261
ص44 الصدر، محمد.
محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج8 (344ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1712/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1712) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
0-30-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
محاضرات
في
علم أصول الفقه
تقريراً لأبحاث
سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الثامن
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم: ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ـــــــــــــــــــــــــ[5]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ويحتوي على:
ـــــــــــــــــــــــــ[9]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
العلم الإجمالي
ـــــــــــــــــــــــــ[11]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
انتهى البحث إلى
والكلام في العلم الإجمالي يقسم عادةً إلى مقامين:
أحدهما: التكلم في أنَّ العلم الإجمالي هل يكون منجّزاً للتكليف، كما كان العلم التفصيلي منجّزاً له، وماهي مرتبة هذا التنجيز؟
والمقام الآخر: هو أن يتكلم في أن العلم الإجمالي إذا تعلّق بالإتيان بالوظيفة فهل يكون مفرّغاً للذمة؟ ويكون كافياً في الخروج عن العهدة، كما كان العلم التفصيلي بالإتيان بالوظيفة مفرّغاً للذمة ومُخرجاً للإنسان عن العهدة.
فالمقام الأوّل: مرجعه إلى التسوية بين العلم الإجمالي والعلم التفصيلي فيما إذا تعلّق بأصل ثبوت التكليف، التسوية بينهما بلحاظ المنجّزيّة وإقامة الحجّة على التكليف، والمقام الثاني: يرجع إلى التسوية بين العلم الإجمالي والعلم التفصيلي فيما إذا تعلّق بالإتيان بالوظيفة خارجاً من قبل المكلّف، يرُى أنَّ العلم الإجمالي بالإتيان بالوظيفة هل حاله حال العلم التفصيلي بالإتيان بالوظيفة من حيث المعذوريّة والخروج عن العهدة أو لا؟
ـــــــــــــــــــــــــ[13]ــــــــــــــــــــــ
(1) كان تاريخ الشروع في هذا البحث يوم السبت 12/12/1383هـ، 25/4/1964م.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ولذا يعبّر عن المقام الأوّل بأنَّه بحث في ثبوت التكليف بالعلم الإجمالي، وعن المقام الثاني بأنَّه بحث في إسقاط التكليف بالعلم الإجمالي.
أمّا المقام الثاني فقد خصّص الكلام عنه في هذه المسألة، أي تكلم الآغايون في هذه المسألة في مباحث القطع، عن أنَّ العلم الإجمالي بالإتيان بالوظيفة هل يكون مفرّغاً على حدِّ مفرّغيّة العلم التفصيلي بالوظيفة؟ حيث إنَّ هذه المفرّغيّة من شؤون العلم محضاً لا من شؤون الاحتمال.
وتوضيحه: أنَّ العلم الإجمالي حيث إنَّه ينحلّ بحسب الحقيقة إلى علم وشكّ، والشبهة في مفرّغيّته تنشأ من ناحية أنَّ الشكّ مانع عن مفرّغيّة هذا العلم. إذن، هذا البحث في شأن هذا العلم هل يكون مفرّغاً أو لا يكون مفرّغاً؟ فمن يقول: إنَّه ليس بمفرّغ يقول بمانعيّة هذا الشكّ الذي يقترن به، ومن يقول: بأنَّه مفرّغ يُنكر هذه المانعيّة، فمصبّ البحث بحسب الحقيقة إنَّما هو شأن من شؤون العلم؛ ولذا ذُكر المقام الثاني في مباحث القطع.
ـــــــــــــــــــــــــ[14]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وأمّا بالنسبة إلى المقام الأوّل وهو البحث في التنجيز، فقد كُرر البحث عمليّاً في موضعين: هنا وفي مباحث أصالة الاشتغال، ونظرياً أفاد المحقّق الخراساني(1): أنَّ مقتضى الصناعة هو تقسيم جهات البحث؛ وذلك أنَّه يتكلّم هنا عن أصل منجّزيّة العلم وعن هذه الدرجة من المنجّزيّة، هذه الدرجة المردّدة بين العلّيّة والاقتضاء في كلّ من مرتبة حرمة المخالفة القطعية ومرتبة وجوب الموافقة القطعيّة، ومرجع العلّيّة والاقتضاء إلى إطلاق المنجّزيّة ومعلّقيتها، فمن يقول بالعلّيّة يقول: بأنَّ التنجّز مطلق. ومن يقول بالاقتضاء يقول: بأنَّ التنجّز معلّق على عدم مجيء الرخصة من قبل الشارع، أي: عدم جريان الأُصول الترخيصيّة في الأطراف.
فهذا البحث في التنجيز وفي درجة التنجيز من حيث كونها علّيّة واقتضائية يتمحض في مباحث العلم، فإن قيل هنا بإطلاق التنجيز والعلّيّة فلا مجال لاستئناف بحث آخر، وإن قيل هنا بعدم التنجيز على نحو العلّيّة والإطلاق، إمّا بأن يقال بالتنجيز المعلّق في إحدى المرتبتين، أو في كلتيهما، أو يُنكر التنجيز رأساً، ولو في إحدى المرتبتين على الأقل، فيقال مثلاً في مرتبة وجوب الموافقة
ـــــــــــــــــــــــــ[15]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 273، الفصل السابع.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
القطعيّة: بأنَّ العلم الإجمالي ليس منجّزاً لا بنحو العلّيّة ولا بنحو الاقتضاء، فحينئذٍ يكون هناك بحث آخر، حاصله: بعد أن ثبت أنَّه من قبل العلم الإجمالي لا مانع من جريان الأُصول؛ لأنَّه ليس منجّزاً بنحو العلّيّة في هذه المرتبة المفروضة، فحينئذٍ يُتكلّم عن الأُصول هل تجري أو لا تجري؟ وهل حال الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي حال الشبهة غير المقرونة به من حيث تمامية الدليل على جعل الأصل أو لا؟ وهذا بحث آخر يرجع إلى الأُصول العمليّة، وينبغي أن يُتكلّم فيه هناك.
ونِعمَ ما قال في هذا التقسيم،إلَّا أنَّ الأنسب اقتصاداً في الوقت، هو تحويل البحث في التخيير بتمامه بما يرجع منه إلى العلم وما يرجع منه إلى الشكّ إلى بحث أصالة الاشتغال، وذلك للترابط بين هذه الأبحاث، ولزوم أن تكون هذه الأبحاث القبليّة مستحضرة عند الدخول في المراحل البعديّة؛ ولهذا فنؤخّر البحث التفصيلي في المقام الأوّل إلى البحث في أصالة الاشتغال،ولكن نريد هنا أن نذكر المبنى ونشرحه شرحاً تصوّرياً لفائدة، وهي: أنَّ جملة من المباحث الآتية -إلى أن نصل إلى بحث أصالة الاشتغال- يرتبط تحقيقه بهذا المبنى، فنحتاج إلى استحضار صورة مفصّلة عن المبنى لكي نستطيع أن نتكلّم هناك على المباني. وهذا ليس تكراراً محضاً بلا فائدة، فإنَّنا في بحث أصالة الاشتغال لا بُدَّ أن نكرره ثُمَّ نُثبته وننفي ما يقابله، إلَّا أنَّ فائدة ذكره هنا هو أنَّه يعيننا على جملة من المباحث الآتية التي سوف نقول فيها: إنَّ اكتشاف الحقيقة فيه يكون على المباني ويختلف باختلافها.
ـــــــــــــــــــــــــ[16]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فالقدر المتيقّن الآن شرح مبنانا في بحث العلم الإجمالي، وهو التفصيل بين نوعين من العلوم الإجماليّة: نوع من العلوم الإجماليّة يلحق بالعلم التفصيلي ويطبّق عليه قاعدة أن الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، وبلغة هذه المسألة أنَّ العلم الإجمالي هنا يكون منجّزاً للمخالفة القطعيّة بنحو العلّيّة لوجوب الموافقة القطعيّة بنحو الاقتضاء لا بنحو العلّيّة.
ونحو آخر من العلم الإجمالي لا يلحق بالعلم التفصيلي بهذا المعنى، بل هناك نقول: بأنَّ العلم الإجمالي يكون منجّزاً بمقدار حرمة المخالفة القطعيّة على نحو العلّيّة، وأمّا بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعيّة لا يكون منجّزاً لا بنحو العلّيّة ولا بنحو الاقتضاء.
توضيحه: أنَّ العلم الإجمالي تارةً يتعلّق بتكليف مردّد بين أمرين دون أن يكون المتعلّق متعيّناً في مرحلة العلم، وأُخرى يتعلّق العلم الإجمالي بتكليف مردّد بين أمرين، مع فرض تعيّن التكليف في مرحلة العلم.
وبعبارة أُخرى: أنَّ المعلوم بالإجمال دائماً، إذا أردنا بهذه العبارة واقع المعلوم بالإجمال وذات المعلوم بالإجمال، فهذا متعيّن في الواقع، وهو أحد الطرفين أو الأطراف بعينه، فهو أمر متعيّن متخصّصاً ولا يقبل الانطباق على غير نفسه، ولا يقبل الانطباق على قسيمه، فإنَّ القسيم لا يقبل الانطباق على قسيمه، مثلا: حينما نعلم إجمالاً بوجوب الظهر أو الجمعة، فذات ما هو الواجب بحسب الواقع -ولنفرضه هو وجوب الظهر مثلاً- هذا الوجوب
ـــــــــــــــــــــــــ[17]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الواقعي وجوب مشخصّ وتعيّن متخصّص لا يقبل الانطباق على وجوب صلاة الجمعة؛ لأنَّ صلاة الظهر لا يمكن أن تنطبق على صلاة الجمعة، فإنَّهما أمران متقابلان.
وهذا سار في تمام موارد العلم الإجمالي، فإنّنا إذا لاحظنا ذات الواقع وذات ما هو ثابت في نفس الأمر في علم الله، فهذا أمر متعيّن متخصّص لا يقبل الانطباق على الطرف الآخر من أطراف العلم الإجمالي، بل يباينه ويغايره ويقابله.
وأمّا إذا لاحظنا المقدار المعلوم الذي أعلمه من الواقع، فإنّني -طبعاً- لا أعلم الواقع بتمامه، وإلَّا لأنقلب العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي، وهذا ما سوف يأتي -إن شاء الله- في النزاع بيننا وبين المحقّق العراقي، حيث يدّعي(1) أنَّ العلم الإجمالي يتعلّق بالواقع بتمامه.
فالعلم الإجمالي لا يتعلّق بالواقع بتمامه -كما سوف يأتي توضيحه وتحقيقه- وإنَّما يتعلّق العلم بمقدار من هذا الواقع لا محالة، هذا المقدار الذي يتعلّق به العلم في بعض الموارد يكون له تعيّن، بحيث لا يقبل الانطباق على غير الواجب الواقعي، وفي بعض الموارد لا يكون له تعيّن في أفق العلم وبما هو معلوم، والتفصيل هنا يقع،ففي بعض الموارد لا يكون له تعيّن في كونه معلوماً، بحيث يقبل المقدار المعلوم الانطباق على جميع الأطراف على حدّ سواء، ونسبته إلى تمام الأطراف على حدّ سواء، وقابليته للانطباق عليها على
ـــــــــــــــــــــــــ[18]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأُصول 2: 230، ونهاية الأفكار3: 309.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
حدّ سواء،وفي بعض الموارد لا يكون كذلك، بل يكون المقدار المعلوم أيضاً متعيّناً بنحو من التعيّن بحيث لا يقبل الانطباق على تمام الأطراف، ولا يكون نسبته إلى تمام الأفراد على حدّ واحد، وإن كان محتمل الانطباق على تمام الأطراف، إلَّا أنَّ احتمال الانطباق غير قابليّة الانطباق في الواقع؛ولنمثل بمثالين لأجل أن يتّضح كلّ من هذين القسمين.
لو فُرض في المقام أنّنا علمنا بوجوب الظهر أو الجمعة، فهنا الواجب الواقعي في نفس الأمر متعيّن، وهذا فرغنا عنه، وقلنا: إنَّه جار في سائر موارد العلم الإجمالي؛ لأنَّ الواجب الواقعي هو الظهر وهو أمر متعيّن، ولا يمكن أن ينطبق عنوان الظهر على واقع الجمعة بحسب الخارج،إلَّا أنَّ الكلام في المقدار المعلوم، ما هو المقدار المعلوم تعلّق التكليف به في عالم التشريع، هذا المقدار هو مقدار لا يمكن أن نعبّر عنه إلَّا بتعبير إحدى الصلاتين بهذه الأداة، والمفهوم الانتزاعي هو أو ما يساويه وما يكون مثله في هذه الفائدة، فإنَّه ليس المقدار المعلوم إلَّا مقدار ما يشار إليه بأمثال هذه الأداة وهذا المفهوم، وهو مفهوم إحدى الصلاتين،والزائد على هذا المقدار، لا إشكال أنَّه ثابت في الواقع، وأنَّ الواقع أكثر من مقدار أحد الأمرين، وأكثر من مقدار هذا الجامع الانتزاعي، ولكن هذا الزائد ليس معلوماً لي، وإلَّا لأنقلب العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي،فالمقدار المعلوم هو ما نشير إليه بهذا الجامع، وهذا المقدار المعلوم إذا لاحظناه مع الخصوصيات التي لا نعلمها، والتي يعلمها الله، فهو لا يقبل الانطباق على تمام الأطراف لا محالة، وهذا المعنى ما قلناه أوّلاً: من أنَّ واقع
ـــــــــــــــــــــــــ[19]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
المعلوم بالإجمال لا يقبل الانطباق على تمام الأفراد،لكن إذا لاحظنا فقط المقدار المعلوم، مع قطع النظر عن الاضافة الواقعيّة المنضمّة إليه في علم الله وغير المنضمّة إليه في علمنا، فهذا المقدار الذي علمنا بدخوله تحت التكليف، وهو المقدار الذي يمكن لهذا الجامع الانتزاعي -إحدى الصلاتين- أن يعبّر عنه. هذا المقدار بحسب الحقيقة نسبته إلى الظهر والجمعة على حدّ واحد؛ لأنَّ هذا أحد الصلاتين وذاك أحد الصلاتين، فهذا المفهوم الجامع يحمل بالحمل الشايع على كلّ من الفردين، وقابل للانطباق على كلّ من الفردين، ولا يتصوّر تعيّن هذا الجامع بحيث لا يقبل الانطباق على غير واقع الظهر، بل مهما تصوّرناه لا يخرج عن كون نسبته إلى الظهر وإلى الجمعة على حدّ سواء، فهذا يكون مثالاً للقسم الأوّل.
وأُخرى نفرض أنّنا علمنا إجمالاً بوجوب إكرام العالم، وعلمنا إجمالاً أنَّ العالم هو إمّا زيد أو عمرو، فقد علمنا إجمالاً بوجوب إكرام العالم المردّد بين زيد وعمرو. وأحدهما عالم والآخر جاهل، ويجب إكرام العالم المردّد بينهما، فهناك لاحظنا المقدار المعلوم دخوله تحت التكليف، فهذا المقدار المعلوم هو إكرام العالم، أي: إضافة الإكرام الى هذا عنوان العالم.
وهذا الإكرام المضاف إلى العالم -الذي نعلم بدخوله تحت التكليف- ليس نسبته إلى الطرفين على حدّ سواء ولا يقبل الانطباق على كلّ من الإكرامين، فليس نسبة إكرام العالم هنا الذي نعلم بدخوله تحت التكليف إلى إكرام زيد وإلى إكرام عمرو كنسبة معلومنا الإجمالي في تلك المسألة إلى صلاة
ـــــــــــــــــــــــــ[20]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الظهر وإلى صلاة الجمعة، بل إنَّ معلومنا هنا الذي هو إكرام العالم لا يقبل الانطباق على إكرام عمرو الذي هو الجاهل في علم الله تعالى، فإكرام العالم في علم الله لا ينطبق على إكرام عمرو، ولا يمكن أن ينطبق عليه، كما لا يمكن أن ينطبق الماء على الهواء. إذن، فالنسبة إلى كلّ من الطرفين ليست على حدّ واحد، فهذا سنخ آخر في قبال السنخ الأوّل،إذا تصوّرنا هذين السنخين، فهنا تتضح خصوصيتين في مقام الفرق بين هذين السنخين:
الخصوصيّة الأولى: هي الخصوصيّة المستفادة من كلامنا المقدر والمعلوم بالإجمال في أفق العلم في القسم الأوّل القابل للانطباق الآن، ونسبته إلى كلّ منهما على حدّ واحد.
وأمّا في القسم الثاني فنسبة المقدار المعلوم ليست إلى كلّ من الطرفين على حدّ واحد، فإنَّه لا يقبل الانطباق على غير الواجب الواقعي.
الخصوصية الثانية: هي تعتبر كنتيجة لهذا الفرق: أنَّ الإنسان لو أنَّه صلّى الظهر وترك الجمعة الذي هو الواجب الواقعي كما تصوّرناه، فهو يعلم بعلم الإتيان بذات الواجب، وإن كان لا يعلم بالإتيان بالواجب بوصف كونه واجباً، فذات الواجب في نظر رسول الله يعلم بالإتيان به، ولكنّه لا يعلم بأنَّ ما أتى به واجب.
وأمّا في القسم الثاني لو فرض أنّه أكرم زيداً الذي هو العالم في الواقع، فهو لا يعلم بالإتيان بذات الواجب فضلا عن العلم بأنَّه واجب؛ لأنَّ الواجب هو إكرام العالم ممّا يعني تحقّق إضافة بين الإكرام وبين العلم القائم في نفس
ـــــــــــــــــــــــــ[21]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الشخص، وهذه الإضافة مشكوكة بحسب الخارج؛ لأنَّه يحتمل أنَّ هذا الشخص ليس له علم، فيحتمل أنَّ إكرامه لزيد ليس بينه وبين العلم إضافة، فإنَّه لو فرض أنَّ زيداً كان من الجهال لا يكون بينه وبين العلم إضافة، والمفروض أنَّ الواجب هو إكرام بينه وبين العلم إضافة، وهذا يشكّ في أنَّ هذا إكرام بينه وبين العلم إضافة، فذات الواجب لا يعلم بتحقّقه منه، لا أنَّه يعلم بذات الواجب ويشكّ بوجوبه؛ لأنَّ ذات الواجب هو إكرام العالم في شخص العالم، وهذا لم يعلم تحقّقه من هذا الشخص.
ونحن نفصّل بين هذين النوعين من العلم: ففي العلم الأوّل الذي يكون المقدار المعلوم نسبته على كلّ من الطرفين على حد ّواحد وقابل الانطباق على كلّ منهما، نقول: إنَّه علّة تامّة بمقدار الجامع، وبمقدار أحد الفعلين، بحيث لا يمكن للمولى الترخيص في كلا الفعلين؛ لأنَّه مخالفة قطعيّة بمقدار الجامع، وليس منجّزاً لوجوب الموافقة القطعيّة لا بنحو العلّيّة ولا بنحو الاقتضاء، على تفصيل وشرح يأتي في محلّه، والمقصود هنا بيان المدّعى تصوّره.
وفي الثاني نقول: بأنَّ العلم الإجمالي منجّز لوجوب الموافقة القطعيّة فضلاً عن حرمة المخالفة القطعيّة، إلَّا أنَّ تنجيزه لوجوب الموافقة القطعيّة ليس على نحو العلّيّة وإنَّما هو على الاقتضاء،وليس هذا عيباً في العلم الإجمالي، بل نقول: هذا في العلم التفصيلي فضلا عن العلم الإجمالي على تفصيل يأتي توضيحه وتحقيقه بنحو يظهر به حلّ جميع الخلافات بين النافين والمثبتين.
ولا يتوهّم من هذا العرض المختصّ بهذا المقدار أنَّ هذا التفصيل
ـــــــــــــــــــــــــ[22]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
مقصودنا منه التفصيل بين الشبهات الموضوعيّة والشبهات الحكميّة، فإنَّه قد يتوهّم من كلامنا أنَّ مرجع هذا التفصيل هو التفصيل بين العلم الإجمالي في موارد الشبهات الحكميّة، كالعلم الإجمالي بوجوب الظهر والجمعة، والعلم الإجمالي في الشبهات الموضوعيّة، كما إذا اشتبه أمر العالم بين زيد وبين عمرو، فإذا كانت الشبهة حكميّة فالعلم الإجمالي غير منجّز في وجوب الموافقة القطعيّة، ويلحق بالقسم الأوّل، ومتى ما كانت الشبهة موضوعيّة فيلحق بالقسم الثاني.
لا يقال هذا؛ لأنَّ الميزان الفني لهذا التفصيل ليس كون الشبهة موضوعيّة أو كونها حكميّة، فإنّنا نلتزم بإدخال الشبهة الموضوعيّة في القسم الأوّل في جملة من الموارد، فإنَّ الشبهة الموضوعيّة ليست دائماً مندرجة في القسم الثاني الذي يكون العلم الإجمالي فيه منجّزاً، فإنَّ الشبهة الموضوعيّة تارةً تنشأ من ناحية الاشتباه في عنوان متعلّق التكليف، أمّا عنوان متعلّق التكليف الابتدائي، أو عنوان متعلّق متعلّق التكليف -مقصودي: عنوان متعلّق التكليف بالمعنى الأعمّ بحيث يشمل العالم أيضاً؛ لأنَّ العالم متعلّق المتعلّق- فالشبهة تارةً تنشأ فيما هو متعلّق التكليف، أو بالتعبير الاصطلاحي من ناحية الاشتباه بالجهة التقييديّة، وهذا حينئذٍ يدخل دائماً في القسم الثاني، يعني: يكون العلم الإجمالي فيه منجّزاً كالعالم هنا، فإنَّه داخل في متعلّق التكليف بالمعنى الأعمّ -أي متعلّق المتعلّق- فهو جهة تقيّيديّة في متعلّق التكليف وفي معروض الوجوب، فيدخل في القسم الثاني،وقد يكون الاشتباه في الشبهة الموضوعيّة ناشئاً لا من حيث
ـــــــــــــــــــــــــ[23]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الاشتباه في متعلّق التكليف، بل في قيد نفس التكليف، يعني: في شرط الوجوب، يعني يكون الاشتباه في الحيثية التعليليّة لا في الحيثية التقييديّة، كما لو قال المولى: إذا نزل المطر فتصدق، وإذا جاء الحجاج فصل ركعتين، وعلم إجمالاً إمّا بنزول المطر وإمّا بمجيء الحجاج، فهذه شبهة موضوعيّة وليست شبهة حكمية، إلَّا أنَّ الاشتباه هنا ليس من ناحية عنوان مأخوذ في متعلّق التكليف، فإنَّ متعلّق التكليف هو التصدق والصلاة، إنَّما من ناحية العنوان المأخوذ شرطاً للوجوب، فهي شبهة موضوعيّة تكمن من ناحية الجهات التعليليّة، لا شبهة موضوعيّة من ناحية الجهات التقييديّة، ففي المقام نلتزم باندراجه في القسم الأوّل؛ إذ حاله حال العلم الإجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة، فإنَّه هنا يعلم إجمالاً بوجوب أحد الأمرين من التصدق أو الصلاة، ولا مخصّص للمقدار المعلوم أصلاً، فإنَّ المقدار الذي تعلّق به علمي نسبته إلى كلّ منهما على حدّ سواء وقابل الانطباق على كلّ منهما. هذا دفع توهم في المقام(1).
وخلاصة الفكرة: أنّ المعلوم بالإجمال إذا لوحظ واقع ما هو ثابت في نفس الأمر فهو دائماً متعيّن ولا يقبل الانطباق على غيره، ومن هنا لا فرق بين علم إجمالي وعلم إجمالي آخر.
لكن إن لوحظ المقدار الذي تعلّق به العلم والثابت في أُفق العلم الثابت في
ـــــــــــــــــــــــــ[24]ــــــــــــــــــــــ
() وهنا سأله أحد الإخوان: أن موارد الشبهة الحكمية دائماً مندرجة في القسم الأول من العلم الإجمالي.
فأجاب: بالإيجاب. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
لوح الواقع، فهذا المقدار ينقسم إلى قسمين:
فإنّه في بعض العلوم الإجماليّة يكون المقدار غير متعيّن بأيّ تعيّن، بل تكون نسبته إلى ما هو الواجب واقعاً -وهو الظهر- وغير الواجب واقعاً على حدّ سواء، وتكون قابليّته للانطباق على نحو واحد.
وأُخرى لا يكون هكذا، بل يكون هذا غير قابل للانطباق على غير الواقع، ولا تكون نسبته إلى كلّ الأطراف على حدّ واحد، كما لو علم إجمالاً بوجوب إكرام العالم المردّد بين زيد وعمرو، أو بحرمة شرب النجس المردّد بين هذا الماء وذاك، فإنَّ المقدار المعلوم في مثل ذلك، له تعيّن، بحيث لا يقبل الانطباق على غير طرفه الواقعي ومصداقه النّفس أمري، فعنوان إكرام العالم هو المعلوم الوجوب، وهذا العنوان لا يقبل الانطباق على إكرام الجاهل، كما لا يقبل انطباق عنوان الماء على عنوان الهواء مثلاً.
وهذان القسمان من العلم الإجمالي نفصّل بينهما، فنرى في القسم الأوّل من العلم الإجمالي الذي لا يكون للمقدار المعلوم تعيّن منجّزاً لحرمة المخالفة القطعيّة، وتنجيزه لذلك بنحو العلّيّة أيضاً لا بنحو الاقتضاء، بحيث لا يمكن الترخيص في تمام الأطراف، وأمّا بالنسبة إلى الموافقة القطعيّة فهو ليس منجّزاً، لا بنحو العلّيّة ولا بنحو الاقتضاء، فهو لا اقتضاء له بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعيّة.
وأمّا بالنسبة إلى القسم الثاني فنختار تنجيزه للمخالفة القطعيّة على حدِّ الأوّل، وأنَّه منجّزٌ أيضاً لوجوب الموافقة القطعيّة، ولكن لا على نحو العلّيّة، بل على نحو الاقتضاء بحيث يمكن الترخيص في قباله.
ـــــــــــــــــــــــــ[25]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وهذا الاقتضاء الذي ندّعيه في القسم الثاني حتّى بالنسبة إلى العلم التفصيلي الذي لا يكون فيه إجمال، لا بنحو العنوان ولا بنحو المصداق، ومقصودنا من العلم التفصيلي الذي يقابل هذا العلم الإجمالي الذي ينقسم إلى هذين القسمين.
ففي موارد الشكّ في المحصّل، كما لو علم إجمالاً بوجوب قتل مثل هذا الحيوان، وشكّ بأنَّ هذا القتل هل يحصل باستعمال هذه الأداة أو باستعمال هذه الأداة، ولكنّه لا يعلم حصوله بأحدهما معيّناً، فإنَّه ليس من باب العلم الإجمالي من القسم الأوّل كما هو واضح، ولا العلم الإجمالي من القسم الثاني؛ وذلك لأنَّه هنا لا تردّد في الواجب، لا على نحو العنوان ولا على نحو المصداق، وفي ذينك القسمين يكون التردّد في الواجب عنواناً أو مصداقاً، ففي القسم الأوّل يكون التردّد في الواجب عنواناً، ولا ندري هل هو عنوان صلاة الظهر أو عنوان صلاة الجمعة، وفي القسم الثاني يكون التردّد لا في العنوان لمعلوميّته، فإنَّ الذي يجب هو: إكرام العالم، والذي يحرم هو: شرب النجس، وإنَّما التردّد في الحمل الشايع من إكرام العالم أو شرب النجس، فالتردّد في المصداق.
وأمّا هنا فلا تردّد في العنوان وفي المصداق، وإنَّما التردّد في مقدّمات المطلب المغايرة عنواناً ومصداقاً، أي: مفهوماً ووجوداً للواجب، فإنّ الوجوب تعلّق بعنوان القتل بلا إشكال، ومصداق القتل أيضاً معيّن، وهو إزهاق روح هذا الحيوان، والشكّ والتردّد إنَّما هو في مقدّمات إزهاق روح هذا الحيوان، فهل هو استعمال هذه الأداة أو استعمال هذه الأداة.
ـــــــــــــــــــــــــ[26]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ومن هنا يتّضح الفرق -تصوّراً- بين باب العلم الإجمالي وبين باب العلم التفصيلي، فما هو مفروغ عنه من منجّزيّة العلم التفصيلي وأنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، هذا إنَّما هو مفروغ عنه في باب العلم التفصيلي بهذا المعنى، أي: الذي لا يكون هناك تردّد في متعلّق وجوبه لا عنواناً ولا مصداقاً. فهذا هو الذي فُرغ فيه عن هذه القاعدة المسلّمة، وهناك لم يستشكل أحد ولو ارتكازاً في وجوب الموافقة القطعيّة، فلم يقل أحد هناك: إنَّ العلم لا اقتضاء له بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعيّة، فإنّه إذا وجب علينا إزهاق روح الحيوان وتردّد الأمر علينا بين هذه الأداة وتلك الأداة فيجب علينا استعمال إحدى الأداتين، ولا يجب علينا استعمال كلتيهما، بل قيل هناك: بأنَّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.
فضابط الفرق بين العلم التفصيلي -الذي يتّفق فيه على أنَّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، أي: يستدعي الموافقة القطعيّة- وبين العلم الإجمالي الذي هو محلّ البحث -في أنَّه هل يستدعي الموافقة القطعيّة أو لا يستدعيها- هو أنّ التردّد في العلم التفصيلي إنَّما هو في المقدّمات، وأمّا في باب العلم الإجمالي فالتردّد إنّما هو في الواجب عنواناً أو مصداقاً.
ومن هنا ظهر الخلط في كلمات القوم في مقام الحدّ بين عنوان العلم الإجمالي وعنوان العلم التفصيلي -ومقصودي: لا الخلط في مقام التحديد، فإنَّهم لم يتصدّوا إلى التحديد- في مقام اعطاء الصورة عن العلم الإجمالي، وعن العلم التفصيلي في مقام الأمثلة والتفريعات.
ـــــــــــــــــــــــــ[27]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فمثلاً العلم بوجوب الصلاة مع تردّد القبلة إلى جهتين أو ثلاث جهات أو أربع، هذا ليس بابه باب العلم التفصيلي الذي هو المورد المتيقّن لقاعدة: أنَّ الشغل يستدعي الفراغ اليقيني، بل هذا بابه باب العلم الإجمالي من القسم الثاني، فإنّه هنا يعلم بوجوب استقبال القبلة، ويشكّ بأنَّ هذا مصداق استقبال القبلة أو ذاك مصداقه، من قبيل: أن يعلم بوجوب إكرام العالم ويشكّ بأنَّ هذا هو إكرام للعالم أو ذلك إكرام للعالم.
وفي كلماتهم وإن فرض هذا المثال وما كان على سنخه من موارد العلم التفصيلي، إلَّا أنَّ فرضه من موارد العلم التفصيلي هو من باب الالتجاء، حيث إنَّهم رأوا أنَّهم هنا لا بُدَّ من الالتزام بوجوب الموافقة القطعيّة، حيث إنَّهم -أي: نحن نتكلّم عمّن قال بعدم اقتضاء العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة كالسيّد الأُستاذ -مثلاً- رأوا في المقام أنّه لا مناص من الالتزام بوجوب الموافقة القطعيّة، وأدرجوه في باب العلم التفصيلي مثلاً، مع أنَّ هذا لا فرق بينه وبين موارد العلم الإجمالي، أي: يفرق بين العلم بوجوب الصلاة إلى هذه الجهة أو تلك الجهة، أو العلم بوجوب إكرام هذا الإنسان أو ذاك الإنسان، وهذا كلّه من باب العلم الإجمالي، إلَّا أنَّ هذا يدخل في القسم الثاني الذي أثبتنا -صناعة وبالتفصيل- أنّه يكون منجّزاً لوجوب الموافقة القطعيّة.
فبعد الالتفات إلى أنَّ العلم الإجمالي له قسمين ونوعين، وأنَّ أحد النوعين وهو النوع الثاني يكون منجّزاً لوجوب الموافقة القطعيّة، لا داعي لإدراج هذه الأمثلة التي يأبى الوجدان والارتكاز عن إنكار وجوب الموافقة القطعيّة فيها في باب العلم التفصيلي.
ـــــــــــــــــــــــــ[28]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وبهذا ظهرت الحدود الفاصلة بين العلم التفصيلي والعلم الإجمالي، وفي العلم الإجمالي بين القسمين المفروضين منه.
وقلنا: قد يتوهّم أنَّ تفصيلنا هذا يرجع إلى التفصيل بين الشبهة الموضوعيّة والشبهة الحكميّة، فإنّه في موارد الشبهة الحكميّة يكون العلم الإجمالي من قبيل القسم الأوّل، وفي موارد الشبهة الموضوعيّة يكون من قبيل القسم الثاني.
وذكرنا في مقام الجواب: أنَّ الأمر ليس كذلك، فإنَّه في موارد الشبهة الموضوعيّة أيضاً قد يكون العلم الإجمالي مندرجاً في القسم الأوّل؛ وذلك لأنَّ الاشتباه من حيث الشبهة الموضوعيّة تارةً يكون من حيث الاشتباه في الحيثيّة التقييديّة لمتعلّق التكليف، وأُخرى من حيث الاشتباه في الحيثيّة التعليليّة للتكليف، وثالثة من حيث الاشتباه في الحيثيّة التقييديّة لموضوع التكليف.
فتارةً: يكون الاشتباه من ناحية الحيثيّة التقييديّة المأخوذة في متعلّق التكليف، من قبيل: أنَّه يعلم بوجوب إكرام العالم المردّد بين زيد وعمرو، فإنَّه العالم حيثيّة تقيّيده مأخوذة في متعلّق التكليف، وهي مردّدة بين زيد وعمرو.
وأُخرى: نفرض أنَّ الاشتباه في الحيثيّة التعليليّة للتكليف، لا الحيثيّة التقييديّة كما لو كان بنحو القضيّة الشرطيّة -إذا كان زيد عالماً فأكرمه، وإذا كان عمرو عالماً فأكرمه- بحيث إنَّه علم زيد وعلم عمرو يكون بنحو الحيثيّة التعليليّة، لا الحيثيّة التقييديّة، وفي هذا المثال نفهم عرفاً الحيثيّة التقييديّة، والمفهوم يختلف باختلاف المناسبات والارتكاز العرفي.
فإذا كان القيد مأخوذاً بنحو الحيثيّة التعليليّة، كما في قولنا: إذا نزل المطر
ـــــــــــــــــــــــــ[29]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فصلّ، وإذا جاء الحجاج فتصدّق، وعلمنا إجمالاً أنَّه تحقّق أحد الأمرين إمّا نزول المطر أو مجيء الحجاج، فيعلم إجمالاً بنحو الشبهة الموضوعيّة بوجوب الصلاة أو الصدقة من حيث الحيثيّة التعليليّة إمّا في ضمن نزول المطر أو في ضمن مجيء الحجاج.
وما إذا كان الاشتباه من الحيثيّة التقييديّة للمكلّف، كما لو قيل مثلاً: من أفطر في شهر رمضان فيجب عليه الصدقة، وكما لو قيل مثلاً: من أخلّ بإحرامه يجب عليه الصدقة، بحيث أُخذ هذا العنوان عنواناً للمكلّف، فالمفطر في شهر رمضان يجب عليه التصدّق بدينار، والمخلّ بالإحرام يجب عليه التصدّق بدرهم، وعلم إجمالاً بأنَّه مصداق لعنوان المخلّ بإحرامه، أو لعنوان المفطر شهر رمضان، فهنا يعلم إجمالاً بوجوب أحد الفعلين عليه، فهنا الشبهة الموضوعيّة من ناحية الحيثيّة التقييديّة لموضوع التكليف، أي: للمكلّف. فهذه أقسام ثلاثة.
الشبهة الأولى: إذا فرض أنَّ الشبهة الموضوعيّة كانت من القسم الأوّل، أي: من ناحية الحيثيّة التقييديّة في متعلّق التكليف، من قبيل: وجوب إكرام العالم مع تردّد العالم بين زيد وعمرو، فهذا يدخل في القسم الثاني.
وأمّا لو فرض أنّه كان من ناحية الحيثيّة التعليليّة لنفس التكليف أو من الناحية التقييديّة لموضوع التكليف، أي: المكلّف البالغ العاقل، فحينئذٍ هذا يدخل في القسم الأوّل؛ لأنَّ ما هو متعلّق الإلزام ومصبّه لم يتعيّن بتعيين، فيكون نسبته إلى كلّ من الطرفين على حدّ واحد.
الشبهة الثانية: -التي قد تخطر على البال بحسب هذا التفصيل الجديد- أنَّ
ـــــــــــــــــــــــــ[30]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
هذا التفصيل لا محصّل له بحسب الخارج، يعني: لا مصداق له ولا فائدة بحسب الخارج؛ إذ كلّ علم كان من قبيل القسم الأوّل يمكن أن نرجعه بالدقّة إلى القسم الثاني، كما في العلم الإجمالي بوجوب الظهر والجمعة، فإنَّه يمكن أن نرجعه إلى العلم بوجوب عنوان يكون غير قابل الانطباق على تمام الأطراف كعنوان إكرام العالم، وذلك أن نقول: إنَّنا نعلم إجمالاً بوجوب الفعل الذي يعلم رسول الله بوجوبه من هذين الفعلين، وهذا هو أمر معيّن فإمّا الظهر أو الجمعة، فهذا العنوان الإجمالي لا يكون قابل الانطباق على كلّ من الطرفين، فدائماً نرجع القسم الأوّل إلى القسم الثاني.
هذه الشبهة أيضاً غير صحيحة، وهي واضحة الجواب؛ وذلك لأنَّ هذا العنوان الإجمالي ليس مأخوذاً في متعلّق التكليف، وإنَّما هو أمر تبرّعي، فنحن لم يوجب علينا الله فعلاً معنوناً بعنوان كونه معلوم الوجوب لرسول الله فهذه الحيثيّة عنوان معرّف إلى الواجب، لا أنَّه عنوان مأخوذ تحت الإلزام وتحت الوجوب، فاذا لم يكن مأخوذاً تحت الإلزام فلا يكون داخلاً في العهدة لا محالة، ولا يكون منجّزاً في العلم الإجمالي، حتّى يأتي حكم العقل بأنّ الشغل اليقيني يستدعي الفارغ اليقيني. فالتبرع بجعل عنوان على الواجب الواقعي خارج عن مصبّ الإلزام، ولا يكفي في إدراج القسم الأوّل في القسم الثاني. هذا تمام الكلام في توضيح وتفصيل المختار.
وأمّا تحقيقه فالظاهر أنَّ الأحسن والأولى تأخيره إلى مباحث أصالة الاشتغال؛ وذلك لأنَّ مبانينا في بحث العلم الإجمالي وتمحيص جملة من مباني
ـــــــــــــــــــــــــ[31]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
القوم يتوقّف على تتميم المباني في الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة، وهذا التوقّف يستدعي منا تأخير هذا المبحث إلى مباحث أصالة الاشتغال. هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.
ـــــــــــــــــــــــــ[32]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
أمّا بالنسبة إلى المقام الثاني وهو أنَّ العلم الإجمالي بالإتيان بالوظيفة، هل حاله في الخروج عن العهدة حال العلم التفصيلي بالإتيان بها أو لا؟
في هذه المسألة لم يقع إشكال بالمساواة إلَّا في خصوص باب العبادات، حيث فُرض أنَّ مساواة العلم الإجمالي للعلم التفصيلي في غير باب العبادات مفروغاً عنه؛ إذ اعتبر فيها عند جمع من المحقّقين والأصحاب(1) التفصيليّة في الامتثال ورد التمكّن من الامتثال التفصيلي.
ومعنى اعتبار التفصيليّة في الامتثال هو عدم كفاية العلم الإجمالي بالإتيان بالوظيفة في مورد التمكّن من العلم التفصيلي بالإتيان بها.
وهذا له وجوه متصوّرة عديدة:
الوجه الأوّل: ويكون اعتبار التفصيليّة بالامتثال بلحاظ توقف أمر واجب في باب العبادة مفروغ عن وجوبه على ذلك، مثلاً يدّعي بعد الفراغ عن وجوب قصد القربة في باب العبادة، فيقال: إنَّ قصد القربة لا يعقل تحقّقه خارجاً إلَّا مع فرض كون الامتثال تفصيليّاً، ومع عدمه لا يتحقّق قصد القربة.
فاعتبار التفصيليّة هنا ليس بمعنى وجوب هذه التفصيليّة شرعاً أو عقلاً
ـــــــــــــــــــــــــ[33]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 2: 418، فوائد الأصول 3: 72.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وجوباً ابتدائياً، بمعنى: توقف شيء واجب ومعتبر في العبادة، وهو مساوق مع التفصيليّة ولا ينفكّ عنها في مقام الامتثال.
الوجه الثاني: ويكون باعتبار أنَّ التفصيليّة بنفسها واجب شرعي اعتبرت في باب العبادة على حدّ اعتبار سائر الشرائط والأجزاء، من دون فرق بين أن يكون وجوب التفصيليّة وجوباً خطابيّاً أو وجوباً غرضيّاً.
فإن قيل بإمكان أخذه في متعلّق الأمر فيكون وجوباً خطابيّاً، وإن قيل بعدم إمكان أخذه في متعلّق الأمر فيكون وجوباً غرضيّاً، فالمدّعى هنا هو الوجوب الشرعي.
الوجه الثالث: أن يقال باعتبار التفصيليّة في الامتثال، باعتبار كونها واجباً عقليّاً، بمعنى: أنَّ العقل يحكم بوجوب هذه التفصيليّة، ويرى المكلّف لا يخلو عن التبعة مالم يأت بالامتثال التفصيلي.
وفي هذا الوجه تارةً يكون حكم العقل بوجوب التفصيليّة بلحاظ اقتضاء نفس التكليف لذلك، وأُخرى بقطع النظر عن التكليف.
وقد مرّ لهذا نظير في بحث الموافقة الالتزاميّة، حيث قلنا هناك: بأنَّ حكم العقل بوجوب الموافقة الالتزاميّة تارةً يكون بلحاظ اقتضاء نفس التكليف لموافقته التزاماً، وأُخرى يكون باعتبار حقّ مستقلّ للمولى في الالتزام، فهنا أيضاً يأتي سنخ ذلك التشقيق. هذه هي الصور المتصوّرة لدعوى اعتبار التفصيليّة.
ويكون البحث بناءً على الوجه الأوّل بحث في تشخيص وتحديد موضوعات
ـــــــــــــــــــــــــ[34]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الأحكام الشرعيّة، ولا يكون بحثاً في الحكم أو الوظيفة، فإنَّه بحث في أنَّ الشيء الواجب هل يتوقف على الشيء الفلاني أو لا يتوقف؟
ويكون البحث على الثاني بحثاً فقهياً صرفاً؛ لأنَّه بحث في وجوب هذه التفصيليّة، فإنَّ هذه التفصيليّة هل هي واجبة شرعاً، أو غير محكومة بالوجوب على حدّ المتكلّم بأنَّ قصد القربة واجب أو لا، أو سورة الفاتحة واجبة أو لا؟
وبلحاظ الوجه الثالث يكون بحثاً في قانون من قوانين الوظائف العقليّة؛ لأنَّه بحث في حكم العقل بعدم المفرّغيّة والمؤمّنيّة إلَّا في التفصيليّة في مقام الامتثال.
والوجوه المذكورة في المقام بعضها يرجع إلى الأوّل، وبعضها يرجع إلى الثاني، وبعضها يرجع إلى الثالث؛ ولهذا في مقام تقسيم هذه الوجوه فنيّاً لا بُدَّ من إرجاع كلّ وجه إلى ملاكه، فنتكلّم بلحاظ من الملاكات الثلاثة.
الملاك الأوّل: أن يقال باعتبار التفصيليّة في الامتثال باعتبار توقف أمر واجب عليه، وكونه مساوقاً بحيث لا يتحقّق ذلك الأمر الواجب بدون هذه التفصيليّة في الامتثال، لا أنَّ التفصيليّة بعنوانها تكون واجبة.
وهذا الوجه أصحّ محتملي كلام الميرزا(1)، فإنَّه ذهب إلى أنَّ التفصيليّة معتبرة، وأن الامتثال الإجمالي لا يكفي مع فرض التمكّن من الامتثال التفصيلي، وبيّن في ذلك بياناً مرجعه بحسب الدقة إلى التهافت في الصدر مع
ـــــــــــــــــــــــــ[35]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 3: 72.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الذيل، ومن هذه الناحية فيه احتمالات، وأوجه الاحتمالين: هو أن يكون نظر الميرزا إلى هذا الوجه تقديماً لظهور الصدر على ظهور الذيل مثلاً، أو تحكيماً للأوّل في الأخر.
وحاصل ما أفاده في المقام: هو أنَّه في باب العبادة فرغناً فقهيّاً عن وجوب الإتيان بالعمل بعنوان كون العمل إطاعة، ومعنى كون العمل إطاعة، أي: الإتيان بالعمل بوجه حسن عقلاً مضافاً إلى المولى، وهذا المطلب يفرض مصادرة فقهيّة وأصلاً موضوعيّاً مستفاداً من الفقه، فإنَّ العبادة يجب فيها الاتيان بالفعل بعنوان حسن مضافاً إلى المولى.
فيقال في المقام: بأنَّ المكلّف إذا كان متمكناً من الامتثال التفصيلي والامتثال الإجمالي معاً، فصحة إتيان العمل في ضمن الامتثال الإجمالي فرع أن يكون هذا النحو من الإتيان والتحقّق بحسب الخارج حسناً بحكم العقل؛ إذ لو لم يكن حسناً بحكم العقل لم يتحقّق في المقام قصد القربة؛ لأنَّ قصد القربة عبارة عن قصد عنوان حسن مضافاً إلى المولى، وهذا لم يقصد قصداً حسناً مضافا إلى المولى. إذن، فصحة العبادة في ضمن الامتثال الإجمالي فرع أن تكون متّصفة بعنوان حسن مضافاً إلى المولى، فلا بُدَّ أن يحكم العقل بحسن هذه العبادة.
فيقول: إنَّ العقل لا يحكم بحسن العبادة الاحتياطيّة في مورد التمكّن من الامتثال التفصيلي بلا احتياط، وإنَّما يحكم العقل بحسن الاحتياط في فرض العجز عن الإتيان بالعمل التفصيلي لا على وجه الاحتياط، ففي فرض التمكّن
ـــــــــــــــــــــــــ[36]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
من الامتثال التفصيلي لا يكون الاحتياط بالنسبة إليه حسناً، فإذا لم يكن الاحتياط بالنسبة إليه حسناً، لم يكن متمكناً بإتيان الاحتياط بعنوان الإطاعة، فإن عنوان الإطاعة هو عبارة عن الإتيان بالفعل بوجه حسن مضافاً إلى المولى، وحسن هذا الفعل المضاف إلى المولى يتوقف على الإتيان به تفصيلياً، وأمّا الإتيان به إجمالياً فلا يكون فيه حسن، فإنَّ حسن الاحتياط في نظر العقل في طول العجز عن الامتثال التفصيلي.
وهذه الدعوى من المحقّق النائيني يمكن تكميلها في مرحلة الادعاء بهذا المقدار، كما وقع في تقريرات المحقّق الشيخ محمّد علي(1) (رحمة الله عليه) دون حاجة إلى ضمّ ضميمة إليه، كما وقع في تقريرات السيّد الأُستاذ(2).
فإنَّه في تقريرات السيّد الأُستاذ حيث شعر -إمّا المقرّر وإمّا الميرزا- بأنَّ هذه مجرّد دعوى فارغة ليس لها تقريب فني، فأراد أن يقربها، فذكر في مقام توجيه هذه الدعوى: لماذا يكون حسن الاحتياط في طول التمكّن من الامتثال التفصيلي، ولا يكون في عرضه.
فوجّه ذلك: بأنَّ الامتثال التفصيلي انبعث عن شخص الأمر، والامتثال الإجمالي والعبادة المأتي بها في ضمن الاحتياط انبعاث عن احتمال الأمر لا عن شخص الأمر، فإنَّ المفروض أنَّ المكلّف حينما أتى بالظهر التي هي الواجبة
ـــــــــــــــــــــــــ[37]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول (تقرير المحقّق الشيخ محمّد علي الكاظمي) 3: 72.
(2) انظر: أجود التقريرات 2: 44-50.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بحسب الواقع لم ينبعث في مقام الإتيان بها عن واقع الأمر، وإنَّما انبعث عن احتمال الأمر، والانبعاث عن واقع الأمر مقدّم رتبة عن الانبعاث عن احتمال الأمر.
هذه هي الضميمة التي ضمّت في تقريرات السيّد الأُستاذ، وإنَّما هي ضميمة دعوى إلى دعوى، فإنَّنا مرةً نقول ابتداء وبعبارة واضحة: أنَّ الامتثال التفصيلي مقدّم على الامتثال الإجمالي، بمعنى: أنَّ العقل لا يحكم بحسن الاحتياط في رتبة التمكّن من الامتثال التفصيلي، وإنَّما يحكم بذلك بعد العجز. وأُخرى نقول: بأنَّ الانبعاث عن احتمال الأمر متأخّر رتبة عن الانبعاث عن شخص الأمر. فهذه الضميمة ما أخرجت المطلب عن كونه دعوى صرفاً في المقام.
مضافا إلى أنَّ هذه الضميمة في نفسها مضرة؛ وذلك لأنَّ الانبعاث دائماً لا يكون عن شخص الأمر، بل الانبعاث يكون عن الوجود الانكشافي للأمر، أي: الوجود التصديقي للأمر القائم في عالم النفس، فإنَّ الأمر بوجوده الخارجي لا يكون هو المحرّك حتّى يقال: إنَّ الانبعاث عنه مقدّم على الانبعاث عن احتماله، كتقدّم نفس الأمر على احتمال نفسه مثلاً، فالأمر بوجوده الخارجي لا يكون محرّكاً، فإنَّ التحريك من شؤون عالم النفس، فإنَّ الإنسان الفاعل المختار إنَّما يتحرّك عن مبادئ الاختيار في نفسه التي منها التصديق بوجود الأمر، وهذا التصديق له مراتب، فتارةً تصديق قطعي، وأُخرى تصديق ظنّي، وثالثة احتمالي. فهو دائماً ينبعث عن التصديقيّة للأمر القائم في عالم النفس، وهي تارةً تكون قطعيّة وأُخرى احتمالية والصورتان على نهج واحد، فلا يبقى حينئذٍ إلَّا أن يقال:
ـــــــــــــــــــــــــ[38]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بأنَّ الانبعاث عن الصورة الاحتمالية للأمر متأخّر رتبة عن الانبعاث عن الصورة القطعيّة للأمر، وهذا هو عبارة أُخرى عن ذلك المطلب الساذج الذي فُرض أولاً بلا ضميمة، فبناءً على هذا فهذه الضميمة غير مناسبة.
أمّا أنَّ هذه الضميمة هل تكون تامّة في سائر الموارد، أي: لو فرض صحتها فهل يثبت بها قول الميرزا على إطلاقه أو لا يثبت؟ فهذا كلام سوف نتعرض له إن شاء الله في آخر البحث.
وعلى أيّ حالٍ فالأولى قطع النظر عن هذه الضميمة، وملاحظة أصل المطلب، وهو: أنَّ الميرزا في المقام يقول: إنَّنا فرغنا عن وجوب الإطاعة في باب العبادة، والإطاعة عبارة عن الإتيان بالفعل على وجه حسن مضافاً إلى المولى. وكون الوجه حسناً ممّا يشخصه العقل، والعقل لا يحكم بحسن الاحتياط إلَّا في مورد العجز عن الامتثال التفصيلي.
ثُمَّ يقول: لو تنزلنا عن ذلك فلا أقل من الشكّ في أنَّ العقل هل يحكم بحسن الاحتياط أو لا يحكم؟ ومع الشكّ أيضاً تجري أصالة الاشتغال.
إلى هنا كلامه تماماً ينطبق على الوجه الأوّل، وهو أنَّ اعتبار التفصيليّة هنا، إنَّما هو من باب توقف الإتيان بعنوان الإطاعة عليه، وحينئذٍ يكون جريان أصالة الاشتغال في محلّه؛ لأنَّ الشغل اليقيني يستدّعي الفراغ اليقيني، فإنَّه لا شكّ فيما هو الواجب، فإنَّه هو وجوب الإتيان بالعمل على وجه حسن مضافاً إلى المولى، ولكن الشكّ في أنَّ هذا الواجب تحقّق في الخارج أو لم يتحقّق، فلو أنّي شكّكت بأنَّ العقل يحكم بحسن الاحتياط أو لا يحكم، فيرجع الشكّ إلى الشكّ
ـــــــــــــــــــــــــ[39]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بالإتيان بالواجب وعدمه، لا إلى الشكّ في أصل وجوبه، وفي مثله تجري أصالة الاشتغال بلا إشكال، فلو اقتصر على هذا المقدار لكان كلامه واضحاً في نفسه.
إلَّا أنَّه قرّب أصالة الاشتغال في المقام لا بهذا البيان الذي بيّناه، بل قال: بجريان أصالة الاشتغال هنا من باب أنَّ الدوران هنا بين التعيين والتخيير؛ لأنَّه إذا شكّكنا في أنَّ العقل هل يكتفي بالامتثال الإجمالي أو لا يكتفي به، فمرجعه إلى الشكّ في أن الواجب علينا عقلاً هل هو خصوص الامتثال التفصيلي، أو أنّنا مخيرون بينه وبين الامتثال الإجمالي، فيكون من موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير، وفي هذه الموارد المحقّق في محلّه (1) هو أصالة الاشتغال. هذا خلاصة ما أفاده.
أمّا وجه التهافت ما بين صدر كلامه وذيله فواضح؛ وذلك لأنَّه إن كان المراد بأنَّ الواجب هو عنوان الاطاعة، يعني: عنوان الاتيان بالفعل بوجه حسن مضافاً إلى المولى، ويدّعى بأنَّ هذا العنوان لا يصدق على الاحتياط بحسب الخارج وعلى الامتثال الإجمالي، فهذا كلام مناسب مع الصدر، وهو ظاهر الصدر، إلَّا أنَّه لا معنى لإدخال الشكّ في ذلك في باب التعيين والتخيير، فإنَّ الشكّ في ذلك معناه: أنَّ الواجب المعلوم الوجوب، هل تحقّق بحسب الخارج وهل أتينا به أو لم نأت به، فليس الشكّ في أصل الوجوب، وأنَّ الوجوب الكلّي هل تعلّق في خصوص هذا أو بأحد الفردين على سبيل التخيير، كما هو الحال في موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير، حيث نشكّ في موارد دوران الأمر بين
ـــــــــــــــــــــــــ[40]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول ٣: ٤١٧ ـ ٤٣٥.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
التعيين والتخيير في أنَّ الوجوب تعلّق بخصوص إطعام ستين مسكيناً، أو تعلّق بأحد الأمرين من الإطعام وصوم شهرين متتابعين، فهناك نشكّ في متعلّق الوجوب هل هو خصوص أحد الأمرين أو الجامع بين الأمرين.
أمّا هنا فليس الشكّ في متعلّق الوجوب، فإنَّ متعلّق الوجوب هنا عنوان واضح ومحدد، وهو الإتيان بالفعل على وجه حسن مضافاً إلى المولى، وإنَّما الكلام في الشبهة الموضوعيّة لهذا العنوان بأنَّ هذا حسن أو ليس بحسن، من قبيل: أن نعلم بوجوب إكرام عالم ونشكّ بأنَّ هذا عالم، بحيث يجزي إكرامه أو لا يجزي إكرامه، فهذا ليس من باب دوران الأمر بين التعيين والتخيير.
إذن، ما أفاده في صدر كلامه لا يناسب مع إدراج المقام في موارد التعيين والتخيير، بل الذي يناسبه هو إدراج المقام في موراد الشكّ في الفراغ في الامتثال بعد العلم بأصل الوجوب، فصدر كلامه يقتضي أنَّ نقاشه إنَّما هو في الشبهة الموضوعيّة، وأنَّه بحسب الشبهة الموضوعيّة لا ينطبق ما هو الواجب على الامتثال الإجمالي، وظاهر آخر كلامه أنَّ الكلام في الشبهة الحكميّة، فإنَّ الواجب مردّد بين خصوص هذا وبين أحد الأمرين.
ومن المعلوم أنَّه لا يمكن الجمع بين فرضي الشبهة الموضوعيّة والحكميّة في هذا المقام، فلا بُدَّ إمّا أن يقال بالأوّل ويرفع اليد عن إدراج المقام في باب دوران الأمر بين التعيين والتخيير، أو بالعكس.
ثُمَّ إنَّ هذا الكلام في نفسه ممّا لا يمكن المساعدة عليه بلحاظ صدره وبلحاظ ذيله.
ـــــــــــــــــــــــــ[41]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
أمّا بلحاظ الصدر فللمناقشة في المبنى والبناء:
فالمبنى، وهو: أنَّ العبادة لا بُدَّ أن يؤتى بها على وجهه حسن مضافاً إلى المولى، بحيث نحتاج في كلّ مورد لأن يحكم العقل بحسن هذا العمل؛ لأجل أن يكون صحيحاً، ومثل هذا لم يثبت في الفقه، فإنَّ عباديّة جميع العبادات تقريباً إنَّما ثبتت بالارتكاز والإجماع ونحو ذلك، فلا بُدَّ فيه من الرجوع إلى هذا الارتكاز والإجماع ونحوه، والقدر المتيقّن من عباديّة كلّ عبادة ثبتت عباديتها في الفقه، وهو أن يؤتى بها بداعي التقرّب إلى المولى، وأن يكون الفعل في نفسه له قابليّة التقريب إلى المولى، ولا أكثر من ذلك. وكلا هذين الأمرين حاصل في المقام في الامتثال الإجمالي كما هو واضح؛ فلا يُعتبر الفعل بعنوان الحسن عقلاً، حتّى يستشكل هنا: بأنَّ العقل هل يحكم بحسن الاحتياط أو لا يحكم؛ فليقل إنَّه لا يحكم بحسن الاحتياط، مثل هذا لا يضر بصحّة العبادة.
ولو سُلّم ذلك، وأنَّه لا بُدَّ في العبادة من الإتيان بها بوجه حسن عقلاً مضافاً إلى المولى شرعاً، فحينئذٍ يمكن دعوى مطابقتها لوجدان الميرزا، إلَّا أنّها في ذمة الوجدان، فكلّ إنسان يرجع في ذلك إلى وجدانه، ووجداننا يشهد بأنَّ مثل هذا التوقف غير موجود عند العقل، فإنَّ العقل يحكم بحسن الاحتياط في المقام، كما يحكم بحسن الامتثال التفصيلي -دون تفرقة فيما بينهما- ولا نشكّ في المطلب.
نعم، لو سلّمنا أصل المبنى وفرضنا الشكّ في حكم العقل فلا محيص عن جريان أصالة الاشتغال، لا من باب إدراج المورد في باب دوران الأمر بين
ـــــــــــــــــــــــــ[42]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
التعيين والتخيير، فإنَّ الشبهة تكون موضوعيّة لا حكميّة، ويكون من باب الشكّ في الامتثال لا الشكّ في أصل الوجوب وتردده بين أحد الأمرين، أو الجامع ما بين أحد الأمرين.
وأمّا بلحاظ الذيل، أي: بلحاظ فرض الشبهة حكميّة، فيقال: بأنّنا نعلم بوجوب الإتيان بالعمل مع خصوصيّة ونكتة، وهذه النكتة التي لا بُدَّ منها في باب العبادة، وأمرها مردّد بين خصوص الامتثال التفصيلي وما بين الجامع ما بينه وبين الامتثال الإجمالي.
أو بالتعبير المستفاد من الضميمة التي ضمها السيّد الأُستاذ(1): أنَّ الأمر دائر بين الانبعاث عن خصوص شخص الأمر أو التخيير بين الانبعاث عن شخص الأمر أو الانبعاث عن احتمال الأمر، فيكون المقام من موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير، وتجري هنا أصالة الاشتغال.
مضافاً إلى ما سوف يأتي -إن شاء الله- من عدم جريان أصالة الاشتغال في موارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير، بل هذا من موارد الأقل والأكثر؛ وذلك لأنَّ ما أضافه الفعل إلى المولى معلوم الوجوب على كلّ حال، وإنَّما الشكّ في خصوصيّة في هذه الإضافة، فهل يعتبر في هذه الإضافة خصوصيّة خاصّة، وهو أن يكون المضاف تفصيليّاً، أو لا يعتبر فيه هذه الخصوصيّة الزائدة، فإنَّ دوران الأمر بين التعيين والتخيير إنَّما هو في فرضٍ لا يكون الأمر دائراً بين الأقل والأكثر.
ـــــــــــــــــــــــــ[43]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 44-50.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وأمّا في ذلك المورد فلا محالة ينحلّ إلى العلم بالأقل والشكّ في الخصوصيّة الزائدة، فيدخل في بحث الأقل والأكثر الارتباطيين لا في بحث دوران الأمر بين التعيين والتخيير.
فهنا هكذا يقال: بأنَّ إضافة الفعل إلى المولى معلوم الوجوب، وكون هذه الإضافة بالخصوصيّة الفلانيّة مشكوك الوجوب، فنفس هذه الخصوصيّة تجري عنها البراءة في المقام.
فكلّ من الصدر والذيل غير صحيح في نفسه، إضافة إلى التهافت بينهما.
هذا تمام الكلام فيما أفاده الميرزا.
ثُمَّ بعد الفراغ عن أصل تقريبه مع هذه الجهات من التعلّيق عليه، انتهى كلامنا إلى أنَّ هذا الكلام لو فرض تماميّته فهل يجري في تمام صور المسألة أو بعض صور المسألة دون بعض؛ وذلك لأنَّ البحث عن جواز الامتثال الإجمالي مع التمكّن من الامتثال التفصيلي له صور:
فإنَّه تارةً: يكون أصل وجوب العبادة غير معلوم، بل يحتمل استحبابها أو عدم استحبابها أيضاً، بل مشكوك شكّاً ابتدائيّاً غير مقرون بالعلم الإجمالي، إلَّا أنَّه شكّ منجّز كالشكّ قبل الفحص.
وأُخرى: يُفرض أنَّ وجود أصل الوجوب معلوم بالعلم الإجمالي، إلَّا أنَّ هذا الوجوب المعلوم بالعلم الإجمالي متعلّقه مردّد، والتردّد هنا تارةً يكون بنحو يلزم منه التكرار كالعلم الإجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة، وأُخرى بنحو لا يلزم منه التكرار كالتردّد بين الأقل والأكثر، مع فرض تنجّز ثبوت الأكثر على تقدير ثبوته في الواقع، كما لو فرض أنّنا نعلم بوجوب الصلاة ولا نعلم أنَّ هذا
ـــــــــــــــــــــــــ[44]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الوجوب متعلّق بالتسعة أجزاء أو العشرة الكاملة.
إذن، فتارةً يكون أصل الوجوب غير معلوم، وأُخرى يكون الوجوب معلوماً والاحتياط يلزم منه التكرار، وثالثة يكون الوجوب معلوماً والاحتياط لا يلزم منه التكرار.
أمّا فيما لو فرض أنَّ أصل الوجوب كان غير معلوم، كما في موارد الاحتمال قبل الفحص مع تنجّز الوجوب الواقعي، فلا إشكال في أنَّ كلام الميرزا بتقريبه الساذج، أو بتقريبه مع الضميمة التي ذكرت في تقريرات السيّد الأُستاذ(1)، فيكون شاملاً لمثل هذا المورد؛ لأنَّ الانبعاث هنا انبعاث عن احتمال الأمر، ويقال هنا حينئذٍ: بأنَّ الانبعاث عن احتمال الأمر متأخّر مرتبة عن الانبعاث عن اليقين بالأمر على تقريب، أو عن شخص الأمر على تقريب آخر.
وأمّا صورة ما إذا كان الوجوب معلوماً، وكان الاحتياط مستلزماً للتكرار والاعادة، كما إذا علم بوجوب الظهر والجمعة، فهنا قد يقال -كما في الدراسات(2)-: إنَّ هذا الوجه لا يأتي في المقام؛ لأنَّ الانبعاث هنا انبعاث عن شخص الأمر أو عن اليقين بالأمر، وليس انبعاثاً عن احتمال الأمر، بمعنى: أنَّ المحرّك الأساسي له هو أصل الوجوب، والوجوب في المقام معلوم، لا أنَّه مشكوك، غاية الأمر لا يعلم متعلّقه بحسب الخارج، فهل إنَّه تعلّق بالظهر أو تعلّق بالجمعة.
ـــــــــــــــــــــــــ[45]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 44-50.
(2) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 96.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وهنا كون المحرّك الأساسي هو العلم بالوجوب لا إشكال فيه، إلَّا أنَّ هذا المحرّك الأساسي -وهو العلم بالوجوب- لا يحرّك نحو الظهر ابتدائاً، ولا نحو الجمعة ابتداء، وإنَّما يحرّك نحوها بتوسط احتمال انطباق المعلوم بالإجمال عليه، وحينئذٍ يكون احتمال الانطباق هو الجزء الأخير من المحرّك.
وهنا يمكن للميرزا أن يدّعي بأنَّ هذه الوسطيّة توجب كون هذا الانبعاث أنزل مرتبة من الانبعاث عن العلم رأساً، فلو انبعث المكلّف عن العلم رأساً يكون هذا أسبق رتبة من الاحتمال الذي هو في طول العلم.
وهذه دعوى كتلك الدعوى في الصورة الأولى يمكن ادّعائها في المقام، فدعوى الميرزا يمكن تتميمها في هذه الصورة أيضاً.
ومن مجموع ما ذكرناه ظهر إمكان تتميم دعوى الميرزا أيضاً في الصورة الثالثة، وهو ما إذا فرض أنّه لم يلزم منه التكرار، فإنّه هناك بالنسبة إلى الجزء المشكوك -وهو السورة التي يشكّ في جزئيّتها وعدمه- الانبعاث بالسورة ليس انبعاثاً عن شخص الأمر، ولا عن اليقين بالأمر، بل هو انبعاث عن احتمال اقتضاء الأمر المعلوم، فإنَّ هناك أمر معلوم، ونحن ننبعث عن احتمال اقتضائه.
وبتعبير آخر: أنَّنا إذا قلنا: إنَّ الأمر بالمركّب ينحلّ إلى الأوامر المتعدّدة بالإجزاء. إذن، فهذا انبعاث من احتمال الأمر الضمني بالنسبة إليه، لا انبعاث عن اليقين بالأمر الضمني، أو عن شخص الأمر الضمني.
وإذا أنكرنا الانحلال، وقلنا: لا انحلال بوجه من الوجوه. إذن، فالانبعاث بالنسبة إلى كلّ جزء إنَّما هو عن اقتضاء ذلك الأمر الواحد، فلو كنّا
ـــــــــــــــــــــــــ[46]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
لا نعلم بالجزئيّة فالانبعاث انبعاث عن واقع اقتضاء الأمر، ولو كنّا لا نعلم بالجزئيّة فالانبعاث انبعاث عن احتمال اقتضاء الأمر.
وحينئذٍ يمكن أيضاً للميرزا أن يقول: إنَّ الانبعاث عن احتمال اقتضاء الأمر إنَّما يكون حسناً في الرتبة المتأخّرة عن الانبعاث عن شخص اقتضاء الأمر.
فهذه الدعوى من الميرزا يمكن تتميمها في تمام هذه الصورة، وحيث إنَّه لا منشأ لها إلَّا الوجدان، فيكون إطلاقها وتقيّيدها بيد هذا الوجدان الذي يحكم بأصل هذه الدعوى.
هذا من حيث عموم الدعوى وعدم عمومها، بقطع النظر عمّا وقع فيها من التهافت بين الصدر والذيل، وعن عدم صحّة الصدر والذيل كلّ في نفسه. هذا هو الكلام في التعلّيق فيما أفاده الميرزا.
الملاك الثاني(1): الاتيان بالواجب متميزاً معلوم الوجوب حال الإتيان؛ لأنَّه واجب شرعي أعمّ من كونه واجباً شرعيّاً خطابيّاً، أو واجباً شرعيّاً غرضيّاً.
ومن المعلوم أنَّه حيث لا دليل على وجوب هذا المطلب شرعاً، ولهذا يصاغ
ـــــــــــــــــــــــــ[47]ــــــــــــــــــــــ
() لخصّ سيّدنا الأُستاذ ما كان قاله سابقاً، من الوجوه المحتملة في اعتبار التفصيلية في الامتثال، ثُمَّ تطرق إلى ملّخص قول المحقّق النائيني باعتبار كونه مؤدّياً إلى اعتبار التفصيليّة في الامتثال على أساس الوجه الأوّل، وهو بمعنى: توقف شيء واجب عليها شرعاً، بحيث لا يتمّ امتثاله بدونها. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
هذا الوجه بعنوان الاحتمال، فيقال: بأنَّه من المحتمل أن يكون هذا واجباً شرعاً بمعنى: كونه دخيلاً في غرض المولى، وهذا يُفرض مقدّمة أولى في التقريب.
ثُمَّ يقال في المقدّمة الثانية من التقريب: إنَّ احتمال الوجوب الشرعي، ودخله في الغرض يكون منجّزاً، وذلك لعدم إمكان دفع هذا الاحتمال لا بإطلاق الدليل اللفظي ولا بالأصل العملي، وهو أصالة البراءة.
أمّا بالإطلاق اللفظي فلما بيّن في مبحث التعبدي والتوصلي: أنَّ أمثال هذه الأمور ممّا لا يتعقّل فرض وجوده إلَّا بعد الأمر، فلا يمكن أخذها في متعلّق الأمر، وتقييد الخطاب بها في عالم الخطاب والجعل.
وإذا استحال التقييد فلا يمكن استكشاف الإطلاق بحسب مقام الاثبات، لا بمعنى: أنَّه إذا استحال التقييد استحال الإطلاق، كما يقول الميرزا(1)، بل بمعنى: أنَّ مقدّمات الحكمة لا تتمّ حينئذٍ؛ إذ لا يمكننا أن نرتّبها ونقول: إنَّه لو أراد المقيّد لكان عليه أن ينصب قرينة على الشبهة، فلعله أراد المقيّد، ولكن كان غير ممكن بالنسبة إليه. فمقدّمات الحكمة لا تتم حينئذٍ لاستكشاف الإطلاق.
إذن، فالدليل اللفظي ليس فيه إطلاق، في قبال هذه الأمور التي يحتمل دخلها والتي لا تتعقّل إلَّا بعد فرض وجوب الأمر، فلا يمكن نفي الاحتمال بالإطلاق.
كما لا يمكن نفيه أيضاً بالأصل العملي؛ لأنَّه لا يحتمل وجوبها الشرعي حتّى ينفي وجوبها برفع ما لا يعلمون ونحو ذلك من الأدلّة؛ لأنَّ المحتمل هو
ـــــــــــــــــــــــــ[48]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 1: 146.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الوجوب العقلي، باعتبار دخله في الغرض. إذن، فالأصل العملي أيضاً ساقط، فيبقى هذا الاحتمال احتمالاً بلا مؤمّن ويكون منجّزاً لا محالة، هذا لو لم نقل بأنَّ الدليل قائم على هذا الاحتمال، وهو عبارة عن الإجماع المدّعى في المقام، فإنَّ الشيخ يدّعي(1) مثلاً الإجماع على بطلان الاحتياط فيما إذا استلزم الاحتياط التكرار، مع التمكّن من الامتثال التفصيلي.
وحاصل الكلام في ذلك:أمّا دعوى الدليل على هذا الاحتمال من ناحية الإجماع فجوابه واضح.وأمّا الاقتصار على الاحتمال ودعوى كونه منجّزاً لعدم امكان النفي لا بالإطلاق ولا بالأصل العملي.
فجوابه:
أولاً: ما مرّ في بحث التعبدي والتوصلي من أنَّ أمثال هذه القيود التي لا يمكن أخذها في متعلّق الأمر، وتكون واجبة وجوباً غرضيّاً لا وجوباً خطابيّاً. فهذه القيود إذا شكّ فيها ينفي وجوبها أيضاً بأصالة البراءة، بمعنى: أنَّ كلّ شيء شكّ في متعلّق غرض المولى به فيمكن التمسّك بأدلّة أصالة البراءة لنفي وجوبه الغرضي، سواء كان ممّا يمكن أخذه في متعلّق الأمر الأوّل، أو لا يمكن أخذه إلَّا في متعلّق الأمر الثاني أو لا يمكن أخذه أصلاً لا في متعلّق الأمر الأوّل ولا في متعلّق الأمر الثاني.
ودعوى كون هذا الوجوب وجوباً عقليّاً مغالطة، فإنَّ هذا الوجوب ليس وجوباً علقيّا، فهذا وجوب شرعي غاية الأمر وجوب شرعي غرضي لا
ـــــــــــــــــــــــــ[49]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 418.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وجوب شرعي خطابي، وإلَّا فالعقل لا يحكم بوجوب هذا المطلب ابتداء، وإنَّما هو يحكم بوجوب الامتثال، غاية الأمر أنَّ الدائرة التي يحكم العقل بوجوب امتثالها هي دائرة أغراض المولى التي يتصدّى إلى تحصيلها.
ولا يمكن تفصيل الكلام في ذلك إلَّا أنَّنا في المقام نقول على نحو الإشارة: بأنَّ دعوى عدم شمول أدلّة أصالة البراءة لامتثال المقام ناشئة من الفهم المتعارف لأدلّة الأحكام الظاهريّة، وأدلّة الأصول الظاهريّة.
وبناءً على ما سبقت الإشارة إليه في معنى جعل الحكم الظاهري الترخيصي، وما سوف يأتي في مبحث الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة، لا يبقى لأمثال هذه الكلمات موضوع، فلينتظر ذلك البحث. هذا من حيث جريان الأصل العملي.
ثانياً: إذا ماشيناهم على طريقتهم، فنقول: بأنّه يمكن بالإطلاق أيضاً لنفي هذا الاحتمال؛ وذلك لأنَّ أخذ هذه القيود في متعلّق الأمر، وإن فرض أنَّها غير ممكنة، إلَّا أنَّ تقييد المتعلّق (الواجب) بنحو لا يشمل الفاقد أمر ممكن في المقام، فلو فرض أنَّ المولى كان غرضه في خصوص الامتثال التفصيلي، وليس غرضه في الجامع بين الامتثال التفصيلي والامتثال الإجمالي، فحينئذٍ التوصل إلى هذا الغرض يتصوّر على نحوين:
أحدهما: أن يقيّد بعنوان الامتثال التفصيلي، وهذا التقييد لو فرضنا أنَّه غير ممكن؛ لأنَّ كون هذا الامتثال تفصيليّاً لا يتصوّر إلَّا بعد الأمر، فكيف يؤخذ قيداً في معروض الأمر.
ـــــــــــــــــــــــــ[50]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إلَّا أنَّ هناك نحو آخر من التقييد يمكن للمولى سلوكه في مقام التوصل إلى عدم جعل الخطاب منصبّاً على الجامع، ويجعله قاصراً على خصوص دائرة الغرض، وذلك: بأن يقيّد هذا الجامع (الصلاة) بعدم التطبيق على الامتثال الإجمالي بعدم الاتيان بالصلاة في ضمن الامتثال الإجمالي، مع التمكّن من التفصيلي، فهو لا يأخذ التفصيليّة في الامتثال قيداً، ولكن يأخذ الإجماليّة في الامتثال مانعاً بحسب التعبير الاصطلاحي، فإذا أخذ التفصيليّة في الامتثال شرطاً، فيقال: إنَّه محال مثلاً، ولكنّه إذا أخذ الإجماليّة في الامتثال مانعاً ولو في ظرف مخصوص، وهو ظرف التمكّن من الامتثال التفصيلي، فحينئذٍ لا يأتي مثل هذا الإشكال، فإنَّ جامع الصلاة التي لا تكون معنونة بعنوان الامتثال الإجمالي، يمكن وجوده حتّى قبل الأمر، فإنَّ الإنسان إذا صلّى قبل الأمر صلاة ليست معنونة بعنوان الامتثال، فهذا مصداق إلى هذا الجامع، فهذا الجامع الذي قيّد بعدم الامتثال الإجمالي قابل للوجود والتحقّق والتعقّل في المرتبة السابقة على الأمر.
وفرق بين الجامع المقيّد بعنوان الامتثال التفصيلي والجامع الذي لا يكون مقيّداً بالامتثال التفصيلي، بل يكون مقيّداً بعدم الامتثال الإجمالي، فالأوّل لا يتصوّر إلَّا بعد الأمر، والثاني ينطبق على فرده ومصداقه بحسب الخارج قبل الأمر وبعد الأمر، وحينئذٍ لا يأتي الإشكال.
ولا يقاس هذا بباب قصد القربة؛ إذ قد يقال هناك: -كما قيل على ما ينقل المحقّق النائيني(1) عن السيّد المحقّق الشيرازي- إنَّه في باب قصد القربة، نقيّد
ـــــــــــــــــــــــــ[51]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 1: 111.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
متعلّق الأمر بأن لا يؤتى به بالدواعي الأُخرى، لا أنَّه يؤتى به بداعي القربة. فاستبدل في مقام التخلص من التقييد بقصد القربة منه إلى التقييد، بأن لا يؤتى به بالدواعي الأُخرى.
هذا الكلام هناك غير صحيح إلَّا أنَّه هنا صحيح، ونكتة الفرق هو أنَّ العمل المقيّد بأن لا يؤتى به بداعٍ آخر غير داعي قصد القربة لا يمكن أن يتحقّق قبل الأمر، فإنَّ الفعل الاختياري لا يتحقّق بلا داعي، وقد فُرض أنَّه قيّد بأن لا يؤتى به بداعٍ آخر غير قصد القربة. إذن، فهذا العمل ملازم لقصد القربة بحسب الخارج، وحيث إنَّ قصد القربة يتوقّف على الأمر، فملازمه لا محالة لا يمكن وجوده إلَّا في فرض وجود الأمر، فيعود الإشكال جذعاً.
وأمّا في المقام فالجامع الذي نتصوّره ليس الأمر فيه هكذا، فإنَّ الجامع المقيّد بعدم الامتثال الإجمالي يتصوّر حتّى قبل الأمر، فإنَّ الإنسان لو صلّى قبل الأمر فهذه صلاة ليست معنونة بعنوان الاحتياط، وبعنوان الامتثال الإجمالي بلا إشكال.
فمثل هذا التقريب في المقام صحيح؛ لأنَّ هذا الجامع المقيّد على وجه المانعيّة لا على وجه الشرطيّة يتعقّل صدوره قبل الأمر، أمّا في باب قصد القربة فغير صحيح؛ لأنَّه هناك تقييده على وجه المانعيّة ينتج نفس نتيجة تقييده على وجه الشرطيّة، وهو عدم تعقّل وجوده إلَّا في فرض وجود الأمر(1).
ـــــــــــــــــــــــــ[52]ــــــــــــــــــــــ
() وهنا أشكل أحد الإخوان: بأنّه يجب أن يكون الجامع ممكن الامتثال في ضمن الفرد الإجمالي؛ لينهى عنه من قبل الشارع.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إذن، دعوى الوجوب الشرعي أيضاً غير تامٍّ، لا بنحو دعوى قيام الدليل على هذا الوجوب، ولا باعتبار كفاية الاحتمال في المقام، فإنَّ الاحتمال لو وجد ففي قباله الأصل العملي والإطلاق اللفظي. هذا هو الكلام في الوجه الثاني.
وهو دعوى الوجوب العقلي في المقام، بدعوى أنَّ الامتثال التفصيلي يكون واجباً بحكم العقل، أو أنَّ الامتثال الإجمالي غير جائز بحكم العقل.
فهذا الحكم العقلي تارةً يكون بلحاظ اقتضاء نفس التكليف المعلوم بالإجمال لذلك، فإنَّ التكليف الواقعي يقتضي ذلك اقتضاء عقليّاً، وأنّه لم يكن داخلاً في متعلّقه، نحو ما يقال في الموافقة الالتزاميّة: من أنَّ التكليف يقتضي
ـــــــــــــــــــــــــ[53]ــــــــــــــــــــــ
فقال سيّدنا الأُستاذ: لا يحتاج، فإنَّ تقييد الواجب (الموضوع) يكون على نحوين، كما بينا في بحث أخذ العلم بالحكم في موضوعه مانعاً، حيث قلنا: إنَّ التقييد في بعض الموارد فائدته رفع الحكم عن الفاقد، فهناك واجد وفاقد، عالم عادل وعالم فاسق، فلما يقيّد وجوب الإكرام بالعادل، ففائدته رفع الحكم عن الفاسق الفاقد للعدالة. وفي بعض الموارد فائدة التقييد إعدام الفاقد، بحيث لا يتصوّر الفاقد بحسب الخارج إذا قيد بهذا التقييد، وهذه فائدة مهمة للتقييد، والمقام من هذا القبيل، فإنَّه بعد فرض أنَّ الواجب يقيّد بعدم الامتثال الإجمالي، فينعدم الامتثال الإجمالي بحسب الخارج ويستحيل وجوده؛ لأنَّه إذا كرر هذا الفعل مئة مرة، فإنَّه يجزم بأنّه لم يحصل الامتثال؛ لأنّه يعرف بأنَّ الواجب مقيّد بعدم عنوان الاحتياط، وهذا معنون بعنوان الاحتياط. إذن، فالتقييد ينتج نفس النتيجة، وهو أمر معقول. إذن، فيكون الإطلاق المقابل له إطلاقاً تامّاً بمقتضى مقدّمات الحكمة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
موافقته التزاماً عقلاً كما يقتضي موافقته عملاً، وإن لم تكن الموافقة الالتزاميّة دخيلة في متعلّق التكليف. فإمّا أن تكون هذه الدعوى من هذا السنخ، وإمّا أن تكون بدعوى وجوبه عقلاً بملاك مستقلّ بقطع النظر عن اقتضاء التكليف.
أمّا الدعوى بالتقريب الأوّل، وهو أن يكون بلحاظ التكليف عقلاً لذلك. فهذا ممّا لا محصل له ولا معنى، كما لم يكن له محصل في باب الموافقة الالتزاميّة.
فإنّنا ذكرنا هناك: أنَّ التكليف له اقتضاء ذاتي بقطع النظر عن باب العقل العملي وباب الحسن والقبح، وله اقتضاء عقلي بتوسيط العقل العملي وبلحاظ الحسن والقبح في طول اقتضائه الذاتي.
أمّا اقتضائه الذاتي فإنَّ التكليف، حيث إنَّه يكشف عن غرض وارادة في نفس المكلّف، فبمقدار ما يكون في نفس المكلّف من اقتضاء نفساني لتحقيق أغراض المولى يكون التكليف محرّكاً بنحو الاقتضاء ذاتي.
وهذا الاقتضاء الذاتي، كما يتصوّر في تكليف المولى للعبد، كذلك يتصوّر في التماس العبد من المولى، فإنَّ التماس العبد من المولى له اقتضاء ذاتي بمقدار ما يكشف عنه من غرض في نفس العبد، وبمقدار ما عند المولى من عطف على العبد ورغبة في تحقيق مراداته، فبهذا المقدار يكون للالتماس محرّكيّة ذاتيّة، كما أن للتكليف محرّكيّة ذاتيّة.
غاية الأمر أنَّ الفرق بين محرّكيّة تكليف المولى ومحرّكية التماس العبد، فإنَّ محرّكيّة التماس العبد محرّكيّة ذاتيّة بهذا المقدار، ولا أكثر من هذا المقدار، فلو فرض أنَّ المولى لا يحب عبده ولا يجيب دعائه، فحينئذٍ يبقى هذا الالتماس
ـــــــــــــــــــــــــ[54]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
مهملاً وغير مجاب من قبل المولى؛ لقصور الاقتضاء الذاتي.
وأمّا الاقتضاء الذاتي لتكليف المولى، فإنّ له تتميمه، والتعويض عن محبة العبد بأمر آخر وهو العصا، فالعقل يحكم حينئذٍ بقبح المعصيّة واستحقاق العقاب على ارتكابها، فتكون العصا عوضاً عن حب العبد لمولاه، وهذا معنى تتميم الاقتضاء الذاتي، وهذا هو الاقتضاء العقلي الذي يكون بتوسط العقل العملي.
إذن، فالاقتضاء العقلي مصبّه هو نفس مصبّ الاقتضاء الذاتي، فالعقل إنَّما يحكم طبقاً للتكليف بنفس ما كان التكليف بذاته مقتضياً له، غاية الأمر بأنَّ الاقتضاء الذاتي بلحاظ الطبع الأوّلي للعبد والاقتضاء العقلي بلحاظ الطبع الثانوي للعبد.
هذا ما قلناه هناك في بحث الموافقة الالتزاميّة، ونقوله هنا أيضاً، ونفرّع عليه حينئذٍ: بأنَّه لا معنى أن يقتضي التكليف شيئاً عقلاً ولا يحرك عليه ذاتاً، فهذه الدعوى دعوى أمر غير معقول(1).
وحيث إنَّ المفروض في المقام أنَّ الامتثال التفصيلي، والموافقة الالتزاميّة
ـــــــــــــــــــــــــ[55]ــــــــــــــــــــــ
() وذلك لأنَّ العقل لا يحكم بالقبح واستحقاق العقاب إلَّا إذا ثبت كون الفعل معصية في المرتبة السابقة عن حكم العقل، ولا يكون الفعل معصية في المرتبة السابقة، إلَّا إذا كان له محرّكيّة ذاتيّة، فإذا لم يكن له محرّكيّة ذاتيّة لم يكن معصية، فلا يحكم العقل باستحقاق العقاب. ومن هنا لا تكون المحرّكيّة العقليّة إلَّا في المرتبة المتأخّرة عن المحرّكيّة الذاتيّة، عن سيّدنا الأُستاذ. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
هناك ليست دخيلة في المتعلّق. إذن، فهو ممّا لا يحرك نحوه التكليف ذاتاً. إذن، فلا يكون ممّا يقتضيه العقل في المقام.
فدعوى وجوب ذلك عقلاً بملاك اقتضاء نفس التكليف بعد التسليم بأنَّ التفصيليّة في الامتثال ليست دخيلة في الواجب الشرعي لا غرضاً ولا خطاباً. فهذه الدعوى ممّا لا يمكن الاهتمام بها، فهذا الطريق أيضاً ساقط.
نعم، يبقى دعوى أنَّ العقل يحكم بعدم جواز الامتثال الإجمالي بملاك مستقل به، لا باعتبار اقتضاء التكليف.
وذلك بأن يقال: بأنَّ التكرار والاحتياط في مقام التمكّن من الامتثال التفصيلي، فهذا لعب بأمر المولى واستهزاء بأمر المولى، والاستهزاء بنفسه قبيح، والقبيح يكون محرّماً عقلاً، والعقل يحكم بقبح هذا الاستهزاء وباستحقاق العقاب عليه، فلا يجوز الامتثال الإجمالي باعتبار تعنونه بعنوان محرّم عقلاً، بملاك مستقل لا باعتبار اقتضاء التكليف.
وحينئذٍ حيث إنَّ الكلام في باب العبادات، فلا بُدَّ من الالتزام -مضافاً إلى كون هذا محرماً عقلاً- بعدم الإجزاء أيضاً؛ لأنَّ العبادة يشترط فيها أن يؤتى بها بوجه مقرب إلى المولى، وهذا ليس مقرباً إلى المولى.
وبعبارة أُخرى: أنَّ حكم العقل بعدم جواز الامتثال الإجمالي، باعتبار انطباق عنوان اللعب والاستهزاء بأمر المولى على الاحتياط، مع فرض التمكّن من الامتثال التفصيلي، فيكون قبيحاً بحكم العقل ومنشأ لاستحقاق العقاب،
ـــــــــــــــــــــــــ[56]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وبالتالي يكون منشأ لبطلان العبادة أيضاً؛ لأنَّ العبادة لا يمكن قصد التقرّب بها مع وقوعها قبيحة ومبعّدة عن المولى بالفعل، فإنَّ المبعّد بالفعل يستحيل التقرّب به، كما مرّ في بحث النهي عن العبادة يقتضي فسادها.
وقد أجاب عن هذا الإشكال بوجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ التكرار كثيراً ما يكون بداع عقلائي، ولا يكون بداع اللعب والاستهزاء والسخرية بأمر المولى، فإنَّه قد يكون العدول عن الامتثال التفصيلي إلى الإجمالي والاحتياط لكونه أخف المؤنتين؛ وذلك لأنَّه قد يكون الفحص لتحصيل العلم التفصيلي بالوظيفة أشقّ على الإنسان من الامتثال الإجمالي، فيؤثر الإنسان أخف التعبين عليه، فيمتثل امتثالاً إجماليّاً دون أن يفحص، وبهذا يكون الإتيان به بداعٍ مشروع عقلائيّاً، ولا يكون بداعٍ صبيانيٍّ ولهويٍّ، حتّى يوجب تعنون العبادة بعنوان قبيح وبطلانها بسبب ذلك.
الوجه الثاني: لو سلّم كونه في المقام اللعب واللهو، فاللعب إنَّما هو في كيفيّة الإطاعة، لا في أصل الإطاعة، فإنَّ أصل إطاعة المولى لم يكن بداع اللعب، فإنَّه لو لم يكن أمر من قبل المولى لم يكن لهذا داعٍ لأن يأتي بالصلاة، فإتيانه للصلاة ليس بداع اللعب، وإنَّما اللعب في كيفيّة الإطاعة، حيث اختار أسلوباً لهويّاً في مقام الإطاعة وآثره على الأسلوب العقلائي المتعارف، ومثل هذا لا يضيرنا، فإنَّ اللهو في الكيفيّة غير ضائر في جواز أصل العبادة وصحّتها في
ـــــــــــــــــــــــــ[57]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 74.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
نفسها، فالعبادة تقع صحيحة وجائزة لو كان هناك لهواً في الكيفيّة، فلو فرض أنَّ الإنسان يصلّي بقصد القربة، ولكنّه يقوم بأعمال لهويّة وصبيانيّة مقارنة مع الصلاة، أي: يأتي بالصلاة بكيفيّة قصد اللعب بها، فمثل هذا لا بأس به. هذا حاصل الجواب الثاني الذي أفاده.
إنَّ الجواب عن الإشكال إنَّما هو الجواب الثاني، وهو: أنَّ اللعب واللهو إنَّما هو في كيفيّة الإطاعة لو كان هناك لهو ولعب.
أمّا الجواب الأوّل فهو غير صحيح، وقد كان حاصله: أنَّ العدول عن الامتثال التفصيلي إلى الامتثال الإجمالي قد يكون بداعٍ عقلائي غير اللهو واللعب، وذلك: لأنّه في باب العبادة لا يكفي صدورها بداعٍ عقلائي، بل لا بُدَّ من صدورها بقصد القربة، ومجرّد صدورها بداع عقلائي لا يكفي في صحّتها ما لم تصدر بقصد القربة، فتبديل الداعي الصبياني بالداعي العقلائي لا يحلّ أصل الإشكال، بعد فرض أنَّ عباديّة العبادة بالداعي الإلهي، لا بالداعي العقلائي ولا بالداعي الصبياني.
وهذا الإشكال من الدراسات على الوجه الأوّل الذي ذكره المحقّق الخراساني غير وارد؛ وذلك لأنَّ نظر المحقّق الخراساني في مقام رفع الإشكال إلى التقريب الذي بيّناه في مقام توضيح الإشكال، وهذا الكلام إنَّما ينسجم مع تقريب آخر غير التقريب الذي ذكر في الكفاية وغيرها من الكتب.
ـــــــــــــــــــــــــ[58]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 361.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وتوضيح ذلك: أنَّ الإشكال تارةً يكون باعتبار أنَّ العبادة التي أتى بها احتياطاً لم يأت بها بقصد القربة، بل أتى بها بداعي اللهو واللعب، فالإشكال من حيث فقدان قصد القربة في نفسه، وكون هذه العبادة قد أتى بها بداع آخر غيره، وهو داع اللهو واللعب.
ولو كان الإشكال هذا فحينئذٍ لا يمكن دفعه بأنَّ العبادة لم يؤت بها بقصد القربة، إلَّا أنَّه لم يؤت بها بداع اللهو واللعب، وإنَّما أتى بها بداع عقلائي، فإنَّ الداعي العقلائي من هذه الناحية حاله حال داعي اللعب من حيث بطلان العبادة معه وعدم صحّتها.
إلَّا أنَّ الإشكال لم يكن من هذه الناحية، فإنَّ المشكل لم يكن مقصوده بأنَّ العبادة لم يأت بها بقصد القربة، بل أتى بها بداعي اللهو واللعب، حتّى يكون الجواب الأوّل لصاحب الكفاية غير تامٍّ، بل مقصود المشكل أنَّ العبادة في المقام تتعنون بعنوان اللعب واللهو، وهو عنوان قبيح باعتبار كونه إهانة للمولى، ويكون الفعل مبعّداً بهذا الاعتبار عن المولى، ويستحيل قصد التقرّب بالمبعّد. وليس الإشكال أنَّ المكلّف اختياراً واعتباطاً قصد داعٍ آخر غير قصد القربة.
وبعد فرض أنَّ الإشكال مبيّن بهذا النحو، فيكون الجواب الأوّل لصاحب الكفاية متيناً في المقام، إذ بعد فرض أنَّ اختيار الامتثال الإجمالي هنا كان بداعٍ عقلائي، وهو اختيار أخفّ المؤنتين وأقلّ التعبين، فحينئذٍ لا يتعنون الامتثال الإجمالي بعنوان اللعب واللهو، أي: أنَّه لا يتعنون بعنوان قبيح مبعّد عن المولى، حتّى يستحيل قصد التقرّب به.
ـــــــــــــــــــــــــ[59]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إذن، فتقع العبادة صحيحة في المقام، ويمكن التقرّب بها، فالجواب الأوّل من صاحب الكفاية متين في المقام.
وأمّا الجواب الثاني: وهو أنّ اللعب -لو سلّم- فهو في كيفيّة الإطاعة، لا في أصل الإطاعة، واللعب في كيفيّة الإطاعة لا بأس به.
فهذا الجواب ينحلّ إلى مقدمتين بحسب الحقيقة:
المقدّمة الأولى: هي كبرى أنَّ اللعب في كيفيّة الإطاعة لا يكون مضرّاً.
المقدّمة الثانية: هي صغرى أنَّ اللعب في المقام -لو سلّم ولم يكن هناك غرض عقلائي- فهو في الكيفيّة، لا في أصل الإطاعة.
أمّا الكبرى فإنَّما تتمّ على مباني استحالة اجتماع الأمر والنهي، فيمكن أن يقال في المقام: بأنَّ هذه الكيفيّة الزائدة في الوجود على أصل العبادة، وكون هذا الوجود الزائد لعباً وقبيحاً ومبعّداً لا ينافي مقرّبية العبادة ووقوعها على وجه صحيح.
وأمّا لو فرض أنَّ هذه الكيفيّة كانت موجودة بنفس وجه العبادة، ففي مثل هذا تكون نفس العبادة مبعّدة عن المولى، ومع فرض مبعّديّتها يستحيل قصد التقرّب بها، ولا بُدَّ من الالتزام ببطلانها بحسب الخارج.
وقد قلنا في بحث النهي عن العبادة يقتضي الفساد: إنّنا نختار اقتضاء النهي عن العبادة للفساد، حتّى بناءً على ما سلكناه من جواز اجتماع الأمر والنهي، فلا نربط هذه المسألة بتلك المسألة، فإنَّه حتّى بناءً على جواز اجتماع الأمر والنهي وعدم التضادّ بين الأمر والنهي بما هما أمر ونهي، فمع فرض تعدّد
ـــــــــــــــــــــــــ[60]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
العناوين، نقول: بأنَّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد.
وبتعبير آخر: أنَّ التركيب الاتّحادي -على حسب تعبير أُصول الميرزا(1)– بحسب الوجود بين المأمور به والمنهي عنه، وإن لم يكن مانعاً في نظرنا عن فعليّة الأمر والنهي معاً، إلَّا أنَّه يكون مانعاً عن صحّة العبادة، وحاصل هذا الفرق يظهر من مراجعة المباني في تلك المسألتين.
إذن، فكيفيّة الإطاعة في المقام لو فرضنا كونها موجوداً زائداً على أصل العبادة، فاتّصافها بعنوان قبيح مبعّد لا يضرّ بمقرّبيّة العبادة، ولو فرض أنَّها كانت مركّبة مع العبادة تركيباً اتّحادياً في الخارج، وموجودة بنفس وجودها فحينئذٍ تبطل العبادة، سواء قيل بجواز اجتماع الأمر والنهي أو لم يقل، على تحقيق مرّ في محلّه.
هذا من حيث الكبرى التي لا بُدَّ من التفصيل فيها بين الكيفيّة الاتّحاديّة والكيفيّة الانضماميّة. وهذا التفصيل ليس مبنيّاً على بحث جواز اجتماع الأمر والنهي.
وأمّا من حيث الصغرى وهو أنَّ اللعب في المقام في الكيفيّة، لا في أصل الإطاعة، فيقول: إنَّ اللعب -على تقدير عدم وجود داعم عقلائي -إنَّما هو في كيفيّة الإطاعة، لا في أصل الإطاعة. فماذا يريد بالإطاعة في المقام؟
إمّا أن يريد بالإطاعة في المقام الإطاعة الشرعيّة، بمعنى: الإتيان بالواجب الشرعي الذي هو في علم الله صلاة الجمعة -مثلاً- فالإتيان بمتعلّق الأمر
ـــــــــــــــــــــــــ[61]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 2: 425.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الشرعي الذي هو صلاة الجمعة، وحينئذٍ يقال: بأنَّ اللعب إنَّما هو في كيفيّة صلاة الجمعة، لا في أصل الإتيان بها.
فإن أُريد هذا، فهذا الكلام غير صحيح في المقام، فإنَّ اللعب هنا ليس في كيفيّة الإتيان بصلاة الجمعة، فالتكرار ليس كيفيّة من كيفيّات صلاة الجمعة، إلَّا بناءً على المسامحة، لو أُريد من الكيفيّة ما يعمّ المقارنة مثلاً.
وإن أُريد من الإطاعة في المقام الإطاعة العقليّة، فإنَّ العقل يحكم بوجوب تحصيل اليقين بالفراغ، من باب أنَّ العلم الإجمالي منجّز، واليقين بالفراغ الذي هو الواجب العقلي يتحصّل بأحد طريقين:
الطريق الأوّل: أن يأتي بصلاة الجمعة مع العلم التفصيلي بوجوبها.
الطريق الثاني: أن يأتي بها مع طرف الاحتمال الآخر، وهو صلاة الظهر.
فتحصيل الواجب العقلي يكون بالإتيان بالواجب الشرعي، وهو صلاة الجمعة مع إحدى ضميمتين، فإمّا مع ضميمة العلم التفصيلي، بأن أفحص وأعرف ما هو الواجب، أو بضميمة الإتيان بطرف الاحتمال الآخر.
فهنا لو فرض أنَّ اختيار الطرف الثاني على الأوّل اختيار غير عقلائي وصبياني ولعب بأمر المولى فحينئذٍ لا بُدَّ وأن يُرى بأنَّ عنوان الاستهزاء هل ينطبق على نفس عمليّة الضمّ، واختيار ضمّ الطرف الآخر على ضمّ العلم التفصيلي، أو على المجموع المركّب من المنضم والمنضم إليه؟
فإن فرض أنَّه يكون منطبقاً على نفس عمليّة الضمّ، وأمّا المنضم إليه (الجمعة) لا يكون داخلاً تحت عنوان اللعب، فلا بأس بمثل هذا، فإنَّ معناه أنَّ
ـــــــــــــــــــــــــ[62]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
هذا المكلّف أطاع الله بنفس أصل العبادة، ولعب واستهزأ بضمّ شيء آخر إلى العبادة، وهذا أمر معقول ولا بأس به.
وأمّا إذا فرض أنَّ عنوان اللعب صدق على المجموع المركّب من المنضم والمنضم إليه، فلو كان المجموع معنوناً بعنوان القبح والمبعّديّة، فتكون نفس العبادة أيضاً جزءاً من المبعّد الفعلي، وما يكون جزءاً من المبعّد الفعلي لا يكون مقرّبا لا محالة، وبهذا يكون الإشكال سارياً إلى أصل العبادة أيضاً، فبهذا ينبغي تحقيق هذا الوجه الثاني. وعلى أيّ حال اتّضح ممّا ذكرناه: أنّه لا محصّل بالنسبة إلى هذا الوجه أيضاً.
ولو فرض أنّنا سلّمنا أنَّه لم يكن هناك داعٍ عقلائي، وأنَّ هذا كان بداعي اللعب، فمن قال: إنَّ هذا لعب بأمر المولى!! فهذا المطلب غير تامٍّ في المقام.
نعم، هذا يريد أن يلعب، إلَّا أنَّ هذا اللعب لعب بهذا العمل، لا لعب بأمر المولى، فكونه لعباً بأمر المولى أمر قصدي، وهو لم يقصد هذا المطلب لا تفصيلاً ولا تبعاً، فكونه لعباً بـأمر المولى أوّل الكلام.
نعم، هو لعب بحسب الخارج، إلَّا أنَّ كونه لعباً غير كونه لعباً بأمر المولى، فإذا لم يكن لعباً بأمر المولى فلا يتعنون بعنوان قبيح مبعّد عن المولى، بحيث يستحيل التقرّب به.
فبهذا ظهر أنَّ هذا الوجه أيضاً ممّا لا محصّل له، فالصحيح: أنَّ الامتثال الإجمالي يجوز حتّى مع فرض التمكّن من الامتثال التفصيلي.
ـــــــــــــــــــــــــ[63]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الأمر الأوّل: لو بني على عدم جواز الامتثال الإجمالي عند التمكّن من الامتثال التفصيلي -كما بنى عليه الميرزا(1) والشيخ(2) مثلاً- فحينئذٍ هل يفصّل في الامتثال التفصيلي بين الامتثال التفصيلي القطعي، والامتثال التفصيلي التعبّدي؟ فإنَّ الامتثال التفصيلي على نحوين:
فتارةً: يتمكّن الإنسان أن يحصّل القطع الوجداني بما هو الوظيفة، بأن يسأل الإمام -في حال لا يحتمل فيه التقيّة- ما الواجب عليه الظهر أو الجمعة؟ فيحصل بذلك على العلم بالحكم الواقعي.
وأُخرى: لا يتمكّن من تحصيل الحكم الواقعي، وإنَّما هو مجتهد يمكنه الرجوع إلى الأخبار، ومنها يتحصّل له الظنّ المعتبر بوجوب الظهر أو وجوب الجمعة، فهذا امتثال تفصيلي تعبّدي، وذلك امتثال تفصيلي قطعي.
فهنا هل يفرّق بين هذين الامتثالين التفصيليّين، فيقال: إنَّه مع التمكّن من الأوّل لا يجوز ومع التمكّن من الثاني يجوز؟ أو لا يفرّق بينهما فكما لا يجوز مع الامتثال التفصيلي القطعي فكذلك لا يجوز مع الظنّي؟
الأمر الثاني: أن نتكلّم في نفس هذا الامتثال الإجمالي الذي قلنا بجوازه، حتّى مع التمكّن من الامتثال التفصيلي، فهل يفرّق بين الامتثال الإجمالي
ـــــــــــــــــــــــــ[64]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 3: 72.
(2) انظر: فرائد الأُصول 1: 418.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
القطعي والامتثال الإجمالي التعبّدي أيضاً أو لا يفرّق؟ فإنّ الامتثال الإجمالي أيضاً يكون على نحوين:
فتارةً: يكون امتثالاً إجماليّاً قطعيّاً، كما لو كان يقطع وجداناً أنّ الواجب أحد أمرين، إمّا الظهر أو الجمعة، فيأتي بأحدهما.
وأُخرى: يكون امتثالاً إجماليّاً تعبّديّاً، بأن يعلم بأنَّ أحد هذين الثوبين ممّا قامت البيّنة على طهارته، فيصلي في هذا تارةً، وفي ذاك أُخرى، فيحصل الامتثال الإجمالي التعبّدي.
فهل هناك فرق فيما بينهما، أو ليس هناك فرق بينهما؟
قد يقال نقضاً: لو تمّ هذا وقطع النظر عن الأجوبة السابقة لأطّرد في التوصليّات أيضاً، فيما لو أتى بها بقصد القربة، ففي التوصليّات التي لا إشكال في خروجها عن محلّ النزاع، والتي يُسلّم الخصم أنَّه يجوز فيها الاحتياط والامتثال الإجمالي مع التمكّن من الامتثال التفصيلي، نقول: مقتضى البيان عدم جواز الامتثال الإجمالي هناك فيما لو فرض أنَّه قصد به القربة، فإنَّه أيضاً يكون لعباً بأمر المولى، فإنَّه لو كان قصد القربة يوجب تعنون الفعل بعنوان كونه لعباً بأمر المولى، فإنَّه كذلك في التوصليّات، وليس معنى كون الواجب توصليّاً عدم قصد القربة، وإنَّما معناه عدم اعتبار قصد القربة، وإلَّا فيمكن أن يأتي بالواجب التوصليّ بقصد القربة.
فيلزم من هذا الوجه أن يلتزم هذا الملتزم بعدم جواز الإتيان بالواجب
ـــــــــــــــــــــــــ[65]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
التوصليّ بنحو الامتثال الإجمالي، مع التمكّن من التفصيلي فيما لو أتى به بقصد القربة.
نعم، لو أتى به بغير قصد القربة من الدواعي، فحينئذٍ لا يتعنون بعنوان كونه لعباً بأمر المولى؛ لأنَّه لم يقصد إطاعة أمر المولى بمثل هذا العمل الصبياني، حتّى يكون لعباً بأمر المولى، فلو قصد القربة في باب الواجب التوصليّ وأتى به في ضمن الامتثال الإجمالي، فلا بُدَّ حينئذٍ من الالتزام بعد جواز هذا العمل.
أمّا تكليفاً فواضح؛ باعتبار أنّه يكون لعباً بأمر المولى على حدّ صدق هذا في باب العبادات، فيتعنون بعنوان قبيح فيحكم العقل بقبح ذلك واستحقاق العقاب عليه، وهذا معنى عدم الجواز تكليفاً.
وأمّا عدم الجواز وضعاً، بمعنى: عدم سقوط الواجب التوصليّ به -فهذا أيضاً ممّا يترتّب على مدّعاهم- وذلك بناءً على ما يسلكه المشهور من عدم جواز اجتماع الأمر والنهي، واستحالة كون المحرّم مصداقاً للواجب من باب أنَّ الواجب لو كان له إطلاق لمحرّم للزم من ذلك الترخيص في تطبيق الواجب على المحرّم والترخيص به.
بناءً على هذا في المقام لا بُدَّ من الالتزام بأنَّ إطلاق الواجب التوصليّ في نفسه لا يشمل الفرد المأتي به بعنوان اللعب والعبث؛ لأنَّ هذا الفرد المأتي به بعنوان اللعب والعبث قبيح عقلاً، فيستحيل شمول إطلاق الواجب التوصليّ له وإن كان توصليّاً؛ لأنَّ إطلاقه له معناه الترخيص فيه بناءً على اجتماع الأمر والنهي، والترخيص في القبيح كالترخيص في المحرّم أمر غير معقول من قبل الشارع.
ـــــــــــــــــــــــــ[66]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فإذا سقط إطلاق دليل الواجب بالنسبة إليه فيبقى إجزائه وصحّته على خلاف القاعدة، فإنَّ إجزاء الواجب عن غير الواجب يحتاج إلى دليل خاصّ. نعم، لو اتّفق في مورد أنَّه قام إجماع، أو قطع من الخارج على أنَّه يجزي فهو، وإلَّا فمقتضى القاعدة هو عدم الإجزاء في مثل هذا المقام.
فهذا الوجه لو تمّ لأقتضى في موارد الإتيان بالواجب التوصليّ على نحو الامتثال الإجمالي سريان نفس الإشكال، والالتزام بعدم الجواز تكليفاً ووضعاً، غاية الأمر الالتزام بعدم الجواز الوضعي متوقّف على مباني اجتماع الأمر والنهي.
وبهذا يتّضح أنَّ الامتثال الإجمالي يجوز، حتّى مع التمكّن من الامتثال التفصيلي.
إلَّا أنَّ الكلام هنا يبقى بناءً على قول هؤلاء الذين لا يجوّزون الامتثال الإجمالي عند التمكّن من الامتثال التفصيلي لأحد هذه الوجوه التي ذكرناها، فهل يفرق على مبناهم بين الامتثال التفصيلي الوجداني والامتثال التفصيلي التعبّدي؟ فيقال بعدم جواز الاحتياط مع التفصيلي الوجداني وجواز الاحتياط مع التفصيلي التعبّدي، أو لا يفرّق بينهما فيقال بعدم جواز الاحتياط مع التمكّن من الامتثال التفصيلي، سواء كان تعبّديّاً أو وجدانيّاً؟
ظاهر الميرزابل صريحه(1) -على ما أتذكر- هو عدم التفرقة بين الامتثالين
ـــــــــــــــــــــــــ[67]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (المحقق النائيني) 3: 71.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
التفصيليّين الوجداني والتعبّدي، فيرى أنَّ الامتثال الإجمالي لا يجوز مع الامتثال التفصيلي بقسميه.
ومن هنا قيل مثلاً: ببطلان عبادة تارك طريق الاجتهاد وطريق التقليد، مع أنَّ امتثال المجتهد والمقلّد امتثال تفصيلي تعبّدي غالباً، وليس امتثالاً تفصيليّاً وجدانيّاً.
إنَّ جملة من هذه الوجوه لا تساعد على التعميم، فلو كان المدرك في عدم جواز الامتثال الإجمالي جملة من هذه الوجوه فلا بُدَّ من الاقتصار على خصوص الامتثال التفصيلي الوجداني، ويدّعى أنَّ الاحتياط لا يجوز مع الامتثال التفصيلي الوجداني، وأمّا مع التفصيلي التعبّدي فلا بأس بالامتثال الإجمالي؛ وذلك أنَّه لو بُني على الوجه الأوّل الذي هو مسلك الميرزا وهو: أنَّ الانبعاث مع احتمال الأمر يكون في طول الانبعاث عن شخص الأمر، وأنَّ العقل يرى أنَّ الانبعاث عن شخص الأمر متقدّم رتبة عن الانبعاث عن احتمال الأمر، فهذا الوجه إن ذكر بالتقريب الساذج -الذي ذكر في أحد تقريري بحث الميرزا(1)– فهو دعوى صرفة يمكن تحديدها وتضيّيقها تبعاً لقريحة هذا المدّعي، حيث يقول: قريحتي تحكم أنَّ الاحتياط والامتثال الإجمالي لا يكون حسناً عقلاً، مع التمكين من الامتثال التفصيلي، سواء كان وجدانيّاً أو تعبّديّاً، وهي دعوى ليس لها ضابط إلَّا القريحة، فلا يمكن النظر في أنّ هذا الملاك هل يسري
ـــــــــــــــــــــــــ[68]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول (المحقق النائيني) 3: 73.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
في المقام أو لا يسري، بل لا بُدَّ لصاحب القريحة أن ينظر إلى قريحته في هذه المسألة.
وأمّا لو تمّت بالصورة الصناعيّة الظاهريّة -الذي أُضيف إليه في أجود التقريرات(1)– وقيل: بأنَّ العقل إنَّما يحكم بعدم جواز الامتثال الإجمالي لملاك ونكتة، وهو: أنَّ الإتيان بالواجب في موارد الامتثال الإجمالي انبعاث عن احتمال الأمر، لا عن شخص الأمر، وأمّا الامتثال التفصيلي فهو انبعاث عن شخص الأمر، والانبعاث عن احتمال الأمر متأخّر رتبة عن الانبعاث عن شخص الأمر، فمتى ما كان الإنسان متمكّناً من الانبعاث عن شخص الأمر تعيّن عليه ذلك، ولا يجوز له الانبعاث عن احتمال الأمر، مع تمكّنه من ذلك، فيكون لهذا الوجه ضابط موضوعي في نفسه بقطع النظر عن قريحة صاحب الدعوى، فينظر إلى أنَّ هذا الضابط هل يشمل محلّ الكلام أو لا يشمله؟
وحينئذٍ فالتحقيق عدم شموله لمحلّ الكلام، فإنَّ هذا الوجه يكون جهة تفضيل للامتثال التفصيلي الوجداني على الامتثال الاجمالي؛ لأنَّ الامتثال الوجداني انبعاث عن شخص الأمر، ولا يكون جهة تفضيل للتفصيلي التعبّدي على الامتثال الإجمالي؛ لأنَّ المكلّف في مورد الامتثال التفصيلي التعبّدي لا ينبعث عن شخص الأمر، بل بالدقّة وحسب الحقيقة ينبعث عن احتمال الأمر أيضاً، فإنَّه بعد أن كان يعلم إجمالاً بوجوب الظهر والجمعة، ونفرض أنَّ الحجّة الظاهريّة قامت على وجوب الجمعة بالخصوص، فحين يأتي بصلاة الجمعة في
ـــــــــــــــــــــــــ[69]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 44-50.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الحقيقة يكون المحرّك له هو احتمال صلاة الجمعة، يعني: احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على صلاة الجمعة، فهذا هو المحرّك له، لا تلك الحجّيّة المجعولة في دليل حجّيّة خبر الواحد، فحتّى لو فرض أنَّ دليل حجّيّة خبر الواحد يجعل عنوان الطريقيّة والكاشفيّة، فإنَّ الطريقيّة الاعتباريّة ليست هي المحرّكة، فإنَّه لو فُرض أنَّ المولى يجعل شيئاً طريقاً إلى الواقع اعتباراً، مع عدم وجود احتمال للواقع، فلا تكون مثل هذه الطريقيّة الاعتباريّة محرّكة، فإنَّ الطريقيّة الاعتباريّة جميع دورها وأثرها -لو كان لها أثر ودور- إنَّما هو تنجيز احتمال الواقع، وإخراج هذا الاحتمال عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وإضفاء طابع العلم عليه من الاعتبار والتعبّد.
إذن، فما هو المحرّك الحقيقي إنَّما هو الاحتمال، غاية الأمر أنَّ محرّكيّة هذا الاحتمال كانت بلحاظ تنجيزه، وهذا التنجيز هو باعتبار قيام الحجّة.
هذا لو لم نقل أيضاً بأنَّ منجّزيّة هذا الاحتمال لم تنشأ من قيام الحجّة، وإنَّما نشأت من العلم الإجمالي، فإنَّ المفروض في المقام أنَّ المكلّف يعلم إجمالاً بوجوب الظهر أو الجمعة، فاحتمال انطباق المعلوم بالإجمال منجّز في نفسه، وتمام وظيفة هذه الحجّة التي دلّت على وجوب الجمعة التأمين من ناحية صلاة الظهر، لا تنجيز صلاة الجمعة. وهذا المطلب نقول به، إلَّا أنَّه يتوقّف على مبانينا في باب العلم الإجمالي؛ ولذا لا نذكره بعنوان الإشكال على الميرزا.
لكن بقطع النظر عن هذا، فلو فرض أنَّ هذه الحجّيّة والطريقيّة صارت منشأ لتنجيز الاحتمال، فالمحرّك في المقام إنَّما هو احتمال الأمر، وليس هو
ـــــــــــــــــــــــــ[70]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
شخص الأمر. فكم فرق بين موارد الامتثال التفصيلي الوجداني والتفصيلي التعبّدي! ففي موراد التفصيل الوجداني حيث إنَّ الأمر منكشف انكشافاً قطعيّاً، والانكشاف يكون آكد، فيقال حينئذٍ: إنَّ المحرّك هو شخص الأمر بإغفال هذه الآلة التي هي المعنى الحرفي بين المكلّف وبين المنكشف.
وأمّا في موارد الامتثال التفصيلي التعبّدي فما سمّيناه امتثالاً تفصيليّاً يعدّ إغراء من اللفظ، ولهذا نقول: إنَّه أفضل من الامتثال الإجمالي، وإلَّا فتحليله بحسب الواقع الخارجي بأنَّ المحرّك هنا هو الاحتمال، لا الحجّيّة؛ فإنَّ الحجّيّة بأيّ لسان فرضت لو عزلناها عن الاحتمال لا تكون محرّكة، وغاية ما يمكن أن يقال في المقام: إنَّ هذا الاحتمال إنَّما يكون محرّكاً باعتبار اكتسابه المحرّكيّة من دليل الحجّيّة، وهذا غير كون شخص الأمر محرّكاً.
فالوجه الأوّل بهذا البيان لا يتمّ في الامتثال التفصيلي التعبّدي، لو فرض تماميّته في الامتثال التفصيلي الوجداني.
وأمّا الوجه الثاني -وهو دعوى الوجوب الشرعي- فهذا يمكن تتميمه بأن ليس له مناط إلَّا أحد أمرين:
الأمر الأوّل: التمسّك بالإجماع على ذلك بنحو إقامة الدليل.
الأمر الثاني: الاكتفاء بالاحتمال والرجوع إلى أصالة الاشتغال.
أمّا الأوّل: فلما ورد في كلماتهم(1) من الإجماع على بطلان عبادة تارك الاجتهاد والتقليد والعامل بالاحتياط مثلاً، بناءً على ما فهموا من معنى هذه العبارة.
ـــــــــــــــــــــــــ[71]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر قوانين الأُصول 1: 440، و2: 144.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وأمّا الثاني: فلأن الإنسان يمكنه أن يبدي احتمال اعتبار ذلك، فإنَّه من المحتمل أن يعتبر شرعاً في الواجب العبادي أن يكون مأتيّاً به على وجه يعلم وجداناً أو تعبّداً بكونه هو الواجب، وبعد احتمال هذا المطلب تجري أصالة الاشتغال على النحو الذي بيّناه فيما سبق.
وأمّا الوجه الثالث: -وهو دعوى حكم العقل بعدم جواز الامتثال الاجمالي بعنوان كونه لعباً وعبثاً بأمر المولى؛ لأنّه تكرار، والتكرار يكون كذلك- فهذا لا يأتي في المقام جزماً، حتّى لو فرض مجيئه في مورد الدوران بين الامتثال الإجمالي والامتثال التفصيلي الوجداني، فإنَّه لو سُلّم في موارد دوران الأمر بين الامتثال الإجمالي والامتثال التفصيلي الوجداني، فإنَّ اختيار الامتثال الإجمالي على التفصيل الوجداني عبث ولعب، فلا يسلّم ذلك البتة في الدوران بين الامتثال الإجمالي والتفصيلي التعبّدي.
والنكتة في ذلك: أنَّ اختيار الامتثال الإجمالي على ماذا يكون لعباً؟ فهل اختياره على الاقتصار على الامتثال التفصيلي التعبّدي يكون لعباً، أو اختيار الامتثال الإجمالي على الجمع بينه وبين التفصيلي التعبّدي يكون لعباً؟
فإن قيل: إنَّ اختيار الامتثال الإجمالي على الاقتصار على الامتثال التفصيلي التعبّدي يكون لعباً، يعني: اختيار أن يصلّي الظهر والجمعة احتياطاً على أن يقلّد شخصاً في وجوب أحدهما ويأتي بخصوص ذاك، فهل اختيار هذا على ذاك يكون معنوناً بعنوان اللعب والاستهزاء بأمر المولى؟ فهذا واضح البطلان، فإنَّ هذا لا يكون لعباً بأمر المولى، وإنَّما يكون اهتماماً بأمر المولى؛ لأنَّ الامتثال
ـــــــــــــــــــــــــ[72]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
التفصيلي يفوّت أمر المولى احتمالاً، والامتثال الإجمالي يوجب إحراز مطلوب المولى ومرغوبه، فلا يحتمل أن يقال: بأنَّ الشخص الذي يفوّت غرض المولى احتمالاً مخلص للمولى، وأمّا الذي يتعب في سبيل أن لا يبقى هناك احتمال الفوت، فهذا يكون لاعباً بأمر المولى، مثل هذا المطلب لا يتصوّر في المقام(1).
وإن قيل: إنَّ اختيار الامتثال الإجمالي على الجمع بين الامتثال التفصيلي والإجمالي لعب، فهذا العاقل كان ينبغي له أن يقلّد في وجوب صلاة الجمعة، ثُمَّ يأتي بالجمعة، ثُمَّ يأتي بالظهر، فنقول: هذا الإيثار عمل عقلائي وليس معنوناً بعنوان اللعب، فإنَّ هذا أخفّ المؤونتين، فإنَّ الأمر يدور بين الأقلّ والأكثر هنا دائماً، فهنا لا يتصوّر كون هذا أخفّ مؤونة من ذاك أو معادلاً له في المؤونة؛ لأنَّ في قباله الامتثال التفصيلي مع الإجمالي، فذاك أثقل مؤونة من هذا، واختيار أخفّ المؤونتين لا يكون لعباً و لا عملاً صبيانيّاً -يعني اختيار الأقل في موارد دوران الأمر بين الأقل والأكثر-.
إذن، لا تُتصوّر الصبيانيّة في المقام في العمل، سواء لوحظ في قبال الاقتصار على الامتثال التفصيلي التعبّدي أو في قبال الجمع بين الامتثال التعبّدي والامتثال الإجمالي.
وهذا بخلافه هناك في موارد دوران الأمر بين الامتثال الإجمالي والامتثال
ـــــــــــــــــــــــــ[73]ــــــــــــــــــــــ
() وهنا قلت لسيّدنا الأُستاذ (دام تأييده): هذا إذا كان الامتثال الإجمالي قطعيّاً دونما إذا كان احتمالياً.
قال: نعم، إنَّ كلامنا الآن في القطعي. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
والتفصيلي الوجداني، فلو فرض هناك أنَّ تحصيل العلم الوجداني لم يكن فيه مؤونة أصلاً، فحينئذٍ يقال: بأنَّ اختيار الامتثال الإجمالي على الاقتصار على خصوص الامتثال التفصيلي الوجداني يكون لعباً، وهذه هي فذلكة الفرق بين الامتثال التفصيلي الوجداني والامتثال التفصيلي التعبّدي.
وهؤلاء الذين قالوا بعدم جواز الامتثال الإجمالي مع التمكن من الامتثال التفصيلي لا يستشكلون في جواز الامتثال الإجمالي في موردين:
المورد الأوّل: التعذّر وعدم التمكن من الامتثال التفصيلي، كما هو مقتضى الشرطيّة، حيث قلنا: بأنَّهم يقولون بعدم جواز الامتثال الإجمالي مع فرض التمكن من التفصيلي. أمّا خصوص الوجداني منه أو الأعمّ من الوجداني والتعبدي، فهناك لا يُستشكل في جواز الامتثال الإجمالي.
المورد الآخر: ما إذا فُرض أنَّ أصل الامتثال أعمّ من الإجمالي والتفصيلي لم يكن منجّزاً على المكلّف، بحيث إنَّ المكلّف كان من حقّه عقلاً ترك الامتثال رأساً، فضلا عن التفصيلي منه، كما لو فُرض أنَّ العبادة كانت مستحبة في نفسها حيث عُلم أنَّ العبادة مستحبة في نفسها، وتردّد الأمر بين أن تكون هذه أو أن تكون تلك، بحيث إنَّ الاحتياط يلزم منه التكرار، ونفرض أنَّ المكلّف قادر على الامتثال التفصيلي، بأن يرجع إلى المجتهد أو يرجع إلى المسألة بحيث يحصل له القطع بما هو المستحب مثلاً، فهنا أصل الامتثال لم يكن واجباً عليه؛ لأنَّ ترك المستحب كان لا بأس به في هذا المورد، فلا نلزمه بخصوص الامتثال التفصيلي.
ـــــــــــــــــــــــــ[74]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
أو مثلا نفرض أنَّ العبادة كانت محتملة الوجوب، ولم تكن معلومة الاستحباب، إلَّا أنَّ احتمال الوجوب كان في قباله مؤمّن، فإنَّ هذا الاحتمال، إمّا احتمال بدوي بعد الفحص، فينفي بالأصول المؤمّنة، وإمّا احتمال أن يكون في قباله حجّة على الخلاف ودليل اجتهادي قائم على عدم الوجوب، فهو محتمل الوجوب باحتمال غير منجّز، ففي هذا المورد لم يكن يجب على المكلّف أصل التعرض والامتثال إذا كان بإمكانه ترك العبادة رأساً؛ لأنَّ الاحتمال غير منجّز. وفي مثل هذا المورد أيضاً لا يستشكل هؤلاء في جواز الامتثال الإجمالي.
أمّا المورد الأوّل وهو مورد عدم التمكن من الامتثال التفصيلي، فعدم الاستشكال في جواز الامتثال الإجمالي، بناءً على مباني الاستشكال لا بأس به، إلَّا على بعض الوجوه الضعيفة التي لم نتعرض نحن لها أصلاً، كبناء الاستشكال على القول باعتبار قصد الوجه بالنحو الذي يذهب إليه المتكلّمون، فإنَّ هذه الدعوى هي إحدى مباني الاستشكال في جواز الامتثال الإجمالي مع التمكن من التفصيلي، وحيث إنَّ هذا المبنى ضعيف؛ ولذا لم نتعرض له هناك، إلَّا أنَّه بناءً على هذا المبنى عدم الاستشكال هنا في غير محلّه، إلَّا أنَّه لا يهمنا توضيح هذا المطلب؛ لأنَّه يكلفنا توضيح أصل المبنى والوجه الذي قاله المتكلّمون، فيكلفنا كلاماً أكثر ممّا يستحق.
وعلى أيّ حال بمقدار الوجوه التي تعرضنا لها لا بأس بالقول بعدم الاستشكال في مورد العجز عن الامتثال التفصيلي، فإنَّ الوجوه التي تعرضنا لها ثلاثة:
ـــــــــــــــــــــــــ[75]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الوجه الأوّل: أنَّ الانبعاث عن شخص الأمر متقدّم رتبه عن الانبعاث عن احتمال الأمر، وفي المقام هذا المتقدّم رتبه غير ميسور؛ لأنَّ المفروض أنَّ المكلّف لا يمكنه تحصيل العلم بالأمر، حتّى ينبعث عن شخص الأمر.
الوجه الثاني: اعتبار التفصيليّة في الامتثال، فإنَّ التفصيليّة في الامتثال إذا احتمل اعتبارها، فإنّه يحتمل اعتبارها على حدّ سائر الأجزاء والشرائط غير الركنيّة، ولا يحتمل اعتبارها على وجه الركنية، بحيث على فرض التعذّر فيسقط أصل الوجوب، من قبيل الطهارة الحدثيّة، فلو فُرض أنَّه تعذّر عليه أن يتوضأ وأن يتيمم فيسقط أصل الوجوب على قول، ولا نحتمل أنَّ اعتبار التفصيليّة في الامتثال من هذا الباب، بل الإجماع على خلافه.
الوجه الثالث: أنَّ التكرار عبث ولعب بأمر المولى، إنَّما يكون عبثاً بأمر المولى لو كان من باب العدول من الامتثال التفصيلي إلى التكرار، وفي المقام الطريق منحصر بالامتثال الإجمالي، فلا يكون هذا لعباً وعبثاً بأمر المولى.
فعدم الاستشكال بناءً على هذه الوجوه في محلّه، وإن كان لا بأس بالاستشكال بناءً على بعض الوجوه الأُخرى التي لم نتعرض لها.
وأمّا الفرع الثاني وهو فرع التمكن من الامتثال التفصيلي، وعدم وجوب أصل الامتثال عقلاً، كما لو كانت العبادة محتملة الوجوب بنحو مؤمّن عنه، أو كانت معلومة الاستحباب وجداناً، ففي مثل هذا أيضاً لم يستشكل، مع أنَّ بعض الوجوه التي ذكرناها غير آبية عن اسراء الإشكال على محلّ الكلام أيضاً.
فمثلاً: لو قيل بالوجه الثالث، وأنَّ العدول من الامتثال التفصيلي إلى
ـــــــــــــــــــــــــ[76]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الإجمالي عمل صبياني ولعب وعبث، وهذا اللعب والعبث أيضاً يتعنون بعنوان كونه لعباً بأمر المولى، لا أنَّه لعب في مقام إطاعة أمره، فأيّ فرق بين أن يكون أصل الامتثال واجباً أو لا يكون واجباً، فإنَّ العدول من الفرد الواحد المتعيّن إلى التكرار والأعمال الكثيرة أمر غير عقلائي، سواء وجب عليه أصل الامتثال أو لم يوجب، فكون أصل الامتثال واجباً عليه أو غير واجب لا دخل له في عقلائيّة العدول وصبيانيّة العدول.
فيظهر من هذا أنَّ بعض الوجوه غير آبية عن إسراء الإشكال إلى هنا، إلَّا أنَّ المطلب في نفسه واضح، وجواز الامتثال الإجمالي في نفسه واضح في تمام هذه الفروض(1).
هذا تمام ما ينبغي أن يُتعرض له من حيث الامتثال التفصيلي.
وأمّا من حيث الامتثال الإجمالي، فهو وإن لم يذكر في كلماتهم شيء من ناحيته، إلَّا أنَّنا نقول في المقام: إنَّ الامتثال الإجمالي تارةً يكون امتثالاً إجماليّاً وجدانيّاً، وأُخرى يكون تعبّديّاً.
أمّا الامتثال الإجمالي الوجداني فلا كلام فيه أكثر ممّا قلناه.
وأمّا الامتثال الإجمالي التعبّدي فله صورتان:
الصورة الأوّلى: أن يُفرض قيام الحجّة التعبّديّة على شيء معين، ثُمَّ يشتبه
ـــــــــــــــــــــــــ[77]ــــــــــــــــــــــ
() وهنا سُئل السيّد الأُستاذ: في تمام هذه الفروض، يعني: حتّى فرض الوجوب؟
قال: بلى، حتّى فرض الوجوب. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
مورد قيام الحجّة بغيره، كما لو فرض أن بيّنة أو حجّة من الحجّج قامت على طهارة هذا الثوب بعينه، ثُمَّ اشتبه هذه الثوب بغيره ممّا لا يكون طاهراً، فالحجّة حينما قامت قامت على مورد معيّن، وإنَّما حصل الإجمال من باب الاشتباه في مورد الحجّة بغير موردها.
الصورة الثانية: أن يُفرض أنَّ الحجّة من أوّل الأمر قامت على أمر مردّد، فالحجّة دلّت على أنَّ أحد هذين الأمرين طاهر مثلاً، كما لو كنا نعلم بأنَّ أحد هذين الثوبين نجس، ولا ندري أنَّ الآخر أيضاً نجس أو ليس بنجس، فالحجّة تقول: إنَّ الثوب الآخر محكوم بالطهارة، بحيث إنَّ الحجّة في أوّل الأمر قامت على عنوان أجمالي لا على عنوان تفصيلي ثُمَّ اشتبه.
أمَّا في الصورة الأوّلى، فلا إشكال في جواز الامتثال الإجمالي التعبدي؛ لأنَّ بعد فرض صلاته في كلّ من الثوبين يقطع أنَّه صلّى صلاة لم تقترن بالمانع تعبداً. فيكون الامتثال الإجمالي في المقام جائزاً في نفسه.
وأمّا جوازه مع فرض التمكن من الامتثال التفصيلي، فهو موقوف على أنَّ نلاحظ دليل حجّيّة تلك الحجّة، فإنَّ الدليل الذي دلّ على حجّيّة البيّنة مثلاً، هل هو مطلق يشمل حتّى من كان متمكنا من تحصيل العلم، أو أنَّه مقيّد بمن لم يتمكن من تحصيل العلم؟ فإن فُرض أنَّه مطلق حتّى في فرض انفتاح باب العلم، فحينئذٍ لا بأس بالاقتصار عليه حتّى في مورد التمكن من الامتثال التفصيلي، وإذا فرض أنَّ الحجّيّة مقيّدة. إذن، ففي فرض التمكن من الامتثال التفصيلي، لا يكون هناك حجّة فلا يكون هناك امتثال إجمالي تعبدي. هذا حال الصورة الأولى.
ـــــــــــــــــــــــــ[78]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وأما الصورة الثانية، وهي ما إذا فرض أنَّ الحجّة قامت على عنوان إجمالي فهنا أيضاً فرضان:
الفرض الأوّل: أنَّ له نحو من التعيين بقطع النظر عن الحكم الذي اثبتته الحجّة له، كما لو فُرض أنَّ الحجّة قامت على أنَّ ثوب زيد، أو الثوب الأبيض من هذين الثوبين هو طاهر، بحيث إنَّ موضوع الطهارة بحسب الواقع له تعيين من غير ناحية ثبوت الطهارة له، وبقطع النظر عن صدق البيّنة وكذبها، فإنَّه حتّى لو فُرض أنَّ البيّنة كاذبة يستطيع أن يقول (جبرائيل): إنَّ الثوب الذي شهدت البيّنة بطهارته ليس بطاهر، وهذا معنى أنَّ مورد البيّنة له تعيين من غير ناحية الحكم الذي شهدت به البيّنة.
الفرض الثاني: أنَّ مورد البينة ليس له تعيين إلَّا من ناحية ثبوت هذا الحكم، كما إذا شهدت الحجّة كالبينة مثلاً، بأنَّ أحد هذين الثوبين لا بعنوان طاهر بحيث لا يكون تعيين.
أمّا في الصورة الأولى فأيضاً لا إشكال في جواز الامتثال الإجمالي، فإنَّ هذا المكلّف لو أتى بالفردين معاً فيحصل له القطع بأنَّه صلّى في ثوب محكوم بالطهارة شرعاً، وهو ثوب زيد، فإنَّه يقطع بأنَّه صلّى في ثوب زيد، ويقطع بأنَّ ثوب زيد محكوم بالطهارة شرعاً، فيكون هذا مجزياً له في مقام الامتثال.
وأمّا في الصورة الثانية فيما لو فرض أنه ليس له تعيين، إلَّا من ناحية الحجّة، فإذا كان الإنسان كان يعلم إجمالاً بالمحذور في أحد الثوبين، بأن كان يعلم أنَّ أحد الثوبين لا بعنوان محكوم بالنجاسة ويشكّ بأنَّ الآخر محكوم
ـــــــــــــــــــــــــ[79]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بالنجاسة أو لا(1). وحيث إنَّ معلوم النجاسة غير معيّن، فغير معلوم النجاسة غير متعيّن، وهذا كثيراً ما يتفق بحسب الخارج، فهنا نفصّل بين الأمارة التي تكون مثبتاتها حجّة وبين الأصل الذي لا تكون مثبتاته حجّة، أو -بتعبير أحسن- أنَّه لا بُدَّ هنا من التفصيل بين الحجّة التي تكون حجّة حتّى في المثبتات، وبين الحجّة التي لا تكون حجّة في المثبتات والمداليل الالتزاميّة العقليّة.
فما كان هنا حجّة حتّى في المثبتات والمداليل الالتزاميّة العقليّة كالبيّنة فيجزي؛ وذلك لأنَّ هذه البيّنة التي شهدت بأنَّ أحد الثوبين طاهر تدلّ بالالتزام -بعد فرض صلاته في كلّ من الثوبين- على أنّه صلّى في ثوب طاهر، وهذا المدلول الالتزامي يكفيه في مقام الخروج عن عهدة التكليف المعلوم.
وأمّا لو فُرض أنَّ هذه الحجّة كانت أصلاً، ولم يكن مثبتاتها حجّة -كما في هذا الفرض- بأن يجري أصالة الطهارة في الثوب الآخر غير المعلوم النجاسة، فهنا حيث إنَّه يحتمل نجاسة كلا الثوبين -كما هو المفروض- فهو يحتمل أنَّه لا مصداق لعنوان غير معلوم النجاسة؛ إذ أنَّه في فرض نجاسة كلا الثوبين لا يكون هذا مصداق المعلوم بعينه ولا ذاك؛ لأنَّ نسبة العلم إلى كلّ منهما على حدّ سواء، فالمعلوم غير متعيّن. إذن، فغير المعلوم أيضاً غير متعيّن، فهذا الذي اثبتت أصالة الطهارة طهارته أيّ شيء هو؟ هو الثوب الذي لم أعلم بنجاسته،
ـــــــــــــــــــــــــ[80]ــــــــــــــــــــــ
() فهو يحتمل نجاسة كِلا الثوبين إلّا أن الواحد على الأقل محكوم بالنجاسة جزماً. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فهنا يحتمل أن لا يكون مورد أصالة الطهارة متعيناً في الخارج أصلاً، والمفروض أنَّ أصالة الطهارة لا تثبت اللازم العقلي، وهو أنَّه بعد فرض أنَّه صلّى في الثوبين يدلّ بالالتزام على أنّه صلّى في ثوب طاهر، فمدلولها المطابقي لا يكفي مع احتمال عدم تعيّن موردها في الواقع، ومدلولها الالتزامي ليس بحجّة، ومن هنا لا يكفي الأصل فيفصّل بين الأصل والأمارة.
هذا تمام الكلام في الامتثال الإجمالي.
وبه تمّ ما ينبغي التعرض له في هذه المسألة. نعم، بقيت بعض الخصوصيات الأخرى التي لا ينبغي التعرض لها في هذه المسألة؛ لأنَّ المسألة في نفسها ليست بهذه الأهمّيّة.
وبهذا تمّ بحث القطع.
وانتهينا إلى بحث الظن.
ـــــــــــــــــــــــــ[81]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
مباحث الظنّ
ـــــــــــــــــــــــــ[83]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ذكر صاحب الكفاية(1) أنَّه لا بُدَّ من تمهيد أُمور قبل الشروع بالأمارات الظنّيّة المعتبرة شرعاً، وقد قدّم أُموراً ثلاثة:
الأمر الأوّل: في نفي وجوب الحجّيّة للظنّ، وذاتيّة الحجّيّة للظنّ.
الأمر الثاني: في نفي امتناع الحجّيّة للظنّ في قبال من يتوهّم استحالة الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي.
الأمر الثالث: في تأسيس الأصل عند الشكّ في مقام الإثبات.
الأمر الأوّل: -وهو في بيان أنَّ الظنّ ليست الحجّيّة واجبة له ومن ذاتياته- ذكر: أنَّ الظنّ حيث يُشعر باحتمال الخلاف فلا يكون لاحتماله وصولاً تامّاً، فلا تكون له الحجّيّة بحسب طبعه وذاته؛ لأنَّ الحجّيّة إنَّما هي لازم للقطع باعتباره وصولاً تامّاً رافعاً لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وأمّا الظنّ بحيث إنَّه مشوب باحتمال الخلاف فلا يكون رافعاً لموضوع القاعدة، فلا يكون
ـــــــــــــــــــــــــ[85]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 275.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
حجّة بذاته ولا تكون الحجّيّة من لوازمه، وإنَّما تكون حجّيّته منجعلة بجعل خارجي على فرض ثبوتها. هذا بالنسبة إلى حجّيّة الظنّ في مقام إثبات التكليف.
وكذلك الحال في حجّيّة الظنّ في مقام إسقاط التكليف وامتثاله بعد تنجّزه ووجوب الخروج عن عهدته، فلا يكفي الظنّ في المقام؛ لأنَّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني لا محالة(1).
وهذا الذي أفاده مبني على المسلك المشهوري في باب الأدلّة العقليّة، في باب حجّيّة القطع وقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنَّ المشهور -كما سبق مراراً- ذكروا في بحث حجّيّة القطع: أنَّ الحجّيّة من اللوازم الذاتيّة للقطع بما هو كاشف تامٌّ ووصول كاملٌ للأمر المعلوم، فكما أنَّ الحجّيّة المنطقيّة هي شأن من شؤون القطع بما هو وصولٌ تامٌّ كذلك حجّيّة الأُصول شأن من شؤونه بما هو وصولٌ تامٌّ ومن لوازمه، وتوأمٌ لقاعدة حجّيّة القطع، إذ وضعوا القاعدة المقابلة لهذه القاعدة، وهي: أنَّه لا حجّيّة بلا قطع، المعبّر عنها بالاصطلاح بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فهذه القاعدة يراد منها في عبائرهم الشقّ المقابل لقاعدة حجّيّة القطع، فإنَّ الحجّيّة لازم ذاتي خاصّ بالقطع، وقهراً يقابل ذلك قاعدة أُخرى، وهو أنَّه لا لازم بلا ملزومه، ولا حجّيّة بلا قطع، وهذا مرجعه
ـــــــــــــــــــــــــ[86]ــــــــــــــــــــــ
() وهنا سأل أحد الإخوان: المقصود بالظنّ ما يعمّ الاحتمال؟
قال سيّدنا الأُستاذ: المقصود به ملاكاً هو هذا، وإن كان المقصود لفظاً من الظنّ هو الأمارات الظنّيّة، لكن ملاك الكلام يعمّ الاحتمال أيضاً. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إلى قبح العقاب بلا بيان، فيقبح على المولى أن يعاقب على تكليف مالم يصل هذا التكليف إلى المكلّف، ويكون معلوماً لديه، إذ لو لم يكن معلوماً فلا موضوع للحجّيّة. وعلى أساس هاتين القاعدتين المتقابلتين قام علم الأُصول في باب الأدلّة العقليّة، بل جميع المسالك الفرعيّة والتفصيليّة عليهما.
ونحن قلنا مراراً في بحث حجّيّة القطع، وفي بحث العلم الإجمالي أيضاً آخر أيام التحصيل: أنَّ هذين الركنين الأساسيّين ممّا لا أساس لهما، فإنَّ حجّيّة القطع ليست ذاتيّة له بالمعنى المشهوري المفهوم، بل إنَّ الحجّيّة في المقام من شؤون مولويّة المولى، وليست من شؤون القطع بحسب الخارج بما هو قطع، إذ في المرتبة السابقة على بحث حجّيّة القطع إمّا أن يُفرض كون المولى مولى
-والمفروض أنّنا نتكلّم في القطع بأحكام المولى- وإمّا أن لا نفرض أنَّنا نتكلّم في القطع بأحكام المولى، بل في القطع بأحكام إنسان إن ثبتت مولويّته.
فإن فرضنا أنَّنا في المرتبة السابقة على حجّيّة القطع نتكلّم في مولى ثبتت مولويّته في الدرجة السابقة. إذن، فلا بُدَّ من ملاحظة تلك المولويّة الثابتة في الدرجة السابقة المعترف بها قبل الدخول في بحث حجّيّة القطع، ماهي سعة دائرتها وضيقها؟
فإنّه لا محصّل للمولويّة إلّا حقّ الطاعة والتعظيم، فلا بُدَّ أن يُرى مقدار سعة حقّ الطاعة الذي هو جوهر المولويّة وكنهها، وحيث إنَّ هذا الحقّ من مدركات العقل العملي، فيمكن أن يفترض في حقّ الطاعة أنَّ المولى له حقّ الطاعة في خصوص تكاليفه المعلومة، ويمكن أن يفترض أنَّ له حقّ الطاعة في جميع تكاليفه
ـــــــــــــــــــــــــ[87]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ما لم يعلم بالعدم، ويمكن أن يفرض درجة متوسطة بين هذا وذاك.
وحُلّت هناك مغالطة مقايسة المولى الحقيقي بالموالي الآخرين الذين تكون مولويّتهم مجعولة إمّا لنفس العبد أو لمصدر أرقى من ذلك المولى، فبالنتيجة بالنسبة إلى المولى الحقيقي بعد فرض المولويّة في الدرجة السابقة فلا محيص من الرجوع إلى العقل العملي المدرك لأصل المولويّة في إدراك سعتها وضيقها.
فهنا يمكن أن نفترض أنَّ المولى له حقّ الطاعة على العبيد، حتّى في المظنونات، وحتّى في المشكوكات، فإذا قيل ذلك كانت حجّيّة الاحتمال ذاتيّة على حدّ ذاتيّة حجّيّة القطع وبنفس المعنى، يعني: أنَّ مولويّة المولى تكون موجبة لإطاعة تكاليفه الاحتماليّة أو الظنيّة كما تكون موجبة لإطاعة تكاليفه القطعيّة. هذا كلّه على فرض الاعتراف بالمولويّة في الدرجة السابقة.
وأمّا إذا لم يعترف بمولويّة هذا الشخص الذي نتكلّم عن أنّ القطع بأحكامه حجّة أو ليس بحجّة في المرتبة السابقة، فمن الواضح أنّ مجرّد القطع بصدور تكليف منه لا يجعله مولى، فمجرّد القطع بصدور حكم من شخص لم يكن مولى قبل ذلك لا يصيّره مولى، ولا يجعل له حقّ الطاعة على شخص آخر، كالبحث عن حجّيّة القطع، فإنّه لغو في نفسه وخلاف الترتيب الفنّي للفكرة، فإنَّ الترتيب الفنّي لها يقتضي أن نبحث في المرتبة السابقة عن ثبوت المولويّة وعن سعة دائرتها.
طبعاً ثبوت المولويّة ليست من المباحث التي يبحث عنها في علم الأُصول، فإنَّنا فيه فرغنا عن أنّنا نؤمن بالله تعالى، وأنَّ له حقّ الطاعة على العباد، فالبحث
ـــــــــــــــــــــــــ[88]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
في علم الأُصول ينحصر في سعة دائرة حقّ المولويّة وضيقها.
ومن هنا يعرف أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان أيضاً ترتبط صحّة وفساداً بتشخيص سعة الدائرة وضيقها، فإذا قيل: إنَّ دائرة حقّ الطاعة الذي هو جوهر المولويّة وسيع. إذن، فلا أساس لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، وإلَّا فتكون ثابتة، لا بمعنى قبح العقاب بلا بيان، بل بمعنى قبح العقاب بلا مولويّة، بتبديل البيان بالمولويّة هنا.
كما لو فُرض أنَّ مولويّة المولى لا تقتضي إلَّا إطاعة تكاليفه القطعيّة والمظنونة دون المشكوكة أو الموهومة، فيقبح على المولى أن يعاقبنا على مخالفة تكليف مشكوك أو موهوم؛ من باب أنّه عقاب بلا مولويّة؛ لأنَّه في هذا التكليف ليس مولانا. إذن، فيكون عقاباً بلا مولويّة.
فحجّيّة القطع بنفسها صياغة غير صحيحة للفكرة، وقاعدة قبح العقاب بلا بيان أيضاً صياغة غير صحيحة للفكرة؛ لأنَّها مقابلة لها، والصياغة الصحيحة لها هي أن نتكلّم في سعة دائرة حقّ الطاعة وضيقها.
وقد أشرنا -فيما سبق ويأتي في مبحث البراءة العقلية أيضاً-: أنَّ دائرة حقّ الطاعة في نظرنا هو أوسع من التكاليف المقطوعة، فإنَّ العقل يدرك بالنسبة إلى المولى تبارك وتعالى حقّ الطاعة، لا بالنسبة إلى تكاليفه المقطوعة فقط، بل بالنسبة إلى تكاليفه المشكوكة أيضاً والمحتملة.
ولكن مقصودنا من الاحتمال في المقام ليس مجرّد احتمال ذات التكليف واحتمال ذات الغرض الواقعي، بل فعليّة الاهتمام على طبق ذلك الغرض،
ـــــــــــــــــــــــــ[89]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بحيث إنَّ المولى لا يرضى بتفويته حتّى من الشاكّ، فإنَّ التكاليف الواقعيّة والأغراض النّفس الأمريّة -كما سوف يأتي إن شاء الله في بحث الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة، وسبق أيضاً في بحوث القطع- قد تكون بمرتبة من الأهمّيّة بحيث إنَّ المولى لا يرضى بفواتها حتّى من الشاكّ، وقد تكون بمرتبة بحيث يرضى بفواتها من الشاكّ، فهذه المرتبة هي التي سوف يأتي تحقيقها في بحث الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة.
فهنا إذا شكّ العبد بتكليف واقعي، فتارةً لا يحتمل أنَّ هذا التكليف على فرض ثبوته يكون بدرجة من الاهتمام، بحيث إنَّ المولى لا يرضى بفواته حتّى من الشاكّ، فعدم احتماله لهذا المطلب يكون مؤمّناً له؛ لأنَّه مساوق للقطع في الرخصة من قبل الشارع بتفويت الغرض في موارد الشك، ومن المعلوم أنَّه لا يحكم العقل بوجوب الامتثال مع فرض الترخيص من قبل الشارع، فهنا لا يبقى شكّ.
نعم، الشكّ في أصل التكليف الواقعي والغرض الواقعي موجود، لكن الشكّ في هذه المرتبة التي يكون احتمالها منجّزاً، وهي مرتبة الاهتمام بذلك الغرض بحيث لا يرضى المولى حتّى من الشاكّ غير موجود في المقام، فحاله حال القاطع بعدم أصل التكليف، فكما أنَّ هذا لا تنجّز بالنسبة إليه، كذلك الشاكّ القاطع بعدم هذه المرتبة من الاهتمام أيضاً لا تنجّز عليه، وإنَّما يتنجّز التكليف الواقعي بالاحتمال فضلاً عن الظنّ، فيما إذا فرض أنَّ المكلّف احتمل كون التكليف الواقعي بدرجة من الاهتمام المولوي، بحيث لا يرضى بتفويته
ـــــــــــــــــــــــــ[90]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
حتّى من الشاكّ، وهذا الاحتمال المساوق بحسب النتيجة لاحتمال جعل وجوب الاحتياط؛ لأنَّه لو فرض أنَّ المولى لا يرضى بتفويت التكليف حتّى من الشاكّ فلا محالة بجعل وجوب الاحتياط.
فإذا فرض التكليف المظنون أو المشكوك كان بهذه المرتبة، فيكون حقّ الطاعة شاملاً له، ويكون مندرجاً في دائرة حقّ المولويّة، ويجب على المكلّف الإتيان به، ويكون الاحتمال منجّزاً لا محالة على حدّ منجّزيّة القطع، ولا يفرّق من الناحية الفنيّة بين تنجيز مثل هذا الاحتمال وبين تنجيز القطع؛ لأنَّ كلاً من التنجيزين إنَّما هو بملاك واحد، وهو شمول دائرة حقّ المولويّة لهما معاً.
وبهذا يظهر انهدام تمام ما ترتّب على تلك المباني، ومنه ما قيل في المقام. هذا بالنسبة إلى حجّيّة الظنّ في إثبات أصل التكليف.
وأمّا بالنسبة إلى اسقاط التكليف، فهذا لا بُدَّ من تطبيق قواعد باب الاشتغال عليه، ويأتي -إن شاء الله- أنَّ التكليف إذا تنجّز بدرجة وجوب الموافقة القطعيّة فلا محالة لا يكفي في مقام الفراغ عنه غير الموافقة القطعيّة، إلَّا أنَّه متى يتنجّز بدرجة الموافقة القطعيّة ومتى لا يتنجّز؟ هذا يأتي في مباحث البراءة والاشتغال إن شاء الله تعالى.
هذا تمام الكلام في وجوب الحجّيّة للظنّ وذاتيّتها له وعدمها.
وخلاصة المبنى في المقام، هو أنَّ التكلّم في أنّ الحجّيّة ذاتيّة للظنّ أو لا، والتكلّم في أنّ الحجّيّة ذاتيّة للقطع أو لا غلط من أساسه، وإنَّما ينبغي أن يتكلّم في أنَّ دائرة حقّ المولويّة هل يكون شاملاً للمظنونات والمشكوكات، كما يشمل المقطوعات أو لا؟
ـــــــــــــــــــــــــ[91]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
والمختار هنا أنّه شامل له، لا بمعنى: أنَّ الشكّ في أصل التكليف يكون موضوعاً لحقّ الطاعة، بل الشكّ في المرتبة الخاصّة، وهي كون التكليف المشكوك على فرض وجوده بمرتبة من الاهتمام، بحيث إنَّ المولى لا يرضى بتفويته من الشاكّ الذي رجع إلى الشكّ في جعل وجوب الاحتياط، وهذا النحو من الشكّ يكون مشمولاً لحقّ الطاعة، وتكون منجّزيّته على حدّ منجّزيّة القطع دون فرق فني بينهما أصلاً.
نعم، لو فرض أنَّه جاء دليل من قبل المولى ورخّص ظاهراً في ارتكاب الشبهة، فحينئذٍ يرتفع الشكّ موضوعاً، لا أنَّ الشكّ يكون موجوداً، ومع هذا لا يكون منجّزاً، إذ بعد قيام الدليل على الرخصة الظاهريّة لا يبقى عندنا احتمال لكون التكليف الواقعي بدرجة من الاهتمام، بحيث إنَّ المولى لا يرضى بتفويته حتّى من الشاكّ؛ لأنَّه لو كان بهذه المرتبة من الاهتمام لما رخّص ظاهراً في تفويته. فالحكم الظاهري في المقام يكون موجباً لارتفاع أصل الموضوع، لا أنَّه موجب لعدم المنجّزيّة مع فرض وجود الشكّ.
نعم، الشكّ في أصل الفرض وأصل التكليف الواقعي موجود لا محالة، وهذا ليس بمنجّز في نفسه، ولا مشمول لقاعدة حقّ الطاعة والمولويّة. هذا خلاصة الكلام في الأمر الأوّل.
ـــــــــــــــــــــــــ[92]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
في تصوير امتناع جعل الحجّيّة للظنّ وقع بحثان:
وقع الكلام في كيفيّة التوفيق بين الحكم الظاهري والحكم العقلي في المقام، ومنشأ الإشكال ومنشأ شبهة الامتناع هنا أيضاً هو المسلك المشهوري، فإنَّ المشهور بعد أن بنوا أُصولهم في الأدلّة العقليّة على قاعدة حجّيّة القطع وقاعدة قبح العقاب بلا قطع، وأنَّه لا حجّيّة بلا قطع، استشكلوا في أنّه كيف يمكن تنجيز الأحكام الواقعيّة بالأحكام الظاهريّة؟ فكيف يمكن جعل الوجوب أو الحرمة ظاهراً بقصد تنجيز الحكم الواقعي، مع أنَّ هذا مخالف لحكم العقل في القاعدة الثانية، وهي قبح العقاب بلا بيان، حيث إنَّه لم يتمم البيان، فصحيح أنَّ خبر الواحد قام على حرمة العصير العنبي مثلاً، إلَّا أنَّ خبر الواحد ليس علماً وليس قطعاً. إذن، لم يتمّ البيان، فموضوع القاعدة العقليّة ثابت، والقواعد العقليّة تأبى عن التخصيص. إذن، فكيف يعقل جعل الأحكام الظاهريّة والتنجيزيّة.
ومن هنا يُعرف أنَّ الإشكال إنَّما نشأ في خصوص الأحكام الظاهريّة التنجيزيّة، ولم ينشأ في الأحكام الظاهريّة الترخيصيّة، حيث إنَّ الأحكام
ـــــــــــــــــــــــــ[93]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الظاهريّة الترخيصيّة على طبق حكم العقل، ولا تتصوّر منافاة بينها وبين حكم العقل؛ لأنَّه هو أيضاً يحكم بقبح العقاب بلا بيان. نعم، في موارد يحكم العقل بوجوب الامتثال، كما في موارد العلم الإجمالي هناك فيكون المتعيّن هو الالتزام برفع اليد عن الأُصول الترخيصيّة وعدم إجرائها.
وهذا البحث ذكرناه مفصّلاً -على ما أتذكّر- في بحث قيام الأمارات مقام القطع الطريقي والقطع الموضوعي.
وجوهر الكلام في المقام: هو أنَّ هذه الشبهة -بناءً على مسلكنا الذي أشرنا إليه- لا موضوع له بتاتاً، فإنَّه لا يتصوّر هناك منافاة بين الأحكام الظاهريّة وبين الحكم العقلي.
أمّا الأحكام الظاهريّة الإلزاميّة التنجيزيّة فمن الواضح أنَّها لا تنافي حكم العقل؛ لأنَّ العقل لا يحكم بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، وإنَّما يحكم بقبح العقاب بلا مولويّة، أو المورد الخارج عن حقّ المولويّة إنَّما هو مورد التكليف الواقعي المشكوك الذي يعلم العبد أنَّه على فرض وجوده ليس بدرجة من الاهتمام، بحيث إنَّ المولى لا يرضى بتفويته من الشاكّ، وحينئذٍ ففي موارد الأحكام الظاهريّة الإلزاميّة لا يكون مثل هذا العلم، وإنَّما يكون العلم بالخلاف، فإنَّ الحكم الظاهري الإلزامي يكون منشأ للعلم بأنَّ الحكم الواقعي المشكوك يكون بدرجة من الاهتمام المولوي، بحيث إنَّ المولى لا يرضى بفواته من الشاكّ الذي قامت عنده الأمارة. إذن، فلا يتصوّر في المقام منافاة بين الحكم الظاهري التنجيزي وبين حكم العقل، فإنَّ هذه المنافاة إنَّما تتصوّر ولو بدواً على
ـــــــــــــــــــــــــ[94]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
مباني قاعدة قبح العقاب بلا بيان بمعناها المشهوري، وأمّا بناءً على أنَّ القبيح إنَّما هو العقاب بلا مولويّة، وأنَّ الشيء الخارج عن دائرة المولويّة إنَّما هو التكليف الواقعي المشكوك الذي علم بأنَّه على فرض وجوده ليس بتلك الدرجة من الاهتمام، بحيث لا يرضى المولى بتفويته، فحينئذٍ بقيام الحجّة الظاهريّة (الأمارة) على ثبوت الواقع فهذا العلم غير موجود، بل يكون العلم بخلافه موجوداً، فلا يتصوّر منافاة. هذا في الأحكام الظاهريّة الإلزاميّة.
والأحكام الظاهريّة الترخيصيّة وظيفتها إخراج المورد عن دائرة حقّ الطاعة المولويّة، فإنَّ الحكم الظاهري الترخيصي يكون إنشاءً بقصد إبراز أنَّ المولى ليس اهتمامه بالواقع المشكوك بدرجة، بحيث لا يرضى بتفويته من الشاكّ، فهو بنفسه يخرجه عن دائرة الطاعة، ويجعله من مصاديق العنوان الخارج عن هذه الدائرة.
نعم، يبقى هناك سؤال واحد، وهو: كيف يمكن التوفيق بين انحفاظ الغرض الواقعي في نفسه وبين رضاء المولى بتفويته، وهذا بحث آخر، وهو البحث في الجمع بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري، والآن بحثنا في الجمع بين الحكم الظاهري والحكم العقلي.
إذن، فمن حيث الأحكام الترخيصيّة أيضاً لا إشكال؛ لأنَّها توجب خروج موردها عن دائرة حقّ الطاعة، فلا يبقى أيّ تعارض بين الحكم الظاهري والحكم العقلي. هذا على مسلكنا.
وأمّا على المسلك المشهوري فإنَّه في الأحكام الترخيصيّة لا إشكال من ناحية أنَّها موافقة مع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، وإنَّما ينحصر الإشكال
ـــــــــــــــــــــــــ[95]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
على المسلك المشهوري بالأحكام الظاهريّة الإلزاميّة التنجيزيّة.
فإنَّ منشأ الشبهة على الجهة الأولى لا موضوع لها على مسلكنا، وإنَّما يكون لها موضوع ولو صورة على مسلك المشهور، لا في طرف الأحكام الترخيصيّة فإنَّها على طبق الوظيفة العقليّة، أي: على طبق قاعدة قبح العقاب بلا بيان بمعناها المشهوري، وإنَّما في طرف الأحكام الظاهريّة التي تنجّز الواقع وتصحح العقاب عليه، حيث يقال: إنَّ هذه الأحكام منافية مع قاعدة قبح العقاب بلا بيان وهذه القاعدة، حيث إنَّها قاعدة عقليّة فلا تقبل التخصيص، فكيف يفرض مناقضة الحكم الشرعي لها؟
قالوا: إنَّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان من القواعد العقليّة التي لا يعقل تخصيصها من قبل الشارع، ومن هنا لا يعقل في المقام جعل الحكم الظاهري بقصد تنجيز الواقع بجعل المنجّزيّة والمعذّريّة كما عليه صاحب الكفاية(1)؛ لأنَّ جعل المنجّزيّة تخصيص في قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنَّ المولى بمجرّد جعله لخبر الثقة منجّزاً لا يتمّم البيان، فموضوع القاعدة العقليّة وهو اللا بيان محقّق، ومع تمامية موضوع القاعدة فلا محالة لا بُدَّ من فعليّة تلك القاعدة.
إذن، فجعل المنجّزيّة مساوق لتخصيص القاعدة العقليّة ورفع محمولها عن موضوعها، مع كون المورد من موارد الـ(لا بيان) فمع هذا لا يقبح العقاب، وهذا معنى التخصيص.
ـــــــــــــــــــــــــ[96]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول:277.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ومن هنا ذكر الميرزا(1) والسيّد الأُستاذ(2) وغيرهما أنَّ جعل المنجّزيّة أمر غير معقول. وكذلك الجعل بعناوين أُخرى لا ترجع إلى التصرّف في موضوع القاعدة، ومن هنا ينحصر الأمر عندهم بالتصرّف في موضوع القاعدة وإبدال الـ(لا بيان) عن طريق جعل الطريقيّة.
والتحقيق في دفع هذه الشبهة أيضاً ما أوضحناه مفصّلا في بحث قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي، ونكرره الآن بنحو الاختصار: أنَّه لو بنينا على إنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان رأساً -كما بنينا- إذن فلا موضوع للشبهة؛ لأنَّ العقل لا يحكم بقبح العقاب في مورد احتمال وجود تكليف واقعي مع احتمال أهميّته في نظر الشارع بحيث لا يرضى بتفويته. فإذا كان التكليف محتمل الأهمّيّة على تقدير وجوده، فقاعدة قبح العقاب بلا بيان لا تجري ويكون هذا داخلاً في دائرة المولويّة حسب اصطلاحنا، فبناءً على هذا لا موضوع للإشكال.
وأمّا إذا بنى على تتميم قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وأنَّه إذا احتمل تكليف واقعي واحتمل كونه بدرجة عالية من الأهمّيّة بحيث إنَّ المولى لا يرضى بتفويته ما دام هذا أمراً محتملاً وليس متيقناً، فيقبح العقاب عليه، فأيضاً لا بُدَّ من التفصيل في هذه القاعدة بين بعض المحتملات وبعضها، وتوضيحه على
ـــــــــــــــــــــــــ[97]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 186.
(2) انظر: الهداية في الأُصول 3: 51.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وجه الاختصار: أنَّ التكاليف الواقعيّة المشكوكة المحتملة، تارةً يشكّ في أهميّتها على تقدير وجودها، فيكون ذات الغرض مشكوكاً، وأهميّة الغرض على تقدير وجوده أيضاً مشكوك، ففي مثل هذا تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأنَّ كلاهما شكّ، فيكون شكّاً في شكّ، والشكّ لا يصحح العقاب لا محالة.
وأُخرى يُفرض أنَّ أصل الفرض المولوي مشكوك، إلَّا كونه مهماً على تقدير وجوده، فلو كان موجوداً لكان في الدرجة العالية من الأهمّيّة بحيث المولى لا يرضى بتفويته حتّى من الشاك، هذه القضيّة التعليقيّة غير مشكوكة، فلو فرضنا -كما مثّلنا له في تلك الأبحاث- الشكّ في أصل الغرض؛ إذ لعل الغريق شخص آخر أجنبي عن المولى ولا يجب عليه انقاذه، إلَّا أنَّ هذا الغرض على تقدير وجوده، وعلى تقدير أنَّ المولى الآن معرض للموت فلا إشكال بأنَّ هذا الغرض بمرتبة من الأهمّيّة، بحيث إنَّ المولى لا يرضى بتفويته حتّى من الشاكّ.
فهنا أصل الغرض مشكوك ولكن أهميّته على تقدير وجوده أمر معلوم، فمثل هذا لا تجري فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل يعاقب هذا العبد على إهمال إنقاذ هذا الغريق؛ لأنَّ هذا الغرض على تقدير وجوده في الواقع فهو بمرتبة عاليّة من الأهمّيّة.
فالقطع بالأهمّيّة على تقدير وجوده كالقطع بأصل الوجود، فكما أنَّ القطع بأصل الوجود بيان كذلك القطع بالأهمّيّة على تقدير الوجود بيان أيضاً ويكون مصححاً للعقاب، وإن كان أصل الوجود مشكوكاً.
ـــــــــــــــــــــــــ[98]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وحينئذٍ بناءً على هذا التفصيل يندفع الإشكال في المقام؛ لأنَّ الأحكام الظاهرية كلّها انشاءات مرجعها إلى إبراز اهتمام المولى بالأدلّة العرفيّة، فإنَّ هذه الانشاءات الظاهريّة لها مدلول عرفي تصديقي كالإنشاءات الواقعيّة، فكما أنَّ الانشاءات الواقعيّة مدلولها العرفي التصديقي هو وجود أصل الغرض، فهذه الانشاءات الظاهريّة مدلولها العرفي التصديقي هو أهميّة هذا الغرض، بحيث لا يرضى بفوتها حتّى من الشاكّ، فحينئذٍ تكون دالةً على أهميّة الغرض بحيث لا يرضى بتفويته حتّى من الشاكّ، فيحصل القطع بأهميّته على تقدير وجوده، ومعه لا تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
وهذه الخطابات الظاهريّة ليست وظيفتها تبديل الـ(لا بيان) إلى البيان، كما هو مبنى جعل الطريقيّة، بل وظيفتها إخراج هذا التكليف من دائرة المشكوكات التي تجري فيها القاعدة إلى دائرة المشكوكات التي لا تجري فيها القاعدة، فمن دائرة المشكوك وجوداً وأهميّة إلى دائرة المشكوك وجوداً المعلوم أهميّة، وهذا هو الصحيح في الجواب، وتفصيله وتوضيحه سبق في الأبحاث السابقة، فهذه القاعدة لو قلنا فيها بهذا التفصيل، فيكون هذا بنفسه جواباً عن الشبهة.
وأمّا لو أنكرنا هذا التفصيل، وقلنا: بأنَّ سليقتنا تدلّ على أنَّ العقل العملي يحكم بقبح العقاب على التكليف المشكوك سواء كان مشكوك وجوداً وأهميّة، أو مشكوك وجوداً ومعلوم أهميّة، فيشكل حينئذٍ الجواب بما أفيد.
وتوضيح ذلك: أنَّ جعل الطريقيّة في المقام الذي أُريد به تصحيح العقاب
ـــــــــــــــــــــــــ[99]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
على الواقع المشكوك، إمّا أن يراد -بجعل الطريقيّة- جعل عنوان العلم وإنشاء الطريقيّة، وإنشاء عنوان العلم بداعي إبراز اهتمام المولى بالواقع المشكوك على تقدير وجوده، وإمّا أن يكون جعلاً خياليّاً صرفاً بلا نظر إلى الاهتمام بالواقع المشكوك، حتّى لو فرض أنَّ المولى وإن كان لا يهتم بالواقع المشكوك إلَّا أنَّ شخصاً أعطاه ديناراً كي يفرض في عالم جعله وخياله الظن علماً والشكّ يقيناً، فإذا فُرض أنَّ جعل الطريقيّة في المقام كان لأجل إبراز اهتمامه بالغرض الواقعي على تقدير وجوده، فيكون حينئذٍ منجّزاً لا محالة، إلَّا أنَّ منجّزيّته ليس من ناحية أنَّ المجعول فيه هو عنوان الطريقيّة، بل من ناحية مبرزيّة هذا الإنشاء عن شدة اهتمام المولى بالغرض على تقدير وجوده -بناءً على ما عرفنا من أنَّ التكليف الواقعي المشكوك إذا كان بحيث لو كان موجوداً لكان مهماً فيكون منجّزاً بالاحتمال، فبناءً على هذا يكون منجّزيّة جعل الطريقيّة من ناحية مبرزيّة عن شدّة الاهتمام، لا من ناحية أنَّ المجعول فيه هو الطريقيّة- بل لو فرض أنَّه استبدل إنشاء الطريقيّة بإنشاء المنجّزيّة، أي: إنشاء عنوان المنجّزيّة، أو أيّ عنوان آخر كعنوان الحجّيّة، فإنَّه يصلح لإبراز هذا المطلب.
وأمّا لو فرض أنَّه لم يكن مبرزاً لشدّة اهتمام المولى بالواقع على تقدير وجوده، وإنَّما فرض المولى هذا المطلب بقصد تحصيل دينار أُعطي له على أن يُفرض الظنّ علماً، فمثل هذا الفرض لا يجعل حقّاً للمولى على العبد ولا ينجّز الواقع المشكوك.
ولو فُرض أنَّ هذا الغرض ينجّز الواقع المشكوك فلا بُدَّ لمدّعي ذلك أن
ـــــــــــــــــــــــــ[100]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
يدّعي أنَّ موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، يعني بلا علم وبلا هذا الغرض، يعني: لا بُدَّ له من أن يوسع البيان ويجعل له فردين أحدهما العلم والآخر إنشاء العلم.
ومع التوسعة لا يبقى فرق فنّي بين التوسعة لإنشاء العلم أو التوسعة لإنشاء المنجّزيّة، فكما يمكن التوسعة لإنشاء العلم كذلك يمكن التوسعة لإنشاء المنجزيّة، فبلا توسعة كلاهما تخصيص في القاعدة العقليّة، ومع التوسعة لا يبقى فرق في التوسعة من هذه الناحية أو من تلك الناحية. هذه خلاصة الكلام في الجهة الأولى. وقد مرت الجهة الأولى بتمامها في الأبحاث السابقة.
وقع البحث من ناحية الإشكال في اجتماع حجّيّة الظنّ أو الحكم الظاهري مع الحكم الواقعي المشكوك. وهذا هو البحث هو الذي ساق له الكلام الشيخ الأعظم في الرسائل(1) ونقل إشكالات ابن قبة مع التعرض إلى جوابها والاستدلال في قبالها، وبحث كيفية الجمع والتوفيق بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي، فكأنَّه وقع الإشكال في التوفيق من ناحيتين: من ناحية العقل النظري تارةً ومن ناحية العقل العملي أُخرى. فالعقل النظري يرجع إليه أمران:
أحدهما: مسألة اجتماع الضدين، واجتماع المثلين، فلو فرض أنَّ الحكم الظاهري كان على طبق الحكم الواقعي فيلزم اجتماع المثلين، ولو كان على
ـــــــــــــــــــــــــ[101]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 105.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
خلافه فيلزم اجتماع الضدين، واجتماع المثلين أو الضدين محال، وهذه الاستحالة من مدركات العقل النظري.
ثانيهما: هو تفويت الغرض، فإنَّ المولى في الواقع هل يكون مريداً للدعاء عند رؤية الهلال -مثلاً- إرادة لزوميّة أو لا؟ فإن لم يكن مريداً فهذا خلف فرض وجوب الدعاء عند الرؤية في الواقع، وإذا فرضنا أنَّه كان مريداً لذلك، فحينئذٍ يكون ترخيصه، وإذنه في ترك الدعاء عند رؤية الهلال من الشاكّ تفويتاً للغرض، وتفويت الغرض أمر محال في نفسه بقطع النظر عن مسألة القبح والحسن، فإنَّ تفويت الغرض مساوق لانفكاك المعلول عن العلّة، وهو في نفسه أمر محال، فهذا أيضاً وجه يرجع إلى العقل النظري.
وهناك وجه ثالث يرجع إلى العقل العملي، وهو مسألة إلقاء المكلّف في المفسدة وتضييع المصالح عليه، فإنَّ المولى حينما يأذن للمكلف باقتحام الشبهات ويرخص له في ترك المحتملات، فهو بهذا يفوّت عليه في كثير من الموارد، ولا أقل من احتمال التفويت.
والشخص الذي يلقي شخصاً آخر في المفسدة أو يفوّت عليه المصلحة فهذا أمر قبيح. وهذا يرجع إلى العقل العملي، بحيث لو فرض أنَّ المولى ليس حكيماً فلا بأس بصدور هذا المطلب منه بخلاف الأمرين الأوّلين. هذه هي الاشكالات التي بيّنت في مقام البرهنة على استحالة جعل الأحكام الظاهريّة.
وكأنّ الشيخ الأعظم شعر أنَّه من المناسب الاستدلال على الإمكان في قبال أدلّة الامتناع، فذكر ما يرجع محصله إلى أنَّ دليل الإمكان مركّب من جزئين.
ـــــــــــــــــــــــــ[102]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الجزء الأوّل: عدم العثور -بحسب تفتيشنا العقلي- على جهة مقتضيّة للاستحالة؛ لأنَّنا سوف نقوم بإبطال هذه الوجوه التي تمسّك بها ابن قبة. وحينئذٍ يبقى سؤال واحد، وهو: أنَّه لعل هناك جهة لم ننتبه إليها، ومن هنا يأتي الجزء الثاني الذي يكون متمّماً إلى هذا الدليل مثلاً.
الجزء الثاني: وهو أنَّ احتمال جهة واقعيّة تقتضي استحالة هذا الاحتمال ملغي عن العقلاء، فإنَّ العقلاء لا يظنون به، بل يبنون على الإمكان، وهذا سمّي باصطلاح من فسّر كلماته بأصالة الإمكان(1)، وأنَّ البناء العقلائي استقر على أصالة الإمكان في موارد الشكّ فيه، مالم يقم برهان على الامتناع.
وأشكل صاحب الكفاية(2) على الجزء الثاني من الدليل في المقام بإشكالات ثلاثة:
الإشكال الأوّل (3): وهو أنَّ هذا البحث في الاستدلال على الإمكان، بحث لغو صرف وليس فيه أي فائدة، وذلك لأنّنا نتكلّم في الدليل على الإمكان فيما لو ثبت في الشريعة المقدّسة دليل قطعي على الوقوع، أو فيما لو لم يثبت.
فإذا فرض أنَّه قام دليل قطعي على التعبّد بالظنّ وعلى جعل حكم ظاهري في بعض الموارد. إذن، فالدليل القطعي على الوقوع هو بنفسه يكون دليلاً على
ـــــــــــــــــــــــــ[103]ــــــــــــــــــــــ
() انظر: أوثق الوسائل في شرح الرسائل: 60.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 275-277.
(3) وهو الإشكال الثالث بحسب ترتيب الكفاية. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الإمكان؛ لأنَّ الدليل على الأخصّ دليل على الأعمّ، والوقوع أخصّ من الإمكان، ولا يبقى عندنا شكّ حتّى نرجع إلى أصالة الإمكان.
وإذا فُرض أنَّه لم يقم عندنا دليل قطعي على حجّيّة الظنّ، وعلى التعبّد بالحكم الظاهري. إذن فلا يمكن إثبات حكم ظاهري بمجرّد إمكانه، فإنَّ إمكان الشيء لا يكفي في مقام إثباته بحسب الخارج، بل لا بُدَّ في مقام حجّيّة الظنّ والتعبّد به من الانتهاء إلى الدليل القطعي، فالظنّ الحجّة بنفسه ليس قطعاً إلَّا أنَّ حجّيتّه لا بُدَّ أنَّ تنتهي إلى الدليل القطعي، وإذا لم تنته إلى الدليل القطعي فلا حجّيّة فيه سواء كان ممكناً أو مستحيلاً. وإمكانه لا أثر فيه.
الإشكال الثاني: هو منع مثل هذه السيرة العقلائيّة، ففي أيّ مورد رأينا العقلاء يبنون على الإمكان في موارد الشكّ في الاستحالة، هذا يحتاج إلى تتبع لموارد عملهم ولم يظهر من الشيخ بيان مصاديق لهذه السيرة حتّى تكون هذه السيرة مورداً للقبول والتصديق.
الإشكال الثالث: هو أنَّ هذه السيرة غاية ما تفيد الظنّ بموافقة الشارع وامضاءه، فإنَّ العقلاء بما هم عقلاء ليسوا هم الشارع، وإنَّما يستدل ببنائهم على إذن الشارع، فغاية ما يقتضي مثل هذا البناء الظنّ برأي الشارع وذوقه في المقام، وكلامنا الآن في إمكان التعبّد بالظنّ وفي حجّيّة الظنّ، فننقل الكلام إلى هذا الظن أيضاً.
فهذه وجوه ثلاثة أشكل بها على ما أفاده الشيخ الأعظم.
ـــــــــــــــــــــــــ[104]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
دفاع السيّد الخوئي
وقد دافع السيّد الأُستاذ في الدراسات(1) عن الشيخ الأعظم وذكر: أنَّ هذه الوجوه الثلاثة غير واردة عليه؛ إذ إنَّ هذه الإشكالات الثلاثة إنَّما ترد على الشيخ فيما إذا كان مراده تأسيس أصالة الإمكان مطلقاً، وأنَّ العقلاء يرتّبون آثار الإمكان مطلقاً، ومن المحتمل -أو من المطمئن به- أنَّه ليس مراداً له، بل مراده احتمالاً أو اطمئناناً هو تأسيس هذا الأصل.
ودعوى أنَّ بناء العقلاء على ترتيب آثار الإمكان فيما إذا قام دليل ظنّي معتبر على حجّيّة أمارة من الأمارات، وشكّكنا في أنَّ جعل الحجّيّة ممكن أو ليس بممكن، فإنَّ العقلاء لا يرفعون اليد عن ذلك الدليل لمجرّد احتمال كون مدلوله مستحيلاً.
ثُمَّ يمثّل إلى هذا، فيقول: لو فرض أنَّ المولى تكلّم كلاماً كان ظاهره جعل الحجّيّة لخبر الواحد الذي هو أمارة ظنّيّة، ونحن نحتمل أنَّ جعل الحجّيّة لخبر الواحد أمر غير معقول في نفس الأمر والواقع، فمجرّد احتمال الاستحالة لا يكفي في نظر العقلاء مبرّراً لرفع اليد عن حجّيّة ظهور كلامه في إثبات المقصود، ثُمَّ يقيس المقام فيقول: إنَّ هذا المقام من قبيل ما إذا قال المولى:( أكرم كلّ عالم) فظهور كلامه يقتضي ثبوت وجوب الإكرام حتّى للعالم الفاسق، ونحن نحتمل أنَّ العالم الفاسق لا ملاك في وجوب إكرامه، وهذا الاحتمال مساوق مع احتمال امتناع جعل وجوب إكرامه؛ لأنَّ جعل حكم بلا ملاك ممتنع
ـــــــــــــــــــــــــ[105]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 105.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
على المولى تبارك وتعالى من باب كونه لغواً وسفهاً، فيكون قبيحاً على الحكيم أو من أيّ باب آخر، إذ مجرّد أن نحتمل أنَّ العالم الفاسق لا ملاك في وجوب إكرامه، وهو مساوق لاحتمال امتناع جعل الوجوب له، ومع هذا لا يستشكل أحد في أنَّ مثل هذا الاحتمال لا يكون مبرّراً لرفع اليد عن حجّيّة كلامه في شمول الحكم للعالم الفاسق، وإلَّا لانغلق بذلك باب التمسّك بالعمومات والمطلقات، كما هو واضح.
وهذا الكلام لعلّه من سهو القلم؛ لوضوح أنّنا لا يمكن أن نفرض في المقام أنَّ الكلام في ترتيب آثار الإمكان فيما إذا قام دليل ظنّي معتبر على حجّيّة أمارة من الأمارات، فإنّنا ننقل الكلام حينئذٍ إلى ذلك الدليل الظنّي المعتبر الذي قام على حجّيّة خبر الثقة -وليكن هو ظهور كلام المولى مثلاً- فمن قال بأنَّ هذا الدليل الظنّي معتبر، فهل نقطع باعتباره أو نظنّ باعتباره.
فإن كنّا نقطع باعتباره فقد قطعنا بإمكان جعل الحكم الظاهري، وإن كنّا نظنّ باعتباره فيحتاج هذا الظنّ أيضاً إلى دليل على جعل الحجّيّة له، وهكذا حتّى يتسلسل أو ينتهي إلى القطع بالحجّيّة.
وأمّا قياس المقام بهذا المورد الذي هو قرينة فهمنا لكلام السيّد الأُستاذ وإلَّا لولا هذا القياس لأمكن تأويل كلامه بنحو آخر، فقياس محلّ الكلام لهذا المورد في غير محلّه أيضاً؛ وذلك لأنَّه في هذا المورد وإن كان يشكّ في استحالة جعل الوجوب لإكرام العالم الفاسق؛ لأنَّه حكم بلا ملاك، إلَّا أنَّ الإستحالة هي في مدلول الدليل، لا في حجّيّة الدليل، فإنَّ حجّيّة كلام المولى لا يحتمل فيه
ـــــــــــــــــــــــــ[106]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الاستحالة، فقد فرضنا أنَّ هناك مصلحة تقتضي جعل الظهور طريقاً وكاشفاً وحجّة على أحكام المولى الواقعيّة، فالشكّ في الاستحالة إنَّما هو في استحالة مدلول الدليل، ولا شكّ في استحالة حجّيّة الدليل.
وإن شئنا قلنا: إنَّ الشكّ في استحالة مدلول الدليل يكون على نحوين:
النحو الأوّل: نشكّ في مدلول الدليل بملاك يخصّ نفس المدلول، ولا يسري منه إلى حجّيّة الدليل التي هي مدلول دليل الحجّيّة -كما هو الحال في المقام- فإنَّ الشكّ في الاستحالة بملاك يخصّ نفس مدلول إكرام كلّ عالم، ولا يسري إلى حجّيّة هذا الدليل التي هي مدلول دليل آخر، وهو دليل حجّيّة كلّ ظهور وكلّ عموم.
وفي مثل هذا لا بأس بالتمسّك في العموم؛ لأنَّ حجّيّة الحجّة لا يشترك فيها إلَّا احتمال مطابقتها للواقع، وهو في المقام موجود لأجل أنَّ الإمكان محتمل، ومع احتمال المطابقة يكون إطلاق دليل حجّيّة الظهور شاملاً لهذا المورد، وحينئذٍ تكون الحجّة قائمة على إثبات المدلول، ولا يمكن رفع اليد عن شيء تقوم عليه الحجّة، لا إذا قطع بعدم وجوده بحسب الخارج، ولم يقطع بعدم وجوده في المقام بحسب الخارج.
النحو الثاني: الشكّ يكون في امتناع المدلول واستحالته، بملاك يسري إلى نفس حجّيّة الدليل أيضاً، أي: إلى مدلول دليل الحجّيّة أيضاً، ففي مثل ذلك لا يمكن أن يقاس أحدهما بالآخر، إذ لا يمكن أن يقال هنا أيضاً: بأنَّ هذا المدلول ممّا قامت عليه الحجّة، ولا يجوز رفع اليد عن الحجّة، إلَّا مع العلم بالخلاف،
ـــــــــــــــــــــــــ[107]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فإنَّ كون الحجّة قد قامت عليه أوّل الكلام أيضاً.
فهذا البيان لا يمكن أن يكون توجيهاً للمطلب، إلَّا أنَّه مع هذا يمكن توجيه المطلب بنحو آخر، بحيث تندفع هذه الإشكالات.
أمّا الإشكال الأوّل: وهو إشكال أنَّ البحث في إثبات الإمكان في المقام صرف ليس له أثر فقهي وعملي، إلَّا أنَّه إمّا أن يقوم دليل قطعي على الحجّيّة وإمّا أن لا يقوم. فعلى الأوّل لا يبقى شكّ في الإمكان، وعلى الثاني لا أثر لإثبات الإمكان. وهنا نختار كلّاً من الشقّين، ونجيب عن إشكال اللغويّة، فنفرض أنَّه لم يقم دليل قطعي على الحجّيّة، وذلك: فيما لو فرض أنَّ الدليل القائم على الحجّيّة كان قطعيّاً من غير جهة احتمال الاستحالة، يعني: كان عدم قطعيّته من ناحية احتمال الاستحالة ومن سائر الجهات يكون قطعيّاً، إلَّا أنَّه ليس قطعيّاً بالفعل من ناحية احتمال الاستحالة، وذلك يتصوّر فيما لو فرض أنَّ الدليل كان هو السيرة العقلائيّة، فتارةً: نفرض أنَّ الدليل هو النصوص القطعيّة المتواترة، فهذا يكون قطعيّاً بالفعل، وأُخرى: نفرض أنَّ الدليل هو خبر الواحد، فهذا الدليل يكون ظنيّاً من جميع الجهات.
وثالثة: نتصوّر أمراً متوسطاً بين الظنّي من جميع الجهات والقطعي من جميع الجهات، وهو القطعي من غير جهة احتمال الاستحالة، وهو السيرة العقلائيّة، فإنَّه إذا فرضنا في المقام أنَّ السيرة العقلائيّة قامت على العمل بهذه الأمارات الظاهريّة، ولو من باب التصويب، وأنَّ الأحكام الواقعيّة عند
ـــــــــــــــــــــــــ[108]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
العقلاء مخصوصة بحال العلم على أيّ حال؛ لانعقدت السيرة العقلائيّة بحسب الخارج على العمل بهذه الأمارات الظاهريّة.
وهذه السيرة بحسب طبعها تجري أيضاً في الأمور الشرعيّة، ممّا يعني أنَّ العقلاء لو خلّو وطبعهم لأعملوا قريحتهم وعملوا بهذه الأمارات في باب الأحكام الشرعيّة.
وهنا كيف نستكشف إمضاء الشارع لهذه السيرة، وكونه قد جعل الحجّيّة لخبر الواحد من عدم بيان الردع، وعدم وجود ما يصلح أن يكون رادعاً هنا.
فلو فرض أنَّه قيل: ليس هناك شيء يصلح للردع من قبل المولى عن عمل العقلاء، إلَّا احتمال الاستحالة، ونفرض أنَّ الاستحالة تكون بنحو بحيث تكون صالحة للردع؛ لأنَّها تكون استحالة لا يدركها إلَّا الأخصّ من الناس، فلو احتملنا أنَّ الشارع لا يرضى بهذه السيرة، واكتفي بعدم رضاءه باحتمال الاستحالة، ففي مثل هذه الحالة لو فرض أنَّه قام دليل على إمضاء احتمال الاستحالة بنحو تكون مثبتاته حجّة، فحينئذٍ لا محالة يثبت بذلك إمضاء الشارع تعبّداً.
ففي هذا المورد يتصوّر الأثر بالنسبة إلى البحث في الإمكان، وأنَّه هل هناك دليل تعبّدي على ترتيب آثار الإمكان أو ليس هناك دليل عليه، فإنَّه لو فرض أنَّ هناك دليل تعبّدي على ترتيب آثار الإمكان، ونفي احتمال الاستحالة تعبّداً، فحينئذٍ يقال في المقام: إنَّ الإمضاء ثبت أيضاً تعبّداً بلحاظ ذلك الدليل، فيثبت
ـــــــــــــــــــــــــ[109]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بذلك حجّيّة خبر الواحد(1). هذا فيما إذا اخترنا هذا الشقّ بأن كان الدليل هنا ليس قطعيّاً.
وأمّا لو فرضنا أنَّ الدليل على جعل الحكم الظاهري كان قطعيّاً، ومع هذا نحتمل الاستحالة، ومعنى ذلك استحالة الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، فإنّنا نحتمل ارتفاع الواقع عن الشاكّ في مورد مخالفة الحكم الظاهري للواقع، ممّا يعني احتمال التصويب في المقام، واختصاص الأحكام الواقعيّة بخصوص من لم تقم عنده أمارة على الخلاف.
فهنا إذا أردنا أن نعرف أنَّ الحكم الواقعي ثابت في مورد الشكّ أو ليس ثابتاً، وطبعاً ثبوت الحكم الواقعي في مورد الشكّ الذي له آثار، من جملتها: عدم الإجزاء على ما قيل في بحث الإجزاء، وهذا أمر مشكوك الاستحالة بالنسبة إلينا، إلَّا أنَّ الدليل والحجّة المعتبرة قائمة عليه، وهو إطلاق دليل الحكم الواقعي، فإنَّه قائم على ثبوت الحكم الواقعي للمكلّف أعمّ من كونه عالماً أو شاكّاً، وهذا الإطلاق حجّة؛ لأنَّ المفروض قيام الدليل القطعي على الحكم الظاهري، ونحن لا نشكّ في جعل الحكم الظاهري ووقوعه بحسب الخارج،
ـــــــــــــــــــــــــ[110]ــــــــــــــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: هذا مجرّد فرض؟
فقال سيّدنا الأُستاذ: لا، ليس صرف فرض، فهذا ليس فيه من الفرضيّة سوى أنَّ الشيخ يدّعي أنَّ احتمال الاستحالة كافٍ في مقام الرادعيّة، على الأقلّ بلحاظ ابن قبة وأمثاله ممّن حكم بعدم جعل الحجّيّة لخبر الواحد، وأوّل ما دلّ على حجّيّة خبر الواحد من ناحية احتمال الاستحالة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فإطلاق الحكم الواقعي معلوم الحجّيّة بحسب الفرض، وإنَّما المشكوك الإمكان هو مدلوله فقط، إذ نحتمل أنّه مع ثبوت أحكام ظاهريّة لا بُدَّ للمولى أن يرفع اليد عن إطلاق أدلّة الأحكام الواقعيّة.
وحيث إنَّ الأمارة المعلومة الحجّيّة وهي الإطلاق أو العموم قامت على ثبوت الحكم الواقعي على إطلاقه حتّى للشاك، فحينئذٍ نتمسّك به في المقام.
ويكون من قبيل ما قاس به المقام السيّد الأُستاذ، أي: لو لاحظنا طرف الحكم الواقعي لا طرف الحكم الظاهري، فهنا حجّيّة دليل الحكم الواقعي وحجّيّة إطلاقه وعمومه معلومة، وإنَّما الشكّ في إمكان مدلوله واستحالته، فنثبت إطلاق الحكم الواقعي ببركة الإطلاق والعموم، وعلى هذا نرتّب آثاره من عدم الإجزاء ونحوه ممّا قيل في بحث الإجزاء.
وهذا هو الأثر الثاني، فهنا لو فرض البناء على أصالة الإمكان -ويبني عليها هنا جزماً- لأنَّ أصالة الإمكان هنا من قبيل أصالة الإمكان فيما إذا شكّ بأنَّ العالم الفاسق هل فيه ملاك الوجوب أو ليس فيه، فحينئذٍ يكون له أثر. هذا كلّه بلحاظ الإشكال الأوّل من إشكالات الآخوند.
وأمّا الإشكال الثاني والإشكال الثالث: فهما لا يمكن دفعهما والتخلّص منهما على الذوق المتعارف في الأُصول، لما بيّناه من تركّز هذين الإشكالين على هذا الذوق.
لكنّ هذا الذوق الآخر الذي مشينا عليه، وعندئذ يمكن أن يقال في المقام:
ـــــــــــــــــــــــــ[111]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إنَّ مقصودنا من ترتيب آثار الإمكان والحكم به في مورد الشكّ فيه، فليس مقصودنا من ذلك جعل الحجّيّة لاحتمال الإمكان، يعني: إعمال المولى للمولويّة في مقام جعل حكم ظاهري بالإمكان، حتّى يرد عليه هذان الإشكالان، الإشكال بأنَّ هذا الحكم من قبل المولى هل هو قطعي أو ظني؟ فإن كان قطعيّاً فقد ارتفع شكّنا بالإمكان، وإن كان ظنّيّا فما الدليل على حجّيّة هذا الظنّ؟
والإشكال الثالث بأنَّ هذا لم يعلم وجوده من بناء العقلاء بهذا النحو.
فإن كان مراد الشيخ هذا فيكون كلام الآخوند بالنسبة إليه متّجهاً، إلَّا أنَّ من الممكن أن يكون مراده في المقام من ترتّب آثار الإمكان الحجّيّة بمعنى آخر مخصوص في مورد كان مقتضى ظهور كلام المولى هو ذلك، أي: مقتضى ظهور الكلام المولى هو جعل الحجّيّة لخبر الواحد، فلو تكلّم المولى بكلام ظاهره جعل الحجّيّة لخبر الواحد، فهذا الظهور الذي صدر عن المولى هو أيضاً مشكوك الحجّيّة؛ لأنّنا نشكّ في إمكان جعل الحجّيّة له كما نشكّ في إمكان جعل الحجّيّة لخبر الثقة، فكما نشكّ في إمكان إعمال المولى لمولويّته في إعطاء خبر الثقة صفة الحجّيّة، كذلك نشكّ في إمكان إعمال المولى لمولويّته في إعطاء ظهور كلامه أيضاً صفة الحجّيّة المولويّة، فهما من هذه الناحية على حدٍّ واحد، ومن هنا قلنا: بأنَّ ما وقع في الدراسات غير تامّ في مقام الجواب.
إلَّا أنَّنا لا نريد في المقام أن نستدلّ بظهور كلام المولى بعد الفراغ عن الحجّيّة المولويّة بهذا المعنى المشكوك الإمكان والاستحالة، بل نريد أن ندّعي في المقام توسعة دائرة المولويّة ابتداء بلا توسيط إعمال المولويّة في مقام جعل
ـــــــــــــــــــــــــ[112]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الحجّيّة، وذلك بأن يقال: إنَّ المولى الذي يحكم العقل بمولويّته، وإنَّ له حقّ الطاعة على عبده، وله حقّ الطاعة فيما يصل إلى أبعد من أحكامه مثلاً، وله حقّ الطاعة بمقدار ما تقتضيه الطريقة المتعارفة عند المولى التي اتّخذها في مقام إبراز مقاصده، فإذا كان للمولى طريقة متعارفة اتّخذها في مقام إبراز مقاصده فله حقّ الطاعة بمقدار هذه الطريقة من دون حاجة؛ لأن يعمل المولى مولويّته في جعل الحجّيّة إلى هذه الطريقة، فإنّه فرق بين أن يتّخذ المولى بما هو إنسان متكلّم طريقة خاصّة في مقام تفهيم مقاصد، وبين أن يُعمل مولويّته في مقام جعل الحجّيّة لهذه الطريقة، والغاء الشكّ بلسان جعل الطريقيّة أو المنجّزيّة أو جعل الحكم المماثل أو أي لسان آخر، فإنَّ مجرّد أن يتّخذ المولى طريقة بما هو متكلّم، ويعرض له في حالة الكلام طريقة خاصة في إبراز مقاصده ومراداته، فالعقل يحكم بأنَّ هذا المولى بالنسبة إلى هذا العبد عليه أن يطبّق عمله على مقتضى ما تدلّ عليه هذه الطريقة، بحيث يكون نفس هذه الطريقة داخلة في دائرة المولويّة بما هي طريقة من دون حاجة إلى إعمال المولويّة.
فبناءً على هذا يكون حجّيّة الظهور في المقام من باب توسعة دائرة المولويّة ودائرة الامتثال في نفسها، فحقّ الطاعة الذي يدركه العقل بالنسبة إلى المولى لا يتوقّف على أكثر من أن يكون الظهور هو الطريقة المتعارفة للمولى في مقام إبراز مقاصده بلا حاجة إلى إعمال المولويّة.
فإذا قلنا بهذا فحينئذٍ المولى إذا قال كلاماً ظاهره جعل الحجّيّة لخبر الواحد، فهنا صحيح أنَّ إعمال المولويّة في جعل الحجّيّة لنفس هذا الظهور
ـــــــــــــــــــــــــ[113]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
أيضاً مشكوك الإمكان، كإعمال المولويّة في جعل الحجّيّة لخبر الواحد، إلَّا أنَّ هذا الظهور بوجوده الواقعي، لا بإعمال المولويّة في شأنه وبنفس كونه طريقة اتّخذها المولى في مقام المحاورة يوجب رفع القاعدة قبح العقاب بلا بيان ويوجب توسعة دائرة حقّ الطاعة، ففي المقام يصحّ عند العقلاء أن يعاقب المولى عبده، حتّى لو فرض أنَّ العبد لم يثبت عنده بدليل أنَّ المولى أعمل المولويّة في مقام جعل الحجّيّة لظهور كلامه، فيقول له: ألا تعلم أنَّ هذه هي طريقتي في إبراز مقاصدي، ولم اتّخذ طريقة أُخرى غيرها.
فنفس كون هذه طريقة يكفي في مقام حكم العقل بتوسعة حقّ الطاعة بالنسبة إليه، وحينئذٍ يرتّب آثار الإمكان، ومعنى ذلك عدم كونه معذوراً فيما لو لم يرتّب آثار الإمكان.
فبناءً على هذا يكون أصل ما أفاده متّجهاً، بقطع النظر عن الخصوصيّات والتفاصيل(1).
ـــــــــــــــــــــــــ[114]ــــــــــــــــــــــ
() ثُمَّ قال سيّدنا الأُستاذ (أدام الله ظلّه) موضّحاً في جواب أحد الأسئلة: أليس قال: إنَّ خبر الواحد حجّة، وكان ظاهر كلامه حجّيّة خبر الواحد، ونحن نشكّ في إمكان جعل الحجّيّة لخبر الواحد أو لا؟ أليس أنَّ كلّ حكم دلّ عليه ظهور كلام المولى فهو داخل في دائرة حقّ الطاعة، بقطع النظر عن جعل الحجّيّة للظهور؟ إذن، فحجّيّة خبر الواحد في المقام حكم دلّ عليه ظهور كلام المولى، وإن لم تدلّ عليه حجّة؛ لأنَّه حتّى الآن ما ثبت أنَّ ظهور كلام المولى حجّة مولويّة، لكن دلّ عليه ظهور كلام المولى، فيدخل في حقّ الطاعة، فيستقلّ العقل بوجوب امتثال الحكم الظاهري على طبق خبر الواحد، ما لم يعلم بخلافه من باب توسعة دائرة حق الطاعة. وهذا معنى ترتيب آثار الإمكان على حجّيّة خبر الواحد، فإنَّ حجّيّة خبر الواحد حتّى الآن مشكوكة الإمكان عندنا، مع هذا يجب علينا ترتيب آثار الإمكان عليها، لماذا؟ لأنَّها دخلت في دائرة حقّ الطاعة، لماذا دخلت في دائرة حق الطاعة؟ لا لأنَّ حجّة قطعيّة أو ظنّيّة قامت عليها، حتّى يأتي إشكال على كلّ من التقديرين، بل لأنَّ ظهور كلام المولى دلّ عليه، يعني: الطريقة التي اتّخذها في مقام المحاورة هي دلّت عليه، وكلّ حكم ثبت بالطريقة التي اتّخذها المولى في مقام المحاورة، هذا يدخل في دائرة حقّ الطاعة، بلا حاجة إلى إعمال المولويّة في جعل الحجّيّة لهذه الطريقة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وحيث إنَّ برهان الامتناع المدّعى في المقام تارةً: يرجع إلى دعوى حكم العقل النظري في الامتناع، وأُخرى: يرجع إلى باب العقل العملي، فالكلام يقع في مقامين:
المقام الأوّل: في الجهات الراجعة إلى العقل النظري.
المقام الثاني: في الجهات الراجعة إلى العقل العملي.
أمّا المقام الأوّل فهنا حيثيتان ملحوظتان في مقام توهّم الامتناع.
أحدهما: اجتماع الضدين أو المثلين في مورد مصادقة الحكم الظاهري للواقع ومخالفته له.
ثانيهما: حيثية نقص الغرض، حيث إنَّ المولى تعلّق غرضه في الواقع بإتيان
ـــــــــــــــــــــــــ[115]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الصلاة مثلاً، أو بإتيان الدعاء عند رؤية الهلال، وكان هذا الغرض غرضاً فعليّاً ثابتاً في نفس الأمر، فيكون ترخيصه في ترك ذلك وإذنه فيه بدلاً عن ايجاب الاحتياط، فيكون هذا تفويتاً لغرضه، وتفويت الغرض محال؛ لأنَّه على حدّ التفكيك بين العلّة والمعلول.
وقد أُجيب عن هذا الإشكال بعدة وجوه:
منع تكليفية الأحكام الظاهرية، منع كون البراءة الظاهرية مجعولة على حد جعل الأحكام التكليفية من الحرمة والوجوب وغيرهما(1).
فهذا عنوان جامع لعدة تقريبات كلّها تندرج تحت هذا الوجه الأوّل في مقام الجواب، وهو المنع عن كون الأحكام الظاهرية أحكاماً تكليفيّة، وهذا المقدار الجامع تارةً يبيّن بتقريب: أنَّ المجعول هو الطريقيّة والكاشفيّة، وأُخرى يبيّن بتقريب: أنَّ المجعول هو المنجّزيّة والمعذّريّة، وثالثة يبيّن بتقريب: أنَّ المجعول نفس عنوان الحجّيّة، وهكذا على اختلاف في العناوين التي يتصوّر تعلّق الجعل بها.
والقدر المشترك بين هذه التقريبات والتي يجعلها وجهاً واحداً في مقام التعداد هو هذا، منع كون المجعول في الحكم الظاهري هو الجهة التكليفيّة
ـــــــــــــــــــــــــ[116]ــــــــــــــــــــــ
() وهنا سأل أحد الإخوان: المقصود هو الجواب عن كلا شقّي الإشكال؟
فقال (أدام الله ظلّه): هذا التشقيق ليس واضحاً في جميع الكتب؛ ولهذا لا نستطيع أن نقول: إنّه جواب عن كِلا الشقّين أو عن شقّ واحد. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وإرجاع الأحكام الظاهريّة إلى أحكام وضعيّة، أي إلى أحكام غير متعرضة للعمل ابتداء، كالطريقيّة عند الميرزا(1) والـمنجّزيّة والـمعذّريّة عند الآخوند(2) أو نفس مفهوم الحجّيّة، كما يظهر من بعض كلمات الحاج الشيخ محمد حسين(3).
هذا هو الوجه الأوّل في مقام التخلّص عن هذا الإشكال، ومن الواضح أنَّ هذا الوجه في مقام التخلّص عن الإشكال بكلّ تقريباته لا يرجع إلى معنى واضح؛ وذلك إمّا من الحيثيّة الثانية، وهو كون جعل الحكم الظاهري على خلاف الحكم الواقعي نقضاً للغرض الواقعي، فهذا الإشكال لا يرتفع بالالتزام بتبديل الحيثية التكليفيّة إلى الحيثية الوضعيّة في الأحكام الظاهريّة.
وذلك لأنَّ هذا الحكم الظاهري سواء كان تكليفيّاً أو وضعيّاً، وعلى تقدير كونه وضعيّاً سواء كان المجعول فيه عنوان الطريقيّة، أو عنوان المنجّزيّة، أو عنوان الحجّيّة، أو أيّ عنوان آخر، فهذا الحكم الظاهري إمّا أنَّ يفرض كونه ممّا يترتّب عليه إطلاق العنان واقتحام الشبهات، يعني يترتّب عليه كون المكلّف في فسحة من ارتكاب الشبهة إذا قامت الأمارة على الرخصة وعلى الاباحة، أو أنَّه لا يترتّب عليه ذلك.
فإنَّ فرض أنَّه لا يترتّب عليه ذلك، فهو خلاف المفروض، فإنَّ المفروض
ـــــــــــــــــــــــــ[117]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 3: 6، أجود التقريرات 2: 192 – 193.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 279.
(3) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 125.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
في المقام جعل أحكام ظاهرية بحيث يترتّب عليها الوظائف العقليّة من إطلاق العنان وتقييده، فلا بُدَّ أن يلتزم بأنَّه يترتّب عليه ذلك.
فإن كان ملاكاً لترتّب ذلك فيأتي إشكال نقض الغرض، فإنَّ المولى بعد فرض تعلّق غرضه الواقعي الفعلي بالإتيان بالدعاء عند رؤية الهلال حتّى من الشاكّ، فله غرض في أن يصدر منه الدعاء، وهو فرض في أعلى مراتب الأهمّيّة والفعليّة، أي: غرض لزومي لا استحبابي، فكيف يؤدي إلى فوات هذا الغرض ويقوم بعمل يؤدي هنا العمل إلى فوات ذلك الغرض منه؟
فملاك الإشكال هو كون الحكم الظاهري مؤدّياً إلى إطلاق العنان في مقام تفويت الأغراض الواقعيّة، وهذه الحيثيّة محفوظة على كلّ حال سواء كان الحكم الظاهري حكماً تكليفيّاً أو حكماً وضعيّاً. هذا من ناحية شبهة نقض الغرض.
وكذلك الكلام من حيث شبهة اجتماع الضدين أيضاً؛ وذلك لأنَّ التضاد المتصوّر في مقام مانعيته وكونه برهاناً على استحالة الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، ليس هو التضاد بين المجعول في الحكم الظاهري والمجعول في الحكم الواقعي، أي: ليس التضاد والتنافي بين المدلول التصوّري للخطاب الواقعي والمدلول التصوري للخطاب الظاهري، بل التنافي بين مبادئ الخطاب الواقعي ومبادئ الخطاب الظاهري، أو بين المدلول التصديقي للخطاب الواقعي والمدلول التصديقي للخطاب الواقعي. فالحيثيات الواقعيّة في نفس المولى التي يبرزها الخطاب الواقعي إبرازاً تصديقياً والحيثيات الواقعية في نفس
ـــــــــــــــــــــــــ[118]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
المولى التي يبرزها الخطاب الظاهري إبرازاً تصديقياً. فالتنافي بلحاظ ما يبرز من هذه الحيثيات لا بلحاظ لغة الإبراز ولهجته حتّى يدفع إشكال التضاد بتغيير لهجة الإبراز، وأنَّ لهجة الإبراز في الأحكام الواقعيّة كانت بلحن الحكم التكليفي ولهجة الإبراز هنا كانت بلحن الحكم الوضعي.
بل التضاد المدّعى إنَّما هو بين المداليل التصديقية والخطاب الواقعي والخطاب الظاهري فالحيثيات الواقعيّة في نفس المولى التي تبرز بهذا الخطاب وذلك الخطاب، فلا بُدَّ من تحقيق مثل هذه الناحية، وصرف عنان الكلام عن التفكير في أنَّ المجعول ما هو، هل هو عنوان الطريقيّة أو المنجّزيّة؟ وعن لهجة الإبراز إلى الحيثية المبرزة، فإن كانت سنخ حيثية لا تأتي مع الاجتماع مع الحيثية المبرزة بالخطاب الواقعي، أي: مع المدلول التصديقي للخطاب الواقعي، وحينئذٍ يكون مرتفعاً سواء كانت لهجة الإبراز بلحن الحكم التكليفي أو بلحن الحكم الوضعي، وإلَّا فالإشكال باقٍ على حاله.
وهذا أحد مصاديق الخلط بين البحث اللفظي والبحث المعنوي الواقعي فبحثنا هذا بحث واقعي وليس بحثاً لفظياً؛ لأجل أن يتكلّم بأنَّ لهجة الإبراز وأنَّ المدلول التصوّري ما هو، فإنَّ هذا لا دخل له فيما هو ملاك الامكان والاستحالة.
نعم، هذا البحث الذي فتحه الأعلام هنا بصدد الجواب عن شبهة بن قبة، وإن كان ليس في محلّه من حيث الجواب عن شبهة بن قبة، وعلاج موضوع الكلام علاجاً جذرياً.
ـــــــــــــــــــــــــ[119]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إلَّا أنَّ هذا البحث أفاد جداً في ترقية علم الأُصول؛ لأنَّ هذا البحث أوجب التنبه إلى صوّر كثيرة لألسنة جعل الحجّيّة -وللهجاتٍ على حدّ تعبيرنا واصطلاحنا -لإبراز الحيثيات الواقعيّة، وهذا التنبّه لهذه الحيثيات المتعدّدة يفيد في ملاحظة النسبة ما بين الأحكام الظاهرية، والنسبة بين دليل أصالة البراءة ودليل الاستصحاب، وأدلّة الأُصول التنزيلية وغير التنزيليّة في مقام التعارض والتنافي، وبيان أنَّ أيّ منها يكون مقدماً على أيّ منهما.
وذلك لأنَّ باب التقديم هو باب تعارض الألفاظ طبعاً، والتعارض بين الأدلّة مرجعه إلى التعارض في مقام الإبراز والبيان.
إذن، فملحق الإبراز ولهجة البيان تكون مؤثرة في تقديم بيان على بيان، إمّا بالحكومة، وإمّا بالورود وغيره من أنحاء التقديم، فهذا البحث إنَّما يجدي في ذلك، وأمّا بالنسبة إلى المقام فلا ربط لهذا البحث به، ونحن بالنسبة إلى جهة تقديم بعض الأدلّة على بعض سوف نتكلّم -إن شاء الله -في بحث ملاحظة النسب بين الأمارات والأُصول، أو ملاحظتها بين الاستصحاب السببي والمسبّبي، وبين الاستصحاب وسائر الأُصول. هذا الموضوع يكون محلّه هناك في آخر بحث الاستصحاب.
كما أنَّ هذا المطلب أيضاً مفيد ودخيل في تحقيق قيام الأمارات والأُصول مقام القطع الموضوعي، على ما سبق توضيحه وتحقيقه في مباحث القطع؛ لأنَّ قيام الأمارات والأُصول مقام القطع الموضوعي أيضاً مرجعه إلى حكومة دليل على دليل، وباب الحكومة هو باب تعارض ما بين الأدلّة، فلا بُدَّ أن يرى ولهجة
ـــــــــــــــــــــــــ[120]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
هذا البيان، إذ قد يكون حينئذٍ باختلاف لهجة البيان ولحن الخطاب يختلف ما هو حقّ التقديم. وهذا ما سبق في بحث قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي.
وأمّا بالنسبة إلى ما هو محلّ الكلام الآن وهو الإشكال الثبوتي في التوفيق بين الأحكام الظاهرية والواقعيّة، فليس عندنا ما نضيفه إلى هذا البحث. هذا هو الوجه الأوّل في المقام.
هو أنَّ الأحكام الظاهريّة لا تنافي بينها وبين الأحكام الواقعيّة من ناحية أنَّ التنافي إنَّما يتُصوّر في المقام بين مبادئ الأحكام الظاهريّة ومبادئ الأحكام الواقعيّة -كما أشرنا إليه- حيث إنَّ الأحكام بما هي انشاءات، وبما هي أُمور اعتباريّة لا تنافي بينها، فالتنافي إنَّما هو بين مبادئ الأحكام الظاهريّة ومبادئ الأحكام الواقعيّة.
وهنا هكذا يلتزم بأنَّ توهّم التنافي إنَّما هو فرع توهّم أنَّ الأحكام الواقعيّة ومبادئ الأحكام الواقعيّة منصبّة على مركز واحد وهو المتعلّق، فإنَّه يحصل التنافي بينهما حينئذٍ. أمَّا إذا فرض أنَّ مبادئ الحكم الواقعي كانت منصبّة على المتعلّق، ومبادئ الحكم الظاهري قائمة بنفس جعل الحكم الظاهري لا بالمتعلّق. فحينئذٍ، لم يجتمعا في موضوع واحد ليحصل التنافي فيما بينهما، ولم تجتمع الإرادة والكراهة والمصلحة والمفسدة في متعلّق واحد.
مثلاً هكذا نفرض أنَّ صلاة الجمعة حكمها الواقعي هو الوجوب وحكمها الظاهري هو الحرمة، فإنَّه لا تنافي بين هذا الوجوب الواقعي وهذه
ـــــــــــــــــــــــــ[121]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الحرمة الظاهرية؛ وذلك لأنَّ الوجوب الواقعي مبادئه قائمة بالمتعلّق وهي صلاة الجمعة، والحرمة الظاهريّة مبادئها ليست قائمة بالمتعلّق ليلزم من ذلك أن تكون صلاة الجمعة موصوفة بالصلاح والفساد والمحبوبيّة والمبغوضيّة والإرادة والكراهة، بل إنَّ مبادئ الحكم الظاهري قائمة بنفس الحكم الظاهري، فلا يبقى حينئذٍ تنافي بينه وبين الحكم الواقعي.
هذا الكلام أيضاً ظهر بطلانه من الأبحاث المتقدّمة من أوّل الدورة وإلى هنا؛ وذلك لأنَّ هذا الكلام مبني على أن يكون الحكم بما هو إنشاء وبما هو إبراز موضوعاً للوظائف العقليّة ولحقّ الطاعة وحكم العقل بوجوب الامتثال، يعني: أنَّ هذا مبني على أن يكون الحكم ممّا يمكن أن ينشأ من مصلحة في نفس جعله، بلا أيّ نكتة تطلب من ناحية جعله، ونفس جعله يحقّق تمام النكتة بلا بقاء جهة مفقودة تطلب بعد جعله.
لو تصوّرنا هذا المطلب وقلنا بإمكانه، فحينئذٍ افرضوا أنَّ هذا يتمّ في المقام، وأمّا لو قيل بعدم إمكان ذلك، فحينئذٍ لا يتصوّر جعل الأحكام الظاهريّة على هذا النحو، والصحيح هو الثاني في المقام، يعني أنَّ الحكم لا يمكن أن يُجعل لملاك في نفس جعله بحيث لا يبقى هناك جهة تطالب بعد جعله.
وذلك لأنَّ مثل هذا الحكم لا يكون موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال، ولا يكون مندرجاً في دائرة حقّ الطاعة الذي يستقلّ به العقل العملي، فإنَّ ملاك حقّ الطاعة وحكم العقل بوجوب الامتثال ليس هو إنشاءات المولى بما هي انشاءات واعتبارات وخيالات، وإنَّما حقّ الطاعة مناطه ما يُبرز بهذه الإنشاءات والخيالات.
ـــــــــــــــــــــــــ[122]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وبالتعبير الذي كنّا نقوله سابقاً: إنَّ حقّ الطاعة وحقّ المولوية إنَّما هو متمّم للمحركيّة الذاتيّة، يعني معوّض عن إخلاص العبد لمولاه بتخويف العبد بالمولى، فإنَّ العبد تارةً يكون محباً لمولاه بحيث يعبده لا خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته، بل يراه أهلاً للعبادة والطاعة فيعبده، وأُخرى من لم يبلغ هذه المرتبة العالية من الإخلاص في مقام حب مولاه والقرب الروحي والمعنوي منه، فيعوّض في هذه الحالة بالنسبة إليه بتخويفه من المولى أو ترغيبه في إطاعة المولى بأمور خارجة عن ذاته من الجنة والنار ونحوهما من الثواب والعقاب.
فحقّ الطاعة إنَّما يكون بالنسبة إلى تكليف بحيث يكون له في نفسه محرّكيّة ذاتيّة، بحيث لو كان العبد مخلصاً تمام الإخلاص لذلك المولى لكفته هذه المحرّكيّة الذاتيّة في مقام التحرك، وحينئذٍ فهذه المحرّكيّة الذاتيّة تتمّم بالنسبة إلى من ليس له هذا النحو من الاستعداد للتجاوب مع تكاليف المولى، ببركة حكم العقل بوجوب الامتثال واستحقاق العقاب على تقدير العصيان.
فهذا الانشاء أو الخيال أو التصوّر والفرض الذي لم ينشأ إلَّا من ناحية مصلحة في نفسه، بحيث إنَّ المولى بعد هذا الجعل لا يفرق في حاله وفي نفسه أبداً بين أن يقع الفعل بحسب الخارج أو لا يقع، فإنَّ تمام مطلوبه وهمّه قد تحقق في المقام؛ لأنَّه ليس له مطلوب تشريعي، وإنَّما له مطلوب تكويني وهو نفس جعل الحكم، وقد تحقق هذا المطلوب التكويني، فحاله في حال وجود الفعل وعدمه من حيث طيب نفسه على حدّ سواء. ففي مثل هذا المورد لا يكون لمثل هذا الانشاء محرّكيّة ولو ناقصة حتّى تتمّم هذه الذاتيّة بحكم العقل بحقّ الطاعة ووجوب الامتثال.
ـــــــــــــــــــــــــ[123]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
نعم، نحن نتصوّر كون جعل الحكم ذا مصلحة، أي: أنَّ الحكم ينشأ من دون مصلحة في ذات المتعلّق، هذا الحكم الذي يسمّى بالحكم الناشئ من مصلحة في نفسه، فتصوّره بمعنى آخر لا بهذا المعنى.
فنتصوّره بأن تكون المصلحة في المتعلّق، لكن لا بعنوانه الأوّلي، بل بعنوانه الثانوي الناشئ من تعلّق الحكم به، وهو عنوان كونه طاعة وامتثالاً، كما هو الحال في الأوامر الاختباريّة بالنسبة إلى المولى لعبده، فهنا لا مصلحة في أنَّ هذا العبد يسافر إلى كربلاء، إلَّا أنَّ المولى بقصد امتحانه واختباره، أو بقصد ترويضه على الطاعة والامتثال فيأمره بالسفر إلى كربلاء، بحيث يكون ملاك هذا الأمر هو وجود مبادئ هذا الأمر من المصلحة والحب والإرادة في السفر إلى كربلاء، لكن لا في ذات السفر إلى كربلاء المحفوظ في الرتبة السابقة على الأمر، بل في السفر إلى كربلاء بما هو معنون بعنوان الامتثال والطاعة.
كالعلّة في كثير من العبادات أو في كلّ العبادات، لعلها يكون أمرها هكذا ولا يكون في نفسها مصلحة بقطع النظر عن تعلّق الأمر بها، وإنَّما تكون المصلحة ومبادئ الأمر قائمة بالإمساك، وإذا كانت العبادة هي الصوم المعنون بعنوان الإخلاص للمولى، وترويض النفس على إطاعته، وتوجيه شهواته وغرائزه الوجهة التي تتفق مع توجيه المولى.
فهنا مبادئ الأمر موجودة فيما وراء جعل الحكم بحيث إنَّه بعد جعل الحكم يبقى للمولى شيء يريده، ويبقى للمولى شيء يطلبه ويتسبب إليه من ناحية جعل الحكم، إلَّا أنَّ هذا الشيء الذي يتسبب إليه هذا العنوان الثانوي الذي هو في طول الأمر، وهذا أمر معقول تصوّراً.
ـــــــــــــــــــــــــ[124]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وفي مثل هذا المورد لا بُدَّ للمولى من جعل الحكم؛ لأنَّ المصلحة هنا تقوم بعنوان، وهذا العنوان لا يمكن أن يوجد في الخارج إلَّا بمجموع فعلين، بفعل من قبل المولى وهو جعل الأمر حتّى يتعنّون هذا الفعل بعنوان الامتثال، وبفعل من قبل العبد وهو ايجاد مصداق هذا العنوان في الخارج بعد تعلّق الأمر من قبل المولى.
هذا أمر معقول الخارج، وفي مثله لا بُدَّ من جعل الحكم، ومثل هذا الحكم يكون له محرّكيّة ذاتيّة في نفسه، وتتمّم هذه المحرّكيّة بحقّ الطاعة وبحكم العقل بوجوب الامتثال.
فحاصل الكلام في المقام: أنَّ حقّ الطاعة ووجوب الامتثال الذي يستقلّ به العقل ليس هو أزيد من فرض كون العبد جارحة من جوارح المولى وآلة طيعة بيد المولى، فإنَّه ليس باب العبودية والطاعة أكثر من هذا المقدار، فلو فرض أنَّه كان جارحة من جوارح المولى، فهذا الحكم إن كان له محرّكيّة ذاتيّة لهذه الجارحة فيتتمّ هذه المحرّكيّة الذاتيّة بحقّ الطاعة، وأمّا إذا لم يكن له محرّكيّة ذاتيّة، فهذا العبد حتّى لو كان جارحة من جوارح مولاه لم يكن يتحرك.
ولو فرض -وهذا بعنوان النقض- إمكان جعل الحكم لمصلحة في نفسه، فهذا الوجه كما يأتي في مقام التوفيق بين أدلّة الأحكام الظاهريّة، وأدلّة الأحكام الواقعيّة، كذلك يأتي في مقام التوفيق بين نفس أدلّة الأحكام الواقعيّة، فيمكن أن يلتزم بمثل هذا التوفيق في نفس أدلّة الأحكام الواقعيّة.
كما لو ورد: (أكرم كلّ عالم) بنحو جعل الحكم الواقعي، وورد: (لا تكرم كلّ فاسق) فلا إشكال أنَّ بينهما مادة اجتماع وفيها يتعارضان، ومادة الاجتماع
ـــــــــــــــــــــــــ[125]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
هو العالم والفاسق. هنا يمكن أن يقال: بأنَّ مادة التعارض بحسب الحقيقة إنَّما هو خصوص معلوم الفسق والعلم، فإنَّ معلوم الفسق والعلم لا يمكن أن يشمله دليل وجوب الإكرام واقعاً مع دليل حرمة الإكرام واقعاً، وإلَّا يلزم التكليف بما لا يطاق بحسب الخارج؛ لأنَّ كلّ من الوجوبين يكون منجّزاً عليه باعتبار العلم بموضوعه خارجاً.
لكن هنا يبقى السؤال: أنَّه لماذا توقعون التعارض ما بين الدليلين في واقع العالم والفاسق؟ بل ينبغي أن تقولوا: بأنَّ العالم غير المعلوم الفسق، والفاسق غير معلوم العلم، فهذا يبقى تحت إطلاق دليله، ولا منافاة بين حرمة إكرامه من باب أنَّه فاسق وغير معلوم العلم، مع الحكم بوجوب إكرامه من باب أنَّه عالم بحسب الواقع، حيث إنَّ أحد الحكمين ينشأ من مصلحة في نفسه، والآخر ينشأ من مصلحة في متعلّقه.
فحاصل مقصودنا من هذا النقض: بيان أنَّه لو تمّ التوفيق بين أدلّة الأحكام الواقعيّة وأدلّة الأحكام الظاهرية بحمل أحد الحكمين على مصلحة في نفسه والآخر على مصلحة في متعلّقة، فلماذا لا يتمّ بين نفس أدلّة الأحكام الواقعية؟ بأن يقال: إنَّ بعض أدلّة الأحكام الواقعيّة مجعولة لمصلحة في نفسها وبعضها مجعولة لمصلحة في متعلّقها، فيمكن الجمع فيما بينهما بهذا النحو أيضاً.
مع أنَّه لا يلتزم بهذا قطعاً، مع أنَّ نكتة الإمكان لا يفرق فيها بين أدلّة الأحكام الظاهريّة وأدلّة الأحكام الواقعيّة.
فمثل هذا البيان بحسب الظاهر، إنَّما نشأ من ضيق الخناق، وعدم تصوّر كيفية التوفيق بين الحكم الواقعي والظاهري، مع التحفظ على حكميّة كلّ
ـــــــــــــــــــــــــ[126]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
منهما، وعلى مبادئ الحكم في كلّ منهما.
هذا هو حاصل الوجه الثاني.
بقي عندنا وجهان: أحدهما -يعني الثالث- هو ما أفاده المحقق الخراساني من ارتفاع الأحكام الفعلية في الأحكام الواقعية، الذي هو بحسب الحقيقة اعتراف بالإشكال لا جواب عنه.
والوجه الرابع: ما أفاده المحقق العراقي ولعل ما أفاده أدقّ ما أفيد في هذه المسألة على الإطلاق.
*****
كان الكلام في الأجوبة التي قيلت في دفع شبهة امتناع الأحكام الظاهرية أو امتناع التعبّد بالظن بالمعنى الأخص، من ناحية كيفية التوفيق بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي.
ذكرنا أن الإشكال من هذه الناحية تارة يكون بلحاظ حيثيات العقل النظري وأخرى يكون بلحاظ العقل العملي. وشرعنا بالتكلم بالعقل النظري وبينّا جوابين مع ما هو التحقيق بشأنهما. وانتهى الكلام إلى:
وظاهر عباراته(1) عدم فعليّة الأحكام الواقعيّة(2)، بناء منه على تعدد مراتب
ـــــــــــــــــــــــــ[127]ــــــــــــــــــــــ
() انظر: كفاية الأُصول: 279.
(2) بعد عدم تمامية الجواب السابق الذي ذكره، والذي ذكرناه نحن وأشكلنا عليه. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الحكم، وأن الحكم له مراتب متعددة، قد يكون الحكم موجوداً في مرتبة ولا يكون موجوداً في مرتبة أُخرى، فيكون إنشائيّاً ولا يكون فعليّاً مثلاً، أو يكون اقتضائيّاً ولا يكون إنشائيّاً.
فبعد فرض تعدّد مراتب الحكم لا محيص عن الالتزام في مقام الجواب برفع فعليّة الأحكام الواقعيّة، والالتزام بكونها إنشائيّة، فإنّه بعد فرض كونها إنشائيّة لا يبقى في المقام محذور؛ لأنَّ فرض كونها إنشائيّة هو فرض عدم فعليّة المبادئ الحقيقيّة للحكم على طبقها، ومع فرض عدم فعليّة تلك المبادئ الحقيقيّة على طبقها من الإرادة والكراهة والحبّ والبغض ونحو ذلك، فحينئذٍ لا يبقى محذور من ناحية اجتماع الضدّين ومن ناحية نقض الغرض.
إلَّا أنَّ هذه الأحكام الواقعيّة ليست إنشائيّة بشرط لا، بحيث إنَّ تمام قوتها هو أن تكون إنشائيّة، ولا تصل بعد هذا إلى مرحلة الفعليّة، حتّى يشكل بأنَّها إذا كانت أحكاماً إنشائيّة بشرط لا، فحينئذٍ حتّى لو حصل القطع بها أيضاً هي أحكام إنشائيّة، وقد مرّ منه(1) في أوّل بحث القطع أنَّ الأحكام الإنشائيّة القطع بها لا يكون منجّزاً، فضلاً عن الظنّ.
ففي المقام لا يلتزم بأنّ الأحكام الواقعيّة أحكاماً إنشائيّة صرفة أو بشرط لا، بل يلتزم بأنّها إنشائيّة، بمعنى: عدم فعليّة مبادئ الحكم على طبق الإخبار الواقعي، مع استجماعه لسائر شرائط الفعليّة عدا شرطاً واحداً يكون دخيلاً في المطلب وهو العلم، أو قيام الحجّة مثلاً على الخطاب الواقعي، وهذا يكون له
ـــــــــــــــــــــــــ[128]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 258.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
دخل في تماميّة الفعليّة، فإنّه الجزء الأخير من العلّة التامّة بالنسبة إلى فعليّة الخطاب الواقعي، فهو يكون بنحو بحيث لو علم به لصار فعليّاً؛ لأنَّه بمجرّد العلم به تتمّ جميع الشروط الدخيلة في فعليّته، وإذا صار فعليّاً فيتنجّز حينئذ لا محالة بالوصول.
هذا ما يتراءى(1) من ظاهر عبارته، وإن كانت عبائره مشكلة، وفيها تشويش كثير، إلَّا أنَّه لا يناسب في هذا البحث الاهتمام به، فما يظهر من عبارته وما يفهم رسميّاً منها، هو(2) هذا المقدار بقطع النظر عن تشويشات عبارته واحتمالاتها المتعدّدة.
إشكال الميرزا النائيني
وهذا المطلب أشكل عليه المحقّق النائيني(3)، بأنَّه لا معنى للالتزام بكون الأحكام الواقعيّة إنشائيّة وسلخها عن الفعليّة، فيفكّك في المقام بين مرتبة الإنشاء ومرتبة الفعليّة، فيلتزم بأنَّ الأحكام الواقعيّة إنشائيّة، ولكنّها(4)
ـــــــــــــــــــــــــ[129]ــــــــــــــــــــــ
() فحينئذٍ ما لم يصل الحكم الواقعي ولم تتمّ الحجّة عليه، بل قامت على خلافه، لا يكون الحكم الواقعي فعليّاً، بل يكون إنشائياً، ومع كونه إنشائيّاً لا بأس باجتماعه مع الأحكام الظاهريّة الفعليّة، فإنّ التنافي إنّما هو بين الحكمين الفعليّين، لا بين الحكم الفعلي والإنشائي. (المُقرِّر).
(2) وإلّا فلا نتعهد أن يكون هذا هو مراد صاحب الكفاية. (المُقرِّر).
(3) انظر: فوائد الأُصول 3: 101.
(4) ولكنّها لا تكون فعليّة، إلَّا بالوصول. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ليست فعليّة في مورد قيام الأمارة أو الحجّة على خلافها، فهذا التفكيك أمر غير معقول.
وذكر في وجه ذلك ما يكون مبنيّاً على مبناه في باب جعل الأحكام، فقال: هناك جعل ومجعول في باب إنشاء الأحكام والاعتبار، فهناك مقام جعل: وهو مقام إنشاء الحكم على نحو القضيّة الحقيقيّة على موضوعه الكلّي المفروض الوجود، حتّى لو لم يكن له مصداق في الخارج أصلاً، فلو فرضنا عدم وجود مستطيع في الخارج، فمع هذا المولى ينشأ وجوب الحجّ على فرض وجود المستطيع، فمجرّد قيامه بهذه العمليّة حدث شيء لم يكن، فإنَّه قبل قيامه بهذه العمليّة لم يكن الحجّ واجباً في الشريعة، وبعد قيامه بها أصبح الحجّ واجباً في الشريعة، باعتبار جعل هذا الوجوب على نهج القضيّة الحقيقيّة على موضوعه المقدّر الوجود في عالم الإنشاء.
ثُمَّ إنَّ هذا الإنشاء وهذا الجعل له مجعول لا محالة، ومجعوله هو هذا الوجوب على المستطيع، وحيث إنَّ موضوعه هذا الوجوب(1) على المستطيع، ففعليّة هذا الوجوب وتحقّقه يكون بفعليّة موضوعه وتحقّقه، فما دام موضوعه غير متحقّق، بل مقدّر الوجود، فالحكم أيضاً مقدّر الوجود، وجوده وجود تقديري إنشائي اعتباري صرف.
وأمّا إذا خرج موضوعه من عالم التقدير إلى عالم التحقيق فيخرج بتبعه
ـــــــــــــــــــــــــ[130]ــــــــــــــــــــــ
() حيث جعل منوطاً ومعلّقاً على عنوان مقدّر الوجود، وهو عنوان المستطيع. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
المجعول من عالم التقدير إلى عالم التحقيق(1)، فلو وجد مستطيع من المسلمين بحسب الخارج فيكون المجعول فعليّاً لا محالة، فهذا عالم الفعليّة وذاك عالم الإنشاء.
أو بتعبير آخر: ذاك عالم الجعل وهذا عالم المجعول، ولا نتصوّر هنا عالماً ثالثاً غير هذين العالمين.
ومن هذا البيان يظهر أنَّ فعليّة الحكم إنَّما هي أجنبيّة عن صلاحيّات المولى بما هو مولى، فإنَّه ليس من صلاحياته أن يجعل الحكم فعليّاً أو لا يجعله فعليّاً، فما هو مربوط بالمولى فهو عالم الجعل والإنشاء(2)، وأمّا فعليّة الحكم فغير مربوطة به، وإنّما هي مربوطة بفعليّة الحكم خارجاً، فإنَّه إذا وجد المستطيع بحسب الخارج فلا محالة تخرج القضيّة المقدّرة الوجود من عالم التقدير إلى عالم التحقيق(3)،بلا حاجة إلى إذن المولى بخروجها كذلك، وإذا لم يوجد الموضوع بحسب الخارج فلا يكون المجعول فعليّاً؛ لأنَّه منوط بشيء غير موجود في الخارج، فإنَّه إذا كان الموضوع غير فعلي فلا محالة تكون تمام شؤونه وأطواره مثله في عدم الفعليّة.
فبناءً على هذا المسلك لا يتصوّر كلام الآخوند في المقام، إذ ما معنى قوله أنَّ الأحكام الواقعيّة ليست فعليّة بالنسبة إلى الشاكّ الذي قامت عنده الحجّة على الخلاف.
ـــــــــــــــــــــــــ[131]ــــــــــــــــــــــ
() ويصبح الحكم فعليّاً بفعليّة موضوعه. (المُقرِّر).
(2) وجعل الحكم على نهج القضية الحقيقية على الموضوع المقدّر الوجود. (المُقرِّر).
(3) لأنَّ منزلة الحكم من الموضوع كمنزلة المعلول من العلّة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فهل مقصوده من عدم كونها فعليّة أنَّ المولى حينما جعل وجوب صلاة الجمعة، جعله على طبيعي المكلّف المقيّد بأن لا يكون شاكّا، ولا يكون قد قامت عنده أمارة على الخلاف، يعني: الموضوع الكلّي الذي أخذه مقدّر الوجود، وأنشأ عليه وجوب الحجّ على نهج القضيّة الحقيقيّة، فهل قيّده من أوّل الأمر بأن لا تقوم عنده أمارة على الخلاف، أو أخذه بنحو الإطلاق؟
فإن فُرض أنّه قيّده. إذن، فالشخص الذي قامت عنده أمارة على الخلاف لا حكم واقعي في حقّه إنشاء وفعليّة، بل هذا خارج عن موضوع الحكم أصلاً، ولا يبقى موضوع للشبهة، فإنَّ الكلام في التوفيق بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة.
وإذا فرض أنَّ المولى في مقام الجعل أنشأ وجوب الحجّ على طبيعي المكلّف المستطيع المقدّر الوجود مطلقاً، من دون أن يأخذ فيه الوصول أو قيام الأمارة على الخلاف قيداً، فحينئذٍ يكون عالم الإنشاء والجعل شاملاً بالنسبة إلى هذا المكلّف، أو بمجرّد تحقّق الموضوع بحسب الخارج وصيرورة هذا مستطيعاً يكون الحكم فعليّاً في حقّه؛ لأنَّ فعليّة الحكم تابعة إلى فعليّة موضوعه، ولا يعقل عدم وصول الحكم الواقعي إلى الفعليّة، مع فرض تماميّة موضوعه بحسب الخارج.
وبعبارة مختصرة: أنَّ ما هو موضوع الكلّي للحكم الواقعي من وجوب الحجّ أو وجوب صلاة الجمعة، هل هو منطبق على هذا الشاكّ أو غير منطبق عليه؟
ـــــــــــــــــــــــــ[132]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فإن فرض أنَّه غير منطبق عليه؛ لأجل أنَّ المولى قيّد هذا الموضوع الكلّي بعدم الشكّ، فلا حكم إنشائي بالنسبة إلى هذا، فضلاً عن عالم الفعليّة.
وإن فرضنا أنَّ الحكم منطبق عليه فلا محالة لا بُدَّ أن يصير الحكم فعليّاً؛ لأنَّ فعليّة الحكم تابعة لفعليّة موضوعه، فبناءً على هذا لا يعقل فرض التفكيك بين عالم الإنشاء وعالم الفعليّة، هذا أيضاً إشكال الميرزا على صاحب الكفاية.
وهذا الإشكال كأنّه مبني على إلزام الآخوند باصطلاحات الميرزا وعبائره(1)، وحينئذٍ يكون مثل هذا الإشكال وارداً عليه (2).
ـــــــــــــــــــــــــ[133]ــــــــــــــــــــــ
() قلت لسيّدنا الأُستاذ (أدام الله ظلّه) بعد الدرس بهذا الخصوص: ذكرتم أنَّ إشكال الميرزا إنَّما يرد إذا كان الآخوند مسؤولاً عن عبائر واصطلاحات الميرزا، فهذا يقتضي المقارنة بين اصطلاحات الآخوند واصطلاحات الميرزا، بمعنى: أنَّ مرحلة الفعليّة ومرحلة الإنشاء عند الآخوند ما هي فرقها بالضبط عن مرحلة الفعليّة والإنشاء عند الميرزا؟
فأجاب (حفظه الله تعالى): أنَّ كِلا مرحلتي الفعليّة والإنشاء عند الآخوند إنَّما هي مراحل للإنشاء عند الميرزا، والفعليّة عند الميرزا ليست ملحوظة للآخوند، وهو فعليّة الحكم بوجود موضوعه خارجاً، فإنَّ هذا ليس من مراتب الحكم عند الآخوند، هذا بيد الموضوع خارجاً، وهو خارج عن صلاحيات المولى، وإنَّما المقسم هو ما يسمّيه الميرزا بالإنشاء، يعني: نفس الحكم الإنشائي هو الذي يكون مقسماً للفعليّة والإنشاء عند الآخوند؛ وذلك أنَّه إذا كان متكفّلاً لإثبات كِلا المدلولين التصديقيّين الأقصى والأدنى فيكون الحكم فعليّاً لا محالة، وإذا كان متكفّلاً للأدنى فقط فيكون إنشائيّاً صرفاً، وقد يكون خطاباً واحداً يكون بالنسبة إلى حصة من مضمونه متكفّلاً بالنسبة إلى كلّ من المدلولين، وبالنسبة إلى حصة أُخرى تقوم قرينة منفصلة أو متّصلة على عدم فعليّة أحد المدلولين التصديقيّين بالنسبة إليه، فحينئذٍ يتعيّن في المقام التبعيض بالنسبة إليه. (المُقرِّر).
(2) ولا يبقى لكلامه معنى متحصّل. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إلَّا أنَّ الآخوند لم يقصد من التفكيك التفكيك بين الإنشاء والفعليّة، فالتفكيك بين هذا الإنشاء والفعليّة، أي: بين الجعل والمجعول مثلاً، حتّى يقال له: بأنَّ التفكيك بين الجعل والمجعول في المقام أمر غير معقول.
بل مراده من التفكيك بين الإنشاء والفعليّة، والتفكيك بين عالم الإنشاء وبين مبادئ الحكم الواقعيّة التي لا بُدَّ منها في صيرورة الحكم حكماً حقيقيّاً.
توضيح ذلك(1): أنَّ الخطابات التي ينشأ بها المولى أحكامه المتكفّلة للأحكام الواقعيّة لها لا محالة مدلول تصديقي أعلى نهائي، وهو(2) عبارة عن مبادئ الحكم في نفس المولى، فحينما يقول المولى لعبده: (اغتسل يوم الجمعة)، فنفس صيغة (اغتسل) في المقام لها مدلول تصديقي نهائي، وهو فعليّة مبادئ هذا الطلب في نفس المولى من المصلحة والغرض والحبّ والإرادة ونحو ذلك، فهذا مدلول تصديقي عرفي لهذا الخطاب، وهذا الخطاب قابل لإبراز تلك
ـــــــــــــــــــــــــ[134]ــــــــــــــــــــــ
() بنحو يتمّ على مبنى الميرزا وغير مبنى الميرزا على جميع المباني في علم الأُصول. (المُقرِّر).
(2) وهو يكشف عن ثبوت مبادئ الطلب الحقيقيّة في نفس المولى. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
المبادئ ببركة هذا الظهور التصديقي، وهذا في النهاية أقصى المداليل المتصوّرة لهذا الخطاب وأبعدها.
وفي أوّل المداليل المتصوّرة لهذا الخطاب، هو المدلول التصوّري البحت(1)، حيث إنَّ الجملة الإنشائيّة للخطاب المتكفّل للحكم الواقعي(اغتسل) لها مدلول تصوّري لا محالة، فإنَّ هيئة فعل الأمر لا بُدَّ أن تكون موضوعة لمعنى على اختلاف الأذواق، فيما هو الموضوع له هيئة الأمر، فهي موضوعة مثلاً للنسبة الطلبيّة القائمة بين الفعل والمادّة والفاعل، ودلالة الجملة الإنشائيّة، أي: هذا الخطاب على هذه النسبة دلالة تصوّريّة محضة، كدلالة سائر الألفاظ على معانيها الموضوع لها، فإنَّ الدلالة الوضعيّة دلالة تصوّريّة.
وهنا تارةً نفرض أنَّه لا يوجد عندنا غير الدلالة التصوّريّة على الطلبيّة، والدلالة التصديقيّة على فعليّة مبادئ الطلب في نفس المولى.
وأُخرى نفرض في المقام أنَّه يوجد عندنا شيء آخر غير هذين المدلولين، المدلول التصديقي الأعلى والمدلول التصوّري الساذج الصرف، وهذا الشي الآخر غير هذين، فيتصوّر بأحد وجهين:
أمّا أن يكون هذا الشيء الآخر هو نفس إيجاد المعنى باللفظ على ما يتراءى من عبارات المشهور (2)، ومنهم صاحب الكفاية(3)، من أنَّ الجملة الإنشائيّة
ـــــــــــــــــــــــــ[135]ــــــــــــــــــــــ
() فالخطابات لها مدلول تصوّري كأيّ لفظ غير مهمل في اللغة، بحيث يوجد إخطار هذا المعنى في الذهن. (المُقرِّر).
(2) انظر: منتقى الأُصول 1: 130.
(3) انظر: فرائد الأُصول (الآخوند الخرساني): 19.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
توجد معناها باللفظ، بحيث إنَّ النسبة الطلبيّة التي هي بمعنى: (إفعل)، لها نحو وجود في عالم الإنشاء، ويوجد في اللفظ ويحمل على أنَّه طلب، بحيث يقال: إنَّ المولى صدر منه طلب في المقام.
فمجرّد اللفظ الدالّ على النسبة الطلبيّة بالدلالة التصوّريّة لا يكون طلباً، ولا يقال: إنَّ المولى صدر منه طلباً، لكنّ الجملة الإنشائيّة -من مميّزات كونها إنشائيّة- توجد معناها باللفظ بنحو من أنحاء الإيجاد. وهذا مبنى تمام تصوّره والبحث في صحّته وبطلانه في بحث الجمل الإنشائيّة، فهذا ما يناسب ذوق المشهور.
وهناك ذوق آخر يقول: إنَّ الجملة الإنشائيّة موضوعة لإبراز اعتبار نفساني، وهي ليست موجدة للمعنى باللفظ، وإنَّما هي موضوعة للدلالة التصديقيّة لإبراز اعتبار نفساني، وهذا الاعتبار النفساني يختلف باختلاف الموارد، مثلاً: في الأمر يكون هو اعتبار الفعل على ذمّة المكلّف، وهذا الاعتبار النفساني قهراً يكون له مبادئ أيضاً، تلك المبادئ التصديقيّة التي فرضنا أنَّها مدلول عليها بأعلى الدلالات وأقصاها.
إذن، فتارةً: يُكتفى بمجرّد تلك الدلالتين، الدلالة التصديقيّة على المبادئ الحقيقيّة للحكم مع الدلالة التصوّرية الساذجة، وأُخرى: بضمّ أحد هذين الأمرين، إمّا إيجاد المعنى باللفظ، بأن يتصوّر للمعنى نحو وجود إنشائي، وأنّه من مميّزات الجملة الإنشائيّة عن باقي الألفاظ والجمل الخبريّة، أو أنَّ الجمل الإنشائيّة تدلّ بالدلالة التصديقيّة على أمر بعد المبادئ، وهو الاعتبار النفساني،
ـــــــــــــــــــــــــ[136]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
واعتبار الفعل على ذمّة المكلّف، والمبادئ تكون وراء الاعتبار ومن مقدّمات الاعتبار، فإذا فرضنا أنّا ضممنا أحد هذين الضميمتين: الوجود الانشائي أو الاعتبار النفساني، فحينئذٍ يصبح عندنا مدلول تصديقي أدنى، ومدلول تصديقي أقصى، فالمدلول التصديقي الأقصى هو تلك المبادئ الحقيقيّة للحكم، والمدلول التصديقي الأدنى هو عبارة عن الوجود الإنشائي الذي خلق بنفس الجملة الانشائيّة، أو الاعتبار النفساني الذي أُبرز بالجملة الإنشائيّة، فإذا تصوّرناهما، فيقال حينئذٍ: إنَّ أحد المدلولين التصديقيّين، هذا عالم الانشاء، والمدلول التصديقي الآخر هو عالم الفعليّة، والخطابات الواقعيّة في نفسها، كنحو خطابي: (اغتسل) و (صلّ الجمعة)، فلو خُلّي وطبعه فيدلّ بحسب ظهور وإطلاقه على فعليّة كلا المدلولين التصديقيّين بالنسبة إلى جميع المكلّفين، فيكون لو خلّي وطبعه هو فعليّة ذلك المدلول التصديقي الأقصى، حتّى بالنسبة إلى من قامت عنده الأمارة على الخلاف، إلَّا أنَّه بقرينة جعل الحكم الظاهري، واستحالة فعليّة مبادئ الحكم الواقعي، مع فرض جعل الحكم الظاهري، ومن قوله: “كلّ شي حلال حتّى تعرف أنّه حرام“(1) يستكشف عدم فعليّة المدلول التصديقي الأقصى بالنسبة إلى الخطابات الواقعيّة بمقدار ما يقتضيه جعل الحكم الظاهري، أي: يرفع اليد عن فعليّة الحكم الواقعي والمدلول التصديقي الأقصى بمقدار موارد مخالفة الحكم الظاهري للواقعي، وإن شئت قلت: في موارد الشكّ مثلاً.
ـــــــــــــــــــــــــ[137]ــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 5: 313، باب النوادر، الحديث 39، مع اختلاف يسير بالألفاظ.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ويكون نتيجة ذلك استكشاف أنَّ المدلول التصديقي الأقصى فيه شرط لم يذكر في العبارة، وهذا الشرط هو العلم، فإنَّ الجملة الإنشائيّة المتكفّلة لبيان الحكم الواقعي -لو خُليت وطبعها- تدلّ على ثبوت المدلول التصديقي الأقصى بلا شرط، بالنسبة إلى تمام المكلّفين، لكن بقرينة ثبوت الحكم الظاهري(1) يستكشف حينئذٍ أنَّ ثبوت المدلول التصديقي الأقصى هناك كان مشروطاً بشرط يبيّن في مقام الإثبات، وهو الوصول والعلم، فحيث لا وصول ولا علم لا يكون ذلك المدلول التصديقي الأقصى ثابتاً، بل تكون الأحكام الظاهريّة على خلافه. هذا بالنسبة إلى المدلول التصديقي الأقصى.
وأمّا بالنسبة إلى المدلول التصديقي الأوّلي الذي يتصوّر بأحد هذين الوجهين، فلا مانع من الأخذ بظهور الخطاب في إطلاقه، وحينئذٍ يقال: بأنَّ ما دلّ على اشتراك الأحكام الواقعيّة بين العالم والجاهل المراد منه هذا المدلول التصديقي.
وقد يشكل في المقام: بأنَّ هذا نتيجته رفع اليد عن المدلول التصديقي الأقصى بالمرّة، لا تقيّيده، يعني: سلخ الخطابات الواقعيّة عن الدلالة على المدلول التصديقي الأقصى؛ وذلك لأنَّ مقتضى هذا البيان تقيّد المدلول التصديقي الأقصى وهو المبادئ، فتقيّد فعليّة الحكم بالعلم وأخذ العلم فيها، وحيث إنَّه لا يعقل أخذ العلم بفعليّة الحكم في نفس موضوع فعليّة الحكم، فلا
ـــــــــــــــــــــــــ[138]ــــــــــــــــــــــ
() وببرهان استحالة اجتماع حكمين فعليّين في مورد واحد ببراهين ابن قبة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بُدَّ أن نفرض أنَّ العلم المأخوذ شرطاً في فعليّة الحكم هو بمرتبة أُخرى من الحكم، فحينئذٍ لا بُدَّ وأن تتمحّض الخطابات الواقعيّة في الدلالة على تلك المرتبة التي يكون العلم بها دخيلاّ في فعليّة الحكم، وحينئذٍ لا يبقى لها قابليّة الدلالة على فعليّة الحكم، حيث إنَّها تكون متمحّضة الدلالة على تلك المرتبة التي أُخذ العلم بها في موضوع الفعليّة.
وبتعبير آخر: لا يقصد في الخطابات الواقعيّة إمكانيّة وقابليّة الدلالة في كلّتا المرتبتين في عرض واحد؛ لأنَّ هاتين المرتبتين أصبح العلم بالأولى مأخوذاً في موضوع الثانية، ومع فرض ذلك لا بُدَّ وأن تتمحّض هذه الخطابات للدلالة على هاتين المرتبتين.
وهذا الإشكال في المقام غير صحيح؛ وذلك لأنَّ الطوليّة في المقام لا تمنع عن دلالة اللفظ عليهما معاً، باعتبار أنَّ هذه الدلالة دلالة تصديقيّة، وفي مقام الدلالة التصديقيّة يتصوّر للفظ الواحد دلالات تصديقيّة متعدّدة، ولا يلزم أن يكون للفظ دلالة تصديقيّة واحدة على مدلول تصديقي واحد، حتّى يقال: بأنَّ هذا المدلول التصديقي الواحد لا يعقل أن يكون ملتئماً من مرتبتين طوليّتين مختلفتين، بل الدلالات التصديقيّة قد تتعدّد بالنسبة إلى الخطاب الواحد، وحينئذٍ فهذا الخطاب الواحد له دلالتان تصديقيّتان، وإحدى هاتين الدلالتين لم تقم قرينة على تقيّيدها، والدلالة التصديقيّة الأُخرى وهي الدلالة على المدلول الأقصى قد قامت قرينة على تقيّيدها بوصول المدلول التصديقي الأوّل، وهذا أمر معقول ولا بأس به.
ـــــــــــــــــــــــــ[139]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وعليه: فهذا الكلام لا غبار عليه من حيث إمكانه في نفسه، إلَّا أنَّ هذا الكلام لا يعلم أنَّ اسمه دفع الإشكال، أو أنَّ اسمه إثبات الإشكال والاعتراف به، بمعنى: أنَّ المقدار المسلّم المتيقّن الذي نريد تصحيحه، هل يكون هذا الجواب كافياً في مقام تصحيحه أو لا؟
فمن يقول: إنَّ المقدار المتيقّن من وجود الأحكام الواقعيّة هو وجودها بلحاظ مدلولها التصديقي الأوّل الذي هو مجرّد الوجود الإنشائي أو هو مجرّد الاعتبار النفساني، ويقول: ليس عندي دليل على أزيد من هذا المقدار.
وهذا الجواب بالنسبة إليه سيكون صحيحاً لا محالة، ولا حاجة فيه إلى إتعاب النّفس في مقام توجيه الجمع ما بين المدلول التصديقي الأقصى وما بين الأحكام الظاهريّة، ولا يرد حينئذٍ إشكال نقض الغرض أو إشكال اجتماع الضدّين.
وأمّا من يقول: بأنَّ هذا المقدار لا يكفي بالنسبة إلى ما هو المسلّم عند المخطئة، فإنَّ القدر المسلّم عندهم أزيد من هذا المقدار من ثبوت الأحكام الواقعيّة، فحينئذٍ يكون هذا اعترافاً بالإشكال، ولا يكون جواباً.
وبتعبير آخر: كون هذا جواباً وعدم كونه جواباً يختلف باختلاف ما نقوله كمقدار مسلّم نريد أن نصحّحه، فإن كان المقدار المسلّم ممّا يلائم مع المقدار المصحّح في هذا الجواب فهو، وإلَّا فلا بُدَّ من التفتيش عن توجيه آخر.
والمعروف في كلماتهم بأنَّ هذا المقدار لا يكفي في مقام إثبات التخطئة، يعني: مجرّد أحكام إنشائيّة في المقام الذي سمّيناه: بالمدلول التصديقي الأوّل،
ـــــــــــــــــــــــــ[140]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ولا يكفي في مقام إثبات ما استقرّ عليه المخطئة من اشتراك الأحكام الواقعيّة بين الجاهل والعالم.
وقد يقال في مقام توجيه كفاية ذلك وتطعيم كلام الآخوند: يكون المقدار المصحّح في كلامه كافياً في إثبات المقدار المسلّم، وذلك أن يقال: لو اقتصرنا على هذا المقدار من البيان فمعنى هذا: أنَّ الواجبات الواقعيّة والمطلوبات النّفس الأمرية بالنسبة إلى الشاكّ خالية عن تمام أنحاء الإرادة والمبادئ الحقيقيّة، وهذا معناه: أنّه صورة حكم، وليس حقيقة حكماً، لكن هنا من الممكن الالتزام بثبوت الإرادة على طبق الحكم الواقعي، لكن مع تبعيض هذه الإرادة.
بعبارة أُخرى(1): إنَّ برهان المحقّق الخراساني في الوصول وقيام الحجّة، فالجزء الأخير من العلّة التامّة لفعليّة الحكم الواقعي ما لم يصل الحكم الواقعي إليه، وما لم تقم الحجّة عليه، بل قامت الحجّة على خلافه، فلا يكون الحكم الواقعي فعليّاً، بل يكون انشائيّاً، ومع كونه لا بأس باجتماعه مع الأحكام الظاهرية الفعليّة فإنَّ التنافي إنَّما هو بين الحكمين الفعليين لا بين الحكم الفعلي والانشائي، وبمجرّد وصوله وقيام الحجّة عليه يصبح فعليّاً.
وفي هذا الفرض لا يتصوّر حكم ظاهري على خلافه؛ إذ في فرض وصول
ـــــــــــــــــــــــــ[141]ــــــــــــــــــــــ
() أعاد السيّد الصدر (أدام الله ظلّه) ما كان قد ألقاه في محاضرة يوم الأربعاء كلّه، مع تطوير في العبارة وإضافة في النهاية، ونحن فيما يلي نثبت موارد التغاير الجزئي مع الإضافة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الواقع كيف يتصوّر جعل الحكم ظاهري على خلافه؟! فلا يلزم اجتماع حكمين فعليين: أحدهما ظاهري والآخر واقعي، بل إمّا أنَّ الظاهري هو الفعلي فقط، وإمّا أنَّ الواقعي هو الفعلي فقط.
قلت: إنَّ الوجوب الواقعي انشاء وجعل على طبيعي المكلّف مطلقاً، ولم يقيّد بعدم قيام أمارة على الخلاف. إذن، فهذا مشمول له جعلاً ومجعولاً، وانشاءً وفعليّةً.
أمّا جعلاً: فواضح من ناحية أنَّ الموضوع المقدر الوجود أخذ مطلقاً بحيث يشمله.
وأمّا مجعولاً وفعليّة: فمن ناحية أنَّ فعليّة المجعول تتوقّف على فعليّة الموضوع، وهذا مصداق للموضوع خارجاً، فإنّ الموضوع ليس إلَّا المكلّف البالغ العاقل، وهذا بالغ عاقل، والمفروض أنَّه لم يؤخذ عدم الشكّ شرطاً أو قيداً، فهذا مصداق للموضوع، فيكون الموضوع في حقّه فعليّاً، وحينئذ فلا محالة يصير الحكم فعليّاً؛ لأنَّ فعليّة الحكم تابعة لفعليّة موضوعه على حدِّ تابعيّة المعلول للعلّة، فقد صار هذا مشمولاً للحكم الواقعي انشاء وفعلية معاً.
إلَّا أنَّ صاحب الكفاية عندما يستعمل هذه الاصطلاحات: الإنشاء والفعليّة، ونحو ذلك، لا يقصد من ذلك معانيها عند الميرزا، فالميرزا يقول له: بأنَّ الانشاء والفعليّة بحسب مصطلحاتي لا يعقل التفكيك بينهما، ومن قال له بأنَّ الآخوند يقول بالتفكيك بينهما بحسب مصطلحات الميرزا؟! بل الآخوند يقصد من الانشاء والفعليّة معنى آخر أجنبي عن مصطلحات
ـــــــــــــــــــــــــ[142]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الميرزا؛ ولذلك هذا الإشكال من قبل الميرزا من الغرائب على صاحب الكفاية(1).
فالآخوند يصطلح على الخطاب الواقعي الذي يكون تامّاً في كلامه بمدلوليه، سواء قام الكشف على المدلول التصديقي الأقصى أو المدلول التصديقي المتوسط بالحكم الفعلي، ويصطلح على الخطاب الذي يكون تامّاً عن الكشف عن المدلول التصديقي المتوسط ويكون منسلخاً عن الدلالة الفعليّة عن ذلك المدلول التصديقي الأقصى بالحكم الانشائي.
لكن بقرينة جعل الأحكام الظاهرية، وبقرينة استحالة اجتماع حكمين فعليين في مورد واحد ببراهين بن قبة.
حينئذٍ نرفع اليد عن المدلول التصديقي الأقصى للخطاب الواقعي بمقدار ما يقتضي المحذور لا أكثر من ذلك، فلا نقول: بأنَّ الخطاب الواقعي منسلخ عن المدلول التصديقي الأقصى، وأنَّ المبادئ الواقعيّة غير موجودة أصلاً، بل بمقدار ما يرتفع المحذور؛ لأنَّ الضرورات تقدر بقدرها، يعني: بمقدار ما لم يقم أمارة على الخلاف، فالخطاب الواقعي في موارد قيام الأمارة على الخلاف يكون مدلوله التصديقي الأقصى غير ثابت، وإنّما يتمحّض حينئذٍ للمدلول التصديقي المتوسط.
ـــــــــــــــــــــــــ[143]ــــــــــــــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: إنَّ الميرزا يقصد بأنَّ اصطلاحاتي هي الصحيحة، وإنَّ هذا هو الواقع دون اصطلاحات الآخوند.
أجاب (سلّمه الله): إذن، فلا بُدَّ أن نبحث في أصل ذاك المطلب لا في هذا (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وهذا معنى كونه حكماً انشائياً، فالخطاب الواقعي الواحد عند قيام أمارة على الوفاق يكون كلا مدلوليه تامّاً؛ إذ لا قرينة على الخلاف فيكون حكماً فعليّاً، وعند قيام قرينة على الخلاف نرفع اليد عن المدلول التصديقي بمقدار المحذور، ونلتزم بأنَّ هذا الحكم حكم انشائي؛ لأنَّه في هذا المورد لم يسلم فيه إلَّا مدلوله التصديقي المتوسط.
وحتّى هذا الشاكّ الذي نرفع اليد بالنسبة إليه عن المدلول التصديقي، لا نرفع اليد عن المدلول التصديقي الأقصى بالمرة، بحيث نلتزم بعدم وجود مبادئ المحبوبيّة على الإطلاق، بل نلتزم بارتفاع المرتبة التي تنافي الحكم الظاهري من المحبوبية، فأصل المحبوبية مثلاً لا بأس بالالتزام بثبوتها، ومن هنا يكون الاحتياط حسناً حينئذٍ، فحسن الاحتياط إنَّما هو بلحاظ بقاء المرتبة الأدنى من المدلول التصديقي. هذا حاصل توضيح ما أفاده صاحب الكفاية(1).
وقد يقال في المقام: بأنَّ لازم هذا البيان ليس هو التبعيض في المدلول التصديقي الأقصى، بحيث يلتزم بأنَّه بالنسبة إلى الشاك المدلول التصديقي الأقصى غير موجود، وبالنسبة إلى غير الشاكَّ الذي قامت عنده الحجّة على الوفاق يكون المدلول التصديقي ثابت. أليس قولنا: إنَّ هذا الخطاب بالنسبة إلى مدلوله التصديقي الأقصى نبعّض فيه، فنرفع اليد عنه بالنسبة إلى الشاكّ، وبالنسبة إلى غير الشاكّ نلتزم ببقاء المدلول التصديقي الأقصى الذي هو عبارة
ـــــــــــــــــــــــــ[144]ــــــــــــــــــــــ
() وهنا قال سيّدنا الأُستاذ، جواباً على أحد الأسئلة: بأنَّ مجموع عبائره وافٍ بإثبات ذلك المطلب. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
أُخرى عن مرتبة فعليّة الحكم بحسب اصطلاح الآخوند؟
كما قد يقال في المقام: بأنَّه بناءً على هذا المبنى لا يعقل فرض كون الخطاب دالّاً على المرتبة الفعليّة، ولا في مورد أصلاً، بل لا بُدَّ من الالتزام حينئذٍ بتمحّض الخطاب الواقعي للمدلول التصديقي المتوسط الذي هو المرتبة الانشائيّة، مع سلخه بالمرة عن الدلالة على مرتبة الفعليّة، ببرهان: أنَّه بناءً على هذا التقريب فحينئذٍ المدلول التصديقي الأقصى الذي هو عبارة أُخرى عن مرتبة فعليّة الحكم الذي قيّدناه بالوصول وبقيام حجّة عليه، أي: بوصول الخطاب، فإنَّه طبعا هذا الوصول الذي أُخذ في موضوع المدلول التصديقي الأقصى ليس هو وصول نفسه، وإلَّا يلزم أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه، وإنَّما هو وصول الخطاب الواقعي، فالمدلول التصديقي في المقام التزمنا بتقييده بوصول الخطاب لا بوصول نفسه؛ لاستحالة أخذ العلم بالإرادة في موضوع نفس الإرادة، فالمدلول التصديقي الذي هو عبارة أُخرى عن مرتبة فعليّة الحكم الذي هو عبارة أُخرى عن مرتبة فعليّة الإرادة، أُخذ فيه وصول الخطاب.
إذن، فهذه المرتبة التي هي مرتبة فعلية الحكم في طول العلم بالخطاب الذي هو في طول الخطاب، وما كان في طول الخطاب كيف يعقل أن يكون مدلولاً لهذا الخطاب؟ لأنَّ مدلول الخطاب أسبق رتبة من الخطاب، وهذا أصبح في طول العلم بالخطاب الذي هو في طول الخطاب، فهو متأخّر رتبة عن الخطاب.
إذن، فلا بُدَّ أن يكون متمحّضاً في مقام الدلالة والنظر إلى المدلول التصديقي المتوسط من دون نظر إلى مرتبة الفعليّة، فإنَّ مرتبة الفعليّة أصبحت
ـــــــــــــــــــــــــ[145]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
في طوله وفي المرتبة المتأخّرة عنه، ولا يعقل للخطاب أن يتكفل النظر إلى ما هو هو في طوله.
وقد يقال: إلَّا أنَّ هذا الإشكال ليس بشيء في المقام، فهو غير وارد على المحقّق الخراساني؛ وذلك لأنَّ ما هو في طول الخطاب غير ما هو مدلول الخطاب، فما هو في طول الخطاب هو ثبوت الفعليّة على نحو القضية التنجّيزيّة، يعني: متى تتحقق مرتبة فعليّة الإرادة التي هي مرتبة فعلية الحكم؟ عند العلم بالخطاب الذي هو في طول الخطاب مثلا، ففعليّة الإرادة التي هي مرتبة فعليّة الحكم، وثبوتها خارجاً في طول الخطاب ثبوتاً بنحو القضيّة التنجيزيّة في طول الخطاب.
ليس المدّعى أنَّ الخطاب يتكفّل هذه القضيّة التنجيزيّة التي هي في طول العلم، بل هو يتكفّل القضيّة الكلّيّة التعليّقيّة، فيتكفّل الفعليّة المشروطة، بعد ضمّ القرينة المقيّدة إليه من الخارج، فهو يتكفّل الفعليّة على تقدير العلم بنفسه، لا ثبوت الفعليّة بالفعل، فهو يتكفّل الفعليّة بنحو القضيّة التعليّقيّة لا الفعليّة بنحو القضيّة التنجيزيّة.
والفعليّة في المقام تتصوّر على نحوين:
فتارةً: الفعليّة تكون بنحو القضيّة التنجيزيّة، وهذه الفعليّة هي فرع وجود شرطها، وشرطها هو العلم بالخطاب الذي هو فرع الخطاب، إذن، فالفعليّة بنحو القضيّة التنجيزيّة في طول الخطاب، فلا يعقل أن يتكفّلها الخطاب.
وتارةً: الفعليّة تكون بنحو القضيّة التعليّقيّة والشرطيّة، فهو ليس في طول
ـــــــــــــــــــــــــ[146]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الخطاب، فإنَّ كون الإنسان بحيث يكون الحكم فعليّاً في حقّه -لو علم مفاد هذه القضيّة الشرطيّة- ليس في طول الخطاب، بل هذا ثابت حتّى في المرتبة السابقة. وما يكون الخطاب متكفّلا له بعد ضمّ المقيّد إليه إنَّما هو القضيّة التعليّقيّة للفعليّة لا القضيّة التنجيزيّة، فإشكال المحقّق العراقي في المقام أيضاً مبني على الخلط بين القضيّة التعليّقيّة للفعليّة والقضيّة التنجيزيّة لها، فهذا الكلام من قبل صاحب الكفاية في نفسه أمر معقول.
لكن الكلام في أنَّ هذا الأمر المعقول هل يكون جواباً عن الشبهة، أو يكون اعترافاً بها، فكونه جواباً عن الشبهة أو اعترافاً بها موقوف على أن نرى أنَّ المقدار المتيقّن من التخطئة التي فرضناها أصلاً موضوعيّاً، وصارت منشأ للإشكال -لأنَّا لو كنّا مصوّبة، وكنّا نقول بعدم وجود الحكم الواقعي لما كان هناك إشكال في المقام- بأيّ مقدار تقتضي افتراض وجود الواقع؟ فهل يكفي مجرّد الوجود الانشائي أو الاعتبار النفساني في هذا الأصل الموضوعي وجود الواقع في هذه المرتبة معرىّ عن المدلول التصديقي الأقصى والمبادئ الحقيقية؟
أو أنَّ فرض التخطئة أصلا موضوعيّاً، هو فرض اشتراك الشاكّ مع العالم في الأحكام الواقعيّة الحقيقية، لا في الأحكام الانشائيّة الاعتباريّة الخياليّة؟
إذا قلنا إنَّ التخطئة لا تقتضي أكثر من هذا المقدار. إذن، فهذا المقدار مريح، وقد أراحنا من أوّل الأمر.
وإذا افترضنا أنَّ هذه التخطئة تقتضي أكثر من هذا المقدار. إذن، فهذا يكون -بحسب الحقيقة- اعتراف بالإشكال، لا أنَّه جواب عنه؛ اذ يكون
ـــــــــــــــــــــــــ[147]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
معناه: أنَّ ما فرضناه أصلاً موضوعياً باطل، وهذا هو معنى الاعتراف بالإشكال
في مقام الجواب عن برهان الامتناع(1) مرجعه إلى التبعيض في متعلّق الحكم الواقعي من حيث المبادئ الحقيقية.
وتوضيح هذا الوجه يتوقّف على بيان مقدّمة توضيحيّة، وحاصلها: أنَّ الموجود الذي يكون مشتملاً على حيثيّات وجوديّة متعدّدة، قد يكون -سواء للمولى أو لغير المولى- مراداً له بتمام حيثيّاته، وقد يكون غير مراد له بتمام حيثيّاته، وقد تختلف هذه الحيثيّات الوجوديّة التي يتألّف منها هذا الوجود الواحد، فيكون من بعض حيثيّاته مراداً، ومن بعضها مكروهاً، فمثلاً: الصلاة موجود واحد بالاعتبار، ومركّب من: ركوع، وسجود، وقرآن، ونحو ذلك، وهذا الموجود الواحد باعتبار كونه متكوّناً من عدّة أجزاء وكلّ جزء هو حيثيّة وجوديّة في نفسها، وحينئذٍ قد تتعلّق الإرادة بإيجاد الصلاة من ناحية هذه الحيثيّة الوجوديّة من حيثيّات الصلاة، وهي الركوع فقط، وقد تتعلّق إرادة
ـــــــــــــــــــــــــ[148]ــــــــــــــــــــــ
() لم ينسب سيّدنا الأُستاذ هذا الوجه إلى أحد في أثناء المحاضرة.
لذا فقد سألته: عن قائله.
فأجاب (سلمه الله): نسب هذا الوجه في حقائق الأُصول (الجزء2، ص77) إلى المحقّق العراقي، إلَّا أنَّه غير موجود في المقالات ولا في التقريرات، والموجود فيها وجه أدق وألطف، وهو ما سنذكره غداً إن شاء الله تعالى. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
المولى بإيجاد تمام الحيثيّات الوجوديّة للصلاة، كالركوع والسجود والقراءة ونحو ذلك، وقد تتعلّق كراهة المولى بإيجاد الحيثيّة الأُخرى التي هي السجود، فيكون الركوع واجباً ويكون السجود محرّماً.
ونفس هذا الذي يتصوّر في المركبات حيث إنَّ المركّب يأتلف من حيثيّات وجوديّة مندمجة بعضها في بعض، كذلك يتصوّر في الأفعال ذات المقدّمات الكثيرة، فإنَّ الفعل الذي له مقدّمات كثيرة يتحيّث من ناحية كلّ مقدّمة من هذه المقدّمات، فهو له حيثيّة وجوديّة من ناحية هذه المقدّمة، وهو وجوده من ناحيتها، وله حيثيّة وجوديّة أُخرى من ناحية تلك المقدّمة وهكذا، فبتعدّد مقدّماته بالتحليل تتعدّد حيثيّات وجوده.
وحينئذٍ يأتي فيه نفس ما أتى في المركّبات ذات الأجزاء، فإنّه أيضاً يتصوّر فيه تعلّق إرادة المولى بإيجاد هذ الفعل بتمام حيثيّاته الوجوديّة، وبإيجاده من ناحية تمام مقدّماته، وأُخرى تتعلّق إرادة المولى بإيجاده من ناحية بعض مقدّماته، لا من ناحية تمامها، فمثلاً: لو فرضنا في الواجب المعلّق الذي فرض أنَّ له عدّة مقدّمات، وبعض هذه المقدّمات غير مرادة للمولى، مع كون الإرادة فعليّة في الواجب المعلّق. وهذا ما يفترق فيه عن الواجب المشروط، فإنَّ الإرادة في الواجب المشروط غير فعليّة، وفي المعلّق فعليّة.
فمع كونها فعليّة فإنَّ الإرادة والحبّ والوجوب لا يترشّح على بعض المقدّمات؛ لأنَّها ليس ممّا أُريد الواجب من ناحيتها، وإنَّما أُريد الواجب من ناحية سائر المقدّمات.
ـــــــــــــــــــــــــ[149]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إذن، حاصل المقدّمة أنَّ الموجود المؤلّف من حيثيّات وجوديّة متعدّدة
-سواء كان تعدّدها تعدّداً جزئياً، كما هو الحال في باب المركّبات، أو من ناحية كثرة المقدّمات، كما هو الحال في الفعل الذي يتوقّف على عدّة أُمور- يتصوّر التبعّض من حيث الإرادة، بحيث تكون الإرادة متعلّقة ببعض الحيثيّات الوجوديّة دون بعض، بل قد تكون الكراهة متعلّقة بالحيثيّة الأُخرى من دون منافاة أصلاً.
بعد هذا لا بُدَّ من بيان مقدّمة توضيحيّة خاصّة بالنسبة إلى خصوص المقام، وهي: أنَّ صدور الواجب من المكلّف -كصلاة الجمعة- له مقدّمات كثيرة، وجملة من المقدّمات راجعة إلى المولى، فلا بُدَّ للمولى أن يقوم بها، فمن جملتها: إلزام المولى بصلاة الجمعة، فإنَّه لو لم يلزم بها فلا تقع من العبد في الخارج، حتّى لو كان مخلصاً لمولاه.
ومن جملتها أيضاً: التصدّي لإيصال هذا الإلزام، فإنَّ الإلزام وحده لا يكفي، بل لا بُدَّ أن يتصدّى المولى لإيصاله، كما بالنسبة إلى الشاكّ، فإنّه لا يكفي في مقام إيصال الإلزام إليه جعل الخطاب الواقعي فقط؛ لكونه شاكّاً فيه، فيحتاج إلى جعل خطاب ظاهري في مقام إيصال هذا الإلزام إليه.
إذن، فهناك عدّة مقدّمات تتصوّر من قبل المولى لصدور صلاة الجمعة، أحدها: أصل الإلزام، والآخر: إيصال هذا الإلزام، ولو بإيجاب الاحتياط مثلاً، وجعل خطاب ظاهري تنجيزي في مورد الشكّ.
إذا اتّضحت هاتان المقدّمتان فيتضح ما هو المقصود من هذا الوجه، فإنَّه
ـــــــــــــــــــــــــ[150]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بعد أن عرفنا أنَّ الواجب الواقعي هو صلاة الجمعة التي لها عدّة مقدّمات من ناحية المولى، لا أقلّ من مقدّمتين، فحينئذٍ -على أساس ما ذكرناه في المقدّمة الأولى- إمّا أن تكون إرادة المولى متعلّقة بإيجاد صلاة الجمعة بتمام حيثيّاتها وتمام مقدّماتها من ناحية الإلزام ومن ناحية وصول الإلزام، وجعل الاحتياط أو جعل الإلزام الظاهري، أو تكون مرادة من ناحية مقدّمة دون مقدّمة، فتكون صلاة الجمعة مرادة من ناحية المقدّمة الأولى، وهي أصل الإلزام، فلو فرضنا في المقام أنَّ المولى كانت إرادته متعلّقة بصلاة الجمعة من ناحية تمام المقدّمات، لا من ناحية مقدّمة دون مقدّمة، فيستحيل في هذا الفرض صدور الترخيص من قبل المولى؛ لأنَّ هذا الترخيص نقض لغرضه، ومضادّ لإرادته الواقعيّة لا محالة ومناف لها.
وأمّا إذا كانت إرادة المولى لصلاة الجمعة إرادة من حيث المقدّمة الأولى فقط. إذن، فلا يكون هناك منافاة بين إرادته الواقعيّة لصلاة الجمعة، وبين ترخيصه الظاهري في ترك صلاة الجمعة بلسان أصالة البراءة والحلّ ونحوهما من الأُصول الترخيصيّة، أو بلسان الأمارة الدالّة على النفي مثلاً؛ وذلك لأنَّ ما هو متعلّق إرادته الواقعيّة إنَّما هو حفظ وجود صلاة الجمعة من ناحية المقدّمة الأولى، لا حفظ وجودها من ناحية تمام المقدّمات.
إذن، فأيّ تنافٍ بين إرادة حفظ هذا الوجود من ناحية المقدّمة الأوّلى، وبين إرادة حفظه من ناحية المقدّمة الثانية، بل التّصدّي لعدم حفظه وإتلافه وإعدامه من ناحية المقدّمة الثانية، فلا تنافي بين تلك الإرادة وما بين هذا الترخيص.
ـــــــــــــــــــــــــ[151]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فإذا تصوّرنا هذا المطلب فيكون هذا هو وجهاً للجمع ما بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة، فنلتزم بأنَّ المبادئ الحقيقيّة للأحكام الواقعيّة قائمة بحفظ وجود صلاة الجمعة من حيثية واحدة، لا من ناحية جميع المقدّمات، حتّى من ناحية إيصال هذا الإلزام بلسان إيجاب الاحتياط، فلو التزمنا بأنَّ المبادئ الحقيقيّة متعلّقة بالواجب من ناحية المقدّمة الأولى فلا يبقى تنافٍ بينها وبين الترخيص وإتلاف المقدّمة الثانية وإعدامها.
فكما ترتفع شبهة اجتماع الضدّين، ترتفع شبهة نقض الغرض أيضاً، فإنّه لا يكون هذا نقضاً للغرض؛ لأنَّ غرضه إنَّما يكون بمقدار إرادته التي تعلّقت بحفظ الوجود من ناحية المقدّمة الأولى، لا بحفظه من ناحية سائر المقدّمات.
وهذا يمتاز على الوجه الثالث -الذي ذكرناه عن صاحب الكفاية- بأنَّ هذه المبادئ الحقيقيّة محفوظة هنا مطلقاً، غاية الأمر التبعيض في متعلّق هذه المبادئ الحقيقيّة، لا أنَّنا نقول بعدم ثبوتها بالنسبة إلى الشاكّ -كما كان يقول الآخوند- بل هنا يقال: بأنَّ المبادئ الحقيقيّة ثابتة لكلّ مكلّف، لكنّها ثابتة بمقدار حفظ الوجود من ناحية المقدّمة الأولى.
التعليق على ما أفاده
وهذا الوجه وإن كان بحسب الصورة لا يخلو عن وجاهة، إلَّا أنَّه لا يرجع بحسب التحقيق إلى محصّل؛ وذلك لأنَّ التبعيض في الإرادة بالنسبة إلى المركّب الذي يكون له أجزاء يكون من ناحية طرف الوجود بلا حاجة إلى ملاحظة طرف العدم، فإنّ نفس الصلاة بما هي مركّب عبارة عن وجودات متعدّدة،
ـــــــــــــــــــــــــ[152]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فوجود الركوع غير وجود السجود، ووجود السجود غير وجود التكبير، فمن المعقول أن يكون بعض هذه الوجودات مراداً وبعضها مبغوضاً، بلا حاجة إلى إرجاعه إلى باب العدم، فالتبعيضيّة في باب المركّبات لا يحتاج إلى إرجاع إلى باب العدم.
وأمّا التبعيض في باب الأفعال ذات المقدّمات الكثيرة، فهو وإن كان معقولاً -كما ذكر في هذا الوجه- إلَّا أنَّ التبعيض من ناحية المقدّمات يستحيل أن يكون من ناحية طرف الوجود؛ لأنَّ كون الفعل له مقدّمات كثيرة ليس معناه اشتمال هذا الفعل على حيثيّات وجوديّة كثيرة، فإنَّ الفعل لا تتعدّد حيثيّاته الوجوديّة بتعدّد مقدّماته، وإنَّما الذي يتعدّد بتعدّد مقدّماته أعدامه، لا حيثيّاته الوجوديّة، فإنّه بعد كلّ مقدّمة من مقدّماته يتصوّر له عدم بلحاظ تلك المقدّمة، كما قيل في المبادئ الأوّليّة للعلوم: من أنَّ وجود المعلول يتوقّف على وجود تمام أجزاء العلّة(1)، ولكن عدم المعلول يكفي فيه عدم أحد أجزاء العلّة، فوجود المعلول لا يتعدّد بعدّد المقدّمات، ولكن عدم المعلول لا محالة يتحصّص إلى حصّص كثيرة بعدّد المقدّمات، فمثلاً يقال: إنَّ عدم وجود هذا الفعل يتحصّص إلى الحصّص الناشئة من هذه المقدّمة والحصة الناشئة من تلك المقدّمة، وهكذا.
فالتحصّص والتكثّر لا بُدَّ أن يلحظ في طرف العدم، لا في طرف الوجود، فمثلاً: كون فلان عالماً له مقدّمات كثيرة، وكونه ليس بعالم يمكن أن ينشأ من
ـــــــــــــــــــــــــ[153]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: نهاية الحكمة: 159.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
هذه المقدّمة، فإنّه لم يدرس، ويمكن أن ينشأ من المقدّمة الثانية، فإنّه لم يواظب على درسه وهكذا إلى الآخر، فعدم كونه عالماً يتحصّص بحصّص مقدّماته، لكن كونه عالماً فهذا أمر بسيط، وليس مشتملاً على حيثيّات وجوديّة كثيرة.
إذن، فالتبعيض في الفعل الذي له مقدّمات كثيرة معناه التبعيض في باب العدم، وأنَّ المولى يريد سدّ باب عدم الفعل من ناحية هذه المقدّمة، ولا يريد سدّ باب العدم من ناحية مقدّمة أُخرى، بعد أن فرضنا أنَّ التبعيض في مقدّمات الفعل الذي له مقدّمات، فلا بُدَّ أن يرجع إلى باب العدم، حيث إنَّ كثرة المقدّمات توجب إعدام ذي المقدّمة، لا كثرة وجوداته، وحينئذٍ لا بُدَّ أن يرجع التبعيض في باب الإرادة إلى التبعيض في سدّ باب العدم، فيقال: بأنَّ المولى يريد سدّ باب العدم من ناحية هذه المقدّمة، وهذا أمر معقول.
فإذا فرضنا أنَّ التبعيض المعقول المتصوّر للفعل الذي له مقدّمات هو التبعيض في مقام سدّ باب العدم، فإنَّ المولى يريد سدّ باب هذه الحصّة من العدم، ولا يريد سدّ باب تلك الحصة من العدم، فلكي نأتي إلى محلّ الكلام، فنقول: بأنّ صلاة الجمعة لها أعدام بعدّد أعدام مقدّماتها -والآن الكلام في المقدّمات الراجعة إلى المولى، لا المقدّمات الراجعة إلى العبد كالوضوء، والمقدّمات الراجعة إلى المولى مقدّمتان: أحدهما: أصل الإلزام. والأُخرى: إيصال الإلزام، ولو في حال الشكّ بلسان جعل وجوب الاحتياط- فهنا تعدّد المقدّمات أوجب تعدّد أعدام صلاة الجمعة، فإنَّ عدم صلاة الجمعة تارةً ينشأ من ناحية عدم الإلزام رأساً، فإنّ المولى لم يلزم أصلاً في المطلب، حتّى يصير في
ـــــــــــــــــــــــــ[154]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
معرض الوصول، فيصل إلى فرد ولا يصل إلى فرد آخر، وهذا عدم ناشئ من عدم المقدّمة الأولى.
وهناك يتصوّر عدم آخر لصلاة الجمعة، وهو العدم الناشئ من عدم المقدّمة الثانية، فالمقدّمة الأولى تامّة، فإنّ المولى ألزم بصلاة الجمعة واقعاً، ولكنّه لم يقصد لإيصال هذا الإلزام إلى الشاكّ بلسان جعل وجوب الاحتياط، فإنَّما يصدر منه صلاة الجمعة بحسب الخارج؛ لأجل عدم المقدّمة الثانية، فعدم صلاة الجمعة ينشأ من عدم المقدّمة الثانية.
فهنا يتصوّر عدمان لصلاة الجمعة من ناحية المقدّمات الراجعة إلى المولى الناشئة من عدم المقدّمة الأولى، وعدم ناشئ من عدم المقدّمة الثانية، وهذا التبعيض الذي ادّعي في هذا الوجه، لا بُدَّ أن يرجع إلى أنَّ إرادة المولى الواقعيّة متعلّقة بسدّ باب عدم صلاة الجمعة، لكن أيّ عدم؟ هو العدم الناشئ من المقدّمة الأولى، لا العدم الناشئ من عدم المقدّمة الثانية، فالمولى يريد سدّ باب صلاة الجمعة الناشئ من عدم الإلزام الواقعي، وهذه الإرادة بهذا المقدار لا تنافي مع أعدام المقدّمة الثانية؛ لأنَّ المولى لا يريد سدّ باب العدم من ناحية المقدّمة الثانية، وإنَّما يريد سدّ باب العدم من ناحية المقدّمة الأولى، فبناءً على هذا التحرير يرجع هذا المدّعى الى هذا البيان.
وحينئذٍ نقول: بأنَّ الإرادة الواقعيّة التي فرضناها تعلّقت بسدّ باب العدم من ناحية المقدّمة الأولى، فالمولى يريد أن يسدّ عدم صلاة الجمعة الناشئ من عدم الإلزام الواقعي -فمحلّ بحثنا حول العدم الذي يريد المولى سدّه، وهو
ـــــــــــــــــــــــــ[155]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
عدم صلاة الجمعة الناشئ من ناحية المقدّمة الأولى- فنقول: ما المراد من الإلزام الواقعي في المقام الذي تعلّقت إرادة المولى وحكمه بسدّ عدم صلاة الجمعة الناشئ من ناحية عدمه؟
إمّا أن يراد به الإلزام الواقعي في عالم الإرادة، بمعنى: الإلزاميّة والحكم الإلزامي، وإمّا أن يراد به الإلزام الواقعي بحسب عالم الإنشاء والخطاب، بمعنى: إنشاء الإلزام، فلا يخلو من أحد هذين الأمرين، فإن أُريد به الإلزام الواقعي بحسب عالم الإرادة -فالمقدّمة الأولى هي إرادة صلاة الجمعة، فالمولى تعلّقت إرادته الواقعيّة بسدّ باب عدم صلاة الجمعة الناشئ من ناحية عدم تعلّق الإرادة- فهذا معناه الاعتراف بوجود إرادة في المرتبة السابقة على هذه الإرادة المبعّضة في المرتبة السابقة على هذه الإرادة الواقعيّة التي تعلّقت بسدّ باب عدم صلاة الجمعة من ناحية عدم المقدّمة الأولى، فلا بُدَّ من فرض إرادة سابقة تتعلق بصلاة الجمعة؛ لأنّ هذا هو فرض المقدّمة الأولى، حيث فرضنا في المقام أنَّ إرادة المولى الواقعيّة تعلّقت بسدّ باب عدم صلاة الجمعة الناشئ من ناحية عدم المقدّمة الأولى الناشئ من ناحية عدم الإرادة التي قلنا: إنَّها معنى الإلزام. إذن، فقد فرضت هناك إرادة قبل هذه الإرادة التي تعلّقت بسدّ باب العدم، وهذه الإرادة الثانية تكون في طولها، وتكون متعلّقة بسدّ باب عدم صلاة الجمعة الناشئ من ناحية عدم تلك الإرادة القبليّة، فلا بُدَّ من فرض إرادة في المرتبة السابقة متعلّقة بصلاة الجمعة، وحينئذٍ يعود الإشكال جذعاً من حيث إنَّ تلك الإرادة الثابتة في المرتبة السابقة، والتي فرضناها متعلّقة بصلاة
ـــــــــــــــــــــــــ[156]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الجمعة، فكيف يمكن التوفيق بين الإرادة المتعلّقة بصلاة الجمعة وبين الترخيص الظاهري، فلو التزمنا في تلك الإرادة أيضاً بالتبعيض، وبكونها إرادة لسدّ باب العدم، فيلزم التسلسل إلى أن ينتهي إلى إرادة متعلّقة بذات الفعل. هذا إذا فُرض أنَّ المراد من المقدّمة الأولى هو الإلزام في عالم الإرادة، بمعنى: الإرادة.
وأمّا إذا أُريد من المقدّمة الأولى محض الإنشاء -والخطاب إنشاء الإلزام بصلاة الجمعة، لا إرادة صلاة الجمعة(1)– فمقدّميّتها ساقطة أصلاً، فإنّنا قلنا:
-بأنَّ مجرّد إنشاء الإلزام من دون أن يكون على طبقه إرادة لا يكون محرّكاً أصلاً، و لا يجب امتثاله، كما حقّقناه في ردّ الجواب الثاني من الأجوبة السابقة- إنَّ حكم العقل بوجوب الامتثال موضوعه هو الخطاب المبرز للإرادة المولويّة وللمبادئ الحقيقيّة، وأمّا مجرّد الإنشاء فلا يكون موضوعاً لحكم العقل لوجوب الامتثال، فإذا لم يكن موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال فلا يكون مقدّمة بالنسبة إلى وجوب صلاة الجمعة في الخارج؛ لأنَّ مقدّميّته لها باعتبار كونه موضوعاً لحكم العقل، وإذا لم يكن موضوعاً لحكم العقل فلا يكون مقدّمة، وإذا لم يكن مقدّمة فلا يتصوّر سدّ باب العدم من ناحية هذه المقدّمة، فيبطل الكلام من أساسه.
فإذا جعلت المقدّمة الأولى هي الإرادة النفسانيّة المولويّة، وفرض أنَّ
ـــــــــــــــــــــــــ[157]ــــــــــــــــــــــ
() وأنَّ إرادة المولى الرافعيّة تعلّقت بسدّ باب عدم صلاة الجمعة الناشئ من عدم الالتزام الواقعي. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الإرادة الواقعيّة تعلّقت بسدّ باب عدم صلاة الجمعة الناشئ من عدم تعلّق الإرادة بصلاة الجمعة.
إذن، فقد فرضنا قبل هذه الإرادة المبعّضة إرادة أُخرى تعلّقت بصلاة الجمعة، وجاءت هذه الإرادة الثانية فتعلّقت بسدّ باب عدم صلاة الجمعة الناشئ من عدم تلك الإرادة.
فيقع الإشكال في تلك الإرادة المفروضة في الرتبة السابقة، حيث إنَّها متعلّقة بذات الفعل، إلَّا أن يُعمل معها نفس العمليّة، فيقال: إنَّ تلك الإرادة السابقة أيضاً متعلّقة بسدّ باب العدم، فيتسلسل الكلام حينئذٍ.
نعم، في المقام يمكن أن يقال: بأنَّ المقدّمة الأولى التي نفرضها الإنشاء، إلَّا أنَّ هذا الإنشاء ليس خالياً من الإرادة بقول مطلق، بل هو واجد للإرادة، لكن في ظرف الوصول لا مطلقاً، وهذا حينئذٍ يرجع إلى كلام الآخوند.
وفي المقام يلتزم بأنَّ المقدّمة الأولى التي تعلّقت إرادة المولى بسدّ باب عدم صلاة الجمعة من ناحية عدمها هي الحكم الإنشائي، لكن لا الصرف المحض، بل الحكم الإنشائي الذي يكون على طبقه فعليّة وإرادة ومبادئ حقيقيّة، لكن لا مطلقاً، بل في ظرف الوصول خاصّة، فإذا قيل بهذا فهذا يرجع إلى جواب الآخوند، ولا يكون وجهاً آخر، ويكون حينئذٍ ضمّ سائر هذه الضمائم إلى نكتة الآخوند من باب ضمّ الحجر إلى جنب الجدار. فهذا الوجه أيضاً لا يرجع إلى محصّل في المقام.
ـــــــــــــــــــــــــ[158]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وهنا لا بُدَّ أن يعرف التمييز بين اصطلاح الطريقيّة في قبال السببيّة، وبين اصطلاح جعل الطريقيّة الذي يقوله الميرزا في قبال جعل المنجّزيّة أو جعل الحكم المماثل، فإنَّ الطريقيّة تارةً يراد بها كون الأحكام الظاهريّة أحكاماً جعلت بقصد الاهتمام بالأحكام الواقعيّة، وبقصد تقرير الوظائف العمليّة تجاه الواقع دون أن يكون متعلقاتها ذات مبادئ حقيقيّة، في قبال السببية الذي معناه أنَّ الأمارة إذا قامت على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال فيكون الدعاء محبوباً و واجداً لمبادئ الوجوب الحقيقي، سواء كانت الأمارة مطابقة للواقع أو لم تكن مطابقة له، فالأمارة تكون سبباً لحدوث مبادئ الحكم الحقيقية في مؤداها. هذا هو القول بالسببية، وإنكار هذه السببية يسمّى بالطريقيّة.
وهذا المعنى من الطريقيّة أوسع من الطريقيّة التي يقولها الميرزا، فإنَّ طريقيّة الميرزا معناها جعل الطريقيّة، والطريقيّة هنا في مقابل السببية وليس معناها جعل الطريقية، بل لو فرضنا أنَّ المجعول هو المنجّزيّة، أو الحكم التكليفي، أو أيّ شيء آخر -على أيّ حال- فمناط الطريقيّة هو إنكار كون قيام الحجّة على وجوب شيء سبباً لحدوث المبادئ الحقيقيّة للوجوب في ذلك الفعل. والمراد بالطريقيّة في كلمات الأصحاب هو هذه الطريقيّة المقابلة للسببيّة.
وهذا الجواب الخامس الذي أفاده المحقق العراقي(1) مبني على القول بالطريقيّة، يعني مبني على أنَّ الأمارة لا تحدث مبادئ حقيقية من الإرادة
ـــــــــــــــــــــــــ[159]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: مقالات الأُصول 1: 314.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
والمصلحة والمحبوبيّة في الفعل الذي تقوم على وجوبه(1).
ففرض القول بالطريقيّة وإنكار السببيّة، هو فرض التخلّص من شبهة اجتماع الضدين؛ لأنَّ هذه الشبهة فيما لو فرض أنَّ حكم المولى الواقعي كان الإباحة أو الوجوب، وقامت الأمارة على عكسه، فشبهة اجتماع الضدين إنَّما تأتي فيما إذا التزمنا بأنَّ الحكم الظاهري أيضاً على طبقه مبادئ حقيقية كالحكم الواقعي، فحينئذٍ يلزم تضاد المبادئ الحقيقيّة للحكم الظاهري مع المبادئ الحقيقيّة للحكم الواقعي.
وأمّا إذا قلنا بأنَّ الأحكام الظاهرية ليس على طبقها مبادئ حقيقية، وإنَّما هي مجعولة على فهم الطريقيّة وبقصد الاهتمام بالأحكام الواقعيّة -كما سوف يأتي توضيحه- لا أنَّ لها ملاكاً مستقلاً ومبادئ مستقلّة في قبال مبادئ الأحكام الواقعية، بل نفس مبادئ الأحكام الواقعيّة هي مبادئ لها فلا يأتي بعد هذا شبهة اجتماع الضدين؛ إذ لم نفرض في المقام مبادئ للحكم الواقعي ومبادئ للحكم الظاهري حتّى يلزم من اجتماعهما اجتماع الضدين في المقام.
فالمحقّق العراقي في مقالاته تخلّص من شبهة اجتماع الضدين بفرض الطريقية وإنكار السببية؛ لأنَّ فرض هذه الشبهة هو فرض وجود مبادئ حقيقية لكلِّ من الحكمين، فإذا أنكرنا السببيّة فقد أنكرنا وجود المبادئ الحقيقيّة في الحكم الظاهري، فتزول شبهة مبادئ الضدين.
نعم، يبقى شبهة نقض الغرض حيث إنَّ مبادئ الحكم الحقيقي ثابتة
ـــــــــــــــــــــــــ[160]ــــــــــــــــــــــ
() كما يذهب إليه أصحاب مذاهب التصويب ومن إليهم. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بحسب الفرض، فإنَّ المفروض أنَّ صلاة الجمعة أو الدعاء عند رؤية الهلال واجب بحسب الواقع، وأنَّه واجد لمبادئ الوجوب الحقيقية حتّى في حال الشكّ، إذن، فكيف يجعل المولى الترخيص بلسان أصالة البراءة، أو بلسان صدق العادل، أو بأيّ لسان آخر.
مثل هذا الجعل للترخيص ظاهراً بأحد هذه الألسنة تفويت للغرض الواقعي. إذن، فتبقى شبهة نقض الغرض وتفويت المراد الواقعي.
وأمّا شبهة اجتماع الضدين فترتفع في المقام فيما إذا كان الدعاء عند رؤية الهلال واجباً واقعاً وقد قامت الأمارة على استحبابه ثُمَّ يطبقه على كلا الشبهتين، إلَّا أن فيما سبق كفاية عن ذكر هذا المثال.
وحاصل الجواب عن شبهة نقض الغرض يتوقّف على بيان مقدّمة إن تمت هذه المقدّمة يستنتج منها هذا الجواب حينئذٍ.
وحاصل هذه المقدّمة: أنَّ المطلوب التشريعي للمولى الذي يريده من العبد واقعاً، وهو بحسب الفرض الدعاء عند رؤية الهلال أو الحج أو أيّ شيء آخر هذا له مقدّمات كثيرة، هذه المقدّمات الكثيرة بعضها مقدّمات لذات الفعل بما هو بقطع النظر عن تعلّق إرادة المولى به، وبعضها مقدّمات لهذا الفعل في طول تعلّق إرادة المولى به يعني أنَّها صارت مقدّمات بلحاظ إرادة المولى.
فمن قبيل الأوّل السفر إلى الحج، فإنَّه مقدّمة للحج بما هو سفر بقطع النظر عن إرادة المولى للحج وعدمها، فإنَّها مقدّمة تكوينيّة للحج في نفسه بقطع النظر عن الإرادة وعدم الإرادة، وليست إرادة المولى للحج من مبادئ هذه
ـــــــــــــــــــــــــ[161]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
المقدّمة، ولهذا حتّى من كان يحج قبل إرادة المولى كان يسافر للحج.
وهناك مقدّمات تكون مقدّمات بلحاظ إرادة المولى، لا بما هي هي، أي: تكون في طول إرادة المولى، وفي المرتبة المتأخّرة فيها لا تتصوّر، ولا في المرتبة المتأخّرة عن إرادة المولى، فبعض هذه المقدّمات راجع إلى المولى وبعضها راجع إلى العبد، فما كان منه راجعاً إلى المولى كإبراز إرادته -إمّا بالخطاب الواقعي المتكفّل لإبراز تلك الإرادة واقعاً، وإمّا بالخطاب الظاهري المتكفّل لإيصالها إلى الشاكّ كجعل وجوب الاحتياط لو صدق العادل ونحوه- هذا الخطاب الواقعي أو الظاهري المبرز لإرادة المولى الواقعيّة المولويّة هو أحد مقدّمات حصول الحج بحسب الخارج؛ لأنَّ الإنسان بحسب الخارج ليس له داع إلى الحج وإلى تكبد مشاقه، وإنَّما يتكبد هذه المشاق فيما لو فرض أنَّه تنجّز عليه ذلك من قبل المولى، وإنَّما يتنجّز عليه ذلك من قبل المولى إذا أبرز هذا من قبل المولى. فالخطاب المبرز للإرادة المولوية ممّا يتوقّف عليه وقوع الحج بحسب الخارج، فلو لم يقل المولى:وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا(1) لما حجّ البيت هذه الآلاف المؤلفة.
فهذا مقدّمة لوقوع الحج بحسب الخارج، إلَّا أنَّ هذه المقدّمة مقدّمة في طول الإرادة؛ لأنَّ هذه المقدّمة إنَّما تكون مقدّمة باعتبار كشفها عن إرادة المولى. فهي مقدّمة بما هي كاشفة عن إرادة المولى، ومن المعلوم أنَّ الكاشف في طول المنكشف، وهذا بخلاف السفر إلى الحجّ، فإنَّ عملية طي المسافة خارجاً، إنَّما
ـــــــــــــــــــــــــ[162]ــــــــــــــــــــــ
(1) آل عمران: 97.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
هي مقدّمة بما هي طي، وهذه العمليّة لا يتصوّر أن تكون في طول إرادة المولى.
إذن، فهذه المقدّمة تختلف سنخاً عن القسم الأوّل من المقدّمات، فإنَّ القسم الأوّل من المقدّمات هي المسافة -مقدمات بما هي هي وليست في طول إرادة المولى- وأمّا هنا، فإبراز الإرادة المولوية بالخطاب، فمقدّمة بما هو كاشف عن الإرادة، وهي بما هي كاشف عن الإرادة في طول الإرادة، وفي المرتبة المتأخّرة عن تلك الإرادة، فهذه هي المقدّمة التي هي في طول الإرادة والتي يرجع أمرها إلى المولى، وهي إبراز الإرادة المولوية بالخطاب الواقعي أو الخطاب الظاهري.
وهناك بعض المقدّمات التي هي في طول الإرادة، وهي ترجع إلى العبد، ولا ترجع إلى المولى، وهي نفس إرادة العبد، فإنَّ إرادة العبد للحج معلولة لإرادة المولى بحسب الفرض؛ لأنَّ المفروض أنَّ هذا العبد لا ينقدح له داع إلى الحجّ بقطع النظر عن تحريك المولى، فإرادة العبد في المقام بما هو عبد منقاد لإرادة المولى، فهي أيضاً في طول إرادة المولى وفي المرتبة المتأخّرة عنها.
ومقصودنا من الآن بيان هذا الفهرست: هو تقسيم مقدّمات المطلوب التشريعي الذي يطلبه المولى من العبد إلى قسمين:
القسم الأوّل: مقدّمات بما هي وليست في طول إرادة المولى.
القسم الثاني: مقدّمات بما هي في طول إرادة المولى وفي المرتبة المتأخّرة عن إرادة المولى، وفي هذا القسم ذكرنا مثالين:
أحدهما: مقدّمة ترجع إلى المولى وهو نفس إبراز إرادته بخطاب واقعي أو
ـــــــــــــــــــــــــ[163]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ظاهري بما هو كاشف عن الإرادة؛ لأنَّ هذا مقدّميّة باعتبار كونه كاشفاً عن إرادة المولى، فهو في طولها.
ثانيهما: هي ارادة المولى، فباعتبار أنَّها معلولة لإرادة المولى فأيضاً تكون في طولها وفي مرتبة متأخّرة عنها.
إذا اتّضحت هذه المقدّمة فحينئذٍ تكون نتيجة هذه المقدّمة التي يستنتجها منها المحقّق العراقي أنَّ الإرادة المولوية المتعلّقة بالحج مثلاً، أو بالدعاء عند رؤية الهلال تكون محرّكة إلى المقدمات التي هي من القسم الأوّل، أي: إلى المقدمات بما هي هي، ويستحيل أن تكون محرّكة للمقدّمات التي هي في طول الإرادة، يعني: ما هو موضوع أو مصبّ أو مفروض لمحرّكيّة المولى إلى الحجّ إنَّما هو نفس الحجّ والمقدّمات التي هي من القسم الأوّل كالسفر إلى الحجّ وعمليّة طي المسافة، وأما المقدّمات من القسم الثاني، فيستحيل أن تقع موضوعاً لمحرّكيّة هذه الإرادة، فإنَّ هذه المقدّمات متأخّرة عن الإرادة وفي طول الإرادة، فكيف يعقل أن تقع موضوعاً لمحرّكيّتها؟
فيقول: ومن هنا قلنا في بحث مقدّمة الواجب، بناءً على وجوب المقدّمة، أنَّ تمام المقدّمات تتصف بالوجوب الغيري إلَّا الإرادة، فإنَّ(1) طي المسافة للحج مثلاً يتصف بالوجوب الغيري؛ لأنَّه موضوع لمحرّكيّة إرادة الحجّ، لكن إرادة المكلّف للحج لا تتصف بالوجوب الغيري؛ لأنّه يستحيل أن يكون موضوعاً لمحرّكيّة إرادة المولى للحج؛ لأنَّ هذه الإرادة في طول إرادة الحج.
ـــــــــــــــــــــــــ[164]ــــــــــــــــــــــ
() الحجّ تمام مقدّماته تتصف بالوجوب، مثل الطي… الخ. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
هذا الكلام بنفسه يأتي أيضاً في المقدّمة الراجعة إلى المولى، وهي إبراز تلك الإرادة، بخطاب واقعي أو ظاهري، فإنَّ هذا الإبراز إنَّما يكون مقدّمة لوقوع الحج في الخارج بما هو كاشف عن إرادة المولى.
إذن، فهذه المقدّمة في طول إرادة المولى، فإذا كانت في طولها فيستحيل أن تكون موضوعاً لمحرّكيّة إرادة المولى، فنفس الإرادة الواقعيّة الأوّليّة المتعلّقة بالحجّ التي هي روح حكم الله الواقعي بوجوب الحج، تلك الإرادة يستحيل أن تكون محرّكة للمولى إلى إبرازها بخطاب واقعي أو ظاهري؛ لأنَّ هذا إبراز مقدّمة في طول الإرادة، وما كان في طول الإرادة يستحيل أن يكون موضوعاً لمحرّكيتّها.
إذن، فلا بُدَّ وأن يكون إبراز تلك الإرادة بخطاب واقعي أو ظاهري متعلقاً لإرادة أُخرى ثانوية في طول تلك الإرادة الواقعيّة، فإنَّ هذا الإبراز بعد إن لم يكن محرّكاً ومبعوثاً نحوه بالإرادة الأولى، فلا بُدَّ من فرض إرادة ثانية تتعلق به، إرادة تكوينيّة ثانية تحرك المولى إلى النطق، وإلى إصدار خطاب واقعي أو ظاهري.
إذن، تمّ كل هذا نأتي إلى اقتباس الجواب من هذه المباني:
فحينئذٍ في المقام الأوّل نقول: بأنَّ المولى بعد فرض إرادته للحج، نفس إرادته للحج لا تحركه نحو إبراز خطابه؛ لأنَّ إبراز الخطاب من المقدّمات التي هي في طول إرادته للحج.
إذن، فهناك إرادة أُخرى لا بُدَّ وأن تفرض وتتعلّق بإبراز خطابه، وهذه الإرادة الأُخرى لماذا نفرضها؟ طبعاً هذه الإرادة الثانية لإبراز خطابه إنَّما هو
ـــــــــــــــــــــــــ[165]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بلحاظ اعتبار ملاحظة المصالح الملحوظة للمولى، يعني: ملاحظة الملاك الذي أوجب للمولى إرادته الأولى، فنفس الملاك الذي دعى المولى إلى إرادة الحجّ بالإرادة الأولى هو بنفسه يدعوه أيضاً إلى ارادة إبراز تلك الإرادة.
وحيث إنَّ الملاكات تختلف شدّة وضعفاً، فحينئذٍ هذه الإرادة الثانية التي نفرضها متعلّقة بإبراز الإرادة الأولى، فتارةً تتعلق بإبراز الإرادة الأولى بأيّ وجه اتّفق، سواء بالخطاب الواقعي، وإن لم يمكن فبالخطاب الظاهري بلسان: صدق العادل مثلا، فإن لم يمكن هناك عادل فبلسان: “قف عند الشبهة“(1)، وبلسان: “أخوك دينك“(2) وهكذا. فتارةً الإرادة الثانية تتعلّق بإبراز الإرادة الواقعيّة بايّ وجه ممكن من ناحية شدة الملاك الواقعي في نظر المولى.
وأُخرى تتعلّق الإرادة الثانية، بإبراز الإرادة الأولى بالخطاب الواقعي فقط، ولا تتعلّق بإبرازه بالخطاب الظاهري، بل تتعلّق إرادة أُخرى بالمولى بإبراز خلافه بالخطاب الظاهري. وهذا هو الواقع في موارد الأُصول المرخّصة، وفي موارد الأحكام الظاهرية الترخيّصيّة
وحينئذٍ فهذا الترخيص الظاهري لا يكون منافياً، ولا يكون نقضاً للغرض، لا بلحاظ الإرادة الأولى ولا بلحاظ الإرادة الثانية.
أمّا كونه نقضاً للغرض في الإرادة الأولى؛ لأنّنا قلنا: بأنَّ الإرادة الأولى يستحيل أن تكون محرّكة إلى المقدّمات التي هي في طول الإرادة، ومن جملة هذه
ـــــــــــــــــــــــــ[166]ــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 18: 122، باب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 39.
(2) وسائل الشيعة ۱۸: 123 باب 12 من صفات القاضي، الحديث ٤۱.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
المقدّمات إبراز الإرادة، فيستحيل أن تكون الإرادة الواقعيّة الأولى محرّكة نحو إبرازها لكي يكون عدم إبرازها، بل إبراز خلافها نقضاً لها وإبطالاً لمحرّكيّتها.
كما أنَّ هذا لا يكون نقضاً للغرض من الإرادة الثانية؛ لأنَّنا نفرض بأنَّ الإرادة الثانية تعلّقت بإبراز الإرادة الواقعيّة بمقدار الخطاب الواقعي، لا أكثر من هذا المقدار، وقد برز بمقدار الخطاب الواقعي، لكن إبراز خلافه ظاهراً لا إبراز خلافه واقعاً(1).
هذا هو الوجه الذي أفاده المحقّق العراقي(2).
ومن بيان هذا الوجه يُعرف أنَّ هذا لا أهميّة مع الوجه السابق الذي مرّ علينا سابقاً.
ـــــــــــــــــــــــــ[167]ــــــــــــــــــــــ
() فعندنا إرادتان والخطابات الظاهرية الترخيصيّة، لا هي نقض للغرض في الإرادة الأولى ولا في الثانية، أمّا الإرادة الأولى؛ لأنَّها لا تحرّك نحو المقدّمات التي هي في طولها حتّى يتنافى تحريكها مع الخطابات الظاهرية الترخيصيّة، وأمّا الإرادة الثانية فنفرض أنّها هي بمقدار إبراز الواقع بالخطاب الواقعي لا بإبراز الواقع كيفما اتّفق، فإنَّ الناس حسب اختلاف أغراضهم يختلفون في مقدار إبراز تلك الأغراض. (المُقرِّر).
(2) وهنا قال سيّدنا الأُستاذ جواباً على سؤال لأحد الإخوان: الآن البحث في الامتناع والإمكان لإثبات الإمكان. أمّا إذا أمكن بوجه من الوجوه، ثُمَّ قام عليه دليل من الخارج نحو: إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا وقلنا: بأنَّ هذا يدلّ على جعل الحجّيّة لخبر الواحد، أو (رفع ما لا يعلمون) يكون دليلاً على أصالة البراءة، فحينئذٍ الدليل يكون ذلك. أمّا الآن فكلامنا في تصوّر وجه بحيث يكون معقولاً، ولا يكون فيه نقض الغرض. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
مناقشة ما أفاده العراقي في هذا الوجه
وهذا الوجه بالرغم من أنَّه بحسب الصورة صناعي، إلَّا أنَّه لا يرجع إلى محصل. وحاصل الجواب من هذا الوجه أمران:
الأمر الأوّل: هو أنَّ إبراز الإرادة الواقعيّة بخطاب واقعي أو ظاهري، هذا الذي هو مقدّمة من مقدّمات وقوع الحجّ بحسب الخارج، وليس في طول إرادة المولى بوجه من الوجوه أصلاً، فإنَّ هذا الإبراز وإن كان مقدّمة بما هو كاشف عن إرادة المولى، حيث إنَّه يكشف عن إرادته فيحرّك العبد، لكن الحيثيّة التي يكون بها هذا الإبراز مقدّمة في طبيعة الكشف، لا الكشف المصادف للواقع، يعني: أنَّ هذا الإبراز بما هو كاشف أعمّ من أن يكون كشفاً مصادفاً للواقع وغير مصادف فيكون محرّكاً للعبد.
ومن هنا قلنا في بحث التجري: إنَّ تمام الموضوع لمحرّكيّة العبد هو القطع بالتكليف، سواء كان هذا القطع مطابقاً للواقع أو لم يكن وجود المنكشف وعدم وجوده واقعاً ليس له دخل في مقدّميّة الانكشاف ومؤثريته في انقداح الداعي في نفس العبد، فتمام ما هو مقدمة لمحرّكيّة العبد إنَّما هو إبراز تلك الإرادة بما هو كاشف أعمّ من أن يكون هذا الكشف كشفاً مطابقاً للواقع أو غير مطابق، فإذا فرض أنَّ ما هو مقدّمة طبيعي الكاشف فمن المعلوم أن طبيعي الكاشف ليس له تأخّر عن واقع إرادة المولى.
نعم، طبيعي الكاشف له تأخّر عن عنوان المنكشف لا عن واقع المنكشف.
أو بتعبير آخر: أنَّ طبيعي الكاشف له تأخّر عمّا هو المنكشف بالذات الذي
ـــــــــــــــــــــــــ[168]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
هو عنوان القائم في أفق الانكشاف لا عن تأخّر المنكشف بالغرض الذي هو عبارة عن واقع إرادة المولى القائمة في نفسه، فمثلاً انكشاف إمامة معاوية للسني متأخّرة رتبة عن عنوان إمامة معاوية القائم في نفس السني، وليس متأخراً عن واقع إمامة معاوية التي لا وجود لها في الواقع.
فحينئذٍ طبيعي الانكشاف الأعمّ من المصادف للواقع والمخالف له، له التأخّر بالطبع وبالرتبة عن المنكشف بالذات الذي هو عنوان المعلوم، لا عن واقع المعلوم بالعرض الثابت في الخارج.
فما هو مقدّمة هو طبيعي الانكشاف إرادة المولى، وهو متأخّر رتبة عن الطبيعي المنكشف الثابت في أفق الانكشاف الذي يسمّونه المعلوم بالذات، وليس متأخّراً عن واقع المعلوم الذي يسمّونه المعلوم بالعرض الذي هو عبارة عن إرادة المولى القائمة في نفسه. إذن، فلا تأخّر في المقام. هذا أوّلاً.
الأمر الثاني: لو سلّمنا التأخّر، وأنَّ ما هو مقدّمة هو الانكشاف المطابق للواقع، والانكشاف المطابق للواقع متوقّف على الواقع وفي طوله.
إلَّا أنَّه هنا وقع خلط بين كون المقدّمة في طول إرادة المولى وبين كون مقدّميتها في طول إرادة المولى، فما هو في طول إرادة المولى ذات المقدّمة، أي: ذات الانكشاف، وهو في طول إرادة المولى، فـإنَّه لا يتصوّر انكشاف إلَّا بعد فرض المنكشف، فوجود المقدّمة بحسب الخارج متوقّف على إرادة المولى. بخلاف طي المسافة، فإنَّه لا يتوقّف على إرادة المولى؛ لأنَّ الإنسان قد يطوي المسافة بدون إرادة المولى.
ـــــــــــــــــــــــــ[169]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وأمّا مقدّميّة المقدّمة، وكون المطلوب المولوي متوقّفاً عليها، فهذا التوقّف ليس في طول الإرادة، بل هو قبل الإرادة، فهذه الملازمة والتوقّف الذي مرجع مفاد القضيّة الشرطيّة، بمعنى: لا يوجد الحجّ إلَّا إذا وجد الانكشاف، وهذا ثابت قبل الإرادة، وما هو ملاك محرّكيّة إرادة المولى إلى مقدّمة من المقدّمات، هو مقدّميّة المقدّمة لا وجود المقدّمة بحسب الخارج، فإنَّ إرادة المولى إنَّما تحرّك نحو هذه المقدّمة أو تلك باعتبار مقدّميّتها، فلو فرض أنَّ مقدّميّة المقدّمة كانت في طول الإرادة فيستحيل أن تكون الإرادة محرّكة إليها، فإنَّ محركيّة الإرادة نحو مقدّمة إنَّما هو بعد فرض مقدّميّتها، والمفروض أنَّ هذه لا تكون مقدّمة إلَّا بعد الإرادة.
وأمّا لو فرض أنَّ مقدّميّة المقدّمة ثابتة قبل إرادة المولى، وإنَّما ما هو متأخّر عن إرادة المولى هو وجود المقدّمة بحسب الخارج، ففي مثل هذا يكون الملاك المحرّكيّة تامّاً؛ لأنَّ ملاك المحرّكيّة هو المقدّميّة لا وجود المقدّمة بحسب الخارج، فإنَّ وجود المحرك بحسب الخارج يبطل المحرّكيّة بحسب الخارج وانتهاء لها، لا أنّه هو ملاك المحرّكيّة.
فما هو ملاك محرّكيّة الإرادة نحو أيّ مقدّمة من مقدّمات المراد، هو مقدّميّة، تلك المقدّمة لا فرع تلك المقدّمة بحسب الخارج.
ومن هنا يظهر أنَّ إرادة العبد أيضاً ممّا يحرّك إليه إرادة المولى، فإنّها وإن كانت معلولة لإرادة المولى في فرض الانقياد، إلَّا أنَّ ما هو معلول وما هو متأخّر وقوع الإرادة خارجاً، لا مقدّميّة إرادة العبد، فما هو معلول لإرادة المولى
ـــــــــــــــــــــــــ[170]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
انقداح الإرادة في نفس العبد، لا مقدّميّة إرادة العبد للحج، وإلَّا فهذه المقدّميّة أزليّة من الأوّل، فإنَّ كلّ فعل اختياري لا يقع بحسب الخارج بلا إرادة.
فقد وقع خلط بين المقدّمة والمقدّميّة، فما هو في طول إرادة المولى وقوع المقدّمة خارجاً، وما ينفع لإثبات مقصوده وغرضه هو أن تكون المقدّميّة في طول الإرادة، لا أن تكون ذات المقدّمة في طول الإرادة. والمقدّميّة ليست في طول الإرادة، حتّى لو سلّم أنَّ ذات المقدّمة في طول الإرادة. فهذان هما الوجهان اللذان تنحل بها شبهة هذا الوجه.
وبعبارة أُخرى: أنَّ شبهات القائلين بالامتناع نشأت من تخيل أنَّ تلك الإرادة المولويّة الواقعيّة المتعلّقة بالدعاء عند رؤية الهلال هي بنفسها تحفظ وتحرّك نحو تمام مقدّمات المراد.
وبناءً على هذا الخيال لا مدفع للشبهة، فإنَّ من جملة مقدّمات المراد هو إبراز هذه الإرادة من قبل المولى بخطابات واقعيّة وظاهريّة بلسان جعل وجوب الاحتياط أو صدق العادل ونحو ذلك، فإذا فرض أنَّ نفس الإرادة الواقعيّة المولويّة التي تتعلّق بالفعل الخارجي -أي: الدعاء عند رؤية الهلال- هي بنفسها تحرّك نحو تمام المقدّمات. إذن، فهي تحرّك نحو إبراز هذه الإرادة بتمام الخطابات الممكنة، ومعه يكون إبراز خلافها بخطاب ظاهري وإنشاء أصالة البراءة أو الحلّ أو نحو ذلك نقضاً للغرض وموجباً للتهافت بين الإرادة الواقعيّة وهذا الإنشاء الظاهري.
إلَّا أنَّ هذا المنشأ غير صحيح، فإنَّ الإرادة الواقعيّة التي تنقدح في نفس
ـــــــــــــــــــــــــ[171]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
المولى للدعاء عند رؤية الهلال لا تحرّك بنفسها نحو تمام المقدّمات، بل إنَّما تحرّك نحو المقدّمات التي لا تكون في طولها، وأمّا المقدّمات التي تكون في طول الإرادة فتلك الإرادة لا يعقل أن تحرّك نحوها.
فهذه المقدّمة وإن كانت هي إحدى مقدّمات المراد، إلَّا أنَّها مقدّمة في طول تلك الإرادة؛ لأنّها إنّما كانت مقدّمة باعتبار أنَّها كاشفة عن الإرادة، والكاشف في طول المنكشف، فحينئذٍ تلك الإرادة الأوّليّة لا يعقل أن تحرّك نحوها.
إذن، فلو حرّك نحوها فلا بُدَّ من فرض إرادة ثانية للمولى تحرّكه نحو إبراز الإرادة الأولى، فإذا فرض إرادة ثانية فبهذا ينحلّ الإشكال؛ لأنَّ هذه الإرادة الثانية يمكن فرض تعلّقها بإبراز الإرادة الأولى بالخطاب الواقعي فقط، ويمكن فرض تعلّقها بإبراز الإرادة الأولى بأيّ خطاب اتّفق، حتّى لو لم يمكن بالخطابات الواقعيّة فيكون إبرازها بجعل وجوب الاحتياط، فيمكن فرض كلا الأمرين في الإرادة الثانية.
وفي موارد جعل الحلّ والترخيص ظاهراً لا بُدَّ من الالتزام بأنَّ هذه الإرادة الثانية إنّما هي بمقدار إبراز الإرادة الأولى بالخطاب الواقعي فقط، لا أكثر من هذا المقدار. فأيّ تهافت يبقى بين الترخيص الظاهري وبين إرادات المولى؟
أمّا الإرادة الأولى فهي لا تحرّك نحو الإبراز، وأمّا الإرادة الثانية التي تحرّك نحو الابراز فقد فرضنا أنّها تحرّك نحو إبراز مخصوص، وهو الإبراز بالخطاب الواقعي، والترخيص الظاهري لا ينافي ذلك الإبراز المخصوص. هذا حاصل مراد المحقّق العراقي.
ـــــــــــــــــــــــــ[172]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وهذا يرد عليه بأمرين:
الأمر الأوّل: أنَّ هذا الإبراز للإرادة المولويّة الواقعيّة الأولى الذي هو أحد مقدّمات وقوع المراد بحسب الخارج، هذا ليس في طول تلك الإرادة؛ لأنَّ هذا الإبراز إنَّما كان مقدّمة باعتبار كونه كاشفاً عن تلك الإرادة، وإنَّما كانت كاشفيّته مقدّمة، باعتبار كونه منجّزاً على العبد ودافعاً للعبد عقلاً نحو التحرّك.
وقد قلنا في بحث التجرّي: إنَّ ما هو موضوع المنجّزيّة عند العقل هو طبيعي الكاشف أعمّ من الكاشف المطابق للواقع أو المخالف له.
وحينئذٍ فما هو مقدّمة هو طبيعي الكاشف عن الإرادة، وطبيعي الكاشف ليس متأخّراً عن الإرادة الواقعيّة. نعم، هو متأخّر عن عنوان الإرادة الثابت في أُفق الانكشاف، لا عن الانكشاف بالعرض الذي هو الإرادة الواقعيّة، فتخيّل أنَّ الانكشاف متأخّر عن الإرادة الواقعيّة، وأنّ الإبراز بما هو كاشف متأخّر عنها مبني على أن يراد بالكاشف خصوص الكاشف المطابق للواقع، وأمّا إذا أُريد به طبيعي الكاشف فلا تأخّر -وهو كذلك- فإنَّ المقدّمة هو طبيعي الكاشف؛ لأنَّ ما هو موضوع المنجّزيّة والمحرّكيّة عند العقل هو طبيعي الكاشف، دون فرق بين أن يصدق في الواقع أو لا يصدق؛ ولهذا كنّا نقول: إنَّ المتجرّي يستحقّ العقاب كالعاصي.
الأمر الثاني: لو سلّم في المقام أنَّ الكاشف في طول الإرادة، فما هو في طول الإرادة وجود المقدّمة خارجاً، لا مقدّميّة المقدّمة ومحرّكيّة الإرادة نحو مقدّمة ملاكها ليس هو وجود المقدّمة خارجاً، بل ملاكها مقدّميّة تلك المقدّمة، فإنَّ
ـــــــــــــــــــــــــ[173]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وجود المقدّمة خارجاً كوجود الوضوء -مثلاً- ليس مناط محرّكيّة الصلاة نحو الوضوء، فإنَّ وجود الوضوء خارجاً يوجب بطلان المحرّكيّة وانتهاء أمرها، لا أنّه هو مناط المحرّكيّة، بل مناط محرّكيّة الصلاة إلى الوضوء هو مقدّميّة الوضوء للصلاة، لا وجود الوضوء للصلاة.
وهنا مناط محرّكيّة الإرادة الواقعيّة المولويّة الأولى نحو إبرازها هو مقدّميّة الإبراز، لا وجود الإبراز بحسب الخارج، وما هو في طول الإرادة هو وجود الإبراز، لا مقدّميّة الإبراز، فكون الإبراز مقدّمة، وكون الفعل لا يقع إلَّا بعد الإبراز ومتوقّفاً عليه، فهذه القضيّة صادقة حتّى قبل انقداح الإرادة في نفس المولى، وما هو في طول إرادة المولى إنَّما هو وقوع الإبراز خارجاً، لا اتّصافه بالمقدّميّة. فمناط المقدّميّة هو اتّصافه بالمقدّميّة، لا وقوعه خارجاً، فما هو مناط المحرّكيّة ليس في طول الإرادة، وما هو في طول الإرادة ليس مناطاً للمحرّكيّة. هذا تمام التعليق على الوجه الخامس.
هو العبارة الموروثة عن العلمين الشيخ الأنصاري(1) والسيّد المحقّق الشيرازي(2)، حيث ورد عنهما قولهما: إنَّه لا تنافي بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة للطوليّة بينهما، وقد قيل مثلاً: إنّه يشترط في التنافي الوحدات الفلانيّة الثمانية التي منها وحدة الرتبة، وهنا لا وحدة للرتبة بين الحكم الواقعي
ـــــــــــــــــــــــــ[174]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 309.
(2) تقريرات آية الله المجدّد الشيرازي 4: 7.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
والحكم الظاهري، وهذه العبارة الموروثة فسرت بتفسيرين:
التفسير الأوّل: على يد المحقّق الخراساني على ما يبدو من عبائره (1).
التفسير الثاني: على يد المحقّق النائينيعلى ما يبدو من عبائر تقريرات بحثه(2)، فهذه العبارة يمكن تقريبها بوجهين:
الوجه الأوّل: أنَّ الأحكام الظاهريّة مرتبتها غير مرتبة الأحكام الواقعيّة، فإنّها متأخّرة مرتبة عن الأحكام الواقعيّة؛ وذلك لأنَّ الحكم الظاهري أُخذ في موضوعه الشكّ في الواقع، فهي في طول الشكّ في الواقع المتأخّر رتبة عن الواقع، فالحكم الظاهري متأخّر عن الحكم الواقعي بمرتبتين(3).
وحينئذٍ فكلّ منهما في مرتبته فلا منافي له، ففي المرتبة الأولى الحكم الواقعي ثابت، وفي هذه المرتبة لا يثبت لضدّه حتّى يزاحمه وينافيه، وفي المرتبة الثالثة الحكم الظاهري ثابت وليس في ضده؛ لأنّه في هذه المرتبة لا وجود للحكم الواقعي.
وبهذا البيان يظهر أنَّ ما يتراءى من عبارة صاحب الكفاية في الجواب عن هذا الإشكال غير صحيح، فإنَّه أفاد في مقام الجواب عن هذا البيان: بأنَّ الحكم الظاهري وإن لم يكن في مرتبة الحكم الواقعي، لكن الحكم الواقعي في مرتبة الحكم الظاهري، إذ بعد فرض كونهما في مرتبتين، فلا هذا ثابت في تلك المرتبة،
ـــــــــــــــــــــــــ[175]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 279.
(2) انظر: فوائد الأُصول 3: 105 – 108.
(3)انظر: كفاية الأُصول: 279.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ولا ذاك ثابت في هذه المرتبة، فكلّ منهما في مرتبة مطلق العنان، ولا مزاحم له ولا منافي، فلم يلزم اجتماع الضدّين في المقام(1).
هذا، والصحيح في مقام حسم هذه المغالطة أن يقال: بأنَّ التضادّ مناط لاستحالة اجتماع الضدّين في الواقع، لا لاستحالة اجتماع الضدّين في الرتبة، فكون الشيئين متضادّين كالسواد والبياض أو الإرادة والكراهة، ونحو ذلك من الاضداد إنّما يكون موجباً لاستحالة الجمع بينهما في الواقع وبحسب عمود الزمان، لا لاستحالة اجتماعهما في الرتبة فقط، فليس محذور التضادّ هو الاجتماع في الرتبة فقط، حتّى مع تعدد الرتبة يكون هذا المحذور مرتفعاً، بل المحذور هو الاجتماع في عمود الزمان، وهو محقّق بحسب الخارج على أيّ حال، حتّى لو فرض أنَّ هذا في رتبة وذاك في رتبة، فعلى أيّ حال الاجتماع في عمود الزمان محقّق؛ لأنّهما موجودان في زمان واحد(2).
ـــــــــــــــــــــــــ[176]ــــــــــــــــــــــ
() انظر: كفاية الأُصول: 279.
(2) سألته (سلّمه الله) –بعد المحاضرة-: إنَّ قولكم بأنَّ تعدّد الرتبة لا يوجب ارتفاع استحالة اجتماع الضدّين إنّما هي دعوى وجدانيّة، وليست برهانيّة، كما أنَّهم حين ادّعوا جواز الاجتماع عند تعدّد الرتبة -ولو مع وحدة الزمان- استندوا إلى الوجدان أيضاً.
فأجاب (أدام الله ظلّه): نعم، فإنّ نفس استحالة اجتماع الضدّين يعتمد على الوجدان أيضاً؛ لأنَّه من المبادئ العقليّة الأولى. ثُمَّ قال: إنّنا نستطيع أن نزيد على دعوى الوجدان دعوى نقض الغرض، فإنّ جعل الحكم الظاهري المضادّ في الرتبة المتأخّرة، إمّا أن يوجب ترك الدعاء عند رؤية الهلال من قبل العبد أو لا يوجب، فإن لم يوجب فهو خلف كونه مضادّاً، وإن أوجب ذلك كان نقضاً للغرض. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ولهذا لم يتخيّل أحد أنَّ الوجوب الذي أُخذ في موضوعه الحرمة مناف مع تلك الحرمة، كما لو حكم المولى بحرمة صلاة الجمعة، ثُمّ حكم حكماً آخر بوجوبها مشروطاً بحرمتها، فيقال: إنَّه لا تنافي بين هذين الحكمين؛ لأنَّ الحكم الأوّل في الوجوب في مرتبة متأخّرة عن الحكم الأوّل بالحرمة، فلا يوجد أحد يتوهّم هذا المطلب؛ لأنَّ التنافي بين الضدّين إنَّما هو بلحاظ عمود الزمان وبلحاظ لوح الواقع، لا بلحاظ الرتب حتّى يكفي في مقام رفع الغائلة تعدد الرتب.
هذاً مضافاً إلى أنَّ مسألة كون هذا في رتبة وذاك في رتبة فيكون هذا متأخّراً بالطبع عن ذاك، فهذه المسألة من أصلها لا أساس لها، فإنَّ موضوع الحكم الظاهري هو الشكّ في الواقع، والشكّ في الواقع ليس متأخّراً عن الواقع بوجه من الوجوه ولا بملاك من الملاكات، فإنَّ ما يتوهّم ملاكاً في المقام للتأخّر إنّما هو التأخّر بالطبع الذي هو أحد ملاكات التأخّر والتقدّم، كتقدّم جزء العلّة على المعلول، وكتقدّم الواحد على الاثنين. فهذا هو الذي يتوهّم في المقام من ملاكات التقدّم، وهذا غير موجود في المقام؛ وذلك لأنَّ ميزان التقدّم بالطبع هو ما يفرض للمتأخّر وجود فيفرض بالمتقدّم وجود ولا عكس، فمتى ما يفرض للاثنين وجود فالواحد موجود، وليس متى ما يفرض الواحد موجوداً فالاثنين موجود، فمتى ما يفرض الاحتراق موجوداً فالنار موجودة، وليس متى ما يفرض النار موجودة فالاحتراق موجود.
هذا هو ما قيل في علم المعقول ملاكاً للتقدّم بالطبع(1) وهذا الملاك غير
ـــــــــــــــــــــــــ[177]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: نهاية الحكمة: 227.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ثابت في المقام، إذ إنّه ليس متى ما فرض الشكّ في الإلزام الواقعي موجوداً فالإلزام الواقعي موجود من دون عكس. إذن، فلا تقدّم ولا تأخّر في المقام.
مضافاً إلى أنّ هذا التقدّم والتأخّر لا يجدي؛ لأنَّ المستحيل ليس هو اجتماع الضدّين في الرتبة الواحدة، حتّى يقال: أنّهما لم يجتمعا في الرتبة الواحدة، بل المستحيل هو اجتماعهما في لوح الواقع وعمود الزمان، وهذا حاصل على كلّ حال.
الوجه الثاني: ذكر المحقّق النائيني(1): أنَّ هذه العبارة الموروثة عن السيّد الشيرازي قد أُسيء فهمها، ففسّرت بما ورد في الكفاية(2) من أنّ الحكم الظاهري قد أُخذ في موضوعه الشكّ، فيكون في رتبة أُخرى غير رتبة الحكم الواقعي، مع أنّ هذا الوجه غير صحيح، وأُورد عليه بما أُورده في الكفاية عليه: أنّ المتأخّر وإن لم يكن مع المتقدّم، إلَّا أنَّ المتقدّم مع المتأخّر(3).
وحاصل الوجه الذي أفاده -على تشويش واضطراب في كلماته في التقريرات- يرجع إلى هذا البيان: أنّ الحكم الظاهري في المقام مترتّب على ثبوت الواقع ملاكاً وخطاباً، بحيث لو لم يكن الواقع لم يكن الظاهر، فإنّ الحكم الظاهري الذي نفرضه كالرخصة -مثلاً- مترتّب ملاكاً و خطاباً على أن يكون هناك واقع مشكوك ثابت في نفس الأمر؛ لأجل أن يتحقّق هناك حكم ظاهري
ـــــــــــــــــــــــــ[178]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 3: 113.
(2) انظر: كفاية الأُصول: 279.
(3) انظر: نفس المصدر المتقدّم.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ملاكاً وخطاباً، فإذا لم يكن هناك واقع مشكوك فلا يتحقّق حكم ظاهري ملاكاً و خطاباً، فالحكم الظاهري هنا في طول الحكم الواقعي، لا من باب أنّه أُخذ في موضوعه الشكّ، والشكّ في الواقع في طول الواقع، بل من باب أنّ الحكم الظاهري بخطابه وبملاكه وبمصلحته المقتضيّة لجعله هو متوقّف على ثبوت الواقع، فلو لم يكن الحكم الواقعي ثابتاً في عالم الجعل والتشريع لم يكن للحكم الظاهري ملاك ولا خطاب.
فالخطاب الظاهري مترتّب على وجود الواقع ملاكاً وخطاباً، فإذا فرض ذلك فيستحيل أن يكون مانعاً عنه؛ لأنَّ الحكم الظاهري متى يكون مانعاً من الحكم الواقعي، أفي حال وجوده أو في حال عدمه؟
أمّا في حال عدمه فيستحيل أن يكون مانعاً عن الحكم الواقعي؛ لأنَّ المعدوم لا يؤثّر.
وأمّا في حال وجوده ففرض وجوده هو فرض وجود الواقع، فكيف يكون مانعاً عنه؟! فيلزم حينئذٍ من وجوده عدمه، ففرض وجود الحكم الظاهري هو فرض وجود الواقع في المرتبة السابقة عليه، فيلزم من كونه مانعاً عن الواقع أن يكون معدماً لنفسه؛ لأنَّه مترتّب على الواقع، فيلزم من وجوده عدمه. فكون المانعيّة على كلّ من التقديرين محالاً(1).
ـــــــــــــــــــــــــ[179]ــــــــــــــــــــــ
() وهنا سأل أحد الإخوان قائلاً: فما يلزم من وجوده عدمه لا يوجد في الخارج؟
فأجاب (سلّمه الله تعالى): فالمانعيّة تكون هكذا، فإنّ ما يلزم من وجوده عدمه هو المانعيّة، لا وجود ذات الحكم الظاهري، وإلَّا لو وجد الحكم الظاهري بلا مانعيّة لا بأس به، فما ترتّب عليه المحذور هو المانعيّة، فوجود المانعيّة محال في المقام؛ لأنّ المانعيّة مع العدم محال، لأنّ العدم لا يؤثّر، ومع الوجود محال لأنّ المانعيّة هنا تؤدّي إلى أنّ الشيء يلزم من وجوده عدمه. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
هذا هو ما يتحصّل بعنوان الصورة الفنيّة من عبائر الميرزا، وإن لم يبيّن في عبارة التقريرات بهذه الصورة الفنيّة.
وهذا الكلام أيضاً صورة كلام، ولا يرجع إلى محصّل؛ وذلك لأنَّ هذا البيان وإن أبطل مانعيّة الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي، بمعنى: أنَّ الحكم المترتّب على الحكم الواقعي لا يعقل أن يكون مانعاً عنه، فكلّ شيء في الدنيا مترتّب على شيء آخر، ولا يعقل أن يكون مانعاً عنه، إلَّا أنَّ الآخر يكون مانعاً عنه، فإنَّ الحكم الواقعي يكون مانعاً عن الحكم الظاهري ولم تُبطل هذه المانعيّة، فإنَّه بعد فرض التضادّ بينهما في عمود الزمان وفي لوح الواقع، فحينئذٍ يكون الواقع مانعاً عن ثبوت هذا المطلب، وإن لم يكن هذا مانعاً عن ذلك، وليس هنا محذور في مانعيّة الواقع عن الحكم الظاهري، فإنَّه لا يلزم من مانعيّة الواقع عن الحكم الظاهري من وجوده عدمه.
وإن شئنا قلنا: إنَّ هذا البيان غاية ما ينتج أنَّه لو أمكن ثبوت الحكم الظاهري مترتّباً على الواقع، لم يكن مانعاً عن الواقع، لكن الكلام في إمكان جعل الحكم الظاهري المترتّب، حيث إنَّ المورد الواحد لا يقبل لضدّين، فكيف يفرض في المقام ثبوت الحكم الظاهري وثبوت الحكم الواقعي.
وليس الإشكال هنا فقط من ناحية مانعيّة الحكم الظاهري عن الحكم
ـــــــــــــــــــــــــ[180]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الواقعي، بل الإشكال من ناحية أنَّ المورد الواحد والفعل الواحد لا يتحمّل ضدّين، فهذا الفعل الواحد لا يتحمّل ضدّين على أيّ حال، سواء كان أحدهما مترتّباً على الآخر أو غير مترتب عليه.
ولهذا لا يفرق في استحالة اجتماع السواد والبياض، وبين السواد الذي لا يكون لغير البياض، وبين سواد يكون معلولاً للبياض، فإنّنا لو تصوّرنا السواد يكون معلولاً للبياض أيضاً فيستحيل اجتماعه مع البياض؛ لأنَّ هذا السواد وإن لم يكن من المعقول أن يكون مانعاً عن وجود البياض؛ لأنَّه مترتّب عليه، لكن البياض يكون مانعاً عن وجوده.
فنفرض علّيّة أحد الضدّين للضدّ الآخر في نفسها فرض أمر محال؛ لأنَّ فرض علّيّة أحد الضدّين للآخر هو فرض اجتماعهما، وفرض اجتماعهما محال.
نعم، لو فرض علّيّة أحد الضدّين للآخر، وأنَّ أحدهما كان مترتّباً على الآخر، فبعد هذا الفرض يقال: صحيح أنَّ هذا المعلول لا يعقل أن يكون مانعاً عن وجود علّته، وإلَّا الكلام في تعقّل أصل هذا الفرض، فإنّ أصل علّيّة أحد الضدّين للضدّ الآخر في نفسها أمر محال؛ لأنَّها تؤدّي إلى اجتماع الضدّين في عمود الزمان وفي لوح الواقع، حيث إنَّنا فرغنا في إبطال الوجه الأوّل عن أنّ تعدد الرتبة لا يكفي في دفع غائلة الاجتماع.
وهكذا يتلخّص في المقام أنَّ غاية ما يتحصّل من التفسير الذي أفاده الميرزا في المقام: هو أنَّ الحكم الظاهري لو فرض أنّه معلول للواقع ومترتّب عليه فيستحيل أن يكون مانعاً عنه.
ـــــــــــــــــــــــــ[181]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
نعم، هذا صحيح، إلَّا أنَّنا نقول: إنَّ فرض أحد الضدّين معلول للضدّ الآخر محال؛ لأنَّ فرض المعلوليّة هو فرض اجتماعهما في عمود الزمان؛ لاستحالة انفكاك المعلول عن العلّة في عمود الزمان، وإن تعددا بحسب الرتبة.
إذن، فلا بُدَّ من بيان نكتة في نفي التضادّ فيما بينهما، فلو حصّلنا مثل هذه النكتة، فلا بأس باجتماعهما، سواء كان أحدهما مترتّباً على الآخر أو لم يكن، فلا بُدَّ من صرف عنان الكلام إلى تحقيق عدم التضادّ ما بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري.
وهذه الأجوبة الستة كلّها لا ترجع إلى محصّل على اختلاف فيما بينها في درجة الصناعة والجودة.
مقتضى التحقيق في المقام
والتحقيق -في مقام دفع شبهة الامتناع من ناحية العقل النظري بتقريبه من ناحية اجتماع الضدين أو نقض الغرض- تارةً: يكون بناءً على الطريقيّة، وأُخرى: يكون بناءً على السببية.
وتحقيق الكلام في ذلك: إمّا أن نلتزم بأنَّ مبادئ الأحكام الظاهريّة هي نفس مبادئ الأحكام الواقعيّة دون أن يكون للأحكام الظاهريّة مبدأ وراء تلك المبادئ التي كشف عنها الخطابات الواقعيّة، وهذا هو المعنى الفنّي للقول بالطريقيّة في قبال السببيّة.
وإمَّا أن نقول: بأنَّ للخطابات والأحكام الظاهريّة مبادئ وراء مبادئ الأحكام الواقعيّة بنحو من الأنحاء المتصوّرة للسببيّة، بأن يقال مثلاً: بأنَّ
ـــــــــــــــــــــــــ[182]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الأمارة تحدث مثلاً عند قيامها على وجوب فعل مصلحة وإرادة وغرض.
الوجه الأوّل: لو فرض أنَّ الأحكام والخطابات الظاهريّة نتصوّرها بنحو بحيث لا تحتاج الى مبادئ وراء مبادئ الأحكام الواقعيّة، كما سوف يظهر كيفية ذلك من خلال نفس البيان.
بيان مقدمات لتوضيح المطلب
ولتوضيح دفع الإشكال بناءً على هذا المبنى يكون ببيان مقدّمات، هذه المقدّمات بعضها سبق في المباني السابقة، وبعضها منتزع من المباني السابقة.
المقدّمة الأولى: هي أنَّ المولى -أو أيّ مريد- إذا فرض بأنَّ غرضه المولوي لم يكن متعيّناً بحسب الخارج، فعدم تعيّن الغرض بحسب الخارج لا يوجب توسعة دائرة الغرض. وهذا هو عنوان المدّعى في هذه المقدّمة الأولى.
ولأجل توضيح هذا العنوان وهذا المدّعى نتكلّم أوّلاً في باب الأغراض التكوينيّة، ثُمَّ نتكلّم في باب الأغراض التشريعيّة المولويّة.
ففي الأغراض التكوينيّة لو فرض أنَّ هذا المولى كان له غرض يترتّب على فعل نفسه لا على فعل عبده، وهذا هو معنى الغرض التكويني، فلو فرض أنَّ له غرضاً في أن يكرم هو بنفسه العالم، فهذا غرض تكويني. ومتعلّق هذا الغرض التكويني ومصبّه هو العالم.
ثُمَّ لو فرض أنَّ العالم كان مردّداً بين شخصين أو عدة اشخاص، فلم يدر الفاعل الذي يترتّب منه تحصيل الغرض، وهو في المقام نفس صاحب الغرض؛ لأنَّ الغرض تكويني، فإنَّه في الأغراض التكوينيّة محصل الغرض نفس صاحب
ـــــــــــــــــــــــــ[183]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الغرض، وهذا لم يدر بأنَّ العالم الذي يحصل غرضه بإكرامه من هو، هل هو زيد أو بكر أو عمرو؟ ففي المقام إذا كان غرضه وارادته في إكرام العالم فعلياً حتّى في فرض الشكّ، فتكون هذه الإرادة محرّكة لا محالة إلى إكرام كلّ واحد من هذين الاثنين أو الثلاثة تحصيلاً لغرضه، إلَّا أنَّ محرّكيّة هذا الغرض وهذه الإرادة إلى إكرام كلّ واحد من هؤلاء، مع أنَّ العالم فيهم واحد، هذه المحرّكيّة ليست من باب توسعة دائرة الغرض والشوق، بمعنى: أنَّ المولى هنا ليس في نفسه إلَّا شوق واحد، وهو الشوق إلى إكرام العالم وحبه، وهذه المبادئ واقفة على إكرام العالم بوجوده الواقعي، ولا تتسع هذه المبادئ ولا يوجد حب آخر في نفس المولى لإكرام هذا بخصوصه وهذا بخصوصه، فلا حب نفسي ولا حب غيري؛ لأنَّ الحب النفسي لا ملاك له؛ لأنَّ الملاك هو العلم، والعلم مفروض في واحد من هؤلاء الثلاثة، والحب الغيري ملاكه المقدّميّة، ومن المعلوم أنَّ إكرام الجاهل ليس من مقدّمات إكرام العالم، وإنَّما هو من مقدّمات تحصيل العلم بإكرامه.
فهنا في مثل هذا المورد الحبّ التكويني والغرض التكويني الواحد القائم في نفس المولى يكون محرّكاً باعتبار احتمال انطباقه على كلّ واحد من هذه الأطراف.
كما كان محرّكاً في مورد العلم باعتبار العلم بالانطباق(1). فهنا ما ينفع هو دائرة الحفظ والمحرّكيّة؛ لأنَّ دائرة نفس الإرادة بما هي حبّ وشوق قائم في المولى لا توسعة فيه.
ـــــــــــــــــــــــــ[184]ــــــــــــــــــــــ
() فإنَّه في مورد العدم بأنَّ زيد بشخصه عالم يحرّك للعلم بالانطباق، وفي مورد التردد يحرّك لاحتمال الانطباق. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وهذا الأمر الوجداني في باب الإرادة التكوينيّة يجري بنفسه في باب الإرادة التشريعيّة، كما لو فرض أنَّ المولى تعلّق غرضه بأن يُكرم عبيده العالم، ويجب أن يكرموه، إلَّا أنَّ عبيده لا يعرفون من هو العالم(1) فهنا الشكّ من الفاعل والمحصل للغرض، وهو العبد هنا لا المولى، فحينئذٍ حبّ المولى بمبادئه الحقيقية واقف على نفس إكرام العالم بوجوده الواقعي، ولا يوجد حبّه باعتبار عدم تعيّن متعلّق الغرض حبّ آخر بالنسبة إلى كلّ طرفٍ طرف من أطراف الشكّ، وإنَّما يكون هذا الحبّ الواحد المتعلّق بذلك الواحد تتسع أيضاً دائرة محرّكيتّه وحافظيّته، لكن المحرّكيّة هنا تشريعية وهناك تكوينيّة، فالحافظيّة هنا بجعل خطاب مبرز لهذا الغرض ولمراتب الاهتمام به، والحافظيّة هناك لإعمال الجوارح باليد والرجل في سبيل تحقيق ذلك الغرض، فسنخ المحرّكيّة والحافظيّة يختلف، إلَّا أنَّ ما هو المحصل فيهما واحد، وهو أنَّ عدم تعيّن دائرة الغرض يوجب توسعة دائرة المحرّكيّة والحفظ، لا أنَّه يوجب نفس الغرض ونفس الحبّ بمبادئه الحقيقية. وتوهّم توسعة دائرة الحب والغرض بمبادئه الحقيقية لا يخلو من أحد منشأين:
المنشأ الأوّل: إمّا أن يكون توهّم ذلك بتخيّل أنَّ إكرام المجموع إكرام للأطراف بتمامهم مقدّمة لإكرام ذاك المحبوب، وحينئذٍ فمن باب المقدّميّة يتسع دائرة الحبّ.
وحينئذٍ جوابه واضح، وهو أنَّه لا مقدّميّة في المقام، فإنَّ إكرام الجاهل ليس
ـــــــــــــــــــــــــ[185]ــــــــــــــــــــــ
() هل هو زيد أو بكر أو عمرو. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
مقدّمة لإكرام العالم، ولهذا قيل في بحث مقدّمة الواجب: إنَّ المقدّمات العلميّة لا يترشح عليها الوجوب الغيري، وإنَّما يترشح على المقدّمات الوجودية، فلا موجب في المقام لتوسعة دائرة الحبّ بهذا التوهّم.
المنشأ الثاني: أنَّ نفس هذه التوسعة في الحب هي مقدّمة لحصول المحبوب؛ وذلك لأنَّ المحبوب بحسب الخارج من يجب أن يأتي به العبد، والعبد كيف يأتي بهذا المحبوب؟ فلو فرض أنَّه تنجّز عليه الاتيان بتمام الأطراف الثلاثة فإنَّه يأتي بالمحبوب في ضمنه، وتنجّز تمام الأطراف في المقام باعتبار إرادة المولى لها، فإنَّ المولى لو لم يرد الأطراف الثلاثة فإنَّه لا يتنجّز عليه الاتيان بها. وما لم يتنجّز عليه فلا يأتي به، ومع عدم الاتيان به لا يحصل المحبوب بحسب الخارج ولو على تقدير، فحينئذٍ يكون توسعة دائرة الحبّ، فيكون من باب ضمان تحقق المحبوب بحسب الخارج ومقدّمة لتحققه.
وهذا الكلام أيضاً واضح البطلان لأكثر من وجه؛ وذلك لأنَّ توسعة دائرة الحبّ في المقام ليس أمراً اختيارياً بيد المولى حتّى يأتي به من باب المقدّميّة، فإنَّ الحبّ لا يوجد في نفس المولى باعتبار مصلحة في نفس الحب، فإنَّ الحبّ والإرادة ونحوه من الصفات النفسانيّة، إنَّما توجد باعتبار مصلحة في متعلّقاتها لا باعتبار مصلحة في نفسها، والمفروض أنَّ إكرام المجموع ليس مقدّمة لحصول الواقع، فإكرام الجاهل ليس مقدّمة لإكرام العالم، فلا يعقل نشوء الحب وقيامه بالمجموع، فإنَّ قيام الحب بالمجموع إنَّما ينشأ عن ملاك في متعلّقه، ولا يعقل نشوء الحبّ عن ملاك في نفسه، كما تعرضنا لذلك مفصّلاً في بحث
ـــــــــــــــــــــــــ[186]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
التعبدي والتوصلي، وعلى ما احتمل في بعض الأبحاث المتأخّرة أيضاً، فهذه التوسعة غير معقولة.
مضافاً إلى أنَّها بلا موجب؛ لأنَّ حفظ غرض المولى يكفي فيه إبراز إهتمام المولى بهذا الغرض الواقعي(1) فإنَّ المولى لو أبرز اهتمامه به بحيث لا يرضى بتفويته حتّى تفويتاً شكليّاً احتماليّاً من الشاكّ المحتمل، وقلنا فيما سبق: بأنَّ مثل هذا الإبراز يكفي في مقام تنجيز المطلب على المكلّف خارجاً بلا حاجة إلى توسعة دائرة الحبّ.
إذن، فتمام مقصودنا من هذا البيان هو إثبات هذه النكتة، وهي: أنَّ عدم تعيّن متعلّق الغرض ممّن سوف يستوفي الغرض، سواء كان هذا المستوفى هو نفس صاحب الغرض، كما هو الحال في الأغراض التكوينيّة، أو العبد كما هو الحال في الأغراض التشريعيّة، لا يوجب توسعة دائرة الغرض والمبادئ الحقيقية للغرض، وإنَّما يوجب دائرة المحرّكيّة والحفظ فيما لو فرض فعليته حتّى في فرض عدم تعيّن متعلّقه، فما هو الموسّع هو دائرة محرّكيّته وحافظيّته لا بما هو حب وغرض وواجد للمبادئ الحقيقية، فإنَّ الغرض من هذه الحيثية لا يقتضي التوسعة، وإنَّما يقتضيها بما هو محرّك وحافظ.
المقدّمة الثانية: أنَّ التزاحم بين الأغراض المولوية يتصوّر على أقسام ثلاثة:
القسم الأوّل: يكون التزاحم فيه بين الأغراض المولوية التشريعية من ناحية وحدة الموضوع.
ـــــــــــــــــــــــــ[187]ــــــــــــــــــــــ
() الواقف على موضوعه الواقعي. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
القسم الثاني: يكون التزاحم فيه من ناحية الامتثال.
القسم الثالث: -وهذا هو الذي له دخل في الجواب- يكون فيه التزاحم من ناحية الحفظ، لا من ناحية وحدة الموضوع، ولا من ناحية الامتثال.
أمّا القسم الأوّل: فكما لو فرض أنَّ هناك فعلاً واحداً، أو عنواناً واحداً كان محلّاً للمصلحة والمحبوبيّة الشأنيّة الناشئ من المصلحة، والمفسدة والمبغوضيّة الشأنيّة الناشئة من المفسدة، فهنا مصلحة ومحبوبية شأنية وغرض شأني في الايجاد، ومفسدة ومبغوضية شأنيّة وغرض شأني في الترك، فقهراً هذه المبادئ تتزاحم في مقام خروجها من الشأنيّة الى الفعليّة، ويتحقق الكسر والانكسار في مقام التزاحم لاستحالة اجتماع الضدين؛ إذ لو خرجت هذه المبادئ كلّها من الشأنيّة إلى الفعليّة لأصبح تحقّق المصلحة والمفسدة بالفعل والمحبوبيّة والمبغوضية بالفعل والغرض في الفعل والترك بالفعل للزم اجتماع الأمور المتنافيّة، فقهراً بعد استحالة اجتماع الضدين يقع التزاحم بين هذه الأمور في مقام الخروج من الشأنيّة إلى الفعليّة، وقهراً يحصل الكسر والانكسار، وقهراً بعد الكسر والانكسار يكون أحد هذين الطرفين فعليّاً دون الآخر، فأيّ منها يبقى منه بقيّة بعد الكسر والانكسار والتهاتر، فهذه البقية هي التي تكون غرضاً وملاكاً فعليّاً للمولى في هذا المورد.
وهذا التزاحم لا يتصوّر إلَّا في مورد وحدة الموضوع، فإنَّه في مورد تعدد الموضوع كما لو فرض أنَّه كانت المحبوبية الشأنيّة في صلاة الجمعة والمبغوضيّة الشأنيّة في صلاة الظهر، فلتخرج هذه الشأنيّة إلى الفعليّة وتلك أيضاً إلى
ـــــــــــــــــــــــــ[188]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الفعليّة، فإنَّه لا تزاحم بينهما. فهذا لا يتصوّر إلَّا في مورد وحدة الموضوع.
وهذا لا يفرق فيه بين أن تكون هذه الملاكات كلّها إلزاميّة أو بعضها إلزامي وبعضها ترخيصي، فإنَّه لو فرض أنَّ هذه الملاكات بعضها إلزامي وبعضها ترخيصي، فإنَّه أيضاً يتصوّر مثل هذا التزاحم، كما لو فرض مثلاً أنَّ للمولى كان هناك مبادئ للوجوب بالنسبة إلى هذا الفعل و مبادئ الاباحة بالنسبة إليه، فلا محالة أنَّ مبادئ الاباحة مع مبادئ الوجوب لا يعقل أن تكون فعليّة بتمامها. فبعد فرض ما لا بُدَّ من فرضه في مقام الكسر والانكسار، إمّا أن تبقى مبادئ الاباحة أو مبادئ الوجوب. وهذا واضح.
وهذا هو ميزان ايقاع التعارض بين الأدلّة، فيما لو فرض أنَّه ورد دليلان: أحدهما متكفّل لحكم له سنخ من المبادئ، والآخر متكفّل لحكم آخر له سنخ آخر من تلك المبادئ، نحو: صلاة الجمعة واجبة، وصلاة الجمعة حرام، فالتعارض هنا إنَّما هو باعتبار هذا التزاحم الملاكي بملاك وحدة الغرض. وهذا واضح أيضاً.
أمّا القسم الثاني -وهو التزاحم بملاك ضيق القدرة، لا بملاك ضيق الموضوع ووحدته- فكما لو فرض أنَّ للمولى غرضين لزوميين: أحدهما متعلّق بالصلاة، والآخر متعلّق بإزالة النجاسة عن المسجد.
وكلّ منهما غرض فعلي في نفسه، ولا منافاة فيما بينهما في عالم الغرضيّة ومبادئها؛ لأنَّ كلّ منهما متعلّق بشيء غير ما تعلّق به الآخر، لا يلزم من فعليتهما معاً لا اجتماع المثلين على موضوع واحد ولا اجتماع الضدين على موضوع واحد.
ـــــــــــــــــــــــــ[189]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إلَّا أنَّ هذا العبد لا يستطيع أن يأتي بهما معاً، فلا يستطيع أن يصلي وأن يحقّق الإزالة مع ضيق الوقت، وحينئذٍ فيقع التزاحم في المقام بين هذين الغرضين بحسب ضيق عالم الامتثال، وأنَّ المكلّف لا يقدر إلَّا على امتثال واحد. هذا هو التزاحم بمعناه المصطلح في أُصول الميرزا والأُصول المتأخّرة عليه، وهو التزاحم بملاك الامتثال.
والتزاحم بملاك الامتثال -طبعاً- لا يشترط فيه وحدة الموضوع، بل يشترط فيه عدم وحدة الموضوع، فلا بُدَّ أن يفرض الموضوعين في ضدين مثلاً كالصلاة والإزالة.
وهذا التزاحم لا يتصوّر إلَّا في مورد الغرضين اللزوميين؛ لأنَّ في مورد الغرض اللزومي مع الاباحة، كما لو كان أحد الضدين واجباً وهو الصلاة، والآخر كان مباحاً وهو الإزالة، فأيّ مزاحمة بين إباحة أحد الضدين ووجوب الضد الآخر، وإنَّما نتصوّر المزاحمة من ناحية ضيق الامتثال فيما لو فرض أنَّ لكلّ من الغرضين امتثالا، وهذا إنَّما يكون في الأغراض اللزوميّة.
أمّا القسم الثالث فهو التزاحم الحفظي، وهذا القسم لا يرجع إلى الأوّل ولا إلى الثاني، فلنفرض مورداً يكون الغرضان المولويان في موردين لا في موضوع واحد، فلا يتصوّر التزاحم الأوّل، وكذلك نفرض أنَّ هذين الغرضين إمّا أنَّه ليس لكلّ منهما امتثال، بل كان أحدهما غير لزومي، أي: لم يكن غرضاً تكليفيّاً، بل كان غرضاً اباحياً، أو نفرض بأنَّ غرضهما لزومي، إلَّا أنَّ العبد يقدر على امتثالهما بحسب الخارج، فلا تزاحم لا بحسب الملاك الأوّل ولا
ـــــــــــــــــــــــــ[190]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بحسب الملاك الثاني. وهذا التزاحم المعقول حتّى مع عدم تلك الجهتين، هو الذي نسمّيه بالتزاحم من ناحية الحفظ.
توضيحه: لو فرضنا أنَّ المولى كان له غرض وجوبي في إكرام العالم، وفرضنا أنَّه كان له غرض تحريمي في إكرام الأموي، ونفرض أنَّه ليس هناك أموي عالم بحسب الخارج، فنفرض أنَّ القضيّة الخارجيّة تكون مادة اجتماع للعنوانين، فليس هناك تزاحم بحسب ملاك وحدة الموضوع؛ لأنَّ هذا موضوعه العالم في الخارج وذاك موضوعه الأموي في الخارج، والعالم في الخارج مع العالم الأموي في الخارج غير مجتمعين في شخصٍ واحدٍ، فلا تزاحم بالملاك الأوّل.
وكذلك لا تزاحم بالملاك الثاني وهو الامتثال؛ لأنَّ المكلّف يقدر بحسب الخارج على أن يكرم العالم ولا يكرم الأموي.
لكن لو فرضنا أنَّ المكلّف لم يكن يعرف من هو العالم، ولم يكن يعرف من هو الأموي بحسب الخارج. فالعالم عنده مردّد بين عشرة، والأموي مردّد بين عشرة وهاتان العشرتان لهما مادة اجتماع، فخمسة مكررة في مجموع العشرتين، خمسة عشرة منهم يحتمل فيهم العلم ولا يحتمل الأمويّة، وخمسة يحتمل فيهم الأمويّة ولا يحتمل فيهم العلم، وخمسة مكررة في عشرة العالم وعشرة الأموي فيحتمل وجود العالم فيه ووجود الأموي فيه.
لو فرض هذا حال المكلّف، ففي هذا المقام يقع التزاحم لا محالة ما بين الغرضين الواقعيين، فإنَّ المولى لو عزلنا أحد الغرضين عن الآخر، فماذا كان
ـــــــــــــــــــــــــ[191]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
يصنع كما لو فرض أنَّه كان له غرض في إكرام العالم وليس له غرض في أن لا يكرم الأموي، فأيّ شيء يصنعه في المقام مع فرض فعليّة الغرض مع الشكّ وعدم التعيّن.
لا محالة يوسّع دائرة المحرّكيّة والحافظيّة بناءً على ما ذكرناه في المقدّمة الأوّلى من أنَّ عدم تعيّن الغرض يوجب توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة لا توسعة الغرض بما هو غرض، ومعنى: توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة أن يجعل خطاباً ظاهرياً يبرز فيه شدّة اهتمامه بغرضه الواقعي بحيث لا يرضى حتّى بتفويته الاحتمالي في فرض عدم التعيّن، وحينئذٍ المكلّف يحكم عليه عقلاً بالاحتياط والاتيان بتمام الأطراف.
ولو فرض أنَّه كان ذاك الغرض وحده، بأن لم يكن له اهتمام بالعالم، بل كان له اهتمام بعداوة بني أميّة، ففي المقام أيضاً يوسع دائرة الحفظ والمحرّكيّة، فيحكم احتياطاً بحرمة أيّ واحد من هذه الأطراف المشتبهة، فهذه الحرمة الاحتياطية التي مرجعها -كما قلنا- إلى إبراز شدة اهتمام المولى بالغرض الواقعي بحيث لا يرضى بتفويتة حتّى تفويتاً احتمالياً، وهذا لا بأس به.
أمّا لو فرض أنَّ هذين الغرضين معاً، فقهراً يتزاحم هذان الغرضان في مقام الحافظيّة والمحرّكيّة؛ لأنَّ هذا يقتضي توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة طبقاً له، وذاك أيضاً يقتضي توسعتها طبقاً له، ولا يعقل توسعة كلتا الدائرتين، فيقع التزاحم حينئذٍ بين هذين الغرضين.
فهذا التزاحم ليس تزاحماً من ناحية وحدة الموضوع؛ لأنّنا قلنا في المقدّمة
ـــــــــــــــــــــــــ[192]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الأولى: إنَّ عدم تعيّن الغرض لا يوجب توسعة دائرة الغرض، فلو أنَّ عدم تعيّن متعلّق الغرض كان يوجب توسعة دائرة الغرض، بمعنى: أنَّ المولى الآن يحب إكرام هذه العشرة بتمامهم ويبغض إكرام تلك العشرة المحتمل أموية واحد منهم بتمامهم، فحينئذٍ يدخل هذا التزاحم في التزاحم من القسم الأوّل، فإنَّ الخمسة المشتركة تكون موضوعاً واحداً للمبغوضيّة والمحبوبيّة معاً.
إلَّا أنّنا ذكرنا في المقدّمة الأولى أنَّه لا موجب فنّاً لتوسعة دائرة الغرض، فالغرض في كلّ منهما يقف على موضوعه، ومعنى هذا: أنَّه لا تزاحم في الملاك الأوّل؛ لأنَّ الأموي غير عالم، فهنا موضوعان.
كما أنَّه لا تزاحم بالملاك الثاني وهو الامتثال؛ لأنَّ المكلّف بحسب الواقع ليس عاجزاً عن أن يكرم العالم مع إكرام الأموي، فلا تزاحم لا بالملاك الأوّل ولا بالملاك الثاني، إنَّما التزاحم في مقام اقتضاء كلّ منهما لتوسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة بناءً على كونه فعليّاً طبقاً له، فالتزاحم يكون هنا ثابتاً.
وبطبيعة الحال حينما يتحقّق مثل هذا التزاحم يطبق عليه قانون الأهمّيّة، فأيّ من الغرضين كان أهمّ من الآخر، فقهراً يكون هو المؤثّر في توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة تبعا له، كما هو الحال في القسم الأوّل من التزاحم وهو التزاحم بملاك وحدة الموضوع، حيث قلنا: إنَّه يحصل كسر وانكسار ويبقى ما هو الأهمّ ويزول ما هو الأضعف.
لكن الفرق بين هذا القسم من التزاحم وبين القسم الأوّل منه، هو أنَّه في القسم الأوّل من التزاحم حينما يقدّم الأهمّ فغير الأهمّ لا يكون فعلياً أصلاً،
ـــــــــــــــــــــــــ[193]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فيزول عن الغرضيّة الفعليّة ويبقى فيه شأنيّة الغرض؛ لاستحالة أن يكون الحبّ والبغض على موضوع واحد فعلياً، فلو فرض أنَّ البغض كان أقوى من الحبّ، فهذا يكون مبغوضاً بالفعل ولا يكون محبوباً بالفعل أصلاً، نعم يكون فيه شأنيّة أنَّ الحبّ، فلو لا الجهة الفلانيّة لاحبه المولى.
وأمّا هنا حيث إنَّ الموضوع متعدّد ففعليّة المحبوبيّة وفعليّة المبغوضيّة لا مانع منه، فإنَّه ليس التزاحم هنا بين الحب والبغض بين الغرضين في فعلية وجودهما في أفق نفس المولوية، وإنَّما التزاحم بينهما في تأثيرهما في توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة، فلو قدّم أحدهما على الآخر في هذا المقام، فالآخر لا يزول عن كونه غرضاً فعلياً موجوداً في نفس المولى.
وبتعبير آخر: أنَّ التقديم في باب التزاحم يوجب حرمان الآخر ممّا قدّم هذا فيه، ففي التزاحم الأوّل يقدّم الأهمّ في فعليّة الوجود فيحرم الآخر من فعليّة الوجود، وأمّا هنا فالأهمّ يقدّم في تأثير الحفظ والمحرّكيّة، فيحرم الآخر من التأثير في الحفظ والمحرّكيّة وفي توسعة دائرتها، لا في فعليّة الوجود، فيكون الوجود فعليّاً.
فمن هذه الناحية هذا التزاحم يشبه التزاحم الامتثالي، من حيث إنَّ تقديم الأهمّ في مقام الامتثال لا يوجب سقوط الآخر بالمرة، مع فوارق لا مجال إلى التعرض لها في المقام.
ومقصودنا من هذه المقدّمة هو أنَّ التزاحم لا يخص أمره بالتزام بملاك وحدة الموضوع أو بملاك الامتثال، بل هناك شكل ثالث من التزاحم هو
ـــــــــــــــــــــــــ[194]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
التزاحم في التأثير لتوسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة في مورد عدم تعيّن متعلّق الغرض.
وهذا التزاحم يقدّم فيه الأهمّ على المهمّ، لكن تقديم الأهمّ على المهمّ لا يوجب زوال المهمّ، بل يبقى المهمّ فعليّاً، إلَّا أنّه محروم عن التأثير في توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة.
فالمقدّمة الأولى: أنَّ عدم تعيّن متعلّق الغرض وموضوعه من ناحية من يُترقّب منه تحصيل الغرض لا يوجب توسعة دائرة الغرض ومبادئه توسعة واقعيّة، وإنَّما يوجب في فرض فعليّة الغرض توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة، من دون فرق بين كون الغرض تكوينيّاً أو تشريعيّاً.
والمقدّمة الثانية: أنَّ التزاحم بين حكمين يكون بأحد ملاكات ثلاثة:
فتارةً: يكون التزاحم باعتبار وحدة موضوع الملاكين، فالموضوع الواحد بما أنَّه لا يتحمّل صلاحاً محضاً وفساداً محضاً، وحبّاً فعليّاً وبغضاً فعليّاً، فيقع التزاحم لا محالة بين الملاكين، وهنا لا محالة يقع الكسر والانكسار، وبقانون الأهمّيّة يغلب الأهمّ على المهمّ، وبعد تغليب الأهمّ على المهمّ يصبح الفعل هو الأهمّ فقط، وأمّا المهمّ فلا يبقى له وجود بالفعل، غاية الأمر له شأنيّة الوجود، بمعنى: لولا مزاحمته مع الأهمّ لكان موجوداً.
وأُخرى: يكون التزاحم في مقام الامتثال، حيث إنَّ هناك غرضين مولويّين، وكلٌّ منهما لزومي ومتعلّق بفعل غير ما تعلّق به الآخر، إلَّا أنَّ هذين الفعلين لا يتمكّن المكلّف من إتيانهما معاً، فهو لا يتمكّن من الصلاة وإزالة
ـــــــــــــــــــــــــ[196]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
النجاسة عن المسجد معاً، فيقع التزاحم من حيث وحدة القدرة عند المكلّف؛ لأنَّه ليس له إلَّا قدرة واحدة، فإمّا أن يصرفها هنا أو هناك، لا من حيث وحدة الموضوع، فإنَّ هنا موضوعين أحدهما الصلاة والآخر الإزالة.
وهذا التزاحم يختلف عن التزاحم الأوّل، بأنَّ هذا التزاحم يتصوّر في تمام الأحكام، وأمّا هذا التزاحم فلا يتصوّر في تمامها، بل يتصوّر في خصوص الإلزاميّة منها، وأمّا الأحكام غير الإلزاميّة فأيّ تنافٍ بين إيجاب الصلاة وبين إباحة الازالة.
وهناك تزاحم ثالث من ناحية الحفظ والمحرّكيّة، فلا تزاحم من ناحية وحدة الموضوع، ولا من ناحية القدرة، فنفرض في المقام أنَّ الموضوع متعدّد، كما هو الحال في العالم والأموي بعد أن نفرض أنَّه لا يوجد في الخارج عالم هو أموي، ولا أموي هو عالم، وحينئذٍ فموضوع الإرادة والحبّ هو العالم، وموضوع الكراهة والبغض هو الأموي، ولا تنافِي ولا تزاحم بينهما من ناحية وحدة الموضوع، وإنَّما التزاحم بينهما من ناحية مقام الحفظ والمحرّكيّة في فرض اشتباه الأموي والعالم على المكلّف، فنفرض عند المكلّف خمسة عشر شخصاً، والأموي مردّد بين عشرة منهم، والعالم مردّد بين خمسة، والخمسة الأُخرى مادّة اجتماع للتردّد، ففي مادّة الاجتماع للتردّد يحصل التزاحم قهراً بين الغرضين في مقام الحفظ والمحرّكيّة، فهذا يقتضي توسعة دائرة الحفظ من ناحيته، وذاك أيضاً يقتضي توسعة دائرة الحفظ من ناحيته.
وهنا يقدّم الأهمّ على المهمّ أيضاً، إلَّا أنَّ نتيجة تقديم الأهمّ هنا ليس هو
ـــــــــــــــــــــــــ[197]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
انعدام المهمّ بالمرّة وزوال فعليّته وبقاءه شأنيّاً صرفاً؛ لأنَّ التزاحم ليس في أصل الوجود وفعليّته، بل التزاحم في الحفظ والمحرّكيّة، فالتقديم لكون المهمّ المقدّم عليه منسلخاً عن الحفظ والمحرّكيّة، لا منسلخاً عن أصل الوجود والفعليّة إن لم يكن هناك تزاحم في أصل الوجود والفعليّة، مع فرض تعدّد الموضوع.
وبناءً على ما قلناه في المقدّمة الأولى من أنَّ عدم تعيّن متعلّق الغرض لا يوجب توسعة دائرة الغرض، وإنَّما يوجب توسعة دائرة الحفظ، فالمزاحمة في الحفظ لا في أصل الغرض، فالتقديم يوجب انسلاخ المفضول عن المحرّكيّة، لا انسلاخه عن الفعليّة في الوجود.
المقدّمة الثالثة: إنَّ الإباحة التي تتكفّل بها الخطابات الترخيصيّة الواقعيّة تارةً تكون ناشئة عن الاقتضاء وأُخرى تكون ناشئة عن اللااقتضاء، فالخطاب الواقعي الذي يُنشأ به إطلاق العنان تارةً يكون ناشئاً عن مقتضٍ وقيام مبادئ في نفس المولى لإطلاق العنان على حدّ المبادئ التي تقوم في إمساك العنان في الخطابات المتكفّلة للحرمة أو في إرسال العنان في الخطابات المتكفّلة للوجوب، ففي باب الإباحة قد تكون المبادئ قائمة في إطلاق العنان، بحيث إنَّ الإباحة تنشأ عن مبادئ وجوديّة فعليّة إقتضائيّة قائمة في إطلاق العنان، وأُخرى لا يكون كذلك، بل يكون الخطاب الواقعي المتكفّل لإطلاق العنان ملاكه عدم المقتضي لإمساك العنان أو إرسال العنان، حيث إنَّ المولى لا يكره ولا يحبّ، فحينئذٍ يطلق العنان، فالإباحة هنا إباحة ناشئة من اللااقتضاء.
وكلاهما على ما يستظهر من الفقه موجود في الأحكام الواقعيّة، فمثلاً في
ـــــــــــــــــــــــــ[197]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إباحة السواك يقول: “لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ“(1) فقد يستظهر من ذلك أنَّ هناك مصلحة في نفس الترخيص، وفي أخبار طهارة الحديد(2) أيضاً قد يستظهر منها أنّ هناك مصلحة في نفس الترخيص.
فبحسب مقام الثبوت يتصوّر هذان المطلبان، فيكون الخطاب المتكفّل للإباحة متكفّلا لإبراز إطلاق العنان، فتارةً يكون ناشئاً من مبادئ إقتضائيّة ثبوتيّة وجوديّة قائمة في إطلاق العنان، وتارةً يكون ناشئاً من عدم المقتضي.
ومن المعلوم حينئذٍ بالنسبة إلى خطاب الإباحة إذا كان من القسم الثاني، أي: الخطاب المتكفّل لإطلاق العنان إذا كان ناشئاً من عدم المقتضي؛ لأنَّ المولى لا يرى نفسه مقتضياً للإرسال أو للإمساك بالنسبة إلى من خوطب بالإباحة، فإذا كان هكذا فمثل هذا الخطاب ليس له اقتضاء الحفظ والمحرّكيّة أصلاً؛ لأنَّه لم ينشأ من غرض وجودي، حتّى يقتضي الحفظ والمحرّكيّة بوجه ما.
وهذا بخلاف ما إذا فرض أنَّ الخطاب كان ناشئاً من قيام مبادئ إقتضائيّة ثبوتيّة في إطلاق العنان، فإنّه في مثل ذلك هذا الخطاب حاله حال الخطابات المتكفّلة للإمساك والإرسال، يعني: للتحريم وللإيجاب، فكما أنَّ تلك الخطابات قد تقتضي الحفظ والمحرّكيّة في دائرة وسيعة كذلك هذا الخطاب قد يقتضي الحفظ والمحرّكيّة في دائرة وسيعة أيضاً.
فمثلاً لو فُرض أنَّ المولى كان له غرض قائم في أن يكون العبد مطلق
ـــــــــــــــــــــــــ[198]ــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري: الحديث رقم: 887، وصحيح مسلم: الحديث رقم:252.
(2) وسائل الشيعة 3: 528، الباب: 83، باب طهارة الحديد.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
العنان في أن يدرس عند زيد أو لا يدرس عنده، فلو فُرض تردّد زيد بحسب الخارج بين أشخاص متعدّدين فلا يعلم أنَّ هذا هو زيد أو عمرو أو بكر، ويُفرض مثلاً أنَّ هذا التردّد بحيث يحتمل أن يكون هذا ممّن يحرم الدرس عنده، كما إذا كان ساحراً مشعبذاً، ففي مثل هذا يقال: بأنَّ هذا الخطاب المتكفّل للإباحة بنفسه يقتضي توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة؛ لأنَّه ناشئ من غرض ثبوتي إقتضائي، فحينئذٍ يقتضي توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة، فكيف توسّع هذه الدائرة؟
والجواب: أن يُرخّص المولى في تمام هذه الأطراف؛ لكي يضمن إطلاق العنان في الدرس عند زيد، فيرخّص له في الدرس عند زيد ضماناً للغرض في كونه مطلق العنان. وهذا هو معنى توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة بالنسبة إلى خطاب الإباحة.
ومن هنا قد يبتلي هذا الخطاب بالمزاحمة أيضاً في مقام الحفظ والمحرّكيّة، فكما وقعت المزاحمة بين الوجوب والتحريم كذلك يتصوّر المزاحمة
بين مثل هذه الإباحة والحرمة، كما لو فُرض أنَّ زيداً الذي قد تعلّق الغرض المولوي في أن يكون العبد مطلق العنان في الدرس عنده مردّداً بين عشرة، وفرضنا أنَّ الآخر الذي يحرّم الدرس عنده -لأنَّه ساحر- أيضاً مردّد بين عشرة، فهناك مادّة اجتماع ما بينهما، فهنا خطاب يحرّم الدرس عند الساحر يقتضي توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة بإنشاء الحرمة الظاهريّة في الخمسة التي هي مادّة الاجتماع؛ لأجل أن يضمن ترك الدرس عند الساحر، وخطاب
ـــــــــــــــــــــــــ[199]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الإباحة المتكفّل لإطلاق العنان الناشئ من المقتضي الثبوتي الذي يقتضي توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة لإطلاق العنان، وذلك بأن يُنْشأ الرخصة في مادّة الاجتماع، فيقع التزاحم هنا بين خطاب الإباحة وبين خطاب التحريم في مقام حفظ الغرض، حفظاً للأغراض التي نشأت منها هذه الخطابات، كما وقع التزاحم بين خطابات الإيجاب وخطابات التحريم.
وحينما يقع مثل هذا التزاحم أيضاً يعمل قانون باب التزاحم فيقدّم الأهمّ، فلو فرض أنَّ المولى كان غرضه في أن يكون المكلّف مطلق العنان بالدرس عند زيد أقوى من غرضه في أن لا يدرس عند الساحر المردّد بين هذه العشرة فقط، فينشأ تحفظاً على هذا الغرض الرخصة في الخمسة التي هي مادّة الاجتماع.
وأيضاً هنا نقول: إنَّ مقتضى التقديم ليس هو زوال ذاك بالمرّة، فإنَّ التزاحم هنا ليس تزاحماً في أصل الوجود والفعليّة؛ لأنَّ الموضوع متعدّد، فإنَّ زيداً شخصاُ والساحر شخصاً آخر، وإنَّما التزاحم في مقام الحفظ، فلو قدّم خطاب الإباحة في مقام الحفظ على مقام الحرمة فليس معناه زوال خطاب الحرمة، وأنَّ الحرمة بمبادئها ليست فعليّة، بل هي فعليّة الوجود، لكن ليست فعليّة الحفظ، يعني: مغلوبة في مقام الحفظ والمحرّكيّة؛ لأنَّ دائرة الحفظ وسّعت طبقاً لخطاب الإباحة، لا طبقاً لخطاب التحريم، لا أنَّها غير موجودة وغير فعليّة، فإنَّ قانون هذا التزاحم يقتضي التقديم فيما فيه التزاحم، وما فيه التزاحم إنَّما هو دائرة الحفظ، لا أصل الفعليّة والوجود.
نعم، هذا التزاحم إنَّما يتصوّر بين خطاب الإباحة وخطاب التحريم مثلاً
ـــــــــــــــــــــــــ[200]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بالملاك الثالث الذي هو ملاك الحفظ، فإنَّما يتصوّر في خطاب الإباحة المتكفّل لإطلاق العنان الناشئ من مقتضى ثبوتي فيه، وأمّا إذا نشأ من اللا مقتضي، فحينئذٍ لا تزاحم بين المقتضي واللا مقتضي كما هو واضح.
فإذا اتّضحت هذه المقدّمات الثلاث ارتفعت الغشاوة عن هذه الشبهة العويصة وانحلّت بشكل واضح جدّاً.
وذلك أنَّ الأحكام الظاهريّة -التي نتكلّم في كيفيّة التوفيق بينها وبين الأحكام الواقعيّة- إمّا أن تكون أحكاماً إلزاميّة وجوبيّة أو تحريميّة، وإمّا أن تكون أحكاماً ترخيصيّة، فالخطابات الظاهريّة المتكفّلة للخطابات الإلزاميّة الظاهريّة مبادئها نفس مبادئ الأحكام الواقعيّة الإلزاميّة، وليس لها مبادئ أُخرى ورائها، غاية الأمر أنَّ هذه الخطابات الظاهريّة هي نتيجة لتوسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة لتلك الأحكام الإلزاميّة الواقعيّة، حيث إنَّ الأحكام الإلزاميّة الواقعيّة ضاع موضوعها على المكلّف، فهو لا يدري ما هو الواجب وما هو الحرام وكلاهما عنده مردّد؟
فبعد تردّد الواجب والحرام عند المكلّف تكون الأحكام الواقعيّة بمبادئها الواقعيّة قد أوجبت توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة في المقام، فتوسعت دائرة الحفظ والمحرّكيّة، فهو بإنشاء خطابات ظاهريّة تنشأ وجوب الاحتياط في مورد الشكّ بلسان: (صدق العادل)، أو بلسان: (لا ينقض اليقين بالشكّ)، أو صراحة بلسان: (أخوك دينك) فبالتالي هذه الخطابات تنشأ وجوب الاحتياط
ـــــــــــــــــــــــــ[201]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بداعي إبراز شدّة اهتمام المولى بتلك الأغراض الواقعيّة، لأجل توسعة دائرة حفظها ومحرّكيّتها.
فهذه الأحكام الإلزاميّة الظاهريّة ملاكها فقط وفقط هي تلك المبادئ الواقعيّة القائمة في الأحكام الإلزاميّة (الواقعيّة) -ومقصودي إلى الآن تحديد مبادئها في أنفسها لا دفع التنافي- وأمّا الأحكام الظاهريّة الترخيصيّة فمبادئها هي نفس مبادئ الأحكام الترخيصيّة الواقعيّة، فإنَّ الأحكام الترخيصيّة الواقعيّة -التي نفرض أنَّها إمّا بمجموعها وإمّا بجميعها بوجه من الوجوه- نشأت من المقتضي في إطلاق العنان في مواردها، وحيث ضاعت المباحات التي تعلّق غرض المولى بأن يكون الإنسان مطلق العنان فيهاقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّـهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ(1)، فإذا فرضنا أنَّها ضاعت على العبد بحسب الخارج فنفس تلك الملاكات الواقعيّة للإباحة الواقعيّة تكون بإنشاء الخطابات الترخيصيّة الظاهريّة في موارد الشكّ بالإباحة، لأجل ضمان إطلاق العنان في موارد الإباحة الواقعيّة.
فملاك الأحكام الظاهريّة الإلزاميّة هو فقط وفقط مبادئ الأحكام الإلزاميّة الواقعيّة، ووظيفتها توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة لتلك الأحكام الإلزاميّة الواقعيّة، والأحكام الترخيصيّة مبادئها فقط وفقط هي مبادئ تلك الإباحات الواقعيّة القائمة بالمباحات الواقعيّة، ووظيفتها فقط توسعة دائرة الحفظ بالنسبة إلى أغراض تلك الإباحات الواقعيّة.
ـــــــــــــــــــــــــ[202]ــــــــــــــــــــــ
(1) الأعراف: 32.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فإذا فرضنا أنَّا أخذنا هذه الفكرة عن الأحكام الظاهريّة في المقام فيرتفع الإشكال؛ وذلك لأنَّ هذه الأحكام الإلزاميّة الظاهريّة كيف تجتمع مع الترخيص الواقعي، وكيف تجتمع الأحكام الظاهريّة الترخيصيّة مع الإلزام الواقعي، والإشكال من ناحية اجتماع الضدّين ومن ناحية نقض الغرض، وكلاهما صار بلا موضوع.
وبيانه: أمّا الإشكال من ناحية اجتماع الضدّين فقد قلنا مراراً: إنَّ اجتماع الضدّين بلحاظ الأحكام إنَّما هو باعتبار مبادئ الأحكام والمنكشف فيها، لا باعتبار نفس الإنشاءات بما هي ألفاظ، وهنا مبادئ الأحكام الظاهريّة لم تجتمع في مورد واحد على موضوع واحد مع الأحكام الواقعيّة المخالفة لها، فإنَّ مبادئ الأحكام الظاهريّة الإلزاميّة هي مبادئ الواجبات الواقعيّة، ومبادئ الواجبات الواقعيّة محطّها الواجبات الواقعيّة، وليس محطّها الأفعال المباحة في الواقع، فلم تجتمع مبادئ الأحكام الظاهريّة الإلزاميّة مع مبادئ الإباحة الواقعيّة، حتّى يلزم اجتماع الضدّين؛ لأنَّ مبادئها هي نفس مبادئ الواجبات والمحرّمات الواقعيّة، وتلك محطّها الواجب والحرام الواقعي غير المباح.
فهنا التزمنا بأنَّ الأحكام الظاهريّة الإلزاميّة ناشئة عن مبادئ حقيقيّة، وليست ناشئة عن مجرّد المصلحة في جعلها -كما قيل(1)– إلَّا أنَّ هذه المبادئ الحقيقيّة ليست متّحدة في الموضوع والمصبّ مع المباحات الواقعيّة، بل هي مبادئ الواجبات والمحرّمات الواقعيّة، والواجب والحرام الواقعي لا يعقل أن
ـــــــــــــــــــــــــ[203]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: وقاية الأذهان: 202.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
يكون مباحاً واقعاً. هذا كلّه في طرف الأحكام الظاهريّة الإلزاميّة.
وكذلك الحال في طرف الترخيصات الظاهريّة، فإنَّ مبادئها وملاكها هو نفس ملاك المباحات الواقعيّة، وملاك المباحات الواقعيّة قائم بالملاك الواقعي، فيكون مصبّاً ومعروضاً وموضوعاً مختلفاً عن مبادئ الأحكام الإلزاميّة، ولا يعقل أن تجتمع مبادئ الأحكام الترخيصيّة الظاهريّة مع مبادئ الأحكام الإلزاميّة الواقعية في موضوع واحد.
غير أنّ هذه الأحكام الظاهريّة -بالرغم من أنَّ مبادئها هي نفس مبادئ الأحكام الواقعيّة- هي أوسع من دائرة تلك الأحكام الواقعيّة؛ لأنَّها هي من باب التوسعة في دائرة الحفظ والمحرّكيّة.
وقد قلنا في المقدّمة الأولى: إنَّ توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة لا يقتضي توسعة دائرة الغرض، وفائدة المقدّمة الأولى هنا تتمّ فيما لو قلنا فيها: إنَّ عدم تعيّين متعلّق الغرض يوجب توسعة دائرة الغرض، فيكون في المقام إشكال اجتماع الضدّين وارداً؛ لأنَّ هذه الأحكام الظاهريّة الإلزاميّة مثلاً، أو الأحكام الظاهريّة الترخيصيّة توجب توسعة دائرة ذلك الغرض الواقعي الذي أُنشأت هذه الخطابات من أجله، و من أجل تعميم ذلك الغرض الواقعي لموردها فيتصادم هذا الغرض الواقعي مع الغرض الواقعي الآخر الذي قامت على خلافه الأمارة أو الأصل، فيحصل التضادّ والتنافي حينئذٍ بين نفس الأغراض الواقعيّة.
لكن حيث قلنا في المقدّمة الأولى: إنَّ عدم تعيّن متعلّق الغرض لا يوجب
ـــــــــــــــــــــــــ[204]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
توسعة دائرة الغرض، وإنَّما يوجب توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة، فالغرض يبقى واقفاً على موضوعه ومصبّه، فأغراض الإباحة تبقى واقفة على المباحات الواقعيّة دون أن تسري إلى الواجبات والمحرّمات والأغراض اللزوميّة الواقعيّة، والسريان إنَّما هو سريان دائرة الحفظ والمحرّكيّة، لا سريان نفس الغرض بما هو غرض.
إذن، فهنا لم تجتمع مبادئ الأحكام الواقعيّة مع مبادئ الأحكام الظاهريّة في مورد واحد على موضوع واحد، وإنَّما كلّ منهما له موضوع.
نعم، غاية التنافي فيما بينهما هو التزاحم من القسم الثالث الذي ذكرناه في المقدّمة الثالثة، وهو أنَّ هذه الأغراض تزاحمت في مقام الحفظ والمحرّكيّة، سواء تصوّرنا إباحة مع غرض آخر وجوبي وتحريمي، أو غرض وجوبي مع غرض تحريمي، وحيث تزاحمت هذه الأغراض في مقام الحفظ والمحرّكيّة قدّم الأهمّ وأُنشأ الخطاب الظاهري على طبق الأهمّ.
إلَّا أنَّا ذكرنا في المقدّمة الثانية أيضاً: أنَّ تقديم الأهمّ في هذا النوع من التزاحم لا يوجب زوال فعليّة المقدّم عليه، بل غاية ما يوجبه كون المرجوح غير محفوظ بالخطاب الظاهري، لا كونه غير فعلي؛ لأنَّ التزاحم في الحفظ، لا في أصل الفعليّة والوجود.
ومن هنا يظهر أنَّ تقديم ملاكات الأحكام الظاهريّة في مقام التزاحم على ملاكات الأحكام الواقعيّة المخالفة لها لا يوجب زوال فعليّة الواجب بمبادئه، ولا يؤدّي إلى التصويب؛ لأنَّ هذا التزاحم ليس تزاحماً بملاك وحدة الموضوع،
ـــــــــــــــــــــــــ[205]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
حتّى يحصل كسر وانكسار، ويكون هذا بالتالي إمّا محبوباً صرفاً أو مبغوضاً صرفاً، بل المحبوبيّة والمبغوضيّة وإطلاق العنان كلّ على موضوعه.
والتزاحم إنَّما هو في مقام الحفظ، فإذا قدّم أحدهما على الآخر في مقام الحفظ فهذا لا يؤدّي إلى عدم فعليّة الآخر بمبادئه، بل يؤدّي إلى عدم كونه محفوظاً، لا إلى عدم كونه فعليّاً. وهذه هي فائدة المقدّمة الثانية.
وأمّا فائدة المقدّمة الثالثة فهي تصوّر هذا القسم الثالث من التزاحم، وهو التزاحم في مقام الحفظ ما بين الإباحة والوجوب، حيث قد يقال: بأنَّه كيف يقع التزاحم ما بين الإباحة الواقعيّة وما بين الوجوب، فمقتضى القاعدة حينئذٍ توسعة دائرة الحفظ للأحكام الإلزاميّة وجعل وجوب الاحتياط في موارد الشكّ دائماً، لا، بل قد تكون المباحات الواقعيّة ناشئة من غرض واقعي في إطلاق العنان، بحيث يقتضي التوسعة في دائرة هذا الغرض أيضاً، فيقع التزاحم بينه وبين الأغراض اللزوميّة ويقدّم بمقدار أقوائيّته. وهذه أيضاً فائدة المقدّمة الثالثة.
وبهذا انحلّت شبهة اجتماع الضدّين، وكذلك انحلّت شبهة نقض الغرض؛ لأنَّه في المقام وإن كان المولى بجعل الرخصة الظاهريّة ينقض الغرض الواقعي، فإن له غرضاً واقعيّاً في الدعاء عند رؤية الهلال، ومع ذلك جعل أصالة البراءة ظاهراً فأجريناها وتركناه، فهذا نقض للغرض، إلَّا أنَّ نقض الغرض بملاك التحفّظ على غرض آخر أقوى أمر معقول، بل أمر ضروري، فنقض الغرض لا بملاك التزاحم أمر محال، ولكنّه بملاك التزاحم أمر معقول،
ـــــــــــــــــــــــــ[207]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وهنا نقض الغرض بملاك التزاحم بين الغرض في إطلاق العنان في المباحات الواقعيّة، وبين الغرض في الإمساك والإرسال في الواجبات والمحرّمات الواقعيّة، والمفروض أنَّ هذا أقوى من ذاك.
إلَّا أنَّ هذه الأقوائيّة -وهذه هي النكتة الأساسيّة في البحث- لا توجب التقديم وزوال الآخر بالمرّة؛ لأنَّ التزاحم ليس في أصل الوجود والفعليّة. إذن، فالآخر يبقى أيضاً على فعليّته، فلا نقض الغرض ولا اجتماع الضدّين.
وأظنّ أنَّ تمام من بحث في هذه المسألة من أيام الشيخ الأنصاري إلى اليوم كان بالارتكاز يحاول بيان هذا المطلب، إلَّا أنَّ هذا المطلب بقي ثمانين سنة ينتظر الصيغة التي لا يرد عليها إشكال في مقام بيانه، وإلَّا فالذي أظنّه أنَّ الأعلام بتمامهم كانوا بالارتكاز يحاولون بيان هذا المطلب الواضح البديهي الذي لا اشكال فيه ولا شبهة، إلَّا أنَّه حصلت بعض الشوائب التي أوجبت تقريبهم للجواب بتقريبات غير صحيحة. هذا كلّه بناءً على الطريقيّة.
وبعبارة أُخرى(1): أنَّ الجواب عن الشبهة بناءً على القول بالطريقيّة يحتاج إلى بيان مقدّمات:
المقدّمة الأولى: في توضيح أنَّ عدم تعيّن متعلّق الغرض وموضوعه بالنسبة إلى من يترقّب منه تحصيل الغرض، لا يوجب توسعة دائرة الغرض ومبادئها الحقيقية، وإنَّما يوجب على فرض فعليّة الغرض ومبادئه توسعة دائرة الحفظ
ـــــــــــــــــــــــــ[207]ــــــــــــــــــــــ
() وأعاد سيّدنا الأُستاذ (أدام الله ظلّه) تمام مطالب محاضرة أمس، مع بعض التغيير في الأُسلوب، ومع زيادات مهمّة؛ لذا اقتضى كتابتها كلّها. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
والمحرّكيّة، وتوسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة بإنشاء خطاب ظاهري في موارد الاحتمال لأجل حفظ ذلك الغرض الواقعي.
وهذه المقدّمة تشير أيضاً إلى نكتة، وهي ما أوضحناه مراراً على نحو الإشارة، وأشرنا إليه تفصيلاً في بعض أبحاث هذه المسألة: من أنَّ الخطاب الذي ينشأ في موارد الاحتمال بداعي الاهتمام بالغرض الواقعي يكون حافظاً لذلك الغرض الواقعي، ففي هذه المقدّمة فرض أنَّ عدم تعيّن متعلّق الغرض يوجب توسعة دائرة الحفظ، فالمولى بماذا يحفظ الغرض الواقعي في موارد التردّد؟
الجواب: يحفظه بإنشاء خطاب ظاهري للمتردّد والشاك، فيبرز شدة اهتمامه بالغرض الواقعي وعدم اهتمامه بتفويته، فهذا الخطاب الظاهري يوجب توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة.
فإنَّ هذا الخطاب الظاهري وإن لم يكن هناك غرض في خصوص مورده على كلّ تقدير؛ إذ لعله في مورد غير الغرض الواقعي، إلَّا أنَّه باعتبار نشوءه عن الغرض الواقعي فيكون موضوعاً للوظائف العقليّة وللمنجّزيّة والمعذّريّة.
وهذا هو الفرق بين هذا الخطاب الظاهري وبين ما يقال من الخطابات والأحكام التي لا ملاك إلَّا في نفس جعلها وانشائها، فإنَّ مثل هذه الخطابات التي لا ملاك إلَّا في نفس جعلها وانشائها خارجاً طرأ عن موضوع المنجّزيّة والمعذّريّة والوظائف العقليّة -كما بيناه في دفع جواب الثاني عن الشبهة- حيث قلنا هناك: إنَّ المحرّكيّة العقليّة إنَّما هي بعنوان تتميم المحرّكيّة الذاتيّة،
ـــــــــــــــــــــــــ[208]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
والخطاب الذي يكون مجرّد لفظ ومجرّد انشاء ليس له محرّكيّة ذاتية حتّى تتمّ بالمحرّكيّة العقليّة، ويعوض عن اخلاص العبد لمولاه تكويناً بفرض الاخلاص عليه من قبل العقل العملي عملاً.
فالخطابات التي تكون المصلحة في نفس جعلها وانشائها، فهذه لغو من حيث الوظائف العقلية، ولا تقع موضوع لها، وإنَّما الذي يقع موضوعاً للوظائف العقليّة هي الخطابات التي يكون لها محرّكيّة ذاتيّة في نفسها لا فرض العبد محباً لمولاه ومخلصاً له تكويناً.
تلك الخطابات هي التي يكون لها محرّكيّة عقليّة وتكون موضوعاً للوظائف العقليّة من باب تتميم المحرّكيّة الذاتيّة بالمحرّكيّة العقليّة من دون فرق بين أنَّ تكون هذه الخطابات خطابات واقعيّة ناشئة عن أغراض في مواردها بالجزم واليقين، أو خطابات ظاهريّة في موارد الشكّ ناشئة للتحفظ على الغرض الواقعي، فقد يكون هذا الغرض الواقعي في موردها وقد لا يكون في موردها، فمادام هذا الخطاب ناشئاً من التحفظ على غرض واقعي فيكون له محرّكيّة ذاتيّة لو كان العبد مخلصاً لمولاه، فإذا كانت له محرّكيّة ذاتيّة في فرض الإخلاص، فالعقل العملي يحكم بأنَّ غير المخلص يجب أن يسلك سلوك المخلص في مقام العمل، وهذا هو معنى حكم العقل في المقام.
ففي هذه المقدّمة لا بُدَّ وأن يفرغ عن أنَّ المولى يمكنه أن يحفظ غرضه الواقعي في موارد الشكّ، فبمّ يوسع غرضه في موارد الشكّ، وبمّ يوسع دائرة الحفظ والمحرّكيّة؟
ـــــــــــــــــــــــــ[209]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
والجواب: بإنشاء خطابات ظاهريّة، وهي إن لم يكن هناك ملاكات جزماً ويقيناً في مورد كلّ واحد منهما، لكن حيث إنَّها ناشئة من الغرض الواقعي، وأنَّ الملحوظ فيها إبراز شدة الاهتمام به، فتكون لها المحرّكيّة الذاتيّة فتكون لها المحرّكيّة العقليّة أيضاً؛ لأنَّ المحرّكيّة العقليّة تتميم للذاتيّة. هذا هو حاصل المقدّمة الأولى.
ونتيجتها: أنَّ عدم تعيّن الغرض لا يوجب توسعة دائرة الغرض، بل الغرض يبقى واقفاً على موضوعه الواقعي، لكن توسع دائرة الحفظ والمحرّكيّة، وتوسعتها موقوف على هذا المبنى من مبانينا، وهو أنَّ يقال: بأنَّ الخطاب الذي تكون له محرّكيّة ذاتيّة تكون له محرّكيّة عقليّة.
وبهذا الضابط حينئذٍ يفرق بين الخطابات التي تكون مصلحتها في نفس انشائها، وبين الخطابات الظاهريّة والواقعيّة التي تكون ناشئة عن غرض واقعي، فالخطابات التي تكون المصلحة في نفس إنشائها لا تكون موضوعاً للمحرّكيّة العقليّة؛ لأنّها ليست ذات محرّكيّة ذاتيّة(1) وأمّا الخطابات ذات الأغراض الواقعيّة سواء كانت الخطابات واقعيّة أو ظاهريّة، فتكون موضوعاً للوظائف العقليّة.
المقدّمة الثانية: وحاصلها: أنَّ التزاحم بين حكمين تارةً يكون تزاحماً بملاك وحدة الموضوع، كما لو كان موضوع واحد كصلاة الجمعة مثلا، فيه
ـــــــــــــــــــــــــ[210]ــــــــــــــــــــــ
() لو كان العبد مخلصاً لمولاه لما تحرّك عنها، ففرض الإخلاص عليه أيضاً لا يوجب تحرّكه عنها. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
مبادئ الحرمة ومبادئ الإباحة فتتزاحم مبادئ الحرمة ومبادئ الإباحة، وبعد الكسر والانكسار يقدّم الأهمّ لا محالة.
فهذا التزاحم تزاحم في أصل الوجود والفعليّة؛ لأنَّه يستحيل أن تكون مبادئ الإباحة فعليّة ومبادئ الحرمة أيضاً فعليّة، فلو قدّم الأهمّ على المهمّ انسلخ المهمّ عن فعليّة الوجود وبقي مجرّد أمر شأني وغير فعليّ.
وهناك تزاحم باعتبار وحدة القدرة وضيق قدرة المكلّف، كما في موارد الأمر بالصلاة والأمر بالإزالة مع عدم قدرة المكلّف على الجمع بينهما.
وهناك تزاحم في مرحلة الحفظ والمحرّكيّة، وإن لم يكن هناك أيّ منشأ للتزاحم من ناحية وحدة الموضوع أو من ناحية قدرة المكلّف، وهذا هو الذي يتفق عند وجود غرضيين مولويين، مع ضياع موضوعيهما وتردده، كما في الأموي والعالم، فإنَّ الغرضين المولويين في الأموي والعالم متزاحمان لا باعتبار وحدة الموضوع، فإنَّ موضوع أحدهما غير موضوع الآخر، ولا باعتبار ضيق قدر المكلّف فإنّه قادر على امتثال كلّ منهما، بل باعتبار أنَّ الموضوع بحسب الخارج مشتبه فكلّ منهما يقتضي توسعة دائرة الحفظ طبقاً له، فالخمسة التي يحتمل كونهم علماء ويحتمل كونهم أمويين هم مورد المزاحمة في دائرة الحفظ والمحرّكيّة، وفي مثل ذلك يقدّم الأهمّ، ولكن تقديم الأهمّ هنا لا يوجب انسلاخ المهمّ عن أصل الفعليّة، وإنَّما يوجب انسلاخه عن الحفظ لا عن أصل الوجود والفعليّة، فإنَّ التزاحم هنا ليس في أصل الوجود والفعليّة، بل هو تزاحم في الحفظ والمحرّكيّة. هذه هي المقدّمة الثانية.
ـــــــــــــــــــــــــ[211]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
المقدمة الثالثة: أنَّ الإباحة كما يمكن أنَّ تكون ناشئة عن عدم وجود مقتضٍ للإمساك وللإرسال، كذلك يمكن أن تكون ناشئة عن وجود غرض مولوي في إطلاق العنان، بمعنى: أنَّ المولى يكون له غرض في أن يكون العبد مطلق العنان، ومرجع هذا الغرض بحسب الحقيقة إلى أنَّ المولى يكون له غرض لزومي في أنَّ العبد متى ما صار بصدد هذا الفعل إثباتاً ونفياً يطبق عمله على طبق دوافعه الطبيعيّة، من دون ملاحظة اللزوم من قبل المولى، وهذا معنى نشوء الإباحة عن غرض في نفس إطلاق العنان.
ومن المعلوم أنَّ الخطاب المتكفّل للإباحة إذا كان ناشئاً عن الأغراض في الإمساك والإرسال، فلا يكون مقتضياً للحكم، ولا يكون في موارد الشكّ موجباً لتوسعة دائرة الحفظ. وأمّا لو فرض أنَّه كان ناشئاً عن غرض في إطلاق العنان، عن غرض لزومي في أنَّ العبد يطبق فعله دائماً إثباتاً أو نفياً على دوافعه الذاتيّة بقطع النظر عن اللزوم من ناحية المولى، ففي مثل هذا أيضاً قد يقتضي توسعة دائرة الحفظ في مورد عدم التعيّن تماماً حرفاً بحرفٍ، كالخطابات الإلزاميّة.
فلو كان للمولى غرض لزومي في أن يكون المكلّف مطلق العنان في الدرس عند زيد، وتردّد زيد بين اشخاص متعددين، فقد يكون هذا الغرض موجباً لتوسعة دائرة الحفظ، فيرخص له في الدرس عند أيّ واحد ممّن يحتمل كونه زيد استطراقاً لأن يكون مطلق العنان بالنسبة إلى زيد المردّد بين هؤلاء.
هذا الحفظ أيضاً معقول في المقام كحفظ للغرض اللزومي بإنشاء وجوب
ـــــــــــــــــــــــــ[212]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الاحتياط، فكما أنَّ حفظ الغرض اللزومي بإنشاء وجوب الاحتياط أمر معقول -كما بيَّنا في المقدّمة الأولى- لأنَّ انشاء وجوب الاحتياط يكون صادراً بقصد التحفظ على غرض واقعي، فهذا الترخيص في المقام أيضاً يكون صادراً بقصد التحفظ على غرض واقعي، ومثل هذا الترخيص يكون معذراً عند العقل ومجوزاً للإقدام عند العقل، فإنَّ هذا الترخيص الصادر عن المولى بقصد التحفظ على غرض واقعي؛ بحيث لولا ترتيب الآثار على هذه الرخصة لضاع ذلك الغرض الواقعي، إمّا يقيناً وإمّا احتمالاً، ففي مثل ذلك تترتّب المعذّريّة على مثل هذا الترخيص، ومقتضى المولويّة حينئذٍ هذا الترخيص.
وبهذا يفرق بين هذا الترخيص الذي يكون بداعي توسعة دائرة الحفظ للإباحة الواقعيّة من قبل المولى في مقام الشكّ، وبين الترخيص الذي تكون المصلحة في نفس انشائه وجعله من دون أن يكون ناشئاً عن غرض واقعي في متعلّقة، فإنَّ هذا الترخيص لا يترتّب عليه أثر عقلاً، كما لا يترتّب أثر عقلاً على الوجوب الذي تكون المصلحة في نفس جعله، فكما أنَّ ذاك لا يكون منجّزاً هذا أيضاً لا يكون معذّراً.
فلو قال شخص للمولى: أقتلك إن لم تنشأ الرخصة، أو أعطيك عليها ديناراً، وكان محتاجاً إليه، فأنشأ الرخصة لمصلحة في نفس إنشاء الرخصة، فمثل هذا الإنشاء لا يكون معذراً عند العقل لو فرض تنجّز تكليف واقعي عليه في المرتبة السابقة؛ لأنَّ هذا مجرّد لفظ، وهو لا يكون مشخصاً لوظائف العبوديّة والمولويّة، بل يكون التكليف الواقعي المنجّز داخلاً في دائرة حقّ الطاعة حتّى
ـــــــــــــــــــــــــ[213]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بعد إنشاء الرخصة، بخلاف ما لو فرض بأنَّ الترخيص كان بداعي إبراز غرض واقعي، بحيث لولا تطبيق العمل على هذه الرخصة يفوت ذلك الغرض الواقعي، إمّا جزماً أو احتمالاً.
وبهذا أيضاً ظهر الفرق بين مثل هذا الترخيص وبين الترخيص في مورد العلم التفصيلي الوجداني، كما لو فرض أنَّ العبد كان يقطع بوجود هذا الأمر وبعدم كونه مباحاً في الواقع، وبأنَّ المباح في الواقع غير هذا، مثلاً يقطع بأنَّ هذا ليس زيد وإنَّما هذا عمرو الساحر الذي يحرم الدرس عنده مثلاً ويجب تركه، فهو غير زيد الذي هناك مصلحة في إطلاق العنان من ناحيته.
فلو فرض أنَّ المكلّف كان يعلم تفصيلاً بهذا، إلَّا أنَّ المولى لا يدري بأنَّ المكلّف دائماً على صواب في قطوعه وعلومه، فالمولى يرخص في الدرس حتّى عند من يقطع أنَّه ليس بزيدٍ، وأنَّه ساحر، استطراقاً إلى التحفظ على غرضه الواقعي.
فمثل هذا الترخيص لا يكون معذّراً؛ لأنَّ العبد ما دام يقطع بأنَّ هذا ليس زيداً، وأنَّ زيداً غيره. إذن، فهو يقطع بأنَّ غرض المولى يمكنه تحصيله في طرف المباح وفي طرف الحرام معاً، يعني: يقطع بأنَّه لو تقيّد بترك الدرس عند هذا وصار مطلق العنان من ناحية الدرس عند من يعتقد أنَّه زيد، فقد حصل كلا الغرضين المولويين، بخلاف ما إذا صار مطلق العنان من ناحية كلّ منهما فإنَّه يفوته أحد الغرضين المولويين.
وفي مثل ذلك يحكم العقل عليه أيضاً بلزوم الامتثال وتحصيل الغرض،
ـــــــــــــــــــــــــ[214]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ولا يجد العقل مثل هذا الترخيص مؤمّناً له؛ لأنَّ هذا الترخيص ترخيص اضطراري من قبل المولى، حيث إنَّ المولى لا يستطيع أن يميّز في القضايا الحقيقية بين العالم المصيب قطعه للواقع والمخالف له، فمن هذه الناحية رخص لتمام القاطعين بارتكاب ما يقطعون بحرمته تحفظاً على المباح الواقعي، لكن كلّ قاطعٍ قاطعٍ لو يحسب نفسه يرى أنَّ المولى لو التفت إليه بالخصوص لما رخصه، وإنَّما رخصه بهذا العموم من باب أنَّه لم يكن له طريق خاص اليه، والَّا لما رخصه تحفظاً على غرضه الواقعي، فمثل هذا الترخيص أيضاً لا يكون معذّراً.
ومن هنا قلنا في باب العلم التفصيلي بأنَّ الردع عن العمل بالقطع غير معقول؛ لأنَّ هذا الردع إن كان حقيقياً فيلزم اجتماع الضدين، وإن كان طريقياً فهو لغو؛ إذ لا يترتّب عليه المعذّريّة، ومن هنا قلنا: إنَّ هذا الترخيص لا يكون معذّراً؛ لأنَّه لا يترتّب عليه الأثر عقلاً، بخلاف الترخيص في المقام فإنَّه يكون معذّراً.
هذه هي المقدّمة الثالثة في المقام، وحاصلها: أنَّ الإباحة أيضاً تقتضي التوسعة في الحفظ في مورد التعيّن؛ وذلك إذا كانت ناشئة عن فرض ثبوتي لا عن مجرّد عدم الاقتضاء، فإذا اتّضحت هذه المقدّمات، فحينئذٍ يقال في المقام:
بأنَّ الأحكام الظاهريّة إمّا إلزاميّة وإمّا ترخيصيّة، فالأحكام الظاهريّة الإلزاميّة توسعة في دائرة الحفظ للأحكام الواقعيّة الإلزاميّة، وملاكها نفس ملاكها، وقد قلنا في المقدّمة الأولى: إنَّ توسعة دائرة الحفظ لا يعني توسعة دائرة الغرض، فالغرض اللزومي باقٍ على واقعه، إلَّا أنَّ التوسعة فقط في مقام الحفظ لا في مقام الغرض.
ـــــــــــــــــــــــــ[215]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
كما أنَّ الأحكام الظاهرية الترخيصيّة توسعة في دائرة الحفظ في الإباحة الواقعيّة الناشئة من غرض في إطلاق العنان، فإنّا بيّنا في المقدّمة الثالثة أنَّ الخطاب بالإباحة أيضاً قد يقتضي التوسعة في دائرة الحفظ كالخطاب بالوجوب.
وحينئذٍ فهذه الأحكام الإلزاميّة التي هي عبارة عن توسعة دائرة الحفظ بالنسبة إلى الواقع، وتلك الخطابات الإباحيّة الظاهريّة التي هي توسعة في دائرة الحفظ بالنسبة إلى المباحات الواقعيّة، لا بُدَّ وأن نلحظ كلّ واحد منها في مورد الخلاف، فنرى هل يلزم منها محذور أو لا يلزم، فنقول:
بأنَّه في موارد الأحكام الظاهريّة الإلزاميّة، هكذا نفرض أنَّه يتقرب فيها إباحة المورد ويتقرب فيها وجود الإلزام واقعاً، فإنَّه بحسب الواقع في موارد الأحكام الظاهريّة الإلزاميّة إمّا إلزام، فهو معنى أصالة الحكم الظاهري للواقع، وإمّا إباحة، وهو معنى عدم إصابة الحكم الظاهري للواقع، كما أنَّه في موارد الأحكام الظاهريّة الترخيصيّة إمّا إلزام فهو معنى الإصابة، وإمّا إباحة وهو معنى الإصابة.
ومن هنا وقع في كلّ من دائرة الأحكام الظاهريّة الإلزاميّة ودائرة الأحكام الظاهريّة الترخيصيّة تزاحم بين الإباحات الواقعيّة والإلزامات الواقعيّة في توسعة دائرة الحفظ، غاية الأمر أنَّ المولى في إحدى الدائرتين قدّم الأحكام الإلزاميّة على الأحكام الترخيصيّة الواقعيّة، فوسع دائرة الحفظ للإلزام دون الإباحة، وأنشأ حينئذٍ الخطابات الظاهريّة الإلزاميّة. وفي الدائرة الثانية وسع دائرة الحفظ للإباحة لا للإلزام، فأنشأ الخطابات الظاهريّة الترخيصيّة.
ـــــــــــــــــــــــــ[216]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وقد قلنا: بأنَّ تقديم ملاكات الإباحة على ملاكات الإلزام أو العكس لا يوجب زوال فعليّة الآخر، وإنَّما يوجب انسلاخه عن الحفظ والمحرّكيّة -كما قلنا في المقدّمة الثانية من التفرقة بين التزاحم في مقام الحفظ وبين التزاحم في أصل الفعليّة والوجود- وهذا تزاحم في مقام الحفظ لا في أصل الفعليّة والوجود. إذن، فتقدّيم المولى الإلزام الواقعي على الإباحة الواقعيّة تارةً والإباحة الواقعيّة على الإلزام الواقعي تارةً أُخرى في مقام الحفظ لا يوجب زوال المقدّم عليه، بل الإلزام الواقعي يبقى على حاله وإن كان مقدّماً عليه الإباحة، والإباحة الواقعيّة تبقى على حالها وإن كان مقدّماً عليها الإلزام في مقام الحفظ والمحرّكيّة.
وبهذا يظهر أنَّه لا تأتي لا شبهة اجتماع الضدين ولا شبهة نقض الغرض.
أمّا شبهة اجتماع الضدين؛ فلأنَّ اجتماع الضدين بلحاظ المبادئ إنَّما يتصوّر فيما لو قلنا بأنَّ الحكم الظاهري له مبادئ قائمة بمورده.
وهذا غير صحيح، فإنَّ الأحكام الظاهرية سواء كانت إلزاميّة أو ترخيصيّة ناشئة بحسب الغرض من نفس الأغراض الواقعيّة الإلزاميّة أو الترخيصيّة، وهي بحسب الحقيقة توسعة في دائرة الحفظ والمحرّكيّة لتلك الأغراض، فكما أنَّ تلك الأغراض بوجوداتها الواقعيّة لا تضاد فيما بينها؛ لأنَّ موضوع أحدهما غير موضوع الآخر، كذلك لا تضاد بين الأحكام الظاهريّة وما بين الأحكام الواقعيّة في مبادئها.
وقد قلنا في المقدّمة الأولى: إنَّ توسعة دائرة الحفظ لا يوجب توسعة دائرة
ـــــــــــــــــــــــــ[217]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الغرض، حتّى يوجب التضاد هنا ما بين مبادئ الأحكام الظاهرية ومبادئ الأحكام الواقعيّة.
فتوهّم التضاد بينهما فرع كون الموضوع واحداً، وهو في المقام ليس واحداً؛ لأنَّ الحكم الظاهري توسعة في دائرة الحفظ لا توسعة في دائرة الغرض حتّى يوجب وحدة الموضوع. فشبهة اجتماع الضدين ارتفعت.
وشبهة نقض الغرض أيضاً في المقام زالت؛ لأنَّ المولى بجعله لأصالة البراءة وإن نقض غرضه في موارد وجود الواجب الواقعي والحرام الواقعي، إلَّا أنَّ نقض الغرض هنا إنَّما هو بملاك التحفظ على غرض أهمّ.
ونقض أخف الغرضين بملاك التحفظ على أهمّ الغرضين، وهذا على طبق القاعدة وليس أمراً محالاً، بل ضرورياً. فشبهة نقض الغرض أيضاً لا وجود لها.
إلى هنا أمكننا التوفيق بين الأحكام الظاهريّة الترخيصيّة والإلزاميّة وبين ثبوت المبادئ الواقعية للحكم الواقعي بتمامها على موضوعاتها، وثبوت الخطابات الواقعيّة المتكفّلة لإبراز تلك المبادئ الواقعيّة، فلا مانع من اجتماع الأحكام الظاهريّة بالمعنى الذي فسّرناه بها من كونها خطابات في مقام توسعة دائرة الحفظ، فلا مانع من أن يجتمع مع الواقع، فما هو مقدار الواقع هنا الذي لا مانع من أن يجتمع الحكم الظاهري معه هو مبادئ الأحكام الواقعيّة والخطابات الواقعيّة بالمقدار الذي يبرز تلك المبادئ الواقعيّة.
وحينئذٍ فإن قلنا: بأنَّ المقدار المشترك بين الجاهل والعالم، والمحفوظ في موارد الشكّ والعلم الذي هو حقيقة الحكم الذي قلنا عنه: إنَّه عبارة عن ثبوت
ـــــــــــــــــــــــــ[218]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
المبادئ الحقيقية من الإرادة ومقدماتها مع إبراز هذه المبادئ بخطاب مولوي إنشائي أو خبري، فإن قلنا: إنَّ هذا هو الحكم، فحينئذٍ تمّ في المقام التوفيق بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي، فإنَّ الحكم الواقعي بهذا المعنى بمعنى ثبوت المبادئ وابرازها بخطاب لا ينافي الأحكام الظاهريّة.
وهذه الشرطيّة تستدعي منا البحث في مطلب، وهو: أنَّ حقيقة الحكم هل هي مجرّد ثبوت المبادئ الحقيقية مع إبرازها بخطاب مولوي، أو هناك أمر زائد؟
فلو فرض أنَّ حقيقة الحكم هو مجرّد هذا، فحينئذٍ قد تمّ في المقام التوفيق بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة، وإذا فرض أنَّ حقيقة الحكم هو هذا مع أمر زائد، فلا بُدَّ من استئناف البحث في رؤية أنَّ هذا الأمر الزائد على ضوء ما قدّمناه من مقدّمات ومباني، فهل يمكن التوفيق بينه وبين الحكم الظاهري أو لا يمكن؟
وهذا البحث في حقيقة الحكم، قد يتصوّر له مع تطوير في العبارة ثمرة مهمة؛ وذلك أنَّ هذا البحث هو الذي يترتّب عليه -مع تغيير في العبارة- أنَّ القدرة هي شرط في الحكم أو شرط في مقام الامتثال.
لو قلنا: بأنَّ الحكم عبارة عن نفس المبادئ الواقعيّة مع إبرازها في خطاب مولوي للقادر والعاجز معاً؛ إذ كما يعقل ثبوت هذه المبادئ وإبرازها بخطاب مولوي في حقّ القادر، كذلك يعقل ثبوتها وإبرازها في حقّ العاجز على نحو واحد، وحينئذٍ تكون القدرة شرطاً في الامتثال لا شرطاً في الخطاب وفي الحكم، كما هو المتراءى من كلمات متقدّمي المتقدّمين، ومعنى ذلك(1): في مبانينا، يعني:
ـــــــــــــــــــــــــ[219]ــــــــــــــــــــــ
() كونها شرط عقلي في الامتثال. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
دخول التكليف تحت دائرة حقّ الطاعة وحقّ المولوية، فإنَّ حقّ الطاعة إنَّما هو في التكاليف التي يقدر على امتثالها لا في التكاليف التي يعجّز عن امتثالها(1).
ـــــــــــــــــــــــــ[220]ــــــــــــــــــــــ
() وهنا أشكل أحد الإخوان: بأنَّه قد يقال: بأنَّ تكليف العاجز لغو، فيكون قبيحاً.
فأجاب سيَّدنا الأُستاذ (سلّمه الله): مرةً يقال: إنَّه غير معقول، ومرةً يقال: إنَّه لغو، إذا قيل باللغويّة، فنتصوّر ثمرة لهذا المطلب، ثمرته ولو عموم هذه المبادئ للعاجز فلا لغوية في هذا المطلب. وأمّا غير المعقوليّة، لا، إذا قلنا بأنَّ الحكم الذي يتكفّل الخطابات الواقعيّة عبارة عن هذه المبادئ مع إبرازها بخطاب مولوي وإنشائها، فهذا كما يعقل ثبوته بالنسبة إلى القادر كذلك يعقل ثبوته بالنسبة إلى العاجز، كما يمكن للمولى أن يحب صدور فعل من القادر يمكن أن يحب صدور فعل من العاجز على حدٍ واحد. وتكون القدرة حينئذٍ شرطاً في مقام الامتثال، ويكون هذا الكلام المشهوري، وهو أنَّ التكليف بغير المقدور غير معقول، لا يكون له أساس؛ لأنَّ التكليف بهذا المعنى تعلقه بغير المقدور أيضاً معقول كتعلقه بالمقدور.
وفائدة ذلك في الفقه أنّنا حينئذٍ في موارد العجز نثبت فعلية الملاك بنِفس إطلاق الخطاب
-وهذه فائدة مهمة- لأنَّ الخطاب الواقعي بنفسه متكفّل لإبراز ثبوت هذه المبادئ، ولم يدلّ دليل على اختصاصه بخصوص القادر لا عقلاً ولا شرعاً، فبإطلاق الخطاب نثبت أنَّ المصلحة ثابتة في حقّ العاجز أيضاً، كما هي ثابتة في حق ّالقادر، وثبوت الملاك في حقّ العاجز له آثار في الفقه أيضاً كثيرة. وأمّا لو بنينا على أنَّ التكليف الواقعي المبرز بالخطاب الواقعي، فيه أمر زائد على هذا المقدار، وهذا الأمر الزائد هو صدور إبراز تلك المبادئ بالخطاب يجب أنَّ يكون بداعي التحريك والبعث. إذا قيل بهذا، حينئذٍ يتخيل بأنّ القدرة شرط عقلي في نفس الخطاب؛ لأنَّ داعي البعث والتحريك لا يعقل بالنسبة إلى العاجز. فتكون القدرة شرطاً لنفس الخطاب ومخصّص لبّي له، وحينئذٍ لا يبقى عندنا دليل أنَّ الملاك ثابت في حقّ العاجز، ونرتب حينئذ ٍآثار عدم ثبوت الملاك في حقّ العاجز. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وبعبارة أُخرى: أنَّ هذا الذي بيّناه في التوفيق بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة على جعل الطريقيّة إنَّما يتمّ بناءً على أنَّ مرجع الواقع الذي يراد التوفيق بينه وبين الحكم الظاهري إلى ثبوت المبادئ الحقيقيّة مع إبرازها بالخطاب المولوي، فبناءً على الاقتصار في الواقع المشترك بين العالم والجاهل على هذا المقدار يتمّ التوفيق بين الأحكام الواقعيّة وبين الأحكام والظاهريّة، من دون لزوم شبهة اجتماع الضدّين ولا شبهة نقض الغرض.
أمّا شبهة اجتماع الضدّين فلما بيّن من أنَّ الأحكام الظاهريّة توسّع دائرة الغرض.
وأمّا شبهة نقض الغرض فلما بيّن من أنَّ نقض الغرض في المقام نتيجة التزاحم بين بعض المبادئ وبعضها، وهذا التزاحم ليس تزاحماً باعتبار وحدة الموضوع حتّى يلزم من تقديم الأقوى على الأضعف، إفناء الأضعف وانسلاخه عن الفعليّة بالمرّة، بل هو تزاحم في مقام الحفظ، فالأضعف محفوظ أيضاً وجوداً، وإن لم يكن على طبقه خطاب، ولم تكن دائرة الحفظ موسّعة تبعاً له.
وأمّا لو قلنا بالالتزام بأمر آخر زائداً على ذلك، فحينئذٍ يقع الكلام في أنّ هذا الأمر الآخر الزائد هل يكون منافيّاً مع الأحكام الظاهريّة أو لا يكون منافيّاً معها؟ فهل هناك وراء المبادئ وإبرازها بالخطاب الإنشائي أو الخبري
ـــــــــــــــــــــــــ[221]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
شيء أو ليس هناك شيء؟ فصياغة عنوان هذا البحث تحتاج إلى تحقيق وتحليل؛ وذلك أنَّه حينما يقال: هل يعتبر هناك أمر آخر أو لا يعتبر، فيعتبر في ماذا؟ وما هي حيثية الاعتبار الملحوظة؟ وما هو المقياس الذي لا بُدَّ بملاحظته أن يتبيّن أنَّ الأمر الآخر هل هو دخيل أو غير دخيل، فدخيل في ماذا؟ وهذا هو معنى تشخيص حيثيّة الاعتبار، فإنَّه من دون تشخيص حيثيّة الاعتبار يكون البحث في أنَّ هناك أمر آخر أو لا لغو أو غير صناعي، وفي مقام تشخيص حيثيّة الاعتبار نتصوّر عدّة حيثيّات:
الحيثيّة الأولى: أن يقال مثلاً باعتبار أمر آخر في صدق عنوان الحكم، فإنّ عنوان الحكم بما هو عنوان من العناوين العرفيّة -كعنوان التعظيم وعنوان البيع وعنوان الضرب وعنوان العالم- إنَّما يصدق مع الالتزام بأمر آخر زائداً على المبادئ الحقيقيّة وإبرازها بالخطاب، فهذا الأمر الآخر معتبر في صدق
عنوان الحكم عرفاً، ولولاه لا يصدق على المولى أنَّه حكم مثلاً، أو أنَّه كلّف، فيكون هذا البحث بحثاً في الظهور العرفي لهذه الكلمات: (الحكم، التكليف، ونحو ذلك)، ولا يكون لذلك ربطا مباشراً بالأبحاث الصناعيّة التي بأيدينا، فلا يظهر لذلك ثمرة مباشرة.
إلَّا أنَّه لو رتّبنا أثراً شرعيّاً على عنوان الحكم في دليل من الأدلّة، فيقال: إنّ عنوان الحكم هل يكون حاصلاً من دون ذلك الأمر الآخر، أو لا يكون حاصلاً من دونه؟ فهذه أصل الحيثيّات التي يمكن أن تلحظ دخالة الأمر الآخر فيها.
ـــــــــــــــــــــــــ[222]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الحيثيّة الثانية: أن يقال بدخالة الأمر الآخر فيما هو المجمع عليه عند المخطئة من اشتراكه بين العالم والجاهل.
أليس المخطئة أجمعوا على أنَّ هناك أحكاماً وتكاليف وواقعاً مشتركاً ما بين العالم وما بين الجاهل قد يصيبه المجتهد وقد يخطئه، فإن أصابه كان له أجران، وإن اخطأه كان له أجر واحد؟ فهذا المقدار المشترك ما هو؟ فهل هو مجرّد ثبوت المبادئ مع إبرازها بخطاب مولوي، أو هو مع أمر زائد.
فهذا يرجع إلى البحث في أنَّ ما هو مقتضى أدلّة المجمعين، فهل يقتضي الالتزام بثبوت أمر آخر أو لا؟ فيكون هذا البحث بحثاً فقهيّاً إثباتيّاً في أنَّ الشاكّ مع العالم يشتركان في أيّ مقدار من أحكام الله.
وهذا البحث حينئذٍ يكون له دخل فيما هو محلّ الكلام، إذ إنَّ إجماع المخطئة من الأصول الموضوعيّة لهذا البحث، فإنّا لو كنّا نقول بالتصويب لوقعنا في إشكال الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة. إذن، فلا بُدَّ أن نحدّد هذا الأصل الموضوعي المفروض، ويقال: أنّ أيّ مقدار قام عليه الإجماع مّما هو مشترك بين العالم والشاكّ؟ حتّى يرى بعد هذا أنّ هذا المقدار الذي قام الإجماع عليه هل يعقل التوفيق بينه وبين الأحكام الظاهريّة، وحينئذٍ يكون له ربط في محلّ الكلام، ويكون بحثاً فقهيّاً إثباتيّاً، لا بحثا عقليّاً فنيّاً ثبوتيّاً.
الحيثيّة الثالثة: أن تكون الحيثيّة هي اعتبار أمر آخر في مدلول الخطابات الواقعيّة.
أليس المولى يقول في مقام إبراز الأحكام أو الإرادات الواقعيّة: (صلّ،
ـــــــــــــــــــــــــ[223]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
صم، لله على الناس حجّ البيت، ونحو ذلك)، وهذه الخطابات أليس لها مدلول تصوري ثابت بالوضع؟ وهو النسبة الطلبيّة أو البعثيّة، وله مدلول تصديقي؟ فكلامنا في أنَّه ما هو المدلول التصديقي الذي يكشف عنه الخطاب الواقعي، هل مدلوله التصديقي ووظيفته التصديقيّة مجرّد إبراز تلك المبادئ الحقيقيّة القائمة في نفس المولى، أو أنَّ مدلوله التصديقي هو إرادة إبراز تلك المبادئ مع أمر آخر؟
هذا أيضاً يكون بحثاً في الاستظهار العرفي كالأوّل، لكنّ الفرق بينه وبين الأوّل أنَّ البحث في الأوّل هو في الاستظهار من الكلمات الإفراديّة، ففي مثل كلمة حكم، فهذه الحاء والكاف والميم، ما هو ظهورها العرفي؟
أمّا الكلام هنا ففي الاستظهار من الخطابات المتكفّلة للحكم، نحو: (صلّ، اغتسل، حج، صم، ونحو ذلك)، وهذه الخطابات هل ظهورها العرفي التصديقي فقط في إبراز المبادئ، أو لها ظهور في أمر آخر؟
وهذا البحث الإثباتي الظهوري هو الذي أشرنا إلى ثمرته سابقاً، وقلنا: إنَّ المدلول التصديقي لهذه الخطابات الواقعيّة هو فقط إبراز تلك المبادئ الحقيقيّة من الشوق والمحبّة والمصلحة ونحو ذلك.
إذن، فلا موجب لتقيّيدها عقلاً ولبّاً بالقدرة، فإنَّ هذا المدلول التصديقي كما يعقل ثبوته في حقّ القادر يعقل ثبوته في حقّ العاجز، فلا تكون القدرة حينئذٍ شرطاً عقليّاً في مدلول الخطاب، وإنَّما تكون شرطاً في مقام الامتثال، بمعنى: أنَّ هذا المبرز في هذا الخطاب وإن كان ثابتاً في حقّ العاجز، لكن لا
ـــــــــــــــــــــــــ[224]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
يجب امتثاله عقلاً، إلَّا إذا كان الإنسان قادراً عليه، فتكون القدرة شرطاً في مرحلة الامتثال، لا شرطاً في مرحلة الخطاب.
وبناءً على هذا نثبت بنفس إطلاق الخطاب الواقعي ثبوت الملاك في حقّ العاجز، وثبوته في حقّه له آثار في الفقه، من جملتها مثلاً: عدم جواز التعجيز. فإنّا لو قلنا بأنَّ الملاك ثابت في حقّ العاجز، فلا يجوز له أن يعجّز نفسه عن تحصيل ذلك الملاك، على ما هو مبيّن في بحث المقدّمات المفوّتة من مقدّمة الواجب.
وأمّا لو قلنا: إنَّ الخطابات الواقعيّة غير متمحضة في إبراز هذه المبادئ، وإنَّما هي في مقام إبراز شيء آخر، فلعلّ ذلك الشيء الآخر يتنافى مع ثبوته في حقّ العاجز، فلو فرض أنَّ ذلك الشي الآخر الذي تكون الخطابات دالّة عليه بالمطابقة التصديقيّة هو داعي البعث والتحريك مثلاً -على ما يأتي من شرحٍ لهذه العبارة- فإنّ داعي البعث والتحريك لا يتصوّر في حقّ العاجز، فكيف يبعث العاجز ويحرّك؟ فلا محالة حينئذٍ يخصّص مدلول الخطابات لبّاً بخصوص القادر.
فلا يبقى بعد ذلك عندنا دليل على أنَّ العاجز يكون الملاك ثابتاً في حقّه. فيكون الأصل الفقهي عدم ثبوت الملاك في حقّ العاجز، كما كان الأصل على المبنى الأوّل ثبوت الملاك في حقّ العاجز، وهذا بحث في الظهور العرفي.
الحيثيّة الرابعة: أن يكون هذا الأمر الآخر لو دخل في موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال، يعني: في دخول التكليف تحت دائرة حقّ الطاعة، بحيث لولا ذاك الأمر الآخر لما دخل في موضوع حقّ الطاعة -وفي دائرة المولويّة على حدّ تعبيرنا أو دائرة وجوب الامتثال على التعبير المتعارف- فمجرّد وجود
ـــــــــــــــــــــــــ[225]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
المبادئ الحقيقيّة في نفس المولى وإبرازها بخطاب مولوي لا يكفي في ثبوت التكليف على من يقدر على امتثاله، بل لا بُدَّ من أمر آخر من قبل المولى، فلو لم يتحقق ذاك الأمر الآخر من قبله لا يكون له حقّ الطاعة على عبده، وعلى هذا التقدير يكون بحثاً ثبوتيًاً، لا بحثاً إثباتيّاً.
فهذه محتملات أربعة في محلّ الكلام، ولا بُدَّ من جعل البحث فنيّاً من أن تلحظ حيثيّة الاعتبار في المقام، فتارةً تكون حيثيّة الاعتبار نفس صدق عنوان الحكم عرفاً، وأُخرى تكون معقد الإجماع عند المخطئة، إذ نرى أنَّ الواقع المشترك الذي انعقد عليه إجماعهم، هل يعتبر فيه أمر زائد أو لا؟ وثالثة تكون حيثيّة الاعتبار مدلول الخطابات الواقعيّة، وأنَّ مدلولها التصديقي هل هو إبراز المبادئ الحقيقيّة أو أمر آخر؟ ورابعة تكون حيثيّة الاعتبار دخل أمر آخر في كون التكليف ممّا يجب امتثاله عقلاً.
وعلى كلّ تقدير تختلف الآثار والثمرات، فسنخ الثمرة المترتّبة على كلّ تقدير تختلف عن سنخ الثمرة المترتّبة على التقدير الآخر، وبعض هذه التقديرات يكون البحث فيها إثباتيّاً، وفي بعضها ثبوتيّاً.
هذا الأمر الآخر الذي يدّعى في المقام هو عبارة عن داعي البعث والتحريك، بمعنى: كون الخطاب والانشاء صادراً بداعي بعث المولى وتحريكه نحو المقصود، وداعي البعث والتحريك يتصوّر بمعانٍ:
ـــــــــــــــــــــــــ[226]ــــــــــــــــــــــ
() هذه المحاضرة أُعيدت بجميع مطالبها في المحاضرتين التي بعدها. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
تارةً: يتصوّر بمعنى داعي البعث والتحريك الفعلي، بحيث يكون المحرّك والتحرُّك كلاهما فعليّاً.
وثانية: يقصد من داعي البعث والتحريك، داعٍ البعث والتحريك العقلي الاقتضائي، بمعنى: أنَّ الإنشاء يكون صادرا لا بداعي الانبعاث الفعلي من قبل العبد، بل بداعي إنشاء ما يكون محرّكاً اقتضائياً عقلياً بالنسبة إليه، فالمحرّكيّة هنا يقصد بها المحرّكيّة الاقتضائية العقليّة لا المحرّكيّة الفعليّة الخارجيّة.
وثالثة: يقصد بداعي البعث والتحريك الاتيان بالإنشاء والخطاب بداعي ايجاد هذا المقدار من التسبُّب لا إيجاد المحرك العقلي الاقتضائي، فإنَّ المحرّك العقلي الاقتضائي الذي هو عبارة عن حكم العقل بوجوب الامتثال، فموضوعيّة الحكم الشرعي له هي المحرّك العقلي الاقتضائي.
وهذا المحرّك العقلي الاقتضائي يتوقّف على عدة أمور:
منها: إبراز المولى للمبادئ الثابتة في نفس الأمر والواقع.
ومنها: وصول هذا الإبراز بنحو من الوصول الذي يدخله في دائرة حقّ الطاعة.
ومنها: القدرة -مثلاً- على الامتثال، فإنَّ كلّ هذا دخيل في تتميم المحرّك العقلي الاقتضائي.
وهنا يقصد بداعي البعث والتحريك، صدور الإنشاء بداعي إيجاد هذه المقدّمة من مقدّمات المحرّك العقلي الاقتضائي، حيث يُنشأ المولى بداعي سدّ باب المحرّك العقلي الاقتضائي من هذه الناحية، وإيجاده بالمقدار الذي يحصل
ـــــــــــــــــــــــــ[227]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بهذا الإنشاء، وترك باقي الأمور والمقدّمات على عاتق الأسباب الأُخرى التي هي خارجة عن دائرة إنشائه وجعله.
فداعي البعث والتحريك بالمعنى الأوّل، أي: داعي البعث الفعلي والتحريك الفعلي، فهو ليس مقدّماً لحقيقة الحكم جزماً، ولا يمكن الالتزام بفرض انحفاظه في الأحكام الواقعيّة، فإنَّ التحريك الفعلي لا يتصوّر إلَّا في حقّ المنقاد الذي يكون بصدد الامتثال، وأمّا داعي البعث والتحريك الذي ينحفظ في حالتي الامتثال والعصيان، فهذا لا يعقل أن يكون هو داعي البعث والتحريك الفعلي. ونحن نفتش عن داعي البعث والتحريك بالمعنى الذي ينحفظ في حالتي الامتثال والعصيان، وهو لا يعقل أن يكون هو داعي البعث والتحريك الفعلي.
بل حتّى لو فرض علم المولى بأنَّ المكلّف سوف يعصي، مع هذا يصح له جعل الحكم على هذا المكلّف، ويكون الحكم الواقعي ثابت عليه مع أنَّ داعي البعث الفعلي محال مع العلم بعدم الانبعاث الفعلي. إذن، فاحتمال اعتبار دخل داعي البعث والتحريك الفعلي غير موجود في المقام.
وأمّا الاحتمال الثالث، وهو أن يكون المقصود من داعي البعث والتحريك ايجاد هذه المقدّمة من مقدّمات التحريك العقلي الاقتضائي، وهي إبراز المولى للمبادئ السابقة بخطاب مولوي.
إذا كان المراد بداعي البعث والتحريك هو هذا المعنى، فهو يمكن الالتزام به في الأحكام الواقعيّة، والالتزام بانحفاظه في حالي الشكّ والعلم دون أن
ـــــــــــــــــــــــــ[228]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
يترتّب على ذلك محذور من ناحية الجمع بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري. فإنَّ كلّ خطاب واقعي، فهو بداعي إيجاد المحرّك العقلي الاقتضائي بمقدار استعداد هذا الخطاب ووجوده، فإنَّه حتّى لو جعل المولى الإباحة والترخيص ظاهراً على خلافه، فإنَّه لا ينافي صدور الخطاب الواقعي بداعي البعث والتحريك بهذا المعنى، بمعنى: إيجاد هذه المقدّمة من مقدّمات التحريك العقلي الاقتضائي.
فالالتزام بهذا الأمر الآخر الزائد لا يزيد الإشكال في مقام الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة، فيبقى المعنى المقصود من داعي البعث والتحريك: وهو أن يقصد به لا داعي البعث والتحريك الفعلي المساوق مع الانبعاث الفعلي، ولا بمعنى إيجاد المقدّمة، بل المقصود من داعي البعث والتحريك وإيجاد المحرّك العقلي الاقتضائي، يعني: جعل الحكم أو صدور الإنشاء بداعي أن يكون محركاً اقتضائياً تامّاً بالنسبة إلى المكلّف.
ويلتزم بأنَّ هذه مرتبة المحرّكيّة الاقتضائية التامّة دخيلة في حقيقة الحكم، أي: دخيلة فيما هو موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال، بحيث لو لا هذه المرتبة لا يكون الحكم صالحا للامتثال.
فهنا هذه المحرّكيّة العقليّة الاقتضائيّة، تارةً: يتصوّر كونها مرادة بالإرادة الغيريّة، بمعنى: أنَّ المولى الذي تعلّقت إرادته النفسيّة، بصدور الصلاة من العبد، يترشّح من إرادته للصلاة إرادة لإيجاد المحرّك العقلي الاقتضائي للعبد استطراقا إلى وجود الصلاة بحسب الخارج، فتكون المحرّكيّة العقليّة الاقتضائيّة
ـــــــــــــــــــــــــ[229]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
مرادة الإرادة الغيريّة المترشحة من إرادة ذي المقدّمة، وهي الصلاة.
وأُخرى: لا يتصوّر فيها الإرادة الغيريّة، كما لو فرض أنَّ المولى يعلم بأنَّ مثل هذا الخطاب سوف لن يترتّب عليه حصول المقصود بحسب الخارج، فإنَّه في مثل هذا المقام لا تتصوّر الإرادة الغيريّة، فإنّها إنَّما تتعلّق بالمقدّمة التي تقع في صراط حصول المقصود، وأمّا المقدّمة التي تختلف عن حصول المقصود بحسب الخارج، فلا تكون مرادة بالإرادة الغيريّة، ففي مثل هذه الموارد تكون المحرّكيّة العقليّة الاقتضائيّة مرادة بإرادة مستقلة غير تلك الإرادة الأولى المتعلقة بنفس الصلاة، بحيث يكون للمولى إرادتان: إرادة متعلّقة بنفس الصلاة، وإرادة أُخرى متعلّقة بإيجاد المحرّك العقلي الاقتضائي غير الصلاة، حتّى مع علمه بأنَّه سوف لن يترتّب على هذا المحرك العقلي الاقتضائي وجود الصلاة بحسب الخارج.
ففي المقام لا إشكال ولا ريب في أنَّ الإرادة المتعلّقة في الصلاة إنَّما تكون موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال، يعني حينما تكون قابلة للدخول في حقّ الطاعة ويترتّب عليها الآثار المرغوبة من الحكم، فيما لو فرض أنَّ إرادة الصلاة كانت بنحو بحيث تكون قابلة لأن يترشح إرادة غيريّة على إيجاد المحرّك العقلي الاقتضائي في مورد مقدّميّة هذا الإيجاد، يعني: إرادة المولى للصلاة إذا كانت بنحو بحيث تؤثر في ترشح هذه الإرادة الغيريّة في إيجاد المحرك العقلي الاقتضائي في فرض المقدّميّة، مثل هذه الإرادة هي التي لا بُدَّ للعبد أن يتحرك عنها على تقدير وصولها إليها؛ لأنَّها قد حرّكت المولى إلى تهيئة مقدّمات المراد بمقدار المقدّميّة.
ـــــــــــــــــــــــــ[230]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إلَّا أنَّه لا يعتبر في هذه الإرادة على فرض عدم مقدّميّة المحرّك العقلي الاقتضائي بحسب الخارج، لا يعتبر وجود إرادة نفسيّة أُخرى متعلّقة بمثل هذا المحرّك العقلي الاقتضائي، بحيث لو فرض في مورد أنَّه لا مقدّميّة للخطاب والإبراز بالنسبة إلى حصول المقصود بحسب الخارج، في مثل هذا المورد يكون الحكم تامّاً بالمقدار الذي يدخل تحت دائرة حقّ الطاعة ويجب امتثاله، سواء كانت هناك إرادة نفسيّة أُخرى متعلّقة بإيجاد المحرك العقلي الاقتضائي بما هو محرّك عقلي اقتضائي، أو لم يكن.
فإن أُريد بدخل إرادة البعث والتحريك الإرادة الغيرية الناشئة من إرادة الصلاة في فرض المقدّميّة، فهذا صحيح، وإن أُريد من دخل إرادة البعث والتحريك، إرادة نفسيّة أُخرى متعلّقة بنفس إيجاد محرّك عقلي اقتضائي، زائداً على إرادة الصلاة والمبادئ القائمة بها، فمثل هذا ليس دخيلاً في موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال وفي حقيقة الحكم عقلاً.
هذا من حيث تحقيق أنَّ القدر المشترك الذي لا بُدَّ من الالتزام بانحفاظه في الواقع واشتراكه بين الجاهل والعالم، هل يلتزم فيه بأمر زائد أو لا يلتزم؟
واتّضح من هذا البيان أنَّ هذا الأمر الزائد الذي يفرض اشتراكه بين العالم والجاهل، إن أُريد به داعي البعث والتحريك الفعلي، فهو مقطوع العدم، فإنَّ الواقع ليس متقوماً بداعي البعث والتحريك الفعلي، وإلَّا لما تصوّر عصيان؛ لأنّه في حال عدم الانبعاث الفعلي كيف يتصوّر داعي البعث الفعلي؟
وإن أُريد بذلك داعي إيجاد هذه المقدّمة من مقدّمات المحرّك العقلي
ـــــــــــــــــــــــــ[231]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الاقتضائي، فهذا أمر محفوظ في الواقع حتّى لو جعل الحكم الظاهري على خلافه، وإن أُريد بهذا الأمر الزائد إيجاد الإنشاء بداعي إيجاد المحرك العقلي الاقتضائي، لا إيجاد مقدّمة من مقدّماته؛ فحينئذٍ هذه الإرادة إن فرض أنّها غيريّة، فهي بالنتيجة من توابع إرادة ذي المقدّمة، ولا تكون أمراً زائداً عن إرادته، وإن فرض أنّها نفسيّة، فلا يلتزم بكونها نفسيّة بحيث يكون للمولى إرادتان: إرادة متعلّقة بالصلاة وإرادة أُخرى نفسيّة متعلّقة بإيجاد المحرك العقلي الاقتضائي.
ثُمَّ لو سلّمنا دخل ذلك في الواقع، والتزمنا بأنَّ الواقع هو الإبراز بداعي البعث والتحريك بهذا المعنى، فالمراد من البعث والتحريك الاقتضائي العقلي ليس هو مرتبة اللزوم من البعث والتحريك، بل المراد منه مطلق البعث والتحريك الاقتضائي لا خصوص مرتبة اللزوم، بدليل: أنَّه لو أُريد منه خصوص مرتبة اللزوم لوقع الإشكال حينئذٍ في الأحكام الظاهريّة حتّى لو لم يجعل حكم ظاهري على خلافها، بل في مورد قاعدة قبح العقاب بلا بيان، يعني: لو وقع الإشكال في التوفيق بين نفس الأحكام العقليّة والأحكام الواقعيّة؛ إذ أنَّ البعث والتحريك الاقتضائي بمرتبة اللزوم في موارد قاعدة قبح العقاب بلا بيان، أيضاً غير ثابت، فيلزم من ذلك الالتزام بعدم ثبوت الحكم الواقعي حتّى في موارد هذه القاعدة، مع أنَّه لم يستشكل في ذلك، فقد فرغنا عن إمكان التوفيق بين الأحكام العقليّة والأحكام الواقعيّة، وإنَّما الإشكال في التوفيق بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة. إذن، فلا بُدَّ من الالتزام في المقام بأنَّ
ـــــــــــــــــــــــــ[232]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
داعي البعث والتحريك المقوّم لحقيقة الحكم الواقعي، إنَّما هو داعي طبيعي البعث وطبيعي التحريك لا خصوص مرتبة اللزوم منه، وحينئذٍ فطبيعي البعث والتحريك في المقام ثابت وموجود؛ لأنَّ الحكم الواقعي حتّى على فرض وجود المعذر الظاهري عنه، فهو محرّك بنحو من المحرّكيّة، بالمحرّكيّة الانقياديّة الاحتياطية، فإنَّ العقل أيضاً يحكم بحسن الاحتياط والانقياد في مثل ذلك.
فما يلتزم بكونه دخيلاً في الواقع وكونه أمراً مشتركاً بين العالم والجاهل، لو سلّم أنَّ داعي البعث والتحريك هو ذاك الأمر الآخر، فهو داعي طبيعي البعث والتحريك لا خصوص مرتبة اللزوم منه وإلَّا لوقع الإشكال في التوفيق بين الواقع وبين قاعدة قبح العقاب بلا بيان ابتداء، بلا حاجة في مقام تصوير الإشكال إلى ملاحظة جعل الأحكام الظاهريّة، فمن هذه الناحية أيضاً لا إشكال.
قلنا(1) في الأبحاث السابقة: إنَّنا إذا اقتصرنا في تصوير المقدار المشترك بين العالم والجاهل الذي قام إجماع المخطئة على ثبوته وانحفاظه في حالتي العلم والجهل على نفس المبادئ الواقعيّة الحقيقيّة من الرجحان والصلاح والحبّ والإرادة، مع إبراز هذه المبادئ بخطاب مولوي، فقد تمّ التوفيق بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي، واندفعت هذه العويصة، أعني: شبهة العقل
ـــــــــــــــــــــــــ[233]ــــــــــــــــــــــ
() أعاد سيّدنا الأُستاذ في هذه المحاضرة ما كان قد قرّره في يوم الأربعاء، إلَّا أنَّه ذكره بأُسلوب عرض جديد؛ لذا اقتضى كتابته. (المقرّر ).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
النظري بكلا وجهيها وتقريبيها، وهما: تقريب نقض الغرض، وتقريب اجتماع الضدّين، فحيث ارتفعت شبهة نقض الغرض، باعتبار أنَّ النقض هنا نتيجة باب التزاحم، ونقض أخفّ الغرضين تحفّظاً على أقواهما على القاعدة، وكذا شبهة اجتماع الضدّين قد ارتفعت في المقام؛ لأنّا عرفنا أنَّ المبادئ الحقيقيّة التي تكشف عنها الخطابات الظاهريّة هي نفس مبادئ الأحكام الواقعيّة، وإنَّما وظيفة الخطاب الظاهري توسعة دائرة الحفظ.
وبيّنا أنَّ توسعة دائرة الحفظ لا يستتبع توسعة دائرة الغرض نفسه، فالغرض يقف على موضوعه ولا يوسّع، ومع تعدد الموضوع لا يبقى تضادّ بين مبادئ الأحكام الظاهريّة ومبادئ الأحكام الواقعيّة.
هذا خلاصة ما بيّناه بناءً على الاقتصار على هذا المقدار في تصوير القدر المشترك المحفوظ بين حالي العلم والجهل.
وأمّا لو التزم بأمر زائد فلا بُدَّ حينئذٍ من ملاحظة ذلك الأمر الزائد مع الأحكام الظاهريّة، ليرى هل يمكن التوفيق بينها وبينه أو لا؟
وتقريب الالتزام بذلك الأمر الزائد بنحو يؤدّي إلى الإشكال في المقام
-ولو صورة- أن يقال: إنَّ المقدار المحفوظ المشترك بين حالي العلم والجهل ليس هو مجرّد المبادئ مع إبرازها بخطاب مولوي، بل هو أمر آخر به قوام حقيقة الحكم الواقعي، وهذا الأمر الآخر هو داعي البعث والتحريك، فإنَّ الخطاب إنّما يكون حكماً واقعيّاً يتصوّر انحفاظه في حقّ العالم والجاهل فيما إذا صدر بداعي البعث والتحريك.
ـــــــــــــــــــــــــ[234]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وداعي البعث والتحريك في المقام المساوق مع وجود الباعث والمحرّك العقلي المولوي يتنافى مع سلخ الواقع عن الباعثيّة والمحرّكيّة لجعل الحكم الترخيصي على خلافه، فإنَّ جعل الحكم الترخيصي على خلاف الواقع هو سلخ بالواقع عن المحرّكيّة المولويّة والباعثيّة العقليّة، فلا يمكن التوفيق بين الحكم الظاهري وبين صدور الخطاب الواقعي بعنوان البعث والتحريك من قبل المولى.
فالإشكال يقع في التوفيق بين الأحكام الظاهريّة وبين عنوان البعث والتحريك الذي يكون الخطاب الواقعي صادراً بداعيه وبقصد إيجاده. وهذه الشبهة لها جواب إجمالي، ولها جواب تفصيلي.
الجواب الإجمالي
إنَّ داعي البعث والتحريك الذي يلتزم بانحفاظه بالخطابات الواقعيّة ليس المراد منه البعث والتحريك بالنحو الذي يكون الترخيص على خلافه منافياً له وموجباً لإيقاع الواقع عن مرتبة الواقعيّة؛ وذلك لأنَّه لو تمّ مثل هذا الإشكال لتمّ أيضاً في موارد قاعدة قبح العقاب بلا بيان حرفاً بحرف، فإنَّه في موارد هذه القاعدة لا محرّكيّة مولويّة ولا باعثيّة إقتضائيّة عقليّة للخطاب الواقعي، ومع هذا لا يلتزم بالتصويب في موارد قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ولا يلتزم بارتفاع الواقع في موارد جريان الأُصول العقليّة المؤمّنة.
فذاك المقدار من الواقع المحفوظ في موارد الأُصول العقليّة المؤمّنة مع انسلاخه عن الباعثيّة العقليّة التامّة الفعليّة لا إشكال أنّه هو القدر المتيقّن المحفوظ بين حالتي العلم والجهل.
ـــــــــــــــــــــــــ[235]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وذاك المقدار بنفسه أيضاً ثابت في موارد جعل الأحكام الظاهريّة، فالأحكام الظاهريّة من حيث كونها سنخاً لصفة الباعثيّة والمحرّكيّة للأحكام الواقعيّة لا تزيد على الأُصول المؤمّنة العقليّة، فكما نتصوّر انحفاظ الواقع وانحفاظ البعث والتحريك في حال جريان الأُصول المؤمّنة العقليّة، فكذلك نتصوّر انحفاظه في حال جريان الأُصول الظاهريّة المؤمّنة أيضاً.
فلابدّ أن يفسّر داعي البعث والتحريك هنا بمعنى يتناسب مع عدم المحرّكيّة وعدم الباعثيّة من قبل العقل، وهذا المعنى الذي يناسب ويلائم مع جريان الأُصول المؤمّنة عقليّة وشرعيّة هو داعي البعث والتحريك بمقدار قابليّة الخطاب، بمعنى: أنَّ هذا الخطاب الواقعي الصادر من المولى صادر بداعي البعث والتحريك، فإنَّه صادر من باب سدّ باب عدم المحرّكيّة من ناحيته، وإيجاد ما يرتبط بالمولى من مقدّمات البعث والتحريك (1).
فإنّ المحرّكيّة المولويّة والباعثيّة الإقتضائيّة العقليّة لها مقدّمات، بعضها يرتبط بالمولى وبعضها لا يرتبط به، فمن جملة ما يرتبط منها بالمولى هو إبراز المبادئ الواقعيّة بخطاب واقعي، ومن جملة المقدّمات التي لا ترتبط بالمولى وصول هذا الخطاب إلى العبد، ولو وصولاً احتماليّاً في موارد تنجّز الاحتمال، ومنها حصول القدرة للعبد على الامتثال، فكلّ ذلك مقدّمات في تتميم التحريك العقلي المولوي، وفي دخول التكليف تحت دائرة حقّ الطاعة.
ـــــــــــــــــــــــــ[236]ــــــــــــــــــــــ
() يرد على هذا ما سوف نذكره في الهامش القادم مع جوابه من قبل سيّدنا الأُستاذ. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فالمقصود من داعي البعث والتحريك في الخطابات الواقعيّة هو إيجاد هذا المقدار ممّا يتوقّف عليه تتميم المحرّكيّة والباعثيّة.
وهذا المعنى من داعي البعث والتحريك لا ينافي جريان الأُصول المؤمّنة، فإنَّه محفوظ حتّى في موارد جريان الأُصول المؤمّنة، سواء كانت هذه الأُصول عقليّة كقاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو شرعيّة كأصالة البراءة وأصالة الحلّ، فإنَّ داعي البعث والتحريك بمقدار قابلية الخطاب، وبمقدار ما يقتضيه الخطاب موجود ومحفوظ على أيّ حال، غاية الأمر حصل الخلل في سائر المقدّمات، لا في هذه المقدّمة، وهذه المقدّمة قد أتى بها بما أنَّها مقدّمة من مقدّمات المحرّكيّة والباعثيّة.
فهذه هي نكتة انحفاظ الحكم الواقعي مع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وبنفسها هي نكتة انحفاظه مع جريان الأُصول الشرعيّة المؤمّنة. هذا هو الجواب الإجمالي عن هذه الشبهة(1).
وبالجملة: أنَّ المرتبة التي لا تنافي مع قاعدة قبح العقاب بلا بيان من مراتب داعي البعث والتحريك لا تتنافى أيضاً مع الأُصول المؤمّنة، فكما يكون
ـــــــــــــــــــــــــ[237]ــــــــــــــــــــــ
() وهنا سأل أحد الإخوان ما محصله: أنَّه على هذا فالشبهة لا ترد، بل ترتفع موضوعاً؟
فأجاب سيّدنا الأُستاذ: أنَّ هذا يقال في جواب الشبهة، أمّا في مقام بيان الشبهة فمن ناحية وقوع الخلط بين هذا المقدار ومقدار آخر، من داعي البعث والتحريك، حيث نفرض أنَّه لم يتّضح الفرق والمائز بين هذا المقدار من داعي البعث والتحريك ومقدار آخر منه، فالجواب يكون ببيان الفارق بين مرتبة ومرتبة منه. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الواقع محفوظاً مع القاعدة يكون محفوظاً مع الأُصول الشرعيّة المؤمّنة(1).
الجواب التفصيلي
إنَّ دعوى صاحب هذه الشبهة من أنَّ هناك أمراً آخر لا بُدَّ من الالتزام بانحفاظه في الواقع، واشتراك العالم والجاهل فيه زائداً على المبادئ الواقعيّة وإبرازها بخطاب واقعي، مرجعها إلى أنَّ إجماع المخطئة الذي قام على اشتراك العالم والجاهل بالحكم، هذا العالم انعقد على اشتراكها في أزيد من مجرّد المبادئ الواقعيّة من الخطابات الواقعيّة، فانعقد به اشتراكان لآخر الخطابات الإنشائيّة فقط، بل هما مشتركان أيضاً في أمر زائد، وهو داعي البعث والتحريك.
ودعوى انعقاد إجماع المخطئة على ذلك لا بُدَّ له من وجه، ووجهه لا يخلو من أحد أُمور:
ـــــــــــــــــــــــــ[238]ــــــــــــــــــــــ
() وهنا سألته: أنَّ المولى كيف يعقل أن يصدر الخطاب الواقعي بداعي البعث والتحريك، مع عدم جعله للاحتياط؟ مع أنَّ جعل الاحتياط من المقدّمات الراجعة إلى المولى؟
فأجاب (سلّمه الله): قلنا أنَّ الغرض من جعل الخطاب الواقعي هو البعث والتحريك، إنَّما هو بمقدار قابليّة شخص هذا الخطاب الواقعي، فإنَّ هذا الخطاب بمقدار وجوده له دخل في البعث والتحريك، فالداعي الذي صدر بسبّبه الخطاب الواقعي من المولى هو إيجاد مرتبة من المحرّكيّة والباعثيّة، وهي المرتبة التي يكون نفس شخص هذا الخطاب حافظاً لها ومحقّقاً لها، ومثل هذا يلائم مع فرض عدم وجود سائر المقدّمات من مقدّمات المحرّكيّة والباعثيّة. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الأمر الأوّل: دعوى أنَّ المخطئة المجمعين قد أجمعوا على اشتراك العالم والجاهل في عنوان الحكم، فمعقد الإجماع هو لفظ الحكم، ولفظ الحكم ظاهر عرفاً في صدور إنشاء بداعي البعث والتحريك، بحيث لو لم يكن هناك بعث وتحريك لا يصدق عليه عنوان الحكم، فيكون مرجع هذه الدعوى إلى استظهار هذه النكتة من لفظ الحكم الذي أُخذ في معقد الإجماع.
لكنّ هذا يرد عليه:
أوّلاً: منع مثل الظهور في لفظ الحكم، فإنَّ لفظ الحكم ليس له ظهور في ذلك، وهذا يتّضح بعد الجواب الإجمالي الذي بيّناه، فإنَّ لفظ الحكم إن كان له ظهور فإنَّما يكون له ظهور بصدور خطاب بداعي البعث والتحريك بتلك المرتبة التي بيّناها، فإنّه لو صدر خطاب من المولى في مقام إبراز المبادئ الحقيقيّة بداعي إيجاد مرتبة من البعث والتحريك بمقدار استعداد هذا الخطاب وقابليّته، فيصدق أنَّ المولى حكم على الناس بهذا الحكم، سواء وجدت المقدّمات الأُخرى الدخيلة في البعث والتحريك أو لم توجد.
ثانياً: ليس عندنا مثل هذا المعقد في الإجماع الذي أخذ لفظ الحكم، فإنَّ هذا إجماع متصيّد من ذوق العلماء وتصريحاتهم المتشتّتة في المسائل المختلفة، وليس هناك عبارة معيّنة قد انعقد عليها الإجماع ليستدلّ بظهورها.
ثالثاً: لو سلّمنا وجود صيغة معيّنة أُخذ فيها لفظ الحكم مثلاً، فسيأتي -إن شاء الله- في بحث الإجماع: أنَّ ظهور صيغة معقد الإجماع ليس حجّة، خلافاً لظهور الروايات، فهذا الشيء المتعارف عند الفقهاء حين يقولون: إنَّ هذا
ـــــــــــــــــــــــــ[239]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
داخل في معقد الإجماع، وهذا مقتضى ظهور معقد الإجماع الشامل له، فمثل هذا لا أساس له على ما يأتي -إن شاء الله- في بحث الإجماع. إذن، فهذا التقريب لا يرجع إلى محصّل.
الأمر الثاني: نلتزم بأنَّ الإجماع انعقد على أمر زائد، وهو داعي البعث والتحريك، باعتبار أنَّ الإجماع انعقد على أنَّ المقدار الذي تدلّ عليه الخطابات الواقعيّة محفوظ بين العالم والجاهل، والخطابات الواقعيّة ظاهرها أنَّها في مقام البعث والتحريك، ولهذا يقال باختصاصها بخصوص القادر، حيث إنَّ العاجز لا يعقل بعثه وتحريكه.
وبالجملة: أنَّ معقد إجماع المخطئة هو ثبوت القدر المشترك بين العالم والجاهل بالمقدار الذي هو مدلول للخطابات الواقعيّة، وداعي البعث والتحريك مدلول للخطاب الواقعي.
ولكنّ هذا يرد عليه: لو سلّم بأنَّ هذا هو معقد الإجماع في المقام، فأيضاً لا ينتج المقصود؛ لأنَّ داعي البعث والتحريك الذي هو مدلول للخطابات الواقعيّة، وليس هو البعث والتحريك التامّ الفعلي العقلي المنجّز؛ لأنَّ هذا البعث والتحريك في طول الخطاب؛ لأنَّه من شؤون وصول الخطاب إلى العبد فيستحيل أن يكون هذا مدلولاً للخطاب، وما هو مدلول للخطاب إنَّما هو الباعثيّة الشأنيّة، يعني: داعي البعث بمقدار استعداد الخطاب -وهذا الذي قلناه فيما سبق- وهذا هو الذي يعقل أن يكون مدلولاً للخطاب، وأمّا داعي البعث للخطاب من تمام الجهات المساوق مع البعث الفعلي العقلي المنجّز، فمثل
ـــــــــــــــــــــــــ[240]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
هذا لا يعقل أن يكون مدلولاً للخطاب الواقعي. وأمّا مسألة أنَّ الخطابات الواقعيّة مختصّة بخصوص القادر، فهذا يرجع إلى الاستظهار العرفي.
نعم، نحن استظهرنا -فيما سبق من الأبحاث- أنَّ الخطابات الواقعيّة مخصوصة بخصوص القادر، بدعوى: أنَّ الظاهر من كلّ خطاب هو أن يكون هذا الخطاب بداعي أن يكون محرّكاً عقليّاً تامّاً على تقدير وصوله، بحيث بمجرّد وصوله يكون محرّكاً.
ومن المعلوم أنَّه إنَّما يكون كذلك بالنسبة إلى القادر، لا بالنسبة إلى العاجز، ونحن لا نساعد على أكثر من ذلك الاستظهار، وهو أنَّ الخطاب الواقعي ظاهره هو أن يكون المراد من كونه محرّكاً بمجرّد وصوله، بحيث بمجرّد وصوله لا تبقى حالة منتظرة في مقام التحريك.
ومن هنا قلنا: باختصاص الخطاب بخصوص القادر، وأيّدنا ذلك بعدم موافقة العرف على التصريح في الخطاب بالإطلاق، فمثلاً يقول: صلّ سواء كنت قادراً أو عاجزاً، فهذا الإطلاق خطأ وغير صحيح، باعتبار أنَّ هذه الخطابات قوالب عرفيّة لبيان البعث والتحريك بمجرّد وصولها إلى المكلّف، فلا بُدَّ أن تكون مخصوصة بخصوص القادر. إذن، فمدلول الخطابات لا يسلّم بأنَّه أكثر من المقدار الذي يناسب جعل الترخيص.
الأمر الثالث: أنَّ إجماع المخطئة في المقام انعقد على ثبوت المقدار المشترك بين العالم والجاهل بمقدار، بحيث لو وصل لكان موضوعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال، فالمقدار الذي يكون داخلاً في دائرة حقّ الطاعة على تقدير
ـــــــــــــــــــــــــ[241]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وصوله؛ ولهذا قلنا في مقام جواب صاحب الكفاية من حمل الأحكام الواقعيّة الإنشائيّة الصرفة: إنَّ هذا خلاف القدر المشترك؛ لأنَّ الحكم الإنشائي في المقام حكم لا يدخل في دائرة حقّ الطاعة حتّى على تقدير وصوله.
فيقال هنا من قبل هذه الشبهة: إنَّ المقدار الذي لا بُدَّ من الالتزام بانحفاظه هو المقدار الذي يكون للمولى على العبد حقّ طاعته على تقدير وصوله، وهذا المقدار الذي يحكم العقل فيه بحقّ الطاعة، ليس هو مجرّد المبادئ مع إبرازها بالخطاب، بل هو داعي البعث والتحريك.
ولكنّ هذا يرد عليه: أنَّ داعي البعث والتحريك يتصوّر بنحوين:
النحو الأوّل: يكون هذا الداعي داعياً غيّريّاً مقدّميّاً في مقام حصول المقصود.
النحو الثاني: يكون هذا الداعي داعيّاً نفسيّاً، بحيث يكون له غرض في البعث والتحريك وراء غرضه في المبعوث إليه والمحرّك نحوه.
ولا إشكال ولا ريب أنَّ الداعي النّفسي المستقلّ ليس دخيلاً في تتميم حقّ الطاعة بالنسبة إلى الغرض الأوّل، فإنَّ الغرض الأوّل المتعلّق بنفس الصلاة المفروض أنَّه غرض فعلي لزومي تامّ، فحقّ الطاعة بالنسبة إليه تامّ، فتعلّق غرض نفسي آخر له بإيجاد شيء أو عدم تعلّق غرض آخر له بذلك لا دخل له في تتميم حقّ الطاعة بالنسبة إلى الغرض الأوّل.
نعم، الغرض المقدّمي الناشئ من ذلك الغرض هذا يكون دخيلاً في تتميم حقّ الطاعة بالنسبة إلى الغرض الأوّل، بمعنى: أنَّ الأغراض المولويّة التي
ـــــــــــــــــــــــــ[242]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
يكون لها حقّ الطاعة على العبد هي الأغراض التي تكون مؤثّرة في المولى ومحرّكة له، فما لم يكن محرّكاً للمولى لا يكون محرّكاً للعبد، وما لم يكن محرّكاً للمولى للإتيان بالمقدّمات لا يكون محرّكاً للعبد للإتيان بالمقدّمات.
فحينئذٍ لا بُدَّ وأن يفرض أنَّ الغرض الواقعي بحيث ينبعث منه غرض مقدمي نحو إيجاد البعث والتحريك، لو فرضت مقدّميّة مثل هذا البعث والتحريك، ومثل هذا أيضاً محفوظ حتّى في موارد الأحكام الواقعيّة، غاية الأمر بأنّ هذه المقدّمة حيث إنَّها ليست مقدّمة موصولة في المقام لم يترتّب عليه الأثر.
إذن، لا منشأ لدعوى كون القدر المشترك بين العالم والجاهل أزيد من هذا المقدار من ثبوت المبادئ الواقعيّة وإبرازها بخطاب مولوي، مع فرض صدور هذا الخطاب بداعي البعث والتحريك بالمرتبة التي يقتضيها استعداد نفس هذا الخطاب. وهذا المقدار بتمامه لا ينافي الأحكام الظاهريّة بتمامها بالنكات التي بيّناها في المقدّمات الثلاثة.
التنبيه الأوّل: في الجمع عند انفتاح العلم
تارةً يفرض انفتاح باب العلم وأُخرى يفرض انسداد باب العلم، ومقصودنا من انسداد باب العلم وانفتاحه: أنَّه تارةً يفرض أنَّ المكلّف له من الشروط ما يتيح له تحصيل العلم بالحكم الشرعي الواقعي، كما لو فرض أنَّ هذا المكلّف كان له شرف البنوة للإمام وكان في بيت الإمام، فيستطيع دائماً أن يسأل أباه عمّا تعترض له من مشاكل ومسائل، وبعد الجواب -خصوصاً
ـــــــــــــــــــــــــ[243]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بعد التدقيق في السؤال- يحصل له القطع بالحكم الشرعي الواقعي، وتارةً أُخرى يفرض أنَّ المكلّف يكون باب العلم منسداً عليه لا يتمكن من تحصيل العلم، وغاية ما يستطيعه هو تحصيل الظنّ والطرق المتعارفة من الخبر الواحد وغيره من الأمارات أو الاحتياط في مقام العمل والاتيان بكلّ ما يحتمل وجوبه وترك كلّ ما يحتمل حرمته، فإن كان المفروض هو انسداد باب العلم، فالكلام هو الكلام.
وأمّا إذا فرض انفتاح باب العلم، فهنا نحتاج إلى زيادة فرض جديد على الفرضية التي بها أجبنا على الإشكال والتي بها صوّرنا إمكان جعل الحكم الظاهري؛ لأجل أن تكون جواباً على تقدير انفتاح باب العلم؛ إذ بمجرّد الاختصار على الفروض التي قدّمناها قد يقال: لماذا يجعل المولى الأحكام الظاهريّة الترخيصيّة في مورد الشكّ، وعدم قيام الحجّة على الحكم الواقعي؟
وسبق أن قلنا: بأنَّ جعل الحكم الظاهري الترخيصي توسعة في دائرة الحفظ للمباحات الواقعيّة، فهنا يقال بأنَّ حفظ المباحات الواقعيّة يمكن أن يكون بإيجاب تحصيل العلم؛ لأنَّ المفروض أنَّ هذا يمكنه أن يحصّل العلم بما هو مباح في الواقع وما هو حرام في الواقع. اذن، فلا يحتاج المولى في مقام حفظ مباحاته الواقعية إلى توسعة دائرة الحفظ لأجل أن يبتلي بالمزاحمة بين توسعة دائرة المباحات وتوسعة دائرة الأحكام الإلزاميّة، ويقدّم ما هو الأهمّ في باب التزاحم، بل إنَّ المولى إذا قام عبده بتحصيل العلم، يكون أغراضه الواقعيّة بتمامها مستوفاة في طرف المباحات وفي طرف الأحكام الإلزاميّة، فهنا لا تزاحم في مقام الحفظ بين الأمرين.
ـــــــــــــــــــــــــ[244]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
هذا الإشكال لا بُدَّ في مقا م دفعه من زيادة هذا الفرض، وهو: أن يكون ترك تحصيل العلم أو تحصيل العلم نفس هذا العمل بنفسه أيضاً من المباحات التي يكون هناك فرض في إطلاق العنان بالنسبة إليه، فحينئذٍ لا يتمكن المولى من شرح تمام أغراضه الواقعيّة، بل يحصل التزاحم لا محالة؛ لأنَّ المولى إذا أوجب الاحتياط فقد حفظ بذلك أغراضه اللزوميّة، لكن ضيّع أغراضه الإباحية، وإن أوجب تحصيل العلم فأيضاً قد أوجب بهذا تضييع غرض إباحتي فلا محيص له من إيقاع التزاحم حينئذٍ بين أغراض الإباحة وأغراض اللزوم، وقد تكون الإباحة بمقدار أهمّ من أغراض اللزوم فيجعل الرخصة في مورد عدم قيام الحجّة، هذا هو التتميم اللازم بناءً على انفتاح باب العلم، وبعد هذا التتميم يكون الجواب حينئذٍ هو الجواب بعينه.
التنبيه الثاني: في وجود الحكم في حقّ القاطع بالعدم
وهو حاوٍ على إشكالين، وكلا الإشكالين لا ربط لهما بعنوان الجمع بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري، وهما:
الإشكال الأوّل: في ثبوت الأحكام الواقعيّة المشتركة في حقّ العالم بالعدم
فإنّه لو فرضنا شخصاً قاطعاً بعدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فمثل هذا الشخص مقتضى مبنى المخطئة أنَّ الوجوب الواقع الثابت -بحسب الفرض- للدعاء عند رؤية الهلال ثابت بحقه أيضاً؛ لأنَّه محفوظ في حقّ تمام المكلّفين من علم به ومن لم يعلم، مع أنَّ ثبوت الحكم بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال في حقّ العالم بالعدم وجداناً لغو صرف؛ إذ لا يقاس ثبوت الواقع في حقّ
ـــــــــــــــــــــــــ[245]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
العالم بالعدم بثبوت الواقع في حقّ الشاكّ، فإنَّ الوجوب الواقعي يتصوّر له أثر في حقّ الشاكّ حتّى لو فرض أنَّ هذا الشاكّ يوجد عنده مؤمّن وحجّة ظاهريّة على خلاف الواقع، كقاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأنَّ هذا الواقع المشكوك له محرّكيّة، غاية الأمر أنَّها محرّكيّة بمقدار حسن الاحتياط وحسن الانقياد، وهذه المرتبة من المحرّكيّة كافيّة لإخراجه عن اللغويّة، فهذه المرتبة من المحرّكيّة موجودة بالنسبة إلى الواقع حتّى عند الشكّ المؤمَّن من ناحيته، فلا يأتي إشكال اللغويّة.
وإنَّما يأتي إشكال اللغويّة فيما إذا فرض القطع الوجداني بعدم وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فإنَّ مثل هذا الوجوب الواقعي ليس له محرّكيّة أصلاً بالنسبة إلى هذا الشخص، ويستحيل أن يكون له محرّكيّة حتّى بمرتبة حسن الاحتياط والانقياد، فيلزم الالتزام بالتصويب بهذا المقدار بمقدار مورد هذا الإشكال، أي: أنَّ الأحكام الواقعيّة لا تثبت في حقّ القاطع بالعدم، وهذا الإشكال يمكن تعميمه ببعض الملاحظات إلى موارد أُخرى أيضاً.
مع أنَّ هذا الإشكال ليس مربوطاً بعنوان الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، بل هو بملاك اللغويّة في موارد القطع الوجداني بعدم الإلزام الواقعي.
الإشكال الثاني: [التكليف بغير المقدور]
أنَّه لو فرض أنَّ المكلّف قطع وجداناً بحرمة الفعل الذي هو واجب في الواقع، لا أنَّه لم يقطع بعدم وجوبه فقط، كما لو قطع بأنَّ صلاة الجمعة حرام،
ـــــــــــــــــــــــــ[246]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
مع أنَّها واجبة في الواقع، أو لو فرض أنَّه تنجّزت عليه الحرمة بمنجّز ظاهري، كالأمارة والأصل، فإنَّه هنا لا يفرق بين القطع وبين الحجّة، فـإنَّه إذا فرض أنَّ الحرمة تنجّزت عليه بمنجّز سواء كان هو القطع الوجداني الحجّة، أو كان هو الأمارات التي تكون حجّة بالتعبّد الشرعي أو الأُصول، فإنَّه في مثل ذلك يأتي إشكال التكليف بغير المقدور لا إشكال اللغويّة فقط، فبقطع النظر عن إشكال اللغويّة الذي يأتي في الفرع الأوّل، يأتي إشكال التكليف بغير المقدور؛ لأنَّ المكلّف المنقاد لا يمكنه شرعاً أن يأتي بمثل هذا الفعل؛ لأنَّ المكلّف المنقاد لا بُدَّ له أن يترك هذا الفعل؛ لأنَّ المفروض أنَّ الحرمة تنجّزت عليه، فالمكلّف غير المنقاد لا أثر بالنسبة إلى تكليفه والمنقاد لا يعقل صدور هذا الفعل منه؛ لأنَّ فرض انقياد هو فرض تركه للفعل باعتبار تنجّز الحرمة عليه، فكيف يكلف بالإتيان بالفعل، فإنَّه يكون تكليفاً بغير المقدور.
وكذلك الحال لو فرض أنَّ مقدّمة هذا الواجب الواقعي قطع بحرمتها، أو قامت أمارة منجّزة على الحرمة فيها، كما لو فرض أنَّ هذا المكلّف لا يقطع بحرمة هذا الواجب الواقعي، بل يتخيل أنَّه من الأمور المباحة بحسب طبيعتها، لكن قطع بحرمة مقدّمة هذا الواجب الواقعي، هنا التكليف أيضاً بالإتيان بالواجب الواقعي إتيان بغير المقدور، فإنَّ المفروض أنَّ فرض انقياده هو فرض تركه للمقدّمة، أي: فرض تركه لها هو فرض تركه لذي المقدّمة. فهنا، كيف يتصوّر إطلاق للأحكام الواقعيّة لمثل هذا الفرض، فأيضاً لا بُدَّ من الالتزام بالتصويب بمقداره. هذا هو المورد الثاني من الإشكال.
ـــــــــــــــــــــــــ[247]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الجواب عن الإشكال الأوّل
لا معنى للغويّة في المقام، فلغويّة المبادئ الحقيقيّة لم تنشأ عن ترتّب أثر عملي وبداعي ترتّب أثر عملي، فإنَّ نفس الحب والإرادة والمصلحة، أمور واقعيّة ثابتة في نفس المولى على أيّ حال، ولا معنى لإشكال اللغويّة فيها.
ولكن ينبغي أن يكون إشكال اللغويّة في مرحلة إبراز هذه المبادئ بخطاب واقعي مولوي، فحينئذٍ يقال: بأنَّه تارةً يفرض بأنَّ المولى يعلم بأنَّ جميع المكلّفين سوف يقطعون بعدم هذا الإلزام، وسوف لن يترتّب على هذا الإبراز أثر في مقام إيصال الحكم الواقعي بنحو من الأنحاء.
وأُخرى نفرض أنَّ المولى يحتمل أنَّه سوف يكون هذا الإبراز مؤثّراً في الوصول وفي المحرّكيّة ولو بالنسبة إلى بعض المكلّفين.
فالفرض الثاني لا إشكال بعدم لغويّة مثل هذا الإبراز؛ لأنَّ الشخص القاطع بالعدم لم يخصّص هو بالإبراز حتّى يقال: بأنَّ هذا لغو، وإنَّما هو أبرز له المبادئ في ضمن إبرازها للمجموع، والمولى كان يحتمل ترتّب أثر على شخص هذا الإبراز، ولو باعتبار بعض المكلّفين دون بعض، وبهذا ترتفع اللغويّة.
ولو فرض أنَّ المولى كان يقطع بأنَّ هذا الإبراز لا يترتّب عليه أثر، بأن نفرض القضيّة خارجيّة، وهو يعلم بأنَّ جميع المكلّفين سوف يقطعون بالعدم وسوف لن يؤثر مثل هذا الخطاب، هنا لا بُدَّ من الالتزام بأنَّ هناك غرضاً نفسيّاً تكوينيّاً للمولى في نفس هذا الإبراز.
وهذا الالتزام لا يشبه الالتزام الذي أبطلناه وهو تصوّر الملاك في نفس
ـــــــــــــــــــــــــ[248]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الحكم؛ لأنَّ حيثيّة الحكم وجوهره إنَّما هو الحيثيّة المبرزة لا نفس الإبراز، فإنَّ نفس الإبراز فعل من الأفعال التكوينيّة للمولى حاله حال قيامه وقعوده ونحو ذلك من الأمور، فيلتزم هنا بوجود غرض نفسي له في نفس هذا الإبراز، وبهذا يخرج عن اللغويّة. هذا بالنسبة إلى الإشكال الأوّل.
الجواب عن الإشكال الثاني
قلنا سابقاً بأنَّ الخطابات الواقعيّة فيها نكتتان:
أحدهما: كونها بداعي البعث والتحريك بمقدار استعداد الخطاب، وهذا المعنى موجود حتّى في الخطاب الذي علم بضده أو نقيضه، فإنَّ الخطاب بالوجوب حتّى بالنسبة إلى العالم بالحرمة له من المحرّكيّة بمقدار استعداده، بحيث لو انضمت إليه سائر المقدّمات لكان محرّكاً وباعثاً بالفعل، فمن هذه الناحية لا إشكال.
ثانيهما: لو كنا نقول باشتراط القدرة بعنوانها، بحيث إنَّها بعنوانها مأخوذة في مدلول الخطاب، بحيث كان الخطاب هكذا: أيّها القادر ائت بكذا، فحينئذٍ قد يكون لهذا الإشكال مجال.
إلَّا أنَّه ليست القدرة بعنوانها مأخوذة بهذا النحو، وإنَّما استظهرنا من الخطابات بحسب الفهم العرفي، أنَّها في مقام إيجاد ما يكون تامّ المحرّكيّة على تقدير الوصول، وفرض تماميّة محرّكيّته على تقدير الوصول هو فرض أن يكون المكلّف قادراً؛ اذ لو كان عاجزاً لا يكون هذا تامّ المحرّكيّة على تقدير الوصول. ومثل هذه النكتة لا تقتضي قدرته قبل الوصول، وإنَّما تقتضي قدرته في فرض
ـــــــــــــــــــــــــ[249]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الوصول، والمفروض أنَّه في فرض الوصول أيضاً يكون قادراً.
فهناك فرق بين العجز الذي يرتفع بمجرّد وصول الخطاب، فمثل هذا لا يضر شمول الخطاب، وبين العجز الذي لا يرتفع بمجرّد وصول الخطاب، ومثل ذلك العجز يكون مانعاً عن شمول الخطاب بحسب الفهم العرفي. هذا تمام الكلام في التنبيه الثاني، وهذا كلّه على القول بالطريقيّة.
إذا قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة وكانت في الواقع حراماً، فالأمارة تحدث مبادئ الوجوب حقيقة؛ لأنَّها مجرّد استغراق إلى التحفّظ على الأغراض الواقعيّة، وهذا معنى القول بالسبّبيّة في المقام.
فحينئذٍ إذا قلنا: بأنَّ هذه المبادئ الحقيقيّة التي تحدث بسبب قيام الأمارة، فتحدث في نفس المؤدّى، يعني: في نفس فعل صلاة الجمعة بما هو فعل صلاة الجمعة، ويكون قيام الأمارة على الوجوب حيثيّة تقييديّة في معروض هذه المبادئ، يعني: صلاة الجمعة المقيّدة بأنَّ الأمارة قامت على وجوبها تكون محطّاً لهذه المبادئ، فشبهة اجتماع الضدّين لا جواب عليها، فإنَّه في المقام صلاة الجمعة بحسب الفرض معروض لمبادئ الحرمة في الواقع، فكيف يعقل أن تكون معروضاً لمبادئ الوجوب أيضاً، وكيف يمكن أن تكون معروضاً للصلاح الحقيقي والفساد الحقيقي، ومعروضاً للحبّ الحقيقي والبغض الحقيقي للإرادة المولويّة والكراهة المولويّة، وهذا مساوق مع اجتماع الضدّين.
ولكن إذا التزمنا بأنَّ الأمارة تكون سبباً في حصول المبادئ لا في صلاة
ـــــــــــــــــــــــــ[250]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الجمعة بعنوانها المقيّد بقيام الأمارة، بل في عنوان آخر هو مغاير في لوح الواقع أو بحسب أُفق العناوين الذي هو مغاير مع عنوان صلاة الجمعة، وإن كان قد يتّحد معه بحسب الخارج وجوداً، فلو قلنا بأنَّ الأمارة تحدث المبادئ الحقيقيّة بعنوان تطبيق العمل على الأمارة، فنفس حيثيّة كون العمل مطبقاً على قول العادل الثقة هي التي تكون معروضاً للمبادئ الحقيقيّة الناشئة من قيام الأمارة. فقيام الأمارة يكون سبباً على عروض هذه المبادئ على نفس هذه الحيثيّة، وهذه الحيثيّة -حيثيّة تطبيق العمل على الأمارة- تنطبق بحسب الخارج على الإتيان بصلاة الجمعة الحرام بحسب الواقع، إلَّا أنَّها بهذا العنوان لا بذلك العنوان.
فحينئذٍ لا يبقى مجال لشبهة اجتماع الضدّين، بناءً على ما بنينا عليه في بحث اجتماع الأمر والنهي من جواز اجتماعهما بتعدد العناوين بحسب لوح الواقع، حيث قلنا هناك: بأنَّ العنوان الواجب والعنوان الحرام إذا كانا متعدّدين بحسب لوح الواقع -ومقصودي من قيد (بحسب لوح الواقع) هذا المعنى: أنَّهما متعدّدان بقطع النظر عن الاعتبار- فإنَّه تارةً يكون تعدّد العناوين عمليّة احتياليّة اصطناعيّة من قبل العقل، كعنوان الإنسان وعنوان الحيوان الناطق، فإنَّهما عنوانان مختلفان من حيث الإجمال والتفصيل، لكن هذا الاختلاف والتعدّد اصطناعي لا واقع له بقطع النظر عن نفس إنشاء العقل للتعدّد والتغاير.
أمّا لو فرض أنَّ تعدّد العناوين لم يكن بهذا المعنى، بل كان تعدّداً بقطع النظر عن إعطاء العقل لصفة التعدّد، وفرض أنَّ العنوانين لم يكونا مشتركين
ـــــــــــــــــــــــــ[251]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
حتّى في جزء، ففي مثل ذلك قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي من ناحية المبادئ، وعدم التضادّ بين تعلّق الأمر بأحد العناوين وتعلّق النهي بالآخر.
نعم، غاية الأمر لو فرض أنَّ هذين العنوانين ليس لهما بدل، وأنَّ الواجب منحصر مصداقاً في الحرام، فحينئذٍ لا يعقل تنجّز كلا الحكمين على المكلّف؛ لأنّه يؤدّي إلى التكليف بغير المقدور، وهذا محال.
إلَّا أنَّه إذا فرض أنَّ أحد التكليفين لم يكن منجّزاً، وكان التكليف الآخر منجّزاً، فحينئذٍ لا مانع من اجتماعهما حتّى من ناحية مقام الامتثال؛ لأنَّ أحدهما ليس بمنجّز، فلا يلزم التكليف بغير المقدور، وقد بيّناه في بحث اجتماع الأمر والنهي.
وهنا يكون هذا أساساً للجواب بناءً على السبّبيّة، وذلك بأن نلتزم بهذه الفرضيّة، قائلين: إنَّ قيام الأمارة سبّب لحدوث المبادئ الحقيقيّة للوجوب، لكن لا في عنوان صلاة الجمعة الذي هو مركز مبادئ الحرمة في الواقع، بل في عنوان آخر مغاير بتمامه العنواني مع عنوان صلاة الجمعة، وهو حيثيّة تطبيق العمل على الأمارة، وهذه الحيثيّة حينئذٍ تكون مركزاً لمبادئ الوجوب، ولا يبقى تناف مع هذا الوجوب وتلك الحرمة؛ لأنَّ التنافي إن ادّعي بينهما بلحاظ المبادئ فلا تنافي بينهما بلحاظ المبادئ؛ لأنَّ موضوع أحدهما غير موضوع الآخر.
وإن ادّعي التنافي بينهما بلحاظ الامتثال فهذا التنافي فرع تنجّزهما معاً، والمفروض عدم تنجّزهما معاً، وأنَّ الأحكام الواقعّية غير منجّزة في المقام بلحاظ جعل الحكم الظاهري على خلافه.
ـــــــــــــــــــــــــ[252]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
نعم، تبقى مسألة نقض الغرض، ويكون جوابه بإعمال قانون باب التزاحم في تقديم أهمّ الغرضين على أضعفهما.
وهذا التقديم أيضاً لا يقتضي الاندكاك في المقام؛ لأنَّ الغرضين على موضوعين وليس على موضوع واحد، فيكون حال التقديم هنا حال التقديم فيما إذا كان هناك صلاة وإزالة، فإنَّ التقديم هناك لا يوجب اندكاك مبادئ الوجوب في المقام وزوالها واضمحلالها؛ لأجل تعدّد الموضوع وكفاية تعدّد العناوين في تعداد الموضوع.
والتنبّه إلى هذه الفرضيّة مأخوذ بحسب الحقيقة من قبل الشيخ الأعظم(1) حيث ذكر مسألة المصلحة السّلوكيّة، وصوّر كون الأمارة سبّباً في حصول المبادئ في نفس عنوان السّلوك وعنوان تطبيق العمل على الأمارة.
وفرقنا عن الشيخ الأعظم أنَّه صوّر ذلك في مقام دفع إشكال العقل العملي، لا في مقام دفع إشكال العقل النظري، وسوف يأتي في محلّه أنَّ المقدار الذي بيّنه لا يكفي في مقام دفع إشكال العقل العملي، فنفس النكتة التي ذكرها لو كان قد ساقها لأجل دفع إشكال العقل النظري من ناحية اجتماع الضدّين، بعد البناء على ما بنيّنا عليه من جواز اجتماع الأمر والنهي بالنحو الذي حقّقناه في تلك المسألة فيكون قد تمّ الوفاق بيننا. هذا تمام الكلام في شبهات العقل النظري.
ـــــــــــــــــــــــــ[253]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول ١: ٤٢.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
قلنا: إنَّ شبهات امتناع اجتماع الحكم الواقعي مع الحكم الظاهري ترجع إلى ملاكين:
أحدهما: أن تكون بلحاظ ملاكات العقل النظري.
ثانيهما: أن تكون بلحاظ ملاكات العقل العملي.
أمّا ما كان منه بلحاظ ملاكات العقل النظري بكلا تقريبيه، أعني: تقريب اجتماع الضدّين أو المثلين، وتقريب شبهة نقض الغرض، فهذا سبق تفصيله وانتهينا إلى الشبهات بلحاظ ملاك العقل العملي.
وقد أشرنا فيما سبق إلى أنَّ مرجع الشبهة بلحاظ العقل العملي إلى دعوى أنَّ التعبّد بالأحكام الظاهريّة يؤدّي إلى تفويت كثير من المصالح على العبد وإلقائه في كثير من المفاسد، مع أنَّه لا ضرورة لذلك مع فرض تمكّن العبد من الفحص وتحصيل العلم في فرض انفتاح باب العلم، أو تمكّنه من الاحتياط والامتثال الإجمالي في فرض انسداد باب العلم.
فالمولى يجعل الأمارات والأُصول الظاهريّة فيلقي المكلّف في كثير من الخسائر السلبيّة والوجوديّة، وهذا التفويت من قبل المولى بالنسبة إلى المكلّف قبيح بحكم العقل العملي.
وهذه الشبهة لم يبق لها موضوع ولا محمول بناءً على ما حقّقناه في جواب شبهة العقل النظري، إذ قد انقدح جوابها ممّا حقّقناه هناك، فإنَّ تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة وإن كان في نفسه أمراً لا يناسب الحكيم بالإضافة
ـــــــــــــــــــــــــ[254]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إلى عبيده، إلَّا أنَّ هذا المطلب إذا حصل من الحكيم بملاك التزاحم بين الأغراض المولويّة، والتزاحم بين نفس الملاكات الواقعيّة بمقتضى قوانين باب التزاحم يؤدّي إلى تقديم أقوى الغرضين على أضعفهما، فالمولى تحفّظاً على أقوى الغرضين يوسّع دائرة الحفظ والمحرّكيّة له، ومع توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة لأقوى الغرضين وإن كان يفرط حينئذٍ بأضعف الغرضين في جملة من الموارد، تفريطاً يؤدّي إلى الوقوع في المفسدة أحياناً وإلى خسارة المصلحة أحيانا أُخرى، إلَّا أنَّ هذا التفويت نتيجة لتقديم أقوى الغرضين على أضعفهما، بعد فرض التزاحم بين الأغراض الواقعيّة في عالم توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة، فمثل هذا لا يكون فيه شائبة قبح أصلاً، وإنَّما يكون فيه شائبة القبح فيما لو فرض أنَّه تفويت ابتدائي تبرعي من قبل المولى على عبده.
وأمّا مع فرض أنَّ هذا التفويت كان نتيجة لإعمال قوانين باب التزاحم في المبادئ الحقيقيّة للأحكام الواقعيّة المتزاحمة في دائرة الحفظ والمحرّكيّة -بالنحو الذي شرحناه- فلا يكون فيه أيّ شائبة، بل يكون هذا حسناً من قبل المولى، ويكون خلافه قبيحاً من قبله.
فهذه الشبهة لم يبقى لها موضوع بعد المسلك الذي سلكناه في كيفيّة تصوير الأحكام الظاهريّة في إيقاع التزاحم بين نفس الملاكات الواقعيّة، لكنّه ليس تزاحماً في أصل الوجود، وليس تزاحماً بحسب عالم الامتثال، بل مورده قسم ثالث جديد من التزاحم، وقد أطلقنا عليه: بالتزاحم في مقام توسعة دائرة الحفظ والمحرّكيّة.
هذا على ما سبق من الشرح والتحقيق.
ـــــــــــــــــــــــــ[255]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إلَّا أنَّ الشيخ (1) ومن تبعه في المسألة (2) صاروا في مقام الجواب عن هذه الشبهة مستقلّاً في اختلاف في المشرب والمسلك، وأرادوا أن يهملوا إشكال العقل العملي بالالتزام بالسببيّة، أي: بأنَّ الأمارة تكون سبباً في حصول مصلحة وملاك، بهذه المصلحة والملاك يتدارك ما يفوت من الواقع.
إلَّا أنَّهم كانوا بقصد مراعاة أمرين:
فبإحدى العينين كانوا ينظرون إلى الجواب عن هذه الشبهة؛ إذ لا بُدَّ لهم من التخلص منها ورفع قبح التفويت بتصوير ما يكون به التدارك.
وبالعين الأُخرى كانوا يحذرون من الالتزام بالسببية بالنحو الذي يؤدي إلى التصويب، فكان لا بُدَّ من تصوير واقع الحال بنحو يستجمع فيه كلّتا هاتين الخصيصتين.
وفي مقام التدقيق بين هذين الأمرين، ذكر الشيخ الأعظم في عبارة الرسائل(3) أمراً، حاصله على ما هو مقتضى ظاهر العبارة:
أنَّ السببية لها ثلاثة صور:
الصورة الأولى: أن يلتزم بسببيّة الأمارة، بمعنى كون الواقعة كصلاة الجمعة مثلاً في نفسها -بقطع النظر عن قيام الأمارة على وجوبها أو على
ـــــــــــــــــــــــــ[256]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول ١: ٤٢.
(2) انظر: فوائد الأُصول ٣: ٩٨، نهاية الدراية في شرح الكفاية ٢: ١٣٦
(3) انظر: فرائد الأُصول 1: 114-118.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
حرمتها- خاليّة وليس لها أيّ لون من ألوان المصالح والمفاسد من الألوان الملاكيّة المولويّة بحسب الواقع، وإنَّما تتلون بلحاظ قيام الأمارة، فإذا قامت الأمارة على الوجوب اكتسبت ملاك الوجوب، وإذا قامت على الحرمة اكتسبت ملاك الحرمة وهكذا. وأطلقوا على هذا بالتصويب الأشعري، وقالوا: إنَّ هذا خلاف مبنى المخطئة، فإنَّ هذا أشنع أنحاء التصويب.
الصورة الثانية: أنَّ صلاة الجمعة إذا لوحظت في نفسها فهي واجدة لمبادئ معيّنة من سنخ حكم معيّن، فلو فرضنا أنَّ هذا الحكم هو الحرمة، وأنَّها واجبة لمبادئها، إلَّا أنَّه إذا قامت الأمارة بحسب الظاهر على الوجوب تبدّل الواقع وتبدّلت ملاكات الواقع، وانقلبت من ملاكات تحريميّة إلى ملاكات وجوبيّة، فالأمارة تقلب الواقع، لا أنَّها تنشئ الواقع من أوّل الأمر.
وسمّي هذا بالتصويب المعتزلي، وقيل: بأنَّ هذا خلاف اجماع المخطئة، فإنَّ إجماعنا على أنَّ الأحكام الواقعيّة مشتركة ما بين العالم والشاكّ.
الصورة الثالثة: -وهي ما قاله الشيخ الأعظم (رضوان الله عليه)-: أنَّ هذا الوجه الثالث من السببيّة يناسب مع التخطئة ولا يؤدّي إلى التصويب، وفي نفس الوقت يكون جواباً لإشكال تفويت المصالح والإلقاء في المفاسد، وهذا الوجه الثالث هو ما سمّي في كلمات الميرزا(1) حينما شرحه بالالتزام بالمصلحة السلوكيّة.
وذلك أنَّ يقال: بأنَّ الأمارة لا تكون سبباً في حدوث مصلحة واقعيّة
ـــــــــــــــــــــــــ[257]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول ٣: ٩٨.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ومبادئ حقيقية في موردها، أي: في صلاة الجمعة بعنوان كونه صلاة الجمعة، بل أنَّ الأمارة تكون سبباً في حدوث مصلحة في سلوكها والعمل عليها على هذه الأمارة مادامت حجّة، أي: ما دام المكلّف شاكّاً ولم يجد دليلّاً حاكماً على هذه الأمارة.
والفرق ما بين هذين السنخين من التصوّر: أنَّه على التصوّر الأوّل، فبمجرّد قيام الأمارة على وجوب صلاة الجمعة تصبح صلاة الجمعة واجبة، فلو فرض أنَّ المكلّف أتى بصلاة الجمعة فقد أتى بالواجب حقيقة، وبعد هذا لو فرض أنَّه انكشف خطأ الأمارة وتبدّلت حجّيتّها، فهذا يكون من باب تبدّل الموضوع، من قبيل: المسافر لو صلّى قصراً ثُمَّ أصبح حاضراً، فهو عندما صلّى قصراً حال سفره كانت صلاته قد صدرت من أهلها ووقعت في محلّها، ويكون تبدّل السفر بالحضر من باب تبدّل الموضوع، وكذلك في المقام فإنَّه لو فرض بأنَّ الأمارة قامت وأحدثت ملاكاً في نفس صلاة الجمعة، وبعد هذا ارتفعت حجّيتّها، فيكون هذا من باب تبدّل الموضوع.
وأمّا على هذا التصوّر الثاني فإنَّه لا يلتزم بالمصلحة في نفس فعل صلاة الجمعة بما هو فعل من الأفعال، بل يلتزم بالمصلحة في سلوك الأمارة واتّباع قول العادل بالمقدار الذي يتدارك به فوات الواقع لا أكثر، فيلتزم بأنَّ اتّباع الأمارة فيه مصلحة المقدار الذي يتضرر المكلّف من اتّباع هذه الأمارة؛ وذلك لأنَّ الالتزام بهذه المصلحة لم يكن إلَّا بالدلالة الالتزاميّة العقليّة من باب أنَّ تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة قبيح على المولى الحقيقي، فبالدلالة الالتزاميّة العقليّة لدليل
ـــــــــــــــــــــــــ[258]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الحجّيّة وهو مثلاً: دليل (صدّق العادل) استكشفنا أنَّ المولى حيث إنَّه يقبح منه التفويت فلا بُدَّ أنَّ يكون قد لاحظ هذه الناحية، ومن المعلوم أنَّ هذه الدلالة الالتزاميّة العقليّة لا تقتضي الالتزام بالمصلحة أكثر من أنَّ تكون المصلحة بالسلوك بالمقدار الذي يتضرر المكلّف من ناحية هذا السلوك.
ولهذا قالوا في مقام التوضيح: إنَّه لو فرض أنَّه بسلوك الأمارة تضرر فقط من ناحية فوات وقت الفضيلة، كما لو دلّت الأمارة على عدم وجوب صلاة الظهر يوم الجمعة، فترك الظهر يوم الجمعة إلى قبل الغروب بنصف ساعة، ثُمَّ انكشف له خطأ هذه الأمارة، فحينئذٍ الذي فاته بسلوك الأمارة إنَّما هو مصلحة أوّل الوقت؛ إذ لولا هذه الأمارة لكان يأتي بصلاة الظهر أوّل الوقت، فالمولى فوت عليه هذا المقدار من المصلحة لا أكثر، فلا استكشاف بالدلالة الالتزاميّة وبدلالة الاقتضاء العقليّة لأكثر من هذا المقدار من التعويض.
أمّا لو فرض أنَّه استمر اشتباه الأمارة إلى ما بعد انتهاء الوقت، فحينئذٍ يكون قد فاته من ناحية سلوك هذه الأمارة مصلحة أصل الوقت، فلا بُدَّ من الالتزام بالتدارك بمقدار ما فات أو هكذا.
فتكون المصلحة السلوكيّة هنا مرنة ومطاطة وقابلة للتمدد بمقدار ما يحصل من الخسائر للمكلف في مقام تطبيق عمله على الأمارة، فهنا من هذه الناحية لا يبقى حينئذٍ مجال لإشكال قبح التفويت، اذ لم يحصل تفويت إلَّا بالمقدار الذي تداركه.
وبعد أن ذكر هذا المطلب بتفصيله بعبائره الظاهرة في هذا المعنى أشكل على نفسه: بأنَّكم وإن قمتم بالجواب عن شبهة ابن قبة، ورقعتم هذا الفتق، إلَّا
ـــــــــــــــــــــــــ[258]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
أنَّه حصل إشكال من ناحية أُخرى؛ لأنَّ هذه السببيّة أيضاً تؤدّي إلى التصويب، بتقريب: أنّنا لو فرضنا أنَّ هذه الأمارة قامت في المقام على وجوب صلاة الجمعة، وكان الواجب بحسب الواقع هو صلاة الظهر لا صلاة الجمعة، وفرضنا الاشتباه مستمراً إلى آخر الوقت، ولم ينكشف له الخطأ في اثناء الوقت. فحينئذٍ هل لا بُدَّ من الالتزام بأنَّ المصلحة السلوكيّة تكون كافية في حصول ما فات من الواقع من ملاك صلاة الظهر أو لا؟
فإن التزم في المقام بأنَّ المصلحة السلوكيّة أصبحت كافيّة في تحصيل ما يترتّب تحصيله من صلاة الظهر، ووفائها بتمام النكات التي تحصل منها، فيلزم بناءً على هذا انقلاب الواجب التعييني إلى الواجب التخييري، فإنَّه بناءً على هذا اصبحت تلك النكات التي هي ملاك الوجوب الواقعي نسبتها إلى الجمعة وإلى الظهر على حدّ واحد، فتخصيص الوجوب وتعيينيته بالنسبة إلى الظهر تصبح بلا ملاك ولا منشأ؛ لأنَّ المفروض أنَّ مبادئ الوجوب في المقام وتمام ما تتضمنه من نكات المصالح والمفاسد نسبتها إلى كلا الأمرين على حدّ واحد، فإنَّ تمام ما كان يترقب تحصيله من صلاة الظهر يترقب تحصيله بسلوك الأمارة في تمام الوقت. إذن، فهنا عندنا عملان كلّ منهما ينهض بما ينهض به الآخر، فتكون تعيينية الوجوب ووقوفه على أحد الفعلين دون الآخر تخصيصاً بلا مخصّص، فلا محالة حينئذٍ من لابدّيّة الالتزام بانقلاب الوجوب التعييني إلى الوجوب التخييري، وهذا نحو من أنحاء التصويب؛ لأنَّ معناه أنَّ تعيينية الوجوب الواقعي مخصوصة بخصوص العالم، وهذا خلاف ما عليه المخطئة.
وإن التزمنا أنَّ الاتيان بصلاة الجمعة وسلوك الأمارة في تمام الوقت لم
ـــــــــــــــــــــــــ[260]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
يستوف تمام النكات اللزوميّة التي تشكل مبادئ الوجوب الواقعي لصلاة الظهر. إذن، فقد حصل التفويت بلا تدارك ورجع إشكال ابن قبة، فالأمر دائر بين إشكال بن قبة وبين التصويب، وهذا إشكال واضح يتبادر إلى كلّ ذهن.
فذكر الشيخ له ثُمَّ الجواب عنه بعبارة مختصرة(1)، فإنَّه قال: بأنَّه كيف يكون الحكم الظاهري في المقام موجباً للتصويب وزوال الواقع مع أنَّ المفروض فيه ثبوت الواقع.
وشرح ذلك المحقّق النائيني(2) على ما في التقريرات بما يرجع محصله إلى ما أشرنا إليه في بعض الأبحاث السابقة: أنَّ المصلحة السلوكيّة التي نشأت من قيام الأمارة إنَّما هي مصلحة قائمة بسلوك الأمارة التي وردت في مقام تعيين الواقع المشكوك، فإنَّ المصلحة ليست بسلوك أمارة وردت اعتباطاً، بل المصلحة بسلوك أمارة خاصّة، وهي تلك الأمارة التي هي مقام الكشف عن الواقع المشكوك، فهذه المصلحة مبنيّة على فرض وجود الواقع المجهول المشكوك، ومع فرض بناءها على ذلك يستحيل أن تكون مؤدّية إلى عدمه؛ لأنَّ ما كان مبنياً على شي لا يؤدّي إلى إعدام ذلك الشيء.
مناقشة القول بالمصلحة السلوكية
هذا خلاصة ما ذكره الميرزا في مقام توضيح عبارة الشيخ الأعظم، ولعل الشيخ الأعظم كان له نظر آخر.
ـــــــــــــــــــــــــ[261]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 116.
(2) انظر: فرائد الأُصول 1: 247.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
هذا المعنى الذي ذكره في توضيح مرامه لا يرجع إلى محصل -كما ذكرنا فيما سبق- وذلك لأنَّ الأمرين المتنافيين لا يمكن رفع تنافيهما بفرض كون أحدهما مترتباً على الآخر، فإنَّه هنا بحسب الخارج هذان الأمران متنافيان، يعني تعيّينيّة الوجوب الواقعي الناشئة من تعيّينيّة الملاك يتنافى مع فرض كون صلاة الجمعة وافية بتمام الملاك، فهذان الفرضان متنافيان متهافتان.
وهذان الفرضان المتنافيان لا يمكن رفع التنافي فيما بينهما، بدعوى: أنَّ أحدهما رتّب على الآخر، فإنَّ ترتيب أحد المتنافيين على الآخر في نفسه أمر محال، لا أنَّه رافع للمنافاة بين المتنافيين.
نعم، الأمر كما قيل من حيث إنَّ كلّ شيء إذا كان مترتّباً على شيء آخر، فلا يعقل أن يكون منافياً له، ومانعاً عنه، لما بيناه سابقاً: من أنَّ هذا المترتّب متى يفرض مانعاً على المترتّب عليه، أفي حال وجوده أو في حال عدمه؟
أمّا في حال عدمه فيستحيل مانعيته؛ لأنَّ المعدوم لا يؤثر في العالم شيئاً. وأمّا في حال وجوده فأيضاً يستحيل مانعيته؛ لأنَّ فرض وجوده هو فرض وجود المترتب عليه. فمانعيّته بعد فرض الترتّب أمر محال.
لكن فرض كون أحد المتنافين مترتّباً على منافيه محال، لا أنَّ هذا المحال يعالج محالاً آخر، كما سبق توضيحه في جواب الوجه السادس من وجوه أجوبة إشكال العقل النظري، فمجرّد فرض أنَّ المصلحة السلوكيّة مترتّبة وجوداً وتحقّقاً على فرض الواقع هذا لا يرفع التنافي، فإنَّ كون أحد المتنافيين مترتّباً على الآخر في نفسه أمر محال، لا أنَّه يعالج استحالة التنافي فيما بينهما.
ـــــــــــــــــــــــــ[262]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وإن شئت قلت: بأنَّه في هذين الأمرين المتنافيين الأمر المترتّب وإن فرض أنَّه لا ينافي الأمر المترتّب عليه، لكن الأمر المترتّب عليه يكون منافياً له. إذن، فهذا الكلام لا يرجع إلى محصل، ولعل في نفس الشيخ الأعظم كان يوجد له معنى آخر ممّا لا يستفاد من مجموع كلماته.
وكان الأولى للشيخ الأعظم، حينما يريد أن يتخلص من مثل هذه المشكلة ذات الحدّين أن يلتزم بباب التزاحم، فإن فرض أنَّه لا يتصوّر التزاحم بالنحو الذي نحن تصوّرناه -التزاحم بين نفس الملاكات الواقعيّة، حيث بيّنا: أنَّ الأحكام الظاهريّة بحسب الحقيقة هي نتيجة التزاحم بين نفس المبادئ الواقعيّة، بلا حاجة إلى الالتزام بمبادئ أُخرى وراء مبادئ الأحكام الواقعيّة- فلا أقل من أن يلتزم في المقام بأنَّ هذه المصلحة السلوكيّة التي هي وراء المصالح والمبادئ الواقعيّة مضادة للمصالح الواقعيّة، لا أن تستوفى منها المصالح الواقعيّة، فلو بدّل فرض الاستيفاء بفرض المضادة في المقام، فيقول عندئذٍ هنا: أنَّ المولى له مصلحتان من سنخين ونحوين:
إحداهما قائمة تعيّيناً بصلاة الظهر، والأُخرى قائمة تعيّيناً بسلوك الأمارة التي دلّت على حرمة صلاة الظهر ووجوب صلاة الجمعة، فهاتان مصلحتان تعيينيتان لزوميتان بحيث لو أمكن للمولى التصدي إلى تحصيلهما معاً لحصلهما معاً من قبل العبد، ولكن حيث إنَّ العبد لا يمكنه تحصيلهما معاً؛ لأنَّ العبد لا يتمكّن من الإتيان بصلاة الظهر مع سلوك الأمارة الدالّة على حرمة الظهر ووجوب صلاة الجمعة، فالمولى حينئذٍ بعد إجراء قانون باب التزاحم في المقام
ـــــــــــــــــــــــــ[263]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
يقدم المصلحة السلوكيّة على المصلحة الواقعيّة، فبهذا لا يرد اشكال ابن قبة، وكذا إشكال التصويب.
أمّا عدم ورود إشكال ابن قبة فلأنَّ المولى وإن فوت على العبد المصلحة الواقعيّة في صلاة الظهر، لكن هذا التفويت كان باعتبار التحفظ على مصلحة أهمّ، وهي المصلحة السلوكيّة، فلا يكون فيه بأس.
ولا يأتي أيضاً إشكال التصويب؛ لأنَّ المفروض أنَّ هاتين المصلحتين في موضوعين لا في موضوع واحد، فإنَّ إحدى المصلحتين قائمة بعنوان صلاة الظهر، والمصلحة الأُخرى قائمة بعنوان السلوك. وقد بيّنا فيما سبق: أنَّ تعدّد العناوين مطلقاً كافٍ في جواز اجتماع الأمر والنهي، ما لم يكن التعدّد تعدّداً اعتبارياً، بل كان تعدّداً واقعيّاً.
إذن، فلا يؤدّي مثل هذا إلى التصويب أيضاً، بل يبقى ملاك الواقع على فعليته وخطاب الواقع على ثبوته وخطاب الظاهر أيضاً على ثبوته من دون أن يحصل ما بينهما تناف في الوجود. هذا ما ينبغي أن يقال في شبهة العقل العملي.
فظهر أنَّ بياناً واحداً يحلّ كلا الشبهتين، شبهة العقل النظري وشبهة العقل العملي بالنحو الذي سبق تفصيله. هذا تمام ما ينبغي أن يتعرض له في مقام الجمع بين الأحكام الواقعيّة والأحكام الظاهريّة.
ـــــــــــــــــــــــــ[264]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وهو من الأمور التي مهدها صاحب الكفاية(1) عند الدخول في البحث، وقبل الدخول في تحقيق الحال في هذه المسألة لا بُدَّ أن نستنتج نتيجة من البحث السابق في بحث تصوير الأحكام الظاهريّة، فإنَّ لما سبق من المباني
-التي نقحناها هناك- دخل وتأثير في كيفيّة بناء البحث في هذه المقدّمة؛ ولهذا سوف نقدّم لمسألة تأسيس الأصل مقدّمة منتزعة من مبانينا في المسألة السابقة، وبعد توضيحها ندخل في بحث تأسيس الأصل.
وحاصل المقدّمة: أنَّ الأحكام الظاهريّة المجعولة من قبل الشارع في تنجيزها للواقع إذا كانت إلزاميّة، أو تعذيرها عن الواقع إذا كانت ترخيصيّة، إنَّما تمارس هذا العمل وتؤثّر أثر التنجيز تارةً وأثر التعذير أُخرى، باعتبار منكشفها لا باعتبار مجعولها، وهذه إحدى الصيغ التي تشكّل فرقاً أساسيّاً بين المباني التي مشينا عليها والمباني المشهوريّة.
وتوضيح هذه الصّيغة بنحو الإجمال، هو: أنَّ الحكم الظاهري الذي يكون منجّزاً للتكليف، كقوله: (احتط لدينك)، أو قوله: (صدق العادل)، أو قوله: (جعلت الخبر حجّة) أو قوله: (جعلته طريقاً) بأيّ لسان كان فهو إنَّما ينجّز
ـــــــــــــــــــــــــ[265]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 279.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الواقع المشكوك المجهول، باعتبار منكشفها حيث إنَّ الخطابات الظاهريّة شأنها من حيث منكشفها شأن الخطابات الواقعيّة، فكما أنَّ الخطابات الواقعيّة تدلّ بالدلالة التصديقيّة العرفيّة على وجود مبادئ للحكم في نفس المولى من الإرادة والكراهة والمصلحة والمفسدة، كذلك الخطابات الظاهريّة في مورد الشكّ تبرز أيضاً بالدلالة التصديقيّة العرفيّة مدلولاً خاصّاً مناسباً لها، وهو عبارة عن شدّة الاهتمام بالواقع المشكوك على فرض وجوده، فالمولى حينما يقول: (صدق العادل) أو (احتط لدينك) أو (جعلت الأمارة حجّة) أو ( جعلتها طريقاً) أو يستخدم أيّ لسان آخر في إفادة هذا المعنى، فهو يريد بهذه الخطابات الحكاية عن أنَّ ذاك الواقع الإلزامي المشكوك، كوجوب صلاة الجمعة على تقدير وجوده في الواقع، فهو مهمّ في نظري إلى درجة بحيث لا أرضى بتفويته حتّى من الشاكّ.
وأمّا أن يكون مهمّاً مطلقاً بمجرّد كونه مشكوكاً، كما هو الحال فيما لو جعل وجوب الاحتياط، أو أن يكون مهمّا فيما إذا كان مشكوكاً بشكّ خاصّ، كما إذا قال: (صدق العادل)، فهنا يبرز اهتمامه بالواقع المحتمل إذا كان الاحتمال ناشئاً من خبر الثقة ومقروناً به، لا ما إذا كان مجرّداً عن خبر الثقة، فالخطابات الظاهريّة الإلزاميّة إنّما تنجّز الواقع بهذه النكتة، وهي نكتة إبراز شدّة اهتمام المولى بالواقع المشكوك على تقدير وجوده.
وقلنا: بأنَّ هذا الخطاب باعتبار هذا الإبراز يوجب القطع الوجداني بأنَّ الواقع على تقدير وجوده فهو ممّا يهتمّ به المولى، بحيث لا يرضى بتفويته حتّى
ـــــــــــــــــــــــــ[267]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
من الشاكّ، وهذا القطع يخرج التكليف المشكوك عن مورد قاعدة قبح العقاب بلا بيان -لو قلنا بها- ويدخله في دائرة التنجيز عقلاً، فإنَّ التكاليف المشكوكة ليست كلّها مجرى لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل إنَّما تكون مجرى لها فيما إذا لم يقم بيان لا على أصل وجودها، ولا على أهمّيّتها على تقدير وجودها، وأمّا لو كان هذا التكليف الواقعيّ المشكوك ممّا يعلم أنَّه على تقدير وجوده فهو مهمّ، بحيث لا يرضى المولى بتفويته حتّى من الشاكّ، فنحن ذكرنا: أنَّ مثل هذا العلم بالأهمّيّة التقديريّة يكفي في تنجيز الواقع المشكوك، وهذا العلم بالقضيّة التعليقيّة هو ببركة الخطاب الظاهري.
وهذا خلافاً لظاهر المسلك المشهوري، حيث إنَّ ظاهره أنَّ التنجيز إنَّما هو باعتبار ما هو المجعول بالخطاب الظاهري؛ ولذا وقع كلام طويل عريض في أنَّ هذا المجعول بالخطاب الظاهري الذي يناسب التنجيز ويوجده ما هو؟ وقلنا حينها: إنَّ هذا كلّه يرجع إلى اللفظ لا إلى المعنى، على تحقيق وتفصيل سبق في الأبحاث السابقة.
وكذلك الحال في الخطابات الظاهريّة الترخيصيّة، كقوله: “كلّ شيء حلال“(1)، أو “رفع ما لا يعلمون“(2)، ونحو ذلك، إنَّما يؤثّر هذا الخطاب الظاهري أثره المرغوب، باعتبار كونه بياناً ودالّاً بالدلالة التصديقيّة على إبراز أنَّ المولى لا يهتمّ بالواقع المشكوك على تقدير وجوده، بحيث لا يرضى بتفويته
ـــــــــــــــــــــــــ[267]ــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 5: 313، باب النوادر، الحديث 39، مع اختلاف يسير بالألفاظ.
(2) وسائل الشيعة 11: 295، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
حتّى من الشاك. أمّا كيف أنَّ هناك واقعاً ثابتاً، والمولى لا يهتمّ به؟ فهذا هو إشكال ابن قبة، وقد فرغنا عن جوابه وتصويره.
ومن المعلوم أنَّه بهذا يخرج مثل هذا التكليف عن دائرة حقّ الطاعة، ولا يحكم العقل بوجوب امتثاله، فإنَّ تكليفاً مشكوكاً يرضى المولى بتفويته من الشاكّ ولا يجب على المكلّف امتثاله، فهذا هو تأثير الخطاب الظاهري، فتأثير الخطاب الظاهري في الترخيص أيضاً باعتبار منكشفه، وهو عدم شدّة الاهتمام، وهو أنّ المولى يرضى بتفويته، لا باعتبار مجعوله، فإنَّ الخطاب الظاهري سواء كان منجّزاً أو معذّراً باعتبار منكشفه، لا باعتبار مجعوله.
وهذا الذي بنيّنا عليه فيما سبق ينتج عن اختلافنا عن المسلك المشهوري في ذلك أثر ونتيجة، وحاصلها: أنَّه بناءً على المسلك المشهوري لا يقع تناف بين الخطابين الظاهريّين على حدّ التنافي بين الخطاب الظاهري والخطاب الواقعي، فإنَّ الخطابين الظاهريّين بما هما خطابان ظاهريّان صادران عن المولى ولا تنافي فيما بينهما، وإنَّما يحصل التنافي بينهما في فرض وصولهما إلى المكلّف، لا في فرض عدم الوصول، كما لو حكم المولى بوجوب تصديق خبر العادل، وجعل الحجّيّة له بتمام موارد إخباره، سواء أخبر عن ارتفاع الحالة السابقة أو عن بقاءها وجعل جعلاً آخر، وهو إبقاء اليقين السابق بلسان لا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ، سواء أخبر العادل عن انتقاض الحالة السابقة أو لم يخبر.
فهذان الجعلان والحكمان لا يتصوّر بينهما تناف إلَّا من ناحية الوصول، فإنَّهما بما هما حكمان مجرّد أمرين إنشائيّين اعتباريّين مرجعهما إلى إنشاء المنجّزيّة أو
ـــــــــــــــــــــــــ[268]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
المعذّريّة أو إنشاء الحكم، ولا تزاحم أو تنافي بين الموجودات الإنشائيّة الاعتباريّة.
أمّا باعتبار مبادئهما فالمفروض أنّنا لم نقل بالسبّبيّة، وأنَّ الحكم الظاهري له ملاك في متعلّقه، وإنَّما المصلحة في نفس جعله. إذن، فليفرض هنا مصلحة في نفس جعل هذا الحكم الظاهري ومصلحة في نفس جعل ذاك، فلا تنافي بين هذين الخطابين لا من حيث كونهما حكمين صادرين من المولى ولا من حيث ملاكاتهما ومبادئهما، وإنَّما يقع التنافي فيما بينهما في فرض وصولهما معاً؛ لأنَّ أحدهما يعذّر والآخر يكون موجباً للتنجيز، فالعقل في المقام يتحيّر هل يحكم بالتنجيز تبعاً لخطاب صدق العادل، أو يحكم بالتعذير تبعاً لخطاب الاستصحاب، فيقع التنافي بينهما في مرحلة الوصول، وفي مرحلة حكم العقل بالتنجيز أو التعذير.
ومن هنا لو فرض أنَّ أحد الخطابين كان غير واصل وكان الآخر واصلاً فلا تنافي فيما بينهما، كما لو كنّا لم نعرف أنَّ المولى قال: (صدق العادل) ولكن عرفنا أنَّه قال: (لا ينبغي أن ينقض اليقين بالشكّ) ولا بأس بالأخذ بهذا الخطاب الواصل، مع أنّا نحتمل صدور خطاب آخر على خلافه، إذ نحتمل وجود صدق العادل وصدوره عن المولى، فمع هذا لا بأس بالأخذ بهذا الخطابين، إذ لا تنافي ما بينهما، إلَّا من حيث الوصول، والمفروض أنَّهما معاً لم يصلا، وإنَّما وصل أحدهما دون الآخر، فغير الواصل ليس له تأثير حتّى يزاحم الواصل، فالواصل يبقى مؤثّراً دون مزاحم.
فيكون الخطاب الواصل هو المؤثّر، مع احتمالنا أيضاً لوجود خطاب آخر
ـــــــــــــــــــــــــ[269]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
صادر من المولى؛ لأنَّ المفروض أنَّ الخطابين بوجودهما النفس الأمري لا تضادّ ولا تنافي فيما بينهما، فنحتمل وجودهما معاً، غاية الأمر أنَّ الواصل هو أحدهما، فلا يمكننا أن نستكشف من خطاب الاستصحاب مثلاً عدم صدور خطاب صدق العادل لإمكان وجودهما معاً بحسب نفس الأمر. هذا بناءً على مسلك المشهور.
وأمّا بناءً على المسلك المختار فإنَّه يحصل التنافي بين الخطابين الظاهريّين بوجودهما النفس الأمري، فيما لو فرض كونهما في رتبة واحدة، لا فيما إذا فرض كونهما في رتبتين على ما سيأتي قريباً.
فالخطابان الظاهريّان إذا كانا في رتبة واحدة فلا محالة يحصل التنافي بينهما، فلو فرضنا أنَّ المولى قال: (صدق العادل)، وقال: (كل من لا يعلم فهو مرفوع عنه)، وفرضنا أنَّ المولى أراد من كلّ من الخطابين معناه بإطلاقه بحيث يشمل مادّة الاجتماع.
وهذا المعنى على مسلك المشهور لا بأس به، ما لم يصل كلا الخطابين في مادّة الاجتماع. نعم، لو وصلا فإنَّهما يتزاحمان في مقام التنجيز والتعذير.
أمّا بناءً على ما سلكناه فهناك تنافٍ ما بين هذين الخطابين، سواء وصلا إلى المكلّف أو لم يصلا إليه؛ وذلك لأنَّ الحكم الظاهري بوجوب تصديق العادل مرجعه ومعناه -بحسب ما قلناه- إلى إبراز شدّة اهتمام المولى بالتكاليف الواقعيّة المشكوكة، بحيث لا يرضى بتفويتها ممّن يحتمل وجودها لا طبيعي الاحتمال، بل هذه الحصة من الاحتمال، وهي الامتثال المقارن مع خبر الواحد، فصدق العادل ليس له معنى وجوهر ومحصل إلَّا هذا.
فخطاب (ما لا يعلمون) على ماذا يدلّ؟ هو بحسب الحقيقة إبراز لعدم
ـــــــــــــــــــــــــ[270]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
شدّة اهتمام المولى بالتكاليف الواقعيّة المشكوكة، بحيث لا يرضى بتفويتها من الشاكّ، بل يرضى بتفويتها من الشاكّ، ومقتضى إطلاق (ما لا يعلمون) شموله حتّى لما لا يعلم حتّى مع خبر الواحد، فإنَّ مقتضى السريان هو سريانه لتمام الاحتمالات والشكوك.
فلا محالة في المقام يحصل التنافي بين هذين الخطابين بما هما خطابان صادران من المولى وكاشفان عمّا في نفسه، سواء وصلا إلينا أو لم يصلا إلينا، وسواء وقعا موضوعاً لحكم العقل بالمنجّزيّة والمعذّريّة أو لم يقعا، فهما ممّا يقع التنافي بينهما بما هما خطابان حاكيان عن أُمور مولويّة قائمة في نفس المتكلّم؛ لأنَّه في هذا المورد اهتمام المولى إمّا أن يكون شديداً أو لا يكون شديداً، فلا بُدَّ وأن يكون أحد الخطابين فارغاً من المضمون، يعني: خالياً من المبرز والمنكشف وغير ثابت المدلول في مقام. هذا إذا فرض أنّهما كانا في رتبة واحدة.
إذن، فلو وصل إلينا أحد الخطابين بالقطع واليقين، بحيث كان خطاب (رفع ما لا يعلمون) مسموعاً من الإمام مباشرة، وكان إطلاقه أيضاً قطعيّاً، فنقطع بعدم الخطاب الآخر، فإنّه بعد فرض كونهما متنافيّين ومتضادّين فحينئذٍ ثبوت أحدهما ينفي الآخر نفياً قطعيّاً، باعتبار أنّ ثبوت أحد المتنافيّين يكون دليلاً على عدم ثبوت الآخر (1).
ـــــــــــــــــــــــــ[271]ــــــــــــــــــــــ
() وهنا سألته (سلّمه الله): ينفيه شمول إطلاقه لهذا المورد (مورد الاجتماع)، لا ينفي أصل جعله؟
فأجاب: نعم، بلا إشكال. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
أمّا لو فرض أنَّ (ما لا يعلمون) لم يصل إلينا بالوجدان، وإنَّما وصل إلينا إطلاقه بأصالة الإطلاق، فإنّنا إنَّما نثبت إطلاقه لمورد خبر الثقة بأصالة الإطلاق، وأصالة الإطلاق بنفسها أمارة من الأمارت وليست بقطع ويقين، فمعنى هذا: أنّنا هنا نستعين بخطاب ظاهري ثالث في حلّ الإشكال، وهو دليل حجّيّة الإطلاق الذي مرجعه إلى خطاب من الخطابات الظاهريّة، وينطبق عليها نفس القانون الذي بيّناه في جميع الخطابات الظاهريّة، ولسان هذا الخطاب الظاهري الثالث الذي هو دليل حجّيّة الإطلاق، هو: أنَّ كلّ كلام له ظهور في الإطلاق فتمسّك به مالم تحرز خلافه.
فما هو معنى هذه الصيغة العامّة المبهمة في مورد الكلام؟
معنى هذه الصيغة: حيث إنَّ (ما لا يعلمون) له ظهور في الإطلاق، حتّى لخبر الثقة، وهذا الإطلاق إنَّما يكون حجّة مالم نعلم بالتقيّيد، يعني: مالم نعلم بخطاب صدق العادل.
وأمّا لو علمنا أنَّ المولى جعل خبر العادل حجّة في موارد الشكّ، فلا محالة نرفع اليد عن هذا الظهور الإطلاقي، ونعلم حينئذٍ أنَّه كاذب.
إذن، خطاب حجّيّة الإطلاق أُخذ في موضوعه شكّان، الشكّ في الواقع والشكّ في جعل الحجّيّة لخبر العادل، يعني: الشكّ في المقيّد، فيقول: إذا كنت شاكّاً في الواقع وشاكّاً بجعل المولى لحجّيّة خبر العادل فتمسّك بخطاب (رفع ما لا يعلمون)، وأمّا لو ارتفع أحد هذين الشكّين، كما لو لم يكن عندي شكّ في الواقع أصلاً، فحينئذٍ لا معنى للتمسّك بالإطلاق، وكان عندي شكّ في
ـــــــــــــــــــــــــ[272]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الواقع، ولكن لم يكن عندي شكّ في أنَّ المولى جعل حجّيّة خبر العادل.
إذن، فأنا عالم بكذب هذا الإطلاق في (رفع ما لا يعلمون)، وما يعلم بكذبه من الإطلاق غير حجّة، فخطاب حجّيّة الإطلاق الذي أُخذ في موضوعه الشكّ في الواقع والشكّ في جعل الحجّيّة لخبر العادل يصير في طول خطاب صدق العادل لا في عرضه، ولا يكون حاله حال خطاب ما لا يعلمون، فإنَّ نفس خطاب (رفع ما لا يعلمون) مدلوله في عرض مدلول خطاب حجّيّة العادل؛ لأنَّ هذا يقول: بأنَّ التكاليف الواقعيّة المشكوكة عندي مهمّة، وذاك يقول: إنَّها غير مهمّة، غاية الأمر يتغايران في الإطلاق والتقيّيد، وإلَّا فإنَّ مدلوليهما من حيث الرتبة في رتبة واحد.
وأمّا مدلول صدق العادل مع مدلول صدق إطلاق (رفع ما لا يعلمون)، فهذان المدلولان ليسا في رتبة واحدة، فإنَّ خطاب صدق إطلاق (رفع ما لا يعلمون) أُخذ في موضوعه شكّان، هما الشكّ في الواقع والشكّ في وجوب تصديق العادل. فبناءً على هذا لا يكون هناك تنافٍ حينئذٍ ما بين خطاب حجّيّة الإطلاق وخطاب صدق العادل.
فلو فرضنا أنَّ الحال بحسب الواقع هكذا: أنَّ المولى صدر منه حقيقة خطاب صدق العادل، وأنّه حقيقة لم يرد الإطلاق من خطاب (رفع ما لا يعلمون) وإن كان هذا هو ظاهر كلامه.
فهنا هل يمكن أن يجتمع خطاب (صدق العادل) مع إطلاق (رفع ما لا يعلمون)؟ لا؛ لأنَّهما في رتبة واحدة.
ـــــــــــــــــــــــــ[273]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وهل يمكن أن يجتمع خطاب (صدق العادل) مع خطاب جعل الحجّيّة للإطلاق؟ نعم، يمكن أن يجتمعا.
والسرّ في ذلك: هو أنَّ خطاب (صدق العادل) في المقام يقول: بأنَّ الشكّ في الواقع التوأم، مع قيام خبر الثقة على الإلزام لا يكون معذّراً في نظري، ولا يكون مسقطاً لاهتمامي بالواقع.
ومدلول خطاب حجّيّة الإطلاق يعني صدّق (رفع ما لا يعلمون)، فما هو مدلوله؟ مدلوله هو: أنَّ الشكّ في الواقع هو الشكّ في حجّيّة خبر العادل، فمجموع هذين الشكّين يوجب سقوط اهتمامي بالواقع.
ومن المعلوم أنَّه لا تنافي ما بين هذين المدلولين، فإنَّ غاية المدلول التصديقي العرفي لخطاب (صدق العادل) هو النظر إلى الشكّ الثابت قبله، ويقول: بأنَّ الشكّ في الواقع المقرون بخبر العادل لا يسقط اهتمامي بالواقع. وأمّا خطاب صدق الإطلاق، فيقول: إنّك إذا شكّكت في الواقع وشكّكت في أنَّ المولى جعل الحجّيّة لخبر العادل وأمر بتصديقه، فمجموع هذين الشكّين يسقط اهتمامي بالواقع.
ومن المعلوم لا تنافي بين أن يكون الشكّ الأوّل غير مسقط للاهتمام بالواقع حال اقترانه بخبر الواحد، وبين أن يكون مجموع الشكّين مسقطاً للاهتمام بالواقع، فلا تنافي حينئذٍ بين مدلول خطاب (صدق العادل) ومدلول خطاب صدق ما لا يعلمون.
وهذا معنى ما قلناه من أنَّ الخطابين الظاهريّين إذا كانا في عرض واحد
ـــــــــــــــــــــــــ[274]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وفي رتبة واحدة فيحصل التنافي فيما بينهما، وأمّا إذا كانا في رتبتين فلا يحصل التنافي فيما بينهما.
هذه هي المقدّمة التي استنتجناها من مباني البحث السابق، والتي على أساسها يجب أن يبنى هذا البحث (1).
إذن، فمحصل المقدّمة: أنَّ الخطابات الظاهرية -بناءً على المسلك المشهوري في باب التنجيز والتعذير- لا يقع بينهما تنافٍ بما هما حكمان مولويان ظاهران صادران من قبل المولى، وإنَّما يقع التنافي بينهما في مرحلة الوصول
ـــــــــــــــــــــــــ[275]ــــــــــــــــــــــ
() وهنا سألته (سلّمه الله): أنّ دليل حجّيّة الإطلاق يشمل دليل حجّيّة خبر العادل في مقابل خطاب (رفع ما لا يعلمون) فيتعارضان بالعكس؟
فقال: لماذا يشمله؟ فإنَّ المفروض أنّنا ليس لدينا دليل على حجّيّة خبر الواحد، ولم يصلنا إطلاق على حجّيّة خبر العادل لنتمسّك به، فلو كان قد وصلنا فنعم بلا إشكال، إلَّا أنَّه لم يصلنا بعد أن أشكلنا في تمام أدلّة حجّيّته -آية النفر وآية النبأ والإجماع والسيرة- ولم يبقَ لنا دليل على حجّيّة خبر العادل، لكنّنا نحتمل وجودها بحسب الواقع.
فهنا لو قطعنا بإطلاق رفع ما لا يعلمون فنقطع بعدم حجّيّة خبر الواحد، وحيث لم نقطع بذلك وإنّما انعقد به ظهور إطلاقي، فلا بُدَّ من الرجوع إلى خطاب ظاهري ثانوي في إثبات مفاد (رفع ما لا يعلمون). وهذا الخطاب الظاهري الثانوي حيث إنَّ موضوعه هو الشكّ في الواقع وفي خطاب (صدق العادل)، فيكون في رتبة متأخّرة عنه، فلا تنافي بين مدلوله ومدلول صدق العادل، بحيث في نفس الأمر يمكن أن يجتمع خطاب صدق العادل وخطاب حجّيّة الإطلاق، ولكن في نفس الأمر لا يمكن أن يجتمع مدلول خطاب (صدق العادل) ومدلول (رفع ما لا يعلمون). (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
والتأثير والموضوعيّة بحكم العقل بالتنجيز والتعذير.
أمّا بناءً على مسلكنا من أنَّ الخطابات والأحكام الظاهرية إنَّما تنجّز و تعذّر باعتبار منكشفها التصديقي، فلا محالة يحصل التنافي بين خطابين ظاهريين إذا كانا في مرتبة واحدة؛ إذ في هذه المرتبة الواحدة يكشف الخطاب الظاهري الإلزامي عن شدّة الاهتمام، و يكشف الخطاب الظاهري الترخيصي عن عدم شدة الاهتمام، بقطع النظر عن وصولهما إلى المكلّف أو عدمه، ولا يعقل في المرتبة الواحدة أن يفرض شدّة الاهتمام وعدم شدّته، فلا محالة يحصل التنافي بين الحكمين الظاهريين المولويين في المرتبة السابقة على وصولهما إلى المكلّف.
ونتيجة ذلك: أنَّه لو ثبت صدور أحد الخطابين من المولى فيكون هذا الخطاب بنفسه دالّاً على عدم صدور الخطاب الآخر في مرتبته، لأجل التنافي بينهما، بخلافه في باب المسلك المشهوري في باب التنجيز والتعذير، فإنَّه بناءً عليه لا يكون صدور أحد الخطابين دليلاً على عدم صدور الآخر؛ اذ لا مانع من اجتماعهما في لوح نفس الأمر، مع فرض عدم وصول أحدهما، فإنَّ كلّ المانع عند المشهور هو في اجتماعهما وصولاً، لا اجتماعهما صدوراً من المولى على سبيل الجعل والتشريع. هذا حاصل المقدّمة التي أردنا توضيحها.
لنذكر لُباب ما هو المختار، ثُمَّ نتعرض إلى تفصيلات ما أفاده الأكابر (قدس أسراهم) في هذه المسألة.
هذا الذي يشكّ في حجّيّته -ونتكلّم في تأسيس الأصل أو القاعدة عند
ـــــــــــــــــــــــــ[276]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الشكّ في الحجّيّة- تارةً يفرض أنَّه مثبت للتكليف، وأُخرى يفرض أنَّه نافٍ للتكليف، فالكلام يقع في مقامين:
المقام الأوّل: فيما يثبت التكليف من الأمارات والأمور التي تكون مشكوكة الحجّيّة.
هنا تارةً: يقع الكلام فيما هو الجاري من القواعد والأصول بلحاظ الواقع المشكوك الذي قامت الأمارة المشكوكة الحجّيّة على كونه وجوباً أو حرمة.
وأُخرى: يقع الكلام في الأُصول والقواعد التي تجري لتنقيح نفس الحجّيّة المشكوكة إثباتاً أو نفياً، فمثلاً لو فرضنا أنَّ خبر الواحد دلّ على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، ونحن شاكّون في أصل وجوبه، وشاكّون في حجّيّة خبر الواحد أيضاً؛ إذ لم يقم دليل خاصّ على حجّيتّه. فتارةً نتكلّم فيما هو مقتضى الأُصول وما هي القواعد الجاريّة بالنسبة إلى الواقع المشكوك الذي هو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، في حال قيام أمارة مشكوكة الحجّيّة، وأُخرى نتكلّم فيما هو مقتضى الأُصول والقواعد بالإضافة إلى نفس الحجّيّة المشكوكة لخبر الواحد.
إن هذا الواقع المشكوك -الذي هو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال- لو فرض أنَّه مشكوك بلا أن تقوم أمارة مشكوكة الحجّيّة على اثباته، ماذا كانت تجرى من القواعد بالنسبة إليه؟ نرى أنه بعد قيام هذه الأمارة المشكوكة الحجّيّة في المقام، هل يختلف حال تلك الأُصول والقواعد أو لا يختلف حالها فتجري نفس الأُصول والقواعد بعد قيام الأمارة المشكوكة الحجّيّة كما كانت تجري
ـــــــــــــــــــــــــ[277]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
قبلها، فإن لم يختلف الحال، فمعنى هذا: أنَّ الأمارة المشكوكة الحجّيّة لا أثر لها في المقام في تشخيص الوظيفة فعلاً، وإن اختلفت الحال فلا بُدَّ من تحديد مقدار اختلافه.
وهذه القاعدة التي تكون مرجعاً قبل قيام الخبر المشكوك الحجّيّة، هل تكون مرجعاً أيضاً بعد قيام هذا الخبر أو لا؟
بناءً على مسلك المشهور تكون هذه القاعدة مرجعاً حتّى بعد قيام الخبر المشكوك الحجّيّة؛ لأنَّ البيان في المقام غير تامٍّ بالنسبة إلى المكلّف، ومجرّد احتمال الحجّيّة لا يكون بياناً؛ وإلَّا لكفى احتمال نفس الواقع في كونه بياناً، ففي الموضوع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان محقّق؛ لأنَّه لا يوجد علم لا في الطريق ولا في ذي الطريق، بل هو من باب ضمّ شكّ إلى شكّ، فإنَّ أصل الواقع مشكوك وطريقه مشكوك، وضمّ شكّ إلى شكّ لا ينتج بياناً، فموضوع القاعدة تامّ. فالعقل يحكم الآن بقبح العقاب بعد قيام الأمارة المشكوكة الحجّيّة، كما كان يحكم لو لا قيام هذه الأمارة على حدٍ واحد، هذا بناءً على المسلك المشهور.
وأمّا على ما سلكناه فلا يحكم العقل في المقام بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل يحكم بتنجّز التكليف الواقعي؛ وذلك لأنَّ الشكّ شكان: شكّ بسيط وشكّ مركّب. فإنَّه تارةً يشكّ في وجوب الواجب الواقعي، وأنَّ الدعاء عند رؤية الهلال واجب أو لا؟ وأُخرى يشكّ في المركّب بحيث يحتمل وجوب الدعاء
ـــــــــــــــــــــــــ[278]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ويحتمل كونه بالغاً درجة من الأهمّيّة، بحيث إنَّ المولى لا يرضى بتفويته حتّى من الشاكّ، فإذا كان كلّ من الأمرين -الواقع والأهمّيّة على تقدير الوجود- محتملاً فيحكم العقل بتنجّز التكليف الواقعي، فبمّجرّد ضمّ هذا الاحتمال إلى ذلك الاحتمال يحكم العقل بتنجّز التكليف الواقعي ويمنع من التمسّك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
فبناءً على هذا كلا الاحتمالين في المقام يكون موجوداً، فإن احتمال الحجّيّة يكون عادةً منشأ لاحتمال الأهمّيّة بنحو بحيث لا يرضى المولى بتفويته، ومع احتمال ذلك يكون منشأ لحكم العقل بالمنجّزيّة.
وإن شئت قلت: إنَّ حكم العقل بالمنجّزيّة يكفي فيه مجرّد الاحتمال، مع عدم القطع بالترخيص، واحتمال الحجّيّة في المقام بنفسه، بعد فرض عدم القطع بالترخيص من قبل الشارع يكفي في مقام حكم العقل بالمنجّزيّة، هذا بالنسبة إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
وأمّا بالنسبة إلى المرتبة الثانية من القواعد، فهي الأُصول الشرعيّة الترخيصيّة غير الاستصحاب، وهو أصالة البراءة، فدليل أصالة البراءة في المقام كـ(رفع ما لا يعلمون) مطلق وشامل لوجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فهذا الوجوب مشمول لدليل الرفع شرعاً وفي كونه مشمولاً له فلا يفرق بين قيام الأمارة المشكوكة الحجّيّة وبين عدم قيامها؛ إذ سوف يأتي في محلّه: أنَّ قيام دليل على حجّيّة أمارة هو في الحقيقة تخصيص في دليل أصالة البراءة، أمّا
ـــــــــــــــــــــــــ[279]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
تخصيص صريح مكشوف، وأمّا تخصيص بلسان الحكومة، فإنَّ الحكومة على ما يأتي -إن شاء الله- روحها ومرجعها إلى التخصيص، فقيام دليل على حجّيّة الأمارة تخصيص في حديث الرفع، فإذا شكّ في حجّيّة الأمارة فمعناه: أنَّه شكّ في تخصيص حديث الرفع، ومن المعلوم أنَّه في موارد الشكّ في التخصيص الزائد يتمسّك بإطلاق دليل أصالة البراءة، ومقتضى التمسّك بإطلاق دليل البراءة أنَّ البراءة جاريّة حتّى في مورد قيام الأمارة المشكوكة في الحجّيّة، فتكون البراءة الشرعيّة جاريّة بالنسبة إلى الواقع ومؤمّنة من ناحيته.
نعم، هناك فرق بين البراءة العقليّة والبراءة الشرعيّة، فإنَّ البراءة العقليّة تكون جارية على مسلك المشهور ومؤمّنة من ناحية الواقع، ولا معنى لجريانها بالنسبة إلى نفس الحجّيّة المشكوكة؛ لأنَّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان تجري بالإضافة الى ما يترقب عليه العقاب، وما يترقب عليه العقاب إنَّما هو الواقع لا الحجّيّة المشكوكة بما هي حكم ظاهري، فلا معنى لإجراء القاعدة العقليّة للبراءة بالنسبة إلى الحجّيّة المشكوكة. وهذا واضح في البراءة العقليّة.
وامّا هذه البراءة الشرعيّة فمن ناحية الواقع فالمتعيّن اجرائها، فانَّ الشكّ في الحجّيّة شكّ في التخصيص الزائد، ومعه يتمسّك بإطلاق دليل الأصل، ومقتضى إطلاق دليل الأصل في المقام جريان أصالة البراءة.
اما الحجّيّة المشكوكة فهل تجري البراءة بالنسبة إليها؟
التحقيق في المقام -على أساس المقدّمة التي بيّناها سابقاً- أنَّه لا معنى لجريان البراءة بالنسبة إلى الحجّيّة المشكوكة، بل إنَّ دليل الأصل وهو دليل
ـــــــــــــــــــــــــ[280]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
(رفع ما لا يعلمون) يكون دليلاً اجتهادياً في نفي الحجّيّة المشكوكة، فالحجّيّة هنا تنفى بالدليل الاجتهادي لا بأصالة البراءة، وكم فرق بين نفي الحجّيّة بالدليل الاجتهادي ونفيها بأصالة البراءة! وذلك: أنّنا بيّنا في المقدّمة: أنَّ الخطابين الظاهريين الواقعيين في مرتبة واحدة بينهما تصادم وتناف بقطع النظر عن وصولهما إلى المكلّف.
إذن، فخطاب حجّيّة العادل وخطاب (رفع ما لا يعلمون) واقعان في مرتبة واحدة، وإن اختلفا من حيث الإطلاق والتقييد؛ لأنَّ حديث الرفع يشمل تمام موارد الاحتمال وخطاب صدق العادل يشمل بعض موارد الاحتمال، وهو الاحتمال الخبري المقرون بالخبر، فهما خطابان في مرتبة واحدة، فالدليل الدالّ على أحد الحكمين الظاهريين بالمطابقة يدلّ على نفي الآخر بالالتزام، فنفس حديث الرفع الذي هو دليل اجتهادي يدلّ بالمطابقة على جعل أصالة البراءة في مورد قيام خبر الواحد، فهي تدلّ بالالتزام على عدم جعل الحجّيّة لخبر الواحد؛ لأنَّ هذين الحكمين متنافيان بما هما صادران من المولى لا بما هما واصلان فقط. وهذا دليل اجتهادي، فإنَّ حديث الرفع رواية من الروايات، والإطلاق ظهور من الظهورات، فهو دليل اجتهادي ينفي الحجّيّة.
وهذا هو الفرق بين مسلكنا ومسلك المشهور، فإنَّه بناءً على مسلك المشهور لا تنافي في الواقع ونفس الأمر بين حكم صدق العادل وبين حكم أصالة البراءة، وإنَّما التنافي بينهما في مرحلة الوصول بما أنّهما لو وصلا معاً يحصل التنافي بينهما، لا قبل وصولهما معاً. إذن، على مسلك المشهور حديث الرفع الدالّ على جعل أصالة
ـــــــــــــــــــــــــ[281]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
البراءة لا يدلّ بالالتزام على نفي جعل الحجّيّة لخبر الواحد، إذ لا تنافي بين هذين الجعلين الظاهريين في نفس الأمر ولوح الواقع.
وأمّا بناءً على ما حقّقناه من التنافي بين الخطابات والأحكام الظاهريّة بما هي صادرة من المولى بقطع النظر عن وصولها إلى العبد وعدم وصولها، فالدليل الدالّ على أحد الخطابين يدلّ على نفي الآخر في تلك الرتبة، فنفس حديث الرفع بإطلاقه يدل مطابقة على جعل أصالة البراءة عن الواقع المشكوك هنا، ويدلّ بالالتزام على عدم جعل الحجّيّة لخبر الواحد.
فهذا يكون دليلاً اجتهادياً على عدم جعل الحجّيّة لخبر الواحد، لا أنَّ أصالة البراءة نجريها بما هي أصل عملي عن الحجّيّة، فإنَّ الظهور الإطلاقي لحديث الرفع بما هو رواية صحيحة معتبرة دليل بالمطابقة على جعل أصالة بالبراءة، ودليل بالالتزام على عدم جعل أيّ منجزٍ في مورد الشكّ، فكما دلّ دليل من الخارج على جعل هذه الأمارة حجّة أو هذه الأمارة حجّة، يكون هذا مخصّصاً له ومقيّداً لا محالة(1) فحجّيّة خبر الواحد منفيّة بالدليل الاجتهادي لا بأصالة البراءة.
قد يقال في المقام بظهور إشكال، وحاصله: أنَّ المفروض في المقام أنّنا نشكّ في حجّيّة خبر الواحد، وهذا الشكّ موجود، ونحن نريد أن نؤسس قاعدة للشكّ في الحجّيّة، ونحن نريد أن ننفي الحجّيّة بالدليل الاجتهادي، وهو إطلاق خطاب
ـــــــــــــــــــــــــ[282]ــــــــــــــــــــــ
() فحديث الرفع يكون دالّاً بالالتزام على عدم جعل الحجّيّة لخبر الواحد. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
(رفع ما لا يعلمون) وهذا الإطلاق إنَّما يكتسب حجّيتّه من إطلاق دليل حجّيّة الظهور، فبالتالي لا بُدَّ أن ينتهي إلى إطلاق دليل حجّيّة الظهور.
ونحن بيّنا أنَّ كلّ خطاب تأميّني إنَّما يكون مؤمنّاً باعتبار ايجاده للقطع بعدم اهتمام المولى، فهنا إطلاق خطاب حديث الرفع ولو بضمّ دليل حجّيّة الإطلاق، هل يوجب القطع بعدم اهتمام المولى، أو لا يوجب القطع بذلك؟ فإن لم يوجد القطع فلم يمارس عمله المفروض على المبنى، وإن أوجد القطع بذلك فقد زال الشكّ في الحجّيّة؛ لأنَّ احتمال الحجّيّة معناه احتمال شدّة اهتمام المولى، فكيف يمكن التوفيق بين احتمال الحجّيّة وبين التمسّك بالدليل الاجتهادي في مقابله.
وهذا جوابه قد اتّضح من المقدّمة التي ذكرناها؛ لأنَّ هذا القطع بعدم اهتمام المولى موجود بالفعل ولا ينافي مع احتمال الحجّيّة المساوق مع احتمال شدّة اهتمام المولى؛ لأنّهما في رتبتين لا في رتبة واحدة.
وقد قلنا فيما سبق: بأنَّ الخطابين الظاهريين إنَّما يتنافيان إذا كانا في رتبة واحدة، لا ما إذا كانا في رتبتين، فهنا المكلّف يحتمل شدّة اهتمام المولى بالواقع بحيث إنَّ المولى لا يرى الشكّ في الواقع مع قيام الخبر عليه معذراً ومسقطاً، لكن هنا نتمسّك بإطلاق حديث الرفع بلحاظ دليل حجّيّة الإطلاق، ونثبت أنَّ الشكّ في الواقع مع الشك الحجّيّة مجموع هذين الشكين، فيكون مسقطاً. فالقطع بعدم الاهتمام يكون في مرتبة الشكّ الثاني، واحتمال شدّة الاهتمام في مرتبة الشكّ الأوّل، ولا تنافي ما بين ذلك الاحتمال وبين هذا القطع.
ـــــــــــــــــــــــــ[283]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فإنّنا هنا لا نريد بالتمسّك بحديث الرفع، أن نقطع وجداناً بأنَّ المولى لا يهتم بالواقع المشكوك في مرتبة الشكّ فيه، فإنَّ هذا يتنافى مع احتمال الحجّيّة، فإنَّ معنى احتمال حجّيّة خبر الواحد أنَّ المولى يهتم بالواقع المشكوك، ولا يرى الشكّ فيه مع قيام الخبر معذراً، بل نريد أن نقطع بعدم اهتمام المولى في مرتبة الشكّ فيه، والشكّ في طريقه في مرتبة الشكّ فيه والشكّ في قيام دليل على حجية خبر الواحد. والقطع بعدم شدّة الاهتمام في هذه المرتبة لا ينافي احتمال الحجّيّة الذي معناه احتمال شدّة الاهتمام في المرتبة المتقدّمة.
فتحصل: أنَّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان بناءٍ على مسلك المشهور تجري قبل قيام الأمارة المشكوكة الحجّيّة كما كانت تجري قبل ذلك بلحاظ الواقع. وأمّا بلحاظ نفس الحجّيّة فلا معنى لإجراء القاعدة العقليّة؛ اذ لا يترتّب العقاب على الحجّيّة حتّى تجري القاعدة بلحاظها.
وأمّا البراءة الشرعيّة فهي بلحاظ الواقع المشكوك تجري كما كانت تجري قبل قيام الحجّيّة المشكوكة، فإنَّ الشكّ في الحجّيّة -بناءً على مبنانا- مرجعه إلى الشكّ في تخصيص إطلاق حديث الرفع؛ لأنّا بنيّنا على أنَّ حجّيّة خبر العادل بما هي حكم ظاهري يتنافى مع أصالة البراءة، ففرض حجّيّة خبر الواحد هو فرض تخصيص إطلاق حديث الرفع، فالشكّ في هذا شكّ في التخصيص، فنتمسّك لا محالة بإطلاق حديث الرفع لإثبات جريان البراءة شرعاً على الواقع المشكوك.
أمّا جريان البراءة عن الحجّيّة المشكوكة فلا موضوع لهذا الكلام، فإنَّه بناءً
ـــــــــــــــــــــــــ[284]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
على مبنانا ننفي الحجّيّة بالدليل الاجتهادي لا بأصالة البراءة التي هي أصل عملي، حيث إنّنا بنيّنا أنَّ أصالة البراءة وحجّيّة خبر الواحد بما هما حكمان ظاهريان خطابان متنافيان في الواقع، بقطع النظر عن وصولهما، فالدليل الدالّ على أحدهما بالمطابقة ينفي الآخر بالالتزام لا محالة.
فظهور حديث الرفع الدالّ بالمطابقة على جعل أصالة البراءة في محلّ الكلام يدلّ على نفي جعل الحجّيّة لخبر الواحد. وهذا دليل اجتهادي، ومع قيام الدليل الاجتهادي، لا يأتي البحث في أنَّه هل يجري الأصل العملي أو لا يجري؟
نعم، على مسلك المشهور في أنَّ الأحكام والخطابات الظاهريّة بما هي صادرة من المولى لا تنافي فيما بينها، وإنَّما التنافي بينهما في مرحلة الوصول، فبناءً على مسلك المشهور في باب التعذير والتنجيز لا يكون حينئذٍ الدليل على اثبات أصالة البراءة بالمطابقة دليلاً على نفي جعل الحجّيّة لخبر الواحد بالالتزام؛ إذ لا تنافي في ثبوتهما في الواقع. هذا في أصالة البراءة.
ويأتي نفس الكلام حرفاً بحرف في الاستصحاب أيضاً، فإنَّ حاله حالها فأيضاً الاستصحاب بلحاظ الواقع يجري في المقام بلا إشكال تمسّكا بإطلاق دليل الاستصحاب؛ لأنَّ الشكّ في حجّيّة خبر الواحد شكّ في التخصيص الزائد، فينفى بإطلاق دليل الاستصحاب.
وأمّا بالنسبة إلى أصل الحجّيّة، فهل يجرى استصحاب عدمها أو لا؟ لا معنى لذلك؛ لأنَّ إطلاق دليل الاستصحاب الدالّ على جريان الاستصحاب
ـــــــــــــــــــــــــ[285]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بالمطابقة يدلّ على عدم جعل الحجّيّة لخبر الواحد بالالتزام.
وبهذا يظهر أنَّه لا يبقى موضوع للنزاع الذي دار بين الشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني والمحقّق النائيني ومن تبعهم من المحقّقين، والمحقّق العراقي في أنَّ استصحاب عدم الحجّيّة هل يجري أو لا يجري، وهل له أثر أو ليس له أثر على ما يأتي من إشكالاته إثباتاً ونفياً. لا موضوع لهذا الكلام أصلاً؛ لأنّنا ننفي الحجّيّة بإطلاق دليل حجية الاستصحاب، ولا تصل النوبة إلى إجراء الاستصحاب.
جئنا إلى المرحلة الرابعة وهي مرحلة الإطلاق والعموم، فلو فرض مثلاً أنَّ الدعاء عند رؤية الهلال في المقام كان بقطع النظر عن هذه الرواية الدالّة على الوجوب، فكان مشمولاً لإطلاق أو عموم اجتهادي -لا أصل عملي دالّ على عدم الوجوب- كما لو كان عندنا عموم يقول: كلّ دعاء ليس بواجب، أو إطلاق يقول: الدعاء ليس بواجب، ثُمَّ قامت هذه الرواية المشكوكة الحجّيّة على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فإذا كنّا نعلم بحجّيّتها لالتزمنا بكونها مقيّدة لذلك العموم أو مخصّصة لذلك الإطلاق، ولكنّنا لا نعلم بحجّيّتها، فهل نتمسّك بالإطلاق والعموم أو لا نتمسّك؟
أمّا بلحاظ الواقع فلا إشكال في التمسّك بالإطلاق والعموم؛ لأنَّهما حجّة مالم تقم حجّة أقوى منها، ولم يعلم بمجيء حجّة أقوى منها، فالسيرة العقلائيّة الجارية على التمسّك بالإطلاق والعموم ثابتة في المقام ولم يعلم الردع عن مثل هذه السيرة في المقام، فمقتضى القاعدة في المقام هو التمسّك بالإطلاق.
ـــــــــــــــــــــــــ[286]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
نعم، هذا الإطلاق والعموم لا يكون نافياً للحجّيّة المشكوكة، لا بعنوان الأصل، ولا بعنوان الدليل الاجتهادي.
أمّا أنَّه لا يكون نافياً بعنوان الأصل فهو واضح؛ لأنَّ هذه أدلّة اجتهاديّة.
وأمّا أنَّه لا يكون نافياً حتّى بعنوان الدليل الاجتهادي؛ فلأنَّ مدلول هذا الدليل لا ينافي حجّيّة خبر العادل، فإنَّه فرق بين دليل أصالة البراءة وبين دليل كلّ دعاء مستحب، فإنَّ مدلول دليل كلّ دعاء مستحب لا ينافي جعل الحجّيّة لخبر الواحد، فإنَّه قد يكون بحسب الواقع كلّ دعاء مستحب ومع هذا تجعل الحجّيّة لخبر الواحد، ويقوم خبر الواحد في بعض الموارد على خلاف الواقع، فإنَّ جعل الحجّيّة لخبر الواحد ليس معناه أنَّ خبر الواحد لا يخطئ، فدليل كلّ دعاء مستحب يدلّ بالالتزام على أنَّ هذا الخبر هنا قد خالف الواقع واخطاءه، و لا يدلّ بالالتزام على عدم حجّيّته، وإنَّما يدلّ بالالتزام على خطئه، وخطاؤه لا يلازم عدم حجّيّته.
وهذا هو الفرق بين الدليل الاجتهادي وبين إطلاق دليل أصالة البراءة. فإن إطلاق دليل أصالة البراءة يدلّ على ثبوت ضد حجّيّة خبر الواحد، فهو لا محالة ينفي حجّيّة خبر الواحد.
وأمّا إطلاق دليل كلّ دعاء مستحب، فهو لا يدلّ عل ثبوت ضد حجّيّة خبر الواحد، وإنَّما يدلّ على ثبوت ضد مدلول خبر الواحد، لا ضد حجّيتّه، فلا يكون نافياً له لا بنحو الأصل ولا بنحو الظهور.
هذا هو ما ينبغي أن يقال في مقام تحقيق ما هو مقتضى القواعد الجارية،
ـــــــــــــــــــــــــ[287]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بعد قيام الأمارة المشكوكة الحجّيّة، وما هو مقتضى اقتضاء هذه القواعد بلحاظ الواقع المشكوك وبلحاظ الحجّيّة المشكوكة.
وبعبارة أُخرى(1): أنَّ تأسيس الأصل في موارد الشكّ في الحجّيّة يكون بملاحظة القواعد والوظائف المقرّرة في تشخيص الواقع المجهول، بقطع النظر عن هذه الحجّيّة المشكوكة، ثُمَّ ملاحظة أنَّ هذه القواعد هل تبقى على قاعديّتها وجريانها بعد فرض قيام هذه الحجّة المشكوكة، أو أنَّ قيام الحجّة المشكوكة واحتمال حجّيّة الأمارة يكون مؤثّراً في جريانها بنحو من أنحاء التأثير؟ فلو فُرض أنَّ جريان تلك القواعد في نفسها وبعد قيام تلك الحجّة المشكوكة على نحو واحد، فحينئذٍ لا يبقى أثر لاحتمال الحجّيّة، ويصحّ القول: بأنَّ الأصل هو عدم الحجّيّة، بمعنى: أنَّ احتمال الحجّيّة كلا احتمال.
وإذا فُرض أنّ احتمال الحجّيّة أثّر في تلك الوظائف والقواعد، بحيث ما كان يجري لولا الحجّة فيكون هذا نحو تأثير لمجرّد احتمال الحجّيّة، فلا بُدَّ من تنقيحه وتحديده، وحينئذٍ إذا شكّكنا بحجّيّة أمارة مثبتة للتكليف، فما هي القواعد التي كانت تجري بلحاظ الواقع المشكوك لولا قيامها؟
أوّلاً: قاعدة قبح العقاب بلا بيان بناء على المسلك المشهوري.
ثانياً: أصالة البراءة شرعاً عن وجوب الدعاء عند رؤية الهلال.
ثالثاً: استصحاب عدم وجوب الدعاء مثلاً.
ـــــــــــــــــــــــــ[288]ــــــــــــــــــــــ
() لخصّ سيّدنا الأُستاذ -بعد العطلة- ما كان قاله من تأسيس الأصل في المحاضرة الأخيرة بعرض يختلف قليلاً عمّا سبق؛ لذا نذكره. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
رابعاً: العموم المفروض، فمثلاً: عموم أنّ كلّ دعاء مستحب.
ففي المقام نفرض أنَّ هذه المراجع الأربعة عندنا لولا قيام الحجّة المشكوكة، ثُمَّ يلحظ تأثير هذه الحجّة المشكوكة في كلّ واحد منها.
أمّا قاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو بتعبير آخر: الوظيفة العقليّة، فلا يختلف حالها قبل قيام الحجّة المشكوكة وبعده.
أمّا على المسلك المشهوري القائل بقبح العقاب بلا بيان، فمن الواضح أنَّ هذه القاعدة تامّة بعد احتمال الحجّيّة، كما كانت تامّة قبله؛ لأنَّ الحكم الظاهري لا يزيد على الحكم الواقعي، فكما أنَّ الحكم الواقعي يقبح العقاب عليه بلا بيان، كذلك يقبح العقاب عليه بلا بيان لمنجّزه أيضاً، أي: الحكم الظاهري الموصل له. فإن ضمّ غير المبيّن إلى غير المبيّن فلا يوجب ارتفاع موضوع القاعدة في المقام، فالـ(لا بيان) بالنسبة إلى الواقع تامٌّ وجارٍ.
وأمّا على مسلكنا حيث قلنا: بأنَّ احتمال التكليف منجّز مالم يقطع بالترخيص من قبل الشارع، فبناءً على هذا أيضاً لا يختلف الحال، فإنَّ احتمال التكليف موجود، والقطع بالترخيص غير موجود قبل قيام احتمال الحجّيّة وبعده، فمقتضى أصالة الاشتغال حينئذٍ هو تنجّز التكليف في الواقع المشكوك. فعلى كلّ من التقديرين الوظيفة العقليّة هي الوظيفة، وهذا معنى عدم تأثير احتمال الحجّيّة في الوظيفة العقليّة.
وهذه القاعدة التي نجريها بلحاظ الواقع المشكوك لا يكون لها تعرّض إلى الحجّيّة المشكوكة إثباتاً ونفياً، كما لا يمكن إجراء هذه القاعدة مرّة أُخرى
ـــــــــــــــــــــــــ[289]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
بالنسبة إلى الحجّيّة المشكوكة نفسها، بالإضافة إلى جريانها بلحاظ الواقع المشكوك؛ لأنَّ قاعدة قبح العقاب إنَّما تجري بلحاظ ما يترتّب عليه العقاب، وما يترتّب عليه العقاب إنَّما هو الواقع لا الحجّيّة، فإنَّ الحجّيّة حكم طريقي، والأحكام الطريقيّة لا يترتّب تخلّلها العقاب بما هي أحكام طريقيّة، فلا تجري القاعدة إلَّا بالنسبة إلى الواقع المشكوك. هذا بالنسبة إلى الوظيفة العقليّة.
وأمّا البراءة الشرعيّة التي هي الوظيفة العمليّة الشرعيّة فقد قلنا: إنَّ الشكّ في أصل الحجّيّة للأمارة الدالّة على الوجوب يكون شكّاً في تخصيص دليل أصالة البراءة في المقام، لما بيّناه من أنَّ الأحكام الظاهريّة الواقعة في رتبة واحدة متنافية في مقام الجعل والصدور من المولى، فاحتمال حجّيّة الأمارة مساوق لاحتمال التخصيص في دليل أصالة البراءة، فمقتضى الإطلاق في دليل البراءة هو جريانها وعدم كونها مخصّصة. إذن، فالبراءة الشرعيّة تجري تجاه الواقع المشكوك.
يبقى أنَّه هل تجري البراءة الشرعيّة تجاه الحجّيّة المشكوكة أو لا تجري؟ وقلنا: لا حاجة إلى جريانها ولا تصل النوبة إلى التكلّم في ذلك، فإنَّ نفس الدليل الاجتهادي الدالّ بالمطابقة على جريان أصالة البراءة يدلّ على عدم جعل الحجّيّة لهذه الأمارة -بناءً على ما بيّناه من أنَّ الأحكام الظاهريّة متنافيّة في مقام صدورها من المولى لا في مقام وصولها- فالحجّيّة هنا منفيّة بالدليل الاجتهادي لا بالأصل.
وكذلك الكلام حرفاً بحرف يأتي في الاستصحاب أيضاً، فهو يجري بلحاظ الواقع، وذلك تمسّكاً بإطلاق دليله؛ لأنَّ الشكّ يكون شكّاً في
ـــــــــــــــــــــــــ[290]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
التخصيص الزائد، ودليل الاستصحاب بما هو دليل اجتهادي يدلّ بالمطابقة على جريان الاستصحاب، ويدلّ بالالتزام على عدم جريان الحكم الظاهري الآخر الذي هو حجّيّة هذه الأمارة -بناءً على ما نقحناه من تنافي الأحكام الظاهريّة من حيث صدورها من المولى، لا من حيث وصولها إلى المكلّف- فيكون دليل الاستصحاب دليلاً اجتهاديّاً على نفي الحجّيّة في مورده فقط، أو في سائر الموارد بعد عدم احتمال الفرق بين خصوص هذا المورد وغيره من الموارد. هذا في الاستصحاب.
وأمّا العموم، كما لو فرض عندنا عموم يقول: إنَّ كلّ دعاء مستحب، فمثل هذا العموم يكون مرجعاً لا محالة، لا أنَّه يكون حجّة ما لم تقم حجّة على الخلاف، أي: على التقيّيد أو التخصيص، والمفروض عدم إحراز حجّيّة الأمارة، فمع الشكّ في التخصيص في المقام نتمسّك بالعموم، فإنَّ مرجع الشكّ في الحجّيّة هو الشكّ في التخصيص، والعموم هو المرجع في موارد الشكّ في التخصيص، فيثبت بالرجوع إلى العموم استحباب الدعاء عند رؤية الهلال.
نعم، هذا العامّ لا يتعرّض إلى حال الحجّيّة إثباتاً أو نفيّاً؛ لأنَّه يدلّ بالمطابقة على ثبوت الاستحباب واقعاً، وثبوت الاستحباب واقعاً لا ينافي جعل الحجّيّة لهذا الخبر؛ لأنَّ فرض الاستحباب واقعاً هو فرض خطأ هذه الأمارة، لا فرض عدم حجّيّتها، لعدم التلازم بين الخطأ وعدم الحجّيّة، كما بيّناه سابقاً مفصّلاً. هذا في مورد الأمارة المثبتة للتكليف.
ونفس هذا الكلام بملاكه يجري في موارد سائر الأمارات المشكوكة الحجّيّة بهذا العنوان الكلي، أي: بعنوان أنَّ الوظائف العقليّة المقرّرة تجاه الواقع
ـــــــــــــــــــــــــ[291]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
لا تختلف بقطع النظر عن الحجّيّة المشكوكة أو بلحاظها.
وأمّا الوظائف الشرعيّة المقرّرة، أي: الأحكام الظاهريّة المقرّرة فإن كانت في رتبة الحجّيّة المشكوكة كأصالة البراءة والاستصحاب فتجري حينئذٍ ويكون دليلها بالمطابقة دالّاً بالالتزام على نفي الحجّيّة المشكوكة لا محالة، وأمّا لو فرض أنَّ المرجع كان دليلاً اجتهاديّاً فيتمسّك به أيضاً، غاية الأمر لا يدلّ حينئذٍ على نفي الحجّيّة المشكوكة. هذا خلاصة ما بيّناه في مقام تحقيق ما هو الأصل في المقام.
وبهذا يظهر أنّه من الصحيح أن نقول: إنَّ الأصل في المقام هو عدم الحجّيّة؛ لأنَّ احتمال الحجّيّة هنا لم يؤثّر شيئاً في القواعد والمقرّرات التي كانت تجري بلحاظ الواقع لولا احتمال الحجّيّة، فوجوده كعدمه من هذه الناحية.
وهذا هو الذي ينبغي أن يكون المراد من قولهم (قدّس الله أسرارهم): إنَّ الشكّ بالحجّيّة مساوق للقطع بعدم الحجّيّة، فإنَّه ليس المراد من ذلك أنَّ القطع بالحجّيّة أُخذ في موضوع الحجّيّة، بل مرادهم أنَّ الشكّ في الحجّيّة بحسب الآثار العمليّة حاله حال ما لو لم يوجد مثل هذا الشكّ، فكيف كنّا نصنع لو لم يوجد عندنا شكّ في الحجّيّة بالنسبة إلى القواعد والأُصول الجارية بالنسبة إلى الواقع المشكوك، والآن مع الشكّ في الحجّيّة نرجع إلى تلك الأُصول والقواعد.
وبتعبير آخر: أنَّ الشكّ في صدور الحجّيّة وجعلها من قبل المولى يوجب القطع بعدم ترتّب الوظائف العقليّة عليها؛ لأنَّ الوظائف قبل الشكّ في الحجّيّة هي الوظائف بعده، فيقصد من الحجّيّة المقطوع بعدمها الوظائف العمليّة العقليّة. ويقصد من الحجّيّة المشكوكة صدور الخطاب الظاهري من قبل المولى.
ـــــــــــــــــــــــــ[292]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وعلى أيّ حالٍ هذا الكلام هو ما بيّناه من أنَّ احتمال الحجّيّة لا يؤثّر في القواعد والمقرّرات التي كانت تجري بلحاظ الواقع المشكوك قبل احتمال الحجّيّة. وهذا تامّ في المقام بعد إعطائه هذه الروح.
ويضاف إليه ما أشرنا له من أنَّ أدلّة الأحكام الظاهريّة التي تكون في رتبة الحجّيّة المشكوكة تدلّ بالالتزام على نفي الحجّيّة المشكوكة، فيكون عندنا دليل اجتهادي على نفي الحجّيّة المشكوكة الصادرة من المولى، لا فقط على عدم ترتّب الوظائف العقليّة العمليّة بحسب الخارج. هذا ما ينبغي أن يقال في تأسيس الأصل في المقام.
وقد قرّب الأصل في المقام بتقريبات أُخرى أيضاً أهمّها تقريبان، ونحن نقتصر على هذين التقريبين.
التقريب الأوّل: ما هو ظاهر أو ما هو المتفاهم من عبارة الشيخ الأعظم(2)، وحاصله: أنَّ الأصل هو عدم الحجّيّة.
واستدلّ على ذلك بالأدلّة الدالّة على حرمة الإسناد إلى المولى بلا علم والإفتاء بلا علم والقول بلا علم.
ففي المقام المفروض أنَّ الحجّيّة لم يعلم بثبوتها وصدورها من قبل المولى،
ـــــــــــــــــــــــــ[293]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 128.
(2) انظر: فرائد الأُصول 1: 128.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فلم يعلم أنَّ الواقع المشكوك ممّا قامت عليه الحجّة، فحينئذٍ يكون إسناد مؤدّى هذه الأمارة المشكوكة الحجّيّة إلى المولى قولاً بلا علم، فيحرم بمقتضى الإطلاقات الواردة في الكتاب والسنّة الدالّة على حرمة القول بلا علم.
وتصوير جواز إسناد مؤدّى الأمارة إلى المولى يتوقّف على أُمور:
الأمر الأوّل: أن يكون هذا لازماً مساويّاً للحجّيّة، وليس لازماً أخصّ من الحجّيّة، إذ لو فرض أنَّ جواز الإسناد إلى المولى كان لازماً أخصّ من الحجّيّة فلا يمكن أن يستدلّ على انتفاء الأعمّ بانتفاء الأخصّ، فلو فرضنا أنَّ الإسناد إلى المولى يحرم، إلَّا أنَّ عدم الأخصّ لا يكون دليلاً على عدم الأعمّ، فإنَّما يصحّ في المقام هذا الاستدلال إذا قيل: بأنَّ جواز الإسناد إلى المولى لازم مساوٍ للحجّيّة، لا لازم أخصّ منها.
الأمر الثاني: أن يقال: بأنَّه لازم مساوٍ للحجّيّة المشكوكة، أي: الحجّيّة المجعولة من قبل المولى والصادرة منه، لا الحجّيّة بوجودها الواصل، إذ لو فرض أنَّ جواز الإسناد كان لازماً مساويّاً للحجّيّة بوجودها الواصل، لا بوجودها الواقعي، فحينئذٍ بمجرّد الشكّ بالحجّيّة يقطع بعدم جواز الإسناد بلا حاجة إلى كتاب أو إلى سنّة، فإنَّ نفس هذا الفرض هو فرض عدم جواز الإسناد، مع الشكّ في الحجّيّة، ولا يكون حينئذٍ حرمة الإسناد دليلاً على عدم الحجّيّة المشكوكة، يعني: على عدم جعل الحجّيّة من قبل المولى؛ فإنَّ المفروض أنَّ جواز الإسناد لازم للحجّيّة بوجودها الواصل، لا الحجّيّة بوجودها الواقعي، فهنا لا بُدَّ وأن نلتزم بأنَّ جواز الإسناد لازم مساوي للحجّيّة بوجودها الواقعي.
ـــــــــــــــــــــــــ[294]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الأمر الثالث: لا بُدَّ لنا من أن نثبت وجود دليل على عدم جواز هذا الإسناد.
وعندئذٍ لو تمّت هذه الأُمور الثلاثة، فحينئذٍ يمكن الاستدلال بنفس الدليل المفروض دلالته على عدم جواز الإسناد، فيمكن الاستدلال به على عدم الحجّيّة المشكوكة؛ لأنَّ نفي الملازم المساوي بالمطابقة نفي للملزوم بالالتزام لا محالة، ويكون هذا الدليل الدالّ على عدم جواز الإسناد بالمطابقة دالّاً على عدم الحجّيّة بالالتزام.
وبعد تتميم هذه الجهات الثلاثة يكون لهذا التقريب بيان فنّي، وبدون تتميمها لا يكون له بيان فني.
أمّا الأمر الأوّل -وهو أنَّ جواز الإسناد ملازم مساو مع الحجّيّة- فقد أشكل عليه صاحب الكفاية(1) بما حاصله: هو أنَّ الحجّيّة لو فرض أنَّها تستتبع جواز الإسناد، فإنَّما تستتبعه على فرض جعلها ببعض الألسنة، كما لو فرض أنَّ الحجّيّة المجعولة بلسان جعل الطريقيّة وجعل الكاشفيّة تكون مصحّحة للإسناد وتكون موضوعاً لجواز الإسناد إلى المولى، فإنَّ الحجّيّة ببعض ألسنتها وقع البحث والكلام في أنَّها هل تجوّز الإسناد إلى المولى أو لا تجوّزه؟
فلو فرضنا أنّها بلسان جعل الطريقيّة، أو بلسان تنزيل المؤدّى منزلة الواقع فيجوز إسناد المؤدّى إلى المولى، لكن جعل الحجّيّة لا ينحصر بهذا اللسان، بل يمكن أن يكون جعل الحجّيّة بجعل المنجّزيّة والمعذريّة، أو يكون بجعل الحكم الظاهري المماثل بلا تنزيل للمؤدّى منزلة الواقع، ولا تنزيل للاحتمال منزلة
ـــــــــــــــــــــــــ[295]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأُصول: 280.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
القطع، ومع فرض عدم انحصار لسان الحجّيّة بباب التنزيل، وإمكان جعل الحجّيّة بلسان جعل المنجّزيّة والمعذريّة، أو بلسان الحكم الظاهري الخالص، فحينئذٍ لا يمكن أن يقال: بأنَّ جواز الإسناد لازم مساوٍ مع الحجّيّة، بل يمكن أن تكون الأمارة حجّة، وتكون حجّيّتها مقطوعاً بها، ومع هذا لا يجوز إسناد مؤدّاها إلى المولى، كما لو فرض أنّ لسان جعل الحجّيّة فيها كان بلسان جعل المنجّزيّة والمعذّريّة، لا لسان جعل الطريقيّة، ولا لسان تنزيل المؤدّى منزلة الواقع. وهذا الكلام في غاية المتانة، فالأمر الأوّل في المقام غير تامٍّ.
نعم، إنَّما يتمّ الأمر الأوّل بناءً على مبانٍ من أمثال مباني المحقّق النائيني(1) الذي يقول: بـأنَّ الحجّيّة وتنجيز الواقع لا يمكن أن يكون إلّا بلسان جعل الطريقيّة مثلاً، وأنَّ جعل الطريقيّة يصحّح إسناد المؤدّى إلى المولى.
وأمّا بعد أن عرفنا أنَّ جعل الحجّيّة له ألسنة متعدّدة، ونسبتها إلى جميع هذه الألسنة على حدّ سواء، فلا يبقى مجال لمثل هذا الكلام. هذا بالنسبة إلى الأمر الأوّل، وهو أنّ جواز الإسناد ليس ملازماً مساويّاً مع جعل الحجّيّة.
وأمّا الأمر الثاني -وهو أنَّ جواز الإسناد هل يكون ملازماً للحجّيّة بوجودها الواقعي أو للحجّيّة بوجودها الواصل؟ فهل يكون جواز الإسناد أثراً من آثار الحجّيّة بوجودها الواقعي، سواء كان أثراً مساويّاً أو أخصّ أو أعمّ، أو أثراً للحجّيّة بوجودها الواصل- فإذا فرض أنَّ جواز الإسناد أثر من آثار الحجّيّة بوجودها الواصل فبمجرّد الشكّ في الحجّيّة يقطع حينئذٍ بعدم
ـــــــــــــــــــــــــ[296]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 192- 193، فوائد الأُصول 3: 6.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
جواز الاستناد، بلا حاجة إلى دليل لفظي زائد على هذا الفرض، والقطع بعدم جواز الاستناد حينئذٍ لا يكون دالّاً على عدم الحجّيّة المشكوكة؛ لأنَّ المفروض أنَّ جواز الاستناد من آثار القطع بالحجّيّة، لا من آثار واقع الحجّيّة، فكيف يكون القطع بعدم جواز الاستناد مؤدّياً إلى قيام الدليل على الحجّيّة المشكوكة؟
ولو فرض أنَّ جواز الاستناد كان آثراً من آثار الحجّيّة بوجودها الواقعي فحينئذٍ يكون هناك مجال لدعوى أنَّ الدليل الثاني للأثر بالمطابقة ينفي المؤثّر بالالتزام مع فرض المساواة. إذن، فهنا لا بُدَّ من تنقيح هذا المطلب، وهو: أنَّ جواز الإسناد إذا فرض ترتّبه على الحجّيّة، فهل هو مترتّب على الحجّيّة بوجودها الواصل أو بوجودها الواقعي.
إنّ جواز الإسناد إنَّما يتصوّر على مبنيين:
أحدهما: جعل الطريقيّة.
ثانيهما: تنزيل المؤدّى منزلة الواقع.
أمّا الأوّل فقد سبق توضيح ما يمكن أن يقال من قبل أصحاب هذا المبنى -في مقام بيان كيف أنَّ جعل الطريقيّة يؤدّي إلى جواز الإسناد، وقد سبق هذا في بحث قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي- فقالوا: إنَّه ببركة جعل الطريقيّة للأمارة تقوم الأمارة بهذا الجعل الواحد مقام القطع الطريقي في المنجّزيّة والمعذّريّة، أو مقام القطع الموضوعي في الأحكام الشرعيّة المترتّبة عليه، وحيث إنّ جواز الإسناد إلى المولى وعدمه أُخذ في موضوعه العلم وعدم العلم، فجواز الإسناد مع العلم وعدم جوازه بلا علم، فبالدليل الدالّ على
ـــــــــــــــــــــــــ[297]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
جعل الطريقيّة للأمارة فيكون نفس هذا الدليل حاكماً على دليل حرمة القول بلا علم ودليل جواز القول بعلم، فيدرج إسناد مؤدّى الأمارة إلى المولى في باب القول بعلم، ويخرجه عن باب القول بلا علم بالحكومة فيترتّب على ذلك جواز الإسناد. هذا هو الوجه المتصوّر على هذا المبنى. ونحن في محلّه أشكلنا عليه وقلنا: إنّه باطل مبنىً وبناءً.
فلو قلنا بهذا التقريب فحينئذٍ مقتضاه أنَّ جواز الإسناد أثر من آثار الحجّيّة بوجودها الواقعي، لا بوجودها الواصل؛ لأنّ دليل الحجّيّة في المقام يحكم على دليل حرمة الإسناد، باعتبار جعل الطريقيّة وجعل العلم، وهذا العلم الاعتباري محفوظ على أيّ حال، سواء وصل إلى المكلّف أم لم يصل، فما هو مناط الحكومة ليس هو العلم الوجداني، بل هو العلم الاعتباري بالواقع، وهو محفوظ في المقام، فالواقع معلوم اعتباراً، والشكّ في الحجّيّة لا يوجب خروج الواقع عن كونه معلوماً اعتباراً، وإنّما يوجب خروج نفس العلم الاعتباري عن كونه معلوماً وجداناً، وهذا ليس له دخل فيما هو مناط الحكومة.
فتكون الحكومة في المقام ثابتة، سواء وصل مفاد الدليل الحاكم إلى المكلّف أم لم يصل، كما هو الحال في سائر موارد الحكومة المماثلة لهذه الحكومة، كما لو فرض أنّه قال: “الطواف في البيت صلاة“(1) أو “لا ربا بين الوالد وولده“(2)،
ـــــــــــــــــــــــــ[298]ــــــــــــــــــــــ
(1) عوالي اللئالي العزيزيّة في الأحاديث الدينيّة 2: 372، الحديث 167.
(2) الكافي 9: 757، بَابُ أَنَّه لَيْسَ بَيْن الرَّجُلِ وَ بَيْن، الحديث 3، مع اختلاف يسير، وسائل الشيعة ٦: 445، باب ٧ من أبواب الربا، الحديث 4.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فمثل هذا الدليل يكون حاكماً بالنسبة إلى من وصل إليه هذا الدليل وبالنسبة إلى من لم يصل، فلو فرض أنَّ شخصاً أوقع معاملة ربويّة مع ابنه وهو لا يعلم بهذا الدليل، فهذا الدليل هو حاكم ومخرج لهذه المعاملة الربويّة عن عنوان حرمة الربا، فمناط الحكومة هنا أمر جعلي يتكفّله نفس الدليل الحاكم، وهو محفوظ في صورتي العلم والشكّ معاً، فمقتضى القاعدة بناءً على هذا المبنى هو كون جواز الإسناد مترتّباً على الحجّيّة بوجودها الواقعي.
وبناءً على هذه المباني حينئذٍ لا يمكن في المقام التمسّك بإطلاق حرمة القول بلا علم في مورد الشكّ في الحجّيّة؛ لأنّه يكون من التمسّك بالمطلق في الشبهة المصداقيّة؛ لأنّنا نشكّ في أنَّ هذا قول بعلم أو قول بغير علم، فإنَّ مفروض هذا المبنى على التوسعة والتضييق في دائرة الموضوع، فحينئذٍ لا يمكن التمسّك بالمطلق أو بالعام مع الشكّ بالحجّيّة؛ لأنَّه تمسّك بهما في الشبهة المصداقيّة، على تفصيل في مباني الحكومة لا يسعه البحث الآن، وعلى أيّ حال يكون جواز الإسناد من آثار الحجّيّة بوجودها الواقعي.
وأمّا لو قيل بالمبنى الآخر -وأنَّ جواز الإسناد مترتّب على الحجّيّة المجعولة بلسان تنزيل المؤدّى منزلة الواقع بالتقريب الذي أفاده صاحب الكفاية هناك: من أنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع بالمطابقة يستلزم تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، فحينئذٍ يستفاد من دليل الحجّيّة أنَّ القطع بالواقع الجعلي يقوم مقام القطع بالواقع الحقيقي في الآثار المترتّبة عليه شرعاً- فما هو في المقام قائم مقام القطع الموضوعي إنَّما هو القطع بالواقع الجعلي، أي: القطع بالحجّيّة؛ لأنَّ الواقع الجعلي عبارة أُخرى عن الحجّيّة، فما
ـــــــــــــــــــــــــ[299]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
يكون قائماً مقام القطع بالواقع هو القطع بالحجّيّة، وليس نفس الحجّيّة، وحينئذٍ ففي مورد عدم القطع بالحجّيّة لا يكون هناك مجوّز للإسناد إلى المولى.
وهذا من الثمرات الفنيّة التي يختلف بها هذان المبنيان، فإنَّه لو قلنا: يجوز الإسناد -باللسان الأوّل- بلسان جعل الطريقيّة فيكون مناط الحكومة محفوظاً في موردي الشكّ والعلم معاً، فإنَّه سواء شكّكنا في الحجّيّة أو لم نشكّ، فعلى أيّ حال الطريقيّة الاعتباريّة موجودة في الواقع، فما هو مناط الحكومة محفوظ في الواقع، فيكون جواز الإسناد من آثار الحجّيّة بوجودها الواقعي.
وأمّا لو قيل بجواز الإسناد من باب تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، واستفيد تنزيل القطع بالواقع الجعلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، فبناءً على هذا يكون جواز الإسناد من آثار الحجّيّة بوجودها الواصل، وليس من آثارها بوجودها الواقعي. هذا هو حال الأمر الثاني.
*****
وبصياغة(1) أُخرى: أنَّ الأصل في الحجّيّة في موارد الشكّ فيها قد قُرّب بوجهين أخرين:
وحاصل هذا الوجه: هو الاستدلال على نفي الحجّيّة في المقام بما دلّ من الأدلّة الشرعيّة على حرمة القول بلا علم.
ـــــــــــــــــــــــــ[300]ــــــــــــــــــــــ
() في هذه المحاضرة اعادة مرتّبة عما قيل أمس. (المُقرِّر).
(2) انظر: فرائد الأُصول 1: 128.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فيقال في المقام: إنَّ هذه الأمارة المشكوكة في الحجّيّة القائمة على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، حيث إنَّه يشكّ في حجّيّتها فلا يجوز إسناد مؤداها، وهو جوب الدعاء عند رؤية الهلال إلى المولى؛ لأنَّه إسناد الشي إلى المولى بدون علم، فيحرم ببركة تلك الأدلّة.
وقلنا: إنَّ ارجاع هذا التقريب إلى وجه فنّي -بحيث يتعقّل في مقام البحث- يتوقف على أمور ثلاثة:
أوّلاً: أن نثبت أنَّ جواز الإسناد إلى المولى، وجواز التعبّد هذا لازم مساوٍ للحجية وأثر من آثار الحجّيّة المساوية لها، إذ لو فرض أنَّه أخصّ منها، فلا يلزم من نفي الأخصّ نفي الأعمّ كما هو واضح. فلا بُدَّ اثبات كونه أثراً مساوياً للحجّيّة.
ثانياً: أن نثبت أنَّ هذا الأثر المساوي، هو أثر للحجّيّة بوجودها الواقعي المشكوك لا بوجودها الواصل؛ اذ لو كان جواز الإسناد أثراً مساوٍ للحجّيّة بوجودها الواصل، فبمجرّد عدم وصول الحجّيّة وعدم القطع بها يحصل القطع بعدم جوازه لأجل نفس هذا الفرض بلا حاجة زيادة عليه إلى تفتيش عن دليل يدلّ على ذلك، فإنَّ مقتضى كون جواز الإسناد أثراً مساوياً للحجّيّة بوجودها الواصل انتفاء جواز الإسناد عند انتفاء الوصول، وحينئذٍ لا يمكن أن نستدل بعدم جواز الاستناد على عدم الحجّيّة؛ لأنَّ المفروض أنَّ جواز الإسناد دائر لوصول الحجّيّة لا لواقع الحجّيّة، فكيف يستدل بنفيه على واقع الحجّيّة! فهنا لا بُدَّ من تنقيح أنَّ جواز الإسناد أثر للحجّيّة بوجودها الواقعي.
ـــــــــــــــــــــــــ[301]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وبعد أن نفرغ أنَّ هذين الأمرين، نأتي إلى الأمر الثالث، فنفتش ونحصل على دليل يدلّ على هذا الإسناد الذي يكون جوازه أثراً مساوياً للحجّيّة بوجوده الواقعي.
فاذا تمت هذه الأمور الثلاثة، حينئذٍ يمكن أن يقال: بأنَّ هذا الدليل الذي دلّ بالمطابقة على عدم جواز الإسناد يدلّ بالالتزام على عدم الحجّيّة؛ لأنَّ جواز الإسناد أثر مساوٍ للحجّيّة بوجودها الواقعي، ونفي الأثر المساوي بالمطابقة نفي للمؤثر بالالتزام، هذا هو الذي ينبغي أن يكون منهج هذا التقريب، وحينئذٍ يتكلّم في كلّ واحد من هذه الأمور:
الأمر الأوّل: جواز الإسناد أثر مساوٍ للحجّيّة
وهذا كلام غير صحيح؛ وذلك أمّا بناءً على ما بنيّنا نحن عليه، فجواز الإسناد ليس أثراً للحجّيّة أصلاً بأيّ لسان من ألسنتها، بل هو مؤونة زائدة على أصل الحجّيّة، وهذه المؤونة الزائدة يمكن ارتكابها ويمكن عدم ارتكابها، فهو أثر مقارن للحجّيّة لا أنَّه أثر من آثار الحجّيّة، كما يعرف ذلك من مبانينا في بحث قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي.
وأمّا بناءً على المسالك المتعارفة، فحينئذٍ يقال: بأنَّ جواز الإسناد والتعبّد أثر من آثار الحجّيّة ببعض ألسنتها، فإنَّ الحجّيّة المجعولة بلسان جعل الطريقيّة أو بلسان تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، يمكن أن يقال مثلاً: إنَّها من آثار جواز إسناد المؤدّى إلى المولى، وأمّا إذا كانت الحجّيّة مجعولة بلسان المنجّزيّة أو المعذّريّة أو بلسان الحكم الظاهري المماثل، فلا معنى لترتّب جواز الإسناد عليه بعد أن
ـــــــــــــــــــــــــ[302]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
عرفنا فيما سبق أنَّ كلّ هذه الألسنة معقولة الحجّيّة، وأنّها ليست وقفاً على لسان واحد من هذه الألسنة، فبعد تعقّل هذه الألسنة وفرض أنَّ جواز الإسناد لا يترتّب إلَّا على بعضها. إذن، فجواز الإسناد في المقام لازم أخصّ ونفي اللازم الأخصّ لا يكون مساوقاً مع انتفاء الأعمّ، هذا فيما يتعلّق بالأمر الأوّل.
الأمر الثاني: هل الإسناد أثر للحجّيّة بوجودها الواقعي أم بوجودها الواصل؟
هل جواز الإسناد أثر للحجّيّة بوجودها الواقع الصادر من قبل المولى أو بوجودها الواصل إلى المكلّف.
وقلنا فيما سبق: إنَّ هذا يختلف باختلاف ما هو المبنى في تصوير ترتّب جواز الإسناد على جعل الحجّيّة، فهؤلاء الذي يقولون: بأنَّ جواز الإسناد أثر من آثار الحجّيّة، فبأيّ نكتة وأيّ لحاظ يقولون ذلك؟ يختلف باختلاف ذلك اللحاظ، فعلى بعض اللحاظات يصير جواز الإسناد أثراً للحجّيّة بوجودها الواقعي، وعلى بعض اللحاظات يكون جواز الإسناد أثراً من آثار الحجّيّة بوجودها الواصل.
وتوضيحه: أنَّ هناك مبنيين يمكن بناءً عليهما توهّم ترتّب جواز الإسناد على جعل الحجّيّة:
أحدهما: مبنى جعل الطريقيّة الذي ذهب إليه الميرزا(1)، وأصحاب
ـــــــــــــــــــــــــ[303]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 192 – 193. انظر: فوائد الأُصول 3: 6.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
مبنى جعل الطريقيّة يقولون: إنَّ الدليل الدالّ على جعل الطريقيّة يقتضي تنزيل الأمارة منزلة العلم (القطع) الطريقي بالمنجّزيّة والمعذّريّة ومنزلة القطع الموضوعي في آثاره الشرعيّة بجعل واحد، كما سبق في بحث قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي.
وحينئذٍ فببركة هذا الجعل الواحد للطريقيّة يترتّب على الأمارة جميع آثار العلم الطريقي وجميع آثار العلم الموضوعي، ومن جملة آثار العلم الموضوعي والأحكام الشرعيّة المترتّبة عليه هو جواز الإسناد، فإنَّ العبد يجوز له أن يسند ما يعلم أنَّه صادر من المولى إلى المولى، ويحرم عليه أن يسند ما لم يعلم أنَّه صادر من المولى إلى المولى، فبجعل الأمارة علماً يصير دليل حجّيّة الأمارة حاكماً على دليل حرمة القول بلا علم ومخرجاً للقول مع الأمارة عن كونه قولاً بلا علم ومدرجاً له تحت عنوان القول بالعلم كـ(رجل قضى بالحق وهو يعلم) فيدرجه تحت هذا العنوان بالحكومة، باعتبار قيام الأمارات مقام القطع الطريقي.
هذا أحد المبنيين في تصوير جواز الإسناد على جعل الطريقيّة، ونحن في بحث قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي، تكلّمنا بما لا مزيد عليه بإبطال هذا التصوير.
إلَّا أنَّه بناءً على هذا التصوير يكون مناط جواز الإسناد هو الحجّيّة بوجودها الواقعي لا الحجّيّة بوجودها الواصل، وأثر من آثارها بوجودها الواقعي؛ لأنَّ جواز الإسناد إنَّما هو باعتبار حكومة دليل حجّيّة الأمارة على دليل حرمة القول بلا علم، ومناط الحكومة هو الطريقيّة الاعتباريّة والطريقيّة
ـــــــــــــــــــــــــ[304]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الاعتباريّة محفوظة في مورد العلم بها وفي مورد الشكّ بها، فلو فرض أنَّ المولى جعل الأمارة علماً، ولكن نحن لا نعلم بذلك، فهنا بحسب الواقع القول مع هذه الأمارة قول بعلم، غاية الأمر الأمارة علم اعتباري تعبّدي لا علم حقيقي، فالحكومة يكون مناطها محقّقاً.
وحال هذه الحكومة لا يكون بدعاً عن سائر الحكومات الأُخرى، كحكومة: “لا ربا بين الوالد وولده“(1)، فكما أنَّ تلك الحكومة ثابتة في فرض العلم بالدليل الحاكم وفرض الشكّ كذلك هذه الحكومة، فحينئذٍ يكون جواز الإسناد أثراً من آثار الحجّيّة بوجودها الواقعي.
ثانيهما: أن بنيّنا على أنَّ مفاد دليل الحجّيّة هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع بلسان (صدق العادل)؛ لأنَّ المولى يقول: “فَمَا أَدَّى إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّي”(2)، فهو تنزيل ما أداه الثقة منزلة الأحكام الواقعية، فيضمّ إلى ذلك حينئذٍ ما ضمه صاحب الكفاية في حاشيته على الرسائل(3) في بحث قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي: من أنَّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع يستلزم تنزيل القطع بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، فحينئذٍ يصير القطع بالواقع التنزيلي الجعلي عندنا منزلاً شرعاً منزلة القطع بالواقع الحقيقي في الأحكام المترتّبة عليه.
فماذا كان يترتّب على القطع بالواقع الحقيقي؟ كان يترتّب عليه جواز
ـــــــــــــــــــــــــ[305]ــــــــــــــــــــــ
( ) الكافي 9: 757، بَابُ أَنَّه لَيْسَ بَيْن الرَّجُلِ وبَيْن، الحديث 3، مع اختلاف يسير.
(2) الكافي 1: 329، بَابٌ فِي تَسْمِيَةِ مَنْ رَآه ، الحديث 1.
(3) انظر: درر الفوائد في الحاشية على الفرائد 1: 29، في كيفية تنزيل الأمارة مقام القطع.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الإسناد إلى المولى والآن ويترتّب على القطع بالواقع الجعلي جواز الإسناد إلى المولى، فبناءً على هذا المبنى وهذا المشرب يصير جواز الإسناد من آثار الحجّيّة بوجودها الواصل، يعني: من آثار القطع بالواقع الجعلي، والواقع الجعلي عبارة أُخرى عن الحجّيّة، فالمطلب يختلف بحسب الحقيقة باختلاف المشرب في تصوير جواز الإسناد. هذا صناعة الامر الثاني، أي كون جواز الإسناد مترتّب على الحجّيّة بوجودها الواقعي أو بوجودها الواصل.
ولو فرضنا أنّنا فرغنا عن هذا، وقلنا: بأنَّ جواز الإسناد مترتّب على الحجّيّة بوجودها الواقعي، يعني: بنينا على جعل الطريقيّة الذي قلنا: إنَّه يقتضي ترتّب جواز الإسناد على الحجّيّة بوجودها الواقعي، فاخترنا هذا المبنى الذي يناسب مع تصوير المطلب، وقلنا: بأنَّ جواز الإسناد أثر مساوٍ للحجّيّة بوجودها الواقعي، يعني: فرضنا تماميّة الأمر الأوّل والأمر الثاني، فحينئذٍ نأتي إلى الأمر الثالث
الأمر الثالث: ما دلّ من الكتاب والسنة
في مورد الشكّ في الحجّيّة وفي جعل الطريقيّة هل يكون عندنا دليل على حرمة الإسناد حتّى نتمسّك به ونقول: إنَّ هذا الدليل الدالّ على عدم جواز الإسناد بالمطابقة يدلّ على عدم الحجّيّة بالملازمة؛ لأنَّ الدليل على نفي اللازم بالمطابقة دليل على نفي الملزوم المساوي بالالتزام، فهل عندنا مثل هذا الدليل أو لا؟
هذا الدليل إنَّما هو إطلاق ما دلّ من الكتاب والسنة على حرمة القول بلا علم، بأن يقال: بأنَّ إطلاق ما دلّ على حرمة القول بلا علم في نفسه ثابت؛ لأنَّ
ـــــــــــــــــــــــــ[306]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الأمارة ليست علماً ولم نحرز جعل الشارع لها علماً، وحيث لم نحرز الدليل الحاكم ففي الشكّ في جعل الشارع الطريقيّة، أي: في مورد الشكّ في الدليل الحاكم يتمسّك بالدليل المحكوم.
وهذا مبنى على بحث كبروي ونحن سنتعرض له -إن شاء الله- في مباحث التعادل والترجيح، وهو أنَّه إذا شكّ في المخصّص يتمسّك بالعامّ بلا إشكال، لكن إذا شكّ في الحاكم هل أيضاً يتمسّك بالعامّ بحيث إنَّ الشكّ في الحاكم كالشكّ في المخصّص أو هناك فرق فيما بينهما؟
وسوف نقول هناك: إنَّه بناءً على ما هو الصحيح من أنَّ الحكومة روحها التخصيص، وإنَّما هذا مجرّد تفنّن في التعبير في مقام البيان، فيكون الشكّ في الحاكم كالشكّ في المخصّص، فيتمسّك حينئذٍ في العامّ.
وأمّا بناءً على أنَّ الحكومة في المقام حكومة حقيقية، بمعنى: أنَّها ترفع الموضوع وأنَّها سنخاً وجوهراً تختلف عن التقييد، كما هو الظاهر من كلمات الميرزا ومدرسته، فبناءً على هذا لا يمكن التمسّك بالعام عند الشكّ في الحاكم لأنه يكون من الشبهة المصداقيّة، وحينئذٍ فإنّنا في المقام بعد فرض أنّنا نحتمل أنَّ المولى جعل الأمارة علماً فكيف نتمسّك بإطلاق قوله: (لا يجوز الافتاء بلا علم)؟ فإنّنا نحتمل بأنَّ هذا افتاء بعلم، فيكون التمسّك به تمسّكاً مع عدم إحراز موضوع العامّ، وهو الافتاء بلا علم، فهنا أيضاً لا يكون عندنا دليل، يعني: أنَّ هذا التقريب خراب في المرحلة الثالثة أيضاً حيث لا يمكننا في المقام التمسّك بإطلاق ما دلّ على حرمة الإسناد بلا علم، بناءً على المبنى المشهوري في باب الحكومة.
ـــــــــــــــــــــــــ[307]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إذن، يكون الشكّ في الحاكم مرجعه إلى الشكّ في عنوان العامّ، إذ لا نعلم أنَّ القول بلا علم يصدق على هذه الأمارة أو لا يصدق؟ فإنَّه إذا كانت هذه الأمارة علماً بحسب نظر المولى وجعله، فلا يكون هذا القول قولاً بلا علم، وإلَّا فيكون قولاً بلا علم، فتكون شبهة مصداقيّة للدليل المحكوم فلا يمكن التمسّك به أيضاً.
فلا يبقى دليل على عدم جواز الإسناد بالمطابقة حتّى يدلّ على عدم الحجّيّة بالالتزام. هذا تمام الكلام في التقريب الأوّل.
التقريب الثاني: هو جريان استصحاب عدم الحجّيّة، وذلك أنَّ الحجّيّة حكم من أحكام الإلهيّة الحادثة لا محالة، فإذا شكّ بأنَّ المولى هل جعل هذه الأمارة حجّة أو لم يجعلها حجّة، فيستصحب عدم حجّيّة هذه الأمارة في الشريعة الإسلاميّة، وحينئذٍ يكون مقتضى الأصل هو نفي الحجّيّة، والمنفي تعبّداً بمقتضى هذا الاستصحاب نفس الحجّيّة المشكوكة بوجودها الواقعي، كالحجّيّة بوجودها الواقعي فتكون منفية، لكن نفياً ظاهرياً استصحابياً لا نفياً واقعياً.
وهذا الأصل أشكل عليه بإشكالين، وقبل أن نتعرض لهذين الإشكالين نقول: إنَّه بناءً على ما سبق من أنَّ الحجّيّة المشكوكة تنفى بنفس دليل الاستصحاب ودليل أصالة البراءة -بناءً على ما سبق من تأسيس الأصل-
ـــــــــــــــــــــــــ[308]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فحينئذٍ في المورد الذي ننفي الحجّيّة المشكوكة بدليل الاستصحاب أو دليل أصالة البراءة لا يبقى مجال بعد هذا للرجوع إلى الأصل؛ لأنَّ دليل الاستصحاب ودليل البراءة دليل اجتهادي، ونحن ذكرنا فيما سبق أنَّه لو فرض أنَّ الاستصحاب وأصالة البراءة كانت جارية في نفسها، فنستكشف من الدليل الاجتهادي الدالّ بالمطابقة على جريان أصالة البراءة والاستصحاب بالالتزام عدم جعل الحجّيّة للأمارة -بناءً على ما حقّقناه من أنَّ الخطابات الظاهريّة كالخطابات الواقعيّة متنافية من حيث صدورها من المولى لا من حيث وصولها إلى المكلّف فقط- فبناءً على هذ الدليل الدالّ على خطاب ظاهري بالمطابقة يدلّ على عدم وجود خطاب ظاهري آخر في رتبته بحيث ينافيه.
فحينئذٍ ففي كلّ مورد أمكّن نفي الحجّيّة المشكوكة بنفس الدليل الاجتهادي الدالّ على الاستصحاب أو على أصالة البراءة أو على أيّ خطاب ظاهري آخر في رتبة الحجّيّة المشكوكة، فلا تصل النوبة إلى الأصل العملي؛ إذ مع نفي الحجّيّة بالدليل الاجتهادي لا معنى للتمسّك بالاستصحاب، وإنَّما تصل النوبة إلى ذلك فيما لو لم يمكن نفي الحجّيّة المشكوكة بنفس الدليل الاجتهادي، فحينئذٍ يقع البحث في أنَّه هل يجري الاستصحاب أو لا يجري؟
إنَّ الاستصحاب يحتاج إلى أثر شرعي للمستصحب، والأثر الشرعي المتصوّر في المقام إنَّما هو حرمة التعبّد وحرمة الإسناد، وهذه الحرمة ليست أثراً للاستصحاب، وإنَّما هي أثر للشكّ نفسه، فإنَّ مقتضى الأدلّة هو أنَّ مجرّد الشكّ
ـــــــــــــــــــــــــ[309]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
في المطلب يكفي لعدم جواز الاستناد سواء كان المشكوك ثابتاً في الواقع أو لم يكن، فحرمة الإسناد والتعبّد حكم شرعي مترتّب على نفس الشكّ وليس مترتّباً على المستصحب، وهو عدم الحجّيّة الواقعيّة.
والاستصحاب إنَّما يجري إذا كان هناك حكم شرعي مترتّب على المستصحب، وأمّا لو كان نفس الشكّ هو موضوع الحكم الشرعي، فلا معنى لجريان الاستصحاب. إذن، فليس هناك حكم شرعي مترتّب على المستصحب ليجري الاستصحاب بلحاظه، فمثلاً لو فرض في باب الصلاة أنَّ الحكم الشرعي مترتّب على نفس مشكوك الطهارة، بحيث إنَّ الجواز الواقعي مترتب على عنوان مشكوك الطهارة لا على عنوان واقع الطاهر، فهنا لا معنى لجريان استصحاب الطهارة؛ لأنَّ واقع الطهارة ليس موضوعاً لحكم شرعي حتّى يجري في المقام استصحاب الطهارة؛ لأنَّ الحكم الشرعي، وهو جواز الصلاة في الثوب المترتّب على الشكّ في الطهارة لا على واقع الطهارة.
وبهذا يتنقح ضابط كلّي، وهو: أنَّه متى ما كان الحكم الشرعي مترتّباً على واقع المستصحب، أي: الأمر المشكوك بوجوده الواقعي، فيجري الاستصحاب حينئذٍ لأجل إحراز ذلك الأثر تعبداً. وأمّا لو كان الأثر مترتّباً على نفس الشكّ، بحيث رتّب في لسان دليله على الشكّ، فحينئذٍ لا يكون للمستصحب أثر شرعي حتّى يجري الاستصحاب بلحاظه.
وهذا التحرير هو الذي فهمه صاحب الكفاية من عبارة الشيخ الأعظم. حيث إنَّ الشيخ الأعظم أشكل على هذا الاستصحاب، والذي فهمه
ـــــــــــــــــــــــــ[310]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
المحقّق الخراساني هو هذا، وأشكل عليه في الكفاية(1) بوجهين:
الوجه الأوّل: أنّنا لا نحتاج في المقام إلى أثر شرعي وحكم شرعي مترتّب على المستصحب، فإنَّ هذا إنَّما نحتاج اليه فيما إذا لم يكن المستصحب بنفسه حكماً شرعيّاً، كما هو الحال في الشبهات الموضوعيّة، فإنَّه في الشبهات الموضوعيّة إنَّما نستصحب عدالة زيد أو اجتهاد عمرو أو أعلميّة بكر، فهنا يحتاج إلى أثر شرعي مترتّب على العدالة والأعلميّة، وإلَّا لا معنى بالتعبّد باستصحابه.
وأمّا فيما لو فرض أنَّ الاستصحاب كان يجري في الشبهة الحكميّة لا في الشبهة الموضوعيّة يعني يجري في نفس الحكم، فلا نحتاج إلى حكم آخر يصح به الاستصحاب، ومحلّ الكلام من هذا القبيل؛ لأنَّ المستصحب هنا ومجرى الاستصحاب نفس الحجّيّة، فإنَّ استصحاب عدم الحجّيّة، والحجّيّة بنفسها حكم شرعي، وليست موضوعاً خارجياً لتحتاج إلى حكم شرعي يترتّب عليه ليصح به الاستصحاب، بل هي بنفسها حكم شرعي، فمثل هذا الكلام لا مبرر له.
نعم، لو فرضنا أنَّ حرمة الإسناد أثر شرعي مترتّب على نفس الشكّ لا على المستصحب، لكن لا نحتاج إلى حكم شرعي مترتّب على المستصحب بعد إن كان المستصحب هو بنفسه أثر شرعي وحكم مولوي إلهي إمّا إثباتاً وإمّا نفياً. هذا هو الإشكال الأوّل من الآخوند على ما فهمه من كلام الشيخ.
الوجه الثاني: بأنَّ الاستصحاب هنا يحتاج إلى أثر شرعي مترتّب على
ـــــــــــــــــــــــــ[311]ــــــــــــــــــــــ
( ) انظر: كفاية الأُصول: 277- 279.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
المستصحب، فالصحيح في المقام أنَّ المستصحب له أثر شرعي؛ لأنَّ حرمة التعبّد كما هي مترتبة على الشكّ مترتّبة على الواقع، كما أنَّها مترتّبة على الشكّ في الحجّيّة كذلك هي مترتّبة على واقع عدم الحجّيّة، فإنَّ الذي يظهر من الأدلّة أنَّ الافتاء بلا علم حرام أي: الافتاء مع الشكّ حرام، والافتاء بغير الواقع أيضاً حرام، وحينئذٍ فباستصحاب عدم الحجّيّة يكون المستصحب هنا أيضاً موضوعاً لحكم شرعي في نفسه، فهنا توجد عندنا قاعدتان تثبت الحرمة:
إحداهما: الاستصحاب؛ لأنَّه ينفي واقع الحجّيّة، والمفروض أنَّ الحرمة تترتّب على عدم الواقع بحرمة الحكم بخلاف ما أنزل الله.
ثانيهما: الشكّ؛ لأنَّ المفروض أنَّ الشكّ أيضاً موضوع لحرمة الإسناد. وحينئذٍ فبعد فرض وجود قاعدتين عندنا من هذا القبيل يكون الاستصحاب حاكماً على قاعدة الشكّ، كما هو الحال في حكومة استصحاب الطهارة على قاعدة الطهارة، فكما أنَّه في مورد الطهارة عندنا دليلان ظاهريان على الطهارة: أحدهما استصحاب الطهارة والآخر قاعدة الطهارة، فقوله “كل شيء طاهر حتّى تعلم انه قذر“(1) وكلّ منهما لو خلّى ونفسه لكان كافياً، لكن في حال اجتماعهما يكون الاستصحاب حاكماً على أصالة الطهارة، ففي المقام أيضاً يكون الاستصحاب حاكماً على قاعدة الشكّ. هذا هو الإشكال الثاني من الآخوند على تقريب الشيخ بحسب ما فهمه.
ـــــــــــــــــــــــــ[312]ــــــــــــــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 3: 466، باب: أن كلّ شيء طاهر حتّى يعلم ورود النجاسة عليه، الحديث 4، مع اختلاف يسير في الألفاظ.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وملخص الإشكالين (1):
أوّلاً: أنَّ استصحاب عدم الحجّيّة هنا لا يحتاج في تصحيحه إلى حكم شرعي مترتّب على عدم الحجّيّة، فإنَّ نفس الحجّيّة هي حكم شرعي بلا حاجة إلى ضمّ حكم شرعي آخر، فإنَّه هنا لا يقاس استصحاب الحجّيّة باستصحاب العدالة والاجتهاد ونحو ذلك من الموضوعات التكوينيّة التي لا يصحّ استصحابها، إلَّا بلحاظ الأحكام الشرعيّة المترتّبة عليها، فإنَّه هنا نفس المستصحب هو حكم شرعي إثباتاً أو نفياً، وحينئذٍ فلا نحتاج إلى فرض حكم آخر.
ثانياً: لو فرضنا الاحتياج إلى حكم آخر يكون الاستصحاب جارياً بلحاظه فالحكم الآخر موجود أيضاً في المقام، وهو حرمة الإسناد والتعبّد، فإنَّ حرمة التعبّد والإسناد كما رتّبت في الشرع على نفس الشكّ، كذلك رتّبت على عدم الحجّيّة في الواقع، فحينئذ هنا يجري استصحاب عدم الحجّيّة في الواقع بلحاظ هذا الحكم الشرعي، وهو عدم جواز الإسناد المترتّب على عدم الحجّيّة في الواقع، فيصبح عندنا قاعدتان ودليلان ظاهريّان يثبتان حرمة الإسناد والتعبّد.
أحدهما: ما أسمّاه بلسانه بقاعدة الشكّ، حيث إنَّ الموضوع لحكم الشارع بعدم جواز الإسناد هو نفس عنوان الشكّ، فهذه قاعدة مضروبة للشاكّ تتكفّل إثبات الحرمة.
ـــــــــــــــــــــــــ[313]ــــــــــــــــــــــ
() لخص سيّدنا الأُستاذ (أدام الله ظلّه) إشكال الشيخ الأعظم على تقريب استصحاب عدم الحجّيّة على ما فهمه الآخوند، ثُّم ذكر… (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ثانيهما: استصحاب عدم الحجّيّة في الواقع بلحاظ أنَّ حرمة الإسناد أيضاً من آثار عدم الحجّيّة في الواقع.
وفي حال اجتماع هذين الدليلين يكون الاستصحاب حاكماً على القاعدة؛ لأنَّه يكون ملغيّاً للشكّ الذي أُخذ في موضوع القاعدة على حدّ حكومة الاستصحاب على قاعدة الطهارة وأصالة الحلّ، ونحو ذلك من الأُصول غير التنزيليّة. هذا حاصل ما أفاده من الإشكالين على تقريب الشيخ الأعظم.
دفاع الميرزا عن الشيخ الأعظم
وبعد هذا جاء المحقّق النائيني(1) فصار في مقام الدفاع عن أصل التقريب المنسوب إلى الشيخ الأعظم، وردّ إشكالات الآخوند على الشيخ، فذكر: أنَّه لا يرد في المقام على الشيخ كلا الإشكالين.
أمّا الإشكال الأوّل الذي كان حاصله: أنَّ الاستصحاب هنا لا يحتاج إلى حكم شرعي زائد على نفس مورده، وهو عدم الحجّيّة؛ لأنَّ الحجّيّة بنفسها حكم شرعي، فهذا الكلام غير صحيح؛ وذلك لأنَّ الحجّيّة بنفسها وإن كانت حكماً شرعيّاً، إلَّا أنَّ الاستصحاب لا يصحَّح جريانه بأيّ حكم شرعي كان، بل إنَّ ما يصحّح جريان الاستصحاب بلحاظ حكم شرعي له جري عملي بحسب الخارج، ويتصوّر له وظيفة عمليّة وتطبيق عملي من قبل العبد في مقام العبوديّة بحسب الخارج؛ لأنَّ الاستصحاب أصل عملي روحه تحديد الوظيفة
ـــــــــــــــــــــــــ[314]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 3: 27، أجود التقريرات 2: 12- 15.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
العمليّة، فلا بُدَّ وأن يكون جاريّاً بلحاظ حكم شرعي يكون له جري علمي حتّى يصير وظيفة عمليّة.
وعدم الحجّيّة في نفسه ليس له وظيفة عمليّة، فإنَّه وإن كان حكماً شرعيّا، إلَّا أنَّ هذا الحكم من قبل الشارع ليس له جري عملي من قبل العبد؛ لأنَّه حكم وضعي، والذي يكون له جري عملي من قبل العبد إنَّما هو حرمة الإسناد والتعبّد، والمفروض في المقام أنَّ حرمة الإسناد والتعبّد مترتّبة على الشكّ، لا على عدم الحجّيّة.
فهنا لا يمكن أن يقال: بأنَّنا نجري الاستصحاب بلا حكم شرعي زائد؛ لأنَّ نفس عدم الحجّيّة حكم شرعي، فإنَّ عدم الحجّيّة وإن كان حكماً شرعيّاً، إلَّا أنَّ هذا الحكم الشرعي لا يصحّح جريان الاستصحاب، فإنَّ الاستصحاب باعتباره وظيفة عمليّة إنَّما يصحّ جريانه بلحاظ حكم شرعي له وظيفة عمليّة وجري عملي في مقام العبوديّة في عالم الامتثال، وعدم الحجّيّة ليس له جري عملي؛ لأنّه ليس له امتثال ولا يترتّب عليه حكم تكليفي له امتثال، والحكم التكليفي الذي له امتثال هو حرمة التعبّد والإسناد، وهذا مترتّب على الشكّ، لا على الواقع. هذا جواب الميرزا عن الإشكال الأوّل.
وأمّا جوابه عن الإشكال الثاني فقد قال في المقام: لو فرضنا أنَّ حرمة الإسناد كانت مترتّبة على الشكّ وعلى عدم الحجّيّة في الواقع معاً، فمع هذا لا يعقل جريان الاستصحاب؛ وذلك لأنَّ الاستصحاب في المقام يكون تحصيلاً للحاصل، بل من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل -على ما عبّر- لأنَّ المقصود
ـــــــــــــــــــــــــ[315]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
من الاستصحاب إثبات حرمة الإسناد والتعبّد، حيث فرغنا في الجواب عن الإشكال الأوّل، وهو أنَّ نفس عدم الحجّيّة لا يكون هو المقصود من الاستصحاب، بل المقصود من الاستصحاب إثبات حرمة الإسناد والتعبّد، وهذه الحرمة مترتّبة في المرتبة السابقة على الاستصحاب وجداناً؛ لأنَّ المفروض أنَّ المولى حكم واقعاً على الشاك بالحجّيّة بحرمة الإسناد والتعبّد، فهذه الحرمة في المرتبة السابقة على الاستصحاب في مرتبة موضوع الاستصحاب وهو الشكّ ثابتة وجداناً من باب ثبوت موضوعها وجداناً؛ لأنَّ نفس الشكّ محرز وجداناً.
ومع فرض ثبوت حرمة الإسناد وجداناً بلحاظ موضوع الاستصحاب المتقدّم رتبة على الاستصحاب لا يبقى مجال بعد هذا في الرتبة المتأخّرة لإثبات نفس هذه الحرمة الثابتة وجداناً إثباتها بالتعبّد، فإنَّ هذا من باب ما هو ثابت بالوجدان ثابت بالتعبّد، وهو من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل، فإنَّ الإثبات الوجداني بالوجدان تحصيل للحاصل، وأمّا الإثبات الوجداني بالتعبّد فهو من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل. هذا ما ذكره المحقّق النائيني في مقام دفع إشكالي صاحب الكفاية.
أمّا ما ذكره في مقام دفع الإشكال الأوّل من ناحية أنَّ استصحاب عدم الحجّيّة في نفسه لا يمكن أن يصحّح بلحاظ عدم الحجّيّة، بل لا بُدَّ وأن يصحّح بلحاظ حكم تكليفي يكون له جري عملي، والمفروض في المقام أنَّ عدم الحجّيّة لم يقع موضوعاً لحكم تكليفي.
فتحقيق ذلك إثباتاً ونفياً موكول إلى التقريب الثاني للإشكال على استصحاب عدم الحجّيّة فنؤجّله إلى هناك.
ـــــــــــــــــــــــــ[316]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وأمّا دفع الميرزا للإشكال الثاني على الآخوند الذي قال: إنَّ حرمة الإسناد والتعبّد كما تكون مترتّبة على الشكّ تكون مترتّبة على عدم الحجّيّة في الواقع أيضاً، وحينئذٍ يكون عندنا دليلان يثبتان حرمة التعبّد:
أحدهما: دليل قاعدة الشكّ. والآخر: دليل الاستصحاب، ومع فرض اجتماعهما يكون الاستصحاب حاكماً على القاعدة.
فيقول الميرزا(1) في مقام جوابه: إنَّ هذا يكون من باب تحصيل الحاصل، بل من أردأ أنحائه، لأنّه تحصيل للحاصل وجداناً في الرتبة السابقة، وتحصيله بالتعبّد في المرتبة المتأخّرة، وهذا الكلام يحتاج الى تحقيق وتفصيل؛ وذلك أنَّ حرمة الإسناد والتعبّد تتصوّر ثبوتاً على أنحاء:
النحو الأوّل: أن يُفرض هنا حرمتان مجعولتان بجعلين على موضوعين:
أحدهما: حرمة مترتّبة على عنوان الشكّ، من قبيل: “وَرَجُلٌ قَضَى بِالحَقِ وَهُوَ لَا يَعْلَم“(2) وقُلْ ءآللَّـهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّـهِ تَفْتَرُونَ(3) ونحو ذلك من الأدلّة التي استظهروا منها جعل الحرمة على عنوان الشكّ.
ثانيهما: حرمة مجعولة بجعل آخر موضوعها عدم الحجّيّة في الواقع، وتستفاد مثلاً -على ما أشار إليه صاحب الكفاية، ومقصودي: بيان ما يتصوّر كونه دليلاً، لا كونه دليلاً صحيحاً- من قوله: “يحرم الحكم بغير ما أنزل
ـــــــــــــــــــــــــ[317]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأُصول 3: 27.
(2) الكافي 7: 407، باب أصناف القضاة، الحديث 1، المقنعة (الشيخ المفيد): ٧٢٢.
(3) يونس: 59.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الله“(1)، فكأنّه حكم المولى بحرمة الحكم بدليل وبحجّة غير الحجّة التي أنزل الله بها وجعلها حجّة، فالحرمة تكون هنا مجعولة وأُخذ في موضوع هذا الجعل عدم الحجّيّة في الواقع. فهنا عندنا حرمتان: حرمة مترتّبة على عنوان الشكّ، وحرمة أُخرى مترتّبة على الواقع.
فلو فرض أنَّ الأمر كان كذلك فلا يلزم تحصيل الحاصل، فضلاً عن تحصيل ما هو الحاصل بالوجدان بالتعبّد؛ وذلك لأنَّه باستصحاب عدم الحجّيّة نريد أن نثبت إثباتاً تعبّديّاً تلك الحرمة المجعولة على عدم الحجّيّة المجعولة في قوله: (يحرم الحكم بغير ما أنزل الله)، وما هو ثابت وجداناً إنَّما هو الحرمة المجعولة على عنوان الشكّ، والمفروض أنَّ شخص هذه الحرمة غير شخص تلك الحرمة.
فكون هذه الحرمة ثابتة ومنجّزة بالقطع واليقين لا يقتضي سدّ باب الإثبات التعبّدي لحرمة أُخرى ثابتة بالتعبّد، فلو فرضنا في المقام أنَّ هناك ما نعلم بنجاسته وبحرمة شربه من باب النجاسة وجداناً، ونستصحب أيضاً غصبيته أو أيّ عنوان آخر، لأجل أنَّ تنجّز حرمة أُخرى بعنوان آخر فمثله لا يكون إثباتاً تعبّديّاً لما هو ثابت بالوجدان، بل يكون إثباتاً تعبّديّاً لحرمة لم تثبت قبل هذا بالقطع الوجداني وبالتعبّد. فهذا الفرع حتّى الآن ممّا لا إشكال فيه.
ولعلّ نظر صاحب الكفاية إلى ذلك؛ لأنّه أشار في عبارته إلى أنَّ الحرمة المترتّبة على الواقع المستفادة من تحريم الحكم بغير ما أنزل الله ممّا يُشعر أنَّ
ـــــــــــــــــــــــــ[318]ــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي ٧: ٤٠٨، باب: من حكم بغير ما أنزل الله (عزّ وجلّ)، الحديث 2.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الحرمتين مجعولتان بجعلين، ولهذا يستفادان من دليلين أيضاً. فمع فرض كون مقصود صاحب الكفاية هذا لا يرد عليه الإشكال.
النحو الثاني: أن نفرض في المقام أنَّ الحرمة مجعولة بجعل واحد، وليست بجعلين على موضوع جامع بين الأمرين اللذين هما الشكّ في الحجّيّة وعدم الحجّيّة في الواقع، فمع فرض تفسير الشكّ في الحجّيّة الذي جعل أحد فردي الجامع، بمعنى: عدم العلم بالحجّيّة الأعمّ من التردد بالحجّيّة أو القطع بعدمها، فنأخذ هذا الشكّ الذي هو أحد فردي الجامع لموضوع الحرمة، بمعنى: عدم العلم بالحجّيّة الأعمّ من أن يكون هناك تردّد بالحجّيّة أو قطع بعدمها.
فالفرض الثاني هو أن تكون الحرمة مجعولة على الجامع بين واقع عدم الحجّيّة وبين عدم العلم بالحجّيّة أعمّ من أن تكون مشكوكة، أو أن تكون معلومة العدم.
فإذا فرض أنَّ الأمر كذلك فحينئذٍ يكون جريان الاستصحاب في المقام تحصيلاً للحاصل، بل من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل، كما ذكره الميرزا، لكن بلا حاجة إلى ضمّ مسألة التقدّم والتأخّر الرتبي في المقام، فإنّه في المقام(1) يكون شخص هذه الحرمة المجعولة على هذا العنوان الجامع معلومة وجداناً، سواء جرى الاستصحاب أو لم يجرِ، باعتبار أنَّ عدم العلم بالحجّيّة على أيّ حال ثابت، وجريان الاستصحاب وعدمه لا يؤثّر في عدم العلم بالحجّيّة.
ـــــــــــــــــــــــــ[319]ــــــــــــــــــــــ
() هذا تفسير لكونه من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل. أمّا عدم الحاجة إلى مسألة التقدّم والتأخّر، فسيأتي إن شاء الله. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إذن، فشخص هذه الحرمة معلوم الثبوت وجداناً ويكون منجّزاً بالعلم الوجداني، وبالاستصحاب لا نريد أن نثبت شخصاً آخر من الحرمة غير هذا الشخص؛ لأنَّ المفروض أنَّه ليس عندنا حرمتان، بل حرمة واحدة، وهذه الحرمة الواحدة محرزة وجداناً حتّى في عرض جريان الاستصحاب، وجريانه حينئذٍ يكون تحصيلاً تعبّديّاً لما هو محرز بالوجدان فيكون لغواً وعبثاً.
وهذا البيان حينئذٍ يكون تامّاً من دون حاجة إلى ضمّ نكتة أنَّ الشكّ أُخذ في موضوع الاستصحاب فهو في المرتبة السابقة عليه، ففي المرتبة السابقة يكون الحكم بالحرمة ثابتاً وجداناً فلا مجال في المرتبة المتأخّرة للحكم بالاستصحاب.
وهذا الكلام لا معنى لضمّه في المقام؛ لأنَّه:
أوّلاً: لكونه في نفسه غير صحيح؛ لأنَّ الحكم بالحرمة المترتّب على الشكّ هو في عرض الاستصحاب، لا أنَّه أسبق رتبة من الاستصحاب؛ لأنَّ الحكم بالحرمة أُخذ في موضوعه الشكّ، والاستصحاب أُخذ في موضوعه الشكّ، فلا معنى لأن يقال: إنَّه في المرتبة السابقة على الاستصحاب في رتبة الشكّ يثبت الحكم بالحرمة؛ فإنَّ الحكم بالحرمة تأخّره عن الشكّ على حدّ تأخّر الاستصحاب عن الشكّ، فالاستصحاب والحرمة في حدّ واحد؛ لأنَّ الاستصحاب يكون في المرتبة المتأخّرة عن الحرمة.
وميزان الإشكال في المقام لا يفرق فيه بين التقدّم الرتبي والعرضيّة، فإنَّ الميزان هو تحصيل ما هو حاصل بالوجدان تحصيلاً تعبّديّاً، وهذا الميزان للإشكال ثابت في المقام، حتّى لو فرضت العرضيّة ما بين الاستصحاب وما بين الحرمة الواقعيّة.
ـــــــــــــــــــــــــ[320]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
النحو الثالث: أن نفرض في المقام أنَّ الحرمة المجعولة للإسناد والتعبّد حرمة واحدة، لا حرمتين مجعولة على الجامع بين واقع عدم الحجّيّة وبين الشكّ بالحجّيّة، لكن نفسّر الشكّ في الحجّيّة، بمعنى: التردّد في الحجّيّة، لا بمعنى القطع بعدم الحجّيّة، وهذا هو الفرق بين الفرض الثالث والفرض الثاني، فإنَّه في الفرض الثاني فسّرنا الشكّ بمعنى عدم العلم بالحجّيّة الأعمّ من التردّد ومن القطع بالعدم، وهنا نفسّر الشكّ بمعنى التردّد.
فإذا تصوّرنا مثل هذا الفرض فلا بأس بجريان الاستصحاب في المقام بعد فرض أنَّ الاستصحاب يكون حاكماً على الأُصول التي أُخذ في موضوعها الشكّ، فإنّنا لو سلّمنا بحكومة الاستصحاب على قاعدة الطهارة وأمثالها فلا بأس بجريانه في المقام؛ وذلك لأنَّ هذا الاستصحاب لو لم يجرِ لكان هذا الحكم الواحد محرزاً وجداناً؛ لأنَّ موضوعه وهو الشكّ والتردّد محرز وجداناً، لكن مع فرض جريان الاستصحاب إذا قلنا بحكومة دليل الاستصحاب على تمام الأدلّة الشرعيّة التي أُخذ في موضوعها الشكّ، باعتبار أنَّ لسان الاستصحاب إلغاء الشكّ وإبقاء اليقين، فهذا يكون مناطاً للحكومة ولقيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي المأخوذ في سائر الأدلّة الشرعيّة، فحينئذٍ يكون الاستصحاب حاكماً على دليل قاعدة الشكّ، لأنّه يقول: إنَّ هذا ليس شكّاً، فهو بلسانه يقتضي الحكومة وإخراج مورده عن موارد قاعدة الشكّ، فلا يكون الحكم الواقعي محرزاً وجداناً، فإنَّه مع فرض إخراج مورده عن موارد قاعدة الشكّ لا يكون هذا محرزاً وجداناً؛ لأنَّ المفروض الحكومة في المقام، وحينئذٍ نحتاج إلى إثبات تعبّديّ له، فنثبته بالاستصحاب.
ـــــــــــــــــــــــــ[321]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
ففي المقام إذا تصوّرنا حكومة الاستصحاب على القاعدة لا يلزم منه تحصيل الحاصل أو أردأ أنحاء تحصيل الحاصل، فإنَّ دليل الاستصحاب يقوم بعملين هنا:
أحدهما: الحكومة على القاعدة بإخراج مورده عن القاعدة؛ وذلك لأنَّه يلغي الشكّ الذي هو موضوع القاعدة، فيحكم على دليل القاعدة ويخرج مورده عن كونه موضوعاً للقاعدة.
ثانيهما: وبعد أن يقوم بهذا العمل تصبح الحرمة الواقعيّة غير محرزة وجداناً؛ لأجل أنَّ إحرازها الوجداني كان ببركة القاعدة، والمفروض أنَّ القاعدة أصبحت محكومة بالاستصحاب، فلا بُدَّ حينئذٍ من إحرازها التعبّديّ، ولا طريق لإحرازها التعبّدي إلَّا الاستصحاب.
فلو سلّم في المقام حكومة الاستصحاب على القاعدة فلا محيص عن الالتزام بصحّة جريان الاستصحاب، وعدم كونه تحصيلاً للحاصل أو من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل.
ومقتضى المسلك المشهوري هو حكومة الاستصحاب على القاعدة، باعتبار أنَّ القاعدة في المقام أُخذ في موضوعها الشكّ، والمفروض على المسلك المشهوري أنَّ الاستصحاب يقوم مقام القطع الموضوعي، فهو يلغي عنوان الشكّ ويبدّله باليقين، فهو يخرج المورد عن موارد الشكّ، فمقتضى القاعدة على المسلك المشهوري هو الالتزام بالحكومة ولا يأتي الإشكال.
لكن إنَّما نبرز هذا المطلب بلسان التردّد، باعتبار أنَّ الحكومة في المقام وإن
ـــــــــــــــــــــــــ[322]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
كانت هي مقتضى الصناعة على المسلك المشهوري، إلَّا أنَّها خلاف الذوق، بحيث قد يلتفت الإنسان إلى نكتة ذوقيّة توجب توقّفه عن العمل بمقتضى الصناعة هنا؛ وذلك لأنَّ مقتضى هذه الحكومة -لو تمّت- وقلنا بحكومة دليل الاستصحاب على القاعدة، وأجرينا استصحاب عدم الحجّيّة، وبالحكومة ألغينا الشكّ، فاحتجنا إلى إثبات عدم الحجّيّة بالتعبّد، فأجرينا الاستصحاب، فلو فرضنا في الواقع أنَّ هذه الأمارة المشكوكة الحجّيّة كانت حجّة، بحيث إنَّ الاستصحاب كان على خلاف الواقع، فبناءً على هذا يلزم أن لا يكون هناك حرمة في الواقع؛ لأنَّ الحرمة إمّا بملاك الشكّ، وإمّا بملاك عدم الحجّيّة.
أمّا بملاك عدم الحجّيّة فالمفروض خطأ الاستصحاب، وأمّا بملاك الشكّ فالمفروض حكومة دليل الاستصحاب.
وقد تقدّم في بحث قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي: أنّ الحكومة هنا حكومة واقعيّة، وليست حكومة ظاهريّة، ممّا يعني أنَّ قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي يكون قياماً واقعيّاً، لا قياماً ظاهريّاً بحيث ينكشف خلافه.
فلازم فرض الحكومة في المقام الالتزام بكون مثل هذا الشكّ يكون أقلّ محذوراً من الشكّ في سائر الموارد، حيث إنّه في سائر الموارد التي لا يجري فيها استصحاب عدم الحجّيّة يكون الشكّ مناطاً للحرمة، لكن الشكّ هنا لا يكون مناطاً للحرمة، ومثل هذا المطلب بمجرّد أن يلتفت إليه الفقيه يحصل له الاطمئنان بعدمه.
وحينئذٍ فيلتزم بعدم الحكومة في المقام على خلاف مقتضى الصناعة، فإذا
ـــــــــــــــــــــــــ[323]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
التزم بأنَّ الحكومة غير موجودة في المقام. إذن، فأيضاً يأتي إشكال تحصيل الحاصل؛ لأنَّ شخص هذه الحرمة يكون محرزاً وجداناً في عرض جريان الاستصحاب، فإثباته التعبّديّ بالاستصحاب يكون تحصيلاً للحاصل، بل من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل، كما سبق في الفرض الثاني حرفاً بحرف. هذا هو ما ينبغي أن يقال في مقام حلّ الخصومة بين المحقّق الخراساني والمحقّق النائيني.
وحاصل الإشكال الثاني: أنَّ هذا مبني على أنَّ استصحاب عدم الحجّيّة ليس بلحاظ حرمة الإسناد وحرمة التعبّد، حتّى يقع الكلام في أنَّ حرمة الإسناد والتعبّد هل هي من آثار الشكّ أو من آثار الواقع؟ وأنَّ تحصيلها بالاستصحاب ممكن أو غير ممكن.
فالمفروض في هذا الإشكال أنَّ جريان الاستصحاب ليس بلحاظ حرمة الإسناد والتعبّد، لأنّنا فرغنا عن أنَّ حرمة الإسناد والتعبّد وجوازه ليس من لوازم الحجّيّة، وإنَّما هو أمر قد يتفق اقترانه مع الحجّيّة وقد لا يتفق معها.
وإنَّما الإشكال هنا مبني على أنَّ جريان استصحاب عدم الحجّيّة، إنَّما هو بلحاظ الاستطراق إلى الوظيفة العقليّة من التأمين من ناحية ثبوت الحجّيّة. حيث نجري الاستصحاب استطراقاً إلى التأمين العقلي وحكم العقل بقبح العقاب -كما هو الحال في سائر الأُصول الشرعيّة التي نجريها- فإنّنا إنَّما نجري الأُصول المؤمّنة في الشبهات الحكميّة كالبراءة واستصحاب عدم الوجوب
ـــــــــــــــــــــــــ[324]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
استطراقاً إلى تحصيل الأمن العقلي وتحقيق موضوع للوظيفة العقليّة.
هنا أيضاً الملحوظ من هذا الإشكال: أنَّ الاستصحاب إنَّما يجري بلحاظ الاستطراق إلى الوظيفة العقليّة، وحينئذٍ يقال: بانَّ هذا الاستطراق في المقام تحصيل للحاصل، فالاستطراق من الاستصحاب إلى الوظيفة العقليّة تحصيل للحاصل، لا الاستطراق من الاستصحاب إلى إثبات حرمة الإسناد وحرمة التعبّد؛ وذلك لأنَّ الوظيفة العقليّة في المقام وهي التأمين وقبح العقاب ثابت بالوجدان، فإنَّ مجرّد الشكّ في الحجّيّة يكفي في حكم العقل بقبح العقاب وعدم صحّة المؤاخذة من قبل المولى، فحكم العقل بقبح العقاب وبعدم صحّة المؤاخذة الذي هو الوظيفة العمليّة العقليّة التي يراد الاستطراق إليها ثابتة بالوجدان وبحكم العقل، فالاستطراق إليها بالتعبّد الاستصحابي ممّا لا معنى له ويكون تحصيلاً للحاصل.
نعم، نفس المستصحب وهو عدم الحجّيّة مشكوك ولا يعلم حصوله، لكن إنّنا إنَّما نستصحب عدم الحجّيّة لأجل الاستطراق إلى الوظيفة العقليّة؛ لأنَّ كلّ تعبّد بلا لحاظ الوظيفة العقليّة يكون لغواً، فإنَّ التعبّدات إنَّما هي بلحاظ الاستطراق إلى الوظيفة العقليّة من التنجيز والتعذير.
وحينئذٍ فحيث لا يمكن هذا الاستطراق؛ لأنَّ حكم العقل بقبح العقاب يكفي فيه مجرّد عدم البيان وعدم وصول الحجّيّة، فبعد فرض أنَّ هذه الوظيفة العقليّة ثابتة ومحقّقة بالوجدان، فلا معنى للاستطراق إلى تحصيلها بالاستصحاب.
ـــــــــــــــــــــــــ[325]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
والمتحصل من كلمات السيّد الأُستاذ(1) والمحقّق العراقي(2) في مقام الجواب عن هذا الإشكال: أنَّ الحكم العقلي بقبح العقاب وإن كان ثابتاً بقطع النظر عن استصحاب العدم، إلَّا أنَّ الحكم العقلي بقبح العقاب هنا بملاك الـ(لا بيان) والـ(لا وصول) والشكّ. وأمّا بعد الاستصحاب يكون الحكم العقلي بذاك الملاك مرتفعاً ومتبدلاً إلى حكم عقلي آخر، وهو الحكم العقلي بقبح العقاب من باب وصول العدم.
وقد ذكر المحقّق العراقي بأنَّ موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو عدم البيان من كلا الطرفين، من طرف النفي ومن طرف الاثبات فكما أنَّ بيان الاثبات يكون حاكماً على هذه القاعدة، كذلك بيان النفي أيضاً يكون حاكماً على هذه القاعدة.
إذن بعد جريان الاستصحاب بوجود حكم عقلي آخر غير ذلك الحكم العقلي الذي كان ثابتاً لولا الاستصحاب، فإنَّ ذاك الحكم العقلي الذي كان ثابتاً لولا الاستصحاب هو قبح العقاب بلا بيان ومع الشكّ، وبعد جريان الاستصحاب يتبدّل الـ(لا بيان) إلى بيان العدم.
ـــــــــــــــــــــــــ[326]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: الهداية في الأُصول 2: 36 و315، دراسات في علم الأُصول 3: 55.
(2) انظر: مقالات الأُصول2:135-136، نهاية الأفكار: القسم الثاني من الجزء الثالث:199.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فيقول المحقّق العراقي: إنَّه لو لا ذلك لما جرى استصحاب التكليف الواقعي أيضاً.
ويتحصل من كلماتهم نقوض كثيرة في المقام:
النقض الأوّل: بأنَّه لو تمت هذه الشبهة في المقام على استصحاب عدم الحجّيّة لزم عدم جريان استصحاب عدم التكليف أيضاً؛ لأنَّ حاله مع قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو هذا، فإنَّ مجرّد الشكّ في التكليف يكفي في جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فلماذا نستطرق الى حكم العقل بالقبح باستصحاب عدم التكليف؟! فحال استصحاب عدم التكليف حال استصحاب عدم الحجّيّة.
النقض الثاني: في المقام بكلّ حاكم مع المحكوم، بالاستصحاب مع قاعدة الطهارة، بالاستصحاب مع أصالة الحل، بدليل الأمارة مع الاستصحاب، وهكذا. فإنَّ كل حاكم مع المحكوم أمره هكذا، فإنَّه لو قطع النظر عن الحاكم لكان المحكوم ثابتاً ولكان كافياً في ترتّب الوظيفة العقليّة عليه، فكلّ حاكم مع المحكوم الموافق له في المؤدّى يأتي فيه هذا الإشكال، فاستصحاب الحل مع أصالة الحل، واستصحاب الطهارة مع أصالة الطهارة، والاستصحاب السببي مع المسبّبي في فرض اتفاقهما في المؤدّى، ويكون في جميع هذه الموارد الإشكال جارياً، وهو أنَّه لولا الأصل السببي لكان الحكم العقلي والوظيفة العقليّة ثابتة أيضاً بلحاظ الأصل المسبّبي، لكن ببركة جريان الأصل المسبّبي يتبدّل الموضوع فيرتفع موضوع الأصل السببي، وحينئذٍ يترتّب الحكم العقلي على الأصل السببي لا على الأصل المسبّبي وعلى الاستصحاب لا على أصالة الحل.
ـــــــــــــــــــــــــ[327]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إنَّ هناك فرقاً بين استصحاب عدم التكليف وبين استصحاب عدم الحجّيّة؛ وذلك لأنَّ استصحاب عدم التكليف يبدّل الـ(لا بيان) ببيان العدم والشكّ بإيصال العدم تعبّداً على ذوق المشهور، وعلى ذوقنا نقول: بأنَّ الاستصحاب في المقام يكون مبرزاً لعدم شدة اهتمام المولى بالواقع المشكوك بحيث يوجب القطع بعدم شدة اهتمام المولى، فيبدّل الشكّ بشدة اهتمام المولى بالقطع بعدم شدة اهتمامه.
وعلى أيّ حال فهو على كلا التعبيرين يبدّل الشكّ بالعلم، غاية الأمر على مسلك المشهور يبدّل الشكّ بالعدم تعبّداً باعتبار أنَّ المجعول فيه -مثلاً- هو الغاء الاحتمال والكاشفيّة.
وبناءً على المسلك الصحيح يكون مبدلاً للشكّ بالعلم وجداناً، فيبدّل الشكّ بالاهتمام بالواقع المشكوك على فرض وجوده بالعلم بعدمه إذ لو كان المولى يهتم به لما رخصّ فيه ظاهراً باللسان الاستصحابي.
وحينئذٍ فهذه الدعوى التي ادّعيت من قبلهم تنفع هناك لتصحيح جريان الاستصحاب، وهي أن يقال: إنَّ العقل يحكم بحكمين: أحدهما قبح العقاب على التكليف مع الشكّ فيه، أو بتعبير آخر: قبح العقاب على التكليف مع الشكّ في شدّة اهتمام المولى به، ويحكم حكماً آخر بقبح العقاب على تكليف يعلم بعدمه تعبّداً، أو بتعبير آخر يناسب الطريقة المختارة: أنَّه يحكم بقبح العقاب على تكليف يقطع بعدم شدّة اهتمام المولى به، والقبح الثاني أشدّ من القبح الأوّل.
ـــــــــــــــــــــــــ[328]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وحينئذٍ فبجريان استصحاب عدم التكليف، يرتفع موضوع الحكم العقلي الأوّل ويتحقق موضوع الحكم العقلي الثاني، إذ إنَّ موضوع الحكم العقلي الأوّل هو اللا بيان والشكّ يرتفع، ويوجد موضوع الحكم العقلي الثاني وهو بيان العدم أو القطع بعدم شدّة الاهتمام.
هذا في باب الاستصحاب الجاري في نفس التكاليف الواقعيّة أمر معقول، وأمّا في باب استصحاب عدم الحجّيّة، فإنَّ هذا الاستصحاب على أيّ حال لا يوجب في المقام تبدل الـ(لا بيان) ببيان العدم، ولا يكون حاكماً على قاعدة قبح العقاب؛ لأنَّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا تجري في نفس الحجّيّة المشكوكة وإنَّما تجري بالنسبة إلى الواقع المشكوك.
وهذا الواقع المشكوك حتّى بعد استصحاب عدم الحجّيّة هو لم يثبت، لا أنَّه ثبت عدمه، فإنَّ استصحاب عدم الحجّيّة لا يثبت عدم الواقع المشكوك تعبّداً -على لسان المشهور- ولا يوجب القطع بعدم شدّة الاهتمام بالواقع المشكوك -على مسلكنا- بل غاية ما يوجبه استصحاب عدم الحجّيّة نفي الحجّيّة ونفي شدّة الاهتمام المبرزة بخطاب الحجّيّة، لا نفي شدّة الاهتمام بالواقع أو نفي الواقع تعبّداً. إذن، فلا يكون مثل هذا الاستصحاب حاكماً على القاعدة.
وتوهّم حكومة هذا الاستصحاب على القاعدة إنَّما يتمّ لو فرض أنَّ القاعدة كانت تجري في نفس الحجّيّة؛ لأنَّه حينئذٍ يقال: بأنَّه قد تبدلّ الشكّ ببيان العدم، ولكن بعدما فرضنا أنَّ القاعدة إنَّما تجري بلحاظ الحكم الواقعي. فحينئذٍ موضوعها لا يتبدلّ بجريان الاستصحاب، فنفس الحكم العقلي بالقبح
ـــــــــــــــــــــــــ[329]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الذي هو ثابت لولا استصحاب عدم الحجّيّة، هو ثابت بعد جريان استصحاب عدم الحجّيّة. وهذا معنى أنَّ الاستصحاب في المقام لا يعقل الاستطراق به إلى ذلك الحكم العقلي في المقام.
إذن، فهناك فرق بين استصحاب عدم التكليف وبين استصحاب عدم الحجّيّة. ومقصودنا من هذا بيان أنَّه لا يلزم من الالتزام بجريان استصحاب عدم التكليف، جريان استصحاب عدم الحجّيّة، بل قد يكون الإشكال مندفعاً هناك ولا يكون مندفعاً هنا.
وأمّا النقوض التي أوردت في المقام:
فالنقض باستصحاب عدم التكليف، اندفع بهذا البيان.
وأمّا النقض بكلّ أصل حاكم مع أصل محكوم موافق له، فأيضاً هذا النقض أجنبي عن محلّ الكلام؛ وذلك لأنَّ الأصل الحاكم والأصل المحكوم كلّ منهما يتكفّل لجعل وظيفة ظاهريّة من قبل الشارع، والمفروض أنَّ كلّاً من هاتين الوظيفتين الظاهريّتيّن في نفسها تصح أن تكون موضوعاً لحكم العقل بقبح العقاب بالتأمين، لكن بعد فرض الالتزام بالحكومة لا بُدَّ وأن يلتزم بأنَّ الوظيفة الظاهريّة المجعولة في المحكوم لا موضوع لها في حال وجود الأصل الحاكم.
ـــــــــــــــــــــــــ[330]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
إذن، ففي حال جريان الأصل الحاكم لا بُدَّ من الالتزام بأنَّ حكم العقل بالتأمين مترتّب على الحاكم لا على المحكوم؛ لأنَّ المحكوم لا وجود في عرض الحاكم.
نعم، لو لا الحاكم لكان للمحكوم وجود، وهذا اين منه محلّ الكلام؟! فإنَّه في محلّ الكلام حكم العقل بالتأمين موجود على أيّ حال سواء جرى استصحاب عدم الحجّيّة أو لم يجرِ، فهو موجود بملاك واحد على أيّ حال. فالنقض بالأصول الحاكمة والمحكومة الشرعيّة في المقام في غير محلّه(1).
فهذه النقوض لا تأتي في المقام.
فإنَّه قد نقض الأعلام بالأمارات النافية للحجّيّة بأن نبدّل استصحاب عدم الحجّيّة، بصحيحة زرارة الدالّة على عدم الحجّيّة، هل تكون هذه حجّة أو لا تكون حجّة؟
الجواب: إمّا أن يتكلّم عن فائدة كلام الإمام الذي صدر إلى زرارة، وأنَّ
ـــــــــــــــــــــــــ[331]ــــــــــــــــــــــ
() وهنا سأل أحد الإخوان: يعني أنَّ الجواب عن باقي النقوض واحد مع جواب النقض باستصحاب عدم التكليف أو هناك فرق بينهما؟
فأجاب سيّدنا الأُستاذ (سلّمه الله): نعم، فإنَّه في استصحاب عدم التكليف يتوقف جواب النقض على أن نضمّ تلك الدعوى، وهي دعوى أنَّ العقل حكمه بقبح العقاب في فرض الشكّ غير حكمه بالعقاب في فرض إيصال العدم تعبداً، وبلا هذه الدعوى لا يجري استصحاب عدم التكليف. أمّا هذه النقوض فلا تتوقف على إثبات هذه الدعوى فإنّها غير صحيحة حتّى لو لم تتمّ هذه الدعوى، فإنّنا لو قلنا بأنَّ العقل له حكم واحد بقبح العقاب بعنوان عدم الوصول أعمّ من الشكّ أو وصول العدم، مع هذا لا يأتي النقض بالأصل الحاكم والأصل المحكوم؛ لأنَّه في حال وجود الأصل الحاكم، لا وجود للأصل المحكوم حتّى يترتّب عليه في المقام. (المُقرِّر).
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
كلام الإمام ما فائدته؟ ولماذا لم يعتمد الإمام على عقل زرارة في إدراك التأمين. وأُخرى يتكلّم عن فائدة شمول دليل الحجّيّة لهذه الرواية بالنسبة إلينا.
أمّا فائدة كلام الإمام فهو واضح، فإنَّه قد يوجب القطع بعدم الحجّيّة، ونفس هذا معرفة من معارف الإسلام، فإنَّ الإسلام بجميع شؤونه وأحكامه وتشريعاته من المستحسن أن يعرفه المسلمون، فنفس هذا إيصال لأحكام الإسلام، ومثل هذا بنفسه مهم من دون حاجة إلى الانتهاء إلى التأمين والتنجيز.
وأمّا أثر حجّيّة قول الإمام (عليه الصلاة والسلام) في المقام فهو في مورد المعارضة، فإنَّ الدليل الاجتهادي في هذه الصحيحة يصلح أن يكون معارضاً أو مخصّصاً لما يقتضي حجّيّة مثل هذه الأمارة فيكون سداً لباب الحجّيّة لو فرض أنَّه قام دليل آخر عليها من خارج. هذا تمام الكلام في تقريب استصحاب عدم الحجّيّة مع كلا الإشكالين وتحقيقهما.
التقريب الثالث: وهو بخصوص ما إذا كان مشكوك الحجّيّة أمارة ظنّيّة. فإنَّه قد يقال بإنّنا نرجع إلى الآيات الناهيّة عن العمل بالظنّ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ(1) ونحو ذلك من الآيات التي تنهى عن العمل بالظنّ.
وقد يقال: بأنَّ هذه الآيات أيضاً أُخذ في موضوعها ما ليس علماً، وما ليس علماً لا موجب لدعوى انصرافه إلى خصوص الظنّ، فيشمل كلّ ما يتمسّك به ممّا لا يكون دليلاً علميّاً قطعيّاً -مثلاً -.
ـــــــــــــــــــــــــ[332]ــــــــــــــــــــــ
(1) الإسراء: 36.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
وقد أشكل على ذلك المحقّق النائيني(1): بأنَّ التمسّك بهذه الإطلاقات في الشكّ في جعل الحجّيّة للظنّ تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة؛ وذلك لأنَّ هذه الإطلاقات الناهية عن العمل بالظنّ والتي أُخذ في موضوعها عدم العلم، ونحن إذ نحتمل جعل الحجّيّة له نحتمل كونه علماً، فنحتمل خروجه بالحكومة، فلم نحرز في المقام ما هو موضوع هذه الاطلاقات.
وهذا الإشكال في المقام غير تامٍّ؛ وذلك لأنَّ هذه الآيات الناهية عن العمل بالظنّ بنفسها في مقام بيان عدم الحجّيّة، ومحمولها هو عدم الحجّيّة، يعني: أنَّ هذا النهي المجعول في هذه الآيات نهي ارشادي إلى عدم الحجّيّة.
فحينئذٍ يكون هذا النهي الارشادي في عرض جعل الطريقيّة والكاشفيّة، لا أنَّه يكون في طوله، بحيث يكون جعل الطريقيّة والكاشفيّة حاكماً على هذا الدليل الاجتهادي، فإنَّه ليس هذا النهي نهياً تحريميّاً مولويّاً حّتى يتصوّر في المقام كون جعل الطريقيّة حاكماً عليه، كما هو الحال في حرمة الإسناد وحرمة التعبد، فإنَّ حرمة الإسناد حرمة تكليّفيّة مولويّة أُخذ في موضوعها عدم العلم، وحينئذٍ يكون جعل الطريقيّة حاكماً على دليل حرمة الإسناد، لكن هذا النهي عن العمل بالظنّ ليس مفاده الحرمة التكليّفيّة المولويّة، بل هو بنفسه نهي ارشادي إلى عدم حجّيّة الظنّ في الشريعة الإسلاميّة، فحينئذٍ يكون في عرض جعل الطريقية والكاشفيّة، ولا يعقل أن يكون جعل الطريقيّة والكاشفيّة حاكماً بالنسبة إليه.
ـــــــــــــــــــــــــ[333]ــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 87.
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
فمثل هذه الآيات أيضاً لا بأس بكونها مرجعاً بنحو الدليل الاجتهادي لنفي الحجّيّة -مثلاً -.
هذا تمام الكلام فيما ينبغي أن يقال في تأسيس الأصل في المقام.
وبعد هذا يقع الكلام في الأمارات.
ـــــــــــــــــــــــــ[334]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
العلم الاجمالي 13
المقام الأوّل: تنجيز العلم الإجمالي 15
مبنانا في تنجيز العلم الإجمالي 17
المقام الثاني: في الامتثال الإجمالي 33
الملاك الأوّل: في اعتبار التفصيليّة للميرزا 35
مناقشة دعوى الميرزا 37
الملاك الثاني: الاتيان بالواجب متميزاً حال الإتيان 47
الملاك الثالث: دعوى الوجوب العقلي 53
تقريب آخر للملاك الثالث 56
إجابة المحقّق الخراساني 57
تعليق السيّد الخوئي في الدراسات 58
الكلام في أمرين 64
استطراد ضروري 65
التفصيل بين الامتثال التفصيلي القطعي الوجداني والتعبّدي 67
التحقيق 68
ـــــــــــــــــــــــــ[335]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الامتثال الإجمالي 77
مباحث الظنّ 85
الأمر الأوّل: في أنَّ حجّيّة الظنّ ليست واجبة ذاتاً 85
الأمر الثاني: في امتناع جعل الحجّيّة للظنّ وعدمها. 93
الجهة الأولى: التوفيق بين الحكم الظاهري والحكم العقلي 93
التصدّي للإشكال من قبل الميرزا النائيني ومن تبعه 96
التحقيق مختصراً 97
الجهة الثانية: في الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري 101
إشكالات صاحب الكفاية على أصالة الإمكان 103
مناقشة الإشكال الأوّل 108
مناقشة الإشكالين الأخيريين 111
الكلام في مقامين 115
المقام الأوّل: في الجهات الراجعة إلى العقل النظري. 115
الوجه الأوّل منع تكليفية الأحكام الظاهرية 116
الوجه الثاني: عدم التنافي بين الأحكام الظاهرية والأحكام الواقعية 121
الوجه الثالث: ما أفاده المحقّق الخراساني 127
الوجه الرابع: التبعيض في متعلّق الحكم الواقعي من حيث المبادئ الحقيقية 148
ـــــــــــــــــــــــــ[336]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الوجه الخامس: ما أفاده المحقّق العراقي 159
مناقشة ما أفاده العراقي في هذا الوجه 168
الوجه السادس والأخير في المقام: وهو الطولية بين الحكمين ومناقشته 174
مقتضى التحقيق في المقام 182
بيان مقدمات لتوضيح المطلب 183
خلاصة التحقيق في المقام 201
في المقدار المشترك من الأحكام بين الجاهل والعالم 218
معاني دواعي البعث والتحريك 226
عوداً على بدء 233
الجواب الإجمالي 235
الجواب التفصيلي 238
تنبيهان 243
التنبيه الأوّل: في الجمع عند انفتاح العلم 243
التنبيه الثاني: في وجود الحكم في حقّ القاطع بالعدم 245
الإشكال الأوّل: في ثبوت الأحكام الواقعيّة المشتركة في حقّ العالم بالعدم 245
الإشكال الثاني: [التكليف بغير المقدور] 246
الجواب عن الإشكال الأوّل 248
ـــــــــــــــــــــــــ[337]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الجواب عن الإشكال الثاني 249
في الجمع بين الحكمين الظاهري والواقعي بناءً على القول بالسببية 250
المقام الثاني: في الجهات الراجعة إلى العقل العملي 254
المصلحة السلوكيّة 256
مناقشة القول بالمصلحة السلوكية 261
الأمر الثالث: تأسيس الأصل عند الشكّ في الحجّيّة 265
بيان المختار وبعض كلمات الأعلام 276
جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان 278
جريان أصالة البراءة 279
إشكال ورده 282
تقريبات أُخرى في تأسيس الأصل 293
التقريب الأوّل: ما هو المتفاهم من عبارة الشيخ الأعظم 293
إعادة التقريب الأوّل: ما هو المتفاهم من عبارة الشيخ الأعظم 300
أمور ثلاثة يتوقف عليها التقريب الأوّل 301
الأمر الأوّل: جواز الإسناد أثر مساوٍ للحجّيّة 302
الأمر الثاني: هل الإسناد أثر للحجّيّة بوجودها الواقعي أم بوجودها الواصل؟ 303
ـــــــــــــــــــــــــ[338]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8
الأمر الثالث: ما دلّ من الكتاب والسنة 306
التقريب الثاني: استصحاب عدم الحجّيّة 308
اشكالان على التقريب الثاني 308
الإشكال الأوّل: [إنَّ الاستصحاب يحتاج إلى أثر شرعي للمستصحب] 309
دفاع الميرزا عن الشيخ الأعظم 314
الإشكال الثاني: [جريان استصحاب عدم الحجية بلحاظ الاستطراق إلى الوظيفة العقلية] 324
حاصل كلام المحقّق العراقي والسيّد الخوئي 326
التحقيق في المقام 328
النقض بالأمارات النافية 331
التقريب الثالث: إذا كان مشكوك الحجّيّة أمارة ظنّيّة 332
الفهرس 335
ـــــــــــــــــــــــــ[339]ــــــــــــــــــــــ
محاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج8