الجزء السادس
261
ص44 الصدر، محمد.
محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج6 (424ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1710/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1710) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
7-28-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
محاضرات
في
علم أصول الفقه
تقريراً لأبحاث
سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء السادس
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ويحتوي على:
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بقية مبحث تحليل الفتوى
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
قلنا(2): إنَّ عمليّة الافتاء بالنسبة إلى الموارد التي يحرز فيها الحكم الواقعي المشترك وجداناً لا إشكّال فيها، فإنَّها تنطبق على القواعد، أي: على قاعدة رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة.
أمّا عند عدم إحراز الحكم الواقعي قطعاً، فيقع الإشكال في أنَّ المجتهد بماذا يُفتي؟ هل يُفتي بالحكم الواقعي وهو لا يعلمه، حاله بالنسبة إليه حال العامّي؟! أو يُفتي بالحكم الظاهري، وهو مختصّ بالمجتهد؟ لأنَّه أُخذ في موضوعه الشاكّ الذي فحص، ومن كان على يقين فشكّ، وهو المجتهد خاصّة.
قلنا: الكلام يقع في مقامات ثلاثة:
في اختصاص الأحكام الظاهريّة بالمجتهد بحسب أدلّتها الأوّليّة، فلو استفدنا في هذا المقام أنَّ حال الأحكام الظاهريّة حال الواقعيّة -كلاهما حكم مشترك بين العامّي والمجتهد- وأنَّ نظر المجتهد طريق صرف إليها، فيرتفع
ــــــــــ[13]ــــــــــ
() كان تاريخ الشروع في هذا البحث يوم الاثنين 21/3/1383هـ، 9/10/1963م.
(2) لم نعثر على الدفتر الرابع الذي يشتمل على بداية هذا الموضوع في النسخ الخطية الموجودة في مكتبة السيد الشهيد.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الإشكال، ويكون الإفتاء بالحكم الظاهري على حدِّ الإفتاء بالحكم الواقعي. وإن عجزنا عن تعميم الحكم الظاهري للعامي، فننتقل إلى:
أنَّه بعد البناء على التخصيص، نتكلّم في أنَّه هل هناك توجيه فني لعمليّة الإفتاء على القاعدة؟
وهو مقام الالتزام بالمؤونة المصحّحة بعد العجز عن توجيه الفتوى على القاعدة.
وقد قلنا: إنَّه من المستحب -لأجل توضيح البحث- تأخير المقام الأوّل، وقد ابتدأنا في المقام الثاني، وذكرنا تقريباً يمكن أن يقال في مقام تصحيح عمليّة الإفتاء -مع فرض اختصاص الأحكام الظاهريّة بالمجتهد- إنَّ أدلّة الأحكام الظاهريّة تجعل المجتهد عالماً تعبداً واعتباراً، فهو يفتي بالواقع، غاية الأمر أنَّ علمه تعبدي لا وجداني. وقد قلنا: إنَّ هذا لا يتمّ في غير باب الأمارات، بل لا يتمّ حتّى في باب الأمارات على غير مسلك الطريقيّة، بل حتّى في باب الأمارات على مسلك الطريقيّة لا يتمّ أيضاً. بعد هذا ننتقل إلى بيان المقام الثالث.
لو فُرض أنّنا التزمنا باختصاص الأحكام الظاهريّة بخصوص المجتهد، وعدم إمكان تطبيق عمليّة الإفتاء على القاعدة، فلا محيص حينئذٍ عن الأخذ بمؤونة زائدة في المقام.
والذي يُتصوّر كونه مؤونة زائدة لتصحيح عمليّة الإفتاء، هو دعوى
ــــــــــ[14]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
التنزيل -تنزيل حال المجتهد حال العامّي- بحيث يُفرض تعبداً زائداً على الأحكام الواقعيّة والظاهريّة، أنَّ الشارع عنده حكم آخر تنزيليّ تعبديّ مرجعه إلى التعبّد بتنزيل حالة المجتهد حالة العامّي، بحيث يكون شكّه شكًّ للعامي وفحصه فحصً للعامي، فكلّ ما يترتّب من الآثار على فحص العامّي للرواية، أو يقينه وشكّه تكون حالة المجتهد مُنزَّلة منزلتها.
فعندما يتمّ هذا التنزيل التعبدي تكون عمليّة الإفتاء معقولة، فنفرض أنَّ المجتهد كان على يقين فشكّ، فأركان الاستصحاب تامّة بالنسبة إليه، وحيث إنَّه ببركة التنزيل يكون حكمه حكم العامّي، فالاستصحاب يجري في حقّ العامّي أيضاً ببركة هذا التنزيل، لا ببركة الدليل الأوّل للاستصحاب، كما كنا نحاول إثباته في المقام الأوّل والثاني، وهكذا الحال في أصالة الاشتغال، فإنَّ المجتهد يعلم اجمالاً، وحيث إنَّ علمه وفحصه منزّل منزلة فحص العامّي تعبداً، وقد فحص المجتهد ولم يجد معارضاً، ففحصه منزّل منزلة فحص العامّي؛ ويترتّب عليه أنَّه حجّة في حقّ العامّي؛ لأنَّه فحصٌ بوجوده التنزلي لا الحقيقي، فهذه المؤونة تجعل عمليّة الفتوى معقولة.
إلَّا أنَّه لو مشينا على هذا المسلك اختلفت النتيجة عن المسلك الذي مشينا عليه في المقام الأوّل والثاني -وهو دعوى تعميم الأحكام الظاهريّة للمجتهد وغيره- لا اختلافاً نظرياً فحسب، بل اختلافاً في الآثار الفقهيّة العمليّة أيضاً.
فمن جملة الفروق:
الفرق الأوّل: أنَّه بناءً على توقف عمليّة الإفتاء على المؤونة الزائدة، لا
ــــــــــ[15]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يمكن الاستدلّال على التقليد وحجّيّة قول المجتهد بالسيرة العقلائيّة؛ لأنَّها لا تدلّ على هذه المؤونة؛ فإنَّها تدلّ على أنَّ أهل الخبرة أقوى نظراً، فالعامّي يسترشد بهم؛ لأنَّ مؤدّى المؤونة هو: أنَّ رجوع العامّي إلى أهل الخبرة يكون من باب تنزيل قطع أهل الخبرة وشكّهم منزلة قطع العامّي وشكّه، ومثل هذا لا يمكن اثباته بالسيرة، بل لا بُدَّ في مقام إثباته من الرجوع إلى دليلٍ شرعيٍ آخر.
فحينئذٍ كلّ من جمع بين دعوى اختصاص الأحكام الظاهريّة بالمجتهد، فلا بُدَّ أن يلتزم بعدم إمكان الاستدلال بالسيرة العقلائيّة؛ ولذا يحتاج إلى دليلٍ لفظيٍ لإثبات حجّيّة قول المجتهد.
الفرق الثاني: هو فرق عملي مهم، وهو أنَّ المجتهد لا يجوز له أن يُفتي ما لم يقطع بأعلميّة نفسه، أو بحجّيّة رأيه على الأقل، بناءً على هذا المسلك -بخلافه في المسلك الأوّل، أي: بناءً على تطبيق عمليّة الإفتاء على القاعدة- لو فُرض أنَّ الأحكام الظاهريّة حالها حال الأحكام الواقعيّة مشتركة بين المجتهد والعامّي، ونظر المجتهد مجرّد طريق إليها، فالمجتهد وإن لم يحرز كونه أعلم، إلّا أنَّه يستنبط المسألة، ويحصل له العلم بالحكم الظاهري على نحو القطع فيفتي به، فلا إشكّال في ذلك، ويكون قوله قولاً بعلم، إلَّا أنَّ قوله لا يكون حجّة على العامّي، إلَّا إذا قطع العامّي بأنّه الأعلم، ولكن هذا مطلب آخر.
وأمّا لو بنينا على مسلك التنزيل فيشكّل هذا المطلب في كثيرٍ من الموارد، فلو فرضنا مثلاً أنَّ المجتهد تيقّن بالحدوث وشكّ بالبقاء فتمّت لديه أركان الاستصحاب، ونفرض أنَّه لم يحرز كونه أعلم، وأنَّه مجعول طريقاً إلى عوام
ــــــــــ[16]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
المسلمين، فعلى هذا لم يحرز أن يقينه وشكّه منزّل منزلة شكّ العامّي ويقينه، فلم يحرز تماميّة أركان الاستصحاب عند العامّي، فكيف يُفتيه؟ فإذا احتمل زيد أنَّ عمرو أعلم منه، وعمرو يخالفه في الاستصحاب، كأن لم يتيقّن بالحدوث رأساً، فزيد يحتمل أنَّ أركان الاستصحاب لم تتمّ في حقّ العامّي؛ لأنَّه بعد وجوب تقليد الأعلم يكون التنزيل بلحاظ ما هو الحجّة، وهو الأعلم، وزيد يحتمل أن يكون ذلك هو الأعلم. إذن، فلم يحرز أنَّ قطعه منزّل منزلة قطع العامّي، وشكّه منزّل منزلة شكّه، فكيف يُفتي العامّي به مع عدم يقينه بتماميّة أركانه بالنسبة إليه -أي: العامّي؟- أمّا وجداناً فواضح؛ لأنَّ العامّي لا يقين ولا شكّ له، وأمّا تعبداً بدليل التقليد، فهو يدلّ على تنزيل الأعلم منزلة العامّي، مادام شاكاً في أعلميّة نفسه، فالتنزيل لم يتمّ في حقّه، فلا يجوز له إفتاؤه.
هذا المجتهد إذا أحرز الحكم الواقعي يجوز له أن يُفتي، أمّا الحكم الظّاهري فإسرائه إلى العامّي بالتنزيل فرع تماميّة التنزيل بالنسبة إلى العامّي، وتماميّة التنزيل بالنسبة إلى العامّي فرع كون قول هذا المجتهد حجّة، وكون قوله حجّة فرع كونه أعلم، فإذا لم يحرز كونه أعلم فهو لم يحرز كون قوله حجّة بالنسبة إلى العامّي، فلم يحرز تنزيله منزلة العامّي، فلم يحرز تماميّة أركان الاستصحاب بالنسبة إلى العامّي، فلا يجوز له الإفتاء، وتكون فتواه كاذبةً وحراماً. بخلافه على المسلك الأوّل فإنَّه وإن لم يحُرز للعامي تقليده، إلَّا أنَّه يجوز له أن يُفتي بعد أن علم بالحكم الواقعي تعبداً.
وهنا بين هذين المسلكين، عندنا مسلك متوسط:
وحاصله أن يقال: بعدم الحاجة إلى هذا التنزيل الزائد الذي يحتاج إلى ــــــــــ[17]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
دليلٍ شرعيٍ خاصّ كما في المسلك الثاني، ومع هذا لا يكون نظر المجتهد طريقاً صرفاً، كما في المسلك الأوّل، بل نقول: إنَّ موضوع الأحكام الظاهريّة يتمّ في حقّ العامّي لا بلحاظ أدلّة الأحكام الأوّليّة، ولا بتعبّدٍ زائدٍ، بل يتمّ موضوعها في حقّ العامّي بالتقليد، بحيث يقلد في مسألة، فيتمّ موضوع الحكم الظاهري بالنسبة إليه في مسألة أُخرى.
فمثلاً في الاستصحاب: حكم من تيقّن حدوث النجاسة وشكّ في زوالها الاستصحاب، فلو خُلّينا ودليل الاستصحاب والعامّي، فالاستصحاب لا يشمل العامّي؛ لأنَّه لم يكن على يقين فشكّ، فالمسلك الأوّل لا يتمّ هنا، لكن لو فُرض أنَّه استفتى المجتهد: أنَّ الماء إذا تغيّر بالنجاسة هل يتنجس أو لا؟ ونفرض أنَّه الأعلم، وأنَّ فتواه حجّة على العامّي، كما نفرض أنَّه يعلم الحكم بالقطع واليقين، ومعنى حجّيّتها بناءً على هذا المسلك: أنَّ العامّي يأتي إلى الماء الذي تغيّر بالنجاسة فيجد أنّه قد زال تغيّره، فيشكّ -وجداناً- أنَّه هل بقيت النجاسة أو لا، فيسأل المجتهد: هل هناك دليل على ارتفاع النجاسة بعد زوال التغيّر بنفسه؟ فيقول: لا. فيتمّ حينئذٍ في حقّه أركان الاستصحاب؛ لأنَّه كان على يقين في الحدوث تعبداً، وشكّ في البقاء وجداناً.
مثال آخر: إذا أفتى المجتهد بأصالة الاشتغال من باب العلم الإجمالي بوجوب أحد هذه الأمور الثلاثة مثلاً، فيتمّ موضوع أصالة الاشتغال بالنسبة إلى العامّي بالتقليد، فإنَّه يأتي إليه ويسأله: هل تعلم بوجوب أحد هذه الأمور الثلاثة؟ فيقول: نعم. فيكون للعامي علم إجمالي تعبدي بوجوب أحدها، فتجري في حقّه أصالة الاشتغال.
ــــــــــ[19]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أمّا إذا جئنا إلى باب الأمارات، فلو فرضنا أنَّ رواية دلّت على عدم وجوب الأذان والإقامة، فهذه الرواية حجّة في حقّ من شكّ وفحص، وهذا العامّي شاكّ وشكّه وجداني، أمّا كونه قد فحص، ففي تتميمه يقتضي أن نقول: إنَّ الفحص المأخوذ في الأحكام الظاهريّة لم يدلّ دليل على وجوبه، إلَّا بمعنى فحص كلّ بحسبه، ففحص المجتهد في الأخبار. وفحص العامّي في أقوال المجتهد في الرسالة العمليّة. وقد فحص العامّي ولم يجد في أقوال مجتهده ما يدلّ على المعارضة، فيصدق أنَّه شكّ وفحص، وحينئذٍ يكون الخبر حجّةً عليه، وإذا تمّت الحجّيّة عليه فيجوز أن يُفتيه المجتهد بهذه الحجّيّة.
هذا المسلك، ما هي منافعه، وما هي مضاره؟
هذا المسلك يختلف عن المسلك الثاني؛ لأنَّ هذا المسلك يجعل عمليّة الإفتاء على القاعدة، ولا يحتاج إلى دليلٍ شرعيٍ آخر، غاية الأمر أنَّ إفتاء المجتهد في مسألة تحقّق موضوع المسألة عند العامّي، فمن حيث كونه على القاعدة يختلف عن الثاني ويتفق مع المسلك الأوّل.
إلَّا أنَّه مشترك مع المسلك الثاني في ثمرته الثانية، وهي أنَّ الذي لا يقطع أنَّه أعلم لا يجوز له الإفتاء، هنا أيضاً كذلك؛ وذلك لأنَّه يحتمل أن يكون عمرو أعلم، فيحتمل أنَّ رأيه في الحدوث ليس حجّةً في حقّ العامّي. إذن، ليس للعامي علم تعبدي بالحدوث؛ لأنَّ الأعلم لم يفتِ بالحدوث، فلا تتمّ في حقّه أركان الاستصحاب، فكيف يُفتيه؟ فالعامّي ليس متيقناً بالحدوث وجداناً -كما
ــــــــــ[19]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
هو واضح- ولا تعبداً؛ لأنَّ علمه التعبدي فرع حجّيّة قول هذا المجتهد بالنسبة إليه، ومع احتمال أنَّ ذاك أعلم يحتمل أنَّ العامّي ليس عنده علم تعبدي بالحدوث.
فإذا افترضنا أنَّ المجتهد استنبط حكماً واقعيّاً، فأحرزه إحرازاً وجدانيّاً، مثلاً أحرز بالوجدان وجوب السورة على المكلف، فمثل هذا المجتهد الذي ادّعى استنباطه إلى الحكم الواقعي، يكون رجوع العامّي إليه منطبقاً على القاعدة العقلائيّة العامّة، وهي رجوع العامّي إلى العالم، والخبير إلى غير الخبير، ويكون نظر المجتهد ورأيه طريقاً صرفاً إلى الحكم الواقعي المشترك بين تمام المسلمين، وامتيازه فقط على العامّي أنَّ نظره أقوى، فأستطاع أن يُميّز الحكم دون العامّي، كما هو الحال في سائر موارد الرجوع إلى أهل الخبرة. هذا هو الأثر الأوّل لإحراز المجتهد للحكم الواقعي وجداناً.
الأثر الثاني الذي يترتّب على ذلك: أنَّ المجتهد بعد أن يحرز الحكم الواقعي وجداناً، يجوز أن يُفتي بذلك للعامي، ومقصودنا من الإفتاء: الإخبار، بأن يقول: أيّها العامّي، حكمك وجوب السورة. وهذا الإخبار جائز له؛ لأنَّه يخبر عن الحكم الواقعي، سواء كان المجتهد فاضلاً أو مفضولاً، وسواء وافقه الأفضل أو خالفه، وإنّما يجوز الإخبار؛ لأنَّ الوجوب الواقعي للسورة ليس متقيّداً بأن يؤدي إليه نظر الأعلم، فهو مطلق الثبوت على جميع المسلمين، وعلى كلّ حال، سواء أدى إليه نظر الأعلم أو اشتبه في تشخيصه، والمفروض أنَّ المجتهد المفضول قد أدى نظره -على ما يقطع به وجداناً- إلى حكم الله
ــــــــــ[20]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الواقعي، والحكم الواقعي عامٌّ على جميع المسلمين، وثبوته لكلِّ مسلم لا يتوقف على أن يؤدّي إليه نظر الأعلم، فهذا المجتهد يرى بينه وبين الله أنَّ حكم العامّي هو الوجوب، ولو لم يؤدّ إليه نظر الأعلم.
نعم، فتواه هذه ليست حجّةً على العامّي، بحيث يجوز للعامي أن يأخذ بها، ما لم يتمّ بها ملاك الحجّيّة: الأعلميّة، أو ما يشابهها، ولكنّه يجوز أن يُفتي ولو لم يكن أعلم؛ لأنَّه يحرز الحكم الواقعي المشترك بين المسلمين، والحكم الواقعي غير متقيّد بأداء نظر الأعلم إليه، فهذان الأثران يترتّبان على الإحراز الوجداني للأحكام الواقعيّة.
أمّا إذا لم يحرز المجتهد حكم الله الواقعي، وإنّما أحرز الحكم الظاهري الاستصحابي أو البرائتي أو الأمارتي. فحينئذٍ إن قلنا في المقام الأوّل: إنَّ الأحكام الظاهريّة حالها حال الأحكام الواقعيّة في اشتراكها في الثبوت بين المجتهد والعامّي، وفي عموميّة الحكم الظاهريّ وإطلاقه وثبوته في نفس الأمر دائماً وعلى جميع التقادير حاله حال الواقعي، فإذا أدى نظر المجتهد إلى حكم ظاهري، فيترتّب عليه كلا ذينك الأثرين:
الأثر الأوّل: يكون رجوع العامّي إليه مصداقاً للقاعدة العقلائيّة العامَّة.
الأثر الثاني: يجوز له أن يُفتي حتّى لو بنى على مفضوليّة نفسه؛ لأنَّه يقطع أنَّ هذا هو الحكم الظاهري، وهو مشترك الثبوت بينه وبين العامّي، وثبوته غير منوط بالمجتهد أصلاً، فهو ثابت بالرتبة السابقة على الاجتهاد دائماً.
ــــــــــ[21]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وأمّا إذا قلنا باختصاص الأحكام الظاهريّة -الأمارات والأُصول العمليّة- بخصوص المجتهد، حينئذٍ يكون الحكم الظاهري -وهو الاستصحاب مثلاً- مختصّاً به ولا يثبت في حقّ العامّي، فإذا فرضنا أنَّنا تمكنا في المقام الثاني إثبات أداء الحجّيّة للمجتهد خاصّة تكفي في جواز الإفتاء بالحكم الواقعي، كما سبق أن قربناه(1)، فأيضاً يترتّب عليه كلا الأثرين، ولا يبقى إشكّال سوى الإشكالات الثلاثة التي ذكرناها هناك، أمّا إذا لم نقبل هذا المسلك -كما لم نقبله- وانتهينا إلى المقام الثالث، وقلنا: إنَّ تصحيح عمليّة الإفتاء تتوقف على التنزيل، بأن يثبت -زائداً على أدلّة الأحكام الواقعيّة وأدلّة الأحكام الظاهريّة- دليل آخر على التنزيل، أي: تنزيل حالة المجتهد منزلة حال العامّي، أي: تنزيل شكّ المجتهد وقطعه وفحصه منزلة العامّي، فيعتبر شكّ المجتهد وفحصه شكّاً للعامي وفحصاً بالتنزيل، حينئذٍ لا يترتّب كلا ذينك الأثرين.
أمّا الأثر الأوّل فغير موجود؛ لأنَّ رجوع العامّي إلى المفتي لا يكون مصداقاً للقاعدة العقلائيّة؛ لأنَّ غاية ما تثبته هو أنَّ امتياز المجتهد على العامّي في كونه أقوى نظراً، فمرض السل ثابت في المرتبة السابقة على نظر الطبيب، والطبيب أقوى نظراً من المريض في تشخيصه، ولكنّها لا تتضمن تنزيل ظنّ المجتهد وفحصه وشكّه منزلة العامّي استطراقاً إلى تحقّيق موضوع الأحكام الظاهريّة بالنسبة إلى العامّي، فإنَّ هذا لا يُعرف من السيرة العقلائيّة، بل لا بُدَّ ــــــــــ[22]ــــــــــ
(1) راجع: ص14.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
له من دليل خاصّ، ومن ذلك نعرف أنَّ التنزيل يحتاج إلى دليلٍ شرعيٍ خاصّ سوى السيرة العقلائيّة.
أمّا الأثر الثاني: فإنَّه لا يترتّب أيضاً، بمعنى: أنَّه بناءً على هذا المسلك لا يجوز للمجتهد أن يُفتي ما لم يقطع بأعلميّة نفسه.
والسرّ في ذلك: أنَّ المجتهد هنا إذا أراد أن يُفتي العامّي ببقاء النجاسة في الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره، فهل يُفتي ببقاء النجاسة واقعاً، والحرمة الواقعية؟ قطعاً لا يستطيع أن يُفتي بالبقاء الواقعي؛ لأنَّه لم يحرز الحكم الواقعي، بل غاية ما عنده الاستصحاب، استصحاب بقاء النجاسة والحرمة في الماء، فلا بُدَّ أن يُفتي العامّي بهذا الحكم الاستصحابي، فهل يمكن أن يُفتيه بالحكم الاستصحابي مع عدم جريانه في حقّه؟ لا بُدَّ للمجتهد في مقام إفتاء العامّي أن يتأكد أنَّ الاستصحاب جارٍ في حقّه، وإنّما يجري الاستصحاب في حقّ العامّي إذا تمّت أركانه في حقّه، وهو اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء، أمّا الشكّ فنفرض أنَّه وجداني.
وأمّا اليقين فهو غير موجودٍ لا وجداناً -لأنَّ العامّي لم يكن يعرف أنَّ هذا الماء نجس- ولا تعبداً، بأن يكون لديه يقين تعبّدي مستفاد من فتوى المجتهد، فذلك يتوقف على تنزيل المجتهد منزلة العامّي، وهذا التنزيل أمر زائد نستفيده من أدلّة التقليد، حيث تتكفل تنزيل الأعلم منزلة العامّي؛ لأنَّ المفروض أنّها تدلّ على وجوب تقليد الأعلم دون غير الأعلم، فهذا المجتهد لو كان يعتقد بأعلميّة نفسه، فيقول: يقيني بحدوث النجاسة منزّل منزلة يقين العامّي،
ــــــــــ[23]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فأركانه تامّة في حقّه، فيجوز أن أُفتيه، وأمّا إذا كان يعتقد بمفضوليّة نفسه، وكان الأفضل لا يفتي بالحدوث، فهو يعلم أنَّ يقينه غير منزّل منزلة يقين العامّي، وما دام الأعلم لا يوافقه بالحدوث فإنَّه لم يتمّ أركان الاستصحاب للعامي، فلا يجوز له إفتاءه، ولو شكّ بأعلميّة نفسه يشكّ بتماميّة الاستصحاب للعامي، فلا يجوز له الإفتاء.
وكذلك المجتهد الذي لا يرى نفسه عادلاً -والعياذ بالله- لا يجوز له الإفتاء؛ لأنَّ يقينه بالحدوث ليس منزّلاً منزلة يقين العامّي؛ لأنَّ المنزَّل هو يقين المجتهد العادل لا يقين غير العادل.
فرجوع العامّي إلى المجتهد -بناءً على هذا المسلك- يكون على خلاف القاعدة ويحتاج إلى دليلٍ خاصّ، وإذا لم يحرز المجتهد الأعلميّة لا يجوز له الإفتاء.
وخلاصة ما تقدم: عندنا مسلك ثالث متوسط بين المسلكين، وهو: أنَّ الأحكام الظاهريّة ليست ثابتةً في حقّ العامّي بأدلّتها الأوّليّة، كما في المقام الأوّل، ولا حاجة إلى التنزيل، كما في المقام الثاني، بل يتحقّق موضوع الحكم الظاهري في مسألةٍ بتقليد المجتهد في مسألةٍ سابقة.
ومثّلنا له: بأنَّه لو أفتى الأعلم بحدوث النجاسة في الماء المتغيّر، فيصير المقلّد ببركة دليل الحجّيّة عالماً بالحدوث تعبداً وشاكّاً بالبقاء وجداناً، فيجري الاستصحاب في حقّه.
والفرق بين هذا المقام والمقام الثالث: أنَّ اليقين عند العامّي هناك وجدانيّ،
ــــــــــ[24]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهنا عنده يقين تعبّديّ، بمعنى: أنَّ أدلّة الحجّيّة جعلته متيقناً تعبّداً واعتباراً، فيجري في حقّه الاستصحاب.
وقلنا: هذا المسلك المتوسط أحسن من مسلك التنزيل من ناحيةٍ، ومثله من ناحيةٍ أخرى، وأسوأ منه من ناحيةٍ ثالثة.
أمّا أنَّه أحسن منه فمن ناحية الأثر الأوّل؛ لأنَّ رجوع العامّي إلى المجتهد يكون على القاعدة، ولا نحتاج إلى دليلٍ شرعيٍ خاصّ على التنزيل، كما احتجنا إليه في مسلك التنزيل، أمّا هنا فتماميّة الأحكام الظاهريّة لدى العامّي على القاعدة.
أمّا من ناحية أنَّه مثله فهو من ناحية الأثر الثاني، فإنَّه إذا لم يحرز أعلميّة نفسه لا يجوز له الإفتاء، فإنَّه لم يحرز أنَّ علمه بالحدوث حجّة على العامّي، فلم يحرز علم العامّي تعبداً بالحدوث. وعليه: لم يحرز تماميّة أركان الاستصحاب بالنسبة إليه، فكيف يجوز له إفتاؤه بالحكم الاستصحابي؟
وأمّا أنَّه أسوأ من مسلك التنزيل، فهو بناءً على هذا المسلك يصير علم العامّي علماً تعبّديّاً اعتباريّاً، بلحاظ حجّيّة قول المجتهد في حقّه، فيترتّب على هذا العلم آثار العلم الاعتباري لا آثار العلم الوجداني، فلو فُرض أنَّ للعلم الوجداني آثار تترتّب عليه، فإنَّها لا تترتّب على هذا العلم، وأمّا بناءً على مسلك التنزيل، لو فرضنا أنَّ المجتهد يعلم وجداناً بالحكم، فإنَّه يُنزَّل منزلة العلم الوجداني للعامي، فيترتّب عليه آثار العلم الوجداني لا الاعتباري.
ويظهر الأثر في أنَّ العلم الإجمالي علّةٌ لوجوب الموافقة. فإنَّ قولنا: بأنَّ
ــــــــــ[25]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
العلم الوجداني علّة لوجوب الموافقة القطعيّة بخلاف العلم الاعتباري، فإنَّه علّة لحرمة المخالفة القطعيّة فقط. حينئذٍ -بناءً على مسلك التنزيل- يترتّب على العامّي آثار العلم الوجداني الإجمالي، أي: قانون العلّيّة. أمّا على المسلك المتوسط فيترتّب عليه آثار العلم الاعتباري.
فهذه هي المسالك في المقام.
ومن خلال هذا البحث ظهر أيضاً أنَّه لو بُني في المقام الأوّل على اختصاص الأحكام الظاهريّة بالمجتهد، فتبقى عندنا مسالك ثلاثة: أمّا المسلك الأوّل، أو مسلك التنزيل، أو المسلك المتوسط. أمّا الأوّل فقد أبطلناه بالوجوه الثلاثة هناك، فيبقى الأمر دائراً بين مسلك التنزيل والمسلك المتوسط.
أقول: لا إشكّال ولا ريب، أنَّ الموافق مع ارتكاز المجتهدين والعوام هو مسلك التنزيل، فلو فُرض أنَّ مثل هذا الإرتكاز كان حجّةً شرعاً، فهو يكشف عن ثبوت التنزيل شرعاً، إلَّا أنَّه لم يتمّ دليل على حجّيّته.
وحين يدور الأمر بين التنزيل والمسلك المتوسط، يتعيّن المسلك المتوسط؛ لأنَّ التنزيل يتوقف على إثبات جواز التقليد، ويتوقف جواز التقليد على ثبوت التنزيل، والتنزيل يتوقف على دلالة الاقتضاء، وهي غير تامّة بعد تصوّر المسلك الثالث.
فإذا كان التقليد متوقفاً على التنزيل فإنّما يثبت بدلالة الاقتضاء صوناً لكلام المولى عن اللغويّة، ولكنّا بعد أن تصوَّرنا المسلك الثالث لا نحتاج إلى مسلك التنزيل، فيتعيّن المسلك المتوسط.
ــــــــــ[26]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فتبيّن أنَّه بناءً على اختصاص الأحكام الظاهريّة بخصوص المجتهد -كما يُذكر في المقام الأوّل الذي أجلناه- يثبت هذا المسلك الثالث، ويترتّب عليه أحكامه.
والخلاصة: اتّضح مما سبق أنَّ في تصحيح عمليّة الإفتاء في باب الأحكام الظّاهرية عدة مسالك:
المسلك الأوّل: مسلك التعميم: بدعوى أنَّ الأحكام الظاهريّة تشمل المجتهد والعامّي كالأحكام الواقعيّة، وهذا ما يذكر في المقام الأوّل.
المسلك الثاني: وهو تسليم اختصاص الأحكام الظاهريّة بالمجتهد، إلَّا أنَّ الحكم الظّاهري يجعل المجتهد يحرز الحكم الواقعي تعبداً فيفتي به، وهو مسلك المقام الثاني.
المسلك الثالث: المسلك المتوسط.
هذه المسالك، مسالك تصحيح عمليّة الإفتاء في موارد الأحكام الظاهريّة.
كان الكلام في الأحكام الظاهريّة الثابتة في وقائع مشتركة بين المجتهد والعامّي، كالصلاة والصوم، ولم نتعرض إلى الوقائع التي يختصّ بها العامّي وليس للمجتهد فيها حكم، كالأحكام المختصّة بالنساء لو كان المجتهد رجلاً.
هنا، لو فرض أنَّ المجتهد أحرز حكم الله الواقعي إحرازاً قطعيّاً فلا إشكال، أمّا إذا لم يحرزه وإنّما استنبط حكماً ظاهريّاً، فيأتي الإشكال السابق،
ــــــــــ[27]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهو أنَّ الحكم الظَّاهري موضوع في حقّ الفاحص، ومن كان على يقين فشكّ، وهذا من خصائص المجتهد دون المرأة، ويأتي أيضاً في جوابه نفس المسالك السابقة للتخلص من هذا الإشكال وتصحيح الفتوى.
فإنَّه يأتي في مسلك المقام الأوّل المبني على التعميم، وكذلك مسلك التنزيل، وكذلك يأتي المسلك المتوسط؛ لأنَّ البناء فيها على تصحيح إفتاء العامّي بالحكم الظاهري، بدعوى أنَّ الحكم الظاهري ثابتٌ في حقّ العامّي، أمّا ابتداءً، أو تنزيلاً، أو تعبداً على اختلاف المسالك، وهذا أمر تشترك فيه هذه المسالك الثلاثة، فإذا كان الحكم الظّاهري ثابتاً بحقّ المرأة أفتاها به بلا إشكّال.
أمّا على مسلك المقام الثاني: لو بُني على أنَّ الأحكام الظاهريّة مختصّة بالمجتهد ولا تعمّ العامّي أصلاً، إلَّا أنَّ ثبوت الحكم الظّاهريّ والحجّة الظاهريّة يجعل المجتهد محرزاً للواقع تعبّداً، فيفتي العامّي بالحكم لإحرازه التعبّدي به.
هذا المسلك يكون تطبيقه على العامّي مشكلاً؛ لأنهَّ موقوف على أن يتمّ دليل الحجّيّة عند المجتهد، وتماميته موقوفة على أن يكون مورد الحكم شاملاً للمجتهد كما في الأحكام المشتركة بين المجتهد والعامّي، ولا يتمّ فيما كان العامّي مختصّاً به، فصحة الفتوى متوقفة على تعقّل الحكم الظاهريّ بالنسبة إلى المجتهد، وهو إنَّما يتمّ إذا كان له واقع بالنسبة إليه.
وهنا في مقام الجواب يمكن أن يقال: حيث إنَّ التقليد في هذا المسلك مبني على جعل الطريقيّة، وكون المجتهد عالماً بالحكم تعبّداً، وجعل الشخص عالماً تارةً يكون بلحاظ آثار المعلوم في حقّه، وأخرى يكون بلحاظ آثار العلم في
ــــــــــ[28]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
حقّه، كما سيأتي في بحث قيام الحجّة مقام القطع الموضوعي.
إلّا أنَّ هذا الجواب وإن كان تامّاً ثبوتاً، إلَّا أنَّه لا يتمّ في بعض الموارد، وذلك بلحاظ لسان الدليل، فإنَّ أدلّة الحجّيّة، إذا لم تكن بلسان الأمر، صح أن يكون حكم الواقعة المختصّة بالعامّي حجّةً في حقّه، أمّا إذا كان وارداً بلسان الأمر بتطبيق مؤدّى الخبر، فهذا اللسان يقتضي أن يكون لمؤدّى خبر العادل أثراً في حقّه حتّى يكون حجّةً عليه، فتماميّة هذا التقريب مبنيّة على لسان الدليل، فإذا كان يفرض أثراً للمؤدّى فلا يتمّ، وإن لم يكن يفرض أثراً للمؤدّى فيتمّ.
يبقى الكلام في هذه المسألة في تحقّيق المقام الأوّل الذي أجلناه، في أنَّ الأحكام الظاهريّة هل هي مختصّة بخصوص المجتهد أو تشمل العامّي؟
وليس في هذا المقام مزيد بحث بعد ما مضى من التفاصيل والخصوصيّات؛ وذلك لأنّ الإشكال تارةً يكون بعنوان الشكّ واليقين، بأن يقال: إنَّ العامّي ليس له علم إجمالي ولا شكّ ولا يقين، فكيف تعمّه الأحكام الظاهريّة؟ وأخرى بلحاظ الفحص، بدعوى أنَّ الأحكام الظاهريّة موضوعة على الفاحص، وهو خصوص المجتهد دون العامّي.
أمّا إذا كان الإشكال بلحاظ الشكّ واليقين -اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء- وغيرهما من المزايا النفسانيّة للمجتهد قطعاً وظنّاً وشكّاً، فلا إشكال أنَّها لا تحصل للعامّي، فلا محيص من الالتزام بتخصيص الأحكام الظاهريّة لمن حصلت عنده هذه الحالات.
ــــــــــ[29]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وأمّا من ناحية الفحص، فإنَّه سوف يأتي في باب الأُصول العمليّة(1) بأنَّ الواجب نفس عنوان الفحص، وأنَّ أدلّة الأُصول العمليّة مقيَّدة بالفحص والتعلم، وبناءً على هذا فالإشكال هنا أيضاً في محلّه، فإنَّ الفحص والتعلم لا يُتصوّر في حقّ العامّي، وإنّما يُتصوّر في حقّ من هو قادر عليه، وهو خصوص المجتهد.
إلَّا أنَّ يقال: إنَّ فحص كلّ بحسبه، ففحص المجتهد في الوسائل، وفحص العامّي في الرسائل العمليّة، وسيأتي ذلك في بحث وجوب الفحص(2).
أمّا الفحص في الأمارات -في المقيِّد والمخصّص- فإن قيل: إنَّ الواجب هو عنوان الفحص والتعلم، فالإشكال عين الإشكال، وإن قيل: إنَّ شرط الحجّيّة هو عدم وجود المعارض في معرض الوصول، والفحص إنّما هو لأجل التأكد من ذلك، لا أنَّ الفحص بعنوانه شرط، فيكون هذا الشرط شرطاً واقعيّاً، والمجتهد يستطيع أن يحرزه، فيحرز بذلك تحقّق موضوع الحجّيّة في حقّ العامّي؛ لأنَّ تمام ملاك الحجّيّة هو عدم وجود المعارض في معرض الوصول، فإذا أحرز المجتهد ذلك، كان ذلك تامّاً في حقّ العامّي أيضاً، وتمام البحث يستفاد من كلماتنا في بحث العموم والخصوص ، وسيأتي البحث عنه أيضاً في مبحث وجوب الفحص(3).
ــــــــــ[30]ــــــــــ
(1) انظر: مباحث الأصول 4: 426، خاتمة في شرائط الأصول العمليّة، شرط الفحص.
(2) انظر: مباحث الأصول 4: 426، خاتمة في شرائط الأصول العمليّة، شرط الفحص.
(3) انظر: نفس المصدر السابق.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ويتلخص: أنَّ الإشكال تامٌّ في كثير من الموارد، ولا بُدَّ في الجواب عنه من أحد المتخلصات السابقة، وقد قلنا: إنَّ المتعيّن هو المسلك المتوسط، بمعنى: أنَّ تقليد العامّي في مسألة يحقّق موضوع مسألة أخرى بالنسبة إليه.
هذا تمام الكلام في مسألة تحليل عمليّة الفتوى
هذه الخاتمة معقودة لبيان إشكال صغروي في المقام: هو أنَّه كيف يجتهد غير الأعلم؟ وهذا الإشكال مفروض في صورة اعتراف المجتهد بمفضولية نفسه، ومفروض في المسألة أن يكون طبيعة البحث فيها طبيعة صناعيّة لا جزافيّة، بحيث يحتمل انتهاء البحث فيها إلى برهان، وإلى أوّليات وبديهيات، كالبحث في مسألة انقلاب النسبة، لا كالبحث في دلالة صيغة الأمر على الوجوب، وأيضاً نفرض مخالفة رأيه للأعلم.
هنا يتحقّق موضوع الإشكال، وتقريره مبني على مقدّمة واضحة، وحاصلها: أنَّه في فقه الشيعة، أو المسلمين عموماً لا يجوز للمجتهد أن يعمل برأيه، وأن يُفتي برأيه، إلَّا إذا كان قاطعاً بالرأي. وأمّا الظن فلا يمكن العمل أو الفتوى به؛ لأنَّه لا يغني عن الحقّ شيئاً(1).
إذن، لا بُدَّ من الرجوع إلى القطع الوجداني، إلَّا أنَّ هذا القطع يختلف متعلّقه فقد يقطع بحكم الله الواقعي، أو بالوظيفة العمليّة، أو بالوظيفة العقليّة، فلا بُدَّ له في تمام هذه المراحل من القطع الوجداني، وإن اختلف متعلّق القطع.
ــــــــــ[31]ــــــــــ
() إشارة لقوله تعالى: وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا، (النجم: 28).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فيقال في مثل هذا الشخص: إنَّه لو بحث المسألة وانتهى إلى وجوب السورة، والتفت إلى أنَّ الأعلم يخالف رأيه في وجوب السورة، كيف يحصل له القطع بالحكم؟! لأنَّ المفروض أنَّه يعترف بمفضوليته، والمسألة نظرية صناعيّة، فيحتمل أنَّه إذا تباحث مع الأعلم يتغلب عليه في البحث، فلا يمكن أن يحصل له القطع برأيه، فلا يجوز له العمل برأيه، ولا يجوز لغيره الرجوع إليه.
وبعبارة أخرى: أنَّ غير الأعلم إذا بحث في أخبار وجوب السورة أو الإقامة أو في أدلّة الترتّب، وأدى نظره إلى وجوب السورة، وكان الأعلم يُفتي بعدم الوجوب، وكان هذا المجتهد يعلم بذلك، وقد فرضنا أنَّه يعترف أنّه ليس بأعلم، فمجرّد اعتقاده بأنَّ زيداً أعلم منه يؤدي احتماله إلى أنّه إذا تباحث مع زيدٍ في المسألة فإنَّ زيداً سيغلبه، وهذا مفروض في المسائل التي يمكن البحث فيها، كالمباحث والتقريبات التي نعبّر عنها بكونها (فنيّة) دون الاستظهارات الجزافيّة.
فنفرض أنَّه استنبط وجوب السورة، بناءً على القول بانقلاب النسبة
-مثلاً- عند تعارض الأدلّة، وكان الأعلم لا يقول بانقلاب النسبة.
فيحتمل هذا المجتهد أنَّ الأعلم إذا تباحث معه في مسألة من المسائل فسوف يغلبه، ومع هذا الاحتمال لا يحصل له القطع، لا بالحكم الواقعي ولا بالحكم الظّاهري في مورد مخالفة الأعلم في أيّ من الحكمين. ومن المعلوم أنَّ المجتهد لا يجوز له أن يُفتي أو أن يعمل برأيه، ما لم يحصل له القطع، إمّا بالحكم الواقعي، وإمّا بالحكم الظّاهري، أو بالوظيفة القطعيّة. وعلى كلِّ حال لا بُدَّ من
ــــــــــ[32]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
انتهائه إلى القطع الوجداني، وكيف يحصل له القطع إذا كان الأعلم يخالفه في الرأي في أحد هذه المراتب!! وهذا الإشكال لو تمّ، فإنّه لا يجوز للمجتهد أن يعمل برأيه في موارد المخالفة مع الأعلم.
وجواب هذا الإشكال: هو أنّه قد يقال: بالتمسّك بالإطلاق المقامي لأدلّة جواز التقليد.
بتقريب: أنَّ هذه الأدلّة الدالّة على جواز التقليد، أو وجوب التفقه لِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ(1) واردة لبيان رجوع العامّي إلى المجتهد، ووجوب الاجتهاد كناية لأجل وجود المبلغ للعوام، وهذا المدلول المطابقي لو جمدنا عليه لم نستفد منه حلاً للمشكلة؛ لأنَّه يقتضي أن يرجع العامّي إلى المجتهد في حكم العامّي، وهذا هو مورد الإشكال، فإنَّ الحكم الذي يستنبطه المجتهد ليس حكم العامّي؛ لأنَّه حكم الفاحص، ومن كان على يقين فشكّ، ولكنّنا لو قلنا: إنَّ مثل هذه النكتة -نكتة الفرق بين حكم المجتهد الظاهري وحكم العامّي الظّاهري- مّما يغفل عنها الناس غالباً، فإنّه بالوجدان يغفل الناس عنها في الخارج إلَّا علّام الغيوب وأوصيائه. فلو كانت هذه النكتة دخيلةً في المطلب -ولو فرض أنَّ المولى في مقام جعل حجّيّة قول المجتهد- لكانت ملحوظةً له بحيث لا يرضى للمجتهد أن يُفتي العامّي بحكم المجتهد، ولا يرضى للعامي أن يرجع إليه ما لم يتمّ موضوعه في حقّ العامّي، وحيث إنّها نكتة مغفول عنها غالباً فمقتضى الحكمة التنبيه عليها، وحيث إنَّه لم ينبه عليها، ولم يشر إلى ذلك في
ــــــــــ[33]ــــــــــ
(1) التوبة: 122.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أدلّة جواز التقليد، فمقتضى الإطلاق المقامي أنَّه غضّ النظر عن هذه النكتة، وجعل المفتي يُفتي على غفلته، والعامّي يعمل برأي المجتهد على غفلته، فهذه النكتة أُجيزت من قبل الشارع، ومعناه جعل حكم المجتهد في حقّ نفسه حجّة على العامّي.
فلو تمّ هذا الإطلاق بهذا التقريب الذوقي لكان دليلاً فقاهتيّاً في مقام حلّ المشكّلة بلا حاجة إلى الصناعة، بل إنّه رفع لموضوع الإشكال.
وهذا الإشكال يرد عليه أيضاً:
أولاً: ينبغي أن يفصّل فيه بين ما إذا كان المفضول يحتمل أنّه بالمباحثة مع الأعلم يغيّر موضوع الوظيفة بالنسبة إليه، وأخرى يحتمل أنّه يثبت له خطأه مع بقاءه على موضوعه.
فإنَّه تارةً: يُفرض أنّه بحث في الروايات فلم يجد دليلاً على وجوب السورة فرجع إلى أصالة البراءة، ولكنّه يحتمل أنَّ الأعلم بالمباحثة يخرجه عن دليل البراءة ويثبت له دليل الوجوب، فهذا خروج من موضوع إلى موضوع، فإنَّ موضوع البراءة هو من لا يعلم، إلَّا أنَّ المجتهد يُصيّره عالماً، أو أنَّه يتمسّك بإطلاق أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(1) لحليّة المعاطاة، ولكن الأعلم يثبت له المخصّص.
وأخرى: يثبت له خطأه مع البقاء على نفس الموضوع، كما إذا كان يعتقد بإطلاق دليل الاستصحاب لموارد الأصل المثبت، والأعلم -طبعاً- يعتقد بقصور شمول دليل الاستصحاب للملازمة العقليّة، فإذا تباحث معه يثبت له
ــــــــــ[34]ــــــــــ
(1) البقرة: 275.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أنَّ هذا الإطلاق غير صحيح، أو أنَّه كان يقول باستحالة الترتّب، والأعلم
-طبعاً- يقول بإمكانه، فيتباحث معه ويثبت له خطأه في موضوعه، فهذا إثبات للخطأ على نفس الموضوع.
أمّا القسم الأوّل: في نقله من موضوع إلى موضوع، فالأمر فيه سهل؛ لأنَّ احتمال أنَّه ينقلب الموضوع عند المباحثة، أي: احتمال أن ينسلخ من موضوعه إلى موضوع آخر، وإلَّا فمع التحفظ على موضوعه فحكمه صحيح؛ لأنَّ موضوع أصالة البراءة هو من لم يرد إليه دليل، والأعلم إنّما يغيّر موضوعه، لا أنَّه يثبت خطأ في المسألة.
نعم، يبقى إشكال واحد: وهو أنَّه بعد أن كان يحتمل تبدّل الموضوع بالمباحثة، فلا يجوز له الرجوع إلى البراءة؛ لأنَّها يُرجع إليها بعد الفحص واليأس من الدليل، ومن جملة موارد الفحص هو الرجوع إلى الأعلم. إذن، فليفحص. وكذلك فإنَّ التمسّك بالإطلاق فرع الفحص عن المخصِّص والمقيِّد، وهو لم يتمّ له الفحص؛ لأنَّه يحتمل أنَّ المخصّص والمقيّد موجود عند الأعلم، فمن جملة موارد الفحص هو الرجوع إلى الأعلم.
ولكن هذه الشبهة قابلة للدفع: فإنَّ الأدلّة التي قامت على وجوب الفحص لا تنهض لإثبات ذهاب هذا المجتهد المسكين إلى الأعلم ليسأل منه، وإنّما دلّت على وجوب الفحص المباشري، وهو فحص المجتهد بنفسه مستقلاً، لا وجوب الفحص ولو بالمعونة.
أمّا الفحص في باب العمومات والأُصول اللفظيّة، أي: الفحص عن المخصّص والمقيِّد؛ فلأنَّ الدليل عندهم على وجوبه أمران:
ــــــــــ[35]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الأوّل: العلم الإجمالي، من حيث إنَّه يعلم إجمالاً بوجود جملة من المخصّصات والمقيِّدات، وعليه فلا بُدَّ أن يفحص. وقد قلنا في بحث العموم (1): أنَّ الفحص مقيّد بخصوص ما لو فحص مباشرةً لوجده، وهو لا يعلم بوجود مخصّصات أكثر من ذلك فينحلّ العلم الإجمالي، وحينئذٍ هذا العلم الإجمالي لا يقتضي منه أكثر من الفحص المباشري، دون الفحص بالمعونة ومراجعة الأعلم.
الثاني: السيرة العقلائيّة، من حيث إنَّ الشارع يختلف عن العقلاء فإنَّ طريقته على التدرج في بيان الأحكام، فإذا صدر منه كلام لا يعتبره العقلاء حجّة إلَّا بعد الفحص.
نقول: إنَّ العقلاء لا يتوقعون منه الرجوع إلى الغير في مقام الفحص، ولا يرون إلَّا الفحص المباشري دون الفحص بالمعونة، فيكتفون بالفحص بالمباشرة ولا يكلفوه الرجوع إلى الغير، فدليل الفحص في الأدلّة اللفظيّة قاصر عن اثبات وجوب الفحص بالمعونة.
وأمّا في باب الأُصول العمليّة، فالدليل على وجوب الفحص-أيضاً- أمران:
الأوّل: الاجماع.
الثاني: أخبار (هلا تعلّمت)، حيث يقال للشخص: لماذا لم تعمل الواجب الفلاني؟ فيقول: لم أعلم، فيقال له: هلا تعلّمت (2).
ــــــــــ[36]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 5: 242.
(2) وسائل الشيعة 3: 346، الباب 5 من أبواب اليتيم، الحديث 1.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أمّا الاجماع، فلم يقم على الفحص بالمعونة، بل قام على خلافه. وأمّا أخبار (هلا تعلّمت) فأيضاً لا يستفاد منها الإطلاق على هذا النحو؛ لأنَّها ليست في مقام البيان من ناحية مقدار التعلّم، بل في مقام بيان أنَّ ترك التعلّم ليس مؤمِّناً ولا معذّراً للجاهل، فلا يمكن التمسّك بإطلاقه لإثبات وجوب رجوعه إلى الأعلم في مقام الفحص، كما سيأتي تفصيله في مبحث وجوب الفحص (1).
إذن، لم يدلّ دليل على وجوب الفحص بالمعونة، فينحلّ الإشكال في جميع موارد القسم الأوّل، أي: فيما إذا كان يحتمل أنَّه ينقله من موضوع إلى موضوع، لا أنَّه يثبت خطأ مع بقائه على موضوعه.
القسم الثاني: إذا فرض أنَّه يحتمل أنَّ الأعلم يثبت له خطأه مع بقائه على موضوعه، وهذا أشكّل من القسم الأوّل.
كأن يشكّ المجتهد في أنَّ هذا الشخص الذي غاب عشرون سنة، هل نبتت له لحية أو لم تنبت، فيتمسّك باستصحاب حياته لإثبات هذا اللازم العقلي، وهو يحتمل أنَّ الأعلم يُثبت عدم إطلاق دليل الاستصحاب لموارد الأصل المثبت، أو أنَّ المجتهد يعتقد بعدم إمكان الترتّب، وتحتمل أنَّ الأعلم يثبت له امكانه.
والجواب عليه نقضاً وحلاً:
أمّا النقض: فبالنقض بالأعلم؛ فإنَّ الأعلم تأتي فيه هذه الشبهة أيضاً، فإنَّه أيضاً قد لا يقطع بالحكم، وإنّما قد يتفق له احتمال مماثل لاحتمال غير الأعلم.
ــــــــــ[37]ــــــــــ
(1) انظر: مباحث الأصول 4: 426، خاتمة في شرائط الأصول العمليّة، شرط الفحص.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وذلك بسبب أحد أمور:
أوّلها: أنَّ الأعلم إنسان وتمر عليه من الظروف ما يمر على سائر الناس، ويكون له من المشاغل الدنيويّة والدينيّة، ومن شواغل الذهن والفكر الشيء الكثير، فإنَّ معنى كونه أعلم هو كونه أدق نظراً وأعمق فكراً، والدقة إنّما تظهر في وقت جلاء الذهن وعدم الموانع، فالأعلميّة تكون بتماميّة المقتضى، ولكن قد تحصل له موانع وشواغل، ويحتمل أنَّه قد غابت عن ذهنه بعض الخصوصيات، ولا يخلّ ذلك بأعلميته؛ لأنَّ المقتضي موجود، وهي تدور مدار المقتضي، ولكن يحتمل أنَّ غير الأعلم في حال الراحة وصفاء الذهن يلتفت إلى نكات لا يلتفت إليها الأعلم في وقت انشغال الذهن، وهذا الأمر وجداني. فيلزم أن يقال بعدم حجّيّة قول المجتهد في هذا الحال، أي: حال الانشغال. ولا بُدَّ أن ينتظر إلى وقت الراحة حتّى يستنبط الحكم الشرعي، ولكن هذا بحسب الخارج لا يُحتمل.
ثانيها: أن نفرض بأنَّ الأعلم يحتمل أنَّه سوف يصبح أعلم ممّا هو عليه الآن، فمثل هذا الشخص أيضاً لا يحصل له القطع؛ لأنَّه يحتمل أنَّه بعد عشرين سنة سوف يلتفت إلى نكات لا يعرفها الآن.
ثالثها: الأعلميّة قد تكون بفواصل كبيرة جداً، وأخرى بفواصل متقاربة، ففي الفواصل الكبيرة لا يحتمل انغلاب الأعلم، إلَّا أنَّ الأعلميّة في أكثر الأحيان ليست بهذا المقدار الشاسع، فيحتمل الأعلم أنَّه ينغلب في هذه المسألة.
رابعها: أن يُفرض أنَّ هناك مجتهداً أعلم آخر ميّت مخالف له، كأن نفرض
ــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أنَّه يخالف الشيخ الأنصاري، فذلك المجتهد وإن كان لا يجوز تقليده؛ لأنَّه ميت إلَّا أنَّ الإشكال يأتي فيه، من حيث إنَّه كيف يطمئن أنَّه لو كان موجوداً وتباحث معه أنَّه لا يغلبه؟! وهذا يؤدي إلى اشتراط الأعلميّة من جميع علماء المسلمين، وهذا جُزاف محض، فإنَّه كيف يعتقد كونه أعلم بالقطع واليقين؟ إلَّا أنَّ هذا الوجه قابل للنقض، كما سيأتي -قريبا-.
خامسها: افرضوا أنَّه يعلم بنفسه أنَّه أعلم علماء المسلمين، وأنَّه لن يصبح أعلم من ذلك في أيّ وقت، إلَّا أنَّه يمكن أن يخلق الله شخصاً أعلم منه بثلاثة أضعاف -ولو بنحو الفرض- وهذا المجتهد يحتمل أنَّه لو وجد هذا الشخص لغلبه في المباحثة، وألفته إلى بعض المطالب.
سادسها: الإمام، وهذا الاحتمال موجود دائماً؛ لأنَّ الإنسان مهما بلغ من الذكاء وسعة الذهن فهو أقل من الإمام بمرّاتٍ، ويحتمل أنَّه إذا وصل إلى خدمة الإمام وتباحث الإمام معه بحثاً صناعيّاً، لأظهر له خطأ رأيه.
أمّا الأمر الرابع: وهو النقض بما إذا كان الميت أعلم، هذه الحالة قابلة للدفع بناءً على تفسير الأعلم، فإنَّ الأعلم له معنيان: تارةً يراد به الأجود استنباطاً، وأخرى يراد به الأذكى والأفهم والأكثر تجديداً للعلم.
أمّا بالمعنى الأوّل: فدائماً أعلم المتأخّرين أجود استنباطاً من المتقدّمين حتّى من الشيخ الأنصاري، والوجه في ذلك: أنَّ المتأخّر لا تكون أجوديّة استنباطه ناشئة عن فكره فقط، بل عن اطّلاعه على أراء العلماء وتجاربهم خلال سبعين سنة؛ لأنَّ كلّ واحد منهم أضاف إلى العلم بمقدار ما، فالذي استفاد
ــــــــــ[39]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
منهم يكون في كثير من الأحيان أجود استنباطاً. إذن، فالأعلم في كلّ جيل أعلم من جميع سابقيه.
نعم، الأعلم بالمعنى الثاني، وهو الأدق نظر والأكثر تجديداً للعلم، وهو الذي يوجب التقدير والعظمة والخلود في التأريخ، بهذا المعنى قد يبقى الشيخ الأنصاري أعلم مدة ألف سنة؛ لأنَّ أعلميته بهذا المعنى الثاني تدور مدار مقدار إضافته إلى العلم، افرضوا كان العلم قبله خمسين فأضاف أربعين فصار تسعين، إلَّا أنَّ المتأخّرين عنه أضافوا خمسة فقط فصار العلم خمسة وتسعين، فقهراً يكون المتأخّر أجود استنباطاً، إلَّا أنَّ الشيخ الأنصاري أعظم منه؛ لأنَّه أضاف أربعين درجة بمفرده.
فهذا الأمر الرابع قابل للدفع، إلَّا أنَّ الوجوه الباقيّة منجّزة وصحيحة ومهمة، ممّا يدلّ على وجوب الجواب على هذه الشبهة.
أمّا الحلّ: للإشكال الذي يقع في القسم الثاني، وهو ما إذا احتمل المجتهد أنَّ الأعلم سوف يظهر بالمباحثة خطأه في موضوعه، حيث إنَّ هذا الإشكال لا بُدَّ أن يُعتبر مغالطة في المقام، وإلَّا فإنَّه يأتي في الأعلم أيضاً، وحينئذٍ ينغلق باب الاجتهاد عند الشيعة كما انغلق عند غيرهم، وهو غير ممكن بحسب الخارج، وحينئذٍ فلا بُدَّ من الجواب على هذه الشبهة وحلّها آنياً، أي: مع التسليم ببطلانها يبحث عن وجه التسليم.
وتفصيل ذلك: أنَّ هذا المجتهد المفضول الذي يحتمل أنَّ الأعلم يثبت له خطأه على موضوعه، إمّا أن يكون موضوع اجتهاده هو الفهم من الدليل
ــــــــــ[40]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
اللفظي، وإمّا يكون حكماً عقليّاً.
أمّا الفهم من الدليل: كما إذا فهم من دليل الاستصحاب أنَّه شامل لموارد الشكّ في المقتضي، خلافاً للشيخ الأنصاري(1) الذي يقصره على موارد الشكّ في الرافع، ويحتمل هذا المجتهد أنَّه لو اجتمع بخدمة الشيخ الأعظم سوف يظهر له خطأ، وأنَّ دليل الاستصحاب مخصوص بالشكّ في الرافع.
وأمّا الحكم العقلي: كما إذا أدى نظره إلى إمكان الترتّب، أو إمكان اجتماع الأمر والنهي، ورأى الأعلم استحالة هذه الأمور.
أمّا في النوع الأوّل -وهو ما إذا كان محلّ اجتهاده هو الاستفادة من الدليل- فيقال: هذا المجتهد الخبير البصير وإن كان لا يقطع برأيه، فإنَّه بعد أن يلتفت إلى رأيه لا يحصل له القطع بأنَّ دليل الاستصحاب له ظهور وإطلاق في موارد الشكّ في المقتضي، غاية الأمر أنَّه يحصل له الظنّ بأنَّ دليل الاستصحاب يكون على هذا النحو الذي يراه هو، إلَّا أنَّ هذا الظنّ الذي يحصل للمجتهد، والذي لا مانع من رقّيّه إلى مرتبة القطع إلَّا مخالفة الأعلم له فقط، مثل هذا الاحتمال بنفسه حجّة عند العقلاء في إثبات المقصود وإثبات الظهور، فإنَّه واضح من السيرة العقلائيّة أنَّ الشخص البصير لو استنتج من الظهور بحيث لم يبق مانع منه، إلَّا أنَّ هناك من هو أبصر منه. فالعقلاء ما داموا يعترفون
ــــــــــ[41]ــــــــــ
( ) التفصيل بين الشكّ في الرافع والشكّ في المقتضي نسبه الشيخ الأنصاري إلى ظاهر المعارج للمحقّق الحلي، واختاره هو أيضاً. انظر: المعارج: ٢٠٩ و٢١٠، فرائد الأصول 2: 159، حجّة القول التاسع.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ببصيرته، فيقال: إنَّ اعتماده على حدسه ليس سفاهةً، وإنَّما هو أمر عقلائي جرت عليه السيرة العقلائيّة، كأصل الظهور.
نعم، لو فرض أنَّه حصل له القطع ببطلان رأيه فهذا خارج عن محلّ الكلام. وإنَّما يأتي الكلام إذا ترجّح رأيه في نظره، ولم يبق له إلَّا مخالفة الأعلم، مثل هذا الظن جُعل عقلائيّاً حجّة لإثبات الظهور، والدليل عليه هو السيرة العقلائيّة الدالّة على حجّيّة أصل الظهور، ففي مثله نلتزم بحجّيّة رأيه، وإن كان هناك مانعٌ.
أما النوع الثاني: وهو ما إذا كان مورده حكماً عقليّاً، وهو على قسمين:
القسم الأوّل: العقل العملي، أي: مدركات العقل العملي، أي: حكم العقل للحسن والقبح، وهو أنَّ المجتهد يرى بأنَّ الكذب في المورد المعيّن حسن، والأعلم يرى أنَّه قبيح أو بالعكس، فيكون الخلاف في حكم العقل العملي، أي: مدركات العقل العملي في الحسن والقبح.
القسم الثاني: العقل النظري، أي: يكون الخلاف في مدركات العقل النظري، كالإمكان، والوجوب، والاستحالة.
فإن كان من باب مدركات العقل العملي فهو خارج عن محلّ الكلام موضوعاً؛ لأنَّه لا يوجد فيه بحث صناعي؛ لأنَّ مسألة الحسن والقبح مسألة وجدانيّة، ولا يمكن البرهنة على قبح الشيء وحسنه.
نعم، نأتي إلى القسم الآخر، وهو الأحكام العقليّة النظريّة، كما إذا أدى نظره إلى إمكان الترتّب، وإمكان اجتماع الأمر والنهي، وكان نظر الأعلم
ــــــــــ[42]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بخلافه، فهذا المجتهد الذي يؤدي نظره إلى ذلك لا يحصل له القطع مع احتمال انقلاب رأيه بالمباحثة مع الأعلم، إلَّا أنَّ هذا المجتهد لماذا يثبت إمكان الترتّب وإمكان اجتماع الأمر والنهي؟ هل لأنَّه نذر أنّه إذا قال بإمكانه يتصدق؟ وإنّما يريد بذلك أن يتمسّك بإطلاق دليل (صلّ) لصورة اجتماع الأمر والنهي، وحينئذٍ فمقتضى إطلاق وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ(1) هو الشمول في نفسه لموارد اجتماع الأمر والنهي والترتّب والمزاحمة، وإنّما يرفع اليد عن الإطلاق باعتبار القرينة العقليّة، وهي حكم العقل باستحالة الترتّب أو اجتماع الأمر والنهي، والمفروض أنَّه لم تحصل له هذه القرينة. نعم، سيحتمل أنَّه متى ما رجع إلى الأعلم يحصّلها، إلَّا أنّنا قد قلنا: إنَّ الفحص لا يجب إلَّا بالمباشرة (2)، وفي المقام لم تحصل القرينة بالمباشرة، فيتمسّك بإطلاق وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ بلا إشكال.
ولو فرض أنّه انعكس المطلب، أي: لو كان رأيه هو استحالة الترتّب واجتماع الأمر والنهي، ورأي الأعلم على إمكانهما، فهو لا يقطع بالاستحالة، إلَّا أنَّه يحدس الاستحالة حدساً، ويمنعه من الترقي إلى درجة القطع رأي الأعلم. هذا التمسّك بالظهور لا يجوز له؛ لا لأنَّ الظهور حجّة بحكم العقلاء، فهم لا يقولون بحجّيتّه إذا كان هذا العاقل قد اجتهد في رأيه، واعتقد بمقدار جهده بالاستحالة، فإنَّه لم تنعقد السيرة العقلائيّة على الأخذ بهذا الظهور. هذا ما كان من أمر تقريب هذا المطلب، وبه تنتهي المسألة مع خاتمتها. والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــ[43]ــــــــــ
(1) البقرة: 31.
(2) راجع: ص36.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الجهة الثانية: في التقسيم إلى القطع والظنّ والشكّ
ــــــــــ[45]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بعد أن تقدّم(1) الكلام في الجهة الأولى في تحقّيق المقسم (الحكم الشرعي) من حيث عمومه للبالغ وغير البالغ، والمجتهد وغير المجتهد.
يقع الكلام في التقسيم الذي أفاده الشيخ الأعظم في الرسائل (2) حيث قال: “إنَّ المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي، فإمّا أن يحصل له القطع به، أو الظن، أو الشكّ”.
وقد أشكّل المحقّق الخراساني(3) على تثليث الأقسام بإشكالين، فإنّه تارةً يُشكل في كيفيّة التثليث، وأنَّ التثليث صحيح، إلَّا أنَّه بكيفيّة أُخرى. وأُخرى يُشكل في أصل التثليث، وأنَّه غير صحيح، بل لا بُدَّ من تثنيّة الأقسام.
قد يُستشكل من ناحية كيفيّة التقسيم، بأن يقال: إنَّ هذا التقسيم الثلاثي
ــــــــــ[47]ــــــــــ
(1) أشرنا سابقاً إلى فقدان النسخة الخطية للدفتر الرابع.
(2) انظر: فرائد الأصول 1: 25.
(3) انظر: كفاية الأصول: 258.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يؤدي إلى التداخل بين الأقسام؛ لأنَّ الظنّ الذي هو القسم الثاني منها قسمان: ظنّ معتبر، وظنّ غير معتبر. والظنّ غير المعتبر ملحق بالشكّ، فيلزم تداخل الأقسام؛ لأنَّ الظنّ غير المعتبر يدخل في القسم الثاني والثالث، وإن أُريد بالشكّ ما يقابل الظنّ بقسميه المعتبر وغير المعتبر، فإمّا أن يلزم من هذا التقسيم التداخل، وإمّا تضييق دائرة الشكّ بلا موجب.
ودفع هذا الإشكال في كلام المحقّق النائيني(1) وكلام المحقّق العراقي(2)
-على ما أتذكر في الأخير- بأنَّ الغرض من هذا التقسيم هو بيان الخصوصيات الذاتيّة للقطع والظنّ والشكّ، لا بيان الوظائف الشرعيّة والعقليّة المترتّبة عليها، فإنَّ القطع له خصوصيّة ذاتيّة وهي وجوب جعل الحجّيّة له، والشكّ في قباله له خصوصيّة ذاتيّة وهي امتناع جعل الحجّيّة؛ لأنَّ الشكّ جهل، والجهل لا يكون حجّة. والظنّ أمر متوسط بينهما لا يجب معه الحجّيّة له ولا يمتنع، بل يمكن. وهذه الخصوصيات -وجوب جعل الحجّيّة وامتناعها وامكانها- ذاتيّة للقطع والظنّ والشكّ، وبلحاظ هذه الخصوصيات لا يلزم التداخل أبداً، فإنَّ الظنّ غير المعتبر يمكن جعله حجّة، إلَّا أنَّه غير واقع بحسب الخارج، كالظنّ القياسي. فموضوع وجوب الحجّيّة هو القطع، وموضوع امتناعها هو الشكّ، وموضوع إمكانها هو الظنّ على إطلاقه.
ــــــــــ[48]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات2: 3.
(2) انظر: نهاية الأفكار 3: 6.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهنا لا بُدَّ لنا أن نسأل بخصوص هذا الكلام: ما مرادهم بالشكّ الذي قيل: إنَّه موضوع امتناع الحجّيّة؟ فإنَّه إمّا أن يراد بالشكّ مجموع الاحتمالين، وإمّا أن يراد به أحد الاحتمالين المتساويين. فإن أُطلق الشكّ وأُريد به مجموع الاحتمالين، فهذا مضافاً إلى أنّه خلاف سياق التقسيم -بقرينة أنَّه في الظنّ لم يرد مجموع الاحتمالين، وإنّما أُريد به خصوص الظنّ الغالب، دون الوهم في قباله- أنَّه بناءً عليه لم يستوف الكلام في المطلب، فإنَّ امتناع جعل الحجّيّة للشكّ بطرفيه ليس كافياً ومثبتاً لامتناع جعل الحجّيّة لأحد الاحتمالين، ويبقى السؤال: أنَّ حجّيّة أحد الاحتمالين هل يدخل في موضوع امتناع الحجّيّة أو امكانها أو وجوبها؟
وأمّا لو أُريد به أحد الاحتمالين، فإنَّه بأيّ موجب تكون حجّيتّه ممتنعة؟! لا مانع بأن يجعل المولى حجّيتّه؛ لأنَّه يعلم -مثلاً- أنَّ احتمال الحكم الإلزامي أكثر كشفاً للواقع من احتمال عدمه، فإنَّه كشف إلَّا أنَّه مزاحم بمثله، فلو كان يعلم أنَّ احتمال الإلزام أغلب مصادفة للواقع من احتمال عدم الإلزام، فجعل الحجّيّة بمكان من الإمكان، بناءً على جميع مباني الحجّيّة، من أنَّها الطريقيّة، أو جعل الحكم المماثل، أو غير ذلك.
إذن، فتوجيه تقسيم الشيخ الأعظم، وجعله بلحاظ الخصوصيات الذاتية للقطع والظن والشكّ لا يستقيم.
بل لا بُدَّ أن يقال: إنَّ الشيخ في هذا التقسيم إمّا أن يكون نظره بيان فهرست لموضوعات الكتاب (الرسائل)، أو أنَّ غرضه بيان فهرست للوظائف العمليّة.
ــــــــــ[49]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فإن كان غرضه بيان فهرست لموضوعات الكتاب، فجعل القطع قسماً صحيح؛ لأنَّه موضوع المسألة الأوّلى، كما أنَّ جعل الظن قسماً صحيح أيضاً؛ لأنَّه موضوع المسألة الثانيّة.
نعم، يبقى الكلام في الشكّ، فإنَّه أُخذ في المسألة الثالثة مطلق عدم العلم والعلمي، أي: الحجّة المعتبرة، فلا بُدَّ أن يقال: إنَّ المقصود منه أوسع من تساوي الطرفين، إلَّا أنَّه مع ذلك لا يرد إشكال التداخل، فإنَّه وإن كان بحسب المصداق يحصل التداخل، حيث يكون الظنّ غير المعتبر موضوعاً لكلِّ من المسألة الثانية والثالثة، إلَّا أنَّه من حيث العنوان لا تداخل، فلو ظنّ بحجّيّة الظنّ القياسي، فهو من حيث كونه ظنّاً يكون موضوعاً للمسألة الثانية، ثُمَّ هو بعد أن يلتفت إلى عدم حجّيتّه يكون موضوعاً للمسألة الثالثة. نعم، يلزم تعميم الشكّ بحيث يشمل عدم العلم والعلمي.
إلَّا أنَّ الشيء الوحيد الذي يقف أمام هذا التقسيم، هو الترديد في كلامه: بأنَّ المكلف إمّا أن يحصل له القطع أو الظنّ أو الشكّ، فإنَّ ظاهره التقابل حتّى من المصاديق الخارجيّة، بحيث لا يمكن أن يحصل للمكلف الشكّ والظنّ في وقت واحد. وبناءً على التفسير السابق يمكن أن يحصل له الظنّ والشكّ؛ لأنَّ الشكّ بمقتضاه أعمّ من العلم والعلمي.
وحينئذٍ ينتقل إلى التفسير الثاني، وهو أن يكون التقسيم بياناً لفهرست الوظائف العمليّة للمكلف، وحينئذٍ يكون الإشكال الذي ذكرناه في أوّل
ــــــــــ[50]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
البحث وارداً، لكنّه يلزم منه تضييق دائرة الظنّ وتوسيع دائرة الشكّ؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يقال: إنَّ المراد بالظنّ خصوص الظنّ المعتبر؛ لأنَّه هو الموضوع للأصول العمليّة، وهذا التفسير يناسب مع الترديد في كلامه، ولا بأس من تقييد الظنّ بالظنّ المعتبر بقرينة ما ذكره في أوّل الأصول العمليّة(1): أنَّ المكلف إمّا يحصل له القطع، أو الظن المعتبر ،أو الشكّ، فيقال: إنَّ مراده في المقام أيضاً ذلك.
وبعبارة أُخرى أحسن: أنَّ هذا التقسيم يدور أمره بين أن يكون تقسيماً بلحاظ موضوعات الأبحاث لكتاب (الرسائل) كفهرست وموجز له، أو يكون تقسيماً بلحاظ موضوعات الوظائف العمليّة.
فإن كان التقسيم بلحاظ بيان موضوعات الكتاب، فهذا التقسيم تامٌّ ولا يأتي عليه الإشكال، إلَّا أن نوسع دائرة الشكّ في القسم الثالث، ونقول: إنَّ المقصود من موضوع البحث الأوّل هو القطع، وفي الثاني هو طبيعي الظنّ لا خصوص الظنّ المعتبر؛ لأنّنا نثبت هناك اعتباره، وأمّا موضوع المسألة الثالثة فهو الشكّ، بمعنى عدم العلم والعلمي، أي: بمعنى عدم القطع وعدم الحجّة المعتبرة الذي هو موضوع الأُصول العمليّة، ولا يلزم التداخل؛ لأنَّ العنوان الثاني -وهو الظنّ- مع العنوان الثالث -وهو عدم العلم والعلمي- وإن كان قد يتحد مصداقيهما في الخارج كالظن القياسي، إلَّا أنَّه يبحث في كلِّ مسألة من ناحيةٍ غير الناحية التي يبحث عنها في المسألة الأُخرى، إلَّا أنَّ هذا التفسير ينافي الترديد في تقسيم الشيخ الأعظم الظاهر بامتناع اجتماع عنوانين على
ــــــــــ[51]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول 1: 25.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
مكلف واحد، فإنَّه قال: إذا حصل له قطع أو ظن أو شكّ. ولم يقل: إذا قطع وظن وشكّ، مع أنَّه بناءً على هذا التفسير يمكن الاجتماع.
ومن هنا يتعيّن الاحتمال الثاني، وهو أن يكون مراد الشيخ من هذا التقسيم فهرست موضوعات الوظائف العمليّة، وحينئذٍ لا بُدَّ من تقييد الظنّ بالمعتبر؛ لأنَّه هو موضوع الوظيفة العمليّة، كما أنَّه لا بُدَّ من توسيع الشكّ إلى ما يعمّ العلم والعلمي. والقرينة على تقيد الظنّ وتحديده ما يذكره الشيخ في أوّل الأُصول العمليّة، فإنَّه ذكر القسم الثاني الظنّ المعتبر، وحينئذٍ يكون التقسيم ثلاثياً بهذا النحو.
وبناءً عليه، لا بُدَّ من الالتزام، بتثليث الأقسام.
حيث ذكر المحقّق الخراساني(1) أنَّه ينبغي أن يكون تقسيماً ثنائياً لا ثلاثياً، ونكتة ذلك: أنَّ المحقّق الخراساني عمّم الحكم للواقعي والظاهري، وقال: إنَّ المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي ظاهري أو واقعي، فإنَّه إمّا أن يحصل له القطع به أو لا. وبناءً على تعميم الحكم للظاهري يكون للتثنية وجهاً وجيهاً؛ لأنَّ الظنّ المعتبر والشكّ الذي يكون مجرى للأصول العمليّة يدخل تحت عنوان القطع، فيكون من القسم الأوّل -وهو القطع بالحكم- سواء كان قطعاً ظاهريّاً تعبديّاً، أو وجدانيّاً. ولا يبقى بعد ذلك إلَّا قسم واحد، وهو أن لا يقطع بالحكم لا قطعاً ظاهريّاً ولا قطعاً واقعيّاً، وحينئذٍ يرجع إلى الأصل
ــــــــــ[52]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 257.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
العقلي، فالتثنية مبنيّة على تعميم الحكم الملتفت إليه للحكم الواقعي والظاهري، فلا بُدَّ من التكلّم في هذا التقسيم.
وقد ذكر جملة من المحقّقين(1) اختيار هذا التعميم للحكم الواقعي والظاهري، حتّى مَن بنى منهم على تثليث الأقسام كالسيّد الأُستاذ(2)، فإنَّه مع بناءه على التثليث صرّح أنَّ الحكم يراد به الأعمّ من الواقعي والظاهري، رغم أنَّه يلزم من ذلك التداخل بين الأقسام؛ لأنَّ القطع بالحكم الظاهري عين الظنّ المعتبر، والشكّ الذي يكون مجرى للأصول العمليّة.
حيث ذكر في المقام: أنَّه كما أنَّ الظنّ بالحكم الواقعي والشكّ به يكون موضوعاً للوظائف العمليّة الشرعيّة والعقليّة، كذلك الظنّ والشكّ بالحكم الظّاهري، فكما أنَّ الشخص إذا قطع أو ظنّ أو شكّ بالحكم الواقعي يترتّب عليه آثاره، كذلك إذا قطع أو ظنّ أو شكّ بالحكم الظاهري، فلو فُرض أنَّه قطع بحجّيّة خبر الواحد بوجوب الاحتياط، فيترتّب عليه المنجّزيّة والمعذّريّة، وإذا قام على حجّيّة خبر الواحد أو الاحتياط ظنّ معتبر، فمثل هذا الظن يكون موضوعاً للحجّيّة. ولو فرض أنَّه شكّ في حجّيّة خبر الواحد فيكون مجرى للبراءة أو الاشتغال. إذن، أصبح الشكّ بالحكم الظاهري موضوعاً للوظيفة العمليّة كالشكّ بالحكم الواقعي، فلا اختلاف بين القطع والظنّ والشكّ بالحكم الواقعي أو الظّاهري. هذا خلاصة ما أفاده السيّد الأُستاذ.
ــــــــــ[53]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 28.
(2) انظر: مصباح الأصول 2: 11، الهداية في الأصول 3: 7.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
إلَّا أنَّ الكلام في تعميم الحكم للظاهري في غير محلّه، وذلك بالتكلّم في مقامين:
المقام الأوّل: في الشكّ في الحكم الظاهري.
المقام الثاني: في قيام الأمارة على الحكم الظاهري، أي: الظنّ المعتبر.
أمّا في موارد الشكّ بالحكم الظاهري، فإنَّ الأُصول العمليّة لا تجري بلحاظ الحكم الظاهري، وإنّما تجري بلحاظ الحكم الواقعي؛ لأنَّ الأُصول التي عندنا هي أصالة الاشتغال العقليّة والشرعيّة، والبراءة الشرعيّة والعقليّة، أمّا الاستصحاب فنلحقّه في المقام بالظنّ المعتبر.
أمّا أصالة الاشتغال بمعنى وجوب الاحتياط شرعاً، فإنَّه لا يحتمل جعله بالنسبة إلى الحجّيّة والحكم الظّاهري؛ وذلك لأنَّ وجوب الاحتياط يرجع إلى التحفظ على غرض المولى وحصوله في الخارج، ومن المعلوم أنَّ المكلف حين شكّ بحجّيّة خبر الواحد ولم يرد عليه دليل، لا يحتمل جعل الاحتياط حجّة بلحاظ حجّيّة خبر الواحد بحيث يكون الملاك هو مخالفة الحجّيّة بعد فرض كون الحجّيّة طريق إلى الواقع، وإنّما يكون الاحتياط بداعي التحفظ من مخالفة الواقع بما هي مخالفة للواقع.
نعم، قد يحكم بوجوب الاحتياط بلحاظ مخالفة الواقع مطلقاً، وقد يحكم بوجوبه باعتبار قيام الحجّة على الواقع، لا باعتبار دخل الحجّيّة في دليل
ــــــــــ[54]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الاحتياط، بل باعتبار أنَّ الحجّيّة توجب تنجّز احتمال الواقع بالنسبة إليه، فالاحتياط إنّما يجري باعتبار طريقيّة الحجّة لا باعتبار حجّيّة الحجّة، فإنَّ الحجّيّة ليست من موارد أغراض المولى، فإنَّه بعد البناء على الطريقيّة المحضّة لا يمكن أن يكون الاحتياط بالنسبة إلى الحجّيّة والحكم الظاهري، وإنّما يكون بلحاظ الحكم الواقعي.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى أصالة الاشتغال العقلي، فهي تجري في موارد العلم الإجمالي، مثلاً لو علم إجمالاً أنّ البينة قامت على نجاسة أحد الإناءين، ولا يعلم أيّ الإناءين قامت البينة على نجاسته، فقد يتخيّل أنَّ النجاسة الظاهريّة المعلومة إجمالاً مجرى لأصالة الاشتغال، إلَّا أنَّ الأمور ليست كذلك؛ لأنّنا قلنا: إنَّ الحكم الظاهري ليس له ثواب وعقاب، فأصالة الاشتغال التي معناها استقلال العقل باستحقاق العقاب على تقدير المخالفة، لا يمكن أن تكون جاريةً بلحاظ الحكم الظاهري، وإنّما تجري بلحاظ الحكم الواقعي بعد سقوط جميع الأُصول المؤمِّنة.
ومنها يظهر الحال في البراءة، أمّا البراءة الشرعيّة، فلانَّها إنّما تجري في قبال وجوب الاحتياط، فإنَّ “رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي … مَا لَا يَعْلَمُون”(1) وارد لإثبات عدم وجوب الاحتياط، فهي تجري بلحاظ حكم يحتمل جعل الاحتياط بلحاظه، وحيث أثبتنا جريان الاحتياط في الحكم الظاهري بما هو ظاهري، فالبراءة لا تجري بلحاظه أيضاً، إنّما تجري بلحاظ الحكم الواقعي.
ــــــــــ[55]ــــــــــ
(1) التوحيد (للصدوق) 353، باب 56، الاستطاعة، الحديث :24، الخصال2: 417.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وكذلك البراءة العقليّة (قبح العقاب بلا بيان) لأنَّ العقاب يكون على الواقع لا على الحكم الظاهري. إذن، فالبراءة تجري بلحاظ الحكم الواقعي. وإن شئت قلت: إنَّ جريان البراءة على الحكم الظاهري لا يكون مؤمِّناً، لاحتمال اشتغال الذمة بالحكم الواقعي. إذن، فهذه الأُصول الأربعة لا تجري بلحاظ الحكم الظاهري عند الشكّ فيه، وإنّما تجري بلحاظ الحكم الواقعي.
وهو فيما إذا قامت الأمارة على الحكم الظاهري، أي: الظنّ المعتبر، كما إذا دلّ الخبر الواحد على الاستصحاب.
فالشكّ بالحكم الظاهري -بما هو حكم ظاهري- يمكن أن يقع موضوعاً لحكم ظاهري آخر، كما إذا شكّ في حجّيّة خبر الواحد بلحاظ نسخها فيستصحب، فهذا الاستصحاب حكم ظاهري مجعول في حال الشكّ بالحكم الظاهري، إلَّا أنَّ هذا لا يضطرنا إلى تعميم الأمارة للحكم الظاهري؛ لأنَّ الأحكام الظاهرية التي تُثبت الأحكام الظاهريّة إنَّما تثبت الأحكام الواقعيّة ابتداءً؛ لأنّها تُثبت الأحكام الظاهريّة وتلك الأحكام الظاهرية تُثبت الواقع؛ إذ لو فرض أنّنا استصحبنا حجّيّة خبر الواحد، ثُمَّ ثبُت أنّه ليس بحجّة، وأنَّ الاستصحاب كاذب، إلَّا أنّه كان في الواقع حكمٌ على طبق الخبر، فإنّه يكون منجّزاً، ويعاقب على مخالفته.
والسرّ في ذلك: هو أنَّ الاستصحاب يجري عند عدم جريان الأُصول المؤمِّنة فيصبح الحكم الواقعي منجّزاً، فهذه الأحكام الظاهريّة وإن كانت
ــــــــــ[56]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بحسب جعلها طولية إلَّا أنَّها تنجّز الواقع، وتكون وظيفة عمليّة بلحاظ الواقع.
إذن، فالمتعيّن هو اختصاص جريان الأُصول العمليّة في صورة الشكّ بالحكم الواقعي.
ــــــــــ[57]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يقع الكلام في أنَّ هذا الحكم الذي يضاف إليه القطع تارةً والظن أُخرى والشكّ ثالثة، هل يعمّم للحكم الظاهري بعد الفراغ عن تثليث الأقسام؟ حيث ذهب السيّد الأُستاذ، وغيره ممّن قال بالتثليث إلى عموم الحكم للظاهري، فإنَّ السيّد الأُستاذ ذكر ذلك في بحثه(1) خلافاً لما ذكره في الدراسات(2).
حيث ذهب السيّد الأُستاذ أنَّه يعمّم؛ لأنَّه كما أنَّ القطع والظنّ والشكّ بالحكم الواقعي يكون موضوعاً للوظائف العمليّة، كذلك القطع والظنّ والشكّ بالحكم الظاهري، فأيّ موجب لتخصيص الحكم بالواقعي!
ويقع كلامنا في هذه الجهة عن مطلب فني في نفسه، يتمّ حتّى مع صرف النظر عن تقسيم الشيخ الأعظم وكلام السيّد الأُستاذ، وهو أنَّ الأحكام الظاهريّة هل يكون القطع والظنّ والشكّ فيها موضوعاً للوظائف العمليّة أو لا؟ فإن وقع موضوعاً لها فيصحّ التعميم للحكم الظاهري بقطع النظر عن إشكال التداخل الذي هو عبارة عن أنَّ القطع بالحكم الظاهري هو بعينه الظنّ
ــــــــــ[59]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الأصول 2: 11.
(2) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 421.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
المعتبر والشكّ بعد جريان الأصل العملي..
ففي المقام لنا كلامان:
الأوّل: كلام بلحاظ الأُصول العمليّة غير التنزيليّة.
الثاني: كلام بلحاظ الأُصول العمليّة التنزيليّة كالاستصحاب والأمارات.
أي: نتكلّم أولاً في أنَّ الشكّ بالحكم الظاهري هل يقع موضوعاً للأُصول العمليّة غير التنزيليّة أو لا؟ وثانياً: نتكلّم في أنَّ الشكّ بالحكم الظاهري هل يقع موضوعاً للأُصول التنزيليّة أو لا؟
أمّا الكلام في أنّ الشكّ بالحكم الظاهري هل يقع موضوعاً للأُصول العمليّة غير التنزيليّة، بحيث يجري الأصل بلحاظه أم لا؟
نقول: إنَّه لا يجدي؛ فإنَّ الأصول التي عندنا أربعة: أصالة الاحتياط أو الاشتغال الشرعي، وأصالة الاحتياط العقليّة المسمّاة بقاعدة الاشتغال، وأصالة البراءة الشرعية: “رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي … مَا لَا يَعْلَمُون”(1) وقاعدة قبح العقاب بلا بيان، المسمّاة بالبراءة العقليّة، وكلّها لا تجرّي في الشكّ بالحكم الظاهري، بما هو شكّ بالحكم الظاهري.
أمّا أصالة الاحتياط الشرعي، بمعنى: وجوب الاحتياط، فمن الواضح أنَّ وجوب الاحتياط إنّما هو باعتبار التحذر والتحرز عن وقوع محذور مهم في نظر المولى، وهو فوات غرضه، فلو شكّ شخص أنَّ النبيذ حلال أو حرام، وكانت
ــــــــــ[60]ــــــــــ
(1) التوحيد (للصدوق) 353، باب 56، الاستطاعة، الحديث :24، الخصال2: 417.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
هناك أمارة -كالإجماع المنقول- تدلّ على حرمته، وكان يشكّ في حجّيّة الاجماع المنقول، فهنا عنده شكّان: شكّ بالحرمة الواقعيّة وشكّ بحجّيّة الاجماع المنقول. ونحن نريد أن نرى أنَّ وجوب الاحتياط لو أُريد جعله، هل يُجعل بلحاظ الشكّ بحرمة النبيذ واقعاً، أو بلحاظ حجّيّة الاجماع المنقول؟
الصحيح: هو أنَّه يجري بلحاظ الشكّ في حرمة النبيذ واقعاً؛ لأنَّ الحجّيّة المشكّوكة حكم طريقي صرف، وليس غرضاً مولوياً أصيلاً، فمخالفة الحجّيّة بما هي حجّة ليست محذوراً، وإنّما المحذور هو مخالفة الواقع. نعم، وجوب الاحتياط تارةً يُجعل بلحاظ الحرمة الواقعيّة مطلقاً، وأخرى يجعل بلحاظ قيام الاجماع المنقول عليها، لا لأنَّه يجري بلحاظ حجّيّة الاجماع المنقول، بل لأنَّ الاجماع المنقول يوجب قوة الاحتمال بالحرمة، وكلّما كان الاحتمال أقوى كان الاحتياط أولى.
وكذلك الحال في الاحتياط العقلي (الاشتغال) فإنَّه إنّما يجري بلحاظ الواقع المشكّوك، لا بلحاظ الحكم الظاهري المشكّوك، فلو فُرض قيام البيّنة على خمريّة أحد المائعين، واشتبه ما قامت عليه البيّنة، هنا تجري أصالة الاشتغال، لا لاحتمال أن يكون هذا ممّا حُكم ظاهراً بخمريته لقيام البينة على ذلك، بل بلحاظ الحرمة الواقعيّة؛ لأنَّ أصالة الاشتغال موضوعها هو الواقع المنجّز؛ لأنَّ الواقع المشكّوك قسمان: قسم لا يُفرض في المرتبة السابقة أنَّه منجّز وهو مجرى للبراءة، وقسم يُفرض في المرتبة السابقة أنَّه منجّز للاشتغال. فهنا إن كان يُحتمل وجود واقع منجّز في المرتبة السابقة فأصالة الاشتغال إنّما تجري
ــــــــــ[61]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بلحاظ الواقع المنجّز، ويكون الاحتمال المنجّز موضوعاً لها، وإن فرض أنَّ الواقع لا ينجّز في المرتبة السابقة فلا يعقل جريان أصالة الاشتغال؛ لأنَّها لا تجري بلحاظ الحكم الظاهري.
وأمّا البراءة الشرعيّة، فهي تجري في قبال جريان الاحتياط؛ لأنَّها في الحقّيقة رفع لوجوب الاحتياط، وحيث قلنا: إنَّ الاحتياط لا يحتمل جعله بلحاظ الحكم الظّاهري. إذن، لا يحتمل جعل البراءة أيضاً.
أمّا قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فهي تجري بلحاظ ما يُترقب العقاب عليه، وهو الحكم الواقعي دون الحكم الظاهري. وإن شئت قلت: إنَّ البراءة إن أُجريت في الحكم الظاهري المشكوك دون الواقعي المشكوك فلا يكفي؛ لاحتمال تنجّز الواقع، وإن أُجريت على الواقع المشكوك كفت؛ لعدم بقاء احتمال العقاب.
أمّا الأُصول التنزيليّة فتجرّي في الأحكام الظاهريّة على القاعدة، كالشكّ في حجّيّة خبر الواحد، فإنه شكّ في حكم ظاهري فأستصحب الحجّيّة، فموضوع الاستصحاب هو الشكّ في الحجّيّة بما هو شكّ في الحجّيّة. ومن هنا فرّقنا بين الأصول التنزيليّة وغيرها، وقلنا بجريان الأولى بلحاظ الحكم الظاهري دون الأخرى.
إلَّا أنَّ هذا الأصل التنزيلي إنّما ينجّز الواقع ابتداءً، لا أنَّه ينجّز الحكم الظاهري بالحجّة، وبه يتنجّز الواقع، فإنَّ التنجّز يسري من الاستصحاب إلى الواقع، لا إلى الحكم الظاهري ثُمَّ إلى الواقع.
ــــــــــ[62]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
والفرق بين الأمرين: أنّنا لو شكّكنا في حجّيّة خبر زرارة القائل بوجوب صلاة الجمعة واقعاً، وتركنا صلاة الجمعة، ثُمَّ انكشف أنَّ صلاة الجمعة واجبة واقعاً، وأنَّ الخبر كاذب، فلو فرض أنَّ المتنجّز كان يسري من الاستصحاب إلى الواقع ابتداءً فنستحقّ العقاب على ترك صلاة الجمعة، وإن كان التنجّز يسري إلى الحكم الظاهري بالحجّيّة ثُمَّ إلى الواقع، فإنَّ الواقع لا يتنجّز ولا نستحقّ العقاب إلَّا على التجرّي. وعليه: لا يمكن تعميم الحكم إلى الحكم الظاهري.
هذا تمام الكلام في الجهة الثالثة. وبه ينتهي الكلام في التقسيم.
ــــــــــ[63]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ــــــــــ[64]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الكلام في حُجّيّة القطع
ــــــــــ[65]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
والكلام يقع في عدّة جهات:
قالوا كما في الكفاية(1): إنَّ مسألة حجّيّة القطع ليست من المسائل الأُصوليّة؛ لأنَّ المسألة الأُصوليّة -على حدّ تعبيره(2) وتعبير غيره(3)– هي القاعدة التي يُستنبط منها الحكم الشرعي، أو التي يُنتهى إليها في مقام العمل. ومن المعلوم أنَّ حجّيّة القطع لا يُستنبط منها حكم شرعي، فإنَّ موضوعها هو القطع بالحكم الشرعي. وحجّيّة القطع الثابتة لحكم العقل لا يُستكشف بها حكم شرعي، فإنَّ موضوعها هو انكشاف الحكم الشرعي، لا أنّها طريق لاستكشاف الحكم الشرعي، فلو قُطع بوجوب صلاة الجمعة، فإنَّ هذه الحجّيّة ليست هي
ــــــــــ[67]ــــــــــ
() قال صاحب الكفاية : “وقبل الخوض في ذلك، لا بأس بصرف الكلام إلى بيان بعض ما للقطع من الأحكام، وإن كان خارجاً من مسائل الفنّ، وكان أشبه بمسائل الكلام، لشدّة مناسبته مع المقام”. انظر: كفاية الأصول: 257.
(2) انظر: كفاية الأصول:123.
(3 (انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية12:2.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
التي يستكشف بها الوجوب، وإنّما موضوعها هو استكشاف الوجوب، فالاستكشاف موجود في الرتبة السابقة، لا أنّها تكون طريقاً إليه.
وكذلك فهي لا يُنتهى إليها في مقام العمل؛ لأنَّ الوظيفة التي يُنتهى إليها في مقام العمل إنَّما تكون بعد اليأس من الظنّ بدليل، ومن الظاهر أنَّ حجّيّة القطع ليست كذلك، وإنّما القطع بنفسه دليل على الوجوب، ومن هنا كان خارجاً عن علم الأُصول.
أمّا نحن فليس لنا مزيد عناية بهذا المطلب؛ لأنّنا لم نتصوّر ضابطاً جامعاً مانعاً للقاعدة الأُصوليّة، إلَّا أنّنا نقول بنحو التعليق على هذا الكلام:
إنَّ القاعدة الأُصوليّة التي عرفوها بأنّها: (القاعدة التي يُستنبط منها حكم شرعي)(1). تارةً: يراد بها القاعدة التي يثبت بها الحكم الشرعي، أي: تكون كبرى في قياسٍ لاستنباط حكم شرعي. وبناءً عليه نُخرج حجّيّة القطع؛ لأنَّها لا تقع كبرى في قياس اثبات الحكم الشرعي؛ لأنَّ اثبات الحكم الشرعي يقع في مرتبة موضوعها، لا أنّه مترتّب عليها.
وأخرى: يُراد بالقاعدة الأصوليّة وقوعها كبرى في قياس لإثبات الحكم الشرعي ولو بنحو التنجيز والتعذير، فتكون حجّيّة القطع حينئذٍ قاعدة أصوليّة، شأنها في ذلك شأن قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنَّها أيضاً لا يثبت بها الحكم الشرعي؛ لأنَّها حكم عقلي صرف، وإنّما تقع كبرى في قياس ينتج التنجيز أو التعذير، نحو: شرب التتن لم يقم عليه بيان، والعقاب قبيح بلا بيان، إذن،
ــــــــــ[68]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول:123.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
العقاب قبيح على شرب التتن، فبناءً على هذا التقريب يمكن أن يقال: إنَّ حال حجّيّة القطع حال قاعدة قبح العقاب، فإنَّها تقع كبرى لقياس التنجيز والتعذير، وإن لم تقع كبرى في قياس إثبات الحكم الشرعي، فإنّنا نقول: قطعنا بحرمة شرب التتن، وكلّ قطع حجّة. إذن، هذا القطع حجّة.
فوقعت حجّيّة القطع في قياس حرمة شرب التتن، كما وقعت قاعدة قبح العقاب في قياس التنجيز والتعذير، فيمكن ادخالها في القواعد الأُصوليّة بهذا الاعتبار.
فإن قيل: إنَّ القاعدة الأصوليّة باعتبار أنَّ علم الأصول إنّما سمّي بذلك؛ لأنَّه علم أصول الفقه، وإنّما يذكر فيه ما يكون مبادئ لعلم الفقه، فالقاعدة الأصوليّة يجب أن تكون قاعدةً للاستنباط في علم الفقه، بحيث توافق غرض الفقيه في علم الفقه.
وغرض الفقيه في علم الفقه هو العلم بالحكم الشرعي، والعلم بالحكم الشرعي حاصل في المرتبة السابقة على حجّيّة القطع. إذن، حجّيّة القطع ليس لها دخلٌ في غرض الفقيه بما هو فقيه، فلا تدخل في علم الأصول.
ولكن هذا الإشكال وان كان وارداً في حاشية المحقّق الاصفهاني (1) إلَّا أنَّه مبني على أن يكون غرض الفقيه مقتصراً على العلم بحال الفعل من حيث الاقتضاء والتخيير شرعاً، أي: الأحكام الإلزاميّة وغير الإلزاميّة. فبناءً عليه لا يكون لحجّيّة القطع دخل في غرضه، لكن لو قيل: إنَّ غرض الفقيه يشمل
ــــــــــ[69]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 25.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
العلم بحال الفعل من حيث التعذير والتنجيز عقلاً، فيكون لحجّيّة القطع دخل في غرضه. وإلَّا فإنَّ الإشكال يأتي في قاعدة قبح العقاب بلا بيان أيضاً؛ لأنَّها ليست لها دخل بالعلم بحال الفعل شرعاً، وإنّما لها دخل بالعلم بحاله عقلاً. ولا إشكال بدخول القواعد العقليّة في غرض الفقيه؛ فلذا يفتي بعدم وجوب الاذان والإقامة.
هذا من حيث أصل مسألة حجّيّة القطع، أمّا المسائل الأخرى المتفرعة عليها من قبيل التجرّي، فسوف نشير إلى حالها في محالّها، وعليه فبعد الفراغ عن كون مسألة حجّيّة القطع، مسألة أصوليّة ندخل في حجّيّة القطع.
المعروف بين المحقّقين الأصوليين ولا خلاف بينهم في اعتبار القطع حجّة. وهنا ينبغي رفع اشتباه، من حيث إنَّه قد يقع الخلط بين اعتبار القطع بمفهومه المنطقي، والقطع بالمعنى المبحوث عنه في المقام، فإنَّ اعتبار القطع في علم المنطق هو ما أسمّيناه في كتاب (فلسفتنا)(1) بنظرية المعرفة، فهناك يقع البحث في أنَّ القطع هل يكون أداة جازمة في مقام اقتناص الواقع أو لا؟ فالبحث عن إمكان التحويل على القطع والعلم في إمكان مقام اكتشاف الواقع، هذا هو البحث المنطقي.
أمّا في المقام فلا بُدَّ أن يُفرض أنَّ العلم لا بُدَّ من التحويل عليه تحويّلاً جزميّاً في مقام اقتناص الواقع، إلَّا أنَّه يقع البحث عندئذ أنّ هذا الواقع المقطوع به لو كان حكماً شرعيّاً هل يتنجّز بالقطع، بحيث يستحقّ المكلف العقاب لو
ــــــــــ[70]ــــــــــ
(1) انظر: فلسفتنا: 93.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
خالف الحكم المتنجز بالقطع أو لا؟
بعد التفكيك بين جهة البحث المنطقي والأصولي: نقول:
الظاهر من كلماتهم هو دعوى أنَّ حجّيّة القطع واعتباره بالمعنى الأصولي، مرجعه إلى صغرى من صغريات الحسن والقبح؛ ولهذا يستدلّون على حجّيّة القطع بحكم العقل بأنَّ مخالفة الحكم المقطوع به ظلم للمولى، والظلم قبيح عقلاً، وأنَّ موافقة القطع عدل بالنسبة إلى المولى، والعدل حسن، والقبيح يستحق عليه العقاب، والحسن يستحقّ عليه الثواب. وهذا الاستدلّال يناسب أن يكون صغرى من صغريات حكم العقل بالحسن والقبح، ومن هنا كانت المباني في حجّيّة القطع تختلف باختلاف المباني في الحسن والقبح، فلا بُدَّ أن نرى ما معنى الحسن والقبح.
ــــــــــ[71]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
للحسن والقبح تفسيرات ثلاثة، باختلافها يختلف تفسير حجّيّة القطع ومنجّزيته.
أن يقال: بأنَّ الحسن والقبح أمران واقعيّان يدركهما العقل، كما يدرك الإمكان والاستحالة، والملازمات الواقعيّة بين العلّة والمعلول، فهما صفتان واقعيتان من لوازم ماهيات الأفعال كالزوجيّة للأربعة، وهذه الملازمة أمر ثابت في الواقع والعقل يدركه، وهذه المرتبة من العقل التي تدرك الحسن والقبح تسمّى باصطلاحهم العقل العملي؛ لأنَّه يرجع إلى العمل ما ينبغي وما لا ينبغي.
وبناءً على هذا يقال: بأنَّ العقل يدرك أنَّ مخالفة حكم المولى المقطوع به قبيح وظلم، وإنَّه يستحقّ العقاب عليه، كلّ هذه الأمور يدركها العقل كما يدرك وجود النار أمامه، غاية الأمر أنّه يدرك النار بالحس، وتلك بملكة عقليّة أُخرى، وهذا هو التفسير المشهور للحسن والقبح.
أن يكون مرجع حجّيّة القطع إلى الحسن والقبح، وهما أمران مجعولان للعقلاء، فقضيّة العدل حسن والظلم قبيح أحكام عقلائيّة اتفقوا عليها
ــــــــــ[72]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وقرروها حفظاً للنظام؛ لأنَّه لا نظام ولا استقرار إلَّا بالعدالة والاستقامة، فقرروا أنَّ العدل حسن والظلم قبيح، وقد آمن الكلّ بها، وهو ما يسمّى في علم المنطق بـ(المشهورات)، وهذه الأحكام إذ تكون تابعة لجعل العقلاء تكون حجّيّة القطع مجعولة للعقلاء.
أن يكون حكم العقل عبارة عن حكم العقل بعثاً أو زجراً، وهذا ما يتراءى من عبارات بعض الأصوليين(1)، بحيث يكون للعقل شريعة أُخرى سوى شريعة المولى.
وهذا الاحتمال الثالث غير صحيح؛ لأنَّ العقل بما هو عقل ليس مشرِّعاً وحاكماً، وإن كان يحكم بما هو عاقل بحيث يرجع إلى حكم العقلاء، لا بما هو عقل، وإنّما وظيفة العقل الإدراك فحسب. فلم يبق لدينا إلَّا المبنى الأوّل والمبنى الثاني.
وهنا السيّد الأُستاذ، كأنّه -حيث اختار المبنى الأوّل- صار في مقام الإشكال على المبنى الثاني -على ما في الدراسات(2)– فأشكل بإشكالين:
الأوّل: أنَّ حجّيّة القطع ليست بجعل العقلاء لأجل حفظ النظام؛ لأنّا نقطع أنَّ القطع كان حجّة حتّى في زمن أبينا آدم، قبل أن يوجد هناك عقلاء -الذي
ــــــــــ[73]ــــــــــ
(1) انظر: مباحث الحكم عند الأصوليين 1: 162.
(2) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 15.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
لا يصدق على أقل من ثلاثة- بحيث اجتمعوا وقرروا حجّيّة القطع لأجل حفظ النظام، فإن آدم كان وحده، وكان القطع حجّة بالنسبة إليه.
الثاني: أنَّه لا يمكن أن يكون القطع حجّة بحكم العقلاء لأجل حفظ النظام؛ لأنَّ بعض موارد اطاعة المولى كما في العبادات، لا ربط لها بالنظام، بل تنتج تنقية النفس، والعقلاء لا شغل لهم بتنقية النفس، وإنّما بحفظ النظام، وعليه: فأيّ وجه لحجّيّة القطع في العبادات إذا كان بحكم العقلاء.
إلَّا أنَّ هذا الكلام مما لا ينبغي صدوره.
النقض الأوّل: -وهو أنَّ آدم كان وحده وكان القطع حجّة عليه- تارةً يقصد من حجّيّة القطع لآدم أنَّه كان يرتّب الآثار على قطعه، فهذا مقطوع بالنسبة إلى آدم وغير آدم، وحتّى بالنسبة إلى الحيوانات، إلَّا أنَّ هذا أجنبي عن حجّيّة القطع بالمعنى المبحوث عنه في المقام؛ لأنَّ حجّيّة القطع ليست بمعنى السير على طبق القطع بحسب الواقع؛ فإنَّ ذلك من تبعات القطع بالمعنى المنطقي.
وإن أراد أنَّ آدم كان القطع حجّة عليه بالمعنى المبحوث عنه، أي: التعذير والتنجيز. فإن كان مستنده في معرفة ذلك إلى التجربة، فنحن لم نجرب آدم، وقياس شخص على شخصٍ آخر باطل، وإن كان سببه أنَّ الحسن والقبح أمران أزليان ثابتان في الواقع فهو أصل المدّعى، ولا يكون إلَّا تكراراً للمدّعى في الدليل.
ــــــــــ[74]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وتخيّل الأبديّة لهذه الأحكام ناشئ عن تعمّق هذه الأحكام في أذهاننا وعيشنا معها في حياتنا، ومثل هذا الخيال لا يمكن أن يكون سبباً للنقض بآدم.
النقض الثاني: وهو أنَّه لماذا يكون القطع حجّة في العبادات؟! فهو أعجب من الأوّل؛ لأنَّ حجّيّة منجّزيّة القطع -بمعنى وجوب العمل على طبق حكم المولى- إنّما يكون حفظاً للنظام بين العبد والمولى، فمعنى حجّيّة القطع: هو جعل الحجّيّة بملاك حفظ النظام في رجوع العبد إلى الولي، والمرؤوس إلى الرئيس، لا بمعنى أنَّ العقلاء لا يحكمون بحجّيّة القطع إلَّا إذا شخصوا تماميّة ملاك حكم المولى ووافقوا عليه، وإنَّما هم يعتبرون حجّيّة القطع حفظاً لنظام الرئاسة والمولويّة؛ لأنّها دخيلة في النظام العامّ.
والصحيح في المقام هو أن يقال: إنَّ جميع هذه الكلمات التي حررت في هذا المبحث ممّا لا يمكننا المساعدة عليها، فإنَّ البحث لا ينبغي أن يكون بهذا الترتيب، بل ينبغي أن يفصّل بشكل آخر.
وذلك أنَّ حكم العقل بأنَّ مخالفة التكليف المقطوع به ظلم، والظلم قبيح. هذا الحكم سواء كان عقليّاً أو عقلائيّاً، بعثيّاً أو إدراكيّاً، على كلِّ حال لا بُدَّ أن يكون هناك شيء في المرتبة السابقة عليه، ولا يمكن أن يكون حكماً ابتدائياً، فإنَّ العقل حين يحكم بأنَّ الظلم يستحق عليه العقاب، نسأل ما هو الظلم؟ الظلم ليس إلَّا سلب الشخص حقّه. فلا بُدَّ أن يُفرض حقّاً للآخر على المأمور القاطع، وبعد فرض هذا الحقّ يُفحص عن عنوان الظلم والقبح واستحقاق
ــــــــــ[75]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
العقاب. ونحن ننقل الكلام إلى القول في المرتبة السابقة. وهذا الحقّ هو حقّ المولويّة، حينئذٍ نتكلّم في هذه المولويّة.
هذه المولويّة لا يخلو أمرها إمّا أن تكون مجعولة لنفس العبد المأمور باختياره، كما في المجتمعات الماديّة، فإنّهم وإن كانوا يعتبرون المولويّة للحكومة، إلَّا أنَّ هذه المولويّة مجعولة منهم، فإنّهم هم الذين يجعلون هذا مولى بالنسبة إليهم.
وأخرى يفرض أنَّ هذه المولويّة مولويّة عرضيّة مجعولة من قبل المولى الحقيقي، وثالثة يفرض أنّها مولويّة حقيقيّة ثابتة مع قطع النظر عن جعل جاعل.
فإن فرض أنَّ المولويّة مجعولة من قبل نفس العبد، فلا إشكّال في مقام الجعل أنَّ جميع الفروع تتبع سعة الجعل وضيقه، فإنّهم حين جعلوا المولويّة للمولى جعلوها بأيّ معنى؟ نفترض أنّهم جعلوه مولى فيما يشكّون أو يظنّون من أحكامه لا فيما يقطعون منها، وهذا أمر ممكن ثبوتاً، فحجّيّة القطع تتبع سعة دائرة جعل المولويّة وضيقها.
وكذلك إذا كان معنى المولويّة كونها حقّ عرضي مجعول من قبل المولى، فإنَّ الحجّيّة تتبع سعة دائرة المولويّة وضيقها، فإنَّ المولى يمكن أن يجعل المولويّة من حيث القطع والظنّ دون القطع.
وثالثها المولويّة الحقيقية الثابتة بجعل جاعل، وهذه المولويّة بنفسها تقتضي حجّيّة القطع والعمل عليه، وكون القطع تعديّاً وظلماً للمولى؛ لأنّنا لا نحتمل أنَّ هذه المولويّة الذاتيّة تفرض للمولى حقّاً للمولى في مظنونات أحكامه دون
ــــــــــ[76]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
المقطوعات منها؛ لأنَّ حقّه في المقطوعات أكثر وآكد من المظنونات بلا حجّة في اثبات حجّيّة القطع، إلَّا نفس المولويّة بعد الفراغ عن كاشفيّة القطع، فإنّه إذا عصى فإمّا أن ينكر مولويّة المولى، وإمّا يدّعي عدم علمه، وكلاهما باطل. وبناءً عليه لا بُدَّ أن ينتفي من بساط البحث أنَّ القطع حجّة أو ليس بحجّة، وإنّما يبحث عن أنَّ المولويّة التي توجب فرض حقّ الاطاعة على المأمور، إن كانت جعليّة فهي تتبع سعة الجعل وضيقه، وإن كانت ذاتيّة فلا تحتاج في اثبات حجّيّة القطع إلَّا ما سوى نفس المولويّة مع كاشفيّة القطع.
وعلى أيّ حال: فهذا البحث -في أنَّ الحكم بقبح المخالفة مدرك عقلي أو مجعول عقلائي- لا يهمّنا تحقّيقه بأكثر من هذا المقدار؛ لأنَّ أصل تقريب الحجّيّة بدعوى: أنَّ العقل يحكم أنَّ مخالفة الأمر المقطوع به ظلم، والظلم قبيح. هذا التقريب باطل فلا تنتهي النوبة إلى أنَّ هذا الحكم عقلي أو عقلائي.
وفي ذلك نقول: إنَّ أصل ما يذكره المحتجّون على حجّيّة العقل من أنَّ مخالفة التكليف المقطوع ظلم، والظلم قبيح، نفس هذا الكلام لا يثبت حجّيّة القطع.
والوجه في ذلك: أنَّ قولهم: إنَّ مخالفة التكليف المقطوع به ظلم قبيح، إنمّا هو بعد فرض مولويّة المولى في المرتبة السابقة -كما قلنا- وبعد الالتزام بوجود المولى وأنَّ له حقّ الطاعة علينا، أو أنّه يراد بهذا الكلام أن يقام برهاناً على مولويّة المولى وعبوديّة العبد، فإن فرض أنَّ نفس هذا الدليل يراد به اثبات مولويّة المولى وعبوديّة العبد، فهذا -مضافاً إلى أنَّ أصل المدّعى لا يناسب ذكره
ــــــــــ[77]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
في علم الأُصول، الذي هو من العلوم الدينيّة المبتنيّة على الاعتراف بمولويّة المولى، وإنّما يذكر ذلك في مقابل الماديين في الأبحاث الفلسفيّة؛ لأنّنا باعتبارنا متشرعة فرغنا عن مولويته، ولا بُدَّ أن نفحص عن أحكامه- الدليل لا يكون دليلاً على المدّعى، فإنَّ قولهم: إنَّ مخالفة التكليف المقطوع به ظلم، والظلم قبيح، نسألهم من قال: إنّه ظلم؟ ظلم الشخص لا يتعقّل له معنى إلَّا سلب الشخص حقّه، فقبل الحكم بأنَّه ظلم لا بُدَّ من الفراغ في المرتبة السابقة عن أنَّ المولى له حقّ المولويّة على العبد حتّى يكون مخالفته سلباً لحقّه، فلو أُريد اثبات المولويّة، واثبات حقّه بصدق عنوان أنَّ مخالفته ظلم لكان دوراً واضحاً؛ لانَّ ثبوت كونه ظلم فرع أن نفرض حقّ المولويّة، فلو أردنا إثبات حقّ المولويّة بإثبات كونه ظلماً لكان دوراً.
وإن كانوا يعنون أنّه بعد الفراغ من هذه المسألة الأساسيّة، ومن مولويّة المولى وعبوديتنا له نتكلّم عن كون مخالفته ظلماً، فإذا فرغنا عن كونه مولى، وأنَّ له حقّ الطاعة، فلا نحتاج إلى استئناف بحث عن حجّيّة القطع ولا استدلال عليه، فبعد أن فرضنا أنّنا فرغنا عن أنّه مولى وله حقّ الطاعة والمولويّة علينا، فهو يقتضي تنجّز التكليف وثبوت وجوب إطاعة تكاليفه إذا وصلت إلينا، والقطع طريق تامّ لا يتصوّر طريق أتمّ منه. إذن، لا يتصوّر أنّنا نعترف بأنَّه مولى ونحتاج إلى دليل على حجّيّة الحكم الواصل بالقطع غير أصل مولويّة المولى، وكون القطع كاشفاً تامّاً لا يتصوّر طريق أتمّ منه كشفاً.
فاذا فرغنا عن أنَّه مولى، وأنَّ القطع كاشف تامّ، يتمّ المطلب، فلا بُدَّ أن
ــــــــــ[78]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
نمتثل أحكام المولى، فإن فُرض عدم وجوب امتثال التكليف المقطوع به مساوقاً إمّا لإنكار المولويّة، وإمّا لإنكار كاشفيّة القطع، وكلاهما محال.
وإن شئت قلت: إنّنا حين نقول في مقام الاستدلّال على حجّيّة القطع: بأنَّ مخالفة التكليف ظلم للمولى، والظلم قبيح هل نعترف قبل ذلك بأنّه يجب علينا امتثال المولى ولو بنحو القضيّة الجزئيّة؟ أو لا نقول بذلك فنعصيه سراً وجهراً، فإن كنا لا نعترف بوجوب امتثاله ولو بنحو القضيّة الجزئيّة فلا يتمّ هذا الدليل؛ لأنّنا لا نعترف بمولويته، وإذا كنا نعترف بمولويته، فإنّنا حينئذٍ لا نحتاج إلى استئناف دليل آخر على حجّة القطع غير نفس كون القطع أتّم دليل في الكشف عن أحكام المولى.
وخلاصة القول: إنَّ الاستدلّال لحجّيّة القطع بإنّه مخالفة التكليف المقطوع ظلم للمولى، والظلم قبيح، غير معقول؛ لأنَّه تارةً يفرغ في المرتبة السابقة من مولويّة المولى أوّلاً، فإن لم يُفرغ عنها وأردنا أن نثبت المولويّة بنفس كون مخالفته ظلم كان دوراً؛ لأنَّ صدق الظلم فرع كون أنَّ للمولى حقّ علينا نسلبه بالمخالفة، فإذا أردنا أن نثبت بذلك ذلك الحقّ كان دوراً. وإن فرغنا عن المولويّة وثبوت حقّه على العبد، فالمولويّة بنفسها تكون دليلاً على حجّة القطع، بلا حاجة إلى دليل عقلي آخر؛ لأنَّه بعد فرض المولويّة لا يتصوّر معذوريّة العبد عن المخالفة بعد وصول الحكم إليه بأتمّ طريق.
هذا ما ينبغي أن يقال في تقريب حجّيّة القطع.
ــــــــــ[79]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
على أساس ما تقدّم يجب أن نفحص عن مسألتين مترتّبتين على حجّية القطع.
أحدهما: هل أنَّ حجّيّة القطع قابلة للجعل من قبل الشارع؟
ثانيتهما: هل أنَّ حجّيّة القطع قابلة للردع والنهي عنها أو غير قابلة؟
أمّا أنَّها قابلة للجعل، فقد تبيّن ممّا ذكرنا عدم معقوليتها؛ لأنَّ حجّيّة القطع مرجعها إلى مولويّة الشارع، وهو لا يمكن أن يجعل مولويّة نفسه؛ لأنَّ المولويّة إمّا أن تكون مجعولة من شخص فوقه أو ذاتيّة له، ولا يمكن أن تكون مجعولة لنفسه. فبعد فرض أنَّ حجّيّة القطع مرجعها إلى مولويّة المولى، لا نحتاج في إثباتها إلى أكثر من كون القطع كاشفاً تامّاً، فالمولى عند فرض جعله لحجّيّة القطع هل يجعل المولى مولويّة نفسه؟ أو يجعل كاشفيّة القطع؟ وكلاهما غير ممكن، فتكون هذه من القضايا التي قياساتها معها، وليس هناك أمرٌ ثالث لنقول: إنَّ المولى يجعله.
وقد تلخص مما سبق: أنَّ حجّيّة القطع بالمعنى الأصولي لا تحتاج إلى دليل زائد على أصل اثبات مولويّة المولى، فإنّه بعد فرض مولويته، وأنّه واجد لحقّ
ــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الإطاعة علينا، وأنَّ القطع كاشف تامّ بالوجدان، وعالم التكوين يتمّ كون القطع حجّة ومنجّز بلا حاجة إلى استئناف دليل آخر.
وبذلك اتّضح الحال في المسألة الأولى، في جواز جعل حجّيّة القطع وعدم جوازه، فإنَّ حجّيّة القطع مترتّبة على مولويّة المولى وكاشفيّة القطع، وكلاهما لا يقبلان الجعل التشريعي.
هذه المسألة من المسائل المهمّة من الناحية النظرية؛ لأنَّها وقعت محلاً للخلاف بين الأُصوليين والإخباريين، وصارت من نقاط الخلاف الرئيسيّة، وبهذا الاعتبار شدّد على الاخباريين من قبل الأصوليين إلى مستوى بدأ يبرز الأمر بما يشبه تشنيع إحدى طائفتين على الأخرى بدعوى البداهة والوضوح، فخرجت عن كونها بحثاً علميّاً بحتاً إلى كونها بحث بين طائفتين، ونحن يجب أن نبحثها بقطع النظر عن ذلك، فهل يمكن أن ينهى المولى العبد عن حجّيّة القطع أو لا؟
قالوا (1): بالبداهة لا يمكن أن يقطع المكلف بالحكم وينهاه المولى عنه، مضافاً إلى ذلك قرّبوا البداهة بتقريبات.
إنَّ النهي عن اتباع القطع يلزم منه اجتماع الضدّين؛ وذلك لأنَّه إذا فُرض
ــــــــــ[81]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الأصول2: 16، 17.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أنَّ المكلف كان قاطعاً بالجهة، ونهاه المولى عن اتباع قطعه، فإمّا أن يكون قطعه مطابقاً للواقع أو لا يكون، فإن كان مطابقاً للواقع يلزم اجتماع الضدّين واقعاً، وإن لم يكن مطابقاً للواقع يلزم اجتماع الضدّين في نظر القاطع؛ لأنَّه لا يحتمل خطأ نفسه، وهو محال أيضاً، فإنَّ اجتماع الضدّين في نظره محال؛ لأنَّه تصديق بالمحال، وهو محال. إذن، فالنهي عن اتباع القطع محال.
هو أنَّ النهي عن اتباع القطع منافٍ مع حكم العقل بوجوب اتباع التكليف المقطوع واستقلاله، بأنَّ مخالفته ظلم، والظلم قبيح، فالنهي عن اتباع القطع إذنٌ وبعثٌ نحو القبيح، وهو مصادم مع حكم العقل، ولا يعقل أن يصدر من الشارع.
هذان التقريبان هما المرجع الأساسي للكلمات التي تقال في المقام.
إنَّ النهي عن العمل بالقطع نقض لغرض المولى؛ لأنَّ المفروض في مورد اصابته للواقع أنَّ للمولى غرضاً في وجوب صلاة الجمعة، فإن نهى العبد عن اتباع قطعه كان ناقضاً لغرضه، ونقض الغرض قبيح أو محال.
وتحقّيق هذا المطلب مختصراً: أنَّ المكلف، تارةً ينهاه الشارع عن اتباع أيّ قطع من القطوع، فهذا غير معقول؛ إذ إنَّ هذا النهي لا يصل إلى المكلف إلَّا
ــــــــــ[82]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بلحاظ القطع به، فيكون هذا النهي نفسه ساقطاً عن المنجّزيّة للمكلف؛ لأنَّه لا يكون محركاً للمكلف؛ فإنَّه إنّما يكون محركاً له على تقدير وصوله، ومع النهي عن اتباع القطع لا يكون واصلاً، فيكون خُلفاً، أي: أنَّ هذا النهي يشمل نفسه، ويكون لغواً وعبثاً محضاً؛ إذ لو وصل إلى العبد فهو مأمور بعدم ترتيب الأثر عليه، وإذا لم يصل فلا أثر له، فهذا ينبغي إخراجه عن البحث.
وإنّما يقال: إنّك في مقام إمتثال أحكامي الواقعيّة لا تعتمد على قطعك، بل على قول فلان، وحينئذٍ لا بُدَّ أن نرى هذا النهي، هل ينفعنا في البرهنة على استحالة النهي عن القطع أو لا؟
وقد ذُكرت ثلاث تقريبات في المقام، لا بُدَّ من تمحيصها.
أمّا التقريب الأوّل: -وهو استلزام النهي عن العمل بالقطع لاجتماع الضدّين- فهذا الوجه بهذا المقدار من البيان لا يكفي للاستدلال؛ لأنَّه يمكن أن يرد عليه من الجواب ما ورد على شبهة ابن قبة في الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة.
توضيح ذلك: أنَّ هذا التضاد المدّعى بين التكليف الواقعي والنهي عن اتباع القطع به إمّا أن يكون بلحاظ مبادئ الحكم من المصلحة والمفسدة والإرادة والكراهة، وإمّا مضادة بلحاظ ما يترتّب على الحكم من الحركيّة، أي: إمّا بلحاظ ملاكات الحكم، أو بلحاظ نتائج الحكم.
فإن كان المدّعى هو أنَّ النهي عن القطع موجب للتضاد من ناحية ملاكات الحكم، فيمكن أن يجاب عنه بما يجاب عن شبهة ابن قبة في الجمع بين
ــــــــــ[83]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الأحكام الواقعيّة والظاهريّة، فقد ورد سنخ هذا الإشكال في براهين ابن قبة، فلا بُدَّ من تحقّيق هذه الشبهة، والأجوبة التي تقال عنها قد يمكن الإجابة بها عن المقام أيضاً، فإنَّ هذا الإشكال ليس زائداً عن ذلك الإشكال، فلو كان النبيذ حراماً، وقامت الأمارة على عدم حرمته، فهذه الحليّة مضادة للحكم الواقعي، واجتماع الضدّين لا يُفرّق فيه بين مورد القطع وبين مورد الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة، فلو فُرض أنَّ شبهة ابن قبة دُفعت ولو باختلاف الرتبة، وأنَّ اجتماع النقيضين إنّما يستحيل في رتبة واحدة لا في رتبتين، وحيث إنَّ الحكم الظاهري متأخّر عن الواقعي؛ لأنَّه أُخذ في موضوعه الشكّ، والشكّ متأخّر عن المشكّوك فلا تضاد، كما اختاره المحقّق العراقي(1) وغيره من المحقّقين.
فهذا الجواب على شبهة ابن قبة يمكن تسريته إلى محلّ الكلام، بأن يقال: إنَّ النهي عن القطع متأخّر عن الواقع رتبة؛ لأنَّه أُخذ فيه القطع بالواقع، والقطع متأخّر عن المقطوع تأخّر الشكّ عن المشكّوك، وعليه فيحتاج الجواب إلى بيان آخر.
وبعبارة أخرى: إذا أخذنا في جواب شبهة ابن قبة بتعدد الرتّبة من حيث إنَّ الحكم الظّاهري متأخّر عن الحكم الواقعي؛ لأنَّ الحكم الظّاهري متأخّر عن الشكّ المتأخّر عن الواقع؛ لأنَّه أُخذ في موضوعه الشكّ. مثل هذا الجواب قد يأتي في المقام أيضاً، فإنَّ النهي عن القطع أو الإذن بمخالفة التكليف المقطوع
ــــــــــ[84]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار ٣: 8.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
إنّما أُخذ فيه القطع، وهو يتأخّر عن القطع المتأخّر عن الواقع. إذن، فعلى بعض المسالك يكون الجواب مشترك الورود، فلا بُدَّ من مزيد بيان في مقام الجواب.
فإذا فرضنا أنَّ البرهان على امتناع الردع عن القطع هو التضاد بين الملاكات، فهو -إلى حدّ ما ذكرناه إلى الآن- لا يزيد عن التضاد المدّعى في شبهة ابن قبة في الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة، فقد ينفع الجواب عنها في الجواب عن المقام.
أمّا لو فرض التضاد المدّعى كان بلحاظ نتائج الحكم لا بلحاظ مبادئه، أي: أنَّ النهي عن العمل بالقطع مناقض للحكم بلحاظ محركيته وداعويته، فهذا يختلف عن مورد الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة؛ لأنَّه هناك قد يُدّعى أنَّ الأحكام الواقعيّة حيث إنّها غير واصلة إلى المكلف -لأنها مجهولة له- فهي غير محركة، فلا يكون هناك تضاد بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة؛ لأنَّ الحكم المجهول لا محركيّة له، وأمّا في المقام فالواقع معلوم، والمعلوم له محركيّة.
وعليه: فتقريب التضاد بالمحركيّة أحسن من تقريب التضاد بالملاكات؛ لأجل أنَّه هنا يمتاز عن شبهة ابن قبة، فيقال: إنَّ التكليف الواقعي حيث إنّه واصل إلى المكلف يكون باعثاً له ومحركاً، والنهي يكون مضاداً للواقع في محركيته.
نقول في المقام: إنَّ محركيّة التكليف الواقعي المقطوع به محركيتان: محركيّة شخصيّة، ومحركيّة مولويّة. المحركيّة الشخصيّة ميزانها حجّيّة القطع بالمعنى المنطقي. والمحركيّة المولويّة ميزانها حجّيّة القطع بالمعنى الأُصولي.
ــــــــــ[85]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فالمحركيّة الشخصيّة: هي ما إذا كان للشخص غرض شخصي خاصّ في تحقّيق رغبات مولاه؛ لأنَّه يحب مولاه بحيث يتألم لو لم يتحقّق غرض مولاه، كما في الغرض الشخصي في شرب الماء البارد، ففي المقام هذا العبد لو قطع بأنَّ المولى قد أُوجب عليه أمراً، فهذا القطع يحقّق المحركيّة الشخصيّة للعبد، وهذه المحركيّة لا ربط لها بمولويّة المولى، فإنَّه سواء كان الآمر مولى أو غير مولى فإنّه محرك له؛ لأنّه قد تعلّق به كالغرض الشخصي المتعلّق بشرب الماء البارد، فهذه المحركيّة بحسب الحقّيقة محركيّة للغرض الشخصي لا لتكليف المولى، وهي غير مربوطة بالمولى بما هو مولى؛ ولذا توجد هذه المحركيّة في غير المولى، كما في الفقير يأتي إلى الغني فيقول: تصدق عليّ، فيتحرك هذا الغني الرحيم القلب ويتصدق عليه بمجرّد أن يقطع بطلبه، وهذه المحركيّة لا ربط لها بعالم المولويّة.
والنحو الثاني من المحركيّة لأمر مولاه: لو فرض أنّه لا غرض له شخصي مع المولى، وإنّما كانت معاملته معه على حسب قانون المولويّة في معاملة العبد مع المولى، فلو كلّفه المولى وأوجب عليه عملاً، فليس له غرض شخصي للحركة، وإنّما توجد المحركيّة بلحاظ مولويّة المولى، من حيث إنّه مولى له حقّ الطاعة على العبد، وبلحاظ القطع بالتكليف، والقطع كاشف تامّ، فلا بُدَّ له عقلاً من أن يفعل، وإلَّا كان خرقاً لقانون المولويّة وظلم للمولى، وهذه المحركيّة مولويّة لا شخصيّة، وملاكها حجّيّة القطع بالمعنى الأُصولي.
ــــــــــ[86]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ولا يتصوّر في التكليف غير هاتين المحركتين، فالمحركيّة إمّا شخصيّة ملاكها القطع بالمعنى المنطقي، وإمّا مولويّة وملاكها القطع بالمعنى الأُصولي.
وهاتان المحركيتان قد تجتمعان في تكليف واحد، كما لو كلف المولى العبد بالشيء المحبوب لديه، فإنَّ العبد يتحرك بالغرض الشخصي والغرض المولوي. وقد تنفك إحدى هاتين المحركتين عن الأُخرى، فتكون المحركيّة الشخصيّة دون المولويّه، كما لو صدر الأمر من غير المولى، كالفقير عندما يطلب الصدقة، فحرك الغني العطوف للتصدق عليه حركة للغرض الشخصي الصرف، وقد ينعكس المطلب فتكون المحركيّة مولويّة فقط، وذلك كما هو الحال في غالب العباد بالنسبة إلى مواليهم، فالتضاد المدّعى في المقام، مع أي هاتين المحركيتين؟
إن كان المدّعى هو التضاد بلحاظ المحركيّة الأوّلى، فلا بأس به؛ لأنَّ مرجع التضاد هو أنَّ النهي عن العمل بالقطع ينافي ملاك المحركيّة الشخصيّة، والغرض الشخصي يمكن أن ينهى عنه الشارع، بل شأن المولى هو أن يقف دون أغراض العباد الشخصيّة.
فالمهم هو التضاد مع المحركيّة المولويّة التي تثبت بحكم العقل بحجّيّة القطع ولزوم العمل على طبقه، فيرجع حينئذٍ إلى التقريب الثاني.
التقريب الثاني للتضاد: هو أنَّ حكم الشرع بسلب الحجّيّة -وعندما نقول ذلك نعني الأعمّ من النهي عن العمل بالقطع أو الترخيص في موارد الحكم الإلزامي المقطوع به- يكون منافياً لحكم العقل بوجوب اتباع حجّيّة العقل ولزوم إتباعه.
ثم لا بُدَّ وأن يُنظر إلى هذا الحكم العقلي الذي يدّعى مناقضته لحكم الشرع، على كلا المسلكين: المسلك المشهور، ومسلك هذا البحث.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أمّا على مسلك المشهور: فإنّهم يرون أنَّ حجّيّته للقطع ذاتيّة له، وأنَّ مرجع الحجّيّة الذاتيّة للقطع إلى حكم العقل بمنجّزيّة القطع ولزوم العمل على طبقه، فقد يتوهّم بناءً على هذا أنَّ المناقضة محتومة؛ لأنَّ حجّيّة القطع مرجعها إلى منجّزيته بحكم العقل، وحيث إنَّ منجّزيّة القطع ذاتية، والذاتي لا يختلف، فالوجوب لازم الثبوت وحتمي التحقّق، فينافي حكم الشارع بعدم العمل بالقطع.
إلَّا أنّنا قلنا: إنَّ مجرّد دعوى أنَّ الحجّيّة ذاتيّة للقطع، لا يكفي في اثبات المطلب؛ لأنَّ الكلام إنَّ ما هو الذاتي هل هو المنجّزيّة المطلقة أو المنجّزيّة التعليقيّة؟ فلو سلّمنا أنَّ المنجّزيّة ذاتيّة للقطع، ولكن هل هي منجّزيّة على كلّ تقدير، أو مشروطة بأن لا يأذن الشارع بمخالفة القطع؟ فإن فُرض أنَّ حكم العقل بحجّيّة القطع تنجيزي إطلاقي، فينافيه حكم الشارع بالترخيص، وإن فرض أنّه تعليقي فيكون حكم الشارع حاكماً ورافعاً لموضوع حكم العقل، حينئذٍ لا بُدَّ من إثبات هذا المطلب، وهو لا يثبت بهذه الدعوى، بل لا بُدَّ من الرجوع إلى الوجدان لمعرفة ذلك، لأنَّهم لم يكن لديهم دليل في الحكم بأصل ذاتية الحجّيّة إلَّا الوجدان، فلا بُدَّ من الرجوع إليه لمعرفة أنّها حجّيّة منجّزيّة أو تعليقيّة.
أمّا على مصطلحنا، فقد قلنا: إنَّ مرجع حجّيّة القطع إلى مولويّة المولى، وجوهر هذه المولويّة هو أنَّ المولى له حقّ الطاعة على العبد، فإذا تمّ ذلك وكان القطع كاشفاً تامّاً، تتمّ حجّيّة القطع.
بناءً على ذلك، لا بُدَّ أن نرى أنَّ حقّ الطاعة هل هو حقّ تعليقي أو
ــــــــــ[88]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
تنجيزي؟ أي: لا بُدَّ أن نرى هل أنّ حقّ الطاعة على العبد تنجيزياً، أو له حقّ الطاعة إذا أراد أن يُطاع؟ فإذا فرض أنَّ ما هو جوهر المولويّة هو حقّ الطاعة التنجيزي، بحيث لا يستطيع المولى اسقاطه عن نفسه؛ فلا يمكن للمولى أن يناقض مولويّة نفسه بالنهي عن القطع؛ لأنَّ مرجع هذا النهي يكون هو الإنكار لمولويّة نفسه، وإن فُرض أنَّ المقدار الذي استقل به العقل، هو حقّ الطاعة إذا أراد المطاع، حينئذٍ فإذا فرض أنَّ المولى لم يرد أن يحفظ لنفسه حقّ الطاعة لنكتة -وفرض أنَّ ذلك ممكن من جهة المناقضة مع المولويّة- فإذا لم يرد أن يطاع فلا يكون هناك حقّ الطاعة له.
كما لو فرض أنَّ المولى أراد أن يمتحن مقدار حب العبد له وتعلّقه به قلبياً. أي: أراد أن تُمتحن مقدار المحركيّة الشخصيّة في نفس العبد لتكليفه، بحيث تعلّق غرضه بأن يأتيه العبد بالماء بمحركيّة شخصيّة لا مولويّة، فإنّه لا يريد من العبد أن يُطيعه بملاك قانون العبد والمولى، بل بملاك أنّه صديقه وحبيبه، فحينئذٍ لو فُرض أنَّ حقّ الطاعة حقٌّ مشروطٌ بإرادة المولى، فيمكن له أن يقول: إنّي أسقط حقّ الطاعة عنك لأرى مقدار تأثير تكليفي فيك بحسب غرضك الشخصي، وهذا أمر يتعلّق به الغرض العقلائي. أمّا لو فرض أنَّ حقّ الطاعة لا يقبل الاسقاط، فلا يمكن للمولى أن يصل إلى غرضه عن هذا الطريق، فالمسألة ترتبط بهذا المطلب، وهو أن نرى أنّ حكم العقل بالمنجّزيّة هل هو تعليقي أو تنجّيزي؟ وأنَّ حقّ الطاعة هل هو تعليقي أو تنجيزي؟ واثبات كلا الأمرين على كلا المسلكين ليس برهانياً؛ لأنَّ حقّ الطاعة كالمنجّزيّة الذاتيّة، مرجعه هو الوجدان، والوجدان هو الحكم بسعتها وضيقها.
ــــــــــ[89]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أمّا التقريب الثالث -مسألة نقض الغرض-: وهو أنَّ المولى إذا كان يحب الاتيان بصلاة الليل حباً لزوميّاً، وقطع المكلف بوجوبها، فإن نهاه عن قطعه كان نقضاً لغرضه، ونقض الغرض محالٌ من الحكيم.
وقد اتّضح جواب هذا التقريب مما سبق: فإنَّ الغرض الذي يُدّعي نقضه بالنهي، لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يُراد بالغرض الغرض في الفعل، وإمّا أن يُراد به الغرض في تكليف المولى بصلاة الليل، فإن أُريد به الغرض القائم بنفس فعل المكلف، فيرجع إلى الإشكال الأوّل وهو التضاد من حيث المبادئ، ولا يكون إشكّالاً جديداً.
وإن فرضنا أنَّ الغرض المدّعى هو الغرض من تكليف المولى للعبد واقعاً، فيكون النهي نقضاً للغرض الذي دّعى المولى إلى التكليف، فقد انقدح جوابه في غضون البحث الذي تقدّم؛ وذلك أنَّه لا بُدَّ أن يكون غرض المولى من كلّ تكليف، محركاً للعبد بمقدار حكم العقل بالمنجزيّة لكلّ تكليف.
فإن فُرض أنَّ العقل يحكم بالمنجزيّة المطلقة، فنفس هذا الحكم يكون محذوراً كافياً، بلا حاجة إلى محذور نقض الغرض، وإن كان العقل يحكم بالمنجّزيّة على تقدير، فهذا الخطاب منجّزيته مشروطة بعدم ورود النهي، فلا يكون هناك نقضٌ للغرض على ما سيأتي بحثه، بحثاً برهانياً مفصّلاً في بحث الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهرية(1)، هذا خلاصة ما أردنا تعليقه على هذه الكلمات.
ــــــــــ[90]ــــــــــ
(1) انظر: بحوث في علم الأصول 4: 196.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وتحقّيق المطلب أن يقال: بأنَّ المولى في تكليفه الواقعي الذي تعلّق قطعنا به، تارةً نفرض أنَّ ما هو متعلّق غرضه هو الحصّة التي يأتي بها المكلف، من دون دخل للمولويّة فيها أصلاً، فإنَّه يريد اتيان العبد بالماء بنحو الحصة التي لا دخل للمولويّة فيها، بل لمجرّد المحركيّة الشخصيّة دون المولويّة، فإذا فُرض أنَّ المولى يتعلّق غرضه بهذه الحصة، فهنا معقولية إذنه بمخالفة القطع موقوفة على منجّزيّة حكم العقل بمنجّزيّة القطع أو تعليقيته، فإن ادُّعي أنَّه تنجّيزي بالوجدان، فالمولى لا يستطيع الترخيص، وإن فرض أنَّ حكم العقل تعليقي، فيمكن حينئذٍ أن يقول: أُسقط حقّ الطاعة عنك، وارخّصك في اتباع الحكم.
وإن فرض أنَّ غرض المولى تعلّق بصدور طبيعي الفعل من المكلف من ناحية حقّ المولويّة.
فهنا، النهي عن العمل بالقطع، أي: الحكم بخلاف القطع، بالنسبة إلى القطع، إمّا أن يُفرض حكماً حقيقيّاً، وإمّا أن يُفرض حكماً طريقيّاً. والفرق بين الأحكام الحقيقيّة والطريقيّة سوف يأتي في بحث الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهرية، وسيأتي أنَّ الأحكام الحقيقيّة هي الأحكام الناشئة عن ملاكات محقّقة ومبادئ في متعلّقاتها، فالحكم الحقيقي هو الإنشاء الناشئ عن وجود مبادئ مولويّة في متعلّقه، والحكم الطريقي هو الإنشاء الصادر من المولى بلحاظ ملاكات ومبادئ مشكّوكة غير متحقّقة بدّاعي التحفظ عليها احتياطاً، فالأمر بوجوب الاحتياط لا ينشئ من وجود مبادئ مولويّة في شرب التتن، بل
ــــــــــ[91]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
من وجود مبادئ مولويّة محتملة يكون هذا الأمر بداعي التحفظ عليها، والاطمئنان على حصولها. وسيأتي أنَّ الفرق بينهما في مقام الآثار، أنَّ الحكم الحقيقي يتنجّز بنفسه، أي: يستحق العقاب على من لفته، والحكم الطريقي لا يستحقّ العقاب عليه، ولا منجّزيّة ولا معذّريّة له بنفسه، وإنّما ينجّز ويعذّر غيره، فلو صادف أنَّ التتن كان حراماً فنعاقب على الحرمة الواقعيّة، وإذا لم يكن حراماً واقعاً فلا نعاقب على عصيان وجوب الاحتياط؛ لأنَّه وجوب طريقي.
فهذا النهي عن العمل بالقطع إمّا أن يدّعى كونه حقيقياً، وإمّا طريقياً، فإن فُرض كونه حكماً حقّيقياً، فهو غير معقول؛ لأجل محذور التضاد في المبادئ، كما أنَّ التضاد في المبادئ غير معقول في الأحكام الظاهريّة -لو قيل: إنّها حقيقيّة- وسيأتي في مبحث الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة أنَّ شبهة ابن قبة لا محيص عنها لو فُرض أنَّ الأحكام الظاهريّة أحكام حقيقيّة، فضلاً عن القطع، وأنَّ ما يقال في الجواب من تعدد الرتّبة لا يتمّ هناك، فضلاً عن المقام في القطع.
فالإشكال بالتضاد تامٌّ على كلِّ حالٍ، سواء قلنا بالتنجيزيّة أو التعليقيّة؛ لأنَّ ملاك التضاد هو التضاد في الملاكات، سواء كان حقّ الطاعة تنجيزي أو تعليقي.
وإن فُرض أنَّ هذا الحكم طريقي، فيتصوّر هنا عدّة صور:
الصورة الأولى: أن نتصوّر أنَّ المكلف يقطع بالإباحة الواقعيّة، ولكن المولى يحرّمه عليه، ويقول: أيّها المكلف القاطع بإباحة فعل من الأفعال أنهاك عن العمل بقطعك. وهذا النهي طريقي باعتبار أنَّ المولى يعرف أنَّ كثيراً من القطّاع
ــــــــــ[92]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
سوف يخطئون ويقعون في المحرمات، فتحفظاً على المحرمات، وبداعي تنجيزها ينهى المولى عن العمل بالإباحة. وهذا النهي الطريقي ليس بينه وبين الواقع مضادة كما سيأتي؛ لأنَّ هذا الحكم لا يتنجّز بنفسه، وإنّما يراد لأجل تنجيز غيره، بخلافه في باب الأحكام الظاهريّة، فإنَّ الحكم الظّاهري يعقل أن يكون منجّزاً؛ لأنَّ المكلف يحتمل أن يكون التتن حراماً، فهذا احتمال منجّز يستتبع احتمال العقاب، فلا بُدَّ من الاجتناب.
أمّا في المقام فالمفروض أنّه قطع بالحليّة، فلا يكون النهي الطريقي منجّزاً؛ لأنَّ المكلف مِمَّ يخاف؟ هل يخاف من مخالفة النهي الطريقي؟ وقد قلنا: إنَّه لا عقاب له، أو يخاف من مخالفة الحرمة الواقعيّة؟ وهو لا يحتملها؛ لأنَّه يقطع بالإباحة، فهذا النهي الطريقي لا يمكن تأثيره في المكلف بوجهٍ، فيكون جعله لغواً محضاً.
الصورة الثانية: أن نتصوّر أنَّ العبد قطع بوجوب الفعل، وحرّمه عليه المولى، فقال: أيّها القاطع أُحرّم عليك العمل بقطعك، وإنّما حرّمه باعتبار أنَّ كثيراً ممّن يقطعون بوجوب شيء سوف يقطعون بوجوب المحرمات، فتحفظاً على المحرمات يرفع المولى اليد عن الواجب.
هذا النهي عن العمل بالقطع نهي طريقي، لا يعقل تنجيزيته، ولا يعقل أن يكون منشأ لعقوبة المكلف، فإنَّه لا يُعقل العقاب لا على مخالفة هذا النهي الطريقي، ولا على مخالفة الحرمة الواقعيّة؛ لأنَّ المكلف قاطع بوجوب الفعل.
الصورة الثالثة: أن يُفرض أنَّ العبد قطع بالوجوب والمولى رخّصه، وهذا
ــــــــــ[93]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الترخيص طريقي، ومعنى الطريقيّة الذي يُتصوّر في المقام: هو أنَّ المولى يعلم أنَّ كثيراً من موارد القطع بالوجوب سوف تصادف موارد عدم الوجوب، ويرى المولى أنَّ هناك مفسدةً كبيرةً في أن يلتزم المكلفون بوجوب ما لا وجوب له؛ لأنَّ الشريعة تبدو متشددة صعبة في أحكامها لا سهلة سمحاء؛ وهذه في نظره مفسدة كبيرة، فرخّص في ترك ما يقطع بوجوبه حذراً من الوقوع في هذه المفسدة، فهذا الترخيص من المولى ترخيص اضطراري، فإنَّه لو أمكنه إيضاح موارد القطع المصادف للواقع عن غيره لفعله؛ لأجل أن يحصل على مصلحة الواجبات وينفي تلك المفسدة في نفس الوقت، ولكنّه كان مضطراً بين أمرين: إما أن يدّع المكلفين يعملون بالقطع فتقع المفسدة، أو أن يرخّص هو في اتباع القطع فتضيع المصلحة الواقعيّة في موارد الإجابة.
بعبارة أخرى: للمولى غرضان لزوميان، أحدهما الإتيان بالواجبات، والآخر عدم الالتزام بوجوب ما لا وجوب له، وحيث إنَّ الواجب قد اختلط على المكلفين بما لا وجوب له، والمولى لا يستطيع أن يميّزه لهم؛ لذا رخّص في الجميع، لأجل أن لا يقع المحذور الثاني تقديماً له على المحذور الأوّل، ومثل هذا الترخيص الناشئ من تزاحم الغرضين المولويين اللزوميين نسمّيه بالترخيص الاضطراري؛ لأنَّ المولى لو كان له سبيل في توضيح ما يجب ممّا لا يجب لبيّنه ولما رفع اليد عنه. وهذا المكلف القاطع بالوجوب يمكن له التحفظ على كلا الغرضين المولويين اللزوميين؛ لأنَّه إذا التزم بما قطع بوجوبه فقد أتى بالواجب ولم يلتزم بما لا وجوب له. وعليه فلا يكون هذا الترخيص معذراً له، ويكون العقل ملزماً بالجمع بين الغرضين، ولا يكون للترخيص أثر، فهذا
ــــــــــ[94]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الترخيص الاضطراري لا يمكن أن يتنجّز على المكلف؛ لأنَّه حيث إنَّه يقطع بالوجوب، فهو يرى أنَّه يمكن تحصيل مصلحة الواجب وترك المفسدة، فهو يرى أنّه من الممكن تحصيل كلا الغرضين المولويين، وترخيص المولى حيث إنّه ترخيص اضطراري بملاك العجز عن كلا الغرضين؛ وحيث إنَّ المكلف يعتقد بإمكان الجمع بين الغرضين، فالعقل يحكم بعدم منجّزيّة هذا التكليف الاضطراري، كما لو كان شخصان يغرقان: يكون أحدهما عدواً للمولى، والآخر صديقاً له، والمولى لا يستطيع تمييزهما، فرخّص في غرقهما معاً تقديماً لمفسدة العدو على مصلحة الصديق، إلَّا أنَّ المكلف كان يعرف الصديق، فلا يمكن له أن يأخذ بهذا الترخيص الاضطراري للمولى. هذا خلاصة تحقّيقنا في المقام، وبذلك ينتهي البحث عن حجّيّة القطع.
ــــــــــ[95]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الكلام في التجرّي
ــــــــــ[97]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
التجرّي هو ما لو فُرض أنَّه قطع بحكم من الأحكام الإلزاميّة، ولم يكن هذا الحكم ثابتاً في الواقع، إلَّا أنَّه في حالة قطعه بثبوت الإلزام عليه ارتكبه بحسب الخارج، مع أنَّه مباح في الواقع.
وموضوع الكلام في التجرّي لا يختصّ على ما يظهر من تضاعيف الكلمات، بخصوص القطع المخالف للواقع، بل يعمّ جميع موارد تنجز الحكم الواقعي مع عدم ثبوته في الواقع، فيعمّ ما لو ثبت بالقطع الوجداني، أو بالحجّة الشرعيّة، أو بالأصل العملي الشرعي أو العقلي، إذا تنجّز بدليل ظاهري منجّز له، كما لو فرض أنَّه ثبتت حجّيّة خبر الواحد بالاستصحاب، وخبر الواحد قام على حكم واقعي، ففي جميع هذه الموارد إذا فُرض أنَّ الواقع لا ثبوت له، ومع ذلك ارتكبه المكلف. فهل يكون هذا التجرّي موضوعاً لحكم عقلي أو شرعي أو لا؟ هذا محلّ البحث.
والكلام يقع في مقامات ثلاثة: أمّا المقام الأوّل: في حرمة هذا الفعل شرعاً، وهل هناك دليل على حرمته شرعاً أو لا؟ والمقام الثاني: الكلام في قبحه عقلاً، أي: انطباق عنوان القبيح عليه. والمقام الثالث: في استحقاق العقاب عليه، وسائر تبعات الموضوع.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهو أن نرى أنَّ التجرّي هل يكون حراماً أو لا؟ والدليل على حرمته.
ذُكرت عدة تقريبات للاستدلال على حرمة هذا الفعل المتجرّى به، مرجعها إلى دعوى إطلاق الأدلّة الأوّليّة الشرعيّة لهذا الفعل، أي: التمسّك بحرمة شرب معلوم الخمريّة بدليل لا تشرب الخمر أولاً، والتمسّك بدليل الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ثانياً، والتمسّك بأدلّة شرعيّة ثانوية ثالثاً، فلا بُدَّ من التكلّم في واحدٍ واحدٍ من هذه الوجوه.
هو التمسّك بإطلاق الدليل الأوّلي لإثبات حرمة شرب معلوم الخمريّة، وهو يختصّ بخصوص الشبهات الموضوعية التنجيزيّة، لا بلحاظ الشبهات الحكميّة؛ لأنَّه تارةً يقع الخطأ في الموضوع، وتارةً في الحكم. ففي الموضوع، نحو: أنَّ هذا معلوم الخمريّة فيشمله الحكم، كما هو محلّ الكلام في الوجه الأوّل، وتارةً من ناحية الخطأ في أصل الحكم، كما لو تخيّل أنَّ النبيذ حرام وكان حلالاً. والتقريب الأوّل يختصّ بالشبهات الموضوعيّة للحكم التنجيزي.
وحاصل الاستدلال بالخطابات الأوّليّة للمحرمات -وأحسن ما يمكن أن يُصاغ به هذا التقريب- هو أن يقال:
ــــــــــ[100]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
إنَّ الادلّة الأوّليّة، وإن كان ظاهرها تعلّيق الحرمة بشرب الخمر الواقعي، فإنَّ ظاهر الدليل هو تعلّيق الحرمة بالخمر بوجوده الواقعي، فإنَّ الأحكام وضعت على موضوعها بوجوداتها النفس الأمريّة، بقطع النظر عن القطع بها أو الظنّ أو الشكّ، فلو بقينا نحن وظاهر الدليل لما قلنا بحرمة شرب معلوم الخمريّة؛ لأنَّه خلاف الواقع، إلَّا أنَّه بالقرينة العقليّة نلتزم بالتأويل لظاهر الأوّل الأولي بحيث يشمل معلوم الخمريّة، فنُرجع قوله: (لا تشرب الخمر) إلى قوله: (لا تشرب معلوم الخمريّة).
فالبحث يقع في هذه القرينة العقليّة التي بلحاظها نؤول ونصرف الحرمة الثابتة للخمر بوجوده الواقعي إلى الخمر بوجوده العملي.
وحاصل القرينة: أنَّ شرب الخمر الواقعي لا يصلح أن يتعلّق به الإلزام من قبل المولى، لا بعثاً ولا زجراً؛ لأنَّ الإلزام من قبل المولى مشروط بالقدرة؛ فإنَّ الإلزام إنَّما يرد على الفعل المقدور دون غير المقدور، وشرب الخمر الواقعي يتضمن فرض مصادفة قطع الشارب للواقع، فإنَّ شرب الخمر الواقعي قضيته هي نتيجة لقضية أُخرى، هي أنَّ هذا المشروب خمرٌ، فإذا صدقت قضيته وأنَّه خمرٌ، صدقت قضيّة شرب الخمر الواقعي. إذن، فقد أُخذ في مضمون شرب الخمر الواقعي فرض تشخيص الشارب للواقع، فلا بُدَّ من تحقّق شرب الخمر الواقعي من مصادفة تشخيص القاطع للواقع وإصابته.
وهذه الإصابة والمصادفة ليست تحت القدرة، فإنَّ أخطاء الإنسان ليست تحت اختياره بالنسبة إليه، بل خارجة عن القدرة؛ فلا بُدَّ أن يكون خارجاً من
ــــــــــ[101]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
تحت الإلزام الشرعي، فإذا اُخرجت المصادفة عن دائرة الإلزام الشرعي؛ لاستحالة الإلزام بشرب الخمر الواقعي؛ لأنَّه يتضمن المصادفة والإصابة؛ فلا بُدَّ من تبديله بعنوان آخر لا يتضمن فرض المصادفة والإصابة، وهو عنوان معلوم الخمريّة، فيقال: لا تشرب معلوم الخمريّة، فإنَّ إضافة الشرب إلى المعلوم الخمريّة تحت القدرة. أمّا إضافته إلى واقع الخمر المنطوي على فرض المصادفة فليس تحت القدرة، فلا بُدَّ من تبديله إلى عنوان معلوم الخمريّة.
فإذا ثبت بهذا أنَّ المأخوذ تحت الحكم هو مقطوع الخمريّة، فيكون إطلاقه للمقام واضحاً.
هذا ما ينبغي أن يقال في المقام، لا ما جاء في تقريرات المحقّق النائيني، كما في أجود التقريرات(1)، فإنَّه بيّن مقدّمات ثلاثة، بعضها غير مربوط بالمقام، وبعضها غير مرتّب ترتيباً فنيّاً.
المقدّمة الأولى: أنَّ الموجود يؤخذ مفروض الوجود للحكم، وبهذا ترجع القضيّة الحقيقيّة إلى قضيّة شرطيّة، فقوله:(لا تشرب الخمر) مرجعه إلى أنَّه إذا وجد خمر في الخارج فلا تشربه، ومتعلّق الحكم حينئذٍ هي القطعة الاختياريّة التي لم تؤخذ مفروضة الوجود، وهذه المقدّمة أجنبيّة عن محلّ الكلام، كما سوف يظهر.
المقدّمة الثانية: أنَّ العلم هو تمام الموضوع للتحريك الاختياري، بمعنى: أنَّ المحرّك لاختيار المكلف هو علمه، من دون دخل للموجود الخارجي فيه
ــــــــــ[102]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 23.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أصلاً؛ ولهذا قد يكون هناك ماءٌ ولا يشربه؛ لأنَّه لا يعلم به، أو قد يعلم أنَّه ماءٌ فيذهب إليه، ولكنّه ليس بماءٍ، بل سراب.
وذكر في فائدة هذه المقدّمة في استنتاج التنجيز: أنَّه لو فرضنا أنَّ الشيء بوجوده الواقعي يكون دخيلاً في الاختيار والإرادة، فيكون التكليف بوجوده الواقعي محركاً. أمّا لو فرضنا أنَّ العلم والوصول هو تمام العلّة للتحريك، فيثبت أنَّ المحرّك ليس هو التكليف الواقعي، بل العلم به. فكان مقصوده: أنَّ المحرّك المولوي ليس هو التكليف الواقعي، بل هو العلم به.
ثُمَّ أشكل على ذلك: أنَّ العلم بالتكليف ليس هو المحرّك، بل هو طريق إلى الواقع الخارجي، فإذا ثبت أنَّ هناك واقع حصل التحريك، وبهذا يثبت أنَّ التجرّي لا تحريك له.
وهذه المقدّمة لا محلّ لها في الكلام، فإنَّ كون المحرّك المولوي هو التكليف بوجوده الواقعي أو بوجوده العملي، أو أنَّ العلم به يكون طريقاً إلى الواقع
-فإذا لم يكن هناك واقع فلا يكون للتجرّي تحريك مولوي- هذا المطلب لا دخل له في المقام. فإنَّ كون المكلف قصّر في قانون العبودية أو لم يقصّر ليس له دخل في توسعة دائرة الحرمة، فإنَّ هذا أمر آخر غير المدّعى، فإنَّ المدّعي يدّعي أنَّ الحرمة الواقعيّة جُعلت ابتداءً على معلوم الخمريّة، لا أنَّ المحرّك المولوي هو، التكليف أو العلم به. فهذه المقدّمة خارجة عن محلّ الكلام.
المقدّمة الثالثة: ذكر أنَّ التكليف الشرعي يقتضي تحريك إرادة المكلف، فالتكليف يتعلّق بنفس اختيار المكلف، دون الفعل الخارجي، وحيث إنَّ
ــــــــــ[103]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الاختيار تمام العلّة فيه هو العلم، كما عرفنا في المقدّمة الثانية. إذن، فالتكليف يتعلّق باختيار ما أُحرز وعلم أنَّه خمر.
ثُمَّ أشكّل على ذلك: بأنَّ الاختيار يكون دخيلاً في متعلّق التكليف لا بالمعنى الاسمي، بل بالمعنى الحرفي، أي: بما هو آلة ومعبراً عن متعلّقه، لا بما هو شيء بحياله واستقلاله.
وهذه المقدّمة أيضاً أجنبيّة عن محلّ الكلام، فإنَّه لا يهم المدّعى، كون المكلف متعلّق بالاختيار أو بالمختار، بنحو المعنى الاسمي أو الحرفي، فلو فرض أنَّ الاختيار داخلٌ في متعلّق التكليف بالمعنى الحرفي، فيكون التكليف متعلّقاً بشرب ما أُحرز أنَّه خمر، فإنَّه يتمّ المدّعى أيضاً؛ لأنَّ متعلّق الاختيار هو ما أُحرز أنَّه خمرٌ، فيكون شاملاً لمحلِّ الكلام بلا إشكال.
فالأحسن في التقريب هو ما سبق: من أنَّ عنوان شرب الخمر الواقعي يستبطن فرض الإصابة والمطابقة للواقع، وهو ليس أمراً اختيارياً، فلا يمكن أن يتعلّق به الإلزام الشرعي، فلا بُدَّ أن يتعلّق الإلزام الشرعي بشرب ما أُحرز أنَّه خمر.
فيُجاب عن هذا التقريب: أنَّ الأحكام الشرعيّة من حيث موضوعاتها، على قسمين: قسم منها يُفرض في المرتبة السابقة عليها وجود الموضوع وتماميته، ثُمَّ يكون التكليف فعليّاً، كما في نحو: أكرم العالم، فإنَّه لا يكلف بإيجاد العالم وإكرامه، بل إنَّ أيّ شخص في الخارج يكون عالماً يجب إكرامه، فيكون وجود العالم مفروض الوجود في المرتبة السابقة على فعليّة الحكم. وتارةً يكون الحكم
ــــــــــ[104]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بنفسه مستدّعياً لوجود موضوعه، نحو: اشرب السكنجبين. فليس معناه أنَّه إذا وجد السكنجبين اشربه، بل بمعنى: اصنع السكنجبين واشربه، ففي هذا التكليف دعوة إلى إيجاد الفعل، ولو بتحقّق موضوعه.
أمّا فيما يرجع إلى الأوّل -إذا كان الموضوع مفروض الحصول في المرتبة السابقة على فعليّة الحكم- فالمصادفة وإن كانت غير اختياريّة، إلَّا أنَّها مفروضة شرطاً في موضوع الحكم، فإنَّ قوله: (أكرم العالم) يرجع إلى قوله: إذا وجد شخص وعلمت بعلمه، وكان علمك بعلمه مطابقاً للواقع فأكرمه. فالمطابقيّة اُخذت في موضوع الوجود، ومقدّم إكرام العالم الناشئ من عدم المصادفة في موضوع الوجوب، هذا لا يكون المكلف مسؤولاً عنه؛ فلا يكون مسؤولاً عن سد باب الإكرام الناشئ من عدم المصادفة؛ لأنَّه في فرض عدم المطابقة لا وجوب أصلاً. فلا يلزم في هذه الموارد التكليف بالمصادفة غير الاختياريّة؛ لأنَّها مفروضة الوجود في التكليف، وعدمها مساوق مع عدم التكليف، لا أنَّه موجود ويكون المكلف مسؤولاً عنه حتّى يلزم التكليف بالأمر غير الاختياري.
وأمّا إذا فُرض أنَّ الموضوع لم يؤخذ مفروض الوجود، كما في مثال (السكنجبين)، حيث عَلم أنَّ هذا (سكنجبين) وشربه، فهنا المصادفة غير اختيارية والخطأ غير اختياري كذلك، إلَّا أنَّ عدم اختياريّة ذلك لا يدلّ على عدم اختياريّة متعلّقه؛ وذلك لأنَّه من باب الاشتباه في مفاد كان الناقصة دون التامّة، فإنَّ كون هذا الشرب شرب للـ(سكنجبين) هو من مفاد كان الناقصة، وهو ليس تحت الاختيار، إلَّا أنَّ أصل شرب (السكنجبين) داخلٌ تحت الاختيار، فما هو غير داخل تحت الاختيار هو مفاد كان الناقصة دون مفاد كان
ــــــــــ[105]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
التامّة، إلَّا إذا كان المكلف يشتبه في كلِّ (سكنجبين)، فمثل هذا المكلف تكون التكاليف ساقطةً عنه.
أمّا إذا فرض أنَّ الاشتباه كان في موردٍ دون مورد، فمثل هذا المكلف يكون مفاد كان التامّة تحت قدرته، دون مفاد كان الناقصة. ويعقل في التكليف أن يكون بمفاد كان التامّة تحت قدرته، أيّ تكليف بالجامع ولو في ضمن فرد آخر. هذا حاصل جوابنا على المغالطة.
هو التمسّك بقانون الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، بعد ثبوت حكم العقل بالقبح، وهذا التقريب ينحلّ إلى صغرى وكبرى.
الصغرى: هي حكم العقل بقبح الفعل المتجرّى به بنحو من القبح.
والكبرى: هي قانون الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، فبقاعدة الملازمة يستكشف حرّمته شرعاً، فإنَّ القبيح عقلاً حرام شرعاً، أمّا الصغرى: فمفروغ عنها في المقام، وسنبحث عنها في المقام الثاني.
وأمّا الكبرى: وهي أنَّ كلَّ ما حكم العقل بقبحه حكم العقل بحرمته، فإنّا أيضاً نفرضها مفروغاً عنها؛ لأنَّ لها بحثاً آخر يبحث فيه عن هذه الملازمة. نعم، ينبغي أن تكون خصوصيّة واحدة لمحلّ البحث في المقام، وهي أنَّ هذه الكبرى التي فرضنا الفراغ عنها ليست مأخوذةً على الإطلاق، بل هي مقيّدة بأن يكون المورد الذي حكم العقل بقبحه قابل لإعمال المولويّة فيه من قبل الشارع، أمّا في مورد لا يُعقل فيه إعمال المولويّة فهو خارج عن قانون الملازمة،
ــــــــــ[106]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فإذا حكم العقل بقبح فعل ولم يكن المورد قابلاً لإعمال المولويّة فيه، فإنَّ الشارع لا يحكم بحرّمته.
فالبحث هنا يقع في هذا المورد، هل هو موجود أو غير موجود؟ بعد الفراغ عن أصل الكبرى وأصل الصغرى، فإن كان المورد قابلاً لإعمال المولويّة تمّ الدليل كبرى وصغرى، وإن لم يكن المورد قابلاً لذلك لم يتمّ الدليل.
وقد ذُكرت تقريبات للبرهنة على أنَّ المورد لا يقبل إعمال المولويّة، وحينئذٍ يثبت بطلان الدليل، وعدم انطباقه على قانون الملازمة؛ لأنَّ شرطها -وهو قابليّة الحكم لإعمال المولويّة- غير موجود.
وهو ما أفاده المحقّق النائيني(1).
وتوضيح ما أفاده: أنَّ إعمال المولويّة من قبل الشارع إنّما يكون بجعل حرمة الفعل المتجرّى به، وجعله غير معقول. إذن، إعمال المولويّة غير معقولة؛ لأنَّ جعل حرمة الفعل المتجرّى به المقطوع الحرمة إمّا أن يكون بنفس جعل حرمة شرب الخمر الواقعي، بحيث إنَّ المولى يجعل الحرّمتين بنفس الجعل الأوّلي، وفرق هذا الشقّ عن التقريب الأوّل في شمول الإطلاقات للفعل المتجرّى به، فإنه هناك كان يُدّعى أنَّ مورد الجعل الأوّلي ابتداءً هو معلوم الخمريّة -دون الخمر الواقعي- أمّا هنا، فالمدّعى هو أنَّ المورد هو تحريم الخمر ومعلوم الخمريّة كلاهما في الجعل الأوّلي.
ــــــــــ[107]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 3: 41 – 43.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
والتصوّر الثاني أن يكون هناك جعل آخر لحرمة الفعل المتجرّى به غير الجعل الأوّلي للحرمة الواقعيّة، وهو جعل في طوله وبعده لحرمة الفعل المتجرّى به، وعلى هذا الثاني أيضاً يوجد فرضان؛ لأنَّ الجعل الثاني الجديد، إمّا أن يختصّ بخصوص مورد التجرّي، بمعنى: أنَّ المولى يقول: حرّمت عليك شرب معلوم الخمريّة الذي لا يصادف الواقع، أو أنَّه يعمّ موارد العصيان والتجرّي، بأن يقول: حرّمت عليك شرب معلوم الخمريّة، صادف الواقع أو خالفه.
والكلّ باطل، فأصل جعل الحرمة باطل.
أمّا التصوّر الأوّل: وهو أن تكون حرمة الفعل المتجرى به مجعولة بنفس جعل الحرمة الأولى؛ فلأنَّ حرمة الفعل المتجرى به بملاك قبحه عقلاً، وقبحه عقلاً في طول جعل حرمة الفعل الواقعي؛ إذ إن قبح شرب معلوم الخمريّة الذي هو خل بلحاظ تحريم الشارع وتنجيزه على المكلف. إذن، فحرمة المتجرى به في طول حكم العقل بالقبح، والقبح في طول حرمة شرب الخمر الواقعي، فإذا كان حرمة الفعل المتجرّى به في المرتبة المتأخّرة فهل يُعقل أخذه في المرتبة المتقدّمة، وفرض كون الجعل الأولي مطلقاً من ناحيته؟
وأمّا التصوّر الثاني: وهو أن يفرض أنَّ هناك جعلاً آخر يتعلّق بحرمة الفعل المتجرّى به خاصة، فمثل هذا الجعل غير معقول؛ لأنّه غير قابل للوصول، فيكون لغواً. أمّا أنَّه لا يقبل الوصول فواضح؛ لأنَّ المتجرّي ما دام غير عالم بخطأ قطعه، لا يعقل بتوجه الخطاب إليه؛ لأنّه خطاب للخاطئ، وبمجرّد أن يلتفت يخرج عن كونه متجرّياً.
ــــــــــ[108]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وأمّا التصوّر الثالث: أن يفرض جعل جديد متكفّل لحرمة الفعل المعلوم الخمريّة، أعمّ من موارد التجرّي والعصيان، وهنا لا يرد الإشكال السابق؛ لأنَّ المتجرّي يلتفت إلى انطباق الجامع على نفسه، ووصوله إليه معقول، ولكنّه في المقام محال من ناحية أنَّ جعل حكمين الزاميين تارةً يُفرض أنّه لا يوجد بينهما حرمة اجتماع أصلاً، كما في: ( أكرم كلّ عالم وأسق الحيوانات) وأخرى يُفرض اجتماعهما في مورد، نحو: (أكرم كلّ عالم، وأكرم كلّ عادل) فيجتمعان في العالم العادل، فإذا فُرض أن العموم بينهما من وجه بحيث يكون لكلِّ منهما مادة افتراق، فكلّ من الجعلين معقول في نفسه؛ لأنَّ كلّاً منهما يكون قابلاً للمحركيّة. وأمّا لو فرض أنَّ أحدهما ليس له مورد افتراق عن الآخر بأن كان بينهما عموماً مطلقاً، نحو: أكرم العالم، وأكرم المهندس، والمهندس أحد أقسام العالم، ففي هذا لا يعقل جعل إكرام المهندس؛ لأنَّه دائماً لا بُدَّ من حمله على التأكيد دون الاستقلال في التأثير.
وكأنَّ هذا القانون أُخذ مفروغاً عنه في عبارة الميرزا، والميرزا طبّق هذه الكبرى المفروغ عنها في المقام، فأفاد أنَّ جعل حرمة شرب مقطوع الخمريّة وإن كانت نسبته إلى حرمة شرب الخمر الواقعي في الواقع عموماً من وجه، إلَّا أنَّ النسبة بينهما في نظر القاطع هي العموم المطلق؛ لأنَّه لا يحتمل خطأ قطعه؛ فإنَّه يرى أنَّ هذا خمر واقعي. إذن، فجعل الحرمة على الخمر المقطوع به محال عند المكلف، وجعل حكم يكون محالاً عند المكلف محال؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يترتّب عليه الأثر، وما دام محالاً في نظر المكلف فجعله محال.
ــــــــــ[109]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وبعبارة أخرى: أنَّ حاصل ما أفاده: أنَّ المدّعى إمّا أن يكون استلزام قبح الفعل المتجرّى به فعليّاً أو فاعليّاً للحرمة بنفس إطلاق الخطابات الأوّليّة
-بدعوى: أنَّ المولى يجعل جعلاً واحداً يشمل الخمر الواقعي، ويشمل الفعل القبيح من ناحية التجرّي، وهو يختار في المقام الثاني، أنَّ قبح الفعل المتجرّى به قبح فاعلي، فيعبّر بالقبح الفاعلي في المقام- وإمّا أن يُدّعى جعل خطاب آخر يتكفّل تحريم الفعل المتجرّى به، وعلى الثاني فهذا الخطاب الآخر إمّا أن يُفرض اختصاصه بالقبح الثابت في التجرّي، وإمّا أن يشمل القبح الثابت في موارد العصيان؛ لأنَّ التجرّي ليس أشدّ من العصيان، فالشقوق ثلاثة؛ لأنَّ هذه الحرمة التي يدّعى استكشافها من حكم العقل بالقبح لا تخلو من أحد أمور ثلاثة: إمّا أنَّها مجعولة بنفس جعل حرمة الخمر، أو بجعل آخر، وعلى الثاني فإمّا أن تكون مجعولةً في خصوص موارد التجرّي، أو أنَّها تجري في جميع موارد القبح الفاعلي، سواء كان مخطئاً أو عاصيّاً، والكلّ محال. إذن، فأصل جعل الحرمة محالٌ.
ووجه استحالة الكلّ: أمّا في استحالة الشقّ الأوّل -وهو أنَّ حرمة الفعل المتجرّى به مجعولة بنفس جعل حرمة شرب الخمر، فهو محال- باعتبار أنَّ حرمة شرب معلوم الخمريّة إنّما هو باعتبار قبح التجرّي.
والتجرّي في طول تحريم شرب الخمر، باعتبار تمامّية التحريم ووصوله إلى المكلف وتعمّد العصيان به، وإن أخطأ في التطبيق، فحرمة شرب معلوم الخمريّة هو بملاك قبح التجرّي، وهو في طول حرمة شرب الخمر، فإذا فُرض
ــــــــــ[110]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أنَّ حرمة شرب معلوم الخمريّة كانت بملاك قبح التجرّي، وكان التجرّي في طول حرمة شرب الخمر، فكيف يمكن أخذهما موضوعاً في حكم واحد؟ لأنَّه يلزم أخذ المتأخّر في المتقدّم، كأخذ العلم بالحكم، أو قصد الأمر في موضوع الحكم، فهذا الشقّ باطل.
وأمّا الشقّ الثاني: هو أن نفترض أن الجعل الأوّل جعل للحرمة، والجعل الآخر جعل لحرمة خصوص الفعل المتجرّى به، وهذا أيضاً محال؛ لأنَّه لا يعقل وصوله، وجعل حكم لا يعقل وصوله لا يعقل؛ وذلك لأنَّ الفعل المتجرّى به موضوعه المتجرّي، والمكلف لا يُعقل أن يعلم نفسه متجرّياً، إلَّا أن يخرج من الموضوع؛ لأنَّه إذا التفت إلى أنَّه مخطئ، فلا يعقل بقائه متجرّياً.
وأمّا الشقّ الثالث: وهو أن يكون الجعل الجديد يتعلّق بحرمة سائر موارد القبح الفاعلي: العصيان، والتجرّي. هنا يأتي الإشكال السابق؛ لأنَّ الجامع بين العصيان والتجرّي يمكن الالتفات إليه.
إلَّا أنّه يرد إشكال آخر، وهو لزوم اجتماع المثلين في نظر القاطع دائماً؛ لأنَّ المكلف القاطع، يرى أنَّ قطعه مصيب للواقع، فهو يرى أنَّ هذا الحكم الجديد مساوٍ موضوعاً للحكم الواقعي بحرمة شرب الخمر، ولا يزيد عليه شيء.
فإنَّه وإن كانت النسبة بين موضوعي الحكمين هي العموم المطلق، إلَّا أنّ الشيء الذي يعلم بخمريته لا يشكّ به، فجميع موارد الحرمة الثانية مندرجة في الحرمة الأولى. إذن، فجعل الحرمة الثانية غير معقول؛ لأنَّها ليست زائدة في نظر القاطع على الحرمة الأولى، فإنَّه وإن كان يُعقل التداخل في الأحكام إلَّا أنَّه
ــــــــــ[111]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يشترط أن يكون نحو افتراق يكون الحكم بلحاظه قابلاً للمحرّكيّة، أمّا ما ليس له مادة افتراق فلا محرّكيّة له، وهنا وإن كان معلوم الخمريّة له مادة افتراق، إلَّا أنَّه في نظر القاطع متساوٍ مع الخمر الواقعي، فيستحيل جعل الحرمة الثانية.
ومقتضى التحقيق هو أنَّ جميع الشقوق الثلاثة قابلة للنظر، وسالمة مما أورده من الإشكال.
أمّا الشقّ الأوّل، وهو فرض كون حرمة الفعل المتجرّى به مجعول بنفس الجعل الأوّلي، فقد كان إشكال الميرزا عليه هو أنَّ حرمة الفعل المتجرّى به بملاك قبحه عقلاً، والقبح العقلي في طول حرمة شرب الخمر الواقعي، فلا يمكن اخذه في المرتبة السابقة.
هنا تارةً: يفرض أنّنا نتصوّر عنواناً جامعاً بين شرب الخمر الواقعي وشرب معلوم الخمريّة، وأخرى لا نتصوّر، فإذا لم نتصوّر معنى جامعاً بين العنوانين، فالإشكال إنّما هو عدم وجود الجامع، وليس هو أنَّ الحرمتين طوليتان أو عرضيتان، فإنّه حتّى لو فرض أنّهما في عرض واحد مع ذلك لا يعقل جعلهما بجعل واحد؛ إذ لا جامع بينهما.
وأمّا لو فرض أنَّ الجامع كان موجوداً بين الشربين، وانتهى الأمر إلى كون المانع هو الطوليّة، فمثل هذه الطوليّة لا تمنع عن جعل الحرّمتين بجعل واحد؛ وذلك لأنَّ الطوليّة في المقام ليست طوليّة بين الجعلين، وإنّما الطوليّة بين المجعولين، أي: بين الحرمتين المجعولتين.
توضيحه: أنَّ حرمة شرب الخمر موضوعها هو الخمر الواقعي، فلو فُرض
ــــــــــ[112]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أنَّ حرمة شرب الخمر جعلت شرعاً بدليل، ماذا يتحقّق بعد جعلها؟ يتحقّق الوصول إلى المكلف، وبعد الوصول يتنجّز عليه حرمة شرب الخمر، فلو اشتبه وقطع بخمريّة خلٍ، فيتعنون هذا بالقبح العقلي، وما حكم بقبحه العقل حكم الشارع بحرّمته، فيثبت له الحرمة.
فهنا الإشكال: أنَّ حرمة الفعل المتجرّى به، أي: شرب الخل المقطوع الخمريّة متوقف على قبحه عقلاً، وقبحه عقلاً متوقف على جعل حرمة شرب الخمر الواقعي ووصوله إلى المكلف، كلّ هذا صحيح، إلَّا أنّه لا مانع من جعل هاتين الحرّمتين بجعل واحد، بعد فرض كون هذا الجعل الواحد ينحلّ إلى حرمات متعددة طوليّة.
إذن، فرض أنَّ المولى جعل حرمته على عنوان كليّ، وفرض بأنَّ انطباق هذا العنوان على فرد يكون متوقفاً على ثبوت الحكم لفرد آخر، فلا يلزم من هذا إشكال؛ لأنَّ مرحلة الجعل هي مرتبة واحدة؛ لأنَّه في عالم الجعل لا يتوقف الجعل على وجود الموضوع خارجاً، بل على فرض وجوده، ففي عالم الجعل لا تقدّم ولا تأخّر، وإنّما التقدّم والتأخّر بلحاظ فعليّة المجعول في مورد، بمعنى: أنّها تكون متأخّرةً عن فعليته في مورد آخر، وهو لا بأس به في فرض الانحلال.
ولا يقاس هذا على أخذ العلم، أو قصد الامتثال في متعلّق التكليف، فإنّه هناك يؤخذ المتأخّر عن الحكم في موضوع نفس ذلك الحكم، مثلاً قصد الامتثال يؤخذ في موضوع الأمر بالصلاة، فهذا أخذ للمتأخّر في موضوع المتقدّم، أمّا في المقام فلا نريد أخذ الفعل المتجرىّ به في حرمة شرب الخمر،
ــــــــــ[113]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
حتّى يقال: إنّه يلزم أخذ المتأخّر في المتقدّم، بل نريد جعل حرّمتين طوليتين بإنشاء واحد، وهو في القضايا الحقيقيّة لا مانع منه.
فالأوّل هو الذي يكون محالاً دون الثاني، فإنّه ممكن ولا مانع منه، بل واقع وملتزم به، كما في باب أدلّة حجّيّة خبر الواحد، في مقام الإشكال على شمولها للخبر مع الواسطة، فيذكر هناك أنَّ الحجّيّات وإن كانت طوليّة في نفسها إلَّا أنّها تنشأ بإنشاء واحد.
فبعد فرض التفرقة بين هذين النحوين، يتّضح أنَّ جعل حرمة الفعل المتجرّى به في نفس الجعل الأوّل لا بأس به، لأنّا في عالم الجعل لا نحتاج إلَّا إلى فرض الموضوع، فيفرض ويجعل له الحكم، غاية الأمر أنَّ هناك طوليّة في مقام الفعليّة، ولا تنافي بين الطوليّة في مقام الفعليّة والعرضيّة في مقام الجعل.
ولتوضيح الإشكال المتقدّم أكثر نحتاج بيان أمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ الأحكام كما هو المتعارف في البيان لها نحوان من الوجود: وجود بحسب عالم الجعل، ووجود بحسب عالم الفعليّة، وهو المسمّى بالمجعول، فلو حكم الشارع بحرمة شرب الخمر أو بوجوب إكرام العالم، فالوجوب أو الحرمة له وجود بنفس وجود الجعل المولوي، فإنّ المولى عندما يجعل الحكم بنحو القضيّة الحقيقيّة يكون للحكم وجود اعتباري بنفس الجعل، وهذا الوجود لا يتوقف على وجود الموضوع خارجاً، وإنّما هو متقوّم بفرض وجود الموضوع سواء كان موجوداً في الخارج أو لا، ففرض الموضوع هو الذي يكون مفوّتاً للحكم بوجوده الجعلي الاعتباري.
ــــــــــ[114]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ويقولون: إنَّ للحكم وجوداً آخر بحسب عالم الفعليّة، بمعنى: أنَّ الموضوع إذا خرج من عالم الفرض إلى عالم التحقّق ووجد خارجاً، فيكون حكمه فعليّاً، فهذا فرد آخر من الوجود، على خلاف بيننا وبين المشهور في تحديده، سبق في مبحث الواجب المشروط(1). والمقصود الآن هو بيان أنَّ للأحكام نحوان من الوجود، مع أخذ اختلافنا مع المشهور بنظر الاعتبار.
الأمر الثاني: أن يقال: بأنَّ حرمة الفعل المتجرّى به بعنوان كون هذا الفعل قبيحاً، هذه الحرمة لها وجودان -كما بيّنا في الأمر الأوّل- وجود اعتباري بنفس الجعل، ووجود فعلي، بمعنى: تحقّق الموضوع خارجاً.
ففي مرتبة الوجود الجعلي، هذه الحرمة ليست متأخّرةً عن حرمة شرب الخمر؛ لأنَّ الحرمة بوجودها الجعلي لا تحتاج إلَّا إلى فرض وجود الموضوع، والمولى يمكن أن يفرض كلا الأمرين في عرض واحد: شرب الخمر الواقعي وشرب معلوم الخمريّة القبيح. نعم، حرمة شرب معلوم الخمريّة بوجودها الفعلي فرع فعليّة القبح العقلي، والقبح العقلي فرع تمامّية حرمة شرب الخمر الواقعي ووصولها وتنجيزها على المكلف.
إذن، فما هو المتأخّر هو الوجود الفعلي لحرمة شرب الخمر من الوجود الجعلي؛ لأنّها متقوّمة بفرض وجود الموضوع دون وجوده خارجاً، وفرض الموضوعين يمكن أن يكون في عرض واحد، فحرمة الفعل المتجرّى به بوجوده الجعلي ليس متاخّراً عن الحرمة الواقعيّة؛ لأنّها متقوّمة بفرض الموضوع، وأمّا
ــــــــــ[115]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 3: 405.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الفعل بوجوده الفعلي فغير مأخوذ في الحكم.
حينئذٍ يتّضح الجواب، بأن نقول: لا مانع من جعل كلّتا الحرمتين بخطاب واحد، ولا يلزم أخذ المتأخّر في مرتبة المتقدّم؛ وذلك لأنَّ جعل كلّتا الحرمتين بإنشاء واحد، إنّما يستدّعي التسويّة بين وجوديها الجعليين لا الفعليين، وقد نعلّق الجعل الواحد بالحرمتين في عرض واحد وبوجودها الجعلي دون وجودها الفعلي، وقد عرفنا في الأمر الثاني أنَّ وجودها الجعلي ليس متأخّراً عن الوجود الجعلي للحرمة الواقعيّة، وإنّما أخُذ ليس متأخّراً وما هو متأخّر لم يؤخذ.
هذا كلّه لو فرض تصوّر جامع بين هذين العنوانين الطوليين، أمّا لو عرض أنّه لم يكن تصوّر جامع بينهما فالإشكال حينئذٍ إنّما هو من جهة عدم وجود الجامع بين الفردين، وليس الإشكال هو طوليتهما، فإنّه حتّى لو فرض عرضيتهما لا يمكن جعلها بجعل واحد، لأجل عدم وجود الجامع.
وأمّا الشق الثاني: لو فرض أنَّ الحرمة مجعولة بجعل آخر، فلا يرد عليه اشكال الميرزا على الشق الأوّل وهو لزوم أخذ المتقدّم في المتأخّر؛ لأنّ كلّ حرمة لها جعل مستقلّ، ولكن يفرض في المقام أنَّ الجعل المتأخّر مخصوص بخصوص موارد المتجرّي، أي: أنَّ المولى جعل جعلاً آخر في حرمة شرب معلوم الخمريّة الذي هو ليس بخمر في الواقع، وهذا الوجه إشكاله عند الميرزا أنَّه لا يعقل وصوله؛ لأنَّ المتجرّي مادام متجرّيّاً لا يلتفت للجعل؛ لأنّه لا يحتمل خطأ قطعه فلا يرى أنَّه مشمول الدليل، وبعد الالتفات يخرج عن كونه متجرّيّاً إلى كونه عاصيّاً.
ــــــــــ[116]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
توضيح الحال فيه: أنَّه هنا، تارةً يقال بأنَّ هذا الجعل الثاني لا يعقل صدوره من قبل المولى؛ وذلك لأنَّه في المرتبة السابقة عليه يوجد محرك مولوي في نظر العبد؛ لأنَّ المتجرّي يعتقد أنَّه مشمول للجعل الأوّل في المرتبة السابقة على الجعل الثاني، فالجعل الثاني دائماً يكون مسبوقاً بوجود محرك مولوي قبله في نظر العبد، فلا يكون قابلاً للمحركيّة في نفسه؛ لأنَّ العبد إذا كان ممن يتحرك عن تحريك المولى فيكفيه الجعل الأوّل، وإن كان لا يتحرك فشأن الجعل الثاني شأن الأوّل.
أقول: إن كان مقصود الميرزا ذلك -وهو ليس مقصوده- فهذا إشكال وبرهان برأسه على استحالة حرمة الفعل المتجرّى به، وهو برهان لو تمّ على إبطال الشقوق الثلاثة كلّها، فلو كان هذا مقصوده فلا ينبغي جعل الإشكال على الشقوق الثلاثة، بل يكون هذا إبطالاً لها بلا حاجة إلى الإشكالات الأُخرى، ومن هنا نعرف أنَّ ليس مراد الميرزا ذلك، بل يكون برهانه بقطع النظر ومع عدم الالتفات إلى هذه النكتة.
وكان حاصل إشكال الميرزا: أنَّ هذا الجعل غير معقول؛ لأنَّ المتجرّي لا يلتفت اليه؛ لأنَّه بمجرّد أن يلتفت إلى كونه متجرّياً يخرج عن كونه متجرّياً.
حينئذٍ، يمكن أن يرد عليه: أنَّ الالتفات يكفي فيه الالتفات الاجمالي ولا يحتاج إلى الالتفات التفصيلي، فالالتفات بنحو العلم الاجمالي يكفي دون العلم التفصيلي، وهذا التكليف يمكن أن يصل إلى المكلف بنحو العلم الاجمالي، وذلك: بعد معرفة أنَّ التجرّي هو مخالفة مطلق الحجّة، فلو شكّ في حرمة التتن قبل الفحص فقد تنجّز هذا الاحتمال في حقه، فيحصل له علم اجمالي بالحرمة؛
ــــــــــ[117]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
لأنَّ التتن إمّا حرام واقعاً، أو بتحريم التجرّي، فحرمة التجرّي وضعت بنحو العلم الاجمالي، ولا دليل على وجوب وصول الحكم بنحو العلم التفصيلي، وإنّما يكفي في حصوله الاجمالي.
نعم، لو كان التجرّي مخصوصاً بالقطع لا يرد ذلك في المقام؛ لأنَّ المكلف لا يحتمل شمول أدلّة التجرّي له؛ لأنّه قاطع بالواقع، ولكن بعد أن قلنا وقال الميرزا(1): إنَّ التجرّي يشمل جميع موارد الحجّة والشكّ قبل الفحص، فحينئذٍ يكفي في وصول الحرمة، وصولها ولو بنحو العلم الاجمالي.
وأمّا الشقّ الثالث: وهو أن نفرض أنَّ الحرمة وضعت بجعل جديد على الجامع بين المتجرّي والعاصي.
فهذا لا يأتي عليه إشكال الشقّ الثاني؛ لأنَّ حكم الجامع يصل إلى المكلف. نعم، إشكال هذا الشقّ عند الميرزا هو لزوم اجتماع المثلين؛ لأنَّ المكلف دائماً لا يحتمل خطأ قطعه، فهو يرى أنَّ ما يشربه خمر، فلا يرى مورد افتراق لأحد الحكمين عن الآخر، فلا يعقل جعله.
هذا جوابه واضح: وذلك لأنَّ النسبة في المقام هو العموم من وجه، حتّى في نظر المكلف؛ لأنَّ المكلف وإن كان لا يحتمل خطأ نفسه، ولكنّه هل أنّه لا يحتمل خطأ كلّ قاطع؟! فالنسبة بين مقطوع الخمريّة والخمر في نظر كلّ إنسان هي العموم من وجه، لكن كلّ إنسان يعتبر مقطوعه من مورد الاجتماع، وهذا الإشكال عجيب من الميرزا.
ــــــــــ[118]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول1: 58، أجود التقريرات 2: 22.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
والعجيب من السيّد الأُستاذ على أنّه تصدّى لإبطاله فذكر:
أولا: أنَّ النسبة هي العموم من وجه في نظر المكلف، بل ذكر أنَّه لو فُرض أنَّ المولى جعل جعلين: حرمة الخمر الواقعي والمقطوع الخمريّة، وفُرض أنّ المكلف وصل إليه الجعل الثاني فقط، فيكون هذا الجعل الثاني مستقلاً في مقام المحرّكيّة. إذن، فيكون للجعل الثاني محركيّة في مادة افتراقه، أي: تصوير مادة الافتراق للجعل الثاني عن الأوّل، وذلك ما إذا فرض أنَّ المكلف لم يصله الجعل الأوّل، وإنّما وصله الجعل الثاني، وهو حرمة المقطوع الخمريّة، ففي مثل هذه الموارد يكون الثاني مستقلاً في المحرّكيّة.
وهذا من الغرائب من السيّد الأُستاذ في الدراسات(1)، لأنَّ حرمة شرب مقطوع الخمريّة إنّما هو بملاك القبح العقلي، فإذا لم يعلم بالحرمة فليس الفعل قبيحاً عليه، وعليه لا يتصوّر للجعل الثاني مادة افتراق بهذا النحو، بل بالنحو الذي قلناه.
وبعبارة أخرى: إنَّ هذا غير صحيح؛ وذلك لأنَّ هذا المكلف إذا لم يصله الجعل الأوّل فلا يكون مصداقاً للجعل الثاني؛ لأنَّ الجعل الثاني إنّما هو بملاك القبح ولا قبح عند المكلف الذي لم يصله الجعل الأوّل للحرمة، فكيف يتصوّر أن يكون الجعل الثاني تامّاً والأوّل غير تامّ؟!
ويوجد في الدراسات(2) جواب آخر، وحاصله: الاعتراف بأنّ النسبة بينهما
ــــــــــ[119]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 36.
(2) نفس المصدر السابق.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
هو العموم المطلق، ولا بأس بذلك، فإنَّه ثبت هذا في بعض الموارد، وذلك كما إذا قدّر الصلاة الواجبة فإنَّ النسبة بين هذين التكليفين هو العموم المطلق، فإذا جاز في مورد فليجز في محلّ الكلام.
هذا الجواب غير صحيح؛ وذلك لأنَّ النسبة بين الجعلين هو العموم من وجه، فإنَّ وجوب الوفاء بالنذر ليس مجعولاً بالخصوص لوجوب أداء الصلاة المنذورة، ولا وجوب الصلاة مجعول في حال النذر، وإنّما يفترق النذر عن الصلاة بنذر أمور غير الصلاة، وتفترق عن النذر بغير الصلاة المنذورة، ويلتزم في مورد الاجتماع بالتأكد وفي مورد الافتراق بالاستقلال، فكيف يقاس هذا بالمقام، مع أنَّ النسبة في المقام هي العموم المطلق.
أمّا أصل الكبرى التي اُخذت في كلام الميرزا من أنَّه إذا كانت النسبة بين الجعلين هي العموم المطلق لا يمكن الجعل، وإذا كانت النسبة هي العموم من وجه يمكن الجعل، فهذه الكبرى مشهوريّة، ولها بحث نبحثها فيه، ولا مجال لبحثها الآن.
هذا البرهان ذكره السيّد الأُستاذ، كما في الدراسات(2)، وحاصله:
أنَّ جعل الحرمة في المقام إمّا أن يختصّ بموارد التجرّي، أو يعمّ موارد
ــــــــــ[120]ــــــــــ
() ثم بين البرهان الثاني على عدم قابلية المورد لإعمال المولوية سببه هو برهان التسلسل وقد تقدم الكلام فيه. (المُقرِّر).
(2) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 37،مصباح الأصول 2: 27.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
العصيان، فإن فرض اختصاصه بالتجرّي، فهو بلا موجب؛ لأنَّ التجرّي ليس بأسوأ من العصيان، وإن فرض أنّه عمّم لموارد العصيان أيضاً، فيلزم التسلسل؛ وذلك لأنَّ الحرمة المتعلّقة بارتكاب الجامع بين التجرّي والعصيان يكون لها عصيان أيضاً، فيكون عصيانها موضوعاً لحرمة أخرى، وهكذا حتّى تترتّب الحرمات إلى ما لا نهاية، وهي حرمات معلولٌ بعضها لبعض، وهو محال لاستحالة التسلسل.
ولعلّ هذا هو الملاك فيما اشتهر عن الميرزا الشيرازي ومن تأخّر عنه(1)، وهذه العبارة موجودة بكثرة في الكتب: (أنَّ الحكم العقلي الذي يستلزم الحكم الشرعي هو الحكم الذي يكون في درجة علل الأحكام الشرعيّة، لا في درجة معلولاتها) فإذا كان الحسن والقبح في درجة علل الأحكام الشرعيّة فيترتّب عليه حكم شرعي، أمّا إذا كان في درجة معلولات الحكم الشرعي فلا يترتّب عليه الحكم، كقبح المعصيّة.
هذه الآية الميرزائيّة ينبغي أن يكون وجهها هو التسلسل دون الدور؛ لأنَّ المدّعى هو وجود حكم آخر مترتّب على الحكم العقلي فلا يلزم الدور، وإنّما منشؤها التسلسل؛ لأنَّه لو ترتّب على معلول الحكم الشرعي حكماً شرعياً لكان هذا الحكم معلولاً لحكم الشرعي، فيترتّب عليه حكم شرعي آخر، وهكذا.
إلَّا أنَّ هذا التسلسل باطل أيضاً؛ لأنّه تسلسل بالأمور الاعتباريّة، ولا برهان على استحالته، بل هو ممكن وواقع.
ــــــــــ[121]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات المجدد الشيرازي 3: 277.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وتوضيحه: أنَّ التسلسل يكون تارةً في الأمور الواقعيّة، بمعنى: أنَّ كلّ حلقة تستتبع حلقة أخرى، كما هو الحال في باب العلل والمعلولات، فإنّ كلّ موجود يحتاج إلى علّة، فإذا لم نقل بواجب الوجود فإنه يتسلسل إلى ما لا نهاية؛ لأنَّ كلّ موجود بوجود للواقعي يحتاج إلى علّة.
وأخرى: يكون التسلسل بمعنى لا يقف، فإن كلّ حلقة لا تحتاج إلى الحلقة الأخرى بواقعيتها، وإنّما تحتاج إليها بعد التفات العقل إليهما، فتحتاج حينئذٍ إلى حلقة أخرى، ففي مثل هذا ليس التسلسل محالاً؛ لأنّه يتسلسل باعتبار العقل ولحاظه، فإذا تعب العقل وكَلَّ ووقف عن الملاحظة ينتهي التسلسل، فهذا التسلسل لا بأس به؛ لأنّه ينقطع بانقطاع الاعتبار.
ومقامنا من هذا القبيل؛ فإنَّ موضوع الحرمة هو الجامع بين العصيان والتجرّي، فإذا التفت إلى الحرمة جعلت حرمة أخرى على عصيانها، فتكون هناك حرمة على عصيان هذه الحرمة، فهذه الحرمة الأخرى إنّما تكون بالالتفات إلى عنوان عصيان الحرمة السابقة. إذن، فالانتقال من حرمة إلى أخرى يكون بعد الالتفات للحرمة السابقة؛ إذ عند عدم الالتفات لا يحصل العصيان، ومع عدم العصيان لا تحصل لنا حرمة جديدة. هذا مضافاً إلى وجوه أُخرى من الإشكال.
ما أشير إليه في كلام السيّد الأُستاذ في الدراسات بشكل مشوش، وفي البحث بشكل منظّم.
وتوضيحه: أنَّ الحرمة المجعولة بملاك قبح التجرّي والعصيان لا بُدَّ أن
ــــــــــ[122]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يفرض في المرتبة السابقة عليها تمامّية المحرّك المولى في نظر العبد؛ لأنَّ فرض كون العبد متجّريّاً أو عاصيّاً هو فرض تمامّية المحرّك المولى بالنسبة إليه، فتوجيه الحكم بالحرمة للعاصي والمتجرّي بعد تمامّية المحرّك المولوي، مثل هذه الحرمة لا يعقل محركيتها؛ لأنَّ العبد إن كان ممّن يتحول بتحريك المولى، فما يفرض في المرتّبة السابقة يكون كافياً في محركيته، وإذا فرض أنّه لا يكفي فالثاني كالأوّل.
وعليه: فإذا ثبت أنَّ هناك في المرتبة السابقة عن التجرّي والعصيان، جعل مولوي في نظر المكلف، فلا يمكن الجعل الثاني؛ لأنَّ الجعل إنّما يكون بدّاعي التحريك، وما لا تحريك له يستحيل جعله.
ما ينبغي أن يقال في ذلك: إنَّ التجرّي له موردان، مورد الشكّ والاحتمال، ومورد القطع واليقين، فإنَّه تارةً يحصل في مورد الاحتمال كالشكّ قبل الفحص، وأُخرى يكون في مورد القطع واليقين.
أمّا في مورد الشكّ، فلقائل أن يقول: إنَّ الإقدام على المخالفة للمولى بوجودها الاحتمالي– ولو فُرض أنّها منجّزة- أدنى درجة في القبح والظلم من الإقدام على المخالفة القطعيّة للمولى، وذلك كما في موارد الموالي العرفيّة والمصالح الشخصيّة، فإنَّ إقدام الشخص على الضرر المحتمل أكثر من إقدامه على الضرر المقطوع به. إذن، إقدامه على المخالفة القطعيّة أكثر قبحاً من إقدامه على المخالفة الاحتمالية ولو كانت منجّزة.
وأصل تدرج القبح في المحرمات، هو أمر مسلّم؛ ولذلك اختلفت مراتب الحرمة، وكان ارتكاب المحرم الصغير الهيّن أقل قبحاً من المحرمات الكبرى؛
ــــــــــ[123]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ولذلك كان الإقدام على المخالفة الاحتمالية أقل قبحاً من الإقدام على المخالفة القطعيّة، فإنَّه لا محالة قبح عصيان العبد عن نقل الماء إلى مولاه فيما إذا كان يحتمل أنَّه يموت من العطش أقل ممّا إذا كان يقطع بذلك، فلا إشكال أنَّ تمرده ولؤمه أكثر في الصورة الثانيّة من الأوّلى.
حينئذٍ يقال: بأنَّ حرمة الفعل في مثل هذه الموارد، أي: في موارد الشكّ تكون قابلة للمحرّكيّة المولويّة؛ لأنَّ المحرّكيّة المولويّة في حالة الشكّ أضعف من المحرّكيّة الثانية؛ لأنّها كانت محركيّة احتمالية، والمفروض أنَّ المخالفة الاحتمالية أقل قبحاً من المخالفة القطعيّة، وبعد صدور الجعل الجديد تكون الحرمة قطعيّة، فيكون لها محركيّة باعتبار ارتفاع درجة المحرّكيّة ودرجة القبح، ويكفي هذا فائدة في تصوير جعل المحرمات، وأمّا في فرض القطع واليقين: ففي مثل هذا الغرض يمكن الالتزام بقابليّة المحرّك الثاني للمولويّة، وذلك بالالتزام بالتأكد في المقام؛ لأنَّ المفروض أنَّ الحرمة الثانيّة لم تنشأ من ملاك الحرمة الأوّلى، وإنّما تنشأ من غرض مولوي إلزامي آخر، فإنَّه لا محالة يكون كلُّ جعل كاشفاً عن غرض لزومي. فتفويت الغرضين أشدّ قبحاً من تفويت الغرض الواحد، بل التأكد هنا بمعنى أنّه يتحصل غرض مولوي أكيد، وهذا واقع في الخارج فإنَّ شرب الخمر المغصوب أشدّ قبحاً من شرب الماء المغصوب أو الخمر غير المغصوب، وما ذلك إلَّا لاجتماع الأغراض المولويّة المتعددة في مورد واحد.
إذن، فالمحرّكيّة المولويّة للجعل الثاني محفوظة في موارد الشكّ باعتبار أنَّه يوجب ترقي درجه المحرّكيّة من درجة الاحتمال إلى درجة محركيّة القطع، وفي
ــــــــــ[124]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
صورة القطع نقول: إنَّ الجعل الثاني ناشئ من غرض لزومي آخر، فلا محالة يتأكد الغرضان في مورد الاجتماع، وتشتدّ محرّكيته باعتبار اشتدّاد قبح تفويت الغرضين.
نعم، إذا كان الجعل الثاني ناشئاً من نفس ملاك الجعل الأوّل، لكان لغواً؛ لأنَّ مناط قبح التفويت هو الملاكات دون نفس الجعول والاعتبارات.
اذن، فهذا الإشكال لا يتمّ في المقام.
وينبغي التنبيه على شيء: وهو أنَّ الجماعة فصّلوا بين القبح والحسن الذي يكون في مرتبة معلولات الأحكام الشرعيّة، كقبح التجرّي والمعصيّة، فقالوا: إنَّه لا يستلزم حكماً شرعيّاً، وبين القبح والحسن الذي يكون في درجة علل الأحكام الشرعيّة، فقال: إنَّه يستلزم الحكم الشرعي كقبح التشريع. وقلنا: إنَّ هذه عبارة معروفة موروثة عن الميرزا الشيرازي.
ولا ينبغي أن يكون الملاك في ذلك هو الدور، بتقريب: أنَّ القبح الذي يكون في مرتبة معلولات الأحكام الشرعيّة لا يمكن أن يكون علّة لحكم شرعي، وإلَّا لزم الدور. فإنَّ هذا واضح البطلان، فإنَّ الحرمة التي تترتّب عليه غير الحرمة الذي تترتّب عليها.
وقد يكون مناطه هو التسلسل بأنَّ الحكم الذي ينشأ من القبح العقلي يكون علّة لحكم آخر ويتسلل، وقد أبطلناه فيما سبق. وقد يوجه ويقال: إنَّ ما كان في مرتبة معلولات الأحكام الشرعيّة، لا يكون قابلاً للمحركيّة؛ لأنَّ المحرّكيّة تامّة عقلاً بلا حاجة إلى جعل من قبل الشارع.
ــــــــــ[125]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
هذا الذي تكلمنا فيه بناءً على إمكان الجعل الجديد، أمّا باعتبار تشديد المحرّكيّة الاحتمالية، أو تشديد المحرّكيّة القطعيّة فيكون باعتبار اجتماع غرضين لزوميين في مورد واحد.
لكن لو قطعنا النظر عمّا قلناه، ولم نتصوّر الشدّة ولا الأقوائيّة في مراتب الظلم والتعدي، فمثل هذا الإشكال يأتي في جميع موارد حكم العقل بالحسن والقبح، لا في موارد معلولات الأحكام الشرعيّة فقط، وذلك بناءً على مسلكهم من أنَّ المحرّكيّة المولويّة يندرج مخالفتها في كبرى قبح الظلم، أي: يستحق فاعلها الذم، وذم كلّ شخصٍ بحسبه، وذم الشارع هو عقابه.
بناءً على هذا المسلك في مقام تصحيح العقاب لا يفرق بين ما يقع في مرتبة معلولات الأحكام الشرعيّة وما يقع في مرتبة العلل، فإنَّه لو استقل العقل بأنَّ الغصب قبيح، فمعنى كونه قبيحاً، كونه مستحقّاً وللزم عند العقلاء وعند الشارع أيضا، فيكون الشارع ذاماً له فيعاقبه عليه، وعليه فيكون نفس حكم العقل بقبح شيء وإدراجه في كبرى الظلم كافٍ للعقاب، سواء كان ظلماً في طول الحكم الشرعي أو لا.
وإنّما يكون استحقاق العقاب والتنجّز ثابتاً بلا حاجة إلى جعل حكم من الشارع.
إذن، فكما لا تتصوّر المحرّكيّة في ما كان قبيحاً في مرتبة المعلولات الشرعيّة، كذلك لا تتصوّر المحرّكيّة في ما كان في مرتبة العلل للأحكام الشرعيّة. هذا هو تمام الكلام في التقريب الثاني.
ــــــــــ[126]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بطبيعة الحال أنَّ من ذهب في التقريب السابق إلى أنَّ جعل الحرمة للفعل المتجرّى به غير معقول، جعل الحرمة في مقام الإجماع، والتزم بنحو من التأويل، بحيث يتعقّل الحرمة، بأن التزم أنَّ موضوع الحرمة أوسع من التجرّي والعصيان، بحيث لا يلزم محذور الشموليّة للتجرّي.
وعلى كلٍّ فقد استدل بالإجماع على حرمة الفعل المتجرّى به، وتقريبه أن يقال: إنَّ المسألة بهذا العنوان وإن لم تقع معقداً للإجماع، إلَّا أنَّه يستفاد ذلك من إجماعهم على فرعين؛ لأنَّ الإجماع عليهما متبن على حرمة الفعل المتجرّى به، فنستكشف من ذلك حرمته.
وأمَّا الفرعان فهما:
الفرع الأوّل: من خاف ضيق الوقت يجب عليه البدار، وإن لم يبادر كان آثماً مستحقّاً للعقاب، وإن لم يكن الوقت ضيقاً في الواقع.
الفرع الثاني: من ظنّ الضرر في سفر، فسافر، كان سفره سفر معصيّة، فيجب عليه الإتمام، ولا يجوز له القصر.
فيقال: إنَّ الوجه بالإتمام في الفرع الأوّل، وباستحقاق العقاب في الفرع الثاني إنّما هو بناء على حرمة التجرّي، وإلَّا إذا لم يكن التجرّي حراماً فلماذا يكون السفر معصيّة؟ مع أنَّه انكشف أنَّه لا ضرار في الواقع، ولماذا يستحقّ العقاب على عدم البدار مع أنَّه انكشف أنَّ الوقت ليس ضيقاً؟! فهذا لا يتمّ إلَّا بناءً على حرمة التجرّي، فهو كاشف عن اتفاقهم على حرمة الفعل المتجرّى به.
ــــــــــ[127]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
والكلام في هذا الدليل يقع في مقامين:
المقام الأوّل: في تحقيق الاستدلال بالإجماع.
المقام الثاني: في تحقيق هذين الفرعين الذين ادّعى أنَّهما معقد للإجماع.
أمّا الناحية الأولى، وهي الاستدلال بالإجماع: مع غضّ النظر عن حجّيّة الإجماع المنقول، وأنَّ الإجماعات المنقولة ليست بحجّة، وبقطع النظر عن أنَّه قد ثبت الخلاف في ذلك -على ما يظهر من الشيخ الأعظم(1) حيث نقل الخلاف فيه- مضافاً إلى ذلك يرد عليه ما أورده الشيخ الأعظم: من أنَّ المسألة عقليّة، فلا يكون الاجماع فيها حجّة.
ولا يرد عليه ما ذكره المحقّق النائيني على ما في التقريرات(2) من أنَّ المسألة بعنوانها المبحوث عنه في المقام فقهيّة؛ لأنّا عنونّا المسألة بحرمة الفعل المتجرّى به شرعاً لا بقبحه عقلاً، وإنَّما لا يرد ذلك على الشيخ الأعظم؛ لأنَّ مقصوده من دعوى: أنَّ المسألة عقليّة، ليس أنَّ الملاك عنده هو أنَّ البحث شرعي أو عقلي، بل مناط البحث هو أنَّ الدليل العقلي أحد مدارك المسألة، فيُحتمل استناد المجمعين إليه وهو قانون الملازمة، ولو فرض أنَّهم استندوا إليه؛ فيرجع إجماعهم على الحكم إلى إجماعهم على الدليل العقلي، ولا يكون مثل هذا الإجماع حجّة، وإنّما يكون الإجماع حجّة إذا تمحض للناحية الشرعيّة،
ــــــــــ[128]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول 1: 22.
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 31، 32.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بحيث يكشف عن حكم أو نصّ شرعي موروث جيلاً بعد جيل، أمّا استنادهم إلى الدليل العقلي فلا اعتبار به؛ إذ لعلهم مخطئون في ذلك. وعليه فالاستدلال بالإجماع ساقط راساً.
أمّا الناحية الثانيّة: في تحقيق حال الفرعين اللذين اُدّعي أنَّهما معقد للإجماع.
أمّا الفرع الأوّل، وهو ما إذا فرض أنَّ المكلف خاف ضيق الوقت في الصلاة، فما هو تكليفه؟ لا إشكال أنَّ هذا المكلف الذي يخاف ضيق الوقت احتمالاً أو وهماً يجب عليه عقلاً البدار بأسرع وقت؛ وذلك لقاعدة الاشتغال؛ وذلك بلحاظ أنَّ التكليف الواقعي معلوم تفصيلاً، والشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، فلا بُدَّ له من الإتيان بالصلاة تفريغاً للذمة؛ لأنَّه لو لم يأت بها فوراً لكان قد ارتكب مخالفة احتمالية للتكليف المعلوم، والمخالفة الاحتمالية قبيحة ومنجّزة بحكم العقل، فلا بُدَّ من البدار.
فوجوب البدار لا إشكال فيه إلَّا إنَّه وجوب عقلي، بملاك قاعدة الاشتغال فلو لم يبادر وانكشف ضيق الوقت، فيعاقب على العصيان؛ لأنَّه خالف الواقع مع تنجّزه بالاشتغال، أمّا لو انكشف سعة الوقت فتبتني الحرمة على وجه الكبرى وعدمه، وسوف يأتي في المقام الثاني بأنَّ المتجرّي مستحق للعقاب بملاك قبح التجرّي عقلاً، فيكون هذا المكلف مستحقّاً للعقاب.
وقد ذُكر في الجواب، كما أفاده كلّ من المحقّق النائيني(1) والسيّد الأُستاذ(2)
ــــــــــ[129]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 3: 51.
(2) انظر: دراسات في الأصول 3: 30.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وغيرهما(1)، أنَّ من المحتمل أن يكون الوجه فيه ليس هو حرمة التجرّي، وإنّما هو كون احتمال ضيق الوقت موضوعاً لحكم واقعي نفسي، وهو وجوب البدار.
توضيح ذلك: أنَّه تارةً يُفرض أنَّ استحقاق العقاب على عدم البدار عند احتمال ضيق الوقت، باعتبار أنَّ الواقع المظنون قد تنجّز بالظنّ، فإنَّما يُستحق العقاب باعتبار أنَّ الضيق الواقعي الموهوم قد تنجّز بالظنّ، فيكون عدم البدار تجرٍ على الواقع المنجّز، وإن لم يكن هناك واقع، فتكون المسألة من تبعات التجرّي.
وأمّا إذا فرض أنَّ حكم البدار كان لوجوب نفسي، بأنَّه إذا ظنّ الضيق يجب عليه البدار، فإذا لم يبادر كان عاصيّاً، فهذا الحكم لا يكون باعتبار حرمة التجرّي وتنجّز الواقع، بل باعتبار وجود حكم نفسي بوجوب البدار، سواء كان الواقع على ما ظنّه أو لا، ومع احتمال وجود مثل هذا الحكم لا يمكن الاستدلال بالمسألة.
وأضاف السيّد الأُستاذ(2) إلى الاستدلال، بأنَّ هذا الوجوب النفسي مستفاد من الروايات، فإنَّ في صحيحة الحلبي: “إِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ لَا يَخَافُ فَوْتَ إِحْدَاهُمَا فَلْيُصَلِّ الظُّهْرَ، ثُمَّ لْيُصَلِّ الْعَصْرَ، وَإِنْ هُوَ خَافَ أَنْ تَفُوتَهُ فَلْيَبْدَأْ بِالْعَصْرِ وَلَا يُؤَخِّرْهَا فَتَفُوتَهُ فَتَكُونَ قَدْ فَاتَتَاهُ جَمِيعاً، وَلَكِنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ فِيمَا قَدْ
ــــــــــ[130]ــــــــــ
(1) انظر: منتهى الأصول 2: 39.
(2) انظر: دراسات في الأصول 3: 30.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بَقِيَ مِنْ وَقْتِهَا، ثُمَّ لْيُصَلِّ الْأُولَى بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَثَرِهَا“(1) فهذا ظاهر أنَّ خوف الضيق موضوع لوجوب البدار.
وتحقيق الحال في المقام أن يقال: إنَّ القدر المتيقن المستفاد من كلمات المجمعين في المقام هو استحقاق العقاب على فرض عدم المبادرة، وهذا لا يكشف عن الحرمة بوجه من الوجوه، ولا يكشف عن وجود حكم يكون هو المنشأ لاستحقاق العقاب زائداً على الحكم الواقعي.
وذلك لأنَّه عندما يظنّ ضيق الوقت ينجّز عليه الواقع بالاشتغال؛ لأنَّ أصل الوجوب معلوم لديه، وهو يستدعي الفراغ اليقيني، فمجرّد احتمال أن يكون التراخي يوجب فوات التكليف المعلوم كاف بوجوب التجرّي وتنجيز التكليف الواقعي على المكلف، ويكون العقل قاضياً بوجوب الجري على طبق الواقع تحصيلاً للواقع اليقيني بقاعدة الاشتغال، وبذلك يتنجز عليه الواقع.
وحينئذٍ فإذا لم يبادر وكان الوقت ضيقاً كان عصياناً، وإن لم يكن الوقت ضيقاً كان تجرّياً، وسيأتي أنَّه وإن لم يكن هناك حكم بحرمة التجرّي، إلَّا أنَّه قبيح عقلاً ومستحقّ عليه العقاب، فالعقاب لا يحتاج إلى الحرمة، بل يكفي فيه أن يكون تجرّياً بلحاظ الواقع.
فاستحقاق العقاب هنا، حتّى لو فرض أنَّه ممّا انعقد عليه الإجماع، لا يستكشف منه حرمة زائدة على أصل التكليف الواقعي؛ لأنَّ ملاك الاستحقاق
ــــــــــ[131]ــــــــــ
(1) تهذيب الأحكام 2: 269، باب المواقيت، الحديث 111، وسائل الشيعة 4: 129، باب إذا زالت الشمس فقد دخل الظهر والعصر، الحديث: 18.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ثابت بلا حاجة إلى إيجاب آخر.
وأمّا هذا الوجوب الذي صحّحوا به استحقاق العقاب، حيث إنَّهم التزموا بوجوب نفسي للبدار، هذا الوجوب -لو تّم إشكالهم في تعقّل حرمة التجرّي- يأتي في المقام أيضاً، كالسيّد الأُستاذ الذي برهن على استحالة الحرمة للفعل المتجرّى به لعدم قابليته لإعمال المولويّة، بدعوى أنَّ الحرمة غير قابلة للمحركيّة؛ لأنَّ العبد إذا كان ممّن يتحرك عن أمر المولى فيكفي الأمر الأوّل، وإن لم يكن يتحرك عن تحريكه، فالثاني كالأوّل.
هذا الكلام بقطع النظر عن إشكالنا عليه، يأتي هنا أيضا؛ لأنَّ وجوب البدار أيضا غير قابل للمحركيّة؛ لأنَّ العبد إن كان ممّن يتحرك لتحريك المولى، فنفس وجوب الصلاة مع أصالة الاشتغال عند ضيق الوقت تكفي للمحركيّة، وإن لم يكن ممّن يتحرك لأمر المولى وتحريكه، فهو لا يتحرك عن الآخر، ولو قطع النظر عن هذا، فإنَّ الاستدلال على هذا الوجوب النفسي بصحيحة الحلبي في غير محلّه. فإنه يقول السائل فيها: غفلت والتفت عند الغروب إنّي لم أصل صلاة الظهر والعصر، فقال له: إن كنت في وقت لا تخاف فوت إحداهما فصل الظهر ثُمَّ صل العصر، وإن كنت تخاف فوت إحداهما فابدأ بالعصر، ولا تقدم الظهر فتفوتك العصر فتفوتك كلتا الصلاتين؛ لأنَّه لو فُرض أنَّه صلى الظهر، أوّلاً وفاتته العصر -بأن كان الوقت ضيقاً واقعاً- فاتته الظهر أيضاً؛ لأنَّه وقت اختصاصي للعصر.
أين هذا من وجوب البدار المدّعى؟!
ــــــــــ[132]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أمّا أوّلاً: فإنَّ قوله: (فابدأ بالعصر) في مقام الإرشاد إلى سقوط الترتيب، وإلى لزوم البدأ بالعصر، لا في مقام الأمر بأصل الاتيان بأصل الظهر والعصر؛ ولذا أمر بتقديم العصر، أمّا الاتيان بالظهر والعصر فمفروغ عنه، وإنَّما مورد السؤال والجواب هو الترتيب.
مضافاً إلى تعليله بقوله: (فتفوتك الظهر) كالصريح في أنَّ مثل هذا الأمر ليس أمراً نفسيّاً مستقلاً، بحيث يكون بملاك آخر غير ملاك أصل وجوب الصلاة، وإنَّما هو بيان لعدم ترتّب العصر على الظهر في وقت الشكّ بالضيق، وارشاد إلى طريقة في الامتثال بحيث تحرز به إحدى الصلاتين حذراً من فوات كلتا الصلاتين، فهو بملاك الحذر من فوات الواجبين الواقعيين، لا بملاك وجوب البدار.
إذن، فالوجوب النفسي للبدار لا دليل عليه ولا موجب للالتزام به، ولا يبقى استحقاق العقاب هنا على الوجوب النفسي بما يبقي على التجرّي بتنجّز الواقع عليه باحتمال ضيق الوقت.
وبتصوير آخر: إنَّ ما افيد محلّ إشكال ثبوتاً وإثباتاً.
أمّا ثبوتاً فلأنَّ مثل هذا الوجوب النفسي بالبدار غير متعقل على مسلكهم، فإنَّ نفس ما أُقيم برهاناً على عدم تعقل جعل الحرمة للفعل المتجرّى به، يأتي هنا أيضاً بعدما عرفنا من أصالة الاشتغال بأنَّ وجوب البدار غير معقول وغير قابل للمحركيّة؛ لأنَّ التكليف الواقعي الذي تنجّز بقاعدة الاشتغال يكفي للمحركيّة نحو الامتثال، فإن كان المكلف ممن يمتثل أمر المولى ويتحرك من
ــــــــــ[133]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
تحريكه كفى ذلك، وإلَّا كان الجعل الثاني كالأوّل، فجعل هذا الوجوب محلّ للإشكال ثبوتاً.
مضافاً إلى بُعده في نفسه، فإنَّ جعله بنحو الوجوب النفسي بعيد جداً، فإنه إمّا أن يقال: بأنَّ هذا الوجوب مخصوص بخصوص حال الخوف بحيث لا يشمل حال العلم بضيق الوقت، فيلزم منه أن يكون الخائف للضيق أسوأ حالاً من العالم؛ لأنَّ من خاف الضيق وترك وكان الوقت ضيقاً في الواقع، يبتلي بعصيانين، أمّا من علم الضيق وترك وكان الوقت ضيقاً في الواقع فعليه عصيان واحد، وهذا خلاف الارتكاز القطعي لدى المتشرعة.
أو أنّه يفرض أنّه يشمل العالم بالضيق والخائف منه، فيلزم منه الفرق بين من ترك بضيق ومن ترك بلا ضيق، فإنه لو نام قبل المغرب وهو يعلم أنّه سوف ينام إلى ما بعد الغروب، فهل يكون عقاب أحدهما أشدّ من الآخر؟ ولو تصوّرنا معنى خيالياً بحيث يجمع هذه الموارد كلّها، فلا يبقى له محصل عند المتشرعة؛ لأنَّ معناه أنَّه في جميع موارد التكليف في الصلاة، هناك ملاكان لزوميان للمولى: أحدهما في أصل الصلاة والآخر في عدم تفويت الصلاة، وهو لا يحتمل عقلائياً للمتشرعة.
هذا من حيث مقام الثبوت.
وأمّا من حيث مقام الإثبات: فالاستدلال عليه بصحيحة الحلبي في غير محلّه، فإنّه فيها سأل السائل: عن المكلف التفت فرأى نفسه عند الغروب، ماذا يصنع بصلاته؟ فذكر له الإمام في الجواب: أنَّه إذا لم يخف فوت إحدى
ــــــــــ[135]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الصلاتين، فليصل الظهر ثُمَّ العصر، وإن خاف فوت أحدهما فليبدأ بالعصر وليأخر الظهر، ولا يقدّم الظهر فتفوته، فتفوته الصلاتين معاً.
فإنّه لا يستفاد من هذا، الوجوب النفسي للبدار؛ لأنَّ مورد السؤال والجواب هو التقدّيم، وأمّا أصل الوجوب فمفروغ عنه سؤالاً وجواباً، وإنّما السؤال عن كيفية الصلاة؛ ولذا شقّق له الإمام بين خوف الضيق وعدمه، فتمام النظر إلى التقديم والتأخير دون وجوب أصل الصلاة. هذا أوّلاً.
وأما ثانياً: فلأنَّ مثل هذا الأمر طريقي وليس نفسيّاً، وذلك بقرينة التعليل: (ولا يقدّم الظهر فتفوته العصر فتفوته الصلاتين معاً) أرشده إلى أن الترتيب ساقط؛ لأنَّه إذا قدّم الظهر أمكن أن تفوته كلا الظهرين، فيقع في محذور الجمع بين المخالفتين الواقعيتين، فذلك قرينة واضحة على أنَّه ليس أمراً نفسيّاً، وإنَّما هو في مقام تخصيص الواقع.
فوجوب البدار محلّ إشكال ثبوتاً وإثباتاً. وإنّما هو ثابت عقلاً بقاعدة الاشتغال.
وأمّا الفرع الثاني: وهو ما إذا خاف الضرر من السفر، فسافر وانكشف أنَّه لا ضرر في الواقع، فهل يجب عليه الإتمام؟
إنَّ الذي ينبغي أن يقال في المقام هو التفصيل في الضرر، فإنَّ الضرر على أقسام ثلاثة:
القسم الأوّل: أن يكون من الأضرار اليسيرة التافهة الصغيرة كالحمى الاستبراديّة، ووجع الرِجْل لمدة أسبوع في سبيل زيارة الإمام الحسين،
ــــــــــ[135]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فمثل هذه الأضرار لو علم بوجودها في السفر لما كان سفر معصيّة؛ لأنَّه لا يوجد عندنا دليل على حرمة مطلق الإضرار بالنفس، فلا إشكال حينئذٍ على وجوب الضرر وعدم وجوب الإتمام؛ لأنَّ مثل هذه الأضرار لا يأس بمقطوعها فضلاً عن مضمونها.
القسم الثاني: أن يكون من الأضرار التي بوجودها الواقعي يحرم إيجادها والتسبب إليها، ففي مثل ذلك، يقال: إنَّ الثابت في الدليل هو حرمة عنوان الإضرار، فلو قطع بالإضرار فلا إشكال، أمّا لو ظنّ به أو شكّ فقد يقال: بأنَّ ظنّ الضرر يكون حجّةً وأمارةً على الضرر الواقعي -كما قال بعض الفقهاء- باعتبار أنَّ الضرر غالباً لا يعلم فجعل احتماله حجّة؛ ولأنَّ السيرة العقلائيّة انعقدت على حجّيّة الظنّ بالضرر، بل بمجرّد الاحتمال؛ ولذا أفتوا بأنَّ مجرّد الخوف كافٍ في الإفطار.
فإن فرض أنَّ ظن الضرر جعل حجّة وأمارة على الضرر الواقعي، فسافر ثُمَّ انكشف أنَّه لا ضرر في الواقع، فكونه يجب عليه الإتمام أو القصر يدور مدار تحقيق أنَّ الضرر الذي يكون ارتكابه معصيّة، هل بمعنى المخالفة الواقعيّة، أو مخالفة الواقع المنجّز، أو أحد الأمرين، أو مجموع الأمرين؟ فهذه أربع أقسام:
الاحتمال الأوّل: الإتيان بالحرام الواقعي، وذلك بمخالفة التكليف الواقعي، منجّزاً كان أو غير منجّز.
الاحتمال الثاني: الإتيان بالحرام المنجّز.
الاحتمال الثالث: الإتيان بأحد الأمرين من الحرمة الواقعيّة والمنجّزة، بحيث لا يكفي أحدهما.
ــــــــــ[136]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الاحتمال الرابع: مجموع الأمرين من المخالفة الواقعيّة والتحريم المنجّز، ولا يأتي أحدهما.
فحينئذٍ بناءً على بعض الاحتمالات يجب الإتمام، كما لو فرض أنَّ الموضوع كان هو الاتيان بما تنجّزت حرمته سواء كان حراماً واقعياً أو لم يكن، وعلى بعضها لا يجب القصر، وهو ما إذا كان الموضوع هو الاتيان بحرام واقعي منجّز، والظاهر هو هذا؛ لأنَّ المأخوذ في الاختيار هو عنوان المعصيّة، وهو لا يصدق إلَّا في فرض حرام واقعي منجّز؛ فإنَّه إذا لم يكن منجّزاً لا يصدق عليه أنَّه معصيّة، وعليه فيلزم عدم وجوب الاتمام هنا؛ لأنَّه وإن تنجز الواقع بالحجّة وهو الظنّ، إلَّا أنَّه لا واقع، والظاهر من الموضوع المأخوذ في الاختيار هو الواقع المنجّز.
إلَّا إذا ثبت الإجماع، فنستكشف منه أنَّ دائرة الحرام الواقعي أوسع من مقطوع الضرر، فكأنَّ الحرمة مجعولة على مظنون الضرر، فنلتزم بأنَّ الإقدام على مقطوع الضرر حرام، ولكن أنى لنا هذا الاجماع؟
القسم الثالث: وهو أن يكون الضرر مهماً بدرجة عالية، بحيث أوجب المولى التحفظ منه، كالتحفظ على الفرج وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(1) فهناك نفس وجوب الحفظ يقتضي عدم جواز الإقدام في موارد الاحتمال؛ لأنَّه خلاف الحفظ، فلو سافر سفراً يحتمل فيه الهلاك على نفسه ولم يهلك فهذا سفر معصيّة، لا من ناحية التجرّي، بل من ناحية كونه عصياناً للوجوب الواقعي للتحفظ.
ــــــــــ[137]ــــــــــ
(1) المؤمنون: 5، المعارج: 29.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وبعبارة أخرى: أن يكون الضرر مهماً في نظر المولى بحيث دلّ الدليل على وجوب التحفظ من ناحيته لا وجوب دفعه، ففي مثله يكون مجرّد الشكّ كافٍ لتحقق المعصيّة؛ لأنَّ مجرّد الشكّ كافٍ في وجوب التحفظ؛ وذلك كحفظ الفرج، ومع عدم التحفظ يكون معصيّة؛ لأنَّه خالف الحكم الواقعي، ولا إشكال فيه.
ومن المحتمل أن يكون نظر المجُمعين إلى هذه الصورة.
استدلّ على الحرمة بالأخبار، وقد ذكر الشيخ الأعظم في رسائله (1) طائفتين من الأخبار، طائفة تدلّ على العقاب، وطائفة تدلّ على عدم العقاب، وقد أشار إلى أنَّها واردة في موارد قصد المعصيّة، ومقصوده -على الظاهر- أنها تختص ببعض موارد التجرّي دون بعض، فإنه تارةً يُفرض أنه يقصد شرب الخمر الذي هو معصية، ولكنّه لا يشرب إلَّا الخَلّ أو الماء واقعاً، وهذا هو مورد الروايات، وأخرى يفرض أنّه يتخيّل أنّ شرب التتن حرام فيشرب منه، فهنا يقصد ارتكاب ما تخيّله حراماً لا الحرام الواقعي، فهذه الروايات تكون واردة مورد قصد المعصيّة، أي: الشبهات الموضوعيّة للتجرّي دون الشبهات الحكميّة له.
وعلى أيّ حال، فهذه الأخبار على فرض أن يستفاد منها الحرمة، لا بُدَّ أن يستفاد منها ذلك بنحو معقول، كما أشرنا إلى ذلك في الإجماع، أي: لا بُدَّ أن
ــــــــــ[138]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول 1: 12.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يُستفاد ذلك بنحو لا يرد عليه الإشكال الذي أُورد على جعل الحرمة للفعل المولوي من أنّه غير متعقّل.
وقد اُدّعي تعارضهما، ومن هذه الناحية وقع الكلام في علاج هذا التعارض.
والكلام في المقام من ناحيتين:
الناحيّة الأولى: في صحّة الاستدلال بهذا الدليل.
الناحيّة الثانيّة: في طريقة علاج التعارض.
أمّا صحّة الاستدلال به فمن الواضح أنَّه لا يصحّ الاستدلال بالأدلّة الدالّة على العقاب على الحرمة، بعد ما يظهر أنَّ استحقاق العقاب بملاك القبح العقلي وإن لم تكن هناك حرمة، فتكون الأخبار إرشاداً إلى القبح العقلي.
نعم، لو بنينا على عدم استحقاق العقاب إلَّا على مخالفة المعصيّة الواقعيّة، أمكن البحث عن استكشاف الحرمة المولويّة من الأخبار؛ لأنّها هي المستند في الحرمة.
أمّا علاج التعارض بين الأخبار الدالّة على العقاب وعدمه، فقد ذكر السيّد الأُستاذ(1) في مقام علاج التعارض في دراساته أنَّه بلحاظ الرواية النبويّة يقال بانقلاب النسبة، والرواية النبويّة هي قوله في مسلمين تقابلا فقتل أحدهما الآخر، قال: “إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفِهِمَا عَلَى غَيْرِ سُنَّةٍ فَالْقَاتِلُ وَ المَقْتُولُ فِي النَّارِ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّـهِ: هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ. قَالَ: لِأَنَّهُ أَرَادَ
ــــــــــ[139]ــــــــــ
( ) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 38.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
قَتْلًا“(1) فإنّها صريحة باعتبار موردها فيما إذا فُرض أنَّ المكلف كان عنده قصد السوء وأبرزه بالعمل ولم يرتدع عنه، وهي صريحة في استحقاق العقاب، فتفيد روايات نفي العقاب في غير هذا المورد، فيكون مؤداها أنَّ العقاب منفي إلَّا إذا لم يرتدع عن قصد السوء، وعليه فتكون أخصّ مطلقاً من أدلّة الإثبات، فتخصّصها، فإنّه دائماً إذا وجد مطلقان متنافيان ووجد خاصّ لأحدهما فنخصّصه به، فيكون أخص من الآخر، فتنقلب النسبة بينهما، مثلاً لو ورد: (أكرم كلّ عالم) وورد: (لا تكرم كلّ عالم) وورد: (أكرم كلّ فقيه)، فيكون هذا الأخير مختصّاً للنهي عن الإكرام فيكون نهياً عن أكرم ما سوى الفقيه من العلماء، فيكون أخصّ مطلقاً من (أكرم كلّ عالم) فيخصّص به.
إلَّا أنَّ هذا العلاج غير تامٍّ كبرى وصغرى.
أمّا الكبرى: فلأجل النظر في كبرى انقلاب النسبة، لما سيأتي في بحث التعادل والتراجيح من المنع عنها.
وأمّا الصغرى: فلأنَّ الرواية أجنبيّة عن البحث أصلاً؛ لأنَّ الاستدلال بها إنّما هو باعتبار موردها، وهي ليست واردة في مورد التجرّي أصلاً؛ لأنَّ قتال المؤمن حرام في نفسه، فهو حرام واقعي لا حرام تخيّلي، وعليه فيكون المقاتل عاصيّاً ويستحق عقاب العاصي لا عقاب المتجرّي. إذن، فهذه الرواية لا تستحق أن تُجعل من روايات الباب، فضلاً عن أن تُجعل مرجعاً في الجمع بين الطائفتين.
ــــــــــ[140]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 15: 148، باب 67 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وبعبارة أخرى: أنَّ جعلها أخصّ مطلقاً من تلك الطائفة من الأخبار إمّا أن يكون باعتبار صراحتها في موردها، فمن المعلوم أنَّ موردها هو العقاب على العصيان، فإنَّ كلا العقابين المفروضين فيها إنّما هو على عصيان الحرمة الواقعيّة المنجّزة دون التجرّي، أمّا أحدهما فلأنّه قتل مسلماً، وأمّا الثاني فلأنَّه حارب مسلماً وحرب المسلم حرام سواء أدى إلى القتل أو لا.
وإن كان الاستدلال بها بلحاظ التعليل: وهو قوله: (لأنّه أراد أن يقتل صاحبه)، فأيضاً لا يتمّ الاستدلال، لأنَّ الإرادة إمّا أن تحمل على ما هو الظاهر عرفاً من الإقدام والمحاولة، وإمّا أن تحمل على الميل النفساني، فإن كان معنى أراد، أي: حاول، كما هو ظاهر العبارة عرفاً، فيكون تعليلاً بصدور الحرام منه، فان الإرادة بنفسها حرام، وتكون خارجة عن محلّ الكلام. وإن كان معنى الإرادة، الميل النفساني فتدلّ على حرمته، فلا تصلح هذه الرواية شاهداً للجمع.
وقد تفصّى المحقّق النائيني(1) عن ذلك، فذكر في تصوير استفادة الحرمة من الأخبار والإجماع -بناءً على تماميّة الاستدلال- أنّها تتعلّق بعنوان أعمّ من التجرّي المبحوث عنه، وهو قصد السوء المبرز بإتيان بعض المقدّمات، فيشمل ما إذا قصد شرب الخمر، ومشى نحو الحانة ثُمَّ مات في الطريق، فإنّه يكون مشمولاً للجامع المتصوّر؛ لأنَّه كان له قصد قد أبرزه إلى الخارج. وجعل الحرمة على مثل ذلك أمر معقول.
والسرّ في ذلك على ما أفاده: أنَّه لا يرد عليه الإشكال الذي أورده على
ــــــــــ[141]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 282.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
حرمة التجرّي؛ إذ أنَّ الشقّ الثالث من الإشكال -كان هو مقطوع الخمريّة- أعمّ من مورد الخطأ والإصابة، وكان الإشكال فيه: هو اجتماع المثلين في نظر القاطع؛ لأنَّه يرى أنَّ كلّ مقطوع الخمريّة خمرٌ، وأنَّ النسبة بينهما هو العموم المطلق، وهذا الإشكال لا يأتي في المقام، فإنَّ بين شرب الخمر الواقعي وبين قصد شرب الخمر مع إبرازه في الجملة عموم من وجه في نظر المكلف، فإنَّ قصد شرب الخمر ليس مختصّاً بالشرب، بل يشمل إتيان المقدّمات، فالنسبة هي العموم من وجه، وبينهما مادة افتراق، فيكون جعل الحرمة ممكناً.
إلَّا أنَّ هذا يتمّ بناءً على ما صوّره من الإشكال على جعل الحرمة للفعل المتجرّى به، إلَّا أنَّه باعتبار ما نقلناه من السيّد الأُستاذ(1) من أنَّ حرمة الفعل المتجرّى به أمر غير قابل للمحركيّة؛ لأنَّ المكلف إن كان يتحرك عن تحريك المولى كفاه الحكم المقطوع به، وإلَّا كان الثاني كالأوّل.
قد يقال: إنَّ هذا الإشكال يأتي هنا أيضاً؛ لأنَّ هناك حرمة واقعيّة تعلّقت بشرب الخمر، وحرمة أخرى تعلّقت بإرادة شرب الخمر المبرزة في الجملة، فنقول: إن كانت الحرمة الأولى الواقعيّة كافيّة في زجر العبد فهي تزجره عن انقداح هذه الإرادة في نفسه وتكون كافيّة لذلك، وإن فُرض أنّها لا تكفي فحال التحريم الثاني حال الأوّل.
ولا يتوهّم هنا -دفاعاً عن السيّد الأُستاذ- أنَّ كلّ حرمة إنّما تمنع من وجود متعلّقها في الخارج دون غير متعلّقها، والحرمة الواقعيّة متعلّقة بشرب
ــــــــــ[142]ــــــــــ
(1) راجع: ص132.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الخمر لا بإرادته، فهي تمنع عن شرب الخمر في الخارج لا عن إرادته؛ إذ فيمكن للمولى أن يجعل حرمة أخرى على الإرادة.
إلَّا أنَّ هذا غير معقول، لأنَّه إنّما يتمّ لو قيل: بأنَّ الإرادة معنى اسمي يمكن أن تنشأ منه مصلحة في نفسها، وإن لم تكن هناك مصلحة في المراد أصلاً، فلو أمكن أن نفرض أنَّ هناك مصلحةً في نفس إرادة شرب الخمر، فيمكن أن يقال: إنَّ التكليف الأوّل يمنع من شرب الخمر خارجاً، ويمكن إيجاد حكم مولوي آخر للنهي عن الإرادة.
وأمّا بناءً على مبنانا في مبحث الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة(1) من أنَّ الرغبة النفسانيّة لا يمكن أن تنشأ من نفس الرغبة، وإنّما تنشأ باعتبار محركيّة المصلحة الموجودة في المتعلّق. إذن، فالحرمة الأولى الزاجرة عن المتعلّق تكون بنفسها زاجرة عن إرادة المتعلّق، فإنَّه يعد فرضاً أنَّ الرغبة والإرادة والقصد لا تنشأ من مصالح في أنفسها، بل في متعلّقاتها، فنفس الزجر عن المتعلّق كافٍ مولويّاً في مقام الزجر عن الإرادة.
فبناءً عليه يأتي البرهان السابق حرفاً بحرف، بأن يقال: إن كانت حرمة الخمر كافية للعبد فهو، وإلَّا فحال الحرمة الثانية حال الأولى.
إذن، فالعنوان الجامع، إنَّما يتصوّر على أساس التقريب الذي اختاره المحقّق النائيني لعدم تعقّل جعل الحرمة للفعل المتجرّى به، ولا يتمّ على التقريب الآخر.
ــــــــــ[143]ــــــــــ
(1) انظر: بحوث في علم الأصول 4: 405.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وأمّا على مبنانا، حيث قلنا: إنَّ تمام الإشكالات غير واردة فلا إشكال.
وفي علاج هذا التعارض بُحث في أصل دلالة الروايات، على العقاب وعلى عدمه، وهو بحث طويل، يثبت به أنَّ هذه الأخبار لا دلالة لها على المقصود، إلَّا أنَّه بحثٌ يُخرجنا عن طور البحث الأصولي، ويكون أشبه بالمباحث الكلاميّة.
إلَّا أنَّ بعد فرض تمامية التعارض، يقال في مقام الجمع بينهما: بجعل روايات ثبوت العقاب على الاستحقاق وروايات نفي العقاب على العفو، أي: عدم الفعليّة، ولا منافاة بين الاستحقاق وعدم الفعليّة عفواً وتفضلاً من الله عزّ وجلّ على عباده.
فإنَّ هذا الحمل مضافاً إلى أنَّه مقتضى ظاهر بعض الروايات، فإنَّ جملة من أخبار العقاب لا تدلّ على أكثر من الاستحقاق، مثلاً: الداخل على قوم في عملهم عليه عقابان: عقاب على الرضا وعقاب على الدخول(1) ومثل: “نيّة الكافر شرّ من عمله“(2) فإنّها لا تدلّ على أكثر من الاستحقاق وليست في مقام
ــــــــــ[144]ــــــــــ
() عن أمير المؤمنين، قال: “الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ وَعَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلٍ إِثْمَانِ إِثْمُ الْعَمَلِ بِهِ وَإِثْمُ الرِّضَى بِهِ“. نهج البلاغة: باب المختار من حكم أمير المؤمنين، الحكمة 156.
(2) الكافي 2: 84، باب النيّة، الحديث: 2، الوافي 4: 366، الحديث: 5، الجعفريات: 169، باب النيّة، مستدرك الوسائل 1: 90، باب 6، استحباب نيّة الخير والعزم عليه، الحديث: 4.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بيان وقوع العقاب خارجاً. كما أنَّ جملة من أخبار النفي ظاهرة في أنَّ العقاب عقاب عفوي لا استحقاقي، وأنَّ هذه مزية أعطيت لآدم في ذريته، فلو لم يكن ذريته يستحقون العقاب لما كان للعفو مزيّة. اذن، فظاهرها العفو.
مضافاً إلى هذا: أنَّ هذا جمع عرفي في نفسه؛ وذلك لأنَّ أخبار النفي صريحة في نفي الفعليّة وظاهرة في نفي الاستحقاق، وأخبار الإثبات صريحة في أثبات الاستحقاق وظاهرة في أثبات الفعليّة، فتكون صراحة كل منها قرينّة على ظهور الأُخرى. فنجمع بينهما على هذا النحو. هذا تمام الكلام في الاستدلال بالأخبار. وبذلك تنتهي الجهة الأولى، بتقريباتها الأربعة، وقد ظهر أنَّه لا دليل على حرمة الفعل المتجرّى به شرعاً.
ــــــــــ[145]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
البحث في المقام تارةً يكون مع الشيخ الأعظم وأمثاله ممّن أنكر أصل القبح في المقام، فإنَّه ذكر أنَّه لا قبح في المقام أصلاً، فإنَّ التجرّي لا يقبح شيئاً غير الأمر الذاتي في الفاعل، وهو سوء سريرته وخبث باطنه وفساد طينته، وهذا أمر سيء لا قبيح؛ لأنَّ القبح إنَّما يوصف به الأفعال الاختياريّة دون السريرة والطينة، فهذا الفعل الخارجي كشف عن سوء النيّة، وليس هناك بقطع النظر عن هذا السوء الذاتي أمر آخر موصوف بالقبح عقلاً.
وأخرى يكون البحث في قبال تقريرات المحقّق الكاظمي للمحقّق النائيني، حيث فرض أصل القبح ووقع البحث في أنَّه هل هو قبح فاعلي أو قبح فعلي.
أمّا البحث باعتبار الدعوى الأولى: من أنَّه لا يتصوّر في المقام قبح عقلي، وإنَّما يكشف الفعل عن سوء سريرة العبد، ولا شيء أكثر من ذلك.
فغايّة وأحسن ما يقرب به هذا المختار هو أن يُدّعى: أنَّ قبح المعصيّة والتجرّي إنّما هو باعتبار انتهاءه إلى الخروج على حقّ المولويّة وإلى سلب هذا الحقّ من المولى، ومن المعلوم أنَّ سلب الحقّ من ذي الحقّ ظلم قبيح، فمرجع دعوى القبح إلى دعوى أنَّه سلب لحقّ المولويّة، وسلب الحقّ ظلم، والظلم قبيح.
ــــــــــ[146]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وحينئذٍ لا بُدَّ من تحقيق ما هو حقّ المولويّة؟
فيه احتمالات ثلاثة: فتارةً نتصوّر أنَّ حقّ المولى على العبد هو أن يُطاع وأن لا يخالف، وأُخرى نتصوّر أنَّ من حقّ المولى على العبد أن يطاع وأن لا يخالف في مورد الوصول لا مطلقاً، وثالثة نتصوّر أنَّ من حقّه على العبد أن يجرى العبد على طبق قطعه، وأنَّ عليه بالسير على ما يعتقده أنَّه أحكام المولى سواء كان موافقاً للواقع أو مخالفاً.
أمّا الاحتمال الأوّل، وهو أن يكون حقّ المولى على العبد هو الإطاعة بحسب نفس الأمر والواقع، فمرتفع؛ لأنَّه ليس للمولى على العبد أن يحصر أغراضه في موارد الجهل والغفلة؛ فلذا قالوا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
فيبقى الكلام منحصراً في الاحتمالين الآخرين: أنَّ من حقّ المولى أن يطاع، وأن لا يخالف بحسب الحكم الواصل، وإنَّ من حقّه لا يخالف من حيث قطع العبد بالمخالفة.
فإن فرض أنَّ حقّ المولى على العبد هو أن لا يصدر منه مخالفة واصلة، فإنَّ المتجرّي لم يصدر منه ذلك، فإنَّه وإن قصد التمرد عليه، إلَّا أنَّه لم ينتزع منه حقّاً كان له، كما لو قطع بأنَّ هذه السبحة ملك زيد، فأخذها وقطّعها، ثُمَّ بان أنّها ملك نفسه، فهل يقال: إنَّه ظلم زيداً؛ لأنَّه قطّع السبحة التي يعتقد أنّها له. وعليه فلا يكون ظالماً للمولى، ولا يكون الفعل قبيحاً في الواقع، وإن تخيّل الفاعل ذلك.
وإذا فرض أنَّ حقّ المولى هو أن لا يتصوّر من العبد ما يعتقد أنَّه مخالفة،
ــــــــــ[147]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فالفعل المتجرّى به يكون مخالفةً للمولى وظلم له، ويكون الفاعل قد ارتكب أمراً قبيحاً. فالمسألة إذن، دائرة في تعيين ما يقتضيه حقّ المولويّة، وبهذا التمحيص تنحلّ كثير من الكلمات، ويظهر أنَّها لا ترجع إلى محصل.
والصحيح أنَّه من قبيل الوجه الثالث: وهو أنَّ حقّ المولى على العبد هو أن لا يأتي بما يعتقد أنَّه مخالفة، لا أنَّ حقّه أن لا يخالفه مخالفة واصلة.
والوجه في ذلك: أنَّ حقّ المولى على العبد في المقام ليس بملاك التحفظ على جهة واقعيّة بقطع النظر عن شؤون العبد بما هو عبد والمولى بما هو مولى، لا كحقّ المالك على غير المالك، فإنَّ حقّه باعتبار التحفظ على أمر واقعي، وهو التحفظ على الملكيّة. وأمّا في المقام فهو حقّ للمولى بملاك الاحترام، فمرجعه بحسب حكم العقل إلى وجود مرتبة معينة من احترام المولى، لا التحفظ على أمر واقعي بقطع النظر عن المولويّة والعبوديّة.
ففي هذه المرتبة المعينة من الاحترام، يكون كّلاً من ارتكاب الخمر المقطوع الخمريّة، وارتكاب مقطوع الخمريّة الذي ليس بخمر على حدٍ واحد من حيث دلالته على قصد التمرد على هذه المرتبة من الاحترام للمولى.
فثبوت ملاك حقّ المولويّة هو بالاحترام والتقديس والتبجيل، لا بملاك التحفظ على أمر واقعي، كالحقّوق المذكورة في الفقه من حقّ المالك في ملكة، والمرتهن في العين المرتهنة، والمؤجر في العين المستأجرة، وحينئذٍ بالنسبة إلى هذا الملاك لا يفرق بين مورد المصادفة وعدمها، فإنَّ المصادفة لا دخل لها في كون هذا الفعل منافياً لحقّ المولويّة.
ــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وبهذا ظهر أنَّ الفعل المتجرّى به يتّصف بالقبح، إلَّا أنَّه يتّصف به بعنوان ثانوي لا أولي، فإنَّه لا يتّصف به بما أنَّه شرب للخمر أو شرب للماء، بل باعتبار أنَّه مناف لحقّ المولى على العبد ومخلّ باحترامه.
وهذا الذي قلناه يكون بلحاظ القول بأنَّ قبح الظلم أو حقّ المولويّة من الأمور الواقعيّة النفس الأمريّة المدركة بالفعل، في غاية الوضوح.
وأمّا بناءً على أنَّ المولويّة أمر مجعول للعقلاء لحفظ النظام وتنسيق حياة النّاس، فيشكل المولى قبح الفعل المتجرّى به في المقام؛ لورود نفس الإشكال الذي يشكل به على جعل الحرمة للفعل المتجرّى به من قبل الشارع، حيث قيل هناك: إنَّ جعل الحرمة للمقطوع الخمريّة غير قابل للمحركيّة؛ لأنَّ المكلف إن كان ممّن يتحرك عن أمر المولى فكيفيه القطع واقعاً، وإن كان لا يتحرك فالثاني كالأوّل. نفس هذا البرهان يأتي في الجعل العقلائي أيضاً، فإنَّ العقلاء لا إشكال أنَّهم يحرّمون إرتكاب ما يخالف الشارع، أي: ارتكاب المعصيّة ويحكمون بقبحها، فالعقلاء قد جعلوا حرمة المعصيّة، فما يقطع كونه معصيّة وإن لم يكن لا يمكن جعل القبح عليه من قبلهم؛ لأنَّ العبد إن كان يخشى من العقلاء وذمهم فيكفيه حكمهم بالمعصيّة، وإن لم يكن يخشى من ذلك فلا يحركه حكمهم الثاني كما لم يحركه الأوّل، فمن هذه الناحية لا يفرق بين الشارع والعقلاء، فكما أنَّ الشارع لا يمكنه إعمال المولويّة ثانياً بجعل الحرمة على مقطوع الخمريّة كذلك العقلاء بالنسبة إلى قبح مقطوع المعصيّة.
وبما ذكرنا ظهر الإشكال فيما أفاده المحقّق الاصفهاني في حاشيته على
ــــــــــ[149]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الكفاية(1)، حيث ذكر أنَّ قبح التجرّي لا يفرق فيه بين أن يقال: إنَّه قبيح بحكم العقل أو العقلاء. على كلّ حال الصحيح هو قبح التجرّي فإنّه ظلم، والظلم قبيح.
ثُمَّ بعد أن ذكر أنَّه لا فرق بين مسلك العقليّة والعقلائيّة في القبح اختار مسلك العقلائيّة، وذكر أنَّ مرجعه إلى قبح الظلم وهو أمر عقلائي لا من القضايا المشهورة التي تطابق عليها العقلاء، ولا من القضايا الواقعيّة النفس الأمريّة، وذكر في البرهان على ذلك: أنَّ القضايا الواقعيّة النفس الأمريّة مرجعها إلى مواد البرهان، وهي ستة، وليست قضية حسن العدل وقبح الظلم منها، وهذه المواد الستة هي: الأوّليات والفطريات، والمحسوسات، والمتواترات، والحدسيات، والتجريبيات. فهذه هي القضايا التي جعلت مواد للبرهان، أي: لوجوب القطع بالنتيجة. وقضيّة قبح الظلم وحسن العدل ليست منها، فإنّها ليست من الأوّليات كالكلّ أكبر من الجزء، أو النقيضان لا يجتمعان، ولا الفطريات؛ لأنّها ليس دليلها معها كالأربعة زوج، ولا من المحسوسات؛ لأنَّه لا يوجد إنسان أحس بحُسن العدل وقبح الظلم، وأمّا عدم كونه من المتواترات والحدسيات، والتجريبيات، فواضح، فإذا كان لا يرجع إلى إحدى هذه القضايا الستة، فلا بُدَّ أن تكون من القضايا المشهورة.
هذا الكلام منظور فيه:
أمّا أوّلاً: فلما بيّناه من أنّه إذا كان قبح الظلم مجعولاً عقلائياً فيأتي فيه نفس الإشكال الذي أتى على جعل الحرمة من قبل الشارع.
ــــــــــ[150]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 32.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وأمّا ثانياً: فلأنَّ ما أقامه برهاناً على عدم كونه حسن العدل وقبح الظلم من القضايا الواقعيّة، بل المشهورة مدخول فيه؛ لأنَّ حصر مواد البرهان بهذه القضايا الستة ليس من القضايا الستة، فإن هذا النحو ليس من الأوّليات، وإلَّا لما اختصت به بعض كتب المنطق، ولا من الفطريات؛ لأنَّها ليس برهانها معها، ولا من المحسوسات؛ لأنَّ أحداً لم يحسّ هذا الحصر، وأمّا كونها ليست من المتواترات والحدسيات والتجريبيات، فواضح، فنفس هذا الانحصار بنفسه ليس من القضايا الستة، ولا موجب له الاستقرار وتماميّة الاستقراء فرع، لا يكون قضيّة حسن العدل وقبح الظلم من تلك القضايا، وكونها ليست عقليّة، فكيف يستدلّ بالاستقراء على كونهما غير عقليين؟
وعلى أيّ حال فقد بيّنا ما هو الحقّ من أنَّ قبح المخالفة مرجعها إلى حقّ المولويّة، وهو أمر واقعي يدركه العقل، فلا ينبغي الإشكال في أنَّ حقّ المولويّة من الوجه الثالث دون الثاني.
هذا تمام الكلام مع الشيخ الأعظم.
وأمّا الكلام مع المحقّق النائيني. فظاهر العبارة في تقريرات الكاظمي(1) هو الاعتراف بأصل القبح، إلَّا أنَّه يقول: إنّه قبح فاعلي لا قبح فعلي. فإنَّه يقول: إنَّ نفس الفعل ليس قبيحاً ولكن صدوره من الفاعل قبيح، فالقبح فاعلي لا فعلي.
ــــــــــ[151]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 3: 41 – 43.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فلا بدَّ من ملاحظة هذا القبح الفاعلي لنرى أنَّه هل يُتعقّل هناك معنى للقبح الفاعلي في قبال القبح الفعلي، أو أنَّه بعد الاعتراف بأصل القبح لا بُدَّ من الالتزام بالقبح الفعلي.
فلنا: أن نسأل أنَّ القبح الفاعلي ما هو متعلقه ومركزه؟ ظاهر العبارة: أنَّ متعلقه هو صدور الفعل من الفاعل لا نفس الفعل، فلا بُدَّ أن نسأل ما المراد من صدور الفعل؟ إن كان المراد صدور الفعل من العناوين الثانوية المنطبقة على نفس الفعل في قبال العناوين الأوليّة، بمعنى: أنَّ هذا الفعل الصادر بعنوانه الأوّلي شرب للخمر، وبعنوانه الثانوي كونه صادراً من الفاعل، فهذا مرجعه إلى دعوى قبح نفس الفعل، غاية الأمر يكون الفعل قبيحاً بعنوانه الثانوي. ونحن أيضاً لا نرى كون الفعل قبيحاً بالعنوان الأوّلي، أي: بعنوان كونه شرباً للماء أو للخل، وإنّما هو قبيح بالعنوان الثانوي بعنوان كونه مخالفاً لاحترام المولى. إذن، فهذا ليس من القبح الفاعلي.
وإن أُريد بحيثية الصدور، نسبة وجوديّة قائمة بين الفعل والفاعل كخيط مشدود بين هذين الطرفين على أن يكون القبيح هو هذا الخيط لا طرفه الذي بعد الفعل، فهذا في نفسه غير معقول، فإنَّه لا ربط وجودي بين الفعل والفاعل وبين العلّة والمعلول، كما برهنا عليه في مبحث المعاني الحرفية(1).
إذن، فهذا القبح الفاعلي المتصوّر إن أُريد به القبح الصدوري بما هو عنوان
ــــــــــ[152]ــــــــــ
(1) انظر: تقريرات في علم أصول الفقه 1: 128.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ثانوي منطبق على الفعل فهو التزام بالقبح الفعلي، وإن أُريد به أن يكون نسبةً وجوديّةً بين الفعل والفاعل فهو بنفسه محال، لما برهنا عليه من استحالة وجود النسبة الخارجيّة، وإلَّا لأدى إلى التسلسل.
إذن، لا يتصوّر القبح الفاعلي بشكل منحاز عن القبح الفعلي.
نعم، في التقريرات(1) ذكر أنَّه ليس هناك شيء سوى القبح الفاعلي، وهو سوء السريرة، وهذا يناسب كلام الشيخ الأعظم في إنكار أصل القبح؛ وإنّما سمّي قبيحاً فاعليّاً بمجرّد الاصطلاح، فليس هناك شيء زائد في التقريرات على كلام الشيخ الأعظم.
بل الصحيح أنَّه لا معنى لهذه القسمة والاثنينية بين القبح الفعلي والفاعلي. فإنَّ القبح يكون دائماً فاعليّاً ولا يكون فعليّاً؛ وذلك لأنَّ القبح ليس من الخصوصيات والصفات القائمة بالفعل مع غضّ النظر عن الفاعل، فإنّ قتل المؤمن إذا صدر من الكهرباء لم يكن قبيحاً؛ لأنَّ القبح ليس عبارة عن المفسدة، والحسن عبارة عن المصلحة، فإنَّ باب الحسن والقبح غير باب المصالح والمفاسد، فقتل المؤمن وإن كان فيه مفسدة كبيرة، إلَّا أنَّه إن صدر من الكهرباء أو الغافل أو المغمى عليه ليس بقبيح. وإنّما يتّصف الفعل بالقبح باعتبار استناده إلى فاعل مختار قادر، فمدرك القبح دائماً هو استناده إلى الفاعل، فليس لنا نحوان من القبح، بل نحو واحد.
ــــــــــ[153]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 25.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهذا التفصيل بين القسمين مبني على تخيّل رجوع الحسن والقبح إلى المصالح والمفاسد؛ وذلك لأنَّ الفعل قد يُفرض في نفسه ذو مصلحة، إلَّا أنَّ صدوره من الفاعل فيه مفسدة، فيكون هنا قبح فاعلي وحسن فاعلي، فإنَّ كنس الشارع أمر يحتوي على المصلحة إلَّا أنَّ صدوره من شخص محترم به مفسدة، فيكون من قبيل القبح الفاعلي والحسن الفعلي. إلَّا أنّنا ذكرنا أنَّهما بابان لا يرجع أحدهما إلى الآخر.
هذا تمام الكلام مع الميرزا.
وقد تلخص ممّا تقدّم: أنَّ حقّ المولويّة بحقيقته راجع إلى أنَّ لا يصدر من المكلف ما يعتقد كونه مخالفاً سواء كان مخالفةً في الواقع أو لم يكن؛ لأنَّ حقّ المولويّة ليس حقّاً مجعولاً للتحفظ على حقّ واقعي كحقّ الملكيّة والضمان والرهان، بل مرجعه إلى مرتبة معينة من احترام المولى، وهذه المرتبة ينافيها صدور المخالفة في الخارج، ولا يفرق في المنافات لهذا الاحترام بين ما يعتقد كونه مخالفة وهو مخالفة في الواقع، وبين ما يعتقد كونه مخالفة وهو ليس مخالفة في الواقع؛ لأنَّ كلتا هاتين الصورتين من حيث منافاتها لتلك الرتّبة من احترام المولى، على حدٍ سواء.
ومن هنا نقول بقبح الفعل المتجرّى به، إلَّا أنَّ هذا القبح ثابت للفعل بالعنوان الثانوي، بعنوان كونه منافياً لتلك الرتبة من الاحترام، لا بالعنوان الأوّلي بعنوان كونه شرباً للماء أو الخل.
ــــــــــ[154]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الذي يستفاد من عبارة الكفاية(1) أربعة وجوه لإنكار قبح الإتيان بالفعل المتجرّى به في الخارج، ثلاثة منها برهانيّة، والوجه الرابع وجداني، وإن كان يمكن جعله برهانيّاً.
هو أنَّ الحسن والقبح حيث إنّهما من الأحكام العقليّة المنوطة بالاختيار، فلا يمكن أن يكون هناك عنوان يتّصف بالحسن أو القبح ما لم يكن اختيارياً، وإذا فُرض أنَّ العنوان لم يصدر من المكلف باختياره لم يتّصف بحسن ولا قبح، فإنَّ ايذاء اليتيم بدون اختيار لا يتّصف بقبح، كما أنَّ ايذاء الكافر بدون اختيار لا يوصف بحسن. إذن، فمن شرط اتّصاف عنوان فعل المكلف بالحسن والقبح أن يكون محلاً للاختيار.
وبعد اتضاح هذه الكبرى، يقال: بأنَّ الفعل المتجرّى به، الذي هو شرب المقطوع الخمريّة الذي هو خل في الواقع، هذا الفعل لا يُدّعى قبحه بعنوان كونه خمراً؛ لأنَّه ليس خمراً في الواقع، ولا بعنوان كونه خلاً كما هو واضح؛ لأنَّ شرب الخل لا يتّصف بالقبح، وإنّما يُدّعى قبحه بعنوان كونه مقطوع الخمريّة، وفي المقام هذا العنوان -شرب مقطوع الخمريّة- لا يتّصف بالقبح؛ لأنَّه ليس باختياره، فلا يتّصف به الفعل بانطباق العنوان عليه.
ــــــــــ[155]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 260.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أمّا أنَّه ليس اختيارياً، فلأنَّه ليس صادراً عن الإرادة؛ لأنَّه لم يشربه بما هو مقطوع الخمريّة، بل بما هو خمر؛ لأنَّه كان يريد أن يشرب الخمر فتوهّم وشرب الخل بعنوان كونه خمراً، فالذي كان مراداً إنَّما هو الخمر، فعنوان مقطوع الخمريّة لم يكن تحت القصد ولا الإرادة.
وحينئذٍ فلا يمكن أن يوصف عنوان شرب مقطوع الخمريّة بالقبح، بل لا موجب لاتّصاف الفعل بالقبح في الخارج؛ لأنَّه إنّما يتّصف بالقبح بعنوان كونه شرب مقطوع الخمريّة لا بعنوان آخر، وهذا العنوان ليس اختيارياً. إذن، فالعقل لا يتّصف بالقبح بانطباق هذا العنوان عليه.
وكأنَّ صاحب الكفاية يرى أنَّ مناط كون الفعل والعنوان اختيارياً، أن يكون متعلّقاً للقصد والإرادة، فإنَّ الفعل الاختياري -كما هو مذهب الفلاسفة- هو الفعل الصادر عن القصد والإرادة، وحينئذٍ فما لا يكون متعلّقاً للقصد والارادة لا يكون اختيارياً حتّى ولو صدر مع القدرة والالتفات.
وحينئذٍ فلنا في تحقيق هذا المطلب كلامان: حلّ ونقض.
أمّا الحلّ: فمرجعه ما ذكرناه في باب الطلب والإرادة من أنَّ المراد في اختياريّة الفعل ليس هو صدوره بالاختيار والإرادة كما يقول الفلاسفة، بل بمعنى آخر. وهذا المعنى الآخر يلائم مع مجرّد القدرة والالتفات، حيث قلنا(1) هناك: إنَّ مرجع كون الفعل اختيارياً هو كونه تحت السلطنة، وهو يكفي فيه مجرّد القدرة مع الالتفات، فإنَّ صدوره مع القدرة والالتفات يجعله في دائرة
ــــــــــ[156]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم الأصول 3: 66.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
سلطنة المكلف، والسلطنة هي مناط الاختياريّة، لا كونه صادراً عن الإرادة والاختيار.
نعم، لو فرض أنَّه اُصطلح على الفعل الاختياري أنَّه ما صدر من الإرادة والاختيار، فإنَّه لا مشاحّة في الاصطلاح، إلَّا أنَّ المشاحّة في الواقع، فإنّه مناط اتّصاف الفعل بالحسن والقبح والثواب والعقاب ليس هو هذا الاصطلاح، بل ما ذكرناه من كون الفعل تحت السلطنة، فهذا هو مناط الآثار العقليّة، على تحقيق مرّ مفصّلاً في بحث الطلب والإرادة.
أمّا جنبة النقض: فإنَّ هذا المدّعى من الآخوند، ترد عليه نقوض لا يمكن أن يلتزم بها الآخوند، فإنَّه في بعض الموارد لا يكون الفعل تحت الإرادة والاختيار بالمعنى الآخوندي، مع ذلك لا إشكال أنَّه تمت القدرة والاختيار.
والمحقّق الأصفهاني في حاشيته على الكتاب(1) -حيث إنَّه يوافق الآخوند في مبانيه- وافقه في مبناه في الفعل الاختياري، إلَّا أنَّه التفت إلى النقض فذكر نقضين على اُستاذه ثُمَّ أجاب عنهما.
النقض الأوّل: ما إذا فُرض أنَّ شخصاً شرب الخمر لا لأنّها خمر، بل بقصد كونها مبردة من دون أن يكون له شوق إلى الخمريّة، فيلزم هنا على قول المحقّق الخراساني أن لا يترتب على هذا الشرب عقاب؛ لأنَّه بما هو مبرّد ليس محرماً ولا قبيحاً، وبما هو شرب للخمر وإن كان حراماً إلَّا أنَّ إرادته لم تتعلّق به
ــــــــــ[157]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية2: 33.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فهو ليس تحت اختياره، فلا يعاقب عليه، ففي المقام شرب الخمر ليس تحت القصد والإرادة؛ فإنَّ الشخص ليس مشتاقاً إلى الخمر، وإنّما هو مشتاق إلى التبريد، مع أنَّه لا يحتمل أنَّه يعاقب على هذا الفعل باعتبار أنَّه ليس هناك شوق مؤكّد محرك العضلات وإرادة نحو الخمر، فالخمر بعنوان الخمريّة ليس اختيارياً، والفعل الاختياري الذي هو تحت الإرادة وهو التبريد ليس بمحرمٍ، فعلى ماذا يعاقب؟
ولا وجه لذلك إلَّا أن يقال: إنَّ عنوان شرب الخمر وإن لم يكن تحت الإرادة والشوق، ولكنّه تحت القدرة والالتفات، فإنَّ المكلف قادر على شرب الخمر وملتفت إلى أنَّه يشرب الخمر؛ لذا فهو يُعاقب عليه.
وقد أجاب عن هذا النقض فقال: إنَّ الإرادة موجودة أيضاً في شرب الخمر إلَّا أنَّها إرادة غيريّة؛ وذلك لأنَّ التبريد معلوم ومن الحيثيات التوليديّة لشرب الخمر، فمراده النفسي هو البرودة، ومراده الغيري هو مقدّمة البرودة وهو شرب الخمر، فهو مسبب عنه، فإذا كان التبريد مراداً نفسياً، فتترشح منه إرادة تبعيّة لشرب الخمر، بما هو مقدّمة للتبريد، فيكون شرب الخمر بعنوانه محطاً للإرادة بما هو مقدّمة، فشرب الخمر مراد بالإرادة المقدّميّة، ونحن نكتفي في صحّة العقاب أن يكون الفعل اختيارياً ولو بالغيريّة.
النقض الثاني: الذي ذكره المحقّق الأصفهاني: أنَّ الإنسان لو شرب الخمر لا بوصفها خمراً، بل بما أنّها مائع باعتبار انطباق جامع المائع عليها، فعنوان شرب الخمر ليس مراداً، فشرب الخمر بما هو شرب للخمر لم يقع
ــــــــــ[158]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
تحت إرادته، وإنّما وقع تحت ارادته بما هو مائع من المائعات حاله في ذلك حال الماء والسكنجبين، ففي المقام ليس الخمر هو محط الإرادة والشوق، وإنَّما هو جامع المائع.
وهذا النقض أحسن من النقض الأوّل في نظر المحقّق الأصفهاني؛ لأنَّ الجواب السابق لا يأتي هنا، وهو الاكتفاء بالإرادة الغيريّة المقدّميّة، فإنَّه لا يقال: إنَّ شرب الخمر مقدّميّة لشرب المائع؛ لأنَّ أحدهما مصداق للآخر وفرد منه، فهذا وجود واحد هو شرب خمر وشرب مائع في نفس الوقت، وقد تعلّقت الإرادة به بعنوان كونه شرباً للمائع لا بعنوان كونه شرباً للخمر، فلو تمّ مدّعى الآخوند يلزم منه أنَّه لا يُعاقب على شربه؛ لأنَّ هذا الشرب بعنوان كونه شرباً للخمر ليس اختيارياً؛ لأنَّه لم تتعلّق به الإرادة، وهو بعنوان كونه شرباً للمائع أمر مباح لا عقاب عليه.
وأجاب عن هذا النقض: بأنَّ الإرادة إذا كانت متعلّقة بالجامع فهي متعلّقة بتطبيق الجامع على هذا الفرد دون غيره؛ لاعتبار خصوصيّة في هذه الحصّة غير موجودة في غيرها، وذلك لاستحالة الترجيح بلا مرجح، وعليه فتكون هذه الحصّة تحت الاختيار باعتبار ترجيحها. إذن، لم يبق على مبنى الآخوند نقض.
إلَّا أنَّ التحقيق أنَّ النقوض على هذه القاعدة واردة ولا محيص عنها.
أمّا النقض الأخير، وهو أن نفرض كما فرض المحقّق الأصفهاني أنَّه قد تعلّقت إرادته وشوقه بالجامع وهو شرب المائع، فشرب الخمر بما هو شرب
ــــــــــ[159]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
للمائع. هنا يقال: بأنَّ إرادته لا بُدَّ قد تحصّصت بهذه الحصّة، إذ لو لم يكن كذلك لم يكن هناك مرجح لهذه الحصّة، والترجيح بلا مرجح محال.
إلَّا أنّنا نفترض أنَّه يريد شرب المائع الجامع، إلَّا أنَّ الجامع قد انحصر في هذا الفرد، فهل نرجع في مثل هذا المقام إلى استحالة الترجيح بلا مرجح، وهذه الاستحالة إنّما تجرّي إذا كان هناك حصتان بالفعل، ودار أمر المكلف بين تطبيق الجامع على هذه الحصّة أو تلك، فببرهان استحالة الترجيح بلا مرجح نستكشف وجود داع في الخصوصيّة أيضاً، مضافاً إلى وجود الداعي في الجامع. أمّا إذا انحصر الجامع في الخارج بفرد، فلا يحتاج إلى ارادة، تتعلّق بخصوصه، بل نفس إرادة الجامع كافية في المحركيّة، بلا أن تتحصّص في الفرد؟
أو نفترض أنَّ هناك فردين من المائع في الخارج، ماء وخمر، والمكلف اختار شرب المائع المقطوع الخمريّة، ففي المقام لا بُدَّ أن يقال: بأنَّه يستكشف
-باستحالة الترجيح بلا مرجح- أنَّ الإرادة اختصّت بأمر الفردين، إلَّا أنَّه لا يلزم أن يكون المتّصف بالإرادة هو نفس شرب الخمر، بل خصوصيّة موجودة في هذا دون ذاك، كما لو فرض أنَّ الخمر موجود في إناء نظيف والماء موجود في إناء قذر.
إذن، لا يلزم من اختيار هذه الحصّة استكشاف أنَّ خصوصيّة الخمريّة كانت متعلّقاً للإرادة، بقانون استحالة الترجيح بلا مرجح، وذلك فيما إذا كان الفرد منحصراً في الخارج أو كانت فيه خصوصيّة غير موجودة في الفرد الآخر.
أمّا بالنسبة إلى النقض الأوّل، فيمكن أن نفترض أنَّ هذا المكلف يريد فعلاً
ــــــــــ[160]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ما هو مباح في نفسه، إلَّا أنَّه علّة للحرام، لا أنَّه معلول للحرام كما كان عليه النقض الأوّل للأصفهاني.
هنا نفترض أنَّ إنارة الكهرباء أمر حلال، إلَّا أنَّه يكون سبباً في موت هذا المؤمن؛ لأنَّ يده على سلكه، فمتعلّق الإرادة والاختيار هو إنارة الكهرباء، أمّا موت المؤمن فليس مراداً لا بالأصالة ولا بالغيريّة، أمّا بالأصالة فواضح؛ لأنَّ المراد بالأصالة هو إنارة الكهرباء، وأمّا أنَّه غير مراد بالإرادة الغيريّة؛ فلأنَّ قتل المؤمن معلول للإنارة لا علّة له، والإرادة إنَّما تترشح إلى مقدّمات المراد لا إلى معلولاته.
ففي المقام -على مبنى الآخوند- لو فرض أنَّه أنار الكهرباء عن علم والتفات إلى موت المؤمن، فإنّه لا يعاقب؛ لأنَّ قتل المؤمن بعنوانه ليس تحت الارادة والاختيار، وما كان تحت الإرادة والاختيار -وهو الإنارة- أمر مباح لا عقاب عليه.
فهذا النقض -بجعل الحرام علّة لا معلولاً- قلب للنقض الأوّل الذي ذكره المحقّق الأصفهاني ، فلا يرد عليه جوابه.
وبعبارة أخرى: ويمكن أن نصحح هذا النقص بشكل لا يرد عليه هذا الجواب وذلك بأن نقلبه ونفرض أنَّ المعلوم هو الحرام والمقدّمة هي الحلال، فإنّنا إذا فرضنا أنّه أنار الكهرباء وكان مقصوده النفسي هو نفس إنارة الكهرباء. نعم، هو ملتفت إلى أنَّه سوف يترتب على الإنارة قتل المؤمن، فقتل المؤمن معلول لا علّة، فإنَّه في هذا المثال قتل المؤمن ليس اختيارياً؛ لأنَّه ليس تحت
ــــــــــ[161]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الإرادة لا النفسية ولا الغيريّة، أمّا النفسيّة فواضح؛ لأنَّ إرادته النفسيّة متعلّقة بإنارة الكهرباء، وأمّا الغيرية فإنَّ الإرادة إنّما تترشح على المقدّمة والقتل ليس مقدّمة، كما هو الحال في شرب الخمر بالنسبة إلى التبريد. إذن، اندفع الجواب وأصبح النقض وارداً.
نعم، في المقام شيء: وهو أن المحقّق الخراساني حيث إنَّ عبائره مجملة، فيحتمل أحد أمرين: نحتمل أنَّ صاحب الكفاية بنى على أنَّ إرادة أحد المتلازمين تكون مستلزمة لإرادة الملازم الآخر مع فرض الالتفات إلى الملازمة، وهو سنخ ما ادّعي في أنَّ النهي عن الشيء يقتضي النهي عن ضده، حيث ادّعي أنَّ المتلازمين لا يختلفان في الحكم، فإدّعى هذا في الإرادة التشريعيّة، هنا يُدّعى ذلك في الإرادة التكوينية، أي: شوق الإنسان إلى أفعال نفسه، فإنّه إذا اشتاق إلى شيء يسري الشوق إلى ملازمه.
وأخرى نفرض أنَّ المحقّق الخراساني لا يدّعي هذا المدّعى، وإنّما يقيس الإرادة التكوينيّة بالتشريعيّة، فكما اعترف هناك أنَّ إرادة أحد المتلازمين
-بالإرادة التشريعية- لا توجب إرادة الآخر إذا لم تكن هناك مقدّميّة بينهما، فكذلك في الإرادة التكوينية في المقام.
فإن كان يدّعى الملازمة في الإرادة بين التلازمين، فحينئذٍ يندفع النقضان الذي أوردهما عليه المحقّق الاصفهاني، من دون حاجة إلى فرض المقدّميّة؛ وذلك لأنَّ المفروض أنَّ التبريد وشرب الخمر متلازمان، وأنَّ شرب المائع وشرب الخمر متلازمان أيضاً، فحينئذٍ تكون إرادة أحدهما موجبة قهراً لإرادة
ــــــــــ[162]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الآخر، وعليه يكون شرب الخمر مراداً وواقعاً تحت الاختيار.
ويمكن حينئذٍ أن يقال: إنَّ كلام صاحب الكفاية في المقام صحيح، أي: يكون عنوان مقطوع الخمريّة غير داخل تحت الاختيار؛ لأنَّ المتجرّي تعلّقت إرادته بعنوان شرب الخمر، وهو ليس ملازماً لعنوان شرب مقطوع الخمريّة؛ لأنَّ المفروض الانفكاك بينهما. فهذان العنوانان ليسا متلازمين في الوجود حتّى يكون إرادة أحدهما موجبة لإرادة الآخر، بخلاف التبريد وشرب الخمر فإنّهما متلازمان، فيكون إرادة أحدهما سارية إلى الآخر، أمّا في المقام فالمراد النفسي هو عنوان شرب الخمر، وهو مع عنوان شرب مقطوع الخمريّة منفكان، ولا ملازمة بينهما.
ففرق بين محلّ الكلام والنقضين، ففي النقضين، قد يقال: إنَّ شرب الخمر ملازم مع التبريد أو مع شرب جامع المائع، أمّا في المقام فإنَّ مقطوع الخمريّة ليس مراداً؛ لأنَّه ليس ملازماً مع المراد.
وعليه يمكن توجيه مدّعى صاحب الكفاية بهذا الشكّل.
إلَّا أنَّه إن كان مراده هذا، فيرد عليه:
أوّلاً: لا وجه لدعوى استلزام إرادة أحد المتلازمين إرادة الآخر، بعد فرض تفسير الإرادة بالشوق المؤكّد المحرك للعضلات، كما صرّح به بعضهم؛ فهل الشوق إلى استقبال القبلة يوجب الشوق إلى استدبار الجدي؟ لأنَّ الشوق مبتنٍ على ملاك في متعلّقه، وتماميّة الملاك في أحد المتلازمين لا يوجب تماميته في الآخر، فأصل هذه الكبرى -بعد تفسير الإرادة بالشوق المؤكّد- غير صحيحةٍ.
ــــــــــ[163]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ثانياً: أنَّ هذا لا يتمّ في الشبهات الحكميّة للتجرّي، ولو فرض تماميتها في الشبهات الموضوعيّة، فإنَّه فيما إذا قطع بأنَّ الخَلّ خمر، فهنا عنوان شرب الخمر وعنوان شرب مقطوع الخمريّة غير متلازمين، بل هما منفكان؛ لأنَّه قد تحقّق أحدهما دون الآخر، فإرادة أحدهما لا يلازم إرادة الآخر، لكن هذا لا يتمّ في باب شرب التتن، فإنَّ عنوان شرب التتن هو المراد، ويكون عنوان مقطوع الحرمة ملازماً معه، فلو قيل بالملازمة في الإرادة لسرى إلى ذلك أيضاً.
وبتعبير آخر: أنَّه في الشبهات الموضوعية، إذا قطع الخلّ خمراً، هنا لا يوجد فعل اختياري أصلاً؛ لأنَّ ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد، فلا يوجد عنوان اختياري حتّى يكون مصباً للإرادة ليدّعى ملازمته لمقطوع الخمريّة لتسري الإرادة منه إليه. أمّا في الشبهات الحكميّة فلا إشكال أنَّ شرب التتن مصب للإرادة، فبدعوى الملازمة بالإرادة يكون الفعل اختيارياً.
إلَّا أنَّه يظهر ممّا ذكرنا أنَّ هذا الكلام مبنى على الوجه الثالث وهو أنَّه لا يوجد عنوان اختياري أصلاً في الفعل المتجرّى به، أمّا إذا أثبتنا وجوده فيكون ملازماً مع عنوان مقطوع الخمريّة، ليكون عنوان مقطوع الخمريّة مراداً أيضاً.
وعليه: فيظهر أنَّ هذا الوجه ليس وجهاً؛ لأنَّه لا يتمّ في الشبهات الحكميّة أساساً، وأمّا في الشبهات الموضوعيّة فيرجع إلى الوجه الثالث، وليس وجهاً مستقلاً.
وإن لم يتمّ هذا الوجه وهو غير تامّ؛ لأنَّ هذا الفعل اختياري ولو ببعض الحيثيات، فيكون ملازماً لشرب مقطوع الخمريّة، فيكون مراداً بالملازمة.
ــــــــــ[164]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وإذا فرضنا أنَّ الآخوند يرى أنَّ الإرادة لا تسري إلى الملازم الآخر فالكلام هو الكلام السابق من ورود النقضين والجواب عليهما واصلاحهما.
وهو مندمج في العبارة مع الوجه الأوّل، وقد ذكره بعنوان الترقي بـ(بل). وحاصله: أنّنا نترقى، ونقول: إنَّ ما كنا ندّعيه في الوجه الأوّل من أنَّ عنوان شرب مقطوع الخمريّة ليس تحت الإرادة والاختيار، أمّا هنا فنقول: إنه ليس ملتفت إليه أصلاً، فيأتي هذا الوجه حتّى على مبنانا من الاكتفاء بالقدرة والالتفات في اختيارية الفعل، فإنّه إذا لم يكن العنوان تحت الالتفات فلا يكون اختيارياً، فلا يوصف الفعل بالقبح، بانطباق هذا العنوان عليه.
أمّا أنّه ليس اختيارياً، فلأنَّ نظر القاطع إلى المقطوع لا إلى نفس القطع، فالقطع يكون مغفولاً عنه، فلا يكون اختيارياً.
وقد أشكل عليه المحقّق النائيني في تقريراته(1)، أنَّه لو تمّ أنَّ عنوان مقطوع الخمريّة ليس اختيارياً، فينسد باب القطع الموضوعي، الذي سوف نتعرض له من أنَّ القطع يمكن أن يؤخذ موضوعاً في حكم شرعي، نحو: إذا قطعت بالنجاسة فلا تصل. فإذا فُرض أنَّ عنوان المقطوعيّة ليس تحت الاختيار، فكما لا يتّصف الفعل بالحسن والقبح، كذلك لا يؤخذ القطع موضوعاً في حكم شرعي، فإنَّ فعليّة الحكم ووصوله إلى المكلف إنّما يكون بالالتفات إلى موضوعه، ولا يمكن أن يوضع الحكم على موضوع غير ملتفت إليه.
ــــــــــ[165]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 36.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
والجواب على هذا الإشكال من الميرزا غير تامٍّ، كما أنَّ أصل تقريب الآخوند غير تامٍّ.
أمّا إشكال الميرزا: فلأنَّ الآخوند ليس مقصوده هو أنَّ عنوان المقطوعيّة لا يمكن أن يُلتفت إليه، كما في التجرّي حيث قلنا: إنَّه لو التفت إلى كونه متجرّياً خرج عن كونه كذلك، إلَّا أنَّه في المقام ليس كذلك، وإلَّا فلا يكون وجه لتقييده بـ(غالباً) كما في العبارة، فهذا القيد قرينة على أنَّ مدّعاه ليس هو نفي إمكان الالتفات إلى القطع، وإنّما مدّعاه هو عدم الالتفات إليه في الأعمّ الأغلب.
والنكتة في ذلك: هي أنَّ القطع حينما يتعلّق بأمر واقعي، ويكون الأمر الواقعي محطاً لغرض المكلف، كما إذا قطع بأنَّ هذا ماء وكان عطشاناً، فإنَّ غرضه متعلّق بواقع الماء، ففي مقام محركيّة القطع لا يمكن أن يُلتفت إلى القطع؛ لأنَّه لا يكون ملحوظاً استقلالاً، وإنَّما يكون ملحوظاً باللحاظ الآلي الفنائي، ويكون تمام التوجه نحو الموضوع؛ لأنَّه هو تمام الغرض.
فإذا كان التوجه منحصراً في المقطوع دون القطع، فيمكن أن يقال: إنَّه لا يمكن أن يؤخذ موضوعاً في الحكم الشرعي. ومقامنا في التجرّي من هذا القبيل، فإنَّ المتجرّي غالباً يكون غرضه قد تعلّق بواقع الخمر، فقطعه هذا في مقام المحركيّة نحو تحصيل ذلك الغرض الشيطاني غير ملتفت إليه، ويكون تمام غرضه في المقطوع دون القطع؛ لأنَّ القطع يكون ملحوظاً آلياً حينئذٍ.
وأين هذا من أخذ القطع موضوعاً للحكم الشرعي، فإنَّه حينئذٍ لا يكون
ــــــــــ[165]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الغرض متعلّقاً بنفس الموضوع وبتحصيله، وإنّما هو متعلّق بالقطع، فإذا كان الحكم مترتّباً على القطع فلا يكون القطع كاشفاً عن شيء، وإنّما يكون من مبادئ الغرض وحينما يكون مبدأ للغرض لا معنى للفناء؛ لأنَّ الفناء من تبعات الكاشفيّة لا من تبعات كونه من مبادئ الغرض.
إذن، فنقض الميرزا على الآخوند غير وارد.
إلَّا أنَّ أصل كلام الآخوند غير وارد أيضاً؛ لأنَّ الالتفات المحقّق لاختيارية الفعل الذي يتّصف بالحسن والقبح، يكفي فيه الالتفات الفنائي الإجمالي، ولا يشترط فيه الالتفات التفصيلي.
مضافاً إلى ذلك فإنَّ عنوان مقطوع الخمريّة ليس هو القبيح أصلاً، بل القبيح هو معلوم الحرمة؛ ولذا لو قطع بخمريّة خلّ ولكنّه لم يكن يعلم بحرّمته لما كان شربه قبيحاً عليه. إذن، العنوان المتّصف بالقبح هو عنوان مقطوع الحرمة، وهو عنوان يلتفت إليه.
والفرق بين العنوانين، أنَّه في عنوان مقطوع الخمريّة الغرض يتعلّق بشرب الخمر، فالقطع يقع طريقاً إلى تحقيق الغرض، إلَّا أنَّ غرض المكلف لا يكون متعلّقاً بارتكاب عنوان الحرام إلَّا نادراً، فالقطع بالحرمة ليس غرضاً حتّى يلحظ القطع فانياً فيه، فالقطع لا يكون مصباً للغرض، بل يلحظ القطع استقلالاً فيكون هو الموضوع للقبح، بخلاف عنوان مقطوع الخمريّة؛ فإنَّه لا يكون موصوفاً بالقبح أصلاً.
هذا تمام الكلام في الوجه الثاني
ــــــــــ[167]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهو مختصّ بخصوص ما إذا كان الخطأ من ناحية الموضوع، أي: في الشبهة الموضوعيّة للتجرّي، فيما إذا احتمل أنَّ الخَلّ خمر فشربه قاطعاً بخمريته، هنا يقول ترقياً عما سبق: إنَّ هذا المكلف لم يصدر منه شيء بالاختيار أصلاً، فإنَّ ما سبق في الوجهين الأوّلين كان حاصله: أنَّ عنوان مقطوع الخمريّة ليس بالاختيار، أمّا أنَّه ليس تحت الإرادة أو ليس تحت الالتفات فضلاً عن الإرادة، أمّا هنا فالدعوى لا تختصّ بخصوص مقطوع الخمريّة، بل حاصلها: أنَّ الفعل المتجرّى به ليس اختيارياً بعنوان أصلاً، فلم يصدر منه شيء اختياري أصلا، فكيف يحكم بقبحه؟
والوجه في ذلك: أنَّ ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد، فإنَّ تمام العناوين المقصودة، وهو شرب الخمر وما يلازم شرب الخمر لم تقع في الخارج، وتمام العناوين الواقعة في الخارج من شرب الماء أو الخلّ وما يلازمه لم تقصد.
إذن، ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع نظير ما إذا فرض أنَّه أراد أن يقتل حيواناً في الصحراء فرماه بقصد قتله، فوقعت النبلة على إنسان فقتلته. فقتل الإنسان في المقام ليس اختيارياً ولا عمدياً؛ لذا لا تترتّب عليه أحكام العمد، فإذا ثبت أنَّه لم يصدر من المتجرّي فعل اختياري فلا معنى لصدور القبيح منه؛ لأنَّه لا تّتصف بالقبح إلَّا الأفعال الاختيارية.
وأورد إشكالاً على ذلك وأجاب عنه.
وحاصل الإشكال: هو أنَّ شرب الخمر وإن كان لم يقع، وشرب الخلّ وإن
ــــــــــ[168]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
كان لم يقصد، إلَّا أنَّ الجامع بينهما مقصود وواقع، أمّا أنَّه مقصود؛ فلأنَّ قصد الفرد قصد للجامع، حيث إنَّه قصد شرب الخمر، فأتى بالجامع غاية الأمر أنَّه أتى بالجامع ضمن فرد آخر، وأمّا أنّه وقع؛ فلأنَّ الجامع يوجد بوجود فرده وهو الخلّ. إذن، الجامع مقصود وواقع، وما وقع وما قصد متطابقان.
وقد تصوّر لهذا الجامع أحد تقريبين: فإمّا أن يكون هذا الجامع هو عنوان المائع في خصوص هذا المثال، حيث إنَّ الخمر والخلّ يجمعهما جامع المائع وإمّا أن يكون الجامع في المقام هو التجرّي والاهانة للمولى، حيث إنَّ هذا المكلف قصد جامع الاهانة والتجرّي للمولى، غاية الأمر أنَّه قصده في حصة ووجد بحصة أُخرى.
وقد ذكر هذا الإشكال في تعليقاته على الرسائل(1)، وذكر في تقريب الجامع هذين الأمرين، إلَّا أنَّه يمكن الحاق جامع ثالث وهو مقطوع الخمريّة.
وقد أجاب عن هذا الإشكال بلحاظ الجامعين اللذين أدى إليهما نظرة فقال: إنَّ الإرادة وإن تعلّقت بالجامع بتعلّقها بالحصّة، إلَّا أنَّ إرادته له ضمنيّة لا استقلاليّة، فإنَّ إرادة الخمر ينحلّ إلى إرادة الخصوصيّة وإلى إرادة الجامع، فهذا الجامع مراد ضمني لا استقلالي، أي: مراد في حال انضمام الخصوصيّة إليه لا مراد استقلالاً، وقانون الإرادة الضمنيّة يقتضي عدم سريان الإرادة إلى الجامع في حصّة أُخرى؛ لأنَّها تقتضي وجود المراد وهو وجود الجامع ضمن الخصوصيّة المرادة لا في فرد آخر، فالإرادة الضمنيّة تبع للاستقلاليّة، وحيث إنَّ
ــــــــــ[169]ــــــــــ
(1) انظر: درر الفوائد في الحاشية على الفرائد: 187.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الإرادة الاستقلاليّة تعلّقت بهذه الحصّة، فالجامع المراد ضمناً إنّما هو مراد ضمن هذه الحصّة دون غيرها. وحينئذٍ يقع الإشكال في أنَّ المراد الضمني لم يقع في الخارج، وما وقع في الخارج وهو الجامع في ضمن حصّة أُخرى غير مراد لا استقلالاً ولا ضمناً.
وكذلك بالنسبة إلى جامع التجرّي، فإن هذا المكلف -على حد تعبيره- قصد جامع التجرّي والاهانة للمولى الموجود في ضمن المعصيّة لا الجامع الموجود ضمن التجرّي الخطائي. إذن، أيضاً يأتي فيه الكلام أنَّ ما قصد إنّما هو الجامع ضمن المعصيّة وما وقع وهو الجامع ضمن التجرّي الخطائي ولم يقصد.
ونكتة الجواب أنَّ إرادة الجامع ضمنيّة، وقانون الإرادة الضمنيّة يقتضي أن تكون هذه ضمن الإرادة الاستقلاليّة، وإلَّا كان خُلف كونها ضمنيّة.
هذه خلاصة الإشكال الذي أورده على نفسه.
إلَّا أنَّ هذا الكلام الذي أفاده يرد عليه:
أوّلاً: النقض بما إذا فرض الخطأ في أصناف المعصيّة الواحدة، لا الخطأ بين المعصيّة والتجرّي، فلو أنَّ إنساناً اعتقد أنَّ هذا خمر متخذ من العنب، وكان يحب هذا النوع من الخمر ولا يحب الخمر المتخذ من الزبيب، فاعتقد أنَّه خمر متخذ من العنب وشربه، إلَّا أنَّه كان خمراً متخذاً من الزبيب في الواقع، فهل يقال: إنَّ هذا الفاسق لا يكون عمله قبيحاً؛ لأنَّ ما قصد وهو شرب الخمر العنبي لم يقع وما وقع وهو شرب الخمر الزبيبي لم يقصد، والجامع وإن كان مراداً إلَّا أنَّه مراد بالإرادة الضمنيّة لا الاستقلاليّة، وقانون الإرادة يقتضي إرادة
ــــــــــ[170]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الجامع ضمن الخمر العنبي دون الزبيبي، فالخمر الزبيبي لم يُقصد لا ضمناً ولا استقلالاً.
ومن جامع المعصية أيضاً يرد عين الكلام: أنّه قصد هذا الجامع ضمن حصة العنبي ولم يقع منه، وما وقع منه هو جامع المعصية ضمن حصة الزبيبي، فيلزم أن يقال: إنَّ هذا المكلف لم يصدر منه اختياري اصلاً؛ لأنَّ ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد، والجامع مراد ضمن الحصة التي لم تقع لا ضمن الحصة التي وقعت. وهكذا كلّ جامع فرض. فيلزم أن لا يخاطب هذا المكلف، ولا يكون قد ارتكب قبيحاً إلى غير ذلك من النقوض التي لا يقرّها العقلاء في الخارج، ومرجع هذا النقض إلى شهادة الوجدان.
ثانياً: ما ذكره في مقام الاساءة للمولى، حيث ذكر تصوير جامعين: أحدهما شرب المائع، وذكر أنَّه مراد ضمن الخمر دون الخلّ، فهذا مراد ضمن الحصّة التي لم تقع.
والجامع الثاني، هو الجامع بين المعصيّة والتجرّي، وهنا ذكر أيضاً أنَّ هذا الجامع مقصود ضمن تلك الحصّة، وهو قصد أن يسيء إلى المولى ضمن المعصيّة لا التجرّي، فالحصّة المقصودة لم تقع والواقعة غير مقصودة.
وهذا الكلام في جامع التجرّي غير صحيح؛ لأنَّ الاهانة للمولى عنوان قصدي لا واقعي كشرب المائع الذي يكون مطابقه الخارجي واقعيّاً لا دخل للقصد فيه، وإنّما الإهانة أمر قصدي وهي لا تنطبق على الخارج إلَّا إذا اُخذت مقصودة، فلا معنى لأن يقال: إنَّها تنطبق على الفعل، إلَّا أنَّها لم تقع مقصودة،
ــــــــــ[171]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فإن هذا الكلام إنَّما يعقل في العناوين الواقعيّة التي لا يتوقف انطباقها على مصداقها على القصد والالتفات، أمّا العناوين المأخوذة فيها القصد والاختيار فلا معنى لأن يقال بأنَّها تحقّقت غير مقصودة، بل أمر جامع المعصية دائر بين أن يكون موجوداً وهو قصدي، أو لم يتحقّق أصلاً.
ثالثاً: وهو حلّ أصل هذه المغالطة وهو أنَّ الفعل الاختياري الذي يكون منشأ للأحكام العقليّة من الحسن والقبح والثواب والعقاب، ما هو؟ هل هو الفعل الذي تعلّقت به الإرادة بمعنى الشقّ المؤكّد -نتكلّم على مبناه في معنى الإرادة- بأحد العناوين المنطبقة عليه، أو أنَّ الفعل الاختياري هو الفعل الذي صدر من ناحية الارادة وبمحركيّة الإرادة.
فإن قيل: هو الفعل الذي تعلّق به الشوق المؤكّد بأحد العناوين التي تنطبق عليه. فلا إشكال في المقام، فإنَّ هذا الفعل الذي صدر لم تتعلّق به الإرادة بعنوان منطبق عليه، أي: عنوان الخلّ وعنوان مقطوع الخمريّة. وعنوان المائع وإن تعلّق به الشقّ إلَّا أنَّه تعلّق في الحصّة التي لم توجد لا في هذه الحصّة. فيرد نفس الكلام الذي قاله.
وأمّا لو فرض بأنَّ الفعل الاختياري هو الفعل الصادر بمحركيّة الإرادة والاختيار والالتفات، فهذا فعل اختياري بلا إشكال؛ لأنَّ كلّ إرادة تتعلّق لا محالة بالكلّي، وتكون محركيّة الإرادة نحو الفرد الخارجي باعتبار القطع بانطباق الكلّي على الفرد الخارجي، فمحركيّة الإرادة دائماً متوقفة على القطع بالانطباق، فلا بُدَّ من القطع بالانطباق في محركيّة الإرادة، وهذا القطع بالانطباق تارةً
ــــــــــ[172]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يكون صوابيّاً وأخرى يكون خطأيّاً، وعلى كلّ حال لا فرق في محركيّة الإرادة، فإنَّه لا يفرق في محركيّة الإرادة أن يكون القطع بالانطباق صواباً أو خطأ.
ففي المقام، ذات هذا الوجه الخارجي للشرب، هو وجود معلول لمحركيّة الإرادة، غاية الأمر أنَّ محركيّة الإرادة، كانت بتوسط القطع خطأ لا صواباً بالانطباق.
دعوى الوجدان، وهو تقريب وجداني، وحاصله -بتقريب فني- أن يقال: إنَّ هذا الفعل المتجرّى به لو التزم فيه بالقبح للزم ارتفاع الجهة الواقعيّة الثابتة فيه، وإلَّا لزم اجتماع الضدّين، مثلاً: لو قطع بأنَّ الغريق عدو للمولى فأماته وكان في الواقع ابنه، هنا هذا الفعل يكون انقياداً. أمّا لو فرض أنَّه قطع بأنَّ هذا الغريق عدو للمولى فأنقذه عداء للمولى وكان في الواقع ابنه، فهذا تجرّي.
فلو التزم أنَّ هذا الانقاذ بما أنَّه تجرّي قبيح فإمّا أن يلتزم بأنَّ الجهة الواقعيّة فيه -وهو كونه ابن المولى- ثابتة على حالها، يلزم اجتماع الضدّين، وإن التزم بارتفاع الجهة الواقعيّة فهو خلاف الوجدان؛ لأنَّ الوجدان قاض بأنَّ المولى لا يزال يحب نجاة ولده بدون طرو مفسدة عليه.
وانقدح جواب ذلك بما قدّمناه، وسوف يأتي توضيحه في المقام الثالث، فإنَّه ناشئ من الخلط في مفهوم القبح، فإنَّه لو كان القبح مرجعه إلى باب المصلحة والمفسدة والمحبوبيّة والمبغوضيّة -أي: إلى مبادئ وملاكات الأحكام- لكان للكلام مجال ووجه، إلَّا أنَّ الحسن والقبح، كما أشرنا إليه، ليس بابه باب
ــــــــــ[173]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
المصلحة والمفسدة، والسّر في ذلك، أنَّ الحسن والقبح ليسا حكمين عقلائيين. نعم، لو كان مرجعهما إلى حكم العقلاء، فلا محالة أنَّ أحكام العقلاء بما فيهم الشارع -ولو إمضاءً- هذه الأحكام تكون تابعة لملاكات الأحكام، كما في سائر الموارد، من المصلحة والمفسدة والمحبوبيّة والمبغوضيّة، ولكان لهذا الكلام مجال.
إلَّا أنّنا قلنا فيما سبق: إنَّهما ليسا مجعولين للعقلاء، وإنَّما حسن الطاعة وقبح المعصيّة مرجعهما إلى حقّ المولويّة، وحقّ المولويّة أمر واقعي يدركه العقل، فالحسن والقبح أمران واقعيان موجودان في لوح الواقع، بمعنى: استحقاق المدح والذم، وهو غير مربوط بالمصلحة والمفسدة، فقد يكون الفعل به مفسدة ويكون حسناً، وقد يكون به مصلحة ويكون قبيحاً. إذن، لا موجب لإرجاع الحسن والقبح إلى مناطات الأحكام، ومعه لا يبقى تنافٍ بين قبح الفعل المتجرّى به وبقاء الجهة الواقعيّة من المحبوبيّة والمبغوضيّة على حاله.
والثاني المتخيّل فرع تخيّل رجوع الحسن والقبح إلى مناطات الأحكام، وهذا التخيّل إنّما يناسب من يقول: بأنَّ الحسن والقبح مرجعه إلى أحكام اعتباريّة للعقلاء، فيكون شأنها شأن سائر الأحكام في ملاكاتها.
أمّا إذا كانا معنيين يدركهما العقل ولو بلحاظ حقّ المولويّة، وأنَّهما غير مناطات الأحكام، فلا تضاد بين قبحه عقلاً وبين محبوبيّته للمولى ومصلحته واقعاً وثبوتاً، هذا تمام الكلام في الوجوه الأربعة التي ذكرها صاحب الكفاية.
وبه يتم المقام الثاني: وهو في قبح الفعل المتجرّى به عقلاً، وقد ثبت أنَّه قبيحٌ.
ــــــــــ[174]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وتوضيح الحال في ذلك: أنَّه بناءً على ما تبيّناه في الأبحاث السابقة من أنَّ استحقاق العقاب من شؤون ظلم المولى وسلب حقّه، وحقّ المولى أثر واقعي يدركه العقلاء، وسلبه موضوع عقلاً وواقعاً لاستحقاق العقاب، وعليه فاستحقاق العقاب واضح لا غبرة عليه؛ وذلك بعد أن بيّنا في المقام الثاني أنَّ حقّ المولويّة هو حقّ أن يأتي المكلف بما يعتقد كونه طاعة لا الطاعة الواقعيّة، وأن يجتنب ما يعتقد كونه مخالفة سواء كان مخالفة في الواقع أو لا، فبعد الفراغ عن هذا، والفراغ عن كون استحقاق العقاب من آثار سلب المولى حقّه عقلاً وواقعاً، فيثبت استحقاق المتجرّي للعقاب، فلا بُدَّ من الالتزام باستحقاقه للعقاب.
ومنه يظهر أنَّ استحقاق المتجرّي للعقاب على حدّ استحقاق العاصي؛ لأنَّ العقاب يكون بملاك سلب المولى حقّه، وهو حقّ أن لا يرتكب ما يعتقد كونه مخالفة، وسلب المتجرّي للحقّ على حدّ سلب العاصي له، فيكون استحقاق العقاب على حدٍّ واحد.
هذا بناءً على أنَّ استحقاق العقاب أثر واقعي عقلي لسلب المولى حقّه، وأمّا بناءً على إنكار هذه المدركات العقليّة، وجعل الحسن والقبح من القضايا
ــــــــــ[175]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
المشهورة، كما هو عليه مسلك المحقّق الاصفهاني (1)، فإنَّه حينئذٍ يكون استحقاق العقاب بجعل الشارع، بمعنى: أنَّه هو الذي جعل على ارتكاب بعض الأعمال عقاباً، وعلى القيام ببعض الأعمال ثواباً، بناءً على أنَّ العقاب والثواب ليسا واقعيين يترتّبان على حقّ المولى، هو مشهور الفلاسفة(2). إذن، ينحصر توجيه جعل العقاب أن يكون جعلاً شرعيّاً كما صرّح به الفلاسفة، وذلك تتميماً لمحركيّة الخطابات الشرعيّة؛ لأنَّ هذه الخطابات وحدها لا تكفي للمحركيّة، إلَّا لأمثال أمير المؤمنين الذي يعبد الله لا طمعاً في ثوابه ولا خوفاً في عقابه وإنّما؛ لأنَّه وجده أهلاً للعبادة فعبده، أمّا بالنسبة إلى غيره فلا تكفي الخطابات الواقعيّة للمحركيّة، فتحتاج محركيتها إلى متمّم، وهو جعل الثواب والعقاب.
بناءً على هذا يكون إثبات استحقاق العقاب للمتجرّي مشكلاً؛ وذلك لأنَّ جعل العقاب للمتجرّي يكون لغواً صرفاً ولا أثر له.
توضيح ذلك: أنَّ جعل العقاب من قبل الشارع ليس بداعي التشفي، كما هو في بعض الموالي العرفيّة، فإنَّه هو الغني المطلق والمنزّه المطلق، وعقابه ليس بداعي التشفي والانتقام من العاصي، وإنَّما جعل العقاب -بناءً على هذا المبنى الفلسفي- لتتميم محركيّة الخطابات، ومن المعلوم أنَّ المتجرّي لا يحتاج إلى متمّم لمحركيّة الخطاب بالنسبة إليه، فإنَّه لو فرض أنَّ المولى جعل العقاب على
ــــــــــ[176]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 3: 37.
(2) انظر: شرح تجريد العقائد (للقوشجي): 337.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
خصوص العاصي دون المتجرّي، فهذا الجعل على العاصي خاصّة يكفي في تتميم المحركيّة للمتجرّي بلا حاجة إلى خطاب آخر؛ وذلك حيث إنَّ المتجرّي يقطع بالحكم، فهو يعتقد أنَّ قطعه مطابق للواقع، للملازمة بين هذين القطعين، فهو يتخيّل نفسه عاصيّاً، فيكون جعل الخطاب على العاصي كافٍ للمحركيّة نحو الامتثال، فلا يبقى وجه للعقاب إلَّا التشفي المحال على الشارع المقدّس، ويكون جعل العقاب من الشارع لغواً صرفاً لا وجه له إلَّا التشفي المحال، ومن هنا يشكل فرض العقاب بناءً على كونه مجعولاً مولوياً.
إلَّا أنَّه بناءً على مبنى الأصوليين من أنَّ استحقاق الثواب والعقاب أمران واقعيان يدركهما العقل العملي، ويدرك أنَّ المتجرّي سلب المولى حقّه، فيترتّب عليه استحقاق العقاب عقلاً وفي نفس الأمر، بلا إشكال ولا محذور، وحينئذٍ فلا بُدَّ أن يبتني استحقاق المتجرّي للعقاب على هذا المبنى.
هذا هو توضيح أصل المطلب، ومع هذا لا نحتاج في مقام الاستدلال لإثبات عقاب المتجرّي إلى الوجوه التي ذكرها المحقّقون، بالإضافة إلى عدم تماميتها في أنفسها.
والوجوه التي ذكرت لذلك عديدة.
ما نقله المحقّق النائيني، على ما في أجود التقريرات(1)، عن الميرزا الشيرازي الكبير، وحاصله -إنّ صح النقل-: أنَّ حكم العقل بوجوب الطاعة
ــــــــــ[177]ــــــــــ
( ) انظر: أجود التقريرات 2: 30- 37.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وحرمة المعصيّة الذي هو مناط استحقاق العقاب، ليس موضوعه العلم المصادف للواقع، بل موضوعه طبيعي العلم أعمّ من المصادف وغيره، فلو فُرض أنَّه ثبت أنَّ موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصيّة الذي هو مناط استحقاق العقاب، هو الأعمّ من العلم المصادف وغيره، فيكون موضوعه متحقّقاً للمتجرّي، فيكون محموله متحقّق أيضاً، فيستحق المتجرّي العقاب. إذن، لا بُدَّ من إثبات أنَّ موضوع حكم العقل ليس هو خصوص العلم المصادف، بل الأعمّ من المصادف وغيره، فإنّنا نقول حينئذٍ: إنَّه لا يعقل أن يكون موضوع حكم العقل هو خصوص العلم المصادف، بحيث تكون المصادفة مأخوذة في موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة وقبح المعصيّة، وإلَّا لزم منه، في مقام تنجّز الحكم، إحراز المصادفة، وحيث إنَّ المصادفة والخطأ خارجان عن اختيار المكلف، وهما أمران يتعرض لهما كلّ مكلف، فلا يمكن إحرازهما، فينسد باب الحكم العقلي، فيلزم عدم تنجّز كلّ الأحكام لعدم إحراز موضوع حكم العقل الذي هو مناط التنجيز.
وهذا الوجه من الغرائب؛ وذلك لأنَّ المصادفة على فرض كونّها مأخوذة في موضوع الحكم العقلي بوجوب الطاعة وحرمة المعصيّة، فإنّها تكون محرزة بنفس القطع في المقام. نعم، لو التفت إلى قطع غيره أو قطع نفسه في غيره زمان القطع، فإنَّه يحتمل الخطأ، ولكنّه في حال قطعه قاطع بالحكم وقاطع بالمصادفة للواقع أيضاً للملازمة بين القطعين. إذن، فالمصادفة تكون محرزة بنفس القطع بالحرمة، فلا معنى لأن يقال: بأنَّ المصادفة إذا أُخذت في موضوع الحكم الشرعي لا يمكن احرازها، فإنَّ كلّ مصادفة معرض للخطأ. نعم، كلّ مصادفة معرض للخطأ، إلَّا
ــــــــــ[178]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أنَّ المكلف قاطع بالمصادفة، وبتماميّة حكم العقل بالنسبة إليه.
والغريب من المحقّق النائيني أنَّه لم يجيب عن الإشكال بهذا الجواب، بل أجاب بجواب آخر، فكأنّه اعترف بأنَّ المصادفة غير قابلة للإحراز، واعترف أنَّ تمام موضوع حكم العقل هو العلم، إلَّا أنَّه ذكر أنَّ المحرز ليس علماً بل جهلاً مركباً، إلَّا أنَّ هذا الجواب لا معنى له؛ لأنَّ الكلام ليس هو في المستظهر من كلمة العلم، هل هو المطابق للواقع أو لا؟ فإنَّه لو تمّ البرهان على وجوب إحراز المصادفة للواقع لكان موضوع حكم العقل هو الجامع بين العلم والجهل المركب، سواء سمّي علماً في العرف أو شيئاً آخر، فإنَّ هذا لا شأن له في محلّ الكلام، وإنّما الشأن كلّ الشأن بأنَّ الإشكال غير تامٍّ من أصله؛ لأنَّ المصادفة دائماً محرزة بنفس إحراز الحكم، ومع قطع النظر في ذلك فإنَّ جواب الميرزا لا يأتي.
وإن شئت قلت: إنَّ أخذ المصادفة في موضوع حكم العقل، إمّا مستحيل أو غير مستحيل، فإن كان مستحيلاً -كما يدّعي الميرزا الكبير- فلا محيص عن الالتزام بعدم أخذها وتعميم موضوع الحكم العقلي للقطع المخالف، سواء سمّيناه علماً أو لا، وإن لم يكن أخذ المصادفة في موضوع حكم العقل مستحيلاً -كما هو الصحيح- فلا مانع من تخصيص حكم العقل بالقطع بالمصادفة، ولا دخل لثبات كونه علماً أو جهلاً في تقريب المطلب.
وهذا الوجه وإن كان وجهاً مستقلاً، إلَّا أنَّه مع ذلك ذكره المحقّق النائيني مقدّمة من مقدّمات أربع لوجه نسبه إلى الميرزا الكبير للعقاب على الفعل المتجرّى به.
ــــــــــ[179]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وبحسب الحقّيقة أنَّ المقدّمتين الأوّليين لا ربط لهما بالكلام. والمقدّمة الثالثة تصلح أن تكون وجهاً مستقلاً بلا حاجة إلى ما قبلها وما بعدها، وهي ما ذكرناه. والمقدمة الرابعة، تصلح أيضاً أن تكون وجهاً مستقلاً؛ لذا فنحن نجعلها كذلك.
أنَّ مناط استحقاق العقاب، إمّا أن يكون هو القبح الفاعلي أو القبح الفعلي، فإذا أقمنا البرهان على أنَّ القبح الفعلي لا يصلح مناطاً لاستحقاق العقاب، فيتعيّن الثاني وهو كون القبح الفاعلي مناطاً لاستحقاق العقاب، والقبح الفاعلي موجود في موارد التجرّي كما هو موجود في العصيان.
والبرهان على أنَّ القبح الفعلي لا يكون مناطاً لاستحقاق العقاب، وهو أنَّه قد يكون القبح الفعلي محفوظاً مع عدم استحقاق العقاب جزماً، كما في موارد الشكّ والجهل، فإنَّ شرب الخمر لا يخرج عن كونه مفسدة معلوماً كان ذلك أم مجهولاً، ومع ذلك لا يستحقّ الشارب العقاب عليه إذا كان جاهلاً؛ لأنَّه لم يصدر عن قبح فاعلي، وإن كان القبح الفعلي موجوداً.
فتسالم الأصحاب على عدم العقاب على شرب الخمر حال الجهل دليل على أنَّ مناط استحقاق العقاب هو القبح الفاعلي دون القبح الفعلي، فإذا ثبت ذلك، فالقبح الفاعلي موجود في التجرّي كما هو موجود في العصيان، فإنَّ المتجرّي قد ارتكب القبيح الفاعلي وإن لم يكن فعله قبيحاً فعليّاً.
وقد أجاب الميرزا عن هذا الوجه بأنّه ليس الأمر دائراً بين شيئين فقط، هو
ــــــــــ[180]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أن يكون مناط العقاب إمّا القبح الفاعلي أو الفعلي، بل إنَّ هناك شقّاً ثالثاً متوسطاً، هو أن يكون مناط استحقاق العقاب هو القبح الفاعلي الناشئ من القبح الفعلي، أو بتعبير آخر: اجتماع القبحين في مورد يكون القبح فعليّاً لا فاعليّاً كما في موارد الشكّ والجهل، أو يكون فاعليّاً لا فعليّاً كما في موارد التجرّي، فإنَّه لا عقاب.
وكلّ من الإشكال والجواب، قد انقدح وجه بطلانه ممّا تقدّم؛ لأنَّه مبني على تصوّر القبح الفاعلي والقبح الفعلي، وتصوّر الحسن والقبح بمعنى يرجع إلى باب المصالح والمفاسد، وقد ذكر أنّه ليس عندنا قبح فاعلي وقبح فعلي، بل عندنا قبح واحد يتعلّق بالفعل بما أنَّه مضاف إلى فاعله، فالترديد بين القبح الفعلي والفاعلي لا معنى له. ومتعلّق القبح هو سلب المولى حقّه، وقد قلنا: إنَّ حقّ المولى هو أن لا يرتكب ما يعتقد كونه مخالفة، ففعل المتجرّي يكون سلباً لحقّ المولى، فيكون قبيحاً، ويكون الفاعل مستحقّاً للعقاب، كما أنّنا لا نتعقّل أن يكون الشيء قبيحاً ويكون المكلف معذوراً عن ارتكابه.
هو ما جاء في رسائل الشيخ الأعظم(1)، وفيما بعده من الكتب، وفي تقريرات الكاظمي(2).
وحاصله أن يقال: إنّه لو فرض شخصان أحدهما شرب خمراً يقطع
ــــــــــ[181]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول 1: 39.
(2) انظر: فوائد الأصول 3: 41.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بخمريته والآخر شرب خلاً يقطع بخمريته، فإن عوقبا معاً فهو المطلوب، وإن عوقب مَن شرب الخمر دون مَن شرب الخلّ، فنسأل عن الفرق بينهما، ولا يظهر الفرق بينهما إلَّا لأنَّ هذا صادف قطعه الواقع وذاك خالفه، وحيث إنَّ المصادفة ليست أمراً اختيارياً، فيلزم إناطة العقاب بأمر غير اختياري، وهو غير ممكن.
وهذا الوجه لا يرجع إلى محصل؛ وذلك لأنَّ المطلوب من المكلف -لو فرض أنَّ حقّ المولويّة هو حقّ- أن يؤتى بطاعته وأن تجتنب معصيته، لا مطلق ما يعتقد كونه مخالفة، فنرى أنَّه هل يلزم من ذلك إناطة العقاب بأمر غير اختياري أو لا؟
هنا، عدم شرب الخمر له حصّص: تارةً أنَّ الإنسان لا يشرب الخمر؛ لأنَّه لا يوجد عنب ولا زبيب في الدنيا ليصنع منهما الخمر فيشربه، وتارةً لا يشربه؛ لأنَّه لا يستطيع الحركة حتّى يأتي بالخمر فيشربه، وثالثة؛ لأنَّه ليس عنده ثمنه، ورابعة لا يشرب الخمر؛ لأنَّه تخيّل غير الخمر خمراً فشربه واكتفى به، وخامسة بعد سد أبواب جميع ما سبق من العدم، بأن زرع الخمر، وكان صحيحاً، وكان مالكاً للثمن، وكان موفقاً لا يخطأ في تشخيصاته، فهل يوجد شرب الخمر خارجاً بمجرّد سد هذه الأبواب من العدم أو لا يكون ذلك إلَّا بعد سد باب حصّة خاصة من العدم، وهو عدم شرب الخمر لعدم الإرادة، فإنَّه لو فرض أنَّه سُدت أبواب جميع تلك الأعدام سوى العدم من ناحية الإرادة فإنَّه لن يشرب الخمر، وإن سدها فإنه سيشربه.
ــــــــــ[182]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهذه الحصّة الأخيرة من العدم هي تحت الاختيار. نعم، الحصّة الأولى، ليست تحت الاختيار ولا ما بعدها، إلَّا أنَّ سد باب العدم من الحصّة الأخيرة تحت الاختيار، كما هو الأمر في فتحها أيضاً.
وحقّ المولويّة يقتضي إبقاء هذه الحصّة من العدم منقوصة، فإنَّ المفروض أنَّ حقّه هو أن يؤتى بالمخالفة، وهو يكفي فيه فتح أحد أبواب العدم ولا يجب عليه أن يفتح تمام الحصّص من العدم، بل يكفي في مقام الوفاء بحقّ المولى أن يفتح باب الحصة الأخيرة، وفتحها تحت الاختيار بلا إشكال.
فتحصّل: أنَّ مناط استحقاق العقاب ليس أمراً غير اختياري؛ لأنَّ تلك الحصّة من العدم الناشئ من المطابقة وإن كانت أمراً غير اختياري إلَّا أنَّه ليس مكلفاً بإبقائها مفتوحة، أو إنّما هو مكلف بمقتضى حقّ المولويّة بإبقاء حصّة أخرى مفتوحة هي الحصّة الخاصة، وإلَّا لو اشترطنا أن جميع حصّص العدم يجب أن تكون مفتوحة، لما وجد فعل اختياري أصلاً، فإنّه على الأقل صحته ووجود العنب ليس اختيارياً له.
إذن، فاستحقاق العقاب يكون على أمر اختياري، وهو سد باب الحصة الأخيرة من العدم، وهو أمر اختياري له.
وأمّا عدم عقاب المتجرّي الذي شرب الخلّ المقطوع الخمريّة -لأجل كونه غير اختياري؛ لأنَّه لم يصادف الواقع- فإنَّ عدم العقاب ضروري، وإلَّا عوقب النّاس في بيوتهم، فإنَّه لو كان مريضاً ولا يشرب الخمر لأجل ذلك، وإلَّا لذهب إلى الحانة وشرب هل يعاقب لأنَّ المرض أمر غير اختياري له. فإناطة
ــــــــــ[183]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
عدم العقاب بأمر غير اختياري ضروري، ولو من حيث التجرّي؛ لأنَّ الأمور غير الاختيارية كثيرة في الخارج، فهل أنَّ من لا يسرق خوفاً من النّاس يعاقب؛ لأنَّ عدم سرقته ناشئ من أمر غير اختياري؟ إذن، العقاب في طرف الإثبات اختياري محض، وعدم العقاب؛ إذ يستند إلى أمر غير اختياري أمر لا بُدَّ منه. هذا تمام الكلام في الوجه الثالث وجوابه. وبه ينتهي المقام الثالث في مبحث التجرّي أيضاً.
قلنا في أوّل البحث: إنَّ التجرّي لا يختصّ بمورد القطع بالحكم مع الخطأ، بل يشمل تمام موارد تنجّز الحكم مع الخطأ، سواء تنجّز الحكم بالقطع الوجداني أو بالحجّة الشرعيّة، كالبينة أو بالأصل الشرعي أو العقلي كقاعدة الاشتغال ووجوب الفحص، ففي تمام هذه الموارد التي تنجّز فيها الحكم على العبد وخالفه العبد، ثُمَّ انكشف أنَّه لم يكن هناك حكم في الواقع، فيكون ذلك تجرّياً منه ومشمولاً لعقاب المتجرّي.
ولا فرق في ذلك أن يشربه برجاء كونه ليس خمراً أو بعنوان كونه خمراً، أو على إجماله، فإنَّه في تمام هذه الصور يتجرّى، وحتّى في الصورة الأولى -وهو ما إذا شربه برجاء كونه ليس خمراً- فإنَّ مجرّد الرجاء لا يخرجه عن كونه متجرّياً؛ لأنَّ الرجاء ليس مؤمّناً بعد قيام الحجّة الشرعيّة على التكليف الواقعي المولوي، فإذا لم يكن هناك مؤمّن، فهو قد عمل بدون مؤمّن، فيكون عمله خلاف احترام
ــــــــــ[184]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
المولى، أو سلباً لحقّ المولويّة، فيكون تجرّياً.
ومن هذا يظهر ما في بعض الكلمات من استثناء هذه الصورة؛ لأنَّه إنّما شربه رجاء أنَّه ليس خمراً فهو لم يتجرّى على مولاه؛ لأنَّه شرب بهذا الرجاء. نعم، شرب بهذا الرجاء، إلَّا أنَّه بعد التفاته إلى تنجّز الحرمة عليه، فعنوان الرجاء غير رافع للمنجزيّة والتجرّي على المولى.
وأمّا فرض عدم تنجّز الحكم ووجود المؤمّن، كما إذا قطع أو قام أصل أو بينة على عدم الخمريّة، فحينئذٍ لا إشكال في عدم كونه تجرّياً؛ لأنَّه لم يصدر منه ما يخالف تلك المرتبة الواجبة من حقّ المولى واحترامه؛ لأنَّ المفروض أنَّه مأذون في العمل من قبل المولى، فلا يكون العبد خارجاً على قانون العبوديّة، ولا يتّصف الفعل بالقبح، وهذا ممّا لاشكّ فيه.
وإنّما الشكّ في صورة واحدة، وهو ما إذا شربه برجاء كونه خمراً، عكس الأوّل، هنا أشكل المحقّق النائيني(1) وغيره، فذكر أنَّه في هذه الصورة يكون عنوان التجرّي متحقّقاً، فيجب أن تلحق هذه الصورة بمورد البحث، فلو قلنا هناك: إنَّ المتجرّي يستحق العقاب على فعله؛ لأنَّه قبيح، نقول ذلك هنا أيضاً.
إلَّا أنَّ هذا مشكل؛ وذلك لأنَّ هذا الشخص الذي يشرب هذا المائع لرجاء كونه خمراً، تارةً نفرض استناده إلى المؤمّن وأُخرى نفرض عدم استناده إلى المؤمّن. فهنا صورتان:
ــــــــــ[185]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 33.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
إحداهما: أن نفرض أنَّه مستند إلى المؤمّن بحيث لولا قيام المؤمّن على عدم خمريته لما شربه، ولو كان قاطعاً بعدم خمريته لما شربه أيضاً، ولكن حيث قام المؤمّن على عدم خمريته وهو يحتمل أنَّه في الواقع خمر، وهو لدرجة خبث في نفسه يريد أن يشرب الخمر بطريق حلال، بحيث إذا ثبت بعد ذلك أنَّ هذا كان خمراً يكون قد ذاق طعم الخمر، فيكون مستنداً إلى المؤمّن وشارباً له برجاء كونه خمراً، ولا تناقض في ذلك، وفي مثل هذه الصورة لا إشكال أنَّه لا يكون تجرّياً.
ثانيتهما: لو فرض أنَّه ليس مستنداً إلى المؤمّن، بل حتّى لو لم يكن هناك مؤمّن فإنَّه يشرب هذا المائع، فحينئذٍ هذا الشخص عمله الخارجي لا يكون تجرّياً بلا إشكال؛ لأنَّه عمل مأذون فيه من قبل الشارع، فلا يكون فعله تجرّياً عليه.
نعم، يمكن أن يقال: إنَّ هذه الإرادة لشرب المائع وجدت مستقلّة عن المولى، ومن عدم الاهتمام بالمولى في تعيين ما ينبغي فعله في الخارج، وهذا بنفسه يكون خروجاً على حقّ المولويّة.
ففي الفرض الأوّل لا تجرّي لا في الفعل ولا في نفس المكلف، أمّا في هذا الفرض، فالفعل لا تجرّي فيه مع فرض الالتفات إلى المؤمّن، إلَّا أنَّه يقال: إنَّ التجرّي هو في استقلاليّة الإرادة عن المولى، وفي هذا النحو من عدم الاهتمام به في أن يشرب وأن لا يشرب.
لو فرض أنَّ هذه المرتبة من الاستقلاليّة بالإرادة عن المولى كانت ملاكاً للعقاب، فلا يفرق فيها بين أن يشرب بالفعل أو لا يشرب. إذن، خصوصيّة أن
ــــــــــ[186]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يشرب بعنوان كونه خمراً لا دخل لها في القبح وفي استحقاق العقاب، فعلى أيّ حالٍ لا خصوصيّة لهذه الصورة.
ذُكر في الأبحاث السابقة أنَّ جملة من المحقّقين أرجعوا باب الحسن والقبح إلى باب مبادئ الأحكام من المصالح والمفاسد والمحبوبيّة والمبغوضيّة، وتخيّلوا أنَّ معنى كون الشيء قبيحاً كونه ذا مفسدة ومبغوض للمولى. ومن هنا استشكّلوا في التجرّي، كيف يجمع بين كونه تجرّياً وبين الجهة الواقعيّة فيه؟ كما إذا قطع أنَّ زيد بن أرقم من أعداء الله وأنَّه يحرم عليه إكرامه، فأكرمه، ولكنّه في الواقع انكشف أنَّه من العلماء الأخيار وإنَّ إكرامه واجب، هنا تخيّل وقوع المنافيات بين قبح هذا الإكرام بعنوانه كونه تجرياً، وبين محبوبيته للمولى بعنوان كونه إكراماً للعالم، أي: بين جهة التجرّي والجهة الواقعيّة.
ومن هنا ذهب صاحب الفصول(1) إلى وقوع الكسر والانكسار وتقديم الأهم، فجعل الكسر والانكسار بين المصلحة الواقعيّة في إكرام العالم والمفسدة الظاهريّة في إكرامه بعنوان كونه عدواً لله تعالى، فأوقع المزاحمة بين الجهتين، وقال بتقديم الغالب منهما.
والمحقّق العراقي في مقالاته(2)، ذكر بأنَّه لا تنافي بين الجهتين، بعد أن سلّم
ــــــــــ[187]ــــــــــ
(1) انظر: الفصول الغروية: 431، فصل في أنّ جاهل الحكم غير معذور، راجع أيضاً ص87 من الفصول.
(2) انظر: مقالات الأصول 2: 16.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أيضاً ما تخيّله المشهور من الحُسن والقبح يرجع إلى باب المصالح والمفاسد والمحبوبيّة والمبغوضيّة. قال: لا بأس أن يكون الفعل بالعنوان الأولي محبوباً وذا مصلحة، ويكون بالعنوان الطارئ من حيث كونه تجرّياً مبغوضاً للمولى، فالتزم بكلا الجهتين. مدّعياً أنَّ مرجع الجمع بينهما هو اختلاف الرتبة، ومع اختلاف الرتبة لا بأس بالجمع بينهما، فإنَّ قبح التجرّي متقدّم وعارض على عنوان التجرّي، وعنوان التجرّي عنوان للذات في مرتبة متأخّرة عن مرتبة الامتثال والعصيان، فقبح التجرّي عارض لعنوان التجرّي، وعنوان التجرّي في طول الجهة الواقعيّة وفي مرتبة امتثالها وعصيانها. إذن، لا تقع منافات بين جهة التجرّي والجهة الواقعيّة بعد فرض تعدد الرتبة.
قال: هذا حاله حال الحُسن بعنوان الإطاعة، فلا يلزم منه اجتماع المثلين؛ لأنَّ حُسن الإطاعة متقدّم بعنوان الاطاعة، وعنوان الاطاعة منتزع من مرتبة الامتثال والعصيان، وهو في طول الجهة الواقعيّة، فلا ينافيها.
وهذا البحث سوف نتعرض له مفصّلاً في مقام الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة(1). فإنَّه هناك دفع المحقّق العراقي شبهة ابن قبة في إشكال الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة، دفعها بتعدد الرتبة، وقال: بأنَّ الحكم الظاهري لا يضاد الحكم الواقعي؛ لأنَّ الظاهري أُخذ في موضوعه الذات المشكوك في حكمها، فهو المرتبة المتأخرة عن الشكّ المتأخّر عن الجهة الواقعيّة، فالحكم الظاهري في طول الجهة الواقعيّة، فحينئذٍ لا يكون هناك تضاد بينهما؛
ــــــــــ[188]ــــــــــ
(1) انظر: بحوث في علم الأصول 4: 405.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
لأنَّ كلّ منهما في مرتبته لا منافي له، هذا الكلام سوف نشرحه هناك، وإنّما المقصود هنا الإشارة الاجمالية إليه.
نفس هذا الكلام طبقه في المقام، فقال: قبح التجرّي لا يضاد الجهة الواقعيّة، لأنَّه منتزع من عنوان التجرّي، وعنوان التجرّي في مرتبة امتثال وعصيان الجهة الواقعيّة، فهو في طولها.
وسوف يأتي هناك -في مبحث الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهرية- الخلل في هذا المبنى، وأنَّ رفع التضاد بتعدد الرتبة مما لا محصل له، إلَّا أنَّه لو فُرض في المقام صحّة هذا المبنى، فإنّنا نقول: إنَّ حمل الكلام غير مبني عليه.
والسرّ في ذلك: أنَّ قبح التجرّي في المقام وإن كان قبيحاً بعنوان التجرّي، إلَّا أنَّ عنوان التجرّي إنّما يكون متأخّراً بالرتبة عن الجهة المقطوعة، لا الجهة الواقعيّة الثابتة في لوح التشريع.
فلو قطع بحرمة إكرامه، فأكرمه تجرّياً، وكان يجب إكرامه واقعاً، فعنوان التجرّي المنتزع عن الفعل، إنّما يكون منتزعاً في طول الجهة الواقعيّة الخيالية، أي: في طول الحرمة المقطوعة؛ إذ لو لم يكن هناك حرمة مقطوعة لما كان منه تجرّياً، فالتجرّي متأخّر عن الحرمة المقطوعة وفي طولها، وليس متأخّراً بالرتبة عن الوجود الواقعي الذي لم يقطع به المكلف أصلاً.
إذن، فالتجرّي في طول حرمة الفعل الخيالية، لا في طول وجوبه الواقعي؛ والمدّعى هو المنافات بين التجرّي وبين الجهة الواقعيّة، لا بينه وبين الحرمة المتخيّلة. فلو فرض أنَّ تعدد الرتبة ثابت وإنَّه مجد في رفع التنافي، أي: لو سلّم
ــــــــــ[189]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
هذا المبنى صغرى وكبرى، فإنَّه لا ينطبق على محلّ الكلام؛ لأنَّ عنوان التجرّي في طول الحرمة التي قطع بها المكلف، لا في طول الوجوب الذي لم يقطع به، فلا طوليّة بين التجرّي والوجوب حتّى يكتفي بتعدد الرتبة.
إلَّا أنَّ الصحيح أنَّنا لا نحتاج إلى هذا الجواب؛ لما قلناه من أنَّ الحُسن والقبح لا يرجع إلى باب المصلحة والمفسدة والمحبوبيّة والمبغوضيّة؛ لأنَّ ارجاعهما إلى ذلك مبني على أن نقول بأنَّهما مجعولان عقلائياً، أمّا إذا قلنا: بأنّها جهتان واقعيتان يدركهما العقل العملي، كما يدرك العقل النظري الإمكان والوجوب، فيكونان اجنبيين عن باب المبغوضيّة والمحبوبيّة. وعليه فلا تنافي بين التجرّي ومبادئ الأحكام من المصلحة والمفسدة والمبغوضيّة والمحبوبيّة، فإنّه يمكن أن يكون الفعل قبيحاً بعنوان كونه تجرّياً، ويكون ذا مصلحة بعنوان كونه إكراماً للعالم؛ إذ لا تنافي بين ملاكات الأحكام وبين الحسن والقبح.
إذن، لا نحتاج إلى الكسر والانكسار ولا إلى تعدد الرتبة، كما صدر من صاحب الفصول ومن المحقّق العراقي، فإنَّ ذلك ما لا يمكن المساعدة عليه.
ولكن هذا لا ينافي دعوى تصادم آخر، لا بين الوجوب الواقعي وقبح الفعل المتجرّى به، بل بين الوجوب الواقعي وبين ما دلّ على تنجّز الحرمة على المكلف، أي: الدليل المنجّز للحرمة على المكلف، فالحكم بتنجّز الحرمة ظاهراً هو طرف المنافات مع الوجوب الواقعي، سواء قلنا بقبح الفعل المتجرّى به أو لم نقل، فلو فرضنا أنَّ الإنسان قام لديه منجّز إمَّا بالقطع أو بالأمارة أو الأصل على حرمة صلاة الجمعة، ونفرض أنَّها في الواقع كانت واجبة، فهنا المنافات
ــــــــــ[190]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
تارةً تبين بذلك البيان المشهوري الذي اعترضنا عليه، بأن يقال: إنَّ صلاة الجمعة بما أنّها صلاة الجمعة واجدة للوجوب وللمصلحة الشديدة والمحبوبيّة اللزوميّة من قبل المولى، وهي بما أنَّها تجرٍ على المولى حيث إنَّ المكلف قطع بحرّمتها، فتكون قبيحة، وهذا القبح لا يناسب مع مبادئ الوجوب الواقعي، هذا الفرض للتنافي باطل كما قلنا؛ لأنَّ القبح ليس مرجعه إلى المصلحة والمفسدة والمحبوبيّة والمبغوضيّة حتّى يقال: إنَّ الفعل الواحد كيف يكون مجمعاً للمصلحة والمفسدة بالفعل بلا كسر وانكسار؟
وأُخرى يقرب التنافي بنحو آخر، لا بين الوجوب الواقعي وقبح الفعل المتجرّى به، بل بين الوجوب الواقعي للصلاة وبين المنجّز للحرمة الذي هو القطع أو الأمارة أو الأصل، فإنَّ نفس تنجّز الحرمة ظاهراً على المكلف ينافي الوجوب الواقعي، فلو بنينا على أنَّ الفعل المتجرّى به قبيح كما بنينا عليه، أو قلنا بمقالة الشيخ الأعظم في الرسائل(1) حيث أنكر قبحه رأساً، مع هذا يكون التنافي ثابتاً؛ لأنَّه قائم بين الوجوب الواقعي والحكم الظاهري بتنجّز الحرمة لا بين الوجوب الواقعي والقبح، فطرف المنافات هو تنجّز الحرمة وهو ثابت على أيّ حال، سواء قلنا بقبح الفعل المتجرّى به واستحقاق المتجرّي للعقاب أو لم نقل.
على أيّ حال حكم عقلاً أو شرعاً بتنجّز الحرمة، سواء قيل بترتب العقاب في التجرّي أو لا، وهذا التنجّز يكون منافياً مع الوجوب الواقعي.
ــــــــــ[191]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول 1: 39.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهذا التنافي مربوط ببحث الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة، فإنَّه هناك سوف يأتي إنّنا نختار التفصيل بين بعض الأحكام وبعضها، فلو فرض أنَّ الحكم الواقعي كان الزاميّاً ايجابيّاً أو تحريميّاً، وكان الحكم الظاهري ترخيصيّاً، هنا يمكن أن يجمع بينهما، وتندفع شبهة اجتماع الضدّين لابن قبة ببيان يأتي هناك، أو بالعكس فيما إذا كان الحكم الواقعي ترخيصيّاً والظاهري إلزامياً يمكننا أيضاً أن نتوصل إلى التوفيق بينها ونلتزم بوجود كل منهما.
وأمّا لو فرض أنَّ الحكمين كان كلاهما إلزامي لكن أحدهما من هذا الطرف والآخر من ذاك الطرف، إن كان أحدهما وجوبياً والآخر تحريمياً، كما هو الحال في مورد التجرّي، حيث إنَّ صلاة الجمعة بحسب حكمها الواقعي واجبة -على الفرض- وبحسب حكمها الظاهري الناشئ من قيام الأمارة أو الأصل تكون منجّزة الحرمة، فهذا الحكم الظاهري بالحرمة لا يمكن أن يجتمع مع الحكم الواقعي بالوجوب، والبيانات التي تذكر في الجمع بينهما لا تنهض للتوفيق بين هذين الحكمين.
هذا التفصيل سوف يأتي بيانه هناك مع توضح أنَّ الأجوبة المتعارفة لا تنهض للتوفيق بين الحكم الواقعي والظاهري من هذه الصورة، على تفصيلات تأتي.
والمقصود هنا هو إلفات النظر إلى أنَّ التنافي الذي منعناه، إنّما هو التنافي بين قبح الفعل المتجرّى به والوجوب الواقعي لا التنافي بين الحكم الظاهري الذي صار منشأ لمنجزيّة الحرمة وللتجرّي، وبين الوجوب الواقعي، فهذا تنافٍ آخر،
ــــــــــ[192]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ويمكن أن لا نقول بذلك ونقول بهذا، ومعه نلتزم بارتفاع الوجوب الواقعي، بعد تماميّة دليل الحرمة، لو تمّ هذا التنافي. هذا هو تمام الكلام في تتمة التنبيه الثاني.
ذكر المحقّق العراقي(1) ثمرة لهذا البحث، في أنَّ الفعل المتجرّى به هل هو قبيح عقلاً أو لا.
وحاصل هذه الثمرة: هو أنَّه قال: لو فرض أنَّ الحرمة تنجّزت على المكلف بغير القطع كالأمارة، نفرض أن الأمارة قامت على حرمة صلاة الجمعة، ونفرض أن صلاة الجمعة كانت واجبة في الواقع، والمكلف الذي قامت عنده الأمارة أيضاً كان يحتمل وجوبها في الواقع، وهذا المكلف كانت له علاقة مخصوصة بهذه الصلاة، فبالرغم من قيام الدليل على حرّمتها قام بها رجاءً، لاحتمال الوجوب، ثُمَّ انكشف أنَّها في الواقع واجبة، وأنَّ الدليل لم يكن مطابقاً للواقع، فهنا هل يحكم بصحّة صلاته أو لا؟
ذكر أنَّ الحكم بالصحّة مبني على القول بقبح الفعل المتجرّى به وعدمه، فلو قيل بقبح الفعل المتجرّى به، لا يقال بصحة صلاته؛ لأنَّه لا يعقل أن يتقرب بالقبيح إلى المولى، فيستحيل دخولها على وجه قربي، وأمّا إذا لم نقل بقبح الفعل المتجرّى به، كما يقول الشيخ الأعظم، وأنَّه ليس هنا إلَّا سوء السريرة، فليس الفعل قبيحاً، فيكون قابلاً للتقرب به إلى المولى، فيكون مجزيّاً.
ــــــــــ[193]ــــــــــ
(1) انظر: منهاج الأصول 3: 75.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
هنا في تصحيح هذا الفعل المأتي به برجاء كونه واجباً مع تماميّة الدليل على حرّمته ظاهراً، تارةً نفرض أنَّ هذا الواجب توصّلي، وأُخرى نفرض أنّه تعبّدي.
فإذا فرضنا أنَّ الواجب كان توصّليّاً، بحيث لا يتوقف تحصيل الملاك فيه على قصد القربة، فمن الممكن القول بصحته حتّى على القول بالقبح لو قام دليل على سعة الملاك، بحيث يكون شاملاً لمثل هذا الفعل، فالقول بالصحّة ليس مربوطاً بالقول بالقبح وعدمه، بل بقيام الدليل على سعة الملاك، فلو دلّ دليل على سعة الملاك حتّى للفعل القبيح، فيلتزم بصحته، وإن لم يقم دليل في مقام الإثبات على ذلك لا نلتزم بصحته.
وبتعبير آخر: أنَّ الصحّة هنا معقولة على كلا القولين، سواء قلنا بالقبح أو لم نقل، فليس القول بالقبح هو المدار في الصحّة، بل شيء آخر.
وأمّا إذا فرض أنَّ الواجب كان عباديّاً، كما هو الحال في صلاة الجمعة، فهنا يتعيّن القول بالبطلان على كلا القولين -القبح وعدمه- بعد فرض كون حقّ المولى أن لا يأتي بما تنجّز كونه مخالفة، سواء كان مخالفة في الواقع أو لم يكن، فالمكلف يعلم أنَّه سلب حقّ المولى وكان ظالماً له متعديّاً عليه، فلا يعقل أن يكون متقرباً به إليه كما ذكره.
أمّا إذا لم نقل بالقبح، فأيضاً نلتزم ببطلان العبادة؛ لأنَّ وقوع الفعل على وجه عبادي، لا بُدَّ فيه من أمرين:
الأمر الأوّل: أن يكون الفعل بنفسه قابلاً للتقرب به.
ــــــــــ[194]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الأمر الثاني: أن يحصل قصد قربي، وأن يتحرك العبد من ناحية المولى. فأحدهما هو المقرّبية بالقوة، وهو أن يكون الفعل صالحاً للتقرب به إلى المولى. والثاني المقرّبية بالفعل، بمعنى: أن يكون العبد متحركاً عن تحريك المولى، فلو اختل أحد الشرطين لم يقع الفعل عبادياً صحيحاً.
افرضوا أنَّ الأوّل كان موجوداً دون الثاني، كما في رد السلام، فإنَّه محبوب في نفسه وصالح للتقرب به، ولكنّه إذا رد السلام لا بقصد القربة لا يكون عبادة، كما أنَّه لو انعكس المطلب فكان الثاني متوفراً دون الأوّل لم يكن عبادةً أيضاً، كما لو تخيّل أنَّ صلاة الجمعة واجبة، فأتى بها بقصد القربة، فلا تكون عبادة؛ لأنَّها بنفسها غير صالحة للمقربية.
ففي الفرض الأوّل، أي: على القول بالقبح، يكون الفعل بنفسه غير صالح للمقربية؛ لأنَّه ظلم للمولى.
وأمّا في الفرض الثاني، على القول بعدم القبح في الفعل المتجرّى به، فهذا الفعل ليس قبيحاً؛ لأنَّه ليس حراماً في الواقع ولا مبغوضاً للمولى، ولا من حقّ المولى على العبد أن يتجنبه؛ لأنّ من حقّ المولى أن لا يخالف، لا أنَّ حقّه وسيع يشمل موارد تنجّز الحرمة، وذلك بناءً على عدم قبح الفعل المتجرّى به.
فالإتيان بالفعل ليس خلافاً لحقّ المولى.
إلَّا أنَّ الاتيان بهذا الفعل بحسب نظر المكلف غير ممكن؛ وذلك لأنَّ العبد بحسب الفرض لا يدري أنَّ هذا الفعل حرام أو واجب، والمفروض أنَّ الأمارة نجّزت الحرمة، فهو يحتمل انطباق الأمارة للواقع، فيحتمل انطباق عنوان
ــــــــــ[195]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الظلم للمولى على هذا الفعل؛ لأنَّه على تقدير مطابقة الأمارة للواقع، يكون الفعل مخالفة واقعيّة منجّزة، وهو لا يحتمل كون تركه ظلم للمولى؛ لأنَّه مستند إلى المؤمن، ولو كان واجباً في الواقع.
إذن، فهذا الفعل حركة يحتمل فيها أن تكون ظلماً للمولى، ولا يحتمل أن يكون تركها ظلماً له، كيف يمكن أن يأتي بها لأجل المولى؟ نعم، يمكن أن يأتي بها بداع آخر، فيعوزه الشرط الثاني، ويستحيل التحرك بالتحريك المولوي في هذا الغرض؛ لأنَّه يحتمل أنَّها ظلم دون تركها، وفي مثل ذلك لا يعقل التحرك للمولى.
مثلاً يحتمل أن القيام بهذه الحركة يوجب خسارة صديقه ديناراً، ولا يحتمل خسارته بتركها، فهل يمكن أن يأتي بها؟ هذا غير معقول، فالمتعيّن هو القول بالبطلان على كلا القولين، فلا ثمرة في المقام. هذا هو تمام الكلام في التنبيه الثالث.
وبهذا انتهى بحث التجرّي.
ــــــــــ[196]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الكلام في تقسيم القطع إلى القطع الطريقي والموضوعي
ــــــــــ[197]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
قُسّم القطع إلى القطع الطريقي والقطع الموضوعي، ثُمَّ قُسّم القطع الموضوعي بعدّة تقسيمات، وذلك لأنَّ القطع، تارةً يكون الحكم الشرعي ثابتاً بقطع النظر عنه، وأخرى يكون للقطع دخل في ثبوت الحكم الشرعي، فإذا فُرض أنَّ الحكم الشرعي كان ثابتاً بقطع النظر عن القطع به فهو المسمّى بالقطع الطريقي، وهو يلحظ طريقاً صرفاً إلى مقطوعه سواء انصبّ القطع على نفس الحكم الشرعي، كحرمة شرب التتن، أو على موضوع جعل عليه الحكم الشرعي كالقطع بخمريّة هذا المائع، فالقطع بحرمة شرب التتن وبخمريّة المائع قطعان طريقيان؛ لأنَّ الحكم ثابتٌ بقطع النظر عن القطع، غاية الأمر أنَّ أحد القطعين تعلّق بالحكم ابتداءً، والآخر تعلّق بالموضوع ذي الحكم. فهذا هو القطع الطريقي.
وهناك القطع الموضوعي: وهو الذي لا يكون للحكم ثبوتٌ إلَّا بلحاظ القطع ودخله فيه. والقطع الذي يكون له دخل في ثبوت الحكم يسمّى قطعاً موضوعياً، كما لو حكم بوجوب إكرام مقطوع العدالة لا العادل الواقعي، فهنا القطع بالعدالة له دخل في موضوع الحكم الشرعي، بحيث لولا القطع بالعدالة لم يثبت وجوب الإكرام ولو كان عادلاً في الواقع. وهذا هو القطع الموضوعي.
ــــــــــ[199]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وقد يكون قطع واحد موضوعيّاً وطريقيّاً بلحاظين، فلو قال المولى: إذا قطعت بخمريّة مائع في مكان فأخرج من ذلك المكان الذي فيه المائع، فالقطع بالخمريّة هنا بالنسبة إلى حرمة الشرب طريقي؛ لأنَّ حرمة الشرب تعلّقت بواقع الخمريّة، وأمّا بالنسبة إلى وجوب الخروج ومغادرة المكان الذي فيه المائع فالقطع موضوعي؛ إذ لولاه لا يجب الخروج، وهذا ما لا إشكال فيه.
ــــــــــ[200]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ثُمَّ إنَّ القطع الموضوعي الذي يكون له دخل في ثبوت الحكم، قُسّم على ما في رسائل الشيخ الأعظم(1) ومن تبعه(2)، إلى القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقيّة، وإلى القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتيّة.
حيث قالوا: إنَّ القطع الذي يؤخذ في موضوع الحكم الشرعي، ويكون له دخل فيه، تارةً يؤخذ في الموضوع بصفته صفة من الصفات القائمة بالنفس، بقطع النظر عن جهة كشفه.
وأخرى يؤخذ في الموضوع بما هو كاشف وطريق، فالقطع بالعدالة الذي أُخذ موضوعاً لوجوب الإكرام تارةً يؤخذ كصفة قائمة في نفس القاطع، وأخرى بصفته كاشفاً تامّاً عن مقطوعه، فالأوّل هو القطع الموضوعي المأخوذ على نحو الموضوعيّة، والثاني هو القطع الموضوعي المأخوذ على نحو الطريقيّة.
ثُمَّ إنَّه قسّم كلا هذين القسمين إلى ما أُخذ فيه هذا القطع تمام الموضوع، وإلى ما أُخذ فيه هذا القطع جزء الموضوع، أي: أن يكون القطع هو جزء الموضوع وجزءه الآخر هو المقطوع به.
ــــــــــ[201]ــــــــــ
( ) انظر: فرائد الأُصول 1: 33، 34.
( ) انظر: كفاية الأُصول: 263.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وبتعبير آخر: أنَّ القطع الموضوعي سواء كان مأخوذاً في الموضوع على نحو الطريقيّة أو الموضوعيّة، فإنَّه تارةً يكون مأخوذاً جزء من الموضوع والجزء الآخر هو مكشوفه ومقطوعه، بحيث يؤخذ من القطع القطع المصيب، وأخرى يؤخذ الأعمّ من القطع المصيب وغيره، فإنَّه تارةً يكون القطع بالعدالة جزء الموضوع والجزء الآخر هو ثبوت العدالة له واقعاً، فإن لم يكن عادلاً في الواقع لم يكن هناك وجوب؛ لأنَّ أحد الجزئين لم يتحقّق بخلاف ما إذا فرض أنَّ الموضوع للحكم الشرعي هو ذات القطع، سواء كان عادلاً في الواقع أو لم يكن، فإنَّ الحكم يثبت في كلتا الحالتين.
فللقطع الموضوعي تقسيمان:
التقسيم الأوّل: هو القطع المأخوذ على نحو الموضوعيّة تارةً، وعلى نحو الطريقيّة أخرى.
التقسيم الثاني: هو ما كان القطع الموضوعي فيه تمام الموضوع تارةً، وجزء الموضوع أخرى، فأقسام القطع الموضوعي أربعة بضرب التقسيمين الأوّلين بالثانيين.
والكلام يقع في تعقّل أخذ القطع في الموضوع على وجه الصفتيّة والموضوعيّة تارةً، والكاشفيّة والطريقيّة أخرى، فإنَّ أحد هذين القسمين -وهو أخذ القطع بنحو الكاشفيّة والطريقيّة- لا إشكال في تعقّله، وإنَّما الإشكال في أخذ القطع بما هو صفة مع الغاء جهة كشفه.
ــــــــــ[202]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وذلك بأن يقال: إنَّه غير معقول أصلاً؛ لأنَّ الغاء جهة كشفه الغاء لذاته؛ لأنَّه عين الانكشاف، لا أنَّه شيء له الانكشاف، حتّى تؤخذ ذاته موضوعاً بقطع النظر عن كشفه، بل هو عين الانكشاف، فقولكم: إنَّ القطع مأخوذ في الموضوع بقطع النظر عن كاشفيته، كالقول: بأنَّ الإنسان مأخوذ في الموضوع بقطع النظر عن انسانيته، فكما أنَّ هذا القول يحتوي على تهافت في التعبير فكذلك الأوّل.
وليس منشأ هذا التقسيم إلَّا تخيّل الانكشاف صفة للقطع كالعدالة للإنسان، فإنَّه يصحّ أن يقال: إنَّ الإنسان مأخوذ في الموضوع بما هو عادل أو بقطع النظر عن عدالته، إلَّا أنَّ جهة الكشف في القطع تختلف عن جهة العدالة في الإنسان، فإنَّ العدالة عرض من أعراض الإنسان، إلَّا أنَّ القطع بنفسه عين الانكشاف، فكيف يمكن أن يقال بأخذ القطع في الموضوع مع قطع النظر عن جهة كشفه ولحاظه كصفة خاصّة؟
والمستخلص من الإشكال: هو أنَّ القطع الموضوعي ينحصر في الثاني، وهو المأخوذ على نحو الطريقيّة والكاشفيّة دون الأوّل، وهو المأخوذ على نحو الصفتيّة والموضوعيّة.
وقد يُتصدّى لحلّ هذا الإشكال -وتصحيح تقسيم القطع الموضوعي إلى الطريقي والموضوعي، وأنَّ القطع يؤخذ موضوعاً للحكم الشرعي بقطع النظر
ــــــــــ[203]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
عن كاشفيته- بما ورد في الكفاية(1) بتعبيرين، كلّ تعبيرٍ منها نجعله بياناً مستقلاً.
أن يقال: إنَّ تقسيم القطع الموضوعي إلى ما كان مأخوذاً على نحو الصفتيّة، وإلى ما كان مأخوذاً على نحو الطريقيّة، إشارة إلى ما هو المتعارف والمتداول من أقوال الحكماء: من أنَّ العلم نور بنفسه ونور لغيره، ففيه جنبتان نوريتان، وعليه: فتارةً يؤخذ العلم في الموضوع بلحاظ الحيثية الأوّلى، وهو أخذ العلم بما هو نور في نفسه بقطع النظر عن نوريته لغيره، وأخرى بلحاظ كلتا الجهتين.
فالأوّل هو المأخوذ على نحو الصفتيّة مع الغاء جهة كشفه، والثاني هو المأخوذ على نحو الكاشفية؛ لأنَّه لوحظت إنارته للغير وكشفه عنه.
وهذا البيان صوري كما هو واضح؛ لأنَّ معنى كون العلم نور بنفسه: أنَّه نفسه نور، والنور هو الظهور والوضوح، أي: أنَّ العلم ظاهر بنفسه وغيره ظاهر به، فكونه ظاهر بنفسه، أي: حاضر وظاهر بنفسه بلا حاجة إلى تعلّق علم به، فالشمس ظاهرة للإنسان بالعلم، وأمّا العلم فظاهر بنفسه لديه؛ لأنَّه من موجودات عالم النفس، وموجودات عالم النفس حاضرة بنفسها للإنسان.
وحينئذٍ نسأل أنَّ الذي يؤخذ موضوعاً للحكم على وجه الصفتيّة، هل هو القطع باعتبار كونه صفة حاضرة للإنسان، بحيث يكون المأخوذ طبيعي الصفة الحاضرة لدى النفس، فحينئذٍ يشترك في الحكم مع سائر الموجودات المجرّدة
ــــــــــ[204]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 264.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
القائمة في عالم النفس، كالحب والبغض والقدرة والإرادة والشوق؛ لأنَّها كلّها حاضرة للنفس، وهو خلف، أي: خلاف المفروض.
وإذا أُخذ خصوص هذا الحاضر لدى النفس دون الحواضر الأخرى، فلا خصوصيّة لهذا الحاضر تميزه عن الحواضر الأخرى من القدرة والإرادة والحب والبغض والشوق، إلَّا جهة كشفه، فيعود الإشكال جزعاً في السؤال عن الفرق بين القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقيّة والكاشفيّة، أو على نحو الصفتيّة والموضوعيّة.
هو أن يقال: إنَّ القطع من الصفات الحقيقية ذات الاضافة، كما قال الحكماء(1). ولا بُدَّ من شرح العبارة ليظهر وجه الاستفادة منها، فنقول: بأنَّ الصفات على قسمين: فتارةً تكون الصفة لها وجود حقّيقي وينطبق عنوانها عليه، كالعلم والقدرة والبياض والسواد والطول والقصر ونحوها، وأخرى تكون صفات اعتباريّة صرفة لا وجود خاصّ لها، بحيث يحمل على موضوعها في الخارج، كالأمور الاضافيّة على القول المشهور من الابوّة والبنوّة، والفوقيّة والتحتيّة.
والعلم ينتسب إلى القسم الأوّل، فهو ليس اضافة بين موجودين كالأبوّة والبنوّة، فانه ليس مجرّد اضافة بين العالم والمعلوم، كما برهن عليه في الحكمة، فهو صفة حقيقيّة كالقدرة والبياض.
ــــــــــ[205]ــــــــــ
(1) انظر: شرح المقاصد 4: 166، الحکمة المتعالیة في الأسفار العقلیة الأربعة 3: 290.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهذه الصفات الحقيقيّة التي ينتمي إليها العلم تنقسم إلى قسمين، فإنَّ الصفة الحقيقيّة مرة تكون غير ذات اضافة، وأخرى تكون ذات الاضافة، فغير ذات الاضافة -كالبياض والسواد- هي صفة حقيقيّة لا تحتاج إلى شيء غير موضوعها، وهناك بعض الصفات الحقيقيّة ذات اضافة كالقدرة والإرادة والحب والبغض، فإنَّ الحب صفة حقيقيّة؛ لأنَّ له وجود خارجي، إلَّا أنَّ الحب ذات إضافة؛ لأنَّ الحب بلا محبوب أمر غير معقول، فهو لا يكفي فيه موضوعه (الحب)، بل لا بُدَّ له من تعلّقه بمضاف إليه، وكذلك القدرة والشوق والبغض، فهذه صفات حقيقيّة ذات اضافة.
فينبغي أن يقال: إنَّ مذهب جماعة من الفلاسفة والحكماء، أنَّ العلم صفة حقيقيّة ذات الإضافة، فإنَّ العلم ليس من قبيل القسم الأوّل من الصفات، وإنّما هو صفة حقيقيّة وله وجود مستقل، إلَّا أنَّه له إضافة كالقدرة، فإنَّه لا يتصوّر العلم بلا معلوم، كالقدرة لا تتصوّر بلا مقدار.
فبهذا الاعتبار يقال: بأنَّ القطع تارةً يؤخذ في الموضوع بما هو صفة حقيقيّة ذات الإضافة، أي مع اضافة، فيكون مأخوذاً على وجه الكاشفية، وأخرى يؤخذ في الموضوع بما هو صفة حقيقيّة خاصّة مع قطع النظر عن الإضافة، فيكون مأخوذاً على نحو الصفتيّة والموضوعيّة.
وقد انقدح ممّا بيناه إمكان هذا الوجه؛ وذلك لأنَّ الإضافة ليست حقيقة العلم، وإلَّا كان داخلاً في باب الإضافات؛ ولاستحال هذا التقسيم؛ لأنَّ قطع النظر عن الإضافة حينئذٍ غير معقول، وإنَّما هو صفة حقيقيّة ذات إضافة،
ــــــــــ[206]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فيمكن فيه أمران: أن يؤخذ نفس الصفة الحقيقيّة مع قطع النظر عن جهة الإضافة، ولا يقال: إنَّ الإنسان لا يمكن أن يُلحظ بقطع النظر عن انسانيته؛ لأنَّ العلم ليس صفة إضافية، وإنَّما هو صفة حقيقيّة ذات إضافة، وأخرى يؤخذ باعتبار الإضافة.
وهذا التقريب يستفاد بنحو من الإجمال من عبارة الكفاية(1)، ومن تقريرات المحقّق النائيني(2)إلَّا أنَّه لا محصّل له إلَّا بتفصيل؛ لأنَّ العلم ليس له إضافة بالمعنى الذي يذكر في هذا البيان.
توضيحه: أنَّ الإضافة في الحكمة تطلق على إضافتين: تارة يراد بها الإضافة المقوليّة، وأخرى يراد بها الإشراقيّة.
فالإضافة المقوليّة هي التي عدت إحدى المقولات العشر للماهيّة، وهي عبارة عن نسبة متكررة بين شيئين، بحيث يحصل بينهما -ببركة النسبة- تكافؤ وتعاصر بحسب التعقّل والعالم الخارجي، بحيث إذا تعقل أحدهما تعقّل الآخر، وإذا وجد أحدهما وجد الآخر مثلاً، كالنسبة المتكررة بين الابوّة والبنوّة والفوقيّة والتحتيّة. وهذه النسبة المتكررة ينتزع منها عنوانان: عنوان للأب وعنوان للابن، وعنوان للفوق وعنوان للتحت. ويكونان متكافئين في التعقّل والوجود.
وهذه الإضافة المقوليّة التي هي عبارة عن نسبة بين شيئين تحتاج إلى طرفين
ــــــــــ[207]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 264.
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 17.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
تتقوّم بهما، ولا يعقل فيها وجود الطرف الواحد.
وهناك إضافة أخرى: إشراقيّة، وهي لا تدخل في باب المقولات والماهيات، وهي تختلف عن الإضافة المقوليّة من حيث إنَّها لا تحتاج إلى طرفين في الخارج؛ لأنَّها عبارة عن نسبة تحليلية بين شيئين، هما شيئان بالتحليل، وشيء واحد بحسب الحقيقة والوجود الخارجي، إلَّا أنَّنا نحلله إلى شيئين، فأحد الشيئين يكون جهة الفعليّة، والشيء الآخر يكون جهة اللافعليّة، فبحصول النسبة بينهما تتحصّل الفعليّة لذلك الذي هو لا فعلي.
وذلك كالنسبة بين الماهيّة والوجود، فإنَّ الإنسان أمر واحد بحسب الخارج، وهو بحسب التحليل العقلي يحلل إلى قضيّة: الإنسان موجود، أي: إلى ماهية ووجود. هنا، النسبة بين الإنسان والوجود ليست من قبيل النسبة بين الأب والابن، فإنها لا تحتاج إلى طرفين، بل النسبة بين الماهيّة والوجود نسبة إشراقيّة، أي: أن الماهيّة تشرق بالوجود وتتحصّل به. إذن، النسبة الإشراقيّة عبارة أخرى عن الوجود والتحقّق والفعليّة، وحيث إنَّ الوجود خارج عن الماهيات والمقولات؛ لذا لا تسمّى هذه الإضافة بالمقوليّة، بل الإشراقيّة.
هذا موجز الفرق بين الإضافة المقوليّة والإشراقيّة، وتفصيله موكول إلى محله من الفلسفة ولا يناسب بحث الأصول.
فإذا عرفنا معنى الاضافتين المقوليّة والاشراقيّة، نقول:
بأنَّ العلم له معلومان: معلوم بالذات ومعلوم بالعرض، فالمعلوم بالذات هو نفس الصورة أو الماهيّة الموجودة بالوجود العلمي في أفق النفس، وهي
ــــــــــ[208]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بنفسها حاضرة لدى النفس، والمعلوم بالعرض وهو الأمر الخارجي، وهو ليس حاضراً لدى النفس بنفسه، بل بصورته.
هنا، نريد أن نلحظ أنَّ العلم الذي هو صفة حقيقيّة هل له إضافة إلى شيء، وما هو سنخ الإضافة؟
أمّا العلم بالنسبة إلى المعلوم بالذات، فإضافته إشراقيّة لا مقوليّة؛ إذ المقوليّة تحتاج إلى طرفين، وليس هنا طرفان، فإنَّ الماهيّة والوجود ليسا طرفين متباينين كالأب والابن، وإنّما النسبة بينهما إشراقيّة ومرجعها إلى نفس الوجود، ولبها وجوهرها هو أنَّ الماهيّة وجدت بهذا الوجود العلمي، وليس أمراً زائداً على ذلك.
وأمّا بالنسبة إلى المعلوم بالعرض وهو الأمر الخارجي، فمن المعلوم أنَّ
النسبة بينهما ليست إشراقيّة؛ لأنَّ الأمر الخارجي لا يوجد بالوجود الذهني، إَّلا أنَّ الذي يتوهّم هو أنَّ النسبة بينهما مقوليّة، وهو ليس بصحيح أيضاً؛ وذلك لأنَّ العلم ليس مضافاً إلى الخارج في الحقّيقة، بل بالعرض والمجاز، فإنَّ العلم في الحقّيقة إنَّما هو علم بالصورة لا بالخارج. نعم، حيث إنَّ الأمر الخارجي مماثل للصورة الذهنيّة فينسب التعقّل إليه مجازاً لا حقّيقة؛ ولهذا قد لا يكون للعلم معلوم بالعرض في الخارج؛ لأنَّ العلم ليس متوقّفاً على الإضافة إلى الخارج أصلاً. نعم، له إضافة بالعرض إلى الخارج، حيث إنَّ العلم كشف عن الصورة بالذات، وكشف عن الخارج بالعرض والمجاز، فالكاشف والمنكشف بالنسبة إلى الخارج متضايفان مجازاً، فهنا الإضافة المقوليّة فرع نسبة مجازيّة بين العلم والخارج، لا حقيقيّة بينهما.
ــــــــــ[209]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فإذا اتّضح هذا كلّه نقول: ما المراد -في المقام- بأنَّ القطع تارةً يؤخذ بما هو صفة حقيقيّة مع قطع النظر عن الإضافة، وأخرى يؤخذ مع الإضافة؟ فهذه الإضافة في القطع الموضوعي ما المراد بها؟ إن أريد بها الإضافة الإشراقيّة إلى المعلوم بالذات فهي نفس القسم الأوّل؛ لأنَّ الإضافة الإشراقيّة نفس وجود العلم لا أمر زائد، فاتحد القسمان.
وإنَّ أُريد بها الإضافة المقوليّة، فأين تتحصل؟ هل هي بين العلم والمعلوم بالذات، أو بينه وبين المعلوم بالعرض؟ فإن ادّعي أنَّها بين العلم والمعلوم بالذات، فقد قلنا: إنَّه غير معقول؛ لأنَّه شيء واحد لا شيئين، والإضافة المقوليّة تحتاج إلى طرفين لتتقوّم بهما.
وإن قلتم: إنَّها بين العلم والمعلوم بالعرض، فقد قلنا: إنَّها إضافة بالمجاز، ونحن لا نعارض في أخذ هذه الإضافة المجازيّة في موضوع الحكم، بأن يؤخذ القطع تارةً بما هو صفة حقيقيّة في نفسها، وأخرى بما هو منسوب إلى الخارج ولو بالمسامحة.
وهذا أمر معقول، إلَّا أنَّ لازمه حينئذٍ هو عدم تعقّل القطع الموضوعي على نحو الطريقيّة، أي: على نحو تمام الموضوع، بل لا بُدَّ أن يكون جزء الموضوع؛ لأنَّ فرض أخذ هذه الإضافة فرض لوجود الطرفين، وفرض لإصابة القطع للخارج، كما صرّح به المحقّق النائيني (1)، وذكر أنَّ القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقيّة لا بُدَّ أن يكون جزء الموضوع، وإن لم يذكر هذا البيان، إلَّا أنَّ صاحب
ــــــــــ[210]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 5-7.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الكفاية(1) صرّح أنَّه يؤخذ في الموضوع جزءاً وكلاً.
فتلخص: أنَّ لازم ما بيناه أن تكون أقسام القطع الموضوعي ثلاثة؛ لأنَّ القطع الطريقي منه، فتارةً يؤخذ تمام الموضوع، وأخرى جزء الموضوع. وأمّا القطع الصفتي فلا يكون إلَّا جزء الموضوع على ما بيناه؛ إذ لو فسّرنا القطع المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقيّة يؤخذ الإضافة المجازية إلى الخارج فيه، فيكون مساوقاً إلى وجود الخارج، ومعناه أنَّ القطع له مقطوع في الخارج، فيكون دائماً جزء الموضوع، مع أنَّه صرّح أنَّ القطع الطريقي تارةً يؤخذ تمام الموضوع وأخرى جزء الموضوع.
مضافاً إلى أنَّ المستفاد من الشيخ الأعظم ومتابعة صاحب الكفاية له في حاشيته، أنَّ الظاهر من الدليل الذي يأخذ فيه القطع في الموضوع أن يكون مأخوذاً فيه على نحو الكاشفيّة لا الصفتية، مع أنَّه بناءً على هذا التفسير يكون أخذه على وجه الكاشفيّة خلاف الظاهر يحتاج إلى قرينة زائدة، فإنَّ العرف لا يفهم أنَّ المأخوذ هو خصوص القطع المصيب بحيث يكون له مقطوع في الخارج، فإنَّ العرف عندما يصدق يأخذ القطع في الموضوع يتمسّك بإطلاق الدليل من هذه الناحية، من حيث كونه مصيباً أو مخطأ، وحينئذ يلزم من هذا التفسير أن يكون القطع الصفتي على ظاهر الدليل دون الطريقي، وذلك لما بيّناه من كون القطع المأخوذ على وجه الطريقيّة مساوقاً لأخذ المتعلّق، مع أنَّ العرف لا يفهم ذلك من الدليل.
ــــــــــ[211]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 265.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فهذا يكون إشكال عليهم لو أرادوا من القطع الطريقي هذا المعنى، وإنَّ القسمة صحيحة مع هذا التقسيم.
والتحقيق: الذي ينبغي أن يقال في المقام، أي: في مقام تصوير أخذ القطع في الموضوع على وجه الطريقيّة تارةً، وعلى وجه الصفتيّة أخرى، بأنَّ ذلك يمكن تصويره ببيانين: أحدهما عرفي والآخر دقّي.
أمّا البيان العرفي فهو أن يقال: إنَّ القطع وإن كان هو نفس الانكشاف، وأنَّ الانكشاف هو فصله المميِّز له عن غيره من موجودات عالم النفس، إلَّا أنَّ الانكشاف قد يُفرض أنَّ له ملازم لا ينفك عنه، سواء كان هذا الملازم وجودياً أو عدمياً، كما هو الحال في باب العلم، من حيث ملازمته الانكشاف العلمي للسكون والاستقرار، فإنَّها في مقابل الحركة والتذبذب بين النفي والإثبات. وهذا الاستقرار والسكون ليس هو عين الانكشاف، بل ملازم له وهو المسمّى ببرد اليقين. ولليقين ملزومات أخرى، وذكرنا الاستقرار على نحو المثال.
فبعد أن تصوّرنا أنَّ القطع يكون لخصوصيّة انكشافه، خصوصيّة وجوديّة أو عدميّة ملازمة لها، فتارةً يؤخذ القطع في موضوع الحكم الشرعي بما هو انكشاف بقطع النظر عن الملازمة، والملازمة وأن كانت ثابتة في الواقع إلَّا أنَّها لا دخل لها في الحكم الشرعي، وهنا القطع هو القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الكاشفية.
ــــــــــ[212]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهذا يتصوّر كونه تمام الموضوع تارةً وجزءه أخرى، فإنَّ ذات الانكشاف تارةً يكون هو تمام ما به الملاك، فهو تمام الموضوع، وأخرى يفرض أنَّه لا يتمّ الملاك إلَّا بحصول انكشاف ومنكشف، فهذا جزء الموضوع.
وأخرى يؤخذ القطع في الموضوع بلحاظ الصفة الملازمة مع الانكشاف، إمّا مع الانكشاف أو بدلاً عنه. أمَّا أخذها مع الانكشاف، فيقال: إنَّ المأخوذ هو العلم بما هو تسكين للنفس، فيكون كلا المتلازمين مأخوذ في موضوع الحكم الشرعي. وأمّا أخذ خصوصية السكون بدلاً عن الانكشاف، فالعلم في المقام يؤخذ في الموضوع لا بما هو فرد من الكاشف، بل بما هو مسكّن وفرد من المسكّن، بحيث لو فرض محالاً انفكاك المتلازمين، وأنَّ القطع مسكن لا كاشف، يحصل المطلوب.
فإذا أخذ بدلاً أو منظّماً كان هو أخذ القطع على وجه الصفتيّة، وعلى هذا التفسير يتمّ ما ذكروه من أنَّ ظاهر الدليل هو أخذ القطع على وجه الكاشفية، ويكون أخذه على وجه الصفتيّة يحتاج إلى مؤونة زائدة لإثباته؛ وذلك لأنَّ ملاحظة أمر آخر زائد على القطع منظّماً أو بدلاً، لا يدلّ عليه نفس كلمة القطع، فالعرف يفهم من أخذ القطع في الدليل هو أخذه بما هو قطع، لا مأخوذ مع ملازم منظّماً أو بدلاً.
وهذا هو المناسب مع عبارة الشيخ الأعظم حول القطع الصفتي، فيما إذا نذر الأب بأنَّه إذا قطع بحياة ابنه يتصدق، فإنَّه يقصد من القطع الاستقرار، فالمدار هو استقرار نفسه لا القطع في نفسه، وهذا مناسب جداً مع هذا التفسير،
ــــــــــ[213]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهذا التفسير مأخوذ منه. هذا هو التفسير العرفي، وهو الذي تحلّ عليه الأدلّة، كما لو فرض أنَّه في الفقه ورد دليل بأخذ القطع على وجه الصفتيّة، وإن كنا لا نعلم له مورداً.
وحاصله أن يقال: بعد بيان أنَّ العلم بما علم، أي: نفس حقّيقة العلم، لا تقتض كونه علماً للعلم، وكونه انكشافاً للعلم، فحقّيقة العلم هو الانكشاف، لكن ما هو المنكشف له؟ قد يكون المنكشف له هو نفس العلم، بحيث يكون العالم هو نفس وجود العلم، كما في الباري تعالى بناءً على ما يذهب إليه الشيعة من كون صفاته عين ذاته تعالى، خلافاً للأشاعرة والمعتزلة، وعليه فلا يكون علم الباري انكشافاً وعلماً لشخص آخر، بل نفس الذات المقدّسة هي الانكشاف، والمنكشف لديها، وبناءً عليه يكون المنكشف له هو نفس العلم لا أمر آخر انكشف له، وذكرنا علم الباري كمثال لذلك.
وقد يكون العلم انكشافاً لشخص آخر، كالعلم الذي هو عرض يحتاج في وجوده إلى موضوع، كعلم النفس الإنسانية، فإنَّ انكشافها لا لنفسها بل لغيرها، فهي تعلم بهذه الصور.
ومقصودنا من هذا البيان هو أنَّ العلم وإن كان هو الانكشاف، إلَّا أنَّ العلم بما هو علم لا يقتضي كونه انكشافاً للغير، وإنَّما يقتض كونه بذاته هو انكشاف، أمّا كونه انكشافاً للغير فليس من شؤون كاشفيّة العلم، بل من شؤون عرضيّة العلم، فإنَّ العلم إذا كان عرضياً، كما في علوم البشر، فيكون
ــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
المعلوم عرضياً قائماً في النفس، وهذا الربط المخصوص بينه وبين النفس يصح عنوان عروضه عليها، وكون النفس هي المنكشف له.
إذا اتّضح ذلك، وهو أنَّ العلم بما هو علم لا يقتضي أن يكون المنكشف له شخصاً آخر يقوم به العلم، بل هو من شؤون الربط المخصوص بين النفس البشريّة والعلم.
حينئذٍ نقول: إنَّ هذا الربط وإن كان بحسب الواقع واحداً، إلَّا أنَّه ينتزع منه بحسب المفاهيم والعناوين عنوانان: أحدهما، كون العلم عرضاً حالاً وقائماً في النفس كقيام سائر الأعراض بموضوعاتها.
وعنوان آخر هو كون هذا العلم علم للنفس، لا كونه موجوداً في النفس فقط، بل علم للنفس وذلك علم في النفس، فهذا الربط ينزع منه مفاد (لِـ) ومفاد (في)، فهو وإن كان واحداً إلَّا أنّه ينتزع منه عنوانان بحسب عالم المفاهيم كونه في النفس وكونه للنفس.
فإذا اتّضح هذا، ففي مقام جعل الأحكام تارةً يؤخذ العلم موضوعاً للحكم بما هو عرض قائم في النفس، بأن يؤخذ الانكشاف ويضاف إلى النفس، لكن لا يضاف إضافة العالميّة، بل إضافة العرض لموضوعه، وهذا ينطبق على تعبير الكفاية: “بما هو حالة مخصوصة في القاطع”(1)، فهذا هو القطع الموضوعي المأخوذ في الموضوع على نحو الصفتيّة.
وأخرى: يؤخذ بما هو علم للنفس وانكشاف وإرائة، فهذا حد العلم المأخوذ
ــــــــــ[215]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 263.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
في الموضوع على وجه الكاشفيّة والطريقيّة.
وهذا أمر معقول ثبوتاً وواضح، ويتصوّر على كلا التقديرين: أن يكون القطع جزء الموضوع تارةً، وتمام الموضوع أخرى، كما أنَّ المستظهر عرفاً منها هو القطع المأخوذ على وجه الكاشفيّة؛ لأنَّ المتبادر من إضافة القطع إلى القاطع، هو الوجود للنفس لا في النفس، إذا قطعت، أي: إذا وجد لك القطع لا فيك.
بقي التكلّم في كلمة وردت في الكفاية(1)، حيث ذكر أنَّ القطع المأخوذ على وجه الصفتيّة تارةً يؤخذ في الموضوع بما هو صفة للقطع وهو محلّ الكلام، وأخرى يؤخذ صفة للمقطوع به.
أمّا كونه صفة للقاطع فهو محلّ كلامنا، وله كانا هذين التقريبين السابقين.
وأمّا أخذه بما هو صفة للمقطوع به، فهو غير معقول، أي: لا يعقل جعله قسماً في قبال كونه صفة للقاطع.
وذلك لأنّا نتساءل عن المراد من كون القطع مأخوذاً بما هو صفة للمقطوع به، إن أريد به أخذه بما هو صفة للمعلوم بالذات، فهو لا معنى لأن يقال: إنَّ عندنا قسمين: تارة يؤخذ صفة للقاطع، وأخرى يؤخذ بما هو صفة للمقطوع به بالذات. فإنَّه في الفرض الأوّل، أي: إذا لوحظ بما هو صفة للقاطع، لا بُدَّ أن يلحظ بما هو صفة للمعلوم بالذات، وإلَّا لزم أن يكفي كلّ علم في ترتّب الحكم الشرعي، فلو فرضنا أنَّ القطع بالخمريّة مأخوذ في موضوع دليل الحرمة، نقول: لا يعقل أن يؤخذ القطع بما هو صفة للقاطع تارةً وللمقطوع به بالذات
ــــــــــ[216]ــــــــــ
(1) نفس المصدر السابق.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أخرى؛ لأنّه إذا أخذ بما هو صفة للقاطع لا بُدَّ أن يفرض كونه قطعاً بالخمريّة، وإلَّا للزم أن يكون المأخوذ طبيعي القطع، بمعنى أن يقول: إذا وجد عندك قطع يحرم عليك الخمر.
وفي الثاني -أي: إذا أخذ القطع الموضوعي بما هو صفة للمقطوع به بالذات- لا بُدَّ أن يلحظ القاطع، وإلَّا لزم ترتّب الحكم الشرعي عند وجود قطع واحد في الدنيا.
وإن أريد أخذه بما هو صفة للمقطوع به بالعرض، أي: الأمر الخارجي، فيرد عليه: أنَّه نفس القطع المأخوذ على وجه الكاشفيّة عنده؛ لأنَّه قال: بأنَّ القطع المأخوذ على وجه الكاشفيّة هو بملاحظة إضافته إلى الخارج، مضافاً إلى أنَّ هذا يوجب عدم تعقل كون القطع الموضوعي الصفتي تمام الموضوع، بل يكون دائماً جزء الموضوع، مع أنَّه صرّح أنَّه يجوز على الوجهين. وممّا ذكرناه ظهر أنَّ ما أفاده المحقّق الأصفهاني من عدم تعقّل القسمة، كان ناشئاً من عدم ملاحظة تمام خصوصيات الباب. هذا تمام الكلام في الجهة الأوّلى.
ــــــــــ[217]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الكلام في قيام الأمارات والأصول مقام القطع
ــــــــــ[219]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
حيث تبيّن ممّا سبق أنَّ القطع تارةً يكون طريقيّاً صرفاً، وأخرى يكون موضوعيّاً، أي: يؤخذ موضوعاً لحكم، وعلى الثاني تارةً يكون مأخوذاً في الموضوع على وجه الطريقيّة، وأخرى يكون مأخوذاً في الموضوع على وجه الصفتيّة، فهنا بحث قيام الأمارات والأصول مقام القطع يقع بلحاظ هذه الأقسام الثلاثة. فالبحث يقع في مقامات ثلاثة:
المقام الأوّل: في قيام الأمارات والأصول مقام القطع الطريقي الصرف.
المقام الثاني: في قيام الأمارات والأصول مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقيّة.
المقام الثالث: في قيامها مقام القطع المأخوذ على وجه الصفتيّة.
ــــــــــ[221]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بمعنى كونها منجّزة للواقع كالقطع الطريقي الصرف، فإنَّ القطع من شأنه تنجيز الأحكام الواقعيّة، وتتميم الحكم العقلي بوجوب اتباعها.
وحينئذٍ نبحث في قيام الأمارات والأصول من ناحية تنجيز الواقع، وبعد هذا البحث يظهر قيامها مقام القطع في التعذير عن الواقع، الذي هو الأثر الثاني للقطع.
والذي يظهر من الشيخ الأعظم(1) والمحقّقين الآخرين(2) أنَّه لم يستشكّل في قيام الأمارات والأصول مقام القطع الطريقي الصرف استشكّالاً واقعيّاً، وإن استشكّل في ذلك في الكفاية(3) استشكّالاً لفظيّاً، أي: لم يستشكّل في قيامها مقامه في المنجّزيّة حتّى ما كان من الأصول غير التنزيليّة فضلاً عن الأصول التنزيليّة، فحتّى أحط الأصول غير التنزيليّة كوجوب الاحتياط مثلاً، يقوم
ــــــــــ[222]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 22.
(2) انظر: نهاية الأفكار 3: 18.
(3) انظر: كفاية الأُصول: 266.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
مقام القطع الطريقي الصرف في تنجيز الواقع، ولم يظهر الإشكال فيه إلَّا ممّن سنشير إليه في غضون كلامنا.
وقيام الأمارات والأصول بأقسامها مقام القطع الطريقي، قد يستشكّل فيه، بعد البناء على جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان وقيامها كبروياً، من حيث إنَّ القطع هو حجّة بذاته ومنجّز للعقاب، وأنَّ عدم البيان بعد القطع يكون مقبّحاً للعقاب، ومن ثَمَّ كانت قاعدة قبح العقاب بلا بيان هي القاعدة المقابلة لحجّيّة القطع عندهم، فإحدى القاعدتين، هي حسن العقاب مع البيان ومرجعها إلى حجّيّة القطع، والثانية هي قبح العقاب بلا بيان ومرجعها إلى البراءة العقليّة.
ومع تسليم هاتين القاعدتين يُستشكّل حينئذٍ في قيام الأمارات فضلاً عن الأصول مقام القطع الطريقي الصرف في تنجيز الواقع، وذلك بدعوى أنَّ الأمارات والأصول لا تُخرج الواقع عن كونه مجهولاً وغير معلوم، فإنَّ الواقع بعد قيامها ليس معلوماً، بل هو مجهول في الواقع، يحتمل ثبوته ويحتمل عدم ثبوته. وحينئذٍ فمقتضى قانون قبح العقاب بلا بيان -أي: بلا علم ووصول- أنَّه يقبح العقاب على الواقع المجهول ما لم يخرج من موضوع القاعدة الثانية ويدخل في موضوع القاعدة الأوّلى، أي: يخرج من موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان ويدخل في قاعدة حسن العقاب مع البيان، وإلَّا فيكون العقاب عليه قبيحاً ولا يعقل تنجّز الواقع به.
ــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وأمّا الإنشاء المجعول ظاهراً على طبق الأمارة أو الأصل، نحو: “صدق العادل“، و”لا تنقض اليقين بالشكّ“(1)، و”أَخُوكَ دِينُكَ فَاحْتَطْ لِدِينِك“(2) فحيث لم يعلم وجود مبادئ الحكم فيها حقيقة؛ إذ من المحتمل أن تكون هذه الإنشاءات خاليةً من مبادئ الحكم ومناطاته من المحبوبيّة والمبغوضيّة، والمصلحة والمفسدة، كما هو الحال في خطأ الأصول وعدم مطابقتها للواقع.
وبناءً على ما هو الصحيح من أنَّ الأحكام الظاهريّة مجعولة على نحو الطريقيّة لا السببيّة والموضوعيّة، بحيث يتولد ملاك على طبق مؤداها، فحيث إنَّها محتملة المخالفة للواقع فيحتمل عُريّها عن تمام مبادئ الحكم ومناطاته، ومعه لا يكون مثل هذه الإنشاءات موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال؛ لأنَّ موضوع حكم العقل هذا ليس هو مجرّد الإنشاء واللفظ والتخيّل والتصوّر من قبل المولى، بل موضوع حكم العقل هو روح الحكم وحقّيقته، وروح الحكم وحقّيقيته إنَّما تقوم بمبادئ الحكم من المبغوضيّة والمحبوبيّة والمصلحة والمفسدة، وغيرها من المبادئ المولويّة، وعليه فما هو موضوع لحكم العقل بوجوب الامتثال لم يصل إلى المكلف، وما يعلم به المكلف -وهو اللفظ والتخيّل- ليس موضوعاً لوجوب الامتثال، فمقتضى ذلك تحكيم قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وعدم قيام الأمارات والأصول بناءً على الطريقيّة مقام القطع الطريقي الصرف.
ــــــــــ[224]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 1: 174، أبواب نواقض الوضوء، الحديث 1.
(2) أمالي المفيد: 283، المجلس الثالث والثلاثون، الحديث 9.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بل يكون هذا إشكالاً على أهل مبنى الطريقيّة، بدعوى أنَّه بناءً على هذا التقريب لا يتصوّر التنجيز في الأمارات والأصول؛ لأنَّ ما هو واصل للمكلف -وهو اللفظ والتخيّل- ليس موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال، وما هو الموضوع لحكم العقل لم يصل بالأمارة أو الأصل، بل يبقى تحت كبرى قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
نعم، بناءً على السببيّة والموضوعيّة، حينئذٍ تكون أدلّة الأصول والأمارات بنفسها أحكاماً واجدة لمبادئها وملاكاتها، فيكون التنجيز لها والعقاب عليها، وليس التنجيز للواقع الذي تؤدي إليه الأمارة أو الأصل، ولكن هذا لا يكون من باب قيام الأمارات والأصول مقام القطع؛ لأنَّ القطع ينجّز الواقع، ولكن الأمارات لا تنجّز الواقع، ولكنها تنجّز حكماً لها لواقع يحتوي بنفسه على ملاكات الحكم ومناطاته، ويستحقّ في عصيانه العقاب.
ومن هنا التزم بعض من ذهب إلى الطريقيّة، باستحقاق العقاب على مخالفة نفس الأحكام الظاهريّة، مع الاعتراف بعدم استحقاق العقاب على الأحكام الواقعيّة، بدعوى أنَّ ما هو الموضوع لحكم العقل بوجوب الامتثال هو الإنشاء الصادر عن المبادئ ولو احتمالاً، وهذا موجود في الأحكام الظاهريّة، إذ لو كانت الأمارة موافقة للواقع لكان (صدق العادل) إنشاءً وراء ملاك وروح.
وأمّا لو لم تكن الأمارة مصيبة فهو إنشاء بلا روح، فهذا الإنشاء احتمالاً صادر عن الإرادة بوجودها الاحتمالي، فيكون موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال.
وبتعبير آخر: أنَّ المولى إنَّما حكم بوجوب تصديق العادل في كلا من موارد
ــــــــــ[225]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الخطأ والإصابة، بقصد التحفظ على أغراضه في حال الإصابة، فإرادته لأحكامه الواقعيّة في حال الإصابة كانت محرّكة له في أمره بتصديق العادل دائماً، تحفظاً على إرادته الواقعيّة، فهو أنشأ نَشئاً بعنوان الاحتياط والتحفظ، فهو يكون موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال.
إلَّا أنَّ هذه الدعوى لو تمت، فيلزم أن يكون العقاب على نفس الحكم الظاهري، أي: نفس هذه الأحكام: (صدق العادل)، و(لا تنقض اليقين بالشكّ) الخ، بما أنَّها صدرت عن ارادة واقعيّة بعنوان الاحتياط والتحفظ، فتكون موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال.
وهذا أيضاً ليس معناه قيام الأمارات والأصول مقام القطع الطريقي الصرف؛ لأنَّ معناه أنَّ هذه الإنشاءات صادرة عن الإرادة الواقعيّة ولو بعنوان التحفظ والاحتياط، وحيث إنَّنا قطعنا بهذه الأحكام قطعاً طريقيّاً صرفاً فتكون منجّزة، وبالأخير لم تقم مقامه.
ومقصودنا من هذا توضيح نكتة: أنَّ المسالك التي يُقرَّب فيها استحقاق العقاب على نفس الأحكام الظاهريّة لا تصلح تصحيحاً على قيام الأمارات والأصول مقام القطع الطريقي الصرف في التنجيز، فإنَّ معنى قيامها مقام القطع أنَّه كما أنَّ القطع الطريقي الصرف منجّز للواقع فكذلك الأمارات والأصول، إلَّا أنَّه على كلّ من مسلك السببية ومسلك الاحتياط لا يتمّ ذلك، فإنَّ غاية ما تنتجه هو وجود الملاكات في نفس الأحكام الظاهريّة، لا قيامها مقام القطع في التنجيز للواقع.
ــــــــــ[227]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
إذن، فلا بُدَّ من الوقوف عند هذه الشبهة، وهذه المسالك لا تصحح قيامها قيام القطع، مضافاً إلى عدم صحتها في أنفسها، كما سيأتي في بحث الجمع بين الاحكام الظاهرية والواقعيّة(1)، وبحث اشتراط جريان الأصول بالفحص(2).
وكان حاصل الشبهة: أنَّ قيام الأمارة أو الأصول مقام القطع في تنجيز الواقع، لا يُخرج الواقع عن كونه حكماً مجهولاً وبلا بيان، فيكون داخلاً تحت قاعدة قبح العقاب، فيقبح العقاب عليه. ومجرّد العلم بالإنشاء الظاهري لا يكفي، فإنَّه بما هو لفظ واعتبار وتخيّل لا أثر له، وبما هو حكم ناشئ عن ملاك وإرادة حقيقيّة غير معلوم، فهو داخل أيضاً تحت قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
وهذه الشبهة شبهة عويصة وليست سهلة، كما سوف يظهر من سياق كلامنا. ولا فرق في ورودها بين أن نقول: إنَّ المجعول في باب الأمارات والأصول هو الحكم المماثل أو الطريقيّة أو المنجزيّة أو المعذريّة، فإنَّه لا يفرق بين هذه المباني التي قيلت في مقام تصوير جعل الحكم الظاهري، فإنَّه على أيّ حال، ليس المقدار المعلوم سوى الإنشاء والتخيّل، وأمّا كونه ناشئاً عن إرادة حقيقيّة وملاك فغير معلوم، فيدخل تحت كبرى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فكيف إذن يتنجّز الحكم الواقعي، سواء كان على طبق الأمارة أو على طبق الأصل؟
وإنّما اضطر القوم إلى هذه الشبهة، على مبانيهم في باب الإطاعة والعصيان، حيث إنَّهم بنوا على أنَّ التنجيز من شؤون القطع سمّوه بحجّيّة
ــــــــــ[227]ــــــــــ
(1) انظر: بحوث في علم الأصول 4: 194.
(2) انظر: بحوث في علم الأصول 8: 31.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
القطع، وجعلوا في مقابلها قاعدة قبح العقاب بلا بيان، حيث فرضوا أنَّ المنجّزيّة من شؤون القطع، فحيث لا قطع لا منجّزيّة، فيقبح العقاب، وحيث رأوا أنَّه في موارد الأصول والأمارات لم يتمّ البيان على شيء، إلَّا مجرّد اللفظ والتخيّل، فلا موضوع لحكم العقل، فموضوع القاعدة الثانية على حاله، وهو قبح العقاب بلا بيان.
وأمَّا على ما سلكناه من أنَّ منجّزيّة العقاب ليس من شؤون القطع بما هو قطع، بل هو من شؤون سلب حقّ المولويّة والخروج على الحصة الخاصّة من احترام المولى، فلا بُدَّ أن نرى معه سعة حقّ المولويّة وضيقه، لنرى أنَّه هل يستحقّ العقاب أو لا؟
فنقول: بأنَّ حقّ المولويّة، حتّى الآن كنا نبيّن أنه حقّ أن لا يرتكب العبد ما يعتقد أنَّه مخالفة للحكم الواقعي، أمّا في موارد الشكّ والاحتمال فهل هناك حقّ للمولى في أن لا يرتكب ما يحتمل كونه مخالفةً للمولى أو لا؟ هل هذا الحقّ واسع الدائرة بحيث يشمل المشكّوكات والمظنونات.
إذن، فلا أساس لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، ويكون التكليف الواقعي دائماً منجّز بمجرّد الاحتمال، وحينئذٍ نحتاج إلى السؤال: أنَّ الأمارات والأصول كيف تكون معذّرة؟ لا كيف تكون منجّزة، أي: الأمارات والأصول المخالفة للواقع كيف تكون معذّرة؟
وإذا فرض أنَّ حقّ المولويّة لا يشمل المشكّوكات والمظنونات، بل يختصّ بخصوص باب المقطوعات، وأنَّ حقّ المولويّة هو أن لا يأتي بما يعتقد كونه مخالفة،
ــــــــــ[228]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فيكون عبارة عن تمامّية قاعدة العقاب بلا بيان، فيكون للشبهة موضوع.
والصحيح: هو أنَّ حقّ المولويّة، هو بالشكّل الأوّل، هو أن لا يأتي بما يحتمل كونه مخالفة للمولى، فإنَّ مجرّد الاحتمال كافٍ في ثبوت حقّ للمولى على العبد؛ وذلك لأنَّ العبد حينما يحتمل التكليف المولوي ويشكّ في ثبوته وعدمه، فإنَّه تارةً يقطع بأنَّ المولى يرضى بتركه في حال الشكّ حتّى في صورة وجوده واقعاً، بناءً على ما سيأتي من التوفيق بين الأحكام الظاهرية والواقعيّة(1)، وأخرى لا يقطع بذلك، بحيث يحتمل ثبوت التكليف ويحتمل إهتمام المولى بالتكليف، بحيث لا يرضى بتركه حتّى في حال الشكّ.
فإن فرض الأوّل، هو أنَّه يحتمل التكليف، ويقطع أنَّه يرضى بتركه في حال الشكّ بنحو يقطع بهذا الرضا حتّى في صورة وجود التكليف الواقعي، حينئذٍ يكون التكليف الواقعي غير منجّز؛ لأنَّ المولى بنفسه رفع يده عن وجوب إطاعة تكليفه الواقعي في حال الشكّ ورضي بتركه.
وأمَّا إذا احتملنا تكليفاً من الأهميّة، بحيث لا يرضى المولى بتركه حتّى في حال الشكّ، فإنَّ مثل هذا الاحتمال منجّز في نظر العقل، ويكون من حقّ المولى على العبد الجري على طبقه، فلو فرض أنَّ العبد من دون رخصة المولى خالف هذا الاحتمال، وصادف مخالفة الواقع، وفات الغرض المهمّ للمولى، فلا إشكال إنَّ من حقّ المولى أن يحاسبه أو يعاقبه، كما لو رأى غريقاً واحتمل وجوب انقاذه باعتبار أنَّه أحد اقارب المولى، أي: احتمل أنَّ غرض المولى في الانقاذ بنحو أنَّه
ــــــــــ[229]ــــــــــ
(1) انظر: بحوث في علم الأصول 4: 194.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يريده ولو بجعل الاحتياط، كما لو كان ابنه، فهنا لو تركه يغرق تمسّكاً بقاعدة قبح العقاب بلا بيان لا يكون معذوراً عند العقلاء، ويكون هذا الاحتمال كافٍ في المحركيّة، ولو بدون تنجيز.
وحيث إنَّ أصل حقّ المولويّة لا دليل عليه إلَّا الوجدان، فلا بُدَّ أن نرجع في تعيين سعته وضيقه إلى الوجدان أيضاً، وحينئذٍ نقول: إنَّ حقّ المولويّة هو أن يؤتى بما يحتمل المخالفة، إلَّا أن يرخص المولى به، وعليه فيرتفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنَّه لا أساس لهذه القاعدة على ما سيأتي في بحثنا، وبعد احتمال التكليف الواقعي بدون مؤمّن منجّزاً، وتكون وظيفة الأصول إثبات الضدّ، أي: عدم المعذّريّة، وحينئذٍ ترتفع الشبهة ويكون تنجيز الأحكام الظاهريّة على القاعدة بلا حاجة إلى توجيه.
نعم، يبقى التساؤل عن وجه كون الأحكام الظاهريّة معذّرة، وقد انقدح وجهه ممّا سبق، فإنَّه إذا كان الاحتمال بوجه بحيث يرضى المولى بتركه ظاهراً، فليس من حقّه حينئذٍ أن يعاقبه عليه؛ لأنَّه إنَّما يجب الاحتياط إذا لم يرضى بتركه في حال الشكّ، أمّا لو رضي بتركه فلا يكون سالباً لحقّ المولى لو تركه. وأدلّة الأصول والأمارات تكون دليلاً على جواز الترك في حال الشكّ، ولا يبقى هناك دليل على الاحتياط؛ لأنَّ المولى رفع اليد عن طاعته عند الشكّ.
وبهذا يتمّ وجه قيام الأمارات والأصول مقام القطع الطريقي الصرف في كلّ من المعذّريّة والمنجّزيّة.
وهذا بناءً على أنَّ الاطاعة والعصيان من شؤون سلب حقّ المولى. نعم بناءً
ــــــــــ[230]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
على تتميم قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وفرض كونه تنجيز من شؤون القطع، وفرض قاعدة أخرى في مقابل قاعدة قبح العقاب بلا بيان، هي قاعدة حسن العقاب مع البيان، حينئذٍ يكون لهذه الشبهة مجال، وسيأتي الكلام فيها.
ومن هنا يظهر أنَّ من ذهب إلى أنَّ حجّيّة الأمارات على نحو السببية، فهو وإن كان يصح أن يلتزم بتنجّز الحكم الظاهري؛ لأنَّ معنى السببية أنَّ الأمارة تحدث حكماً حقّيقياً على طبقها، وهذا الحكم معلوم بملاكاته ومبادئه، إلَّا أنَّه ليس معناه قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف، فإنَّ معناه ليس إلَّا تنجّز الحكم الظاهري.
وكذلك إذا أخذنا بالطريقيّة، ووسعنا حكم العقل بوجوب الامتثال ، وقلنا: إنَّ موضوعه هو طبيعي الحكم الصادر عن الإرادة المولويّة سواء كان بلا توسط شيء أو كان بتوسط الاحتمال، بأن يقال: إنَّ المولى يريد أشياء معينة، فإن كانت متميزة لدى المكلف فيثبت له وجوباها نصّاً ويكون الحكم صادراً عن الإرادة مباشرةً وهو الحكم الواقعي، وأخرى نفرض أنَّ الأشياء التي يريدها من المكلف مشتبهة على المكلف ولا يمكن للمولى أن يميّزها له، كما لو كان الحكم أو الأحكام مشتبهة في تمام أخبار كتاب الوسائل، فهنا المولى يحكم بوجوب العمل بتمام أخبار الوسائل تحفظاً على الأحكام الواقعيّة، فهذا الإنشاء صادر عن الإرادة الحقيقية لتلك الأمور المعينة الواقعية لكن صدوره عن تلك الإرادة ليس مباشرةً، بل بتوسط الشكّ، إذ لولا أنَّ المكلف شاكّ بها لعينها له.
ففي المقام يقال: إنَّ الإنشاء على نحوين: إنشاء يصدر عن الإرادة بلا
ــــــــــ[231]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
توسط الشكّ، وهو الإنشاء الواقعي، وإنشاء يصدر بتوسط الشكّ، وهو الإنشاء الظاهري، ويدّعى أنَّ موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال هو طبيعي الحكم المولوي سواء كان صادراً عن الإرادة مباشرةً أو بتوسط الشكّ.
ومعناه، لو تمت هذه الدعوى، استحقاق العقاب على الحكم الظاهري وتنجزه، سواء وافق الواقع أو لا، دون تنجز الواقع واستحقاق العقاب عليه. وهذا لا يصحح قيام الأمارة والأصل مقام القطع، فإنَّه إنَّما يصحح استحقاق العقاب على الحكم الظاهري وتنجّزه، سواء وافق الواقع أو لا، مع أنَّ الشبهة هنا هو أنَّه كيف يتنجز نفس الواقع بالأمارة أو الأصل مع كونه مجهولاً وغير معلوم للمكلف؟
قد يجاب عن هذه الشبهة بما يستفاد من كلمات المحقّق النائيني(1): من أنَّ المجعول في باب الأمارات هو الطريقيّة، وهو عبارة عن العلم التعبدي الشرعي، وحينئذٍ يقال: بأنَّ موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو عدم البيان شرعاً أو حقّيقة، أي: عدم البيان بالمعنى الأعمّ من البيان الوجداني أو التعبدي الذي هو الأمارة، حيث إنَّها بجعل الشارع تكون بياناً وعلماً وأصولاً، وحينئذٍ يرتفع موضوع قبح العقاب بلا بيان بعد قيام الأمارة على الحكم، حيث إنَّ العقاب هنا مع البيان، إلَّا أنَّه بيان تعبدي لا وجداني.
مثل هذا الجواب من الميرزا لا نتكلّم فيه هنا من حيث أدلّته نفياً
ــــــــــ[232]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 3: 17.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وإثباتاً، بل في بحث جعل الطريقية في باب الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة، إلَّا أنَّ المقصود أنَّ مثل هذا الجواب من الميرزا لو تمّ جواباً فهو لا يتمّ في جميع الأمارات والأصول، بل في خصوص ما كان شأنه جعل الطريقيّة والكشف، وأمّا بقية انحاء الأصول، كالأصول غير التنزيليّة، كالاحتياط مثلاً، لا معنى لأن يقال بجعل الطريقيّة فيه، مع أنَّه يقوم مقام القطع، كما تقوم الأمارة.
إذن، لا بُدَّ من التفتيش عن نكتة لقيام الأمارات والأصول مقام القطع، وأن الواقع كيف يتنجّز بهذه الانشاءات جميعاً، ولعله بعد وجدانها نجد أنَّها مشتركة في تمام الانشاءات، ويكون جعل الطريقيّة أمراً زائداً غير دخيل في النكتة. إذن، فلا بُدَّ من التكلّم في الجواب عن الشبهة بالنسبة إلى مختلف الانشاءات، بعد الفراغ عن أنَّها جميعاً تقوم مقام القطع.
والمحقّق العراقي(1) ذكر في المقام نكتتين مشتركتين، توجيهاً لقيام الأمارة والأصول بتمام مراتبها مقام القطع الطريقي الصرف.
في مقام دفع الشبهة، هو أنَّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وإن كانت تامّةً، بمعنى: أنَّ التكليف الذي لم يقم عليه البيان يكون العقاب عليه قبيحاً، لكن أيّ
ــــــــــ[233]ــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأصول2: 18.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
تكليف؟ هل كلّ تكليفٍ إذا لم يقم عليه البيان يكون العقاب عليه قبيحاً، أو بعض التكاليف دون بعض؟
الحقّ هو التفصيل: بأن يقال: إنَّ التكاليف المشكّوكة المحتملة، تارةً يقطع بأنَّها على فرض وجودها بمرتبة من الأهميّة عند المولى بحيث لا يرضى بفواتها حتّى من الشاكّ، ومثاله بحسب الخارج إذا وجدنا شخصاً معرّضاً للموت وشكّكنا أنّه نفس المولى أو شخصاً آخر لا علاقة له بالمولى، فهذا التكليف مشكّوك، فإنَّه على فرض كونه المولى يجب إنقاذه، وأمّا إذا لم تكن له علاقة بالمولى فلا يجب انقاذه -على الفرض- فالوجوب مشكّوك، ولكنّه على فرض ثبوته، فهو في مرتبة عالية من الأهميّة، بحيث لا يرضى المولى من تضييع هذا الغرض حتّى من الشاك فضلاً عن العالم؛ لأنَّ تضييعه تضييع لحياته نفسه ، مثل هذا التكليف المشكّوك لا تجري فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأنَّ هذا التكليف يكون منجّزاً بنفسه، ويكون خارجاً عن موضوع القاعدة.
ومن هذا القبيل ما قالوه من احتمال التكليف بالنظر في المعجزة، فإنَّ هذا التكليف مشكّوك؛ لأنَّ النظر في معجزة المدّعي الصادق واجبة دون المدّعي الكاذب، والتكليف إنّما يثبت بعد ثبوت النبوة في الواقع، فالوجوب مشكّوك إلَّا أنَّه منجّز؛ إذ على فرض أن يكون المدّعي صادقاً فوجوب النظر يكون بدرجة من الأهميّة بحيث لا يرضى المولى بتفويته حتّى من الشاكّ.
فحاصل هذا الكلام: هو التفصيل في قاعدة قبح العقاب بين تكليف مشكّوك يقطع وجداناً بأنَّه لو كان موجوداً فهو في غاية الأهميّة بحيث لا يرضى
ــــــــــ[234]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الشارع بتفويته حتّى من الشاكّ، وبين تكليف مشكّوك الوجود ومشكّوك الأهميّة، فإذا فرضنا أنّه كان على الوجه الأوّل، أي: مشكّوك الوجود إلَّا أنَّه لو وجد لكان مقطوع الأهميّة، فلا يدخل تحت القاعدة، ويكون مجرّد الاحتمال منجّزاً له، وأمّا إذا كان التكليف مشكّوك الوجود والأهميّة فإنّه يدخل تحت القاعدة.
فإذا اتّضح ذلك، يُقال: إنَّ وظيفة هذه الإنشاءات الظاهريّة، هو جعل الحجّيّة للأمارة أو الأصول التنزيليّة كالاستصحاب، أو غير التنزيليّة كالاحتياط والاشتغال، ووظيفتها هو الكشف عن اهتمام المولى بالوجوب الواقعي بحيث لو كان موجوداً واقعاً لكان اهتمامه به بدرجة لا يرضى بتفويته من الشاكّ، فهي تكشف عن هذه الدرجة من الاهتمام؛ إذ لولا هذه الدرجة من الاهتمام لما تصدّى المولى لحفظ مراداته الواقعيّة، بهذه الإنشاءات الظاهريّة، فهي إذن في المرتبة العاليّة من الأهميّة، فيكون احتماله منجّزاً، ويدخل تحت قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، لا قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ويكون حاله على وجوب النظر في المعجزة، لا احتمال حرمة شرب التتن.
هذا البيان بلا تتميم غير معقول؛ وذلك لأنَّ حاصله: هو أنَّ منجّزيّة الخطابات الظاهريّة للأحكام الواقعيّة فرع كاشفيّة الخطابات الظاهريّة عن الرغبة العاليّة لدى المولى، بحيث لا يرضى بتفويت غرضه حتّى من الشاكّ. إذن، منجّزيّة هذه الخطابات الظاهريّة معلولة لكاشفيتها عن تلك المرتبة من الاهتمام والتحفظ، وكاشفيتها عن تلك المرتبة من الاهتمام فرع منجزيتها؛ إذ لو
ــــــــــ[235]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فرض أنَّ هذه الأحكام لم تكن منجّزةً، فأيّ وجه لكاشفيتها عن كون الأحكام الواقعيّة في مرتبة عالية من الاهتمام؟ فكاشفيتها عن الأهميّة فرع كون الخطابات الظاهريّة منجّزة للواقع، وإلَّا لم تكن حافظة لها، فهذا بحسب الحقّيقة دور؛ لأنَّ كشف الخطابات الظاهريّة عن أحكام المولى في طول منجزيتها لها، فلا بُدَّ من التفتيش عن وجه للمنجزية غير كاشفيتها عن الاهتمام، وإلَّا لدار.
نعم، لو أُدعي أنّها كاشفة عن اهتمام المولى، لا إنّاً -كشف المعلول عن علته- بل من باب الدلالة العرفيّة والفهم العرفي، بمعنى: أنَّ الجملة الانشائيّة، نحو: (صدق العادل) لها ظهور عرفي من كون المولى يهتم اهتماماً شديداً بالأحكام الواقعيّة ولا يرضى بتفويتها حتّى من الشكّ، فكاشفيتها تكون بالظهور العرفي لا بالبرهان الإنّي حتّى يلزم الدور.
بتقريب: أنَّ منجّزيتها فرع كاشفيتها عن الاهتمام، وكاشفيتها فرع أن تكون حافظةً للأحكام الواقعيّة؛ لأجل أن تكون كاشفة عنها، وكونها كاشفة عنها فرع منجّزيتها، فيلزم الدور.
وأمّا لو فرض أنَّ كاشفيتها فرع ظهورها عرفاً من ذلك، بأن يكون مدلول الجملة الإنشائيّة هو وجود الإرادة على طبق الحكم في متعلّقه، فكأنّ الجملة الإنشائية: “صدق العادل” تكون بحسب الفهم العرفي جمله خبريّة، أي: إنّي أهتم بالأحكام الواقعيّة بحيث لا أرضى بتفويتها، فإذا فرض أنّه كان بهذا النحو فلا بأس بهذا التقريب، ويكون حال الجملة الإنشائيّة حال الجملة الخبريّة.
ــــــــــ[236]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وبعبارة أخرى: أنَّ هذه الإنشاءات الظاهريّة إنَّما تكون منجّزة للأحكام الواقعيّة باعتبار كشفها عن الدرجة العاليّة من الاهتمام في نظر المولى، ولكن كشفها عن ذلك ليس علّيّاً إنّياً، وإنَّما هو كشف عرفي خطابي، بمعنى: أنَّ هذه الإنشاءات صدرت من المولى بدّاعي شدة اهتمامه بأحكامه الواقعيّة، فإنَّ إبراز اهتمام المولى الاعلائي بها، قد يكون بالجملة الخبريّة، بأن يقول: أنا مهتم بأحكامي الواقعيّة، ولا أرضى بفواتها حتّى من الشاكّ، وقد يكون إبراز اهتمام المولى بالجملة الانشائيّة، نحو: “صدق العادل” و”أخوك دينك فأحتط لدينك” فإنَّ هذا قابل في الفهم العرفي لأن يكون حكايةً عن شدة اهتمام المولى بأحكامه الواقعيّة؛ لأنَّها صدرت بهذا الداعي، كما أنَّ الخطابات الواقعيّة صدرت بداعي إبراز ارادته الواقعيّة، بحيث يكون شدة الاهتمام مدلولاً تصديقياً خطابياً لنفس الإنشاءآت الظاهريّة، كما كانت نفس الإرادة الواقعيّة مدلولاً تصديقياً خطابياً للخطابات الواقعيّة.
وهذا أمر معقول وصحيح بحسب الخارج، فيكون “صدق العادل“، و”أخوك دينك“: في قوة الجملة الخبريّة، في قوة قوله: إنّي اهتم بالأحكام الواقعيّة بدرجة أعلائيّة.
وعليه: يكون الملاك في تنجيز الخطابات الظاهريّة للمرادات الواقعيّة، وتنجيز العقاب عليها، الذي هو معنى قيامها مقام القطع الطريقي الصرف، يكون الملاك هو كونها مسوقة لبيان وإبراز شدة اهتمام المولى، ودالّة عليه دلالة خطابيّة تصديقيّة، وكون الحكم الواقعي المشكّوك على فرض وجوده معلوم
ــــــــــ[237]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الأهميّة، وتخرج الأحكام الواقعيّة بذلك عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان، كما أفاد المحقّق العراقي في المقدّمة.
وبهذا يظهر أنَّ المناط كلّ المناط في تنجيز الواقع بالإنشاءآت الظاهريّة هو كون الإنشاءآت الظاهرية إبراز ودليل عرفاً على شدة اهتمام المولى بالأحكام الواقعيّة، من دون أن يكون لمدلول الإنشاء دخلاً أصلاً في المطلب، فإنَّه سواء كان لسانه لسان جعل الحكم، أو المنجزيّة، أو الطريقيّة، أو غيرها من التعبيرات التي تناسب هذا المقصود، فإنَّ الملاك في تنجيز الواقع بالخطابات الظاهريّة هو كونه دالاًّ بالدلالة التصديقيّة عن شدة اهتمام المولى بالأحكام الواقعيّة، من دون أن يكون للسان الإنشاء دخل أصلاً في ذلك.
وبهذا ظهر أنَّ ما أفاده المحقّق النائيني ممّا أشرنا إليه، من أنَّ المجعول في باب الأمارات هو الطريقيّة، وقد أجاب به عن هذه الشبهة فقال: إنَّ موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو عدم البيان، والشارع يجعل الأمارة بياناً وطريقاً إلى الواقع، فتخرج الأحكام الواقعيّة عن موضوع القاعدة، وسوف نذكر هذا البيان في بحث الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة. ومقصودنا هنا بيان أنَّ هذا لا يكون جواباً عن حاق الشبهة وجوهرها، فإنَّ كون لسان الإنشاء هو لسان جعل الطريقيّة، لا دخل له في الجواب عن حاق الشبهة.
لأنَّ هذا الإنشاء الذي يكون لجعل الطريقيّة، إمّا أن يكون مبرزاً عرفاً لشدة اهتمام المولى بالأحكام الواقعيّة، أو غير مبرز. فإن كان مبرزاً لذلك،
ــــــــــ[238]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فالملاك هو المبرزيّة سواء المنجزيّة أو الطريقيّة أو الحكم الظاهري، وإن لم يكن مبرزاً للأهميّة، فمثل هذا الجعل لا يكون منجّزاً للواقع بالوجدان، فإنَّ مجرّد أن يفترض المولى أنَّ خبر الثقة علم لا يخرج الحكم الواقعي عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان(1)، فإنَّ هذا -أي: خروج الحكم الواقعي عن القاعدة بمجرّد افتراض المولى بأنَّ خبر الثقة علم- خلاف الوجدان بحسب الخارج، ما لم يكشف عن شدة اهتمامه بالأحكام الواقعيّة، فالمناط في خروجها عن موضوع القاعدة هو الكاشفيّة بالدلالة التصديقيّة الخطابيّة، سواء كان لسانه لسان جعل الطريقيّة، أو لسان جعل الحكم.
الذي أفاده المحقّق العراقي: وتوضيحه يحتاج إلى بيان مقدّمتين:
المقدّمة الأوّلى: هي أنَّ كلّ معلولٍ إذا كان له مقتضي ومانع، فإنّما ينتسب عدمه إلى وجود المانع، حيث يتمّ المقتضي، وأمّا إذا لم يتمّ المقتضى فإنَّ عدمه حينئذٍ يكون مستنداً إلى عدم المقتضى لا إلى وجود المانع، مثلاً :أنَّ احتراق الورقة مقتضيه هو وجود النار، ومانعه هو الرطوبة؛ فلكي نستطيع أن نقول: إنَّ الورقة لم تحترق؛ لأنّها رطبة، يجب أن تكون النار موجودةً وأن تكون الورقة ملاقية لها، حينئذٍ نقول: إنَّ الورقة لم تحترق لوجود المانع وهو الرطوبة، أمّا إذا لم
ــــــــــ[239]ــــــــــ
() فإنَّه إذا أعطى شخص للمولى ديناراً على شرط أن يجعل خبر الثقة علماً، وجعله كذلك لأجل الدينار، فإنَّ جعله هذا لا يكون مُخرجاً للأحكام الواقعيّة عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
توجد النار أصلاً فلا معنى للقول: بأنَّها لم تحترق لأجل الرطوبة، بل إنَّها لم تحترق لعدم المقتضى وهو النار.
ونذكر هذه المقدّمة لمجرّد الاطلاع عليها، وإلَّا فإنَّ بحثها إثباتاً ونفياً في بحث الضدّ.
المقدّمة الثانية: أنَّ استحقاق العقاب على مخالفة الواقع، له مقتضي ومانع، فمقتضيه هو وجود التكليف الواقعي؛ إذ لولاه لا يتنجّز العقاب على الواقع، إلَّا على نحو التجرّي وهو أمر آخر، ومانعه هو عدم البيان، فإنَّ الواقع إذا لم يكن مبيناً، فإنَّ العقاب يقبح بمقتضى القاعدة.
فلكي يستند عدم استحقاق العقاب إلى وجود المانع، أي: إلى عدم البيان، إنّما هو إذا كان المقتضى -وهو الواقع- موجوداً، كما أنَّ عدم الاحتراق إنَّما يستند إلى الرطوبة مع وجود النار.
ويستنتج المحقّق العراقي من هاتين المقدّمتين شيء، وهو أنَّ البراءة العقليّة -أي: قاعدة قبح العقاب بلا بيان- إنَّما هو على تقدير وجود الواقع لا عند عدمه؛ إذ حال عدم وجود الواقع يستند عدم العقاب إلى عدم وجود مقتضيه لا إلى وجود المانع، فمرجع البراءة العقليّة هو عدم البيان مع وجود الواقع، وهذه النتيجة هي نكتة الجواب الثاني للمحقّق العراقي.
فإنّه يقول حينئذٍ: الأمارة أخبرت عن وجوب الجمعة، فهنا الوجوب على فرض وجودها في الواقع، فهو مبيّن؛ لأنَّ الخطاب الظاهري وهو خطاب (صدق العادل) مبرز للإرادة الواقعيّة على حد إبراز الخطابات الواقعيّة للإرادة
ــــــــــ[240]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الواقعيّة. وإنَّما الذي ينقص الخطاب الظاهري عن البيانيّة هو أنَّ بيانيّة هذا البيان فرع أن يكون هناك مبيّن في الواقع، هو الإرادة الواقعيّة، فبيانيته فرع وجودها؛ لأنَّ البيان بلا مبيّن غير معقول، فإذا لم تكن الإرادة الواقعيّة موجودة فلا بيان، وإن كان الحكم الظاهري مصيباً وكانت الإرادة الواقعيّة موجودة فهذا الخطاب الظاهري لا قصور فيه أصلاً؛ لأنَّه بيان وعلى طبقه مبيّن.
فالإرادة الواقعيّة -على تقدير وجودها لكان- البيان عليها تامّاً، فيرتفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأنَّ موضوعها هو عدم البيان مع وجود الواقع، وعلى تقدير وجود الواقع فبيانيّة الحكم الظاهري تامّة. إذن، لا قصور في بيانيته إلَّا احتمال عدم وجود المبيّن، ومع وجوده يكون بيانه تامّاً. إذن، فقد ثبت البيان على تقدير وجود الواقع، هذا غاية ما يمكن أن يُقرّب به مقصود المحقّق العراقي الذي هو من دقائقه.
إلَّا أنَّ هذا المقصود لا يرجع إلى محصّل: وذلك:
أمّا أولاً: لو سلّمنا أنَّ موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، هو عدم البيان على تقدير وجود الواقع، إلَّا أنّه ما معنى عدم البيان هذا؟ تارةً يُقصد منه عدم البيان من ناحيّة المولى، وأخرى عدم العلم والانكشاف للمكلف، فإنّنا تارةً نفرض أنَّ المولى لم يخبر عن هذا التكليف أصلاً، وأخرى أنَّه أخبر عنه، إلَّا أنَّه لم يحصل العلم للمكلف به، فأيّ منها هو الموضوع لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
فإذا أُريد من عدم البيان، العدم المستند إلى المولى، فما أفاده تامّ، فإنَّ البيان
ــــــــــ[241]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
من قبل المولى تامّ، فإنَّ المولى لا يقدر على أكثر من هذا بعد معرفة أنَّه لا يستطيع أن يطرق أبواب الناس ويخبرهم بأحكامه، وإنَّما يقول لهم: (صدقوا العادل) فتمام ما بيد المولى من البيان قد حصل، وبهذا يخرج المورد عن القاعدة، إلَّا أنَّ هذا ليس مراده جزماً، وإلَّا لزم عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان في الشبهات الموضوعيّة؛ لأنَّ البيان في الشبهات الموضوعيّة تامّ من قبل المولى، فإنَّه قد أخبر بأنَّ الخمر حرام، وإنَّما الشكّ بأن هذا خمر أو لا، فالذي لم يتمّ هو علم المكلف لا بيان المولى، مع أنَّ المحقّق العراقي، وغيره من المحقّقين يقولون بجريان القاعدة حتّى في الشبهات الموضوعيّة، فيكون هذا دليلاً على أن مقصوده هو أنَّ موضوع القاعدة هو عدم علم المكلف، وهو ثابت حتّى مع فرض مطابقة الأمارة للواقع، فإنَّه لا يعلم بالفعل بالحكم، بل هو شاكّ في وجوب صلاة الجمعة عليه واقعاً، فيكون داخلاً في موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
وأمّا ثانياً: فإنَّ ما ذكره في المقدّمة الأوّلى من أنَّ الأثر لا يستند إلى عدم المانع إلَّا بعد وجود المقتضى، لو فرضنا أنَّه صحيح، كما أنَّ ما ذكره في المقدّمة الثانية من أنَّ استحقاق العقاب مقتضيه هو وجود الواقع، وعدم المانع هو البيان، لو فرضنا أنَّه صحيح أيضاً، ولكن يرد عليه: أنَّه لا برهان على كون موضوع البراءة العقليّة، هو عدم وجود البيان على تقدير وجود الواقع، فلو سلّم مثلاً أنَّ الـ(لا بيان) على تقدير وجود الواقع غير ثابت، وبقطع النظر عن إشكالنا الأوّل، فلا نسلّم أنَّ هذا لا يكفي في رفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأنَّ رفع موضوعها بذلك فرع إثبات أنَّ موضوعها هو الـ(لا بيان) على تقدير وجود
ــــــــــ[242]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الواقع، لا الـ(لا بيان) على جميع التقادير، مع أنَّهلم يثبت ذلك.
فما ذكره في برهانه: من أنَّ كلّ أثر إنَّما يستند عدمه إلى وجود المانع من حال تأثير المقتضي، هذا وإن كان صحيحاً، إلَّا أنَّ ما استنتجه منه غير تامّ، فقد استنتج من ذلك أنَّ العقاب حيث إنَّ مقتضيه هو التكليف الواقعي ومانعه هو عدم البيان، فإنّما يستند عدم العقاب إلى عدم البيان في حال وجود التكليف الواقعي، فلا بُدَّ أن يكون عدم البيان على تقدير وجود الواقع موضوعاً لعدم العقاب، فإذا انتفى عدم البيان على هذا التقدير انتفى عدم العقاب.
فيرد عليه: أنَّ غاية ما يستخلص من كون عدم العقاب مانعاً ووجود الواقع مقتضياً، هو أنَّ استناد عدم العقاب إلى عدم البيان فرع تمامّية المقتضى وهو الواقع، بمعنى: أنَّ مانعيّة عدم البيان مشروطة بتماميّة المقتضى، لا أنَّ ذات المانع -أي: موضوع المانعيّة الذي هو موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان- هو عدم البيان على تقدير وجود المقتضى.
مثلاً في باب الاحتراق والرطوبة، يكون استناد عدم الاحتراق إلى الرطوبة، أي: مانعيّة الرطوبة عن الاحتراق فرع وجود النار، لا أنَّ ذات المانع هو الرطوبة على تقدير وجود النار.
وهكذا يتّضح: أنَّ غاية ما يستنتج من كلامه هو توقّف مانعيّة عدم البيان عن العقاب على وجود التكليف الواقعي، لا كون المانع على هذا التقدير هو عدم البيان على هذا التقدير.
فتلخص: أنَّ مانعيّة عدم البيان، وإن كانت مختصّة بهذا التقدير-تقدير
ــــــــــ[243]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وجود الوقع- ولكن ما هو المانع على هذا التقدير، هو عدم البيان بقولٍ مطلقٍ، وهو ثابت، لا عدم البيان على تقدير، وهو غير ثابت، وهذا ما لا يقوم به تقريب المحقّق العراقي.
وحاصل هذا التقريب: أنَّ نتيجة المقدّمتين هو أنَّ استناد عدم العقاب إلى عدم البيان، فرع وجود الواقع، لا أنَّ عدم البيان هو عدم البيان على تقدير الواقع حتّى يستنتج ما أراده المحقّق العراقي.
وبهذا ظهر أنَّ الجواب الثاني لهلا يتمّ، بخلاف الجواب الأوّل فإنّه يتمّ مع التقريب الذي ذكرناه.
ويكون مرجع التقريب إلى أنَّ الإنشاءات على قسمين: القسم الأوّل الإنشاءات الواقعيّة التي نسمّيها بالأحكام الواقعيّة، والتي لم يؤخذ في موضوعها الشكّ، والقسم الثاني: هو الإنشاءات الظاهريّة التي أخذ في موضوعها الشكّ، كمفاد أدلّة الحجّيّة في باب الأمارات والأصول.
هذه الانشاءات بكلا قسميها هي جملة انشائيّة لها مدلول تصوّري محفوظ في تمام هذه المواد، إلَّا أنَّ الكلام في مدلولها التصديقي العرفي، ففي القسم الأوّل -وهو الانشاءات الواقعيّة- مدلولها التصديقي العرفي هو ثبوت الإرادة المولويّة في متعلّق هذه الإنشاءات ومصبها، وبهذا الاعتبار يكون الحكم الواقعي منجّزاً؛ لأنَّه كاشف عن الإرادة المولويّة في المتعلّق، كما أنَّ الأحكام الظاهريّة لم تكشف عن الإرادة المولويّة في متعلّقها، وبهذا تختلف عن الأحكام الواقعيّة، ضرورة أنَّ (صدق العادل) أو (لا تنقض اليقين بالشكّ) لا يدلّ على
ــــــــــ[244]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أنَّه متى تعلّق استصحاب أو خبر عادل بشيء فهناك إرادة مولويّة على طبقها؛ إذ من الواضح أنَّه قد يخطئ الواقع، فالإنشاء الظاهري ليس مدلوله التصديقي على حد الإنشاء الواقعي، أي: لا يدلّ على الإرادة الواقعيّة في متعلّقه، بل يدلّ دلالة تصديقية على أنَّ الإرادة المولويّة المشكّوكة الثبوت في متعلّقه هي بدرجة من الأهميّة بحيث لا يرضى بتفويتها حتّى من الشاكّ، فمدلول الخطابات الواقعيّة هو نفس الإرادة المولويّة في متعلّقه، ومدلول الخطاب الظاهري هو أنَّ الإرادة لو كانت موجودة فهي في مرتبة عالية من الأهميّة، وكما أنَّ الخطابات الواقعيّة تكون منجّزة بلحاظ كشفها عن أصل الإرادة المولويّة، كذلك الخطابات الظاهريّة تكون منجّزة، لكن لا بلحاظ دلالتها على أصل الإرادة المولويّة، فإنَّ هذه الإرادة مشكّوكة، بل بلحاظ كشفها عن أنَّ الإرادة سنخ إرادة لو كانت موجودة لكانت بدرجة عالية من الأهميّة، وقد عرفنا أنَّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا تجرّي في أمثال هذه الإرادة التي تكون على فرض وجودها بالغة الأهميّة.
هذا هو الوجه الصحيح في مقام تصوير تنجّز الواقع في الأمارات والأصول التنزيليّة وغير التنزيليّة.
وبهذا ظهر أنَّ ما أتعب به الأصوليون أنفسهم، من تحقيق مقام الثبوت، وأنَّ لسان الخطاب الظاهري منه هو بلحاظ جعل الحكم؟ أو بلحاظ المنجزيّة؟ أو بلحاظ الطريقيّة؟ فإنَّه لا فرق من حيث مقام الثبوت بين هذه الألسنة كلّها، فإنَّ الملاك في المنجّزيّة وفي وضع التكليف الواقعي على عهدة الشاكّ، ليس هو
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
اللفظ والاعتبار، وإنّما هو ابرازه لشدة اهتمام المولى بالواقع المشكّوك بجملة مناسبة لهذا الابراز، فإنَّ هذا الابراز قد يكون بالجملة الخبريّة، نحو: إنّي اهتم بالواقع اهتماماً شديداً بحيث لا أرضى بتفويته حتّى من الشاكّ، وقد يكون بجملة انشائيّة مناسبة؛ ليخبر بها عن شدة الاهتمام، وجميع هذه الألسنة مناسبة لذلك، بلا فرق في ذلك بين جعل المنجّزيّة والطريقيّة والحكم المماثل، وأمّا الملاك، فإنَّ تمام الملاك في منجّزية الأحكام الواقعيّة هو هذه النكتة -أي: كاشفيّة الأحكام الظاهريّة عن شدة الاهتمام- لا كون المجعول هو المنجزيّة أو الطريقيّة أو الحكم الظاهري.
وأمّا لو لم تكن هذه النكتة موجودة، بأن لم يكن الحكم الظاهري كاشف عن شدة اهتمام المولى بأحكامه الوقعيّة، كما مثّلنا وقلنا: بأنَّ شخصاً أعطى المولى ديناراً على جعل الأحكام الظاهريّة، فجعل حجّيتها بداعي الحصول على هذا الدينار لا بدَّاعي اهتمامه بالواقع، حينئذٍ على هذا لا يترتّب على الأحكام الظاهريّة تنجيز الواقع؛ لأنّه مجرّد لفظ واعتبار، سواء في ذلك أن يكون بنحو المنجّزيّة أو الطريقيّة أو الحكم الظاهري.
نعم، هذه الألسنة تختلف وتظهر لها ثمرات لا بحسب تنجّز الواقع، بل بحسب تقدّيمه بعضها على بعض في الحكومة، أو الورود، أو التخصيص، أو التخصّص، فليس مقصودنا هو إنكار ثمرتها في البحث الإثباتي، بل إنكار ثمرتها في البحث الثبوتي في قيام الأحكام الظاهريّة مقام القطع الطريقي الصرف.
ــــــــــ[246]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ولو أبى شخص وقال: إنَّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا نفصّل فيها بهذا التفصيل بين التكليف -على فرض وجوده يكون معلوم الأهميّة- وبين الوجود والمشكّوك الأهميّة على تقدير وجوده، فالأوّل لا يدخل في القاعدة، ويكون مجرّد احتماله منجّزاً، وأمّا الثاني فيدخل تحت القاعدة.
هذا ما قلناه بالوجدان، وإنَّ لو كان له وجدان آخر لقضى بجريان القاعدة في جميع موارد الشكّ في التكليف، سواء كان التكليف مشكّوك الأهميّة أو معلومها على تقدير وجوده.
حينئذٍ مقتضى الجمع بين هذا الوجدان المزعوم له مع الوجدان القاضي
-حتّى لديه- بأنَّ المولى إذا أمر بالاحتياط والتوقّف يصحّ له معاقبة العبد، كما في الموالي العرفيّة، لو قال له: إذا رأيت شخصاً يغرق ولم تدر أنّه ابني فأنقذه تحفظاً على ابني. ولكنّه لم يعمل بالاحتياط وغرق ابن المولى، فإنَّ العبد يعاقب، فالمولى إذا عاقبه وقال له: لماذا تركت الاحتياط؟ تنقطع حجّة العبد.
والجمع بين هذين الوجدانين يقتضي الالتزام بأنَّ المنجّزيّة من العناوين القصديّة التي تتّصف بالقصد.
توضيحه: أنَّ العناوين التي تنطبق على الأفعال الصادرة من الإنسان على قسمين:
القسم الأوّل: العناوين القهريّة التي تنطبق على فعل الإنسان سواء قصدها أم لم يقصدها، كعنوان الايذاء، فإنَّه لو كان يمشي في الطريق، وكان مشيه مؤذياً لشخص آخر؛ لأنَّه يوجب استيقاظه من النوم وهو لا يعلم، هنا
ــــــــــ[247]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
عنوان الايذاء ينطبق على فعله بحسب الخارج، وإن لم يقصد ايذائه، فهذه من العناوين القهريّة التي لا تتوقّف على القصد.
القسم الثاني: العناوين القصديّة التي يكون انطباقها على الفعل منوطاً بالقصد، كعنوان التعظيم والاهانة، فإنَّ عنوان التعظيم لا ينطبق على القيام قهراً، كما إذا قام لتناول الكتاب، فإنَّه لا ينطبق عليه عنوان التعظيم، وإنَّما ينطبق عليه هذا العنوان مع إيجاد القيام بعنوان التعظيم، وهذا نسميه بالعنوان القصدي.
إذا عرفنا ذلك، فإنَّ الجمع بين الوجدانين يلزم منه أن تكون المنجّزيّة من العناوين القصديّة، كعنوان التعظيم، فإنَّ الإنشاء إذا صدر من المولى بقصد تنجيز حكم آخر، فيكون هذا الإنشاء مصداقاً لمنجزيّة ذلك الحكم، ومنجّزاً له بالحمل الشايع، كما لو قام الشخص تعظيماً لشخص، فإنّه يكون مصداقاً لتعظيمه، وتعظيماً له بالحمل الشايع، فإذا صدر الإنشاء لا بداعي التنجيز لا يكون تنجيزاً بالحمل الشايع، بخلاف ما إذا صدر بقصد التنجيز، فإنَّه يكون تنجيزاً بالحمل الشايع، فالمنجّزيّة من العناوين القصديّة.
وهذا هو الذي يصطلح عليه صاحب الكفاية بالطريقيّة، فإنَّ الطريقيّة عنده، هو الحكم المجعول بداعي تنجيز الحكم الواقعي، فهو يكتسب هذا العنوان من داعي التنجيز.
فالشخص الذي يدّعي أنَّ البراءة العقليّة مطلقة للتكاليف المعلومة الأهميّة، لا بُدَّ له جمعاً بين هذه الدعوى وبين الوجدان القاضي بصحة العقاب
ــــــــــ[248]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
على تفويت الاحتياط، فإنَّ الجمع بين هذين المبنيين يقتضي أن يكون عنوان المنجّزيّة كعنوان قصدي يتحقّق بالقصد، بحيث يكون الإنشاء الصادر بداعي التنجيز تنجيزاً.
إلَّا أنَّ هذا لا حاجة منا إليه؛ لأنَّ التفصيل في قاعدة قبح العقاب ثابت بالوجدان، وعليه فيكون الجواب ثابتاً عندنا مسبقاً.
وبهذا انتهى بحث قيام الأمارات والأصول مقام القطع الطريقي الصرف. واتّضح أنَّها تقوم مقامه.
ــــــــــ[249]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الكلام في مقام الثاني هو قيام الأمارات والأصول مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقيّة والكاشفيّة، بعد الفراغ عن قيامها مقام القطع الطريقي الصرف، فلو فرض أنَّ قطعاً أُخذ في موضوع حكم شرعي بما هو طريق، كما إذا قال: (إذا قطعت بخمريّة مائع أصبح حراماً عليك) بحيث أُخذ القطع بالخمريّة في موضوع الحرمة بما هو طريق، فهل تقوم الأمارات والأصول مقام هذا القطع أم لا؟
هنا، الإشكال في هذا إثباتاً ونفياً ليس ثبوتياً، فإنَّه لا إشكال عند أحد في قيام الحجّيّة الشرعيّة مقام القطع، كما لو صرّح بأنَّ خبر الثقة بخمريّة المائع قائم مقام العلم؛ وذلك لأنَّ القطع الموضوعي هنا موضوع لحكم شرعي وهو الحرمة، وهي مجعولة للشارع، فمن حقّ الشارع أن يُنزّل أيّ شيء بمنزلة حكمه، أي: من حقّه أن يُنزّل غير الموضوع منزلة الموضوع، وهذا أمر معقول، ولا إشكال فيه ثبوتاً.
وإنَّما الإشكال في أنَّ دليل الأمارة -نتكلّم أوّلاً في الأمارة، ثُمَّ نعود إلى ــــــــــ[250]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الحديث عن الأصول- هل ينهض على قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي، في تنجيز الحكم على المكلف أو لا؟
فالبحث هنا ليس في مقام الثبوت كما في المقام الأوّل، الذي كان فيه الإشكال في إمكان قيام الأمارة عقلاً مقام القطع الطريقي الصرف، فالبحث هنا بحسب مقام الإثبات، في أنَّ الدليل الدالّ على الحجّيّة هل هو دالّ على القيام مقام القطع الموضوعي، كما كان يدلّ على القيام مقام القطع الطريقي الصرف؟
نعم، دلالة الدليل يبحث فيها إمكاناً ووقوعاً، بمعنى: أنَّه قد يقال: بأنَّ دلالة الدليل غير معقولة، لا بمعنى أنَّ أصل الدعوى غير معقولة، بل بمعنى: أنَّ الدليل الوارد إلينا لا يعقل أن يدلّ عليه، وقد يدّعى أنَّ الدلالة معقولة، ولكنّه خلاف الظاهر.
المعروف والمشهور بين المحقّقين تبعاً للشيخ الأعظم في الرسائل (1) هو قيام الأمارات مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقيّة، وخالف صاحب الكفاية في ذلك وذهب في حاشيته على الرسائل (2) وفي الكفاية (3) إلى عدم قيامها مقام القطع بدعوى أنَّ أدلّة الحجّيّة لا يعقل أن تدلّ على ذلك بعد
ــــــــــ[251]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول 1: 23.
(2) انظر: درر الفوائد في الحاشية على الفرائد: 189.
(3) انظر: كفاية الأصول: 266.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الاعتراف بدلالتها على قيام الأمارات مقام القطع الطريقي الصرف، فإنَّ الدليل لا قابلية له لأن يدلّ على كلّ ذلك في كلٍّ من المقامين الأوّل والثاني.
وتوضيح هذه الدعوى يحتاج إلى بيان مقدّمات:
المقدّمة الأوّلى: هي أنَّ قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف هذه العمليّة كيف تتمّ في رأيه؟
هذه العمليّة فيها احتمالات، احتمال أنَّ قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف يكون بتنزيل الشارع وجعله الأمارة علماً، بأن يقول: الظنّ عندي علم، بمعنى: تنزيل الظنّ بما هو ظنّ منزلة العلم بما هو علم، هذا المطلب هو المسمّى بمسلك الطريقيّة، وأنَّ الحجّيّة مجعولة بلسان الطريقيّة، وهو مختار المحقّق النائيني(1)، وهذا عند الآخوند غير معقول أو غير ملتفت اليه على كلّ حال، وهو يختار وجهاً ثانيّاً في قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف، وذهب إلى تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، أي إلى تنزيل المظنون منزلة المقطوع، لا تنزيل نفس الظنّ منزلة القطع، فلو فُرض أنَّ أمارة دلّت على وجوب صلاة الجمعة، فالمولى يُنزّل وجوب صلاة الجمعة المظنون منزلة الوجوب المقطوع، بمعنى: جعل الحكم بوجوب صلاة الجمعة بعنوان أنَّ هذا هو الواقع، أي جعل حكم مطابق لما تعلّقت به الأمارة بدعوى أنّه الواقع.
هذا ما يختاره صاحب الكفاية(2)، وقلنا: إنَّ هذا كلام في الألفاظ ولا معنى
ــــــــــ[252]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 3: 22، المبحث الثالث.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 263، 264.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
له؛ لأنَّ ملاك التنجيز ليس هو لسان جعل الحكم هل هو الطريقيّة أو جعل الحكم المماثل، بل الملاك هو دلالته على شدة اهتمام المولى بالأحكام الواقعيّة بأيّ لسان فُرض، إلَّا أنَّه ينبغي أن نعرف مقصود الآخوند في هذه المقدّمة.
وهو أنَّه في مقام تنزيل الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف معناه تنزيل مؤدّى الأمارة منزلة الواقع المقطوع به. نعم، في مقام الإخبار عن هذا التنزيل قد يقول المولى: خبر الواحد علم، لكن ليس مقصوده تنزيل الظنّ بما هو ظنّ منزلة العلم بما هو علم، بل مقصوده لحاظ الظنّ بما هو مرآة وكاشف للمظنون، فمعنى التنزيل: أن يُلحظ الظنّ باللحاظ الآلي ومرآة للمظنون، وانَّما يقال: خبر الواحد علم، أو أنَّ الظنّ منزّل منزلة العلم تفنناً في التعبير، وإلَّا فإنَّ روح المطلب هو تنزيل المظنون لا الظنّ منزلة العلم.
المقدّمة الثانية: في معنى تنزيل الأمارة منزلة القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقيّة، معناه أن المولى نزّل الظنّ بما هو ظنّ بمنزلة العلم بما هو علم، فإنَّه هنا نفس العلم يكون موضوعاً للحكم الشرعي، ويكون الظنّ بمنزلة العلم، فيكون الظنّ والعلم هما طرفا التنزيل، لا المظنون والمقطوع.
إذا اتّضحت هاتين المقدّمتين تصوراً تتّضح الدعوى تصوّراً، فإنَّه يقول: بأنَّ دليل الحجّيّة إمّا أن يكون لسانه لسان تنزيل المظنون منزلة المقطوع، أو تنزيل الظنّ منزلة القطع، فإن كان الأوّل، بمعنى: أنَّ لسانه تنزيل المظنون منزلة المقطوع. إذن، فلم يحصل فيه تنزيل الظنّ منزلة القطع، فلم يدلّ على تنزيل الظنّ منزلة القطع الموضوعي، لأنّا قلنا: إنَّ معنى تنزيل الظنّ منزلة القطع
ــــــــــ[253]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الموضوعي هو تنزيل الظنّ بما هو ظنّ منزلة العلم، ولم يحصل ذلك.
وإن كان لسانه تنزيل الظنّ منزلة القطع، فنسأل هل إنَّهما لوحظا باللحاظ الآلي أو الاستقلالي؟ فإذا لوحظا باللحاظ الاستقلالي، أي: بما هما ظنّ وقطع، فيثبت بهذا الدليل تنزيل الأمارة منزلة القطع الموضوعي، لا القطع الطريقي الصرف، فإنَّه في تنزيل الظنّ منزلة القطع الطريقي لا يمكن إلَّا بتنزيل المظنون منزلة المقطوع لا الظن منزلة القطع، وإن لوحظا بما هما آلة بحيث يكون قولنا: الظنّ منزّل منزلة القطع، بمعنى: أنَّ المظنون منزّل منزلة المقطوع، فإذا جمع بين المسألتين يلزم اجتماع اللحاظين الآلي والاستقلالي على ملحوظ واحد، فإنَّ تنزيل الظنّ منزلة القطع الطريقي الصرف لا يكون إلَّا باللحاظ الآلي، وتنزيله منزلة القطع الموضوعي المأخوذ في الموضوع على نحو الطريقيّة لا يكون إلَّا باللحاظ الاستقلالي، والجمع بين اللحاظين غير ممكن.
المقدّمة الثالثة: هي عبارة عن النتيجة المستفادة من المقدّمتين الأوّليتين، حيث بعد أن اتّضح في المقدّمة الأولى أن قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف لا يكون إلَّا بتنزيل المظنون منزلة الواقع، وأنَّ الظنّ والقطع يلحظان آليين، وعرفنا في المقدّمة الثانية أنَّ معنى قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي يكون بتنزيل الظنّ منزلة القطع، وأنَّهما بلحاظ استقلاليين، لا آليين.
فلو أردنا أن نجمع بين العمليتين في دليل واحد يلزم اجتماع اللحاظين الآلي والاستقلالي على تنزيل واحد؛ لأنَّ الظنّ والقطع لا بُدَّ أن يلحظا في العمليّة الأولى آليين وطريقين إلى المظنون وإلى الواقع، وفي الثانية يجب أن
ــــــــــ[254]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يلحظا استقلاليين بما هما هما، والجمع بين اللحاظين محال، فالجمع بين التنزيلين في هذا الدليل الواحد بهذا اللسان الواحد محال، هذا ملخص ما أفاده صاحب الكفاية.
بقيت نكتة في عبارة الكفاية (1) هي أنَّه قال: (نعم، لو كان في البين ما بمفهومه جامع بينهما يمكن أن يكون دليلاً على التنزيلين) هذه العبارة يمكن أن تفسّر بتفسيرين: إمّا أن يقال: لو كان هناك مفهومٌ جامع بين اللحاظين الآلي والاستقلالي لا يقع الإشكال، ولكنا نقول: بأنَّ الظنّ واليقين ملحوظان بذلك اللحاظ، إلَّا أنَّ هذا غير صحيح؛ لأنَّ هذا الجامع العنواني بين اللحاظين ليس لحاظاً حقيقياً، بل عنواني، وهو مفهوم من سائر المفاهيم ويحتاج بنفسه إلى لحاظ يتعلّق به ليحضر في الذهن، والتنزيل يتوقّف على واقع اللحاظ لا على مفهوم، فهذا ليس هو مراد صاحب الكفاية.
وإنّما الذي أراده هو الجامع بين الظنّ والمظنون، والقطع والمقطوع، أليس مرجع العمليّة الأولى إلى تنزيل المظنون منزلة المقطوع، والثانية إلى تنزيل الظنّ منزلة القطع، فلو فرضنا أنَّ لنا عنوان له فردان: أحدهما الظنّ والآخر المظنون، وعنوان آخر له فردان: أحدهما القطع والآخر المقطوع، فنُزّل هذا العنوان للجامع بلحاظ كلا فردية منزلة ذلك العنوان الجامع بلحاظ كلا فرديه، ويكونان ملحوظين باللحاظ الاستقلالي.
فلو كان هذا موجوداً في أدلّة الحجّيّة لصحّ، ولكنّها نزّلت الظنّ منزلة
ــــــــــ[255]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 264.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
القطع، والأمر يدور فيها بين اللحاظين الآلي والاستقلالي، فإن لوحظ الظن والقطع باللحاظ الآلي فيكون تنزيلاً للمؤدّى منزلة الواقع، فينتج قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف، وإن لوحظا استقلاليين فيكون تنزيلاً للظنّ بما هو ظنّ منزلة القطع بما هو قطع، فينتج قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقيّة، هذا البيان بهذا التقريب بديهي البطلان، فلا بُدَّ من إدخال بعض التعديلات عليه؛ وذلك لأنَّ الظنّ والقطع لا معنى لأن يلحظا باللحاظ الآلي في المقطوع والمظنون، فإنَّ هذا خلط بين المفهوم والمصداق، والعنوان والحقّيقة.
فإنَّ حقّيقة الظنّ وحقّيقة القطع القائمة في النفس بالنسبة إلى القاطع والظان يمكن يلحظا فانيين، لا بأن يتعلّق بهما لحاظ آخر -فإنّا قلنا: بأنَّ القطع بنفسه حاضر لدى النفس- بل بمعنى: أنَّ القاطع والظان يتوجه إلى ذي القطع وذي الظنّ، بحيث يكون الظنّ والقطع أداة للتوجه إليه، وهذا أمر معقولٌ، كما يمكن للظان والقاطع أن يتوجه إلى ظنّه وقطعه في نفسه، كأن يتوجه إلى أنَّه يعتقد بنبوة رسول الله فيحمد الله تعالى على ذلك، وهذا أمر معقولٌ أيضاً.
أمّا بالنسبة إلى شخصٍ آخر هو المولى الذي يريد أن يُنزّل الظنّ منزلة القطع، فلا صحّة لأن يقال في شأنه: إنَّ القطع والظن يلحظان فانيين، فإنَّ مفهوم القطع والظن ليس له كاشفيّة عن المقطوع والمظنون بخلاف حقّيقتهما، فإنَّ حقّيقتهما إنَّما يقبلان الافناء باعتبار الكاشفيّة. وأمّا المفهومان فليس لهما فردان إلَّا من أفراد القطع والظنّ لا من المقطوع أو المظنون الذي هو وجوب صلاة الجمعة مثلاً؛ حتّى يُعقل أن يلحظ القطع بما هو فان في صلاة الجمعة.
ــــــــــ[256]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فكم فرق بين حقّيقة القطع ومفهومه؟! فإنَّ القطع بحقّيقته القائمة في نفس القاطع تارةً يُلاحظه القاطع بنفسه، وأخرى يُلاحظه ثانياً في متعلّقه. وأمّا المولى الذي يُنزّل الظنّ منزلة القطع فلا يتصوّر له أن يلحظ مفهوم القطع كاشفاً عن وجوب صلاة الجمعة فإنَّ الكاشفية إنَّما هي لحقّيقة القطع لا لعنوانه. نعم، يمكن أن يلحظ عنوانه فانياً في أفراده لا في أفراد المقطوع. إذن، فتصوّر اللحاظ الآلي للقطع والظنّ ممّا لا أساس له؛ ولهذا لا بُدَّ من توجيه مراد صاحب الكفاية، أي: تفسير اللحاظ الآلي والاستقلالي بمعنى آخر.
وبهذا البيان يظهر أنَّ الإشكال على صاحب الكفاية باعتبار منجّز آخر في قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف، إشكال مبنائي لا بنائي، كإشكال الميرزا عليه، فإنَّه لا يقبل من صاحب الكفاية أنَّ معنى قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف يكون بتنزيل المظنون منزلة الواقع، بل يقول: إنَّه يتمّ بجعل نفس الظنّ بما هو ظنّ علم بما هو علم؛ لأنَّ المختار عنده هو الطريقيّة، فلو بنى على هذا لا يأتي برهان الآخوند، إلَّا أنَّ هذا الإشكال مبنائي، والآخوند إنَّما بنى برهانه على مبناه دون مبنى غيره، وهو المبنى الذي يختاره الشيخ الأعظم في الرسائل. إذن فالإشكالات المبنائيّة لا مجال لها، وإنَّما تحقيقها موكول إلى محلّه، والكلام يقع بعد فرض تمامّية المبنى في نفسه، أنَّه هل يتمّ البرهان أو لا؟
هذا التقريب بهذا المقدار الذي يستفاد من عبارة صاحب الكفاية، واضح البطلان؛ وذلك لأنَّه يفترض أنَّ هذا الدليل الواحد الذي لسانه لسان تنزيل
ــــــــــ[257]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الظنّ منزلة القطع -نحو: الظنّ قطع- تارةً تقبل اللحاظ الآلي، فيكون مؤداه تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، وتارةً أخرى تقبل اللحاظ الاستقلالي، فيكون مؤداها تنزيل الظنّ منزلة القطع، وإنَّما لا تقبل الأمرين لتضاد اللحاظين الآلي والاستقلالي.
أمّا نحن فنقول: إنّه لو وجدت مثل هذه العبارة: (الظنّ منزّل منزلة القطع). فلا معنى لأن يقال: إن الظنّ والقطع يلحظان باللحاظ الآلي للمظنون والمقطوع، بل يتعيّن اللحاظ الاستقلالي، فحتّى لو قلنا بجواز اجتماعهما، لا نقول إلَّا بلحاظهما باللحاظ الاستقلالي.
وتوضيح هذه النكتة: أنَّ صاحب الكفاية خلط بين عنوان الظن والقطع وحقّيقتهما، فإنَّ حقّيقتهما القائمة في نفس القاطع والظان، حيث إنَّها حقّيقة كشّافة سواء كانت كاشفيتها تامّة كالقطع أو ناقصة كالظنّ، فمقتضى هذه الكاشفيّة الذاتية هو قابليتها للفناء في المنكشف، بحيث إنَّ القاطع والظان لا يكون له توجه إلَّا إلى المنكشف المظنون أو المقطوع، ويكون القطع والظن آلة لا غاية، وأخرى يتوجه إلى القطع والظنّ ويكون القطع والظنّ غاية لا آلة، فالقطع والظن بالنسبة إلى القاطع حيث إنَّهما كاشفان فيمكن لحاظهما آلة تارةً وغاية أخرى.
أمّا القطع والظن بالنسبة إلى غير القاطع والظان، فلا يمكن لحاظهما باللحاظ الآلي؛ لأنَّ هذا اللحاظ فرع الكاشفيّة، وقطع زيد ليس له كاشفية لبكر الذي نفترضه هو المولى، فلا يُعقل لبكر أن يلحظ قطع زيد باللحاظ الآلي الفاني في مقطوعه، بل قطع زيد وظنّه بالنسبة إلى المولى حاله حال سائر
ــــــــــ[258]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
العناوين الأخرى كالضرب والمشي والحب والبغض والعدالة والفسق، بمعنى: أنَّها تلحظ فانيّة في أفراد نفسها، فيلحظ القطع والظنّ فانيّاً في أفراد نفسه، لا في أفراد المقطوع والمظنون؛ لأنَّ ملاك الفناء هو الكاشفيّة وهي مخصوصة بخصوص القاطع بالنسبة إلى ما تعلّق به قطعه، والظان بالنسبة إلى ما تعلّق به ظنه، وأمّا المولى فلا يحتمل فيه اللحاظ الفنائي بالنسبة إلى المقطوع والمظنون، وإن كان يمكن فيه اللحاظ الفنائي بالنسبة إلى أفراد الظن والقطع، فهذا أمر غير معقول في نفسه.
وأمّا لو ارتكبنا التأويل، وقلنا: إنَّ مراده من اللحاظ الآلي والاستقلالي، ليس هو اللحاظ الفنائي والاستقلالي، أي: الاستقلاليّة والآليّة، بمعنى: التصوّر، بل بمعنى: القصد والإرادة، حينئذ يمكن توجيه كلامه بمعنى معقول، وذلك ببيان أمرين:
الأمر الأوّل: هو أنَّ الجملة لها مدلولان: مدلول ومراد استعمالي، ومدلول ومراد جدّي. فمثلاً جملة: (زيدٌ كثير العلم) لها مدلول استعمالي وهو قصد إخطار هذه المعاني في ذهن السامع، وعلى هذا المدلول يدور أمر باب الحقّيقة والمجاز، فإنّه إذا قصد إخطار المعاني الموضوع لها في ذهن المخاطب، فهذا حقّيقة، وإذا قصد إخطار معاني أخرى كان مجازاً، وهناك مدلول جدّي، وهو في المثال قصد الحكاية عن ثبوت النسبة في الخارج لا مجرّد إخطار المعاني في ذهن السامع، بل يقصد أن يحكي ويخبر أنَّ زيداً كثير العلم، وهذا المدلول التصديقي قد لا يوجد للجملة اصلاً، بل يختصّ مدلولها بالاستعمالي، كما هو الحال في موارد الهزل.
ــــــــــ[259]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
مقصودي من هذا ايضاح شيء عن باب الكفاية، تارةً تقول: زيد كثير العلم، فيكون المدلول الاستعمالي الاخطاري والتصديقي -وهو قصد الحكاية- متطابقين، وهذا باب الصراحة، وأخرى تقول: زيد كثير الرماد، وهو كناية، مدلولها الاستعمالي هو إخطار هذه المعاني الموضوع لها باللفظ، ولهذا نقول: إنَّه لا تجوز الكناية، إلَّا أنّ المدلول الجدّي التصديقي ليس هو قصد الحكاية عن كثرة الرماد عند زيد، وإلَّا كانت الجملة كاذبة إذا لم يكن عند زيد رماد كثير، مع أنَّها صادقة -على الفرض- لأنَّ مدلولها الجدّي هو الحكاية عن كرم زيد الملازم لكثرة الرماد، فهي مستعملة في اللازم والمقصود جداً، وهو الكشف عن الملزوم.
فالكناية على هذا تختلف عن الصراحة، في أنَّه في الصراحة يتطابق المرادان الاستعمالي والجدّي، وفي الكنايّة يكون المراد الجدّي هو لازم المراد الاستعمالي أو ملزومه.
الأمر الثاني: هي أنَّ قولنا: الظنّ علم، أي: تنزيل الظنّ منزلة العلم، تارةً يُستعمل كناية، وأخرى يُستعمل صراحة.
فإنا عرفنا أنَّ اللحاظ الاستقلالي تعلّق بهما ولا يعقل اللحاظ الآلي دائماً، لكن هذه الجملة تارةً يكون مدلولها الجدّي مطابقاً مع المدلول الاستعمالي، وأخرى يكون مخالفاً، فإنَّ المولى إذ يقول: الظنّ علم، تارةً يكون مقصوده الجدّي هو الكشف عن تنزيل نفس الظنّ منزلة العلم في أحكامه الشرعيّة، فيكون هذا بالصراحة؛ لأنَّ المدلول الاستعمالي يكون بنفسه هو المراد الجدّي،
ــــــــــ[260]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وأخرى يكون المراد الاستعمالي غير الجدّي، كما إذا فرضنا أنَّ مراده الاستعمالي تنزيل الظنّ منزلة القطع، ومراده الجدّي ليس هو هذا، بل تنزيل لا يلازم الظنّ منزلة ما يلازم القطع، أي: تنزيل المظنون منزلة المقطوع، ومقصوده ترتيب أحكام ما يلازم القطع على ما يلازم الظن.
إذا اتّضح هذا، فيتّضح قيام برهان صاحب الكفاية، على لزوم الجمع بين الكناية والصراحة لا اللحاظ الآلي والاستقلالي، فإنَّ اللحاظ الآلي لا يحتمل في عنوان القطع والظنّ، ولكن المولى تارةً ينزّل نفس الظنّ منزلة القطع فيكون صراحة، وأخرى ينزّل أحكام القطع على الظنّ ويريد الاستطراق من الظنّ إلى المظنون، ومن القطع إلى المقطوع، من باب الكنايّة وإرادة لازم المراد الاستعمالي جداً، فلو جمع بين الكنايّة والصراحة يلزم اجتماع المراد بالأصالة والمراد بالتبع، فإنّه لو قصد كلا التنزيلين يلزم اجتماع الإرادة الاصليّة والتبعيّة بالنسبة إلى جملة واحدة واستعمال واحد، فإنَّ مقتضى كونها بالصراحة أنَّ مدلولها الاستعمالي هو المدلول الجدّي، ومقتضى كونها بالكنايّة أنَّ المدلول الاستعمالي غير الجدّي، والجمع بينهما غير معقول.
نعم، لو فرضنا أنَّ المراد الاستعمالي متكثر، بحيث يُعقل أن يكون بعضه مراد جدّي والبعض الآخر غير المراد الجدّي، كما في باب العموم، كما لو قال: كلّ ظنّ علم، إذ قلنا: إنَّ العموم مكثّر الأفراد، وأمّا عن باب المطلقات، نحو: الظنّ علم، لا يوجد إلَّا مدلول واحد، هو تنزيل هذا العنوان منزلة ذاك، فلا بُدَّ أن يكون المراد الاستعمالي واحد، وأن يكون مطابقاً للجدّي أو غير مطابق، فإن
ــــــــــ[261]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
كان مطابقاً معه كان معنى قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي، وإن لم تكن مطابقة كان معنى قيامها مقام القطع الطريقي، والجمع بينها غير معقول.
فإذا أوّلنا عبارة الكفاية بهذا يكون له معنى معقول، والشاهد على هذا التأويل من عبارة الكفاية، أنَّه عبّر مرة واحدة بالكنايّة، فمرده من اللحاظ الآلي ليس هو التصوّر الآلي، وإنَّما هو الاستعمال الكنائي الآلي، هذا أحسن ما يمكن أن يوجه به مقصود صاحب الكفاية.
وهو مع ذلك لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك: لأنَّ الصحيح من الممكن الجمع بين التنزيلين بدون لزوم الجمع بين اللحاظين الآلي والاستقلالي، لا بمعنى التصوّر، ولا بمعنى القصد، ولا يلزم منه محذور حتّى مع الالتزام بمبناه في تنزيل الأمارة منزلة القطع.
وتوضيح النكتة في ذلك: هو أنَّ المبنى الذي أُقيم عليه البرهان، والذي ذكرناه في المقدّمة الأولى، وإن كان هو أنَّ قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف لا يكون إلَّا بتنزيل المظنون منزلة الواقع المقطوع، لا تنزيل الظنّ منزلة القطع؛ لأنَّ التنزيل يكون بلحاظ أحكام القطع، وليس للقطع شرعيّة ليصح التنزيل، وإنَّما أحكامه عقليّة لا تكوينيّة.
افرضوا أنّنا نقول بهذا المبنى إلَّا أنَّ تنزيل المظنون منزلة الواقع -الذي معناه جعل الحكم على طبق الأمارة- ينتج تنجّز الواقع إذا تمت صغراه، فإنَّ المولى يُنزّل بنحو الكبرى، فيقول: (ما أدّى فعنّي يؤدّي)(1) وهذه الكبرى إنَّما
ــــــــــ[262]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 27:138، أبواب صفات القاضي، الباب11، الحديث4.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
تنجّز الواقع لو تمت صغراها في الخارج، وهو أن يؤدّي زرارة خبراً عن الإمام، وتقوم الأمارة على حكم من الأحكام، فهذا التنزيل ينتج لا محالة تنجّز الواقع عند تمامّية صغرى التنزيل، وهو قيام الأمارة الظنّية على وجوب السورة مثلاً. إذن، فالخبر الظنّي أو الظنّ في طول ذلك التنزيل، أي: تنزيل المؤدّى منزلة الواقع يصبح موضوعاً للمنجّزيّة والمعذّريّة كما أنَّ القطع موضوع لهما.
ومعناه أنَّ الحكم المولوي لا يمكن أن يتعلّق بتنزيل الظنّ منزلة القطع الطريقي الصرف، إلَّا أنَّه يمكن أن يكون مجعولاً بالواسطة، فهو نتيجة الجعل المولوي لا مصبّاً له، فإنَّ هذا الجعل يحتاج إلى أمر آخر لينجّز الواقع، وهو تحقّق الظنّ في الخارج؛ ليكون موضوعاً للمنجّزيّة والمعذّريّة كالقطع، وقولنا: كالقطع، هذا المشابه هي نتيجة الجعل المولوي لا مصبّ الجعل، على مبنى صاحب الكفاية.
فإذا علمنا هذا فيكون قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف مجعولاً بالواسطة لا مجعول ابتداءً، ويكون قيامها مقام القطع الموضوعي هو تنزيلها منزلته ابتداءً لا بالواسطة.
فإذا فرض ذلك فالمولى يمكنه في قوله: الظنّ منزّل بمنزلة العلم أن يخبر عن نتيجة الجعل في مورد، وعن أصل الجعل في مورد آخر، من دون لزوم اجتماع لحاظين على ملحوظ واحد، فإنَّ القطع والظنّ دائماً مرادان بالمراد الاستقلالي، كما أنَّ المراد الجدّي هو تنزيل نفس الظنّ منزلة القطع في أحكامه الشرعيّة والعقليّة، لكن هذا المراد الجدّي مرةً مجعول بالأصالة وأخرى بالواسطة، فلا يلزم الجمع
ــــــــــ[263]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بين اللحاظين الآلي والاستقلالي، ولا الجمع بين الإرادة الأصليّة والتبعيّة، فإنَّ مقصود المولى هو تنزيل الظنّ بما هو ظنّ منزلة القطع حتّى في موارد تنزيل الأمارة منزلة القطع الطريقي الصرف، غاية الأمر أنَّه في القطع الطريقي الصرف يكون التنزيل هو نتيجة الجعل، وفي موارد القطع الموضوعي هو مصب الجعل ابتداءً، والمولى كما يستطيع أن يكشف عن نفس جعله يستطيع أن يكشف عن نتيجة الجعل، وإلَّا فلا يتمّ قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف أبداً، مع أنّا قد اعترفنا به، ولا يلزم من ذلك أيّ محذور.
نعم، ينبغي أن يُعلم أنَّ تنزيل المولى الظنّ منزلة القطع الطريقي الصرف، وإن قلنا أنَّه نتيجة للجعل لا مصبّه، والمصبّ هو تنزيل الظنّ -بما هو ظنّ- منزلة القطع الموضوعي، وهذين التنزيلين يجتمعان، إلَّا أنَّ التنزيل لا يتمّ إلَّا بالنسبة إلى من علم بالجعل، لا بالنسبة إلى كلّ مكلف، فإنّنا إذا لم نعلم بالتنزيل لا يتنجّز علينا الواقع بقيام الأمارة، فكون الأمارة منجِّزة للواقع كالقطع إنَّما يكون بالنسبة إلى من علم بالجعل، لا بالنسبة إلى كلِّ شخصٍ.
هذا تمام الكلام في كلام صاحب الكفاية.
وحاصله: أنَّ تنزيل الظنّ منزلة القطع تارةً يستعمل في معناه ويكون المراد الجدّي هو نفس المعنى، وأخرى يستعمل في معناه ويكون المراد الجدّي مغايراً له، أي: يكون بحسب المراد الجدّي تنزيلاً للمظنون منزلة الواقع، فمن الممكن للمولى أن يستعمل اللفظ في معناه، ويكون المراد الجدّي هو قيام الظنّ بما هو ظنّ مقام القطع بما هو قطع في أحكامه العقليّة والشرعيّة، غاية الأمر أنَّ هذا
ــــــــــ[264]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
المراد الجدّي الواحد، في بعض الموارد مجعول بالأصالة ابتداءً، كما في موارد قيام الظنّ مقام القطع الموضوعي، وفي بعض الموارد يكون نتيجة للجعل، وجعلاً بالواسطة لا ابتداءً، كما في موارد قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف، ولا مانع بأن يستعمل التنزيل في كلام هو مجعول، إلَّا أنَّ سنخ جعله يختلف، ففي بعض الموارد ابتداءً وفي بعضها بالواسطة.
نظير ما قلناه في موضعه في حديث: “النَّاسُ مُسَلَّطُونَ عَلَى أَمْوَالِهِم”(1) من أنَّ السلطنة على نحوين: تكليفيّة، بمعنى: أنَّ له أن يفعل وأن يترك في قبال الحرمة. وسلطة وضعيّة، بمعنى: أنَّ له أن يبيع وأن يهب. وهذا الحديث لا مانع من أن يتكفّل بعنوان السلطنة كلتا السلطنتين الوضعيّة والتكليفيّة؛ لأنَّ كلّ منهما معنى قابل للجعل؛ إلَّا أنَّا قلنا: إنَّ السلطنة التكليفيّة قابلة للجعل ابتداءً؛ لأنَّها عبارة عن الاباحة، وهي حكم من الأحكام الخمسة الشرعيّة، وأمّا السلطنة الوضعيّة فهي لا يتعلّق بها الجعل ابتداءً، فإنَّ سلطنة المالك على أن يمتلك غيره كناية منتزعة عن الجعل، لا أنَّها هي المجعولة، وأمَّا المجعول بالأصالة فهو صحّة البيع ونفوذه، فلو تمّ الإنفاذ يكون المالك مسلّطاً على بيع الكتاب، كما بيّنا ذلك في مبحث أخذ الأجرة على الواجبات من باب مقدّمة الواجب(2)، لكن ذلك لم يمنع من تكفّل لسان واحد وعنوان واحد من بيان كلتا
ــــــــــ[265]ــــــــــ
(1) عوالي اللآلي 1: 222، الحديث 99 و457، الحديث 198 و2: 138، الحديث 383، بحار الأنوار 2: 272، الحديث 7.
(2) انظر: بحوث في علم الأصول265:2، ثمرة وجوب المقدمة.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
السلطتين، مع أنَّ أحدهما مجعولة بالأصالة والأخرى مجعولة بنتيجة الامضاء والانفاذ.
لكن هنا، في خصوص المقام إشكال من ناحيّة أخرى؛ وذلك لأنَّ هذا القياس، أي: قياس المقام بحديث: “النَّاسُ مُسَلَّطُونَ عَلَى أَمْوَالِهِم“ غير تامٍّ؛ لأنَّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع الذي ادّعينا أنَّه ينتج قيام الظنّ مقام القطع في المنجّزيّة، كما أنَّ حكم الشارع بإمضاء البيع ينتج السلطنة الوضعيّة، فالحكم بإمضاء البيع ينتج السلطنة، إلَّا أنَّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع لا ينتج قيام الظنّ مقام القطع في المنجزيّة، بل هذا القيام يحتاج إلى شيء آخر، وهو أن يقطع المكلف بالتنزيل، فقيام الظنّ مقام القطع في المنجّزيّة ليس من فروع تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، بل نتيجة القطع به، فقيام الظنّ مقام القطع ليس مجعولاً ولا نتيجة للمجعول، بل نتيجة لأمر تكويني هو قطع المكلف، فإنَّ المكلف إذا قطع بقيام الظنّ مقام القطع، فإنَّ التنزيل يتمّ لديه، سواء كان هناك تنزيل أو لا.
فإذا فرض ذلك، فحينئذ ينحصر معنى تنزيل الظنّ منزلة القطع الطريقي الصرف بالكنايّة، بأن يكون كناية عن تنزيل المظنون منزلة الواقع، وحينئذٍ يعود الإشكال في الجمع بين الكناية والصراحة.
فما ينبغي أن يقال في مقام حلّ هذا الإشكال، وجهان آخران:
البيان الأول: أن يقال بالاقتصار على تنزيل الظنّ منزلة القطع الموضوعي، بأن يقال: بأنَّ لسان تنزيل الظنّ منزلة القطع لوحظ فيه الظنّ والقطع باللحاظ
ــــــــــ[265]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الاستقلالي تصوّراً وإرادة، لكن نستفيد منه بقدرة الله تعالى قيام الظنّ مقام القطع الموضوعي والطريقي معاً، فلا يلزم الجمع بين اللحاظين.
والنكتة في ذلك: هي أنَّ القطع الموضوعي يكون على قسمين: تارةً يكون مأخوذاً موضوعاً للأحكام الواقعيّة، كما إذا قال المولى: إذا قطعت بفسق شخص فيحرم إكرامه واقعاً، أو إذا قطعت بعدالة شخص فيجوز لك الإئتمام به واقعاً، فالقطع هنا أخذ موضوعاً في جواز الإئتمام واقعاً.
وقسم من القطع الموضوعي أُخذ في موضوع الأحكام الظاهريّة المجعولة بداعي التنجّيز والتعذّير، كالقطع المأخوذ في موضوع أصالة الاباحة أو البراءة أو الاستصحاب أو الفراغ أو الطهارة، فإنَّه أُخذ في موضوعها القطع، بمعنى: جعله غاية (حتّى تعلم) أو جعل عدمه موضوعاً، فالعلم هنا أُخذ على وجه الموضوعيّة بالنسبة إلى الأصول.
وحينئذٍ فإذا فرض أنَّ هذا التنزيل الواحد باللسان الواحد -تنزيل الظنّ منزلة القطع- كان ناظراً إلى تنزيل الظنّ بما هو ظنّ منزلة القطع بما هو قطع، فنستنتج من إطلاقه أمرين:
أحدهما: أنَّ الظنّ يقوم مقام القطع المأخوذ في الأحكام الواقعيّة، فكما أنَّ القطع بعدالة زيد يُجّوز الإئتمام به واقعاً ولو كان يهودياً كما في الرواية(1)، كذلك لو قامت البيّنة على أنَّه عادل، فأيضاً يترتّب عليه جواز الاقتداء به واقعاً ولو كان يهودياً، وهذا معناه قيام الظنّ مقام القطع الموضوعي، وهو نفس المقصود.
ــــــــــ[267]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 8: 374، الباب ٣٧ من أبواب صلاة الجماعة، الحديث ١ و٢.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ثانيهما: أنّنا نستنتج من هذا التنزيل أنَّ الظنّ يكون غاية للأصول المؤمّنة والمنجّزة ورافعاً لموضوعها، فكما أنَّ العلم بالإباحة يرفع موضوع “أخُوكَ دِينُكَ فَاحْتَطْ لِدِينِك“(1) وأنَّ العلم بالنجاسة يرفع موضوع: “كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنَّه قذر“(2) كذلك إذا قامت البيّنة على ذلك، وهذا معناه قيام الظنّ مقام القطع الموضوعي غاية الأمر قيامه مقامه في الأحكام الظاهريّة.
وهذان الأمران ينتجان بالمطابقة من هذا الدليل: الظنّ علم.
فلو جمدنا على نفس مؤدّى هذا الدليل، فلشخصٍ أن يقول: إنَّه قد جعل الظنّ كالعلم في رافعيّة موضوع الأصول المؤمّنة والمنجّزة، لكن مع هذا فإنَّ الظنّ ليس منجزاً للواقع في نفسه، فهو فقط يمنع من سائر المنجّزات والمعذّرات الشرعيّة بلا أن يكون منجّزاً، فإنَّه لا ملازمة عقلاً بين الأمرين، وهذا أمر معقول ثبوتاً، إلَّا أنَّه غير محتمل إثباتاً، أن يكون خبر الواحد وظيفته فقط هو رفع موضوع الأصول الشرعيّة بدون أن يكون منجّزاً للواقع في نفسه.
إذن، بعد القطع بأنَّ ما يكون رافعاً لموضوع الأصول لا بُدَّ أن يكون حجّةً في نفسه، فنستفيد بالدلالة الإلتزاميّة من الدليل: الظنّ علم، وأنَّ الظنّ قد جعل مؤداه منزّلاً منزلة الواقع لا محالة، وبهذا تتمّ كلتا الاستفادتين عندنا.
وأمّا البيان الثاني: فحاصله هو أنَّ قولنا: الظنّ مُنزّل منزلة العلم، هذا
ــــــــــ[268]ــــــــــ
() أمالي المفيد: 283، المجلس الثالث والثلاثون، الحديث 9.
(2) وسائل الشيعة 3: 466، الباب 37، باب “إنَّ كلّ شيء طاهر حتّى يعلم ورود النجاسة عليه” الحديث 4، مع اختلاف في بعض الألفاظ.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
اللسان الواحد نحمله على جعل الحكم بمعنى المشابهة، لا جعل الحكم بمعنى التنزيل، فيرتفع الإشكال.
وتوضيح ذلك: أنَّ المولى حين يريد أن يجعل حكماً، قد ينظّره بشيء آخر، هذا التنظير تارةً يكون تنظيراً بعنوان التنزيل، كما لو قال المولى: (الخمر حرام) ثُمَّ أراد أن يُحرّم الفقاع، فيقول: (الفقاع خمرٌ) فنزّل الفقاع منزلة الخمر في تلك الحرمة المجعولة، هذا التنزيل يقتضي بطبيعته إسراء حكم المنزَّل عليه إلى المنزّل، وإلَّا استحال التنزيل، فلا بُدَّ أن يكون للمنزّل حكم قبل ذلك، مجعول على المنزّل عليه ليسر به إلى المنزّل.
وأمّا جعل الحكم بعنوان المشابهة، كما لو فرضنا أنَّه قال لعبده: إذا رزقت ولداً فاعمل ما يعمله عبد غيري إذا رزق ولداً، فهذا ليس تنزيلاً لعبد نفسه منزلة عبد غيره؛ لأنَّ المنزّل عليه ليس له حكم مجعول من قبله حتّى يتمّ التنزيل، وإنّما هو تشبيه لا تنزيل، بمعنى: أنّني أحكم عليك بوجوب عمل مشابه ممّا يعمله عبد غيري، فهذا جعل للحكم بعنوان التشبيه، ولا يحتاج إلى أن يكون للمشبه به حكم مجعول من قبل المشبِّه.
إذا اتّضح هذا ترتفع المغالطة في المقام، فإنَّها كانت مبنيّة على حمل قولنا: الظنّ كالعلم، على التنزيل بمعنى تنزيل الظنّ منزلة العلم، كما في تنزيل الفقاع منزلة الخمر، فحينئذٍ يقتضي إسراء حكم المنزّل عليه للمنزّل، ومن المعلوم أنَّ القطع الطريقي الصرف ليس له حكم من قبل الشارع، فإنَّ أحكام القطع عقليّة وتكوينيّة لا شرعيّة، فلا معنى للإسراء، فلا بُدَّ من جعل الظنّ آلة إلى
ــــــــــ[269]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
المظنون حتّى يمكن التنزيل، ويكون تنزيلاً للمؤدّى منزلة الواقع، وإلَّا لزم الجمع بين اللحاظين.
وأمّا إذا فُرض أنَّ العمليّة كانت عمليّة تشبيه: بمعنى أن يقول: أيَّها الظان يجب أن تعمل عملا مشابهاً لعمل القاطع عندما يقطع، فيمكن أن تشمل موارد القطع الطريقي والموضوعي بلسان واحد، وهو أمر معقول، بمعنى: أنَّ الظان يجب عليه الجري على طبق ظنه، كما يجري القاطع على طبق قطعه، فيجب على الظان جريان: جري بلحاظ طريقيّة القطع ومنجّزيته، وجري بلحاظ موضوعيّة القطع.
بل لا بُدَّ أن يكون كذلك، من باب التشبيه لا التنزيل، إذ لو فرض أنَّه تنزيل للظنّ بمنزلة القطع، فلا بُدَّ من الالتزام بأنَّ تنزيل الظنّ إنَّما هو تنزيل المظنون منزلة المقطوع، هنا نأتي إلى تنزيل المظنون منزلة الواقع المقطوع، هل معناه جعل المظنون؟ فهو غير ممكن؛ لأنَّ هذا التنزيل فرع الظنّ فلا يعقل جعل متعلّقه في المرتبة المتأخّرة عنه، أو أنَّ معناه جعل حكم على طبق الظنّ، وهو لا يمكن أيضاً؛ لأنَّ الواقع لم يُجعل على طبق الواقع حكم حتّى يكون الظنّ مجعولاً على طبقه، وإنَّما الحكم الواقعي موضوع لوجوب العمل والامتثال، وهو حكم عقلي لا شرعي حتّى يمكن التنزيل، فالتنزيل أساساً غير متصوّر لا بلحاظ تنزيل الظنّ بما هو ظن منزلة العلم بما هو علم، ولا بلحاظ تنزيل المظنون منزلة المقطوع، فمعنى التنزيل هو التشبيه، فيكون مرجعه: أنَّه يجب على الظان أن يعمل عملاً مماثلاً لعمل القاطع، فلا يبقى إشكال في أن يقال: إنَّ هذا
ــــــــــ[270]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
اللسان الواحد يتكفّل قيام الأمارة مقام كلّ من القطع الموضوعي والطريقي، ويرتفع الإشكال.
غير أنَّ صاحب الكفاية بعد أن ذكر هذا البرهان في حاشيته على الرسائل(1)، كما ذكره في الكفاية(2)،عقّبه ببيانين.
البيان الأوّل: كان مقصوده منه إبطال هذا البرهان على بعض التقادير، والبيان الثاني: كان مقصوده منه هو إبطال هذا البرهان على كلّ تقديرٍ.
أمّا البيان الأوّل: فحاصله: أنَّ جملة الظنّ منزّل منزلة القطع، إمّا أن نفترض أنَّ المولى حينما صدر منه هذا اللسان كان مقصوده جعل العمليتين بنفس هذا الخطاب واللسان: عمليّة تنزيل الظن الطريقي، وتنزيله منزلة القطع الموضوعي، كما هو الحال في الجمل الانشائيّة بناءً على ما هو المشهور فيها
-مثلاً- من أنَّها موضوعة ومستعملة في إيجاد معانيها في اللفظ، فهو أتى بها انشاءً بقصد إيجاد العمليتين بهذا الخطاب واللسان.
وإمّا أنَّ نفرض أنَّه قد وجد هاتين العمليتين بإنشاء آخر، فقال: الظنّ منزّل منزلة القطع الموضوعي، وقال: المظنون منزّل منزلة المقطوع، إلَّا أنَّ مقصوده من هذه العبارة الظنّ كالقطع، هو الإخبار عن كلّتا العمليتين، مثلاً في باب الصلاة: تارةً يقول: الصلاة واجبة، ومقصوده إنشاء الوجوب بنفس هذا
ــــــــــ[271]ــــــــــ
(1) انظر: درر الفوائد في الحاشية على الفرائد: 189.
(2) انظر: كفاية الأصول: 266.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
اللسان، وأخرى يكون قد جعل وجوب الصلاة قبل ذلك، ومقصوده بهذا اللسان الإخبار عن وجوب جعله سابقاً.
فإن كان على الأوّل، بأن كان هذا من باب إيجاد العمليتين بنفس هذا الخطاب، فالبرهان تامّ، فإنَّه يلزم الجمع بين اللحاظين؛ لأنَّ تنزيل الظنّ منزلة القطع الطريقي الصرف يحتاج إلى اللحاظ الآلي، وتنزيله منزلة القطع الموضوعي يحتاج إلى اللحاظ الاستقلالي، فلو وجدا بهذا الخطاب يستدّعي الجمع بين اللحاظين الآلي والاستقلالي.
وأمّا إذا فرض أنَّ المولى قد أوجد هاتين العمليتين بإنشاءات سابقة، وكان مقصوده من هذه العبارة: (الظنّ منزّل منزلة القطع) تنزيل الظنّ منزلة كلّ من القطع الموضوعي والطريقي-ولا يأتي الكلام السابق- فإنَّه لا بأس أن يكون هذا التعبير إخباراً عن كلا التنزيلين.
والوجه فيه: أنَّ كلا التنزيلين قد تمّا كلّ بشروطه، فقد لاحظ المولى الظنّ والقطع باللحاظ الآلي ونزّله منزلة القطع الطريقي الصرف، ولاحظهما باللحاظ الاستقلالي ونزّله منزلة القطع الموضوعي. ومقصوده من الإيجاد ليس إيجاد الصلة حتّى يحتاج إلى اللحاظين، بل مقصوده الإخبار عن محصّل العمليتين، فيخبر بكلام مطلق، فيقول: الظنّ منزّل منزلة العلم، ومن المعلوم أنَّ الظنّ عنوان جامع بين الآلي والاستقلالي، فإنَّ كلّاً منهما فرد من الظنّ، فيكون إخباراً عن الجامع، فيكون اخباراً عن كلّتا العمليتين من دون لزوم الجمع بين اللحاظين.
ــــــــــ[272]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
هذا الكلام من صاحب الكفاية إشكال على برهانه، لكن على تقديرٍ، أي: على تقدير أن تكون الجملة في مقام الإخبار لا الإنشاء، فنتمسّك بإطلاق الظنّ لإثبات كلا التنزيلين.
إلَّا أنَّه استدرك، فقال: إنَّ التمسّك بالإطلاق إنَّما يكون بلحاظ مقدّمات الحكمة، وأحد المقدّمات هو عدم وجود القدر المتيقن، وهنا القدر المتيقن موجود، وهو خصوص الظنّ الآلي، فإنَّ القدر المتيقن من أدلّة الحجّيّة هو قيام الظنّ مقام القطع الطريقي الصرف؛ إذ لا نحتمل قيامه مقام القطع الموضوعي فقط، ومع وجود القدر المتيقن لا تتمّ مقدّمات الحكمة.
والتحقيق: أنَّ كلا من الاستدراك وأصل البيان غير تامٍّ؛ أمّا الاستدراك فغير تامٍّ على المبنى؛ لأنّا بنينا في بحث المطلق والمقيد أنَّ وجود القدر المتيقن ليس من مقدّمات الحكمة، لا القدر المتيقن في مقام التخاطب، فضلاً عن القدر المتيقن من الخارج.
وأمّا من حيث بطلان أصل بيانه: بمعنى: لو فرض أنَّ الجملة كانت خبريّة عن العمليتين، فهل يصحّ التمسّك بالإطلاق ببركة مقدّمات لأشكّ في كلتا العمليتين؟ الصحيح: أنَّه لا يصح التمسّك بمقدّمات الحكمة؛ لا لأجل الاستدراك الذي ابطلناه، بل لأجل أنَّ ما نريده لا يمكن أن يثبت بمقدّمات الحكمة، وما يثبت بها لا نريده، أمّا ما نريده فهو تعميم الظنّ للظنّ الآلي والاستقلالي، لكن أيّ نحوٍ من التعميم؟ فإنَّ تعميم الطبيعة للحصّص على نحوين:
ــــــــــ[273]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
النحو الأوّل: أن يكون الحكم شاملاً للحصّص بمعنى إنهاء خصوصيات الحصّص، وعدم دخلها لا وجوداً وعدماً، ففي قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(1) أحلّ الله جميع حصّص البيع العقدي منه والمعاطاتي الكبير منه والصغير، ومعنى التعميم في المقام عدم دخل خصوصيّة العقديّة والمعاطاتيّة في موضوع الحليّة، وأنَّ موضوع الحليّة هو أصل طبيعة البيع بلا دخل لوجود الخصوصيات وعدمها.
النحو الثاني: أن يكون التعميم بمعنى الجمع بين الخصوصيات، كما إذا فرضنا أنَّ المولى كان يريد أن يحكم على البيع العقدي بالحليّة بما هو بيع عقدي، وعلى المعاطاتي بما هو بيع معاطاتي، فهذا أيضاً ينتج التعميم، بمعنى الجمع بين الخصوصيات، لا بمعنى إلغاءها، فإنَّ البيع العقدي في المقام صحيح؛ لأنَّه بيع عقدي، والمعاطاتي صحيح؛ لأنَّه معاطاتي. أمّا في النحو الأوّل فإنّما كانا صحيحين؛ لأنَّهما فرد من أفراد البيع بدون دخل خصوصيتيهما فيه وجوداً ولا عدماً.
فإذا اتّضح هذا، فالذي نريده من التعميم في المقام هو التعميم بالنحو الثاني. فإنَّ تعميم الظنّ للآلي والاستقلالي إنَّما هو بمعنى الجمع بين الخصوصيتين لا بمعنى إلغاءها؛ لأنَّ الآلية مقدّمة لتنزيل الظنّ منزلة القطع الطريقي، والاستقلاليّة مقدّمة لتنزيل الظنّ منزلة القطع الموضوعي، فإذا قلنا: لا دخل للآلية والاستقلالية في الجامع، فيبقى مبهماً لا يُعلم أنَّه تنزيل للظنّ
ــــــــــ[274]ــــــــــ
( ) البقرة: 275.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
منزلة للقطع، أو تنزيل للمطنون منزلة للمقطوع.
وبتعبير آخر: أنَّ التعميم الذي نريده هو الجمع بين اللحاظين الآلي والاستقلالي؛ إذ لا نحتمل تجرّد التنزيل من كلّ منهما، لأنَّه لا يعقل أن يكون التنزيل بلا لحاظ. فلا يعقل إلغاء الخصوصيات، كما ألغيت في (أحل الله البيع).
إذا اتّضح هذا فنقول: إنَّ مفاد مقدّمات الحكمة هو التعميم، بمعنى إلغاء الخصوصيات لا بمعنى الجمع بينهما؛ لأنَّها كما بينا في مبحث المطلق والمقيد، مفادها بيان أنَّ تمام ما هو الموضوع في لسان المولى هو تمام الموضوع في عالم الجعل والتشريع من دون دخل لشيء آخر فيه، فحينما يقول: (أحل الله البيع) فمقتضى المطابقة بين مقام الإثبات ومقام الثبوت هو أنَّ تمام الموضوع هو ذات البيع دون دخل للعقديّة والمعاطاتيّة فيه، والعموم بمعنى إلغاء الخصوصيات غير معقول في المقام؛ لأنَّ التنزيل بلا لحاظ غير محتمل الثبوت أصلاً، وإنَّما التعميم الذي نحتمله هو بمعنى الجمع بين الخصوصتين. إذن، فما هو المقصود لا يعقل إثباته بمقدّمات الحكمة، وما هو مفاد مقدّمات الحكمة لا يعقل انطباقه على المقصود.
وأمّا البيان الثاني الذي ذكره الآخوند في حاشيته على الرسائل(1): وحاصله كما أشرنا هو الإشكال على أصل البرهان على كلّ تقديرٍ، لا على تقدير الخبر فقط، بمعنى تصوير وجه لكيفيتة استفادة كلتّا العمليتين من هذا الخطاب، سواء كان إنشائيّاً أو خبريّاً.
ــــــــــ[275]ــــــــــ
(1) انظر: درر الفوائد في الحاشية على الفرائد: 189.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وحاصله: أنَّ أدلّة التنزيل أليس فرضنا أنَّ لسانها لسان تنزيل الظنّ بمنزلة القطع. افرضوا أنّنا حملناه على اللحاظ الآلي، كما هو ظاهره عند الآخوند، وقلنا: إنَّ معناه تنزيل المظنون منزلة المقطوع، واقتصرنا على اللحاظ الآلي من دون جمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي، فنستفيد من المدلول المطابقي لهذا الخطاب أنَّ المظنون منزّل منزلة الواقع، وأنَّ مظنون الخمريّة خمرٌ واقعي بالتعبد، وهو الذي اسمّاه صاحب الكفاية(1) بالواقع الجعلي في قبال الواقع الحقيقي.
هذا المدلول المطابقي يستلزم أمراً آخر وتنزيلاً آخر، وهو تنزيل القطع بهذا الواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، أليس المدلول المطابقي للخطاب هو أنَّ مظنون الخمريّة هو خمرٌ واقعاً بالتعبد؟ هذا المدلول المطابقي يستلزم أن يكون القطع بهذا الواقع الجعلي في نظر الشارع منزّل منزلة القطع بالواقع الحقيقي، بمعنى: أن يكون القطع بأنَّ هذا خمر واقعي جعلاً في قوة القطع بأنَّ هذا خمر واقعي حقّيقة.
فإذا فرض هذا الاستلزام، فحينئذٍ يتّضح أنَّ هذا المدلول الالتزامي ينتج قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي، بمعنى: إنَّ القطع بالخمريّة الجعليّة يقوم مقام الخمريّة الحقيقيّة -لا بمعنى أنَّ الظنّ منزّل منزلة القطع- ومن المعلوم أنَّ القطع بالخمريّة الجعليّة في قوة القطع بالخمريّة الحقيقيّة.
غاية الأمر يبقى السؤال، أنَّه لماذا كان المدلول المطابقي -الذي هو تنزيل مظنون الخمريّة منزلة الخمر الواقعي- مستلزماً لتنزيل القطع بالواقع الجعلي
ــــــــــ[276]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 257.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
منزلة القطع بالواقع الحقيقي، مع أنَّه لا ملازمة بينهما عقلاً؟ إذ يمكن عقلاً أن يجعل المولى مظنون الخمريّة خمراً واقعاً تعبديّاً، ولا يجعل القطع به قطعاً بالواقع الحقيقي.
ووجه هذه الملازمة أحد أمرين، أي: أنَّ عبارته مجملة تحتمل أمرين:
الوجه الأوّل: هو الفهم العرفي، بأن يقال: إنَّ العرف يختلف عن العقل، فإنَّ العقل بما أنَّه دقيق النظر، فهو لا يرى ملازمة بين تنزيل القطع بالخمريّة منزلة الواقع، وبين أن يكون القطع به منزّل بمنزلة القطع بالخمر الواقعي الحقيقي، ولكن العرف حيث إنَّه ليس دقيق النظر فهو يفهم أحد المتلازمين من دليل الآخر، فتكون الملازمة عرفيّة، بمعنى: أنَّه إذا قيل: إنَّ هذا هو الواقع جعلاً وتعبداً يفهم العرف حينئذٍ بأنَّ القطع بالواقع الجعلي يقوم مقام القطع بالواقع الحقيقي.
الوجه الثاني: هو دعوى دلالة الاقتضاء، وذلك بتقريب: أنَّ دليل الحجّيّة أليس يدلّ بالمطابقة على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع؟ هذا المؤدّى تارةً نفترض أنَّه بنفسه حكم شرعي، كما هو الحال في حرمة شرب مقطوع الخمريّة، فلا بأس به ولا كلام.
وأخرى نفترض أنَّ المؤدّى بنفسه ليس له حكم شرعي، وإنَّما هو جزء من موضوع الحكم الشرعي والجزء الآخر هو القطع به، كما لو كان موضوع الحرمة هو القطع بالخمريّة، والجزء الآخر هو كونه خمراً واقعاً. فهنا، أليس مقتضى إطلاق دليل التنزيل أنَّ المؤدّى منزّل منزلة الواقع، وأنَّ مظنون الخمريّة منزّل
ــــــــــ[277]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
منزلة الخمر الواقعي؟ هنا نسأل أليس القطع بالخمر الجعلي منزّل منزلة القطع بالخمر الواقعي، وهنا الخمريّة جزء الموضوع، وإنَّما يتمّ هذا التنزيل إذا وجد الجزء الآخر إمّا حقّيقة أو تنزيلاً، وحيث إنَّه لم يوجد حقّيقة، فيستكشف صوناً للسان المولى عن اللغويّة أنَّ الجزء الآخر من الموضوع -وهو القطع بالخمريّة الجعليّة- منزّل منزلة القطع بالخمر الواقعي.
فهذه الملازمة بين التنزيلين إمّا أن يدّعى أنَّها مقتضى الظهور العرفي ابتداءً، وإمّا أن يُقرّب بدعوى أنَّ إطلاق دليل التنزيل -تنزيل مظنون الخمريّة منزلة الخمر- يقتضي استكشاف شيء آخر، فإنَّ الخمريّة جزء الموضوع فلا بُدَّ من شيء يكون بمنزلة الجزء الآخر؛ إذ لا فائدة من التنزيل بدون الجزء الآخر، فصوناً لكلام المولى عن اللغوية يستكشف أنَّ القطع بالخمريّة الواقعيّة التعبديّة منزّل منزلة الشيء الآخر، وهو الواقع الحقيقي.
وعليه: نستكشف كلا التنزيلين بلا جمع بين اللحاظين؛ لأنَّ التنزيل الأوّل بالمطابقة والثاني بالالتزام، ولم يشكّل المحقّق الخراساني على هذا البيان في حاشيته على الرسائل، وإنَّما ذكره في الكفاية وأشكّل عليه.
وخلاصة ما تقدّم: أمّا أصل البيان فحاصله: أنَّ دليل التنزيل يدلّ بالمطابقة على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، فينتج واقعاً جعليّاً تنزيليّاً، كما إذا قامت البينة على خمريّة المائع مثلاً، فهذا هو مدلوله المطابقي.
ويدلّ دليل التنزيل بالالتزام على تنزيل آخر هو تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي. أمّا وجه الملازمة، فهو إمّا الفهم العرفي
ــــــــــ[278]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بحيث يفهم العرف من دليل أحدهما تنزيل القطع به منزلة القطع الآخر، وإمّا التمسّك بدلالة الاقتضاء صوناً لكلام الحكيم عن اللغويّة، حيث إنَّ إطلاق دليل التنزيل يشمل فرض ما إذا كان الحكم جزء الموضوع والجزء الآخر القطع به، ومن المعلوم أنَّ تنزيل أحد الجزئين دون تنزيل الجزء الآخر لغو؛ فصوناً لكلام المولى عن اللغويّة، نقول: إنَّ المولى كما جعل الجزء التعبدي جعل شيئاً آخر تعبداً هو القطع بالواقع الجعلي وقيامه مقام القطع بالواقع الحقيقي، حتّى يثبت كلّا جزئي الموضوع بالتعبد.
وأمّا استدراكه في الكفاية فحاصله: أنَّ الجمع بين هذين التنزيلين -بحسب ما يقتضيه طبيعتهما- أمرٌ غير معقول، وتوضيحه يتمّ ببيان أمرين:
المقدّمة الأوّلى: أنَّ هذين التنزيلين، اللذين أُدّعي أنَّ دليل التنزيل يدلّ على أحدهما بالمطابقة وعلى الآخر بالالتزام، هذان التنزيلان طوليان لا عرضيان، وأحدهما متأخّر عن الآخر.
توضيحه: أنَّ تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة الواقع الحقيقي الذي هو المدلول الالتزامي لدليل التنزيل، ففعليّته فرع فعليّة الواقع الجعلي، فانه لو لم يكن واقع جعلي فلا قطع بالواقع الجعلي، ففعليّة تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي فرع فعليّة المنزّل ووجوده في الخارج، وهو القطع بالواقع الجعلي، والقطع بالواقع الجعلي متأخّر مرتبة عن أصل الواقع الجعلي، والواقع الجعلي عبارة عن التنزيل الأوّل: تنزيل المؤدّى منزلة الواقع. إذن، التنزيل الثاني فرع الأوّل.
ــــــــــ[279]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ومن هذا يظهر أنَّ التنزيل ليس بحسب الدلالة والظهور كما يظهر من بعض عبارات صاحب الكفاية، من حيث إنَّ الدلالة الالتزاميّة هي فرع وجود الدلالة المطابقية، بل النكتة في ذلك هي أنَّ التنزيل الثاني بحسب الفعليّة والواقع هو في طول التنزيل الأوّل؛ لأنَّ التنزيل الثاني فرع فعليّة المنزّل، وفعليّة المنزّل فرع وجود الواقع الجعلي، وهو عبارة عن التنزيل الأوّل، فالتنزيل الثاني في طول الأوّل ثبوتاً وواقعاً لا في مجرّد الدلالة.
والمقدمة الثانية: هي أنَّ الحكم الشرعي إذا كان مترتباً على موضوع مركب من جزئين، وفرض المولى أراد أن يُنزّل شيئين منزلة ذينك الجزئين، كما لو فرضنا أنَّ الحكم كان مترتباً على العلم والعدالة وأراد تنزيل شيء منزلة العلم وشيء منزلة العدلة بلحاظ الحكم المجعول عليهما، فلا بُدَّ أن يُفرض أنَّ التنزيلين يكونان في عرض واحد، ولا يعقل فرض تنزيل أحدهما في طول تنزيل الآخر.
توضيحه: أنَّ الحكم المتعلّق بموضوع تارةً يفرض انحلالياً بحسب أجزاء موضوعه، بحيث يكون الحكم له جزء متعلّق بهذا الجزء من الموضوع وذاك الجزء متعلّقاً بذلك الجزء منه، كما يفرض في الأحكام بالنسبة إلى متعلّقاتها، فإنَّ وجوب الصلاة يكون انحلالياً في اجزاء الصلاة، وأخرى يُفرض أنَّ الحكم واحد لا يعقل فيه الانحلال، كما هو الحال في الحكم بالنسبة إلى موضوعه، نحو: أكرم العالم العادل، فإنَّ وجوب الإكرام لا يقبل الانحلال بالنسبة إلى الموضوع.
ــــــــــ[280]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ففيما إذا فرض أنَّ الحكم كان قابلاً للانحلال بالنسبة إلى الموضوع، لكلَّ من الموضوع جزء من الوجوب، حينئذٍ يتصوّر تنزيل هذا الجزء من الموضوع، وتنزيل ذلك الجزء عرضاً أو مترتباً، نحو: “سين بلال شين عند الله“(1) فينزّل السين في الشهادة منزلة الشين، فهذا تنزيل بلحاظ الحصّة من الوجوب، بعد ذلك لو أراد أن ينزل شيئاً آخر بلحاظ الوجوب المتعلّق بالفاتحة لأمكنه. وأمّا الأحكام بالنسبة إلى موضوعاتها التي لا تنحلّ إليها، كما في نحو:(أكرم العالم العادل)، فإنَّ الوجوب لا ينحلّ إلى وجوبين انحلالاً مطابقاً للخارج، حتّى يتصوّر تنزيلين أحدهما غير مربوط بالآخر، بل لو أراد المولى أن يُنزّل شيئاً منزلة العلم وشيئاً منزلة العدالة، فيكون كلا التنزيلين بلحاظ حكم واحد، هو هذا الوجوب غير القابل للانحلال؛ إذ لا معنى للتنزيل إلَّا إسراء حكم المنزّل عليه للمنزّل، والمفروض أنَّ العلم مستقلاً والعدالة مستقلة ليس لهما حكم مستقل، وإنَّما هناك حكم واحد متعلّق بهما معاً، فتنزيل شيء منزلة أحدهما لا بُدَّ أن يكون بلحاظ أثر واحد، ومعنى التنزيل بلحاظ هذا الأثر: جعل هذا الأثر، وحيث إنَّ الحكم الواقعي لا يقبل جعلين لعدم انحلاله، فيستحيل تبعّضه في مقام الجعل؛ فلا بُدَّ أن يُفرض التنزيلان في عرض واحد، بل التنزيلين يكونان تنزيلاً واحداً: تنزيل المجموع منزلة الواحد.
فإذا ضممنا المقدّمة الأوّلى إلى الثانية اتّضح المقصود، فإنّنا بيّنا من المقدّمة
ــــــــــ[281]ــــــــــ
(1) عدّة الداعي: 21، مستدرك الوسائل 4: 278، أبواب قراءة القرآن، الباب: 23، الحديث 3.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الأوّلى أنَّ أحد التنزيلين في طول الآخر، وبيّنا في الثانية أنَّ الأحكام بالإضافة إلى موضوعاتها حيث إنَّها لا يصحّ فيها الانحلال والتبعيض بالنسبة إلى موضوعاتها، فلا يعقل تنزيل شيء منزلة جزء الموضوع إلَّا في عرض التنزيل الآخر، فينتج أنَّ التنزيلين لا بُدَّ أن يكونا في عرض واحد، وقد عرفنا في المقدّمة الأوّلى أنَّ التنزيلين ليسا عرضيين، فالتنزيل محالٌ.
والتحقيق: أنَّ كلّاً من البيان والاستدراك غير تامٍّ.
أمّا الاستدراك -وهو ما أفاده في الكفاية- لو فرضنا أنَّ البيان الذي ذكره في الحاشية تامٌّ، فهل يأتي عليه هذا الإشكال؟ من حيث إنَّ التنزيلين لا بُدَّ أن يكونا طوليين، مع أنَّ المتصوّر هو كونهما عرضيين، فما هو المتصوّر لا يعقل، وما يعقل غير المتصوّر.
هذا الاستدراك غير تامٍّ، لا لما أفاده المحقّق العراقي، فإنَّه تصدّى لإبطال هذا الاستدراك والإشكال على صاحب الكفاية، فذكر: أنَّ كلّاً من الجزئين له حكم، فإنَّ هذا البرهان موقوفٌ على أن لا نتعقّل أنَّ لكلّ من الجزئين حكم يخصّه، مع أنَّ لكلّ منهما له حكم غير حكم الآخر، فيمكن تنزيل كلّ منهما بلحاظٍ مع قطع النظر عن التنزيل الآخر، ولا يلزم أن يكون التنزيلين عرضيين، بل يمكن أن يكون أحدهما بعد الآخر.
وتوضيحه: أنَّ المفروض في المقام تركّب الموضوع من جزئين: من واقع الخمر والعلم بخمريته، هنا، لو لوحظت الخمريّة بما هي، فهي جزء الموضوع، ومقتضى ذلك أنَّها موضوع للحكم التعليقي، فهي وإن كانت جزء الموضوع
ــــــــــ[282]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
للحكم الفعلي إلَّا أنَّها تمام الموضوع للحكم التعليقي، أي: أنَّه يعد أنَّ الخمر موضوع للحرمة على تقدير تمامّيّة الجزء الآخر، وكما يعقل التنزيل بلحاظ الحكم الفعلي كذلك يعقل بلحاظ الحكم التعليقي. إذن، فالخمريّة بما هي تمام الموضوع للحرمة التعليقيّة يصحّ تنزيل شيء منزلتها، وهو مظنون الخمريّة بلحاظ الحكم التعليقي بدون لحاظ الجزء الآخر؛ لأنَّه موضوع للحرمة الفعليّة لا التعليقيّة.
إلَّا أنَّ الذي أفاده ممّا لا يمكن المساعدة عليه: وذلك لأنّنا نتكلّم في هذا التنزيل الأوّل الذي يتمّ أولاً، وهو تنزيل مظنون الخمريّة منزلة واقع الخمر، أي: تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، تقولون: إنَّه بلحاظ الحرمة التعليقية، وصحّة التنزيل بلحاظها هو جعلها محرمة تعبداً وظاهراً. إذن، التنزيل الأوّل ينتج حرمة تعليقيّة على الخمر. هنا نسأل: أنَّ هذه الحرمة التعليقيّة علّقها على ماذا؟ هل هي معلّقة على القطع بالواقع الحقيقي أو على القطع بالواقع الجعلي؟ وكلاهما غير صحيح: فإذا كان جعل هذا الموضوع حراماً على تقدير القطع بالواقع الحقيقي فهو غير معقول؛ إذ مع وجود القطع بالواقع الحقيقي -لأنّنا نقطع بواقع الخمريّة- يكون التنزيل لغواً، وعند عدم القطع بالواقع الحقيقي لا تصل هذه الحرمة إلينا؛ لأنَّها معلّقة على القطع بالواقع الحقيقي، ولم يوجد -على الفرض- فتعليق الحرمة على القطع بالواقع الحقيقي غير معقول.
أمّا دعوى تعليقها على الواقع الجعلي، بدعوى: أنَّ التنزيل الأوّل، ينتج بعد الحرمة على مظنون الخمريّة معلّقة على القطع بالواقع الجعلي، فهو غير صحيح:
ــــــــــ[283]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أمّا أوّلاً: فهو خلاف المفروض في التنزيل؛ لأنَّ التنزيل بمعنى إسراء حكم المنزّل عليه للمنزل، إسراء حكم واقع الخمر إلى مظنون الخمريّة، وحكم واقع الخمر هو الحرمة على تقدير القطع بالواقع الحقيقي، لا على تقدير القطع بالواقع الجعلي ومعلّقه عليه، فالتنزيل إنَّما يقتضي إسراء ذات الحكم إلى مظنون الخمريّة، وهذا حكم آخر غير ذلك الحكم؛ لأنَّ حرمة الخمر الحقيقي متوقّفة على القطع بالواقع الحقيقي لا الجعلي، وهو خلف، فهو ليس تنزيلاً، بل حكم لحكم جديد على المنزّل.
وأمّا ثانياً: فلو فرض أنَّ المولى أنتج بالتنزيل الأوّل جعل الحرمة على مظنون الخمريّة معلّقة على القطع بالواقع الجعلي، فلا يحتاج إلى تنزيل آخر، وهو أن ينزّل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي؛ لأنَّه بمجرّد التنزيل الأوّل حصل لنا القطع بالواقع الجعلي، فلا يكون هذا تصحيحاً للتنزيلين –كما هو مقصود المحقّق العراقي- بل هو بيان لتنزيل واحد، وهو خلاف المفروض من مقصوده.
وأمّا ثالثاً: فلأن الحرمة بحسب الحقّيقة لو جعلت على مظنون الخمريّة معلّقاً على القطع بالواقع الجعلي، ما هو معنى الواقع الجعلي؟ معناه الواقع التنزيلي، ومعنى الواقع التنزيلي: ما كان بمنزلة الخمر الواقعي، ومعناه ما كان حراماً. فترجع العبارة إلى أنَّ حرمة هذا المائع معلّقة على القطع بالحرمة، فتكون الحرمة المجعولة معلّقة على القطع بالحرمة، وسيأتي الكلام فيه، وسيأتي أنَّ المحقّق العراقي يعتقد باستحالته.
ــــــــــ[284]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فالبيان الذي ذكره المحقّق العراقي إشكالاً على صاحب الكفاية غير تامٍّ.
وعليه: فالإشكال المذكور في الكفاية على مطلب الحاشيّة ممّا يمكن التخلص منه لا بما أفاده المحقّق العراقي من تصوير الأثر التعليقي، فإنَّه ممّا لا يعقل كما سبق أن أوضحناه، بل بتقريب آخر.
وتوضيحه: أنَّ ما أفاده في الكفاية كان حاصله: دعوى أنَّ التنزيلين حيث إنَّهما طوليان، والتنزيل لا معنى له إلَّا اسراء الحكم وجعله، والحكم في المقام واحد لا يقبل الانحلال فلا بُدَّ من اسراء وتنزيل واحد، ووحدة التنزيل مع طوليّة الانشائين أمر غير معقول، فيكون ممتنعاً.
وتوضيح هذا التخلص من الإشكال -بحيث يتصوّر قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي بالدلالة الإلتزاميّة، بالنحو المذكور في الحاشيّة على نحو لا يرد عليه إشكال الكفاية- هو أنَّ الدلالة الإلتزاميّة التي ذكرها في الحاشية لها تقريبان كما أوضحنا، فإنَّ الملازمة بين تنزيل المؤدّى منزلة الواقع وبين تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، هذه الملازمة لها ملاكان، إمّا باعتبار كونها ملازمة عرفيّة أو لدلالة الاقتضاء صوناً لكلام الحكيم عن اللغويّة، فلنتكلّم على كلا التقريبين ونرى أنَّ إشكال الكفاية هل يوجب سد باب التخلص بحيث لا يتمّ المدّعى عن طريق الملازمة أو لا؟
فلنفترض أنَّ ملاك الملازمة كان هو الفهم العرفي، فإنّه يفهم من تنزيل المؤدّى منزلة الواقع تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، فإنَّ العرف -بمسامحته وقلة نظره- يرى أنَّ هناك تلازماً بين التنزيلين، بحيث
ــــــــــ[285]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يكون الدليل الدالّ على أحدهما بالمطابقة دالاً على الآخر بالالتزام.
حينئذٍ يمكن دفع إشكال الكفاية بتغيير محطّ الاستدلال، فإنَّ محطّ الاستدلال في منظور الحاشية والكفاية هو إطلاق دليل التنزيل لصورة ما إذا كان الواقع جزء الموضوع وكان الجزء الآخر هو القطع، كأن تكون الحرمة مترتّبةً على الخمر المقطوع بخمريته، فإطلاق دليل التنزيل بالمطابقة يدلّ على تنزيل مظنون الخمريّة منزلة الواقع، ويدلّ بالالتزام على تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي.
نحن نُغيّر هذا المورد، ونقول: إنّنا نتكلّم في مورد يكون الواقع في نفسه له حكم شرعي، والقطع في نفسه له حكم شرعي أيضاً، كما لو حكم بحرمة الخمر سواء قطع بالخمريّة أو لا، بحيث يكون الخمر الواقعي تمام الموضوع للحرمة، وكان هناك حكم آخر مترتّب على القطع في نفسه، بحيث يكون القطع تمام الموضوع للحكم، وهو وجوب الحدّ للشارب، فهنا حكمان: أحدهما مترتّب على واقع الخمر، والآخر على القطع به، فدليل التنزيل بالمطابقة يدلّ على تنزيل مظنون الخمريّة منزلة المقطوع بلحاظ حكم واقع الخمر وهو الحرمة، ومعناه إسراء حكم واقع الخمر إلى المظنون، وهذا الدليل التنزيلي ينتج أنَّ مظنون الخمريّة واقعٌ جعليٌ. وبعد فرض أنَّ العرف يفهم من هذا التنزيل تنزيل آخر، هو أنَّ القطع بالواقع الجعلي منزّل منزلة القطع بالواقع الحقيقي، فبهذا يتمّ موضوع الحكم الثاني أيضاً، وهو وجوب الحد.
وهذا لا يرد عليه إشكال الكفاية؛ لأنَّ موضوع وجوب الحدّ ليس مركّباً
ــــــــــ[286]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
من الواقع والقطع به حتّى يقال: إنَّ تنزيل القطع متأخّر عن تنزيل الواقع، فإنَّ وجوب الحدّ بحسب الغرض تمام موضوعه هو القطع بالخمريّة. إذن، ليس في حقّه إلَّا تنزيل واحد وهو التنزيل الثاني، تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، وأمّا التنزيل الأوّل -تنزيل مظنون الخمريّة منزلة الواقع- فهو ليس بلحاظ وجوب الحدّ، بل بلحاظ حرمة شرب الخمر، فلم يتحقّق تنزيلان لجزئي موضوع لحكم واحد حتّى تتحقّق الاستحالة.
وعليه: فلو سُلّمت الملازمة العرفيّة يكون مطلب الحاشيّة تامّاً، ولا يرد عليه إشكال الكفاية.
غاية الأمر أنَّ هذا إنّما يتمّ إذا كان القطع تمام الموضوع، أمّا إذا كان القطع جزء الموضوع وكان الجزء الآخر هو الواقع، بحيث لا يكون للواقع أثرٌ باستقلاله، فلا يتمّ هذا التقريب، ولا بُدَّ أن يُتمسّك فيه بعدم القول بالفصل لو قيل به.
وأمّا لو قرّبنا الملازمة بدلالة الاقتضاء صوناً لكلام الحكيم عن اللغويّة، فمن الواضح أنَّه لا يمكن جعل مورد الاستدلال هو ما جعلناه أولاً؛ لأنَّ نفس الواقع كان -فيما فرضناه- ذا حكم شرعي، فلا لغويّة فيه حتّى يستكشف منه تنزيل آخر؛ لأنَّ هذا التنزيل ليس لغواً، سواء وجد التنزيل الثاني أو لم يوجد، على أيّ حالٍ له أثر، وهو إسراء حكم حرمة الشرب من الواقع المقطوع إلى المظنون، سواء أسرى القطع بالواقع الحقيقي إلى القطع بالواقع الجعلي أو لا.
فإذا عرفنا ذلك، فلا بُدَّ من جعل مورد الاستدلال بحيث لولا استكشاف
ــــــــــ[287]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
التنزيل الآخر يكون التنزيل لغواً، وذلك بأن نعود إلى مورد الكفاية، وهو ما إذا كان موضوع الحرمة مركّباً من واقع الخمر، لقطع به بحيث يكون الواقع ليس له حكم شرعي، هنا يأتي دلالة الاقتضاء؛ لأنَّ دليل التنزيل يدلّ بالمطابقة على تنزيل مظنون الخمريّة منزلة الواقع، وهو لغو من دون تنزيل الجزء الآخر؛ لأنَّ تنزيل جزء الموضوع من دون تنزيل الجزء الآخر لغو، فنستكشف من ذلك تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي.
إلَّا أنَّ إشكال الكفاية مع ذلك لا يتمّ؛ لأنَّ غاية ما يقتضيه الإشكال هو أنَّ التنزيل الثاني المستكشف بالملازمة باعتبار دلالة الاقتضاء لا يمكن أن يكون عرضياً، وهو لا يبطل أصل دلالة الاقتضاء.
توضيحه: إنّا نقول: إنَّ دليل التنزيل يدلّ بإطلاقه على تنزيل الواقع المظنون منزلة الواقع الحقيقي، وهذا يكون لغواً، فيستكشف أنَّ المولى نزّل شيئاً آخر منزلة الجزء آخر، أمّا ما هو الشيء الآخر؟ فهو لا يُعرف من دلالة الاقتضاء، وإنّما افترضه الآخوند افتراضاً.
ودلالة الاقتضاء تقول بشكّل مجمل مهمل صونوا كلام الحكيم عن اللغوية، وهذه الصيانة تكون بتنزيل آخر يتكفّل تنزيل الجزء الآخر، ولكن ما هو التنزيل الآخر، هل هو تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، أو تنزيل شيء آخر؟ فهذا ما لا تدلّ عليه دلالة الاقتضاء، ولعل الآخوند استكشف هذا التنزيل الآخر من مناسبة الحكم والموضوع والمناسبات العرفيّة، لا أنَّ دلالة الاقتضاء تقتضي ذلك، وحينئذٍ فإذا ثبت عقلاً أنَّه لا يعقل
ــــــــــ[288]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
التنزيلين الطوليين، فيتبرهن بذلك بطلان هذه المناسبة العرفيّة الارتكازيّة، لا بطلان أصالة الاقتضاء. وتبقى دلالة الاقتضاء تدلّ على القضيّة المهملة المجملة، وهو أنَّ هناك شيئاً آخر منزّل منزلة الجزء الآخر؛ لئلا يكون تنزيل هذا الجزء لغواً.
فيبقى سؤال: وهو أنَّ دلالة الاقتضاء إذا كانت دلالتها مجملة، فكيف نعيّن الجزء الآخر بعد أن بطلت المناسبة الارتكازيّة العرفيّة وتبرهن على بطلانها عقلاً؟ الجواب: أنّنا نعرفه معرفة تعبديّة اجمالية بنفس دلالة الاقتضاء إن قلنا بها.
توضيحه: أنَّ ذلك الشيء المنزّل مع الجزء الأوّل إمّا أن يكون ملازماً لقيام الأمارة أو يكون منفكاً عنها، فالملازم كالظنّ النوعي الملازم مع الأمارة، وغير الملازم كنزول المطر، فإذا كان الأمر دائراً ثبوتاً بين هذين الاحتمالين على اجمالهما، فنثبت بدلالة الاقتضاء تحقّق الشقّ الأوّل وتنزيله منزلة الجزء الثاني؛ إذ لو كان الجزء الآخر قابلاً للانفكاك عن الأمارة ففي موارد الانفكاك يكون التنزيل لغواً، مع أنَّ مقتضى إطلاق دليل التنزيل هو تمامّية التنزيل حتّى في هذه الصورة، فيتعيّن الشقّ الأوّل، وهو كون الشيء الآخر ملازم دائماً مع الأمارة، ومن غير اللازم أن يبحث عنه، وأنَّه ما هو؟ فإنَّه متى ما قامت الأمارة نعرف تمامّية الجزء الآخر الملازم لها بالتعبّد والتنزيل.
ولكن الانصاف أنَّ الاستدراك في نفسه أحسن من مطلب الحاشية بمراتب، فإنَّه له عنوان فني ويعطي قاعدة صحيحة، بخلاف مطلب الحاشيّة؛
ــــــــــ[290]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
لأنَّ الملازمة إمّا أن تكون من باب الدلالة العرفيّة، وإمّا من باب دلالة الاقتضاء، وكلّاً منهما لا يرجع إلى محصّل.
أمّا دلالة الاقتضاء فلا مجال لها في باب الاطلاقات، وإنّما يرد في باب الدلالة الخاصّة، كما لو قال: نزّلت هذا منزلة هذا، فنستكشف أنَّ له حكماً على المنزّل عليه، وإلَّا كان التنزيل لغواً.
وأمّا التمسّك بإطلاق العامّ فلا يصحّ، وإلَّا كان تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، فإنَّ كلّ إطلاق إنَّما يكون فعليّاً ومنجّزاً إذا كان له أثر، فإنّنا لا نحتمل أنَّه يكون منجّزاً حتّى فيما ليس له أثر أصلاً، فإذا كانت الاطلاقات مقيّدة عقلاً بما له أثر، فإذا شكّ بأنَّ هذا له أثر أو لا، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق لإثبات أنه له أثر، وإلَّا كان من باب التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، وهو غير جائز.
وأمّا من ناحية الملازمة العرفيّة فالأمر فيه كذلك، فإنَّ الملازمة العرفيّة على نحوين: تارةً تكون بمعنى: أنَّ العرف لأجل تسامحه وعدم تدقيقه في نظره يرى أنَّ هذا الشيء تابع لذلك الشيء، فمثل هذه الملازمة لا دليل على حجّيتّها، فإنَّ الدليل قام على حجّيّة النظر العرفي في ظواهر الألفاظ، وإلَّا فيبقى تحت أصالة عدم الحجّيّة.
وعليه: فالدليل الدالّ على أحد المتلازمين عرفاً -مسامحةً- لا يدلّ على الآخر، فإنَّ النظر العرفي لا يكون حجّةً إلَّا إذا كانت الملازمة مدلولة للفظ، بحيث يدلّ اللفظ تصوراً على اللزوم، فيدلّ تصوّراً على اللازم، فهذا يرجع إلى
ــــــــــ[290]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
باب الفهم العرفي، أي: يُفهم من الدليل أمر بالمطابقة وأمر بالالتزام، وحينئذٍ تكون الدلالة التصوّرية تامّةً، وتأتي الدلالة التصديقيّة على طبقها ويتمّ المطلب. أمّا إذا لم يصل إلى هذه الدرجة، بل كان من باب المسامحة فلا يكون حجّةً، ولا أقل من عدم الجزم به، ونحن جازمون به، فإنَّ العرف لا يفهم ذلك، فضلاً عن أن يحكم بالملازمة.
فأصل مطلب الحاشيّة غير تامٍّ في نفسه.
وقبل ختم الحديث عن الكلام في البناء للمحقّق الخراساني، لا بُدَّ من التنبيه على إشكال يرد على كلامه؛ وذلك أنَّه قد فرض أنَّ التنزيلين للموضوع المركّب فيما إذا كان الحكم الشرعي مترتّباً على الواقع والقطع، فرض لزوم كون التنزيلان في عرضٍ واحدٍ باعتبار أنَّ الموضوع المركّب ليس له إلَّا حكم واحد، وهذا الحكم لا يقبل التبعيض، فلا محالة يكون مرجع التنزيلين إلى إسراء واحد، فهو في الحقّيقة تنزيل واحد يقتضي إسراء ذلك الموضوع المركّب إلى المركّب من الجزئين التعبديين. وبعد أن فُرض لزوم عرضيّة التنزيلين أشكّل على ما ذكره في الحاشيّة من أنَّ التنزيلين طوليان لا عرضيان؛ لأنَّ تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي في طول تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، مع أنَّه لا تتعقل الطوليّة، بل لا بُدَّ من العرضيّة؛ لأنَّه حكم واحد لا يقبل التبعيض.
وحاصل التنبيه: هو أنَّ ما ذكره من أنَّ الموضوع المركّب من جزئين،
ــــــــــ[291]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فعمليّة التنزيل بلحاظه لا بُدَّ أن تكون عمليّة واحدة، وأنَّ تنزيل شيء منزلة جزء الموضوع لا بُدَّ أن يكون في عرض تنزيل شيء آخر منزلة الجزء الآخر؛ لأنَّ الإسراء واحد، إلَّا أنَّ هذا إنَّما يتمّ في غير المقام. أمّا في المقام فمحال.
توضيحه: أنَّه تارةً يُفرض أنَّ هناك حكماً مترتّباً على موضوع مركّب من جزئين، كجواز التقليد المترتّبة على موضوع مركّب من العلم والعدالة، ونفرض أنَّ المولى يريد أن يُنزّل شيئاً منزلة أحد الجزئين، وشيئاً آخر منزلة الجزء الآخر. وبحسب الحقّيقة مرجع هذا التنزيل إلى تنزيل واحد، وحيث إنَّ حكم الموضوع المركّب حكم واحد لا يقبل الانحلال، فمرجعها إلى عمليتين متقارنتين، أو بالأدق عمليّة واحدة يسري فيها حكم المجموع إلى المجموع، ويتمّ ما أفاده.
إلَّا أنَّ المقام ليس من هذا القبيل، والسرّ في ذلك: أنَّ عرضيّة التنزيلين إنَّما تتمّ وتكون محتومةً فيما إذا فُرض أنَّ التنزيلين من سنخٍ واحدٍ، أي: تنزيلين واقعيين بحيث ينتج التنزيل توسعة واقعيّة، وحكومة واقعيّة على الجزء المنزّل عليه، فإنَّه عندما يُنزّل شيء منزلة العلم وشيء منزلة العدالة يكون التنزيلان واقعيين، بمعنى: أنَّ مقتضى كلّ منهما هو توسعة دائرة هذا الجزء، وجعل الموضوع الجامع بين الاجتهاد أو العدالة والشيء الآخر المقام مقامه بالحكومة، هذا أمر معقول حيث يكون كلًّا من التنزيليين تنزيلاً واقعياً، وينتج حكومة واقعيّة على أدلّة الأحكام الواقعيّة.
أمّا محلّ الكلام، فيما إذا فُرض أنَّ أحد التنزيلين ظاهري والآخر تنزيل
ــــــــــ[292]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
واقعي، أحدهما له حكومة ظاهريّة والآخر له حكومة واقعيّة، فهنا لا يُعقل أن يكون التنزيل المنتج للحكومة الظاهريّة في عرض التنزيل المنتج للحكومة الواقعيّة؛ لأنَّ التنزيلين بلحاظ حكمين: ظاهري وواقعي، لا حكم واحد. وشرح ذلك يتوقّف على بيان أنَّ التنزيلين أحدهما واقعي والآخر ظاهري، وعلى بيان عدم إمكان الجمع بين التنزيلين الواقعي والظاهري.
أمَّا بيان أنَّ أحد التنزيلين ظاهري والآخر واقعي، فتنزيل مظنون الخمريّة منزلة الواقع تنزيل ظاهري ينتج الحكومة الظاهريّة، وتنزيل شيء آخر منزلة القطع بالحرمة الواقعيّة سواء كان هو القطع بالواقع الجعلي أو الظنّ بالواقع، هو تنزيل واقعي.
والبرهان عليه: هو أنَّ الضابط في الفرق بين التنزيلات الواقعيّة والظاهريّة، أنَّه في كلِّ موردٍ يتصوّر جعل حكم ظاهري ويكون له مجال يتصوّر أن يكون التنزيل ظاهريّاً من باب جعل هذا الحكم الظاهري في كلِّ موردٍ لا يتصوّر جعل الحكم الظاهري، فلا بُدَّ أن يكون التنزيل واقعيّاً من باب توسعة الموضوع، وجعل الحكم الواقعي، لا جعل الحكم الظاهري بلحاظ الشكّ في الحكم الواقعي.
في محلّ الكلام بالنسبة إلى الواقع الذي هو جزء الموضوع، وهو واقع الخمر، المفروض أنَّه مشكّوك الوجود، فإنّنا بحسب الخارج لا نعلم أنَّ هذا المائع الذي قامت عليه الأمارة خمر أو لا؛ لأنَّا نحتمل كذب الأمارة، فإذا كان الواقع مشكّوكاً بحسب الظاهر فيعقل جعل الحكم الظاهري بعنوان التعذير والتنجيز بلحاظ ذلك الواقع المشكّوك.
ــــــــــ[293]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وحينئذٍ فتنزيل مظنون الخمريّة، أي مؤدّى الأمارة منزلة الواقع يمكن أن يكون بعنوان التوسعة الظاهرية، أي: جعل حكم ظاهري على مظنون الخمريّة، أي: على طبق مؤدّى الأمارة، وهذا الحكم الظاهري يكون مجعولاً بدَّاعي تنجيز الواقع، هذا أمر معقول.
إذن، تنزيل مظنون الخمريّة منزلة واقع الخمر، يُعقل جعله تنزيلاً ظاهريّاً بجعل الحرمة ظاهراً بداعي تنجيز الحكم بداعي تنجيزه واقعاً، ومعنى كونه تنزيلاً ظاهرياً: أنَّه إذا كانت الأمارة كاذبة لم يكن مظنون الخمريّة حراماً؛ لأنَّ الحرمة الظاهريّة تلائم بقاء الحكم الواقعي على حاله.
وأمّا بالنسبة إلى التنزيل الآخر، وهو تنزيل شيء منزلة القطع بالواقع الحقيقي، هذا التنزيل لا بُدَّ أن يكون واقعيّاً لا ظاهريّاً، والسرّ فيه: أنَّ القطع بالواقع المنجّز معلوم الانتفاء لا مشكّوكه، فإنّا لا نشكّ بأنّا قاطعون بالواقع الحقيقي أو غير قاطعين، فإنّا لسنا قاطعين جزماً، فالجزء الثاني معلوم الانتفاء وجداناً، فلا يعقل التنزيل الظاهري بلحاظه، فإنَّ التنزيل الظاهري إنَّما يكون إذا كان مشكّوكاً فيمكن التنزيل للتنجيز أو التعذير. أمّا إذا كان معلوم الانتفاء، فلا بُدَّ أن يكون معنى تنزيل شيء منزلته لا بُدَّ أن يكون من باب توسعة دائرته واقعاً وبنحو الحكومة الواقعيّة، فلو فرضنا أنَّ الأمارة قامت على خمريّة هذا المائع، وفرضنا أنَّه كان خمراً حقّيقة، فيكون حراماً حقّيقة لوصول الحرمة الواقعيّة، أمّا الجزء الأوّل فقد فرضنا وجوده، وأمّا الجزء الثاني؛ فلأنّه وُسِع حقيقة بحيث يشمل الأمارة.
ــــــــــ[294]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فالتنزيل الأوّل يجب أن يكون ظاهريّاً بعد بطلان التصويب، وأمّا التنزيل الثاني فيجب أن يكون تنزيلاً واقعيّاً وحكومة واقعيّة، فيكون المجعول في أحدهما غير المجعول في الآخر.
وأمّا بيان الكبرى وهو أنَّه لا يمكن الجمع بين التنزيلين الظاهري والواقعي، فحيث عرفنا أنَّ عمليّة التنزيل الأوّل ظاهريّة، فتنتج حكماً ظاهريا،ً وعمليّة التنزيل الثاني واقعيّة فتنتج حكماً واقعيّاً، فالمجعول في أحدهما غير المجعول في الآخر، فلا يعقل أن يكونا عمليّة تنزيل واحدة، ولا يلزم أن تكون العمليتان عرضيتين، بل لا يعقل ذلك؛ لأنَّ التنزيل الظاهري في طول التنزيل الواقعي، وبعد تماميته، فإنَّ تنزيل شيء منزلة القطع بالخمريّة -وهو التنزيل الواقعي- يوسّع دائرة الحكم الواقعي المفروض في المرتبة السابقة على التنزيل الظاهري.
وليس ما ذكره في الكفاية(1) -من لزوم عرضية التنزيلين- إلَّا غفلة عن اختلاف سنخ التنزيلين في المقام، في حين أنَّه لا بُدَّ من الالتزام بكون التنزيل الأوّل ظاهري والثاني واقعي، وحينئذٍ لا بُدَّ من الالتزام بطوليتهما، فإنَّ التنزيل الظاهري يكون في طول التنزيل الواقعي.
فما في الحاشية(2) من إمكان عرضيّة التنزيلين غير صحيح. وما في الكفاية(3)
ــــــــــ[295]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول: 278.
(2) انظر: درر الفوائد في الحاشية على الفرائد: 29.
(3) انظر: كفاية الأصول: 278.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
من طوليتهما -بأن يكون تنزيل القطع بالواقع المظنون منزلة القطع بالواقع الحقيقي في طول تنزيل المظنون منزلة المقطوع- غير صحيح أيضاً؛ فإنَّ التنزيل الثاني ظاهري، والأوّل واقعي في طول الظاهري لا محالة.
نعم، مسألة العرضيّة إنَّما يعقل في موضوع مركّب من جزئين، بحيث يكون التنزيل في كلّ منها واقعياً.
هذا تمام الكلام في المبنى، فإنَّ ما ذكره صاحب الكفاية، وما ذكرناه كان مبنياً على فرض ثبوتي وفرض إثباتي.
أمّا الفرض الثبوتي فهو فرض المبنى المشهور القائل: إنَّه لا يعقل تنجيز الواقع وإقامة الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف، ألَّا بجعل حكم تكليفي، وهذا هو الذي أدى بصاحب الكفاية إلى الالتزام باللحاظ الآلي.
وأمّا الفرض الإثباتي فهو أنَّ لسان الحجّيّة هو تنزيل الظنّ منزلة القطع.
فبناءً على هذيّن الفرضين نشأ إشكال صاحب الكفاية، وهو لزوم الجمع بين اللحاظين في هذه العبارة: الظنّ منزّل منزلة القطع؛ لأنَّ تنزيل الظنّ منزلة القطع الطريقي الصرف يكون بملاحظة الظنّ والقطع آلة، وتنزيل الظنّ منزلة القطع الموضوعي يكون بملاحظتهما استقلالاً، وهذا الأخير لا يمكن؛ لأنَّ القطع ليس له أحكام شرعيّة حتّى يمكن للشارع أن يُنزّل شيئاً منزلتها، وذلك طبقاً للفرض الثبوتي، فلو جمع بين اللحاظين الآلي والاستقلالي في اللسان الواحد لزم الجمع بين اللحاظين.
وحينئذٍ لا بُدَّ من مناقشة هذين الفرضين: الثبوتي والإثباتي، فيقع الكلام
ــــــــــ[296]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
في مقام الثبوت: في أنَّ تنجيز الأمارة للواقع وقيامها مقام القطع الطريقي الصرف هل ينحصر وجهه بجعل الحكم التكليفي أو لا؟ ثُمَّ بعد بيان عدم الانحصار وأنَّ تنجّز الواقع بالأمارة يكون بجعل حكم تكليفي، كذلك يكون بجعل حكم وضعي -مثلاً- وغير ذلك من الألسنة، فيقع الكلام فيما وقع من هذه الألسنة، وبعد تشخيصها نتكلّم عن أنَّ هذا اللسان الممكن ثبوتاً وواقع إثباتاً هل يتكّفل إقامة الأمارة مقام القطع الطريقي والموضوعي معاً أو لا؟ هذا هو منهج البحث.
المحقّق الخراساني: بعد ما ذكر في حاشيته الإشكال على الجمع بين التنزيلين باستلزامه اجتماع اللحاظين، وبرهن بذلك على بطلان الجمع بينهما، بعد ذلك ذكر تصويراً لاستفادة كلا التنزيلين من الدليل: أحدهما بالمطابقة، والآخر بالالتزام، وهو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع بالمطابقة، وتنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي بالملازمة.
ثُمَّ ذكر في الكفاية أنَّ التنزيل بهذا النحو غير معقول؛ ولبيان ذلك ذكر كبرى كليّة، ثُمَّ طبقها على هذين التنزيلين المستفادين من الحاشيّة، وبرهن على استحالتهما.
أمّا الكبرى الكليّة التي ذكرها في الكفاية، فهي أنَّه إذا كان هناك موضوع لحكم شرعي، وكان مركّباً من جزئين، وأريد تنزيل شيئين منزلة كلّ واحدٍ منهما، فلا بُدَّ أن يكون التنزيلان في عرض واحد.
ــــــــــ[297]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فحاصل الكبرى هو لزوم العرضيّة بين التنزيلين اللذين يقعان بلحاظ جزئي موضوع واحد.
وذكرنا في توجيه الكبرى أنَّ تنزيل شيء منزلة موضوع أو جزء موضوع، إنَّما هو باعتبار إسراء حكم المنزّل عليه للمنزّل، وحيث لا يوجد بالفرض لكلِّ واحد من الجزئين مستقلاً حكم على حياله، بل هناك حكم واحد لمجموع الجزئين، فلا يكون إلَّا عمليّة إسراء واحدة، فلا يكون التنزيلان إلَّا عرضين ولا يتصوّر طوليتهما.
هذه هي الكبرى، وبعد الفراغ عنها، يأتي إلى ما ذكره في الحاشية من التنزيلين فيقول: إنَّهما ليسا عرضيين بل طوليان، فإنَّ تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي فرع أن يكون عندنا واقع جعلي، والواقع الجعلي ينتج عن تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، فالتنزيل الثاني في طول الأوّل ومترتّب عليه. إذن، لم ينطبق على الكبرى وهو لزوم العرضية، فيكون هذا محالاً.
ونحن تكلّمنا بعد فرض تمامّية الكبرى، وقلنا: إنَّه يمكننا أن نستكشف تنزيلين عرضيين لا طوليين ببيان سبق، وكان حاصله الالتزام بتعميم الموضوع بلا طوليّة بين التنزيلين.
وكان مقصودنا بيان حال هذه الكبرى في أنَّه هل يجب أن يكون التنزيلان لجزئي موضوع حكم واحد، عرضين أو لا يجب؟
فالذي ذكره صاحب الكفاية من هذه الكبرى هو أنَّ تنزيل شيء منزلة
ــــــــــ[298]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
جزء الموضوع يجب أن يكون دائماً في عرض تنزيل شيء آخر منزلة الجزء الآخر، ولا يمكن أن يكون بينهما طوليّة وترتّب.
ثُمَّ نقول: بأنَّ المنزّل الذي يريد أن ينزّل أشياء منزلة أجزاء الموضوع تارةً يقصد بالتنزيل تنزيل المجموع منزلة المجموع، مثلاً افرضوا جواز التقليد موضوع الاجتهاد والعدالة، فالمنزّل يريد أن ينزّل مجموع شيئين منزلة مجموع الاجتهاد والعدالة، مثلاً ينزل مجموع الكرم والهاشميّة منزلة مجموعهما بحيث لا يمكن ترتّب الحكم أن يتحقّق جزء من هذا المجموع التنزيلي مع جزء من المجموع الواقعي كالعدالة مع الهاشميّة أو الكرم مع الاجتهاد؛ لأن المولى يريد تنزيل المجموع منزلة المجموع لا تنزيل كلّ جزء منزلة ما يقابله، ففي هذا المورد في تنزيل المجموع منزلة المجموع بحيث يكفي في ترتّب الحكم جزء تنزيلي وجزء واقعي، فلا محالة لا بُدَّ أن يفرض أنَّ التنزيل عرضي للمجموع، بل هو في الحقّيقة تنزيل واحد، وتنزيل كلّ جزء منهما يكون تنزيلاً ضمنياً؛ وذلك لأنَّ المفروض أنَّ المراد هو تنزيل المجموع منزلة المجموع والمجموع أمر واحد وهو لا يقبل إلَّا تنزيلاً واحداً لا تنزيلين، فلا محيص عن الالتزام بوحدة التنزيل.
ويعلم من هذا أيضاً أنَّه في مثل ذلك لا يعقل أن يكون أحد التنزيلين واقعياً والآخر ظاهرياً؛ لأنَّه عمليّة تنزيل وإسراء واحد، فلا يعقل أن يكون هناك حكمان أحدهما واقعي والاخر ظاهري، فلا بُدَّ من الالتزام بتسانخ التنزيلين، وأن يكون كلاهما إمّا ظاهريين، وإمّا واقعيين.
واما لو فرض أنَّ المولى أراد تنزيل كلّ جزء بحيث يكفي الملفق منهما كما
ــــــــــ[299]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يكفي الجزءان التنزيليان وحدهما، فلو فرض أنَّ الأمر كان كذلك فهل لا بُدَّ من العرضية أو يمكن اتمامهما بنحو طولي؟
هنا لا بُدَّ من التفصيل: بأن يقال: إنَّ موضوع الحكم تارةً يكون مركّباً من جزئين كلاهما واقعي، كما في تنزيل شيء منزلة الإجماع والعدالة، أو الخمريّة والحمرة، وأخرى يكون الموضوع مركّباً من جزئين أحدهما الواقع والآخر القطع بالواقع، كما هو محلّ الكلام.
ففي القسم الأوّل: إذا فرضنا أنَّ الموضوع مركّب من جزئين واقعيين، فإمّا أن يفرض أنَّ تنزيل شيء منزلة العدالة يختلف سنخاً عن تنزيل منزلة الاجتهاد، بمعنى: أنَّ أحد التنزيلين واقعي والآخر ظاهري، أو إمّا أن يفرض اتفاقهما في السنخ بأن يكون كلاهما واقعي أو ظاهري. فإن فرض اختلافهما في السنخ بأن يكون أحدهما واقعيّاً والآخر ظاهرياً، ومثاله أن يقال: إنَّ المولى نزّل الظنّ بالاجتهاد منزلة الاجتهاد، فهذا تنزيل ظاهري بلحاظ الاجتهاد، ونزّل واقع الهاشميّة منزلة العدالة، وهو تنزيل واقعي بلحاظ العدالة؛ لأنَّه لم يؤخذ في موضوعها الشكّ، في مثل هذا لا يعقل العرفيّة، بل لا بُدَّ أن يكون التنزيل الواقعي أسبق رتبة من التنزيل الظاهري، أي: لا بُدَّ أن يكون تنزيل الهاشميّة منزلة العدالة أسبق رتبة من تنزيل مظنون الاجتهاد منزلة الاجتهاد، والوجه في ذلك: هو أنَّ التنزيل الظاهري إنَّما هو بمعنى جعل حكم ظاهري بأنَّ مظنون الاجتهاد مماثل لحكم الاجتهاد الواقعي في جواز التقليد على تقدير انضمام الجزء الآخر إليه، والجزء الآخر وهو العدالة قد توّسع حقّيقة؛ لأنَّه تنزيل واقعي
ــــــــــ[300]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فكان التقليد مشروطاً بالجامع بين العدالة والهاشميّة، إذن فالتنزيل الظاهري لا بُدَّ أن يكون متأخّراً عن التنزيل الواقعي، فإنَّ التنزيل الواقعي ينقح موضوع الحكم الواقعي الذي يكون الحكم الظاهري في مقام جعل حكم مماثل له، إذن لا بُدَّ أن يتنقح الحكم الواقعي ليجعل حكم مماثل له، فلا محالة يكون الحكم المتوقّف على تنقيح الحكم الواقعي متأخّر رتبة عنه.
واما إذا فرضنا أنَّ التنزيلين كانا من سنخ واحد كلاهما واقعيان أو ظاهريان، فهنا يعقل العرضيّة ويعقل الطوليّة، ولا تتعين العرضيّة، بل تمكن الطوليّة، وذلك بأن ينزّل أولاً الهاشميّة مثلاً منزلة العدالة، وهذا تنزيل واقعي بلحاظ الحكم الواقعي المنزّل منزلة العدالة وهو جواز التقليد على فرض الاجتهاد، فيعطى هذا الحكم للهاشمي بالتنزيل، فيكون له حكم تعليقي هو جواز التقليد على تقدير وجود الجزء الآخر وهو الاجتهاد، وبتنزيل الجزء الآخر، وهو تنزيل الكرم منزلة الاجتهاد يتمّ الجزء الآخر للحكم التعليقي، فيكون التنزيل الأوّل في طول التنزيل الثاني، وهذا مماثل لما ذكره المحقّق العراقي من أنَّ التنزيل الأوّل يكون بلحاظ الحكم التعليقي، وهو أمر معقول في غير المقام.
وبهذا ظهر أنّه في تمام هذا القسم، وهو ما إذا كان الموضوع مركّباً من جزئين واقعيين وأريد تنزيل جزئين منزلة الجزئين، فإنَّه لا تتعين العرضيّة، بل قد تتعين الطوليّة إذا كان تنزيل أحدهما واقعيّاً والآخر ظاهرياً، وإلَّا أمكنت العرضيّة عند تسانخ التنزيل.
ــــــــــ[301]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
واما إذا فرض: أن الموضوع كان مركّباً من جزئين أحدهما هو الواقع والآخر القطع بهذا الواقع، وهذا هو محلّ الكلام، فإنَّ المفروض أنَّ الحرمة مترتّبة على واقع الخمر المقطوع به، فموضوع الحرمة مركّب من واقع الخمريّة والقطع بالخمريّة، وهنا يراد تنزيل مظنون الخمريّة منزلة واقع الخمريّة، أو يراد تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، فما هو الحال هنا؟ هل لا بُدَّ من العرضية حتّى لا يعقل التنزيلين، أو لا؟
ثُمَّ، لنا كلامان:
الكلام الأوّل: أنَّ هذين التنزيلين لا يعقل أن يكونا عرضيين أصلاً، بل لا بُدَّ أن يكون تنزيل شيء منزلة القطع بالواقع الحقيقي أسبق رتبة من تنزيل مظنون الخمريّة منزلة واقعها.
والوجه في ذلك: أن تنزيل شيء منزلة القطع بالواقع الحقيقي، يكون تنزيلاً واقعيّاً ينتج حكومة واقعيّة، وأمّا تنزيل مظنون الخمريّة منزلة الواقع، فهو تنزيل ظاهري؛ لأنَّه أُخذ في موضوعه الشكّ وذاك التنزيل لم يؤخذ في موضوعه الشكّ. فإذا فرض أنَّ أحد التنزيلين واقعي والآخر ظاهري، فهما تنزيلان بلحاظ حكمين أحدهما واقعي والآخر ظاهري، ومرجع التنزيل الواقعي إلى توسعة نفس الحكم الواقعي، ومرجع التنزيل الظاهري إلى جعل حكم مماثل للحكم الواقعي، ومن المعلوم أنَّ جعل المماثِل في طول جعل المماثَل، فلا بُدَّ في محلّ الكلام من الالتزام بالطوليّة.
إلَّا أنَّ هذه الطوليّة عكس طوليّة الحاشيّة، فإنَّه هناك فرض أنَّ تنزيل
ــــــــــ[302]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي في طول تنزيل المظنون منزلة الواقع، مع أنَّ الحكم بالعكس؛ لأنَّ تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي تنزيل حقّيقي، والتنزيل الآخر تنزيل ظاهري، أو لا محالة يكون الظاهري في طول الواقعي، وكذلك ما افاده في الكفاية أيضاً غير صح من لزوم العرضية.
وأمّا كلامنا الثاني فإنَّه إذا لم يلتفت إلى هذه النكتة، وفرض أنَّ كلا التنزيلين من سنخ واحد، كلاهما ظاهري، فهنا هل يعقل الطوليّة؟ قلنا: إنَّه في بقية الموارد يعقل الطوليّة إلَّا أنّه هناك يعقل الطوليّة بالنحو الذي ذكره في الحاشية، بأن يكون تنزيل المؤدّى منزلة الواقع هو الأوّل، وتنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي هو الثاني، فإنَّ هذا لا يمكن، وهذا هو الفرق بين خصوص المقام وسائر الموضوعات الأخرى.
ولذلك لا تعقل الطوليّة لما اشكّلنا به على المحقّق العراقي من أنّنا إنَّما تعقلنا الطوليّة بلحاظ الحكم التعليقي، وهنا لا يعقل تنزيل المظنون الخمريّة منزلة الواقع بلحاظ الأثر التعليقي؛ لأنَّ الأثر التعليقي هو الحرمة على تقدير القطع بها، وهنا لا يعقل جعل حكم ظاهري مماثل للحرمة، أي: تحريم مظنون الخمريّة على تقدير القطع بها؛ إذ لا يعقل هذه الحرمة في الخارج بالإضافة إلى ما فيها من تهافت. وإن فرض أنَّها عُلّقت على شيء غير القطع، فهي حرمة غير مماثلة للواقع، مع أنَّ المفروض جعل حكم مماثل، وهو خلف، فالطوليّة في المقام غير معقولة.
ــــــــــ[303]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
انتهى الكلام إلى الحديث حول البرهان الذي أفيد في كلمات المحقّق الخراساني، وقلنا: إنَّه في سبيل الحديث في المبنى لا بُدَّ من التكلّم أولاً: عن هذا المفروض مشهورياً في هذا البرهان من أنَّه لا يعقل تنجّز الحكم الواقعي بالحجّة وبإقامة الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف، إلَّا بجعل الحكم التكليفي، هل هذه الفرضيّة صحيحة أو يعقل تنجّز الواقع بغير الحكم التكليفي؟ وبعد فرض معقوليّة إقامة الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف، وتنجّز الواقع بغير الحكم التكليفي، بل بألسنة أخرى، يقع البحث عن أنَّ أيّ من هذه الألسنة الممكنة ثبوتاً والصالح لكلّ منها لإقامة الأمارة مقام القطع، أي: منها هو الواقع في الشريعة، بعد معرفة اللسان الثابت في الشريعة لتنجيز الواقع بالأمارة، نرى أنَّ هذا اللسان هل يفي بتنزيل الأمارة منزلة كلا القطعين -الطريقي الصرف والموضوعي- أو لا؟
نبدأ بالبحث الأوّل: البحث عن الفرضية المشهورة، وهو أنَّ تنجيز الواقع بالأمارة وقيامها مقام القطع الطريقي الصرف لا يكون إلَّا بجعل أحكام تكليفيّة.
البحث الأول: تنجيز الواقع بالأمارة لا يكون إلَّا بجعل الأحكام التكليفيّة
هذا المدّعى الذي أُقيم عليه برهان المحقّق الخراساني، يمكن تقريبه، ببيان: أنَّ تنجيز المولى للواقع في موارد الأمارات يجب أن يكون بجعل تشريعي لما هو
ــــــــــ[304]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
داخل تحت سيطرته، والداخل تحت سيطرته هو الجعل التشريعي للأحكام التكليفيّة، فإنَّه يمكن أن يجعل الوجوب والحرمة والاباحة، فإنَّه داخل تحت سيطرته بما هو مولى، فيمكن تعلّق الجعل التشريعي به، وأمّا خصائص القطع الطريقي الثابتة له تكوينياً كالكاشفيّة والطريقيّة، وعقلاً كالمنجّزيّة والمعذّريّة، فإنَّها لا تدخل تحت السيطرة التشريعيّة والجعل من المولى؛ إذ لا يعقل الجعل التشريعي للأحكام التكوينيّة أو العقليّة. إذن، جعل المنجّزيّة التي هي أمر عقلي، أو الكاشفيّة التي هي أمر تكويني، محال لعدم صلاحيتها للإيجاد التشريعي، وإنَّما الذي يصلح للإيجاد التشريعي هو الأحكام التكليفيّة، فمن هذا يتبيّن أنَّ تنزيل الظنّ منزلة القطع الطريقي الصرف في المنجّزيّة أو الكاشفيّة غير معقول.
ومبنياً عليه يظهر أنَّ عمليّة تنزيل الظنّ منزلة القطع الطريقي الصرف بلحاظ أحكامه العقليّة والتكوينيّة محال؛ لأنَّ عمليّة التنزيل كما قلنا: هي عبارة عن إسراء حكم المنزّل عليه للمنزّل، والمنزّل عليه في المقام ليس له حكم من المولى ليعقل إسراؤه مولوياً إلى المنزّل.
وبتعبير آخر: أنَّ تنزيل الظنّ منزلة القطع الطريقي الصرف عبارة عن جعل المنجزيّة للظنّ، وقد فرضنا أنَّه محال، هذا ما ينبغي أن يكون تقريباً صوّرياً للقاعدة المشهوريّة.
وقبل أن ندخل في تفاصيل جواب الآخرين عن هذه الشبهة، نقول بأنَّ جعل المنجّزيّة والكاشفيّة الذي يراد بهذا التقريب إثبات امتناعه؛ لأجل حصر
ــــــــــ[305]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الجعل بالحكم التكليفي، إن أُريد من جعل المنجّزيّة والكاشفيّة، جعلها واقعاً، أي: جعل المنجّزيّة والكاشفيّة بالحمل الشايع، فلا إشكال بامتناعه على جميع المباني والظنون؛ لأنَّه أمر واقعي يدركه العقل، فهو لا يقبل الجعل التشريعي، كما أنَّ الحرارة لا تقبل الجعل التشريعي، وهذا ممّا لا إشكال فيه، إلَّا أنَّ هذا ممّا لم نعلم إدّعاء أحد له، وإنَّما المراد في المقام جعل عنوان الكاشفيّة والمنجّزيّة، أي: إنشاء هذا العنوان وإيجاده إنشاءً واعتباراً، نظير جعل البنوة -مثلاً- في مجتمعات تجوّز التبني، كأن يتبنى الشخص شخصاً أجنبيّاً، فيقول: جعلت هذا ابني، فإن كان المقصود من هذا الجعل جعل البنوة الحقيقيّة، فهو محال؛ لأنَّه لا يعقل جعلها تشريعاً، وإن كان معناه: فرضه واعتباره، فهو بمكان من الإمكان بلا إشكال.
فالمفروض هو إيجاد عناوين المنجّزيّة والكاشفيّة بالحمل الأوّلي، فيقع البحث الصناعي، في أنَّ إيجاد هذه العناوين بالجعل التشريعي هل يجزي في تنجيز الواقع وإخراجه عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فقد يقال: إنَّه لا يجدي؛ لأنَّه جعل عنوان المنجّزيّة والكاشفيّة بالحمل الأوّلي لا يحقّق المنجزيّة والكاشفية في الخارج بالحمل الشايع. إذن، فالواقع لا يتنجز بهذه الإنشاءات، بل يبقى تحت قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
إذن، لا بُدَّ من صرف الكلام إلى هذه الجهة، وهي أنَّ جعل عنوان المنجزيّة والكاشفية هل يقوم بتنجيز الواقع وإخراجه عن قاعدة قبح العقاب، أو لا يكفي؟
ــــــــــ[306]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وحينئذٍ نقول: إنَّ هنا مسلكين، كما انقدح من بحثنا في المقام الأوّل في قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف: مسلك اخترناه وشيدناه، ومسلك اختاره الميرزا ولعله المشهور، فلا بُدَّ أن نرى في هذين المسلكين كيف أنَّ الحكم الظاهري ينجّز الحكم الواقعي ويخرجه عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان؟ فإذا رأينا ذلك، نأتي إلى جعل المنجّزيّة والكاشفيّة لنرى هل فيه هذه النكتة التي تخرج الحكم الواقعي عن قاعدة قبح العقاب، أو ليس فيه؟
أمّا المسلك المختار: فحاصله: أنَّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان التي تؤمّن من ناحية الواقع المجهول، لا تجرّي في جميع التكاليف المشكّوكة، بل تجرّي في طائفة دون أخرى، فإنّا أوضحنا أن التكليف المشكّوك تارةً يكون مشكّوكاً بحيث على فرض وجوده في الواقع نعلم بأنه في غاية الأهميّة، كما لو شكّكنا أنَّه يجب انقاذ هذا الغريق أو لا، ولكن على فرض وجوبه فهو في غاية الأهميّة باعتبار أنَّ الغريق ابنه، وأخرى يكون التكليف مشكّوك الوجود والأهميّة، وقلنا: إنَّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان إنَّما تجري في القسم الثاني المشكّوك وجوداً وأهميّة، أمّا القسم الأوّل من التكاليف -وهو التكليف المشكّوك الذي يكون على تقدير وجوده معلوم الأهميّة، بحيث لا يرضى المولى بتفويته حتّى من الشاك- فلا يدخل تحت قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل يجوز العقاب بلا بيان؛ لأنَّ التكليف يتنجّز بمجرّد الاحتمال.
أمّا ما هي وظيفة الحكم الظاهري؟ قلنا: إنَّ جعل الحكم الظاهري وظيفته
ــــــــــ[307]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
هو الكشف عن أنَّ التكليف الواقعي المشكّوك على فرض وجوده فهو مهمّ، وجعل العلم الوجداني بالأهميّة على فرض الوجود، فإذا أدّى الحكم الظاهري هذه الوظيفة، فحينئذٍ التكليف وإن كان لا يزال تكليفاً مشكّوكاً لم يتمّ عليه البيان، إلَّا أنَّه يخرج عن طائفة المشكّوكات التي تحكمها قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ويدخل في طائفة المشكّوكات التي تحكمها قاعدة دفع الضرر المحتمل.
هذا هو المبنى المختار، ومعناه أنَّ جعل الحكم الظاهري يرفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لا ببركة أنَّه يوجد البيان، بل باعتبار أنَّه يكشف عن شيء هو اهتمام الشارع بالتكليف الواقعي، فالحكم الظاهري يكون منجّزاً باعتبار كشفه عن شيء لا باعتبار إيجاده لشيء، فإنَّ الحكم الظاهري لا يكون رافعاً لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان بتتميم البيان، بل يكون نفس الحكم المشكّوك منجّزاً بمجرّد الاحتمال.
وبناءً عليه: فكلّ حكم ظاهري كان له صلاحية الكشف عن اهتمام الشارع بالواقع المشكّوك، يمكن أن يؤدّي هذه المهمّة، فتكون تمام الألسنة القابلة للكشف عن ذلك منجّزة للواقع، فإنَّه كما يمكن أن يكون ذلك بعنوان الاحتياط “أَخُوكَ دِينُكَ فَاحْتَطْ لِدِينِك”(1) كذلك يكون بعنوان المنجزيّة (الظنّ عندي منجِّز) أو الطريقية والكاشفية (الظنّ عندي كاشف)، فإنَّه كلّه مجعولاً بقصد الكشف عن اهتمام المولى.
وحينئذٍ فهذه المعركة الحاميّة التي دارت بين المحقّقين، تكون بلا موضوع
ــــــــــ[308]ــــــــــ
(1) أمالي المفيد: 283، المجلس الثالث والثلاثون، الحديث 9.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ولا محمول؛ لأنَّها قائمة على أنَّ الحكم الظاهري ينجّز الواقع بجنبته الإيجاديّة، فوقع الخلاف في أنَّه كيف يوجد الحكم الظاهري شيئاً يرفع به موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ويتمّ به البيان، فذُكرت لذلك عدة ألسنة، في حين أنَّ مجرّد كشفه عن اهتمام المولى كافٍ في تنجيزه، وهذا الكشف يناسب مع تمام هذه الألسنة، والمولى بما أنَّه عرفي يختار أحدها.
وبهذا يظهر أنَّه كما يمكن جعل الأحكام التكليفيّة يمكن جعل المنجّزيّة والكاشفيّة عنواناً؛ لأنَّ جعلها يكشف عن اهتمام المولى الشديد.
وأمَّا لو بنينا على مسلكهم من أنَّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان تجرّي في جميع المشكّوكات، سواء كانت معلومة الأهميّة أو لا، فحينئذٍ ينحصر طريقة تنجيز الواقع بالأمارة، بأن تتمم البيان وترفع موضوع القاعدة، فإنّه ما دام الـ(لا بيان) ثابتاً، فالقبح ثابت ولا يتنجّز الواقع، وإنَّما ينحصر تنجّز الواقع بإيجاد البيان، ومن هنا يكون الحكم الظاهري منجّزاً للواقع باعتبار جهة إيجاده لا كشفه، بأن يوجد شيئاً يكون بياناً رافعاً لموضوع القاعدة.
وبناءً عليه: ممّا لا إشكال فيه أنَّه في موارد الأمارات سواء في الحكم التكليفي أو المنجّزيّة أو الكاشفيّة، لا يتمّ البيان، فتتميم البيان حقّيقة وإبداله بالبيان غير معقول؛ لأنَّ المفروض في موارد الأحكام الظاهريّة هو الشكّ، فلا بُدَّ من الإلتزام بأنَّ هناك تسامحاً حصل في عبارة عدم البيان، فإنَّه ليس المقصود منها عدم العلم، بل عدم العلم وعدم أشياء أخرى تكون كالعلم في تنجّز الواقع، لا بالتعبد، بل بمعنى: أنَّ العقل الذي يحكم بالقبح عند عدم العلم
ــــــــــ[309]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يحكم بالقبح عند عدم جميع هذه الإنشاءات، ولا يحكم به عند وجودها، فموضوع القبح ليس خصوص العلم، بل موضوعه -من أوّل الأمر- عدم العلم، وعدم بعض الإنشاءات الظاهريّة من قبل المولى.
أمّا أنَّ ذاك الشيء الآخر ما هو؟ هل هو جعل الحكم التكليفي أو المنجّزيّة أو الطريقيّة عنواناً؟ فهذا لا يكون بحثاً برهانيّاً؛ لأنَّ كلَّ إنسان يرجع إلى وجدانه في ذلك، فلا يكون بحثاً برهانيّاً، بل يكون من باب إقامة الدعاوى المتقابلة.
وبما ذكرنا ظهر وجوه الخلل فيما أفاده المحقّق النائيني(1) ومدرسته، ومنهم السيّد الأُستاذ(2)، حيث ذهبوا إلى أنَّ تنجّز الواقع بالأمارة لا يكون بجعل الحكم التكليفي، إلَّا أنَّهم فصّلوا في ذلك الشيء الآخر بين جعل الطريقيّة وجعل المنجّزيّة، وقالوا: إنَّ تنجّز الواقع يكون بجعل الطريقيّة دون المنجّزيّة
فلهذه الدعوى عقدان: عقد ايجابي وعقد سلبي، أمّا العقد السلبي -وهو أنَّ الواقع لا يتنجّز بجعل المنجّزيّة- فبيانه على ما في تقريرات الميرزا: أنَّ جعل المنجّزيّة هنا من قبل الشارع، بحيث يتمّ البيان ويخرج الواقع عن قاعدة البراءة العقليّة -قبح العقاب بلا بيان- محالٌ، وتخصيص للقاعدة العقليّة؛ إذ بعد جعله بياناً لا يتمّ البيان، ويبقى الـ(لا بيان) ثابتاً على أيّ حالٍ، بخلاف ما إذا جعله
ــــــــــ[310]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 78.
(2) انظر: دراسات في علم الأصول 4: 93.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
طريقاً وعلماً، كما سنعرف في العقد الايجابي، فإنَّ هذا يرفع موضوع القاعدة، فيكون تخصّصاً ووروداً على الحكم العقلي لا تخصيص له.
وقد ظهر ممّا بيّناه أنَّ هذا البيان ناشئ من الألفاظ؛ وذلك: أنَّه إن أُريد بالمنجّزيّة -الذي قيل إنّه يستحيل تنجّز الواقع بجعلها للحكم الظاهري- واقع المنجّزيّة فلا إشكال في استحالته، وكذلك حال واقع الطريقيّة إذا أريد جعله، وإنَّما يراد بجعل المنجزيّة جعل عنوانها، فإذا كان المقصود جعل عنوانها، فإنَّ الميرزا يقول: إنَّ هذا تخصيص في قاعدة قبح العقاب، وهو مناف لحكم العقل، وقد ظهر ممّا ذكرناه أنَّ هذا لا يكون برهاناً لا على مبنانا ولا على مبناهم، أمّا على مبنانا من تخصيص جريان القاعدة في التكليف المشكّوك وجوداً والمشكّوك أهميّة، وأنَّ الأحكام الظاهريّة تكشف عن أهميّة التكاليف في نظر الشارع، فجميع الألسنة صالحة للكشف عن الاهتمام، فيكون خروج المورد عن قاعدة البيان تخصّصاً لا تخصيصاً؛ لأنَّها مختصّة عقلاً بالتكليف المشكّوكة الأهميّة، والتكليف الذي يقوم عليه الحكم الظاهري معلوم الأهميّة، فلا يلزم التخصيص المحال.
وأمّا على مبناهم من أنَّ قاعدة البراءة العقليّة تجري في جميع التكاليف المشكّوكة، وعليه فلا بُدَّ من تبديل الـ(لا بيان) إلى البيان، فنتساءل ما المقصود من عدم البيان، هل هو عدم العلم الوجداني؟
نعم، لا يتنجّز الواقع؛ لأنّه مناف لحكم العقل؛ لأنَّ الـ(لا بيان) تامّ بالفعل، وكذلك في جعل الطريقيّة البيان لا يتمّ أيضاً، وإن وُسّعت القاعدة إلى
ــــــــــ[311]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
عدم العلم وعدم الانشاءات الأخرى، فمَن قال: إنَّه مخصوص بالطريقيّة إذا قال: الظنّ طريق، يجوز، ولكن إذا قال: الظنّ منجّز لا يجوز، حينئذٍ يرجع إلى الألفاظ لا إلى البرهان. إذن، فهذا العقد السلبي لا يمكن المساعدة عليه.
أمّا العقد الايجابي في كلام الميرزا ، فهو الالتزام بجعل الطريقيّة، وبجعل الظنّ علماً وتتميم كشفه، برفع الـ(لا بيان) وتبديله إلى البيان بحكم الشارع وتعبده، فيكون العقاب على الواقع صحيحاً؛ لأنَّه عند قيام الحكم الظاهري يتمّ البيان.
وتوضيح هذا المدّعى يتمّ مع بيان الإشكالات عليه مع دفعها، فقد أورد عليه بإشكالين، إشكال مشهوري، وإشكال للمحقّق الاصفهاني(1).
أمّا الإشكال المشهوري على مبنى جعل الطريقيّة، فحاصله مبني على تخيّل أنَّ مراد الميرزا جعل الطريقيّة هو عمليّة التنزيل، أي: تنزيل الظنّ منزلة القطع، فعليه ينقدح إشكال بعد أن علمنا أنَّ عمليّة التنزيل هي إسراء حكم المنزّل عليه للمنزّل فلا بُدَّ أن يكون جعل الحكم للمنزّل عليه ثابتاً ليسري إلى المنزّل، ومن المعلوم أنَّ القطع الطريقي الصرف ليس له حكم من الشارع بما هو قطع طريقي صرف، وعليه فيكون التنزيل محالاً.
وجوابه ما تعرض له النائيني(2) نفسه في بعض توضيحاته لمسلكه، حيث أفاد: أنَّ المراد من جعل الطريقيّة ليس هو تنزيل الظنّ منزلة القطع حتّى
ــــــــــ[312]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 19.
(2) انظر: فوائد الأصول 3: 123.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يطبّق عليه قوانين التنزيل، بل المراد بها اعتبار الظنّ علماً، وفرق بين باب التنزيل وباب الاعتبار، فإنَّه تارةً نفرض أنَّ هناك موضوعاً له حكم ونريد أن نسري حكمه إلى موضوع آخر، فهذه عمليّة تنزيل، وأخرى نقطع النظر عن أيّ حكم في الدنيا ونعطي الظنّ لهذا الحكم، وهو كونه علماً فرضاً واعتباراً، والفرض والاعتبار خفيف المؤونة، فإنَّ للمولى أن يعتبر أيّ شيء أيّ شيء، فليس هذا من باب التنزيل، بل مجرّد خيال وفرض للمعتبر له، أي: للعلم الحقيقي حتّى ينزّل العلم الاعتباري منزلته، فبعد فرض تفسير جعل الطريقيّة بجعل الاعتبار لا التنزيل، تندفع الشبهة، إلَّا أنَّه يبقى سؤال هو أنَّ هذا الاعتبار ما هو أثره المصحّح له، فإنَّ الاعتبار -باعتبار كونه فعلاً صادراً عن الحكيم الملتفت- لا بُدَّ أن يكون له أثر، إلَّا أنَّ هذه مسألة أخرى غير مسألة التنزيل.
قال الميرزا: إنَّ أثر هذا الاعتبار رفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ إذ نلتزم أنَّ موضوعها هو عدم العلم بالمعنى الأعمّ من العلم بوجوده الحقيقي ووجوده الفرضي الاعتباري، فإذا كان موضوعها ذلك فاعتبار الظنّ علماً يحقّق الجامع، وحينئذٍ يرفع موضوعها، ويكفي هذا مخرجاً للاعتبار عن اللغوية.
وأمّا الإشكال الثاني على جعل الطريقيّة، فهو ما في كلمات المحقّق الاصفهاني(1)، حيث ذكر في حاشيته على الكفاية أنَّ بعض المعاصرين ذهب إلى جعل الطريقيّة، بعد إلتفات المحقّق الأصفهاني إلى أنَّها من باب الاعتبار لا من
ــــــــــ[313]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 19- 28.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
باب التنزيل، ونكتته أنَّه لا بُدَّ من توسعة موضوع القاعدة.
قال: بأنَّ جعل الطريقيّة -بناء على ما ذكرنا- يحتاج إلى أثر مخرج له عن اللغويّة، وأثره يتوقّف على توسعة موضوع القاعدة إلى العلم الحقيقي، والعلم الفرضي الاعتباري حتّى يتحقّق بجعل الطريقيّة فرد من العلم، مع أنَّ هذا
-أي: توسعة موضوع القاعدة- هو جامع العلم الأعمّ من الحقيقي والاعتباري، غير صحيح.
أمّا بناءً على أنَّ استحقاق العقاب والثواب من الأمور الواقعيّة النفس الأمريّة التي يدركها العقل، كما يدرك الإمكان والوجوب، ويدركها العقل العملي، فإنَّه بناءً على ذلك، كيف يمكن أن يقال بأنَّ هذا الأمر الواقعي يُتقوّم بالاعتبار؟ فإنَّه بمجرّد فرض الظنّ علماً كيف يؤثر بالأمر الواقعي؟ فإن فُرض كونه أمراً واقعيّاً فُرض كونه لا يختلف باختلاف الاعتبار، كبياض الجسم.
وأمّا بناءً على ما حقّقه واختاره المحقّق الأصفهاني(1) من أنَّ استحقاق العقاب والثواب أمر عقلائي مجعول للعقلاء، ومن القضايا المشهورات من حسن العدل وقبح الظلم، فبناءً عليه لا نتصوّر توسعة موضوع القاعدة؛ لأنَّ العقلاء في مقام جعل هذه القاعدة لا يحملونها على نحو القضيّة الحقيقيّة، بحيث يكون حكماً جامعاً بين أفراد موجودة ومقدرة الوجود؛ لأنّهم ليسوا مشرعين على نحو القضايا الحقيقية، وإنَّما هم يجعلون الأحكام بجريهم الخارجي، ففي كلّ مورد جروا فيه على العقاب فهو حكمهم بحسن العقاب،
ــــــــــ[314]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 3: 29.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وفي كلّ مورد جروا فيه على عدم العقاب فهو حكمهم بقبح العقاب. إذن، فأحكامهم دائماً شخصيّة لا كلّيّة، فكيف يمكن أن يجعل المولى فرداً لذلك الموضوع الكلّي بالتعبّد والتشريع المولوي؟
إلَّا أنَّ هذا الإشكال لا أساس له؛ لأنَّ الميرزا يذهب إلى ما هو الصحيح من أنَّ استحقاق العقاب والثواب أمر واقعي لا جعلي من قبل العقلاء. إذن، فنختار الشق الأوّل من الإشكال، ولا يرد عليه الإشكال بدعوى أن الأمر الواقعي لا يختلف باختلاف الاعتبار، فإنَّ المراد من أنَّ الأمر الواقعي لا يختلف باختلاف الاعتبار إن كان نفس الأمر الواقعي لا يكون نحو ثبوته ثبوتاً اعتبارياً، فهذا من القضايا التي قياساتها معها؛ لأنَّه خلف كونه أمراً واقعيّاً.
وإن أريد أنَّه لا يعقل أن يكون الأمر الاعتباري من مبادئ ثبوت الأمر الواقعي فغير صحيح؛ فإنَّ الأمر الاعتباري إن لوحظ من ناحية نفس الاعتبار فهو حقّيقي وليس أمراً خيالياً، كما لو فرضنا أن حالة نفسانيّة حقيقيّة تنشأ من تصوّر واعتبار بحر من ذهب أو من زئبق، فهذه الحالة النفسيّة معلولة لا لبحر من الزئبق الخارجي حتّى يقال: المعدوم كيف يكون علّةً للموجود؟ بل هي معلولة للوجود الاعتباري، وهو موجود حقّيقةً لا خيالاً.
ومدّعى الميرزا هو ذلك، فإنَّ المدّعى هو أنَّ استحقاق العقاب يكون من مبادئ ثبوت البيان الاعتباري وعدم البيان الاعتباري، وهو بمكان من الإمكان. فهذا الإشكال خلط بين الأمر؛ كون الأمر الاعتباري مقوّم لثبوت
ــــــــــ[315]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الأمر الواقعي، وكونه من مبادئ ثبوت الأمر الواقعي، والأوّل محال، ولكن الثاني أمر ممكن، فحينئذٍ جعل الطريقيّة لا يرد عليه كلتا هاتين الشبهتين.
ولكن الصحيح: أنَّ جعل الطريقيّة بهذا البيان ممّا لا محصّل له مبنىً على مسلكنا؛ وذلك لأنَّه إن أريد بجعل الطريقيّة جعلها بداعي الكشف عن أهميّة التكليف الواقعي وإيصال هذه الأهميّة إلى المكلف، فيكون التكليف منجّزاً لا محالة، إلَّا أنَّ تنجّزه لا من باب تحقّق البيان، بل من باب أنَّ التكليف يكون معلوم الأهميّة على تقدير وجوده، ويكون منجّزاً بمجرّد الاحتمال، وحينئذٍ فلا يفرق الحال في لسان هذا الجعل بين جعل المنجّزيّة أو الطريقيّة أو الحكم التكليفي.
وإن فُرض أنَّ المولى جعل الطريقيّة لا بدَّاعي الاهتمام بالواقع، وإنَّما بمجرّد الفرض والاعتبار؛ للحصول على دينار مثلاً، فهل يحتمل أحد أنَّ هذا المولى الذي لا يهتم بأحكامه الواقعيّة في حال الشكّ، وإنَّما جعل الظنّ علماً لتحصيل الدينار، هل يكون جعله هذا منجّزاً للواقع؟ عهدته على مدّعيه.
فالملاك في موارد جعل الطريقيّة مبرر لاهتمام المولى، وهو مشترك بينها وبين غيرها من الألسنة، فإن وجد الكشف فيكون الواقع منجّزاً، وإن لم يوجد فلا يكون منجّزاً، ولا يكون مجرّد الفرض والاعتبار من قبل المولى منجّزاً للواقع ويستحقّ العقاب على مخالفته.
وبهذا تلخص: أنَّ تنجيز الواقع بالأمارة على مسلكنا يمكن أن يكون بمختلف هذه الألسنة، بجعل الحكم التكليفي، أو عنوان الطريقيّة، أو عنوان
ــــــــــ[316]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
المنجّزيّة؛ والنكتة فيه هو أنَّ جعل الحكم الظاهري منجّزاً يكون باعتبار جهة كشفه لا جهة إيجاده كما تخيّله المحقّقون، وجهة الكشف مناسبة مع جميع الألسنة.
قلنا(1) بعد انتهاء الكلام فيما أفاده المحقّق الخراساني، أنَّه يقع البحث في مقامات ثلاثة:
المقام الأول: في التكلّم في ما يمكن أن يقع عليه جعل الحجّيّة وتنزيل الظنّ منزلة القطع الطريقي من أنحاء وألسنة، وهذا بحث ثبوتي صرف، فإذا ثبت هنا إمكان عدة ألسنة، وأنَّ جعل الحجّيّة وتنزيل الظنّ منزلة القطع الطريقي الصرف يمكن أن يُجعل بلسان جعل الحكم التكليفي، أو بلسان جعل الطريقيّة أو المنجّزيّة، حينئذٍ ننتقل إلى المقام الثاني، وهو أنَّ هذه الألسنة التي ثبت إمكانها ثبوتاً، أيّها دلّ الدليل عليها إثباتاً، وذلك بأن نعيّن أنَّ هذا اللسان مثلاً هو الذي دلّ عليه دليل الحجّيّة، وحينئذٍ ننتقل إلى المقام الثالث فنبحث أنَّ هذا اللسان هل ينهض ويكفي لإثبات قيام الأمارة مقام القطع الطريقي والموضوعي معاً، أو يقتصر فيه على قيام الأمارة مقام القطع الطريقي فقط.
فيما سبق تكلّمنا في المقام الأوّل بما لا مزيد عليه، وكانت النتيجة البحثيّة المتحصّلة منه، أن جعل الحجّيّة وتنزيل الأمارة منزلة القطع الطريقي الصرف
ــــــــــ[317]ــــــــــ
() لخّص سيّدنا الأُستاذ (أدام الله بقاءه) –بعد عطلة طويلة استغرقت النصف الأوّل من رجب- ما سبق أن ذكره قبل العطلة بوجه الاختصار، ولا بأس من إعادته من قبلنا أيضاً؛ فإنَّه لا يخلو عن فائدة، قال السيّد الصدر: قلنا: … (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يمكن أن يكونا بعدّة ألسنة وأنحاء، فإنَّه كما يمكن أن يكون هذا التنزيل بجعل الحكم التكليفي، كذلك يمكن أن يكون بجعل الطريقيّة والمنجّزيّة، أو جعل مفهوم الحجّيّة جعلاً انشائيّاً بحسب عالم الجعل والاعتبار.
والفذلكة في ذلك أنَّ هناك فرقاً بين مسلكين أساسيين: طريقتنا في البحث وطريقة المحقّقين السابقين (قدّس الله أسرارهم) وذلك أنَّ القوم -كما يبدو من ظاهر جملة من عبائرهم وتفريعاتهم-بنوا على جريان قاعدة قبح العقاب في المشكّوكات، ولم يفرقوا في ذلك بين مشكّوك ومشكّوك، وإنَّما كان غاية همهم هو رفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وتبديل الـ(لا بيان) بالبيان ببركة ما هو المجعول في أدلّة الحجّيّة، فمن هنا كان قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف بلحاظ ما هو المجعول والمنشأ في دليل الحجّيّة، فلا بُدَّ من تصوير المنشأ بنحو يبدل الـ(لا بيان) ببيان برفع موضوع القاعدة، ومن هنا ذكر المحقّق النائيني(1) أنَّ الانشاء الذي يصحّ لذلك هو جعل الطريقيّة وإنشاء الكاشفيّة؛ إذ به يكون الظنّ فرداً من العلم بوجوده الاعتباري، فيرتفع موضوع القاعدة؛ لأجل أنَّ البيان تامٌّ.
كلّ هذه الكلمات نشأت من تخيّل أنَّ الحجّيّة بلحاظ ما هو المجعول والناتج من المجعول؛ إلَّا أنّنا ذكرنا أنَّ هذا المسلك غير تامٍّ، فإنَّ جعل الحجّيّة واخراج المورد عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان ليس بتحويل الـ(لا بيان) إلى البيان، وإنَّما هو بإخراج المورد عن طائفة المشكّوكات التي تجرّي فيها قاعدة
ــــــــــ[318]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 3: 17.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
قبح العقاب بلا بيان وادخاله في المشكّوكات التي تجرّي فيها؛ لأنَّ هذه القاعدة تجرّي -لو جرت- في المشكّوكات التي لا يعلم باهتمام الشارع بها على فرض وجودها، أمّا التكاليف المشكّوكة التي يعلم بأهميّتها في نظر الشارع -تلك الأهميّة التي سبق أن ذكرناها- فلا تجري فيها قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنّه يكون منجّزاً حتّى مع فرض عدم البيان، ودليل الحجّيّة وظيفته اخراج التكليف المشكّوك من طائفة المشكّوكات غير المعلومة الأهميّة إلى المشكّوكات معلومة الأهميّة، ومن هنا يظهر أنَّ حجّيّة الظنّ اعتبار كشفها من اهتمام الشارع لا باعتبار ما هو المجعول فيه.
وقلنا أيضاً: إنَّه لو لا هذا المسلك لم يكن لمبنى الطريقيّة امتياز عن المسالك الأخرى، فإنَّه يكون حاله حالها؛ وذلك لأنَّ البيان كما لا يتمّ على غيرها من المسالك، كذلك لا يتمّ على مبناها، فإنَّ البيان بوجوده الحقيقي غير موجود لا محالة، بل لا بُدَّ من التوسعة في البيان، وهذه التوسعة ليست برهانيّة، بل بتبع ادّعاء المدّعى، فإنَّه كما لا يمكن أن يقال: إنَّ موضوع القاعدة (قاعدة قبح العقاب) واسع بحيث يكفي فيه جعل الطريقيّة، كذلك يمكن أن يقال: إنَّه يكفي في جعل المنجّزيّة، أو أيّ من المباني الأخرى.
ومن هنا قلنا: إنَّه لا مورد لإشكال المحقّق النائيني على صاحب الكفاية من حيث ذهابه إلى جعل المنجزيّة، وأنّه تخصيص في قاعدة قبح العقاب بلا بيان. وقلنا أنَّه ليس تخصيصاً لها؛ إذ ما هو المراد بالبيان المأخوذ عدمه في موضوع القاعدة، هل هو العلم فهذا لا يوجد حتّى على مبنى الطريقيّة، فلا بُدَّ من الالتزام أنّه العلم وشيء آخر، وهذا الشيء الآخر، كما يمكن أن يُفرض أنَّه
ــــــــــ[319]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
جعل الطريقيّة، كذلك يمكن أن يُفرض أنَّه جعل المنجزيّة وغيرها من المباني.
وعليه قرّبنا بناءً على مسلكنا من أنَّ الحجّيّة باعتبار جهة الكشف في دليل الحجّيّة، أنَّ لا فرق بين لسان ولسان، فإنَّ كلّ لسان قابل للكشف عن اهتمام الشارع بالحكم الواقعي المجعول، بلا فرق بين جعل الحكم التكليفي والطريقيّة والمنجّزيّة.
إذن، لا بُدَّ من أن ننتقل إلى المقام الثاني، وهو بعد أن ثبت أنَّ جعل الحجّيّة يمكن أن يكون بعدّة ألسنة ثبوتاً، فأيّ لسان منها يناسب لها إثباتاً، بمعنى: أنَّ دليل حجّيّة خبر الواحد بحسب الخارج يتكفّل أيّ من هذه الألسنة التي فرضنا ثبوتاً إمكانها؟
هنا أيضاً توجد فذلكة مهمة يرتفع بها الاشتباه، فإنَّه في هذا المقام وقع اشتباه، كما وقع اشتباه في مقام الثبوت، حيث تصوّر الأعلام أنَّ جعل الحجّيّة إنَّما هو بلحاظ ما هو المجعول بالإنشاء، لا بلحاظ ما هو المنكشف فيه، هنا أيضاً وقعٌ ليس مهمّ، وبحلّه تنحلّ أكثر المطالب الأصوليّة.
توضيحه: أنَّ المحقّق النائيني(1) بعد أن بنى على معقوليّة الطريقيّة، انتقل إلى المقام الثاني، فقال: إنَّ هذا هو المتعيّن بحسب مقام الإثبات، وهو جعل الحجّيّة بلسان جعل الظنّ علماً، وتتميم الكشف فيه، وذكر في ذلك وجهاً أخذه السيّد الأُستاذ(2) وغيره ممّن نعلم.
ــــــــــ[320]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 3 :201، 202.
(2) انظر: مصباح الأصول2: 233.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وحاصله: أنَّ مهمّ الدليل عندنا على حجّيّة خبر الوحد مثلاً إنَّما هو السيرة العقلائيّة، فإنَّ غير السيرة لو تمت دلالته أيضاً إنَّما يكون إمضاء وتقريراً لما ثبت في السيرة مع أنَّه سوف يأتي إمكان الخدشة في سائر الأدلّة سوى السيرة. إذن، فالدليل الوحيد أو الأساسي هو السيرة العقلائيّة القائمة على حجّيّة خبر الواحد.
بعد الفراغ عن هذه المقدّمة، يقال: إنَّ العقلاء الذين انعقدت سيرتهم على حجّيّة الخبر الواحد، بما هم عقلاء ليس لهم أحكام تكليفيّة (حلال وحرام وبعث وزجر) وإنَّما شأنّهم بحسب ما هو المرتكز في أذهانهم ومناسباتهم العرفيّة، هو أنَّهم ينظرون إلى الأمارات الظنّية على أنّها علوم، ويتممون نقص ذلك الانكشاف مسامحةً واعتباراً طبقاً لمناسباتهم الذوقيّة، فكأنهم يرون خبر الواحد علماً ويلغون احتمال خلافه. إذن، فمن نفس كون الدليل على حجّيّة خبر الواحد هو السيرة العقلائيّة يتّضح أنَّه لا مجال في المقام لجعل أحكام تكليفيّة بعثيّة أو زجريّة، بعد أن عرفنا أنّهم ليسوا مشرعين -محللين أو محرمين- وذلك بعد فرض إبطال جعل المنجزيّة عند المحقّق النائيني أيضاً، فإنَّه غير معقول عنده.
بعد(1) أن فرغنا عن المقام الأوّل من ثبوت إمكان جعل الحجّيّة بألسنة مختلفة، ننتقل إلى المقام الثاني في مقام الإثبات لتعيين أيّ لسان هو مناسب مع
ــــــــــ[321]ــــــــــ
() ألقى سيّدنا الأستاذ (سلّمه الله) يوم الأربعاء محاضرة لم أوفق إلى حضورها، ولكنّه أعادها بحذافيرها هذا اليوم، فلم يُفت عليّ شيء. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
دليل الحجّيّة؛ وهنا ذكر المحقّق النائيني أن ما هو الواقع في مقام الإثبات هو جعل الطريقيّة، أي: جعل الحجّيّة بنحو الحكم الوضعي، وهو الطريقيّة لا بنحو الحكم التكليفي، وهو الوجوب أو الحرمة.
وخلاصة ما ذكر على تعيّن جعل الطريقيّة في مقام الإثبات: أنَّ مهمّ الدليل على حجّيّة الأمارات في الشبهة الحكميّة -وهي الخبر الواحد والظهور -إنَّما هو السيرة العقلائيّة، وغيرها من الأدلّة اللفظية لو تمّ شيء منها فإنَّما هو
-كما يستظهره- مسوقٌ لإمضاء السيرة العقلائيّة، وجعل ما جعله العقلاء في المرتبة السابقة وليس جعلاً تأسيسياً، فيكون المجعول فيها -لو كان- مماثلاً لما هو المجعول للعقلاء في سيرتهم.
وفي نهاية المطاف جميع أدلّة الحجّيّة ترجع إلى السيرة، فلا بُدَّ من النظر إلى المجعول العقلائي ما هو؟ فإذا ثبت أنَّ المجعول العقلائي هو هذا اللسان دون ذاك يثبت أنَّ المجعول للشارع هو هذا أيضاً.
وثُمَّ ينبغي الجزم أنَّ ما هو المجعول عندهم إنَّما هو الطريقيّة، بمعنى: أنَّ العقلاء يحكمون حكماً وضعياً ويعتبرون الظنّ علماً، لا حكماً تكليفياً من الايجاب والتحريم.
والوجه في ذلك، أي: تعيّن جعل الطريقيّة دون جعل الأحكام التكليفيّة: أنَّ العقلاء بما هم عقلاء ليس شأنهم التحريم والتحليل والبعث والزجر، وإنَّما هو شأن المولى. نعم، الأحكام الوضعيّة من شأن العقلاء، فحينئذٍ المناسب مع طبيعة العقلاء بما هم عقلاء لا أن يكون مجعولهم حكماً وضعياً وهو الطريقيّة
ــــــــــ[322]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
والكاشفيّة، لا الأحكام التكليفيّة من الايجاب والتحريم.
فإذا أثبتنا بهذه النكتة أنَّ المجعول العقلائي هو الحكم الوضعي، أي: الطريقيّة والكاشفيّة، فببركة إمضاء الشارع المستكشف إمَّا من السكوت، أو من الأدلّة اللفظيّة في الامضاء، أنَّه طاوعهم وجعل مثل جعلهم، وهو جعل الحجّيّة بلسان الحكم الوضعي.
ونحن هنا لا نريد أن نبحث عن حجّيّة الاستدلال بالسيرة على حجّيّة الخبر الواحد، فإنَّ محلّ ذلك إثباتاً ونفياً هو بحث حجّيّة الخبر، فإنَّه هناك يحقّق أنَّ الاستدلال بالسيرة صحيح أو لا؟ وعلى تقدير الصّحة فعلى أيّ تقريب يمكن أن يتمّ؟ وإنَّما هنا نريد أن نبحث عن هذه الناحية التي ذكرها الميرزا بعد الفراغ عن صحة الاستدلال بالسيرة على حجّيّة الخبر الواحد شرعاً، نتكلّم أنَّ السيرة هل يكون لها مجعول وضعي وهو الطريقيّة والكاشفيّة أو لا؟ فالكلام في تشخيص معقد السيرة هل هو وضعي أو تكليفي؟
فنقول المدّعى إجمالاً: هو السيرة المستدلّ بها على حجّيّة خبر الواحد ببعض معانيها لا يعقل أن يكون لها مجعول أصلاً، وببعض معانيها يعقل ذلك، إلَّا أنَّه كما يعقل أن يكون مجعولاً وضعيّاً، كذلك يمكن أن يكون مجعولها تكليفيّاً بدون أيّ أولوية للحكم الوضعي على التكليفي.
وتوضيح ذلك: أنَّ السيرة العقلائيّة المدّعى الاستدلال بها على حجّيّة خبر الواحد يتصوّر لها أحد ثلاث معان:
المعنى الأوّل: أنَّ يقصد فيها سيرة العقلاء في مقام الجري على أغراضهم
ــــــــــ[323]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الشخصيّة بدون فرض مولى وعبد في المجتمع، بأن نفرض مجتمعاً كلّهم أحراراً بدون سيطرة لأي فردٍ لأحدهم على الآخر، ثُمَّ أنَّه قهراً يكون لكلّ واحد أغراضٌ شخصيّة بحسب طبيعته واشتهاءاته النفسانيّة بدون أن تُفرض من قبل مولى عليه.
وحينئذٍ يقال: بأنّنا نرى أنَّ كلّ فردٍ في هذا المجتمع في مقام الجري على أغراضه الشخصيّة يعتمد على خبر الثقة، فلو أخبره ثقة أنَّ صديقك جاء إلى النجف، فهو يعتمد عليه ويذهب إلى زيارته.
وثُمَّ يقال: بأنَّ جري العقلاء واعتمادهم على خبر الثقة في مقام تحصيل أغراضهم الشخصيّة أو جدلهم طبيعة ارتكازيّة وجبليّة تدفعهم دائماً إلى العمل بخبر الثقة، وهنا ترتّب مقدّمات خاصّة يستكشف منها أنَّ الشارع جعل الخبر الواحد حجّيّة أيضاً، وتفصيل ذلك هناك؛ لأنَّ كلامنا في المقام ليس هو الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد، وإنَّما هو في أصل السيرة المستدلّ بها.
فإن كان هذا هو مقصود الميرزا من السيرة العقلائيّة، فهو لا يعقل أن يكون له حكم مجعول لا وضعي ولا تكليفي أصلاً؛ لأنَّ هذه السيرة مرجعها إلى أنَّ كلَّ شخصٍ في مقام تحصيل أغراضه الشخصيّة المباشريّة يعتمد على خبر الثقة، فلو تمّ هذا بحسب الخارج، فمعناه أنَّ هذا الشخص يكون غرضه من الشكّ بحيث يحتاط في بعض الموارد، أي: حيث إنَّ رؤية صديقه محبوبة جداً بحيث ينبع منها مورد للاحتياط في مورد الشكّ -أي: هذا الشكّ الناشئ عن خبر الثقة لا كلّ شكّ- فهو يحتاط بمحركيّة غرضه لا محالة، ومثل هذا
ــــــــــ[324]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الشخص لا معنى لأن يجعل على نفسه حكماً وضعيّاً أو تكليفيّاً في حجّيّة خبر الواحد واعتباره؛ فإنَّه بعد إخبار الثقة له بمجيء صديقه لا يقول: اعتبر قولك هذا علماً أو أحكم بوجوب اتباعه ثُمَّ يتحرك على مقتضاه، فإنَّ هذا لغو صرف لا يصدر من العاقل؛ وإلَّا لخرج عن كونه عاقلاً، فإنَّه إذا كان غرضه بنحو من الشكّ بحيث يؤدّي إلى الاحتياط فإنّه يفعله بحسب الخارج من دون أيّ حكم، فإنَّ جريه على طبق خبر الثقة ليس في حاجة إلى جعل أيّ حكم على نفسه؛ لأنَّ حَبّ غرضه إذا ولّد في نفسه حُبّ الاحتياط، فإنَّه يجري وإلَّا فلا.
إذن، فهذه السيرة لا يعقل أن يكون لها حكم مجعول؛ لأنَّ جري كلّ فردٍ لأغراضه الشخصيّة المباشريّة لا يحتاج إلى جعل حكم، لا وضعاً ولا تكليفاً.
المعنى الثاني: من السيرة العقلائيّة أن يقال: بأنَّ السيرة التي يستدلّ بها على حجّيّة خبر الواحد ليس هي عبارة عن جري كلّ عاقل في اعتماده على خبر الثقة في مقام تحصيل أغراضه الشخصيّة، بل معناه: أنَّ العقلاء -كلّ عاقلٍ عاقلٍ- يُلزمون العبد باتباع خبر الثقة في مقام امتثال أحكام مولاه، فلو أخبر الثقة بحكم الزامي يجب عليه الامتثال، ولا يجوز أن يُجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل يتمّ البيان ويرتفع موضوع القاعدة.
هذا المعنى من السيرة نشققه إلى شقين، وبه تكون الاحتمالات ثلاثة؛ لأنّا نسأل أنَّ كلّ عاقل الذي يحكم على العبد بلزوم امتثال خبر الثقة في أحكام مولاه، هل يحكم على عبد نفسه بالنسبة إلى أحكام نفسه، أو يحكم حتّى على عبد غيره.
ــــــــــ[325]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
إن قيل: إنَّه يحكم على كلّ عبد فهذا محالٌ؛ إذ لا معنى لأن يحكم العاقل بلزوم اتباع خبر الثقة حتّى على عبد غيره؛ لأنَّ حكمه على عبد غيره لغو صرف؛ لأنَّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان بالنسبة إلى كلِّ شخصٍ لا يرتفع موضوعها إلَّا بالنسبة إلى مولى ذلك الشخص لا مولى شخص آخر، فعبد عمرو لا يتمّ البيان عليه، ولا يرتفع موضوع القاعدة بالنسبة إليه إلَّا ببيان مولاه لا مولى غيره، فهذا القسم من السيرة أمر غير معقول في نفسه حتّى يقع الكلام في أنَّ أحكامها وضعيّة أو تكليفيّة.
إذن، بقي الاحتمال الثالث، وهو أن يكون معنى السيرة أنَّ كلَّ عاقلٍ عاقلٍ يحكم بحجّيّة خبر الواحد وببيانيته وكونه رافعاً لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان بالنسبة إلى عبد نفسه، وهذا أمر معقول في معنى السيرة، وفي رأينا أنَّه صحيح وثابت، وهذا المعنى من السيرة له مجعول لا محالة، فإنَّ الشخص يمكن أن يجعل شيئاً على عبد نفسه، ولكن معنى هذه السيرة العقلائيّة، هي سيرة العقلاء بما هم موالي لا بما هم عقلاء فحسب؛ لأنَّ كلّ عاقل يحكم بحجّيّة خبر الواحد لا بمجرّد كونه عاقلاً، بل بما هو مولى؛ بدليل أنّه حكم على عبد نفسه خاصّته. إذن، فقد فُرض أنَّ له عبداً وأنَّه مولاه، وحكم عليه بالحجّيّة.
وحينئذٍ لا يبقى استبعاد أن يكون الحكم وضعيّاً أو يكون تكليفياً، فإنَّ العاقل بما هو مولى يصدر منه الحكم التكليفي كما يصدر منه الحكم الوضعي. نعم، العاقل بما هو عاقل لا يصدر منه الحكم التكليفي؛ لأنَّه ليس شأنه التحليل والتحريم، ولكن العاقل بما هو مولى يمكن في حقّه ذلك. إذن، يكون الحكم
ــــــــــ[326]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
التكليفي غير مستبعد بالنسبة إليهم، ونسبته إليهم نسبة الأحكام الوضعيّة.
فظهر أنَّ ما ذهب إليه الميرزا -من أنَّ المجعول بالسيرة العقلائيّة هو الحكم الوضعي دون التكليفي؛ لأنَّ هذا الأخير ليس من شأن العقلاء- ليس بصحيح سواء أراد بالسيرة معناها الأوّل أو الثاني أو الثالث.
ومن هنا يظهر أنَّ الوجه الأساسي لمدرسة الميرزا في جعل الطريقيّة وما بني عليه من تفريعات في علم الأصول، ممّا لا أساس له، فلا بُدَّ من النظر في الأدلّة اللفظيّة هل فيها ما يعيّن لساناً دون لسان، أو ليس فيها ذلك؟
وقد تحقّق بما لا مزيد عليه أنَّ الوجه الذي أفاده المحقّق النائيني لتعيين جعل الطريقيّة بحسب مقام الإثبات ممّا لا يرجع إلى محصّل؛ وذلك لأن السيرة العقلائيّة التي ادّعي أنَّ مجعولها حكم وضعي وهو الطريقيّة لا تكليفي، هذه السيرة ببعض معانيها ليس لها مجعول أصلاً وببعض معانيها غير معقولة في نفسها، وبالمعنى الثالث معقولة ولها مجعول، إلَّا أنَّ احتمال كونه حكماً وضعياً كاحتمال كونه حكماً تكليفياً على وجه واحد.
وهذا مع غضّ النظر عن فساد أصل المبنى كما بيّنا في المقام الأوّل لمقام الثبوت، فإنَّ الأمر ليس دائراً بين جعل الحكم الوضعي أو التكليفي، فإن ذكر أن التنجيز قد لا يكون بنحو الجعل اصلاً بل بنحو الجملة الخبريّة، فالأمر كما حقّقناه في المقام الأوّل غير منحصر في هذين اللسانيين، حتّى إذا استبعد أحدهما تعيّن الآخر، بل قد يكون تنجيز الواقع بالجملة الخبريّة بلا حاجة إلى كلا اللسانين.
ــــــــــ[327]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وعليه فإذا لم يتم ببيان الميرزا في مقام تعيين ما هو المجعول في السيرة العقلائيّة، فلا بُدَّ من صرف الكلام إلى الأدلة اللفظيّة على حجّيّة خبر الواحد لنرى أنّه هل يمكن تعيين المجعول من ناحيتها أو لا؟
والإنصاف أنَّ الأدلّة اللفظيّة أيضاً لا يمكن أن يُستدلّ بها على كون المجعول هو الطريقيّة، كما اختاره المحقّق النائيني(1)، وذلك مبنياً على تتبع سابق في الروايات الدالّة على حجّيّة الخبر الواحد -وإن لم أتتبع جديداً- واطلعت أخيراً على كتاب البروجردي في الأخبار وفي مقدّمته(2) أمور يجمع أحدهما جميع الأخبار الواردة في خبر الثقة.
فنقول -مبنياً على تتبع سابق- إنَّ الأدلّة اللفظيّة تنقسم إلى ثلاثة طوائف: الطائفة الأولى: طائفة ليست متعرضة لنفس الحجّيّة بالدلالة المطابقيّة، وإنَّما هي متعرضة لبعض نتائجها وآثارها ومعلولاتها، بحيث تكون دالّةً على الحجّيّة من دلالة الأثر على مؤثره، وذلك كالأخبار العلاجيّة التي فرضت فيها روايتان متعارضتان، ثُمَّ يُبحث عن علاجها، فهذه الروايات تفترض حجّيّة الخبر الواحد، فإنَّه لا معنى لفرض التعارض بينها بدون فرض ذلك، فهي في مقام بيان نتيجة الحجّيّة وتقديم، أيّ: منها عند التعارض.
ــــــــــ[328]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 3 :201، 202.
(2) انظر: جامع أحاديث الشيعة للسيد البروجردي، مقدّمة الكتاب.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ومثلها في ذلك: آية النبأ(1) -لو قيل بها- فإنَّها تدلّ بمفهومها على عدم وجوب التبيّن إذا كان الجائي بالنبأ عادلاً، وهذا أثر للحجّيّة، وكذلك آية النفر(2) -لو قيل بدلالتها- لأنَّها تدلّ على حسن الحذر، وهو كاشف عن احتمال العقاب، فهو كاشف عن حجّيّة الخبر، وإلَّا لم يكن موجباً لاحتمال العقاب.
فهذه الأدلّة التي تدلّ على آثار الحجّيّة بعد الفراغ عن أصل الحجّيّة، لا يمكن أن يكون لسانها لسان جعل الحجّيّة، أو لسان جعل الحكم التكليفي، فإنَّ غاية ما تدلّ عليه آية النفر مثلاً أنَّ خبر الثقة موجب للحذر من العقاب، وهو كاشف عن حجّيتّه، أمّا أنَّ حجّيتّه نشأت عن جعل الطريقيّة أو الحكم التكليفي، فهذا ما لا تدلّ عليه.
والأخبار العلاجيّة تدلّ على أنَّ رواية الثقة حجّة، بحيث إذا تعارضت الروايتان لكانت مشكّلة يسأل عنها الإمام، أمّا أنَّ حجّيتّها مجعولة بنحو الطريقيّة أو الحكم التكليفي فلا تدلّ عليه.
فهذه الطائفة يستكشف منها أصل الحجّيّة دون لسان لسان.
الطائفة الثانية: ما كان متعرضاً لأصل الحجّيّة، ولكن بحيث يقبل الحمل على لسان الطريقيّة وعلى لسان الحكم التكليفي، وذلك من قبيل قوله في
ــــــــــ[329]ــــــــــ
() قوله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (الحجرات:6).
(2) قوله تعالى: وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (التوبة: 122).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
السؤال: “يونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني؟ قال: نعم”(1) فهو ظاهر عرفاً أنَّه يصحّ أن تأخذ معالم دينك من يونس بن عبد الرحمن.
فيقع الكلام في معنى هذا الأخذ الذي حكم الإمام بصحّته، هل هو الأخذ التعلمي أو العملي الخارجي؟ أي: هل هو بمعنى: أخذ معالم الدين أخذاً اعتقادياً معرفتيّاً عن طريق يونس بن عبد الرحمن، أو الأخذ العملي؟ بمعنى: أنَّه يسأل عن أخبار الشرع ويجري على ما يذكره.
والرواية من هذه الناحية مجملةٌ فلا يمكن الاستدلال بها على لسان دون لسان؛ إذ لو كان المقصود بها هو الأخذ الاعتقادي تعبداً، بحيث يكون قول يونس بن عبد الرحمن من أسباب العلم والمعرفة، فهو جعل للطريقيّة، وإن كان المقصود بها الأخذ العملي فهو لا يدلّ على ذلك.
فما كان من هذا القبيل مجملٌ لا يمكن الاستدلال به.
الطائفة الثالثة: ما كان ظاهراً من خلاف جعل الطريقيّة، أي: ظاهر بجعل الحكم التكليفي، وهي الأدلّة التي تضمنت الأمر والنهي، أمّا الأمر بأخذ الرواية عن الثقة أو النهي عن أخذ الرواية عن غيره، نحو: “لا ينبغي التشكّيك فيما يروي عنّا ثقاتنا“(2)، ونحو: “خذوا ما رووا ودعوا ما رأوا“(3) وهو بحسب
ــــــــــ[330]ــــــــــ
() وسائل الشيعة 18: 104، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 19.
(2) وسائل الشيعة 18: 104، ب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9، 40، 42. مع اختلاف يسير بالألفاظ.
(3) الغيبة للشيخ الطوسي: 389، 390، الحديث 355.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الظاهر أحكام تكليفيّة متعلّقة بهذه العناوين: التشكّيك، الأخذ، الرد.
ومن المعلوم أنَّ المقصود بها التشكّيك والأخذ والرد العلمي لا الاعتقادي؛ إذ لا معنى للأمر والنهي عن التشكّيك الاعتقادي؛ لأنَّ الأمر والنهي إنَّما يتوجه إلى العمل الخارجي، أمّا التشكّيك الاعتقادي فهو من أعمال المولى، فإنّه هو الذي يجعل الطريقيّة، فإنَّ جعل الخبر موجباً للعلم تعبداً من شأن الإمام لا المكلف.
ويمكن أن يقال: حتّى هذه الطائفة لا ظهور لها بجعل الحكم التكليفي؛ إذ يمكن أن يدّعى أنَّها مسوقة للإرشاد إلى اهتمام المولى بالواقعيات بحيث لا يرضى بتركها في مقام الاخبار، وهذا شأن جميع هذه الطوائف، وإنَّما اختلف اللسان تفنناً في التعبير، والمقصود منها جميعاً إبراز ذلك المعنى الواحد، وهو الاهتمام بالواقعيات، والتعويل على خبر الثقة في الجري عليها.
وعلى أيّ حالٍ ففي المقام يكتفى بمجرّد عدم قيام دليل على الطريقيّة والشكّ في ذلك، ولا يحتاج في مقام نفيها إلى دليل آخر.
وعليه يتحصل في مقام الاتيان: أنَّه لا دليل على جعل الطريقيّة بالنسبة إلى خبر الواحد.
ــــــــــ[331]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بعده ننتقل إلى المقام الثالث: فنقول: إنَّ اللسان الواقع في المقام الثاني، والذي تكفّلته أدلّة الحجّيّة بحسب مقام الإثبات، هل يفي بقيام الأمارة مقام القطع الطريقي والموضوعي معاً أو لا؟
ولنا في المقام كلامان: كلام في نفسه، وكلام مع المحقّق النائيني.
أمّا الكلام في نفسه، فنقول: إنَّه في مجموع أدلّة الحجّيّة هناك لسان واحد، لو كان تامّاً من سائر الجهات لأمكن وفائه بقيام الأمارة مقام القطع الطريقي والموضوعي، وهو ما أشرنا إليه في الطائفة الثالثة من قوله: “لا ينبغي التشكّيك فيما يروي عن ثقاتنا” فإنَّ لسانها هو المنع عن التشكّيك، وليس المراد به الشكّ بوجوده النفساني، بل المراد به المنع من ترتيب آثار الشكّ، وهو أعمّ من الآثار العقليّة والشرعيّة للشكّ، فكما أنَّ الآثار العقليّة للـ(لا بيان) لا ينبغي ترتيبها على خبر الثقة، كذلك الآثار الشرعيّة للـ(لا بيان) لا ينبغي ترتيبها على خبر الثقة، وأنَّ من قام عنده خبر الواحد لا بُدَّ أنَّ يعمل عمل الـ(لا شاك).
وهذا سنخ ما أشكّلنا به على صاحب الكفاية في باب قيام الأمارة مقام
ــــــــــ[332]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
القطع الطريقي الصرف وسمّيناه بالتشبيه.
إلَّا أنَّ هذا اللسان لم يثبت مع الأسف، وإلَّا كان وجهاً وجيهاً للتمسّك بإطلاقه للآثار الشرعيّة والعقليّة للعلم، إلَّا أنَّه غير ثابت، فإنَّ هذه الرواية وإن كانت واردةً إلَّا أنَّها غير دالّة على أصل حجّيّة خبر الواحد فضلاً عن دلالتها على جعل الطريقيّة أو الحكم التكليفي، فإنّها واردة عن صاحب الزمان، ومن يراجع الرواية يعرف أنَّه يقصد وكلائه الخاصّين؛ ولذا يقول بعد ذلك: فإنَّهم يعلمون أنّا نفاوضهم سراً، ونحملهم أحكامنا، فهذه الرواية مختصّة بثقاته لا بالشخص الموثوق من الشيعة، فتكون أجنبيّة عن محلّ الكلام.
وأمّا كلامنا مع الميرزا فهو كلام تعليقي: فإنه بعد أن بنى -في مقام الإثبات- أنَّ لسان جعل الحجّيّة هو لسان جعل الطريقيّة، قال في المقام الثالث: إنَّه بعد أن تبيّن أن لسان جعل الحجّيّة هو لسان جعل الطريقيّة فلا بأس بالتمسّك بإطلاق الدليل وقيام الأمارة مقام العلم والكشف في كلِّ من الآثار العقليّة والشرعيّة، فيكون حاكماً على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ومبدلاً لتـ(لا بيان) بالبيان، ويكون حاكماً على حرمة الشرب ووجوب الصوم على تقدير العلم؛ لأنَّ خبر الواحد علم، فكلتا الحكومتين تكونان تامتين لهذه الرواية، كما أنَّها ناظرة إلى حرمة الشرب كذلك هي ناظرة إلى نجاسة الخمر، وأمَّا إذا قلنا: إنَّ هذه الحكومة لا تتوقف على النظر، بل بمجرّد أنَّ الفقاع خمر يترتب عليه تمام أحكام الخمر، ولو لم يكن هناك نظر إلى الأحكام بخصوصيتها.
ــــــــــ[333]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ولم نعرف بعد استقراء تمام ما أفاده الميرزا في الموارد المتعددة ما هو مراده حقّيقة، فبعض عباره تناسب مع جعل هذه الحكومة بملاك النظر، وبعضها تناسب مع عدمه، وهذا بحث يأتي في مبحث الحكومة إن شاء الله تعالى.
ومقصودي من ذلك أنَّ وفاء هذا اللسان -الظنّ علم- بكلتا الحكومتين: الحكومة على قاعدة قبح العقاب، وعلى الأحكام التي أخذ عنوان العلم في موضوعها، يتوقف على تحقيق هذا المطلب، فإن قيل بأن الحكومة بمعنى التصرّف في عقد الوضع لا تتوقف على النظر، حينئذٍ فهذه الرواية المفروضة تقول: خبر الواحد علم، فما دام يمكن جعله علماً فلا فرق في ذلك في مورد القطع الموضوعي والطريقي، وفائدة قيام الخبر مقام القطع الطريقي الحكومة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وفائدة قيامه مقام القطع الموضوعي حكومته على الأحكام التي أخذ في موضوعها عنوان العلم.
وأمَّا إذا قلنا: إنَّ الحكومة دائماً تكون بملاك النظر، وكون الحكومة تارةً تكون بالتصرّف في عقد الوضع، وأخرى بالتصرّف في عقد الحمل غير فارق بالنسبة إلى كون ملاكها هو النظر، حينئذٍ فلا سبيل إلى إثبات قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي بهذا اللسان الواحد؛ إذ التمسّك بإطلاقه لا يكفي؛ إذ مدلوله هو اعتبار الخبر علماً، ولا قرينة على أنَّ هذا الاعتبار والتوسّع والتصرّف ناظر إلى الأحكام الشرعيّة المترتّبة على عنوان العلم، ومجرّد الاطلاق لا يكفي؛ لأنَّ الاطلاق لا بُدَّ أن يكون له أثر، ومع الشكّ في الأثر لا
ــــــــــ[334]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يمكن التمسّك به، لما قلناه: من أن دلالة الاقتضاء لا تجري في باب الإطلاقات، وإنَّما تجري في الموارد الخاصّة.
وحينئذٍ لا يكون هذا اللسان وافياً بكلتا الحكومتين(1).
إذا أُخذ حكم مترتّب على العلم بموضوعه، فقد يتوهّم أنَّه يمكن التمسّك بإطلاقه؛ لأنَّ خبر الواحد علم، فنقول هذا التمسّك غير صحيح؛ لأنَّ إطلاق الدليل لهذا، أي: جعل هذا الخبر علماً بالإطلاق، إنَّما يصح إذا كان له أثر، وهو ترتّب الحرمة، والمفروض أنَّ الحكومة على دليل الحرمة فرع النظر إليه، فوجود الأثر لهذا الخبر فرع النظر، ولا يجوز التمسّك بالإطلاق إلَّا بعد إحراز أثر الإطلاق، وكونه ذا أثر فرع النظر، فلا بُدَّ من إحراز النظر بقرينة أخرى من الخارج.
فخلاصه الكلام في نفسه ما انتهينا إليه: وهو أنَّه لم يتحقّق عندنا لسان ثابت في مقام الإثبات بحيث يفي بقيام الأمارة مقام القطع الطريقي والموضوعي.
وأمّا كلامنا مع الميرزا فنحن نختلف معه بالمبنى، فإنَّه بنى في المقام الثاني على تعيّن جعل الطريقيّة، وأنَّ الدليل اللفظي واللبي معاً يدلان على جعلها. فتكلّم في المقام الثالث أنَّ هذا اللسان -وهو جعل الخبر علماً وكاشفاً تامّاً- يفي بكلا الأمرين، أي: أنَّه يفي بقيام الأمارة مقام القطع من حيث طريقيته في الآثار العقليّة، ومن حيث موضوعيته من حيث الآثار الشرعية،
ــــــــــ[335]ــــــــــ
() ثم أضاف السيّد الصدر موضحاً: إذا أُخذ حكم… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وذلك لأنَّ قوله: (خبر الواحد علم وبيان) كما يحكم على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ويبدل الـ(لا بيان) بالبيان -وهذا معنى قيام الأمارة مقام القطع الطريقي- كذلك هو يحكم على مثل قوله: “إذا علمت بخمرية مائع فيحرم شربه” ويجعله عالماً بالخمريّة بالتعبد. وهذا معنى قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي، فهذا اللسان يحكم على كلا الطريقين بلسان واحد.
إلَّا أنّنا قلنا: إنَّ وفاء هذا اللسان الواحد -بعد الاعتراف أنَّ لسانه جعل الطريقيّة- بكلتا الحكومتين، محلّ بحث، وتحقيقه يتوقف على تحقيق بحث آخر في باب الحكومة، ومن هنا يقع الكلام في جهتين: الجهة الأوّلى: في المقدّمة التي يتّوضح بها المقام، الجهة الثانيّة: في تحقيق تفرع المقام على المقدّمة.
أمّا الجهة الأولى ففي المقدّمة التي يتوقف عليها تحقيق الحال: وهي عبارة عن بحث مهمّ في باب الحكومة لا نتعرض له تفصيلاً هنا؛ لأنَّ مورد تحقيقه بحث آخر، وإنَّما المقصود هنا الإشارة إلى عنوانه ليتّضح المطلب تصوّراً، فنقول: إنَّ الحكومة على ما تكرر في كلمات الميرزا تارةً تكون بمعنى تصرّف الدليل الحاكم في عقد الحمل للدليل المحكوم، وأخرى تكون بمعنى تصرّف الدليل الحاكم في عقد الوضع للدليل المحكوم، مثلاً الدليل المحكوم يقول: (الربا حرام) وموضوعه (عنوان الربا) ومحموله (حرام)، فلو فرض أنَّ حرمة الربا أصبحت ضرريّة على الإنسان، فترتفع الحرمة ببركة حكومة (لا ضرر ولا ضرار) على دليل حرمة الربا، فهذه الحكومة هي بالتصرّف في عقد
ــــــــــ[336]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الحمل، فإنَّه تصرّف في المحمول، أي: في الحرمة، وأخرى نفترض أنَّ الربا وقع بين الولد ووالده، ودلّت الرواية على أنَّه لا ربا بين الوالد وولده، فهذه الرواية أيضاً حاكمة على حرمة الربا ، إلَّا أنَّه تصرّف في عقد الوضع، أي: في موضوع الحرمة، أي: في عنوان الربا، فإنَّه نفي للعنوان بالتعبّد والتشريع، وعليه فهذان نحوان من الحكومة واضحان ومكرران في كلمات الميرزا.
كما أنَّه لا إشكال -كما يستفاد من كلماته (1) أيضاً- بأنَّ الحاكم الذي يتصرّف في عقد الحمل، كما ملاك حكومته هو كونه ناظراً، فإنَّ دليل لا ضرر إنَّما يقدَّم على دليل حرمة الربا؛ لأنَّه ناظر إليه، فالحكومة إنَّما هي بملاك النظر؛ وإنَّما الكلام في الحكومة بملاك التصرّف في عقد الوضع، هذه الحكومة أيضاً ملاكها النظر أو لا تحتاج إلى نظر، أو فيه تنصل بعض أقسامه يحتاج إلى النظر والآخر لا؟ وجوه ثلاثة لا يُعرف ما هو مختار الميرزا منها؛ لأنَّ كلماته على كثرتها في المقام لا يستفاد منها مختاره على نحو البتّ.
الجهة الثانية تقع في توضيح كيفية تفرّع محلّ الكلام على هذه المقدّمة، فنقول: إنّنا إذا أثبتنا أنَّ تصرّف الدليل الحاكم الذي يتصرّف في عقد الوضع لا يتوقف على النظر أصلاً، بل بمجرّد اعتبار الموضوع إثباتاً أو نفياً يكفي في الحكومة من دون حاجة إلى النظر، إذا قلنا بهذا المبنى فيصحّ في المقام ما أفاده الميرزا من وفاء هذا اللسان الواحد بكلتا الحكومتين؛ لأنَّ هذا اللسان
ــــــــــ[337]ــــــــــ
() انظر: منية الطالب 2: 211.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
يقول: خبر الواحد علم، فنفترض أنَّ خبر الواحد دلّ على خمريّة هذا المائع، ونفترض أنَّ الخمر له حكمان: أحدهما: هو حرمة الشرب مترتّباً على واقع الخمريّة الآخر، والنجاسة مترتّباً على العلم بالخمريّة، فالعلم بالخمريّة بالنسبة إلى الحرمة طريقي وبالنسبة إلى النجاسة موضوعي، فإذا ورد في لسان خبر: أنَّ خبر الثقة الدال على خمريّة هذا المائع علم بالخمريّة، فهنا يمكن بل يتعيّن أن يقال بوفائه بكلتا الحكومتين، فإنَّ مقتضى جعل الخبر علماً هو أنَّه علم من حيث الطريقيّة والموضوعيّة، من حيث الآثار العقليّة فيرفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان ومن حيث الآثار الشرعيّة، فيترتّب على الخمر آثار النجاسة.
وأمّا إذا قلنا: إنَّ الحكومة في التصرّف في عقد الوضع أيضاً تحتاج إلى النظر، حينئذٍ يكون إثبات كلا الأمرين بهذا اللسان الواحد مشكّل، والسرّ في ذلك: أنَّه وإن دلّ الدليل على أنَّ خبر الثقة الدالّ على الخمريّة علم تعبداً، إلَّا أنَّه لم يعلم أنَّ جعل خبر الثقة علماً هل هو بالنظر إلى دليل الحكم الشرعي أيضاً، أي: إلى دليل النجاسة الذي رتّبها على العلم، أو أنَّ نظره مقصور على الآثار العقليّة، فلا يعلم أن هذا الاعتبار نظره وسيع أو ضيق، أي: أنَّ نظره مقصور على خصوص الآثار العقليّة أو يعمّ الأحكام الشرعيّة التي رتبت على العلم، ولا يمكن التمسّك بالإطلاق لإثبات السعة؛ لأنَّه إنَّما يتمسّك بالإطلاق إذا شكّ في دخول فرد تحت الاطلاق وعدمه، وهذا أمر غير مشكّوك فيه في المقام، فإنّا نعلم أنَّ خبر الثقة الدال على الخمريّة داخل تحت الإطلاق، إلَّا أنّنا لا نرى أنَّ هذا الجعل بلحاظ نظر وسيع أو بلحاظ نظر ضيق، فلا مجال لإثبات سعة النظر بالتمسّك بالإطلاق.
ــــــــــ[338]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وبعبارة أخرى: أنَّ التمسّك بالإطلاق إنَّما يكون إذ شكّ أنَّ الفرد داخلٌ أو خارج، وبه يثبت أنَّه داخل، وهنا نعلم أنَّ خبر الثقة داخلٌ تحت دليل الطريقيّة والكاشفيّة، وإنَّما شكّكنا أنَّ دخوله هل هو بالنظر الأوسع أو الأضيق، و في مثل ذلك لا يمكن التمسّك بالإطلاق، فإنَّ النظر أمر زائد على المدلول المطابقي للدليل، والتمسّك بالإطلاق إنَّما هو بالمدلول المطابقي لا بأمر زائد.
نعم، هنا قد يقال: -إنَّ هذا الكلام، وهو أنَّه لا يعقل التمسّك بالإطلاق؛ لأنَّ الشكّ ليس في خروج الفرد ودخوله، وإنَّما هو في أمر زائد على خروجه ودخوله- إنّنا نتصوّر فرد آخر بحيث يكون الشكّ في أصل دخول الفرد وخروجه، كما لو دلّ الخبر على خمريّة المائع، ونفترض أنَّ واقع الخمريّة ليس له حكم شرعي أصلاً، بل تمام الأحكام مترتّبة على القطع بالخمريّة، فحينئذٍ إن كانت الأمارة تقوم مقام كلّ من القطع الطريقي والموضوعي، فهي داخلة تحت إطلاق الدليل؛ لأنَّ القطع موضوعي بالنسبة إلى كلّ من النجاسة والحرمة، فتقوم الأمارة مقامهما وإن كانت الأمارة لا تقوم إلَّا مقام القطع الطريقي فقط، فلا تقوم مقام القطع بالخمريّة؛ لأنَّ القطع الطريقي ليس له حكم، فيكون الخبر مردداً في أصل الدخول والخروج.
وجواب هذا ما أشرنا إليه: من أنَّه لا يمكن أيضاً التمسّك بالإطلاق لدليل الحجّيّة والتنزيل لهذا الفرد، وإن كان مشكّوك الدخول والخروج.
والوجه في ذلك واضح، وهو أنَّ التمسّك بإطلاق دليل لإثبات شمول مدلوله لفرد إنَّما هو بعد فرض أنَّ شمول هذا المدلول لهذا الفرد له أثر وليس لغواً، فلو أحرز من الخارج أن شمول هذا الدليل لهذا الفرد له أثر وليس لغواً،
ــــــــــ[339]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فنتمسّك بالإطلاق لإثباته، وأمّا إذا شكّكنا أنَّ شمول الدليل لهذا الفرد لغواً أو لا، وله أثر أو لا، لا يمكن التمسّك بالإطلاق لإثبات أنَّ له أثر.
والوجه في ذلك: ما ذكرنا في الجواب على ما أفاده المحقّق الاصفهاني في الحاشية ن أنَّه تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة؛ لأنَّ كلّ دليلٍ مخصّص تخصّيصاً لبيّاً كالمتصل بأن يكون له أثر، فمورد الشكّ أنَّ له أثر أو لا، لا يمكن التمسّك بالإطلاق لإثبات ذلك؛ لأنَّه تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة.
فالتمسّك بالإطلاق إنَّما إذا أحرزنا أنَّ شمول دليل هذا الفرد له أثر، وإلَّا لم يجز التمسّك بالإطلاق.
إذا اتّضح هذا، فنقول: إنَّ مدلول الدليل هو اعتبار خبر الثقة علماً، فهذا الاعتبار إن كان ناشئاً من نظر أوسع -أي: ناظر إلى أدلّة الأحكام الشرعيّة- فشموله لخبر الثقة يكون له أثر، وأمّا إذا فرضنا أنَّ هذا المدلول كان نظره فقط إلى الأحكام العقليّة، وقد فرضنا أنَّ الحكومة تتوقف على النظر، فشموله له
-أي لدليل الأحكام الشرعيّة- لغوٌ صرفٌ؛ لأنَّ الحكومة تحتاج إلى النظر، وهو غير محرز، فشمول هذا الدليل لهذا الفرد من ناحية له أثر، ومن ناحية ليس له أثر، وفي مثله لا يجوز التمسّك بالإطلاق؛ لأنَّه من التمسّك بالإطلاق في الشبهة المصداقيّة. هذا تمام الكلام في المقام الثالث، وقد تلخص أنَّ الصحيح
-تبعاً لصاحب الكفاية المحقّق الخراساني، وخلافاً للمشهور- هو أنَّ الأمارة الجارية في الشبهة الحكميّة لا تقوم مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقيّة فضلاً عن القطع الطريقي المأخوذ على وجه الصفتيّة.
ــــــــــ[340]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
تلخص من الأبحاث السابقة أنَّ الأمارة، أي: خبر الواحد الثقة، الذي هو الأمارة الرئيسية في الشبهات الحكميّة، لا تقوم مقام القطع الموضوعي، وإن قامت مقام القطع الطريقي، ويترتّب على هذا عدة ثمرات تذكر في علم الأصول، ويأتي كلّ في موضعه، إلَّا أنَّ ثمرة واحدة لا يأتي لها موضع، لهذا رأينا من الأحسن ذكرها بشكّل مستقلّ في هذا المقام.
وحاصل هذه الثمرة: هي حجّيّة الأخبار غير الواردة في باب الأحكام، فإنَّ أخبار الآحاد قسم منها وارد في باب الأحكام الشرعيّة، كالأخبار الدالّة على وجوب السورة، أو طهارة الحديد، ومنها ما هو وارد في مطالب تكوينيّة تنقل عن النبي أو الإمام عن أحوال الأرض، والعالم، والسماء والقيامة، وتواريخ البشر، وغيرها من المعارف.
والثمرة المقصودة تظهر في هذا القسم الثاني، أي: في أخبار الآحاد التي تتعرض لمطالب خارجة عن باب الأحكام، وهذه الأخبار تارةً تكون متواترةً، فلا إشكال في صحّة نسبتها إلى النبي والإمام وعدم جواز التشكّيك فيها؛ لأنَّه يؤدي إلى التشكّيك في قائلها بعد فرض التواتر، فإذا تواتر عن النبي أو الإمام مثلاً أنَّ هناك صراطاً يوم القيامة، فيجوز إسناده إليه، وهذا هو مقصودنا من الحجّيّة.
وأمّا إذا كانت غير متواترة، بل أخبار آحاد، فشمول دليل الحجّيّة لها، مبني
ــــــــــ[341]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
على قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي وعدمه.
وتوضيح ذلك يكون ببيان مقدّمة، وحاصلها: هو انَّه هناك حكم ثابت في الفقه بالضرورة، وهو حرمة الكذب، والظاهر المشهور أنَّ الكذب هو بمعنى مخالفة الإخبار للواقع، فلو أخبر بخلاف الواقع كان كذباً، وليس الكذب عبارة عن مخالفة الاعتقاد، فلو أخبر بالواقع، لكن من دون علم، فلا يكون كذباً، وإن كان يُطلق عليه عنوان الكذب بالعناية.
فعنوان الكذب المحرّم شرعاً عنوان واقعي متقوّم بمخالفة الإخبار للواقع، كما هو محقّق في بحث المكاسب المحرمة في الفقه.
إلَّا أنَّه عندنا حكم آخر تحت عنوان القول بغير علم، أو ما يعبر عنه بالتشريع، فإنَّ إسناد شيء إلى الإمام، أو القول بغير علم، يكون بعنوانه حراماً، فإنَّ ظاهر الأدلّة كونه حراماً في نفسه، بحيث يكون حراماً واقعاً ولو كان مطابقاً للواقع.
إذن، عندنا عنوانان محرمان في الشريعة هما: الكذب، بمعنى: مخالفة الواقع، والقول بغير علم، وهو الذي يصطلح عليه علماء الأصول بالتشريع، فإنَّه نحو من أنحائه.
هذه هي المقدّمة التي أحببنا الإشارة إليها.
بعد هذا نقول: بأنَّ الثقة لو أخبر عنه أنَّه يقول بهذه النكتة في تفصيلات المحشر، أو غيره من الأمور الخارجة عن الأحكام، فلا شكّ أنَّ الثقة إنّما يخبر بالمطابقة عن صدور الحديث عن المعصوم، ويخبر بالملازمة عن كون
ــــــــــ[342]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
عدم هذا كذباً -للملازمة بين الأمرين- لأنَّه على تقدير صدوره فليس كذباً؛ لأنَّه مطابق للواقع، فلخبر الثقة دلالتان: دلالة بالمطابقة عن صدور الخبر عن المعصوم، ودلالة بالالتزام، هي أنَّه لو أخبرنا عن صدوره عنه لم يكن كذباً؛ لأنَّ عنوان الكذب ينتفي عند صدوره من المعصوم.
ومن هذه الناحية يكون لهذا الخبر مدلول التزامي دائماً هو عدم كون الإخبار عن المدلول المطابقي كذباً، وهذا المدلول الالتزامي يكون موضوعاً لحكم شرعي قابل لشمول دليل الحجّيّة له، فإنَّه وإن كان المدلول المطابقي له ليس حكماً شرعيّاً، ولا موضوع لحكم شرعي، إلَّا أنَّ المدلول الالتزامي موضوع لحكم شرعي؛ لأنَّه إخبار عن عدم كونه كذباً، فهو إخبار بعدم تحقّق موضوع الحرمة، فمن هذه الناحية يعقل شمول دليل الحجّيّة له على جميع المباني، وبعد فرض الشمول يثبت أنَّ الإخبار عن صدور هذا الكلام من المعصوم ليس كذباً، فحرمة الإخبار بلحاظ كونه كذباً يكون مؤمّناً منها.
ولكن مجرّد نفي الحرمة بملاك الكذب لا يكفي للتأمين وإسناد هذا الكلام للإمام من قبلنا؛ إذ إنَّه وإن لم ينطبق عليه عنوان الكذب ببركة دليل الحجّيّة، إلَّا أنَّه ينطبق عليه أنَّه قول بغير علم؛ لأنّا شاكون وجداناً بصدوره عن المعصوم، وهذا العنوان بنفسه يكون محرّماً، فيكون إسناده إلى الإمام حراماً من هذه الناحية.
وهنا تظهر الثمرة بين قيام الأمارة مقام القطع الموضوع، وجعل الطريقيّة، وعدم ذلك.
ــــــــــ[343]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فإنَّه إذا قلنا بجعل الطريقية وقيام الأمارة مقام القطع الموضوعي، يمكن أن نقول: إنَّ دليل الحجّيّة بإطلاقه يجعل هذا الخبر علماً، وينزّله منزلة العلم الموضوعي والطريقي معاً، وهنا كان العلم موضوعاً لعدم الحرمة، فإذا جُعل الخبر ونُزّل منزلة كلّ من القطع الطريقي والموضوعي، فهذا الخبر يكون علماً، فيكون حاكماً على إطلاق دليل الإخبار بغير علم، ويجعله إخباراً بعلم، ويرتفع به كلا الإشكالين: إشكال الكذب؛ لأنَّه منفي بالدلالة الالتزامية للخبر، وإشكال القول بغير علم بدليل الحجّيّة؛ لأنَّه يجعله علماً، وحينئذٍ فيجوز أن نسند الخبر إلى الإمام، ونقول: إنَّ الإمام يقول كذا، والنبي يقول كذا، والإسلام يقول كذا.
وأمّا بناءً على عدم جعل الطريقيّة، وعدم قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي، هنا يبقى عنوان عدم العلم ثابتاً، ويكون الإخبار إخباراً بلا علم، ولا يكون دليل الحجّيّة حاكماً على دليل حرمة القول بغير علم، وحينئذٍ لا محالة لا يجوز إسناد هذا المطلب إلى الإمام وإلى النبي وإلى الإسلام؛ لأنّه وإن لم يكن كذباً بالتعبّد مع الدلالة الإلتزامية، إلَّا أنَّه قول بغير علم.
ومبنياً عليه ينسد باب إضافة ما جاء في أخبار الاحاد من المعلومات والحقّائق عن البرزخ والتاريخ إلى الإمام؛ لأنَّه قول بغير علم؛ لأنَّ الأمارة لا تقوم مقام القطع الموضوعي؛ لأنَّ دليل الحجّيّة لا يفي بالحكومة على دليل القول بغير علم.
هذا هو تمام الكلام في الثمرة.
ــــــــــ[344]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بعد هذا نقول: إنَّ قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي، وإن ثبت عدم صحته، إلَّا أنَّه لو قيل بقيام الأمارة مقام كلا القطعين الطريقي والموضوعي، فإنَّه يختلف قيامها مقام القطع الموضوعي عن قيامها مقام القطع الطريقي، من حيث إنَّ قيامها مقام الطريقي لا يوسع دائرة الحكم الشرعي الواقعي، وإنَّما يوسع أو يضيق دائرة الوظيفة العقليّة، فلو حكم الشارع بحرمة شرب الخمر ودلّت الأمارة على أنَّ هذا المائع خمرٌ، وكانت قائمة مقام القطع الطريقي، فليس معنى أنَّ دليل حرمة الخمر يكون شاملاً لمظنون الخمريّة، فإنَّه يوجب توسيع دائرة تنجّز الواقع لا نفس الواقع، ومن هنا يمكن أن يقال: بأنَّ هذه الأمارة تكون حاكمة على الواقع حكومة ظاهريّة لا حكومة واقعيّة، فالأمارة الدالّة على الخمريّة تحكم على دليل لا تشرب الخمر حكومة ظاهريّة، ومعناه أنَّها تحكم عليه في مرحلة التنجّز لا في مرحلة الجعل والتشريع، بمعنى: أنَّها توسّع دائرة التنجّز، ولا بأس بتسميّة هذه الحكومة بالظاهريّة.
وأمّا لو فرض قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي، كما لو حكم الشارع بالحرمة على مقطوع الخمريّة، وقامت الأمارة على أنَّ هذا خمر، وكانت الأمارة منزّلة منزِلة القطع الموضوعي، هنا حكومة هذه الأمارة على دليل الحرمة حكومة واقعيّة لا ظاهريّة، كما أشرنا إليه في الإشكال على الآخوند(1). والمقصود
ــــــــــ[345]ــــــــــ
(1) راجع: ص291.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
من تكرار هذه النكتة التنبيه على ما وقع في تقريرات الميرزا(1)، فإنَّ ظاهرها، وصريح حاشية المحقّق الاصفهاني(2) : أنَّ حكومة الأمارة على القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقيّة حكومة ظاهريّة لا واقعيّة، وهو غير معقول، كما برهنا عليه فيما سبق.
وخلاصة هذا البرهان: أنَّ الحكومة الظاهريّة، معناها أنَّها تنتج حكماً ظاهرياً، وهنا لا يُعقل جعل حكم ظاهري؛ لأنَّ ظاهريّة الحكم متقوّمة بأمرين بانحفاظ حكم آخر في المرتبة السابقة عليه، وبعد وصول ذلك الحكم؛ لأنَّه إذا لم يكن هناك حكم محفوظ فهذا هو الحكم الوحيد المجعول من قبل الشارع. إذن، فهو الحكم الواقعي؛ لأنّنا لا نقصد من الحكم الواقعي غير ذلك، وإن كان هناك حكم موجود وواصل فيستحيل جعل حكمين واصلين. إذن، فظاهريّة الحكم متقوّمة بهذين الأمرين: وجود حكم في المرتبة السابقة، وعدم وصوله.
ومن المعلوم أنَّ هذين الركنين غير ثابتين في المقام، فإنَّه لو فرض انَّ المولى أراد أن يحكم بحرمة هذا المائع الذي دلّ خبر الثقة على خمريته، هنا نقول: بأنَّ الحكم الواقعي الذي هو عبارة عن حرمة خصوص مقطوع الخمريّة وإباحة غيره، هل يبقيان على حالهما، أو أنَّ موضوع الحرمة يتوسع وموضوع الإباحة يتضيق؟ فإنَّ فرض أنَّ موضوعهما يتوسع ويتضيق، فمعناه أنَّه ليس هنا حكم بالإباحة في قبال الحكم بالحرمة، وإنَّما هو الحكم الوحيد المجعول، وإن بقيت
ــــــــــ[346]ــــــــــ
() انظر: فوائد الأصول3: 20، أجود التقريرات 2: 9.
(2) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 1: 249.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الحرمة والإباحة على موضوعهما، فمعناه اجتماع حكمين واصلين إلى المكلف، وهو محال؛ وذلك لأنَّ المكلف لا يشكّ أنَّ هذا مقطوع أو ليس بمقطوع، بل يعلم أنَّه ليس مقطوعاً، فهو يعلم تحقّق موضوع الإباحة، فكيف يتقبّل الحكم بالحرمة؟
إذن، فلا يكون قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي، إلَّا بتوسعة موضوع الحرمة وتضييق موضوع الإباحة، وبه تكون الحكومة واقعيّة، ولا يتصوّر كونها ظاهريّة.
هذا تمام الكلام في قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقيّة، ومنه يظهر قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الصفتيّة، فإنَّه إذا لم تقم الأمارة مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقيّة، فما ظنّكم بالقطع الموضوعي المأخوذ على وجه الصفتيّة!
ومن جملة الثمرات المهمّة المترتّبة على هذه النكتة -وهي كون الحكومة واقعيّة أو ظاهريّة- الالتزام بحجّيّة الأمارات في جريانها في أطراف العلم الإجمالي مع العلم بكذب بعضها.
فإنَّ لازم القول بقيام الأمارة مقام القطع الموضوعي مع ما ادّعيناه من أنَّ قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي -لو قيل به- لا بُدَّ أن يكون بنحو الحكومة الظاهريّة، ولازم الجمع بين هذين الأمرين جواز العمل بالأمارات في موارد العلم الإجمالي في مورد القطع الموضوعي، حتّى مع العلم بكذب بعضها.
ــــــــــ[347]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وتوضيح ذلك: تارةً يُفرض أنَّ المولى حكم بحرمة واقع الخمر، وعلمنا إجمالاً -بحسب الخارج- أنَّ أحد هذين المائعين خمر، فحينئذٍ مع أخذ العلم الإجمالي يستحيل التعبّد بالأمارتين الدالّتين في كلِّ من الطرفين على عدم الخمريّة مثلاً؛ لأنَّ التعبّد بهما يؤدّي إلى التعبّد بعدم الحرمة الواقعيّة المعلومة بالإجمال في المقام، وهذا في مورد القطع الطريقي واضح.
وأمّا في موارد القطع الموضوعي، فيما إذا كان الحكم الشرعي مترتّباً على القطع بالشيء لا على واقعه، كما لو حكم بوجوب إكرام معلوم العدالة، ففي مثل ذلك لو قامت الأمارة على عدالة زيد وعمرو معاً، وكنّا نعلم إجمالاً بفسق أحداهما، فهنا لا مانع من الالتزام بشمول دليل الحجّيّة لهما معاً؛ لأنَّ الحكومة هنا واقعيّة لا ظاهريّة، فكلّ من الأمارتين توسّع موضوع الحكم الواقعي حقّيقة، فينبسط الحكم الواقعي على ما قامت عليه كلتا الأمارتين، ولا يلزم طرح تكليف معلوم بالإجمال؛ لأنَّ الحكم الواقعي وسّع موضوعه حقّيقة بالحكومة الواقعيّة، لا أنَّه أُحرز تعبداً، وفي مثله لا يلزم طرح تكليف معلوم بالإجمال.
هذا الكلام وإن كان بحسب الصورة تامّاً، إلَّا أنَّه لا يتمّ في خصوص باب الأخبار؛ لنكتة: وهي أنَّ الخبر الدالّ على ثبوت عنوان في طرف لامحالة يدلّ بالالتزام على عدم العنوان في الطرف الآخر، بعد العلم الاجمالي أنَّ أحدهما عادل وأنَّ الآخر غير عادل، فيحصل لا محالة التعارض بين الدلالة المطابقيّة والدلالة الإلتزاميّة، فمن هذه الناحية يلزم سقوط هاتين الأمارتين، وعدم إمكان العمل بهما.
ــــــــــ[348]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
المقصود من هذا هو دفع إشكال على الحكومة الواقعيّة، إذ قد يستشكّل بأنَّ لازمها جواز التعبّد بالأمارة في أطراف العلم الإجمالي حتّى مع العلم بكذب بعض الأطراف، إلَّا أنَّه ليس لازماً؛ لأنَّ الخبر القائم في مورد العلم الإجمالي، كما يدلّ على ثبوت مؤداه في طرف، يدلّ على عدم ثبوته في الطرف الآخر بالالتزام، فالحكومة الواقعيّة لا تؤدي إلى هذا المحذور في الأمارات المثبتة للوازمها. نعم، هذا الإشكال غير خالٍ عن الوجاهة في الأمارات.
وبعده ينبغي أن يُتكلّم في بحث آخر مبنائي، وهو أنَّه بناءً على قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي، فيقال: إنَّها هل تقوم مقام القطع في إثبات آثار القطع ونفي آثار عدمه، أو تقوم أيضاً مقام عدم الشكّ ونفي آثار الشكّ؟ بمعنى: أنَّ الأمارة كما يترتب عليها آثار القطع وتنتفي آثار عدمه، هل تنتفي ببركتها الآثار الشرعيّة المترتّبة على عنوان الشكّ، وتقوم مقام عدم الشكّ أو لا؟
فإنَّ الشكّ والقطع أمران متضادان، فإنَّه وإن كان الشكّ مساوقاً لعدم القطع إلَّا أنَّه ليس عينه، وإنَّما هو حالة من التردد والتحيّر والضلال عن الواقع ملازمة مع عدم القطع، فهما إذن صنوان، فنحن نريد أن نرى أنَّ الأمارة بقيامها على شيء هل يترتّب عليها آثار القطع، وتنتفي آثار عدمه فقط، أو يترتّب عليها بالإضافة إلى ذلك آثار عدم الشكّ وتنتفي آثاره، بمعنى: أنَّ المولى له مجعولان، حيث جعل الأمارة علماً ونفياً للشكّ، بمعنى: أنَّه أثبت أحد الضدّين ونفى الآخر، فإن فُرض أنَّ مجعول المولى هو أحد الضدّين فقط، وهو إثبات العلم،
ــــــــــ[349]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فلازمه أن يترتّب على هذا الجعل آثار العلم وتنتفي آثار عدمه، وأمّا آثار عدم الشكّ وجوداً وعدماً فلا وجه للالتزام بترتّبها، أمّا إذا كان المجعول في دليل الحجّيّة هو إثبات العلم ونفي الشكّ، فإنَّه كما تترتّب آثار العلم وتنتفي آثار عدمه، كذلك تترتّب آثار عدم الشكّ وتنتفي آثاره.
وطريق إثبات هذا المطلب أحد أمرين: إمّا أن يُستظهر من الدليل بالمطابقة، وإمّا أن يدّعى الملازمة العرفيّة، فيكون الدليل على أحدهما بالمطابقة دليل على الآخر بالالتزام.
ومقصودنا هو التنبيه على أنَّ مجرّد جعل الطريقيّة لا يكفي بقيام الأمارة مقام عدم الشكّ ونفي آثاره، إلَّا مع إثبات أحد هذين الأمرين: أنَّ دليل الحجّيّة ينحلّ إلى هذين الأمرين: إثبات العلم ونفي الشكّ، أو أنَّه يدلّ على أحدهما بالمطابقة، ويدلّ على الآخر بالالتزام.
هذا هو تمام الكلام في قيام الأمارات مقام القطع.
وأمّا الأصول فقد ظهر حالها ممّا قدّمنا، فهي ممّا بيّنا في قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف، انقدح أنَّه لا إشكال في قيام الأصول مقامه أيضاً، ورافعيتها لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وإخراج موردها عن موضوع القاعدة بنفس ملاك قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف حرفاً بحرف.
وذلك لأنَّ الملاك في قيام الأمارة مقام القطع الطريقي الصرف في تنجيز الواقع وإخراج المورد عن قاعدة قبح العقاب، إنَّما هو انكشاف اهتمام المولى
ــــــــــ[350]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بالحكم الواقعي، بحيث لا يرضى بتفويته حتّى من الشاك، وهذا الملاك كما هو محفوظ في الأمارات محفوظ في الأصول أيضاً، وتخيّل الفرق بينهما كان مبنياً على المبنى المشهور القائل: بأنَّ قيام الأمارة مقام القطع الطريقي، إنَّما هو باعتبار المجعول في لسان دليل الحجّيّة، لا باعتبار ما هو المنكشف فيه، من حيث إنَّ المجعول في باب الأصول قد يكون هو غير المجعول في باب الأمارات، كأن يكون المجعول في باب الأمارات هو الطريقيّة، وفي باب الأصول هو الحكم التكليفي.
وأمّا في قيام الأصول مقام القطع الموضوعي، فغير الاستصحاب
-كالبراءة الشرعيّة والاحتياط- لم يتوهّم قيامها مقامه؛ لأنَّ دليلها لا يكون له أيّ حكومة على دليل ترتّب الحكم الشرعي على عنوان العلم.
وأمّا الاستصحاب بالخصوص، فقد أدّعي فيه ما أدّعي في الأمارات، وأصّر السيّد الأُستاذ(1) على ذلك، فإنَّه بنى على أنَّ المجعول فيه هو الطريقيّة كالأمارات، فيكون حاكماً على الأدلّة التي ترتّب الحكم على عنوان العلم، إلَّا أنَّ هذا غير تامٍّ لا مبنى ولا بناءً، أمّا مبنى فلما قلناه: من أنَّ مجرّد جعل الطريقيّة لا يكفي مالم يحقّق ذلك المطلب في باب الحكومة، وأمّا بناءً -أي: في خصوص الاستصحاب- فيأتي أنَّ المجعول فيه ليس هو الطريقيّة، وإنَّما هو مجعول آخر لا يناسب قيامه مقام القطع الموضوعي، كما سيأتي في مبحث الاستصحاب إن شاء الله تعالى، وبهذا يتمّ مبحث قيام الأمارات والأصول مقام القطع.
ــــــــــ[351]ــــــــــ
() انظر: مصباح الأصول 1: 39.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بعد أن قسّم القطع إلى طريقي وموضوعي، جعل هذا التنبيه لأجل بيان أقسام القطع الموضوعي، بلحاظ متعلّقه لا بلحاظ نفسه، فإنَّ تقسيمه بلحاظ نفسه من حيث الصفتيّة والطريقيّة، ومن حيث كونه تمام الموضوع أو جزئه قد سبق، وإنَّما التقسيم الآن بلحاظ متعلّقه.
وذلك أنَّ القطع الموضوعي تارةً يؤخذ في موضوع حكم ويكون متعلّقه أمراً من الموضوعات الخارجيّة، كما إذا قال: إذا قطعت بخمريّة مائع كان حراماً عليك. وأخرى بأخذ القطع بالحكم في موضوع حكم آخر، نحو: إذا قطعت بالحكم الفلاني فيثبت عليك الحكم الفلاني.
أمّا القسم الأوّل -وهو ما إذا أخذ القطع في موضوع حكم يكون متعلّقه من الموضوعات الخارجية- فلا كلام فيه ولا شكّ في إمكانه.
وأمّا القسم الثاني -وهو القطع بالحكم الذي يأخذ في موضوع حكم آخر-فهذا على أقسام:
القسم الأوّل: أن يؤخذ القطع بالحكم في موضوع حكم آخر يخالفه، لا يضاده ولا يماثله، كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة وجب عليك التصدق، فإنَّ الوجوبين حكمان متخالفان، لا متضادان ولا متماثلان.
ــــــــــ[352]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
القسم الثاني: أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع حكم آخر يكون ضداً له، كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة حرّمتها عليك، فإنَّ الحرمة والوجوب حكمان متنافيان.
القسم الثالث: أن يؤخذ القطع بحكم في موضوع حكم مماثل للمقطوع لا ضد له، نحو: إذا قطعت بوجوب الصلاة فاجعلها واجبة بوجوب آخر، فالوجوبان متماثلان.
القسم الرابع: بحسب الفرض العقلي: أن يؤخذ القطع بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم، نحو: إذا قطعت بوجوب الصلاة وجبت عليك الصلاة، بحيث يكون المترتّب على القطع هو نفس الحكم المقطوع لا فرد آخر.
والكلام يقع في تحقيق هذه الأقسام من حيث الإمكان والاستحالة.
أمّا القسم الأوّل: وهو ما إذا فرضنا أنَّ الحكم المترتّب على القطع مخالف للحكم المتعلّق للقطع لا ضد له ومماثل، كما إذا قال: إذا قطعت بالصلاة وجب عليك التصدق، فهنا حكمان متخالفان، ولا إشكال في جواز هذا القسم ومعقوليته، ولم يستشكّل فيه أحد، وهو القدر المتيقن من هذه الأقسام من حيث الإمكان.
وأمّا القسم الثاني: وهو ما إذا أخذ القطع في موضوع حكم آخر مضاد، نحو: إذا قطعت بوجوب الصلاة، تحرم عليك الصلاة، فهذا عبارة أخرى عن
ــــــــــ[353]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
البحث الذي تكلّمنا فيه عن إمكان سلب المولى حجّيّة القطع ومنعه عن العمل على طبقه؛ لأنَّ معنى هذا الفرض هو الزجر والردع عن الجري على طبق القطع بوجوب الصلاة، فليس هذا البحث جديداً، بل سبق بحثه تحت عنوان: هل يمكن للمولى النهي والردع عن العمل بالقطع؟
وقد سبق أن قلنا -تبعاً للمحقّقين- بعدم إمكان ذلك، وإن كان بياننا البرهاني مخالفاً للبيان البرهاني المشهوري عندهم، وقلنا: إنَّ هذا النهي إمّا أن يكون حقيقياً أو طريقياً، وعلى كلا الشقين يأتي الإشكال، وحيث إنَّ هذا الحكم ينحصر أمره بين هذين الأمرين وكلاهما لا يعقل، إذن لا يعقل النهي عن القطع.
إذن، يظهر من تنقيح تلك الكبرى استحالة هذا الفرض أيضاً، فلا نحتاج إلى بحث مستأنف جديد في المسألة.
وأمّا القسم الثالث: وهو أخذ القطع بالحكم في موضوع حكم مماثل له، كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة فتجب عليك الصلاة، أو فاجعل عليك وجوب الصلاة من جديد، أو إذا قطعت بحرمة شرب الخمر اجعل عليك حرمة أخرى، فهذا القسم هو مورد الخلاف بن المحقّقين في معقوليته وعدمها، فذهب المحقّق النائيني(1) إلى استحالة ذلك، أي: إلى عدم إمكان أخذ
ــــــــــ[354]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 18.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
القطع بالحرمة في موضوع حكم آخر مماثل له، وسوف نشير إلى برهانه، وخالفه السيّد الأُستاذ (1) وذهب إلى إمكانه.
أمّا المحقّق النائيني فاختياره وادعائه في المقام مبتن على المسلك المعهود في بحث التجرّي، وأمّا السيّد الأُستاذ في قوله بإمكانه، فقد ناقض مبانيه في بحث التجرّي، فإنَّ البحث في الحقّيقة في هذا القسم يُذكر في موردين بعنوانين: أحد العنوانين في بحث التجرّي والآخر هنا.
والسيّد الأُستاذ حين ذكره بذلك العنوان حكم بالاستحالة وحين بدّل العنوان، وهو هذا حكم بالإمكان مع أنَّ جوهر العنوان وأصل المسألة واحد.
توضيح ذلك: كما أنَّ القسم الثاني السابق -وهو أخذ القطع بالحكم في موضوع حكم مضاد له- بحسب الحقيقية مذكور في التنبيه الأوّل في مبحث النهي عن العمل بالقطع بهذا العنوان، كذلك الحال في هذا القسم الثالث وهو أخذ القطع بالحكم في موضوع حكم آخر مماثل له، فإنَّ هذا هو بحث إمكان ثبوت الحرمة المولويّة للمتجرّي في بحث التجرّي.
حيث سبق هناك أن قلنا: إنَّ الكلام يقع بعد الفراغ عن قبح التجرّي، في أنَّه هل يُعقل للمولى جعل حرمته بعنوان التجرّي أو لا يعقل؟ وقد سبق هناك من السيّد الأُستاذ أن ذهب إلى عدم تعقّل جعل الحرمة على عنوان التجرّي. أمّا بخصوص التجرّي، وهو الذي يخالف قطعه الواقع أو أنَّ الحرمة تعمّ العاصي، أي: موضوعة على الجامع بينه وبين المتجرّي، وهو القاطع بالخمريّة سواء
ــــــــــ[355]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الأُصول ٢: ٤٨.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
خالف قطعه الواقع أو وافقه، فإن كانت الحرمة مختصّة بخصوص حالة التجرّي ومخالفة القطع للواقع، فيرد عليه إشكالات منها مثلاً، عدم وصول هذا الحكم إلى المتجرّي؛ لأنَّ المتجرّي لا يلتفت إلى أنَّ قطعه مخالف للواقع، فلا يكون الحكم قابلاً للوصول إليه، أمّا إذا كانت الحرمة موضوعة بعنوان أعمّ من المتجرّي والعاصي، وهو عنوان ارتكاب مقطوع الحرمة، فهو وإن كان قابلاً للوصول إلى المتجرّي؛ لأنَّه يحرز انطباق الجامع عليه، لكن مع هذا، فهذا الجعل غير معقول عند السيّد الأُستاذ؛ لأنَّه غير قابل للمحركيّة والباعثيّة المولويّة، بتقريب: أنَّ غرض المولى في موضوع الحكم قد وفىّ في المرتبة السابقة بقيام الحجّة على التكليف وهو القطع، وحينئذٍ قال السيّد الأُستاذ: إنَّ هذه الحجّيّة إن كانت في محركيّة العبد نحو الامتثال، فتكون هي الباعث، ويكون الباعث المتأخّر لغواً، وإلَّا فالثاني كالأوّل
هذا البرهان ذكره السيّد الأُستاذ، وبرهن به على استحالة جعل الحرمة للتجرّي بالمعنى الأعمّ من العاصي والمتجرّي، وبحسب الحقّيقة أنَّ المقام هو نفس ذلك البحث، وأنَّ عنوانه قد بُدّل، فقد كان هناك تصوير جامع بين المتجرّي والعاصي، ومرجعه في الحقّيقة إلى معلوم الحرمة، فيكون نفس مسألة أخذ القطع بالحكم في موضوع حكمٍ مماثل له، نحو: إذا قطعت بحرمة شرب الخمر يحرم عليك شربها، سواء كان قطعك موافق للواقع أو مخالف له، مع أنَّه حكم بالإمكان لأنَّ مرجعهما واحد.
وحينئذٍ فلا بُدَّ من توجيه المبنى في المقام بشكّل يوافق الحكم في تلك
ــــــــــ[356]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
المسألة، فإنَّه يأتي هنا نفس البرهان السابق، وذلك بأن نقول: إنَّ جعل الحرمة هنا لغوٌ؛ لأنَّ القطع بالحرمة في المرتبة السابقة إن كفت عن الزاجريّة كانت الثانية لغواً؛ وإلَّا لما كفى الثاني أيضاً، وإنَّما يأتي هذا البرهان هنا أيضاً؛ لأنَّ محلّ الكلام هو ذاك بعينه، وعليه فاختيار السيّد الأُستاذ الاستحالة هناك، والإمكان هنا من الغرائب، ولعله من سهو المقرّر.
وأمّا المحقّق النائيني فقد ذهب إلى الاستحالة في كلا الموردين، وعليه فمباني الميرزا متّسعة ومنسجمة في المقام مع المسألة السابقة.
وكيف كان فما استدلّ به على الاستحالة، أو يمكن أن يستدلّ به على استحالة أخذ القطع بالحرمة من موضوع حرمة مماثلة عدة وجوه:
الوجه الأوّل: ما سبق أن ذكرناه، وهو البرهان الذي ذكره السيّد الاستاذ في مسألة التجرّي، وحاصله: أنَّ الحرمة أخذ في موضوعها القطع بالحرمة السابقة، وفرض الحرمة السابقة فرض تمامّية الزجر من قبل المولى وتنجّز الحرمة على المكلف، فإن كان العبد ممّن ينزجر عن زجر المولى كفته الحرمة الأولى، وإلَّا فالثانية كالأولى، وهذا البرهان تعرضنا له هناك والتزمنا أنَّ المرتبة المتأخّرة قابلة للمحركيّة من دون لزوم اللغويّة، على تفصيل هناك.
الوجه الثاني: على الاستحالة: ما ذكره الميرزا(1) هنا وهناك.
ــــــــــ[357]ــــــــــ
( ) انظر: فوائد الأُصول 3: 37 – 43.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بتقريب: أنَّ جعل الحرمة هنا على عنوان مقطوع الحرمة غير معقول؛ للزوم اجتماع المثلين، من دون إمكان الالتزام بالتأكّد لرفع هذه الغائلة.
وتوضيح ذلك يتوقف على بيان مقدّمة، وهي: أنَّه إذا صدر من المولى جعلين متماثلين، فهما تارةً يُفرض أنَّ لكلِّ منهما مادة افتراق عن الجعل الآخر، بحيث تكون النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه، وأخرى لا يكون هناك مادة افتراق، بحيث تكون النسبة بين الجعلين إمّا التساوي أو العموم المطلق.
فإن فُرض أنَّ لكلِّ منهما مادة افتراق مع الجعل الآخر، فهنا لا بأس بالالتزام بتعدد الحكم من دون لزوم اجتماع المثلين، ثُمَّ إنّنا في مادة الاجتماع نلتزم باندماج هذين الحكمين في حكم واحد مؤكّد، مثلاً: إذا قال: (أكرم كلّ عالم) و (أكرم كلّ شيخ) وفرضنا أنَّ النسبة بين العالم والشيخ هي العموم من وجه، هنا لا بأس بالالتزام بصدور الجعلين وتعدد الحكمين، غاية الأمر في مادة الاجتماع يلتزم بجعل واحد مؤكّد، والالتزام بالوحدة لا ينافي الالتزام بتعدد الجعلين؛ لأنَّ لكلِّ حكم مادة افتراق يخصّه.
وأمّا لو فُرض أنَّ النسبة بينهما هو التساوي أو العموم المطلق، نحو: (أكرم كلّ عالم) و(أكرم كلّ فقيه) في مثل هذا لا يمكن أن نستكشف جعلين مستقلين؛ لأنَّ الدليل الثاني: أكرم كلّ فقيه، ليس له مادة انفراد حتّى يكون الجعل فيه مستقلاً، فلو التزمنا بالتأكّد، فمعناه وجود جعل واحد هو الجعل الأوّل، ويكون بعض حصّصه مؤكّد وفي الأخرى غير مؤكّد. إذن، فلا نتصوّر جعل آخر مستقل؛ لأنّه فرع تصوّر مادة افتراق له، وهنا هذا لا يمكن، فلا
ــــــــــ[358]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
جميع موارد الجعل الثاني موارد للتأكّد، والتأكّد لا يجتمع مع الجعل المستقلّ.
كانت هذه مقدّمة مطوية في كلام الميرزا، وهي كبرى طبّقها على محلّ الكلام، حيث إدّعى أنَّ العنوانين اللذين ثبتت لهما الحرمة -الخمريّة ومقطوع الخمريّة- ليس بينهما نسبة العموم من وجه في نظر القاطع، فلو قطع بحرمة الخمر، وقال له المولى: إذا قطعت بحرمة شرب الخمر كانت حراماً عليك، فهنا عندنا عنوانان: أحدهما موضوع الحرمة الأوّلى وهو نفس الخمر، والآخر موضوع الحرمة الثانية، وهو مقطوع الخمريّة، وليس بين هذين العنوانين في نظر القاطع نسبة العموم من وجه، فإنَّ العنوان الثاني لا يزيد في نظره عن الأوّل، فإنَّه ملازم له؛ لأنَّ القاطع لا يحتمل خطأه في قطع نفسه، فالخمريّة ومقطوع الخمريّة أمران متلازمان في الخارج. إذن، فبينهما نسبة العموم المطلق، لا العموم من وجه، وفي مثل هذا لا يمكن الجعل، وهذا البرهان سبق تقريبه مع جوابه هناك مفصّلاً، وقلنا: أنَّه لا محصّل له.
الوجه الثالث: وهو غير مذكور في كلماتهم إلَّا أنَّه يمكن تقريبه على مبانيهم، وحاصله أن يقال: بأنَّ الحرمة الثانية المترتّبة على القطع بالحرمة، متأخّرة رتّبة عن الحرمة الأولى، باعتبار ترتّبها على القطع بالحرمة الأولى، وفي موارد ترتّب أحد الحكمين على الآخر لا يمكن الالتزام لا بالتأكّد ولا بعدمه، أمّا عدم التأكّد وبقاء كلّ حكم على حدة؛ فللزوم اجتماع المثلين، وأمّا التأكّد فهو خلف فرض تعدد الرتّبة، فإنَّ اجتماع التأكّد مع الطوليّة محال. وعليه فلا بُدَّ من بطلان أصل الفرض، وهو وجود الحكمين المتماثلين المترتّبين، فإنَّ هذا الفرض في نفسه غير معقول.
ــــــــــ[359]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهذا المطلب سنخ ما أورد به على القول باتّصاف الأجزاء بالوجوب الغيري في بحث مقدّمة الواجب، فإنَّه وقع هناك كلام في أنَّ الأجزاء بناءً على تمامّية ملاكيّة المقدّمة فيها هل تتّصف بالوجوب الغيري أو لا؟
أُشكل على ذلك أنَّه يلزم منه اجتماع المثلين: الحكم النفسي، والحكم الغيري. وأُشكل عليه بالالتزام بالتأكّد.
واجيب عنه بامتناع التأكّد باعتبار الطوليّة بين الوجوبين، فإنَّ الوجوب الغيري في طول الوجوب النفسي ومعلول له، ومع الطوليّة لا يعقل التأكّد.
وقد أشكل السيّد الأستاذ(1) هناك على هذا المطلب: أنَّه خلط بين أحكام الرتبة وأحكام الزمان، فإنَّ التأكّد بين الحكمين المتماثلين إنَّما يكون باعتبار عدم سعة زمان واحد لهما معاً، لا باعتبار عدم سعة رتّبة واحدة لهما معاً، وهذان الحكمان وإن كانا في رتبتين إلَّا أنّهما مجتمعان في زمان واحد، فكيف لا يلتزم بالتأكّد فيهما؟ ففرضهما في رتبتين لا يحلّ المحذور.
وهذا الكلام من السيّد الأستاذ غفلة عمّا هو المقصود في المقام، فإنَّ المقصود ليس هو اجتماع الحكمين في رتبته، بل استحالة أصل وجودهما من أساسه؛ لأنَّ إنحفاظ كلّ حكم في رتبته من دون تأكّد حتّى مع وحدة الزمان محال، والتأكّد خلف الطوليّة، فإنَّ التأكّد لا يناسب أن تكون العلّة والمعلول موجودتين بوجود واحد.
ــــــــــ[360]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 216، محاضرات في أصول الفقه 2: 299.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
هذا الإشكال سبق أن بيّناه في بحث مقدّمة الواجب(1)، وهو يأتي هنا أيضاً باعتبار أنَّ الحرمة الثانية أُخذ في موضوعها القطع بالحرمة الأوّلى، فأحد الحرّمتين في الأخرى، وحينئذٍ لا يُعقل فرض كلا الحكمين؛ لأنَّ فرضهما بلا تأكّد اجتماع المثلين، ومعه ينافي الطوليّة.
وهذا البرهان مُلزم على مبانيهم في باب التأكّد، إلَّا إنّنا نختلف وإياهم في أصل المبنى، فإنّنا لا نبني على التأكّد في عالم نفس الإنشاء والحكم، وإنَّما نبني على التأكّد في باب الملاكات فقط.
ولا نلتزم بوجود أحكام ثلاثة: حكمان في مادة الافتراق بدون تأكّد، وواحد في مادة الاجتماع متأكّد، بل نبني على بقاء الدليلين على ظاهرهما، من حيث إنَّ كلّ منهما متكفّل لإنشاء حكم على موضوعه، ويكون في مادة الاجتماع حكمان منجّزان كلٌّ في مرتبته من الملاك، ويكون قهراً الحكم المبرز هو النحو الأتمّ الأكمل للحكم المولوي، فيكون موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال بشكّل آكّد وأقوى، كما سبق أن قلنا في أوّل مبحث القطع: من أنَّه كلما كان الحكم المولوي أشدّ كانت مفسدة مخالفته وحسن موافقته أكمل.
ففي المقام لا نلتزم بتأكّد الحكم في عالم الحكم حتّى يأتي الإشكال: أنَّ الحرمة الثانية في طول الأوّلى، فكيف تتأكّد مع الثانية وتوجد بوجود واحد؟! ونحن لا نقول بهذا كما مضى في بحث اجتماع الامر والنهي، وسيأتي في باب الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة.
ــــــــــ[361]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 3: 153.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أخذ القطع بالحكم في موضوعه يتصوّر على أنحاء:
أمّا الأوّل: وهو ما إذا أخذ القطع بالحكم في موضوع حكم مخالف له، كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة وجبت عليك الزكاة، فهذا القسم لا إشكال فيه، ولم يقع نزاع في إمكانه.
وأمّا القسم الثاني: وهو أخذ القطع بالحكم في موضوع حكم آخر مضاد له، كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة فهي حرام عليك، فهذا القسم في الحقّيقة أحد صغريات مسألة النهي عن العمل بالقطع، فهو يندرج تحت البحث الذي هو في الأمر الأوّل من مباحث القطع، فإنَّ مرجع قوله: إذا قطعت بوجوب الصلاة فهي حرام عليك، هو الردع عن الجري على طبق الوجوب المقطوع، والنهي عن القطع المنجّز له، وقد سبق في ذلك البحث أنَّ الردع عن العمل بالقطع محال؛ لأنَّ هذا الردع، إمَّا أن يكون بجعل حكم حقّيقي رادع أو حكم طريقي، وكلّ منهما مبرهن على استحالته ببرهان يخصّه، فليس في هذا القسم بحث جديد زائد على ذلك البحث الكبروي.
وأمّا القسم الثالث: وهو أخذ القطع بحكم في موضوع حكم مماثل له، كما إذا قال: إذا قطعت بوجوب الصلاة فاجعلها واجبة عليك بوجوب آخر جديد، فهذا القسم وقع الكلام في إمكانه واستحالته، فذهب المحقّق النائيني(1)
ــــــــــ[362]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 19.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
إلى الاستحالة، وذهب السيّد الأستاذ على ما في الدراسات(1) إلى الإمكان.
وحاصل ما يستدلّ به للاستحالة، أو يمكن أن يستدلّ به على ذلك، وجوه:
الوجه الأوّل: هو المستفاد من كلمات السيّد الاستاذ في بحث التجرّي، وحاصله: أنَّ الحرمة المدّعاة في المقام أو الوجوب المدّعى، مثلاً إذا قال: إذا قطعت بحرمة الخمر فأجعلها حراماً عليك، هذه الحرمة الثانية -المدّعى جعلها على عنوان القطع بالخمريّة- لا يعقل جعلها؛ إذ في المرتبة السابقة عليها قد فرض العلم بحرمة قبلها، فهذا العلم إن كفى في تنجيز الحكم ومحركيته للعبد وزاجريته له كان الحكم الثاني في المرتبة المتأخّرة لغواً، وإلَّا فالثاني كالأوّل؛ إذ لا فرق بين زجر وزجر، وبعث وبعث.
هذا البرهان ذكره السيّد الاستاذ برهاناً على استحالة جعل الحرمة على عنوان جامع بين المتجرّي والعاصي، إلَّا أنَّه يصحّ أن يأتي في محلّ الكلام؛ لأنَّ جعل الحرمة بعنوان جامع من مصاديق محلّ الكلام، ومرجعه في الحقيقة إلى جعل الحرمة على عنوان معلوم الخمريّة، فتلك الحرمة المدّعاة هناك من مصاديق المقام، وبرهان إبطالها يأتي هنا حرفاً بحرفٍ.
ومن هنا كان عجيباً من السيّد الأستاذ أنَّه اختار هناك الاستحالة مبرهناً عليها بهذا البرهان، مع أنَّه اختار الإمكان هنا، مع عدم الفرق بين المسألتين، إلَّا باختلاف الأسماء، فإن تمّ هذا البرهان في إثبات الاستحالة هناك يتمّ هنا أيضاً،
ــــــــــ[363]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 66.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
إلَّا أنّنا ذكرنا في بحث التجرّي أنّه غير تامٍّ هناك. إذن، فهو غير تامٍّ هنا أيضاً بنفس التقريب الذي ذكرناه هناك حرفاً بحرفٍ.
الوجه الثاني: للاستحالة ما ذكره المحقّق النائيني في ذلك المقام:
وتوضيح ما أفاده يحتاج إلى بيان مقدّمة في أنَّه متى يجوز تعدد الحكمين المتسانخين، ومتى لا يجوز؟ فلا بُدَّ من بيان المقدّمة، ثم بيان برهان الميرزا.
أمّا المقدّمة، فحاصلها: أنَّ الحكمين إذا كانا من سنخ واحد، كما إذا كانا وجوبين أو حرّمتين، فإمّا أن لا يُفرض لهما مادة اجتماع أصلاً، كوجوب الصلاة ووجوب الصوم، أو يُفرض بينهما مادة اجتماع، كوجوب إكرام العالم، ووجوب إكرام الهاشمي، فإن لم يُفرض بينهما مادة اجتماع أصلاً فلا بأس بتعددهما جعلاً، ويكون كلّ واحد منهما حكماً مستقلاً.
وأمّا إذا كان بينهما مادة اجتماع، فهنا لا بُدَّ من الالتزام بالتأكّد في مادة الاجتماع؛ إذ لولا التأكّد للزم اجتماع الحكمين المثلين بحسب عالم الجعل، فلا بُدَّ من الالتزام بالتأكّد، وحينئذٍ فلا بُدَّ وأن يُرى أنَّ مادة الاجتماع هل هي بتمامهما مورد أحد الحكمين أو أنَّها أخصّ منه؟ فإن فُرض أنَّ أحد الحكمين بتمام مورده هو مورد الاجتماع، فيستحيل جعله بصورة مستقلّة؛ لأنَّ مورده في مورد الاجتماع، ومورد الاجتماع هو مورد التأكّد، والتأكّد مع الجعل المستقلّ غير معقول، وعليه فلا يتصوّر هنا جعلان مستقلان، ومن هنا يقال: إنَّ الحكمين إذا كان بينهما عموماً مطلقاً أو تساوي فليس هنا جعلان.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ مورد كلّ منهما له مجال ومادة افتراق عن الحكم الآخر،
ــــــــــ[364]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
كما في الحكمين العامّين من وجه، نحو: أكرم كلّ عالم، وأكرم كلّ هاشمي، فهنا لا بأس بالالتزام بتعدد الحكم في غير مادة الاجتماع، فيلتزم بجعول ثلاثة: جعل لوجوب إكرام الهاشمي غير العالم، وجعل لوجوب إكرام العالم غير الهاشمي، وجعل ثالث مؤكد في مادة الاجتماع
هذه هي المقدّمة، وأمّا ما يترتّب عليها، فيقول الميرزا: إنّنا نريد أن نرى أنَّ هذين الحكمين المتسانخين اللذين أُخذ في موضوع أحدهما القطع بالآخر، هل النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه؟ فيجوز تعدد جعلهما بحسب عالم الجعل، أو أنَّ النسبة بينهما هي التساوي أو العموم المطلق؟ فلا يعقل تعدد الحكم؛ لأنَّ مورد أحدهما يكون هو مورد التأكّد والاندكاك.
وحينئذٍ نقول: إذا فُرض أنَّ المولى قال: إذا قطعت بحرمة الخمر كان حراماً عليك، فهنا عندنا حرمتان: حرمة مترتّبة على واقع الخمر، وحرمة مترتّبة على معلوم الخمريّة.
وبحسب الواقع أنَّ معلوم الحرمة مع الحرام الواقعي بينهما عموم من وجه، فإنَّ الحرام الواقعي قد لا يكون مقطوعاً، كما أنَّ القطع بالحرمة قد يصادف الواقع، ولكن مع ذلك يقول الميرزا: إنَّ النسبة بين الحرام ومعلوم الحرمة، وإن كانت هي العموم من وجه، ولكنّها في نظر القاطع ليست كذلك، بل عنده أنَّ معلوم الحرمة حرام جزماً؛ لأنَّه لا يحتمل خطأ قطعه ومخالفته للواقع. إذن، فهو في نظر القاطع محال، لأنّا بيّنا في المقدّمة أنَّ جعل الحكمين في مورد العموم المطلق محال. إذن، فهذا الحكم لا يصدِّق به المكلف،
ــــــــــ[365]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وجعل حكم يستحيل أن يصدِّق به المكلف لغو؛ لأنَّ الحكم إنَّما يجعل لتحريك المكلف نحو الامتثال.
هذا البرهان أيضاً سبق في مبحث التجرّي مع جوابه، وقلنا في جوابه ما ملخصه: أنَّ النسبة بين الحرام ومعلوم الحرام هو العموم من وجه حتّى في نظر القاطع؛ وذلك لأنَّه إذا كان هو لا يحتمل خطأ قطعه، ولكنّه ألَّا يحتمل خطأ قطع غيره؟ بل قد يعتقده. إذن، فمادة الافتراق لمقطوع الحرمة هو قطع الغير، فلا إشكال من هذه الناحية.
الوجه الثالث: هو ما أوردناه سابقاً، وحاصله:
هو أنَّ المفروض في المقام أخذ القطع بالحرمة في موضوع حرمة مماثلة لها، بحيث لا بُدَّ وأن يُفرض أنَّ له قطعاً بالحرمة حتّى تترتّب الحرمة الثانية.
حينئذٍ نقول: إنَّ موضوع الحرمة الثانية، هل هو القطع بالحرمة لولا القطع أو القطع بها بالفعل، فإن فُرض أنَّ موضوع الحرمة الثانية هو القطع بالحرمة لولا القطع، كما إذا قال: إذا قطعت بالحرمة لولا قطعك فهو حرام عليك، فلا إشكال فيه؛ لأنَّ الحكمين يكونان على موضوعين، ولا يكون بينهما مادة اجتماع أصلاً، وهو خلاف مفروض المسألة.
فلابدَّ أن يُفرض أنَّ موضوع الحرمة الثانية هو القطع بالحرمة فعلاً، وحينئذٍ يقال: إنَّ هذا الموضوع وهو القطع بالحرمة إمّا أن يؤخذ بنحو جزء الموضوع، أو بنحو تمام الموضوع، أي: إمّا أن يُفرض أنَّ موضوع الحرمة الثانية هو القطع بالحرمة مع الحرمة، كما إذا قال: إذا كان الخمر حراماً عليك بحسب
ــــــــــ[366]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
عالم الجعل وقطعت بالحرمة يحرم عليك الخمر، وإمّا أن يُفرض أنَّ موضوع الحرمة الثانية هو نفس القطع بالحرمة، بحيث يكون القطع تمام الموضوع، سواء طابق الواقع أو خالفه.
فإن فُرض أنَّ موضوع الحرمة الثانية مركّب من الحرمة الأوّلى والقطع بها، بحيث إنَّ الحرمة الأوّلى تكون جزء الموضوع للثانية، فتكون الحرمة الأوّلى جزء العلّة، ومن مبادئ الحرمة الثانية، وحينئذٍ يستحيل التأكّد، أي: يستحيل اجتماعهما لا بنحو التأكّد، ولا بنحو التفرّق، أمّا بنحو التفرّق؛ فلأنه يستلزم اجتماع المثلين بحسب عالم الحكم، وأمّا بنحو التأكّد يلزم منه اجتماع العلّة والمعلول ووحدتهما بحسب الوجود، فإنَّ التأكّد إنّما يكون بين حرمتين عرضيتين لا طوليتين، وعليه يكون هذا الشقّ محالاً.
وأمّا الفرض الثاني، وهو كون موضوع الحرمة الثانية -تمام موضوعها- القطع بالحرمة الأوّلى، بحيث يكون القطع تمام الموضوع، فهنا لا تكون الحرمة الأوّلى من مبادئ الحرمة الثانية؛ لأنّها لم تؤخذ جزءاً في موضوع الثانية، ولكن مع هذا يكون محالاً للزوم الخلف؛ وذلك لأنَّ هذا المكلف الذي قطع بالحرمة نسأله هل قطعت بالحرمة البسيطة أو بالحرمة المؤكّدة؟ فإذا فرضنا بأنَّه قطع بالحرمة البسيطة، ففرض كونها البسيطة غير مؤكّد، فيستحيل فرض التأكّد بين الحكمين. وأمّا إذا قطع بالحرمة المؤكّدة، فهذا بنفسه محال؛ لأنَّ التأكّد إنّما ينشأ من اجتماع الجعلين، فلا يمكن أن يتعلّق القطع بهذا التأكّد. وبالجملة: أنَّ التأكّد في طول القطع، فلا يعقل أن يتعلّق به القطع.
ــــــــــ[377]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهذا البرهان صناعي صحيح، لولا بطلان أصل المبنى؛ لأنَّه مبني على تخيّل محذور اجتماع المثلين بحسب عالم الجعل، ونحن لا نلتزم به؛ لأنّا نلتزم بإمكان تعود الحكم من دون تأكّد في مادة الاجتماع، وإنَّما نلتزم بالتأكّد في عالم الملاكات لا في عالم الانشاء والجعل، وحينئذٍ لا يأتي الإشكال، بل يقال: إنَّ لكلِّ من الحرّمتين جعل وانشاء مستقلّ، وغاية ما يلزم هو اجتماع المثلين في عالم الانشاء ولا محذور فيه على ما يأتي.
الوجه الرابع: وهو ممّا يمكن أن يقال أيضاً على مبانيهم، وإن لم يقولوه.
وحاصله: هو أنَّ النسبة بين العنوانين في المقام وإن كانت هي العموم من وجه في الدافع وفي نظر القاطع أيضاً، كما بينا في الجواب على الوجه الثاني للمحقّق النائيني، حيث إدّعى أنَّ النسبة بين العنوانين هي العموم المطلق، وقد بيّنا أنَّ النسبة بين العنوانين -عنوان المحرم الواقعي وعنوان معلوم الحرمة- هي العموم من وجه حتّى في نظر القاطع، وعلى مبانيهم لا بأس من تعدد الحكم بحسب عالم الجعل إذا كانت النسبة بينهما هي العموم من وجه، أي: عنوان الحرمة الأولى التي تعلّق بها القطع، وعنوان الحرمة الثانية التي ترتّبت على القطع. وهم يلتزمون بتعدد الحكم في مورد الافتراق والتأكّد عند الاجتماع، إلَّا أنَّه في خصوص المقام لا يخلو ذلك من محذور.
وتوضيحه: أنَّه في موارد نسبة العموم من وجه، كما إذا قال المولى: أكرم العالم، وأكرم العالم العادل، هنا يلتزمون بناءً على مبناهم في استحالة اجتماع المثلين حتّى في عالم الجعل والحكم، أنَّ كلّاً من الجعلين ثابت مستقل في موارد
ــــــــــ[368]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الافتراق، أمّا في مورد الاجتماع فهنا حكم ثالث مؤكّد متعلّقه ومعروضه هو مجمع العنوانين.
إلَّا أنَّ هذا لا يتصوّر في المقام، فإنَّه في المقام إمّا أن يُلتزم بأنَّ كلّاً من الحرّمتين: الحرمة الأوّلى التي تعلّق بها القطع موضوعها هو واقع الخمر، والحرمة الثانية المترتّبة على القطع وهي حرمة مقطوع الخمريّة، وهو خلف مبناهم.
فهنا لا بُدَّ من الالتزام بالتأكّد في مورد الاجتماع، وأن لا يبقى كلّ من الجعلين على إطلاقه، بل يكون هناك جعل ثالث شديد بلحاظ مورد الاجتماع، ويبقى كلّ من الجعلين مستقلاً بلحاظ مورد الافتراق، كما اُلتزم به في إكرام الهاشمي، وإكرام العالم.
وهذا هو غير المعقول في المقام؛ لأنَّ نتيجته اختصاص خطاب مقطوع الحرمة بغير ما إذا صادف الحرام الواقعي، أليس موضوع الحرمة الثانية مقطوع الحرمة؟ وفرضنا أنَّ مادة الاجتماع لا بُدَّ من إخراجها عنه وهي الخمر الواقعي المقطوع، فتختص الحرمة بما إذا كان مقطوعاً، ولم يكن القطع مطابقاً للواقع، وقد سبق في بحث التجرّي أن ذكرنا أنَّه غير معقول؛ لأنَّه لا يصل إلى المكلف؛ لأنَّه لا يحتمل خطأ نفسه.
كما أنَّ الحرمة الثانية لا بُدَّ من تقييدها بعدم العلم، وهو لا يعقل على مبانيهم؛ لأنَّهم يلتزمون باستحالة تقييد الحكم بعدم العلم، كما يستحيل تقيده بالعلم، وسنعرف في الوجه الخامس أنَّهم يذهبون إلى أنَّه لا يُعقل أخذ العلم
ــــــــــ[369]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
شرطاً في موضوع الحكم، كذلك لا يُعقل أن يؤخذ مانعاً.
وهذا الوجه يتمّ على مبانيهم، وقد انقدح بطلان هذا الوجه ممّا أشرنا إليه من عدم الالتزام بتلك المباني.
ومنه يظهر أنَّه لا يتمّ أيّ من الوجوه الأربعة التي ذكروها في استحالة أخذ القطع بالحكم في موضوع الحكم المماثل.
الوجه الخامس: أخذ القطع بالحكم في موضوع شخص الحكم، في موضوع نفس ذلك الحكم، بحيث يكون الحكم المترتّب على القطع هو نفس الحكم الذي تعلّق به القطع.
هذا الوجه تصوّره المحقّقون على نحوين: فإنَّ القطع بالحكم تارةً يؤخذ في موضوع ذلك الحكم شرطاً، وأخرى يؤخذ في موضوع ذلك الحكم مانعاً، أي: تارةً يؤخذ هكذا: إذا قطعت بهذا الشخص من الوجوب، فهو مجعول عليك، وأخرى يؤخذ مانعاً، كما إذا قال: إذا قطعت بهذا الشخص من الوجوب عن طريق الجفر والمنامات فلا يثبت بالنسبة إليك.
واجروا كلاماً واحداً بلحاظ كلا القسمين، ولم يُفرّقوا بينهما إشكالاً وتحقيقاً، كما يظهر من مراجعة تقريرات المحقّق النائيني(1) أو كلمات السيّد الأستاذ(2) ومن هنا وقعوا في عدّة إشكالات سنشير إليها، وعلى أيّ حالٍ اختاروا عدم الفرق بين القسمين في الاستحالة.
ــــــــــ[370]ــــــــــ
() انظر: فوائد الأصول1: 146، أجود التقريرات3: 34.
(2) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 44.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ومن هنا وقع إشكال على الشيخ الأعظم، حيث إنَّ الشيخ الأعظم في مقام توجيه كلمات الاخباريين -القائلين بعدم حجّيّة القطع الحاصل من غير الكتاب والسنة، في مقام تصحيحه بحيث لا يرجع إلى النهي عن القطع الطريقي الذي ثبتت استحالته- التزم بتوجيه كلماتهم، وقال: إنَّهم يدّعون أخذ القطع بالحكم من غير كلامهم مانعاً، فهذا يرجع إلى التصرّف الشرعي، فإنَّ دعاء الهلال أخذ في موضوعه وجود الهلال، وأن يكون المكلف بالغاً عاقلاً، وأن يكون العلم حاصلاً عن طريقٍ شرعيٍ، ولو حصل عن طريق الوهم أو الخيال لا يجوز امتثال الحكم، وهذا ليس من جهة النهي عن القطع الطريقي، بل من باب أخذ العلم عن طريق الوهم مانعاً، والممنوع عدم عند وجود مانعه، فلا حكم في الواقع.
وحيث إنَّ الأعلام حكموا بالاستحالة بلا تفرقة بين القسمين؛ وقع الإشكال في أخذ القطع بشخص هذا الحكم في موضوع شخص هذا الحكم بلزوم الدور؛ لأنَّ القطع متوقف على المقطوع، فلو توقف المقطوع عليه للزم الدور. ومن هنا التزموا بتأويل كلمات الشيخ الأعظم على ما يظهر من الميرزا(1) حيث طبّق كلامه على وجود متمّم الجعل، ووجود جعل ثانٍ ما لم يكن متصوّراً للشيخ حسب الظاهر.
وهذا الحيص نشأ من أخذهم الاستحالة مطلقاً، ولم يُفرّقوا بين أخذ القطع شرطاً أو مانعاً، ولعل الشيخ حين ذكر هذا التوجيه للإخباريين يُفرّق بين
ــــــــــ[371]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول1: 35 – 44.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الشرط والمانع، فيقول بالاستحالة عند أخذ القطع شرطاً كالعلامة في الرد على أصل التصويب، وبين أخذه مانعاً، فإنَّ الظاهر أنَّه لا يقول باستحالته، كما هو الصحيح كما سيأتي.
فلابدَّ من العزل بين القسمين، ونبدأ بالتكلّم أولاً بأخذ القطع شرطاً، وبعد أن يثبت الاستحالة ببرهان معين، ننتقل إلى البحث الثاني، وهو أخذ القطع في شخصه مانعاً، وحينئذٍ نرى أنَّ البرهان الذي أقمناه على الاستحالة الشرطيّة هل يأتي على المانعيّة أو لا؟ وحينئذٍ فلا يرد إشكال على الشيخ الأعظم.
أمّا البحث الأوّل: وهو أخذ القطع بالحكم في موضوع شخصه، فبقطع النظر عمّا أُفيد في المقام في تقريب استحالة المطلب، يمكن تقريب استحالته بوجهين:
أحدهما: أنَّ القطع بالحكم فُرض في المقام موضوعاً لشخص نفس الحكم، وحينئذٍ فلا بُدَّ أن يُفرض تأخّر الحكم عن القطع من باب تأخّر كلّ حكم عن موضوعه، وحينئذٍ نسأل: هل لجعل هذا الوجوب دخلاً في تحقّق القطع أو لا؟ فإن فُرض أنَّ جعل الحكم له دخل في تحقّق القطع فيلزم الدور؛ لأنَّ القطع كان ذا دخل في تحقّق الحكم من باب تحقّق كلّ موضوع في حكمه، وقد فرضنا أنَّ الحكم أيضاً له دخل في تحقّق القطع، وقد فرضناه فرضاً بلا حاجة إلى البحث
ــــــــــ[372]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
عن صحّة هذا الفرض أو عدمها، فيلزم الدور.
واما إذا فرضنا الشق الثاني، وهو أنَّ شخص هذا الحكم ليس له دخل في حصول القطع وليس من مبادئه، بحيث يحصل القطع ولو لم يحصل شخص الحكم، وحينئذٍ يكون ايجاد هذا الحكم لغواً صرفاً؛ إذ أيّ فائدة من ايجاده بعد فرض أنَّ هذا القطع والوصول سوف يتمّ بقطع النظر عن ايجاده وليس له دخل فيه، وحينئذٍ ليس من ايجاده أيّ فائدة؛ لأنَّ فائدة الجعل هي المحركيّة المولويّة، والمحركيّة المولويّة من شؤون التكليف، والمفروض أنَّه حاصل.
ولا يقاس هذا على الصورة السابقة، فإنَّه وإن أشكل السيّد الأستاذ (1) هناك باللغوية أيضاً، حيث فرض وصول الحرمة المرتبة السابقة، فإن كفت الحرمة الأوّلى وإلَّا فالثانية كالأولى، ونحن أجبنا هناك أنَّ الثاني ليس كالأوّل، وفي مرتبة الاجتماع يكشف عن مرتبة أقوى من غرض المولى، وقد تكون هذه الدرجة محركة أكثر من المرتبة غير المؤكّدة، وهذا وجداني بحسب الخارج، فإنَّ الفرد قد يكذب ولكنّه لا يشرب الخمر. إذن، فليس الجعل الثاني لغواً.
إلَّا أنَّ هذا لا يأتي في المقام؛ لأنَّ المفروض أنَّ شخص هذا الحكم المترتّب على القطع هو شخص الحكم المقطوع، وليس هنا حكمان ليكشفا عن مرتبة أقوى من غرض المولى لتحصيل محركيّة أقوى؛ لأنَّ المفروض أنَّه أخذ في موضوع شخصه، فيكون جعله لغواً صرفاً؛ لأنَّه لا يتصوّر له محركيّة زائد على القطع به، فيكون لغواً صرفاً، وسيأتي مزيد تنقيح له خلال البحث.
ــــــــــ[373]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الأصول 2: 48.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
إلَّا أنَّه شاع أخيراً الإشكال على هذا التقريب للدور، ومنشأ الإشكال والبحث في ذلك، هو إنكار التوقف الثاني، فإن توقف الحكم على العلم وإن كان قائماً بحسب الفرض من باب توقف كلّ علم على معلومه، إلَّا أنَّ توقف العلم على الحكم غير تامٍّ؛ لأنَّ العلم وإن كان يتوقف على المعلوم ويتقوّم به، إلَّا أنَّه إنَّما يتقوّم بالمعلوم بالذات لا بالمعلوم بالعرض، والمعلوم بالذات هو الماهيّة الموجودة في أفق النفس، لا بمطابقها الخارجي، فما هو المتوقف على العلم هو واقع العلم خارجاً، وما يكون العلم موقوفاً عليه هو وجود العلم في أفق النفس، فلم يحصل الدور.
ومن هنا عدل عن تقريب الدور في كلمات جماعة من المحقّقين، منهم المحقّق النائيني، إلى تقريب آخر، وحاصله: هو دعوى التهافت بين طبيعة العلم وطبيعة المعلوم في هذا الفرض.
وذلك لأنَّ طبيعة العلم بما هي تقتضي أن تكشف عن شيء يكون ثبوته محفوظاً بنظر القاطع بقطع النظر عن هذا الانكشاف، وهذه الخصوصية ذاتية للعلم، غير معللّة أصلاً، والمفروض في المقام أنَّ طبيعة الحكم المعلوم سنخ علم لا وجود له بقطع النظر عن العلم؛ لأنَّ المفروض أنَّه أخذ القطع به في موضوعه، فيحصل التنافي بين طبيعة العلم والمعلوم، إلَّا أن يُفرض أنَّ العلم يتعلّق بحكم آخر غير هذا الحكم المنوط به، إلَّا أنَّ هذا خلف الفرض أيضاً؛ لأنَّ المفروض أنَّ الحكم الذي يترتّب عليه الحكم هو العلم بشخص هذا الحكم لا بحكم آخر.
ــــــــــ[374]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهذا البيان البديهي الوجداني غير قابل للمناقشة، إلَّا أنَّه يرجع إلى دعوى وجدانيّة، هو أنَّ طبيعة العلم من حيث المرآتية هي إنَّما تكشف عن شيء مفروض الثبوت لولاه، وهذا مطلب يثبت بالوجدان ولا يمكن عليه اتاحة البرهان.
وأمّا إذا لم يكن لشخصٍ وجدانٌ مثل وجداننا وأنكر هذا البيان الوجداني، وأراد تقريب المطلب بشكّل صناعي بقطع النظر عن هذه الدعوى، فيمكن الاستدلال على استحالة أخذ القطع بالحكم في شخصه، ببيانين:
أحدهما: ما ذكرناه سابقا وقلنا في تقريبه: إنَّ القطع بالحكم المأخوذ في موضوع شخص ذلك الحكم، لا إشكال أنَّه من مبادئ وجود الحكم؛ لأنَّه أخذ في موضوعه، فحينئذٍ نسأل أنَّ الحكم هل هو أيضاً من مبادئ وجود القطع أو لا؟ فإن فُرض أنَّ الحكم أيضاً من مبادئ حصول القطع بحيث لولاه لا يحصل القطع، فيلزم الدور؛ لأنَّ كلاً منهما يكون موقوفاً على الآخر ولو فرضاً، وأمَّا لو فرض أنَّ الحكم لم يكن من مبادئ العلم بحيث يحصل العلم ولو لم يكن حكم، وليس للحكم أيّ دخل في تحقّق هذا القطع في نفسه، فلا يلزم الدور لعدم توقف القطع بالحكم على الحكم، ولكن يلزم اللغويّة في الحكم؛ لأنَّ جعل الحكم إنَّما هو بداعي ايجاد المحرك المولوي، والمفروض في المقام أنَّ القطع بالحكم حاصل لدى المكلف، ولو لم يكن حكم، والقطع كافٍ في المحركيّة، فيكون ثبوت الحكم، مع فرض وجود المحركيّة، مع فرض وجود المحركيّة المولويّة لولاه لغواً صرفاً.
ــــــــــ[375]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ولا يقاس هذا الحكم على القسم الثاني، وهو أخذ القطع بالحكم في حكم مماثل، الذي قلنا إنَّه معقول، وزودنا السيّد الأستاذ القائل باللغوية؛ لأنّا متحصلنا جعله باعتبار التأكّد، فيكون الجعل الثاني موجباً للكشف عن قرينة أقوى من الغرض المولوي، فيكون موجباً لتحريك مولوي أقوى.
أمّا هنا فلا يعقل التأكّد؛ لأنَّ القطع بالحكم أخذ في موضوع شخص ذلك الحكم، فليس هنا حكمان حتّى يؤكّد أحدهما الآخر.
وقلنا: إنَّ هذا البرهان له مزيد تنقيح خلال البحث.
والبيان الثاني لاستحالة هذا المطلب، هو أنه إذا فرض أخذ القطع بالحكم في موضوع شخص فيستحيل تحقّق القطع بالحكم خارجاً؛ لأنَّ تحقّقه مستلزم للدور، أو لنتيجة الدور، وجعل حكم يستحيل تحقّقه في الخارج لغو صرف.
وتوضيح ذلك -أي: استحالة تحقّق العلم خارجاً- يكون ببيان مقدّمتين:
المقدّمة الأولى: هي أنَّ العلم بالحكم ليس من العلوم الأوّليّة، أو الضروريّة، وليس حاله حال العلم بالمحسوسات أو البديهيات أو القطوعات والتي تسمّى بالعلوم الأوّليّة، ولا يحتاج إلى برهان؛ لوضوح عدم دخوله فيها، وحينئذٍ فلا بُدَّ في مقام حصول العلم بالحكم من سبب وعلّة ودليل يقتضي حصول العلم بعد إن لم يكن، وهذا واضح.
وبعد فرض أنَّ العلم بالحكم ليس من العلوم الأوّليّة، بل يحتاج إلى دليل، فلا بُدَّ من النظر إلى هذا ا لدليل. والعلم بالحكم ينحصر منشأه بالعلم بموضوعه بعد الفراغ عن العلم بالجعل الكبروي، ففعليّة المجعول إنما هو
ــــــــــ[376]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بتحقّق الموضوع خارجاً، ولا يتصوّر له منشأ إلَّا هذا.
وحيث إنَّ العلم بالحكم ممّا لا يتعلّق به الفطرة والوجدان، فلا بُدَّ من انتهائه إلى ما يعلم بأحدها، وهو الموضوع. إذن، فلا بُدَّ أن يكون العلم بالحكم ناشئاً من ناحية العلم بموضوعه، ولا يتصوّر العكس، وإن كان يتصوّر في سائر الموارد أن يكون العلم بالمعلول علّة للعلم بالعلّة، إلَّا أنَّ بذلك إنَّما يكون في الموارد التي يكون كلاً منهما قابلاً للإدراك الابتدائي، أمّا غير القابل كهذه العلقة الانتزاعيّة، الصرفة، فيتعيّن أن يكون العلم بالمعلول عن طريق العلم بعلّته، أي أن يكون العلم بالحكم ناشئا من العلم بموضوعه.
المقدّمة الثانية: وحاصلها: أنَّ المعلوم تارةً يكون من الأمور الخارجيّة عن أفق النفس كعدالة زيد وفسق عمرو، فمثل ذلك يكون العلم به علماً حصولياً باعتبار الصورة التامّة في النفس منه، وقد يكون المعلوم حاضراً للنفس بوجوده المجرّد كنفس العلم، فإنَّ العلم معلوم للنفس بنفسه، فالحكم بالعلم إنَّما يكون بنفسه لا بوجود زائد عليه، كما هو مقتضى قانون العلم الحضوري.
فإذا تمت هاتان المقدّمتان يتمّ لدينا البرهان:
وذلك حيث نقول: إنَّ المكلف هنا بعد أن نفرض أنَّ المولى جعل حكماً وعلّقه على العلم بشخص ذلك الحكم، هذا المكلف كيف يحصل له العلم بشخص ذلك الحكم؟
تارةً: نفرض أنَّ الحكم متوقف على المعلوم الموجود في الخارج، ولكن هذا الحكم ليس شخص ذلك الحكم؛ لأنَّه قطع مترتّب على عنوان الخمر لا على
ــــــــــ[377]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
عنوان ا لقطع، فلا يكون محقّقاً لموضوع الحكم؛ لأنَّ موضوعه هو القطع بشخص هذا الحكم الصادر من المولى، فإنَّ الذي يحقّق موضوع الحكم هو أن يقطع بشخص هذا الحكم، فببركة ما بيّناه في المقدّمة الأولى من أنَّ الحكم ليس من الأمور الفردية وإنّما يحتاج إلى دليل، وحيث إنَّ العلم يستكشف دائماً من الموضوع، فالعلم بشخص هذا الحكم معلول لموضوعه، وهو نفس العلم بشخص هذا الحكم، فيكون الحكم معلولاً للعلم بنفس الحكم، فيتوقف العلم بالحكم على العلم بالعلم بالحكم، وحيث يثبت بالمقدّمة الثانية أن العلم بالعلم هو نفس العلم، فيلزم توقف الشيء على نفسه، وهو محالٌ.
إذن، يستحيل وجود القطع في ا لخارج، وعليه فيستحيل فعليّة الحكم، وجعل الحكم لا يحتمل فعليته إلَّا بوجه محال محالٌ.
واعتمادنا نحن في مقام الاستحالة بعد ذلك التقريب الوجداني، على هذا البيان، لا على البيان الأوّل الذي سيأتي لمزيد تنقيح.
فببركة ذلك البيان الوجداني، وهذا البيان البرهاني، يتمّ إثبات دعوى استحالة أخذ القطع بالحكم في موضوع شخصه. وبعده يقع الكلام في تنقيح المهرب.
فلو فُرض أنَّ المولى يريد أن يجعل الحكم على العالم، ولا يريد جعل الحكم على الجاهل، فكيف يتوصل إلى هذا الغرض بعد أن ثبت استحالة أخذ القطع بالحكم في نفس الحكم؟
ــــــــــ[378]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ما يمكن أن يقال، أو ما قيل في المهرب: وجوه ثلاثة:
وحاصله: أنَّ ما قلناه من الأوّل إلى الآن كان في أخذ القطع بالحكم المجعول في موضوع الحكم المجعول، بحيث يكون المتعلّق للقطع والمترتّب على القطع من نفس الحكم المجعول، هنا نفرض أنَّ القطع المأخوذ في موضوع الحكم هو القطع بالجعل، فاختلف المأخوذ عن المترتّب على القطع، فالمأخوذ هو المجعول والمترتّب هو الجعل، فما كان في الرتّبة السابقة على القطع غير ما يكون في الرتّبة المتأخّرة عنه، فلا يلزم إشكال.
وتوضيحه: أنَّهم ذكروا في مبحث الواجب المطلق والمشروط (1)، أن الحكم ينحلّ إلى مرتبة الجعل ومرتبة المجعول، مرتبة الاعتبار ومرتبة المعتبر. فإنَّ الحاكم حين يجعل وجوب الحجّ على المستطيع وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَیتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَیهِ سَبِیلاً(2) فبهذا الجعل يوجد حكم لم يكن، فبهذه القضيّة الكليّة هي التي تسمّى بالجعل، إلَّا أنَّه بعد وجود هذه القضيّة لا يوجد حكم على شخص بعينه؛ لأنَّ المسلمين كانوا فقراء، فلو سألتهم فرداً فرداً هل يجب عليك الحجّ؟ لأجاب بالنفي.
ثُمَّ بعد أن فُتحت البلاد واغتنى المسلمون أصبحوا مستطيعين للحجّ،
ــــــــــ[379]ــــــــــ
(( انظر: نهاية الأفكار4: 167، أجود التقريرات 1: 304، محاضرات في اُصول الفقه 3: 181.
(2) آل عمران: 97.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فتحقّق موضوع الوجوب وهو الاستطاعة، هنا تحقّق حكم آخر بالنسبة إلى الاشخاصّ، فلو سألتهم فرداً فرداً هل يجب عليك الحجّ؟ لقال هذه المرة: نعم. إذن فقد حدث شيء جديد لم يكن، هذا يسمّيه المحقّقون -كما في مصطلح الميرزا- بالمجعول.
وبهذا البيان يتّضح أنَّ الجعل يتحقّق بمجرّد الإنشاء من قبل المولى على نهج القضيّة الكليّة، وأمّا الوجوب المجعول، فلا يتحقّق إلَّا بتحقّق الموضوع المفروض في الجعل، وهو عنوان المستطيع في المثال، فالمجعول تابع في وجوده للموضوع، وأمّا الجعل فمتقدّم بالإنشاء سواء كان موضوعه متحقّقاً في الخارج أو لا، وبحث هذا المطلب موكول إلى محلّه.
مبنياً على هذا التصوّر، أمّا بهذا المعنى السطحي، أو بمعنى أعمق، بحيث تخلّ به مغالطة الاثنينية بين الجعل والمجعول، نقول: إنَّه تارةً يؤخذ العلم بالمجعول في موضوع المجعول، فهذا هو المحال الذي تكلّمنا فيه، وأخرى يؤخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول، أي: يؤخذ في موضوع الأمر الثاني في المتحقّق بالأمر الأوّل، فتنحلّ جميع الإشكالات إذ لم يكن القطع يشخّص شيء مأخوذاً في موضوع ذلك الشخص.
وحينما بيّنا هذا المطلب للسيّد الأستاذ، أجاب عنه بما هو موجود في الدراسات(1) وحاصل جوابه: أنَّ العلم بالجعل الذي يؤخذ في موضوع المجعول، هل هو علم المكلف بجعل وجوب الجمعة على نفس المكلف؟
ــــــــــ[380]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 64.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بحيث يؤخذ هذا العلم في موضوع ثبوت الوجوب في حقّه، أو أنه العلم بالوجوب في حقّ شخص آخر؟
فإن قيل: إنَّ القطع بالحكم المجعول في حقّ زيد بن أرقم يؤخذ في موضوع الحكم المجعول على عمرو بن بكر، فإنَّ هذا ممكن، ولا يحتاج إلى إقحام حديث الجعل والمجعول، بل اختلاف الجعل وحده يكفي، وإن فرض أخذ القطع بحكم زيد بن أرقم في موضوع الحكم على نفسه، فهو مساوق للقطع بالمجعول؛ لأنَّه ما لم يصبح مجعول من الجعل فعليّاً بالنسبة إلى زيد بن أرقم لا يصبح الجعل فعليّاً بالنسب إليه.
وهذا الكلام لا يتحصل منه معنى؛ وذلك لأنَّ المقصود من العلم ليس هو جعل الوجوب على شخص آخر لثبوته في حقّ المكلف، فإنِّه في هذه الصورة يمكن القطع بالمجعول فضلاً عن الجعل، كما أنَّه ليس المقصود الشقّ الثاني؛ لأنَّه يرد المحذور فيه مرة أخرى.
بل المراد متوسط بين هذين، وهو أخذ القطع بوجوب غير موقوف في فعليته على زيد على أزيد من قطعه بجعله، فإنه تارةً يؤخذ قطع زيد بوجوب الزكاة موضوع لوجوبها على الهاشمي، فهذا أجنبي عن محلّ الكلام، كما أنَّ قطع الهاشمي يكون موضوعاً للوجوب على زيد بلا إشكال، أمّا لو أخذ القطع بالحكم بنحو لا يتوقف على القطع بجعل وجوب لا يتوقف فعليته على القطع، حينئذٍ يتحد المحذور ويحصل الفرض من دون شبهة.
ومن هذا البيان يظهر المخلّص الثاني، وهو أخذ القطع بالإبراز والإظهار
ــــــــــ[381]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
في موضوع الحكم، وهذا ليس متوقفاً على مسألة الجعل والمجعول، وإنَّما يؤخذ القطع بالإبراز اللفظي للمولى في موضوع المبرز، وهذا ممكن وواقع في الخارج، كأن يقول المولى لعبيده: من يسمع كلامي فليأتني بماء، أي: من قطع بشخص هذا الإبراز فليأتني بماء، فمن لم يسمع كلامه لا يجب عليه الامتثال.
وهذا تصوّر ثابت صحيح، لا يتوقف على التفرقة بين الجعل والمجعول.
أمّا التخلّصات التي بيّناها، فكان حاصل أولها هو أخذ العلم بالجعل في موضوع الحكم المجعول، فلا يلزم محذور بعد فرض الاثنينية بين الجعل والمجعول، أمّا بالمعنى السطحي أو بالمعنى الأعمق، فإنَّ ما هو مرتّب على العلم هو المجعول وما تعلّق به العلم هو الجعل، وأحدهما غير الآخر.
وهذا الوجه لا يتوقف على الاثنينية بين الجعل والمجعول، وإنَّما يتوقف على الاثنينية بين الإبراز والمبرز، وهو ممّا لا إشكال فيه، وحينئذٍ يقال: إنَّ الحكم الثابت في عالم النفس قد أُخذ في موضوعه إبراز المولى له، فلا يكون الحكم فعليّاً على المكلف إذا لم يعلم بالإبراز، وهذا نظير شخص حين يقول لعبيده: من يسمع كلامي فليأتني بماء، فإنَّ هذا عبارة عرفيّة عن أخذ العلم بالإبراز في موضوع الحكم، وهذا أمر معقول ولا بأس به، وهو كسابقه ينتج عدم فعليّة الحكم في حقّ الجاهل الذي لم يصل إليه الجعل أو الإبراز.
ففي كلّ مورد من الفقه علمنا أنَّ الحكم لا يثبت بحقّ الجاهل، كما هو المشهور في باب الجهر والإخفات والقصر والإتمام، وكذلك فيمن جهل حرمة
ــــــــــ[382]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الربا، فإنَّ هناك قولاً لا بأس به بعدم ثبوت الحرمة عليه، ففي مثل هذه الموارد إذا تمّ الدليل على علم فعلية الحكم في حقّ الجاهل، يلتزم بأحد هذين المبنيين.
وهو للمحقّق النائيني(1) وحاصله: أنَّ الغرض المولوي بحسب الواقع، وإن كان واقعاً إمّا أن يكون ضيقاً أو وسيعاً، إلَّا أنَّ هذا الغرض المولوي لا يمكن إبرازه وجعل الحكم على طبقه بجعل واحد، بل لا يحصل تطبيق عالم الحكم على عالم الغرض إلَّا بجعلين، فلا بُدَّ من جعلين لأجل التطبيق، فإنَّ وظيفة المولى تطبيق عالم الجعل على عالم الغرض، فإن حصل التطبيق، بالجعل الواحد فهو، وإلَّا فلا بُدَّ من جعلين، ومرجع الجعلين بحسب الروح إلى حكم واحد؛ لأنَّهما ناشئان من ملاك وغرض واحد.
ومقامنا من مصاديق هذه الكبرى، حيث إنَّه لا يمكن التطبيق إلَّا بجعلين، فإنّ المولى بالجعل الأوّل لوجوب الحجّ لا يعقل أن يقيّده بالعلم؛ لأنا قلنا: بأنَّ أخذ العلم بالحكم موضوع شخصه محال، وإذا استحال التقييد استحال الإطلاق؛ لأنَّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، ومن هذا التقابل أخذ في العدم مرتبة من القابلية والاستعداد، فالجعل الأوّل لا يمكن أن يكون مقيّداً بصور العلم، ولا مطلقاً من جهته، بل يتعيّن الإهمال.
وبناءً عليه: لا يكون الجعل الأوّل مطابقاً مع غرض المولى، فإنَّ الغرض لا إهمال فيه، بل إمّا أن يكون ضيّقاً أو وسيعاً، والمفروض أنَّ الجعل مهمل فهو
ــــــــــ[383]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول1: 35 – 44.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
غير مطابق للغرض، فلا بُدَّ في مقام تطبيق الحكم على الغرض من جعل آخر، هو الذي يرفع إهمال الجعل الأوّل، لا بمعنى أنَّه يجعله مقيّداً أو مطلقاً حقّيقة، بل يتعيّن أحدهما بالجعل الثاني، فإن فرض أنَّ غرض المولى ضيّق فالجعل الثاني يجعل وجوب الحجّ على العالم بالحكم الأوّل المترتّب على الجعل الأوّل ، ولا دور في المقام؛ لأنَّ المترتّب على العلم غير المترتّب عليه العلم، فإنَّ المترتّب على العلم هو الحكم الثاني المجعول بالجعل الثاني، والمعلم بالعلم هو الحكم الأوّل المجعول بالجعل الأوّل ، أمّا إذا كان غرضه وسيعاً يعمّ الجاهل أيضاً، فهذا الجعل الثاني الذي يسمّى في مصطلح الميرزا بمتمّم الجعل، هو الذي ينتج نتيجة التقييد تارةً، ونتيجة الإطلاق أخرى. هذا حاصل ما أفاده المحقّق النائيني في المقام.
مناقشة الميرزا
والبحث حول هذا المطلب يقع في مقامين: المقام الأوّل في الجعل الأوّل، والمقام الثاني في الجعل الثاني، فإنَّ المحقّق النائيني تصوّر جعلين، فلا بُدَّ أن يتكلّم في الجعل الأوّل أولاً، وفي الجعل الثاني ثانياً من حيث معقوليتها وعدمها.
المقام الأوّل: في الجعل الأوّل
ذكر الميرزا: أنَّ الجعل الأوّل يستحيل فيه التقييد والإطلاق؛ لأنَّ التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة، وإذا استحال الوجود يستحيل العدم، وإذا استحالا معاً يتعيّن الإهمال.
ــــــــــ[384]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وقد أشكّل على ذلك السيّد الأستاذ، بما يرجع محصّله إلى إشكالين:
أحدهما: أن التقابل بين الإطلاق والتقييد وإن كان تقابل العدم والملكة، إلَّا أنَّ المأخوذ في تقابلهما، القابليّة النوعيّة والجنبيّة والصنفيّة، لا القابليّة الشخصيّة، ومع هذا فإن التقييد إذا استحال تعيّن الإطلاق، فيتعيّن أن يكون الجعل الأوّل مطلقاً، ودعوى الميرزا في استحالة الإطلاق والتقييد مبني على تخيّل أنَّ القابلية المأخوذة في تقابل العدم والملكة هي القابليّة الشخصيّة، أي: أنَّ المقابل للوجود هو العدم القابل شخصاً لا نوعاً، وحينئذٍ فإذا استحال في شخص هذا المورد الوجود استحال طبعاً العدم.
إلَّا أنَّ الصحيح: أنَّ القابليّة المأخوذة هي قابليّة نوعيّة لا شخصيّة، بحيث يكفي في صدق العدم المقابل للملكة، التقابل ولو بلحاظ نوع هذا المورد لا بلحاظ شخصه، واستشهد لهذا بعدة أمثلة من قبيل، أن العلم والجهل متقابلان تقابل العدم والملكة، مع أنَّه يصدق على الإنسان أنَّه جاهل بذات الواجب، مع أنَّه يستحيل أنَّ يكون عالماً، فمع استحالة العلم يصدق الجهل؛ لأنَّ الجهل لم يؤخذ فيه القابلية الشخصيّة، بل النوعيّة، فبحيث إنَّ الإنسان يمكنه العلم ولو بشيء آخر. إذن، يصدق عليه الجهل في هذا المورد.
وفي المقام القابليّة النوعيّة محفوظة، فإنَّ المجعول، وإن لم يكن قابلاً للتقييد بالعلم، إلَّا أنَّه قابل لنوع التقييد، فإذا استحال التقييد يتعيّن الإطلاق ويصبح ضرورياً. إذن، فالجعل الأوّل مطلق لا مقيّد.
ــــــــــ[385]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهذا المطلب موجود في التقريرات(1) والدراسات(2).
وهو خلط ما بين بحثين اصطلاحي وعلمي، ولا يبتني أحدهما على الآخر أصلاً، فإنّ هناك بحثاً اصطلاحياً في العدم والملكة، باعتبار كونه اصطلاحاً للحكماء والفلاسفة، حيث قسّموا التقابل إلى أربعة أقسام: أحدهما تقابل العدم والملكة، وهناك اختلفوا أنَّ العدم المقابل للوجود أخذت فيه أيّ قابليّة، بعد الاتفاق على أخذ القابليّة تمييزاً له عن تقابل السلب والإيجاب، أي: اختلفوا في أنَّ القابليّة المأخوذة في العدم هل هي القابليّة الشخصيّة أو الكليّة، وهذا ليس بحثاً علمياً، بل مجرّد بحث اصطلاحي.
على أيّ حالٍ يمكن تصوير عدم مقيّد بالقابليّة الشخصيّة، كما يمكن تصوير عدم مقيّد بالقابيلة النوعيّة، فإنّ الوجود كما يقابل صرف العدم، كذلك يقابل العدم المأخوذ فيه القابليّة الكليّة، وكذلك يقابل العدم مع المأخوذ فيه القابليّة الشخصيّة، كلّ هذا مقابل للوجود، ومن هنا نقول: إنّه بحث اصطلاحي.
فلو فُرض في المقام أنَّه وردت آية أو رواية، تقول: بأنَّ الإطلاق والتقييد متقابلان تقابل العدم والملكة، وأنَّ الإطلاق أُخذ فيه القابليّة المأخوذة عند الفلاسفة، حينئذٍ يرتبط هذا البحث بذلك البحث الاصطلاحي؛ إذ لا بُدَّ من الرجوع إلى بحثهم الاصطلاحي ليعرف أنَّ المأخوذ فيه هل هي القابليّة
ــــــــــ[386]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 85.
(2) انظر: دراسات في علم الأصول 4: 367.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الشخصيّة أو الكليّة؟ فإذا ثبت أنَّ المأخوذ هو القابليّة الشخصيّة يثبت أنَّ الإطلاق هو عدم التقييد في المورد القابل شخصاً، وإذا ثبت أنَّ المأخوذ هو القابليّة النوعيّة يثبت أنَّ الإطلاق هو عدم التقييد في المورد القابلة نوعاً.
إلَّا أنَّ مثل هذه الآية لم ترد حتّى يتكلّم في كون القابليّة المأخوذة في الاصطلاح ما هي، بل لا بُدَّ من تحقيق أنَّ الإطلاق هو ذات عدم التقييد، أو هو عدم التقييد مع القابليّة النوعيّة، أو عدم التقييد مع القابليّة الشخصيّة، لا بُدَّ من حلّ هذا المطلب لا الرجوع إلى البحث الاصطلاحي.
وإنَّما جري البحث هو أن يُرى أنَّ الحيثيّة التي تقتضي سريان الطبيعة في تمام أفرادها في نفس الأمر والواقع ما هي؟ هل هذه الحيثية متقوّمة بمجرّد عدم التقييد، كما نحن نقول، أو متقوّمة بعدم التقييد في المورد القابل نوعاً أو شخصاً سواء سمّي بأيّ اسم في لغة العرب، أو في لغة الفلسفة، وهذا بحث حقّيقي واقعي، وهو أجنبي بالمرة عن البحث الاصطلاحي، وليس مبنياً عليه، إلَّا في القضيّة التي فرضناها.
إذن، فكون الفلاسفة يكتفون بالقابليّة النوعيّة أو لا، لا يكون دليلاً على أنَّ الحيثية لسريان الطبيعة يكفي فيها القابليّة النوعيّة، كما أنّ كون الجاهل قابل للعلم نوعاً لا يعيّن ذلك أيضاً.
والإنصاف: أنَّ هذا الكلام ممّا لم يكن متوقعاً صدوره من السيّد الأستاذ.
وعلى أيّ حال، هذا الكلام كلّه كان مبنياً على موافقته للميرزا في أنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة، إلَّا أنَّه بعد ذلك عدل
ــــــــــ[387]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
عن ذلك وبيّن أنَّ التقابل بينهما من تقابل التضاد؛ لأنَّ التقييد هو لحاظ دخل القيد، والإطلاق هو لحاظ عدمه، وكل منهما أمر وجودي يقابل الآخر بتقابل التضاد.
وقد عرضنا في بحث المطلق والمقيّد(1) بما لا نزيد عليه: أنَّ التقابل بينهما ليس هو تقابل العدم والملكة، كما يقول الميرزا، ولا تقابل التضاد كما يقول السيّد الأستاذ، بل هو تقابل السلب والإيجاب، وقلنا: إنَّ المقصود من الإطلاق هو الحيثية التي تقتضي سريان الطبيعة إلى تمام الأفراد، وبرهنا أنَّ هذه الحيثية هي مجرّد عدم التقييد، وهو الذي سمّيناه بالإطلاق الذاتي على ما أتذكر.
فبناءً على هذا المبنى كما ينقدح عدم إمكان المساعدة علّى ما ذهب إليه السيّد الأستاذ، كذلك ينقدح عدم المساعدة فيما أفاده الميرزا من أنَّ الجعل الأوّل مهمل، فإنَّ إهمال الجعل الأوّل محال؛ لأنَّ ارتفاع النقيضين محال، فإذا لم يكن مقيّداً يكون مطلقاً لا محالة، وهذا هو الذي ينبغي أن يكون إشكالاً على الميرزا على مبانينا.
الإشكال الثاني: أنَّ الجهل الأوّل التُزم به مهملاً مع أنَّه لا يُعقل الإهمال بحسب مقام الثبوت، فإنَّ الإهمال إنَّما يُعقل بحسب عالم الإثبات والبيان، بأن لا يكون المولى في مقام بيان تمام مراده، وأمّا إهمال الإرادة مع فرض التفاته إلى الخصوصيات فهو أمر محال؛ إذ مع التفاته إلى الخصوصيات، فإمّا أن يراها دخيلة في مطلوبه، فهذا معنى التقييد، وإمّا ألَّا يراها داخلة فيه، فهو معنى
ــــــــــ[388]ــــــــــ
(1) انظر: بحوث في علم الأصول 2: 99، مباحث الأصول 1: 355.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الإطلاق. ففي مرتبة إرادة المولى وشوقه لا بُدَّ من أحدهما فلا يتصوّر الإهمال.
ويرد عليه:
أنَّ هذا الإشكال خلط بين باب الشوق وباب الحكم، فإنَّ هذا الإشكال الذي بُيّن في الحاشيّة(1) على التقريرات، يقول: إنَّ المولى لا يمكن أن يكون اشتياقه مهملاً، فإنَّه مع فرض التفاته إلى الخصوصيّة لا بُدَّ إمّا من تقييد شوقه أو إطلاقه، ويستنتج من ذلك أنَّ الأمر الأوّل غير معقول الإهمال.
وهذا خلط في مقدّمته ونتيجته بين عالم الشوق وعالم الحكم بين مبادئ الحكم ونفس الحكم، فإنَّ المقدّمة أثبت فيها أنَّ الشوق لا يمكن فيه الإهمال، والشوق عبارة عن أمر نفساني قائم في نفس المولى، ولا يعقل فيه الإهمال، وهذا صحيح ويعترف به الميرزا أيضاً، ويُصرّح(2) بأنَّ مبادئ الحكم وغرض المولى لا بُدَّ أن تكون متعيّنة في نفس المولى، إمّا بنحو الإطلاق أو التقييد .
إلَّا أنَّ الكلام في الحكم بحسب عالم الإنشاء والجعل، لا الشوق، وهو الذي يقول الميرزا بإهماله؛ ولهذا أشكّل السيّد الأستاذ على الشيخ الأنصاري، الذي استدلّ على أنَّ الواجب المطلق يرجع إلى المشروط دائماً؛ لضرورة تقيّد الشوق، و علّق عليه السيّد الأستاذ أنَّ مرتبة الشوق غير مرتبة الحكم، ونحن إنمَّا نتكلّم في مرحلة الحكم دون الشوق، هذا بعينه نقوله هنا أيضاً؛ فإنَّ الشوق وإن لم يُعقل فيه الإهمال، ولكن الكلام في الحكم دون
ــــــــــ[389]ــــــــــ
(1) انظر: انظر: أجود التقريرات 1: 103، الهامش تحت الخط.
(2) انظر: فوائد الأصول 2: 386.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الشوق، ولا برهان على استحالة الإهمال في الحكم من باب أنَّه إهمال، فإنَّ المولى إذا لم يستطع أن يُطلق أو يقيّد فإنَّ الحكم يكون مهملاً لا محالة.
نعم، بناءً على ما بيّناه من أنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد هو تقابل السلب والإيجاب، يكون الإهمال محلاً، لا من باب كونه إهمال، بل من باب أنَّه لا شق ثالث بين السلب والإيجاب.
وهذا الكلام ينحط إلى إشكالين:
الإشكال الأوّل: الخلط بين مرتبة الشوق ومرتبة الحكم، والاستدلال على الاستحالة في مرتبة الحكم بالاستحالة في مرتبة الشوق
الإشكال الثاني: أنَّه لا برهان على استحالة الإهمال في عالم الحكم بعنوان كونه إهمالاً، وإنَّما نلتزم بعدمه؛ لأنَّ ارتفاع النقيضين محال.
وأمَّا بناءً على ما بيّنه السيّد الأستاذ من أنَّ التقابل بينهما هو التضاد، فلا بأس من ارتفاعهما، ويكون الجعل لا بشرط الإطلاق، ولا بشرط التقييد.
المقام الثاني: في الجعل الثاني المتمّم بالنسبة إلى الجعل الأوّل.
الجعل الثاني في المقام هكذا يفرض فيه، أنَّه يجعل فيه الوجوب على خصوص العالم بالحكم الأوّل إن أريد التضييق، أو مطلق من حيث العلم وعدمه إن أريد التوسعة.
وما يمكن الاعتراض به على الجعل الثاني أمران، أي: أنَّ لنا بيانين فنيين في الإشكال على الجعل الثاني.
البيان الأوّل: أنَّ الجعل الثاني هل يؤخذ في موضوعه -إن أريد أن يكون
ــــــــــ[390]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
مقيّداً بخصوص العالم- العلم بالجعل الأوّل، أو العلم بفعليّة المجعول بالجعل الأوّل؟
فإن كان مدّعى الميرزا أنَّه يؤخذ في موضوعه الجعل الثاني العلم بنفس الجعل الأوّل، فهذا أمر معقول حتّى في الجعل الواحد، فإنّا ذكرنا في المهرب الأوّل، أنَّه يمكن أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول، بلا حاجة إلى تطويل المسألة وفرض متمّم الجعل.
وإن أريد أخذ العلم بفعليّة المجعول بالجعل الأوّل في موضوع الجعل الثاني، فهو غير معقول؛ لعدم إمكان حصول العلم للمكلف بفعليّة المجعول بالجعل الأوّل، والسرّ في ذلك: أنَّ المجعول بالجعل الأوّل أخذ فيه عنوان المكلف لا مطلقاً ولا مقيّداً بالنسبة إلى خصوصيّة العلم والجهل، ومن المعلوم أنَّ العلم بفعليّة الجعل الأوّل فرع العلم بموضوعه؛ لأنَّ فعليّة الجعل إنَّما تكون بوجود موضوعه خارجاً، وحيث إنَّ المفروض أنَّ هذا الموضوع المأخوذ في الجعل الأوّل لا هو مقيّد بالعلم ولا بالجهل، ولا مطلق من جهتهما، بل مهمل، فإذا فرض كونه مهملاً فلا ينطبق على أيّ فردٍ في الخارج؛ لأنَّ انطباق العنوان الكلّي على الفرد في الخارج يكون إمّا بتقييده بالنسبة إليه أو إطلاقه بالنسبة إليه، بمعنى: أخذ خصوصيّة الفقيه مثلاً أو عدم أخذ خصوصيّة منافية لها، ففي المقام هذا الموضوع بعد فرض كونه مهملاً حتّى من حيث العلم والجهل، فلا يمكن أن ينطبق على أيّ فردٍ في الخارج لا الواجد ولا الفاقد للخصوصيّة؛ لأنَّ انطباقه لا يكون إلَّا بتقييده أو إطلاقه من حيث الوجدان أو الفقدان،
ــــــــــ[391]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
والمفروض أنه ليس مطلقاً ولا مقيداً.
ولو فُرض محالاً، أنَّ الإهمال في الجعل الأوّل كافٍ في سريان الطبيعة إلى تمام الأفراد، فلا حاجة إلى الجعل الثاني تتميماً للجعل الأوّل.
فإذا لم ينطبق الجعل الأوّل على موضوعه لا يتحقّق الموضوع، فلا يُعلم بفعليّة المجعول في الجعل الأوّل، فلا يثبت الجعل الثاني، فيكون لغواً.
وبعبارة ثانية: أنَّ الجعل الثاني أخذ في موضوعه بحسب الغرض، العلم بالحكم الأوّل فيما إذا كان مضيّقاً، فإنَّه إذا أريد إنتاج نتيجة التقييد فيجعل جعلاً ثانياً يأخذ في موضوعه العلم بالجعل الأوّل.
هنا نسأل: أنَّ العلم المأخوذ في موضوع الجعل الثاني، هل هو العلم بالجعل الأوّل، أو العلم بمجعول الجعل الأوّل؟
فإن كان المراد أنَّ المأخوذ في موضوع الجعل الثاني هو العلم بنفس الجعل الأوّل، فهو أمر معقول في الجعل الواحد، فإن الجعل الواحد بنفسه يحتمل أخذ العلم به في مجعوله بلا حاجة إلى الجعل الثاني، فيكون الجعل الثاني لغواً.
وأمّا إذا فُرض أنَّ العلم المأخوذ في موضوع الجعل الثاني هو العلم بفعليّة المجعول بالجعل الأوّل -فهذا الذي لم يكن يُعقل أخذه في الجعل الأوّل- فهو غير معقول؛ وذلك لأنَّ الجعل الأوّل بقطع النظر عن الجعل الثاني لا يخلو أمره من أحد حالات ثلاث: إمّا أن يكون الموضوع المهمل المأخوذ في الجعل الأوّل منطبقاً على العلم بالخصوص ولا ينطبق على غيره، من باب أن القطعيّة المهملة في قوة الجزئيّة مثلاً. وإمّا أن يفرض مثلاً أنَّ الموضوع في الجعل الأوّل مطلق،
ــــــــــ[392]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أي: منطبق على العالم والجاهل معاً، وإمّا أن يُفرض في هذا الموضوع المهمل أنَّه بما أنَّه مهمل فلا ينطبق على أيّ من أفراده لا الجاهل ولا العالم.
فإذن كان الميرزا يرى أنَّ موضوع الجعل الأوّل بقطع النظر عن الجعل الثاني ينطبق على خصوص العالم ولا ينطبق على الجاهل فيرد عليه أوّلاً وثانياً:
أمّا أولاً: فلأنَّه بناءً على هذا المدّعى لا نحتاج إلى الجعل الثاني في مقام التضييق؛ لأنّنا إنّما نجعل الجعل الثاني لينتج نتيجة التقييد بالعلم، وهي حاصلة بلا حاجة إلى الجعل الثاني، فيكون هذا الجعل لغواً صرفاً.
وثانياً: أن هذا في نفسه غير معقول، فإنَّ دعوى أنَّ هذا الموضوع المهمل ينطبق على خصوص العالم، غير معقول في نفسه؛ وذلك لأنَّ انطباق الطبيعي على فردٍ من الأفراد لا يكون إلا بأحد وجهين: إمّا أن تؤخذ خصوصيّة ذلك الفرد قيداً في الطبيعي، كما إذا قيّد العالم بالفقاهة أو العدالة، فإنّه ينطبق على العادل من باب أخذ خصوصيّة الفقيه في موضوع العنوان، أو أن يلحظ مطلقاً من ناحية الخصوصيّة المقابلة لهذا الفرد، أي: أن يُلحظ مطلقاً من ناحية نقيضه، ففي المثال: أن يطلق من ناحية الفسق، فيقال عنه ليس له دخل، فإذا ألغى المولى خصوصية الفسق فينطبق على العادل لا محالة؛ إذ أنّه لماذا لا ينطبق على العادل بعد عدم أخذ ما يناقضه؟ فهذا قانون كلّي: فإنَّ كلّ طبيعي يقع موضوعاً لحكم، فهو في مقام انطباقه على خصوصيّة معينة يتوقف على أحد أمرين: إمّا أن تؤخذ قيد خصوصيّة تلك الحصة أو يجرّد عن دخل الخصوصيّة الأخرى المقابلة لهما.
فإذا تبيّن هذا القانون فيظهر في المقام انطباق عنوان المكلف على عنوان
ــــــــــ[393]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
العالم؛ لأنَّ العلم لم يؤخذ في موضوع الجعل لاستحالة التقييد، كما لم ترفض خصوصيّة الجهل؛ لاستحالة التقييد بالجهل أيضاً، فإذا استحال التقييد يستحيل الإطلاق، وتستحيل أمور أربعة:
إذن لا يمكن ثبوت الجعل للعالم ولا الجاهل؛ لأنَّ ثبوته يتوقف على أمرين من هذه الأمور الأربعة، والمفروض أنَّها كلّها مستحيلة.
أمّا الاحتمال الثاني: وهو أنَّ يكون مدّعاه هو أنَّ موضوع الجعل الأوّل
-بقطع النظر عن الجعل الثاني- ينطبق على العالم والجاهل، بحيث يكون هذا الطبيعي المهمل في قوة المطلق، لا في قوة المهمل.
فإذ كان هذا مدّعاه فيرد عليه:
أولاً: أنَّه على هذا لا يحتاج إلى جعل ثانٍ في مقام التوسعة؛ لأنَّه إنَّما يراد لينتج نتيجة الإطلاق، وهي حاصلة في المقام.
وثانياً: أنَّ هذا معناه مناقضة مبانيه والخروج عليها؛ لأنَّ معنى الالتزام بأنَّ موضوع الجعل الأوّل -مع أنه مهمل يشمل تمام الأفراد- أنَّ ملاك السريان إلى تمام الأفراد هو مجرّد عدم التقييد، وهذا رجوع إلى ما بيّناه نحن من أنّ الإطلاق هو مجرَّد عدم التقييد، وأنَّ التقابل بينهما هو من تقابل السلب والإيجاب.
ــــــــــ[394]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وأمّا الاحتمال الثالث: أنَّ العنوان المأخوذ في موضوع الجعل الأوّل ينطبق على شيء من أفراده، وهذا هو الذي ينبغي أن يدّعيه الميرزا على مبانيه.
فيرد عليه: أنَّه يستحيل تحقّق العلم بمجعول الجعل الأوّل؛ لأنَّ العلم بفعليّة المجعول بالجعل الأوّل فرع العلم بموضوعه، والمفروض أنَّه لا ينطبق على أفراده، فإذا استحالة فعليّة الأمر الأوّل، كان ترتيب حكم آخر عليه أيضاً مستحيل؛ بملاك اللغويّة.
البيان الثاني: أنَّ الجعل الثاني إمّا أن يُفرض معمِّماً للجعل الأوّل أو مضيّقاً له، وعلى أيّ حال، فالجعل الثاني حاله حال الأوّل من حيث عدم معقوليّة إطلاقه وتقييده بالنسبة إلى العلم به نفسه.
فحينئذٍ كما يحتمل الإطلاق والتقييد من ناحية العلم بالحكم الأوّل، ويحتاج إلى جعل ثانٍ لإعطاء نتيجة الإطلاق أو التقييد، كذلك نحتاج في مقام رفع إهمال الجعل الثاني إلى جعل ثالث، لأجل أن يتعيّن أحد الأمرين، وهكذا نقول في الجعل الثالث حتّى يلزم التسلسل وعدم وقوف الإهمال عند حدّ.
وهذا التسلسل يجري في الجعل المقيّد دون الموسّع؛ لأنَّه إذا كان الثاني موسّعاً للأوّل، فمن دلالة الاقتضاء القطعيّة نقطع أنَّ الجعل الثاني غير خاصّ بالعالم به، بل أعمّ، وإلَّا لكان توسعة الجعل الأوّل لغواً صرفاً؛ لأنَّ العلم بالجعل الثاني مساوقٌ للعلم بالجعل الأوّل.
أمّا لو فُرض أنَّ الجعل الثاني كان مقيّداً بالعلم فنحتمل أيضاً أنَّ هذا الوجوب المضيّق للجعل الأوّل أيضاً مضيّق بالعلم بهذا الجعل الثاني، وحيث
ــــــــــ[395]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
إنَّه لا يُعقل الإطلاق ولا التقييد، فلا بُدَّ في مقام رفع الإهمال من جعل ثالث، ويتسلسل.
وبعبارة أخرى: أنَّ المولى إذا كان يحتاج في مقام جعل الحكم إلى تقييده بالعلم، فإنَّه يحتاج دائماً إلى جعل آخر لإنتاج نتيجة التقييد، فلو فرض أنَّ المولى كان غرضه مختصّاً بصورة العلم في كلا الجعلين، فماذا يعمل؟ لا بُدَّ لبيان هذا الاختصاص من جعل ثالث؛ لأنَّ الجعل الثاني وإن كان بلحاظ الجعل الأوّل قابلاً للإطلاق والتقييد، إلَّا أنَّه بلحاظ العلم بنفسه غير قابل لهما، بل لا بُدَّ فيه من الإهمال. وحيث إنَّ غرض المولى متعلّق بتقييده فلا بُدَّ من جعل ثالث، ولو كان غرض المولى متعلّقاً بالعلم بتمام المجعول، فلا يمكن أن يصل غرضه إلَّا بجعول لا متناهيّة.
وهذا التسلسل إنَّما يكون فيما إذا فُرض أنَّ العلم كان دخيلاً بتمام مراتب الجعل في فعليّة الحكم المجعول، وفي غرض المولى، بحيث يكون غرض المولى منحصراً بخصوص شخص لا يجهل أيّ جعل من جعوله. أمّا إذا كان أحد الجعول تامّاً فقد قلنا: إنَّه في أيّ مرتبة جاء التعميم ينقطع التسلسل لا محالة بدلالة الاقتضاء القطعيّة.
وبهذا تمت البرهنة على استحالة متمّم الجعل في المقام، وتبيّن أنَّ المهرب المولوي إنَّما هو بالطريق الأوّل أو الثاني، أي: أخذ العلم بالجعل في موضوع الحكم المجعول، وأخذ العلم بالإبراز في موضوع الحكم المبرز.
هذا تمام الكلام في المخلّص الثالث.
ــــــــــ[396]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وبه يظهر أنَّ أحسن مخلّص هو ما بيّناه من أخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول، أو أخذ العلم بالإبراز في موضوع الحكم المبرز.
وبهذا تمّ البحث الأوّل في أخذ القطع بالحكم في موضوع شخصه شرطاً، ويقع الكلام في أخذ القطع بالحكم في موضوع شخصه مانعاً(1).
ــــــــــ[397]ــــــــــ
() انتهى بعون الله عزّ وجل وحسن توفيقه وجميل تأييداته، الدفتر الخامس من محاضرات سيدنا الأستاذ (أدام الله ظله) وذلك بتاريخ آخر محاضرة في هذا الدفتر، وقد سجلت فيه حوالي ستة وخمسون محاضرة، وفقني الله إلى حضورها جميعاً وضبطها أثناء إلقاء المحاضرة بأكبر قدر ممكن من الدقة والإتقان، والعصمة لله ولمن يشاء من عباده الذين اصطفى، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد رسول رب العالمين وآله الطيبين الميامين. انتهت كتابة هذا الدفتر، بيد أقلّ العباد المحتاج إلى ربه الكريم محمد بن السيّد محمد صادق الصدر، غفر الله له ولوالديه، ونسألكم الدعاء. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
ذهب المحقّقون المتأخّرون كالميرزا(2) والسيّد الأُستاذ(3) إلى الاستحالة، بل لم يفرّقوا بين أخذ العلم مانعاً وأخذه شرطاً في ملاك الاستحالة، بل ساقوا كلا الأمرين بمساقٍ واحد، وبرهنوا عليه ببرهان واحد، وهو الدور بالتقريب السطحي، أو به بعد إصلاحه. ومن هنا وقع الإشكال عند المحقّق النائيني والسيّد الأُستاذ وغيرهم في مطلبين:
أحدهما: رواية أبان المعروفة.
ثانيهما: كلام الشيخ الأعظم، حيث أخذ العلم بالحكم في موضوع شخصه مانعاً.
أمّا كلام الشيخ الأعظم(4) -الذي كان في مقام تصوير كلام الأخباريّين بحيث ينطبق على الموازين العقليّة- فقال: يمكن أن يُدّعى أنّ الأحكام الشرعيّة أُخذ في موضوعها عدم وصولها من غير ناحية الحجج، ففي فرض حصول هذا القطع لا يكون هناك حكم أصلاً، فلا يكون ذلك من باب النهي
ــــــــــ[399]ــــــــــ
() كان تاريخ الشروع في هذا البحث يوم الاثنين 8/8/1383هـ، 25/12/1963م.
(2) انظر: فوائد الأُصول 3: 179.
(3) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 44.
(4) انظر: فرائد الأُصول1: 51، مناقشة الأخباريين.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
عن القطع الطريقي، بل يكون من باب أخذ العلم مانعاً لا شرطاً.
وذكر في توجيه كلامهم -إخراجاً له من الاستحالة إلى الإمكان، حتّى لا يلزم الالتزام بالردع عن القطع الطريقي-: أنَّه من الممكن للأخباري أن يلتزم بأنَّ القطع الناشئ عن المقدّمات العقليّة قد أخذ في موضوع الحكم الشرعي مانعاً، بحيث يكون كلّ حكم شرعي أخذ في موضوعه، إلَّا أن يُقطع به عن طريق المقدّمات العقليّة، ففي فرض ثبوت هذا القطع لا يكون الحكم ثابتاً، فمقتضى هذا الكلام أخذ القطع بالحكم في موضوع شخصه، وحيث إنَّ الأُصوليّين لم يُفرّقوا بين الشرطيّة والمانعيّة في الاستحالة وقع الإشكال في كيفيّة توجيه كلام الشيخ الأعظم.
أمّا الإشكال في رواية أبان، إذ: “قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّـهِ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَطَعَ إِصْبَعاً مِنْ أَصَابِعِ المَرْأَةِ كَمْ فِيهَا؟ قَالَ: عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ. قُلْتُ: قَطَعَ اثْنَيْنِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ. قُلْتُ: قَطَعَ ثَلَاثاً؟ قَالَ: ثَلَاثُونَ. قُلْتُ: قَطَعَ أَرْبَعاً؟ قَالَ: عِشْرُونَ. قُلْتُ:سُبْحَانَ اللهِ، يَقْطَعُ ثَلَاثاً فَيَكُونُ عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ وَيَقْطَعُ أَرْبَعاً فَيَكُونُ عَلَيْهِ عِشْرُونَ؟ إِن هَذَا كَانَ يَبْلُغُنَا وَنَحْنُ بِالْعِرَاقِ فَنَبْرَأُ مِمَّنْ قَالَهُ وَنَقُولُ الَّذِي جَاءَ بِهِ شَيْطَانٌ. فَقَالَ: مَهْلًا يَا أَبَانُ هَكَذَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّـهِ إِنَّ المَرْأَةَ تُقَابِلُ الرَّجُلَ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ فَإِذَا بَلَغَتِ الثُّلُثَ رَجَعَتْ إِلَى النِّصْفِ. يَا أَبَانُ، إِنَّكَ أَخَذْتَنِي بِالْقِيَاسِ، وَ السُّنَّةُ إِذَا قِيسَتْ مُحِقَ الدِّينُ“(1).
ــــــــــ[400]ــــــــــ
(1) الكافي 7: 299، باب الرجل يقتل المرأة، الحديث 6، وسائل الشيعة 29: 352، الباب 44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهذه الرواية ظاهرها أنَّ أبان كان قد حصل له القطع بالحكم الشرعي بأنَّ قطع الإصبع الرابع لا يكون من موجبات الترحّم على المجرم بحيث تقلّ ديته، غاية الأمر: قد حصل له هذا القطع عن طريق الدليل العقلي دون الآيات والروايات، فلم يحصل له عن طريق الأولويّة، بل من باب بداهة أنَّ زيادة الجرم لا يُنقص العقاب، فإنَّ هذه البداهة أوجبت له قطعاً بالحكم، كما توجب لنا الآن قطعاً بذلك، وأنّ حكم الله ليس هو المذكور في الرواية.
والإمام -إن صحّت الرواية- ينهاه عن اتّباع القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة، فقد أخذ هذا القطع مانعاً في الحكم الشرعي، وقد زُجر عن اتّباع هذا القطع ونُهي عنه، فهذا يطابق توجيه الشيخ من حيث أخذ القطع الناشئ من المقدّمات العقليّة مانعاً.
ووجّه الميرزا(1) كلام الشيخ الأعظم والرواية معاً: بالالتزام بمتمّم الجعل على النحو الذي بيّناه(2)، فكما أنَّ أخذ العلم شرطاً يكون بمتمّم الجعل كذلك أخذه مانعاً.
وأمّا في دراسات السيّد الأُستاذ(3) فهناك التزم بالإشكال على الشيخ الأنصاري، والتزم بأنّ الرواية ضعيفة السند -كما هو كذلك- ولا حجّة فيها، مضافاً إلى إمكان دعوى أنَّ أبان لم يكن قد حصل له القطع، وإنَّما حصل له الظنّ القوي أو الاطمئنان.
ــــــــــ[401]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول1: 35 – 44.
(2) انظر: محاضرات في علم أُصول الفقه 6: 342.
(3) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 48.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أمّا الرواية فهي أجنبيّة عن محلّ الكلام بالمرّة، فإنّها لو تمّت سنداً ودلالة فليست من مصاديق هذا الكلام أصلاً -وهو: أخذ القطع بالحكم في موضوع شخصه مانعاً- والوجه في ذلك: إذا كان حكم الله كذلك واقعاً فيصحّ هذا الكلام، بمعنى: لو فُرض أنَّ أبان قطع بحكم واقعي عن طريق عقلي سفسطي فالإمام ينهاه عن العمل بهذا القطع، وينكشف أنَّ الوجوب الواقعي أُخذ في موضوعه أن لا يحصل القطع به من مقدّمات عقليّة.
لكنّ صريح مورد الرواية أنّ هذا الحكم الذي قطع به أبان ليس هو حكم الله أصلاً، فإنَّ الحكم الذي جعله رسول الله هو: أنَّ المرأة تعاقل الرجل إلى الثلث، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، وهذا ليس من مصاديق جعل حكم، ثُمَّ أخذ العلم به عن طريق خاصّ مانع من تحقّقه؛ لأنّ هذا -أي: كون المورد من مصاديقه- فرع أن يكون الحكم الذي استنبطه أبان هو حكم الله، وليس هو كذلك، وهذا من الواضحات، والعجيب غفلة الميرزا والسيّد الأُستاذ عنه.
وعليه: فلا يمكن أن تُعتبر هذه الرواية من مصاديق أخذ العلم مانعاً، وإنَّما هي ردع عن العمل بالقطع الطريقي، وتصلح للاستدلال بها على مذهب الأخباريّين.
وبعبارة أخرى: أنَّ محلّ الكلام -هو: أخذ العلم بالحكم الناشئ عن طريق الأدلّة العقليّة شرطاً أو مانعاً في موضوع شخص الحكم- إنَّما يكون إذا كان هناك حكم حقيقي في الشريعة وحصل القطع به عن طريق الدليل العقلي،
ــــــــــ[402]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
فيمكن حينئذٍ أن يحمل نهي الشارع عن العمل بالقطع به، وأنَّ ذلك الحكم أخذ في موضوعه أن لا يقطع به عن طريق الأدلّة العقليّة، وهذا معقول.
أمّا في الرواية فإنّها تدلّ على أنَّ هذا الحكم غير ثابت في الشريعة، بقوله: “هذا حكم رسول الله، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدّية“، فالحكم الذي قطع به أبان ليس من الأحكام الشرعيّة حقيقة ليكون من مصاديق الكلام، بل حكم خيالي غير مجعول. إذن، فنهي الإمام عن العمل بهذا القطع لا يمكن أن يكون مرجعه إلى أخذ العلم الناشئ من الأدلّة العقليّة في موضوع الأحكام الشرعيّة.
وأمّا من ناحية كلام الشيخ الأعظم في توجيه كلام الأخباريّين، فلا بُدَّ في المقام من تحقيق الفرق بين أخذ القطع بالحكم في موضوع شخصه شرطاً، وبين أخذه مانعاً، فإنَّ أخذ العلم بحكم في موضوع شخص ذلك الحكم مانعاً، بمعنى: أخذ عدمه في موضوع الحكم، قد يراد به أخذ العلم بالجعل عن طريق العقل مانعاً، وقد يراد به أخذ العلم بفعليّة الوجوب المجعول عن طريق العقل مانعاً.
أمّا الأوّل -وهو أخذ العلم بالجعل عن طريق الأدلّة العقليّة مانعاً- فهو ممّا لا ينبغي الإشكال فيه؛ لأنّنا لم نستشكل فيه في جانب الشرطيّة، فكيف في المانعيّة؟!
وأمّا الثاني -وهو أخذ العلم بالمجعول في موضوع المجعول مانعاً- فالتحقيق أيضاً جوازه، والفرق بين المانعيّة والشرطيّة: أنَّ جميع البراهين
ــــــــــ[403]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
المتقدّمة لإثبات استحالة أخذ العلم في موضوع شخص الحكم شرطاً، لا ترد في جانب المانعيّة، وخلاصة تلك البيانات أربعة:
البيان الأوّل: هو البيان المشهوري للدور(1)، حيث قيل هناك: إنَّ أخذ العلم بحكم في موضوع شخص ذلك الحكم يلزم الدور؛ لأنَّ العلم يكون متوقّفاً على الحكم من باب توقف العلم على موضوعه، ويكون الحكم متوقّفاً على العلم من باب توقّف العرض على موضوعه، فيلزم التوقّف من الجانبين.
وهذا البيان لو تمّ في باب الشرطيّة فإنّه لا يتمّ في باب المانعيّة، فإنَّ الذي يؤخذ في موضوع الحكم في المقام ليس هو العلم، بل عدم العلم من ناحية العقل، فلا توقّف من الجانبين، فإنّنا وإن سلّمنا توقّف العلم على موضوعه، إلَّا أنَّ عدم العلم بالشيء لا يتوقّف على وجوده، فإنَّ عدم البياض لا يتوقّف على وجود الجسم خارجاً. إذن، لا تأتي شبهة الدور هنا.
البيان الثاني: بيان الخلف أو التناقض بين طبيعة العلم والمعلوم الذي سمّيناه البيان الوجداني(2)، وقلنا: إنَّ طبيعة العلم تقتضي الكشف عن أمر مفروغ عنه بقطع النظر عن العلم، وهنا الحكم المفروض في المقام يتوقّف على العلم وليس ثابتاً بقطع النظر عن العلم؛ لأنَّه أخذ في موضوعه العلم، فهناك تهافت بين طبيعة العلم والمعلوم.
فهذا أيضاً لا يأتي في باب المانعيّة، لا أنَّ الحكم مفروغ عنه مع قطع النظر
ــــــــــ[404]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول1: 146، نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 22.
(2) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 6: 345.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
عن العلم به، فإنّنا لو علمنا بوجوب الحجّ بالآية المباركة، فهذا العلم طبيعة محفوظة ولا تناقض طبيعة المعلوم، فإنَّ وجوب الحجّ مفروغٌ عنه بقطع النظر عن العلم. نعم، هو متقوّم بعدم حصّة خاصّة من العلم، وهو أيضاً مفروغٌ عنه بقطع النظر عن العلم.
البيان الثالث: وهو الذي ذكرناه في إشكال اللغويّة(1)، وحاصله: أنَّ الحكم قد أُخذ في موضوعه العلم به. إذن، ففي المرتبة السابقة على الحكم فُرض تماميّة العلم، وفرض تماميّة العلم هو فرض تماميّة التحريك المولوي في المرتبة السابقة؛ لأنَّ التحريك المولوي من شؤون العلم، ومع فرضنا تماميّة التحريك المولوي لا معنى لجعل الحكم في المرتبة المتأخّرة؛ لأنّه لغوٌ، وقلنا آنذاك: لا معنى للتأكّد هنا؛ لأنَّ الحكم واحد بحسب الفرض، وليس حكمين، فلا يمكن الالتزام بالتأكّد. وهذا لا يأتي في باب المانعيّة، فإنَّه لم يؤخذ العلم في المرتبة السابقة، حتّى يقال: إنَّ أخذه مساوق مع تماميّة المحرّك المولوي في المرتبة السابقة، فيكون جعل الحكم في المرتبة المتأخّرة لغواً، فإنَّ ما هو مأخوذ في المرتبة السابقة عدم علم خاصّ، لا العلم بوجه خاصّ.
البيان الرابع: الذي كان حاصله: الدور في مقام الوصول على ما قرّبناه، فقد قلنا: إنَّه إذا أخذ العلم بالحكم في موضوع شخصه يلزم الدور في مقام الوصول؛ لأنَّ العلم بالحكم متوقّفٌ على العلم بموضوعه، وموضوعه هو العلم بالحكم بحسب الفرض، فيصير متوقّفاً على العلم بالعلم بالحكم، وحيث
ــــــــــ[405]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 6: 361.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
إنَّ العلم بالعلم هو نفس العلم، فيؤدّي إلى توقّف العلم بالحكم على العلم بالحكم، وهذه نتيجة الدور.
وهذا لا يرد في باب المانعيّة، وإن ورد في باب الشرطيّة؛ وذلك لأنَّه هنا يتوقّف العلم بالحكم على موضوعه، وموضوعه ليس هو العلم، بل عدم العلم العقلي بالحكم. إذن، الحكم يتوقّف على العلم بعدم العلم العقلي، وهو غير العلم بالحكم، فجميع الوجوه الأربعة التي وردت في باب الشرطيّة، لا ترد في باب المانعيّة.
نعم، هنا قد تأتي شبهتان مختصّتان في باب المانعيّة:
الشبهة الأولى: لا يعقل أخذ العلم مانعاً؛ لأنَّ جعل الحكم إنَّما هو بداعي أن يكون محرّكاً، والتحريك فرع الوصول، فإذا جعل الوصول مانعاً عن ثبوته، فقد خنقت محرّكيّة الأمر في مهدها فلا يمكن له التأثير المولوي.
وهذه الشبهة إنَّما تجري إذا ادّعي جعل طبيعي العلم مانعاً، لا حصة خاصّة منه، وأمّا إذا أخذت حصّة خاصّة من العلم مانعاً، وهو العلم الناشئ عن الأدلّة العقليّة، فلا يوجب سنخ الحكم عن المحرّكيّة؛ لأنّه من الممكن وصوله عن غير طريق الأدلّة العقليّة.
وتندفع الشبهة حتّى مع فرض أخذ طبيعي العلم مانعاً؛ لأنَّ محرّكيّة التكليف لا تنحصر بخصوص الوصول بالعلم الوجداني، فقد يتعلّق غرض المولى بأن تكون تكاليفه محرّكة عن طريق الحجّة المولويّة، لا عن طريق الوصول العلمي القطعي، وهو أمر معقول. نعم، لو أخذ في موضوع التكليف طبيعي الوصول
ــــــــــ[406]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بالمعنى الأعمّ من العلم والعلمي فهو عبارة أخرى عن إلغاء حجّيّة التكليف.
الشبهة الثانية: وحاصلها: أنَّ أخذ العلم مانعاً يوجب استحالة وصول مثل هذا الحكم إلى العالم عن طريق الأدلّة العقليّة، فإذا علم المكلّف به عن هذا الطريق فلا يمكن أن يُصدّق به؛ لأنّه يناقض علمه به عن طريق العقل، والتصديق بالتناقض محال على المكلّف، فكأنّ المقام يقاس على مقام جعل الحرمة على التجرّي، حيث قلنا هناك(1): إنَّ جعل الحرمة غير معقول؛ لأنَّ المتجرّي مادام متجرّياً لا يمكن أن يصدَّق بتوجه الحرمة إليه.
وهو مرفوض لأمرين:
الأمر الأوّل: لا مانع من ذلك ولا محذور في عدم تصديق العالم بهذا الحكم عن طريق العقل، فإنَّ هذا العالم ليس هو موضوع التكليف، والمحذور إنّما هو أن لا يصدّق المكلّف بهذا التكليف، لا أن لا يصدّق غيره به، ولا يقاس هذا على جعل الحرمة على المتجرّي، فإنَّ المتجرّي نفسه كان هو موضوع الحرمة، وفي المقام المفروض أنَّ الحكم وضع على غير من وصل إليه الحكم عن طريق الدليل العقلي، فمن وصل إليه عن هذا الطريق لا أهمّيّة لتصديقه به؛ لأنَّه لم يجعل الحكم عليه، ومن جعل الحكم عليه فهو يصل إليه عن طريق آخر ويصدّق به.
إذن، فهذا قياس مع الفارق بمسألة المتجرّي.
الأمر الثاني: لو فُرض أخذ العلم بشخص المجعول مانعاً في موضوع
ــــــــــ[407]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 6: 88، بحث التجرّي.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الجعل، أي: قُيّد المجعول بعدم العلم بشخصه عن طريق العقل، فلا يُعقل أن يُفرض في الخارج علم عن طريق العقل أصلاً، حتّى يقع الكلام في أنَّ من يقطع بالحكم عن طريق العقل هل يُصدّق به أو لا؟
والوجه في ذلك: أنَّ هذا الشخص الذي يفرض أنَّه يعلمه بالحكم عن طريق الدليل العقلي، يعلم بماذا؟ يعلم بحكم مقيّد بعدم العلم عن الدليل العقلي أو يعلم بحكم مطلق؟ فإن كان يعلم بحكم مطلق فهو غير شخص المجعول، وكلامنا في أخذ العلم بالمجعول مانعاً عن شخصه، في حين أنَّ العلم على ما هو المفروض مطلق، وكلامنا في المقيّد، وأمّا إذا علم عن طريق الدليل العقلي بحكم مقيّد بعدم العلم، فهو أمرٌ محالٌ وتهافت؛ لأنَّه لا يُعقل أن يُعلم بحكم مقيّد بأن لا يُعلم. إذن، فهذه الصغرى لا تتحقّق في الخارج.
ولا يتوهّم أنَّه لا فائدة لتقيّيد الحكم بعدم العلم به عن طريق العقل، فإنَّ عدم إمكان الصغرى هو من فوائد هذا التقيّيد، وإلَّا لو فرض أنَّه لم يقيّد لأمكن حصول العلم عن طريق العقل، فعدم إمكان الصغرى في طول التقيّيد، لا في عرضه ليكون التقيّيد بلحاظه لغواً. هذا تمام الكلام في أخذ العلم بالحكم في موضوع شخصه مانعاً.
وبذلك اتّضح الفرق بين أخذ العلم بالحكم في موضوع شخصه شرطاً وأخذه مانعاً، وأنّ الثاني معقول دون الأوّل.
وأمّا أنَّ هذا يمكن أن يكون توجيهاً لعلمائنا الأخباريّين أو لا؟ فهذا بحث مستقلّ، وأنَّ التنبيه السادس في الكفاية عقد لخصوص كلام الأخباريّين، وسنتكلّم فيه هناك إن شاء الله تعالى. وبهذا تمّ بحث القطع الطريقي والموضوعي.
ــــــــــ[408]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بقي تذيّيل لهذا البحث في أقسام الظنّ، فإنَّهم بعد أن قسّموا القطع إلى الموضوعي والطريقي والصفتي، وما يؤخذ من الحكم على نحو جزء الموضوع وتمام الموضوع، وما يؤخذ في شخصه وضدّه ومثله ومخالفه، أجروا هذه التقسيمات في الظنّ أيضاً، ومن المعلوم أنَّها مجرّد فروض لا مصداق لها في الفقه، إلَّا أنّنا تأسّياً بالشيخ الأعظم(1) نذكر هذه الأقسام التي عقد لها بحثاً مستقلّاً.
وتقسيمات القطع كانت ترجع إلى ثلاث تقسيمات، تقسيم إلى القطع الطريقي وإلى القطع الموضوعي، ثُمَّ الموضوعي إلى القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقيّة، والمأخوذ في الموضوع على وجه الصفتيّة، والتقسيم الثاني للقطع الموضوعي هو أخذ القطع جزء الموضوع، وأخذه تمام الموضوع. والتقسيم الثالث هو أخذ القطع بالحكم في موضوع حكم مخالف أو مضاد أو فيما يماثل متعلّقه أو في شخص متعلّقه، وهذه التقسيمات الثلاثة تتصوّر في باب الظنّ.
أمّا القسمة الأولى: فإنَّ الظنّ تارةً يكون طريقيّاً صرفاً، كما لو فرض أنَّ الأمر مترتّب على ذات المظنون، بحيث يكون هو تمام الموضوع للأثر، وأخرى يكون موضوعيّاً، وهذا الظنّ الموضوعي ينقسم أيضاً إلى ما كان مأخوذاً في
ــــــــــ[409]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 33، 34.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الموضوع على وجه الطريقيّة، وإلى ما كان مأخوذاً في الموضوع على وجه الصفتيّة، فإنَّ الظنّ قد يؤخذ بما هو طريقي وكاشف عن متعلّقه، وأخرى بما هو حالة خاصّة وصفة معيّنة قائمة في النفس.
وهذان الاعتباران بحاجة إلى البحث في باب الظنّ؛ لأنَّه تارةً يكون الظنّ معتبراً وحجّة شرعاً، وأخرى لا يكون كذلك، فأمّا الظنّ غير المعتبر الذي ليس حجّة شرعاً كالظنّ الناشئ عن الشهرة الفتوائيّة، فلا يتصوّر أخذه على نحو الطريقيّة إلَّا بتأويل؛ لأنّه ما معنى أخذ هذا الظنّ على وجه الكاشفيّة والطريقيّة؟ إن فُرض أنَّها الطريقيّة المجعولة من قبل الشارع فهو خلف المفروض؛ لأنَّ المفروض أنَّه ليس حجّةً، وإن فُرض أنَّها الطريقيّة الذاتيّة والكشف الذاتي الموجود للظنّ -فإنَّ للظنّ كاشفيّة كالقطع إلَّا أنَّها ناقصة- فهذا أمر صحيح، إلَّا إنّنا نسأل عن المقصود من هذا الكشف الذاتي، فهل هو الانكشاف المحفوظ فيه من دون أخذ خصوصيّة الظنّ؟ فيلزم من ذلك أخذ الجامع بين الظنّ والقطع؛ لأنَّ حيثيّة الانكشاف لا بحدّها محفوظة في القطع أيضاً وهو خلف، وإن أخذت الحيثيّة أيضاً فالظنّ ليس مأخوذاً على وجه الطريقيّة، بل على وجه الصفتيّة، فإنَّ جهة الضعف في الظنّ ليست طريقيّة، بل صفتيّة بخلاف القطع فإنَّ كاشفيّته تامّةٌ، والشيء التامّ من سنخ ذلك الشيء، لا أمر مباين معه، فتصوّر أخذ الظنّ غير المعتبر على وجه الطريقيّة المتمحّضة غير معقول، إلَّا بإرجاعه إلى أخذ الجامع بين الظنّ والقطع.
أمّا الظنّ المعتبر فيمكن أخذه في الموضوع على وجه الطريقيّة والكاشفيّة،
ــــــــــ[410]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بأن يكون المقصود من الكاشفيّة الكاشفيّة الجعليّة لا التكوينيّة، ومن المعلوم أنَّ الكاشفيّة الجعليّة تختصّ بالظنّ ولا تعمّ القطع. هذا حاصل الكلام في القسمة الأولى.
وأمّا القسمة الثانية، وهي: قسمة الظنّ الموضوعي إلى ما كان تمام الموضوع وإلى ما كان جزء الموضوع، فأمّا أخذه تمام الموضوع لحكم شرعي فلا إشكال في معقوليّته، وكذلك أخذه جزء الموضوع، مع كون الجزء الآخر غير متعلّقه، نحو: ما إذا ظنّنت بخمريّة المائع ونزل المطر فيحرم عليك، وإنَّما الكلام فيما إذا أخذ الظنّ جزء الموضوع، وكان الجزء الآخر هو متعلّقه، وهو نفس وجود الموضوع إثباتاً وعدماً، فإنّ الظنّ تارةً يفرض ظنّاً معتبراً وأخرى غير معتبر، فإن فرض أنَّ الظنّ المأخوذ في الموضوع هو الظنّ المعتبر فلا إشكال في معقوليّته، ويكون الجزء الآخر هو وجود الموضوع، كما إذا قال: إذا قامت البيّنة -وهي ظنّ معتبر- على خمريّة المائع وكان خمراً في الواقع فيحرم عليك شربه، فأحد الجزئين ثبت بالوجدان وهو الظنّ، والآخر بالتعبّد، وأمّا إذا فرض أنّ الجزء الآخر كان عدم المظنون، كما إذا قال: إذا قامت البيّنة على خمريّة المائع ولم يكن خمراً، فهذا غير معقول في باب الظنّ المعتبر؛ وذلك: لأنَّ الموضوع غير قابل للإحراز في المقام، إذ إنَّ الظنّ متعلّق بطرف الوجود، فعدم الخمريّة محرز العدم تعبّداً ببركة البيّنة، ولو فرض قيام دليل آ خر على عدمه فيحصل التعارض لا محالة بين الظنّ والدليل، وبعده لا تبقى البيّنة على الحجّيّة، فلا يكون هذا الموضوع تاماً.
ــــــــــ[411]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وأمّا الظنّ غير المعتبر فإنّه يتصوّر فيه أيضاً أن يكون تارةً جزء الموضوع والجزء الآخر هو وجود الموضوع، وأخرى عدم الموضوع. فإذا فرض أنّ الجزء الآخر هو وجود المظنون فلا ينبغي الإشكال في معقوليّة ذلك، كأن يقول: إذا ظنّنت بالتنجيم بالخمريّة وكان خمراً في الواقع؛ وذلك لإمكان وصول كلا الجزئين إليه من دون تهافت، وذلك فيما إذا حصل ظنّ تنجيمي بالخمريّة، وكان هناك دليل معتبر من أمارة أو أصل يثبت خمريّة المائع. وليس معنى هذا أنَّ الجزء الآخر مُحرز بنفس هذا الظنّ غير المعتبر، بل بدليل آخر معتبر.
وأمّا إذا فُرض أنَّ الظنّ غير المعتبر كان جزء الموضوع، وكان الجزء الآخر عدم المظنون، وهذا الذي كان غير معقول في باب الظنّ المعتبر يكون هنا معقول؛ وذلك لإمكان إحراز تمام الموضوع حينئذٍ، وذلك بوجهين:
الوجه الأوّل: أن تقوم أمارة أو أصل بنفي وجود المظنون، بحيث لا ينافي فعليّة الظنّ التنجيمي، وليس كلّ أمارة أو أصل مشروطاً بعدم وجود الظنّ بخلافه.
الوجه الثاني: أن يتشكّل علم إجمالي في المقام، وذلك فيما إذا فرض أنَّه على تقدير وجود المظنون يكون هناك حكم آخر، كما إذا كان يظنّ ظنّاً تنجيميّاً بخمريّة المائع، وقد قال المولى: إذا ظنّنت بخمريّة المائع ظنّاً تنجيميّاً ولم يكن خمراً في الواقع فيجب عليك التصدّق، فهو يعلم إجمالاً إمّا بحرمة شرب المائع أو وجوب التصدّق؛ لأنَّه إن كان خمراً فيحرم شربه أو لم يكن خمراً فيجب التصدّق، فيكون الحكم واصلاً ببركة العلم الإجمالي.
ــــــــــ[412]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
أمّا القسمة الثالثة، وهو: قسمة الظنّ إلى ما كان مأخوذاً في موضوع حكم يخالفه أو يماثله أو يضادّه أو في شخص متعلّقه، فالظنّ أيضاً تارةً يُفرض معتبراً وأخرى يُفرض غير معتبر.
أمّا في الظنّ المعتبر فحاله من حيث الفتاوى حال القطع، فإنَّ أخذه في موضوع مخالف أمر معقول.
أمّا أخذه في موضوع مضادّ لمتعلّقه فغير معقول، باعتبار وقوع التهافت بين الحكم المترتّب على الظنّ وبين جعل الحجّيّة للظنّ وتنجيز الواقع به.
أمّا في أخذ الظنّ في موضوع حكم مماثل فقد اخترنا إمكانه في القطع فضلاً عن الظنّ، بل الإمكان هنا أوضح منه هناك؛ لأنَّ بعض الوجوه التي اُستدلّ بها على الاستحالة هناك لا تأتي هنا، وهو وجه الميرزا الذي ذكر هناك(1) أنّ النسبة بين الحكمين في نظر القاطع هو العموم المطلق لا العموم من وجه، فلا مورد افتراق للحكم المترتّب على القطع، وجعل حكم ليس فيه مورد افتراق محال، وليس كذلك في الظنّ، فإنَّ النسبة بينهما هو العموم من وجه، حتّى في نظر الظانّ.
وأمّا أخذه في موضوع شخص متعلّقه، فأخذه شرطاً في موضوع متعلّقه غير معقول كالقطع، وذلك لأمرين:
الأوّل: لأنَّ الظنّ كالقطع، فإنّه كما أنَّ من خصائص القطع الذاتيّة، وهو أن يكون الموضوع مفروغ الثبوت بقطع النظر عن القطع، فكذلك في الظنّ،
ــــــــــ[413]ــــــــــ
( 1) انظر: فوائد الأُصول 3: 37 – 43
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وهذا الذي سمّيناه بالبرهان الوجداني(1).
الثاني: لأنَّ التصديق بالحكم يكون متوقّفاً على التصديق بموضوعه الذي هو الظنّ، والتصديق بالظنّ هو نفي وجود الظنّ؛ لأنّ الظنّ كالعلم من المعلومات الحضوريّة، وعليه: يكون العلم بالحكم متوقّفاً على الظنّ بالحكم، ولعلّ هذا أشنع من توقّف العلم بالحكم على العلم بالحكم، وهذا هو الدور الذي يكون بياناً برهانيّاً.
وأمّا أخذ الظنّ المعتبر مانعاً في موضوع شخص ذلك الحكم فقد قلنا: إنَّه في القطع معقول، إلَّا أنَّه هنا غير معقول؛ لأنَّ المقصود من أخذه مانعاً هو إعدام المانع بحسب الخارج، لا أنَّ المانع يوجد ولا يترتّب الحكم، ومن المعلوم أنَّ إعدام المانع بيد المولى من أوّل الأمر، وذلك بعدم جعل الحجّيّة له من أوّل الأمر؛ لأنَّ المفروض أخذ الظنّ المعتبر بما هو معتبر، وأمّا جعل الحجّيّة للظنّ ثُمَّ أخذه في موضوع شخص الحكم مانعاً فهو تطويل للمسافة بلا موجب.
وأمّا الظنّ غير المعتبر فأخذه فيما يخالف متعلّقه أمر معقول بلا إشكال. وأمّا أخذه فيما يماثله فقد قلنا بإمكانه في القطع وفي الظنّ المعتبر، فإنّ برهانين ممّا ذكرنا في القطع على الاستحالة لا يأتيان هنا.
أحدهما: برهان الميرزا الذي سبق وجه عدم وروده في الظنّ المعتبر.
ثانيهما: برهان اللغويّة للسيّد الأُستاذ(2)، حيث يقول هناك: إنَّ الحكم أخذ
ــــــــــ[414]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أُصول الفقه 6: 345.
(2) انظر: مصباح الأُصول 2: 48.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
في موضوع الحكم المماثل. إذن، فهناك في المرتبة السابقة محرّكيّة مولويّة، ومعها يلغو جعل المحرّكيّة في المرتبة المتأخّرة. وهذا البرهان لا يأتي هنا؛ لأنَّ الظنّ غير المعتبر ليس حجّةً مولويّةً.
وأمّا أخذه في موضوع ضدّه ففيه كلام بين الأعلام، وحاصله: ذهب الآخوند(1) إلى إمكانه، بدعوى انحفاظ رتبة الحكم الظاهري؛ لأنَّ الحكم الثاني مرتّب على الظنّ وهو مساوق للشكّ، فكما نجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة، كذلك نجمع بين هذين الحكمين.
وذكر السيّد الأُستاذ(2) والميرزا(3): أنَّ هذا غير معقول؛ لأنّا هناك نجمع بين حكم واقعي وحكم ظاهري، لا بين حكمين واقعيّين، وكلامنا هنا في ترتيب حكم واقعي على الظنّ -وما سوف يأتي في مبحث الجمع مختص بالحكم الظاهري ولا يعم الواقعي(4)– وهذا الكلام منهم متين غايته، إلَّا أنّه يمكن تصحيح أخذه فيما إذا أخذ الظنّ غير المعتبر جزء الموضوع، وكان الجزء الآخر هو عدم المظنون، فإنَّه لا يكون هناك تضادّ بين الحكم الواقعي الأوّل والحكم الواقعي الثاني للقطع بعدم اجتماعهما؛ لأنَّه إن فرض مصادفة الظنّ للواقع كان الحكم الثاني نافذاً ولا وجود للحكم الأوّل، وعلى تقدير عدم المصادفة فلا
ــــــــــ[415]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: ٢٦7،266.
(2) انظر: دراسات في علم الأُصول ٣: 67.
(3) انظر: فوائد الأُصول 3: 32- 33.
(4) انظر: بحوث في علم الأُصول 4: 405.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
وجود للحكم الثاني. نعم، إذا كان جعل الحكم بحيث يعم صورتي المصادفة وعدمها توجّه كلام الميرزا.
وأمّا أخذ الظنّ في موضوع شخصه شرطاً فهذا أيضاً غير معقول بنفس الملاكات السابقة.
وأمّا أخذه مانعاً فهو غير معقول هنا، فإنَّ حال الظنّ المعتبر في المقام حال القطع، والمقصود من أخذه مانعاً إفناء هذا المانع؛ لأنَّه لا يمكن للمولى إفناء الظنّ غير المعتبر إلَّا بذلك.
هذا تمام الكلام في أحكام الظنّ بحسب التقسيمات الثلاث.
ــــــــــ[416]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
بقية مبحث تحليل الفتوى 13
[المقام الأوّل: اختصاص الأحكام الظاهرية بالمجتهد] 13
المقام الثاني: [التوجيه الفني لعملية الإفتاء] 14
المقام الثالث: تنزيل حال المجتهد حال العامي 14
ما يترتّب من آثار على الإحراز الوجداني للأحكام الواقعيّة 19
ما يترتّب من آثار على عدم الإحراز الوجداني للأحكام الواقعيّة. 21
الوقائع التي يختصّ بها العامّي 27
الكلام في تحقّيق المقام الأوّل المؤجل 29
خاتمة المسألة: حكم المجتهد غير الأعلم 31
الجهة الثانية: في التقسيم إلى القطع والظنّ والشكّ 47
الإشكالات على التقسيم 47
الإشكال الأوّل: حول كيفية التقسيم 47
دفع الإشكال الأوّل 48
الإشكال الثاني: ضرورة ان يكون التقسيم ثنائياً لا ثلاثياً 52
دفع الإشكال الثاني ببيان مقامين 54
ــــــــــ[417]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
المقام الأوّل: الشك في الحكم الظاهري 54
المقام الثاني: في قيام الأمارة على الحكم الظاهري 56
الجهة الثالثة: هل تعم الأقسام الحكم الظاهري أيضاً 59
الكلام في حُجّيّة القطع 67
هل حجّيّة القطع مسألة أصوليّة 67
تبعيّة حُجّيَّة القطع للحسن والقبح 72
التفسير الأوّل 72
التفسير الثاني 72
التفسير الثالث 73
إشكال السيّد الخوئي على التفسير الثاني 73
المناقشة في إشكال السيّد الخوئي 74
مسألتان مترتبتان على حجّيّة القطع 80
هل أنَّ حجّيّة القطع قابلة للجعل من قبل الشارع 80
هل أنَّ حجّيّة القطع قابلة للردع والنهي من الشارع 81
القول بعدم إمكان الردع عن القطع 81
التقريب الأوّل: لزوم اجتماع الضدّين 81
التقريب الثاني: المنافاة مع حكم العقل 82
التقريب الثالث: مسألة نقض الغرض 82
مناقشة التقريبات الثلاثة 82
ــــــــــ[418]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
التحقيق في النهي عن العمل بالقطع 91
الكلام في التجرّي 99
المقام الأوّل: في حرمة الفعل المتجرّى به شرعاً 100
التقريب الأوّل: التمسّك بالأدلّة الأوّليّة 100
التقريب الثاني: التمسّك بقاعدة الملازمة 106
الوجه الأوّل 107
الوجه الثاني 120
الوجه الثالث 122
التقريب الثالث: هو الاستدلال بالإجماع 127
المقام الأوّل: في تحقيق الاستدلال بالإجماع 128
المقام الثاني: في تحقيق حال الفرعين 129
التقريب الرابع: الاستدلال بالأخبار 138
المقام الثاني: في قبح الفعل المتجرّى به عقلاً 146
الكلام مع الشيخ الأعظم 146
الكلام مع المحقّق النائيني 151
الوجوه التي ذكرها صاحب الكفاية في انكار قبح الفعل المتجرّى به 155
الوجه الأول: ارتباط الحسن والقبح العقلي بالاختيار 155
نقض المحقّق الأصفهاني على الآخوند 157
الوجه الثاني: كفاية الالتفات الى اختيارية الفعل 165
ــــــــــ[419]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الوجه الثالث: عدم اختيارية الفعل المتجرى به 168
الوجه الرابع: لزوم ارتفاع الواقع بسبب التجري بالقبيح 173
المقام الثالث: في استحقاق العقاب على الفعل المتجرّى به 175
الوجه الأوّل 177
الوجه الثاني 180
الوجه الثالث 181
الكلام في التنبيهات 184
التنبيه الأوّل: في التجرّي بلحاظ مخالفة الحجّة الشرعيّة 184
التنبيه الثاني: في النسبة بين الجهة لواقعيّة لقبح الفعل والمتجرّى به 187
التنبيه الثالث: في ثمرة بحث التجرّي 193
الكلام في تقسيم القطع إلى القطع الطريقي والموضوعي 199
أقسام القطع الموضوعي 201
الإشكال على أخذ القطع الموضوعي على وجه الصفتية 203
ما ورد في الكفاية جواباً عن الإشكال 203
البيان الأوّل 204
البيان الثاني 205
بيانان في تصوير تقسيم القطع الموضوعي 212
البيان العرفي 212
البيان الدقي 214
ــــــــــ[420]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
الكلام في قيام الأمارات والأصول مقام القطع 221
المقام الأوّل: في قيام الأمارات والأصول مقام القطع الطريقي الصرف 222
الشبهة والإشكال في ذلك 223
كلمات المحقق النائيني في جواب الشبهة 232
ما ذكره المحقّق العراقي 233
الوجه الأوّل 233
الوجه الثاني 239
البيان المختار 241
المقام الثاني: في قيام الأمارات والأصول مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الطريقيّة 250
بيان صاحب الكفاية لعدم وفاء الدليل اللفظي بذلك 251
المقدّمة الثانية 253
المقدّمة الثالثة 254
مناقشة صاحب الكفاية في بيانه 257
ما ينبغي أن يقال في مقام حلّ الإشكال 266
تعقيب صاحب الكفاية 271
اشكال على الآخوند 291
إعادة وتوضيح لما سبق 297
البحث الأوّل: في تنجز الواقع بغير الحكم التكليفي 304
ــــــــــ[421]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
المسلك المختار 307
مبنى الطريقيّة للميرزا 310
البحث الثاني: ثبوت السنة الحجّيّة بحسب مقام الثبوت 317
البحث الثالث: في تحقيق عدم وفاء الأدلّة بأيّ لسان معيّن في المقام 328
المقام الثالث: قيام الأمارة مقام القطع الطريقي والموضوعي معاً 332
الكلام في نفسه 332
الجهة الأولى: الكلام في المقدّمة 336
الجهة الثانية: في تفرّع الكلام على المقدّمة 337
حجّيّة الأخبار غير الواردة في باب الأحكام 341
ثمرة البحث 341
هل قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي ينتج الحكومة الواقعيّة 345
من ثمرات هذه النكتة 347
هل تقوم الأمارة مقام القطع في إثبات آثار القطع 349
قيام الأُصول مقام القطع 350
المقام الرابع: في أقسام القطع الموضوعي 352
أوّلاً: أخذ القطع بحكم في موضوع مخالفه 353
ثانياً: أخذ القطع بالحكم في موضوع ضده 353
ثالثاً: أخذ القطع بالحكم في موضوع مثله 354
ما استدلّ به على استحالة أخذ القطع بالحرمة في موضوع الحرمة 357
ــــــــــ[422]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6
رابعاً: أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه 362
ضرورة البحث في أخذ القطع بالحكم في موضوع شخصه شرطاً ومانعاً 372
البحث الأول: أخذ القطع بالحكم في موضوع شخصه شرطاً 372
تنقيح المهرب وجعل الحكم على الجاهل 378
الوجه الأوّل: هو التفكيك بين الجعل والمجعول. 379
الوجه الثاني: هو أخذ العلم بالإبراز في موضوع الـحكم الـمبرز 382
الوجه الثالث: التمسّك بمتمّم الجعل 383
مناقشة الميرزا 384
المقام الأوّل: في الجعل الأوّل: 384
المقام الثاني: في الجعل الثاني المتمّم بالنسبة إلى الجعل الأوّل. 390
أخذ العلم بالحكم في موضوع شخصه مانعاً 399
في أقسام الظنّ 409
الفهرس 417
ــــــــــ[423]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج6