوم اسمي مثل: (كلّ وجميع)، فلفظة (كلّ) ليست متمحّضة لمعنى حرفي نسبي فقط
ــــــــــ[14]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وهو مجرّد الاستيعاب، بل تدلّ على مفهوم اسمي انتزاعي هو مفهوم (كلّ)، هذا المفهوم يستوعب تمام أفراد عالم. فـ (كلّ) هنا هو مستوعِب، والمستوعَب ليس هو أفراد (كلّ) بل هو أفراد مدخول (كلّ) وهو عالم. فهنا المستوعِب مفهوم، وهو مفهوم (كلّ) والمستوعَب أفراد مدخوله لا أفراد نفسه وهو أفراد عالم. وهذا القسم لا تنطبق عليه عبارة صاحب الكفاية ولكن تنطبق عليه عبارة المحقّق العراقي(1)، فإنَّه ذكر أنَّ العموم هو استيعاب المفهوم لجميع أفراد أداة العموم، وهو أفراد عالم. كما أنَّ هذه العبارة تنطبق على القسم الأوّل، فإنَّ أداة العموم هناك (لام) العموم. والعموم هناك هو استيعاب مفهوم العلماء لتمام أفراد مدخول اللام، وهو نفس العلماء. فهذه العبارة الدقيقة تكون جامعة بين القسمين. ولعلّ هذه النكتة هي سرّ عدول المحقّق العراقي عن عبارة صاحب الكفاية.
وبهذا يظهر الجواب عن الإشكال الذي ذكره المشهور(2) فإنّه قد يُستشكَل بأنَّ أدوات العموم -بعد أن فسّرنا العموم بالاستيعاب- شأنها شأن الحروف متضمنة للمعنى الحرفي، فكيف يرتّب عليها أحكام الأسماء، كـ(المبتدأ والفاعل)؟ وجواب ذلك قد ظهر ممّا ذكرناه، وهو: أنَّ بعض أدوات العموم ليست متمحّضةً للمعنى الاستيعابي الحرفي، وإنمّا هي بنفسها دالّة على المفهوم الذي يستوعب أفراد مدخوله، وباعتبار المفهوم الاسمي يرتّب عليها أحكام الأسماء.
ــــــــــ[15]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول1: 429.
(2) انظر: مقالات الأصول1: 430،429.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الجهة الثانية: في أقسام العموم
ــــــــــ[17]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
قُسِّم العموم الذي فُسِّر بأنَّه استيعاب المفهوم لكلِّ أفراد مدخوله إلى العموم الاستغراقي، والبدلي، والمجموعي. إلَّا أنَّ صاحب الكفاية(1) كان قد ذكر أنَّ هذا التقسيم ليس بلحاظ العموم بما هو هو، فإنَّ العموم هو الاستيعاب دائماً، وليس له حصص ثلاث، بل بلحاظ تعلّق الحكم به، حيث إنَّ المفهوم بعد أن يتمّ استيعابه ويراد تعليق حكم عليه فهذا الحكم: إمّا أن يتعلّق بكلِّ واحدٍ واحدٍ من الأفراد المستوعبة، فهو العموم الاستغراقي. وإمّا أن يتعلّق بمجموعها، فهو العموم المجموعي. وإمّا أن يتعلّق بواحد منها على سبيل البدل، فهو العموم البدلي. فالعموم مع قطع النظر عن تعلّق الحكم به لا يتصوّر تقسيمه، بل هو نفس الاستيعاب، وإنّما ينقسم بلحاظ كيفية تعلّق الحكم به، فالتقسيم من ناحية أنحاء تعلّق الحكم بالشيء لا أقسام للعموم من حيث هو.
وذكر المحقّق العراقي في مقام التعلّيق على هذا(2): أنَّ الذي أُفيد إنّما يتمّ بالنسبة إلى العموم المجموعي والاستغراقي، ولا يتمّ بالنسبة إلى البدلي.
ــــــــــ[19]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 216.
() انظر: مقالات الأصول1: 430.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
توضيح ذلك: أنَّ المحقّق العراقي يرى أنَّ العموم الذي هو الاستيعاب خصوصيّة كونه بدلياً أو استغراقياً أو مجموعيّاً ليست من العموم بما هو عموم، فهو من هذه الجهة يوافق صاحب الكفاية(1)، لكن المحقّق الخراساني يدّعي أنَّ التقسيم نشأ من ناحية تعلّق الحكم به، وأما المحقّق العراقي فيفصّل ويرى أنَّ هذا التقسيم الثلاثي ينحلّ إلى تقسيمين: أحدهما من ناحية تعلّق الحكم به، والثاني من شيء آخر. فإنَّ تقسيم العموم إلى بدلي واستغراقي ليس من ناحية تعلّق الحكم به، بل من طبيعة مدخول أداة العموم. ألم يقل إنَّ العموم هو استيعاب المفهوم لمدخول أداة العموم؟!
هذا العموم قد يكون من قبيل النكرة نحو: (أكرم أيّ عالم شئت) وقد يكون اسم جنس. والنكرة بحد ذاتها لا يمكن أن تنطبق على أفرادها في عرض واحد؛ لأنَّها مقيّدة بالوحدة. وأمّا اسم الجنس فيمكن أن أقصد فيه تمام الأفراد في عرض واحد. وهذا فرقٌ ذاتيٌ بين اسم الجنس والنكرة مع قطع النظر عن دخول العموم عليه.
حينئذٍ، وظيفة أداة العموم تدلّ على استيعاب المفهوم لتمام أفراد المدخول، فما هو المدخول هنا؟ إن كان المدخول نكرةً فلا يعقل أن يكون استيعاب الأفراد في عرضٍ واحدٍ فلا بُدَّ أن يكون العموم بدليّاً، والبدليّة نشأت من طبيعة المدخول؛ لأنَّها نكرةٌ، ولا يمكن أن تنطبق على أفرادها في عرض واحد. وإذا كان المدخول اسم جنس فيمكن أن يكون الاستيعاب استيعاباً عرضيّاً فيكون
ــــــــــ[20]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 216.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
العموم استغراقياً، وهذه الاستغراقيّة لم تنشأ من طبيعة الاستيعاب، بل من طبيعة مدخول أداة العموم من حيث كونه اسم جنس يقبل الانطباق على الأفراد في عرضٍ واحدٍ. فالبدليّة والاستغراقيّة لم تنشأ من طبيعة العموم الذي تدلّ عليه الأداة، بل من طبيعة المدخول.
وأمّا الفرق بين العموم الاستغراقي والمجموعي فالمحقّق العراقي(1) يوافق صاحب الكفاية فيه(2)، ويرى أنّنا إذا أثبتنا أنَّ استغراق العموم لأفراده في عرضٍ واحدٍ وليس بدلياً. فإن كان الحكم واحداً موجهاً على المجموع فهو عموم مجموعي، وإن كان الحكم موجهاً إلى كلِّ فردٍ فهو عموم استغراقي، فيكون التقسيم هنا من حيث تعلّق الحكم به.
فالمحقّق العراقي يوافق صاحب الكفاية على أنَّ هذه الخصوصيّات لم تنشأ من طبيعة العموم، بل إنَّ الخصوصيّة البدليّة والاستغراقيّة تنشأ من طبيعة المدخول، والخصوصيّة المجموعيّة والاستغراقية تنشأ من طبيعة تعلّق الحكم.
هذا ما علّق به المحقّق العراقي على ما أفاده المحقّق الخراساني.
إذاً، فالاستيعاب نسبة قائمة بين طرفين؛ لأنَّه يقتضي مستوعِباً ومستوعَباً فهو نسبة قائمة بينهما.
ومن ناحية ملاحظة هذين الطرفين المقوّمين للاستيعاب يمكن تقسيم العموم إلى ثلاثة أقسام:
ــــــــــ[21]ــــــــــ
(1)انظر: مقالات الأصول1: 431،430.
(2) انظر: كفاية الأصول: 216.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
القسم الأوّل: أن يكون المستوعِب مفهوماً والمستوعَب أفراد نفس ذلك المفهوم، كما هو الحال في العموم في الجمع المعرّف باللام، بناءً على أنَّ لام الجمع من أدوات العموم نحو: (أكرم العلماء) فالمستوعِب هنا هو مفهوم علماء، والمستوعَب هو أفراد علماء. والاستيعاب مدلول عليه بالمعنى الحرفي النسبي للام.
القسم الثاني: أن يكون المستوعِب مفهوماً والمستوعَب أفراد مفهوم آخر، كما هو الحال في موارد أدوات العموم الاسميّة كـ (كلّ وجميع). ففي قولنا: (أكرم كلّ عالم) المستوعِب هو نفس مدلول كلمة (كلّ)، ومفهوم (كلّ) هو مفهوم اسمي انتزاعي يستوعب تمام أفراد عالم. فهنا المستوعِب مفهوم، والمستوعَب أفراد مفهوم آخر، ونفس الاستيعاب مدلول عليه أيضاً بكلمة (كلّ) فإنَّها تدلّ على مفهوم الاستيعاب بقيد كونه مستوعباً، فالمعنى الحرفي مندك في المعنى الاسمي المدلول عليه بكلمة (كلّ).
وإنّما قلنا ذلك ولم نقل: إنَّ المستوعِب هو عالم، والمستوعَب أفراد عالم -كما سبق أن قلنا في القسم الأوّل- لأنّنا لو قلنا: إنَّ المستوعِب هو مفهوم عالم، ومحضنا (كلّ) للاستيعاب لكان حكمها حكم الحروف، ولدلّت على الاستيعاب الحرفي النسبي، مع أنَّها متضمنة لمعنى اسمي هو المستوعِب بقيد كونه مستوعباً لمدخوله.
القسم الثالث: أن يفرض استيعاب حكم لأفراد موضوعه. وهذا شقّ ثالث في قبال الأوّل والثاني، وهو يكون في موارد وقوع النكرة في سياق النفي أو النهي، بناءً على أنَّ وقوعها في هذا السياق من أدوات العموم، فإذا قلنا: (لا
ــــــــــ[22]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
تظلم أحداً) فهنا (أحداً) نكرة وقعت في سياق النفي أو النهي.
لكن ما هو المستوعِب والمستوعَب هنا؟ نرى أنّه ليس من قبيل القسم الأوّل -أنَّ المستوعِب مفهوم والمستوعَب نفس أفراد ذلك المفهوم- لأنَّ (أحد) نكرة، والنكرة يستحيل أن تستوعب أفرادها استيعاباً عرضيّاً؛ لأخذ قيد الوحدة فيها، فيستحيل أن يكون العموم شمولياً، مع أنّه شموليٌ هنا. وليس من القسم الثاني، بمعنى: أنَّ مفهوماً يستوعب أفراد مفهوم آخر؛ إذ لا يوجد هنا مفهوم آخر، فلا يوجد إلَّا موضوع وحكم. إذن، فلا يبقى عندنا إلَّا أنَّ الحكم المدلول عليه بـ(لا تظلم) يستوعب جميع أفراد النكرة، فالحكم الذي هو النفي والنهي هو المستوعِب، والمستوعَب هو أفراد المنفي أو المنهي.
إذن، يمكننا في المقام أن نُقسّم العموم بلحاظ طرفيه: تارةً إلى مفهوم يستوعب أفراد نفسه، وأخرى إلى مفهوم يستوعب أفراد مفهوم آخر، وثالثة حكم يستوعب أفراد موضوعه، وجامع هذه الأقسام الثَّلاثة هو الاستيعاب لا محالة.
ــــــــــ[23]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ذكر المحقّق الخراساني(1): أنَّ العموم من حيث كونه عموماً واستيعاباً لا ينقسم إلى ثلاثة أقسام، بل إنَّ العموم على حدٍّ واحد، وهو عبارة عن الاستيعاب والسعة. وإنَّما الانقسام بلحاظ تعلّق الحكم به. فالاستغراقيّة والمجموعيّة والبدليّة ليست من أقسام العموم، بل هي صور وأنحاء لكيفيّة تعلّق الحكم بالعامّ، لا أقسام للعموم بما هو عموم، فبعد أن يستوعب العموم تمام الأفراد فإن تعلّق الحكم بالمجموع فالعموم مجموعي، وإن تعلّق بأحد الأفراد على سبيل البدل فالعموم بدلي، وإن تعلّق بفردٍ فرد فاستغراقي.
هذا الكلام الذي أفاده المحقّق الخراساني إنّما كان إشكالاً على المشهور؛ لأنَّهم يجعلون هذه الأقسام الثَّلاثة أقساماً للعموم، إلَّا أنَّه لا أثر له بحسب مقام الإثبات؛ لأنَّه سواء فرض أنَّ هذه الخصوصيّات خصوصيّات لنفس العموم بما هو عموم، أو خصوصيّات له باعتبار كونه موضوعاً للحكم، فإنّه لا يفترق الحكم بحسب مقام الإثبات؛ فإنّه يعقل البحث في أنَّ هذه الخصوصيّات هل تدلّ عليها أداة العموم أو لا؟ وهذا هو تمام همّ الفقيه، فهل أنَّ هذه الأدوات تدلّ على هذه الخصوصيّة، أو تدلّ على نفس العموم فقط.
ــــــــــ[24]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 216.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ومن المعلوم أنَّ هذه الخصوصيّات سواء كانت خصوصيّات لنفس العموم، أو للعموم بما هو موضوع للحكم، فإنّه يمكن البحث ودعوى أنَّها ممّا تدلّ عليه أداة العموم.
ولعلّ نظره في ذلك أنَّ هذه الخصوصيّات لو كانت خصوصيّات لتعلّق الحكم بالموضوع، فإنّه لا تدلّ عليه أدوات العموم. إن كان هذا هو نظره فهو غير صحيح؛ لأنَّه يمكن إدعاء دلالة الأداة عليها، أي: إدعاء أنَّ الأداة تدلّ على العموم بما هو إستغراقي، سواء أخذنا العموم بما هو عموم أو بما هو متعلّق للحكم. فإنَّ هذه الخصوصيّة الناشئة من تعلّق الحكم بالعموم يمكن أن تكون ظاهرةً في اللفظ، كما في تقدّم المسند على المسند عليه نحو قولنا: (الإمام عليّ) فيَدُلّ على الحصر، وقيد الحصر ليس قيداً لذات الموضوع، بل بما أنّه موضوع. إذن، يمكن أن تدلّ عليه الأداة، سواء بما هو عموم أو باعتبار كونه موضوعاً لحكم، ولا أثر مهم في هذه المسألة للفقيه بما هو فقيه.
ومع قطع النظر عمّا تقدّم من أنَّ هذه الخصوصيّات هي خصوصيّات للعموم بما هو عموم، أو أنَّها خصوصيّات لنحو تعلّق الحكم لموضوعه. فإنَّ الكلام يقع في مقامين:
المقام الأوّل: في خصوصيّة البدليّة وما يقابلها، أي: في الفرق بين البدليّة والاستغراقيّة.
والمقام الثاني: في خصوصيّة الاستغراقيّة والمجموعيّة.
ــــــــــ[25]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
يقع الكلام في الفرق بين البدليّة وما يقابلها، ولنسمّه الاستغراقيّة، وإن كان الاستيعاب العرضي هو المقابل للبدليّة، وهو موجود في الاستغراقيّة والمجموعيّة.
فنتساءل عن هاتين الخصوصيتّين من أين تنشأ؟
قال صاحب الكفاية(1): إنَّها تنشأ من كيفيات تعلّق الحكم بموضوعه، ولكن هذا غير صحيح، فإنَّه في كلِّ حكم في الدنيا نحن نرى فرقاً ذاتياً بين مفهوم أحد الأشياء وبين مفهوم جميع الأشياء، مع قطع النظر عن كلِّ حكم في الدنيا. فمفهوم أحد العلماء يستحيل أن ينطبق على تمام الأفراد في عرضٍ واحدٍ، ومفهوم جميع العلماء يمكن أن ينطبق على تمام الأفراد في عرضٍ واحدٍ، مع قطع النظر عن أيّ حكم. فنعرف أنَّ البدليّة التي هي الاستيعاب اللاعرضي وما يقابلها ليست من شؤون تعلّق الحكم بالعامّ؛ لأنَّه يتصوّر بدون تعلّق الحكم بهما.
أمّا ما ذكره المحقّق العراقي(2) من أنَّ هاتين الخصوصيتين من أطوار شؤون المدخول لا من شؤون العموم من حيث كونه عموماً، فالمدخول إن كان نكرة يكون العموم بدلياً، وإن كان اسم جنس يكون العموم عرضيّاً، فالعرضيّة والبدليّة ملاكها كون المدخول نكرة أو اسم جنس.
ــــــــــ[26]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 216.
(2) انظر: مقالات الأصول1: 430.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
هذا أيضاً ممّا لايمكن المساعدة عليه؛ وذلك لأنَّ النكرة وإن كانت لا يمكن أن تستوعب تمام الأفراد في عرضٍ واحدٍ، إلَّا أنّه قد يكون المدخول نكرةً، ولكن المستوعب مفهوم آخر غير النكرة، ففي قولنا: (كلّ رجل) المستوعِب هنا هو (كلّ) وليس (رجل).
إذن، مع كون رجل نكرة إلَّا أنّه لا مانع من أن يكون العموم استغراقيّاً؛ لأنَّ المفهوم المستوعِب هو (كلّ) وهو يمكن أن يستوعب تمام أفراد النكرة.
نعم، استيعاب نفس النكرة لتمام أفرادها في عرضٍ واحدٍ غير معقول، لكن استيعاب مفهوم آخر لأفراد النكرة في عرض واحد معقول، بل واقع كوقوعها في سياق النفي أو النهي، حيث يستوعب الحكم أفراد النكرة استيعاباً عرضيّاً لا بدلياً. ففرق بين استيعاب النكرة لأفراد نفسها، وبين استيعاب مفهوم آخر لأفرادها، فإنّه يمكن أن يكون عرضيّاً. إذن، مجرّد كون المدخول نكرةً لا يكون ملاكاً للبدليّة، بل يمكن تصويره استغراقيّاً.
كما أنّه لو فرض أنَّ المدخول اسم جنس، فمجرّد ذلك لا يقتضي كون الاستيعاب عرضيّاً، بل يمكن أن يكون بدلياً. فإنّه قيل: إنَّ اسم الجنس يمكن أنَّ يستوعب تمام الأفراد استيعاباً عرضيّاً، ولم يقل أحد: إنّه يجب ذلك. فلو فرض أنَّ أداة العموم دخلت على اسم جنس وكانت موضوعةً للاستيعاب البدلي، فهذا أمرٌ معقولٌ أيضاً؛ إذ لو أنَّ الواضع وضع لفظة (كلّ) للاستيعاب التبادلي، وقال: إنَّها تدخل على اسم الجنس لم يكن أمراً محالاً، وإن كان غير متحقّق في اللغة العربيّة. فبهذا يظهر أنَّ مجرّد كون المدخول نكرةً، أو اسم جنس
ــــــــــ[27]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
لا يكون ملاكاً للاستغراقيّة أو البدليّة. وبهذا يظهر أيضاً أنّهما شأنان من شؤون العموم؛ لأنَّ العموم عبارة عن الاستيعاب، وتطبيقه على الأفراد يكون مرةً تبادليّاً، وأخرى استغراقيّاً.
واتّضح ممّا تقدّم الفرق بين البدليّة والعرضيّة، وأنَّ هذا الفرق ليس ملاكه سنخ تعلّق الحكم به كما ذكر صاحب الكفاية، ولا سنخ المدخول من حيث كونه نكرةً أو اسم جنس كما ذكر المحقّق العراقي. وإنّما ملاكه هو تصوّر نحوين لنفس العموم؛ لأنَّ العموم عبارة عن الاستيعاب، والاستيعاب عبارة عن تطبيقات متعدّدة بعدّد الأفراد، وهي تتصوّر بوجه تبادلي، وبوجه استغراقي.
بقي علينا في هذا المقام أن نبيّن الفرق بين العموم المجموعي والعموم الاستغراقي المقابلان للبدليّة؛ لأنَّهما يشتركان في أنَّ الملاك بينهما عرضي. وهنا توافقت كلمة المحقّق الخراساني مع المحقّق العراقي(1) على أنَّ ملاك الفرق هو نحو ترتّب الحكم على موضوعه.
والذي ينبغي أن يقال في المقام هو: إنَّه لا ينبغي الإشكال في أنَّ هناك فرقاً بين هذين العمومين من ناحية الحكم، حيث إنَّ الحكم في العموم الاستغراقي منحلٌّ إلى أحكام متعدّدة، وأمّا في موارد العموم المجموعي فليس هناك إلَّا حكم واحد، فوحدة الحكم في موارد المجموعي وتعدّد الحكم في موارد الاستغراقي ممّا لا إشكال فيه، ولا ينبغي أن يكون محلّ إشكال. كما أنّه لا ينبغي
ــــــــــ[28]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه آنفاً.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الإشكال في أنّنا نتصوّر فرقاً بين هذين العمومين من حيث المفهوم مع قطع النظر عن ترتّب الأحكام عليهما. فكما قلنا(1) في البدليّة والعرضيّة: إنَّ مفهوم أحد الأشياء وتمام الأشياء بينهما فرق ذاتي بدون ملاحظة أيّ حكم يطرأ عليهما، كذلك هناك فرق بين جميع الأشياء ومجموع الأشياء، أي: بين جميع الكتب ومجموع الكتب.
وحاصل الفرق: أنَّ الأفراد أُخذت في العموم الجميعي بما هي أفراد، وفي العموم المجموعي أُخذت مقيّدة مترابطة. هذه الوحدة الاعتباريّة تتصوّر في هذا المفهوم دون ذلك المفهوم مع قطع النظر عن أيّ حكم.
وبعبارة أخرى: تارةً تكون الأفراد موحدةً توحيداً اعتبارياً، وتارةً لا تكون كذلك. وهذا متصوّر في عالم المفاهيم مع قطع النظر عن ترتّب الحكم عليها. وهذا شيء ثان لا ينبغي الإشكال فيه أيضاً.
إذن، فأين ينبغي أن يقع الإشكال والبحث؟ ينبغي أن يقع في أنَّ التوصّل إلى الفرق الأوّل هل يتوقّف على ثبوت الفرق الثاني، أي: أنّ التوصّل إلى أنَّ الحكم هل هو واحد أو لا، هل يتوقّف على ناحية ملاحظة الافراد مقيّداً بعضها ببعض أو لا؟ أي: أنّه قد يقال: إنَّ هناك ملازمةً بين الفرقين من حيث إنَّ الوحدة في العموم المجموعي تنشأ من الترابط في أفراد العامّ، وعدم الوحدة في الاستغراقي تنشأ من عدم الترابط في أفراد العامّ.
وفائدة البحث أنّنا نعرف في المورد الذي نجد حكماً واحداً متوجّهاً إلى
ــــــــــ[29]ــــــــــ
(1) راجع: ص26.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أفراد العامّ، هل يلزم توحّد أفراد العامّ ويقيّد بعضها ببعض قبل الحكم عليها؛ إذ لولا الوحدة الاعتباريّة لما أمكن إعطائها حكماً واحداً، أو يمكن أن نعطيها على كثرتها حكما ً واحداً فتصبح الأفراد بعد توجه الحكم عليها واحدةً بالاعتبار، أي: أنَّ الوحدة الاعتباريّة هل هي سابقة على الحكم أو أنَّها تكون بنفس توجه الحكم الواحد إلى العامّ، فتكون لاحقة له. ويثمر هذا في بحث الأقلّ والأكثر الارتباطيين، في أنَّ العلم الإجمالي هل يكون منحلاً أو لا؟ وله أثر أيضاً في إجراء أصالة البراءة أو الاشتغال في ذلك المبحث. وسوف نحقّق براهينه الصناعيّة في محلّه إن شاء الله تعالى.
هذا تمام الكلام في بحث المجموعي والاستغراقي من ناحية مقام الثبوت.
أمّا مقام إثباته: أي بعد أنَّ نعرف انقسام العموم إلى ثلاثة أقسام، فهل تدلّ على ذلك أدوات العموم أو لا تدلّ؟ وبأيّ أقسام العموم هي ظاهرة؟ هذا يرجع إلى الاستظهار العرفي، وهو أنَّ بعض أقسام العموم تختصّ ببعض أدوات العموم، فـ(أي) ظاهرة بالخصوصيّة البدليّة، و(جميع) بالخصوصيّة الاستغراقيّة، و(مجموع) ظاهر بالعموم المجموعي، و(لام) الجمع ظاهرة بالعموم الاستغراقي؛ لأنَّ العرف يفهم أنَّ زيداً فرد من العالم لا جزء.
ــــــــــ[30]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
يقع الكلام في مشتبهات العموم، أي: فيما يشتبه بينه وبين أدوات العموم.
توضيح ذلك: أنَّ أدوات العموم كما أنَّها تدلّ على العموم -أي: استيعاب تمام الأفراد- كذلك تدلّ على استيعاب تمام الاجزاء، مثال الأوّل: (أكرم كلّ عالم) حيث استوعب العموم تمام الأفراد. ومثال الثاني: (طالع كلّ الكتاب) فهذا استيعاب للأجزاء لا للأفراد.
فالعموم كما يكون استيعاباً للأفراد كذلك يكون استيعاباً للأجزاء. فيقع الإشكال في الفرق بين العموم والأعداد. فإنَّ العشرة أيضاً تستوعب تمام أجزائها فهل تكون من العمومات؟ هذا هو أحد الأفراد المشتبهة؛ ولهذا ذكر صاحب الكفاية(1) في مقام الردّ على ذلك: أنَّ عشرة ليست من صيغ العموم؛ لأنَّ العموم كما عرفه هو استيعاب المفهوم لجميع أفراده، وبعض العشرة جزء فيها لا فرد منها. وقلنا: إنَّه لايمكن حلّ المغالطة بهذا؛ لأنَّه يجاب عليه: أنَّ العموم قد يكون هو استيعاب الاجزاء كما يكون هو استيعاب الأفراد.
وحاصل الحلّ الصحيح هو: أنَّ عشرة وغيرها ليست دالّةً على الاستيعاب أصلاً، وإن كانت نتيجتها الاستيعاب، فهي موضوعة لغة لموضوع مركّب من
ــــــــــ[31]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 216.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أجزاء. ومن القوانين العامّة في الكون أنَّ كلَّ مركّب يستوعب أجزائه لا محالة، كالكتاب فإنَّه يستوعب صفحاته، والبلدة فإنَّها تستوعب دورها، لكن اللفظ الموضوع للمركّب ليس موضوعاً لاستيعاب هذا المركّب بأجزائه، فلفظ (العشرة) لا يَدُلّ على الاستيعاب بوجه من الوجوه. أمّا أداة العموم فما يَدُلّ منها على العموم بالمعنى الحرفي فدلالتها على الاستيعاب واضحة جداً، وهذا معناه أنَّها موضوعةٌ للاستيعاب لغة.
أمّا الأدوات الموضوعة للمعنى الاسمي فالأمر فيها كذلك أيضاً، فإنَّ هذه الأدوات وإن كانت موضوعةً لمفاهيم اسميّة انتزاعيّة، إلَّا أنَّها لا قوام لهذه المفاهيم إلَّا بالاستيعاب، وقوام مفهوميتها هو الاستيعاب، أي: أنّنا لو قطعنا النظر عن الاستيعاب لما أمكن أن نتصوّر مفهوم (كلّ)، أو (جميع)، أو (مجموع) أو غيرها، بخلاف الألفاظ الموضوعة للمركّبات، فإنَّ الاستيعاب قانون من قوانينها؛ لأنَّها موضوعةٌ للمركّب. والمركّب يشتمل على أجزائه لا محالة. فالفرق بين أسماء العدد وأدوات العموم يكون واضحاً.
فلفظ (عشرة) بنفسه ليس من أدوات العموم. نعم، قد يدخل عليه أحد أدوات العموم نحو: (أكرم العشرة) أو (أكرم عشرة) أو (أكرم كلّ واحد من العشرة)، وإنّما مثّلنا بهذه الأمثلة الثلاثة؛ لأنَّ لكلِّ منها معنى خاصّ. ففي كلِّ صورة من هذه الصور لأداة العموم صناعة عند دخولها على العشرة، فحين نقول: (أكرم كلّ العشرة) لا إشكال أنّه يُفهم من هذا العموم استيعاب أجزاء العشرة، أي: العشرة بلحاظ أجزائها. وحين نقول: (أكرم كلّ عشرة) يفهم العرف أنَّ العموم هو بلحاظ أفراد عشر لا بلحاظ أجزائها، كما أنّنا حين نقول:
ــــــــــ[32]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
(أكرم كلّ واحد من العشرة) يكون المقصود منه هو الاستيعاب بلحاظ الاجزاء كالأوّل. وهذا واضح بحسب المتفاهم العرفي.
ففي الصورة الأولى: (أكرم كلّ العشرة) لو لم تكن (كلّ) موجودة فإنَّنا نفهم أيضاً إكرام العشرة، لكن قد يدّعى أنَّ العشرة ظاهرة بالوجود ألارتباطي، أي: وجوب واحد موجّه إلى العشرة، ولكن حينما نقول: (أكرم كلّ العشرة) هل يتبدل الظهور من المجموعي إلى ألاستغراقي؟ لا، فإنَّه لو قيل بالظهور المجموعي فإنَّه يبقى على حاله. بخلاف الصورة الثالثة فإنَّ ظهور العشرة بالمجموعيّة مستقلّة ينسلخ إلى الاستغراقيّة بعد دخول (كلّ) عليها. وأمّا الصورة الثانية: (أكرم كلّ عشرة) فإنَّها ظاهرةٌ في استغراق أفراد العشرة، أمّا الأجزاء فراجع إلى لفظ عشرة نفسه.
تبقى لدينا بيان نكتة واحدة: أنّه لماذا حين نُضيف (كلّ) إلى العدد المعرّف يفيد الاستيعاب من ناحية الأجزاء، وحينما نضيفها إلى العدد المنكّر تفيد الاستيعاب من ناحية الأفراد، فماذا يفيد التعريف والتنكير في المقام؟
هذا يمكن توجهه بأن يقال: إنَّ الفرق بين الصورتين: أنَّه في مقام التعريف حيث يتوهّم من اللام أنَّها لام العهد ولو لم يكن هناك عهد، لكن حيث إنَّ هذا مركوزٌ في الأذهان، فكأنّنا أشرنا إلى عشرة معيّنة، فاستيعابها يكون بلحاظ الأجزاء، ولا معنى لاستيعاب الفرد المعيّن للأفراد. أمّا (كلّ عشرة) فيكون استيعابها للأفراد.
والذي يؤكد ذلك أنّه حين لا يوجد هناك عهد يصحّ استيعاب المعرّف
ــــــــــ[33]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
للأفراد نحو قوله تعالى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ(1) حيث لا يقصد منه الأجزاء، بل الأفراد. أذن، ينشأ الفرق بينهما لو صحّ هذا التوجيه من ناحية أنَّ (اللام) مساوق لتعيّن الفرد، وحينئذٍ لا معنى للاستيعاب الأفرادي.
ونضيف إلى ذلك: أنَّ كلّ تعريف يفيد ذلك، فإنّنا لو جعلنا مدخول (كلّ) معرّفاً بالاضافة لا باللام، فإنَّه يستوعب الأجزاء أيضاً لا الأفراد نحو: (قرأت كلّ كتاب زيد) فإنَّه يفهم أنّه قرأ تمام أوراق الكتاب. أمّا لو اضفت إلى النكرة نكرة مثلها، نحو: (قرأت كلّ كتاب عالم) فيفهم منه أنّه قرأ جميع كتب العلماء، أي: العموم بلحاظ الأفراد. إذن، مطلق التعريف يوجب نحواً من التعيّن، فيكون -بالارتكاز- نظر المتكلّم ليس للأفراد بل إلى الأجزاء.
وعليه ينبغي أن يُقال في دفع الشبهة: إنَّ أسماء العدد موضوعةٌ لمفاهيم مركّبة: إمّا تركيباً حقيقياً كما يقول الفلاسفة(2) حيث ذهبوا إلى أنَّ العدد من مقولة الكم المنفصل. وإمّا تركيباً اعتبارياً إذا لم ندخلها تحت مقولة من المقولات، ولم نأخذ الاستيعاب في مدلولها أصلاً
نعم، كلّ مركّب من شأنه أن يستوعب أجزائه. والمركّب أكبر من أجزائه. ولم يدع أحد أنَّ أعظميّة الكلّ للجزء مأخوذةٌ في مدلول (كلّ). فالاستيعاب حكم لاسماء العدد لا مدلول لها. فكم فرق بين هذا وبين صيغ العموم الموضوعة للاستيعاب بالمعنى الحرفي أو الاسمي!! هذا هو حلّ المغالطة.
ــــــــــ[34]ــــــــــ
(1) آل عمران: 93.
(2) شرح المواقف ٥: ٦٩، موسوعة مصطلحات ابن سينا (الشيخ الرئيس): 966.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
نعم، اسم العدد تدخل عليه أدوات العموم كما تدخل على اسم الاجناس، فيكون معروضاً للعموم، لا أنّه هو من صيغ العموم. وقلنا: إنَّ هذا يُتصوّر له انحاء ثلاثة: فتارةً يقال: (أكرم كلّ العشرة) وأخرى يقال: (أكرم كلّ عشرة) وثالثة يقال: (أكرم كلّ واحد من العشرة).
فقولنا: (أكرم كلّ العشرة) ظاهره كون الاستيعاب بلحاظ الأجزاء لا الأفراد، أي: أكرم أوّلهم وثانيهم وثالثهم إلى عاشرهم. بخلافه في الثاني، فإنَّ ظاهره الاستيعاب من ناحية الأفراد، أي: أكرم هذه العشرة وتلك العشرة. والثالث حاله حال الأوّل، فهو ظاهر، بل صريح في الاستيعاب من ناحية الآحاد. إلَّا أنَّ الفرق بين الثالث والأوّل هو: أنّه لو ادّعى مدّعٍ أنَّ لفظ العشرة ظاهر في المجموعيّة، أو على الأقلّ ليس ظاهراً في الاستغراقيّة، ففي قولنا: (كلّ العشرة) يبقى على حاله، سواء كان طبعها المجموعيّة، أو الاجمال والقابلية للدلالة على كلا العمومين. وفي الثالث تقلب ظهور العشرة في المجموعيّة -لو قلنا به- إلى الظهور في الاستغراقيّة. هذه هي الفروق بحسب الظهور العرفي، وهي التي يدور مدارها استنباط الفقيه.
يبقى السؤال: أنَّ (كلّ) لماذا حين دخلت على العشرة (معرفة) دلّت على الاستيعاب من ناحية الأجزاء، وحين دخلت على العشرة (نكرة) دلّت على الاستيعاب من ناحية الأفراد؟ قلنا: إنَّه قد قيل في الفرق -والقائل هو المحقّق العراقي (1)– إنَّ الفرق بينهما من ناحية المدخول، ففي الأوّل دخلت (كلّ)
ــــــــــ[36]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول1: 433.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
على العشرة معرّفة باللام، واللام وإن كان لها عدّة معانٍ أحدها العهد، إلَّا أنَّ العهد هو للمركوز في الذهن من معانيها، فيتوهّم أنَّ المحلى باللام كونه محلى بلام العهد، فكأنّه يشار إلى عشرة معيّنة معهودة، ومن المعلوم أنَّ العشرة المعيّنة لا معنى لاستيعابها لتمام الأفراد الأخرى. فأصبحت الغلبة قرينةً عامةً، أي: منشأً لظهور كون اللام عهديّة. وهذا بخلاف النكرة فإنَّها ليس فيها لام حتّى يكون لها انصراف إلى العهديّة والاستيعاب من ناحية الأجزاء.
هذا الذي ذكره المحقّق العراقي: إن أراد به أنَّ مطلق التعيّن في العشرة المعرفة هو الذي يوجب استيعابها للأجزاء لا للأفراد، من حيث كونها متعيّنة والمتعيّن لا يمكن أن يعمّ الأفراد بل الأجزاء.
فجوابه: أنَّ مطلق التعيّن لا يستدعي عدم استيعاب الأفراد، وليس كلّ تعيّن ينافي استيعاب الأفراد، وإنّما ينافيه فقط التعيّن العهدي. فإن كان الملاك عنده هو مطلق التعيّن فإنَّ ذلك لا يكون منافياً لاستيعاب الأفراد، بل المنافي هو التعيّن العهدي فقط. وإن أراد أنَّ التعيّن العهدي هو الذي يكون ملاكاً لذلك، وحيث إنَّ العهد هو الغالب فيكون هناك ظهور ثانوي للعهد، فهذا إنّما يتمّ في اللام فقط دون المعارف الأخرى، فإنَّه ليس من معانيها العهد. ونحن إذا دقّقنا النظر في المسألة يظهر لنا أنَّ ذلك ليس فقط في اللام، بل في مطلق المعرفة والنكرة نحو قولنا: (أكرم كلّ العشرة) الذي يستوعب الأجزاء و(أكرم كلّ عشرة) الذي يستوعب الأفراد. عين هذا يأتي في المعرّف بغير اللام فإنّك لو قلت: (قرأت كلّ كتاب زيد) فكتاب معرفة هنا؛ لأنَّه مضاف إلى معرفة فيَدُلّ
ــــــــــ[36]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
على الاستيعاب من ناحية الأجزاء، لا الأفراد؛ ولهذا لا يَدُلّ على أنّك قرأت كلّ كتبه، ولهذا يمكن أن يسأل السائل: أي كتب زيد قرأت؟ وإذا قلت: (قرأت كلّ كتاب أدب) فإنَّه يَدُلّ على الاستغراق من ناحية الأفراد، أي: قرأت جميع كتب الأدب، مع أنّه معرّف بغير اللام، والعهد مختصّ باللام. فكأنّ المحقّق العراقي خُيّل إليه -لظهور اللام في العهد- أنَّ هذا الفرق مختصّ باللام. مع أنَّ هذا الفرق محفوظ في غيرها من أقسام المعرفة. في حين أنّه لا معنى للعهد في غير اللام.
وملخص القول: إنَّ الفرق لو كان مخصوصاً باللام لكان قول المحقّق العراقي يمكن قبوله، كأن يقال: بأنَّ الغالب في اللام هو العهد، والعهد لا يقبل استيعاب تمام الأفراد، فهذا أصبح منشأ لظهور (كلّ) عند دخولها على المعرّف باستيعابها للأجزاء، بخلاف النكرة فإنَّه لا يوجد فيها لام عهد فتكون قابلة لاستيعاب الأفراد. ولكن هذا ليس مخصوصاً باللام، بل إنَّ (كل) إذا دخلت على أيّ معرفة يكون دالاً على استيعاب الأجزاء، وإذا دخلت على نكرة تكون دالّةً على الاستيعاب من ناحية الأفراد. إذن، لا يمكن أن تكون العهديّة بخصوصها ملاكاً للفرق؛ لأنَّها من شؤون اللام لا من شؤون مطلق المعرفة.
ومن هنا يمكن أن يقال: إنَّ الطبع الأوّلي لأداة العموم هو الاستيعاب من ناحية الأجزاء، وهو الكلّ في قبال البعض؛ لأنَّ الأجزاء مرئية بنفس اللفظ الموضوع للمركّب، نحو: (قرأت كلّ القرآن) فالطبع الأوّلي يقتضي أنَّ الاستيعاب ينصبُّ على أجزاء القرآن؛ لأنَّ أجزاء القرآن مدلولة تضمناً لنفس
ــــــــــ[37]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
لفظ القرآن، أمّا القرائن الخارجيّة فليست مدلولاً عليها بهذا اللفظ. فمن هذه الناحية نرى أنَّ صيغ العموم تكون استيعاباً لأجزاء العموم لا لأفراده، فتكون هذه الناحية في المعرفة على مقتضى القاعدة وعلى مقتضى طبع العموم وهو أن ينصبُّ على نفس أجزاء المدلول، فهذا لا يحتاج إلى تعليل، إلَّا أنّه إذا دخلت أداة العموم على النكرة يكون الاستيعاب للأفراد. والوجه فيه ينشأ أيضاً من ناحية وضع الأداة وهي (كلّ) لأنَّها وضعت بحسب ما يَدُلّ عليه ضمّ هذه الظهورات العرفيّة بعضها إلى بعض، وأنَّها وضعت بنحو ينافي بدليّة مدخولها.
توضيح ذلك: أنَّ النكرة بحد ذاتها، إطلاقها إطلاق بدلي، نحو: (أكرم عالماً) فإنَّ إطلاقه بدلي، بخلاف (أكرم العالم) فإنَّ إطلاقه استغراقي، فالنكرة لولا دخول أدلّة العموم عليها إطلاقها بدلي بخلاف المعرفة فإنَّ إطلاقها شمولي بعد تماميّة مقدّمات الحكمة فيها، فالنكرة بحد ذاتها متلبسة بالبدليّة بخلاف المعرفة. فلو فرض أنَّ أداة العموم كانت وظيفتها بمقتضى الوضع تحويل العموم البدلي إلى الاستغراقي، بناءً على ما تقدّم بيانه من أنَّها تدلّ على الاستغراقيّة بنحو ينافي مع بدليّة متعلّقه. فيكون من شؤون وضعها أنَّها تنافي بدليّة مدخولها ويكون أثر ذلك أنَّها تستوعب تمام أفراد مدخولها، أي: تحوله من العموم البدلي إلى الاستغراقي. فمن هنا كانت (كلّ) تدلّ على استيعاب الأفراد إذا كانت مع النكرة؛ لأنَّ النكرة مبتلاة بالبدليّة، ثُمَّ تحولها (كلّ) إلى الاستغراقيّة.
هذا ما ينبغي أن يقال بالنسبة إلى أسماء العدد.
ــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وأمّا التثنية: فإنَّ صيغة التثنية قد تطرأ عليها الأداة أيضاً، ولها أيضاً نفس الصور الثَّلاثة تقول: (قرأت كلّ الكتابين) و(قرأت كلّ كتابين) و(قرأت كلّ واحد من الكتابين) والفوارق هي الفوارق. فقولنا: (قرأت كلّ الكتابين) ظاهرة باستيعاب أجزاء الكتابين، و(قرأت كلّ كتابين) ظاهرة بالعموم الأفرادي، والثالث ظاهر باستيعاب الكتابين من حيث كونهما اثنين وليست ظاهرة بالعموم الأفرادي.
إلَّا أنّه يفترق المثنى عن اسم العدد في مورد واحد هو في قولنا: (قرأت كلّ العشرة) فإنَّها ظاهرة في التعميم من ناحية أفراد العشرة، وأمّا (قرأت كلّ الكتابين) فظاهرة في التعميم من ناحية أجزاء الكتابين لا بكونهما كتابين في قبال كتاب واحد، وشمول الحكم هنا -أي: كل واحد من الاثنين- يكون بالعموم لا بالإطلاق.
ومنه يظهر حال الجمع أيضاً. وبه نختتم الجهة الثالثة في المشتبهات.
ــــــــــ[39]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الجهة الرابعة: في تحقيق صيغ العموم
ــــــــــ[41]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أولى صيغ العموم وأهمّها (كلّ) وما رادفها في العموميّة كـ(جميع) ونحوها.
أقول: لا إشكال عند الجميع(1) في أنَّ هذه الأدوات تدلّ على العموم، فيشتمل قولنا:( كلّ رجل) على معنى الاستيعاب والشمول لتمام الأفراد. ولم يقع نزاع في ذلك، إلَّا بعض التشكيكات القديمة المنقرضة(2)، التي أحدها -على ما أتذكر- يفيد أنَّ (كلّ) حقيقة في الخصوص، ولكن بحسب الأبحاث العقلائيّة يقتضي أن يكون دلالة (كلّ) على الاستيعاب مفروغاً عنه.
وإنّما البحث العلمي النظري يقع في أنَّ دلالة أداة العموم (كلّ)، هل هو بلا توسط إجراء مقدّمات الحكمة في مدخولها، أو أنّنا نحتاج إلى إجراء مقدّمات الحكمة في المدخول في المرتبة السابقة على دخول (كلّ) عليه.
تقدّم في الكفاية(3) في مباحث العموم والخصوص أنَّ أسماء الأجناس لم
ــــــــــ[43]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول2: 511، أجود التقريرات 1:441.
(52) انظر: معارج الأصول: 82، معالم الدين وملاذ المجتهدين: 103.
(3) انظر: كفاية الأصول: 217.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
توضع للمطلق ولا للمقيّد، بل وضعت للجامع بينهما، ولنسمّه الطبيعة المهملة، ومن هنا كانت إرادة المطلق والمقيّد كلاهما من أسماء الأجناس بمكان من الإمكان، فإرادتهما ممكنة غاية الأمر أنَّ المطلق لا يكون فرداً من نفس اللفظ، كما أنَّ المقيّد لا يكون فرداً من نفس اللفظ أيضاً، أي: أنّني لا يمكن أنّ أريد من نفس لفظ (بيع) المطلق بقيد كونه مطلقاً أو المقيّد بقيد كونه مقيّداً. فإنَّ هذا غير جائز؛ لأنَّهما لم يؤخذا في مفاد أسماء الأجناس، وإنّما وضعت أسماء الأجناس للطبيعة المهملة الجامعة بين المطلق والمقيّد.
ففي مورد إرادة المطلق أو المقيّد لا بُدَّ من نصب دالّ آخر عليهما غير اسم الجنس نفسه؛ لأنَّ اسم الجنس يَدُلّ دائماً على الطبيعة المهملة، أي: الجامع بين المطلق والمقيّد، وأمّا الإطلاق والتقييد فلا بُدَّ أن يكون مستفاداً من دالّ آخر. أمّا التقييد فليس له دالٌ إلَّا القرينة الشخصيّة، نحو: (أحلّ الله البيع) الصادر عن البائع. وأمّا المطلق فيكون الدالّ الآخر الدالّ عليه -غير ذات الطبيعة المهملة- وهو ليس شخصيّاً دائماً، بل قد تكون مقدّمات الحكمة بنفسها دليلاً على الإطلاق.
إذن، ففي قولنا: أكرم الرجل أو (أحلّ الله البيع) لا بُدَّ من إجراء مقدّمات الحكمة لإثبات كون البيع مطلقاً حلال؛ لأنَّ اسم الجنس لا يتكفل الإطلاق، بل مفاده الطبيعة المهملة، فالإطلاق يحتاج إلى قرينة، هي مقدّمات الحكمة.
ونريد أن نتكلّم الآن عمّا إذا دخلت (كلّ) على اسم جنس نحو: (أحل الله كلّ بيع) أو (أوجب الله إكرام كلّ عالم) فهنا هل نحتاج أيضاً إلى إجراء مقدّمات
ــــــــــ[44]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الحكمة في مدخول أداة العموم، أو أنَّ (كلّ) تغنينا عن إجراء مقدّمات الحكمة في المدخول؟
الذي يستفاد من كلام المحقّق الخراساني(1): أنَّ كلاً من الوجهين معقول ثبوتاً، فإنَّه يحتمل أن تكون أداة العموم موضوعة بنحو يحتاج معها إلى إجراء مقدّمات الحكمة في المدخول، كما يحتمل أنَّها موضوعةٌ بنحو تغنينا بنفسها عن إجراء مقدّمات الحكمة في مدخولها. ومن هنا بعد أن فرغ عن مقام الثبوت انتقل إلى مقام الإثبات فاستظهر أنَّ (كلّ) تغني عن إجراء مقدّمات الحكمة في المدخول.
فهو يرى أنَّ كلا الوجهين ممكن، ولكن ما هو الوضع الذي تغني به (كلّ) عن مقدّمات الحكمة، وما هو الوضع الذي لا تغني فيه؟ هو أن نقول: تارةً يقال: إنَّ (كلّ) موضوعةٌ لاستيعاب تمام ما يمكن وما يصلح أن ينطبق عليه المدخول، أو يقال: إنَّها موضوعةٌ لاستيعاب أفراد ما يراد من المدخول، فإن كان الأوّل -وهو أن تكون (كلّ) موضوعةً لاستيعاب تمام أفراد ما يمكن أن ينطبق عليه المدخول- فلا نحتاج إلى إجراء مقدّمات الحكمة في المدخول؛ لأنَّ الحليّة في قولنا: (كلّ بيع حلال) شاملةٌ لجميع الأفراد التي يمكن أن ينطبق عليها اسم الجنس، وهي تشمل كلّ البيوع، فلا نحتاج إلى إجراء مقدّمات الحكمة.
وأمّا إذا قلنا: إنَّ أداة العموم موضوعةٌ لاستيعاب تمام ما يراد من المدخول، ففي المقام لم يتعيّن ما هو المراد من المدخول، لا من الأداة؛ لأنَّ وظيفتها استيعاب تمام أفراد مايراد من المدخول، ولا من اسم الجنس؛ لأنَّ اسم
ــــــــــ[45]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 217.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الجنس -كما بينّا -يلائم مع إرادة المطلق والمقيّد؛ لأنَّه لم يؤخذ به الإطلاق ولا التقييد، فنحتمل أنَّ المراد من اسم الجنس المطلق أو المقيّد، وعليه فكيف نعرف حينئذٍ أنَّ المراد من (بيع) هو المطلق أو المقيّد؟! هذا ممّا لا يمكن معرفته من أداة العموم؛ لأنَّها لا تعيّن المراد، فلا بُدَّ من تعيين المراد من إجراء مقدّمات الحكمة لنثبت أنَّ المراد من البيع هو البيع المطلق؛ إذ لو كان المراد هو البيع المقيّد والمولى في مقام البيان لكان عليه أن ينصب قرينة، وحيث إنّه لم ينصب قرينة، وهو في مقام البيان، فمراده من البيع البيع المطلق. فأداة العموم بعد ثبوت الإطلاق في مدخولها تستوعب أفراد هذا المطلق.
فكلّ من هذين المطلبين ممكن ثبوتاً -في نظر المحقّق الخراساني- ثُمَّ ينتقل إلى البحث عن مقام الإثبات ولم يستبعد حينئذٍ أنَّها موضوعةٌ بنحو يغني عن إجراء مقدّمات الحكمة، أي: أنَّها موضوعةٌ لاستيعاب ما يمكن أن ينطبق عليه المدخول.
هذا تمام ما أفاده المحقّق الخراساني في المقام.
أمّا المحقّق النائيني(1) فقد اختار في المقام أنَّ أداة العموم قد وضعت بنحو يحتاج معها إلى إجراء مقدّمات الحكمة في مدخولها. وبهذا يختلف عن صاحب الكفاية. أمّا المحقّق الأصفهاني(2) والسيّد الأستاذ(3) فقد وافقا صاحب
ــــــــــ[46]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 440،441.
(2) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية2: 446-448.
(3) انظر: محاضرات في أصول الفقه5: 160،159، وكذلك هامش أجود التقريرات1: 441،440.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الكفاية بأنَّ أداة العموم قد وضعت بنحو لا يحتاج معها إلى إجراء مقدّمات الحكمة، إلَّا أنَّهما زادا على صاحب الكفاية، حيث ذكرا أنَّه لا يعقل احتياج أداة العموم إلى إجراء مقدّمات الحكمة. فهما قد استشكلا ثبوتاً في احتياج الأداة إلى مقدّمات الحكمة.
هذه هي كلمات المحقّقين في المقام.
وأمّا تفصيل الكلام في هذا المطلب:
فقد يقال في تقريب احتياج أداة العموم إلى إجراء مقدّمات الحكمة في المدخول، أي: في تأييد مدّعى المحقّق النائيني: بأنَّ أداة العموم ليست من طبيعتها تعيين مدخولها، بل وظيفتها استيعاب مدخولها. وفرق كبير بين هذين الأمرين، ولأجل هذا لم يكن مانع من قبل الأداة أن يكون مدخولها وسيعاً تارةً وضيقاً أخرى، نحو: (أكرم كلّ إنسان) أو (أكرم كلّ إنسان عالم) أو (كلّ إنسان عالم عادل). فمن ناحية الأداة لا مانع من أن يكون المدخول مقيّداً بأيّ من هذه التقييدات. وهذا قرينة على أنَّ سعة المدخول وضيقه ليسا من مقتضيات أداة العموم؛ لأنَّ وظيفتها فقط هو استيعاب تمام أفراد مدخولها؛ لكون المدخول اسم جنس، وقد فرضنا أنّه يلائم مع المطلق والمقيّد، وأنَّ إرادة المطلق منه على حد إرادة المقيّد وإرادة العموم منه بلا فرق من ناحية المدخول سعةً وضيقاً، فلا محالة حينئذٍ نحتاج إلى إجراء مقدّمات الحكمة لإثبات الإطلاق.
وأجيب عن هذا بما ذكره السيّد الأستاذ في حاشيته على التقريرات(1): أنَّ
ــــــــــ[47]ــــــــــ
(1) انظر: هامش أجود التقريرات1: 441،440، المقصد الرابع: في العموم والخصوص.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أداة العموم ليست أجنبيّةً عن تعيين المدخول، بل إنَّها بالوضع تدلّ على تعيين المدخول، فهي تدلّ على أنَّ مدخولها قد لوحظ بنحو الإطلاق، وبنحو اللابشرط القسمي المقابل للتقييد، أي: أنَّ الأداة تدلّ على نفس ما تدلّ عليه مقدّمات الحكمة، غاية الأمر أنَّ الدالّ يختلف وإن كان المدلول واحداً، فعدم نصب القرينة في مقام الإثبات الذي يَدُلّ على الإطلاق في مقام الثبوت، ويَدُلّ على أنَّ الطبيعة لوحظت بنحو اللابشرط القسمي، هذا الشيء بنفسه تعيّنه الأداة غاية الأمر أنَّها تعيّنه بالوضع لا بالحكمة العقليّة، فهي تدلّ بالوضع على أنَّ مدخولها قد لوحظ بنحو الإطلاق واللابشرط القسمي وفنائها في تمام الأفراد. فالأداة دالّة على الإطلاق في عرض مقدّمات الحكمة لا في طولها.
يقول في مقام الاستدلال على ذلك: ولولا ذلك -أي: ولو فرضناهما طوليين- لكان وضع أداة العموم لغواً، لو فرض أنَّها كانت تدلّ على الاستيعاب، لكنّها محتاجة إلى إثبات الإطلاق بمقدّمات الحكمة. فإذا كان لا بُدَّ من إثبات الإطلاق بمقدّمات الحكمة في مدخولها فتكون الأداة دائماً مسبوقةً بدالّ آخر على مدلولها فيكون وضعها لغواً؛ لأنَّ معناه أنَّ الشيء الذي أراده الواضع أن ينتقش في ذهن السامع دائماً قبل الأداة، وهذا معنى لغوية أداة العموم.
هذا تمام ما أفاده السيّد الأستاذ في المقام.
أمّا أصل التقريب، وهو احتياج أداة العموم إلى إجراء مقدّمات الحكمة في مدخولها قبل ذلك. فإنَّ كلاً من صاحب التقريب -النائيني(1)– والمُشكِل وهو
ــــــــــ[48]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات1: 441،440.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
السيّد الأستاذ(2)، كلاهما قالا: بأنَّ أداة العموم موضوعةٌ لاستيعاب المدخول لا لتعيين المدخول. فكأنّهما تخيّلا أنَّ الأداة لا تستغني عن مقدّمات الحكمة إلَّا إذا كانت دالّة على أنَّها تُعيّن مدخولها بكونه مطلقاً. وهذا ما اعترف به السيّد الأستاذ(3) وصار بصدد القول: بأنَّ أداة العموم تُعيّن مدخولها كمقدّمات الحكمة. فكلاهما اعترف بأنَّ أداة العموم لا يمكن أن يقال باستغنائها عن مقدّمات الحكمة، إلَّا إذا قيل: إنَّها بنفسها تعيّن المدخول في كونه مطلقاً.
وهذا المطلب غير صحيح؛ لأنّنا يمكننا إثبات استغناء أداة العموم عن إجراء مقدّمات الحكمة في مدخولها من دون حاجة إلى إثبات أنَّها بنفسها تعيّن المدخول، بل حتّى لو دلّت على الاستيعاب فقط.
ومرجع هذا إلى نزاع في بحث المطلق والمقيّد(3) في أنَّ الطبيعة المهملة الجامعة بين المطلق والمقيّد، هل تنطبق على أفرادها، هل الجامع ينطبق على نفس ما ينطبق عليه المطلق. فذكر الميرزا(4): أنَّ الطبيعة المهملة الجامعة لا تصلح للانطباق على الأفراد، إلَّا أنّنا ذكرنا -كما ذكر السيّد الأستاذ- أنَّ الطبيعة الجامعة قابلة للانطباق على الأفراد.
وتظهر ثمرة هذا البحث هنا، فإذا قلنا: إنَّ الطبيعة المهملة الجامعة بين
ــــــــــ[49]ــــــــــ
(1) انظر: هامش أجود التقريرات1: 441.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه 5: 161،160.
(3) انظر: بحوث في علم الأصول7: 473، ومباحث الأصول4: 235.
(4) انظر: فوائد الأصول2: 518.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المطلق والمقيّد لا يعقل أن تنطبق على الأفراد، فاسم الجنس الموضوع بحد ذاته للجامع بين المطلق والمقيّد لا يُعقل أن ينطبق على الأفراد بواسطة الأداة. وإنّما يمكن أن ينطبق على الأفراد بعد إخراجه من الإهمال وجعله مطلقاً، وذلك بمقدّمات الحكمة، فإذا أردنا أن نستغني عن مقدّمات الحكمة فلا بُدَّ أن نقول: إنَّ الأداة بنفسها تخرجه من الإهمال إلى الإطلاق.
وأمّا أن نقول: إنَّ الطبيعة المهملة الجامعة بذاتها قابلةٌ للإنطباق على تمام الأفراد بدون حاجة إلى أن يتحصّص بالمطلق أو المقيّد. ففي المقام لا نحتاج إلى تعيين المدخول أكثر ممّا يقتضيه وضع اسم الجنس؛ لأنَّه موضوع للجامع، وهو قابل للإنطباق على أفراده، ولا نحتاج إلى معيّن له لا الأداة ولا مقدّمات الحكمة، بل هو دالٌ على الجامع ويستوعب كلّ أفراد الجامع. ففكرة أنَّ الاستيعاب يتوقّف على قيام الأداة بنفس وظيفة مقدّمات الحكمة هذه الفكرة غير صحيحة؛ لأنَّها ليست بحاجة إلى تعيين المدخول، بل يبقى المدخول على جامعيته، وهو قابل للصدق على الأفراد؛ لأنَّ الجامع بين ما له أفراد وغيره، له أفراد لا محالة، وتستوعب الأداة تلك الأفراد.
أمّا لو قلنا بما ذكره الميرزا: بأنَّ الجامع لا يمكن أن ينطبق على أفراده فلا أفراد له لكي تستوعبها الأداة، فلا بُدَّ من تعيين الإطلاق إمّا بمقدّمات الحكمة، وإمّا بالأداة نفسها.
وبهذا ظهر أنَّ أصل الإشكال غير صحيح، كما أنَّ الجواب لا يمكن المساعدة عليه، بالإضافة إلى إشكالات أخرى تنقّدح من مبانينا في العموم
ــــــــــ[50]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
والخصوص سنبيّنها في قادم الأبحاث إن شاء الله تعالى.
هذا، ويمكن تقريب احتياج أداة العموم إلى مقدّمات الحكمة بما أفيد من أنَّ أداة العموم موضوعةٌ لاستيعاب مدخولها لا لتعيينه، ومن هنا لا تأبى أيّ مدخول مهما كان واسعاً أو ضيقاً، فحينما تدخل (كلّ) على اسم الجنس وهو (عالم) في قولنا: (أكرم كلّ عالم)، فحيث إنّه اسم جنس، واسم الجنس يلائم مع المطلق والمقيّد؛ لأنَّه موضوع للجامع بينهما، فلا يعلم أنَّ المدخول هو مطلق أو مقيّد، فلا بُدَّ من تعيين المدخول الذي تستوعب الأداة أفراده، هل هو المطلق أو المقيّد؟ وهذا لا نحقّقه بأداة العموم؛ لأنَّها لا تعيّن مدخولها، بل نحقّقه بإجراء مقدّمات الحكمة، فنثبت الإطلاق ثُمّ تدلّ (كلّ) على استيعاب هذا المطلق. وهذا معنى احتياج أداة العموم (كلّ (إلى إجراء مقدّمات الحكمة في مدخولها.
أجاب السيّد الأستاذ(1): أنَّ أداة العموم تعيّن المراد من المدخول، وأنَّ وظيفتها وشأنها في ذلك شأن مقدّمات الحكمة، فهي تغني عنها، فكما أنَّ مقدّمات الحكمة تعين أنَّ المراد من البيع في قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْع(2) هو الطبيعة المهملة المطلقة المأخوذة بنحو اللابشرط القسمي، كذلك (كلّ) تعيّن نفس المراد من العالم في قولنا: (أكرم كلّ عالم)، فأداة العموم تدلّ على نفس ما تدلّ عليه مقدّمات الحكمة، فأيّ حاجة إلى مقدّمات الحكمة، بل يكون فرض احتياجها إليها موجباً للغويتها؛ لأنَّها تدلّ على شيء قد سبقت الدلالة عليه.
ــــــــــ[51]ــــــــــ
(1) انظر: هامش أجود التقريرات1: 441،440.
(2) البقرة: 275.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
إلَّا أنّنا قلنا: إنَّ أصل هذا الإشكال غير تامٍّ؛ لأنَّه مبني على مبنى غير تامٍّ في نفسه. فإنَّ صاحب هذا الإشكال توهّم أنَّ من يقول: بأنَّ أداة العموم لا تحتاج إلى إجراء مقدّمات الحكمة في المدخول، يقصد بذلك: أنَّها تدلّ على نفس ما تدلّ عليه مقدّمات الحكمة فتغني عنها كأنّهما مترادفان، مع أنَّ القول بالإغناء ليس معناه أنَّ الأداة مرادفة مع مقدّمات الحكمة، وأنَّها تدلّ على تعيين مدخولها في كونه مطلقاً بنحو اللابشرط القسمي، بل يمكن أن تكون الأداة غير محتاجة إلى مقدّمات الحكمة، ومع هذا لا تدلّ على تعيين مدخولها ولا تدلّ على نفس ما تدلّ عليه مقدّمات الحكمة. بل يقال: إنَّ المدخول اسم جنس، واسم الجنس موضوع للطبيعة المهملة الجامعة بين المطلق والمقيّد، ولو أجرينا مقدّمات الحكمة في المدخول لتعيّن الجامع على الإطلاق، لكنّنا لا نجريها بل نكتفي بـ(كلّ) نفسها، وهي تدلّ على استيعاب مدخولها وليبق مدخولها على دلالته على الطبيعة المهملة الجامعة بين المطلق والمقيّد، على هذا نحن نستنتج نفس النتيجة بدون حاجة إلى إجراء مقدّمات الحكمة. حينئذٍ يكون العموم مستفاداً من الأدوات بلا حاجة إلى إجراء مقدّمات الحكمة، ولا القول: بأنَّ (كلّ) تدلّ على ما تدلّ عليه مقدّمات الحكمة. بل إنَّ اسم الجنس بقي على دلالته الإهماليّة الجامعة، وقد استوعبت (كلّ) تمام أفراده.
ولكن هذا إنّما يتمّ بناءً على أنَّ الطبيعة المهملة الجامعة بين المطلق والمقيّد قابلة للإنطباق على الأفراد.
أمّا على القول بأنَّها ليس لها أفراد، ولا يمكن أن تنطبق على أفرادها إلَّا إذا
ــــــــــ[52]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
تحصّصت بالإطلاق أو التقييد، فلا مناص عن الالتزام بتعيين المدخول إمّا بمقدّمات الحكمة، وذلك قول باحتياج الأداة إلى مقدّمات الحكمة، وإمّا بالأداة نفسها فيكون قولاً باستغناء أداة العموم عن إجراء مقدّمات الحكمة في مدخولها.
فأصل الإشكال غير صحيح؛ لأنَّه مبني على مبنى غير صحيح.
أما جواب السيّد الأستاذ(1)، فإنَّ نفس هذا المبنى أخذه مفروغاً عنه. فهو لم يناقش بأنَّ معنى استغناء أداة العموم عن مقدّمات الحكمة أنَّها بنفسها تعيّن مدخولها، ومن هنا ادّعى أنَّها بنفسها تعيّن أنَّ المدخول في كونه مطلقاً بنحو اللابشرط القسمي، ولذلك كانت أداة العموم تغني عن مقدّمات الحكمة؛ لأنَّها مرادفة لها. ولو احتاجت إليها للزم لغويتها؛ لأنَّها واردة في مورد يكون قبلها ما يَدُلّ عليها.
وما أفاده غير تامٍّ؛ وذلك:
أوّلاً: فلما أشرنا إليه في الجواب على أصل التقريب: من أنَّ استغناء الأداة عن مقدّمات الحكمة لا يعني كونها موضوعة لتعيين مدخولها بنحو اللابشرط القسمي، فإنَّ هذا لا يلزم أبداً.
ثانياً: ما أفاده السيّد الأستاذ من أنَّ مفاد الأداة عين مفاد مقدّمات الحكمة، أي: أنّهما مترادفان، وهذا يوجب لغوية المتأخّر رتبة منهما. مع أنّهما ليسا بمترادفين. وذلك كما انقدح من أبحاث سابقة لنا من أنَّ الإطلاق المستنتج من
ــــــــــ[53]ــــــــــ
(1) انظر: هامش أجود التقريرات1: 441،440.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
مقدّمات الحكمة ليس على حد الإطلاق المستنتج من أداة العموم حتّى يكونا مترادفين ليستلزم ذلك اللغويّة في أداة العموم. فإنَّ مفاد مقدّمات الحكمة هو إلغاء الخصوصيّات، ومفاد أداة العموم هو إسراء الحكم إلى كلّ الأفراد. فمفاد مقدّمات الحكمة هو أنَّ الطبيعة -التي هي موضوع الحكم الشرعيّ- خاليةٌ من التقييدات، وأنَّ موضوع الحليّة هو ذات الطبيعة خالياً عن الخصوصيّات. وهذا هو معنى قولنا: إنَّ الإطلاق هو رفع الخصوصيّات. أمّا الأداة فالإطلاق فيها ليس مجرّد تعرية الطبيعة عن خصوصيّاتها الفردية، بل بمعنى: ملاحظة تمام خصوصيّاتها، أي: ملاحظة الكثرة بما هي كثرة، وجعل الحكم عليها. فكم فرق بين قولنا: (أحل الله البيع) و(أحل الله كلّ بيع)، فنتيجة الأوّل (أحل الله البيع) هو أنَّ الموضوع هو الطبيعة بلا قيد. ونتيجة الثاني (أحل الله كلّ بيع) إسراء القيد إلى تمام الحصص، وهنا يكون المنظور في العموم هو الكثرة في الاستعمال وفي الحكم، والمنظور إليه في مقدّمات الحكمة أمرٌ واحد، وإن كان منحلاً إلى أمور.
ويترتّب على هذا الفرق بين الإطلاق والعموم نكات وخصوصيّات لا يتسع الوقت لاستيعابها. إذن، لا يعقل أن يكون مفاد مقدّمات الحكمة إلَّا إلغاء الخصوصيّات عن الطبيعة. وأمّا مفاد الأداة فهو النظر إلى الخصوصيّات والأفراد.
وممّا ذكرنا انقدح دفع إشكال اللغويّة، بمعنى: أنّه لو ادّعى شخص أنَّ أداة العموم لا تدلّ على العموم إلَّا بمقدّمات الحكمة لا يلزم من ذلك اللغويّة؛ لأنَّ اللغويّة المقصودة، إمّا أن تكون هي اللغويّة في الوضع، بأن نقول: بأنَّ الواضع
ــــــــــ[54]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
لماذا وضع (كلّ) للدلالة على العموم بعد أن شرط إجراء مقدّمات الحكمة في مدخولها؟ وإمّا أن تكون هي لغوية الاستعمال، بأن نقول: إنَّ المتكلّم لماذا يقول: (أحل الله كلّ بيع) مع جريان مقدّمات الحكمة في مدخولها، مع أنَّها كافية في الدلالة على المقصود؟
فأمّا أن يُدّعى لغوية الوضع، فقد بينّا أنَّ العموم المدلول للأداة غير العموم المدلول لمقدّمات الحكمة؛ لأنَّ مقدّمات الحكمة تدلّ على ملاحظة الطبيعي عارياً عن الخصوصيّات، والأداة تدلّ على استيعاب أفراد تلك الطبيعة، فهما مفهومان مستقلان، فلا يلزم أن تكون (كلّ) كاشفة عن شيء مكشوف في الرتبة السابقة عليها، وهذا يكفي تصحيحاً للوضع؛ لأنَّ فائدة الوضع ليس هو ثبوت الأحكام الشرعيّة لموضوعاتها، بل فائدته الإنتقال إلى معنى جديد لم يكن قبل وضع اللفظ له.
وهذا يحصل في المقام، فإنَّه إن كانت الأداة تدلّ على نفس ما تدلّ عليه مقدّمات الحكمة، وكان الإطلاق العمومي نفس الإطلاق الحكمي، فيصحّ ذلك ويكون الوضع لغوياً؛ لأنَّه لم يكشف عن شيء لم يكن مكشوفاً قبل ذلك، أمّا بعد أن يظهر لنا أنَّ مدلول مقدّمات الحكمة هو تجريد الطبيعة عن الخصوصيّات، ومفاد الأداة هو استيعاب أفراد تلك الطبيعة، فمفهوم أحدهما غير مفهوم الآخر. إذن، فلم ينكشف مدلول الأداة في المرتبة السابقة عليها. وهذا يكفي فائدة للوضع.
وأمّا اللغويّة في مقام الاستعمال فهي بمعنى: لماذا يأتي المتكلّم بلفظ (كلّ)
ــــــــــ[55]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
مع أنّه يمكن أن يكتفي بمقدّمات الحكمة للدلالة على الإطلاق؟ فيمكن أن يُقال في جواب هذا الإشكال -بالإضافة إلى ما سنذكره-: إنَّه تفنن في مقام التعبير، وقد يكون ذلك لنكتة، كما إذا أراد أن يعلّق ابتداءً على الأفراد بما هي أفراد، وذلك باعتبار -مثلاً- أنَّ ملاك الحكم قائمٌ بالأفراد لا بالطبيعي. وهذا يكفي في رفع اللغويّة. مضافاً إلى أنَّ الأداة لو كانت متمحّضة للعموم لكان للإشكال مجال، إلَّا أنَّها تدلّ على سنخ العموم أيضاً من حيث كونه عرضيّاً أو بدلياً، فـ(كلّ) إذن تدلّ على عرضيّة الحكم، و(أي) تدلّ على بدليته، وهذا يكفي في عدم اللغويّة.
إذن، فإشكال اللغويّة لا يرد لا في الوضع ولا في الاستعمال.
ومن هنا ظهر عدم تماميّة ما لوح به المحقّق الأصفهاني(1) من البرهان على استحالة إجراء مقدّمات الحكمة في مدخول الأداة؛ لأنَّ مقدّمات الحكمة لو جرت ووسعت المدخول فلا يعقل دخول (كلّ)؛ لأنَّ الموسع لا يقبل التوسعة، والوجود لا يقبل الوجود، والمماثل لا يقبل المماثل، ففي المقام إذا أجرينا مقدّمات الحكمة في المدخول ووسعناه فلا يقبل التوسعة مرة أخرى.
وجواب ذلك ظهر ممّا قدمناه من أنَّ إحدى التوسعتين غير الأخرى، فالتوسعة في مقدّمات الحكمة بمعنى: تعرية الطبيعة عن الخصوصيّات. والتوسعة في (كلّ) بمعنى: استيعاب العموم لتمام أفراد الطبيعة. نعم، لو كانا مترادفين لصح ما أفاده. ولكن التوسعة الحكميّة غير التوسعة العموميّة.
ــــــــــ[56]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية2: 447،446.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ومن جميع ما ذكرناه ظهر أنّه بحسب مقام الثبوت لا مانع من كلا الوجهين، كما قال صاحب الكفاية(1): لا مانع من الالتزام بأنَّ الأداة متوقّفة على مقدّمات الحكمة؛ لأنَّها تستوعب أفراد المدخول ولا تعيّنه، ولا بُدَّ من إجراء مقدّمات الحكمة. ولا يأتي إشكال اللغويّة. كما أنَّه لا مانع عن القول إنَّها بنفسها تكفي عن إجراء مقدّمات الحكمة في مدخولها، ولكن لا بمعنى أنَّها تدلّ على نفس ما تدلّ عليه المقدّمات، بل بمعنى: أنَّ مدخولها يبقى على دلالته على الطبيعة المهملة الجامعة بين المطلق والمقيّد، و(كلّ) تستوعب أفراد هذا الجامع، على ما بينّاه من أنَّ الطبيعة المهملة يمكن انطباقها على أفرادها.
يبقى الكلام في مقام الإثبات لنجد وجهاً صناعيّاً عرفيّاً لاختيار أحد الوجهين.
وتحقيق الكلام في المقام -في إثبات الاستغناء وعدمه- يتوقّف على بيان مختصر لبحث مقدّمات الحكمة الذي قرأناه في الكفاية(2) في بحث المطلق والمقيّد. حيث قرأنا هناك أنّه إذا قال المولى: أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(3) أو قولنا: (أكرم العالم) فإنَّه لا يخلو الاحتمال بدواً، إمّا أن يكون المولى في مقام بيان إكرام العالم ولو في الجملة، أي: مهملاً من دون بيان للإطلاق أو التقييد. وإمّا أن
ــــــــــ[57]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول:217.
(2) انظر: كفاية الأصول:248،247.
(3) البقرة: 275.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
يكون في مقام بيان وجوب إكرام العالم المطلق، وإمّا أن يكون في مقام بيان وجوب إكرام العالم المقيّد، أي: أنَّ مراده من العالم، إمّا أن يكون العالم على وجه الإهمال أو الإطلاق أو التقييد؛ إذ لا يخلو الأمر من أحد هذه الاحتمالات.
أمّا الاحتمال الأوّل: فننفيه بإحدى مقدّمات الحكمة، وهي أصالة كون المولى في مقام البيان، فإنَّه إذا كان يريد بيان وجوب إكرام العالم على وجه الإهمال، كان ذلك على خلاف الأصل العقلائي، فكون المولى في مقام بيان مراده الجِدِّيّ يقتضي عدم الإهمال؛ لأنَّ المراد الجِدِّيّ ليس فيه إهمال، بمعنى: أنّنا لو وصلنا إلى حاق نفسه لما وجدنا فيه إهمالاً، فإنَّ المراد إمّا هو المطلق، وإمّا المقيّد، فلو فرضنا أنّه كان في مقام بيان المهمل لم يكن في مقام البيان حقيقةً، ولم يكن في مقام بيان مراده الجِدِّيّ واقعاً، وهذا خلف. فبهذا الأصل ننفي الاحتمال الأوّل.
أمّا الاحتمال الثالث: وهو كون المولى أراد من العامّ المقيّد، فهذا ننفيه بالركن الثاني من مقدّمات الحكمة، وهو أنّه لو أراد المقيّد لنصب قرينة على التقييد؛ لأنَّه اسم جنس وأسم الجنس لا يَدُلّ على المقيّد بالخصوص، فلو أراد المقيّد لنصب قرينة، ولا قرينة.
وهنا محلّ كلام مفاده: أنَّ عدم القرينة المعتبر هل هو عدم القرينة المتّصلة أو الأعم منها ومن المنفصلة؟ مع أنّنا في المقام نتكلّم على نحو الإجمال. إذن، ليس المراد هو بيان المقيّد؛ لأنَّه لو كان ذلك لكان قد بيّنه، إلَّا أنّه لم ينصب قرينة -لا متّصلة ولا منفصلة- على التقييد، فيتعيّن الاحتمال الثاني، وهو كون المراد بيان المطلق.
ــــــــــ[58]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فعمليّة إجراء مقدّمات الحكمة بحسب صورتها الظاهريّة هكذا تكون. مع كثير من الإشكالات تذكر في باب المطلق والمقيّد ويجاب عنها وتصفو المسألة بهذا النحو. والآن نريد أن نرى هل إنّنا نحتاج إلى هذه المقدّمات أو لا؟
في موارد أداة العموم -بمعنى: أنّه لو قال: (أكرم كلّ عالم) بدلاً من (أكرم العالم)- الكلام تارةً يقع بلحاظ المقدّمة الأولى، وأخرى بلحاظ المقدّمة الثانية؛ لأنَّ مقدّمات الحكمة تتلخّص في ركنين أساسيين:
الركن الأوّل: أصالة كون المولى في مقام البيان.
الركن ثاني: أنّه لو أراد المقيّد لنصب قرينةً.
فهل نحتاج إلى كلا الركنين، أو لا نحتاج إلى كليهما، أو نحتاج إلى أحدهما دون الآخر؟
أمّا الكلام في الركن الأوّل: وهو الاحتياج إلى أصالة كون المولى في مقام البيان في إثبات كون المراد هو الطبيعة المطلقة لا على وجه الإهمال، هذا بالنسبة للخالي من أداة العموم، ولا إشكال أنّنا حينئذٍ نحتاج إليها لاحتمال كون المراد هو الطبيعة المهملة، وأنَّ المولى ليس في مقام بيان مراده الجدّي، فالذي ينفي هذا الاحتمال هو هذا الركن من مقدّمات الحكمة.
أمّا بعد أن تدخل (كلّ) فإنّنا ننفي هذا الاحتمال بلا حاجة إلى هذا الركن؛ والنكتة فيه: أنّنا لو فرضنا أنَّ المراد هو الطبيعة المهملة الجامعة، فسواء قلنا: إنَّها قابلةٌ للانطباق على الأفراد، أو قلنا: إنَّها لا يعقل انطباقها على الأفراد إلَّا إذا خرجت من الإهمال إلى الإطلاق اللابشرط القسمي، فإنّنا لا نحتاج إلى هذا
ــــــــــ[59]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الركن من مقدّمات الحكمة؛ فإنّنا إن قلنا: إنَّ الطبيعة المهملة قابلةٌ للانطباق على الأفراد، فقد تمّ إفادة العموم هنا. وهذا الاحتمال -كون المراد هو المهمل- لا يضرّ في إفادة العموم، فلو فُرض أنَّها مهملةٌ جامعةٌ، وأنَّ (كلّ) تستوعب أفرادها، فـ(كلّ) تستوعب كلّ ما يستوعبه المطلق. إذن، فقد تمّ المقصود بلا حاجة إلى هذه المقدّمة من مقدّمات الحكمة.
وأمّا إذا بنينا على أنَّ الطبيعة الجامعة ليس لها أفراد، فهذا الاحتمال يكون منفياً لا بمقدّمة الحكمة، بل بنفس طروّ (كلّ) على أسم الجنس؛ لأنَّها تستوعب أفراد مدخولها، ولا معنى لاستيعاب ما ليس له أفراد، فنفس دخولها عليها يَدُلّ على أنَّها خرجت من الإهمال إلى الإطلاق.
فبهذا البيان يتّضح: أنّنا لا نحتاج إلى الركن الأوّل.
أمّا الكلام في الركن الثاني: وهو الذي ينفي كون المراد هو الطبيعة المقيّدة؛ لأنَّه لو أراد المولى بيان المقيّد لكان عليه أن ينصب قرينة، ولم ينصب فليس مراده هو المقيّد. فهذا الركن لا نحتاج له في المقام أيضاً، والنكتة في ذلك: هي أنَّ هذا الركن وظيفته تشخيص المراد الجِدِّيّ للمولى لا تشخيص المراد الاستعمالي، وإلَّا فالمراد الاستعمالي للمولى دائماً ليس هو المطلق من اسم الجنس، وإنّما الطبيعة الجامعة بين المطلق والمقيّد، ومقدّمات الحكمة تثبت في مقام تشخيص المراد الجِدِّيّ أنَّ المراد هو المطلق.
وسبق أن قرأنا أنَّ الكلام له دلالتان: دلالة بلحاظ المراد الاستعمالي، ودلالة بلحاظ المراد الجدّيّ. نحو: (أكرم العالم) الدالّ في مراده الاستعمالي على
ــــــــــ[60]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ما وضعت له هذه الهيئات الواردة فيه، والمراد الجِدِّيّ هو عبارة عن المضمون الإنشائي للقضيّة الذي هو عبارة عن الحكم، أو الإخباري الذي هو الحكاية. ومقدّمات الحكمة ليست وظيفتها تعيين المراد الاستعمالي، فإنَّ المراد الاستعمالي يتعيّن بالوضع لا بمقدّمات الحكمة، بل إنَّ هذه المقدّمات إنّما تعيّن المراد الجدّي، أي: أنَّ موضوع الوجوب هو مطلق العالم.
إذا، اتّضحت هذه النكتة، فإنَّه يتّضح أنَّ مقدّمات الحكمة أجنبيّة عن محلّ الكلام؛ فإنَّ كلامنا في مرحلة المراد الاستعمالي، في أنَّ الموضوع له في كلمة (كلّ) ما هو؟ فإنَّه لا يحتمل أن يكون هو استيعاب تمام أفراد المراد الجدّي، بل لا بُدَّ أن يكون الموضوع له في رتبة المراد الاستعمالي. كما أنّه قد لا يكون هناك مراد جدّي أصلاً كما في مقام الهزل نحو: (احترم كلّ بني أُميّة) فإنَّ الاستيعاب هنا إنّما هو بلحاظ مرحلة المراد الاستعمالي، ولا نحتمل أنَّ (كلّ) موضوعةٌ لاستيعاب أفراد المراد الجدّي، وإلَّا لم يكن لها معنى إلَّا في موارد المراد الجديّ، مع أنَّها كثيرة ما تستعمل في غير موارد الجد. إذن فتوهّم أنَّ مقدّمات الحكمة لها ذات دخل في المقام غير صحيح؛ لأنَّ وظيفتها تعيين المراد الجِدِّيّ بحسب عالم الإرادة الجدّيّة، وكلامنا في دلالة (كلّ) على الاستيعاب في مرحلة المراد الاستعمالي. ونحن لا نحتمل أن تكون (كلّ) موضوعةً لاستيعاب تمام أفراد المراد الجدّيّ، وإلَّا لم يصحّ استعمالها إلَّا في موارد الإرادة الجدّيّة، مع أنَّها قد لا تستعمل في تلك الموارد. وبهذا اتّضح ببيان لم يسبق: أنَّ أداة العموم غير محتاجة إلى مقدّمات الحكمة، لا لأنَّ مجرّد الظهور العرفي يقتضي هذا المطلب كما ذهب
ــــــــــ[61]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
إليه المشهور(1)، بل لأنَّ مقدّمات الحكمة أجنبيةٌ عن المقام.
فيتّضح من ذلك: أنَّ الأداة موضوعةٌ لاستيعاب المدلول الاستعمالي وهو الطبيعة المهملة الجامعة بين المطلق والمقيّد، نحو: مدلول كلمة (عالم). فإذا فرضنا أنَّ المدلول هو الطبيعة المهملة وقد بيّنا أنَّها قابلة للإنطباق على أفرادها من دون لزوم خروجها من الإهمال إلى الإطلاق، وأنَّها تنطبق على تمام ما ينطبق عليه المطلق، فالأداة موضوعةٌ لاستيعاب تمام أفراد المدخول، وهو المعنى الموضوع له اسم الجنس، وهو الطبيعة المهملة، وهي قابلةٌ لاستيعاب أفرادها، بلا حاجة إلى مقدّمات الحكمة. بل إنَّ عالم الأداة غير عالم المقدّمات، فإنَّ المقدّمات ترد في تعيين المراد الجدّي، والأداة لاستيعاب المراد الاستعمالي.
هذا تمام توضيح مقام الإثبات في أداة العموم (كلّ).
ــــــــــ[62]ــــــــــ
(1) نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 446- 448، مقالات الأصول1: 429.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الآن نأخذ أداة أخرى من أدوات العموم، وهي (اللام) الداخلة على الجماعة كما في قولنا: (أكرم العلماء) أو الهاشميين، الذي يكون ملاك العموم فيها لام الجماعة. وهنا يقع الكلام في مقامين:
المقام الأول: في كيفيّة العموم المتصوَّر ثبوتاً في المقام للجمع المعرّف باللام.
المقام الثاني: هل تدل (اللام) على أحد تلك الأنحاء بالوضع؟
أقول: إنَّ الجمع المعرّف باللام يتصوّر له أنحاء في العموم:
النحو الأوّل: تارةً يكون معنى استيعاب العلماء باللام استيعابه لأفراد الجمع، أي: لأفراد أقل الجمع، أي: لكلِّ ثلاثةٍ ثلاثة، أي: أكرم هؤلاء الثّلاثة، وهؤلاء الثلاثة، وهكذا، بحيث يكون المستوعب هو الثّلاثات.
النحو الثاني: وأخرى يتصوّر العموم بحيث يكون المستوعب في كلمة (عالم) هو أفراد العلماء، أي: كلّ عالمٍ عالم، أي: كلّ فردٍ فرد.
النحو الثالث: أن يكون الاستيعاب بلحاظ جميع مراتب الجمع يعني قولنا: العلماء في (أكرم العلماء) وهو جمع وله مراتب مرتبة منه ثلاثة، والمرتبة الأخرى أربعة، والثالثة خمسة، والرابعة ستة، وهكذا، فيقال: إنَّ الاستيعاب في
ــــــــــ[63]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المقام بمعنى: استيعاب تمام مراتب الجمع، أي بمعنى: أكرم الثَّلاثة وكلّ ثلاثة، وأكرم الأربعة وكلّ أربعة، وهكذا.
النحو الرابع: أن يكون معنى استيعاب الجمع بمعنى تعيّنه في المرتبة العليا من الجمع، وهي: إذا فرضنا أنَّ العلماء كانوا ألف واحد، فأعلى مراتب الجمع هنا ألف واحد، فيكون استيعاباً بمعنى تعيين المرتبة العالية من الجمع في الاستيعاب.
هذه أنحاء أربعة في عموم الجمع المعرّف باللام.
أما النحو الأوّل من هذه الأنحاء -وهو استيعاب كلّ ثلاثةٍ ثلاثة- فإنَّه تقييد للاستيعاب بهذا الوجه بلا موجب، فإنّ الثَّلاثة في المقام ليس هو الفرد الوحيد للجمع، بل الأربعة فرد والخمسة فرد وهكذا، فلماذا يفرض أنَّ الاستيعاب يكون للثّلاثات فقط؟ مع أنَّها ليست المصداق المنحصر للجمع، بل الأربعة والخمسة أفراد أيضاً، فهذا تقييد لدائرة العموم بلا موجب. فحصر الأفراد المستوعبة بخصوص الثلاثات مع أنَّ الأربعات والخمسات أفراد للجمع أيضاً بلا نكتة إلى حد الآن، وعلى خلاف القواعد الصناعيّة.
أمّا النحو الثاني -وهو احتمال أن يكون المراد من استيعاب اللام مدخولها استيعاب كلّ واحدٍ واحد- فهو على خلاف الصناعة أيضاً؛ لأنَّ الاستيعاب استفيد من اللام وهي قد دخلت على الجمع، فإنّنا قلنا :(أكرم العلماء) ولم نقل: (أكرم العالم) فهي تدلّ على استيعاب أفراد الجمع، ومن المعلوم أنَّ أفراد الجمع ليست هي الأفراد بل الجماعات. إذن، ففرض معنى الاستيعاب هو استيعاب
ــــــــــ[64]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أفراد الطبيعة وآحادها، خلاف الصناعة أيضاً إلى حد الآن.
كما أنَّ فرض الاحتمال الأخير -وهو أن يكون المقصود من العموم هو الدرجة العالية من الجمع- خلاف الصناعة أيضا؛ لأنَّه ليس استيعابا، بل حصر لمفهوم الجمع في أعلى مراتبه، في حين أنَّ المرتبة العالية من الجمع هي أحد مراتبه فلماذا نخصّصه بهذه الحصّة؟! فإنّنا إذا قلنا: (كلّ بياض) فهل يعني ذلك أنّنا نقصد البياض الشديد منه؟ لا ليس كذلك، فهذا أيضاً خلاف الصناعة؛ لأنَّ الجمع له أفراد عديدة أحدها الدرجة العليا منه.
فظهر أنّ الذي على طبق الصناعة هو النحو الثالث، وهو أن يكون المراد من الاستيعاب هو استيعاب مراتب الجمع، أي: أكرم الثَّلاثة، وأكرم الأربعة، وأكرم الخمسة إلى الألف.
غاية الأمر أنّنا نعلم من الخارج أنَّ الشخص الواحد لا يجب إكرامه ألف مرة، فهذا يكون قرينة على التداخل في الأفراد المشتركة، فيكون محصّل (أكرم العلماء) بهذا المقدار من البيان: هو أكرم الثَّلاثة، وأكرم الأربعة التي فيهم الثَّلاثة من دون أن يتعدّد أكرم الثَّلاثة وأكرم الخمسة التي فيهم الأربعة. ولا يعني أنّه يجب إكرام الأربعة مرتين وهكذا. ولعلّ هذا الارتكاز الذي نعرفه من الخارج بعدم التداخل هو الذي يجعلنا نفهم من (العلماء) النحو الرابع؛ لأنَّ مرجع النحو الثالث بعد التداخل إلى النحو الرابع(1) ولعلّ هذا المركوز في الذهن المقطوع به موجب لأن نفهم ابتداءً من العموم النحو الرابع.
ــــــــــ[65]ــــــــــ
() بحيث يكون مراد المولى هو إكرامٌ واحدٌ لتمام الألف. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ولا يخفى أنّنا قلنا في أوّل مبحث العموم والخصوص: إنَّ العموم عبارةٌ عن استيعاب تمام الأفراد، وإنَّ هذا الاستيعاب الذي هو نسبة بين المستوعِب والمستوعَب، تارةً يكون بمعنى أنَّ مفهوماً واحداً يستوعب أفراد نفسه كما في قولنا: (العلماء)، فإنَّه مفهوم يستوعب أفراد نفسه، بناءً على أنَّ (اللام) من أدوات العموم. ويكون تارةً أخرى بمعنى أنَّ مفهوماً يستوعب أفراد مفهوم آخر، كما في الأدوات الاسميّة للعموم مثل: (كلّ) و(جميع) فعندنا مفهومان مفهوم (كلّ) ومفهوم (عالم) وكلاهما مفهوم اسمي، والعموم هنا بمعنى أنَّ مفهوماً وهو مفهوم (كلّ) يستوعب أفراد مفهوم آخر، وهو مفهوم (عالم). هذا ما قلناه فيما سبق.
ثُمَّ إنَّ ما تقدّم في مقام تصوير ما هو مقتضي الصناعة من المعنى المتصوّر للعموم في الجمع المعرّف باللام، كان مبنياً على أن يكون المفهوم، كمفهوم (علماء) يستوعب أفراد نفسه، كيف يكون هذا؟ نقول: ما حققناه من الأنحاء مع تمحيصها جارٍ في المقام بعينه.
وكل هذا الكلام كان مبنياً على أن يكون عموم (العلماء) من النحو الأوّل، أي: استيعاب مفهوم لأفراد نفسه، وقلنا: إنَّ استيعاب المفهوم لأفراد نفسه مقتضى الصناعة فيه أن يكون على النحو الثالث. إلَّا أنّه من الممكن في المقام تصوّر عموم الجمع المعرّف باللام من قبيل النحو الثاني، أي: لا من باب استيعاب المفهوم لأفراد نفسه حتّى نفتش عن أفراد المفهوم المستوعَب ما هي؟
ــــــــــ[66]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بل نقول: إنّه بحسب التحليل عندنا في المقام مفهومان، كما في قولنا: (كلّ رجل)، ومعنى العموم هناك استيعاب مفهوم لأفراد مفهوم آخر، كذلك هذا العموم هنا بمعنى أن يكون عندنا مفهومان اسميان يستوعب أحدهما أفراد الآخر، وهذا نحو آخر في قبال تلك الأنحاء الأربعة، وهو أن يكون الاستيعاب فيه من قبيل الاستيعاب في مدخول (كلّ).
توضيح ذلك: عندنا في الجمع المعرّف باللام بحسب التحليل أمور ثلاثة: لام الجماعة، وهيئة الجمع (علماء)، ومادة (علماء) وهذه المادّة محفوظة في هيئة الجمع، كما أنَّها تكون محفوظة في هيئة التثنية أيضاً.
أمّا لام الجماعة فهو حرف متمحّض للمعنى الحرفي بلا إشكال، فلا يتحمل إلَّا أن نقول بدلالته على الاستيعاب فقط، أي: دلالته على النسبة الاستيعابيّة. ولا يمكن أن يكون اللام إلَّا دالاً على النسبة. وأمّا طرفا النسبة -أي المفهوم المستوعِب والمستوعَب- فلا تدلّ عليهما اللام؛ لأنَّها متمحّضة في الحرفيّة.
بقي شيء بعد ذلك:
هو أنَّ مادة الجمع (عالم) اسم جنس موضوع للطبيعة المهملة الجامعة بين المطلق والمقيّد، وهيئة الجمع (علماء) موضوعة للدلالة على عدّة أفراد من هذه الطبيعة لا تقل عن ثلاثة، أي: موضوعة للدلالة على عدّة أفراد من مدلول المادّة. فلماذا لا نتصوّر أن يكون الاستيعاب هنا بمعنى استيعاب مدلول هيئة الجمع لأفراد مدلول المادّة!!
ــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
مدلول الهيئة هو عدّة أفراد ومدلول المادّة هو طبيعي العالم، واللام تدلّ على أنَّ عدّة أفراد مستوعبة لتمام أفراد مدلول الطبيعي. فيكون عندنا مفهومان: مفهوم مستوعِب ومفهوم مستوعَب، أي: مفهوم عدّة أفراد المستوعب لأفراد مدلول عالم. وهيئة الجمع هنا تدلّ على مفهوم مستوعب لا لأفراد نفسه، بل لأفراد مفهوم آخر هو مفهوم المادّة.
نعم، الفرق بين (كلّ) وبين المقام، أنَّ الاستيعاب في (كلّ) مستفاد من نفس (كلّ) أيضاً، أمّا هنا فالاستيعاب مستفاد من اللام، فعمليّة الاستيعاب هنا لها ثلاث دوالّ: دالٌّ على النسبة الاستيعابيّة وهي اللام، والمفهوم المستوعِب وهو هيئة الجمع، والمفهوم المستوعَب وهو المادّة. بخلاف الأمر في (كلّ) فإنَّها بنفسها تدلّ على المفهوم المستوعِب والاستيعاب. ومفهوم (كلّ) مفهوم مستوعب بالفعل، أمّا مفهوم عدّة أفراد الذي يَدُلّ عليه هيئة الجمع فقابل لأن يكون مستوعباً و(لام) الجمع تدلّ على أنَّ مفهوم عدّة أفراد مستوعب لأفراد العالم.
فتنقّح ممّا ذكرنا معنى العموم صناعةً، وهو المعنى الموافق للذوق العرفي، وهو موافق للاحتمال الرابع؛ لأنَّ هذا النحو هو الموافق للفهم العرفي، ومن هنا قلنا: إنَّ النحو الثالث نضمّ إليه القرينة الارتكازيّة بالتداخل فتكون نتيجته هو النحو الرابع. وهنا يَدُلّ ابتداءً على هذا المفهوم، ولكن هذا غير المفهوم الذي تمّ بيانه سابقاً؛ لأنَّه من قبيل استيعاب مفهوم لأفراد مفهوم آخر لا لأفراد نفسه، أي: أنَّ المقصود بالاستيعاب هو الألف، وهذا هو النحو الرابع، وهو الموافق للصناعة والفهم العرفي.
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وممّا ذكرنا يظهر أنّه لا يوجد في اللغة العربيّة عموم يستوعب أفراد نفسه، الذي هو منظور الآخوند في تعريفه للعموم، بل دائماً يكون عندنا مفهومان: أحدهما يستوعب أفراد المفهوم الآخر بحسب التحليل.
هذا كلّه تتميم للمقام الأوّل.
يوجد مسلكان للقول بدلالة اللام على العموم:
المسلك الأوّل: أنَّ اللام موضوعةٌ ابتداءً للعموم بحيث إنَّها موضوعةٌ لاستيعاب مفهوم هيئة الجمع لأفراد مدلول المادّة، بناءً على ما بينّاه.
المسلك الثاني: أنَّ اللام ليست موضوعةً للعموم بل لمعنى آخر، ذلك المعنى يستلزم الدلالة على العموم، فهو توأم مع النسبة الاستيعابيّة.
والمسلك الثاني هو ما ذكره المحقّقون(1) من أنَّ اللام وإن لم تكن موضوعةً للنسبة الاستيعابيّة إلَّا أنَّها موضوعةٌ لتعيين مدخولها إذا كان جمعاً؛ لأنَّه يصبح ببركتها معرفة. فتارةً يكون التعيين بلحاظ العهد فلا حاجة إلى أن نقول بتعيين جميع العلماء؛ لأنَّ التعيين كما يلائم مع العموم يلائم صرفه إلى المعهودين؛ لأنَّهم معينين في الواقع.
وقد لا يكون هناك عهد بأيِّ نوع من أنواع العهد، فلا محيص عن القول بأنَّ التعيين يقتضي العموم؛ لأنَّه لو أُريد من العلماء حصّة أقل من العموم، كما
ــــــــــ[69]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه4: 526.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
لو أُريد خمسة منهم مثلاً، فإنَّ هذه الخمسة تكون غير متعيّنة، أي: أنَّ إرادة أيّ مرتبة من الجمع غير مرتبة العموم يلزمه التردد والنكارة، بخلاف ما لو أُريد الجميع. فالتعيين في فرض عدم العهد يكون مقتضياً لإثبات العموم. وهذا معنى أنَّ اللام ليست موضوعةً للعموم ابتداءً، بل لمعنى يلازم مع العموم.
والفرق بين المسلكين يظهر في موارد احتمال العهد. فإنّنا لو سلكنا المسلك الأوّل وقلنا: إنَّ اللام موضوعة للعموم، فهذا الاحتمال منفي بأصالة الحقيقة؛ لأنَّها موضوعة للعموم. وأمّا لو قلنا بالثاني فمع احتمال العهد لا يبقى دليل على العموم؛ لاحتمال أن يكون المقصود هو العهد، والمعهود متعيّن؛ لأنَّ التعيّن كما يلائم مع العموم يلائم مع العهد، فلا يمكن إثبات العموم. فالثمرة الفقهيّة المترتّبة على هذا الاختلاف: أنّه بناءً على المسلك الأوّل يمكن نفي العهد، وعلى المسلك الثاني لا يمكن أن ينفى. نعم، قد ينفى بمقتضى مقدّمات الحكمة، وهذا شيء آخر غير نفيه بأداة العموم.
كما أنّه من موارد الفرق بين المسلكين أيضاً: أنّه بناءً على المسلك الثاني، وهو دلالة اللام على العموم في طول دلالتها على التعيين، يتعيّن النحو الثاني للعموم في المقام، وهو أن يكون من باب استيعاب مفهوم الجمع لأفراد مدلول المادّة؛ لأنَّ اللام لا تكون دالّة على استيعاب الجمع لأفراد الجمع نفسه ليقع الكلام في أنَّ هذا الاستيعاب كيف يكون ومن أيّ الاحتمالات الأربعة السابقة هو؟ بل هي دالّة على أنَّ الجمع متعيّن، وتعيّنه إمّا أن يكون بالعهديّة، وإمّا بالاستغراق. وحيث لا عهديّة فبالاستغراق. أي: أنَّ المراد من العموم هو
ــــــــــ[70]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
استغراق الجمع لتمام مدلول المادّة، وهذا هو معنى الاستغراق.
فعلى هذا القول يتعيّن النحو الثاني في الاستغراق، وهو استيعاب هيئة الجمع لأفراد المادّة، فإنَّ هذا هو معنى تعيّن المدخول، وهو استيعابه لأفراد المادّة. ولا يأتي هنا أنّه يستوعب أفراد نفسه. وإنّما تعيّن اللام الجمع في إرادة المرتبة العالية من العموم، فيكون مستوعباً لأفراد المادّة، وهذا مساوق للنحو الرابع كما سبق أن قلنا.
وإن قلنا: إنَّ اللام موضوعةٌ للدلالة على العموم، فقد يدّعى إمكان ورود كلا النحوين فيه، فقد يكون من باب عموم الجمع لأفراد نفسه الذي بينّا به الأنحاء الأربعة بأن يقال: إنَّ اللام موضوعةٌ لعموم نفس الجمع لأفراد نفسه. وقد تكون موضوعةً للعموم بمعناه الثاني، وهو استيعاب الجمع لأفراد مدلول المادّة، أي: استيعاب مفهوم لمفهوم آخر، وأمّا إن قلنا: إنَّها موضوعة للدلالة على التعيين والعموم إنَّما يثبت لمساوقة التعيّن مع العموم والاستغراق، فيتعيّن أن يكون العموم من باب استيعاب مفهوم لمفهوم آخر؛ وذلك لأنَّ اللام بناءً على دلالتها على التعيّن تدلّ على أنَّ مدخولها متعيِّن لا متردد، ومدخولها هو الجمع، فهي تدلّ على أنَّ الجمع هو مفهوم عدّة أفراد، وأنَّ هذه العدّة من الأفراد معينين، ولا يكونون معينين إلا إذا كانوا مستوعبين لتمام أفراد مدلول المادّة، وهو عالم. وهذا هو النحو الرابع الذي تقدّم.
فإذا كانت اللام موضوعةً للعموم ابتداءً فيحتمل في هذا العموم وجهان: أن يكون من باب استيعاب مفهوم لأفراد نفسه، أو استيعاب مفهوم لأفراد
ــــــــــ[71]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
مفهوم آخر. وأمّا إذا فرض أنَّ اللام موضوعةٌ لتعيين مدخولها، والتعيّن معناه أن يكون الجمع مستغرقاً ومستوعباً لأفراد المجموع وهو المادّة. وهذا معنى استيعاب مفهوم الجمع لأفراد مفهوم عالم، وهو مفهوم آخر.
هذان هما مسلكا دلالة اللام على العموم.
أما المسلك الأوّل -وهو دلالة اللام على العموم بالوضع- فقد أشكل عليه السيّد الأستاذ(1)، كما ذكره في تعليقته: أنّه غير محتمل؛ لأنَّه يلزم التجوز في موارد عدم إرادة العموم، مع أنَّ الوجدان قاضٍ بعدم التجوز في غيره. كما في موارد العهد. كما لو كان بين السامع والمتكلّم عهد على علماء معينين فقال: (أكرم العلماء) وأراد العلماء المعهودين، لا يكون التعبير مجازياً بالوجدان، فالوجدان العرفي قاضٍ بعدم التجوز في استعمال اللام في خصوص المعهودين، وهذا يَدُلّ على أنَّ اللام غير موضوعة للعموم.
ولكن هذا لا يكون استدلالاً؛ لاحتمال تعدد الوضع في اللام بأن تكون اللام موضوعةً بوضع للدلالة على العموم، وموضوعةً بوضع آخر للدلالة على الخصوص ولو في مورد العموم فيكون من باب الاشتراك اللفظي. فلا يلزم التجوز في كل منهما. إلَّا أنَّ تعدد الوضع في المقام وإن كان في نفسه معقولاً إلَّا أنّه بحسب مقام الإثبات بعيد جداً. فبضميمة هذا الاستبعاد لتعدد الوضع إلى مسألة جواز استعمال اللام في العموم والخصوص بلا تجوز، يمكن أن يقال
ــــــــــ[72]ــــــــــ
(1) أنظر: هامش أجود التقريرات1:445، الأمر الثالث: إن العموم ينقسم إلى مجموعي واستغراقي وبدلي.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بعنوان الدعوى الذوقيّة؛ لأنَّ أحد المقدمتين فيها استبعاديّة أنَّ اللام غير موضوعة للعموم، بل بمعنى يناسب مع العموم والخصوص، وهو التعيّن الذي أشرنا إليه، فإنَّ التعيّن يناسب العموم والخصوص فالموضوع له هو القدر الجامع.
ولا يأتي ما أورده المحقّق الأصفهاني(1) عليه من أن التعيّن لا يقتضي العموم الذي هو أعلى مراتب الجمع؛ لأنَّ أقل مراتب الجمع متعيِّنة أيضاً فلماذا يحمل على ألف؟ فليحمل على الثلاثة، إن أريد بالتعيّن التعيّن الماهويّ، فكلّ مراتب العدد ماهيّة متعيّنة في قبال باقي الأعداد، وإن أريد التعيّن الخارجي
-كما هو مقصود علماء العربيّة عندما يقولون: إنَّ اللام موضوعةٌ للتعيّن- فكلّها غير متعيّنة لا الثَّلاثة ولا الأربعة ولا غيرها، ما سوى الألف فإنَّه وحده هو المتعيّن.
هذا هو الكلام في الجمع المعرّف باللام.
ــــــــــ[73]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية2: 449.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
عدّوا من صيغ العموم وقوع النكرة في سياق النفي أو النهي، وقد ذكر صاحب الكفاية(1) أنّه لا إشكال في دلالتها على العموم إلَّا أنَّ دلالتها عليه عقليّة لا وضعيّة، فدلالتها على العموم ليست لأنَّ هذه الهيئة موضوعة للدلالة على العموم، بل الدالّ على العموم هو العقل؛ لأنَّ العقل يحكم بأنَّ الطبيعة لا تنتفي إلَّا بانتفاء تمام أفرادها، ولا ينزجر عنها إلَّا بالانزجار عن تمام أفرادها. بخلافها في سياق الإثبات أو الأمر فإنَّها توجد بوجود فرد واحد من أفرادها.
وهذه الدلالة العقليّة محتاجة إلى إجراء مقدّمات الحكمة؛ لأنَّ العقل لا يحكم بالعموم والاستيعاب إلَّا بلحاظ اسم الجنس، وهو تارةً يراد به المطلق بإجراء مقدّمات الحكمة، وتارةً يراد به المقيّد بالقرائن الخاصّة. والعقل لا يعيّن المراد من اسم الجنس أهو المطلق أو المقيّد، بل يحكم فقط أنَّ الطبيعة لا تنتفي إلَّا بانتفاء تمام أفرادها. لكن المولى نهى عن تمام طبيعة الفاسق أو بعضها. وهذا المعنى لا يثبت بالعقل، بل بمقدّمات الحكمة. وقد وقع في كلامه خلط بين
ــــــــــ[74]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول:218.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
العموم والبدليّة والاستغراقيّة، فإنَّ دلالة وقوع النكرة في سياق النفي والنهي على العموم ليست عقليّةً أيضاً، فإنَّ العموم لا يثبت بحكم العقل، وإنّما ادّعي في بحث النواهي أنَّ الفرق بين إطلاق النهي وإطلاق الأمر أنَّ إطلاق الأمر بدلي يتحقّق بصلاة واحدة، وإطلاق النهي شمولي يقتضي انتفاء تمام أفراد المنهي عنه. وتخيّل هناك أنَّ البدليّة في الأمر والاستغراقيّة في النهي ليسا مدلولين للنهي والأمر، وإنّما العقل يقتضي تحقق الطبيعة بفرد ولا يحكم بانتفائها إلَّا بانتفاء تمام أفرادها.
أمّا أصل العموم فليس مدلولاً لا بالعقل ولا بالوضع، وإنّما مدلولاً بمقدّمات الحكمة حاله حال الواقع في سياق الأمر أو الإثبات. غاية الأمر أنّه هناك عموم بدلي وهنا عموم شمولي.
نعم، هناك بحث أنّه لماذا يكون العموم في النهي شمولياً وفي الأمر بدلياً؟ وهل يرجع هذا إلى الوضع أو إلى حكم العقل؟ هذا البحث فني تمّ تفصيله في بحث النواهي(1). وهذا قد صدر بسبب الخلط بين أصل العموم وبين كونه مدلولاً عليه بمقدّمات الحكمة دون حكم العقل. أمّا أنَّ الاستغراقيّة في النفي والنهي هل جاءت من حكم العقل أو من نكتة أخرى؟ فهذا بحث آخر.
هذا تمام الكلام في صيغ العموم.
ــــــــــ[75]ــــــــــ
(1) انظر: مباحث الأصول 3: 345.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
تخصيص العموم
ــــــــــ[77]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بعد أن انتهى الكلام من المباحث المتعلّقة بنفس أدوات العموم لا بُدَّ من الدخول في المباحث المتفرعة على تخصيص العموم.
وأوّل هذه المباحث هو أنَّ العامّ بعد تخصيصه هل يكون حجّة في الباقي؟ وهذا بعد الفراغ عن لزوم تخصيص العامّ به، فإنَّ الحديث عن أنَّ دليل الخاصّ مقدّم على دليل العامّ ومخصّص له لا بُدَّ من أن يؤخذ أصلاً موضوعياً مفروغاً عنه في المقام، على اختلاف بينهم في وجه التخصيص وملاك التقديم. وهذا الاختلاف ينشأ من الاختلاف في سنخ دلالة العموم، وقد اعتاد العلماء أن يذكروا هذا المبحث في مبحث التعادل والتراجيح لا هنا، إلَّا أنّه نذكر فتاوى المسائل إجمالاً لتشريح الذهن.
أمّا على مذهب من يقول(1) باحتياج أداة العموم إلى إجراء مقدّمات الحكمة في مدخولها، وبنى على أنَّ إحدى مقدّمات الحكمة عدم القرينة على الخلاف الأعمّ من القرينة المتّصلة والمنفصلة. فوجه تقديم الخاصّ على العامّ عنده، أنَّ الخاصّ يوجب إلغاء مقدّمات الحكمة، وبانعدامها تنعدم دلالة العامّ على العموم؛ لأنَّ دلالة العامّ على العموم موقوفةٌ على مقدّمات الحكمة، وتماميّة
ــــــــــ[79]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات1: 441،440.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المقدّمات موقوفة على القرينة الأعمّ من المتّصلة والمنفصلة. فمع وجود القرينة ولو كانت منفصلة تنعدم مقدّمات الحكمة، ومن ثُمّ تنعدم دلالة العامّ على العموم.
وأمّا على من بنى(1) على أنَّ الأداة ليست محتاجةً إلى إجراء مقدّمات الحكمة في مدخولها أصلاً، بل تدلّ على العموم بالوضع كما بيناه وحققناه، أو من بنى أنَّ الأداة محتاجة إلى إجراء المقدّمات، ولكن تماميّة المقدّمات يكفي فيه عدم القرينة المتّصلة لا الأعم من المتّصلة والمنفصلة، ومن بنى على هذين المبنيين فتتم لديه دلالة العامّ على العموم حتّى لو جاء المخصّص المنفصل. فلو قال: (أكرم كلّ عالم) ثُمّ قال: (لا تكرم فساق العلماء) فدلالة العامّ على العموم تامّة في نفسها، ولا يكون المخصّص المنفصل موهناً لدلالة العامّ في عمومه رأساً كما في المسلك الأوّل، فيكون في المقام من باب تعارض دلالتين فتقدّم دلالة الخاصّ على العام، وفي وجه هذا التقديم مشربان:
المشرب الأوّل: أنَّ التقديم يتمّ بناءً على الأظهريّة، كما عليه الشيخ الأعظم(2) وصاحب الكفاية(3). فإنَّهما ذكرا أنَّ التقديم يكون من باب الأظهريّة، فحينئذٍ لا يكون التقديم أمراً حتميّا في سائر الموارد في الفقه، إذ قد
ــــــــــ[80]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية2: 445-449، محاضرات في أصول الفقه5: 160،159.
(2) انظر: مطارح الأنظار2: 133،132.
(3) انظر: كفاية الأصول: 218 ،219.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
تنعكس الآية وتكون دلالة العامّ في عمومه أقوى من دلالة الخاصّ في حكمه، فلا يكون التقديم أمراً دائميّاً حتماً، بل دائر مدار الأظهريّة.
المشرب الثاني: أنَّ يقال بأنَّ الخاصّ يُقدّم على العامّ لا من باب أنَّ دلالة الخاصّ في حكمه أظهر من دلالة العامّ في حكمه، بل من باب أنَّ إحدى الدلالتين تكون قرينة في تعيين الأخرى عرفاً، وظهور القرينة يُقدّم على ظهور ذي القرينة ولو كانت دلالته على مفاده أضعف من دلالة ذاك على مفاده؛ فإنَّ المناط كونه ظاهراً في القرينيّة فيقدّم حتّى ولو كان ظهوره في أصل حكمه من أضعف الظهورات، فبناءً على هذا يقدّم الخاصّ في سائر الموارد حتّى لو فرض أنَّ دلالة الخاصّ على حكمه أضعف من العامّ، كما لو قال: (لا يجب إكرام أيّ عالم) وقال في دليل آخر: (أكرم الأطباء) فإنَّ دلالة الخاصّ على الوجوب بالإطلاق بناءً على أنَّ صيغة أفعل دلالتها على الوجوب بالإطلاق وإجراء مقدّمات الحكمة لا بالوضع، أمّا دلالة العامّ فبالوضع. والوضع أقوى من الإطلاق، مع هذا نقدّم دلالة الخاصّ في الوجوب على العامّ في عدم الوجوب؛ لأنَّه قرينة، والعامّ ليس بقرينة. والقرينة تُقدّم على ذيّها مهما كان، وإن كان ظهوره ضعيفاً.
إذن، فأصل تخصيص العامّ بالخاصّ ينبغي أن يكون مفروغاً عنه.
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أمّا الآن فيقع الكلام في جهاتٍ:
والبحث في المقام يقع في أنَّ العامّ بعد تخصيصه هل يكون حجّة في الباقي بتمامه أو لا؟ فلو احتملنا أنَّ بعض أقسام العادل لا يجب إكرامه فهل نتمسّك بالعامّ في إثبات وجوب إكرامه، أو أنَّ العامّ لا يكون حجّة إلَّا في أفراد القدر المتيقّن لا في تمام الباقي؟
هذا البحث يمكن طرحه بنحوين:
النحو الأوّل: تارةً يطرح على أساس أنَّ الطارح يطلب حقيقة الدليل على حجّية العامّ في الباقي، فلو قال المولى: (أكرم كلّ عالم) وقال: (لا تكرم من العلماء من كان عدواً لي) فنحتمل أنَّ هذا العامّ يسقط من الحجّيّة، وأنّه يجوز لنا ألَّا نكرم بعض أفراد الباقي بحسب القواعد العرفيّة.
النحو الثاني: وأخرى يكون مطرح البحث بمعنى أنّك تعلم بالوجدان أنَّ العامّ حجّة في الباقي، وأنَّ هذا لا يكون محلّ تشكيك العقلاء، ولم يشكّ به سوى بعض القدماء(1)؛ لأنَّ العقلاء لا يقبلون عند طروّ مخصّص على العامّ إلَّا
ــــــــــ[82]ــــــــــ
(1) انظر: الإحكام في أصول الأحكام2: 252، والمختصر وشرحه: 224.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أكرم الباقي محتجاً باحتمال ورود تخصيص آخر، فإنَّ هذا لا يصلح معذراً. وإنّما البحث في توجيه ذلك فنياً وصناعياً، وأنّه كيف يكون العامّ حجّة في الباقي؟
فتارةً نطرح البحث بنحو تكون النتيجة مشكوكة، وتارةً نطرح البحث بنحو تكون النتيجة معلومة، فإن طرحنا البحث بأن تكون النتيجة مشكوكة فهنا لا يوجد أيّ تقريب من التقريبات التي ذكرها المحقّقون لرفع هذا الشكّ، وجميع ما أفيد من تقريبات حجّيّة العامّ في الباقي لا يصلح أن يرفع هذا الشكّ، وأقصد بذلك التقريبات التي تعترف بعنوان التخصيص، أي: أنَّ ما أفاده المحقّق الخراساني والسيّد الأستاذ والأصفهاني كلّها غير مجدية في المقام، والمجدي هو ما أفاده المحقّق النائيني فقط(1).
وأمّا إن فرضنا أنّنا طرحناه على النحو الثاني، أي: بنحو تكون النتيجة معلومة، وذلك كما ينبغي له أن يطرح، وهو أن يكون أصل حجّيّة العامّ في الباقي معلوماً ولا يحتاج في إثباته إلَّا إلى السيرة العقلائيّة؛ لأنَّ العبد لا يصحّ أن يعتذر بحدوث الشكّ في نفسه بورود مخصّص آخر، وحينئذٍ يكون البحث عقلائياً قابلاً للنقض والإبرام.
إذا تمّ الطرح الثاني فأوّل ما يلاقينا هو إشكال تطبيق السيرة العقلائيّة على الصناعة؛ إذ السيرة العقلائيّة غير مناسبة مع الصناعة، ولا يمكن توجيهها صناعيّاً؛ لأنَّ العامّ بعد فرض تخصيصه ينكشف أنّه لم يستعمل في معناه
ــــــــــ[83]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول2: 517-520.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الموضوع له وهو العموم. إذن، لا بُدَّ أن يكون مستعملاً في غير معناه الموضوع له، أي: في معنى مجازي، فإذا صحّ هذا فالمجازات متعدّدة ولا مرجح لأحدها على الآخر. فلو فرض أنَّ أفراد العامّ ألف، وخرج منها بالتخصيص خمسون فبقي تسعمئة وخمسون، فاستعمال العامّ في تسعمئة وخمسين وفي تسعمئة وأربعين مجاز، ولا معيّن لأحد المجازين على الآخر، ومجرّد كون تسعمئة وخمسين أقرب من ناحية العدد لا يوجب تعيّنه؛ لأنَّ الأقرب الذي يوجب التقديم هو الظهور العرفي في الأقربيّة لا القرب العددي، ونحن لا نرى بحسب الظهور العرفي اختلافاً في قابليّة دلالة اللفظ على تسعمئة وخمسين وتسعمئة وأربعين، فإنَّه لا يختلف وإن كان أحدهما أقرب بالعدد. إذن، اللفظ حين عرفنا أنّه لم يستعمل في معناه الحقيقي، فكيف انعقدت السيرة العقلائيّة على تقديم إحدى الاحتمالات على الاحتمالات الأخرى؟!
ويمكن الجواب عن هذه الشبهة بأكثر من وجه:
أنْ يجاب عنها بإنكار التخصيص رأساً، فيدّعى أنّه لا تخصيص في المقام أصلاً ليستلزم التجوّز، وأنَّ الدليل المخصّص في الحقيقة ليس مخصّصاً، وأنَّ التخصيص يرجع إلى التخصّص. وذلك بأحد بيانين:
البيان الأوّل: وهو مبنى النائيني(1) القائل باحتياج أداة العموم إلى تماميّة
ــــــــــ[84]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات1: 441، فوائد الأصول2: 519،518.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
جريان مقدّمات الحكمة في المدخول، والمخصّص في المقام يمنع عن تماميّة جريان المقدّمات في المدخول. إذن، فلا دلالة للعامّ على العموم من أول الأمر.
وبتعبير آخر أوضح: أنّه بناءً على توقف أداة العموم على المقدّمات يرجع التخصيص إلى تقييد المدخول، أي: إلى رفع مقدّمات الحكمة الجارية في المدخول، الذي هو عبارة عن التقييد فلا يلزم التجوّز؛ لأنَّ الأداة موضوعةٌ لاستيعاب ما يراد من المدخول، وهو حاصل في المقام، لكن ما هو المراد من المدخول؟ هو المطلق عند جريان مقدّمات الحكمة، وأمّا إذا لم تجر مقدّمات الحكمة فيه فيكون العامّ مقيّداً. فلا تخصيص فلا تجوّز، بل يرجع إلى تضييق دائرة المدخول. فالعامّ يبقى على عمومه بدون مزاحم، والأداة تبقى على معناها، وما يراد من المدخول أصبح أمراً حقيقياً، فلا يبقى إشكال في حجّيّة العامّ في الباقي كما في سائر المطلقات؛ لأنَّ التقييد لا يلزم منه التجوّز بل رفع اليد عن مقدّمات الحكمة الذي هو عبارة أخرى عن التقييد.
هذا البيان باطل من حيث المبنى؛ فقد سبق أن ذكرنا بأنّنا لا نقول باحتياج الأداة إلى مقدّمات الحكمة؛ لأنَّها غير موضوعة لاستيعاب أفراد المراد الجدّي، بل لاستيعاب أفراد المراد الاستعمالي، في حين أنَّ وظيفة مقدّمات الحكمة تعيين المراد الجدّي، وكلّ في فلك يسبحون.
البيان الثاني: بأن يقال: إنَّ التخصيص مرجعه إلى التخصّص أيضاً بحسب الحقيقة. بأن يدّعى في أداة العموم -لا على مبنى صاحب الكفاية(1) الذي يقول:
ــــــــــ[85]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول217.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بأنَّها تدلّ على العموم والاستيعاب لتمام أفراد مدخولها بنفسها وضعاً بلا حاجة إلى شيء. ولا يقال بما قاله الميرزا(1): بأنَّها موضوعةٌ لاستيعاب أفراد المراد الجِدِّيّ الذي تعينه مقدّمات الحكمة، فتكون الأداة محتاجة إلى المقدّمات- بأنَّها موضوعةٌ لاستيعاب أفراد المراد الاستعمالي، لكن الأفراد التي لم تخصّص، أي: لم تقم قرينة متّصلة ولا منفصلة على تخصيصها.
فإذا قامت القرينة فينطبق موضوع العموم في نفسه، فهو ليس تخصيصاً، فلا يحتوي على تجوّز، فإنَّ الإرادة مستعملةٌ فيما وضعت له، وهو استيعاب تمام أفراد مدخولها غير المخصّصة. فالتخصيص رافع لموضوع العموم لا أنّه موجب له، فلا يكون موجباً للتجوّز.
وهذا قولٌ متوسط بين صاحب الكفاية والمحقّق النائيني، وإنّما كان متوسطاً؛ لأنَّه يُنتج أنَّ أداة العموم تحتاج في إفادتها للعموم إلى إحدى مقدّمات الحكمة، وهو إثبات عدم القرينة ولو منفصلة، ولكنّها لا تحتاج إلى أصالة كون المولى في مقام البيان؛ لأنَّ هذا يثبت بنفس أداة العموم؛ لأنَّها موضوعةٌ لاستيعاب كلّ الأفراد غير المخصّصة، فإسراء العموم إلى تمام أفراده إنّما كان بالوضع، واحتمال كون المولى في مقام الإهمال ينفي بنفس أداة العموم.
وهذا هو الفرق بين هذا المذهب الوسط وبين ذينك المذهبين، فإنَّه بناءً على رأي صاحب الكفاية الذي يذهب إلى أنَّ الأداة تُثبت العموم بنفسها بلا حاجة إلى مقدّمات الحكمة، فإنَّها تكون مستغنية عن كِلا المقدّمتين.
ــــــــــ[86]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول2: 519،518.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وأمّا بناءً على أنَّ الأداة موضوعةٌ لاستيعاب المراد الجدّي، وهو موقوف على تماميّة المقدّمات. فإنَّها تحتاج إلى كِلا المقدّميتن. أما المذهب الوسط الذي يرى بأنَّ الأداة موضوعةٌ لاستيعاب أفراد المراد الاستعمالي غير المخصّصة. فهو متوقّف على إحدى المقدّمتين، وهو عدم نصب المولى للقرينة، دون الأخرى وهو كون المولى في مقام البيان، فإنَّه يثبت بنفس الأداة.
فبناءً على هذا المذهب الوسط يرجع التخصيص إلى التخصّص، وإلى تضييق موضوع العامّ من أوّل الأمر، فلا تخصيص حتّى يلزم التجوّز.
فلو تمّ إشكال اللغويّة على قول الميرزا مع غض النظر عن الأجوبة التي ذكرناها، فإنَّه لا يتمّ هنا؛ لأنَّ وضع الأداة يثبت أنَّ المولى في مقام البيان بلا حاجة إلى أصلٍ عقلائي.
وهذا التقريب أيضاً غير صحيح؛ لأنَّ هذا الاحتياج الناقص غير صحيح أيضاً، وهو أن تكون الأداة موضوعةً لاستيعاب أفراد المدخول غير المخصّصة.
ثُمَّ إنَّ هذا البيان -الثاني- غير تامٍّ أيضاً، والوجه فيه هو أنَّه ماذا يراد بالتخصيص في المقام في قولنا: إنَّ الأداة موضوعةٌ لاستيعاب تمام الأجزاء غير المخصّصة؟ أي: ماذا يراد من الأفراد غير المخصّصة؟ هل يراد منه التخصيص بوجوده الواقعي وإن لم يصل إلى المكلّف، أو التخصيص بوجوده الواصل إلى المكلّف؟ وكلاهما باطل، فإن أريد بالاستيعاب استيعاب الأداة لتمام أفراد مدخولها غير المخصّصة واقعاً فإنَّه يلزم منه عدم إمكان التمسّك بالعامّ في مورد التخصيص؛ لأنَّه يكون من قبيل التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة؛ لأنَّ قوله:
ــــــــــ[87]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
(أكرم كلّ عالم) يعني: أكرم كلّ أفراد العلماء الذين لا يندرجون في تخصيصاتي السابقة. فإذا شكّكت أنَّ اللغوي هل يندرج في العامّ أو في التخصيص معناه أنّي أشكّ في شمول الأداة له. ولا تجري هنا أصالة الظهور؛ لأنَّ ظهور الأداة إنّما هو في غير المخصّص، كون الظهور في الموارد الاعتياديّة ينافي التخصيص، أمّا هنا فالظهور لا ينافي التخصيص؛ لأنَّ ظهور الأداة هو استيعاب الأفراد غير المخصّصة وهو حاصل، وأنا لا أدري هل هذا الفرد من المخصّص أو العامّ. وبهذا يكون هذا الرأي أسوأ من عدم حجّيّة العامّ في الباقي.
وإن كان معنى الاستيعاب أنَّ الأداة موضوعةٌ لاستيعاب تمام الأفراد التي لم يصل تخصيصها، فهنا لا يأتي الإشكال الأوّل؛ لأنَّه إن كان مشكوكاً يكون داخلاً تحت العموم، لكن الوصول أمر إضافي يختلف باختلاف المكلّفين فقد يكون واصلاً إلى مكلّف دون الآخر. فإذا كان المقصود من الواصل، الواصل إلى الجميع فإنَّه يقع الإشكال في الواصل إلى البعض. وإن أريد به الواصل إلى بعض المكلّفين ففي صورة الشكّ في أنّه واصل إلى بعض المكلّفين كأن أشكّ بوجود التخصيص عند زرارة فيأتي الإشكال الأوّل، وهو التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
ولا يمكن أن يقال: إنَّه الواصل إلى كلّ بحسبه؛ لأنَّ الإرادة الاستعماليّة ليست عمليّة إضافيّة، والاستعمال ليس انحلاليّاً على الأفراد. نعم، الحكم يمكن أن يكون بحسبه، فهذا يعلم بالفجر فيجب عليه الإمساك، وهذا لا يعلم فلا يجب، ولكن الاستعمال ليس من قبيل الحكم فلا يكون انحلاليّاً على
ــــــــــ[88]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المكلّفين، وإنّما هو عمليّة واحدة يقوم بها إنسان واحد هو الشارع. فليست عمليّة الاستعمال انحلاليّة لكلّ المكلّفين.
وملخص القول: إنَّ التخصيص الواصل إمّا أن يراد به التخصيص الواصل إلى أحد المكلّفين ولو إلى مكلّف واحد، فإذا احتملت أنَّ التخصيص واصل إلى واحد فلا يجوز التمسّك بالعامّ؛ لأنَّه يكون من قبيل التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، وإمّا أن يراد به التخصيص الواصل إلى جميع الأفراد، فإذا وصل التخصيص إليّ فقط، فيأتي الإشكال بالنسبة إليه. وإن أريد به الوصول إلى كلّ بحسبه فهو غير ممكن؛ لأنَّ عمليّة الاستيعاب ليست عمليّة إضافيّة بالنسبة إلى المكلّفين. هذا هو البيان الفني في إبطال هذا الوجه ببيانيّه الأوّل والثاني.
هو ما أفاده المحقّق الخراساني(1) وأوضحه السيّد الأستاذ(2)، وحاصل هذا الوجه: عندنا في المقام ظهوران وإرادتان، وكلّ من الظهورين يكشف عن إرادة غير الإرادة التي يكشف عنها الظهور الآخر. والظهور الثاني إرادته في طول الظهور الأوّل وإرادته.
توضيح ذلك: أنَّ كلّ متكلّم حين يتكلّم بكلام فيقول: (أكرم كلّ عالم)
ــــــــــ[89]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 219،218.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه4: 318-320، هامش أجود التقريرات 1: 446-448.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فلكلامه ظهور في أنَّ المتكلّم يريد تفهيم معنى معيّن بهذا اللفظ، أي: أنّه يريد أنّ ينقش في ذهن السامع تصوّر هذه المعاني: معنى هيئة (أكرم) ومعنى (كلّ) ومعنى لفظ (علماء). هذه الإرادة نسميها الإرادة الاستعماليّة؛ لأنَّها عبارة عن إرادة تفهيم المعنى باللفظ، والاستعمال هو عبارة عن تفهيم المعنى باللفظ. والكلام له ظهور تصديقي كاشف عن هذه الإرادة، وهو إرادة معنى معيّن هو المعنى الموضوع له بمقتضى أصالة الحقيقة، فهذا هو ظهور الكلام في إرادة تفهيم المعنى الموضوع له لكلّ لفظٍ لفظٍ من هذه الألفاظ، أي: جعلها منقوشة في ذهن السامع. وهذه هي الإرادة الاستعماليّة والظهور الكاشف عنها.
وهذا الظهور حجّة؛ لأنَّ العقلاء يعتبرون هذا الظهور حجّة وكاشفاً عن الإرادة الاستعماليّة، فهو حجّة مع أنّه ليس بقطعي؛ لأنّنا نحتمل أنَّ المتكلّم لا يريد تفهيم المعنى الموضوع له. لكن بما أنَّ لكلامه ظهوراً نوعياً في ذلك فقد صار حجّةً عند العقلاء، وحجّيّة هذا الظهور هي أصالة الحقيقة.
فنثبت ببركة هذا الظهور، وببركة أصالة الحقيقة أنَّ المولى أراد أن ينقش في ذهننا معاني هذه الألفاظ. والآن انتقشت في ذهننا تصوّرات لمعاني هذه الألفاظ، ولكن هذا لا يكفي.
فننتقل إلى المرحلة الثانية، وهي أنَّ لنا ظهوراً آخر في طول الظهور الأوّل وإرادته، فبعد أن نثبت أنَّ المولى أراد أن ينقش في ذهننا هذه التصوّرات، فنتساءل أنّه لماذا أراد ذلك؟ فهل كان ذلك بداعي الاستهزاء، أو السخرية، أو لمجرّد نقش الالفاظ في أذهاننا، أو بداعي الجد، أي: بداعي أن يفهمنا أنَّ لهذه
ــــــــــ[90]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المعاني مطابق جدّي في نفسه هو الذي أراد أن ينقشه في أذهاننا؟ فمفهوم الوجود الذي انتقش في ذهننا من هيئة (أكرم) إنّما نقشه؛ لأنَّ له وجوداً حقيقياً في نفسه. وهذا هو الذي يسمّى بالإرادة الجدّيّة، وهذا الظهور نسمّيه بظهور المطابقة بين المراد الاستعمالي والمراد الجدّي، وهو أنّه إنّما أراد أن ينقش في ذهننا معاني الألفاظ؛ لأنَّه أراد أن يفهمنا أنَّ لها وجوداً في نفسه.
إذن، للكلام ظهور يكشف عن الإرادة الجدّيّة، وهو حجّة بحسب السيرة العقلائيّة، ويسمّى بأصالة المطابقة بين المراد الاستعمالي والمراد الجدّي.
فإذا اتّضحت المقدّمة يتّضح اتجاه الجواب، وذلك أنَّ المحقّق الخراساني(1) يقول: إنَّ اللفظ في قولنا: (أكرم كلّ عالم) أداة العموم لها ظهور أوّل، وهو أنّه أريد بها تفهيم العموم إرادة استعماليّة، ولم يثبت خطأ هذا الظهور أبداً؛ لأنَّها لم تستعمل إلَّا كذلك، وإن لم يكن لها مراد جدي، فالأداة استعملت فيما وضع له، وأريد باللفظ تفهيم المعنى الموضوع له إرادة استعماليّة وهو العموم.
وحينئذٍ نأتي إلى المرحلة الثانية، وهي أنَّ هذا الذي ينقشه المولى في ذهننا هل له مطابق في نفسه؟ نحن لو بقينا وأصالة المطابقة لقلنا: إنَّ تمام المراد الاستعمالي هو المراد الجدّي، ولكن دليل التخصيص يكون مبطلاً لأصالة المطابقة، فتبطل حجّيّة الظهور الثاني بمقدار المزاحمة؛ لوجود حجّة أقوى منها، أمّا في غير مورد المزاحمة -وهو أفراد الباقي- فإنَّها تبقى حجّة في نفسها على العموم بدون مزاحمة.
ــــــــــ[91]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه آنفاً.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
والشبهة إنّما كانت مبتنية على أساس أنَّ التخصيص يوجب ثلم الظهور الأوّل الاستعمالي الذي نثبته ببركة أصالة الحقيقة، مع أنّه باقٍ على حاله، وبه يثبت أنَّه قصد العموم بأداة العموم. وإنّما يبطل من الظهور الثاني بمقدار المزاحمة والباقي يبقى على حاله. وهذا الجواب هو الذي أصبح مشهوراً بعد ذلك، واختاره السيّد الأستاذ(1).
ثُمَّ إنَّ هذا الوجه تارةً يبين على أن يكون دليلاً على حجّيّة العامّ في الباقي، وأخرى يذكر بعد الفراغ عن دليل حجّيّة العامّ في الباقي بالسيرة العقلائيّة، ثُمَّ يتكلّم عن توجيه السيرة فنياً وبيان حكمتها.
فإن كان المراد به الوجه الأوّل -كما هو ظاهر كلماتهم، بل صريح بعضها، ولذلك يظهر أنّهم يذكرونه في قبال القول بعدم الحجّية، أي: بعنوان كونه دليلاً صناعيّاً على الحجّيّة- فيرد عليه عدّة إشكالات:
الإشكال الأوّل: أنَّ هذا لا يعقل أن يكون دليلاً على حجّيّة العامّ في الباقي، وذلك: لأنّنا في المرتبة السابقة على هذا الدليل إمّا أن نكون قد أثبتنا بالسيرة العقلائيّة إمكان تبعيض الظهور مع بقاء حجّيتّه بحسب السيرة العقلائيّة -أليس مؤدى الدليل أنَّ ظهور المطابقة تنثلم حجّيتّه في بعض موارد التخصيص ولا تنثلم بالنسبة إلى البعض الآخر، كما في الأفراد الباقية؟! فهذا التبعيض في الحجّيّة إمّا أن يثبت جوازه في المرتبة السابقة على هذا الدليل بالسيرة العقلائيّة- وإمّا لا نكون قد عرفنا جوازه بالسيرة في المرتبة السابقة.
ــــــــــ[92]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه4: 318-320.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فإن فرغنا عن جوازه بحسب السيرة العقلائيّة، بأن كان لنا وجدان من السيرة العقلائيّة على جوازه، أي: وجدنا أنَّ العقلاء يبنون على تبعيض هذا الظهور في الحجّيّة، فمعنى ذلك أنّنا فرغنا عن حجّيّة العامّ في الباقي؛ لأنّنا إنّما نبحث عن السيرة العقلائيّة في التبعيض في مقام الحجّيّة، في موارد العمومات وما ألحق بها؛ لأنَّ التبعيض إنّما يصدق في مثل هذه الموارد، فإذا رجعنا إلى ديدنهم في باب العمومات، وما ألحق بها واستكشفنا عملهم على التبعيض، فإنّنا بذلك نثبت حجيّة العامّ في الباقي بلا حاجة إلى هذا البيان الفني، بل بالوجدان.
وإذا فرضنا أنّنا لم نعرف أنَّ العقلاء يبعضون في حجّيّة ظهور المطابقة، فكيف نحكم أنَّ الحجّيّة تتبعض!! مع أنَّ الحجّيّة في باب الظهورات ليست إلَّا السيرة. فإذا لم نحرز بأنَّها قائمة على التبعيض واحتملنا أنّهم لا يحكمون إلَّا بالحجّيّة المطلقة أو بسقوط الحجّيّة أصلاً، فكيف نحكم بجواز التبعيض؟!
هذا هو إشكالنا الأوّل.
الإشكال الثاني: لو فرض أنّه عندنا دليلٌ لفظيٌ -آية كانت أو رواية- قد دلّ على أنَّ ظهور المطابقة قابلٌ للتبعيض. وقصدنا من ذلك -مع غض النظر عن الإشكال الأوّل- البيان الذي كان حاصله: أنَّ اللفظ العامّ استعمل في معناه الموضوع له فلا تجوز فيه، إلَّا أنّه لا بُدَّ من الالتزام بعدم مطابقة المراد الجِدِّيّ للمراد الاستعمالي بمقدار التخصيص، فالأداة مستعملة في معناها الموضوع له، ويكون التخصيص كاشفاً عن تبعيض المراد الجدّي.
ــــــــــ[93]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ولكن الدليل على أنَّ الأداة استعملت في العموم ليس هو إلَّا أصالة الحقيقة، وأصالة الحقيقة لا تكفي للاستدلال؛ والنكتة في ذلك: أنَّ أصالة الحقيقة إنّما تجري على طبق السيرة العقلائيّة. ومعنى السيرة العقلائيّة هو عمل العقلاء في مقام ترتيب الآثار. وفي المقام الحمل على المعنى الحقيقي ليس له أثر على الإطلاق؛ لأنّا نعلم أنَّ المعنى الحقيقي ليس مراداً جدّياً وإن استعمل فيه العموم، فحمل اللفظ على معناه الموضوع له لا ينتهي إلى أيّ أثر عملي. فحينئذٍ لا يعقل استكشاف السيرة؛ لأنَّها تستكشف في مقام الجري على آثار المطلب، فإذا لم يكن له أثر لم تقم عليه سيرة. إذن، فليس لنا دليل على أصالة الحقيقة، فلم يتمّ المطلب.
هذان الإشكالان يجريان بناءً على أن يكون المراد من هذا الدليل الفني الاستدلال على حجّيّة العامّ في الباقي.
وأما إذا فرضنا أنَّ المراد من هذا الاستدلال ليس هو الاستدلال على حجّيّة العامّ في الباقي، وأنَّ الدليل هو السيرة العقلائيّة. فنكون قد حكمنا أولاً بالسيرة العقلائيّة على حجّيّة العامّ في الباقي، ولكن نريد أن نبيّن حكمة السيرة ووجهها الفني.
إذا كان هذا هو المقصود فلا يأتي الإشكالان السابقان؛ لأنَّه ليس المقصود الاستدلال، بل مجرّد إبداء وجه وتحليل مضمون السيرة. فلا يأتي أيّ إشكال ممّا تقدّم، ولكن يأتي إشكالان آخران:
الإشكال الثالث: أنَّ البيان الفني للسيرة العقلائيّة وبيان حكمتها، لا
ــــــــــ[94]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ينحصر بهذا الوجه، بل يمكن بيانه، بما ذكره الشيخ الأعظم، على ما ذكر في تقريراته(1)؛ فإنَّه صالح لذلك، وإن أجمعوا على رده.
الإشكال الرابع: أنَّ هذا الدليل لعلّه خلاف مقتضى الصناعة، وذلك يظهر في العموم المجموعي فقط، فإنَّه في العموم المجموعي بناءً على أنّه في قولنا: (أكرم مجموع العلماء)، وقلنا: إنَّ لفظة (مجموع) ظاهرة بالعموم المجموعي، وهناك حكم واحد متعلّق بالمجموع المركّب من العلماء بحيث يكون كلّ عالم جزءاً ومقيّداً بالغير، وفي هذا الحكم امتثال واحد وعصيان واحد.
فإذا فرضنا أنَّ اللفظ استعمل في معناه الموضوع له، وهو العموم المجموعي، المركّب من تمام الأجزاء، فكلّ عالمٍ عالم يكون مراداً استعمالياً، لكنّه مراد في ضمن المركّب لا في نفسه، أي: أنَّ دلالة اللفظ المطابقيّة هي العموم المجموعي، ويَدُلّ على كلّ فردٍ فرد في ضمن المركّب.
ففي باب العموم الاستغراقي نفس الدالّ وإن كان واحداً ولكن المدلول متعدّد، ولكن هنا في العموم المجموعي المداليل التضمنيّة مرتبطة فيما بينها، أي: أنَّ المراد الاستعمالي هو (زيد) في ضمن المركّب، فالمراد هو حصة من (زيد) وهو كونه في ضمن المركّب، والذي يراد إثباته بعد التخصيص هو إكرام (زيد) بنفسه لا في ضمن المركّب، فالمستعمل في العبارة غير ما نريد أن نثبته من العبارة.
ــــــــــ[95]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار2: 133،132.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وهذا ملاكه ما ذكره السيّد الأستاذ(1) في عدم حجّيّة الدلالة الالتزاميّة بعد سقوط الدلالة المطابقيّة، فإنَّه ذكر أنَّه إن شهد شاهد أنَّ البول أصاب هذا الإناء، ونحن نعلم أنّه لم يصبه، فإنَّ المدلول الالتزامي هو حصة من النجاسة، وهو أنَّ هذا الإناء متنجس من البول، وهي معلومة العدم.
هذا يأتي هنا أيضاً فإنَّ المدلول التضمني لم يؤخذ على إطلاقه، بل في ضمن المركّب، ونحن نعلم أنَّه على إطلاقه لم يرد عليه حكم. فالتبعيض في مقام الحجّيّة، أي: تبعيض ظهور المطابقة، أن نحكم أنَّ بعض دلالة القضيّة حجّة دون البعض الآخر. هذا التبعيض إنّما يتمّ إذا لم تكن مدلولات القضيّة ارتباطيّة، أما إذا كانت ارتباطيّة فلا يتمّ.
وبهذا ظهر أنَّ الاستدلال الذي ذكره المحقّق الخراساني على خلاف الصناعة؛ لأنَّه غير نافع بعنوان كونه دليلاً ولا مفسراً للدليل، وهو السيرة العقلائيّة.
وهو ما ذهب إليه الشيخ الأعظم على ما في تقريرات بحثه(2) من دعوى أنَّ اللفظ وإن لم يستعمل في معناه الموضوع له، ولكن أليس فيه اقتضاء لاستعماله في الموضوع له؟! أليس الموضوع له هو الأفراد الخارجيّة، وللفظ اقتضاء في الدلالة على تلك الأفراد دلالة تضمنيّة؟ فإذا لم نأخذ بكلّ الأفراد فلنأخذ
ــــــــــ[96]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 2: 366،365.
(2) انظر: مطارح الأنظار2: 131، 132.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بعضها، وحينئذٍ يكون التبعيض في الظهور الأول (الاستعمالي).
والآخوند(1) قام بالتبعيض في الظهور الثاني، وصاحب التقريرات قام بالتبعيض في الظهور الأوّل لا الثاني، أليست (كلّ) أريد بها استعمال هذا الفرد وذاك الفرد ضمناً؟! هذا الظهور الاستعمالي، يقال: إنّنا يمكن أن نبعّضه، أي: نقول: إنَّ بناء العقلاء على أنَّ اللفظ يستعمل في الموضوع له، فإذا لم يمكن استعماله في (كلّ) الموضوع له، فلا أقل من استعماله في أكبر قدر ممكن من أفراد الموضوع له.
وقد أشكلوا جميعاً على الشيخ: بأنَّ الدلالة المطابقيّة إذا سقطت فإنَّ الدلالة التضمنيّة تسقط أيضاً.
وهذا الوجه -الثالث- لا يمكن أن يكون دليلاً على حجّيّة العامّ في الباقي، بل هو توجيه للسيرة العقلائيّة. وبحسب الحقيقة لا يرد عليه إشكال؛ لأنَّه بيان نكتة، لأنّنا بعد أن نستكشف من السيرة لا بديّة التبعيض، فيمكن أن يكون التبعيض في الظهور الأوّل أو الثاني، وليس الوجه الذي ذكر الشيخ أكثر شناعة من غيره.
وكيف كان فقد تلخّص: أنَّ هذا البحث لغوٌ صرف؛ لأنَّه لا يمكن عرضه بنحو يبحث فيه بحثاً صناعياً، والدليل على حجّية العامّ في الباقي ليس هو هذه الكلمات، وإنّما هو السيرة العقلائيّة. وأمّا ما وجه السيرة؟ فباب الخيال واسع جداً، وإذا كان لا بُدَّ من التبعيض، فليكن بأيّ مجال من المجالات.
ــــــــــ[97]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 219، 220.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
التنبيه الأوّل: ما تمّ ذكره في مسألة حجّيّة العامّ في الباقي، والشبهة التي ذكرت في موارد الأخذ به، إنّما يجري في المخصّصات المنفصلة.
أمّا المخصّصات المتّصلة، فلا ينبغي الإشكال حينئذٍ، فيها؛ فإنَّ أصل الشبهة لا ينطبق على التخصيص بالمتّصل، فإنَّها إنّما كانت كذلك باعتبار أنّ التخصيص يلزم منه التجوّز، والمجازات متعدّدة ولا معين لأحدها على الآخر، فأصل الشبهة لا يأتي على تمام المباني.
أما على مبنى الميرزا(1) في استيعاب أداة العموم لأفراد المراد الجِدِّيّ وهو يتعيّن بمقدّمات الحكمة، فتكون الأداة محتاجة إلى المقدّمات، فمن الواضح عدم ورود الشبهة؛ لأنَّ التخصيص المتّصل يكون تقييد للمدخول ورافعاً لمقدّمات الحكمة، فيبقى العموم على استيعابه لتمام الأفراد، غاية الأمر أنَّها الأفراد ذات الدائرة الضيقة لا الواسعة.
أمّا بناءً على المذهب المتوسط، وهو أنَّ الأداة موضوعةٌ لاستيعاب أفراد مدخولها غير المخصّصة، فعدم ورودها أوضح؛ لأنَّ التخصيص يكون تضييقاً لدائرة المدخول، ولا يتصرف بالعموم فلا يلزم التجوز.
وأمّا على مذهب المحقّق الخراساني(2) -الذي يقول: بأنَّ أداة العموم غير محتاجة إلى مقدّمات الحكمة؛ لأنَّها موضوعةٌ لاستيعاب تمام أفراد المراد
ــــــــــ[98]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات1: 441.
(2) انظر: كفاية الأصول: 219.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الاستعمالي من المدخول، وهو يتعيّن بالوضع بلا حاجة إلى مقدّمات الحكمة، التي إنّما تعيّن المراد الجدّي- فإنَّه أيضاً لا ينبغي الإشكال أنّ التخصيص المتّصل لا يلزم منه التجوز.
أمّا ما كان من التخصيص بلسان التضييق نحو: (أكرم كلّ عالم عادل) فإنَّ (كلّ) موضوعة لاستيعاب أفراد المراد الاستعمالي من مدخولها، ومدخولها ليس هو عالم وحده، بل هو مجموع الوصف والموصوف (العالم العادل) فهي باقية على حالها لاستيعاب تمام أفراد مدخولها وهو الهيئة الوصفيّة، فلا تصرف في أداة العموم، بل هي باقية على مدلولها في العموم.
وكذلك الأمر فيما إذا كان التخصيص المتّصل بلسان بيان الخلاف، نحو: (أكرم كلّ عالم) و(لا يجب إكرام فساق العلماء).
ولكن قد يقال هنا: بأنَّ مثل هذا التخصيص، وإن كان متّصلاً، إلَّا أنّه يلزم منه شبهة التجوّز؛ لأنَّ أداة العموم موضوعة بناءً على مذهب صاحب الكفاية لاستيعاب تمام أفراد مدخولها، ومدخولها هو كلمة (عالم) وحدها، وهي موضوعة للطبيعة المهملة الجامعة بين الإطلاق والتقييد، ومقتضى وضع الأداة استيعاب أفراد هذه الطبيعة الشاملة حتّى للفساق، فقوله: (لا يجب إكرام فساق العلماء) يكون منافياً لمفاد أداة العموم.
إلَّا أنَّ هذا بلا موجب، لإمكان أن يقال: إنَّ الأداة حسب الاستظهار العرفي موضوعةٌ لاستيعاب المراد الاستعمالي من مجموع الكلام، لا المراد الاستعمالي للمدخول الاصطلاحي في علم النحو. ولا إشكال أنَّ المراد
ــــــــــ[99]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الاستعمالي في تمام الكلام هو العالم غير الفاسق، غاية الأمر أنَّ المقيّد بُيّن بلفظ (عالم) والقيد بُيّن بدليل متّصل. إذن، لا يجب التصرّف بالأداة. فلا تأتي شبهة التجوّز على جميع المباني في أداة العموم، في المخصّص المتّصل.
التنبيه الثاني: نأتي إلى ما ألحق بالعموم، أي: ما يشبه العموم، ومقصودنا بما يشبه العموم: هو الأعداد والألفاظ الموضوعة للمركبات، نحو: أكرم الخمسة، أو أكرم السبعة، أو قال: بيتي هذا ملك فلان، ولفظ (بيت) موضوع للمركّب من أجزاء. فمقصودنا ممّا يشبه العموم اللفظ الموضوع لمعنى ذي أجزاء.
فإذا ثبت من الخارج بأنَّ المولى لم يثبت الحكم لبعض الأجزاء يقيناً. كما لو قال: (أكرم السبعة) ودلّ دليل على أنّه لا يجب إكرام زيد الذي هو أحد السبعة يقيناً، فهل نتمسّك باللفظ في إثبات وجوب الإكرام للستة الآخرين، غير ما خرج بدليل التخصيص؟
أمّا بناءً على مبنى السيّد الأستاذ(1) الذي تبع فيه المحقّق الخراساني(2) من أنَّ التخصيص يقتضي التبعيض في الظهور الثاني، فينبغي بناءً عليه أن يقال: إنَّ السبعة لها ظهوران: ظهور في استعمالها لما وضعت له، وهذا نثبته بأصالة الحقيقة، ولم يثبت خلاف هذا الظهور؛ لأنَّ المتكلّم استعمل السبعة في العدد غير المنقسم إلى تمام السبعة.
ــــــــــ[100]ــــــــــ
(1) انظر: هامش اجود التقريرات1: 446-448، محاضرات في أصول الفقه5: 168-172.
(2) انظر: كفاية الأصول: 365-367.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وظهور ثانٍ في أنَّ هذا المراد الاستعمالي ظهور جدّي، وهو ظهور المطابقة، فإذا انكشف أنَّ ظهور المطابقة مخصّص بمقدار واحد ولا يكون حجّة فيه لوجود حجّة أقوى، فيبقى العامّ حجّة في الباقي.
إلَّا أنَّ هذا بحسب وجداننا نحن ممّا يأبى عنه العرف يقيناً، فإنَّ العرف لا يقبل من المتكلّم هذا التحليل، فحينما يقول: المتكلّم: إنّما أردت الستة من لفظ السبعة ولم أرد السبعة، فهذا في نظر العرف مشكل في باب العدد والمركبات.
وأمّا بناءً على من بعّض في حجّيّة الظهور الأوّل، واعترف باستعمال العامّ في الباقي مجازاً، فهناك فرق واضح بين العمومات وبين أسماء العدد؛ لأنَّ احتمال أن يكون العامّ مستعملاً مجازاً سائغٌ عند العرف، وأمّا استعمال السبعة في الستّة غلط في نظر العرف؛ لأنَّ مراتب الأعداد متباينة في نظره. إذن، فنعاملها معاملة المتعارضين لا معاملة عامّ وخاصّ، بحسب النظر العرفي.
وأما بناءً على طريقتنا من الرجوع إلى السيرة، فلا إشكال أنَّه يوجد فرق بين العمومات والأعداد، فإنَّ السيرة العقلائيّة لم تنعقد على معاملتهما معاملة التخصيص، بل نعاملهما معاملة المتعارضين.
ــــــــــ[101]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
إذا فرضنا أنَّ العامّ مخصّص، وكان المخصّص مجملاً مردداً، فتارةً يكون الإجمال بنحو الشبهة المفهوميّة، وأخرى يكون الإجمال بنحو الشبهة المصداقيّة.
أي: تارةً يكون نفس المفهوم المأخوذ في دليل التحصيص مجملاً. كما إذا ورد: (أكرم العلماء) وورد: (لا يجب إكرام الفساق) وكان الفاسق مردداً بين فاعل الكبيرة فقط أو فاعل الكبيرة والصغيرة. وأخرى يكون التردد بحسب الشبهة المصداقيّة كما إذا ورد: (أكرم كلّ بني هاشم) وورد: (لا تكرم الكاذب)، فالكذب وإن كان أمره واضح، ولكنّي لا أدرى أنَّ هذا الهاشمي هل صدر منه كذب أو لا؟!
والبحث معقود في مورد الشكّ في شمول الدليل المخصّص للفرد المشكوك من جهة الشبهة المفهوميّة أولاً. فهل يجوز التمسّك بالعامّ في أثبات الحكم له؟ ومن جهة الشبهة المصداقيّة ثانياً، ويعقد البحث في مقامين بهذا اللحاظ.
إنَّ الشكّ في نحو قوله: (أكرم العالم إلَّا الفاسق) ناشئ من الشبهة المفهوميّة في دليل التخصيص، وهي تتصور على أربعة وجوه: فإنَّ دليل
ــــــــــ[102]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
التخصيص إمّا أن يكون متّصلاً أو منفصلاً، وعلى كلا التقديرين تارةً يكون عنوان المخصّص مردداً بين الأقلّ والأكثر أو مردداً بين المتباينين. مثال المردد بين الأقلّ والأكثر: (أكرم كلّ العلماء) و(لا تكرم الفساق من العلماء). والمردد بين المتباينين كما في الألفاظ الموضوعة للضدين كـ (الطهر) المستعمل في الطهر والحيض، أو في أسماء الأعلام الشخصيّة كأن يقول: (أكرم كلّ جيراني إلَّا زيداً) وهناك شخصان بهذا الاسم في الجيران. فالصور في المقام أربع:
أن يكون الأمر مردداً بين الأقلّ والأكثر ويكون الدليل المخصّص متّصلاً، وذلك نحو: (أكرم كلّ عالم إلَّا الفساق) ومفهوم الفسّاق مردّد بين فاعل الكبيرة وفاعل الصغيرة. فإنَّ الزائد عن القدر المتيقّن وهو فاعل الصغيرة نشكّ في دخوله في العامّ أو في المخصّص، فهل نتمسّك بالعامّ في وجوب إكرامه؟
المعروف بين المحقّقين(1) عدم جواز التمسّك بالعامّ إذا كان المخصّص متّصلاً ودار الأمر بين الأقلّ والأكثر .
والوجه فيه واضح على جميع المباني في أداة العموم؛ لأنَّه بعد أن فرض أن المخصّص متّصل، وقد بيّنا أنَّ المخصّصات المتّصلة توجب تضييق دائرة
ــــــــــ[103]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 221، أجود التقريرات1: 455، محاضرات في أصول الفقه4: 331.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المدخول، بحيث لا تكون الأداة شاملة لغيره ذاتاً، فيكون الشكّ شكّاً في أصل المعنى الموضوع له لا محالة. فإذا قال: (أكرم العلماء إلَّا الفساق) فإنَّ مفاد (كلّ) في هذا المثال هو استيعاب الحكم لتمام أفراد المراد الاستعمالي من المدخول، والمدخول هو تمام الكلام، أي: هو العالم غير الفاسق، وأنا أشكّ أنَّ هذا عالم غير فاسق، فأشكّ في أصل شمول الموضوع له بالنسبة إليه؛ لأنَّ المعنى الموضوع له هو المراد الاستعمالي من المدخول الذي هو تمام الكلام وهو العالم غير الفاسق، وأنا أشكّ في شموله لهذا الفرد.
ومن هنا ظهر بطلان ما بيّنه المحقّق العراقي(1) في مقالاته، فإنَّه وإن ذهب إلى عدم جواز التمسّك بالعامّ في هذا المورد إلَّا أنّه فصّل بين أن يكون العموم حجّة من باب أصالة الظهور، من أنَّ الأداة ظاهرة في العموم كما هو التحقيق، فإنَّه بناءً على هذا لا يمكن التمسّك بالعموم؛ إذ لا ظهور له في محلّ الشكّ بعد دخول المخصّص المجمل المردد.
هذا إذا بني أنَّ الأصل العقلائي في حجّيّة العموم هو أصالة الظهور. وأمّا إذا قلنا: إنَّ أصالة الحقيقة وأصالة العموم أصلان برأسيهما، بمعنى: أنّه إذا دار الأمر بين العموم والخصوص أو الحقيقة والمجاز فإنَّ العقلاء يقدّمون العموم ويقدّمون المعنى الحقيقي، وإن لم تكن هذه الأمور ظاهرة من الكلام. وهذا معنى كونهما أصلين برأسيهما. بناءً على هذا فيمكن إجراء أصالة العموم وإن لم يكن له ظهور.
ــــــــــ[104]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول1: 438.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وهذا قد انقدح جوابه ممّا تقدّم، فإنّنا حتّى لو قلنا: إنَّ أصالة العموم وأصالة الحقيقة أصلان برأسهما فإنَّه أيضاً لا يجزي في المقام، وذلك لأنَّ أصالة العموم والحقيقة تقتضي أنَّ أداة العموم مستعملةٌ في الاستيعاب الذي وضعت له، وهو استيعاب تمام أفراد المراد الاستعمالي من مدخولها، وأنا أشك في مدخولها، فكما أنّه لا ظهور جزماً لا عموم احتمالاً، ولا عموم لجريان أصالة العموم عند احتمال عدم العموم. فلا فرق بين أن نقول: إنَّ المرجع في حجّيّة العموم هو أصالة الظهور، فنقطع بعدم الظهور؛ لأنَّه فرد مردد، وأنَّ المرجع هو أصالة العموم أو أصالة الحقيقة، فأنا أشكّ أنَّ هذا الأصل يقتضي دخول الفرد في العموم، لاحتمال كونه ممّا لا ينطبق عليه العموم.
إذا فرض أنَّ المخصّص كان متّصلاً، ولكن دار الأمر بين المتباينين مفهوماً، نحو: (أكرم جميع الجيران إلَّا زيداً) وتردد الأمر بين شخصين اسمهما زيد؛ لأنَّه كان في جيرانه زيدان لا يعلم أيّهما الخارج بالتخصيص، ولا يعلم أنّ مراده أيّهما.
في مثل هذا المقام لا ينبغي الإشكال في عدم جواز التمسّك بالعامّ في إثبات وجوب الإكرام لزيد الأوّل بعنوان كونه أولاً أو لزيد الثاني بعنوان كونه ثانياً؛ فإنَّ كلاً منهما طرف للعلم الإجمالي في التخصيص المتّصل، حيث إنَّ أمر هذا المخصّص دائر بينهما فلا معنى للتمسّك لا بأصالة الظهور، ولا بأصالة العموم، ولا بأصالة الحقيقة بنفس التقريب السابق.
أمّا عدم جواز التمسّك بأصالة الظهور فللقطع بعدم وجود ظهور في
ــــــــــ[105]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الكلام فعلي لإثبات الحكم لزيد الأوّل بعنوانه، أو زيد الثاني بعنوانه. أمّا عدم جواز التمسّك بأصالة العموم فلأنّا نشكّ في المراد من المدخول، والعموم هو استيعاب المدخول، والمدخول هو الجيران غير زيد، وأنا لا أعلم ما المراد من زيد فلعلّه هذا نفسه، فيشكّ في اقتضاء أصل العموم في شمول العموم لهذا الفرد، ولا فرق بين الصورة الأولى والثانية، أي: أنَّ حال زيد الأوّل بعنوانه والثاني بعنوانه حال فاعل الصغيرة في الصورة الأولى من حيث عدم جواز التمسّك بأصالة الظهور وأصالة العموم وأصالة الحقيقة.
نعم، هنا بحث آخر، وهو أن يتكلّم أنّه هل يمكن التمسّك بأصالة الظهور أو أصالة العموم بالنسبة إلى غير زيد الواقعي المعلوم بالإجمال، أي: أنّنا تارةً نريد أن نُثبت بالخطاب العامّ وجوب إكرام زيد الأوّل بعنوانه، أو وجوب إكرام زيد الثاني بعنوانه، أي: كون المراد من زيد هو الأوّل بالخصوص أو الثاني بالخصوص ، فهذا لا يمكن، لكن لعلّه يثبت بالعامّ وجوب إكرام غير من أراده المولى بلفظ زيد، فالتمسّك بالعموم لإثبات وجوب إكرام غير زيد المراد واقعاً للمولى، أي: لإثبات الحكم للفرد المشكوك على إجماله وتردده، هل يمكن أو لا؟
ذكر المحقّق العراقي في المقام تفصيلاً وهو(1): أنَّ الحكم المدلول عليه بالعامّ تارةً يكون حكماً طلبياً -إمّا بطرف الفعل كالوجوب، وإمّا بطرف الترك كالحرمة- وأخرى يكون حكماً ترخيصياً وغيره، فإذا كان حكماً طلبياً كما في المقال السابق: (أكرم كل جيراني إلَّا زيداً) فيصحّ إجراء أصالة العموم لإثبات
ــــــــــ[106]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول1: 439.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وجوب إكرام غير زيد؛ لأنَّ أصالة العموم تشكّل علماً إجمالياً بوجوب إكرام أحدهما الذي هو غير زيد الخارج بالتخصيص، فإذا كان أحدهما المراد هو هذا فيجب إكرامه، وإن كان ذاك فيجب إكرامه. إذن، فلا بأس بالأخذ بالعموم لتشكيل العلم الإجمالي المنتهي إلى حكم العقل بوجوب العمل على طبقه.
وأخرى نفرض أنَّ الحكم ليس حكماً طلبياً، بل حكم ترخيصي نحو: (لا يجب إكرام الهاشميين إلَّا زيداً) فهنا التمسّك بالعامّ لإثبات الحكم الذي هو الإباحة لغير زيد المعلوم بالإجمال مشكلٌ؛ لأنَّ العامّ يُشكّل علماً إجمالياً بإباحة إكرام أحدهما، وليس العلم الإجمالي بالإباحة كالعلم الإجمالي بالوجوب، ففي الوجوب له أثر، وفي الإباحة لا أثر له.
نعم، إباحة شيء بعينه إذا ثبتت بأصالة العموم فإنَّ لها أثر وهو عدم العقاب على ارتكابه، وأمّا إذا أثبتنا إباحة فرد لا نستطيع تعيينه فهو أمر غير منتهٍ إلى أثر عملي، وحيث إنَّ أصالة العموم تحتاج في جريانها إلى ما له أثر عملي فلا تجري فيما لا أثر له. فهناك فرق بين الحكم الطلبي وغيره.
وهذا التفصيل لنا حوله كلامان:
الكلام الأوّل: أنَّ الأثر العملي لا يختص بالحكم الطلبي. فقد يتصوّر أثر حتّى لو كان مدلول العامّ حكماً ترخيصياً، كما لو ورد -وقد ورد-: (كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر)(1) وهذا ليس حكماً طلبياً، بل ترخيص في ترتيب آثار
ــــــــــ[107]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة3: 467، الباب 37، إنَّ كلّ شيء طاهر حتّى يعلم ورود النجاسة عليه، الحديث 4.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الطاهر على مشكوك الطهارة، فقوله: (كلّ شيء طاهر) عموم. فلو قلنا -كما قال الشيخ الأعظم(1)-: إنَّ الفرد المعلوم بالإجمال خارج عن هذا العموم بمقتضى الغاية (حتّى تعلم أنّه قذر) التي هي أعم من العلم التفصيلي والإجمالي. فلو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الثوبين فإنّنا لو خلينا وهذا الشكّ لتمسّكنا بطهارتهما بمقتضى هذا العموم، لكن عندنا علم إجمالي بنجاسة أحدهما، وهذا العلم الإجمالي يوجب كون ذلك الفرد خارج بالتخصيص؛ لأنَّ الغاية أعم من العلم الإجمالي والتفصيلي؛ لأنّي أعلم وجداناً بأنَّ أحد الثوبين خارج عن العموم؛ لأنَّه معلوم النجاسة إجمالاً، ولكن الآخر لا أدري أهو خارج عن العموم أو لا، فهو محكوم بالطهارة ظاهراً. إذن، يمكن التمسّك بأصالة العموم لإثبات الطهارة. ولها أثر عملي وإن لم يكن الحكم طلبياً، وأثره يظهر فيما لو صليت في كلا الثوبين فإنَّه يحصل عندي فراغ الذمة؛ لأنّي صليت في ثوب محكوم بالطهارة ولو ظاهراً. فهنا وإن كان الدليل لا يحتوي على حكم طلبي، بل هو يوسع الدائرة وليس مضيّقاً لها. مع ذلك كان لأصالة العموم أثر في مقام العمل.
فالكبرى التي ذكرها -وهي: أنّنا لا يصحّ أن نتمسّك بأصالة العموم إلَّا إذا كان للعموم أثر عملي- صحيحة لكن لا يدور الأثر مدار كونه حكماً طلبياً، بل يكون في غير الحكم الطلبي أيضاً، كما في المثال حيث نتمسّك بأصالة العموم
ــــــــــ[108]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار2: 154، درر الفوائد في شرح الفرائد4: 101، ايضاح الفرائد2: 195.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
لإثبات طهارة غير المعلوم نجاسته بالإجمال ويكون أثره صحّة الصلاة فيما أذا كررها في كلا الثوبين. إذاً، فمدار جريان أصالة العموم ليس كونه حكماً طلبياً، بل كونه له أثر في الخارج أو لا.
الكلام الثاني: أنّنا حينما نغيّر التعبير ونغيّر تقريب المطلب أيضاً، فإنّنا حين قال المولى: (أكرم جيراني إلَّا زيداً) ودار الأمر بين زيد الأوّل وزيد الثاني، تارةً نعلم أنَّ الخارج زيد واحد وأنَّ المراد تخصيصه هو زيد واحد، وأعلم بدخول الثاني تحت العامّ، وأخرى أشكّ في دخول الآخر تحت العامّ، حيث احتمل خروجهما معاً. فإذا فرضنا أنّنا نعلم أنَّ الخارج من تحت العامّ زيد واحد وأعلم بدخول الثاني تحت العامّ، فلا معنى للتمسّك بأصالة العموم؛ لأنّنا إنّما نتمسّك بها لإثبات الحكم للآخر، وهو معلوم ولا نحتمل شمول التخصيص له.
أمّا إذا احتملنا خروج الثاني أيضاً، حيث نحتمل خروجه ببيان آخر، نحو: (أكرم كل جيراني إلَّا زيداً) واحتملت أنّه قال: (إلَّا زيداً وزيداً) أو احتلمت التحريف في وصول الرواية إلينا، مع احتمال أنَّها كانت إلَّا زيدين. وعلى كلّ حال فأحتمل خروجهما معاً في التخصيص، فقد يقال: إنّه لا تعيّن للمعلوم بالإجمال، فلا تعيّن لغيره، فكيف نجري أصالة العموم لغير المعلوم بالإجمال مع أنّه غير متعيّن؟ فنحن نريد أن نثبت حكم العامّ لغير الفرد المعلوم خروجه بالإجمال وهو غير متعيّن، فيكون غيره غير متعيّن أيضاً، فكيف نجري الحكم لغير المتعيّن؟
وهذه قاعدة في المعلوم إجمالاً: إذا ورد حكم لأحد الطرفين ثُمّ ثبت أنَّ كلاً
ــــــــــ[109]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
منهما واجب، فهنا لا تعيّن للمعلوم بالإجمال؛ لأنَّ نسبة العلم الإجمالي إلى كلّ منهما واحدة، ففرض العلم بأحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، وفرض خروج كليهما خلف، فإن لم يكن المعلوم بالإجمال متعيّناً فلا يكون غيره متعيّناً أيضاً حتّى في لوح الواقع، فلا معنى لإجراء أصالة العموم واثبات وجود فرد غير متعيّن حتّى عند المولى وفي عالم التشريع. إذن، لا يمكن التمسّك بأصالة العموم لإثبات حكم للفرد غير المعلوم بالإجمال؛ لأنَّ المعلوم بالإجمال غير متعيّن، فغيره غير متعيّن أيضاً. وهذا المطلب سيتّضح أكثر عند التعرّض للصورة الثالثة.
إذا كان المخصّص منفصلاً ودار الأمر بين المتباينين من ناحية الشبهة المفهوميّة، فهذا واضح في بعض صوره. كما إذا قال: (أكرم جيراني) وقام إجماع على أنّ كلا الفردين ليسا داخلين تحت العامّ، فهنا الكلام واضح، وهو أنَّ الفرد المعلوم بالإجمال لا تعيّن له، وغير اللامتعيّن لا متعيّن.
وفي بعض الموارد يمكن إثبات الوجوب له، كما لو فرض أنَّ الفرد الخارجي المعلوم بالإجمال له نحو من التعيّن كما لو ورد في صحيحة زرارة، فيقال: غير هذا الفرد الوارد في صحيحة زرارة محكوم بدخوله تحت العامّ.
فالتفصيل الصناعي أن يقال: إنَّ الفرد المردد تارةً يكون له تعيّن واقعي، وتارةً لا يكون له تعيّن واقعي، فإذا كان له تعيّن بنحو الإجمال، فيثبت تشكّل العلم الإجمالي بإكرام أحد الطرفين، وأمّا إذا لم يمكن تعيينه حتّى بالعنوان
ــــــــــ[110]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الإجمالي كما لو خرج بالإجماع، فالمعلوم بالإجمال لا تعيّن له حتّى عند المولى، فلا يمكن شمول العموم له.
هذا ما ينبغي أن يقال في الصورتين الثانية والثالثة.
ولابدّ لنا في توضيح مصطلحات المسألة من تقدّيم مقدّمتين.
المقدّمة الأولى: هي أنَّ للكلام قسمين من الظهور: ظهور تصوّري وظهور تصديقي.
فالظهور التصوّري: عبارة عن انتقاش معنى معيّن عند سماع لفظٍ معيّن في تصور السامع، وهذا هو الذي سُمي بـ(التبادر) في علامات الحقيقة والمجاز، وجعل من علامات الحقيقة، فإذا قيل: (أسد) فإنَّه يتبادر وينسبق إلى الذهن الحيوان المفترس، وإذا قيل: (تمر) يتبادر منه معناه الخاص.
إذن، فهذا نحو من الظهور إلَّا أنّه ظهور تصوّري في اللفظ، أي: لا يكشف لنا عن حقيقة ولا يَدُلّ على مطلب واقعي، وإنّما هو أداة لإلقاء صورة في ذهننا ولا يدلّنا على شيء. وهذا الظهور محفوظ في تمام الموارد حتّى في موارد يكون صادراً فيها من الطبيعة لا من الإنسان، كما لو فرض أنَّ الطبيعة أصدرت صوتاً موضوعاً في اللغة، كما لو تولد من اصطكاك حجرين لفظ (أسد) فإنَّه ينتقش في ذهن أيّ سامع صورة للحيوان المفترس، مع أنّه لا يكشف عن أيّ شيء. وهذا هو الظهور التصوّري والدلالة التصوّريّة، وهو محفوظ حتّى إذا كان الصوت صادراً من الطبيعة لا من الشخص العاقل.
ــــــــــ[111]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وهذا الظهور والدلالة التصوّريّة هو الذي ينبع عن الوضع في المشهور المتصوّر، حيث إنَّ المشهور(1) يعتقد أنَّ الوضع ينتج الظهور التصوّري، والذي صنعه الواضع أنّه متى ما قيل: (أسد) ينتقش في ذهن السامع صورة الحيوان المفترس. وعند المشهور أنَّ هذه الدلالة هي الدلالة الناشئة من الوضع، وهو المختار، خلافاً للسيد الأستاذ(2)، حيث ذهب إلى أنَّ الدلالة الناشئة من الوضع شيء آخر.
والظهور التصديقي: وهو ما يسمّى بالدلالة التصديقيّة، ومقصودنا منه: أن يكون للكلام خصوصيّة بحيث يكون مقتضياً للكشف عن معنى واقعي نفس الأمري، غاية الأمر أنّه يقتضي الكشف الظنّي، ومن هنا سمّيناه بالظهور التصديقي والدلالة التصديقيّة.
وبهذا يظهر فرقه عن الظهور الأوّل، فإنّ الظهور الأوّل ظهورٌ تصوّريٌ محضٌ، وهذا عبارة عن اقتضاء اللفظ للكشف كشفاً ظنّياً عن مطلب واقعي.
وقد قلنا: اقتضاء اللفظ للكشف، ولم نقل عليّة اللفظ للكشف، وقلنا: إنّه اقتضاء للكشف الظنّي لا القطعي، ومن هنا يظهر الفرق بين الظهور وبين النصّ، فإنَّ النصّ علّة تامّة للكشف القطعي، بخلاف الظهور فإنَّه مقتضٍ للكشف الظنّي.
ــــــــــ[112]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار1: 25، 26، منتهى الدراية في شرح الكفاية 1: 47،46.
(2) انظر: محاضرات في أصول الفقه1: 115-117، وكذلك1: 44 وما بعدها، هامش أجود التقريرات 1: 12.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
هذا الظهور التصديقي الذي قدّمناه الآن له فردان، وتحته ظهوران، كلاهما ظهور تصديقي:
الأوّل: ظهور الكلام في أنَّ الكلام الذي انسبق إلى ذهننا منه الظهور التصوّري هو المراد الاستعمالي من اللفظ. بعد أنَّ ينسبق إلى ذهننا صورة الحيوان المفترس بحسب الظهور التصوّري ينعقد ظهور تصديقي للكلام؛ لأنَّ الكلام له اقتضاء في أنَّ المتكلّم أراد تفهيم هذا المعنى الذي انسبق إلى ذهننا تصوّراً، وهو ظهور تصديقي؛ لأنَّه يقتضي الكشف عن المراد الاستعمالي، ولكنّه كشف ظنّي لا قطعي. فهو ظهور تصديقي، بمعنى: ظهور الكلام للكشف ظنّاً عن أنَّ المراد هو الظهور التصوّري.
وهذا هو الفرق بينه وبين الظهور الأوّل التصوّري؛ لأنَّ الأوّل موجود حتّى إذا صدر اللفظ من الطبيعة، وهذا الظهور غير موجود إلَّا إذا صدر من شخص مختار عاقل. والظهور التصديقي عند السيّد الأستاذ هو الظهور الناشئ من الوضع خلافاً للمشهور والمختار، حيث يذهب المشهور إلى أنَّ الظهور التصديقي ليس ناشئاً من الوضع، بل هو ظهور لفظي سياقي. وبحث ذلك في باب الوضع(1).
هذا أوّل الظهورين التصديقيين.
الثاني: بعد أن ثبت أنَّ المراد التصوّري مراد استعمالي، فإنَّ المراد الاستعمالي له اقتضاء للكشف عمّا وراء المراد الاستعمالي هو المراد الجدّي. وكذا فإنَّ وراء
ــــــــــ[113]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه1: 161.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
قصد التفهيم هناك مطلب في نفس المتكلّم، هو إمّا الحكاية أو الاستفهام أو الطلب، وهذا الظهور التصديقي مرجعه أنَّ الكلام يقتضي الكشف كشفاً ظنّياً أنَّ وراء الجملة مطلب واقعي في نفس المتكلّم، فإنَّه يتمنى أو يترجى أو يطلب شيئاً أو يحكي عن شيء. وهذا الظهور أضيق من السابق؛ لأنَّه غير موجود في حق الهازل أو نحوه.
إذن، عندنا ثلاثة ظهورات.
المقدّمة الثانية: أنَّ هذه الظهورات محفوظةٌ في باب العمومات أيضاً، نحو: (أكرم كلّ عالم) فإنّ (كلّ) لها ظهور تصوّري محض، وهو انتقاش صورة جميع الأفراد في الذهن، ولها ظهور تصديقي أوّل، وهو أنّ الجميع هو المراد الاستعمالي لا البعض، وظهور تصديقي آخر هو أنَّ المراد الجِدِّيّ هو الكلّ.
وفي المقام إذا فرضنا جاءت القرينة المتّصلة، أو القرينة المنفصلة على التخصّيص. وأردنا أن نعرف أنَّ أيّ من هذه الظهورات ينثلم. أمّا الظهور الأوّل فلا ينثلم لا بالقرينة المتّصلة ولا المنفصلة؛ لأنَّه يتمّ بمجرّد أن يؤتى بلفظ موضوع لمعنى، فإنَّه ينتقش منه صورة في الذهن، والقرينة المتّصلة لا تثلم ظهوره. وأمّا الظهور التصديقي الأوّل وهو أنَّ المعنى المتصوّر هو المراد الاستعمالي المراد تفهيمه، فهذا يبطل بالقرينة المتّصلة، وكذلك الظهور الثاني في أنَّ المراد الاستعمالي هو المراد الجِدِّيّ فإنَّه يبطل بالقرينة المتّصلة أيضاً، فلو نصب المتكلّم قرينة متّصلة على أنّه في مقام الهزل فإنَّ الظهور الثالث يبطل، أمّا القرينة المنفصلة، فلا تبطل أصل الظهورين، وإنّما تزاحم حجّيّة هذين الظهورين.
ــــــــــ[114]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وفي موارد القرينة المتّصلة ينعدم أصل الاقتضاء، فينعدم أصل الظهور، أمّا في موارد القرينة المنفصلة، فلا ينعدم أصل الظهور؛ لأنَّ الاقتضاء لا ينعدم بل يقترن بالمانع؛ لأنَّ الظهور ليس علّة تامّة للكشف، بل هو مقتضي للكشف. والمقتضي قد يقترن بالمانع، فالقرينة المنفصلة تكون مانعة للمقتضي لا مفنية له.
فمن هنا قيل: إنَّ القرينة المتّصلة تعدم أصل الظهور التصديقي؛ لأنَّه متقوّم بالاقتضاء، ولا اقتضاء مع القرينة المتّصلة. أمّا القرينة المنفصلة فلا تعدم أصل الظهور؛ لوجود الاقتضاء معها والظهور. إلَّا أنَّ حجّيتّه غير موجودة.
هذا يبحث مفصّلاً في باب الظهورات، وأمّا هنا فنأخذه مفروغاً عنه.
أمّا في باب المطلقات مع التقييدات. أمّا المقيّد المتّصل فهو كالمخصّص المتّصل، يعدم أصل الظهور التصديقي. بخلاف المقيّد المنفصل ففيه كلام، هل يعدم أصل الظهور الإطلاقي أو يوجد المانع من تأثيره؟ إن قيل: إنَّ من جملة مقدّمات الحكمة عدم القرينة المتّصلة، فأصل الظهور موجود؛ لأنَّ مقدّمات الحكمة تامّة. أمّا إذا قيل بعدم القرينة حدوثاً وبقاءً، فالقرينة المنفصلة تعدم أصل الظهور لانعدام مقدّمات الحكمة. ومن هنا يظهر الفرق بين الظهور الإطلاقي وبين العموم. هذه إحدى المقدّمتين اللتين أردنا أن تكون مساعداً لنا في شرح المصطلحات. بناءً على هذه المقدّمة تتّضح لنا الصور الثَّلاثة الأولى من الشبهة المفهوميّة: فنقول:
الصورة الأولى: أن يكون المخصّص متّصلاً ودائراً بين الأقلّ والأكثر من ناحية الشبهة المفهوميّة، نحو: (أكرم كلّ عالم إلَّا الفساق) هنا لا إشكال بعدم
ــــــــــ[115]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
جواز التمسّك بالعامّ في إثبات وجوب إكرام فاعل الصغيرة؛ لأنَّ المخصّص المتّصل -كما بيّنا في المقدّمة- يوجب انعدام أصل الظهور في المقام، فالظهور التصديقي غير موجود، فلا معنى لإجراء أصالة الظهور؛ لأنَّها غير ذات موضوع. أمّا على مبنى التعبد بأصالة الحقيقة وأصالة العموم فالأمر كذلك. إلَّا أنَّ هناك فرقاً بين أصالة الظهور من جهة وأصالة الحقيقة والعموم من جهة ثانية؛ فإنّنا بناءً على أصالة الظهور نجزم بعدم الظهور، وأمّا بناءً على أصالة العموم وأصالة الحقيقة لا نجزم بالعدم، لكن نشكّ في العموم؛ لأنّ أداة العموم موضوعةٌ لاستيعاب تمام أفراد المراد الاستعمالي من المدخول، والمدخول هو العالم غير الفاسق، وهو مشكوك الشمول لفاعل الصغيرة، فاقتضاءً للعموم الشمول لفاعل الصغيرة مشكوك فيه.
الصورة الثانية: فيما إذا كان المخصّص متّصلاً ودار أمره بين المتباينين، فإنَّه أيضاً لا ينبغي الإشكال في عدم جواز التمسّك بالعموم في إثبات إكرام أيّ واحد من هذين؛ لأنَّه لا يجوز التمسّك بالعموم لإثبات إكرام زيد الأوّل بخصوصه، ولا لإثبات إكرام زيد الثاني بخصوصه. كوننا نقطع بعدم الظهور لما بينّاه من أنَّ المخصّص المتّصل يوجب انعدام الظهور، أو إذا كنّا نقول بالتعبّد بأصالة الحقيقة وأصالة العموم، فإنّنا لا نستطيع أن نتمسّك بالعموم والحقيقة؛ لأنَّ الأداة موضوعةٌ لاستيعاب المراد الاستعمالي من المدخول وهو: (جيراني إلَّا زيداً) وأنا أشكّ أنَّ جيرانه أهم هؤلاء أم هؤلاء.
إذن، في صورة المخصّص المتّصل سواء دار أمره بين الأقلّ والأكثر أو بين
ــــــــــ[116]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المتباينين، لا يجوز التمسّك بالعامّ في مورد الشك؛ لأنَّ المخصّص المتّصل يوجب فناء اقتضاء الظهور للعموم.
الصورة الثالثة: فيما إذا كان المخصّص منفصلاً ودار أمره بين المتباينين، نحو: (أكرم كلّ جيراني) وعلمنا من الخارج أنّه لا يريد إكرام زيد، ولكن لا أدري أنّه يريد زيد بن عمرو أم زيد بن أسامة.
هنا، الظهور محفوظ في نفسه، ولكن تنعدم حجّيتّه، فإنَّه لا يجوز التمسّك به لإثبات إكرام هذا بخصوصه أو ذاك بخصوصه؛ لأنَّ إثبات الوجوب لكلّ منهما محال؛ للعلم بعدمه. وإثبات الوجوب لأحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، فيحكم بالتساقط.
يبقى الكلام في أنّه هل يجوز في الصورتين الأخيرتين التمسّك بأصالة العموم لإثبات وجوب إكرام زيد الثاني على إجماله وتردده؟ هنا يأتي كلام المحقّق العراقي وتفصيله، وإشكالنا عليه وتفصيله، على النحو الذي تمّ بيانه فيما سبق.
وما ينبغي الإشارة إليه في المقام أنَّه يكفي في مقام الإجمال وسقوط أصل الظهور في الصورتين الأوليين احتمال كون المخصّص متّصلاً، ولا نحتاج إلى الجزم بذلك، أليست تلك الصورتين هما ما إذا كان المخصّص متّصلاً ودار أمره بين الأقلّ والأكثر أو بين المتباينين؟ قلنا هناك: إنَّ أصل الظهور لا يبقى إذا كان المخصّص متّصلاً. وهنا نقول: إنَّ فناء الظهور وعدم جواز التمسّك بالعامّ
ــــــــــ[117]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
يحصل باحتمال الاتصال ولو لم نجزم به، فلو قال المولى: (لا تكرم فساق العلماء) بعد قوله: (أكرم كلّ عالم) وشكّكنا أنَّ هذا المخصّص متّصل بالعامّ أم منفصل عنه. هنا لا يمكن التمسّك بالعامّ؛ لأجل إجماله وسقوطه رأساً.
وهذا الإلحاق -أي: إلحاق مشكوك الاتّصال بالمتيقّن الاتّصال- مبني على مسلك اخترناه في بحث الظواهر(1)، فمجرّد احتمال اتّصال المخصّص بالعامّ يكفي في إجمال العامّ وسقوط أصل الظهور من دون جزم بالاتصال؛ لأنَّه هناك في بحث الظواهر لا إشكال عندهم أنَّ اتصال ما هو معلوم القرينيّة يوجب انعدام الظهور يقيناً، كما أنَّ اتصال محتمل القرينيّة أيضاً يوجب انعدام الظهور عندهم، فإذا احتملنا كونه مؤوّلاً ينعدم الظهور حينئذٍ أيضاً، وهو ما يسمّى بـ(احتمال قرينيّة الموجود) ولذا قلنا: بأنَّ المخصّص المتّصل يعدم أصل الظهور باعتبار احتمال قرينيّة المتّصل؛ لأنّنا نحتمل أنَّ قوله: (إلَّا فساقهم) بيان وقرينة لإخراج فاعل الصغيرة، فيكون من باب احتمال قرينيّة الموجود المتّصل، فيوجب الإجمال وإعدام أصل الظهور.
ولنا احتمال ثالث وهو: أن نحتمل اتّصال القرينة وأن يكون استعمالها قرينة. والمعروف بينهم أن هذا الاحتمال لا يوجب الإجمال، ولكن حسب ما بيّنا هناك(2) أنّه يوجب الإجمال -أي: احتمال الاتّصال يوجب الإجمال- وأنَّ احتمال قرينيّة الموجود المتّصل كاحتمال القرينيّة المتّصلة يوجب انعدام الظهور.
ــــــــــ[118]ــــــــــ
(1) انظر: مباحث الأصول2: 166.
(2) انظر: مباحث الأصول2: 236.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
على تفصيل يأتي في محلّه.
أمّا في الصورة الثالثة: وهو ما إذا كان المخصّص متصلاً ودار أمره بين المتباينين، فهنا لا ينعدم أصل الظهور؛ لأنَّ الكلام منفصل جزماً، فالظهور باقٍ على حاله. نعم، لا يعقل بقاء حجّيتّه؛ لأنَّها في كلا المتباينين تناقض وفي أحدهما ترجيح بلا مرجح. فتكون نتيجته نتيجة الصورة الثانية بحسب النتيجة العمليّة، فحال المتّصل الدائر بين المتباينين حال المنفصل الدائر بين المتباينين. غاية الأمر أنّه في الصورة الثانية ينعدم أصل الظهور، وفي الصورة الثالثة تنعدم حجّيتّه.
نعم، هناك شيء لا يظهر إلَّا بالدّقة في الفرق بين هاتين الصورتين وحاصله: أنَّه إذا فرض أنَّ المخصّص كان متصلاً ودار أمره بين المتباينين نحو: (أكرم كلّ جيراني إلَّا زيداً) ودار أمر زيد بين زيد الأوّل وزيد الثاني. فلو فرضنا أنّنا علمنا إجمالاً أنّه إمّا زيد الثاني خارج من هذا العموم، وإمّا فرد آخر خارج من عموم آخر. مثل هذا العلم الإجمالي لا يكون مؤثراً؛ لأنَّ هذا العموم لا ظهور له أصلاً في كلا المتباينين، فإذا علمنا إجمالاً أنَّ زيداً خارج من هذا العموم أو بكراً خارج من عموم آخر، فهذا العلم الإجمالي لا أثر له؛ لأنَّ أحد طرفيه لا أثر له، فنجري أصالة العموم بلا معارض.
أمّا في المخصّص المنفصل الدائر بين المتباينين، فأصل الظهور ثابت، فإذا علمنا إجمالاً أنَّ إمّا زيد الثاني غير مشمول لهذا العموم، وإمّا بكر في عموم آخر، فإنَّ أصالة العموم لزيد تعارض أصالة العموم لبكر، فتسقطان بالمعارضة؛ لأنَّه يتشكّل عندنا علمان إجماليان:
ــــــــــ[119]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أحدهما: العلم إمّا بخروج زيد الأوّل، وإمّا زيد الثاني من العامّ الأوّل.
وثانيهما: العلم إمّا بخروج زيد الثاني من العامّ الأوّل، وإمّا بكر من عامّ آخر، فزيد الثاني قدر مشترك، فيتساقطان.
وهذه ثمرة مهمة تظهر في جريان الأصول، كما إذا علمنا بسقوط أحد هذين الاستصحابين إجمالاً، وكان أحد الاستصحابين معارضاً مع أصل آخر من غير الاستصحاب كقاعدة الفراغ. فهنا إذا فرض أنَّ المخصّص الذي أوجب تعارض الاستصحابين كان متّصلاً فيسقط الاستصحابان ونتمسّك بقاعدة الفراغ؛ لأنَّ الدليل المخصّص متّصل، وهو يعدم ظهور دليل كلا الاستصحابين. وأمّا إذا كان المخصّص منفصلاً فيسقط الاستصحابان بالمعارضة مع قاعدة الفراغ. فيسقط الثَّلاثة في درجة واحدة.
وبتوضيح أكثر: إذا فرضنا أنّنا علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين، وكلّ في نفسه مجرى لاستصحاب الطهارة، لكن مع العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما لا يمكن إجراء الاستصحاب، فإذا علمنا إمّا بنجاسة هذا الإناء، وإمّا بغصبية هذا المائع الذي هو مجرى لأصالة الحل، هنا نحتمل أنَّ مقتضى الصناعة هل هو سقوط أصالة الحل مع الاستصحابين بالمعارضة، أو سقوط الاستصحابين بالمعارضة مع بعضهما، وتبقى أصالة الحل بلا معارض؟
وتحقيق ذلك يظهر من هذه الثمرة، فإنَّه إذا فرض أنَّ المخصّص لدليل الاستصحاب -الذي يمنع من جريان الاستصحاب- كان متّصلاً به، كقول
ــــــــــ[120]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الشيخ الأعظم(1): إنّه قوله: “ولكن أنقضه بيقين آخر“(2) هو متّصل بدليل الاستصحاب، فهو مخصّص متّصل دائر بين المتباينين، فيتساقطان وتجري أصالة الحل بلا معارض. وأمّا إذا قيل: إنَّ مخصّص دليل الاستصحاب ليس متّصلاً، وإنّما هو حكم العقل باستحالة إجراء الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي. فهنا الظهوران للاستصحابين محفوظ، وظهور أصالة الحلّ محفوظ ولا موجب لإسقاط اثنين منهما، وحينئذٍ تسقط الثَّلاثة بالمعارضة.
هذا تمام الكلام في الصور الثَّلاثة الأولى.
إذا كان المخصّص منفصلاً ودار أمره بين الأقلّ والأكثر مفهوماً. كما إذا قال: (أكرم كلّ الهاشميين) ثُمّ قال: بعد ساعة أو بعد يوم (لا تكرم فساق الهاشميين) فهل يتمسّك بالعموم في إكرام فاعل الصغيرة.
المشهور والذي لا ينبغي الإشكال فيه هو التمسّك بالعامّ؛ وذلك لأنَّ مقتضى كون المخصّص منفصلاً أنَّ أصل الظهور باقٍ على حاله، فظهور العامّ في إكرام فاعل الصغيرة باقٍ على حاله، وهو حجّة ما لم تقم حجّة على خلافه. وقوله: (لا تكرم الفساق) لا يكون حجّة على خلافه؛ لأنَّه مجمل، والمجمل لا
ــــــــــ[121]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار2: 153-155.
(2) تهذيب الأحكام 1: 8، الحديث 11، وسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقص الوضوء، الحديث 1.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
يكون حجّة في أحد محتملاته، فيخرج القدر المتيقّن وهو فاعل الكبيرة، ويكون العامّ حجّة في الزائد. هذا هو التقريب المتعارف.
وينبغي أولاً استثناء أحد المباني في باب حجّيّة العامّ في الباقي؛ وذلك لأنَّ حجّيّة العامّ في الباقي كان له مسالك متعدّدة، منها مسلك صاحب الكفاية(1) من أنَّ أداة العموم مستعملةٌ في معناها، وأنَّ التبعيض هو في مقام الحجّيّة. ومنها مسلك المحقّق النائيني(2) من أنَّ أداة العموم موضوعةٌ لاستيعاب المراد الجِدِّيّ فتحتاج إلى مقدّمات الحكمة.
ولابدَّ من استثناء مبنى من تلك المباني، وهو مبنى النائيني القائل: بأنَّ الأداة موضوعةٌ لاستيعاب تمام أفراد المراد الجدّي، وأنّنا نحتاج إلى مقدّمات الحكمة، وبعد ذلك نثبت العموم، فالعموم في طول المقدّمات.
فإن بنينا على هذا، وبنينا في بحث مقدّمات الحكمة على أنَّ قوامها بعدم بيان الخلاف حدوثاً وبقاءً كما عليه السيّد الأستاذ(3).فحينئذٍ تحتاج المسألة إلى بحث؛ وذلك لأنَّه حينما يرد من قبل المولى: (لا تكرم فساق جيراني) وتكون العبارة مجملة، فالإجمال هنا فيه احتمالان:
الاحتمال الأوّل: الإجمال في الواقع، بحيث نجزم أنَّ أهل العرف لا يستظهرون منه شيئاً، وإنّما أراد المولى أحدهما إرادة خفيّة.
ــــــــــ[122]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 218، 219.
(2) انظر: اجود التقريرات1: 440- 450، فوائد الأصول2: 519،518.
(3) انظر: هامش أجود التقريرات 1: 441-451، محاضرات في اصول الفقه4: 308.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الاحتمال الثاني: الشكّ فيما هو المستظهر عرفاً من هذه العبارة. فإذا كان شكّنا من قبيل الأوّل بأن نجزم أنَّها ليس لها ظهور، فلا بأس بتماميّة العموم؛ لأنَّه في طول مقدّمات الحكمة وهي تامّة؛ لأنَّ قوامها بعدم بيان الخلاف حدوثاً وبقاءً، وهذا ليس بياناً للخلاف، وإن كان إرادة للخلاف، إلَّا أنّه ليس بياناً للخلاف عرفاً. فيجوز التمسّك بالعامّ لإكرام فاعل الصغيرة.
وأما الشكّ في نحو الاستظهار العرفي بأن نحتمل أنَّ المخصّص وارد لبيان عدم وجوب إكرام فاعل الصغيرة، ونحتمل كون وجود ظهور عرفي هنا بهذا الخصوص. فلا يمكن حينئذٍ التمسّك بأصالة العموم؛ لأنَّها في طول مقدّمات الحكمة، ومقدّمات الحكمة متقوّمة بعدم بيان الخلاف، وبيان الخلاف موجود؛ لأنَّ بيان الخلاف ليس متوقّفاً على وصوله إليّ وعلى علمي به، بل إنَّ أصل بيان الخلاف موجود، فلا تتمّ مقدّمات الحكمة، فلا يمكن التمسّك بأصالة العموم.
نعم، يمكن أن نستصحب عدم بيان الخلاف؛ لأنَّه لم يصدر سابقاً فنستصحب عدم صدور ما هو بيان عرفاً للخلاف. فيكون استصحاباً لعدم بيان الخلاف الذي يكون حجّة كاشفة عن الحكم الواقعي. وحينئذٍ يكون المرجع في هذه المسألة هو الاستصحاب لا أصالة العموم والإطلاق.
نعم، بناءً على مسّلك المحقّق الخراساني (1)، من أنَّ أصالة العموم ليست في طول مقدّمات الحكمة، فإنَّ العموم له ظهور فعلي منجز في الشمول لفاعل الصغيرة، والمخصّص لا يرفع ظهوره، وإنّما هو حجّة وليس معارضاً بحجّة أخرى.
ــــــــــ[123]ــــــــــ
(1) تقدّم تخريجه آنفاً.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
نعم، تبقى شبهة واحدة على رأي المحقّق الخراساني، وحاصلها: أنَّ الظهور العمومي في الشمول لفاعل الصغيرة وفاعل الكبيرة، وإن كان ثابتاً بالنسبة إلى فاعل الصغيرة والكبيرة، إلى تمام الحصص، ولكنّه ليس حجّة فيما هو مدلول الخاصّ جزماً؛ لأنَّه أقوى منه فيكون مقدّماً عليه. فينشطر ظهور العامّ إلى شطرين: شطر حجّة، وشطر ليس بحجّة، فما يتعلّق منه بالفاسق ليس بحجّة لمعارضته بحجّة أقوى منه، وما يتعلّق منه بغيره حجّة. ففاعل الصغيرة لا أعلم بشمول الحجّة له؛ لأنَّ ظهور الحجّة بعد الانشطار بالنسبة إلى الفاسق وغير الفاسق لا يعمّه. فلا يشمله ظهور العموم بما هو حجّة.
أما الجواب الفني عن هذه الشبهة: فهو أنَّ ملاك التخصيص في (أكرم كلّ جيراني) و(لا تكرم فساقهم) تارةً يكون نفس مدلوليّة اللفظ، وأنَّ الشخص بنفسه يكون مشمولاً للفاسق بحيث يكون الخارج بالتخصيص هو عنوان ما دلّ عليه اللفظ. وتارةً يكون الخارج بالتخصيص واقع ما دلّ عليه اللفظ، أي: المبغوض للمولى هو واقع الفاسق لا الفاسق بما هو مدلول للفظ الفاسق. فتارةً يكون نظره إلى الاسم، وتارةً يكون نظره إلى المسمّى، وإلى ذات المدلول وواقعه. وكلاهما معقول، وكلاهما واقع في الأمور العرفيّة.
فإذا فرضنا أنَّ نظره كان متوجّهاً إلى واقع المدلول فواقع المدلول مردد بين الأقلّ والأكثر، أمّا هل هو فاعل الكبيرة أو الأعم منه ومن فاعل الصغيرة، فلا يعلم ما هو الخارج من العموم أهو الأقلّ أم الأكثر؟ وما دام القدر المتيقّن هو خروج فاعل الكبيرة، فيكون الشكّ في الباقي بدوياً، فيتمسّك بأصالة العموم.
ــــــــــ[125]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وأمّا إذا فرضنا أنَّ ملاك التخصيص هو الفاسق بما هو مدلول للفظ، فيخرج عن محلّ الكلام؛ لأنَّه يكون شبهة مصداقيّة لا مفهوميّة؛ لأنَّ الخارج بالتخصيص واضح، وهو ما دلّ عليه اللفظ، ولكن الشكّ أنَّ فاعل الصغيرة مشمول له أو لا. وحينئذٍ عدم جواز التمسّك به فيها يلحق بالمقام الثاني في البحث عن الشبهة المصداقيّة.
فاتّضح أنّه ما دامت الشبهة مفهوميّة يتمسّك بالعامّ في هذه الصورة.
يُتصوّر في المقام أن يكون المخصّص المشتبه مصداقاً، إمّا متّصلاً، وإمّا منفصلاً، وعلى التقديرين: إمّا أن يكون أمره دائر بين الأقلّ والأكثر، وإمّا بين المتباينين. إلَّا أنّه في الصور الثَّلاثة الأولى -التي قلنا في الشبهة المفهوميّة بعدم جواز التمسّك بالعامّ فيها- لا ينبغي أن يقال بالجواز في الشبهة المصداقيّة؛ لأنَّها ليست أوّلى من المفهوميّة؛ ولذا يختص الحديث في الصورة الرابعة، فإن قلنا بعدم جواز التمسّك بالعامّ فيها فيثبت في الصور السابقة بطريق أولى. وإن قلنا بجواز التمسّك بالعامّ فيها فينفتح مجال للقول بالجواز في الصور السابقة ولو احتمالاً.
والصورة الرابعة: وهي ما إذا كان المخصّص منفصلاً ودائراً أمره بين الأقلّ والأكثر مصداقاً. تلك الصورة التي حكمنا فيها في الشبهة المفهوميّة بجواز التمسّك بالعامّ. كما إذا قال: (أكرم كلّ عالم) ثُمّ قال: (لا تكرم فساق العلماء) ودار أمر زيد بين أن يكون فاسقاً أو لا، ونحن نعلم بمفهوم الفاسق
ــــــــــ[125]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
هو مطلق المذنب، ولكن لا نعلم هل صدر من هذا المؤمن الخارجي ذنب أو لا. فهل يجوز التمسّك بالعامّ في إثبات إكرام زيد أو لا؟
قبل الدخول في تفصيل ذلك ينبغي أن يُعلم أنَّ ظاهر كلمات المحقّقين(1) في المقام هو الفراغ عن عدم جواز التمسّك بالمطلق في الشبهات المصداقيّة المخصّصة. كما لو ورد: (أكرم العالم) و(لا تكرم فساق العلماء) وتردد أمر زيد بين صدور الذنب منه أو لا؟ فالمنقول عن كلماتهم هو الفراغ عن عدم جواز التمسّك بالمطلق في الشبهات المصداقيّة، وإنّما وقع الكلام في التمسّك بالعامّ في الشبهات المصداقيّة.
لبيان ذلك نقول: إنَّ المطلق والعامّ يشتركان في أنَّ الحكم المحمول في دليليهما، يكون ثابتاً لجميع الأفراد فرداً فرداً، إلَّا أنّه فرق بين ثبوت الحكم لتمام الأفراد في العامّ وثبوت الحكم لتمام الأفراد في المطلق. وهذا الفرق أشرنا إليه مراراً.
وتوضيحه: أنَّ أداة العموم في دليل العموم بنفسها تتعرض لثبوت الحكم للأفراد ابتداء، وتسرية الحكم على تمام الأفراد، هذا هو المدلول المطابقي لدليل العامّ. وأمّا في باب المطلق فالإطلاق ليس مدلوله المطابقي ثبوت الحكم للأفراد ابتداءً، بل نعلم ببركة مقدّمات الحكمة أنَّ الحكم تعلّق بذات البيع بلا خصوصيّة زائدة، فإنَّ مقتضى أصالة المطابقة بين مقام البيان ومقام الثبوت، أنَّ
ــــــــــ[126]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار9:2، منتهى الدراية في شرح الكفاية2: 115.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المولى كما أنّه لم يذكر في مقام البيان خصوصيّة زائدة كعادل، فهو بحسب مقام الثبوت لم يأخذ أيضاً خصوصيّة زائدة. فالإطلاق هنا إنّما يتمّ ببركة مقدّمات الحكمة، وهو أنَّ الحكم متعلّق بذات الطبيعة (العالم) بلا خصوصيّة زائدة، وأنَّ هذه الطبيعة هي تمام الموضوع.
هذا هو المدلول المطابقي للإطلاق. والعقل يحكم أنَّ هذا الوجوب ثابت لكلّ فردٍ فرد؛ لأنَّ الطبيعة المعراة عن الخصوصيات الزائدة تنطبق على الفاقد وغيره، فيكون هذا السريان بحكم العقل، لا أنّه مدلول مطابقي لمقدّمات الحكمة والإطلاق. أمّا في باب العموم فمدلوله المطابقي هو إثبات الحكم لتمام الأفراد، والمطلق هو ثبوت الحكم للطبيعة عارية عن الخصوصيّة والعقل يحكم أنَّ هذه الطبيعة تنطبق على تمام الأفراد وسريانها إليهم.
فالمطلق والعامّ يشتركان في النتيجة، وهي أنَّ الحكم يثبت لكلّ الأفراد، ولكن العموم والإطلاق يختلفان في طرز الثبوت. ففي العموم يكون مدلولاً مطابقياً، أمّا الإطلاق فيفيد تعرية الطبيعة عن الخصوصيّة، ومن ثَمّ يلزم انطباقها على من لم توجد فيه تلك الخصوصيّة كما تنطبق على من توجد فيه أيضاً.
إذا عرفنا هذا نقول: إنَّه في باب المطلقات، إذا ورد مطلق ومقيّد له، نحو: (أكرم العلماء) و(لا تكرم فساق العلماء) هنا لا محالة يكون المقيّد دالاً على أنَّ الطبيعة ليست عارية عن الخصوصيات؛ إذ يستحيل فرض كونها عارية عن تمام الخصوصيات مع فرض تحريم إكرام الفاسق. فبعد مجيء (لا تكرم الفاسق)
ــــــــــ[127]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ينكشف أنَّ الطبيعة في قوله: (العالم) ليست معراة عن الخصوصيّة، وأنَّ مقدّمات الحكمة كاذبة، بل إنَّ العالم مقيّد بخصوصيّة عدم الفسق، أي: العدالة. فلا تبقى شبهة لتوهّم التمسّك بإطلاق العالم لإثبات إكرام زيد المشكوك فيه؛ لأنَّ أكرم العالم لم يكن مدلوله المطابقي هو شمول الحكم لتمام الأفراد ليقال: إنَّ زيداً فرد من العالم، ولا نعلم حرمة إكرامه فنتمسّك بالعامّ بخصوصه، بل مفاد المطلق هو تعرية الطبيعة عن الخصوصيّة، وهذا ساقط وكاذب يقيناً، فيكون شمول الإطلاق لزيد ساقطاً، فإنَّ شموله لزيد فرع تعريته عن الخصوصيّة، فإذا أخذت الخصوصيّة واحتملنا كونها غير موجودة في زيد، فلا يمكن التمسّك بالمطلق. ومن هنا لا يوجد مجال لدعوى التمسّك بالمطلق في الشبهات المصداقيّة.
وأمّا في باب العموم فلدعوى التمسّك بالعموم في الشبهات المصداقيّة مجال؛ لأنَّ مدلول الأداة ابتداءً هو شمول الحكم لجميع أفراد العالم. وهنا تأتي الشبهة، فإذا قال: (أكرم كلّ عالم) وقال: (لا تكرم فساق العلماء) ولا أدري هل صدر منه ذنب أو لا، فهو فرد من العالم سواء صدر منه ذنب أو لا، ويشكّ بخروجه بسبب المخصّص فيكون مشمولاً للعموم ومندرجاً في المدلول المطابقي له؛ لأنَّه أحد أفراد العموم وهو حجّة فيه، ولا نعلم بدخوله تحت حجّة أقوى.
هذه الشبهة إنّما تتطرق في باب العموم ولا تتطرق في باب المطلقات؛ لأنَّ مفاد الإطلاق ليس هو الشمول لتمام الأفراد، بل تعرية الطبيعة، ومع وجود
ــــــــــ[128]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المقيّد تكون التعرية كاذبة. أمّا في العموم فالشمول فيه لتمام الأفراد يكون ابتداءً، فتأتي هذه الشبهة.
إذا ظهر هذا، يمكن أن نقول: إنَّ أكثر الموارد التي وقع فيها الكلام في المقام خارجة عن المقام. فقد وقع الكلام بين المحقّقين في أنّه هل يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، ومثلوا له بأمثلة ترجع إلى التمسّك بالمطلق لا بالعامّ، ولم يقل أحد بجواز التمسّك بالمطلق في الشبهات المصداقيّة. أي: أنَّ أمثلتهم من قبيل التقييد لا التخصيص.
وتوضيحه: أنّه إذا قال: (أكرم كلّ عالم) فلهذا القول عموم، وإطلاق عموم ثابت بالوضع ببركة أداة العموم بلحاظ الأفراد، ومقصودنا من الأفراد: الجزئيات الحقيقية، فإنَّ الظاهر من (كلّ) هو التسرية إلى الجزئيات الحقيقيّة للكلّي، لا التسرية للحصص الصنفيّة أو النوعيّة. فحينئذٍ في قولنا: (أكرم كلّ عالم) ظاهره التسرية للأفراد الخارجيّة، الموجودة أو المقدّرة الوجود، وشمول الحكم لتمام الأفراد يكون ببركة أداة العموم بالوضع، وفيه جنبة إطلاق؛ لأنَّ ثبوت الحكم للفرد في تمام أحواله هو إطلاق لا عموم؛ لأنَّه لم يقل: أكرم كلّ فرد في كلّ حالاته ليكون عموماً، بل قال: (أكرم كلّ عالم) فشموله للأفراد بالوضع، ولكن شموله لحالات زيد من الفسق والعدالة والحضر والسفر يكون بالإطلاق لا محالة.
فلو فرض أنّه جاء دليل يقول: (لا يجب إكرام زيد إذا سافر) أيكون تخصيصاً للعموم أم تقييداً للإطلاق؟ هو تقييد للإطلاق الأحوالي؛ لأنَّه لم يخصّص العموم، بل قيّد الإطلاق. فهنا عندنا دلالتان: دلالة عموميّة بالوضع
ــــــــــ[129]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
على شمول الحكم لأصل زيد في الجملة، ودلالة إطلاقيّة بمقدّمات الحكمة أنَّ الحكم الثابت لزيد في تمام أحواله. فإذا دلّ دليل بأنَّه لا تكرم فساق العلماء، فيدور أمر هذا الدليل في بدو النظر بين أن يكون مخصّصاً للعموم الأفرادي، أو مقيّداً للإطلاق الأحوالي. ولكن الذي يثبت كونه مقيّداً؛ لأنَّه لا يخرج زيد رأساً عن العموم، بل يخرجه في حالة من حالاته، فزيد على تقدير عدم الفسق يبقى تحت العموم، فيكون الدليل تقييداً للإطلاق الأحوالي للفرد. فإذا شكّكنا أنّه فاسق أو لا، لا يكون هذا تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، بل بالمطلق في الشبهة المصداقيّة؛ لأنّنا نقطع بدخول زيد تحت العموم، فأصله داخل تحت العموم، ولكن في حال العدالة، ونحن نشكّ بالعدالة وعدمها. فبحسب الدقّة جميع الأمثلة التي ذكرت في المقام إلَّا ما شذ هي من باب التمسّك بالمطلق في الشبهات المصداقيّة التي يتعيّن فيها عدم الأخذ.
نعم، في الأمثلة التي ليس فيها إطلاق أحوالي، بل التخصيص يخرج أصل الفرد، فهنا يمكن الكلام نحو: (كلّ امرأة تحيض إلى الخمسين) المخصّص بالقرشيّة، فإنَّها تحيض إلى الستين، والمرأة ليس لها إطلاق أحوالي للقرشيّة وعدمها؛ لأنَّ المرأة لا تكون قرشيّة مرة وغير قرشيّة أخرى، بل هي إمّا قرشيّة وإمّا غير قرشية. فهنا التقييد بالقرشيّة هو إخراج للمرأة القرشيّة رأساً من العموم؛ لأنّنا لا نستطيع أنَّ نفرض المرأة غير قرشيّة فنحكم عليها حكماً مشروطاً، بخلاف الفاسق فإنَّ الفرد قد يكون فاسقاً وقد لا يكون.
فميزان التقييد والتخصيص، أنَّه إن كان العنوان قابلاً لأن يطرأ على الفرد هو ونقيضه فهو تقييد للإطلاق الأحوالي، وهو محلّ إجماع على عدم جواز
ــــــــــ[130]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
التمسّك بالمطلق فيها. وأمّا إذا كان سنخ العنوان بحيث لا يمكن أن يطرأ على الشخص هو ونقيضه، كالقرشيّة، فيكون تخصيصاً لا تقييداً، فيخصّص الكلام في مثل هذا المثال.
وبعبارة أخرى: قد يقال في مقام تقريب التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة: إنَّ العامّ حيث إنّه يستوعب تمام الأفراد بمدلوله المطابقي، فالأفراد كلّها داخلة تحت العامّ ومنها الفرد المشكوك الفسق في قولنا: (أكرم كلّ عالم) والمخصّص المنفصل لا يوجب خدش ظهور العامّ، فظهور العامّ في اندراج الأفراد تحته محفوظ حتّى بالنسبة إلى معلوم الفسق فضلاً عن المشكوك؛ لأنَّ المخصّص المنفصل هدم الظهور العمومي، فالظهور العمومي الذي يوجب اندراج الفرد المشكوك تحته ثابت، وهذا الظهور حجّة ما لم تزاحمه حجّة أقوى، وليس فوقه حجّة أقوى؛ لأنَّ ما يتوهّم كونه حجّة ليس إلَّا المخصّص، وهو ليس حجّة؛ لأنَّه لا يحرز انطباق موضوعه عليه، فالمقتضي موجود والمانع مفقود، المقتضي هو عموم العامّ للفرد المشكوك، والمانع هو قيام حجّة أقوى على خلاف العموم وهو مفقود؛ لأنَّ الخاصّ ليس بحجّة فيما لم يحرز انطباق موضوعه عليه.
هذا هو التقريب الابتدائي للتمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
في مقام تحليل التقريب يجب أن نقول: إنَّ التمسّك بالظهور العمومي في إثبات وجوب إكرام المشكوك فيه يتوقّف على أن يكون هناك احتمال لوجوب الإكرام؛ لأنَّ الظهور إنّما يكون حجّة إذا احتمل مطابقته للواقع. أمّا إذا قطعنا
ــــــــــ[131]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بعدم اندراجه تحت العامّ، فلا يبقى الظهور حجّة فيه. فيتمسّك بالظهور حيث يحتمل وجوب إكرام زيد، ولا يمكن التمسّك به لإثبات أمر غير محتمل، وهذا واضح.
وفي المقام وجوب إكرام زيد محتمل وجداناً، لكن نريد أن نرى هل هذا الاحتمال هو احتمال من حيث الشبهة الحكميّة، أو من حيث الشبهة الموضوعيّة؟ أي: هل أنّنا نحتمل وجوب إكرامه؛ لأجل أنّنا نحتمل وجوب إكرامه حتّى ولو كان فاسقاً -وبذلك تكون الشبهة شبهة حكميّة- أو أنّنا نحتمل وجوب إكرامه؛ لأنّنا نحتمل أنَّ الموضوع في دليل التخصيص -وهو الفاسق- غير منطبق عليه، وبذلك تكون الشبهة شبهة موضوعيّة. فتارةً يكون الاحتمال بلحاظ الشبهة الحكميّة، وتارةً يكون الاحتمال بلحاظ الشبهة الموضوعيّة.
أمّا الاحتمال بلحاظ الشبهة الحكميّة فهو غير موجود جزماً بعد قيام التخصيص؛ لأنّنا لا نحتمل وجوب إكرامه ولو كان فاسقاً؛ لأنَّ دليل التخصيص دلّ على أنّه لا يجب إكرام الفاسق. وإنّما نحتمل وجوب الإكرام؛ لأنّنا نشكّ في انطباق الموضوع المخصّص عليه، وهو عنوان الفاسق.
إذن، فالظهور الذي ينبغي التمسّك به في المقام، لو تم التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، هو الظهور العمومي لإثبات الاحتمال الثاني لا الأوّل؛ لأنَّ الاحتمال الأوّل غير موجود فلا يمكن التمسّك بالظهور العمومي لإثبات ظهور غير محتمل، بل ينبغي التمسّك بالظهور العمومي في إثبات الوجوب من
ــــــــــ[132]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
حيث احتمال عدم انطباق عنوان الفاسق عليه، ثُمَّ بالدلالة الالتزاميّة نثبت أنَّ هذا ليس بفاسق.
فالذي يرى التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة ينبغي أن يدّعي ذلك؛ لأنَّ دعواه تنحصر في التمسّك بالظهور العمومي لإثبات الوجوب للفرد المشكوك بلحاظ الشبهة الموضوعيّة لا الشبهة الحكميّة، ثُمَّ إنَّه بإثبات الوجوب للفرد المشكوك يثبت بالدلالة الالتزاميّة أنّه ليس بفاسق.
هذا هو التحليل لهذا المطلب. فإذا استطعنا بالتحليل أنَّ نعرف ما الذي ينبغي أن يدّعيه مدّعي التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، وأنَّه ينحصر أمره بالتمسّك بالعامّ في الشبهة الموضوعيّة، ونتيجة ذلك إثبات نفس الموضوع بالدلالة الالتزاميّة.
بعد هذا نأتي إلى تحقيق المدّعى.
نقول: إنَّ هناك بحثين مرتبطين بتحقيق هذا المدّعى لا بُدَّ من النظر إليهما وتعيين ما هو الصحيح فيهما، وربطهما بالمدّعى. وكيفيّة تفرعه عنهما.
لا شكّ أنَّه لا إشكال فيما إذا رتّب حكم على المطلق، نحو: (أكرم العالم) أو (أحل الله البيع) ، فظاهر الدليل أنَّ الحكم ثابت لكلّ بيع بيع بما هو فرد من طبيعي البيع، لا باعتبار كونه بيعاً كذائياً، بل لصرف كونه بيعاً، فظاهر المطلقات أنَّ الحكم ثابت لأفراد الطبيعة بما هي أفراد الطبيعة، والوجه فيه ما
ــــــــــ[133]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
سبق أن ذكرنا(1) من أنَّ الإطلاق لا يتكفّل سريان الحكم إلى الأفراد ابتداءً، بل بعد أن نجري مقدّمات الحكمة ونُعرّي الطبيعة عن الخصوصيات، والطبيعة المعرّاة عن الخصوصيات تنطبق على تمام الأفراد، فيسري الحكم إلى الأفراد بوصفها أفراداً للطبيعة المعراة، فالحكم يسري إلى الأفراد بعد تعرّية الطبيعة عن الخصوصيات.
فهل حال باب العمومات حال باب المطلقات، أي: في باب العمومات ظاهر: (أكرم كلّ عالم) ثبوت الحكم لكلّ فردٍ باعتبار كونه عالماً فحسب، أو يثبت له الحكم فقط لا باعتبار شيء؟ النكتة التي تقتضي في المطلقات أنَّ الحكم ثابت للفرد بما هو فرد بلا زيادة، لا تأتي هنا؛ لأنَّ أداة العموم بنفسها تسري الحكم إلى تمام الأفراد، لا في طول تعرّية الطبيعة عن الخصوصيات. فتمام المدلول المطابقي لأداة العموم هو إثبات الحكم لعنوان انتزاعي من جميع الأفراد هو عنوان (كلّ) أو (جميع)، ولكن هل الحكم ثابت له باعتبار كونه عالماً فقط أو باعتباره عالماً فلانياً، فهذا ممّا لا يثبته الظهور العمومي. نعم، يمكن إجراء مقدّمات الحكمة لإثبات أنَّ مقتضى أصالة المطابقة أنَّ تمام الموضوع هو كونه عالماً لا عالماً فلانياً، ولكن هذا إنّما يثبت بمقدّمات الحكمة لا بأداة العموم؛ لأنّ تلك النكتة في المطلقات غير موجودة هنا. وبحسب الظهور العرفي لا نرى فرقاً في مدار وثبوت الحكم للعالم بين ثبوته له من حيث كونه عالماً فحسب أو من حيث كونه عالماً كذائياً.
ــــــــــ[134]ــــــــــ
(1) راجع: ص44.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فالظهور بثبوت الحكم للفرد بصفته فرداً من الطبيعة من دون خصوصيّة زائدة، أي: للعالم بما هو عالم ظهور إطلاقي حكمي، في قبال من يدّعي أنَّ الأداة موضوعة لاستيعاب الأفراد، وترتيب الحكم على الأفراد بما هي أفراد، بحيث تكون التعرّية للطبيعة مأخوذة في أداة العموم وضعاً. أي: أنَّ نفس ما أخذناه في المطلقات بمقدّمات الحكمة نأخذه هنا بالوضع.
وخلاصة البحث الأوّل: أنّه ينبغي أن يُبحث أنَّ ثبوت الحكم لأفراد العالم هل يقتضي كونه للأفراد بمقدار كونه فرداً للعامّ، أو بصفتهم علماء فلانيين؟ هذا الأمر ليس داخلاً في باب العمومات؛ لأنَّ النكتة التي ذكرناها في باب المطلقات لا تأتي هنا.
هناك خلاف بين المحقّق العراقي(1) والمحقّق النائيني(2) ومدرسته، فيما يقتضيه التخصيص.
حيث لا إشكال عند الطرفين أنَّ التخصيص المنفصل، لا يقتضي رفع اليد عن أصل ظهور العامّ، فهو محفوظ على حاله، بخلاف التخصيص المتّصل. كما أنَّه من المتفق عليه أنَّ التخصيص المنفصل يوجب سقوط الظهور العمومي عن الحجّيّة بمقدار إثباته.
ــــــــــ[135]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول1: 440، 441، نهاية الأفكار2: 519، 520.
(2) انظر: أجود التقريرات 1: 459، فوائد الأصول2: 525.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ولكن مورد الخلاف في أنّه بعد التخصيص ينكشف لا محالة أنَّ الحكم بحسب عالم الجعل والثبوت ليس شاملاً للعالم الفاسق، فهو مقتطع ومنتزع من موضوع وجوب الإكرام ثبوتاً، لكن الكلام في أنَّ هذا الانتزاع هل يكون توأماً حتماً مع عنوان يتعنون به الباقي بعد أن يقتطع الفاسق من العامّ؟ وهل يتعنون بعنوان العادل؟ فهل الاقتطاع يكون توأماً مع إعطاء عنوان للباقي بحيث يكون الوجوب ثابتاً لا لذواتهم بما هي، بل بما هو غير فاسق، فيكون الموضوع مركّباً من جزئين: أحدهما عنوان العامّ وكونه عادلاً؟
المشهور -وهو مذهب المحقّق النائيني والسيّد الأستاذ(1)– هو أنَّ الاقتطاع يوجب تعنون الباقي بعنوان مناقض مع العنوان المقتطع، هو عنوان غير الفاسق أو العادل، بحيث يرون أنَّ الموضوع بعد التخصيص مركّب من جزئين: أحدهما عنوان العامّ، والآخر كونه غير فاسق.
وما يختاره المحقّق العراقي(2) هو أنَّ الاقتطاع لا يجعل عنواناً للباقي غير نفس عنوان العامّ قبل الاقتطاع، فالاقتطاع لا يقتضي عنواناً ايجابياً بحيث يكون الموضوع بعد الاقتطاع عبارة عن العالم غير الفاسق، بل الموضوع هو العالم بذاته، بحيث لولا الاقتطاع لكان الحكم ثابتاً لذات هذا العالم بدون أيّ زيادة، واقتطاع جزء لا يؤثر في الحكم الثابت لغيره، غاية الأمر أنَّ هذا الجزء لم يشمله
ــــــــــ[136]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه4: 345، 346، وكذلك انظر: 363، 364 من نفس المصدر.
(2) انظر: مقالات الأصول1: 440، 441، نهاية الأفكار2: 519، 520.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الحكم، لا أنَّ هذا ثبت له الحكم بنحو آخر.
يمثل المحقّق العراقي لذلك بما إذا مات بعض العلماء، يقول: فسقهم وخروجهم بالتخصيص كموتهم، أيوجب موت العالم تعنون الباقين بعنوان زائد على العنوان الذي كان قبل موته وهو عنوان العالم، بل إنّهم يستحقون الإكرام بنفس كونهم علماء لا بعنوان كونهم علماء كذائيين. كما أنَّ الموت الحقيقي لا يوجب تعنون الباقي بعنوان آخر، بل يبقى على عنوان العامّ فقط، كذلك موته الحكمي الذي هو عبارة عن اقتطاعه من العامّ لا يوجب تعنون الباقي بعنوان آخر، والاقتطاع يوجب أنَّ هذا لا يثبت له الحكم، لا أنَّ ذاك يثبت له الحكم بطرز آخر.
هذان بحثان نريد أن نعرف كيف تبتني مسألتنا عليهما. بعد تلك المقدّمة في تحقيق ما ينبغي أن يكون مدّعى للمتمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
أمّا كيف تبتني؟ فحاصله: أنَّ القائل بالتمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة لإثبات وجوب إكرام زيد لا ينبغي أن يكون نظره إلى التمسّك بالعامّ في وجوب الإكرام بلحاظ الشبهة الحكميّة؛ لأنَّ الظهور الذي يقتضي وجوب إكرامه بلحاظها ساقط جزماً بعد التخصيص، وإنّما الذي ينبغي أن يكون منظوراً هو إثبات وجوب إكرامه بالعموم بلحاظ الشبهة الموضوعيّة، لأنّنا نحتمل أنّه ليس بفاسق، لا أنّه يجب إكرامه حتّى ولو كان فاسقاً، أي: بلحاظ الشبهة الحكميّة بعد فرض القطع أنّه لا يجب إكرام الفاسق أصلاً، وأنَّ العامّ بلحاظ الشبهة الحكميّة ارتفعت حجّيتّه بالتخصيص، فنتمسّك بالعامّ بلحاظ
ــــــــــ[137]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الشبهة الموضوعيّة . فهذا الظهور العمومي لا بُدَّ أن يكون مثبتاً للحكم بلحاظ الشبهة الموضوعيّة.
المسألة بناءً على ثبوت الحكم لكلّ فرد باعتباره مصداقاً للطبيعة
لو اخترنا في المقام في البحث الأوّل: أنَّ أداة العموم تقتضي وضعاً ثبوت الحكم لكلّ فرد بوصفه عالماً، أي: أثبتنا أنَّ العموم كالإطلاق، هذا الحكم العمومي شامل له باعتباره عالم بلا لحاظ خصوصيّة أخرى زائدة على عنوان العامّ.
إذا قلنا بهذا واخترنا في البحث الثاني قول النائيني من أنَّ اقتطاع الفساق من مجموع العلماء يكون توأماً ثبوتاً مع تعنون الباقي بعنوان كونهم عدول، بحيث إنَّ الوجوب يثبت للباقي بما أنّهم علماء عدول لا علماء فحسب. فحينئذٍ لا يجوز التمسّك بالعامّ جزماً؛ لأنَّ العموم الذي يَدُلّ على ثبوت الحكم للمشكوك بوصفه عالماً، فيجب القطع بكذبه، وإنّما يحتمل عمومه له بوصفه عالماً عادلاً لا بوصفه عالماً فقط، فهذا الظهور العمومي مقطوع الكذب؛ لأنّ هذا الظهور العمومي بعد ضمّ المخصّص إلى العامّ ينتج أنّه يجب إكرام العالم العادل، فعلم زيد وإن كان ثابتاً إلَّا أنَّ عدالته مشكوكة. ولا يقال: إنَّ الفرد مندرج تحت العامّ وهو حجّة فيه وغير مزاحم بحجّة أقوى؛ لأنّنا نقطع بعدم شمول العامّ له؛ لأنَّ العامّ يقتضي شمول الحكم له بوصفه عالماً عادلاً لا بوصفه عالماً فقط، وعلمه وإن كان ثابتاً إلَّا أنَّ عدالته مشكوك فيها.
ولو أخذنا بنفس المبنى في البحث الأوّل، وهو أنَّ (كلّ) تثبت الحكم للفرد
ــــــــــ[138]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بوصفه مصداقاً للعامّ فحسب، لكن اخترنا مبنى المحقّق العراقي في البحث الثاني: من أنَّ الاقتطاع بحسب عالم التشريع لا يوجب تغيير عنوان البقيّة، لا بما أنّهم عدول، بل يثبت لهم كما كان قبل الاقتطاع. فيجوز عليه التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
بهذا المقدار من البحث يكون للتمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة في رأي المحقّق العراقي وجه فني. ولا يأتي عليه ما كان يأتي على الميرزا؛ لأنَّ الفرد مندرج تحت الظهور العمومي يقيناً، والظهور العمومي ليس معلوم الكذب؛ لأنَّه يَدُلّ على وجوب إكرامه بوصفه عالماً، فعلى فرض أنّه ليس من المقتطعين فيجب إكرامه بوصفه عالماً فحسب.
إذن، يختلف التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة على المبنيين في البحث الثاني إذا اخترنا المبنى الأوّل في البحث الأوّل.
المسألة بناءً على ثبوت الحكم لكلِّ فردٍ بما هو فرد
وأمّا لو اخترنا في البحث الأوّل أنَّ أداة العموم ظاهرة في إثبات الحكم للأفراد في الجملة، لا أنّه يثبت له بوصفه عالماً أو بوصفه عالماً كذائياً، حينئذٍ لا يبقى فرق بين المسلكين، فعلى كليهما يمكن تقريب التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، وذلك أن يقال: إنَّ هذا الفرد مشمول للظهور العمومي؛ لأنَّ المخصّص المنفصل لا يهدم الظهور العمومي، وهذا الظهور ليس معلوم الكذب؛ لأنَّ وجوب إكرامه لا بوصفه عالماً، بل في الجملة، ويعمّ ما إذا كان عالمٌ عالماً فلانياً. فهذا الظهور ثابتٌ ومدلوله محتملٌ، فيتمسّك به.
ــــــــــ[139]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
هذا وجه ارتباط البحثين في التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
فاتّضح أنّنا إذا أخذنا بمبنى أنَّ الأداة تثبت الحكم للأفراد بوصفهم أفراداً فحسب على مسلك الميرزا(1) فيبطل التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة بالبداهة. ولذا ادّعى الميرزا البداهة في عدم التمسّك بالعامّ فيها.
نعم، لو لم نجمع بين هذين القولين كان للتمسّك بالعامّ وجه فني، فلا بُدَّ حينئذٍ من استئناف جواب آخر لهذه المغالطة.
وبتعبير آخر نقول: إنَّ ارتباط هذين البحثين بمحلّ الكلام: هو أنّه لو بنى في البحث الأوّل على أنَّ أداة العموم كالإطلاق تدلّ على ثبوت الحكم لأفراد الطبيعة بما هم أفراد لها، أي: أنَّ الطبيعة هي تمام الموضوع، وأنَّ زيداً يجب إكرامه بما هو عالم لا بما هو متصفٌ بصفة خاصّة، حينئذٍ تختلف النتيجة باختلاف المبنى في البحث الثاني، فإذا أخذنا بمبنى الميرزا(2) على أنَّ إخراج الفساق يوجب تعنون الباقي بعنوان آخر، فوجوب الإكرام يثبت للباقي بعنوان كونه عالماً عادلاً لا بعنوان كونه عالماً فقط، فحينئذٍ لا يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة بلا إشكال؛ لأنَّ أداة العموم لا تدلّ على ثبوت الحكم لزيد بما هو عالم، فإنّنا نقطع بكذب هذا العموم، بل بما هو عالم عادل، وعدالة زيد مشكوكة.
ــــــــــ[140]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات1: 459.
(2) تم تخريجه آنفاً.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وأمّا على مبنى المحقّق العراقي(1) من أنَّ إخراج الفساق لا يوجب تعنون الباقين بعنوان كونهم عدول، فيبقى مجال لتوهّم التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة؛ لأنَّ العموم يَدُلّ على وجوب إكرام كلّ عالم حتّى زيد، هذا بما هو عالم، وأنا أحتمل إكرامه بما هو عالم من ناحية الشبهة الموضوعيّة لا الحكميّة. فنحتاج إلى بيان فساد التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة إلى وجه فني آخر.
وأمّا لو بنينا على المبنى الآخر في البحث الأوّل، وهو أنَّ أداة العموم تدلّ على ثبوت الحكم لتمام الأفراد، لا أنّه يثبت الحكم لها بما هو عالم، أو بما هو مؤمن. فلا يختلف الحال في المسلكين في البحث الثاني ولا يبقى لهما ثمرة عمليّة، فإنَّه على كلا التقديرين نقول: إنَّ الأداة تدلّ على ثبوت الحكم لكلّ عالم في الجملة ساكتة عن ثبوته له بما هو عالم، أو بما هو شيء آخر، وزيد عالم فيثبت له في الجملة. فظهور الفرق بين المسلكين في البحث الثاني مبنيّ على الأخذ بالمسلك الأوّل في البحث الأوّل، أمّا إذا أخذنا بالمسلك الثاني في البحث الأوّل فلا ثمرة علميّة حينئذٍ للمسلكين في البحث الثاني.
فإذا بنينا على المبنى الأوّل في البحث الأوّل وعلى مبنى الميرزا في البحث الثاني فلا نحتاج إلى مزيد عناية إلى عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، وإنّما نحتاج إلى مزيد عناية إذا شكّكنا في أحد هذين المبنيين، فإنَّه حينئذٍ يكون لتوهّم التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة مجال.
فالكلام يقع في تماميّة مجموع هذين المبنيين أو عدمها، فإذا ثبتت تماميتها
ــــــــــ[141]ــــــــــ
(1) تم تخريجه آنفاً.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فلا حاجة إلى إتعاب النفس للبحث عن وجه آخر. وإذا لم يتمّ أحدهما أو كلاهما فلا بُدَّ من استئناف بحث آخر.
المبنى الأوّل في البحث الأوّل هو أنَّ الأداة تدلّ على ثبوت الحكم لكلّ فرد بما هو عالم. والمبنى الأوّل من البحث الثاني أنَّ الإخراج بالتخصيص من العامّ يلزم منه عقلاً تعنون الباقي بحسب عالم التشريع ثبوتاً بعنوان آخر. وحيث إنَّ المبنى الثاني أهمّ نقدّم الكلام حوله.
فإنَّ إخراج فساق العلماء من تحت دائرة العموم توأم قهري مع تعنون الباقي بعنوان آخر.
وقد أقام المحقّق النائيني الدليل على ما يذكره ووافقه السيّد الأستاذ، وأقام المحقّق العراقي صورة برهان على ما يذكره أيضاً. وكلّ من الاستدلالين لا يمكن المساعدة عليهما في المقام، وإن كان ما ذهب إليه السيّد الأستاذ والنائيني هو الصحيح.
استدلال المحقّق النائيني في المقام ومناقشته
استدل المحقّق النائيني على التوأميّة بين الإخراج وبين تعنون الباقي بعنوان آخر.
توضيح ذلك: أنَّ السيّد الأستاذ(1) والمحقّق النائيني(2) برهنا على التوأميّة بين الإخراج من العامّ وبين تعنون الباقي بعنوان آخر ببرهان سهل وبسيط،
ــــــــــ[142]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه4: 345، 346، و363، 364 من نفس المصدر.
(2) انظر: فوائد الأصول2: 525.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وهو أنَّ الطبيعة التي تأخذ موضوعاً للحكم لا يخلو أمرها تصوراً من أحد أمور ثلاثة: إمّا التقييد، وإمّا الإطلاق، وإمّا الإهمال.
وفي المقام لا يصحّ في الطبيعة لا الإهمال ولا الإطلاق؛ لأنَّ الإهمال مطلقاً في مقام الثبوت غير معقول، وكذلك الإطلاق في المقام غير معقول؛ لأنَّ طبيعة العامّ إذا أخذت مطلقة عن العدالة والفسق فإنَّها تعمّ الفاسق، مع أنَّ الفاسق قد خرج من تحت الدائرة. فخروج الفاسق من تحت الدائرة ينافي مع دخوله تحت الدائرة. فإذا انتفى الإطلاق والإهمال تعين تعنون الطبيعة بعنوان العدالة. حتّى ذكر السيّد الأستاذ أنَّ هذا من أوضح الواضحات، فكيف خفي على المحقّق العراقي!!
هذا ما ذكره الميرزا دليلاً على مسلكه.
وهذا الذي أفاده هو من فروع اختلافنا المبنائي في باب العموم والإطلاق، فإنّ هذا تامّ في باب المطلقات، فإنَّه لو فرض أنّه ورد مطلق: (أكرم العالم) وورد مقيّد: (لا تكرم الفاسق من العلماء) يكون الباقي لا محالة معنوناً بعنوان وجودي، ولكن ذلك لا يتمّ في باب العمومات.
والسرّ في الفرق بين العموم والإطلاق أنّه في باب المطلقات المولى لا يثبت الحكم على الأفراد ابتداءً، وإنّما يثبته على الطبيعة، والطبيعة باعتبار انطباقها على الأفراد تسري الحكم إلى الأفراد، وحينئذٍ فلو فرض أنَّ المولى يريد إكرام العادل ولا يريد إكرام الفاسق، ويريد أن يعلق الحكم على الطبيعة لا على الأفراد، فلا بُدَّ أن يتصوّر الطبيعة بنحو تكون قابلة للانطباق على العادل دون الفاسق،
ــــــــــ[143]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فكيف يكون هذا؟ إن لاحظ الطبيعة مطلقة فإنَّها تشمل الفاسق، والإهمال لا يمكن، وإن لاحظها مقيّدة بالفاسق فهذا عكس غرضه، فلا بُدَّ أن يقيّدها بالعدالة أو بعدم الفسق.
فهذا في باب المطلقات تامٌّ؛ لأنَّ إسراء الحكم للأفراد لا يكون إلَّا بتوسط الطبيعة فلا بُدَّ من فرض الطبيعة بنحو قابلة للانطباق على العادل وغير قابلة للانطباق على الفاسق، ولا تكون هكذا إلَّا بتقييدها بالعدالة. أمّا في باب العمومات فالمولى لا ينظر إلى الطبائع، بل ينظر إلى الأفراد ابتداءً ويحكم على الأفراد ابتداءً، غاية الأمر بعنوان انتزاعي إجمالي هو عنوان (جميع) أو (كلّ) فأفراد الطبيعة ولو بالعنوان الإجمالي كلّها حاضرة بين يدي المولى، فكما يمكن أن يصبغها جميعاً يمكن أن يصبغ بعضها بجعل وجوب الإكرام على بعضها، لا بعنوان البعض، بل على ذات البعض، من دون حاجة إلى إطلاق أو تقييد.
فهذا البحث في الحقيقة من شؤون تلك النكتة في الفرق بين العموم والإطلاق.
فعلى هذا، ما أفاده الميرزا والسيّد الأستاذ غير تامٍّ.
استدلال المحقّق العراقي في المقام ومناقشته
أمّا المحقّق العراقي(1) فإنَّه استدل على عدم توأميّة الإخراج مع تعنون الباقي، بدليلين نقضيّ وحلّي:
أمّا النقض: فقد مثّل المقام بموت بعض العلماء، فإنَّه كما أنَّ موت بعض
ــــــــــ[144]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول1: 440، 441، نهاية الأفكار2: 519، 520.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
العلماء لا يوجب تعنون الباقي، فكذلك موت الفساق من العلماء لا يوجب تعنون الباقي بعنوان العادل، بل إكرام الباقين بنفس عنوان العامّ، فالتخصيص هو موت حكمي، وحاله حال الموت الحقيقي.
وهذا لا بُدَّ أن يكون مورداً للاستغراب؛ لأنَّه خلط بين الجعل والمجعول بحسب اصطلاحهم، وبين الجعل وطرفه الخارجي بحسب اصطلاحنا، فموت بعض الأشخاص لا يوجب ضيقاً في الجعل، بل قلة أفراد في أطراف الحكم. أمّا التخصيص فإنَّه يوجب ضيقاً في الحكم؛ لأنَّ الحكم لا إشكال يكون مضيّقاً بالفاسق. أمّا هناك فلا يتوسع الحكم ولا يتضيق بموت أو ولادة العالم، بل الذي يزيد وينقص هو أطراف الجعل، فلا ربط للموت بالجعل أصلاً، فكيف يمكن أن يبرهن بعلّة خارجة عن الجعل أصلاً؟! وأمّا التخصّص فهو عمليّة مربوطة بمقام الجعل. فلا يكون ما ذكره نقضاً.
أمّا الحلّ: فقد ذكر أنَّ الباقي لا يعقل أن يتعنون بعنوانين؛ لأنَّ هذا الضيق الذي يحصل في الإخراج حيث إنَّه في مرتبة متأخرة عن الموضوع فلا يمكن أن يكون سارياً إلى الموضوع، وإلَّا يلزم أن يأخذ المتأخّر رتبة في المتقدّم وهو محال؛ فإنَّ إخراج هذه الأفراد ليس بعنوان كونهم علماء حتّى يكون ضيقاً في نفس الطبيعة، بل في الطبيعة بما هي واجبة الإكرام، فهو إخراج وضيق في مرتبة الحكم، والحكم متأخر مرتبة عن الموضوع، فلا يعقل أن يسري إلى الموضوع.
وهذا في غاية المتانة، إلَّا أنَّ المدّعى ليس أنَّ الضيق في الحكم يكون منشأ الضيق في الموضوع، بل الضيق في الحكم كاشف إنّاً عن الضيق في المرتبة
ــــــــــ[145]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
السابقة. إذن، لا يبقى إلَّا أن نبيّن وجه الكشف وبيان وجه الحكم، حتّى يتبرهن كلام الميرزا، لكن بغير البرهان الذي ذكره.
الصحيح ما ذهب إليه المحقّق النائيني لكن بالاستظهار لا بالقهر
إنَّ الصحيح هو ما ذهب إليه المحقّق النائينيمن أنَّ إخراج بعض الأفراد عن دائرة العامّ يلازم مع تعنون الباقي بعنوان وجودي أو عدمي، ولكنّه ليس قهرياً كما أفاده، وإنّما يرجع إلى الاستظهار العرفي.
وتوضيح ذلك: إن إخراج بعض الأفراد واستثنائهم من دائرة العامّ ومن دائرة الحكم بوجوب الإكرام، يتصوّر على نحوين:
النحو الأوّل: أن يكون الإخراج لأجل أنَّ المصلحة التي لأجلها حكم المولى بالإكرام غير موجودة في الفساق؛ لأجل ضيق في الملاك وعدم وجوده في الأفراد المخرجين. فمثلاً أنّ الملاك في الإكرام هو ترويج الشريعة، وهو غير موجود في الفساق، بل لعلّ إكرام العلماء الفساق أشدّ على الشريعة من إكرام الجهلاء الفساق، فالملاك أساساً غير موجود في العالم الفاسق.
النحو الثاني: أن يكون هذا الملاك ثابتٌ في الفاسق والعادل على حد سواء، نحو ترويج العلم الذي لا فرق فيه بينهما، فالملاك موجود في تمام الأفراد على حد سواء، وإنّما أخرج الفاسق من دائرة الوجوب لمصلحة في نفس الإخراج، أي: لمصلحة في نفس الإخراج من الدائرة، بحيث يكون التخصيص والإخراج لمصلحة في نفسه لا لضيق في الملاك الثابت للمتعلّق، فالإخراج لم ينشأ من ضيق في المصلحة القائمة في المتعلّق، بل لمصلحة ثابتة في نفس الإخراج.
ــــــــــ[146]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وبحسب عالم الثبوت يمكن أن يُتصوّر هذان النحوان.
ففي النحو الأوّل فيما لو فرض أنَّ الإخراج كان لضيق في مصلحة المتعلّق، بحيث إنَّ الملاك -وهو ترويج الشريعة- غير موجود في إكرام الفاسق من العلماء. في مثل هذا النحو لا بُدَّ من تعنون الباقي بقانون تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد؛ لأنَّ عدم ثبوت الملاك في الفاسق إمّا لشرطيّة العدالة، أو لمانعيّة الفسق، أي: إمّا لأنَّ الفسق يمنع من ترتّب المصلحة، وإمّا لأنَّ العدالة شرط في المصلحة، أي: إمّا لدخل القيد العدمي بناءً على المانعيّة، وإمّا لدخل القيد الوجودي بناءً على الشرطيّة. وحيث إنَّ الأحكام تابعة للمصالح فيكون هذا القيد العدمي أو الوجودي الدخيل في عالم المصلحة دخيلاً في عالم الحكم لا محالة.
وفي النحو الثاني لو فرض أنَّ المصلحة إنّما هي في نفس الإخراج لا لضيق في مصلحة المتعلّق. هنا يمكن للمولى أن يعمل ما يدّعيه المحقّق العراقي، فيخرج الفساق من دون تعنون الباقي بعنوان وجودي أو عدمي، ولكن هذا خلاف الظاهر؛ لما بيّناه من أنَّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد(1)، وقلنا: إنَّ الأحكام تنشأ عن مصالح، وقلنا: إنَّ ظاهر أدلّة الأحكام كون الأحكام ناشئة من ملاكات في متعلّقاتها لا في أنفسها، هذا الظهور العرفي يوجب تعيّن النحو الأوّل .
فهذا الوجه لتعنون الباقي بعنوان وجودي أو عدمي في عالم التشريع يتمّ بعد هذه النكتة، وهي أنَّ الظاهر عرفاً من أدلّة الأحكام أنَّها ناشئة عن مصلحة
ــــــــــ[147]ــــــــــ
(1) انظر: مباحث الأصول 3: 534.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
في المتعلّق لا عن مصلحة في أنفسها. وحينئذٍ يتعيّن المصير إلى ما ذهب إليه الميرزا؛ لأنَّ عدم شمول المصلحة للفاسق، إمّا لكون الفسق مانعاً، وإمّا لكون العدالة شرطاً في المصلحة، وحيث إنَّ الحكم يتعلّق بما تتعلّق به المصلحة فلا بُدَّ أن يكون القيد دخيلاً في الحكم، كما هو قيد دخيل للمصلحة.
هذا تمام الوجه في مقام بيان الصحيح في النزاع بين المحقّقين النائيني والعراقي.
وبالعودة إلى البحث الأوّل في أنَّ أداة العموم هل تقتضي إسراء الحكم إلى أفراد العامّ بما هي أفراد له بدون خصوصيّة أخرى، أو أنَّ غاية ما تقتضيه أن الحكم يثبت للأفراد لكن هل يثبت لهم بما هم أفراد أو بما هم يتّصفون بصفات خاصة، ككونهم مؤمنين أو عدول أو غير ذلك. فهذا ما لا دلالة للأداة عليه.
فإنّنا نقول كما قلنا سابقاً: إنّنا لو أخذنا بالقول بأنَّ الأداة تدلّ على ثبوت الحكم للأفراد بما هي أفراد، وأخذنا بمبنى الميرزا في المبحث الثاني، فإنَّه يتّضح بالبداهة عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
ولكن هذا في باب المطلق تامّ برهاناً وصناعة، ولكنّه في باب العموم غير تامٍّ، فإن الأداة لا تدلّ بالوضع على إسراء الحكم إلى الأفراد بما هي أفراد للعامّ بإلغاء الخصوصيات. والوجه في الفرق بين باب العموم والإطلاق، أنَّ المطلق يسري إلى الأفراد بعد تعرّية الطبيعة عن تمام الخصوصيات فيكون الحكم ثابتاً للفرد بما هو فرد من الطبيعة العارية عن جميع الخصوصيات. أمّا في باب العموم فيثبت الحكم للأفراد ابتداءً، فلا دليل على أنَّ خصوصيات الأفراد ملغاة من
ــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ناحية أداة العموم. نعم، يمكن إلغاء الخصوصيات بمقدّمات الحكمة، ولكنّا نرفع اليد عنها. إذن، فالأداة تدلّ على ثبوت الحكم للأفراد في الجملة.
من هذا يتّضح أنَّ مسلك الميرزا والسيّد الأستاذ في مقام بيان عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، غير تامٍّ؛ لأنَّه إنّما يتمّ بناءً على تسليم مجموع المبنيين، وحيث إنَّ أحدهما غير مقبول، فهذا المسلك الميرزائي في عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة غير تامٍّ.
وحاصله كما ورد في التقريرات(1): أنَّ العامّ بعد التخصيص، وإن لم ينثلم ظهوره إلَّا أنّه ينكشف بالتخصيص أنّه ثابت للباقي بعنوان كونه عادلاً، فيكون موضوع العامّ مركّباً من جزئين، ومن المعلوم أنَّ الحكم لا يثبت للفرد إلَّا إذا ثبت الجزئين، وزيد وإن كان معلوم العلم إلَّا أنّه مشكوك العدالة. ولكنّنا يمكن أن نثبت عدالته بنفس الأداة؛ لأنَّها تدلّ على وجوب إكرامه في الجملة، فيشمله وجوب الإكرام.
فهذا البيان الذي أفاده إنّما يجري في عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة بلحاظ الشبهة الحكميّة لا بلحاظ الشبهة الموضوعيّة، أمّا بالنسبة إلى الشبهة الموضوعيّة فيتوقّف على تقدير تسليم مجموع المبنيين.
إذن، فلا بُدَّ من استئناف بيان آخر، لإقامة برهان على عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة بلحاظ الشبهة الموضوعيّة في الفرد المشتبه.
ــــــــــ[149]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات1: 459، 460.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بيان آخر لتقريب التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة بلحاظ الشبهة الموضوعيّة
والبيان الآخر هو: أنَّ الذي يدّعي التمسّك بالعامّ لإثبات وجوب إكرام زيد المشكوك صدور الذنب منه بلحاظ الشبهة الموضوعيّة، أي: التمسّك بالعامّ لأجل إثبات كونه عادلاً لا لإثبات وجوب إكرامه ولو كان فاسقاً. هذا لا يخلو أمره من أحد دعاوى ثلاثة، وكلّها باطلة:
الدعوى الأولى: أنَّ يقال: إنَّ الظهور العمومي الدالّ بالمطابقة على وجوب إكرام زيد يَدُلّ بالالتزام على كونه عادلاً لا محالة؛ لأنّنا بعد مجيء المخصّص علمنا بأنَّ غير العادل لا يجب إكرامه، فهذا العموم يَدُلّ بالمطابقة على أمر إنشائي هو وجوب الإكرام، وبالالتزام على أمر خبري وهو كونه عادلاً، فالمولى بالالتزام يشهد بعدالة زيد ومع شهادة المولى بعدالته ترتفع الشبهة الموضوعيّة.
وحاصل الوجه: أنَّ العموم يَدُلّ بالدلالة الالتزاميّة على إخبار المولى بعدالة زيد، وحيث إنَّ الظهور حجّة فدلالته الالتزاميّة حجّة أيضاً. ما لم يثبت خطؤه.
هذا البيان تامّ في أكثر موارد القضايا الخارجيّة. فلو قال: (أكرم كلّ أولادي) ونحن نعلم من الخارج بأنَّه لا يريد إكرام أولاده الفساق، هنا لا بأس بأن يقال: إنَّ نفس هذا العموم دالٌّ بالالتزام على شهادة وإخبار المولى بعدالة أولاده جميعهم. هنا قد يتمّ البيان، ولا بأس به على تفصيل يأتي(1)، لكن في القضايا الحقيقيّة لا يمكن أن يكون هذا البيان تامّاً؛ لأنَّ الأفراد المشتبهة في
ــــــــــ[150]ــــــــــ
(1) راجع: ص160.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
القضايا الحقيقيّة نسبة المولى إليها كنسبة العبد إليها، فلو قال: (أكرم كلّ عالم) وعلمنا من الخارج أنّه لا يريد إكرام الفساق من العلماء، وشكّكنا بأنَّ زيداً فاسق أو غير فاسق، فكما أنّنا نشكّ بالنسبة إلى زيدٍ فإنَّ المولى يشكّ بالنسبة إليه أيضاً بما هو مولى لا بما هو علّام الغيوب، فإنَّ المولى لا يُعقل أن يضمن عدالة تمام أفراد القضيّة الحقيقيّة.
وبعبارة أخرى: أنَّ الشبهة المصداقيّة تارةً تكون سنخ شبهة بحيث يكون للمولى فيها امتيازٌ على العبد، وتارةً تكون سنخ شبهة بحيث لا امتياز للمولى فيها على العبد، بل حال المولى حال العبد، بل قد يكون المولى أسوأ حالاً. ففي الشبهات المصداقيّة التي يكون حال المولى فيها حال العبد في معرفة حقيقة الحال، لا يتمّ البيان؛ وذلك: لأنّنا لا نحتمل أنَّ المولى في مقام الإخبار عن عدالة زيد؛ لأنَّه شاك بها أيضاً، فكيف يحكي عنها مع أنّه شاك فيها؟! لا نحتمل الشهادة من قبل المولى؛ إذ بعد فرض أنَّ الشبهة المصداقيّة سنخ شبهة مجهولة حتّى بالنسبة إلى المولى بما هو مولى، فهذا الخطاب الصادر من المولى بما هو مولى كيف يكون متكفّلاً بيان ما هو مشكوك للمولى؟!
نعم، البيان تامّ في المواقع التي تكون الشبهة موجودةً بالنسبة إلى العبد دون المولى. إذن، في الغالب لا يمكن أن يتمسّك بالدلالة الالتزاميّة في العامّ بأنَّها إخبار عن عدالة زيد، لأنَّها لا امتياز للمولى فيها على العبد، عدا الموارد التي سوف تظهر من تقريرنا فيما يأتي من البحث.
هذا هو التقريب الفني الأوّل للتمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة بلحاظ الشبهة الموضوعيّة مع جوابه.
ــــــــــ[151]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الدعوى الثانية: أن يقال: إنَّ المولى بوصفه مولى أيضاً يشكّ في هذا المطلب كالعبد؛ لأنَّ المولى بما هو مولى، ولا يلزم أن يكون له اطّلاع على فسق الناس وعدالتهم، فلا نحتمل أن يكون للعامّ دلالةٌ التزاميّة إخباريّة حكائيّة عن العدالة في زيد، ولكن أليس للمولى جعل الامارة والتعبد بثبوت الموضوع في الشبهات الموضوعيّة كما في موارد الشكّ!! بأنَّ هذا المال ملك زيد، فإنَّ المولى لا يستطيع أن يخبر بأنَّ المال ملك لزيد؛ لأنَّه شاك بذلك كالعبد، ولكنّه يجعل أمارة على الملكيّة، فبوصفه مولى يجعل حكماً كلياً ظاهرياً، أي: أمارة على الملكيّة وهي اليد مثلاً، فيقول: (إذا كان المال في يد زيد فهو ملكه) هذا أمر معقول.
ففي المقام وإن كنا لا نحتمل في شأن المولى أن يخبر عن عدالة زيد واقعاً، ولكن نحتمل أنّه يجعل أمارة على عدالته، وهذه الأمارة التي جعلها على عدالة زيد هي نفس ظهور كلامه، أي: نفس ظهور كلام المولى في الشمول لزيد جعله المولى أمارة على ثبوت العدالة في زيد، كما جعل اليد أمارة على الملكيّة. فيكون مدلول الظهور هو وجوب الإكرام واقعاً لزيد، كما أنَّ مدلول قاعدة اليد: أنَّ زيداً مالك واقعاً للمال. فالأمارة تتكفّل بيان الحكم الواقعي، وحيث إنَّها حجّة فيثبت الحكم الواقعي تعبداً بالأمارة، فيكون الظهور العمومي دالاً على وجوب إكرامه واقعاً، وحيث إنَّ الظهور أمارة واقعاً على ثبوت العدالة فيثبت به وجوب الإكرام لزيد.
هذا المطلب معقولٌ -وهو أنَّ يجعل المولى أمارة في موارد الشبهة الموضوعيّة- إلَّا أنّه يحتاج إلى دليل. وكون ظهور كلامه أمارة وحجّة في إثبات
ــــــــــ[152]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
العدالة يحتاج إلى دليل زائد على حجّيّة الظهور.
والنكتة في ذلك: أنَّ دليل الظهور هو السيرة العقلائيّة، وهي لا تدلّ على حجّيتّه تعبداً، بل باعتبار الكشف النوعي، أي: باعتبار اقتضاء الظهور للكشف عن مطلب، فتعتبره السيرة العقلائيّة حجّة فيما يكشف عنه الظهور دون ما لا يكشف عنه، فقوله: (إئتِني بماء) حجّة في الكشف عن أنّه يطلب الماء، وليس حجّة في أنَّ المولى نعسان مثلاً. فما يكشف عنه الظهور بطبعه كشفاً ناقصاً تُتمّم ظهوره السيرة العقلائيّة بجعل الحجّيّة له.
وهذا الظهور العمومي بطبعه لا يكشف عن عدالة زيد أبداً، لأنّا لا نحتمل أنَّه منصبٌّ على إخبار المولى عن العدالة، فالمنكشف الاقتضائي للظهور هو الجعل. والسيرة العقلائيّة دلّت على حجّيّة ما يكون منكشفاً بالظهور وهو الجعل، لا حجّيّة ما لا يكون منكشفاً به. فالعدالة ليست منكشفاً اقتضائياً للظهور حتّى تجعل له الحجّيّة بخصوصها. نعم، يمكن إثبات ذلك بدليل آخر، فيحتاج إلى دليل آخر لإثباته.
فهذه الدعوى الثانية لإثبات التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة بلحاظ الشبهة الموضوعيّة غير تامّة أيضاً.
الدعوى الثالثة: أن يقال: كما قيل في الدعوى الثانية: إنَّ المولى يجعل أمارة على العدالة، لكن هذه الأمارة ليست هي نفس ظهور كلام المولى ليقال: إنّه يحتاج إلى دليل خاصّ، بل الأمارة هو عنوان العامّ. بأن يجعل علم الشخص دليلاً تعبدياً على عدالته ما لم يثبت فسقه فيقول: رتبوا آثار العدالة على زيد
ــــــــــ[153]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
العالم حتّى يثبت فسقه. وهذه الأماريّة تحتاج إلى دليل لا محالة أيضاً. ودليلها موجود، وهو نفس ظهور كلام المولى؛ لأنَّه يقتضي وجوب إكرام زيد المشكوك العدالة، ووجوب إكرامه لا يحتمل أن يكون وجوباً واقعيّاً على كلِّ تقدير، بل على تقدير كونه عادلاً، وبالظهور العمومي يثبت وجوب الإكرام بالفعل لا على تقدير العدالة. وهذا الوجوب لا محصَّل له إلَّا أن يكون وجوباً ظاهرياً مجعولاً في المرتبة السابقة عن كلام المولى، فيكون العلم أمارةً على العدالة.
وفي الدعوى الثانية كان نفس كلام المولى أمارة، وحجّيّة الكلام لا تثبت بنفس الكلام بل تحتاج إلى دليل آخر، والسيرة العقلائيّة لم تكن كافية في ذلك. ولكن في المقام لا نريد أن نقول: إنَّ ظهور الكلام أمارة، بل إنَّ المولى قبل أن يتكلّم جعل العلم أمارة على العدالة، فحكم حكماً ظاهرياً: أنَّ كلَّ عالم ما لم يُعلم فسقه هو واجب الإكرام تعبداً. فهو جعل شيئاً في المرتبة السابقة أمارة، وهو العلم بوجوب إكرام كل عالم؛ لأنَّه يَدُلّ على وجوب إكرام زيد مطلقاً وبالفعل، وهذا الوجوب لا نحتمل أن يكون حكماً واقعيّاً؛ لأنّنا نعلم عدم وجوب إكرام الفاسق. إذن، هذا الوجوب بالفعل لا بُدَّ أن يكون وجوباً ظاهرياً مجعولاً في المرتبة السابقة على كلام المولى.
ويمكننا أن نتساءل هنا بأن نقول: ما المانع أن يقال: إنَّ هذا الوجوب الثابت لزيد بظهور كلام المولى ليس هو الوجوب الناشئ من عدم الفسق ليقال: إنَّ المولى ليس من حقه أن يحكم به؛ لأنَّه شاك كما نحن شاكون، فكيف يخبر عنه؟! وإنمّا هو الوجوب الظاهري الثابت بجعله العلم أمارة على العدالة.
ــــــــــ[154]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وهذا من حقه أن يبيّنه وإن لم يبيّنه، فكيف نعرف أنّه جعل العلم أمارة على العدالة؟!
هذا هو الفرق بين هذه الدعوى والدعوى الثانية؛ فإنَّه في الدعوى الثانية كان نفس ظهور الكلام أمارة على العدالة، أمّا هنا فالأمارة في المرتبة السابقة على الظهور، أي: أمارة تثبت وجوب إكرامه تعبداً، ويكون ظهور كلامه حاكٍ عن هذا الوجه التعبدي.
ثُمَّ إنَّ الإشكال الثبوتي وهو أنَّ هذا الخطاب: (أكرم كلّ عالم) لو فرضنا أنَّ زيداً كان عادلاً في الواقع، هل يكون الخطاب متكفّلاً لإثبات وجوب إكرامه في الواقع أو لا؟ إن كان كذلك فهو يتكفّل بيان وجوبين طوليين بالنسبة إلى فرد واحد، أحدهما وجوب واقعي والآخر ظاهري في طول الوجوب الواقعي، مع أنَّ (كلّ) عامٌّ لا يثبت إلَّا حكماً واحداً لكلّ فرد، وإن لم يثبت حكماً واقعيّاً. إذن، فلا دليل على وجوب إكرامه واقعاً، فيرتفع الحكم الظاهري؛ لأنَّه إنّما يتمّ على تقدير وجوب إكرامه واقعاً.
هذا أحسن ما يمكن أن يقال في إبطال شبهة التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، بلحاظ الشبهة الموضوعيّة، وحاصله: أنَّ التمسّك بالعامّ إمّا أن يكون بلحاظ الشبهة الحكميّة أو الموضوعيّة، فإن كان بلحاظ الشبهة الحكميّة فهو غير جائز؛ لأنّنا لا نحتمل وجوب إكرامه، وإن كان فاسقاً. وأمّا بلحاظ الشبهة الموضوعيّة فمرجعه إلى جعل العامّ طريقاً إلى إحراز الموضوع، أي: العدالة، فهذا لا يخلو أمره إمّا أن يكون إخباراً وجزماً بالعدالة، فهذا لا يمكن؛
ــــــــــ[155]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
لأنَّه شاك، وإمّا أن يكون بالتعبد، وهذا إمّا أن يكون بنفس ظهور كلام المولى، فهو يحتاج إلى دليل خاصّ أو جعل دليل في المرتبة السابقة، فيلزم الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري. هذا مع قطع النظر عن التفصيلات التي سوف تأتي. وبنحو العموم يمكن أن نقول بعدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
استثناء موردين عن المنع بالتمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة
من البيان المتقدم يظهر لزوم استثناء بعض الموارد من هذا الوجه، فإنّ هذا البيان في المنع عن التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة لا يتأتى في موردين:
المورد الأوّل: إن كان العامّ مبيناً بنحو القضيّة الخارجيّة المحدودة نحو: (أكرم علماء البلد في هذا الزمان) فهذه قضيّة خارجيّة لا حقيقيّة، وعلمنا من الخارج أنّه لا يرضى بإكرام الفاسق جزماً، وشكّكنا بعالم هل هو فاسق أو لا؟ فهنا لا يأتي البيان السابق للمنع عن التمسّك بالعامّ، إذ لا مانع من الدعوى الأولى من الدعاوى الثَّلاثة السابقة؛ حيث لا مانع أن يقال: إنَّ بيانه يكون إخباراً عن عدالتهم؛ لأنَّ القضيّة خارجيّة ومحدودة، فمن الممكن أنَّ المولى تصدّى للفحص عنهم واستقراء أحوالهم، ثُمَّ جزم بعدم فسق الجميع، ثُمَّ قال: (أكرم كلّ علماء البلد في هذا الزمان) ففي القضيّة الخارجيّة يحتمل أن يكون للمولى امتياز ولو بالتتبع المخصوص عن العبد، ومع هذا الاحتمال يمكن جعل كلامه ولو بالدلالة الالتزاميّة إخباراً عن عدالة جميع علماء البلد، أو عدالة من يشكّ في فسقهم.
ــــــــــ[156]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فكم فرق بين القضيّة الخارجيّة والحقيقيّة!! فإنَّه في القضيّة الحقيقيّة لا يحتمل أن يكون المولى في مقام الإخبار عن عدالة كلّ فرد عالم مشكوك العدالة إلَّا بنحو اعمال علم الغيب، والمولى ليس إلَّا في مقام بيان الأحكام الشرعيّة، فهو يتكلّم عند إبداء الأحكام كإنسان متعارف بعيداً عن علم الغيب. إذن، فلا يمكن التمسّك بالعامّ في القضايا الحقيقيّة. أمّا في القضايا الخارجيّة، فالإنسان المتعارف قد يفحص ويثبت عدالة عموم الأفراد الخارجيين، ثُمَّ يأمر بإكرامهم. فيكون كلامه دالاً بالمطابقة على وجوب إكرام الفرد المشكوك، ودالاً بالالتزام على كونه عادلاً؛ لأنَّه لا يجب إكرام الفاسق. وهذا معنى التمسّك بالعامّ في الشبهة الموضوعيّة، وهو جائز في القضايا الخارجيّة، ويكون العامّ حجّة في مدلوله المطابقي على الوجوب، وحجّة في مدلوله الالتزامي على إثبات العدالة للفرد المشكوك.
المورد الثاني: إذا كانت القضيّة حقيقيّة وكانت الشبهة مصداقيّة، لكن هذه الشبهة المصداقيّة في نفسها وباعتبار آخر هي شبهة حكميّة، وإن كانت بلحاظ العامّ شبهة مصداقيّة. كما لو فرضنا مثلاً: بأنَّ المولى قال: لا بأس بلبس الثوب الذي ساوره أيّ إنسان في الصلاة. ونحن نعلم بالدليل القطعي الخارجي بأنَّ الصلاة في الثوب النجس غير جائزة، أي: الصلاة في الثوب الذي ساورته عين نجسة غير جائزة بلا إشكال. ولكن شكّكنا في أنَّ الكافر الكتابي أو غير الكتابي طاهر أو لا؟ فهذه الشبهة شبهة مصداقيّة بالنسبة إلى العموم؛ لأنَّه قال: يجوز لبس الثوب الذي ساوره أيّ إنسان في الصلاة، ونحن نعلم بأنَّ الثوب الذي يساوره نجس العين خارج يقيناً من العموم، لكن لا ندري أنَّ هذا الكافر هل
ــــــــــ[157]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
يصدق عليه عنوان المخصّص أو لا؟ أي: أنّه هل هو نجس العين أو لا؟ هذه شبهة مصداقيّة بالنسبة إلى العموم؛ لأنَّ الشكّ هو في انطباق عنوان النجس على الفرد، وليس الشكّ في مفهوم النجاسة.
لكن هذه الشبهة المصداقيّة هي شبهة حكميّة في نفسها؛ لأنَّ نجاسة الكافر لو كانت فهي إنّما تثبت بجعل من قبل المولى، فهذه وإن كانت بلحاظ العموم ولكنّها بلحاظ نفسها شبهة حكميّة، فيختلف حال المولى عن العبد بالنسبة إليها، فإنَّ المولى أعرف بالأعيان النجسة من العبد؛ لأنَّها إنّما تصير نجسة بحكمه. فحينئذٍ يحتمل أن يكون قوله: لا بأس بلبس الثوب الذي ساوره أيّ إنسان في الصلاة، إخباراً عن عدم نجاسة أيّ إنسان، هذا محتملٌ ومن شأن المولى أن يخبر عنه؛ لأنَّها شبهة حكميّة، وحال المولى فيها غير حال العبد.
إذن، فلا بُدَّ في القضيّة الحقيقيّة أن نفرق بين الشبهة المصداقيّة التي تكون في نفسها مصداقيّة، والشبهة التي تكون في نفسها شبهة حكميّة. فإن كانت في نفسها شبهة مصداقيّة وموضوعيّة، فلا يجوز التمسّك بالعامّ فيها؛ لأنَّ عدالة زيد وفسقه موضوعٌ خارجيٌ وليس من الأحكام، فلا معنى لرفع الشكّ بها بكلام المولى؛ لأنَّ حال المولى حال العبد فيها، فإنَّه يشكّ أيضاً كالعبد.
ولكن في هذين الموردين لا بُدَّ من الاستثناء: أحدهما: القضيّة الخارجيّة، والآخر: القضيّة الحقيقيّة، لكن الشبهة المصداقيّة للعامّ المخصّص، لو لوحظت بحد ذاتها لكانت شبهة حكميّة لا موضوعيّة. ففي هذين الموردين يجوز التمسّك بالعامّ.
ــــــــــ[158]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
والدليل عليه: أنَّ كلام المولى يمكن أن يكون بياناً لرفع الشكّ؛ لأنَّه قد يكون له اطّلاع خاصّ على القضايا الخارجيّة أو الحكميّة، من دون فرض استعمال علم الغيب، فيكون كلامه بياناً ولو بالدلالة الالتزاميّة لرفع الشكّ.
نعم، هذا كلّه لو لم ينصب قرينة على أنّه ليس في مقام بيان أنَّ الناس فساق أو عدول. فإنَّه وإن كان يتمكن من ذلك إلَّا أنّه ليس في مقام بيان الموضوع، بل في مقام بيان الحكم. كما إذا نصّ على عدم تعهده وضمانه في انطباق العنوان على تمام الأفراد، فحينئذٍ لا يمكن التمسّك بالعامّ. وهذه القرينة تارةً يصرح بها نحو: أن يقول: (أكرم كلّ أولادي) ثُمَّ يقول: (لا تكرم الفساق من أولادي) وأنا لا أدري الفاسق من العادل. وأخرى لا يقول بالصراحة.
ويمكن أن يقال: إنَّ نفس مجيء المخصّص اللفظي يكون قرينة على عدم تعهده، فإذا قال: (أكرم كلّ أولادي) وقال: (لا تكرم الفساق منهم) فإنَّ هذا البيان الثاني بنفسه يكون قرينةً على أنَّ أمر التطبيق بيد المكلّف نفسه. إذ لو كان هو متعهد بالتطبيق لما كانت هناك مناسبة عرفيّة للبيان الثاني. فالبيان الثاني ظاهر عرفاً بأنَّ تعهد التطبيق قد انتقل من المولى إلى العبد، فإذا كانت هناك قرينة على ذلك فلا يجوز التمسّك بالعامّ، وإلَّا فيجوز التمسّك بالعامّ في هذين الموردين اللذين استثنيناهما.
وببيان آخر نقول: اتّضح من مسلكنا في التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، أنَّ ضابط التمسّك، إثباتاً ونفياً، أي: ضابط الجواز وعدم الجواز، هو إمكان تصدّي المولى للإخبار عن تحقق الموضوع في الخارج. ففي كلّ شبهة
ــــــــــ[159]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
مصداقيّة يكون من الممكن للمولى ومن شأنه أن يتصدّى للإخبار عن تحقق المصداق في الخارج وفي انطباق العنوان على الفرد، فلا بأس بالتمسّك بالعامّ فيها. ويكون التمسّك في الشبهة الموضوعيّة لرفع الشكّ فيه باعتبار أنَّ العامّ بيان لتحقق العنوان في الفرد المشتبه. وأمّا إذا لم يكن من شأنه أن يتصدّى لبيان انطباق العنوان على المصداق الخارجي، فإنَّه لا يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة بالبيان الذي سبق.
وعلى أساس هذا الضابط، قلنا: يمكن أن نتمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة في موردين؛ لأنَّه فيهما يحتمل أن يكون المولى متصدّياً بنفسه لإثبات انطباق العنوان على الفرد المشتبه، فيصحّ الأخذ بظهور كلامه.
المورد الأوّل: إذا كانت القضيّة خارجيّة كما إذا قال المولى: (أكرم كلّ أولادي) وعلمنا من الخارج أنَّه لا يحب إكرام الفساق حتّى ولو كانوا أولاده. فهنا يمكن أن نقول: إنّه يحتمل أن يتصدّى المولى لإحراز انطباق وصف العدالة على تمام أولاده، ولا يتوقّف ذلك على علم الغيب، فإذا كان تصدّي المولى محتملاً فلا بأس بالأخذ بظهور كلامه، فإنَّ ظاهر العامّ هو وجوب إكرام زيد المشكوك الذي هو من أولاده، فيكون العامّ دالاً بالمطابقة على وجوب إكرام الفرد المشتبه وبالالتزام على عدالته، لأنّا نعلم أنّه لا يجب إكرام الفاسق.
المورد الثاني: إذا كانت القضيّة حقيقيّة، ولكنّها ذات اعتبارين، أي: إذا لوحظت بالنسبة إلى العامّ والمخصّص كانت الشبهة مصداقيّة، ولكنّها إذا لوحظت في نفسها فهي شبهة حكميّة. فإنَّ الشبهة المصداقيّة على قسمين: قسم
ــــــــــ[160]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ذات اعتبار واحد، فإنَّها باعتبار نفسها لا تخرج عن كونها شبهة مصداقيّة. وقسم ذات اعتبارين، فإذا لاحظناها بالنسبة إلى العامّ والمخصّص كانت شبهة مصداقيّة، وإذا لاحظنا في نفسها كانت شبهة حكميّة.
مثال الأوّل: أكرم كلّ عالم ولا تكرم فساق العلماء، وشكّكنا في زيد فاسق أو لا. فالشكّ في زيد شبهة مصداقيّة، وهو شك في موضوع خارجي تكويني لا ارتباط له في باب الأحكام. فتكون الشبهة مصداقيّة محضة.
ومثال الشبهة المصداقيّة ذات الاعتبارين: لو فرضنا أنَّ المولى قال: (توضأ بكلّ ماء) ونحن نعلم من الخارج بأنَّ الوضوء بالماء النجس غير جائز؛ لأنَّه يشترط في ماء الوضوء الطهارة ولو باعتبار الأولوية المستفادة من الأخبار، وهذا الدليل القطعي الإجماعي القائم على أنَّ الوضوء بالماء النجس غير جائز مخصِّص للعموم، بأن لا يكون الماء نجساً. فلو شكّكنا بأنَّ المياه المعدنية نجسة أو طاهرة. فهذه الشبهة إذا لوحظت من حيث هي فهي حكميّة؛ لأنَّه شكّ في حكم كلّي؛ لأنّا لا نحتمل أنَّ المياه المعدنية أحد النجاسات الموضوعة من قبل الشارع المقدس، ولكن هذه الشبهة بلحاظ المخصّص مع العامّ شبهة مصداقيّة؛ لأنّي أشكّ أنَّ هذا مصداق للنجس أو لا، فهذه الشبهة ذات اعتبارين: فهي باعتبار نفسها حكميّة لأنّي أشكّ في حكم كلّي، وهي باعتبار العامّ والمخصّص شبهة مصداقيّة؛ لأنَّه شكّ في انطباق عنوان النجس على المياه المعدنيّة.
ومثال آخر للشبهة المصداقيّة ذات الاعتبارين: أنّه إذا قال: (صلِّ في جلد أيّ حيوان) ونحن نعلم من الخارج أنَّ الصلاة في الجلد النجس غير جائزة.
ــــــــــ[161]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ونشكّ في أنَّ جلد الأرنب مثلاً هل هو نجس أو طاهر، فهذه الشبهة بلحاظ المخصّص شبهة مصداقيّة، ولكن بلحاظ نفسها شبهة حكميّة، ففي مثل هذه الموارد لا بأس بالتمسّك بالعامّ؛ لأنَّ هذه الشبهة المصداقيّة مرجعها إلى الشكّ في حكم من أحكام المولى، ومن شأن المولى أن يبيّنها، ولعلّه أراد أن يبيّن في قوله العامّ طهارة تمام المياه ولو بالدلالة الالتزاميّة، وليس في هذا ما ينافي شأن المتكلّم بما هو متكلّم، أو يحتاج إلى علم الغيب؛ لأنَّ كلّ مولى مطّلع على أحكامه.
ولكن في غير هذين الموردين لا يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
نعم، هذا إذا لم تقم قرينة من قبل المولى في أنّه ليس في مقام تحقيق وبيان عدالة أولاده أو المياه المعدنيّة كما في المثالين السابقين. فإذا نصب قرينة على أنّه ليس في هذا المقام فلا معنى للتمسّك بظهور كلامه؛ لأنَّه إنما يتمسّك به مع احتمال صدقه، وأمّا إذا لم يكن في مقام تحقيق الموضوعات فلا يجوز التمسّك به.
وهذه القرينة التي ينصبها المولى على أنّه ليس في مقام التطبيق وعلاج الموضوعات الخارجيّة. إذا قال: (أكرم كلّ أولادي) وعلمنا من الخارج أنّه لا يريد إكرام الفاسق من أولاده، وعلمنا ذلك من غير طريق المولى أمّا بحكم العقل أو من شيء آخر كالإجماع على بعض مبانيه، فنحن نعلم بذلك مع سكوت المولى عن التخصيص، فهو لم ينصب قرينة على أنّه ليس في مقام التصدّي لإحراز العدالة. وإذا جاء احتمال التصدي لذلك، وظهور كلامه على طبق هذا الاحتمال، فنأخذ بظهور كلامه المطابقي والالتزامي.
ــــــــــ[162]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وأخرى نفترض أنّه بنفسه بيّن هذا، ولكنّه لم يبينه بعنوان التخصيص بل بعنوان آخر، كما لو قال: (أكرم كلّ أولادي) وقال بعد ذلك: أنا لا أحكم بوجوب إكرام الفاسق مهما كان، وأعطى قاعدة كليّة عرفنا من لحن خطابها أنَّها آبية عن التخصيص، هنا هذا البيان ليس قرينة على أنَّ المولى ليس في مقام التطبيق، إذ لعلّ هذا البيان الثاني مسوق لغير أولاده، وأنّه يضمن بالدلالة الالتزاميّة لخطابه الأوّل عدالة أولاده بتمامهم، فإذا لم يكن البيان مسوقاً للتخصيص لا يكون قرينةً لتخلي المولى عن تطبيق عنوان العدالة على أولاده.
وثالثة: أن نفهم عدم جواز إكرام الفاسق ببيان مسوق للتخصيص، نحو: (لا تكرم الفساق من أولادي) ففي مثل هذا لا ينبغي الإشكال في أنَّ البيان الثاني يكون قرينة على أنَّ المولى في قوله الأوّل لم يكن متصدّياً لتحقيق حال أولاده والشهادة بعدالتهم، وإلَّا لم يقل: (لا تكرم الفساق منهم).
وتقريب القرينيّة في البيان المسوق للتخصيص، من وجوه:
الأوّل: أن يكون بياناً عقليّاً في أنَّ المولى لو كان في العامّ متصدّياً لإحراز عدالة أولاده لكان البيان الثاني لغواً؛ فإنَّه لو أحرز عدالتهم بتمامهم فلا معنى لقوله: (لا تكرم فساقهم)؛ لأنَّه لا يوجد بينهم فاسق؛ فصوناً لكلام المولى عن اللغويّة نعرف أنّه لم يكن متعهداً لعدالة أفراد العامّ.
ولكن هذا يمكن أن يتمّ بطريقة عقليّة مع عدم ضمّ الظهور العرفي إليه؛ إذ هل المقصود من البيان الثاني التنبيه على أنّه على فرض كونه فاسقاً، فأنا لا أرضى بإكرامه. فمع إخباره بعدالتهم جميعهم يجوز عقلاً أن يقول: إنَّه لو كان
ــــــــــ[163]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أحدهم فاسقاً فأنا لا أرضى بإكرامه، فيكون في مقام بيان ملاك الحكم. وهذا يكفي فائدة للبيان الثاني.
الثاني: أن يقال: بأنَّ الظاهر عرفاً من خطاب له موضوع ومحمول بهذا الترتيب المجعول بنحو القضيّة الخارجيّة أنّه يحتمل تحقق الموضوع، أي: أنَّ وجود الفسق في أولاده في معرض التحقّق. ويفهم عرفاً من خطابه الثاني أنّه ليس جازماً بعدالة تمام أولاده، بل مترقب لتحقّق الفسق فيهم. فإذا دلّ البيان الثاني بحسب الظهور العرفي على أنَّ المولى مترقب لفسق أولاده، فيَدُلّ على أنّه لم يحرز عدالتهم؛ لأنَّ ترقب فسق البعض مع إحراز عدالة الجميع متهافتان.
البيان الثالث: أن يقال: بأنَّ بيان عدم وجوب إكرام فساق أولاده بنفسه ظاهر ابتداء في أنّه ليس في مقام التطبيق، وأنّه أوكل الأمر إلى العبد، وأنَّ العبد هو المسؤول عن تطبيق العناوين على الأفراد الخارجيّة. وهو ظاهر بهذا ابتداءً لا أنّه ظاهر في معنى آخر يؤدي إلى عدم التعهد من قبل المولى، كما قلنا ذلك في البيان الثاني من حيث إنَّه يترقب فسق بعض أولاده، وهذا يؤدي إلى أنّه ليس متعهداً بعدالتهم.
هذان البيانان كلاهما مطابق مع الذوق العرفي. فكونه يترقب فسق البعض، وكون نفس صدور الكلام من المولى قرينةً على أنّه أوكل الأمر إلى العبد، كلاهما مطابق للظهور العرفي. فيكون مجيء البيان على وجه التخصيص بياناً على تخلّي المولى عن مسؤوليّة التطبيق.
وأمّا إذا لم يجيء بيان مخصّص بأن لم يجيء البيان أصلاً، أو جاء ولكنّه لم
ــــــــــ[164]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
يكن مُـساقاً مَساق التخصيص، فلا بأس بالتمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة في الموردين اللذين ذكرناهما. وفي غير هذين الموردين لا يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
تفصيل الشيخ الأعظم في المقام ومناقشته
لابدَّ من التعرّض إلى تفصيل منسوب إلى تقريرات الشيخ الأعظم(1)، واختاره صاحب الكفاية(2)، وحاصل التفصيل: هو التفصيل بين كون المخصّص لفظيّاً وبين كونه لبيّاً، فإذا كان المخصّص لفظيّاً فلا يجوز التمسّك بالعامّ، وإذا كان لبياً فإنَّه يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، ولا فرق في الصورتين بين أن تكون القضيّة حقيقيّة أو خارجيّة.
وأحسن ما يذكر في وجه هذا التفصيل، وفي الفرق بين أن يكون المخصّص لفظيّاً أو لبيّاً هو أن يقال: إنَّه في موارد المخصّص اللفظي نحتمل شمول التخصيص للفرد المشتبه، فإذا قال: (أكرم كلّ جيراني) وقال: (لا تكرم أعدائي) وأنا أحتمل أنَّ هذا الشخص عدو له، فعلى فرض أن يكون عدواً له حقيقة فهو مشمول لظهور الدليل المخصّص؛ لأنَّ هذا الدليل في نفسه يتناول تمام أعدائه، فأنا أحتمل شمول الحجّة المخصّصة له، وهو ظهور الكلام الثاني. فمع احتمال شمول الحجّة المخصّصة للفرد المشتبه احتمل خروجه عن المقدار الحجّة من العامّ؛ لأنَّ العامّ إنّما يكون حجّة في غير المخصّص، وأنا لا أعلم
ــــــــــ[165]ــــــــــ
(1) انظر: مطارح الأنظار2: 143، 144.
(2) انظر: كفاية الأصول:222، 223.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
دخوله تحت هذا القسم منه. فلا يجوز التمسّك لا بالعامّ ولا بالمخصّص.
وأمّا إذا كان المخصّص لبيّاً عقليّاً، نحو: (أكرم جيراني) وأنا أعرف بالمقدّمات العقليّة أنَّ المولى سنخ شخص لا يقبل أن يكرم عدوه. هنا تكون الحجّة على التخصيص هو الدليل العقلي، وحجّيّة الدليل العقلي إنّما لأجل إفادته القطع، فإنَّه إذا لم يفد القطع لا يكون حجّةً، كالقياس والاستحسان. فما هو الحجّة على التخصّص هو القطع. ومن المعلوم أنَّ القطع ليس شاملاً لهذا الفرد؛ لأنّي شاكّ في كونه عدواً ولا أحتمل أنّي قاطع بذلك، فهنا لا أحتمل شمول الحجّة على التخصيص للفرد المشتبه؛ لأنَّ الحجّة في التخصيص هو القطع، وهو يستحيل شموله للمشكوك.
فالفرق بين التخصيص اللفظي والعقلي أنّه في اللفظي يحتمل شمول المخصّص للفرد المشتبه فأحتمل خروجه عن دائرة العامّ -بما هو حجّة- فلا يجوز التمسّك لا بالعامّ ولا بالمخصّص. وأمّا التخصيص اللبّي فلا أحتمل شموله للفرد المشتبه، فالتمسّك بالعامّ لا بأس به.
إلَّا أنَّ هذا البيان لا يرجع إلى محصّل، بل الصحيح عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة حتّى لو كان المخصّص لبيّاً، إلَّا في الموردين اللذين ذكرناهما، من دون فرق بين المسلك الذي سلكناه في عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، وبين مسلك المحقّق النائيني بالنحو الذي أصلحناه؛ فإنَّه على كلا المسلكين لا ينبغي أن يُفرق بين المخصّص اللبّي واللفظي.
وببيان آخر: أنَّ الأحكام، تارةً تكون في العمومات التي تكون مجعولة
ــــــــــ[166]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بنحو القضايا الحقيقيّة، وأخرى تكون مجعولة بنحو القضايا الخارجيّة، أمّا في العمومات المجعولة بنحو القضيّة الحقيقيّة، كما في نحو: (أكرم كلّ عالم) وتصدق على كلّ فقير، فإنَّه لا يتمّ التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة ولو كان المخصّص لبّياً، بلا فرق بين أن يكون ملاك عدم الجواز هو المسلك الذي سلكناه، أو مسلك المحقّق النائيني(1)، فإنَّه على كليهما لا يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصّص اللبي؛ لأنَّ ملاك المنع جارٍ حرفاً بحرف فيما إذا كان المخصّص لبّياً.
أمّا بناء على مسلكنا في عدم جواز التمسّك بالشبهة المصداقيّة، وهو أنَّ العامّ لا يحتمل كونه بياناً للموضوع الخارجي، في قولنا: (أكرم كلّ عالم) بعد مجيء التخصيص اللفظي أو اللبّي نقول: إنّه لا يجوز التمسّك بالعامّ في الفرد المشتبه في الشبهة المصداقيّة، وملخص ما اخترناه في ذلك: أنَّ التمسّك بالعامّ في زيد المشتبه إمّا أن يكون بلحاظ الشبهة الحكميّة، وإمّا أن يكون بلحاظ الشبهة الموضوعيّة. أمّا بلحاظ الشبهة الحكميّة فمعنى التمسّك بالعامّ بلحاظها هو إثبات وجوب إكرامه ولو كان فاسقاً، وهو شيء غير محتمل للقطع بعدم وجوب إكرامه ولو كان فاسقاً. وأمّا التمسّك بالعامّ بلحاظ الشبهة الموضوعيّة، بمعنى جعل العامّ دليلاً على عدالة زيد المشتبه، قلنا: إنَّ هذا لا يعقل في القضايا الحقيقيّة؛ لأنَّ المولى بقطع النظر عن علم الغيب حاله حال العبد بالنسبة إلى الشبهة المصداقيّة، فليس له مزية على العبد حتّى يجعل كلامه دليلاً على رَفع
ــــــــــ[167]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول2: 536-539، أجود التقريرات1: 475-480.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
شك العبد. إذن، فلا يمكن التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة لا بلحاظ الشبهة الحكميّة ولا الشبهة الموضوعيّة.
وهذا البيان نفسه يأتي في موارد المخصّصات اللبّيّة، فلو قال المولى: (أكرم كلّ عالم) وحكم العقل بأنَّ إكرام العالم الفاسق ترويج للفسق، وهو قبيح، والقبيح لا يصدر من المولى، وهكذا انتهى العقل إلى الجزم بعدم وجوب إكرام العلماء الفساق، فيكون مرجع حكم العقل إلى مانعيّة الفسق لوجوب الإكرام، وأنَّ الفسق منافٍ لوجوب الإكرام بحسب الخارج، فإن كان هناك وجوب إكرام فهو لغير الفاسق من العلماء. حينئذٍ نعود إلى نفس الكلام السابق، وهو أنَّ العامّ الذي نتمسّك به في الفرد المشكوك هل يتمسّك به بلحاظ الشبهة الحكميّة، فهذا لا يحتمله العقل، فإنَّه لا يحتمل وجوب إكرامه ولو كان فاسقاً؛ لأنَّه ترويج للفسق وترويج الفسق قبيح. أو يتمسّك بالعامّ لنفي المانع العقلي وهو الفسق، وهذا معناه الرجوع إلى المولى فيما يشكّ فيه هو، ولا معنى للرجوع إلى الشاك في رفع شكّ الشاك.
ولا يقال: بأنَّ القطع بالعنوان لا يسري إلى الأفراد المشكوكة، أي: أنَّ العقل الذي يحكم بعدم وجوب إكرام الفساق قطعاً لا يسري حكمه إلى المشكوك، فنحن لا قطع لنا بالنسبة إلى زيد المشكوك بعدم وجوب إكرامه؛ لأنَّ القطع لا يسري إلَّا إلى الأفراد المحرزة لهذا العنوان، لا إلى الأفراد المشكوكة. فالفرد المشكوك لا قطع فيه بعدم وجوب إكرامه.
نقول هذا صحيح غير أنّنا لا نريد أن نقول بسراية القطع بالعنوان إلى
ــــــــــ[168]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الفرد المشكوك، بل نقول: بأنَّ القطع بعدم ثبوت الحكم لنفس ذلك العنوان كاشفٌ عن مانعيته للحكم، وهنا يتمّ التقريب السابق: بأنَّ التمسّك بالعامّ هل هو بمعنى وجوب إكرامه ولو كان فاسقاً، هذا خلاف المانعيّة العقليّة، أو بمعنى إثبات عدم فسقه بالعامّ، وهذا رجوع إلى المولى فيما يشكّ فيه كالعبد؟ إذن، لا فرق بين المخصّص اللفظي واللبّي على مسلكنا في عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
وكذلك على المسلك المشهور الذي حقّقه المحقّق النائيني(1)، فقد كانت خلاصته بعد توضيحنا له: أنَّ ملاك المنع في التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة هو أنَّ التخصيص يوجب تعنون الباقي لا محالة بعنوان وجودي أو عدمي، فيصبح موضوع الحكم مركّباً من جزئين. فإنّ إخراج الفساق من عموم وجوب إكرام العلماء يوجب تعنون موضوع الحكم في الباقي بعنوان العدالة ويتركّب الموضوع من جزئين، فلا يمكن إثبات الحكم لفرد إلَّا بعد إحراز كلا الجزئين. والجزء الأول وهو العلم وإن كان محرزاً في زيد إلَّا أنَّ الجزء الثاني وهو العدالة غير محرز.
هذا البيان يأتي في المخصّصات اللبّيّة، فإن تعنون الباقي بعنوان ملاكه هو الإخراج ثبوتاً من تحت الدائرة، ولا يفرق بين أن يكون الكاشف عن الإخراج دليل لبّي أو لفظي. كما أنَّ البرهان الذي أقامه النائيني على تعنون الباقي لا يفرق فيه بين أن يكون الكاشف عن الإخراج لبّي أو لفظي؛ لأنَّ ملاك تعنون
ــــــــــ[169]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات1: 459، 460، فوائد الأصول2: 525.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الباقي هو الإخراج بلحاظ الجعل والتشريع، وهو محفوظ في المخصّصات اللفظيّة واللبّيّة. والبرهان القائم على توأمية الإخراج مع تعنون الباقي لا يفرق فيه بين أن يكون علمنا بالإخراج عن طريق الدليل اللبّي أو اللفظي.
إذن، على كلا المسلكين لا ينبغي التفريق بين المخصّص اللبّي واللفظي في باب القضايا الحقيقيّة.
وأمّا في القضايا الخارجيّة. كما إذا ورد: (أكرم كلّ جيراني) وخصّص بعدم وجوب إكرام أعداء المولى من الجيران بدليل لبّي أو لفظي. فهنا لا بأس بالتمسّك بالعامّ إذا كان المخصّص لبياً على مسلكنا وعلى مسلك المحقّق النائيني.
أمّا على مسلكنا؛ فلأنَّ المولى يعقل أن يكون كلامه بياناً لعدم العداوة، فإذا قال: (أكرم كلّ جيراني) وعلمنا أنّه ليس ذلك الشخص الذي يتسع صدره لإكرام أعدائه، فهو لا يرضى بإكرامهم، فالحكم إذن لا يشمل الأعداء، وشككنا بزيد. هنا لا بأس بالتمسّك بالعامّ وجعله دليلاً ولو بالدلالة الالتزاميّة على أنَّ زيداً ليس عدواً للمولى، لأنَّه يمكن أن يكون لكلامه دلالة على عدالة جيرانه بدون علم الغيب. فحينئذٍ لا يكون تصدي المولى للفحص أمراً معلوم البطلان، بل محتملاً فيتمسّك بالعامّ في إثبات عدم العداوة، وليس هذا من باب رجوع الشاك إلى الشاك لاحتمال أنَّ المولى غير شاك.
ومدار الجواز هنا ليس هو كون التخصيص لبياً؛ بل كون العامّ قد بيّن بنحو القضيّة الخارجيّة، فيجوز التمسّك به مطلقاً سواء كان التخصيص لبياً أو
ــــــــــ[170]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
لفظياً، إلَّا إذا قامت قرينة على أنَّ المولى لم يتصد لإحراز أحوال الأفراد. فليس هذا الجواز من شؤون لبية الدليل، بل من شؤون القضيّة الخارجيّة.
وعلى مسلك المحقّق النائيني(1) أيضاً، لا بأس بالتمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة ما لم تقم قرينة على أنَّ المولى ليس في مقام الفحص؛ وذلك لأنَّ ملاك المنع عند الميرزا هو تعنون الباقي بعنوان. وقد برهن على تعنون الباقي ببرهان أنَّ الطبيعة بعد الإخراج إمّا أن تؤخذ مطلقة أو مهملة أو مقيّدة، والإهمال غير معقول، والإطلاق مساوق لثبوت حكم العامّ في مورد التخصيص، وهو مناقضة فيثبت التقييد. وهذا البرهان إنّما يجري في باب القضايا الحقيقيّة دون القضايا الخارجيّة؛ لأنَّ المولى في القضايا الخارجيّة يفكر ويعرف أنّهم بتمامهم عدول فيجعل الحكم عليهم مطلقاً من دون حاجة إلى تقييدهم بالعدالة، ولا يلزم من عدم التقييد شمول الحكم للفاسق؛ لأنَّ القضيّة الخارجيّة محصورة الأفراد، والمولى ضمن عدم وجود الفاسق بيّن أفرادها. بخلاف القضيّة الحقيقيّة فإنَّه لو لم يقيّده بالعدالة وأطلقه فإنَّه يشمل الفاسق. فهذا البرهان إنّما يأتي في باب القضايا الحقيقيّة حيث الإهمال والإطلاق فيهما غير معقولين فيتعيّن التقييد، وأمّا في القضايا الخارجيّة فالإطلاق معقول؛ لأنَّ الأفراد محصورة ومنظورة للمولى، ولا يوجب الإطلاق شمول الحكم للفاسق.
هذا هو الكلام في ملاك الميرزا.
وجواز التمسّك بالعامّ هنا ليس من باب لبّيّة المخصّص بل من باب
ــــــــــ[171]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول2: 225، 226.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
خارجيّة العامّ؛ لأنَّ التوأميّة بين الإخراج وتعنون الباقي إنّما تأتي في باب القضايا الحقيقيّة دون الخارجيّة، فملاك الجواز هو الخارجيّة لا اللبّيّة. فالتفصيل الذي نسب إلى الشيخ الأعظم في التفريق بين المخصّص اللبّي وغير اللبّي في غير محلّه.
بناءً على هذا كلّه، ظهر حال قوله: “ولَعَنَ اللَّه بَنِي أُمَيَّةَ قَاطِبَة“(1) فإنَّه لا يُشكّ بحسب المخصّص اللبّي بعدم جواز لعن المؤمن منهم. حيث إنَّ الدليل قائمٌ على أنَّ الإمام معصوم ولا يصدر منه معصية، ولعن المؤمن معصية ولو كان أموياً فهو لا يصدر من الإمام ، فالدليل اللبّي قائمٌ على عدم جواز لعن المؤمن حتّى ولو كان منهم. فإذا شكّكنا في بعض الأمويين هل هو مؤمن أو لا؟ هل يجوز أنَّ نتمسّك بالعامّ لإثبات أنّه هو أيضاً ملعون، وبالتالي نثبت بالدلالة الالتزاميّة أنّه ليس مؤمناً. وهذه شبهة مصداقيّة للمخصص؛ لأنَّ الشكّ هو في إيمان الفرد وعدمه بعد إحراز أنَّ المؤمن ليس مشمولاً للّعن.
وقد ذكر جملة من الأعلام(2) أنّه يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، ويثبت بالدلالة الالتزاميّة للعموم أنّ الإيمان غير موجود في هذه السلالة.
وقيل في توجيهه: إنَّ هذا إنّما هو تطبيق للتفصيل المنسوب إلى الشيخ الأعظم(3) حيث فرق بين المخصّص اللبّي واللفظي، والمخصّص في المقام
ــــــــــ[172]ــــــــــ
() انظر: بحار الأنوار 98: 292، الباب 24، كيفية زيارته يوم عاشورا، الحديث 1.
(2) انظر: مطارح الأنظار2: ١٩٤، فوائد الأصول 2: 536.
(3) انظر: مطارح الأنظار2: ١٩٤، الهداية الثالثة من مباحث العامّ والخاص.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
لبّي فيجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
وممّا ذكرناه ظهر، أنَّ كون المخصّص لبياً ليس هو الملاك لعدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، بل جواز التمسّك هنا؛ لأنَّ القضيّة خارجيّ؛ أي: لأنَّ الظاهر منه أنَّ الملعونين هم بني أميّة في ذلك الحين لا لعن كلّ من وُجد منهم إلى يوم القيامة، فإنَّ هذا خلاف الظاهر. فإذا كانت هذه القضيّة خارجيّة فتكون دليلاً على عدم إيمان شخص من بني أُميّة حتّى صدور العامّ من الإمام. فيكون التمسّك بالعامّ؛ لأجل أنَّ القضيّة خارجيّة، لا لأنَّ المخصّص لبّي.
تفصيل المحقّق النائيني في المقام ومناقشته
قد فصّل المحقّق النائيني(1) تفصيلاً آخر في المقام، إلَّا أنّه تفصيل في التفصيل المتقدّم، حيث ذكر: أنَّ المخصّص إذا كان لفظياً فلا يجوز التمسّك بالعامّ، كما أُفيد في بحث الشيخ الأعظم(2). أمّا إذا كان المخصَّص لبّياً ففيه تفصيل بين ما إذا كان المخصَّص اللبّي بلحاظ الموضوع، وبين ما إذا كان المخصَّص اللبّي بلحاظ الملاك.
وتوضيح مقصوده من هذا التفصيل يستدعي الإشارة إلى مقدّمة، وحاصل المقدّمة: هو أنَّ الحكم من قبل المولى لا يتحقّق ما لم يتحقّق موضوعه بتمام خصوصيّاته، وما لم يتحقّق ملاكه. فلو فرضنا أنَّ الحكم لم يتحقّق موضوعه، أو
ــــــــــ[173]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات1: 475- 488، فوائد الأصول2: 535- 539.
(2) انظر: مطارح الأنظار :192، الهداية الثالثة من مباحث العامّ والخاصّ.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بعض خصوصيّات موضوعه فإنَّه لا يتحقّق، وكذلك إذا لم يتحقّق ملاكه، فإنَّه لا يتحقّق أيضا؛ لأنَّ الحكم لا يكون جزافياً، بل باعتبار ملاكه، فوجود الحكم مربوط بوجود الموضوع بتمام خصوصياته ووجود الملاك أيضا، غاية الأمر أنَّ هناك فرقاً بين الربطين، أي: بين الموضوع وخصوصيّاته وبين الملاك.
والفرق هو أنَّ الموضوع وخصوصيّاته يأخذها المولى قيداً لثبوت الحكم، فإذا فرضنا أنَّ موضوع وجوب الإكرام هو العلم والعدالة، فيقول المولى: (أكرم العالم العادل) أو (أكرم كلّ إنسان إذا كان عالماً عادلاً) على نحو القضيّة الوصفيّة أو الشرطيّة. ومفادهما واحد، وهو تقييد الحكم بموضوعه، فيأخذ الموضوع بخصوصيّاته قيداً لثبوت الحكم. بخلاف الملاك فإنَّه لا يعقل أن يأخذه قيداً للحكم فيقول: أكرم زيداً إذا كان الملاك موجوداً فيه؛ لأنَّ معنى ذلك تخلّي المولى عن المولويّة؛ لأنَّه بما هو مولى يشخص للعباد مصالحهم ومفاسدهم، ومعنى تقييد الحكم بالملاك: أنَّ الحكم يخرج عن كونه مولوياً، بل يوكل أمره إلى العبد. فالملاك يختلف عن الموضوع، فالموضوع بتمام خصوصيّاته يؤخذ قيداً في الحكم، أمّا الملاك لا معنى لأخذه قيداً في الحكم.
يتفرّع على هذا الفرق فرقٌ آخر، هو أنَّ المولى يوكِل إحراز الموضوع وخصوصيّاته إلى العبد بعد أن يأخذ الموضوع وخصوصيّاته قيداً في الحكم، فهو لا يشخص العلم والعدالة، بل يوكل أمرهما إلى العبد، فهو حين يأخذ الموضوع قيداً للحكم يتخلّى عن تشخيصه، فلا معنى لأن نقول: بأنَّ الخطاب يدلّ على علم فلان أو عدالته. أمّا الملاك فحيث إنّه لا يعقل أن يأخذه المولى قيداً
ــــــــــ[174]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
للحكم، فلا بُدَّ أن يتصدّى هو بنفسه لتشخيص وجود الملاك، ولا يصح أن يقول: أكرمه إذا كان الملاك موجوداً، بل لا بُدَّ أن يتصدّى هو لتشخيص أن الملاك موجود أو لا.
فحينئذٍ لا بأس بالتمسّك بنفس كلامه لإثبات وجود الملاك، فإنَّه لو قال: (أكرم كلّ عالم) وشكّكنا بوجود الملاك، فنفس وجود الخطاب يدلّ على وجود الملاك؛ لأنَّ إحراز الملاك من وظيفة المولى لا من وظيفة العبد.
نرجع إلى التفصيل الذي ذكره المحقّق النائيني(1)،حيث قال: إنَّ المخصّص اللبّي الذي مرجعه إلى حكم العقل بعدم ثبوت الحكم لهذا العنوان: تارةً يكون مرجع التخصيص اللبّي إلى حكم العقل بعدم ثبوت الحكم لهذه الحصة، وحكم العقل هذا ينشأ من إدراك العقل لدخل شيء وخصوصيّة في موضوع الحكم، كما لو قال المولى: (قلّد كلّ عالم شئت) وحكم العقل بأنَّ العدالة دخيلةٌ في موضوع جواز التقليد. فهذا مخصّص لبّي يكشف لنا عن عدم جواز تقليد الفاسق من العلماء، باعتبار أنَّ العقل جزم بأنّ خصوصيّة العدالة دخيلةٌ في موضوع الحكم الشرعيّ.
هنا لا يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة الموضوعيّة؛ لأنَّ معناه أنَّ الموضوع يكون مركباً من جزئين، ولا بُدَّ من إحراز كلا الجزئين لثبوت الحكم، والعلم وإن كان مُحرزاً، إلَّا أنَّ العدالة غير مُحرزة. فلا يجوز التمسّك بالعامّ حتّى في المخصّص اللبّي، فإنَّه لا يختلف عن المخصّص اللفظي، فكما أنَّ المخصّصات
ــــــــــ[175]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات1: 475- 488، فوائد الأصول1: 535- 539.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
اللفظيّة توجب تركّب الموضوع من جزئين، ولا بُدَّ من إحراز كلا الجزئين، كذلك المخصّص اللبّي الذي يكون ناشئاً من إدراك العقل لدخل خصوصيّة في موضوع الحكم.
أمّا إذا كان المخصّص اللبّي لا باعتبار أنَّ العقل أدرك أنَّ الخصوصيّة دخيلةٌ في موضوع الحكم، بل جزم بعدم وجود الحكم في هذه الحصة؛ لأنَّ الملاك غير موجودٍ فيها، كما في المثال المعروف، فيما إذا قال الإمام -وقد قال بحسب الظاهر-: “لعن الله بني أُميّة قاطبة“(1) والعقل حكم بأنَّ المؤمنين منهم ليسوا ملعونين؛ لأنَّ ملاك اللعن غير موجود فيهم؛ فإنَّ الملاك هو بغض أهل البيت، فالمؤمنون منهم من لم يتوفّر فيه الملاك، فإذا لم يوجد الملاك فلا حكم؛ لأنّنا قلنا في المقدّمة: إنَّ الحكم يتقوّم بالموضوع والملاك، فإذا لم يكن ملاك فلا حكم.
وحيث إنَّ الملاك هو البغض وهو غير موجودٍ في المؤمن منهم، فلا يجوز لعنه، فإذا شكّكنا في أمويّ هل هو مؤمن أو فاسق، وحكم العقل في التخصيص؛ إنّما كان لأجل إحراز عدم وجود الملاك في المؤمنين، والملاك لا يؤخذ قيداً في الحكم، كما قلنا في المقدّمة.
إذن، فموضوع الحكم لم يصبح مركّباً من جزأين لنقول: إنَّ أحدهما مشكوكٌ، ولا بُدَّ في إثبات الحكم من إحرازه. فالحكم بقي على حاله، غاية الأمر أنَّ بعض الأفراد لا ملاك فيهم، وبعضهم نشكّ في وجود الملاك فيه، وحيث إنَّ تشخيص الملاك من وظيفة المولى فيكون خطابه دليلاً على إحرازه.
ــــــــــ[176]ــــــــــ
(1) انظر: بحار الأنوار 98: 292، الباب 24، كيفية زيارته يوم عاشورا، الحديث1.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
هنا لا يكون حكم العامّ مركّباً من جزئين؛ لأنَّ الملاك لا يمكن أن يكون جزء الحكم وقيداً للحكم، وحيث إنَّ المولى هو الذي لا بُدَّ أن يحُرز الملاك، فيكون كلامه دليلاً على وجوده. هذا تمام ما أفاده .
ولولا أنّه هو الذي ذكره لما صحّ التعرّض له؛ لأنَّه من الغرائب، وذلك لبداهة أنَّ حكم العقل بعدم ثبوت الحكم -لأجل عدم وجود الملاك- لا محالة ليس أمراً جزافياً. فإنّ العقل حين يدرك عدم ثبوت الحكم في هذه الحصة لعدم وجود الملاك، لأجل فقدان شرط أو وجود مانع، فيكون هذا بنفسه قيداً في الموضوع، فدائماً يكون التخصيص بلحاظ إدراك العقل لعدم وجود الملاك يرجع إلى إدراكه لخصوصيّة داخلة في الملاك مانعة لا شرط، فتؤخذ هذه الخصوصيّة في الحكم الشرعيّ.
نعم، الملاك لا يؤخذ قيداً في الحكم، ولكن الخصوصيّات تؤخذ قيداً فيه، وإدراك العقل لعدم وجود الملاك ملازم لإدراك الخصوصيّة المانعة أو الشرط.
وأعجب منه المثال الذي مثّله، حيث فرض أنَّ الملاك في لعن بني أميّة هو بغضهم لأمير المؤمنين، وقال: بأنَّ العقل حكم بأنَّ الملاك غير موجودٍ في المؤمن من باب المخصّص اللبّي الثاني؛ لأنَّ البغض هو ملاك الحكم.
والبغض ليس ملاك الحكم؛ لأنَّ الملاك -كما قرأنا في الكفاية(1)– هو الداعي إلى الحكم، أي: العلّة الغائيّة له التي تكون في تصوّرها سابقة على الحكم، وفي وجودها متأخرة عنه. فالملاك هو ترويج الإمام وليس هو
ــــــــــ[177]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 50- 58.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
البغض؛ لأنَّ البغض بوجوده الخارجي سابقٌ على الحكم، والملاك لا بُدَّ أن يكون بوجوده الخارجي متأخراً عن الحكم، فالملاك في إيجاب لعن بني أميّة هو ترويج أمير المؤمنين ، أمّا بغضهم له، فحاله حال العدالة في كونها حالات مؤثرة في الملاك. إذن، فلا المثال ولا نفس المبنى قابل للتعقّل. هذا هو تمام الكلام في التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
بعد هذا ننتقل إلى مسألة مهمة، وهي مسألة استصحاب العدم الأزلي، وذلك: أنَّ المحقّقين القائلين بعدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، قالوا: نرجع بدلاً عن التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة إلى الاستصحاب، والنتيجة واحدةٌ، والفرق علمي فقط.
فلو قال: (أكرم كلّ عالم ولا تكرم الفاسق) فلا نتمسّك بالعامّ لإثبات وجوب إكرام الفرد المشكوك، إلَّا أنّنا نتمسّك باستصحاب عدم الفسق، ونقول: إنَّ زيداً عالم بالوجدان، وليس بفاسق بالاستصحاب. فنحرز أحد الجزئين بالوجدان والجزء الآخر بالاستصحاب، فيترتّب الحكم.
ومن الواضح أنَّ المخصّصات الطارئة على العمومات تختلف عناوينها، فإنّ بعض العناوين عناوين طارئة بعد الوجود، مسبوقة بالعدم حال وجود الموضوع، كعنوان: الاجتهاد، والفسق، والعدالة، والنحويّة، فهي عناوين تطرأ بعد وجود الإنسان فيستصحب عدمها.
ــــــــــ[178]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
هذا الاستصحاب لا يسمّى باستصحاب العدم الأزلي؛ لأنَّ عدم هذه العناوين ليس أزلياً، بل عدمٌ مع وجود الموضوع؛ لأنَّ زيداً كان موجوداً، ولم يكن نحوياً فنستصحب عدمه. في هذا القسم ليس هناك مزيد بحث.
القسم الآخر: إذا كانت العناوين -المتكفّل لها أدلّة التخصيص- عناوين ذاتية، أي: تطرأ بوجود الموضوع لا متأخرة زماناً عن الموضوع، كالهاشميّة والقرشيّة، فالإنسان على فرض كونه هاشميّاً أو قرشيّاً فهو من أوّل آنات وجوده هاشمي أو قرشي، والحديد على فرض كونه معدناً فهو من أوّل آنات وجوده معدن.
فلو قيل: إنَّ كلّ امرأة تستمر عادتها إلى الخمسين، واستثنى من ذلك القرشيّة، فالقرشيّة عنوان ليس من العناوين الطارئة بعد الوجود زماناً، بل هو توأم مع الوجود زماناً. فلو شكّ في امرأة هل هي قرشيّة أو لا، وقلنا بعدم جواز التمسّك بالعموم لإثبات كونها تحيض إلى أكثر من خمسين، فلا بُدَّ من الاستصحاب، فنثبت أحد جزئي موضوع العامّ، وهو كونها امرأة بالوجدان، ونثبت الجزء الآخر وهو كونها قرشيّة بالاستصحاب. هذا يسمّى باستصحاب العدم الأزلي؛ لأنَّ عدم كونها قرشيّة كان قبل وجودها لا بعده.
وهذا الاستصحاب محلّ خلاف بين المحقّقين، فقد وقع الكلام في أنّه هل يجري أو لا يجري؟ فذهب المحقّق النائيني(1) إلى عدم جواز جريان العدم
ــــــــــ[179]ــــــــــ
() انظر: فرائد الأصول 1: 530- 536، أجود التقريرات 1: 464- 474.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الأزلي مطلقاً، وذهب السيّد الأستاذ(1) وفاقاً لصاحب الكفاية(2) إلى جريانه مطلقاً، وذهب المحقّق العراقي(3) إلى تفصيل دقيق في المقام بين بعض الموارد، وهو التفصيل الذي يقال: إنّه لما بيّنه على منبر البحث لم يفهمه إلَّا واحد، وفي الليلة الثانية فهمه اثنان، وفي الليلة الثالثة فهمه جملة من الأعيان. فلا بُدَّ من تحقيق هذه المطالب.
قالوا: بعد الفراغ عن عدم جواز التمسّك بالعامّ لإثبات حكم العامّ في الفرد المشتبه في الشبهة المصداقيّة، نعوض العامّ بالأصل الموضوعي فيتنقّح لنا حكم العامّ، وحيث إنَّ مرجعه أنَّ العنوان ليس مأخوذاً في دليل التخصيص، وبما أنَّ من العناوين ما يكون توأماً مع وجود أصل الموضوع كالقرشيّة بالنسبة إلى المرأة فعدمه يكون عدماً أزلياً، فيقع الكلام بأنَّ استصحاب هذا العدم الأزلي هل يجري أو لا يجري؟
فقال البعض بجريانه، بدعوى: أنَّ موضوع الحكم في العامّ قد تركّب من جزئين: وجودي وعدمي. فإذا قال: (أكرم كلّ عالم) وتخصّص هذا العموم، وخرج منه الأُمويّين. فموضوع وجوب الإكرام أصبح مركّباً من جزئين: أحدهما وجودي هو كونه عالماً، والآخر عدمي وهو عدم كونه أموياً، فيقال على هذا: إنَّ الجزء الأوّل مُحرزٌ بالوجدان، والجزء الثاني مُحرزٌ باستصحاب
ــــــــــ[180]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه 5: 207- 232.
(2) انظر: كفاية الأصول: 246.
(3) انظر: مقالات الأصول1: 445، نهاية الأفكار1: 528.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
العدم الأزلي؛ لأنَّه قبل أن يوجد لم يكن هو موجوداً، وتمام أعراضه لم تكن موجودة ومنها أُمويّته؛ لأنَّها إضافة من الإضافات ومرجعها إلى الأبوة والبنوة. والإضافة إنّما تتحقّق بعد الوجود، فيستصحب ذلك العدم الأزلي، ويتنقّح موضوع الحكم الشرعيّ. واستشكل في جريان هذا الاستصحاب المستشكلون فوقع موضعاً للبحث.
ويجب أن يُعلم قبل كلّ شيء أنَّ التكلّم في هذا البحث في باب العمومات المخصّصة إنّما يتجه بناءً على مسلك النائيني وغيره ممن ذهب إلى أنَّ الحكم المجعول في دليل العامّ يتعنون بعد التخصيص، أي: أنَّ الباقي تحت الدائرة يتعنون بعنوان عدمي أو وجودي، كما إذا قال: (أكرم كلّ عالم) وقال: (لا تكرم الفساق) أو (لا تكرم الأُمويّين) فعلى هذا المبنى: يكون إخراج الفساق والأمويين من وجوب الإكرام بحسب عالم الجعل والتشريع يوجب تعنون الباقي تحت الدائرة بعنوان وجودي أو عدمي. فإنَّه بناءً على هذا يكون موضوع الحكم مركّباً من جزئين: أحدهما وجداني وهو العلم، والآخر ثابت بالاستصحاب وهو عدم الفسق أو عدم الأُمويّة. فبناءً على هذا المسلك يكون للبحث مجال.
وأمّا بناءً على مسلك المحقّق العراقي الذي ذهب إلى أنَّ التخصيص لا يوجب تعنون الباقي تحت الدائرة بعنوان وجودي أو عدمي، فإنَّ إخراج بعض الأفراد من دائرة الوجوب المستفاد من دليل العامّ لا يكون سبباً لتعنون الباقي بعنوان آخر، بل يثبت الحكم للباقي كما كان يثبت له قبل الإخراج،
ــــــــــ[181]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أليس كان يثبت الحكم للأفراد الباقين تحت الدائرة بما هم علماء، فإنَّه بعد الإخراج أيضاً يثبت لهم بذواتهم وبما هم علماء بلا قيد آخر عدمي أو وجودي زائد على عنوان العامّ. وإنّما لا يجب إكرام الأُمويّين والفساق لا لأجل تعنون الموضوع بعنوانٍ، بل لأجل ضيق الحكم، بحيث لا يشمل تمام العلماء، بل يختصّ ببعضهم دون بعض.
على هذا المبنى لا مجال للتمسّك باستصحاب العدم الأزلي لإثبات حكم العامّ. مثلاً إذا قال المولى: (أكرم كلّ عالم) وقال: (لا تكرم الأُمويّين منهم) هنا، لا معنى لأن نتمسّك باستصحاب عدم كون هذا الشخص -المشكوك- أموياً لإثبات وجوب إكرامه، وذلك بقطع النظر عن الإشكالات التي سوف تأتي، فإنَّ هذا الاستصحاب بنفسه لا معنى له؛ لأنَّ الاستصحاب إنّما يجري إذا كان المخصّص حكماً شرعيّاً، أو موضوعاً لحكم شرعيّ، أو قيداً أو جزءاً من موضوع الحكم الشرعيّ. والأُمويّة ليست حكماً شرعيّاً ولا موضوعاً لوجوب الإكرام، فإنَّ وجوب الإكرام في العامّ ثابتٌ للباقي بذواتهم لا بعنوان زائد، فعدم الأُمويّة لا يكون جزءاً من موضوع وجوب الإكرام حتّى يمكن التعبد باستصحابه لإثبات وجوب الإكرام. فإثبات وجوب الإكرام باستصحاب العدم الأزلي للأُمويّة لا يتمّ؛ لأنَّ الأُمويّة ليست هي الحكم بوجوب الإكرام، ولا موضوعاً له ولو ضمناً، أي: لا تكون قيداً فيه أو شرطاً.
بل لا مجال لجريان الاستصحاب حتّى لو كان عدماً متعارفاً، فلو قال المولى: (أكرم كلّ عالم ولا تكرم الفساق) والفسق مسبوق بالعدم المتعارف لا
ــــــــــ[182]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
العدم الأزلي، مع هذا فإنّ استصحاب عدم الفسق لا يمكن لإثبات وجوب الإكرام للفرد المشكوك؛ لأنَّ الفسق لم يؤخذ عنواناً للباقي في الدائرة حتّى يمكن استصحاب عدمه لإثبات وجوب الإكرام. ونفس الإشكال يأتي في استصحاب العدم الأزلي؛ لأنَّ الأُمويّة ليست موضوعاً للحكم الشرعيّ حتّى يستصحب عدمها استطراقاً لإثبات حكم العامّ على الفرد المشكوك. إذن، فلا يتمسّك بالعدم الأزلي.
إلَّا أنَّ صاحب الكفاية له عبارة ظاهرها الإشارة إلى هذا المطلب، حيث يقول بعنوان ايقاظ في باب العموم والخصوص (1): (لا يخفى أنَّ الباقي تحت العامّ بعد تخصيصه بالمنفصل، أو كالاستثناء من المتّصل لما كان غير معنون بعنوان خاصّ، بل بكلّ عنوان لم يكن ذاك بعنوان الخاصّ….) هذه العبارة ظاهرها أنَّ المحقّق الخراساني يعترف بأنّ موضوع الحكم في العامّ ليس معنوناً بعنوان خاصّ، فكأنه يوافق مسلك المحقّق العراقي في أنَّ المخصّص لا يوجب تعنون الباقي.
هذا إذا كان نظر المحقّق الخراساني إلى عالم الجعل والتشريع -أي: إذا كان مقصوده أنَّ المخصّص لا يوجب تعنون الباقي بحسب الظهور- فيكون أجنبياً عن محلّ الكلام، لكن الظاهر أنَّ المقصود ما هو مربوط بمحلّ الكلام وهو أنَّ التخصيص وإن كان لا يوجب تعنون الباقي بحسب عالم الجعل والتشريع، مع هذا نتمسّك باستصحاب العدم الأزلي. والذي يستفاد من عبارته في توجيه
ــــــــــ[183]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول:233.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ذلك: إنَّ العامّ بعد التخصيص وإن كان لا يتعنون بعنوان إلَّا أنَّ العموم حيث إنَّ مرجعه إلى إسراء الحكم إلى تمام الأقسام والأفراد بمختلف عناوينها وتقسيماتها، فيدلّ العموم على ثبوت الحكم لكلّ عنوان ينقسم إليه العالم، فيدلّ على ثبوت الحكم للعالم الفاسق، وللعالم العادل، وللعالم الهاشمي، وللعالم الأُموي.. وهكذا يدلّ العامّ على ثبوت الحكم بالنسبة إليها، إذن، لو خُلّينا نحن والعامّ لكنا نقول: إنَّ العامّ يُثبت الحكم لجميع العناوين التي ينقسم إليها العامّ، ثُمَّ إنَّ التخصيص أخرج عنوان العالم الفاسق أو العالم الأُموي، فإذا أخرجه فجميع العناوين الأخرى التي لا تنطبق على عنوان الخاصّ تبقى تحت العامّ، فالتخصيص يخرج العالم الفاسق وما ينطبق عليه وتبقى العناوين الأخرى، فيبقى تحت العامّ عنوان العالم العادل، وهو لا ينطبق على الفاسق؛ لاستحالة اجتماع الضدين، ويبقى تحت العامّ أيضاً عنوان العالم الذي ليس بفاسق، وهو لا ينطبق على الفاسق؛ لاستحالة اجتماع النقيضين. فيبقى العامّ شاملاً لهما. فهنا لا يمكن أن نُثبت عنوان العالم للعادل بالتمسّك بالعامّ. إذن، نُثبته بالاستصحاب بأن نستصحب عدم الفسق، ونقول: إنّه قبل بلوغه أو في أوّل آنات بلوغه لم يصدر منه ذنب، فنستصحب عدم صدور الفسق منه. إذن، نُثبت أحد العناوين الباقية تحت العامّ، فيثبت الحكم له.
هذا في المخصّصات العرضيّة، وكذلك المخصّصات الذاتيّة: لو قال: (أكرم كلّ عالم) وقال: (لا تكرم الأُموي) فإن العامّ لولا التخصيص كان يُثبت وجوب الإكرام لكلّ العناوين التي ينقسم إليها العامّ، وبعد التخصيص يبقى
ــــــــــ[184]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
تحت دائرة وجوب الإكرام المستفادة من العامّ عنوانان: عنوان هاشمي وهو لا يعقل أن يكون أُمويّاً، وعنوان ليس بأُموي؛ لاستحالة اجتماع النقيضين، فهذا العنوان باقٍ تحت العامّ. ونثبته للفرد المشكوك بالاستصحاب، ونقول: هو عالم بالوجدان وليس أمويّاً بالاستصحاب الأزلي.
هذا ما أفاده صاحب الكفاية بحسب ظاهر عبارته، إلَّا أنَّ هذا الذي أفاده ليس أمراً صناعيّاً، وذلك لوضوح أنَّ العامّ وإن كان يدلّ على ثبوت الحكم للأقسام والأفراد والعناوين التي ينقسم إليها العامّ، ولكنّه لا يدلّ على ثبوت حكم العامّ له بعنوانيته الخاصّة بما هو عنوان، بأن يكون كلّ عنوانٍ موضوعاً للحكم الشرعيّ، بل يدلّ على ثبوت الحكم لذات العناوين والأفراد، أمّا أنَّها هي موضوع الحكم الشرعيّ أو لا؟ فهذا مما لا يدلّ عليه العامّ.
إذن، لا يمكن أن نستفيد من دليل العامّ أنَّ الحكم الشرعيّ للوجوب قد رتب شرعاً على جميع العناوين التي ينقسم إليها العامّ، وبعد التخصيص ينكشف أنَّ الحكم رتب على عنوانين وخرج الثالث، فنُثبت أحدهما بالوجدان والآخر بالاستصحاب. هذا ليس صحيحاً؛ لأنَّ دليل العامّ لا يدلّ على أنَّ العناوين هي الموضوع للحكم الشرعيّ، ولكنّه يدلّ على أنَّها مصداق للحكم الشرعيّ، وهو أمر آخر، والمهم هو الثاني دون الأوّل.
إذن، لا يمكن على مبنى المحقّق العراقي(1) -القائل بأنّ الباقي لا يتعنون بعنوان وجودي أو عدمي- إثباته بالاستصحاب لا بالأعدام المتعارفة
ــــــــــ[185]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول1: 445، نهاية الأفكار1: 528.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
كالفسق، ولا الأزليّة كالأُمويّة؛ لأنَّ الضيق في نفس الحكم، ولا دليل بأنَّ هذا الحكم الضيق يشمل زيداً المشكوك الأُمويّة أو الفسق.
إذن، على مسلك المحقّق العراقي يتعلّق في باب العمومات البحث عن استصحاب العدم الأزلي.
نعم، للبحث حول ذلك مجال في باب المطلقات والمقيِّدات كأن يقول: (أكرم العالم) ويقول: (لا تكرم الأُموي) فهنا لا بأس بالتكلّم حول استصحاب العدم الأزلي للأُمويّة؛ لأنَّ المحقّق العراقي الذي أنكر تعنون الباقي في باب العمومات لم ينكر ذلك في باب المطلقات.
فإنَّ المطلق إذا تقيّد ينكشف أنَّ الطبيعة المأخوذة في المطلق مقيّدة بعدمه فيكون جزءاً من الموضوع. وقد انكشف وجه ذلك سابقاً(1) حيث قلنا: إنَّ دعوى تعنون الباقي إنّما تكون باطلةً في باب العمومات، أمّا في المطلقات فلا محيص من القول بتعنون الباقي بعنوان. فعلى مسلك المحقّق العراقي لا يتصوّر الكلام إلَّا في باب المطلقات.
نعم، على مسلك المحقّق النائيني ومن يوافقه يكون هناك مجالٌ في باب العمومات أيضاً؛ لأنَّه يقول بتعنون الباقي بعنوان عدمي، فقد يُدّعى أنَّه يتنقّح وجوب الإكرام للفرد المشكوك بالاستصحاب. فيكون للبحث مجالٌ.
ثُمّ إنَّ المحقّق النائيني(1) منع من جريان استصحاب العدم الأزلي
ــــــــــ[186]ــــــــــ
(1) راجع: ص148.
(2) انظر: فوائد الاصول2: 530- 536.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بوجهٍ. إلَّا أنَّ هذا الوجه بحسب الحقيقة لا يجري في تمام الموارد، بل يجري في بعض الموارد دون بعض، كما أنَّ المحقّق العراقي منع من جريانه على تقديرٍ، إلَّا أنَّ الوجه الذي بيّنه على ذلك التقدير للمنع، لو تمّ لجرى في تمام الموارد.
وتوضيح ذلك؛ لأجل تحديد محلّ البحث وتحديد النسب بين المباني:
أنَّه تارةً: يرد دليل مستقلّ في نفسه يدلّ على ثبوت حكمٍ لموضوع مركّب من ذات ووصف للذات، نحو: أكرم العالم العادل أو الهاشمي. فهذا وجوب موضوعه مركّبٌ من ذات وصفة لها. في مثل ذلك هذا الوصف الذي أخذ في موضوع الحكم وهو الهاشميّة أوالعدالة. لو فرضنا أنَّ شخصاً كان عالماً ولكن شكّكنا في هذه الصفة في كونه عادلاً أو هاشميّاً. فإنَّ فرض أنَّ هذه الصفة كانت مسبوقةً بعدم حال وجود الشخص فنستصحب عدم كونه عادلاً وننفي وجوب إكرامه؛ لأنَّ الوجوب كان مركّباً من جزئين لا بُدَّ من إحرازهما في الموضوع؛ لإثبات الحكم عليه، فينفى إحداهما بالاستصحاب، فبنفي موضوع الوجوب ينتفي الحكم. وهذا خارج عن محلّ النزاع كلّيّة.
وإن فرضنا أنَّ هذه الصفة غير مسبوقة إلَّا بالعدم الأزلي كالهاشميّة، فإنَّه كان متّصفاً بها من أول وجوده. ونحن نشكّ في كونه هاشميّاً، ونقطع بعدم هاشميته الأزليّة قبل وجوده، فنستصحب ذلك العدم الأزلي لأجل أن ننفي عنه حكم العامّ المرتّب على العالم الهاشمي.
هذه الصورة لا يستشكل فيها المحقّق النائيني والوجه الذي بيّنه
ــــــــــ[187]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
للمنع لا يجري هنا، بل يرى عدم جريانه من دون إشكال منه ومن مدرسته. إلَّا أنَّ الإشكال الذي يذكره المحقّق العراقي يجري هنا.
وأخرى: نفترض بأنَّ الدليل الوارد على ترتيب حكم على ذات وصفة، قد ورد بعنوان التخصيص لعامّ فوقاني، لا أنَّه مستقلّ في نفسه كما فرضنا في الصورة الأولى. كما إذا ورد: (لا يجب إكرام أيّ عالم) وهو عموم فوقاني، وورد: (أكرم العالم الهاشمي) فيكون مخصّصاً له. فهنا تارةً نريد أن نتمسّك باستصحاب العدم الأزلي لنفي الحكم المجعول في الخاصّ لا لإثبات حكم العامّ. فنتمسّك به لنفي حكم دليل الخاصّ، كما في المثال نفسه، فهنا نحن لا نريد باستصحاب عدم الهاشميّة أن نُثبت اندراج الفرد تحت حكم العامّ، بل المقصود هو التخلّص من محذور الوجوب الوارد في الخاصّ، فنستصحب عدم هاشميته، لا لأجل ترتيب حكم العامّ عليه؛ لعدم أهميته؛ لأنَّ مدلوله الجواز، بل لنفي حكم الخاصّ عنه. في هذه الصورة الوجه الذي ذكره المحقّق النائيني لا يأتي، ولكن الإشكال الذي ذكره المحقّق العراقي على تقدير تماميته يأتي هنا.
وأخرى: نفرض ليس المقصود من هذا استصحاب عدم الهاشميّة نفي حكم الخاصّ، بل إثبات حكم العامّ، كما لو كان حكم العامّ إلزاميّاً، نحو: (يجب إكرام كّل عالم) و(يحرم إكرام العالم الهاشمي) فباستصحاب عدم الهاشميّة نريد أن ننفي الحرمة ليثبت حكم العامّ؛ لأنَّ الموضوع بعد التخصّص تركّب من جزئين: عالم وليس هاشميّاً، فنُثبت كونه عالماً بالوجدان، وعدم كونه هاشميّاً بالاستصحاب. وهذه الصورة هي التي يرد عليها إشكال الميرزا
ــــــــــ[188]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بخلاف إشكال آغا ضياء، فإنَّه يجري في تمام المقامات من دون فرق.
نعم، المحقّق النائيني أيضاً له مقامان في هذه المسألة: مقام تعرض له في بحثه الذي قرره طلابه -السيّد الأستاذ(1) والشيخ محمد علي الكاظمي(2)– والمقام الآخر ما كتبه بنفسه في رسالة اللباس المشكوك(3). ونسبة ما كتبه بنفسه إلى التقريرات نسبة رسالة آغا ضياء إلى اللباس المشكوك.
وكيف كان فنبدأ بكلمات الميرزا في التقريرات ثُمَّ نقوم ببيان النكات الزائدة فيما كتبه بنفسه في رسالة اللباس المشكوك.
إنَّ الميرزا القائل بعدم جريان استصحاب العدم الأزلي، والسيّد الأستاذ القائل بجريانه(4)، كلاهما متفقان على الكبريات، وإنّما النزاع في صغرى المسألة، فالميرزا والسيّد الأستاذ يريان أنَّ العامّ بعد تخصيصه -نحو: (أكرم كلّ عالم) و(لا تكرم الأُموي)- يوجب تعنون الباقي تحت الدائرة بنقيض عنوان الخاصّ. هذا مسلّم به عند الميرزا وعند السيّد الأستاذ.
كما لا إشكال عندهما أنَّ العدم المأخوذ في طرف العامّ إذا كان ملحوظاً بنحو العدم المحمولي، فإنَّ استصحاب العدم الأزلي يجري. ويقصدان بالعدم
ــــــــــ[189]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 464- 471.
(2) انظر: فوائد الأصول 2: 533-539.
(3) انظر: رسالة الصلاة في المشكوك: 423.
(4) انظر: رسالة في اللباس المشكوك (الخوئي): 49.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المحمولي: عدم الوصف من دون أن يُنسب العدم إلى الموصوف الذي هو موضوع العامّ، فيقال حينئذٍ: إنَّ موضوع العامّ هو عالم مع عدم الأُمويّة، فكلّ إنسان عالم مع عدم الأُمويّة يجب إكرامه. فيكون موضوع الحكم الشرعيّ مركّباً من عالم ومن وصف عدم الأُمويّة، بلا أخذ خصوصيّة زائدة في عدم الأُمويّة. بناءً على هذا لو كان العامّ مركّباً من العامّ وصرف عدم الأُمويّة، فإنَّ استصحاب العدم الأزلي يجري؛ لأنَّ صرف العدم لم يكن موجوداً قبل وجود الشخص؛ لأنَّ الأُمويّة إضافة من الإضافات. والإضافة إنَّما توجد بوجود الموضوع، وقبل وجود الشخص لا إضافة، فعدم الأُمويّة محقّق بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، وبعد تحقّقه نشكّ بتحقّقه فنستصحب عدمه. وحيث إنَّ الموضوع مركّب من عالم وغير أُموي فهو عالم بالوجدان، وغير أُموي بالاستصحاب.
هذا، لم يستشكلا فيه لا الميرزا ولا السيّد الأستاذ في صورة العدم المحمولي. كما أنّه إذا كان العدم المأخوذ في موضوع الحكم العدم النعتيّ فلا يجري عند كلّيهما، ومقصودهما من العدم النعتيّ: هو أنَّ عدم الأُمويّة يلحظ وصفاً مرتبطاً بموصوفه بالعالم، وهو الذي يعبّر عنه بالاتّصاف بعدم الأُمويّة، فإنَّ هناك فرقاً بين عدم الاتّصاف الذي هو العدم المحمولي، والاتّصاف بالعدم الذي هو العدم النعتيّ.
فكلّ منهما يقول بعدم جريان استصحاب العدم الأزلي؛ لأنَّ اتّصافه بالعدم لم يكن محرزاً في وقت لنستصحبه؛ لأنَّه من أول وجوده هو إمّا متّصف، وإمّا غير
ــــــــــ[190]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
متّصف. أمّا قبل وجوده فلم يكن متّصفاً بشيء؛ لأنَّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له، وهو الموضوع. فإذا كان جزء الموضوع هو العدم الوصفي فعدم اتّصاف العالم به غير محرز في زمان حتّى نستصحبه؛ لأنَّ الاتّصاف فرع الوجود، وقبله لا اتّصاف، ومنذ وجد يُشكّ أنّه متّصف بالعدم أو الوجود، أي: بالأُمويّة وبعدم الأُمويّة، فلا يمكن الاستصحاب. أمّا استصحاب نفس العدم المحمولي فلا بأس به، ولكن استصحاب العدم المحمولي الأزلي لا ينقّح لنا العدم النعتيّ، أي: عدم اتّصاف هذا الشخص بالأُمويّة؛ لأنَّه من أوضح أشكال الأصل المثبت؛ لأنَّه يثبت بالملازمة العقليّة، لأنَّ استصحاب العدم المحمولي الأزلي يلازم عدم اتّصافه بالأُمويّة، ولكن هذه الملازمة عقليّة، ويكون إثباتها بنحو الأصل المثبت. هذا كلّه متفقان عليه، فلا نقاش بينهما في الكبريات.
حيث أفاد الميرزا في المقام قانوناً كلّياً، حيث قال: بأنَّ الموضوعات للأحكام الشرعيّة المركّبة من جزئين، تارةً تكون عرضاً وموضوعه، من قبيل: (الإنسان الهاشمي) فأحد الجزئين -وهو الإنسان -موضوع، والجزء الثاني
-وهو الهاشمي- عرض قائم بالإنسان. من دون فرق أن يكون الوصف وجوديّاً أو عدميّاً، كالهاشميّة وعدم الهاشميّة.
وأخرى: يكون موضوع الحكم الشرعيّ مركّباً من غير هذين: -العرض وموضوعه- فإمّا مركّبين من جوهرين قائمين بأنفسهما، أو من عرضين لجوهرين، أو من جوهر وعرض لجوهر آخر، أو من عرضين لجوهر واحد.
فأمّا تركّبهما من جوهرين نحو: إذا جاء زيد وجاء عمرو فيجب التصدق.
ــــــــــ[191]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فموضوع الحكم الشرعيّ بوجوب الصدقة مركّب من جوهرين.
وأمّا تركّبهما من جوهر وعرض من جوهر آخر نحو: إذا وجد زيد ووجدت العدالة في عمرو فيجب التصدق.
وأمّا تركّبهما من عرضين في جوهر واحد كما إذا قال: إذا أصبح زيد عادلاً عالماً فيجب إكرامه. هذه كلّها جعلّها الميرزا قسماً ثانياً في قبال القسم الأوّل الذي هو تركّب الموضوع من جزئين هما العرض وموضوعه.
فإذا فرضنا في المقام أنَّ موضوع الحكم الشرعيّ كان مركّباً من جوهرين، أو من عرضين، أو من جوهر وعرض في جوهر آخر، أي: إذا كان الموضوع مركّباً من زيد وعمرو، فلا معنى لأن يؤخذ زيدٌ وصفاً لعمرو؛ لأنَّ الجوهرين لا يكون أحدهما وصفاً للآخر، بل الموضوع هو ذات هذا وذات هذا، أي: بدون أن يُلحظ زيد في جانب عمرو ولا عمرو في جانب زيد. وحين الاستصحاب تلحظ الحالة السابقة في كلّ منها مستقلاً، فإن كانت له حالة سابقة يستصحب وإلَّا فلا.
وهذا لا يفرق فيه بين أن يكون أحد الجزئين عدماً أو وجوداً، فإنَّه تارةً يؤخذ الموضوع اجتهاد زيدٍ وعدالة عمرو، فهنا لا معنى لأن تؤخذ عدالة زيد وصفاً لاجتهاد عمرو ولا العكس. ففي مثل هذه الموارد لو فرض أنَّ أحد الجزئين كان عدماً، فإنّ العدم في المقام يكون عدماً محموليّاً لا محالة، أي: عدم غير متّصف بتبعيته للجزء الآخر من الموضوع. فهنا لو كان الموضوع هو اجتهاد زيد وعدم عدالة عمرو فإنَّ اجتهاد زيد لا يتّصف بعدم عدالة عمرو،
ــــــــــ[192]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فعدم عدالة عمرو يؤخذ بما هو عدم صرف ومطلق، أي: بنحو العدم المحمولي. فلو فرضنا أنَّ عدم عدالة عمرو كانت متيقّنة قبل اجتهاد زيد، بمعنى: أنَّ عمرو لم يكن عادلاً حينما لم يكن زيد مجتهداً، وحينما صار زيد مجتهداً أشكّ هل بقي عدم عدالة عمرو، فعدم العدالة في المقام متيقّن السابق ومشكوك اللاحق فيستصحب، فيثبت أحد الجزئين وهو اجتهاد زيد بالوجدان، والجزء الآخر من الموضوع -وهو عدم عدالة زيد- باستصحاب العدم الأزلي، وهو عدم العدالة المحمولي الثابت ولو قبل وجود الجزء الآخر.
هذا على القسم الثاني، أمّا القسم الأوّل هو ما إذا كان الموضوع مركّباً من جزئين هما العرض ومحلّه. كما لو كان مركّباً من الإنسان والأُمويّة أو منه ومن عدم الأُمويّة. هنا قال الميرزا(1): إنَّ الجزء الثاني هنا يختلف عن الجزء الثاني في الأقسام السابقة، فإنَّ القسم الثاني هناك كان من الأمور المستقلّة، فإن الأعراض لها ماهيّات مستقلّة في ذاتها قابلة للتعقّل في ذاتها مع قطع النظر عن موضوعاتها، وبهذا تمتاز عن النسب التي لا يعقل استقلالها بالتصوّر.
فتارةً نتصوّر الأعراض في نفسها وجوداً وعدماً، وتارةً تتصوّرها بما هي نعت لموضوعها الذي هو محلّها، وهذا الاعتبار في هذا القسم معقولٌ وإن كان هناك غير معقولٍ؛ لأنَّ عدالة عمرو ليست عرضاً لاجتهاد زيد. أمّا في هذا القسم فتتصوّر الأُمويّة من أعراض الإنسان المربوطة به، وكذلك تتصوّر عدم الأُمويّة أيضاً بما هو هو تارةً ووصفاً للإنسان مربوطاً به تارةً أخرى، والأوّل
ــــــــــ[193]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 4: 507.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
هو الملاحظة المحموليّة للوصف، والآخر هي الملاحظة النعتيّة للوصف.
وهنا يقول الميرزا: بأنَّ جريان استصحاب العدم الأزلي موقوفٌ على بيان أنّ هذا الوصف كيف لوحظ، هل لوحظ بالملاحظة المحموليّة الاستقلاليّة أو بالملاحظة النعتيّة؟ فإنَّ عدم الأُمويّة الذي هو جزء من موضوع العامّ إذا لوحظ بما هو عدم في نفسه، مع قطع عن كونه وصفاً، فالاستصحاب حينئذٍ يجري؛ لأنَّ هذا العدم له حالة سابقة فنستصحبها. أمّا إذا فرضنا أنَّ عدم الأُمويّة كان ملحوظاً بالملاحظة النعتيّة، أي: بما هو وصف للموضوع، فهذا الاتّصاف ليس له حالة سابقة؛ لأنَّ الاتّصاف فرع ثبوت الموضوع، فقبل وجوده لا يعقل الاتّصاف، وبعد وجوده نشكّ بالاتّصاف، فلا يمكن الاستصحاب. واستصحاب العدم الأزلي المحمولي وإن كان ممكناً إلَّا أنّه لا يثبت عدم الاتّصاف إلَّا بالملازمة العقليّة، فيكون مثبتاً.
ولم يبقَ من كلام الميرزا إلَّا إقامة البرهان على أنَّ المأخوذ في موضوع العامّ هو العدم النعتيّ لا المحمولي.
وقبل الدخول في البحث الصغروي لا بُدَّ من تحقيق هذا الكلام.
أقول: هذا الكلام له شقان أحدهما في الموضوعات المركّبة من عرضين، أو جوهرين، أو جوهر وعرض في جوهر آخر. والكلام في كيفيّة أخذ هذه الأجزاء في الموضوع، وكيف يجري الاستصحاب لإثباتها؟ هذا البحث لا يبحث هنا، وإنّما نبحثه في التنبيه الحادي عشر من بحث الاستصحاب.
وأمّا الشقّ الثاني: فهو مرتبط بمقامنا، أي: في مسألة استصحاب العدم الأزلي،
ــــــــــ[194]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وهو ما إذا تركّب الموضوع من العرض ومحلّه، من الأُمويّة أو عدم الأُمويّة.
حيث قالوا(1): إنَّ العدم تارةً يلحظ بما هو هو ويسمّى بالمحمولي، وتارةً يلحظ بما هو وصف للمحلّ فيسمّى بالنعتيّ. فإن كان المأخوذ في الموضوع هو العدم المحمولي فيجري الاستصحاب، وإن كان المأخوذ هو العدم النعتيّ فلا يجري الاستصحاب.
ونحن نقول: بأنَّ هذا العدم الذي يتصوّر على نحوين: تارةً يلحظ استقلالاً فيسمّى عدماً محموليّاً، وتارةً يلحظ وصفاً فيسمّى عدماً نعتيّاً. وهنا في المقام لا بُدَّ من شرح معنى العدم النعتّي الذي انيط به جريان استصحاب العدم في المقام؛ لنرى أنَّها هل حقيقة تمنع عن جريان الاستصحاب -كما توافق عليه الميرزا والسيّد الأستاذ- أو لا تمنع؟
النعتيّة مفسّرة في صريح كلام السيّد الأستاذ(2) وظاهر كلام المحقّق النائيني(3)، بالوجود الرابط، فإنَّهما -على اختلافهما بالصراحة والظهور-يقولان: إنَّ الوصف بالنسبة إلى موضوعه يكون بينهما وجود رابط، يربط بالذات بين العرض والموضوع. والوجود الرابط -بحسب مدّعى بعض
ــــــــــ[195]ــــــــــ
(1) انظر: منتهى الأصول:149، رسالة في استصحاب العدم الأزلي (العراقي): 177.
(2) انظر: رسالة في اللباس المشكوك (الخوئي): 49.
(3) انظر: رسالة الصلاة في المشكوك: 423.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الفلاسفة المتأخّرين(1)– هو أخس أنواع الوجود، كما بينّا في المعنى الحرفي(2)، حيث إنَّ الوجود -بحسب اعتقاد هؤلاء الفلاسفة- على أقسام: وجود في نفسه لنفسه بنفسه، وهو وجود الواجب، وهكذا يُنزّل إلى الجواهر ثُمَّ إلى العرض، ثُمَّ إلى الوجود الرابط الذي هو أخس الموجودات. فمقصودهما من النعتيّة: هو ملاحظة الوصف بما هو مربوط بالوجود الرابط. بمعنى: أنّنا تارةً نلحظ الأُمويّة بما هي هي، وتارةً نلحظها بما هي مربوطة بالوجود الرابط.
فإذا فسّرنا النعتيّة بهذا المعنى -وهي عبارة عن أخذ الوصف بما هو مربوط بالوجود الرابط- ينتج من هذا ما استنتجه السيّد الأستاذ، حيث قال: إنَّه لا معنى لأن يؤخذ العدم في موضوع الحكم الشرعيّ؛ لأنَّه لا يعقل أن يتقوّم الربط الوجودي بين أمرين عدميين، أو بين أمر وجودي وأمر عدمي؛ لأنَّه وجود في غيره، فلا بُدَّ أن يكون لغيره وجود، والوجود في العدم لا معنى له.
فالوجود الرابط لا يعقل أن يتقوّم بين العدم العرض وموضوعه. نعم، هو تامٌّ بين الأُمويّة والإنسان، ولكنّه لا يعقل أن يقوم بين الإنسان وعدم الأُمويّة. ومن هنا أوّل السيّد الأستاذ العدم النعتيّ، وارتكب محذور التأويل في المقام، فذكر أنَّ العدم النعتيّ يرجع إلى أخذ خصوصيّة ثبوتيّة ملازمة مع العدم. فلو فرض أنَّ عدم الأُمويّة ملازم مع الكرم بأن يكون الإنسان إذا لم يكن أمويّاً فهو كريم، فمعنى أخذ عدم الأُمويّة نعتاً في موضوع الحكم الشرعيّ
ــــــــــ[196]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية1: 26، التحقيق في المعنى الحرفي.
(2) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه1: 219.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
عبارة عن أخذ الكرم في الموضوع، غاية الأمر أنَّ الكرم يؤخذ بما هو نعتي؛ لأنَّه أمر وجودي، ويمكن تصوّر وجود الربط بينه وبين الموضوع. وباعتبار الملازمة يقال: بأنَّ العدم أُخذ في الموضوع، وإلَّا فإنَّ المأخوذ في الموضوع حقيقة هي تلك الخصوصيّة الوجوديّة الملازمة له.
بناءً على هذا التشريح للعدم النعتيّ، يتمّ ما به الاتّفاق بين الميرزا والسيّد الأستاذ؛ لأنَّ معنى أخذ هذا العدم في الموضوع هو أخذ الخصوصيّة الثبوتيّة فيه وهي الكرم، فلا معنى لجريان الاستصحاب؛ لأنّنا لا بُدَّ أن نُثبت بالاستصحاب الكرم، وليس للكرم حالة سابقة؛ لأنّنا حين نشكّ بعدم أُمويّته نشكّ في كرمه. فما به الاتّفاق يكون تامّاً، وهو أنّه إذا أُخذ العدم النعتيّ في الموضوع فلا يعقل جريان استصحاب العدم الأزلي، وإذا أُخذ العدم المحمولي في الموضوع فيكون لجريانه مجالٌ.
اشكال على البيان المتقدم للنعتيّة
إلَّا أنَّ تفسير النعتيّة وجوداً وعدماً بالوجود الرابط غير صحيحٍ:
أوّلاً: لمّا حقّقناه في مبحث المعاني الحرفيّة(1) من إنكار الوجود الرابط، حيث قلنا: إنّه ليس هناك وجود يتوسط بين العرض وموضوعه، فلا معنى لتفسير النعتيّة في طرف الإثبات أو العدم بهذا المعنى.
ثانياً: بالإضافة إلى أنَّ هذا المعنى من النعتيّة، حتّى بناءً على القول بالوجود الرابط، فإنَّه يكون بين المقولات العرضيّة الحقيقيّة، كالعلم والعدالة والأُمويّة،
ــــــــــ[197]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه1: 219.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وبين موضوعاتها، لا بين مطلق الأوصاف وموضوعاتها. فلو فرض أنّه جاء عام: كلّ زوجة يجب الإنفاق عليها، ومخصّص: إلَّا الزوجة المطلّقة، فيكون هنا موضوع العامّ مركّباً من جزئين: من زوجة ومن عدم كونّها مطلقة. وهنا وصف الطلاق لا يعقل أن يكون هناك وجود رابط بينه وبين المرأة؛ لأنَّ إضافته اعتباريّة لا حقيقيّة؛ لأنَّ الطلاق قائمٌ بالمطلق، قياماً صدورياً، وقيامه بالمرأة قياماً اعتبارياً. فلا يمكن أن يفرض أنَّ هناك وجوداً رابطاً بين الطلاق والمرأة فضلاً عن وجوده بين عدم الطلاق والمرأة.
ثالثاً: أنّنا إذا فسّرنا النعتيّة بهذا المعنى فلا موجب للقول بأنَّ الوصف يلحظ بنحو النعتيّة، وأنَّ الأُمويّة تلحظ بما هي نعت، بمعنى أنَّ الدليل الذي أقامه الميرزا على لزوم ملاحظة الوصف بنحو النعتيّة لا يتمّ. إذن فلا بُدَّ من تفسير آخر للنعتيّة، وبه يبطل أصل ما به الاتّفاق بين السيّد الأستاذ والميرزا.
قد تفسّر النعتيّة في المقام بمعنى التضييق والتحصيص، وهما غير الوجود الرابط، كما سبق أن حقّقنا في مبحث المعاني الحرفية(1). فإنَّ المفاهيم الكلّيّة، كلّ منها بحد ذاته قابل للتحصّص إلى حصص متعددة، فمفهوم الإنسان قابل لأن يتحصّص إلى تركي وعراقي وهندي. والعلم قابل لأن يتحصّص إلى الأصول والفقه والفيزياء، وهكذا باقي المفاهيم الكلّيّة، فإنَّها قابلة لأن تتحصّص إلى حصص وتتضيق بها.
ــــــــــ[198]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه1: 216.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
والتحصّص يتصوّر مع قطع النظر عن الوجود، بمعنى أنَّ الوجود هو وجود للمحصّص، لا أنَّ التحصيص هو في مرتبة الوجود. فالإنسان يوجد بحسب الخارج وبحسب الذهن، فيكون هذا الوجود وجوداً للحصة لا أنَّه وجودٌ للطبيعي، ويكون التحصّص في مرتبة الوجود، وقد أسمّينا ذلك في مباحث الحروف بالتقييد والتضييق في عالم المفاهيم(1). وهو يقابل الوجود الرابط؛ لأنَّ التحصيص في عالم الوجود هو الذي يسمّى بالوجود الرابط. وقد قيل في بحث المعاني الحرفيّة(2): بأن الحروف وضعت لتضييق المعاني وتحصيصها.
ومقصودنا من التضييق والتحصيص هذا المعنى: وهو أن يتصوّر في الأوصاف بالنسبة إلى موضوعاتها كالأُمويّة بالنسبة إلى محلّها، إنَّها تتحصّص إلى حصتين أُمويّة في العالم وأُمويّة في غيره، وأُمويّة في زيد وأُمويّة في عمرو. فحينما يقال: إنَّها تؤخذ بما هي وصف للذات، أي: بما هي وصف لزيد أو للعالم. ومرجع ذلك إلى تحصيص جامع الأُمويّة ومفهومها بحصّة خاصّة هي الحصّة المقيّدة بهذا الموضوع الخاصّ.
هذا المعنى من التحصيص والتضييق متعقّل في الأوصاف، وغير متعقّل في الأقسام الأخرى كالجوهرين والعرضين؛ إذ لا معنى لأن تكون عدالة عمرو مضيّقة من ناحية اجتهاد زيد؛ لأنَّ عدالة عمرو ليس من خصوصيّات اجتهاد
ــــــــــ[199]ــــــــــ
(1) انظر: بحوث في علم الأصول2: 129.
(2) انظر: مصباح الأصول:1: 75، الهداية في الأصول1: 68.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
زيد. نعم، يمكن أن تتحصّص تلك الأقسام بالواسطة وذلك بالمقارنة، فيقال: إنَّ عدالة عمرو حصّتان حصّة مع اجتهاد زيد وحصّة مع عدمه. ولكن ذلك يرجع إلى مفهوم المقارنة لا إلى نفس الوصف بلحاظ الجزء الآخر من الموضوع. بخلاف الوصف وموصوفه، فإنَّ الوصف قابل للتحصيص ابتداءً بدون حاجة إلى المقارنة. فهذا أمر تتميز به الأوصاف من غيرها.
فالجوهر بالنسبة إلى الجوهر، والعرض بالنسبة إلى العرض لا يمكن أن يتحصّص إلَّا بالمقارنة؛ لأنَّ المقارنة وصفٌ قائمٌ به فيتحصّص بموجبه، ولا يمكن أن يتحصّص ابتداءً، بخلاف الوصف بالنسبة إلى موصوفه، فإنَّه يتحصّص ابتداءً، فالأُمويّة تتحصّص إلى حصّتين: حصّة تتحقق بالعالم، وحصّة بغيره. فالأُمويّة المأخوذة بما هي نعتيّة، أي: مقيّدة بالعالم.
الاشكال على التفسير الثاني للنعتيّة
إذا كان هذا هو معنى النعتيّة فهو صحيح، وبه يمتاز الوصف عن غيره، ولكن هذا المعنى غير متعقّل في الأعدام، فإنَّه متعقّل في الإثبات دون النفي. فإنَّ الأُمويّة تتحصّص، ولكن عدم الأُمويّة لا تتحصّص إلى حصّة في العالم وحصّة في غيره، فإنَّ التحصيص يكون دائماً في المعدومات لا في نفس العدم، أي: معروض العدم في المرتبة السابقة على العدم المأخوذ في الحكم الشرعيّ، فعدم الأُمويّة لا يتحصّص في العالم وفي غير العالم، وإلَّا لكفى أن لا يكون الجاهل أموياً في ترتب الحكم، مع أنَّه لا يكفي. فالتحصّص في العالم إنّما يؤخذ في طرف معروض العدم في الرتبة السابقة على العدم، لا في طرف نفس العدم.
ــــــــــ[200]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وبتعبير آخر: أنَّ أخذ قيد عدمي في موضوع الحكم الشرعيّ، إنّما هو لأجل مانعيّة الأُمويّة في الحكم. فنساءل هل المانع هو صرف الأُمويّة؟ فيلزم أنّه إذا كان الجاهل غير أموي يكفي في ترتب الحكم، مع أنّه لا يكفي في ترتب الحكم على العالم، وإنّما المانع هو حصّة خاصّة من الأُمويّة، هي أموية العالم. فالتحصيص يؤخذ في طرف المعدوم لا في طرف نفس العدم. إذن، فالعدم ليس محصّصاً ولا مقيّداً بوجه من الوجوه، فيمكن أن يجري استصحابه؛ لأنَّه موجودٌ قبل وجود الموضوع، فلا يكون العدم نعتيّاً، بل عدم لوصف نعتيّ، وكم فرق بينهما!! فبناءً على ما برهنّا عليه من أنَّ العدم لا يقبل التضييق، وإنّما يكون التحصيص في المعدوم، فلا يعقل أن يكون العدم نعتيّاً في نفسه. فالنعتيّة غير مقصودة في المقام.
وقد يقال: نعتيّة العدم يرجع إلى التقييد بالمقارنة، بمعنى: أن أخذ عدم الأُمويّة بما هو نعتي، أي: أخذه بالمقارنة إلى وجود العالم، فيمكن أن يقال: إنَّ جزء الموضوع ليس هو العدم المطلق، بل العدم المقارن لوجود العالم المقيّد بوجود العالم. ومن المعلوم أن العدم المقارن بوصفه مقارناً ليس له حالة سابقة في العدم الأزلي؛ لأنَّه لم يكن مقارناً للموضوع، فلا يمكن استصحابه.
هذا النوع من النعتيّة معقولٌ، وعدم جريان الاستصحاب به صحيحٌ، لكن هذا يأتي في تمام الأقسام، فيأتي في الجوهرين والعرضين، فإذا كان الموضوع مركّباً من اجتهاد زيد وعدم عدالة عمرو فإنَّه يمكن أن يؤخذ عدم عدالة عمرو مقيّداً بالمقارنة مع اجتهاد زيد. فلا يكون لهذا القسم -وهو ما إذا كان الموضوع
ــــــــــ[201]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
مركّباً من الوصف وموضوعه- مزّيةً على الأقسام الأخرى.
إذن، فالنعتيّة لا يخلو أمرها من أحد هذه المعاني الثلاثة:
أوّلاً: أن تكون بمعنى الوجود الرابط، وقد أنكرنا الوجود الرابط بالإضافة إلى المناقشات الأخرى.
ثانياً: أن تكون عبارة عن التحصيص والتقييد بحسب عالم المفاهيم.
ثالثاً: أن يكون مرجعها إلى التقييد بالمقارنة.
والأوّل غير معقولٍ في مطلق الوصف، بل في طرف الإثبات فقط دون طرف النفي؛ لأنَّ العدم لا يتحصّص إلى حصّتين، بل التحصّص يؤخذ في موضوع العدم. وأمّا النعتيّة بالمعنى الثالث، فإنَّه وإن كان معقولاً في كلّ من طرف الإثبات والنفي لكن يجري في تمام الأقسام، وليس لهذا القسم مزّية خاصّة.
ويلحق بهذا الاحتمال أن يراد بالنعتيّة، دعوى كون وجود العرض بنفسه رابطاً، فإنَّ من ينفي الوجود الرابط يقول: إنَّ وجود العرض هو بنفسه يرتبط بالموضوع بلا حاجة إلى رابط، ومن هنا قيل: إنَّ وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه. فليس المقصود من النعتيّة هو الوجود الرابط، بمعنى: أن يكون هناك وجودٌ ثالث زائد على العرض والموضوع، بل المقصود منها هو سنخ ربط العرض بموضوعه؛ لأنَّه يرتبط بنفسه بلا حاجة إلى رابط. وهذا
ــــــــــ[202]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
التفسير للنعتيّة يظهر من المحقّق النائيني في رسالة اللباس المشكوك(1). وهو الاحتمال الأوّل من هذا التفسير.
إلَّا أنَّ هذا التفسير لا يتمّ في طرف الوجود؛ فلا يتمّ في طرف العدم. فإنَّه لو قيل: إنَّ وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه، وإنّه مرتبط به ذاتاً به، فلا يعمّ العدم؛ لأنَّ عدم العرض غير مرتبط بموضوعه؛ لأنَّه إنّما يرتبط العرض بموضوعه لحاجته إلى الموضوع في عالم الوجود، وهذه الحاجة ثابتةٌ حال وجود العرض دون حالة العدم، فإنَّ العدم غير محتاج إلى القيام في موضوع.
فالنعتيّة بمعنى الربط الوجودي الخارجي -إمّا بمعنى الوجود الرابط، الذي يكون وجوداً ثالثاً زائداً عن وجود العرض وموضوعه، وإمّا بمعنى أنَّ نفس وجود العرض هو عين وجوده لموضوعه -لا معنى محصّل لها، على الأقل في طرف العدم، لأنَّ العدم غير مرتبط في الموضوع في عالم الوجود؛ لأنَّ حاجة العرض إلى التقوم بالموضوع، إنّما تكون في طرف الوجود دون طرف العدم.
فاحتمال كون المقصود من ناعتيّة العدم الربط الوجودي الخارجي -سواء أريد به الوجود الرابط، أو الوجود الرابطي- لا مجال له.
الاحتمال الثاني من النعتيّة: أن يراد بالعدم النعتيّ، العدم النعتيّ المضيّق في مرتبة الموضوع، فإنَّه كما تتحصّص الأشياء من ناحية خصوصيّاتها، كذلك يتحصّص العدم باعتبار موضوعه، فعدم العدالة يتحصّص إلى عدم العدالة في
ــــــــــ[203]ــــــــــ
(1) انظر: رسالة الصلاة في المشكوك: 423.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
زيد وعدمها في عمرو. فالمقصود من العدم النعتيّ: هو العدم المضيّق في موضوعه. وهو غير الوجود الرابط كما يظهر ذلك من مبحث المعاني الحرفيّة(1)، وخاصّة من مقارنة رأي السيّد الأستاذ بغيره.
فإذا أريد بالعدم النعتيّ التضييق والتحصيص هذا المعنى فهو وإن كان معقولاً في طرف الوجود، إلَّا أنَّه غير معقولٍ في طرف العدم، فإنَّ عدم العدالة لا يمكن أن تتحصّص إلى حصّتين؛ لأنَّ العدم لا يتحصّص، وإنّما يكون التحصيص في طرف المعدوم ومعروض العدم، فالناعتيّة بهذا المعنى أمر غير معقول.
الاحتمال الثالث من النعتيّة: أن يكون معنى العدم النعتيّ هو أخذ مفهوم ثالث -غير العدم وموضوعه- هو مفهوم المقارنة، يعني عدم الأُمويّة المقارنة مع وجود العالم في الخارج. وهذا العدم معقولٌ وليس له حالة سابقة فيبطل الاستصحاب الأزلي. إلَّا أنَّ هذا المعنى من الناعتيّة غير مختصّ بالعرض وموضوعه، بل يشمل ما إذا كان الموضوع مركّباً من جوهرين، أو عرضين، أو جوهر وعرض من جوهر آخر، فإنَّه يمكن أن يؤخذ أحدهما مقيّداً بالمقارنة مع الآخر. مع أنَّ السيّد الأستاذ، وأستاذه ذكرا أنَّ الناعتيّة تختص بالعرض وموضوعه. هذا خلاصة ما ذكراه.
ثُمَّ لو فرض أنّا سلّمنا أنَّ العدم يتحصّص ويتقيّد بالموضوع كما يتقيّد ويتحصّص الوصف، وقطعنا النظر عن إشكالنا على الوجه الثاني -الذي هو بمعنى: أنَّ الناعتيّة هو تحصّص العدم بالموضوع كما يتحصّص الوصف-
ــــــــــ[204]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه1: 219.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وقلنا: إنَّ عدم العدالة يتحصّص إلى عدم العدالة في زيد وإلى عدمها في عمرو، كما يتحصّص الوصف إلى عدالة أو أُمويّة زيد وعمرو. لو تعقّلنا التحصّص في طرف العدم كالتحصّص في طرف الوجود، فننقل الكلام إلى الكبرى. وهي أنَّ أخذ العدم بهذا المعنى من النعتيّة هل يبطل استصحاب العدم الأزلي أو لا يبطله؟ وهل يكفي في بطلان استصحاب العدم الأزلي بأن نقول: إنَّ العدم المأخوذ في موضوع الحكم هو عدم الأُمويّة المقيّدة بها على وصف للإنسان أو للعالم؟ أي: هل يكفي في مقام المنع عن جريان استصحاب العدم الأزلي دعوى: أنَّ العدم إذا أُخذ مقيّداً بالاتّصاف بالموضوع فليس له حالة سابقة؛ لأنَّه مشكوك من أوّل الأمر، فلا يمكن الاستصحاب؟
هنا لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لأنَّ العدم حينما يؤخذ مقيّداً بنحو الوصفيّة بالنسبة إلى الموضوع، فإنَّ طرف التقييد تارةً يكون هو الذات، وتارةً يكون هو وجود الذات. فإنَّ هذا متصوّر في طرف العدم، كما هو متصوّر في طرف الوجود.
أمّا في طرف الوجود لو فرضنا أنَّ العدالة بوجودها النعتيّ أُخذت قيداً، بمعنى: أنّ التحصّص والتقييد تارةً يأخذ الوصف بما هو وصف للعالم المفروغ عن وجوده، نحو: إذا وجد العالم، وكان عادلاً، واتّصف بالعدالة، فأكرمه، بحيث إنَّ طرف الاتّصاف بالعدالة هو العالم الموجود، ويعبّر عنه بالقضيّة التامّة الشرطيّة. وأخرى تؤخذ العدالة بما هي وصف للذات ثٌمَّ يطرأ عليها الوجود، بحيث إنَّ الوجود يطرأ على الذات العادلة، أي: على الذات بعد تقييدها
ــــــــــ[205]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بالعدالة، ويعبّر عنه عرفاً بـ(الجمل الناقصة التقييديّة) نحو: إذا وجد العالم العادل فأكرمه. فيكون العالم مقيّد في المرتبة السابقة بالعدالة، ثُمَّ قيل: إذا وجد فأكرمه، فالعدالة أخذت وصفاً، إلَّا أنَّ طرف التقييد هو الذات لا الوجود.
هذا في طرف الإثبات، أي: في فرض وجود العدالة. وهذا التقسيم لا يُثمر شيئاً، خلافاً للمحقّق العراقي، كما سوف يأتي مبناه مع جوابه.
ولكن في طرف العدم يُثمر شيئاً، فإنَّ عدم الأُمويّة تارةً يؤخذ بما هو وصف للذات في المرتبة السابقة، وتارةً يؤخذ وصفاً للذات في مرتبة وجودها. فإذا أُخذ عدم الأُمويّة وصفاً للذات في مرتبة وجودها، فلا حالة سابقة لها؛ لأنَّها منذ وجدت مشكوكة الاتّصاف بالأُمويّة أو الهاشميّة، فلا يقين سابق عندنا حتّى نستصحبه.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ طرف التقييد كان هو الذات، نحو: العالم الذي ليس أُمويّاً يجب إكرامه، بحيث يكون فرض عدم الأُمويّة فرض مقيّد ووصف للذات، لا أنّه وصف للذات بعد فرض وجودها. على هذا يكون لها حالة سابقة؛ لأنَّ الذات قبل وجودها كما هي متّصفة بعدم نفسها كذلك هي متّصفة بعدم أعراضها.
لو قيل: إنَّ عدم العرض يتحصّص من ناحية الذات، وتعقّلنا ذلك فهذا الموضوع قبل أن يوجد في الخارج كان متّصفاً بالعدم في نفسه وأعراضه، فالعدالة والأُمويّة معدومة أيضاً، فيستصحب عدمها.
ولو قيل بمعقوليّة أخذ التوصيف في طرف العدم، فهذا الاتّصاف في نفس
ــــــــــ[206]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الأمر والواقع مطابق للواقع، بحيث لو أنَّ مؤمناً أخبر عنه لكان صادقاً. وقد اشتهر على الألسنة(1): أنَّ اتّصاف شيء بشيء فرع ثبوت ذلك الشيء المتّصف، أو فرع ثبوت المثبت له.
وهذا الكلام المشهوري وإن كان صحيحاً إلَّا أنَّ معناه هو: أنَّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت ذلك الشيء على نحو من الثبوت المناسب لثبوت المثبت له. فإنَّ ثبوت أمر ذهني لأمر ذهني أخر لا يلزم أن يكون المثبت له موجوداً في الخارج، بل يمكن أن يكون وجوده في الذهن، وكذلك الثبوت في لوح الواقع لا يقتضي أكثر من أن يكون له مطابق في لوح الواقع، فلو فرضنا أنَّ الوصف الذي يثبت للذات هو عدم محض، وليس له جنبة وجود أصلاً، فهو لا يقتضي ثبوت الذات بنحو من أنحاء الثبوت؛ لأنَّ ثبوت الوصف للذات لا بُدَّ أن يكون بنحوٍ مناسبٍ لثبوت الذات.
نعم، هذه القضيّة صادقة في لوح الواقع، وهي كون زيد متّصفاً بالعدم، وبعدم عرضه وهو العدالة أو الأُمويّة، هذه القضية صادقة بحسب لوح الواقع لا بحسب عالم الذهن، ولا بحسب عالم الخارج. فإن كانت صادقة بحسب لوح الواقع فلا تستدعي ثبوت الموضوع بحسب عالم الذهن ولا بحسب عالم الخارج.
فعلى هذا ينبغي أنَّ يفصّل بين ما إذا كان طرف التقييد هو الذات أو هو وجود الذات. فإذا كان طرف التقييد هو وجود الذات، فلا يمكن الاستصحاب لعدم إحراز حالة سابقة. وإذا كان طرف التقييد هو الذات بنفسها، ويطرأ
ــــــــــ[207]ــــــــــ
(1) انظر: بداية الحكمة:22.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
عليها الوجود، فكما أنَّها كانت معدومةً، فكذلك كانت أعراضها معدومة، فيجري الاستصحاب.
ولكن هذا بيان تنزلي على تقدير أنَّ عدم العدالة يمكن أن يتحصّص من طرف الموضوع، لكن لا تصل النوبة إلى هذا الكلام عندنا، فإنّنا نقول رأساً: إنَّ النعتيّة بمعنى التحصيص والتضييق أمرٌ غير معقول.
وبهذا اتّضح: أنَّ النعتيّة في عدم العرض غير معقول، بحيث يختصّ ذلك بباب الأعراض ولا يسري إلى الجواهر. فلو فرض أنَّ العدم كان مأخوذاً في موضوع العامّ فلا يتصوّر إلَّا بنحو العدم المحمولي دون العدم النعتيّ.
نعم، يتصوّر أن لا يكون العدم مأخوذاً في الموضوع، ولكن المأخوذ خصوصيّة وجوديّة ملازمة مع العدم، كالكرم الملازم لعدم الأُمويّة. فهذا أمرٌ معقول ثبوتاً أن يؤخذ في موضوع العامّ خصوصيّة ملازمة للعدم، فيسمّى بالعدم النعتيّ، ولكنّه مجرّد لفظ غير مطابق للواقع.
فلابدَّ أن يقال بنحو التشقيق والترديد: إمّا أن يكون العدم مأخوذاً في موضوع العامّ، فلا بُدَّ أن يؤخذ محموليّاً ولا يتصوّر أن يؤخذ ناعتياً، وإمّا أن يكون المأخوذ في موضوع العامّ خصوصيّة أخرى ملازمة لعنوان المخصّص الملازم لعدم الأُمويّة. وعلى هذا فلا بُدَّ أن يفصّل في جريان استصحاب العدم الأزلي فيقال: إذا كان المأخوذ في الموضوع هو العدم فيجري الاستصحاب؛ لأنَّه لا يتصوّر أن يكون العدم نعتيّاً، بل محموليّ. وإذا كان المأخوذ هو خصوصيّة وجوديّة ملازمة للعدم، فلا ينفع استصحاب العدم الأزلي في إثباتها؛ لأنَّ هذه
ــــــــــ[208]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الخصوصيّة مشكوكة وليس لها حالة سابقة، وإثبات عدمها باستصحاب العدم الأزلي مثبت؛ لأنَّه يثبت بالملازمة العقليّة. هذا في تحقيق ما به الاتّفاق بين السيّد الأستاذ وأستاذه.
نعم، يبقى الخلاف في أنَّ المأخوذ في موضوع الحكم الشرعيّ هل هو العدم المحمولي أو العدم النعتيّ؟ فإذا كان المأخوذ هو العدم المحمولي فإنَّ استصحاب العدم الأزلي يجري، وإن كان هو العدم النعتيّ فلا يجري، فهما يختلفان في أسلوب الاستدلال على هذا، فالميرزا يرى أنَّ المأخوذ في موضوع الحكم هو العدم النعتيّ فلا يجري استصحاب العدم الأزلي ويقيم برهاناً على أنّه لا يُعقل أن يكون المأخوذ في موضوع العامّ العدم المحمولي، بل لا بُدَّ أن يكون المأخوذ هو العدم النعتيّ. أمّا السيّد الأستاذ يناقش في البرهان ثُمَّ يرى -بالاستظهار العرفي- أنَّ المأخوذ هو العدم المحمولي.
فنقطة الخلاف بين العلمين أنَّ أيّ العدمين مأخوذاً في موضوع الحكم.
بعد فرض تعنون المسألة -بهذا العنوان- أنّه بحسب الثبوت يؤخذ في الموضوع العدم المحمولي، وشيء آخر يسمونه بالعدم النعتيّ، ومرجعه بحسب مدّعانا إلى أخذ خصوصيّة وجوديّة غير العدم.
يقع الكلام في تعيين أنَّ أيّ واحد منها هو المأخوذ في الموضوع، فإذا كان المأخوذ في موضوع حكم العامّ هو العدم الذي يسمّونه بالمحمولي ونسمّيه بالعدم مطلقاً فيجري الاستصحاب، وإذا كان المأخوذ خصوصيّة ملازمة للعدم فلا يجري.
ــــــــــ[209]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وهنا يكون الاختلاف بين السيّد الأستاذ وأستاذه، فالسيّد الأستاذ ذهب إلى أنَّ المأخوذ في موضوع حكم العامّ هو العدم المحمولي، وأستاذه ذهب إلى أنَّ المأخوذ في موضوع حكم العامّ هو العدم النعتيّ، الذي ذكرنا أنّه يرجع إلى خصوصيّة وجودية ملازمة للعدم(1).
كلامنا مع السيّد الأستاذ بلحاظ مقام الإثبات؛ لأنَّه يقول: إنَّ أخذ كلّ من العدم المحمولي والعدم النعتيّ في موضوع العامّ معقول ثبوتاً، ولكن بحسب مقام الإثبات، فالظاهر أنَّ المأخوذ هو العدم المحمولي، فيقع الكلام في أنَّ المستظهر من الدليل بحسب القواعد ما هو؟
أمّا الكلام مع المحقّق النائيني ففي مرحلة الثبوت؛ لأنَّه يقول: بأنَّ العدم المحمولي لا يعقل أخذه، فهو يقيم برهاناً عقليّاً على أنَّ المأخوذ في موضوع حكم العامّ هو العدم النعتيّ دائماً دون العدم المحمولي، فينقسم البحث إلى بحث في مقام الإثبات، وإلى بحث في مقام الثبوت.
البحث في مقام الإثبات
ذكر السيّد الأستاذ في جوابه في رسالة اللباس المشكوك(2) وفي تعليقاته على تقريراته لبحث أستاذه(3): أنَّ العدم النعتيّ باعتبار كونه ذا مؤونة زائدة، فهو الذي ينفى بالأصل دون العدم المحمولي، فإنَّه بعد أنَّ فرغ من إمكان كلّ منهما
ــــــــــ[210]ــــــــــ
(1) راجع: ص208.
(2) انظر: رسالة في اللباس المشكوك (الخوئي): 49.
(3) انظر: اجود التقريرات 1: 468، نفس المصدر1: 472.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
-وهو أنَّ يكون المأخوذ في الموضوع العدم المحمولي والعدم النعتيّ- ذكر في المقام أنَّ المستظهر عرفاً هو العدم المحمولي دون العدم النعتيّ؛ لأنَّ النعتيّة فيها خصوصيّة زائدة على العدم؛ فإنّ العدم تارةً يؤخذ في الموضوع بدون خصوصيّة زائدة على العدم، وتارةً يؤخذ مع خصوصيّة زائدة وهو جعله وصفاً ونعتاً بحسب مقام الثبوت، فينفى بأصالة الإطلاق بحسب مقام الإثبات.
ثُمَّ يقول السيّد الأستاذ: ومن هنا ظهر عدم صحّة ما ذكره المحقّق النائيني من أنَّ الأمر دائر بين المتباينين لا بين الأقل والأكثر؛ لأنَّ المحقّق النائيني يدّعي أنَّ العدم تارةً يؤخذ بحياله فيسمّى عدماً محموليّاً، وتارةً يؤخذ نعتاً لموضوعه فيسمّى عدماً نعتيّاً. وهذان الاعتباران متباينان، ولا يزيد أحدهما على الآخر مؤنة، ولا معيِّن لأحدهما على الآخر. وعلى هذا فلا يجري استصحاب العدم الأزلي؛ لأنَّ جريانه يحتاج إلى أن يقوم الدليل على أنَّ العدم المأخوذ هو العدم المحمولي، ونحن نشكّ في أنَّ المأخوذ هو العدم المحمولي أو النعتيّ، فلا يكفي إجراء الاستصحاب؛ لأنَّه لعلّ المأخوذ هو العدم النعتيّ، وإثباته بالاستصحاب غير ممكن.
والسيّد الأستاذ ذكر في إثبات مدّعاه: أنَّ النعتيّة فيها خصوصيّة زائدة على أصل العدم؛ وبما أنَّ فيها خصوصيّة زائدة في مقام الثبوت فتنفى في مقام الإثبات أيضاً، ولم يزد السيّد الأستاذ على ذلك.
مناقشة ما ذهب اليه السيّد الخوئي في مقام الاثبات
وظهر مما بينّاه عدم إمكان المساعدة عليه؛ لأنَّه بعد إرجاع العدم النعتيّ إلى أخذ خصوصيّة ملازمة للعدم، فلا يكون الأمر دائراً بين الأقل والأكثر، بل بين
ــــــــــ[211]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المتباينين؛ لأنَّ الكرم وعدم الأُمويّة خصوصيّتان متباينتان، ونشكّ أنَّ المأخوذ في موضوع العامّ أيّهما، ولا معيِّن لأحدهما على الآخر، فلا يمكن الاستصحاب.
فلابدَّ من تقريب أدقّ إمّا من الناحية الصناعيّة، وإمّا من الناحية الذوقيّة؛ لتعيين أنَّ المأخوذ في الموضوع هو العدم المحمولي دون العدم النعتيّ.
وبعبارة أخرى: هذه العبارة إن رجعت إلى أنَّ العدم النعتيّ يزيد على العدم المحمولي ويدور الأمر بين الأقل والأكثر، فهذا لا ينبغي أن يقال بعد أن أرجعنا العدم النعتيّ إلى خصوصيّة وجوديّة ملازمة للعدم، هي الكرم. والدوران بين أخذ هذه الخصوصيّة في موضوع العامّ وبين أخذ عدم الأُمويّة في موضوع العامّ دوران بين المتباينين. وإن أريد به معنى آخر فلا بُدَّ من توضيحه.
وغاية ما يمكن أن يقال: في أنَّ المتعيّن بحسب مقام الإثبات هو العدم المحمولي دون العدم النعتيّ، وجوه، يختصّ كلّ منها بمورد:
الوجه الأوّل: هذا الوجه جارٍ في الموارد التي يستظهر من دليل التخصيص كون التخصيص وارداً بلسان المانعيّة. من قبيل: النواهي الغيريّة مثلاً، وهي كما مرّ في مبحث مقدّمة الواجب(1) يستظهر منها المانعيّة لا الحرمة الغيريّة. فمثلاً عندما يقول: (صَلِّ في أيّ لباس شئت) ثُمَّ يقول بدليل منفصل: (لا تُصَلِّ فيما لا يؤكل لحمه). فهذا يكون تخصيصاً لدليل شرطيّة اللباس، فالدليل الأوّل دلَّ على شرطيّة طبيعي اللباس، والثاني كان تخصيصاً له.
ــــــــــ[212]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه3: 298.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وظاهر الدليل المخصّص الذي يكون بلسان النهي الغيري أنّه للإرشاد إلى المانعيّة. ولعلّ التخصيص بلسان الاستثناء أيضاً كذلك، نحو: (صَلِّ في أيّ لباس إلَّا جلد ما لا يؤكل لحمه) فإنَّ ظاهر الاستثناء عرفاً هو الإرشاد إلى المانعيّة. وعلى كلّ حال فإنّ كلّ دليل يرد للتخصيص يكون ظاهراً عرفاً في أنّه في مقام الإرشاد إلى المانعيّة، كأدلة النواهي الغيريّة. فيقال حينئذٍ: إنَّ هذا الظهور بالمانعيّة يكون دليلاً على أنَّ المأخوذ في حكم العامّ هو العدم المحمولي دون العدم النعتيّ.
والوجه في ذلك: أنَّ أخذ خصوصيّة في الحكم ليس جزافاً، بل لدخل تلك الخصوصيّة في الملاك بقانون تبعيّة الأحكام للملاكات. فلو فرض أنّنا استظهرنا من دليل التخصيص مانعيّة الفسق، فمانعيّة الفسق هي الملاك في أخذ خصوصيّة عدم الفسق في وجوب الإكرام؛ إذ لولاها لما أخذت خصوصيّة أكثر من عنوان العامّ وهو العالم.
ومن المعلوم أنَّ المانعيّة لا تقتضي إلَّا أخذ صرف عدم المانع في موضوع حكم العامّ بلا أيّ مؤونة زائدة أخرى. وعدم المانعيّة لا يقتضي أخذ العدم النعتيّ في الموضوع، فإنَّ العدم النعتيّ ليس دخيلاً في الملاك أصلاً، بل الدخيل في الملاك هو نقيض المانع، الذي هو عبارة عن عدم المانع. أمّا العدم النعتيّ فليس دخيلاً في الملاك، لا بما فسرناه من أنّه خصوصيّة أخرى ملازمة للعدم؛ لأنَّ هذه الخصوصيّة ضد للمانع، وليس للضد دخل في ضده، بل الذي يكون أحد أجزاء العلّة هو نقيض المانع، لا ضده. فالعدم النعتيّ بالمعنى الذي ذكرناه
ــــــــــ[213]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أجنبي عن باب الملاكات، فينبغي أن يكون أجنبياً عن الجعل؛ لأنَّ الجعل تابع للملاك. وحتّى إذا تصوّرنا أنَّ العدم النعتيّ هو عبارة عن الربط الخارجي بين العدم وموضوعه، فإنّ مجرّد عدم المانع كافٍ في عدم المانعيّة. فإذا كان صرف عدم المانعيّة هو المأخوذ في حكم العامّ، فيتعيّن أن يكون المأخوذ في موضوع حكم العامّ هو العدم المحمولي دون العدم النعتيّ.
نعم، هذا الوجه يختصّ في موارد ظهور دليل التخصيص في المانعيّة، ولا يجري فيما إذا كان دليل التخصيص وارداً لإثبات حكم آخر مضاد لحكم العامّ، كما إذا قال: (أكرم كلّ عالم) وقال: (يحرم إكرام فسّاق العلماء) فإنّ الدليل الثاني هنا ليس له ظهور في مانعيّة الفسق للوجوب، بل له ظهور في اقتضاء الفسق للحرمة. وهو يدلّ بالالتزام على أنَّ الوجوب تقيّد بعدم الفسق، إمّا لأنَّه شرط في وجوب الإكرام، فيكون المأخوذ عدماً نعتياً، وإمّا لأنَّ الفسق مانعٌ عن الوجوب، فيكون المأخوذ صرف عدم المانع، وهو عدم محمولي، ولا معيّن لهذين الاحتمالين، فلا بُدَّ من وجه آخر لتعيين أنَّ المأخوذ هو العدم المحمولي، وحينئذٍ نأتي إلى:
الوجه الثاني: يأتي في التخصيصات المنفصلة، سواء كان التخصيص ظاهراً في المانعيّة أو لا، نحو: (أكرم كلّ عالم) و(يحرم إكرام فسّاق العلماء) هنا نقول: بأنّنا لو خلّينا نحن والعامّ لكنّا نقول بإجراء أصالة الإطلاق في إثبات الحكم للعالم غير الفاسق، بمعنى العدم المحمولي وبمعنى العدم النعتيّ. فعندنا إطلاقان ينفى أحدهما العدم المحمولي والآخر ينفي العدم النعتيّ بمقدّمات الحكمة، وظهور المطابقة بين مقام الثبوت ومقام الإثبات.
ــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
إذن، فعندنا ظهوران إطلاقيان تامّان ذاتاً: ظهور ينفي العدم المحمولي والآخر ينفي العدم النعتيّ بالمعنى الذي نقصده. هنا نقول: بأنّ هذين الظهورين جاء عليهما مخصّص منفصل، وعلمنا بمقتضاه أنَّ أحد هذين الظهورين ليس حجّةً، فإمّا أن يكون العدم المحمولي مأخوذاً في موضوع حكم العامّ، فالإطلاق الذي في قباله ساقط، وإمّا أن يكون العدم النعتيّ ماخوذاً في موضوع حكم العامّ، فالإطلاق الذي في قباله ساقط. فيتولّد عندنا علم إجمالي بمخالفة أحد هذين الظهورين الإطلاقيين للواقع. ونحن في مثل هذه الموارد نقول: بأنّ بقاء كلا الظهورين على الحجّيّة محال، وسقوط أحدهما ترجيح بلا مرجح، فيسقطان معاً.
لكن هذا البيان لا يأتي في المقام؛ لأنَّه إذا دار الأمر بين حجّيّة الظهور التي تنفي العدم النعتيّ، وحجّيّة الظهور التي تنفي العدم المحمولي. نقول: إنَّ حجّيّة الظهور التي تنفي العدم النعتيّ لها أثر عملي بحسب الخارج، وهو جريان الاستصحاب؛ لأنّنا إذا نفينا العدم النعتيّ بالظهور العرفي في قباله، فلا يبقى مانع من استصحاب العدم المحمولي. بخلاف الظهور الذي ينفي العدم المحمولي، فإنَّه ليس لحجّيّته أثر في المقام بعد العلم بأصل التقييد. وبعبارة أخرى: أنَّ أثر التقييد بالعدم النعتيّ هو المنع عن جريان الاستصحاب، فإذا نُفي العدم النعتيّ بالإطلاق فإنَّ الاستصحاب يجري. أمّا التقييد بالعدم المحمولي فليس له أثر زائد على أصل الجامع الذي نعلم به وجداناً، فتكون حجّيّة هذا الظهور ليس ذا أثر عملي، بل لغو صرف.
وأمّا حجّيّة الظهور المقابل للعدم النعتيّ فله أثر عملي، فلا يبقى تعارض
ــــــــــ[215]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بين أصالتي الظهور الجارية في هذا الظهور، وفي ذلك الظهور؛ لأنَّ تلك الأصالة للظهور لا تجري للغويتها؛ لأنَّها تحتاج إلى مصحّح، فتبقى الحجّيّة المقابلة للعدم النعتيّ على حالها، فينفى العدم النعتيّ بموجبها، فيمكن استصحاب العدم المحمولي الأزلي حينئذٍ.
هذا الوجه -الثاني- لو تمّ فإنّما يتمّ في المخصّصات المنفصلة لا المتّصلة؛ لأنَّه في المخصّصات المتّصلة لم ينعقد ظهور للعامّ في نفي التقييد من أوّل الأمر، ليكون عندنا ظهوران ثابتان بالفعل. فإنَّ تخصيص العامّ بالمخصّص المتّصل المجمل يوجب إجمال العامّ رأساً، ولا يبقى له ظهور في نفي العدم النعتيّ ولا المحمولي.
الوجه الثالث: وهو مبني على مسلك المحقّق النائيني في باب أداة العموم، لأنّا أشرنا فيما سبق بأنَّ الأداة ظاهرة عرفاً في استيعاب الأفراد فرداً فرداً، وعند المحقّق النائيني أنَّها ظاهرة في استيعاب تمام الأقسام الصنفيّة والنوعيّة والفرديّة للعامّ، فقوله: (أكرم كلّ عالم) معناه عندنا :أكرم زيداً وعمرواً وبكراً إلى آخر أفراد العلماء، ومعناه عند النائيني :أكرم العلماء العراقيين والفرس والهنود والشباب والشيوخ إلى آخر التقسيمات المتصوّرة للعامّ، فإذا قلنا بمسلك المحقّق النائيني هذا، فهناك تقسيمان متصوّران للعامّ: فإنَّه تارةً يقسم العامّ إلى فاسق وعادل، وأخرى يقسم إلى فاسق وإلى من لا يكون فاسقاً، أي: أنَّ التقسيم مرةً يكون بلحاظ العدم النعتيّ، ومرةً يكون
ــــــــــ[216]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بلحاظ العدم المحمولي؛ لأنَّ العالم إذا لاحظناه في الخارج فهو إمّا عالم فاسق، وإمّا عالم ليس له فسق، بمعنى: العدم المحمولي.
وهناك تقسيم آخر: فإنّ العالم إمّا فاسق، وإمّا عادل، أي: متّصف بعدم الفسق، بمعنى: العدم النعتيّ. ومقتضى القاعدة سريان الحكم إلى تمام هذه الأقسام. وخرج منه عنوان الفاسق بدليل التخصيص، أمّا العالم الذي ليس له فسق، أي: المقيّد بالعدم المحمولي، فلا دليل على خروجه، فيبقى مشمولاً لدليل العامّ؛ لأنَّه يدلّ على ثبوت الإكرام لكلّ عنوان متصوّر للعامّ. وأحد العناوين المتصوّرة له هو العالم المقّيد بالعدم المحمولي للفسق، فيبقى الحكم بوجوب إكرامه ثابتاً. فإذا ثبت وجوب إكرامه بالعامّ يثبت بهذا أنَّ الخصوصيّة المأخوذة في موضوع العامّ ليست هي العدم النعتيّ؛ لأنَّها إذا كانت هي العدم النعتيّ لما ثبت الحكم للعالم المقيّد بالعدم المحمولي. فيثبت أنَّ العدم النعتيّ ليس مأخوذاً في موضوع حكم العامّ؛ لأنَّه لو كان مأخوذاً لما دلّ العامّ على ثبوت الحكم للموضوع المقيّد بالعدم المحمولي.
وهذا الوجه إنّما ذكرناه لتكثير السواد، وإلَّا فإنَّه مبني على مسلك المحقّق النائيني ، لا على مسلكنا. وهو ليس صحيحاً مبنى وبناءً.
إلَّا أنَّا نقول: إنَّ الإنصاف أنَّ العرف يفهم من الجمع بين دليل العامّ ودليل التخصيص، أخذ خصوصيّة عدميّة في موضوع العامّ، لا أخذ خصوصيّة وجوديّة ليست موجودة لا في دليل الخاصّ ولا العامّ، فإنَّه لو قال: (أكرم كلّ عالم) وقال: (لا تكرم الفسّاق من العلماء) فإنَّ الذي يُفهم عرفاً أنَّ
ــــــــــ[217]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المأخوذ في موضوع وجوب الإكرام هو عدم الفسق، لا الكرم الملازم لعدم الفسق؛ لأنَّهما وإن كانا متباينين إلَّا أنَّ العرف يرى أنَّ عدم الفسق لو اعتمد في بيانه على هذين الدليلين لرأوا أنّه وافٍ به، ولكنّه لو اعتمد على هذين الدليلين في إثبات الكرم لقالوا: إنّه لم يفِ بمراده.
وهذا نفسه الذي نقوله في المطلق والمقيّد؛ لأنَّ المطلق والمقيّد متباينان؛ لأنَّ اللفظ موضوع للطبيعة المهملة التي لم يؤخذ فيها الإطلاق ولا التقييد، ومع ذلك نأخذ بالإطلاق؛ لأنَّه لو كان مقصوداً للمولى لكان الدليل وافٍ به بخلاف التقييد. ولعلّ مرجع كلام السيّد الأستاذ إلى ذلك، وهو أنَّ الجمع بين دليلي العامّ والخاصّ يصلح عرفاً لبيان أخذ العدم في الموضوع، ولا يصلح عرفاً لبيان أخذ خصوصيّة أخرى غير مأخوذة في دليل العامّ، ولا في دليل الخاصّ. هذا على قولنا في العدم النعتيّ. أمّا لو تصورنا العدم النعتيّ على مبنى المحقّق النائيني فلا يجري الاستصحاب؛ لأنَّه لا موجب لاستظهار العدم المحمولي في قبال العدم النعتيّ من دليل التخصيص. ولكن بعد أن أرجعنا العدم النعتيّ إلى أخذ خصوصيّة أخرى ملازمة، فهي غير مذكورة في كلّ من الدليلين، فيقال: إنَّها غير دخيلةٍ في الحكم.
هذا تمام الكلام بحسب مقام الإثبات مع السيّد الأستاذ، وقد ظهر أنّه لا إشكال في جريان الاستصحاب في مقام الإثبات، بمعنى: أنّنا لو فرضنا أنَّ العدم النعتيّ والعدم المحمولي كلاهما أخذه في موضوع حكم العامّ معقول ثبوتاً، فنستصحب العدم المحمولي بلا إشكال.
ــــــــــ[218]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بعد ذلك يقع الكلام مع الميرزا في مقام الثبوت، فإنَّه أقام برهاناً على عدم معقوليّة العدم المحمولي.
البحث في مقام الثبوت
وصل بنا الكلام إلى البحث الثبوتي مع المحقّق النائيني في أنّه هل يعقل بحسب مقام الثبوت أخذ العدم المحمولي بدلاً عن العدم النعتيّ أو لا يعقل؟ وقد أقام الميرزا برهاناً على أنّه دائماً يكون المأخوذ هو العدم النعتيّ ولو بالمعنى الذي فسّرناه.
حيث ذكر الميرزا النائيني في رسالة اللباس المشكوك(1) برهاناً على أن التقييد بالعدم المحمولي غير معقول، بل لا بُدَّ أن يكون التقييد تقييداً بالعدم النعتيّ، وهذا البرهان لو تمّ لا يفرق فيه بين تفسيرنا للعدم النعتيّ وتفسير الميرزا. وعلى كلّ حال العدم النعتيّ هو خصوصيّة من الخصوصيّات القائمة بالموضوع، وهذه الخصوصيّة إمّا أن تكون هي نفس العدم، وإمّا هي خصوصيّة وجوديّة أخرى.
وحاصل البرهان: أنَّ النعتيّة والمحموليّة في العدم اعتباران متباينان، فإذا قال: (أكرم العالم) أو (أكرم كلّ عالم) بنحو الإطلاق أو العموم، وقال: (لا تكرم فسّاق العلماء) وعلمنا بالضرورة أنّه لا بُدَّ أن يكون الباقي في الدائرة متعنوناً بعنوان آخر -وهو المسلك الذي اختاره الميرزا، واخترناه أيضاً- فسيكون هذا العنوان الآخر مردداً بين العدم النعتيّ والعدم المحمولي، وهما
ــــــــــ[219]ــــــــــ
(1) رسالة الصلاة في المشكوك: 429.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
اعتباران متقابلان، وليس بينهما دوران بين الأقل والأكثر؛ ليقال: إنَّ الأقل متيقّن وينفى الزائد بأصالة الإطلاق في مقام الإثبات.
وبعبارة أخرى: أنَّ حاصل البرهان يبتني على أنَّ الميرزا يقول: إنَّ العامّ، انقساماته بلحاظ خصوصيّاته القائمة به في رتبة سابقة على انقسامه بلحاظ مقارناته. فالعامّ الذي هو موضوع الحكم في قولنا: (أكرم العالم إلَّا الأُموي) هذا العالم له انقسامان: انقسام بلحاظ الخصوصيّات القائمة به، وهو بهذا اللحاظ يتحصّص وينقسم، فهناك عالم فاسق، وعالم هاشمي، وعالم أُموي، وعالم طويل، وعالم قصير، وغيرها من الصفات والأعراض التي تقوم به. وهناك انقسامات أخرى للعالم بلحاظ مقارناته، فالعالم بلحاظ مقارناته له انقسامات أخرى. فإنَّه من موجودات عالم الكون، وفي عالم الكون كلّ موجودين إذا اتحدا في الزمان -أو بأيّ لحاظ آخر -يكون أحدهما مقارناً للآخر.
فالعالم بلحاظ المقارنات الخارجة عن ذاته له انقسامات أخرى، فالعالم مرةً معه جاهل، ومرةً عالم ليس معه جاهل، هذا تحصّص بلحاظ المقارن، بخلاف تحصّص العالم إلى الفاسق والعادل، فإنَّه تحصّص بلحاظ الفسق الذي هو خصوصيّة قائمة بنفس العالم، أمّا الجاهل فليس قائماً بالعالم، بل هو من الموجودات المقارنة له.
إذن، فهناك نحوان من الانقسام: انقسام بلحاظ الخصوصيّات الداخلة في ذات الموضوع، وانقسام بلحاظ المقارنات له.
يقول الميرزا: إنَّ الانقسام بلحاظ الخصوصيّات أسبق رتبة من
ــــــــــ[220]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الانقسام بلحاظ المقارنات، فإنّ ذات العالم تلاحظ أوّل الأمر من ناحية مقوماتها التي تدخل في ذاتها، فيلحظ إمّا مقيّداً بلحاظ بعضها، وإمّا مطلقاً بلحاظ البعض الآخر، وذلك قبل انقسام العالم بلحاظ مقارناته.
هذا الكلام ذكر في التقريرات(1) بلا دليل، وذكر في رسالة اللباس المشكوك(2) بلا دليل أيضاً، إلَّا أنَّ الميرزا ذكر أنَّ هذا المطلب بديهي. ولكنّه قال عبارة على اختصارها وخفائها يمكن أن تكون إشارة إلى ما سوف نبيّنه تقريباً فنيّاً لهذا المدّعى.
حيث ذكر في رسالة اللباس المشكوك(3) في مقام بيان أنَّ انقسام العامّ بلحاظ خصوصيّاته أسبق من انقسامه بلحاظ مقارناته، قال: “وهذا بحسب الحقيقة من مقتضيات استحالة الإهمال النفس الأمري، كما هو بديهي”. وهذه العبارة بظاهرها قد لا يستحصل منها معنى واضح، إلَّا إذا التُفت إلى تقريب المدّعى فيمكن تطبيقها عليه. فنحوّل العبارة على ما يأتي.
إذا اتضح هذا المدّعى الذي بيّنه الميرزا وذكر أنّه بديهي، ولم يذكر له برهاناً في التقريرات. فإنَّه يترتّب عليه مرام الميرزا. حيث يقول: إنّه إذا تحقق هذا فنقول: بأنَّ المولى إذا أخذ العدم المحمولي في موضوع العامّ، والعدم المحمولي بالنسبة إلى موضوع العامّ من المقارنات بخلاف العدم النعتيّ فإنَّه من
ــــــــــ[221]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات1: 472، ونفس المصدر2: 197.
(2) انظر: رسالة الصلاة في المشكوك: 423.
(3) انظر: رسالة الصلاة في المشكوك:287.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الخصوصيّات القائمة بالموضوع؛ لأنَّ المفروض أنَّ العدم النعتيّ هو عدم الوصف الذي لوحظ بما هو وصف للموضوع، فهو من الخصوصيّات القائمة به كالعدالة والفسق. أمّا العدم المحمولي الذي لوحظ بحياله، فهو بهذا الاعتبار ليس من خصوصيّاته، وإنّما هو من مقارناته. فانقسام العالم بلحاظ العدم النعتيّ انقسام بلحاظ الخصوصيّات، وانقسامه بلحاظ العدم المحمولي انقسام بلحاظ المقارنات.
أمّا ما هو محلّ البحث في المقام؟ فنحن نريد أن نعرف أنَّ العامّ هل لوحظ منقسماً بلحاظ العدم النعتيّ وقيّد بالعدم النعتيّ، أو أنَّه قد لوحظ منقسماً بلحاظ العدم المحمولي وقيّد بالعدم المحمولي؟
نقول: إنَّ موضوع العامّ لا بُدَّ أن يلحظ منقسماً بلحاظ العدم النعتيّ ويقيّد به؛ وذلك لأنَّ انقسام العامّ بلحاظ العدم المحمولي وتقييده به، هو انقسام للعامّ بلحاظ المقارن، والتقييد بالمقارن هو في طول التقييد بالوصف؛ إذ في المرتبة السابقة يوجد انقسام آخر بلحاظ الوصف. فانقسام العالم بلحاظ المقارن وهو العدم المحمولي له في الرتبة السابقة عليه انقسام آخر بلحاظ الوصف، وهو العدم النعتيّ.
حينئذٍ نقول: إنَّه في المرتبة السابقة على التقييد بالعدم المحمولي هل أخذ العامّ مطلقاً أو مقيَّداً؟ فإذا كان العامّ قد أخذ مقيَّداً بالعدم النعتيّ فتقييده في المرتبة الثانية بالعدم المحمولي لغوٌ صرف؛ لأنَّ كلّ ما ينتج من تقييده بالعدم المحمولي في المرتبة الثانية قد نتج من تقييده بالعدم النعتيّ في المرتبة السابقة،
ــــــــــ[222]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وإن فرض أنَّ العامّ أخذ مطلقاً بلحاظ الانقسام الأوّل، ولم يقيَّد بالعدم النعتيّ، فإنَّه يلزم منه التهافت بين الإطلاق في المرتبة الأولى والتقييد في المرتبة الثانية؛ إذ يكون مرجع العبارة على حدّ قوله : أكرم العلماء سواء كانوا متّصفين بالفسق أو بالعدالة. وهذا معنى الإطلاق بلحاظ العدم النعتيّ في الرتبة السابقة. بشرط أن لا يكون معهم فسق، وهذا معنى التقييد بلحاظ العدم المحمولي في الرتبة الثانية. فالإطلاق بلحاظ الانقسام في المرتبة الأولى يكون مناقضاً للتقييد بلحاظ المرتبة الثانية. إذن، التقييد بالعدم المحمولي غير معقول.
وملخّص الدليل يتمّ في بيان نقاط:
أولاً: انقسام العامّ بلحاظ خصوصيّاته القائمة به أسبق من انقساماته بلحاظ مقارناته.
ثانياً: أنَّ العدم النعتيّ من الخصوصيّات القائمة بالعالم، والعدم المحمولي من مقارنات العالم.
ثالثاً: انقسام العالم بلحاظ العدم النعتيّ أسبق من انقسامه بلحاظ العدم المحمولي.
رابعاً: إذا أخذ العدم المحمولي قيداً في موضوع الحكم، فإنَّ انقسام العالم بلحاظ العدم المحمولي يسبقه في المرتبة السابقة انقسام بلحاظ العدم النعتيّ.
خامساً: في المرتبة السابقة على انقسام العالم بلحاظ العدم المحمولي وتقييده به، هناك انقسام آخر بلحاظ العدم النعتيّ، فننقل الكلام إلى المرتبة السابقة، هل أخذ الموضوع مطلقاً بلحاظ العدم النعتيّ أو أخذ مقيَّداً بالعدم النعتيّ؟ فإن
ــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أخذ مقيَّداً بالعدم النعتيّ في الرتبة السابقة فأيّ فائدة من تقييده بالعدم المحمولي في الرتبة الثانية، وإن أخذ مطلقاً بلحاظ العدم النعتيّ في المرتبة السابقة يلزم التهافت بين الإطلاق في المرتبة السابقة بلحاظ العدم النعتيّ والتقييد بلحاظ العدم المحمولي في المرتبة الثانية.
مناقشة السيّد الخوئي لبرهان النائيني
هذا البرهان لم يقبله السيّد الأستاذ(1)، وكان إشكاله عليه سهلاً واضحاً، وذلك أنَّ هذا البرهان مبنيٌ على ذاك الأصل الموضوعي الذي ادّعاه الميرزا، وهو أنَّ انقسام موضوع العامّ بلحاظ خصوصيّاته أسبق رتبة من انقسامه بلحاظ مقارناته، ولم يقم دليلاً عليه. قال السيّد الأستاذ :إنَّه لم يقم دليل على ذلك، بل إنَّ كُلاً من هذين الانقسامين في عرض واحد مع الآخر، وليس أحدهما أسبق من الآخر.
ومن هنا ذكر السيّد الأستاذ بأنّه لا موجب لتقديم أحد هذين الانقسامين على الآخر. بل هما انقسامان عرضيان. فعندنا عدمان: عدم محمولي وعدم نعتي. وهذان الوصفان متلازمان لا محالة، ولا يحتمل الانفكاك بينهما لا محالة؛ لأنَّ الموضوع إذا كان مقيَّداً بأحدهما كان متقيَّداً بالآخر قهراً. ودائماً في باب الأوصاف المتلازمة يغني التقييد بأحد الوصفين المتلازمين عن التقييد بالوصف الآخر الملازم له، فبالنسبة إلى القيد الآخر لا هو مقيَّد ولا هو مطلق. ومثّل له باستقبال القبلة الذي يلازم استدبار الجدي، فتقييد الصلاة باستقبال
ــــــــــ[224]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه4: 370.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
القبلة يغني عن التقييد باستدبار الجدي، ولا حاجة إلى التقييد به، فيكون الموضوع بالنسبة إليه لا مطلقاً ولا مقيَّداً.
أما نحن فنسلّم بالمدّعى الأوّل، وهو أنَّ انقسام العامّ بلحاظ الخصوصيّات القائمة به أسبق رتبة من انقسامه بلحاظ مقارناته. هذا المدّعى نحن نتكفّل بمؤونة إثباته، ولكن مع هذا لا يتمّ البرهان إذ نتكفّل بإبطاله. فهنا في المقام كلامان الأوّل في إبطال البرهان مع التسليم بمقدّماته التي لم يبرهن عليها الميرزا.
الكلام الأوّل: ابطال برهان المحقّق
نقول: إنَّ التقييد بخصوصيّات العامّ أسبق رتبة من تقييده بالمقارنات له. والعدم النعتيّ من الخصوصيّات في حين إنَّ العدم المحمولي من المقارنات للعامّ، ولكن مع هذا لا يتمّ البرهان؛ لأنَّ البرهان يقول: إذا أُخذ العدم المحمولي قيداً في موضوع العامّ، هنا نسأل، أنّه في المرتبة السابقة على انقسام العامّ بلحاظ العدم المحمولي؟ فإنَّ للعامّ انقسام بلحاظ العدم النعتيّ، ففي المرتبة السابقة على انقسام العامّ بلحاظ العدم المحمولي هل أخذ العامّ مطلقاً أم مقيَّداً؟ فإذا أخذ مقيَّداً بالعدم النعتيّ فلا حاجة إلى التقييد بالعدم المحمولي في الرتبة الثانية، وإن أخذ مطلقاً في الرتبة الأولى بلحاظ العدم النعتيّ لزم التهافت بين الإطلاق في المرتبة الأولى بلحاظ العدم النعتيّ والتقييد في الرتبة الثانية بلحاظ العدم المحمولي.
هذا ما يقوله البرهان ولكنّه غير تامٍّ، لأنّا نختار الشقّ الثاني وهو أن يكون
ــــــــــ[225]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
العامّ في المرتبة الأولى قد أخذ مطلقاً، ولا يلزم التهافت والتناقض في عالم الجعل وعالم الحكم.
وهذا البرهان ناشئ أيضاً من الخلط في مفهوم الإطلاق؛ لأنّنا لو قلنا: إنَّ الإطلاق هو عبارة عن إسراء الحكم إلى تمام الحصص ابتداء، فيكون برهان الميرزا تامّاً؛ لأنَّ العامّ في المرتبة السابقة عن انقسامه بلحاظ العدم المحمولي وتقييده به، فينقسم بلحاظ العدم النعتيّ، فإنَّ أخذ مقيَّداً بلحاظه لزمت اللغويّة، وإن أخذ مطلقاً بلحاظه لزم التهافت. ويكون المطلب تماماً كالعبارة التي ذكرها الميرزا، وهي: أكرم العلماء سواء كانوا متّصفين بالفسق أو لا، بشرط أن لا يكون معهم فسق.
إلَّا أنَّ هذا التهافت إنّما يترتّب إذا أخذنا الإطلاق بمعنى سريان الحكم إلى تمام الحصص؛ لأنَّ نفس انقسام العامّ بلحاظ العدم النعتيّ في المرتبة السابقة هو سريان للحكم إلى المقيَّد بعدم الفسق وغير المقيَّد. ومن المعلوم أنَّ السريان في المرتبة السابقة إلى تمام الحصص ينافي التقييد في المرتبة اللاحقة، مع أنَّ الجعل واحد.
ولكن معنى الإطلاق ليس هو هذا، فإنا قلنا سابقاً مراراً، وسنقول في مبحث المطلق والمقيَّد(1): إنَّ مفاد الإطلاق هو تعرية الطبيعة عن الخصوصيّات وتعليق الحكم عليها. وأمّا سريان الحكم إلى تمام الحصص فإنَّه ينشأ من حكم العقل بانطباق الطبيعة المعراة عن تمام الخصوصيّات على الحصص الخارجيّة.
ــــــــــ[226]ــــــــــ
(1) انظر: بحوث في علم الأصول4: 288.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فالعامّ في المرتبة السابقة بلحاظ العدم النعتيّ يلحظ مطلقاً، أي: يُعرى في هذه المرتبة عن التقييد بخصوصيّة العدم النعتيّ؛ لأنَّ العدم النعتيّ ليس دخيلاً في الحكم؛ لأنَّه ليس دخيلاً في الملاك، فإذا لم يكن دخيلاً في الملاك لم يكن دخيلاً في الحكم لا محالة. ولا يلزم سريان الحكم إلى تمام الحصص؛ لأنَّ حكم العامّ إنّما يسري إلى الفاسق إذا عرّي العامّ عن تمام الخصوصيّات التي تنافي انطباق الحكم عن الفاسق.
فالفاسق له خصوصيتان خصوصيّة التقييد بالعدم النعتيّ، وخصوصيّة التقييد بالعدم المحمولي، ويستحيل أن ينطبق عليه كلاهما، وتقييد الحكم بأيّ من هذين العدمين يكفي في استحالة انطباق الطبيعة على الفاسق، فإطلاق الطبيعة من ناحية العدم النعتيّ في المرتبة السابقة لا يلازم سريان الحكم إلى الفاسق مع تقييده في المرتبة الثانية بالعدم المحمولي، والإطلاق بلحاظ العدم النعتيّ لا يكفي في سريان الحكم إلى الفاسق ما لم تعرى الطبيعة عن كلا العدمين، عن العدم النعتيّ في المرتبة السابقة، وعن العدم المحمولي في المرتبة المتأخّرة، فإذا أخذ مطلقاً في المرتبة السابقة بلحاظ العدم النعتيّ، وأخذ مقيَّداً في المرتبة الثانية بالعدم المحمولي كفى في عدم انطباق الطبيعة على الفاسق. فلا يلزم التهافت بين الإطلاق في المرتبة الأولى والتقييد في المرتبة الثانية.
وأمّا من حيث تكلّفنا بالمؤونة الأولى، فإنّنا لو سلّمنا أنَّ الإطلاق ليس هو إسراء الحكم إلى تمام الحصص، فإن البرهان يكون تامّاً ولا يأتي إشكال السيّد الأستاذ، حيث قال: بأنَّ انقسام العامّ بلحاظ خصوصيّاته وانقسام العامّ
ــــــــــ[227]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بلحاظ مقارناته، انقسامان عرضيان، وهما خصوصيتّان متلازمتان. والتقييد بأحدهما مغنٍ عن التقييد بالآخر.
وحاصل الوجه في ذلك: هو أنَّ التقييد بالعدم النعتيّ -سواء قلنا بالمعنى الذي فسّرناه أو بالمعنى الذي هم يقولون به- هو تقييد في مرتبة ذات الموضوع -العالم- يعني أنَّ طرف التقييد بالعدم النعتيّ هو العالم، أي: أنَّ العالم هو الذي يقيّد بالعدم النعتيّ؛ لأنَّ مرجع العدم النعتيّ إلى أن يكون العالم متّصفاً بعدم الفسق. وهذا الاتّصاف طرفه العالم نفسه لا الحكم بوجوب الإكرام، فإنَّ الحكم بوجوب الإكرام لا يكون متّصفاً بالفسق.
فمعروض التقييد وطرفه هو العالم، أي: عنوان العامّ الذي هو موضوع الحكم، والعالم بدوره هو طرف للتقييد بالحكم، فيكون عندنا تقييدان طوليان، فإن نفس الحكم بوجوب الإكرام مقيّد بالعالم كما هو الحال في كلّ حكم فإنَّه مقيّد بموضوعه، ولا عالم هو طرف التقييد بالعدم النعتيّ بالاتّصاف بعدم الفسق. فالاتّصاف بعدم الفسق يكون قيداً للقيد، ويكون عندنا تقييدان طوليان، فالعدم النعتيّ قيد لنفس العالم، وحيث إنَّ العالم قيد للحكم، فالعدم النعتيّ بهذه القيديّة يكون قيداً للحكم؛ لأنَّ قيد القيد قيد، فهو قيد للحكم لا ابتداء، بل بالواسطة.
وأمّا العدم المحمولي، فحيث إنَّه لا يؤخذ بما هو وصف للعالم، بل يؤخذ بما هو وصف بحياله بما هو شيء من الأشياء، كـ(وجود زيد) فيكون كمقارن من المقارنات، فالعدم المحمولي المقارن يكون قيداً لنفس الحكم، معروض التقييد
ــــــــــ[228]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بالعدم المحمولي يكون هو نفس الحكم لا العالم. العالم ليس هو طرف التقييد بالعدم المحمولي وإلَّا لكان عدماً نعتيّاً، وإنّما طرف التقييد به هو نفس الحكم، فالتقييد بالعدم المحمولي في عرض التقييد بالعالم. ويكون وجوب الإكرام مقيّداً بقيدين: أحدهما العالم وموضوعه، والآخر العدم المحمولي، وهذان القيدان عرضيان، وأمّا التقييد بالعدم النعتيّ وبالموضوع فهما قيدان طوليان؛ لأنَّ الحكم يكون مقيّداً لموضوعه، والموضوع يكون مقيّداً بالعدم النعتيّ.
إذا اتّضح هذا فنقول: بأنَّ تقييد العامّ بالعدم النعتيّ، لا محالة هو بنفسه تقييد للحكم؛ لأنَّ قيد القيد قيد فلا يبقى موضوع للتكلّم بأنَّ الحكم هل هو مقيّد بالعدم المحمولي أو مطلق بلحاظه؟ أي: أنّه لا يتصوّر الإطلاق والتقييد وراء التقييد بالعدم النعتيّ؛ لأنَّ الحكم قد قيّد وارتفع إهماله، فلا يبقى مجال لبرهان استحالة الإهمال، وهو أن يقال: إنَّ الحكم إمّا مقيّد أو مطلق أو مهمل، والإهمال محال، والإطلاق يلازم سريان الحكم إلى الفاسق الخارج بالتخصيص، فلا بُدَّ من التقييد بالعدم المحمولي. هذا البرهان لا يبقى له مجال؛ لأنَّ الحكم قد تقيّد بالعالم، والعالم قد تقيّد بالعدم النعتيّ، وقيد القيد قيد، فيكون إهمال الحكم قد ارتفع.
أما تقييد نفس الحكم بالعدم المحمولي فلا يرفع الإهمال في الموضوع (العالم). افرضوا أنَّ الحكم مقيّد بتقييدين أحدهما الموضوع، والثاني العدم المحمولي، هنا نقول: إنَّ العالم الذي هو طرف لأحد التقييدين، هل هو مطلق أو مقيّد مهمل، والإهمال محال، وإن فرضناه هو المقيّد بالعدم النعتيّ فيلغو
ــــــــــ[229]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
التقييد بالآخر؛ لأنَّه يكفي تقييده بالنعتيّ عن تقييده بالمحمولي، وإن فرضناه هو المطلق، وقلنا: بأنَّ الإطلاق هو إسراء الحكم إلى تمام الحصص، فإنَّه يلزم من التقييد بالعدم المحمولي التهافت والتناقض.
وبهذا يتّضح أنَّ العبارة لولا هذا البيان لا يتّضح لها معنى، ولكن مع الرجوع إلى هذا البيان فإنَّها يمكن أن تنطبق عليه؛ لأنَّ الميرزا ذكر أنَّ هذا من فروع استحالة الإهمال؛ لأنَّ تقييد الحكم بالعدم المحمولي لا يرفع محذور الإهمال في العالم؛ لأنَّ الحكم يتقيّد به في رتبة تقييده بالموضوع، فنتساءل أنَّ الموضوع -العالم- بما هو طرف للتقييد هل هو مطلق أو مقيّد؟ وهذا بخلاف تقييد العالم بالعدم النعتيّ، فإنَّه يوجب رفع الإهمال؛ لأنَّ العالم بدوره قيد للحكم، وقيد القيد قيد. فإذا أخذ العدم النعتيّ لا يبقى محذور الإهمال لا في العالم؛ لأنَّه قيد له، ولا في الحكم؛ لأنَّه قيد له بواسطة قيديّة العالم له. أمّا إذا قيّد بالعدم المحمولي، فالعالم بلحاظ طرفيته للتقييد يبقى الإشكال فيه.
فاتّضح من هذا صحّة ما يذهب إليه الميرزا من أنَّ التقييد بالعدم النعتيّ مقدّم رتبة على التقيّد بالعدم المحمولي.
نعم، يبقى خلافنا معه في تفسير الإطلاق -بأنّه إسراء الحكم إلى تمام الأفراد ابتداءً- أنّه إسراء للحكم إلى تمام الأفراد بعد تعرية الطبيعة عن الخصوصيّات، والعقل يحكم بأنَّها تنطبق على تمام الأفراد.
وبهذا يتّضح فساد البرهان مع الإشكال عليه. وبهذا اتّضح عدم المانع من جريان استصحاب العدم الأزلي إثباتاً وثبوتاً.
ــــــــــ[230]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الكلام الثاني: ابطال برهان المحقّق
سلّمنا أنَّ حكم العامّ أخذ في موضوعه بعد التخصيص العدم النعتيّ لا المحمولي وهو لا يثبت بالاستصحاب، ولكن نريد أن نجري الاستصحاب لإثبات عدم الحرمة، وإن لم يثبت بهذا الاستصحاب الوجوب.
والبرهان الذي أقامه الميرزا لا ينهض لبطلان إجراء استصحاب العدم الأزلي لإثبات عدم موضوع الخاصّ. فإن مثل هذا البرهان يكون دليلاً على عدم إمكان إثبات حكم العامّ بالاستصحاب الأزلي لا على عدم إمكان نفي الأُمويّة باستصحاب عدم الأُمويّة.
فينبغي أن يقال: بأنَّ مطلب الميرزا هو أن الاستصحاب الأزلي إن أُريد به إثبات حكم العامّ فهو غير صحيح؛ لأنَّه بعد التخصيص قد تركّب موضوع العامّ من عنوان العامّ -العالم- وعدم عنوان الخاصّ -الأُمويّة- وعدم عنوان الخاصّ نعتيّ، وهو لا يستصحب، فلا يمكن إثبات أحد جزئي الموضوع، فلا يثبت الحكم. وإن أريد به نفي موضوع الخاصّ لنفي حكم الخاصّ، وهو الحرمة فلا بأس به؛ لأنَّ الحكم ينتفي بنفي موضوعه.
ومبنياً على هذا ذكر السيّد الأستاذ في رسالة اللباس المشكوك(1)، في مقام الجواب عمّا أفاده المحقّق العراقي ممّا سوف يأتي: أنَّ المحقّق العراقي في سياق كلامه حول أنَّ استصحاب العدم الأزلي هل يجري لنفي الأُمويّة لأجل نفي حكم الأموي، حمل كلام الميرزا على أنَّ الميرزا يمنع من استصحاب العدم
ــــــــــ[231]ــــــــــ
(1) انظر: رسالة في اللباس المشكوك: 61.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الأزلي للأمويّة حتّى لنفي حكم الخاصّ -الأموي- لا فقط لإثبات حكم العامّ. ويظهر من كلمات المحقّق العراقي أنّه يرى أنَّ الميرزا يمنع من جريان استصحاب الأُمويّة حتّى لنفي حكم الخاصّ لا فقط لإثبات حكم العامّ، وهو وجوب الإكرام.
وقد هجم عليه السيّد الأستاذ بأنَّ كلام المحقّق العراقي في وادٍ والميرزا والنزاع في واد آخر.
قال السيّد الأستاذ: بأنَّ شيخنا الأستاذ إنّما يمنع من جريان استصحاب العدم الأزلي لاستصحاب حكم العامّ؛ لأنَّ موضوعه تركّب من عالم بالوجدان وعدم نعتيّ بالبرهان، والعدم النعتيّ لا يمكن إثباته بالاستصحاب. وليس الميرزا في مقام المنع عن جريان استصحاب العدم الأزلي لنفي حكم الأُموي، وهو حرمة الإكرام الوارد في دليل الخاصّ.
وهذا الاستنكار من السيّد الأستاذ على المحقّق العراقي واتهامه بأنّه يتكلّم في مقام والميرزا ومحلّ البحث في مقام آخر، يكون اعتراضاً في محلّه إذا اقتصرنا على كلام الميرزا في مجلس بحثه المذكور في التقريرات، فإنَّ غاية ما يستفاد من الميرزا في التقريرات أنَّ الميرزا يقيم البرهان على أنَّ المأخوذ في موضوع حكم العامّ هو العدم النعتيّ لا العدم المحمولي، وهذا البرهان ينقّح أنَّ استصحاب عدم الأُمويّة لا يثبت حكم العامّ، ولكنّه لا ينقّح أنَّ استصحاب عدم الأُمويّة لا ينفي حكم الخاصّ، ونظر المحقّق العراقي إنّما كان إلى ما كتبه الميرزا بخطه وقلمه في رسالة اللباس المشكوك. وهو صريح في أنَّ استصحاب العدم الأزلي
ــــــــــ[232]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
لا يجري، لا لإثبات حكم العامّ، ولا لنفي حكم الخاصّ، ومعه يكون كلام المحقّق العراقي في محلّه.
ما افاده الميرزا بخط يده
ومن هنا كان اللازم علينا بيان ما أفاده الميرزا في رسالة اللباس المشكوك بخطه.
فالبرهان الذي ذكره في التقريرات -من أنَّ العدم المأخوذ في موضوع حكم العامّ نعتيٌ وليس محموليّاً- موجود في رسالة اللباس المشكوك، وإن كان يزيد عليه بتلك الكلمة التي جعلناها برهاناً على الأصل الموضوعي للميرزا، وهو أنَّ الخصوصيّات المأخوذة في موضوع العامّ متقدّمة رتبة على مقارناته.
ثُمَّ جاء الميرزا إلى إشكالات منطقيّة للفرق بين السالبة المحصّلة والموجبة المعدولة، وأشكل عليها.
بعد هذا كلّه قال: إنَّ قلت. ثُمَّ أجاب على الإشكال، وفي مقام الجواب يظهر منه أنَّه لا يقبل استصحاب العدم الأزلي حتّى لنفي حكم الخاصّ لا فقط لإثبات حكم العامّ، فما هو إن قلت؟ وما هو جوابه؟
أمّا قوله: (إن قلت) فتوضيحه بتعبير منّا: أنَّ كلّ ما ذكرته فهو تشكّيك في قبال البداهة، فإنَّه لا إشكال عند كلّ إنسان أنّه لو فرض أنّ حكماً شرعيّاً رتب في لسان دليله على العالم الأُموي، نحو: يحرم إكرام العالم الأموي، والأُمويّة أخذت بما هي نعت، أي: أنَّها أخذت بوجودها النعتيّ في الموضوع لا بوجودها
ــــــــــ[233]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المحمولي ورتبت عليها الحرمة. هنا نسأل أنَّ الأُمويّة بوجودها النعتيّ هل هي من الأزليات أو مسبوقة بالعدم؟
لا إشكال أنَّها مسبوقة بالعدم، فإنّ أحداً لا يستطيع أن يقول: بأنَّ وجودها الأزلي مع وجود الله تعالى، بل هي مسبوقة بالعدم؛ لأنَّها حادثة، وكلّ حادث مسبوق بالعدم. إذن، فالأُمويّة بأيّ نحو تصوّرتها، حتّى بوجودها النعتيّ بالنحو الذي تقوله، هي مسبوقة بالعدم لا محالة.
إذن، فأيّ ضرر بأن نستصحب عدم الأُمويّة لنفي حكم الأُمويّة. ثُمَّ إنَّ الميرزا بيّن الضرر في الجواب. والجواب صريح في عدم جريان الاستصحاب حتّى لنفي حكم الأُموي.
وما بيّنه في مقام الجواب هو شبه برهان مركّب من صغرى وكبرى.
الكلام في بيان صغرى البرهان
أمّا الصغرى فقد أوضحها الميرزا بمقدمتين:
المقدّمة الأولى: فهي أنَّ النعتيّة في الأُمويّة حينما تأخذ الأُمويّة بما هي نعت فليست النعتيّة بحسب الحقيقة إلَّا خصوصيّة وجودها وطرز وجودها، فالنعتيّة خصوصيّة من خصوصيّات وجود العرض، من الخصوصيّات المقوّمة لوجوده لا لماهيته.
توضيح ذلك: أنَّ الماهيّات على ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: الماهيّات الغير المتقوّمة والغير المحتاجة إلى الموضوع، لا بحسب ماهيتها ولا بحسب وجودها. ومقصودنا من الماهيّة تصوّرها في عالم
ــــــــــ[234]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الذهن، فإنَّه يمكن تصوّرها مستقلاً بدون حاجة إلى أيّ شيء آخر، وفي الخارج توجد أيضاً من دون أن تكون قائمة بموضوع، كما هو الحال في الماهيّات الجوهريّة، فهي لا ماهيّة ولا تصوراً متقوّمة بالموضوع، ولا وجوداً وخارجاً.
القسم الثاني: ما يكون متقوّماً بالموضوع ماهيّة ووجوداً، فهو لا ماهيّة وتصوراً فيها غناء عن الموضوع، ولا وجوداً وخارجاً، كما هو الحال في الماهيّات الربطيّة.
فالنسبة هنا لا بمعنى مفهوم النسبة الذي ينتقش في الذهن من هذا اللفظ، فهو مفهوم اسمي، بل بمعنى واقع النسبة الذي وضعت له الحروف. فواقع النسبة ماهيّات وذوات متقوّمة بالطرفين -الموضوع والمحمول- تصوراً وخارجاً، فإنَّه لا يمكن تصوّر النسبة بين الشيخ المفيد والعلم مثلا إلَّا بتصوّر الشيخ المفيد والعلم. فذات النسبة ذات متقوّمة بالطرفين ذاتاً وخارجاً. وهذا القسم عكس القسم الأوّل.
القسم الثالث: وهو قسم وسط بين القسمين الأوّلين، وهو أن يكون الشيء بحسب الماهيّة والتصوّر غير متقوّم بالموضوع، وبحسب الوجود متقوّم بالموضوع، فتقوّمه بالموضوع تقوّم وجودي لا تقوّم ماهوي، كما هو الحال في الماهيّات العرضيّة كالبياض والسواد، العلم والأُمويّة، فإنَّ البياض إذا لوحظ بما هو ماهيّة فهو قابل للتصوّر في الذهن من دون حاجة إلى موضوع، وأمّا بحسب عالم الخارج فوجود البياض خارجاً متقوّم بالجسم. فالبياض ماهيّة وتصوّراً مستقلّ عن الموضوع، وخارجاً متقوّم بالموضوع. والأوصاف التي نتكلّم في أخذها في الحكم الشرعيّ هو من قبيل القسم الثالث.
ــــــــــ[235]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
إذن، الناعتيّة شأن الوجود لا شأن الماهيّة؛ لأنَّ النعتيّة هي أخذ الأُمويّة بما هي نعت للعامّ، أي: أخذه بما هو مربوط بالعامّ، والربط إنمّا هو شأن الوجود لا شأن الماهيّة. فماهيّة الأُمويّة غير مربوطة ولكن وجود الأُمويّة في الخارج هو المربوط.
إذن، فالنعتيّة مرجعها إلى الربطيّة، والربط في الأعراض خصوصيّة مقوّمة لوجود العرض لا لماهيتّه. فالنعتيّة مرجعها إلى وجود العرض. وأخذ الأُمويّة بما هي نعت في الموضوع مرجعه إلى أخذ خصوصيّة وجودها الذي هو تقوّمها بالموضوع.
هذه هي المقدّمة الأولى التي يمكن أن يقال: إنَّها تنقّح صغرى البرهان.
المقدّمة الثانية: يبيّن فيها الميرزا مطلباً آخر، وهو أنَّ الوجود والعدم نقيضان، أي: متقابلان، وكلّ من المتقابلين لا يعقل أن يتّصف بمقابله، ولا أن يكون مسبوقاً بمقابله، أي: لا يمكن أن يتّصف بمقابله لا الآن ولا سابقاً ولا لاحقاً، فلا الوجود يمكن أن يتّصف بالعدم -لا الآن ولا سابقاً ولا لاحقاً- ولا العدم يمكن أن يتّصف بالوجود كذلك؛ لأنَّ ذلك مقتضى تقابلهما، وإلّا لزم اجتماع النقيضين.
فحال الوجود والعدم حال المتضادين، فالسواد لا يمكن أن يتّصف بالبياض في وقت ما، ولا البياض يمكن أن يكون أسود وموصوفاً بالسواد في وقت ما. وإنّما هما أمران متقابلان يعرضان على موضوع واحد، هذا الموضوع في باب السواد والبياض هو الجسم، وفي باب الوجود والعدم هو الماهيّة.
ففي باب السواد والبياض لا يمكن أن يتّصف أحدهما بالآخر، وإنّما الذي
ــــــــــ[236]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
يتّصف بالسواد والبياض معاً هو الجسم، فقد يصير الجسم في يوم السبت أسود وفي يوم الأحد أبيض، فنقول في يوم الأحد: إنّه كان مسبوقاً بالسواد، أي: متّصفاً بالسواد السابق.
هذه المسبوقيّة بالسواد تضاف إلى الجسم تارةً، وتضاف إلى نفس البياض أخرى، ولكنّها حين تضاف إلى البياض لها معنى آخر منها حين تضاف إلى الجسم. فإذا قيل: إنَّ الجسم كان مسبوقاً بالسواد، أي: كان متّصفاً بالسواد سابقاً، ومعنى أنَّ البياض مسبوقٌ بالسواد، هو أنَّ السواد كان بديله، لا أنَّ البياض كان موصوفاً بالسواد. فمسبوقيّة الجسم لها معنى ومسبوقيّة البياض لها معنى آخر، فمسبوقيّة الجسم معناها ثبوت السواد للجسم، ومسبوقيّة البياض لها معنى آخر، وهو أنَّ السواد كان يحلّ محلّ البياض ثُمَّ حلّ هذا البياض محلّه.
هذا بنفسه يأتي في باب النقيضين: الوجود والعدم، نقول: إنَّ الماهيّة كانت مسبوقة بالعدم، فهذه المسبوقيّة، بمعنى اتّصاف الماهيّة بالعدم، وأمّا إذا قلنا: إنَّ وجود الإنسان كان مسبوقاً بالعدم، فإنَّه لا بمعنى أنّه كان موصوفاً بالعدم، وإنّما معناه أنّه كان بديله العدم ويحلّ محلّه ثُمَّ جاء الوجود وحلّ محلّه.
إذن، فالوجود لا يمكن أن يكون مسبوقاً بالعدم بمعنى الاتّصاف، وإنّما الذي يمكن أن يكون مسبوقاً بالعدم هو الماهيّة لا الوجود، أي: واقع الوجود لا مفهومه.
ثُمَّ يستنتج الميرزا النتيجة: أنّه ثبت في المقدّمة الأولى أنَّ وصف الأُمويّة الذي يؤخذ في موضوع العامّ بما هو نعتي، هذه النعتيّة هي طرز وجود الوصف، أي: طرز أخذ وجوده الخاصّ في الموضوع. وثبت في المقدّمة الثانية:
ــــــــــ[237]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أنَّ طرزالوجود ليس مسبوقاً بالعدم؛ لأنَّ الوجود ليس مسبوقاً بالعدم، بل ذات الماهيّة هو المسبوق بالعدم. فهنا أيّ شيء نريد أن نستصحب، فهل نستصحب عدم موضوع الحكم الشرعيّ؟ فذلك محال؛ لأنَّ موضوع الحكم هو طرز وجود الأُمويّة، وهو غير مسبوق بالعدم حتّى تستصحب، أو نستصحب ذات الماهيّة، فهي ليست موضوع الحكم الشرعيّ؛ لأنَّها أخذت في موضوع الحكم بما هي موصوفة لا بحيالها، فامتنع الاستصحاب.
لكن حيث إنَّ الأوصاف أعدامها أعدام نعتيّة، فنستصحب ما يقابل الوجود النعتيّ، وهو العدم النعتيّ. فموضوع الحكم الشرعيّ هو الوجود النعتيّ، وهو ليس مسبوقاً بالعدم بهذا البرهان، ولكنّنا يمكن أن ننفي الحرمة باستصحاب ما يقابل الوجود النعتيّ، وهو العدم النعتيّ للماهيّة لا العدم المحمولي لها. فلو كان العدم النعتيّ يمكن استصحابه لأمكن نفي الحرمة وإلَّا فلا.
والحاصل: أنَّ المستصحب في المقام إن كان هو العدم المحمولي للوجود النعتيّ فهو غير معقول؛ لأنَّ الوجود النعتيّ ليس له عدم أصلاً، وإن كان المستصحب هو العدم النعتيّ لذات الماهيّة فهي لم تؤخذ في موضوع الحكم الشرعيّ حتّى تستصحب، وإنّما المأخوذ هو عدم الأُمويّة بما هو نعت لا الماهيّة بحيالها. فلا يبقى إلَّا استصحاب العدم النعتيّ للأمويّة.
وبهذا انتهى برهان الميرزا. ومن المعلوم أنّه أدقّ وأعمق من البيانات السابقة، وهو لو تمّ -وليس بتامّ- لكان برهاناً على استصحاب العدم الأزلي حتّى لنفي حكم الخاصّ، لا فقط لإثبات حكم العامّ.
ــــــــــ[238]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
والإشكال عليه من وجوه ثلاثة:
الوجه الأوّل: أنَّ الخلاف بيننا وبينه في أصل معنى النعتيّة. لأنّا ذكرنا فيما سبق(1)، أنَّ أخذ الوصف بما هو نعت ليس معناه أخذه بنحو الربط الخارجي بينه وبين الموضوع، سواء أريد بالربط الخارجي الوجود الرابط الزائد على وجود العرض والموضوع، كما هو صريح كلام سيدنا الأستاذ(2)، أو أريد به الوجود الرابطي الذي هو عين وجود العرض، كما هو ظاهر كلام الميرزا(3).
بل النعتيّة التي قام البرهان على لزوم أخذها في الموضوع بعد التخصيص، هو التحصيص والتقييد والتضييق في عالم المفاهيم، مع قطع النظر عن الوجود الخارجي، فإن المفاهيم الكلّيّة تتحصّص في المرتبة السابقة على الوجود والعدم وتتقيّد. هذا هو المعنى المعقول للنعتيّة، وهو أجنبي عن عالم الوجود الخارجي، فإنَّ عالم المفاهيم أجنبي عن عالم الوجود الخارجي. فإنَّ الموضوع المحصّص المقيّد هو أيضاً مفهوم، غاية الأمر أنّه مفهوم ضيق، وهو قابل للوجود والعدم
ــــــــــ[239]ــــــــــ
(1) راجع: ص202.
(2) انظر: رسالة في اللباس المشكوك (الخوئي):49.
(3) انظر: رسالة الصلاة في المشكوك: 423.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
كالمفهوم الواسع، فيكون متّصفاً بالعدم تارةً وبالوجود أخرى، ويكون مسبوقاً بالعدم فيمكن استصحابه. فالمقدّمة الأولى، التي اعتبرناها بمنزلة الصغرى في البرهان باطلة، وهي أن يكون مرجع النعتيّة إلى طرز الوجود، فإن النعتيّة مرجعها إلى التحصيص والتضييق في المفهوم، والمفهوم بعد تحصيصه قابل للوجود والعدم، فيصف بالوجود تارةً وبالعدم أخرى.
الوجه الثاني: لو سلّمنا أنَّ النعتيّة التي تُلحظ في جانب الوصف مرجعها إلى طرز الوجود، وأنَّها خصوصيّة وطرز لوجود الوصف. فإن اُريد بهذا الكلام أنَّ هذا الطرز للوجود هو بنفسه يكون مأخوذاً في حرمة الإكرام بحسب عالم الجعل وفي نفس المولى. فهو غير معقولٍ؛ لأنَّ الموجود الخارجي يستحيل أن يكون موجوداً في عالم الجعل؛ لأنَّ عالم الجعل هو عالم نفس الحاكم، ويستحيل وجود الوجود الخارجي فيه؛ لأنَّ الوجود الخارجي يستحيل وجوده في عالم النفس.
وأمّا إن أُريد بأخذ هذا الوجود في الموضوع، أخذه بتوسط عنوان فانٍ فيه وحاكٍ عنه، كما هو الحال في تمام الموضوعات الشرعيّة، فهو أمرٌ معقولٌ وصحيحٌ، إلَّا أنَّه لا يبقى إشكال. فإنَّ هذا العنوان الذي يؤخذ في عالم الجعل بما هو حاكٍ عن النعتيّة الخارجيّة، هذا العنوان يوصف بالوجود والعدم، ويكون مسبوقاً بالعدم، فيستصحب عدمه بلا إشكال. كما هو الحال في سائر موضوعات الأحكام الشرعيّة التي هي عناوين مأخوذة في الأحكام الشرعيّة لا بحيالها، بل بما هي فانيةٌ في الوجود الخارجي. فإذا منعنا الاستصحاب في عنوان
ــــــــــ[340]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
النعتيّة الفاني فيها، فإنَّ باب الاستصحاب ينسدّ في تمام مواضيع الأحكام الشرعيّة، مع أنّه غير منسدّ؛ لأنَّ نفس العنوان الفاني هو عنوانٌ وليس وجوداً بحسب الحقيقة، فيتّصف بالوجود والعدم. وهو موضوع الجعل حقيقة، فإنَّه وإن لوحظ فانياً في موضوعه إلَّا أنّا ذكرنا مراراً أنَّ فناء العنوان في المعنون لا يقتضي سراية الحكم إلى المعنون، فدائماً تنصب الأحكام على العناوين المأخوذة في عالم الجعل، غاية الأمر أنَّها تلحظ بما هي فانية في الأفراد الخارجيّة، فالموضوع هو نفس العنوان، وهو مسبوق بالعدم، فيستصحب بلا إشكال.
الوجه الثالث: لو قطعنا النظر عن إشكالنا الأوّل، وسلّمنا أنَّ النعتيّة مرجعها إلى طرز الوجود الخارجي، وقطعنا النظر عن إشكالنا الثاني، وسلّمنا أنَّ طرز الوجود الخارجي هو المأخوذ موضوعاً للحكم بدون توسط عنوان يكون فانٍ فيه وحاكٍ عنه.
حينئذٍ نقول: إنَّ الميرزا يقول: إنَّ الاستصحاب الذي يراد نفي الحكم به لا بُدَّ وأن يكون جارياً لإثبات ما يقابل موضوع الحكم الشرعيّ، وحيث إنَّ الموضوع هو الوجود النعتيّ للأمويّة، فما يقابله هو العدم النعتيّ، أي: العدم في حال وجود الموضوع. وأمّا العدم المحمولي فيقابل الوجود المحمولي، والتقابل بين الوجود المحمولي والعدم المحمولي -أي: العدم والوجود المأخوذين بحيالهما- هو تقابل التناقض. والتقابل بين العدم النعتيّ والوجود النعتيّ هو تقابل العدم والملكة. فلا بُدَّ في نفي الأثر من استصحاب ما يقابل موضوع الأثر، وهو العدم النعتيّ لا العدم المحمولي.
ــــــــــ[341]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ولكن هذا كلام صرف ولا يرجع إلى محصّل؛ لأنَّه في دليل الاستصحاب لم يقم دليل خاصّ على أنَّ نفي الأثر يكون بإثبات ما يقابل موضوع الأثر، لنقول: إنَّ الذي يقابل موضوع الأثر ما هو، هل هو العدم النعتيّ أو المحمولي؟ فلم يقم دليل على أنَّ نفي الأثر يترتّب على استصحاب مقابل موضوع الأثر، حتّى نتكلّم في أنَّ المقابل يصدق على العدم النعتيّ أو المحمولي.
وإنّما دليل الاستصحاب بحسب الظهور العرفي يتكفّل بالتعبد بنفي الأثر بالتعبد بنفي موضوعه. فهل العرف يستظهر أنَّ التعبد بنفي الأثر يكون بالتعبد بخلاف موضوع الأثر؟ فإذا رجع الأمر إلى الفهم العرفي فلا بُدَّ من النظر فيما يقتضيه النظر العرفي، وهل استصحاب العدم النعتيّ كافٍ في رفع الأثر أو لا؟ ولا يُرجع إلى تشخيص المقابل لموضوع الحكم بحسب الاصطلاح والفن، فليكن المقابل للوجود النعتيّ -الذي هو موضوع الحكم- هو العدم النعتيّ، ولكن لعلّ العرف يرى أنَّ نفي دائرة العدم المحمولي الوسيع يكفي في نفي الأثر.
هذا هو الإشكال على برهان الميرزا، وخلاصة الإشكالات الثلاث عليه:
أولاً: أنَّ النعتيّة ليست بمعنى طرز الوجود، بل بمعنى التحصيص والتضييق في عالم المفاهيم، والمفهوم المضيّق له حالة سابقة فيستصحب.
ثانياً: لو سلّمنا أنَّ مرجع النعتيّة إلى طرز الوجود، فهو لا يؤخذ بنفسه موضوعاً للحكم الشرعيّ، بل بالعنوان الفاني فيه، وقد قلنا: إنّه لا يعقل سريان الحكم إلى المعنون. فما هو الموضوع للحكم هو العنوان، وهو مسبوق بالعدم فيستصحب.
ــــــــــ[342]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ثالثاً: لو قطعنا النظر عن ذلك فلا معنى للبحث في أنَّ المقابل للوجود النعتيّ ما هو، هل هو العدم النعتيّ أو المحمولي؟ لأنَّه لم يقم دليل على أنَّ نفي الأثر يكون باستصحاب المقابل لموضوع الأثر، حتّى يبحث عن ذلك المقابل، بل يرجع في ذلك إلى دليل الاستصحاب وهو أجنبي عن اصطلاح الفلسفة، وإنّما يرجع به إلى العرف. وبهذا يظهر عدم تماميّة البرهان. وبهذا أيضاً يتمّ ما أفاده السيّد الأستاذ والميرزا، ثُمَّ لا بُدَّ من التعرّض إلى ما أفاده المحقّق العراقي في المقام.
الكلام يقع في تفصيل المحقّق العراقي في جريان استصحاب العدم الأزلي، وهذا التفصيل هو الذي قلنا: إنّه أصبح من المشكلات التي ألحقت بالرموز والألغاز، ولم يفهم في مجلس بحثه إلَّا بعد ثلاثة أيام.
هذا التفصيل بحسب الحقيقة على ما يظهر من كتاباته ، حيث كتب مرتين: مرةً في رسالة اللباس المشكوك(1) ، وأخرى في رسالة ألِّفت لتنقيح استصحاب العدم الأزلي(2)، وهناك فرق مهم بين الكتابتين، بحيث إنَّ ما أفيد في الأولى اُخذ مفروغاً عن بطلانه في الثانية. ولعلّه في مجلس بحثه كان يجمع بين المطلبين في اختلاف الزمان، وعلى كلّ حال فالمطلب الثاني لم أجده بخط يده في
ــــــــــ[243]ــــــــــ
(1) انظر: رسالة في اللباس المشكوك (العراقي): 158و 164.
(2) رسالة في استصحاب العدم الأزلي: 172.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
مكان أصلاً. أمّا التفصيل فقد ذُكر -بنحو من أنحاء الذكر الناقص- في رسالة اللباس المشكوك للسيّد الأستاذ(1)، وبنحو من الإشارة الناقصة في المستمسك(2).
والكلام يقع في المطلب الأوّل فيما افاده في الرسالة الأولى، ثُمَّ ننتقل إلى المطلب الثاني، وعند البيان سوف أخالف ترتيب كلماته تبعاً لما يستدعيه التوضيح.
لتوضيح المقام لا بُدَّ أن يُعلم أمران:
الأمر الأوّل: أنَّ الشيء بحسب عالم الوجود الخارجي له رتبة لا محالة، فهو مثلاً في رتبة الشيء الفلاني، ومتأخر عن الشيء الفلاني، ومتقدّم على الشيء الفلاني. فمثلاً نفترض أنَّ الحرارة في رتبة الإحراق؛ لأنَّهما معاً معلولان للنار، والحرارة متأخرة عن النار؛ لأنَّها معلولة لها، ومتقدّمة على الغليان؛ لأنَّه معلول للحرارة، هذه الرتب للشيء بحسب عالم الوجود الخارجي.
مثلا: الأُمويّة متأخرة رتبة عن الإنسان؛ لأنَّه موضوع للأُمويّة والوصف متأخر لا محالة عن موضوعه، ولكنّها ليست متأخرةً عن العدالة؛ لأنَّ كليهما عرضان ووصفان لموضوع واحد. وهذا واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان، وإنّما ذكرناه للتمهيد إلى مطلب آخر.
وهو أنَّ الشيء بحسب عالم الخارج ولوح الوجود قد تكون له رتبة إلَّا أنّه
ــــــــــ[244]ــــــــــ
(1) انظر: رسالة في اللباس المشكوك(الخوئي):56.
(2) انظر: مستمسك العروة الوثقى1: 137، المسألة: الثانية.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بحسب نحو أخذه في عالم الاعتبار وعالم الجعل تكون له رتبة أخرى. فإنَّ الشيء إذا لوحظ بحسب وجوده الخارجي يكون متقدّماً على هذا ومتأخراً عن هذا، ولكن إذا أراد المولى بحسب عالم الجعل والاعتبار أن يأخذه قيداً أو جزءاً في موضوع الحكم، حينئذٍ هذا الشيء بالمقدار الذي يؤخذ قيداً أو جزءاً في الموضوع قد تختلف نسبة الرتبة فيه عنها بحسب الوجود الخارجي.
مثلاً: العلم والعدالة، ليس بينهما تقدّم وتأخر بحسب الوجود الخارجي؛ لأنَّهما عرضان لموضوع واحد، ولكن بحسب عالم الجعل والاعتبار قد يكون أحدهما سابق في الرتبة على الآخر، كما لو جعل المولى جعلاً يعبّر عنه في العرف بقوله: الإنسان العالم إذا كان متّصفاً بالعدالة أكرمه. فهنا العدالة المأخوذة في موضوع الحكم متأخرةٌ عن العلم؛ لأنَّ العلم لوحظ في طرف الذات -في طرف الإنسان- وقيّد به الإنسان في الرتبة السابقة على التقييد بالعدالة. والعدالة المأخوذة في موضوع هذا الحكم هي عدالة الإنسان العالم.
وقد يكون بالعكس، فإنَّ الأُمويّة أو العدالة أو العلم صفات متأخرة بحسب نظام الوجود الخارجي، متأخرة بوجودها عن وجود الموصوف لا محالة؛ لأنَّ وجود الموصوف أحد أجزاء علّة وجود الصفة. إلَّا أنّه بحسب عالم الجعل والاعتبار، تارةً المولى يأخذ الأُمويّة أو العدالة أو العلم في الموضوع بما لها من النحو الرتبي خارجاً، أي: بما هي متأخرة عن وجود الإنسان، وذلك بأن يجعل سنخ جعل يعبّر عنه عرفاً بهذا القول: إذا وجد إنسان وكان أموياً أو عالماً فكذا، بحيث يكون الاتّصاف متأخر رتبة عن وجود الإنسان بحسب عالم
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الجعل والاعتبار، كما هو متأخر رتبة عن وجود الإنسان بحسب عالم الخارج.
وأخرى: لا يأخذ المولى صفة العلم أو العدالة أو الأُمويّة متأخرة، بل يأخذها بنحو لا تكون متأخرةً عن وجود الإنسان خارجاً، وذلك بأن يجعل نحو جعل يعبّر عنه عرفاً بقوله: إذا وجد الإنسان العالم العادل فكذا، بحيث يجعل الوجود طارئاً على الإنسان العالم العادل، فهذه الصفات تؤخذ قيوداً للذات، لا للذات بعد الفراغ عن وجودها. فهنا الأُمويّة أو العلم بوجوده الخارجي، وإن كان متأخراً لا محالة عن وجود الإنسان، ولكنّه بالنحو الذي أخذ في عالم الجعل والاعتبار -أي بما هو قيد- ليس متأخراً؛ لأنَّه أخذ في صقع الذات بدون المفروغيّة عن وجود الذات.
هذا أمرٌ معقولٌ وواضحٌ.
الأمر الثاني: الذي ينبغي أن يُعلم: هو أنَّ المحقّق العراقي يفترض في المقام أنَّ التناقض لا بُدَّ فيه من وحدة الرتبة، أي: أنَّ رتبة النقيض لا بُدَّ أن تُحفظ. فنقيض وجود الشيء في مرتبة كذا هو عدمه في تلك المرتبة؛ لأنَّ نقيض الشيء بديله، بحيث يفرض أنّه يحلّ محلّه، ولا يكون كذلك إلَّا في مرتبة واحدة. فلا بُدَّ من فرض وحدة الرتبة بين النقيضين بمعنى: أنّه إذا فرضنا أنَّ طرف الوجود كان فيه ضيق بمرتبة معينة، فهذا الضيق يسري إلى العدم، ويكون العدم نقيضة في نفس المرتبة لا في رتبة أخرى.
هذا الأمر ينبغي أن يفرض أصلاً موضوعيّاً، ثُمَّ نأتي إلى توضيح برهان المحقّق العراقي.
ــــــــــ[246]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
إنَّ المحقّق العراقي في بحث استصحاب العدم الأزلي نظره ومصب كلامه يختلف عن نظر ومصب كلام تقريرات الميرزا ؛ لأنَّ التقريرات مصب كلامها هو ما إذا أخذ العدم في موضوع حكم العامّ حينئذٍ نقول: إنّه هل يمكن أن يثبت باستصحاب العدم الأزلي أو لا؟
وقلنا بعد ذلك: إنَّ البرهان الذي أقامه الميرزا في التقريرات إنّما هو فيما إذا أخذ العدم في موضوع الحكم، لا فيما إذا أخذ وجود الوصف في الموضوع واُريد نفيه بالاستصحاب.
وقلنا: إنَّ الميرزا في رسالته التي كتبها بخط يده كان نظره فيها يختلف عن نظره في التقريرات، حيث أقام برهاناً على أنَّ الوصف إذا أخذ في الموضوع لا نستطيع أن نجري استصحاب العدم الأزلي للأُمويّة، وننفي بذلك الحكم بحرمة الإكرام.
أمّا آغا ضياء فإنّ مصبّ كلامه هو مصبّ كلام الميرزا في رسالته لا في تقريراته، وهو ما إذا فرض أنَّ المولى أخذ وصفاً وجوديّاً في موضوع الحكم، فهل يمكن باستصحاب العدم الأزلي نفي الحكم بحرمة إكرام العالم الأُموي؟ هل أستطيع باستصحاب العدم الأزلي للأُمويّة أن أنفي حرمة الإكرام عن الفرد المشكوك؟
المحقّق العراقي يقول في المقام: إذا أُخذت الأُمويّة في موضوع الحكم فقال المولى: (أكرم العالم الأُموي) وهذا فرد مشكوك الأُمويّة، وهذه الأُمويّة التي
ــــــــــ[247]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أخذت قيداً في موضوع الحرمة إذا حسبنا حساب رتبتها بحسب نظام الوجود الخارجي نرى أنَّ رتبتها في طول وجود الإنسان؛ لأنَّها وصف، والوصف وجوده في طول وجود الإنسان، فمقتضى توحيد الرتبة بين النقيضين: أنَّ نقيضه هو عدمه في هذه الرتبة، أي: أنَّ نقيض الأُمويّة التي هي وصف للإنسان في حال وجود الإنسان هو عدمها في حال وجود الإنسان، أي: أنَّ نقيضها هو العدم الطولي المتأخّر رتبة عن وجود الإنسان، وهذا العدم ليس له حالة سابقة على وجود الإنسان.
إذن، فالعدم الذي هو نقيض الأُمويّة هو العدم المتأخّر رتبة عن وجود الإنسان، وليس له حالة سابقة، وباستصحاب العدم الأزلي السابق الرتبة على وجود الإنسان لا يمكن إثبات العدم اللاحق الرتبة، فإنَّهما وإن كانا متلازمين إلّا أنّه يكون من أوضح أفراد الأصل المثبت.
قال المحقّق العراقي: إنّنا لو بقينا وهذا الكلام لانسد باب استصحاب العدم الأزلي؛ لأنَّ الوصف المأخوذ في الحكم دائماً رتبته في طول الموصوف، ونقيضه عدمه في تلك الرتبة، أي: العدم حال وجود الذات، وهو ليس له حالة سابقة، والذي له حالة سابقة هو العدم في مرتبة الذات لا العدم الذي في طول وجود الذات. وإثبات أحدهما باستصحاب العدم الأزلي للآخر من أوضح أفراد الأصل المثبت.
لكنّنا في المقام نستفيد من الأمر الأوّل -الذي قلنا إنّه ينبغي أن يعلم- لأنَّ الأُمويّة بحسب الوجود الخارجي، وإن كانت متأخرةً عن وجود الإنسان، إلَّا
ــــــــــ[248]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أنَّها بما هي قيد في عالم الجعل والاعتبار قد لا تكون متأخرةً. فإنّا قلنا في الأمر الأوّل: إنَّ النسبة في عالم الوجود قد لا تكون محفوظةً في عالم الجعل والاعتبار. ففي عالم الوجود لا نتصوّر إلا صورة واحدة، وهي تأخر الوصف عن الموضوع، ولكن الأُمويّة باعتبار قيّديتّها بحسب عالم الجعل والاعتبار لها صورتان: فإنَّ الأُمويّة تارةً تفرض قيداً في الإنسان المفروغ عن وجوده، نحو: إذا وجد الإنسان وكان أموياً فكذا، فقد أخذت الأُمويّة في طول وجود الإنسان، فهي بما هي قيد متأخرة عن الموضوع، كما هي متأخرة عنه في عالم الخارج. فإذا كانت متأخرةً عن وجود الموضوع فنقيضها هو العدم في هذه المرتبة، أي: المرتبة المتأخّرة عن الوجود، وهذا العدم لا يمكن أن يثبت باستصحاب العدم الأزلي.
وقد تؤخذ الأُمويّة في صقع الذات بدون فراغ عن وجودها، وهو الذي يعبّر عنه بالقضيّة التقييديّة الناقصة. فهنا الأُمويّة أخذت قيداً في صقع نفس الذات لا في مرتبة متأخرة عن الوجود، فهي بما هي قيد ليست في طول الوجود، فنقيضها هو مطلق العدم الذي يمكن إثباته باستصحاب العدم الأزلي.
وبهذا تنقّح التفصيل بين ما إذا كان الوصف مأخوذاً في الجمل التامّة أو مأخوذاً في الجمل الناقصة. فإذا فرض أنّه أخذ في سياق الجمل التامّة، نحو: إذا وجد إنسان وكان أموياً فأكرمه، فلا يجري استصحاب العدم الأزلي. وإن أخذ في الجمل الناقصة فيجري.
وبعبارة أخرى: أنَّ الأُمويّة إذا لوحظت بما هي قيد فهي ليست متأخرةً عن
ــــــــــ[249]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الوجود، فعدمها ليس متأخراً عن الوجود، فيمكن استصحابه. وإذا أخذت متأخرة عن الوجود فنقيضها هو عدمها في هذه المرتبة، وهو لا يمكن استصحاب عدمه الأزلي.
وحاصل ما ذكره المحقّق: أنَّ الوصف المأخوذ في موضوع الحكم الشرعيّ كالأُمويّة أو العدالة أو العلم أو الفسق، تارةً يؤخذ قيداً للذات في نفسها، وأخرى يؤخذ قيداً للذات بعد الفراغ عن وجودها. فإن أخذ الوصف قيداً للذات في نفسها، فمثل هذا القيد لا يكون في مرتبة متأخّرة عن الوجود، لا هو ولا نقيضه -وهو العدم- فإنَّ نقيضه هو صرف عدم هذا الوصف، ومن المعلوم أنَّ هذا العنوان ينطبق على العدم الأزلي فيستصحب بلا إشكال. وأمّا إذا أخذ الوصف قيداً للذات بعد الفراغ من وجودها فيكون متأخراً رتبة عن وجود الذات، ومع حفظ الرتبة بين النقيضين فنقيضه هو العدم في هذه الرتبة المتأخّرة عن الوجود، وهذا العنوان لا ينطبق على العدم الأزلي؛ لأنَّه عدم سابق على الوجود لا متأخر رتبة عن الوجود، واستصحاب العدم الأزلي للعدم في الرتبة السابقة لإثبات العدم في الرتبة المتأخّرة مثبتٌ.
هذا هو تمام المطلب الأوّل.
الكلام المتقدّم بقطع النظر عن كلّ ما يشكل عليه، وبقطع النظر عن أصوله الموضوعيّة يرد عليه، نفس ما أورده المحقّق العراقي نفسه في رسالته
ــــــــــ[250]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الثانية(1)، ولكن لا بعنوان الإيراد بل بعنوان إن قلت: قلت، فيذكر في قلت الجواب عنه.
وحاصل الجواب عن هذه المقالة كما أفاده في الرسالة الثانية، هو: أنّنا إذا فرضنا وسلّمنا أنَّ الوصف إذا أُخذ قيداً للذات بعد الفراغ عن وجودها، يكون القيد في المرتبة المتأخّرة عن الوجود، ونقيضه هو العدم المتأخّر عن وجود الإنسان لاتحاد الرتبة بين النقيضين.
ثُمَّ يقول في مقام الاستدلال: إنَّ عدم الأُمويّة هو في المرتبة المتأخّرة عن الوجود فيستحيل اتّصافه بالعدم الأزلي؛ لأنَّ العدم الأزلي ليس متأخراً عن الوجود، فلا يمكن باستصحاب العدم الأزلي للأُمويّة أن نُثبت ما هو موضوع الحكم شرعاً؛ لأنَّ موضوع الحكم هو العدم في مرتبة وجود الذات وهو لا يثبت باستصحاب العدم الأزلي.
وبناءً على حفظ الأصول الموضوعيّة للمحقّق العراقي: أنَّ العدم الأزلي وإن كان متقدماً زماناً على وجود الإنسان، إلَّا أنّه متأخّرٌ رتبةً عن وجود الإنسان.
والنكتة في ذلك: أنَّ عدم الأُمويّة متأخرٌ عن عدم نفس الإنسان؛ لأنَّ عدم الوصف متأخّر عن عدم موصوفه، فعدم الأُمويّة متأخر عن رتبة عدم وجود الإنسان؛ لأنَّ عدم وجود الإنسان أحد العلّل لعدم الأُمويّة، فيكون عدم الأُمويّة متأخراً تأخر المعلول عن علّته، فالعدم الأزلي يكون مسبوقاً بعدم آخر هو عدم موضوعه في الرتبة السابقة، فعدم الأُمويّة هو في الرتبة المتأخّرة عن
ــــــــــ[251]ــــــــــ
(1) رسالة في استصحاب العدم الأزلي: 172.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
عدم الإنسان، وقد فرضنا الوحدة بين النقيضين، فتكون رتبة وجود الإنسان وعدمه واحدة، فكما أنَّ العدم الأزلي للأُمويّة متأخر عن عدم ذات الإنسان رتبة، كذلك لا محالة يكون متأخراً عن وجود الإنسان؛ لأنَّ مرتبة عدم الإنسان هي بنفسها مرتبة وجود الإنسان، بناءً على وحدة الرتبة بين النقيضين. إذن، يكون العدم الأزلي في رتبة وجود الإنسان، ويكون موضوعاً للحكم الشرعيّ، فيُستصحب.
هذا الجواب لا يتمّ على مباني الميرزا؛ لأنَّ تأخر العدم الأزلي عن وجود الإنسان رتبة إنّما يثبت بهذه المباني والأصول الموضوعيّة للمحقّق العراقي.
وبهذا يمكن أن يقال: إنَّ كلّ من تعرض لتفصيل المحقّق العراقي تمسّك بهذا التفصيل، وهو ليس مُرضياً لدى المحقّق العراقي نفسه؛ لأنَّه هو الذي أجاب عليه بهذا الجواب، وهو جوابٌ صحيحٌ، ولنا مناقشات في الأصول الموضوعيّة للاستدلال، لا ضرورة لذكرها.
ومن هنا ذكر المحقّق العراقي بياناً آخر في رسالته المعقودة لبيان استصحاب العدم الأزلي(1)، وهو في هذه الرسالة عنون المسألة بنفس العنوان في الرسالة الأولى، فالمُدّعى نفس المدّعى في كلتا الرسالتين، وإن اختلف الاستدلال.
وحاصل المُدّعى: التفصيل بين ما إذا اُخذ الوصف قيداً للذات في نفسها،
ــــــــــ[252]ــــــــــ
(1) رسالة في استصحاب العدم الأزلي: 182.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وبين ما إذا أخذ قيداً للذات بعد الفراغ عن وجودها، فإذا أخذ الوصف قيداً للذات في نفسها -كما هو الحال في القضايا التقييديّة- فيجري استصحاب العدم الأزلي، وإن اُخذ الوصف قيداً للذات بعد الفراغ عن وجودها -كما هو الحال في الجمل الشرطيّة التامّة- فلا يجري الاستصحاب.
وهذا ما نعبّر عنه ونقول بأنَّ آغا ضياء فصّل بين وجود المتّصف واتّصاف الموجود. فهذا المدّعى مشترك بين الرسالتين، ولكنّه في هذه الرسالة يبيّن بياناً آخر.
وحاصله: أنّه يقول: بأنَّ الوصف -كما سبق أن أشرنا- تارةً يؤخذ قيداً للذات في صقع الذات، وتارةً يؤخذ الوصف قيداً للذات بعد الفراغ عن وجودها.
ومن المعلوم أنَّ هذا الوصف -الأُمويّة- إنّما يتّصف بكونه ذا أثر شرعيّ وموضوعاً للحكم الشرعيّ ببركة كونه مأخوذاً قيداً لموضوع الحكم؛ إذ لولا أنَّ المولى يأخذ الأُمويّة قيداً لما كان لها أثر شرعيّ أصلاً، فاتّصاف الأُمويّة بكونها ذات أثر إنّما هو ببركة التقييد، وما هو ذو أثر إنّما هو في المرتبة المتأخّرة عن التقييد، وإلّا ففي نفس رتبة التقييد أو في المرتبة السابقة لا أثر للأُمويّة، وإنّما كانت ذا أثر شرعيّ وموضوعاً للحكم الشرعيّ في المرتبة المتأخّرة عن التقييد؛ لأنَّها صارت ذات أثر بسبب التقييد، فيكون الموضوع بعنوان كونه موضوعاً في المرتبة المتأخّرة عن التقييد، فما هو ذو الأثر الشرعي هو الأُمويّة بعد التقييد، فالوصف ذو الأثر الشرعيّ الذي بلحاظه يجري الاستصحاب فيه إثباتاً ونفياً هو في المرتبة المتأخّرة عن التقييد؛ إذ لولا التقييد لا يكون الوصف ذا أثر.
ــــــــــ[253]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
والتقييد نفسه في المرتبة المتأخّرة عن طرفه، وهو ذات المقيّد؛ لأنَّ التقييد نسبة واعتبار قائم بطرفه.
أمّا ما هو طرف التقييد؟ فهو إمّا أن يكون هو الذات في صقع الذات، وإمّا أن يكون طرف التقييد هو الذات الموجودة في مرتبة وجودها.
فإن فرض أنَّ الوصف أخذ قيداً للذات بما هي، فالوصف ذو الأثر يكون متأخراً بمرتبتين عن نفس الذات؛ لأنَّ الوصف ذو الأثر في طول التقييد، والتقييد في طول الذات. فيكون الوصف ذو الأثر الذي هو مجرى الاستصحاب متأخراً عن الذات بمرتبتين. وباعتبار وحدة الرتبة بين النقيضين يكون عدمه هو العدم المتأخّر عن الذات بمرتبتين.
وإذا اُخذ الوصف قيداً للذات بعد الفراغ عن وجودها فلا محالة يكون طرف التقييد هو الوجود، فيكون الوصف ذو الأثر متأخراً بمرتبتين عن الوجود، فيكون نقيضه، باعتبار وحدة الرتبة بين النقيضين هو العدم المتأخّر عن الوجود بمرتبتين.
فإذا فرضنا الشقّ الأوّل، وهو أن يكون الوصف قد أخذ قيداً للذات بدون ملاحظة الوجود، فيكون الوصف ذو الأثر متأخراً بمرتبتين عن نفس الذات. وفي هذا الفرض يجري استصحاب العدم الأزلي، إذ العدم الأزلي متأخر عن نفس الذات بمرتبتين؛ إذ زيد المشكوك الأُمويّة قبل أن يوجد في الخارج كان معدوماً وأُمويّته معدومة بالعدم الأزلي، وهذا العدم الأزلي يمكن استصحابه؛ لأنّنا أثبتنا أنّه متأخرٌ عن الذات بمرتبتين.
ــــــــــ[254]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وقبل أن يوجد زيد كان تقيّد الذات بالعدم الأزلي فعليّاً؛ لأنَّ محط التقيّد هو نفس الذات، وهي محفوظة في حالي الوجود والعدم. إذن، فالتقيّد فعلي قبل وجود زيد، فالعدم قد أصبح ذا أثر، فالعدم وصف ذو أثر في مرحلة التقيّد المتأخّر عن الذات، فيستصحب.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الوصف أخذ قيداً للذات بعد الفراغ عن وجودها، فلا محالة يكون صقع التقييد هو الوجود، وقبل الوجود لا تقييد فلا وصف، فلا أثر. فاستصحاب هذا العدم الأزلي لإثبات العدم في المرتبة المتأخّر عن التقييد المتأخّر عن الوجود يكون مثبتاً لا محالة.
والفرق بين هذا الاستدلال وذاك الاستدلال، أنّه هناك كان يقول: إنَّ ما هو الموضوع للحكم الشرعيّ هو العدم المتأخّر عن الوجود؛ لأنَّ الوصف أخذ قيداً للذات بعد الفراغ عن وجودها، وبحفظ وحدة الرتبة بين النقيضين يكون عدمه متأخّراً عن الوجود أيضاً، وإثبات هذا العدم باستصحاب العدم الأزلي المتقدّم رتبة على الوجود، مثبتٌ.
هنا يسلّم أنَّ العدم الأزلي متأخر برتبة واحدة عن الوجود، ولكنّه يقول: إنَّ العدم حال الوجود متأخر برتبتين، واستصحاب العدم المتأخّر برتبة واحدة لإثبات العدم المتأخّر برتبتين مثبتٌ؛ بل لا يمكن الاستصحاب حتّى لو قلنا بحجّيّة الأصل المثبت.
هذا خلاصة البرهان. إلَّا أنَّ هذا البيان غير تامٍّ، ويرد عليه عديد من الإشكالات، إلَّا أنّنا لا نتعرّض إلَّا لواحد منها فقط.
ــــــــــ[255]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وحاصله: أنَّ المحقّق العراقي حينما قال: بأنَّ الوصف ذا الأثر يكون في المرتبة المتأخّرة عن التقييد الذي هو في المرتبة المتأخّرة عن الذات أو عن الوجود، هنا نسأل: ماذا يقصد بالتقييد الذي يكون الوصف في المرتبة المتأخّرة عنه؟ هل يقصد التقييد بحسب عالم الجعل؟ أي: أخذ المولى الأُمويّة قيداً في موضوع حكمه، أو يقصد التقييد الخارجي، أي: أنَّ الإنسان متقيّد بالأُمويّة خارجاً، وأنَّ الله خلق زيداً أموياً.
فإن أراد بالتقييد التقييد الجعلي، أي: أخذ المولى للأموية قيداً بحسب عالم الجعل والاعتبار، فهذا التقييد ليس متأخراً رتبة عن وجود المقيّد خارجاً. فلو فرضنا أنَّ المولى أخذ الأُمويّة قيداً للذات المفروغ عن وجودها وقال: إذا وجد عالم وكان أمويّاً فيحرم إكرامه. هذا التقييد بالأُمويّة ليس متأخراً عن وجود العالم خارجاً؛ لأنَّ التقييد الجعلي لا معنى له إلَّا فعل الجاعل وهو تامّ بنفس جعله، وليس موقوفاً على وجود العالم خارجاً حتّى يقال: إنَّ الوصف متأخّرٌ رتبة عن وجود العالم.
وإن أراد بالتقييد التقييد الخارجي، أي: اتّصاف زيد بالأُمويّة خارجاً، فلا محالة يكون التقييد الخارجي متأخراً رتبة عن وجود المقيّد خارجاً، إلَّا أنَّ كون الوصف ذا أثر ليس هو في طول التقييد الخارجي، فليس بعد أن يخلق الله زيداً أموياً تصير الأُمويّة ذات أثر شرعيّ، بل تصير الأُمويّة ذات أثر بالجعل، ولو لم يوجد إنسان أُموي في العالم.
ــــــــــ[256]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فالتقييد إن أُريد به التقييد الجعلي فليس متأخّراً عن وجود الذات المقيّدة، وإن أريد به التقييد الخارجي فليس متقدّماً على كون الوصف ذا أثر. فعلى أيّ حال لا يتصوّر أن يكون الوصف ذو الأثر متأخّراً برتبتين عن الوجود. وعليه أيضاً مزيد من الإشكالات، ولكنّه ليس له شأن علمي، بل له شأن تأريخي، فلا يهم التعرّض لها.
وبهذا ينتهي بحث استصحاب العدم الأزلي.
ــــــــــ[257]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
دوران الأمر بين التخصيص والتخصّص
ــــــــــ[259]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
إذا دار الأمر بين التخصيص والتخصّص فهل يحكم بالتخصّص نفياً للتخصيص ببركة أصالة العموم في العام؟ فلو ورد: (أكرم كلّ عالم) وعلمنا جزماً بأنَّ زيداً لا يجب إكرامه؛ حيث يدور الأمر بين أن يكون زيد جاهلاً فيكون خارجاً عن دليل وجوب الإكرام تخصّصاً، أو أنّه عالم ولكن نكتة ما اقتضت عدم وجوب إكرامه، كالفسق أو الأُمويّة، فيكون خارجاً تخصيصاً.
فزيد لا شكّ في حكمه في أنّه لا يجب إكرامه، ولكن الشكّ في صفته هل أنّه عالم أو لا؟ فهل يمكن التمسّك بعموم (أكرم كلّ عالم) لا لإثبات وجوب الإكرام لزيد؛ لأنَّه معلوم العدم، بل لإثبات أنّه ليس بعالمٍ؛ لأنَّه لو كان عالماً لوجب إكرامه؟ أي: نتمسّك بالعامّ لأجل نفي كون خروجه تخصيصاً، بل تخصّصاً، بمعنى: أنّه ليس بعالمٍ.
والفائدة الفقهيّة المترتبة على هذه المسألة ليست هي نفي وجوب الإكرام، فإنَّه منفي على كلّ حال سواء كان زيدٌ عالماً أم جاهلاً، بل ثمرته هو نفي سائر الأحكام المترتبة على العالم كالتقليد، أو إثبات حكم ضده إذا كانا من الضدين اللذين ليس لهما ثالث.
هذا هو محلّ البحث في المقام.
ــــــــــ[261]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وقد اشتهر في كلمات العلماء التمسّك بالعامّ في دوران الأمر بين التخصيص والتخصّص لنفي التخصيص وإثبات التخصّص، خصوصاً في كلمات القدماء، أعني: القدماء من الدورة الأخيرة (1).
بل توجد مثل هذه الدعوى في باب المطلقات فضلاً عن العمومات كما لو قال: أكرم العالم بدل أكرم كلّ عالم، كما يوجد لذلك نظائر في كلماتهم حيث تمسّكوا بالمطلق لنفي كون الفرد خارجاً بالتخصيص أو بالتقييد.
ومن جملة الموارد في الأصول: استدلالهم على أنَّ الأمر للوجوب بقوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ(2) فإنَّه فرض في الآية أنَّ مخالفة الأمر توجب الحذر، ومن المعلوم أنَّ الاستحباب خارج يقيناً؛ لأنَّ مخالفته لا توجب الحذر. ولكن الشكّ في أنَّ خروج الاستحباب خروج على نحو التخصيص، بمعنى: أنّه أمر لا حذر فيه، أو خروج على نحو التخصّص، بمعنى: أنّه ليس أمراً، والأمر مختص بالوجوب، فقالوا(3): إنَّ الأمر للوجوب، وإنَّ خروج الاستحباب خروج تخصّصي.
وكذلك استدلال الصحيحي في مسألة وضع ألفاظ العبادات للصحيح أو للأعمّ، على أنَّ أسماء العبادات موضوعة لخصوص الصحيح بقوله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ(4) حيث تدلّ على الوضع للصحيح.
ــــــــــ[262]ــــــــــ
(1) انظر: معالم الدين وملاذ المجتهدين: 40.
(2) النور: 63.
(3) انظر: بدائع الأفكار (الرشتي): 221.
(4) العنكبوت: 45.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
والفاسد خارج يقيناً عن هذا القول؛ لأنَّه لا ينهى عن الفحشاء والمنكر، فهو خارج حتماً، ولكن خروجه إمّا بنحو التخصّص، بمعنى: أنّه ليس بصلاةٍ، وأنَّ الصلاة خصوص الصحيح، وإمّا بنحو التخصيص، بمعنى: أنَّ الصلاة موضوعة للأعمّ وخروج الفاسد كان بالتخصيص، والاستدلال بالآية على الصحيح موقوف على نفي التخصيص بأصالة العموم، أو الإطلاق، أو غيرها من الأصول العقلائيّة.
ومن صغرياته في الفقه، ما استدلّ به على طهارة ماء الاستنجاء، فقد دلّت الأخبار على المعاملة معه معاملة الطاهر، ولكن جملة من الفقهاء(1) لم يستظهروا منها الحكم بالطهارة، بل غاية ما يستفاد من الروايات أنّه لا يترتّب عليه أحكام النجاسة. حينئذٍ وقع البحث أنَّ ماء الاستنجاء هل هو طاهر، وعدم ترتيب الأثر عليه لأجل طهارته، أو أنّه نجس معفو عنه؟
وقد وقع في كلام الشيخ الأعظم في كتاب الطهارة(2) مثل هذا الاستدلال فإنَّه قيل هناك: إنَّ ماء الاستنجاء خارج يقيناً عن الأدلّة الدالّة على أحكام النجس؛ لأنَّه لا يترتّب عليه أحكام النجس، فيدور الأمر بين أن يكون خارجاً عنها تخصيصاً، بمعنى: أنّه نجس لا يترتّب عليه الأثر، أو تخصّصاً، فيتمسّك
ــــــــــ[263]ــــــــــ
(1) قال المحقّق في المعتبر: (ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة، إنَّما هو بالعفو) انظر: المعتبر1: 51، كما ذهب إلى عدم الطهارة الشيخ في الخلاف 1: 30، والعلامة في التذكرة 1: 4.
(2) انظر: كتاب الطهارة (الانصاري)1: 12.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بإطلاق الأدلّة لإثبات التخصّص، فيكون خروجه من باب أنّه طاهر، لا أنّه نجس معفو عنه.
واعترض على هذا الدليل بأنّه لو فرض أنّه طاهر، وأنَّ خروجه من أدلّة النجاسات بنحو التخصّص باعتبار كونه طاهراً. لا يلزم منه التخصيص لدليل النجاسات، بل التخصيص لدليل ملاقاة الماء القليل، فيدور الأمر بين تخصيص أحد الدليلين، ولا مرجح لأحدهما. وهذا إشكالاً وجواباً مبني على فكرة نفي التخصيص بالإطلاق وإثبات التخصّص.
إذن، فللمسألة نظائر في الفقه والأصول ممّا يدلّ على ذهاب العلماء إلى التمسّك بالإطلاق لنفي التخصيص وإثبات التخصّص.
والمحقّق الخراساني رغم أنّه قد وقع منه في كلامه مثل هذه النظائر، إلَّا أنّه قال(1): إنَّ العامّ لا يُتمسّك به في هذا المورد؛ لأنَّه إنّما يتمسّك به في موارد يحتمل ثبوت الحكم للفرد المشكوك، وفي المقام يقطع بعدم ثبوت الحكم له، وإنّما يشكّ في فرديته للعامّ.
وأحسن ما يمكن أن يقال لتقريب الذوق المشهوري من نفي التمسّك بالعامّ لنفي التخصيص وإثبات التخصّص هو: بأنَّ العامّ له مدلول مطابقي ومدلول التزامي. فالعامّ بمدلوله المطابقي في نحو: (أكرم كلّ عالم) موجبة كلّيّة -وقد يكون سالبة كلّيّة إلَّا أنّه يوجب تغييراً في التعبير لا في أصل المطلب- وهو ثبوت المحمول لكلّ فرد من أفراد الموضوع، هذا هو مدلوله المطابقي، وله
ــــــــــ[264]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 224.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
مدلول التزامي، ولازمه عكس نقيضه، فإنَّ صدق الموجبة الكلّيّة يلازم صدق عكس نقيضها، وهو: (كلّ من لا يجب إكرامه فليس بعالم). والمفروض أنَّ العامّ يدلّ على أوّلاهما بالمطابقة. إذن، يدلّ على الثاني بالالتزام، أي: بعكس النقيض، فيكون العامّ حجّة في مدلوله المطابقي والالتزامي. حينئذٍ نقول: زيد لا يجب إكرامه، وكلّ من لا يجب إكرامه فليس بعالم، فالصغرى وجدانيّة، والكبرى ثبتت بعكس النقيض.
إلَّا أنَّ هذا الذوق المشهوري بهذا التوجيه لم يقبله المحقّق الخراساني بل اعترض عليه بقوله(1): إنَّ حجّيّة العامّ إنّما ثبتت بالسيرة العقلائيّة، أي: أنَّ حجّيّة الظهور العمومي -الذي هو أحد مصاديق أصالة الظهور- إن ثبتت فبالسيرة العقلائيّة، ولولاها لم يكن عندنا دليل على حجّيّتها، والسيرة لم تنعقد على الأخذ بعكس النقيض. ففي المقام يعلم بعدم وجوب إكرامه ويشكّ أنّه عالم أو لا، فالسيرة العقلائيّة لم تنعقد في الأخذ بعكس النقيض لإثبات أنه ليس بعالم. ومن المعلوم أنَّ التفكيك في الصدق بين المدلول المطابقي للعامّ وبين عكس نقيضه غير ممكن عقلاً، ولكن التفكيك بين المتلازمين في مقام التعبد أمر ممكن، بأن يتعبد بأحدهما دون الآخر، وهذا هو الذي وقع من العقلاء. فهم يفككون بين المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي في مقام التعبد به، وإن كان لا يمكن التفكيك بينهما في الواقع.
ــــــــــ[265]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 226.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ثُمَّ قال(1): ولا أقل من الشكّ في السيرة العقلائيّة.
هذا المطلب ناقشه المحقّق العراقي في مقالاته(2)، بعد الموافقة على طرز بيان المحقّق الخراساني، وذكر أنَّ تفكيك العقلاء بين المتلازمين -بين المدلول المطابقي والمدلول الالتزامي- وإن كان معقولاً وواقعاً، كما في الأصل المثبت، إلَّا أنّه شأن جاعل دقيق النظر كالشارع، لا شأن السيرة العقلائيّة العرفيّة. فهم لم يرتكز في ذهنهم التفكيك بين المتلازمين، بحيث يكون العامّ حجّةً في أحد المتلازمين دون الآخر.
وقد ذكر المحقّق العراقي ذلك مع التسلّيم بأصل التفكيك، ولكنّه ينبغي أن لا يبين بهذه الطريقة، بل لا بُدَّ من إدخاله في صورة تناسب مع عرفيّة العقلاء. وذلك العنوان الذي يناسب مع عرفيّة العقلاء هو التفكيك في حجّيّة العامّ بين حجّيتّه بلحاظ الشبهة الحكميّة، وبين حجّيتّه بلحاظ الشبهة الموضوعيّة. فإنَّ تعقّل الشبهة الحكميّة والموضوعيّة أمرٌ عرفيٌ، فهم وإن كانوا لا يفهمون هذه المصطلحات إلَّا أنَّ واقع الشبهة الحكميّة والموضوعيّة من الأمور العرفيّة التي يفهمها العقلاء.
والعقلاء يرون التفكيك في حجّيّة العامّ بين حجّيتّه في الشبهة الحكميّة، أي: إثبات أصل الكبرى، وبين حجّيتّه في الشبهة الموضوعيّة، أي: حجّيتّه في تشخيص هذا الفرد.
ــــــــــ[266]ــــــــــ
(1) انظر: نفس المصدر.
(2) انظر: مقالات الاصول 1: 451، المقالة 32.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
والمركوز في أذهان العقلاء أنَّ العامّ لا يكون حجّة بلحاظ الشبهة الموضوعيّة، بل هو حجّة في الشبهة الحكميّة؛ ولذا قلنا في المسألة السابقة: إنّه لا يجوز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة. فالفرق بين الشبهة الموضوعيّة والشبهة الحكميّة أمر مركوز في ذهن العقلاء، وهو نكتة التفكيك في المقام بين المدلول المطابقي للعامّ، وبين مدلوله الالتزامي، فإنَّ المدلول المطابقي هو عبارة عن جعل كبرى وجوب إكرام كلّ عالم، وهو شبهة حكميّة، ويكون العامّ حجّة فيه، والمدلول الالتزامي هو أنَّ زيداً ليس بعالم، وهي شبهة موضوعيّة؛ لأنَّه يرجع إلى تعيين حال الفرد، فلا يكون العامّ حجّة فيه.
فالتفكيك صحيح إلّا أنّه ليس باعتبار ما أفاده المحقّق الخراساني -فإنَّه دقيق على عرفية العقلاء- بل باعتبار تفكيكهم في حجّيّة العامّ بين الشبهة الموضوعيّة والحكميّة.
ــــــــــ[267]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
نعم ذكر المحقّق العراقي أنَّ النكتة في عدم جواز التمسّك بالعامّ هنا نفس النكتة في عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
والتحقيق: أنَّ ما ذكره المحقّق العراقي لا يمكن المساعدة عليه، أي: لا يمكن أن يقال: بأنَّ الملاك في عدم جواز التمسّك بالعامّ في المقام وفي المسألة السابقة ملاكٌ واحدٌ، وهو أنَّ العرف يفكك في العامّ بين حجّيتّه بلحاظ الشبهة الموضوعيّة وبين حجّيتّه بلحاظ الشبهة الحكميّة. فنحن في تلك المسألة إنّما قلنا: بأنَّ العامّ لا يكون حجّة بلحاظ الشبهة الموضوعيّة، فيما إذا قال المولى: (أكرم كلّ عالم) وقال: (لا تكرم فسّاق العلماء) وشكّكنا أنَّ زيداً فاسق أو عادل، فإنَّ العامّ لا يكون حجّةً في إثبات أنَّ زيداً عادل وباقٍ تحت دائرة العامّ، وإنّما لا يكون حجّة لا لأنَّ الشبهة الموضوعيّة بما هي شبهة موضوعيّة لا يناسب أن يكون العامّ حجّة بلحاظها، بل قلنا: إنَّ العامّ لا يمكن التمسّك به لإثبات عدالة زيد من ناحية أنَّ هذه الشبهة الموضوعيّة حالنا بالنسبة إليها حال المولى، أي: حالنا وحال المولى بالنسبة إليها حال واحد، فإنّنا كما نشكّ بأنَّ زيداً فاسقٌ، المولى أيضاً يشكّ، فنحن مشتركان في الاشتباه، ولا معنى لجعل كلام الشاكّ رافعاً لشكّ شاك آخر، فلا معنى للتمسّك بالعامّ لإثبات عدالة زيد. هذا هو
ــــــــــ[268]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الملاك في عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة الموضوعيّة.
والشبهة في هذا المقام تختلف عن ذلك المقام، فالشبهة الموضوعيّة بطبعها نسبتها إلى المولى نسبتها إلينا، كما ذكرنا في تلك المسألة، وأمّا في المقام: إذا قال المولى: (أكرم كلّ عالم) بنحو القضيّة الحقيقيّة، ثُمَّ قال: (لا تكرم زيداً) أو (لا تكرم آل زيد). ففي مثل هذا المقام نشكّ في أنَّ زيداً أو آله أهم علماء ولا يجب إكرامهم، أو ليسوا بعلماء. ونحن في المقام نريد أن نتمسّك بكلام المولى في إثبات أنَّ زيداً ليس بعالم.
ونحن نريد أنَّ نرى أنَّ نسبتنا إلى هذه الشبهة الموضوعيّة -زيد عالم أو لا- كنسبة المولى، أي: هل نسبتنا ونسبة المولى إلى هذه الشبهة على حدّ سواء؟
أقول: ليس الأمر كذلك بالبرهان؛ لأنَّ المولى قد تصدّى للحكم على زيد بحكم مستقلّ، فقال: (لا تكرم زيداً) فهو قد تصدّى لجعل حكم على زيد. ففي مقام تصدّي المولى لجعل الحكم على زيد لا بُدَّ للمولى من أحد أمرين: إمّا أن يلتفت إلى أنَّ عنوان العالم المحبوب لديه ليس منطبقاً على زيد فينهى عن إكرامه، وإمّا أنّه لم يحرز هذا المطلب فلا يمكن أن يصدر منه هذا الحكم مع فرض الشكّ بعلمه، إلَّا إذا عرف أنّه حتّى لو فرض أنّه عالم فعلمه لا يمنع من تأثير ملاك المبغوضيّة بالنسبة إليه، فكونه عالم لا يمنع من تحريم إكرامه. فلو فرض أنَّ المولى لم يحرز أنَّ زيداً ليس بعالم، بل يحتمل أنّه عالم، ولكنّه يقول: إنّي أبغض إكرامه ولو كان عالماً، حينئذٍ فلا بُدَّ من تقديم الكبرى؛ إذ من المحال أن تبقى الكبرى على إطلاقها مع احتمال انطباق التحريم على زيد؛ لأنَّ هذا يكون
ــــــــــ[269]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
تهافتاً في مقام الجعل والتشريع.
فالمولى لا بُدَّ له من أحد أمرين، فإمّا أن يحرز أنَّ زيداً ليس بعالم ويخرج زيد منها بالتخصيص، بأن يقول: (أكرم كلّ عالم) إلّا أنَّ زيداً حتّى على تقدير كونه عالماً، فمثل هذه الشبهة ليست نسبتنا إليها كنسبة المولى إليها. بل من المحتمل عادةً ومن شأن المولى بما هو مولى أنّه يحرز عدم انطباق العنوان على زيد حين جعل الحكم. أي: أنَّ تصدّي المولى لإحراز هذه الشبهة الموضوعيّة من شؤون مولويته وجزء من وظيفته. وإمّا في تلك المسألة لا نحتمل أنَّ المولى تصدّى لإحراز كون زيد فاسقاً أو ليس بفاسق.
إذن، فالنكتة التي اقتضت في تلك المسألة عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة الموضوعيّة، وهو أنَّ شأن المولى بالنسبة إليها كشأننا وحاله كحالنا، لا ترد في هذه المسألة، فهنا الشكّ في أنَّ زيداً ينطبق عليه عنوان العامّ أو لا، ومن المحتمل أنَّ المولى بما هو مولى قد أحرز عدم انطباق عنوان العامّ عليه. إذن، فهذه المسألة لها ملاك وتلك المسألة لها ملاك آخر.
ولكن لا محيص عمّا ذكره المحقّق الخراساني في المقام من تفكيك العقلاء بين المدلول المطابقي وعكس النقيض، ولا مانع من التفكيك بين المدلول المطابقي والإلتزامي للعامّ، فإنَّ الاصطلاحات وإن كانت بعيدة عن الأذهان إلَّا أنَّ واقعها معروف لدى العقلاء. والتفكيك موجود لدى العقلاء كما في مسألة اليد، فلو قال لنا جبرئيل: إذا كان هذا الكتاب ملك زيد لكان ذاك الكتاب ملك جابر، فهذا التلازم ليس بحجّة لدى العقلاء. فالتفكيك بين
ــــــــــ[270]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المتلازمين أمرٌ مركوزٌ لدى العقلاء، فليكن هذا منها. إذن، فنلتزم بالتفكيك بلا محذور، فلو دار الأمر بين التخصيص والتخصّص لا يمكن إثبات التخصّص بأصالة العموم والإطلاق.
هذا تمام الكلام في مسألة دوران الأمر بين التخصيص والتخصّص.
ــــــــــ[271]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
التمسّك بالعامّ
قبل الفحص عن المخصّص
ــــــــــ[273]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وهذا الكلام يشمل المطلقات أيضاً كما يشمل العمومات، فهو يشمل العمومات الحكميّة كما يشمل العمومات الأداتيّة.
المشهور والذي لا يعرف فيه الخلاف أنّه لا يجوز التمسّك بالعامّ قبل الفحص، بمرتبة من مراتب الفحص التي يقع فيها الكلام فيما بعد. واستدلوا على عدم جواز التمسّك بالعامّ قبل الفحص عن المخصّص بوجوه:
وهو الإجماع(1) على عدم جواز التمسّك بالعامّ قبل الفحص، ولكن المسألة ذات مباني متعددة، ومن المحتمل أن يكون الإجماع مستنداً إلى بعضها، فيكون في قوته، ولا يكون دليلاً مستقلاً عنها.
وهو الروايات الدالّة على وجوب الفحص، والتي يستدلّ بها أيضاً في
ــــــــــ[275]ــــــــــ
(1) نقل الاجماع على عدم الجواز صاحب القوانين، انظر: قوانين الأصول 1: 272.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
مسألة وجوب الفحص قبل إجراء الأصول العمليّة، فإنَّه في مبحث أصل البراءة يُذكر أنّه لا يجوز إجراء أصل البراءة في الشبهة الحكميّة قبل الفحص عن الدليل اللفظي، ويتمسّك في تلك المسألة بنفس الأدلّة اللفظيّة التي يستدلّ بها في هذه المسألة، والمدّعى دلالتها على وجوب الفحص. وكأنّ هذه الأدلّة تكون مخصّصة أو حاكمة على أصالة العموم أو أصالة الظهور، فيكون دليل أصالة الظهور مخصّصاً بالدليل على وجوب الفحص في الشبهات الحكميّة.
هذه الأدلّة اللفظيّة الدالّة على وجوب الفحص يشكل التمسّك بها في المقام، فهي ما بين ما كان بلسان إيجاب التفقه في الدين، نحو قوله تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ(1). فما كان بهذا اللسان لا يمكن الاستدلال به على عدم جواز التمسّك بالعامّ قبل الفحص، إلَّا على فرض الفراغ في المرتبة السابقة على عدم حجّيّة العامّ، وإلَّا لو ثبت أنّه حجّة، وإنّما نريد أنَّ نستدلّ على عدم حجّيتّه بهذه الأخبار مع الاعتراف أنّه لو خلّي ونفسه لكان حجّة حتّى قبل الفحص بمقتضى إطلاق أدلّته. إذن، لا يمكن الرجوع إلى هذه الأدلة؛ لأنَّ معنى جعله حجّة جعله علماً وفقهاً في الدين فيحصل المأمور به بالتمسّك بالعامّ. فمثل هذه الأخبار الدالّة على وجوب التعلم والتفقه، إنّما يمكن الاستدلال بها بعد الفراغ في المرتبة السابقة عن أنَّ العامّ ليس علماً ولا فقهاً، وحينئذٍ تكون تلك النكتة السابقة في الرتبة هي الدليل على وجوب الفحص لا هذه الأدلة.
ــــــــــ[276]ــــــــــ
(1) التوبة: 122.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
كذلك ما كان منها بلسان الذمّ على ترك السؤال، نحو قوله : “ألّا سألوا“(1) فلا يمكن التمسّك به لإثبات عدم جواز التمسّك بالعامّ قبل الفحص إلَّا بعد الفراغ عن عدم حجّيّة العامّ قبل الفحص؛ لأنَّه لو قام دليل على حجّيتّه قبل الفحص، لكان المكلّف قد سأل وأجيب بالعامّ؛ لأنَّ السائل لا يترقب جواباً صريحاً، بل العاقل يكتفي بالعامّ.
وكذلك ما كان منها بلسان وصف حال المكلّف يوم القيامة “من أنّه يقال للعبد يوم القيامة: هل علمت؟ فإن قال: نعم، قيل: فهلّا عملت، وإن قال: لا، قيل له: هلّا تعلّمت حتّى تعمل“(2). هذا أيضا لا يمكن الاستدلال به؛ لأنَّ إثبات كون المكلّف لا يعلم إنّما يكون بعد الفراغ عن عدم حجّيّة العامّ قبل الفحص، ولو كان حجّه لكان له أن يجيب بأنّه ترك العمل تمسّكا به. فمثل هذه الألسنة لا تنفع في المقام، وإن نفع بعضها أو كلّها في وجوب الفحص قبل إجراء الأصول.
ومن ذلك يظهر عدم صحّة ما أفاده المحقّق العراقي (3) من التمسّك بهذه الأدلة مشيراً إلى اللسان الثالث، وكذلك ما ذكره السيّد الاستاذ في تعليقه على التقريرات(4) حيث ذكر: أنّه يدلّ على هذا المطلب ما دلّ على وجوب
ــــــــــ[277]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 3: 346، الباب 5 من أبواب اليتيم، الحديث 1.
(2) جامع أحاديث الشيعة 1: 94، الباب 1 من المقدّمات، الحديث 25.
(3) انظر: مقالات الأصول1: 455.
(4) انظر: أجود التقريرات 2: 356، 357.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الفحص عن الدليل المشكوك. ثُمَّ يقول السيّد الاستاذ: وهو بإطلاقه يشمل المقام فإنَّ التكليف مشكوك قبل الفحص عن المخصّصات والمقيّدات، ولكن هذا لا معنى له؛ لأنَّه إنّما دلّ على وجوب الفحص في التكليف المشكوك، هو هذه الأدلة، وهي لا تقوم للاستدلال.
ولو فرض أنّه ورد دليل ينصّ على وجوب الفحص في التكليف المشكوك، فلا يتمّ الاستدلال أيضاً فإنَّ المراد من التكليف المشكوك هو الذي لا يعرف حاله، وكون هذا لا يعرف حاله فرع عدم حجّيّة العامّ. إذن لا يتمّ هذا الاستدلال.
دعوى وجود العلم الإجمالي، بالمقيّدات والمخصّصات للعمومات والمطلقات في الشريعة. وهذا لا ينبغي الاشكال فيه لمن يتأمّل مجموع الأخبار التي تصلح أن تكون مقيّدات أو مخصّصات، فإنَّه يكفي للقطع بوجود جمله معتد بها من المخصّصات والمقيّدات. فهذا العلم الاجمالي هو المانع عن التمسّك بالعامّ قبل الفحص؛ لأنَّ كلّ مطلق وكلّ عامّ هو أحد أطرافه قبل الفحص؛ لأنّنا نحتمل قبل أن نفحص أنَّ هذا العامّ ورد عليه التخصيص، أي: نحتمل انطباق المعلوم بالإجمال عليه، فلا يمكن التمسّك بالعامّ قبل الفحص.
وقد اُورد على هذا الوجه إشكالين:
الإشكال الأوّل: أنّه يقتضي عدم جواز التمسّك بالعامّ حتّى بعد الفحص، ما لم يقطع قطعاً وجدانياً أو تعبدياً على عدم وجود المخصّص أو المقيّد، ومجرّد
ــــــــــ[278]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
عدم الوجدان لا يكفي في المقام، فلو فرض أنَّ المكلّف لم يجد مخصّصاً في الكتب فإنَّه لا يحصل له القطع بعدم وجود المخصّص؛ لأنَّه لعلّه موجود ولم يصل إلينا. فاحتمال أن يكون العامّ مخصّصاً يبقى على حاله، فطرفيته للعلم الإجمالي محفوظة.
هذا جوابه: بأنَّ العلم الإجمالي من أوّل الأمر محدود بدائرة ضيقة.
وتوضيح ذلك: أنَّ المكلّف بمجرّد إلتفاته إلى الفقه يحصل له العلم الإجمالي بوجود مخصّصات ومقيّدات كثيرة، إلَّا أنَّ هذه المقيّدات الكثيرة لا محالة فيها بحسب الحساب الرياضي عدد متيقّن والآخر مشكوك، هنا نسأل عن المقدار الذي نقطع بوجوده في اللوح المحفوظ، هل يقدر بخمسين أو ستين؟ وإذا ترددنا بينهما يكون المقطوع به هو الخمسين، فيصير معلومنا بعد التحليل خمسين من المخصّصات والمقيّدات للمطلقات والعمومات، وهذا العلم الإجمالي أطرافه كلّ المخصّصات والمدات المنقولة سواء وصلت إلينا أم لم تصل. فلو فرضنا أنَّ مجموع ما نقلته الروايات ألف من المخصّصات والمقيّدات، وما وصل إلينا خمسمئة، ونحن نعلم أنّه يوجد في الألف المنقول
-وإن لم يصل إلينا- خمسون مخصّص ومقيّد مقطوع الصدور، فهذا علم إجمالي. ويوجد لدينا علم إجمالي آخر، وذلك أنّنا لو نظرنا إلى خصوص ما وصل إلينا من الروايات، أي: خصوص الروايات الموجودة في الكتب الأربعة، فإنّنا أيضاً يحصل لنا العلم بوجود مخصّصات ومقيّدات، كما نعلم بوجود مخصّصات ومقيّدات في الأعم ممّا وصل وممّا لم يصل. هنا إذا لاحظنا كمية وعدد المعلوم
ــــــــــ[279]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بالإجمال من المخصّصات والمقيّدات فيما وصل إلينا في الكتب الأربعة، وفرضنا أنَّ عدده لا يقل عن عدد المعلوم بالإجمال في العلم الأوّل، أي: نعلم بخمسين مخصّص ومقيّد في الكتب الأربعة، كما كنّا نعلم بخمسين منها في الأعم ممّا وصل وممّا لم يصل. وهذا يعني أنّنا لا نعلم بوجود مخصّص ومقيّد في غير الكتب الأربعة لم يصل إلينا لا بلفظه ولا بمثله، كما هو كذلك وجداناً فإنّا لا نعلم بوجود رواية صادرة عن المعصوم بلفظها أو مثلها -تكون مخصّصاً أو مقيّداً- خارج ما وصل إلينا في الكتب الأربعة، فإنّ مثل هذا العلم الإجمالي غير موجود.
إذن، نعلم إجمالاً بالمقيّدات والمخصّصات في الكتب بمقدار لا يقل عن مقدار ما نعلمه إجمالاً في مجموع الروايات. وكلما فرض هذين العلمين الإجماليين فإنَّ العلم الإجمالي الأوّل ينحلّ بالعلم الإجمالي الثاني. أي: لو فرض أنَّ هناك علماً إجمالياً واسعاً كثير الأطراف، والثاني علم إجمالي أقل أطرافاً، وكان الثاني بحسب المعلوم منه لا يقل عن المعلوم إجمالاً في الأوّل، ولكن يحتمل تطابقه معه. فينحلّ العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي بوجود خمسين من المخصّصات والمقيّدات في الكتب الأربعة، والشكّ البدوي بوجودها خارج الكتب الأربعة.
وذلك كما لو علمنا إجمالاً بوجود نجاسة في إناء من عشرة، وعلمنا إجمالاً بوجود نجاسة في إناء من ثلاثة في ضمن تلك العشرة، واحتملنا أنَّ هذا المتنجس هو ذاك المتنجس، فينحلّ العلم الإجمالي الأوّل بالثاني، فينتج أنّا نعلم
ــــــــــ[280]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بنجاسة واحد من الثلاثة، ونشكّ في السبعة الأخرى. وهذا تفصيله في أبحاث العلم الإجمالي.
إذن، لا يكون لدينا من أوّل الأمر علمٌ إجمالي إلَّا بوجود خمسين مخصّصاً ومقيّداً في الكتب الأربعة، بحيث لو فحصنا ووجدناه، فإنَّ احتمال المخصّص للعامّ وإن كان باقياً إلَّا أنَّ العامّ يخرج عن الطرفيّة للعلم الإجمالي بعد انحلال العلم الإجمالي الأوّل بالثاني، فإذا لم نجد مخصّصاً في الكتب الأربعة نقطع بخروج العامّ عن العلم الإجمالي، فيمكن التمّسك به.
إذن، فهذا الإشكال غير صحيح بعد وجود علمين إجماليين، وانحلال العلم الكبير بالعلم الصغير.
الإشكال الثاني: أن يقال: إنّه لا يمكن أن يكون المدرك في عدم جواز التمسّك قبل الفحص هو العلم الإجمالي؛ لأنَّ هذا العلم الإجمالي بوجود خمسون مخصّص في الكتب الأربعة ينحلّ بالتدريج؛ لأنَّ الفقيه لو جمع خمسين مخصّصاً فتكون هذه المخصّصات معلومة لديه تفصيلاً، وينحلّ العلم الإجمالي بوجود خمسين مرددة بين الخمسمئة -على تقدير أنَّ الموجود في الكتب الأربعة من الروايات المخصّصات خمسمئة- إلى العلم التفصيلي بالخمسين المعيّنة وبالشكّ البدوي في الأربعمئة والخمسين الباقية. فإذا تمّ لدى الفقيه خمسون مخصّصاً فمقتضى القاعدة: أنّه لو وجد عامّاً لم يكن عليه أن يبحث عن مخصّصه. ومثاله ما لو علم بنجاسة إناءين، وعلم بنجاسة هذا الإناء، فينحلّ العلم الإجمالي.
ــــــــــ[281]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
هذا الإشكال الثاني ذكره المحقّق الخراساني (1)، إلَّا أنَّ المحقّق العراقي أجاب عنه في مقالاته(2) ، وحاصل ما أفاده المحقّق العراقي في مقام الجواب يتوقّف على الإشارة إلى مبناه في باب الانحلال. فإنّ المحقّق العراقي في باب انحلال العلم بالعلم لا يقول بالانحلال الحقيقي. حيث يقول : إنَّ العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين لا ينحلّ بالعلم بنجاسة هذا بعينه، إذ بعد ذلك يبقى عندنا علم إجمالي أيضاً، وهو أنّا لا ندري أنَّ تلك النجاسة هل هي هذه النجاسة المعلومة تفصيلاً أو نجاسة أخرى موجودة في الطرف الآخر، وهذا الترديد هو علامة وجود العلم الإجمالي. نعم، لو فرض أنّنا علمنا أنَّ هذه النجاسة هي تلك النجاسة بعينها لا تحل العلم الإجمالي، ولكن بدون ذلك يبقى الترديد ويبقى العلم الإجمالي. ولكنّه ينحلّ حكماً بمعنى: أنّه يبطل أثره. فإنّنا إذا علمنا تفصيلاً بهذا بالخصوص ينحلّ العلم الإجمالي حكماً، وإن كان موجوداً حقيقة، لكن لا يكون له أثر، بل نُجري في الطرف الآخر أصالة الطهارة من دون معارض.
إذن، مدّعى المحقّق العراقي: هو أنَّ الانحلال الحقيقي غير ممكن، بل ينحلّ انحلالاً حكمياً. ويشترط في الانحلال الحكمي أن يكون العلم المُحِل مقارناً زماناً للعلم المنحلّ. بأن نعلم بنجاسة أحد الأطراف تفصيلاً. وأمّا لو تأخر العلم التفصيلي فلا يحلّ العلم الإجمالي، فلو علمنا الآن بنجاسة أحد
ــــــــــ[282]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 227.
(2) مقالات الأصول1: 455، المقالة 33.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الإناءين، ثُمَّ بعد ساعة قامت بيّنة على نجاسة هذا الإناء، فإنّ العلم الإجمالي السابق لا ينحلّ؛ لأنَّه ما دام العلم -إجمالاً- بنجاسة الطرف الآخر موجوداً كان العلم الإجمالي منجزاً، وتتساقط الأصول في الطرفين بالمعارضة، فيبقى هذا العلم الإجمالي على تنجّزه حتّى بعد العلم التفصيلي بنجاسة الإناء. إذن، العلم المُحِل هو المقارن زماناً مع العلم المنحلّ، وأمّا المتأخّر فلا يحل.
فإشكال المحقّق العراقي على الخراساني هو: أنَّ العلم الإجمالي بوجود خمسين مقيّداً ومخصّصاً في ضمن الخمسمئة لا ينحلّ بعد العلم بخمسين منها تفصيلاً، فإنَّ الفقيه وإن حصل له العلم التفصيلي بوجود خمسين مخصّصاً ومقيّداً لكن هذا العلم التفصيلي حيث إنَّه متأخرٌ زماناً عن ذلك العلم الإجمالي فلا يوجب انحلاله.
ومثل هذا البيان أيضاً بيَّنه المحقّق العراقي في باب العلم الإجمالي(1) الذي يستدلّ به الإخباريون على وجوب الاحتياط، فإنَّ الإخباريين أحد أدلتهم على وجوب الاحتياط في الشبهات البدويّة: أنَّ هذا الشكّ ليس شكاً بدوياً، بل طرف لعلم إجمالي واسع، هو العلم إجمالاً بوجود أحكام إلزاميّة في الشريعة.
وقد أجاب الأصوليون(2) عن هذا البرهان: بأنّ العلم الإجمالي بوجود أحكام إلزاميّة في الشريعة منحلّ بالعلم التفصيلي بأحكام إلزاميّة معيّنة ثبتت بالأدلّة الشرعيّة، وفي غير ذلك يبقى الشكّ شكاً بدوياً.
ــــــــــ[283]ــــــــــ
(1) مقالات الأصول1: 455، المقالة 33.
(2) انظر: فوائد الأصول 3: 122، تنقيح الأصول:55.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
والمحقّق العراقي أجاب هؤلاء الأصوليين(1): بأنَّ العلم التفصيلي بوجود مقدار معيّن من الأحكام الإلزاميّة، متأخرٌ زماناً عن العلم الإجمالي بوجودها. فإنَّ العلم الإجمالي يحصل لكلّ مكلّف يلتفت إلى الشريعة؛ لأنَّ الشريعة لا بُدَّ أن يكون فيها أحكامٌ إلزاميّة وإلَّا لماذا شُرِّعت؟! وأمّا العلم التفصيلي بعدّة أحكام إلزاميّة فإنَّه يحصل بعد المراجعة في الأدلة، فهو متأخر زماناً عن ذلك العلم الإجمالي، والعلم التفصيلي المتأخّر لا يحلّ العلم الإجمالي المتقدّم.
بعبارة أخرى: أنَّ إشكال المحقّق العراقي يبتني على أنَّ العلم التفصيلي متأخرٌ زماناً عن العلم الإجمالي، فإنَّ العلم الإجمالي يحصل بمجرّد الإلتفات إلى الشريعة، والعلم التفصيلي لا يحصل إلَّا بعد الاجتهاد أو التقليد، فلا ينحلّ العلم الإجمالي.
لذلك ذكر المحقّق العراقي: بأنَّ ملاك الإشكال في المسألتين واحد، فلا العلم التفصيلي بوجود عدّة من المخصّصات والمقيّدات يحلّ العلم الإجمالي بوجودها في الكتب الأربعة، ولا العلم التفصيلي بوجود عدّة أحكام إلزامية في مئة من الشبهات يحلّ العلم الإجمالي بوجودها في الألف؛ لأنَّ كلا العلمين التفصيليين متأخرين عن الإجماليين.
وتفصيل الكلام في انحلال العلم الإجمالي يقع في مورده إن شاء الله تعالى.
إلَّا أنَّ الشيء الفني الذي يناسب المقام هو بيان الفرق بين مقامنا، أي: هذا
ــــــــــ[284]ــــــــــ
(1) مقالات الأصول1: 455، المقالة 33.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
العلم الإجمالي الذي يجعل دليلاً على وجوب الفحص، وبين العلم الإجمالي الذي ذكره الإخباريون دليلاً على وجوب الاحتياط في الشبهات البدوية، فإنَّ عدم انحلال العلم الإجمالي، بالنسبة إلى ما ذكره المحقّق العراقي، لا يفرق فيه بين مسلك تنجيز العلم الإجمالي في القول المشهور، والمسلك غير المشهور. ونحن نقتصر في الكلام على المسلك المشهور فنقول:
إنَّه في باب العلم الإجمالي الذي استدلّ به الإخباريون على وجوب الاحتياط فمن الممكن أن نقول وفاقاً للمحقّق العراقي: إنَّ العلم الإجمالي حيث إنّه حدث في أوّل أزمنة الإلتفات فقد أنتج وأثر أثره، والعلم بالقدر المتيقّن بعد ذلك لا يوجب انحلاله وبطلان أثره.
بتقريب: أنَّ العلم الإجمالي الذي يستدلّ به الإخباريون لم يكن هناك مانعٌ من تنجزه، فيكون منجزاً والتنجيز يقتضي تساقط الأصول في أطراف العلم الإجمالي؛ لأنَّ جريان الأصل في تمام الأطراف الألف يستدعي المخالفة القطعيّة للمعلوم بالإجمال، وجريانه في بعض الأطراف دون الأخرى ترجيح بلا مرجح. وبعد أن نسقط الأصول بالمعارضة نبحث فنجد أحكاماً إلزاميّة تكون هي القدر المتيقّن، فهل يكون الشكّ في الباقي بدوياً ونجري فيه أصالة البراءة أو لا بُدَّ من الاحتياط؟
هنا يقال: المفروض أنَّ الأصل سقط بالمعارضة، والأصل بعد سقوطه بالمعارضة لا دليل على رجوعه، والساقط لا يرجع. وهذه القاعدة صحيحة كما في محلّه. حينئذٍ نقول: إنّه لولا المخلّص الذي يتخلّص به على مسلك آغا ضياء،
ــــــــــ[285]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
يبقى العلم الإجمالي منجزاً حتّى بعد القطع بالمئة؛ لأنَّ الأصول سقطت، والساقط لا دليل على رجوعه.
هذا الكلام يتمّ هناك، ولكنّه لا يتمّ هنا، أي: لا يتمّ في مورد العلم بخمسين مخصّصاً ومقيّداً في مجموع خمسمئة. ونكتة الفرق بين المقامين: أنَّه في مورد العلم الإجمالي الذي استدلّ به الإخباريون -دليل أصل البراءة (كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه الحرام بعينه)(1)– في نفسه تامّ الموضوع في كلّ شبهة شبهة. فكلّ شبهة شبهة تمّ فيها موضوع الدليل؛ لأنَّ كلّ شبهة شبهة مما ينطبق عليها أنَّها ممّا لا يعلم أنّه حرام. فموضوع الدليل قد تمّ، والعلم الإجمالي بوجود مئة من الأحكام الإلزاميّة في ضمن الألف شبهة لا يوجب الخلل فيما هو موضوع الدليل، فإن موضوع دليل الأصل هو الشكّ، والشكّ موجود وجداناً في الجميع، والعلم إجمالاً بوجود أحكام إلزاميّة مئة لا ينافي الشكّ الوجداني في كلّ شبهة شبهة، فلا تنافي بين العلم الإجمالي، والشكّ في كلّ واحدة واحدة من الشبهة.
فموضوع الدليل تامّ، فإطلاقه يكون تامّاً؛ لأنَّ كلّ دليل يتمّ موضوعه يتمّ حكمه، فيكون إطلاقه تامّاً لكلّ شبهة شبهة. والدليل كان مقتضياً لإجراء أصالة البراءة، ولكنّه حيث لا يمكن إجراء هذا الأصل في الجميع للمخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي، ولا في البعض دون البعض الآخر للترجيح بلا مرجح؛ فتسقط أصالة البراءة بالمعارضة، والساقط لا يرجع كما ثبت في محلّه.
ــــــــــ[286]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة25: 118، كتاب التجارة، الباب4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1، مع اختلاف في الألفاظ.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أمّا في المقام فنحن نعلم بوجود خمسين مخصّصاً ومقيّداً للعمومات والإطلاقات الخمسمئة، هذا العلم الإجمالي هل يوجب التعارض بين أصالة العموم في العامّ، وأصالة الإطلاق في المطلق في أطراف العلم الإجمالي الخمسمئة، كما أوجب التعارض في جريان أصالة البراءة فيما سبق؟ لا، فإنَّ مرجع أصالة العموم إلى أصالة الظهور. ودليل أصالة الظهور وحجيّتها هو السيرة العقلائيّة، ودليل حجّيّة الظهور مقيّد بعدم قيام القرينة على الخلاف
-أعم من العلم بها إجمالاً أو تفصيلاً- لأنَّ دليل حجّيّة الظهور هو السيرة العقلائيّة، وهي غير منعقدة في مقام وجود القرينة الواصلة إجمالاً أو تفصيلاً. فدليل حجّيّة الظهور من أوّل الأمر مخصّص بما ليس فيه قرينة على خلافه إجمالاً وتفصيلاً. وحيث إنّنا نعلم بوجود خلاف هذه المطلقات -وهي الأحكام الإلزامّية- في ضمنها، فدليل حجّيّة الظهور لم يتمّ موضوعه لقيام القرينة على الخلاف إجمالاً، حتّى يقع المعارضة بين شمول أصالة الظهور لهذا وشمولها لذاك، حتّى يقال: إنَّه تساقط، وهو لا يرجع بعد سقوطه. بل إنَّ هذا العلم الإجمالي يكون دليلاً على أنَّ موضوع أصالة الظهور لم يتمّ أصلاً في جميع المطلقات الواقعة في طرف العلم الإجمالي، وحيث إنّنا لا نعلم أيّها هو المقيّد فلا يجوز التمسّك بها، لا من باب المعارضة والتساقط، بل من باب عدم إحراز الموضوع. فإذا علمنا بعد ذلك بخمسين مقيَّداً ومخصّصاً، يكون الشكّ في الباقي بدوياً، ويتمسّك بحجّيّة الظهور والعموم فيها بلا معارض، لأنَّه لم يسقط حتّى يقال: إنَّه لا يرجع.
ــــــــــ[287]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فكم فرق بين جريان البراءة في العلم الإجمالي الذي احتجّ به الإخباريون وبين جريان أصالة الظهور والعموم في المقام!! فإنَّ دليل البراءة كان قد تمّ موضوعه في كلّ شبهة شبهة، والعلم الإجمالي الذي استدلّ به الإخباريون لا يوجب ارتفاع موضوع دليل البراءة؛ لأنَّ موضوعه هو الشكّ وهو موجود وجداناً في كلّ شبهة شبهة، فتتساقط الأصول، والساقط لا يرجع. أمّا هنا فلا معارضة أصلاً حتّى تتساقط، وإنّما لا يتمسّك بالظهور والعموم؛ لأنَّه لم يتمّ موضوعه، فإذا علمنا تفصيلاً بالقدر المتيقّن جرت الأصول في الباقي بلا معارض. وذلك كما لو قال: (أكرم كلّ عالم) وعلمنا بأنَّ أحد هذين عالم والآخر جاهل، واختلط علينا تعيينهما، فلا يجوز إكرام أيّ منهما، ولكن إذا علمنا أنَّ هذا هو الجاهل نكرم الثاني. إذن، لا ينبغي الإشكال بانحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي المتأخّر، ولا يكون هذا العلم الإجمالي دليلاً على عدم جواز التمسّك بالعامّ قبل الفحص.
وهو ما ذكره المحقّق النائيني (1)، إلَّا أنّه ذكر أنّ هذا الوجه لا يجري في المقام، وإنّما يجري لإثبات وجوب الفحص قبل إجراء الأصول العمليّة. بتقريب: أنَّ العقل يستقلّ بأنَّ العبد ليس معذوراً في مخالفة المولى لجلوسه في بيته وإغماضه عينيه عن الأحكام الشرعيّة، فالعقل يستقلّ بأنَّ وظيفة المولى هي جعل الأحكام في معرض الوصول إلى العبد، ولا يحكم على المولى بأنَّ يطرق
ــــــــــ[288]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات2: 359.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الأبواب لإيصال الحكم إلى المكلّفين، كما أنَّه يحكم بأنَّ المكلّف لا يكفيه عذراً بالجهل من دون الفحص. إذن، لا بُدَّ من الفحص.
قال المحقّق النائيني: إنَّ هذا الدليل إنّما يجري لإثبات وجوب الفحص وعدم جواز إجراء البراءة قبل الفحص، ولا يجري في باب العمومات.
والسيّد الأستاذ ذكر في تعليقه على التقريرات (1): أنَّ هذا الدليل يجري في كلا المقامين: أمّا جريانه في البراءة فبالتقريب السابق، وأمّا جريانه في العمومات فبتقريب: أنَّ المولى الذي استقر ديدنه وعادته على أن يبيّن الأحكام بالتدريج، ويعقّب العامّ بالخاصّ والمطلق بالمقيّد. مثل هذا المولى العقلاء
-الذين هم مدرك حجّيّة الظهور- لا يعملون بظهور مطلقاته وعموماته قبل الفحص عن المخصّصات والمقيّدات. فلا بُدَّ من الفحص.
والذي ينبغي أن يقال: إن هذا البيان على خلاف ما ذكر السيّد الأستاذ والميرزا، فإنَّ هذا البيان لا يتمّ إلَّا في المقام، ولا يتمّ في الأصول العمليّة.
أمّا أنّه لا يتمّ في الأصول العمليّة فواضح، حيث إنَّ العقل وإن كان يحكم بوجوب تحرك العبد عند الشكّ وقبل الفحص، ولا يعتبر هذا الشكّ مؤمِّناً. إلَّا أنَّ حكم العقل لا يصلح أن يكون حاكماً على قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) ولا على سائر أدلّة الأصول الشرعيّة، كقوله : “رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي… مَا لَا يَعْلَمُون“(2)؛ لأنَّ هذا الحكم العقلي بوجوب التحرك ليس تنجيزياً، بل تعليقي،
ــــــــــ[289]ــــــــــ
(1) انظر: هامش أجود التقريرات2: 359.
(2) التوحيد للصدوق: 353، الباب 56، الاستطاعة، الحديث 24، الخصال2: 417، الحديث 9.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أي: أنَّ العقل يحكم بذلك ما لم يرد من الشارع حكم بخلافه، أي: أنَّ حكم العقل هذا مشروط بعدم وجود رخصة من الشارع، لبداهة أنَّ المولى لو صرح بعدم وجوب الفحص لم يكن قد عمل قبيحاً؛ لأنَّ الأغراض تختلف في أهميّتها، فقد يكون للغرض من الأهميّة بحيث يجب الفحص عن الشكّ، ويجب الاحتياط بعد ذلك، وقد يوجب الفحص دون الاحتياط، وقد لا يكون له من الأهميّة شيئاً بحيث لا يوجب الفحص ولا الاحتياط. إذن، فلو رخص الشارع في وجوب الفحص لم يحكم العقل بالوجوب، فحكم العقل تعليقي لا تنجيزي، فدليل البراءة قبل الفحص يكون حاكماً عليه. إذن، فهذا البيان لا يتمّ في الأصول العمليّة.
إلَّا أنَّ هذا البيان بالنحو الذي بيّنه السيّد الأستاذ لا بأس به، وذلك بأن يقال: بأنَّ العمومات الصادرة من شخص جرت عادته على إصدار العامّ في وقت، وإصدار المخصّص بعد ذلك، هذه العادة توجب ضعفاً في درجة كشفها، هذه الأضعفيّة في درجة الكشف الناشئة عن أنَّ المطلقات في معرض التخصيص، بل مظنونة التخصيص في بعض الأحيان، هي نكتة توقف العقلاء عن الأخذ بهذه العمومات، وهذا الوهن يبقى مستمراً ما لم يعالج، وعلاجه يكون بالاستقراء والتتبع في كلمات المولى مقداراً معتداً به، بحيث يزول الضعف الزائد المانع عن حجّيتّه لدى العقلاء. هذه الدعوى تامّة البتّة وصحيحة.
بل يمكن أن يقال أيضاً: إنَّه بحسب السيرة العقلائيّة، هذه العمومات ليست بحجّة أصلاً. العموم الصادر من شخص يكون من شأنه أن يقول بعد
ــــــــــ[290]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ذلك: مرادي هو خصوص هذا أو خصوص هذا، فقد يقال بقيام السيرة العقلائيّة بعدم حجّيّة كلامه أصلاً، بل لا أقل من الشكّ في ذلك؛ لأنَّ هذا الشخص غير عادي، ولم يوجد شخص بين العقلاء. بحيث جرت عادته على تأخير المخصّصات والمقيّدات، فمثل هذا الشخص لم يعلم أصلاً حجّيّة إطلاقاته من قبل السيرة فضلاً عن عدم حجّيّتها بعد الفحص. وعلى هذا فمقتضى القاعدة سقوط جميع العمومات والإطلاقات عن الحجّيّة حتّى بعد الفحص.
إلَّا أنّنا خرجنا لما بعد الفحص بالسيرة المتشرعيّة للمتفقهين من أصحاب الأئمة التمسّك بالعمومات والإطلاقات، ولأنَّهم لو كانوا لا يتمسّكون بالعمومات والمطلقات لانسدّ عليهم باب الأحكام الشرعيّة. ونحن نقطع بأنَّ الفقهاء المعاصرين للأئمّة كانوا يتمسّكون بالعمومات والمطلقات بعد الفحص في كتبهم عن مقيّداتها ومخصّصاتها. فبهذه السيرة المتشرعيّة للمتفقهين -بما هم متفقهين- مع إمضاء الشارع لها، تكون دليلاً تعبدياً على حجّيّة العمومات بعد الفحص. وهذه الدعوى صحيحة.
وبناءً على هذا يتمّ وجوب الفحص، وعدم جواز التمسّك بالعامّ قبل الفحص.
ــــــــــ[291]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
دوران الأمر بين التخصيص
والتخصّص من وجه آخر
ــــــــــ[293]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
سبق منا البحث في المسألة المعروفة بدوران الأمر بين التخصيص والتخصّص، وهنا مسألة أخرى تشبهها يتعرض لها المحقّق النائيني في التقريرات(1) لا بُدَّ من التكلّم فيها، وهي: ما إذا ورد عامّ، مثل: (أكرم كلّ عالم) وورد خاص وهو: (لا تكرم زيداً) ويوجد عندنا زيدان في الخارج: زيد بن أرقم، وزيد بن خالد، وأحدهما عالم والآخر جاهل، ولا يُعلم بأنَّ زيداً في دليل الخاصّ هل يراد به زيد العامّ أو الجاهل، فهنا بحسب الحقيقة يوجد دوران بين التخصيص والتخصّص؛ لأنَّه إن أريد بزيد في الخاصّ زيد العالم كان خروجه تخصيصاً، وإن أريد به زيد الجاهل كان خروجه تخصّصاً. إلَّا أنَّ الدوران بين التخصيص والتخصّص في المقام ناشئ من إجمال الدليل لا من إجمال حال الفرد، بخلاف الدوران في تلك المسألة، فإنَّه هناك زيد المنهي عن إكرامه معلوم، ومورد الإجمال هو حاله الخارجي هل هو عالم أو لا؟ فالإجمال ناشئ عن إجمال حال الفرد خارجاً في تلك المسألة. وهنا ناشئ من إجمال الدليل الدالّ
ــــــــــ[295]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات2: 361.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
على عدم الوجوب؛ لأنَّه أخذ في موضوعه زيد وهو ينطبق على فردين، ولا يعلم أنّه العالم فيكون خارجاً تخصيصاً، أو الجاهل يكون تخصّصاً.
والكلام يقع في جهتين:
الجهة الأولى: في أنّه هل يجوز التمسّك بالعامّ: (أكرم كلّ عالم) لإثبات وجوب إكرام زيد العالم؟ هنا لا إشكال ولا ريب أنّه يجوز، بل يجب التمسّك بالعامّ لإثبات وجوب إكرام زيد العالم، ما لم يكن دليل التخصيص: (لا تكرم زيداً) متّصلاً بالعامّ.
إذ الفرض أنَّ (لا تكرم زيداً) خطاب منفصل، فالعامّ انعقد ظهوره في تمام أفراد العامّ ومنهم زيد العالم، ولم يعلم انثلام ظهوره بالتخصّص، فهو شكّ في الزائد، أو شكّ في أصل التخصيص، فينفى بأصالة العموم. ولا يأتي عليه ما ذكر في المسألة السابقة من اعتراض؛ لأنَّه هنا يشكّ في شمول العامّ للفرد فيتمسّك بالعامّ، وهناك لم يكن الشكّ في شمول العامّ، بل كان الشكّ في أن موضوع العامّ لا يشمله، وقد قيل هناك: إنَّ أصالة العموم وظيفتها تعميم الحكم لا تعميم الموضوع، فلا تجري في تلك المسألة، ولكنّها تجري في المقام؛ لأنَّ العامّ يعمّ الفرد بلا معارض، والدليل الخاصّ: (لا تكرم زيداً) مجملٌ، والمجمل لا يكون حجّة في قبال المحكم.
نعم، لو فرض أنَّ (لا تكرم زيداً) كان متّصلاً فإنَّه لا يجوز التمسّك بالعامّ لاتصال العامّ بما يحتمل أن يكون قرينة له. وأمّا في فرض الانفصال -كما هو محلّ الكلام- فلا بأس بالتمسّك بالعامّ بلا إشكال. هذه الجهة ليس فيها مزيد
ــــــــــ[296]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بحث، وإنّما يقع البحث في الجهة الثانية.
الجهة الثانية: وهي أنّنا الآن تمسّكنا بالعامّ لإثبات أنَّ زيدا العالم يجب إكرامه، فهل يمكن أن نجعل العموم في المقام دليلاً على أنَّ المراد من: (لا تكرم زيداً) المردد بين الزيدين، المراد به هو زيد الجاهل؟
إذا ثبت ببركة أصالة العموم في العامّ أنَّ زيداً العالم يجب إكرامه فيتمسّك به فيه. فهل يمكن أن يقال: إنَّ العامّ يصير معيّناً لحال الدليل المجمل: (لا تكرم زيداً) فيدلّ بالدلالة الالتزاميّة على أنَّ زيداً الذي نهي عن إكرامه هو زيد الجاهل لا العالم؛ لأنّه لو كان المنهي عن إكرامه هو زيد العالم نفسه لزم اجتماع الوجوب والحرمة في موضوع واحد، وهو محال.
وهذا التوجيه التزم به المحقّق النائيني ووافقه السيّد الأستاذ(1)، فقد ذهبا إلى أنَّ العامّ يكون مبيِّناً لحال الخاصّ بالدلالة الالتزاميّة، فيرتفع إجمال (لا تكرم زيداً) ويتعيّن وجوب إكرام زيد العالم، وحرمة إكرام زيد الجاهل.
وبحسب الحقيقة هذه الجهة جهة سيّالة في الفقه، ولها مصاديق كثيرة، وهي جهة رفع إجمال دليل بدليل آخر، وليس مختصّاً في مورد العامّ والخاصّ المردد بين كونه مخصّصاً أو متخصّصاً. بل يأتي في كثير من الموارد. فلو فرض
-بدلاً من العموم- كان هناك نصّ في وجوب إكرام زيد العالم، هنا أيضاً يأتي البحث في أنَّ المبيّن هل يكون رافعاً لإجمال المجمل أو لا؟
وكذلك الحال فيما إذا كان كلا الدليلين مجملين، وأريد رفع إجمال كلّ منهما
ــــــــــ[297]ــــــــــ
(1) انظر: هامش أجود التقريرات2: 361.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بلحاظ الآخر، بأن يكون في كلّ منهما جهة إجمال، فيرفع إجمال كلّ منهما بالدلالة الالتزاميّة للآخر.
وذلك كما صنع المحقّقون المتأخّرون(1) في مسألة أخبار الكرّ. حيث وردت روايتان: إحداهما: صحيحة محمّد بن مسلم(2)، والأخرى: مرسلة ابن أبي عمير(3). وقد قيل في إحداهما: (إنَّ الكرّ ستمئة رطل) وفي الأخرى قيل: (إنَّ الكرّ ألف ومائتا رطل). وقالوا: إنّه بحسب الخارج أنَّ الرطل ثلاثة أرطال: عراقي، ومكّي، ومدني. وأنَّ ألف ومئتا رطل بالعراقي يساوي تسعمئة رطل بالمدني، وستمئة رطل بالمكّي، بمعنى: أنَّ كلّ رطلين عراقي رطل مكّي واحد، وكلّ واحد ونصف عراقي رطل مدني.
كما قالوا: إنَّ كلّ من هاتين الروايتين مجملة في نفسها إذ لم يقل الإمام: إنَّ الرطل هل هو بالعراقي، أو المدني، أو المكّي، إلَّا أنَّ كلاً منهما يمكن أن يرتفع إجماله بالدلالة الالتزاميّة للأخرى؛ لأنَّ لرواية الدالّة على أنَّ الكرّ ستمائة رطل -فإنَّ الرطل وإن كان يحتمل فيه أن يكون عراقياً أو مكيّاً أو مدنيّاً إلّا أنَّ الرواية- لا محالة تدلّ بالالتزام أنَّ الكرّ ليس بأقل من ستمائة رطل عراقي؛ لأنَّ غيره أكثر منه، فلو أخذنا بالقدر المتيقّن في طرف القلّة يدلّ على أنَّ الكرّ ليس
ــــــــــ[298]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الفقيه1: 127- 134.
(2) وسائل الشيعة 1: 168، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، الحديث 3.
(3) من لا يحضره الفقيه 1: 76، ذيل الحديث 2. وسائل الشيعة 1: 167، الباب 11 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بأقل من ستمائة رطل عراقي، كما أنّه من ناحية الزيادة يدلّ على جميع المحتملات الثلاثة: أنَّ الكرّ ليس بأزيد من ألف ومائتين رطل عراقي؛ لأنّ الرطل على أكثر الاحتمالات حكمي، وستمائة رطل مكّي يساوي ألف ومائتا رطل بالعراقي.
فإذا دلّت الرواية على هذا المطلب، فيتعيّن المراد من الرواية الأخرى بالدلالة الالتزاميّة القطعيّة من أنَّ الكرّ لا يزيد على الألف ومائتا رطل بالعراقي، ويتعيّن أن يكون المقصود بالألف ومائتا رطل في الرواية الثانية الرطل العراقي؛ لأنَّه لو كان المقصود منه الرطل المدني أو المكّي لكانت الكمية أكثر. وهذا نصنعه بالعكس أيضاً، فنحلّ إجمال الرواية الأولى بالثانية كما حللنا إجمال الثانية بالأولى. فهذه قاعدة عامّة لها مصاديق كثيرة فلا بُدَّ من تمحيصها.
ــــــــــ[299]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
والتحقيق هو خلاف ما ذهب إليه المحقّق النائيني والسيّد الأستاذ، فإنَّه في (أكرم كلّ عالم) و(لا تكرم زيداً) المردد بين أن يكون المراد به زيد العالم أو الجاهل. هنا دعوى تعيين المجمل بالمبيّن إنّما هي بلحاظ الدلالة الالتزاميّة، فإنّ (أكرم كلّ عالم) يدلّ بالمطابقة على وجوب إكرام زيد العالم، وبالالتزام على أنَّ المراد بزيد في دليل الحرمة زيد الجاهل.
إلَّا أنَّ هذه الدلالة الالتزاميّة بهذا المقدار غير صحيحة كما هو واضح؛ لأنَّه لا منافاة بين أن يكون (زيد العالم) يجب إكرامه، وأن يكون هو المراد من دليل الحرمة، غاية الأمر يكون دليل الحرمة لا جدّيّاً، ومسوقاً مساق التقيّة أو غيرها من المقاصد غير الجدّيّة. فمجرّد أنَّ زيداً العالم يجب إكرامه بمقتضى العموم لا يلازم البتّة مع أن يكون المراد الاستعمالي من (زيد) في دليل الحرمة هو زيد الجاهل، إذ لعلّ المراد به زيد العالم، إلَّا أنَّ أصالة الجهة تكون ساقطة، ويكون مسوقاً مساق الهزل ونحوه دون الجد. إذن، فلا بُدَّ من دليل لننفي به التقيّة والهزل.
فلو فرض أنّه كان عندنا قطعٌ وجدانيٌ بأنَّ الإمام حين قال: (لا تكرم زيداً) كان مسوقاً بداعي الجد، تمّ هذا؛ لأنَّ زيداً في (لا تكرم زيداً) لا يحتمل
ــــــــــ[300]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أن يكون المراد الاستعمالي فيه زيداً العالم؛ إذ لو كان بداعي الجد لزم اجتماع الوجوب والحرمة، وأمّا الهزل ونحوه فهو معلوم العدم وجداناً. فيتعيّن أن يكون المراد به زيد الجاهل. هذا لو كانت الجهة الجدّيّة ثابتة بالقطع واليقين، إلَّا أنَّ هذا غالباً أو دائماً مجرّد فرض، فإنّ الجهة الجدّيّة إنّما تثبت بأصالة الجهة، ومرجعها -كما ذكرنا في مبحث حجّيّة العامّ في الباقي -إلى ظهور عقلائي وهو كون المتكلّم في مقام بيان غرضه الجدي، وأنَّ المراد الاستعمالي هو المراد الجدي. فيقال على هذا -أيّ على أساس أنَّ المرجع في المقام هو أصالة الجهة- إنّه هل يمكن أن يتمّ هذا المطلب الذي رآه النائيني وتبعه عليه غيره.
قد يقال: إنَّه يمكن تتميمه، فإنَّ أصالة الجهة تقوم مقام العلم الوجداني الذي فرضناه، فتدلّ بالمطابقة على أنَّ المراد الاستعمالي في (لا تكرم زيداً) جدّي على إجماله. ولهذا لا محالة مدلول التزامي؛ لأنَّ جدّية المراد الاستعمالي تستلزم تعيين المراد الاستعمالي، وهو كونه زيداً الجاهل؛ لأنَّه لا يمكن أن يكون العالم مراداً بنحو الجد، وإلَّا اجتمعت الحرمة والوجوب.
إذن، تدلّ بالمطابقة على جدّيّة المراد الاستعمالي في دليل الحرمة، وبالالتزام على أنّ جدّيّة المراد الاستعمالي تستلزم أن يكون المراد بزيد زيد الجاهل لا العالم. وبذلك يرجع في تعيين المجمل إلى أصالة الجهة.
إلَّا أنَّ هذا بمقتضى الصناعة غير صحيح وغير معقول؛ وذلك لأنَّ الأمارة حينما تدلّ على شيء مجمل -أذكر أولاً قاعدة ثم أطبقها على المقام- مثلاً إذا
ــــــــــ[301]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
دلّت البيّنة على نجاسة أحد الإناءات الموجودة في المسجد، ففي المقام تارةً يكون مقدار مدلول الأمارة هو الجامع، كما لو قالت البيّنة أحد هذه الأواني نجسة، وأخرى تكون هذه الأمارة قائمة على ثبوت حكم لفرد معيّن، إلَّا أنّه ليس معيّناً عندنا إلَّا أنّه بحسب مدلول البيّنة متشخص، فيكون بابه باب الترديد لا الجامع، كما لو قالت البيّنة: إنَّ إناء زيد نجس وهي تعلم أيّهما إناء زيد، ولكنّنا لا نعلمه. هنا مدلول البيّنة ليس هو الجامع، بل هو الفرد إلَّا أنّه مردد عندنا بين فردين. فهنا لو فرض أنّنا علمنا من الخارج بأنَّ هذا الإناء بالخصوص ليس بنجس يقيناً، وشهدت البيّنة بنجاسة أحدهما. فمرةً تشهد بنجاسة أحدهما على نحو الجامع، ومرةً على نحو الفرد، فلو فرض أنَّها شهدت بالجامع ففي مثل هذا المقام لا بأس بضمّ هذا الجامع الذي يثبت بالبيّنة إلى العلم التفصيلي بطهارة هذا الفرد، فيتعيّن كون النجس هو الآخر.
وبتعبير آخر أوضح: أنَّ مدلول البيّنة بعد ضمّ العلم الوجداني إليه يصير له مدلول التزامي هو نجاسة الآخر. ونحن نعلم أنَّ جامع النجاسة لو كان موجوداً لكان هنا لا هناك، وقد وجد جامع النجاسة بمقتضى البيّنة، فيدلّ بالالتزام على نجاسة ذلك الإناء.
وأخرى: نفرض أنَّ البيّنة دلّت على نجاسة فرد معيّن بحسب مدلولها ولسانها، بأن قالت: إنَّ الإناء الأبيض من الإناءين نجس، وأنا لا أدري أيّ الإناءين أبيض؟ إلَّا إنّي أعلم أنَّ هذا الإناء بالخصوص طاهر، سواء كان أبيض أو غير أبيض، ففي المقام لا يمكن إثبات نجاسة الإناء الآخر. والنكتة في ذلك:
ــــــــــ[302]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أنَّ نجاسة الآخر لا يمكن أن يكون مدلولاً التزامياً لطهارة هذا؛ لأنَّ مدلول البيّنة مردد بين هذا الفرد وهذا الفرد، فإذا كان ما شهدت البيّنة بنجاسته هو الفرد الطاهر في الواقع فلا يلزم منه نجاسة الفرد الآخر، بل يظهر منه أنّنا كنّا متوهّمين حينما علمنا بطهارته. فلا ملازمة بين نجاسة أحدهما وطهارة الآخر، ونجاسة هذا لم يحرز كونه لازماً لمدلول البيّنة على أيّ حال حتّى يجوز إثبات نجاسته بمدلولها الالتزامي.
وبتعبير آخر: إذا شهدت البيّنة بالجامع، فهناك تلازم بين وجود جامع النجاسة، ونجاسة الآخر بعد ضمّ العلم بطهارة الأوّل، ولكن هذا العلم بالتلازم منتفٍ في المقام. هذه الصناعة هي القانون الكلّي في مقام رفع الإجمال عن المجمل بالمبيّن.
هنا نقول: بأنَّ أصالة الجهة -التي ادّعي أنَّها تدلّ بالمطابقة على جدّية المراد الاستعمالي، وبالالتزام على أنَّ المراد الاستعمالي من زيد هو زيد الجاهل لا العالم- لا تدلّ على وجود جدّية في الجملة، وإنّما تدلّ على جدّية المراد الاستعمالي، والمراد الاستعمالي متشخص في نفس المتكلّم، فالدلالة الالتزاميّة غير موجودة؛ لأنَّه لو كان المراد الاستعمالي في الواقع هو زيد العالم، فلا ملازمة بين وجوب إكرامه وحرمة إكرام الآخر. فلا يمكن الرجوع إلى أصالة الجهة في رفع الإجمال؛ لأنَّ الدلالة الالتزاميّة إنّما تكون حجّة بمقدار الجامع؛ لأنّنا إذا علمنا بالجامع وهو ينطبق على هذا الفرد. وبضمّ العلم التفصيلي إليه في أحد الفردين يتعيّن الفرد الآخر. أمّا لو ثبت الفرد المعيّن بالأمارة فضمّ العلم
ــــــــــ[303]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
التفصيلي إليه لا يثبت أنَّ مدلول الأمارة هو الفرد الآخر؛ لانتفاء الملازمة بين ثبوت مدلول البيّنة لأحدهما وانتفائها عن الآخر. إذن، الدليل الخاصّ (لا تكرم زيداً) يبقى على إجماله. هذا في المقام.
إلَّا أن هذا لا يقاس عليه في باب الكرّ، والوجه فيه: وإن كان المدلول المطابقي هو رطل متشخص لا محالة في إرادة الإمام، فيدلّ على رطل متشخص لا على الجامع بين الأرطال الثلاثة. هذا صحيحٌ إلَّا أنَّ مدلوله الالتزامي منتزع من جميع احتمالاته الثلاثة، فلو فرضنا مثلا أنّه لدينا مدلول التزامي بأنّه ليس بأكثر من ألف ومائتا رطل بالعراقي، فينتفي الزائد، إلَّا أنّه مدلول التزامي للأفراد على جميع تقاديرها. بخلافه في المقام فإنَّ المدلول الالتزامي ليس على جميع التقادير؛ لأنَّه لو كان المراد الجدي هو العالم فليس الجاهل مراداً ولا ملازمة بين إرادتهما.
وبهذا ظهر أنّه في هذه المسألة يتمسّك بالعامّ في إثبات وجوب إكرام زيد العالم، ولكنّنا لا نتمسّك بالخاصّ في إثبات حرمة إكرام زيد الجاهل، بل نتمسّك فيه بالأصول العمليّة والعمومات الأخرى.
ــــــــــ[304]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
هل يختصّ الخطاب بالمشافهين؟
ــــــــــ[305]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
يقع الكلام في أنّه هل يختصّ الخطاب بالمشافهين أو يعمّ غيرهم من المعدومين والغائبين.
فالكلام الصادر عن المولى: تارةً لا يكون كلاماً متضمناً للخطاب لا بأداته المستقلّة، نحو: (يا أيّها الناس) ولا بأيّ هيئة تفيد الخطاب، نحو: (صلّوا وصوموا)، وذلك كما إذا قال: يجب على الناس الحجّ، أو وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلً(1)، فكلام المولى هذا خالٍ من الخطاب. وهناك كلام يصدر من المولى بعنوان الخطاب، نحو: (يا أيّها الناس) و (أقيموا الصلاة).
أمّا القسم الأوّل فلا شكّ في عمومه، ما لم تكن قرينة خاصّة في عمومه للغائبين والمعدومين.
وإنّما الكلام والنزاع في القسم الثاني: وهو فيما إذا كان الكلام متضمناً للخطاب، ومسوقاً مساق التخاطب، نحو: (يا أيّها الناس) و(أقيموا الصلاة)، فهل يكون هذا الخطاب مخصوصاً بخصوص الحاضرين في مجلس التخاطب، أو يعمّ الغائبين والمعدومين؟
ــــــــــ[307]ــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فيه خلاف، فقد ذهب المشهور إلى الاختصاص في الجملة، وذهب المحقّق الخراساني في الكفاية(1) إلى عدم الاختصاص مطلقاً، وذهب المحقّق النائيني(2) إلى التفصيل بين القضيّة الخارجيّة والقضيّة الحقيقيّة، ففي القضيّة الخارجيّة، كما إذا قال: (يا أيها الذين في الخيمة) فإنَّه يختصّ بخصوص الحاضرين في مجلس التخاطب، وفي القضيّة الحقيقيّة لا يختصّ بهم.
وينبغي في المقام تقدّيم أمرين:
الأمر الأوّل: في بيان حقيقة المخاطبة، وما يكون به الكلام تخاطبياً؟
قد يفسّر كما هو المعروف في الكلمات الاعتياديّة، بأنَّ المخاطبة هي قصد التفهيم لذلك الشخص، وبهذا يتنقّح استحالة مخاطبة المعدومين والغائبين. إلَّا أنَّ المحقّق الأصفهاني في حاشيته(3) ذكر بياناً في حقيقة المخاطبة حيث أفاد: أنَّ كون الشخص مخاطباً لشخص آخر ليس متقوّماً بأن يكون الآخر سامعاً بجارحة؛ وذلك لتصوّر المخاطبة بدونها، كما هو الحال في المخاطبة مع الله تعالى، وهو (عز وجلّ) لا يسمع بجارحة. بل ليس متقوّماً بمطلق السماع؛ لأنَّه يصح المخاطبة مع الأصم، بأن يخاطب الأصم بالكلام، ثُمَّ يترجم له الكلام عن طريق الإشارة. كما أنَّ الحضور في مجلس الخطاب أيضاً لا يشترط، وإلَّا لما صحّ مخاطبة الإمام؛ لأنَّه ليس حاضراً في مجلس التخاطب، مع أنَّ الشيعي
ــــــــــ[308]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 230.
(2) انظر: فوائد الأصول2: 550، وأجود التقريرات 2: 433.
(3) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 471.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
يشتكي للإمام، ويصدق أنّه خاطب الإمام واشتكى إليه؛ لأنَّه على يقين أنَّ إمامه يسمع شكواه.
كما أنَّ التفهيم والإنفهام ليس مقوّماً للمخاطبة؛ ولذا قد يكون الله تعالى مخاطباً للإنسان دون أن يفهم الإنسان، نحو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(1). إذن، ما هو المقوّم للمخاطبة؟ قال: إنَّ مقوّم حقيقة المخاطبة هو اجتماع المُخاطِب مع المُخاطَب بنحو من انحاء الاجتماع. هذا الإجتماع هو محقّق المخاطبة في الخارج، وهذا الإجتماع تارةً يكون اجتماعاً مكانياً حقيقياً، وأخرى مكانياً حكمياً.
وبتعبير آخر: اجتماعاً سماعياً، أي: يكونان في مكانين، بحيث يسمع أحدهما الآخر، كاجتماعنا بالإمام ، وقد يكون الاجتماع، بنحو أتمّ وأرفع من الاجتماع المكاني، وهو الإجتماع الإحاطي والمحوطي، وهو اجتماع الخالق مع المخلوق، وفي مثل هذا الإجتماع الإحاطي أيضاً تصحّ المخاطبة من الطرفين. وعلى هذا الأساس تنقّح أنَّ المقوّم للمخاطبة هو الإجتماع بنحو من الأنحاء، وتنقّح أنَّ المخاطبة مع الغائب والمعدوم لا تصحّ، لأنَّه لا اجتماع بين المتكلّم والمعدوم، وكذلك لا اجتماع بينه وبين الغائب إذا كان غائباً بسمعه أيضاً.
هذا خلاصة ما أفاده في تحقيق حقيقة المخاطبة.
إلَّا أنَّ هذا الذي أفاده لا يتحصّل لنا منه معنى تامّ؛ لأنَّه إمّا أن يريد بهذا الكلام أنَّ حقيقة المخاطبة هي نفس الإجتماع، وإمّا أن يريد أنَّ الإجتماع شرط
ــــــــــ[309]ــــــــــ
(1) الانفطار: 6.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
في تحقق المخاطبة. فإن أراد أنَّ الإجتماع هو نفس المخاطبة، أي: يكفي في تحقق المخاطبة مجرّد الإجتماع فهو بديهي البطلان؛ لأنَّه قد يجتمع المتكلّم مع شخصين، ويتكلّم مع أحدهما دون الآخر، فيكون مخاطِباً لأحدهما دون الآخر، مع أنَّ اجتماعه مشترك بين الإثنين، فالاجتماع بمجرّده لا يحقق المخاطبة.
وأمّا إذا أراد كونه شرطاً فهذا معناه أنّه ليس هو حقيقة المخاطبة، فلا بُدَّ من بيان حقيقة المخاطبة. ويبقى الإشكال في بيان حقيقة المخاطبة قائماً.
وتحقيق ذلك: بأنَّ حقيقة المخاطبة هي عبارة عن قصد نفساني مخصوص يدلّ عليه الكلام بحسب الخارج، وهذا القصد النفساني المخصوص هو قصد إعداد شخص لفهم كلام مخصوص، أي: قصد إعداد شخص معيّن لفهم كلام مخصوص لا فهماً فعلياً، بل تمكينه من ذلك. وهذا القصد قد يكون موجوداً في النفس، ولكنّه ليس مبرزاً بالكلام، فلا يكون الشخص مخاطباً بنفس قصده النفساني، وإنّما يكون التخاطب إذا أبرز لفظاً يدلّ على التخاطب، وهذا اللفظ هو أداة الخطاب، نحو: (يا أيّها) أو ضمائر الخطاب.
إذن، الخطاب يتحقّق بقصد نفساني، هو قصد إعداد الكلام؛ لكي يكون مفهماً لشخص معيّن مع إبرازه بحسب الخارج.
والوجه فيه: ظهر ممّا قدمناه؛ لأنَّه ليس عندنا إلَّا الاجتماع بين الطرفين، وقد عرفنا أنه ليس هو حقيقة المخاطبة، فلا بُدَّ أن يكون حقيقتها أمر في المرتبة السابقة على الاجتماع. هذا الأمر هو الذي به يصحّ أن يقال: إنَّ هذا الكلام متوجه إلى فلان. وليس هذا الأمر هو نفس الكلام؛ لأنَّه صوت في الفضاء،
ــــــــــ[310]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وعرض قائم بالمتكلّم، ولا علاقة له بالمخاطب من هذه الناحية، فلا بُدَّ من نسبة تربط بينهما، وهذه النسبة لا تكون بالإجتماع. كما أنَّها لا تكون بمضمون الكلام؛ لأنَّ المضمون قد لا يكون مرتبطاً بالمخاطب أو غير مرتبط بأيّ شخصٍ. إذن، المخاطبة لا تكون بالاجتماع ولا بلحاظ نفس الكلام ولا مضمونه، وإنّما تكون بلحاظ دواعي الكلام، حيث صدر بداعي أن يفهم الشخص الآخر. فهذا الداعي المبرز هو الذي يحقق المخاطبة.
ــــــــــ[311]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
إذا عرفنا أنَّ هذا هو حقيقة المخاطبة، وأنَّ القصد يتقوّم بالمراد من الكلام للفهم لا بالفهم الفعلي. فيبقى الكلام في مراتب هذا الإعداد. فإنَّه تارةً يتصوّر أنّه يكفي في مقام تحصيل مدلول أداة الخطاب كون الكلام مُعَدّاً من قبل المتكلّم لكي يفهمه الشخص الآخر، مع فقد تمام الخصوصيّات الأخرى الدخيلة في المخاطبة، حتّى وجود المخاطب. وتارةً يكون إعداداً مع اجتماع الشرائط الأخرى للخطاب التي أهمها وجود المخاطب. وكلاهما معقول ثبوتاً في أداة الخطاب، فيمكن أن تدلّ أداة الخطاب على قصد إعداد الكلام؛ لكي يفهمه الشخص الآخر بشكل لا يشترط فيه سائر شرائط المخاطبة الأخرى، ويمكن أن تكون دالّة على الإعداد مع فرض تماميّة الموضوع. ولا بُدَّ في تحقيق أي هذين الاحتمالين من الرجوع إلى الفهم العرفي.
والشيء الذي لا شك فيه أنَّ أداة الخطاب لم توضع للفهم الفعلي لتحققه بدونه، وإنّما وضعت للإعداد للفهم، ولكن هذا الإعداد له مراتب، ولا بُدَّ في تعيين أيّ المراتب من الرجوع إلى الاستظهار العرفي.
الأمر الثاني: ذكر المحقّق النائيني في التقريرات(1) أنَّ هذا النزاع بين
ــــــــــ[312]ــــــــــ
(1)انظر: أجود التقريرات2: 356، فوائد الأصول2: 548.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المحقّقين نزاع عقلي ولفظي، أي: أنّهم يتنازعون في أنَّ المخاطبة للمعدوم معقولة أو لا، فهذا بحث عقلي. ويتنازعون أنَّ أداة الخطاب هل تكون دالّة على اختصاص مدخولها -وهو الناس في قولنا: (يا أيّها الناس)- بخصوص الحاضرين. فهذا بحث لفظي.
وذكر السيّد الأستاذ في تعليقته(1): أنَّ البحث لفظي صرف، وذكر في بيان ذلك: أنَّ المخاطبة مخاطبتان: حقيقيّة وإنشائيّة، أمّا المخاطبة الحقيقيّة فلا نزاع ولا ينبغي أن يقع إشكال في عدم صحّة توجيهها إلى المعدوم، وأمّا الإنشائيّة فلا إشكال في جوازها بالنسبة إلى المعدوم، فليس النزاع عقليّاً لمعلوميّة إمكانه أو استحالته عقلاً. وإنّما النزاع في أنَّ أداة الخطاب موضوعة للخطاب الحقيقي أو الخطاب الإنشائي. واختار السيّد الأستاذ أنَّ الصحيح أنَّها موضوعة للخطاب الإنشائي؛ لأنَّ غاية ما تستظهر منها عرفاً أنَّها موضوعة لإظهار قصد تفهيم الكلام إلى شخص بأيّ داعٍ من الدواعي، فإذا كان الداعي جدّياً فتحصل المخاطبة الحقيقيّة، وإذا لم يكن جدياً لم تكن المخاطبة حقيقيّة. ولكن في كلّ من تصويره للنزاع أو اختياره مسامحة واضحة:
أمّا الأوّل: فإن النزاع بأنَّ الأداة موضوعة لأيّ من المعنيين: الخطاب الحقيقي أو الإنشائي، هذا النزاع غير متصوّر بين القوم، إذ لا يقول أيّ منهم بجواز وضع الأداة للخطاب الحقيقي؛ لأنَّ الخطاب الحقيقي شأنه شأن الطلب الحقيقي والتمني الحقيقي، والاستفهام الحقيقي من الصفات النفسيّة، وهي
ــــــــــ[313]ــــــــــ
(1) انظر: هامش أجود التقريرات2: 356.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ليست مدلولة للفظ كما صرح به في الكفاية(1) وقال: إنَّ عليه إجماع الإماميّة والمعتزلة؛ وذلك لأنَّ دلالة اللفظ على هذه الصفات النفسيّة دلالة تصديقيّة، والدلالة التصديقيّة عند الجميع -باستثنائه- ليست دلالة وضعيّة. فهذه الصفات النفسيّة عندهم ليست موضوع لها اللفظ. وإنّما دلالة اللفظ دلالة تصوّريّة. إذن، فليس النزاع في أنَّ أداة الخطاب موضوعة للخطاب الحقيقي أو الإنشائي؛ لأنَّهم لو كانوا يقولون بوضعها للخطاب الحقيقي فلا بُدَّ أن يقولوا: بأنَّ الدلالة التصديقيّة دلالة وضعيّة؛ لأنَّ واقع الخطاب الحقيقي أمرٌ جزئي قائم في النفس، والدلالة عليه دلالة تصديقيّة. ولا يدّعي أحد أنَّ اللفظ موضوع للخطاب الحقيقي، وإنّما يقولون إنّه موضوع لمعنى تصوّري، حيث إنَّ المخاطب يحصل له نسبة وربط مخصوص بين الكلام والمتكلّم، وهذا الربط أمرٌ قابلٌ للتصور، فهذه النسبة والربط بمفهومها التصوّري هو الذي وضع لها اللفظ مرةً مستقلّة، كما هو الحال في أداة الخطاب، أو مندمجة كما هو الحال في الضمائر، كما حققناه في مبحث المعاني الحرفيّة(2).
فالموضوع له هو معنى تصوّري، غاية الأمر يكون هذا المعنى التصوّري بدواعي مختلفة، فتارةً يكون بداعي المخاطبة الحقيقيّة، وتارةً بداعي التحسّر، وأخرى بداعي الحزن كخطاب الطير والحمام، إلى غير ذلك من الدواعي. وذلك كما هو الحال في سائر الجمل الأخرى، فإنَّ (ليت) ليست موضوعةً
ــــــــــ[314]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 230.
(2) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 1: 230.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
للنسبة، وإنّما هي موضوعة لمعنى تصوّري، غاية الأمر أنَّ الدواعي تختلف في هذا المعنى التصوّري.
إذن، لا إشكال أنَّ اللفظ يدلّ على معنى تصوّري. وإنّما ينعقد له ظهور سياقي في أنّه صادر بداعي الجد لا بداعي الهزل. وهذا الظهور السياقي محفوظ في سائر الجمل. وفي باب الخطاب أيضاً ينبغي أن يقال: إنَّ أداة الخطاب موضوعةٌ للنسبة الخطابية، وينعقد لها ظهور سياقي في أنَّ استعمالها كان على نحو الجد والخطاب الحقيقي، وهذا أيضاً لا إشكال فيه. وإنّما الإشكال في مقدار المخاطبة الحقيقيّة كما بيّنا في المقدّمة الأولى؛ لأنَّ الخطاب أرجعناه إلى إعداد الشخص لكي يفهم، وهذا الإعداد له مراتب، فلا بُدَّ من تعيين أحد هذه المراتب. هذا بالنسبة إلى تصوير السيّد الأستاذ لمحلّ النزاع.
ثم ذكر السيّد الأستاذ أنَّ المختار كون أداة الخطاب موضوعةً للطلب الإنشائي، وفسّر الطلب الإنشائي، بأنَّ الأداة موضوعةٌ لتوجيه الكلام إلى شخص بأيّ داعٍ من الدواعي. ولكن هذا ممّا لا محصّل له؛ لأنَّ توجيه الكلام إلى شخص إمّا أن يقصد به التوجيه النفساني، فهو عبارة أخرى عن الخطاب الحقيقي الذي أنكره، وليس خطاباً إنشائياً. وإمّا أن يقصد به ما هو المصطلح عند الناس من الخطاب الإنشائي، وهو إيجاد المعنى باللفظ، من حيث إنَّ صاحب الكفاية وغيره يقولون: إنَّ الإنشاء هو إيجاد المعنى باللفظ، فإن أراد السيّد الأستاذ هذا المعنى- وهو أنَّ توجيه الكلام موجود بنفس اللفظ- فهذا لا يناسب مبناه؛ لأنَّه يقول باستحالة أن تكون الألفاظ موجدة للمعاني، ويبنى
ــــــــــ[315]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
في جميع الموارد على أنَّ الألفاظ تحكي عن معانٍ نفسانيّة. وإن أراد بالطلب الإنشائي هذا الذي قلناه، أي: النسبة القائمة بين المخاطِب والمخاطَب بما هي مفهوم تصوّري، فهذا يناقض مبناه في الوضع من أنَّ الدلالة الوضعيّة ليست هي الدلالة التصوّرية، بل الدلالة التصديقيّة، إذن لا محصّل من هذا الكلام.
وبهذا ظهر أنَّ أداة الخطاب موضوعةٌ لمفهوم تصوّري، هو النسبة بين المخاطِب والمخاطَب، وهي إمّا مستقلّة كما في أداة الخطاب، أو مندمجة بغيرها كما في ضمائر الخطاب، غاية الأمر لها ظهور سياقي في أنَّ المخاطبة مخاطبة حقيقيّة. ويبقى الكلام فيما يقتضيه هذا الظهور السياقي.
فإذا انتهى الكلام إلى هذا الموضع وعرفنا أنَّ المخاطبة حقيقتّها هي قصد إعداد شخص لأن يفهم الكلام، وأنَّ هذا الإعداد له مراتب، بحيث يشمل المعدوم والإعداد القريب من النتيجة فلا يعمّ. والكلام يقع في تعيين أحد القسمين من الإعداد.
فحينئذٍ نعرف أنّه لا مجال لتصحيح الخطاب للمعدومين من فرض تنزيل المعدومين منزلة الموجودين، كما ذهب إليه المحقّق النائيني(1) وقال: إنَّ للشارع أن يخاطب المعدومين بتنزيلهم منزلة الموجودين، وحيث إنَّه في القضايا الحقيقية التنزيل على مقتضى القاعدة وليس فيه مؤونة، فشمول الخطاب للمعدومين على مقتضى القاعدة. ولكن ظهر مما قدّمناه أنَّ هذا لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ أداة الخطاب إن كانت دالّة على مطلق الإعداد للفرد فلا يحتاج إلى التنزيل في مخاطبة
ــــــــــ[316]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول2: 550، وأجود التقريرات 2: 433.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المعدومين، وإن كانت دالّة على الإعداد القريب من النتيجة فلا ينفع التنزيل؛ لأنَّ التنزيل إنّما ينفع في سريان الأحكام الاعتيادية من المنزَّل إليه إلى المنزِّل لا في سريان الأحكام التكوينيّة، فإنَّ الشارع إذا نزّل الفقاع منزّلة الخمر فإنَّه يحكم بالحرمة كالخمر، ولكن إذا كان للخمر أثر تكويني كإحداث الملاريا، فإنَّ هذا التنزيل من قبل الشارع لا يعني أنَّ الفقاع يحدث الملاريا أيضاً كالخمر.
وعليه: فينحصر تحقيق المطلب في هذا الاستظهار، أي: في أنَّها موضوعة لمطلق الإعداد، أو للإعداد القريب من أخذ النتيجة.
وهنا لا إشكال ولا ريب في أنَّ أداة الخطاب لا يصحّ استعمالها فيما إذا فرض أنَّ هذا الشيء المراد تفهيمه ليس في معرض التحقق خارجاً أصلاً، فهنا لا يصدق عنوان المخاطب، كما لو خاطب أخا نوح، ولم يكن لنوح أخ، وقال: إنّي أعددت هذا الخطاب لكي يفهمه أخو نوح، فإنَّ هذا لا يصدق عليه عنوان الخطاب؛ لأنَّ المخاطب ليس في معرض التحقق خارجاً، بل يضحك على مثل هذا المتكلّم. وأمّا لو أراد وهو على فراش الموت أن يخاطب ابنه الذي سوف يولد بعد شهرين من موته، فهذا خطاب حسابي؛ لأنَّه أعد ولده لكي يفهم هذا الخطاب، وولده في معرض الوجود بحسب الخارج.
من هذا يستفاد بحسب المتفاهم العرفي أنّ أداة الخطاب ظاهرة سياقاً في إعداد الشخص لأن يفهم على شرط أن يكون في معرض الوجود بحسب الخارج أعمّ من الموجود فعلاً أو المترقب وجوده. وعليه تكون الأداة شاملةً للمعدومين إذا كانوا في معرض الوجود الخارجي، فلو قال الشارع: (يا أيّها
ــــــــــ[317]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الفقراء أبشروا بالجنة) أو: (يا أيّها الأغنياء أعطوا الزكاة للفقراء) صحّ ذلك، فإنَّ مثل هذا القول إذا صدر من شخص من شأنه أن يخاطب الأجيال فلا بأس بشموله للمعدومين؛ لأنَّ الإعداد ثابت في المقام، والمعدومين في معرض الوجود بحسب الخارج.
ــــــــــ[318]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بقي شيء، لو فرضنا أنّنا اخترنا أنَّ أداة العموم ظاهرة عرفاً وسياقاً في الإعداد القريب من النتيجة، فلا محالة تكون قرينة على الاختصاص بحيث لا يشمل الخطاب المعدومين. هنا هل يمكن أن نتمسّك بإطلاق مدخول الخطاب في المرتبة السابقة على الخطاب.
هذا له نظير، وذلك في باب الأوامر، كما لو قال المولى: (صَلِّ)، ولا شكّ أنَّ الصلاة حيث إنَّها عرض لها الوجوب بمقتضى الهيئة، وحيث إنَّ الوجوب مختصّ بالقادر دون العاجز، فتختص المادّة بالقدرة ولا تشمل العجز. فإذا أردنا أن نثبت وجدان الملاك حتّى في حالِ العجز، فعندهم هناك طريقان لذلك: أحدهما التمسّك بإطلاق المادّة في المرتبة السابقة على عروض الهيئة عليها، فيقال: إنَّها مطلقة من حيث القدرة والعجز. وهذا المطلب ذكرناه في مبحث اجتماع الأمر والنهي(1) وأشكلنا عليه: بأنّ التمسّك بإطلاق شيء لا يعقل أن يكون إلَّا بالأثر المترتب عليه؛ لأنَّ مؤدى مقدّمات الحكمة هو أنَّ هذا الموضوع
ــــــــــ[319]ــــــــــ
(1) انظر: بحوث في علم الأصول 3: 25.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
هو تمام الموضوع لهذا الأثر، والمادّة في المرتبة السابقة على عروض الهيئة عليها لم يحكم عليها بحكم حتّى يتمسّك بإطلاقها. خلافاً للمحقق النائيني (1) حيث ذهب إلى ذلك، وهو من عجائبه ومن التدقيقات غير العرفيّة.
مثل هذا البيان يأتي في المقام أيضاً، ويقال: إنَّ كلمة (الناس) في (يا أيّها الناس) في المرتبة السابقة على عروض الخطاب عليه يتمسّك بإطلاقها لإثبات عموم ملاك الخطاب، وهو ثبوت الحكم، أي: لإثبات أنَّ ملاك الخطاب عامٌ لمطلق الناس حتّى المعدومين منهم، وإن كان نفس هذا الخطاب الفعلي خاصّ بالموجودين لا محالة.
هنا يأتي نفس ذلك الإشكال، وهو أنَّ المادّة في المرتبة السابقة على عروض الخطاب لم يحكم عليها بحكم أصلا؛ لأنَّ (صلّوا) في (يا أيّها الناس صلّوا) إنّما هو حكم للناس المخاطبين، أي: حكم للمادة بعد اقترانها بالخطاب، فالخطاب يكون محصّصاً لموضوع الحكم. ففي المرتبة السابقة على الخطاب لا تكون المادّة موضوعاً لحكم حتّى يتمسّك بإطلاقها.
هذا إشكال مشترك، وهناك إشكال مختصّ في المقام، وهو أنَّ هذه المسألة أسوأ حظاً من تلك المسألة، فإنّ إطلاق المادّة هناك لم يكن له مقيّد، أي: أنَّ إطلاق المادّة هناك لم يكن مقروناً بما يصلح للقرينية؛ لأنَّ الصلاة هناك مطلقة من حيث القدرة وعدمها، وإنّما المقيّد هو العقل، وهو دليل منفصل. إذن، إطلاق المادّة هناك ليس فيه ما يصلح للقرينية. أمّا في المقام فإطلاق المادّة قد
ــــــــــ[320]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات2: 335.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
اقترن بما يصلح للقرينية؛ لأنَّ المفروض أنَّها ظاهرة في الإعداد القريب الذي لا يشمل إلَّا ما بعد الوجود. إذن، لا يمكن التمسّك بإطلاق المادّة. ومن هنا ظهر بعض موارد النظر في كلام المحقّق العراقي في المقام.
وقد ظهر مما مضى أنَّ هذا الخطاب لو صدر من شخص من شأنه أن يخاطب القرون والأجيال والناس أجمعين، فليس فيه قرينة على الإختصاص بالموجودين. نعم، لو صدر من شخص ليس له ذلك الشأن فنفس هذا يكون قرينة على الاختصاص، وبهذا ينتهي بحث اختصاص المخاطبة بالموجودين أو عمومها للغائبين، بل المعدومين.
ذكروا -كما في الكفاية(1)– ثمرتين لهذه المسألة: الثمرة الأولى: وهي مبنية على مبنى خاصّ في الأصول، والثمرة الثانية مطلقة.
الثمرة الأولى: المبتنية على مبنى خاصّ شاذ في الأصول، فلا بُدَّ لأجل توضيحها من الإشارة إليه، وهو للمحقق القمي (2) حيث ذكر في بحث الظواهر تفصيلاً جديداً له في حجّيّة الظواهر، قال: إنَّ الظواهر حجّة لمن يقصد إفهامه، دون من لم يقصد إفهامه. فلو صدر من الإمام كلام يقصد به إفهام زرارة، فكلام الإمام هذا حجّة على زرارة لا علينا؛ إذ لعلّ هناك لحن مخصوص
ــــــــــ[321]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 231. فصل ربما قيل: إنّه يظهر لعموم الخطابات الشفاهية للمعدومين ثمرتان
(2) انظر: قوانين الأصول 1: 233، في الخطابات المشافهة.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
يعرفه زرارة، ولا نعرفه نحن. ومن هنا تمّ لديه دليل الانسداد الذي ينقّح حجّيّة الظنّ المطلق، من حيث أنَّ ظواهر الأخبار ليست بحجّة علينا، وظواهر الكتاب لا تكفي لإثبات جميع الأحكام.
إذا بنينا على هذا المبنى -أنَّ الظواهر حجّة لمن قُصِد إفهامه خاصّة- فإذا فرضنا أنَّ الخطاب الصادر من الإمام الصادق يعمّ المعدومين والغائبين كما يعمّ زرارة، فكلّهم مقصودين بالإفهام وكلّهم مخاطبين، وتكون الظواهر حجّة علينا وعليهم؛ لأنّنا وإن كنّا معدومين حين صدور الخطاب إلَّا أنّنا مقصودون بالتفهيم.
أمّا إذا قلنا باختصاص الخطاب بخصوص من قصد افهامه، فلسنا مقصودين بالإفهام. إذن، فالظواهر ليست حجّة علينا، واحتمال كوننا مقصودين لا يكفي في إتمام حجيّة الظواهر، فلا يكون كلام الإمام حجّة بالنسبة إلينا. هذه الثمرة مبنية على قول المحقّق القمي. وإنكار قول المحقّق القمي ليس إبطالاً للثمرة؛ لأنَّها مفروضة على أساسٍ من قوله.
هنا، لا بُدَّ من التعليق عليها بنكتة وهي: أنّه بناء على الشقّ الثاني -وهو أنّنا لسنا مشمولين للخطاب- يتمّ المطلب؛ لأنّنا إذا لم نكن مشمولين للخطاب فلسنا مخاطبين، ولم نحرز أنّنا مقصودين بالإفهام، فيترتّب عليه عدم الحجّيّة؛ لأنَّ الظواهر إنّما تكون حجّة للمقصود بالإفهام.
أمّا بناءً على الشقّ الأوّل -وهو شمول الخطاب للمعدومين -فهل يترتّب حتماً حجّيّة ظواهر الأخبار بالنسبة إلينا؛ لأنّنا أيضاً مخاطبين، أو لا يترتّب؟
ــــــــــ[322]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
شمول الخطاب للمعدومين له مسلكان: فتارةً نمشي على ما مشى عليه السيّد الأستاذ وصاحب الكفاية، حيث قالا: إنَّ أداة الخطاب لا تدلّ على الخطاب الحقيقي أصلاً، وإنّما تدلّ على الخطاب الإنشائي، فيكون عموم الخطاب للمعدومين حينئذٍ من ناحية إنكار دلالة الأداة على الخطاب الحقيقي وتمحضها للخطاب الإنشائي. فحينئذٍ لا يلزم القول بالحجّيّة بالنسبة إلينا؛ لأنّنا بناءً على هذا المشي مخاطبين إنشاءً لا حقيقةً، والمخاطب الإنشائي لا يلزم أن يكون مقصوداً بالإفهام، بل المقصود بالتفهيم هو المخاطب بالخطاب الحقيقي. ولا يلزم أن يكون المخاطب بالخطاب الإنشائي مقصوداً بالتفهيم إلَّا إذا قامت قرينة خاصّة على ذلك، وحينئذٍ يكون كلام الإمام حجّة حتّى على القول الثاني باختصاص الخطاب بالمشافهين. فبناء على مسلك الآخوند لا يبقى فرق بين القولين.
نعم، لو قلنا بشمول الخطاب للمعدومين بلحاظ دلالة الأداة على الخطاب الحقيقي، فلا بأس بتفريع القول بالحجّيّة على هذا القول؛ لأنّنا نكون مخاطبين حقيقة، ومقصودين بالإفهام، وكلّ مقصود بالإفهام يكون الكلام حجّة بالنسبة إليه.
الثمرة الثانية: وهي مبنية على مبنى المشهور الذي يقول: بأنّ الظواهر حجيّتها ليست مخصوصة بالنسبة إلى من قصد إفهامه، بل بالنسبة إلى كلّ إنسان حتّى من لم يقصد -قصد عدم- إفهامه، كما هو الصحيح.
وحاصل هذه الثمرة: أنَّ خطابات المولى إن قيل بشمولها للمعدومين،
ــــــــــ[323]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فنحن المعدومون وقت صدور الخطاب يثبت علينا الحكم بالتمسّك بنفس دليل الخطاب الأوّلي، نحو: (أقيموا الصلاة) بلا حاجة إلى دليل آخر أصلاً. وأمّا بناءً على أن الخطابات مختصّة بخصوص المشافهين، فنحن لا يمكن أن نتمسّك بإطلاق الخطاب الأولي؛ لأنَّه مختصّ بخصوص الموجودين حين صدوره، فيثبت الحكم على الصحابة ولا يشملنا، وإنّما لا بُدَّ من ضمّ دليل آخر وهو الإجماع على اشتراك المسلمين بالتكاليف؛ وذلك لأجل سحب حكم الصحابة إلينا.
قد يقال: لم تبقَ في المقام ثمرة؛ لأنَّه على كلّ حال تجب الصلاة علينا.
فإنَّه يقال: إنَّ الثمرة تظهر إذا كنّا والصحابة مختلفين في الصنف. وتوضيح ذلك: أنّنا تارةً نقول: إنّنا والصحابة متفقون بجميع الصفات التي يحتمل دخلها في إيجاب الصلاة، حينئذٍ فلا بأس من اشتراكنا في الحكم معهم ببركة دليل الاشتراك، أمّا إذا كنّا نختلف معهم في الصنف، أي: أنّهم يتّصفون بصفة نحتمل دخلها في الحكم، وهي ليست متوفّرة لدينا، كصفة الاجتماع مع الحجّة -الأعم من النبي والإمام - واحتملنا كون الإنسان في عصر الظهور دخيلا في إيجاب صلاة الجمعة عليه.
هنا تظهر الثمرة بين المسلكين، فإنَّه بناءً على شمول الخطابات للمعدومين، فإنّنا نتمسّك بنفس إطلاق الخطاب الأوّلي في نفي دخل خصوصيّة المعاصرة للحجّة في إيجاب صلاة الجمعة. أمّا إذا كان الخطاب لا يشمل المعدومين، فالتمسّك بإطلاق الدليل غير ممكن، بل يحتاج إلى دليل ثاني يُضمّ إليه، وهو
ــــــــــ[324]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
دليل الاشتراك. والدليل على الاشتراك هو الإجماع، والإجماع إنّما قام إذا كان المسلمون مشتركين في الخصوصيّات، ولم يقم في اشتراك المختلفين في الخصوصيّات في الحكم، فإنَّه إذا جاز تقليد المجتهد فهل يجوز تقليد العامي؟! وفي المقام لم تتحد الخصوصيّات فإنّ الصحابة كانوا يمتازون عنا بمعاصرتهم لعصر الظهور، ونحن نحتمل الفرق في إيجاب الحكم لأجل هذا الفرق، فلا يثبت الوجوب علينا.
وقد ذكر صاحب الكفاية(1) أنَّ هذه الثمرة غير تامّة؛ وذلك لأنَّ الخصوصيّة التي نحتمل دخلها في إثبات الحكم للصحابة، تارةً تكون خصوصيّة ملازمة لهم البتّة، وتارةً تكون خصوصيّة في معرض الزوال عنهم. فتارةً تكون الخصوصيّة هي كونهم عاشوا مع النبي ولو ساعة، وهذا لا يزول؛ لأنَّ الواقع لا يختلف عمّا هو عليه. وأخرى تكون الخصوصيّة من الخصوصيّات التي يمكن أن تزول كما إذا فرضنا أنَّ الصحابة كلّهم كانوا فقراء، ونحن نحتمل في المقام أن يكون لهذا الفقر دخل في إثبات الحكم بالنسبة إليهم، وهذه الخصوصيّة قابلة للزوال.
فإذا فرضنا أنَّ الخصوصيّة من الخصوصيّات غير القابلة للزوال فالثمرة ظاهرة بين القولين. فإنّنا إذا احتملنا أنَّ للمعاصرة دخلاً في ترتب الحكم عليهم. فإذا قيل بعموم الخطاب للمعدومين نتمسّك بإطلاق نفس الدليل الأوّلي، وإذا قيل بعدم عمومه إلَّا للمشافهين فنحتاج إلى دليل الاشتراك، وهو
ــــــــــ[325]ــــــــــ
(1) كفاية الأصول: 232.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
لم يقم لإثبات الاشتراك بين المختلفين في الصنف.
وأمّا إذا كانت الخصوصيّة من الخصوصيّات الزائلة، فيمكن نفي الخصوصيّة وإثبات الحكم لنا. أمّا بناءً على شمول الخطاب للمعدومين فواضح؛ لأنّنا نتمسّك بإطلاق نفس الدليل، وأمّا بناءً على اختصاص الخطاب بالمشافهين، فهنا لا نتمسّك بالإطلاق في شموله بالنسبة إلينا، ولكن نتمسّك بإطلاقه بالنسبة إلى حالات الصحابة، ونقول: إنَّ هذا الخطاب مطلقٌ من حيث فقر الصحابة وغناهم، فالفقر ليس له دخل في الحكم، فننقّح بذلك موضوع دليل الاشتراك الذي يقول: بأنّ كلّ حكم يثبت للصحابي، ولم يكن للصحابي خصوصيّة مفقودة عن غيره ،فهو مشترك مع غيره في الحكم، وقد ثبت بالتمسّك بالإطلاق أنَّ خصوصيّة الفقر ليست دخيلةً في الحكم عند الصحابي.
فالثمرة تظهر في القسم الثاني دون القسم الأوّل.
وهذا الكلام في غاية المتانة، ولا يرد عليه ما ذكره المحقّق العراقي من إمكان التمسّك بالإطلاق مطلقاً لإثبات الحكم لنا، فإنّنا نتمسّك بإطلاق الدليل الأولي حتّى لو قلنا باختصاص الخطاب بالمشافهين، وقد ذكر في وجهه أنّنا نتمسّك بإطلاق دليل أقيموا الصلاة في إثبات الحكم لنا من دون حاجة إلى دليل الاشتراك، سواء قلنا باختصاص الخطاب بالمشافهين أو عمومه لغيرهم. أمّا على القول بالتعميم فواضح، وأمّا على القول بالاختصاص؛ فلأنَّ خصوصيّة المخاطبة من الخصوصيّات المغفول عنها عرفاً، أي: أنَّ العرف لو التفت إليها لما رضي أن تكون قيداً في الحكم الشرعيّ ودخيلةً فيه، وذلك كما لو
ــــــــــ[326]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
سأل شخص الإمام عن طهارة حُبّ ماء(1) بباب المسجد فأجاب بالطهارة . فهنا كون الماء على باب المسجد من الخصوصيّات غير المعترف بدخلها في الحكم عرفاً، فكذلك خصوصيّة كون الإنسان مخاطباً للإمام مغفول عنها، بحيث لو التفت إليها العرف لما رضي أن تكون قيداً للحكم.
ولكن هنا لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّه ليس المدّعى أخذ خصوصيّة كون الإنسان مخاطباً للإمام، بل المدّعى أخذ ما يستدعي المخاطبة في المرتبة السابقة عليها، وهو أصل الوجود. فنحن لا ندّعي أن تكون الأداة قرينة على دخل نفس المخاطبة في الحكم حتّى يقال: إنّه من الخصوصيّات الملغاة عرفاً والمغفول عنها، بل إنَّ الأداة تكون قرينة عليه لما هو شرط المخاطبة، وهو كونه معاصراً للمشرع. وهذا أمر محتمل عقلائياً، وهو اختصاص الأحكام بزمان دون زمان. وبهذا ينتهي ما ينبغي التعرّض له من مسألة اختصاص الخطاب بالمشافهين.
ــــــــــ[327]ــــــــــ
(1) الحُبّ: -بضمّ الحاء- هو الخابية أي الجرّة الكبيرة، وهو الذي يُجعل فيه الماء. انظر:تاج العروس 1: 143.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
في تعقب العامّ بضمير يرجع إلى بعض أفراده
ــــــــــ[329]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وهو ما إذا ورد عام قد حكم عليه بحكم ثُمَّ أُرجع إليه ضمير وحكم عليه بحكم. وعلم من الخارج أنَّ المراد من الضمير بعض أفراد العامّ. ومثاله المعروف هو قوله تعالى: وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَـهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّـهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ(1)، فالمطلقات عام حكم عليه بالعدّة، وبقوله: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنّ شُرّع كون العدة رجعيّة. فهنا حكمان: حكم سلط على نفس العامّ ابتداءً، وحكم سلط على الضمير الذي يرجع إلى العامّ -في بعولتهن وردهن- ونحن نعلم من الخارج أنَّ بعولتهن ليسوا بأحقّ بردهن في الطلاق البائن، فنعلم أنَّ ضمير بعولتهن الذي حكم عليه بالرجعيّة راجع إلى بعض أفراد العامّ. فيدور الأمر بين الاستخدام في الضمير؛ لأنَّ الضمير بطبعه ووضعه تابع لمرجعه، ومرجعه هنا العموم، وقد أريد بالضمير الخصوص، وهو معنى الاستخدام. وأمّا أن نتحفظ على الضمير فلا بُدَّ من القول بالتخصّيص، وأنَّ مرجع الضمير من أول الأمر خاصّ.
ــــــــــ[331]ــــــــــ
(1) البقرة: 228.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وليكن محلّ الكلام فيما إذا علمنا من الخارج بأنَّ المراد الاستعمالي من الضمير هو الخصوص، دون المراد الجدي كما في الآية، وإن كان هذا لا صغرى له في الفقه.
فهنا يقال -كما عن المحقّق الخراساني(1) والمحقّق العراقي(2) والمحقّق النائيني(3) والسيّد الأستاذ(4)، في مقام التعارض ما بين ظهور العامّ في العموم وظهور الضمير في رجوعه إلى تمام مرجعه، هذا الظهور الذي ينافي مع الاستخدام- إنَّ ظهور العامّ في العموم مقدّمٌ على ظهور الضمير؛ وذلك لأنَّ ظهور الضمير بنفسه ساقطٌ عن الحجّيّة، فلا يعقل أن يكون طرفاً للمعارضة مع العامّ.
ووجهه: هو القاعدة التي أسسوها وطبقوها في كثير من الموارد في الفقه والأصول، وهي: أنَّ أصالة الظهور بتمام شعبها، إنّما تجري فيما إذا شكّ في المراد، ولا تجري فيما إذا شكّ في الاستناد وكيفية الإرادة، فإذا قال المتكلّم: (رأيت أسداً) وشكّكنا أنّه أراد به معناه الحقيقي الذي هو الحيوان المفترس، أو معناه المجازي الذي هو الرجل الشجاع، حينئذٍ تجري أصالة الحقيقة، ويتعيّن كونه أراد الحيوان المفترس. أمّا إذا قال: (رأيت أسداً) وعلمنا أنّه يريد الحيوان
ــــــــــ[332]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 233.
(2) انظر: نهاية الأفكار2: 544.
(3) انظر: فوائد الأصول2: 553.
(4) انظر: دراسات في علم الأصول2: 291، محاضرات في أصول الفقه5: 285.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المفترس، ولكنّنا شكّكنا في كيفية إرادة المعنى من اللفظ هل هو بنحو الحقيقة أو المجاز، هنا لا تجري أصالة الظهور؛ لأنَّ العقلاء إنّما يحكمون بجريانها إذا كان الشكّ في المراد، ولم يثبت كونهم يرون جريانها فيما إذا كان الشكّ في الاستناد.
هذه القاعدة طبقوها في محلّ الكلام فقالوا: إنّنا إذا لاحظنا ظهور العامّ فالشكّ فيه في المراد؛ لأنّي لا أدري هل المراد منه جميع أفراده أو بعضها، فتجري أصالة العموم، وأمّا إذا لاحظنا ظهور الضمير نرى أنّ الشك فيه ليس في المراد؛ لأنّنا نعلم من الخارج أنّ المراد منه هو البعض، ولكن الشكّ في أنّه أريد منه البعض على نحو الحقيقة أو المجاز، فإن كان العامّ مستعملاً في العموم فإرادة البعض منه مجازية ، وإن كان العامّ مستعملاً في الخصوص فإرادة البعض من الضمير حقيقية، فالشكّ في الاستناد لا في المراد، فلا تكون أصالة العموم جارية، وحينئذٍ يكون ظهور العموم حجّةً بلا معارض. إلاّ أنَّ بعضهم كالمحقّق العراقي(1) ذهب إلى أنَّ ما هو طرف المعارضة ليس هو ظهور الضمير الذي ليس بحجّة، بل ظهور آخر هو حجّة، ولكنّهم على كلّ حال اتّفقوا في هذه الناحية أنّه لا تعارض بين ظهور العامّ وظهور الضمير؛ لسقوط ظهور الضمير عن الحجّيّة.
ومضمون هذه القاعدة، هو أنَّ أصالة الظهور لا تجري في موارد الشكّ في الاستناد. ومضمونها صحيح، ولكنّها متفرعة على قاعدة ثانية.
وتوضيح ذلك بنحو ينطبق على المقام ويتضح منه الحال في هذه المسألة: أنَّه
ــــــــــ[333]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار2: 546.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
في موارد العلم بالمراد مع الشكّ في الاستناد، تارةً لا يكون هناك ظهور أصلاً للفظ. وذلك فيما لو علمنا أنَّ لفظ أسد موضوعة عند العرب للحيوان المفترس، ولكنّا احتملنا أنَّها موضوعة أيضاً للرجل الشجاع بنحو الاشتراك اللفظي، ثُمَّ تكلّم العربي الذي يكون كلامه حجّة، وعلمنا أنَّ مراده من لفظ (الأسد) هو الرجل الشجاع، فهل يمكن أن يقال -كما عن السيّد المرتضى(1)– بأنَّ الأصل في الكلام الحقيقة، فيثبت أنَّ هذا اللفظ موضوع للرجل الشجاع. هذا الكلام في المقام – وهو إجراء أصالة الحقيقة- غريب جداً؛ لأنَّ الأصل هو الظهور، وهنا ليس عندنا ظهور؛ لأنّنا وإن كنّا نعلم بوجود ظهور للفظ الأسد في الحيوان المفترس، ولكن هذا الظهور معلوم الكذب في المقام يقيناً؛ لأنّنا علمنا أنّه قد استعمله في الرجل الشجاع، ونحن نشكّ في ظهور آخر للفظ الأسد في الرجل الشجاع، فلم نحرز ظهوراً آخر حتّى نتمسّك به.
وأخرى، يكون هناك للفظ ظهورٌ، كما لو علمنا أنَّ لفظ الأسد موضوعٌ إمّا للحيوان المفترس، وإمّا للرجل الشجاع، ولكنّنا لم نكن نعلم أنَّها موضوعة لأيّهما. ثُمّ قال المتكلّم العربي الحجّة: (رأيت أسداً) وعلمنا جزماً بأنّ مراده من الأسد الرجل الشجاع. هنا لا إشكال أنَّ كلمة (أسد) لها ظهور في معناها المجمل المردد عندنا، المعيّن عند فصحاء العرب.
إذن، هذا اللفظ له ظهور سياقي في أنّه أريد به تفهيم المعنى الموضوع له، وعلمنا من الخارج أنَّ هذا المتكلّم أراد بكلمة (أسد) الرجل الشجاع يقيناً.
ــــــــــ[334]ــــــــــ
(1) انظر: الذريعة إلى أصول الشريعة1: 13.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
هنا يمكن أن يقرّب مطلب السيّد المرتضى بتقريب فني وهو: أنَّ هذا اللفظ له ظهور في أنّه أريد به تفهيم المعنى الحقيقي على واقعه، ونحن نعلم من الخارج أنّه أريد به الرجل الشجاع، وكلاً من الظهورين حجّة، الأوّل للظهور العقلائي، والآخر للعلم. وبعد الجمع بينهما ينتج بحسب المدلول الالتزامي أنَّ الرجل الشجاع هو المعنى الموضوع له.
فهل يكون هذا من قبيل التخصيص في أصالة الظهور، وأنَّ العقلاء يفرقون في موارد جريانها؟
ومقامنا من هذا القبيل -الثاني- لأنّنا نعلم أنَّ للضمير ظهوراً، هو رجوعه إلى نفس ما يدلّ عليه مرجعه، وهذا الظهور بعد ضمّه إلى العلم الخارجي بأنّه قد أريد من الضمير الخصوص لا العموم، يكون دالاً بالالتزام على أنَّ المراد بمرجعه الخصوص أيضاً، فيكون هذا الأمر مدلولاً التزامياً لهذا الظهور الذي هو حجّة، فلماذا لا يكون حجّة؟!
وبعبارة أخرى: هذه القاعدة مواردها تنقسم إلى قسمين:
القسم الأوّل: تكون القاعدة فيه على القاعدة بلا شبهة، وذلك فيما إذا فرض أنَّ اللفظ كـ(أسد) معلوم الوضع في لغة العرب للحيوان المفترس، ونشكّ في أنّه وضع هذا اللفظ أيضاً بنحو الاشتراك اللفظي للرجل الشجاع أو لا، فالظهور الوضعي في الحيوان المفترس معلوم، وفي الرجل الشجاع مشكوك. فلو صدرت هذه الكلمة من أحد العرب الأصليين، وعلمنا أنّه أراد الرجل الشجاع، وشكّكنا أنّه هل استعمله بنحو الحقيقة أو المجاز. هنا كلام
ــــــــــ[335]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
السيّد المرتضى(1) -في أنَّ الأصل هو الحقيقة- موهون جداً؛ لأنَّ مرجع أصالة الحقيقة إلى أصالة الظهور، وليس هنا ظهورٌ نتمسّك به، فإن ظهور الأسد في الحيوان المفترس وإن كان معلوماً إلَّا أنّه يعلم بعدم مطابقته للواقع، وأنّه غير مستعمل فيه، وأمّا ظهوره بالرجل الشجاع فهو مشكوك فيه؛ لأنّنا نشكّ في وضع آخر للفظ الأسد فيه. فليس لنا ظهور ومعلوم غير معلوم السقوط؛ ليكون هو المُدرك ولو تصوّراً لهذه القاعدة.
القسم الثاني: إذا لم يعلم المعنى الموضوع له في لغة العرب، وتردد بين الرجل الشجاع والحيوان المفترس. فنحن نعلم أنَّ له ظهوراً عرفياً في معناه، وأنَّ له ظهوراً سياقياً في أنّه متى صدر من أحد العرب كان صادراً بقصد تفهيم ذلك المعنى. ثُمَّ استعمل أحد العرب كلمة (الأسد) في كلامه في الرجل الشجاع. هنا هذا الظهور المعلوم بالإجمال غير معلوم السقوط؛ إذ لعلّ اللفظ موضوع للرجل الشجاع وقد استعمله المتكلّم فيه. في هذا المورد يمكن أن يقال: إنَّ كلام السيّد المرتضى بإجراء أصالة الحقيقة تامٌّ؛ لأنَّ مرجع أصالة الحقيقة إلى التمسّك بظهور اللفظ، فإنَّ اللفظ له ظهور أنّه استعمل بذلك المعنى الموضوع له، ومع ضمّ علمنا أنّه استعمل الأسد في الرجل الشجاع، نستنتج بالدلالة الالتزاميّة: أنَّ الرجل الشجاع هو الموضوع له كلمة (أسد).
وبتعبير مختصر: أنَّ لفظ (الأسد) له ظهور في أنَّه استعمل في المعنى الموضوع له، ونحن نعلم أنّه لم يستعمل إلَّا في الرجل الشجاع. إذن، فليس
ــــــــــ[336]ــــــــــ
() انظر: الذريعة إلى أصول الشريعة1: 13.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الموضوع له إلَّا الرجل الشجاع. فمرجع كلام السيّد المرتضى إلى ظهور ثابت باللفظ، وكلّ ظهور حجّة.
فإن ادّعي في قبال هذا أنَّ هذا الظهور وإن كان ظهوراً موجوداً، إلَّا أنّه خرج بالتخصيص من أصالة الظهور؛ لأنَّ العقلاء يفرقون في موارد أصالة الظهور، فهذا لا يرجع إلى محصّل؛ لأنَّ أصالة الظهور ليست من قبيل الأحكام الشرعيّة التي لا تدرك ملاكاتها؛ لأنَّ العقلاء -ونحن منهم- حين يفرّقون ويفصّلون في أصالة الظهور لا بُدَّ أن يعرفوا السبب، ولو بعد التأمّل.
قد يقال: -كما يظهر من بعض كلمات الميرزا(1) في هذه المسألة- بأنّه في المقام لا يتمسّك بالمدلول الالتزامي لهذا الظهور، لأنَّ هذا الظهور ليس بحجّة بحسب مدلوله المطابقي، والمدلول الالتزامي تابع للمطابقي. حيث إنَّ هذا الظهور له مدلولان: مدلول مطابقي، وهو أنَّ الظاهر من اللفظ أنّه أريد به تفهيم المعنى الموضوع له. ومدلول الالتزامي، وهو أنَّ الموضوع له الرجل الشجاع لا الحيوان المفترس.
هذا الكلام أيضاً من المجملات التي لا بُدَّ من تحقيقها، بمعنى: أنَّ هذا الظهور حيث إنّه ساقط بحسب مدلوله المطابقي، فهو ساقط بحسب مدلوله الالتزامي، فإنَّه لا وجه لسقوط مدلوله المطابقي إلَّا لغويته، من حيث إنَّ دلالته على أنّه مستعمل في معناه الموضوع له لا تأتي؛ لأنّي أعلم أنّه مستعمل في الرجل الشجاع، سواء كان هو المعنى الموضوع له أو لم يكن. إلَّا أنّه من المعلوم إذا
ــــــــــ[337]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول2: 533.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
سقط مدلول الإمارة المطابقي، وكان لها مدلول التزامي فيبقى مدلولها الالتزامي على حجّيتّه. كما لو شهدت البيّنة على وجود طير ميّت في الصحراء، فإنّ هذا وإن لم يكن محلّ أهميّة، إلَّا أنّنا نرتب ما يلازمه من نجاسة الملاقي وسائر الآثار.
ومن هنا بدّلنا هذه القاعدة بقاعدة جديدة، تنطبق على جميع هذه الموارد، أي: الموارد التي طبقوا فيها قاعدتهم القائلة: بأنَّ أصالة الظهور حجّة إذا كان الشكّ في المراد، لا في الاستناد.
وضابط هذه القاعدة الأخرى: أنّ الظهور -أيّ ظهور- إمّا أن يدلّ على أمر معيّن مشخص، ونشكّ في أنَّ هذا الأمر المعيّن هو المراد، أو غيره هو المراد. فظهور لفظ (الأسد) يدلّ على إرادة تفهيم الحيوان المفترس، ونشكّ أنّه هو المراد، أو أنَّ المعنى المجازي هو المراد. هنا لا إشكال من التمسّك بهذا الظهور، وهو الذي يسموه الشكّ في المراد.
وأخرى: نفرض أنَّ الظهور يكون دالاً على معنى جامع، وشكّكنا في أنَّ الثابت في الواقع من المعنى الجامع هل هو هذا الفرد أو ذاك، وعلمنا من الخارج أنَّ هذا الجامع لو كان ثابتاً في فرد فهو ثابتٌ في هذا لا في ذاك، كما لو دلّ ظهور على وجوب فريضة في يوم الجمعة، فمدلول هذا الظهور هو بمقدار الجامع بين الظهر والجمعة، فلو علمنا بالإجماع القطعي أنّه لو كان هناك وجوب لكان لصلاة الظهر، فيكون هذا الظهور مطابقاً للجامع؛ لأنّا نعلم بالوجدان بقضيّة شرطيّة يدلّ الظهور على شرطها بالمطابقة، فيدلّ على جزائها بالالتزام.
ــــــــــ[338]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وثالثة: لا يدلّ على معنى معيّن كالأوّل، ولا على معنى جامع كالثاني، بل يدلّ على معنى واقعيّ مردد بين معنيين، كما لو فرض أنَّ هذا الدليل دلّ على وجوب صلاة معيّنة، وأنا لا أدري ما هي هل هي صلاة الجمعة أو الظهر، فمدلول الظهور معيّن في الواقع مردد عندنا بين المعنيين، وفرضنا أنّا علمنا من الخارج بأنَّ أحد هذين المعنيين باطل بحسب الواقع يقيناً. ومعنى هذا أنّه عندنا ظهور له مدلول معيّن عند جبرائيل مردد عندنا بين معنيين، هذا الظهور على تقدير أن يكون دالاً على صلاة الجمعة فهو معلوم الكذب تفصيلاً، وعلى تقدير أن يكون مدلوله هو صلاة الظهر فهو ليس معلوم الكذب. هذا الظهور لا يُعقل أن يكون حجّة.
والوجه فيه: أنَّ هذا الظهور إمّا أن يراد جعله حجّة لإثبات المردد فهو محال؛ إذ لا ترديد عندنا؛ لأنّنا نعلم تفصيلاً بأنَّ الجمعة غير واجبة. وإمّا أن يراد بهذا الظهور إثبات وجوب الظهر فطريقه منحصر فيما بينّاه من التمسّك بالدلالة الالتزاميّة، من حيث إنَّ هذا الظهور يدلّ على وجوب المعنى المردد، وحيث انتفى أحدهما قطعاً يثبت الآخر بالالتزام.
والجواب على ذلك: هو بإنكار أصل الملازمة لا بالتسليم بها وإنكار حجّيتّها.
والوجه فيه: أنَّه لا ملازمة بين وجوب الظهر ووجوب الجمعة؛ لأنَّ المدلول مردد بينهما، فلو كان مدلوله واقعاً هو صلاة الجمعة، فماذا يلزم؟ هل يلزم أن تكون صلاة الظهر هي الواجب؟ بل يلزم أنّنا نعلم أنّا كنّا خاطئين حينما علمنا أنَّ الجمعة ليست واجبة. فإن كان مدلول الظهور هو صلاة الجمعة
ــــــــــ[339]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
واقعاً فلا يدلّ على وجوب صلاة الظهر، لا بالمطابقة ولا بالالتزام، بخلافه فيما إذا دلّ الظهور على الجامع، فهو يدلّ على شرط القضيّة الشرطيّة وهو: إذا كان جامع الوجوب موجوداً فهو متحقّق في هذا الفرد دون ذاك، والشرط ثابت فلازمه ثابت.
هذا المطلب يقع كقاعدة في جميع موارد دوران الظهور بين معلوم الكذب وغير معلوم الكذب. وهذا الظهور لا يعقل أن يكون حجّة لا في إثبات المردد على تردده -لأنَّه لا تردد عندنا؛ لأنّا نعلم بكذب أحدهما- ولا في إثبات المعين؛ لأنَّه غير معقول إذ لا ملازمة بينهما، لأنَّ إثبات الوجوب لصلاة الظهر ليس مدلولاً التزاميّاً لوجوب صلاة الجمعة على جميع تقاديرها.
ولو رجعنا إلى مسألتنا فيما لو قال: (رأيت أسداً) ولا أدري المعنى الحقيقي ما هو، وأعلم أنّه أراد الرجل الشجاع. هنا لا يمكن التمسّك بالظهور؛ لأنَّه مردّد بين مدلول مقطوع بكذبه وغيره، فلا يكون حجّة في إثبات المردد ولا المعيّن بالتقريب الذي قلناه. وهذا يأتي في تعيين المعيّن من المجمل، حيث إنَّ إجمال المجمل تارةً بدلالته على الجامع، وعلمنا أنَّ أحد الفردين باطل، فلا بأس من تعيين الفرد الآخر، وتارةً إجماله يكون بدلالته على أحد المعنيين، وعلمنا بكذب أحد الطرفين، فلا يتعيّن الفرد الآخر.
بناءً على هذه القاعدة يتّضح المقصود في باب الضمير، حيث قالوا: إنَّ ظهوره ليس بحجّةٍ؛ لأنَّه شكّ في الاستناد لا في المراد، وهذا المدّعى صحيحٌ لكن القاعدة هي أنَّ ظهور الضمير مردد بين العموم والخصوص؛ لأنَّه ظاهر بأنّه أريد منه ما أريد من مرجعه، ومرجعه مردد بين الكلّ والبعض. فهذا
ــــــــــ[340]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الظهور لا يمكن أن يكون حجّة لا في تعيين المراد على تردده، ولا في إثبات المعيّن؛ لأنَّ المعيّن ليس مدلولاً التزامياً للفرد الآخر.
وبهذا ظهر أنَّ مدلول الضمير ليس حجّةً في نفسه؛ لأنَّه مندرج في القسم الثالث، حيث قسمنا الظهورات -كما تقدم- إلى ثلاثة أقسام، ظهور متعيّن في الواقع ومتعيّن عندنا، ولا إشكال من الأخذ به، وأخرى يكون الظهور دالاً على الجامع بين أحد الأمرين، ونعلم أنَّ الجامع غير موجود في ضمن هذا الفرد، وهنا لا بأس أن يكون هذا الظهور دالاً بالمطابقة على الجامع وبالالتزام على غير الفرد المعلوم عدمه؛ لأنَّ لدينا قضيّة شرطيّة معلومة، وهي أنَّ هذا الجامع إذا كان موجوداً فهو في هذا الفرد لا في الفرد الآخر، وشرط هذه القضيّة مدلول للظهور مطابقة فجزائها مدلول له التزاماً. وثالثة يكون مدلول الظهور أمراً متعيّناً في الواقع مردد عندنا بين متباينين، وأحدهما معلوم الكذب، والآخر غير معلوم الكذب، وهنا لا يعقل التمسّك بالظهور لإثبات المردد؛ لأنَّه لا ترديد عندنا بعد العلم التفصيلي بعدم تحقّق هذا الفرد، ولا في إثبات وتعيين الفرد الذي لا يعلم بطلانه؛ لأنَّه ليس مدلولاً التزامياً للظهور، بل إنّه إمّا ظهور مطابقي، إذا كان مدلول الظهور في الواقع هو غير معلوم الكذب. وإمّا ليس مدلولاً أصلاً، إذا كان مدلول الظهور في الواقع هو معلوم الكذب، فإنَّه حينئذٍ لا ملازمة بين هذا الظهور بمدلوله الواقعيّ هذا وبين ثبوت الفرد الآخر.
وظهور الضمير هو من القسم الثالث؛ لأنَّه يدلّ على معنى متعيّن في
ــــــــــ[341]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الواقع مردد عندنا، ودائر بين العموم والخصوص، فلا يمكن التمسّك به لا لإثبات المردد ولا لتعيين الخصوص، فلا يمكن إيقاع المعارضة بين ظهور العدم وظهور الضمير على نحو التعارض بين الحجّتين.
ــــــــــ[342]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
إلَّا أنَّ المحقّق الخراساني(1) بعد أن أسقط حجّيّة ظهور الضمير قال: إلَّا أنّه يكون موجباً لإجمال ظهور العامّ إذا كان متّصلاً به؛ لأنّ ظهور الضمير وإن لم يكن حجّة اقتضائيّة في قبال تلك الحجّة الاقتضائيّة، إلَّا أنّه يوجب خروج العامّ عن كونه ظاهراً بالعموم عند الاتّصال؛ لأنَّه اتصال بما يحتمل القرينيّة.
واعترض المحقّق النائيني(2) على هذا الكلام: بأنّه بعد فرض سقوط الضمير عن الحجّيّة لا يصح دعوى كونه موجباً لإجمال العامّ، فإنَّ الذي يوجب الإجمال مما لا يكون حجّة، هو المجمل الذي يمكن عرفاً أن يعتمد عليه المولى في التقييد؛ لأنَّ الكلمة إمّا أن تكون ظاهرة في التقييد فتكون قرينةً صريحةً، وإمّا أن تكون مجملةً، ولكنّها بحيث لو اعتمد عليها المتكلّم لما كان خارجاً عن قانون المحاورة، فمثل هذا المجمل يوجب إجمال العامّ وإن لم يكن بحجّة. كما إذا كان الفاسق في مثال: (أكرم كلّ عالم)، (ولا تكرم فسّاق العلماء) مردداً بين فاعل الصغيرة وفاعل الكبيرة، فإنَّ (لا تكرم فسّاق العلماء) وإن
ــــــــــ[343]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 233.
(2) انظر: أجود التقريرات2: 374.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
كانت مجملة إلَّا أنَّها توجب إجمال العامّ إذا كانت متّصلة به؛ لأنَّ المولى إذا كان معتمداً عليها في القرينيّة لما كان خارجاً على قانون المحاورة العرفيّة.
وفي المقام، الأمر ليس كذلك فإنّ المفروض أنَّ الضمير ليس بحجّة في نفسه، فهو ليس من القسم الأوّل -أي: صريح القرينيّة- وأيضاً ليس صالحاً للاعتماد عليه في مقام التقييد؛ لأنَّه وقع موضوعاً لحكم ثانٍ، وهو لا يصلح أن يكون مقيّداً للحكم الأوّل؛ لأنَّ الذي يمكن أن يكون قرينة هو ما كان من توابع الكلام الواحد، ولكن هذا موضوع آخر ورد عليه حكم آخر، فليس له ظهور بأنّه مسوق لتقييد العامّ، فهو ليس من المجمل المسوق مساق التقييد عرفاً.
هذا خلاصة توضيح ما أفاده المحقّق النائيني في مقام الإشكال على ما في الكفاية.
حلّ المنازعة بين المحقّقين الخراساني والنائيني، أن يقال: بأنَّ هذا الضمير وإن كان قد وقع موضوعاً لحكم ثانٍ، إلَّا أنَّ هذا الحكم الثاني الذي علمنا أنّه مختصّ ببعض المطلقات، تارةً يكون علمنا بالاختصاص ناشئ من قرينة كالمتّصلة بالكلام، من قبيل الدليل اللبّي الواضح إلى درجة يكون كالمتّصل، وأخرى يكون علمنا بالاختصاص عن دليل خارجي. فإذا فرض أنَّ علمنا بهذا كان من دليل خارجي لا من نفس هذا الدليل، ففي هذا المقام لا يكون الضمير موجباً لإجمال العامّ، فإنَّ للعامّ ظهوراً، وهو محفوظ، وظهور الضمير لا يكون منافياً معه بوجه من الوجوه، كما سوف يتّضح عند شرح الوجه الثاني.
ــــــــــ[344]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أما لو فرض بأنَّ العلم باختصاص الحكم الآخر ببعض أفراد العامّ، معلوماً بالقرينة المتّصلة اللبّيّة الواضحة، وهي تدلّ على أنَّ للضمير ظهوراً بالاختصاص، ففي مثل هذا المقام، هذا الضمير الذي له ظهور بالاختصاص، ظهوره في كونه مستعملاً في معناه الحقيقي وإن لم يكن حجّة إلَّا أنَّ أصل الظهور موجودٌ لا محالة وإن كان ليس بحجّة، وهذا الظهور يكون معدماً لظهور العامّ، فإنَّه لا يشترط لإعدام ظهور بظهور أن يكون الظهور الثاني حجّة، بل قد لا يكون حجّة، ولكنّه لا يسمح بانعقاد الظهور الأوّل.
فالضمير إذا فرض أنَّ له ظهوراً في الاختصاص فهو، وإن لم يكن حجّة في قبال ظهور العامّ، إلَّا أنّه يوجب انعدام ظهور العامّ. أمّا إذا لم تكن القرينة على الاختصاص متّصلة فليس للضمير ظهورٌ فيما يخالف العامّ، فلا يصلح لإعدام ظهور العامّ بوجه من الوجوه.
هذا هو حلُّ الخلاف بين المحقّقين على مسلكهما، من أنَّ للضمير ظهوراً، ولكنّه ليس بحجّة، أمّا على مسلكنا من أنّه ليس له ظهورٌ، فلا يصلح للقرينية على كلّ حال.
بعد هذا ذكر المحقّق العراقي(1) بأنَّ طرف المعارضة مع ظهور العامّ ليس هو ظهور الضمير، فإنَّه ليس بحجّةٍ كما ذكرنا، وإنَّما طرف المعارضة مع ظهور العامّ هو ظهورٌ سياقيٌ عرفيٌ، وهو ظهور المطابقة بين الضمير وذي الضمير، حيث إنَّ الظاهر من المتكلّم أنّه يريد من الضمير ومن مرجعه معنى واحد،
ــــــــــ[345]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار2: 547.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وهذا الظهور سياقيٌ، وليس ظهوراً وضعيّاً للضمير، وهو ظهور سياقي كسائر الظهورات العرفيّة التصديقيّة. وهو كاشف عن أنَّ المتكلّم أراد بالضمير وبمرجعه معنى واحد. وهذا الظهور قائم بالمجموع المركّب من العامّ والضمير، لا بالعامّ وحده، ولا بالضمير وحده، والشكّ فيه شكّ في المراد، لا شكّ في الاستناد؛ لأنَّ له جنبتان وعينان. يدلّ بعينه اليمنى على أنّه أريد بالعامّ ما أريد بالضمير. ويدل بعينه اليسرى على أنّه أريد بالضمير ما أريد بالعامّ، ومدلوله بالعين اليمنى: أنّه أريد بالعامّ ما أريد بالضمير مشكوك فيه؛ إذ يحتمل أنّه العموم وأنّه الخصوص، فهو يدلّ على معنى محتمل التحقّق بحسب الخارج، فيكون معارضاً لظهور العامّ في العموم، وكل من الظهورين حجّة في نفسه اقتضاءً. وبناءً على هذا تحصّل المعارضة بين الظهورين، ويحكم بالتساقط.
ولو سلّم مدّعى المحقّق العراقي، فإنَّه يكون معارضاً لظهور العامّ لا محالة، ويرجع الحكم بالتساقط إلى الإقوائيّة في أحدهما.
إلَّا أنَّ السيّد الأستاذ(1) بعد أن ذكر هذا الظهور، قال: إنَّ ظهور الإتحاد بين المرجع والضمير أقوى من ظهور العامّ في عمومه، أي: أقوى من ظهور العامّ في عمومه، وأقوى من ظهور المرجع في معناه الحقيقي. وذلك كما في الأمثلة العرفيّة، فإنّ المتكلّم إذا قال: رأيت أسداً، ورأيته يرمي، لا يشكّ أحد في أنَّ أسداً الأولى أريد بها الرجل الشجاع؛ لأنَّ المراد بالضمير الرجل الشجاع يقيناً،
ــــــــــ[346]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في أصول الفقه5: 287.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وظهور الوحدة هو الذي يجعلنا لا نشكّ في أنَّ الأسد الأوّل أريد به الرجل الشجاع. وهذه الإقوائية ليس ملاكها ظهور الضمير؛ لأنَّه إمّا لا ظهور له، وإمّا ليس ظهوره حجّة؛ لأنَّ الشكّ فيه في الاستناد لا في المراد، بل ملاكها هو هذا الظهور الثالث المدّعى قيامه بالمجموع المركّب منهما.
وهذا ممّا لا ينبغي الإشكال فيه: فإنَّ الظهور الثالث المتقوّم بالمجموع المركّب من الضمير ومرجعه حجّة في نفسه وصالح للمعارضة مع العموم، ويكون قرينة على الخصوص.
ــــــــــ[347]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
يبقى الكلام فيما ذكره الميرزا والسيّد الأستاذ في أنَّ هذا البحث مخصوص بصورة ما إذا كان معلومنا هو أنَّ الضمير استعمل في البعض، لا فيما إذا كان معلومنا أنَّ المراد من الضمير جداً هو البعض، فإنَّ المراد الجدّي فيها من الضمير لا يشمل المطلّقة البائن، وليس لدينا ما يثبت أنَّ المراد الاستعمالي هو كذلك. فحينئذٍ لا يبقى دوران بين التخصيص والاستخدام، بل يمكن التحفظ على عموم العامّ، وظهور الضمير في أنّه أريد به ما أريد بمرجعه استعمالاً، إلَّا أنّه قامت قرينة على عدم الإرادة الجدّيّة في بعض الأفراد.
ولكن هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه لوجهين:
الوجه الأوّل: فلما حقّقناه في بحث حجّيّة العامّ في الباقي بعد التخصيص، وذكرنا هناك أنّه لو فرض أنَّ المراد الجدّي أصبح معدوماً وعلم أنَّ العموم ليس مراداً جدياً، واحتمل أنّه مراد استعمالي فحسب. هنا لا تجري أصالة الحقيقة لمجرّد إثبات أنّ المعنى المستعمل فيه هو العموم، مع العلم أنّه لا يقع في طريق إثبات الإرادة الجدية، هذا الظهور لا يجري وليس بحجّة؛ لأنّ دليل حجّيّة الظهور هو بناء العقلاء، وبناء العقلاء إنّما يكون حجّة إذا أقرهم الشارع عليه، ولا يقرهم الشارع عليه إلَّا إذا كان بناءهم العملي على ذلك، ومثل هذا الظهور
ــــــــــ[348]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ليس له أثر، فلا يمكن أن يقوم عليه بناء العقلاء العملي لكي يقرهم عليه الشارع..
فإذا فرضنا أنَّ أصالة الجد في العموم سقطت، فإنَّ أصالة الحقيقة لا تجري في الضمير لتعيين أنَّ المراد الاستعمالي من الضمير هو العموم، فيبقى للاحتمال في الضمير أنَّ المراد به استعمالاً هو العموم أو الخصوص. وحيث إنَّ الظهور الثالث بالمطابقة يدلّ على أنَّ المراد الاستعمالي من العموم هو المراد الاستعمالي من الضمير، وحيث نحتمل أنَّ المراد الاستعمالي من الضمير هو الخصوص، ولا نافي لهذا الاحتمال إلَّا أصالة الحقيقة، وهي لا تجري، حينئذٍ نحتمل قرينيّة هذا الظهور القائم بالمجموع المركّب، ونحتمل أنَّ في الكلام ظهوراً يدلّ على إرادة الخصوص من العموم، فيكون الكلام مجملاً.
وبتعبير مختصر: حيث إنَّ أصالة الحقيقة لا تجري في الضمير، فاحتمال أنَّ المراد بالضمير هو الخصوص يبقى على حاله، وحيث إنَّ الظهور الثالث يدلّ على المطابقة بين الضمير ومرجعه فنحتمل أنَّ الضمير دالّ على ما يدلّ عليه العامّ، فنحتمل قرينيّة المتّصل، وأنَّ المراد من العموم هو الخصوص بهذه القرينة. هذا هو الجواب الفني.
الوجه الثاني: وهو الوجه الذوقي في المقام، فإنَّه كما أنَّ هناك ظهوراً في الوحدة بين المرادين الاستعماليين في الضمير ومرجعه، فهناك ظهوراً في الوحدة بين المرادين الجديين، على طبق الظهور الاستعمالي، وهذا الظهور بنفسه يقع طرفاً للمعارضة في المقام. وبهذا انتهت هذه المسألة.
ــــــــــ[349]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فالكلام يقع في مقامين وكلا المقامين سبق البحث فيهما.
المقام الأوّل: إذا علم أنَّ الضمير أريد به البعض بحسب الإرادة الاستعمالية، ودار الأمر بين الاستخدام في جانب الضمير أو التخصيص في جانب العموم فأيّهما يقدّم.
لا شك أنَّ العامّ له ظهور في نفسه في العموم، وحينئذٍ فتارةً توقع المعارضة بين ظهور العامّ في العموم وظهور الضمير في رجوعه إلى تمام مرجعه، وأخرى توقع المعارضة بين ظهور العامّ في العموم وبين ظهور ثالث، فينحلّ المقام الأوّل إلى جهتين.
الجهة الأولى: في المعارضة بين ظهور العامّ في العموم وظهور الضمير أنّه راجع إلى تمام مرجعه. وقد قيل في حل هذه المعارضة: إنَّ المتعيّن هو الأخذ بظهور العموم؛ لأنَّ ظهور الضمير لا يصلح لمعارضة ظهور العامّ، فإنّ الضمير وإن كان له ظهور في أنّه أريد به ما أريد بمرجعه، بحيث يدلّ بالملازمة على التخصيص في جانب العامّ، إلَّا أنّه لا يصلح لمعارضة العامّ؛ لأنَّه ليس بحجّة.
ــــــــــ[350]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
إذن، فالأصحاب اعترفوا بأصل ظهور الضمير وإنّما أنكروا حجّيتّه، فأصل وجود ظهور معارض للعامّ في الضمير مفروغ عنه عند الأصحاب، وإن كانوا قد أنكروا حجّيتّه بدلالة كلام صاحب الكفاية(1)، حيث ذكر في حل المعارضة أنه يجب الأخذ بظهور العامّ ولا يعارضه ظهور الضمير؛ وذلك لأنَّ القدر المتيقّن من بناء العقلاء هو الأخذ بالظهور في موارد الشكّ في المراد لا في الاستناد، وفي المقام الشكّ في الاستناد لا في المراد؛ لأنَّ المراد من الضمير معلوم وهو الخصوص، وإنّما الشكّ أنّه أريد بنحو الحقيقة أو المجاز. فهذا المورد خارج عن القدر المتيقّن من بناء العقلاء. وهذا الكلام واضح في الاعتراف بأصل الظهور؛ لأنَّه لو لم يكن هناك ظهور لقال: إنّه لا ظهور لا أن ينكر حجّيتّه؛ لأنَّ في إنكار حجّيتّه تخصيص لبناء العقلاء، وفي إنكار ظهوره يكون خارجاً تخصّصاً. وكذلك مثل هذا في الصراحة كلام الميرزا في التقريرات(2).
فهؤلاء الأصحاب كلماتهم صريحة في الاعتراف بأصل الظهور مع إنكار حجّيتّه. ونحن قلنا بأننا وإن كنّا نوافق الأصحاب على عدم صحّة المعارضة بين ظهور العامّ وظهور الضمير، لكن لا لأجل أنَّ ظهور الضمير ليس بحجّة، بل لأجل إنكار ظهور الضمير أصلاً، فإنَّه ليس هناك للضمير ظهور حتّى يقع طرفاً للمعارضة مع ظهور العامّ ليقال: إنّه ليس بحجّة ولا يصلح للمعارضة. هذا هو مدّعانا، وقد برهنّا فيما سبق على هذا المدّعى بتطبيق قاعدة عامّة عليه(3).
ــــــــــ[351]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 234.
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 493.
(3) راجع: ص332.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ومقصودي من تكراره هو التنبيه على هذه النكتة: وهي أنّه قبل تطبيق تلك القاعدة العامّة على المورد عندنا بيان آخر في إنكار أصل الظهور، فيتحصّل عندنا وجهان وبيانان في إنكار أصل وجود الظهور المعارض في الضمير، البيان الأوّل هو البيان الجديد الذي نذكره الآن، ولو تنزّلنا عنه تصل النوبة حينئذٍ إلى البيان السابق.
البيان الأوّل منهما: توضيحه: أنَّ الضمير في المقام وإن كان ظاهراً في المعنى الحقيقي إلَّا أنَّ هذا الظهور لا يمكن أن يستفاد من شيء في المقام.
نحن قلنا في ذلك البحث: إنَّ موارد الشكّ في الاستناد لا الشكّ في المراد بحسب الحقيقة كثيرة في الأصول، ومثّلنا له بما إذا قال المتكلّم: (رأيت أسداً) وعلمنا أنَّ الأسد استعمل في المقام في الرجل الشجاع، ولكن شكّكنا في أنَّ الرجل الشجاع هل هو المعنى الحقيقي أو أنَّ الحيوان المفترس هو المعنى الحقيقي. وقد قلنا: إنَّ أصالة الحقيقة لا تجري في المقام لتعيين أنَّ المعنى الحقيقي هو هذا.
فالبحث في المقام في البيان الأوّل يقع في مثال الأسد ثم نطبقه على مسألة الضمير. فلو قال: (رأيت أسداً) وعلمت أنَّ المراد به الرجل الشجاع، ولم أعلم المعنى الحقيقي للكلمة، هل هو الرجل الشجاع أو الحيوان المفترس؟ هنا هل يمكن أن نقول: إنّه باعتبار أنَّ اللفظ ظاهر في أنَّ المراد به تفهيم المعنى الحقيقي به وحيث إنّه أريد به تفهيم الرجل الشجاع فيكون دالاً بالالتزام على أنَّ الرجل الشجاع هو المعنى الحقيقي، أو لا يمكن أن نستفيد ذلك؟
ــــــــــ[352]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
في المقام نقول: بأنَّ الكلام وإن كان ظاهراً أنّه أريد به تفهيم المعنى الحقيقي إلَّا أنَّ مدلول الظهور هو تفهيم ذات المعنى الحقيقي، لا بوصفه معنى حقيقياً موضوعاً له اللفظ. فإنَّه لو قال: (إنسان) فإن ظاهره تفهيم الحيوان الناطق لا أنّه ظاهر بالحيوان الناطق من حيث إنّه موضوع له اللفظ، فإنّ هذه الحيثيّة تعليليّة للظهور لا تقييدية، هذه الكونيّة -كون المعنى هو الموضوع له- علّة وضع اللفظ له لا جزء للظهور، فمدلول الإنسان هو الحيوان الناطق لا الحيوان الناطق بقيد أنّه موضوع له اللفظ، فهي حيثية تعليليّة، أي: سبب للظهور لا تقييديّة بحيث يدلّ عليها اللفظ. فلفظ الإنسان يدلّ على الحيوان الناطق، ولا يدلّ على أنّه موضوع له اللفظ.
وبتعبير أوضح: أنَّ ما هو مدلول الكلام هو المراد لا الاستناد، أي: هو المراد من لفظ الإنسان لا استناد ذلك إلى الوضع وإلى كونه معنى حقيقي. فالاستناد حيثية تعليليّة للاستعمال لا تقييدية مأخوذة فيه.
فإذا اتضحت هذه النكتة نقول: إنّه إذا قال: (رأيت أسداً) وأراد به الرجل الشجاع. نريد أن نثبت بهذا الاستعمال أن الرجل الشجاع هو المعنى الموضوع له، وأنّ الاستناد كان إلى الوضع. هذا لا يمكن؛ لأنَّ الاستناد ليس مدلولاً للفظ؛ لأنَّ اللفظ وإن كان يدلّ على المعنى الحقيقي لكن لا بحيثية كونه معنى حقيقياً، بل ذات المعنى الحقيقي. فمدلول لفظ أسد إمّا ذات الحيوان المفترس، أو ذات الرجل الشجاع وليس مدلوله لا بالمطابقة ولا بالالتزام أن هذا المعنى هو الموضوع له؛ لأنَّ هذه حيثية تعليليّة في الظهور لا تقييدية له.
ــــــــــ[353]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فالاستدلال بأصالة الحقيقة خلط بين الحيثيّة التعليليّة والحيثيّة التقييديّة، كون المعنى هو الموضوع له هو حيثية تعليليّة للظهور لا تقييدية في مدلول الظهور أو لوازم الظهور.
هذا هو البيان الأوّل الصناعي في إنكار أصل الظهور، وهو ينطبق على مسألة الضمير، فإنا نعلم أنّه أريد بالضمير البعض، لكن لا أدري أنه أريد بنحو المجاز أو الحقيقة، إن كان قد أريد بالعامّ العموم فقد استعمل الضمير بالبعض مجازاً، وإن أريد بالعامّ الخصوص فقد استعمل الضمير حقيقة. إذن، فقد تردد الضمير بين المجاز والحقيقة مع العلم بالمراد الاستعمالي. هنا أريد أن أثبت الاستناد بأصالة الحقيقة، هذا لا يمكن؛ لأنَّ الاستناد ليس مدلولاً للظهور، ولا تصل النوبة إلى بناء العقلاء بعد إذا لم يكن الاستناد مدلولاً للظهور.
ولو تنزلنا وقلنا: بأنّ اللفظ له ظهور في ذات المعنى، وفي أنَّ هذا هو المعنى الحقيقي بحيث يدلّ كلّ لفظ على أمرين: على المعنى الموضوع له، وعلى أنَّ هذا المعنى هو المعنى الموضوع له، أي: يدلّ على الاستناد كما يدلّ على المراد. هنا يأتي بياننا الثاني في تطبيق القاعدة العامّة على المقام، فإنّ الضمير يكون دالاً على أنَّ المعنى المستعمل فيه هو المعنى الحقيقي، وهو كونه مراداً به ما أريد من مرجعه، ومرجعه مردد بين العموم والخصوص، فيكون هو أيضاً مردد بينهما، ويكون على أحد التقديرين معلوم البطلان، وعلى الثاني ليس معلوم البطلان. فهذا الظهور لا يمكن أن نثبت به الفرد المردد على تردده؛ لأنَّه لا ترديد عندنا بعد القطع ببطلان أحدهما، ولا يمكن أن نثبت به الفرد المعين غير المقطوع بكذبه
ــــــــــ[354]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
لانتفاء الملازمة بين ثبوت أحدهما وثبوت الآخر كما سبق أن بينّا.
إذن، فليس للضمير ظهور حتّى يعارض به ظهور العامّ.
الجهة الثانية: في معارضة ظهور العامّ مع ظهور المطابقة، وظهور المطابقة ليس ظهوراً برهانياً وإنّما هو وجداني ونحن نقبله، وإن كان بعد التفكير يمكن أن يجعل له وجهاً فنياً. وهذا الظهور أقوى من ظهور العامّ في العموم بالوجدان لا بالبرهان، ولهذا يقدّم على العامّ ويكون قرينة عليه.
ففي المقام الأوّل نقول بتقدم أصالة عدم الاستخدام على أصالة عدم التخصيص. فنقول بالتخصيص لا بالاستخدام.
وأمّا المقام الثاني: وهو فيما إذا لم يعلم أنَّ المراد الاستعمالي هو البعض، ولكن علمنا أن المراد الجدي هو البعض. هنا ذكر الميرزا وغيره أنّه لا مجال للمعارضة بين أصالة عدم الاستخدام وأصالة عدم التخصيص، فإنَّه يمكن أن يتحفظ على ظهور العامّ في العموم وعلى ظهور الضمير في رجوعه إلى تمام مرجعه، غاية الأمر أنَّ كلَّ ذلك بحسب المراد الاستعمالي، وتكون القرينة الخاصّة قائمة على أن المراد الجدّي من الضمير هو البعض.
وقلنا في مقام الإشكال عليه: إنَّه مضافاً إلى إمكان دعوى الظهور في التطابق بين المرادين الجدّييّن كالتطابق بين المرادين الاستعماليين. فلو قطعنا النظر عن ذلك نقول: إنّه لا يتمّ ما أفيد حتّى لو اقتصرنا في ظهور المطابقة على المراد الاستعمالي؛ وذلك لأنَّ ظهور العامّ مقترن بظهور المطابقة وهو أقوى منه. وظهور المطابقة يدلّ على أنّه أريد بالعامّ ما أريد بالضمير، وما أريد بالضمير لا
ــــــــــ[355]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أدري هو الكلّ أو البعض، ولا يمكن أنّ أنفي البعض إلَّا بأصالة الحقيقة، وقد ذكرنا أنَّ المراد الاستعمالي عند سقوط المراد الجدّي. فيبقى الشك في قرينية ظهور المطابقة على حاله، فنحتمل أنّه قرينة على إرادة الخصوص من العامّ، فيكون من باب الإتّصال بما يحتمل القرينيّة فيوجب إجمال الكلام. هذا هو تمام الكلام في المسألة.
ــــــــــ[356]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الكلام في تخصيص العامّ بالمفهوم
ــــــــــ[357]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
وقع الكلام في أنّه هل يخصّص العموم بالمفهوم أو لا؟ وكأنّه يستشعر من بعض الكلمات أنَّ هذا البحث ذو جنبتين:
فتارةً: يدّعى وجود الإشكال في المسألة من ناحية أنَّ المفهوم أخس من أنَّ يخصّص بالعموم؛ لأنَّ دلالة العموم منطوقيّة، والمفهوم تابع للمنطوق، فكيف يمكن أنَّ يخصّص المنطوق؟
وأخرى: يستشكل في عدم التخصيص ويقال: بأنّه هنا، لا بُدَّ من التخصيص؛ لأنَّ المفهوم لازم حتمي للمنطوق، ومن المعلوم أنَّ التفكيك بين المتلازمين محال، فإذا قلنا بالتخصيص فقد تحفظنا على كلا المتلازمين، أما لو فرضنا أنّنا قدّمنا العموم على المفهوم، فإمّا أن نقدّمه على كلّ من المنطوق والمفهوم معاً، فهذا أمر جزاف؛ لأنَّ معارضة العموم مع المفهوم دون المنطوق، وإذا قدّمنا العموم على المفهوم دون المنطوق، فقد فكّكنا بين المتلازمين.
ولعلّ منشأ البحث في هذه المسألة هو ورود هاتين الشبهتين في أذهان بعض المحقّقين في زمان سابق، ولكن الإشكال الأوّل يحلّ بتقديم الأظهر منهما، ويحلّ الثاني بالقول بتقديم العموم على كلّ من المفهوم والمنطوق؛ لأنَّ المعارضة وإن كانت واقعة بين العموم والمفهوم، إلَّا أنَّها تسري من المفهوم إلى
ــــــــــ[359]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المنطوق؛ لأنَّ المعارضة مع أحد المتلازمين تسري قهراً إلى الملازم الآخر(1). ولكن على كلّ حال قد اكتسبت هذه المسألة بمرور الزمان تحقيقاً وبحثاً.
حيث ذكر المحقّق النائيني(2) في المقام: أنَّ المفهوم تارةً يكون مفهوم الموافقة، وأخرى يكون مفهوم المخالفة. وقد قرأنا أنَّ مفهوم المخالفة يسمّى بالفحوى أو الأولويّة أو المساواة، ومفهوم المخالفة هو الناشئ من تعليق الحكم على قيد من القيود، فإذا انتفى القيد انتفى الحكم.
وهنا قال: بأنَّ المفهوم الذي يقع طرفاً للمعارضة مع العموم تارةً هو مفهوم الموافقة، وأخرى هو مفهوم المخالفة، فالكلام يقع في مقامين.
ــــــــــ[360]ــــــــــ
() كلّ مفهوم يرجع إلى العموم لا بدَّ فيه من إجراء قواعد التقدّيم الدلائلي. (المقرّر).
() انظر: أجود التقريرات2: 382.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ذكر النائيني: بأنَّ العموم الذي وقع طرفاً للمعارضة مع مفهوم الموافقة لا محالة يكون معارضاً للمنطوق أيضاً؛ لأنَّهما متلازمان، والمنافي لأحد المتلازمين منافي لملازمه. فالعامّ وإن كان ابتداءً معارض مع المفهوم لكنّه بالعرض يكون معارضاً للمنطوق.
فإذا كان العامّ معارضاً لمفهوم الموافقة، فالملاك في الحلّ هو ملاحظة النسبة بين المنطوق في الدليل الآخر والعموم، لا بين المفهوم وبينه؛ لأنَّه إذا كان منطوق الدليل الآخر أخصّ فلا بُدَّ أن يتقدّم سواء كانت النسبة بين العامّ والمفهوم العموم والخصوص أيضاً، أو شيء آخر.
وإن فرض أنَّ المنطوق ليس أخصّ من العموم، بل بينهما عموم من وجه. فإن عالجنا هذه المعارضة بتقديم المنطوق على العموم فإنَّ المفهوم يقدّم أيضاً لا محالة؛ لأنَّه ملازمٌ للمنطوق، وإن قلنا بتقديم العموم فلا يبقى مجال لإعمال المفهوم؛ لأنَّه فرع المنطوق، وقد سقط المنطوق بالمعارضة، فلا بُدَّ أن يسقط المفهوم أيضاً. فهذه هي فتواه الفنيّة.
توضيح هذه الفتوى بمثال يذكره: أنَّ المولى إذا قال: (لا تكرم أيّ فاسق) بنحو العموم، فهو يدلّ بعمومه على حرمة إكرام الفاسق ولو كان عالماً،
ــــــــــ[361]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
ودليل آخر يدلّ على وجوب إكرام خدام العلماء. هذا الدليل الثاني تارةً يختصّ بخصوص الفساق من خدام العلماء، وتارةً يكون مطلقاً من هذه الناحية. فإذا فرضنا أنَّ هذا الدليل يدلّ على وجوب إكرام فساق خدام العلماء بالخصوص فيكون دالاً بالمنطوق على وجوب إكرام فساق خدام العلماء، ودالاً بالمفهوم على وجوب إكرام مخدومي هؤلاء الخدام الفساق.
هنا لو لاحظنا النسبة بين العامّ والمنطوق، نرى أنَّ النسبة هي العموم والخصوص المطلق، لكن إذا لاحظنا النسبة بين العموم ومفهوم الموافقة فالنسبة هي العموم من وجه؛ لأنَّ مخدومي العلماء فيهم العدول.
فمفهوم (أكرم فسّاق خدام العلماء) مفهوم عامّ من وجه بالنسبة إلى (لا تكرم الفساق). فاختلفت النسبة بين المفهوم والمنطوق من طرف، والعموم من طرف آخر.
وفي مثل هذا المقام لا تلحظ النسبة بين العامّ والمفهوم، بحيث يقال: إنَّها عموم من وجه، فيتكلّم بتقديم أحدهما على الآخر، بل قبل هذا تنحلّ المعارضة بين العموم والمنطوق؛ لأنَّ المنطوق حيث إنّه أخصّ مطلقاً فيقدّم على العموم، وحينئذٍ يثبت المفهوم لا محالة؛ لاستحالة التفكيك بين المتلازمين.
وبتعبير آخر: لا يمكن تقدّيم العامّ على المفهوم، أي: إسقاط المفهوم مع التحفظ على العموم؛ لأنَّه تفكيك بين المتلازمين، وإذا قدّمنا العامّ حتّى على المنطوق فهو خروج على قانون التخصيص؛ إذ كيف نقدّم العامّ على الخاصّ؟
فملاحظة النسبة بين العموم والمنطوق هو الميزان في الحلّ، وكون النسبة
ــــــــــ[362]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بين العموم والمفهوم نسبة العموم من وجه لا أثر له في المقام.
وإذا فرض أنَّ المنطوق كانت النسبة بينه وبين العامّ، العموم من وجه، كما إذا قال: (لا تكرم أيّ فاسق) فهذا هو العموم، وقال: (أكرم خدام العلماء) وخدام العلماء في المقام مطلق من حيث الفسق والعدالة. والنسبة بين العموم والمنطوق هو العموم من وجه لا محالة. فلا بُدَّ من حلّ هذه المعارضة. فإذا حللناها بتقديم العامّ على المنطوق، وقلنا: إنَّ خادم العلماء الفاسق لا يجب إكرامه، فالمفهوم يسقط أيضاً بتبع المنطوق. وإذا حللنا المعارضة بتقديم المنطوق على العموم، فيثبت المفهوم لاستحالة التفكيك بين المتلازمين. هذا كلّه في مفهوم الموافقة.
أمّا مفهوم المخالفة، فقد ذكر: أنّه تلحظ النسبة بين المفهوم وبين العموم، فإن كانت النسبة هي العموم المطلق قدّم المفهوم على العموم كتقديم المنطوق على المنطوق، ومثّل لنسبة العموم المطلق بينهما بما إذا ورد: (خلق الله الماء طهوراً) فيدلّ بعمومه على طهارة الماء القليل ومطهّريته. ومفهوم دليل الكرّ يدلّ على عدم مطهّرية الماء القليل، فيكون أخصّ من ذلك العموم فيقدّم عليه.
وإذا فرض أنَّ النسبة بين العموم والمفهوم كانت هي العموم من وجه، فلا موجب لتقديم أحدهما على الآخر، بل لا بُدَّ من إعمال أحد القوانين الفوقانية للتخصيص، ومقصوده من ذلك: أنَّ المفهوم والمنطوق العامان من وجه لا يتقدم أحدهما على الآخر بما هما مفهوم ومنطوق. هذا كلّه إذا لم تكن هناك حكومة للمفهوم على العموم، وهذا بحث مستقلّ.
ــــــــــ[363]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أمّا إذا رجعنا إلى المقام الأوّل في مفهوم الموافقة، فحسب المثال السابق، فيما لو قال: أكرم فسّاق خدام العلماء، ففي المقام تارةً نفرض بأنّ المدلول الالتزامي الذي يكون معارضاً مع العموم يكون مدلولاً التزاميّاً لعموم الدليل
-المنطوق- لا لأصله، وأخرى يكون مدلولاً التزاميّاً لأصل المنطوق لا لعمومه.
فنفرض أنَّ الخدم الفساق عشرة، ولهم مخدومين عشرة من العلماء، هؤلاء المخدومين العلماء خمسة منهم فسّاق، وخمسة منهم عدول. هنا مفهوم الموافقة وهو وجوب إكرام العالم الفاسق من المخدومين، تارةً يكون لازماً لأصل وجوب إكرام خادم فاسق للعلماء، بحيث إنّنا نعلم أنّه لم يصر الفسق مانعاً عن وجوب إكرام الخادم الفاسق، فكيف يصير مانعاً عن إكرام المخدوم الفاسق؟ هنا يصير وجوب إكرام الفاسق من العلماء مدلولاً لأصل الدليل، بحيث لو لم يجب إلَّا إكرام واحد فقط من فسّاق خدام العلماء، مع ذلك يجب إكرام نفس العلماء الفساق؛ لأنَّ الفسق إذا لم يكن مانعاً عن وجوب الإكرام في الخادم فكيف يكون مانعاً عن وجوب الإكرام في المخدوم؟! وأخرى نفرض أنّه مدلول التزامي لعموم المنطوق، كأن نحتمل أنَّ الخادم العادل يجب إكرامه احتراماً لمخدومه العادل، ولا يجب إكرام المخدوم الفاسق؛ لأنَّ الخادم العادل خير من المخدوم العالم الفاسق، فالمقارنة تكون لا محالة مع كلّ مخدوم وخادمه، بمعنى: أنّه إذا وجب إكرام هذا الخادم الفاسق فلا بُدَّ أن يجب إكرام مخدومه، وهكذا(1).
فإذا قام الدليل أنّه يجب إكرام فسّاق خدام العلماء، ونفرض أنَّ القضيّة
ــــــــــ[364]ــــــــــ
() وأعاد السيّد الصدر هذا المطلب توضيحاً: وقال: فإذا قام… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
كانت خارجيّة، وكان الخدام الفساق عشرة ولهم مخدومين عشرة، ومن المخدومين خمسة فسّاق وخمسة عدول. هنا نرى أنَّ هذا الدليل الدالّ بالمطابقة على وجوب إكرام العشرة الخدام الفساق يدلّ بالالتزام على وجوب إكرام الخمسة العلماء الفساق، وأمّا وجوب إكرام الخمسة العدول من العلماء المخدومين فلا إشكال فيه، إلَّا أنّه لا يقع طرفاً للمعارضة مع العموم، وإنّما طرف المعارضة في هذه الخمسة. ونريد هنا أن نرى أنَّ وجوب إكرام هؤلاء الخمسة المخدومين لازم لأيّ شيء؟ يُتصوَّرُ وجهان: تارةً يكون وجوب إكرامهم لازم لأصل وجوب إكرام خادم فاسق للعلماء، بحيث لو لم يجب إكرام إلَّا خادم فاسق واحد من خدام العلماء لوجب إكرام العلماء الفساق؛ لأنَّ الفسق إذا لم يكن مانعاً عن وجوب إكرام الخادم فكيف يكون مانعاً عن وجوب إكرام المخدوم؟! فهذه الملازمة تكون مستفادة من أصل دليل المنطوق، بحيث لا تنتفي إلَّا بثبوت كذبه، وأنّه لا يجب إكرام خادم فاسق للعلماء أصلاً. وأخرى نتصوّر الملازمة بنحو آخر، بأن نحتمل أنَّ المولى يوجب إكرام خدام العلماء الخمسة العدول، وخادم العالم العادل وإن كان فاسقاً إلَّا أنّه أشرف من العالم الفاسق، فوجوب إكرام الخادم الفاسق للعالم العادل لا يلازم وجوب إكرام العالم الفاسق. إذن، في المقام يكون وجوب إكرام هؤلاء الخمسة العلماء الفساق ليس لازماً؛ لأصل دلالة المنطوق، بل لازمٌ لإطلاق المنطوق وشموله لخدامهم هم، أي: لخدام العلماء الفساق. أليس الدليل يقول: (أكرم خدام العلماء) فيشمل خدام العلماء الفساق، فيثبت أنَّ العالم الفاسق يجب إكرامه. ويكون وجوب إكرام العالم
ــــــــــ[365]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الفاسق مدلولاً التزاميّاً لإطلاق المنطوق، لا لأصل المنطوق.
إذن، حاصل ما يظهر من كلام الميرزا في المقام: هو أنَّ المنطوق إذا كان أخصّ مطلقاً من العامّ فيقدّم عليه، فيثبت المفهوم تبعاً لذلك، سواء كانت النسبة بين العامّ والمفهوم هي العموم من وجه أو من مطلق، فإنَّه حتّى لو فرضت النسبة بين المفهوم والعامّ العموم من وجه، مع ذلك يقدّم على العامّ؛ لأنَّ العامّ إذا قدّم عليه أدى ذلك إلى تقديم العامّ على المنطوق أيضاً، وهو أخصّ منه، والأعم لا يمكن أن يتقدم على الأخصّ.
وإن كانت النسبة بين المنطوق والعامّ هي العموم من وجه، فلا بُدَّ من حلّ هذه المعارضة بأحد الوجوه، فإن قدّمنا المنطوق ثبت المفهوم تبعاً، وإن قدّمنا العامّ فيسقط المفهوم تبعاً للمنطوق؛ لأنَّ سقوط العلّة يستلزم سقوط المعلول.
نقول في المقام: إذا فرض أنَّ المنطوق كان أخصّ مطلقاً من العامّ، فأمره كما أفاده ، فإنّ مقتضى الصناعة ملاحظة النسبة بين العامّ والمنطوق، وهذه النسبة هي تمام الملاك في حلّ التعارض. فإنَّ كانت هي العموم المطلق كانت علّة تامّة للحلّ، ويقدّم المنطوق، ويبقى المفهوم سالماً، وليس للنسبة بين المفهوم والعامّ أيّ أثر في الحلّ.
إلَّا أنَّ هناك قسمين آخرين من صور المعارضة: أحدهما تعرّض له الميرزا موضوعاً، وإن كنّا نختلف معه في المحمول، وهو ما إذا كانت النسبة بين المنطوق والعامّ هي العموم من وجه، فإنَّه قد يظهر في بعض صوره لزوم لحاظ
ــــــــــ[366]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
النسبة بين المفهوم والعامّ، ولا يكفي الاقتصار على لحاظها بين المنطوق والعامّ.
وهناك قسم ثالث لم يتصوّره الميرزا، وهو ما إذا لم يكن بين العامّ والمنطوق نسبة أصلاً، كما إذا فرضنا أنَّ المولى قال: (أكرم فسّاق خدام العلماء) وقال في دليل آخر: (لا تكرم فسّاق المخدومين) فلو لوحظ المنطوقان مع قطع النظر عن مفهوم الموافقة فلا تعارض بينهما أصلاً؛ لأنَّ فسّاق الخدام -المأمور بإكرامهم- لا ينطبق على فسّاق المخدومين -المنهي عن إكرامهم- أصلاً، فالمنطوقان متباينان. ففي هذا المورد لا بُدَّ في حلّ المعارضة من ملاحظة النسبة بين المفهوم والعامّ، فإنَّه ليس بين المنطوق والعامّ نسبة حتّى تلحظ وتحلّ المعارضة على أساسها، بل المعارضة ابتداءً واقعة بين المفهوم والعامّ، والمنطوق تابع للمفهوم في المقام. إذن، فلا يعقل ملاحظة النسبة بين المنطوق والعامّ وحلّ المعارضة على أساسها، وإنّما تُلحظ النسبة بين المفهوم والعامّ.
إذن، فخلافنا مع الميرزا إنّما هو في هذين الموردين: فيما إذا كان بين المنطوق والعامّ العموم من وجه والتباين. وأمّا في القسم الأوّل فالوجه هو ما أفاده . هذا كلّه هو المدّعى.
بعد أن تابعنا الميرزا في القسم الأوّل نأتي إلى القسم الثاني، وهو أن تكون النسبة بين المنطوق والعامّ العموم من وجه، هنا ذكر الميرزا أنّه تلحظ هذه النسبة من العموم من وجه بين المنطوق والعامّ، وتجعل هي الملاك في حلّ المعارضة بين المفهوم والعموم، وأمّا النسبة بين المفهوم والعموم فلا دخل لها في حلّ المعارضة.
ــــــــــ[367]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أقول: ليس الأمر كذلك دائماً، بل في بعض الصور قد نضطر إلى ملاحظة المفهوم أيضاً، أي: نلاحظ المنطوق بما هو ذو مفهومٍ، بحيث قد تكون النسبة بدون هذا اللحاظ على شكلٍ آخر، ولا يجوز ملاحظة النسبة بين المنطوق مجرّداً والعموم.
فإنَّ هناك للمسألة صوراً ثلاثة: فتارةً يكون المفهوم الذي يكون معارضاً للعامّ لازماً لأصل مدلول المنطوق، وأخرى يكون لازماً لإطلاقه في مادة الاجتماع بين المنطوق والعموم، وثالثة يكون لازماً لإطلاق المنطوق في مادة الإفتراق، فهنا صور ثلاثة:
الصورة الأولى: أن يكون المفهوم المعارض للعامّ لازماً لأصل دليل المنطوق، بحيث لو ثبت المنطوق -ولو في الجملة- يثبت المفهوم معه. وهذا فرض معقول، كما لو قال المولى: (لا تكرم فسّاق الآباء) وورد في دليل آخر: (أكرم شيوخ الأرحام). وهذا الأخير عامٌ ونسبته إلى المنطوق نسبة العموم من وجه؛ لأنَّ فسّاق الآباء قد يكونوا شيوخاً، وقد يكونوا شباباً. كما أنَّ شيوخ الأرحام قد لا يكونوا آباءً، أو آباء ًعدولاً.
هذا المنطوق -وهو: (لا تكرم فسّاق الآباء)- له مفهوم، وهو عدم جواز، أو على الأقل عدم وجوب إكرام الفاسق من بقيّة الأرحام؛ لأنَّ مقام الأبوة أجلّ من مقامات الرحميّة الأخرى، ومع ذلك نهي عن إكرام الأب الفاسق. فمفهومه -وهو عدم وجوب إكرام الفاسق من باقي الأرحام- لا يفرق فيه بين أن يكون شيخاً أو شاباً، بأن نفرض أنَّ إكرام الرحم الفاسق الشيخ لا يحتمل
ــــــــــ[368]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أن يكون واجباً، مع عدم جواز إكرام الأب الشاب الفاسق، يعني: أنَّ الأب الشاب إذا كان الفسق مانعاً عن إكرامه فكيف بإبن العم سواء كان شيخاً أو شاباً؛ لأنَّ حرمة الأب أكثر من حرمة إبن العم على كلّ حال. إذن، فهذه القضيّة المنطوقيّة -وهي عدم جواز إكرام الأب الفاسق، على إجمالها وعمومها للشيخ والشاب من الآباء، أو اقتصارها على الشيخ، أو على الشاب- تدلّ على عدم وجوب إكرام ابن العم الشيخ الفاسق.
وهذا المدلول الالتزامي الذي يعارض مع وجوب إكرام شيوخ أقاربك، هو مدلول التزامي لأصل المنطوق لا لإطلاقه، إذ لو حرم إكرام أباً فاسقاً واحداً في الدنيا سواء كان شاباً أو شيخاً، فإنَّه يحرم، أو على الأقل لا يجب إكرام ابن العم الفاسق ولو كان شيخاً.
في هذا المثال إذا طبقنا قانون الميرزا بأن نلحظ النسبة بين العموم والمنطوق، ونحلّ المعارضة على أساسها. والنسبة بينهما هو العموم من وجه: أكرم شيوخ أقاربك سواء كانوا فساقاً أو عدولاً، ولا تكرم فسّاق الآباء شيوخاً وشباباً. فالأب الشيخ الفاسق هو مادة الاجتماع، ونحن نحتمل دخوله تحت العموم، وكون هذا الأب الشيخ الفاسق محكوماً بحكم ابن العم أو دخوله تحت المنطوق فيحرم إكرامه.
ففي المقام إذا فرض أنَّ أحدهما أقوى من الآخر قدّمناه على الآخر، وإذا لم يكن بينهما أقوى فحكم بالتساقط. هذا إذا قطعنا النظر عن المفهوم، وأمّا بلحاظ المفهوم، وقد فرضنا أنّه لازم لأصل دليل المنطوق، ومدلول المفهوم هو
ــــــــــ[369]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
عدم وجوب إكرام ابن العم الشيخ الفاسق، وهذا لازم لأصل المنطوق، بمعنى: أنَّ رفع اليد عنه يلازم رفع اليد عن أصل دليل المنطوق. وهذا المفهوم أخصّ مطلقاً من العامّ، فلا محالة يتقدم عليه. ويقال: أكرم شيوخ أقاربك إلَّا الشيوخ الفساق. وبه ترتفع المعارضة بين المنطوق والعامّ. ففي هذا الفرض
-الصورة الأولى- تختلف النسبة، أي: نسبة المنطوق إلى العامّ من ناحية، ونسبة المفهوم إلى العامّ من ناحية أخرى، فإنَّ نسبة الأوّل هو العموم من وجه، ونسبة الثاني هو العموم المطلق. ولا بُدَّ بمقتضى الصناعة من ملاحظة النسبة بين المفهوم والعموم؛ لأنَّه بدون ذلك يوجب العمل بدليل بلا موجب أو طرح دليل بلا موجب. هذا إذا كان المدلول الالتزامي لازماً لأصل المنطوق.
الصورة الثانية: أمّا إذا كان لازماً لإطلاق المنطوق في مادة الإجتماع بين المنطوق والعام. أي: أنَّ المنطوق والعامّ بينهما عموم من وجه، ولكلّ منهما مادة افتراق، ولهما مادة اجتماع. فإذا كان هذا المفهوم لازماً لإطلاق المنطوق في مادة الاجتماع، ويوجب خروج مادة الافتراق من العامّ، فيكون بحسب النتيجة: أنَّ إطلاق المنطوق في مادة الاجتماع يلازم إسقاط العامّ؛ لأنَّه في مدلوله المطابقي يسقط العامّ في مادة الاجتماع، وفي مدلوله الالتزامي يسقط العامّ في مادة الافتراق. فلا بُدَّ من تقديم العامّ على إطلاق المنطوق.
ولو لاحظنا قانون الميرزا في المقام نرى أنَّ بين المنطوق والعامّ عموماً من وجه، فلو لم يكن ظهور أحدهما أقوى لزم إسقاطهما مع أنَّ القول بالتساقط غير جائز؛ لأنَّ التعارض هو بين إطلاق المنطوق وأصل دليل العامّ كما بينّا،
ــــــــــ[370]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
فأصل دليل العامّ يكون بمنزلة الأخصّ، فيرفع اليد به عن إطلاق المنطوق في مادة الاجتماع.
الصورة الثالثة: فيما إذا كان اللازم لازماً لإطلاق المنطوق في مادة الافتراق، وهو فيما إذا كان المفهوم مساوياً في الدائرة للمنطوق، نحو: (لا تكرم الفساق) و(أكرم خدام العلماء). ومفهوم وجوب إكرام خدام العلماء مفهوم عريض بعرض منطوقه؛ لأنَّ الخدام عشرة والمخدومين عشرة -مثلاً- وإطلاق المنطوق لإكرام الخادم الفاسق يعارض مع العامّ. هنا ليس هناك مزية في المعارضة بين المفهوم والعامّ من ناحية والمنطوق والعامّ من ناحية أخرى؛ لأنَّ كلا النسبتين هي العموم من وجه. فيصح حينئذٍ ما أفاده الميرزا .
إذن، إذا كان بين العموم والمنطوق نسبة العموم من وجه، فهناك صور ثلاثة: أن يكون لازماً لأصل المنطوق، ولازماً لإطلاق المنطوق في مادة الاجتماع، ولازماً لإطلاق المنطوق في مادة الافتراق. وفي الصورة الأخيرة فقط يصح بيانه .
أمّا إذا كانت النسبة بينهما هو التباين نحو: (أكرم فسّاق خدام العلماء) و(لا تكرم فسّاق المخدومين)، فهنا لا نسبة بين العامّ والمنطوق، فلا معنى لملاحظة المعارضة بين المنطوق والعامّ، فإنّ طرف المعارضة أولاً وبالذات هو المفهوم. فتارةً يكون المفهوم أخصّ فيقدّم على العام، وتارةً يكون بينهما نسبة العموم من وجه فيقع التعارض بينهما.
والسؤال هو: كيف نعرف ذلك؟ إذا كان لازماً لأصل المنطوق يكون
ــــــــــ[371]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
المفهوم أخصّ فيقدّم، وإذا كان لازماً لإطلاق المنطوق يكون بينه وبين العامّ عموماً من وجه فيتعارضان، ولا موجب لتقديم أحدهما على الآخر.
هذا تمام الكلام في تحقيق المسألة في هذه الصور.
ــــــــــ[372]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
إذا تعارض مفهوم المخالفة مع العامّ، نحو: إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجسه شيء، وخلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء، الشامل للماء القليل وأنّه لا ينجسه شيء، ودليل الكرّ يدلّ بمفهومه على أنَّ الماء إذا كان قليلاً يتنجس. فهل يخصّص العامّ بالمفهوم أو لا؟
هنا لا بُدَّ من التكلّم على مسلكين في باب التعادل والتراجيح: مسلك الأظهرية، الذي هو مسلك المشهور وصاحب الكفاية(1)، ومسلك القرينيّة الذي هو مسلك المحقّق النائيني(2) ومدرسته.
والفرق بين المسلكين واضحٌ، فعلى مسلك الأظهرية يقال: إنَّ القانون في الجمع بين المتعارضين هو الأظهرية في المدلول بأن يكون أحدهما أظهر في مدلوله من الآخر، وأمّا مسلك الميرزا فيقول: إنّه قد يقدّم الأضعف ظهوراً على الأقوى؛ لأنَّ ملاك التقديم ليس هو الأظهرية بل القرينيّة، ولا ملازمة بين الأظهرية والقرينيّة. ونحن قد تابعناه على مبناه هذا في باب التعادل والتراجيح(3).
ــــــــــ[373]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 233.
(2) انظر: فوائد الاُصول ۲: ٥۸۱، ٥۸۲، أجود التقريرات 4: 541.
(3) انظر: بحوث في علم الأصول 7: 173.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
أمّا على مسلك الأظهرية، فقد قالوا كما في الكفاية: إنّه حيث تعارض المفهوم مع عموم العامّ، فالتعارض في الحقيقة بين دلالة العموم ودلالة المفهوم، فلا بُدَّ من النظر إلى هذين الدلالتين. فإن كانت إحداهما بالوضع والأخرى بالإطلاق قدّمت الدلالة الوضعيّة، فإن اخترنا أنَّ العامّ بالوضع والمفهوم بمقدّمات الحكمة قدّم العامّ؛ لأنَّ الظهور الوضعي أقوى من الظهور الإطلاقي. وإن اخترنا أنَّ العامّ يثبت بمقدّمات الحكمة فيقدّم المفهوم. وإن اخترنا أن كلاً منهما بالوضع أو بالإطلاق فلا بُدَّ من الحكم بالتساقط وعدم تقديم أحدهما على الآخر، إلَّا إذا صادف أنَّ أحدهما كان أظهر من الآخر لخصوصيّة المقام.
هذا ما قيل في المسألة.
أمّا التحقيق فالبحث في أحد المسلكين سيأتي في بحث التعادل والتراجيح. وأمّا مبنياً على المسلك. فلنا كلامان:
الكلام الأوّل: في تقديم أحدهما على الآخر إذا كان أحدهما بالوضع والآخر بالإطلاق.
والكلام الثاني: كيف يتصوّر أن يكون أحدهما أظهر في مورد يكون ظهور كلّ منهما بالإطلاق؟
أمّا الكلام الأوّل: فإنَّه يتصوّر أن يكون العامّ دالاً على إيجاد عدل للشرط في القضيّة الشرطيّة، أو دالاً على إلغاء الشرط رأساً. أمّا العامّ الدالّ على إلغاء الشرط رأساً فمثاله ما سبق أن ذكرناه، وهو: خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه
ــــــــــ[374]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
شيء، وإذا بلغ الماء كراً لا ينجسه شيء. فإنَّه إذا قلنا: إن الماء القليل طاهر ومطهر يلغو أصل الشرط، ولا لزوم بين الكريّة والمطهريّة، وتكون الكرّية والقلّة من الخصوصيّات الأجنبيّة عن الحكم الشرعيّ.
وأخرى يفرض أنَّ تقديم العامّ يلزم منه إيجاد عدل للشرط كما لو فرض أنه قال: (إن جاء زيد فأكرمه) وقال: (أكرم كلّ عادل). هنا لو أخذ بالعموم ينتج أنّه إذا صار زيد عادل فأكرمه، فتكون العدالة عدلاً للمجيء في الشرطيّة لوجوب الإكرام. وهنا لا يسقط أصل الشرط، بل يتحفظ عليه، ولكنّه لا يكون منحصراً.
فإن كان من قبيل الأوّل، فاللزوم في القضيّة الشرطيّة يكون بالظهور الوضعي حتّى عند من يقول بأنَّ المفهوم يثبت بمقدّمات الحكمة، فإنَّ هذا المقدار من اللزوم يثبت عنده بالوضع. فيكون العامّ معارضاً لأصل دلالة القضيّة الشرطيّة على اللزوم لا دلالتها على المفهوم. فلا ينبغي أن يقال بأنَّ تقديم المفهوم متفرّع على القول بأنَّ المفهوم يثبت بالوضع لا بمقدّمات الحكمة؛ لأنَّ من يقول بأنّ المفهوم يثبت بمقدّمات الحكمة يعترف بأنّ اللزوم ثابت بالوضع كالمحقّق النائيني.
وأمّا في الصورة الثانية: وهي ما لو فرض أنَّ تقديم العامّ إنّما يوجب إلغاء الانحصاريّة، دون أصل المنطوق. فالانحصاريّة إن كانت بمقدّمات الحكمة فيقدّم عليها العامّ إن كان ثابتاً بالوضع. ويثبت في محلّه من باب مفهوم الشرط بأنَّ الانحصاريّة لا تثبت بالوضع إلَّا على بعض المباني الشاذة، وإنّما تثبت
ــــــــــ[375]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بمقدّمات الحكمة؛ لأنَّها متوقّفة على إجراء مقدّمات الحكمة في المدخول. هذا هو كلامنا الأوّل(1).
الكلام الثاني(2)(3).
ــــــــــ[376]ــــــــــ
() بسمه تعالى: انتهى هذا الدفتر بيد أقل العباد عملاً وأكثرهم زللاً المحتاج إلى رحمة ربه الكريم، محمّد بن السيّد محمّد صادق الصدر. بتاريخ الرابع من شهر صفر سنة 1383 هجريّة، الموافق 25 حزيران 1963م، وقد احتوى هذا الدفتر على عدّة مباحث متفرعة على مبحث العموم والخصوص، كما هو مذكور في الصفحة اليسرى في ضمن خمس وعشرين محاضرة وفقني الله لحضورها جميعاً وكتابتها أثناء التدريس. ومنه أستمد التوفيق والسداد. محمد الصدر. (المقرر).
(2) راجع البقيّة في دفتر المحاضرات الرابع. (المقرر).
(3) لم نعثر على الدفتر المشار إليه ضمن مخطوطات السيّد الشهيد محمّد الصدر.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
[الجهة الأولى: تعريف العموم] 13
الجهة الثانية: في أقسام العموم 19
فيما أشكل به صاحب الكفاية في المقام 24
الكلام في مقامين 25
المقام الأوّل: في خصوصيّة البدليّة وما يقابلها 26
المقام الثاني في خصوصيّة الاستغراقيّة والمجموعيّة 28
الجهة الثالثة: فيما يشتبه بينه ويبن أدوات العموم 31
الجهة الرابعة: في تحقيق صيغ العموم 43
أوّلاً: الكلام في أداة العموم (كلّ) ونحوها 43
الكلام في مقام الإثبات 57
ثانياً: الكلام في أداة العموم (الجمع المحلّى باللاّم) 63
المقام الأوّل: في الأنحاء المتصوَّرة للعموم والاستيعاب في اللام. 63
المقام الثاني: في دلالة اللام على العموم. 69
ثالثاً: الكلام في وقوع النكرة في سياق النفي أو النهي ودلالته على العموم 74
ــــــــــ[377]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
تخصيص العموم 79
الجهة الأولى: في حجّيّة العامّ في الباقي بعد تخصيصه 82
مطرح البحث بنحوين 82
الشبهة الواردة على الطرح بالنحو الثاني 83
جواب الشبهة 84
الوجه الأوّل: 84
الوجه الثاني: 89
الوجه الثالث: 96
تنبيهان 98
الجهة الثانية: حجيّة العامّ إذا لم يُعلم دخوله في المخصّص بالمجمل 102
المقام الأول: حجّية العامّ المخصّص بالمجمل مفهوماً 102
الصورة الأولى: أن يكون الأمر مردداً بين الأقلّ والأكثر ويكون الدليل المخصّص متّصلاً 103
الصورة الثانية: أن يكون المخصّص متّصلاً ودار الأمر بين المتباينين 105
الصورة الثالثة: أن يكون المخصّص منفصلاً ودار الأمر بين المتباينين 110
ضرورة بيان مقدّمتين 111
ــــــــــ[378]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
الصورة الرابعة: أن يكون المخصّص منفصلاً ودار الأمر بين الأقلّ والأكثر مفهوماً 121
المقام الثاني: في حجّيّة العامّ المخصّص بالمجمل مصداقاً 125
تقريب التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة 126
في تحليل تقريب التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة 131
تحقيق المدّعى في المقام 133
البحث الأوّل: في عدم ترتّب الإشكال عند ترتّب الحكم على المطلق 133
البحث الثاني: الخلاف بين النائيني والعراقي حول مقتضى التخصيص 135
المسألة بناءً على ثبوت الحكم لكلّ فرد باعتباره مصداقاً للطبيعة 138
المسألة بناءً على ثبوت الحكم لكلِّ فردٍ بما هو فرد 139
استدلال المحقّق النائيني في المقام ومناقشته 142
استدلال المحقّق العراقي في المقام ومناقشته 144
الصحيح ما ذهب إليه المحقّق النائيني لكن بالاستظهار لا بالقهر 146
بيان آخر لتقريب التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة ــــــــــ[379]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
بلحاظ الشبهة الموضوعيّة 150
استثناء موردين عن المنع بالتمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة 156
تفصيل الشيخ الأعظم في المقام ومناقشته 165
تفصيل المحقّق النائيني في المقام ومناقشته 173
التمسّك باستصحاب العدم الأزليّ لإثبات حكم العامّ في الشبهة المصداقيّة 178
الخلاف في جريان استصحاب العدم الأزلي 179
كلام الميرزا في أجود التقريرات وما وافقه عليه السيّد الخوئي 189
بيان معنى النعتيّة في المقام 195
التفسير الأوّل: 195
اشكال على البيان المتقدم للنعتيّة 197
التفسير الثاني: 198
الاشكال على التفسير الثاني للنعتيّة 200
تفسير ملحق بتقريب أنّ معنى النعتيّة وجود رابط 202
نقطة الاختلاف بين العلمين 209
البحث في مقام الإثبات 210
ــــــــــ[380]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
مناقشة ما ذهب اليه السيّد الخوئي في مقام الاثبات 211
البحث في مقام الثبوت 219
مناقشة السيّد الخوئي لبرهان النائيني 224
الكلام الأوّل: ابطال برهان المحقّق 225
الكلام الثاني: ابطال برهان المحقّق 231
ما افاده الميرزا بخط يده 233
الكلام في بيان صغرى البرهان 234
الاشكال على برهان الميرزا 239
تفصيل المحقّق العراقي في جريان استصحاب العدم الأزلي 243
المطلب الأوّل: كلام المحقّق في اللباس المشكوك 244
توضيح برهان المحقّق 247
المطلب الثاني: الاعتراض على كلمات المحقّق 250
ما ذكره المحقّق نفسه 250
تفصيل آخر للمحقق العراقي وكلامه في وجود المتّصف واتّصاف الموجود 252
الإشكال على ما ذكره المحقّق العراقي 256
دوران الأمر بين التخصيص والتخصّص 261
بيان المحقّق العراقي ومناقشته 268
ــــــــــ[381]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
التمسّك بالعامّ قبل الفحص عن المخصّص 275
الأدلّة على عدم جواز التمسّك بالعامّ قبل الفحص 275
الوجه الأوّل: الإجماع 275
الوجه الثاني: الروايات 275
الوجه الثالث: العلم الاجمالي 278
الفرق بين الأصوليين والإخباريين في تصوير العلم الاجمالي 284
الوجه الرابع: ما ذكره المحقّق النائيني 288
دوران الأمر بين التخصيص والتخصّص من وجه آخر 295
التحقيق في المسألة 300
هل يختصّ الخطاب بالمشافهين؟ 307
التحقيق في حقيقة الخطاب 312
هل يمكن استفادة العموم من نفس الكلام بناء على القول بالاختصاص 319
ثمرة المسألة 321
في تعقب العامّ بضمير يرجع إلى بعض أفراده 331
اشكال المحقّق الخرساني 343
اشكال النائيني على صاحب الكفاية 343
حلّ المنازعة بين المحقّقين الخراساني والنائيني 344
كلام السيّد الخوئي في المقام 346
ــــــــــ[382]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5
هل الكلام مخصوص بجهة معينة 348
الكلام فيما لو علم أنَّ المراد الاستعمالي من الضمير هو الخصوص 350
الكلام في تخصيص العامّ بالمفهوم 359
المقام الأوّل: المعارضة بين مفهوم الموافقة وبين العموم 361
التحقيق فيما أفاده الميرزا 366
المقام الثاني: المعارضة بين مفهوم المخالفة وبين العموم 373
الفهرس 377
ــــــــــ[383]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج5