الجزء السابع
261
ص44 الصدر، محمد.
محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج7 (352ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1711/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1711) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
4-29-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
محاضرات
في
علم أصول الفقه
تقريراً لأبحاث
سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء السابع
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ويحتوي على:
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الكلام في وجوب الموافقة الالتزاميّة
ــــــــــ[13]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
كان الداعي إلى تنقيح هذا البحث، هو إبداء محذور في جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي فيما إذا لم يلزم منه مخالفة عمليّة.
فقد قيل: إنَّه في الموارد التي لا يلزم من جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي مخالفة عمليّة، بل بلحاظها إلى سنخ آخر من المخالفة، يسمّى: بالمخالفة الالتزاميّة. ومن هنا وقع الكلام في كون المخالفة الالتزاميّة على حدّ المخالفة العمليّة مانعاً عن جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي أو لا؟ وذلك من قبيل: موارد دوران الأمر بين المحذورين، كما لو علم بالوجوب أو الحرمة، وموارد العلم بغير الحكم الإلزامي، كما لو علم بطهارة أحد الإناءين مع اقتضاء الأُصول حكماً إلزاميّاً في كلّ منهما، كاستصحاب النجاسة وقد علم بارتفاع إحدى النجاستين، فالاستصحاب في المقام لا يؤدّي إلى المخالفة العمليّة؛ لأنَّ الطهارة ليس فيها موافقة عمليّة، حتّى يتصوّر في عدمها مخالفة عمليّة، بل ينحصر أمره بالمخالفة الالتزاميّة. وتنقيح محذوريّة المخالفة الالتزاميّة ينحصر في بحث وجوب الموافقة الالتزاميّة. ومن هنا وقع البحث في جهتين:
الجهة الأولى: في أصل وجوب الموافقة الالتزاميّة.
الجهة الثانية: في مانعيّة وجوب الموافقة الالتزاميّة على فرض الالتزام به
ــــــــــ[15]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
عن جريان الأُصول، فلو قيل بوجوبها، فهل يقال بكونه محذوراً عن جريان الأُصول، أو أنَّه لا مانع من جريان الأُصول، حتّى لو قيل بوجوب الموافقة الالتزاميّة؟
ــــــــــ[16]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وهي أنَّ الموافقة الالتزاميّة للحكم، بمعنى: عقد القلب عليه، وهي مرتبة زائدة على مجرّد التصديق والعلم، هل تكون واجبة أو لا؟ فتحقيق الكلام فيها: قد يدّعى في المقام وجوبها عقلاً بملاك التكليف الإلهي، بمعنى: أنَّ العقل يحكم بأنَّ التكليف الإلهي يُوجِد للمولى حقّاً في إطاعة هذا التكليف نفسيّاً وخارجيّاً، بحيث يكون مرجع هذا الوجه إلى دعوى توسعة دائرة وجوب الامتثال الذي هو حكم العقل في التكاليف الالزاميّة، بحيث تشمل النّفس والخارج، ففي الخارج بالإتيان بالامتثال، وجناناً بالالتزام بالوظيفة، فإذا فرض أنّ المدّعى هو هذا -أي: وجود الالتزام عقلاً بملاك توسعة دائرة التكليف- فمن المعلوم أنَّ هذا الوجوب العقلي ينحصر بتكاليف نفس الإنسان البعثيّة والزجريّة، ولا يشمل ما يكون تكليفاً للغير أو حكماً من الأحكام الترخيصيّة؛ لأنَّ المفروض أنَّ الوجوب العقلي هنا هو نفس وجوب الامتثال، غاية الأمر أن يُدّعى أنَّ له فردين جناني وخارجي.
وأخرى يقال بوجوب الالتزام عقلاً أيضاً كالأوّل، لكن لا بمعنى توسيع دائرة الامتثال، بل بمعنى: أنَّ للمولى حقّاً مستقلّاً على العبد في أن يلتزم بالحكم الصادر من المولى، فحقّ المولى هنا حقٌّ متعلّقٌ بكلِّ حكمٍ صدر عنه، حيث إنَّ
ــــــــــ[17]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الحكم صادرٌ من مولى له حقّ المولويّة، فيجب الالتزام به.
وهذا من المعلوم يشمل غير التكاليف من الأحكام الترخيصيّة، بل يشمل أحكام الغير أيضاً، فيجب أن يلتزم الرجل بما جعل المولى من أحكام المرأة؛ لأنَّها أحكام صادرة عنه.
وقد يراد بوجوب الالتزام الوجوب الشرعي، بمعنى: أنَّ الالتزام بالحكم بنفسه من الواجبات، فيكون في ضيقه وسعته تابعاً للجعل الشرعي والدليل الشرعي.
أمّا الوجوب العقلي بكِلا لحاظيه فالمتعارف في مقام إنكار هذا الوجوب المحتمل على إجماله -وإن لم يشقّق في كلماتهم- الاستشهاد بشهادة الوجدان في أنَّ العبد وإن لم يلتزم بأحكام مولاه، ولكنّه لم يخالفه خارجاً، فإنّه لا يستحقّ العقوبة، وشهادة الوجدان بذلك دليل على عدم وجود الوجوب العقلي الأوّل والثاني.
وهذا البيان إن أُريد به شهادة الوجدان في الموالي العرفيّة، فقد قلنا في أوّل بحث القطع(1): أنَّ هذا الباب لا يمكن الاستشهاد به في باب المولويّة الحقيقيّة؛ لأنَّ المولويّة في المجتمع كلّها مجعولة، ولما كانت مجعولة فما لها من الحقوق مجعولة أيضاً، فهي تدور مدار الجعل سعة وضيقاً، بخلاف مولويّة الواجب، فإنَّها لا يُعقل أن تكون مجعولةً، بل هي ذاتيّةٌ، وحينئذٍ فالاستشهاد بعدم إقتضاء المولويّة الذاتيّة حقّاً لعدم إقتضاء المولويّة الجعليّة ذلك الحقّ خلط بينهما، فقد
ــــــــــ[18]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أُصول الفقه 6: 59.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
يكون عدم إقتضاء المولويّة الحقّ من ضيق الجعل وكون المولويّة مجعولة بالنحو الضيق، وهو لا يلازم كون المولويّة الحقيقيّة ثابتة بالنحو الضيق.
إذن، فلا بُدَّ من التحويل على الوجدان في المولويّة الحقيقيّة، بأن يقال: إنَّ الوجدان في المولويّة الحقيقيّة يدرك في علاقات المولى الحقيقي بعبده، وإنَّه إذا لم يأت بما يخالفه، ولم يلتزم جناناً، فمثل هذا لا يستحقّ عقوبة، والمولى ليس له حقّ الإلزام عليه، ومثل هذا الوجدان تامٌّ ومرجعه في الحقيقة إلى دعوى ضيق في ما اسميّناه في أوّل بحث القطع: بحقّ المولويّة(1)، بحيث لا يشمل الالتزام وإنَّما يشمل العمل بحسب الخارج. إذن، فالوجوب العقلي ينبغي أن يدفع بالوجدان في خصوص المولويّة الحقيقة، لا بالقياس على المولويّة العرفيّة.
وأمّا من حيث الوجوب الشرعي فلا إشكال في أنَّه لم يقم دليل على وجوب الالتزام بكلِّ حكم، بل دلّ الدليل على وجوب تصديق أحكام الشريعة، وعلى وجوب الالتزام بالنبوّة.
أمّا وجوب تصديق الأحكام بعد فرض كونها أحكاماً صادرة عن النبي؛ فلأنّه ملازم لعدم التصديق بالنبوّة أو القول بكذبه، وأمّا الالتزام بنبوّته، بمعنى: عقد القلب والخضوع له، فهو بنفسه من أعظم الواجبات، ويستفاد وجوبه من الأخبار الواردة في العقائد والإيمان، وهو بحث فقهي صرف وباب تحقيقه في الفقه، إلَّا أنَّ وجوب ذلك أجنبي عن محلّ الكلام في الالتزام بكلِّ حكمٍ حكمٍ من أحكام الشريعة.
ــــــــــ[19]ــــــــــ
(1) انظر: محاضرات في علم أُصول الفقه 6: 59.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
والمستخلص من هذا وذاك: أنَّه لا دليل على وجوب الموافقة الالتزاميّة. وبعبارة أخرى أكثر تفصيلاً للجهة الأولى:
الجهة الأولى: وهي التكلّم في أصل وجوب الموافقة الالتزاميّة، وهذا الوجوب المدّعى يتصوّر على أنحاء:
النحو الأوّل: يكون المدّعى وجوبها وجوباً عقليّاً بملاك توسعة دائرة امتثال التكليف، بمعنى: أن يُدّعى أنّ الالتزام بالتكليف يكون شرطاً مقوّماً في امتثال التكليف واسقاطه على حدّ مقوّميّة قصد القربة في الامتثال في باب العبادات، فإنَّه هناك يكون قصد القربة النفساني مقوّما لامتثال الأمر العبادي، بحيث لا يسقط خارجاً إلَّا بالإتيان بالعمل مع قصد القربة، وكذلك في المقام يُدّعى أنَّ الالتزام والانقياد نحو الحكم والتسليم النفساني له يكون شرطاً في امتثال التكليف وفي سقوطه بالإتيان بمتعلّقه، فالتكليف سواء كان تعبّديّاً أو توصّليّاً لا يسقط بالعمل خارجاً مالم ينضمّ إلى العمل حالة نفسانيّة تجاه التكليف، وتلك الحالة هي التي ينتزع منها عنوان الخضوع والتسليم والانقياد وأمثالها من العناوين الثانويّة.
وبناءً على هذا فيختصّ وجوب الالتزام المدّعى بخصوص الأحكام التكليفيّة المتوجهة للشخص، ولا تشمل الأحكام الترخيصيّة والأحكام المتوجّهة لغيره؛ لأنَّ المفروض أنَّ وجوب الالتزام من باب تتميم امتثال التكليف، وأنّه شرط في إسقاطه، فحينئذٍ ففيما لا يكون فيه جهة بعث وإلزام لا يتصوّر فيه وجوب الموافقة الالتزاميّة بهذا المعنى؛ إذ ليس فيه امتثال، حتّى
ــــــــــ[20]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
يقال: إنَّه يشترط فيه انضمام الالتزام النّفسي إليه. إذن، فيختصّ الوجوب ببعض الأحكام التكليفيّة، كقصد القربة في باب العبادات.
النحو الثاني: يكون المدّعى وجوبها وجوباً عقليّاً بملاك مستقلّ غير ملاك وجوب امتثال التكليف، وغير ملاك حقّ الطّاعة الذي يرجع إلى حكم العقل بوجوب الامتثال، فإنَّ وجوب الامتثال سواء كان جارحيّاً أو جانحيّاً يرجع إلى حقّ الطاعة، وهنا يُدّعى أنَّ الموافقة الالتزاميّة واجبة لا بملاك حقّ الطاعة، فإنَّ حقّ المولى على عبده لا ينحصر بهذا الحقّ، فهنا يُدّعى أنَّ الالتزام واجب بملاك حقّ آخر غير حقّ الطاعة، وهو حقّ تعظيم أحكام المولى في نفسها، فإنَّ للمولى حقّاً على عبده أن يُعظّم أحكامه بالانقياد لها والخضوع ونحوه، وهناك فرقان بينهما:
الفرق الأوّل: أنَّ هذا الوجه يمكن تتميمه حتّى في غير التكاليف، بل في سائر أحكام المولى، فإنَّه كما أنَّ من حقّ المولى على العبد أن يُعظّم أحكامه التكليفيّة، كذلك من حقّه عليه أن يُعظّم سائر أحكامه المجعولة في حقّه وفي حقّ غيره، فملاك الوجوب العقلي في هذا الوجه أوسع من الوجه الأوّل، كما هو واضح.
الفرق الثاني: أنَّ الوجوب في الوجه الأوّل هو وجوب مرجعه إلى حكم العقل بوجوب امتثال التكليف؛ لأنّا فرضنا أنّ الامتثال لا يكون إلَّا بالإتيان بالعمل خارجاً مع الالتزام به نفساً، ومن المعلوم أنَّ حكم العقل بوجوب الامتثال إنّما هو فيما تمّ فيه ملاك التنجيز من الأحكام الإلهيّة، وخرج من
ــــــــــ[21]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان المشهوريّة وتبدّل اللابيان بالبيان، وهو الذي يحكم العقل بوجوب امتثاله، والذي يحتاج إلى ركن عملي خارجي وركن نفسي، وأمّا الشيء الذي لم يصل ولم يتنجّز من التكاليف فهذا لا تجب موافقته الالتزاميّة عقلاً، كما لا تجب موافقته العمليّة عقلاً.
وأمّا الوجه الثاني -وهو الحكم بوجوب الالتزام عقلاً بملاك حقّ آخر للمولى، وهو حقّ التعظيم مثلاً- فإنَّ من يدّعي هذا المطلب يمكن أن يدّعيه على وجهين، فكما يمكن أن يقال: إنَّه مخصوص بما علم من تكاليف المولى، يمكن أن يقال: إنَّه موجود حتّى فيما احتمل من تكاليفه.
النحو الثالث: وهو وجوب الالتزام شرعاً لا عقلاً، وأنَّ هذه الحالة النّفسيّة من الواجبات الشرعيّة، وبناءً عليه فالملاك سعةً وضيقاً من جميع الجهات تابع لدليله. هذه هي الوجوه المتصوّرة في المقام.
أمّا الوجه الأوّل، بمعنى: كون الالتزام دخيلاً ومقوّماً للامتثال على حدّ مقوّميّة قصد القربة في الأمور العباديّة، فهذا مّما لا معنى له، فإنّ حكم العقل بمقوّميّة الالتزام أو قصد القربة ليس جزافاً، وإنَّما يحكم العقل بالشرطيّة بملاك لا محالة، وهذا الملاك إمّا دخوله تحت الخطاب أو دخله غرضاً مع عدم إمكان أخذه خطاباً، كما هو الحال في قصد الأمر بناءً على المشهور، وكما هو الصحيح من عدم إمكان أخذه في الخطاب، ولكنّه دخيل في تحقّق الغرض، فالعقل يحكم بوجوبه تحقيقاً للامتثال.
وكلاهما في المقام غير ثابت، فأمّا أخذه خطاباً فواضح، وأمّا أخذه ملاكاً
ــــــــــ[22]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فهو من الأشياء التي لم يقم عليه دليل، إن لم نقل القطع بالعدم.
وعلى فرض الشكّ، فإمّا أن يقال بإمكان أخذه خطاباً فيتمسّك بإطلاق الخطاب في نفسه، وإمّا أن يقال بعدم إمكان أخذه فيكون مجرى للبراءة.
وأمّا الوجه الثاني للوجوب -وهو الوجوب العقلي بملاك مستقلّ- فيرد عليه وعلى الوجه الأوّل وجه مشترك، وهو مخالفته للوجدان كما ذكر الأعلام، فإنّهم ذكروا -كما في الكفاية(1)– أنَّ العقل حاكم بأنَّ الشخص إذا لم يخلّ بالوظيفة العمليّة مع عدم الالتزام نفسيّاً فهو لا يستحقّ العقاب عقلاً، وهذا الوجدان ينبغي أن يراد به الوجدان المحكّم في إدراك الروابط الحقيقيّة بين المولى الحقيقي والعباد، لا بين الموالي العرفيّين، لما سبق أن قلناه: من أنَّ قياس المولويّة الحقيقيّة على العرفيّة غلط؛ لأنَّ كلّ مولويّة غير حقيقيّة بالبرهان منتهية إلى الجعل. إذن، فاقتضاءها لشيء يدور مدار سعة جعلها وضيقه، واقتضاءها لهذا الشيء لا يبرهن على اقتضاء المولويّة الحقيقيّة له، فإنّها ليست مولويّة جعليّة، وإنَّما هي مولويّة ذاتيّة.
وأمّا الوجه الثالث -وهو وجوب الالتزام شرعاً- فهذا يتوقّف على وجود دليل شرعي، ولم يقم دليل على وجوب الالتزام بالأحكام، وإنَّما دلّ الدليل على وجوب الالتزام بنفس النبوّة، وأنَّه لا يكفي التصديق بها والقطع بصدقها، ولا العزم على تطبيق أحكامها، بل المستظهر من الأخبار هو وجوب وجود حالة في النّفس بالنسبة إلى النبوّة، تلك الحالة التي يُنتزع منها الخضوع والانقياد، لكنّ
ــــــــــ[23]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: ٢٦٨.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
هذا يتمّ بالنسبة إلى النبوّة والإمامة، لا بالنسبة إلى الأحكام الشرعيّة، فإنّه لم يدلّ دليل على وجوب الالتزام بها.
نعم، يجب تصديقها، ويجب القطع بأنَّها حكم إلهي، وإلَّا كان إنكاراً لنبوّة رسول الله، فاتّضح عدم وجوب الموافقة الالتزاميّة.
ولعلّ هذا الاستخدام للضمير باستعماله في مورد وإرجاعه إلى مورد آخر أوجب شيئاً من التعقيد، ورفعاً لهذا التعقيد نقول: إنَّ الوجوب -الذي نظّر المشهور إليه للموافقة الالتزامية إثباتاً ونفياً- ليس هو بمعنى أيّ واحد من الوجوه الثلاثة السابقة من هذه الجهة.
أمّا أنَّ هذا الوجوب ليس بالمعنى الثالث فهو واضح؛ لأنَّ صريح كلامهم أنَّه وجوب عقلي من شؤون تنجّز التكليف، وهو يستتبع حكم العقل بوجوب الموافقة الالتزاميّة، كما يستتبعه بوجوب الموافقة العمليّة.
وكذلك ليس نظرهم إلى الوجه الأوّل العقلي، والذي كان عبارة عن أنَّ الالتزام يكون واجباً بحكم العقل على وجه وجوب قصد القربة في العبادات، فإنَّه كما قلنا في قصد القربة: إنَّه لا يمكن أخذه في متعلّق الأمر خطاباً، وإنَّما هو دخيل غرضاً، فالعقل يحكم بوجوب الاتيان بالعمل مع قصد القربة ايفاءً للغرض، فهو واجب مولوي في مرحلة الغرض لا في مرحلة الأمر والخطاب، فهنا أيضاً يقال: إنَّ الالتزام دخله في الغرض المولوي كدخل قصد القربة، وليس هذا مراد المشهور؛ وذلك لصريح كلام المحقّق الخراساني(1) في مقام
ــــــــــ[24]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: ٢٦٨.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
إبطال وجوب الموافقة الالتزاميّة؛ وذلك لأنَّ العقل الحاكم بالوجدان بأنَّ الالتزام ليس واجباً، وأنَّ العبد إذا أتى بالعمل من دون التزام، فإنَّه يكون مطيعاً ومستحقاً للثواب وغير مستحق للعقاب.
وهذا الكلام صريح منه: بأنَّ مراده ليس هو الوجه الأوّل؛ إذ لو أريد ذلك الوجه لما كان هناك معنى لبيان نفيه بدعوى حكم العقل بذلك، فإنَّ مرجع الوجه الأوّل هو أنَّ الالتزام دخيل في غرض المولى، وكونه دخيلاً في الغرض ليس من المستقلّات العقليّة التي يحكم بها العقل، فوجوب الموافقة الالتزامية التي يدخل في الغرض على حدّ قصد القربة لا مجال فيه للعقل أن يحكم بنفيه، فإنَّه ليس للعقل أن يحكم على أغراض المولى.
وكذلك ليس مراد صاحب الكفاية من وجوب الموافقة الالتزامية هو الوجه الثاني العقلي، بمعنى: أنَّ الالتزام واجب بمقتضى حقّ آخر زائد على حقّ الطاعة؛ وذلك لأنَّه صرّح في مقام بيان وجوبها: أنَّه يكون للتكليف موافقتان بحيث إنَّ المكلّف لا يتخلص من تبعة التكليف إلَّا بالعمل خارجاً والالتزام جناناً، فوجوب الالتزام هنا ليس بملاك مستقلّ غير مربوط بالتكليف الأوّل، وإنَّما هو من تبعات التكليف.
وعليه: فيراد به حينئذٍ هذا المعنى: أنَّ العقل الذي يحكم بدخول التكليف حين تنجّزه في عهدة المكلّف يحكم بأنَّ دخوله في عهدته حين تنجّزه عليه إنَّما هو بلحاظ وجوب الموافقة عملا، وبلحاظ وجوب الموافقة الالتزاميّة، بمعنى: أنَّ الحكم الصادر من المولى لا بُدَّ من وجود موافقة عمليّة وموافقة اعتقاديّة،
ــــــــــ[25]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فالعقل يحكم بتنجّز التكليف ووقوعه في العهدة بلحاظ كلا الأمرين، فوجوب الموافقة في لوح العمل ووجوب الموافقة في لوح النفس، فوجوب الموافقة العمليّة والموافقة الالتزاميّة كلاهما بملاك واحد، فإنَّه يلزم على المكلّف أن يطبّق عمله على طبق التكليف واعتقاده أيضاً، فإذا قصّر في أحدهما أخلّ بحقّ الطّاعة واستحق العقاب. هذا هو مراد صاحب الكفاية في المقام، وهو مراد المشهور. ومرجعه ليس إلى الوجه الأوّل؛ فإنَّه ينطبق على التوصليّات أيضاً، ولا إلى سائر الوجوه.
نعم، بعض الأحكام ليس لها عمل، بل لها التزام فقط، وهي غير الأحكام الباعثيّة والزجريّة، فإنَّه لا معنى لتطبيق العمل عليها، وإن شئنا قلنا: إنَّ انطباق العمل عليها قهري، فلا معنى لهذا الأثر عليها، فينحصر أثرها بتطبيق الالتزام النفساني عليها. ومن هنا كان الوجه المشهوري لا يختصّ بالتكليف، بل يعمّ سائر الأحكام. ومن هنا صحّ التمثيل بالإناءين المستصحبين النجاسة الذي علم بطهارة أحدهما، مع أنَّ الطهارة ليس حكماً الزاميّاً.
ــــــــــ[26]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
بعد التنزّل عمّا ذكرناه في الجهة الأولى، وفرض وجوب الموافقة الالتزاميّة، فهل يكون هذا الوجوب مانعاً عن جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي إذا لم يلزم منه مخالفة عمليّة أو لا؟
وتقريب مانعيّة وجوب الالتزام عن جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي، فإنّه لا ينبغي أن يكون بما هو ظاهر كلام السيّد الأُستاذ في الدراسات(1) من التعارض والتنافي بين إجراء الأُصول في أطراف العلم الإجمالي مع الالتزام بالحكم الواقعي، بأن يقال: إنَّ المكلّف إذا أجرى عدم الوجوب والحرمة في صورة دوران الأمر بين المحذورين، فكيف يُعقل منه الالتزام بالوجوب أو الحرمة؟! فإنَّه من الالتزام بما نفاه؛ إذ النفي مع الالتزام بالواقع المنفي متنافيان وضدّان، فلا يمكن اجتماعهما خارجاً.
وليس هذا هو وجه مانعيّة المنافاة عن جريان الأُصول؛ لأنَّه يكفي في صحّة جريانها أن يقال: لا منافاة بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري بعد أن
ــــــــــ[27]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول ٣: 70.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
تصوّرنا ردّاً لشبهة ابن قبة، فكذلك لا منافاة بين الالتزام بهما، فإنَّه إذا أمكن اجتماع الحكم الظاهري والحكم الواقعي فأيّ محذور من الالتزام بالنفي الظاهري مع الالتزام بالمنفي الواقعي، إذا فُرض أنَّهما يجتمعان كلّ في رتبته من دون تنافي.
وعليه: كان الأحسن في تقريب صورة المانعين بأنّ جريان الأُصول يؤدّي إلى نفي وجوب الالتزام، لا إلى استحالة وقوع الالتزام خارجاً، وذلك بأن يقال: إنَّ وجوب الالتزام مترتّب على ثبوت الحكم؛ لأنَّه التزام بالحكم الصادر عن المولى، فنسبة وجوب الالتزام إلى الحكم نسبة الحكم إلى موضوعه، فحينئذٍ إذا أجريت الأُصول العمليّة ونفينا بها هذا الحكم الصادر من المولى فلا محالة يترتّب عليه نفي وجوب الالتزام، مع أنّنا نعلم إجمالاً بوجوب أحد الحكمين الصادرين، وهذا العلم الإجمالي يؤدّي إلى وجوب الالتزام بأحد الحكمين؛ إذ المفروض أنَّ كلامنا على القول بوجوب الالتزام، فجريان الأُصول يؤدّي إلى التعبّد بعدم وجوب ما هو معلوم الوجوب، وهو غير معقول؛ لأنَّه ترخيص في تركه، والترخيص في ترك الواجب ترخيص في المعصيّة.
وبعبارة أخرى أكثر تفصيلاً للجهة الثانية:
يقع الكلام في أنَّ وجوب الالتزام هل يكون مانعاً عن جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي أو لا؟
وكلمات الأُصوليين في تقريب المانعيّة لا تخلو من تشويش أدّى إلى تشويش في الإشكالات التي وجّهت إلى المانعيّة.
ــــــــــ[28]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وما ينبغي أن يقال في تقريبها: هو أنَّ تقريب مانعيّة وجوب الموافقة الالتزاميّة وحرمة المخالفة الالتزاميّة عن جريان الأُصول، سنخ ملاك وجوب الموافقة العمليّة وحرمة المخالفة العمليّة في منعها عن جريان الأُصول، فكما يقال: من أنَّ جريان الأُصول في تمام أطراف العلم الإجمالي يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة العمليّة القطعيّة للتكليف المعلوم بالإجمال، فسنخ هذا يجري في المقام في مانعيّة الموافقة الالتزاميّة عن جريان الأُصول في تمام أطراف العلم الإجمالي، فإنَّ جريان الأُصول النافيّة في تمام الأطراف، مع العلم بجامع الإلزام إجمالاً، فإنَّ الأُصول إذا جرت تؤدّي إلى الترخيص في ترك الموافقة الالتزاميّة في كلّ من الوجوب والحرمة عملاً والتزاماً، فجريانها يؤدّي إلى المخالفة الالتزاميّة، وهو محال كالمخالفة العمليّة بناءً على وجوب الموافقة الالتزاميّة، فالمانعيّة المدّعاة أو المتصوّرة في المقام هي بملاك كون جريانها في تمام الأطراف مؤدّياً إلى الترخيص بالمخالفة الالتزاميّة، لا أنَّ وجه المانعيّة هي أنَّ جريان الأُصول في تمام الأطراف يؤدّي ترك الالتزام بحسب الخارج، كما عن السيّد الأُستاذ(1) بدعوى أنَّ المكلّف بعد تعبّده بنفي الوجوب وبنفي الحرمة بالأصل لا يمكن الالتزام بهما، فإنَّه كيف يلتزم بشيء تعبّد بنفيها، وهذا معناه أنَّ جريان الأُصول يؤدّي إلى وقوع المخالفة الالتزاميّة لا إلى الترخيص فيها.
إلَّا أنَّه غير صحيح، فإنَّه من المعلوم أنَّ جريان الأُصول لا يؤدّي إلى ترك الالتزام بحسب الخارج؛ إذ لا مانع من النفي ظاهراً والالتزام بالحكمين واقعاً،
ــــــــــ[29]ــــــــــ
(1) انظر: الهداية في الأُصول 3: 374.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فإنَّه كما لا تنافي بين الحكم الظاهري والواقعي جعلاً كذلك لا تنافي بينهما التزاماً، فيلتزم بالنفي الظاهري وبالنفي الواقعي. إذن، لا بُدَّ من تساقط الأُصول وعدم جريانها في تمام الأطراف.
وهذه المانعيّة غير تامّة، سواء كان وجوب الالتزام ثابتاً بالملاك الأوّل أو الثاني أو الثالث.
أمّا على الملاك الأوّل فيما إذا قلنا بوجوب الالتزام وجوباً عقليّاً من باب كونه مقدّمة للامتثال وتوسعة لدائرته، بحيث كان للتكليف الواقعي المولوي اقتضاءان، اقتضاء للعمل واقتضاء للالتزام، ولا يتمّ امتثاله ولا يسقط أمره إلَّا بالجمع بينهما، فحينئذٍ لا تتمّ المانعيّة، فإنَّ هناك نكتةً في الفرق بين الموافقة الالتزاميّة والموافقة العمليّة، فإنَّ جريان الأُصول في تمام الأطراف الذي يمكن مخالفته العمليّة يؤدّي إلى الترخيص بالمخالفة العملية، إلَّا أنَّ جريان الأُصول فيما لا يمكن مخالفته العملية لا يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة الالتزاميّة للفرق بين باب الإلزام وباب العمل.
ولتوضيح ذلك لا بُدَّ من الإشارة إلى المبنى في باب مانعيّة الموافقة العمليّة في تنجيز العلم الإجمالي، فإنَّ في باب العلم الإجمالي الذي يمكن موافقته ومخالفته العمليّة رأيين ومسلكين للقائلين بعدم جريان الأُصول في تمام أطراف العلم الإجمالي:
المسلك الأوّل: مبني على القول بالاقتضاء: أنَّ العلم الإجمالي مقتضٍ للموافقة القطعيّة وليس علّة تامّة له، وإنَّما هو علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعيّة فقط، الذي هو مسلك الميرزا.
ــــــــــ[30]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
والمسلك الآخر: مبني على العلّيّة، وأنَّ العلم الإجمالي علّة لوجوب الموافقة القطعيّة زائداً على علّيته في حرمة المخالفة القطعيّة.
وتقريب عدم جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي من ناحية أدائه إلى المخالفة العمليّة يختلف باختلاف المسلكين، فإنَّ القائلين بمسلك الاقتضاء يذهبون إلى أنَّ العلم الإجمالي ليس موجباً لتنجز أيّ طرف من الأطراف؛ لأنَّه ليس علماً لا بهذا الطرف ولا بهذا الطرف، والعلم لا ينجّز إلَّا متعلّقه، والعلم الإجمالي لم يتعلّق لا بهذا بخصوصه ولا بهذا بخصوصه، وإلَّا لانقلب العلم الاجمالي إلى علم تفصيلي، وإنَّما تعلّق العلم الإجمالي بالجامع بين الأمرين، فالمقدار المعلوم هو الجامع بين الظهر والجمعة، وإن كان الثابت في الواقع إحدى الخصوصتين، إلَّا أنَّ المعلوم للمكلّف والذي يجب موافقته عليه هو الجامع.
وحينئذٍ فالأُصول الجارية في الأطراف إن فُرض أنَّها جرت في أحد الطرفين دون الطرف الآخر، وكان هذا أمراً معقولاً لا بأس به؛ لأنَّ تنجّز وجوب الالتزام بمقدار الجامع لا ينافي الترخيص في هذا الفرد، فإنَّه يمكن للمكلّف تطبيق الجامع على الفرد الآخر.
وأمّا جريان الأُصول في تمام الأطراف فهو غير معقول؛ لأنَّ الأصل الجاري في هذا الطرف يقتضي الترخيص في ترك الظهر، والأصل الجاري في ذاك الطرف يقتضي الترخيص في ترك الجمعة، والترخيص في تركهما معاً مساوق لعدم الاتيان بالجامع، ومن هنا كان جريان الأُصول في تمام الأطراف يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة العمليّة للمقدار المعلوم بالإجمالي وهو الجامع.
ــــــــــ[31]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وأمّا جريانها في طرف دون طرف فلا بأس به لو دلّ عليه دليل، إلَّا أنَّه لم يدلّ عليه دليل، فيكون ترجيحاً بلا مرجّح، فيكون باطلاً إثباتاً لا ثبوتاً. وهذا أحسن تنقيح على القول بالاقتضاء.
أمّا على القول بالعلّيّة -لا أنَّ العلم الإجمالي ينجّز الواقع ابتداءً كما عن المحقّق العراقي(1)– فحينئذٍ يمتنع جريان الأُصول في تمام الأطراف من ناحية كونه مؤدياً إلى الترخيص في مخالفة ذلك الواقع، ومن هنا قال بعدم معقولية جريان الأصل في طرف واحد فضلاً عن الطرفين؛ لأنَّه يؤدّي إلى الترخيص فيما يحتمل أنَّه الواقع المنجّز، وهو أيضاً محال كالترخيص في الواقع المنجّز نفسه.
وفي محلّ الكلام: فرضنا أنَّ العلم الإجمالي بالوجوب أو الحرمة ليس له موافقة أو مخالفة عمليّة، فنريد أنَّ نرى أنَّ وجوب الموافقة الالتزاميّة وحرمة المخالفة الالتزاميّة هل تكون مانعاً عن جريان الأُصول في تمام الأطراف أو لا؟
أمّا على القول بالاقتضاء، فهناك فرقٌ بين الالتزام والعمل، فإنَّ جريان الأُصول في تمام الأطراف، لو سُلّم أنَّه يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة العمليّة بمقدار الجامع المنجّز بالعلم، فلا يُسلّم أنَّه يؤدّي إلى المخالفة الالتزاميّة لمقدار الجامع، فإنَّ القول بالاقتضاء يقتضي أنَّ المقدار المنجّز بالعلم الإجمالي هو الجامع، فالشيء الذي يجب موافقته عملاً والتزاماً هو مقدار الجامع، فهنا عندنا أمران واجبان بالنسبة إلى الجامع: الموافقة العمليّة والموافقة الالتزاميّة، أمّا الموافقة العمليّة له فهو الاتيان بالجامع، والجامع ينحصر أمره خارجاً إمّا في
ــــــــــ[32]ــــــــــ
(1) انظر: المقالات 2: 87، ونهاية الأفكار 3: 307 – 310.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ضمن الظهر أو الجمعة، فلا يُتصوّر ايجاده في معزل عن الفردين؛ لأنَّ الكلّي الطبيعي لا يكون خارجاً عن أفراده، فإذا تعبّدنا المولى بالأُصول النافية في تمام الأفراد ورخص بتركها جميعاً، فهو مساوق للترخيص في ترك الجامع.
وأمّا الموافقة الالتزاميّة للتكليف بالجامع، فهذا لا يكون بالالتزام بهذا الفرد أو بهذا الفرد، فإنَّ الموافقة الالتزاميّة للجامع يمكن أن توجد في قبال الالتزام بالأفراد، فإنَّ الجامع بصفته أمراً نفسانيّاً يمكن أن يقف على الجامع ولا يسري إلى الأفراد، كالعلم الذي وقف على الجامع ولم يسر إلى الخصوصيّات، فالالتزام بالجامع ليس معناه الالتزام بالفرد بعنوانه.
إذن جريان الأصل في هذا الطرف يؤدّي إلى الترخيص بالمخالفة الالتزاميّة بالجمعة، ووجهه: بأنَّه في ذاك الطرف يؤدّي إلى الترخيص بالمخالفة الالتزاميّة في الظهر، إلَّا أنَّ ضمّ عدم الالتزام بهذا الحكم إلى عدم الالتزام بذلك الحكم ليس معناه عدم الالتزام بالجامع؛ لأنَّ الجامع يمكن أن يوجد في قبال الفردين، بخلاف عدم الاتيان بالجامع، فإنَّه تنزلاً على قول المشهور يؤدّي إلى الترخيص بترك كلا الفردين.
فظهر أنَّه بناءً على أنَّ المقدار المنجّز بالعلم الإجمالي هو وجوب الجامع، فيُعقل جريان الأُصول في تمام الأطراف، ولا يؤدّي إلى الترخيص بالمخالفة الالتزاميّة لمقدار الجامع الذي ثبت تنجزه؛ لأنَّ الترخيص بمخالفة كلّ منهما ليس مساوقاً للترخيص بالجامع، بخلاف المخالفة العمليّة في الأفراد، فإنَّه مساوق للمخالفة العمليّة للجامع.
ــــــــــ[33]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وأمّا على القول بالعلّيّة فلا محالة يكون الأصل الجاري في كلّ منهما مرخصاً في المخالفة الالتزاميّة الواجبة فهذا المطلب -أي: استلزام جريان الأُصول في تمام الأطراف للترخيص بالمخالفة الالتزاميّة- بناءً على وجوب الموافقة الالتزاميّة بالملاك الأوّل إنَّما يكون له صورة على القول بالعلّيّة، لا على القول بالاقتضاء، فإنَّه بناءً عليه لا مجال القياس الموافقة الالتزاميّة على الموافقة العمليّة.
أمّا أصل تقريب المانعيّة فهو كما قلنا ينبغي أن يقرب على حدِّ تقريب مانعيّة الموافقة العمليّة عن جريان الأُصول، حيث يقال: إنَّ جريان الأُصول في تمام الأطراف يؤدّي إلى الترخيص في ترك الموافقة الالتزاميّة، وهي معصيّة في حكم العقل، فيكون الترخيص بها قبيحاً عقلاً، كما يقال: إنَّ جريان الأُصول يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة العمليّة، فيكون قبيحاً.
لا بتقريب: أنَّ جريان الأُصول في تمام الأطراف يؤدّي إلى وقوع المخالفة الالتزاميّة خارجاً، كما وقع في الدراسات(1).
فنتكلّم أوّلاً في إبطالها على هذا الوجه المشهور في وجوب الموافقة الالتزاميّة وكان حاصله: أنَّ وجوب الموافقة الالتزاميّة معناه أنَّ التكليف حينما يتنجّز ويدخل في عهدة المكلّف يكون بلحاظ أمرين: بلحاظ وجوب الموافقة عملاً ووجوب الموافقة التزاماً في عرض واحد.
ــــــــــ[34]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 71، وجوب الموافقة الالتزاميّة.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
حينئذٍ نقول: إنَّ المانعيّة غير تامّة هنا، بناءً على ما هو الصحيح من عدم علّيّة العلم الإجمالي، وكونه متعلّقاً بالجامع ومنجّزاً له على مسالك الاقتضاء للعلم الإجمالي.
وتوضيحه: أنَّ العلم تعلَّق بالجامع وهو المقدار الواصل والذي تنجّز بالعلم ودخل في عهدة المكلّف، وهو وجوب الجامع بين الفردين لا خصوص هذا الفرد أو ذاك؛ إلَّا أنّنا إذا أجرينا الأُصول النافية في كلا الفردين فيؤدّي إلى الترخيص في ترك هذا الطرف وذاك خارجا، وهذا الترخيص مساوق للجمع بين التركين، وهو يؤدّي بحسب مذاق المشهور في باب العلم الاجمالي إلى الترخيص بترك الجامع؛ لأنَّه موجود في أحد الفردين لا محالة، والمفروض أنَّ العلم الإجمالي نجّز الجامع فيجب موافقته العمليّة، وهي تتحقق بالاتيان به، فلا يمكن للمولى الترخيص بتركه.
إلَّا أنَّ هذا الوجه إذا تمّ في المخالفة العمليّة لا يتمّ في المخالفة الالتزاميّة، فإنَّ المقدار الداخل في عهدة المكلّف هو الجامع، فكما يجب بحسب حكم العقل الموافقة العمليّة بمقدار الجامع، كذلك يجب الموافقة الالتزاميّة، والموافقة الالتزاميّة للجامع يمكن أن تحصل بلا التزام بالطرفين؛ لأنَّ الالتزام يمكن أن يقف على الجامع ولا يسري إلى الخصوصيّات.
فالأُصول الجارية في الأطراف تكون ترخيصاً في المخالفة الالتزاميّة في الأطراف، إلَّا أنَّ الترخيص بترك الالتزام في كلّ طرفٍ طرفٍ لا يؤدّي إلى الترخيص في الجامع؛ لأنَّ الجامع يمكن أن يوجد بحياله في قبال الأطراف.
ــــــــــ[35]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
إذن، فهناك نكتة في الفرق بين مانعيّة الموافقة العمليّة ومانعيّة الموافقة الالتزاميّة، فإنَّ الترخيص بالمخالفة العمليّة يؤدّي إلى ترك الجامع؛ لأنَّ الجامع يوجد في أحد الفردين.
أمّا بالنسبة إلى الموافقة الالتزاميّة فيمكن أن تتعلّق بالجامع دون أن تسري إلى الأطراف، فلا يقال بالمانعيّة على هذا، فتقريب وجوب الموافقة الالتزاميّة على المعنى المشهوري بأن لا يقال بمانعيته لجريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي.
وبالنتيجة: أنَّ وجوب الموافقة الالتزاميّة عقليٌ صرفٌ توأمٌ مع وجوب الموافقة العمليّة، فهما ثابتان بملاك واحد وعلى موضوع واحد، وهو التكليف الواصل الثابت في عهدة المكلّف، وقلنا: إنَّه بناءً عليه يمكن أن يقال: بأنَّه لا بأس بجريان الأُصول ولا مانع من ناحية الالتزام فيه؛ لأنّا بعد أن فرضنا أنَّ الالتزام حكمٌ عقليٌ توأمٌ مع وجوب الموافقة العمليّة بعين ملاكه وموضوعه وهو التكليف الواصل. إذن، يجب الالتزام به وموافقته، وهذا هو المقدار الواصل لا المقدار المشكوك، والمقدار الواصل بالعلم الإجمالي هو مقدار الجامع لا الحصة الخاصّة، فالجامع هو الذي يجب موافقته عملاً وموافقته التزاماً، وجريان الأُصول يؤدّي إلى الترخيص في مخالفة كلّ طرفٍ طرفٍ، فالنسبة إلى المخالفة العمليّة، فإنَّ الترخيص في كلّ طرفٍ يؤدّي إلى الترخيص بمقدار الجامع؛ لأنَّ الإتيان به لا يكون إلَّا ضمن أحدهما.
أما بالنسبة إلى المخالفة الالتزاميّة، فإنَّ جريانها يؤدّي إلى الترخيص بترك
ــــــــــ[36]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الالتزام بذلك الطرف وهذا الطرف، وهو ليس مساوق لترك الالتزام بالجامع الذي هو الواجب موافقته بحكم العقل؛ لأنَّ الالتزام أمرٌ نفسانيٌ يمكن أن يقف على الجامع ولا يسري إلى الخصوصيّات.
إذن، جريان الأُصول في موارد دوران الأمر بين المحذورين إذا علم بالوجوب والحرمة -الذي هو محلّ الكلام- لا يؤدّي إلى الترخيص بالموافقة الالتزاميّة ليقال باستحالته. هذا كلّه على المبنى المشهوري.
ولنتكلّم في مانعيّة وجوب الالتزام بالنسبة إلى الوجوه الثلاثة:
أمّا الوجه الأوّل: وكان حاصله، هو أنَّ الالتزام يجب وجوباً شرعيّاً مولوياًّ، إلَّا أنَّه وجوبٌ شرعيٌ مولويٌ في عالم الغرض لا في عالم الخطاب؛ لأنَّ حال الالتزام حال قصد الامتثال، فكما لا يُعقل أخذه جزءاً أو شرطاً في الواجب لا يعقل أخذه خطاباً أيضاً، بل يؤخذ غرضاً.
وهنا بحسب الحقيقة مرجع هذا الوجه إلى أنَّ الالتزام واجب ضمن أيّ جزء في الواجب، غاية الأمر جزءه غرضاً لا خطاباً، والجزء الآخر هو العمل.
حينئذٍ هذا الالتزام الذي هو واجب ضمني إمّا أن يُقصد به الالتزام بخصوص ذلك الوجوب بخصوصه، أي: خصوص شخص هذا الحكم، وإمّا أن يُقصد به الالتزام بالمقدار الواصل من الحكم، فإنّه تارةً هكذا يفرض: أنَّ الحكم الإلهي بالوجوب تعلّق بمركب من أمرين: الفعل والالتزام بشخص هذا الوجوب، وأخرى يُفرض أنَّ الحكم الإلهي بالوجوب تعلّق بمركب من أمرين: الفعل والالتزام بالمقدار الواصل من هذا الوجوب، فإن كان واصلاً بنفسه فيلتزم به، وإن وصل بجامعه يلتزم بجامعه.
ــــــــــ[37]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فإن فُرض أنَّ الواجب الضمني هو الالتزام بشخص ذلك الحكم، فمعنى هذا أنَّه عند دوران الأمر بين المحذورين تكون المخالفة العمليّة القطعيّة ممكنة؛ لأنَّ مرجع العلم الإجمالي بالوجوب أو الحرمة إلى العلم الإجمالي بوجوب الفعل مع الالتزام بهذا الوجوب بشخصه أو حرمة الفعل مع الالتزام بشخص هذه الحرمة، ومن المعلوم أنَّ الإنسان يمكنه مخالفة هذا التكليف المعلوم بالإجمال، وذلك بأن يفعل مع الالتزام بالحرمة، فإن كان الفعل حراماً فقد فعل، وإن كان واجباً فالالتزام بشخص وجوبه واجب أيضاً، وهو قد التزم بالحرمة. إذن، فيدخل هذا العلم الإجمالي في أقسام العلم الإجمالي الذي يمكن مخالفته العمليّة القطعيّة، ولا تكون له مزيّة عليه، ولا إشكال من عدم جواز جريان الأُصول في تمام الأطراف؛ لأنَّه يؤدّي إلى جواز المخالفة القطعيّة.
وأمّا إذا فُرض أنَّ الواجب الضمني هو الالتزام بجامع الحكم، أي: المقدار الواصل، فحينئذٍ الواجب الضمني وهو الالتزام بالجامع معلوم الوجوب تفصيلا، سواء كان هو الوجوب أو الحرمة، فيعلم تفصيلاً أنَّ الواجب الضمني هو الالتزام بالجامع وليس مردّداً بين الوجوب والحرمة، وإنما يشك بأنَّ الطرف الآخر ما هو، هل هو الفعل أو الترك؟
فحينئذٍ لا بأس بجريان البراءة عن الوجوب الضمني للفعل والترك، ولا يلزم من ذلك المخالفة العمليّة القطعيّة؛ لأنَّه مع التزامه بجامع الإلزام فهو محتمل الموافقة والمخالفة، فلا يلزم من جريان الأُصول مخالفة قطعيّة، وأمّا أجزاء البراءة بنفس وجوب الالتزام فهو غير معقول؛ لأنَّه معلوم الوجوب تفصيلاً.
ــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وأمّا الوجه الثاني: وهو أن نفرض أنَّ وجوب الالتزام وجوب عقلي بملاك حقّ غير حقّ الطاعة، وهو حقّ مستقلّ بأن يلتزم بأحكامه.
وهذا الوجوب العقلي للالتزام موضوعه ما هو؟ إمّا أن يُفرض أنَّه التكليف بوجوده الواقعي سواء كان منجّزاً أم غير منجّز، أو أن يُفرض أنَّ موضوعه هو التكليف بوجوده المنجّز الداخل في عهدة المكلّف بأن يفرض في المرتبة السابقة تنجيز التكليف، ثُمَّ يُفرض حقّ الالتزام.
وأمّا فرض كون حقّ الالتزام في عرض منجّزيّة التكليف بمعنى: أنَّ الالتزام والعمل يثبتان بملاك واحد هو ملاك الوصول، فهو يرجع إلى الملاك المشهوري الذي تكلّمنا فيه. إذن، فلا يبقى لهذا الوجه إلَّا الفرضين الأوّلين.
فإن كان وجوب الالتزام بالمعنى الثاني، أي: موضوعه التكليف المفروغ من تنجيزه في المرتبة السابقة، فهذا الوجوب ليس له موضوع حتماً؛ لأنَّ التكليف المعلوم بالإجمال المردّد بين الحرمة والوجوب لا يعقل تنجزه مع قطع النظر عن الالتزام؛ لأنَّه في الرتبة السابقة عليه إنَّما يتنجّز بالعمل، وهو غير ممكن في المقام؛ لأنَّ المخالفة القطعيّة غير ممكنة، والمخالفة الاحتمالية ضرورية، فإذا استحال تعيّن التكليف في المرتبة المتقدّمة واستحال فرض الالتزام، ولم يكن له موضوع، وحينئذٍ فلا مانع لجريان الأُصول.
وأمّا إذا قلنا: إنَّ وجوب الالتزام موضوعه هو التكليف بوجوده الواقعي المحفوظ حتّى في مورد الشبهات البدويّة، فحينئذٍ موضوع هذا الوجوب ثابت الآن؛ لأنَّ الحكم بوجوده الواقعي ثابت بعد العلم الإجمالي بالوجوب أو
ــــــــــ[39]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الحرمة، إلَّا أنَّه مع هذا لا مانع من جريان الأُصول المؤمّنة والترخيصيّة في الأطراف؛ وذلك لما ذكرناه في بحث قيام الأمارات مقام القطع، وسيأتي في الجواب عن شبهة بن قبة(1) من أنَّ مرجع الانشاءات الظاهرية الترخيصيّة إلى إبراز أنَّ المولى يأبى من مخالفة تكليفه المشكوك، وأنَّ هذا التكليف لا يلقيه في عهدة المكلّف، فهي فقط للترخيص في مخالفة التكليف المشكوك، والمفروض في المقام أنَّ الالتزام ليس من شؤون عهدة التكليف، وإنَّما هو واجب عقلي آخر، ولا يكون للأصول المؤمّنة نظر إلى الواجبات العقليّة، وإنَّما هي إبراز أنَّ المولى لا مانع له من تفويت أغراضه حين الشك الذي هو رفع الاحتياط، فلو كان ترك الالتزام بوجوده الواقعي قبيحاً فليس للأُصول أيّ أثر في هذا القبيح، فإنَّ رفع الاحتياط شيء والترخيص في ترك حقّ المولى شيء آخر، فعلى الوجه الثاني أيضاً لا مانع من جريان الأُصول.
وأمّا على الوجه الثالث: وهو ما إذا قلنا: إنَّ وجوب الالتزام وجوب شرعي، فمرجع ذلك إلى أنَّه في موارد دوران الأمر بين المحذورين إذا علم بوجوب الفعل أو حرمته فهنا أحكام أربعة يعلم بوجوب واحد من كلّ اثنين منها، يعلم إجمالاً إمّا بوجوب الفعل أو حرمته، ويعلم إجمالا مترتّباً عليه إمّا بوجوب الالتزام بالوجوب أو الحرمة، ونسبة الالتزام إلى الوجوب نسبة الحكم إلى موضوعه، ونسبة الالتزام إلى الحرمة نسبة الحكم إلى موضوعه، وحينئذٍ فالأصل النافي لكلِّ من الطرفين: الوجوب والحرمة إن فرضناه أصلاً تنزيليّاً
ــــــــــ[40]ــــــــــ
(1) في المجلد القادم من هذه الدورة إن شاء الله تعالى.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ناظراً إلى تنزيل النفي منزلة النفي الواقعي، فهو إذن ناظر إلى نفي الوجوب ونفي جميع آثاره الشرعيّة التي منها الالتزام، وإذا كان غير ناظر إلى الواقع، فهو مجرّد وظيفة عمليّة لا نظر له إلى نفي الآثار الشرعيّة.
فاذا كان أصلاً غير تنزيلي كالإباحة والطهارة فهو لا ينفي وجوب الالتزام راساً، وإنَّما ينفي مؤداه الذي هو الوجوب والحرمة دون نفس الالتزام. نعم، لا يجرى البراءة في وجوب الالتزام بالوجوب والحرمة لأدائها إلى المخالفة العمليّة للعلم الاجمالي الثاني. وأمّا إذا فرض أنَّها كانت أصولاً تنزيليّة، أو قلنا: بأنَّ أصالة الاباحة والطهارة أيضاً أُصول تنزيليّة كما هو الظاهر. فبناءً عليه يترتّب على جريانها في أطراف الأحكام الشرعيّة للأصول، فأصالة البراءة من الوجوب يكون تعبّداً بإطلاقه بعدم وجوب الالتزام بالوجوب، وأصالة البراءة من الحرمة يكون بإطلاقها تعبّداً بعدم وجوب الالتزام بالحرمة.
فإذا انتهى الأمر إلى هذا، فيقال بسقوط الإطلاق لا بسقوط أصل الأصل، وهذا معنى ما سيأتي من أنّنا نُبعّض بلحاظ آثار الأُصول، فإنَّ كان هناك أصل يلزم من بعض آثاره مخالفة عمليّة ولا يلزم من بعضها الآخر ذلك، فنسقط الأصل من ناحية الأثر الذي يلزم منه المخالفة، ونقول بترتّب الأثر الذي لا يلزم منه ذلك، ووجهه: هو أنَّ المخالفة إنَّما ترتبت على آثار الأصل، وإنَّما هو بلحاظ إطلاق التنزيل في الأصل التنزيلي. إذن، فالإشكال في الإطلاق فنرفع اليد عنه، فأيضاً لا مانع من جريان الأصلين.
هذا تمام ما يمكن أن يقال في مانعيّة الموافقة الالتزاميّة عن جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي على الوجوه السابقة.
ــــــــــ[41]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وهذا الكلام المتقدّم ملاكه فرض تماميّة دليل وجوب الالتزام بأحد الملاكات السابقة ومقدار مانعيّة وجوب الالتزام عن جريان الأُصول إثباتاً ونفياً، بقطع النظر عن مسألة حرمة التشريع والمنافاة بين وجوب الالتزام وحرمة التشريع، بحيث يفرض أنَّ التشريع من حيث كونه تشريعياً لا محذور فيه.
إلَّا أنّنا الآن نريد أن نتكلّم في حال وجوب الالتزام بعد الالتفات إلى كون التشريع فيه محذور شرعاً وعقلاً، لنرى أنَّ وجوب الالتزام بعد تماميته ما يكون حاله لو قيس بمحذور التشريع.
وينبغي من باب المقدّمة أن يعلم أنَّ وجوب الالتزام موافقته ومخالفته القطعيّة لا تتمّ إلَّا بنحو التشريع؛ إذ الحكم الواقعي غير منجّز، بل مردّد بين الحرمة والوجوب، والمقدار الثابت وجوبه هو مقدار الجامع، وفي حدود هذا المقدار لا منافاة أصلا بين وجوب الالتزام وحرمة التشريع؛ لأنَّ الالتزام بالحكم الواصل ليس تشريعاً، فلا يبقى موضوع للكلام.
وإنّما تتحقق المنافاة إذا دلّ الدليل على وجوب الالتزام بالواقع لا الجامع، وكذلك لو فرض أنَّه دلّ على وجوب الالتزام بمقدار الجامع ولم نكتف به، وإنَّما قلنا إنَّ الموافقة الالتزاميّة لا بُدَّ أن تكون موافقة للأطراف في قبال ما قلناه من
ــــــــــ[42]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
أنَّ الالتزام بالجامع لا يلازم الالتزام بالأطراف، وعليه: لا منافاة بين وجوب الالتزام وحرمة التشريع، فإنَّ التشريع إنَّما يكون بالالتزام بالأطراف المشكوكة لا بالجامع، فإنَّه غير مشكوك.
وحينئذٍ فيتحقّق التنافي بين دليل الالتزام وبين محذور التشريع، لأنَّ الالتزام بالواقع مع فرض عدم وصوله يكون تشريعاً لا محالة، فإنَّ التشريع موضوعه هو الالتزام بما لا يعلم أنَّه من الله، ويكفي هذا ملاكاً للتشريع، فلا محالة يحصل التنافي، ويكون هناك مجالٌ للتكلّم في التنافي بين دليل وجوب الالتزام ودليل حرمة التشريع.
وحاصل ما ينبغي أن يقال في تحقيق النسبة بينهما: أنَّه تارةً يفرض أنَّ دليل وجوب الالتزام ودليل وجوب التشريع عقليان، وأخرى يفرض أنَّ كلاً من دليليهما شرعي، وثالثة يفرض أنَّ دليل أحدهما عقلي ودليل الآخر شرعي.
الفرض الأوّل: أن نفرض أنَّ وجوب الالتزام ثبت بملاك عقلي، ونفرض أنَّ محذور التشريع قبيح عقلاً، باعتبار أنَّ العقل يحكم بأنَّ اسناد شيء للمولى من دون علم جرأة وتعدّ عليه، وهو قبيح.
فلا محالة يحصل الكسر والانكسار بين ملاكات الأحكام العقليّة؛ لأنَّ الأحكام الراجعة إلى انصياع العبد إلى مولاه إنَّما هو بملاك التعظيم للمولى، وكلا الأمرين إنَّما هو لحفظ تعظيم المولى، فلا محالة يحصل الكسر والانكسار، وينتفي أحدهما، فأمّا أن يحكم العقل بتاً بوجوب الالتزام، أو بحرمة التشريع، أو أن يخير العقل العبد بينهما إذا لم يكن هناك مرجّح، فالحكم يرجع إلى
ــــــــــ[43]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الوجدان العقلي والعقل العملي المستقلّ في هذا الباب، فهو الذي يوقع التزاحم بين الملاكات ويرجح بينهما.
الفرض الثاني: إذا فرض أنَّ كلاً منها كان بدليلٍ شرعيٍ، فحينئذٍ لا محالة يحصل التعارض بين هذين الدليلين بنحو العموم من وجه؛ لأنَّ لكلّ منهما مادة افتراق عن الآخر، فمادة افتراق موارد وجوب الالتزام عن حرمة التشريع هي الموارد التي يجب فيها الالتزام، ولا يلزم منه التشريع المحرّم كالالتزام بوجوب صلاة الصبح، وأمّا مورد افتراق حرمة التشريع عن وجوب الالتزام ففي الموارد التي لا يعلم أنَّه حكم الله ولا يجب الالتزام به، ومادة الاجتماع والتعارض هو محلّ الكلام الذي ثبت فيه وجوب الالتزام مع كونه تشريعاً، فيجب بمقتضى إطلاق دليل وجوب الالتزام، و يحرم بمقتضى إطلاق دليل حرمة التشريع، فيحصل التعارض، وحينئذٍ نطبق قوانين باب التعارض، فإن كان دليل حرمة التشريع أقوى، فإطلاق دليل وجوب الالتزام يسقط، ويكون كأنّه لم يقم دليل على وجوبه، ونأخذ بدليل حرمة التشريع.
وأمّا إذا كان إطلاق دليل وجوب الالتزام أقوى من إطلاق دليل حرمة التشريع فيقدّم، لكن تقديم دليل وجوب الالتزام لا يقتضي رفع اليد عن دليل حرمة التشريع، إلَّا عن متعلّقه خاصّة؛ وذلك لأنَّه عندنا تشريعان، فإنَّ الالتزام بالوجوب تشريع والالتزام بالحرمة تشريع آخر. والواجب بمقتضى تقديم دليل الوجوب هو الالتزام بالواقع ولنفرض أنَّه الوجوب، فمقتضى تقديم دليل وجوب الالتزام هو خروج الالتزام بالواقع المشكوك -الوجوب بالفرض-
ــــــــــ[44]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
عن دليل حرمة التشريع؛ لأنَّ الواجب لا يمكن أن يكون حراماً. أمّا الالتزام بغير الواقع فهو مصداق للتشريع، ولا مقتضى لخروجه عن دليل الحرمة فيكون حراماً، وتكون النتيجة: أنَّ الالتزام بالواقع واجب وبغيره حرام، ونحن لا نميّز بينهما، فيكون من موارد العلم بوجوب أحد الفعلين وحرمة الآخر، واشتباه أحدهما بالآخر، فيطبّق عليه قوانين العلم الإجمالي في المقام، وسيأتي أنَّه يقتضي الموافقة الاحتمالية لكلّ منهما، وذلك بإتيان أحدهما وترك الآخر؛ لأنَّه إذا أتى بهما فقد خالف الوجوب يقيناً، وإن تركهما فقد خالف الحرمة يقيناً.
الفرض الثالث: إذا فرض أنَّ أحدهما بدليل شرعي والآخر بدليل عقلي، فهنا صور:
الصورة الأولى: أنَّ حرمة التشريع بدليل شرعي، ووجوب الموافقة الالتزاميّة بدليل عقلي بالملاك المشهوري، باعتبار كونه من شؤون دخوله في التكليف الداخل بالعهدة يحكم به العقل، كما يحكم بوجوب الموافقة عملاً، فالمعارضة تكون أوّلاً وبالذات بين دليل حرمة التشريع وبين هذا الحكم العقلي بوجوب الالتزام، فإن كان الحكم العقلي بتياً تنجيزياً غير تعليقي -كما هو الحال على القول بعلّيّة العلم الإجمالي- فيستحيل انفكاكه عن الواقع المعلوم بالإجمال ولا يرتفع إلَّا بارتفاعه، فتقع المعارضة بين دليلين شرعيين، هما دليل حرمة التشريع ودليل الواقع المشكوك المعلوم بالإجمال، ويأتي نفس الكلام السابق حيث يطبّق عليه قوانين باب التعارض.
نعم، إذا فرضنا أنَّ حكم العقل بوجوب الالتزام معلق على عدم الاذن من الشارع فيكون تحريم التشريع اذناً لا محالة ويكون حاكماً على حكم العقل.
ــــــــــ[45]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الصورة الثانية: إذا فرضنا أنَّ وجوب الالتزام كان ثابتاً بدليل شرعي، وكان دليل حرمة التشريع عقلياً، فيأتي نفس التشقيق من تلك الجهة، حيث إنَّ حكم العقل بحرمة التشريع، أمّا أن يكون تنجيزياً فلا بُدَّ من رفع اليد عن إطلاق دليل وجوب الالتزام؛ لأنَّه مخالف لحكم العقل التنجيزي، وإن كان تعليقيّاً على إذن الشارع بالتشريع فيكون إطلاق دليل وجوب الالتزام إذناً في التشريع وحاكماً عليه. هذا خلاصة ما ينبغي أن يقال في النسبة بين دليلي وجوب الالتزام وحرمة التشريع.
وتلخص من مجموع ما قلناه في كلا الجهتين الأولى والثانية:أنَّ تنقيح هذا المحذور والمانعيّة يتوقف على عدة أمور، مع الالتزام بها تتمّ المانعيّة، ومع عدم الالتزام ولو بواحد منها فإنَّ المانعيّة لا تتمّ.
الأمر الأوّل: هو تنجيز المقتضي لوجوب الالتزام في نفسه بأحد الوجوه الخمسة التي سبقت في الجهة الأولى؛ إذ لو فرض عدم وجود دليل على الوجوب فلا يبقى محذور في جريان الأُصول في الأطراف ولو أدّى إلى الإذن بالمخالفة الالتزاميّة.
الأمر الثاني: هو عدم ايقاع المنافاة والمصادمة بين مقتضي وجوب الالتزام ومحذور التشريع، بحيث لا بُدَّ من فرض عدم وجود المانع من تأثير المقتضي في مقتضاه، إذ بعد ايقاع المصادمة بين دليلي وجوب الالتزام وحرمة التشريع وتقديم التحريم لا يبقى محذور من جريان الأُصول، ولو أدّى ذلك إلى الإذن بالمخالفة الالتزاميّة.
ــــــــــ[46]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الأمر الثالث: لا بُدَّ أن يفرض وجوب الالتزام عقليّاً لا شرعيّاً مجعولا بخطاب مستقلّ؛ إذ لو فرض كونه شرعيّاً فقد التزمنا في مثل هذا المقام بجريان الأُصول في الأطراف، غاية الأمر التزمنا بالتبعيض في آثار الأصل والأخذ بالآثار التي لا يلزم منه مخالفة، والتبعيض في آثار الأصل الواحد لا يوجب عدم جريان الأصل في نفسه.
الأمر الرابع: أن يكون هذا الوجوب العقلي المدّعى للموافقة الالتزاميّة وجوباً بالتقريب المشهوري، أي: من باب توسعة دائرة الامتثال، وأنَّ التكليف الواحد له مخالفتان من ناحية العمل ومن ناحية الالتزام، بحيث يكون التكليف داخلاً في العهدة بلحاظ كلا الأمرين؛ إذ لو كان الوجوب العقلي وجوباً عقليّاً بملاك مستقلّ ليس من شؤون تنجز التكليف، فإنَّ فرض أنَّ موضوع هذا الوجوب هو التكليف المنجّز المفروغ من تنجّزه في المرتبة السابقة. إذن، فلا موضوع لهذا الوجوب؛ لأنّا قلنا: بأنَّ التكليف لا يمكن تنجّزه في المرتبة السابقة، وان فرض أنَّ موضوعه هو التكليف بوجوده الواقعي، فحينئذٍ لا بأس بجريان الأُصول؛ لأنّا قلنا: إنَّ مرجع مفاد الأُصول الترخيصيّة إلى خطابات ظاهرية تؤدّي إلى رفع الاحتياط عن التكليف المشكوك. وهذا ليس معناه الترخيص من ناحية واجب عقلي آخر، وإنَّما معناه الترخيص من ترك ذلك التكليف، فجريان الأُصول لا يؤدّي إلى الترخيص بالمخالفة الالتزاميّة.
الأمر الخامس: القول بأنَّ العلم الاجمالي ينجز الواقع؛ إذ لو لم نقل بالعلّيّة وقلنا بأنَّه ينجز مقدار الجامع لا الواقع، وفرضنا أنَّ الوجوب عقلي بالمعنى
ــــــــــ[47]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
المشهوري، إلَّا أنَّه ينجّز بمقدار الواصل بالعلم وهو مقدار الجامع، فحينئذ جريان الأُصول الترخيصيّة في الأطراف يؤدّي إلى الترخيص بالمخالفة الالتزاميّة في الأطراف، ولا يؤدّي إلى المخالفة الالتزاميّة بالجامع.
الأمر السادس: لو تمّ تمام ذلك وقلنا بالوجوب العقلي المشهوري وبالعلّيّة، مع هذا نفصّل في جريان الأُصول بين الأُصول التنزيليّة وغيرها، ومقصودنا من الأصل التنزيلي وغيره بالمعنى الذي نتبنّاه، وهي: الأُصول التي يكون مفادها التعبّد بنفي الواقع المشكوك سواء كان ناظراً إلى الواقع أو لا، في قبال الأصل غير التنزيلي الذي هو عبارة: عن وظيفة عمليّة في حال الشكّ.
أمّا الأصل التنزيلي فمرجع نتيجته إلى الترخيص بتبعات موضوعه ونفيها، فيكون جريان الأُصول مؤدياً إلى عدم الاحتياط بالواقع المشكوك لا جناناً ولا عملاً؛ لأنّا قد فرضنا أنَّ التكليف المشكوك له نحوان من الامتثال، فالأصل التنزيلي ينفي كلا النحوين. وأمّا الأصل غير التنزيلي الذي مفاده وظيفة عمليّة هي اباحة الفعل، ففي مثله لا بأس بجريان الأُصول؛ لأنَّ مفاد الأصل هو مجرّد اباحة الفعل والترك، وليس مفاده ترك الالتزام بالوجوب أو الحرمة، وقد قلنا: إنَّ تقريب المانعيّة هو أن يؤدّي جريان الأُصول إلى الاذن بالمخالفة الالتزاميّة، لا إلى ترك الالتزام خارجاً، فجريان الأُصول بعد كونها غير تنزيليّة لا يكون مفادها الإذن في حدود العمل فقط، ولا يؤدّي إلى الترخيص بالمخالفة الالتزاميّة، هذا هو خلاصة وجوهر ما قلناه فيما سبق. هذا غاية ما يمكن أن يقال في المانعيّة إثباتاً ونفياً.
ــــــــــ[48]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
بعد هذا نأتي إلى ما قاله الأعلام في المانعيّة، فإنَّ مهم ما ذكر في المقام وجوه ثلاثة في مقام إبطال مانعية الموافقة الالتزاميّة عن جريان الأُصول واجرائها بحسب الخارج.
هو ما أفاده الشيخ الأعظم في ظاهر عبارة الرسائل(1)، وحاصل مرامه: أنَّ أدلّة الأُصول الجارية في الأطراف تكون حاكمة على دليل وجوب الموافقة الالتزاميّة ورافعة لموضوعه، ومع فرض هذه الحكومة لا يعقل أن يكون الوجوب مانعاً عن جريان الأُصول؛ لأنَّ المحكوم لا يعقل أن يكون مانعاً عن ثبوت الحاكم.
أمّا تقريب الحكومة فإن فرض أنَّ دليل وجوب الالتزام دليل شرعي متكفّل لجعل مستقلّ شرعي، فحينئذٍ تمام الأُصول الجارية في أطراف العلم الإجمالي سواء كانت أصولاً حكميّة كالبراءة عن الوجوب والحرمة أو استصحابهما أو أصولاً موضوعيّة كاستصحاب عدم النذر بالفعل أو الترك، فتمام هذه الأُصول سواء كانت حكميّة أو موضوعية هي حاكمة على دليل
ــــــــــ[49]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 84.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وجوب الالتزام اذا كان شرعيّاً؛ لأنَّ الحكومة إنَّما هي باعتبار توسعة موضوعه أو تضييقه، وموضوع دليل وجوب الالتزام هو الحكم الواقعي، فالأُصول ترفع الموضوع إمّا ابتداءً كالأُصول الحكميّة، أو ترفع موضوع الموضوع كالأُصول الموضوعيّة، فيكون لها حكومة على دليل وجوب الالتزام بالواسطة.
وإن كان دليل وجوب الالتزام عقليّاً لا شرعيّاً، فهنا لا يُعقل حكومة دليل الأصل على الحكم العقلي؛ لأنَّ الحكومة إنَّما تكون بتوسعة الموضوع وتضييقه، والحكم العقلي ليس بيد الشارع ليوسّع موضوعه أو يضيّقه لتتمّ الحكومة، وإنَّما تكون حكومة دليل الأصل على الحكم العقلي بتبع حكومته على الحكم الشرعي الذي هو موضوع الحكم العقلي، أي: تكون حكومته على الحكم العقلي بتبع كونه حاكماً على الوجوب والحرمة اللذين هما موضوع لحكم العقل بوجوب الالتزام بالإجمال، وحينئذٍ تختصّ بالحكومة الأصول الموضوعيّة، فإنّها هي التي تكون نسبتها إلى الوجوب والحرمة نسبة الحاكم فتنفي موضوعهما، أمّا الأُصول الحكميّة فتكون في رتبتهما، فلا تكون حاكمة؛ ولذا خصّصت الأُصول في عبارة الشيخ الأعظم بالموضوعيّة؛ وذلك لأنَّ الموضوعيّة هي التي تكون حاكمة دون الحكميّة.
ولعل الشيخ الأعظم نقل هذا الكلام ويريد به معنى آخر، أو نقله من باب التندّر والفكاهة، وإلَّا فمثل هذا المعنى لا ينبغي أن يخفى جوابه على مؤسس علم الأُصول؛ لأنَّ هذه الحكومة لدليل الأصل على وجوب الالتزام إذا فرض أنَّه شرعي فضلاً عن كونه عقليّاً، حكومة ظاهريّة لا واقعيّة؛ لأنّا لا
ــــــــــ[50]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
نلتزم بالتصويب وارتفاع الواقع في مورد جريان الأصل، فالأصل إنَّما يوسّع ويضيّق الموضوع عند الشك مع انحفاظ الواقع على واقعيته، فحكومة أدلّة الأصول على الأدلّة الواقعيّة حكومة ظاهريّة، وفرض كونها حكومة ظاهريّة فرض بقاء الواقع المعلوم بالإجمال على واقعه وعدم تغيره، وإلَّا لانقلبت الحكومة إلى حكومة واقعيّة.
وحينئذٍ فإمّا أن يُفرض أنَّ العلم الإجمالي ليس علّة تامّة لحكم العقل بحرمة المخالفة الالتزاميّة بتمام مراتبها القطعيّة منها والاحتماليّة، وإنَّما حكم العقل معلّق على ورود الإذن من الشارع، فعنئذٍ لا بأس بجريان الأُصول في الأطراف ولا تعارضه المخالفة الالتزاميّة لا بلحاظ الواقع؛ لأنّا قد جمعنا بين الحكم الواقعي والظاهري، ولا بلحاظ حكم العقل؛ لأنَّه تعليقي لا تنجيزي، فيرتفع موضوعه بجريان الأُصول. وعليه: لا اختصاص لهذا الوجه بالمخالفة الالتزاميّة، بل يجري في المخالفة العمليّة أيضاً.
وإذا قلنا: إنَّ العلم الاجمالي علّة تامّة لحكم العقل بحرمة المخالفة الالتزاميّة، فيكون الواقع المعلوم بالإجمال مصادقاً لحكم العقل؛ لأنَّ الواقع ثابت والأُصول الظاهريّة لا تنفيه، والعقل يحكم بوجوب الالتزام به حكماً بتياً.
وبعبارة أخرى توضح دعوى الحكومة في المقام: أنَّ دليل الأصل يكون حاكماً على دليل الوجوب، بتقريب: أنَّ دليل وجوب الموافقة الالتزاميّة إن كان دالاً على وجوب شرعي، فإنَّ كلّاً من الأُصول الموضوعيّة والحكميّة معاً تكون حاكمة عليه باعتبار نفيها، إمّا لموضوعه المباشر أو لموضوع الموضوع.
ــــــــــ[51]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وأمّا إذا كان الوجوب عقليّاً فالحكومة لا تجري عليه ابتداءً، بل تجري بتوسط حكومته على الواقع المعلوم بالإجمال. ومن هنا توجهت دعوى الحكومة في الأُصول الموضوعيّة دون الحكميّة، أمّا في الأُصول الحكميّة فيمكن إبطال الدعوى بالنقاش بأصل المبنى لوجوب الموافقة الالتزاميّة.
هذا المطلب يورد عليه بإيرادين:
الإيراد الأوّل: أنَّ هذه الحكومة بعد فرض كونها حكومة ظاهرية لا واقعيّة، ففرض ذلك هو فرض بقاء الواقع المعلوم بالإجمال على حاله، وحينئذٍ فإمّا أن يُدّعى أنَّ حكم العقل بوجوب الموافقة الالتزاميّة حكم تنجيزي، أو يُدّعى أنَّه حكم تعليقي.
فإن فرض أنَّ حكم العقل بحرمة المخالفة تنجيزي فالأُصول لا محالة تتصادم مع الحكم العقلي؛ لأنّها غير قادرة لا على رفعه بنفسه ولا بعلّته، أمّا رفعه بنفسه؛ فلأنّا فرضناه تنجيزياً لا ينفك عن العلم الإجمالي، وأمّا بعلته
-وهو نفس الوجوب المعلوم بالإجمال- فهو خلف؛ لأنّا فرضناها حكومة ظاهريّة، وأنَّ الواقع على حاله، وعليه: فكيف تجري الأُصول؟!
وإذا فرضنا أنَّ حكم العقل بحرمة المخالفة الالتزاميّة تعليقي على عدم مجيء الرخصة في الترك من الشارع، فتكون الأُصول جارية بلا اشكال، ورافعة لموضوع حكم العقل بلا حاجة إلى ملاحظة حكومة الأُصول على الواقع المعلوم بالإجمال، بل تكون واردة على نفس الحكم العقلي وتكون الأُصول الموضوعيّة والحكميّة جارية؛ لأنَّ الحكم العقلي معلق على عدم الرخصة من
ــــــــــ[52]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الشارع، فمجيء الرخصة يكون رافعاً لموضوع حكم العقل، ولا يبقى مانع من جريان الأُصول لا من ناحية الواقع المعلوم بالإجمال؛ لأنّنا جمعنا بين الحكمين الظاهري والواقعي، ولا من ناحية حكم العقل؛ لأنَّه تعليقي.
الإيراد الثاني: أن يقال: إنَّ دعوى الحكومة مستلزم للدور؛ وذلك لأنَّ جريان الأُصول في الأطراف يتوقف على رفع المانع الذي هو وجوب الموافقة الالتزاميّة ونفيه، إذ لو كان هذا الوجوب ثابتاً لكان مانعاً عن جريان الأُصول، ونفي هذا الوجوب يتوقف على جريان الأُصول؛ لأنَّ نفيه إنَّما كان بلحاظ حكومة دليل الأصل، أي: بلحاظ مفاده، وهو الأصل نفسه.
هذا التقريب غير صحيح في نفسه إلَّا بعنوان التنزّل بعد فرض الالتزام بأمر غير صحيح؛ وذلك لأنَّ إشكال الدور إمّا أن يكون مع الاعتراف بكون حكم العقل بالوجوب تنجيزياً أو بلحاظ كون حكمه تعليقيّاً، فإن فرض أنَّ حكم العقل بوجوب الموافقة الالتزاميّة كان تنجيزياً فالتوقف الأوّل تامٌّ، وهو كون جريان الأُصول يتوقف على عدم حكم العقل بالوجوب، إلَّاأنَّ التوقف الثاني غير صحيح، وهو أنَّ عدم الوجوب يتوقف على جريان الأُصول، فإنَّ هذا التوقف فرع كون جريان الأُصول رافع لموضوع وجوب الالتزام، وهو غير ممكن؛ لأنَّ حكم العقل تنجيزي لا تعليقي.
وإن قيل بالاقتضاء، وأنَّ حكم العقل بوجوب الالتزام معلّق على عدم مجيء الرخصة من الشارع، فالتوقف الثاني صحيح، لكن التوقف الأوّل غلط، وهو كون جريان الأُصول يتوقف على رفع المانع؛ لأنَّ توقف جريانها على عدم
ــــــــــ[53]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وجوب الموافقة إنَّما هو بلحاظ مانعيّة الوجوب عن الجريان، وهذه المانعيّة محال؛ لأنَّ المانع لا يُعقل أن يؤخذ في موضوعه عدم وجود ممنوعه. نعم، لو فرض أنّنا التزمنا بأمر باطل، وهو القول بالتنجيز في حكم العقل مع فرض مانعيّة جريان الأُصول عن وجوب الالتزام.
أو بتعبير آخر: بعدم التنجيز مع فرض مانعيّة وجوب الالتزام عن الجريان، فلو جمعنا بين تعليقيّة حكم العقل على جريان الأُصول مع جريانها، فهذان الأمران سيكونان متضادين، وحينئذٍ يكون إشكال الدور تامّاً.
وهذا البيان الذي قلناه هو مراد صاحب الكفاية(1) في الإشكال على الشيخ الأعظم، في أنَّه لو فرض أنَّ المخالفة الالتزاميّة كانت محذوراً في جريان الأُصول فلا يعقل رفع هذا المانع بجريان الأُصول،ونظره في ذلك إلى ما قلناه من أنَّ حكم العقل إمّا تنجيزي أو تعليقي، ومن هنا يقول: إنَّه لو قيل: أنَّ حكم العقل معلّق لتمّ جريان الأُصول، وليس مراده هو الدور كما عن المحقّق الأصفهاني(2)، حيث ذكر: أنَّ مراده هو الدور، بتقريب: أنَّ جريان الأُصول في الأطراف يتوقف على عدم مانعيّة الموافقة الالتزاميّة بانتفاء هذا الوجوب؛ إذ لو كان هذا الوجوب ثابتاً ومانعاً لم تكن الأُصول جارية، وانتفاء هذا الوجوب وانتفاء مانعيته بانتفائه يتوقف على جريان الأُصول؛ لأنَّ المفروض رفع المانع ببركة حكومة دليل الأُصول على وجوب الالتزام، وهذا الدور غير صحيح، أمّا بناءً
ــــــــــ[54]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 316.
(2) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 3: 83.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
على العلّيّة وتنجّيزيّة حكم العقل بوجوب الموافقة الالتزاميّة -على ما هو الصحيح- فالتوقف الثاني غير صحيح، فإنَّ عدم وجوب الالتزام حينئذٍ لا يحصل بسبب جريان الأُصول، بل وجوب الالتزام ثابت على كلّ حالٍ سواء جرى الأصل أو لا.
وأمّا إذا كان على نحو الاقتضاء، فالتوقف الأوّل غير صحيح، بمعنى: أنَّ وجوب الالتزام لا يُعقل أن يكون مانعاً عن جريان الأُصول، ليتوقف جريانها على عدم وجوب الالتزام؛ إذ بعد فرض أنَّ وجوب الالتزام معلّق على عدم جريان الأُصول، فكيف يُعقل أن يكون مانعاً عنه؟!
كما أنَّ أصل المطلب المُشكل عليه بالدور غير صحيح أيضاً؛ لأنَّه لا يعقل رفع وجوب الالتزام بجريان الأُصول بعد كون وجوب الالتزام تنجيزياً، فكلّ من أصل المطلب والدور غير صحيح.
إذن، هذا الدور باطل؛ لأنّا إذا بنيّنا على العلّيّة ننفي الملازمة الثانية، وإذا بنيّنا على الاقتضاء نفينا الملازمة الأولى، فملازمة واحدة على نحو البدل غير متحقّقة على كلّ حالٍ، فلا دور.
ما ذكره السيّد الأُستاذ(1) والآخوند(2) على أحد التفسيرين لعبارته، وحاصله: أنَّ الالتزام الواجب لو كان هو الالتزام بالوجوب والحرمة بعنوانهما
ــــــــــ[55]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 80.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 317.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
التفصيلي، فلا يعقل الالتزام مع جريان الأُصول، وأمّا لو فرض أنَّ الواجب هو الالتزام بالحكم بعنوانه الإجمالي، فلا منافاة بين جريان الأُصول وبين الالتزام بالواقع الإجمالي المشير إليه.
وهذا الكلام لم يعرف له تقريب؛ لأنَّه لا يتمّ لا بناءً على تقريبنا للمانعيّة، ولا بناءً على تقريبه هو.
أمّا نحن الذي قلنا: إنَّ جريان الأُصول يكون مؤدياً إلى الترخيص بترك الالتزام بالواقع، فلا يفرق بين ترك الالتزام بالواقع بعنوانه الإجمالي أو التفصيلي؛ لأنَّ جريان الأُصول يؤدّي إلى ترك الالتزام بذلك الواجب.
وكأن نظر السيّد الأُستاذ إلى التقريب الذي أفاده هو في المانعيّة، وإلَّا فإنَّه على تقريبنا يكون واضح البطلان.
وكأنَّ تقريبه هذا بدعوى أنَّ جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي ينافي مع الالتزام بهذا الحكم بعنوانه التفصيلي، لكن لا ينافي الالتزام بالواقع بعنوانه الإجمالي.
وبهذا يكون للتقريب صورة فنيّة، إلَّا أنَّه مع ذلك لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنَّ التنافي بين جريان الأصل والالتزام بالواقع إن كان غرضه أنَّه لا تنافي بينهما فلا مانع من الالتزام بهما حتّى بعنوانهما التفصيلي، وإن فرض أنَّ هناك تنافياً بين الالتزام بالواقع وبين الحكم الظاهري الذي تقتضيه الأُصول، فالالتزام بالواقع حتّى بنحو العنوان الإجمالي غير معقول.
ــــــــــ[56]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ما ذكره صاحب الكفاية(1)، فانّه ذكر في عبارته بعد إنكار وجوب الالتزام: أنَّه لو قيل بوجوبه ففي مورد دوران الأمر بين المحذورين يجب الالتزام بالواقع على واقعه بالعنوان الإجمالي لا التفصيلي؛ لئلا يلزم التشريع.
ثُمَّ قال: وإن أبيت إلَّا عن الالتزام بالواقع بعنوانه التفصيلي، حينئذٍ نقول: بأنَّ وجوب الالتزام في مورد دوران الأمر بين المحذورين ساقط؛ لأنَّ الموافقة القطعيّة غير ممكنة؛ لاستحالة الالتزام بالضدين، وأمّا الموافقة الاحتمالية فإنَّها وإن كانت ممكنة إلَّا أنَّها تكون بنحو التشريع.
وظاهر العبارة الإيراد على هذا بإشكالين، فيقال: إن ادُّعي أنَّ نفس التكليف المعلوم بالإجمال هو يقتض التنجيز إبتداءً، فهو -أي: الواقع المعلوم بالإجمال- إنَّما يقتضي الالتزام بنفسه، لا أنَّه يقتضي الالتزام بنفسه وبغيره، كما أنَّه إنَّما يقتضي وجوب العمل بنفسه لا به وبغيره.
وان ادُّعي أنَّ المعلوم بالإجمال وان كان يقتضي الالتزام بنفسه تعييناً إلَّا أنَّ هذا المورد هو من موارد التنزل في العلم الاجمالي من الموافقة القطعية إلى الاحتمالية، فإنَّ العقل يتنزل عند عدم إمكان الموافقة القطعية إلى الموافقة الاحتمالية، فحينئذٍ يقال: إنَّ هذا التنزُّل العقلي إنَّما يتمّ إذا لم يكن في نظر العقل محذور آخر كما في المقام، فإنَّه إذا التزم بالوجوب أو بالحرمة بالخصوص، فهو وإن كان فيه مخالفة احتمالية، إلَّا أنَّه فيه محذور آخر هو الالتزام بضد حكم الله،
ــــــــــ[57]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 318.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وهوليس أهون من محذور المخالفة الالتزاميّة.
ثُمَّ يقول تفريعاً على ذلك: إنَّه لا مانع من جريان الأُصول في أطراف العلم الاجمالي من ناحية المخالفة الالتزاميّة.
فإن قلنا: إنَّ مقصود صاحب الكفاية من عبارته هذه إقامة دليلين: أحدهما على تقدير التنزُّل عن الآخر، فالأوّل: أنَّ الواجب هو الالتزام بالعنوان الإجمالي لا التفصيلي، والثاني: لو تنزّلنا لقلنا: إنَّ الوجوب ساقط راساً؛ لأنَّ الموافقة القطعية والاحتمالية غير ممكنة.
إلاَّ أنَّ المحقّق الأصفهاني(1) ذكر في تفسير العبارة وجهاً عجيباً، حاصله: أنَّ المقصود من قوله: (ومن هنا انقدح): أنَّ الواجب إن كان هو الالتزام بالواقع بعنوانه الإجمالي فالمانعيّة تتمّ، ويكون وجوب الالتزام على حاله وتتمّ المانعيّة، وإن كان الواجب هو الالتزام بالواقع بعنوانه التفصيلي، فلا مانع عن جريان الأُصول، وهذا هو نفس الجواب الثاني السابق. وقد اتّضح ما ينبغي أن يعلّق عليه ممّا سبق.
فإنَّ صاحب الكفاية لم يلحظ عنوان التشريع؛ لأنَّ هذا العنوان يعمّ الالتزام بما لا يعلم أنَّه حكم الله، وإن كان حكماً لله، وإنَّما يرى أنَّ الالتزام بضد حكم الله هو المحذور.
إلَّا أنَّ مجرّد المساواة بين المحذورين لا يفي بالمقصود، فإنَّه يفرض هنا محذورين، وهما: الالتزام بضد حكم الله، ومحذور المخالفة الالتزاميّة للمعلوم
ــــــــــ[58]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 3: 310.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
بالإجمال، والأمر دائر بين الموافقة القطعيّة لأحدهما مع الموافقة الاحتمالية للآخر، وبين المخالفة القطعيّة لأحدهما مع المخالفة الاحتماليّة للآخر، فلا بُدَّ أن يفرض أنَّ ذاك المحذور -وهو الالتزام بضد حكم الله- أقوى لتقدم مخالفته الاحتمالية على المخالفة القطعية لذاك. وعلى كلّ فليس لدينا عنوان حرمة الالتزام بضد حكم الله، وإنَّما لدينا عنوان حرمة التشريع.
وبعبارة أخرى توضح دعوى الحكومة في المقام: أنَّ دليل الأصل يكون حاكماً على دليل الوجوب، بتقريب: أنَّ دليل وجوب الموافقة الالتزاميّة إن كان دالاً على وجوب شرعي، فإنَّ كلّاً من الأُصول الموضوعيّة والحكميّة معاً تكون حاكمة عليه باعتبار نفيها إمّا لموضوعه المباشر أو لموضوع الموضوع.
وأمّا إذا كان الوجوب عقليّاً فالحكومة لا تجري عليه ابتداءً، بل تجري بتوسط حكومته على الواقع المعلوم بالإجمال. ومن هنا توجهت دعوى الحكومة في الأُصول الموضوعيّة دون الحكميّة، أمّا في الأُصول الحكميّة فيمكن إبطال الدعوى بالنقاش بأصل المبنى لوجوب الموافقة الالتزاميّة.
هذا المطلب يورد عليه بإيرادين:
الإيراد الأوّل: أنَّ هذه الحكومة بعد فرض كونها حكومة ظاهريّة لا واقعيّة، ففرض ذلك هو فرض بقاء الواقع المعلوم بالإجمال على حاله، وحينئذٍ فإمّا أن يُدّعى أنَّ حكم العقل بوجوب الموافقة الالتزاميّة حكم تنجيزي، أو يُدّعى أنَّه حكم تعليقي.
فإن فُرض أنَّ حكم العقل بحرمة المخالفة تنجيزي فالأُصول لا محالة
ــــــــــ[59]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
تتصادم مع الحكم العقلي؛ لأنَّها غير قادرة لا على رفعه بنفسه ولا بعلّته، أمّا رِفعه بنفسه؛ فلأنا فرضناه تنجيزياً لا ينفكّ عن العلم الإجمالي، وأمّا بعلّته
-وهو نفس الوجوب المعلوم بالإجمال- فهو خلف؛ لأنّا فرضناها حكومة ظاهريّة، وأنَّ الواقع على حاله، وعليه: فكيف تجري الأُصول؟!
وإذا فرضنا أنَّ حكم العقل بحرمة المخالفة الالتزاميّة تعليقي على عدم مجيء الرخصة في الترك من الشارع، فتكون الأُصول جارية بلا إشكال، ورافعة لموضوع حكم العقل بلا حاجة إلى ملاحظة حكومة الأُصول على الواقع المعلوم بالإجمال، بل تكون واردة على نفس الحكم العقلي، وتكون الأُصول الموضوعيّة والحكميّة جاريةً؛ لأنَّ الحكم العقلي معلّق على عدم الرخصة من الشارع، فمجيء الرخصة يكون رافعاً لموضوع حكم العقل، ولا يبقى مانع من جريان الأُصول لا من ناحية الواقع المعلوم بالإجمال؛ لأنّنا جمعنا بين الحكمين الظاهري والواقعي، ولا من ناحية حكم العقل؛ لأنَّه تعليقي.
الإيراد الثاني: أن يقال: إنَّ دعوى الحكومة مستلزم للدور؛ وذلك لأنَّ جريان الأُصول في الأطراف يتوقف على رفع المانع الذي هو وجوب الموافقة الالتزاميّة ونفيه؛ إذ لو كان هذا الوجوب ثابتاً لكان مانعاً عن جريان الأُصول. ونفي هذا الوجوب يتوقف على جريان الأُصول؛ لأنَّ نفيه إنَّما كان بلحاظ حكومة دليل الأصل، أي: بلحاظ مفاده، وهو الأصل نفسه.
هذا التقريب غير صحيح في نفسه إلَّا بعنوان التنزّل بعد فرض الالتزام بأمر غير صحيح؛ وذلك لأنَّ إشكال الدور إمّا أن يكون مع الاعتراف بكون
ــــــــــ[60]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
حكم العقل بالوجوب تنجيزياً، أو بلحاظ كون حكمه تعليقيّاً، فإن فُرض أنَّ حكم العقل بوجوب الموافقة الالتزاميّة كان تنجيزياً فالتوقف الأوّل تامٌّ، وهو كون جريان الأُصول يتوقف على عدم حكم العقل بالوجوب، إلَّاأنَّ التوقف الثاني غير صحيح، وهو أنَّ عدم الوجوب يتوقف على جريان الأُصول، فإنَّ هذا التوقف فرع كون جريان الأُصول رافع لموضوع وجوب الالتزام، وهو غير ممكن؛ لأنَّ حكم العقل تنجيزي لا تعليقي.
وإن قيل بالاقتضاء، وإنَّ حكم العقل بوجوب الالتزام معلّق على عدم مجيء الرخصة من الشارع، فالتوقف الثاني صحيح، لكن التوقف الأوّل غلط، وهو كون جريان الأُصول يتوقف على رفع المانع؛ لأنَّ توقف جريانها على عدم وجوب الموافقة إنَّما هو بلحاظ مانعيّة الوجوب عن الجريان، وفرض هذه المانعيّة محال؛ لأنَّ المانع لا يعقل أن يؤخذ في موضوعه عدم وجود ممنوعه. نعم، لو فرض أنّنا التزمنا بأمر باطل، وهو القول بالتنجيز في حكم العقل مع فرض مانعية جريان الأُصول عن وجوب الالتزام، أو بتعبير آخر: بعدم التنجيز مع فرض مانعيّة وجوب الالتزام عن الجريان، فلو جمعنا بين تعليقيّة حكم العقل على جريان الأُصول مع جريانها، فهذان الأمران سيكونان متضادين، وحينئذٍ يكون إشكال الدور تامّاً.
ــــــــــ[61]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الاعتماد على الدليل العقلي في مقام استنباط الأحكام الشرعيّة
ــــــــــ[63]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
عُقد هذا الأمر لتحقّيق حال الاعتماد على الدليل العقلي وجوازه في مقام التعويل في استنباط الأحكام الشرعيّة وأمثالها.
فالدليل العقلي هو موضوع الكلام في المسألة، وإن كان لا يخلو من تشويش عند كثير من الأُصوليين القدماء السنة والشيعة، حيث يتناقضون في تعريفاتهم له، فتارةً يجعلون البراءة والاستصحاب دليلاً عقليّاً، وأخرى يدخلون مفهوم الشرط، وثالثة فحوى الخطاب في الأدلّة العقليّة.
والظاهر أنَّ عنوان الدليل العقلي كان يراد به في بداية الأمر العقل النظري الظنّي، ولهذا جعل القياس من أشهر مصاديقه، والمسلمون كانوا لا يعتمدون على مدركات العقل النظري إذا لم تكن قطعيّة، خلافاً لأبي حنيفة حيث اعتمد على مدركات العقل النظري حتّى لو لم تكن قطعيّة، فمثلاً العقل النظري يدرك ظنّاً أنَّه لا فرق بين الرمان وغيره، فإذا ثبت بالدليل الشرعي أنَّه حرام أو حلال، فيقاس عليه كلّ شيء مشترك معه بالحموضة، وهذا نتيجة إدراك العقل النظري على وجه ظنّي.
ــــــــــ[65]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ومن هنا نُهي في الأخبار كثيراً عن التعويل على العقل، ومن يراجع تفصيل الخلاف بين الأئمة وبين مكامن الضلال في عصرهم يجدهم يعتمدون على القول بهذا المعنى من الدليل العقلي الظنّي، في حين أنَّ أصحاب الأئمة كانوا يتمسّكون بشدة بظواهر الكتاب والسنة، ومن اطّلع على ذلك التاريخ يحصل له الاطمئنان بأنَّ الأخبار مسوقة للردع عن فتح الباب بهذا المعنى، وهو العقل النظري الظنّي.
ثُمَّ تطور هذا المعنى، وعندما حقّق من قبل المحققين المتأخّرين، أُريد به العقل القطعي سواء كان نظريّاً خالصاً أو عمليّاً.
إذن، فينبغي أن يُراد من الدليل العقلي الذي يبحث عنه، بعد الفراغ عن بطلان المعنى الأوّل، فإنَّه يكفي في بطلانه بعد النهي عنه في الروايات عدم قيام الدليل على حجّيتّه. فيختصّ البحث عن الدليل العقلي بالمعنى الثاني، وهو العقل القطعي العملي أو النظري، فإنّه هو الذي يستنبط منه الحكم بهذا المعنى.
والعقل بقسميه العملي والنظري من الممكن تصوّر الاعتماد عليه في استنباط الأحكام الشرعيّة، أمّا العقل النظري فمن الممكن أن يستنبط منه الحكم الشرعي لكن لا بمفرده، وإنَّما يستنبط منه الحكم بضميمة العقل العملي، فيستنبط من مجموع الحكمين حكماً شرعيّاً، أو بضميمة دليل شرعي.
أمّا مثال استنباط الحكم الشرعي من العقل النظري بضميمة دليل شرعي آخر، فواضح من أبحاث الملازمات، حيث إنَّ العقل النظري يدرك أنَّ هناك علّة ومعلوليّة بين إرادة الشيء وإرادة مقدّمته أو كراهة ضده، وهذه الملازمة
ــــــــــ[66]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وحدها لا يستنبط منها حكماً شرعيّاً، بل ينضمّ إليها الدليل على وجوب الصلاة، فيتشكّل صغرى وكبرى، ويستنتج وجوب الوضوء.
كذلك يمكن أن يتصوّر ذلك فيما إذا دلّ الدليل الشرعي على حكم له محتملات، وكان بعضها ممّا لا يحكم بها العقل النظري فيتعيّن المعنى الآخر بضمّ العقل النظري إلى هذا الدليل، كما إذا دلّ الدليل على أنَّ الميت إذا مات يكون أولاده شركاء في ماله، فهذه الملكيّة بنحو الاشتراك مدلولة للدليل اللفظي الشرعي، إلَّا أنَّ سنخ هذه الملكيّة مردّد بين أمور بعضها معقول وبعضها باطل بحسب العقل النظري، وبضميمة حكم العقل يتعيّن ما هو معقول، فلو قطع النظر عن حكم العقل النظري لقيل في وجه هذه الشركة في الملكيّة: إنَّ كلّ واحد من الوارثين يملك نصفاً معيّناً من كلّ ذرةٍ من الدار، إلَّا أنَّ هذا المطلب غير معقول بحسب حكم العقل النظري، وذلك لأمرين:
الأمر الأوّل: فلأنَّ الوقوف في التقسيم على الجزء الذي لا يتجزأ محال.
الأمر الثاني: فلأنَّ كون النصف الشمالي من الذرة لزيد، والنصف الجنوبي لعمرو ترجيح بلا مرجّح.
فيتبرهن على بطلان الشركة بهذا المعنى، ولزوم تفسيرها بمعنى آخر، وقد يكون بين هذين المعنيّين آثار في الفقه.
ومن هنا يظهر أنَّ العقل النظري قد يستقلّ في مقام نفي حكم شرعي، وإن كان لا يستقلّ في إثباته.
وأمّا ضمّ العقل العملي إلى النظري وبمجموعهما يستنبط الحكم الشرعي،
ــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فالعقل العملي يدرك أنَّ هذا الفعل ممّا ينبغي أن يُفعل، كالإحسان إلى الصديق. والعقل النظري يدرك الملازمة بين الانبغاء بحسب مدركات العقل العملي وبين الانبغاء الشرعي، وهذه الملازمة أمرٌ عقلي نظري لا عملي، بل هي كالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته.
فاتّضح بذلك: أنَّ المقصود بالدليل العقلي المبحوث عنه في المقام، هو العقل القطعي سواء كان نظريّاً أو عمليّاً، كما اتّضح أنَّ هذا العقل القطعي النظري قد يستقلّ في مقام نفي حكم، لكنّه لا يستقلّ في إثباته، بل لا بُدَّ من ضمّ شيء إليه أمّا العقل العملي، وأمّا الدليل الشرعي.
هذه خلاصة الكلام في تصوّر موضوع المسألة، وهو الدليل العقلي الذي يبحث عن جواز الاعتماد عليه في الاستنباط أو لا، وأنَّه ينبغي في تقسيم البحث أن يقال: إنَّه يقع في مراحل ثلاثة مع من يستشكّل في التعويل على الدليل العقلي.
المرحلة الأولى: في قصور المطلب بحسب عالم الجعل، والإشكال في عدم جواز التعويل على الدليل العقلي لدّعوى القصور بحسب عالم الجعل، وأنَّ الأحكام الشرعيّة مقيّدة بأن لا تُستنبط من الدليل العقلي.
المرحلة الثانية: دعوى القصور في ناحية استكشاف الحكم الشرعي من ناحية الدليل العقلي.
المرحلة الثالثة: بعد تسليم تمامية عالم الجعل والاستكشاف، يقال: إنَّ القصور إنَّما هو في عالم الحجّيّة، فإنَّه وإن حصل القطع إلَّاأنَّه ليس بحجة؛ لأنّنا نُهينا عن العمل بالقطع الناشئ عن الدليل العقلي.
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وبالجملة: الكلام في الاعتماد على الدليل العقلي في مقام استنباط الأحكام الشرعيّة، وقلنا: إنَّ المراد من الدليل العقلي الذي وقع محلاً للنزاع بين نفس الشيعة ليس هو ذلك الذي وقع محلاً للنزاع بين الشيعة والعامّة، فإنَّ المراد من الدليل العقلي الذي وقع محلاً للنزاع بين الشيعة والعامّة هو الدليل العقلي الظنّي، أي: الاعتماد على الأحكام العقليّة غير المقرونة بالجزم، كالقياس والاستحسان، والمصالح المرسلة، وما إلى ذلك، وأمّا ما وقع موضوعاً للخلاف بين الشيعة أنفسهم من الأُصوليين والأخباريين، فهو الدليل العقلي القطعي، والمقصود منه: كلّ قضيّة يحكم العقل بها حكما جزميّاً، ويمكن أن يستكشف عن طريق الجزم بها بحكم شرعي آخر، سواء كانت القضيّة من مدركات العقل بمعناه الفلسفي، أي: الملكة التي تدرك الكليات، أو أيّ قوة درّاكة في النفس، وليس من فرق بين أن تكون هذه القضيّة التي اقترنت بالتصديق الجزمي في النفس، وكانت ممّا يمكن أن يستكشف منها حكم شرعي من مدركات العقل النظري -أي: ممّا ينبغي أن يُعلم- أو العقل العملي -أي: ممّا ينبغي أن يُعمل-. هذا هو المراد من الدليل العقلي الذي وقع فيه البحث.
ثُمَّ كيف يُدّعى استكشاف الحكم الشرعي من الدليل العقلي؟
وخلاصة ما ينبغي أن يقال في المقام: إنَّ الكلام تارةً يقع في القضايا النظريّة وأخرى في القضايا العمليّة، فتارةً يقع في كيفيّة استكشاف الحكم من مدركات العقل النظري، وأخرى في كيفية استكشافه من مدركات العقل العملي، فالكلام يقع في ناحيتين:
ــــــــــ[69]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
أمّا استكشاف الحكم الشرعي من العقل النظري في طرق النفي فواضح، فإنَّ العقل باعتباره حاكماً على المفاهيم القابلة للتصوّر عقلاً، ومطبّقاً لقوانين باب الإمكان والاستحالة عليها، فله أن يحكم باستحالة حصّة خاصّة من الحكم في ظرف مخصوص، فيكون الحكم بالاستحالة قضيّة عقليّة جزميّة يمكن أن يستكشف منها نفي الحكم الشرعي لاستحالة وجوده بحسب عالم التشريع.
ففي مقام النفي قد لا يحتاج العقل إلى أكثر من قضيّة عقليّة واحدة تكون دليلاً على نفي حصّة خاصّة من الحكم الشرعي. نعم، هذه القضيّة قد تقترن بدليل شرعي مجمل، فبضمّ حكم العقل إليها يتعيّن حكم شرعي ويثبت، ويدلّ دليل من الشارع على إثبات جامع بين حكمين، ونفرض أنَّ القضيّة العقليّة النظريّة حكمت باستحالة أحد فردي الجامع، فبضمّ هذه القضيّة العقليّة إلى الحكم الشرعي يكون من الممكن للفقيه تعيين الحكم للفرد الآخر، ونفي الفرد الآخر الذي حكم العقل باستحالته.
وأمّا في طرف إثبات حكم بالعقل النظري، فهو بتطبيق باب العلّيّة والمعلوليّة على الحكم الشرعي، باعتباره فعلا اختيارياً صادراً من العاقل
ــــــــــ[70]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الحكيم المختار، فبمقدار ما يقتضي تطبيق قوانين العلّيّة على الفعل الاختياري يتعيّن الحكم الشرعي، فيستكشف الحكم الشرعي، إمّا لمّاً من ناحية حكم العقل بعلّته، وإمّا إنّاً من ناحية حكم العقل بمعلوله، كما هو ديدن العقل في معرفة قضاياه المجهولة.
وفي هذا المقام يُتصوّر ثلاثة انحاء من الاستكشاف، وذلك: أنَّه تارةً يدرك العقل ذات العلّة وذات المعلول، وتكون علّيّة العلّة ومعلوليّة المعلول ثابت أيضاً بحكمه، ومن المعلوم أنَّ استكشاف العقل شيئاً من العلّة يتوقف على إثبات ذات العلّة وكونها علّة، وأنَّ استكشاف العقل شيئاً من المعلول يتوقف على إثبات ذات المعلول وكونه معلولاً، فتارةً يكون كلّ من ذات العلّة والعلّيّة وكلّ من ذات المعلول والمعلوليّة مدرك بالعقل، وأخرى يفرض أنَّ العلّيّة يحكم بها العقل إلَّا أنَّ وجود العلّة بحسب الخارج خارج عن حريم العقل النظري، وثالثة يفرض أنَّ ذات العلّة تثبت بالعقل النظري، والعلّيّة تثبت من الخارج. فهنا ثلاث صور.
الصورة الأولى: أنَّ العقل يحكم بكلَّ من العلّة والعلّيّة أو المعلول والمعلوليّة، أمّا في طرف العلّة فكما لو فرضنا أنَّه أدرك بنفسه ملاكاً تامّاً في فعل من الأفعال بتمام خصوصيّاته من المقتضي والشرط وعدم المانع، وأدرك علّيّة هذا الملاك للحكم الشرعي ببرهان تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد الذي هو بنفسه حكم للعقل النظري، فيستنتج من ضمّ هذين الحكمين العقليين النظريين: الحكم بذات العلّة وبعلّيتها، ومقتضاه استكشاف الحكم الشرعي بالبرهان اللمّي.
ــــــــــ[71]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وقد يفرض هذا في جانب المعلول، بمعنى: أن يحدث في الخارج شيء يحكم العقل بحدوثه، ويحكم أنَّه معلول للحكم، بحيث لولا وجود الحكم لما حدث، فيكون حاكماً بذات المعلول وبمعلوليته، كما هو الحال في موارد الاستدلال بالسيرة في إثبات حكم شرعي، فيما لو فرض أنَّ السيرة العقلائيّة ثبت وجودها في أيام المعصومين بالاستنباط العقلي، حيث يستكشف من وجودها الآن وجودها في عصرهم ببعض القرائن التاريخيّة وغيرها، إذاً، فقد استنبط العقل أنَّ السيرة كانت جارية في زمان النبي على مرأى منه ومسمع، فهذه السيرة هي ذات المعلول.
والعقل أيضاً يحكم بكون هذا معلولاً، كجواز شرب ماء الرمان الحامض؛ إذ لو لم يكن الحكم ثابتاً في الواقع لكان سكوت الإمام عنه -وهو يجري بمرأى ومسمع منه- نقضاً للغرض، فمن عدم الردع المستكشف عن طريق عقلي
-بمعنى: أنَّه لو ردع لوصل إلينا- يثبت الحكم ببرهان استحالة نقض الغرض. والسيرة دائماً تستبطن وتحتوي على برهان عقلي من قبيل الانتقال من المعلول إلى العلّة.
الصورة الثانية: أن يُفرض أنَّ العقل النظري يحكم بعلّيّة العلّة، إلَّا أنَّه لا يحكم بوجودها خارجاً، بل إثبات وجودها يكون من خارج حريم العقل النظري، كما هو الحال في باب الملازمات العقليّة، فالعقل يحكم بأنَّ وجوب ذي المقدمة علّة لوجوب المقدّمة لكنّه لا يحكم بثبوت الوجوب لذي المقدّمة، فالعلّيّة ثابتة في نظره، ولكن ذات العلّة لا بُدَّ من إثباتها من ناحية أخرى
ــــــــــ[72]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
كالدليل الشرعي الذي يحكم بوجوب ذي المقدّمة، فبضمّ هذا الحكم الشرعي إلى ذلك الحكم العقلي ينكشف ثبوت وجوب المقدّمة.
الصورة الثالثة: أن نفرض أنَّ العقل يستقلّ بذات العلّة، إلَّا أنَّ العلّيّة تثبت من الخارج، كما في قياس المساواة أو الأولوية، كما في قوله تعالى:فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ(1)حيث حرّم المولى قول (أُفّ) للوالدين، والعقل النظري لو خلّي وطبيعته لا يدرك -مثلاً- أنَّ قول: (أف) هذا فيه مفسدة تامّة ملزمة بحيث يقتضي الحرمة، فهو لا يدرك علّيّة الحزازة في هذا القول، وإنَّما يثبت ذلك بالدليل الشرعي المتقدّم، إلَّا أنَّه يدرك أنَّ هذه الحزازة على جميع محتملاتها، كما هي موجودة في كلمة (أف) موجودة في جميع أنواع السب والشتم، إمّا بقياس المساواة أو الأولوية، فالعلّيّة تثبت بالدليل الشرعي، لكن ذات العلّة تثبت بقياس المساواة الذي استقلّ به العقل النظري.
والقسم الأوّل هو الحري بأن يقال عنه: إنَّه من مستقلّات العقل النظري؛ لأنَّ العقل لا يحتاج فيه إلى جميع أحكامه، وأمّا القسم الثاني، فهو باب الملازمات، وأمّا القسم الثالث، فهو باب قياس المساواة أو الأولوية.
ــــــــــ[73]ــــــــــ
(1) الإسراء: 23.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
يقع الكلام في كيفية استنباط الحكم الشرعي من العقل العملي الذي مرجعه إلى التحسين والتقبيح العقليين، أمّا أن يعمل بالنسبة إلى فعل المكلّف، أو بالنسبة إلى فعل المولى.
أمّا إعماله بالنسبة إلى المكلّف، فيقال: بأنَّ كفران نعمة المنعم أو الإساءة إلى الأب قبيح؛ لأنَّه ظلم له، ويستكشف من ذلك حكم الشارع بحرمة الإساءة إلى الأب.
وأمّا إعماله بالنسبة إلى المولى، فكما كنّا نقول قبل أيام: إنَّ الترخيص بالمخالفة القطعيّة قبيح، فهو لا يصدر من المولى، وعلى كلا التقديرين يحتاج إلى تتميمه بالعقل النظري، فإن أُعمل بالنسبة إلى عمل العبد، فلا يستكشف منه الحكم الشرعي إلَّا بعد تتميمه بالملازمة بين قبح الشيء عقلاً وحرمته شرعاً، وهي من مدركات العقل النظري. وأمّا إذا أعمل العقل العملي بالنسبة إلى المولى فلا بُدَّ من ضمّ حكم العقل إليه باستحالة صدور القبيح من الحكيم، وهو حكم من العقل النظري أيضاً.
هذا حاصل الكلام في كيفية استكشاف الحكم الشرعي من الحكم العقلي على جميع محتملاته الممكنة والمعقولة.
ــــــــــ[74]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ثُمَّ إنَّ الدليل العقلي الذي عرّف بأنَّه: حكم العقل بقضيّة مقرونة بالجزم. فهذا الحكم من قبل العقل المراد منه في المقام هو ما يكون في مرتبة الكتاب والسنة، بقرينة جعل العقل أحد الأدلّة الأربعة، حيث قال الأصوليون المحقّقون: إنَّ الأدلّة أربعة، هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل.
فالمراد به هو ما كان حكماً عقليّاً مقروناً بالتصديق، بحيث يكون في مستوى الكتاب والسنة، وعليه يخرج عن محلّ بحثنا الأحكام العقليّة السابقة رتبة عن الكتاب والسنة، وهي الأحكام العقليّة التي يستدلّ بها على أصل حجّيّة الكتاب والسنة، فهي أسبق رتبة منهما، ويحتاجهما حتّى من يستدلّ بالكتاب والسنة، كما ينفي إخراج الأحكام العقليّة المتأخّرة عن الكتاب والسنة، والمراد بها تلك الأحكام العقليّة الواقعة في مرحلة عالم الامتثال والعصيان، كحكم العقل بوجوب الطاعة، وحقّ المولويّة ووجوب الاحتياط في موارد العلم الإجمالي؛ لأنَّ هذه الأحكام في مستوى الوظائف العمليّة لا في مستوى الكتاب والسنة، فيبقى الأحكام التي تكون في مستواهما، أي: التي يستكشف منها حكم شرعي، أمّا الأحكام الأخرى فيظهر حالها فيما بعد إن شاء الله.
وقد عرّف الدليل العقلي: بأنَّه القضايا العقليّة القطعيّة المقرونة بالجزم من قبل النفس التي يمكن أن يستكشف منها حكم شرعي.
وبهذا التعريف تخرج سائر الأحكام العقليّة الظنّيّة التي ذهب العامّة إلى حجّيتّها، وبملاحظة الخصوصيّات في التعريف نعرف أنَّ الكلام هنا ليس فيما كان من مدركات القوة العاقلة بالمعنى الفلسفي، بل كلّ قضيّة اقترنت بالجزم
ــــــــــ[75]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
من النفس، ويمكن أن يستكشف منها حكم شرعي.
كما أنَّه ظهر من هذه الخصوصيّات أيضاً أنَّ ما هو موضوع البحث في المقام لا يشمل الأحكام العقليّة التي هي أسبق رتبة من الكتاب والسنة، وما في طولهما؛ لأنَّ الكلام إنَّما هو في القضيّة العقليّة المقرونة بالجزم التي يستكشف منا الحكم الشرعي على حدِّ استكشافه من الكتاب والسنة، فالقضايا التي تقع في رتبة سابقة عنهما ويبرهن بها على مبادئ الكتاب والسنة، وكذلك الأحكام المتأخّرة رتبة عنهما الواقعة في مرحلة الامتثال والعصيان؛ لأنّها ليست من القضايا التي يستنبط منها حكم شرعي، وإنَّما تفيد تشخيص الوظيفة العمليّة للمكلّف.
وقد مثّلنا بالسيرة لإدراك العقل النظري لكلِّ من المعلول والمعلوليّة، فإنَّ الاستدلال بها مع فرض عدم الردع، يرجع إلى استكشاف الحكم عن طريق معلوله؛ وذلك لأنَّ الحكم الشرعي إذا كان في الواقع على خلاف السيرة العقلائيّة، ولم يردع عنها المولى يلزم نقض الغرض، فببرهان نقض الغرض يثبت أنَّ عدم الردع -وهي معاصرة لأيامهم-يكون كاشفاً عن ثبوت الحكم الشرعي، فهنا ذلك المعلول وهو السيرة بقيد كونها غير مردوع عنها يمكن أن يثبت بالحكم العقلي، أي: من الاستنتاج من مجموع القرائن؛ لانّا لم نكن في ذلك العصر، فإثبات السيرة يحتاج إلى تجميع عدة قرائن، ويكون وجودها كمعلول للحكم الشرعي حكماً عقلياً نظرياً، كما أنَّ إثبات أنَّ هذا معلول للحكم الشرعي أيضاً يثبت ببرهان نقض الغرض الذي هو من أحكام العقل النظري.
ــــــــــ[76]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
قال سيّدنا الأُستاذ في نهاية تلخيصه لما سبق، ندخل الآن في أصل المطلب، وقلنا: إنَّ تنقيح البحث يقع في مراحل ثلاث:
المرحلة الأولى: في عدم جواز التعويل على العقل من ناحية القصور بحسب عالم الجعل، والمراد به أنَّ الأحكام الشرعيّة مقيّدة بحسب عالم جعلها وتشريعها أن لا تصل عن هذا الطريق، أو أن تصل عن طريق آخر، فالقصور في عالم الجعل.
المرحلة الثانية: أن يُدّعى عدم جواز التعويل على الأدلّة العقليّة من ناحية القصور من ناحية عالم الاستكشاف، بعد فرض تمامية عالم الجعل، إلَّا أنَّ الدليل العقلي لا يصلح أن يكون كاشفاً عن الحكم.
المرحلة الثالثة: إن سلّم أنَّه لا قصور في عالم الاستكشاف، وأنَّ الدليل العقلي يكون سبباً لإحراز الحكم الشرعي، إلَّا أنَّ القطع المعلول لدليل العقل ليس حجّة، فالقصور إنَّما هو في عالم الحجّيّة لا في عالم الجعل والاستكشاف.
ــــــــــ[77]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
أمّا المرحلة الأولى: وهي دعوى قصور الدليل العقلي عالم الجعل في موارد الأدلّة العقليّة، ودعوى تقييد الجعل بعدم الوصول عن طريق الدليل العقلي، أو بالوصول عن طريق الدليل اللفظي، فهذا في نفسه وإن كان معقولاً بالجعل الأوّل في سائر الموارد بلا حاجة إلى الالتزام بما التزم به المحقّق النائيني(1) من تتميمه بجعل آخر، إلَّا أنَّه في خصوص المقام لا يمكن البرهنة على اسقاط حجّيّة الدليل العقلي بأنَّه في المرتبة السابقة على ذلك، إمّا أن يعترف بتماميّة عالم الاستكشاف وإمّا أن يقال بعدم تمامية هذا العالم، فإن فرض عدم تماميته، وطعن في قابلية العقل لإنتاج قضيّة عقليّة جزميّة قابلة لكشف جزماً عن حكم شرعي في المرتبة السابقة، إذن فعدم الحجّيّة يكفي فيه عدم تمامية الدليل العقلي، بلا حاجة إلى أخذ العلم بطريق خاصّ شرطاً أو مانعاً في موضوع الجعل، وبعد هذا يكون إضافة هذه الدعوى إضافة تبرعيّة لا دخل لها فيما هو المهم المقصود من عدم حجّيّة الدليل العقلي؛ إذ فرض في المرتبة السابقة على ذلك أنَّ الدليل العقلي غير قادر على انتاج قضيّة جزميّة كاشفة عن الحكم الشرعي كشفاً
ــــــــــ[78]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول1: 35 – 44.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
جزميّاً، وإذا فرض في المرتبة السابقة تمامية الدليل العقلي بحسب عالم الاستكشاف، وأنَّ العقل ينتج قضيّة جزميّة قابلة للكشف عن الحكم، كما لو فرض مثلاً الاعتراف بالحسن والقبح العقليين بالعقل العملي، وفرض الاعتراف بالملازمة العقليّة بحسب حكم العقل النظري بين الحسن والقبح العقليين وبين الحكم الشرعي، فلو تمّ كلّ ذلك في المرتبة السابقة لا يبقى حينئذٍ مجال للتقييد بعدم الوصول عن طريق خاصّ، فيقال مثلاً: بأنَّ الظلم جعلت له الحرمة بشرط أن لا يصل هذا الجعل عن طريق الدليل العقلي، أو بشرط أن يصل عن طريق الدليل اللفظي، فهذا التقييد يكون محالاً بعد فرض الاعتراف بالعقل العملي وبالملازمة بين العقل العملي وبين الأحكام الشرعيّة؛ إذ هو من باب التفكيك بين العلّة والمعلول، ففي الموارد التي بيّنا إمكان استفادة الحكم الشرعي من العقل النظري، كما إذا حكم العقل بالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، فإنَّه بعد فرض حكمه بذلك وكونها قضيّة جزميّة، وبعد فرض وجود الدليل على وجوب الصلاة يستحيل أن يقال: بأنَّ جعل وجوب الوضوء مقيّد بأن لا يصل عن هذا الطريق أو أن يكون واصلاً عن طريق آخر، فتقييد الجعل حينئذٍ ممّا لا يُعقل التصديق به، فإنَّ التصديق به -بعد فرض ما فرضناه- يكون مساوقاً للتصديق بالانفكاك بين العلّة والمعلول، وهو محالٌ.
إذن، فإسقاط حجّيّة الدليل العقلي -التي هي مأرب الأخباريّين- لا يمكن البرهنة عليه ابتداءً عن طريق تقيد الجعل بعدم الوصول إليه عن طريق خاصّ؛ إذ لو فرض في المرتبة السابقة تماميّة الاستكشاف، فيستحيل هذا التقييد؛ إذ هو مساوق في نظر العقل للتفكيك بين العلّة والمعلول، ومع فرض
ــــــــــ[79]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
عدم تماميّة عالم الاستكشاف في المرتبة السابقة، والطعن في العقل وتزييف قضاياه، وجعلها قضايا غير يقينيّة، فإنَّه يكفي مجرّد ذلك في عدم جعل الدليل العقلي حجّة.
ومن هنا ظهر وجه الخلل في تقريرات المحقّق النائيني حيث إنَّه ذكر هذا الوجه بياناً وتوجيهاً فنيّاً لمدّعى الأخباريّين وفرضه بعد اعترافهم بالعقل والملازمة، إلَّا أنّهم يدّعون قصور عالم الجعل من ناحية تقيده بعدم الوصول عن طريق خاص، فذكر: أنَّه معقول بمتمّم الجعل، إلَّا أنَّه في هذا المورد غير معقول في نفسه بعد فرض اعتراف الخصم بالعقل العملي والملازمة؛ لأنَّه تفكيك بين العلّة والمعلول. إذن، فهذا الوجه لا يمكن أن يبرهن به ابتداءً على اسقاط حجّيّة الدليل العقلي.
ــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وأمّا المرحلة الثانية: فكان الطعن في قابليّة الدليل العقلي لا من ناحية عالم الجعل، بل من ناحية عالم الاستكشاف، فيعترف بأنَّ الجعل في نفسه مطلق، إلَّا أنَّ الدليل العقلي لا يليق للكشف عن الحكم الشرعي، فالقصور إنَّما هو من كاشفيته عن الحكم الشرعي لا في جعل الحكم الشرعي بحسب عالم التشريع، وهذا القصور المدّعى في الدليل العقلي بحسب عالم الاستكشاف، يكون تقريبه بدعوى وقوع الخطأ في باب الأدلّة العقليّة، فإنَّ كلّ عاقل يعرف من نفسه ومن غيره من العقلاء أنّهم كثيراً ما يقعون في أخطاء في استنباطاتهم وإدراكاتهم وأحكامهم العقليّة بالرغم من أنّها كانت مقرونة بالجزم والتصديق، إلَّا أنّهم ينكشف لهم بعد ذلك خطأ ما جزموا به، وكثرة وقوع الخطأ في المقام توجب سقوط الدليل العقلي عن الحجّيّة، لا بمعنى أنَّ الدليل العقلي يكون مفيداً للقطع، ومع هذا لا يكون حجّة؛ لأنَّ هذا مرجعه إلى المرحلة الثالثة، وهي قصور عالم الجعل، بل بمعنى: أنَّ الاطّلاع على كثرة وقوع الخطأ في الأدلّة العقليّة يكون سبباً لعدم حصول القطع للعاقل من مثل هذه الأقيسة والمقدّمات والنتائج.
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وينبغي أن يُميّز في المقام بناءً على هذا التقريب بين مدّعى الأخباريّين في المقام الذي مرجعه إلى اسقاط العقل وإنكار حجّيتّه المنطقيّة، وقابليته للكشف باعتبار كثرة وقوع الخطأ فيه، وبين ما ادّعي في مدارس الفلسفة المادية من اسقاط العقل وعدم القول بحجّيتّه المنطقيّة، فليس المدّعى في المقام واحداً؛ وذلك لأنَّه في مدارس الفلسفة المادية وإن نوقش في العقل كما نوقش هنا، وإن احتجّ في جملة الحجج بمثل هذه الحجّة، ولكن بتفصيلات وتعليقات، إلَّا أنَّ المدّعى مختلف سنخاً، فإنَّ المدّعى في مدارس الفلسفة المادية في مقام اسقاط العقل النظري هو اسقاط العقل النظري المجرّد، يعني: العقل النظري المنفصل عن الحسي والتجربة، باعتبار أنَّ هذه المدارس آمنت بأنَّ مصدر المعرفة وانشاء الأساس للمعلومات البشرية هو الحسّ والتجربة، وأنكرت وجود معارف قبلية، أي: معارف قبل الحسّ والتجربة، فكلّ معرفة مهما كانت واضحة أو عامّة مطلقة فهي بالتحليل ترجع إلى أنَّها حصيلة تجارب كثيرة مرّت بحياة الإنسان أو أوجدها الإنسان في حياته، ومن هنا اسقطوا العقل النظري المجرّد الذي لا يعتمد على الحسّ والتجربة، فإنا لا نملك معرفة مستقلّة عن الحسّ والتجربة، حتّى اثنين نصف الأربعة، أو أنَّ الكلّ أكبر من الجزء، فهذه الحقائق استمدت من الحسّ والتجربة؛ لذا لو لم يجرب الإنسان أنَّ الكلّ أكبر من الجزء لما حكم أنَّ كلّ كلّ أكبر من جزءه.
وبناءً عليه يترتّب عليه سقوط العقل النظري المجرّد، أمّا العقل النظري التجريبي فيبقي على حاله وحجّتّه المنطقيّة، فهنا مدّعى الفلاسفة الماديين هو
ــــــــــ[82]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
التفصيل في العقل النظري بين العقل النظري المجرّد والعقل النظري المستمد من الحسّ والتجربة، ونكتة هذا التفصيل فلسفياً هي بيان أنَّ مصدر المعرفة هو الحسّ والتجربة، فلا بُدَّ من الاعتماد فقط على هذا المصدر، وأمّا ايجاد قضايا لا تعتمد على الحسّ والتجربة، فهذا مجرّد تصوّر وتخيّل. هذا هو قول الماديين.
وأمّا المدّعى الأصولي للعلماء المحدثين في المقام هو أوسع من ذلك؛ لأنَّ هؤلاء كما لا يعتمدون على العقل النظري المجرّد، لا يعتمدون على العقل النظري التجريبي والحسّي، فكما لا يرون حجّيّة القضايا العقليّة الناشئة من البراهين التجريبية، كذلك لا يرون حجّيّة القضايا الناشئة من الحسّ والتجربة، فهم لا يعترفون بحجّيّة أيّ دليل غير الكتاب والسنة، غير ما كان واقعاً في طريق الاتصال بالحجج، فلا يفرقون في باب اسقاط الحجّيّة من الدليل العقلي بين العقل النظري المجرّد والعقل النظري القائم على أساس الحسّ والتجربة، فقانون الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته سواء ثبت ببرهان عقلي مجرّد كبرهان الخلف، أو برهان الحسن البصري مثلا، أو ثبت بالتجربة على طريقة علم النفس الحديث، فلا بُدَّ أن يقوم بالتجربة عدد كبير من الناس، ويرى بامتحان حال النفس البشريّة بمختلف ظروفها وما يقارنها من أحداث، فيرون أنَّ التواجد النفسي المسمّى بالميل نحو شيء هل يحدث توجهاً نفسياً آخر نحو مقدّماته أو لا يحدث؟ وهو طريق معترف به في الفلسفة التجريبيّة، إلَّا أنَّه غير معترف به على طريقة الأخباريّين؛ لأنَّه في نهاية المطاف دليل منفصل عن تلقي الأحكام عن أهل البيت.
إذن، فمدّعى الأخباريّين في المقام اسقاط الحجّيّة عن تمام الدليل العقلي
ــــــــــ[83]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
النظري، ومن هنا كان مدّعاهم أشبه بمذاهب الشكّ في الفلسفة واتجاه السفسطة، ومذاهب الشكّ والسفسطة هي التي تدين العقل النظري بشكل عامّ وتسقطه عن الحجّيّة راساً؛ ولهذا يسمّى هؤلاء بالشكاكين، واللاادريين، والسفسطائيين.
وأمّا الفلاسفة الماديون الذين يبنون على التفصيل في العقل النظري بين المجرّد والقائم على أساس الحسّ والتجربة النظري، فهؤلاء قد يكونون يقينيين وقطعيين، ومع ذلك يسقطون حجّيّة العقل النظري.
وبعد أن عرفنا أنَّ مدّعى الأخباريّين يرجع إلى سلخ الدليل العقلي كلّيّة عن الحجّة المنطقيّة، وإلغاء اعتباره وقابليته للكشف، وبهذا يرد عليهم وجوه بعضها حلّيّة وبعضها نقضيّة، ويقع الكلام في العقل النظري والعقل العملي.
أمّا المقام الأوّل وهو العقل النظري، فيرد عليه النقض بأمور:
الأمر الأوّل: النقض بالأحكام العقليّة الواقعة في المرتبة السابقة عن الكتاب والسنة، أي: الأحكام العقليّة التي يبرهن بها على مبادئهما، فإنَّ هذه الأحكام العقليّة النظرية التي يبرهن بها على مبادئ الكتاب والسنة شأنها شأن الأحكام العقليّة النظريّة التي يبرهن بها على الأحكام الشرعيّة ابتداءً، ونفس الحجّة التي يبرهن بها على اسقاط العقل منطقيّاً، وهي كثرة وقوع الخطأ مشتركة فيما بينها؛ لأنّها جميعها ترجع إلى أنواع واحدة في باب الاستدلالات العقليّة، فلو فرض أنَّ كثرة وقوع الخطأ كانت سبباً لعدم حصول القطع
ــــــــــ[84]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
واليقين من القضايا العقليّة؛ لأدى ذلك إلى سدّ باب إثبات مبادئ الكتاب والسنة من ناحية الأحكام العقليّة؛ إذ من الواضح أنَّ هذه المبادئ يتعيّن إثباتها عن طريق العقل، ولا يمكن إثباتها من ناحية نفسها.
الأمر الثاني: النقض بنفس الأدلّة اللفظيّة، فإنَّ إحراز وجود الدليل اللفظي لا يكون إلَّا عن طريق العقل، أليس الأخباريون مقصودهم من هذا البيان حصر الاستنباط بخصوص الأدلّة اللفظيّة من الكتاب أو السنة؟! فإثبات صدور هذا الدليل اللفظي، وهذا الكلام من المعصوم لا يكون بالنسبة إلينا إلَّا عن طريق العقل النظري، وبقطع النظر عنه لا يمكن إثبات شيء من هذ الأدلّة اللفظيّة، يرجع أمر اثبات حجيتها إلى المتواترات، يعني: إثبات صدور هذا الخبر يكون راجعاً إلى المتواترات لا محالة، وبنفسه لا يكون ثابتاً ومحرزاً.
والمتواترات إنَّما يحصل القطع بمطابقتها للواقع عن طريق ملازمة مدركة للعقل النظري؛ لأنَّ التواتر على ما يقول علماء المنطق: عبارة عن توفر الأخبار على حادثة معيّنة مشاهدة بالحسّ بدرجة، بحيث يمتنع خارجاً وقوع هذا العدد من الأخبار بهذه الكميّة والكيفيّة، مع عدم وقوع هذه الحادثة بحسب الخارج. ومرجع هذا بالتحليل إلى دعوى الملازمة العقليّة بين الأمرين(1)، إلَّا أنَّ صدور هذا المقدار من الإخبارات بخصوصياتها الكميّة والكيفيّة ملازم ومعلول بنحو
ــــــــــ[85]ــــــــــ
() انظر: الأسس المنطقية للاستقراء، القسم الأوّل من الكتاب، نقد المبدأ الأرسطي، وأيضاً القسم الرَّابِع منه في تفسير القضية التَّجْرِيبِيَّة وتفسير القضية المتواترة.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
من اتحاد العلّيّة لوقوع الحادثة بحسب الخارج، وقهراً هذه الملازمة أمر عقلي صرف حالها حال الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، فكما هذه الملازمة حكم عقلي صرف كذلك هذه الملازمة التي يستقلّ بها العقل بين وقوع الحادثة خارجاً وبين تصدي مئتين واحد بالخصوصيّات الفلانيّة للإخبار عنها، مثل هذه الملازمة أيضاً حكم عقلي صرف، فإثبات المتواتر من الأدلّة اللفظيّة يتوقف على الحكم العقلي الصرف، فإذا اسقطنا حجّيّة العقل منطقيّاً، وشكّكنا في قابلية الدليل العقلي لاستكشاف النتيجة، فمعنى هذا الشكّ في نفس المتواتر، وإذا شكّكنا بالمتواتر سقطت أخبار الآحاد بالعرض؛ لأنَّ قوامها بالمتواتر.
فالتشكيك في قيمة العقل النظري في المقام يؤدّي إلى العجز عن احراز وجود نفس الدليل اللفظي، فضلاً عن إثبات مبادئ الدليل اللفظي، كما قلنا في النقض الأوّل.
الأمر الثالث: النقض على الأخباريّين بعد فرض إثبات المبادئ، وبعد فرض إثبات نفس الدليل اللفظي بالتواتر مثلاً، وبيان النقض: أنَّ استنباط الحكم من الدليل اللفظي أيضاً يحتاج إلى تأملات عقليّة غالباً، وهذه التأملات العقليّة يقع فيها الخطأ، كما يقع الخطأ في سائر التأملات العقليّة، فمثلا ملاحظة النسبة بين دليلين في مقام استنباط الحكم من الأدلّة اللفظيّة نلحظ النسبة بينهما، أهما بنحو العموم والخصوص من وجه، أو المطلق، أو التباين، أو التساوي ونحو ذلك، ملاحظة النسبة بين أمرين قد تكون في بعض الموارد في غاية الخفاء خصوصاً إذا كانت أطراف المعارضة أكثر من دليلين، وكم وقع علماء الأُصول
ــــــــــ[86]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
في اخطاء من ناحية تشخيص ملاحظة النسبة بين أكثر من دليلين، وأنَّه هل يكون من موارد انقلاب النسبة أو لا يكون؟
وتشخيص النسبة بين أكثر من دليلين من الأمور التي تحتاج إلى تأمل عقلي، وهذا التأمل العقلي على حدِّ سائر التأملات العقليّة التي تكون في معرض الخطأ والصواب، فاستخراج الحكم من الدليل اللفظي بعد فرض ثبوته في نفسه وثبوت مبادئه أيضاً يحتاج إلى إعمال عقلي، فلو سقط العقل عن الحجّيّة لامتنع الاستنباط من هذه الأدلّة اللفظيّة.
هذه نقوض ثلاثة على مسلك اسقاط العقل النظري عن الحجّيّة عن استكشاف الأحكام الشرعيّة بحسب عالم الاستكشاف، فالنقض الأوّل يرجع إلى المبادئ العقليّة التي يبرهن بها على مبادئ الكتاب والسنة، والثاني يرجع إلى المبادئ العقليّة المعمولة في سبيل إثبات نفس وجود الكتاب والسنة، والثالث يرجع إلى الأحكام العقليّة المعمولة في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة. هذا كلّه النقض.
وأمّا الكلام في الحلّ، فبقي أن يعلم قبل تحقيق الحال في الحل أنَّ هذه الشبهة، وهي اسقاط الدليل العقلي بحسب عالم الاستكشاف من ناحية وقوع الخطأ في العقليات لا يفرق بين أن نقول: إنَّ هذا الخطأ الذي يقع في إدراك قوة واحدة من قوى النفس، أو أنّه يقع باعتبار خلط قوة بقوة وجعل موضوع حكم قوة موضوعاً لحكم قوة آخر، كما ذهب إلى ذلك مشهور الفلاسفة، حيث ادّعوا أنَّ وقوع الخطأ من قبل النفس البشرية مرجعه بالتحليل ليس إلى
ــــــــــ[87]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
قوة من قوى الادراك في الإنسان تخطأ في حكمها، فإنَّ كلّ قوة درّاكة لا تخطأ في حكمها، بل تطابق الواقع أبداً، وإنَّما يرجع الخطأ إلى أنَّ هذه القوى كلّها تتمركز في كيان واحد وهو الإنسان، فقد يضع موضوع حكم قوة موضع موضوع حكم قوة أخرى، ويستنتج من ذلك نتيجة، ويكون هذا التلفيق سبباً في تَوّلد الخطأ عند الإنسان.
وهذا الشبهة من الفلاسفة الجزميين والمناطقة ثابتة سواء كان صحيحاً أو لا، وسواء ارجعنا تمام الأخطاء إلى هذا التلفيق أو لم نرجعه إليها، بأن يقال: إنَّ قوة واحدة تخطأ في ادراكها بلا حاجة إلى ضمّ التلفيق بين القوى، وعلى أيّ حال فهذه الشبهة ثابتة، ولا ترتفع بتفسير الخطأ بأنَّه يرجع إلى التلفيق؛ إذ في نهاية المطاف نرى أنَّ هذا الإنسان الدرّاك الذين نحن أحد مصاديقه وأفراده يقع في الخطأ كثيراً، إلَّا أنَّ هناك حيثيات وخصوصيّات تقتضي أنَّ الإنسان يلفق في بعض الأحيان، بحيث يؤدّي إلى الخطأ. إذن، فينبغي أن يكون الإنسان بعد الالتفات إلى هذا غير معتمد على الدليل العقلي، وغير مؤمن بقيمته المنطقيّة.
وبعد هذا يقال عادة في مقام الجواب عن مثل هذا الإشكال، والاحتفاظ للدليل العقلي بقيمته بالرغم من كثرة وقوع الخطأ، يقال: إنَّ الخطأ وإن كان واقعاً كثيراً في الاستدلالات العقليّة النظريّة، إلَّا أنَّه من الممكن أن يعتصم من هذا الخطأ بقانون علم المنطق، أي: القانون الذي يبيّن كيفيّة حركة الفكر من المطالب إلى المبادئ، ومن المجهول إلى المعلوم وعوده إلى المجهول، هذا
ــــــــــ[88]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
القانون الذي يبيّن لهذه الحركة اسلوبها واتجاهها، وكيف أنّها تنتهي إلى المبادئ ثُمَّ ترجع إلى المطلوب المجهولي، وهذا القانون هو الذي يعصم الفكر عن الخطأ، فتكون الثوابت ستة في علم المنطق، وهي كمتمّم الجعل بالنسبة إلى الأدلّة العقليّة، فالدليل العقلي مع فرض مراعاة قانون المنطق حينئذٍ يكون مأموناً من ناحية الخطأ، هكذا اجيب عن شبهة الأخباريين.
وكأنهم التفتوا إلى هذا الجواب فذكروه، وأشكلوا عليه أيضاً، فمن جملة بياناتهم في الإشكال على ذلك: أنَّ علم المنطق لا يكفي في المقام لدفع الإشكال؛ وذلك لأنَّه إنَّما يعصم من ناحية الصورة و لا يعصم من ناحية المادة، كما نقل الشيخ الأعظم في الرسائل(1) كلاماً للمحدّث الاسترابادي في فوائده المدنية(2)، حيث ذكر هذا المحدّث: أنَّ علم المنطق لا يكفي لدفع الإشكال؛ وذلك لأنَّه إنَّما يعصم ناحية الصورة، فيذكر طريقة ترتيبه للمبادئ، بحيث يستنتج منها المطلوب، وأمّا المواد فلا يميّز علم المنطق الصحيح منها من السقيم، ولا يتصوّر بيان قانون أو قاعدة عامّة لإفراز المواد الصحيحة عن غير الصحيحة، فهو علم صوري، وظيفته حماية الصورة وتنسيقها وجعلها قادرة على الانتاج لو كانت موادهما في نفسها صحيحة، فلو كان العالم حادثاً حقيقة وكان كلّ متغيّر حادثاً حقيقة، فيكون العالم متغيّراً حقيقة، فلو فرض أنَّ هذه المقدمات ثابتة في الواقع فعلم المنطق يعرف كيفية استنتاج النتيجة من هاتين المقدّمتين وكيفية
ــــــــــ[89]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 53.
(2) انظر: الفوائد المدنيّة: 129- 131.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ترتيبهما بنحو خاص، فهو يرتب صورة القياس ولا يتعرض لمواده.
إلَّا أنَّ هذا الإشكال ليس بشيء، وناشئ من عدم الاطّلاع على علم المنطق، أو من عدم التعمق أكثر من ذلك فيه.
وذلك لأنَّه مع الاقتصار على المقدار الذي يبيّن، يجاب عنه أيضاً في علم المنطق: بأنَّ الخطأ في المواد أيضاً غير معقول؛ وذلك لأنَّ القياس إمّا أن تفرض هي المواد الضرورية، وإمّا أن تفرض مواداً متفرعة على المواد الضرورية، فإن فرضت المواد هي المواد المتفرعة عن المواد الضرورية، فالخطأ يقع فيها من ناحية الصورة ومن ناحية استنتاجها من المواد الضرورية، فإنَّ طريقة استنتاج هذه المواد الثانوية من الأوّليّة كانت طريقة خاطئة؛ لأنّها لم تكن تنسجم مع علم المنطق، فرجع الخطأ إلى الصورة، والمفروض أنَّ علم المنطق يعصم من ناحية الخطأ في الصورة.
وإن فرض أنَّ المادة كانت مادة أوّليّة، أي: إحدى القضايا الست. إذن، فهذه القضايا هي بنفسها قطعيّة ويقينيّة ولا يحتمل مخالفتها للواقع؛ لأنّها بديهيات، ومع كون القضايا بديهيّة لا يحتمل فيها الخطأ، وإن فرض أنَّ الخطأ كان واقعاً في المواد الثانويّة، فإنَّ الخطأ يرجع إلى كيفية استنتاج هذه المواد الثانوية من المواد الأوّليّة، والخطأ أيضاً خطأ صوري، وعلم المنطق يعصم منها.
إلى هنا انتهى البحث بين الأخباريّين والأصوليين بحسب تسلسل هذه المسألة إلى كتاب الرسائل.
والتحقيق في المقام: أنَّ هناك خلطاً وقع بين يقينين ومسألتين، وبذلك اشتبه علم الأُصول بعلم المنطق.
ــــــــــ[90]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فاليقين تارةً يستعمل ويراد به معناه في كتاب البرهان من علم المنطق، أي: العلم الجازم المطابق للواقع، بحيث تفرض مطابقة للواقع عنصراً مقدّماً لمفهوم اليقين، فحينما يقال في كتاب البرهان: إنَّ هذه القضيّة يقينيّة لا يقصد بها مجرّد كونها مجزوماً بها من قبل النفس، بل يراد أنّها قضيّة جزميّة حقّة مطابقة الواقع.
وفي علم الأُصول حين نبحث عن القطع وأحكامه، ونقول: إنَّه حجّة، لا نريد من القطع الذي نرتّب عليه أحكامه العقليّة اليقين بهذا المعنى، أي: اليقين بمعنى الاعتقاد الحقّ المطابق للواقع، بل نريد منه مجرّد الجزم من قبل النفس بثبوت محمول الموضوع جزماً، فلا يبقى معه تردد أو وسواس، سواء كان مطابقاً للواقع أو لا، فعنصر المطابقة للواقع غير مأخوذ في مفهوم اليقين بمعناه الأصولي المترتب عليه أحكامه المبحوث عنها في علم الأُصول.
وحينئذ حينما يقال: إنَّ الأخطاء تقع في الأدلّة العقليّة، وأنَّ كثرة الأخطاء في الأدلّة العقليّة النظرية تمنع من الاعتماد والتعويل على الدليل العقلي من ناحية قصوره بحسب عالم الاستكشاف.
هذا الكلام إمّا أن يراد منه إنكار أصل حصول اليقين بمعناه الأصولي، بمعنى: أنَّ الإنسان لا يحصل له قطع بحسب الخارج، بعد أن اطّلع أنَّ أكابر عقل البشر، وهو ارسطو واضع علم المنطق ارتكب كثيراً من الأخطاء، وارتكب جملة من المخالفات في جملة من الموارد، بالرغم من أنَّه هو مؤسس هذا العلم العظيم، فبعد أن يلتفت الإنسان إلى هذا المطلب، فدائماً يكون في شكّ ووسوسة، ولا يحصل له جزم بحسب الخارج أصلا، فتارةً يدّعى هذا المطلب
ــــــــــ[91]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
-إنكار اليقين بمعناه الأصولي- بدليل كثرة وقوع الخطأ، وأخرى يدّعى في المقام -بعد الاعتراف بحصول الجزم بحسب الخارج- أنَّ إنكار اليقين بمعناه المنطقي في كتاب البرهان لا اليقين بمعناه الأصولي، أي: أنَّه لا يوجد هنا يقين مضمون الصحّة، أي: مضمون المطابقة للواقع، ومعنى كون اليقين مضمون الحقانيّة والصحّة والمطابقة للواقع ليس هو كونه كذلك في كلّ موردٍ موردٍ بالنسبة إلى المتيقّن، فإنَّ هذا مظنون بالنسبة اليه؛ لأنَّه في كلّ موردٍ لا يحتمل خلاف ما يتيقّن به، وإنَّما المراد من كون اليقين مضمون الحقانيّة ومضمون المطابقة للواقع، أي: بيان طريقة عامّة في التفكير والاستقلال تكون بنحو القضيّة الكلّيّة مضمونة الحقانيّة والمطابقة للواقع، وهذا أهم أبحاث المنطق والفلسفة؛ لأنَّ جميع أبحاثها تبتني على هذا البحث؛ إذ نرى هل هناك طريقة عامّة تبين بنحو القضيّة الكلّيّة، وتكون مضمونة الحقانيّة والمطابقة للواقع
فالمراد من البحث في ثبوت اليقين بالمعنى المنطقي هو اليقين بمعنى الحقانيّة، والمراد من التكلّم في الحقانيّة ليس هو حقانيّة كلّ يقين للمتيقّن عن شخص ذلك المورد، بل المراد بيان طريقة عامّة في التفكير وفي المعرفة البشرية مضمونه الحقانيّة مطابقة للواقع حتماً، وهذا ما يدّعيه الفلاسفة من اتباع أرسطو، فإنَّهم يدّعون بأنَّ هناك طريقة عامّة في التفكير مضمونه الحقانيّة والمطابقة للواقع، وسمّوها بالبرهان، وقالوا: بأنَّ البرهان التامّ من ناحية الصورة والمادة يقيني الانتاج، وليس المراد من كون البرهان يقيني الانتاج أنَّه يحصّل الجزم بالنتيجة، فإنَّ الجدل أيضاً قد يحصّل الجزم بالنتيجة، والسفسطة
ــــــــــ[92]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
والمغالطة أيضاً كذلك، بل مرادهم من أنَّ البرهان يمتاز على الصناعات الأخرى أنَّه يقيني النتيجة وحقانّي النتيجة، ونتيجته القطعيّة مضمونه المطابقة للواقع؛ وذلك لأنَّ الأقيسة البرهانيّة من حيث الصورة يطبّق عليها قوانين الصورة في علم المنطق، ومن حيث المادة يشترط في مواد البرهان أن تكون من القضايا الستة التي قياساتها معها (الأوّليّات، والمحسّوسات، والتجريبيات، والحدسّيات، والمتواترات).
وتخيّلوا أنَّ البرهان إذ كان من حيث الصورة تاماً منطقيّاً، وكان من حيث المادة مؤلفاً من هذه المواد الستة، أو المواد المستخرجة من هذه المواد الستة ببرهان أسبق منه رتبة، فحينئذٍ يكون قطعي النتيجة وحقاً فيها.
هذا هو معنى البحث في اليقين بمعناه المنطقي، وأنَّه هل هناك يقين بهذا المعنى أو لا؟ هنا قد يقال في مقام -مثلاً- إبطال هذا المسلك: أنَّ كثرة وقوع الخطأ توجب عدم كون نتائج البرهان مضمونة الخطأ؛ لأنَّه كثير من الأحيان يتخيّل الإنسان أن يكون برهاناً حقيقة، ومع هذا يكون غير مطابق للواقع.
إذن، هنا بحثان: بحث في وجود اليقين بمعناه الأُصولي الذي ليس معناه إلَّا مجرّد الجزم بثبوت المحمول للموضوع سواء كان مطابقاً للواقع أو لا، وبحث في ثبوت اليقين بمعناه المنطقي في كتاب البرهان الذي أخذ فيه مطابقته للواقع.
والمقصود من البحث في ثبوت اليقين بالمعنى المنطقي الذي أخذ فيه المطابقة للواقع، ليس هو البحث عن ثبوت الجزم وعدمه، بل البحث عن حقانيّة الجزم
ــــــــــ[93]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وعدمها، والبحث عن حقانيّة اليقين ليس بحثاً جزئياً يرجع إلى كلّ يقين بالنسبة إلى المتيقّن، فإنَّ هذا غير محتاج إلى البحث؛ لأنَّ معنى اليقين هو فرض عدم الشكّ، فكلّ متيقّن بالنسبة إلى يقينه في مورده يجزم بمطابقته للواقع، بل المراد من البحث عن حقانيّة اليقين هو بيان طريقة عامّة في التفكير والاستدلال والاستنتاج تكون مضمونة الحقانيّة، وتبيّن على وجه القاعدة الكلّيّة.
فإذا بُيّن هذين البحثين وبُيّن هذين المعنيّين لعنوان اليقين، فحينئذٍ نقول للأخباري: إنّك حين تبرهن على قصور الدليل العقلي من ناحية عالم الاستكشاف بدليل كثرة وقوع الخطأ في الأحكام العقليّة والنظرية، إمّا أن تريد بذلك أن تبرهن على إنكار اليقين بمعنى الجزم الأصولي، بحيث إنَّ الإنسان لا يحصل له الجزم بحسب الخارج، وإمّا أن تدّعي أنك تبرهن بكثرة وقوع الخطأ على إنكار اليقين بمعناه المنطقي، أي: عدم وجود طريقة عامّة في التفكير والاستدلال تكون حقانيّة، أي: مضمونة المطابقة للواقع.
فإن ادّعيت الثاني، فهو أجنبي عن محلّ الكلام، ولا يضرنا هذا المطلب، وانهدم كتاب البرهان من أوّله إلى آخره، وافرض أنَّه لا توجد طريقة عامّة للتفكير تكون مضمونة الحقانية مئة بالمئة، إلَّا أنَّ هذا لا يضر بفرض الأصولي من حيث كونه أصولياً؛ لأنَّ كونه غير حقاني لا ينفي حصول الجزم بحسب الخارج، والحجّة العقليّة مترتّبة على حصول الجزم بحسب الخارج، لا على حقانيّة هذا الجزم بحسب الخارج، فإن نفيت اليقين بالمعنى الثاني كان أجنبياً عن علم الأُصول بالمرة، وإن كنّا سوف نتكلّم فيه على نحو الإجمال.
ــــــــــ[94]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وإن نفيت اليقين بالمعنى الأوّل، أي: بالمعنى الأصولي، وقلت: إنَّه لا يحصل جزم بحسب الخارج من ناحية كثرة وقوع الخطأ، فهذا أمر لا معنى له؛ إذ المعلول لا يناسب العلّة، والاستدلال بكثرة وقوع الخطأ على عدم وجود الجزم بمعناه الأصولي بحسب الخارج ممّا لا معنى له.
وخلاصة مقصودنا في المقام من قولنا: إنَّه لا معنى لهذا الاستدلال، أنَّه لا مناسبة بين الدليل وبين المستدلّ عليه، وهو أنَّ الجزم باعتبار كونه حالة نفسانيّة تارةً في النفس تخضع لقوانين العلّيّة والمعلوليّة، فالجزم إن لم يكن بديهياً أوّلاً، فهو لا بُدَّ أن يكون معلولاً لشيء من الأشياء: لعلم، أو لعدة علوم، أو لإحساسات، أو لتجارب، كما سوف نشير إليه فيما بعد إن شاء الله.
وفي نهاية المطاف العلم بشيء لا بُدَّ أن يكون معلولاً لعلّة من العلل؛ لاستحالة وجود الشيء بلا علّة.
وحينئذٍ فكثرة وقوع الخطأ في العلم المعلول، لا يخدم قانون العلّيّة في نفسه، من قبيل كثرة الغرق بالنسبة إلى السابحين، أو كثرة العثرة للمستطرقين في الشارع، فالجزم المعلول كونه كثيراً ما يخطأ ولا يطابق الواقع.
هذا وإن كان صحيحاً إلَّا أنَّ هذا لا ينفي ما هو علّة هذا الجزم، ولا يكون مانعاً عن حدوث ما هو علّة هذا الجزم بحسب قوانين العلّيّة والمعلولية، فالنفس البشرية خلقت بنحو تكون لمعلوماتها الأوّليّة، ولمقدار استعدادها وقابليتها، ولمقدار مرانها وممارستها، ولمقدار احاطتها بسائر معلوماتها الثانوية، ولخصوصيّات أخرى مادية وروحية، وجميع هذه الخصوصيّات تشترك في
ــــــــــ[95]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
تكوين حالة جزميّة لهذا الإنسان بمقتضى قانون العلّيّة والمعلوليّة، وهذا القانون لا يخترم بحسب الخارج، بل يعمل عمله حتّى مع التفات هذا الشخص إلى أنَّ الجزم المعلول كثيراً ما يخالف الواقع.
نعم، هذا الشخص الذي تكون مجموع هذه الخصوصيّات مجموعة عنده، كلّما كان أصفى نفساً وأعمق نظراً وأكثر تيقظاً إلى ناحية نقاط الضعف في هذا الاستدلال، فكلّما كان الإنسان أكثر يقظة، كان ما هو العلّة بالنسبة إلى جزمه يختلف عما هو العلّة بالنسبة إلى جزم من هو أدنى منه يقظة، فشدة اليقظة وقلتها، وشدة المران وقلته، إنَّما يختلف في تشخيص ما هو العلّة للجزم، وأمّا ترتّب الجزم المعلول على الجزم العلّة، فهذا يتبع قانون العلّيّة ولا دخل فيه للعلاقة بين متعلّق هذا الجزم ومتعلّق ذلك الجزم، فلو فرض أنَّ الجزم العلّة والجزم المعلول لا يكون بينهما علّيّة ومعلولية، إلَّا إذا فرض بين المجزوم به الثاني والمجزوم به الأوّل علّيّة ومعلولية أو ربط وملازمة، فحينئذٍ كثرة وقوع الخطأ لا بُدَّ أن لا يحقّق جزم بحسب الخارج؛ اذ لا ربط ما بين المعلولين مثلا، إلَّا أنَّه ليس الأمر كذلك، فإنَّ الجزم موجود من موجودات عالم الإمكان، وقررت له علّة بحسب عالم الإمكان، وهذه العلّة تختلف باختلاف الاشخاص، بعد ملاحظة الخصوصيّات الذاتيّة الروحيّة والفكريّة، وممارستهم وخبرتهم ومدى احاطتهم ومرانهم من مقام الاستدلال، فجميع هذه الخصوصيّات لها دخل في تشخيص ما هو العلّة بالنسبة إلى كلّ شخصٍ شخصٍ، وبعد فرض تماميّة العلّة بتمام شروطها بالنسبة إلى هذا الشخص، فيستحيل أن ينفكّ عنها المعلول، ولا بُدَّ أن يترتّب عليها المعلول سواء كان هذا
ــــــــــ[96]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الشخص ممّن قد وقع في أخطاء سابقة، أو ممّن لم يقع منه أخطاء سابقة.
وعلى أيّ حال فبعد عزل بعض الجهات عن بعض، والالتفات إلى نكتة البحث والتمييز بين البحث الأُصولي والبحث المنطقي، والتمييز بين اليقين بمعناه الأصولي واليقين بمعناه في كتاب البرهان، لا معنى ولا محصّل لدعوى الأخباريّين في المقام، إلَّا بأن يقال: بأنَّ الالتفات إلى كثرة الخطأ يكون جزء العلّة بحسب قوانين العلّيّة والمعلوليّة، أليس الجزم خاضعاً لقانون العلّيّة والمعلوليّة!! وحينئذٍ يقال: بأنَّ هذا أحد أجزاء العلّة، فإنَّه يكفي في جوابه شهادة وجدان هؤلاء الذين أُشكل عليهم هذا الإشكال بوقوع الجزم بحسب الخارج، ولو فرض أنَّ هذا أحد أجزاء العلّة لما وقع جزم بحسب الخارج، ولما اضطروا إلى الإشكال عليهم والمنادات عليهم بأعلى صوتهم، ولما جزموا بعدم الجزم.
كلّ هذا البحث من أوّله إلى آخر كان ناشئاً من خلط الجهات بعضها ببعض، واشتباه اليقين بالمعنى المنطقي باليقين بمعناه الأُصولي، ونحن كأصوليين ليس من وظيفتنا البحث في حقانيّة اليقين وعدم حقانيته، فلو فرضنا أنَّ اليقين ليس حقانياً، وليس هناك طريقة حقانيّة، وكتاب البرهان ساقط كلّه، إلَّا أنَّنا كأصوليين نريد أن نرى أنَّ الجزم يوجد في الخارج، وإن كان مخالفاً للواقع، وهذه الحالة توجد أو لا توجد، ووجودها وعدم وجودها يخضع لقوانين العلّيّة والمعلوليّة.
ويختلف علّة الجزم في كلّ إنسان باختلاف خصوصيّاته الفكريّة والروحيّة وتجاربه وممارسته، ونحو ذلك من الأمور، فلا معنى لكلام الأخباريين، إلَّا
ــــــــــ[97]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
دعوى دخله تكويناً في علّة حصول الجزم، ودخله تكويناً يكون بنفسه مانعاً عن حصول الجزم بحسب الخارج، بلا حاجة إلى تأليف كتب ومناداة بهذا المطلب، وهذا يكون أمراً قهرياً بحسب الخارج، حتّى أنَّ المحقّق الاستربادي لو لم يخلقه الله، أو خلق ولم يذهب إلى المدينة، أو ذهب ولم يؤلف فوائده المدنيّة، مع هذا الجزم لا يحصل بحسب الخارج؛ لأنَّ المعلول لا يحصل من دون علّة، فهذا الشيء الذي ادّعاه بالانكشاف أو ادّعاه بالدقيقة الشريفة، وذكر في جملة من كتبه انه ممّا غفل عنه العلامة الحلي(رضوان الله عليه) حيث إنَّه شذَّ عن الطريقة بحسب الحقيقة، وهو من أسخف ما يتصوّر في مقام الاستدلال على مطلب الأخباريّين.
وبهذا المعنى ظهر وجوه القصور في كلمات أعلامنا أيضاً، حيث إنّهم لم يحقّقوا البحث بهذا النحو.
وخلاصة ما قلناه عن شبهة الأخباريين: لا بُدَّ من التمييز بين الجزم بمعناه المنطقي واليقين بمعناه الأصولي، وبعد التمييز بينهما، نقول: إنَّ الأخباري إمّا أن يريد الاستدلال في مقابل اليقين المنطقي، بمعنى: أنَّه يحاول البرهنة على عدم حقانية الجزم واليقين عن طريق بيان كثرة وقوع الخطأ في الأدلّة العقليّة، وإمّا أن يريد مناقشة نفس الجزم بمعناه الأُصولي الواقع موضوعاً للحجّيّة الأصوليّة بقطع النظر عن حقانيته وعدمها.
فإن أراد الأوّل فهو بحث منطقي يرتبط بكتاب البرهان بحسب اصطلاح علم المنطق القديم، وبنظرية المعرفة بحسب علم المنطق الحديث، ولا ربط له
ــــــــــ[98]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
بالأصولي من حيث كونه أصولياً؛ لأنَّ عدم حقانيّة الجزم، وعدم وجود طريقة في التفكير مضمونة المطابقة للواقع، لا يضر بغرض الأصولي، ولا ينفي وجود القطع بما هو حالة نفسية تعبّر عن تمام غرض الأُصولي الذي هو موضوع الحجّيّة بمعنى المنجّزيّة والمعذّريّة، فيكون البحث فضولاً بالنسبة إلى الأصولي ولا يهم حينئذٍ جوابه.
وإذا فرض أنَّ مراد الأخباري الاستدلال بكثرة وقوع الخطأ على عدم حصول الجزم بحسب الخارج، فمثل هذا الاستدلال والمدّعى لا محصّل له بعد التحليل، إلَّا بدعوى: أنَّ الالتفات إلى كثرة وقوع الخطأ في الأدلّة العقليّة يكون مانعاً تكوينياً عن تحقق الجزم في نفس المكلّف، وفي نفس العاقل، حيث إنَّ باب الجزم كغيره من أبواب عالم الإمكان يخضع لقانون العلّيّة لا محالة، وكلّ جزم طارئ في عالم النفس لا بُدَّ أن يكون مستنداً إلى علّة، فإن تمت بجميع أجزائها استحالة انفكاك المعلول عنها، فمرجع دعوى الاخباري، لو أريد إرجاعها إلى معنى معقول في نفسه، بعد الالتفات أنَّ الجزم عمليّة تخضع لقوانين العلّيّة، كسائر الظواهر الأخرى النفسيّة والخارجيّة، فلا بُدَّ أن تكون كثرة الخطأ مانعاً تكويني عن تحقق الجزم، بمعنى: أنَّ الجزم علّة مركبة من أجزاء وأحد أجزائها، هي عدم المانع، أي: عدم الالتفات إلى كثرة الخطأ مثلاً.
وإذا انتهت كلمة الأخباري بالتحليل إلى مثل هذا المدّعى، فمثل هذا المدّعى لا يمكن للأخباري نفسه ادّعائه وتبنيه بنحو الموجبة الكلّيّة، بحيث يتبنى ويدّعي دخالة عدم الالتفات في علّة حصول الجزم بنحو الموجبة الكلّيّة بالنسبة إلى سائر الناس وسائر العقول؛ لأنَّ نفس دعوى صدقها بنحو الموجبة
ــــــــــ[99]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الكلّيّة حكم عقلي في معرض الخطأ والصواب كسائر الأحكام، فلو حصل له الجزم بصدق مثل هذه الموجبة الكلّيّة لكان نفس ذلك برهاناً على كذب هذه الموجبة الكلّيّة.
نعم، غاية ما يمكن للأخباري أن يقوله: هو أنّني لا أجد في نفسي حالة الجزم بعد أن التفت إلى أنَّ الاخطاء تقع في الأدلّة العقليّة كثيراً، وإنَّما أشكّ في وجود حالة الجزم عند الآخرين، ولا أدرى بوجوده عندهم أو لا.
وأمّا هذه الدعوى عندما تلحظ موضوعيّة وبصورة منفصلة عن تبني الأخباري لها، فيرجع حاله يشابه مدّعى أنَّ احتراق الورق بالنار مثلا معلول لعلة جزءها، فلو ادّعى شخص مثل هذه الدعوى فجوابه نقضاً وحلاً إنَّما هو بتجربة إحراق الورقة في النار التي هي تحت السماء وغير مضللة بسقف؛ لأنَّ هذه التجربة على فرض نجاحها تكون نقضاً وحلاً في نفس الوقت؛ لأنَّ الدخالة لا يمكن أن تكون مع فرض وجود المعلول في الخارج، وعدم وجود ما ادّعي شرطيته.
إلَّا أنَّ هناك فرقاً بين باب إحراق الورقة وسائر الظواهر الطبيعية وبين باب الجزم، فإنَّه في باب الإحراق لو جئنا إلى إحراق الورقة في مورد فلا نحتمل الفرق بين نار ونار، ولا بين ورقة وورقة، وإحراق وإحراق، وهذه الخصوصيّات في العلم الطبيعي لا تحتمل.
وأمّا في محلّ الكلام فإنَّ من المحتمل في باب الجزم أن يكون علّة الجزم بالنسبة إلى شخص غير علّة الجزم بالنسبة إلى شخصٍ آخر، بل لا بُدَّ من
ــــــــــ[100]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الالتزام بذلك، فإنَّ مراتب استعداد الناس للجزم تختلف، ويكون لتمام الخصوصيّات الروحيّة والفكريّة والمعلومات السابقة والمران والممارسة للعمل العقلي وغير ذلك من الجهات دخل في تكوين الجزم، ومن المعلوم أنَّ هذه الخصوصيات تختلف باختلاف الناس، ولا يتحد الناس كلّهم فيها، فما داموا يختلفون في هذه الخصوصيّات فعلّة الجزم تختلف من فرد لآخر، وحينئذٍ فلو صدّقنا الأخباري فيما يقول من: أنَّه لا يجد في نفسه الجزم، ومشينا معه إلى آخر نقوض المطلب، فلا يكون مثل ذلك دليلاً على الموجبة الكلّيّة للدخل؛ لأنَّ الناس يختلفون في سنخ عقولهم وبناءهم الفكري تبعاً لاختلافهم في سائر خصوصيّاتهم الأخرى، كما أنَّه إذا فرض أنّنا استشعرنا وجود الجزم وجداناً في مورد لا يكون مثل هذا دليل على كذب الأخباري ونفي الدخالة بنحو السالبة الكلّيّة، لإمكان اختلاف الناس من ناحية الجزم وعدم الجزم.
وعلى أيّ حالٍ فيكفينا نحن في مقابل الأخباري وجود مثل هذا الجزم عندنا تبعاً لقوانين العلّيّة.
وأمّا أنَّ الأخباري الذي يوجه إلينا هذا السؤال وهو: أنك كيف تجزم مع التفاتك إلى كثرة الخطأ؟! فهذا السؤال له معنيان: تارةً يوجه إلينا هذا السؤال على طراز أن يوجه إلينا السؤال التالي: كيف تذهب إلى الصحراء مع أنك تحتمل أنَّ هناك حيواناً مفترساً؟! فسؤاله عن كيفية وقوع مثل هذا العمل.
وأخرى يوجه إلينا هذا السؤال من قبيل أن يسأل: كيف تتصوّر أنَّ الماء الموضوع على النار يكون حاراً بوضعه على النار؟! فسؤاله عن علّة أمر طبيعي بشكل طبيعي.
ــــــــــ[101]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
والسؤال بالمعنى الأوّل لا موضوع له؛ لأنَّ الجزم يخضع لقوانين العلّيّة، ومع وجود علّة الجزم عندنا، فإنَّه يحصل لا محالة، حتّى مع التفاتنا إلى هذا المطلب، فليس الجزم عمليّة اختياريّة نحققها لأجل أن يقول لنا: لعل هناك خطأ من وراء تحقيق هذه العمليّة، فكيف تحققونها؟ وإنَّما هو عمل عقلي ضروري بمقتضى مجموع ما يعقل من عوامل ومؤثرات، فالسؤال الأوّل لغو في المقام.
وأمّا السؤال الثاني فجوابه: أنَّ الجزم نتج عن مجموع أجزاء علّتّه التامّة وحصل بسببها حصولاً اضطرارياً، وقد يكون بعض أجزاء هذه العلّة التامّة، هو التفات الإنسان أو ادّعائه أنَّ في خصوصيّاته العقليّة والذهنيّة ما يميّزه عن غيره، بمعنى: أنَّ الإنسان قد يتصوّر -ويكون تصوره مطابقا للواقع في بعض الأحيان- أنَّ هذا العقل النظري الذي جزم به الآن يتمتع بخصوصيّات ونكات، من حيث ذكاء العاقل وممارسته واطّلاعه على تجارب السابقين، بحيث إنَّ هذا العقل النظري يتمتع بخصوصيّات لو حفظت في كلّ عقل نظري لما حصل الخطأ كثيراً(1)، وأنَّ كثرة الخطأ ناشئة من عدم انحفاظ هذه الخصوصيّات في تمام العقول النظرية.
هذا تمام الكلام في ردّ الأخباريّين والبحث الأُصولي في المقام، وبما أنَّ بعض الأعزّاء طلب التعرض للجانب المنطقي، وحيث إنَّ البحث المنطقي
ــــــــــ[102]ــــــــــ
() ولندر إلى درجة بحيث لا تشويش من ناحيته. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
يحتاج إلى توسّع كثير، فجمعاً بين الحقّين سوف نتعرض له على سبيل الاختصار، وتفصيله موكول إلى نكات كتاب فلسفتنا.
فإذا افترض الأخباري ينكر حقّانيّة اليقين، وينكر كون اليقين حقّانيّاً مضمون الصدق والمطابقة للواقع، فماذا عند المناطقة والفلاسفة من جواب على إنكاره؟ الفلاسفة اليقينيون الذي يدّعون اليقين فلسفيّاً ومنطقيّاً، وهم مشهور فلاسفتنا المسلمين تبعاً لمشهور فلاسفة الاغريق.
هؤلاء يقولون(1): إنَّ القضايا الأوّليّة مضمونة الصحّة وحقّانيّة الصحّة، وكذلك كلّ قضيّة مكتسبة منها مع ملاحظة قواعد المنطق، فالقضايا الأوّليّة مضمونة الصحّة باعتبار بداهتها في نفسها، والقواعد الثانوية النظرية التي تكتسب من المقدّمات الأوّليّة مضمونة الصحّة باعتبار مراعاة قواعد علم المنطق، حيث إنَّها تعصم من ناحية الخطأ في الصورة، والخطأ دائماً يرجع إلى ذلك؛ وذلك لأنَّ الخطأ في القياس في المرتبة الثالثة أو الرابعة، وإن أمكن تصوّره في المادة التي اعتقد بها خطأ، حيث إنَّها ليست مادة أوّليّة؛ وإلَّا لما وقع الخطأ فيها، فلا بُدَّ أن تكون مكتسبة ببرهان سابق، وهكذا لا بُدَّ أن يكون اكتسابها عن طريق المواد الأوّليّة، أو عن طريق مادة أخرى خاطئة، بحيث ترجع في نهاية المطاف إلى المواد الأوّليّة، فمنبع الخطأ بالتحليل لا بُدَّ أن يرجع إلى الصورة، ولا يتصوّر أن يكون في المادة؛ لأنَّ الخطأ إمّا أن يكون في المادة الأوّليّة وهي مضمونة الصحّة بالبداهة، وإمّا أن يكون في مادة ثانوية، وهي
ــــــــــ[103]ــــــــــ
( ) انظر: شرح الإشارات للمحقّق الطوسي 1: 219، 220، المباحث المشرقيّة 1: 106.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
مستنتجة من المادة الأوّليّة. فالخطأ في صورة استنتاجها من المادة الأوّليّة، وحيث إنَّ علم المنطق يعصم من الخطأ في الصورة.
إذن، فالعقل الأوّلي الذي تتشكل منه القضايا الست -التي تشكل مواد كتاب البرهان- مضمونة الصحّة باعتبار بداهتها في نفسها، والعقل النظري الاكتسابي مضمون الصحّة باعتبار ملاحظة قواعد المنطق فيه. نعم، العقل النظري الذي لا يلاحظ فيه ذلك لا يكون مضمون الصحّة.
فخلاصة هذا الكلام: أنَّ هنا عقلين: العقل الأوّلي الضروري، وهو مضمون الصحّة باعتبار بداهته ويتشكل منه القضايا الستة، وهناك عقل ثانوي اكتسابي، وهو لو وقع فيه خطأ فهو يرجع في نهاية المطاف إلى الخطأ في استنتاجه من العقل الأوّلي، فهو خطأ في الصورة وعلم المنطق يعصم من ناحية الخطأ في الصورة.
وتطبيق شبهة الأخباريّين على هذا الكلام بأن يقال: إنَّ هذا العقل النظري الذي فرضنا أنَّه يكون معصوماً، إنَّما يكون كذلك إذ لوحظت ففيه قواعد علم المنطق، فمن المحتمل أن يتولّد الخطأ من ناحية تطبيق قواعد علم المنطق عليها، ويكون هذا أمراً محتملاً ولا مؤمّن من ناحيته؛ لأنَّ الصيانة إنَّما هي بلحاظ تطبيق قواعد علم المنطق، فإذا احتمل الخطأ بلحاظ هذه المرتبة فلا مؤمّن منها.
هذا الكلام قبل الوصول اليه لا بُدَّ من تحقيقه في المرتبة السابقة عليه، وبه يتّضح الحال إثباتاً ونفياً، فلا بُدَّ أن نسأل: هل الإنسان عنده عقلان؟ عقل أوّلي ضروري معنون بالبداهة، وآخر نظري مكتسب عن طريق تلك الأوّليّات، ولا
ــــــــــ[104]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
يوجد عقل ثالث غيرهما؟ فلا بُدَّ من التأمل في هذا المطلب الذي لم يعط حقّه من التأمل بحسب الظاهر، وإذا تأملنا في هذا المطلب سيتّضح سرّه اثباتاً ونفياً.
وتحقيق ما هو مقصودنا ببيان أمرين:
الأمر الأوّل: في حال العقل الأوّلي في نفسه.
الأمر الثاني: في حال استنتاج العقل النظري من العقل الأوّلي.
أما الأمر الأوّل فيذكر في علم المنطق في كتاب البرهان عادة: أنَّ المقدّمات اليقينيّة الضروريّة المضمونة الحقانيّة والمطابقة للواقع التي تشكل القاعدة والأساس للعقل النظري هي القضايا الست، وبالتدبر فيها نعرف أنَّها على قسمين:
القسم الأوّل: قضايا أوّليّة لا يحتاج العقل في اصدار حكمه بالقضية إلى أكثر من تصور أطراف القضيّة، كالأوّليّاتنحو: الكلّ أكبر من الجزء، أو استحالة اجتماع النقيضين، وهذه القضايا الأوّليّة حكم العقل بها أوّلي حقيقة بالدقة، وكذلك ولو بنحو من المسامحة القضايا التي قياساتها معها كالاثنين نصف الأربعة وثلث الستة، فهذه أيضاً تلحق بالأوّليّات.
القسم الثاني: في أربعة أقسام من القضايا، وهي: المحسوسات، والتجريبيات، والمتواترات، والحدسيات، وفي هذه القضايا ليس الأمر كذلك إذ ليس حكم العقل فيها غير محتاج إلى شيء غير تصوّر أطراف القضيّة، وإنَّما يحتاج إلى أمر آخر، غاية الأمر أنَّ هذا الأمر الآخر يدّعى عند المنطقيين أنَّه ليس هو الدليل والبرهان، ومن هنا لم يسمّ هذا نظرياً، ففي المشاهدات يحتاج إلى
ــــــــــ[105]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الاحساس وفي التجريبيات يحتاج إلى التجربة وفي الحدسيات يحتاج إلى الملاحظة الطولانيّة على ما يأتي من تفسير معنى الحدسيات، وفي المتواترات يحتاج إلى وقوع التواتر بحسب الخارج. إذن فيحتاج أيضا إلى أمر، إلَّا أنَّ هذا الأمر الذي يحتاج اليه العقل يفرّق بينه وبين العقل النظري الاكتسابي، حيث إنَّ العقل النظري الاكتسابي يحتاج إلى برهان، وهذا لا يحتاج إلى برهان، بل إلى متمّم الجعل بحسب اصطلاح علم الأُصول، فلا بُدَّ من بحث كلّ واحد من هذه الأمور؛ لنتحقّق أنَّ الأمر كذلك أو لا؟
والمحسوسات على قسمين: محسوسات باطنيّة ومحسوسات ظاهريّة. والمحسوسات الباطنيّة لا يراد منها إلَّا الكشف عن نفس ذلك الأمر الباطني، أمّا المحسوسات الظاهريّة، فهي كالإحساس البصري والذوقي والسمعي ونحوه.
وهذه القضايا المحسوسة التي يحكم بها العقل، أمّا أن يراد بحكم العقل فيها المضمون الحقانيّة، وحكم العقل في أفق نفس الحسّ، بمعنى أنَّه يحكم أنَّ إدراكي حسّاً صورة كبيرة قائمة في الجانب الشرقي من الغرفة، فيخبر عن الصورة في أفق حسّه. نعم، هذا الحكم عقلي؛ لأنَّه أمر في مستوى البداهة؛ لأنَّ هذا الادراك الحسّي قائم بالنفس قياما حضورياً ومعلوماً لها بنفسه، فمثل هذا الحكم من قبل النفس يكون في مستوى حكمه على باطنياته وسائر وجدانياته الأُخرى.
إلَّا أنَّ هذا خارج عن محلّ الكلام، فإنَّ الكلام ليس في الحكم بلحاظ أفق الحسّ، وإنَّما المقصود من كون هذه القضايا يقينية أنَّها يقينية باعتبار الكشف عن الخارج. إذن، فلا بُدَّ أن يتأمل في مقدار ما يستكشفه العقل من خارج المبنى على
ــــــــــ[106]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
أساس الحسّ، فهنا هذه الاحساسات تكون مقدّمة إعدادية لإدراك عقلي بديهي في مستوى الإدراكات البديهيّة السابقة، مع فرض أنَّ تلك الإدراكات لم تكن تحتاج إلى مقدّمة إعداديّة، وهو الحسّ، وهذا بحاجة إلى إدراك وجود واقع موضوعي وعالم خارجي في الجملة، فحينما يدخل إلى الغرفة ويرى فيها ما يرى، فهنا يدرك إدراكاً في مستوى إدراكاته البديهيّة، أنَّ هناك شيئاً واقعاً بحسب عالم الخارج وراء عالم حسّه، وهذا المطلب بنحو القضيّة المهملة حكم عقلي بديهي. غاية الأمر أنَّ فرقه عن باقي الأحكام العقليّة أنَّ هنا الحكم العقلي البديهي كان يحتاج إلى مقدّمة إعداديّة، هو الاحساس بالعالم الخارجي، وبدونه لم يكن يحصل مثلا، وهذا المقدار من الحكم العقلي لا إشكال فيه.
كما أنَّه إذا فرض أنَّ نفس تلك الحالة القائمة في عالم النفس قياماً حضورياً وهو نفس الادراك الحسّي، وهذا الإدراك الحسّي كان صغرى لمبدأ بديهي بحيث أمكن تطبيقه عليها، ويستنتج حينئذٍ واقع موضوعي أيضاً، فهذه النتيجة تكون مضمونة الصحّة جزماً؛ لأنَّها مستنتجة من كبرى بديهيّة وصغرى بديهيّة أيضاً، والمستنتج من بديهيين مضمون الصحّة لامحالة.
كما هو الحال أيضاً في نفس هذه النتيجة، فإنَّ الإنسان يشعر حضوراً باختلاف حالاته النفسيّة، وهذا الاختلاف مثلا قد يطبّق عليه مبدأ العلّيّة، وبهذا التطبيق يستنتج أنَّه لا بُدَّ أن يكون هناك واقع موضوعي، وأنَّ هذا الواقع الموضوعي هو السبب في حصول هذه الحالات، فيستنتج وجود علّة وراء هذه التغيرات الشعورية.
ــــــــــ[107]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فاستنتاج هذه القضيّة المهملة هي نتيجة مستقيمة مباشرة لتطبيق الكبرى البديهية على هذه الصغرى الوجدانية، وهذا المقدار مضمون الحقانيّة وصحته بديهية.
أمّا إنّي أحكم -حيث أرى في الخارج ماءً أو أنهاراً- أنَّ في الخارج ماء، وفي الخارج أنهاراً تجري من الشرق إلى الغرب وباردة ولها صوت ودوي، فهذا الحكم يصدر من الإنسان، إلَّا أنَّه ليس مضمون الحقانيّة بوجه من الوجوه أصلاً؛ لأنَّ الخطأ في هذا المستوى من الأحكام كثير، والأحكام العقليّة بمطابقة الصورة المحسوسة للخارج مطابقة تفصيليّة -زائداً على ما بيّناه- يقع فيه الخطأ كثيراً بحسب الخارج، فالجزم وإن كان قد يحصل بمقتضى قوانين العلّيّة فيه، ولكن مثل هذا الجزم ليس مضمون الحقانيّة بحسب الخارج، بل قد يكون متخلّفاً عن الواقع.
إذن، فالمحسوسات بمقدار يرجع إلى البديهي أو الاستنتاج المباشر من البديهي بشكل بديهي، وهذا مضمون الحقانيّة، أمّا زائداً على ذلك، فليس مضمون الحقانيّة وليس قضيّة يقينيّة، هذا حال المحسوسات.
والتجريبيات التي يقولون فيها: إنَّ الإنسان يرى أنَّه كلما وضع ورقة في النار احترقت، وكلما استعمل السقمونيا -كما هو اصطلاحهم في القديم- أصابه الإسهال.
وهذه القضايا التجريبيّة تشبه القضايا الحدسيّة، كأن يدرك الإنسان أنَّ القمر باعتبار نسبته المكانية الى الشمس تختلف هيئاته النورية، فهذا ملاكه نفس
ــــــــــ[108]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
هذا الملاك غاية الأمر هنا يحتاج إلى عمل خارجي وهناك لا يحتاج، وأحدهما يسمّى في العرف الحديث بالتجربة، والآخر يسمّى بالملاحظة المنظّمة، وبحسب الحقيقة مرجعهما إلى شيء واحد، وبحسب العرف القديم يسمّى أحدهما بالتجريبيات، والآخر الحدسيات.
ففي التجريبيات والحدسيات ليس هناك يقين حقّاني بهذا المعنى أبداً؛ وذلك لأنَّ استنتاج أنَّ الإسهال معلول للسقمونيا، وأنَّ هيئات القمر النورية معلولة للنسبة المكانيّة بالنسبة إلى الشمس، فاستنتاجه موقوف على الجزم بعدم وجود علّة أُخرى، فقد يكون هذا المؤمن ابتلى بالإسهال من شرب السقمونيا، وقد يكون هذا الإسهال ناشئ من غذاء مخصوص في هذا اليوم الآخر أيضاً، وقد يكون ناشئاً من تعب مخصوص وهكذا، فلا بُدَّ من اقصاء تمام ما يحتمل كونه علّةً وكونه دخيلاً، فإن ثبت عدم وجود شيء آخر يكون علّة بالجزم واليقين، وحينئذٍ تتحقق صغرى لقانون العلّيّة، حيث إنَّ المعلول لا يصدر من دون علّة، فبنحو من الاستنتاج بالشكل الأوّل يستنتج بأنَّ السقمونيا هو علّة هذا الإسهال لاستحالة وجود المعلول من دون علّة.
إلَّا أنَّ الجزم بعدم وجود علّة أُخرى غير السقمونيا لا يحصل بحسب الخارج، فقد يحصل بتكرار التجربة بحسب الخارج، إلَّا أنَّه ليس مضمون الحقّانيّة؛ لأنَّه ليس بديهياً من البديهيات الأوّليّة، وليس أيضاً مكتسباً ببرهان نظري من البديهيات الأوّليّة، فالمكتسب البرهاني من البديهيات الأوّليّة هو إثبات العلّيّة بعد فرض نفي علّية شيء آخر، فإثبات علّيّة السقمونيا بعد نفي
ــــــــــ[109]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
علّيّة شيء آخر مكتسب بالتطبيق على قانون العلّيّة، وأمّا نفي علّيّة شيء آخر فلا يمكن أن يبرهن عليه عن طريق المبادئ الأوّلية، وإنَّما هو حدسّ عقلي، وهذا هو الذي سوف نسمّيه في الأمر الثاني بالعقل الثالث، فهذا أصل مدركاته بحيث يخرج عن كونه عقلاً بديهياً وعقلاً اكتسابياً معاً على ما يأتي توضيحه.
ومن هنا كانت العلوم الطبيعية كلّها ليست حقّانيّة؛ لأنَّ جميعها قائمة على تجربة من هذا القبيل، وهي ليست حقّانيّة.
والمتواترات هي أخبار جماعة بحيث يحصل اليقين بصدقهم قهراً، وهذا التواتر مرجعه إلى الحسّ، وحيث قلنا: إنَّ القضيّة المحسوسة زائداً على حدود البداهة ليست مضمونة الحقّانيّة كذلك أيضاً.
هذا، مضافاً إلى أنَّه ما المراد بأنَّه يخبر جماعة بحيث يحصل اليقين؟ هل المراد الجزم بالمعنى الأصولي، أو اليقين بالمعنى المنطقي، وهو ما كان مضمون الحقّانيّة؟ إن أُريد به الجزم بالمعنى الأُصولي، فهذا ليس مضمون الحقّانيّة، فهل كلّ من قطع بخبر ناشئ من إخبار جماعة يكون مطابقاً للواقع؟ وإلَّا كفته تمام أخبار الوسائل مطابقة للواقع؛ لأنَّ الأخباريّين يقطعون بتواترها عن الأئمة عليهم الصلاة والسلام، وإن أريد بهذا الجزم اليقين بالمعنى المنطقي، أي: مضمون الحقّانيّة، فيكون من القضيّة الضروريّة بشرط المحمول، ومعناه أنَّه إذا أخبر جماعة عن حادثة، بحيث حصل يقين مضمون الحقانيّة، فهو مضمون الحقانيّة، وهذا لغوٌ من الكلام، وإن رجع إلى حكم العقل بالملازمة إلى دعوى الملازمة بين هذا وبين صدق المطلب خارجاً، فمثل هذا الحكم العقلي لا هو
ــــــــــ[110]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
حكم بديهي ولا هو حكم اكتسابي، فهو أيضاً من مدركات العقل الثالث الذي سوف يأتي الكلام عنه.
فخلاصة هذا الأمر، أنَّ هذه المقدّمات اليقينيّة بحسب الحقيقة، ليس منها ما هو يقيني، أي: مضمون الحقّانيّة، إلَّا البديهيات، أي: الأوّليّات وما كان ملحقاً بها، كالقضايا التي قياساتها معها، ومقدار ما تقتضيه هذه البديهيات والأوّليّات عند تطبيقها على الحسّ والتجربة بحسب الخارج. إذن، فالرصيد الأوّلي للاستدلالات العقليّة هذا المقدار فقط، لا القضايا الست.
والخلاصة: أنَّ أصحاب الشبهة القائلين: إنَّ كثرة الخطأ في القضايا التي يحكم بها العقل تكون مانعة عن يقينيته بالمعنى المنطقي، وقال خصوم الشبهة من الفلاسفة اليقينيين: إنَّ العقل عقلان: عقل أوّل، وعقل ثاني، فالعقل الأوّل: هو العقل غير المكتسب الذي تنتسب إليه القضايا الست في كتاب البرهان، وهذا العقل مضمون ببداهته وبنفسه ضماناً ذاتياً؛ لامتناع الدور أو التسلسل.
والعقل الثاني: هو العقل المكتسب بالبرهان من ناحية العقل الأوّل، وهو أيضاً مضمون من ناحيته باعتبار أنَّ الخطأ في هذا العقل إنَّما يكون في طريقة استنتاجه من العقل الأوّل، وهذه الطريقة هي موضوع قوانين علم المنطق، فهذه القوانين تعصم عن الخطأ في الطريقة، فيكون هذا العقل الثاني أيضاً مضموناً، لكن لا ضماناً ذاتياً كضمان العقل الأوّل، بل ضماناً مستمراً من مراعاة قواعد علم المنطق.
ــــــــــ[111]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وقلنا: إنَّ تحقيق الحال في المقام يكون بالتكلّم في أمرين:
الأمر الأوّل: في العقل المضمون ضماناً ذاتياً؛ إذ لا بُدَّ من أن نتكلّم فيه لنرى أنَّ هذا العقل هل هو عبارة عن تمام القضايا الست التي ذكر الفلاسفة الأرسطويين: أنَّها يقيّنيّة ومضمونة الحقّانيّة والمطابقة للواقع، أو أنَّ هذا العقل الأوّل الذي هو مضمون بذاته وغيره إنَّما يضمن بانتسابه إليه، فيكون أضيق دائرة من هذه القضايا الست، وقلنا: إنَّ العقل الأوّل المضمون ضماناً ذاتياً بسبب بداهته، إنَّما هو القضايا الأوّليّة والقضايا الشبيهة بها التي تكون قياساتها معها، ومن جملة هذه القضايا أكثر المصادرات في الرياضيات وفي المنطق، فإنَّ أكثر الأُصول الموضوعيّة الضرورية تنتسب في الحقيقة إلى هذا العقل الأوّل.
وأمّـا القضايا الأخرى -التجريبيات والـمحسوسات والـحدسيات والمتواترات- فقد بيّنا أنَّها بالدقة وبالتحليل إمّا أن ترجع إلى قضايا مكتسبة، بحيث تدخل في العقل الثاني وتكون مكتسبة بالبرهان من العقل الأوّل، وإمّا أن ترجع إلى نوع ثالث من الجزم غير الجزم البديهي وغير الجزم الاكتسابي، وهو ما وعدنا بشرحه وتفصيله في الأمر الثاني، هذا تلخيص ما سبق.
أمّا الأمر الثاني: فالذي لا بُدَّ من بيانه هو في تحقيق حال عمليّة اكتساب المجهول من المعلوم، لنرى هل أنَّ المطالب النظرية للعقل النظري بتمامها قائمة على أساس عمليّة الاكتساب، غاية الأمر يُفرّق في الاكتساب، فتارةً يكون مع ملاحظة قواعد علم المنطق فيكون اكتساباً صحيحاً، وتارةً يكون مع الاشتباه
ــــــــــ[112]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فيها، فلا يكون صحيحاً، فهل هو كذلك؟
لو كان الأمر كذلك فحينئذٍ يقال: بأنَّ القضايا غير المضمونة ضماناً ذاتياً تُضمن بتمامها بملاحظة قواعد علم المنطق، فلو أنَّ شخصاً أخبره معصوم أو نبي: بأنّك لا تخطئ أبداً في ملاحظة قواعد علم المنطق، فيجزم جزماً الهاميّاً بأنَّه مصيب وحقّانّي في تمام قضاياه العقليّة، أو أنَّ هذه القضايا غير المضمونة ضماناً ذاتياً فيها عدد كبير منها ليس مكتسباً أصلاً من العقل الأوّل، وإنَّما هو نوع ثالث من الجزم، فلا هو أوّلي مضمون ذاتاً، ولا هو ثانوي مضمون بالاكتساب مع ملاحظة قواعد علم المنطق. هذا هو الذي نريد أن نتبيّنه الآن، فنذكره تصوّراً أولاً؛ ليتّضح العنوان التصوّري للمطلب تفصيلاً؛ ولأجل أن نشرح الواقع لا بُدَّ لنا أن نستذكر ما قرأناه في المنطق، من أنَّ جميع الاستدلالات ترجع في الحقيقة إلى القياس البرهاني، فغير القياس من أنواع الحجّة، إمّا أن يرجع إلى القياس، وإمّا أن لا يكون مفيداً لليقين عند الفلاسفة الجزميين، وهنا قالوا: الحجّة على ثلاثة أقسام: إمّا قياس، وإمّا تمثيل، وإما استقراء، والآخران غير القياس إن لم يرجع إلى القياس فلا يقبله أرسطو، وإن رجع إليه فيكون بحسب الحقيقة من مصاديق القياس. إذن، فالاستدلال النظري القطعي المفيد لليقين في نظر هؤلاء يرجع في نهاية المطاف إلى القياس.
والقياس بأشكاله الأربعة عند هؤلاء الفلاسفة، أو بأشكاله الثلاثة كما ذكره أرسطو(1) إنَّما ينتج برجوعه إلى الشكل الأوّل. إذن، فتمام الاستدلالات
ــــــــــ[113]ــــــــــ
(1) انظر: منطق أرسطو (كتاب التحليلات الأولى) 1: 147- 158.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
العقليّة في المنطق الأرسطي ترجع إلى الشكل الأوّل البديهي الإنتاج، فهذا الشكل الأوّل البديهي الانتاج كيف ينتج؟
والجواب: أنَّ القياس مركّب من حدود ثلاثة، ففي قولنا في المثال التقليدي المعروف:(العالم متغيّر، وكلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث) هنا الحدّ الأصغر وهو موضوع الصغرى، وحدّ أوسط وهو محمول الصغرى وموضوع الكبرى، وهو التغير الذي يظهر في المقدّمتين ويختفي في النتيجة، وحدّ أكبر وهو الحدوث الذي يكون محمولاً في النتيجة، كما هو محمول في الكبرى.
ونحن أيّ شيء نثبته بالقياس الأوّل؟ نثبت أنَّ الحدّ الأكبر ثابتاً للحدّ الأصغر، أي: كون الحدوث ثابتاً للعالم؛ لأنَّ النتيجة هي: العالم حادث.
وبأيّ طريقة نثبت بأنَّ العالم حادث، بتوسط الحدّ الأوسط، الذي هو المبدأ الذي له علاقة مع كلا الطرفين؛ ولذا يسمّى بالحدّ الأوسط، ويكون نقطة التقاء الطرفين، وهذا الحدّ الأوسط وهو التغير الذي يكون سبباً في حكمنا بالحدوث على العالم، إنَّما يكون سبباً؛ لأنّا أدركنا قبل هذا أنَّ الحدّ الأكبر ثابت للأوسط، كما أدركنا قبل هذا أنَّ الحدّ الأوسط ثابت للأصغر، فهما ثابتان قبل استنتاج المجهول الجديد، وهو ثبوت الحدّ الأكبر للأصغر، هنا يقال: بأنَّ العقل يحكم بديهة بأنَّ كلّ حدّ يستغرق حداً آخر فهو يستغرق كلّ ما ينطبق عليه ذلك الحدّ الآخر، وحيث إنَّ الحدّ الأكبر هنا يستغرق الحدّ الأوسط بتمامه فهو لا محالة يستغرق تمام ما ينطبق عليه الحدّ الأوسط، وهذه القاعدة بديهيّة في العقل، وهي أساس انتاج الشكل الأوّل، فحينئذٍ ينتج أنَّ الحدّ الأكبر ثابت للحدّ
ــــــــــ[114]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الأصغر، وبهذا نكون قد انتقلنا من الكلّي إلى الجزئي، يعني: من العامّ إلى الخاصّ، فقبل الآن كنا نعرف أنَّ المتغيّر حادث، والآن نعرف أنَّ العالم الذي هو أحد أفراد المتغيّر حادث، فحدوث العالم معرفة جزئية بالنسبة إلى حدوث المتغيّر على الإطلاق، فهذا انتقال من الكلّي إلى الجزئي، وهذا الانتقال من لوازم طبيعة هذا القياس، لأنّا قلنا: إنَّه دائماً عبارة عن إثبات الحدّ الأكبر للحد الأصغر بتوسط الحدّ الأوسط، فهو دائماً نزول من الأعمّ إلى الأخصّ، ومن الكلّي إلى الجزئي.
إذن، فالاستدلال القطعي في العقل النظري بناءً على هذا يكون دائماً بالنزول من العامّ إلى الخاصّ، ومن الكلّي إلى الجزئي بتوسط الحدّ الأوسط، ومن هنا قيل(1) عن منطق أرسطو: بأنَّه لا يورث معرفة جديدة أصلاً، فبحسب الحقيقة الإنسان لا يستطيع أن يعرف شيئاً جديداً، وأن تنمو معرفته على أساس منطق أرسطو، وهذا الكلام ينبغي أن يراد منه أنَّ تمام ما يعرفه الإنسان في نتيجة القياس، فهو كامن ومستتر و موجود على وجه الكون في معرفته الأولى، على حدّ كون الجزئي في كلّيّه، وكون الفرد في الموجبة الكلّيّة أو السالبة الكلّيّة؛ كي يكون الكلام صحيحاً، فإنَّ الإنسان بحسب الحقيقة لا تزيد معرفته، وإنَّما تتفصل وتتحدد، فإنَّ علم الأبناء على منطق أرسطو يبقى أبد الدهر، فإنَّ ما يعرفه أخيراً هو ما يعرفه أولاً، وما يعرفه أوّل إنسان على وجه الأرض هو ما يعرفه آخر إنسان على وجه الأرض، وغاية الفرق بين أوّل إنسان وآخر إنسان: أنَّ أوّل إنسان يعرف
ــــــــــ[115]ــــــــــ
(1) انظر: كتاب الرَّدّ على المنطقيّين: 31.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
المبادئ البديهية من دون تفصيل، وهذا يعرفها بجزئياتها وتفصيلاتها.
إذا عرفنا هذا، فلا بُدَّ أن نلاحظ ونتصوّر أنَّ تمام المطالب المبتدئة بالمطالب البديهية والمتسلسلة إلى المطالب الأخرى النظرية والثانوية بحسب الحقيقة تشكلّ خريطة كبيرة في أوّلها الحدّ الأكبر البديهي، ثُمَّ الحدّ الأقل منه ثُمَّ الأقل، ثُمَّ الأقل إلى أضيق حدّ من الحدود المتصوّرة، وهكذا كلّ مبدأ بديهي نجعله حداً أكبر، ونكتب تحته تمام الحدود إلى أضيق حدّ ونشكل حينئذٍ البرهان القياسي من الشكل الأوّل دائماً، بإثبات محمول القضيّة الأولى لموضوع القضيّة الثالثة متوسط القضيّة الثانية، فدائماً هكذا يكون: أن نثبت محمول المبدأ الأوّل لموضوع القضيّة الثالثة بتوسط القضيّة الثانية، وإنَّما نثبت شيئاً لشيء مع طفرة شيء في الوسط، وهذا الإثبات الذي يكون يتوسط هذا الوسط الذي طفرناه، فإذا تصوّرنا الآن هذه الخريطة التي هي لازم تمام هذا المنطق الأرسطي، فحينئذٍ نقول: بأنَّ ثبوت كلّ حدّ من الحدود المترتبة من فوق إلى تحت لما يأتي بعده مباشرة لما يكون بينه وبينه فاصل، فثبوته له إمّا بديهي وإمّا نظري، أو بعضه بديهي وبعضه نظري، أو من نوع ثالث.
فإمّا أن يفرض أنَّ ثبوت كلّ حدّ للحدّ الذي يأتي بعده مباشرةً يكون بديهياً، فصغرويّة كلّ حدّ لكبراه بديهية، وإنَّما الشيء الذي هو غير بديهي هو الثبوت مع الطفرة، أي: ثبوت محمول القضيّة الأولى لموضوع القضيّة الثالثة، فهذا غير بديهي؛ لأنَّه يحتاج إلى ضمّ الوسط، وإلَّا كلّ حدّ إلى نسبة الحدّ الذي يليه مباشرة ثبوته بديهي.
ــــــــــ[116]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
لو كان الأمر كذلك لما وقع خطأ في إدراك تمام هذه المطالب الواقعيّة، التي يمكن إدراكها بمنطق أرسطو، يعني لو فرض أنَّ تمام القضايا العقليّة في المقام التي يحكم بها العقل مرجعها إلى هذه الخريطة، وهذه الخريطة ترتّب ثبوت حدود متصاعدة متنازلة، وثبوت كلّ حدّ للحدّ الذي بعده بديهي. إذن، لا يقع خطأ للعقل النظري للإنسان أصلاً، لأنَّ ثبوت كلّ حدّ للحدّ الذي بعده يكون بديهياً، وثبوته للحدّ الثالث بعد الطفرة يكون مبرهناً عليه بالشكل الأوّل الذي هو بديهي الانتاج، فأين يقع الخطأ؟ هل يقع في المواد التي يفترض أنَّها بديهية، أم يقع في الصورة، والمفروض أنَّها من الشكل الأوّل من القياس، وهو بديهي الإنتاج؟
فلو قلنا: إنَّ تمام هذه القضايا نظرية، فثبوت كلّ حدّ للحد الذي يليه يكون مكتسباً، لا أنَّه غير مكتسب، وهذا غير معقول أيضا؛ لأنَّ اكتسابه يفرض وجود حدّ في الوسط وهو خلف، فإنّنا نتكلّم عن الحدّ بالنسبة إلى الحدّ الذي يليه مباشرة، فكيف نفرض أنَّه مكتسب وهو لا يكون إلَّا بالبرهان؟ ولا يكون إلَّا بالقياس، والقياس لا يكون إلَّا بالشكل الأوّل، والشكل الأوّل لا يكون إلَّا بتوسط الحدّ الأوسط، فلا بُدَّ منه حينئذٍ فيلزم الخلف أو التسلسل.
وهكذا يلزم الخلف إذا قلنا إلى مقدار ما منه بديهي ثُمَّ نظري؛ لأنَّه في ذلك الرقم الذي ننتقل فيه من البديهي إلى النظري الذي يقال فيه: إنَّ انطباق الحدّ الأوّل على الثاني بديهي، والثاني على الثالث بديهي، والثالث على الرابع بديهي، لكن الرابع على الخامس نظري، وهذا محالٌ؛ لأنَّ انطباق الرابع على الخامس إذا كان مكتسباً يحتاج إلى قصور حدّ بين الرابع والخامس، وهو خلف كونه خامساً.
ــــــــــ[117]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
إذن، فلا محيص عن القول: بإنّنا إذ فحصنا القضايا التي يدركها العقل على هذه الخريطة حسب تصوّر أرسطو، فلا بُدَّ أن نقول: إنَّ انطباق حدّ على حدّ، وإن كان إلى درجة ما يكون بديهياً في بعض مراتبه الأولى، إلَّا أنَّه في بعض خطوط هذه الخريطة نصل إلى أن يكون تطبيق الحدّ على الحدّ الذي يليه لا هو بديهي ولا هو نظري مكتسب، بل هو جزمي من النوع الثالث من الجزم، وهذا الجزم من النوع الثالث ليس معصوماً لا بالبداهة ولا بمراعاة قواعد علم المنطق. والمصدر الخطير للخطأ في عالم التفكير البشري، إنَّما هو هذا العقل الثالث، الذي أهمل في منطق أرسطو بالمرة.
وبعبارة أخرى: قد تكون هذه الخريطة بعض خطوطها من أوّلها إلى آخرها بديهيّة، وانطباق كلّ حدّ على الحدّ الذي بعده بديهي ويبقى هكذا إلى الآخر، وهذا مثلا في خط الرياضيات، فكلّ حدّ في خط الرياضيات للحدّ الذي بعده يكون بديهياً.
نعم، يكون غامضاً وفي غاية الدقّة، فكتاب اقليدس مثلاً ليس كتاباً بديهياً، وإنَّما هو من أدقّ الكتب، ولكن إنَّما كان كذلك من ناحية صعوبة تصوّر هذه الحدود، إلَّا أنَّه إذا فرض أنَّه أمكن لإنسان أن يتصوّر هذه الحدود بتمامها، وتعلم كيف يجمع هذه الحدود، إذن سيراها بديهية.
ومن هنا كانت الرياضيات يقينيّة، لا يقع خطأ في الرياضيات، إلَّا نادراً جداً من ناحية غفلة غير متعارفة، أو من ناحية غموض الحدّ الوسط وعدم تحصيله، كما هو الحال في الضعفاء في هذه الصناعة، فلو جئت بشخصٍ من الشارع، وقلت
ــــــــــ[118]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
له: برهن على إمكان المثلث المتساوي الأضلاع، لا يمكنه ذلك؛ لأنَّ المبادئ التي بها برهن اقليدس على إمكانه غير واضحة عند هذا الشخص، ولا يستطيع أن يرتّب المبادئ، أمّا إذا بيّنت له مبدأ مبدأ لن يكون دقيقاً، بل بديهي.
لذا فالخطأ لا يقع في الرياضيات؛ لأنَّ انطباق كلّ حدّ على الحدّ الذي يليه بديهي وانتاج الحدّ الثالث من الحدّ الأوّل أيضاً بديهي؛ لأنَّه خاضع للشكل الأوّل من القياس.
أمّا في غير الرياضيات فيما لا يكون انطباق كلّ حدّ على الحدّ الذي بعده بديهي بهذا الترتيب، فهنا لا يكون الأمر كذلك، فإنّ انطباق حدّ على الحدّ الذي بعده لا يكون بديهيا كما بيّنا، ولا يكون نظرياً مكتسباً، وإلَّا لكان خلف كونه يليه مباشرة، فلا بُدَّ أن يفرض أنَّ هذا مجزوم به بنوع آخر من الجزم، يعني: بنوع ثالث من العقل، لا العقل المضمون ذاتاً بالبداهة، ولا العقل الثاني المكتسب.
فمثلاً: نبرهن على امتناع التسلسل ونقول: إنَّ التسلسل في العلل والمعلولات إلى غير النهاية لو كان ممكناً لبقي معلول بلا علّة في هذه السلسلة؛ لأنَّ كلّ واحد من هذه السلسلة معلول من الأوّل إلى مالا نهاية، وليس كلّ واحد علّة، فإنَّ هذا الجزء الأخير الذي بيدنا ليس علّة. إذن، فعدد العلل نقص عن عدد المعلولات وبقي واحد بلا علّة، وهذا يطبّق عليه كبرى استحالة وجود المعلول بلا علّة، وهذه الكبرى بديهية، لكن كون هذا صغرى له ليس بديهياً وليس مكتسباً بالبرهان؛ لأنَّه لا يوجد حدّ وسط بينهما، وإنَّما هو أمر قد يجزم به الحدسّ العقلي، فإنَّ هذا النوع الثالث ليس له اسم في منطق أرسطو،
ــــــــــ[119]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ونسمّيه الحدسّ العقلي أو التأمل العقلي، لكن قد يكون جزمه غير مطابق للواقع، أي: أنَّ هذا النوع من الجزم غير مضمون الحقّانيّة بحسب الواقع.
وفي باب العلوم الطبيعية يأتي العالم ويجرب أنَّ شرب (السقمونية) يوجب الإسهال، فهنا بالتجربة العلميّة يحقّق صغرى يطبّق عليها مبدأ بديهياً ويستنتج النتيجة، فبالتجربة يقول: إنَّ الإسهال إذا لم يكن علّته شرب السقمونيا لم يكن له علّة أخرى، ولكنّه له علّة بمقتضى قانون العلّيّة، فلا بُدَّ أن تكون علّته السقمونيا.
وهذه المقدّمة وليدة العقل، فإنَّ هذا المعنى لوحظ بوسائل معينة في العلوم التجريبية، فصار هذا الإسهال لا يحتمل صدوره من أيّ شيء يحتمل علّيته غير السقمونيا. نعم، قد يحصل الجزم للإنسان بهذا المطلب، إلَّا أنَّ هذا الجزم لا هو بديهي؛ لأنَّه كثيراً ما يقع فيه الخطأ؛ لأنَّه لا برهان على انحصار العلّة بالسقمونيا.
وكذلك الحال في حساب عدد الاحتمالات، فلو وضعتم إناءين في مكان مستور، ثُمَّ اخرجتم إناء وارجعتموه، ثُمَّ اخرجتم وارجعتم مئة مرة، وفي كلّ مرة من هذه المرات رأيتم أنَّ الإناء الذي اخرجتموه أبيض يحصل للإنسان الجزم بأنَّ كلا الإناءين أبيض؛ اذ لو كان أحدهما أسود لاتفق ولو لمرة واحدة من المئة أن تخرجوا الأسود، وهذا الجزم ليس بديهياً وليس مكتسباً بالبرهان، وهو جزم قاطع على حساب الاحتمالات؛ لأنَّ أخذ الإناء الأبيض مئة مرة فرض من مئة مليون فرض، وحيث إنَّ العقل يستبعد بالقريحة والحدس، هذا الفرض إلى حدّ الجزم بعدمه.
وهذا الجزم كثيراً ما يتفق للعقل البشري بحيث لا يحتمل الخلاف حقيقةً،
ــــــــــ[120]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
والآن كلّ واحد منا لا يحتمل أنَّه من الآن إلى أن يموت أنَّه عندما يخرج من بيته سوف يواجه جميع أصدقائه الجالسين في هذه الغرفة، هذا فرض غير محتمل له؛ لأنَّ هذا فرض واحد من ملايين ملايين ملايين الفروض، وهو لا يحتمله دون أن يكون هذا بديهياً ولا مكتسباً بالبرهان، وهذا العقل الثالث الذي ثبت الآن بالبرهان وجوده مستقلّ عن العقل البديهي وعن العقل النظري، فهذا العقل الثالث هو منشأ الخطأ، ومن هنا كانت غير الرياضيات من معارف الإنسان من العلوم التجريبيّة والنظرية والفلسفيّة معرضاً للخطأ والصواب باعتبار هذا المطلب.
وهذا الجزم غير مضمون الحقّانيّة باعتبار وقوع الخطأ فيه، فيكون دائماً في معرض الخطأ والصواب، إلَّا أنَّ هناك أموراً لها دخل في تقريب الإنسان إلى الواقع بالنسبة إلى هذا العقل الثالث، وهي قوة الحدس وقوة الذكاء والمران وطول الممارسة للعمليات العقليّة، وخصوصيّات أُخرى لا مجال لذكرها الآن؛ لأنَّها تدخل في المنطق التجريبي. هذا تمام الكلام في هذا البحث.
فظهر بالبرهان أنَّ المعرفة البشرية تنقسم إلى معرفة أوّليّة مضمونة بالبداهة، وإلى معرفة ثانوية مكتسبة مضمونة بالمنطق، فلو أنَّ إنساناً اقتصر على المكتسب من دون أن يضم مدركات العقل الثالث إلى علومه، كانت علومه صحيحة، ولا يكون فيها الخطأ إلَّا نادراً جداً وعلى سبيل الاتفاق، وهناك عقل ثالث هو مثار الخطأ في علوم البشر وغير مضمون الحقّانيّة، ولا يمكن الاحتراز عن الخطأ فيه مئة بالمئة. نعم، يمكن تقريب الإنسان نحو الحقيقة بالنسبة إليه بكثرة المجاهدات الفكرية والروحيّة معاً.
ــــــــــ[121]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وهذا النوع الثالث لا يكتفي فيه بمجرّد تفصيل المجملات، ليقال عنه: إنَّه ليس معرفة جديدة -كما ذكرنا ذلك بالبرهان الأرسطي- بل يكشف شيئاً جديداً لم يكن معلوماً لا بشكل تفصيلي ولا ضمني، فعمليّة العقل الثالث ليست هي تنسيق المقدّمات الثلاثة المعلوم ثبوت كلّ واحد منها لما قبله ثبوتاً قبلياً، بل هو عمليّة انشائيّة لاستكشاف المجهول، يضاف إليها مقدّمة عقليّة نظريّة لاستنتاج النتيجة.
فتلخص ممّا قلناه في العقل النظري في الجانب المنطقي من حلّ شبهة الأخباريين: أنَّ العقل يمكن تقسيمه بقسمة ثلاثية:
أوّلاً: العقل الأوّل المضمون الحقّانيّة ضماناً ذاتياً.
ثانياً: العقل الثاني المكتسب المضمون الحقّانيّة بالعرض وباعتبار تلك المبادئ المدركة للعقل الأوّل، بمعنى: أنَّ العقل الأوّل يضمن ذاته بالذات ويضمن مدركات العقل المكتسب بالعرض، وهذا الضمان الأوّل ذاتي والثاني عرضي مكتسب، وحيث إنَّ هذا الضمان الذاتي لا يختلف إلَّا أنَّ الضمان العرضي قد يختلف، ومنشأ التخلف في تمام مدركات العقل الثاني يرجع إلى أحد أمرين:
الأمر الأوّل: أن يرجع إلى شيء اسميناه بالذهول.
الأمر الثاني: أن يرجع إلى عدم تصوّر أطراف الحدود.
أمّا الذهول، فهو الغفلة التي تعترض الإنسان حتّى عن البديهيات أحياناً، وأمّا عدم تصوّر الحدود وخفاء تصوّر موضوعات ومحمولات الحدود.
ــــــــــ[122]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وأمّا مع فرض عدم هذا الذهول، وكون الإنسان سوياً في لحظة التفكير غير ذاهل، ومع فرض كونه متصوّراً لتمام موضوعات ومحمولات الحدود، أي: أنَّ تلك القائمة التي استحضرناها لمنطق أرسطو ووضعنا كلّ حدّ بعد الحدّ الذي يليه مباشرة، فلو أنَّ إنساناً كان قد استوعب تلك القائمة وتصوّر تمام موضوعات ومحمولات تلك الحدود مع عدم الذهول لما أخطأ أصلاً.
والخطأ إنَّما ينتج عن الذهول عن ترتيب الشكل الأوّل مع كونه بديهياً، وأمّا إلى عدم تصور حدّ من الحدود بحيث يفقد بذلك الحدّ الأوسط في البرهان، وإلَّا فإنَّ انطباق كلّ حدّ على الحدّ الذي يليه في القائمة التي تكون في حدود العقل النظري المكتسب يكون ضرورياً، ولا يعقل أن يكون انطباق كلّ حدّ على الحدّ الذي يليه مكتسباً بالبرهان؛ للزوم الخلف والمناقضة. إذن، فالعقل الثاني النظري المكتسب مضمون الصحّة بالعرض، وسريان الخطأ اليه أحد هذين المنشأين، إمّا الذهول وإمّا عدم التصوّر، وملكة الصناعة في كلّ فنّ تدخل في باب العقل النظري المكتسب التي تقرب الإنسان إلى الصواب، وتعصمه من هذا الخطأ بالتدريج، فالعصمة من هذين الأمرين بالخصوص إنَّما يكون بالصناعة وبالملكة لا بالمبادئ الأوّليّة، والعصمة بالمبادئ الأوّليّة يكون بعد فرض عدم هذين الخطأين، فحينئذٍ يكون العقل الثاني معصوماً ومضمون الحقّانيّة بالعقل الأوّل، ومن هنا قلنا: قلّت الأخطاء في الرياضيات ممّا هو مندرج في هذه القائمة على التفصيلات التي سبقت.
وقد يأخذ العقل القدر المتيقن من مجموعة من الأحكام العقليّة التي كلّ واحد منها في نفسه نظري، إلَّا أنَّه حينما يؤخذ المجموع يصبح بأخذ القدر
ــــــــــ[123]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
المتيقّن بديهياً، وهذا أيضاً يتصوّر في باب العقل أنَّه علّة لهذا وليس أمراً بديهياً، وكذلك كون ذاك علّة لهذا، إلَّا أنّه قد يؤخذ القدر المتيقّن بمعنى أنَّه يلحظ جميع العلل جميع الأشياء مع استثناء ما يقطع بداهة بعدم علّيته، فيقول: بأنَّ الشيء الفلاني معلول لأحد هذه الأمور، وكما يتصوّر هذا في طرف العلّة يتصوّر في طرف المعلول، ولهذه العمليّة باب واسع عريض كما سوف نشير إليه.
ثالثاً: العقل الثالث غير العقل الأوّل، وغير العقل المكتسب المضمون بالعقل الأوّل، هذا العقل الذي سمّيناه بالعقل الثالث، وبرهنّا على أنَّه لا يكفي في ضمانه قواعد علم المنطق، فهي لا تضمن حقّانيتّه ومطابقة إدراكه للواقع لا ضماناً بالذات؛ لأنَّه لا ينتسب إلى العقل الأوّل البديهي، ولا ضماناً بالعرض؛ لأنَّه لا ينتسب إلى العقل الثاني المكتسب، فإنَّه ليس مكتسباً من المبادئ البديهيّة الأولى، بل هو عقل ثالث في قبالها.
وهذا العقل إمّا أن يكون قائما على أساس تأمل عقلي صرف في تطبيق حدّ على الحدّ الذي يليه فيما إذا فرض أنَّ الحدّ الذي يليه لم يكن مصداقاً بالبداهة للحد الذي فوقه، وإمّا أن يكون قائماً على أساس التجربة بمعناها العامّ الذي يشمل الملاحظة، بحيث تستنتج من التجربة بمعناها العامّ التي يجزم بها العقل، وإن لم تكن هذه القضيّة لا بديهية ولا ممّا يبرهن عليها بالبديهيات، وتكون مكتسبة منها.
وقلنا: من موارد هذا العقل الثالث هو الجزم المبني على حساب الاحتمالات، فإنَّها من موارده وليست بديهية ولا مكتسبة بالبرهان، بل ارجعنا
ــــــــــ[124]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
المتواترات أيضاً إلى هذا العقل الثالث بإرجاع التواتر بحسب الحقيقة إلى باب التجربة، ثُمَّ قلنا بإرجاع نفس حساب الاحتمالات ببعض المعاني إلى التجربة.
وبعد هذا البيان أصبح لنا حاجة مهمّة لضبط أكبر قدر ممكن من النكات في هذا العقل الثالث للتجنب عن الخطأ فيه، وهذا ممّا أهمل في علم الأُصول كلّيّة، كما أهمل في علم المنطق، بالرغم من أنَّ كثيراً من الاستدلالات في علم الأُصول إنَّما تقوم على أساس هذا العقل الثالث، لا على أساس العقل الأوّل ولا على أساس العقل الثاني المكتسب من العقل الأوّل، مثلاً: حجّيّة المتواتر، فالمتواتر يقسم إلى متواتر لفظي ومعنوي وإجمالي، اللفظي والمعنوي واضح، ويقصد بالإجمالي أن يفرض مجموعة كبيرة من الروايات ويشار إليها من دون أن تكون متفقة في لفظ أو معنى، بل تكون متفقة لخصوصية من الخصوصيّات العامّة ولو باعتبار كونها مدلولاً مطابقياً لبعض وتضميناً لبعض آخر.
أو أن لا تكون متفقة أصلاً في الخصوصيّات، فيشار إلى كتاب الوسائل أو البخاري، فيقال: نعلم إجمالاً بصدور بعض هذه الروايات عن الأئمة عليهم الصلاة والسلام، فهنا تارةً نبحث في أنَّ هذا الجزم هل يحصل أو لا يحصل، وأنَّه حجّة أو ليس بحجّة؟ وهذا نزاعنا مع الأخباريين، وقلنا: بأنَّ الجزم يحصل بمقتضى قوانين العلّيّة والمعلولية، وسوف نبيّن في المقام الثالث -إن شاء الله- أنَّه حجّة أيضاً أذا حصل، إلَّا أنّنا باعتبارنا استدلاليين في علم الأُصول نحتاج إلى استحضار النكات التي تبعدنا عن الخطأ في حصول هذا القطع، وهذا غير النزاع مع الأخباريين، يعني: كما احتجنا في مدركات العقل النظري إلى منطق أرسطو في مقام معرفة القواعد التي تعصمنا في مقام استنتاج النظريات من
ــــــــــ[125]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
المبادئ البديهية، كذلك هنا لا بُدَّ أن نفحص أنَّ هذا الجزم هل يقوم على أساس نكتة عامّة، وما هي هذه النكتة، ما هي حدودها، ما هي خصوصيّاتها، وهل يمكن إرجاع هذه النكتة إلى برهان أولا؟ كلّ ذلك ممّا يصفّي حساب هذه الاستدلالات في باب التواتر.
وكذلك أيضاً غير باب التواتر في موارد الشبهة غير المحصورة، فإنَّ المعروف بينهم عدم وجوب الاحتياط، فيما لو علم إجمالاً بنجاسة إناء بين عشرة الآف إناء، أو بين مجموع إناءات المدينة، فالمعروف بينهم عدم وجوب الاحتياط، وأحد الوجوه التي قرب بها عدم وجوب الاحتياط ما ذهب إليه المحقّق العراقي(1) بتقريب اصطلاحي.
في نهاية المطاف إذا لاحظناه على ضوء بياناتنا التي حقّقناها يرجع إلى حساب الاحتمالات؛ لأنَّه يقوى باعتبار أنَّ الاحتمال يقل إلى أن يصل إلى درجة الصفر، فحينئذٍ لو لوحظ كلّ طرفٍ، فكلّ طرفٍ ممّا يعلم أو يطمئن بعدم انطباق الجامع المعلوم بالإجمال عليه، ومن هنا يجوز ارتكاب بعض الأطراف في الشبهة غير المحصورة مثلا.
وهذا أيضاً يقوم على أساس حساب الاحتمالات، فلا بُدَّ من معرفة أنَّ حساب الاحتمالات هل يمكن أن يبقى جزم عليه؟ نعم، يمكن أن يوجد هذا الجزم بحسب الخارج، ولكن كيفية البناء ونكتة البناء، فهل أنَّه يرجع إلى باب التجربة، أو أنَّه حساب آخر في مقابل باب التجربة؟
ــــــــــ[126]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار ٣: ٣٢٨.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وهكذا في عدّة مسائل من علم الأُصول تكون منتسبة إلى هذا النوع الثالث من العقل الذي لم تبيّن خصوصيّاته. وكان بودّي أن نشرع في بيان خصوصيّاته؛ لأجل أن نكمل هذا النقص الذي وجد في علم الأُصول منذ خُلق إلى يومنا هذا، إلَّا إنّي عدلت عن ذلك لخصوصيّات هناك، ومقصودي من بيان هذا المطلب هو أنَّ ما ذكرناه حتّى الآن، كان فقط بيان الإشارة إلى ما ينبغي أن يبحث عنه، وأنَّ هذه المطالب ينبغي التفكير فيها مفصّلاً، بحيث يسد هذا النقص، ولعل هناك فرصة أخرى تأتي لسد هذا النقص إن شاء الله.
هذا تمام الكلام في العقل النظري.
لو فرض أنَّ شبهة الأخباريّين كانت بلحاظ العقل العملي، بمعنى: أنَّهم يدّعون قصور العقل العملي بحسب عالم الاستكشاف، فإنَّ العقل العملي لا يدرك الأمر الذي يكون مؤثراً في مقام العمل ابتداءً، فإنَّ العقل كما قلنا في أوّل البحث: تارةً يدرك أمراً واقعياً غير مؤثر في مقام العمل مباشراً، كأن يدرك وجود الله تبارك وتعالى، فإنَّ وجوده تبارك وتعالى ليس مؤثراً في مقام العمل مباشرة، وإنَّما يؤثر في العمل حين يُدرك العبد حقّ المولويّة، فإدراك وجوده تعالى ليس مؤثراً في مقام العمل، فهو من إدراكات العقل النظري. وأمّا إدراك حقّ المولويّة، فهو إدراك لأمر مؤثر في مقام العمل مباشرة؛ ولهذا يسمّى بالعقل العملي.
وهذه الشبهة تنقلنا من باب العقل النظري إلى باب العقل العملي، وتكون بحسب افتراضنا لدعوى الأخباريّين شبهة في العقل العملي، بدعوى قصور
ــــــــــ[127]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
العقل عن إدراك الحسن والقبح الذاتيين بحسب اصطلاح علم الأخلاق.
وبعد فرض كون كلام الأخباريّين مسوقاً إلى ذلك يكون مشابهاً تمام المشابهة من كثير من الجهات لكلام الأشاعرة الذين أنكروا الحسن والقبح العقليين، وقالوا بالحسن والقبح الشرعيين، خلافاً للمشهور بين العدليّة الإماميّة -باستثناء الأخباريّين بناءً على حمل كلاماتهم على هذا المحمل- القائلين بالحسن والقبح العقليين.
ومسألة الحسن والقبح العقليين في البحوث الإسلاميّة ارتبطت بمسألتين أخريين:
المسألة الأولى: وهي مسألة العدل الإلهي، فمن أنكر الحسن والقبح العقليين قال: إنَّ كل ما يصدر من الله فهو ليس قبيحاً، فالعدل الإلهي ليس حداً من الحدود، وإنَّما مرجعه بحسب الحقيقة إلى أنَّه لا معنى لباب العدل والظلم بالنسبة إلى الله تعالى؛ لأنَّ الحسن والقبح بعد إرجاعهما إلى حكم الشارع يكون العدل الإلهي هنا من باب أنَّه لا يتصوّر صدور الظلم من باب انتفاء التصوّر، لا من باب انتفاء التصديق.
وأمّا من يسلّم بالحسن والقبح العقليين، فيتصوّر صدور الظلم بحسب عالم التصوّر، إلَّا أنَّ عقله يحكم بعدم صدور الظلم من قبل الباري تبارك وتعالى، فالنفي هنا نفي في عالم التصديق.
المسألة الثانية: مسألة الاختيار والجبر، فإنَّ الأشاعرة حيث إنَّهم بنوا على أنَّ العباد مجبورون على أفعالهم ومقهورون عليها، فحينئذٍ أمكنهم تطبيق الحسن
ــــــــــ[128]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
والقبح العقليين على أفعال العباد، ومن المعلوم أنَّ الحسن والقبح العقليين، وإن كان العقل يدركهما بالنسبة إلى كبرى الفاعل المختار، إلَّا أنَّ العقل يطبق هذه الكبرى على الإنسان الخارجي، لا على مخلوق خيالي غير موجود على وجه الأرض.
فمن هنّا كان تسليم الأشاعرة بالحسن والقبح العقليين معناه التسليم باختيارية أفعال الإنسان؛ لأنَّ الفاعل غير الاختياري لا يتصوّر في أفعاله حسن ولا قبح، وحيث إنَّهم بنوا على عدم اختياريّة أفعال الإنسان، فكان هذا من الدواعي إلى إنكار الحسن والقبح العقليين من قبلهم.
ومطلبهم في باب العدل الإلهي من نتائج إنكار الحسن والقبح العقليين، ومطلبهم في باب الجبر والاختيار من الدواعي إلى هذا الإنكار.
وأمّا الإماميّة المعارضون لهم فقد اختاروا في الجميع مباني مخالفة، فاختاروا -باستثناء من شذّ عنهم- ثبوت الحسن والقبح العقليين، وثبوت العدل الإلهي، بمعنى: أنَّ الحسن والقبح العقليين حدّ بالنسبة إلى الله تعالى، لكن لا بنحو ينافي الاختيار الإلهي والقدرة الإلهيّة، كما اختاروا في باب الجبر والاختيار بأنَّ العبد فاعل مختار بالنسبة إلى أفعاله.
وظهرت الجهات والمدّعيات التي لا بُدَّ من فحصها ودراستها في باب العقل العملي، فإنَّ المذاهب في العقل العملي، أو في الحسن والقبح، أو الخير والشر بالتعبير الأخلاقي ترجع إلى عدّة اتجاهات، فهناك المذاهب التي تقول: بأنَّ الحسن والقبح مرجعهما إلى القانون، فالحسن والقبح ما يحسّنه القانون وما يقبّحه.
ــــــــــ[129]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وهؤلاء الذين يقيمون الحسن والقبح على أساس القانون بين من يخصص هذا بالقانون الإلهي، وبين من يعمّم هذا القانون لسائر القوانين المجعولة من قبل الموالي بالنسبة إلى العبيد، وبين من يدّعي أنَّ هناك قانوناً عقلائيّاً عاماً أبدياً أزلياً، بالمعنى العرفي لا بالمعنى الفلسفي، وهذا القانون العقلائي العامّ هو أساس الحسن والقبح العقليين.
وظاهر كلمات الأشاعرة تتناسب مع الأوّل، أي: إقامة الحسن والقبح على أساس القانون، وهذا القانون هو القانون البيّن والمجعول من قبل الله تعالى، أي: المولى الحقيقي.
وهناك في المذاهب الإسلاميّة من يقول بربط الحسن والقبح بمطلق القانون، فالحسن والقبح في كلّ مجتمع إنَّما ما يحسّنه قانون ذلك المجتمع وما يقبّحه، سواء كان ذلك القانون قانوناً إلهياً سماوياً أو كان قانوناً أرضياً.
ومذهب الفلاسفة في المقام بحسب التحليل يرجع إلى الأمر الثالث، أي: دعوى أنَّ الحسن والقبح يرجع إلى قانون عقلائي عامّ ثابت في كلّ عصر وفي كلّ زمان، وإن كان قد يتخيّل من كلمات الفلاسفة أنَّ الحسن والقبح أمران واقعيان مدركان مثلا، إلَّا أنَّه سوف يأتي -إنَّ شاء الله- أنَّ كلام الفلاسفة على جميع محتملاته غير معقول إلَّا على هذا المحتمل، فإرجاع كلام الفلاسفة إلى هذا ليس من باب النصّ، وإنَّما هو إرجاع تحليلي على ما سياتي بيانه وتوضيحه. هذا بالنسبة إلى المذاهب التي تقول بقيام الحسن والقبح على أساس القانون.
وهناك من المذاهب من يقول: إنَّ الحسن والقبح قائم على تقدير نفس ــــــــــ[130]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الشخص لا على أساس القانون، فهذا شقّ في مقابل تلك الشقوق.
فتارةً: نفرض بأنَّ تقدير هذا الشخص الذي هو ميزان الحسن والقبح، ومرجع هذا التقدير إلى ملاحظة الآثار المترتبة على الأفعال، فالفرد يُدرك حسن شيء وقبحه باعتبار ما يترتّب عليه من الآثار من المصالح والمفاسد بالمعنى الأعمّ، كلّ بحسب ذوقه في المصلحة والمفسدة، فقد يكون هناك شخص ذوقه في المصالح والمفاسد العقليّة فقط، وقد يكون شخص آخر ذوقه أنَّ المصالح والمفاسد الخياليّة أيضاً مصالح ومفاسد، وهكذا فيكون إدراك الحسن والقبح قائماً على أساس نتيجة الفعل وما يترتّب على الفعل من المصلحة والمفسدة بحسب تعبيرنا في علم الأُصول.
وهذا مذهب أكثر الفلاسفة اللاإسلاميين التجريبيين الذين أنكروا العقل الأوّل وارجعوه إلى التجربة، كذلك في المقام ارجعوا جميع موارد الحسن والقبح إلى التجربة بحسب الخارج، وقالوا: بأنَّ الحسن والقبح نتيجة للآثار المترتبة على الأفعال، وأنَّ هذه الآثار أيضاً إنَّما تُدرك بالتجربة بحسب الخارج، إنَّما يحكم الناس بأنَّ الصدق فضيلة، وأنَّ الكذب رذيلة، و بأنَّ الأمانة خير والخيانة شرّ، وبأنَّ العدل حسن والظلم قبيح؛ لأنَّ هذا نتيجة تجاربهم في حياتهم الخارجيّة التي أجروها بأنفسهم، أو علموا بها من ناحية مَن جَرَّبَها، فالناس عرفوا أنَّه إذا صار مبنى الحياة على الخيانة والكذب والظلم فتفسد حياتهم، بخلاف ما إذا كان أمرها قائماً على أساس الصدق والأمانة والعدل.
بالرغم من أنَّهم قالوا: إنَّ الحسن والقبح مرجعه إلى قانون العقلاء، مع
ــــــــــ[131]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
هذا ربطوا قانون العقلاء بالمصالح والمفاسد، ففي الحقيقة أنَّ الفلاسفة القائلون بالحسن والقبح العقليين ليسوا قائلين به بالمعنى الذي يقصده الإماميّة الذين ذهبوا إلى الحسن والقبح العقليين.
وإنَّما الذي يقصده الإماميّة هو الشقّ الآخرة، وهو: أنَّ الحسن والقبح يرجع إلى تقدير الشخص، وإنَّ هذا التقدير مرجعه إلى إدراك الشخص خصوصيّة في نفس الفعل، أو في نفس الترك -مثلاً- وهذه الخصوصيّة تقتضي حسن الفعل أو قبحه بقطع النظر عن المصالح والمفاسد المترتبة على ذلك.
فليس معنى قولنا: إنَّ العدل حسن يعني فيه مصلحة، وإنَّ الظلم قبيح، يعني: فيه مفسدة، بل الحسن والقبح يرجعان إلى خصوصيّات ذاتيّة في نفس الأفعال.
إلَّا أنَّ هذا البيان لا ينبغي أنَّ يفهم منه أنَّ الحسن والقبح ذاتي للمعنون، بل هو ذاتي لعناوين الأفعال، ومن هنا يتغيّر حسن فعل وقبحه باعتبار تغيّر عنوانه، فالذاتيّة إنَّما هي ذاتيّة للمعنون بمقدار مرآتية العنوان وحكايته عن معنونه. هذا هو المذهب الأخير.
إذن، فنستطيع أنَّ نقسّم المذاهب في باب الحسن والقبح والخير والشر إلى مذاهب تقوم على أساس القانون، سواء كان المراد به القانون الخاص الإلهي أو القانون العامّ لكلّ مجتمع أو القانون العقلائي العامّ، وإلى مذاهب تقوم على أساس إقامة الحسن والقبح على تقدير الشخص، بمعنى: ربطه بالمصالح والمفاسد، أو على أساس ربطه بخصوصيّات قائمة بنفس تلك الأفعال. هذه هي المذاهب المتصوّرة في المقام.
ــــــــــ[132]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وهذا العقل العملي الذي يسمّيه المنطقي اصطلاحاً بالعقل العملي، ويسمّيه الفيلسوف بالخير والشر، ويسمّيه المتكلّم بالحسن والقبح العقليين، ويسمّيه الأخلاقي بالفضيلة والرذيلة، فهذه العبائر كلّها ترجع إلى مسألة واحدة، وإن اختلفت اصطلاحات الفنون في تسميتها.
إذن، ما هو مدّعى الأخباري هنا؟ وما هي طريقة البحث في تحقيق حال مدّعى الأخباري؟
إلَّا انَّه قبل هذا لا بُدَّ أن نستذكر ما ذكرناه في المقدّمة الثانية من مقدّمات هذه المسألة، فإنّنا ذكرنا هناك أنَّ العقل العملي الذي يدّعي الأُصولي كونه ممّا يستنبط منه حكم شرعي، لا يستنبط منه بمفرده حكم شرعي، وإنَّما يضمّ إلى العقل العملي عقل نظري، وبضمه إليه يستنبط الحكم الشرعي، فالعقل العملي في استنباط حكم شرعي منه يحتاج إلى ضميمة العقل النظري.
وقلنا في تلك المقدّمة: أنَّ العقل العملي حينما يراد حكم شرعي إمّا أن يطبّق على فعل العبد، وإمّا أنَّ يطبق على فعل المولى، وعلى كلّ حالٍ نحتاج إلى قاعدة مأخوذة من العقل النظري، فمثلا: إذا أردنا أن نستنتج حرمة الظلم من حكم العقل بقبح الظلم، هنا نحتاج إلى اثبات الملازمة بين حكم العقل بالقبح وحكم الشرع بالحرمة، وهذه الملازمة أمر واقعي يدركه العقل النظري.
فدعوى قصور العقل العملي بحسب عالم الاستكشاف عن استنباط الحكم الشرعي منه يمكن أنَّ نحلّلها إلى مقامين:
ــــــــــ[133]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
المقام الأوّل: في نفس العقل العملي الذي يدرك الحسن والقبح.
المقام الثاني: في ذلك العقل النظري الذي لا بُدَّ من ضمه إلى العقل العملي؛ ليستنتج بضمه الحكم الشرعي.
نتكلّم فيه على ضوء ما تكلّمنا في كلّيّة العقل النظري كمصداق من مصاديق تلك الكبرى، ونتكلّم فيه على ضوء ما قدّمناه من معلومات وبرهنّا عليه من مدّعيات.
أمّا المقام الأوّل، وهو التكلّم في أصل العقل العملي، فالقدر المتيقّن من كلمات الأخباريّين في مقام بيان دعواهم، هو أنَّ هؤلاء الأخباريّين لا يعولون على الدليل العقلي في مقام استكشاف حسن الأفعال وقبحها، كما لا يعولون على العقل النظري في مقام استكشاف الإمكان والاستحالة، وقوانين العلّيّة والمعلولية، ونحو ذلك من القوانين التي تحكم العالم.
وهذا القدر المتيقّن لا ينافي كون الأخباريّين يؤمنون بحسن الأفعال وقبحها، وأنَّها توصف بحسن وقبح، وأنَّ الله تعالى في أحكامه الشرعيّة تابع لحسن الأفعال في نفسها وقبحها في نفسها، إلَّا أنَّه حيث إنَّ العقل قاصر في نظرهم فهم لا يثقون بإدراكات العقل للحسن والقبح، كما لم يكونوا يثقون بإدراكات العقل النظري للإمكان والاستحالة مثلاً، فهذا ليس معناه إنكار الإمكان والاستحالة، بمعنى: أنَّه في الواقع ليس هناك أشياء ممكنة ومستحيلة، بل هناك مثل هذه الأشياء، ويمكن لمن هو أفضل من الإنسان أو للمعصوم من
ــــــــــ[134]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الإنسان إدراكها، إلَّا أنَّه نحن لا نثق بإدراكاتنا للإمكان والاستحالة، كذلك في المقام الحسن والقبح أمور واقعيّة، إلَّا أنّا لا نثق بإدراكاتنا لها، فالتشكيك في قيمة العقل لا في قيمة المعقول في نفسه.
فكلامهم وإن كان يشابه إلى حدٍّ بعيد كلام الأشاعرة، إلَّا أنَّه -كما أشرنا- بينهما أيضاً جهة اختلاف، فإنَّ هؤلاء الأخباريّين -على ما هو مقتضى الاقتصار على القدر المتيقّن من مدعاهم -لا ينكرون أصل حسن الأشياء وقبحها، بل ينكرون إدراك العقل لها بنحو موثوق به، وأمّا الأشاعرة فهم ينكرون أصل قبح الأشياء وحسنها، بحيث إنَّ الشارع ليس تابعاً في أحكامه لهما، كما نحن لا ندرك الحسن والقبح، الله أيضاً لا يدركهما؛ لأنَّه ليس من الأمور الواقعيّة حتّى يدرك وجودها من قبل أيّ مدرك مهما كان معصوماً في إدراكه.
فالأخباري والأشعري يتفقان في عدم إمكان اثبات الحسن والقبح بالعقل، لكن يختلفان في منشأ هذا، فإنَّ الأخباري بحسب القدر المتيقّن -من مدعاه- إنَّما يشكّك في قيمة العقل، وأمّا الأشعري فيشكّك في أصل المعقول، ويقول: بأنَّ الحسن والقبح ليس أمراً واقعيّاً، بل هو أمر يدور مدار حكم الشارع، وحينما نبحث المسألة سوف نبحثها بكلا وجهيها الأخباري والأشعري.
ومدّعى الأخباري يقابله مدّعى الأصوليين الذين يقولون غالبا باستثناء بعض الأفراد، وإنَّ الحسن والقبح العقليين ثابتان، وإنَّ الدليل العقلي العملي أيضاً ممّا يمكن التعويل عليه.
ــــــــــ[135]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ومدّعى الأشعري بما يقابله من مدّعى العدليّة بما فيهم الإماميّة القائلون: بثبوت الحسن والقبح العقليين في الواقع، وإنَّ الأشياء تتّصف بهما بحسب الواقع.
وفي هذا النزاع الثاني هناك مذهب للفلاسفة -سوف يأتي توضيحه بمقدار القدر المتيقّن من دعاواهم- يظهر منه دعوى متوسطة بين دعوى الأشعرية والإمامية.
ونفس هذا النزاع بين الأشعري والعدلي على ما يظهر من تاريخ المسألة تسّرب إلى غير المسلمين، فوقع هذا النزاع أيضاً بين المسيحيين كما وقع بين المسلمين، وادّعى علماء الدين المسيحي نفس الدعوى التي ادّعاها علماء الأشاعرة، فإنَّهم أيضاً أنكروا الحسن والقبح، وقالوا: بأنَّ الأشياء ترجع في حسنها وقبحها إلى الشريعة، وخالف في ذلك الفلاسفة العقليون من المسيحيين، فإنَّهم اثبتوا الحسن والقبح، إلَّا أنَّ الذي يظهر أنَّهم أثبتوه بمعناه عند العدلية، لا بمعناه عند الفلاسفة الذين قلنا: إنَّه مذهب متوسط بين المذهبين.
هذا هو النزاع بين الأخباري والأصولي، والأشعري والعدلي الذي لا بُدَّ من تحقيقه، وتحقيق هذا النزاع أيضاً يقع في مقامين:
المقام الأوّل: في جانب النقض.
المقام الثاني: في جانب الحلّ.
ــــــــــ[136]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
أمّا المقام الأوّل ففيه نقضان:
النقض الأوّل: المعروف بين أصحابنا النقض على الأشاعرة المنكرين للحسن والقبح العقليين بالعقل العملي الجاري في الرتبة المتأخّرة، كحكم العقل بوجوب الطّاعة وقبح المعصّية عن أحكام الكتاب والسنة، ونصطلح عليه بوجوب المعرفة، بتقريب: أنَّ وجوب المعرفة هل هو وجوب شرعي أو عقلي؟ فإن كان وجوباً شرعيّاً، فلا يمكن اثباتها إلَّا بعد فرض إثبات الشرع، والمفروض وجوب المعرفة في المرتبة السابقة على ذلك، بحيث تقع في طريق اثبات الشرع، لا أن تكون بعد إثبات الشرع.
وإن فُرض أنَّ هذا الوجوب وجوب عقلي لا شرعي، فقد ثبت المقصود في المقام، وهو الأحكام العقليّة المستقلّة عن الأحكام الشرعيّة، ونفس هذا البيان نورده أيضاً على المذهب الفلسفي الذي نتكلّم عنه، فإنَّه وإن شايعه كثير من الأُصوليين عندنا، وحملوا كلمات أهل العدل والحقّ عليه، إلَّا أنَّ هذا المذهب
-كما يأتي أيضاً- مرجعه في نهاية المطاف إلى إقامة الحسن والقبح العقليين على أساس القانون.
وفرق هؤلاء عن الأشاعرة أنَّ الأشاعرة أناس أقاموه على أساس قانون الله تبارك وتعالى، وهؤلاء أقاموه على أساس القانون العامّ لجميع الناس، فهو قانون مجعول للعقلاء، ولا معنى له بحسب ما سوف يأتي من تحليل المذهب الفلسفي.
ــــــــــ[137]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فحينئذٍ يأتي فيه -نفس هذا الكلام- أنَّ هذا الوجوب أهو وجوب شرعي، أو وجوب عقلائي، أو وجوب عقلي صرف؟ فإن كان وجوباً شرعيّاً فهو غير معقول، وإن كان وجوباً عقلائيّاً، فما هو الضامن لوجوب اتباع العقلاء في هذا المطلب، وأن يسير الإنسان على طبق طريقتهم؟
فهذا النقض وارد عليهما معاً، وإن أورد من قبل الأصوليين المؤمنين بالطريقة الفلسفيّة.
النقض الثاني: بالعقل العملي المعمول بالمرتبة المتقدّمة على الكتاب والسنة، لإثبات مبادئ الكتاب والسنة، بدعوى: أنَّ العقل العملي يحتاج إليه لإثبات النبوّة، وهي من أهم مبادئ الكتاب والسنة؛ وذلك لأنَّ النبوّة إنَّما تثبت بالمعجزة، فحين يدّعي شخص النبوّة يقيم المعجزة ويتحدى بها جميع الناس، ويستدل بهذه التحدي على صدقه في دعوى النبوّة، ويصدّقه الناس في ذلك، فتصديق الناس له في هذا المطلب موقوف على مقدّمة عقليّة عمليّة، وهي قبح اظهار المعجزة على يد الكاذب؛ لأنَّه تضليل واغواء للناس، باعتبار عدم صدور القبيح من الله تبارك وتعالى، فيستكشف كونه نبيّاً.
فالنبوّة تحتاج إلى ضمّ هذا العقل العملي، فإذا شكّ فيه إمّا شكاً أشعرياً، بمعنى: إنكار أصل الحسن والقبح، أو شكاً أخبارياً، بمعنى: إنكار قيمة العقل بما هو عقل لا بما هو معقول.
إذن، لم يبق طريق إلى اثبات مبادئ الكتاب والسنة، فهذان نقضان يوردان عادة على إنكار الحسن والقبح العقليين.
ــــــــــ[138]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
أمّا النقض الأوّل -وهو الأحكام العقليّة الجاريّة في المرتبة المتأخّرة عن الكتاب والسنة، التي مرجعها إلى وجوب الطّاعة وحرمة المعصيّة- فتارةً نتكلّم بلحاظ الأخباري، وأخرى نتكلّم بلحاظ الأشعري.
أمّا بلحاظ الأخباري، فهو وإن كان لا يثق بالعقل إلَّا أنّه لا ينكر القضايا العقليّة، غاية الأمر أنَّه ينكر الوثوق بها، ولا أقل من ثبوت الظنّ له بذلك، أي: أنَّه لا ينكر العقل الظنّي، وإنَّما ينكر العقل القطعي في الموارد النظرية والموارد العمليّة مثلاً، فحينئذٍ فهو يحتمل أنَّ تكون الطّاعة واجبةً عليه والمعصيّة قبيحة منه، بحيث يستحق العقاب على ذلك، ونفس هذا الحكم العقلي الذي ندّعيه على وجه الجزم لا يجزم الأخباري بعدمه؛ لأنَّه لا ينكر أصل المعلوم، وإنَّما ينكر العقل العملي، فلا أقل من انه يحتمل وجوب الطاعة وحرمة المعصيّة، واحتمال ذلك كافٍ في مقام محرّكيّة العبد؛ لأنَّ احتمال ذلك مساوق مع احتمال الوقوع في العقاب بحسب الخارج؛ إذ مع احتمال صدق هذا الاحتمال فسوف يقع العقاب في الخارج، واحتمال الوقوع في العقاب محرّك ذاتي للعبد نحو الإنزجار عمّا يحتمل العقاب فيه، بلا حاجة إلى الجزم أصلاً؛ لأنَّ نفس احتمال العقاب يكون محرّكاً بلا حاجة إلى جزم أصلاً، فالأخباري يمكنه أنَّ يستدل على وجوب الطّاعة وحرمة المعصيّة باحتمال العقاب الناشئ من احتمال تماميّة الحسن والقبح بحسب الواقع، ونفس هذا الاحتمال يكون تاماً بالنسبة إليه.
وأمّا الأشعري الذي ينكر الحسن والقبح فهو لا يحتملهما، فيقول: لا
ــــــــــ[139]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
حسن ولا قبيح بحسب الواقع، فهذا ما الملجأ له إلى أنَّ يطيع الله ولا يعصيه، بعد إنكاره الحسن والقبح.
ومن الواضح أنَّ الملجأ له إلى الإطاعة وعدم المعصيّة هو احتمال نار جهنم ابتداءٍ بلا حاجة إلى توسط العقل العملي. ومن منّا إطاعته لله مضمونة باعتبار إدراكه للحسن والقبح العقليين، فلو كنّا مطمئنين بعدم وجود نار جهنم والجنة بحسب الخارج لعلّة، لكنّا غير هؤلاء الناس.
فهذا الأشعري الذي يُنكر العقل العملي راساً، فلا قبيح بالنسبة إلى الله ولا بالنسبة إلى العبد إلَّا الأحكام الشرعيّة، فهذا إذا كان عاقلاً سوياً لا شذوذ في عقله، فقهراً يحصل له احتمال راجح بصدق ما قيل له من الوعود على وجود نار جهنم بحسب الخارج، بلا حاجة إلى ضمّ دليل قبح الكذب، ونفس هذه التأكيدات المتواصلة المتواترة -على الأقل- تكون منشأ الاحتمال العقاب بحسب العقل النظري لا العملي. وهذا هو فرقه عن الأخباري؛ لأنّا قلنا في الأخباري: إنَّ احتماله بحسب العقل العملي موجود، فإنَّه لا ينكر رأساً، والأشعري ينكر المعقول راساً، فيكفيه الاحتمال بحسب العقل النظري، بعد أن برهن على إمكان صدور العقاب من الله حتّى ما شاء؛ لأنَّ له الحرية المطلقة، فبالبرهان من العقل النظري ثبت له هذا المطلب، فبهذا الشخص الحر المطلق الذي يستطيع أن يعاقب متى ما شاء، هو يكرر دائماً إنّي أعاقب قهراً، فيكون هذا منشأ لاحتمال العقاب بحسب الخارج.
فنحن يجب أن نميّز بين المحرّكيّة الذاتيّة للخوف والداعي في عالم النفس،
ــــــــــ[140]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وبين المحرّكيّة بتوسط الحسن والقبح العقليين، فإنَّ احتمال العقاب محرّكيته ذاتيّة بلا حاجة إلى توسط الحسن والقبح العقليين، وبمجرّد أن يدرك ولو إدراكا احتمالياً بحسب العقل النظري العقاب احتمالاً أرجح من احتمال على التقدير الآخر، يكون مثل هذا الاحتمال محرّكاً له بلا حاجة إلى ضمّ مسألة الحسن والقبح العقليين، وهذا هو المحرّك لأغلب الناس حتّى من القائلين بالحسن والقبح.
والخلط بين المحرّكيّة الذاتيّة للاحتمال من العقل النظري، مع المحرّكيّة التحسينيّة والتقبيحيّة للعقل العملي هو الذي أدى إلى ايراد من هذا النقض، وهذا النقض يمكن للأخباري والأشعري التخلّص منه.
وحاصل هذا التخلّص: أن يدّعى كون ترتّب العقاب على المعصيّة بحسب الخارج قضيّة قطعيّة في العقل النظري، فيمكن للأخباري والأشعري -كلّ على مبانيه- أن يدّعي قطعيّة هذه القضيّة في العقل النظري.
وفرق هذا البيان عن البيان السابق: أنّنا في السابق اكتفينا في التخلّص من النقض عن الأخباري والاشعري بالانتهاء إلى احتمال العقاب، وسمّينا ذلك بالقضيّة الاحتماليّة في العقل النظري، وقلنا: بكفاية احتمال العقاب في مقام التحريك الذاتي.
والآن يفرض -زائداً على احتمال صدق وعيد الله تعالى وإخباره عن نار جهنم- القطع بالصدق من دون حاجة إلى ضمّ حكم العقل العملي بقبح صدور الكذب من قبل المولى تبارك وتعالى.
ــــــــــ[141]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
أمّا بالنسبة إلى الأخباري ففي غاية الوضوح والبداهة؛ لأنَّ الأخباري يدّعي قطعيّة الأدلّة اللفظيّة، فإنّ تمام همّه ومرامه إنّما هو التفصيل بين الأدلّة العقليّة والأدلّة اللفظيّة، بمعنى: دعوى كون الأدلّة اللفظيّة قطعيّة وكون الأدلّة العقليّة غير قطعيّة، وحينئذ يكفي الأخباري الدليل اللفظي الدالّ على العقاب بلا حاجة إلى توسيط أيّ برهان آخر على المطلب.
ومن هنا كان الدليل اللفظي يستكشف إنّاً قبح المعصية وحسن الطاعة؛ لأنَّ الأخباري لا ينكر أصل المعقول وأصل قبح الأشياء وحسنها في الواقع، وأن يقول: بأنَّ الذهن البشري في هذا الحدّ الذي نحن عليه لا يستطيع أن يثق بإدراكه للحسن والقبح، فلو فرض أنَّ المعصوم أدرك هذا الحسن والقبح وأخبر عنه فلا محالة يكون هذا كاشفاً عن قبحه في نفسه، فحينما يخبر عن وجود العقاب بحسب الخارج وعن قبح الكذب وحسن الصدق ونحو ذلك، وهذه الأدلّة اللفظيّة بنفسها تكون كافية لإثبات هذه الأحكام بلا حاجة إلى الاعتماد على العقل العملي المستقلّ للإنسان.
نعم، هذا المطلب في نفسه غير صحيح، بمعنى أن يقال: إنّ الدليل اللفظي يبقى على حجّيّته بعد إسقاط الدليل العقلي، لكنّ الكلام في النقض، فإنّه على مبناه يمكنه التخلّص من ذلك، فكلّما نثبته نحن بالعقل العملي كوجوب الطاعة وقبح المعصيّة، فهو يثبته بإخبار الشارع بعد فرض قطعيّة الدليل اللفظي عنده.
وأمّا الأشعري -فهو على ما يصرّح بذلك الاشاعرة في كتبهم- فهم يقولون: بأنّ ما ننكره إنّما هو الحسن والقبح، بمعنى: كون الفعل واجداً لحيثيّة
ــــــــــ[142]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
يستحقّ عليه الذمّ عليها، أو واجداً لحيثيّة بحيث يستحقّ بها المدح، وننكر كون الفعل ما يمدح عليه، أو يكون موضوعاً للذمّ.
وأمّا مبادئ هذا المطلب فلا ننكر شيئاً منها، بمعنى: أنَّ الأشاعرة يعترفون بأنَّ الأشياء أعمّ من الأفعال، وغيرها تنقسم إلى ما يكون كمالاً وإلى ما يكون نقصاً بحسب الواقع، فالعلم كمال للإنسان والجهل نقصان له، والعقل يدرك كماليّة العلم ونقصان الجهل، وهذا الإدراك إدراك ينتسب إلى العقل النظري، لا إلى العقل العملي، وكذلك العقل يدرك كثيراً من الأمور الواقعيّة، كالمصلحة والمفسدة، وكون الشيء الفلاني فيه مصلحة للإنسان أو مفسدة له، وهي تنتسب إلى العقل النظري لا محالة، وإنَّما الشيء الذي لا يرونه صحيحاً هو حيثيّته التي بها يستحق المدح أو الذمّ على الأفعال.
وبناءً على هذا المبنى بإمكان الأشاعرة أن يبرهنوا بأنَّ الكذب في نفسه نقص، وإن لم يكن قبيحاً، وأن يبرهنوا بالعقل النظري أيضاً بأنّ الله يستحيل عليه النقص بوجه من الوجوه، فإذا أُقيم البرهان من العقل النظري على أنّ الكذب نقص -وهذه هي الصغرى- وأُقيم البرهان من العقل النظري على أنَّ النقص مستحيل في ساحة الواجب، فيتمّ البرهان على استحالة صدور الكذب من الله تبارك وتعالى بلا حاجة إلى توسيط العقل العملي في المقام، وحينئذٍ فمن الممكن إحراز صدق وعد الله ووعيده.
فإنّ الأشعري يثبت بأنَّ الله عالم، باعتبار أنَّ الجهل نقص، والنقص يستحيل على الواجب، وبهذا النحو من الإثبات أيضاً يدّعي بأنَّ الكذب نقص
ــــــــــ[143]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
على الباري كالجهل، فكما أنَّ الجهل يستحيل عليه؛ لأنَّه نقص كذلك الكذب، فبعض البرهان بالعقل النظري الذي يتبرهن به ثبوت العلم للواجب يتبرهن به ثبوت الصدق للواجب بلا حاجة إلى توسيط العقل العملي أصلاً.
كما فعلوا ذلك في صفات الواجب تعالى، إذ عندما جاؤا إلى هذا الكلام عدّوا من صفاته أنّه متكلّم، وذكروا منها الصدق الذاتي، وذلك باعتبار أنّ الكذب نقص، وهو يستحيل على الواجب الكامل المطلق، فهذا برهان من العقل النظري لا يتوقّف على التنازل عن مدعاهم في المقام.
فتحصّل جوابان عن النقض؛ إذ مرجع الأوّل إلى تصوير قضيّة احتماليّة في العقل النظري للعقاب؛ ومرجع الثاني إلى رفع هذه القضيّة الاحتماليّة إلى قضيّة يقينيّة في العقل النظري أيضاً.
وعلى كلا التقديرين فكلا القضيّتين الاحتماليّة واليقينيّة كافٍ في مقام المحرّكيّة بلا حاجة إلى توسيط العقل العملي أصلاً، فمحرّكيّة العبد نحو مولاه بحسب الخارج لا تتوقّف على العقل العملي، بحيث تزول بإنكاره، وبهذا يندفع النقض الأوّل.
وأمّا النقض الثاني -وهو النقض بالعقل العملي المعمول في المرتبة السابقة على الكتاب والسنة، فتلك المقدّمة العقليّة التي نحتاج إليها في إثبات نبوّة مدّعي المعجزة- فنقول: بأنَّ هذا المدّعي للنبوّة الذي يقيم المعجزة لو لم يكن صادقاً في دعواه لكان إظهار المعجزة على يديه وتمكينه منها إضلالاً من قبل الله تعالى، والإضلال قبيح من قبل الله لعباده بحكم العقل العملي. إذن، فلا بُدَّ أن
ــــــــــ[144]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
يكون صادقاً، فحينئذٍ يقال: إنَّ هذه المقدّمة إذا أبطلناها بإبطال العقل العملي انسدّ باب إثبات النبوّة.
والجواب عن هذا بتقريبين:
التقريب الأوّل: أنَّ نفس هذه المقدّمة -وإن كانت من مسلّمات علم الكلام- تفترض في المرتبة السابقة عليها تمامية الدليل على النبوّة، بحيث لا يعقل أن تكون هي جزء ذلك الدليل على النبوّة.
وتوضيح ذلك: أنَّه في المرتبة السابقة على هذه المقدّمة -وبقطع النظر عن قبح الإضلال من قبل الله تعالى لعبيده بحسب الخارج- فصدور المعجزة في نفسها كون الشخص قادراً على أن يقول للجدار تحرّك فيتحرّك، وهذه المعجزة في نفسها إمّا أن يكون لها دلالة على نبوّة صاحب المعجزة وسببيّته لحصول العلم بكونه نبّيّاً، وإمّا أن لا يكون لها مثل هذه الدلالة، بل يكون حالها حال قيام الشخص وجلوسه أو اقتداره على الخطابة.
فإن فرض في المرتبة السابقة أنَّ هذه المعجزة -وهي قوله للجدار تحرّك فيتحرّك وللحصى سبّح فيسبّح- كان له دلالة في المرتبة السابقة -وبقطع النظر عن العقل العملي- على كون هذا الآمر نبيّاً. إذن، فدليل النبوّة تمّ في المرتبة السابقة على القبح، على أنَّ هناك مجالاً للأشعري أن يقول: إنَّ قطعي بنبوّة رسول الله مستند إلى ذلك الدليل، والمفروض ثبوته في المرتبة السابقة عن المقدّمة العقليّة من العقل العملي.
وإن فرض أنّ إقامة مثل هذه المعجزة لا يكون فيها دلالة أصلاً، لا دلالة
ــــــــــ[145]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
عقليّة من باب دلالة المعلول على العلّة؛ لأنَّ هذه المعجزة قد تتحقّق من دون أن يكون هناك أنبياء بحسب الخارج، ولا دلالة عقليّة بديهيّة، ولا دلالة مكتسبة بالبرهان، أي: برهان على أنّ هذا يدلّ على ذاك، فهل يلزم من عدم كونه نبّيّاً مع فرض هذه المعجزة اجتماع النقيضين، أو الدور، أو التسلسل، وغيره من محاذير العقل النظري.
فإذا قلنا بعدم الدلالة في المرتبة العقليّة من العقل العملي. إذن، فلا تتمّ المقدّمة العقليّة في نفسها؛ لأنَّها تقول: بأنّ إظهار المعجزة على يد الكاذب إضلال للناس، فلو فرض أنَّ مجرّد صدور المعجزة في المرتبة السابقة على هذه المقدّمة العقليّة لا يدلّ على نبوته. إذن، فلا يكون هناك إضلال، كما لا يكون هناك إضلال في أصل خلقه، كجعله متكلّماً أو جعله خطيباً، كذلك في إصدار هذه المعجزة على يده لنكتة أو لمصلحة يعلم الله بها، فلو فرضنا أنَّ نظام الكون يتوقّف على صدور هذه المعجزة. إذن، فالإعجاز لا يكون إضلالاً في المقام فلا يكون قبيحاً، بل يكون حاله حال سائر الكمالات والخصوصيّات التي تمنح للشخص.
والصحيح من هذين الشقّين هو الأوّل، فإنَّ هذه المعجزة في نفسها وفي المرتبة السابقة على ضمّ المقدّمة العقليّة مورثة للقطع بنبوّة صاحب المعجزة، لا بالعقل الأوّل والثاني، بل العقل الثالث الذي اكتشفناه في بحث العقل النظري الذي يقطع بأنَّ من تصدر على يده معجزة يكون نبّيّاً.
وهذا العقل الثالث لا يفرق فيه بين الناس جميعاً، فإنَّه تامٌّ وموجودٌ عند
ــــــــــ[146]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
كثير من الناس مّمن تمّت فيهم شرائط هذا العقل الثالث، من دون فرق بين العامي والعالم والجاهل والمتعلّم.
وهذا العقل الثالث الذي يضطر إلى التصديق بالنبوّة على أساس هذه المعجزة، من دون أن يكون هذا التصديق بديهيّاً له، كبداهة الكلّ أعظم من الجزء، ولا مكتسباً بالبرهان من العقل الأوّل، وإنَّما هو عقيدة تحصل له ويدركها بالعقل الثالث حتماً، من دون فرق بين البرهاني وغير البرهاني من الناس، ولهذا لم نر ولم نسمع أحداً -بعد فرض ثبوت الصغرى- استشكل في الكبرى، أي: بعد فرض ثبوت المعجزة استشكل في نبوّة هذا النبيّ، والوجه فيه: أنّ هذه المعجزة تكون دليلاً بحسب العقل الثالث النظري، وحينئذٍ لا يحتاج إلى ضمّ العقل العملي في المقام.
التقريب الثاني: -وهو الذي يأتي بالنسبة إلى نبوّة رسول الله جزماً، وقد يأتي بالنسبة إلى نبوّة الأنبياء السابقين احتمالاً- أنَّ الدليل على نبوّة رسول الله يمكن أن يكون قائماً على أساس التجربة، فنحن قلنا في العقل النظري: إنَّ العقل الثالث له منابع وعيون، وأهمّ منابعه وعيونه التجربة، وأنَّها قد تحصّل اليقين والقطع بالمدّعى على حدّ تحصيل اليقين من العقل النظري المكتسب من الأوّليّات، وفي المقام الأمر كذلك، فإذا فرض أنَّ الإنسان بالاستقراء في الجزئيّات -الذي هو طريق البحث التجريبي العملي- استطاع أن يحصل له الجزم بأنَّ نبوغ الفرد وتفوّقه وامتيازه على سائر الأفراد بأفكاره ومدّعياته في كلّ مجتمع له نسبة محدودة لا يتجاوزها أبداً، لا على أساس كونه بديهيّاً أوّليّاً، ولا
ــــــــــ[147]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
على أساس كونه مبرهناً عليه بالطريقة الأرسطيّة في المنطق، بل على أساس التجربة والاستقراء بحسب الخارج الذي هو أساس العقل الثالث، وطبعاً هذه التجربة تحتاج إلى كثير من التدقيق في مقام اعطائها صيغتها العلميّة، فلو فرض أنَّه تمّت هذه التجربة والاستقراء، وثبت أنَّ التفوّق يكون بنسبة محدّدة لا يتجاوزها، فهناك حدّ أعلى لها لا يتجاوزها، وعلى أساس التجربة حصل القطع بهذا المطلب كقاعدة عامّة، كما يحصل القطع بالقاعدة في كلِّ مورد من موارد التجربة بملاك العقل الثالث، من دون برهان أرسطي على أخذ هذه القاعدة من تلك التجربة بحسب الخارج، ثُمَّ لوحظت نسبة تفوّق نبيّنا في مدّعياته وما جاء به من أحكام وأفكار ومفاهيم وأنظار في مختلف مجالات الحياة، بالنسبة إلى مجتمعه الذي عاشه، فيرى حتماً -أيضاً بهذا العقل الثالث وعلى أساس التجربة- أنّ هذا التفوق الذي وجد تاريخيّاً وبالتواتر بالنسبة إلى النبيّ إلى أهل عصره الذي نشأ فيهم وولد فيهم وترعرع وتفوّق، فأيّ نسبة رأيناها بالتجربة والاستقراء تتعدّى الحدّ الأعلى من نسبة التفوّق المستفادة استقرائيّاً وتجريّبيّاً، فيحصل القطع لا محالة -بعد القطع بتلك القاعدة العامّة وهذه الصغرى- بأنّ هذه الأفكار والمفاهيم والأحكام لم تنشأ من عند نفسه، وأنّه تلقّى هذه الأمور من الله عن طريق الوحي.
طبعاً هذا المطلب أقوله على نحو الإجمال؛ ليكون على ذكر عندكم؛ لأنّي أودّ أن يوفّق شخص أو أشخاص ليقوموا ببحث في النبوّة بهذا الترتيب، بحيث نبدّل بحث النبوّة وإظهار الإعجاز ومسألة قبح إظهار المعجز على يد الكاذب
ــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
بهذا الترتيب، فقد يكون بعد التأمّل والتمعّن فيه يصبح أنفع وأوضح وأجلى من الطريقة الكلاميّة المتعارفة، والآن لا يمكن توسّعة الكلام في هذا المقام، وإنَّما المقصود مجرّد الإشارة ليكون نكتة في بحث النبوّة، وليس مقصودي من هذا فقط دفع النقض على الأشعري أو على الأخباري، وإنَّما المقصود أن تبقى هذه النكتة في الذهن عسى أن يوفّق الله أحداً لأن يعمّق هذه النكتة، ويقيم على أساسها علم النبوّة. إذن، فهذا النقض الثاني غير وارد أيضاً.
وبهذا ظهر بطلان ما أفاده الأصحاب إلى السيّد الأُستاذ الذي نقض في أُصوله(1) وفي تفسيره(2) البيان على الأشاعرة بنفس هذا النقوض، وقال: بأنَّ مذهب الأشاعرة يؤدّي إلى ما يضحك الثكلى من النقوض، وقد ظهر بأنَّ هذه النقوض لا تضحك الثكلى، بل يمكن الجواب عليها صناعة وفنّاً بلا محذور.
وخلاصة ما مرّ في البحث النقضي مع منكري العقل العملي: أنَّ هناك نقضين على هذا الإنكار:
أحدهما: النقض بالعقل العملي المعمول في المرتبة المتأخّرة عن عالم الامتثال، أي: حكم العقل بوجوب الطّاعة وحرمة المعصيّة.
وتقريب النقض -كما قلنا- هو أنَّ وجوب الطّاعة وحرمة المعصيّة، إمّا شرعي وإمّا عقلي. والأوّل محال؛ لأنَّ هذا الوجوب إذا كان شرعيّاً فيحتاج إلى وجوب آخر بطاعة نفسه، فنحتاج إلى فرض وجوب آخر، فإن كان شرعيّاً
ــــــــــ[149]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول3: 31.
(2) انظر: البيان في تفسير القرآن: 39.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فالكلام فيه كالكلام في الأصل حتّى يتسلسل، فيتعيّن أنَّ يكون وجوب الطّاعة عقليّاً، فيثبت العقل العملي.
وأجبنا على هذا النقض الأوّل على مذاق الأخباري والأشعري معاً بجوابين:
الجواب الأوّل: هو الانتهاء من قبل الأخباري والأشعري إلى القضيّة الاحتمالية للعقاب، والاحتمال في باب العقاب كافٍ للمحرّكيّة الذاتيّة.
الجواب الثاني: أنَّ الأخباري والأشعري يمكنهما دعوى القطع بالعقاب، أي: دعوى القطع بصدق وعد الله ووعيده فيما يتعلق بيوم القيامة.
أمّا الأخباري فحيث إنَّ مفروضه هو التفصيل في باب الأدلّة بين الأدلّة اللفظيّة والعقليّة، فيقول بحجّيّة الدليل اللفظي وينكر حجّيّة الدليل العقلي، وحيث إنَّ الأخباري لا ينكر أصل الحسن والقبح في الأشياء، وإنَّما ينكر تمكن الإنسان مستقلاً من إدراك الحسن والقبح.
وحينئذٍ يمكنه أنَّ يثبت الوجوب الواقعي للطاعة والقبح الواقعي للمعصيّة عن طريق الدليل اللفظي الذي يقول بحجيته، فعن طريق قضيّة أخبارية في الأدلّة اللفظيّة تخبر عن قبح المعصية وعن حسن الطاعة، بما أنَّ المفروض كون الدليل اللفظي معتبراً عنده.
وهذا غير إثبات وجوب الطاعة وحرمة المعصيّة بحكم الشارع، وعدم التمييز بينهما هو منشأ النقض على الأخباري، فإنَّ شرعيّة وجوب الطاعة وحرمة المعصيّة إنَّ كان بمعنى أنَّ الشارع هو الجاعل لهما، كان هذا أمراً غير
ــــــــــ[150]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
معقول، كما ذكر في النقض؛ لأنَّ هذا الوجوب المجعول حاله حال وجوب الصلاة يحتاج إلى وجوب آخر لتنجيز طاعته والمنع عن معصيته، وهكذا حتّى يلزم التسلسل.
إلَّا أنَّ الأخباري لا يضطر إلى الالتزام بهذا المعنى المحال، بل يقول بشرعيّة وجوب الطاعة بحسب مقام الاثبات لا بحسب مقام الثبوت، يعني: أنَّ وجوب الطاعة واقعي نفس أمري لا وجوب شرعي، إلَّا أنَّ هذا الوجوب الواقعي للطاعة أو القبح الواقعي للمعصيّة نستكشفه من ناحية قول المعصوم، لا من ناحية إدراكنا المستقلّ، فقول المعصوم وعقله الذي لا يخطأ هو الذي يكشف عن قبح المعصيّة ووجوب الطاعة.
فنفس الوجوب بذاك المعنى الثبوتي الذي يلتزم به الأصولي يلتزم به الأخباري أيضاً، وكما يدّعي الأصولي القطع به كذلك الاخباري، وإنَّما طريق اثباته يختلف، فهذا يعتمد على عقله في مقام اثباته، وهذا يثبته بقضية أخبارية من ناحية الشرع نفسه. هذا بالنسبة إلى الأخباري بالإضافة إلى وجوب الطاعة وحرمة المعصيّة بالخصوص.
وأمّا الأشعري فهو ينكر أصل الحسن والقبح كما بيّنا، فهو لا يمكنه أنَّ يثبته لا بعقله ولا بعقل المعصوم؛ لأنَّ عقل المعصوم إنَّما يدرك الأمور الواقعيّة لا الأمور الوهميّة، وهو يرى بأنَّ الحسن والقبح ليس لهما ثبوت في الواقع أصلاً.
إلَّا أنَّ الأشعري مع هذا يمكنه أنَّ يقيم البرهان من العقل النظري -لا من
ــــــــــ[151]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
العقل العملي- على عدم صدور الكذب من الله في باب الوعد والوعيد بقياس مركّب من صغرى وكبرى.
فالصغرى: هي أنَّ الكذب نقص على الله تعالى، فالأشعري يعترف أنَّ باب النقص والكمال ممّا يدركه العقل حتّى في الصفات غير الاختياريّة، فضلاً عن الأفعال الاختياريّة.
والكبرى: هي أنَّ كلّ نقص محال على الله تعالى، وهذه المقدّمة أيضاً يضيفها بحسب العقل النظري، لا بحسب العقل العملي، فيستنتج من ذلك بالبرهان النظري أنَّ الكذب لا يقع من الله تبارك وتعالى، وبذلك تبرهن صدق الوعد والوعيد -مثلاً- وبذلك تحصل له القضيّة الجزميّة بالعقاب، وهي قضية كافية للمحرّكيّة الذاتيّة بلا توسيط العقل العملي أصلاً. هذا هو تمام الكلام فيما قلناه بالنقض الأوّل
ثانيهما: أنَّ يقال: إنَّ إظهار المعجزة على يد الكاذب تضليل، والتضليل قبيح من الله تبارك وتعالى، فلا بُدَّ أنَّ يكون مدّعي النبوّة التي ظهرت المعجزة على يديه صادقاً في دعواه.
وهذه المقدّمة العقليّة -بحسب علم الكلام- دخيلة في برهان تتميم النبوّة، ويشكل بذلك على منكري العقل العملي بأنَّ هؤلاء لا يمكنهم التمسّك بهذه المقدّمة، وبذلك يسقط برهان النبوّة، ويمتنع عليهم اثبات النبوّة.
هذا النقض أيضاً حققنا الجواب عليه، وقلنا: إنَّ هذه المقدّمة العقليّة تستبطن الاعتراف في المرتبة السابقة بتماميّة الدليل على المدّعى. إذن، فذاك
ــــــــــ[152]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الدليل الذي تمّ في المرتبة السابقة يكفي لمنكري العقل العملي ومنكري هذه المقدّمة، بلا حاجة إلى ضمّ هذه المقدّمة.
وتوضيح ذلك: أنَّ المعجزة لو لوحظت في المرتبة السابقة على هذه المقدّمة العقليّة العمليّة الحاكمة بقبح إظهار المعجزة على يد الكاذب، فإمّا أنَّ تكون بحدّ نفسها دالّة على النبوة -كما هو الواقع- وإمّا أنَّ لا تكون دالّة على النبوّة.
فإن فرض أنَّها في نفسها وفي المرتبة السابقة على المقدّمة كانت دالّة على النبوّة. إذن، فقد ثبت المطلوب، فثبت الدليل في المرتبة السابقة على ضمّ هذه المقدّمة، وإن فرض أنَّ المعجزة في المرتبة السابقة على المقدّمة ليس فيها دلالة على النبوّة، فحينئذٍ لا نثبت المقدّمة العقليّة، ويكون ضمّها خطأ؛ لأنَّ هذه المقدّمة العقليّة تقول: بأنَّ إظهار المعجزة على يد الكاذب تضليل من قبل الله تعالى لعباده، والتضليل قبيح.
وهذا لا يحصل فيه تضليل، فإنّنا إذا فرضنا أنَّ المعجزة في المرتبة السابقة على ضمّ المقدّمة العقليّة لم تكن بحدّ ذاتها دليلاً وبرهاناً على النبوّة، فأيّ تضليل في إظهار المعجزة على يديه، فيكون حالها حال إظهار سائر خصوصيّات الشخص وكمالاته الأخرى التي لا تدلّ بوجه من الوجوه على نبوّته ورسالته.
فبناءً عليه تكون المقدّمة العقليّة باطلة، فهي إمّا مستغنى عنها صرفاً، بمعنى: أنَّ الدليل على النبوّة تامٌّ في المرتبة السابقة عليها، وإمّا أنَّ الدليل تامٌّ في المرتبة السابقة.
والصحيح من هذين الشقّين هو الشقّ الأوّل، وهو: أنَّ المعجزة بحدّ ذاتها
ــــــــــ[153]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وفي المرتبة السابقة دالّة على كونها سبباً لحصول العلم في النفس البشرية، ويكون مدّعي النبوّة رسولاً من قبل الله تبارك وتعالى.
وهذه الدلالة ترجع في الحقيقة إلى مقدّمتين:
المقدّمة الأولى: هو جزم العقل بأنَّ هذه المعجزة ليست أمراً على طبق قوانين عالم الطبيعة، حينما يلحظ عالم الطبيعة مستقلاً عن عوالم الوجود الأخرى، فمثلاً: نأخذ معجزة تسبيح الحصى، فالعقل يجزم بأنَّ تسبيح الحصى وتكلّمه ليس ممّا ينطبق على قوانين عالم الطبيعة، فحينما يلحظ بما هو مستقل عن عوالم الوجود الأخرى، بمعنى: أنَّ العقل الذي جرب الحصى طيلة الحياة المديدة للإنسان ورأى أنَّ الحصى سلبي من هذه الناحية، فهذا العقل لا يحتمل أنَّ تمام هذه السلبيّة التي رآها في تمام الوقائع الجزئية التي استقرأها وجربها، فإنَّها كانت مصادفة، حيث إنَّ الحصى إنَّما سكت طيلة هذه الملايين من السنين على سبيل الصدفة، كما يسكت الإنسان المعيّن في لحظة معيّنة من الزمان، فإنَّه يسكت على سبيل الصدفة، ويقصد بالصدفة هنا معناها العملي لا معناها الفلسفي، فلا أقصد من الصدفة وجود المعلول بلا علّة، فإنَّه أمرٌ محالٌ، بل أقصد من الصدفة هنا، أنَّه ليس هنا رابطة ضرورية بين الحصى وبين هذه السلبية، بمعنى: أنَّ الحصى لو خُلي وطبعه تارةً يتكلّم وأخرى لا يتكلّم، إلَّا أنَّه طيلة هذه المدة كان مقترناً بعوامل ومؤثرات خارجيّة اسكتت الحصى صدفة، وفي هذا الوقت الذي وضع رسول كمية من الحصى في يده الشريفة لم تكن هناك أسباب تؤثر في سكوته، فأثرت أسباب أخرى في تكلمه، كما تؤثر أسباب
ــــــــــ[154]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
في تكلّم الإنسان ساعة من الزمان بعد سكوته ساعة من الزمان.
هذا المطلب لو احتمل للعقل لما اثبت النبوّة، إلَّا أنَّه غير محتمل للعقل، وجزم العقل بعدم هذا الاحتمال مبني على العقل الثالث القائم على أساس حساب الاحتمالات على الوجه الرياضي الصحيح الذي يؤدّي إلى جزم العقل من ناحية تكرر هذا المطلب في حياة الإنسان إلى أنَّ يكون احتمال كون هذه المقارنة الدائميّة بين الحصى والسكون مقارنة اتفاقية، وهذا ساقط بقانون حساب الاحتمالات بالنحو الذي ينبغي أنَّ يحقّق فيه هذا القانون، فهذه المقدّمة تكون قطعيّة.
المقدّمة الثانية: بعد إثبات أنَّ تكلّم الحصى في يده الشريفة بعد السكوت، فحينئذٍ يرتبط بقانون وراء عالم الطبيعة، وبقانون لعالم الوجود بالنحو المطلق، المعبّر عنه عرفاً: أنَّه يرتبط بتدخل الله في أحداث هذا المطلب مباشرةً، فإذا ثبت هذا فدلالته على النبوّة يكون تامّاً، أي: تدخل الله في أحداث المعجزة على يد مدّعي النبوّة، و هذا سبب تامّ بحصول العلم في العقل النظري بصدق مدّعي النبوّة، ومن الممكن أنَّ يحقّق أنَّ هذه القضيّة حينئذٍ قضية بديهيّة بعد تصوّر أطرافها، فإنَّ تدخل الله مباشرة في أحداث المعجزة على يد مدّعي النبوّة خرقاً لقوانين عالم الطبيعة، فدلالة هذا المطلب وعلّيته وكونه ملازماً لنبوّة هذا الشخص، بعد الالتفات إلى أطراف هذه الملازمة تصوّراً، والاحاطة بها تصوّراً تكون بديهيّة، على تفصيل وتحقيق لا يسعه علم الأُصول بل ينبغي ايكاله إلى علم الكلام.
ــــــــــ[155]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
هذا هو الجواب من النقض بالمعجزة، وبهذا اتّضح أنَّ كلا النقضين على منكري العقل العملي لا يردان، وأنَّ منكري العقل العملي يمكنهم التخلص عن كلّ منهما.
بعد هذا نأتي الى بحث لا يخلو من تشويش في كلام الأشاعرة، وفي أدلّة المنكرين للعقل العملي، وبعض تلك الأدلّة ترجع إلى مدّعى آخر يختلف في النتائج التي تترتب عليها على تقدير صحتها؛ ولهذا ترتيباً للبحث نقسّم محلّ الكلام إلى ثلاث جهات:
الجهة الأولى: في أصل إدراك الإنسان للحسن والقبح وراء إدراكه للأحكام الشرعيّة، أو للقانون بشكل عامّ، فهل وراء إدراك الحسن والقبح الشرعيين إدراك آخر للإنسان أو لا؟
الجهة الثانية: أنَّ هذا الإدراك ما هي صلته بعالم المصالح والمفاسد، وتحديد الصلة بينهما؟
الجهة الثالثة: هل هذا الإدراك حقّاني مطابق للواقع؟ وهل يمكن ضمان حقانيته على النحو الذي يَضمن به حقاّنيّة العقل النظري؟
الجهة الأولى: في أصل إدراك الإنسان للحسن والقبح
أمّا الجهة الأولى: فينبغي تصوير النزاع بين الأشاعرة وغيرهم، بحيث لا يرجع إلى مجرّد التكاذب بين الطرفين، بتقريب: أنَّ الأشاعرة وأهل الحقّ والعدل كلّهم يسلّمون بوجود إدراك للحسن والقبح، فيستشعرون أنَّ بعض
ــــــــــ[156]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الأفعال ممّا ينبغي وبعضها ممّا لا ينبغي، فأصل هذا ليس مورد نزاع بينهما، وإلَّا لكان تكذيباً من قبل أحد الطرفين للآخر، وإنَّما النزاع -بعد الاعتراف بهذا الإدراك- بأنَّ هذا المدرك هل هو شرعي أو واقعي؟ فيكون الكلام في خصوصية المدرك، لا في أصل إدراك الحسن والقبح.
فأصل إدراك الحسن والقبح متسالم عليه عند الأشاعرة، فالأشعري لا يدّعي أنَّ أهل الحقّ والعدل لا يدركون الحسن والقبح، بل يعترف في صدقهم بدعوى إدراك الحسن والقبح، مثلما يدركه هو أيضاً.
إلَّا أنَّه يقول: إنَّ هذا الحسن والقبح الذي ندركه جميعاً إنّما هو حسن وقبح شرعي، وليس شيء آخر وراء الشرع. وأهل الحقّ والعدل يقولون: إنَّ هذا الشيء الذي ندركه -والذي تعترف أنت أيضاً بإدراكه- هو شيء آخر وراء القانون الشرعي.
ومن هنا يستدلّ أصحابنا على مدّعاهم -كما يأتي الاشارة إلى أدلّتهم- بأنَّ غير من يدين بدين وشريعة كالبراهمة يدركون الحسن والقبح، كما ندركه نحن.
ومعنى هذا التقريب: أنَّ الحسن والقبح الذي ندركه ليس شرعيّاً، إذ لو كان شرعيّاً وكان عبارة عن القانون الشرعي لما اتفق معنا في إدراكه من لا يؤمن بشريعة أصلاً، كالبراهمة مثلاً على ما مثلّوا بهم.
وحينئذٍ يقال في مقام تحقيق النزاع: هذا الكلام مغالطة ناشئة من الخلط بين الحمل الأوّلي والحمل الشايع، فالحسن والقبح الشرعي ليس حسناً وقبحاً بالحمل الشايع، بمعنى: أنَّه فرد يحمل عليه عنوان ما ينبغي أو ما لا ينبغي حملاً واقعيّاً، وإنَّما مرجع الحسن والقبح الشرعيّين إلى الجعل الشرعي، والجعل الشرعي لا
ــــــــــ[157]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
يتعلّق بالواقع، وإنَّما يتعلّق بعنوان الوجوب وعنوان الحرمة، فهو عنوان للحسن وعنوان القبح، أي: عنوان ما ينبغي وعنوان ما لا ينبغي، فالجعول الشرعيّة تتعلّق بالعناوين ولا تتعلّق بالمصداق الواقعي لتلك العناوين.
فالحسن والقبح الشرعيّان بحسب الحقيقة حسن وقبح بالحمل الأوّلي، أي: أنَّه عنوان الحسن والقبح، لا أنَّه واقع الحسن والقبح.
ولهذا لو فرض في مورد أنّه حكم الشرع بشيء ولم يدرك العقل ذلك، فإنَّه كثيراً ما يحكم الشرع بحرمة شيء والعقل لا يدرك ذلك؛ لقصوره ونقصانه، أو من باب أنّ أحكام الشريعة أوسع من باب الحسن والقبح، فليس كلّ حرام قبيحاً، فإنَّ الحرمة قد تكون بملاك أوسع من ملاك القبح، فالعقل في مثل هذا المورد، وإن كان يؤمن بالشريعة، إلَّا أنَّه لا يرى قبحاً في الفعل، فهو لا يرى القبح بالحمل الشايع بعنوانه الأوّلي. نعم، بعنوانه الثانوي، وبعنوان كونه معصيّة للشارع يكون قبيحاً لا محالة.
إذن، فليس الحسن والقبح الشرعيّان مع الحسن والقبح المدّعى لأهل الحقّ والعدل من سنخ واحد حتى يقع الاتفاق على أصل إدراكه، ويقع الاختلاف في أنه شرعي أو أنه شيء وراء الشرع. ليس الأمر كذلك فإن الحسن والقبح الشرعيين مرجعهما إلى العناوين وما يكون كذلك بالحمل الأولي مرجع الحسن والقبح وراء ذلك(1)
ــــــــــ[158]ــــــــــ
() أي واقع ما ينبغي وما يستحسن وما لا ينبغي وما يستهجن مرجعه إلى الحسن والقبح بالحمل الشايع. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
إذن، فعندنا سنخان مختلفان من المدركات والحسن والقبح الشرعي يختلف سنخاً عن الحسن والقبح الآخر، من باب اختلاف الحمل الأوّلي عن الحمل الشايع.
وبعد اتّضاح نكتة الفرق بينهما بالحمل الأوّلي والحمل الشايع، يقال: إنّ الأشاعرة إمّا أن يقولوا: إنّنا لا ندرك شيئاً أصلاً، إلَّا عنوان الحسن والقبح بالحمل الأوّلي، فنحن لا نستهجن شيئاً بحسب الخارج أصلاً، ولا نرتاح إلى شيء بحسب الخارج أصلاً، وإنَّما ندرك عنوان الحسن والقبح، أي: ندرك الأحكام الشرعيّة.
وهذا في قبال أهل الحقّ والعدل الذين يقولون: إنّنا نشعر في نفوسنا باستهجان بعض الأشياء، أي: بواقع ا لاستهجان لا بمفهوم الاستهجان.
وحينئذٍ مثل هذا النزاع لا يكون نزاعاً علميّاً؛ لأنَّه يرجع إلى أنَّ كلّاً منهما يعرب عمّا في وجدانه، فلا هذا يستطيع أن يبرهن على كذب ما في وجدان الآخر، ولا الآخر يستطيع كذلك، فيرجع بالآخرة إلى باب التكاذب، ولو كلّ منهما صدّق الآخر لانقطع النزاع، وجلس كلّ منهما في بيته، فهذا المدّعى لا يناسب البحث العلمي.
وإنَّما ما يناسب البحث العلمي أن يكون الأشعري خالطاً بين الحمل الأوّلي والحمل الشايع، ومتوهّماً أنَّ سنخهما واحد، من قبيل الموت الحادث بالانتحار، والموت الحادث بأسبابه الطبيعيّة. وحينئذٍ ترتفع هذه الشبهة ببيان الفرق بين نكتة الحمل الأوّلي ونكتة الحمل الشايع.
ــــــــــ[159]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ولو ادّعى الأشعري في المقام، وقال: إنّني أدرك واقع الاستهجان، وما هو حسن وقبيح بالحمل الشايع، لكن أدرك ذلك في طول إدراكي للحكم الشرعي لا قبل ذلك، أي: إنّني أدرك أنَّ ضرب اليتيم قبيح، بمعنى: إدراك واقع استهجانه لا عنوان استهجانه؛ لأنَّ الله حرّمه؛ ولأنَّه معصيّة لله، وإلَّا بقطع النظر عن تحريم الله لا أدرك هذا، فلو قال الأشعري مثل هذا فيكون هذا بالعقل العملي، غاية الأمر تفصيل بالمسألة بين بعض الموارد وبعضها، ومعناه: أنَّ هناك حسناً وقبحاً وراء الشرع، وهو حسن الطاعة وقبح المعصيّة، فينحصر الخلاف في المصاديق، وإلَّا أصل المطلب يثبت في المقام، وهو إيمان الأشعري بالحسن والقبح غير الشرعي، كما يؤمن بذلك العدلي.
هذا حاصل الكلام في الجهة الأولى، وفيها لا يتحصّل معنى معقول يمكن للأشعري أن يدّعيه دون مغالطة. نعم، يبقى حينئذٍ ما يمكن أن يدّعيه في الجهة الثالثة التي سوف يأتي الكلام عنها؛ إذ يقول: نعم، إنَّ الإنسان كثيراً ما يدرك واقع الحسن والقبح، أي: ما هو بالحمل الشايع حسن وقبح، إلَّا أنَّ هذا الإدراك غير مضمون الحقّانيّة وغير مطابق للواقع، فالإدراك موجود إلَّا أنَّه غير مطابق للواقع. وهذا بحث آخر صحيح ادّعاءً وعنواناً، ولا يبتني على مغالطة؛ إذ يكون بحثاً علميّاً، ويأتي الكلام عنه في الجهة الثالثة.
فمن هذه الجهة فرغنا عن أنَّ هناك للإنسان إدراكاً وراء إدراكه للحسن والقبح الشرعيّين، بدليل أنَّ الحسن والقبح الشرعيّين إنَّما هما حسن وقبح بالحمل الأوّلي، والإنسان يدرك حسناً وقبحاً بالحمل الشايع، وهذا أمر وراء ذاك.
وبعبارة أخرى: هل الإنسان له إدراك لشيء من الحسن والقبح وراء
ــــــــــ[160]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الحسن والقبح الشرعيين المجهولين في ضمن الأحكام الشرعيّة، أو ليس له إدراك للحسن والقبح الشرعيين؟
وتحقيق الكلام في هذه الجهة يتوقف على الإشارة إلى نكتة: وحاصلها: أنَّ الحسن والقبح الشرعي والحسن والقبح غير الشرعي المدّعى لأهل الحقّ المثبتين للحسن والقبح العقليين، هذان القسمان من الحسن والقبح مختلفان سنخاً، لا أنَّهما شيء واحد سنخاً وإنَّما يختلفان فاعلاً وسبباً. وليس حال الحسن والقبح المجعول للمولى وغير المجعول له حاله حال موت زيد الذي يكون تارةً بإيجاد من المولى وأخرى بإيجاد من غير المولى، بحيث إنَّ موت زيد لا يختلف حاله وسنخه بين أن يكون من قبل المولى أو من قبل غيره، وإنَّما الاختلاف في السبب لا في المسبب، بل أنَّ الحسن والقبح الشرعي يختلف سنخاً وذاتاً عن غير الشرعي، على حدِّ اختلاف السلطنة التشريعيّة مع السلطنة التكوينيّة، فالسلطنة التشريعيّة عبارة عن جعل السلطنة في عالم الاعتبار، والسلطنة الحقيقيّة عبارة عن وجودها في عالم الخارج، فهاتان السلطنتان مختلفتان سنخاً لا أنَّهما سنخ سلطنة واحدة وإنَّما يختلفان منشأ، فالحسن والقبح الشرعي وغير الشرعي من هذا القبيل. ومن هنا أطلقنا على الحسن والقبح الشرعي أنَّه حسن وقبح بالحمل الأوّلي، أي: أنَّه عنوان الحسن والقبح؛ لأنَّ الجعل الشرعي إنَّما يتعلّق بالعناوين في عالم الاعتبار، ولا يخلق المعنونات في لوح الواقع، والحسن والقبح غير الشرعي سمّيناه الحسن والقبح بالحمل الشايع، وهذا اصطلاح مطابق للاصطلاح العامّ مع شيء من المسامحة؛ لأنَّ الحمل الشايع مطابق
ــــــــــ[161]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
للوجود، وهنا قبل أنَّ تتحقق من الوجود تستعمل الحمل الشايع.
وحينئذٍ نقول: إنَّ الأشعري في هذه الجهة إمّا أن يدّعي أنَّ الحسن والقبح الذي يدركه أهل الحقّ هو شرعي، بمعنى: أنَّه يصدّق أهل الحقّ في أنَّهم يدركون حسناً وقبحاً، بل يشاركهم في هذا الإدراك، إلَّا أنَّه يختلف معهم في تحقيق أنَّ هذا المدرك أهو شرعي للشارع أو لا؟ بحيث لو لم نكن مسلمين وكنّا براهمة لأدركنا هذا أيضاً، أو أنَّ هذا الذي ندركه شرعي.
لو صيغت مقالة الأشعري بهذا النحو فيكفي الالتفات إلى النكتة السابقة في الفرق بين الحمل الأوّلي والحمل الشايع، حيث إنَّ الحسن والقبح الشرعيين يختلف سنخاً عن غير الشرعيين، وأهل الحقّ يدركون ما هو حسن وقبيح بالحمل الشايع، يدركون واقع بعض الأفعال لا عنوان بعض الأفعال، فلا مجال للأشعري أنَّ يقول: إنّي أصدّقكم بما تدّعون، وأشارككم فيما تدركون، ولكن أقول: إنَّ هذا المدرك هو عقلي لا شرعي.
وإن كان هو المناسب مع كلماتهم في تحرير المسألة؛ لأنَّ الأشاعرة في مقام تحرير المسألة، ذكروا في أوّل الأمر انقسام الأفعال إلى الحسن والقبيح، وذكروا أقسام الحسن وأقسام القبيح، ثُمَّ ذكروا أنَّ الحسن والقبح هل هما شرعيان أو عقليان، الصحيح أنَّهما شرعيان خلافاً للمعتزلة الذين ذهبوا إلى أنَّهما عقليان.
وهذا التصوير للمسألة كأنّه يُشعرنا بأنَّ الأشاعرة يوافقون المعتزلة في تمام ما عندهم من إدراك، وإنَّما الخلاف بينهم في تعيين هوية هذا المدرك، فهل هو شرعي أو غير شرعي؟
ــــــــــ[162]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فبعد أنَّ نعرف بالنكتة المتقدّمة أنَّهما مختلفان سنخاً، فلا معنى حينئذٍ بأن يقال: بأنَّ الأشعري يدرك ما يدرك المعتزلي، ومع هذا يقول: بأنَّ مدركي الحسن والقبح الشرعيين؛ لأنَّه إذا فرض أنَّه يدرك ما ندرك، فلا محالة يكون ما يدركه غير الحسن والقبح الشرعي؛ لأنَّ ما ندركه هو بالحمل الشايع حسن وقبح، والحسن والقبح الشرعي بالحمل الأوّلي لا بالحمل الشايع، وإذا فرض أنَّ الأشعري ميّز بين الأمرين، واستطاع أنَّ يفرق بين الحسن والقبح الشرعي وغير الشرعي بالحمل الأوّلي والحمل الشايع، إلَّا أنَّه يدّعى أنَّ الإنسان لا يدرك الحسن والقبح بالحمل الشايع، وإنَّما يدرك فقط الحسن والقبح بالحمل الأوّلي.
فإذا فرض تقرير مقالة الأشعري بهذا النحو: أنَّ الإنسان لا يدرك الحسن والقبح بالحمل الشايع، فهذا الإنكار عن الأشعري يفهم على وجهين:
الوجه الأوّل: تارةً يفهم منه بمعنى أنَّه يكذب الخصم الإمامي والمعتزلي في إدراك الحسن والقبح بالحمل الشايع، فنحن الذين ندّعي أنّنا ندرك في نفوسنا ما هو حسن وما هو قبيح بالحمل الشايع، فيقول لنا: أنتم تكذبون فيما تنقلون عن أنفسكم، أنتم أيضاً لا تدركون ما هو حسن وقبح بالحمل الشايع، وأنّا لا أدرك وكلّ إنسان لا يدرك.
الوجه الثاني: أنَّ يرجع كلامه بعد اعترافه بصدقنا وإنّنا ندرك ما هو حسن وقبح بالحمل الشايع، فيقول: إنّكم تدركون لكنّي لا أدرك، فهو يعترف بصدقنا فيما ننقله عن نفوسنا، لكنّه لا يشاركنا في هذا الإدراك، وأنّه لا يدرك ولا يجزم بحسن وقبح وراء الحسن والقبح الشرعيين.
ــــــــــ[163]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فإن فرض الوجه الأوّل في مقالته فهذا يخرج عن كونه بحثاً علميّاً ويدخل في باب التكذيب؛ لأنَّ البحث العلمي ما يقوم على أساس التخطئة لا على أساس التكذيب، فهذا يعتقد بشيء وذاك يعتقد بشيء، وكلّ منهما يُخطئ الآخر في عقيدته ويبرهن له على خلافها ببرهان صحيح أو غير صحيح. أمّا هنا فقد انتهى بحسب الفرض إلى تكذيب الآخر في أنَّه يعتقد بهذا الاعتقاد، فيقول بحسب الواقع: ليس بيننا نزاع وإنَّما أنت تكذب استطراقاً إلى ايقاع النزاع، فهنا لا بحث علمي ولا نزاع علمي وإنَّما هنا التكاذب.
وإذا فرض الشقّ الثاني، أي: أنَّ الأشعري يقول للإمامي: إنّي اعترف أنك تُدرك ما هو حسن وقبح بالحمل الشايع، ولكن الأشعري لا يشارك الإمامي في هذا الإدراك ويقول: إنّني بحسب عقلي لا أدرك حسناً أو قبحاً وراء الحسن والقبح الشرعي، فهذا الكلام أمر معقول؛ لأنَّه يخبر عن نفسه، إلَّا أنَّ مرجع هذا الكلام بحسب الحقيقة إلى البحث في الجهة الثالثة.
فالبحث في أنَّ الأشعري يقيم برهاناً على عدم مطابقة، وهذا الإدراك للواقع إمّا جزماً وإمّا احتمالاً، فالشخص الذي يقول للآخر: أنت تجزم إلَّا إنّني أنا لا أجزم، فمعنى هذا أنَّه ليس عندي دليل على هذا المطلب حتّى أجزم به، ومرجعه في نهاية المطاف إلى التشكيك أو إلى نفي حقانيّة هذا الإدراك. وهذا هو البحث في الجهة الثالثة والذي سوف نتكلّم فيه.
إذن، فبمقدار ما هو مربوط بالجهة الأولى لا يتصوّر كلام من الأشعري، إلَّا بنحو يبتلي بالخلط بين الحمل الاولي والحمل الشايع أو بنحو يؤدّي إلى التكذيب فيخرج البحث عن كونه بحثاً علميّاً.
ــــــــــ[164]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
نعم يمكن للأشعري في المقام -من دون أنَّ يتورط في أحد هذين المحذورين، مع فرض تمييزه بين الحمل الأوّلي والحمل الشايع، وتصديقه للإمامي فيما ينقله عن نفسه- أنَّ يقول: أنّا أميّز بين الحسن والقبح الشرعي بالحمل الأوّلي والشايع، وأدرك كلا الأمرين، إلَّا أنَّ إدراكي الثاني، أي: للحمل الشايع إنَّما يختص بخصوص مورد الأوّل، بمعنى: إنّي لا أدرك قبح فعل إلَّا إذا كان محرماً للمولى ومعصيّة له، ولا أرى حسن فعل إلَّا إذا أوجبه المولى بحيث أصبح طاعة له.
وعندئذ نقول: هذا في الحقيقة تفصيل في العقل العملي، أي للحسن والقبح العقليين لا إنكاراً للعقل العملي بالمرة. هذا هو الكلام في الجهة الأولى.
الجهة الثانية: صلة هذا الإدراك بعالم المصالح والمفاسد.
أمّا الكلام في الجهة الثانية فيقع الكلام عن مدى ومقدار علاقة هذا الإدراك للحسن والقبح غير الشرعيّين بباب المصالح والمفاسد.
هنا قد يقال: إنَّ إدراك الحسن والقبح غير الشرعيّين يرتبط بباب المصلحة الخاصّة للشخص، بمعنى: أنَّ ملاك تحسين الشخص بعض الأفعال وتقبيحه لبعضها إنَّما هو مصلحته الخاصّة، وهذه المصلحة الخاصّة تارةً تتبيّن بالتفكير والتروي والتأمّل، وأخرى تكون معلومة ولو عن طريق الاستفادة من تجارب السابقين، فمن التجارب العديدة يُعرف أنَّ التاجر حين يتبايع في السوق فإنَّ أرباحه ستزيد إذا صدق، وتنقص إذا كذب أو غش، فالغش إنَّما يكون قبيحاً، باعتبار أنَّه عرف أنَّ الغش خلاف المصلحة الخاصّة، سواء عرفه بنفسه أو من
ــــــــــ[165]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
التجارب والخبرات التي اكتسبها من آبائه و أجداده، فهذا الحسن والقبح غير الشرعيّين مرجعه وملاكه هو المصلحة الخاصّة صرفاً. وكلّ ما كان على طبق المصلحة الخاصّة كان حسناً، وكلّ ما كان على خلافها كان قبيحاً.
وهذا الكلام يمكن الجواب عليه بسهولة؛ وذلك: بأنَّ ملاحظة هذا الإدراك الموجود في نفوسنا للحسن والقبح -هذا الإدراك الذي بعد ما تكلّمنا عن حقّانيّته وعدمها- الموجود عندنا ليس ملاكه باب المصالح الخاصّة، بل لا بُدَّ فيه من نكتة أخرى غير تلك المصالح الخاصّة.
والوجه في ذلك: أنَّ الإنسان كثيراً ما يرتكب خلاف مصلحته الخاصّة، ويكون مؤمناً بخلافها؛ لهوى أو شهوة أو تقليد أو عادة أو نحو ذلك من الأمور، بحيث لو سُئل أيضاً يعترف أنَّه بعد الكسر والانكسار وملاحظة جميع الجهات، فيكون ما ارتكبه خلاف مصلحته، ولكن ارتكبه للسبّب الفلاني، وهذا الإنسان في حال ارتكابه لذلك يختلف عن حال الإنسان في حال ارتكابه للقبيح، فإنَّ الإنسان في حال ارتكابه لخلاف مصلحته الخاصّة قد يشعر بالتأسّف على ذلك، مثلاً: أنَّ كلّ مدخّن لو سُئل فيعترف أنَّه خلاف مصلحته الخاصّة، بعد الكسر والانكسار وملاحظتهما، فمع هذا عندما يدخّن معلّلا بضعف الإرادة، ويفعل هذا الذي هو خلاف مصلحته الخاصّة لا يشعر إلَّا بالأسف.
وأمّا ذاك الشخص الذي يرتكب ما يحكم العقل بقبحه، ذاك الشخص الذي يرتكب خيانة الصديق، هو عندما يخون صديقه لا يشعر بتلك الحالة فقط التي يشعر بها المدخّن وهو الأسف، وأنّه خسر شيئاً كما خسر صحّته ومزاجه بالتدخين،
ــــــــــ[166]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وإنَّما يشعر بشيء آخر وراء الأسف والندم، وهذا الشيء الآخر نعبّر عنه بالاستيحاء والخجل، فيشعر بينه وبين نفسه بالحياء والخجل من قيامه بذلك.
هذا الاختلاف الوجداني بين الحالة التي تحصل عند ارتكاب القبيح، والتي تحصل حين تفويت سائر المصالح التي لا تدخل في الحسن والقبح العقليّين دليل على أنَّ ملاك هذا الإدراك الذي نحسّه في وجداننا ليس هو المصلحة الخاصّة، سواء كان هذا الإدراك مطابقاً للواقع أو لم يكن، بل لا بُدَّ فيه من نكتة وراء المصلحة الخاصّة.
قد يقال في المقام: إنَّ ملاك الحسن والقبح هو نوع خاصّ من المصلحة الخاصّة، لا المصلحة الخاصّة على الإطلاق، وهو ما يكون كمالاً للنفس، أي: المصلحة الخاصّة الحقيقيّة، لا المصلحة بعرضها العريض الذي يشمل مصلحة ترك التدخين، بل ما يكون كمالاً للنفس البشريّة، فما يكون كمالاً لها يكون حسناً، وما يكون نقصاً فيها يكون قبيحاً.
وهذا المطلب غير تامّ أيضاً، ولا يصلح أن يكون ملاكاً، فإنَّ هذا الإدراك الذي نحسّه الآن، والذي بعد لم نبرهن على مطابقته للواقع أو عدم مطابقته يفترض بعد التحليل أنّ الشيء بما هو حسن فهو كمال للنفس، لا أنَّ حسنه من ناحية كماله صرفاً، فهناك نكتة أخرى غير صرف كمال النفس، ويظهر هذا بتطبيقات عقلنا لموارد الحسن والقبح.
فإنَّنا لو طبّقنا هذه النظريّة في تفسير الحسن والقبح لكنا نقول: بأنَّ فضح سرّ الصديق يكون قبيحاً؛ لأنَّه يؤثّر في تضعيف درجة ملكة كتمان السرّ التي
ــــــــــ[167]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
هي بنفسها كمال للسرّ، ومن المعلوم أنَّ الملكة تضعف بارتكاب ما يخالفها، فهذا الفعل إنَّما يكون قبيحاً بمقدار تأثيره الإعدادي في تضعيف هذه الملكة القائمة بالنفس.
فلو فرض أنّه توقّف تحصيل كمال آخر للنفس، ككمال ملكة كتمان السرّ، بل ما هو أكمل للنفس على ارتكاب هذا الأمر، كما لو أنَّ شخصاً أراد أن تكتشف سرّ صديقه، وكان لهذا الصديق سرّ من شخص آخر ربّاه وأنعم عليه، ويبذل بإزاء اكتشاف هذا السرّ ثمناً هو تعليمه أفضل العلوم وأشرف العلوم وأهمّها، بحيث يخرج هذا الشخص من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ويجعله كالشيخ الرئيس ابن سينا.
فهنا لو كانت العمليّة عمليّة حسابيّة لكمالات النفس فقط، من دون أيّ نكتة أخرى لقيل: بأنَّ الأمر يدور بين كمال العلم والتخلّص من نقص الجهل، وبين التحذّر من ذلك المقدار الضئيل من نقصان ملكة كتمان السرّ، أي: التزاحم بحسب العرف الأُصولي، وتأثّر تلك الملكة بمقدار ما وبين كسب ملكة أُخرى تكون أكثر تكميلاً للنفس من تلك الملكة أو مثلها.
ولا إشكال أنَّه بقطع النظر عن باب آخر -غير باب كمال النفس- أنَّ هذا الكمال أقوى من ذلك الكمال، فمع هذا نرى في نفوسنا أنَّ هذا الشخص لو أنَّه أجرى قانون باب التزاحم في المقام بين الكمالين، وتقدّم الكمال الثاني على الأوّل فكشف سرّ أخيه المؤمن في سبيل تحصيل كمال العلم، لعدّ إنساناً غير نبيل وغير شريف، أي: بعد عمله عملاً قبيحاً، مع أنَّه لو فرض أنَّ ملاك إدراك الحسن
ــــــــــ[168]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
والقبح كان هو باب الكمال، فمقتضى القاعدة ايقاع التزاحم، وحينئذٍ بين الكمالين وتقديم ما هو أقوى في كماليّته، ومن المعلوم أنَّ ذاك أقوى في كماليّته، فنعرف من ذلك أنَّ باب إدراكنا للحسن والقبح لا يكون ملاكه صرفاً هو كمال النفس، وإلَّا لطبق عليه قوانين التزاحم بين كمالات النفس.
وبعبارة أخرى: ههنا احتمالات:
الاحتمال الأوّل: هو وجود العلاقة بين إدراكنا للحسن والقبح وبين باب المصالح الشخصيّة. ونريد بالمصلحة الشخصيّة ما يكون كمالاً لإحدى قوى الإنسان على سعتها واختلافها، فيقال حينئذٍ: بالارتباط بين هذين الأمرين.
الاحتمال الثاني: أن يكون إدراكنا للحسن والقبح مرتبطاً لخصوص نوع خاصّ من المصلحة الشخصيّة، لا المصلحة الشخصيّة على اطلاقها، وهو خصوص ما كان كمالاً للنفس، أمّا ما يكون كمالاً للجهات المادية من الإنسان والبدنية، فهذا لا يكون ملاكاً للحسن والقبح.
الاحتمال الثالث: أن يقال بالربط بين إدراك الحسن والقبح وبين ما يكون مصلحة للمجتمع، أي: ما يكون مصلحة عامّة ينحفظ بها نظام المجتمع ويتحقّق بها الخير العامّ.
وفي مقام تحقيق حقيقة هذا الإدراك في موارده، نرى أنَّ هذا الإدراك
-بقطع النظر عن كونه حقانياً أو غير حقاني- على إجماله لا يرتبط بأيّ واحد من هذه الأبواب الثلاثة؛ لأنَّه يتخلف عن أيّ واحد منها، فليس أيّ واحد منها ملاكاً تامّاً بالنسبة إليه.
ــــــــــ[169]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
أمّا الأوّل، وهو أن يفرض أنَّ ملاك الحسن والقبح هو المصلحة الشخصيّة، بمعنى: ما يكون كمالاً لإحدى قوى الإنسان على إطلاقها، فماذا يراد بهذه المصلحة الشخصيّة؟
إمّا أن يراد بها المصلحة الشخصيّة المحرّكة بالفعل والتي تكون غاية للإنسان، أو المصلحة الشخصيّة التي من شأنها أن تكون غاية ومحرّكة، وإن لم تكن محرّكة بالفعل.
فإن أُريد منها المصلحة الشخصيّة التي تكون محرّكة بالفعل، فيلزم من ذلك أن لا يصدر ما ندرك قبحه بحسب الخارج؛ لأنَّ ملاكه المصلحة والمفسدة الشخصيّة المحرّكة بالفعل نحو تحصيلها أو نحو إعدامها، ومن المعلوم أنَّ فرض ذلك دائماً هو فرض الاتيان بالحسن وترك القبيح، فمعنى هذا عدم صدور ما ندرك قبحه بحسب الخارج، مع أنَّه يصدر بحسب الخارج، فلا بُدَّ أن يختار الشقّ الثاني في مقام الدعوى، وهو أنَّ ملاك الحسن والقبح ليس هو المصلحة الشخصيّة بمرتبتها المحرّكة بالفعل، بل كلّ مصلحة شخصيّة من شأنها أن تحرّك، ولو فرض أنَّها الآن ابتلت بالمزاحمة ولم تحرّك.
فاذا فرض أن الأمر كان كذلك، فمن الممكن الاستدلال على عدم كون هذا ملاكاً للحسن والقبح، بمقايسة حالنا في موارد تفويت باب الحسن والقبح، وحالنا في موارد تفويت المصالح والمفاسد التي لا ينشأ منها حسن وقبح، فإنَّه يرى أنَّ الإنسان كثيراً ما يفوت عليه مصالح شخصيّة، ومثاله: التدخين بحسب الخارج، فلا يشعر إلَّا بالأسف، ولا يستشعر الحياء والخجل
ــــــــــ[170]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
من ذلك، وهذا بخلاف ما إذا خان أحدنا صديقه، فإنَّه يستشعر بينه وبين وجدانه الحياء أو الخجل من ذلك.
فاختلاف النتيجة النفسيّة والمفعول النفسي لهذين المطلبين يبرهن على أنَّ ملاك قبح خيانة الصديق، ليس هو صرف المفسدة المخطوطة في ضمن التدخين، وإلَّا لأثر هنا كما أثر هناك، فلا بُدَّ من فرض نكتة زائدة. هذا كلّه في مناقشة الاحتمال الأوّل.
وأمّا الاحتمال الثاني، وهو ربط إدراك الحسن والقبح بمصالح النفس، أي: ما يكون كمالاً للنفس، فالأمر فيه كذلك، فإنّنا نرى بالفحص والتتبع، أنَّ فعل الحسن وترك القبيح يكون كمالاً للنفس في طول حسنه وقبحه، أي: طول وجوبه أخلاقياً. نعم، لا إشكال أنَّ الاتّصاف بالأفعال الحسنة وترك الأفعال القبيحة من أكمل كمالات النفس، إلَّا أنَّ كونه كمالاً إنَّما هو في طول وجوبه أخلاقياً، أي: في طول حسنه وقبحه، لا أنَّ حسنه وقبحه في طول كونه كمالاً.
وإلَّا لو كان حسنه وقبحه في طول كونه كمالاً للزم ايقاع المزاحمة في بعض الموارد بين الكمالين بما هما كمالان، وبقطع النظر عن الوجوب الأخلاقي، فمثلاً: لو فرض أنَّ كشف السرّ لشخص في مورد كان مؤدّياً إلى تحصيل كمال جديد وهو كمال العلم، من قبل من يكشف له السرّ، فهنا لو فرض أنَّ المسألة هي الكمال، وأنَّ مرجع الحسن والقبح إلى الكمال، فقبح فضح كشف السرّ إنَّما هو باعتبار كونه مقدّمة اعدادية تضعف ملكة كتمان السرّ في النفس التي هي من الملكات المكملة للنفس، وحينئذٍ تقع المزاحمة بين هذا المقدار من الضعف في
ــــــــــ[171]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
هذه الملكة الذي ينشأ من هذه المقدّمة الإعدادية وبين الملكة العلميّة التي يحصّلها بعد ذلك، ومن المعلوم أنَّه لولا القانون الأخلاقي لقيل: بأنَّ الثاني مقدّم على الأوّل. إلَّا أنَّه مع هذا العقلاء السويون في أخلاقياتهم يحكمون جزماً بأنَّ مثل هذا الشخص خائناً وغير نبيل لو كشف سرّ صديقه في سبيل أن يحصّل ملكة، ولو كانت هي ملكة المنطق لأرسطو.
إذن، يُعرف من ذلك أنَّ إدراك الحسن والقبح في المقام لا يرتبط بباب كمال النفس أيضاً، بل كمال النفس في طول الحسن والقبح، لا أنَّ الحسن والقبح في طول كمال النفس.
ومن هذا المثال يظهر الردّ على الاحتمال الثالث، وهو ربط الحسن والقبح بالمصلحة العامّة، وذلك في نفس هذا المثال لو فرض كان ملاك الحسن والقبح كان هو المصلحة العامّة، فلا بُدَّ أن يلحظ مقدار ما في تضعّف ملكة كتمان السرّ بمخالفة واحدة من مفسدة نوعيّة، ومقدار ما في تحصيل ذلك الكمال من خير نوعي بالنسبة إلى المجتمع، فلو فرض أنَّ الثاني كان أكثر من الأوّل لجاز ارتكاب كشف السرّ، مع أنَّه لا يجوز ذلك بالرغم من هذا. وبهذا ظهر أنَّ الاحتمال الثالث أيضاً غير موجود في المقام، فالحسن والقبح العقليان الأخلاقيان غير مربوطين بباب المصالح والمفاسد بالمعاني الثلاثة.
ولا أدرى هل أنَّ المحقّق الخراساني قد تفطّن لذلك، أو لم يتفطّن، فإنَّه من المحتمل أن يكون قد تفطّن لذلك؛ ولهذا بين في فوائده بياناً آخر في تقريب الحسن والقبح العقليين، بحيث لم يربطه بباب المصالح والمفاسد بأحد هذه المعاني، بل ربطها بمعنى رابع من المصلحة والمفسدة.
ــــــــــ[172]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وهذا في نفسه وجه رابع، وإن كان قد ذكره بنحو التحقيق الابتدائي تصوير الحسن والقبح العقليين، بحيث يرجع إلى ربطه بباب رابع من أبواب المصلحة والمفسدة، فلا بُدَّ من بيان ذلك فإنَّه وجه دقيق في نفسه، ثُمَّ إظهار الحقّ فيه.
تقريب المحقّق الخراساني مع جوابه
وخلاصة ما أفاده المحقّق الخراساني في توجيه الحسن والقبح بهذا الوجه الجديد في فوائده(1) يتوقف على بيان مقدّمة مبنية على ما ذكره الفلاسفة في باب عالم الشر والخير في الوجودات الإمكانيّة، فإنَّ الفلاسفة هناك ذكروا بأنَّ مرجع الخير إلى الوجود دائماً ومرجع الشر إلى العدم دائماً، فكلّ شرّ مرجعه إلى عدم الوجود وكلّ خير مرجعه إلى الوجود، فالوجود كلّه خير محض، والعدم كلّه شرّ محض. نعم، قد يفرض أنَّ العدم خير باعتبار ملازمته مع وجود، بحيث يكون خيراً بالعرض لا بالذات، فعدم الكذب قد يكون خيراً إلَّا أنَّه يكون خيراً باعتبار ملازمته مع فوائد الصدق مثلاً، وكذلك الوجود قد يكون شراً، إلَّا أنَّه شرّ بالعرض باعتبار ملازمته مع اعدام موجودات أخرى، وإلَّا فهو في نفسه خير محض إلى الوجود والعدم.
وإرجاع الخير والشر هو أساس هذه المقدّمة التي أفادها المحقّق الخراساني، ومقتضى هذا الأساس أنَّ الأشياء كلما كان وجودها أوسع وكانت أقوى وجوداً واشمل تحقّقاً فتكون لا محالاً أكثر خيريّة، وكلما كانت
ــــــــــ[173]ــــــــــ
(1) انظر: درر الفوائد:۳۳٠ – ۳۳۲، الفائدة ۱۳.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
أضيق وجوداً واشمل عدماً كانت شرّيّتها أكثر من خيريّتها، فالشرّيّة والخيريّة بمقدار سعة الوجود وضيقه.
وهذا يتصوّر في باب الموجودات العينيّة، كالإنسان والحيوان والنبات والجماد، فإنَّ الإنسان وجوده أقوى وأشمل من وجود الحيوان، والحيوان أقوى وأشمل من النبات، والنبات أقوى وأشمل من الجماد؛ ولذا نرى أنَّ الموجود كلما كان أقوى وأشمل كلما كان أكثر خيريّة، ونتيجة لذلك تكون بركاته وآثاره بحسب الخارج أكثر، فآثار الإنسان أكثر من آثار الحيوان بحسب الخارج، وآثار الحيوان أكثر من آثار النبات والجماد، فالموجودات العينية حيث إنَّها تختلف في سعة الوجود وضيقه، فهي تختلف لذلك في خيريّتها وشرّيّتها.
وهذا المعنى المتصوّر في الموجودات العينيّة يتصوّر أيضاً في الأفعال، فإنَّ هذه الأفعال أيضاً تكون كذلك، فيكون منها ما هو وسيع الوجود، ومنها ما هو ضيق الوجود، ويعرف ذلك بآثارها وخيراتها وبركاتها بحسب الخارج. اذن، فالأفعال تختلف في وجودها سعة وضيقاً، وباعتبار ذلك توصف بالخير والشر -وهذا الخير والشر بالمعنى الفلسفي، لا الحسن والقبح الذي نتكلّم عنه الآن- هذه هي المقدّمة التي مهدها صاحب الكفاية.
وعندئذ يقال: إنَّ القوة العاقلة حالها كحال سائر القوى في عالم النفس، كما أنَّ سائر القوى يتصوّر ما يكون ملائماً له وما يكون منافراً له، فمثلاً القوة البصريّة ما يكون ملائماً لها النظر إلى الحديقة الجميلة، والمنافر لها هو النظر إلى المزبلة بحسب الخارج، فكما يتصوّر في هذه القوى البصرية كذلك يتصوّر الملائم والمنافر بالنسبة إلى القوة العاقلة.
ــــــــــ[174]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ومن المعلوم أنَّ الملائم والمنافر بالنسبة إلى كلّ قوة بحسبه، فما يكون ملائماً ومنافراً بالنسبة إلى القوة العاقلة هو سعة وجوده وضيق وجوده، باعتبار أنَّ القوة العاقلة هي مرتبة تجرّد النفس، أي: مرتبة سعة الوجود، فحينئذٍ كلما كان الفعل أوسع وجوداً وأكثر خيريّة بالمعنى الفلسفي، يكون أكثر ملائمة مع القوة العاقلة، وكلما كان أضيق وجوداً واوسع عدماً وأكثر شرية بالمعنى الفلسفي يكون أكثر منافرة مع القوة العاقلة.
فالقوة العاقلة بالنسبة إلى الأفعال على حالين، فحينما تدرك الأفعال التي تكون كثيرة الخير فلسفياً، فتكون ملائمة لها فيحصل لها حالة الانبساط بالنسبة إليها والالتذاذ، وحينما تدرك القوة العاقلة تلك الأفعال التي تكون ضيقة في وجودها، ويكون جنبتها العدميّة غالبة على جنبتها الوجودية مثلاً، فالاختلاف في الشخصيّة يوجب في المقام المنافرة والانقباض عنها والاشمئزاز منها.
وهذا هو معنى الحسن والقبح العقليين، وهو لا محالة يؤدّي إلى صحّة المدح على الأفعال التي تكون من القسم الأوّل، وإلى حقّ الذم على الأفعال التي تكون من القسم الثاني.
فملاك الحسن والقبح بناءً على هذا البيان ليس هو باب المصالح والمفاسد بذلك المعنى، بل ملاكه خيريّة الفعل وشريته بالمعنى الفلسفي، أي: مرجعه إلى الملائمة مع القوة العاقلة والمنافرة معها، وملاك الملائمة والمنافرة معهما إلى سعة وجود الفعل وضيق وجوده، فيتصوّر الحسن والقبح بهذا البيان منفصلاً عن باب المصالح والمفاسد بمعانيها السابقة. هذا هو تقريب ما أفاده صاحب الكفاية.
ــــــــــ[175]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
والإنصاف أنَّه تقريب جيد من الناحية الفنيّة والاصطلاحيّة، بل من أحسن ما صدر من الأُصوليين في هذا المقام.
وحاصل ما تقدّم يتوقّف على بيان مقدّمة تقوم على الأساس الفلسفي القائل: بأنَّ مرجع الخير إلى الوجود ومرجع الشرّ إلى العدم، بمعنى: أنَّ الوجود بما هو وجود خير محض، والشر إنّما هو من تبعات نقصان الوجود، حيث إنَّ نقصان الوجود مرجعه إلى الحدّ، والحدّ مرجعه إلى أمر عدميّ، فيكون راجعاً إلى العدم، لا إلى الوجود.
وبهذا الاعتبار كانت الأشياء تختلف في خيريّتها وشرّيّتها بالمعنى الفلسفي باختلاف سعة وجودها وضيق وجودها، فبمقدار ما يكون الشيء واسعاً في وجوده شاملاً في تحقّقه يكون خيراً، فالإنسان أوسع وجوداً من الحيوان، ويترتّب على هذا أنَّه أكثر أثراً في الخارج من الحيوان، كما أنَّ الحيوان كذلك بالنسبة إلى النبات، والنبات بالنسبة إلى الجماد، وعلى حسب هذا الترتّب تكون جهات خيريّتها وشرّيّتها وسعة آثارها وضيقها في باب الموجودات الخارجيّة.
فالمحقّق الخراساني(1) أراد أن ينبّه في هذه المقدّمة على أنّ الأفعال أيضاً تختلف في سعة وجودها وضيقها، وشرّيّة الأفعال دائماً ما يكون من نقصان وجودها، ومن الحدّ العدمي فيها، فكلّما كان الفعل أوسع وجوداً وأكثر شمولاً يكون أكثر خيراً وبركةً، وكلّما كان أضيق وجوداً وأكثر نقصاناً يكون أكثر شرّاً، فمقصوده من المقدّمة هو تطبيق هذه القاعدة الفلسفيّة على باب الأفعال، ثُمَّ
ــــــــــ[176]ــــــــــ
(1) انظر: درر الفوائد:۳۳٠ – ۳۳۲، الفائدة ۱۳.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
يشرع حينئذٍ في بيان نفس ما حقّقه واختاره من أنَّ القوّة العاقلة في الإنسان حالها حال سائر القوى الدرّاكة، فإنَّ سائر القوى الأخرى قد يكون هناك ما يلائمها وما ينافرها، وهي تدرك ما يلائمها وما ينافرها، فحينما تدرك ما ينافرها تنقبض القوّة وتنكمش، وحينما تدرك ما يوافقها تنبسط وتلتذّ بما تدركه، فقوّة الحسّ البصري مثلاً حينما تدرك الحديقة الجميلة تنبسط لهذا الإدراك، وحينما ترى المناظر غير الجميلة تنكمش من ذلك، فهذا كما يتصوّر في سائر القوى الدرّاكة في العالم البشري، كذلك يتصوّر في رئيس هذه القوى على حدّ تعبيره، وهو القوّة العاقلة، فهي أيضاً تدرك ما ينافرها تارةً فتنكمش، وتدرك ما يلائمها تارةً أُخرى فتنبسط، والملائمة والمنافرة مع القوّة العاقلة إنّما هو باعتبار سنخيّتها مع ما تدرك وعدمها، وسنخيّة القوّة العاقلة مع ما تدركه مربوطة بمقدار سعة وجود هذا المدرك، فإنَّ القوّة العاقلة حيث إنَّها موجود مجرّد تجرّداً عقلانيّاً، فهي أرقى موجودات عالم الإمكان، فهي سعيّة في وجودها، وكلّما كان المدرك أوسع وجوداً وأشمل بركة وخيراً تكون المناسبة بين المدرك والمدرك آكد، فيكون إدراكاً لما يسانخها، و إدراكاً لما يلائمها، وحينئذٍ تنبسط وتلتذّ من ذلك.
وأمّا إذا فرض أنَّها أدركت شيئاً كان ضيق الوجود، وكان جنبته العدميّة غالبة على جنبته الوجوديّة، فبالتالي جنبته الشرّيّة غالبة على جنبته الخيريّة، فهذا محالة لا يناسب القوّة العاقلة، فيكون من باب إدراك المنافر فتنقبض وتتألم من ذلك، كما يتألم الحسّ البصري من إدراك القاذورات، أو حاسّة الشمّ بإدراك الروائح الكريهة.
ــــــــــ[177]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فحينئذٍ الحسن والقبح العقليّان مرجعهما إلى أنَّ الفعل الحسن سعيّ في وجوده، فيكون مناسباً مع القوّة العاقلة، فيكون إدراكه إدراكاً للملائمة، فتنبسط القوة العاقلة وتلتذّ بذلك، وأنَّ الفعل القبيح ما كان ضيقاً في وجوده وكانت جنبته العدميّة غالبة على جنبته الوجوديّة -وبالتعبير العرفي: شرّه أكثر من خيره- ومثل هذا الضيق لا يناسب النفس، فيكون إدراكها له من باب الإدراك المنافر، فتنكمش النفس وتتألم، ومن هنا يكون الحسن والقبح العقليّان منشأ لصحّة المدح في الأوّل، وصحّة الذمّ في الثاني.
وما أفاده وإن كان لطيفاً من الناحيّة الاصطلاحية والتعبيريّة، إلَّا أنَّه ممّا لا يرجع إلى محصّل فنّي، وذلك لأمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ في هذا التقريب -بعد الاعتراف بمقدّمته التي بنى عليها الدليل؛ لأنَّ بحثها بحث فلسفي ولا يرتبط بنا كأُصوليّين، بعد غض النظر عن تلك المقدّمة والاعتراف بها واستنتاج المطلب منها- خلطاً بين المُدرك بالذات والمُدرك بالعرض، وهذا الخلط هو الذي أوجب هذه المغالطة.
توضيح ذلك: أنَّ القوّة العاقلة في النفس البشريّة حينما تدرك الظلم أو العدل، إمّا أن تدرك عنوانهما إدراكاً تصوّريّاً، وإمّا أن تدرك أنواعهما إدراكاً تصوّريّاً، وإمّا أن تدرك قضايا الظلم والعدل على نحو الإدراك التصديقي، بأن تصدّق بوقوع ظلم في المكان الفلاني، وعدل في المكان الفلاني، فإدراك الظلم والعدل من قبل القوّة العاقلة بأيّ معنى فرض، هو بحسب الحقيقة يرجع إلى أحد طرفيه، وهو المدرك إلى النفس، والطرف المدرك يرجع بالتحليل إلى أمرين: إلى مدرك بالذات، ومدرك بالعرض.
ــــــــــ[178]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فالمدرك أو المعلوم بالذات هو نفس الصورة القائمة في النفس، وليس المدرك بالذات هو الأمر الخارجي، لما برهنّا عليه في بحث اجتماع الأمر والنهي من أنّ العلم لا يتعلّق بالأمور الخارجيّة ابتداءً، فالمدرك بالذات والحاضر بالذات لدى النفس والقوّة العاقلة، هو المدرك بالذات الذي هو بنظرة ثانية هو نفس الإدراك، فكما أنّ المعلوم بالذات نفس العلم، كذلك هو حاله حال سائر الصفات النفسانيّة ذات الإضافة مع ما تتقوّم به من الصور في عالم النفس.
والمدرك بالعرض وهو الواقع الخارجي، يعني: ما تحكي عنه هذه الصورة، فهنا الإنسان حينما يدرك هو وجود الشمس في الخارج، وإن كان إدراكه ينصبّ أوّلاً وبالذات على نفس الصورة -وهذا من باب المسامحة، لأنّا برهنّا في بحث اجتماع الأمر والنهي أنَّ نفس الصورة توجد في عالم النفس بوجود تصديقي عدّة مرّات- إلَّا أنَّ هذه الصورة القائمة في عالم النفس إنَّما تدرك ويتعلّق بها التصديق، باعتبار فنائها في الخارج وحكايتها عنه، فهو حين يقول: الشمس طالعة، فهنا ينصب حكمه على الصورة، لكن بما هي حاكيّة وفانيّة في الخارج، فالخارج والواقع والمعنون هو المدرك بالعرض، ونفس الصورة هي المدرك بالذات والحاضر بالذات عند المدرك الذي هو القوة العاقلة.
إذا عرفنا ذلك فنقول: ما هو المدرك بالذات؟ هذا لا يختلف في سعة وجوده وضيق وجوده في جميع مدركات القوة العاقلة، سواء كان المدرك هو العدل أو الظلم أو أيّ شيء من المدركات، فإنَّ إدراكات القوّة العاقلة كإدراكات أيّ قوّة درّاكة متجرّدة بمرتبة تلك القوّة، لكن درجة تجرّدها وسعة
ــــــــــ[179]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وجودها يوازي تلك القوّة من دون اختلاف بين مدرك ومدرك، وليست القوّة العاقلة إدراكها للعدل مجرّد إدراك عقلاني، ولكن إدراكها للظلم ليس مجرّداً، بل هو إمّا مجرّد تجريداً ناقصاً أو هو ماديّ مثلاً، بل إنَّ كلّ قوّة إدراكاتها من سنخ واحد ومرتبة واحدة، كما هو من أوّليات علم النفس في الفلسفة.
فجميع مدركات القوة العاقلة على حدٍّ واحد من حيث سعة الوجود، لا أنَّ بعضها أكثر من بعض، وإنَّما الفرق بينهما بالمدرك بالعرض، وهو يختلف في المقام، فإنَّه يكون أمراً مادّياًّ، وقد يكون عرضاً، وقد يكون جوهراً، وقد يكون مجرّداً، فهو يختلف لا محالة من حيث سعة وجود الأمر الخارجي وضيقه.
فإذا استطعنا أن نميّز بين المدرك بالذات، أي: نفس الإدراك، وبين المدرك بالعرض، وهو: الخارج الذي ليس بحاضر عند النفس، واستطعنا أن نعرف أنَّ المدركات بالذات للقوّة الواحدة وجودها على نهج واحد وبدرجة واحدة، فلا يعقل أن يكون بعض إدراكات هذه القوّة واصلة إلى درجة التعقّل، وبعضها غير واصلة إلى درجة التعقّل، فإنَّ عدم وصولها إلى درجة التجرّد العقلاني مساوق عندهم؛ لعدم كونها إدراكاً لهذه القوّة، ولكونه إدراكاً لقوّة أخرى لم تصل بعد إلى هذه المرتبة من التجرّد.
وحينئذٍ تنحلّ هذه المغالطة في المقام، وإن كانت بصورتها فنيّة، وذلك: أنّه في المقام أيّ شيء هو المنافر مع القوّة العاقلة، هل هو المدرك بالذات أو المدرك بالعرض؟ فإن فرض أنَّ الملائم والمنافر بحسب دعوى الآخوند(1) هو المدرك
ــــــــــ[180]ــــــــــ
(1) انظر: درر الفوائد:۳۳٠ – ۳۳۲، الفائدة ۱۳.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
بالذات، فقد عرفنا أنّه هو نفس الإدراك، والإدراك هو فعل القوّة العاقلة، وأفعال القوّة العاقلة على نهج واحد، وجميع إدراكاتها بالغة إلى درجة التجرّد، ولا يفرق من حيث مرتبتها الوجوديّة بين أن يكون إدراكاً للجوهر أو العرض، أو المادّي وغير المادّي، فاختلاف المدرك بالعرض لا يوجب اختلاف نفس الإدراك، فإنّ مرتبة الإدراك تحدّده القوّة العاقلة، ولا يحدّده الشيء الخارجي الذي يضاهيه الإدراك ويحاكيه.
مضافاً إلى أنّه فنيّ ومن ضروريّات فنّ النفس في الفلسفة، وهو في نفسه من البديهيات لكلِّ إنسان، فكلّ إنسان يعرف أنَّه ليس من كمال القوّة العاقلة، وليس أفضل لها أن لا تتصوّر الظلم، وليس أولى بها أن تجهل وقوع الظلم في الخارج، وهذا بخلافه في القوّة الحاسة، فإنّه نفس الإدراك منافر مع القوّة الحاسة، لا المدرك بالعرض، بل نفس المدرك بالذات الذي يكون منافراً مع قوّة الحسّ البصري أو السمعي أو الشمّي أو الذوقي.
فالأُولى بحاسة البصر أن لا ترى المزبلة، لا أنَّ هذا هو الأُولى بالإنسان، فإنّه بما هو عاقل الأُولى به الاطّلاع على العالم كلّه، لكن هذه القوّة في مرتبتها الأُولى بها أن لا تدرك المزبلة، وأولى بقوّة الحسّ الشمّي أن لا تدرك الروائح الكريهة، وإن كان الأولى بالعالم الطبيعي بما هو عاقل إدراك الروائح الكريهة، لأجل تحليلها وإرجاعها إلى أُصولها العلميّة.
وأمّا في المقام فليس الأمر كذلك، فإنّ المدرك بالذات الذي هو الإدراك ليس هناك أيّ فرق في نسبة النفس في مرتبة القوّة العاقلة إلى إدراك الظلم أو
ــــــــــ[181]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
إدراك العدل، وإنَّما الفرق بين النفس وبين المدرك ثانياً وبالعرض الذي هو الأمر الخارجي غير الحاضر لدى النفس.
نعم، النفس مع ذلك المدرك بالعرض يمكن افتراض المناسبة بينها وعدم المناسبة، باعتبار أنَّ النفس سعيّة الوجود، فلا إشكال بأنّ النفس إذا أدركت البياض فالمناسبة ليست قوّية؛ لأنّ النفس جوهر مجرّد عن عالم المادة، فهي من أرقي موجودات عالم الإمكان. وأمّا البياض فهو عرض مادّي حالّ في المادة، فهو من أخس أنواع الموجودات، فلا مناسبة فيما بينهما، إلَّا أنَّ كون الأمر الخارجي مناسباً أو غير مناسب لا يؤدّي إلى وجود الملائمة والمنافرة في القوّة العاقلة، والسرّ في ذلك: ما ذكرناه في بحث اجتماع الأمر والنهي(1): أنَّ الصور في عالم النفس حين تلحظ فانية في الخارج يصحّ أن يحكم عليها بأحكام الخارج، لا أن يوجد لها صفات الخارج.
وفرق بين الأمرين، فنحن نحكم بأنَّ النار حارة، ومصبّ هذا الحكم في الحقيقة نفس الصورة الذهنيّة للنار القائمة في عالم النفس، فلو أشكل علينا مشكل بالحكم، وقال: كيف تحكمون على هذه الصورة بأنَّها حارة، مع أنَّها موجود مجرّد في عالم النفس، فلا هو حارّ ولا هو بارد؟
فنقول: إنَّ المصحّح للحكم عليه بأنَّه حارّ هو ملاحظة هذه الصورة فانية في الواقع الخارجي، والواقع الخارجي هو الحارّ حقيقة، وحيث إنَّ هذه الصورة أفنيناها في الواقع الخارجي، فصحّ لنا أن نحكم عليها بحكم العالم الخارجي،
ــــــــــ[182]ــــــــــ
(1) انظر: مباحث الأُصول 3: 573.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ولكن هذا ليس معناه سراية حكم الخارج إلى الصورة، وإنّما جاز لنا أن نحكم عليه باعتبار فنائها في الخارج.
وفي المقام أيضاً الأمر كذلك أيضاً، فالنفس قد تدرك البياض الذي هو موجود خسيس بحسب اصطلاح الآخوند، وتحكم عليه بأنَّ هذا لا يناسبني؛ إذ أنا أرقى منه وجوداً.
فهذا صحيح، لكن تحكم عليه باعتبار فناءه في الخارج، لا أنَّ صفة الخارج تثبت لها حقيقة، فكما أنَّ الخارج غير مناسب له، يصبح هذا غير مناسب، فوجود واقع الملائمة والمنافرة في عالم العقل أمر محال؛ لأنَّ معناه سريان عدم المناسبة من الخارج إلى الصورة كسريان الحرارة التي ينشأ منها الاحتراق، فلو فرض أنَّها تسري من الواقع الخارجي إلى الصورة لولدت الاحتراق في عالم الذهن، وإنَّما يحكم على الصورة باعتبار حكايتها. إذن، هذه الصورة غير ملائمة مع النفس.
فخلاصة كلام الآخوند المبني على المغالطة، وسرّها: الخلط بين المدرك بالذات والمدرك بالعرض، ولأجل رفعها يجب أن نميّز بين المدرك بالذات الذي هو نفس الإدراك، وبين المدرك بالعرض الذي هو الواقع الخارجي، ونميّز أيضاً بين إدراك الظلم وإدراك العدل، وبين واقع الظلم وواقع العدل بحسب الخارج، فإدراكهما هو المدرك بالذات، وواقعهما هو المدرك بالعرض.
فإذا ميّزنا بين ذلك انحلّت الشبهة؛ لأنَّ المدرك بالذات هنا ليس بينه وبين
ــــــــــ[183]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
النفس عدم مناسبة وعدم سنخيّة أصلاً، بل جميع المدركات بالذات للقوّة العاقلة على نهج واحد؛ لأنَّ مرجعها إلى إدراكات قوّة واحدة، فهي متجرّدة بالتجرّد العقلاني المناسب مع القوّة العاقلة، وليس إدراكنا للبياض خسيس جدّاً، وإدراكنا للفلك قوي جدّاً؛ لأنَّ الفلك جوهر وهذا عرض، بل هو إدراك مناسب في عالم النفس، ومجرّد من مرتبة القوّة العاقلة.
فبالنسبة إلى المدرك بالذات لا يتصوّر ملائمة تارةً ومنافرة أُخرى؛ لأنَّ ملاك الملائمة والمنافرة على ما أفاده هو السنخيّة وعدمها، وهنا المناسبة في جميع المدركات بالذات على نهج واحد، وأمّا المدرك بالعرض فهو وإن كان يتّفق أن يكون مناسباً ومن سنخ النفس، فكذا يتّفق أن يكون خسيساً وأقلّ وجوداً في النفس، إلَّا أنَّ صفاته لا تسري حقيقة إلى الصورة، وإن كان يصحّ أن يحكم على الصورة بها، باعتبار فنائها في الواقع الخارجي.
إذن، فواقع عدم المناسبة لا يسري من المدرك بالعرض إلى نفس الصورة العقليّة، وإنّما يحكم على الصورة العقليّة بعدم المناسبة، كما يحكم على صورة النار بالحرارة، فعدم المناسبة لعنوان الظلم بمقدار الحرارة بالنسبة إلى صورة النار (1).
ــــــــــ[184]ــــــــــ
(1) قلت لسيّدنا الأُستاذ: فليكن هذا هو مقصود الآخوند من تقريره.
قال: إذن، فالملائمة والمنافرة غير موجودة في عالم العقل.
قلت: يعني باعتبار كاشفيّته عن الخارج.
قال: لا يقول بأنَّ القوّة العاقلة تنبسط وتنقبض، واقع الملائمة والمنافرة موجود في قوّة
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ويرد عليه ثانياً [الأمر الثاني]: النقوض، وهذه النقوض التي سنذكرها، وإن كان من الممكن الجواب عن بعضها بتكلّف، إلَّا أنَّها بمجموعها تكون دليلاً نقضيّاً عليه.
النقض الأوّل: لازم ما ذكره الآخوند أنَّ العقل العملي عند الإنسان
-بالتعبير العلمي- أو الضمير الخلقي -بتعبير الوعّاظ- يتناسب طرداً وعكساً
ــــــــــ[185]ــــــــــ
العقل، لا أنَّ النفس تحكم أنَّ هذا بحسب الخارج يناسبني أو لا يناسبني.
قلت: تنبسط لوجود الأمر الخارجي.
قال: هذا محال؛ أنَّ القوّة لا بُدَّ أن تحصل على كمال فتنبسط، أو تحصل على نقصان فتنقبض، ومجرّد أنَّ المدرك بالعرض يكون كذلك هذا لا يكفي في المقام، فإنّنا من دون أن نحسّ بالروائح الكريهة لا ننقبض، بل إنَّ الانقباض والانبساط الذي هو ثابت في أُفق كلّ قوة إنَّما هو باعتبار تماس تلك القوّة مع ما هو ملائم وما هو منافر.
في باب الحس البصري القوة تماس ابتداءً مع ما هو ملائم وما هو منافر، لأن ما هو ملائم نفس الإدراك، نفس إدراك الحديقة لا وجود الحديقة خارجاً بحيث لو فرضنا إن أمكنه ولو محالاً إدراك حديقة جميلة من دون أن تكون هناك حديقة في الخارج، يحصل له نفس الانبساط الذي يحصل لمن يذهب إلى الحديقة، كما ان إنساناً لو أدرك المزبلة بدون أن تكون هناك مزبلة بحسب الخارج، يحصل له الانقباض لا محالة، فالانقباض والانبساط بالنسبة الى كل قوة هو أن تماس ما هو منافر لها وما هو ملائم لها، وهذا التماس إنما يكون إذا كان المدرك بالذات هو الملائم والمنافر، وهذا إنما يتصور في غير القوة العاقلة وأما في القوة العاقلة فلا يتصور.
هذه هي النكتة الأولى التي بها ينحل هذا المطلب فنياً. (المُقرِّر (.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
-بحسب التعبير الرياضي- مع القوّة العاقلة، ممّا يعني: أنَّ العقل يزيد وينقص بمقدار نمو القوة العاقلة وضعفها؛ لأنَّه كلما كانت القوّة العاقلة أكثر تجرداً وأقوى اقتناصاً للكليات ولتعميمها وتجريدها عن الخصوصيّات، فحينئذٍ تكون أوسع وجوداً، فتصير أكثر اشمئزازاً لما هو ضيق الوجود، فتكون أكثر إدراكاً للقبح ولمنافرة الأشياء القبيحة معها، مع أنَّ هذا غير موجود بحسب الخارج، بل لعل هذا العامي المسكين يكون أكثر إدراكاً للقبح من الشيخ الرئيس بن سينا الذي اتعب عمره كلّه في اقتناص الكليات.
النقض الثاني: أنَّ العالي في قوته العاقلة جدّاً يستقبح ما لا نستقبح نحن؛ لأنَّ النسبة الوجودية بين ذاك العالي جدّاً وبين أقل الأمور المباحة في نظرنا لعلها أكثر بكثير من النسبة الوجودية بيننا وبين أوّل القبائح، فيلزم أنَّ يكون رسول الله أو غيره من العقلاء جدّاً يستقبحون مالا نستقبح؛ لأنَّ نسبتهم إلى ما لا نستقبح كنسبتنا إلى ما نستقبح.
النقض الثالث: يلزم عدم صدق كون حسنات الأبرار سيئات المقربين، يعني عدم الفرق في قبح الكذب بين أنَّ يكون صادراً -والعياذ بالله- من النبي وبين أنَّ يكون صادراً من إنسان عادي؛ لأنَّ كليهما من حيث سعة الوجود وضيقه لا يفرق بينهما، فكلاهما كيف نفساني بحسب ما هو المبرز من قصد الحكاية، وكيف مسموع باعتبار اللفظ، مع أنَّ بداهة العقل العملي تدرك أنَّ سيئات الأبرار حسنات المقربين.
النقض الرابع: بناءً عليه لا بُدَّ أن لا يدرك العقل حسن أمر إلَّا بعد
ــــــــــ[186]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
استحضار أمر وجودي، فالعقل لا يدرك حسن ترك الكذب، إلَّا بعد استحضار أمر الفوائد الوجودية المترتبة عليه؛ لأنَّه بناءً على هذه النظرية فالعدم شرّ محض والوجود خير محض، فخيرية العدم إنَّما هو باعتبار استلزامه للوجود، فهي خيرية عرضية لا خيرية ذاتية، كما أنَّ شرية الوجود إنَّما هي شرية عرضية تثبت لاستلزامها العدم، فيلزم أنَّ عقلنا العملي لو تصوّر نفس الكذب فبقطع النظر عن أنَّ فعله قبيح و تركه حسن، لا يتصور أنَّ ترك الكذب يكون حسناً، أو مثلاً: في ترك فعل لا يكون قبيحاً في نفسه كترك الانتقام، فإنَّ الانتقام لا يكون قبيحاً، لكن ترك الانتقام يكون حسناً استحبابياً، فهنا يلزم أن لا يحكم العقل بحسن هذا الترك إلَّا إذا تصوّر الأمور الوجودية المقارنة له.
وبعد هذا ينبغي أنَّ يقال في مقام تتميم الإشكال على ما أفاده: إنَّ مجرّد الانبساط والانقباض في القوة العاقلة ليس مدحاً ولا ذماً، فليس هذا هو معنى صحّة المدح ومعنى صحّة الذم، بل صحّة المدح وصحّة الذم أمر آخر وراء ذلك؛ ولهذا قد يكون الشخص الذي لا ينقبض ولا ينبسط يرى صحّة المدح وصحّة الذم، كالشخص الذي ابتلى بالقبائح واختلط بها حتّى أصبح عقله لا ينقبض من ضيق وجودها، ومع هذا يعترف بصحّة ذم الإنسان عند ارتكاب القبيح، فالانبساط والانقباض حالة انفعاليّة في القوّة العاقلة، وليست هي بنفسها عبارة عن صحّة المدح أو صحّة الذم. إذن لا بُدَّ من الاعتراف بأنَّ صحّة المدح وصحّة الذم أمر آخر وراء نفس هذه الحالة الانفعاليّة التي توجد في الإنسان السوي، ولا توجد أو تضعف في الإنسان الذي مارس القبائح حتّى
ــــــــــ[187]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
اعتادها، ولكنّه بالرغم من ذلك يرى صحّة المدح والذم، وحينئذٍ بعد فرض التمييز بين هذه الحالة الانفعاليّة في القوّة العاقلة وبين صحّة المدح وصحّة الذم، فإمّا أن يقال: بأنَّ صحّة المدح والذم أمر اعتباري فيكون الإشكال هو الإشكال، فإنّنا لم نصنع شيئاً جديداً إذا قلنا: إنَّه أمر اعتباري سواء كان مجعولاً للشارع أو للعقلاء بشكل عامّ، فإنَّه على أيّ حالٍ مرجعه إلى قانون مجعول تقنيناً، فيكون مرجعه إلى جعل عنوان صحّة المدح والذم، فإنّنا قلنا: إنَّ باب القوانين وباب الجعل والاعتبار هو باب ايجاد العناوين في عالم الاعتبار بالحمل الأوّلي، وأمّا مصاديقها وحقائقها فلا معنى لتشريعها بقانون وجعلها بحسب عالم الاعتبار، فيكون المحذور المتوجه إلى هؤلاء متوجهاً إلى مطلبه من دون نكتة في ذلك.
وأمّا إذا فرض أنَّه قائل بأنَّ صحّه المدح والذم أمر واقعي، إلَّا أنَّه يستعين بمسألة الانقباض والانبساط على كونه معرفاً لهذا الأمر الواقعي مثلاً، ففيما لو انبسطت القوّة العاقلة فتعرف أنَّ الذي انبسطت له سعي الوجود، وتعرف أنَّه يصحّ المدح عليه، واذا انقبضت تعرف العكس مثلاً، فإذا فرض أنَّ هذا أمر واقعي فهذا هو الحسن والقبح بحسب الحقيقة، ويكون متحقّقاً في المرتبة السابقة على الانبساط والانقباض الذي هو حالة انفعاليّة في القوّة العاقلة، وهذا هو الصحيح، وهو مختار أهل العدل والحق، فإنَّ الحسن والقبح عندهم أمر واقعي في الرتبة السابقة على انفعالات القوّة العاقلة و على جعله قانوناً، كما سوف يأتي توضيحه عن قريب.
ــــــــــ[188]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
في الرد على كون قضيّة الحسن والقبح من الميل الطبيعي
وبما ذكرناه ظهر أنَّه لا يمكن أنَّ يقال في مقام تصوير الحسن والقبح، أو تصوير العقل العملي بإرجاع العقل العملي إلى باب الغريزة والميل الطبيعي وسلخه عن كونه قوة درّاكة: إنَّ باب الحسن والقبح ليس بابه باب الإدراك، بحيث إنَّ الإنسان يدرك أمراً، بل باب الميل والغريزة، بحيث إنَّ الإنسان يميل إلى شيء، وفرق بين أنَّ يدرك أمراً وبين أنَّ يميل إلى شيء، فالإنسان يميل إلى الشبع حينما يجوع، ويميل إلى أشياء كثيرة حينما تعرض له حاجاتها، فهذا أيضاً ميل من تلك الميول، إلَّا أنَّه ميل عالٍ شريف ركزه الله في الطبيعة البشرية؛ لأجل هدايتها وتوفيقها إلى أفضل الأعمال وأحسنها وأشملها خيراً.
فبابه باب الميل لا باب الإدراك، فنحن نميل بطبيعتنا إلى الصدق كما نميل إلى قرص الرغيف، غاية الأمر أنَّ هذا ميل مادي وذاك ميل معنوي؛ وذلك لأنَّ العقل العملي لو سلخناه عن باب الإدراك وارجعناه إلى مجرّد الميل والغريزة، فحينئذٍ لا معنى لتطبيقه على غير صاحب الميل والغريزة، ويكون مرجع الحسن والقبح إلى أنّي أميل إلى الصدق وانفر من الكذب، فيما أميل إليه من أشياء، إلَّا أنَّه لا معنى لتطبيق قانون الحسن والقبح على شخص آخر ليس له مثل هذا الميل، بل لا معنى لتطبيقه حينئذٍ على الواجب تبارك وتعالى، فيقال: بأنَّ صدوره من قبل الواجب قبيح، فإنَّ هذه القضيّة قضيّة خبريّة لا قضيّة ميليّة، فإنَّ الميل والغريزة لا يشكلان القضيّة الخبريّة، وإنَّما تشكلها القوّة المدركة، فالعقل العملي بالمعنى الذي نراه وندّعيه ونجده في نفوسنا هو أوسع من كونه مجرّد الميل.
ــــــــــ[189]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
نعم،نحن لا نتحاشى عن أنَّ الإنسان ركّب في طبيعته مثل هذا الميل، وأنَّه يميل إلى فعل الحسن وترك القبيح، فلا نريد أن ننكر هذا، ولا نريد أن نثبته، إلَّا أنّنا نريد أنَّ نقول: إنَّ العقل العملي لا معنى لسلخه عن باب الإدراك وتمحيضه لجهة الميل.
بمعنى: مجرّد الانبساط والانقباض، من دون قوّة درّاكة؛ لأنَّ هذا يؤدّي إلى عدم امكان استنتاج قضيّة خبرية منه، بحيث تطبق على غير من يميل.
وهذا خلف فرض العقل العملي عند القائلين به، أي: عند أهل العدل والحق(1).
كما ظهر من تضاعيف ما ذكرناه أيضاً وجه النظر فيما هو المعروف عن الفلاسفة في باب الحسن والقبح العقليين؛ إذ مطلب الفلاسفة في المقام يتلخص في أمرين:
الأمر الأوّل: هو أنَّ مناط الحسن والقبح هو المصالح والمفاسد التي يدركها العقل بطبيعته وببديهته، أي: يدركها بلا تعمّل ولا تفكّر، فهناك نحو من المصالح والمفاسد يدركها الإنسان بما هو عاقل لا بما هو مُتحيِّز بتحيّز آخر
ــــــــــ[190]ــــــــــ
() المقصود من ذلك حسب ما فسّره سيّدنا الأُستاذ بعد سؤاله عنه: هو الاستشهاد بوجدان أهل الحقّ في فهم العقلي، وإنَّهم لا يفرّقون في الحسن والقبح بين الله وبين عباده، فإمّا أنَّ تكون كلّتا القضيتين خبريتين تحكيان عن واقع، وإما أن تكذبا، وهذا في واقعه إنكار لأصل العقل العملي خارج عن مدّعى الطرفين. إذن، فيثبت بهذا الوجدان وحدة القضيّة، وأنّها قضيّة خبريّة لا ميليّة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
روحي أو خلقي أو اجتماعي، بل يدركها بلا تعمّل وتفكّر، وهذا من قبيل المصلحة في الصدق – مثلاً- والمفسدة في الكذب.
الأمر الثاني: بعد أن يُفرض أنَّ الإنسان بما هو عاقل يدرك المصالح والمفاسد في كثير من الأفعال والتروك بلا تعمّل ولا تفكّر، فلا محالة يؤدّي تطابق العقلاء في مقام حماية هذه المصالح والوقاية عن تلك المفاسد إلى تطابقهم على صحّة المدح وعلى صحّة الذم.
ووجه الملازمة بين المقدّمتين واضح، حيث فرضنا في الأوّل أنَّ الإنسان بما هو عاقل وبلا تعمّل يدرك هذه المصالح والمفاسد، فإذا كان كذلك فسائر العقلاء أيضاً يدركون؛ لأنَّ هذه القوّة موجودة فيهم أيضاً، والمفروض أنَّ هذا الإدراك لا يحتاج إلى تعمّل وكسب، ليقال: إنَّ هذا اشتغل وذاك لم يشتغل. إذن، كلّهم بعقولهم وبلا تعمّل يدركون هذه المصالح والمفاسد، وحينئذٍ يتطابقون حمايةً ووقايةً على مدح من عمل لجلب تلك المصالح، وصحّة ذم من عمل لتحقيق تلك المفاسد. هذا العنوان المدّعى لكلامهم.
أمّا الأمر الأوّل فهو واضح من كلامهم، وقد ظهر الإشكال فيه ممّا سبق في أوّل الجهة الثانية، فإنّنا ذكرنا أنَّ الحسن والقبح ليس مناطه هو المصلحة والمفسدة، ولا الكمال بأيّ معنى من المعاني السابقة، وذلك بدليل ما سبق من أنَّه لو كان ملاكه باب المصلحة والمفسدة أو باب الكمال -على ما يعبّر بعضهم(1)– فحينئذٍ يلزم تطبيق قوانين باب التزاحم على باب المصالح والمفاسد وباب الكمالات، مع
ــــــــــ[191]ــــــــــ
(1) انظر: الرسائل الأربع ١: 14.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
أنّا رأينا هذا الحسن والقبح الذي تطابق عليه العقلاء لا يطبق عليه في مورد المزاحمة قوانين باب التزاحم بين المصالح والمفاسد، فنكتة عدم الخضوع لباب الحسن والقبح لباب التزاحم بين المصالح والمفاسد تبرهن على أنَّ الحسن والقبح ليس مرتبطاً بباب المصالح والمفاسد بهذا المعنى، أي: بما يترتّب على الأفعال من آثار تعود على النوع أو على المجتمع أو على الفرد بالخير والبركة.
وسيأتي إنَّ شاء الله حينما نصوّر ما هو المراد من الحسن والقبح لباب المصالح والمفاسد وكيفيّة استقلاله عنها.
وأمّا الأمر الثاني حيث رتّبوا على الأمر الأوّل أنَّ العقل يدرك بلا تعمّل المصلحة أو المفسدة المترتبة على هذا الفعل، فحينئذٍ يكون العقلاء بتمامهم متطابقين على صحّة المدح وصحّة الذم، بحيث يكون مرجع الحسن والقبح إلى تطابق العقلاء على صحّة المدح وصحّة الذم، ولا سنّة لهذا المدح والذم إلَّا هذا التطابق.
وهذا الأمر الثاني مجمل في كلماتهم إلى حدٍ ما، فإنَّ الذي وجدنا من كلماتهم يحتمل وجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ مقصودهم بيان أنَّ تطابق العقلاء على صحّة المدح والذم هو سند حقّانيّة هذه القضيّة، بحيث إنَّه لا سند لحقّانيتها ولمطابقتها للواقع إلَّا التطابق، وليس له سند آخر، كما هو الحال في العقل النظري المكتسب، فإنَّ هذا له سند وهو البرهان على الطريقة المذكورة في المنطق. وأمّا في المقام فلا سند لباب الحسن والقبح إلَّا الشهرة بتطابق العقلاء، ومن هنا سمّو هذه القضايا بالمشهورات الحقيقية أو المطلقة، فإذا فُسّر كلامهم بهذا المعنى يكون مرجعه إلى
ــــــــــ[192]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
البحث في الجهة الثالثة، وهي حقانيّة القضيّة وعدمها، ببيان: أنَّ هذه القضية ليس حالها حال قضايا العقل الأوّل أو العقل الثاني المكتسب بالبرهان، فإنَّ تلك القضايا مضمونة الحقانيّة إمّا ذاتاً وإمّا بالعرض، وأمّا هذه القضايا المسمّاة بالمشهورات فليست مضمونة الحقّانيّة، وإنَّما تمام سندها هو تطابق العقلاء عليها لا أكثر.
وهذا لا ينفي أنَّه من المحتمل أن تكون مطابقة للواقع، وأن لا تكون مطابقة له، فمن المحتمل أن يكون هذا الفعل حقيقة ممّا يصحّ المدح أو الذم عليه، إلَّا أنَّه لا دليل على الحقانية، فيكون التشكيك في حقّانيّة القضيّة لا في مدلولها وتعقل واقعيّة مدلولها في نفسه.
وهذا المطلب محتمل في كلماتهم، خصوصاً في كلمات الشيخ الرئيس في الإشارات(1) فإنَّه يقول في مقام توضيح أنَّ هذه القضايا ليس لها سند إلَّا الشهرة: إنَّ الإنسان لو خلق منفصلاً عن التلقين والتأديب العقلائي في مجتمع لما عرف أنَّ العدل حسن وأنَّ الظلم قبيح؛ لأنَّ حسن العدل وقبح الظلم لا يدركه العقل وإنَّما يعرف ذلك عن طريق التأديب والتلقين في المجتمع.
ثُمَّ يقول بعد ذلك: إنَّ الفرق بين المشهورات وبين القضايا الضرورية التصديق، أنَّ القضايا الضرورية التصديق صادقة جزماً وأمّا القضايا المشهوريّة فمن المحتمل أنَّ تكون صادقة أو غير صادقة، وليس صدقها بيّناً كالقضايا الضرورية التصديق.
ــــــــــ[193]ــــــــــ
(1) انظر: شرح الإشارات 1: 220.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وهذا الكلام أيضاً بنفسه يشعر بأنَّ تمام همّ الرئيس وكذلك المعلّق على منطق الإشارات الخواجة نصير الدين(1) إنَّما هو نفي حقانيّة هذه القضيّة، بدعوى: أنَّها ليست من مدركات العقل الأوّل؛ لأنَّها لو كانت كذلك؛ اذن، لادركه الإنسان حينما يوجد وحده منفصلاً عن المجتمع، إمّا بعقله وإمّا بحسه وإمّا بوهمه.
وحيث إنَّ الشيخ الرئيس يدّعي أنَّه لا يدرك ذلك لا بعقله ولا بحسه ولا بوهمه، فهو ليس من العقل الأوّل، الذي يعد الرصيد الأساسي للبشرية.
هذا ليس معناه أنَّ الشيخ الرئيس يقول: إنَّه لا حسن ولا قبح في الواقع، بل معناه الاستدلال على عدم كون هذه القضية من العقل الأوّل؛ لأجل إثبات أنَّها ليست مضمونة الحقانيّة، ولا يتبيّن من هذا الكلام أكثر من هذا المقدار.
فبناءً على هذا الوجه يكون كلامهم محتاجاً إلى بحث في الجهة الثالثة التي سوف نتكلّم عنها إنَّ شاء الله تعالى.
الوجه الثاني: وحاصله على ما صرح به الأُصوليون من أشياع الفلاسفة، كالمحقّق الأصفهاني(2) وغيره: بأنَّ مقصود الفلاسفة بأنَّ الحسن والقبح ليسا أمرين واقعيين، وإنَّما هما أمران إعتباريان لا واقع لهما وراء تطابق العقلاء عن إدراكهما، بحيث لو قطعنا النظر عن إدراك العقلاء للعقل العملي، فلا واقع للعقل العملي.
وحيث لم نجزم إلى الآن بصحّة نسبته وعدمها، ولعل ذلك يتوقف على
ــــــــــ[194]ــــــــــ
(1) انظر: المصدر السابق.
(2) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 3: 39.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الاطّلاع على جدل منطق الشفاء الذي لم نوفق إلى الآن للاطّلاع عليه؛ لأنَّ كلمات الشيخ الرئيس في منطق الإشارات مختصرة وغير واضحة لإثبات أحد الوجهين.
إلَّا أنَّه لو فرض أنَّ مقصوده كان هذا فإنَّ هذا لا يرجع إلى محصّل؛ وذلك لأنَّ هذا العقل العملي الذي فرض في المقام، نسأل ما هو المدرك لهذا العقل العملي الموجود لدى الإنسان؟ فإمّا أن يقال: إنَّ المدرك فيه هو نفس تطابق العقلاء على صحّة المدح والذم، وإمّا أن يقال: إنَّ المدرك بالعقل العملي هو متعلق هذا التطابق لا نفس هذا التطابق.
فإن أريد أنَّ المدرك للعقل العملي هو نفس تطابق العقلاء على المدح والذم، فهذا اعتراف بعدم العقل العلمي، لأنَّ هذا عقل نظري وليس عقلاً علميّاً، فإنَّه لا يختلف عن العقل النظري في شيء، كما يمكن للإنسان بمختلف الوسائل إدراك أنَّ العقلاء متطابقين على حب أولادهم وآبائهم، أو على حب الألفة والعشرة مع الأصدقاء، كذلك يمكنه أن يدرك أنَّ العقلاء إذا رأوا شخصاً يظلم فيرفعون العصا ويضربونه بها، فهذا أمر خارجي يدركه العقل النظري على حدِّ إدراكه لسائر الأمور الخارجيّة، فأيّ فرقٍ بين رفع العقلاء للعصا وبين جعلهم لقانون رفع العصا وبين سائر أفعالهم الأُخرى، فإنَّ رفع العصا فعل من أفعالهم، وجعلهم لقانون رفعها أيضاً فعل من أفعالهم، فحال هذين الأمرين حال سائر أفعالهم وصفاتهم الأُخرى، فلماذا نقول: بأنَّ العقل الذي يدرك هذه القضية يكون عقلاً عملياً وذاك يكون عقلاً آخر، فيكون
ــــــــــ[195]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الفرق بينهما فرقاً اصطلاحيّاً صرفا لا يرجع إلى محصّل.
وإن أريد أنَّ المدرك متعلّق التطابق لا نفس التطابق، بل ما تعلّق به التطابق وهو صحّة المدح والذم، فإنَّ العقلاء تطابقوا على صحّة المدح والذم.
وحينئذٍ نقول: بأنَّ صحّة المدح والذم الذي هو مورد تطابق العقلاء والذي يدركه العقل العملي، إمّا أن يكون لها نحو من الثبوت بقطع النظر عن اعتبار أيّ معتبّر، أو لا يكون لها ذلك.
فإن فرض أنّها ليس لها نحو من الثبوت لا بالاعتبار. إذن، فهذه الصحّة صحّة عنوانيّة وليست صحّة واقعية، فليست هذه الصحّة صحّة بالحمل الشايع، بل صحّة بالحمل الأوّلي ومرجعها إلى قانون العقلاء، فقد أرجع العقل العملي مرةً أخرى إلى عقل نظري يدرك عملاً خاصاً من أعمال العقلاء من باب الاصطلاح، فهكذا نصطلح، أنَّ إدراك هذا العمل من العقلاء وهو القانون الذي يجعل صحّة المدح والذم يكون عمليّاً، وبالنسبة إلى غيره لا يكون عمليّاً.
وإذا فرض أنَّ صحّة المدح كانت ثابتة بقطع النظر عن اعتبار أيّ معتبر، فهذا معناه واقعيّة صحّة المدح وصحّة الذم، وحينئذٍ تطابق العقلاء لا دخل له في الحسن والقبح، بل يكون ثابتاً في المرتبة السابقة على تطابق العقلاء.
وخلاصة كلامنا في المقام، هو أنَّ العقل العملي إمّا أنَّ يرجع إلى العقل النظري صرفاً بلا ميز بينها إلَّا مجرّد الاصطلاح ومجرّد اللفظ، وإمّا أن يعترف بواقعية الحسن والقبح، ولا شقّ ثالث في المقام. هذا هو تمام الكلام في الجهة الثانية.
ــــــــــ[196]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الجهة الثالثة: في حقّانيّة العقل العملي وعدم حقّانيّته
وهي تبحث في حقّانيّة هذا العقل العملي وعدم حقّانيّته، والكلام في هذه الجهة يقع في مقامات:
المقام الأوّل: في تصوّر ما هو المدّعى المبحوث عن حقّانيّته وعدمها في هذه الجهة.
المقام الثاني: في بيان ما يمكن البرهنة به على عدم الحقّانيّة، وعلى كذب العقل العملي وخداعه.
المقام الثالث: بعد فرض عدم وجود برهان على كذب العقل العملي، فيتكلّم عن مقدار ضمان حقّانيّته أو التشكيك فيه.
المقام الأوّل: في تصوّر ما هو المدّعى المبحوث عن حقّانيّته وعدمها.
أمّا المقام الأوّل: وهو في تصوير هذا المعقول بالعقل العملي المسمّى بالحسن والقبح العقليّين، ومرجع الحسن والقبح العقليّين إلى الضرورة الخلقيّة، والضرورة الخلقيّة أو الأخلاقيّة تختلف عن الضرورة التكوينيّة، باعتبار أنَّ الضرورة التكوينيّة في عرض السلطنة، والضرورة الأخلاقيّة في طول السلطنة.
وتوضيح مصطلحات هذا المطلب يتوقّف على الإشارة المختصرة إلى ما حقّقناه في بحث الجبر والاختيار في مسألة اتّحاد الطلب والإرادة(1)، وحاصل هذه
ــــــــــ[197]ــــــــــ
( ) انظر: بحوث في علم أصول الفقه 3: 47.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الإشارة المختصرة جدّاً: أنَّ الفلاسفة(1) ذكروا أنَّ النسبة بين الوجوب و الإمكان، بعد فرض اخراج الممتنعات عن المقسم، ونسبة الشيء إلى قابله دائماً يكون بالإمكان، ونسبة إلى فاعله دائماً يكون بالوجوب؛ لأنَّ الشيء ما لم يجب لم يوجد.
وهاتان النسبتان تكتنفان كلّ موجود في عالم المادّة، بحيث يكون له فاعل وله مادّة، فيكون لا محالة وجه تجاه الفاعل وهو وجه بالوجوب، وله وجه آخر تجاه المادّة، والقابل وهو وجه بالإمكان.
ولم يتصوّروا شقّاً ثالثاً في مقابل هذين الشقّين، وطبقوا هذه القسمة الثنائية على تمام موجودات عالم المادّة بما فيها الأفعال الاختيارية من الإنسان، بل طبقوها بمعنى أعمّ من المادّة والفاعل على تمام عالم الإمكان.
وبعد تطبيق هذه القسمة الثنائيّة، أي: قسمة النسبة على الوجوب والإمكان على تمام هذا العالم، لم يبق عندهم معنى محصّل بين عالم الأفعال الاختيارية وعالم غيرها. ومن هنا تعسّفوا في مقام تصوير الفرق بين عالم الأفعال الاختيارية وعالم الموجودات الطبيعيّة.
وخلاصة ولباب ما يستفاد من مجموع كلماتهم في مقام كيفيّة التحفّظ على العالم الاختياري والعالم اللااختياري -بعد فرض حصر النسبة بين هذين الشيئين، واخضاع كلا العالمين لها، فصلاة الإنسان كحركة النار نسبتها إلى المادّة بالإمكان، ونسبتها إلى الفاعل بالوجوب- وقوع الكلام في تصوير الفرق بين حركة الإنسان والحركات الطبيعيّة اللااختيارية، وما يمكن أن يقال من قبلهم
ــــــــــ[198]ــــــــــ
(1) انظر: الإشارات 3: 68
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
في مقام التفرقة، تارةً بالنظر إلى النسبة الإمكانيّة، وأُخرى بالنظر إلى النسبة الوجوبيّة، أمّا بالنظر إلى النسبة الإمكانيّة، فيقال: بأنَّ الإمكان تختلف دائرة سعته وضيقه في الموجودات الإمكانيّة، باختلاف مراتب الموجود الإمكاني، فكلّما كان أرقى في سلّم الوجود، وكان أقوى وجوداً، كانت دائرة الإمكان المنفتحة أمامه لممارسة أعماله ونشاطاته أوسع من الدائرة المنفتحة لما هو موجود أدنى وأخسّ منه. ومن هنا كلّما ترقّى الوجود الإمكاني انتزع منه مفهوم أنَّه موجود حرّ، ثُمَّ أكثر حرّية ثُمَّ أكثر، باعتبار منطقة الإمكان بالنسبة إليه.
فالموجود المادّي الطبيعي الذي لم يرزق طعم الحياة، هذا موجود خسيس في سلّم الوجود، وهو لم يمنح من قبل خالق الطبيعة ومقنن قوانينها منطقة واسعة للإمكان، وإنَّما منطقته مقفلة ومنطقته محدودة من ألفها إلى ياءها، بلا أيّ فسحة له في مقام تلوين عمله ونشاطه، فالحجر حينما تقذف به إلى السماء، تستطيع أن تعرف مسبقاً، وخاصّة إذا كنت عالما طبيعيّا اتّجاه هذا الحجر ومقدار صعوده ونزوله، وأين سينزل.
ثُمَّ بعد هذا ننتقل إلى النبات الذي هو موجود أرقى من الحجر؛ لأنَّه منح نعمة الحياة، فهذا الموجود النباتي نرى أنَّ المنطقة التي يمارس فيها عمله ونشاطاته أوسع من تلك المنطقة المقفلة، فهناك مجال لأن نشكّ في النبات في أنَّه ماذا سوف يفعل؟ وهذا غير موجود بالنسبة إلى الحجر، فالنبات يمكنه أن يغيّر من وضعه ويتخذ موقفاً حسب الظروف وحسب حاجته، وهذا بخلاف الحجر فإنَّ حركته دائماً تسير طبق قانون واحد، بخلاف النبات الذي دائرة الإمكان بالنسبة إليه منفتحة؛ لذا فإنَّ النباتات حينما تصل إلى الحائط تكيّف
ــــــــــ[199]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
نفسها وتنحني عن الحائط وتجد لها موضعاً آخر، وهذه حيويّة لم تكن موجودة في المادّة الطبيعيّة.
وإذا صعدنا أكثر في سلّم الوجود والتطوّر نرى أنَّ الحيوان له حرّيّة أوسع بكثير من حرّيّة النبات، فإنَّ النبات يتذبذب في نطاق معيّن محصور، ولكن الحيوان له نطاق أوسع من هذه الناحية، فإنَّ الهرة إذا ضربتها بالحجر لا تدري أين تذهب، وسوف يحصل منها عمل لا يحسب له حساب؛ وذلك لأنَّ دائرة الإمكان بالنسبة إلى الهرة أوسع منها بالنسبة إلى النبات. إذن، فمعنى الحرّيّة التي ينتزعها العقل من توسعة هذا النطاق يكون أكثر وأوسع.
والإنسان له شوط من الحرّيّة أكثر من الحيوان، بمعنى: أنَّ هذه الحرّيّة المنفتحة له أكثر من المنطقة المنفتحة للحيوان، والنكتة في ذلك حسب علم النفس لهؤلاء الفلاسفة القائلين بهذه الكلمات(1): أنّ الحيوان له غرائز يسير حسب مقتضياتها، فهو حرّ في داخل هذه الغرائز، فله منطقة إمكان في داخل هذه الغرائز، وأمّا في خارج هذه المنطقة فلا يتعداها أصلاً، فإنّك إذا ألقيت للهرة لحماً طريّاً فسوف تتنبأ بأنّها ستأكله بلا إشكال؛ لأنَّ إمساكها عن ذلك خلاف غرائزها، وهي ليس لها قوّة المسك عن تنفيذ غرائزها.
وأمّا الإنسان فمجاله أرحب ومنطقته أوسع، باعتبار أنّه أوتي عقلاً يحكم على الغرائز، فقد تقتضي غريزته شيئاً إلَّا أنَّه بالعقل والتفكير أو بالتأدّب والتعليم يحصل عنده الزاجر عنه، فتكون مجال حرّيّته أوسع؛ لأنَّه دخل فيها
ــــــــــ[200]ــــــــــ
(1) انظر: الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 6: 388.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
عامل جديد قد يعدّل من هذه الغرائز، وهو عامل العقل، وما ينتج عنه من ذلك الاستعداد للتهذيب والتعليم، فهذا هو الشوط الأعلى من الحرّيّة بالنسبة إلى الموجودات التي نعيشها، فهذه هي الحرّيّة الفلسفيّة التي منحوها للإنسان من ناحية نسبة الإمكان، فمن هذه الناحية يمكن أن نقول: بأنَّ الإنسان حرّ ومختار، باعتبار انفتاح هذه المنطقة له.
كما أنّه بلحاظ نسبة الوجوب نقول أيضاً: بأنَّ هذا الفعل وإن كان واجباً، إلَّا أنَّ وجوبه يختلف عن وجوب شيء آخر، فإنَّ هذا الوجوب في طول الاختيار، فإنَّ الإنسان يمارس تلك الحرّيّة التي قلناها في البيان الأوّل، ويختار ضمن هذا النطاق هذا الشيء أو هذا الشيء، وبعد الاختيار يتّصف بالوجوب، فهذا الوجوب وجوب في طول الاختيار، والوجوب الذي في طول الاختيار يؤكّد الاختيار ولا ينافي كون الفعل اختياريّاً، وإلَّا للزم من وجوده عدمه، أي: لنشأ من الاختيار ما ينفي الاختيار، وهو محال.
إذن، فالإنسان اختياري بهذين التقريبين.
هذا هو لبّ وخلاصة ما يقوله هؤلاء الأعلام في مقام اختياريّة الإنسان.
وأظنّ -والله أعلم- أنَّهم أعرف الناس بأنَّ هذا لا يؤدّي إلى الاختياريّة، بالمعنى الذي تقرّه الأديان ويقرّه العقل العملي الذي يحكم بالحسن والقبح، وإنَّما يقولون ذلك للتوفيق بين مدّعياتهم وبين أمر مشهور عند الناس، ومن المعلوم أنَّ هذا لا يرجع إلى محصّل في باب الاختيار.
أمّا توسعة منطقة الإمكان، وكونها بالنسبة إلى الإنسان أوسع من منطقة
ــــــــــ[201]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الحيوان والنبات والجماد، فإنّه يمكنه أن يصلّي، وأن يسرق، وأن يكذب، وأن لا يكذب باعتبار مختلف قواه، فمنطقة الإمكان واسعة بالنسبة إليه، وهذا مجرّد كلام؛ وذلك لأنَّ توسعة دائرة الإمكان لا يوجب الاختيار، فإنَّ الإمكان عبارة عن مجرّد القابليّة والقبول، يعني: استعداده لأن يقبل هذه الأمور.
نعم، النشاطات التي تتصوّر في حقّ الإنسان لا إشكال أنَّها أوسع ممّا تتصوّر في حقّ النبات والحيوان، ولكن معنى كونه أوسع أنَّ ما لا يمتنع صدوره منه أوسع ممّا لا يمتنع صدوره من الحجر و النبات، وهذا ليس معناه الإمكان، فالجسم له دائرة إمكان واسعة من حيث الألوان، ويمكنه أن يكون أسود أو أحمر أو أخضر، فنسبة الفعل الاختياري إلى المادّة -على هذا المبنى- كنسبة الألوان إلى المادّة بما هي جسم قابل للاتّصاف لكلِّ هذه الألوان، فتوسعة دائرة الإمكان وتضيّيقها ليس معناه الحرّيّة، فإنّنا لو فرضنا أنَّ جسماً لا يمكنه الاتّصاف إلَّا بالسواد فقط، وجسماً بحسب ذاته يمكنه الاتّصاف بسائر الألوان، فهل نقول بأنَّ هذا الجسم أكثر حرّيّة في اكتساب لونه؟ فعدم حريّتهما على حدّ واحد ونهج واحد؛ لأنَّ هذه التوسعة توسعة في دائرة عدم الامتناع، وعدم الامتناع لا يعطي اختياراً في المقام، فحال الأفعال الاختياريّة من حيث نسبة الإمكان إلى الفاعل كحال الألوان بالنسبة إلى المادّة التي تكون قابلة لها.
ثُمَّ نأتي إلى الوجوب الذي نراهم يقولون فيه: إنَّ الوجوب في طول الاختيار يؤكّد الاختيار، لا أنَّه ينافي الاختيار؛ لأنَّ ما ينشأ من الشيء لا يمكن أن يكون مستلزماً لعدمه.
نعم، ما كان في طول الاختيار يؤكّد الاختيار، إلَّا أنَّه أيّ اختيار هذا الذي
ــــــــــ[202]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ينشأ منه الوجوب؟ لأنَّ الوجوب هنا نشأ من العلّة الطبيعيّة للفعل، والعلّة الطبيعيّة لهذا الفعل هي إرادة المصلّي مع مقدّماتها، وهذه الإرادة سمّيتموها اختياراً، ومن ثُمَّ قلتم: إنَّ ما ينشأ منها ينشأ من الاختيار، وحيث إنَّه ينشأ من الاختيار فلا ينافي الاختيار، وإلَّا لو قطع النظر عن تسميّة هذه الإرادة اختياراً، فلا فرق بين سلسلة العلّل والمعلولات هنا، وسلسلتها في حركة الحجر أو حركة المشلول.
فالشيء الذي في طول الاختيار لا ينافي الاختيار، وهذا أمر صحيح، إلَّا أنَّ الكلام في صغراه، فإنَّ هذا في طول الاختيار أو لا؟ كونه في طول الاختيار يتوقّف على أن يكون مجرّد تنفيذ الإرادة بما هي حالة نفسيّة اختياراً، وكون هذا اختياراً إن أُريد به مجرّد اصطلاح بأن نسمّيه بالاختيار فلا بأس به، إلَّا أنَّ النزاع ليس في الاصطلاح.
وإن أُريد به أنَّ هذا هو واقع الاختيار، ونعني به: تلك الحالة التي يدرك العقل العملي -الذي نحن في مقام بحثه- صحّة عقاب من يصدر منه فعل مع تلك الحالة، فالعقل العملي في المقام لا يدرك ذلك، ولا يفرّق في صدور العقل بهذا القانون، أي: بالنسبة الإمكانيّة والوجوبيّة المزبورة، وبين صدوره من الإنسان، وبين صدوره من الحجر. هذا بنحو الإشارة المختصرة، والتفصيل في مبحث الجبر والاختيار.
هذا، وفي قباله قد يقال -كما ذهب إلى ذلك الميرزا(1) وتبعه السيّد
ــــــــــ[203]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 1: 131-133، أجود التقريرات 1: 89-91.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الأُستاذ(1)– بتعطيل أحدى النسبتين، وهي الوجوب والتمحّض في النسبة الأخرى وهي الإمكان، والقول بأنَّ المعلول -أي: الفعل الاختياري- يوجد مع إمكانه من قبل فاعله.
ونحن في تلك المسألة لم نقبل ذلك، وإنَّما أجبنا عن الإشكال بتصوّر معنى ثالث في قبال الوجوب والإمكان، واسميّناه بالسلطنة. هذا المفهوم تارةً نعبّر عنه بالمعنى الاسمي، فنقول: السلطنة، وأُخرى نعبّر عنه بالمعنى الحرفي فنقول: له أن يفعل وله أن لا يفعل، فهذا المفهوم في مقابل كلّ من الوجوب والإمكان.
أمّا أنَّه في مقابل الوجوب فلأنَّ له أن يفعل ينافي مع ضروريّة أن يفعل، وأمّا أنَّه في قبال الإمكان فلأنّ الإمكان معناه: أن ينفعل، لا أنَّ له أن يفعل، وفرق بين له أن يفعل وبين أن ينفعل، فهذا مفهوم مقابل ذينك المفهومين، ويبقى علينا فقط إقامة البرهان على وجود مصداق لهذا المفهوم في الخارج، وهذا ما تكفّل له بحث الإرادة والاختيار هناك. إذن، فهذه السلطنة في قبال الإمكان، وفي قبال الوجوب الذي له اسم آخر أيضاً، هو الضرورة التكوينيّة، كما نسمّيه في هذا البحث.
إذا اتّضح هذا الاصطلاح، فحينئذٍ نقول: بأنَّ الحسن والقبح مرجعه إلى ضرورة ووجوب، ألَّا أنَّ هذه الضرورة ليست من سنخ تلك الضرورة التي هي في مقابل السلطنة وفي عرضها، بل هي ضرورة في طول السلطنة، لا ضرورة في عرض السلطنة، هذا من حيث رتبتها.
ــــــــــ[204]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 1: 165.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
أمّا من حيث هويّتها أيضاً فتختلف هذه الضرورة عن تلك الضرورة؛ لأنَّ تلك الضرورة ضرورة بحسب صقع عالم التكوين، وهو ما يعبّر عنه بأنَّه لا بُدَّ أن يقع، وأمّا هذه الضرورة فهي ليست ضرورة بحسب صقع عالم التكوين، بل ضرورة بمعناها الأليق بالسلطنة، وهي أن تفعل هذا، فينبغي للسلطنة والأليق بحالها أن تفعل هكذا.
وهذا المفهوم في نفسه من البديهيّات، أي: أنَّ السلطنة و الوجوب و الإمكان و الوجود و العدم لا يُعقل تعريفها تعريفاً حقيقياً منطقيّاً؛ لأنَّها في نفسها أجلى من غيرها من المفاهيم، وإنَّما المقصود من هذه الكلمات مجرّد التنبّه إلى هذا المفهوم، فهذه الضرورة الخلقيّة، بمعنى: ضرورة إعمال السلطنة في هذا الطرف دون هذا الطرف، وهذه الضرورة في طول السلطنة، وهي ليست ضرورة تكوينيّة، وإلَّا للزم المحال من كونها في طول السلطنة؛ إذ لو كانت ضرورة تكوينيّة للزم منها انتفاء السلطنة، فتنتفي هي أيضا، بل هي سنخ آخر من الضرورة، بمعنى: أنَّ الأليق كذا، والأحسن كذا، وهذا المفهوم بديهي، هذا المفهوم البديهي ندّعي أنَّ له مصداقاً واقعيّاً، وهذا المصداق الواقعي في طول السلطنة.
ومن هنا اختصّ الحسن والقبح العقليّان بالأفعال الاختياريّة دون غيرها؛ لأنَّ هذه الضرورة في طول السلطنة، فهناك من الأفعال ما هو ضروري أن تعمل السلطنة لتحقيقه، وهناك من الأفعال ما هو ضروري للسلطنة أن لا تعمل في سبيل تحقّقه، فالأوّل هو الحسن والثاني هو القبح.
ومن هنا تعرف أنَّ الحسن والقبح ليسا مجرّد صحّة المدح وصحّة الذمّ، كما
ــــــــــ[205]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
هو المعروف على الألسنة -حتّى عند السنّة من يقول: بالحسن والقبح العقليّين- فإنّ المدح والذمّ هو بنفسه فعل من أفعال السلطنة، كالصلاة وشرب الخمر والكذب والنميمة، فهو فعل في عرض تلك الأفعال، وليس باب الحسن والقبح وقفاً على خصوص أن نمدح ونذمّ، بمعنى: أنَّ المدح والذمّ تتصف بالحسن والقبح دون الأشياء الأُخرى، فالكلام المشهوري الذي جرى على الألسنة كان بمعنى أنَّ حسن الصدق معناه: حسن مدحه، وقبح الكذب معناه: حسن ذمّه أو قبح مدحه، بحيث يكون المدح والذمّ هما الفعلان الوحيدين اللذين يتّصفان بالحسن والقبح.
وهذا خلاف الوجدان بحسب الخارج، فإنَّ وجدان العقل العملي كما يستحسن مدح الصدق فيستحسن نفس الصدق أيضاً، وكما يستقبح مدح الكذب فيستقبح نفس الكذب أيضاً، فنفس تلك الحالة المدركة في العقل العملي للمدح والذم هي مدركة في المرتبة السابقة للممدوح والمذموم، فاتّصاف المدح والذمّ بالحسن والقبح هو في طول اتّصاف الممدوح والمذموم بحسن وقبح سابق، فلا ينبغي أن نفسّر الحسن والقبح العقليّين بحسن المدح وذمّه أو حسن الذمّ وقبحه، بل مرجعه إلى الضرورة الخلقيّة التي هي في طول السلطنة، وتكون هذه الضرورة أيضاً بالنسبة إلى المدح والذم أيضاً.
ومن هنا تظهر نكتة؟ وحاصلها: أن باب حُسن وقُبح الممدوح، أوسع من باب حُسن نفس المدح والذمّ، فلو فرض أنّ إنساناً بالغاً إلى درجة الاختيار وليس مضطراً أو مجبوراً، إلَّا أنَّه يعيش في قبيلة شبه متوحشة، لم يعرف فيها ديناً ولا آداباً، بل يعيش على عادة آبائه وأجداده الذين يأوون إلى الكهوف
ــــــــــ[206]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ويصطادون الطيور، ورأى أنّ عُرف آبائه وأجداده هو الغارة والقتل، كما كان هو العرف في العرب قبل الإسلام، أو أيّ عرف من الأعراف الظالمة، بحيث إنَّ هذا الشخص غُطيَ على عقله العملي، ولم يدرك قُبح قتل الإنسان لأخيه الإنسان، وحقيقة يرى أنّ هذا المطلب من أفعال البطولة والشجاعة، كما كان العرب بعد أن يغيروا على القبيلة ويقتلون وينهبون، ثُمَّ يرجعون وتتبارى شعراؤهم في مدح هذه الشجاعة والبطولة، فهؤلاء حقيقة لا يُدركون قُبح هذا المطلب، فنحن الذين ندرك ويوجد عندنا عقل عملي، لو لاحظنا هذا الفعل الصادر منهم لاستقبحناه، فنراه قبيحاً بالفعل، مادام صدر عن سلطنة واختيار، إلَّا أنّنا لا نذمّ هؤلاء ولا نعاتبهم.
نعم، نحن ننتقصهم ونقول: إنَّ هؤلاء ليس لديهم عقل عملي، كما ننتقص الغبي ونقول: إنَّه لا يدرك البديهيّات، فهذا الفعل الذي يصدر منهم قبيح، إلَّا أنَّ عقابهم ليس حسناً في المقام؛ لأنَّهم لا يدركون هذا المطلب حقيقة.
وهذا معناه: أنَّ حكمين عندنا: حكماً لنفس القتل، وحكماً للمدح والذمّ، وأنَّ حكم المدح والذمّ هذا في طول ذاك، وأنّه مشروط بعلم الفاعل بذاك، وأنَّ من يصدر منه القبيح، وهو يعلم أنَّه قبيح يُذمّ ويقبح مدحه، هذا بعد فرض تعدّد الحكمين يكون في غاية الوضوح.
وأمّا لو فُرض أنّه ليس هناك إلَّا حكم عقلي واحد، وهو نفس صحّة المدح وصحّة الذمّ، فلا يعقل اختصاصه بصورة العلم حينئذٍ؛ لأنَّ اختصاصه في صورة العلم إنَّما يكون بأخذ العلم به في موضوع نفسه.
ــــــــــ[207]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وبناءً على ما قلناه، فلو تصوّرنا حكمين أخذ في موضوع الحكم الثاني علم الفاعل بالحكم الأوّل فلا دور، وأمّا لو كان هنا حكم واحد، وهو نفس صحّة المدح والذمّ -كما هو المعروف مشهوريّاً- فحينئذٍ يستحيل تخصيصه بصورة العلم بهذا الوجه؛ لأنَّه يلزم منه أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه، وهذا محال. ولا يُصحّح بما قلناه في باب الأحكام الشرعيّة الجعليّة: بأنَّ أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه بالتفرقة بين الجعل والمجعول؛ لأنَّه هنا لا يمكن التفرقة بين الجعل والمجعول؛ لأنَّ هذا أمر واقعي وليس جعليّا، فإنّنا نقول: إنَّ الحسن والقبح أمر واقعيّ، وليس الحسن والقبح أمراً جعليّاً، والأمر الواقعي جعله ومجعوله شيء واحد، ولا يمكن التفرقة فيما بينهما. هذا حاصل الكلام في الأمر الأوّل من الجهة الثالثة، وهو تصوير المدّعى.
المقام الثاني: فيما يبرهن به على عدم الحقّانيّة، وعلى كذب العقل العملي وخداعه.
أمّا المقام الثاني فنذكر فيه ثلاثة براهين:
الأوّل: البرهان الأشعري
وهو التقريب الذي يمكن أنَّ يرجع في كلمات الأشاعرة إلى البرهنة على بطلان المدّعى، وأمّا بقية البيانات الصادرة منهم فهي تناسب التشكيك في حقّانيّة المدّعى.
وحاصل هذا البرهان مركّب من صغرى وكبرى، فالصغرى: أنَّ الإنسان مجبور في أفعاله وتروكه؛ لقانون الجبر المختار لهم الذي جبروا على اختياره.
ــــــــــ[208]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
والكبرى: أنَّ الفاعل المجبور لا يتّصف فعله بحسن ولا بقبح، فالنتيجة: هي إنكار الحسن والقبح.
هذا البرهان بحسب الحقيقة ليس إنكاراً للعقل العملي، بل هو إنكار لصغرى العقل العملي الثابتة بالعقل النظري، بمعنى: أنَّ العقل العملي هو إدراك الضرورة التي هي في طول السلطنة، ومتفرعة على السلطنة، أمّا أن تكون هنا سلطنة أو ليس هناك سلطنة، فهذا من شأن العقل النظري، فهو الذي يحقّق الموضوع للعقل العملي، ويحقّق الصغرى لتلك الكبرى العمليّة، فيحكم العقل النظري بأنَّ الصغرى موجودة في الخارج، وأنَّ فلاناً الفاعل له السلطنة، فيحكم بذلك إمّا بداهة وإمّا برهاناً، فصغرى العقل العملي أو موضوعه ليس مدركاً للعقل العملي، وإنَّما مدركة للعقل النظري إمّا بداهة وإمّا اكتساباً.
وحينئذٍ مرجع نفي الحسن والقبح من باب إنكار الاختيار والبناء على الجبر، ومرجعه إلى نفي الصغرى لا الكبرى، بل فيه تأكيد ضمني للكبرى. إذن، فيه تأكيد بأنَّ الضرورة في طول السلطنة، وأنَّ الضرورة من شؤون السلطنة، وحيث إنَّ المقدّم غير موجود فالتالي مثله.
وقد يقال في المقام: إنَّ العقل العملي لا يدرك كبرى معلّقة بين الأرض والسماء، وهي أنَّ الفعل الصادر من فاعل مختار إذا كان صدقاً فهو حسن، وإذا كان كذباً فهو قبيح، بل العقل العملي بلا تعمّل يدرك حسن الصدق من الإنسان وقبحه من الإنسان، فهذا الإدراك إدراك مباشر للعقل العملي، لا أنَّ العقل العملي يدرك كبرى ثُمَّ يفتش عن تطبيقها على الإنسان وعدم تطبيقها، فيكون هذا البرهان من الأشعري دليلاً في قبال العقل العملي.
ــــــــــ[209]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وجوابه: أنَّ العقل العملي بحسب التحليل لا يدرك سوى الكبرى، وما يرى بالوجدان من أنَّ هذه الكبرى يراها العقل بلا تعمّل منطبقة على الإنسان، هذا باعتبار أنَّ العقل العملي قوّة من قوى النفس، والعقل النظري قوّة أخرى من قواها، وأنَّ اختيارية الأفعال لدى الإنسان من الأمور النظرية الواضحة في العقل النظري، فالنفس التي هي مجمع كلا العقليتين -النظريّة والعمليّة- بلا رويّه نستنتج النتيجة، حيث الكبرى بديهيّة في العقل العملي والصغرى بديهيّة في العقل النظري، وهي اختيارية الإنسان، فتكون النتيجة كالأمر البديهي، ومن هنا يرى كأنّ الإنسان يدرك النتيجة من أوّل الأمر.
وهذا تفسير ما قد يخيّل للإنسان من أنَّ المدرك للعقل العملي هو الحسن والقبح المطبق على الإنسان، مع أنَّ الأمر ليس كذلك، بل الإنسان هو الذي يطبق المدرك العملي في المقام بتوسط العقل النظري.
إذن، فبرهان الأشعري في المقام لا يكون برهاناً على إبطال العقل العملي بحسب الحقيقة؛ لأنَّ العقل العملي إنَّما وظيفته هي إدراك الكبرى، وهي أنَّ الفاعل المسلّط يحسن منه الصدق ويقبح الكذب، وأمّا هذا متسلّط أو غير متسلّط، فالنقاش فيه نقاش في قضية من قضايا العقل النظري، لا في أصل العقل العملي، وحيث إنَّ لتحقيق مسألة الجبر والاختيار مقاماً آخر، فيكفينا من التعليق على هذا البرهان بهذا المقدار.
إلَّا أنَّ المقدار الذي أريد الالفات إليه على أساس ما بيّناه من التعريف: أنَّ من يعتمد على هذا البرهان من الأشاعرة لا ينبغي أن يُعدّ من منكري الحسن
ــــــــــ[210]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
والقبح العقليين. ومن هنا لا ينبغي أنَّ يُعدّ أنَّ هناك خلافاً بين العقلاء في الحسن والقبح؛ بدليل أنَّ الأشاعرة خالفوا، فإنّهم بناءً على هذا البرهان لم يخالفوا في الكبرى وإنَّما وقع الخلاف في الصغرى.
نعم، هناك خلاف بين العقلاء في اختيارية أفعال الإنسان وعدم اختياريتها، لا في كبرى الحسن والقبح، وهذه الفائدة نستنتجها من التعليق على البرهان بإرجاعه إلى إنكار العقل العملي، لا إلى كبراه، فيعرف أنَّ من يستند إلى هذا البرهان لا يشكّ بحسب الحقيقة في العقل العملي، وإنَّما يشكّ في قضية من قضايا العقل النظري. هذا حاصل البرهان الأشعري مع جوابه.
الثاني: البرهان الفلسفي
وهذا البرهان لم يذكر في كلماتهم وإنَّما نصوغه بناءً على مذاقهم، فمثلا: أن يقال من قبلهم: بأنَّ الحسن والقبح ليسا أمرين واقعيين في الأفعال؛ وذلك لأنَّ الأمور الواقعيّة لا تخلو عند الفلاسفة من أحد قسمين: إمّا أمور واقعيّة، تكون واقعيتها بوجود منشأ انتزاعها في الخارج، وإمّا أن تكون واقعيتها بوجودها في نفسها في الخارج، وحيث إنَّ لوح الواقع عندهم هو لوح الوجود، فما ليس بموجود لا بنفسه ولا بمنشأ انتزاعه ليس أمراً واقعياً، فبعد فرض أنَّ لوح الوجود ولوح الواقع متساويان، فكلّ شيء واقعي لا بُدَّ وأن يكون اكتسابه للواقعيّة من ناحية اصطباغه بصبغة الوجود، إمّا بنفسه وإمّا بمنشأ انتزاعه، وكلاهما محال في الحسن والقبح.
أمّا أنَّ الحسن والقبح أمران انتزاعيان واقعيان منتزعان عن الأمور الخارجيّة، فهذا معناه أن يكون حال الحسن والقبح حال سائر الأمور
ــــــــــ[211]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الانتزاعيّة التي تسمّى بالمعقول الثاني في عرف الفيلسوف، فيكون حالهما حال الإمكان والوجوب والوجود والعلّيّة والمعلوليّة، ونحو ذلك من المفاهيم التي تنتزع من الأشياء في الدرجة الثانية.
فالأشياء الخارجيّة حينما تأتي إلى الذهن، فهو ينتزع منها في المرتبة الأولى عناوينها الذاتيّة فصولها واجناسها ونوعها، وينتزع في المرتبة الثانية أشياء أُخرى في طول عناوينها الذاتيّة، وهذه الأشياء الأخرى التي تنتزع في المرتبة الثانية على قسمين: قسم معقول ثانوي فلسفي، وقسم معقول ثانوي منطقي؛ وذلك لأنَّ هذا المعقول الثانوي ظرف عروضه هو الذهن لا محالة، فإنَّه هو وعاء هذا الانتزاع، إلَّا أنَّه تارةً يكون ظرف الاتّصاف هو الذهن أيضاً، وأخرى يكون ظرف الاتّصاف هو الخارج، فإذا فرض ظرف العروض والاتّصاف كان ذهنياً فيسمّى بالمعقول الثانوي المنطقي، كالجنسيّة والنوعيّة والفصليّة والجزئيّة والكليّة، ونحو ذلك من المعقولات الثانوية التي تدرس في علم المنطق.
وإذا فرض أنَّ ظرف العروض هو الذهن إلَّا أنَّ ظرف الاتّصاف هو الخارج، فهذا هو المعقول الثاني بحسب اصطلاح الفلسفة، كالإمكان والوجوب والوجود، ونحو ذلك من الأمور.
والفرق بين هذه وتلك واضح، فإنَّ الجنسيّة لا تحمل على الشيء الخارجي، فليس الحيوان الخارجي جنساً ولا الإنسان الخارجي نوعاً، بخلاف الإمكان، فإنَّ الإنسان في الخارج ممكن لا الإنسان الذهني، والإنسان الخارجي موجود لا الذهني فقط.
ــــــــــ[212]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فإمّا أن يكون بمعنى كونه منتزعاً من الأمر الموجود في الخارج، أي: كونه أمراً وجودياً بمنشأ انتزاعه، فظرف وجوده هو الذهن وظرف اتّصافه هو الخارج، وإمّا أن يكون بنفسه موجوداً في الخارج، أي: أنَّ ظرف اتّصافه وظرف عروضه هو الخارج معاً، كالبياض والحلاوة، والطول والقصر، ونحو ذلك من العوارض الحقيقية الخارجيّة، فإنَّ البياض ظرف عروضه على الجسم والخارج، وظرف اتّصاف الجسم به هو الخارج أيضاً.
وحينئذٍ يبرهن على إبطال كلّ من الشقين في المقام، فيقال: أمّا أنَّ ظرف عروضه هو الذهن وظرف اتّصافه هو الخارج فهو محال، بحيث يكون الحسن والقبح من الأمور الانتزاعيّة التي تنتزع من الخارج، وتكون واقعيتها باعتبار انتزاعها من الخارج، كواقعية الإمكان والوجوب؛ لأنَّه يلزم منه انتزاع المفهوم الواحد من الأمور المتباينة بما هي متباينة، فإنَّ مفهوم الضرورة الخلقيّة الذي هو مرجّح الحسن والقبح، كيف ينتزع من الأمور الخارجيّة المتعددة المختلفة في مقولاتها وماهياتها؟! بل ينتزع من الوجود والعدم، فإنَّه تارةً يكون الفعل حسناً وأخرى يكون ترك الفعل حسناً، فتارةً يكون الصدق حسناً وأخرى يكون ترك الانتقام حسناً، فكيف يتصوّر انتزاع المفهوم الواحد من الأمور المتباينة بما هي متباينة؟ وحيث يستحيل انتزاع المفهوم الواحد من الأمور المتباينة بما هي متباينة، فلا بُدَّ من فرض خصوصيّة مشتركة بين تلك المفاهيم، وننقل الكلام إلى تلك الخصوصيّة أيضاً حتّى ينقطع التسلسل. إذن، فلا يمكن فرض مفهوما انتزاعيّاً من الأمور الحسنة والقبيحة بحسب الخارج.
هذا سنخ ما يقال في برهان التوحيد من أنَّه لو فرض واجبان بالذات ينتزع
ــــــــــ[213]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
عن كلّ منهما مفهوم الوجوب، فهما إن كانا متباينين في تمام الحقيقة فيلزم انتزاع مفهوم واحد من المتباينين بما هما متباينان، وإن كانا متفقين فيرد إشكال آخر.
وأمّا الشق الثاني، وهو أن يفرض أنَّ الحسن والقبح بنفسه، أمر وجودي كالسواد والبياض، بحيث يفرض أنَّ ظرف العروض هو الخارج وظرف الاتّصاف هو الخارج أيضاً، فحينئذٍ إمّا أن يفرض أنَّ ظروف عروض الحسن والقبح على الأفعال الخارجيّة قبل وجودها أو بعد وجودها، فإن فرض قبل وجودها فهو مستحيل؛ إذ كيف تقوم صفة وجودية بأمر غير وجودي؟ وإن فرض أنَّ عروض هذه بعد وجودها بحسب الخارج، فيلزم ألَّا يكون الفعل حسناً إلَّا بعد وقوعه، وقبل وقوعه لا يكون حسناً، بحيث لو تركه الإنسان لا يكون قد ترك الفعل الحسن؛ لأنَّ صفة الحسن إنَّما تعرض له بعد وجوده، وهو خلاف بديهية العقل العملي.
هذا حاصل الكلام في صياغة برهان على مذاق الفلاسفة، لإثبات عدم واقعية الحسن والقبح.
وخلاصته: أنَّ الحسن والقبح إذا كان أمراً واقعيّاً، فإمّا أن يكون من الأُمور الواقعيّة الانتزاعيّة التي يكون ظرف عروضها هو الذهن، وظرف اتّصافها هو الخارج كالإمكان والوجوب والوجود ونحو ذلك، أو يكون من الأمور الواقعيّة الوجوديّة التي يكون ظرف عروضها وظرف اتّصافها معاً هو الخارج، كالبياض بالنسبة إلى الجسم والحرارة بالنسبة إلى النار.
فإن ادّعي الأوّل فيرد عليه: أنَّ لازم ذلك انتزاع المفهوم الواحد من الأمور
ــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
المتباينة بما هي متباينة؛ وذلك لأنَّ مفهوم الضرورة الخلقيّة مفهوم واحد، ولا جامع بين الأفعال التي ينتزع عنها هذه الضرورة، فإنَّ الضرورة تنتزع من أفعال داخلة تحت مقولات شيء، فيكون وجود فعل حسناً تارةً، ويكون ترك فعل كالانتقام مثلاً حسناً تارةً أُخرى، ولا جامع بين الوجود والعدم، فلو كان المعقول بالعقل العملي مفهوماً انتزاعيّاً واقعيّاً، فيلزم انتزاع المفهوم الواحد بحسب الواقع من أُمور متباينة بلا جهة جامعة بينها، أي: متباينة بما هي متباينة، وهذا محال في نفسه.
وإن ادّعي أنَّ الضرورة الخلقيّة أمر واقعي وجودي ظرف عروضه واتّصافه هو الخارج، بحيث يكون حاله حال سائر الأعراض الخارجيّة من البياض والحرارة ونحو ذلك، فيرد عليه: أنَّ هذه الضرورة هي حال نسبة الفعل إلى السلطنة -على ما بيّنا- كضرورة وقوع الصدق من السلطنة، وضرورة عدم وقوع الكذب من السلطنة، فهي ضرورة حال نسبة الفعل إلى السلطنة، فهذه الضرورة إمّا أن يفرض وجودها في مرتبة وجود هذه النسبة، أو يفرض وجودها قبل وجود هذه النسبة، فإن فرض وجودها في مرتبة وجود هذه النسبة، فيلزم أنَّه قبل تحقّق هذه النسبة وقبل وجود الصدق في الخارج من السلطنة لا يتّصف الصدق بالحسن؛ لأنَّ حسن الصدق -معناه هذا العرض الخارجي- لا يترتّب إلَّا بعد وجود موصوفه، وهو النسبة.
وإن ادّعي أنَّ هذا العرض الخارجي -الذي هو وصف لهذه النسبة- موجود قبل وجود النسبة، فهذا أمر غير معقول، فإنَّ وصف النسبة لا يعقل أن
ــــــــــ[215]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
يوجد قبل وجود موصوفه. هذا حاصل ما يمكن من التقريب للاستدلال على عدم ثبوت المدّعى في المقام على مذاق فلسفي.
إلَّا أنَّ هذا التقريب ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك للاختلاف في المبنى مع الفلاسفة، فإنّنا لا نحصر الأمور الواقعيّة في لوح الوجود وما ينتزع منه، بل نحن نرى بأنَّ لوح الواقع أوسع من لوح الوجود، ولهذا بحث مفصّل ليس هنا مجاله، وقد تكلّمنا فيه في عدّة أبحاث سابقة أهمّها بحث الوضع، فبناءً عليه القسمة ليست حاصرة في المقام، بل هناك شقّ ثالث.
ثُمَّ لو فرض انحصار القسمة، وأنَّ الأمر كان دائراً بين هذين القسمين، فنختار الشقّ الأوّل حينئذٍ ونقول: إنَّه أمر واقعي انتزاعي على حدّ واقعيّة الإمكان التكويني، ولا يرد إشكال: أنَّ المفهوم الواحد لا ينتزع من الأمور المتباينة بما هي متباينة؛ وذلك لأنَّ جهة الاشتراك هنا محفوظة، فإنَّ الضرورة الخلقيّة التي هي مفهوم واحد -بحسب الحقيقة- لها جهة اشتراك في مناشئ انتزاعها، وهو السلطنة، فإنَّ نفس السلطنة هي جهة محفوظة في تمام موارد انتزاع الحسن والقبح وتمام موارد الضرورة.
نعم، تبقى خصوصيّات الضرورة، أي: ضرورة الصدق، وضرورة الوفاء، وضرورة عدم الانتقام، وهذه التخصّصات الناشئة من الإضافة معلولة لتخصّصات السلطنة الناشئة من الإضافة أيضاً، فإنَّ السلطنة من الصفات ذات الإضافة، حالها حال العلم والقدرة والإرادة، فالسلطنة بلحاظ إضافتها إلى الكذب ينتزع منها مفهوم ضروريّة أن لا يصدر منها الكذب، وبلحاظ
ــــــــــ[216]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
إضافتها إلى الوفاء ينتزع منها مفهوم أنَّه من الضروري أن يصدر منها الوفاء، فهناك جهة اشتراك، وهناك جهة امتياز.
فجهة الاشتراك هي منشأ انتزاع المفهوم المشترك، وجهة الامتياز التي هي عبارة عن تخصّصات السلطنة بإضافاتها إلى متعلّقاتها، وهذا أيضاً يخصّص تلك الضرورة من ناحية المتعلّق، فلا يلزم في المقام محال فنّي، بناءً على اختيار هذا الشقّ، وبهذا يسقط هذا البرهان.
الثالث: البرهان الكلامي
وهنا بيان ثالث موجود في الكتب الكلاميّة للاستدلال على عدم واقعيّة الحسن والقبح، وعدم واقعيّة المدّعى للعقل العملي، وقد فرض فيه أصل موضوعي، وهو أنَّ الحسن والقبح لو كانا واقعيّين فهما ذاتيان للأفعال، أي: بناءً على واقعيّتهما فهما من الخصائص والخصوصيّات القائمة بالذات لا المعلولة للغير، وإنَّما هي تقوم بعروضها بلا علّة، فإنَّ الأعراض على قسمين:
القسم الأوّل: عرض يقوم بموضوعه بواسطة علّة، كالحرارة التي تعرض للماء.
القسم الثاني: عرض يكون قائماً بمعروضه بلا واسطة علّة، ويكون سبّباً لثبوت العرض للمعروض.
فبناءً على هذا الأصل الموضوعي يقال حينئذٍ في مقام إبطال الواقعيّة المساوقة مع الذاتيّة: إنَّ الحسن ليس واقعيّاً وذاتيّاً، وإلَّا لما اختلف باختلاف الموارد والحالات والخصوصيّات، ففي مورد يكون الصدق حسناً، وفي مورد
ــــــــــ[217]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
لا يكون حسناً، فلو كان حسن الصدق ذاتيّاً له لما اختلف باختلاف تلك الموارد، فإذا بطلت الذاتيّة بطلت الواقعيّة أيضاً؛ لأنَّه قد فرض في موضوع هذا البرهان أنَّه على فرض الواقعيّة يكون ذاتيّاً، لا أنَّه يكون عرضيّاً معلّلاً إلى علّة؛ لأنَّ كلّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات، هذا حاصل الكلام المبيّن في الكتب الكلاميّة.
وأجيب عن هذا البيان: بأنَّ هذا الاختلاف الملحوظ في المقام إنَّما هو اختلاف في مقام تطبيق الكبرى الذاتيّة على مصاديقها، بمعنى: أنَّ الحسن والقبح أمر واقعي ذاتي لا يختلف، إلَّا أنَّ موضوعه -وهو عنوان العدل وعنوان الظلم، ولا يتّصف العدل بمورد من الموارد بالقبح، ولا يتّصف الظلم في مورد من الموارد بالحسن- يختلف من حيث اتّصافه بالحسن والقبح، فمن ناحية اتّصافه بالحسن كونه صغرى لذلك العنوان الحسن ذاتاً، واتصافه بالقبح من ناحية كونه صغرى للعنوان الآخر القبيح ذاتاً، فالاختلاف إنّما هو في مقام التطبيق.
وهذا الجواب غير صحيح -كما يأتي إن شاء الله الإشارة إليه- فإنّه مبني على فهم مشهوري لقضيّة حسن العدل وقبح الظلم، إلَّا أنَّ أصل هذا البيان غير تامٍّ من ناحية الدعوى وناحية الاستنتاج.
أمّا من ناحية الدعوى، فقولهم: إنَّه يختلف باختلاف الحالات و الاعتبارات، فيكون في مورد حسناً و في مورد قبيحاً فهذا غير صحيح، فإنَّ الفعل لا يختلف باختلاف الموارد والاعتبارات، بل الحسن دائماً حسن، والقبيح دائماً قبيح، كما سوف تأتي نكتته -إن شاء الله- لا بمعنى: أنّنا نرجع في قضايا
ــــــــــ[218]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الحسن والقبح إلى قضيّتين: هما قضيّة حسن العدل وقبح الظلم، ونقول: بأنَّ هاتين القضيّتين لا تختلفان باختلاف الحالات والاعتبارات، بل إنَّ نفس القضايا التفصيليّة للحسن والقبح لا تختلف باختلاف الحالات -كما سوف يظهر إن شاء الله- هذا من حيث الإشكال في المدّعى.
ولو فرض أنّا سلّمنا هذا المدّعى، وفرضنا أنَّه يختلف باختلاف الحالات، فإنَّ اختلافه باختلاف الحالات ليس معناه أنَّ اتّصاف الصدق بالحسن يكون معلّلاً بعلّة خارجيّة، بل معناه كون تلك الحالة -التي لا بُدَّ منها في مقام اتّصاف الصدق بالحسن- حيثيّة تقيّيديّة في معروض الحسن، كما أنَّ تلك الحالة -التي لا بُدَّ منها في مقام اتّصاف الكذب بالقبح- حيثيّة تقيّيديّة في معروض القبح.
وفرق بين الحيثيّات التقيّيديّة والحيثيّات التعليليّة، فإنّ معنى أن يكون الحسن والقبح ذاتياً: أنَّه لا يحتاج إلى علّة خارجيّة، كاحتياج الحرارة في ثبوتها لموضوعها، إلَّا أنَّه في المقام أيضاً لم يحتج إلى علّة خارجيّة، فإنَّ جميع تلك الحالات الدخيلة في حسن الصدق وقبح الكذب دخيلة على نحو الحيثيّة التقيّيديّة، بمعنى: أنَّها مخصّصة للمعروض ومقوّمة له، فهي دخيلة في المعروض، لا أنّها علّة في ثبوت العرض للمعروض، فدخالتها هنا على نحو الحيثيّة التقيّيديّة، لا على نحو الحيثيّة التعليليّة.
وإن كان المدّعى أن لا يكون شيء دخيلاً في باب الحسن والقبح، حتّى على نحو الحيثيّة التقيّيديّة، فهذا كلام جزاف ولا معنى له.
ــــــــــ[219]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
المقام الثالث: في مقدار إمكان إثبات المدّعى في العقل العملي
بعد فرض عدم ثبوت برهان على بطلان المدّعى، نريد أن نرى مقدار إمكانيّة ضمان هذا المدّعى ومقدار إمكانيّة إثباته، وهنا موقفان:
موقف للمثبتين، وموقف للمشكّكين الذين يقولون بعدم إمكان ضمان حقّانيّة هذا المدّعى.
ما استدلَّ به المثبتون
أمّا المثبتون فقد استدلّوا -مضافاً إلى النقوض التي مرّت على الأشعري، مع ما مرّ من جوابها وتحقيق دفعها- بوجهين آخرين في مقام تحقيق المدّعى.
الوجه الأوّل: دعوى اتّفاق تمام العقلاء على إدراك الحسن والقبح
ومن المعلوم أنَّ هذا الوجه في نفسه لا معنى لجعله دليلاً على ثبوت أصل المدّعى ابتداءً، فإنَّ إجماع العقلاء ليس من الأدلّة على المسائل الفلسفيّة والواقعيّة، فالعقلاء قد يجمعون على سكون الأرض، ثُمَّ يتبدّل ويجمعون على حركة الأرض، بل الظاهر أنَّ المقصود -ولو ارتكازا لمن استدلّ بهذا الوجه- ليس جعله دليلاً على ثبوت المدّعى ابتداءً، بل جعله دليلاً على بداهة المدّعى، فإذا ثبتت بداهتها ثبت المدّعى ببداهة الإدراك، فليس هذا الوجه دليلاً بصورة مباشرة على نفس المدّعى، بل هو دليل على بديهيّة العقل العملي، وإذا ثبتت بداهته صار في صفّ العقل الأوّل الذي مرّ في البحث النظري، وحينئذٍ يكون مضمون الحقانيّة بالذات.
أمّا تقريب الاستدلال باتّفاق العقلاء على بديهيّة العقل العملي، فكأنّه
ــــــــــ[220]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ميول إلى الاستدلال التجريبي على المدّعى؛ وذلك لأنَّ بديهيّة العقل إنَّما هو بمعنى كون هذا العقل نابعاً من النفس ومن صميمها، ولا يكون من ظرف خارجي وإيحاء عاشه الإنسان، ويكون هذا الإدراك إدراكاً تقتضيه الطبيعة البشريّة في الإنسان، لا إدراكاً مستورداً بتلقين وإيحاء ونحو ذلك، فكأنّهم الآن صاروا في مقام إثبات أنَّ هذا الإدراك إدراك موجود في حاقّ التفكير البشري، لا أنَّه مستورد من الخارج، فاستدلّوا على ذلك باتّفاق تمام العقلاء، فإنَّ اتّفاقهم على اختلاف خصوصيّاتهم يدلّ على أنَّ منشأ هذا الإدراك هو الأمر المشترك بين العقلاء، وهو العقل لامحالة، إذ لو كان ناشئاً من خصوصيّة من الخصوصيّات التي يختلف فيها العقلاء لما صدر هذا الادّعاء من تمام العقلاء، فحصول هذا الإدراك من تمام العقلاء يدلّ على كونه نابعاً من القدر المشترك، وهو الفطرة والطبيعة والعقل البشري.
ومن المعلوم أنَّ هذا -بعد كونه غاية ما يمكن أن يقال في مقام تقريب هذا الاستدلال- الاستدلال لا يكون فنيّاً ولا صحيحاً؛ وذلك لأنَّ هذا الاستدلال التجريبي إنَّما يصحّ فيما لو فرض أنَّه لم يكن هناك فرق واحد زائد على الطبيعة البشرية الأولى، أي: خصوصيّة زائدة على ما به الاشتراك، وهو نفس العقل النظري، وهي موجودة في تمام العقلاء.
وأمّا مع فرض وجود خصوصيّة أُخرى زائدة على الطبيعة والفطرة، وهذه الخصوصيّة موجودة لدى تمام العقلاء. إذن، يحتمل نشوء الإدراك من تلك الخصوصيّة.
ــــــــــ[221]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وهذه الخصوصيّة هي عبارة عن عدم وجود عاقل نراه أو نسمع به، إلَّا وهو يعيش في مجتمع ذي قوانين وأعراف وعادات وآداب، وله تَلْقينات يتلقّاها هذا العاقل من دور الطفولة من أبويه، ثُمَّ من مدرسته، ثُمَّ من أُستاذه، وبعد ذلك من المجتمع، وهذا التلقين المختلف الأشكال والألوان موجود في كلّ عاقل شاهدناه ونشاهده على وجه سطح الأرض، فحينئذٍ من يحتمل أن يكون هذا الإدراك ليس بديهيّاً، لا يمكن الاستدلال له على البداهة باتّفاق العقلاء؛ لأنَّه يحتمل استناد هذه الخصوصيّة التي هي أيضاً ظرف عامّ للعقلاء، ومن لا يحتمل يقطع أنَّه بديهي لا يحتاج إلى هذا الاستدلال لا محالة، فهذا الاستدلال ليس فنّيّاً.
الوجه الثاني: ما ذكره أصحابنا (قدس الله أسرارهم) في المقام:
نفرض شخصاً يعيش بمفرده بعيداً حتّى عن أبويه وعن أُستاذه وعن مجتمعه، ونفرض أنَّ شخصاً آخر جاءه إلى الجزيرة التي يعيش فيها مثلاً، وقال له: أُريد منك أن تخبر في كلّ يوم خبراً، سواء كان صادقاً أو كاذباً، وسأعطيك عليه ديناراً، فالدينار أُجرة طبيعي الخبر، لا أُجرة كون خبره صادقاً أو كاذباً.
ونفرض أيضاً أنَّ هذا الشخص المنعزل الذي ليس له أيّ مصلحةٍ في الكذب، هل سوف يكذب في كلّ يوم أو سوف يصدق؟ طبعاً سيقول: إنّني سأصدق وأحصل على دينار، فلا موجب للكذب في المقام، وهذا دليل حقانيّة العقل العملي.
فنفس هذا الدليل أيضاً لا يناسب أن يكون دليلاً بصورة مستقيمة على
ــــــــــ[222]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
المدّعى، فإنَّ هذا الرجل المنعزل ليس معصوماً حتّى يستدلّ به على إثبات المدّعى مثلاً، فهذا أيضاً دليل على بديهيّة الادّعاء، لا على ثبوت المدّعى ابتداءً ومباشرةً.
والاستدلال به على بديهيّة الادّعاء كأنّه تتميم للنقص الذي أحسّوا به ولو ارتكازا من الدليل الأوّل، فإنَّه في الدليل الأوّل، قلنا: إنَّ هناك ظرفاً عامّاً مشتركاً بين العقلاء زائداً على طبيعتهم الفكريّة، وهو ظرف التلقين والتأديب، فكأنّ هؤلاء المستدلّين هنا أرادوا أن يفرضوا عاقلاً منعزلاً عن هذا الظرف؛ لأجل أن لا يكون إدراكه ناشئاً من ذلك، فإنَّ مثل هذا الرجل المنفرد يحتمل أن يكون إدراكه ناشئاً من ذلك الظرف إلى التأديب، فإنّه لم ير أباً ولا مجتمعاً ولا أُستاذاً حتّى يؤدبّه ويحدّد من سلوكه وتصرفاته. إذن، فلا بُدَّ أن يكون هذا الإدراك ناشئاً من فطرته، وهذا معنى كونه بديهيّاً. وهذا الاستدلال ليس صحيحاً كالأوّل؛ وذلك لأُمور:
الأمر الأوّل: أنَّ هذه فرضيّة وليست تجربة، فهذا استدلال تجريبي مع فرض التجربة، لا واقع التجربة. نعم، لو أنّكم أتيتم بإنسان وعزلتموه عن جميع الظروف الموضوعيّة للجميع، وبعد هذا التدقيق استطعتم أن تعرفوا أنَّ هذا الإنسان يدرك هذا المطلب، ويصدّق لو اعطي ديناراً ولا يكذب، فحينئذٍ يكون تجربة، والاستدلال بفرضيّة يقابله الاستدلال بفرضيّة أُخرى، وهي فرضيّة الشيخ الرئيس ابن سينا(1)، فإنّه يقول: لو أنَّ إنساناً يعيش في الصحراء
ــــــــــ[223]ــــــــــ
(1) انظر: شرح الإشارات 1: 219، 220.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
منفرداً بلا تلقين ولا مؤدّب لم يدرك بالمنابع الثلاثة الأولى الرئيسيّة -التي هي العقل و الوهم والحسّ- في طبيعة التفكير البشري حسن العدل وقبح الظلم، فهذه فرضيّة في قبال تلك الفرضيّة، وكلتاهما ليس كلاماً فنّيّاً.
الأمر الثاني: لو فرض صحّة هذه الفرضيّة بالمقدار المبيّن هنا، فإنَّ هذا الشخص إذا أعطيناه ديناراً فسوف يختار الصدق على الكذب، ومثل هذا لا يكون دليلاً على ثبوت الحسن والقبح، إذ لعلّ اختياره للصدق على الكذب من باب الميل، وقد قلنا فيما سبق: إنَّ الميل غير العقل العملي، فباب الميل والغريزة شيء وباب الإدراك شيء آخر، فهذا أعمّ من أنَّه يدرك حسن الصدق وقبح الكذب، أو أنَّه ركّبت في طبيعة البشر غريزة ميل نحو هذا السنخ من الأفعال دون ذلك السنخ من الأفعال، أو لعلّ ذلك من ناحية إدراكه للمصلحة؛ إذ لعلّ المصلحة في الصدق تكون مصلحة بديهيّة واضحة، كما يدّعي الفلاسفة: بأنَّ المصالح الموجودة في الأفعال الحسنة مصالح تدرك بلا تروّي، فلعلّه يختار الصدق لأجل مصلحة فيه، لا لأجل إدراكه الضرورة الخلقيّة واستحقاق الذمّ على الكذب مثلاً، فاختيار الصدق لازمٌ أعمّ من كونه يدرك الحُسن والقُبح.
الأمر الثالث: أنَّ الاستدلال بهذا لا ينفع، حتّى لو غضضنا النظر عن الإشكال الأوّل والثاني، إذ لِمَنْ نستدل بهذا؟ لِمَنْ يقطع ببداهة العقل العملي، أو لِمَن يحتمل نشوءه من التلقين والتأديب.
أمّا من لا يحتمل نشوء العقل العملي من التلقين والتأديب فهذا لا يحتاج إلى مثل هذا الدليل، وأمّا من يحتمل ذلك، فكيف يقطع بأنّ مثل هذا الإنسان
ــــــــــ[224]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
يختار الصدق على الكذب؟! وكأنّ المقصود من هذا البيان فقط مجرّد التنبيه إلى ما هو مركوز في النفس هو الأمر البديهي، ولا يكون استدلالاً، فصدق هذا الفرض موقوف على أنَّ الانسان يسلّم في المرتبة السابقة ببداهة العقل العملي، فلا يمكن إثبات هذه الفرضيّة لإثبات العقل العملي.
موقف المشكّكين
وأمّا المشكّكون، فالتشكيك تارةً يقوم على أساس الشبهة الإخبارية، وأخرى على أساس المنطق التجريبي، وثالثة على أساس منطق البرهان.
التشكيك الأخباري
أمّا على أساس الشبهة الإخبارية فيقرب بنفس ملاك التشكيك الأخباري في العقل النظري -الذي تقدّم في بحوث العقل النظري- فإنَّ منشأ تشكيك الأخباريين في العقل ومصيرهم إلى عدم الاعتماد عليه، بل والاعتماد حصراً على الدليل اللفظي فقط، بدعوى أنَّ الأدلّة اللفظيّة تتميّز بعدم كثرة الخطأ، بخلاف الأدلّة العقليّة والقضايا المطلقة للعقل، فإنَّها عرضةً للخطأ ويكثر فيها الخطأ. ومن هنا قالوا بعدم جواز الاعتماد على العقل النظري، ومرَّ الكلام في شبهتهم هناك.
فهنا يقرب مدّعاهم التشكيكي أيضاً بنفس التقريب، ويقال: كما أنَّ الخطأ كثير في العقل النظري كذلك هو يقع كثيراً في العقل العملي، والشاهد على وقوع الخطأ الكثير في العقل العملي، هو اختلاف آراء الناس في حُسن الأشياء وقُبحها، فما هو حسن عند شخص لا يكون حسناً عند شخصٍ آخر، بل قد يكون قبيحاً عنده.
ــــــــــ[225]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وليس مراد الأخباريين من اختلاف الناس اختلافهم في سلوكهم الخارجي، فإنَّ البحث إنَّما هو في الاختلاف في مقام الإدراك، لا الاختلاف في السلوك الخارجي، فلا إشكال أنَّ سلوك معاوية وسلوك أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) بينهما غاية الخلاف، إلَّا أنَّ هذا ليس هو الاختلاف المقصود للأخباريين في شبهتهم، وإلَّا قد يكون معاوية يقبّح ما يفعله أيضاً، ويوافق أمير المؤمنين في أنَّه يدرك حسن ما يفعله أمير المؤمنين وقبح ما يفعله هو، إلَّا أنَّه كان يعصي عقله العملي، للشهرة أو للمصلحة.
فالمقصود هو الاختلاف في إدراك القضية، بحيث إنَّ قضية واحدة لو عرضت على جماعتين من الناس، فهناك جماعة ترى حسنها وجماعة أخرى لا ترى حسنها، بل قد ترى قبحها.
وحيث يستحيل وقوع اجتماع النقيضين في الواقع، فلا بُدَّ أنَّ يكون هذا في الواقع إمّا حسناً وإمّا قبيحاً، فاذا كان للعقل العملي واقع فنستكشف لا محالة خطأ أحد الشخصين، إمّا خطأ هذا في إدراكه للحسن، أو خطأ هذا في إدراكه للقبح، وهذا معنى كثرة وقوع الخطأ في العقل العملي، ومع كثرة وقوع الخطأ فيه لا يصحّ التعويل عليه.
وقد أجيب عن هذه الشبهة بما أجيب مشهورياً عن البيان الثالث الذي برهن به على إبطال المدّعى الذي بيّناه فيما تقدّم، فكان يوجد بيان ثالث على نفي واقعية الحسن والقبح غير البرهان الأشعري والبرهان الفلسفي، وهو: أنَّ الحسن والقبح يختلف باختلاف الوجوه والحالات، فالصدق مرّة يكون حسناً، وأخرى يكون قبيحاً، وهذا دليل على أنَّ الحسن والقبح ليس ذاتياً، وإذا لم يكن
ــــــــــ[226]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ذاتياً فهو ليس واقعيّاً أيضاً للملازمة بين الذاتية و الواقعيّة، فاتّصاف الصدق وسائر العناوين التفصيليّة بالحسن، إنَّما هو باعتبار عنوان واحد، هو الحسن بالذات وهو العدل، واتّصاف الكذب وسائر العناوين التفصيليّة بالقبح، إنَّما هو باعتبار اتّصاف عنوان واحد بالقبح وهو الظلم، فإذا انطبق عنوان العدل أو الظلم على عنوان تفصيلي اتّصف ذلك العنوان التفصيلي بالحسن أو القبح بالعرض لا بالذات، فالاختلاف في الحالات ليس في ما هو حسن وقبيح بالذات، بل فيما هو حسن وقبيح بالعرض، فما هو حسن وقبيح بالذات هو هذان العنوانان الرئيسيان اللذان لا اختلاف في حالاتهما، فإنَّ العدل دائماً حسن والظلم دائماً قبيح، وإنَّما الاختلاف فيما هو حسن بالعرض أو فيما هو قبيح بالعرض.
ونفس هذا الكلام يقال في المقام أيضاً: بأنَّ الاختلاف بين العقلاء ليس في الكبرى وإنَّما الاختلاف في الصغريات، فإنَّ كبرى حسن العدل وكبرى قبح الظلم مسلمة عند تمام العقلاء، ولا يوجد مجتمع ولا شريعة ولا قانون يكتب في موادّه: أنَّه يستحب الظلم، أو أنَّ العدل حرام، فحسن العدل وقبح الظلم الذي هو القضيّة الأساسيّة في العقل العملي الذي لم يقع فيه اختلاف، حتّى يقال: إنَّه يكثر فيه الخطأ، وإنَّما وقع الاختلاف في صغرياته وتطبيقاته الخارجيّة.
في إرجاع قضايا العقل العملي إلى حسن العدل وقبح الظلم
فملاك جواب الإشكال هنا هو ملاك جواب ذاك البرهان هناك، وهو إرجاع تمام قضايا العقل العملي إلى قضية حسن العدل وقبح الظلم، فحينئذٍ بناءً
ــــــــــ[227]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
عليه يقال: إنَّه ليس هنا اختلاف في القضية الأساسيّة، وإنَّما الاختلاف في الصغرى، ويقال في البرهان المتقدّم: إنَّه لا يختلف الحسن والقبح باختلاف الحالات، فإنَّ العدل الذي هو حسن بالذات دائماً حسن، والظلم الذي هو قبيح بالذات دائماً قبيح.
وهذا الإرجاع وإن كان هو المعروف بين المحقّقين الأصوليين، إلَّا أنَّه غير صحيح، فإنَّ هذا الإرجاع إنَّما نشأ من باب اللفظ، وما أكثر ما يقع الغلط من ناحية إدخال باب اللفظ في المطالب العقليّة، كما رأينا مفصّلا في باب قيام الأمارات مقام القطع الطريقي، وكيف أنَّ هناك لفظة (بيان) التي أخذت في قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وقد نسج على أساسها ثلث علم الأُصول من أيام الميرزا إلى يومنا هذا، وكلّه مبني على هذه اللفظة، فلو أنَّ إنساناً أبدل هذا اللفظ بلفظ آخر لم يوجد هذا الثلث من علم الأُصول، ويأتي أيضاً توضيحه
-إنَّ شاء الله- في بحث الجمع بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي، حيث نرى كيف أنَّ هذا المطلب الواقعي الذي يرجع إلى باب البرهان وباب الإمكان والاستحالة أريد حلّه بالألفاظ.
ومقامنا أيضاً من هذا القبيل، فإنَّ التخلّص عن الإشكال بإرجاع العقل العملي إلى حسن العدل وقبح الظلم -بحسب الحقيقة- استعانة بالألفاظ في مقام حلّ الإشكال العقلي؛ وذلك لأنَّ عنوان الظلم في المقام وإن كان بحسب عالم اللفظ هو مفهوم كسائر المفاهيم الأخرى، وهو مفهوم مستبشع، فلا تجد شخصاً أو شريعة تقول بأنَّ الظلم واجب، إلَّا أنَّ هذا الظلم لا معنى له ولا
ــــــــــ[228]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
محصّل إلَّا سلب الحقّ، فكون الإنسان يظلم إنساناً يعني يسلبه حقّه، فالظلم هو سلب الحقّ، ولا معنى لهذه الكلمة غير ذلك.
إذن، فلا بُدَّ في المرتبة السابقة على الحكم بقبح الظلم أنَّ يفرض هناك حقّ في المرتبة السابقة، مثلا يقال: بأنَّ الغصب يعني أخذ مال الغير ظلماً، وهذا كيف أصبح ظلماً؟ باعتبار أنَّه فرض في المرتبة السابقة باعتبار شريعة أو قانون أو أيّ أساس فرض أنَّ زيداً هو الذي يملك هذا الكتاب أو هذا القلم، وأنَّ من حقّه أن يكون له مطلق الحرية فيه، فأخذ هذا القلم منه سلب لحقه، فإذا كان كذلك فيكون ظلماً، فتطبيق عنوان الظلم على مورد دائماً مسبوق في المرتبة السابقة بفرض حقّ ثابت على أساس سابق.
وحينئذٍ ننقل الكلام إلى ذلك الحقّ الثابت في المرتبة السابقة، ونقول: إنَّ نفرض أنَّ هذا الحقّ حقّ ثابت من غير ناحية إدراك العقل بالجعل والتشريع، لا بالعقل العملي. إذن، فهذا الحقّ لا يكون مدركاً للعقل العملي، وإذا لم يكن مدركاً له فلا يكون سلب هذا الحقّ سلباً للحق في أفق العقل العملي، فلا يدرك أنَّه ظلم، فلا يدرك أنَّه قبيح.
ومن هنا اختلف الناس فيه، فحينما يفرض في المجتمع أنَّ لكلِّ إنسان قلماً مخصوصاً وبيتاً مخصوصاً، فيفرض أيضاً أنَّ أخذ هذا البيت منه يكون ظلماً مبنياً على تشريع الملكيّة الخاصّة في ذلك المجتمع.
نعم، لو بني في مجتمع من المجتمعات على الغاء الملكيّة الخاصّة وجعل الأموال بتمامها ملكاً للعموم، كما في المجتمعات الشيوعيّة فيرتفع هذا الحقّ، وإذا ارتفع يرتفع موضوع سلب الإنسان حقّه.
ــــــــــ[229]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وإذا فرض أنَّ هذا الحقّ حقٌّ مدرك للعقل العملي، بحيث إنَّ العقل العملي في المرتبة السابقة على تصديقه يرى بأنَّ هذا حقّ لزيدٍ، فإذا أدرك هذا المطلب، فقد تمّ الحكم العقلي في المرتبة السابقة، فإنَّ كون زيد من شأنه أن يكون ذا سلطان على قلمه هو معنى أنَّ من حقّه أن يفعل وليس من حقّ غيره أن يفعل.
ودعوى أنَّ العقل العملي يُدرك قبح الظلم، إمّا أن يفرض أنَّه بعد ثبوت حق في المرتبة السابقة، أو بلا حقّ في المرتبة السابقة.
فإن فرض بلا حقّ في المرتبة السابقة، فلا يكون هذا ظلماً له، فإنَّ الظلم هو سلب الإنسان حقّه، ولم يسلبه حقّه.
وإن فرض أنَّ هناك حقّاً في المرتبة السابقة، فهذا الحقّ هل ثبت بإدراك العقل العملي، أو ثبت بالجعل والتشريع كسائر القوانين؟
فإن فرض أنَّ هذا الحقّ ثبت بالجعل والتشريع، ولم يكن ممّا يدركه العقل العملي، فالعقل العملي بما هو قوة درّاكة لا يدرك أنَّ هذا حقّ، فهو لا يدرك أنَّ هذا ظلم. إذن، فهو لا يدرك القبح، فلا يكون الظلم قبيحاً.
وإذا فرض أنَّ هذا الحقّ ثابت بالعقل العملي. إذن، لا بُدَّ من فرض حكم العقل العملي في المرتبة السابقة على قبح الظلم، فلا يمكن أن يقال: إنَّ قضية قبح الظلم هي الأساس، بل تكون هي الفرع، ويكون الأساس قبلها دائماً.
وهذه هي النكتة التي تنحل بها المغالطة المشهورة جداً، وهي مغالطة إرجاع باب العقل العملي إلى باب حسن العدل وقبح الظلم، ويتبرهن بهذا البيان على أنَّ قضيّة قبح الظلم وحسن العدل ليست إلَّا فرعاً، فهذه القضيّة
ــــــــــ[230]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ليست إلَّا مشيرة إلى معنى قبح الظلم، بأنَّ نجمع هذه الأشياء التي قرّرنا في المرتبة السابقة قبحها، وننتزع منها عنواناً انتزاعياً هو عنوان الظلم، ونقول: إنَّ الظلم قبيح، فيكون معرفاً إلى القبيح لا أنَّه هو الموضوع الحقيقي للقبح.
وهذا سرّ إنّك لا تجد عاقلاً ولا شريعة ولا قانوناً تسأله: هل أنَّ الظلم جائز؟ فيقول: نعم جائز؛ لأنَّ الظلم أخذ معرفاً ومشيراً إلى ذلك الذي هو قبيح في المرتبة السابقة، فيكون من القضيّة الضرورية بشرط المحمول، بمعنى: أنّك تقول له: إنَّ ما يكون حقّاً لإنسان ولا يكون حقّاً لغيره هل يكون لغيره حقّ أخذه منه أو لا يكون؟ وهذا التصديق بها من باب التصديق بالضرورية بشرط المحمول، فمن هنا يتبيّن أنَّ مثل هذا الجواب عن هذه الشبهة لا يرجع إلى محصّل.
بل الصحيح في مقام الجواب عن هذه الشبهة -مضافاً إلى الاستفادة ممّا ذكرناه في باب العقل النظري- أن يقال في المقام: إنَّ العقلاء ليسوا مختلفين في حسن الأشياء وقبحها أصلاً، وإنَّما هم مختلفون في موارد التزاحم بين الأشياء الحسنة والقبيحة، فكما قلنا في رد البيان الثالث إجمالا، ثُمَّ حولناه إلى هذا اليوم تفصيلاً، حيث قلنا هناك: بأنَّ حسن العناوين التفصيلية وقبحها لا يختلف باختلاف الحالات، فالصدق دائماً حسن حتّى إذا استلزم إهلاك نبي والكذب دائماً قبيح حتّى إذا أوقف عليه انجاء نبي، وإنَّما يرتفع حسنه وقبحه بوقوع التزاحم بين موارد الحسن والقبح وتقديم إحدى الجهتين على الأخرى.
وتوضيح ذلك في المقام: أنَّ العقل العملي كالعقل النظري، فكما أنَّ العقل
ــــــــــ[231]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
النظري كان منقسماً إلى عقل أوّل وعقل ثاني، فالعقل العملي أيضاً ينقسم إلى عقل أوّل وعقل ثاني، فوظيفة العقل العملي الأوّل أن يدرك حسن عنوان في نفسه أو قبحه بقطع النظر عن فرض مزاحم له أو عدمه، وهذا العقل لا نسلّم وقوع الاختلاف فيه، ولم يثبت وقوع الاختلاف فيه من العقلاء، وإنَّما وقع العقلاء في الاختلاف فيما يرجع إلى السلوك الخارجي، فإنَّ معاوية كان يرتكب القبائح الشديدة إلَّا أنَّ هذا اختلاف في السلوك لا اختلاف في الإدراك. وأمَّا أنَّ يرجع إلى البلاهة وقصور العقل، وهذا أيضا يتصوّر في العقل الأوّل النظري، فإنَّ الأبله أو إنصاف المجانين لا يمكنهم أنَّ يحكموا بعدم جواز اجتماع النقيضين، فالاختلاف الناشئ من هذه المرتبة من البلاهة موجود حتّى في العقل الأوّل. وبعد فرض إفراز هذين النحوين من الاختلاف في السلوك الناشئ من البلاهة وقصور العقل لا نسلم اختلافاً في العقل الأوّل.
وهذا الاختلاف الذي نراه إنَّما هو بتمامه اختلاف في العقل الثاني، لا في العقل الاوّل، بمعنى: أنَّ العقلاء كلّهم متفقون على إدراك ما هو حسن وما هو قبيح من العناوين، إلَّا أنَّه في كثير من الموارد يقع التزاحم لا محالة بين العنوان الحسن والعنوان القبيح، فالذي يشخّص أنَّ هذا بالفعل حسنه غالب على قبحه أو قبحه غالب على حسنه، هو العقل العملي الثاني، وهذا العقل نظري لا بديهي، فهو يحتاج إلى شيء من إمعان النظر والتفكير، وإلى خصوصيّات كثيرة في مقام ايقاع التزاحم وتطبيق قوانين باب التزاحم، ففي جميع هذه الموارد التي تذكر في مقام التشكيك في العقل نرجع بحسب الحقيقة إلى الاختلاف في باب التزاحم لا الاختلاف في أصل حسن الأشياء وقبحها.
ــــــــــ[]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ومن هنا اندفع إشكال الأخباريين من حيث كثرة وقوع الأخطاء، فنقول: لم يعلم كثرة وقوع الأخطاء في العقل العملي الأوّل، وإنَّما تقع الأخطاء كثيراً في باب التزاحم الذي مرجعه إلى باب العقل العملي الثاني الذي وظيفته تطبيق قوانين باب التزاحم على الحسن والقبح.
كما اندفع بذلك الإشكال القائل: إنَّ الحسن والقبح لو كانا أمرين واقعيين، فكيف يختلفان باختلاف الحالات؟ فنقول: لا يختلف باختلاف الحالات، فإنَّ الصدق دائماً حسن والكذب دائماً قبيح، غاية الأمر لو استلزم الصدق إهلاك النبي، أو توقف على الكذب إنجاء النبي يقع التزاحم لا محالة، ويقدّم أقوى الجهتين على أضعفهما، فاختلاف الحالات نتيجة لباب التزاحم، لا نتيجة لكون الحسن في نفسه تارةً يثبت وتارةً لا يثبت. هذا هو الكلام في التشكيك على أساس المنطق الأخباري.
التشكيك على أساس المنطق التجريبي
وأمّا التشكيك على أساس المنطق التجريبي فهذا واضح، فإنَّ التشكيك فيه مبنائي، حيث إنَّ المنطق التجريبي -كما شرحناه في كتاب فلسفتنا(1)– لا يقرّ بقضيّة ما لم يبرهن عليها بالتجربة، فالتجربة تعتبر عنده هي المصدر الأوّل والأساسي لتمام القضايا، وما لم تثبت قضيّة عقليّة بالتجربة فهي غير مضمونة الصحّة عنده، وإن كانت محتملة المطابقة للواقع، إلَّا أنَّها غير مضمونة الصحّة عنده، وحيث إنَّ قضايا الحسن والقبح ليست قضايا تجريبية وخارجة عن باب
ــــــــــ[233]ــــــــــ
(1) انظر: فلسفتنا: 84.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الحسّ والتجربة؛ لهذا لا تكون مضمونة الحقّانيّة عنده، إلَّا أنَّ الإشكال فيه مبنائي، فإنَّ التجربة عندنا ليست هي المقياس الأساسي والمصدر الوحيد للقضايا العقليّة، كما أوضحنا ذلك في غير هذا المقام.
التشكيك على أساس المنطق البرهاني
بقي بعد هذا التشكيك على أساس المنطق البرهاني الذي هو المنطق الحاكم في أبحثانا، أي: المنطق الأرسطي، فإنّه بناءً عليه يكون ضمان الحقانيّة للقضيّة العقليّة بأنَّ تكون القضيّة برهانيّة، فنرى أنَّ هذه القضيّة هل تكون داخلة في باب البرهان أو لا؟ وهذا هو الذي نقصده بقولنا التشكيك على أساس المنطق البرهاني.
كلام المحقّق الأصفهاني
وقد قُرّب هذا التشكيك في كلمات المحقّق الأصفهاني(1) بنحو يقوم على أساس الاعتقاد بأنَّ البرهان من المنطق هو الجانب الوحيد المضمون الحقّانيّة، وتقريبه يرجع إلى مقدّمة واستنتاج:
الكلام في المقدّمة
فقد ذكر أنّه يرجع بالآخرة إلى القضايا الضروريّة الست الأولى، التي تعتبر هي الأُصول الأولى الرئيسيّة لقضايا البرهان، وهي الأوّليّات البديهيّة، والفطريات التي قياساتها معها، والتجريبيّات، والحسّيّات، والحدسيّات، والمتواترات.
ــــــــــ[234]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 3: 336 -338.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ثُمَّ استنتج بعد هذه المقدّمة: أنّ قضايا الحسن والقبح ليست من العقل البرهاني ولا من أُصوله؛ وذلك لأنَّها لا تنتهي إلى أيّ واحد من هذه الأقسام الستة.
أمّا عدم انتمائها إلى الأقسام الأربعة المتأخّرة من الحسّيّات والمتواترات والتجريبيّات والحدسيات فواضح، وأمّا عدم انتمائها إلى القسم الثاني، وهي القضايا التي قياساتها معها بحسب الفطرة فأيضاً واضح؛ لأنّا كلّما تأمّلنا لا نجد قياساً يكون برهاناً على حسن العدل أو على قبح الظلم، فليس حاله حال قولنا: الاثنان نصف الأربعة؛ لأنَّ الأربعة تنقسم إلى اثنين واثنين، وهذه هناك موجودة، وأمّا هنا فكلّما يتأمّل الإنسان لا يجد شيئاً من هذا القبيل، فلا تنتمي قضايا الحسن والقبح إلى القضايا التي قياساتها معها.
وكذلك لا تنتمي إلى القضايا الأوّليّة البديهيّة، كقولنا: الكلّ أكبر من الجزء مثلاً؛ وذلك لأنَّ هذه القضايا الأوّليّة البديهيّة -هي على ما عرفت في منطق البرهان- ما يكفي فيها نفس تصوّر الأطراف لصدور الحكم من قبل النّفس، بلا حاجة إلى ضميمة خارجيّة، ومن المعلوم أنَّه لا يكفي مجرّد تصوّر الأطراف من قبل النّفس لصدور الحكم؛ وذلك لأنَّ كثيراً من الأشخاص لا يتصوّرون الأطراف، ولا يصدر حكم من قبل النّفس، ولو كان مجرّد تصوّر الأطراف كافيّاً لصدور الحكم من قبل النّفس لما وقع خلاف في ذلك بين العقلاء، مع أنَّه قد وقع ذلك، فهذا يدلّ على عدم انتمائها إلى هذا الأصل من أُصول العقل البرهاني. إذن، فهي أجنبيّة عن تمام أُصول العقل البرهاني، فتكون خارج النطاق المضمون الحقّانيّة. وهذا هو التشكيك على أساس المنطق البرهاني.
ــــــــــ[235]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
أمّا المقدّمة التي ذكرناها -وهي: أنّ أُصول العقل البرهاني وينابيعه ترجع إلى هذه القضايا الست- فقد تكلّمنا فيما سبق في العقل النظري، وقلنا: إنَّ هذا الإرجاع، وإن كان هو المعروف والمقرّر في المنطق الأرسطي التقريبي، إلَّا أنَّ هذا مرده بحسب التحقيق والدقّة إلى الخلط بين العقل البرهاني والعقل الآخر الذي أسمّيناه على عجالة بالعقل الثالث.
وهذه القضايا الست بعضها يشكّل قاعدة وأساساً للعقل البرهاني، وبعضها لا ربط لها به، وإنَّما قضايا مدركة لعقل آخر غير العقل البرهاني، والآن لأجل تيسير العبارة نسمّيه بعقل التجربة.
والقضايا التجريبيّات والحدسيّات المتواترات على أفضل تقاديرها ترجع إلى عقل التجربة -أمّا على غير الأفضل من التقدير فهي باطلة عاطلة- وهو عقل آخر غير العقل البرهاني، وله قانون ونظام خاصّ به، ولا يخضع إلى المنطق الأرسطي بترتيبه المعهود التقليدي. نعم، تبقى القضايّا الأوّليّة البديهيّة، والقضايا التي قياساتها معها، والقضايا الحسّيّة.
أمّا القضايا البديهيّة -التي قياساتها معها- فهي موادّ العقل البرهاني، وليست مدركة بالعقل الآخر، ولا بقانون العقل الآخر، بل هي مدركة بالعقل البرهاني.
وأمّا الحسّيّات فهي بمقدار كشفها عن أصل وجود شيء في الواقع من وراء كلّ إدراك حسّي، فتكون مادّة وأصلاً من أُصول العقل البرهاني، بمعنى: أنَّ النّفس تدرك وتحكم بداهة أنَّ ما تدركه بالحسّ له ما بإزاء في الخارج في
ــــــــــ[236]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الجملة، إلَّا أنَّ المطابقة التفصيليّة بين المدرك الحسّي وبين الأمر الخارجي ليس من موادّ العقل البرهاني، وإنَّما هو أمر آخر قد يحصل القطع به وقد لا يحصل، دون أن يكون مضمون الحقّانيّة في المقام.
فموادّ العقل البرهاني ثلاثة: القضايا الأوّليّة، والقضايا التي قياساتها معها، والحسّيّات بمقدار استكشاف ما بإزاء القضيّة الحسّيّة بحسب الخارج، فهذه هي موادّ العقل الأوّل البرهاني على تحقيق وتفصيل سبق أن بيّنا إجماله، وسيأتي في مناسبة ما تفصيله.
وهذا الإشكال على المقدّمة لا أثر له بالنسبة إلى ما هو محلّ الكلام، أي: سواء فرضنا أنَّ موادّ العقل البرهاني ستة أو ثلاثة، فمن حيث ما هو المهمّ في محلّ الكلام لا يؤثّر شيئاً، وإنَّما المقصود في المقام الإشارة إلى الاختلاف في المبنى.
الكلام في الاستنتاج
لنفرض أنَّ قضايا العقل النظري ستة أو ثلاثة، فإنَّه لا نقاش بأنَّ قضايا الحسن والقبح ليست من الحدسيّات ولا من المتواترات ولا من التجريبيّات، سواء كانت هي من أُصول العقل البرهاني أو لم تكن.
فعلى أيّ حالٍ لا ندّعي ولا يدّعي أحد أنَّ قضايا الحسن والقبح من هذه الأمور الثلاثة. إذن، لا يفرق بين أن نفرض أنَّ الأُصول ستة أو ثلاثة، من حيث تخطئة الاستنتاج، فنأتي إلى الاستنتاج -بعد فرض أنَّ أُصول العقل البرهاني ستة مثلاً- فيراد أن ينفى عن قضايا الحسن والقبح صفة العقل
ــــــــــ[237]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
البرهاني، ببيان عدم انطباق كلّ نوعٍ نوعٍ من أنواع العقل البرهاني عليه، فننفي انطباق الأربعة بالوضوح والبداهة.
ويبقى القسمان الآخران، فأمّا القضايا التي قياساتها معها فنفيها باعتبار عدم وجود قياس حتّى بعد التأمّل، ونفي انطباق القسم الأوّل باعتبار أنَّه في القسم الأوّل يكفي نفس التصوّر في التصديق، وهنا لم يكفِ ذلك، وإلّا لما وقع خلاف بين العقلاء.
إشكالان وتعليقان
أحدهما على منهج التقريب وأُسلوب البيان، والآخر على نتيجة التقريب.
أمّا على أُسلوب هذا التقريب فاعتراضنا عليه: إنّه لم يكن ينبغي بيان عدم انطباق كلّ نوع من هذه الأنواع على قضايا الحسن والقبح، بل كان ينبغي بيان ما هو القدر الجامع بين هذه القضايا الست، الذي هو ملاك برهانيّتها وكونها أُصولاً للعقل البرهاني، وبيان أنَّ ذلك القدر الجامع والقدر المشترك لا ينطبق على قضايا الحسن والقبح.
وإنَّما كان هذا أنسب من ذاك؛ باعتبار أنَّ أصحاب المنطق البرهاني لم يفرضوا برهانيّة كلّ نوع من هذه الأنواع باعتبار ملاك يخصّه، وبعد هذا انتزعوا عنواناً عامّاً من هذه القضايا الستة، حتّى يتعيّن النظر إلى كلّ نوعٍ نوعٍ من حيث الانطباق وعدم الانطباق، فإنّ أصحاب المنطق البرهاني ذكروا عنواناً كلّيّاً، ثُمَّ أحصوّه في الستة.
إذن، فالأُسلوب الفني في مقام التقريب أن يذكر ذلك العنوان الكلّي،
ــــــــــ[238]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ويتكلّم عن أنَّه ينطبق على قضايا الحسن والقبح أو لا ينطبق، وليس البحث في المقام بحثاً استقرائيّاً يصعد فيه من الأنواع إلى الكلّي، حتّى يتكلّم عن الأنواع، وإنَّما طبقت صفة البرهانيّة على هذه الأنواع، باعتبار القدر المشترك، فلا بُدَّ من ملاحظة القدر المشترك.
فقد قيل في منطق البرهان(1): إنَّ القضيّة البرهانيّة هي القضيّة التي يكون ثبوت محمولها لموضوعها ضروريّاً، فإن فرضت أنَّ هذه الضرورة كانت بالدليل بلحاظ الحدّ الأوسط، فهذا عقل برهاني ثاني، وإن فرض أنَّه بلا توسيط أمر ثالث بين المحمول والموضوع فهذا عقل أوّل، سواء كان هذا العقل الأوّل صادراً من النفس بلا توسط أحد قواها، أو صادراً بتوسط قواها، كالإحساس والتجربة ونحو ذلك من الأمور.
هذا هو ملاك العقل البرهاني، فكان ينبغي في مقام أُسلوب تقريب المدّعى ذكر هذا الملاك، وبيان عدم انطباق هذا الملاك في المقام، بأن يقال: لا ينطبق على قضايا الحسن والقبح؛ لأنَّها ليست نابعة من النّفس، بلا استعانة بأمر خارجي، بل صدور الحكم في باب العقل العملي يتوقّف على أمر خارجي. هذا من حيث التعليق على أُسلوب تقريب هذا المطلب.
وأمّا من حيث التعليق على أصل مدّعاه فيه فقد ادّعى عدم دخول قضايا الحسن والقبح في تمام هذه القضايا الست، ومحلّ الكلام إنَّما هو القضيّة الأولى التي يكون مجرّد تصوّر أطرافها كافيّاً لصدور الحكم من قبل النّفس فيها.
ــــــــــ[239]ــــــــــ
(1) انظر: منطق الشفاء (برهان الشفاء) 3:155.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
واستدلّ على عدم دخول قضايا الحسن والقبح في هذا القسم، بأنّه قد وقع الخلاف بين العقلاء في ذلك، ولو كان مجرّد تصوّر الأطراف كافيّاً في ثبوت الحكم لما وقع الخلاف بين العقلاء في هذا.
وهنا لا بُدَّ من التنبيه على نكتة تنحلّ بها هذه الكلمة، وهي: أنَّ هذه القضايا الأوّليّة -التي تعدّ من أحد المصادر الستة للعقل البرهاني عندهم، وأحد المصادر الثلاثة للعقل البرهاني عندنا- وإن قيل عنها إنَّها ما حصل الاكتفاء بنفس تصوّر الطرفين في صدور الحكم من قبل النّفس، إلَّا أنَّ هذا الكلام يحتاج إلى شيء من التوضيح والتحديد، فإنَّ المقصود من هذا الكلام: أنَّ النّفس في مقام اقتضائها لصدور مثل هذا الحكم لا تحتاج إلى أمر خارج نطاق ذاتها، كما هو الحال في سائر العلوم المكتسبة الأُخرى التي تحتاج إلى أمر زائد على ذاتها.
إلَّا أنَّ هذا لا يعني أنَّه لا بُدَّ وأن تكون القضيّة البديهيّة مدركة لكلِّ نفس، بدعوى: أنَّه لو فرض أنَّ هذه القضيّة لم تكن مدركة لبعض النفوس وكانت مدركة لنفوس أُخرى، لكشف ذلك عن أنَّ هذه القضيّة إنَّما أدركتها النّفس الفلانيّة باعتبار ضمّ أمر زائد، وهذه الملازمة غير صحيحة في المقام؛ لأنَّ القضيّة البديهيّة قد تكون مدركة لمرتبة خاصّة من مراتب رقي النّفس وتكامل النّفس، فالنّفس لا تدرك هذه القضيّة البديهيّة، إلَّا في مرتبة من مراتب تكاملها ورقيّها وتطوّرها.
وهذا ليس معناه الاحتياج إلى أمرٍ زائدٍ، بل معناه: أنَّ ثبوت المحمول
ــــــــــ[240]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
للموضوع في قضيّة لا وسط فيها لا يكون بيّناً لكلِّ نفس، بل يكون بيّناً للنّفس الواصلة إلى مرتبة من الكمال والرقي، فعلى حسب تعبيراتهم واصطلاحاتهم البديهيّات الأوّليّة لا يدركها كلّ إنسان، فإنَّ الأبله القاصر لا يدرك كثيراً من القضايا البديهيّة، وهذا ليس معناه: أنّ نفس الذكي تحتاج إلى ضمّ أمر زائد في مقام إدراك استحالة النقيضين، وإنَّما معناه: أنَّ هذه القضيّة إنَّما تدركها حاقّ النّفس إذا وصلت إلى مرتبة من الكمال والرقي والتطوّر، وهذا لا ينافي كون القضيّة بديهيّة، فإنَّ كون القضيّة بديهيّة معناه عدم احتياج النّفس في مقام إدراكها إلى ما زاد على ذاتها، لا أنَّ هذه القضية لا بُدَّ أن تدركها كلّ نفس في أيّ مرتبة كانت.
ولهذا كانت البديهيّات تزداد عدداً بمقدار تكامل النّفس، فبمقدار ما يترقّى العقل تزداد البديهيّات، فبالنسبة إلى العقل الأكمل، قد تكون تمام النظريّات عندنا بديهيّات بالنسبة إليه، فميزان القضيّة البديهيّة عدم احتياج النّفس في مقام اقتضاء صدور الحكم عليها إلى أمر زائد على ذاتها، لا عدم الاحتياج إلى المرتبة، فإنَّ المرتبة حدّ الذات، وهو نفس الذات، وإنَّما عدم الاحتياج إلى أمر زائد على الذات، وإلَّا لوقع الإشكال في نفس القضايا البديهيّة.
كما أنَّ مرادنا من كفاية نفس الذات في مقام صدور الحكم هي الكفاية الاقتضائيّة، لا الكفاية بنحو العلّيّة التامّة، بمعنى: أنَّها لو خلّيت وطبعها لصدر منها هذا الحكم، وليس معناه: أنّها علّة تامّة لصدوره على كلّ حال، وإلَّا قد يفرض أنَّ النّفس مع وصولها إلى مرتبة العقل بالملكة وإدراك القضايا البديهيّة، مع هذا يعتريها شبهة أو هوى أو غرض، بحيث تعمى ولا تدرك هذا الأمر
ــــــــــ[241]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
البديهي، فقد وجد في كلّ زمان من أزمنة الفلسفة والتفكير من كان ينكر استحالة اجتماع النقيضين، ومن كان لا يقول بجوازه من الفلاسفة والعقلاء والعلماء، إلَّا أنَّ هؤلاء إنَّما يقولون بذلك حيث إنّهم لم يخلوا وطبعهم، واقترنوا بشبهة أو غرض أو هوى ألبس عليهم عقولهم وجعلهم منقادين إلى غير عقولهم، بحيث سيطرت جهة أُخرى على العقل، وفي مقام هذه السيطرة قد تتوقّف النّفس عن إصدار الأحكام العقليّة، فإنَّ النّفس ليست كلّها بعقل، فهي التي يصدر منها الحكم باعتبار العقل، وهي مجموعة خصوصيّات وجهات كثيرة جدّاً، ومقصودنا من النّفس ما يكفي نفس ذاتها في صدور الحكم بالقضيّة البديهيّة، فيما إذا لم تسيطر جهة أُخرى على العقل، وإلَّا فسوف يتوقّف أذكى الناس عن الحكم باستحالة اجتماع النقيضين، كما توقّف كثير من العلماء والحكماء والفلاسفة عن ذلك.
إذن، المقصود من القضيّة البديهيّة هي التي تكفي نفس النّفس في مقام صدور الحكم من دون ضمّ أمر زائد على ذاتها، وهذه العبارة تحتوي على نكتّتين، فإنَّ النّفس لا تحتاج إلى أمر زائد على مقام ذاتها، وأنَّ هذه الكفاية كفاية اقتضائيّة لا كفاية بنحو العلّيّة التامّة.
وبعد الالتفات إلى هاتين النكتّتين نعرف في المقام أنَّ استدلالنا -على عدم كون قضايا الحسن والقبح بديهيّة، لوقوع الاختلاف بين العقلاء- غير صحيح، فإنَّ الاختلاف بين العقلاء يرجع جزماً أو إمكاناً في إبطال هذا الاستدلال، فإمّا إلى القصور المرتبة، وإمّا لتسليط جهة أُخرى على العقل.
وإنّما يمكننا أن نبرهن على أنَّ هذه القضيّة ليست بديهيّة إذا برهنّا على أنّ
ــــــــــ[242]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
هذا الاختلاف لم ينشأ من هذين السبّبين، وعندئذ يتمّ دليله على عدم كون القضية برهانيّة، ولكن أنّى لنا ذلك؟! فمجرّد هذا الكلام لا يصلح دليلاً على نفي كون القضيّة برهانيّة.
ونحن على ضوء ما سبق يمكننا أن ننكر وقوع الاختلاف بين العقلاء في قضايا الحسن والقبح؛ وذلك عن طريق بيان الاختلاف، فهل اختلاف العقلاء يعني المجتمعات العقلائية؟
إذا كان بهذا المعنى فجوابه ما قلناه فيما سبق من أنَّ هذا الاختلاف بالدقّة دائماً يرجع إلى الاختلاف في باب التزاحم، فيقدّم ما هو الأقوى فيه، لا الاختلاف في أصل الحسن والقبح.
وإن أراد من الاختلاف الاختلاف بين الأشاعرة والفلاسفة في حقيقة الحسن والقبح، لا في أصل إدراكهما، فهذا خارج عن محلّ الكلام، فإنّ هؤلاء أيضاً متّفقون على إدراك الحسن والقبح، إلَّا أنّهم يناقشون في حقيقته، فهنا الاختلاف في حقيقة المدرك، لا في أصله، فهذا الاختلاف لا يكون نافيّاً للبديهيّة.
في أنَّ التحقيق عدم إمكان الاستدلال على قضايا العقل العملي
إنَّ قضايا العقل العملي لا يمكن الاستدلال عليها؛ لأنَّ الاستدلال يكون بالعقل الثالث أو العقل الثاني، أو العقل الأوّل، والكلّ غير صحيح.
أمّا الاستدلال على قضايا الحسن والقبح بالعقل الثالث فهو غير صحيح؛ لأنَّ العقل الثالث أطلقنا عليه عقل التجربة، وقضايا الحسن والقبح خارجة عن مجال التجربة.
وأمّا الاستدلال عليه بالعقل النظري الثاني فهو غير صحيح أيضاً؛ لأنَّ
ــــــــــ[243]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
مناط وقانون الاستدلال بالعقل النظري الثاني -كما بيّنا فيما سبق- هو وجدان الحدّ الأوسط الذي يكون معرّفاً للمحمول على الموضوع، فتمام الحجّج والبراهين في العقل الثاني ترجع إلى التفتيش عن الحدّ الأوسط الذي يكون الحدّ الأكبر ثابتاً له في المرتبة السابقة، ويكون هو ثابتاً للحدّ الأصغر في المرتبة السابقة، وببركته نعرف أنَّ الحدّ الأكبر ثابت للحدّ الأصغر، باعتبار أنَّ كلّ شيء إذا ثبت لشيء فيثبت له ذلك الشيء، وهذه القضية البديهيّة التي يقوم على أساسها انتاج الشكل الأوّل من القياس، وهذا أيضاً غير متصوّر في قضايا العقل العملي؛ لأنّنا إذا فرضنا حدّاً أوسط بين الحسن والعدل أو بين القبح والظلم مثلاً، فهذا الحدّ الأوسط يكون هو القبيح أوّلاً، ويكون هو المنطبق على الظلم، وباعتبار ثبوت القبح له وثبوته للظلم فنعرف أنّ القبح ثابت للظلم.
إذن، فهنا ننقل الكلام إلى هذا الحدّ الأوسط، فإنّه يكون أيضاً من قضايا العقل العملي، فتكون عندنا قضيّة عمليّة في المرتبة السابقة وهي قبح الحدّ الأوسط، فإنّ كان له حدّ أوسط، فالعقل العملي يبدأ من القضيّة السابقة… وهكذا حتّى يتسلسل، فلا بُدَّ من الانتهاء إلى قضيّة للعقل العملي ليس فيها حدّ أوسط، وهذا معناه استحالة الاستدلال على قضايا العقل العملي بقانون العقل الثاني.
وأمّا الاستدلال عليه بالعقل الأوّل فهذا له معنيان
فتارةً: نريد أن نستدلّ على أصل المدّعى بالعقل الأوّل، فهذا غير معقول؛ لأنَّ الاستدلال على الأمر البديهي بالقضيّة البديهيّة أمر غير معقول، فإنَّ الأمر يثبت ابتداءً بالإدراك البديهي، بلا حاجة إلى استدلال.
ــــــــــ[244]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وتارةً أُخرى: يراد من الاستدلال على كونه بديهيّاً مضمون الحقانيّة، وهذا أمر معقول متصوّر في نفسه.
فمدّعى البديهيّة في المقام لم تنبع من النّفس، بل هي قضيّة ناشئة من تلقين المؤدّبين الأوائل من البشر، فإنّهم كذبوا كذبة على ذريتهم وذراريهم، وقالوا لهم: بأنَّ العدل حسن والظلم قبيح، وهذا الكذب كثرته وتأكيده وتكراره في عدّة أجيال ترسّخ في ذهن الإنسان إلى أن أصبحت هذه الكذبة حقيقة في نظر الناس على مرور الزمن.
فنقول: إنَّ قضايا الحسن والقبح، هل هي معلولة للنّفس حتّى تكون بديهيّة، أو معلولة لكذب المؤدّبين حتى تكون غير بديهيّة؟
فالقضية ذات احتمالين -ومقصودي من الكذب القول بغير علم، لا القول غير المطابق للواقع- فإذا كان الأمر كذلك، فحينئذٍ نفس الالتفات إلى هذين الشقّين يوجب زوال إدراك الإنسان للحسن والقبح أو لا يوجبه.
فإن فرضنا أنَّ التفاته إلى ذلك أوجب زوال إدراكه للحسن والقبح، باعتبار أنّه يحتمل نشوء هذا الإدراك من كذبة المؤدّبين، وحينئذٍ لا ضامن لصحّة كلام المؤدّبين، بعد أن كان قولاً بغير علم، فيزول إدراكه للحسن والقبح، فلا يمكن إرجاع هذا الإدراك بأيّ ثمن؛ لأنَّ إرجاع هذا الإدراك لا يكون إلَّا بنفي معلوليّته لكذب المؤدّبين، ونفي معلوليّة شيء لشيء لا يكون إلَّا بأحد أُسلوبين:
إمّا بالعقل الثالث بأُسلوب التجربة، كما إذا احتملنا أنَّ الحرارة معلولة
ــــــــــ[245]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
للحياة فنقتل هذا الإنسان، ونرى هل تبقى فيه حرارة بعد الحياة أو لا؟ فإذا بقيت فالتجربة تنفي معلوليّة الحرارة للحياة.
وإمّا بالبرهان، كما إذا ادّعى إنسان أنَّ الموجود الأعلى موجود للموجود الأسفل، فهذا بالبرهان يمكن إثبات إبطاله، باعتبار أنَّه خلاف قوانين العلّيّة.
وفي المقام التجربة غير متيسرة، باعتبار أنَّه لا يتيسر لنا وجود إنسان لم يسمع كذبة المؤدّبين، حتّى نجرّب إدراكه للحسن والقبح وعدمه.
ولا البرهان موجود أيضاً؛ لأنَّ هذا ليس خلاف قوانين العلّيّة، فحينئذٍ لا يمكن إرجاع الإدراك إليه بالدليل إليه أصلاً.
وأمّا إذا فرض بعد إدراكه لهذا المطلب بقي إدراكه للحسن والقبح -كما هو باقٍ عندنا- فهذا ينطوي ضمناً على أنّ هذه القضيّة، إمّا بديهيّة نابعة من النّفس حقيقة، بحيث لم تزُل؛ لأنّ علّتها موجودة، أو نابعة من النّفس اعتقاداً، بمعنى: أنَّ هذا الشخص إنَّما لم يزل إدراكه للحسن والقبح؛ لأنَّه يعتقد أنّها نابعة من نفسه، لا نابعة من كذبة المؤدّبين، ومعه لا حاجة إلى الاستدلال على المطلب.
فالاستدلال على المطلب غير معقول في تمام الوجوه، وإنّما تبقى القضيّة بعد هذه المجموعة من التحقيقات بهذا النحو: فنطرح على كلِّ شخصٍ متدينٍ الاحتمالين، فإن زال إدراكه للحسن والقبح فلا يمكن إرجاعه بالدليل، وإن لم يزل فهو غير محتاج إلى الدليل أيضاً.
هذا هو الذي ينبغي أن يقال في المقام بعد إبطال تمام ما قيل في مقام إثبات
ــــــــــ[246]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
المطلب أو التشكيك فيه أو في مقام الإبطال، وقد اتّضح ممّا ذكرناه أنّ جميع ما ذكره القوم في ذلك غير صحيح.
وبعبارة أخرى: أنَّ الاستدلال على الحسن والقبح العقليّين إن كان بعقل التجربة فهو غير ممكن؛ باعتبار أنَّ الحسن والقبح خارج عن مجال التجربة، وإن كان بعقل البرهان فهو غير ممكن أيضاً؛ لأنَّه يتوقف على البرهان، ومرجع البرهان إلى القياس، ومرجع إلى القياس إلى اثبات الحدّ الأكبر للأصغر بتوسط الحدّ الأوسط، فلا بُدَّ في اثبات المحمول للموضوع بالبرهان من تصوّر حدّ أوسط في المقام بين الظلم والقبح وبين العدل والحسن، وذلك الحدّ الأوسط يكون ثبوت المحمول له أيضاً من قضايا العقل العملي، فننقل الكلام إليه، وهكذا إلى أن ننهي أولى قضايا العقل العملي التي لا يمكن اثباتها بالبرهان لا محالة.
كما أنّه لا يمكن الاستدلال على قضايا العقل العملي بالبداهة؛ لأنّه إذا فرض أنَّ القضيّة بديهية فلا معنى للاستدلال عليها لا محالة، فالاستدلال على البديهي بالبداهة أمر غير معقول. نعم، يبقى الاستدلال على كون هذه القضيّة بديهيّة ونابعة من النفس، في قبال احتمال أن تكون هذه القضيّة نتيجة لتلقين الملقنين وأُكذوبة المؤدّبين.
ففي المقام لو وضعنا لمسألة ذات حدّين، وقلنا: إنَّ هذه القضيّة إمّا أن تكون نابعةً من داخل النفس، وإمّا أن تكون نابعةً من منبع خارجي كأكذوبة المؤدِّبين، فحينئذٍ وإن كان لا يصح الاستدلال على عدم كونها نابعة من النفس، إلَّا أنّه لا يمكن اثبات المقصود بالدليل أيضاً، وهو اثبات كونها أمراً بديهياً نابعاً
ــــــــــ[247]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
من النفس لا من تلقين الملقنين؛ وذلك لأنَّه بعد فرض القاء هذين الوجهين إلى شخص، إمّا أن يكون هذا الشخص بحيث يشكّ فيما هو المنشأ، ويحتمل كون المنشأ في قضايا العقل العملي هو أُكذوبة المؤدِّبين، فالذي يستتبعه في الإنسان السوي هو الشكّ في قضايا العقل العملي وارتفاع قطعه لا محالة، وإمّا أن لا يحتمل كونها ناشئة من أُكذوبة المؤدِّبين ويقطع بأنّها ناشئة من صميم نفسه.
فإن فرض أنّه احتمل كلا الوجهين، فكما يحتمل أنّها ناشئة من أُكذوبة المؤدِّبين، يحتمل أيضاً كونها ناشئة من صميم النفس. إذن، فلا يمكن إقامة الدليل على كونها ناشئة من أُكذوبة المؤدِّبين؛ لأنَّ الدليل على علّيّة شيء لشيء يكون بأحد وجهين:
إمّا بالتجربة: بأن نجرب ونوجد هذا الشيء بدون ذلك الشيء، فيثبت أنَّ هذا ليس علّةً له.
وإمّا بالبرهان: فيما لو فرض أنّه إدّعى علّيّة شيء لشيء، بحيث يتنافى مع قوانين العلّيّة، كما إذا إدّعى أنَّ الأشرف معلول للأخس بحسب نظام الوجود.
وكلا الطريقين لا يمكن استعمالهما في المقام، ففي التجربة لا يمكن أن نحصل على إنسان ليس معاشراً مع المؤدِّبين ومع تلقين الملقنين. وفي البرهان لا يمكن أيضاً؛ لأنَّ هذه العلّيّة لا تأباها قوانين العلّيّة العامّة حتّى يبرهن على إبطالها.
فإن وجد هذا الاحتمال في ذهن الإنسان فسوف يستمر هذا الاحتمال إلى الأبد، ولا يمكن إقامة الدليل على خلافه، إلَّا إذا تداركه الله تعالى.
ــــــــــ[248]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وأمّا إذا فرض أنّه لم يوجد له مثل هذا الاحتمال، بل بقي بالرغم من ذلك جازماً، كما بقينا نحن جازمين بأنَّ قضايا العقل العملي لم تنشأ من أُكذوبة المؤدِّبين. فحينئذٍ لا نحتاج إلى دليل، فإنَّ الدليل إنَّما يكون على أمر لم نجزم به، لا على أمر جزمنا به، فإقامة الدليل على كلِّ حالٍ غلط في المقام. هذا خلاصة ما بيّناه في تحقيق هذا المطلب.
وبعد إضافة هذا إلى ما سبق نقول: بأنَّ العقل العملي عقلان، كالعقل النظري، عقل عملي أوّل، وهو: الذي يُدرك أصل الحسن والقبح، وهذا عقل بديهي، وعقل عملي ثاني، وهو: الذي يدرك خصوصيّات باب التزاحم، فيما إذا تزاحمت الجهات المحسّنة مع الجهات المقبّحة، وهذا عقل عملي تأملي تكثر فيه الأخطاء، كما تكثر الأخطاء في سائر العقول التأمليّة. هذا تمام الكلام في أصل بحث العقل العملي، وبهذا انتهى المقام الأوّل.
فإنّه إذا حكم العقل بحسن شيء أو قبحه فيحكم الشرع أيضاً، وفقاً لذلك وتبعاً له.
وقلنا في صدر البحث: إنَّ استنتاج الحكم الشرعي من العقل العملي يحتاج إلى ضمّ مقدّمة من العقل النظري، وهي الملازمة بين العقل العملي وبين الحكم الشرعي.
وحينئذٍ نقول: إنَّ هذا البحث بناءً على المبنى الأشعري لا موقع له؛ إذ بناءً عليه سيكون الحسن والقبح وليد الشارع ونتيجة جعله، فلا معنى للبحث عن استتباعه للجعل الشرعي.
ــــــــــ[249]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وأمّا بناءً على المذهب الفلسفي بالنحو الذي شرحه المحقّق الأصفهاني، أي: بناءً على أنَّ الحسن والقبح من القضايا المشهورة التي تطابق عليها العقلاء، وأنَّه لا واقع لهذه القضايا إلَّا نفس تطابق العقلاء على المدح والذم على الأفعال؛ حفظاً للمصالح النوعيّة التي ينحفظ بها المجتمع.
فبناءً على هذا المذهب الفلسفي في تفسير الحسن والقبح، قيل: إنَّ الملازمة تامّةٌ بين حكم العقل وحكم الشرع باعتبار أنَّ الشارع هو أيضاً أحد العقلاء، بل التعبير بالملازمة مسامحة، بل هو تضمُّن لا ملازمة، فإنَّ المفروض في هذه القضايا أنَّ العقلاء تطابقوا عليها بما هم عقلاء، وبحيثيّة كونهم عقلاء، فإذا فُرض أنَّ تطابقهم على المدح والذم الذي هو عبارة عن الحسن والقبح، فلا محالة يكون كلّ عاقلٍ جزءاً من هذا التطابق، وإلَّا لم يكونوا بما هم عقلاء متطابقين على هذا.
إذن، فيكون الشارع أيضاً متطابقاً على المدح والذم، لكن بوصف كونه عاقلاً، لا بوصف كونه مولىً وشارعاً. وهذا لا يغير من حيث النتيجة شيئاً، فإنَّه بما هو عاقل متفق مع العقلاء على المدح والذم، ومدح كلّ شخصٍ بحسب امكانياته، فمدح من لا حول له ولا طول له أو ذمه إنَّما هو باللسان، ولكن من له كلّ الحول والطول فمدحه بالجنان وذمه بالنيران، فحينئذٍ تكون النتيجة أيضاً هي نفس النتيجة.
وهذا الكلام كلام شعري لا معنى له؛ وذلك لأنَّ تطابق العقلاء على المدح والذم في المقام، لم يكن لمجرّد حيثية كونهم عقلاء، بل كان لحيثية كونهم ذوي
ــــــــــ[251]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
مصلحة. فإنَّ العقلاء -بحيثية كونهم عقلاء- شأنهم الإدراك فقط، لا شأنهم التطابق على المدح والذم، والتطابق على عمل معين هو أن يمدحوا من يصدق ويذموا من يكذب، وهذا ليس شأن العقلاء بحيثية كونهم عقلاء؛ إذ العقلاء بلا زيادة على هذه الحيثية، شأنهم محضاً هو الادراك؛ لأنَّ هذه الحيثية وظيفتها الإدراك فقط، فإذا لوحظ العقلاء من هذه الحيثية ليس لهم الإدراك فقط.
والمفروض أنَّ المدح والذم ليس أمراً واقعياً على هذا المبنى يدركه العقلاء، وإنَّما هو أمر بنائي تطابق العقلاء عليه في مقام العمل. إذن، فهذا التطابق من العقلاء على المدح والذم لا يعقل أن يكون من العقلاء بحيثية كونهم عقلاء، بل يحتاج إلى ضميمة إلى هذه الحيثية، فهم بحيثية كونهم عقلاء أدركوا المصالح والمفاسد، وأدركوا أنَّ الصدق فيه مصلحة للمجتمع، وأنَّ الكذب فيه فساد له، ولكن تطابقهم على المدح والذم يحتاج إلى ضمّ ضميمة إلى هذه الحيثية، وهذه الضميمة هي: كونهم يريدون أن يعيشوا في مجتمع هادئ تقضى حوائجهم فيه، فبما أنَّهم هم أصحاب تلك المصلحة النوعيّة والمفسدة النوعيّة التي أدركوها بهذه الحيثية تطابقوا على المدح والذم؛ حفظاً لتلك المصالح ودرءاً لتلك المفاسد. إذن، فالتطابق من العقلاء لم يكن بحيثية كونهم عقلاء محضاً، بل بتلك الحيثية زائداً عليها حيثية كونهم ذوي مصلحة.
وهذه الحيثية الثانية غير موجودة في الشارع، فإنَّ الشارع سبحانه وتعالى لم يفرض فيه أنّه سوف يتعايش مع أفراد هذا المجتمع الذي يضره الكذب ويصلحه الصدق، بل هو ليس له مصلحة في هذا المطلب بوجه من الوجوه.
ــــــــــ[251]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فكم هو غريب عن التفكير العملي ما صدر من المحقّق الأصفهاني من تقريب الملازمة على المعنى الفلسفي بهذا المعنى، مع أنَّ الحيثية المناسبة مع التطابق على المدح والذم هي حيثية كونهم ذوي مصلحة، لا حيثية كونهم عقلاء.
نعم، هنا شيء، وهو في المرتبة السابقة على تطابق العقلاء على المدح والذم، أليس العقلاء أدركوا المصالح والمفاسد، فبقانون تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد يستكشف الحكم الشرعي، وهذا استكشاف من العقل النظري محضاً لا من العقل العملي.
في المقام ليس كلامنا في استكشاف الأحكام من المصالح والمفاسد النوعيّة التي أدركها العقلاء؛ لأنَّه استكشاف من العقل النظري محضاً ولا ربط له بالعقل العملي، بل حتّى لو أنكرنا العقل العملي رأساً، كما أنكره الأشعري، فنقول بالملازمة بين الحكم الشرعي وبين إدراك تلك المصالح والمفاسد.
فاستكشاف الحكم الشرعي ببركة إدراك المصالح والمفاسد النوعيّة استكشاف على أساس العقل النظري، وهو البرهان اللمّي الذي قلناه في ما سبق(1) حيث إنَّ استنتاج الحكم الشرعي من العقل النظري تارةً بالبرهان اللمّي، وأخرى بالبرهان الإنّي. وهذا برهان لمّي يتمّ من خلاله استكشاف المعلول من ناحية العلّة، وهو أمر صحيح.
وكلامنا الآن في استكشاف الحكم الشرعي بتوسط العقل العملي، والعقل
ــــــــــ[252]ــــــــــ
(1) راجع الصفحة: 68-69.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
العملي ليس هو مجرّد إدراك المصلحة والمفسدة، بل العقل العملي هو التطابق على المدح والذم من العقلاء بما هم عقلاء، وهذا التطابق في نفسه لا يكشف عن حكم شرعي؛ لأنَّ هذا التطابق ليس بحيثية كونهم عقلاء، بل بحيثية كونهم ذوي مصلحة، يعني: بحيثية غير ثابتة بالنسبة إلى المولى جزماً، وحينئذ ٍفهذه الملازمة في المقام لا معنى لها.
ومما ذكرناه انقدح أيضاً: أنّه على المبنى الفلسفي في العقل العملي لا يتمّ العدل الإلهي، فلا معنى لتطبيق قانون الحسن والقبح عليه، فالشارع ليس شريكاً مع العقلاء في مصالحهم ومفاسدهم، ولا ينتفع بما ينتفعون به، ولا يتضرر بما يتضررون به، وهو غني عن العالمين، غير محتاج إلى طاعتهم، ولا متضرر بمعصيتهم، فدلالة تطابق العقلاء بالتضمّن على تطابق الشارع ليست صحيحة؛ لأنَّ نكتة التطابق هي من توجب التطابق بينهم، بعيداً عن الله تعالى.
نعم، لو فرض أنَّ الله متطابق معهم لكان هذا وجيهاً، إلَّا أنَّ الله ليس متطابقاً معهم؛ لأنَّ تطابقهم على حسن العدل وقبح الظلم باعتبار كونهم ذوي مصلحة وليس الله ذا مصلحة؛ إذ لا يتصوّر في حقّه أيّ انقاصٍ من قبل شخص آخر له، حتّى يتصوّر أن يكون له مصلحة في هذا، أو تكميل من قبل شخص آخر له.
فهذا المبنى الفلسفي كما لا معنى للملازمة بناءً عليه، أيضاً لا معنى للعدل الإلهي بناءً عليه، وهذا في غاية الوضوح.
وأمّا على مبنى أهل الحق من أنَّ قضايا الحسن والقبح أمور واقعيّة يدركها
ــــــــــ[253]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
العقل العملي على حدّ إدراك الإمكان والوجوب والاستحالة للعقل النظري، فبناءً عليه هنا سؤالان:
السؤال الأوّل: هل أنَّ حكم الشارع ملازم حتماً مع هذا الأمر الواقعي الذي هو عبارة عن الحسن والقبح، أو ليس هناك ملازمة بينهما؟
أو بتعبير آخر: هل أنَّ الحسن والقبح الواقعي يكون ملاكاً حتمياً تامّاً للحكم الشرعي أو لا يكون كذلك؟
السؤال الثاني: أنّه لو فرض أنّه لا يلازم، فهل ينافي أو لا ينافي؟ فهذا السؤال الثاني عكس السؤال الأوّل.
والجواب عن السؤال الأوّل: أنّه لا يلازم؛ وذلك لأنَّ هنا الأمر الواقعي المدرك وهو الحسن والقبح، قهراً له محرّكيّة بمقدار ما يستتبعه من استحقاق المدح والذم، أو استحقاق الثواب والعقاب بالتعبير الاصطلاحي، فهو بهذا المقدار له محرّكيّة سواء جعل الشارع حكماً على طبقه أو لم يجعل.
وحينئذٍ فيرى اهتمام الشارع بحفظ هذا الواجب الاخلاقي، فإن فرض أنَّ اهتمامه بحفظه كان بمقدار يكون هذا المقدار من الدفع والتحريك والمحرّكيّة الذاتيّة للقضية الواقعيّة مناسباً مع مقدار اهتمامه، فهو لا يهتم بأكثر من هذا المقدار. إذن فلا موجب له إلى جعل آخر.
وإن فرض أنَّ اهتمامه أكثر من هذا المقدار، بحيث إنَّ القضية الواقعيّة بذاتها تحرك بمقدار خوف خمسين سوطاً، واهتمام الشارع بمقدار، بحيث إنّه مستعد لمعاقبة هذا الإنسان وتهديده بمئة سوط؛ لأجل تجنيبه هذه المعصيّة
ــــــــــ[254]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الاخلاقيّة، فلو فرض هذا فهو يجعل الحكم لا محالة؛ إذ أنّه بجعل الحكم يتأكّد الواجب الأخلاقي؛ إذ يكون مطبقاً لعنوانين لا محالة، ومجمعاً لحقين عقليين، حقّ أوّل وحقّ الطاعة، وكلما تأكّد القبح والحسن تأكّد استحقاق المدح واستحقاق الذم لا محالة. إذن، فحكم الشارع هنا وظيفته تأكيد الداعوية والمحرّكيّة، فمتى ما تعلق غرضه بتأكيد الداعوية لأجل شدة اهتمامه بالمطلب فيجعل، ومتى لم يتعلق غرضه بذلك، وكان هذا المقدار الذاتي التكويني من المحرّكيّة للقضية بوجودها الواقعي كافياً ومناسباً مع درجة اهتمام المولى، فلا يجعل الشارع لا محالة.
فإنَّ اهتمام الشارع له مراتب، وقد تكون مرتبة من العقاب كافية بالنسبة إلى سنخ من الغرض، ولا تكون كافية بالنسبة إلى سنخ أهم من الغرض؛ ولهذا قد يتصوّر في الأغراض المهمة جدّاً أنّه ينزل العقاب في الدنيا قبل الآخرة؛ لأجل تحفظه على هذا الغرض؛ لأنَّ الإنسان الدنيوي ينفعل من العقاب الدنيوي أكثر من العقاب الأخروي لا محالة. إذن، لا ملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع.
ومن هنا نعرف جواب السؤال الثاني -وهو أنّه هل هناك منافاة أو لا يكون هناك منافاة- فقد يتوهّم المنافاة باعتبار أنَّ حكم الشرع هنا لغو؛ لأنَّ الشارع إنَّما يحكم لأجل أن تكون معصيته قبيحة، وأن يحكم العقل بوجوب الامتثال حتّى يكون محركاً للعبد، فبالنتيجة: إنَّما يحكم الشارع لأجل ايجاد داع عقلي في نفس العبد، وهذا الداعي العقلي موجود قبل ذلك.
ــــــــــ[255]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وهذا التوهّم مرتفع ببركة ما قلناه؛ لأنَّ الحكم الشرعي هنا يكون موجباً لتأكّد ملاك الحكم العقلي؛ لأنَّه يجتمع حقان عقليان أو حسنان أو قبحان عقليان حينئذٍ، فلا محالة يتأكّد استحقاق المدح واستحقاق الذم. إذن، فلا يكون جعل الحكم الشرعي لغواً في المقام.
فميزان المطلب هو أنَّ جعل الشارع للحكم وعدم جعله في موارد العقل العملي، يدور مدار اهتمامه لحفظ هذا الغرض، فإن كانت درجة اهتمامه بنحو يكفي فيه هذا المقدار من المحرّكّية الذاتيّة التي يطبع القضية الواقعيّة، فلا حاجة به إلى جعل الحكم من جديد، وإلَّا فيجعل الحكم لأجل أن ينطبق على الفعل عنوان حقّ الطاعة، وحينئذٍ يتأكّد الواجب الأخلاقي ويشتد المدح والقدح، وبالتالي تتأكّد الداعوية والمحرّكيّة.
هذا هو ما ينبغي أن يقال على وجه الاقتصار على النكات الأساسيّة في المطلب، لبيان الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع. فاتّضح ممّا قلناه: إنَّه لا ملازمة بين حكم العقل وبين حكم الشرع.
إلَّا أنَّ عدم الملازمة ليس معناه أنَّ الإنسان إذا عصى الواجب الأخلاقي يكون في مأمن من ناحية العقاب لعدم وجود حكم شرعي، فليس نفي الملازمة على مبنانا يساوي في النتيجة نفي الملازمة على المبنى الفلسفي، فإنَّ نفيها على المبنى الفلسفي كان بمعنى أنَّ يكون الإنسان مطلق العنان، فلنفرض أنَّ العقلاء تطابقوا على المدح والذم، ولكنّي لست عبدا للعقلاء بل عبد لله، والله تبارك وتعالى لم أحرز تطابق معهم على المدح والذم؛ لأنَّ ملاك التطابق هو
ــــــــــ[256]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
كونهم ذوي مصلحة، وهذه الحيثية غير موجودة بالنسبة إلى الله تعالى.
فنتيجة نفي الملازمة على المشرب الفلسفي، هو جواز إقدام الإنسان على القبائح العقلية، ما لم يرد دليل من قبل الشارع على تحريمها. وأمّا نتيجة النفي على المشرب الحق، فهو أنَّ مجرّد القضية الواقعيّة تكفي في مقام المحرّكيّة، وفي مقام تسجيل العقاب وتسجيل الثواب من قبل الله تبارك وتعالى.
نعم، لا بأس بجعل الحكم إذا فرض أنَّ المولى أراد تأكيد الداعوية، وأراد الإثابة بوجه آكد والمعاقبة بوجه آكد، فنفي الملازمة يختلف أثره على المشرب الفلسفي وعلى المشرب المختار. هذا تمام الكلام في العقل العملي بكلا مقاميه(1).
ــــــــــ[257]ــــــــــ
() وهنا سأل أحد الإخوان: أنَّ قولكم في النتيجة يقتضي الملازمة.
فقال: في النتيجة، نعم. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فهنا يفرض أنَّ الأخباري يُسلّم مع المجتهد بأنَّ الأحكام الشرعيّة -بحسب عالم جعلها- ليست مقيّدة بما إذا وصلت من غير الدليل العقلي، يعني: بقطع النظر عن المرحلة الأولى، ويُسلّم أيضاً تماميّة عالم الاستكشاف وحصول القطع بحسب الخارج، فإنَّ القطع تامٌّ بحسب الخارج، ونفرض أنَّه مضمون الحقانيّة مثلاً، إلَّا أنَّه مع هذا لا يجوز العمل بهذا القطع؛ لأنَّه ليس حجّة بالمعنى الأُصولي للحجّيّة من ناحية ردع الشارع عن القطع الناتج عن الأدلّة العقليّة، وهذا هو المجال الذي يتكلّم به الأعلام في مقام مناقشة الأخباريّين.
ودعوى الأخباري عدم حجّيّة القطع الناشئ عن الدليل العقلي وعدم معذّريته يمكن أن توجّه بوجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ الشارع نهى عن سلوك طريق الاستدلال العقلي، سواء كان هذا العقل هو العقل الأوّل أو الثاني أو الثالث، وحرّمه على المكلّف حرمة طريقيّة، بمعنى: أنَّ الشارع حيث هو علّام الغيوب فيعرف أنَّ هذه الأداة
-وهي العقل- ليست مضمونة الحقّانيّة عنده -وإن كانت مضمونة الحقانيّة
ــــــــــ[258]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
عند أرسطو- وباعتبار كونها ممّا يقع فيها الخطأ كثيراً، وتحفظاً على الملاكات الواقعيّة التي سوف تضيع عن طريق الوقوع في الخطأ عن طريق المقدّمات العقليّة، فتضيع تلك الأغراض اللزوميّة عادةً أو غالباً، فنهى عن اتّباع طريق العقل من أوّل الأمر، وحرّم على الإنسان أن يسترشد بعقله، وحبسه في نطاق الأدلّة اللفظيّة من نصوص الكتاب والسنّة.
الوجه الثاني: أنَّ الأخباري يقول: إنَّ القطع بعد حصوله يكون منهيّاً عن اتّباعه.
والفرق بين هذا الوجهين في غاية الوضوح، فإنَّ النهي في التقريب الأوّل كان نهيّاً سابقاً على حصول القطع، وكان نهيّاً عن سلوك طريق يترتّب عليه حصول القطع من ناحية الدليل العقلي، وبالنهاية ينتهي إلى تفويت الكثير من الأغراض المولويّة. وهذا النهي لا محالة يكون ساقطاً بمجرّد حصول القطع؛ لأنّه حصل عصيانه بمجرّد سلوك الطريق، فيسقط بالعصيان حينئذٍ، وبعد حصول القطع يكون القطع حجّة بحكم العقل، إلَّا أنَّه مع هذا لو خالف الواقع لا يكون معذوراً؛ لأنَّ هذا من الاضطرار بسوء الاختيار، فلو قطع بالوجوب بارتكابه وكان الفعل حراماً في الواقع فهنا يعاقب على فعل الحرام؛ لأنَّه وإن كان مضطراً بعد حصول القطع إلى الإتيان بالواجب، باعتبار حكم العقل بوجوب متابعة القطع، إلَّا أنَّ هذا اضطرار بسوء الاختيار، و هو لا ينافي الاختيار، فمن هنا تكون الحرمة الواقعيّة المقطوع بعدمها عقلاً منجّزة على المكلّف بالنهي السابق الساقط بحدوث الاضطرار، هذا هو التقريب الأوّل.
ــــــــــ[259]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وأمّا بناءً على التقريب الثاني فالنهي يكون فعليّا بعد حصول القطع بالوجوب، فيحصل الردع عن اتّباع هذا القطع حينئذٍ.
والوجه الأوّل معقول ثبوتاً وإمكاناً، فلا مانع عقلاً من أن ينهى الشارع عن اتّباع سلوك طريق، باعتبار التحفّظ على الأغراض الواقعيّة التي سوف تضيع بحسب نظره لو اتّبع ذلك الطريق، والبحث في التقريب الأوّل يتمحّض في الجهة الإثباتيّة، فهل هناك دليل على ذلك أو ليس هناك دليل عليه؟ نعم، البحث في التقريب الثاني يكون ثبوتيّاً لا محالة، فأصل هذا الردع عن القطع بعد حصوله في نفسه لا بُدَّ أن يتكلّم في معقوليّته وعدم معقوليّته. وهذا أحد وجوه الفرق بين الوجهين أيضاً.
وهناك أيضاً عدّة وجوه للفرق بين الوجهين:
فالتقريب الثاني قد يشمل بعض الموارد التي لا يشملها التقريب الأوّل، كما لو فرض أنَّ القطع العقلي حصل بلا تسبيب من قبل الإنسان و كان قهراً عليه، وذلك من قبيل أبان بن تغلب الذي حصل له القطع بأنَّ قطع الإصبع الرابع لا يوجب تخفيفاً عن هذا المجرم، بحيث ينزل عقابه من ثلاثين من الإبل إلى عشرين من الإبل، وهذا القطع لم يحصل له بسلوك طريق وحضور درس، وإنَّما حصل له بنفس فطرته وطبيعته، فمثل هذا لا يكون مشمولاً للنهي الأوّل المدّعى؛ لأنَّه لم يحصل باختياره وتسبيبه حتّى ينهى عنه، إلَّا أنَّه يكون مشمولاً للنهي الثاني لو تصوّرناه في المقام، وهكذا… فهناك عدّة خصوصيّات في مقام الفرق بين التقريبين.
ــــــــــ[260]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
والبحث في التقريب الأوّل يتمحّض في الناحية الإثباتيّة، والبحث في التقريب الثاني يكون بحثاً ثبوتيّاً
البحث الثبوتي في التقريب الثاني: وقد سبق لبابه وجوهره في أوّل بحث حجّيّة القطع، وقلنا هناك: إنَّ مسلك الأعلام هو اعتبار أنَّ الحجّيّة من اللوازم الذاتيّة للقطع، بمعنى: لازم الماهيّة -لا بمعنى: الذاتي في كتاب الكلّيّات- فالحجّيّة بالمعنى الأُصولي من ذاتيّات القطع الذاتي فيستحيل أن يتخلّف عن القطع، ومن هنا يستحيل الردع عن القطع ويستحيل سلخه عن الحجّيّة.
وقلنا هناك أيضاً: إنَّ اسناد الحجّيّة الذاتيّة للقطع، بتوهّم: أنَّ كلّ حجّة بالعرض لا بُدَّ أن تنتهي إلى حجّة بالذات، وترتّب على هذا في مبانيهم أنّه إذا لم يكن هناك قطع فلا يكون هناك حجّيّة فيقبح العقاب، فنشأت من هنا قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وترتّب على مجموع هذين الأمرين الإشكال في مورد عدم القطع وعدم البيان، فكيف يصحّ العقاب في موارد خبر الثقة وقيام الأمارات الظنّيّة؟ ووقعوا من ذلك في حيص وبيص، فكيف يصحّ العقاب مع أنّ الحجّيّة الذاتيّة غير موجودة وهي القطع؟ ومن هنا انتهوا إلى أنَّ الأمارات الظنّيّة تجعل قطعاً بالتعبّد والاعتبار، فبمجرّد فرض أنّ غير العلم علماً يحقّق موضوع الحجّيّة ويرتفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، إلى غير ذلك من المباني والتفريعات التي سبقت في أوّل الدورة.
وقلنا هناك: إنَّ هذا الكلام من أوّله إلى آخره تفريعات صوريّة لا أساس لها، والحجّيّة في المقام ليست ذاتيّة بالنسبة إلى القطع، فإنَّه قبل فرض حجّيّة
ــــــــــ[261]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
القطع بأحكام المولى لا بُدَّ وأن يتكلّم في أنّه هل له حقّ الطاعة على العبد أو لا؟ فالأُصولي حينما يبحث عن حجّيّة القطع هل فرغ عن أنَّ الله يجب اطاعته أو لم يفرغ عن هذه المسألة؟
فإذا فرض أنّه لم يفرغ حتّى الآن عن أنّ الله له حقّ الطاعة أو لا. إذن، القطع لا يكون حجّة في المقام، فإنَّ حجّيّة القطع فرع مولويّة المولى، بعد فرض كون المولى مولى، وحينئذٍ يكون القطع بأحكامه حجّة، ولا معنى للبحث عن حجّيّة القطع بعد عدم الفراغ عن مولويّة المولى، وإذا فرضنا أنّنا فرغنا عن مولويّة المولى في مرتبة السابقة، فلا بُدَّ من تشخيص تلك المولويّة، وقلنا: إنَّ مولويّة المولى مرجعها إلى حقّ الطاعة وحقّ الخضوع. إذن، فلا بُدَّ من تشخيص دائرة حقّ الطاعة والخضوع، فهل يكون من حقّه علينا الطاعة في تمام أحكامه المقطوعة والمظنونة والمشكوكة والموهومة؟ أو في خصوص المقطوع والمظنون؟ أو في خصوص المقطوع؟ أو في بعض أقسام المقطوع دون البعض؟ فمثلاً ما كان مهمّاً جدّاً عنده ما لم يكن واصلاً إلى الدرجة الأعلائيّة في اللزوم فليس له حقّ الطاعة علينا، وهذا يختلف وله مراتب لا محالة، وهنا لا معنى للتكلّم بأنَّ القطع حجّة أو ليس بحجّة، بل لا بُدَّ من بيان سعة هذه الدائرة وضيقها، وبعد أن يفرغ بأنَّ هذه الدائرة هي في ضمن التكاليف المقطوعة بالخصوص، فقهراً يصبح كلّ تكليف قطع به ممّا يجب على المكلّف الإتيان به، وليس ذلك من باب حجّيّة القطع، بل من باب أنَّ هذا داخل في دائرة حقّ المولويّة، وإن فرض أنَّ دائرة حقّ المولويّة تشمل التكاليف المقطوعة والمظنونة. إذن، يكون هذا الظنّ
ــــــــــ[262]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
حاله حال القطع، ويرتفع هذا الكلام التقليدي من أنَّ القطع حجّيّته ذاتيّة، والظنّ حجّيّته غير ذاتيّة، فإنّنا إذا وسّعنا دائرة حقّ المولويّة لا يبقى حينئذٍ فرق بين القطع والظنّ من هذه الناحية.
ومن هذه الناحية أيضاً لا يبقى أساس لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، أي: تبقى هذه القاعدة في ذمّة هذه التوسعة والتضيّيق، فإذا وسّعنا دائرة حقّ المولويّة حتّى للمشكوكات فلا يبقى لها أساس في تخيّل هذه القاعدة، وكأنّه نتيجة تخيّل أنَّ الحجّيّة من لوازم القطع، فحيث لا ملزوم لا لازم.
إذن، فلا بُدَّ من النظر إلى سعة دائرة حقّ المولويّة وضيقها، وقلنا فيما سبق: إنَّها تعمّ المقطوعات بلا إشكال، بل تزيد على المقطوعات أيضاً على تفصيل سبقت الإشارة إليه في محلّه.
وعليه: فالمولى له حقّ الطاعة على العبد في التكاليف المقطوعة، وهذا ثبت في نفسه، وبعد ذلك نرى هل يجوز للمولى الردع عن العمل بالقطع أو لا يجوز؟ ونحن لا بُدَّ أن ننسى أنَّ الحجّيّة ذاتيّة للقطع والتفكيك بين الذاتي والذات غير معقول، ونمشي على المشرب المختار، فهل على هذا المشرب يكون الردع عن القطع من قبل المولى جائزاً أو ليس بجائز؟
وهنا تقريبان لعدم إمكان ردع الشارع عن القطع:
التقريب الأوّل: ومبني على دعوى كون حقّ المولويّة تنجيزيّاً لا تعليقيّاً، فإذا فرضنا أن حقّ المولويّة كان حقّاً مطلقاً وثابتاً ثبوتاً فعليّاً تنجيزيّاً، فحينئذٍ يكون ردع المولى عن العمل بالقطع مع كونه داخلاً تحت دائرة التكليف الفعلي
ــــــــــ[263]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
المنجّز مناقضاً لحكم العقل العملي فيكون قبيحاً، والقبيح يمتنع عن الحكيم لا محالة.
وهذا البيان -طبعاً- موقوف على أن ندّعي تنجيزيّة حقّ المولويّة في المقام، فلو ادّعى شخص أنَّ حقّ الطاعة تعليقي لا تنجيزي، أي: له حقّ الطاعة ما لم يسقط هو هذا الحقّ، فيكون إسقاط هذا الحقّ بمكان من الإمكان، إذ لا يكون هناك مناقضة بين ردعه وبين حقّ المولويّة.
فهذا التقريب بعد فرض إيماننا بتنجيزيّة حقّ المولويّة يصير جواباً للأخباري. نعم، الأخباري يمكنه أن يقول في قبالنا: إنَّ عقلي العملي لا يستقلّ بتنجيزيّة هذا الحقّ، فلا يكون دليلاً في قباله. هذا هو التقريب الأوّل.
التقريب الثاني: ونبيّنه هنا مغفلين لأصله الموضوعي، وحاصله: أنَّ ردع الشارع عن العمل بالقطع إمّا أن يكون بجعل حكم حقيقي في قبال القطع، أو بجعل حكم طريقي.
والفرق بين الحكم الحقيقي والحكم الطريقي: أنَّ الحكم الحقيقي هو ما ينشأ من مبادئ نفسه، يعني: في متعلّقه، والحكم الطريقي ما ينشأ بلحاظ مبادئ أُخرى في غير متعلّقه، فالحكم الحقيقي كالوجوب الواقعي للصلاة ينشأ من مبادئ -ومقصودي من المبادئ: الإرادة والمصلحة والغرض- في متعلّقه، والحكم الطريقي ما لا يلزم أن يكون ناشئاً من مبادئ في متعلّقه، وإن كان يلزم أن يكون ناشئاً من مراعاة مبادئ في نفسها كوجوب الاحتياط، فإنَّ حرمة شرب التتن الاحتياطيّة لو كانت مجعولة في الشريعة الإسلاميّة، فهذه الحرمة لم
ــــــــــ[264]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
تنشأ من مبادئ في متعلّقها حتماً؛ إذ لعلّ شرب التتن من الأُمور المباحة لا المحرّمة، إلَّا أنَّ هذه الحرمة الاحتياطيّة ناشئة من التحفّظ على الملاكات اللزوميّة الموجودة في الموارد المشكوكة.
هذا هو الفرق بين الحكم الحقيقي والحكم الطريقي، فإن فرض أنّه بجعل حكم حقيقي فهو محال، لا من ناحية كونه منافيّاً لحقّ المولويّة، فلو فرضنا أنَّ هذا الحقّ غير موجود، وأنَّ هذا الجاعل ليس بمولى، فمع هذا هو محال، باعتبار لزوم اجتماع الضدّين في نفس المولى، بقطع النظر عن مولويّته، فإنَّ القطع قد تعلّق بتكليف، وهذا أيضاً تكليف آخر، وكلاهما تكليف حقيقي، وسيأتي في محلّه إن شاء الله أنّ التكاليف الحقيقية متضادّة ولا يمكن اجتماعها، فهذا في نفسه محال بقطع النظر عن حقّ المولويّة لاجتماع الضدّين.
وإن فرض أنَّ هذا حكم طريقي بلحاظ التحفّظ على مبادئ وأغراض لزوميّة في نظر المولى، فمثل هذا الحكم يكون لغواً، ولا أثر له بالنسبة إلى القاطع، وإن كان له أثر بالنسبة إلى الشاك، فإنّ الشاك يمكن أن يجعل في حقّه حكم طريقي بوجوب الاحتياط وحرمة الإقدام في الشبهات؛ وذلك لأنَّ وظيفة هذا الحكم الطريقي تنجيز الواقع المشكوك، وحيث إنَّ هذا الشخص يحتمل وجود واقع مشكوك، فهو يحتمل وجود الواقع المنجّز، واحتمال المنجّز منجّز لا محالة، فيكون موجباً لاجتنابه.
وأمّا بالنسبة إلى القاطع بالحكم الواقعي، فهو لا يحتمل شيئاً غير ما قطع به، فلا يكون هذا الحكم الطريقي مؤثّراً في حقّه شيئاً.
ــــــــــ[265]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فالحكم الحقيقي غير معقول لاستحالة اجتماع الضدّين، والطريقي غير معقول من ناحية اللغوية، على ما سبق في أوّل البحث. هذا هو التقريب الثاني للاستحالة والجواب على الأخباري.
ويمتاز هذا التقريب عن التقريب الأوّل بأنّه لا يتوقّف على أن نثبت للأخباري تنجيزيّة حقّ المولويّة. هذا هو تمام الكلام في المرحلة الثالثة.
ولم يبق من هذه المرحلة إلَّا البحث الإثباتي للتقريب الأوّل، فهل نرى في الروايات ما يستفاد منه النهي أو ليس فيها ذلك؟
فهل ورد دليل على النهي عن الخوض في المقدّمات العقليّة لاستنتاج الأحكام الشرعيّة، أو لم يرد مثل هذا النهي؟
والأخبار التي قد يتوهّم الاستدلال بها لإثبات مدّعى الأخباري في المقام طوائف:
الطائفة الأولى: وهي الأخبار الدالّة على لزوم الحكم بما أنزل الله، وحرمة الحكم بغير ما أنزل الله على رسوله.
ومن المعلوم أنَّ هذه الروايات أجنبيّة عن محلّ الكلام، بمعنى أنَّ الدليل العقلي يكون حاكماً عليها ومخرجاً لمورده عن موضوعها؛ لأنَّ كلامنا ليس في تحكيم العقل في أصل تقنين القوانين وتشريع الشرائع في قبال الله ورسوله كما يفعل الظلمة، وإنَّما كلامنا في إقامة الدليل العقلي على الحكم الشرعي، ومعنى هذا أن نستدلّ بالعقل على أنَّ هذا القانون ممّا أنزله الله على رسوله، وحينئذٍ
ــــــــــ[266]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
يكون الدليل العقلي هنا حاكماً على هذه الطائفة، ومخرجاً لمورده عن موضوعها بلا إشكال.
الطائفة الثانية: وهي الأخبار الدالّة على عدم معذّريّة الشخص الذي يدين بشيء أو يقول بشيء بدون دليل أو بدون علم، ونحو ذلك من العناوين، ومثل هذه العناوين كلّها ترتفع بالحكومة -ومقصودي: ما يعمّ الورود- بلحاظ الدليل العقلي، فإنَّ الدليل العقلي الذي هو محلّ البحث إنَّما هو الدليل العقلي القطعي، كما قلنا فيما سبق، لا الدليل العقلي الذي يشمل الظنّون والإستحسانات التخميّنيّة، وهذا الدليل العقلي القطعي يكون هدى، ويكون علماً، ويكون دليلاً لا محالة، ويخرج مورده عن موضوع هذه الطائفة الثانية كما خرج عن موضوع الطائفة الأولى.
الطائفة الثالثة: الأخبار الناهيّة عن الاستقلال في مقام استنباط الأحكام من العقل بلا مراجعة الأئمة إمّا بالإطلاق وإمّا بالخصوص. فهناك من الأخبار ما يدلّ على عدم جواز الاستقلال في مقام الاستنباط من الأئمة مطلقاً، حتّى الاستنباط من الكتاب الكريم. وهناك من الأخبار ماورد في خصوص باب الأحكام العقليّة والحدسيّة ممّا دلّ على عدم جواز الاستقلال بهذا الاستنباط بدون مراجعة الأئمة؛ تبكيتاً وتفنيداً لعلماء السنة الذين كان شأنهم استنباط الأحكام الشرعيّة من أدلّتها الأوّليّة بلا مراجعة أهل بيت العصمة (عليهم الصلاة والسلام)
ومثل هذه الروايات وإن كانت تامّةً وصحيحةً مضموناً ومدلولاً، إلَّا أنّها
ــــــــــ[267]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
لا تثبت المدّعى، فإنّنا نحن أيضاً لا نقول بجواز الاعتماد على الدليل العقلي إلَّا بعد مراجعة أهل البيت، ولهذا نحن الآن بصدد مطالعة الأخبار والروايات في هذه المسألة.
فلو فرض أنَّ إنساناً يقول بجواز الاعتماد على الأدلّة العقليّة بلا مراجعة أهل بيت العصمة، ليرى أنَّهم هل ينهون عن الخوض في المقدّمات العقليّة أو لا؛ لكان هذا مصداقا للاستقلال في مقام الاستنباط عنهم. وأمّا إذا كان الاستنباط من هذه الأمور بعد الرجوع إليهم والتأكّد من عدم وجود نهي من قبلهم للخوض في المقدّمات العقليّة فهذا لا يكون مصداقاً للاستقلال بالمقدّمات العقليّة في قبالهم، الذي هو المنهي عنه في هذه الطائفة، فهذه الطائفة أيضاً لا تكون دليلاً في إثبات مدّعى الأخباري في نفسها.
نعم، تكون دليلاً على لزوم مراجعة الأئمة، وهذا في نفسه على مقتضى القاعدة بلا حاجة إلى هذه الطائفة بعد فرض أنَّ النهي عن الخوض في المقدّمات العقليّة أمر ممكن ثبوتاً ومحتمل اثباتاً، فلا بُدَّ من الرجوع إلى الأدلّة اللفظيّة في مقام بيان أنّه موجود أو غير موجود.
الطائفة الرابعة: هي الأخبار الدالّة على من أتى بتمام الوظائف الشرعيّة من دون معرفة ولي الأمر وبغير الولاية لا يقبل منه شيء من ذلك ولا يكون مؤمناً.
وهذه الروايات إن تمت، فهي أيضا أجنبيّة عن محلّ الكلام؛ وذلك لأنَّها في مقام بيان مرتبة من مراتب القبول المساوقة مع الثواب، كما هو المصرح به في تلك الروايات: (لم يكن له ثواب ولم يقبل).
ــــــــــ[268]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وكونه لا يثاب على هذا المعنى ولا يقبل منه هذا الشيء، وكون القطع غير منجّز وغير معذّر شيء آخر وأجنبي عن محلّ الكلام.
الطائفة الخامسة: وهي الأخبار الدالّة على عدم معذّريّة من يعتمد في دينه وفي فتواه على الرأي بعنوان (لا يسعهم) ونحو ذلك من العبائر، وهذه أهم طائفة في المقام.
فهنا يقال: بأنَّ الرأي شامل لسائر الأدلّة العقليّة، فكلّ دليل عقلي فهو نحو من أنحاء الرأي، فيكون ممّا لا يسع الإنسان الاعتماد عليه، أي ممّا لا يكون معذراً، فيستكشف أنَّه منهي عنه بنحو معقول، وهو هذا النحو الذي تصوّرناه، وهو النهي السابق عن الخوض في المقدّمات العقليّة.
وقبل الاعتراف بتماميّة هذه الطائفة وإيقاع المعارضة بينها وبين ما ينبغي أن يكون معارضاً لها نقول: إنَّ من يدّعي الجزم بأنَّ هذا التعبير جرى حسب اصطلاح فقهي شائع كان معاصراً للإمام، ليس مجازفاً أبداً. بعد ملاحظة تاريخ هذه المسألة، وكيف أنَّ فقهاء السنة المعاصرين للإمام عنونوا نفس هذا اللفظ وجعلوه شعاراً لمدرستهم، وأساساً لاستنباطاتهم، فقالوا: إنَّ مصدر الاستنباط هو الكتاب والسنة والرأي، وكان الرأي في نظرهم منطبقاً على القياس ونحوه من التخمينات الظنّية التي مُنع عنها في الشريعة الإسلاميّة، خصوصاً بعد ما ورود الأخبار من منازعات الإمام مع أبي حنيفة، ومحادثات الإمام مع ابن شبرمة، وتكلماته مع أبي بصير وغيره من أصحابه في مقام ذم
ــــــــــ[269]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الرأي الذي يكون محفوفاً دائماً بالقرينة، على أنَّ المقصود منه ذلك الرأي الذي فتح بابه أبو حنيفة وأمثاله من فقهاء السنة.
مضافاً إلى ذلك أنَّه في نفس الأخبار أيضاً عبّرت بالرأي تارةً وبعدم العلم أخرى، ممّا يؤيد أنَّ الرأي أريد به معنى يساوق الأدلّة غير العلميّة لا بمعنى يشمل الأدلّة العلميّة، فمثلا قال في رواية: إياك وخصلتين: أن تدين برأي أو أن تفتي بغير علم(1).
وهذا تفنن في التعبير والمقصود منهما واحد، فإنَّه في رواية أخرى عكس المطلب، فقال: أوصيك بخصلتين: أن تدين بغير علم أو أن تفتي برأي(2). فبدلاً عن غير العلم جعل الرأي، وبدلاً عن الرأي جعل غير العلم.
فمجموع هذه القرائن والملابسات توجب للإنسان بالعقل الثالث -لا بالعقل الأوّل والثاني- الجزم والاطمئنان بأنَّ المراد بالرأي هنا هو الرأي الذي كان موضعاً للنزاع بين الأئمة وبين علماء السنة. وحينئذٍ يسقط الاستدلال به.
إلَّا أنَّه لو فرض شخص لم يحصل له مثل هذا الجزم بالعقل الثالث، فلا يمكننا البرهنة في قباله، فهنا نفرض -جدلاً- أنَّ هذه الروايات تامّة في نفسها من حيث الدلالة على عدم جواز إعمال الرأي بهذا النحو، إلَّا أنَّ هذه الطائفة معارضة بطائفتين آخريتين:
ــــــــــ[270]ــــــــــ
(1) الكافي 1: 42، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 1، المحاسن 1: 205، 5 باب النهي عن القول والفتيا بغير علم، الحديث 56. مع اختلاف يسير.
(2) الكافي 1: 42، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 2.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
إحداهما: الطائفة الدالّة على حجّيّة العقل، وعلى تحبيذ وتشجيع الاستهداء والاستنارة بالعقل، فقد ورد في بعض الروايات: أنَّ حجّة الله على خلقه هم الأنبياء والرسل، وأمّا الحجّة بين الله وخلقه هو العقل().
وهذه الروايات دالّة على جواز خوض الاستدلال العقلي ودخول هذا الباب، وهاتان الطائفتان بعد فرض تعارضهما في أنفسهما لا بُدَّ من فرض وجه للجمع بينهما، فالوجوه المتصوّرة في المقام عديدة:
الوجه الأوّل: أن يفرض موضوع كلّ من الطائفتين مطلق في نفسه؛ لأنَّ إحدى الطائفتين تنهى عن الرأي والأخرى تحبذ العقل، ونفرض أن العقل والرأي متساويان في المقام، فهما متعارضان بنحو التباين، وهناك مخصّصاً لأحدهما، وموجباً لانقلاب النسبة بينهما، وذلك أنَّ عنوان الرأي وعنوان العقل، لو فرض أنَّهما في أنفسهما متساويان، فلا إشكال ولا ريب أن العقل خرج من الأدلّة العقليّة الظنّية بمخصّص أخصّ منه، أي: خرج بالأدلّة العقليّة الظنّية لا بعمومات النهي عن الرأي، بل بالأدلّة الخاصّة على عدم جواز إعمال القياس والاستحسان و المصالح المرسلة، ونحو ذلك.
فالعقل هنا بعد التخصيص بقي خصوص العقل القطعي، فإذا بقي ذلك فيصير بلحاظ انقلاب النسبة أخصّ مطلقاً من مطلقات الرأي، فيكون بعد انقلاب النسبة مقدماً عليه بالتخصيص، فينتح حينئذٍ التفصيل في العقل بين
ــــــــــ[271]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
القطعي والظنّي، وسوف يظهر حال هذا الجمع في تضاعيف الكلام.
الوجه الثاني: أن يقال: إن روايات العقل أخصّ مطلقاً في نفسها، بلا حاجة إلى انقلاب النسبة من روايات الرأي؛ وذلك لأنَّ العقل في نفسه عندما يجعل معتمداً وملاذاً في مقام معرفة الوظيفة الشرعيّة والحكم الشرعي، فهو بنفسه يأبى من التعويل على الظنّ، فإنَّ نفس العقل القطعي يقتضي أصالة عدم الحجّيّة كما يأتي إن شاء الله بأنَّ الشكّ في حجّيّة شيء مساوق مع القطع بعدم حجيته، فنفس العقل هو يحكم بعدم التعويل على الأدلّة العقليّة الظنّية بما هي ظنية.
فالتعويل على العقل مع ملاحظة نكتة أن العقل نفسه يقول بعدم الحجّيّة في غير ما ثبتت حجّيتّه مساوق للتعويل على خصوص القطعي منه، فحينئذٍ يكون هذا في نفسه بلا حاجة إلى انقلاب النسبة أخصّ مطلقاً من روايات الرأي، باعتبار أن روايات الرأي مطلقة من حيث اعتبار كون الرأي قطعياً أو ظنياً، وروايات الاعتماد على العقل مخصوصة بالعقل القطعي بنكتة أن العقل بنفسه يأبى عن الاعتماد على الدليل الظنّي بلا دليل على حجّيتّه.
الوجه الثالث: أن نفرض أنَّ العموم بينهما هو العموم من وجه -كما هو الواقع- فالنسبة بين العقل والرأي في المقام هو العموم من وجه، فإنَّ العقل في نفسه لا يشمل الظنّون والتخمينات غير القطعيّة، فإنَّه حينما يحبذ الاعتماد على العقل، فإنَّه يتصرف عرفاً على الجزم والقطع القائم على أساس عقلي، ومورد افتراق الدليل العقلي عن الرأي هو ما كان في غير موارد استنباط الأحكام الشرعيّة، وهناك مورد افتراق آخر بالنسبة إلى الدليل العقلي وهو الأحكام
ــــــــــ[272]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
البديهيّة؛ لأنَّها لا يصدق عليها عنوان الرأي، فإنَّ عنوان الرأي فيه إعمال النظر، وهو لا يصدق على القضايا البديهيّة.
ويجتمع العقل والرأي في الدليل العقلي القطعي المعمول في مقام استنباط الأحكام الشرعيّة، وحيث يجتمعان في هذا المورد، ويقع التعارض بينهما بنحو العموم من وجه، فيتساقطان حينئذٍ في مادة الاجتماع، وبعد التساقط في مادة الاجتماع لا يبقى دليل على عدم جواز التعويل على الدليل العقلي القطعي.
ثانيهما: الطائفة الدالة على جواز التدين بالعلم، والقول بالعلم، وهي المهمة في المقام؛ لأنَّ الطائفة الأولى الدالّة على حجّيّة العقل في نفسها ضعيفة السند، ولم نر رواية منها نقية السند حسب الظاهر، فالمهم في هذه الطائفة الثانية الدالّة على جواز التدين والقول بالعلم.
وهذه الطائفة مطلقة من حيث كون العلم ناشئاً من الدليل العقلي، أو ناشئاً من الكتاب والسنة، وروايات الرأي مطلقة من حيث كون الرأي مساوقاً مع القطع أو غير مساوق معه، فالنسبة بينهما هو العموم من وجه، ومادة الاجتماع لكلِّ من الدليلين هو الرأي العقلي القطعي، فإنَّه علم من ناحية ورأي من ناحية أخرى، فتكون النسبة بين الروايات هو العموم من وجه، وفي هذا الروايات روايات صحيحة سنداً، وحينئذٍ تسقط هذه في مادة الاجتماع بالمعارضة ولا يبقى دليل النهي عن الخوض بالمقدّمات العقليّة.
وبعبارة ثانية: أنَّ العمدة في ذلك هو الطائفة الخامسة من الأخبار الناهية عن الرأي، الدالّة على أنَّ من يعمل رأيه لا يكون معذوراً.
ــــــــــ[273]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وقلنا: بأنَّ هذه الطائفة مع إمكان الطعن بعدم دلالتها في نفسها، بدعوى الجزم بأنَّ المراد بالرأي المنهي عنه في تلك الأخبار الرأي بالمعنى الإصطلاحي؛ إذ كان ثابتاً في أيامهم (عليهم الصلاة والسلام) بملاحظة القرائن التاريخيّة والروايات التي تنقل النزاع بين الأئمّة وبين أصحاب الرأي، وبلحاظ نكات وخصوصيّات أُخرى أيضاً في الروايات يستفاد منها عدم معذّريّة الردع، فمن مجموع هذه النكات يشرف الإنسان على الجزم بأنَّ المراد من الرأي هنا هو الرأي بمعنى العقل الظنّي الشامل للقياس والاستحسان ونحوهما، ولا يكون شاملاً لمحلّ الكلام، فعندئذٍ لو قطع النظر عن هذه الدعوى وفرض تماميّة إطلاق النصّ في نفسه، بحيث يشمل الرأي حتّى لو كان قطعيّاً، فيكون في قباله طائفتان يصلحان لمعارضته.
الطائفة الأولى: هي الطائفة الدالّة على حجّيّة العقل، وهذه الطائفة في مقام الجمع بينها وبين الروايات الناهية عن العمل بالرأي تتصوّر على وجوه ثلاثة:
الوجه الأوّل: أنَّ عنوان العقل وعنوان الرأي المأخوذين في الطائفتين متساويان، فكلاهما شامل للقطع والظنّ، وحينئذٍ يكونان متعارضين بنحو التباين، وعليه: فبلحاظ الطائفة الثالثة -وهي الطائفة الواردة في خصوص الظنّون العقليّة كالقياس والاستحسان ونحوه- سوف تكون مقيِّدة للطائفة الدالّة على حجّيّة العقل، ومخصّصة له بخصوص العقل القطعي، فإذا اختصّ بذلك انقلبت النسبة بينه وبين معارضه، وصار أخصّ مطلقاً منه فيخصّص، كما هو القاعدة عند القائلين بانقلاب النسبة، حيث إنَّهم إذا كان عندهم
ــــــــــ[274]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
مطلقان متعارضان بنحو التباين، وورد مخصّص لأحدهما، فيصبح هذا المخصّص عندهم أخصّ من معارضه فيخصّص المعارض.
وهذا الوجه غير صحيح صغرى وكبرى. أمّا من ناحية الكبرى: فلأنَّ التحقيق عدم تمامية انقلاب النسبة، كما يأتي في بحث التعادل والتراجيح.
وأمّا من ناحية الصغرى: فلأنَّ النسبة في المقام ليست هي نسبة التساوي بين العقل والرأي، كما سوف يظهر وجهه.
الوجه الثاني: أن يُدّعى ابتداءً أنَّ طائفة العقل أخصّ من طائفة الرأي، فإنَّ الطائفة الدالّة بنفسها على تحبيذ الاعتماد على العقل، وأنَّ العقل هدى ودليل ورائد للإنسان، مختصّة بخصوص العقل القطعي، ولا تعمّ العقل الظنّي، والنكتة في ذلك: أنَّ العقل بنفسه لا يجيز الاعتماد على الظنّ، كما سوف يأتي -إن شاء الله- من أنَّ الأصل عقلاً هو عدم الحجّيّة في كلّ مورد يشكّ في الحجّيّة. إذن، فالاعتماد على العقل مساوق لعدم الاعتماد على الظنّون، ومع الاقتصار على خصوص العقل القطعي يكون هذا مختصّاً بالعقل القطعي، والرأي يكون أعمّ من القطعي والظنّي، فيخصّص به.
وبهذا البيان يظهر بطلان الوجه الأوّل وهو دعوى التساوي، ويظهر أنّ العقل أخصّ من الرأي، فكيف يفرض التساوي بينهما؟!
إلَّا أنَّ هذا البيان أيضاً غير صحيح، كما سوف يظهر.
الوجه الثالث: أنَّ النسبة بين الموضوعين العموم من وجه، لا التساوي كما ادّعي في الأوّل، والأخصّيّة المطلقة كما ادّعي في الثاني.
ــــــــــ[275]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ومورد أخصّيّة العقل عن الرأي هو أنَّ العقل لا يشمل الرأي الظنّي، بخلاف الرأي فإنّه يشمله، والوجه في عدم شمول العقل للرأي الظنّي إمّا النكتة التي ذكرناها في البيان السابق، وإمّا دعوى ظهور نفس كلمة العقل ابتداءً بحسب المتفاهم العرفي بخصوص العقل القطعي.
ويقابله وجه أعمّيّة الرأي عن العقل، فإنَّ الرأي يشمل العقل الظنّي، بخلاف العقل، فإنَّه لا يشمله ذلك.
وأمّا مورد افتراق العقل عن الرأي، فإنَّ العقل يشمل العقل الأوّل لا محالة، بخلاف الرأي فإنّه لا يشمله، بل الرأي يكون دالّاً على إعمال النظر وحركة الفكر، وهذا لا يتناول الأوّليّات والبديهيّات وما هو ملحق بها وقريب منها في مقام الأخذ والاستنتاج.
إذن، يكون بينهما عموم من وجه، ومادّة الاجتماع لكلتا الطائفتين هو العقل القطعي، فإنَّه عقل ورأي.
وبهذا البيان يظهر أنَّ شمول الطائفتين أو إحدى الطائفتين للعقل أو الرأي المعمول في أُصول الدين في المرتبة السابقة على الحكم، لا يغيّر من النسبة شيئاً، سواء قيل: إنَّ كلتا الطائفتين شاملة أو كلاهما غير شاملة، أو إحداهما شاملة دون الأُخرى، فعلى أيّ حالٍ بينهما عموم من وجه، فعندئذٍ لا محالة في مادّة الاجتماع يسقط المتعارضان، ولا يبقى في مادّة الاجتماع -وهو العقل القطعي- ما يكون دالّاً على النهي. وهذا هو الصحيح في مقام حلّ المعارضة.
إلَّا أنَّ الشأن كلّ الشأن في تماميّة هذه الطائفة الدالّة على حجّيّة العقل من
ــــــــــ[276]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
حيث السند، فإنَّ المقدار الذي رأيناه في روايات الكافي(1) رغم أنَّ عددها يصل إلى ست وثلاثين، فمع هذا لا يكون دالّاً على المطلب، أو تكون غير نقية سنداً.
الطائفة الثانية: وهي التي تكون صالحة للمعارضة هي الطائفة الدالّة على الركون إلى العلم والاعتماد عليه، وهذه الطائفة فيها ما هو صحيح سنداً وواضح دلالة، والنسبة بين هذه الطائفة والطائفة الدالّة على النهي عن إعمال الرأي هو العموم من وجه؛ لأنَّ العلم أعمّ من أن يكون علماً ناشئاً من العقل أو من الدليل اللفظي، والرأي أيضاً أعمّ من أن يكون رأياً علميّاً أو رأياً ظنّيّاً، وتكون مادّة الاجتماع بين الطائفتين هو العقل العلمي فيسقط بالمعارضة، ويكون مقتضى القاعدة هو الحجّيّة؛ لعدم وجود نهي عن الخوض في هذه المطالب. هذا خلاصة ما بيّناه. وبه يتّضح عدم تماميّة مدّعى الأخباري في المرحلة الثالثة أيضاً.
ــــــــــ[277]ــــــــــ
( ) انظر: الكافي1:10، كتاب العقل والجهل.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
تنبيهان
ــــــــــ[279]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وقد وقع هذا الكلام في عناوين مسائلهم، وهو: أنَّ قطع القطّاع هل يكون حجّة أو لا يكون حجّة؟ بعد الفراغ عن عدم وجود إشكال من حيث القطع الموضوعي، فهل يكون داخلاً أو خارجاً؟ كلاهما ممكن؛ إذ يتبع الدليل الشرعي، فلو فرض أنَّ هناك عنواناً شرعيّاً مترتّباً على عنوان القطع، بحيث كان القطع موضوعاً للحكم الشرعي، لا طريقاً إليه، فهنا لا إشكال في إمكان شمول الموضوع إلى قطع القطّاع وفي إمكان عدم شموله؛ لأنَّ ذلك يرجع إلى جعل الجاعل، وإنّما وقع الكلام في حجّيّة قطع القطّاع الطريقي.
والمعروف بين المحقّقين أنَّ قطع القطّاع يكون حجّة، باعتبار أنّ الحجّيّة
-مثلاً- ذاتيّة القطع، ويستحيل أن يكون هناك تخصيص في قاعدة حجّيّة القطع، فكلّ قطع حجّة، وهذا أيضاً قطع طريقي فيكون حجّيّته لازمة له حتماً.
إنَّ قطع القطّاع، بمعنى: حجّيّته، وعدم إمكان ردع الشارع عنه بعد فرض حصوله هذا تامّ بلا إشكال، فإنَّ الكلام فيه هو الكلام في القطع الناشئ
ــــــــــ[281]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
من الدليل العقلي، ويأتي فيه ما قرّبناه من عدم إمكان الردع عن العمل بالقطع وحتميّة حجّيّته، ولكن بالبيان الذي نحن بيّناه، لا بالبيان المشهوري.
أمّا حجّيّته بالمعنى الآخر، بمعنى: أنَّه لم ينه عن الخوض بالمقدّمات المؤدّيّة إليه، حيث إنّنا عرفنا في بحث الأخباري أنَّ سلب الحجّيّة عن القطع له معنيان:
تارةً يكون بمعنى النهي عنه بعد حصوله، وأُخرى يكون بمعنى النهي عن الخوض في مقدّمات تحصيله.
فهنا النهي عن قطع القطّاع بالمعنى الأوّل غير معقول، حاله حال سائر القطوع الطريقيّة.
وأمّا النهي السابق، بمعنى: أنَّ قطع القطّاع حيث إنَّه ينشأ -غالباً- من اعتبار الغفلة وكثرة الاشتباه، فقد يفرض في كثير من الموارد أنّ هذه الحالة التي هي مبدأ نشوء سرعة القطع عنده قابلة للترويض وللتخفيف والمعالجة، بحيث يكون ترويضها وتخفيفها تحت الاختيار، فهنا يقع البحث في أنَّه هل لا بُدَّ لهذا القطّاع من ترويض هذه الحالة ومعالجتها أو لا؟ وهذا أمر آخر لا بُدَّ أن يقع فيه البحث وراء حجّيّة القطع بعد فرض حصوله.
وهنا تارةً: نفرض أنّ القطّاع غير ملتفت إلى وجود هذه الحالة، وأُخرى نفرض التفاته إلى ذلك -كما يحدث كثيراً- فإنَّ كثيراً من الناس يعلم إجمالاً أنَّه كثير الغفلات والاشتباهات، ولا يستطيع استيعاب النكات، فهو يقع بالغفلة خارجاً، مع أنَّه يعرف ذلك من نفسه مسبقاً؛ إذ لو فرض أنَّ القطّاع لا يعرف وجود هذه الخصوصيّة في نفسه فلا إشكال في عدم إمكان تكليفه عقلاً وشرعاً؛
ــــــــــ[282]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
لأنَّه غير ملتفت إليها حتّى يتكلّم في وجوب تخفيفها عليه أو عدم وجوبه.
وأمّا لو فرض أنّه كان ملتفتاً إلى وجود هذه الحالة عنده، فقد يقال: بوجوب هذه الحالة عليه عقلاً لا شرعاً.
وما يمكن أن يكون تقريباً للوجوب العقلي في المقام هو دعوى حصول العلم الإجمالي في كثير من الموارد لهذا القطّاع، فإنَّه قبل شروعه في قطوعه كثيراً ما يتّفق أنَّه يعلم إجمالاً أنَّه سوف يتورّط بمخالفة الواقع، نتيجة لملكة الغفلة الموجودة عنده، فيعلم إجمالاً أنَّه لو أبقى هذه الغفلة في نفسه ولم يمرن نفسه على الالتفات، ولم يعالج نفسه بالمقدار الاختياري له سوف تفوت عليه أغراض مولوية لزوميّة، نتيجة لإبقاء هذه الغفلة؛ لأنَّه مع وجودها يحصل له القطع بعدم وجوب كثير من هذه الواجبات فيتركها بحسب الخارج، ويفوت بذلك الغرض المولوي اللزومي.
فالعلم الإجمالي بوجود أغراض مولويّة لزوميّة يفوت امتثالها من ناحية بقاء هذه الغفلة، وهذا العلم الإجمالي يكون ملاكاً لحكم العقل بوجوب علاج هذه الغفلة، لسدّ باب المخالفة والتفويت من هذه الناحية، فإنَّ التفويت من هذه الناحية اختياري له، فيحكم العقل بعدم جواز التفويت بلزوم سدّ بابه.
إلَّا أنَّ هذا الفرض غريب وجديد في علم الأُصول، ولم يوجد له نظير حتّى الآن؛ وذلك أنَّه لا إشكال ولا ريب في أنَّ مخالفة التكليف إذا صدرت من المكلّف حال كون التكليف واصلاً ومقدور الامتثال، فيعاقب على مخالفته وتكون مخالفته قبيحة بحكم العقل، وإذا فرض أنَّ المخالفة صدرت منه حال
ــــــــــ[283]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
عدم كون التكليف واصلاً أو كونه مقدوراً فلا يعاقب على ذلك.
وهناك حالة متوسطة بين هذين الحالين، وهو أن يصدر منه المخالفة في حال لا يكون التكليف واجداً لهذين لشرط الوصول والقدرة، ولكنّه كان واجداً لذلك وزال وجدانه لذلك باختيار المكلّف.
وهذه الحالة المتوسطة لها فرعان:
الفرع الأوّل: ألَّا يكون الامتثال مقدوراً حين المخالفة، لكن كان مقدوراً والمكلّف بسوء اختياره أزال القدرة، وهذا الفرع موجود في الأُصول وهو ما نسمّيه بالاضطرار بسوء الاختيار، فهذا الشخص حال صدور المحرّم منه ليس مقدوراً له، إلَّا أنَّه كان مقدوراً له، وهو أزال القدرة باختياره.
وهنا قالوا في علم الأُصول: إنَّ إزالته للقدرة كانت بعد فعليّة الوجوب فيعاب؛ لأنّ الاضطرار بسوء الاختيار لا ينافي الاختيار، كما إذا كان عنده ماء واحد بعد دخول الوقت فسكبه على الأرض، فصيّر نفسه عاجزاً، فصدرت منه صلاة بلا وضوء من ناحية العجز الناشئ من ناحية إعدامه للقدرة.
وإذا فرض أنَّه أعدم القدرة بعد دخول الوقت فهذا يدخل في بحث المقدّمات المفوّتة، فهل يعاقب أو لا يعاقب؟ فعقابه أو عدمه مبني على الكلام في وجوب المقدّمات المفوّتة، أو عدم وجوبها، أو التفصيل فيما بين مورد ومورد.
الفرع الثاني: فهو ليس من ناحية القدرة، بل من ناحية الوصول، بمعنى: أنَّ التكليف كان واصلاً إلى المكلّف وكان يعلم به، إلَّا أنَّه عمل بنفسه عملاً
ــــــــــ[284]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
بحيث سلب من نفسه هذا القطع، وجعله غير واصل، كما لو فرضنا أنَّ إنساناً يعلم أنَّ هذا خمر، ويعلم أنَّه لو شرب السكنجبين فسوف ينسى هذا العلم، ويتبدّل تكويناً إلى العلم بعدم خمريّته أو إلى الشكّ في خمريّته، وحينئذٍ يشربه بعد ذلك، لكن في حال عدم وصول التكليف.
فهل إنَّ اخراج المكلّف التكليف من الوصول إلى الّلاوصول يكون على حدِّ إخراجه من القدرة إلى اللاقدرة أو لا؟ هذا هو الفرض الجديد.
فهنا لا يخرج التكليف من كونه مقدوراً إلى كونه غير مقدور، وإنَّما يحدث في نفسه خصوصيّة بحيث يزول وصول التكليف، ويعلم بأنَّ هذا المطلب سوف يؤدّي به إلى تفويت غرض المولى، إلَّا أنّه يفوّته بعد انتفاء وصوله.
فإن قيل: إنَّ من حقّ المولى في المقام عدم تفويت غرضه، ولو من ناحية إبقاء التكليف تحت دائرة حقّ المولويّة، بمعنى: أنَّ التكليف إذا كان داخلاً في دائرة حقّ المولويّة فيحرم على المكلّف عقلاً تفويته، ولو كان تفويتاً ناشئاً عن إخراجه عن هذه الدائرة، فعندئذٍ هذا الشخص يجب عليه معالجة غفلته؛ لأنَّه لو أبقى هذه الغفلة على حالها، فهو الآن قبل أن يمارس عمليّاته القطعيّة فيمارس غفلته فيها يوجد عنده تكاليف معلومة بالإجمال داخلة في دائرة حقّ المولويّة، ويدري أنّه لو أبقى الغفلة على حالها فسوف تخرج هذه التكاليف عن دائرة حقّ المولويّة، وسوف يفوّتها نتيجة لذلك.
ــــــــــ[285]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وفيه فروع:
فيما لو أودع شخص عند شخص آخر درهمين، وأودع الآخر درهماً، فصارت ثلاثة، ثُمَّ فقد واحداً وبقي اثنان.
فقال الأخباري: إنَّ الحكم هنا على ما ورد في رواية السكوني هو إعطاء أحد الدرهمين لصاحب الدرهمين وتقسيم الثاني بين الرجلين.
وحينئذٍ إذا انتقل النصفان معاً إلى شخص ثالث بالبيع ونحوه، وفرضنا أنَّ الشخص الثالث اشترى به جارية فيعلم حينئذٍ تفصيلا بعدم تملكه لهذه الجارية، وعدم جواز ترتّب آثار الملكيّة عليه، ومع هذا العلم التفصيلي جوّز الشارع له ترتيب الآثار.
أمّا من الناحية الفقهيّة للفرع في نفسه، فهنا صورتان لهذا الفرع:
الصورة الأولى: أن يفرض أنَّ هذه الدراهم الثلاثة التي ضاع منها واحد، قد امتزجت وضاع منها واحد بعد امتزاجها.
ــــــــــ[286]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الصورة الثانية: أن يفرض أنَّه بلا امتزاج ضاع منها واحد، وتردّد الأمر بينهما، كما لو كان قد أودع كلّ درهم في خزانة، وضاع أحد الدراهم، فلم يدر أنَّ هذا الدرهم هل هو لصاحب الدرهمين أو لصاحب الدرهم الواحد، وفي الصورة الثانية فرعان:
الفرع الأوّل: إذا حصل الامتزاج والاختلاط، ثُمَّ ضاع درهم واحد، فهنا وجوه ثلاثة:
الوجه الأوّل: أن يقال بإعطاء صاحب الدرهمين درهماً، وتقسيم الدرهم الثاني بينهما -كما حدّث الأخباري- وذلك: إمّا استناداً إلى رواية السكوني، وإمّا إلى قاعدة العدل والإنصاف.
الوجه الثاني: أن يقال بإعطاء صاحب الدرهمين درهماً وثلثاً، وإعطاء صاحب الدرهم الواحد ثلثين، وذلك من باب حصول الشركة بالامتزاج، فإنَّ هذه الدراهم بعد أن اختلطت حصلت الشركة بينهم بنسبة واحد من ثلاثة، فإذا ضاع ثلثها، فلا بُدَّ من تنزيل كلّ من الشريكين على النسبة أيضاً، فينقص من صاحب الدرهمين ثلثي درهم، ومن الآخر ثلث درهم، فيعطى لصاحب الدرهم درهم وثلث وللآخر ثلثا درهم.
الوجه الثالث: أن يعطى الدرهم الأوّل لصاحب الدرهمين، ويقرع للدرهم الثاني، وأيّهما أصابته القرعة يعطى له، بملاك دليل القرعة.
وأمّا قاعدة العدل والإنصاف، حيث يقال: إنَّ نسبة هذا الدرهم الثاني إلى كلّ من الشخصين على حدّ واحد، بحسب مقام الاثبات والاحتمال، فهو مراد
ــــــــــ[287]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
بينهما ولا ترجيح لأحدهما على الآخر اثباتاً، فمقتضى العدل هو عدم الترجيح الاعتباطي والجزافي، وأن يقسم المال بينهما نصفين، ومن هنا سمّيت بقاعدة العدل والإنصاف.
أمّا الرواية فهي ضعيفة السند من ناحية النوفلي عن السكوني، فلا يمكن الاعتماد عليها.
وإنَّما الكلام في قاعدة العدل والإنصاف التي ذهب إلى تماميتها جملة من الفقهاء، ومنهم السيّد الأُستاذ(1) حيث ذكر: أنَّ هذه القاعدة من القواعد العقلائيّة الممضاة شرعاً، وبمقتضى هذه القاعدة يحكم في سائر الموارد المشابهة بتنصيف المال بين الشخصين اللذين يعلم بكون المال لأحدهما.
ودليل هذه القاعدة هو السيرة العقلائيّة، فإنَّها قائمة على أنَّه في موارد دوران الأمر بين إيصال بعض المال إلى المالك جزماً، مع عدم إيصال بعض إليه أيضاً في الجملة، وبين اعطائه بوجه احتمالي بحيث لا يجزم بوصول شيء من المال إلى مالكه؛ وذلك لأنّهم يرجحون اعطاء نصف الدرهم إلى المالك على إعطاء تمام الدرهم إلى من يحتمل كونه مالكاً، بحيث يحتمل أنَّه لا يصل إلى المالك شيء.
وقولنا: بأنَّ الحاكم حينما يحكم بالتنصيف في المقام بمقتضى قاعدة العدل والإنصاف، يكون شأنه شأن من صرف بعض المال حسبة في مقام إيصال المال إلى مالكه، والمفروض أنَّ المال يتلف إذا لم يصل إلى مالكه، فيصرف منه حسبة
ــــــــــ[288]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 80.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
في مقام إيصاله إلى المالك، فهذا يشبه ما نحن فيه، ويكون أيضاً من هذا القبيل، ومقصوده -طبعاً- هو تقريب المطلب، لا المقايسة الحقيقية ما بين الفرعين، فهنا أيضاً الحاكم الذي يحكم بالتنصيف بإيصال شيء من المال إلى المالك جزماً، واعطاء نصف الدرهم إلى غير المالك إنَّما هو من باب المقدّمة العلميّة لإعطاء شيء من المال إلى غير المالك، ومبنياً عليها ذكر: أنَّه بعد فرض التنصيف بينهما، فإنَّه يحكم ظاهراً بملكيّة كلّ من هذين للنصف الذي أخذه، ويترتب عليه آثار الملكيّة بالنسبة إليه.
وأجاب سيّدنا الأُستاذ عن سؤال حول ثبوت السيرة العقلائيّة: أنَّه في الموارد التي يكون أمر المال دائراً بين شخصين، لو استشير العقلاء بحسب طبعهم في مثل هذا المطلب، فإنَّهم يحكمون بأنَّ أحسن طريق هو تنصيفه وإعطاء كلّ واحد منهما نصفاً، فالعقلاء في المحاكم العقلائيّة يحكمون بذلك، وحيث إنَّ هذه السيرة ممضاة من قبل الشارع، فيثبت بها قاعدة العدل والإنصاف.
التحقيق
تارةً: يكون الكلام في ثبوت قاعدة العدل والإنصاف في مورد المخاصمة والمرافعة، بمعنى: كونها من موازين فصل الخصومة شرعاً ومن مدارك حكم الحاكم الشرعي، وتارةً أُخرى: يقع الكلام في حجّيتّها في نفسها بقطع النظر عن باب المرافعة والمخاصمة.
ومن المعلوم أنَّه لا ملازمة بين كون الشيء جعل حجّة في مقام فصل
ــــــــــ[289]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الخصومة للحاكم، وبين كونه حجّة في نفسه في مقام ترتيب آثار للواقع، فقد يثبت الأوّل دون الثاني، وقد يكون الثاني ثابتاً دون الأوّل.
فالقرعة مثلاً في بعض الموارد ثبت كونها فاصلاً للخصومة، بحيث تكون القرعة ملاكاً للفصل على حدِّ ملاكية البيّنة واليمين، ولكن القرعة ليست حجّة في نفسها في سائر الموارد في مقام ترتيب آثار الواقع، فلو فرض أنَّ شخصاً اشتبه في تعيين من هو المالك لهذا المال من هذين الشخصين، ولم يكن هناك أثر فعلي بالنسبة إليه على تقدير ملكيّة هذا أو ذاك، ففي مثل ذلك لا معنى للقرعة في مقام ترتيب الأثر حتّى لا تكون ملكيّة كلّ منهما منشأ لأثر إلزامي بالنسبة إليه، فالقرعة فاصلة للخصومة وليس حجّة في نفسها.
وقد يكون الشيء حجّة في نفسه ولا يكون فاصلاً للخصومة كالاستصحاب مثلاً، فإنَّه في نفسه حجّة في مقام اثبات آثار الواقع وترتيبها، إلَّا أنَّه لا يكون فاصلاً للخصومة، فالحاكم لا يجوز له أن يحكم على مقتضى الاستصحاب، فهذان سنخان من الحجّيّة، ولا تلازم فيما بينهما.
والمدّعى مشوش في كلمات السيّد الأُستاذ؛ وذلك لأنَّه لو اقتصر على ما أفاده أوّلاً لأمكن حمله على الحجّيّة في مقام ترتيب الآثار، إلَّا أنَّه بلحاظ قوله: إنَّ الحاكم يحكم بالتنصيف من باب الحسبة، فهذا يُشعر بأنَّه ناظر إلى مورد المرافعة والمخاصمة أيضاً إلى التي يرجع فيها إلى حكم الحاكم.
وعلى أيّ حالٍ فإن كان المدّعى في المقام هو حجّيّة قاعدة العدل والإنصاف بعنوان كونه فاصلاً للخصومة بالسيرة العقلائيّة، فهذا ممّا لا يمكن المساعدة
ــــــــــ[290]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
عليه؛ وذلك لأنَّه ما أكثر السير العقلائيّة التي كانت متعارفة قبل الإسلام وبعده في مقام فصل الخصومة بموازين باطلة، وردع عنها بقوله عليه الصلاة والسلام: “إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ والْأَيْمَانِ“(1). فمقتضى عموم الحصر هنا أنَّ فصل الخصومة ينحصر بخصوص البيّنة واليمين، ولا يلتزم بفاصليّة شيء آخر إلَّا بدليل يكون مخصّصاً لهذا العموم، كما دلّ دليل في بعض الموارد على التخصيص، وكما دلّ دليل على فصل الخصومة بالإقرار بناءً على القول به أو بالقرعة كما أشرنا.
وأمّا مجرّد السيرة العقلائيّة فلا تصلح أن تكون دليلاً على جعل فاصل جديد للخصومة في قبال الأيمان والبينات؛ لأنَّ الحصر في قوله: “إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ والْأَيْمَانِ” هو حصر بصدد بيان عدم فاصليّة غير هذه الأمور، وبصدد الردع واستنكار فاصليّة غير هذين الأمرين.
فالسيرة العقلائيّة في المقام لو فرض تماميتها فهي مردوع عنها بهذا الحديث المستفيض الدالّ على حصر ما يكون فاصلاً للخصومة بالبينات والأيمان، ولا معنى حينئذٍ للاستدلال بالسيرة العقلائيّة، وهذا واضح.
إذن، في مورد الخصومة والمرافعة عند الحاكم لا نقول بجريان قاعدة العدل والإنصاف.
وأمّا إذا أدّعى جريان قاعدة العدل والإنصاف بمعنى كونها حجّة في نفسها، لا بمعنى كونها فاصلاً للخصومة، والحاكم الشرعي قد يقوم ببيان هذا
ــــــــــ[291]ــــــــــ
(1) الكافي 7: 414، باب أن القضاء بالبينات والأيمان، الحديث 1.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
المطلب، فكما يبين أنَّ الاستصحاب يجري في المقام، يبين أيضاً أنَّ قاعدة العدل والإنصاف جارية، لا من باب أنَّه يحكم، بل من باب أنَّه يكون في مقام بيان حكم الله في المسألة.
فإذا كان المدّعى حجّيّة قاعدة العدل والإنصاف في نفسها، فحينئذٍ لو خُلّينا نحن ومقتضى القاعدة فهنا صورتان:
الصورة الأولى: أنَّ هناك مكلفاً قد تعلّق به إلزام بإيصال المال إلى مالكه، ويدور أمر المالك بين شخصين، بحيث يدور أمره بين اعطاء المال إلى هذا الشخص أو إلى هذا الشخص.
الصورة الثانية: ليس هناك شخص يكون موضوعاً لإلزام شرعي من ناحية إيصاله إلى المالك، فإنَّه مال لا يجب على شخص بالخصوص إيصاله إلى مالكه -فالفرض كما في صورة الوديعة والأمانة ونحو ذلك- فلو فرضنا أنَّه استودع من شخص درهماً، فهنا يجب عليه بعنوان ردّ الأمانات إلى أهلها إيصال هذا المال إلى مالكه، واشتبه مالك هذا المال فلا يعرف أنَّه زيد أو عمرو.
وأُخرى يفرض أنَّ هناك مالاً لا يكون الإنسان ملزماً بإيصاله إلى مالكه، إلَّا أنَّ مالكه في الواقع مردّد بين شخصين، ونفرض أنَّ كلا الشخصين منهما لا يدّعي هذا المال؛ لأنّهما إذا ادعياه يدخل في القسم الأوّل من باب المرافعة والمخاصمة، بل كلّ واحد منهما يقول: احتمل أنَّ هذا المال لي. فالإشكال يتمحض في أنَّه كيف يصلّ كلّ من المالكين إلى حقّه، لا كيف يوصل ثالث المال إلى المالك طبقاً للوظيفة الشرعيّة.
ــــــــــ[292]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فالإشكال في الفرض الأوّل بلحاظ الشخص الثالث الذي يجب عليه إيصال المال إلى مالكه وهو مردّد.
وأمّا هنا فلا إشكال من ناحية الشخص الثالث؛ لأنَّه لا يجب عليه إيصاله إلى مالكه، فليبق معلّقاً بين الأرض والسماء، وإنَّما الإشكال فقط بين نفس الشخصين اللذين يتردد ملكيّة المال بينهما، بعد فرض أنَّ كلّاً منهما ليس مدّعيّاً للملكيّة، ففي مثله لا بُدَّ من تشخيص وظيفة هذين الشخصين.
وهنا فرضان:
الفرض الأوّل: وهو ما إذا فرضنا أنَّ الشخص الآخر كان موضوعاً لإلزام شرعي، في إيصال المال إلى مالكه، وتردد أمر المالك عنده ما بين هذين الشخصين، فقهراً يدور أمره بين الموافقة القطعيّة في نصف الدرهم الملازم مع المخالفة القطعيّة في نصف الدرهم الآخر، وبين الموافقة الاحتمالية في كلا النصفين الملازم مع المخالفة الاحتمالية في كلا النصفين.
فلو خُلّينا نحن ومقتضى القاعدة فمقتضاها هو اختيار الموافقة الاحتمالية في كلّ من النصفين المساوقة للمخالفة الاحتمالية لكلِّ من النصفين؛ وذلك لا باعتبار تطبيق قوانين باب العلم الإجمالي في المقام، فإنّه قد يتوهّم أنَّ هذا الفرض من صغريات باب علمين إجماليين، فيدور الأمر بين الموافقة القطعيّة لأحدهما والمخالفة القطعيّة للآخر، وبين الموافقة الاحتمالية لكلِّ منهما مع المخالفة الاحتمالية لكلّ منهما.
وفي المقام إذا جعلنا كلّ نصف درهم موضوعاً لعلم اجمالي، فيصير عندنا
ــــــــــ[293]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
علمان إجماليان: علم إجمالي بوجوب إيصال هذا النصف إلى أحد الشخصين، وعلم إجمالي بوجوب إيصال النصف الآخر إلى أحدهما، فحينئذٍ الأمر يدور بين الموافقة القطعيّة لأحد العلمين مع المخالفة القطعية للآخر، وبين المخالفة الاحتمالية لكلِّ منهما مع الموافقة الاحتمالية لكلِّ منهما.
والسبب في عدم تطبيق قوانين باب العلم الإجمالي أنَّ الواقع منجّز لا بمقدار الجامع. فهنا المنجّز هو الإيصال إلى المالك، والمالك مشكوك في المقام، فهنا ليست المنجّزيّة بمقدار الجامع كما في سائر موارد العلم الإجمالي، فهو يجب عليه الاتيان بالجامع، أي: الموافقة الاحتمالية، فلو أتى بالموافقة الاحتمالية لكلِّ منهما لكان هذا كافياً، وأمّا في المقام فالتنجّز بمقدار الواقع لا بمقدار الجامع، والشكّ هنا شكّ في الفراغ، وشكّ في كون هذا مصداق للواجب، لا شكّ في أصل التكليف.
إذن، هنا الموافقة القطعيّة في نفسها واجبة لكلّ من النصفين، فإنّنا لو خُلّينا وكلّ من النصفين، فمقتضى الشغل اليقيني الفراغ اليقيني في مثل هذا المقام، ففي موارد العلم الإجمالي نختار أنَّ المخالفة الاحتمالية لكلّ منهما يقدّم على الموافقة القطعيّة لأحدهما، باعتبار أنَّ تنجيز العلم الإجمالي إنَّما هو بمقدار الجامع، وبمقداره لا تنافي بين العلمين الإجمالين، فلو وافق موافقة احتمالية لكلّ منهما، فبمقدار الجامع قد حصلت الموافقة لكلّ من الطرفين، فحينئذٍ لا مسوغ للمخالفة القطعيّة لأحد العلمين الإجمالين.
أمّا في المقام فالواقع هنا منجّز، باعتبار العلم التفصيلي بوجوب ردّ هذا إلى المالك، غاية الأمر أنَّ المالك مشكوك الانطباق، فهنا ليس من باب قانون العلم
ــــــــــ[294]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الإجمالي، إلَّا أنَّه مع هذا، لو خُلّينا نحن والأدلّة الأوّليّة، فمقتضى القاعدة هو تقديم الموافقة الاحتماليّة مع المخالفة الاحتماليّة، على الموافقة القطعيّة مع المخالفة القطعيّة.
والنكتة في ذلك: هو أنَّ الشق الأوّل -وهو الموافقة القطعيّة مع المخالفة القطعيّة- يلزم منه لا محالة تقييد دليل الحكم الواقعي، بمعنى: تقييد دليل حرمة تفويت مال الغير واعطائه لغيره بدون إذنه.
إذ لا معنى مع الترخيص في إعطاء مال الغير إلى الغير بلا إذنه، ولا معنى لبقاء الحرمة الواقعيّة على حالها، فإنَّ المفروض في الشق الأوّل أنَّ هذا المكلف يعطي نصف درهم إلى هذا ونصف إلى ذاك، فهو مرخص في إعطاء أحد النصفين إلى غير مالكه، ومع هذا الترخيص في المخالفة القطعيّة يستحيل بقاء الحكم الواقعي على إطلاقه مع الترخيص بمخالفته القطعيّة، وهذا يكون من باب الردع عن القطع.
وبتعبير آخر: أنَّ الترخيص هنا ترخيص واقعي لا ترخيص ظاهري، فعلى الشقّ الأوّل لا بُدَّ من الالتزام بتقييد إطلاق الواقع، وهذا بخلافه على الشقّ الثاني، فإنَّه لا يكون هنا ترخيص في المخالفة القطعيّة، وإنَّما هنا ترخيص في المخالفة الاحتمالية، والترخيص فيها أمر معقول ويجتمع مع الواقع على حاله، فهو ترخيص ظاهري، والواقع ثابت على واقعه.
فإذا عرفنا أنَّ الترخيص في الشق الأوّل ترخيص واقعي يستحيل اجتماعه مع إطلاق الواقع، والترخيص في الثاني ظاهري يمكن اجتماعه مع إطلاق
ــــــــــ[298]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الواقع. إذن، فإطلاق دليل الحكم الواقعي بنفسه يعني الشقّ الثاني في قبال الشقّ الأوّل؛ لأنَّ الشق الأوّل مساوق مع التقييد الواقعي المساوق مع تقييد إطلاق دليل الحرمة الواقعيّة.
بخلاف الشقّ الثاني، فإنَّه مساوق مع الترخيص الظاهري الملائم مع بقاء إطلاق دليل الحرمة الواقعية، فإطلاق دليل الحرمة الواقعيّة يكون معيناً للشقّ الثاني في قبال الشقّ الأوّل.
والآن نأتي إلى السيرة لنرى أنَّ هذه السيرة هل تكون دليلاً على الحجّيّة في قبال مقتضى القاعدة أو لا تكون؟ وهذه السيرة المستدلّ بها في المقام لها مدلولان، كما يظهر من تقريب السيّد الأُستاذ(1).
أحدهما: هو تقديم الموافقة القطعيّة في النصف المساوق مع المخالفة القطعيّة في النصف الآخر على الموافقة الاحتماليّة في كلا النصفين المساوقة مع المخالفة الاحتماليّة في كلّ من النصفين، فهذا التقديم يثبت السيرة العقلائيّة.
ثانيهما: هو أنه يحكم ظاهراً بملكيّة كلّ من الشخصين للنصف الذي يعطى.
وهذا المدلول الثاني غير ملازم مع المدلول الأوّل، فإنَّه يمكن أنَّ يفرض المدلول الأوّل بدون الثاني، فيمكن أن نقول: إنَّ مقتضى القاعدة هو الموافقة القطعيّة لأحدهما المساوق مع المخالفة القطعيّة للآخر، فنعطي هذا نصفاً وهذا نصفاً، والودعي الأمين تبرأ ذمته.
ــــــــــ[296]ــــــــــ
(1) انظر: مصباح الأُصول 1: 62-65.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
يبقى أنَّه هل يحكم بملكية كلّ واحد منهما لماله أو لا؟ وإنَّما يبقى كلّ منهما بينه وبين ربه إن كان يعرف أنَّه مالك فيجوز له أن يتصرّف به، وإلَّا فلا يجوز إلَّا باسترضاء الآخر مثلاً، فالسيرة العقلائيّة المستدلّ بها لها مدلولان:
الأوّل: هو تعيّن الشقّ الأوّل في قبال الثاني بحسب وظيفة هذا الشخص الثالث.
الثاني: أنَّه يحكم ظاهراً بملكية كلّ من الشخصين للنصف الذي قبضه.
أمّا المدلول الأوّل -وهو تقديم الشقّ الأوّل على الشقّ الثاني- فلا معنى للاستدلال عليه بالسيرة العقلائيّة؛ لأنَّ هذا يرجع إلى باب التزاحم، فنفرض هنا غرضين باعتبار نصفي الدرهم، أو التحصيل الاحتمالي لكلّ من الغرضين الملازم مع التفويت الاحتمالي لكلّ من الغرضين.
وهنا لا بُدَّ وأن نفرض أنَّ الغرضين متساويان في أنفسهما، لا أنَّ أحدهما أهمّ من الآخر، ونفرض أنَّ الاحتمالين متساويان في أنفسهما، لا أنَّ أحدهما أقوى من الآخر، وأن نفرض أنَّه ليس هناك داعٍ إلى تحصيل إلَّا نفس هذين الغرضين، يعني: لا يوجد هناك غرض ثالث يكون هو المرجّح لأحد الشقين على الآخر، بحيث لا ترجح إلَّا من ناحية نفس هذين الغرضين.
وحينئذٍ نرى أنَّ هذين الغرضين المستجمعان لهذه الشروط هل يكون لهما محرّكيّة تكوينيّة، فيما لو كانا غرضين تكوينيين قائمين في نفس الشخص، كما لو أنَّ شخصاً غرق اثنان من أصدقائه، وأمره دائر بين أنَّ ينقذ أحدهما جزماً مع فوات الآخر جزماً وبين أنَّ ينقذهما معاً احتمالاً، بأن يحاول الجمع بينهما في مقام الانقاذ، وهذه المحاولة تلازم مع عدم انقاذهما معاً.
ــــــــــ[297]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ومثله ما لو كان غرضاً تشريعيّاً، بحيث يتعلّق بفعل العبد، فعندئذٍ هذا الغرض المستجمع لهذه الشروط هل يكون اقتضائه للمحرّكيّة بالنسبة إلى الشقّ الأوّل أقوى، أو بالنسبة إلى الشقّ الثاني أقوى؟
هذه الأقوائيّة لا معنى لتعيّنها بالسيرة العقلائيّة، إلَّا أن نؤولها بقولنا: إنَّها بمعنى استكشاف الأقوائيّة الواقعيّة من عمل العقلاء، حيث إنَّ عملهم على طبق أقوائيّة الغرض، فنستكشف من عملهم كون هذا الغرض أقوى.
إلَّا أنَّه لا نحتاج إلى استكشافه من عمل العقلاء، فإنَّ كلّ إنسان يرجع إلى نفسه، فيرى أنَّه في ضمن هذه الشروط والقيود، فمحرّكيّة الغرض نحو الشقّ الأوّل أقوى، أو نحو الشقّ الثاني أقوى.
فالمسألة على هذا ترجع إلى باب التزاحم، ولا بُدَّ من تشخيص نسبة الغرض إلى كلّ من الشقين. فينظر الغرض بالنسبة إلى الشقّ الأوّل هل هو أقوى تحريكاً، أو بالنسبة إلى الشقّ الثاني يكون أقوى؟ تحريكاً، وبمجرّد بناء العقلاء على تقديم أحد الشقّين لا يكون كافياً في المقام.
وأقوائيّة أحد الشقّين من الشقّ الآخر، مع حفظ هذه الشروط أمر واقعي لا يختلف فيه فرد عن فرد، فهذه الحالة الواحدة إذا فرضت أقوى في مورد فهي أقوى في كلّ مورد، فلا يحتمل الفرق بين شخص وشخص من هذه الناحية، بحيث إنَّه في نفس شخص يكون هذا أقوى وفي نفس شخص آخر يكون ذاك أقوى، فإذا جزم بأنَّ هذه الخصوصيات المحفوظة في فرضه محفوظة أيضاً في الأحكام الشرعيّة، فحينئذٍ يقيس الحكم الشرعي عليه، وإذا لم يجزم بهذا واحتمل الفرق فلا يمكنه أنَّ يحكم.
ــــــــــ[298]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
والصحيح هو هذا، فمع حفظ سائر الخصوصيات والنكات يكون الشيء المحسوس وجداناً هو أنَّ هذا الشقّ الذي يدّعى قيام السيرة العقلائيّة عليه هو الأقوى، إلَّا أنَّه يقدّم حينئذٍ لا باعتبار بناء العقلاء وعملهم، بل باعتباره أقوى في المقام بباب الغرضيّة، وباعتبار تطبيق باب التزاحم عليه. هذا بالنسبة إلى المدلول الأوّل.
وأمّا بالنسبة إلى المدلول الثاني، فالأمر كما أفاده، فهذه الملكيّة الظاهريّة حكم من الأحكام الثابتة بحسب ارتكاز العقلاء، وبحسب عمل العقلاء وجريهم الخارجي، فإنَّهم إذا قسّموا الدرهم بين الشخصين اعتبروا كلا من الشخصين مالكاً لهذا النصف ملكيّة ظاهريّة، طبعاً الملكيّة الظاهريّة بالنسبة إلى غير المعطي، أمّا المعطي فهو لعله أعرف بواقعه من غيره، ولكن بالنسبة إلى غير المعطي يعتبر مالكاً له، بحيث يجوز لشخص آخر أن يشتريه منه أو أيّ معاملة أخرى.
فإثبات هذا المطلب بالسيرة العقلائيّة لا بأس به، باعتبار امضاء الشارع لها وتقريره اياها على كلام كلّي في باب السيرة، وتوضيح أساس هذا المطلب يأتي إنَّ شاء الله في محلّه.
هذا تمام الكلام في قاعدة العدل والإنصاف.
نعم، نسيت شيئاً واحداً: وهو أنَّ حجّيّة قاعدة العدل والإنصاف في مقام فصل الخصومة، لا يمكن الاستدلال عليها بالسيرة العقلائيّة كما قلنا، ولكن ما يمكن أن يكون دليلاً على التنصيف في مقام فصل الخصومة، هو الروايات
ــــــــــ[299]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الواردة في مقام التنصيف بين متداعيين يدّعيان المال الواحد، وأقام كلّ واحد منهما البيّنة، ولم يكن لأحد البينتين مرجّح على الأخرى. فهنا حكم بالتنصيف، أي: جعل التنصيف والرجوع إلى ما نسمّيه قاعدة العدل والإنصاف، والاستدلال بهذه الروايات مبني على أنَّ نستفيد منها أنَّه لا دخل لغرض تعارض البينتين في فصل الخصومة، وأنَّ تعارض البينتين إنَّما له دخل باعتبار أنَّه جعله كالعدم، لا باعتبار أنَّ تعارض البينتين بما هو تعارض البينتين دخيل في جعل التنصيف فاصلاً للخصومة، فإن استظهرنا أنَّ تعارض البينتين لا دخل له، وإنَّما هو من باب كأنّه لا بيّنتين، فحينئذٍ يتمّ الاستدلال بالإطلاق، وإن قلنا: إنَّ مقتضى الجمود على اللفظ هو الاقتصار على خصوص مورد تعارض البينتين، فلا يمكن التعدي عن مورد النصّ إلى غيره.
وبعبارة أُخرى: أنَّ الودعي يمكن تقسيمه إلى فرعين:
أحدهما: في فرض عدم الاختلاط.
ثانيهما: في فرض الاختلاط.
أمّا إذا اختلطت هذه الدراهم الثلاثة، وضاع منها واحد، وتردّد المفقود بين أن يكون لصاحب الدرهمين، أو لصاحب الدرهم الواحد، فهنا وجوه ثلاثة:
ــــــــــ[300]ــــــــــ
() أعاد سيّدنا الأُستاذ في هذه المحاضرة نفس مسألة المحاضرة السابقة، مع بعض الإضافات وتغيير بعض المباني في عدّة موارد، بالإضافة إلى كونها منظمة أكثر من السابقة من حيث البيان؛ لذا فقد اقتضى إعادة كتابتها. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الوجه الأوّل: إعطاء صاحب الدرهمين أحد الدرهمين، وتنصيف الدرهم الآخر بين الرجلين، باعتبار أنَّ كلّاً منهما يحتمل أن يكون هو المالك، فينصّف بينهما.
وهذا التنصيف إمّا أن يستند فيه إلى خبر السكوني الوارد في خصوص هذه المسألة، أو يستند فيه إلى قاعدة العدل والإنصاف التي استدلّ بها السيّد الأُستاذ، وبنى عليها مستدلاً بالسيرة العقلائيّة.
أمّا رواية السكوني فلا يمكن الاعتماد عليها في المقام، وذلك لضعف سندها، فيبقى الكلام في قاعدة العدل والإنصاف التي استدلّ عليها في كلماته في السيرة العقلائيّة.
وتفصيل الكلام في ذلك: أنَّ حجّيّة قاعدة العدل والإنصاف المدّعاة في كلماته، إمّا أن يقصد بها حجّيّتها في مورد المخاصمة، بحيث تكون من الأُمور التي يفصل بها الحاكم الخصومة، كالبيّنة واليمين ونحو ذلك، وإمّا أن يكون المقصود هو حجّيّة القاعدة في نفسها، وفي مقام ترتيب الآثار، فإنَّه من المعلوم أنّ الحجّيّة بأحد المعنيّين لا يستلزم الحجّيّة بالمعنى الآخر، فقد يكون شيء حجّة في مقام فصل الخصومة، إلَّا أنَّه لا يكون حجّة في نفسه في مقام ترتيب الآثار كاليمين مثلاً، فإنَّه حجّة في مقام فصل الخصومة، إلَّا أنَّه ليس حجّة في نفسه، فلو أنَّ إنساناً أقسم لنا على مطلب لا يكون يمينه حجّة بالنسبة إلينا في مقام ترتيب الآثار.
والعكس واضح، فإنَّ سائر الأُصول العمليّة والأمارات تكون حجّجاً في
ــــــــــ[301]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
مقام ترتيب آثار الواقع، إلَّا أنَّه لا يصحّ فصل الخصومة بها. إذن، فهذان معنيان للحجّيّة أحدهما لا يساوق الآخر.
فإمّا أن يدّعي الحجّيّة في موارد المخاصمة وبعنوان فصل الخصومة، كما يناسبه تعبيره بأنَّ الحاكم يحكم بالتنصيف، والتمثيل للمقام بسائر موارد حكم الحاكم، وإمّا أن يكون المقصود منه الحجّيّة في نفسها.
فإن أُريد بها الحجّيّة في موارد المخاصمة، بمعنى: تكون السيرة العقلائيّة قد انعقدت في موارد المخاصمة بين شخصين يدّعي كلّ منهما المال، ولا دليل لأحدهما على إثبات دعواه، فله أن يعطي هذا المال لهما معاً بالتنصيف، ومحصّل هذه السيرة العقلائيّة هو قاعدة العدل والإنصاف.
وعندئذٍ يرد عليه: أنَّ السيرة العقلائيّة لا يمكن أن تكون حجّة في مورد الخصومة وبعنوان كونه ملاكاً لفصل الخصومة، وذلك: بعد ورود العموم الرادع عن غير البيّنة والأيمان، وهو قوله: “إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ والْأَيْمَانِ“(1) فإنَّ هذا العموم الخاصّ للقضاء بالبيّنات والأيمان بنفسه وارد في مقام استنكار غير هذين الميزانين، وحصر ما ينبغي أن يقضى به بخصوص هذين الأمرين.
إذن، فمثل هذا العموم ينفي ميزانيّة أيّ شيء آخر غير البيّنة واليمين في مقام فصل الخصومة، ويكون رادعاً عن السيرة العقلائيّة الدالّة على الميزانيّة، إلَّا إذا ورد تخصيص لهذا العموم في مورد فيلتزم بالتخصيص، كما ورد في بعض
ــــــــــ[302]ــــــــــ
(1) الكافي 7: 414، باب أن القضاء بالبينات والأيمان، الحديث 1.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الموارد كالإقرار عند بعض الفقهاء، والقرعة في بعض الموارد تكون فاصلة للخصومة، ففي موارد التخصيص يلتزم به.
وفي غير موارد التخصيص يرجع إلى هذا العموم، فلا يمكن بالسيرة العقلائيّة، إثبات كونه حجّة، بمعنى: كونه فاصلاً للخصومة.
نعم، يمكن توجيه قاعدة العدل والإنصاف وبيان حجّيّتها في مقام المخاصمة -لا بالبيان الذي بيّنه الأُستاذ، وهو السيرة العقلائيّة- بل بالتمسّك بالدليل اللفظي؛ وذلك للروايات الواردة في مقام فرض مدعيّين أقام كلّ منهم البيّنة، وتعارضت البيّنتان ولم يكن هناك مرجّح لأحدى البيّنتين على الأُخرى، فإنّ الإمام هنا يحكم بالتنصيف بينهما، وظاهر الحكم أنّه حكم بالتنصيف في مقام إنشاء فصل الخصومة، فيكون هذا جاعلاً للحجّيّة لهذه القاعدة بعنوان فصل الخصومة.
والاستدلال بهذا الدليل يتوقّف على نكتة، وهي: أن نرى أنَّ هذه الحجّيّة المجعولة لهذه القاعدة، هل تختصّ بخصوص مورد تعارض البيّنتين، أو أنَّها تعمّ سائر الموارد التي لا يكون هناك حجّة أُخرى فاصلة للخصومة في مرتبة أسبق وأرقى وأكمل.
ومقتضى الجمود على اللفظ الاقتصار على خصوص مورده، وهو مورد تعارض البيّنتين، فكأنّ وجود بيّنتين متعارضتين له دخل في مقام جعل الحجّيّة لقاعدة العدل والإنصاف.
وأمّا مقتضى الفهم العرفي فهو أنَّ فرض تعارض البيّنتين استطراقاً إلى جعل حجّيّة قاعدة العدل والإنصاف، معناه: فرض أنَّه لا بيّنة، ولا يفهم
ــــــــــ[303]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
العرف أنّ التعارض بما هو تعارض له دخل في جعل قاعدة العدل والإنصاف، وإنَّما يفهم من ذلك أنَّ التعارض دخيل في القاعدة بما أنَّه بحكم عدم البيّنة، وكأنّه المقصود من هذه القاعدة فاصل للخصومة في طول البيّنة، ففي فرض لا يمكن الفصل بالبيّنة يفصل بين المدعيّين بقاعدة العدل والإنصاف.
ومع استظهار ذلك تلغى خصوصيّة التعارض، ويستفاد من مثل هذا النصّ كون قاعدة العدل والإنصاف حجّة في مقام فصل الخصومة على وجه الإطلاق، ولا بأس بذلك. هذا إن أُريد بالحجّيّة الحجية في مقام المرافعة والمخاصمة.
وأمّا إذا أُريد من الحجّيّة الحجّيّة في نفسها في مقام ترتيب آثار الواقع، فهنا صورتان:
الصورة الأولى: نفترض أنَّ هناك شخصاً ثالثاً غير من دار أمر المال بينهما، وهذا الشخص الآخر مكلّف في إيصال المال إلى مالكه، ومالكه مردّد بين هذين الشخصين، فيتكلّم في تكليف هذا الشخص، وهل تجري في حقّه قاعدة العدل والإنصاف، فيكون تكليفه تنصيف المال وإعطاء أحد النصفين لزيد والآخر لعمرو، أو أنَّ له تكليفاً آخر.
الصورة الثانية: أن لا يكون هناك شخص آخر مكلّف بإعطاء المال إلى مالكه، بل هو مال موضوع في الطريق، وهذا يدّعيه وذاك يدّعيه أيضاً، ونحن نعلم بأنَّ المالك أحدهما، أي: نعلم بعدم وجود شخص ثالث يحتمل كونه مالكاً، فهنا يتكلّم فيما هو تكليفهما نفسهما في مقام حلّ هذه المشكلة مثلاً.
ــــــــــ[304]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
أمّا الصورة الأولى -وهو ما لو فرض وجود شخص ثالث، وكان مكلّفاً بإيصاله إلى المالك، ونتكلّم في تكليفه بعد فرض أنّه يجب عليه إيصال المال إلى مالكه، فما هو تكليفه في المقام، كما هو في محلّ الكلام، فإنَّ الودعي يجب عليه ردّ الأمانة إلى أهلها، فيتكلّم عمّا هو تكليفه في المقام- فيستدلّ في مقام تشخيص تكليف الشخص الثالث بقاعدة العدل والإنصاف، والمقصود بالاستدلال بها للشخص الثالث إثبات أمرين: الحكم تكليفي والحكم وضعي.
أمّا الأمر التكليفي فهو كون وظيفته في مقام الخروج عن عهدة هذا التكليف بالنسبة إليه، وهو إيصال المال إلى مالكه، فيقال: بأنَّ تكليفه في مقام الخروج عن عهدة هذا الإلزام هو تنصيف المال، وإعطاء كلّ منهما نصفاً.
وأمّا الحكم الوضعي الذي يراد إثباته بقاعدة العدل والإنصاف، فهو أنّه بعد إعطاء كلّ منهما نصفاً يحكم ظاهراً بملكيّة هذا النصف، فيجوز لشخص رابع أن يشتري من هذا نصف الدرهم، باعتبار كونه مالكاً له.
أمّا الجنبة التكليفيّة -وهو في مقام تكليف هذا المؤمن، وأنَّه ماذا يصنع في مقام الخروج عن عهدة التكليف الذي أمره دائر بين شيئين- فهو إمّا أن يوافق قطعاً في نصف الدرهم مع المخالفة قطعاً في نصف الدرهم الآخر، وذلك بالتنصيف، وإمّا أن يوافق في تمام الدرهم احتمالاً مع احتمال المخالفة في تمام الدرهم أيضاً؛ وذلك بإعطاء تمام الدرهم لأحد الشخصين.
وقد يقال في مقام تعيّين الشقّ الثاني عليه وجهان:
الوجه الأوّل: تطبيق المبنى في باب العلم الإجمالي هنا، وذلك بأن يقال: إنَّ المقام بحسب الحقيقة يكون من موارد علمين إجماليّين، علم إجمالي بوجوب
ــــــــــ[305]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
إعطاء نصف الدرهم لهذا، وحرمة إعطاء نصف الدرهم الآخر، فإنَّ هذا إن كان مالكاً فيجب إعطائه نصف الدرهم هذا، وإن لم يكن مالكاً فيحرم إعطائه نصف الدرهم ذاك، وكذلك بالنسبة إلى الشخص الآخر.
وهذا الشخص إمّا أن يوافق كلا العلمين موافقة احتماليّة، وإمّا أن يوافق أحدهما قطعاً مع مخالفة الآخر قطعاً.
وقد بيّنا في مبحث العلم الإجمالي: أنّه في مثل هذه الموارد يتعيّن الموافقة الاحتماليّة لكلّ من العلمين، فيقال في المقام بتقديم الشقّ الثاني على الشقّ الأوّل.
لكنّ هذا التقريب غير صحيح في المقام؛ لأنّنا وإن كنّا نبني في أمثال هذه الموارد في العلم الإجمالي الساذج على تقديم الشقّ الثاني على الشقّ الأوّل، إلَّا أنَّ نكتة بنائنا على ذلك هو أنّنا نبني على أنَّ العلم الإجمالي لا ينجّز إلَّا مقدار الجامع، ومقدار الجامع يتحقّق بالموافقة الاحتماليّة لكلّ منهما. إذن، فلا مجوّز لارتكاب المخالفة القطعيّة وترك الجامع رأساً في أحد العلمين.
إلَّا أنَّ هذا إنَّما يكون في غير أمثال المقام، فإنَّ لنا تفصيلاً في العلم الإجمالي بين العلم الإجمالي الذي نسمّيه بالعلم الإجمالي الساذج، وبين العلم الإجمالي غير الساذج، ففي العلم الإجمالي الساذج هذا هو الكلام، ولكن في العلم الإجمالي غير الساذج هناك نقول: بأنَّ العلم الإجمالي ينجّز الواقع، لا أنَّه ينجّز مقدار الجامع، وعليه: لا يأتي مثل هذا الكلام (1).
ــــــــــ[306]ــــــــــ
() فكما تحرم المخالفة القطعيّة لكلّ من العلمين، كذلك تحرم المخالفة الاحتماليّة لكلّ من العلمين. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وتوضيح مبنى هذا الجواب لا يكون هنا، بل يكون في مبحث العلم الإجمالي.
الوجه الثاني: أنَّ الشقّ الأوّل مساوق مع الترخيص الواقعي، يعني: إذا قيل بالتنصيف وبجواز إعطاء غير المالك مال المالك، فمثل هذا الجواز جواز واقعي لا جواز ظاهري، وإذا كان كذلك فلا بُدَّ من الالتزام بتقيّيد إطلاق الحرمة الواقعيّة “لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ“(1)، بخلافه على الشقّ الثاني، فإنَّه عليه يكون الجواز جوازاً ظاهريّاً، فإنَّ إعطاء المال لمن يحتمل أن يكون مالكاً جواز ظاهريّ؛ لأنَّه يحتمل مطابقته للواقع، وعليه: يبقى دليل إطلاق الحرمة الواقعيّة على حاله.
وإذا تبيّنت هذه النكتة، واتّضح أن الجواز في الشقّ الأوّل جواز واقعي، بحيث يقيّد إطلاق الواقع، والجواز الثاني جواز ظاهري، بحيث يبقى إطلاق الواقع على حاله، فيقال: إنَّ إطلاق دليل الحكم الواقعي يعيّن الشقّ الثاني في قبال الشقّ الأوّل.
وهذا الكلام صحيح، فالترخيص في الشقّ الأوّل واقعي وفي الثاني ظاهريّ، ولو دار الأمر بينهما يتعيّن بمقتضى إطلاق دليل الحرمة الواقعيّة الشقّ الثاني في قبال الشقّ الأوّل، إلَّا أنّنا نرى أنَّه هل هناك سيرة عقلائيّة في قبال هذا الإطلاق، بحيث تكون حجّة على تعيّين الشقّ الأوّل في قبال الشقّ الثاني أو لا؟
ــــــــــ[307]ــــــــــ
(1) عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية 1: 222، الفصل التاسع في ذكر أحاديث تتضمّن شيئا من أبواب الفقه، الحديث 98.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الصحيح عدم وجود هذه السيرة، ولا أقلّ من الشكّ في مثل هذه السيرة؛ فإنَّ القدر المتيقّن والمعلوم من السيرة إنَّما هو السيرة في المحاكم العقلائيّة في موارد المخاصمة والمرافعة، لا السيرة في مقام ترتيب الآثار خارجاً، فلو أنَّ شخصين تداعيا في مال وذهبا إلى محكمة عقلائيّة، فحينئذٍ قد يقال: بحصول الاطمئنان بأنَّ هذا الحاكم العقلائي المعاصر للأئمّة (سلام الله عليهم) يحكم بالتنصيف في المقام، فهذا قد يدّعى ولا حاجة لنا به إثباتاً ونفياً؛ لأنّا قلنا: بأنَّ حجّيّة قاعدة العدل والإنصاف في مقام فصل الخصومة لا نحتاج إليها في إثبات السيرة العقلائيّة، بل نثبت حجّيّتها في ذلك بالنصّ السابق، بلا حاجة إلى السيرة العقلائيّة، فالسيرة إنّما نسلّمها في المحاكم العقلائيّة
وأمّا في غير ذلك فلا نسلّمها، ففي سيرة كلّ عاقلٍ عاقلٍ في نفسه المستودع مالاً، بحيث كان يجب عليه عقلائياً إيصال المال إلى مالكه. فهنا هل يحكم بمقتضى عقلائيّته أو يحكم بتنصيف المال فيعطي أحدهما نصفاً والآخر نصفاً، مثل هذه السيرة إن لم تكن معلومة العدم في غير موارد المخاصمة والمرافعة، فهي غير معلومة الثبوت.
بل إنّنا نقول أكثر من هذا: إنَّ السيرة العقلائيّة والارتكاز العقلائي ليس على إلزام هذا الشخص الثالث الودعي بإيصال المال إلى مالكه -بذلك المعنى الذي صار منشأ للإشكال وترتّب عليه دوران أمره بين الشقّين- فالارتكاز العقلائي لا يساعد على أنَّ هذا الودعي الذي لا يدري أنّ هذا الدرهم الذي لا يدري أنّه ملك زيد أو ملك عمرو يجب عليه أن يوصله إلى واقع المالك، بل إنَّ
ــــــــــ[308]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
مقدار ما يجب عليه إنّما هو تمكين المالك الواقعي منه، وإبقائه هو ومعارضه على حالهما، ولا يجب عليه أكثر من هذا المقدار.
إذن، في موارد السيرة العقلائيّة، لا ننكر فقط قيام السيرة على التنصيف في غير موارد المخاصمة، بل نقول: إنَّ السيرة والارتكاز لا يساعد على إلزام هذا الشخص الثالث بالتنصيف، فالارتكاز العقلائي لا يساعد على أكثر من تخلية المال بينه وبين من يدّعيه.
وإنَّما التنصيف فقط في موارد المخاصمة والمحاكمة؛ لأنَّ المصلحة هناك تقتضي حلّ المخاصمة والجدال، وحيث إنَّ حلّ الجدال أمر لا بُدَّ منه فيلزم القاضي بالعمل بقاعدة العدل والإنصاف.
ومن هنا ينقدح وجه هذه المسألة من هذا الجانب، فنقول: بأنَّه في الشرع أيضاً لا دليل بالنسبة هذا الشخص الثالث على إلزامه بإيصال المال إلى مالكه، بالمعنى الذي يجعل هذا الشخص مردّدا بين الشقّين، حتى ينتهي الكلام إلى أنّه يرجّح الشقّ الأوّل بقاعدة العدل والإنصاف أو الشقّ الثاني، فلا موضوع لهذا الكلام؛ لأنَّنا ننكر بأن يكون الشخص الثالث مكلّفا بردّ الأمانة إلى واقع المالك، فإنَّ الدليل على ذلك لا يفهم منه عرفاً إلَّا حرمة الخيانة، فـ(ردوا الأمانات إلى أهلها) بمعنى: لا تخونوا في الأمانة. ومن المعلوم أنَّ هذا جعل المال في معرض الشخصين اللذين لا يعلم أيّهما المالك ليس خيانة، فالارتكاز العقلائي لا يساعد على أكثر من تخليّة المال بينه وبين من يدّعيه.
وبتعبير آخر: أنَّ قوله تعالى:إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى
ــــــــــ[309]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
أَهْلِهَا(1) ليس بمعنى إيصال المال إلى مالكه خارجاً، ولهذا لم يفهم الفقهاء من هذا الوجوب على الودعي بأن يحمل المال ويذهب به إلى باب بيت مالك المال، وإنَّما فهم الفقهاء من الأمر بالردّ معنى التخليّة بين المال وبين المالك، والتخليّة بمعنى: جعل المال بلا مانع في مقام وصوله إلى مالكه، والمقدار المقدور من التخلية يحصل بهذا النحو الذي قلناه، وهو جعل الدرهم بين الشخصين، فالمقدار المقدور من التخليّة قد حصل وهو التخليّة من قبله، وأمّا تخليّته من قبل الطرف الآخر الذي يحتمل كونه مالكاً، فهذه التخليّة غير مقدورة أصلاً للودعي؛ لأنَّ هذه التخليّة لا تكون إلَّا إذا أقرّ هو -باعتباره صاحب اليد- بأنَّ هذا الدرهم لفلان، وحيث إنَّه شاك فيحرم عليه الاعتراف بأنّه إلى فلان أو إلى فلان، فالمقدار المقدور من التخليّة يحصل بهذا، والمقدار غير المقدور من التخليّة لا وجوب له، والأمر به يسقط لا محالة، فهو إذا قام بالمقدار المقدور من التخليّة بأن جعله بينهما بلا تنصيف. إذن، فقد امتثل بهذا الأمر بردّ الأمانة إلى أهلها، ولا ضمان عليه في المقام.
نعم، قد يقال: إنّه يكون ضامناً؛ لأنَّه لم يحرز بأنَّه أدّى المال إلى المالك.
والجواب عليه: أنَّه لا ضمان عليه أيضاً؛ لأنَّ ضمان اليد إنَّما ثبت بالسيرة العقلائيّة، وهي لا تضمّن مثل هذا الشخص أيضاً.
إذن، فهذا الشخص لم يثبت في الشريعة إلزام له بإيصال المال إلى مالكه بالنحو الذي يوجب ابتلائه بالموافقة القطعيّة التوأم مع المخالفة القطعيّة، أو
ــــــــــ[310]ــــــــــ
(1) النساء: 58.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
بالموافقة الاحتماليّة التوأم مع المخالفة الاحتماليّة، بل يجب عليه المقدار المقدور من التخليّة، وهو يحصل بلا تنصيف.
ومن مجموع ما ذكرناه يظهر الحكم الوضعي الذي يراد اثباته بقاعدة العدل والإنصاف، فإنّنا بعد استشكالنا في قيام السيرة العقلائيّة على قاعدة العدل والإنصاف في غير موارد المخاصمة والمرافعة، فلا معنى للاستدلال بها في إثبات الحكم الوضعي بالملكيّة ظاهراً أيضاً.
فالصحيح في حال هذا الشخص الثالث: أنّه يخلّي بين المال وبين من يحتمل كونه مالكا بالمقدار المقدور له من التخلية، ولا يجب عليه شيء آخر، ولا يجوز له التنصيف؛ لأنَّه تصرّف في مال الغير بلا إذنه، وهو غير جائز.
وأمّا إذا فرض أنَّه ليس هناك إلّا نفس الشخصين اللذين يحتمل كونهما مالكين لهذا المال، فهنا أيضاً لم يثبت انعقاد السيرة العقلائيّة على إلزام هذين الشخصين بالتنصيف وبقاعدة العدل والإنصاف، فإنَّنا قلنا: بأنَّ القدر المتيقّن من السيرة العقلائيّة إنَّما هو في مورد المخاصمة والمرافعة، حيث إنَّ نكتة الفرق بين المخاصمة وغيرها هي أنَّ الخصام يحتاج إلى حلّ لا محالة، وهذا هو القدر المتيقّن ولا يمكن التعدّي إلى غيره، وحينئذٍ ففي هذا المورد لا دليل على انعقاد السيرة العقلائيّة على قاعدة العدل والإنصاف، فهذان الشخصان إن كان كلّ واحد يدّعي مالكيته للمال ويطالب به، فيدخل في باب التداعي لا محالة، ويدخل في الفرع الأوّل، ويذهبان إلى الحاكم الشرعي، وهو حين إذ يفصل الخصومة بينهما بأحد موازين الفصل التي منها قاعدة العدل والإنصاف -كما
ــــــــــ[311]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
عرفنا- في المورد الذي تتوفّر فيه شروط قاعدة العدل والإنصاف.
وإذا فرضنا أنَّ كلّ واحد منهما يشكّ، ويقول: لا أدري أنَّ هذا المال لي، فحينئذٍ إن تراضيا بوجه من الوجوه في مقام وصول المال إليهما معاً، كما لو اتّفقا على التنصيف فهو يكون من باب الصلح، وإن لم يتوافقا على هذا المطلب فتتعيّن القرعة حينئذٍ، فإنّه يتحقّق بذلك موضوع القرعة، إذ القرعة لكلّ أمر مشكل، وهذا أمر مشكل، فإنَّ تعيّين مالك هذا المال لا يمكن إثباته بأيّ قاعدة من القواعد الشرعيّة، وحينئذ يكون أمراً مشكلاً فيرجع فيه إلى القرعة لا محالة.
فظهر أنَّ التنصيف الذي هو الوجه الأوّل إنَّما يكون صحيحاً في مورد المخاصمة والمرافعة؛ لأجل قاعدة العدل والإنصاف هناك، وحجّيّتها هناك ليس بالسيرة العقلائيّة، بل بالنصّ الخاصّ الوارد هناك بعد إلغاء خصوصيّة المورد بالفهم العرفي، وأمّا في غير ذلك المورد فلا مجال لإعمال قاعدة العدل والإنصاف.
الوجه الثاني: اعطاء صاحب الدرهمين درهماً وثلثاً، واعطاء صاحب الدرهم ثلثا درهم، وذلك باعتبار أنَّ الدراهم الثلاثة بالاختلاط حصلت فيها الشراكة الظاهرية، بناءً على ما ذهب إليه صاحب الجواهر(1)، من أنَّ الاختلاط سبب للشركة الظاهرية بين المالكين أو بين الملاك، فأصبحت هناك دراهم ثلاثة مشتركة على نسبة واحد من ثلاثة، بمعنى: أنَّ لصاحب الدرهمين ثلثين من كلّ الدراهم الثلاثة، ولصاحب الدرهم ثلثاً في كلّ واحد من الدراهم الثلاثة، فإذا
ــــــــــ[312]ــــــــــ
(1) انظر: جواهر الكلام 26: 293.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فقد واحداً من الدراهم الثلاثة فقد فُقد من صاحب الدرهم ثلث درهم ومن صاحب الدرهمين ثلثا درهم، فيعطى لصاحب الدرهمين درهم وثلث ولصاحب الدرهم ثلثا درهم.
فالتحقيق في المقام أنَّ الشركة الظاهريّة بمجرّد الاختلاط أمر غير معقول ولا معنى له؛ إذ لا مجال لجعل الحكم الظاهري بالملكيّة الاشتراكية وعلى نحو الإشاعة مع فرض عدم الشكّ، فإنَّ جعل الحكم الظاهري إنَّما يكون مع فرض الشكّ؛ وهنا كلّ من المالكين يعلم وجداناً بأنَّه ليس مالكاً لنصف المشاع أو لثلث المشاع، وأنَّه لا يترتب عليه آثار الإشاعة أيضاً، فنفس الإشاعة في الملكيّة وآثارها كلّ ذلك معلوم الانتفاء وجداناً، ومع العلم وجداناً بعدم الإشاعة في الواقع وبعدم ترتّب آثارها في الواقع، لا معنى لجعل الإشاعة بحسب الحكم الظاهري المتقوّم بالشكّ.
فالإشاعة هنا وإن تردّدت في كلمات جملة من الأكابر كصاحب الجواهر وأنَّ الاختلاط يوجب الشركة والإشاعة الظاهرية؛ إلَّا أنَّ هذا غير معقول لعدم إمكان جعل الحكم الظاهري في أمثال المقام، بل لو كانت هناك شركة في أمثال المقام، فلا بُدَّ من الالتزام بأنَّ الشركة الناشئة من الاختلاط شركة واقعيّة لا ظاهريّة.
والذي دعا صاحب الجواهر ومن وافقه من المحقّقين -إلى الالتزام بأنَّ الاختلاط يكون سبباً للشركة الظاهريّة، مع أنَّه أمر غير معقول في نفسه- هو دفع إشكال وقعوا فيه من حيث إنَّهم في باب الشركة ميّزوا بين شركة تحصل
ــــــــــ[313]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
بالاختلاط والامتزاج -كأن يختلط حنطة شخص بحنطة آخر، أو درهم شخص بدرهم آخر فتحصل الشركة- وبين شركة أخرى تسمّى بالشركة العقدية، فلو أنَّ شخصين قالا: تشاركنا في هذا المال أيضاً تحصل الشراكة بحسب الخارج.
فهنا سببان للشركة والإشاعة أحدهما الاختلاط والمزج والآخر العقد، وحيث قال الفقهاء في باب الشركة: إنَّ عقد الشركة لا يؤثر في مدلوله وحصول الشركة خارجاً، إلَّا بشرط المزج والاختلاط، فعقد الشركة جزء السبب للشركة، والجزء الآخر هو المزج والاختلاط، فالجمع بين هذين الكلامين أدى إلى إشكال، وهو: أنَّه إذا فرض أنَّ المزج والخلط كان شرطاً في تأثير عقد الشركة. إذن، فأيّ أثر لعقد الشركة في نفسه، فإنَّ المزج والخلط في نفسه سبب للشركة، فمعنى هذا: أنَّ عقد الشركة أصبح وجوده كعدمه، ولا معنى لجعل الصحّة لعقد الشركة أو امضائه، بعد فرض لغويته في نفسه؛ لأنَّه في الحقيقة السبب الأوّل للشركة -وهو العقد- منسلخ عن السببية؛ لأنَّه يحتاج إلى السبب الثاني وهو الامتزاج، والسبب الثاني لا يحتاج إليه، فالسبب الأوّل تامّ في السببية، والسبب الثاني يكون لغواً.
فحينئذٍ وفي مقام توجيه هذا المطلب من قبل صاحب الجواهر الذي التفت إلى هذا الإشكال فجمع بين هذه المطالب بحمل الشركة في الأوّل على أنَّها شركة واقعيّة، والشركة في الثاني على أنَّها شركة ظاهرية، بمعنى: أنَّه لو حصل الاختلاط والامتزاج بلا عقد فالشركة هنا شركة ظاهرية، وأمّا في الواقع فكلّ منهما يبقى على حاله الواقعي، وأمّا لو أنضم الامتزاج والاختلاط إلى عقد
ــــــــــ[314]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الشركة، فهنا تحصل الشركة الواقعيّة وتنقلب الملكيّة الواقعيّة من ملكيّة غير إشاعيّة إلى ملكيّة إشاعيّة.
فبهذا الوجه أرادوا أن يتصوّروا سببية كلّ من السببين في قبال الآخر، وحينئذٍ يندفع الإشكال؛ لأنَّ عقد الشركة يكون له أثر بقلب الملكيّة الواقعيّة من اللاإشاعة إلى الإشاعة، وكون الامتزاج والاختلاط شرطاً في تأثير عقد الشركة في القلب الواقعي، فهذا لا يوجب لغويته؛ لأنَّ الامتزاج حينما يكون وحده بلا عقد الشراكة لا يؤثر في الانقلاب الواقعي، وإنَّما يؤثر في الشركة الظاهريّة، فبقي للعقد أثره وفائدته وسببيته، هذا هو الذي دعا المحقّق صاحب الجواهر وغيره من المحقّقين إلى الالتزام بالشركة الظاهريّة في موارد الاختلاط والامتزاج، ومنها موردنا هنا.
إلَّا أنّنا قلنا: إنَّ الالتزام بالشركة الظاهريّة في المقام غير معقول، فإنَّه لا موضوع لجعل الحكم الظاهري في أمثال المقام؛ فاذا التزم بالشركة فلا بُدَّ من الالتزام بالشركة الواقعيّة، بأن يقال: بأنَّ الاختلاط والامتزاج يوجب الشركة الواقعيّة، لا أنَّه يوجب الشركة الظاهريّة.
وأمّا الجواب عن هذا الإشكال الذي كان صاحب الجواهر بصدد الجواب عليه، وأنَّه كيف نميّز بين هذين السببين، ونحفظ لكلّ منهما سببيته فالجواب عليه: إمّا بعدم قبول أصل المبنى القائل بأنّه يعتبر في عقد الشركة وقوع الامتزاج والاختلاط بحسب الخارج؛ لأنَّ هذا المطلب لا دليل عليه إلَّا دعوى الإجماع، ودعوى الإجماع حسابها على المبنى، فحينئذٍ يمكن عدم قبول هذا
ــــــــــ[315]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الشرط رأساً، ويقال: بأنَّ عقد الشركة يحصل موجبه بمجرّد انشائه بدون حاجة إلى الخلط بين المالين، وحينئذٍ يندفع الإشكال.
ولو فرض أنَّه سُلّم المبنى وقيل: بأنَّ هذا إجماع تعبدي لا بُدَّ من الأخذ به، فحينئذٍ الجواب لا يكون بما أفاده صاحب الجواهر من التفرقة في سنخ الشركة، وأنَّ الشركة في الأوّل واقعيّة وفي الثاني ظاهريّة، بل يكون الجواب ببيان الفرق بين سنخ المزجين، لا بين سنخ الشركتين.
فيقال: بأنَّ المزج الذي يكون شرطاً في تأثير عقد الشركة هو غير المزج الذي يكون سبباً مستقلاً في نفسه؛ وذلك أنَّ المزج المعتبر في باب عقد الشركة، حيث إنَّه لا دليل عليه إلَّا دعوى الإجماع، فالقدر المتيقن من الإجماع هو طبيعي المزج، بلا اعتبار خصوصيّة زائدة فيه لمجرّد المزج بين شيئين، كمزج درهم بدرهم أو كتاب بكتاب، ويكفي في حصول الشركة، فما هو دخيل في تأثير عقد الشركة هو طبيعي الاختلاط والمزج.
وأمّا ما يكون سبباً للشركة الواقعيّة فليس هو طبيعي الاختلاط والمزج؛ وذلك لأنّنا إنَّما نقول بكون الامتزاج والاختلاط سبباً للشركة الواقعيّة في نفسه، لا بدليل لفظي حتّى نتمسّك بإطلاقه، فإنَّه ليس هناك رواية تقول: إذا اختلط المالان اشترك المالكان، حتّى نتمسّك بإطلاقها، وإنَّما دليلنا على سببية الاختلاط للشركة هو الارتكاز العقلائي، بمعنى: أنَّ مالين إذا اختلطا وامتزجا بحيث توحّد المالان من حيث اعتبار الملكيّة فلا يساعد الارتكاز العقلائي والعرفي على اعتبار هذا المال المختلط موضوعين في مقام جعل الملكيّة، وإن كان
ــــــــــ[316]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
يمكن أن يكونا موضوعين لاعتبار آخر، فلو أنَّ إنساناً كان عنده كأس من ماء والآخر عنده كأس من ماء، والقي الكأسان في حبّ من الماء، فالعرف هنا بحسب ارتكازاته في باب الملكيّة يعتبر هذا المجموع من الماء ماء واحداً من حيث جعل الملكيّة، فلا يرى صلاحيته لأن يتبعض، وأن يتعدد من حيث جعل الملكيّة، فيجعل ملكيّة النصف المعيّن منه لزيد والنصف المعيّن منه لعمرو.
هذه هي نكتة الشركة في باب الاختلاط والامتزاج، فأداء الاختلاط والامتزاج إلى توحد المال في مقام جعل الملكيّة، بحيث إنَّ العرف يأبى عن تعديده وجعله اثنين في مقام جعل الملكيّة. ومن المعلوم أنَّ هذا لا يحصل في مطلق موارد الاختلاط والامتزاج؛ فلو اختلط درهم مع درهم لا يحصل مثل هذا الامتزاج، ولا يأبى العرف من جعل ملكيّة نصف منه لزيد ونصف منه لعمرو وإنَّما يحصل هذا في بعض موارد الاختلاط والامتزاج.
وبناءً على هذا المشرب الذي نقوله لا يأتي الاشكال؛ لأنّا نقول: بأنَّ ما هو سبب برأسه للشركة الواقعيّة هو مرتبة خاصة من الاختلاط والامتزاج، لا الاختلاط والامتزاج على إطلاقه، وما هو دخيل في انفاذ عقد الشركة هو الاختلاط والامتزاج ولو بأدنى مراتبه، فلا يلزم من هذا لغوية العقد وعدم كونه مؤثراً، بل يكون مؤثراً فيما لو فرض أنَّه حصل الاختلاط بأدنى مراتبه، فإنَّه هنا لا تحصل الشركة إلَّا بالعقد.
وبنفس هذا البيان الذي ندفع به الإشكال يظهر عدم صحّة الشركة في الفرع الذي نتكلّم فيه؛ لأنَّه في هذا الفرع لم يحصل امتزاج في تلك المرتبة التي
ــــــــــ[317]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
توّحد المال في مقام جعل الملكيّة بحسب الارتكاز العرفي، فلا موجب للشركة واقعاً وظاهراً. أمّا الشركة الظاهرية؛ فلأنّها غير معقولة في المقام، وأمّا الشركة الواقعيّة؛ فلأنّه لا دليل عليها إلَّا ارتكاز التوحد في نظر العرف، وهذا الارتكاز لا يحصل بمطلق الامتزاج، وإنَّما يثبت في مرتبة خاصّة من الامتزاج، وهي غير موجودة في المقام. هذا تمام تحقيق الوجه الثاني.
الوجه الثالث: أنَّ يقال: بأنّا نقترع على الدرهم الثاني المردّد بين الشخصين، وأيّ اسم خرج اسمه في القرعة حكم بمالكيته للدرهم الثاني، فيعطى بتمامه لهذا أو بتمامه للآخر، لا ينصف ولا يثلث.
وهذا قد ظهر حاله ممّا بيناه في الوجه الأوّل؛ وذلك أنّه لو أريد بالقرعة اجرائها في باب المخاصمة والمرافعة، فقد عرفنا أنَّ فاصل الخصومة هناك هو قاعدة العدل والإنصاف، وأمّا القرعة فلا دليل على حجّيتّها بعنوان فصل الخصومة.
وإن أريد اجرائها كحجّة في نفسها في مقام ترتيب الآثار، لا بلحاظ فصل الخصومة، فحينئذٍ إن أريد اجرائها بلحاظ الشخص الثالث الودعي المكلّف بإيصال المال إلى مالكه فقد قلنا فيما سبق: إنَّ الشخص الثالث ليس له تكليف بالمعنى الذي يكون فيه إشكال حتّى يحتاج إلى القرعة في مقام حله، فإنَّه ليس مكلفاً شرعاً بإيصال المال إلى صاحبه خارجاً حتّى يقع في إشكال؛ لأنّه لا يعرف أنَّ صاحبه أيّ من الشخصين، حتّى يرفع الإشكال بالقرعة ويتوهّم عموم أدلّة القرعة له، بل إنَّه ليس له تكليف إلَّا التخلية بين المال وبين صاحبه،
ــــــــــ[318]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وهذا يحصل بدون قرعة، فتطبيق أدلّة القرعة على الشخص الثالث أيضاً لا معنى له.
وأمّا إجراء القرعة بالنسبة إلى نفس الشخصين اللذين يدور أمر ملكيّة المال بينهما فيما لو فرض أنَّهما ليسا مدّعيين، بل كلّ منهما شاك أيضاً بينه وبين ربه في ملكيته لهذا المال، فهنا لا بأس بإجراء القرعة لإطلاق دليلها، كما أشرنا إليه في الوجه الأوّل. هذا تمام الكلام في صورة الاختلاط في هذا الفرع.
وأمّا صورة عدم الاختلاط فليس فيه مزّية زائدة، إلَّا عدم جريان الوجه الثاني فيه؛ فالكلام فيه هو الكلام باستثناء أنَّ الوجه الثاني وهو توهم الشركة إنَّما يختص بخصوص فرض الاختلاط، وأمّا فرض عدم الاختلاط فلا يتوهم فيه الشركة؛ لأنَّ مجرّد الاشتباه أو عدم التمييز لا يحتمل فقهياً ولا فقهائياً أن يوجب الاشتراك والإشاعة. هذا تمام الكلام في الفرع الأوّل من الناحية الفقهيّة في نفسه.
وأمّا ربطه بمدّعى الأخباري فقد انقدح ممّا قلناه إنَّه إن بني على الوجه الثالث -وهو القرعة في المقام- واعطى الدرهم لأحد الشخصين، فليس هناك مخالفة قطعيّة ولا ينتهي إليها، كما أنَّه إذا بنى على الوجه الثاني وعلى الشركة، وقلنا: إنَّها في المقام شركة واقعيّة، وإنَّ الشركة الظاهريّة غير معقولة، فيكون الانقلاب واقعياً في المقام، ولا ينتهي إلى المخالفة القطعيّة لا لعلم إجمالي ولا لعلم تفصيلي.
نعم، إذا بنينا على الأوّل -على قاعدة العدل والإنصاف- والحكم بملكيّة
ــــــــــ[319]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
كلّ منهما ظاهراً للنصف، فبناءً على هذا حينئذٍ يكون لتصوّر الأخباري منشأ، إلَّا أنَّه في البناء على التنصيف والحكم بملكيّة كلّ منهما ظاهراً فهنا يلتزم بهذين الحكمين الظاهريين في كلّ مورد ما لم يلزم منه المخالفة القطعيّة لعلم إجمالي أو تفصيلي، ففي المورد الذي يلزم منه المخالفة القطعيّة لعلم إجمالي أو لعلم تفصيلي فيرفع اليد عنه لا محالة؛ لأجل قانون تنجيز قانون العلم الإجمالي والعلم التفصيلي، خصوصاً بعد فرض أنَّ قاعدة العدل والإنصاف في غير مورد المخاصمة لا دليل عليها إلَّا السيرة العقلائيّة على ما قيل، والسيرة العقلائيّة لا إطلاق لها بحيث تكون معارضة مع قانون منجّزية العلم الإجمالي والتفصيلي(1). هذا هو الكلام في الفرع الأوّل.
لو اختلف المشتري والبائع بعد فرض وقوع معاملة بينهما في أنَّ المبيع هل كان(2) كتاب الجواهر أو كتاب الحدائق؟
فيقول البائع: بعت كتاب الحدائق بعشرة دنانير.
ويقول المشتري: اشتريت كتاب الجواهر بعشرة دنانير.
ــــــــــ[320]ــــــــــ
() وقد سُل سيّدنا الأُستاذ عن الوجه عند البناء على الشركة الظاهريّة.
فقال: أيضاً كذلك، فإنَّ الشركة الظاهريّة في نفسها غير معقولة، ففرض الشركة الظاهرية هو فرض مخالفة العلم، فإنّنا لو قلنا بجواز الشركة الظاهريّة لكان معناه: أنّا قلنا بجواز مخالفة العلم؛ ولهذا ما فرضناه. (المُقرِّر).
(2) البضاعة الفلانية أو للبضاعة الفلانية هل كان. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فالكلام في أنَّ هذا البيع هل وقع على عنوان كتاب الجواهر أو على عنوان كتاب آخر؟
والأخباري هنا يقول: إنَّ الفقهاء تسالموا على الحكم ببقاء كلا الكتابين عند بائع الكتب، والعشرة دنانير عند المشتري، فكلّ يبقى ماله الأصلي عنده بعد فرض التخالف فيما بينهما، وعدم نكول أحدهما عن اليمين، فلو فرض أنَّ شخصاً جاء واشترى كلا الكتابين من البائع، فحصل له علم إجمالي بعدم جواز تصرّفه بأحد هذين الكتابين؛ لأنَّ أحدهما مبيع للمشتري وليس ملكاً للبائع، ومع حصول العلم الإجمالي يجوز له التصرّف في كلّ منهما، ثُمَّ بعد هذا لو فرض أنَّه جعل كلا الكتابين ثمناً لكتاب البحار أو لجارية، فيعلم تفصيلاً بعدم تملكه لتمام الثمن وعدم جواز تصرّفه فيه، وهنا يحصل المخالفة مع العلم التفصيلي. هذا هو الفرع الثاني.
وذكر سيّدنا الأُستاذ تعليقاً على هذا الفرع(1): أنَّ هذين المتداعيّين يتخالفان في المقام، وبعده يحكم بانفساخ العقد واقعاً أو ظاهراً، وعلى كلّ تقدير فلا إشكال فيهما.
فإن فرض انفساخ العقد واقعي، فالكتابان ملك واقعي للبائع، ويكون المشتري الثاني مالكاً للكتابين حقيقة، ولا يحصل المخالفة مع العلم الإجمالي، ولا مع العلم التفصيلي بعد ذلك.
وإن فرض الانفساخ الظاهري، فقد تحصل هناك مخالفة، إلَّا أنَّه لا بُدَّ من
ــــــــــ[321]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 79- 81.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الالتزام -حفاظاً على قانون منجزيّة العلم- بعدم ترتب الأثر إلَّا بمقدار لا يعلم مخالفته للواقع. هذا خلاصة ما أفاده.
والكلام يقع في أُمور:
الأمر الأوّل: في أصل التحالف.
الأمر الثاني: في الانفساخ الظاهري.
الأمر الثالث: في الانفساخ الواقعي.
الأمر الرابع: في كيفيّة جواب الأخباري.
أمّا الأمر الأوّل فكون المقام من موارد التحالف مبني على بحث لا بُدَّ من تنقيحه في كتاب القضاء، وذلك: أنَّ اليمين شأن المنكر، والبيّنة شأن المدّعي، وهذا من الأُصول الموضوعيّة لكتاب القضاء الثابتة بالنصوص، فإنَّ المدّعي من كان قوله مخالفاً للأصل، والمنكر من كان قوله مطابقاً للأصل أو مطابقاً للحجّة، والمقصود بالأصل الذي فيه شأنيّة الجريان، فهل المناط في المنكر أن يكون قوله مطابقاً لأصل الحجّة بالفعل، أو يكون قوله مطابقاً لحجّة شأنيّة في نفسها؟
فإن قيل: إنَّ المنكر من كان قوله مطابقاً للحجّة الفعليّة -ومقصودي من الحجة الفعليّة الحجّة الفعليّة في مقام ترتيب الآثار، وليس المقصود منها الحجّة في مقابل فصل الخصومة، وإلَّا فإنَّ الحجّة في مقام فصل الخصومة هو اليمين والبيّنة- ففي المقام لا ينبغي أن يقال بوجود منكر في البين؛ إذ ليس هذا منكراً ولا ذاك أيضاً، وإن كان بحسب الصورة هو كذلك، فإنَّ هذا يدّعي وقوع البيع
ــــــــــ[322]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
على كتاب الجواهر وذاك ينكره، وذاك يدّعي وقوع البيع على كتاب الحدائق وذاك ينكره، إلَّا أنّنا إذا قلنا: بأنَّ المقياس في المنكر أن يكون قوله مطابقاً للأصل الفعلي، فهنا لا يوجد أصل فعلي؛ لأنَّ الأصل المتوهّم هو استصحاب عدم وقوع البيع على كتاب الحدائق، واستصحاب عدم وقوع البيع على كتاب الجواهر، وهذان الاستصحابان متعارضان في أنفسهما ومتساقطان بعد فرض العلم من الخارج بأصل وقوع المعاملة، فلا هذا يكون مطابقا لأصل فعلي في إنكاره ولا ذاك أيضاً، فيكون المقام من موارد التداعي، لا من موارد خصومتين ودعويّين وإنكارين، بل يطبق عليه قوانين باب التداعي، وفي باب التداعي لا تحالف.
وأمّا إذا فرض أنّنا بنينا على أنَّ المنكر هو من طابق قوله الأصل في نفسه، أعني: الأصل الثاني لولا المعارضة، لا الأصل الجاري بالفعل، فالخصومة حينئذٍ تنحلّ إلى خصومتين، وفي كلّ من الخصومتين مدّع ومنكر، ففي خصومة وقوع البيع على كتاب الجواهر يكون المشتري مدّعياً والبائع منكراً، وفي خصومة وقوع البيع على كتاب الحدائق، هنا يكون البائع مدّعياً والمشتري منكراً، وكلّ من المنكرين قوله مطابق للأصل الجاري في نفسه، فيكون بابه باب التحالف.
ومقصودنا من بيان هذه النكتة التنبيه على أنَّ إدراج المقام في موارد التحالف هو أن يكون ميزان المنكر هو من طابق قوله الأصل في نفسه، لا الأصل الفعلي، وأمّا لو قيل: بأنَّه من طابق قوله الأصل الفعلي، فلا يجري عليه قانون باب التحالف.
والمسألة على ما أظنّ غير منقحة في باب القضاء، إلَّا أنَّ الأظهر -على ما
ــــــــــ[323]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
هو المركوز في ذهني من السابق من دون مراجعة لاحقة- كون المنكر هو من كان قوله مطابقاً للأصل الثاني، فحينئذٍ يتمّ في المقام إدراجه في باب التحالف. هذا هو الكلام في الأمر الأوّل.
الأمر الثاني: أن يقال: إنَّ هذا العقد الذي اختلف البائع والمشتري في كونه واقعاً على كتاب الحدائق أو على كتاب الجواهر، هل هناك موجب للالتزام بالانفساخ الظاهري أو لا؟
وقد انقدح ممّا حقّقناه في الفرع السابق في مقام إبطال الشركة الظاهريّة: أنَّ الانفساخ الظاهري هنا أيضاً غير معقول، كدعوى الشركة الظاهريّة، إذ بعد فرض عدم الشكّ في الانفساخ الواقعي لا معنى للانفساخ الظاهري، فإنَّ جعل الحكم الظاهري لا يعقل إلَّا مع فرض الشكّ، والمفروض أنّه لا شكّ في الانفساخ الواقعي. إذن، فالانفساخ الظاهري غير معقول.
وإنَّما الذي ينبغي التكلّم فيه هو الأمر الثالث، وحاصله: أنَّه هل يحصل انفساخ واقعي أو لا يحصل؟ فإنّه هو الأمر المحتمل بعد معلوميّة أنَّ هذا الانفساخ واقعي بعد فرض ثبوته، فليس هو بنصّ خاصّ، وإنَّما لا بُدَّ من تطبيقه على مقتضى القواعد، وحينئذٍ يمكن أن نقرّب الانفساخ في المقام على مقتضى القواعد، بلحاظ دليل حجّيّة اليمين.
وتقريبه يكون إمّا بدعوى أنَّ نفس حجّيّة اليمين المقتضيّة لإنهاء الخصومة تقتضي في المقام فسخ العقد، إذ لو فرض بقاء العقد على حاله لبقيت الخصومة على حالها.
ــــــــــ[324]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وإمّا أنّ حجّيّة اليمين تعني كون المبيع تالفاً على المشتري، أليس هذا البائع حلف بأنّه لم يبع كتاب الجواهر الذي يرى المشتري أنّه هو البيع، أليس حلف البائع صار فاصلاً للخصومة، وحكم الحاكم على طبقه.
إذن، هذا الحلف بحكم إتلاف كتاب الجواهر على المشتري؛ لأنَّ الحاكم حكم بأنَّه لا يجوز للمشتري أخذه، وهو إلى الأبد لا يجوز له أن يترافع عند حاكم آخر، وأن يحصل كتاب الجواهر، بل الفقهاء استشكلوا بأخذه، حتّى فيما لو وجده خفية، فيكون اليمين إتلافاً لكتاب الجواهر على المشتري، فهو كمن مزّقه قبل القبض، وكلّ بيع تلف قبل قبضه فهو مضمون على البائع، وهذا الضمان فسّر هناك بمعنى انفساخ المعاملة، وأنّه يتلف من ماله ويكون الثمن للمشتري، هذا هو ما نتصوّره وجهاً بلحاظ دليل حجّية اليمين.
إلَّا أنَّ كلا الأمرين غير تامٍّ في المقام:
أمّا الأمر الأوّل: فلوضوح أنَّ فصل الخصومة لا يقتضي انفساخ العقد في الواقع، فإنَّ فصل الخصومة معناه: أنّ كلاًّ من المدعيّين ليس له إلزام الآخر بما يدّعيه، فلا البائع له إلزام المشتري بأن يعطيه عشرة دنانير بلا كتاب الجواهر، ولا المشتري له إلزام البائع بأن يعطيه كتاب الجواهر في قبال العشرة دنانير، وهذا لا يستلزم انفساخ العقد في الواقع.
نعم، بقاء العقد في الواقع يوجب في المقام تشويشاً على هذين الشخصين، إلَّا أنَّ مطلق التشويش شيء، ومسألة رفع الخصومة وعدم إلزام كلّ من الطرفين للطرف الآخر شيء آخر، وبعد التميّيز بين الأمرين لا يبقى مجال لدعوى اقتضاء نفس فصل الخصومة لذلك.
ــــــــــ[325]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وأمّا الأمر الثاني: فعلى تقدير تماميّته فهو يتمّ في بعض الموارد، ولا يمكن أن يكون تامّاً في سائر الموارد، فإنّه لا يتمّ في غير البيع، فلو كانت المعاملة صلحاً، فإنَّ هذه القاعدة لا تتمّ؛ لأنَّها قاعدة تعبّديّة ثبتت بالنصّ في خصوص البيع، بل لا يتمّ في البيع أيضاً فيما إذا كان المفروض هو القبض، بحيث وقعت الدعوى والتحالف بعد فرض القبض، فهذا الوجه لا يتمّ في كثير من فروض المسألة، فلا يمكن أن يكون وجهاً فنيّاً لما عليه الفقهاء من التحالف بقولٍ مطلق في هذه المسألة.
فالتحقيق في مقام تصوير هذا الانفساخ: أنَّه بعد فرض التحالف من الطرفين يتحقّق هنا خيار الفسخ لأحد هذين الشخصين على نحو الإجمال؛ إذ إنَّ المبيع إمّا كتاب الجواهر، وإمّا كتاب الحدائق، فإذا فرض أنَّ المبيع كان هو كتاب الجواهر الذي يُنكر البائع وقوع المعاملة عليه، فالبائع قد تخلّف عن تسليم المثمن إلى المشتري، والبيع يتضمّن الشرط الضمني بالتسليم، ويجعل الخيار على تقدير التخلّف عنه -كما حُقّق في كتاب البيع من أنَّ البيع وسائر المعاملات العقلائيّة مبنيّة على شرط ضمني ارتكازي، وهو اشتراط التسليم والتسلّم، وروح هذا الشرط مرجعه إلى الإلزام بالتسليم والتسلّم، وجعل الخيار على فرض عدمه- ففي المقام إن فرض المبيع كان هو كتاب الجواهر وامتنع عن تسليمه وتعذّر على المشتري إلزامه بتسليمه بالرجوع إلى الحاكم الشرعي؛ لأنَّه رجع إليه فحلّفهما، فحلف البائع على أنّه لم يبع كتاب الجواهر، فحكم الحاكم الشرعي بإنهاء الخصومة من هذه الناحية، فهذا التسليم أصبح متعذّراً بحسب الخارج على المشتري، إذ البائع امتنع عن التسليم وتعذّر على
ــــــــــ[326]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
المشتري إلزامهُ به، فتحقّق موضوع الخيار بحسب الخارج بالنسبة إلى المشتري، وهو الآن في نظر المشتري أنَّه صاحب خيار.
وأمّا لو فرض أنَّ المبيع كان هو كتاب الحدائق كما يقول البائع، فالبائع يكون صاحب خيار؛ لأنَّه يقول: بِعتُ لَكَ كتاب الحدائق بعشرة دنانير، وهذا هو بين يديك، فخُذهُ وأعطني عشرة دنانير وذاك يأبى عن إعطائه إيّاها؛ لأنَّ ذاك يدّعي أنَّ العشرة دنانير في قبال الجواهر، لا في قبال الحدائق، فقد تخلّف المشتري -بحسب نظر البائع- عن إعطاء الثمن، وتعذّر على البائع إلزام المشتري بالثمن؛ لأنَّه رجع إلى الحاكم الشرعي وقد حلّفه، وهو حَلَفَ في المقام -صادقاً أو كاذباً- بأنّه لم يشترِ كتاب الحدائق.
إذن، ففي نظر البائع بأنّه هو صاحب خيار؛ لأنَّ شرط التسليم والتسلّم مِن كِلا الطرفين في الثمن والمُثَمن، فكما أنّ المشتري يدّعي كونه صاحب خيار، فيكون البائع أيضاً مدّعياً أنَّه صاحب خيار، ونحن نعلم بأنَّ أحدهما صاحب خيار؛ لأنَّه لا يخلو إمّا أن يكون المبيع هو كتاب الجواهر، وإمّا كتاب الحدائق، فإن كان هو كتاب الجواهر فالبائع قد تخلّف عن الشرط الضمني، والمشتري هو صاحب الخيار، وإن كان المبيع هو كتاب الحدائق، فالمشتري قد تخلّف عن الشرط الضمني، والبائع هو صاحب الخيار، فنعلم إجمالاً بأنَّ أحدهما صاحب خيار، وحينئذٍ لو فرض أنَّهما فسخا معاً -كلّ على حسب دعواه بأنّه صاحب الخيار- فنعلم تفصيلاً بانفساخ العقد؛ لأنَّ صاحب الخيار المردّد بينهما المعلوم إجمالاً قد فسخ على أيّ حالٍ، سواء كان هو البائع أو المشتري، فبعد فرض فسخه ينفسخ العقد.
ــــــــــ[327]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فإذا ضمّمنا إلى هذا الصناعة الاستظهار، وهو: أنَّهما حينما تداعيا في هذه المعاملة وتحالفا، فنفس هذا المطلب يكون إظهاراً بعدم الرضاء بالمعاملة على تقدير عدم تسليم المدّعى، فإنَّ المشتري -على حسب ظهور كلامه- لا يرضى بالمعاملة إذا لم يستلم كتاب الجواهر، والبائع لا يرضى بالمعاملة إذا لم يستلم عشرة دنانير في قبال كتاب الحدائق.
فبعد فرض هذا الاستظهار فحينئذٍ نفس هذا يكون إنشاءً للفسخ منهما، كما يقول الفقهاء في عدة موارد: بأنَّ الفسخ يحصل من غير التصدّي التفصيلي لإنشاء الفسخ، من قبيل: ما لو أنكر الوكالة أو أنكر الطلاق، فيكون نفس إنكاره للطلاق رجوعاً في الطلاق، ونفس إنكاره للوكالة فسخاً للوكالة.
فبعد فرض ضمّ هذا الاستظهار المقبول لدى الفقهاء المطبق في كثير من الموارد إلى تلك الصناعة يظهر الوجه الفنّي في الانفساخ الواقعي في المقام، حيث إنَّ أحدهما صاحب خيار جزماً، باعتبار تخلّف الآخر عن الشرط الضمني الارتكازي. إذن، فقد انفسخ من له الخيار يقيناً، فإذا فسخ فقد انفسخ العقد بذلك، فالتحقيق في المقام هو الانفساخ الواقعي.
فلو فرض أنَّه تمّ هذا الاستظهار -كما هو تامّ- فيحكم بالانفساخ في نفسه، ولو فرض أنَّه غير تامٍّ فالآن كلّ منهما -في مقام علاج المطلب بعد فرض التحالف وسقوط الخصومة- بإمكانه حلّ المطلب بالفسخ؛ لأنَّه يرى نفسه صاحب خيار فالآن يفسخ.
وأمّا الأمر الرابع فقد انقدح جوابه ممّا ذكرناه، وذلك: أنّه بعد فرض
ــــــــــ[328]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الانفساخ الواقعي -بالتقريب الذي ذكرناه في الأمر السابق- لا تحصل مخالفة للعلم الإجمالي ولا مع العلم التفصيلي. هذا مع العلم بوقوع أصل المعاملة.
أمّا لو فرض عدم العلم بوقوع أصل المعاملة من قبل شخص ثالث، فهذا الشخص يمكنه إجراء استصحاب عدم وقوع البيع على هذا ولا على هذا، فهذا يعني: حتّى مع فرض عدم الانفساخ الواقعي فإنّه أيضاً يمكنه أن يجري كلا الاستصحابين دون معارضة، ولا يلزم من ذلك مخالفة للعلم الإجمالي أو مع العلم التفصيلي. هذا تمام ما ينبغي أن يقال في تحقيق الفرع الثاني.
فيما لو علم بجنابة نفسه أو جنابة شخص آخر، وكان يفرض أنَّ الشخص الآخر ليس له أثر شرعي بالنسبة إلى هذا الفرع، كما لو فرض أنّه ممّن لا يجوز الاقتداء به، ولا يترتّب أثر شرعي على صحّة صلاة الآخر بالنسبة إلى هذا الشخص، وفي مثل هذا لا يتشكّل لهذا المؤمن علم إجمالي لتكليف منجّز بالنسبة إليه، بل مرجع علمه إلى العلم بأنّه إمّا هو مكلّف أو غيره مكلّف، ومثل هذا العلم الإجمالي غير منجّز، فاستصحاب الطهارة في نفسه يجري بلا معارض.
وأمّا فرض أنّ صحّة صلاة الآخر لو كانت موضوعاً لحكم ترخيصي بالنسبة إلى هذا الشخص، كما لو كان ممّن يجوز الاقتداء به، ففي مثل هذا يتشكّل علم إجمالي لا محالة، إمّا بعدم جواز الاقتداء بهذا، وإمّا بعدم جواز الصلاة بلا غسل، ومثل هذا العلم الإجمالي يكون منجّزاً، ويكون موجباً لتساقط الأُصول.
ــــــــــ[329]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ومن هذا يظهر أنّنا لا نقول بجواز اقتداء هذا المؤمن بمثل هذا الشخص الآخر؛ لأجل أن يقال: بأنَّ مثل هذا الجواز فيه مخالفة للعلم التفصيلي، فإنّ هذا مصادرة على المطلوب، إذ لا منشأ لمثل هذا الجواز إلّا توهّم جريان الاستصحابين معاً، مع أنّ الاستصحابين لا يجريان مع وجود العلم الإجمالي المنجّز في قباله، وهذا واضح. هذا هو تمام الكلام في الفرع الثالث.
فيما لو اختلف الشخصان في الهبة والبيع، فقال صاحب الكتاب: عندي هدية منك ولا تستحق شيئاً في قباله.
وقال الآخر: إنَّ هذا الكتاب بعته لك بعشرة دنانير، وأنّا استحق عشرة دراهم في مقابله.
فهنا يحكم بالتحالف، فكلّ منهما يحلف على نفي ما يدعيه الآخر، فصاحب الكتاب الفعلي يحلف على نفي البيع، وصاحبه السابق يحلف على نفي الهبة، وبعد وقوع التحالف يحكم برجوع الكتاب إلى صاحبه الأوّل، وعدم مطالبته بشيء من قبل صاحبه الثاني، وهذا خلاف العلم التفصيلي، فإنَّ هذا الكتاب يُعلم تفصيلاً أنّه ملك الصاحب الثاني، إمّا ملكاً معاوضيّاً، وإما ملكاً مجانياً، فالحكم برجوع الكتاب إلى الصاحب الأوّل مع العلم التفصيلي بهذا، هو أحد موارد النقض على مدّعى الأُصوليين في نظر الأخباري.
وذكر السيّد الأُستاذ(1) في مقام التعليق على هذا الفرع: -بعد فرض اخراج
ــــــــــ[330]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 79- 81.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
مورد كون الهبة غير لازمة لئلا يقال هناك نفس إنكار الهبة يكون رجوعاً فيها على حدّ إنكار الطلاق والوكالة مثلا، ونحو ذلك، بل يفرض أنَّ الهبة لازمة بحيث لو كان الكتاب موهوباً فلا رد ولا فسخ -أنَّه بعد التحالف يحكم بانفساخ العقد، وإذا انفسخ العقد رجع الكتاب إلى الصاحب الأوّل على كلّ تقدير، سواء كان بيعاً أو هبة، ومعه فلا يكون هذا خلاف العلم التفصيلي.
والكلام يقع في جهتين:
الجهة الأولى: في ايقاع التحالف في المقام.
الجهة الثانية: أنَّه ينفسخ العقد ويرجع الكتاب إلى الصاحب الأوّل بناءً على التحالف.
وكلا الأمرين ليس بتامّ:
الأمر الأوّل: وهو وقوع التحالف وعدمه، فتوضيحه: أنَّ وقوع التحالف في المقام مبني على أنَّ الخصومة في المقام تنحلّ إلى خصومتين، كما انحلّت في الفرع السابق إلى خصومة حول البيع وخصومة أُخرى حول الهبة، ولكلّ من الخصومتين مدّع ومنكر، وحيث ليس لكلّ من المدّعيين بيّنة، فلا بُدَّ لكلّ من المنكرين أن يحلف، فيكون من موارد التحالف.
وتحقيق الحال في ذلك: أنَّه تارةً نقول في المدعي والمنكر: لا بُدَّ أن يلحظ الادعاء والإنكار بلحاظ جهة الإلزام.
وأخرى يقال: بأنَّهما يلحظان بلحاظ مصب الدعوى، لا بلحاظ جهة الإلزام، فإنَّ هناك بحثاً في الفقه معنوناً في أنَّ الادعاء والإنكار هل ميزانه
ــــــــــ[331]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
ملاحظة مصب الدعوى؟ فلو فرض أنَّ مصبّ الدعوى كان ثبوتياً في كلّ منهما، فكل منهما مدعٍ، وإن فرض أنَّه بلحاظ جهة الإلزام أحدهما يلزم والآخر لا يلزم.
وإذا فرض أنَّ الملحوظ هو طرف الالزام، فلا بُدَّ حينئذٍ من النظر إلى التي يترتّب فيها إلزام أحد الطرفين من قبل الطرف الآخر.
والمختار في كتاب القضاء هو الأمر الثاني، وأنَّ الملحوظ في مقام تشخيص المدّعى والمنكر إنَّما هو ملاحظة جهة الالزام، لا ملاحظة مصبّ الدعوى.
والآن نتكلّم على كلّ من الوجهين:
فإذا فرض أنَّ المناط في الادعاء والإنكار من المدّعي والمنكر هو ملاحظة جهة الالزام، فنرى أنَّ مدّعي البيع ما هو جهة إلزامه للثاني، وأنَّ مدّعي الهدية ما هو جهة إلزامه للأوّل؟
فمدّعي البيع في المقام له جهتان من الإلزام بالنسبة إلى مدّعي الهبة، وإحدى الجهتين هي دفع العوض، فيقول له: إنَّ هذا الكتاب لم ادفعه لك مجاناً، بل دفعته لك معوضاً، وعليه فأريد عوضه، وهذا جهة الإلزام التي ينفيها الثاني، فإنّه يقول: إنّي لم اشترِ منك هذا الكتاب وإنَّما أخذته هدية منك، فلا تستحق عليّ العوض، وجهة الإلزام الثانية من قبل البائع على المشتري، هي استحقاق نفس العين على فرض عدم دفع الثمن وفسخ البائع، مبنياً على الشرط الضمني الارتكازي الذي ذكرناه فيما تقدّم، بمعنى: أنَّ البائع يقول: بإنّي في هذا العقد الذي بسببه انتقل هذا الكتاب إليك جعلت فيه شرطاً عليك،
ــــــــــ[332]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وهو شرط الخيار على تقدير ما، وقد تحقّق هذا التقدير، فأنّا أفسخ فيصبح الكتاب ملكاً لي وأريده منك، وهذه هي جهة الإلزام بنفس الكتاب على فرض الفسخ مبنياً على دعوى البائع كونه ذا خيار.
وأمّا الثاني فهو ينكر كلتا الجهتين، فينكر الجهة الأولى وهو استحقاق البائع عليه الثمن، وينكر الجهة الثانية وهو استحقاق البائع عليه الفسخ واسترجاع نفس العين خارجاً، حيث إنَّه يرى أنَّ هذا المال انتقل إليه بالهبة، وهو بنفسه ليس له جهة إلزام بالنسبة إلى البائع، فهو لا يريد إلزام البائع بشيء إلَّا ببقاء العين عنده حتّى على فرض فسخه، فهو يدّعي أنّها خرجت من البائع خروجاً مطلقاً غير مقيّد بالفسخ، وأنَّه مالك للعين حتّى بعد الفسخ.
وأمّا دعوى الثاني لأصل الملكيّة، فهو ليس إلزاماً للأوّل؛ لأنَّ الاوّل يعترف بأصل الملكيّة، فهو يعترف بأنَّ العين ملك للثاني أمّا بالبيع أو بالهبة، ففي أصل الملكيّة لا معنى لأن يقال: بأنَّ الثاني يلزم الأوّل، وإنَّما إلزامه له في هذه الخصومة هو إلزامه بإطلاق هذه الملكيّة وثبوتها بحيث لا ترتفع بالفسخ، يعني: إنكار الخيار بتعبير آخر، فجهة الالزام شيء منحصر في هذا.
فإذا كان الملحوظ هو جهات الالزام فنرى أنَّ الأُصول موافقة لأيّ واحد من هذه الجهات من الالزام، لأجل أنَّ نشخص المدّعي والمنكر.
أمّا الجهة الأولى من الالزام للبائع وللمشتري وهو إلزامه له بالثمن، فهذه الجهة من الإلزام منفيّة باستصحاب عدم وقوع البيع على هذا الكتاب، ولا يعارض هذا الاستصحاب باستصحاب عدم وقوع الهبة على هذا الكتاب، كما
ــــــــــ[333]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
سوف يظهر إن شاء الله من تضاعيف الكلام.
فالإلزام الأوّل يكون البائع فيه مدّعياً؛ لأنَّ الأصل على خلافه، والثاني منكراً بالنسبة إلى الإلزام الأوّل.
وأمّا الإلزام الثاني -وهو الإلزام باسترجاع نفس العين بعد الفسخ- فهذا مرجعه إلى دعوى البائع كون العقد مشتملا على الخيار، فحينئذٍ -بناءً على المبنى المشهوري في حقيقة الخيار، وهو: أنَّ جعل الخيار ليس بتقييد وتصرف في نفس مدلول البيع، وإنَّما هو بإنشاء زائد ينضم إلى الإنشاء البيعي -يكون الأصل في قبال البائع؛ لأنَّ الأصل عدم جعل الخيار في هذه المعاملة، فإنَّ هذه المعاملة التي وقعت بين الشخصين، هي إمّا بيع وإما هبة، فإن كانت بيعاً فقد جعل فيها الخيار، وإن كانت هبة فلم يجعل فيها الخيار، فيشكّ في أصل جعل أصل الخيار لتردد هذه المعاملة بين البيع والهبة، فالأصل عدم جعل الخيار فيها، فالاستصحاب -بناءً على أنَّ الخيار إنشاء في ضمن إنشاء- يكون جارياً ويكون في مقابل الإلزام الثاني من قبل البائع، فالبائع بكلا إلزاميه منفي بالأصل.
أمّا الثاني فله إلزام واحد على مدّعي البيع، وهو أنَّ العين له مطلقاً، وكون العين له مطلقاً مترتب على عدم جعل الخيار، فإذا فرض أنَّه نفى جعل الخيار على المبنى المشهوري من استصحاب عدم جعله فيثبت كون العين له مطلقاً.
إذن، فالإلزام المدّعى للثاني على الأوّل إلزام على طبق الأصل، والالزام المدّعى للأوّل على الثاني بكلا وجهيه على خلاف الأصل. إذن فالأوّل مدّع صرف والثاني منكر صرف.
ــــــــــ[334]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
قد يقال: بأنَّ استصحاب عدم وقوع البيع على المعاملة النافي لمدّعى الأوّل معارض باستصحاب عدم وقوع الهبة.
وجوابه: أنَّ استصحاب عدم وقوع الهبة لا أثر له في مورد المخاصمة؛ وذلك أنَّه ماذا يراد باستصحاب عدم وقوع الهبة؟ فإنَّه لا يثبت البيع طبعاً، إلَّا بالملازمة العقليّة بناءً على الأصل المثبت. فهو ينفي الهبة ولا يثبت البيع بعد فرضه مثبتاً. إذن، فأيّ أثر يثبت أو ينفى باستصحاب عدم وقوع الهبة؟
أمّا الآثار التي يريد البائع إلزام المشتري بها فلا يمكن أن تثبت باستصحاب عدم وقوع الهبة؛ لأنّها لا تثبت إلَّا بإثبات البيع لا بنفي الهبة، فإنَّ مجرّد نفي الهبة لا يكفي لإثبات استحقاق البائع الثمن على الثاني أو استحقاقه الفسخ عليه، بل لا بُدَّ من إثبات الزامات البائع على المشتري من إثبات البيع، ولا يكفي مجرّد نفي الهبة في مقام نفيها.
كما أنَّ الإنكار الذي ينكره الثاني على الأوّل يكفي فيه نفي وقوع البيع، ولا يحتاج فيه إلى إثبات الهبة، فلا الأوّل ينفعه نفي الهبة في مقام إثبات مرامه، ولا الثاني يضره نفي الهبة في مقام تسجيل إنكاره. إذن، عدم وقوع الهبة في المقام ليس له أثر شرعي في مورد الخصومة.
نعم، في مورد كان الشكّ في أصل الملكيّة -كما لو كان الثاني ينكر أصل الانتقال، والثاني يدّعي وقوع الهبة- لا إشكال في جريان استصحاب عدم الهبة، ولكن حيث إنَّ أصل الملكيّة معلوم تفصيلاً وإنَّما الشكّ في أنَّ الأوّل هل
ــــــــــ[335]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
يستحق على الثاني دفع الثمن أو لا؟ وهل يستحق دفع العين على تقدير الفسخ أو لا؟ وهل يستحق الثاني على الأوّل ابقاء العين حتّى بعد الفسخ أو لا يستحق؟ فكلّ هذه الأمور لا تترتّب لا على إثبات الهبة ولا على نفيها، إلَّا بناءً على الملازمة العقليّة، وإثبات البيع باستصحاب عدم الهبة.
فإن قيل: إنَّ استصحاب عدم الهبة يفضح موضوع ضمان الثاني للأوّل؛ وذلك لأنَّ هذا المال مال أنَّه مال الأوّل، وقد وقعت يد الثاني عليه، ويشكّ بأنَّ هذه اليد التي وقعت على هذا المال، هل هي بتسليط مجاني أو بلا تسليط مجاني؟ فباستصحاب عدم الهبة يتنقح أنَّ هذا المال وقعت عليه بلا تسليط مجاني، وهذا موضوع للحكم بالضمان، فإنَّ كلّ مال وقعت عليه يد الغير من غير تسليط مجاني من قبل المالك فهو مضمون عليه للمالك.
إذن، فاستصحاب عدم وقوع الهبة يكون منقحاً لإلزام البائع على الثاني، فيكون له أثر شرعي أيضاً في المقام، ولا مانع عن اجرائه.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في مقام استصحاب عدم الهبة في المقام.
إلَّا أنَّ هذا التقريب غير صحيح؛ وذلك لأنَّه ليس عندنا مثل هذا الحكم الشرعي، وإنَّما هو أمر انتزاعي، لا أنَّ هناك حكم شرعي مُترتِّب على عنوان كلّ مالٍ يسلط عليه تسليطاً مجانيّاً.
توضيح ذلك: أنَّ موارد عدم التسليط المجاني على قسمين: فتارةً يكون مورد عدم التسليط المجاني مورد المعاوضة، كأن يبيعه عليه بدل أن يسلطه عليه مجاناً، وهذا ما يسمّى بضمان المعاوضة، ويكون مضموناً بالمسمّى، أي: بالثمن المذكور
ــــــــــ[336]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
في تلك المعاملة، ودليل هذا الضمان هو دليل امضاء هذه المعاملة وصحتها.
وفي مورد عدم التسليط مجاني، وعدم الضمان المعاوضي، هناك مع فرض استجماع الشرائط الأُخرى، يكون مضموناً بضمان الغرامة، يعني ما يسمّى عند الفقهاء بضمان اليد (عَلَى الْيَد مَا أَخَذَتْ حتّى تؤدّي)(1) ويكون مضموناً بالمثل إذا كان مثليّاً وبالقيمة إذا كان قيمياً، وهذا دليله (عَلَى الْيَد مَا أَخَذَتْ) أو السيرة العقلائية، أو أيّ شيء آخر.
وهنا يمكننا أن ننتزع عنواناً جامعاً بين الضمان المعاوضي وضمان الغرامة، ونقول: إنَّه في جميع موارد عدم التسليط المجاني يكون المال مضموناً إذا وقع تحت يد الشخص.
وهذا ليس حكماً شرعياً مجعولاً بدليل شرعي على موضوع، حتّى يقال: إنّنا بالاستصحاب ننقح موضوع هذا الحكم، فباستصحاب عدم التسليط المجاني يتنقح موضوع الحكم بالضمان شرعاً، بل هنا حكمان ضمانيان: ضمان معاوضة وضمان غرامة، وضمان المعاوضة مُترتّب على وقوع المعاملة بحسب الخارج، ومجرّد عدم التسليط المجاني لا يكفي في ثبوت ضمان المعاوضة، إلَّا بالملازمة العقليّة، من باب إنّا نعلم أنّه إمّا هبة وإمّا بيع، فإذا نفينا أحدها ثبت الآخر. وضمان الغرامة غير محتمل في المقام، فإنَّ الأمر دائر بين التسليط المجاني وبين ضمان المعاوضة.
إذن فتقريب استصحاب عدم وقوع الهبة، بدعوى أنّه ينقح موضوع
ــــــــــ[337]ــــــــــ
(1) فقه القران 2: 74، عوالي اللئالي 1: 224.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الضمان، صوّري؛ لأنَّ هذا الضمان عنوان انتزاعي من ضمانين مجعولين على موضوعين، وأحد الموضوعين معلوم العدم في المقام وهو ضمان الغرامة، والثاني لا يمكن اثباته باستصحاب عدم وقوع الهبة، وهو المعاملة إلَّا بالملازمة العقليّة.
إذن، فاستصحاب عدم وقوع الهبة هنا ليس له أثر شرعي حتّى يعارض به استصحاب عدم وقوع البيع.
فبهذا اتّضح أنَّ جميع جهات إلزام الأوّل على الثاني منفيّة بالأصل، وجهة إلزام الثاني على الأوّل على طبق الأصل بناءً على المشهور في باب جعل الخيار، وحينئذٍ يكون الأوّل متمحضاً في كونه مدّعياً، والثاني متمحضاً في كونه منكراً.
فإذا فرض أنَّ مدّعي الهبة حلف على نفي البيع، فسقط استحقاق الأوّل وبقيت العين عند الثاني، فلا يبقى مجال للتكلّم بأنَّ هذه العين كيف يحكم بها الأوّل مع العلم التفصيلي بالبطلان؟ هذه صناعة المطلب، بناءً على أنَّ الملحوظ هو جهة الإلزام.
وأمّا بناءً على أنَّ الملحوظ ما هو مصبّ الدعوى فقد يقال في المقام: بأنَّ مصبّ الدعوى هو عقد البيع وعقد الهبة، وكلّ منهما أمر ثبوتي في نفسه مسبوق بالعدم، فينحل المقام إلى خصومتين في كلّ منهما مدّع ومنكر، فلا بُدَّ من التحالف، إلَّا أنَّه انقدح ممّا حققناه أيضاً: أنَّ هذا غير صناعي؛ وذلك لأنَّ الخصومة الثانية لا معنى لها.
نعم، الخصومة على وقوع البيع وعدمه موجودة، ولا بُدَّ من تطبيق قانون
ــــــــــ[338]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
باب المخاصمة عليها، فالمدّعي لا بُدَّ أن يقيم بيّنة، وإلَّا فيحلف المنكر وتسقط الدعوى بالحلف، وأمّا الخصومة الثانية المدّعاة، وهي الخصومة في وقوع الهبة فإنّها ليست خصومة.
نعم، هناك تكاذب في أنّه هل هناك هبة أو لا؟ ولكن ليس كلّ تكاذب في الدنيا يطبق عليه باب الخصومة، فإنَّ قانون باب الخصومة إنَّما يطبق على خصومة تكون منشأ للإلزام من أحد الطرفين بالنسبة إلى الآخر، ووقوع الهبة وعدمه في المقام لا يكون منشأ للإلزام، بعد فرض تطابقهما على أصل الملكيّة، حتّى يفرض هنا مدّع ومنكر، فالمدّعي هو الثاني والمنكر هو الأوّل، فلماذا يدّعي الهبة الثاني؟ مع أنَّ إثبات جهة إلزامه ودفع جهة إلزام البائع بالنسبة اليه كلّه لا يتوقف على إثبات الهبة.
نعم، هذا مطلب كمطلب من يقول: إنَّ الطائر مات في السماء، فكما أنَّ إنكار البائع للهبة لا ينفعه في مقام إثبات إلزاماته. إذن، فليست هناك بحسب الحقيقة خصومة مفيدة، إلَّا خصومة واحدة.
نعم، هناك تكاذبان، إلَّا أنه ليس كلّ تكاذب هو خصومة، بل أحدهما يكون خصومة دون الآخر، وتجري حينئذٍ قوانين باب الخصومة في تلك الخصومة الواحدة، فيحلف منكر البيع، فتسقط دعوى البيع، ويبقى الكتاب عند مدّعي الهبة. هذا هو تحقيق المطلب إلى هنا.
نعم، لو أنّنا لم نوافق المشهور على أنَّ الخيار يكون في إنشاء في ضمن إنشاء، بل قلنا: إن روح جعل الخيار إلى تقييد الملكيّة المجعولة من أوّل الأمر، ومعنى جعل الخيار: أنَّ الملكيّة المجعولة من أوّل الأمر مقيّدة بما قبل الفسخ، ففي
ــــــــــ[339]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
العقد الخياري ليس هناك انشاءان، ولكن هناك إنشاء واحد للملكيّة، لكن الملكية المقيّدة بعدم الفسخ، وهذا هو فرقه عن الأوّل، فإنَّه على المبنى المشهوري هناك إنشاءان: إنشاء للملكيّة وإنشاء للخيار على تقدير التخلف عن الشرط، وأمّا هنا فلا يوجد إلَّا إنشاء واحد، وهو إنشاء الملكيّة المقيّدة بعدم الفسخ.
وبناءً على هذا، فحينئذٍ لا معنى لاستصحاب عدم جعل الخيار، فإنَّ جعل الخيار عبارة أُخرى عن جعل إطلاق الملكيّة، بل الموافق للأصل حينئذٍ هو عدم جعل الملكيّة الزائدة، فعدم جعل ملكيّة زائدة على ما بعد الفسخ هو الذي يكون مطابقاً للأصل.
وبناءً على هذا المبنى ففي كلّ مورد اختلف شخصان -بعد فرض وقوع المعاملة- بأنّها لزوميّة أو غير لزومية، جُعِلَ فيها الخيار أو لم يُجعَل، فإنّه تختلف النتيجة على المبنى المشهوري وهذا المبنى، فإنَّه على المبنى المشهوري يكون مَنْ يُنكِر الخيار ويدّعي اللزوم هو الموافق قوله للحجّة، وأمّا بناءً على هذا المبنى فينعكس المطلب.
وحينئذٍ يكون استصحاب عدم جعل هذه الملكيّة المجعولة للثاني بالنسبة إلى هذا الكتاب يشكّ بأنّها ملكيّة مطلقة أو ملكيّة مقيّدة، وحينئذٍ يستصحب عدم جعل الملكيّة لما بعد الفسخ، ويكون قول البائع من هذه الناحية هو القول المطابق للأصل.
نعم، قول الثاني يكون مطابقاً للأصل من حيث نفي استحقاق الثمن، فهذا المال ما لم يفسخ البائع يكون للثاني، وإذا فرض أنَّه فسخ فينتقل هذا المال إلى الأوّل.
ــــــــــ[340]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
وفي كلّ من الحالين لا مخالفة للعلم الوجداني، فإنَّه في حال قبل الفسخ يحتمل كون هذا مالكاً، وبعد الفسخ أيضاً يحتمل كون ذاك مالكاً له، فلم يخالف العلم الوجداني في كلّ من الحالين، وهذا أيضاً على المبنى الثاني.
وبما حققناه ظهر أنَّه لا مجال للتحالف في المقام، لا بناءً على ما هو المختار من أن تشخيص المدّعي والمنكر بلحاظ تشخيص جهة الإلزام، ولا بناءً على أنَّه بلحاظ مصبّ الدعوى. هذا كله في الجهة الأولى، وهو التحالف.
وأمّا الجهة الثانية -فهي أسوأ من الجهة الأولى- وهو أن يلتزم بعد التحالف بانفساخ العقد، وهذا الانفساخ في المقام لا موجب له، فإنّنا بيّنا فيما تقدّم أنَّ نفس دليل حجّيّة الحلف ودليل فاصليته للخصومة لا يقتضي بوجه انفساخ العقد، وإنَّما قلنا بانفساخ العقد فيما سبق، باعتبار أنَّ كلا منهما يدّعي أنَّ له الخيار، ونعلم إجمالاً أنَّ أحدهما له الخيار، والمفروض أنَّ كلا منهما لا يرضى بالمعاملة إلَّا على النحو الذي لم يثبت، وحينئذٍ يكون العقد منفسخاً للعلم الإجمالي بأنَّ صاحب الحقّ المردّد بينهما قد فسخ هذا العقد.
وهذا بخلافه في المقام، فإنَّه في المقام لا علم إجمالي بأنَّ فسخ هذا العقد قد حصل من قبل من له الفسخ، فإنَّه إن كان هذا العقد بيعاً فقد فسخ مدّعي البيع، وإن كان هبة فليس لأحد حقّ الفسخ لا لذاك ولا لهذا؛ لأنَّ الخيار غير مجعول في عقد الهبة بحسب الفرض. إذن، هنا لا ينطبق عليه الوجه الفني الذي قلناه هناك في مقام الانفساخ.
وكأن ما ذكره السيّد الأُستاذ مبني على دعوى أنَّ نفس دليل حجّيّة الحلف يقتضي الانفساخ في أمثال هذه الموارد، وأمّا بعد فرض تطبيق الانفساخ على
ــــــــــ[341]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الصناعة بالوجه الذي بيّناه قبلا، فيظهر الفرق بين هذين الفرعين، الفرع المتقدّم والفرع الحالي، فيتوقف دعوى الانفساخ في المقام على إثبات اقتضاء نفس دليل حجّيّة الحلف للانفساخ ودون ذلك خرط القتاد.
نسيت شيئاً واحداً بالنسبة لهذا الفرع، في الجهة الثانية منه وهو حصول الانفساخ، أليس قلنا أنه بعد الالتفات إلى نكتة الأمر يظهر الفرق بين الفرعين، من حيث هناك ينفسخ العقد لكن هنا لا ينفسخ.
قد يقال في المقام: بانفساخ العقد من باب اللغويّة، فاعتبار بقاء العقد لغو صرف، فما هي فائدة بقاءه بعد فرض أنَّ كلا منهما ليس قادراً على إلزام الآخر بما يدّعيه.
وإشكال اللغويّة هذا له أكثر من جواب واحد، ويكفينا في مقام جوابنا، فإنَّه قد يقرّب كوجه كلّي في موارد التحالف، فإنَّ العقد ينفسخ في موارد اللغوية، إلَّا أنَّه يكفي في مقام جوابه تصوّر عدّة ثمرات، ومن جملتها: أنَّه لو فرض أنَّ هذا الشخص بعد الإنكار اهتدى وأقر، فلو فرض أنَّ العقد كان منفسخاً فلا موجب لرجوعه مرة أُخرى، ولو كان باقياً، فإنَّه بإقراره بعد الإنكار يكون العقد تامّاً، ويكون المال له لا محالة.
هذا تمام الكلام في الفرع الرابع.
لو فرض أنَّ شخص أَقَرَّ بعين إلى شخص آخر، فيعطى له بمقتضى حجّيّة الإقرار مثلاً، فلو فرض أنَّه أَقَرَّ بتلك العين لشخص ثالث بعد ذلك، فهنا يحكم
ــــــــــ[342]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
بضمان هذا الشخص لقيمة العين بالنسبة إلى الشخص الثالث، لا بمعنى: أنَّ الإقرار الثاني أيضاً يكون حجّة في إثبات مالكيّة الثالث للعين من جديد، كما هو ظاهر عبارة الدراسات(1)، بل بمعنى: أنَّ هذا الإقرار يكون حجّة بالمدلول الالتزامي، فإنَّ هذا الإقرار بالنسبة إلى المدلول المطابقي لا معنى لحجّيتّه بعد هذا؛ لأنَّ المدلول المطابقي ليس مربوطاً بهذا الإنسان، فإنَّ إقرار الإنسان على نفسه يكون حجّة، لا أنَّه بالنسبة إلى أملاك غيره يكون حجّة، إلَّا أنّه بلحاظ المدلول الالتزامي لا مانع من شموله دليل حجّيّة الإقرار بالنسبة إليه، فإن إقراره بهذه العين للثالث، معناه: إقراره أنّي اتلفت أو فوت هذه العين على الثالث وأنَّ ذمتي مشغولة للثالث بالبدل، سواء كان هذا البدل وهذا الضمان ضمان التلف، كما ذكر في الدراسات(2)، بدعوى أنَّ هذا التلف الحكمي ملحق بالتلف الحقيقي، أو كان بدل الحيلولة، بناءً على ما هو المعروف والمختار في محلّه من ثبوت بدل الحيلولة.
فهذا يكون بدل الحيلولة بمقدار اقتضاء نفس الحيلولة، فإنَّ هذا الشخص قد حال بين الشخص الثالث وبين ماله باعتبار إقراره للأوّل بالمال، فعلى أيّ حالٍ قد أَقَرَّ باشتغال ذمته بالبدل، إمّا بدل الغرامة أو بدل الحيلولة، وحينئذٍ يكون هذا الإقرار حجّة عليه بمقدار ما يلزمه، فيأخذ منه قيمة العين وتعطى إلى الشخص الثالث، هذا لا بأس به.
ــــــــــ[343]ــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 4: 321.
(2) انظر: دراسات في علم الأُصول 4: 321.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
فلو فرض أنَّه اجتمعت العينان: العين مع بدلها عند شخص ثالث فيعلم إجمالاً بحرمتها، ولو اشترى به جارية يعلم تفصيلاً بحرمتها، وحينئذٍ بمقدار الآثار التي تخالف العلم الإجمالي أو العلم التفصيلي نرفع اليد عنها بهذا المقدار، ولا بأس بهذا، فإنَّه لا يوجد هنا نصّ حتّى يستشكل من ناحيته، بل هو على مقتضى القواعد، وهو هذا لا محالة.
هذا أيضاً تمام الكلام في الفرع الخامس.
هذا تمام ما تقتضيه الصناعة في الفروع الخمسة، وبذلك تمّت مسألة الأخباري.
وانتهينا إلى البحث في العلم الإجمالي(1).
ــــــــــ[344]ــــــــــ
() بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين. أمّا بعد فقد انتهى هذا الدفتر بعون الله تعالى وحسن توفيقه من محاضرات سيّدنا الأُستاذ الصدر (دام ظلّه) بتاريخ آخر محاضرة من هذا الدفتر، وقد احتوى على ثمان وثلاثين محاضرة كاملة، منها ثلاث عشر قمت بضبطه اثناء القاء المحاضرة، ومن ثُمَّ كتابته في هذا الدفتر، وأمّا الباقي وهو خمسة وعشرون محاضرة فقد نقلت من جهاز التسجيل حرفيّاً ما عدا إسقاط المكرّرات المحضة، ومن ثَمَّ جاء وافياً بالمطلوب على أحسن وجه، والحمد لله عزّ وعلا.
هذا ما تمّ من كتابة هذا الدفتر من محاضرات في علم الأُصول على يد المحتاج إلى رحمة ربّه الكريم محمّد بن السيّد محمّد صادق الصدر (غفر الله له ولوالديه). والحمد لله ربّ العالمين. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الكلام في وجوب الموافقة الالتزاميّة 15
الجهة الأولى: في أصل وجوب الموافقة الالتزاميّة 17
الجهة الثانية: في مانعيّة وجوب الموافقة الالتزاميّة عن جريان الأُصول 27
الكلام في إبطال المانعيّة 34
في مانعية الجريان مع أخذ التشريع محذوراً 42
الأقوال في المانعيّة 49
الوجه الأوّل ما أفاده الشيخ الأعظم في الرسائل 49
الوجه الثاني ما ذكره السيّد الأُستاذ والآخوند 55
الوجه الثالث ما ذكره الآخوند في الكفاية 57
الاعتماد على الدليل العقلي في مقام استنباط الأحكام الشرعيّة 65
الناحية الأولى: استكشاف الحكم الشرعي من العقل النظري 70
الناحية الثانية: استكشاف الحكم الشرعي من العقل العملي 74
تنقيح أصل المطلب يقع في مراحل ثلاث 77
المرحلة الأولى: وهي دعوى قصور الدليل العقلي بحسب عالم الجعل 78
المرحلة الثانية: دعوى قصور الدليل العقلي بحسب عالم الاستكشاف 81
ــــــــــ[345]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الكلام في العقل النظري 84
الجانب المنطقي للعقل النظري 102
عملية اكتساب المعلوم من المجهول 112
الكلام في العقل العملي 127
دعوى قصور العقل العملي بحسب عالم الاستكشاف 133
المقام الأوّل: التكلّم في أصل العقل العملي 134
تحقيق النزاع 136
البحث الأوّل: في جانب النقض 137
البحث الثاني: في جانب الحلّ 156
الجهة الأولى: في أصل إدراك الإنسان للحسن والقبح 156
الجهة الثانية: صلة هذا الإدراك بعالم المصالح والمفاسد 165
تقريب المحقّق الخراساني مع جوابه 173
في الرد على كون قضيّة الحسن والقبح من الميل الطبيعي 189
الجهة الثالثة: في حقّانيّة العقل العملي وعدم حقّانيّته 197
المقام الأوّل: في تصوّر ما هو المدّعى المبحوث عن حقّانيّته وعدمها. 197
المقام الثاني: فيما يبرهن به على عدم الحقّانيّة، وعلى كذب العقل العملي وخداعه. 208
ــــــــــ[346]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
الأوّل: البرهان الأشعري 208
الثاني: البرهان الفلسفي 211
الثالث: البرهان الكلامي 217
المقام الثالث: في مقدار إمكان إثبات المدّعى في العقل العملي 220
ما استدلَّ به المثبتون 220
الوجه الأوّل: دعوى اتّفاق تمام العقلاء على إدراك الحسن والقبح 220
الوجه الثاني: ما ذكره أصحابنا (قدس الله أسرارهم) في المقام: 222
موقف المشكّكين 225
التشكيك الأخباري 225
في إرجاع قضايا العقل العملي إلى حسن العدل وقبح الظلم 227
التشكيك على أساس المنطق التجريبي 233
التشكيك على أساس المنطق البرهاني 234
كلام المحقّق الأصفهاني 234
إشكالان وتعليقان 238
المقام الثاني: الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع 249
ــــــــــ[347]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7
المرحلة الثالثة: دعوى قصور الدليل العقلي بحسب عالم الحجّيّة 258
الأخبار التي يتوهّم الاستدلال بها لإثبات مدّعى الأخباري 266
المهم في المقام الطائفة الخامسة 269
تنبيهان 281
التنبيه الأوّل: في قطع القطّاع 281
التحقيق في المقام 281
التنبيه الثاني: في الفروع التي استدلّ بها الأخباري بأنَّ في الشريعة أحكاماً تنافي العلم الإجمالي أو التفصيلي 286
الفرع الأوّل: 286
الكلام من الناحية الفقهيّة 286
إعادة وتكرار 300
الفرع الثاني: لو اختلف في البيع 320
الفرع الثالث: فيما لو علم بجنابة نفسه أو جنابة شخص آخر 329
الفرع الرابع: لو اختلف الشخصان في الهبة والبيع 330
يبقى في المقام إشكال وجوابه 335
الفرع الخامس: لو أَقَرَّ بعين لشخص ثُمَّ أَقَرَّ بها لشخص آخر 342
الفهرس 345
ــــــــــ[348]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج7