أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
علم أصول الفقه ج9

محاضرات في علم أصول الفقه

الجزء التاسع

 

261

ص44 الصدر، محمد.

محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج9 (416ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1713/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1713) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

7-31-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com



محاضرات 

في 

علم أصول الفقه 

تقريراً لأبحاث 

سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية الله العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر 

الجزء التاسع 

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 

 

بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 





مباحث الأمارات

 

ويحتوي على:

  • مبحث السيرة
  • الكلام في بحث الظواهر

ــــــــــ[11]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 










مبحث السيرة

 

  • الحاجة إلى هذا البحث
  • معنى السيرة العقلائيّة
  • السيرة التي يُستدلّ بها على حجّيّة الأمارات
  • المرحلة الأولى في إثبات وجود السيرة في عصرهم
  • المرحلة الثانية: في استكشاف الإمضاء الشرعي
  • المرحلة الثالثة: في أخذ النتيجة من السيرة

ــــــــــ[13]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 





مبحث السيرة(1)

 

[الحاجة إلى هذا البحث]

 

قبل أن نشرع في مقام الإثبات في الأمارات المدّعاة في المقام -كحجّيّة الظواهر، وخبر الواحد، والإجماع المنقول، والشهرة، وحجّيّة مطلق الظنّ، ونحو ذلك-  قبل الشروع في ذلك يستحسن أن نتكلّم في بحث تحت عنوان السيرة؛ لأنَّ السيرة بنفسها أحد المصادر المهمّة في استنباط الأحكام الفرعيّة الفقهيّة، وفي مقام استنباط أحكام بعض هذه الحجّج والأمارات التي يُتكلّم عن حجّيّتها وأماريتها شرعاً، فالجهة الأولى تقتضي أصل التعرّض، والجهة الثاني تقتضي تقديم التعرّض للسيرة على التعرّض لتلك الأمارات. 

وسوف يظهر في خلال البحث في السيرة العقلائيّة أنَّها ليست حجّة من باب الأماريّة الظنّيّة حالها حال سائر الأمارات الظنّيّة، كحجّية الظواهر أو خبر الواحد، بل هي بناءً على حجّيّتها -وصوغ حجّيّتها بالنحو الذي سوف نتكلّم فيه- تكون دليلاً كاشفاً قطعيّاً عن ثبوت الحكم الشرعي، فيكون حالها حال 

ــــــــــ[15]ــــــــــ

(1) كان تاريخ الشروع في هذا البحث يوم الأربعاء 5/3/1384هـ، 15/7/1964م.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

السنّة المتواترة، فكما أنَّ السنّة المتواترة كاشفة عن الحكم الشرعي كذلك السيرة العقلائيّة بشروطها وحدودها تكون كاشفة عن الحكم الشرعي. 

ومن هنا أيضاً كان البحث فيها غير مندرج تحت عنوان الأمارات الظنّيّة. فنحن لا نذكر السيرة العقلائيّة هنا باعتبارها إحدى مصاديق الأمارات الظنّيّة، بل نذكرها من باب لم يعيّن لها موضوع في علم الأُصول، مع حاجة أبحاث الأمارات الظنّيّة إليها؛ لأجل توضيح حجّيّة الأمارة. 

والاستدلال بالسيرة العقلائيّة وإن كان موجوداً في كتب وإفادات علمائنا (قدّس الله أسرّارهم) إلَّا أنَّ تنقيح النكات والشروط والخصوصيّات التي بها يكون هذا الاستدلال، أي: (أُصول السيرة) (منطق السيرة)، كيف يعصم الفكر عن الخطأ في مقام الاستدلال بالسيرة، كلّ هذا لم ينقح في كلماتهم، على حدِّ ما نقحت مباحث الأمارات الظنّيّة مثلاً، أو مباحث الأُصول العمليّة.

من هنا كانت الحاجة إلى تحقيق هذا الموضوع ماسّة، وتزداد الحاجة إلى تحقيق بحث السيرة وعلى والاعتماد على السيرة بحسب الخارج في مقام الاستنباط حينما يُطعن في كثير من الأساليب المتعارفة في إثبات الأحكام الشرعيّة. 

وتوضيح ذلك: أنَّ الذي يظهر في كلمات جملة من الأكابر والمحقّقين أنَّ هناك محذوراً لا يمكن للفقيه الالتزام به، وهذا المحذور يُجعل غالباً دليلاً برأسه على إبطال كلّ مدّعٍ يؤدّي إلى ترتّب ذلك، وهذا المحذور هو عنوان ما يلزم منه تأسيس فقه جديد، فإنّه كثيراً ما يقوله علمائنا الأبرار (قدّس الله أسرّارهم): من 

ــــــــــ[16]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

أنَّ هذه الدعوى يلزم منها تأسيس فقه جديد. فيُشكل -مثلاً- على التمسّك بإطلاق لا ضرّر ولا ضرار: بأنَّ التمسّك بإطلاق هذه القاعدة يلزم منه تأسيس فقه جديد، أو يُشكل على التمسّك بما دلّ على حصول الإباحة في موارد المعاطاة، وهكذا يُشكل بهذا العنوان على جملة من المدّعيات: بأنَّ هذه المدّعيات لو تمّت لأدّت إلى هذا المحذور الباطل، وبطلان التالي يستكشف منه بطلان المقدّم. 

والذي يستظهر من جملة من هذه الكلمات أنّه ليس المقصود من قولهم: (يلزم من هذا تأسيس فقه جديد) أي: يلزم من هذا إثبات شيء على خلاف مقتضى أدلّة أُخرى قطعيّة وواضحة الدلالة، وإلَّا لقيل: بأنّ إطلاق (لا ضرّر) الذي يتمسّك به في المقام، أو أنّ القول بالإباحة في باب المعاطاة، أو أنَّ التمسّك بإطلاق القرعة -مثلاً- في أخبار القرعة، هذا معارض بالأدلّة الفلانيّة التي تدلّ على خلاف ذلك. 

فالذي يظهر من هذه الكلمات -بعد ملاحظة قراءتها وسوابقها ولواحقها وموارد تطبيقها- أنَّ المقصود من هذا المحذور ليس هو بيان أنَّ هذا المدّعى الذي نريد إبطاله هو مخالف لأدلّة أُخرى أقوى دلالة وسنداً، بل كأنّ المقصود من هذه العبارة أنَّ هذا المدّعى يوجب الالتزام بأحكام لم يألف الفقهاء الالتزام بها والمصير إليها والاجتزاء بها.

وكأن هذه العبارة، وإن كانت ترجع في الحقيقة إلى قولنا: إنَّ الإجماع على خلاف هذا، إلَّا أنَّ الفقهاء في أمثال هذه الموارد لا يقولون: إنَّ هذا باطل إجماعاً، مع أنَّه في كثير من الموارد يقولون بالبطلان إجماعاً، فيستدلّون على 

ــــــــــ[17]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بطلان دعوى الخصم بالإجماع، وأنَّه مسبوق بالإجماع وملحوظ به ومقارن له، إلى غير ذلك من الأشكال.

فهنا أيضاً كأنَّ هذا شيء آخر غير مسألة الإجماع الفتوائي، فكلّ هذا يُشعرنا بأنَّ من القريب أن يكون مقصود هؤلاء الفقهاء من هذه العبارة بهذا الطرز المخصوص حينما تذكر في موارد مخصوصة: التعبير عن مطلب ثابت في المرتبة السابقة، وذلك المطلب الثابت في المرتبة السابقة هو عبارة عن أنَّ هناك جملة من الآراء والمطالب الشرعيّة تُلقيت بالقبول من قبل الأوائل وأُخذت بطريق لا نعرفه، بحيث أُخذت وتُلقيت بالتسليم والقبول منهم دون أن يكون عليها بالفعل دليل صناعي، وهذه الآراء والمطالب الفقهيّة لو أردنا أن نعرضها على مُرّ الصناعة لم نكن نجد في الصناعة ما يبرهن عليها، إلَّا أنّها مطالب لنا القناعة والركون إلى كونها متسلّمة من يد الشارع الأقدس من قبل الأوائل؛ ولهذا تكون مثل هذه المسلّمات التي تكوّن لنا مثل هذه القناعة بالنسبة إليها جزءاً ضروريّاً لا بُدَّ من الالتزام به في الفقه، وكلّ بناء استدلالي في الفقه لا بُدَّ وأن يكوّن بناء تُحفظ فيه هذه المسلّمات، وما لم تُحفظ هذه المسلّمات في البناء الاستدلالي الصناعي للفقه بنحو من أنحاء الحفظ الاستدلالي، فهذا ليس بناءً صناعيّاً كاملاً.

فمسلّميّة هذه المطالب بقناعة وجدانيّة قبليّة أوجبت التفكير في أن يكون البناء الاستدلالي للفقه يُقام ويُشاد بنحو تحفظ فيه هذه المسلّمات ولا يتجاوز عنها.

 ــــــــــ[18]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وبتعبير آخر: لا بُدَّ وأن لا يكون الاستنباط لا بشرط من ناحيتها، بل لا بُدَّ وأن يكون مقيّداً بحدود هذه المسلّمات. 

وهذه الفكرة كأنّها فكرة مرتكزة في ذهن كثير ممّن يشتغل بالفقه من الشيعة وغير الشيعة، فإنَّ مثل هذا الكلام موجود في كلام الفقهاء غير فقهائنا، فإنّهم أيضاً لهم مثل هذا التالي الباطل الذي يحكّمونه في بعض الموارد، ويبطلون به بعنوانه مدّعىً من المدّعيات. 

ومن المحتمل أن يكون غير أهل الحقّ من المسلمين قد عالجوا هذه الناحية إمّا بالالتفات التفصيلي أو الارتكازي، فعُولجت هذه الناحية بسدّ باب الاجتهاد، فإنّه قد تكون فكرة سدّ باب الاجتهاد هي كيفيّة من كيفيّات علاج هذه الناحية عند غير أهل الحقّ من فرق المسلمين.

فإنَّ هؤلاء سدّوا باب الاجتهاد ضمن هذه المذاهب الأربعة، مع فتح بابه داخلها، يعني: أنَّ مسلّمات هذه المذاهب الأربعة وما اتّفقت عليه بمؤسّسيها ومن كان له حقّ التصرّف من طلاب هؤلاء والأئمّة الأربعة متمّم الجعل لكلّ واحد منهم، فما كان مسلّماً عندهم لا يمكن الاجتهاد، حتّى لو فُرض أنّه لم يوجد عند هذا الشخص شخص فقيه ما لم يعتبر نفسه من المحقّقين الكبار كالغزالي، مع هذا لم يكن يسمح لنفسه بأن يجتهد فيما يتسالم عليه الأربعة مع متمّم جعلهم. نعم، هو يجتهد في داخل دائرة هذه المسلّمات، فقد يوافق فلاناً وقد يخالف فلاناً، وهكذا. 

ويسمّون هذا المجتهد بمجتهد المذهب، لا بمجتهد الشرع، فإنَّ مجتهد 

ــــــــــ[19]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

أهل الشرع إنَّما هم أولئك الأوّلين، وأمّا هؤلاء فمجتهدون مقيّدون بحدود هذه المذاهب المحدّدة. 

هذه الفكرة من حيث تطبيق كون هذه المذاهب هي خصوص مذهب فلان وفلان! فمن المحتمل أن يكون تطبيقاً سياسيّاً ناشئاً من عوامل الهوى والوقت -يومئذ- من حيث تطبيق هذا على خصوص هؤلاء الأربعة بلا ميزة واقعيّة لهم على قرنائهم من أهل الباطل والضلال، فضلاً عن مقايستهم بمسلك أئمّة أهل الحقّ ومن رجع إليهم.

ولكن من حيث أصل فكرة هذا التحديد وهذا الحبس فمن المحتمل أن تكون قد نشأت بداعي علاج شأن هذه المسلّمات، وضمان أن لا يتجاوز الفقيه بعد ذلك على هذه المسلّمات، فأغلقوا في وجهه باب الاجتهاد، غاية الأمر أنَّ شياطين الوقت -يومئذ- استغلوا مثل هذه الفكرة وجعلوها لمصلحة معيّنة اقتضت حبس باب الاجتهاد على خصوص هؤلاء الأربعة دون غيرهم.

وأمّا عندنا ففي الفقه السابق القديم لم يكن هذا مشكلة في البناء الاستدلالي للفقه؛ لأنَّ قواعد البناء الاستدلالي في الفقه بطبيعتها كانت تتكفّل إثبات هذه المسلّمات على مقتضى الصناعة؛ لأنَّ القواعد كانت تقتضي حجّيّة الشهرة عند كثير من الفقهاء، وحجّيّة الإجماع المنقول عند كثير منهم، وانجبار الخبر الضعيف بعمل الأصحاب، ووهن الخبر الصحيح بأعراض الأصحاب. وتعمّقوا أكثر من هذا في مقام المحافظة على الأُصول السابقة فعمّموا هذه القاعدة حتّى للدلالة، فكما أنَّ السند قد ينجبر بعمل الأصحاب فالدلالة في 

ــــــــــ[20]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بعض الأحيان أيضاً تنجبر بعمل الأصحاب، كما في كلمات الشيخ الأعظم(1) مع أنّه مؤسّس هذه الصناعة الموجودة الآن في النجف، مع هذا يوجد أمثال ونظائر لذلك، فلعلّ ضعف الدلالة منجبرة بعمل الأصحاب، فأخبار القرعة مثلاً يقال: إنّه لا يمكن التمسّك بإطلاقها، بل في كلّ مورد عمل الأصحاب بأخبار القرعة فنحن نعمل بها، وفي كلّ مورد لم يعمل الأصحاب بها لا نعمل بأخبار القرعة أيضاً، وهكذا.

مثل هذه القواعد التي فُرشت وأقيم عليها البناء الاستدلالي للفقه رفعت مثل هذا الخوف النفسي الذي كان موجوداً، من حيث إنَّ هذه المسلّمات كيف يُعتدى على حريمها، فهذا رفع. 

وأصبح البناء الاستدلالي للفقه بطبيعة القواعد التي بُني عليها ما يضمن حصول هذه المسلّمات؛ إذ لا يوجد واحد من هذه المسلّمات عليه إجماع منقول، أو شهرة، أو عمل الأصحاب، ونحو ذلك من الأُمور التي بُني على أنَّها قواعد للبناء الفقهي.

وفي هذا الزمان السيرة العقلائية لم تكن رائجة، فإنّنا حين نراجع تأريخ العلماء الذين يعتقدون بمثل هذه القواعد نجد أنَّ السيرة العقلائيّة لم تكن رائجة؛ لأنّهم -ونحن بحسب قانون العقل الثالث- كانوا مدفوعين بدافع التحفّظ على تلك المسلّمات، وكان التحفّظ عليها لا يقتضي تطبيق قواعد أُخرى غير تلك القواعد، فبنوا على هذه القواعد واكتفوا بها.

ــــــــــ[21]ــــــــــ

(1) انظر: المكاسب (الأنصاري) 1: 56.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ثُمَّ بعد ذلك جاء مجددوا هذه الصناعة كالشيخ الأنصاري، وكلّ من المحقّقين ومن قارنهم فأشكلوا على هذه القواعد واحداً بعد الآخر، فأفادوا: أنَّ الإجماع المنقول ليس بحجّة، والشهرة ليست بحجّة، وهكذا حتّى أُشكل على مسألة انجبار الخبر الضعيف بعمل الأصحاب، وسقوط الخبر الصحيح بإعراض الأصحاب.

 ولعلّ السيّد الأُستاذ(1) كان من أوائل من بنى على هذا في فقهه، وحين فتح باب هذا الإشكالات كان السير فيها طبيعيّاً؛ لأنَّ جميع هذه القواعد هي هواء في شبك، ولم يكن لها أصل ولا قاعدة، فلمّا فتح هذا الباب قهراً هذا الهواء المحبوس في الشبك خرج من هذا الباب، بالتدريج إلى أن فرغ هذا الشبك من الهواء فتهدمت كلّها. 

إلَّا أنَّ الفقهاء الذين هدموا هذه القواعد -كالشيخ الأعظم ومن تبعه- كأنّهم هدموها في الأُصول ولم يلتفتوا إلى ذلك في الفقه، ففي الفقه يعملون بهذه القواعد، ولهذا اشتهر الإشكال عليهم: بأنَّ الإجماع المنقول في الأُصول ليس بحجّة، لكنّه في الفقه حجّة. 

وفي الحقيقة أنَّ هذه المسألة لا ينبغي أن تدرس بنحو الإشكال العلمي، وإنّما هي حالة -بحسب قانون العقل الثالث الذي نستنجزه من تدقيق حالات أفكار هؤلاء الفقهاء من الأوّل إلى الآخر- نفسيّة، وليست حالة استدلاليّة، فإنَّ هؤلاء اللذين تطوّر علم الأُصول بفكرهم وبالأسباب التي اقتضت أن 

ــــــــــ[22]ــــــــــ

(1) انظر: مصباح الأُصول 2: 241.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

يتغيّر علم الأُصول على يد الشيخ الأنصاري، فإنَّ الشيخ الأعظم رأى أنَّه لا مبرّر لمثل هذه القواعد، فإنّها غير صحيحة، وبنى عليه طلابه بعد ذلك فأخذوا منه ذلك، ثُمَّ أوصلوه إلى نهايته الطبيعيّة، حيث لم يوصله الشيخ إلى نهايته الطبيعيّة. 

إلَّا أنَّ هذا لم يرفع هذه الحالة النفسيّة عند الشيخ الأعظم فإنَّ المطلب بحسب الحقيقة لم يكن كما تصوّره الشيخ من أنَّه مطلب صناعي يناقش فيه، ولا كما تصوّره هؤلاء المشكلون على الشيخ من أنّه دليل ومدّعى، وإنَّما المطلب هو الحالة النفسانيّة عند الفقيه هي التي تمنعه، لا أنَّ الدليل يمنعه وذوقه الاستدلالي يأبى أن يقول: إنَّ حالتي النفسيّة هي الدليل، بل بطبيعته الاستدلاليّة يريد أن يُقيم دليلاً، لا أن يقول: حالتي النفسيّة هي الدليل، فهو يريد أن يستبدل الحالة النفسيّة بالدليل، ففي الواقع الدليل هو الحالة النفسيّة؛ ولهذا لما بطلت دليليّة الدليل في علم الأُصول لم يتركوا هذا الدليل في الفقه، بل بقوا يستدلّون به؛ لأنَّ الدليل هو الحالة النفسيّة، وهي في المقام لم تزل. 

والشيخ ومدرسته لم يعالجوا هذه الحالة النفسيّة ولم يحلّلوها، فإنَّ هذه الحالة النفسيّة ماهي؟ وما هو كنهها؟ وهل هي تصلح أن تكون دليلاً من دون حاجة إلى هذه العناوين؟ فبحسب الحقيقة لم يصارحوا أنفسهم بذلك، أو لم يلتفتوا إلى ذلك، وأغمضوا عمّا هو السبب الحقيقي، واشتغلوا بهذه الأسباب الثانويّة التي تسمّى بالأدلّة؛ ومن هنا لم يكن هذا المطلب يؤثّر في الفقه حينما أبطلوه في الأُصول. 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ولعلّه في عصر متأخّر جدّاً عن الشيخ الأعظم بدأ هذا المطلب، فبدأ تأثير المطالب المتبناة في الأُصول على الفقه، ولعلّه بعد المحقّق النائيني، فنرى في العصور المتأخّرة جداً يقال: إنَّ الإجماع المنقول ليس حجّة، والمناقشة في كثير من المطالب التي تبنى على حجّيّة الإجماع المنقول، بل أخيراً بنى السيّد الأُستاذ(1) على عدم انجبار الخبر الضعيف بعمل الأصحاب، وعدم سقوط الخبر الصحيح بإعراض الأصحاب، وصار في مقام بناء فقهه على ذلك أيضاً. 

وهذ المطلب كلّه علاج صناعي للمطلب، وإلَّا فإنَّ الحالة النفسيّة هي الحالة النفسيّة الموروثة، فإنّها لا تزال موجودة حتّى الآن، فهذه الحالة النفسيّة الموروثة كانت تحتاج إلى أُسلوب آخر وتعبير آخر، فلم تكشف عن نفسها بشكل واضح حتّى يقال: هنا حالة نفسيّة تقتضي هذا المطلب، بل أخذ هؤلاء يفكّرون في التعويض عمّا هدموه تعويضاً صناعيّاً. 

فإنّه بعد أن صار البناء على عدم إعمال تلك القواعد في الفقه، وعلى بناء فقه بلا ضمّ تلك الخصوصيّات وتلك المطالب، حينئذٍ جاءوا إلى هذه المسلّمات ورأوا أنَّ هذه المسلّمات كيف يمكن تتميمها في المقام، فإنَّها لا يوجد عليها خبر صحيح، ولا يوجد عليها إطلاق آية مباركة؟ إذن، كيف يمكن تتميم مثل هذه المسلّمات في المقام؟ 

وهنا اعتدل حظ السيرة العقلائيّة وراج سوقها، فهكذا خطر في بال المحقّقين المتأخّرين من أنَّ السيرة العقلائيّة يمكن أن تكون تعويضاً عمّا هُدم 

ــــــــــ[24]ــــــــــ

(1) انظر: مصباح الأُصول 2: 241.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بمعول الصناعة من تلك القواعد الأُخرى غير الصحيحة؛ ولهذا نرى في فقه المحقّقين المتأخّرين (رضوان الله عليهم) أنَّ السيرة العقلائيّة لها جولات أكثر بكثير منها في كتب المتقدّمين، فإنّنا لو قارنّا كتاب الشيخ الأعظم فضلاً عمّن قبله مع كتب المتأخّرين جداً عنه، خصوصاً السيّد الأُستاذ فنرى حينئذٍ الفرق ما بين هذين الكتابين، من حيث الاعتماد على السيرة أعمّ من كونها عقلائيّة وسيرة متشرعة.

وأصبحت السيرة أخيراً هي الأساس والدليل على إثبات كثير من تلك المسلّمات وغير تلك المسلّمات، فإنّها لمّا فتح بابها لم تُقصر على تلك المسلّمات، بل فتح بابها على مصراعيه، فأصبحت هي دليلاً على كثير من المسلّمات ومن غير المسلّمات. 

فيمكن أن نقول في المقام -بقانون العقل الثالث-: إنَّ رواج السيرة العقلائيّة في العصر المتأخّر إنَّما هو كتعبير عن تلك الحالة النفسيّة، وكعلاج لها، لكنّه علاج على طبق العلاجات السابقة، فهو علاج بلا كشف عن هذه الحالة وتحديد عناصرها وخصوصياتها؛ إذ كانت الضرورة إلى هذا العلاج من باب أنَّ العلاجات السابقة هُدمت وبقيت هذه الحالة بلا علاج، فعوّض بالسيرة العقلائيّة.

ومن هنا كان البحث في السيرة العقلائيّة بحثاً مهمّاً في المقام؛ لأنَّه أصبح من أهمّ الدعائم في الفقه، فلا بُدَّ وأن نتكلّم في السيرة العقلائيّة في المقام بنحو الميسور، ثُمَّ بعد هذا نتكلّم على ضوء حديثنا في السيرة عن هذه الحالة النفسيّة، 

ــــــــــ[25]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وعن الأصل النفسي للمطلب، لا الأصل الصناعي له، فنكون صرحاء مع أنفسنا ونحلّل هذه الحالة النفسيّة عندنا لنرى ما هي الوظيفة الفقهيّة تجاه هذه الحالة النفسيّة.

ــــــــــ[26]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 













معنى السيرة العقلائيّة

 

وقبل الدخول في بيان المنطق الفقهي للسيرة العقلائيّة ومنهج الاستدلال فيها لا بُدَّ وأن نعرف معنى السيرة العقلائيّة في المقام(1).

فتارةً يقصد من السيرة العقلائيّة -كما هو ظاهر اللفظ- وجود سلوك عامّ عند العقلاء تطابقوا فيه، لنكتة عامّة ارتكازيّة نابعة من عُقلائيتهم، تطابقوا فيه على مطالب من المطالب، فالعقلاء في سلوكهم العامّ تطابقوا على تصرف خارجي معيّن وفقاً لنكتة ارتكازيّة ثابتة في قريحة هؤلاء العقلاء المتطابقين على ذلك الشيء، وهذا هو المعنى الظاهر من عبارة السيرة العقلائيّة عندما نطلقها. 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

() وهنا سأل أحد الإخوان: أنَّ الكلام كان في مطلق السيرة، لا بخصوص السيرة العقلائيّة؟! 

فأجاب (سلّمه الله): الآن نتكلّم في السيرة العقلائيّة وبعد الانتهاء من البحث فيها، نتكلّم في سيرة المتشرعة وما يلحق عادة بالسيرة العقلائيّة من أدلّة أُخرى لبيّة. هذه نجعلها كملحقات. فنتكلّم أوّلاً في أصل السيرة العقلائيّة، ثُمَّ نتكلّم في الملحقات؛ لنرى أنَّه هل هناك فرق بين الأصل والملحق، وما هو هذا الفرق؟ فلأجل تصنيف البحث
-الآن- نقصر الكلام على الدليل الرئيسي من هذه الأدلّة اللبيّة، وهو السيرة العقلائيّة. (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأُخرى يراد من السيرة العقلائيّة مجرّد الغلبة، بمعنى: أنَّ العقلاء بحسب الخارج الغالب فيهم، أو في نوعهم، أو في جمع من نعرف من العقلاء يعملون بهذا العمل المعيّن، إلَّا أنَّ هذا العمل المعيّن الذي يتّفق على اتخاذه وايجاده تمام العقلاء، لم يكن على أساس تطابق قائم على نكتة عامّة مركوزة في ذهن العقلاء، وإنَّما كان التطابق صدفة في المقام، وإلَّا فإنَّ كلّ عاقلٍ عاقل إنَّما عمل هذا العمل لنكتة تخصّه هو؛ فإنَّه حسب الحساب بينه وبين نفسه وظروفه وبين مصالحه ومفاسده وعمل هذا العمل، إلَّا أنَّه من باب الصدفة -فيما هو محلّ الكلام، أي: بلا سبب داخل فيما هو محلّ البحث- تطابق العقلاء على ذلك، فكلّ عاقل عندما حسب الحساب رأى أنَّ من مصلحته أن يعمل هذا العمل.

 فتطابق العقلاء هنا على عمل واحد لم يكن على أساس الاستناد إلى نكتة عامّة مركوزة في قريحة العقلاء وطبعهم، بل كان كلُّ عاقلٍ من العقلاء يعمل هذا العمل على أساس حسابه الخاص. 

والفرق بين هذا وبين الأوّل بحسب التصوّر والمفهوم واضح، وكذلك بحسب النتائج والآثار التكوينيّة في المجتمعات العقلائيّة، فإنَّ السيرة حينما تكون من قبيل القسم الأوّل، فإذا شذّ عنها واحد يكون معيباً عند العقلاء ويُستغرب لحاله، فيقال: إنَّ هذا كيف يشذّ عن هذه السيرة مع أنَّ العقلاء بقريحة عامّة وبنكتة عامّة مركوزة في أذهانهم بشكل طبيعي وأوّلي كانوا يتصرفون هذا التصرف؟ فكيف لم يعترف هذا الشخص بهذه النكتة العامّة العقلائية؟ أو تكون غير مركوزة في ذهنه، فيكون هناك مورد للاستغراب واللوم على اختلاف المراتب. 

ــــــــــ[28]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأمّا بالنسبة إلى القسم الثاني من السيرة فلو فُرض أنَّ شخصاً شذّ فحسب حسابه ورأى من باب الصدفة أنَّه هو يختلف عن كلّ فردٍ فردٍ من الأفراد الآخرين، فهو لا يناسبه هذا العمل، وإن كان يناسب كلّ فردٍ فردٍ. 

ففي هذا المقام لو أنَّه خالف هذه السيرة وتصرف تصرفاً يختلف عن التصرف الذي يتصرفه سائر أفراد العقلاء لا يكون مورداً للاستغراب ولا للسؤال من قبلهم؛ لأنّهم لا يستطيعوا أن يقولوا له: إنَّ النكتة الارتكازيّة للعقلاء كيف لم تراعيها، فإنَّ المفروض ليس هناك نكتة، وإنَّما كلّ فردٍ فردٍ حسب خصوصيّاته الفردية، فأدّى نظره إلى هذا المطلب، وقد حسب هذه الخصوصيّة الفردية ولم يؤدّ إلى ذلك، فإنَّه إذا كان أكثر العقلاء ينفعهم استعمال الفيتامين، وهذا العاقل الواحد لا ينفعه استعمال الفيتامين، ليس هناك لوم عليه، في أنَّه لماذا لا تستعمل الفيتامين؟! كذلك في القسم الثاني من السيرة، هنا لا لوم ولا عتاب على من يشذّ عن مثل هذه السيرة.

فهذان نوعان من السيرة مختلفان مفهوماً ومختلفان في الآثار الاجتماعيّة في المجتمعات العقلائيّة.

ولعلّ -حيث إنَّ البحث غير منقح- مراد الأعلام الذين يستدلّون بالسيرة العقلائيّة، هو المعنى الأوّل، يعني: ما هو الظاهر من اللفظ، أي: السلوك العامّ الصادر من العقلاء بنكتة عامّة مركوزة في طبع القرائح العقلائيّة.

إلَّا أنَّ كون مقصودهم هذا لا يمنع عن مثل هذا التشقيق؛ لنلاحظ بعد ذلك مدى الفرق بين هذين النوعين من السيرة مصداقاً بحسب السيرة التي 

ــــــــــ[29]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

نستدلّ بها في الفقه والأُصول، من حيث إنَّه هل يكون كلا النوعين حجّة، وإنَّما ما هو وجه حجّيّة الوجه الأوّل هل يجري في الثاني أو لا يجري فيه؟ 

 إذا عرفنا أنَّ هناك هذين النوعين من السيرة، فحينئذٍ نأتي إلى النوع الأوّل منهما في مقام بيان الأمثلة والمصاديق.

النوع الأوّل: هو ما إذا كان السلوك العامّ قائماً على أساس نكتة عامّة، ومثل هذه السيرة متصوّرة في موارد الأحكام الفقهيّة بلا عناية، فإنّه من الممكن أن يكون للعقلاء سلوك عامّ في مورد، وهذا السلوك العامّ يكون قائماً على أساس نكتة مركوزة في أذهانهم بشكل عامّ أيضاً، وهذا السلوك العامّ يقتضي حكماً شرعيّاً معيّناً، فهو يقتضي جوازه لا محالة، ويُستدلّ بمثل هذا السلوك العامّ على جوازه، إمّا جوازاً تكليفيّاً، أو جوازاً وضعيّاً على اختلاف الموارد.

فمثلاً يقال: بأنَّ السيرة العقلائيّة قائمة على أنَّ من حاز شيئاً ملكه، فإنَّ الإنسان بالحيازة يصبح هو صاحب الحقّ في المال الذي يحوزه، فهذه السيرة العقلائيّة التي يُستدلّ بها فقهياً على التملّك بالحيازة، ويمكن تطبيق المعنى الأوّل من السيرة عليه بسهولة، وذلك بأن يقال: إنَّ هناك مبنىً عمليّاً عامّاً عند العقلاء على أنَّ كلّ من يحوز شيئاً من المباحات الأوّليّة في الطبيعة يتصرف فيه كيفما يشاء، ويعمل فيه تمام سلطنته، وباقي العقلاء يتحاشون عن مزاحمته في سلطانه في هذا المال. 

هذا السلوك العامّ موجود، وهذا السلوك أيضاً قائم على أساس نكتة عامّة سواء كانت هذه النكتة معلومة بالتفصيل، أو موجودة ولو وجوداً ارتكازيّاً في 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

أذهانهم، كحب النظام والتعايش، ونحو ذلك من النكات الملحوظة بشكل عمومي للعقلاء في تعايشاتهم وعلاقاتهم الاجتماعيّة.

 فهذا مصداق واضح من المصاديق التي يمكن أن يُطبّق عليها القسم الاوّل من السيرة العقلائيّة، وهكذا الحال في الموارد الأُخرى التي نستدلّ بالسيرة العقلائيّة على أحكام شرعيّة فقهيّة. 

وإنَّما الذي يحتاج إلى البحث والتوضيح هو السيرة العقلائيّة في المسائل الأُصولية، أي: في باب الحجّج والأمارات، هل السيرة العقلائيّة على حجّيّة خبر الواحد، والسيرة العقلائيّة على حجّيّة الظهور مثلاً -هذه السيرة بحسب المفهوم التصوّري، وبحثنا الآن تصوّري خالص قبل الدخول في كيفية الاستدلال- يمكن أن نتصوّرها من مصاديق القسم الأوّل من السيرة، أو لا تكون من مصاديقه، أو تكون من مصاديق القسم الثاني منه؟ 

أليس عندنا قسمان من السيرة؟ ونحن عرفنا أنَّ السيرة المعمولة في الفقه يمكن أن تكون من القسم الأوّل، لكن السيرة المعمولة في باب الحجّج والأمارات كالسيرة المستدلّ بها على حجّيّة خبر الواحد، أو على حجّيّة الظهور؟ فهذه السيرة لا بُدَّ من تحقيق أنَّها أيضاً صالحة لأن تكون من القسم الأوّل، أو يتعيّن كونها من القسم الثاني مثلاً، فإذا ثبت في منهج البحث في المنطق الفقهي للمسألة أنَّ هناك فرقاً بين هذين النوعين من السيرة، فيترتّب هذا الفرق لا محالة.

فهذا البحث التصوّري تظهر نتيجته على تقدير أن يظهر فرق في مقام 

ــــــــــ[31]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الحجّيّة حينما ندخل في تحقيق المنطق الفقهي للمسألة. 

ولعلّ هذا أيضاً من الموارد الكثيرة التي يختلف فيها الحال بين مبنانا في باب التنجيز والتعذير وبين مبنى المشهور في باب جعل الحجّيّة.

أمّا على مبنى المشهور-ليس مقصودي من المشهور الحساب الكمي، أي: ثمانين بالمئة يقولون هكذا، بل مقصودي النظرية المغايرة المتعارفة اليوم-في باب الحجّيّة الذي يقول: بأنَّ التنجيز والتعذير -أي: جعل الحجّيّة من قبل المولى- يكون بإنشاء أحكام ظاهريّة إمّا بلسان جعل الطريقيّة، أو بلسان جعل المنجّزيّة والمعذّريّة، أو بلسان جعل الحكم المماثل. فتجعل الحجّيّة للأمارة بأحد هذه الألسنة لمصلحة في نفس هذا الجعل، فإنَّ هناك مصلحةً نوعيّة في أن تكون الأمارة وخبر الواحد والظهور حجّةً، فهذه المصلحة نفسها هي مبرر هذا الجعل من قبل المولى. 

لو قلنا بهذا المسلك، فحينئذٍ يمكن أن يقال في المقام: بأنَّ هذه السيرة العقلائيّة على الحجّيّة، معناها أنَّ كلّ عاقل من العقلاء حينما يتقمّص قميص المولوية، ويصبح مولى بالنسبة إلى عبد من العبيد، فيصبح مولى عرفياً أو عقلائياً أو غير ذلك، هو يدرك بقريحته العقلائيّة أنَّ هناك مصلحةً نوعيّةً في مقام التعايش بينه وبين عبيده في أن يجعل خبر الواحد حجّة، وفي أن يجعل ظواهر الكلام حجّة، فانسياقاً مع هذه النكتة الارتكازية الموجودة في القرائح العقلائيّة يُجعل الخبر الواحد والظهور حجّة، فيكون السيرة العقلائيّة على الحجّيّة هنا معناه سيرة كلّ مولى مولى من موالي العقلاء، يعني: كلّ عاقل في حالة تقمّصه للمولوية سيرته على أنَّه في حالة تقمّصة 

ــــــــــ[32]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

للمولويّة أنَّه ينساق مع مصلحة ارتكازية، في أن يجعل الأمارات المعيّنة العقلائيّة حجّة. 

فبناءً على هذا يمكن أن نتصوّر اندراج هذه السيرة في القسم الأوّل بناءً على مسلك المشهور.

وأمّا بناءً على مبنانا حين نقول في باب جعل الحجّيّة: بأنَّ جعل الحجّيّة بعد فرض الطريقيّة وعدم السببية معناه -سواء كانت بلسان الطريقية، أو بلسان المنجّزيّة والمعذّريّة، أو بلسان جعل الحكم التكليفي- مرجع الحجّيّة إلى خطاب ثانوي يصدر من المولى بداعي إبراز شدّة اهتمامه بالغرض الواقعي اثباتاً ونفياً في موارد الشكّ.

 فروح تمام الخطابات الظاهريّة، وتمام التنجيزات والتعذيرات المجعولة في باب الحجّج من قبل المولى إلى إبراز مقدار شدّة اهتمام المولى بحفظ أغراضه الواقعيّة في موارد الشكّ، فإذا أبرز المولى بخطاب شدّة اهتمامه بحيث لا يرضى بفواته حينما تقوم الأمارة الفلانيّة، فتكون هذه الأمارة حجّة ومنجّزة للواقع، وإذا أبرز عدم شدّة اهتمامه بحيث إنَّه يرضى بتفويته حين قيام الأمارة على خلافه، فتكون الأمارة القائمة على الخلاف معذّرة، حينئذٍ فمنجّزيّة الأمارة ومعذّريتها تابع لمقدار شدّة اهتمام المولى بأغراضه، وضعف اهتمامه بأغراضه. 

إذا فرضنا أنَّ الأمر كان هكذا، فحينئذٍ لا معنى لأن نتصوّر في المقام سلوكاً عامّاً على جعل الحجّيّة لخبر الواحد، أو للظواهر قائماً على أساس نكتة عامّة؛ لأنَّ جعل الحجّيّة مرجعه إلى شدّة اهتمام المولى بأغراضه وضعفه، ومن المعلوم أنَّ كلّ مولى مولى له أغراض تختلف عن أغراض الآخر، وكل مولى 

ــــــــــ[34]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

مولى لا بُدَّ أن يحسب حساب أغراضه بينه وبين نفسه، ولا توجد هناك نكتة عامّة، ومقياس زئبقي عامّ للأغراض المولويّة يقتضي تحديدها بحدٍّ معيّن من حيث الزيادة ومن حيث النقصان، بل إنَّ كلّ عاقل حينما يكون مولى وتنقدح في نفسه أشواق وإرادات وكراهات فهذه الحالات يحددها مقدار ما يدركه من المصالح والمفاسد الملائمة من الطبع والمنافرة معه، كلّ حسب درجة عقله ووعيه وأغراضه وما يريده في العالم.

إذن، فلا يُتصوّر في المقام نكتة عامّة مركوزة في طبع القرائح العقلائيّة هي التي تكون ملاكاً لسلوك عامّ. نعم، غاية ما نتصوّره في المقام أنَّ كلّ عاقلٍ عاقلٍ حسب حسابه بينه وبين نفسه، فإذا رأى أنَّ أغراضه هي بدرجة من الأهمّيّة اثباتاً ونفياً، بحيث إنَّه لا يرضى بتفويتها إذا أخبر الثقة عن وجودها، ويرضى بتفويتها إذا أخبر الثقة عن عدم وجودها، ومن باب الصدفة أنَّ تمام العقلاء حسبوا حسابهم فرأوا أنَّ أغراضهم بهذا النحو.

 فهذا يصير من قبيل النوع الثاني من السيرة، أي: سلوك عامّ لا يقوم على أساس نكتة عامّة مركوزة في طبع القرائح العقلائيّة. هذا مورد الإشكال في إدراج السيرة على مبنانا في القسم الأوّل. 

وهذا الإشكال بهذا البيان الذي قلته الآن إلى حدّ ما منه صحيح، وإلى حدّ ما منه قابل للتعديل. 

وتوضيحه: أنَّه في موارد هذه الحجّج، كالسيرة العقلائيّة على حجّيّة خبر الواحد مثلاً هناك أمران:

 ــــــــــ[34]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

أحدهما: يمكن أن ينضبط بعنوان نكتة عامّة، والآخر لا يمكن أن ينضبط في عنوان نكتة عامّة. 

يعني: أنَّ السيرة العقلائيّة القائمة على حجّيّة خبر الواحد تعتمد على أمرين، أحدهما لا ينضبط بعنوان نكتة عامّة، بل كلّ إنسان يحسب حسابه بينه وبين نفسه حينما يصبح مولى، ويصبح له غرض؛ وهناك أمر آخر يمكن أن يكون قوامه بنكتة عامّة مركوزة في طبع القرائح العقلائيّة، فكأنّه في باب هذه السيرة يوجد توسط بين هذين القسمين، جزء من أساسه يكون من قبيل القسم الثاني، وجزء من أساسه يكون من قبيل القسم الأوّل. 

 أمّا الأساس الذي يكون من قبيل القسم الثاني فهو ما بيّناه من شدة الاهتمام وضعفه، فإنَّه ليس هناك نكتة عامّة تقتضي شدة الاهتمام من قبل الموالي أو ضعفه، بل كان يحسب حساب أغراضه طبقاً لمصالحه ومفاسده، غاية الأمر أنَّ الغلبة الخارجيّة اقتضت هذا المطلب، فاقتضت أنَّ أغراض العقلاء نوعاً تكون بنحو من الحفظ بحيث يناسبها جعل الحجّيّة لخبر الواحد، فهذا الجزء ليس أمراً منضبطاً بنكتة عامّة.

لكن هناك جزء آخر من الأساس يمكن أن يكون منضبطاً بنكتة عامّة، وهي كون الخبر الواحد له طريقيّة إلى الواقع وايصال إليه بمقدار غالبي معتدّ به، فالمولى بينه وبين نفسه يحسب حسابه، فيقول: بأنّي لا أرضى أن أُفوّت غرض تفويتاً بالمئة ثمانين ولا بالمئة سبعين ولا ستين، وإنَّما أنا أُريد أن أُحصّل أغراضي بالمئة ثمانين، وبالمئة عشرين، أرضى بتفويتها من الشاك. 

وافرضوا أنَّ كلّ عاقل حينما حسب حسابها أيضاً بالصدفة طابق حسابه 

ــــــــــ[35]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

مع حساب العاقل الآخر، فتّبيّن أنَّ كلّ العقلاء يحافظون على أغراضهم بدرجة ثمانين بالمئة، وهذا هو الجزء الذي لا ينضبط. 

الآن نأتي إلى الجزء الآخر، من قال لهم بأن الخبر الواحد يحفظ أغراضهم بمقدار ثمانين بالمئة؟ هذا باعتبار طريقيّته إلى الواقع، وباعتبار ارتكاز طريقيّة الخبر الواحد في أذهانهم بنكتة عامّة.

 هنا هذه مسألة إدراكية يمكن فرض التعميم فيها؛ لأنَّ كلّ عاقل بحسب طبعه وسليقته وقريحته يرى بأنَّ خبر الواحد الثقة المتقيّد المحتاط في مقام النقل يصيب الواقع بالمئة ثمانين ويخطئه بالمئة عشرين، فهذه الناحية يمكن أن يكون قوامها نكتة عامّة. 

بهذا التحليل يظهر أنَّ هذه السيرة العقلائيّة في باب الأُصول وفي حجّيّة خبر الواحد مثلاً، قوام أساسها بأمرين: 

أحدهما: تحديد مقدار شدّة اهتمام المولى بغرضه، وهذا الأمر الأوّل شخصي لا نوعي، ولا يتصوّر أن يكون بنكتة عامّة.

 ثانيهما: الذي يتصوّر كونه بنكتة عامّة، هو كون خبر الواحد له طريقيّة موصّليّة بدرجة ثمانين بالمئة.

وبهذا اتّضح أنَّ السيرة العقلائيّة في الفقه تختلف هوية عن السيرة العقلائيّة في الأُصول على مبنانا، فإنَّ السيرة العقلائية في الفقه يمكن أن يكون مرجعها إلى سلوك عامّ، قائم على محض نكتة عامّة، وأمّا هذه السيرة العقلائيّة في باب الحجّج والأمارات بناءً على مبنانا في باب التنجيز والتعذير فمرجعها إلى أمرين: 

ــــــــــ[36]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

أحدهما لا يمكن ارجاعه إلى نكتة عامّة، بل لا بُدَّ أن يكون من باب الغلبة، يعني: صدفة فكلّ عاقل حسب حسابه فوجد أنَّ هذا الجزء موجود عنده. والجزء الثاني يمكن إرجاعه إلى قاعدة عامّة، وهي طريقيّة خبر الواحد، أو طريقيّة الظهور بالدرجة التي يحفظ الغرض حفظاً مناسباً مع شدّة الاهتمام به. فهذا يكون حيثية عامّة مركوزة في طبع القرائح العقلائيّة، فالسيرة العقلائيّة في باب الأُصول دعامتها أمران: بلحاظ الأمر الأوّل يشبه النوع الأوّل، وبلحاظ الأمر الثاني يشبه الأمر الثاني.

أمّا إذا مشينا على مشرب مشهوري غير صحيح، وقلنا: إنَّ جعل الحجّيّة مرجعه إلى أنَّ المولى يرى مصلحة في انشاء الحجّيّة للأمارات بلسان جعل الطريقيّة أو المنجزية أو لسان الحكم الظاهري، فيمكن ارجاعه إلى القسم الأوّل أيضاً، بأن يقال: بأنَّ طبع القرائح العقلائيّة يقتضي هكذا: أنَّ العاقل حينما يتقمّص قميص المولويّة يرى بقريحته العقلائيّة أنَّ هناك مصلحةً في أن يجعل الأمارة حجّة، كما يرى بقريحته العقلائيّة في أنَّ هناك مصلحةً في أنَّ يتملك بالحيازة، وأن يعطي لغيره فرصة التملك بالحيازة.

وبعبارة أُخرى: أنَّ السيرة تُتصوّر على نحوين: 

النحو الأوّل: أن تكون بمعنى سلوك عامّ من العقلاء، قائم على أساس نكتة عامّة مركوزة في طبع القريحة العقلائيّة. 

النحو الثاني: أن يكون سلوكاً اتّفق عمومه بين العقلاء دون نكتة عامّة مركوزة في طباع القرائح العقلائيّة.

ــــــــــ[37]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

 

السيرة التي يُستدلّ بها على حجّيّة الأمارات

 

السيرة التي يُستدلّ بها في الفقه يمكن إدراجها تحت النوع الأوّل، وإنَّما الكلام في السيرة التي يُستدلّ بها على حجّيّة الأمارات، كالظهور وخبر الواحد ونحوهنّ في علم الأُصول، فهذه السيرة -بناءً على المسلك المشهوري- فيها إعطاء هذه الأمارات صفة الحجّيّة.

 وجعل الحجّيّة لها معناه إنشاء المولى لهذه الحجّيّة مطابقةً أو التزاماً بإنشائه للطريقيّة أو للحكم المماثل، وغير ذلك من الألسنة والاعتبارات، فجعل الحجّيّة إنشاء ظاهري يصدر من المولى بلحاظ مصلحة بنفس ذلك الإنشاء والجعل، وحينئذٍ قد يقال: بأنَّ كلّ العقلاء حينما يكون الموالي منهم يرون بارتكازهم العقلائي مصلحة نوعيّة تعايشيّة في أن ينشأوا الحجّيّة للأمارات
-كخبر الواحد أو الظواهر- فيكون هذا سلوكاً عامّاً قائماً على أساس نكتة عامّة مركوزة في طبع القرائح العقلائيّة، فعلى هذا المبنى يمكن إدراجه في النوع الأوّل.

لكن بناءً على المبنى الذي أسّسناه ومشينا عليه من أنَّ جعل الحجّيّة ليس عبارة عن إنشاء ناشئ عن مصلحة في نفس الإنشاء، وإنَّما جعل الحجّيّة عبارة عن خطاب مولوي يصدر بداعي إبراز شدّة اهتمام المولى بأغراضه الواقعيّة عند 

ــــــــــ[38]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الشكّ فيها إثباتاً أو نفياً، ففي الأمارات المثبتة والنافية تكون الحجّيّة عبارة عن الخطاب المبرز لكميّة اهتمام المولى ودرجته لأغراضه الواقعيّة والمقدار الذي يتصدّى لحفظ أغراضه الواقعيّة، فبناءً على هذا نقول: بأنَّ هذا التحليل ينتهي إلى أنَّ السيرة العقلائيّة ترتكز على ركيزتين: 

الركيزة الأولى: ذاتيّة شخصيّة. 

الركيزة الثانية: نوعيّة كمّيّة. 

أمّا الركيزة الشخصيّة: فهي تُعيّن درجة اهتمام المولى بغرضه، وهذا التعيين لا يخضع لنكتة عامّة عند العقلاء، فإنَّ كلّ إنسان يحسب حسابه مع أغراضه وفقاً لما يُشخّصه من المصالح والمفاسد، فالتطابق من قبل العقلاء على هذه الركيزة ليس من باب نكتة عامّة، بل هو مجرّد الصدفة والغلبة في أنَّ تُحفّظ العقلاء على أغراضهم التي فرضناها بدرجة 80% لا بدرجة 100%.

أمّا الركيزة الأُخرى: فإنَّ خبر الواحد طريق إلى الواقع وإصابته له بمقدار ثمانين بالمئة، يعني: أنَّ درجة إصابته للواقع هي درجة تحفّظ المولى على غرضه، وهذه النكتة يمكن أن تكون نكتة عامّة مركوزة في طبع القرائح العقلائيّة، وأنَّ العقلاء يرون أنَّ خبر الواحد إصابته للواقع غالبيّة، بحيث يكون مصيباً ثمان مرات ويخطئ مرتين غالباً، فهذه النكتة تدعوهم إلى جعل الحجّيّة لخبر الواحد. 

ويمكن في المقام تفسير هذه السيرة العقلائيّة في باب الحجّج في علم الأُصول بوجه ثالث، بحيث نخرجها عن كونها سيرة عقلائيّة، ونرجعها إلى حكم العقل، لا إلى حكم العقلاء.

 ــــــــــ[39]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وقد أشرنا إلى نظير ذلك في بحث الجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة. فيمكن أن يقال في المقام: إنَّ العقلاء الذين تطابقوا على حجّيّة خبر الواحد، أو على حجّيّة الظواهر لم يتطابقوا على ذلك، باعتبار عقلائيّتهم، بل باعتبار عقلهم وأنَّ هذا مدرك من مدركات العقل، لا أنَّه سلوك من سلوك العقلاء.

فالعقل العملي -الذي يحكم في باب الإطاعة والعصيان ويُنظّم علاقات المولى مع العبد الذي يدرك مولويّة المولى وعبوديّة العبد ومقدار حقّ المولى على العبد- هو يدرك في المقام حقّ الطاعة الذي هو جوهر المولويّة، فلماذا على العبد أن يطيع مولاه؟ لأنَّ لمولاه عليه حقّ الطاعة، والعقل العملي هو الذي أدرك حقّ الطاعة.

وقلنا فيما سبق: إنَّ سعة دائرة حقّ الطاعة وضيق دائرته يتعيّن من قبل نفس هذا المدرك وهو العقل العملي، فهو الذي أدرك حقّ الطاعة، وهو يُدرك سعة هذه الدائرة وضيقها، فقد يُدرك العقل أنَّ من حقّ المولى على عبده أن يطيعه في التكاليف المقطوعة فقط، وقد يُدرك أنَّ من حقّه أن يطيعه في كلّ ما يحتمل كونه تكليفاً للمولى وهكذا، فتوسعة هذه الدائرة وضيقها تابع لإدراك العقل العملي المدرك لهذا الحقّ -كما بيّنا ذلك في أوائل الأبحاث العقليّة تفصيلاً-. 

وبناءً على هذا يمكن أن يقال في المقام: بأنَّ العقل -الذي هو الحاكم بحقّ الطاعة، وهو المنظّم لعلاقات المولى بعبده- يُدرك بأنَّ العبد الذي يُطبّق فعله إثباتاً ونفياً على ظهور كلام المولى، يعني: يُطبّق فعله على طبّق الطريقة التي 

ــــــــــ[40]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

اتّخذها المولى في مقام التفهيم والتفهم وهي ظهور الكلام، فمثل هذا العبد ليس مقصراً في حقّ المولى، وليس من حقّ مولاه عليه أن يؤاخذه، حتّى لو فرض أنّه لم يجعل المولى الحجّيّة للظهور.

وفرق هذا البيان عن البيانات السابقة، في البيانات السابقة كنّا نحتاج إلى جعل الحجّيّة للظهور من قبل المولى، فنقول: إنّ كلّ عاقل حينما يتقمّص قميص المولويّة فيجعل الظهور حجّة، وهنا نقول: إنَّ كون الظهور حجّة لا يحتاج إلى جعل من قبل من تقمّص قميص المولويّة، بل الظهور كالقطع، فكما أنَّ القطع الوجداني لا يحتاج إلى جعل الحجّيّة، بل إنَّ العقل العملي يحكم بأنَّ من حقّ المولى على العبد أن يطيعه في تكاليفه المقطوعة، فلو طبّق تمام سلوكه إثباتاً ونفياً على طبق القطع لم يكن مقصراً في حقّ المولى، بل لا حاجة إلى جعل من قبل المولى أصلاً، فكذلك الحال أيضاً في الظهور، حيث يدرك العقل أنَّ العبد الذي يطبق عمله إثباتاً ونفياً على طبق ظهور كلام المولى، ومثل هذا العبد لا يكون مقصراً، حتّى لو فرض أنَّه لم يصل إليه جعل من قبل المولى لحجّيّة ظهور الكلام. 

نعم، بناءً على هذه الدعوى ينبغي أن يحتفظ بفرق ما بين الظهور وما بين القطع، بعد فرض كون حجّيّة كلٍّ منهما ذاتيّة، وهو كون القطع حجّة بنحو العلّيّة، والظهور بنحو الاقتضاء، بمعنى: أنَّ المولى يمكنه أن يردع عن الظهور، ولكنّه لا يمكنه الردع عن القطع(1)، لما بيّناه في أوّل الدورة من أنَّ حجّيّة القطع 

ــــــــــ[41]ــــــــــ

() فهو لا يمكن أن يردع عن القطع…إلخ. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ذاتيّة، لكنّه يمكنه أن يردع عن حجّيّة الظهور، بمعنى: أنَّ العقل الذي يحكم بأنَّ الظهور حجّة ذاتاً يحكم بذلك معلّقاً على عدم ردع الشارع عنه، وعدم إلغاء الشارع له. 

فلو فسّرنا السيرة العقلائيّة بهذا التفسير لخرجت عن كونها سيرة عقلائيّة، وأصبحت حكماً عقليّاً للعقل العملي، فيكون مرجعه إلى توسعة دائرة حقّ الطاعة، وإدراك العقل بأنَّ العبد الذي يُطبّق فعله إثباتاً ونفياً على طِبق ظهور كلام المولى، وهذا لا يكون مقصراً في العبوديّة ما لم ينهه المولى عن ذلك، ويصدر من المولى بيان للخلاف. 

فهنا لا نحتاج حينئذٍ في حجّيّة الظهور إلى صدور خطاب من المولى بالحجّيّة، بل نحتاج إلى عدم صدور خطاب في سلب الحجّيّة(1) إلى عدم صدور ما ينافيه، لا إلى صدور ما يوافقه، وهذا هو فرقه عن التقريبات السابقة. 

هذه الدعوى أيضاً أمر محتمل احتمالاً قريباً في باب الظواهر -ومقصودنا من الظواهر ليس هو الظواهر بعنوان كونها ظواهر، بل الظواهر بعنوان كونها هي الطريقة المتبّعة للمتكلّم للمولى في مقام التفهيم والتفهم- فإنَّ كلّ مولى لا بُدَّ أن يكون قد اتّخذ لنفسه طريقة في مقام تفهيم مراده في مختلف المجالات والشؤون والأحوال، وهذه الطريقة لو اتّبعها العبد وطبّق عمله عليها إثباتاً ونفياً لم يكن مقصراً، حتّى لو لم يصل إليه جعل مولوي لحجّيّة هذه الطريقة من قبل مولاه. 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

() إلى عدم صدور ما ينافيه لا إلى صدور ما يوافقه. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وسيأتي -إن شاء الله- تفصيل ذلك في أعقاب هذا البحث، أو في بحث الظواهر، وسوف نشير هناك إلى أنَّ هذا الوجه محتمل في باب الظواهر احتمالاً قريباً، إلَّا أنَّه احتمال مشوب بالإشكال المانع عن حصول الجزم بصرف هذا الاحتمال. 

وفي باب خبر الواحد هذا المطلب غير صحيح على ما يأتي تفصيله في أعقاب هذا البحث إن شاء الله تعالى. 

على كلّ حال لا بُدَّ أن نكون على ذكر من هذا تصوّراً إلى أن يأتي تحقّيق هذا المطلب تصديقاً في أعقاب هذا البحث.

والشيء الذي تلخّص الآن: هو أنَّ السيرة العقلائيّة في باب الفقه كلّها يمكن أن تندرج تحت النوع الأوّل، وأمّا السيرة العقلائيّة في باب الأُصول ففيها محتملات ثلاثة. 

المحتمل الأوّل: وهي على المبنى المشهوري تندرج في المبنى الأوّل. 

المحتمل الثاني: وهي على المبنى المختار من كونها ذات ركيزتين: ركيزة من النوع الأوّل، وركيزة من النوع الثاني. 

المحتمل الثالث: أن لا تكون هذه سيرة عقلائيّة، بل تكون حكماً عقليّاً لا سيرة عقلائيّة. 

هذا ما يرجع إلى باب التصوّر، حتّى يأتي تحقّيق الحال تصديقاً في المقام. 

بعد هذا التصوَّر لا بُدَّ من الدخول في أصل البحث… إلخ(1).

ــــــــــ[43]ــــــــــ

() انظر البقية في الدفتر الثامن.

وإلى هنا ينتهي بعون الله (عزّ وعلا) وحسن توفيقه مجموعة المحاضرات التي أثبتت في هذا الدفتر من جهاز التسجيل مباشرةً، فجاءت بحمد الله على أحسن وجه ممكن وأكمله، وقد احتوى هذا الدفتر على ثلاث وثلاثين محاضرة من المحاضرات.

انتهى ضبط هذا الدفتر بعونه تعالى بتاريخ ما بعد الغروب من التاريخ المثبت في آخر محاضرة في هذا الدفتر*.

* الثلاثاء 11/3/1384هـ – 21/7/1964م

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بعد هذا التصور لا بُدَّ من الدخول في أصل البحث:

فنقول: إنَّ الاستدلال بالسيرة -سواء كانت سيرة العقلاء أو سيرة المتشرعة- التي نريد بها تطابق أهل الدين وأهل الشرع على سلوك معين بما هم أهل الدين وأهل الشرع على حكم شرعي يتوقّف على إثبات مرحلتين:

المرحلة الأولى: إثبات وجود هذه السيرة خارجاً في عصر النبي الأعظم أو أحد الأئمّة. 

المرحلة الثانية: بعد إثبات هذه السيرة في عصرهم نثبت كاشفيّة هذه السيرة عن الحكم الشرعي وملازمتها مع إمضاء الشارع، أي: بعد أن نُثبت السيرة نجعلها أحد طرفي ملازمة والطرف الآخر هو إمضاء الإمام أو النبي.

إذن، فلا بُدَّ في المرحلة الأولى من أن نعرف الطرق التي نثبت بها وجود السيرة، وفي المرحلة الثانية لا بُدَّ أن نعرف الطرق التي بها نبرهن على الملازمة ما بين وجود السيرة وبين إمضاء الشارع. 

فلو أكملنا هاتين المرحلتين، وأثبتنا السيرة في المرحلة الأولى بأحد الطرق، 

ــــــــــ[44]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأثبتنا الملازمة بينها وبين الإمضاء الشرعي في المرحلة الثانية بأحد الطرق، فنستنتج من ذلك الحكم الشرعي لا محالة.

وطبعاً، أنَّ ما قلناه في المرحلة الأولى من أنَّها هي انعقاد السيرة المعاصرة لعصر رسول الله والأئمّة، لا السيرة مطلقاً حتّى لو كانت في عصرنا هذا، فتخصيص المرحلة الأولى بخصوص السيرة المعاصرة لهم (عليهم الصلاة والسلام) يظهر وجهه من خلال البحث في المرحلة الثانية، فإنَّ الملازمة المدّعاة ما بين السيرة و بين الإمضاء الشرعي، لا بين طبيعي السيرة على الإطلاق والإمضاء الشرعي، فنكتة هذا التخصيص تظهر من المرحلة الثانية؛ إذ إنَّ براهين الملازمة في المرحلة الثانية قاصرة عن إثبات الملازمة إلَّا بين السيرة المعاصرة وبين الإمضاء الشرعي، لا بينه وبين أيّ سيرة في الدنيا.

فمن هنا لا بُدَّ لنا أن نجعل المرحلة الأولى هو إثبات وجود السيرة المعاصرة لهم، والمرحلة الثانية هو التفتيش عن برهان الملازمة بين هذه السيرة وبين إمضاء الشارع.

فالمنطق الفقهي للسيرة ينحلّ -بحسب الحقيقة- إلى هاتين المرحلتين، وتحصيل قواعدهما.

ــــــــــ[45]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 






المرحلة الأولى في إثبات وجود السيرة في عصرهم

 

أمّا المرحلة الأولى -وهي إثبات وجود السيرة المعاصرة لهم- فهذا يمكن أن يتصوّر له طرق كثيرة، فلا بُدَّ من استيعاب أهمّها مع تحليل مقدار طريقيّتها وصحّتها وعدم صحّتها، وإمكان التعويل عليها وعدمه.

الطريق الأوّل: إثبات السيرة المعاصرة لهم عن طريق وجدان السيرة المعاصرة لنا.

 هو الطريق المتعارف المألوف في الذهن لأوّل مرة، وهو إثبات السيرة المعاصرة لهم عن طريق وجدان السيرة المعاصرة لنا، فهذا الفقيه الذي يريد أن يستدلّ بالسيرة حيث يرى في عصره وبين أهل زمانه -سواء كان المقصود من السيرة السيرة العقلائيّة بشكل عامّ أو سيرة المتشرعة بشكل خاصّ- أنَّ العقلاء أو المتشرعة يتطابق سلوكهم على عمل معيّن لنكتة عامّة
-مثلاً- مركوزة في أذهانهم، ولو بشكل غير ملتفت إليه، وحينئذٍ يتبادر إلى ذهنه أنَّ هذه السيرة المعاشة اليوم هي استمرار وبقاء للسيرة المعاصرة لأيام الأئمّةفيُستكشف من هذه السيرة حدوثها في أيام الأئمّة.

فقوام هذا الطريق وهذا الاستنتاج -بحسب الحقيقة- فكرة تصوّر صعوبة 

ــــــــــ[46]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

تحول السيرة العقلائيّة أو السلوك العقلائي العامّ في عصر إلى عصر آخر تحوّلاً كاملاً، وأن يتحقّق هناك انقلاب في السيرة العامّة، بحيث تكون السيرة في عصر على نحو وتكون في عصر آخر على خلاف ذلك النحو. فصعوبة ذلك هو نكتة استكشاف وجود السيرة أيام الأئمّة من وجودها اليوم.

ففي سيرة المتشرعة هكذا يقال: إنَّ النكتة في الانتقال هي تصوّر صعوبة كون المتشرعة يبنون يوماً ما -وهو هذا اليوم- على عمل بتمامهم وقضهم وقضيضهم في عصور مختلفة وأجيال متعدّدة، ثُمَّ لا يكون لمثل هذه السيرة امتداد واستمرار إلى عصر الأئمّة.

وركيزة ذلك: نكتة تخيّل أنَّ هذه السيرة معلولة للقدر المشترك، أي: القريحة العقلائيّة، والقريحة العقلائيّة كما هي موجودة الآن موجودة أيضاً في ذلك الزمان؛ فهاتان الفكرتان هما السبب في الاستدلال بالسيرة المعاصرة لنا على وجود السيرة في أيام الأئمّة.

فمن أمثلة سيرة المتشرعة التي تكون بهذا الاعتبار -مثلاً- يقال في باب صلاة الظهر من يوم الجمعة: بأنَّ الجهر مستحب، وإن كان الإخفات أيضاً جائزاً، فإنَّ هناك جملة من الفقهاء رأوا أنَّ ظواهر الأدلّة تقتضي وجوب الجهر، لكن مع هذا لم يُفتوا بوجوبه، وقالوا بجواز الإخفات؛ وذلك لأنَّهم رأوا بأنَّ سيرة المتشرعة بقضهم وقضيضهم على الإخفات، واستكشفوا من انعقاد سيرة المتشرعة على ذلك عدة أجيال وعصور، فإنَّ مثل هذه السيرة موجودة في أيام الأئمّة ومأخوذة منهم، ومستمرة إلى هذه الأيام، فيكون هذا دليلاً على جواز الإخفات.

فلو أنَّ إنساناً أثار هذا الشكّ أمامهم، وقال لهم: من قال لكم بأنَّ هذه 

ــــــــــ[47]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

السيرة موجودة في أيام الأئمّة، فلعلهم يقولون في مقام الجواب: إنَّه كان في أيام الأئمّة الحكم بوجوب الجهر، كما يظهر من نفس هذه الروايات، وكان العمل على الجهر من قبل الشيعة، في كلِّ أسبوع يجهرون في صلواتهم. إذن، هل نحتمل أن يحدث تغيّر في مجموع بناء الشيعة، ويتحول بناءهم بتمامهم من الجهر إلى الإخفات. 

مثل هذا المطلب لو حدث لكان من الأحداث الفريدة التي يُلتفت إليه أو تتناقل أو تسجل، وحيث إنَّه ليس المفروض وجود مثل هذه الأحداث الفريدة، فحينئذٍ نستكشف من ذلك أنَّه لا أقلّ أنَّه لم تكن هناك سيرة إجماعيّة على الجهر ضد هذه السيرة الإجماعيّة على الإخفات اليوم.

 إذن، فقد كان الشيعة في أيام الأئمّة بعضهم يخفتون وبعضهم يجهرون، وهذا دليل على أنَّ مثل هذه السيرة التي نعيشها في هذه الأيام لم تُخلق متأخّراً، وإنَّما هي موجودة في أيام الأئمّة، أو أنَّ أكثرهم كانوا يخفتون وجملة منهم كانوا يجهرون، ثُمَّ انقرض الجملة وبقي الكثير، فمثل هذا التصوّر هو الذي يدعو إلى الاستدلال على وجود السيرة أيام الأئمّة بوجود سيرة المتشرعة في هذا الزمان.

نقد الطريق الأوّل

إلَّا أنَّه يرد عليه: 

أوّلاً: مثل هذه النكتة غير صحيحة في كثير من الموارد بعد الالتفات إلى أنَّ تحوّل سيرة المتشرعة من الضد إلى الضد لو كان تحوّلاً آنياً بين عشيّة وضحاها، لكان هذا حدثاً مهماً، فتحوّل تمام الشيعة بتحوّل سلوكهم وعبادتهم من أمر إلى 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

أمر آخر يكون هذا حدثاً مهماً غير محتمل الوقوع من دون إشارات ودلائل عليه.

إلَّا أنَّ مثل هذا الفرض ليس لازماً في المقام، فإنَّ تحوّل السيرة يكون تدريجياً، ولا يكون دقّيّاً بحسب الخارج، فإنَّه من المحتمل في المقام أن تكون السيرة في أيام الأئمة -من باب الفرض، فإنَّ بحثنا ليس في وجوب الجهر والاخفات، وإنَّما هو من باب التطبيقات على المواد الفقهيّة، باعتبار أنَّ هذه المسألة مسألة معزولة الآن وبعيدة عن الأذهان، فأُريد أن تكون تمام خصوصياتها مطبقة على المسائل الفقهية- في المقام يمكن أن نقول: بأنَّ الجهر كان سيرة الشيعة بشكل إجماعي، ثُمَّ وجد بعد ذلك بعض الفقهاء فاستظهروا من بعض الروايات ببعض انحاء الجمع(1) جواز الإخفات، بل لعلّ بعضهم بعد هذا استظهروا وجوب الإخفات، كما أفتى بعضهم بوجوب الإخفات ولو احتياطاً، فقهراً مثل هذا الشخص الذي استظهر ذلك ومن يرجع إليه بالفتيا أخذ يخفت إمّا جوازاً وإمّا احتياطاً، ثُمَّ سرى هذا شيئاً فشيئاً على مرّ الزمن، كظاهرة من الظواهر الاجتماعيّة، فإنَّ الظواهر الاجتماعيّة التي تشمل مجموعة كبيرة من الناس تنمو بالتدريج وتأخذ بالاتساع، لا أنَّها تولد في أوّل الأمر وهي كما هي في آخر الأمر، فتولد ضئيلة محدودة، ثُمَّ تنمو وتتسع حتّى تصبح بعد هذا سلوكاً عاماً وسيرة إجماعيّة من قبل الشيعة.

ــــــــــ[49]ــــــــــ

() وهذا أمر محتمل؛ إذ يمكن أن يكون الجهر واجباً، ويكون في الروايات ما يدلّ على عدم وجوبه، فإنَّه ما أكثر الظهورات المخالفة للواقع. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فنحن نعرف الآن أنَّ جملة من سيرة المتشرعة هي إجماعيّة، ونعرف بأنَّها تحوّلت بهذا التحوّل التدريجي، ومن حسن الصدفة أنّنا نعرف تاريخ هذا التحوّل بالنسبة إليها؛ لأنَّه تاريخ قريب، فمثلاً سيرة المتشرعة الآن في مسألة نجاسة البئر على اعتصام ماء البئر وعدم انفعاله، ونحن نعرف أنَّ مثل هذه السيرة الإجماعيّة اليوم من قبل الشيعة لم تكن موجودة قبل ألف سنة أو ثمانمائة سنة، وإنَّما بدأت من العلّامة الحلّي ومن إليه من الفقهاء ومن بعده منهم، وبالتدريج أخذوا يحكمون باعتصام ماء البئر، وبالتدريج أخذ يتبدلّ سلوك الشيعة إلى أن انقلب من الانفعال إلى عدم الانفعال.

فهذا سلوك نعلم تاريخه، فلماذا لا نحتمل ذلك في سلوك لا نعلم تاريخه؟ فإنَّه إذا أمكن هذا التبدلّ في سلوك نعرف جذوره التاريخية فلماذا لا نحتمل مثل ذلك في مسألة الجهر والاخفات؟ فنحتمل مثل هذا التبدلّ، لكن لا في خلال خمسمئة سنة، بل في خلال ألف ومئة سنة مثلاً.

إذن، فليس تحوّل سيرة المتشرعة في خلال ألف ومئة سنة بهذا المقدار من الصعوبة، بحيث إنَّ الإنسان يجزم بوجودها قبل ذلك، طبقاً لوجودها خلال هذه الأيام. هذا من حيث سيرة المتشرعة.

وأمّا من حيث سيرة العقلاء، فأيضاً الأمر كذلك، فنحن لا نجزم بأنَّ سيرة العقلاء الذين نعايشهم هذه الأيام أو في القرون المتأخّرة ناشئة من قريحتهم العقلائيّة المشتركة، يعني: من الحدّ المشترك للعقلاء، بل إنَّ هناك تفسيرات أخرى موجودة بالنسبة إلى هذا السلوك.

ــــــــــ[50]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فإنَّ هذا سلوك بالبرهان، لا طريق لنا إلى اكتشاف علّته، فلا بُدَّ من اكتشاف علّته بالاستقراء والملاحظة، وهذا السلوك مقترن بأمور كثيرة بحسب الخارج، ونحتمل أنَّ أيّ واحد من هذه الأمور دخيل في تكوين هذا السلوك، فإنَّ سلوك العقلاء لا ينبع دائماً من القريحة العقلائيّة المشتركة، بل قد ينبع من الظروف الخارجيّة أو من شؤونهم المادية، كالحاجات المختلفة المتعدّدة، فهناك أسباب وعوامل خارجيّة كثيرة قد تؤثر على سلوك العقلاء في المقام، فلعلّ مثل هذا السلوك لم ينبع من هذا إلى الحدّ المشترك ومن القريحة العقلائيّة المشتركة؛ لأجل أن ينكشف وجودها وامتدادها إلى أيام الأئمّة ومثل هذا المطلب يحتاج إلى برهان علمي فلسفي أو تجريبي على نحو سوف نشير إليه فيما بعد، فمجرّد كون هذا المجتمع العقلائي الذي نعيشه اليوم ماشياً على سلوك معيّن لا يدلّ كون مثل هذا السلوك نبع من قريحته.

فهذا الطريق وهو الطريق الأوّل من طرف إثبات السيرة المعاصرة لهم في نفسه غير فنّي، لا بالنسبة إلى سيرة المتشرعة، ولا بالنسبة إلى السيرة العقلائية، فإنَّ سيرة المتشرعة يمكن تحوّلها بنحو لا يكون فريداً، بل يكون هو مقتضى طبع الناس والمجتمعات ولا يكون حدثاً فردياً، بل يكون حدثاً اعتيادياً في حياة الناس. وأمّا سيرة العقلاء فيمكن تفسيرها على أساس القريحة، ويمكن تفسيرها على أساس ما به الامتياز. 

وبعبارة أخرى: أنَّ عقلاء اليوم فيهم ما به الاشتراك مع عقلاء الأمس وفيهم ما به الامتياز، فكما يحتمل أن يكون هذا السلوك معلولاً لما به الاشتراك، يمكن أن يكون معلولاً لما به الامتياز، ومعه لا يمكن الاستدلال بهذا السلوك 

ــــــــــ[51]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

على وجوده بالنسبة إلى عقلاء الأمس.

ثانياً: نفرض أنّه في أيام الأئمّة لم يكن هناك سيرة، بل كانت هذه المسألة محلّ خلاف ما بين الرواة، باعتبار أنَّ الأحكام الشرعيّة -مثلاً- ليست كلّها واضحة وقطعيّة، حتّى في أيام الأئمّة لأنَّ الإمام لم يكن -يومئذٍ- سلطان المسلمين ليمكنه إيصال الأحكام الواقعيّة إلى تمام المسلمين، فكانت كثير من الأحكام لم يمكن إيصالها بوجه قطعي، فمن الممكن أن نفترض في المقام أنَّ السيرة في أيام الأئمّة لم تكن موجودة على الجهر وعلى الإخفات -أي: يمكن أن نفترض ذلك لو خُلينا نحن والبيان الذي بيّناه حتّى الآن، بقطع النظر عن الوجه الآخر الذي سوف يأتي- وأنَّ المسألة كانت خلافية بحيث إنَّ بعض الأصحاب كانوا يرونها كذا، وبعض المتشرعة كانوا يرونها خلاف ذلك.

وهذا أمر ممكن التصوّر بحسب الخارج، وعلى ما يظهر من الروايات له أمثلة ونظائر، كما في باب الخمر -مثلاً- فإنّ المتشرّعة في الأعصر المتأخّرة كلّهم يبنون على اجتناب الخمر بعنوان النجاسة، وتعامل مع الخمر معاملتها مع البول والدم، وسيرة متشرّعة الشيعة على هذا منذ مئات السنين. 

ولكن الذي يظهر من بعض الروايات أنَّ هذا كان مورد خلاف بين المتشرّعة في أيام الأئمّة حيث يسأل السائل من الإمام(1) وهو خيران الخادم -على ما أتذكر- ويقول له: اختلف أصحابنا في الخمر، فقال جماعة منهم: بأنّه 

ــــــــــ[52]ــــــــــ

(1) الكافي 3: 405، كتاب الصلاة، الباب 66، الحديث 5، وسائل الشيعة 3: 469، أبواب النجاسات، الباب 38، الحديث 4.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

طاهر وأنّه لا بأس بأن يصيبه الثوب. وقال بعضهم: بأنّه قذر وخبيث ونجس، فما تقول؟ فيجيبه الإمام.

فيظهر منه أنَّ هذا المطلب الذي انعقدت عليه سيرة المتشرّعة في الأعصر المتأخّرة لم يكن منعقدة عليه سيرة المتشرّعة في أيام الإمام الرضا أو الإمام الجواد بل كان جماعة من الشيعة لا يتحاشون من مساورة الخمر وجماعة يتحاشون منه، وبعد هذا جاء الفقهاء فنظروا في الأدلّة فاستنبطوا منها النجاسة، وفرضنا أنَّ القول بالنجاسة ارتفع رصيده وكثر القائلون به يوماً بعد يوم حتّى استقرّ عليه رأي المذهب -مثلاً- بحسب الخارج، وحينئذٍ أصبح القول بالنجاسة هو القول العامّ السائد ما بين الفقهاء في الأعصر المتأخّرة، وانعدم أولئك المتشرّعة الذين يقولون بخلاف ذلك، واستقرّ رأي المتشرّعة على الاجتناب، فمثل هذه السيرة التي استقرّت خارجاً على الاجتناب لا يلزم أن تكون موجودة في أيام الأئمّة، فلعلّ المسألة في أيامهم لم تكن سيرة، وإنَّما كانت محلّ خلاف.

 ثالثاً: أنّ هذه السيرة الثابتة للمتشرّعة في الأعصر المتأخّرة، والتي نريد أن نستدلّ بها على وجود السيرة للمتشرّعة في أيام الأئمّةفهذه الفرضية مبنيّة على أن لا ندخل في تفسير سيرة المتشرّعة اليوم احتمالاً آخر، وهو احتمال أن تكون سيرتهم لا بما هم متشرعة.

فإنّنا إلى حدّ الآن كنّا نتكلّم عن أنَّ سيرة المتشرّعة هي سيرتهم بما هم متشرعة، وبما هم يعملون قانون الشرع، غاية الأمر يمكن أن نتصوّر أنَّ قانون 

ــــــــــ[53]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الشرع في نظر هؤلاء غيره في نظر الأوّلين بالجوابين اللذين ذكرناهما.

ولكنّنا في المقام نحن نحتمل في كثير من سِيَر المتشرعة التي هي موجودة في الأعصر المتأخّرة أن لا تكون سيراً ناشئة من تطبيق قانون الشرع بحسب حدوثها، بل تكون ناشئة من الجري على مقتضى الطبع فيما إذا فرض أنَّ المسألة كانت من المسائل التي يكون مقتضى طبع الناس فيها هو الجري على هذا المطلب، فجروا على هذا المطلب في يوم من الأيام، وتكاثر الجارون على ذلك إمّا سهواً، أو نسياناً، أو غفلة، أو لعدم الفحص، أو قصوراً أو تقصيراً، فتجمعت هذه الأسباب المشروعة وغير المشروعة في الجري على مقتضى ذلك، وبعد هذا جاء الأبناء فورثوا هذا الجري من آبائهم.

ومن أمثلة ذلك: بيع الصبيان بناءً على عدم جوازه، وأمّا التعامل مع الصبيان الذين عندهم إدراك وتميّيز، فهو مقتضى طبع الإنسان وذوقه -ولا أقصد من الطبع الفطرة- وتكثرت العوامل على أن يجري المتشرّعة، لا بما هم متشرّعة، بل بما هم غافلون ساهون قاصرون مقصّرون في ذلك من باب التسامح أو التساهل، أو من باب تخيّل العلم برضا الولي ونحو ذلك، فلّما جاء الأبناء ووجدوا آبائهم المتديّنين يعملون مثل هذا العمل فعملوه أيضاً.

طبعاً، إذا لاحظنا فتاوى الفقهاء فهي لا يأتي فيها مثل هذا الإشكال، إلَّا أنَّ هذا يصير بحثاً في الإجماع، وليس بحثاً في السيرة، وكلامنا الآن بالنظر إلى السيرة بما هي سيرة، لا بالنظر في فتاوى الفقهاء.

إذن، فيمكن أن تكون سيرة المتشرعة ناشئة عن غير تطبيق قانون الشرع 

ــــــــــ[54]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بحسب الخارج، ولهذا نجد بخصوص هذا المورد -يعني: بيع الصبي- مع أنَّ سيرة المتشرعة عليه، فإنَّ الرأي السائد في الفقه عند أكثر الفقهاء هو عدم الجواز وتنقل الإجماعات الكثيرة على عدم جواز بيع الصبي وعدم صحّته، فالفقهاء جيلاً بعد جيل كانوا يفتون بذلك، مع ذلك كانت سيرة المتشرعة على ذلك.

إذن، فسيرة المتشرعة لا ينحصر تفسيرها بأن تكون من باب تطبيق مرّ قانون الشرع، بل يمكن أن تفسّر بتفسيرات أُخرى؛ لأنَّ المتشرعة من هؤلاء الناس الذين يقول فيهم الميرزا الرشتي(1): إنَّ الغفلة والنسيان طبيعة ثانية في الإنسان، فالقصور والتقصير طبيعة ثانية في الإنسان، فتنشأ هذه السيرة، ثُمَّ تتطوّر اجتماعيّاً بمقتضى طبع الظواهر الاجتماعيّة. 

إذن، فلأجل هذه الوجوه لا نستطيع القول بأنَّ مثل هذا الطريق في المقام طريق فني وصناعي، لإثبات وجود السيرة في أيام الأئمّة عن طريق وجودها في هذه الأيام. هذا بالنسبة إلى سيرة المتشرّعة (2).

هذا هو الطريق الأوّل، ويأتي -إن شاء الله- له زيادة توضيح خلال الطرق الأُخرى.

ــــــــــ[55]ــــــــــ

() نُقل هذا القول في التنقيح الرائع 1: 451، كتاب الحج في أحكام المواقيت، ونقل أيضاً في كفاية الأصول: 457.

(2) وأمّا السيرة العقلائيّة السائدة اليوم فلا يمكن أن يُستدلّ بها على وجود انعقاد سيرة مماثلة بالأمس، إذ ما بين عقلاء اليوم والأمس جهة اشتراك وجهة امتياز ولا يعلم بأنّ هذا ناشئ من جهة الاشتراك، أو من جهة الامتياز. (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الطريق الثاني: الاعتماد على النقل التاريخي في مقام إثبات السيرة المعاصرة لهم.

وهذا مّما يتّفق في كثير من الموارد أن يكون هناك مستندات تاريخيّة لإثبات وجود سيرة على نحو معيّن في أيام الأئمّة فمثلاً: في جملة من الروايات في باب الزكاة وغيرها يظهر بأنَّ المسلمين والمؤمنين في تلك الأيام كانوا يتعاملون بالنقود الأجنبيّة كما يتعاملون بالنقود الإسلاميّة، فلم يكن هذا حراماً؛ لأنَّ سيرة المتشرّعة والعقلاء في بلاد المسلمين كانت على التعامل بمثل هذه النقود، فلو شكّكنا في جواز التعامل بالنقد الأجنبي أو عدم جوازه في بلاد المسلمين، وأردنا أن نستدلّ بالسيرة فعندنا روايات تدلّ بالدلالة التاريخيّة على ذلك، حيث إنَّ جملة من الرّواة كانوا يتحدّثون عن هذا المطلب وكأنّه مفروغ عنه، فيظهر من مجموع الروايات التي تتحدّث عن باب العُمَل والنقود، وأنّه هل هناك زكاة أو لا؟ وكيفيّة المغشوش وغيره من الدراهم والدنانير ونحو ذلك؟ فيظهر أنَّ الناس كانت تعيش حرّيّة من هذه الناحية، فبأيّ نقد يريدون أن يتعاملوا يمكنهم ذلك، فهذا نقل تاريخي في المقام.

كذلك منقول في التاريخ العامّ -لا في التاريخ الفقهي الخاصّ- بأنَّ الناس في أيام النبيّ وأيام الأئمّة كانت سيرتهم على استخراج المعادن فرديّاً، ممّا يعني: أنَّ كلّ إنسان يذهب إلى معدن فيستخرجه ويتصرّف بالمقدار الذي يستخرجه، ولم يكن شأن المعادن ممّا يُحجز عنه الإنسان من ناحية التصرّف فيه -طبعاً قسم من المعادن ممّا هو المنصوص عليه تاريخيّاً، فمّما يُنقل في عهد رسول 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الله أنَّ العقيق والملح مثلاً كان بعض الناس يذهبون فيستخرجون العقيق وبعضهم الملح ونحو ذلك. هذا في التاريخ العامّ الموجود- فباب التاريخ هو أحد الطرق في إثبات السيرة المعاصرة لهم (عليهم الصلاة والسلام).

نقد الطريق الثاني

إلَّا أنَّه هنا نتكلّم عن أمرين:

الأمر الأوّل: أنَّ إثبات هذا المطلب بالتاريخ يتوقّف على حصول شرائط الحجّيّة التعبّديّة، أو على حصول الاطمئنان بذلك، يعني: أن يكون النقل التاريخي نقلاً مكثفاً بالقرائن الكمّيّة والكيفيّة -ومقصودي من القرائن الكمّيّة: الكثرة والاستفاضة. ومقصودي من القرائن الكيفيّة: وجود شواهد الحال على صدق هذا المطلب- فإنَّه لا يعقل أن يُنقل في التاريخ أنَّ النفط كان ممّا يُستخرج ويُصفّى في عهد رسول الله -مثلاً- لأنّنا لا نحتمل أنّه كان على عهد رسول الله نفط، فإنَّ هذا شيء نعلم بكذبه التاريخي حيث نعلم ببداية استخراجه.

فلا بدَّ أن تتوفّر قرائن كمّيّة وكيفيّة، بحيث تشهد على صدق هذا الخبر، حتّى يبلغ إلى درجة الاطمئنان؛ لأنَّ الاطمئنان حجّة في المقام.

وإمّا أن ينتهي إلى اجتماع شرائط الحجّيّة التعبّديّة في النقل التاريخي، كما لو كانت هناك رواية متسلسلة السند، وكان تمام الرّواة ثقاة -بناءً على حجّيّة خبر الواحد في الموضوعات- فيكون هذا في المقام أمراً تامّاً.

الأمر الثاني: الإشكال في كفاية توفّر شرائط الحجّيّة التعبّديّة، فإنّه تارةً يحصل لنا الاطمئنان بالمطلب والقطع العادي فلا إشكال فيه، وأُخرى لا 

ــــــــــ[57]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

يحصل ذلك وإنَّما تتوفّر شرائط الحجّيّة التعبّديّة، بحيث يشمله دليل حجّيّة خبر الواحد، فهنا دليل حجّيّة خبر الواحد إنَّما يشمله فيما إذا كان منتهيّاً إلى حكم شرعي، أمّا إذا لم يكن المدلول منتهيّاً إلى حكم شرعي فلا يشمله، كما لو أخبر الواحد عن موت طائر في السماء، ولم يكن بين موته وبين أيّ حكم في الدنيا علاقة أصلاً، مثل هذا الخبر لا يشمله دليل الحجّيّة، بل دليل الحجّيّة إنَّما يشمل خبر الواحد فيما إذا كان مدلوله حكماً شرعيّاً أو ملازماً مع حكم شرعي.

والشيء الذي يُتصوّر في المقام هو أن يقال: بأنَّ خبر الواحد الذي ينقل لنا السيرة التي هي مدلول خبر الواحد الملازم مع الحكم الشرعي -بناءً على ما سوف ننقحه في المرحلة الثانية من الملازمة بين السيرة وبين الإمضاء الشرعي- فإذا كان هناك ملازمة بين السيرة أو بين الإمضاء الشرعي، فخبر الواحد ينقل بالمطابقة السيرة وبالالتزام الإمضاء الشرعي، فيشمله دليل حجّيّة خبر الواحد بهذا الاعتبار.

وهذا الكلام في نفسه لا يخلو عن وجاهة، إلَّا أنَّه لا بُدَّ من إخضاعه لقانون من القوانين في باب الملازمة، وذلك: أنَّ الملازمة على نحوين: 

فتارةً تكون الملازمة ملازمة ما بين نفس الشيئين في أنفسهما، فبين وجود البياض وعدم السواد، سواء كانت ملازمة عقليّة أو عاديّة بالذات أو بالعرض. وبخبر الواحد تقوم الأمارة على ثبوت أحد هذين المتلازمين، وحينئذٍ يخبر بالالتزام لا محالة، وإن كان غير قاصد ولا ملتفت عن ثبوت الطرف الآخر للملازمة، فيشمله دليل حجّيّة خبر الواحد بالمطابقة والالتزام.

ــــــــــ[58]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأمّا في بعض الموارد فالملازمة ليست بين نفس الشيئين، بل بين العلم بهذا والعلم بذاك، يعني: أنَّ الإنسان إذا علم بأحد هذين الشيئين فقد يحدس أنَّ الآخر أيضاً واقع، وهذا هو المعبّر عنه في كلمات الشيخ الأعظم(1) بالملازمة الاتفاقيّة، ولهذه الملازمة الاتفاقيّة قانون وبحث يخضع لباب العقل الثالث، ولا مجال هنا لتفصيله.

فبناءً على هذا لا يكون الإخبار عن أحدهما إخباراً عن الآخر؛ لأنّه لا ملازمة بين الشيئين، وإنَّما الملازمة بين العلمين، فمن يخبر عن أحدهما لا يخبر عن الآخر، فالآخر ليس مدلولاً بالنسبة إلى هذا الخبر.

وهذا بحث كبروي لا بُدَّ من الالتفات إليه في علم الأُصول، وهو من الأبحاث الجديدة فيه التي لا بُدَّ لنا من تطبيقها على جملة من الموارد في الأبحاث الأُصوليّة والفقهيّة على أساس ما نقرّره من قوانين لهذا الفصل الثالث.

فإذا عرفنا هذه الكبرى تصوّراً نطبقها على محلّ الكلام، فنقول: بأنَّ الملازمة بين السيرة وبين الحكم الشرعي إن كانت ملازمة بين الشيئين بما هما شيئان، كما إذا كانت ملازمة عقليّة، كالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته. إذن، فالذي يدلّ على أحدهما بالمطابقة يدلّ على الآخر بالالتزام، فيكون خبر الواحد حجّة بلحاظ مدلوله الالتزامي.

وأمّا إذا فرضنا أنَّ الملازمة بين العلمين، لا بين المعلومين، فالدالّ على أحد المعلومين لا يدلّ على المعلوم الآخر. إذن، فهذا الخبر الواحد لا ينتهي إلى 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 135.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الدلالة والإخبار عن حكم شرعي فلا يكون حجّة بلحاظ مدلوله المطابقي، وبلحاظ مدلوله الالتزامي. 

أمّا بلحاظ مدلوله المطابقي؛ فلأنّه ليس حكماً شرعيّاً، بل هو سيرة خارجيّة. 

وأمّا بلحاظ المدلول الالتزامي؛ فلأنّه ليس له مدلول التزامي؛ لأنَّ الإمضاء -على حسب الفرض- الذي هو حكم شرعي ليس ملازماً مع ذات السيرة، بل الملازمة بين العلم بالسيرة والعلم بالإمضاء، لا ما بين ذات السيرة والإمضاء. هذا ما ينبغي أن يقال في هذا الطريق(1).

الطريق الثالث: عدم كثرة السؤال عن الحكم تدل على عدم الحكم

لو لم يكن الحكم الشرعي الفلاني مسلّم العدم عملاً وسلوكاً وارتكازاً في سيرة المتشرعة المعاصرين للأئمّة وكان بمعرض الثبوت عندهم. إذن، لكثر السؤال عن مثل هذا الحكم، ولو كثر السؤال عنه وكان ثابتاً في الواقع لاشتهر ثبوته ولتّضح به؛ لأنَّ الشيء الثابت إذا كثر السؤال عن ثبوته وأجيب بالإثبات مرّة بعد مرّة في أماكن مختلفة ومناسبات متعدّدة، فحينئذٍ يشتهر بثبوت هذا الحكم ويتّضح ويصبح من المشهورات والمسلّمات والواضحات. 

ــــــــــ[60]ــــــــــ

() وهنا سألته (سلّمه الله): ما هو الصحيح من هذين الشقّين، هل توجد ملازمة بين الإمضاء والسيرة، أو بين العلم بالسيرة والعلم بالإمضاء؟ 

فأجاب: هذا يختلف باختلاف الوجوه التي سوف نقرّب بها الملازمة في المرحلة الثانية. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ومثل هذا الوضوح حينئذٍ يكون سبّباً لارتفاع الخلاف في المطلب والتسالم الطبعي عليه من قبل المتشرعة ومن قبل الفقهاء في العصور المتقدّمة، فنفس وقوع الخلاف في مسألة وعدم وضوح الحكم فيها يصير دليلاً بهذا البيان على عدم ثبوت ذلك الحكم في الشريعة الإسلاميّة، فمثلاً: لو فُرض أنّنا نريد أن ننفي وجوب المسح بتمام الكفّ على القدمين بمنطق السيرة، وذلك بأن نقول: لو أنَّ السيرة لم تكن منعقدة عملاً وارتكازاً وسلوكاً على عدم وجوب ذلك الحكم، وأنَّ هذا المطلب وهو وجوب المسح بتمام الكفّ على القدمين كان في معرض الثبوت في نظر الشريعة والمتشرعة. إذن، لكثر السؤال عنه، ولو كثر السؤال عنه لكثر الجواب عليه طبعاً بالإيجاب على فرض وجوب المسح واقعاً، ومع كثرة الأجوبة بالإثبات -باعتبار كثرة الأسئلة- يصبح هذا المطلب من المسلّمات والواضحات، ولما بقي فيه خلاف ونزاع. 

فنفس الخلاف وعدم الوضوح والاشتهار دليل على عدم ثبوت الحكم في بعض الأحيان، وبنفسه يكفي دليلاً على عدم ثبوت هذا الحكم عند الشريعة، إذ لو كان ثابتاً واقعاً، وكان في معرض الثبوت في نظر المتشرعة، لكثر السؤال عنه ولكثر الجواب بالإثبات، ومع كثرة الجواب بالإثبات يرتفع الإشكال في المسألة وتصبح المسألة من الواضحات. 

وحينئذٍ فمجرّد عدم وضوح هذا الحكم، وهو وجوب المسح بتمام الكفّ على القدمين، وعدم كونه من الأمور المسلّمة في الشريعة يكفي دليلاً على عدم ثبوت هذا الوجوب. هذا هو صورة الاستدلال بهذا الطريق.

ــــــــــ[61]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهذا الطريق من أحسن الطرق التي يمكن أن تُسلك لإثبات الحكم الشرعي بالدليل اللبّيّ في المقام، يعني: هو من أحسن الطرق التي تعرضنا لها.

إلَّا أنَّ هذا الطريق له شروط وقيود، ولا بُدَّ من أن تُراعى في سلوك هذا الطريق الشروط والقيود التي لولاها لا يتمّ مثل هذا الطريق، وهذه الشروط والقيود ممّا ينضبط بصيغة عامّة، وقد يوجد فيها ما لا بُدَّ من ملاحظة كلّ موردٍ موردٍ، فإذا لوحظت هذه القيود المنضبطة فحينئذٍ في الغالب يحصل من مثل هذا الطريق الاطمئنان بنفي هذا الحكم الذي يراد نفيه بالدليل اللبّيّ، فما هي الشروط والقيود المنضبطة لسلوك هذا الطريق؟

شروط سلوك الطريق الثالث

والشروط هي: 

الشرط الأوّل: أن يكون هذا الحكم الذي يراد نفيه في المقام بهذا الطريق من باب عدم الوضوح وعدم كونه مسلّماً، فيكون من الأحكام المربوطة بسلوك كلّ فردٍ فردٍ المؤثّرة في سلوك الأفراد، لا المؤثّرة في سلوك الحاكم، وفي سلوك الإمام أو الخليفة، يعني: أن يكون حكماً من الأحكام الفرديّة، لا من الأحكام الاجتماعيّة المربوطة بالحاكم الشرعي المبسوط اليد، فمثلاً: لو شكّكنا في عمل وهل يجب على الحاكم الشرعي المبسوط اليد إعالة الفقير من المسلمين أو لا يجب؟ هنا لا نقول: إنَّ مجرّد عدم وضوح هذا الحكم دليل على عدم وجوده في الشريعة؛ وذلك لأنَّ مثل هذا الحكم يقرّر الوظيفة الشرعيّة العمليّة للحاكم المبسوط اليد، لا للمتشرّعة بما هم متشرّعة. ومن المعلوم أنَّ الأحكام الشرعيّة 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

التي وردت لنا عن طريق الأئمّة إنَّما وردت عن طريق السؤال من قبل الرواة والجواب من قبل الإمام غالباً، والرّواة إنَّما يسألون عن موارد حاجاتهم لا محالة غالباً، إلَّا من يسأل من باب التفكّه، وهو قليل جدّاً، وإلَّا فإنَّ مئات الرّواة عندما يأتون إلى الأئمّة ويسألونهم إنَّما يسألونهم عمّا هو مورد ابتلائهم غالباً، كأن يسأل مثلاً: (نزلت في بيت جار المسجد بينه وبين المسجد زقاق قذر)(1) فهي مسألة محلّ ابتلاء الشخص يسأل عنها.

فالاتّجاه العامّ في باب الأسئلة التي وردت، وعن طريقها جاءت الأجوبة من قبل الأئمّة إنَّما هو الوقائع الشخصيّة والأحكام المربوطة بالأفراد؛ لأنَّ هذه هي التي كانت تهمّ الشيعة والمتشرّعة، وأمّا الأحكام المربوطة بالحاكم الشرعي المبسوط اليد، فهذه لم تكن محلّ ابتلاء الشيعة، حيث إنَّ الحكم كان بيد الظلمة وبيد الغاصبين، فمن هذه الناحية لا يكون عدم وضوح حكم من تلك الأحكام دليلاً على أنّه ليس ثابتاً في الشريعة، إذ لو كان ثابتاً في الواقع وكان في معرض الثبوت في الظاهر لكثر السؤال عنه، ولكثر الجواب عليه، فعندما لا يكثر السؤال عنه نعرف أنّه ليس محلّ ابتلائهم.

ــــــــــ[63]ــــــــــ

() ورد في موثّقة الحلبي، قال: نزلنا في مكان بيننا وبين المسجد زقاق قذر، فدخلت على أبي عبد الله، فقال: “أين نزلتم؟” فقلت: في دار فلان، فقال: “إنَّ بينكم وبين المسجد زقاقاً قذراً” أو قلنا له: إنّ بيننا وبين المسجد زقاقاً قذراً، فقال: “لا بأس إنّ الأرض يُطهّر بعضها بعضاً” الكافي 3: 38، كتاب الطهارة، باب الرجل يطأ على العذرة أو غيرها من القذر، الحديث 3، الوسائل 2: 1046 الباب 32 من أبواب النّجاسات، الحديث 1.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إذن، فالشرط الأوّل من شروط تتميم هذا الطريق أن يكون الحكم في المقام من الأحكام الفرديّة، لا أن يكون من الأحكام المربوطة بجهة أخرى. 

الشرط الثاني: أن يكون هذا الحكم الفردي من الأحكام التي يبتلي بها عموم المتشرّعة الشيعة، لا أن يكون من الأحكام التي يبتلي به من كلّ ألف متشرّع من الشيعة واحد أو أقل، فإنّه لو فرض أنَّ الحكم كان حكماً غير غالبي الابتلاء وقليل الابتلاء بحسب الخارج، فلا يُفرض السؤال عنه، فإنَّ كثرة السؤال -كما بيّنا- لم تنبع من عدم الحاجة؛ لأنَّ هنا بحثاً كان يجري على الطريقة المتعارفة، بل الأسئلة كانت تنبع من الحاجة، وحيث إنّنا نفرض في المقام بأنَّ هذا الحكم لم يكن ممّا يبتلي به عموم الشيعة، بل قد يبتلي به بعض الشيعة أحياناً، فمثل هذا الحكم حتّى لو فرض ثبوته في الواقع، وكان في معرض الإثبات في الظاهر أيضاً، مع هذا لا يتمّ بالسؤال عنه؛ لأنَّه خارج عن محلّ ابتلائهم، فمثل هذه الأحكام التي لا تكون عامّة الابتلاء، لا يكون عدم وضوحها ومسلّميّتها في الخارج دليلاً على عدم ثبوتها في الشريعة، فمثلاً: في باب تملّك المعدن لو شكّكنا في أنَّ الإنسان هل يتملّك المعدن أو لا؟ هنا قد يقال: بأنَّ مجرّد عدم وضوح ذلك يكون دليلاً على عدم تملّكه. 

لكن هذا ليس أمراً صحيحاً؛ لأنَّ تملّك الإنسان للمعدن ليس محلّ ابتلاء عموم الشيعة، حتّى يكون عدم وضوح الحكم فيها دليلاً على نفي الحكم الشرعي المشكوك، فهو ليس من القضايا الداخلة في حياة كلّ شيعي، بحيث لا بُدَّ أن نفترض كثرة السؤال عنها مع كونها في معرض الجواب.

ــــــــــ[64]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهذا بخلاف ما إذا كان من قبيل المسح -على ما أشرنا إليه- فإنَّ هذه مسألة داخلة في حياة كلّ شيعي؛ لأنَّ كلّ شيعي يصلّي في كلّ يوم عدّة مرّات، وفي كلّ مرّة يهتمّ بحافظيّته للوضوء. 

فالشرط الثاني في هذا الطريق أن يكون الحكم الشرعي محلّ ابتلاء العموم، حتّى نفرض أنّه لو كان في معرض الثبوت ولو لم يكن عدمه مسلّماً. إذن، لكان هناك سؤال كثير عنه، ولو كثر السؤال عنه لكثر الجواب عليه، ولو كثر الجواب عليه لكان ثبوت الحكم من الواضحات.

الشرط الثالث(1): أن لا يكون هناك احتمال التقية في إخفاء الحكم، فإنَّه قد تكون بعض الأحكام فرديّة وغير مربوطة بالحكم وكثيرة الابتلاء، إمّا مطلقاً أو في ذلك العصر، لكن هناك احتمال المانع عن إبراز الجواب، مع كثرة السؤال عن ذلك، ولكن لم يبرز الجواب بالإيجاب عنده لاحتمال وجود مانع، وهو التقية عن إبراز هذا المطلب، فإنَّ جملة من الأحكام الشرعيّة استترت واختفت ولم تصل عن طريق الخوف من خلفاء الجور.

وحينئذٍ مثل هذا الاحتمال أيضاً يمنع عن التصديق بهذه الملازمة، وهي قولنا: لو كان هذا الحكم ثابتاً في الواقع، ولو كان في معرض الإثبات في الظاهر لكثر السؤال عنه، ولكثر الجواب عليه بالإثبات.

 إذن، يصير هذا من الواضحات، وهذا من غير الممكن عدم إكثار الجواب 

ــــــــــ[65]ــــــــــ

() هذا الشرط أُلغي من قبل السيّد الأُستاذ؛ لأنَّه يصلح أن يكون برهاناً على عدم الإمضاء للتقية، إلَّا أنَّ السيرة على كلّ حال قد تمّت. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

عنه بالإثبات؛ لأنَّ ظروف التقية تمنع عن الجواب بذلك، فمثلاً: قد يكون من مصاديق ذلك: طهارة أهل الكتاب، فإنّه لا يمكن أن نستدلّ على نفي نجاسة أهل الكتاب بهذا الدليل، بأن نقول: بأنَّ نجاسة أهل الكتاب حكم شرعي عامّ الابتلاء بالنسبة إلى الشيعة يومئذٍ؛ لأنّه في ذلك اليوم كان أهل الذمّة موجودين في مختلف أقطار العالم الإسلامي، وكانوا يعيشون مع المسلمين ويعاملون ويتاجرون، فكان وجود الكافرين بين المسلمين شائعاً ولم يكن أمراً مستغرباً، فالشيعة كانوا يعايشون الذميّين ويشاروهم ويبايعونهم إلى غير ذلك من الأمور، كما يظهر من كثرة التعرّض لحال الكافر والمعايشة معه ومصافحته وإجابة دعوته وعدمها وغير ذلك من أمور المعاشرة مع الكافر، فهناك روايات كثيرة جدّاً مبيّنة في هذا الباب؛ لأنَّه كان من الموضوعات التي هي محلّ ابتلاء عموم الشيعة.

فهنا قد يقال: بأنّنا نستدلّ بعدم وضوح نجاسة أهل الكتاب على عدم ثبوت مثل هذا الحكم، إذ لو كان هذا الحكم ثابتاً في الواقع -وهو الحكم بالنجاسة- وكان في معرض الإثبات في الظاهر. إذن، لكثر السؤال عنه، وكثر الجواب بالحكم بالنجاسة، ولشاع المطلب وأصبح من الواضحات؛ إذ من المحتمل أن تكون التقية سبّباً في عدم صيرورة الحكم بالنجاسة من الواضحات، بناءً على ما ينسب إلى علماء السنّة من القول بطهارة أهل الكتاب،

وعلى هذا قد يكون اختفاء القول بالنجاسة، يعني: عدم بلوغه تلك الدرجة من الوضوح والمسلّميّة ناشئاً عن ظروف التقية التي منعت عن إظهار هذا المطلب وفقاً لمقتضى الطبع. 

ــــــــــ[66]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

نعم، مقتضى الطبع هو هذا إلَّا أنَّ احتمال التقية يكون مزاحماً مع ما هو مقتضى الطبع، حيث إنَّ الأئمّة كانوا يتّقون من العامّة، ولهذا حمل جملة من الفقهاء الروايات الدالّة على طهارة أهل الكتاب على التقية باعتبار موافقتها للعامّة.

الشرط الرابع: أن يكون هذا الحكم الذي نريد نفيه بحسب اقتضاءه العملي على خلاف طبع الإنسان، لا أنَّه يكون على وفق اقتضاء طبع الإنسان، كما هو الحال في وجوب المسح بتمام الكفّ ونحو ذلك من الأمور.

وأمّا لو فرض أنَّ هذا الحكم كان على وفق طبع المتشرّعة بما هم، بحيث لا يكون مثل هذا الحكم موجباً لمخالفة طبعهم، ففي مثل هذا أيضاً لا نجزم بوقوع كثرة السؤال في المقام عن مثل هذا الحكم؛ إذ بعد فرض أنَّ هذا الحكم كان على وفق مقتضى طبعهم وقريحتهم، فحينئذٍ لعلّه لم يكثر السؤال عن ذلك من ناحية أنَّ هذا على مقتضى طبعهم على أيّ حال.

نعم، الشيء الذي يخالف طبعهم يكون لهم دافع إلى الخلاف، بمعنى: أنَّهم لو خلّو وطبعهم لعملوا شيئاً آخر غير هذا، فإذا احتملوا مثل هذا المطلب فقهراً يذهب إلى الإمام أو غيره، فإنَّ هذا الحكم غير صحيح، حتّى يجري على مقتضى طبعه، وأمّا إذا فُرض أنَّ مقتضى الطبع كان هو هذا، فحينئذٍ في مثل هذا لا جزم بهذه الملازمة ولا اطمئنان بها.

وهذا الطبع له عدّة أسباب، منها: أن يكون هذا أدباً عامّاً فيما بين المسلمين، فمثلاً: في الحكم بنجاسة أبوال الدواب الثلاثة هناك خلاف وكلام: 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بأنَّ أبوال الدواب الثلاثة مع أنّها ممّا يؤكل لحمها هل هي محكومة بالنجاسة أو لا؟ فعلماء السنّة -على ما يقال(1)– يحكمون بالنجاسة، ومعنى هذا: أنّ أكثر المسلمين يومئذٍ كان مبناهم بحسب الخارج على التجنّب عن ذلك.

وهنا هل يمكن أن نُعمل هذا الطريق في نفي النجاسة، بأن نقول: إنَّ أبوال الدواب الثلاثة محكومة بالنجاسة، وهذا الحكم محلّ ابتلاء عموم الشيعة يومئذٍ، فلو كانوا يحكمون بالنجاسة وفي معرض الثبوت عندهم. إذن، لكثر السؤال عنه، ولو كثر السؤال لكثر الجواب، ولأصبح من الواضحات والمسلّمات، فمجرّد عدم وضوح هذا المطلب يدلّ على عدم الحكم بالنجاسة.

وهذا المطلب لا يخلو من شوب إشكال؛ وذلك لأنَّ الاجتناب عن هذا المطلب كان مقتضى طبع المتشرعة يومئذٍ، ولو الطبع المكتسب من ناحية صيرورته أدباً عامّاً من ناحية تقيّد أكثر المسلمين بذلك.

فالضابط في هذا الشرط أن يكون الحكم على خلاف مقتضى الطبع، بحيث لو لا هذا الحكم لكان سلوك الناس غير هذا، وأمّا لو فُرض أنّه -سواء ثبت هذا الحكم أو لم يثبت- يكون سلوك الناس على هذا في الغالب، فمثل هذا الحكم لا ينفى بمثل هذا الطريق.

الشرط الخامس: أن لا يكون هذا الحكم الذي نريد أن ننفيه ممّا أفتى به مشهور الفقهاء المتقدّمين، ووجدت عليه روايات عديدة لا بأس بها، فإنّه لو 

ــــــــــ[68]ــــــــــ

(1) بداية المجتهد 1: 80، المجموع 2: 549، المبسوط (للسرخسي) 1: 53،54، المحلي 1: 168، بدائع الصنائع 1: 61، حلية العلماء 1: 306 روضة الطالبين 1: 125.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فرض أنّه كان من هذا القبيل فهذا يكفي في المقام في حصول الوضوح، كما هو الحال في السورة، فإنّنا نشكّ بأنَّ السورة واجبة أو غير واجبة، إلَّا أنَّ السورة ممّا أفتى مشهور المتقدّمين بوجوبها، ووجدت أيضاً روايات في المقام ظاهرها الوجوب، فلعلّ هذه الفتوى من مشهور المتقدّمين في المطلب، مع هذه الروايات المنضمّة إليه يكون نتيجة كثرة السؤال وكثرة الجواب، وإن وجد أيضاً ما يدلّ على عدم الوجوب، إلَّا أنَّه لا ينفي احتمال حمله على محامل أُخرى.

إذن، فيشترط في الحكم المنفي في هذا الطريق ألَّا يكون له هذه الرتبة من الوضوح، بحيث يكون قد أفتى به مشهور المتقدّمين ويكون عليه روايات كثيرة.

نعم، نقل عن الصدوق -فيما أتذكر وإن كان يحتاج إلى المراجعة(1)– وجوب المسح بثلاثة أصابع مثلاً، وأمّا وجوب المسح بتمام الكفّ فلم ينقل عن أحد ممّن له فتوى بحسب الخارج، وليست هناك شهرة روائيّة على وجوب المسح بتمام الكفّ، ولو فرض وجود رواية دالّة على هذا المطلب بظاهرها، فهذا لا يمنع عن تمامية هذا الطريق.

والنتيجة المرادة من هذا الطريق: هي نفي حكم من الأحكام الإلزاميّة فيما إذا توفّرت في ذلك الحكم الإلزامي الشرائط الخمسة، وهي: 

أوّلاً: أن يكون حكماً فرديّاً لا اجتماعيّاً.

 ثانياً: أن يكون حكماً عامّ الابتلاء في الأفراد. 

ثالثاً: أن يكون هذا الحكم على خلاف مقتضى الطبع. 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 28، باب حدّ الوضوء وترتيبه وثوابه، ذيل الحديث 88.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

رابعاً: أن لا يكون هناك احتمال التقية في مقام اختفائه. 

خامساً: أن لا يكون اشتهر الإفتاء بمثل هذا الحكم بين علمائنا المتقدّمين وفي الروايات. 

فإذا توفّرت هذه العناصر في حكم من الأحكام فحينئذٍ يمكننا نفي هذا الحكم اللزومي بهذا الطريق، فمثلاً: وجوب المسح بتمام الكفّ على القدم، نقول فيه: إنَّ السيرة في أيام الأئمّة للمتشرعة كانت منعقدة على عدم المسح بتمام الكفّ وعدم التقيّد بذلك، أو أنَّها لم تكن منعقدة على ذلك، ومقصودنا هو إثبات الشقّ الأوّل من هذين الشقّين، فإذا أبطلنا الشقّ الثاني تعيّن الشقّ الأوّل، وهو انعقاد السيرة على عدم المسح بتمام الكفّ وعدم التقيّد بذلك، وكيف نُبطل الشقّ الثاني، بحيث نُعيّن الشقّ الأوّل؟ وذلك أن نقول: بأنَّ السيرة إذا كانت منعقدة على عدم التقيّد بالمسح بتمام الكفّ الذي هو الشقّ الأوّل. إذن، فمثل هذه السيرة تكون بنفسها دليلاً على عدم وجوب المسح بتمام الكفّ، إذ لا يحتمل الناس في تلك الأيام أنَّ المسح بتمام الكفّ واجب، مع أنَّهم يرون تمام إخوانهم في الدين لا يمسحون بتمام الكفّ، فمن هنا يحتاج هؤلاء إلى كثرة السؤال ومعرفة الجواب، وإنَّما يعتمدون على نفس السيرة في مقام استكشاف الحكم الشرعي، وهو عدم وجوب المسح بتمام الكفّ.

وأمّا إذا فرضنا أنَّه لم تكن هناك سيرة على عدم المسح بتمام الكفّ، بل كان المسح بتمام الكفّ ممّا انعقدت عليه السيرة، أو أنَّه كان عملاً شائعاً متعارفاً، بحيث إنَّ كثيراً من الناس يتقيّدون بالمسح بتمام الكفّ، فإذا فُرض أنَّ الأمر كان 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

هكذا. إذن، فسوف يسأل الناس حتماً من قبل الأئمّة لأنَّ صحابة الأئمّة المتفقّهين يلتفتون إلى أنَّ هذا الحكم وهو وجوب المسح بتمام الكفّ هل هو ثابت في الحقيقة أو ليس بثابت؟ ومجرّد أنّهم يرون أنَّ الناس يمسحون بتمام الكفّ لا يكون دليلاً على ثبوت الوجوب فيبقى الوجوب عندهم مشكوكاً، وحيث إنَّ هذه الحادثة عامّة الابتلاء، وتتكرّر في كلّ يوم وليلة، وإنَّ السير على طبق الوجوب على خلاف مقتضى الطبع، يعني: عندهم داعٍ للفحص وللتخلّص من هذه المؤونة الزائدة، وأنَّ كلّ هذه النكات مستجمعة، فلا محالة لا بُدَّ أن يسألوا، ويكون هنا توافقهم وتواطئهم على عدم السؤال ممتنعاً عادةً على حدِّ امتناع الأخبار المتواترة من الكذب، فكما هناك يحصل للإنسان الاطمئنان بأنَّ عدداً كبيراً من الناس لا يتواطؤون على الكذب، هنا أيضاً لا يتواطأ هؤلاء على عدم السؤال. إذن، فيسألون عادةً، وإذا سألوا فيُجابون عادةً، فكثرة السؤال توجب في المقام كثرة الجواب، فلو كان المسح بتمام الكفّ واجباً في الواقع لأصبح من الواضحات، باعتبار كثرة السؤال وكثرة الجواب، وحيث إنَّ المسح ليس من الواضحات. إذن، فالشقّ الثاني باطل، فيتعيّن الشقّ الأوّل، وهو أنَّ السيرة كانت منعقدة على عدم وجوب المسح بتمام الكفّ، وعدم التقيّد به. هذا خلاصة منهج الاستدلال في الطريق الثالث.

الطريق الرابع: إثبات السيرة العقلائيّة المعاصرة لهم

وهو يختصّ بإثبات السيرة العقلائيّة المعاصرة لهم، وذلك بأن يقال: إنّنا نستكشف انعقاد السيرة العقلائيّة من أيام الأئمّة وفي مجتمعهم على 

ــــــــــ[71]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

هذا المطلب المعيّن من ناحية انعقاد السيرة العقلائيّة في كثير من المجتمعات على ذلك من باب الاستقراء، بمعنى: أنَّ الباحث يستقرئ عدداً كبيراً من المجتمعات العقلائيّة، فيرى أنَّ السيرة في هذا العدد الكبير من المجتمعات العقلائيّة قد انعقدت على مطلب معيّن، فبالاستقراء نثبت أنَّ مثل هذا المطلب المعيّن نشأ من القريحة العقلائيّة التي هي أمر مشترك بين العقلاء، لا أنَّه نشأ ممّا به الامتياز، فإذا فُرض أنَّه كان ناشئاً من القريحة العقلائيّة، فهي مشتركة بين تمام العقلاء بما فيهم عقلاء مجتمع الأئمّة.

وفرق هذا البيان عن الطريق الأوّل هو إثبات قيام السيرة العقلائيّة بالأمس عن طريق قيامها اليوم، هو أنّه هناك يُلحظ مصداق واحد، يعني: استصحاب قهقرائي لهذه السيرة المعاصرة، وليس هو من باب الاستقراء. 

وأمّا في المقام فيكون من باب الاستقراء، فكما أنَّ الإنسان يستقرئ أحوال عدد كبير من نوع معيّن من الدجاج فيرى ظاهرة معينّة فيهم، فيعمّم هذا الحكم على تمام أفراد النوع.

فيقال في هذا المقام: إنَّ هذا المنهج الاستقرائي لإثبات السيرة العقلائيّة المعاصرة لهم حاله حال الاستقراءات الأُخرى العلميّة، كما لو استقرئنا موارد وجود (الألف) بحسب الخارج فرأينا أنّه متى ما رأينا (ألفاً) بحسب الخارج نرى معه (باء) آلاف المرات، فببركة هذا الاستقراء نجزم بأنّ (باء) معلول لـ (الألف)من ناحية هذا الاستقراء بحسب الخارج، ففي المقام أيضاً يكون الحكم هكذا.

ــــــــــ[72]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

نقد الطريق الرابع بحسب قوانين العقل الثالث

هذا الكلام تفصيله وتحقيقه لا يسعه المقام، باعتبار أنَّ تحقيقه يتوقّف على بيان قوانين الاستقراء والتجربة التي هي بحسب مصطلحنا قوانين العقل الثالث، إلَّا أنَّه بنحو الإجمال نقول: إنَّ هذا الاستقراء لا تنطبق عليه قوانين التجربة وقوانين العقل الثالث في المقام، وذلك لأمور:

الأمر الأوّل: فلأنَّ هذا المنهج من الاستدلال، إنَّما يصحّ فيما لو فرض أنَّه أحرزنا وجود قدر مشترك ما بين الظواهر المتعددة التي استقرأناها أو أجريناها، وشكّكنا أنَّ هذا الأثر معلول للقدر المشترك أو لأمر آخر اقترن بالقدر المشترك صدفة في كلّ مورد.

افرضوا أنّنا استقرأنا أنَّ كلّ من يستعمل حبة الأسبيرين يبتلى بالحمى؛ استقرأناه مراراً متعدّدة، فهنا يوجد قدر مشترك ما بين الحالات التي استقرأناها هو استعمال حبة أسبيرين، ونحتمل أن يكون هذا العارض المعيّن -وهو الحمى- معلولاً لاستعمال حبة الأسبيرين، ونحتمل أن يكون معلولاً لأمر آخر اتّفق وجوده في كلّ مرة من هذه المرات، ولم نلحظه نحن بحسب الخارج.

ففي مثل هذا المقام وبقوانين العقل الثالث مثلاً نثبت أنَّ الحمى معلولة للقدر المشترك، وهو استعمال حبة الأسبيرين(1).

وأمّا لو فُرض أنَّ وجود القدر المشترك غير معلوم، كما لو رأينا أنَّ ألف 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

() وينفي كونها معلولة لأمر آخر موجود صدفة هنا وهناك، ولم يُلحظ في مقام البحث. (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

واحد ابتلى بالحمى، ونحتمل أنَّ هؤلاء إنَّما ابتلوا بالحمى باعتبار سبب واحد وهو استعمال الحبة، ونحتمل أنّهم لم يستعملوا حبة أسبيرين، وإنَّما ابتلى كلّ واحدٍ منهم بهذه الحمى، باعتبار خاصّ به؛ هذا لأنَّه استعمل الثلج؛ والآخر لأنَّه شرب الخلّ، ونحو ذلك، ففي مثل هذا لا تجري قوانين العقل الثالث.

فإنَّ قوانين التجربة إنَّما تجري فيما إذا أحرز وجود قدر مشترك، وعامل مشترك بالتعبير العلمي، واحتمل استناد الظاهرة إلى العامل المشترك واحتمل استنادها إلى غير العامل المشترك؛ فهنا بقوانين التجربة يحصل اليقين باستنادها إلى العامل المشترك. 

وفي محلّ الكلام لم يحرز مثل هذا العامل المشترك، فإنَّ القريحة العقلائيّة هنا تفترض افتراضاً لا أنّه مُحرز في نفسه. من قال: إن هناك قريحة وملكة عقلائيّة غير فطرية؟ بل مكتسبة، وتكون بحسب اكتسابها عامّة في تمام العقلاء، حتّى يكون حكم هذه القريحة العقلائيّة ودورها دور حبة الأسبيرين هناك؟ فحيث إنَّ العامل المشترك هنا غير محرز، وإنَّما هو مجرّد احتمال فرضيّة، فلا تجري في المقام قوانين التجربة؟

الأمر الثاني: فلأنّه لو فرض أنَّ العامل المشترك موجود، وأنَّ تمام العقلاء يتصفون بصفة واحدة، نحن نعلمها في الدرجة السابقة، ونحتمل نشوء هذا السلوك المشترك من تلك الصفة العامّة المشتركة، مع هذا لا تجري في مقام قوانين التجربة؛ وذلك أنَّ هذه القوانين إنَّما تجري فيما إذا لم يعلم اقتران هذا القدر المشترك في كلّ موردٍ بأشياء معيّنة محدّدة يحتمل علّيّتها، فمثلاً في مورد 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

استعمال حبة الأسبيرين لو فرض أنّنا كنّا نعلم في حقّ كلّ شخص من هؤلاء الألف بشيء آخر غير حبة الأسبيرين، نعلم أنَّ زيداً استعمل الحبة وشرب الخلّ، وعمراً استعملها وشرب الثلج، وهكذا، نعلم في كلّ فردٍ بأمر مشترك وبأمر مختصّ به نحتمل علّيّته، لو كان هكذا لما كنا نجزم بمعلوليّة هذه الظاهرة لاستعمال حبة الأسبيرين في مقام.

إذن، فتطبيق قوانين التجربة فرع عدم وجدان أمر آخر نحتمل علّيّته لا فرض عدم وجوده في الواقع، بل عدم وجدانه بحسب الفحص العلمي، ونحن بحسب الفحص العلمي نحتمل علّيّة أشياء كثيرة بالنسبة إلى هذه الظاهرة، من الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة والنفسيّة وغير ذلك من الأمور التي نحتمل أن تكون مؤثرة في وجود هذا في كلّ مجتمعٍ مجتمعٍ. 

نعم لو أمكّننا أن نجرّد المجتمعات العقلائيّة من تمام المؤثرات والأسباب والعوامل الخارجيّة عدا القريحة العقلائيّة فقط، ونرى أنَّ هذا السلوك موجود عندها، فحينئذٍ نستكشف لا محالة أنَّ هذا السلوك معلول للسيرة العقلائيّة، لكن تجريدها عن ذلك غير ممكن.

ففي المقام لو سلّم وجود القريحة العقلائيّة في كلّ مجتمع، فهي دائماً مقترنة بأمور أُخرى معيّنة معلومة يحتمل علّيّتها، وفي مثل ذلك لا يتعيّن القدر المشترك.

الأمر الثالث: فلأنّه لو سُلّم وجود القدر المشترك في المقام، وسُلّم أيضاً تطبيق قوانين التجربة عليه، فغاية ما يثبت هذا كون القريحة العقلائيّة مقتضيّة 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

لهذه الأمور ولا نافي عن وجود المانع، فإنَّ قوانين التجربة لا تنفي إمكان وجود مانع يمنع عن تأثير هذا المقتضى. إذن، فيبقى باب احتمال المانع. نعم، نحن استكشفنا إلى الآن -فرضاً- وجود قريحة عقلائيّة عامّة حتّى عند عقلاء عصر الأئمّة تقتضي بطبعها هذا السلوك، لكن نحتمل أنَّ عقلاء عصر الأئمّة اقترن عندهم هذا المقتضي بمانع من الموانع، فمنع عن جريهم على طبق هذا المقتضى، وهذا الاحتمال لا يمكن دفعه بقوانين التجربة.

ولا معنى لدفعه بقاعدة المقتضى والمانع، بأن يقال: إنَّه كلما علم المقتضى وشكّ في المانع فالأصل عدم المانع؛ وذلك لأمرين:

الأمر الأوّل: فلأنّه لا أساس لقاعدة المقتضي والمانع، كما بين في بحث الاستصحاب.

الأمر الثاني: فلأنّه لو سُلّم أنّها قاعدة تعبّديّة، فلا يثبت بها اللوازم.

وفي المقام نفس انعقاد السيرة العقلائيّة ليس حكماً شرعياً، وإنَّما هو ملازم مع الحكم، ولا يمكن للقاعدة التعبّديّة إثبات اللوازم العقليّة، يعني: ترتّب الحكم الشرعي على السيرة العقلائيّة ترتّب عقلي لا من باب ترتّب الحكم على الموضوع، بل من باب ترتّب أحد المتلازمين على الآخر، وبقاعدة المقتضي والمانع لا تثبت اللوازم العقليّة. إذن، فهذا الوجه الرابع غير صحيح

نعم، هذا الوجه وإن لم يكن صحيحاً فنيّاً إلَّا أنَّه كثيراً من يحصل به القطع، فإنَّه ليس كلّ قطع يدخل على دماغ الإنسان يكون قطعاً فنيّاً، بل قد يحصل القطع عنده من هذا الاستقراء، مع أنَّه ليس جارياً على طبق طبع التجربة 

ــــــــــ[76]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الدقيق، إلَّا أنَّه مع هذا يحصل القطع بحسب الخارج (1).

 إذن، فليس مرادنا من هذا البيان إنكار حصول القطع، بل مرادنا منه إنكار فنية هذا القطع. نعم، كان مقصودنا من ذلك مناقشة خصوص استنتاج علّيّة القريحة لهذه الظاهرة المشتركة، وإلَّا فمن الممكن في مقام أن يُفرض أنَّ هناك عاملاً معيّناً محرز الوجود في تمام تلك المجتمعات المدروسة، بأن نفرض شيئاً نحرز وجوده غير مسألة القريحة العقلائيّة، فنفرض ظرفاً معيّناً، سواء كان هذا الظرف ذاتياً، أي: مرتبطاً بالإنسان، أو ظرفاً موضوعيّاً، أي: ظرفاً مرتبطاً بأسباب معيشته الخارجيّة ومحيطه وبيئته، ونرى وجود ذلك العامل في تمام تلك المجتمعات مع هذه الظاهرة المعيّنة والسلوك المعيّن.

وفي مثل ذلك لا بأس بأعمال قوانين التجربة لاستنتاج النتيجة، كما هو المستعمل في بحوث علم التاريخ -فإنَّ في بحوث علم التاريخ التي لا بُدَّ أن تكون قرأتم لوناً من ألوانها في الجزء الأوّل من (اقتصادنا)- قائم على أساس ملاحظة عامل مشترك موجود في تمام هذه المجتمعات المدروسة، وقد اقترن وجوده بظاهرة معيّنة، فيقال: بأنَّ هذه الظاهرة نتيجة لهذا العامل.

كما في السماح للأفراد بتملك المعادن، ولو فُرض أنَّ شخصاً لاحظ المجتمعات التي يسمح فيها للأفراد بتملك المعادن، لو لاحظ قدراً مشتركاً 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

() كما لو دخل إنسان إلى بلدة فوجد 99% مسيحيين فقد يحصل له القطع بأنَّ الواحد المتبقي مسيحي أيضاً، مع أنَّه هذا غير قائم على قوانين التجربة لنفس الإشكالات بتقريب آخر. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وقاسماً أعظم ما بين هذه المجتمعات في المقام، بحيث إنَّ هذا القاسم المشترك كان توأماً في تمام هذه المجتمعات مع هذه الظاهرة، ثُمَّ درس تمام ما يمكن دراسته من الأمور المقارنة التي يمتاز بها مجتمع على مجتمع، فلم يجد فيها ما يقتضي العلّيّة بمثل هذه الظاهرة، ثُمَّ لاحظ وامعن في أنَّ هذا السلوك المعيّن يختفي عندما يختفي هذا القاسم المشترك، ففي المجتمعات التي لا يوجد فيها هذا القاسم المشترك لا يوجد فيها مثل هذا السلوك، فلاحظ اجتماع الوجود مع الوجود والعدم مع العدم.

في مثل ذلك لا بأس بأن يُستنتج بعد ملاحظة تمام الخصوصيات كون هذا القاسم المشترك هو العلّة في هذا السلوك المعيّن في المقام، سواء كان هذا القاسم المشترك ظرفاً موضوعياً كدرجة سيطرة الحكومة، أو ظرفاً ذاتياً، كما لو لاحظ بأنَّ اللغة هي القاسم المشترك بين تمام المجتمعات التي تعمل بالظواهر وتبني على حجّيّتها، فكلّ مجتمع له لغة وله أساليب لفظيّة في مقام التفهيم والتفهم يعتمد على الظواهر ويبني على حجّيّتها ويعوّل كلّ فردٍ عليها.

 فحينئذٍ قد يُستنتج في المقام بعد تشخيص هذا القاسم المشترك -وهو اللغة- أنَّ الظاهرة اللغويّة هي السبب أو هي أمر ملازم مع التعويل على الظواهر وجعل الحجّيّة لها، أو أنَّ ذلك الظرف الموضوعي هو السبب أو هو أمر الملازمة مع السماح لتملك الأفراد للمعادن، وهذا أمر ممكن ولا بأس به.

وخلاصة ما نريد أن نقوله في المقام: إنَّ تطبيق قوانين التجربة في المقام يحتاج إلى تعيين قاسم مشترك وعامل موجود في تمام الحالات الموافقة، ومفقود 

ــــــــــ[78]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

في تمام الحالات المخالفة. فإذا كان كذلك فستنتج بقوانين التجربة كونه علّة لذلك السلوك، فمتى كان ذاك العامل موجوداً في مجتمع من المجتمعات نستنتج وجود معلوله معه، أو وجود ما يلازمه معه.

نعم، يبقى احتمال كون ذلك العامل المشترك مقترن بالمانعيّة، ومن المعلوم أنَّ المانعيّة في باب السلوك العقلائي مانعيّة مفهومة، لا مانعيّة غير مفهومة، فمثلاً مانعيّة الرطوبة عن الاحتراق مانعيّة غير مفهومة؛ لأنّنا لا نفهم لماذا يكون هذا مانعاً للإحراق. نعم، بحسب عالم الطبيعة هكذا، إلَّا أنّنا يمكن أن نتصوّر طبيعة أُخرى بحيث لا تكون الرطوبة مانعة فيه عن إحراق النار.

لكن مانعيّة باب السلوك العقلائي مفهومة، يعني: لا بُدَّ وأن يُفرض شيئاً مؤثراً في اختيار الناس ووعيهم وإرادتهم، فحينئذٍ قد يكون بالتحليل نستنتج عدم وجود مثل هذا المانع، وليس باب المانعيّة من الأبواب الغيبيّة التي نحتملها احتمالاً، ولا طريق لنا إلى نفيها إلا التجربة الخارجيّة والاستقراء الخارجي، بل يمكن أن يكون التحليل في المقام موصولاً إلى نفي مثل هذه المانعيّة في جملة من هذه الموارد، فيُطبّق قوانين باب التجربة بهذا التقريب. هذا تمام الكلام في الطريق الرابع.

الطريق الخامس: الاستدلال بعدم السلوك البديل للسيرة المنعقدة.

إنَّ هذا السلوك الذي نريد إثبات انعقاد السيرة عليه، نفرض أنَّ هذا السلوك لو لم يكن مورداً للسيرة لكان له بديل لا محالة، فإنَّه لا يمكن أن ينعدم بلا بدل، بل لا بُدَّ بطبيعته أن يكون له بدل، وهذا البديل يكون من الأحداث 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

والظواهر الغريبة التي نطمئن بعدم وجودها من عدم نقلها بالتأريخ.

فتارةً نفرض أنَّ السلوك الذي نُريد أن نثبته بالسيرة سلوك له بديل، بحيث يكون هذا البديل ظاهرة من الظواهر التاريخيّة الغريبة التي نطمئن بعدم وجودها على فرض عدم نقلها، كما في مسألة مسح الكف على تمام القدم، وهنا البديل لما هو متعلّق السيرة هو المسح على تمام القدم، فإنّه بديل لعدم المسح على تمام القدم وهما نقيضان، فإذا لم يكن أحد النقيضين يكون النقيض الآخر. وليس هذا حدثاً تاريخياً بحيث يُنقل في تأريخ الإسلام والمسلمين: أنَّهم كانوا يمسحون بتمام الكف على تمام القدم، فهنا لا يجري مثل هذا البيان الخامس.

وإنَّما يجري هذا البيان في مورد يكون السلوك المراد إقامة السيرة عليه، نحو سلوك له بديل مضاد، وهذا البديل يشكّل ظاهرة تاريخيّة غريبة في المجتمع الإسلامي، بحيث لو كان موجوداً لنقل اطمئناناً، وحيث إنَّه لم يُنقل فهو غير موجود.

ولعلّ من أصدق مصاديق ذلك، بل أصدق مصاديقه على الإطلاق السيرة العقلائيّة القائمة على حجّيّة الظواهر، فإنَّ الظواهر هي باب التفهيم والتفهم، وباب تلقي الأحكام الشرعيّة من الشارع.

فلو فُرض أنّه لم تكن مثل هذه السيرة في المقام موجودة، فلا بُدَّ وأن يكون لها بديل في المقام؛ لأنَّ المتشرعة كانوا في مقام التعرض لامتثال الأحكام الشرعيّة ولم يكن يسعهم غض النظر عنها. إذن، فكانوا لا محالة في مقام إيجاد طريق إلى تفهم الأحكام الشرعيّة، فهذا الطريق هو إمّا الظواهر وإمّا طريق آخر.

ــــــــــ[80]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فلو كان هو الظواهر فهذا هو المطلوب، وهو قيام السيرة على الظواهر. ولو كان المتشرعة والمتفقه وأصحاب الأئمّة -فقهاء الشيعة في الكوفة وفي قم- مبناهم في تلك الأعصر على عدم العمل بالظواهر. إذن، لا محالة كان لهم عمل على طريقة أُخرى في المقام، ولو كان مبنى فقهاء المتشرعة في تلك الأعصر على طريقة أُخرى لشاع مثل هذا المطلب عند أهل الفن؛ لأنَّ هذا شيء غريب، فإن يكون المبنى على عدم العمل بظواهر الكلام، وإطلاقه وعمومه وظهوره في الوجوب والاستحباب مثل هذا المطلب ليس من المطالب العادية المألوفة، بل هو من المطالب التي لو كانت لكان مثل هذا حدثاً مذكوراً مأثوراً ملتفتاً إليه، وحيث إنَّه لم يُنقل ولم يُشهد، فيحصل هناك اطمئنان بعدم وجود هذا البديل. وإذا لم يكن هذا البديل موجوداً. إذن، فالمبدل موجود عند العقلاء، وهو العمل بالظهور.

ومثل هذا الطريق ينفع علماً في بعض الموارد التي لا يرد فيها الطريق الثالث الذي ارتضيناه، كما هو الحال في باب تملك المعادن ونحو ذلك من الأمور، هناك لو فرض أنَّ المعادن لا يسمح للناس بتملكها بالحيازة إلَّا تحت شروط معينة، وحيث إنَّ المجتمع بما هو مجتمع بحاجة إلى حديد وذهب ونحاس وخشب، فلو لم يكن يسمح للأفراد بذلك لوجد لا محالة طريق آخر في مقام الاستفادة من هذه الثروات.

 وحيث إنَّه لا توجد طريقة أُخرى، إذ لو وجدت طريقة أخرى يتواضع عليها المجتمع يومئذٍ في كيفية تحصيل الثروات الطبيعية والمباحات العامّة، 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

لكان هذا أمراً غريباً عجيباً ولذُكر وأثر، وحيث إنَّه لم يُذكر ولم يؤثر، تعرف من ذلك أنَّ المبدل هو معنى السيرة العقلائيّة.

فإنَّه في مورد يكون لمعقد السيرة العقلائيّة بديل هو الذي يحتل محلّه لو لم تكن تلك السيرة العقلائيّة؛ إذ نقول: إنَّ العقلاء إمّا أن يكون بناءهم على هذا أو على هذا، فإن كان بناءهم على هذا فهو المطلوب، وإن لم يكن بناءهم على هذا لكان بناءهم على هذا؛ لأنَّ هذا هو البديل الطبيعي له، والتالي باطل؛ إذ لو كان بناءهم على هذا وهو حدث وظاهرة غريبة بحسب ما هو المألوف في حياة الناس، إذن فلا بُدَّ أن يكون سيرتهم وعملهم على الأوّل.

وبعبارة أُخرى: أنَّه لو لم ينعقد بناء سلوك المتشرعة على سلوك (أ) فلا بُدَّ أن يكون منعقداً على سلوك (ب)، فـ (ب) هو بديل (أ)، فسلوك المتشرعة في أيام الأئمّةإمّا أن يكون منعقداً على (أ) أو على (ب) والمقصود إثبات سلوكهم على (أ).

فنقول في مقام إثبات هذا المقصود: إنّنا ننفي الثاني، وهو انعقاد سلوكهم على البديل، وهو (ب)، فيما إذا كان انعقاد السلوك على (ب) بشكل ظاهرة تاريخيّة واجتماعيّة مهمّة، بدرجة من الأهمّيّة بحيث لا تحتمل عادة في التاريخ الفقهي ولا يشار إليها بوجه من الوجوه، فحينئذٍ نستكشف من عدم الإشارة في كلام المؤرخين والمتفقهين وعلماء الفن إلى سلوك (ب)، ونستنتج أنَّ السلوك انعقد على (أ) لا على (ب). 

ولا يقال: إنَّ مثل هذا الكلام يأتي في سلوك (أ) أيضاً، فإنَّه أيضاً يُشكّل 

ــــــــــ[82]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ظاهرة اجتماعيّة تاريخيّة مهمّة، بحيث لا بُدَّ أن تكون مسجلة بحسب الخارج.

وفي مقام توضيح دفع هذا لا بُدَّ من أخذ مثال، فنمثل بحجّيّة الظواهر حيث قلنا: إنَّ الظواهر هي باب التفهيم والتفهم، وباب تلقي الأحكام الشرعيّة من الشارع.

فلا نحتمل أنَّ السلف الصالح بقي مئة سنة لا يعمل بالظواهر ويعمل بطريقة أُخرى، ولا يشار إلى هذه الطريقة سواء أكانت صحيحة أو غير صحيحة في الواقع، لا يشار إليها بوجه من الوجوه في كلام الشيخ الطوسي وغيره ممّن ألّف في علم الأُصول وعلم الفقه. 

وأمّا كونهم عملوا بالظواهر هنا فليس ممّا لا بُدَّ من التسجيل والإشارة؛ إذ لعلّ عدم التسجيل اعتماداً على الواقع المعاصر بحسب الخارج، فهم لم يروا أنفسهم بحاجة إلى أن يسجلوا أنَّ أصحاب الأئمّة كانوا يعملون بالظواهر؛ لأنَّ هذا هو ديدن الناس في الخارج، فاستمرار الحالة ووجودها وتجسدها أمام أعين الناس، أمر قد يعتمد عليه المؤرخون لهذا الفن في مقام عدم تدوين هذه المدة.

وهذا كما في باب إثبات الإطلاق بمقدّمات الحكمة حيث نقول: إنَّه لو كان مراده المقيّد بيّنه، فلا بُدَّ أن يكون مراده المطلق، والإطلاق لا يحتاج إلى بيان زائد. كذلك في المقام يقال: بأنَّه لو كان ديدن هؤلاء السلف على العمل بالظواهر فليس لا بُدَّ من الإشارة إلى ذلك بالصراحة؛ إذ لعلهم اعتمدوا في مقام تفهيم هذا على الواقع المحسوس بحسب الخارج، أو أنَّ وضوح هذا 

ــــــــــ[83]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الواقع جعلهم لا يلتفتون إلى ضرورة تسجيل هذا المطلب في مؤلفاتهم بخلاف ما إذا كان ديدنهم على طريقة أُخرى غير ما هو المعاش في أيام هؤلاء المدونين والمؤلفين، فإنّنا حينئذٍ لا نحتمل استقرار الطريقة عليه، ومع ذلك لا يُشار إليه بوجه من الوجوه في كلام المدونين والمؤلفين.

فهذا ينتج نفي كون السيرة منعقدة على (ب)، باعتبار أنّها لو كانت منعقدة على ذلك لأشير إلى ذلك، والتالي باطل فالمقدّمة مثله، فإذا لم تنعقد السيرة على (ب) إذن، فقد انعقدت على (أ). وهذا هو وجه انعقاد السيرة على (أ).

هذا هو الوجه الخامس، وهو من أحسن الطرق في إثبات المطلب، وهو بالنسبة إلى شخص هذا المثال أيضاً طريق تامّ، وبه يحصل لنا الجزم بأنَّ سلفنا الصالح الذي تلقى الأحكام من الأئمّة كان ديدنه كديدننا، وهو التمسّك بالإطلاقات والعمومات والظواهر اللفظيّة ونحو ذلك من الأمور، ولم تكن لهم طريقة أُخرى في مقام تلقي الأحكام منهم (عليهم الصلاة والسلام) هذا هو الطريق الخامس في المقام لإثبات المقصود. وقد اتّضح حتّى الآن أنَّ الطريق الخامس طريق جيد، والطريق الثالث أيضاً طريق جيد في المقام، وأنَّهما أحسن الطرق الخمسة.

الكلام في ارجاع السيرة إلى حكم العقل العملي

هذا، وقد أشرنا فيما سبق إلى أنَّ السيرة الجارية في باب الأُصول والأمارات قد تتصوّر بنحو يرجع إلى الحكم العقلي لا إلى البناء العقلائي، بحيث يكون مرجع السيرة المنعقدة على حجّيّة الظهور أو على حجّيّة خبر الثقة 

ــــــــــ[84]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إلى حكم العقل العملي؛ وذلك بأنَّ كلّ عبد يطبّق عمله وسلوكه وعلاقاته مع المولى على ظواهر كلماته ويخبره الثقات عن المولى، فمثل هذا العبد الذي طبّق عمله على ذلك إثباتاً ونفياً يكون معذوراً وقائماً بحقّ العبوديّة، ومن خالف ذلك يكون مقصّراً بحقّ المولى.

وهذا معناه الحجّيّة الذاتيّة للظهور أو لخبر الثقة، فيكون خبر الواحد أو الظهور حجّة ذاتيّة بناءً على هذا التقريب الذي يكون به القطع حجّة ذاتيّة، أي: أنَّ الظهور أو خبر الثقة يدرج مؤدّاه تحت دائرة حقّ الطاعة بلا حاجة إلى جعل مولوي زائد في المقام، غاية الأمر أنَّ الفرق هو أنَّ حجّيّة القطع حجّيّة غير قابلة للانسلاخ، وأمّا حجّيّة الخبر الواحد أو الظهور فهو قابل للانسلاخ، أي: أنَّ سبّبيّة الظهور وخبر الواحد لإدراج المؤدّى في دائرة حقّ الطاعة بأن يصرّح المولى بخلافه، فيقول: بأنّي لا أُجيز العمل بالظهور أو بخبر الواحد، أو يجوز مخالفته، وهذا في باب الظهور وخبر الواحد أمر معقول، وإن كان غير معقول في باب القطع؛ لأنَّ حكم العقل هناك تنجيزي وحكمه هنا تعليقي، فهو معلّق على عدم مجيء ترخيص من قبل الشارع أو الردع من قبله، فبناءً على هذا لا نحتاج حينئذٍ إلى المرحلة الأولى، وهي إثبات وجود السيرة المعاصرة لهم فإنَّ المسألة ليست مسألة بناء العقلاء حتّى يحتمل اختلاف عقلاء الأمس عن عقلاء اليوم، ونحتاج إلى طريق في مقام إثبات استقرار بناء عقلاء الأمس على ذلك، بل المسألة مسألة حكم عقلي، ومن مدركات العقل العلمي، وحينئذٍ فعقلنا قد يستقلّ -على فرض هذا الوجه- بإدراك ذلك، بلا حاجة إلى ما هو 

ــــــــــ[85]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

البناء العقلائي في عصر الأئمّة فإنّه إذا استقلّ عقلنا بأنَّ حقّ الطاعة يكون بهذا النحو، وهو أنَّ الظواهر أو خبر الواحد يكون تطبيق العمل على طبقه إثباتاً ونفياً موجباً للقيام بوظيفة العبوديّة التي يفرضها حقّ الطاعة، فإذا استقلّ العقل بذلك كان هذا كافياً في المقام بلا حاجة إلى المرحلة الأولى من مراحل الاستدلال.

بل لا يحتاج إلى المرحلة الثانية أيضاً من مراحل الاستدلال، والتي سوف نشرع فيها عمّا قريب؛ لأنَّ المرحلة الثانية هي عبارة عن استكشاف إمضاء الشارع لهذه السيرة، وكونها ملازمة لإمضاء الشارع وقبوله لمؤدّاها، و في مثل هذه الملازمة نحتاج إلى تفتيش عن برهانها أو تقريبها أو نحو ذلك من الأمور، فلو فرضنا أنّه لم يقم عندنا دليل على وجود ملازمة بين السيرة وبين الإمضاء الشرعي، إلَّا أنَّ هذا لا يخرج الحكم العقلي عن نفوذه واعتباره، فإنَّه نافذ ما لم يصل الردع من قبل الشارع عنه، فحينئذٍ يكون البحث في برهان للملازمة بحثاً مستأنفاً لا ضرورة له في مقام التوصل إلى هذه النتيجة.

نعم، يكون حال هذا الحكم حال سائر مدركات العقل العملي في باب الإطاعة والعصيان، من قبيل: حكم العقل بقبح التجرّي، فهل كنّا نحتاج في حكم العقل بقبح التجرّي إلى ضمّ إثبات حكم العقلاء في عصر الأئمّة على ذلك؟ بل يكون إدراك عقلنا كافياً في الاستدلال وترتيب الآثار عليه في العمل.

ويحسن بنا قبل الدخول في المرحلة الثانية من الاستدلال أن نشير إلى حال 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إرجاع السيرة العقلائيّة في باب الظواهر وخبر الواحد إلى حكم العقل العملي، والكلام في هذا الإرجاع يقع في مقامين: 

المقام الأوّل: في أنَّ العقل العملي هل يدرك حقيقة هذا المدّعى، بمعنى: أنَّ العقل العملي بما هو عقل عملي بقطع النظر عن الضمائم والزوائد يُدرك أنَّ العبد إذا طبّق عمله على ظهور كلمات المولى أو على أخبار الثقات إثباتاً ونفياً، فمثل هذا العبد لا يكون مقصّراً بحقّ الطاعة المولويّة من دون أن يصل إليه أيّ دليل على جعل الحجّيّة للظهور أو على خبر الواحد، فهل مثل هذا الحكم للعقل العملي موجود بالنسبة إلى الظواهر أو خبر الواحد، أو غير موجود؟

المقام الثاني: بعد فرض أنَّ هذا الحكم من قبل العقل العملي موجود، إلَّا أنَّه هل يكفي هذا الحكم في حصول المقصود الفقهي والأُصولي للفقيه والأُصولي أم لا؟

ونقدّم المقام الثاني على المقام الأوّل فنفترض الآن -كما هو مقتضى المقام الثاني- أنَّ هذا الحكم من قبل العقل العملي موجود بحسب الخارج، وأنّنا ندرك بعقلنا العلمي أنَّ حقّ الطاعة يكون بنحو بحيث يفي به العبد إذا طبّق عمله إثباتاً ونفياً على تلك الأمارات، فنرى أنَّ هذا كاف في غرضنا أو غير كافٍ فيه.

هنا إشكال في كفايته في حصول غرضنا من ناحية ملاحظة أدلّة البراءة الشرعيّة، فإنّ مثل حجّيّة الأمارة المبيّنة بهذا النحو ليست حجّيّة مولويّة مجعولة من قبل الشارع، لأجل أن يكون دليل جعل هذه الحجّيّة من قبل الشارع 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

مخصّصاً أو حاكماً على دليل: “رفع ما لا يعلمون(1) أو على دليل: “كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام(2).

فإنّنا إذا فرضنا أنَّ الظواهر والأمارات المبحوث عن حجّيّتها في المقام كانت بدليل مولوي صادر من قبل المولى، فحينئذٍ يقال: بأنَّ هذا الدليل المولوي يكون مخصّصاً أو حاكماً على الاختلاف في التقريبات والمباني على دليل أصالة البراءة.

وأمّا في المقام بحسب الفرض فإنّ مثل هذا الدليل غير موجود من قبل الشارع، وإنّما الشيء الثابت هو حكم العقل بأنّ من يعمل بهذا العمل فهو واف بحقّ الطاعة، فالعقل يحكم في المقام بأنَّ العبد إذا لم يطبّق عمله على طبق خبر الواحد أو الظهور، ولم يأت بكلّ ما قامت تلك الأمارات على وجوبه ولم يترك كلّ ما قامت تلك الأمارات على حرمته، فهو عبد عاقّ للمولى، وهذا الحكم العقلي -كما أشرنا إليه- معلّق على عدم مجيء خلافه من قبل الشارع، وإلَّا فالشارع يمكنه أن يسلخ الأمارة الظنّيّة عن الحجّيّة. 

فحينئذٍ نفس قوله: “رفع ما لا يعلمون” أو “كلّ شيء حلال حتّى تعرف انه حرام” يكون أيضاً حجّة باعتباره ظهوراً صادراً من قبل المولى على حدّ حجّيّة تلك الظهورات الأُخرى بحكم العقل.

 ــــــــــ[88]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 11: 295، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1.

(2) الكافي 5: 313، باب النوادر، الحديث 39، وسائل الشيعة 3: 466، باب: أن كلّ شيء طاهر حتّى يعلم ورود النجاسة عليه، الحديث 4.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهذا الظهور يدلّ على أنَّ المولى لا يهتمّ بأغراضه الواقعيّة في موارد الشكّ، حتّى لو قام الظهور أو خبر الثقة عليه على ما هو مقتضى إطلاقه، فلو لم يرد دليل من قبل الشارع على حجّيّة خبر الثقة أو حجّيّة الظهور أو الشهرة أو الإجماع المنقول، فمجرّد الشكّ كافٍ عندنا في رفع اليد عن تحصيل أغراضنا الواقعيّة، فمقتضى ظاهر هذا الخطاب أنَّ المولى قد سلخ الظواهر وخبر الواحد عن حجّيّتها لو فرض لها حجّيّة عقليّة ذاتيّة، فلا نفترض أنَّ العبد قد أخذ مثل هذا الظهور من كلام المولى، وترك كلّ واجب لا يعلم بوجوبه، وترك كلّ حرام لا يعلم بحرمته، فقد طبّق كلامه أيضاً على ظهور كلام المولى، وهذا إشكال قوي في باب الظواهر وفي باب الخبر الواحد.

وهذا الإشكال قابل للجواب عنه في باب الظواهر، بأن يقال: بأنَّ المقصود بحسب الفهم العرفي من (رفع ما لا يعلمون) في المقام هو: رفع ما لا يُعلم من خطابات المولى، بحيث إنَّ نفس الكلام الذي له ظهور عرفي من قبل المولى في الحكم الإلزامي، هو مصداق للغاية المأخوذة في أدلّة الأصول بحسب الفهم العرفي، كما في نحو: (رفع ما لا يعلمون) أو (كل شيء حلال حتى تعلم انه حرام)، فيدّعى بأنَّ الغاية في هذه الأصول إنَّما هو عبارة عن بيان صادر من قبل المولى له دلالة عرفيّة على الحكم الإلزامي، بحيث يكون هذا الخطاب بظهوره موجباً لوصول الأصل إلى أمده وغايته إلى حدّه النهائي، فالمدّعى أن يقال: إنَّ العرف بحسب مرتكزه الفهمي من الألفاظ يفهم من (رفع ما لا يعلمون) ما لا يعلم من خطابات المولى الصادرة التي يكون لها دلالة عرفيّة.

 ــــــــــ[89]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إلَّا أنَّ مثل هذه الدعوى لا يمكن ادعاؤها في باب خبر الثقة، بأن يقال: (رفع ما لا يعلمون)، يعني: رفع ما لم يعلم قيام خبر الثقة عليه، فإنَّ هذا المطلب من المحال أن يفهم من قبل نفس اللفظ فهماً لفظيّاً عرفيّاً. 

على أنَّ هذه الدعوى في نفسها أيضاً مشكلة، كالإشكال في أصل الدعوى الأولى في المقام الأوّل، يعني: في دعوى حكم العقل بذلك. 

ووجه الإشكال في كلّ ما كان من هذا القبيل من الدعاوى(1) هو عدم معروفيّة التجرّد في مقام الإحساس بهذا المطلب؛ لأنّنا الآن وإن كنّا نتصوّر هذا المطلب بشكل واضح، وهو أنّ الإنسان الذي يخالف ظهورات كلام المولى ولا يعمل على طبقها يعاقب ويستحقّ العقاب، إلَّا أنّه لا دليل لدينا إلى أنَّ هذا مُدرك للعقل العملي في المقام المجرّد عن الشوائب وعن الخصوصيات، فإنّنا نحتمل أن يكون زيادة ارتكاز حجّيّة الظهور في الأذهان العقلائيّة وتعايشهم على هذه الحجّيّة وبناءهم عليها جيلاً بعد جيل، واستقرار أمور مقتضياتهم على طبقها، فنحتمل أن يكون هذا الارتكاز العميق الطويل التاريخي للإنسان ممّا له أثر في نفس هذا الاستيضاح، فنحن لا سبيل لنا في المقام إلى الجزم بأنَّ هذا الاستيضاح من مدركات العقل العملي بقطع النظر عن هذا الارتكاز، فنشعر بقبح تصرّف العبد إذا خالف ظواهر كلام المولى، إلَّا أنَّ الذي يُشعرنا به، هل هو قوّة العقل العملي المجرّدة أو قوّة العقل العملي منظمّاً إليها هذا الارتكاز؟ وإثبات أنَّ المُشعر لنا بالقبح هو قوّة العقل العملي المجرّدة، لا المنظمّة إلى هذا 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

() وهنا دخل سيّدنا الأُستاذ في تقرير المقام الأوّل (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الارتكاز لا سبيل لنا إليه، ومن هذه الناحية تكون أصل هذه الدعوى في المقام غير ثابتة. 

إلَّا أنَّ الإنصاف أنَّ هذه الدعوى تؤيّد وتؤكّد وتشدّد على ثبوت الحجّيّة لمثل هذه الأمور في البناء العقلائي، حتّى يصل الارتكاز إلى درجة يتخيّل معها أنَّ مثل هذه الحجّيّة حكم عقلي صرف.

وإن شئنا قلنا: إنَّ هذا الحكم إمّا عقلي صرف وإمّا ليس بعقلي صرف، فإن كان عقليّاً صرفاً فهو المقصود مثلاً، وإن لم يكن عقليّاً صرفاً فهو من نتائج ارتكاز جعل الحجّيّة في أذهان العقلاء، بحيث أصبح بدرجة من الوضوح يتخيّل أنّه عقلي صرف، هذا ما ينبغي أن يقال في هذا المقام.

ــــــــــ[91]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 




المرحلة الثانية: في استكشاف الإمضاء الشرعي

 

وبعد هذا ندخل في المرحلة الثانية لإثبات الملازمة، فنفرض فيها أنَّ السيرة قائمة على العمل المعيّن، ونريد أن نستكشف من هذه السيرة الإمضاء الشرعي ووجود الحكم على طبقها، وهذه السيرة إمّا سيرة المتشرّعة وإمّا السيرة العقلائيّة، فيقع الكلام أوّلاً في سيرة المتشرّعة وبعدها في السيرة العقلائيّة.

سيرة المتشرّعة 

إذا فرض انعقاد سيرة المتشرّعة على عمل أو سلوك أو ترك المسح بتمام الكفّ، فنحتمل في كلّ فردٍ من الأفراد الذين عملوا هذا العمل احتمالين في نفسه: 

الاحتمال الأوّل: أن يكون هذا الفرد قد عمل هذا العمل مبنيّاً على الالتفات وتلقّي الحكم من قبل أهل بيت العصمة ونفرض الكلام في المتشرّعة الذين يكون اتّصالهم بأهل بيت العصمة وتلقّي الحكم منهم بالطريق البسيط الواحد بمكان من الامكان، أي: نفرض الكلام في أصحاب الأئمّة الذين يعايشونهم ويمكنهم السؤال منهم.

 وحينئذٍ نقول: إنَّ هذا الذي لا يمسح بتمام الكفّ إمّا أن يكون قد تلقّى هذا الحكم من قبل الأئمّة (عليهم الصلاة والسلام)، وإمّا أن يكون ماسحاً من 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

باب الغفلة، فهو غافل عن أنّه من المحتمل وجوب المسح بتمام الكفّ أو غافل عن أنَّ كلام المولى دالّ على وجوب المسح، فأمر هذا التصرّف يدور بحسب الخارج بين أن يكون غفلة وبين أن يكون عن التفات وتلقّي للمطلب من قبل الأئمّة، وهذا المطلب ثابت في كلّ فردٍ من الأفراد.

وهنا إذا افترضنا أنَّ الحكم بحسب الواقع غير موجود، وأنَّ الحكم الواقعي هو وجوب المسح بتمام الكفّ، وأنّه مبيّن من قبل الأئمّةوكان في معرض الوصول إلى أصحابهم فحينئذٍ لا بُدَّ وأن نفترض هنا غفلة مجموع أصحاب الأئمّة فإنّهم اجتمعت غفلاتهم وتواطئوا على الغفلة، كما يقال في باب التواتر من أنّهم تواطئوا على الكذب، وحينئذٍ استقرّ بناءهم على هذا مع كون الحكم في معرض الوصول إليهم من قبل الإمام.

وهذا الاحتمال بحسب حساب الاحتمالات مرجعه بحسب الحقيقة إلى ضمّ هذه الاحتمالات واحداً بعد الآخر، يعني: غفلة مجموع اثنين من هؤلاء عن هذا الحكم الصادر من قبل الإمام، فهذا قوّته الاحتماليّة هو نتيجة ضرب القوّة الاحتماليّة لاحتمال غفلة هذا في نفسه واحتمال غفلة الآخر في نفسه. 

وهكذا يتضاءل هذا الاحتمال بالضرب بين اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة، حتّى يصل إلى درجة موهومة موهونة، بحيث يحصل الاطمئنان بخلافها، وهذا الاطمئنان لا بُدَّ وأن نفرغ عن حجّيّته في الدرجة السابقة، وحينئذٍ حتّى لو لم يصل هذا الاطمئنان إلى درجة العلم بحسب حساب الاحتمالات، أيضاً يكون حجّة في مقام إثبات المدّعى في المقام، أي: إثبات الإمضاء الشرعي.

ــــــــــ[93]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وبعبارة أُخرى: أنَّ سيرة المتشرعة -كالسيرة القائمة مثلاً على عدم المسح بتمام الكف أو على الإخفات أو على جهر أو نحو ذلك من المسائل التي فُرغ منها في المرحلة الأولى مثلاً من إثبات انعقادها وقيامها في أيام الأئمّة- ممّا لا ينبغي الإشكال والريب بأنّها بهذا النحو تكون كاشفة عن ثبوت الحكم الشرعي والدليل الشرعي على طبقها.

وتوضيح ذلك: أنّنا نتكلّم هنا عن سيرة متشرعة تكون قريبة من الأئمّة ومتمكنة من السؤال والجواب، ويكون حال فهم الحكم الشرعي من قبلهم حال يقرب من الحسّيات، حيث يكون خطأهم في فهم الحكم الشرعي، من باب الخطأ في الحسّ، أو ما هو ملحق بالحسّ. 

نقول هذا تميّيزاً لهؤلاء المتشرعة عن متشرعة آخرين الذين لا بُدَّ لهم في مقام معرفة الحكم الشرعي واقتناصه من إعمال الصناعة والنظر الاجتهادي المفصل. 

وهذه السيرة المتشرعة عبارة أُخرى عن الإجماع الذي هو أحد الأدلّة الذي سوف نتكلّم عنه فيما بعد إن شاء الله، وهو إجماع أهل النظر بما هم أهل النظر، أي: عملوا اجتهاداتهم وانظارهم في الأدلّة، وأدت هذه الأنظار المتعدّدة لهؤلاء العلماء إلى نتيجة واحدة، وليس كلامنا الآن في الإجماع بهذا المعنى الذي عد أحد الأدلّة الأربعة. 

بل كلامنا في سيرة المتشرعة بالمعنى الأوّل، أي: سيرة أولئك المتشرعة الذين كانوا يتمكنون من السؤال والجواب، وكان مستوى فهمهم للحكم من 

ــــــــــ[94]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الأجوبة، ليس هو مستوى الصناعة والاجتهاد وإعمال النظر الذي يكون عرضته غالباً للخطأ والصواب بين علماء كلّ فنٍ، بل يكون اقتناصهم الحكم من الجواب قريب المأخذ من الحسّ.

وهذا نظير ما يقال من أنَّ الراوي إذا نقل بالمعنى كانت روايته حجّة؛ لأنَّه حينما ينقل بالمعنى لا يعمل نظره واجتهاده في مقام النقل بالمعنى؛ لأنَّ اقتناص الراوي لمعنى الرواية من كلام الإمام، هو عمليّة قريبة المأخذ من الحسّ، وليست عمليّة تحتاج إلى إعمال صناعة مفصلة ونظر واجتهاد.

فنحن هنا نتكلّم عن المتشرعة الذين يتمكنون من السؤال والجواب، ويكون مستوى اقتناص الحكم الشرعي من الجواب مستوى يشبه الحسّ، لا أنَّه مستوى الصناعة وإعمال النظر وملاحظة ما يلاحظه المجتهد في مقام الاستنباط.

 وهذا القيد لا محالة متوفر في كثير من أصحاب الأئمّة الذين كانوا يخالطون أو يسمعون كلمات الأئمّة في مختلف المجالات والمناسبات.

فإذا فُرض أنَّ الواجدين لهذا القيد اتّفقت سيرتهم على عدم المسح بتمام الكف مثلاً، أو على شيء آخر من هذا القبيل، فحينئذٍ من هذه السيرة نستكشف في المقام وجود الحكم الشرعي على طبقها، وأنّهم قد تلقوا ذلك من دليل خطاب شرعي صادر من الإمام.

وذلك: لأنّنا إذا لاحظنا واحداً من هؤلاء المتشرعة الذين انعقدت سيرتهم على ذلك، فهذا الشخص الواحد الذي نلاحظه بقطع النظر عن الأفراد الآخرين الذين يشاركونه في سيرته، فهذا فيه احتمالان: 

ــــــــــ[95]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الاحتمال الأوّل: أن يكون عمله هذا ناشئاً عن غفلة في المقام بأحد معنيين: 

المعنى الأوّل: أن يكون غفلة عن أصل الحكم الشرعي في المقام، وأنَّ الحكم الشرعي هل يحتمل أن يكون هو وجوب المسح بتمام الكف، أو وجوب المسح بأقل من ذلك. 

المعنى الثاني: أن يكون من باب الغفلة في مقام فهم الحكم من كلام الإمام فان كلام الإمام كان ظاهراً في إثبات الحكم، ولكنه غفل عن مهم الحكم منه.

الاحتمال الثاني: أن يكون عمله ناشئاً عن الالتفات، ويصدر منه العمل عن بيان من قبل الإمام فاقتنص منه الحكم الشرعي.

ولا شكّ ولا ريب أنَّ هذا الشخص إذا لوحظ فيه هذان الاحتمالان فيكون احتمال الالتفات وعدم الغفلة أقوى من عدم الغفلة من ناحية أنَّ عِلَل الالتفات بحسب الخارج أكثر من عِلَل الغفلة والموانع عن الغفلة بحسب طبيعة العقل البشري، فإنَّ ما في مستوى المحسوسات وما يكون قريباً منها كثيرة بحسب الخارج، فلو لوحظ هذا في نفسه فاحتمال الغفلة فيه أضعف من عدم الغفلة. إلَّا أنَّه احتمال موجود فيه، ولا إشكال ولا ريب بعد فرض عدم كون هذا الشخص معصوماً فلا يمكن أن يقطع بعدم غفلته، فاحتمال الغفلة موجود فيه ولو فرض كونه أضعف بمراتب من عدم الغفلة، فلو فُرض أنّنا لاحظنا الشخص الثاني، فوجدناه أنّه يسلك نفس السلوك، وهذا السلوك أيضاً له أحد هذين التفسيرين: 

ــــــــــ[97]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

التفسير الأوّل: أن تكون قد عرضت له حالة نفسيّة خاصّة أوجبت -أيضاً كما فرضت للأوّل- غفلته. 

التفسير الثاني: أن يكون ملتفتاً إلى المطلب صادراً عن البيان الشرعي، كما كان الأوّل صادراً عنه.

فهنا احتمال اجتماع الغفلتين معاً، يعني: كون الأوّل غافلاً والثاني غافلاً. يكون أضعف من كلّ واحد من هذين الاحتمالين؛ لأنَّه نتيجة ضرب أحد الاحتمالين بالآخر، فهو أضعف من احتمال أن يكون كلّ واحد في نفسه غافلاً.

وهذا بخلاف احتمال التفات كلّ منهما، يعني: صدور كلّ منهما عن البيان الشرعي؛ لأنَّ هذه العلّة مشتركة فيما بينهما، فإنَّه لو فرض بحسب الواقع أنَّ الإمام كان قد صدر منه هذا البيان الذي هو في معرض الوصول على طبق السيرة بحسب الخارج، فهذا البيان يصلح علّة لتنبيه الأوّل، ويصلح علّة لتنبيه الثاني، فإنَّه في نفسه يقتضي هذا المطلب. ففرض اجتماعهما في الغفلة، هو فرض توفر علّتين، علّة لغفلة الأوّل خاصّة، وعلّة لغفلة الثاني خاصّة، فاجتمعتا من باب الصدفة في المقام، وإلَّا فمن الممكن ألَّا يغفلا معاً، فإنَّه ليس هناك تلازم بين غفلة هذا وغفلة ذاك، بخلاف فرض عدم غفلتهما معاً، فإنَّه فرض وجود منبه مشترك لهما معاً وهو هذا البيان الذي هو في معرض الوصول، الصادر من قبل الإمام (عليه الصلاة والسلام).

فلو ضمّ إلى هذين الاثنين ثالث، لا محالة يضعف الاحتمال أكثر؛ لأنَّ كلّ رقم جديد نضمّه إلى العدد السابق، معناه إنّنا نفترض اجتماع عدد أكبر من 

ــــــــــ[97]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

العلل والأسباب صدفة، ومن المعلوم أنَّ احتمال اجتماع أربع تاءات صدفة هو أضعف من احتمال اجتماع ثلاث تاءات صدفة، واحتمال ستة منها أضعف من احتمال اجتماع خمسة وهكذا.

وحينئذٍ يبقى هذا الاحتمال يتضعّف ويتضعّف بضمّ الأمثال والنظائر والمتشرعة واحداً بعد الآخر، فلو فُرض أنَّ هؤلاء المتشرعة كانوا آلافاً، فتصل قيمة الاحتمال أو القوة الاحتماليّة إلى درجة يكون في قبالها الاطمئنان، ويتولّد الاطمئنان بأنَّ هؤلاء جميعهم لم يغفلوا، من قبيل: ما يعبّر في باب التواتر من أنَّ التواطؤ على الكذب يُطمئن أو يُقطع بعدمه، وهذا أيضاً -التواطؤ على الغفلة واتّفاق غفلة الجميع في المقام- يحصّل الاطمئنان نتيجة لتضعّف الاحتمال، بعمليات الضرب المتوالية بعدم احتمالهم في الغفلة.

والاطمئنان بطبيعته وإن كان حينما يحصل يوجد في قباله احتمال الخلاف، إلَّا أنَّه احتمال موهون غايته، إلَّا أنَّ مثل هذا الاحتمال الموهون قد يزول أيضاً لضعفه، فإنَّ الاحتمال الضعيف يزول في عالم النفس بلا برهان إذا لم يجد منبهاً يثيره ويشير إليه ويركز عليه، على تفصيل لا يسعه المقام؛ لأنَّه مرتبط ببحث التجربة.

فهذا الاحتمال الضعيف قد يزول في نفسه ويحصل القطع حينئذٍ بالمطلب. كما يحصل القطع في التواتر في كثير من الموارد، حيث يبلغ الاطمئنان إلى درجة القطع من باب زوال هذا الاحتمال لضعفه.

ولو فرض في المقام أنَّ هذا الاحتمال موجود ولم يزل، وأنَّه لم يحصل عندنا في المقام إلَّا الاطمئنان بعدم اجتماعهم على الغفلة، فحينئذٍ هذا الاطمئنان وحده يكون أيضاً كافياً؛ لأنَّ هذا الاطمئنان حجّة في مقام إثبات متعلّقه، فهو 

ــــــــــ[98]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

يثبت أنَّ هؤلاء المتشرعة لا أقلّ أن يكون بعضهم قد صدر عن بيان من قبل الشارع، من قبل الإمام في معرض الوصول إليهم.

ولا يتوهّم في المقام: أنَّ هذا الاطمئنان ليس حجّة بدليل لفظي، وإنَّما هو حجّة بالسيرة العقلائيّة، فأيضاً نرجع إلى هذه الشبكة بوجه من الوجوه.

فإنَّ الاطمئنان ليس حجّة بالسيرة العقلائيّة، فإنّنا نفس ما احتملنا دعواه في باب الظهور ندّعيه في باب الاطمئنان جزماً أنَّ الشخص الذي يحصل له الاطمئنان بالحكم الشرعي، فالعقل العملي يستقل في المقام أنَّ من يعمل باطمئنانه إثباتاً ونفياً، فيكون قد قام بالوظيفة، ولا يكون ذاك الاحتمال الموهون الذي هو في قبال الاطمئنان، لا يكون ذا أثر في نظر العقل، ولا يكون أيضاً ذا أثر بلحاظ أدلّة الظهور الشرعيّة؛ لأنَّ أدلّة الظهور الشرعيّة أُخذ في موضوعها عدم العلم، وعدم العلم بحسب الفهم العرفي لا يصدق مع فرض الاطمئنان. إذن، فنفس الاطمئنان أيضاً يكفينا في حصول النتيجة.

ولهذا المطلب تقريب آخر، فإنَّ هذا الجوهر بنفسه قد يُبيّن ببيان آخر، وهو يحتاج إلى بحث مستقلّ تقريباً.

وعلى أيّ حالٍ فنكتة المطلب بنحو الإجمال والبساطة صارت الآن واضحة: وهي باعتبار ضمّ واحد إلى واحد يوجب في النهاية الاطمئنان بعدم الغفلة في الجميع، وهذا الاطمئنان يكون حجّة في مقام إثبات المقصود، فيُستكشف عن طريقه الإمضاء الشرعي، يعني: يُستكشف كون سيرة المتشرعة معلولة للحكم الشرعي والخطاب الشرعي.

ــــــــــ[99]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وعبارة الإمضاء في المقام غير صحيحة، فهي واقعة في سلسلة معلولات الحكم الشرعي؛ لأنَّ فرض كونها غير واقعة في هذه السلسلة، هو فرض اجتماع آلاف الغفلات، وقوة هذا الفرض الاحتمالية، هي نتيجة ضرب احتمال غفلة كلّ واحد في جميع الاحتمالات الأُخرى. 

ومن المعلوم أنَّ هذه القوة الاحتمالية تبلغ إلى ما يشبه الصفر، إن لم تبلغ الصفر تحقيقاً، بانعدام هذا الاحتمال الضعيف، إذا ضعف الاحتمال ولم يكن له منبه، هذا مقدار ما يمكن بيانه بالنسبة إلى سيرة المتشرعة.

ثُمَّ إنَّ هذا الكلام هل يمكن إجراءه في باب الإجماع النظري، أي: إجماع المتشرعة بالمعنى الآخر الذي قلنا: إن هذا خارج عن محلّ الكلام، أو لا يمكن إجراءه؟ وما هي الفروق والنكات ما بين المقام وذلك المقام؟ كلّ هذا موكول إلى بحث الإجماع -إن شاء الله- ولعله في بحث الإجماع إذا ساعدت الشروط الخارجيّة والداخليّة نتوسع أكثر في ذكر النكات التي أهملناها الآن أيضاً.

فظهر أنّنا بهذا التقريب نستكشف أنَّ سيرة المتشرعة معلولة بيان الحكم الشرعي، وحيث إنّها معلولة فيستكشف العلّة لا محالة من معلولها استكشافاً اطمئنانيّاً أو استكشافاً قطعياً، هذا هو الكلام في سيرة المتشرعة.

سيرة العقلاء

 فهي بحسب أصل تكوّنها ووجودها في أيامهم لا يمكن أن يستكشف منها الحكم الشرعي بهذا التقريب على حدّ استكشاف العلّة من المعلول، بأنَّ يقال: إنَّ السيرة العقلائيّة المعاصرة لهممعلولة لبيان الحكم 

ــــــــــ[100]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الشرعي وناشئة منه على حدّ نشوء السيرة على المسح عن بيان الحكم الشرعي.

 وذلك لأنَّ هؤلاء العقلاء المعاصرين للائمّة الذين كانت سيرتهم على شيء من المحتمل أن تكون سيرتهم على ذلك ناشئة من نفس طبعهم العقلائي، أليس قد فرضنا أنَّ الارتكاز العقلائي والقريحة العقلائيّة هو بنفسه يقتضي هذا الجري الخاصّ في السيرة العقلائيّة؟ فلعلّ هؤلاء العقلاء إنَّما يجرون هذا الجري الخاص من ناحية العادة المتكونة من ناحية هذه القريحة، وهذا الارتكاز العقلائي في المقام، ومع مثل هذا الفرض لا يمكن في المقام إجراء التقريب السابق.

وبتعبير آخر واضح: أنَّ جري العقلاء على هذا السلوك المعيّن من المحتمل أن يكون تمام هذا الجري له علّة واحدة، وهما الارتكاز العقلائي والقريحة العقلائية، فهذا عامل واحد يحتمل أن يكون علّة لتمام هذا الجري ويفسّر هذا الجري، فهنا اجتماع هذا الجري في المقام لا يعني فرض علل متعدّدة حتّى يضعف الاحتمال، كما هو الحال في غفلة المتشرعة، فإنَّه لا يمكن أن نفسّر غفلة تمام هؤلاء العشرة آلاف واحد بعامل واحد، فإنَّ كلّ واحد في غفلته مسبب عن حالة نفسيّة عاشها في لحظة من الزمان، ففرض اجتماعهم في الغفلة هو فرض اتفاق اجتماع آلاف العلل صدفة بغفلة هؤلاء الآلاف من الناس. 

وأمّا في المقام فإنَّه يوجد عامل مشترك يمكن أن يكون مفسّراً لتمام هذا السلوك، ففرض اجتماع هذا السلوك بحسب الخارج لا يكون حينئذٍ دليلاً على أنَّه معلول للحكم الشرعي، وإنَّما هو معلول لعلّة عامّة يمكن أن تكون هي 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

نفس تلك القريحة التي تدفع العقلاء بجبلتهم وطبيعتهم إلى مثل هذا السلوك.

فوجود السيرة العقلائيّة بما هي سيرة عقلائيّة لا يمكن أن يُستكشف منها الحكم الشرعي من باب استكشاف العلّة من المعلول على حدّ استكشافه من سيرة المتشرعة.

نعم، يُستكشف الحكم الشرعي من ملحقات السيرة العقلائيّة، فإنّنا لو اقتصرنا على هذا الحدّ واقتصرنا على ملاحظة صرف وجود السيرة العقلائيّة في أيام الأئمّة لا يمكن أن نستكشف من ذلك وجود الحكم الشرعي، بخلاف ما لو اقتصرنا على ملاحظة صرف وجود سيرة المتشرعة في أيام الأئمّة، فإنَّ صرف ذلك يُستكشف منه الحكم الشرعي، لكن بعد أن نفرض هذه السيرة العقلائيّة فنأتي بقضيتين شرطيتين ونقول: لو لم يكن الشارع قد أمضى هذه السيرة -وهنا يأتي عنوان الإمضاء- إذن، لردع عنها، ولو ردع عنها لوصلنا الردع، فلم يصل -وهذا رأس الخيط- فإنّنا نستطيع أن نقول: إنَّه غير واصل؛ لأنّنا في كتبنا وأخبارنا لا نجد ما يكن موجباً لهذا الردع. إذن، فلم يردع عنه. إذن، فالسيرة ممضاة، وبهذا التقريب يُستكشف منها الحكم الشرعي(1).

ــــــــــ[102]ــــــــــ

() وهنا سألته: إذا كانت السيرة نابعة من القريحة العقلائيّة، والشارع -مثلاً- من العقلاء أو سيّد العقلاء، فهو لا يمكن أن يردع عنها؛ لأنَّه هو أيضاً يحتوي على نكتة من هذا القبيل. 

فقال: الله تعالى هو المشرع، ونحن لا نستطيع أن نقول: إنَّه توجد قريحة عقلائيّة في الله، فإنَّه سبحانه وتعالى عقل وعلم، لا إشكال. أمّا فيه قريحة عقلائية! قطعاً غير موجودة فيه تعالى كسائر الانفعالات العقلائيّة، كخوف العقلاء وجبنهم وعواطفهم. والقريحة العقلائيّة في الحقيقة انفعال من الانفعالات بالبيئة والمحيط والخبرة، والانفعال غير موجود في الله تعالى بلا إشكال. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بيان الملازمة في سيرة العقلاء

إنَّ السيرة العقلائيّة تختلف عن سيرة المتشرّعة، فإنَّ صرف سيرة المتشرّعة تكفي لاستكشاف الحكم الشرعي والخطاب المولوي على حدّ استكشاف العلّة من المعلول، بخلاف السيرة العقلائيّة، فإنَّ صرف وجودها لا يكفي لإثبات ذلك، وإنَّما إثبات الحكم الشرعي واستكشافه مع فرض وجودها يكون ببيان شرطيتين مترتّبتين، ثُمَّ إثبات بطلان التالي في الشرطيّتين، واكتشاف الإمضاء من هذه الناحية؛ وذلك بأن يقال: لو لم يمضِ لردع عنها، ولو ردع عنها لوصل، فلم يصل، فلم يردع، فقد أمضى.

والبحث سيكون في وجه الملازمة في الشرطيّة الأولى، وهو أنَّه لو لم يمضِ لردع، ثُمَّ في وجه الملازمة في الشرطيّة الثانية، وهو أنَّه لو تحقّق الردع منه، لوصل ردعه إلينا، ثُمَّ في بيان عدم وصول هذا الردع بحسب الخارج.

الأمر الأوّل: وجه الملازمة في الشرطيّة الأولى

وبرهان هذه الملازمة: لزوم التحفّظ على الغرض، واستحالة نقض الغرض، باعتبار أنَّ السيرة العقلائيّة إذا كانت منعقدة على التملّك بالحيازة مثلاً في المباحات العامّة، وفرضنا أنَّ المولى يحرّم التملّك بالحيازة، وله غرض لزومي في قبال ما انعقدت عليه السيرة العقلائيّة، فحينئذٍ لا محالة لا بُدَّ أن يردع عن 

ــــــــــ[103]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

تلك السيرة العقلائيّة تحصيلاً لغرضه، وإلَّا لو لم يردع عن السيرة العقلائيّة مع كون هذه السيرة مفوّتة لغرضه بحسب الخارج، فيلزم تفويت غرضه، فمع فرض عدم الردع بحسب الخارج يُستكشف من ذلك عدم الممانعة من هذه السيرة وإمضائها؛ لأجل أن لا يكون سكوت المولى تفويتاً للغرض.

من المعلوم أنَّ مثل هذا البيان يتوقّف على أن تكون هذه السيرة العقلائيّة في معرض تفويت غرض المولى، بحيث لو أطلق عنانها وبقيت على حالها ولم يردع عنها من قبل الحجّج لأدّت إلى تفويت أغراض الشارع، وهذا إنَّما يكون إذا كانت السيرة لها مساس بالأمور الشرعيّة، وأنَّ السيرة أُجريت وامتدت حتّى إلى الأمور الشرعيّة. 

وأمّا لو فرض أنَّ السيرة بقيت واقفة على الأمور الأجنبيّة عن الشارع، فحينئذٍ لا تكون هذه السيرة في عرضة تفويت غرض المولى، حتّى يلزم على المولى الردع عنها على تقدير عدم رضائه بها، ويستكشف من سكوته عنها إمضاءها.

فمثلاً السيرة القائمة على رجوع كلّ غير خبير إلى الخبير، فلو فرضت أنّها بقيت فقط في مواردها العرفيّة كموارد العمارة والهندسة ونحو ذلك، فلا تكون عرضة لتفويت غرض المولى، فلو فرض أنَّ المولى لا يرضى برجوع غير الخبير إلى الخبير والعامي إلى المجتهد في الأمور الشرعيّة، لكنّه لا يلزم عليه الردع عن هذه السيرة؛ لأنَّ مثل هذه السيرة ليست في عرضة التفويت من ناحية غرضه؛ لأنَّها إنَّما تمارس عقلائيّاً في خصوص الموارد العرفيّة المنحازة عن الموارد الشرعيّة.

ــــــــــ[104]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إذن، فلا بُدَّ لكي تتمّ هذه الملازمة بين الإمضاء وعدم الردع أن تكون هذه السيرة في عرضة تفويت أغراض المولى، حتّى يقال في المقام: بأنَّ المولى لو لم يمضها لردع عنها ببرهان استحالة نقض الغرض، حيث إنَّ هذه السيرة بطبعها تنقض غرضه وتفوّت عليه مراده، فلو لم يكن قد وافق عليها وقبل بها لردع عنها لا محالة.

إذن، فشرط هذه الملازمة أن تكون السيرة في معرض تفويت أغراض المولى بأن تكون هذه السيرة قد امتدت إلى الموارد الشرعيّة أيضاً وأجريت فيها، بحيث إنَّ المولى لو سكت عنها لفات غرضه على تقدير عدم موافقته عليها.

كيفية امتداد السيرة العقلائيّة إلى الموارد الشرعيّة 

أمّا كيف تمتد السيرة العقلائيّة إلى الموارد الشرعيّة، وتصبح خطراً على الأغراض الشرعيّة فهذا ما يكون بوجوه:

الوجه الأوّل: أن يكون هذا من باب تكّون العادة والملكة عند العقلاء، فالعقلاء جروا على هذا المطلب في مواردهم العرفيّة، فكان غير خبيرهم يرجع إلى خبيرهم في موارد المرض والتعمير وغيره، فمن كثرة هذه المصاديق والموارد العرفيّة للسلوك العقلائي أصبح للعقلاء عادة الجري على طبق قول الخبير، بحيث إنَّهم ينساقون إلى هذه العادة من دون التفات إلى مبانيها وإلى خصوصيّة صحّة هذا الجري بحسب الخارج وعدم صحّته، فإنَّ الإنسان الواحد قد يصبح له العمل عادة، بحيث يمارسه من دون أن يلتفت إلى أنَّ هناك حكمة في هذا ومصلحة فيه أو لا، وهذه العادة نشأت من السيرة العقلائيّة، فلو مورست 

ــــــــــ[105]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

تلك السيرة في مختلف المجالات حتّى اكسبت العقلاء عادة الجرّي على طبق هذا المبنى، من دون التفات إلى خصوصيّات المورد وإلى ما يمتاز به مورد عن مورد، فهذه العادة حينئذٍ تكون مبدأ لتشكيل خطر على الغرض الشرعي من ناحية هذه السيرة؛ لأنَّها لو أطلق عنانها ولم يُردع العقلاء عن ذلك فبمقتضى هذه العادة التي أصبحت ملكة عندهم سوف يجرون على طبق هذا القانون في رجوع غير الخبير إلى الخبير حتّى في المسائل الشرعيّة، فيرجع العامي إلى المجتهد، والمفروض أنّ الشارع لا يرضى بذلك. 

إذن، فلا بُدَّ حينئذٍ من الردع عنها؛ لأنَّ السيرة أصبحت تشكّل خطراً على أغراض الشارع، وفي مثل هذه الحالة لو لم يردع عنها لاستكشف من ذلك الحكم الشرعي.

وهذا الطريق يمكن تصوّره في تمام أقسام السيرة العقلائيّة، فيمكن تصوّره في السيرة العقلائيّة في الموارد الفقهيّة، كالسيرة العقلائيّة على التملّك بالحيازة، وحينئذٍ يقال: بأنَّ مسألة من يحوز شيئاً فيرى نفسه مطلق العنان فيما يحوزه أصبح عادة. نعم، لو فرض أنَّ هذا الإنسان تجرّد عن هذه العادة وأُرجع إلى حاقّ عقله، فقيل له: من قال لك بأنَّ الشارع يكون موافقاً على هذا.

 وهذا الإنسان على أيّ حال عاقل ومتديّن، فلعلّه يشكّ حينئذٍ ولا يدري بأنَّ الشارع يرضى عن هذا أو لا يرضى. نعم،هذه السيرة العقلائيّة التي مارسها آباءه والأجيال التي تولّد منها أوجدت عنده عادة الجرّي على مثل هذا السلوك، فهو بمقتضى الطبع يجري على مثله ما لم يُلفَت بحسب الخارج.

ــــــــــ[107]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهذا الوجه متصوّر في تمام أقسام السيرة من دون فرق بين السيرة الفقهيّة كالسيرة على التملّك بالحيازة، والسيرة الأُصوليّة الكاشفة عن الحجّيّة، سواء على مبنى المشهور من أنّ الحجّيّة تكون عبارة عن مجرّد إنشاء ظاهري من ملاك في نفس الإنشاء، أو على مبنانا -وهو الصحيح- من أنَّ روح الحكم الظاهري عبارة عن تعيّين درجة اهتمام المولى بالأغراض الواقعيّة، فيكون هذا المجموع المركّب من السيرة العقلائية زائداً على هذه العادة -التي هي قوّة محرّكة في نفس العاقل تنتج عن تلك السيرة العقلائيّة- خطراً على الغرض الشرعي لو فرض أنَّ الغرض الشرعي كان على خلافه، فيُستكشف من عدم الردع الإمضاء، وأنَّ الغرض الشرعي ليس على خلافه، وإلَّا لتصدّى إلى دفع هذا الخطر.

الوجه الثاني: أن تكون السيرة العقلائيّة خطراً على الغرض الشرعي، وممتدة حتّى إلى الموارد الشرعيّة، وهو أنَّ هؤلاء العقلاء باعتبار أنَّهم يسلكون سلوكاً خاصّاً مشتركاً على أساس نكتة عامّة مركوزة في قرائحهم، ويجرون على طبقها من ناحية إيمانهم بصحّة هذه النكتة وسلامتها، بقطع النظر عمّا إذا كان الشارع قد وافق على هذه النكتة أو لم يوافق، وسواء كان قطع النظر هذا من باب عدم الاهتمام أو من باب الغفلة، فالعقلاء يجرون على هذه النكتة، وجريهم عليها في الموارد الشرعية ليس لمجرّد كونه عملاً ميكانيكيّاً حصل من باب العادة -كما هو الحال على الوجه الأوّل- بل من باب أنّه عملٌ واعٍ ناشئ عن شعور والتفات وإيمان بصحّة تلك النكتة العامّة، فمثلاً: هؤلاء العقلاء الذين انعقدت سيرتهم على التملّك بالحيازة يرون بحسب ارتكازاتهم العقلائيّة أنَّ 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

نظام المعاش والعباد لا يتمّ بدون أن يعطى كلّ إنسان من مال الله ما يسدّ به حاجته ويشبع به رغبته، فمثل الارتكاز حيث إنَّه ممّا آمن به العقلاء فيجرون عليه بحسب الخارج، فجريهم عليه بحسب الخارج ليس مجرّد جرّيٍ آليٍّ ميكانيكيٍّ، بل هو عبارة عن جري ناشئ من الإيمان بنكتة تقتضي هذا الجري و ترجّحه، بقطع النظر عمّا إذا كان الشارع وافق على هذا أو لم يوافق عليه. 

وهذا الأسلوب الثاني يختصّ بخصوص السيرة الفقهيّة، يعني: يختصّ بخصوص السيرة القائمة -مثلاً- على التملّك بالحيازة، فإنّ هذه سيرة قائمة على أساس نكتة عامّة، وهي أنّ تعايش العباد لا يكون بدون ذلك، فالعقلاء لأجل إيمانهم بهذه النكتة العامّة يجرون على طبقه، حتّى بعد مجيء الشريعة وتقنين الأحكام الشرعيّة.

إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ في السيرة الأصوليّة، سواء فسّرنا السيرة الأصوليّة بالمسلك المشهوري أو بالمسلك المختار؛ وذلك لأنَّه في السيرة الأُصوليّة لا يكفي مجرّد الإيمان بالنكتة العامّة في صحّة السلوك، فلو فرضنا أنَّ العقلاء أدركوا وجود نكتة عامّة ومصلحة نوعيّة تقتضي جعل الحجّيّة لخبر الثقة، إلَّا أنَّ مجرّد الاعتقاد بهذه النكتة لا يكفي لأن يكون خبر الواحد منجّزاً ما لم يجعله المولى حجّة ومنجّزاً، فإنَّ السيرة العقلائيّة في باب الأمارات والأُصول -كما قلنا- عبارة عن أنَّ كلّ عاقلٍ لو تقمّص قميص المولويّة لجعل خبر الواحد حجّة، وإنَّما يجعله حجّة لأنَّه يُدرك هو وجميع زملائه الموالي العقلاء وجود نكتة ومصلحة نوعيّة في جعل الحجّيّة لخبر الواحد، فمجرّد الإيمان بالنكتة بشكل 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

واعي لا يقتضي في المقام ترتيب آثار المنجّزيّة والمعذّريّة على خبر الواحد، فإنّ كون شيء منجّزاً من قبل مولى يتوقّف على أن يكون ذلك المولى قد أدرك المصلحة في جعل الحجّيّة له، ولا يكفي وجود مصلحة في الواقع ولو لم يدركها ذاك المولى.

نعم، يمكن أن يقتضي ذلك من باب العادة الذي هو الوجه الأوّل، حيث إنَّهم اعتادوا على هذا، فكان الفرد مع أبيه هكذا ومع عمه وجيرانه هكذا، فيكون مع الشارع أيضاً هكذا، فقد اعتاد أن يكون خبر الثقة منجّزاً ومعذّراً فيجري على منجّزيّته ومعذّريّته من باب العادة. 

أمّا الجري على طبق منجّزيّته ومعذّريّته من باب الإيمان بالنكتة، فهذا غير صحيح؛ لأنَّ مجرّد صحّة النكتة ووجود مصلحة في حجّيّة خبر الواحد لا يكفي في جعله منجّزاً من قبل مولى لم يعلم حتّى الآن أنّه وافق على هذه المصلحة أو لم يوافق، وجعل الحجّيّة لخبر الواحد أو لم يجعل.

وإنَّما يتمّ هذا في السيرة الفقهيّة، حيث يُدرك العقلاء هناك أنَّ المصلحة النوعيّة وهو تعايش العباد لا يتمّ بدون أن يُعطى لكلّ فرد الحقّ في أن يتملّك بالحيازة، وحيث إنَّهم يحبّون أن يعيشوا بحسب الخارج؛ ولهذا يعملون على طبق هذا بقطع النظر عمّا إذا كان الشارع وافق عليه أو لم يوافق عليه.

الوجه الثالث: أن يكون العقلاء مؤمنين بالنكتة من باب حمل الشارع على الصحّة، والاعتقاد بأنَّ الشارع لا يخطئ، فإنّه وافقهم على الإيمان بهذه النكتة وجرى على طبقها، وليس من باب العمل الآلي الميكانيكي الذي ينشأ من 

ــــــــــ[109]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

صرف العادة، بل عمل واعٍ عن شعور والتفات لتمام الخصوصيّات، وهذه الخصوصيّات التي التفت إليها وكانت داعية إلى هذا العمل هي عبارة عن إيمانهم بالنكتة العامّة، وإيمانهم أيضاً بأنَّ الشارع موافق على هذه النكتة العامّة، حيث إنَّ الشارع لا يخطئ الواقع، فإيماناً منهم بأنَّ هذه النكتة ممضاة من قبل الشارع جروا على طبقه، بعد إحراز إمضاء الشارع من ناحية اعتقاده بصحّة النكتة في نفسها.

وهذا المطلب يُتصوّر في السّير الفقهيّة -كالتملّك بالحيازة- باعتبار نكتة، فإنّنا يمكن أن نفرض أنَّ العقلاء يجرون على ذلك في الموارد الشرعيّة بعد التقنين من قبل الشارع من باب أنَّهم يؤمنون بصحّة تلك النكتة، وهي أنَّ معايش العباد تتوقّف على مثله، ويؤمنون بأنَّ الشارع أدرك هذه النكتة؛ لأنَّه يدرك كلّ نكتة صحيحة في الواقع، فمن باب إحرازهم أنَّ الشارع أمضى هذه النكتة بحسب تشريعه وتقنينه جروا على هذه السيرة، فهذا في السيرة الفقهيّة معقول.

وكذلك هذا يُتصوّر في السّير الأُصوليّة على المسلك المشهوري، فإنَّ السيرة الأصوليّة على المسلك المشهوري أيضاً سيرة قائمة على أساس نكتة عامّة، فالسيرة على أنَّ كلّ عاقل إذا تقمّص قميص المولويّة يجعل خبر الواحد حجّة، لأجل مصلحة نوعيّة أدركها العقلاء تقتضي ذلك، فهنا إذا فرضنا أنَّ العقلاء قد آمنوا بهذه المصلحة وآمنوا بأنَّ الشارع أيضاً آمن بهذه المصلحة ووافق عليها وجرى على طبقها. إذن، ففي مثل هذا أيضاً يجرون على طبق حجّيّة خبر الواحد حتّى في الموارد الشرعيّة؛ لأنّهم استكشفوا من صحّة هذه 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

النكتة في اعتقادهم صحّتها في اعتقاد الشارع أيضاً، يعني: استكشفوا جعل الحجّيّة لخبر الواحد من قبل الشارع، فلا محالة يرتّبون عليه آثار المنجّزيّة والمعذّريّة. 

إلَّا أنَّ هذا لا يتمّ بالحرف الواحد في السيرة الأصوليّة على المسلك المختار، فإنَّه على المسلك المختار ليس هناك نكتة واحدة عامّة هي كلّ الملاك للسيرة العقلائيّة، حتّى يقال: بأنَّ إيمان العقلاء بتلك النكتة يستوجب إيمانهم بأنّ الشارع آمن بتلك النكتة؛ لأنَّه معصوم ولا يخطئ، حيث إنّنا بيّنا أنَّ السيرة الأصوليّة -بناء على مختارنا- تتركز على ركيزتين: 

أحدهما خاصّة وليست نكتة عامّة، وهي: عبارة عن مرتبة شدّة الغرض وضعفه، وهذه المرتبة ليست نكتة عامّة، حتّى يقال: بأنّ العقلاء يجزمون بصحّتها وواقعيّتها، ويجزمون بإدراك الشارع لها؛ لأنَّه معصوم ويدرك الصحيح، فمثل هذا البيان لا يأتي في المقام لا محالة في السيرة الأُصوليّة على مبنانا.

نعم، قد يقال في السيرة الأصوليّة على مبنانا بأنَّ غلبة كون الغرض من ذاك القبيل الذي يناسب جعل الحجّيّة لخبر الواحد، وهذه الغلبة تكون أمارة عند العقلاء على أنَّ الشارع أيضاً هكذا من باب القياس القطعي، فإنَّ الغلبة قد توجب في بعض الأحيان القطع بأنَّ غير الغالب ملحق بالغالب، وحينئذٍ يكون امتداد سلوكهم في الموارد الشرعيّة من باب حصول القطع بأنَّ غير الغالب ملحق بالغالب، أو أنَّ الشارع حاله حالهم من هذه الناحية.

ــــــــــ[111]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وبهذا اتّضح أنَّ الفرق ما بين السّير التي أشرنا إليها في الوجه الأوّل تظهر في مقام تصوير امتداد السيرة إلى الموارد الشرعيّة. هذا تمام البحث في بحث الامتداد

وبهذا تمّ بحث القضيّة الشرطيّة الأولى، وهي أنَّ الشارع لو لم يمض لردع، وقد عرفنا وجه هذه الملازمة وشرطها، وهو امتداد السيرة العقلائيّة إلى المجالات الشرعيّة، وعرفنا أيضاً أسباب هذا الامتداد ووجهه.

الأمر الثاني: وجه الملازمة في الشرطيّة الثانيّة 

ووجه الملازمة: ملاحظة ما هو مقتضى الطبع والعادة في أمثال المقام؛ وذلك لأنَّ المفروض أنَّ الواجب على المولى على فرض عدم موافقة غرضه مع السيرة هو الردع عن السيرة، حيث إنَّ هذه السيرة أصبحت خطراً على غرضه ومفوّتة له.

 ومن المعلوم أن لا يكون الردع عن السيرة -بما هي سيرة- بعد فرض انعقادها وجريان الارتكاز على طبقها وتطابق العمل عليها بالبيان مرةً واحدةً لشخصٍ واحد، أو مرتين أو ثلاث مرات، بل الردع عن هذه السيرة بملاك التحفظ على الغرض، ودفع الخطر عليه الناشئ من ناحية هذه السيرة لا يكفي فيه بيان عدم الرضا مرة واحدة أو مرتين ونحو ذلك، بل الردع في مثل المقام لا يكون إلَّا بالبيانات المتعدّدة التي تصلح أن تكون في معرض الوصول لغالب هؤلاء الناس -بالواسطة أو بغير واسطة- الذين استقرّ بناءهم على تفويت غرض المولى.

ــــــــــ[112]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وحيث إنَّ الردع بملاك التخلص من الخطر لا يكون إلَّا بالبيانات الكثيرة التي تكون في معرض الوصول إلى الغالب، وحيث إنَّ مثل هذه البيانات قهراً هي توجب تنّبه العقلاء الذين يسيرون على الخلاف، ولو تنّبهاً احتماليّاً لمراتب هذه البيانات؛ إذ لعلّ سلوكهم على خلاف ذوق الشارع، فنفس هذه البيانات تُثير أسئلة أُخرى عن هذا السلوك، فتكثر هذه البيانات على أثر ما تحدثه من تنبيهات نحو السؤال في المقام.

ثُمَّ إنَّ الرّواة حيث إنَّهم في مثل هذه المسألة التي انعقد فيها سلوكهم على خلاف ذوق الشارع أو المردوع عنه من قبل الشارع، فالرّواة بحسب العادة يهتمون بضبط هذه النصوص الرادعة عن مثل هذه السيرة، ولا يهملونه أو يتسامحون في نقله، كما لعله كذلك بالنسبة إلى جملة من الأحكام الواضحة في نفسها، فلعلهم يستغنون بنصوص أعمّ، أو أوضح، أو في المندوبات مثلاً، ففي جملة من الموارد قد يتسامحون بتخيّل أنَّه لا ضرورة لنقلها أو ضبطها.

وأمّا في مثل هذه الموارد فالعادة قاضية باهتمام الرّواة بضبط هذه البيانات الرادعة ونقلها، وبعد الالتفات إلى تمام هذه النكات حينئذٍ يقال: بأنَّه لو حصل الردع بهذا النحو المحفوف بمثل هذه الصفات لوصل إلينا ولو بنحو الموجبة الجزئيّة، فإنَّه بعد فرض صدور بيانات متعدّدة ابتدائيّة من قبل الشارع، وبعد فرض أنَّ هذه البيانات الابتدائيّة أوجبت بحسب العادة أسئلة متعدّدة وأجوبة متعدّدة، وبعد فرض أنَّ الرّواة يهتمون بحسب العادة بضبط مثل هذه البيانات؛ بحسب طبعهم الأوّلي، أو بحسب طبعهم الثانوي، من ناحية أنَّ القضيّة على خلاف طبع العقلاء وارتكازهم.

ــــــــــ[113]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

 فمجموع هذه العوامل، تكون موجبة للاطمئنان بأنَّ هذه البيانات على فرض وجودها لا تتوفر أسباب لاختفائها جميعاً.

 نعم، اختفائها جميعاً محتمل بقانون العقل الأوّلي وبالحساب العقلي الأوّلي المنطقي؛ إذ يحتمل اختفاء كلّ شخصٍ شخص من أشخاصها، وإذا احتملنا اختفاء كلّ شخصٍ منها احتملنا بالحساب المنطقي اختفاء جميعها، إلَّا أنَّه بما أنَّ احتمال اختفاء كلّ شخصٍ من أشخاصها أمر مشكوك وضعيف وغير مضمون، بل محتمل أو موهوم، فإذا ضمّمنا إليه احتمال اختفاء البيان الآخر، خصوصاً مع النكات التي بُيّنت والتي لم تبيّن فيحصل الاطمئنان بأنَّه لا يختفي المجموع على فرض حصول الردع بهذا النحو.

فإذا اختفى المجموع فيظهر من ذلك عدم وجود الجميع ولم يصل الردع بنحو من الأنحاء أصلاً، فحينئذٍ يستكشف من ذلك عدم حصول الردع بعد فرض تضعّف احتمال اختفاء المجموع، فبعد فرض ضمّ احتمال اختفاء إلى اختفاء، وملاحظة الظروف الموضوعيّة للقضية التي تدعو إلى عدم الاختفاء. 

الأمر الثالث: ما لم يصل لا بُدَّ وأن يُقصد منه عدم الوصول بنحو من الأنحاء؛ لا عدم الوصول بطريق معتبر.

فإنَّه ليس المراد بعدم الوصول في المقام الوصول بطريق معتبر، وعدم وجود روايات صحيحة تدلّ على الردع عن السيرة العقلائيّة؛ إذ إنَّ الملازمة التي بيّناها في الشرطيّة الثانية بين الردع والوصول ليست في خصوص الحصّة الخاصّة من الوصول، أي: الوصول الحجّة والمعتبر، بل الجزاء في تلك القضية 

ــــــــــ[114]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الشرطيّة، هو صرف الوصول بنحو من الأنحاء، ولو بنحو ضعيف وغير معتبر، فالمقصود هو طبيعي الوصول لا الوصول بطريق معتبر.

والسر في ذلك: أنَّ ما بيّناه بمقتضى حساب الاحتمالات وقوانين العقل الثالث -مثلاً- أو الذي يقتضيه حساب الاحتمالات مع ملاحظة الأُصول الموضوعيّة، هو بعد اختفاء مجموع البيانات في المقام.

 إذن، فبعض البيانات لا بُدَّ وأن يصل، فيصل من عشرين بيان بيانان مثلاً أو ثلاث بيانات، إلَّا أنَّ البيانين أو الثلاثة لا يلزم أن يصل من خصوص الطريق الذي ثبت عندنا وثاقته واعتباره، فإنَّه صدفة قد يحصل من غير هذا الطريق، كما لو فرض أنَّه قد صدر من الإمام عشرون بياناً للردع عن هذه السيرة العقلائيّة، وكان من باب الصدفة أنَّ ثمانية عشر بيان منها كانت مرويّة عن رواة ثبت عندنا توثيقهم بشهادة (النجاشي) و(الكشي)، إلَّا أنَّ طريقين لم يثبت عندنا توثيقهم، ومن باب الصدفة أنَّ عوامل الاختفاء لم تؤثر في هذين الطريقين، وأثرت في الباقي، فمثل هذا محتمل في المقام ولا يأتي حساب الاحتمالات لأجل نفيه؛ فإنَّنا لو فُرض أنَّنا وجدنا في الوسائل روايتين أو ثلاثة روايات ضعيفة أو غير ثابتة التوثيق دالّة على الردع عن السيرة العقلائيّة، ونحتمل أنَّه بحسب الواقع كان يوجد أربعة أضعاف هذا المقدار، إلَّا أنَّه اختفى الباقي الذي كان صحيحاً، وبقي ما لا يكون صحيحاً في المقام. فبالالتفات إلى هذه النكتة تعرف أنَّ إحراز عدم الردع عن السيرة العقلائيّة يكون بعدم وصول الردع بأيّ نحو من أنحاء الوصول، لا عدم الوصول بالنحو المعتبر.

ــــــــــ[115]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ولهذا قلنا في بعض الأبحاث المتقدّمة: إنَّ وجود روايات ضعيفة تدلّ على الردع عن السيرة العقلائيّة يكفي في سقوط السيرة العقلائيّة عن الحجّيّة، حتّى لو لم تكن هذه الروايات حجّة ومعتبرة في نفسها، فإنَّ كونها ليست حجّة في نفسها لا ينافي كونها موجبة لسقوط السيرة عن الحجّيّة؛ لأنَّ السيرة إنَّما تكون حجّة فيما إذا تمّت الملازمتان في القضيتين الشرطيتين، والمفروض أنَّ الملازمة الثانية في القضية الشرطيّة الثانية لا تتمّ إلَّا بعد فرض عدم وصول الردع بنحو من الأنحاء ضعيفاً أو قوياً، وحينئذٍ فمع وجوده ضعيفاً لا تكون السيرة حجّة.

نعم، هذا الخبر الضعيف لا يكون حجّة في إثبات مفاده؛ لأنَّه لم يقم دليل على حجّيّة مثل هذا الخبر الضعيف، إلَّا أنَّ السيرة أيضاً لا تكون حجّة في المقام، بل لا بُدَّ من الرجوع إلى دليل ثالث حينئذٍ.

وإذا جزمنا بعدم الردع فنجزم بالإمضاء؛ لأنَّ السيرة العقلائيّة بحسب الفرض أصبحت معرضة أغراض المولى للخطر؛ فالمولى إذا كانت له أغراض لزوميّة حقيقية لتصدى لحفظها بالردع لهذه السيرة، فمن عدم وصول الردع نستكشف عدم الردع، ومن عدم الردع نستكشف الإمضاء.

وبهذا اتّضح أنَّ حجّيّة السيرة العقلائيّة مشروطة بشرطين: 

الشرط الأوّل: أن تكون جاريّة في الموارد الشرعيّة؛ لأجل أن تشكل خطراً على الأغراض الشرعيّة؛ إذ لولا ذلك لا تتمّ الملازمة في الشرطيّة الأولى (لو لم يمض لردع). 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الشرط الثاني: عدم وصول الردع، ولو بنحو الأخبار الضعيفة؛ إذ لولا ذلك لما تمّت الملازمة في الشرطيّة الثانية. 

فمع استجماع السيرة لمقتضيات الشرطيّتيّن مع بطلان التالي في الشرطيّة الثانية تكون السيرة العقلائيّة حجّة، وهذا هو البيان الصحيح في مقام بيان حجّيّة السيرة العقلائيّة. 

وجه في حجّيّة سيرة العقلاء ونقده

قد يقال: إنَّ الشارع هو أعقل العقلاء وسيد العقلاء، وحينئذٍ فإذا استقرت سيرة العقلاء على شيء. إذن، فلا بُدَّ وأن تكون سيرة الشارع على مثل ذلك؛ لأنَّ الشارع ليس غير عاقل، وإنَّما هو عاقل لا محالة، وبمقتضى كونه عاقلاً تكون سيرته جارية على ذلك.

هذا الكلام غير صحيح؛ وذلك لأمور: 

الأمر الأوّل: أنَّ هذا لا يتمّ في السّير العقلائيّة التي لا تقوم على أساس نكتة عامّة، بل تقوم على أساس الصدفة، فكلّ إنسان إنسان يحسب حسابه، وبالصدفة يتفق حسابه مع حساب غيره، فإنَّ مجرّد كونه عاقلاً وسيد العقلاء، لا يقتضي أنَّه من باب الصدفة حصل له ما حصل لغيره من نكتة أيضاً. 

الأمر الثاني: أنَّ هذا لا يتمّ أيضاً في السّير العقلائيّة القائمة على أساس نكتة عامّة، إذ لعلّ هذه النكتة العامة ليست أمراً عقليّاً يرجع إلى باب العقل والإدراك، بل لعلها أمر يرجع إلى باب الانفعالات والعواطف والمشاعر، ونحو ذلك من الأمور الخارجة عن دائرة العقل، فإنَّ السيرة العقلائيّة غير 

ــــــــــ[117]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

مستوحاة من حاق عقل هؤلاء العقلاء دائماً، بل إنَّ سلوك العقلاء ليس دائماً سلوكاً عقلانياً، بل هو يتأثر بعدة محركات، منها: العقل، ومنها: العواطف والمشاعر، ومنها: الغرائز والرغبات، ومنها: البيئة والمحيط، إلى غير ذلك من العوامل التي يتأثر بها سلوك العاقل.

فالسيرة العقلائيّة لا يلزم أن تكون نكتتها مأخوذة من حاق العقل حتّى يقال بأنَّ الشارع أيضاً عاقل وأعقل العقلاء، فلا بُدَّ وأن تكون هذه النكتة موجودة في عقله أيضاً كما هي في عقولهم، بل لعلّ هذه النكتة مأخوذة من الضمائم الأُخرى التي تؤثر على العقلاء ولا تؤثر على الشارع، وحينئذٍ كيف نعرف أنَّ الشارع قد أمضاها.

الأمر الثالث: لو فرض أنَّ هذه النكتة منتزعة من حاق العقل، فمن المحتمل خطأ العقلاء واشتباههم، فإنَّ كون الشارع أعقل العقلاء هو منشأ احتمال عدم إمضائه لسيرتهم، فإنَّه كثيراً ما يكون الأعقل ملتفتاً إلى نكتة تمنعه عن قبول ما يقبله غير الأعقل.

وفي المقام ما به امتياز عقل الشارع عن عقل غيره نحتمل أن يكون موجباً للفرق ما بينه وبينهم، من حيث إنَّهم يسلكون سلوكاً، وهو لا يرضى بهذا السلوك.

فمثل هذا الكلام ممّا لا يرجع إلى محصل، وإن كان يُستشم من بعض كلمات الحاج الشيخ محمد حسين الأصفهاني(1) فإن كان مقصوده هذا، كما 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية3: 336.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

هو مقتضى مطابقة الشمّ للمشموم، وحينئذٍ يكون من غرائبه.

وبما بيّناه في هذه المرحلة الثانية ظهر أيضاً أنَّ ما هو الحجّة هو السيرة القائمة في عصر الأئمّة وهذا الشيء الذي فرغنا عنه في المرحلة الأولى.

أمّا سيرة المتشرعة فالأمر فيها واضح، فإنَّما استكشفنا الحكم الشرعي والبيان الشرعي منها من باب استكشاف العلّة من المعلول، وقلنا: إنَّ سيرة المتشرعة إمّا أن تنشأ من الغفلة أو من السماع من الإمام، والغفلة منفيّة بحساب الاحتمالات، فيتعيّن أن تكون ناشئة من السماع من الإمام.

 وهؤلاء المتشرعة الذين يتعيّن في سيرتهم أن تكون ناشئة من السماع من الإمام إنَّما هم المتشرعة عاشوا في عصر الإمام وعاصروه، وكان يمكنهم السؤال من الإمام. 

وأمّا المتشرّعة في العصور المتأخّرة فسيرتهم لا يحتمل نشوئها من السماع عن الإمام، وإنَّما يحتمل أن تكون ناشئة عن التسامح أو ناشئة عن السماع من المجتهدين أو عن الاشتباه في مقام فهم الأدلّة وإعمال النظر.

وعليه فذاك البيان الذي بيّناه لإثبات حجّيّة سيرة المتشرعة واستكشاف البيان الشرعي منها إنَّما يأتي في سيرة المتشرّعة المعاصرين للأئمّة لا المتأخّرين.

وكذلك الكلام أيضاً في سيرة العقلاء، فإنّنا لو فرضنا أنَّ العقلاء في أيام الأئمّة، كانوا يسيرون على طبق ذوق الشارع وغرضه، لكنّهم بعد انتهاء عصر الظهور، صارت لهم سيرة أُخرى، ففي مثل ذلك لا يمكن أن نستكشف الإمضاء من عدم الردع؛ لأنَّ الأئمّة (عليهم الصلاة والسلام) في مقام التحفظ 

ــــــــــ[119]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

على الأغراض الشرعيّة يتحفظون عليها بالطرق الاعتياديّة، كما يتحفظ كلّ ذي غرض إلى غرضه لا بإعمال الغيب ونحو ذلك، فمثلاً: لا يُعملون غيبهم في أنَّ العقلاء بعد سبعمئة سنة سوف ينعقد لهم سيرة على المطلب الفلاني، فمن الآن يبيّن بيانات وافية كافيّة لأجل ردع أولئك بعد سبعمئة سنة، فأعمال الغيب والطرق غير المتعارفة في مقام بيان الأحكام الشرعيّة غير موجود من قبلهم فهنا لا يستكشف من عدم الردع الإمضاء.

إذن، فما هو الحجّة إنَّما هو السيرة العقلائيّة أو المتشرّعيّة التي تكون معاصرة للأئمّة (عليهم الصلاة والسلام) هذا تمام الكلام في المرحلتين.

ــــــــــ[120]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 






المرحلة الثالثة: في أخذ النتيجة من السيرة

 

بعد أن تمّ الكلام في المرحلتين السابقتين، وعرفنا أنّ بهما يتكوّن الاستدلال بالسيرة المتشرّعية أو السيرة العقلائيّة على إثبات الحكم الشرعي، فلا بُدَّ من الإشارة إلى مقدار أو كيفيّة أخذ النتيجة منهذه السيرة.

فيقال: تارةً يفرض أنَّ سيرة المتشرّعة كانت على عدم التقيّد بالمسح بتمام الكفّ على القدم، فهذا يدلّ بعد تتميم المرحلتين السابقتين من الاستدلال على عدم وجوب المسح بتمام الكفّ، وأنَّ هذا اللّاتقيّد في مقام السلوك ناشئ من بيان عدم الوجوب من قبل الإمام.

وأُخرى يفرض أنَّ السيرة كانت على التقيّد بفعل بحسب الخارج، كالتقيّد بالقنوت مثلاً، فلا إشكال في دلالتها على جواز نفي الحكم الإلزامي الذي يخالف هذا التقيّد، أي: على كون القنوت جائزاً وعدم كونه حراماً؛ لأنَّ هذه السيرة لا بُدَّ وأن يكون لها مستندها، وهو بيان الحكم الشرعي بنحو يناسب هذا السلوك، فالقدر المتيقّن في المقام هو الجواز، هو الجواز بالمعنى الأعمّ الذي يتناسب مع الإباحة ومع الاستحباب ومع الوجوب، وهذا لا إشكال فيه، حيث إنَّ سيرة المتشرّعة إذا انعقدت على عمل فيدلّ على جوازه بالمعنى الأعمّ المقابل للحرمة.

ــــــــــ[121]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

يبقى الكلام في دلالته على خصوصيّة الإباحة أو الاستحباب أو الوجوب في المقام، فتارةً نفرض أنَّنا أحرزنا وجود نكتة ارتكازيّة في ذهن المتشرّعة، فإنَّهم كانوا ينبعثون إلى المداومة على القنوت عن نكتة ارتكازيّة، وهي الاعتقاد بوجوبه مثلاً أو استحبابه. 

وأُخرى لم نحرز وجود هذه النكتة ووجود ارتكاز معيّن، وإنَّما أحرز السلوك الخارجي فقط، فهنا فرضان: 

الفرض الأوّل: أنَّنا نحرز ارتكاز المتشرّعة.

 الفرض الثاني: أنَّنا لا نحرز ارتكاز المتشرّعة. 

فإذا فرضنا أنَّنا أحرزنا الارتكاز، وأنَّهم كانوا يداومون على هذا الفعل وارتكازهم كان هو الاستحباب أو الوجوب، فحينئذٍ يثبت بمقتضى حجّيّة هذا الارتكاز نفس ما هو متعلّق الارتكاز في المقام؛ لأنَّ هذا الارتكاز يأتي فيه نفس الكلام السابق، وهو: أنَّ هذا الارتكاز في ذهن المتشرّعة من أصحاب الأئمّة يكون ناشئاً من الغفلة والاشتباه، أو يكون ناشئاً من السماع عن الإمام، وبعد نفي غفلة المجموع بالبيان الذي بينّاه يثبت أنَّ هذا الارتكاز نشأ عن التلقّي من الإمام، فيثبت الحكم طبقاً للارتكاز.

وأمّا لو لم نحرز الارتكاز في المقام، وإنَّما أحرزنا مداومة المتشرّعة على مثل هذا العمل بحسب الخارج، فلا إشكال حينئذٍ في أنَّه لا يمكن إثبات الوجوب؛ لأنَّ مجرّد المداومة لازم أعمّ للوجوب، فإثبات الوجوب بالمداومة غير ممكن حينئذٍ.

ــــــــــ[122]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأمّا إثبات الاستحباب بالمداومة، بدعوى: أنَّه لو لم يكن مستحباً وكان مباحاً ومتساوي الطرفين، فلماذا داوموا عليه؟ فإثبات الاستحباب في المقام يتوقّف على أن لا توجد هناك نكتة عامّة في نفسها تحتمل أن تكون هي الداعي على المداومة عليه.

 وهذا يختلف باختلاف الموارد وليس له قاعدة عامّة، فبعض الأعمال مع فرض كونها مباحة شرعاً ومتساوية الطرفين يحتمل فيها أن تكون هناك نكتة طبعيّة في طبع العقلاء تقتضي المداومة عليه، وهناك بعض الأعمال لا يحتمل فيها مثل هذه النكتة. 

فما يحتمل فيها مثل هذه النكتة لا يمكن إثبات الاستحباب؛ لأنَّ السلوك الخارجي كما يمكن أن يفسّر على أساس الاستحباب يمكن أن يفسّر على أساس هذه النكتة، وأمّا ما لا يحتمل فيه مثل هذه النكتة فلا بأس حينئذٍ بإثبات الاستحباب في المقام؛ لأنَّه لولا الاستحباب فلا بُدَّ وأن نلتزم بأنَّ كلّ شخصٍ شخص قد نشأت عنده نكتة خاصّة صدفة اقتضت منه هذا السلوك. وهذا أيضاً بحساب الاحتمالات بعد ضمّ بعض الصدف إلى بعض يكون فيه الاحتمال ضعيفاً جدّاً إلى حدّ قد يزول. هذا هو الكلام فيما يستنتج من سيرة المتشرّعة. 

وأمّا السيرة العقلائيّة فحينما تكون معرّضة لأغراض المولى إلى الخطر، وتمتد إلى الموارد الشرعيّة، فحينئذٍ نقول: بأنّ الشارع لو لم يمنعها لردع عنها تحفّظاً على غرضه، فتستكشف من عدم الردع عنها إمضائها، وأنَّ هذه السيرة لا تفوّت غرضه.

ــــــــــ[123]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وعندئذ هذا لا يساعد على الاستكشاف إلَّا بمقدار ما لا يفوت بالسيرة، فنستكشف بالسيرة العقلائيّة أنَّ حكم الشارع سنخ حكم لا يُفَوّت غرضه بالسيرة، فمثلاً: إذا فرضنا أنَّ السيرة العقلائيّة في المقام على الفعل، ففي مثل ذلك نستكشف أنَّ المولى ليس له غرض لزومي في الترك، وإلَّا لكان عليه أن يردع، ولا يمكن أن نستكشف أكثر من هذا المقدار.

وهذا البيان يترتّب عليه ثمرة مهمّة، وهي: إذا فرضنا أنَّ العقلاء كان سلوكهم على شيء معيّن في عصر الأئمّة وكان سلوكهم على هذا الشيء بعنوان مطلق لا بعنوان خاص، مثلاً: كانت سيرة العقلاء على تملّك المعدن بالحيازة، غاية الأمر أنَّه في عصر الأئمّة كان المقدار الذي يستخرج من المعدن ويملّك بالحيازة شيئاً محدوداً وكمّيّته محدودة بحسب الخارج، فإذا فرضنا أنَّ السيرة كانت منعقدة على ذلك -كما هو كذلك- فهذه السيرة لما انعقدت على ذلك في عصر الأئمّة لم تنعقد على ذلك بعنوان خاصّ، وإنَّما انعقدت على ذلك بنكتة عامّة، لكن السلوك الخارجي كان سلوكاً محدّداً تبعاً لتحدّد الظرف والبيئة والعوامل الخارجيّة.

فهنا مقتضى الوقوف والجمود على ما ذكرناه هو أنَّ غاية ما يستكشف من إمضاء هذه السيرة صحّتها بمقدار ما كان من سلوكهم بحسب الخارج؛ لأنَّ هذا السلوك هو الذي كان يفوّت غرض المولى، وإلَّا فإنَّ النكتة العامّة لا تفوّت غرضه. 

فلو فُرض أنَّ المولى كان يرضى على هذا المطلب، لكن في الحدود التي 

ــــــــــ[124]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

كانت تقع في ذلك الزمان، لا أكثر من ذلك المقدار. إذن، فلا يلزم في المقام الردع؛ لأنَّ السلوك الخارجي لا يفوّت به غرض المولى في المقام.

نعم، لو سلكنا مسلكاً آخر في باب إمضاء السيرة العقلائيّة، وقلنا: بأنَّ إمضاء السيرة العقلائيّة من باب أنَّ الشارع سيّد العقلاء وأحدهم، فلا بُدَّ أن يمضي السيرة العقلائيّة. 

إذن، مقتضى كونه أحد العقلاء أن يكون في مقام إمضاء النكتة أيضاً، لا في مقام إمضاء السلوك؛ لأنَّ كونه أحد العقلاء معناه أنَّ نفس النكتة العامّة الموجودة في أذهانهم موجودة في ذهنه.

وكذلك لو استكشفنا في المقام الإمضاء من ناحية وجوب التعليم ووجوب التبليغ، بحيث قلنا: إنَّ الإمام يجب عليه التعليم والتبليغ وبيان الأحكام الشرعيّة والحقائق الإسلاميّة، فلو فُرض أنَّه كانت هناك نكتة عامّة مركوزة في أذهان العقلاء على خلاف طبع الشريعة وأحكامها، فيجب على الإمام المكلّف بتبليغ الأحكام وإيصالها التعليم وإيصال هذا الحكم، وحيث إنَّه لم يوصل حكماً على الخلاف فيقتضى إمضاء هذه النكتة.

وهذا بيان آخر غير البيان الذي سبق منّا، على، وهو: أنَّه لو لم يمض لردع من باب التحفّظ على الغرض، وهذا البيان لم يكن يقتضي إلَّا استكشاف الحكم الشرعي بنحو بحيث لا يفوت بهذه السيرة الموجودة خارجاً.

أمّا هذا البيان بعد ضمّ اعتباره واسطة في تبليغ الأحكام فيجب عليه تعليم الناس وهداية البشر ورفع اشتباههم وبيان الأحكام الشرعيّة، فلو فرضنا 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وجود نكتة عامّة في أذهان العقلاء متسربة إلى أذهان المسلمين، وهي غير صحيحة في الشريعة، فيجب عليه بمقتضى إمامته وحجّيّته وعصمته بيان خلاف هذه النكتة، فإن لم يُبيّن فيقتضي إمضاء هذه النكتة، فيقتضي حينئذٍ إمضاء نفس النكتة، لا إمضاء السلوك الخارجي فقط(1).

هذا تمام الكلام في كيفيّة اقتناص النتيجة من سيرة المتشرّعة أو سيرة العقلاء. هذا تمام ما أردنا التكلّم فيه من بحث السيرة.

الكلام في تفسير الحالة الخاصّة لدى الفقهاء

قلنا فيما تقدّم: إنَّ هناك حالة نفسيّة عند كثير من الفقهاء بمنعهم عن إعمال مرّ الصناعة في مقام استنباط الحكم الشرعي في كثير من الموارد، لا الدليل العلمي على التفتيش عن أساليب في مقام الاستدلال، فمثلاً: يقال بحجّيّة الشهرة، وأنَّ عمل المشهور بالخبر الضعيف يوجب انجباره، وأنَّ إعراض المشهور عن الخبر الصحيح يوجب وهنه، ونحو ذلك من الأمور، بل حتّى دلالة الرواية قيل أخيراً: بأنَّ عمل المشهور بها يوجب قوّتها، كما لو فرض أنَّها غير دالّة في نظرنا، لكن المشهور رأى دلالتها، فدلالتها تتقوّى بعمل المشهور، أو كانت الرواية في نظرنا دالّة، إلَّا أنَّها في نظر المشهور غير دالّة، فتضعف الدلالة باعتبار إعراض المشهور.

ــــــــــ[126]ــــــــــ

() وهنا سأل أحد الإخوان: هل هذا البيان صحيح أو غير صحيح؟ 

فأجاب: أنَّ هذا صحيح في جملة من الموارد. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بل أكثر من هذا، فلقد رأيت كلاماً للشيخ الأنصاري(1) -مع أنّه مؤسّس هذه الصناعة الموجودة اليوم- في بعض الروايات: بأنَّ هذه الرواية على خلاف القواعد، ونحن لا نلتزم برواية على خلاف القواعد وبتخصيصها ما لم تكن هذه الرواية ممّا عمل بها المشهور وأفتوا بها.

فمثل هذه الضمانات لعلّ السبّب النفسي لها هو التحفّظ على منهج استدلالي يفي ويناسب مع تلك الحالة النفسيّة للتحرّج عن الإفتاء بمرّ الصناعة في كثير من الموارد.

وقلنا: بأنَّ السيرة العقلائيّة أيضاً من جملة تلك المناهج الاستدلاليّة التي لعلّها اصطنعت بهذا السبّب النفسي؛ ولهذا وسعت هذه السيرة العقلائيّة، وأخذ هؤلاء الذين لم يوافقوا الأقدّمين على حجّيّة الشهرة والإجماعات المنقولة يتوسّعون بالاستدلال بالسيرة العقلائيّة، لأجل أن يجعلوها وافية بتلك الحالة النفسيّة، وبدلاً عن تلك الأدلّة كالشهرة والإجماع المنقول، ففي كلّ مورد يرون في نفسهم حالة التحرّج عن الإفتاء بمرّ الصناعة، ولا يسعفهم إجماع منقول وشهرة ونحو ذلك يتمسّكون بأذيال السيرة والارتكاز وأمثالها.

ومن هنا لا بُدَّ أن نتكلّم عن نفس هذه الحالة للتحرج، ثُمَّ نتكلّم مرة أُخرى عن هذا النزوع النفسي الناتج عن هذه الحالة وصولاً إلى التفتيش عن أدلّة واصطناع مناهج الاستدلال، بحيث نضمن استنباط أحكام تناسب مع هذه الحالة، فالكلام يقع في أمرين: 

ــــــــــ[127]ــــــــــ

(1) انظر: المكاسب (الأنصاري) 1: 56.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

أوّلاً: في أصل حالة التحرج.

الثاني: في هذا النزوع والاتجاه نحو بيان مناهج الاستدلال التي تناسب مع هذه الحالة.

أمّا الأمر الأوّل -وهو أصل حالة التحرج- فهذه الحالة من التحرج يتصوّر لها أحد مناشئ:

المنشأ الأوّل: أن يكون منشأها هو حصول الاطمئنان أو العلم الشخصي في هذه الموارد التي يتحرج فيها الفقيه عن الإفتاء بمرّ الصناعة، أي: اطمئنان بالحكم على خلاف الصناعة. فالصناعة تقتضي مثلا وجوب المسح بتمام الكف على القدم فرضاً، إلَّا أنَّه هو يتحرج عن الإفتاء بذلك، أو أنَّ الصناعة تقتضي مثلا عدم تنجيس المتنجس، أو طهارة أهل الكتاب، أو عدم انفعال الماء القليل بملاقات عين النجاسة فرضاً، إلَّا أنَّه هو يتحرج عن الإفتاء بذلك؛ لأجل اطمئنانه الشخصي بأنَّ الماء القليل ينفعل بالنجاسة، وإن كانت الصناعة على خلافه، كالإطلاقات والعمومات التي تدلّ على خلاف هذا الحكم، وحيث إنَّ مثل هذا الاطمئنان لا يمكنه أن ينقله إلى غيره؛ ولهذا يفتش عن دليل لأجل أن يبين هذا الدليل لغيره، فيحصل الاطمئنان لغيره، كما يحصل له. فحالة التحرج منشأها بحسب الحقيقة هو الاطمئنان، وحيث إنَّ الاطمئنان غير قابل للسراية، فيفتش عن دليل؛ لأنَّ الأدلّة قابلة للسراية؛ لأجل أن يكون هذا الدليل هو الحجّة في إثبات المدّعى للآخرين الذين لم يحصل لهم مثل هذا الاطمئنان.

المنشأ الثاني: أن يكون منشأه التحرج مع فرض عدم حصول الاطمئنان، 

ــــــــــ[128]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فإنَّ هذا الفقيه من الآن يشكّ بأنَّ هذا الماء القليل ينفعل بملاقاة النجاسة أو لا ينفعل بها، أو يشكّ في أنَّ المسح هل يجب على تمام القدم بتمام الكف أو لا يجب؟ فمقتضيات الاطمئنان وموجباته متوفرة، إلَّا أنَّه يشكّ في كون هذا على خلاف الطبع والعادة. فمن هنا يتحرج عن جعل شكّه هذا موضوعاً لقاعدة قبح العقاب بلا بيان وموضوعاً لقوله: (رفع ما لا يعلمون) و(كلّ شيء حلال) و(لا ينقض اليقين بالشكّ) ونحو ذلك، فيتحرج أن يجعل شكّه موضوعاً للقواعد المؤمّنة وللأصول العقليّة والشرعيّة التي أُخذ في موضوعها الشكّ.

أمّا الأُصول العقليّة؛ فلأنَّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان يستقل بها العقل فيما إذا لم يكن هناك بيان، بحسب ما هو مقتضى الطبع والعادة.

 وأمّا لو فُرض أنَّ مقتضى الطبع والعادة تماميّة البيان، إلَّا أنَّ وسواساً خاصّاً في هذا الفقيه، أو نزوعاً خاصاً إلى التشكيك، أو بطء اليقين بشكل غير متعارف أوجب عنده بقاء الشكّ على حاله، وإلَّا فإنَّ مقتضى حال غيره ممّن ليس عنده هذه الحالة من بطء اليقين أنَّه يحصل له الاطمئنان بالإلزام الشرعي، بما هو متوفر من القرائن والشواهد، ففي مثل هذا لا يحكم العقل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان فإنَّه إنَّما يحكم بذلك فيما إذا انتفى البيان انتفاء بما هو مقتضى الطبع والعادة، لا فيما إذا انتفى بلحاظ طبع شاذ في نفس هذا الشخص.

 فقاعدة قبح العقاب بلا بيان لا تجري في المقام. والأُصول الشرعيّة أيضا لا يُتمسّك بها مثل هذا الفقيه؛ لأنَّ هذا وإن كان شاكاً حقيقة، إلَّا أنَّ الشكّ المأخوذ في موضوع الأدلّة ينصرف عن مثل هذا الشكّ إلى الشكّ المتعارف 

ــــــــــ[129]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الصادر من الإنسان المتعارف بما هو متعارف، فكما أنَّ قطع القطاع ينصرف عند الأدلّة الشرعيّة التي رتّب فيها حكم شرعي على عنوان القطع، كذلك شكّ الشكاك أيضا ينصرف عند عنوان الشكّ في الأدلّة التي رتّب فيها حكم شرعي واقعي أو ظاهري على عنوان الشكّ، وحينئذٍ لا تشمله مثل هذه الأدلّة لأجل انصرافها عنه.

نعم، هو ليس متيقناً بالحكم الإلزامي، وإن كان شكّه بالحكم الإلزامي ينصرف عنه عنوان الشكّ ولا يعتبر شكاً، ألَّا أنَّ انصراف عنوان الشكّ عن شكّه لا يوجب كونه متيقناً بالإلزام لأجل جواز ترتيب آثار الإلزام له والإفتاء بالإلزام.

فمن هنا مثل هذه الحالة توجب تحرجه عن الإفتاء بالإباحة، مع أنَّ مرّ الصناعة يقتضي الإباحة في المقام، ألَّا أنَّه لأجل التفاته إلى هذه النكتة، وهي أنَّ شكّه ناشئ من بطء غير متعارف، فيتحرج عن التمسّك بإطلاقات أدلّة الأصول المؤمّنة العقليّة والشرعيّة والإفتاء بالإباحة، هذا هو ما يتصوّر وجهاً ثانياً بالنسبة إلى هذا التحرج.

وكلّ من هذين الوجهين على فرض تمامية صغراه صحيح في المقام، والتحرج يكون على مقتضى القاعدة، فإنَّه لو فرض أنَّ الإنسان كان له اطمئنان شخصي، بحكم من الأحكام فقهراً يتحرج عن الإفتاء بمرّ الصناعة، فإنَّه لا صناعة في قبال الاطمئنان الشخصي، فإنَّ الصناعة مرجعها إلى الإمارات الظنّيّة كالإطلاق أو العموم أو نحو ذلك، ومن المعلوم أنَّ كلّ ذلك ممّا يرفع اليد عنه مع فرض الاطمئنان الشخصي.

ــــــــــ[130]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وكذلك لو فرض تماميّة الصغرى للسبب الثاني، وكان الإنسان بطيء اليقين، بحيث يشعر بأنَّ شكه شكّ غير متعارف، في مثل ذلك أيضاً لا يتمّ في حقّه الأصل المؤمّن، لأجل أن يصحّ له البناء على الإباحة.

المنشأ الثالث: هو العلم الإجمالي بأن يقال: إنَّ هذا الفقيه يعلم إجمالا، في هذه الموارد التي يتحرج فيها عن الحكم أنَّ بعض هذه الأحكام التي يميل بطبعه إلى الالتزام بها ثابت في الواقع. 

أو بتعبير آخر: أنَّ الأحكام التي لا يميل بطبعه إلى الالتزام بها يعلم إجمالا أنَّ بعضها على خلاف الواقع، ومن هذه الناحية لا يميل بطبعه إلى الالتزام بها ويتحرج عنها.

هذا العلم الإجمالي على فرض حصوله يكون منحلاً غالباً، ولا يكون منجزاً بالنسبة إلى التحرج؛ لأنَّ هذه الأحكام التي يكون ميل الفقيه طبعاً إلى عدم الالتزام بها، ليس كلّها على مقتضى الصناعة، بل بعضها على خلاف الصناعة أيضاً، فان الصناعة ليست دائماً تؤدي إلى حكم على خلاف ميل الفقيه، بل إنها تؤدي في كثير من الموارد إلى نفس الحكم الذي يميل الفقيه بطبعه إلى الالتزام به، وفي بعض الموارد تكون مؤدية إلى الخلاف.

فإذا تصوّرنا العلم الإجمالي بهذا النحو -وأنَّه يعلم إجمالاً بأنَّ بعض الأحكام التي يميل بطبعه إلى عدم البناء عليها مخالف للواقع- فلو فرضنا أنَّه لديه مئتا حكم يميل بطبعه إلى عدم البناء عليها، وهو يعلم إجمالاً أنَّ هذه المئتي فيها مئة حكم خلاف الواقع؛ وإن كان لا يستطيع أن يجزم أنَّ كلّ واحدٍ واحد منها على 

ــــــــــ[132]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

خلاف الواقع، وإلَّا لدخل في السبب الأوّل، إلَّا أنَّه يطمئن أو يعلم بأنَّ مئة من هذه المئتي حكم التي لا يميل بطبعه إلى الالتزام بها على خلاف الواقع.

في مثل ذلك ينحلّ هذا العلم الإجمالي فيما لو فُرض أنَّ الصناعة كانت تقتضي إثبات الخلاف في مئة مورد من هذه الموارد، فحينئذٍ لا يبقى له علم إجمالي بمخالفة الصناعة للواقع؛ إذ لعلّ موارد موافقة الصناعة لهذه الأحكام هو غير موارد المعلوم بالإجمال والتمسّك بالصناعة، حينئذٍ لا يكون مخالفة قطعيّة للعلم الإجمالي.

المنشأ الرابع: هو أن يقال بحصول العلم الإجمالي له بأنَّ بعض الأحكام التي لا يميل بطبعه إليها، وتكون الصناعة على وفقها -بهذا القيد- على خلاف الواقع.

فلو فرضنا أنَّ الصناعة تؤدي إلى الالتزام بمئة حكم، وهذه المئة حكم، وإن كان لو لاحظ كلّ واحد منها لا يحصل له الاطمئنان بكذبه وبعدم ثبوته في الشريعة، إلَّا أنَّه يعلم إجمالاً أنَّ بعض هذه الأحكام المئة غير ثابت في الشريعة، بمعنى: أنَّه لا يحتمل ثبوت هذه الأحكام المئة، وإلَّا لزم تأسيس فقه جديد، فيعلم إجمالا بعدم ثبوت بعض هذه الأحكام المئة(1).

ــــــــــ[131]ــــــــــ

() وهنا سأل أحد الإخوان: أنَّه ما الفرق بين هذا الوجه والوجه الثالث؟ 

فأجاب (سلّمه الله): أنَّه في الثالث كان يعلم أنَّ بعض الأحكام التي لا يميل طبعه إليها خلاف الواقع، فدائرته أوسع حينئذٍ؛ لأنَّه أعمّ من أن يكون على طبق الصناعة أو على خلافها. وفي الرابع نفرض أنَّ العلم الإجمالي في خصوص الموارد التي تؤدي إليها الصناعة، فإنَّ الصناعة تؤدي إلى مئة حكم على خلاف ميل الفقيه، وهذه المئة حكم فيها علم إجمالي بأن بعضها خلاف الواقع. (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهذا العلم الإجمالي يكون في المقام منجّزاً لا محالة؛ لأنَّه علم إجمالي على خلاف الصناعة، يعني: نعلم بأنَّ الصناعة في بعض هذه المئة مورد على خلاف الواقع. وحينئذٍ فيطبق على هذه الصناعات باب التعارض، فإن كانت هذه الصناعات أمارات حجّة في لوازمها، كالعمومات والإطلاقات، فلا بُدَّ من الالتزام بالتعارض والتساقط؛ لأنَّه يعلم إجمالاً بكذب بعضها، وإن كانت الصناعة مستفادة من الأُصول لا من الإمارات في المقام، فإن لزم من أعمالها مخالفة قطعيّة للعلم الإجمالي، فأيضاً يلتزم بتساقطها، وإن لم يلزم منها ذلك، فلا بأس بإعمالها، كما لو كانت بعضها مثبتة وبعضها نافية مثلاً، هذا شأن هذه الصناعة.

وأمّا شأن نفس العلم الإجمالي مع فرض تساقط الصناعة، وسقوطها عن الحجّيّة، حينئذٍ هذا علم إجمالي، ومقتضى القاعدة هو وجوب الاحتياط في تمام أطرافه، فإن أمكن هذا الاحتياط فهو، وإن لم يمكن الاحتياط في تمام أطرافه، فيُتنزل بمقدار ما يمكن. 

هذا هو الكلام فيما يصلح أن يكون منشأ لتحرّج الفقيه عن الإفتاء على مقتضى الصناعة من دون دليل في المرتبة السابقة على هذا التحرّج. 

يبقى الكلام في الأمر الثاني، وأنَّ هذا التحرّج الذي ينشأ في نفس الفقيه والذي يدعوه إلى أن يفتش عن دليل من الأدلّة، لأجل أن يتمسّك به، ويشعر أنَّه يستند في هذا المطلب إلى دليل، لا أنَّه مجرّد تحرّج نفساني ذاتي، فهذا النزوع عن منهج في الاستدلال، بحيث يُقيم حجّة على مدّعاه، مع فرض حصول 

ــــــــــ[133]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الاطمئنان له، كما هو الحال في السبب الأوّل، يكون له اطمئنان شخصي على خلاف الصناعة، مع هذا يبقى يفتش عن دليل صناعي لأجل هدم الصناعة بالصناعة، ولأجل أن يكون في ادّعاه واعتقاده مستنداً إلى دليل.

فهذا النزوع -والله العالم- نتيجة تفكير أرسطي، يعني: تفكير موروث عن المنطق القديم؛ حيث إنَّ مقتضى المنطق القديم(1) هو أنَّ كلّ عقيدة يعتقدها الإنسان، فهي إمّا أوليّة، وإمّا مكتسبة، فإن كانت أوّليّة فهي مضمونة الصحّة؛ وإن كانت مكتسبة فهي تحتاج إلى دليل وبرهان، والإنسان غير الساذج ولا البسيط لا ينبغي له أن يعتقد بعقيدة ما لم تكن أوليّة أو يقدّم عليها البرهان. 

فهذه النتيجة المأخوذة عن المنطق القديم خلفت ارتكازاً في أذهان المفكرين في مختلف الفنون، ومنهم المفكرين في فنّ الفقه، وهو أنَّ كلّ مدّعى يحتاج إلى دليل يُثبته؛ إذ من دون دليل يثبت هذا المدّعى ينبغي له أن يرفع يده عن المدّعى؛ إذ لا ينبغي له أن يعتقد بشيء ما لم يكن أوّليّاً أو يكون مكتسباً بالبرهان، فإذا لم يكن هناك برهان، وليس هذا أوّليّاً، فينبغي له أن يرفع يده عنه.

لعلّ هذه الحالة من النزوع والاتجاه إلى المطلب وليد نفس تلك النتيجة التي ارتكزت في أذهان أرباب الفنون في علم المنطق.

وهذه النتيجة في نفسها غير صحيحة؛ وذلك لأنّنا بيّنا في بعض الأبحاث المرتبطة بذلك أنَّ العلم لا يتكوّن دائماً من الدليل على المعلوم، بل العلم يتكوّن بأحد سببين

ــــــــــ[134]ــــــــــ

(1) انظر: شرح الإشارات والتنبيهات للطوسي 1: 213.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

السبب الأوّل: من قيام الدليل على المعلوم. 

السبب الثاني: من وجود سبب فيسيولوجي نفسي روحي لنفس هذا العلم. 

أمّا السبب المنطقي وهو الدليل على المعلوم المسمّى بالبرهان والمركّب من صغرى وكبرى. وأمّا السبب النفسي بما أنَّ العلم حالة نفسيّة إمكانيّة قائمة بوجود إمكاني، فلا محالة تستند إلى سبب، فقد يوجد سبب يخلق نفس هذا العلم من دون أن يكون هناك برهان أو دليل على المعلوم، وهو سبب نسبته إلى العلم على حدّ نسبة كلّ علّة على معلولها، على حدّ نسبة الحرارة إلى الحرارة.

فبناء على ما بيّناه وحقّقناه مفصّلاً في مورده -والذي لا مجال إلى تفصيل الكلام فيه هنا- لا يبقى داع إلى مثل هذا الاتجاه والنزوع، فإنَّ اطمئنان هذا الشخص أو اعتقاده بمطلب لا يلزم أن يزول بمجرّد أنَّه لا يجد الدليل على المدّعى؛ إذ إنَّ الاعتقاد لا ينشأ دائماً من الدليل على المدّعى، بل قد ينشأ من ذلك، وقد ينشأ من سبب نفساني يخلق نفس هذا العلم.

نعم، هذا الاعتقاد لا بُدَّ له من سبب بحسب الخارج، لا أنَّ عدم العثور على السبب لا يوجب انحلال المسبب، كما هو الحال في سائر موارد الأسباب والمسببات، فإنّنا لو وجدنا الماء حاراً بحسب الخارج، فهل يلزم في مقام التحفظ على حرارته التحقيق عن سبب هذه الحرارة؟ فلو فرضنا أنّنا إلى الآخر لم نستطع اكتشاف سببه، فهل بعدم اكتشافنا لذلك تزول حرارة الماء؟ لا، لا تزول.

ــــــــــ[135]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ونسبة العلم إلى السبب النفسي الذي هو غير الدليل المنطقي، كنسبة الحرارة إلى سببها، فحينئذٍ لا نحتاج إلى تبرير علمنا واعتقادنا إلى اكتشاف السبب. نعم، نحتاج في مقام إعطاء صفة الحجّيّة المنطقيّة لهذا الاعتقاد إلى اكتشاف السبب، لأجل تحليل هذا الاعتقاد بحسب الخارج. هذا خلاصة الكلام أيضاً في تحليل هذا النزوع في المقام، وبهذا تمّ بحث السيرة العقلائيّة، مع بحث هذه الحالة.

ــــــــــ[136]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 




الكلام في بحث الظواهر

 

  • المقام الأوّل: في تنقيح كبرى حجّيّة الظواهر

ــــــــــ[137]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 





الكلام في بحث الظواهر

 

الكلام في الظواهر يقع في مقامين:

المقام الأوّل: في تنقيح كبرى حجّيّة الظواهر. 

المقام الثاني: في تنقيح صغرى حجّيّة الظواهر، أي: في طرق إثبات كون اللفظ ظاهراً في المعنى الذي يرجع إلى تشخيص المصداق والصغرى لتلك الكبرى، والذي يندرج فيه البحث عن حجّيّة قول اللغوي، وعن علاميّة التبادر وصحّة السلب.

 

المقام الأوّل: في تنقيح كبرى حجّيّة الظواهر 

 

أمّا المقام الأوّل -وهو البحث عن كبرى حجّيّة الظواهر- فالكلام فيه يقع من عدّة جهات:

الجهة الأولى: في تحقيق محمول هذه الكبرى، أي: الحجّيّة.

الجهة الثانية: في تحقيق موضوع هذه الكبرى وهو الظهور، أي: في تحقيق المعنى الكلّيّ للظهور الذي أخذ موضوعاً للكبرى، وهو الحجّيّة.

الجهة الثالثة: في تحديد درجة هذه الكبرى ونسبتها إلى سائر الأُصول اللفظيّة، كأصالة عدم القرينة مثلاً.

ــــــــــ[139]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الجهة الرابعة: في حدود هذه الكبرى والتفصيلات التي ذكرت فيها، فيفصّل مثلاً هنا في حجّيّة الظهور بين من قصد إفهامه ومن لم يقصد أو بين القرآن الكريم وغيره، فهذه جهات أربعة، وكلّها ترجع إلى المقام الأوّل.

أمّا المقام الثاني ففي تحديد الصغرى، وطرق إثباتها. 

الجهة الأولى من المقام الأوّل 

فهذا ممّا لا ينبغي الاستشكال فيه -كما لم يُستشكل في حجّيّة الظهور- ويكفي دليلاً على هذه الحجّيّة السيرة العقلائيّة بالموازين التي حقّقناها للسيرة العقلائيّة، فعلى ضوء تلك الضوابط الفنيّة التي قلنا بدلالتها على وجود السيرة العقلائيّة في أيام الأئمّة وتتميم الاستدلال بها؛ يتّضح هنا أنَّ الاستدلال بالسيرة العقلائيّة في محلّه جدّاً، بمعنى: أنَّنا في المقام على ضوء تلك الضوابط، وأنَّ العقلاء المتشرّعة في أيام الأئمّة كانوا يعملون بالظهورات، ويجرون هذا العمل في مقام استنباط الأحكام الشرعيّة من الكتاب والسنّة، وحيث قلنا: إنَّ هذه السيرة لو لم تكن ثابتة وأنَّهم لم يكونوا يعملون بالظهورات في مقام الاستنباط لكان لمثل هذه السيرة في أيام الأئمّة بديل لا محالة، فإنَّهم على أيّ حال لا بُدَّ لهم من استنباط الأحكام الشرعيّة من الكتاب والسنّة عن طريق الظهورات أو عن طريق آخر، فلو لم يكونوا يستخرجون الأحكام بطريق الظهورات لكانوا يستخرجونها بطريق آخر لا محالة، ولو فرض أنَّه كان بطريق آخر لاشتهر ذاك الطريق؛ لأنَّه على درجة كبيرة من الأهمّيّة، ولوصل إلينا 

ــــــــــ[140]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

اشتهاره، ولو بنحو أخبار الآحاد. على تفصيل في كلّ مرحلة من هذا الاستدلال سبق تحقيقها فنيّاً.

فبمثل هذا الضابط يمكننا أن نستدلّ على وجود السيرة عند عقلاء المتشرّعة في أيام الأئمّة على استنباط الأحكام الشرعيّة من ظواهر الكتاب والسنّة. 

ومثل هذه السيرة حينئذٍ تكون دليلاً على الحكم الشرعي بأحد التقريبات التي سبقت أيضاً في بحث السيرة، فإنَّ هذه السيرة إمّا أن تكون سيرة لأصحاب الأئمّة بما هم متشرّعة فتكون معلولة للحكم الشرعي، وإمّا أن تكون سيرتهم بما هم عقلاء، وحينئذٍ يكون عدم الردع عنها كاشف عن إمضائها شرعاً. على الفرق الذي بيّناه هناك في كيفية أخذ النتيجة من السيرة العقلائيّة وسيرة المتشرّعة. فهذا ما ينبغي أن يقال فنيّاً في إثبات حجّيّة الظواهر بالمعنى التعبّدي التشريعي من الحجّيّة.

وقد أشرنا فيما سبق مراراً إلى أنَّه يمكن أن يقال: إنَّ حجّيّة الظواهر هي بمعنى آخر أرقى من هذا المعنى من الحجّيّة، فإنَّها ليست على حدّ حجّيّة الشهرة، أو حجّيّة خبر الواحد، أو حجّيّة القياس، ونحو ذلك من الأمور الظنّيّة التي يمكن أن يجعل لها الحجّيّة. 

فإنَّ سائر الأمارات الظنّيّة حجّيّتها ليست ذاتيّة لها، وإنَّما حجّيّتها باعتبار جعل المولى لها حجّة على الكلام والخلاف في معنى جعل المولى للأمارة حجّة، فهم يقولون: إنَّ معناه إنشاء حكم على طبق هذه الأمارة.

 ــــــــــ[141]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ونحن نقول: إنَّ جعل المولى لأمارة حجّة، بمعنى: إبراز شدّة اهتمامه بالواقع المشكوك، بحيث لا يرضى بفواته مع قيام الأمارة عليه. 

وعلى أيّ حالٍ فحجّيّة الأمارة المولويّة تكتسب من ناحية تصرّف مولوي، بحيث لولا هذا التصرّف المولوي لم تكن الأمارة الظنّيّة حجّة. 

حينئذٍ يقع الكلام في مقام الإثبات في أنَّه تصرّف أو لم يتصرّف، فيُستدلّ على أنّه تصرّف إمّا بخطاب من قبله، وإمّا بالسيرة التي يراها أمام عينه للمتشرّعة أو العقلاء في زمانه على النحو الذي بيّناه آنفاً، وهذا لو كانت الحجّيّة المبحوث عنها بالمعنى التعبّدي التشريعي، والذي يرجع إلى تصرّف من ناحية المولى.

وهناك معنى آخر من الحجّيّة -كما عرفنا في بحث القطع- لا يرجع إلى تصرّف من ناحية المولى، ولا يتوقّف على جعل من جهته أصلاً، بل تكون الحجّيّة حجّيّة ذاتيّة، بمعنى: رجوعه إلى حقّ المولويّة، والعقل يدرك أنَّ من حقّ المولى على عبده أن يطيعه فيما يعلم أنَّه من تكليفه، فحجّيّة العلم ذاتيّة بهذا المعنى من الذاتيّة، يعني: أنَّ دخول التكليف المعلوم في دائرة حقّ الطاعة لا يحتاج إلى تصرّف من قبل المولى، فإنَّ العبد بمجرّد أن يقطع بأنَّ المولى كلّفه بكذا فيدخل هذا التكليف في دائرة حقّ الطاعة بحسب إدراك العقل العملي، سواء أنشأ المولى الحجّيّة له إنشاء أو لم ينشأ له الحجّيّة، فالعلم له قوّة ذاتيّة لإدخال متعلّقه في دائرة حقّ الطاعة، سواء جعله المولى حجّة أو لا.

وهذا بخلاف الظنّ، فإنّ الظنّ أو الشهرة أو خبر الواحد ليس له قدرة على إدخال متعلّقه في دائرة حقّ الطاعة بمجرّد قيامه.

ــــــــــ[142]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فهذه الحجّيّة الذاتيّة في العلم يمكن أن تدّعى في الظواهر أيضاً، فيقال: بأنَّ حقّ الطاعة الذي هو الحقّ الذاتي للمولى على العبد، والذي هو مدرك بالمباشرة للعقل العملي دائرته تكون بنحو أنَّ العقل يدرك أنّ العبد الذي يطبق كلماته على حسب الطريقة المتّبعة للمولى في مقام التفهيم والتفهم، فهو عبد مخلص قائم بحقّ مولاه.

فمع فرض أنَّ العقل أدرك مثل هذا المطلب ابتداءً، فلا حاجة لنا إلى التفتيش عن دليل كالسيرة على جعل الحجّيّة للظهور، بل إنَّ مجرّد كون المولى بما هو متكلّم قد اتّبع في مقام التفهيم والتفهم طريقة في الظواهر، فإنَّ المولى حين كان يعطش أو يفرح أو يخاف، فكيف كان يعبّر عن عطشه وفرحه وخوفه، كان يعبّر باللغة وحسب قواعد اللغة، وهذا معناه: أنَّ اللغة التي هي تعبير آخر عن الظواهر هي الأداة المتّبعة للمولى بما هو صاحب حاجة في مقام التفهيم والتفهم، بلا حاجة إلى أن يجعل الحجّيّة لظهور كلامه.

فنفس كون المولى قد استقرّ قراره على أن يعبّر عن حاجاته الشخصيّة باللغة، ونفس كون هذا كاف في أنَّ العقل يحكم بأنَّ العبد الذي يطبق عمله على طبق هذه الطريقة التي بها يفهم المولى مراداته، فهذا عبد تامّ وليس للمولى عليه شيء أصلا، سواء جعل المولى الحجّيّة للظهور أو لم يجعل له الحجّيّة. ومثل هذه الحجّيّة تختلف سنخاً وتختلف إثباتاً عن تلك الحجّيّة. 

أمّا سنخاً فلأنّ هذه الحجّيّة حجّيّة ذاتيّة واقعيّة، وتلك الحجّيّة حجّيّة تشريعيّة معلولة للتصرّف المولوي. 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأمّا إثباتاً فلأنّ هذه الحجّيّة لا تحتاج إلى دليل أصلاً، فإنَّها من مدركات العقل العملي بناءً على ثبوتها كحجّيّة العلم، بخلاف تلك الحجّيّة، فإنَّ مناطها التصرّف من قبل المولى، وتصرّف المولى يحتاج إلى دليل، ومن هنا كنّا نحتاج إلى التمسّك بالسيرة ونحوها من الأدلّة بخلافه هنا.

بل غاية الأمر: أنَّ حجّيّة الظهور بهذا المعنى هنا، ليست كحجّيّة العلم بنحو العلّيّة التامّة، بحيث لا يمكن للمولى أن يردع أيضاً عنها، كما كان في باب العلم على تفصيل مرّ شرحه في أوّل الدورة. 

وأمّا حجّيّة الظواهر على فرض ثبوتها بهذا المعنى الذاتي العقلي، فهو ذاتي اقتضائي لا ذاتي عِلّيّ، بمعنى: أنَّ المولى يمكنه أن يبدّل هذه الحجّيّة ويقول: بأنّي أردع عن العمل بالظهور، وأوجب الاحتياط دائماً عند احتمال الحكم الإلزامي من قبل المكلّف، ولو كان ظاهر كلامي النفي -مثلاً-، فمثل هذا أمر معقول من ناحية المولى، وليس مثل العلم، فإنَّه في باب العلم لا يمكن أن يقال له: إنّني أوجب عليك الاحتياط، حتّى لو علمت بالإباحة، إذ مع العلم بالإباحة لا يعقل أن يكون الأمر بالاحتياط منجّزاً في حقّه أو محرّكاً له، لكنّ الأمر بالاحتياط هنا يعقل أن يكون محرّكاً ومنجّزاً، حتّى مع قيام ظهور من قبل المولى على خلافه؛ لأنَّ ظهور كلام المولى يكون ملائماً مع احتمال الخلاف لا محالة.

فخلاصة هذا الاحتمال: أنَّ الحجّيّة في المقام تكون حجّيّة عقليّة ذاتيّة غير محتاجة إلى دليل، بمعنى: أنَّ دائرة حقّ المولويّة من أوّل الأمر تشكّلت بهذا النحو: بأنَّ العبد الذي يطبّق أفعاله وحركاته وسكناته على طبق الطريقة المتّبعة 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

للمولى في مقام التفهيم والتفهم، ومثل هذا العبد يكون قائماً بحقّ المولوليّة دون أن يُفتش عن دليل على أنَّ المولى جعل الحجّيّة لمثل هذه الطريقة.

وقد يقال في المقام: بأنَّ هذا الوجه بعد فرض تماميّته، فهو غاية ما يثبته أنَّ الحجّيّة الإقتضائيّة القابلة للردع عنها، وقد ثبت الردع عنها، فإنَّه لو فرض أنَّه لم يقم عندنا دليل شرعي على جعل الحجّيّة للظواهر، وبقينا نحن وهذه الحجّيّة الذاتيّة الإقتضائيّة، فهذه الحجّيّة التي يدركها العقل العملي محضاً قد ثبت الردع عنها بإطلاقات أصالة البراءة، كـ (رفع ما لا يعلمون) وبإطلاقات الأمر بالاحتياط، لو كنّا نحن من القائلين بالاحتياط مثلاً، لقولهم: “احتط لدينك(1) و”قف عند الشبهة(2).

على أيّ حال ثبت الردع عنها إمّا بإطلاقات البراءة أو بإطلاقات الاحتياط، فإنَّ مثل هذه الإطلاقات بيان من قبل المولى لحكم آخر، أمّا للحكم بالرفع مطلقاً، وأمّا للحكم بالوضع مطلقاً. وحينئذٍ فهذا يكون حاكماً على حجّيّة الظهور.

وحينئذ في مثل هذا المقام هذه الحجّيّة لا تنفعنا؛ لأنَّ مثل هذه الحجّيّة محكومة للأُصول، ونحن نريد أن نثبت الحجّيّة للظهور، بنحو يكون الظهور حاكماً على أصالة البراءة والاحتياط، لا أن يكون محكوماً، وهذا يتوقّف على 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

(1) أمالي الطوسي: 109، عوالي اللآلي: 1: 394، الحديث 40، وسائل الشيعة 18: 123 الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 41. 

(2) وسائل الشيعة 20: 258 – 259، الباب 157 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إثبات الحجّيّة بالمعنى التعبّدي التشريعي.

ولا يقال في المقام: بأنَّ دليل أصالة البراءة في المقام مبتلى بالمعارضة مثلاً؛ لأنّنا نعلم إجمالاً بوجود أحكام إلزاميّة، فلو أجرينا أصالة البراءة في تمام الموارد يكون هذا خلاف العلم الإجمالي الوجداني، إذ يمكن التخلّص من ذلك بفرض انحلال هذا العلم الإجمالي، فيما لو فرض انحلال العلم الإجمالي الكبير بعلم إجمالي صغير -كما يذكر في بحث البراءة- فحينئذٍ بالنسبة إلى الزائد عن أطراف العلم الإجمالي الصّغير يأتي مثل هذا الإشكال، ففي الموارد الخارجة عن هذا الانحلال تكون هذه الشبهة جارية.

وجواب مثل هذه الشبهة في حكومة أصالة البراءة على حجّيّة أصالة الظهور بهذا المعنى يكون بأحد أمرين:

وذلك أنَّ دليل أصالة البراءة أُخذ في موضوعه عدم العلم، فـ (رفع ما لا يعلمون) و (الناس في سعة ما لم يعلموا)(1) و (كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنه حرام أو حتّى يرد فيه النهي)(2)، قد أُخذ فيه العلم بالضيق أو النهي والحرمة. فحينئذ هنا يدّعى التوسعة في دائرة العلم أو في دائرة المعلوم. 

فأمّا أن يُدّعى التوسعة في دائرة المعلوم، بأن يقال: إنَّ أصالة البراءة مغياة ابتداءً بعدم العلم بصدور الخطاب من الشارع، و(رفع ما لا يعلمون) لا يفهم 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

(1) الكافي 6: 297، كتاب الأطعمة، باب النوادر، الحديث 2، وفيه: “هم في سعة حتّى يعلموا”.

(2) تقدّم تخريجه.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

منه عرفاً إلّا هذا المقدار، يعني: ما لا يعلم من الخطابات الشرعيّة، لا ما لا يعلم من الأحكام الواقعيّة النّفس أمريّة، حتّى يقال بثبوت إطلاقه حتّى في مورد خطاب له ظهور من قبل الشارع، فإذا صدر خطاب له ظهور من قبل الشارع، فهذا يكون بياناً من قبل الشارع، ويكون رافعاً لموضوع دليل أصالة البراءة. فهذا توسعة في دائرة المعلوم، بأن يقال: رُفِعَ ما لا يعلم البيان به من قِبَل الشارع، وهنا علم وبيان فيه من قِبَل الشارع. 

أو التوسعة في دائرة العلم، بأن يقال: المقصود من العلم في المقام ما يكون بذاته حجّة في مقام إثبات الواقع، سواء كان علماً أو كان شيئاً آخر كالعلم، والعلم هنا لم يؤخذ على وجه الموضوعيّة بما هو علم، بل أُخذ بما هو حجّة عقلاً في مقام إثبات الواقع، وحيث فرضنا أنَّ الظهور حجّة عقلاً في مقام إثبات الواقع، فيكون حاله حاله أيضاً.

إلَّا أنَّ أصل هذا التقريب لا يمكن إقامة البرهان عليه؛ لأنَّه يرجع بالتالي إلى دعوى توسعة دائرة حقّ المولويّة، وقد بيّنا مراراً أنَّ أصل حقّ المولويّة لا يمكن البرهنة عليه؛ لأنَّه من مدركات العقل العملي، ومدركاته لا يمكن البرهنة عليها، فحيث إنَّ أصل حقّ المولويّة لا يمكن البرهنة عليه، فدعوى التوسعة في المقام لا يمكن البرهنة عليه إثباتاً ونفياً.

وليس البحث متوقّفاً على ذلك بعد فرض تماميّة الدليل على الحجّيّة بالمعنى التعبّدي التشريعي بالمعنى الذي بيّناه، فإنَّ المورد من أوضح الموارد التي تنطبق عليها الصناعة التي بيّناها في بحث السيرة.

ــــــــــ[147]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وبعبارة أُخرى(1): أنَّ الكلام في حجّيّة الظواهر يقع في مقامين:

المقام الأوّل: في تنقيح الكبرى، وهي مسألة حجية الظواهر.

المقام الثاني: في تنقيح الصغرى، أي: في طرق إثبات الظهور.

أمّا المقام الأوّل -وهو في تنقيح الكبرى- فيقع في عدّة جهات(2)

الجهة الأولى: وهي في تنقيح محمول الكبرى، أي: في إثبات الحجّيّة كبروياً للظواهر.

وفي هذه الجهة ينبغي التكلّم عن مرحلتين: 

المرحلة الأولى: أن يُتكلّم في أنَّ الظواهر هل لها حجّيّة ذاتيّة في نفسها، بقطع النظر عن جعل جاعل وتصرف مولوي من قبل الشارع، بحيث يكون شأنها بالحجّيّة الذاتيّة شأن العلم، أو أنَّه ليس لها حجّيّة ذاتيّة، بحيث إنَّ المولى إذا لم يتصرف في الظواهر ولم ينشأ لها الحجّيّة، فتبقى على أصالة عدم الحجّيّة، حالها في ذلك حال سائر الأمارات الظنّيّة؟

فإذا فرغنا من هذه المرحلة الأولى فحينئذٍ نحتاج لا محالة إلى إثبات الحجّيّة الجعليّة التشريعيّة، فنتكلّم في أنَّ المولى هل جعل لها الحجّيّة أو لم يجعل لها الحجّيّة؟

فقد ذكرنا في أوّل الدورة: أنَّ الحجّيّة الذاتيّة للعلم ليس لها معنى إلَّا 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

() أعاد سيّدنا الأُستاذ ما كان قاله في المحاضرة السابقة بعرض جديد مع إضافات كثيرة؛ لذا اقتضى إثبات الجميع لتماميّة الفائدة. (المُقرِّر).

(2) ثم ذكرها واحدة واحدة، كما مرّ في أوّل المحاضرة السابقة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الرجوع إلى دائرة حقّ المولويّة، فمعنى الحجّيّة الذاتيّة للعلم أو غيره: أنَّ حقّ المولويّة الذي هو حقّ الطاعة ثابت في هذه الموارد ثبوتاً ذاتياً بلا حاجة إلى تدخل من قبل المولى، فالعلم حجّة ذاتاً، بمعنى: أنَّ العقل العملي يدرك أنَّ حقّ الطاعة من المولى على العبد ثابت في جميع موارد التكاليف المعلومة فيدخل التكليف ببركة العلم به في دائرة حقّ الطاعة، ودخوله في دائرة حقّ الطاعة هو معنى حجّيّته الذاتيّة، على ما شرحناه وبيّناه سابقاً.

فحينئذٍ دعوى كون الظواهر حجّة ذاتاً مرجعه إلى دعوى مواردها في دائرة حقّ الطاعة بأن يقال: إنَّ العقل العملي المستقل بالإدراك في باب حقّ الطاعة هو يدرك من أوّل الأمر هذه الحقيقة إدراكاً واقعيّاً، فيدرك أنَّ العبد الذي يطبّق عمله إثباتاً ونفياً على طبق الطريقة التي سلكها المولى في مقام التفهيم والتفهم
-وهي اللغة غالباً- فمثل هذا العبد قائم بحقّ الطاعة وبحق المولويّة، وليس للمولى عليه شيء، بخلاف العبد الذي لم يطبّق أفعاله إثباتاً ونفياً على طبق الكلام الصادر من المولى والطريقة المتبعة له في مقام التفهيم والتفهم، فإنَّ مثل هذا العبد لا يكون قائماً بحقّ الطاعة، فمرجع الحجّيّة الذاتيّة لهذا المعنى. 

نعم، يبقى الفرق بين الظواهر وبين العلم ضرورة أنَّ الحجّيّة الذاتيّة للعلم حجّيّة بنحو العلّيّة، وهذه الحجّيّة حجّيّة بنحو الاقتضاء لا بنحو العلّيّة، فهذه الحجّيّة يمكن للمولى أن يتدخل في نفيها فيقول: إنّي أوجب عليك الاحتياط إذا احتملت وجود وجوب أو حرمة، وإن كان ظاهر كلامي نفي الوجوب والحرمة. هذا أمر معقول في باب الظواهر، ولكنّه غير معقول في باب العلم؛ لأنَّ العالم بالوجوب أو الحرمة لا يتصوّر محرّكيّة إيجاب الاحتياط بالنسبة إليه.

ــــــــــ[149]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فالحجّيّة في العلم حجّيّة ذاتيّة علّيّة، والحجّيّة في باب الظواهر حجّيّة ذاتيّة اقتضائيّة. هذا تمام ما يمكن أن يُدّعى في مقام تصوير حجّيّة الظواهر في المقام.

وقد يُشكل على هذا التصوير بأن يقال: 

إنَّ هذه الحجّيّة الذاتيّة بعد أن اعترف بأنّها حجّيّة اقتضائيّة بحيث يمكن للمولى أن يتدخل في مقام نفيها، فحينئذٍ يقال: إنَّ المولى تدخل في مقام نفيها، وذلك بأحد لحاظين:

إمّا بلحاظ دليل أصالة البراءة مثلاً، حيث إنَّ المولى قال: (رفع ما لا يعلمون) ومن الواضح أنَّ وجوب الدعاء عند رؤية الهلال ممّا لا يعلم حتّى لو فُرض أنَّ ظاهر خطاب المولى هو ثبوته، فدليل أصالة البراءة بإطلاقه يدلّ على الردع وسلب الحجّيّة عن الظواهر في مواردها، ورفع موضوع هذه الحجّيّة الذاتيّة؛ لأنَّها اقتضائيّة، ومعنى كونها اقتضائّية كونها معلّقة على عدم تدخل الشارع وجعله مانعاً عن هذه الحجّيّة، ودليل أصالة البراءة بإطلاقه يكون مانعاً عن هذه الحجّيّة ورافعاً لموضوعها. 

وهذا الإشكال تقدّم أنَّ جوابه يكون بأحد أمرين:

 إمّا بتوسعة دائرة المعلوم في (رفع ما لا يعلمون) أو التوسعة في دائرة نفس العلم(1).

وأُخرى يكون هذا الإشكال بلحاظ إطلاق الآيات والأدلّة الناهية عن العمل بالظن، من قبيل: (لا تقف ما ليس لك به علم) حيث إنَّ الظهور أيضاً 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

() وذكر تفصيلاتها كما سبق. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ليس لي به علم، فهنا يكون الشارع نهى عن اقتفاء ما ليس لي به علم حتّى هذا. فمثل هذا الدليل في المقام لا يمكن التمسّك به لسلب الحجّيّة الذاتيّة. 

والوجه فيه: المدّعى هنا بأنّي أقتفي الشيء الذي لي به علم، لا الشيء الذي ليس لي به علم؛ وذلك لأنَّ مناط المحرّكيّة والمولويّة بناءً على هذا التقريب إنَّما هو الخطاب الصادر من المولى الدالّ بظهوره على معنى؛ نفس هذا الخطاب هو ملاك حقّ المولويّة بحسب ما هو المفروض. وهذا الخطاب معلوم لي.

 نعم، الحكم الواقعي النفسي الأمري المنكشف بهذا الخطاب ليس معلوماً لي، بل هو مظنون لي، لكن نفس هذا الخطاب الصادر من المولى الدالّ بظهوره على معنى معلوم لي، والمفروض بناءً على توسعة دائرة حقّ المولويّة أنَّ مناط المحرّكيّة إنَّما هو هذا الخطاب، وحينئذٍ يكون المورد خارجاً تخصّصاً عن إطلاق ما ليس لك به علم، فإنّني هنا اقتفيت ما أنّا عالم به، وهو ليس الحكم الواقعي النفسي الأمري، بل هو الخطاب، والمفروض أنَّ من حقّ المولى على عبده أن أطبّق عملي على خطاباته. إذن، فالمناط في المقام هو الخطاب، والخطاب هنا معلوم، فالاقتفاء هنا اقتفاء للمعلوم لا اقتفاء للمظنون. هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه المطلب مع دفع إشكالاته. 

إلَّا أنَّ هذا المطلب حيث إنَّه يرجع إلى تصوير جديد لدائرة حقّ الطاعة، وحيث إنَّ دائرة حقّ الطاعة بالذات هي من مدركات العقل العملي، وحيث إنَّ مدركاته ممّا لا يمكن البرهنة عليها، كما أشرنا إليه في بحث الأخباريين، فحينئذٍ مثل هذا المطلب ممّا لا يمكن الاستدلال عليه بالبرهان، بل يبقى هو وعهدة مدّعيه. هذا خلاصة ما ينبغي أن يقال في المرحلة الأولى.

ــــــــــ[151]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فلو فرضنا أنّنا فرغنا في المرحلة الأولى عن عدم الحجّيّة الذاتيّة. وأنَّ حال الظواهر حال القياس، فكما أن القياس ليس حجّة بذاته، بل إذا جعل المولى له الحجّيّة يكون حجّة، فكذلك الظواهر، فحينئذٍ ننتقل إلى المرحلة الأُخرى. 

المرحلة الثانية: نُفتش فيها عن قيام دليل على أنَّ المولى جعل الحجّيّة للظواهر، فما هو هذا الدليل؟

الدليل أحد أمرين: إمّا سيرة المتشرعة، وإمّا سيرة العقلاء. فإنّنا قلنا في بحث السيرة: بأنَّ السيرة على نحوين، فتارةً يُقصد من السيرة سيرة المتشرعة وأُخرى يُقصد منها السيرة العقلائيّة.

فهنا تارةً: نستدلّ على حجّيّة الظواهر بسيرة المتشرعة، وأُخرى: نستدلّ عليها بالسيرة العقلائيّة.

الاستدلال بالسيرة المتشرعيّة

أمّا سيرة المتشرعة فهي أقوى دليل على هذا المطلب في المقام، حيث إنّنا لا نشكّ أنَّ المتشرعة من فقهاء أهل البيتمن أصحاب الأئمّة في كلّ عصر وجيل كان ديدنهم في مقام الاستنباط وأخذ الأحكام على العمل بظواهر الكتاب والسنة.

ودليلنا على أنَّ ديدنهم كان على هذا: هو أحد الضوابط الكليّة التي بيّناها في بحث السيرة، فإنَّ سيرة أصحاب الأئمّة وفقهاء أهل البيت لو لم تكن منعقدة على أخذ الأحكام من ظواهر الكتاب والسنة؛ لكان لا بُدَّ من وجود بديل لذلك، وحيث إنَّ هذه المسألة -وهي الاستنباط- كانت هي شغلهم 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الشاغل، فلو لم يكونوا يسلكون الطريقة المتعارفة بين غيرهم، وهي أخذ المعنى من الظاهر، لسلكوا طريقة أُخرى فيأخذون بالمعنى الخلاف الظاهر دائماً، أو يأخذون بأحد المعاني بالترجيح، أو بالاستخارة، أو القرعة؛ إذ لا بُدَّ من اختيار طريقة أُخرى في مقام أخذ المعنى، وهذه الطريقة الأُخرى لو كانت هي ديدن أصحاب الأئمّة لنقلت لنا؛ لأنَّه شيء مهم في تأريخ الفقه، وفي تأريخ الكتاب والسنة، مع أنَّه لم ينقل لنا ولو بأخبار الآحاد أنَّه وجد فقيه في أيام الأئمّة اتبع طريقة أُخرى، فعدم نقل ذلك دليل على عدم وجوده، وعلى أنَّ استقرار السيرة كانت على هذه الطريقة على تفصيل في توضيح الضابط ودفع الإشكالات عنه يظهر في بحث السيرة.

إذن، فعلى ضوء تلك الضوابط في ذلك البحث نثبت أنَّ سيرة فقهاء أهل البيت كانت مستقرة على استنباط الأحكام من الكتاب والسنة طبق قواعد اللغة. وهذا هو أحسن دليل في المقام على إثبات المطلب.

وقد قلنا أيضاً في بحث السيرة: إنَّ سيرة المتشرعة ليست بحاجة في مقام استكشاف الحكم الشرعي منها إلى مسألة عدم الردع، فإنَّ سيرة المتشرعة يكشف بها الحكم الشرعي من باب أنَّها معلول للحكم الشرعي بمقتضى حساب الاحتمالات على النحو الذي حقّقناه في بحث السيرة، فسيرة المتشرعة بمقتضى ذلك الحساب معلول للحكم الشرعي فتكون كاشفة عن الحكم الشرعي من باب كشف المعلول عن علّته من دون حاجة إلى إثبات عدم الردع بوجه آخر. ومسألة عدم الردع يُستند إليها في السيرة العقلائيّة لا في سيرة المتشرعة.

ــــــــــ[153]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إذن، يستكشف من سيرة متشرعة فقهاء أهل البيت أنَّ هذا المطلب كان من المطالب التي بينها الأئمّة وأمضوها.

وبما ذكرناه الآن ظهر انَّه لا ينبغي أن يتوهّم أنَّ هذه السيرة مردوع عنها، لا بعمومات الآيات الناهية عن العمل بالظنّ، ولا بإطلاق دليل أصالة البراءة مثلاً، ونحو ذلك من أدلّة الأُصول النافية بالالتزام لحجّيّة الظواهر؛ فإنَّ كلّ هذه العمومات والإطلاقات، لا تصلح أن تكون رادعة عن سيرة المتشرعة، بل إنَّ سيرة المتشرعة كاشفة عن الحكم الشرعي، فتكون مخصّصة لا محالة لتمام هذه الإطلاقات وهذه المقيدات لو فرضت دلالتها في نفسها.

وإنَّما يُتوهّم رادعيّة هذه المطلقات وهذه العمومات بالنسبة إلى السيرة العقلائيّة؛ لأنَّها بمفردها لا تكشف عن الحكم الشرعي، وإنَّما تكشف عنه بعد إحراز عدم الردع عنها، وحينئذٍ يقال: من أين لنا إحراز عدم الردع عنها، وهذه الإطلاقات تكون رادعة؟ فإنَّ مثل هذه الشبهة تكون جارية في السيرة العقلائيّة ولا موضع لها في سيرة المتشرعة بالنحو الذي بيّناه. هذا في سيرة المتشرعة.

الاستدلال بالسيرة العقلائيّة

وأمّا السيرة العقلائية -يعني الوجه الثاني من تفسير السيرة- فيمكن أن يقرّب العمل بالظواهر بعدّة وجوه:

الوجه الأوّل: أن يقال: بأنَّ العقلاء جميعاً من مختلف الملل والأشكال والنحل استقرّ ديدنهم وطريقتهم في تعايشهم وفي قضاء حاجاتهم وجلب 

ــــــــــ[154]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

مصالحهم ودفع أضرارهم ومفاسدهم على العمل بالظواهر، فحينما يذهب الإنسان إلى السوق يعمل بظاهر كلام هذا التاجر الذي يسأله ولا يطلب منه نصّاً صريحاً في كلّ مسألة يسأله فيها، أو عندما يذهب إلى الطبيب أيضاً يعمل بظاهر كلامه ولا يتوقف على النصّ؛ مع أنَّه يحتمل خلاف الظاهر، مع هذا يلغيه في مقام ترتيب الآثار، وكذلك في جميع حوائجه الدنيويّة والمعاشيّة يعمل بالظواهر. ومثل هذا البناء العقلائي يكون ممضى من قبل الشارع.

هذا التقريب لعله هو المترأى من كثير من الكلمات، إلَّا أنَّ مثل هذا التقريب سخيف غايته، فإنَّه تقريب غير معقول في نفسه؛ وذلك لأنَّ هذا أجنبي عن باب الحجّيّة، فإنَّ مرجعه إلى أنَّ العقلاء في أغراضهم التكوينيّة، أي: أنَّ كلّ عاقلٍ عاقل في أغراضه التكوينيّة المباشريّة سواء في جلبه للمال إلى نفسه، أو في رفعه للمرض عن نفسه، أو في اطمئنانه إلى حسن بناء بيته، أو إلى صحّة خياطة ثوبه؛ يكتفي بالعمل بالظاهر مثلاً، ولا يعتني باحتمال خلاف الظاهر في المقام. وهذا مرجعه إلى أنَّ الأغراض التكوينيّة للناس هي بهذه المرتبة من المحرّكيّة، وليست محرّكيّتها بمقدار بحيث يفرض وجوب(1) الاحتياط حتّى في قبال الظهور، لا بل بمقدار لا يفرض وجوب الاحتياط مع فرض قيام أمارة كالظهور على المطلب. هذا مرجعه إلى تحديد في دائرة الأغراض التكوينية لكلّ 

ــــــــــ[155]ــــــــــ

() أي لا يوجب الاحتياط إيجاباً تكوينياً، فلا يحرك عضلات المريد نحو الاحتياط وتحصيل المقصود تحصيلاً جزميّاً، بل يكتفي المريد التكويني في تحصيل أغراضه بهذا المقدار. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إنسان، والقصور في الإرادة ومحركيتها في المريد التكويني ومثل هذه الأمور أجنبية عن باب الحجّيّة وعن باب علاقات المولى مع عبده.

 فسواء اعترفنا بمثل هذا البناء من العقلاء أو أنكرنا هذا البناء منهم، وقلنا مثلاً: بأنَّ العقلاء إنَّما يعملون بالظواهر من باب الغفلة عن الخلاف غالباً أو من باب آخر. فعلى أيّ حالٍ مثل هذا إثباتاً ونفياً أجنبي عن محلّ الكلام، فإنَّ مثل هذه السيرة مرجعها إلى تحديد في الأغراض التكوينيّة للناس، وهذا أيّ ربط له بجعل الحجّيّة التعبّديّة التشريعيّة!! 

ولا معنى لأن يقال: بأنَّ الشارع أمضى هذه السيرة، فإنَّ هذه السيرة سيرة ناشئة من ضيق في الأغراض التكوينيّة للإنسان، فلا معنى لأن يمضيها الشارع أو لا يمضيها.

فهذا التقريب في المقام غير صحيح.

الوجه الثاني: أنَّ كلّ عاقل من العقلاء لو سألته عن عبد طبق ظواهر كلام المولى وعمل بها ودار مدارها إثباتاً ونفياً، لقال لك: إنَّ هذا نعم العبد لا مؤاخذة عليه فيما عمل وفيما ترك، ولو سألته عن عبد يخالف ظواهر كلام المولى ولا يطبق عمله عليها بلا قرينة لقال: إنَّه مقصر في المقام. 

فهذا معناه بناء من العقلاء بأجمعهم على حجّيّة الظواهر؛ إذ لو لا بناء كلّ واحدٍ واحد من العقلاء على الحجّيّة، لما أجاب بهذا الجواب، فإنَّ هذا الجواب المفروض من كلّ عاقل مبني على الحجّيّة التعبّديّة المصحّحة للثواب والعقاب. فحينئذٍ تكون الحجّيّة مورد للبناء العقلائي.

ــــــــــ[156]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهذا البيان يختلف طبعاً عن البيان الأوّل، فإنَّ البيان الأوّل كان المدّعى فيه أنَّ كلّ عاقل في عمل نفسه يعمل بالظواهر، وهنا نفترض أنَّ كلّ عاقل مسؤول ونستفتيه في أنَّ العبد الفلاني الذي يعمل بالظواهر؟ فإنّه يُفتي بأنَّ هذا العبد مشى على جادة الصواب، وهو عبد صحيح مخلص لمولاه. وهذا الإفتاء معناه إفتاء بالحجّيّة. إذن، فكلّ العقلاء يفتون بالحجّيّة. وهذا معنى استقرار العقلاء على الحجّيّة.

وهذا الكلام لا معنى له أيضاً؛ وذلك لأنَّ كلّ عاقلٍ حين يُفتي بالحجّيّة، هل يعلم في المرتبة السابقة على إفتائه بالحجّيّة بأنَّ مولى ذلك العبد الذي سألناه عنه قد جعل الحجّيّة للظواهر أو لا يعلم.

فإن فُرض أنَّ هذا المسؤول لا يعلم بأنَّ مولى ذلك العبد قد جعل الحجّيّة للظواهر، ومع هذا يقول بأنَّ العبد قد عمل عملاً صحيحاً في محلّه، فهذا معناه ثبوت الحجّيّة الذاتيّة للظواهر لا ثبوت الحجّيّة التعبّديّة، فإنَّ هذا لو تمّ لدلّ على أنَّ كلّ عاقلٍ بفطرته السليمة يُدرك أنَّ الظواهر حجّة ذاتاً بلا جعل من قبل المولى، فمع أنَّه لم يثبت أنَّ مولاه جعل الظواهر حجّة، يقول: بأنَّ عمله لا بأس به، وهذا معناه أنَّ كلّ إنسان يشهد بالحجّيّة الذاتيّة للظواهر. وهذا أجنبي عمّا هو محلّ الكلام، فإنّنا نريد أن نثبت انعقاد السيرة العقلائيّة على السيرة التعبّديّة لا الحجّيّة الذاتيّة.

وإن فُرض في المقام هكذا يقول: إنّي أعلم أنَّ مولى أيّ عبد نفرضه في العقلاء، فهو قد جعل الحجّيّة للظواهر. إذن، فهذا يرجع إلى وجه آخر ثالث في 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

تقريب السيرة، يعني: أن نستكشف السيرة قبل سؤال هذا الشخص، وفي المرتبة السابقة عنه، وذلك بأن نقول: إنَّ كلّ عاقل لو تقمّص قميص المولوية وصيّر نفسه مولى بالنسبة إلى عبد فهو يجعل الحجّيّة للظواهر بالنسبة إليه. وذاك المسؤول إنَّما أجابنا بذلك الجواب؛ لأنَّه يعرف هذه القاعدة العامّة أيضاً.

فهنا أيضاً يقال هكذا: السيرة العقلائيّة انعقدت على أنَّ كلّ عاقل لو تقمّص قميص المولويّة لجعل حجّيّة الظواهر على عبده. والشارع أمضى هذه السيرة.

وبعبارة أُخرى: هذا المحتمل يحتاج إلى تمحيص وتحقيق؛ وذلك لأنَّ هذا العاقل الذي نسأله هذه المسألة ويجيبنا بأنَّ العبد الذي يطبّق عمله على كلام مولاه لا جناح عليه، ومستقيم في طريقة عبوديته، فهذا الجواب الذي يصدر من قبل هذا العاقل هل يصدر منه بقطع النظر عن جعل الحجّيّة من قبل أيّ جاعل كان، بحيث يقول في الجواب: -بقطع النظر عن جعل الحجّيّة للظواهر من قبل أيّ جاعل- إنَّ هذا العبد مشى على طريقة العبوديّة، وكون العبد مشى على طريقة العبوديّة ليس موقوفاً على الحجّيّة للظواهر؟ 

إن كان هذا هو الجواب فهو أجنبي على الحجّيّة التشريعيّة؛ لأنَّ مرجعه إلى اعتقاد المجيب بكونه حجّة ذاتاً، لأنَّه يقول: بأنَّ العبد الذي يمشي على طبق ظواهر مولاه عبد مخلص قائم بحقّ العبوديّة، حتّى لو لم يجعل له الظاهر حجّة من قبل أيّ جاعل كان، وهذا معناه الحجّيّة الذاتيّة، وهو أجنبي عمّا هو المقصود، فإنَّ المقصود تصوير انعقاد السيرة العقلائيّة على الحجّيّة التشريعيّة للظواهر، وهذا غير ذلك.

ــــــــــ[158]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وإن فُرض بأنَّ هذا المجيب الذي نسأله عن حال هذا العبد يقول: بأنَّه عمل عملاً صحيحاً، وتمسّك بالظواهر تمسّكاً مقبولاً، وأنَّ مقصود المجيب من هذا هو جعل الحجّيّة لهذا العبد، فمقصوده من هذا البيان أنَّ الظواهر حجّة في نظر المجيب، وهكذا كلّ واحد من العقلاء نسأله حينما يقول: بأنَّ العبد الذي عمل بظواهر مولاه قد أحسن صنعاً، ومقصوده من كونه قد أحسن صنعاً قد أحسن صنعاً في نظري؛ لأنّي قد جعلت الحجّيّة للظواهر، فهذا إنشاء من قبل المجيب لا إخبار. 

وعلى الاحتمال الأوّل كان إخباراً عن الحجّيّة الذاتيّة التي أدركها عقله، وأمّا هنا فيكون هذا إنشاء من قبل المجيب، ويكون مقصوده من كونه أحسن صنعاً الإخبار عن إنشاء الحجّيّة للظواهر، وكذا جميع العقلاء، فينتج من هذا أنَّ جميع العقلاء قد جعلوا الحجّيّة للظواهر.

وهذا المطلب غير معقول؛ وذلك لأنَّ غير المولى لا معنى لأن يجعل حجّيّة كلام المولى على العبد، فإنَّ جعل الحجّيّة لأمارة بالنسبة إلى العبد من وظيفة المولى دون غيره، وهذا العاقل الذي نسأله عن العبد الذي عمل بوظيفة مولاه وظواهر كلامه لا معنى لأن يُعمل نظره هو وإنشاءه في مقام تشخيص المطلب، ويقول: إنَّه قد أحسن صنعاً؛ لأنّي جعلت الحجّيّة للظواهر؛ لأنَّ جعل الحجّيّة لها لا بُدَّ أن يكون من قبل المولى، حتّى يرتفع بذلك موضوع الـ(لا بيان) ويتبدّل إلى البيان. 

وأمّا جعل الحجّيّة من قبل غير المولى فقد يكون منجّزاً، فإنَّ منجّزيّة جعل 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الحجّيّة من شؤون المولويّة، فلا يكون هذا الأثر إلَّا فيما إذا صدر جعل الحجّيّة من قبل المولى.

فلا معنى لأن نقول: إنَّ معنى انعقاد السيرة العقلائيّة على الحجّيّة أنَّ كلّ عاقلٍ عاقل يجعل الحجّيّة لظواهر كلام تمام الموالي بالنسبة إلى تمام عبيدهم، فهذا جعل فضولي لا أثر له أصلاً؛ لأنَّ الجعل لا يؤثّر بالنسبة إلى عبد إلَّا إذا صدر من قبل مولاه، لأنَّ منجّزيّة الجعل من شؤون مولويّة الجاعل، فإذا لم يكن الجاعل مولى لا يكون جعله منجّزاً لا محالة. فهذا المعنى أيضاً غير معقول.

الوجه الثالث: أنّنا حين نسأله عن عبد غيره هل أحسن صنعاً أو لم يحسن صنعاً، فيقول: لقد أحسن صنعاً. ومرجع هذا الجواب إلى كلّ عاقل في المجتمع العقلائي حينما يتقمّص قميص المولويّة، فهو يجعل الحجّيّة للظواهر، فجواب هذا المجيب بأنَّه أحسن صنعاً مبني على اعتقاد المجيب بأنَّ مولى ذاك العبد -أيّ شخص كان مادام عاقلاً وقد تقمّص قميص المولويّة- لا بُدَّ وأن يكون قد جعل الحجّيّة للظواهر؛ لأنَّ هذا هو طبع العقلاء، فإنَّ طبع العقلاء هو أنَّ كلّ عاقل إذا تقمّص قميص المولويّة فإنّه يجعل الحجّيّة للظواهر بالنسبة إلى عبده الخاص به.

وهذا هو المعنى المعقول لانعقاد السيرة العقلائيّة على الحجّيّة التشريعيّة التعبّديّة للظواهر، فبهذا يجب أن نفهم الجملة الأولى بعد التحليل والتمحيص وإبطال الاحتمالات السابقة. 

فإذا فهمنا هذا المعنى فحينئذٍ نجيء إلى جملتهم الثانية، وهي: أنَّ الشارع أمضى هذه السيرة العقلائيّة، بمعنى: أنَّ الشارع أيضاً هكذا عندما تقمّص 

ــــــــــ[160]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

قميص المولويّة وأرسل النبيّ إلى الناس أمضى هذه السيرة أيضاً، وجعل الحجّيّة للظواهر بالنسبة إلى المكلّفين. 

إذن، عطف هذه الجملة الثانية على الجملة الأولى، وكون الشارع أمضى هذا المطلب، فتوجيهه يكون -كما أشرنا إليه في بحث السيرة- بأحد بيانين:

البيان الأوّل لإثبات إمضاء السيرة العقلائيّة

أن يكون إمضاء الشارع لذلك باعتبار أنَّ الشارع أحد العقلاء، أو مثلاً سيّد العقلاء، كما أنَّ أيّ واحدٍ من العقلاء بطبيعتهم يتقمّص قميص المولويّة فيجعل الحجّيّة للظواهر، فكذلك الشارع أيضاً باعتباره أحد العقلاء، فحينما يتقمّص هذا القميص يجعل الحجّيّة للظواهر، يعني: من باب قياس المساواة أو قياس الأولويّة مثلاً، باعتبار أنَّ الشارع يساوي سائر العقلاء، أو أكثر عقلائيّة منهم. إذن، فبالسيرة العقلائيّة يثبت أنَّ ما هو عمل العقلاء عمل الشارع أيضاً.

وهذا البيان -كما قلنا في بحث السيرة- سخيف لا يرجع إلى محصّل من ناحية الكبرى، أي: لا يمكن أن يكون هو دليلاً على استكشاف الإمضاء الشرعي من باب أنَّ الشارع أحد العقلاء على النحو الذي سبق تفصيلاً في محلّه، إلَّا أنَّ هذا إشكال كبروي مربوط ببحث السيرة.

والآن نريد أن نُضيف إلى ذلك الإشكال الكبروي إشكالاً صغروياً، بمعنى: أنَّه لو سلّم أنَّ هذه الطريقة صحيحة في مقام الاستدلال، وأنَّ الشارع أحد العقلاء، وسلّم تمامية قياس المساواة هنا أو قياس الأولويّة، فمع هذا لا موجب في المقام لمثل هذا القياس.

ــــــــــ[161]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

والنكتة في ذلك: هو أنَّ الظواهر العقلائيّة -التي انعقدت السيرة العقلائيّة على جعل الحجّيّة لها- لا تشبه الظواهر الشرعيّة، حيث إنَّ الشارع اختصّ في باب الظواهر بطريقة خاصّة، وهي طريقة تأخير القرائن، والاعتماد على القرائن المنفصلة كثيراً في مقام تفهيم مراداته، فإنّه كثيراً ما يبيّن الشارع إطلاقاً أو عموماً أو ظهوراً، ثُمَّ لا يبيّن قرينته المخصّصة والمقيّدة والمؤولة إلَّا بعد سنين أو أجيال، فهذه الطريقة هي التي استقرّ عليها بناء الأئمّة، باعتبار ظروفهم وخصوصيّات سيرهم، فهي لا تشبه طريقة العقلاء في مقام إلقاء الظواهر من قبل المولى وتلقّيها من قبل العبيد.

فنحن لا نعرف مصداقاً آخر لمثل هذا المولى، لأجل أن نعرف أنَّ العقلاء لو تقمّصوا قميص المولويّة هل يجعلون الحجّيّة لمثل هذا الظهور الذي يكون مبنى المولى فيه على التقطيع والتأخير والتأجيل أو لا؟ 

والقياس على فرض تماميّته إنَّما يتمّ بالمقدار الموجود عند العقلاء، وهذا المقدار الموجود عندهم إنَّما هو الظواهر التي لا يكون مبنى المتكلّم فيها على التدرّج في مقام البيان. 

وأمّا الظواهر التي يكون مبنى المتكلّم فيها على التدرّج، بمعنى: كون التدرّج قاعدة، لا أنَّ التدرّج يكون استثناء، فمثل هذا المولى ليس موجوداً في المجتمع العقلائي، فهل يجعل الحجّيّة لظواهر كلامه لنقيس به الشارع؟

فهنا فرق بين الظواهر المتعارفة لدى الشارع وبين الظواهر الأُخرى التي استقرّ بناء العقلاء على جعل الحجّيّة لها، ومع هذا الفرق لا يتمّ القياس، ولو 

ــــــــــ[162]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فرض تماميّته كبرويّاً، وصحّته بنحو الميزان الكلّيّ على ما مرّ إثباتاً ونفياً في مبحث السيرة.

البيان الثاني لإثبات إمضاء السيرة العقلائية

أنَّ هذه السيرة العقلائيّة تشكّل في العقلاء قريحة أو عادة أو ملكة؛ وهذه الملكة تقتضي الجري على طبق الظواهر الصادرة من أيّ مولى حتّى من الشارع، بحيث إنَّ مثل هذا الاعتبار من قبل العقلاء يشكّل خطراً على أغراض الشارع، فيما لو فرض أنّه لم يكن راضياً بمثل هذا السلوك، ولم يكن راضياً بالعمل على طبق ظواهر كلامه.

وذلك: أنَّ تربية العاقل على أساس البناء العقلائي هو أن يعمل بالظواهر الصادرة منه؛ ولو أراد أن يقف منطقيّاً عند حدود البناء العقلائي لما عمل بظهور كلام الشارع؛ لأنَّ البناء العقلائي إنَّما هو في العقلاء الذين يتقمّصون هذا القميص، إلَّا أنَّ هذا البناء العقلائي يوجد عنده العادة والملكة للجري على طبقه حتّى بالنسبة إلى الشارع، فهذه التوسعة اللامنطقيّة التي هي نتيجة العادة والملكة تشكّل خطراً على أغراض الشارع.

وحينئذٍ فالشارع إذا لم يكن موافقاً على ذلك وكان غرضه على خلافه لكان عليه أن يردع، وحيث لم يردع يستكشف من ذلك كونه موافقاً له. هذا هو البيان الذي اخترناه في بحث السيرة لكيفيّة الاستدلال بالسيرة العقلائيّة، لا البيان السابق.

 وحينئذٍ لا يبقى في المقام إلّا البحث عن أنَّ الشارع ردع أو لم يردع، ولو 

ــــــــــ[163]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فُرض أنَّ الشارع لم يردع، فمثل هذا البيان يُبرهن على الإمضاء؛ لأنَّ هذه السيرة أصبحت تشكّل خطراً على الأغراض الشرعيّة فيما لو كانت مخالفة للغرض الشرعي، فعدم الردع عنها مع أنَّها تشكّل خطراً لو لم تكن مرضيّة يستكشف منه أنَّها مرضيّة وأنَّها ممضاة، فينحصر الكلام حينئذٍ في أنَّ الردع من قبل الشارع حصل أو لم يحصل. 

فيما يُتوهم كونه رادعاً عن السيرة العقلائيّة

وما يُتصوّر كونه رادعاً في المقام هو أحد أمرين: 

الأمر الأوّل: العمومات والمطلقات الناهية عن العمل بالظنّ، من قبيل قوله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ(1)

الأمر الثاني: دليل أصالة البراءة على النحو الذي بيّناه؛ لأنّه بإطلاقه يدلّ على أنَّ كلّ ما لم يعلم فهو مرفوع، حتّى لو كان الظهور في قباله مثبتاً للحكم التكليفي.

أمّا الأوّل -وهو الآيات الناهية عن العمل بالظنّ في المقام- فهي بنفسها أيضاً ذكرت كدليل للردع في بحث السيرة العقلائيّة التي يُدّعى قيامها على حجّيّة خبر الواحد، فإنَّه سيأتي -إن شاء الله- في بحث خبر الواحد استدلّ بالسيرة العقلائيّة عليه. 

وقيل في مقام الجواب عنها: إنَّ الآيات الناهية عن العمل بالظنّ بإطلاقها تشكّل خبر الواحد لأنّه ظنّي، فيكون إطلاق هذه الآيات رادعاً في المقام؛ ولهذا 

ــــــــــ[164]ــــــــــ

(1) الإسراء: 36.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

سوف نؤجّل تفصيل البحث في الجهات المشتركة بين الظواهر وبين خبر الواحد إلى مبحث خبر الواحد، وهناك نبحث عن هذه الرادعيّة بشكل أكثر تفصيلاً. وهنا نقتصر فقط على بيان نكتتين:

النكتة الأولى: أنَّ رادعيّة هذه الآيات عن الظواهر إنَّما هو بالظهور أيضاً؛ لأنّه بالإطلاق أو العموم، وحينئذٍ فتستحيل هذه الرادعيّة، وهذا بخلاف خبر الواحد، فإنَّ رادعيّة إطلاق هذه الآيات عنه لا يلزم منه إفناؤها لنفسها؛ لأنّها هي ليست خبراً واحداً، وإنَّما هي آية قطعيّة السند، لكنّ رادعيتها عن الظواهر يوجب إفنائها لنفسها؛ لأنَّها هي نفسها أيضاً تكون بالظهور. 

وهذا الكلام وإن كان له صورة، إلّا أنّه يمكن الجواب عنه، وذلك: لأنَّ ما يكون مستلزماً للمحذور إنَّما هو شمول الردع لشخص هذا الظهور، وأمّا شموله لبقيّة الظواهر، فهو في نفسه لا مانع منه، وإنَّما يلزم إعدامها لنفسها إذا شمل شخص هذا الظهور؛ فبهذا البرهان العقلي نعرف خروج شخص هذا الظهور عن عموم الظنّ؛ لأنَّ دخوله فيه أمر غير معقول، وأمّا دخول بقيّة الظواهر في عموم الظنّ فهذا أمر معقول في نفسه، ولا يلزم من ذلك إفناءه لنفسه.

نعم قد يقال: بأنّنا نجزم بعدم الفرق ما بين هذا الظهور وبقيّة الظواهر، فإنّه لو فرض أنَّ بقيّة الظواهر ليست، حجّة فهذا أيضاً ليس حجّة، فيكون القطع بالتلازم في الحجّيّة بين شخص هذا الظهور وبين بقيّة الظواهر سبّباً في استحالة شمول هذا العموم لبقيّة الظواهر أيضاً؛ لأنَّ شموله لها ملازم لفرض 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

عدم حجّيّة شخص هذا الظهور. هذا هو الكلام في النكتة التي يتميّز بها الظواهر عن خبر الواحد في المقام.

النكتة الأُخرى: أنَّ مثل هذا الإطلاق أو العموم لا يصلح للرادعيّة؛ لأنّنا بيّنا أنَّ الرادعيّة إنَّما هي باعتبار التحفّظ على غرض المولى، من حيث إنَّ السيرة العقلائيّة تشكّل خطراً على غرضه، وحينئذٍ لا بُدَّ وأن يكون الردع منسجماً مع مقدار هذا الخطر المتوجّه من السيرة العقلائيّة، فبمقدار ما تكون الملكة أو العادة العقلائيّة قوية ومستحكمة لا بُدَّ وأن يكون الردع أوضح وأصرح، لأجل أن يكون حاجزاً في قبال العمل. 

ومن المعلوم أنَّ هذا القطع العقلائي العامّ الارتكازي الجبلي في الناس الذي يقتضي العمل بالظواهر لا يمكن أن يوقف في قباله بمقتضى إطلاق دليل أو عمومه، فمثل هذا الإطلاق أو العموم لا يحقّق النكتة التي تفرض ضرورة الردع في المقام، فوجود هذا الإطلاق كعدمه.

ويقال حينئذٍ: بأنَّ مثل هذه السيرة لو كانت غير مرضيّة للشارع لكان عليه أن يردع بمرتبة من الردع، بحيث يمكن أن تقف حاجزاً في قبال استحكام هذه العادة وتركّزها وعمومها وشمولها في الطباع العقلائيّة. 

وأمّا مجرّد إطلاق أو عموم أو نحو ذلك فلا يكون رادعاً. وبهذا يتبيّن حينئذٍ عدم الردع ويثبت الإمضاء.

ومن تمام ما ذكرناه تبيّن: أنَّ سيرة المتشرّعة مع سيرة العقلاء يختلفان في ملاك الحجّيّة، من حيث إنَّ سيرة المتشرّعة لا تحتاج في إثبات حجّيّتها إلى إثبات 

ــــــــــ[166]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

عدم الردع؛ لأنَّها معلولة للحكم الشرعي، بخلاف السيرة العقلائيّة فهي تحتاج في إثبات حجّيّتها إلى إثبات عدم الردع واستكشاف الإمضاء عن هذا الطريق. 

فهذا هو الفرق الأوّل في الاستدلال بسيرة المتشرّعة عن الاستدلال بالسيرة العقلائيّة، وهو فرق علمي.

وتلخيص ما مرّ (1): أنَّ حجّيّة الظواهر التشريعيّة تارةً نستدلّ عليها بسيرة المتشرعة، وأُخرى نستدلّ عليها بالسيرة العقلائيّة، وبيّنا تقريبين: 

التقريب الأوّل: الاستدلال بسيرة المتشرعة. 

التقريب الثاني: الاستدلال بالسيرة العقلائيّة. 

وفي تقريب الاستدلال بالسيرة العقلائيّة بحثنا في معنى انعقاد السيرة العقلائيّة على حجّيّة الظواهر، فذكرنا أربعة معان لذلك، فأبطلنا ثلاثة واخترنا الرابع(2)

ثُمَّ قلنا: بعد فرض انعقاد السيرة العقلائيّة بهذا المعنى على حجّيّة الظهور، فهل الشارع أمضاها أو لا؟

تارةً يقال: بأنَّ الشارع أمضاها من باب القياس، ومن باب أنَّه أحد العقلاء أو أحسنهم. 

وقلنا: بأنَّ هذا القياس كبروياً غير صحيح كما ذكرنا في بحث السيرة، 

ــــــــــ[167]ــــــــــ

() أعاد سيّدنا الأُستاذ ما كان قاله فيما سبق بعرض جديد، وإضافات جديدة؛ لذا اقتضى إثباته كلّه. (المُقرِّر).

(2) وهنا لخّص الوجوه كما سبق. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وصغروياً أيضا غير صحيح؛ لأنَّه لو تمّ إنَّما يتمّ في نفس موضوع السيرة العقلائيّة، ومن المعلوم أنَّ ظواهر الشارع تختلف عن ظواهر العقلاء؛ لانَّ مبنى الشارع على تقطيع البيان والتدرج به، فيكون القياس في المقام باطلاً. إذن، فكيف نعرف أنَّ الشارع أمضى هذه السيرة العقلائيّة، لا من باب أنَّه أحدهم، فلا بُدَّ أن يكون قد أمضى، بل من باب أنَّ هذه السيرة العقلائيّة أوجدت جبلة أو عادة أو ملكة ناشئة من كثرة تكرار الفعل، فإنَّ العادة تتكوّن من كثرة تكرار الفعل، وهذه العادة توجب بطبعها غفلة الإنسان، وجريانه على طبقها حتّى في الموارد الشرعيّة، فمثل هذه العادة تكوّن مبدأ مقتضياً في القرائح العقلائيّة للجري على طبقها حتّى في الأمور الشرعيّة.

فإنَّه وإن كان العاقل لو دقّق ورجع إلى الموازين، يقال: إنَّه من قال بأنَّ الشارع أيضاً اتبع طريقة العقلاء؛ لعله تقمّص قميص المولويّة ولم يفعل ما فعله غيره ممّن تقمّص قميص المولويّة؟ 

وهذا البيان عقلي منطقي، ولكن ليس كلّ بيان منطقي فهو مؤثر في سلوك العقلاء خارجاً؛ فإنَّهم قد تكون من ناحية تلك السيرة عندهم عادة على الجري على طبق الظهور.

وحينئذٍ فمثل هذه العادة لو فرض أنَّها كانت غير مرضيّة للشارع، لشكّلت خطراً على غرض الشارع، وكان لا بُدَّ عليه أن يردع، فحيث لم يردع، يستكشف من ذلك أنَّه قد أمضاها ووافق عليها، فمن عدم الردع يستكشف الإمضاء بهذا الملاك وبهذا التقريب.

ــــــــــ[168]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ومن أهمّ فوائد هذا التقريب -الذي ذكرناه مفصّلا في بحث السيرة وطبقناه هنا- هو أنَّنا في مقام إثبات الحجّيّة بالسيرة العقلائيّة لا نحتاج إلى إثبات السيرة العقلائيّة على الحجّيّة، بل يكفينا مثلا السيرة العقلائيّة على العمل بالظهور بالنحو الأوّل الذي قلنا: أنَّه أجنبي عن محلّ الكلام وليس سيرة على الحجّيّة.

والمعنى الأوّل هو أنَّ العقلاء انعقدت سيرتهم على العمل بالظواهر في مصالحهم وأغراضهم التكوينيّة، وقلنا: بأنَّ هذه سيرة في باب التكوينات وليست سيرة على الحجّيّة التشريعيّة.

نعم، ليست على الحجية التشريعية، إلَّا أنَّها هي بنفسها تكفي لاستنباط الحكم الشرعي؛ لأنّنا ليس همّنا إثبات الحجّيّة عند العقلاء، وإنَّما همّنا إثبات الحجّيّة عند الشارع، وهذا يثبت بلا حاجة إلى السيرة العقلائية من هذا النوع الأخير الذي بيّناه، بل يكفي السيرة العقلائية من النوع الأوّل.

ونكتة الكفاية في ذلك هو أنَّ مثل هذه السيرة أيضاً تكوّن العادة والملكة كالمعنى الرابع فيما إذا كان الإنسان معتاداً في أغراضه التكوينيّة ومصالحه ومفاسده على أن يعمل بالظهور، فيتكوّن عنده ملكة وعادة للجري على طبق الظهور، حتّى في علاقاته مع مولاه. 

وإذا تكوّنت عنده هذه العادة فحينئذٍ تشكّل هذه العادة خطراً على أغراض الشارع، فالشارع إن لم يكن موافقاً عليها فلا بُدَّ له من الردع عنها، وحيث لم يردع عنها، فيُستكشف من ذلك أنَّه موافق عليها.

ــــــــــ[169]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وبهذا يتبيّن إنّنا لا نحتاج في مقام الاستدلال على حجّيّة الظواهر مثلا، أو على حجّيّة خبر الواحد فيما يأتي إن شاء الله، أو على حجّيّة قول المفتي وأهل الخبرة مثلا إلى إثبات انعقاد السيرة العقلائيّة على الحجّيّة بالمعنى التعبّدي التشريعي، الذي هو المعنى الرابع الذي قلناه، فإنَّ ما هو الملاك في استنباط الحكم الشرعي من السيرة لا يتوقف على ذلك، بل إن هذا المناط والملاك يتمّ حتّى لو اقتصرنا على السيرة بالمعنى الأوّل، فإنَّها أيضا تكوّن العادة والملكة على الجري، وهذه الملكة تقتضي تفويت غرض المولى لو كانت منافية مع مقصوده، فلو لم يكن موافقاً على العمل بالظهور في أحكامه الشرعيّة، أو العمل على طبق خبر الواحد في أحكامه الشرعيّة، أو العمل على طبق قول المجتهد العادل فيها لكان عليه أن ينهى عنها.

وهذا المطلب له أهميّة علميّة كبيرة؛ لأنَّه يُغنينا ويسد باب التدقيقات في أنَّ السيرة العقلائيّة انعقدت على الحجّيّة أو لم تنعقد عليها؟ فمثلا قد يقال: بأنَّ السيرة العقلائيّة لا يُعلم أنّها انعقدت على الحجّيّة في خبر الثقة أو في قول المفتي؟ فإنَّه لعلّ الرجوع إلى أهل الخبرة أو إلى خبر الواحد كان من باب الاحتياط، أو كان من باب الغفلة والذهول من قبل العقلاء، أو كان من باب أهم الغرضين على أضعفهما، أو كان من باب حصول الظنّ الاطمئناني الذي هو خارج عن محلّ الكلام، فيقال: إنَّ العمل بقول المفتي أو خبر الواحد يرجع إلى أحد هذه الأمور؛ ولا يرجع إلى أنَّ العقلاء يجعلون الحجّيّة التعبّدية التشريعيّة لقول الخبير أو لأخبار الآحاد.

ــــــــــ[170]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

مثل هذا الكلام الذي قد يُدّعى لأجل نفي الاستدلال بالسيرة العقلائيّة فيبقى بلا موضوع، بعد هذه النكتة التي بيّناها؛ لأنّنا لا نريد في المقام أن نُثبت انعقاد السيرة العقلائيّة على الحجّيّة، فإنَّ الحجّيّة عندهم لا موضوعيّة في نظرنا، بل مقصودنا إثبات الحجّيّة عند الشارع، وإثباتها عنده يكفي فيها تمامية مناط الاستدلال، وهو كما يتمّ بالسيرة بالمعنى الرابع كذلك يتمّ بالسيرة بالمعنى الأوّل.

فيكفينا أن نقول: إنَّ السيرة العقلائيّة انعقدت على العمل بالظهور وبخبر الثقة وبقول أهل الخبرة في أغراضهم الشخصيّة، فإنَّ هذا ممّا لا ينبغي أن يستشكل فيه أحد أصلاً، غاية الأمر أن هذا العمل بعضه يرجع إلى باب الاحتياط، وبعضه يرجع إلى باب التزاحم، وبعضه يرجع إلى باب الغفلة والذهول، ولا يرجع إلى باب الحجّيّة. 

فلو فرضناه كذلك، إلَّا أنَّه على أيّ حال هذه الحقيقة ثابتة في سلوك العقلاء بحسب الخارج، وهذا ممّا لا إشكال فيه، فإنَّ من يُنكر انعقاد السيرة العقلائيّة على الحجّيّة التشريعية، لا يُنكر انعقادها على العمل بهذه الأمور في الأغراض التكوينيّة، الذي هو أجنبي عن باب الحجّيّة، وهذا يكفينا في المقام، فإنَّ انعقاد مثل هذه السيرة العقلائيّة تُشكّل حينئذٍ ملكة وعادة تقتضي الجري على طبقها، أي: تقتضي الجري اقتضاء خارجياً، لا اقتضاء منطقياً بحسب قواعد أرسطو، بل بحسب الطبع العقلائي الخارجي تقتضي الجري على طبقها حتّى في الأحكام الشرعيّة. ومثل هذا يشكّل خطراً على الشارع. 

فهو إمّا أن يكون قد وافق على هذا فهو المقصود، وإمّا أن لا يكون قد وافق، فلا بُدَّ له من الردع، فإذا لم يردع، ولم يبيّن أنّه في أحكامه الشرعيّة لا يجوز ــــــــــ[171]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

العمل بخبر الثقة ولا يقول المفتي ولا بظهور الكتاب والسنة، فيُستكشف منه أنَّه قد وافق عليه وجعل الحجّيّة له تعبّداً وتشريعاً.

بهذا يتبيّن أنَّ الاستدلال بالسيرة العقلائيّة على إثبات الحجّيّة للظواهر، ولقول المفتي ولخبر الثقة، كلّ ذلك لا يتوقف على أن نُتعب أنفسنا في إثبات أنَّ السيرة العقلائيّة انعقدت على الحجّيّة التعبّدية التشريعيّة أو لم تنعقد عليها.

وأيضاً بما ذكرناه ظهر أنَّ التدقيق في مقام إبداء الفوارق بين ما هو محلّ الكلام في باب الشرع، وبين ما هو معقد السيرة العقلائيّة لا دخل له في مقام الاستنباط، فيقال مثلاً بأنَّ الخبرة الاجتهاديّة تختلف عن الخبرة في باب الطب، فإنَّ الخبرة في باب الطب ترجع بالنهاية إلى التجربة العلميّة، فترجع إلى الحسّ أو ما يقرب من الحسّ، والخبرة الاجتهادية ترجع إلى أمور حدسّيّة خالصة بعيدة عن الحسّ، فإنَّه لا موضوع لمثل هذا التدقيق؛ إذ ليس مناط الاستدلال هو القياس، بأن نقيس الشارع على العقلاء، حتّى نقول: بأنَّ مورد عمل العقلاء غير عمل الشارع، بل بابه باب تكوّن العادة التي تشكّل خطراً على الشارع، ومن المعلوم أنَّ مثل هذه العادة تتكون.

 ومجرّد وجود الفوارق الدقيقة التي يغفل عنها عامّة الناس، لا تمنع عن اقتضاء الطبع العقلائي للجري على طبق هذه السيرة حتّى في الموارد الشرعيّة.

إذن، فتماميّة ملاك الاستدلال بالسيرة العقلائيّة في المقام ممّا لا ينبغي الشكّ فيه لا في باب الظواهر ولا فيما يأتي -إن شاء الله- من حجّيّة خبر الثقة ومن حجّيّة قول المفتي بالنسبة إلى العامي مثلاً، فإنَّه قد أنقدح الحال فيها ممّا سبق. وهذا ممّا لا ينبغي الإشكال فيه.

ــــــــــ[172]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

نعم، هذا يتوقف على أن لا يكون قد صدر ردع من قبل الشارع، وأمّا إذا كان قد صدر منه ردع عن ذلك، فحينئذٍ لا إشكال في عدم إمكان الاستدلال.

وقلنا أيضاً: إنَّ ما يتوهّم كونه رادعاً عن السيرة العقلائيّة عن العمل بالظهور هو أمران:

الأمر الأوّل: إطلاق دليل البراءة (رفع ما لا يعلمون).

والأمر الثاني: إطلاقات الآيات الناهية عن العمل بالظنّ.

أمّا إطلاق دليل البراءة فتقريب مانعيته أن يقال: بأنَّ مقتضى إطلاق (رفع ما لا يعلمون) إن كان ما لا يعلم فهو مرفوع عن المكلف وغير موضوع عليه، سواء دلّ عليه الظهور الظنّي أو لا، فهو بإطلاقه ينفي حجّيّة الظهور.

إلَّا أنَّ مثل هذا الكلام لا يتمّ بعد ما استظهرنا من (رفع ما لا يعلمون) التوسعة في دائرة المعلوم، وقلنا: إنَّ ما لا يعلم معناه ما لا يعلم صدوره من قبل الشارع في خطاب. فالمأخوذ في موضوع الرفع هو عدم العلم بالخطاب الشرعي الدالّ على معنى. وحينئذٍ بمجرّد صدور الخطاب من قبل الشارع الدالّ على معنى يرتفع الموضوع؛ لأنّنا نعلم وجداناً بمثل هذا الخطاب.

وهذا يكون بابه باب التخصّص لا باب الحكومة، فإنَّه ليس المقصود من هذا البيان ما يقال في الأُصول عادة: من أنَّ دليل حجّيّة الظهور حاكم على (رفع ما لا يعلمون) لأنَّه يجعل الظهور علماً بناءً على جعل الطريقيّة، فإنَّ هذا انتهى في الأبحاث السابقة. 

وإنَّما المقصود في المقام هو بيان أن موضوع (رفع ما لا يعلمون) هو عدم 

ــــــــــ[173]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

العلم الوجداني، لكن بماذا؟ عدم العلم الوجداني بصدور الخطاب من الشارع الدالّ على معنى، وبمجرّد صدور الخطاب من قبل الشارع له ظهور يكون لنا علم وجداني به، فهذا خروجه من باب العلم الوجداني، لا من باب العلم التعبّدي ليكون من باب الحكومة ومن باب جعل الطريقيّة، فمن هذه الناحية لا ينبغي الإشكال في المقام.

يبقى عندنا إطلاقات الآيات الناهية عن العمل بالظنّ، وهذه الاطلاقات بعينها استدلّ بها أيضاً على الردع عن السيرة العقلائيّة في باب خبر الواحد. وأجيب عنها هناك أيضاً بحكومة السيرة على الإطلاقات وبأجوبة عديدة، وكلّها أو أكثرها مشترك ما بين باب الظهور وما بين باب خبر الواحد؛ ولهذا نؤخر الكلام عن تمام ما قيل في الأُصول المتعارف في جواب هذا الإشكال إثباتاً ونفياً إلى خبر الواحد، ونقتصر هنا -كما ذكرنا سابقاً- على ذكر نكتتين:

النكتة الأولى: تختص بالظهور، وهي أنَّه يقال في المقام: إنَّ الآيات الناهية عن العمل بالظنّ رادعيتها بالإطلاق، والإطلاق أيضاً ظهور، فيلزم من رادعيتها عدم رادعيتها، يعني يلزم من وجودها عدمها.

ويجاب مثلاً عن هذا: بأنَّ هذا المحذور إنَّما هو في شموله لشخص هذا الظهور في هذه الآية، لا شموله لسائر الظواهر، ويتبَع هذا الجواب بالعلم بعدم الفرق في مناط الحجّيّة إثباتاً ونفياً بين شخص هذا الظهور وبين غيره من الظواهر.

النكتة الثانية: هو ما ينبغي أن يقال في مقام دفع توهم رادعيّة هذه الإطلاقات ــــــــــ[174]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الرادعة عن العمل بالظنّ، لا رادعيتها عن العمل بالظهور.

وهذا هو نفس الوجه الذي سوف نختاره في مقام بيان عدم رادعيتها عن العمل بخبر الثقة.

وحاصله: أنَّ ما هو مناط الاستدلال إنَّما هو ما أشرنا إليه من أنَّ السيرة العقلائيّة تكون طبعاً مستحكماً عند العقلاء يقتضي الجري على طبق الظهور، أو يجري على طبق خبر الثقة، حتّى في الأمور الشرعيّة، فلا بُدَّ للشارع لو لم يرد ذلك من أن يقف في قباله. 

ومن المعلوم أنَّ الوقوف في قبال مثل هذا الطبع المستحكم الأكيد الشديد الذي عاش عليه الناس جيلاً بعد جيل وفي جميع شؤون حياتهم لا يكون بمجرّد إطلاق في دليل لا يلتفت اليه إلَّا من تأمل وتدبّر كثيراً ويغفل عنه كثيراً، فإنَّ مثل هذه الدلالة الإطلاقيّة لا يعقل أن تحقق الغرض الذي لا بُدَّ منه في مقام الردع. إذن، فبرهان عدم الردع باق على حاله. 

فنقول: إنَّ الشارع لو لم يرض بالسيرة لما اكتفى بهذا المقدار في مقام إثبات الردع؛ لأنَّ هذا لا يكفي للوقوف في قبال الطبع المستحكم عند العقلاء ومثل هذه الإشارات إنَّما تكفي في غير موارد هذا الطبع المستحكم، وحينئذ فالإمضاء ثابت هنا من باب عدم وجود الردع بالنحو المناسب مع استحكام السيرة وتأكدها، فالاستدلال بالسيرة العقلائيّة أيضاً تامّ في المقام. 

هذا تمام الكلام في أصل الاستدلال بالسيرة، أي: هذا تمام الكلام في أصل الاستدلال بسيرة المتشرعة وسيرة العقلاء.

ــــــــــ[175]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وقلنا: بأنَّ كلّ هذا الكلام في الردع لا يأتي بالنسبة إلى سيرة المتشرعة، فإنَّ مناط الاستدلال بسيرة المتشرعة لا يتوقف على إثبات عدم الردع، بل يكون المناط هو من باب استكشاف العلّة من المعلول؛ لأنَّ سيرة المتشرعة معلولة للحكم الشرعي فبمقتضى حساب الاحتمالات نستكشف الحكم الشرعي من معلوله، بلا حاجة إلى مسألة عدم الردع.

وهذا هو الفارق بين السيرة العقلائيّة وسيرة المتشرعة من حيث الملاك العلمي للحجّيّة.

النتيجة العمليّة بين الاستدلال بالسيرتين

بقي علينا أن نبيّن الفارق العملي من حيث النتيجة المستنبطة من السيرة العقلائيّة والسيرة المتشرعيّة.

فيقال: بأنَّه قد يتصوّر في المقام تمامية سيرة المتشرعة في مورد مع عدم تمامية السيرة العقلائيّة، أو تمامية السيرة العقلائيّة في مورد مع عدم تمامية سيرة المتشرعة، وقد يكون تمامية أحدهما أوضح من تمامية الآخر، أو عدم تمامية أحدهما أوضح من عدم تمامية الآخر. 

ونذكر الآن موردين: مورد من هذا الطرف ومورد من ذاك الطرف. 

أمّا من هذا الطرف يعني مورد لا تتمّ فيه السيرة العقلائيّة مع أنَّ سيرة المتشرعة تامّة، فلو فرضنا أنَّ العقلاء يبنون على حجّيّة القياس، كما هو لعلّه كذلك، فإنَّ العقلاء في شؤونهم ومصالحهم، أو لعلّه كذلك في علاقات المولى مع العبيد يبنون غالباً على حجّيّة القياس ببعض مراتبه.

 ــــــــــ[176]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فلو فرضنا أنَّهم يعملون بالقياس حتّى في قبال الإطلاق والعموم، بحيث يكون القياس عندهم حجّة في قبال إطلاق المطلق وعموم العامّ، يعني في قبال الظهور، فيرفعون اليد عن الظهور باعتبار القياس وغيره كالاستخارة والقرعة، وفرضنا بأنَّ الشارع ردع عن هذه الأمارة التي عمل بها العقلاء وبيّن عدم حجّيّتها كما هو الواقع، حيث ردع عنها ردعاً قوياً متواتراً بمقدار استحكام الطبع القياسي عند العقلاء.

فهذا الردع عن هذه الأمارة إنَّما يقتضي إسقاط هذه الأمارة عن الحجّيّة؛ إلَّا أنَّ هذا الإسقاط عن الحجّيّة بمقتضى هذا الردع لا يوجب توسعة دائرة السيرة العقلائيّة تكويناً بحسب الخارج، فإنَّ العقلاء بحسب الخارج لا يعملون بالظهور في مورد القياس؛ إذ المفروض أنَّهم يحكمون القياس على الظهور. ومجرّد أنَّه ليس بحجّة شرعاً لا يوجب بحسب الخارج أنَّ العقلاء يعملون بالظهور في قبال القياس.

فالبناء العقلائي على العمل بالظهور بحسب الخارج هو في مورد عدم القياس، لا في مورد القياس، فدائرة البناء العقلائي على العمل بالظهور مضيّقة من أوّل الأمر؛ لأنَّها مقيّدة بعدم القياس؛ إذ المفروض أنّه في مورد القياس لا بناء على العمل بالظهور في قباله.

وحينئذٍ نأتي إلى الدليل الذي دلّ على الردع عن العمل بالقياس، فلو فُرض أنَّ هذا الدليل يدلّ على أنَّ هذا القياس منزّل منزلة عدمه من جميع الجهات. إذن، نفرض كأنّه لا قياس، وفي حالة اللاقياس ماذا يصنع العقلاء؟ يعملون بالظهور، فهنا أيضاً يعملون بالظهور.

ــــــــــ[177]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأمّا لو فُرض أن دليل الردع لم ينهض بهذا المقدار، بحيث إنَّه ينزّل القياس منزلة الأمر المعدوم في الدنيا، بل يُنزّله منزلة غير الحجّة، ويُسقطه عن الحجّيّة تشريعاً؛ لا أنَّه يسقط عن أصل الوجود في الدنيا تنزيلاً وتعبّداً، وإنَّما يسقط عن الحجّيّة.

 ومن المعلوم أنَّ إسقاطه عن الحجّيّة لا ينافي مانعيته عن حجّيّة الظهور، فإنّه قد يكون في نفسه غير حجّة، لكنّه يكون مانعاً عن حجّيّة الظهور؛ هذا أمر معقول بحسب الخارج أن يكون غير الحجّة مانعاً عن حجّيّة الحجّة، بأنَّ أخذ عدمه في موضوع الحجّيّة؛ لا يدّعى في باب الظهور بأنَّ حجّيّة الظهور مشروطة بعدم الظنّ بالخلاف، مع أنَّ الظنّ بالخلاف ليس حجّة في نفسه، لكنّه يكون مانعاً عن حجّيّة الظهور، بدعوى أنَّ السيرة العقلائيّة لم تنعقد في موارد الظن بالخلاف مثلاً، فهنا أيضاً السيرة العقلائية لم تنعقد في موارد القياس على الخلاف. ومجرّد إسقاط القياس عن الحجّيةّ، لا يكون ملازماً مع إبطال مانعيته عن حجّيّة الظهور. 

إذن، فتبقى حجّيّة الظهور في مورد القياس بلا دليل -وأنّا أذكر القياس من باب المثال فلا يستشكل في الصغرى- لأنَّ دليله هو السيرة العقلائيّة، وهي في المقام غير قائمة على العمل بالظهور؛ لأنَّ السيرة العقلائيّة مبناها على حجّيّة القياس، ومجرّد أنَّ الشارع أسقط حجّيّة القياس لا يوجب توسعة دائرة السيرة خارجاً.

نعم، لو قلنا: بأنَّ الشارع في باب السيرة العقلائيّة يستكشف إمضاؤه لا بمقدار البناء والعمل الخارجي؛ بل يستكشف إمضاؤه للنكتة الكلّيّة المركوزة 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

في ذهن العقلاء فحينئذٍ يمكننا إثبات حجّيّة الظهور حتّى في مورد القياس؛ لأنَّ الشارع أمضى النكتة المركوزة في ذهن العقلاء، وهي الحجّيّة الاقتضائية للظهور. والعقلاء إنَّما لا يعملون بالظهور في مورد القياس من باب تقديم أقوى الحجّتين على أضعفهما، لا من باب أنَّ الظهور ليس حجّة في نفسه. 

فبعد أن فرضنا أنَّ الشارع أمضى النكتة الارتكازيّة الدالّة على الحجّيّة الاقتضائية للظهور ونفي الحجّيّة الاقتضائية للقياس فيتعيّن أن يكون الظهور حجّة فعليّة.

فالاستدلال بالسيرة العقلائيّة في هذا المورد على حجّيّة الظهور في مورد القياس مبني على بحث أشرنا إليه في السيرة: من أنَّ الإمضاء هل يكون في حدود البناء والعمل الخارجي، أو في حدود النكتة التي هي وراء العمل الخارجي والتي هي في أدمغة العقلاء الذين يعملون هذا العمل الخارجي، فإن كان الإمضاء بمقدار العمل الخارجي فالعمل الخارجي تكويناً غير موجود في مورد القياس. إذن، فلا دليل على حجّيّة الظهور في مورد القياس، فإنَّ القياس وإن لم يكن حجّة، لكن الظهور أيضاً ليس حجّة.

وإن كان الإمضاء بمقدار النكتة أو أوسع من مقدار العمل فالنكتة في المقام موجودة، ومنه يقال بحجّيّة الظهور في مورد القياس. هذا حال السيرة العقلائيّة.

وأمّا حال سيرة المتشرعة فمن الواضح أنَّها كانت على العمل بالظهور في مورد القياس وفي مورد عدمه، فإنَّه في أيّ مورد من الموارد الأمارات العقلائيّة ــــــــــ[179]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الباطلة شرعاً، كانت سيرة أصحاب الأئمّة والفقهاء جيلاً بعد جيل على التمسّك بإطلاقات الكتاب وإطلاقات السنة بلا إشكال.

إذن، ففي هذا المورد سيرة المتشرعة ثابتة بلا إشكال، وأمّا سيرة العقلاء فإثبات الحجّيّة بها مردد للإشكال، ومبني على هذا الترديد الذي أشرنا إليه.

وبعبارة أُخرى: أنَّ سيرة المتشرّعة قد تثبت في مورد لا تكون السيرة العقلائيّة فيها محرزة، وقد تثبت السيرة العقلائيّة في مورد لا تكون سيرة المتشرّعة محرزة. 

فمثلاً: سيرة المتشرّعة تثبت في مورد لا تكون السيرة العقلائيّة فيه محرزة، وهذا مصداقه ما بيّناه سابقاً من مورد قيام حجّة عقلائيّة مردوع عنها في قبال الظهور، فإنَّ العقلاء هنا لا يعملون بالظهور، بل يعملون بالحجّة المردوعة، ودليل الردع لا يدلّ إلّا على إسقاط الحجّيّة المردوعة عن الحجّيّة وهي القياس مثلاً، ولا يدلّ على جعل الحجّيّة للظهور مكانه، أي: لا يعد دليلاً على استبدال الحجّيّة، وإنَّما هو دليل على تجريد القياس عن الحجّيّة المركوزة في ذهن العقلاء، فحينئذٍ لا عمل في مورد القياس بالظهور حتّى يُستدلّ بالعمل على الحجّيّة، بناءً على أن يكون عمل العقلاء هو مناط الاستدلال.

وأمّا إذا كان المدرك هو سيرة المتشرّعة فحينئذٍ هي ثابتة وموجودة بلا إشكال؛ لأنّنا لا نحتمل أنَّ المتشرّعة في مقام استنباط الأحكام من الكتاب والسنّة كانوا يتوقّفون عن العمل بتلك الظواهر والإطلاقات والعمومات لمجرّد وجود أمارة كالقياس مردوع عنها شرعاً. فسيرة المتشرّعة تامّة في مثل هذا المقام.

ــــــــــ[180]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأمّا البناء العقلائي فهو غير ثابت في ذلك، فهذا أحد المصاديق للانفكاك من هذا الطرف، أي: لأوسعيّة سيرة المتشرّعة من سيرة العقلاء.

وأمّا العكس -وهو أوسعيّة السيرة العقلائيّة من سيرة المتشرّعة، يعني: في مورد نحرز السيرة العقلائيّة، ولا نحرز سيرة المتشرّعة من أصحاب الأئمّة- فهذا أيضاً له مصاديق نذكر واحداً منها بالخصوص، لأجل كونه بحثاً مهمّاً غير مطروق عادة. 

وحاصله: هو باب حجّيّة ظواهر الأفعال، فكما أنَّ اللغة تكشف عن المعاني المقصودة للمتكلّم، كذلك كثير من الأفعال أيضاً تكشف عن المعاني المقصودة للفاعل.

إلَّا أنَّ كشف الأفعال عن معانٍ يكون على نحوين:

النحو الأوّل: يكون كشفاً تكوينيّاً أعمّ من أن يكون كشفاً ظنّيّاً أو غير ظنّي، فيكون كشفاً تكوينيّاً من باب كشف العلّة من المعلول على حدّ اكتشاف وجود النار من وجود الحرارة، مثلاً يكتشف وجود الإيمان عند هذا الإنسان من كونه اشترك في الجهاد مع رسول الله، وهذا استكشاف تكويني من باب استكشاف العلّة من المعلول، إذ يفرض في المقام أنَّ ممارسة عمليّة الجهاد لا سبّب لها -على الأقلّ بالنسبة إلى ظروف هذا الشخص مثلاً- إلَّا كونه مؤمناً بالله واليوم الآخر.

وهذا النحو من الاستكشاف خارج عن محلّ الكلام، فإنَّ مثل هذا الاستكشاف إن كان قطعيّاً فيكون حجّة باعتبار القطع، وإن لم يكن قطعيّاً فهو 

ــــــــــ[181]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ظنّ محض يرجع إلى حجّية الظنّ، فإن قام دليل على حجّيّة مطلق الظنّ فيكون هذا أيضاً حجّة، وإلَّا فيحتاج إلى دليل خاص على كونه حجّة، وهو غير موجود بحسب الخارج.

النحو الثاني: وهناك قسم آخر من الأفعال يكون كاشفيّتها من معانٍ معيّنة، لا من باب الكشف التكويني، بل يكون باعتبار كون نفس الفعل قد أُعد اجتماعيّاً للتعبير عن ذلك المعنى واتّخذ كأداة للتعبير عن ذلك المعنى، كما اتخذت اللغة، يعني: اللفظ أداة للتعبير عن ذلك المعنى، فكما قد يُتّخذ اللفظ في أكثر الأحيان أداة للتعبير عن المعاني التي تختلج في نفس الإنسان، كذلك في بعض الموارد قد يتواضع على اتّخاذ أفعال معيّنة رموزاً وأدوات لمعاني معيّنة، بحيث تكون دلالة هذا الفعل على المعنى دلالة لغويّة -إن أردنا أن نتوسّع في معنى الدلالة اللغويّة- يعني: دلالة متّفق عليها بالوضع من قبل المجتمع، فقد تواضع المجتمع على أنَّ من كان يقصد معنى فهو يبرز ذلك المعنى بهذا الفعل الخارجي، فهذا الفعل وضع كأداة لإبراز هذا المعنى، فالقيام مثلاً الذي هو فعل من الأفعال وضع كأداة لإبراز معنى في النفس، فإن هذا المعنى تارةً يبرز باللفظ، وأُخرى يبرز بفعل من الأفعال، فدلالة هذا الفعل على ذلك المعنى دلالة لغويّة بحسب الحقيقة، لا دلالة تكوينيّة من باب كشف المعلول عن العلّة، بل باب التواضع الاجتماعي على جعله رمزاً لذاك المعنى المعيّن، وهناك أفعال كثيرة من هذا القبيل.

هذا النحو من الدلالة نسميه بظهور الفعل في قبال ظهور اللفظ، فهو 

ــــــــــ[182]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ظهور للفعل مستمد من استخدام الفعل كرمز لمعنى معيّن، أي: أنّه استخدم اجتماعيّاً كرمز لمعنى معيّن، فانعقد له ببركة هذا الاستخدام ظهور في ذلك المعنى حرفاً بحرف، كالظهور الذي ينعقد للفظ في إرادة معنى معيّن.

ومثل هذا حجّة بالسيرة العقلائيّة بلا إشكال، ولا ريب في أنّ السيرة العقلائيّة لا تفرق بين الظهور اللغوي القائم باللفظ، أو الظهور اللغوي القائم بالفعل، فكما أنَّ ظهور الكلام حجّة كذلك ظهور الفعل أيضاً يكون حجّة، لكن ظهور الفعل بالمعنى الذي بيّناه، لا بنحو الظهور التكويني بظهور المجاهد على أنّه مؤمن بالله ورسوله، فإنّ تلك أمارة ظنّيّة لا سيرة عقلائيّة على حجّيّتها، بخلاف ظهور الفعل بالمعنى الأوّل، فإنّه ظهور لغوي فيكون حجّة.

فلو فرض أنَّ المولى قال لشخص ممّن يجب عليه إطاعته: احترم من أعظّمه أو من أقصد تعظيمه، ثُمَّ دخل شخص إلى المجلس فقام له: هنا ليس للمأمور أن يعتذر عن احترام هذا الشخص، بأنّه لم يثبت عندي أنّك قصدت تعظيمه؛ لأنَّ القيام لا ينحصر وجهه بقصد التعظيم، ولعلّك قمت له بقصد آخر من المقصود، كالاستهزاء به أو استلام حاجة منه، فلا تقبل مثل هذه الاعتذارات، لأنّ القيام أداة لغويّة اجتماعيّة للتعبير عن قصد التعظيم كاللفظ تماماً، فحينئذٍ يكون هذا الظهور فيه حجّة كحجّيّة الظهور اللفظي، ويكون منجّزاً ومعذّراً في علاقات المولويّة القائمة بين المولى والعبد. وهذا بحسب السيرة العقلائيّة ممّا لا يتصوّر التشكيك فيه.

ولكن بحسب سيرة المتشرّعة فنحن لا نعلم هذا المطلب بحسبها، وبقطع 

ــــــــــ[183]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

النظر عن السيرة العقلائيّة، بأنّ المتشرّعة كان مبناهم على ترتيب الآثار على ظواهر الأفعال، كترتيبها على ظواهر الأقوال؛ لأنَّ ابتلائهم بظواهر الأفعال في الشبهات الحكميّة غير موجود أو قليل جدّاً، وغالباً الابتلاء بظواهر الأفعال إنَّما يكون في الشبهات الموضوعيّة، ولا يُعلم استقرار بناءهم على ذلك.

ولو فرض أنّه لم يكن قد استقرّ بناءً منهم على ذلك فلا يلزم من ذلك تالٍ باطل تاريخيّاً، لأجل أن نثبت ببطلان التالي تاريخيّاً بطلان المقدّم، كما هو الحال فيما لو فرض أنّه لم يكن بناءهم على حجّيّة اللغة وحجّيّة الظهور اللفظي، فإنَّ هذا يلزم منه تالٍ باطل تاريخيّاً، وهو أنّه يستقرّ بناءهم على طريقة أُخرى في مقام الاستنباط، مع أنَّ هذه الطريقة الأُخرى لم تؤثّر تاريخيّاً، بخلافه هنا فلعلّه استقرّ بناءهم في هذه الموارد على إجراء الأُصول العمليّة، كلٌ بحسبه. ومثل هذا لا يوجب تالٍ باطل تاريخيّاً.

فالجزم بانعقاد سيرة المتشرّعة في باب ظواهر الأفعال بهذا المعنى ممّا لا سبيل لنا إليه، ولكن الجزم بانعقاد السيرة العقلائيّة على حجّيّة ظواهر الأفعال بهذا المعنى أمر واضح، فهذا من موارد انفكاك السيرة العقلائيّة عن سيرة المتشرعة. 

ومن هذا المورد يظهر القول بحجّيّة ظواهر الأفعال، لكن لا ظواهر الأفعال بالمعنى الذي يكون فيه الفعل دالّاً تكويناً من باب دلالة المعلول عن العلّة، كما قد يتوهّم من هذا العنوان، بل الظواهر التي ترجع إلى طبيعة لغويّة. هذا تمام الكلام في الجهة الأولى من الجهات الأربع، وهو محمول الكبرى، حيث 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

قلنا: إنَّ هذه الكبرى وهي حجّيّة الظهور نتكلّم فيها في أربع جهات: 

الجهة الأولى: في محمول الكبرى، وهو الحجّيّة. 

الجهة الثانية: في موضوع الكبرى، وهو الظهور الذي حُكم عليه بالحجّيّة.

الجهة الثالثة: في درجة هذه الكبرى ونسبتها إلى باقي الكبريات. 

الجهة الرابعة: في التفصيلات والتحديدات التي بنيّت لهذه الكبرى.

الجهة الثانية من المقام الأوّل 

يقع الكلام في بيان موضوع هذه الكبرى وهو الظهور، حيث حكم في موضوع هذه الكبرى بحجّيّة الظهور، فماذا يُراد بالظهور؟

الذي يظهر في جملة كلام المحقّق النائيني(1) -وإن كان الجمع بين كلماته في هذه النقطة بالذات يكشف عن وجود تشويش في الفكرة- أنَّ الظهور على مراتب ثلاثة:

المرتبة الأولى: هي مرتبة الدلالة التصوريّة المسمّاة بالظهور الوضعي، أي: خطور المعنى تصوّراً في الذهن عند سماع اللفظ، فإنّه حينما يُسمع لفظ (الأسد) أو (زيد) أو (الشمس) أو (خرجت بالأمس) يخطر في ذهن العالم باللغة خطوراً تصوّرياً، وهذا الخطور هو المسمّى بالدلالة التصوّريّة، وهو التعبير الآخر عن الظهور الوضعي للكلام بناءً على أنَّ الدلالة الوضعيّة دلالة تصوّريّة، كما هو الصحيح.

ــــــــــ[185]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 1: 530.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

المرتبة الثانية: الدلالة التصديقيّة، فإنَّه بعد أن نفترض أنّ المتكلّم تكلّم بهذا الكلام وكان ملتفتاً وجامعاً لشرائط المتكلّم العاقل في المجتمع، فحينئذٍ لا يقتصر مدلول هذا الكلام على المعطى التصوّري، وهو مجرّد تصوّر الفكرة، بل يتجاوز ذلك إلى الدلالة التصديقيّة، بمعنى: أنّ هذا الكلام يكشف عن أنَّ المتكلّم أراد تفهّم هذا المعنى من هذا اللفظ، فهذه هي الدلالة التصديقيّة، ودلالة الكشف والحكاية عن مقول هذا القول بحسب أفق نفس المتكلّم.

وهذه الدلالة التصديقيّة يقسمها الميرزا إلى قسمين: 

أحدهما: الدلالة التصديقيّة، بمعنى: التصديق فيما قال. 

ثانيهما: الدلالة التصديقيّة، بمعنى: الظهور التصديقي فيما أراد.

فيقول: بأنَّ المتكلّم بعد أن يتمّ كلامه ينعقد لكلامه هذا الظهور، وهو الظهور الذي يسمح لنا بأن نترجم مقصوده إلى لغة أُخرى أو إلى جملة أُخرى من نفس اللغة، فنقول: إنَّه قال كذا. ولو بلغة أخرى أو لفظ آخر.

ومن المعلوم أنَّ هذا الظهور التصديقي لا يكون في حالة الاستمرار في الحديث؛ لأنَّ المتكلّم مادام مستمراً في الحديث فله الحقّ في نصب القرينة على التقيّيد أو التخصيص أو التجوّز أو التأويل، ونحو ذلك.

لكن بعد أن ينتهي كلامه يستقرّ لهذا الكلام ظهور تصديقي فيما قال، فلو سأُلنا عن مدلول كلام هذا الشخص، لقلنا: إنَّه يريد المعنى الفلاني. هذا هو الظهور التصديقي من الدرجة الأولى.

وأمّا الظهور التصديقي من الدرجة الثانية، وهو عبارة عن كشف اللفظ 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

عن حاقّ إرادة المتكلّم وواقع مرامه وإرادته الحقيقيّة.

المرتبة الثالثة: التي هي أعلى من المرتبة الثانية وأكثر شروطاً منها؛ لأنَّ المرتبة الثانية لم يكن يُشترط فيها إلَّا فراغ المتكلّم من حديثه، وعدم نصب قرينة متّصلة على التجوّز أو التخصيص أو التقييد ونحوه.

 أمّا هذه المرتبة الأُخرى -مرتبة الكشف عن حاقّ الإرادة- فهي مشروطة بعدم القرينة المتّصلة والمنفصلة معاً، إذ لو أقام المتكلّم قرينة منفصلة على حاقّ إرادته ومرامه، فيزول عن الكلام كشفه عن واقع إرادته، ويتبيّن أنَّ واقع الإرادة يكون بنحو آخر.

فحاصل كلامه: أنَّ هنا مراتب ثلاثة من الظهور، فإذا تصوّرنا مثلاً هذه الظهورات الثلاثة، فحينئذٍ يقع الكلام في أنَّ موضوع الحجّيّة -أيّ واحد من هذه الأقسام من الظهور- هل هو الظهور الأوّل أو الثاني أو الثالث؟

اختار هو أنَّ ما هو موضوع الحجّيّة هو الظهور الثالث، بدعوى: أنَّه هو المطابق للظهور العقلائي.

هذا خلاصة ما يستفاد من بعض كلمات الميرزا في تحقيق هذا المقام على تشويش فيها سوف نشير إليه إن شاء الله.

وهذا الكلام لو كان هذا مقصوده الذي تدلّ عليه بعض كلماته، فهو واضح الفساد؛ وذلك لأنَّ المرتبة الثالثة من هذه المراتب الثلاثة ليست مرتبة من مراتب ظهور اللفظ، بمعنى: أنَّ عدم قيام قرينة منفصلة لا يؤثّر في أحداث مرتبة جديدة في كاشفيّة اللفظ ودلالته على الواقع. نعم، هو يؤثّر في حجّيّة ظهور اللفظ.

ــــــــــ[187]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فهذه المرتبة الثالثة لو أسمّاها بمرتبة الحجّيّة، وقال: بأنَّ حجّيّة الظهور موقوفة على عدم القرينة المتّصلة والمنفصلة معاً لكان كلاماً معقولاً، فلو جعل عدم القرينة المنفصلة قيداً مقوّماً لمرتبة الحجّيّة لكان هذا أمراً معقولاً، أمّا جعلها قيداً مقوّماً للمرتبة الثالثة من مراتب دلالة اللفظ، بحيث إنَّ اللفظ يكتسب دلالة جديدة من ناحية عدم القرينة المنفصلة زائداً على تلك الدلالة التصوريّة التي اكتسبها من الوضع، وزائداً على تلك الدلالة التصديقيّة التي اكتسبها من ناحية عدم القرينة المتّصلة، فهذا غير معقول وبلا ملاك أصلاً. 

ومن هنا قلنا: بأنَّ بعض عبائره فيها تشويش؛ لأنَّ هذا المطلب يكرّره أربع أو خمس مرات في مجموع الأُصول، وفي بعض الموارد الأُخرى التي يكرّر فيها هذا المطلب يعبّر عن المرتبة الثالثة بمرتبة الكشف والحجّيّة، وعبارة الكشف عبارة مجملة؛ لأنّه قد يقصد منها الكشف التعبّدي فيرجع معناها إلى الحجّيّة، وقد يقصد منها الظهور فيرجع إلى التقريب الأوّل. 

ثُمَّ يعطف على الكشف الحجّيّة، وهذه العبارة تناسب مع واقع المطلب، أي: ما تمنينا أن يكون هو المراد، وهو أن يكون عدم القرينة المنفصلة قيداً للحجّيّة، لا قيداً لمرتبة جديدة من الدلالة اللفظيّة زائداً على الدلالة التي ملاكها الوضع، والدلالة التي ملاكها عدم القرينة المتّصلة.

فهذا الكلام يناسب هذا المطلب، لكنّ بعض كلماته الأُخرى لا تناسبه.

وعلى أيّ حال، نحن لا نتصوّر مرتبة ثالثة من الدلالة وراء الدلالة التصوّريّة والدلالة التصديقيّة بالمعنى الأوّل، وهي الدلالة المتوقّفة على عدم القرينة المتّصلة.

ــــــــــ[188]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

نعم، نتصوّر معنى ثالثاً، وهو القرينة المنفصلة، فنقول: بأنّ هاتين الدلالتين التصوّريّة والتصديقيّة قد تجتمع مع قيام قرينة منفصلة وقد تجتمع مع عدم قيامها، فقيام القرينة المنفصلة وعدم قيامها حالة قد تقارن مع هاتين الدلالتين وقد لا تتقارن، لا أنَّها ملاك لدلالة ثالثة من دلالات اللفظ وراء هاتين الدلالتين.

وحينئذٍ ما ينبغي أن يحرّر به البحث علميّاً هنا هو أن يقال: بأنَّ الحجّيّة هل موضوعها الدلالة الأولى أو هو الظهور التصوّري، وأخذ في موضوعها
-طبعاً- قيد عدم قيام القرينة على الخلاف، أو أنَّ الموضوع هو الظهور التصديقي بالمعنى المعقول مطلقاً، أو أنَّ الموضوع هو الظهور التصديقي المقيّد بعدم القرينة الواقعيّة؟

وأمّا احتمال موضوعية ظهور ثالث للحجّيّة غير هذين الظهورين فهو أمر غير موجود.

فيقع البحث في أنَّ موضوع الحجّيّة هل هو الظهور التصوّري أو الظهور التصديقي، وعلى كلٍّ من التقديرين فهل الموضوع مطلق أو مقيّد بعدم القرينة، وعلى تقدير كونه مقيّداً فما هو القيد في المقام؟ هذا هو ما ينبغي أن يحرّر به النزاع في تحقيق موضوع الكبرى.

وبعبارة ثانية: الظهور على قسمين: 

القسم الأوّل: ما يكون الظهور ظهوراً تصوّرياً وهو المعبّر عنه بالدلالة التصوّريّة، أي: كون اللفظ سبباً لخطور المعنى في ذهن السامع خطوراً تصوّرياً بحتاً.

ــــــــــ[189]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهذه الدلالة التصوّريّة هي الدلالة التي تنشأ من الوضع، فإنَّ عمليّة الوضع اجتماعيّاً إنَّما تولّد دلالة اللفظ على معناه بنحو خطور هذا المعنى تصوّراً في ذهن السامع عند سماع اللفظ من دون فرق بين أن يُسمع هذا اللفظ من قبل لافظ وكائن لغوي وهو الإنسان، أو من قبل الطبيعة، كما لو تولّد اللفظ من اصطكاك حجرين، فإنَّ عمليّة الوضع تؤثر وتخلق هذه السببيّة بين اللفظ وبين خطور المعنى في ذهن السامع تصوّراً. 

أمّا كيف تخلق هذه السببيّة وما هو كنه هذه العمليّة الاجتماعيّة التي تخلق هذه السببية بين اللفظ وبين ظهور المعنى، فهو بحث يرجع إلى البحث حول حقيقة الوضع، وهذا بحثه في الوضع لا هنا، حيث بيّنا هناك أنَّ حقيقة الوضع لا تقتضي أكثر من هذه الدلالة التصوّريّة، وهو كون اللفظ سبباً لتصوّر المعنى، وهذه السببيّة تحدث وفقاً لقانون عامّ من قوانين التفكير البشري على تفصيل سبق هناك. 

وهذه الدلالة لا تتوقف على شيء أكثر من الوضع والعلم بالوضع، فبمجرّد أن تحصل هذه العمليّة الاجتماعيّة وهي الوضع، ويحصل العلم بها فيعمل القانون عمله، حتّى إذا ما سمع الإنسان اللغوي هذه الكلمة من أيّ جهة وفي أيّ زمان ينتقل ذهنه إلى المعنى، ويتصوّر ذلك المعنى الموضوع له ما لم يحصل هناك عارض استثنائي في فكره، فالملاك في هذه الدلالة هو الوضع حتّى لو فرض -مثلاً- أنَّ المتكلّم نصب قرينة على خلاف المعنى الموضوع له، فقال: (رأيت أسداً يرمي) ففي مثل هذا المورد أيضاً يحتفظ اللفظ بدلالته على معناه 

ــــــــــ[190]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الموضوع له بهذا النحو من الدلالة، أي: الدلالة التصوّريّة، فيخطر في ذهن السامع قبل أن تجيء القرينة من كلمة (أسد) الحيوان المفترس. 

ومجيء القرينة لا يوجب عدم دلالة اللفظ على المعنى بهذا المستوى من الدلالة.

فمجيء القرينة المتّصلة أو المنفصلة أو عدم مجيئها لا متّصلاً ولا منفصلاً، كلّ ذلك أجنبي عن أن تكون هذه الدلالة التي تتكون بمجرّد الوضع.

القسم الثاني: هو الظهور التصديقي أو الدلالة التصديقيّة، وهذا الظهور ليس ظهوراً وضعيّاً ينشأ من الوضع، بل هو ظهور سياقي ينشأ من أمارات عقلائيّة معمول بها في باب الألفاظ.

فإذا تكلّم المتكلّم بكلام فقال: أريد ماء، أو رأيت أسداً، لا تقتصر دلالته على مجرّد خطور المعنى، فإنَّ هناك فرقاً بين أن نسمع هذه الجملة من فم إنسان وكائن لغوي وبين أن نسمعها من فم الحجر، فإذا سمعناها من فم الحجر، فلا يكون هناك إلَّا الدلالة التصوّريّة الأولى ويقف التسلسل.

وأمّا إذا سمعناها من كائن لغوي، فحينئذٍ لا يقتصر دلالة هذا على تلك الدلالة التصوّريّة، وإنَّما ننتقل إلى معنى زائد، وهذا المعنى الزائد ينكشف باللفظ، بمعنى: أنَّ اللفظ يكشف عن وجود أمر في نفس المتكلّم، وهذه الكاشفيّة كاشفيّة عن أمر واقعي في الخارج، بخلاف الدلالة الأولى فإنّها بمعنى كون اللفظ علّة لانتقاش شيء في الذهن، وأمّا هذه الدلالة الثانية فهي عبارة عن الكاشفيّة والحكاية عن وجود أمر في نفس المتكلّم.

ــــــــــ[191]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فحينما أسمع شخصاً يقول: (رأيت أسداً)، أو (جئني بالماء)، فمثل هذا الكلام يدلّ -زائداً على الدلالة التصوّريّة- على خطور معنى النسبة التامّة في ذهني، فيدلّ على أنَّ المتكلّم قصد هذا المعنى، فكشف اللفظ عن أنَّ المتكلّم قصد هذا المعنى هو المسمّى بالظهور التصديقي.

وهذا الظهور لا ينبع من الوضع، وإنَّما هو ظهور سياقي ينبع من أسباب ومؤثرات أُخرى، حسب ما بيّنا في بحث الوضع أيضاً.

فهذا الظهور أجنبي عن باب الوضع خلافاً لأمثال السيّد الأُستاذ(1)، فهو من الذين بنوا على أنَّ الظهور التصديقي ينشأ من الوضع، بناءً منه على أنَّ الوضع عبارة عن (التعهد). وقد حقّقنا في بحث الوضع عدم تمامية ذلك مبنى وبناءً(2).

فهذا الظهور التصديقي عبارة عن كشف اللفظ عن وجود أمر في نفس المتكلّم، وعن وجود إرادة وقصد في نفس المتكلّم.

وهذا الظهور التصديقي لا يكفي فيه مجرّد الوضع، وإنَّما يتمّ إذا تكلّم المتكلّم بكلام موضوع غير مهمل، ولم يعقبه بقرينة، وأمّا إذا أعقبه بقرينة متّصلة تدلّ على خلاف هذا الظهور، فلا ينعقد هذا الظهور التصديقي.

فالفرق في دائرة الوجود بين الظهور التصوري وهذا الظهور التصديقي، 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

(1) انظر: الهداية في الأُصول 1: 27، الأمر الثالث في الوضع، دراسات في علم الأُصول 1: 31، الأمر الثالث في الوضع. 

(2) انظر: محاضرات في علم أصول الفقه 1: 163، في حقيقة الوضع.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فإنَّ الظهور التصوّري يثبت بمجرّد الوضع، سواء كانت هناك قرينة على خلافه أو لم تكن، وأمّا الظهور التصديقي فلا يثبت ما لم ينته الكلام ويثبت عدم وجود قرينة متّصلة على خلافه.

هذا الظهور التصديقي الذي يتوقف على عدم القرينة المتّصلة، هو بحسب الحقيقة ظهوران طوليان، وكلاهما يتوقف على عدم القرينة المتّصلة؛ لأنَّ هناك إرادتين للمتكلّم: 

إحداهما: الإرادة الاستعماليّة. 

والأُخرى: الإرادة الجدّيّة. 

واللفظ هو الذي يكشف بظهوره التصديقي عن كلٍّ من الإرادتين، فباعتبار تعدّد المنكشف يتعدّد الكاشف لا محالة. فهناك ظهوران تصديقيان، وكلاهما مناطه عدم القرينة المتّصلة.

الظهور التصديقي الأوّل: هو ظهور اللفظ في أنَّ المتكلّم بهذا الكلام قصد تفهيم المعنى الموضوع له، يعني: المعنى الظاهر بالظهور التصوّري، وهذا القصد هو المعبّر عنه في ألسنة الأُصوليين بالإرادة الاستعماليّة، ويقصد بها أنَّ المتكلّم أراد جعل اللفظ قالباً وآلة لإخطار معناه الموضوع له في ذهن السامع إخطاراً تصوّرياً، فاللفظ يكون له ظهور في أنَّ المتكلّم أراد إخطار المعنى الموضوع له في ذهن السامع، وفي قبال ذلك احتمال أن يكون المتكلّم قد أتى بهذا الكلام ولم يرد به إخطار معناه أصلاً؛ وإنَّما أراد به تجربة لسانه باللغة العربيّة، أو أراد به التمثيل للجملة الخبريّة والجملة الإنشائيّة، فيقول في جملة 

ــــــــــ[193]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إنشائيّة: (جئني بماء) وفي جملة خبريّة: رأيت أسداً. فهنا لا يقصد إخطار المعنى من هذا اللفظ أصلاً، ولا يوجد عنده إرادة استعماليّة أصلاً.

وهذا على خلاف الظهور التصديقي، فيثبت أنَّ المتكلّم له إرادة استعماليّة؛ وأنّه إنَّما أتى بهذا اللفظ لأجل أن يجعله قالباً وأداة لإخطار معناه في ذهن السامع، فالظهور التصديقي يقتضي هذا المطلب ما لم يقم قرينة متّصلة على خلافه، كما لو قال: (جئني بماء) وجملتي جملة إنشائيّة، فقوله: جملة إنشائيّة قرينة متّصلة على أنَّه لم يرد بالجملة الأولى معناها الموضوع له.

وكذلك في قباله أن يُفرض في المقام أنَّه استعملها في غير المعنى الموضوع له، وغير المعنى الذي كان اللفظ ظاهراً فيه بالظهور التصوّري الأوّلي، كما لو قال مثلاً: فلان يغتسل أو يعيد، فهذه جملة موضوعة للنسبة التامّة الخبريّة وفرضناه أنَّه استعملها كجملة إنشائيّة، كما هو الحال في الجمل الإنشائيّة التي تستعمل في مقام الطلب، فهنا استعملها استعمالاً مجازياً في غير ما وضع له، فهذا أيضاً ينفيه هذا الظهور التصديقي، فإنَّه يقول: بأنَّ المتكلّم أراد به تفهيم معناه الموضوع له، أي: إخطار ذلك المعنى في ذهن السامع. هذا أحد الظهورين التصديقين.

الظهور التصديقي الآخر: هو أنَّ المتكلّم في نفسه إرادة جديّة وراء هذه الإرادة الاستعماليّة، والكلام يكشف عن هذه الإرادة الجدّيّة.

وذلك أنَّ المتكلّم حينما يقول: (جئني بالماء) أو يقول: (عظّم زيد) فالدلالة التصوّريّة تمّت ببركة الوضع، فيدلّ هذا الكلام على النسبة التامّة تصوراً. 

ــــــــــ[194]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

والدلالة التصديقيّة الأولى أيضاً تمّت، وعرفنا بمقتضاها أنَّ المتكلّم أراد إخطار هذا المعنى في ذهني، وإخطار معنى النسبة الطلبيّة التامّة. 

ولكن لماذا أراد إخطار هذا المعنى في ذهني، هل أراد إخطاره بقصد أنَّه يريد حقيقة إكرام زيد وتعظيمه، وبداعي إبراز الوجوب والإرادة التشريعية الموجودة في نفسه، أو أنَّه أراد إخطار هذا المعنى في ذهني فقط لأجل التنبيه على حقيقة النسبة التامّة، والفرق بينها وبين النسبة الناقصة، أو هزلاً بلا أن يكون له مراد جدي، أو أن يكون مراده الجدي هو الاستهزاء مثلاً، فهو أراد إخطار هذا المعنى في ذهني بقصد الاستهزاء، لا بقصد إبراز إرادته الحقيقية.

 وهنا يوجد ظهور تصديقي آخر يقول: بأنَّ المتكلّم أراد أخطار هذا المعنى في ذهني بداعي الجدّ لا بداعي الهزل، ولا بداعٍ آخر من الدواعي غير داعي الجدّ الحقيقي.

فهنا بحسب الحقيقة أبرزنا إرادتين للمتكلّم لا إرادة واحدة:

 الإرادة الأولى: هي الإرادة الاستعماليّة، وإرادة تفهيم المعنى باللفظ، وجعل اللفظ أداة لإخطار المعنى في ذهن السامع. 

الإرادة الثانية: -وهي تكمن وراء تلك الإرادة- لماذا أراد أن يخطر المتكلّم المعنى في ذهن السامع؟ لأنَّه أراد أن نكرم زيداً حقيقة بداعي الجدّ، فداعي الجدّ وراء الإرادة الاستعماليّة، وقد يجتمع معه وقد لا يجتمع معه.

إذن، فعندنا ظهور تصوّري واحد وظهوران تصديقيان، فالظهور التصوّري هو ظهور اللفظ بمعنى كون اللفظ سبباً في ظهور المعنى في ذهن السامع سواء صدر من إنسان أو من حجر.

ــــــــــ[195]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

 وأمّا الظهور التصديقي فهو عبارة عن كشف اللفظ عن معنى نفساني موجود في نفس المتكلّم، وهذا الكشف يكون بظهور سياقي لا بظهور وضعي. وهذا الكشف على نحوين، يعني: هنا ظهوران كاشفان عن أمرين منكشفين: الظهور الكاشف عن الإرادة الاستعماليّة، والظهور الكاشف عن الإرادة الجدّيّة(1)

فالظهور التصديقي الثاني كاشف عن تعلّق الإرادة الجدّيّة على طبق المعنى المستعمل فيه، وهو العموم في المثال، فهذه الجملة لها ظهور تصوّري ولها ظهوران تصديقيان. والفرق بين هذين الظهورين التصديقيين، وذلك الظهور التصوّري: أنَّ ذلك الظهور التصوّري مناطه الوضع فقط، سواء قامت قرينة على الوفاق أو على الخلاف أو لم تقم، وأمّا هذان الظهوران التصديقيان فمناطهما عدم قيام قرينة متّصلة على الخلاف. وأمّا إذا قامت قرينة متّصلة على الخلاف فلا ينعقد هذان الظهوران التصديقيان أو أحدهما، مثلاً: لو قامت قرينة في قبال أحدهما فقط. هذه هي الظهورات الثلاثة.

وبما بيّناه ظهر أنَّ كلا الظهورين التصديقيين مناطه عدم القرينة المتّصلة، وأمّا القرينة المنفصلة فهي -إثباتاً ونفياً- ليس لها دخل في تكون الظهور، فعدم مجيء القرينة المنفصلة لا يوجب ظهوراً وكشفاً في اللفظ لم يكن قبل ذلك، كما أنَّ مجيئها لا يوجب انعدام ظهور كان وثبت وتتحقّق.

ــــــــــ[196]ــــــــــ

() وهنا طبّق سيّدنا الأُستاذ هذه الظهورات على قول المولى: (أكرم كلّ عالم) بما يطول ذكره بعد الإيضاحات السابقة، ثُمَّ قال:… (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

نعم، القرينة المنفصلة توجب بطلان هذا الكشف وهذا الظهور، فمرتبة عدم القرينة المنفصلة هي مرتبة حجّيّة هذه الظهورات، لا هي مرتبة ظهور آخر زائد يضاف إلى هذه الظهورات.

فمرتبة الوضع هي مرتبة الظهور التصوّري الأوّل، ومرتبة عدم القرينة المتّصلة هو مرتبة هذين الظهورين التصديقيين، وليس عندنا مرتبة ثالثة تسمّى بمرتبة عدم القرينة المنفصلة تكون مرتبة لظهور وكشف جديد زائد في اللفظ غير هذه الظهورات، كما يظهر من بعض كلمات المحقّق النائيني(1)، حيث فرض أنَّ هناك مراتب ثلاثة: مرتبة الوضع، ومرتبة عدم القرينة المتّصلة، ومرتبة عدم القرينة المنفصلة.

 وفرض أنَّ المرتبة الأولى هي مرتبة الظهور التصوّري، والمرتبة الثانية هي مرتبة الظهور التصديقي فيما قال، والمرتبة الثالثة هي مرتبة الظهور لتصديقي فيما أراد.

فإنَّ هذه المراتب الثلاثة غير معقولة، إذ ما هو مراده بالمرتبة الثالثة؟ إن أراد به كشف اللفظ عن الإرادة الجدّيّة الذي هو الظهور التصديقي الثاني الذي بيّناه، فهذا من مناطه عدم القرينة المتّصلة، فإنّه بمجرّد عدم القرينة المتّصلة يتكون الظهور السياقي الكاشف عن الظهور السياقي للمتكلّم، وإن أراد بـ(الكشف عما أراد) الكشف التعبّدي المساوق مع الحجّيّة، فهذا هو محمول الظهور، وليس هو أحد مراتب الظهور.

ــــــــــ[197]ــــــــــ

( ) انظر: أجود التقريرات 2: 91.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إذن، فنحن لا نتصوّر للظهور مراتب ثلاثة، بل له مرتبتان، مرتبة الوضع ومرتبة عدم القرينة المتّصلة. ومرتبة الوضع هي مرتبة الظهور التصوّري ومرتبة عدم القرينة المتّصلة هي مرتبة الظهورات التصديقية كلّها التي أرجعناها إلى ظهورين.

الدخول في صلب الموضوع

هذا كلّه كان مقدّمة لتصوّر المطلب، والآن ينبغي أن ندخل في المطلب، فنقول: لا إشكال ولا ريب أنَّ المطلوب من حجّيّة الظهور ليس إلَّا إثبات المدلول التصديقي الأعلى، وهو الإرادة الجدّيّة، فإنَّ الإرادة الجدّيّة هي موضوع الآثار العمليّة وهي المنجّزة والمعذّرة دون ما قبل ذلك، فإنَّه لا يكون معذّراً ومنجّزاً، إلَّا باعتبار وقوعه في طريق إثبات المدلول التصديق الأقصى. 

فالمرام الأقصى هو إثبات المدلول التصديقي الأخير، وهو الإرادة الجدّيّة بالحجّيّة. 

فتارةً يقال: بأنَّ هذه الحجّيّة جُعلت عقلائياً على موضوع وهو الظهور التصديقي الأعلى، وأُخذ في موضوعها عدم القرينة المنفصلة.

ومعنى هذا أنَّ موضوع الحجّيّة متقوّم بعدم القرينة المتّصلة وعدم القرينة المنفصلة؛ لأنَّ عدم القرينة المتّصلة مقوّم لأجل الظهور التصديقي، وعدم القرينة المنفصلة فُرض قيداً من خارج في موضوع الحجّيّة، وهذا يعني عدم اعتبار القرينتين معاً في موضوع الحجّيّة. 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

أمّا عدم القرينة المتّصلة؛ فلأنّه مقوّم لحقيقة الظهور التصديقي، وأمّا عدم المنفصلة؛ فلأنّه أخذ قيداً من خارج.

وأُخرى يقال: إنَّ الحجّيّة أخذ في موضوعها الظهور التصديقي، ولكن ليس معه عدم القرينة المنفصلة، أي: عدم واقعها، بل عدم العلم بالقرينة المنفصلة وعدم وصولها.

وفرق هذا عن الأوّل: أنَّه بناءً على هذا لا يجب علينا إحراز عدم القرينة المنفصلة؛ لأنَّ القيد ليس هو واقع القرينة المنفصلة، بل هو عدم العلم بالقرينة المنفصلة، فمجرّد عدم وصول القرينة المنفصلة يكفي في تمامية موضوع الحجّيّة بخلافه على الأوّل.

نعم، هنا نحتاج إلى إحراز عدم القرينة المتّصلة؛ لأنَّ موضوع الحجّيّة أخذ فيه الظهور التصديقي، وهو متقوّم بعدم القرينة المتّصلة، فلو احتملنا وجود قرينة متّصلة، كان معنى هذا إنّنا نشكّ في أصل الظهور التصديقي، فنشكّ في أصل ثبوت الحجّيّة.

فمعنى هذا الشقّ الثاني: أنّنا في نفي القرينة المنفصلة لا نحتاج إلى الجزم بالعدم، بل يكفينا عدم الجزم بوجودها، لكن بالنسبة إلى القرينة المتّصلة نحتاج إلى الجزم بالعدم.

وفي الأوّل موضوع الحجّيّة مركّب من الظهور التصديقي وعدم واقع القرينة المنفصلة، فكنّا نحتاج الجزم بالظهور التصديقي المساوق للجزم بعدم القرينة المتّصلة، وأيضاً الجزم بعدم المنفصلة الذي هو القيد.

 ــــــــــ[199]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وثالثة يقال: -أن يتسع المطلب أكثر- بأنَّ موضوع الحجّيّة ليس هو الظهور التصديقي أصلا، بل هو الظهور التصوّري، بمعنى: أنَّه إذا انعقد ظهور تصوري للكلام واحتمل كونه مراداً جداً فيبنى عليه، أي: يُبنى على استكشاف الإرادة الجدّيّة عن طريق الظهور التصوّري ما لم يعلم بالقرينة المتّصلة أو المنفصلة. 

وبناءً على هذا الثالث لا نحتاج إلى إحراز عدم القرينة، ولو المتّصلة فضلاً عن المنفصلة، فإنَّ المأخوذ في الموضوع هو الظهور التصوّري، وهو محرز على كلّ حال، حتّى في موارد الشكّ في القرينة المتّصلة، فإنّنا حينئذٍ وإن كنّا نشكّ بالظهور التصديقي، إلَّا إنّنا نجزم بالظهور التصوّري، فالظهور التصوّري محرز ولم يأخذ معه قيد إلَّا عدم العلم بالقرينة المتّصلة أو المنفصلة، والمفروض أنّنا لم نعلم؛ فقد تمّ موضوع الحجّيّة بلا حاجة إلى إحراز عدم القرينة بقسميها، فهذه هي الاحتمالات الثلاثة.

والذي يظهر من كلام المحقّق النائيني(1) أنَّه يختار الاحتمال الأوّل من هذه الاحتمالات، يعني: يختار أنَّ الحجّيّة موضوعها هو الظهور التصديقي مع قيد عدم القرينة المنفصلة، ومن هنا احتاج في إثبات الحجّيّة إلى نفي القرينة المنفصلة والمتّصلة، بدليل قبل أصالة الظهور، ولم يمكنه أن ينفي القرينة المتّصلة أو المنفصلة بنفس أصالة الظهور، فإنَّه ما لم نحرز عدم القرينتين لا تنتهي النوبة إلى أصالة الظهور.

ــــــــــ[200]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 91.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

 ولذلك احتاج إلى التمسّك في الرتبة السابقة على أصالة الظهور، بأصالة عدم القرينة، فيجري في موارد الشكّ في القرينة أصالة عدم القرينة لينقح بذلك موضوع حجّيّة الظهور.

والذي يظهر من كلام المحقّق الأصفهاني(1) أنّ هذا الشقّ غير معقول؛ فمحال أن تكون الحجّيّة مجعولة بهذا النحو، أي: الشقّ الذي اختاره الميرزا النائيني محال في نظر المحقّق الأصفهاني. 

وبعبارة ثانية: أنَّ هناك ظهورات ثلاثة: 

الأوّل: الظهور التصوّري، بمعنى كون اللفظ سبباً في خطور المعنى وتصوّر السامع له، وهذا الظهور ملاكه الوضع فقط، من دون توقف له على عدم قيام القرينة، وهذا الظهور بحسب الحقيقة ليس بابه باب الحكاية والكشف، فهو لا يكشف عن شيء، بل بابه باب الخلق والإيجاد، وباب السببيّة والعلّيّة، بمعنى: أنَّ اللفظ يكون سبباً في انتقاش صورة المعنى في ذهن السامع.

الثاني: الظهور التصديقي الكاشف عن تعلّق الإرادة الاستعماليّة للمتكلّم، بذلك المعنى الذي تعلّق به الظهور التصوّري، أي: بمعنى الموضوع له.

وهذا الظهور التصديقي يختلف عن ذلك الظهور حقيقة وملاكاً، فأمّا حقيقة؛ فلأنَّ هذا الظهور شأنه الكشف والحكاية عن أمر وراء أفق المخاطبة، حيث إنَّه يكشف ولو ظنّا عن وجود إرادة في نفس المتكلّم، إرادة استعماليّة تعلّقت بإخطار الموضوع له في ذهن السامع.

ــــــــــ[201]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية ۲: ٦٦ و٦۷.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ويختلف عنه ملاكاً؛ لأنَّ هذا الظهور التصديقي لا يكفي فيه مجرّد الوضع، بل لا بُدَّ فيه مضافاً إلى الوضع من سياق مخصوص من حيث صدور الكلام من متكلّم عاقل ملتفت، وعدم قيام القرينة المتّصلة في نفس الكلام، فلو قامت القرينة المتّصلة لا ينعقد هذا الظهور التصديقي وإن كان الظهور التصوّري موجوداً. 

 الثالث: هو ظهور تصديقي آخر يكشف مرتبة أعلى من الإرادة، لا عن الإرادة الاستعماليّة، بل عن الإرادة الجدّيّة. وهذا الظهور أيضا كالظهور الثاني حقيقة وملاكاً، ومناطه هو عدم القرينة المتّصلة. 

وقلنا: إنَّه ليس وراء ذلك مرتبة أُخرى، هي مرتبة عدم القرينة المنفصلة بحيث تكون مرتبة لظهور وكشف جديد زائد على ذلك.

 كما قلنا أيضاً: إنَّ الحجّيّة المجعولة لدى العقلاء يُتصوّر في موضوعها احتمالات ثلاثة: فيمكن أن تكون مجعولة على موضوع مركّب من الظهور التصديقي مع عدم قيام القرينة المنفصلة، ويمكن أن يكون موضوع الحجّيّة هو الظهور التصديقي وأخذ معه عدم العلم بقيام القرينة المنفصلة لا عدم واقع القرينة المنفصلة، وأن يكون موضوع الحجّيّة هو الظهور التصوّري مع عدم العلم بقيام القرينة على الخلاف، فهذه احتمالات ثلاثة اختار الأوّل منها المحقّق النائيني واختار الثالث منها المحقّق الأصفهاني مبرهناً على استحالة الأوّل.

وهذه الاحتمالات الثلاثة بحسب الحقيقة إنَّما هي تفلسف في حقيقة 

ــــــــــ[202]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ومضمون السيرة العقلائيّة والحجّيّة العقلائيّة، يعني: هو تحليل للموقف بحسب الخارج لا أنَّ هناك خلافاً بين هؤلاء في نفس حدود السيرة العقلائيّة، بل يُفرض أنّها ذات حدود متفق عليها بين الطرفين، فإنّهم جميعاً يقولون بالعمل بالظهور مع عدم العلم بقيام قرينة متّصلة أو منفصلة، يعني: مع الشكّ في قيام للقرينة المتّصلة أو المنفصلة يعملون بالظهور ولا يرفعون يدهم عنه ما لم يحصل عندهم العلم بقيام القرينة على الخلاف، إمّا متّصلة أو منفصلة.

هذا هو عملهم واعتقادهم في حدود السيرة العقلائيّة، فليس الخلاف بينهم خلافاً فيما هو حدود السيرة العقلائيّة، وإنَّما الخلاف بينهم خلاف نظري في فلسفة هذا الموقف العقلائي، وتحليل الحجّيّة العقلائيّة.

تحليل الموقف العقلائي على الاحتمالات الثلاثة

فإنّه بناءً على الاحتمال الأوّل الذي اختاره الميرزا وهو أنَّ الحجّيّة أُخذ في موضوعها الظهور التصديقي مع عدم قيام القرينة المنفصلة ولو واقعاً. إذن، لكي تحرز هذه الحجّيّة يجب أوّلاً إحراز عدم القرينة المتّصلة؛ لأجل أن يتكون الظهور التصديقي، فإنَّه فرع عدم قيام القرينة المتّصلة، كما يجب أن تحرز عدم قيام قرينة منفصلة أيضاً؛ لأنَّه أُخذ عدم المنفصل أيضاً في موضوع الحجّيّة.

ومن هنا يكون تحليل الموقف العقلائي من وجهة رأي أصحاب هذا القول: أنَّ هذا الموقف ينحلّ إلى أصلين: 

إلى أصالة عدم القرينة في موارد الشكّ بالقرينة، فإنّنا تارةً نقطع عدم القرينتين فنتمسّك بأصالة الظهور، وبكبرى حجّيّة الظهور ابتداءً. 

ــــــــــ[203]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأمّا إذا شكّكنا أنّه هل قامت قرينة متّصلة أو قرينة منفصلة أو لا؟ فلا يمكن التمسّك بهذه الكبرى ابتداء حينئذٍ، لا في موارد الشكّ في المتّصل ولا في موارد الشكّ في المنفصل؛ لأنّنا لا نحرز موضوع الحجّيّة في المقام لكي نتمسّك بالكبرى، فتحتاج حينئذٍ إلى كبرى أسبق رتبة منها، وهي أصالة عدم القرينة.

ومن هنا يلتزم هؤلاء بأنَّ العقلاء عندهم كبريان طوليان: 

الكبرى الأولى: أصالة عدم القرينة. 

الكبرى الثانية: حجّيّة الظهور وأصالة الظهور ففي مورد الشكّ بالمتّصلة ننفيها بأصالة عدم القرينة، ثُمَّ نتمسّك بأصالة الظهور، وفي مورد الشكّ بالمنفصلة ننفيها بأصالة عدم القرينة، ثُمَّ نتمسّك بكبرى حجّيّة الظهور، وفي مورد القطع بعدم القرينة نتمسّك بكبرى أصالة الظهور ابتداء. هذا تحليل الموقف على الاحتمال الأوّل.

وأمّا على الاحتمال الثالث الذي اختاره المحقّق الأصفهاني فهو على العكس تماماً؛ لأنَّ موضوع كبرى حجّيّة الظهور هنا هو الظهور التصوّري مع عدم العلم بالقرينة المتّصلة أو المنفصلة.

 إذن، فبمجرّد أن نجزم بالظهور التصوّري يكون هذا اللفظ موضوعاً للمعنى الفلاني لغة أو عرفاً، فما دمنا لا نعلم بالقرينة المتّصلة أو المنفصلة نتمسّك ابتداء بكبرى حجّيّة الظهور، ولا نحتاج إلى إجراء أصالة عدم القرينة في موارد الشكّ بها، ثُمَّ نتمسّك بأصالة الظهور؛ بل نتمسّك بها ابتداء؛ لأنَّ موضوعها محرز وجداناً، وهو الظهور التصوّري وعدم العلم بالقرينة على 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الخلاف، وهذا ثابت وجداناً في المقام، فنرجع إلى هذه الكبرى ابتداء. 

وأمّا بناءً على الاحتمال الثاني، فلو قيل: بأنَّ موضوع أصالة الظهور هو الظهور التصديقي مع عدم العلم بالقرينة المنفصلة، لا مع عدم واقع المنفصلة، فهذا يكون وسطاً بين المسلكين؛ إذ لو كنّا نقطع بعدم القرينتين فنتمسّك بكبرى أصالة الظهور ابتداء.

 وكذلك لو كنّا نقطع بعدم القرينة المتّصلة ونشكّ في المنفصلة، فأيضاً نتمسّك بهذه الكبرى ابتداء؛ لأنَّ موضوعها محرز وجداناً، وهو الظهور التصديقي مع عدم العلم بالقرينة المنفصلة. والظهور التصديقي محرز بإحراز عدم القرينة المتّصلة، وعدم العلم بالمنفصلة مفروض الوجود أيضاً.

نعم، لو شكّكنا في القرينة المتّصلة، فهنا لا محالة هذا الشكّ منا يستدعي الشكّ في أصل تكون الظهور التصديقي؛ لأنَّ مناطه -كما قلنا- عدم القرينة المتّصلة، فيكون هذا الشكّ شكاً في موضوع كبرى الحجّيّة، فلا يمكن التمسّك بأصالة الظهور ابتداء، بل نحتاج حينئذٍ إلى إجراء أصالة عدم القرينة قبل ذلك ثُمَّ إجراء أصالة الظهور.

فهذا الخلاف بحسب الحقيقة إنّما هو خلاف في فلسفة الموقف، وليس خلافاً في حدود الموقف العقلائي، بل خلاف في تحليله من الناحية النظرية البحتة.

وقلنا: إنَّ المحقّق النائيني اختار الأوّل، وهو أنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور التصديقي مع عدم القرينة المنفصلة على الخلاف واقعاً، بحيث يحتاج في 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إجراء أصالة الظهور في موارد الشكّ في المنفصل -فضلاً عن المتّصل- إلى إجراء عدم القرينة قبل ذلك.

إشكال الأصفهاني على الميرزا والجواب عليه

 وأشكل عليه المحقّق الأصفهاني(1) بما يرجع توضيحه إلى أنَّ أصالة الظهور أو حجّيّة الظهور مرجعها إلى البناء العقلائي؛ لأنّنا نتكلّم عن الحجّيّة العقلائيّة، ولا معنى للحجّيّة العقلائيّة أو سيرتهم وبناءهم وطريقتهم.

 وهذه السيرة والبناء العملي الخارجي من العقلاء لا يعقل أن يكون قد أخذ في موضوعه الظهور التصديقي مع عدم قيام قرينة منفصلة واقعاً، بمعنى: أنَّ القرينة المنفصلة بوجودها الواقعي النفس أمري يستحيل أن تفرض مانعاً عن تأثير الظهور المولوي في بناء العقلاء وجريهم خارجاً، الذي هو معنى الحجّيّة العقلائيّة؛ لأنَّ القرينة وكذلك كلّ شيء بوجوده الواقعي لا يعقل أن يكون مؤثراً في بناء العقلاء وفي جريهم وطريقتهم الخارجيّة، وإنّما يؤثر الشيء بوجوده الواصل ولو وصولاً احتمالياً، لا بوجوده الواقعي؛ لأنَّ جري العقلاء عمل اختياري لهم، والعمل الاختياري يستحيل أن يتأثر بأمر خارج عن صقع النفس بوجوده الخارجي الواقعي، فمانعيّة القرينة المنفصلة بوجودها الواقعي عن تأثير الظهور المولوي في جري العقلاء أمر محال، فإذا كانت المانعية أمراً محالاً، فهذه المانعية عن الحجّيّة أمر محال؛ لأنَّ الحجّيّة العقلائيّة ليست إلَّا بنائهم وطريقتهم وسيرهم على ذلك.

ــــــــــ[206]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية ۲: ٦٦ و٦۷.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فيتعيّن بعد إسقاط هذا أن يقال: بأنَّ المانعية هنا للقرينة المنفصلة بوجودها الواصل لا بوجودها الواقعي. 

 وحينئذٍ نسأل: ما هو المانع؟ هل هو القرينة المنفصلة بوجودها الواصل وصولاً احتمالياً، أو بوجودها الواصل وصولاً جزمياً؟

فإن أُدّعي أنَّ المانع هو القرينة المنفصلة الواصلة بالوصول الاحتمالي فهو خلف المفروض؛ لأنَّ معنى مانعية الوجود الاحتمالي للقرينة المنفصلة عن الحجّيّة العقلائيّة أنَّ العقلاء في موارد احتمال القرينة المنفصلة يتوقفون عن العمل، مع أنَّهم لا يتوقفون عن العمل بحسب الفرض، فإنّنا قد اتّفقنا على حدود الموقف من أوّل الأمر، وإنَّما نختلف في فلسفته لا في حدوده.

فيتعين الشقّ الثالث، وهو أن يكون المانع هو القرينة المنفصلة بوجودها الواصل وصولاً جزمياً، أي: أن يكون المأخوذ في موضوع الحجّيّة عدم العلم بالقرينة المنفصلة، لا عدم واقع القرينة المنفصلة ولا عدم الشكّ بها. 

 فحينئذٍ لا نحتاج إلى إجراء أصالة عدم القرينة، فإنَّه إذا كان المأخوذ في الموضوع هو عدم العلم بالقرينة المنفصلة. إذن، فبمجرّد الشكّ بها نرجع إلى كبرى حجّيّة الظهور؛ لأنَّ موضوعها محقّق في المقام بلا حاجة إلى توسيط أصالة عدم القرينة في المرتبة السابقة. هذا ما أفاده المحقّق الأصفهاني.

وهذا الذي أفاده مبني على مفهوم عام في تفسير السيرة العقلائيّة، ونحن قد خالفناه في بحث السيرة، وأشرنا إليه هنا، فلو قلنا: بأنَّ الحجّيّة بحسب السيرة العقلائيّة مرجعها إلى العمل من قبل العقلاء بما هم عقلاء، بحيث لا واقع 

ــــــــــ[207]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

للحجّيّة العقلائيّة إلَّا عملهم وطريقتهم بما هم عقلاء، لكان لهذا الكلام صورة في المقام، إلَّا أنّنا بيّنا بالحصر وإبطال بعض الشقوق بالبرهان: أنَّ معنى انعقاد السيرة العقلائيّة على الحجّيّة هو أنَّ كلّ واحدٍ من العقلاء لو تقمّص قميص المولويّة وصار مولى بالنسبة إلى شخص لجعل حجّيّة الظهور بالنسبة إليه.

فمعنى انعقاد السيرة العقلائيّة على حجّيّة الظهور ليس هو ما فهمه وفهمه سائر الأعلام من أنَّ معناها أنَّ المولى يثيب ويعاقب والعبد يقصر ويمتثل، فإنَّ نفس الثواب والعقاب من قبل المولى فرع جعل الحجّيّة، فمعنى انعقاد السيرة العقلائيّة على الحجّيّة هو إمّا كلّ عاقل لو صار مولى ولو لحظة لجعل الظهور حجّة -على ما أوضحناه في الأبحاث السابقة مفصلاً- وبعد ما أرجعنا السيرة العقلائيّة إلى هذه النكتة وقلنا: إنّها ليس معناها سيرة العقلاء في مقام الامتثال والعصيان وفي مقام المؤاخذة والإنابة، بل عملهم في مقام التشريع والتقنين، يعني: أنَّ كلّ عاقلٍ حينما يصير صاحب شريعة ولو بالنسبة إلى ولده أو عبده أو خادمه، فهو يُقنّن -ولو ارتكازاً وجبلة- حجّيّة الظهور.

فإذا كان هذا معنى انعقاد السيرة العقلائيّة على الحجّيّة، فمثل هذه الحجّيّة يعقل للعاقل أن يأخذ في موضوعها عدم القرينة المنفصلة، ثُمَّ القرينة المنفصلة بوجودها الواقعي لا يعقل أن تكون مؤثرة في عمل العقلاء خارجاً، لكنّها يعقل أن تكون مأخوذة مانعاً في موضوع الحجّيّة المجهولة من قبل كلّ عاقلٍ عاقلٍ حينما يتقمّص هذا القميص.

 حال ذلك حال سائر القيود المأخوذة بوجودها الواقعي في موضوع 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الحجّيّة، فمثلاً: الوثاقة في موضوع حجّيّة خبر الواحد، وهي الوثاقة بوجودها الواقعي لا بوجودها الواصل، فكلّ ثقة واقعاً فهو حجّة، وهكذا سائر القيود الأُخرى المأخوذة في موضوع الحجّيّة مأخوذة بوجودها الواقعي لا بوجودها الواصل.

والخلط نشأ من التعبير بالسيرة العقلائيّة؛ إذ تخيّل أنَّ معناها هو عمل العقلاء خارجاً بالظهور في مقام الإنابة والمعاقبة وفي مقام التحرك والسكون، فليس هذا معنى السيرة العقلائيّة على الحجّة، فإنَّ هذا العمل من قِبَل العقلاء فرع الحجّيّة، لا أنَّ هذا جعل للحجّيّة. 

وأمّا جعل الحجّيّة فيكون في المرتبة السابقة على ذلك، ولا معنى له كما بيّناه، إلَّا أنَّ كلّ عاقل لو تقمّص قميص المولوية يجعل الحجّيّة للظهور، فلو تقمّص قميص المولويّة فيمكنه أن يجعل الحجّيّة للظهور على موضوع واقعي على نحو القضية الحقيقية، ويأخذ في هذا الموضوع الواقعي عدم القرينة المنفصلة، فلا مانع من ذلك ولا استحالة.

 وهذا على مبانينا في بحث السيرة يكون في غاية الوضوح، فما أشكل به المحقّق الأصفهاني في المقام غير تامٍّ، ولكن أصل هذه الدعوى أيضاً غير تامّة، ممّا يعني أنَّ أصل ما أفاده المحقّق النائيني من أنَّ حجّيّة الظهور أخذ في موضوعها الظهور التصديقي مع عدم القرينة المنفصلة على الخلاف، بحيث في موارد الشكّ في المنفصلة نحتاج أوّلاً إلى إجراء أصالة عدم القرينة المنفصلة، ثُمَّ نتمسّك بأصالة الظهور.

ــــــــــ[209]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

هذا الكلام غير صحيح في تحليل واكتشاف كنه الموقف العقلائي؛ والسبب في ذلك هو أنَّ هذا التحليل للموقف يضطرنا إلى فرض أصالة عدم القرينة بوجه تعبّدي صرف، مع أنَّ الأُصول اللفظية إنَّما اعتبرت بنحو الأمارية والكاشفيّة لا بنحو التعبّديّة الصرفة.

والنكتة في ذلك: أنَّ احتمال عدم مجيء القرينة المنفصلة في حدِّ ذاته مساوٍ لاحتمال مجيء القرينة المنفصلة، وإنَّما يكون احتمال مجيئها موهوناً في قبال احتمال عدم مجيئها، فإنَّه يكون راجحاً، وإنّما هو باعتبار ظهور اللفظ في إرادة معناه الظاهر.

وإلَّا لو قطع النظر عن هذا وفرض أنَّ كلام المولى لم يكن له معنى ظاهر، لا في هذا المطلب ولا في ذاك، فلم ينعقد له ظهور تصديقي في الكشف عما هو مراد المتكلّم، فاحتمال عدم مجيء القرينة لا يكون أولى من احتمال مجيئها.

فترجح احتمال عدم المجيء بنحو يصير إمارة. هذا إنما يكون باعتبار كاشفية اللفظ بظهوره السياقي عن إرادة المولى للمعنى الظاهر، وإلَّا فهي بقطع النظر عنه وفي المرتبة السابقة على ظهور اللفظ في ذلك لا ترجح؛ لاحتمال عدم القرينة على احتمال القرينة.

فحينئذٍ لو ادّعى أنَّ أصالة عدم القرينة أصل عقلائي يرجع إليه في المرتبة السابقة على أصالة الظهور وقبل تنقيحها لكان معناه أنَّ هذا الأصل أصل تعبّدي صرف؛ لأنَّ العقلاء لو قطعوا النظر عن كاشفية اللفظ وظهوره التصديقي السياقي لم يجدوا في احتمال عدم القرينة أولوية على احتمالها، فلو فرض أنّهم تعبّدوا بأصالة عدم القرينة لكان هذا تعبّداً صرفاً منهم بلحاظ 

ــــــــــ[210]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الكاشفية والمرآتية؛ مع أنَّ هذا بعيد عن مرتكز العقلاء جداً ومسلّم العدم عندهم، فإنَّ من المسلّم به عندهم أن الأُصول اللفظيّة لم تكن حجّة عند العقلاء من باب التعبّد، وإنَّما من باب الكاشفية والمرآتية.

فهذا أحسن دليل على أن مثل هذا التحليل للموقف ينتهي في النهاية إلى ما يناقض واقع هذا الموقف؛ لأنَّه ينتهي في النهاية إلى إجراء أصالة عدم القرينة في المرتبة السابقة على ظهور اللفظ، وفي هذه المرتبة لا راجحية لعدم القرينة على احتمال وجودها.

إذن، فلا معنى لأنَّ يقال في المقام: بأنَّ أصالة الظهور أُخذ في موضوعها عدم القرينة المنفصلة، وأنّنا ننفي القرينة المنفصلة بأصالة عدم القرينة.

فالصحيح أنَّ أصالة الظهور لم يُؤخذ في موضوعها عدم القرينة المنفصلة واقعاً، بل أُخذ في موضوعها عدم العلم بالقرينة المنفصلة، ومن هنا نحن نُنكر وجود أصل عند العقلاء يسمّى بـ(أصالة عدم القرينة المنفصلة). 

نعم، يبقى الكلام حينئذ مردداً بين الاحتمال الثاني والاحتمال الثالث، بعد أن أبطلنا الاحتمال الأوّل الذي اختاره الميرزا فيبقى الكلام بين الاحتمال الثاني، وهو أن يكون موضوع الحجّيّة هو الظهور التصديقي مع عدم العلم بالقرينة المنفصلة، أو أن يكون موضوعها هو الظهور التصوّري مع عدم العلم بالقرينة المتّصلة والمنفصلة، وقد بيّنا الفرق ما بين الاحتمالين أنَّ على الثاني نحتاج في المرتبة السابقة في موارد الشكّ في القرينة المتّصلة إلى إجراء أصالة عدم القرينة المتّصلة.

ــــــــــ[211]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

قد يقال: بأنَّ نفس الكلام الذي بيّناه في إبطال الاحتمال الأوّل يجري في إبطال الاحتمال الثاني أيضاً؛ إذ كما أنكرنا هناك جريان أصالة عدم القرينة في المرتبة السابقة على الظهور ينبغي أن نُنكر هنا أيضاً جريان أصالة عدم القرينة المتّصلة في المرتبة السابقة على الظهور.

فإنَّه لو احتملنا وجود قرينة متّصلة فلا نحرز الظهور التصديقي للكلام، فكيف نجري -بقطع النظر عن الظهور وفي المرتبة السابقة- أصالة عدم القرينة؟!

قد يقاس هذا الأصل هنا بأصالة عدم القرينة الذي أبطلناه في مقام دفع الاحتمال الأوّل، ولكنه قياس مع الفارق.

فإنَّ الصحيح هنا هو اختيار الاحتمال الثاني في قبال الثالث، يعني: الصحيح أنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور التصديقي لا الظهور التصوّري، وأنّنا نحتاج في موارد الشكّ بالمتّصلة إلى إجراء أصالة عدم القرينة المتّصلة في المرتبة السابقة. 

فعندنا في المقام كلامان: 

أحدهما: في بيان أنَّ الصحيح أنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور التصديقي لا الظهور التصوّري. 

 ثانيهما: في بيان أنَّه كيف نحتاج في موارد الشكّ في القرينة المتّصلة إلى إجراء أصالة عدمها في المرتبة السابقة دون أن يرد علينا الإشكال الذي أوردنا على الاحتمال الأوّل.

ــــــــــ[212]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

أمّا الكلام الأوّل فنكتته نفس النكتة التي أبطلنا به الاحتمال الأوّل الذي اختاره الميرزا؛ وذلك لأنَّ إثبات شيء لشيء عقلائياً إنَّما هو باعتبار الكاشفيّة والحكائيّة، فكاشفية هذا الشيء عن ذلك الشيء ولو ظنّاً؛ فالعقلاء حينئذٍ يتعبّدون بحجّيّة هذا الظنّ.

ومن المعلوم أنَّ الشيء المراد إثباته بالحجّيّة الذي هو إرادة المتكلّم الاستعماليّة استطراقاً إلى إرادته الجدّيّة، فهذا المطلب لا يكشف عن الظهور التصوّري ابتداءً، وإنَّما الذي يكشف عنه هو الظهور التصديقي، والظهور التصوّري يمهد للظهور التصديقي الذي يكون هو الكاشف عن هذه الإرادة، وأمّا الظهور التصوّري فلا يكشف عنه.

بل بيّنا أنَّ الظهور التصوّري يختلف سنخاً عن التصديقي، فالظهور التصوري بابه باب الخلق والإيجاد لا باب الكشف والحكاية، وليس معناه أنَّه يكشف عن شيء، وإنّما معناه أنّه يخلق صورة المعنى في ذهن السامع، فهو أجنبي عن باب الكشف والحكاية.

فلو أخذ الظهور التصوّري مناطاً للحجّيّة لكان أخذاً تعبّدياً صرفاً؛ لأنّه أجنبي عن باب الكشف والحكاية. وهذا خلاف المرتكز العقلائي وخلاف المتّفق عليه من أنَّ الأصل اللفظي ليس تعبّدياً صرفاً. فتعين أن يكون موضوع الحجّيّة هو الظهور التصديقي.

فهنا نحتاج في موارد الشكّ بالقرينة المتّصلة إلى إجراء أصالة عدمها قبل ذلك الذي هو الكلام الثاني لنا.

ــــــــــ[213]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

نعم، في موارد الشكّ بالمتّصلة لا محالة نشكّ في أصل تكون الظهور التصديقي، فلا يمكننا أن نتمسّك بأصالة الظهور ابتداء، بل لا بُدَّ وأن نتمسّك بأصالة عدم القرينة، ولا بأس بذلك في المقام، فإنَّ فرقاً ما بين أصالة عدم القرينة المتّصلة وأصالة عدم المنفصلة، والفرق هو: أنَّ أصالة عدم القرينة المتّصلة يمكن تصوير كونه بنحو الكاشفية والأمارية حتّى في المرتبة السابقة على الظهور، بخلاف أصالة عدم القرينة المنفصلة.

إذ إنَّ احتمال وجود القرينة المتّصلة تارةً ينشأ فقط من احتمال المتكلّم أنه غفل عن الالتفات إلى هذه القرينة، فإنَّ المولى ذكر كلاماً والسامع غفل عنه، وأخرى ينشأ احتمال القرينة المتصلة من شيء آخر غير احتمال الغفلة.

فإذا فرض أنَّ احتمال القرينة المتّصلة نشأ عن احتمال آخر غير الغفلة من قبل ثقل السمع مثلاً، واحتمل أنَّ المولى تكلّم بكلام، وأنَّه لم يسمع لعيب في أذنه لا من ناحية عدم الالتفات والذهول، ففي مثل هذا المورد لا تجري أصالة القرينة أصلاً، ولا يجوز التمسّك بالظهور على ما يأتي -إن شاء الله تعالى- تفصيله.

وأمّا إذا انحصر احتمال القرينة المتّصلة في احتمال الغفلة، واحتمل أنَّ المولى أتى بها، وأنَّ السامع غفل عن ذلك، فإنَّ احتمال الغفلة هنا في نفسها -بقطع النظر عن مسألة الظهور- موهون في قبال عدم الغفلة؛ لأنَّ الغفلة على خلاف الطبع العقلائي، فنفس الطبع العقلائي الغالبي يكون أمارة ظنّية على نفي الغفلة.

ــــــــــ[214]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فهنا موهونية احتمال القرينة المتّصلة وراجحية احتمال عدمها، ليست بلحاظ الظهور حتّى يقال: إنَّه لا يعقل جعله في الرتبة السابقة على الظهور، بل هو بلحاظ ملاك آخر مستقل به، وهو ملاك كون الغفلة على خلاف الطبع العقلائي.

ففي مثل ذلك عندنا ملاكان كاشفان: 

الملاك الأوّل: هو الطبع العقلائي الذي يكشف عن نفي الغفلة، وبعد نفيها نثبت الظهور التصديقي. 

الملاك الثاني: وبعد إثبات الملاك الأوّل يتكوّن عندنا كاشف آخر عن إرادة المتكلّم، فنثبت الإرادة بهذا الكاشف الثاني.

فاتّضح بذلك أنَّ الصحيح في المقام هو الاحتمال الوسط، لا ما ذهب إليه المحقّق النائيني، ولا ما ذهب إليه المحقّق الأصفهاني، بل إنَّ موضوع الحجّيّة في المقام هو الظهور التصديقي، مع عدم العلم بالقرينة المنفصلة.

 وحينئذٍ إذا علمنا بعدم القرينة نتمسّك بهذه الكبرى ابتداء، وإذا علمنا بعدم القرينة المتّصلة وشكّكنا في القرينة المنفصلة فأيضاً نتمسّك بهذه الكبرى ابتداء، بلا إجراء أصالة عدم القرينة قبل ذلك، وإذا شكّكنا في القرينة المتّصلة، فإن كان ناشئاً من غير ناحية احتمال الغفلة فلا نعمل بالظهور أصلاً، وإن كان ناشئاً من ناحية احتمال الغفلة فنجري هنا أصلين طوليين: 

الأصل الأوّل: أصالة عدم القرينة المتّصلة، الذي معناه أصالة عدم الغفلة. 

الأصل الثاني: الذي في طوله هو أصالة الظهور.

ــــــــــ[215]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وقد اتّضح مّما حقّقناه أمران:

الأمر الأوّل: أنَّ الحجّيّة موضوعها الظهور التصديقي، لا الظهور التصويري؛ والنكتة في ذلك على ما أشرنا إليه، هي: أنَّ الظهور التصوّري ليس له كاشفية عما يراد إثباته بالحجّيّة، وهو الإرادة الواقعيّة، فالظهور التصوّري بابه باب السببيّة وإيجاد التصوّرية للمعنى في ذهن السامع، وليس بابه باب الكشف والحكاية، فلو أُخذ الظهور التصوّري موضوعاً للحجّيّة عند العقلاء، لكان هذا أخذاً تعبّدياً صرفاً، لا باعتبار جهة الكشف والحكاية، وهذا خلاف الأصل الموضوعي في باب الحجّيّات العقلائيّة.

فلا بدَّ وأن يكون المأخوذ في موضوع الحجّيّة وهو الظهور التصديقي الكاشف عن ذلك المعنى الذي يراد إثباته بالحجّيّة، وهو الإرادة المولويّة. فالظهور التصديقي هو موضوع الحجّيّة لا الظهور التصوّري.

الأمر الثاني: والذي نستخلصه ممّا حقّقناه، هو حال أصالة عدم القرينة، فإنَّ أصالة عدم القرينة إن أريد بها أصالة عدم القرينة المنفصلة، فهي ممّا لا أساس لها أصلاً؛ لأنّنا لا نحتاج في موارد الشكّ بالقرينة المنفصلة إلى إجراء عدم القرينة المنفصلة؛ لأنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور التصديقي مع عدم العلم بمجيء القرينة المنفصلة، فمجرّد عدم العلم بها يكفي في إجراء أصالة الظهور والرجوع إلى كبرى حجّيّة الظهور؛ لأنَّ موضوع الكبرى يصبح محقّقاً وجداناً، بلا حاجة إلى إجراء أصالة عدم القرينة المنفصلة، وتخيّل إجراء عدم القرينة المنفصلة مبني على الاحتمال الأوّل من الاحتمالات الثلاثة التي ذكرناها، 

ــــــــــ[216]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهو احتمال أن يكون موضوع الحجّيّة مركّباً من الظهور التصديقي وعدم القرينة المنفصلة واقعاً، ففي موارد الشكّ بالمنفصلة لا يمكننا أن نرجع إلى نفس أصالة الظهور ابتداء؛ لأنَّ موضوعها مشكوك فيه. 

إلَّا أنّنا قلنا: إنَّ هذا غير صحيح؛ إذ لا معنى لإجراء عدم القرينة المنفصلة في المرتبة السابقة على أصالة الظهور، أي: بقطع النظر عن ظهور اللفظ وكاشفيته عن إرادة المتكلّم، فلا يكون هناك رجحان لعدم القرينة على وجود القرينة، فلو أجريت أصالة عدم القرينة، بقطع النظر عن أصالة الظهور، لكان هذا تعبّداً صرفاً من قبل العقلاء، وهو خلاف الأصل الموضوعي أيضاً.

فلا بدَّ أن يقال: بأنَّ حجّيّة الظهور هي المرجع ابتداء في موارد الشكّ في القرينة المنفصلة، لا أنّنا نرجع قبلها إلى أصالة عدم القرينة، ثُمَّ نرجع إلى أصالة الظهور؛ وذلك لأنَّ موضوعها هو الظهور التصديقي مع عدم العلم بالقرينة المنفصلة، وهذا محقّق في المقام ابتداء. إذن، فأصالة عدم القرينة المنفصلة لا معنى لها. 

وأمّا أصالة عدم القرينة المتّصلة فهذا له معنى في المقام، فإنّه يعتبر أصلاً منقحاً لموضوع أصالة الظهور في بعض الموارد؛ وذلك لأنّه إذا ألقى المولى كلاماً له ظهور وشكّ في أنه أقام قرينة متّصلة أو لم يقم، فإنَّ كان الشكّ ناشئاً من ناحية احتمال ثقل سمع السامع، أو من ناحية أُخرى من النواحي الخارجيّة، فمثل هذا الشكّ يوقف الإنسان عن العمل بالظهور كما سوف يأتي -إن شاء الله- فيجب حصر الكلام فيما إذا كان الشكّ ناشئاً من ناحية احتمال الغفلة والذهول عن القرينة المنصوبة من قبل المولى.

ــــــــــ[217]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فإذا احتملنا نصب قرينة متّصلة، واحتملنا إنّنا غفلنا عنها، لا يمكننا أن نرجع إلى أصالة الظهور ابتداء؛ لأنَّ موضوعها هو الظهور التصديقي لا التصوّري، والظهور التصديقي مشكوك فيه هنا؛ لأنَّ القرينة المتّصلة على فرض وجودها تهدم الظهور التصديقي.

إذن، نرجع قبل ذلك إلى أصالة عدم القرينة المتّصلة، ولا يقال: بأنَّ هذا الأصل أيضاً يكون تعبّدياً صرفاً إذا أجرى في المرتبة السابقة على أصالة الظهور؛ لأنَّ هذا الأصل مناطه هو وجود كاشف في المرتبة السابقة على ظهور اللفظ وبقطع النظر عنه، وهو كاشفية طبع العاقل عن عدم الغفلة، فإنّها على خلاف طبع العاقل الملتفت الواجد للحدّ المتعارف من الشعور.

فيكون عندنا كاشفان ومنكشفان، فطبع العاقل يكشف عن عدم الغفلة فهذه هي الكاشفية هو ملاك أصالة عدم القرينة وبعد أن ننقح عدم القرينة يتنقح عندنا تمامية الظهور التصديقي، فنرجع حينئذٍ إلى أصالة الظهور. هذا خلاصة ما يستنتج من كلامنا السابق من الجهة الثانية.

هذا تمام الكلام في الجهة الثانية.

الجهة الثالثة: في نسبة الكبرى إلى سائر الأُصول

هي بيان نسبة هذه الكبرى إلى سائر الأُصول بعناوينها المذكورة في كلمات الأُصوليين.

أمّا نسبة هذه الكبرى المسمّاة بأصالة الظهور إلى أصالة الحقيقة وأصالة العموم وأصالة الإطلاق ونحو ذلك من الأُصول الوجودية لو كان فهذا 

ــــــــــ[218]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

واضح، فإنَّ هذه الأُصول الوجودية بحسب الحقيقة حصّص من هذه الكبرى الكلّيّة ومصاديق منها على اختلاف بينها في المرتبة.

فإنَّ أصالة الحقيقة هي عبارة عن أصالة الظهور وحجّيّته في موارد الشكّ في إرادة المعنى الموضوع له في مقام الاستعمال وعدم إرادته كما إذا قال: (أكرم كلّ عالم) وشكّكنا بأنَّ أداة العموم هنا وهي كلمة (كلّ) هل استعملت في العموم أو استعملت في البعض مجازاً؟ في مثل المقام نقول: بأنّنا نتمسّك بأصالة الحقيقة، يعني: حجّيّة الظهور وأصالة الظهور، وأيّ ظهور؟ الظهور التصديقي الأوّل.

فمرجع أصالة الحقيقة إلى حجّيّة الظهور التصديقي الأوّل، وهو الظهور الكاشف عن الإرادة الاستعماليّة، فإنَّ اللفظ له ظهور تصديقي في أنّه استعمل في نفس معناه الظاهر منه تصوّراً. وقد يعبّر عن هذا الأصل بأصالة المطابقة بين المراد الاستعمالي وبين الظهور التصوّري للفظ.

فأصالة الحقيقة حصّة من حصّص أصالة الظهور، ومرجعها إلى حجّيّة الظهور التصديقي الأوّل من الظهورين التصديقيين اللذين أشرنا إليها فيما تقدّم.

وأمّا أصالة العموم فمرجعها إلى حصّة من حصّص أصالة الظهور، لكن الظهور الذي يكون حجّة في أصالة العموم هو الظهور التصديقي الثاني، لا الظهور الأوّل، بمعنى: أنَّ المولى بعد أنَّ يقول: (أكرم كلّ عالم) وبعد أن نثبت بأصالة الحقيقة أنَّه استعمل الأداة في العموم وأراد تفهيم العموم.. هنا يبقى كلام وهو استعماله للفظ في العموم هل كان بداعي الجد؟ بمعنى: أنَّ إرادته 

ــــــــــ[219]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

التشريعيّة الإلزاميّة أيضاً تعلّقت بالعموم حقيقة، أو أنَّه أراد إفهامنا العموم لمصلحة من المصالح؟

هنا في هذا المورد نجري أصالة العموم، ومعناها حجّيّة الظهور التصديقي الثاني الكاشف عن الإرادة الجدّيّة، وقد يعبّر عنه بأصالة المطابقة بين المراد الاستعمالي والمراد الجدي.

وكذلك أصالة الإطلاق فإنّها أيضاً حصّة من حصّص أصالة الظهور، فإنَّ مرجع مقدّمات الحكمة التي تستخلص منها أصالة الإطلاق إلى ظهور كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد، الذي هو الركن الأساسي في مقدّمات الحكمة.

وهذا الظهور ظهور سياقي تصديقي، ويكون صغرى من صغريات حجّيّة الظهور، فالركن الأساس لأصالة الإطلاق هو أصالة الظهور بهذا المعنى، وهو ظهور كون المتكلّم في مقام بيان تمام المراد.

فهذه الأُصول بحسب الحقيقة حصّص وأصناف من كبرى أصالة الظهور. وهذا ممّا لا ينبغي الكلام فيه.

وإنَّما يقع شيء من الكلام في ملاحظة النسبة بين أصالة الظهور وبين أصالة عدم القرينة.

الكلام في أصالة عدم القرينة

مثل هذا الكلام طبعاً نحن فهمنا ما هو الحقّ فيه في الجهة الثانية من نفس تكوين الفكرة التحليليّة عن الموضوع، فبهذا نستطيع الآن أن نُجيب على هذا السؤال عن النسبة بين أصالة الظهور وأصالة عدم القرينة.

ــــــــــ[220]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فإنّه بناءً على ما قلناه: أنَّ أصالة عدم القرينة له معنيان، أمّا أصالة عدم القرينة المنفصلة فلا وجود لها أصلاً، والنسبة ما بينهما نسبة الموجود إلى المعدوم. وأمّا نسبتها إلى أصالة عدم القرينة المتّصلة، فهي تجري إلى صف أصالة الظهور. فهما أصلان يجريان إلى صف واحد، وأحدهما ينفع موضوع الآخر في بعض الموارد.

ففي موارد الشكّ بالقرينة المتصلة نجري أصالة عدمها أوّلاً، ونجري أصالة الظهور ثانياً، وفي بعض الموارد نجري أصالة الظهور ابتداء، كما لو كنا لا نحتمل القرينة.

هذا هو الجواب الذي ينبغي أن نستوحيه ممّا بيّناه في الجهة الثانية، إلَّا أنّنا نلقي السؤال من جديد لأجل التعرض للنزاع الذي وقع بين الشيخ(1) وصاحب الكفاية(2) حول النسبة ما بين أصالة الظهور وأصالة عدم القرينة.

فإنَّ الشيخ الأعظم يُستظهر من بعض كلماته إرجاع أصالة الظهور إلى أصالة عدم القرينة، وأنَّ أصالة الظهور هو تعبير آخر عن أصالة عدم القرينة، والأصل الحقيقي هو أصالة عدم القرينة. وهذا إرجاع للأصل الوجودي إلى الأصل العدمي.

والآخوندعلى العكس تماماً، فقد قال: بأنَّ الصحيح هو إرجاع الأصل العدمي إلى الأصل الوجودي، فأصالة عدم القرينة مرجعه إلى أصالة الظهور.

ــــــــــ[221]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 45.

(2) انظر: كفاية الأُصول:329.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وبناءً على ما بيناه لا هذا يرجع الى هذا، ولا هذا يرجع إلى ذاك، بل كلاهما أصل مستقلّ برأسه. فأحدهما اسمه أصالة الظهور، والآخر اسمه أصالة عدم القرينة المتّصلة، وأحدهما يحقّق موضوع الآخر.

لكن هذين العلمين ادّعى كلاهما رجوع أحد هذين الأصلين إلى الآخر، بمعنى: أنَّ المدار على أحد الأصلين. فأحدهما قال: إنَّ المدار على أصالة عدم القرينة، والآخر قال: إنَّ المدار على أصالة الظهور ومن دون تفصيل.

فهنا نذكر وجهاً من هذين الدعويين المتقابلين للآخوند من ناحية والشيخ من ناحية فنذكر الوجه الذي ذكره الآخوند، ونذكر وجهاً آخر تبرعاً عن الشيخ مذكور في كلمات المحقّق العراقي(1)

ما ذكره صاحب الكفاية في المقام

أمّا الوجه الأوّل الذي ذكره الآخوند(2) لإرجاع أصالة عدم القرينة إلى أصالة الظهور، فقد ذكر في المقام: أنَّه في موارد الشكّ في إرادة المعنى الظاهري من اللفظ، كما لو شكّكنا أنَّ المولى يريد العموم من قوله: (أكرم كلّ عالم) أو لا يريد العموم، فهنا يُتصوّر حالتان: 

تارةً: نشكّ في هذا ونحتمل أنَّ المولى أقام قرينة إمّا متّصلة وإمّا منفصلة على إرادة الخصوص. 

وأُخرى: نقطع بأنَّ المولى لم يقم قرينة لا متّصلة ولا منفصلة على إرادة 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

(1) انظر: تنقيح الأُصول: 183.

(2) انظر: كفاية الأُصول:329، درر الفوائد في الحاشية على الفرائد: ٤۲ و٤۳.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الخصوص، لكنّنا نحتمل في الواقع أنَّ مراده هو الخصوص، لكنّه أخفى هذا لحكمة من الحكم.

لا إشكال ولا ريب في أنَّ السيرة العقلائيّة منعقدة على العمل بالظهور في كلّ من هذين القسمين، ففي مورد الشكّ في إرادة المعنى الظاهر مع احتمال نصب القرينة وفي مورد الشكّ في إرادة المعنى الظاهر

مع القطع بعدم نصب القرينة، ومن المعلوم في المورد الثاني وهو مورد الشكّ في إرادة المعنى الظاهر مع القطع بعدم نصب القرينة، لا معنى لأصالة عدم القرينة هنا، لأنّنا نقطع بعدمها، فإنَّ الشكّ ليس في القرينة، وإنّما الشكّ في أنَّ المولى أراد المعنى الظاهر أو أخفاه علينا، فهنا لا معنى لأن يقال: إنَّ العمل العقلائي مرجعه الى أصالة عدم القرينة، وهنا لا بُدَّ للشيخ أن يعترف بأنَّ التعبّد العقلائي والحجّيّة العقلائيّة بمعنى أصالة الظهور.

فإذا أعترف الشيخ بهذا في القسم الثاني فينبغي أن يعترف به في القسم الأوّل أيضاً؛ لأنَّ ظاهر البناء العقلائي أنَّه على نهج، لا أنَّ بناءهم في إحدى الحالتين يغاير بناءهم في الحالة الأُخرى.

هذا الكلام من قبل المحقّق الخراساني ينفع -مثلاً- في مقام إبطال ما أفاده الشيخ الأنصاري لو كان مراده هو هذا الذي يتراءى من عبارته.

إلَّا أنّه لا ينفع في مقام إثبات مقصوده في قبال دعوانا نحن(1)، فإنّنا نقول في 

ــــــــــ[223]ــــــــــ

() فإنّه يدلّ على عدم رجوع أصالة الظهور إلى أصالة عدم القرينة، ولا يدلّ على عدم تأصل كلّ منهما وقيامه برأسه والاحتياج إلى كلّ منهما في رتبته. (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

المقام: بأنَّه في الحالة الثانية لا معنى لإجراء أصالة عدم القرينة فيها وهذا تامّ، والعمل فيها على أصالة الظهور وهذا تامّ أيضاً، وأنَّ نهج العمل في كلتا الحالتين على نهج واحد وهذا صحيح أيضاً، فأصالة الظهور تجري في الحالة الثانية وفي الحالة الأولى.

إلَّا أنّنا ندّعي بأنّنا في الحالة الأولى حينما نشكّ في وجود القرينة المتّصلة نحتاج إلى أصلين: إلى أصالة عدم القرينة المتّصلة أوّلاً؛ لأجل أن تنقح موضوع أصالة الظهور وبعد هذا نُجري أصالة الظهور.

فهذا التحليل من قبل صاحب الكفاية لا يثبت مدّعاه في قبال مختارنا.

 وإن كان اعتراضاً على الشيخ الأعظم، فإنّنا لا ندّعي أنَّ أصالة الظهور دائماً معناها أصالة عدم القرينة ومرجعها إليه، بل نقول: عندنا أصالة الظهور وعندنا أصالة عدم القرينة، وأصالة عدم القرينة إنَّما يرجع إليها في الموارد التي يحتاج إليها في تنقيح موضوع أصالة الظهور.

فمثل هذا المختار لا يمكن أن يُناقش فيه بمثل هذا البيان الذي أفاده المحقّق الخراساني.

هذا ما ذكر من قبل المحقّق الخراساني في توجيه إرجاع أصالة عدم القرينة إلى أصالة الظهور، وهو لا يصلح أن يكون توجيهاً لإرجاع أصالة عدم القرينة إلى أصالة الظهور.

 نعم، هذا البيان يبين أنَّ أصالة الظهور أصل يجري برأسه، وهذا صحيح، لا لأنَّ أصالة عدم القرينة ترجع الى أصالة الظهور، بل هي أصل أيضاً برأسه ينقح موضوع أصالة الظهور في بعض الأحيان.

ــــــــــ[224]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بيان الشيخ الأعظم والمحقّق العراقي

وأمّا ما يُبيّن من قبل الشيخ في مقام الاستدلال على إرجاع أصالة الظهور الى أصالة عدم القرينة، فهو ما بيّنه المحقّق العراقي على ما في تقريرات بحثه(1):

أنَّ هذا الإرجاع إنّما يتمّ بناء على المسلك المشهوري، وهو المسلك القائل بقبح تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يتمّ بناء على المسلك الآخر القائل بعدم قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة.

أمّا أنّه لا يتمّ بناء على المسلك الآخر، وأنّه يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلو قال المولى: (أكرم كلّ عالم) فهنا احتمال إرادة خصوص العلماء العدول، وهذا الاحتمال له منشآن:

 أحدهما: أنَّ المولى نصب قرينة متّصلة وخفيت علينا، كما لو كان يحتمل أنّه قال: (أكرم كلّ عالم لا الفساق). 

ثانيهما: لاحتمال إرادة الخصوص، وهو أنَّ المولى أراد الإخفاء رغم إرادته للخصوص؛ لأنَّ المفروض جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فاحتمال الإخفاء في المقام معقول.

وأصالة عدم القرينة تنفي أحد هذين السببين لاحتمال إرادة الخصوص، فالسبب الأوّل وهو احتمال نصب القرينة؛ إذ تنفي وجود القرينة، وأمّا السبب الثاني لاحتمال إرادة خلاف الظاهر، وهو احتمال الإخفاء، فلا تنفيه أصالة عدم القرينة، فما الذي ينفيه؟ هو أصالة الظهور. إذن، فنحتاج الى أصالة الظهور في 

ــــــــــ[225]ــــــــــ

(1) انظر: تنقيح الأُصول: 183.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

قبال أصالة عدم القرينة، هذا بناءً على القول بجواز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

وأمّا لو قلنا بعدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأنَّ المولى إذا ألقى كلاماً كان في نفسه حجّة على معنى ولم يكن مراده هذا المعنى، فيجب عليه أن ينبه على ذلك قبل فوات وقت الحاجة، يعني: قبل ذهاب السائل من المجلس.

فإذا قلنا بهذا المطلب، فإذا قال المولى: (أكرم كلّ عالم)، هنا احتمال إرادة الخصوص ينشأ من منشأ واحد، وهو احتمال نصب القرينة؛ إذ مع عدم نصب القرينة نجزم بأنَّه قد أراد العموم؛ لأنَّ احتمال الإخفاء غير موجود هنا؛ لأنَّ الإخفاء أصبح أمراً قبيحاً، فاحتمال إرادة المعنى المخالف للظاهر، ليس له إلَّا منشأ واحد، وهو احتمال نصب القرينة المتّصلة.

إذن، فبأصالة عدم القرينة ننفي هذا السبب الواحد، ولا نحتاج بعد هذا الى إجراء أصل آخر، فرجع بهذا أصالة الظهور الى أصالة عدم القرينة. هذا هو خلاصة كلام المحقّق العراقي.

الرد على بيان العلمين

وأمّا جواب هذا الكلام، فهو أن نقول: بأنّكم حينما قلتم: بأنَّ احتمال إرادة خلاف الظاهر، أي: الخصوص، من قوله: (أكرم كلّ عالم)، ليس له منشأ بناءً على المسلك المشهوري، إلَّا سبب واحد، وليس له سببان، فهل قلتم بهذا المطلب بعد فرض حجّيّة الظهور، أو قبل فرض حجّيّة الظهور؟

إنَّ قلتم هذا قبل فرض حجّيّة الظهور. إذن، هذا خطأ، فإنَّ احتمال إرادة 

ــــــــــ[226]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

خلاف الظاهر هنا له منشآن، بقطع النظر عن حجّيّة الظهور:

 أحدهما: احتمال نصب القرينة، والآخر: احتمال تأخير القرينة إلى وقت آخر، وليس هذا أمراً قبيحاً؛ لأنَّ القبيح هو تأخير القرينة التي تكون في قبال الحجّة، والمفروض أنَّ هذا الظهور حاله حال المجمل، أو حال السكوت، فإنَّ الكلام الذي ليس بحجّة حاله حال عدم الكلام، فلو أنَّ المولى سكت أكان يقبح عليه أنَّ يؤخر القرينة؟ لا، فكذلك لا يقبح منه أنَّ يؤخّر القرينة بعد كلام ظاهر، مع فرض أنَّ الظهور ليس بحجّة، فهذا القانون العقلي إنّما يجري بعد فرض أصالة الظهور، فهو في طولها، فكيف يكون مغنياً عنها؟ 

 ومجرّد أصالة عدم القرينة مع هذا القانون العقلي لا يكفي، بدليل أنّه إذا صدر من المولى كلام مجمل ونقطع بعدم القرينة، فهل يمكن أن تستكشف هنا إرادة العموم؟ مع أنّنا فرضنا بدلاً عن أصالة عدم القرينة القطع بعدمها، والقانون العقلي موجود على حاله، ومع ذلك لا يمكننا استكشاف العموم؛ لأنّه لم يثبت حجّيّة هذا الكلام في العموم حتّى نستكشف للعموم. إذن، تطبيق القانون العقلي فرع أصالة الظهور فيستحيل أن لا يكون مغنياً عنها.

إذن، هنا لو قطع النظر عن أصالة الظهور وحجّيّته، فاحتمال إرادة خلاف الظاهر له سببان لا سبب واحد: 

أحدهما: احتمال نصب القرينة بالفعل. 

ثانيهما: احتمال تأخير القرينة إلى سنة. 

فلا يمكننا في المقام أن نكتفي بأصالة عدم القرينة بالفعل؛ لأنَّ احتمال تأخير القرينة موجود وليس فيه قبح حتّى ننفيه بالقانون العقلي.

ــــــــــ[227]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأمّا إذا فرضنا إنكم تقولون -بعد فرض حجّيّة الظهور- إنَّ احتمال إرادة الخصوص ليس له إلَّا منشأ واحد، وهو احتمال نصب القرينة بالفعل؛ إذ لو لم ينصب القرينة بالفعل وأخرها إلى سنة أُخرى لكان هذا قبيحاً منه؛ لأنَّه تأخير للبيان عن وقت الحاجة.

إذن، فقد سلّمتم في المرتبة السابقة بجريان أصالة الظهور؛ لأنَّ أصالة الظهور معناها حجّيّة الظهور، فلا يُعقل أنَّ يكون هذا القانون العقلي مغنياً من أصالة الظهور.

وهذا القانون العقلي الذي فرضتموه يبرهن على عدم تأخير القرينة، فإن فرضتم في المرتبة السابقة عليه حجّيّة الظهور فهو لا يُعقل أن يُغني عن أصالة الظهور، وإن لم تفرضوا فيه ذلك فلا يكفي هذا القانون العقلي. هذا تمام الكلام في هذه الجهة الثالثة.

وقد اتّضح منها أنَّه لا برهان تامّ على إرجاع أصالة عدم القرينة إلى أصالة الظهور، ولا برهان تامّ على إرجاع أصالة الظهور إلى أصالة عدم القرينة، وإنَّما الصحيح هو القول: بأنَّ كلاً منهما أصل برأسه، غاية الأمر أنَّه تارةً نحتاج إلى كلا الأصلين معاً، وأُخرى نحتاج إلى أحدهما دون الآخر.

إعادة بيان

وبعبارة أُخرى(1): أنَّ الدعوى المفهومة من كلام الشيخ الأعظم، وهي أنَّ 

ــــــــــ[228]ــــــــــ

() لخّص سيّدنا الأُستاذ في مبدأ محاضرته رأي المحقّق الخراساني في رجوع أصالة عدم القرينة إلى أصالة الظهور، مع مناقشته كما سبق. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

أصالة الظهور ترجع إلى أصالة عدم القرينة، التي لم يقرّبها بوجه فنّي في عبائره، وقد تصدى المحقّق العراقي(1) لتقريبها فربطها بمسألة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة وعدمه.

ولأجل توضيح ما أفاده، وتوضيح الإشكال على ما أفاده يجب أن نعرّف مسألة تأخير البيان عن وقت الحاجة تعريفاً تصوّرياً، فنقول: بأنَّ هناك نزاعاً معروفاً يحرر في بحث العموم والخصوص تارةً، وفي بحث التعادل والتراجيح أُخرى، وهو أنّه هل يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة أو لا يجوز؟ وليس مقصود المتنازعين من هذا العنوان البحث في أنَّ المولى هل يجوز له أن يسكت ويؤخر البيان بمعنى أنّه يسكت، أو لا يجوز له أن يسكت؟ فإنَّ جواز السكوت بالنسبة إلى المولى مفروغ عنه، بل المراد بتأخير البيان عن وقت الحاجة هو أنَّ المولى هل يجوز له أن يعتمد على القرائن المنفصلة أو لا يجوز ذلك؟ هذا هو معنى هذه المسألة.

فالبعض يقول: بأنَّ المولى لا يجوز له أن يعتمد على القرائن المنفصلة، ممّا يعني أنّه لو تكلّم بكلام فقال: (أكرم كلّ عالم) وكان مراده خصوص العلماء، فهنا لا يجوز له أن يعتمد على قرينة منفصلة سوف تأتي بعد شهرين أو بعد سنتين؛ لأنَّ الاعتماد على القرائن المنفصلة هو الذي يُسمّى بتأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا يُدّعى قبحه عقلاً. إذن، فلا يجوز الاعتماد على القرائن المنفصلة.

ــــــــــ[229]ــــــــــ

(1) انظر: مقالات الأُصول 2: 59 – 63.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ومن هنا يستكشف أرباب هذا المسلك من كلّ قرينة منفصلة وجود قرينة متّصلة كانت ملتصقة مع العامّ، إلَّا أنَّها فرق بينها وبين العامّ بسبب من الأسباب.

وهناك جماعة آخرون يقولون بجواز الاعتماد على القرائن المنفصلة كالاعتماد على القرائن المتّصلة، فالمولى يجوز له أن يقول: (أكرم كلّ عالم) وينصب الحجّة على العموم، ثُمَّ يعتمد في توضيح الحال ورفع الاشتباه على قرينة يذكرها بعد سنة. هذا هو معنى هذه المسألة.

بعد أن تتضح هذه المسألة حينئذٍ يتضح وجه تقريب المحقّق العراقي في المقام، ويتضح وجه بطلان ما أفاده.

أمّا ما اُفيد من قبله فحاصل توضيحه: أنّنا في مسألة جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، إن قلنا بالجواز، يعني: أنَّ المولى كما يجوز له أن يعتمد على القرائن المتّصلة، كذلك يجوز له أن يعتمد على القرائن المنفصلة. إذن، فلا يتم ما أفاده الشيخ من رجوع أصالة الظهور إلى أصالة عدم القرينة، وأنَّ الأصل الوحداني هنا هو أصالة عدم القرينة، لا يمكن أن نقول هذا؛ لماذا؟ لأنَّ الشكّ في إرادة المعنى المخالف للظهور -وهو الخصوص في المثال- له منشآن: تارةً ينشأ من ناحية احتمال قيام قرينة متّصلة، وأُخرى ينشأ من ناحية احتمال قرينة منفصلة؛ لأنَّ المفروض أنَّ المولى يجوز له أن يعتمد على القرائن المفصلة.

والسبب الأوّل للشكّ وهو نصب القرينة المتّصلة يمكن أن ندفعه بأصالة عدم القرينة، ولكن السبب الثاني للشكّ، وهو نصب القرينة المنفصلة، لا 

ــــــــــ[230]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

يمكن أن نرفعه بأصالة عدم القرينة؛ لأنَّ معنى أصالة عدم القرينة عند الشيخ العراقي هو معناها عندنا، وهو أصالة عدم القرينة المتّصلة، لا أصالة عدم القرينة المنفصلة.

إذن، فالسبب الثاني للشكّ يبقى على حاله، وهو احتمال القرينة المنفصلة، ولا يُدفع هذا الاحتمال بأصالة عدم القرينة؛ لأنَّ هذا الأصل إنّما يدفع احتمال القرينة المتّصلة فقط، ولا يدفع احتمال القرينة المنفصلة.

إذن، فنحتاج في دفع احتمال السبب الثاني -وهو احتمال القرينة المتّصلة- إلى الرجوع إلى أصالة الظهور.

إذن، قد ثبت بهذا تأصّل أصالة الظهور، وكونها أصلاً برأسها، وبطل كلام الشيخ، هذا على مبنى جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وجواز الاعتماد على القرائن المنفصلة.

وأمّا إذا قلنا بعدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، يعني: أنَّ المولى لا يجوز له أن يعتمد على القرينة المنفصلة، بل إذا أراد الخلاف فيجب أن يبينه فوراً.

 فحينئذٍ حينما يقول المولى: (أكرم كلّ عالم)، ونحتمل أنَّ المولى يريد الخصوص، وهذا الاحتمال لا منشأ له إلَّا سبب واحد وهو احتمال القرينة المتّصلة؛ ولا يبقي له منشأ آخر؛ لأنَّ المفروض أنَّ المولى لا يجوز له أن يعتمد على القرينة المنفصلة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة. إذن، فلم يبق منشأ لاحتمال إرادة الخصوص إلَّا احتمال القرينة المتّصلة.

فإذا فُرض أنّه انحصر المنشأ في خصوص هذا السبب، فهذا السبب ندفعه بأصالة عدم القرينة، فإذا دفعناه بأصالة عدم القرينة، فحينئذٍ لا يبقى عندنا 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

منشأ لاحتمال إرادة الخصوص؛ لأنَّ المنشأ الثاني باطل بالبرهان العقلي، والمنشأ الأوّل مدفوع بأصالة عدم القرينة. فلماذا نرجع إلى أصالة الظهور وأيّ فائدة منها؟ لأنَّ الفائدة التي تراد منها هو نفي إرادة الخصوص، وهذا بنفسه منفي بلا حاجة إلى أصالة الظهور.

وحينئذٍ يتمّ ما أفاده الشيخ من أنَّ أصالة عدم القرينة هو الأصل، وأنَّ أصالة الظهور لا أصل لها. هذا هو توضيح ما أفاده المحقق العراقي.

الإشكال على ما أفاده المحقّق العراقي

بعد هذا التوضيح يتضح أيضاً الإشكال عليه، وذلك: أنّنا إذا اخترنا أنَّ المولى لا يجوز له أن يعتمد على القرائن المنفصلة، فيجوز لنا بضمّ هذا المبنى إلى أصالة عدم القرينة المتّصلة استكشاف إرادة العموم بلا حاجة إلى أصالة الظهور، فيكفي ويعوّض عن أصالة الظهور، أو أنّه يحتاج ذلك في المرتبة السابقة إلى إجراء أصالة الظهور.

الدعوى: أنّه يحتاج في المرتبة السابقة إلى إجراء أصالة الظهور، ولو لم نجر أصالة الظهور في المرتبة السابقة، فلا يمكن أن ننفي بالبرهان العقلي احتمال القرينة المنفصلة.

وذلك لأنَّه إنّما يقع على المولى الاعتماد على القرائن المنفصلة، فيما لو فُرض أنَّ المولى كان قد تكلّم كلاماً يكون حجّة في العموم يقبح منه الاعتماد في إرادة الخصوص على قرينة منفصلة. 

وأمّا لو فُرض أنَّ المولى تكلّم بكلام لم يكن حجّة في إرادة العموم، بل كان 

ــــــــــ[232]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

مجملاً، أو أنَّ المولى سكت ولم يتكلّم أصلاً، ففي مثل هذا لا يقبح منه الاعتماد على القرينة المنفصلة وعلى كلام متأخّر.

إنّما يقبح من المولى الاعتماد في إرادة الخصوص على القرينة المنفصلة فيما لو فُرض أنَّ المولى كان قد تكلّم كلاماً، وكان ذاك الكلام حجّة في إرادة العموم، وحينئذٍ يكون قد أوقع المولى عبده في الاشتباه، فلا يجوز له أن يعتمد في رفع هذا الاشتباه عند العبد على القرينة المنفصلة.

ومن المعلوم أنّنا في المقام إمّا أن نقول بجريان أصالة الظهور في المرتبة السابقة، وإمّا ألَّا نقول بذلك، ففي قوله: (أكرم كلّ عالم) فإن لم نقل بجريان أصالة الظهور في المرتبة السابقة. إذن، فهذا الكلام ليس بحجّة في معنى العموم، فإذا لم يكن حجّة في معنى العموم فلا يقبح تأخير القرينة؛ لأنَّ الاعتماد على القرائن المنفصلة إنّما يقبح، وإنّما يجب الإسراع بها فيما لو صدر من المولى كلام يكون في نفسه حجّة في إثبات العموم.

 وأمّا لو لم يصدر من المولى كلام يكون في نفسه حجّة في إثبات العموم، فلا قبح في أن يعتمد في بيان مراده على كلام سوف يقع بعد سنة.

إذن، فإذا أنكرنا في المرتبة السابقة جريان أصالة الظهور فلا يمكننا أن ننفي احتمال القرينة المنفصلة بالبرهان العقلي؛ لأنّها لا يكون فيها قبح أصلاً؛ لأنَّ مفروض البحث أنَّ الكلام الذي صدر من المولى ليس حجّة في إثبات المعنى الظاهر؛ إذ لم نجر حتّى الآن أصالة الظهور، فلا يبقى حينئذٍ قبح في الاعتماد على القرينة المنفصلة لأجل أن ننفي احتمالها بالبرهان العقلي.

وإنَّما يصبح الاعتماد على القرينة المنفصلة قبيحاً فننفيها بالبرهان العقلي؛ لو 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

سلّمنا قبل ذلك أنَّ العامّ ظاهر في العموم وحجّة فيه، وأمّا لو لم نسلّم حجّيّته في العموم، وقلنا: إنَّ حال العامّ حال المجمل وحال السكوت، فحينئذٍ لا يكون هناك قبح في القرينة المنفصلة لأجل أن نقول بقبحها على عدم نصبها، وعلى عدم الاعتماد عليها. 

هذا تمام الكلام في الجهة الثالثة في بيان النسبة بين هذه الكبرى وسائر الكبريات. 

الجهة الرابعة: التفصيلات في هذه الكبرى

الجهة الرابعة: جهة التفصيلات في هذه الكبرى، فقد فُصّل في هذه الكبرى بتفصيلات:

التفصيل الأوّل: التفصيل بين المقصود بالإفهام وغير المقصود بالإفهام. 

وهو تفصيل في الكبرى، وهو مختار المحقّق القمي(1) صاحب القوانين، حيث فصّل بين المقصود بالإفهام وغير المقصود بالإفهام، فذكر: أنَّ الكلام الظاهر في معنى يكون حجّة بالنسبة إلى المقصود بالإفهام، ولا يكون حجّة بالنسبة إلى غير المقصود بالإفهام.

نكتة ذلك عند المحقّق القمي

ونكتة ذلك -على ما شرحه شراح هذه النظرية(2)– هو أنَّ المقصود بالإفهام، إذا احتمل وجود القرينة المتّصلة يمكنه أن ينفيها بأصالة عدم القرينة، 

ــــــــــ[234]ــــــــــ

(1) انظر: قوانين الأُصول 1: 452. 

(2) انظر: فرائد الأُصول 1: 60- 62.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأمّا غير المقصود بالإفهام فلو احتمل القرينة المتّصلة فلا يمكنه أن ينفيها بأصالة عدم القرينة.

أمّا أنَّ المقصود بالإفهام يمكنه أن ينفي وجود القرينة بأصالة عدم القرينة، فمن ناحية أنَّ احتمال وجودها مع عدم الالتفات إليها مساوق لاحتمال غفلته، وحيث إنَّ غفلته على خلاف الطبع، فأصالة عدم الغفلة هي بنفسها معناها أصالة عدم القرينة، فتكون دليلاً على عدم القرينة المتّصلة، فإذا نفى القرينة المتّصلة فيتنقح عنده ظهور تصديقي، فحينئذٍ يجري أصالة الظهور ويعمل به.

 وأمّا غير المقصود بالإفهام فإنّه يحتمل أنّه كان هناك قرينة بين المتكلّم والسامع، وأنَّ هذه القرينة قرينة خاصّة بالمتكلّم والسامع، ومنصوبة بينهما بحيث يختصّ علمه بهما. 

وهذا أمر معقول: أن ينصب شخصان متحادثان قرينة يختصّان بعلمهما ويتحدثان على ضوئها فيما بينهما، فالشخص الآخر الذي يستمع إلى هذا الحديث، وهو غير مقصود بالإفهام يحتمل وجود قرينة من هذا النوع، لا من ذاك النوع الذي يكون عدم الالتفات إليه من باب الغفلة، بل من باب أنَّ عدم الاطلاع عليه ناشئ من أنّه لا يشاركهما في طبيعة علاقاتهما وصداقاتهما، ففي مثل هذا لا تجري أصالة عدم القرينة 

فإذا لم تجر أصالة عدم القرينة فلا يمكنه التمسّك بأصالة الظهور؛ لأنَّ أصالة الظهور موضوعها هو الظهور وهو غير محرز؛ لأنَّ انعقاد الظهور فرع قيام القرينة المتّصلة.

ــــــــــ[235]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

هذا هو الفرق بين المقصود بالإفهام وغير المقصود بالإفهام. 

وملخّص الفرق: أنَّ المقصود بالإفهام حينما يشكّ بالقرينة المتّصلة معناه الشكّ في غفلة نفسه، فبأصالة عدم الغفلة ينفي هذه القرينة. 

وأمّا غير المقصود بالإفهام حينما يشكّ، فمعناه احتمال التواطؤ بين المتكلّم والسامع على مطلب هو لا يعرفه ولم يطلع عليه. وهذا الاحتمال لا ينفى بأصالة عدم القرينة ولا بأصالة عدم الغفلة؛ لأنّه ليس مساوق مع الغفلة.

هذا هو ما شرح به المطلب مع شيء من التحويرات والتطويرات التي توجب تطبيق المطلب على مبانينا.

جواب الأعلام ومناقشته

وأجاب أكثر الأعلام عن ذلك، كالمحقّق النائيني(1) والسيّد الأُستاذ(2) وغيرهما عن ذلك: بأنَّ أصالة عدم القرينة أصل بنفسه في قبال أصالة عدم الغفلة، وليس الملاك في أصالة عدم القرينة هو أصالة عدم الغفلة، حتّى يقال حينئذ: إنَّه في مورد عدم الغفلة لا تجرى أصالة عدم القرينة، بل عندنا أصلان عقلائيان: 

أحدهما: أصالة عدم الغفلة. 

ثانيهما: أصالة عدم القرينة.

فإذا فُرض تأصّل هذا الأصل وكونه أصلاً برأسه في مقابل أصالة عدم 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 3: 159.

(2) انظر: مصباح الأُصول 2: 140.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الغفلة، فحينئذٍ يجريه غير المقصود بالإفهام كما يجريه غير المقصود بالإفهام على حدٍ واحد.

إلَّا أنَّ مثل هذا الكلام انقدح بطلانه من أبحاثنا السابقة في هذه المسألة؛ وذلك لأنَّ أصالة عدم القرينة ليس لها وجه ولا ملاك للكاشفيّة والأماريّة، إلَّا مسألة عدم الغفلة، بمعنى: أنَّ أصالة عدم القرينة لا بُدَّ من تطويرها بنحو تكون حجّة من باب الكاشفيّة والأمارية لا من باب التعبّد الصرف؛ لأنَّ التعبّد الصرف غير موجود في باب الأُصول العقلائيّة اللفظيّة، كما هو مسلّم فيه عند هؤلاء المشكلين أيضاً.

فلا بدَّ من تصوير نكتة للكشف والأماريّة في أصالة عدم القرينة، فإذا ثبت أنّه لا توجد نكتة للكشف عن عدم القرينة المتّصلة في جميع الموارد، فحينئذٍ كيف تجري أصالة عدم القرينة؟! كما إذا شكّ في وجود القرينة من ناحية ثقل سمع السامع المقصود بالإفهام (1).

ففي مثل هذا لا نجري أصالة عدم القرينة، فإنَّ احتمال عدم القرينة هنا مساوق لاحتمال القرينة، فاحتمال وجودها واحتمال عدمها على حدٍّ واحد، ولا يوجد هناك كشف في احتمال عدمها أقوى من الكشف في احتمال وجودها حتّى يجري العقلاء أصالة عدم القرينة في مثل هذا المقام، أو لو فرض أنَّ المولى كتب كتاباً إلى عبده يأمره فيه، وفرضنا أنَّ هذا الكتاب قطعت منه قطعة في 

ــــــــــ[237]ــــــــــ

() وكما إذا تكلّم المولى ثُمَّ انخفض صوته، واحتمل أنَّه نصب قرينته على مراده، واحتمل أنّه لم ينصب قرينته. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الرقابة العسكرية، وأحتمل هذا العبد أن يكون في هذه القطعة قرينة تشرح مراد المولى ومقصوده، ففي مثل هذا لا نجري أصالة عدم القرينة، فإنَّ احتمال كون المولى قد كتب قرينة في هذه القطعة الممزوقة مساوق مع احتمال العدم، وليس في احتمال العدم هنا نريد في مقام الكشف والحكائية والمرآتية أقوى من مزية احتمال الوجود.

فلو فرض -والحالة هذه- أنَّ العقلاء بنوا على أصالة عدم القرينة لكان هذا أصلاً تعبّدياً صرفاً، يعني: من باب ترجيح أحد المتساويين بالاحتمال على الآخر بلا مرجح لا شخصي ولا نوعي. وهذا هو معنى التعبّد الصرف في التمسّك بالأصل. وهذا خلاف الضرورة من ارتكازات العقلاء، وخلاف المتسالم عليه من قبلهم جميعاً.

فكيف يُدّعى في المقام أنَّ أصالة عدم القرينة أصل برأسه في قبال أصالة عدم الغفلة من دون أن يفتشوا ويحقّقوا في نكتة عامّة توجب كاشفية زائدة في احتمال عدم القرينة على احتمالها، مع أنَّه لا توجد مثل هذه النكتة العامّة في سائر الموارد. فهذا الجواب الذي أجابوا به ممّا لا يرجع إلى محصل.

*****

قلنا(1): إنَّ الأعلام أجابوا على ذلك: بأنَّ أصالة عدم القرينة ليست من فروع أصالة عدم الغفلة، بل هو أصل برأسه، فحينئذٍ فمتى ما شك في نصب 

ــــــــــ[238]ــــــــــ

() لخّص سيّدنا الأُستاذ أولاً رأي المحقّق القمي في كون الظهور حجّة بالنسبة الى المقصود بالإفهام دون غيره، ثُمَّ قال:… (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

القرينة المتّصلة يجري أصالة عدمها، من دون فرق بين أن يكون السبب في احتمال نصب القرينة المتّصلة وعدم الالتفات إليها هو الغفلة، أو أن يكون عدم الالتفات إليها ناشئاً من سبب آخر غير الغفلة، فعلى أيّ حالٍ تجري أصالة عدم القرينة.

 ونحن قلنا: بأنَّ هذا الجواب لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لأنَّ احتمال القرينة واحتمال عدمها لا بُدَّ أن يعترفوا بتساويهما من حيث القوة الاحتمالية الشخصيّة والنوعيّة، غاية الأمر أنَّ العقلاء من باب التعبّد الصرف حكموا بإجراء أصالة عدم القرينة، يعني: قدموا احتمال عدم القرينة على احتمالها، بلا ميزة كشفية ونوعية لذاك الاحتمال على هذا، فإن اُعترف بذلك فهذا خلف المفروض؛ لأنَّه هذا يؤدي إلى الالتزام بكون أصالة الظهور وأصالة عدم القرينة من الأُصول التعبّديّة الصرفة، وهذا خلاف المرتكز عقلائياً، وخلاف المسلّم في البحث من قبلهم.

وإن ادّعي أنَّ احتمال عدم القرينة فيه نكتة في مقام الكشف النوعي، وبلحاظها قدم العقلاء احتمال عدم القرينة على احتمال القرينة، فحينئذٍ نطالبهم ببيان هذه النكتة العامّة.

ففي موارد كون الشكّ في القرينة ناشئاً من احتمال الغفلة النكتة هناك واضحة، وهي: أنَّ الغفلة على خلاف الطبع العقلائي، فاحتمال عدم القرينة على وفق الطبع العقلائي، فيكون احتمال العدم أوجه من احتمال الوجود. وتلك الأوجهيّة في مقام الكشف والحكاية، فيعقل جعل الحجّيّة على وجه الأمارية، ولكن لا توجد هناك نكتة عامّة في مقام الكشف والأمارية تقتضي 

ــــــــــ[239]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

كون احتمال عدم القرينة بما هو احتمال لعدم القرينة أرجح من احتمال وجود القرينة بما هو احتمال وجود القرينة، وإلَّا فأيّ نكتة، وأيّ أرجحية في احتمال عدم القرينة على احتمال وجودها، ففيما لو كان احتمال نصبها ناشئاً من الشكّ الناشئ من ثقل السمع أو من تمزق الورقة ونحو ذلك.

 فهذا الجواب منهم بحسب الحقيقة يؤدّي بهم إلى الالتزام بتعبّديّة أصالة عدم القرينة، بعد أن لا يكون هناك نكتة عامّة. ومن المعلوم أن هذا التالي باطل، فالجواب أيضاً لا يمكن المساعدة عليه.

وما ينبغي أن يقال في المقام هو: إنَّ غير المقصود بالإفهام احتماله لإرادة خلاف معنى الظاهر له مناشئ:

المنشأ الأوّل: إنَّما ينشأ هذا الاحتمال من احتمال الإخفاء، وأنَّ المتكلّم في مقام الإجمال والإلغاء، وهذا المنشأ هو موجود عند غير المقصود بالإفهام كما هو موجود عند المقصود بالإفهام، لو أريد من المقصود بالإفهام السامع، فإنَّ السامع أيضاً قد يحتمل في المقام عدم إرادة المعنى الظاهر من ناحية تعلّق غرض المتكلّم بالإخفاء، وعدم كون المتكلّم في مقام البيان مع القطع بعدم القرينة.

وهنا كما يرجع السامع إلى أصالة الظهور بلا إشكال، كذلك يرجع غير السامع إلى أصالة الظهور بلا إشكال؛ لأنَّ المفروض أنّهما قاطعان بعدم نصب القرينة، فهما قاطعان بأنَّ الظهور التصديقي قام في نفس الأمر والواقع، غاية الأمر يحتملان أنَّ المولى إرادته ليست على طبق ظهور كلامه التصديقي، مثل هذا الاحتمال خفي منفي بنفس أصالة الظهور، فإنَّ هناك ظهوراً من الظهورات 

ــــــــــ[240]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

السياقيّة العقلائيّة، وهو ظهور حال المتكلّم في أنَّه في مقام إبراز مرامه بكلامه، فلا يُفرّق في هذا الظهور بين السامع وغيره، وليس بابه باب الشكّ في القرينة حتّى يقال: إنَّ أحدهما يجري أصالة عدمها والآخر لا يجريها، بل كلاهما يجري أصلاً واحداً هو أصالة الظهور ولا تجريان أصالة عدم القرينة؛ إذ لا شكّ فيها حتّى يجريان أصالة عدمها، ففي هذا الفرض لا يفرق بين السامع وغير السامع.

المنشأ الثاني: أن يُحتمل أنَّ المولى اعتمد على قرينة منفصلة، مع الجزم بعدم نصب قرينة متّصلة، فإنَّ المولى ليس في مقام الإخفاء المطلق، بل هو في مقام الإخفاء المؤقت، مع اعتماده على قرينة منفصلة في مقام إبراز مراده ومرامه، من دون فرق بين أن تكون هذه القرينة المنفصلة، بمعنى: أنَّها في الزمان المستقبل وأنها سوف تأتي، أو بمعنى: أنَّها في الزمان الماضي، وأنَّها قد سبقت.

مثل هذا الاحتمال بنفسه يوجد عند المقصود بالإفهام، كما يوجد عند غيره، فإن المقصود بالإفهام، وهو زرارة -مثلا- قد يحتمل أنَّ الإمام قد اعتمد على قرينة منفصلة سابقة أو لاحقة غير متّصلة بكلامه.

وهنا كلاهما أيضاً يرجع إلى أصالة الظهور، بلا فرق بينهما في ملاك الرجوع أصلاً؛ لأنَّ المفروض بأنَّ كلاً منهما يقطع بعدم القرينة المتّصلة، وإنَّما يشكّ في المنفصلة، فما دام السامع وغير السامع يقطعان بعدم القرينة المتّصلة، فهما يقطعان بأنَّ الظهور التصديقي قد تمّ من قبل المتكلّم، وإنَّما يحتملان وجود قرينة منفصلة على خلافه، فهنا يرجعان إلى أصالة الظهور.

ــــــــــ[241]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وملاك الرجوع أيضاً هو الكشف النوعي، فإنَّ ظاهر العاقل أنّه يعتمد في مقام بيان مرامه على شخص كلامه، لا على مجموع الكلمات التي تكلّمها من أوّل حياته إلى آخر حياته، ومثل هذا الظهور هو الميزان في مقام إجراء أصالة الظهور من قبل كلّ منهما.

 وهذا الظهور لا يُعقّل أن يُفرّق فيه بين المقصود بالإفهام وغيره، فإنَّ هذا الظهور حالة خاصّة بالمتكلّم، لا حالة خاصّة بالسامع، فكلّ منهما يستفيد من هذا الظهور ويجري أصالة الظهور.

إذن، هذا السبب الثاني الذي ينشأ منه الشكّ عند غير المقصود بالإفهام، وهو أيضاً مشترك الورود بينه وبين السامع المقصود بالإفهام.

المنشأ الثالث: أنَّ غير المقصود بالإفهام غير المخاطب، فيشكّ في أنّه هناك قرينة متّصلة وأنّه غفل عنها؛ وذلك بأن نفرض أنَّ غير المخاطب أيضاً كان يسمع الحديث من الإمام، كما كان يسمعه المخاطب، ويحتمل هذا المسترق السمع أنَّ الإمام قد أتى بلفظة تكون قرينة، وأنّه غفل عنها.

وهذا الاحتمال بنفسه أيضاً موجود في زرارة، فإنّه أيضاً يحتمل أنَّ الإمام أتى بقرينة، وأنّه قد غفل عنها، وكما أنَّ غفلة زرارة خلاف طبع زرارة، وغفلة هذا المسترق السمع أيضاً خلاف طبع هذا المسترق للسمع، فأصالة عدم الغفلة تجري فيهما بملاك واحد وعلى نحو واحد، ويرجع كلّ منهما حينئذٍ إلى أصالة الظهور بعد نفي احتمال القرينة ببركة أصالة عدم الغفلة، فهذا المنشأ الثالث أيضاً مشترك بين المخاطب وغير المخاطب.

ــــــــــ[242]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

المنشأ الرابع: أنَّ الأسباب التي تكون منشأ لشكّ غير المخاطب، هو: أنَّ غير المخاطب يحتمل أن يكون هناك عرف خاص واصطلاح خاص ولغة مخصوصة بين الإمام وزرارة، بين المتكلّم والمخاطب، وأن يكون هذا العرف الخاص قرينة على خلاف المراد، وهو لا يعرف هذا العرف الخاص وهذا الاصطلاح الخاص، كما في شخص يستمع إلى حديث المولى إلى عبده، فيقول له: (جئني بالماء) ثُمَّ يرفع بيده المسبحة، وهنا يُحتمل أنَّ من عُرف هذا المولى والعبد فيما بينهما على أنَّ رفع المسبحة من قبل المولى بعد هذا الكلام يكون قرينة على مراده بالماء هنا ليس هو الماء المطلق، بل هو (السكنجبين).

وهذا الاحتمال لا يجري طبعاً بالنسبة إلى المخاطب؛ لأنَّ المخاطب لو كان قد قرّ قراره على هذا لعرف به، مع قطع النظر عن احتمال الغفلة والنسيان.

نعم، هذا السبب الرابع ممّا يختصّ به عادة غير المخاطب، ويتميّز فيه عن المخاطب، إلَّا أنَّ هذا المنشأ أيضاً منفي بالأصل العقلائي، لا الأصل العقلائي تعبّداً، بل أيضاً باعتبار الكشف النوعي والظهور العرفي، فإنَّ الظاهر من العاقل حينما يتكلّم إذا كان يعيش في مجتمع يؤمن باللغة أنَّه يتكلّم بلغة المجتمع، لا أنَّه يتكلّم باصطلاحات مخصوصة، يعني: أنَّ طبع كلّ عاقل يعيش في المجتمع ويتعايش مع غيره ممّن يتخاطب باللغة هو أنّه يعتمد في مقام تفهيم مراداته على اللغة المشتركة ما بين أفراد المجتمع، لا على لغة يضعها بنفسه ويختصّ بها مع مخاطبه، ونفس هذا المطلب خلاف طبع العاقل أيضاً، فإنَّ مقتضى طبع العاقل أنَّه يستعمل نفس أدوات التفهيم التي يستعملها غيره ما لم 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

يشذ عن هذا بدليل مخصوص، وإلَّا فمقتضى الظهور ذلك. وهذا ظهور عقلائي يكون ملاكاً لنفي مثل هذا الاحتمال في المقام.

ولهذا لا نشكّ في جريان السيرة العقلائيّة؛ على هذا لو وِجِدَ مثل هذا الاحتمال، والنكتة في ذلك هو وجود هذا الكشف النوعي الذي يكون ملاكاً لجريان أصالة عدم القرينة.

فهذا السبب الرابع وإن كان يختصّ به غير المقصود بالإفهام، ولا يجري في المخاطب عادة، إلَّا أنَّ هذا السبب أيضاً على خلاف الطبع العقلائي كالغفلة، وهو الخروج على لغة المجتمع والاعتماد على لغة خاصّة، فهو أيضاً على خلاف الطبع العقلائي فيكون منفياً بالأصل.

المنشأ الخامس: أنَّ غير المخاطب -غير زرارة- يحتمل أنّه حين كان يتكلّم الإمام مع زرارة كانت حالة وجههما وانطباعاتهما، أو حالتهما النفسيّة الخاصّة، أو مجموع ما كان مستحضراً في ذهن زرارة والإمام من كلام سابق انتهوا منه قبل قليل، وأنَّ ذاك الشيء المادي الذي يرجع إلى قسمات الوجه، أو المعنوي الذي يرجع إلى استحضار معانٍ تفصيلية موجودة في ذلك الوقت؛ لعلّ ذاك الشيء يكون قرينة حالية، وأنَّ هذه القرينة اعتمد عليها الإمام في مقام تفهيم زرارة.

وفي جملة من الروايات(1) يسأله مثلاً: أنَّ الأرض إذا أصابتها الشمس هل 

ــــــــــ[244]ــــــــــ

() وسائل الشيعة 2: 1042، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحديث1و2. ونصّ الرواية: “سألت أبا جعفر عن البول يكون على السطح، أو في المكان الذي يصلى فيه؟ فقال: إذا جفّفته الشمس فصلّ عليه، فهو طاهر“. ورواية أُخرى عن زرارة: “قلنا لأبي عبد اللَّـه: السطح يصيبه البول، أو يبال عليه يصلّى في ذلك المكان؟ فقال: إن كان تصيبه الشمس، والريح وكان جافّا فلا بأس به، إلَّا أن يكون يُتخذ مبالا“.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

تطهر، قال: (تطهر) فمن المحتمل أنَّ قوله: (تطهر) بعنوان الاستنكار، لا بعنوان الإثبات، فيحتمل أن تكون هناك حالة في قسمات وجه الإمام وحيث إنّنا لم نحظ بالتشرف برؤية تلك القسمات؛ ولهذا فاتتنا هذه القرينة الحالية التي التفت إليها السامع وعرف المعنى منها. 

وهذا المطلب أيضاً يختصّ بغير المخاطب ولا يأتي في المخاطب عادة، وهذا السبب لا دافع له أصلاً لو وجد، ومثل هذا الاحتمال لو وجد في ذهن غير المخاطب، بحيث كان هناك احتمال عقلائي معتدّ به، فمثل هذا الاحتمال لا دافع له بحسب الخارج.

وما يرى بحسب الخارج من أنَّ غير المخاطب يعوّل على ظهور الكلام، باعتبار أنَّ الغالب عدم وجود مثل هذا الاحتمال عدم تصوّر مثل هذه القرينة الحالية؛ وإلَّا لو فُرض في مورد أنّه كان هناك تصوّر محدد تفصيلي في ذهن العقلاء، بحيث يحتملون وجود قرينة حالية، ويتصوّرون كيف تكون القرينة الحالية، لو وجد مثل هذا عند غير المخاطب، فحينئذٍ لا يتمسّكون بظهور الكلام، ومثل هذا الاحتمال لا يمكن نفيه بأصالة عدم القرينة؛ لأنّنا لو أجريناها هنا لكان هذا أصلا تعبدياً صرفاً؛ إذ لا يوجد أيّ كشف نوعي وامتياز نوعي؛ لاحتمال عدم القرينة على احتمال وجودها. 

ــــــــــ[245]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ومن هنا نتوقف في مقام نفي هذه القرينة الحالية، يعني: نفي هذا السبب الخامس فنتوقف على شهادة نفس المخاطب.

فلو لم يشهد المخاطب بأن سمعنا الكلام من المسجلة؛ بحيث أخذنا الصوت الشريف من المسجلة لا من زرارة الذي سمع من الإمام. واحتملنا احتمالاً عقلائياً أنّه كان هناك عمل مخصوص، بحيث يصلح أن يكون قرينة، المسمّى بـ(القرينة الحالية) إذا احتملنا هذا المطلب فلا يكون الظهور حجّة. 

وإنّما ننفي هذا الاحتمال ببركة نقل زرارة، فإنَّه هو الذي حدثنا بكلام الإمام، لا أنّنا سمعناه بالمسجلة، وحينئذٍ بعد فرض كونه ثقة وأميناً في مقام النقل وغير غشاش، فمقتضى أمانته ووثاقته أنّه ينقل تمام ما له دخل في تحصيل المعنى من كلام الإمام بالنسبة إلى شخص ذلك المجلس، وحيث إنّه لم ينقل وجود قرينة حالية في المقام، فيستكشف من عدم نقله بعد فرض أمانته وشمول دليل حجّيّة التعبّد له، يعني: شمول حجّيّة خبر الواحد له، فيستكشف من ذلك عدم القرينة.

فعدم القرينة بهذا المعنى الخامس لا ننفيه بأصالة عدم القرينة، أو بأصالة الظهور، وإنّما ننفيه بسكوت زرارة عن نقله، بعد فرض أنَّ زرارة في مقام نقل تمام ما له دخل في تحصيل المعنى المراد، فباعتبار حجّيّة قول زرارة، وكون سكوت زرارة عن نقله دليلاً على عدمه ننفي هذه القرينة، لا بالأُصول العقلائيّة ابتداء. هذا هو السبب الخامس.

وبلحاظ هذا السبب الخامس يفترق حينئذٍ الناس في مقام الحجّيّة، لكن ــــــــــ[246]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ملاك هذا الفرق ليس هو كونه مخاطباً أو غير مخاطب، بل الحاضر وغير الحاضر، فلو كنا غير مخاطبين، لكنّا نرى من شقوق الباب ونسترق السمع. إذن، لا تفوتنا القرينة الحالية، مع أنّنا غير مخاطبين.

فملاك هذا السبب الخامس ليس هو كونه غير مخاطب أو غير مقصود بالإفهام، بل كونه غير حاضر وغير مشاهد، وهذا الغير الحاضر ولا المشاهد يحتاج في مقام نفي القرينة بهذا المعنى، فيحتاج إلى التمسّك بشهادة الراوي.

وشهادة الراوي على نحوين: 

فتارةً تكون شهادة صريحة، بمعنى: أنّه يقول، ولم يصدر من الإمام قرينة حالية في قبال ذلك. 

ومرة شهادة ضمنية معلومة من باب السكوت، حيث إنّه لم ينقل، فيُعلم من ذلك عدم وجود قرينة حالية.

وفي كثير من الروايات أشار الرّواة إلى القرائن الحالية، مثلا قالوا: فشبك أصابعه هكذا. أو رفع سبابته هكذا. فحتّى حركات الأصابع في المورد الذي يكون له دخل في المقام أشاروا إليها. هذا هو حاصل ما ينبغي أن يقال في تحقيق هذه المسألة.

وبهذا اتّضح ما هو الحقّ في مقام التفصيل بين المقصود بالإفهام وغيره. واتّضح أنه في مورد عدم احتمال السبب الخامس لا يفرق بين المقصود بالإفهام وغيره ولا بين الحاضر وغيره.

 وأمّا بلحاظ السبب الخامس فيُفرّق بين الحاضر وغير الحاضر، ولا يندفع 

ــــــــــ[248]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

هذا الفرق بالأصول العقلائيّة، بل يندفع بالشهادة التي تكون إمّا صريحة وإمّا ضمنية. هذا تمام الكلام في هذه المسألة.

وبالجملة: أنَّ غير المخاطب نتصوّر في حقّه احتمالات خمسة: 

الاحتمال الأوّل: احتمال أن يكون المراد غير المعنى الظاهر لأجل الإخفاء، وهذا المعنى يحتمله المخاطب أيضاً كغيره، ويدفعانه معاً بأصالة الظهور.

الاحتمال الثاني: احتمال الاعتماد على القرينة المنفصلة، وهذا الاحتمال موجود عند المخاطب كما هو موجود عند غيره، ويدفعانه معاً بأصالة الظهور بملاك واحد.

الاحتمال الثالث: احتمال وجود القرينة المتّصلة مع الغفلة عنها، ومثل هذا الاحتمال موجود عند المخاطب كما هو موجود عند غيره، ومنفي بأصالة عدم الغفلة بملاك واحد، ففي هذه الاحتمالات الثلاثة لا يفرق بين المخاطب وغير المخاطب.

الاحتمال الرابع: يحتمل غير المخاطب إرادة خلاف المعنى الظاهر مع نصب قرينة، هي من موضع المتكلّم بحيث ترجع إلى تباني مخصوص بين المتكلّم والسامع، وهو على خلاف قواعد اللغة، وهو لا يعلم بهذا التباني، وهذا الاحتمال يختصّ به غير المخاطب ولا يجري في المخاطب عادة.

وهذا الاحتمال أيضاً مدفوع بالأصل العقلائي؛ لأنَّ ظاهر حال كلّ متكلّم، أنّه يتكلّم حسب الطريقة العقلائيّة، يعني: يستعمل نفس الأداة التي يستعملها غيره في مقام التفهيم والتفهم، لا أداة يختصّ هو بجعلها.

ــــــــــ[248]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الاحتمال الخامس: احتمال وجود قرينة حالية لم يطلع عليها غير المخاطب، وإنَّما اطّلع عليها المخاطب بالخصوص.

وهذا الاحتمال الخامس أيضاً لا يجري في المخاطب، فإنّه حاضر فكيف لا يطّلع على القرائن الحالية؟ وأمّا غير المخاطب فيُتصوّر في حقّه هذا الاحتمال إذا لم يكن حاضراً، وأمّا إذا كان حاضراً فأيضاً لا يتصوّر في حقّه هذا الاحتمال، فإنَّ هذا الاحتمال بحسب الحقيقة لا يفرق بين المخاطب وغير المخاطب بعنوانهما، بل يفرق بين الحاضر وغير الحاضر، فغير الحاضر يأتي فيه هذا الاحتمال، وأمّا الحاضر فلا يأتي فيه هذا الاحتمال سواء كان مخاطباً أو لم يكن.

ومثل هذا الاحتمال لا يوجد هناك أصل عقلائي في مقام نفيه؛ لأنَّ نفيه هنا لو تمّ لكان تعبّداً صرفاً، وليس له ملاك نوعي وكشف نوعي، يعني: ليس هناك امتياز في مقام الكشف النوعي لاحتمال عدم هذه القرينة الحالية على احتمال وجودها حتّى يُنفى بأصالة القرينة، فإنَّ من طبع العقلاء في كثير من الموارد الاعتماد على القرائن الحالية في مقام التفهيم والتفهم، فلا يوجد هناك أصل ينفي هذه القرينة؛ ومن هنا لو كان غير الحاضر قد سمع كلام الإمام في المسجلة، واحتمل وجود هذه القرينة الحالية، فلا يتمسّك بظهور الكلام.

 وما يُدّعى بأنَّ السيرة العقلائيّة قائمة على عدم الاعتناء بهذا الاحتمال بشهادة الوجدان الخارجي.

 مدفوع: بأن الوجدان الخارجي وإن كان على العمل بالظهور، لكن إنَّما يعمل بالظهور غالباً لأجل عدم وجود مثل هذا الاحتمال، لا لأجل عدم 

ــــــــــ[249]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الاعتناء به وإلغائه تعبّداً، وكم فرق بين الأمرين!! فإنّه غالباً لا يكون لدى العقلاء فكرة معيّنة محدّدة عن إمكان وجود قرينة حالية بالمعنى الفلاني، بحيث يمكن أن تكون موجبة لتأويل اللفظ وصرفه عن معناه الظاهر، وإلَّا لو وجد هذا الاحتمال في ذهن العقلاء، وكان احتمالاً عقلائياً في ذهنهم. إذن، لما كانوا يلغونه بالتعبّد وبالأصل وبجعل الحجّيّة على خلافه.

إذن، فالتفصيل هنا يكون في محلّه، لكنّه تفصيل بين الحاضر وغيره، لا بين المخاطب وغيره.

إلَّا أنَّ هذا التفصيل لا يُنتج عدم الحجّيّة بالنسبة إلى غير الحاضر لو فُرض أنّه سمع من المخاطب، لا من المسجلة، فإنّه يكون المخاطب شاهداً له بعدم وجود مثل هذه القرينة الحالية، فشهادة المخاطب له حجّة.

 وهذه الشهادة تارةً تكون شهادة صريحة، وأُخرى تكون شهادة ضمنية سكوتية، وعلى كلّ من التقريرين تكون حجّة بالنسبة إليه.

فالاحتمال الخامس يدفعه غير الحاضر لا بأصالة عدم القرينة، بل شهادة الراوي المتوسط بيننا وبين الإمام. هذا كلّه إذا لاحظنا عنوان المخاطب وعنوان غير المخاطب.

أمّا عنوان المقصود بالإفهام، فإنّه من المعلوم أنَّ المقصود بالإفهام يعني الشخص الذي يقصد الإمام بهذا الكلام إفهامه المعنى المراد. 

وهذا العنوان ليس مساوياً مع عنوان المُخاطب، فقد يكون مساوياً مع عنوان المُخاطب وقد يكون أضيق منه، فقد يكون مخاطباً غير مقصود بالإفهام، 

ــــــــــ[250]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وقد يكون مقصوداً بالإفهام لا مخاطباً، فعنوان المقصود بالإفهام نسبته إلى عنوان المخاطب العموم من وجه.

فأيّ ميزة لكون الشخص مقصوداً بالإفهام على غير المقصود بالإفهام، سواء كان مخاطباً أو لم يكن مخاطباً بعد هذا الذي ذكرناه؟! لكن من فيه هذه المزيّة على غير المقصود بالإفهام في باب حكم العقل والدلالة العقليّة، لا في الدلالة اللفظيّة، فليست مزيته في باب الحجّيّة وفي باب الظهور. 

بمعنى: أنَّ المقصود بالإفهام لا يتطرق إليه جملة من هذه الاحتمالات الخمسة التي تطرقت إلى غير المقصود بالإفهام، سواء كان مخاطباً أو لم يكن مخاطباً.

فلا يتطرق إليه أنَّ المتكلّم -الإمام- في مقام الإخفاء؛ لأنَّه خُلف كونه مقصوداً بالإفهام، وكذلك الاحتمال الثاني، أي: احتمال الاعتماد على القرائن المنفصلة، مع أنَّ المفروض أنّه يقصد بهذا الكلام إفهامه، فكيف يعتمد على قرينة منفصلة قد تأتي بعد موته؟! هذا أيضاً خُلف كونه مقصوداً بالإفهام.

 فبعض هذه الاحتمالات التي كانت توجد في ذهن المخاطب وغير المخاطب تندفع ببركة كون الشخص مقصوداً بالإفهام بالدلالة العقليّة وحكم العقل من باب الخلف؛ فالفرق بين المقصود بالإفهام وغيره أنَّ المقصود بالإفهام في بعض تلك الاحتمالات التي كانت تدفع بالأصول العقلائيّة وبالظهورات اللفظية بالنسبة إلى غيره تدفع في حقّه بالبرهان العقلي؛ لاستحالة الخلف، ونقض الغرض، ونحو ذلك من الأمور.

ــــــــــ[251]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهذا فرق في باب الدلالة العقليّة لا فرق في باب الحجّيّة والظهور اللفظي، فإنّه من حيث الظهور اللفظي والحجّيّة لا فرق بين المقصود بالإفهام وغيره، وإنَّما الفرق أنَّ ما كان ثابتاً على غير المقصود بالإفهام من باب الحجّيّة العقلائيّة ومن باب الظهور اللفظي يكون ثابتاً في حقّه من باب حكم العقل.

فهذا الفرق لا ينتج الفرق في الحجّيّة العقلائيّة بين المقصود بالإفهام وغيره، وإنَّما ينتج هذا المعنى: أنَّ الاحتمالات التي كنا ننفيها في غير المقصود بالإفهام بواسطة الحجّيّة العقلائيّة والظهور اللفظي ننفيها في حقّ المقصود بالإفهام ببرهان الخلف واستحالة نقض الغرض، وهذا ليس تفصيلاً في مقام الحجّيّة كما هو واضح. هذا كلّه في تحقيق أصل المطلب. 

 ثُمَّ إنّنا لو فُرض تُنزلنا عن هذا، وفرضنا مثلاً أنَّ الاحتمال الخامس الذي دفعناه بشهادة الراوي لم يندفع بشهادة الراوي، وأنكرنا وجود شهادة للراوي بالعدم، والاحتمالات السابقة على الخامس التي دفعناها بالأصل العقلائي فرضنا عدم وجود مثل هذا الأصل العقلائي الذي يدفعه، وبطل ما قلناه، فأيضاً نلتزم في المقام بحجّيّة الظواهر بالنسبة إلى المخاطب وغير المخاطب؛ وذلك لأنَّه في المقام، وإن كانت السيرة العقلائيّة حينئذٍ تكفي لإثبات المطلب بحسب الفرض، إلَّا أنَّ سيرة المتشرعة كافية في هذا المقام جزماً، فإنّه حتّى لو وافقنا صاحب القوانين -بأنَّ العقلاء يفصّلون بما هم عقلاء بين المخاطب وغير المخاطب- إلَّا أنّنا لا نحتمل هذا التفصيل في عمل المتشرعة، فإنَّ المتشرعة من أصحاب الأئمّة جيلاً بعد جيل وعصراً بعد عصر، كانوا يعملون بظواهر الكتاب وظواهر السنة، ويأخذون الأُصول من رواتها ويعملون بها ويستنبطون 

ــــــــــ[252]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

منها الأحكام الشرعيّة بلا رادع ولا زاجر، بل مع الاطمئنان إلى أنَّ هذا طريق مشروع، وأنَّ في ذلك رضا الله تعالى دون أن يخطر على بال أحد منهم أنّهم غير مخاطبين أو أنّهم لعلهم غير مقصودين بالإفهام، فكيف يتمسّكون بالظواهر؟!

ونفس سيرة المتشرعة القطعيّة بحسب الخارج في أيام الأئمّة دليل على إثبات هذا المطلب؛ إذ لو أردنا أن نفرض النقيض، وأنَّ المتشرعة لم يكن عملهم على الظواهر، وأنّهم كانوا يبنون على شيء آخر غير الظواهر. إذن، لعرف هذا عنهم وشاع، مع أنّه لم يذكر ذلك بوجه من الوجوه، فمن ذلك يحصل لنا القطع بأنَّ سيرة المتشرعة كانت على العمل بالظواهر دون تفريق فيهم بين المقصود بالإفهام والمخاطب وغير المقصود بالإفهام والمخاطب.

إذن، فنفس سيرة المتشرعة تكون كافية في إثبات الحجّيّة على نحو العموم، ولو فُرض قصور السيرة العقلائيّة عن إثبات ذلك.

ثُمَّ لو فُرض أنّنا تنزلنا عن ذلك أيضاً، وقطعنا النظر عن سيرة المتشرعة أيضاً، وقلنا: بأنَّ السيرة العقلائيّة مخصوصة بالمقصود بالإفهام، وتغافلنا عن سيرة المتشرعة كما تغافل عنها الأعلام، حيث لم يجعلوا فرقاً، كما جعلنا بين السيرة العقلائيّة وسيرة المتشرعة.

 فحينئذٍ بناءً على هذا تتمّ الكبرى التي أفادها وهي اختصاص الحجّيّة بخصوص المقصود بالإفهام، ويقع النزاع حينئذٍ في الصغرى، في أنّنا نحن مقصودون بالإفهام أو أنّنا غير مقصودين بالإفهام؟ فيكون النزاع مع صاحب القوانين نزاعاً صغروياً.

ــــــــــ[253]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ومن المعلوم أن صاحب القوانين في مثل المقام يكتفي بالإجمال والشكّ، بعد أن ادّعى أنَّ الحجّيّة مخصوصة بخصوص من قصد إفهامه، فلا بُدَّ من إحراز كون الشخص مقصوداً بالإفهام؛ لأجل أن تثبت الحجّيّة بالنسبة إليه، فمدّعي الحجّيّة لا بُدَّ له من تقريب كون غير المخاطب مقصوداً بالإفهام.

وهذا المطلب -ونتكلّم فيه في السنة أوّلاً- يقال فيه: إنّه من الواضحات؛ باعتبار أنَّ هذه الأدّلة في مقام بيان أحكام عامّة مشتركة بين زرارة وغير زرارة. وليس الحكم بوجوب صلاة الظهر مخصوص بخصوص زرارة حتّى يكون هو وحده المقصود بالإفهام، فلما كان الحكم عامّاً فيجب أن يكون قصد الإفهام أيضاً عامّاً، وأيّ وجه لاختصاصه بخصوص المخاطب بعد أن كان الحكم عامّاً في المقام؟! فالمقصود بالإفهام هو مطلق الناس، وإن كان المخاطب هو خصوص زرارة. إذن، فتكون الحجّيّة أيضاً ثابتة لمطلق الناس.

فإنَّ صاحب القوانين لا يشكّ في أنَّ الأحكام الموجودة شرعاً والتي يكون الأئمّة في مقام بيانها وإيصالها إلى الناس، فهو لا يشكّ في أنّها أحكام عامّة ولا تختص بزرارة، وإنَّما تثبت في حقّ كلّ مكلف إلى يوم القيامة. وهذا المطلب مفروغ عنه.

وإنّما الكلام في أنَّ طريق إيصال هذا الحكم إلى الناس ما هو؟ لا يمكن لصاحب القوانين أن يقول: إنّا بالرغم من اعتقادنا بعموم الأحكام، مع هذا نحتمل هذا الاحتمال: وهو: أنَّ الإمام بظاهر كلامه لم يقصد إفهامنا نحن، وإنَّما قصد إفهام المخاطب خاصّة.

ــــــــــ[254]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

 أمّا لو اعترض على الإمام، وقيل له: لماذا خصّصت الكلام بالمخاطب مع أنَّ الحكم يشملنا كما يشمل المخاطب؟ فيقول: إنَّ اختصاص قصد إفهامي بخصوص المخاطب ليس من ناحية أنَّ موضوع الكلام يختصّ بخصوص المخاطب، بل من ناحية أنَّ طريقة التفهيم مختصّة بخصوصه، يعني: من ناحية أنَّ هذا القالب الذي أريد أن أُفهم به المعنى، هو مخصوص بخصوص المخاطب، بمعنى: أنّه لا يفهم معناي غير المخاطب، لا من ناحية أنَّ المعنى الذي أريد أن أفهمه مختصّ بخصوصه.

لا شكّ ولا ريب أنَّ وجوب صلاة الجمعة على فرض ثبوتها أو وجوب صلاة الظهر، حكمٌ عامّ ثابت في حقّ زرارة وفي حقّ غيره، لكن نفرض أنَّ المولى في مقام بيان وجوب صلاة الجمعة تخييراً مثلاً، بُيّن بياناً بحيث اعتمد في مقام توضيح هوية الوجوب التخييري على القرائن الحالية مع زرارة، فهنا المجموع المركّب من اللفظ والقرائن الحالية هو الذي يريد أن يُفهم به الإمام المعنى، وهو الوجوب التخييري، فنفس الوجوب التخييري هو ثابت في حقّنا أيضاً، لكن مع هذا هو لا يقصد إفهامنا، لا لأجل أنَّ الوجوب التخييري غير ثابت في حقّنا، بل لأنَّ هذا القالب الذي يريد أن يُفهم به الوجوب التخييري مخصوص بخصوص زرارة وغير موجود في حقّنا؛ لأنَّ جزء هذا القالب هو القرائن الحالية، ونحن لا علم لنا بها، فلا يمكنه أن يقصد إفهامنا بهذا القالب الذي جزء منه مخصوص بخصوص ذاك.

فاختصاص قصد الإفهام بزرارة لم ينشا من ناحية موضوع الكلام -وهو 

ــــــــــ[255]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الوجوب التخييري المخصوص بخصوص زرارة- بل نشأ حينئذٍ من أنَّ القالب والأداة التي يراد التفهيم بها لا تصلح إلَّا لإفهام زرارة ولا تصلح لإفهام غيره. فالقصور في قابلية الأداة لإفهام غير زرارة لا في أنَّ غير زرارة غير مشمول للوجوب التخييري أصلا.

حينئذٍ يبقى سؤال واحد، وهو: أنَّ غير زرارة ماذا يصنع؟ فإنَّه لا بُدَّ له في النهاية من أن يستنبط الحكم الشرعي، فكيف يستنبطه في المقام، مع أنَّ هذا اللفظ قد قصد به إفهام زرارة بالخصوص.

هذا -غير زرارة- يستنبط الحكم الشرعي على حسب قواعده، بعد أن نفرض أنَّ هذا الغير هو المحقّق القمي، وهو يرى اختصاص الحجّيّة بخصوص المقصود بالإفهام، والمقصود بالإفهام في المقام هو خصوص زرارة في الفرضية التي فرضناها. فحينئذٍ هو يستنبط الحكم الشرعي من الظنّ المطلق بعد تتميم دليل الانسداد في المقام.

فيكون عندهم طريقان لاستنباط الحكم الشرعي، فزرارة يستنبطه عن طريق الظهور باعتبار موضوعيته، والمحقّق القمي يستنبطه عن طريق الظنّ الشخصي الذي ينشأ من الظهور؛ باعتبار سببية الظهور لإفادة الظنّ الشخصي لا باعتبار موضوعية الظهور.

وهذا أمر محتمل، بمعنى: أن يكون لكلّ منهما طريق فرض عند الشارع، ومقصودي التنبيه على هذه النكتة، وهي مجرّد كون الأحكام عامّة، لا يبرهن على أن قصد التفهيم أيضاً عامّ، وعلى أنَّ المقصود بالإفهام في المقام هو تمام الناس؛ إذ لا ندّعي أنَّ اختصاص المخاطب بالإفهام ينشأ من ناحية أنَّ الحكم 

ــــــــــ[256]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الشرعي مخصوص به، بل ينشأ من ناحية أنَّ القالب الذي يراد الإفهام به لا يصلح إلَّا لإفهام المخاطب، ولا يصلح لإفهام غيره عن طريق الظهور.

نعم، يبقى في المقام شيء واحد، وهو بحسب الحقيقة رجوع إلى سيرة المتشرعة، وهو أنَّ مثل هذا المطلب غير محتمل في نفسه، فلا نحتمل نحن أنَّ الشارع وضع طريقين في مقام استنباط الأحكام الشرعيّة، فالمخاطب طريقه هو التعبّد بالظهوري، سواء أفاد الظنّ أم لم يفد الظنّ. وبالنسبة إلى غيره الطريق هو تحصيل الظنّ الفعلي سواء كان على طبقه ظهور أو لم يكن.

مثل هذين الطريقين لا نحتمل جعلهما من قبل الشارع، فلو كانا مجعولين على هذا النحو لما اتفقت سيرة المتشرعة في تمام أعصر الأئمّة على العمل بالظهور بلا رادع ولا زاجر.

فهذا المطلب في نفسه غير محتمل من ناحية سيرة المتشرعة، وهذا بحسب الحقيقة رجوع إلى البيان الثاني الذي بيّناه. 

وأمّا لو قطعنا النظر عن ذلك، بحيث لو كنا نحتمل أنَّ سيرة المتشرعة أيام الأئمّة كانت على هذا النحو الثنائي؛ فلا يمكننا حينئذٍ إثبات عموم قصد التفهيم، وإثبات أنّنا أيضاً مقصودين بالإفهام بهذا البيان. هذا تمام ما ينبغي أن يقال في التفصيل الأوّل.

التفصيل الثاني: التفصيل بين عصر صدور الخطاب والعصور اللاحقة.

وهو التفصيل بين عصر الخطاب وبين العصور المتأخّرة عن الخطاب، بمعنى: أنَّ الكلام يكون ظهوره حجّة بالنسبة إلى من عاش في عصر الخطاب، 

ــــــــــ[257]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ولا يكون ظهوره حجّة بالنسبة إلى من عاش في عصر متأخّر عن الخطاب، فالتفصيل هنا قائم على أساس الزمن لا على أساس الشخص، من حيث إنَّه قصد إفهامه أو لم يقصد.

 بل يقال في هذا التفصيل: إنَّه في عصر الخطاب يكون الظهور حجّة بالنسبة إلى جميع معاصري عصر الخطاب، سواء كان مقصود الإفهام أو لم يكن، ومن عاش في عصر متأخّر عن عصر الخطاب، فلا يكون ظهور الكلام حجّة في حقّه.

والمقصود من عصر الخطاب -كما سوف يظهر من توضيح هذا التفصيل- ليس هو تلك اللحظة التي صدر فيها الكلام من قبل الإمام بل المقصود من عصر الخطاب قطعة من الزمن بحيث تكون اللغة في تلك القطعة من الزمن ثابتة وغير متغيرة.

وتوضيح ذلك: أنَّ اللغة باعتبارها أداة في التفهيم والتفهم هي إنَّما جعلت وقررت لأجل قضاء حاجة الإنسان في مقام التفهيم والتفهم، وإبراز مرادات كلّ شخص للآخرين، ومن هذه الناحية كانت اللغة لا محالة تتأخّر وتنفعل بمختلف الأسباب والمؤثرات التي تؤثر في حياة الإنسان. فمهما اختلفت حياة الإنسان وحاجاته وطرز معيشته ونوع أغراضه الطبيعية تختلف اللغة بمقدارها تبعاً لذلك.

ــــــــــ[258]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهذا الاختلاف في اللغة أمر طبيعي باعتبار أنَّ اللغة ليست مقصودة بذاتها، وإنَّما هي مقصودة لغيرها، فإذا فرض أنَّ ذاك الغير كان يختلف ويتطوّر ويتحرك، فحينئذٍ لا محالة اللغة أيضاً تتغيّر وتتطوّر وتتحرك.

وهذا التغير والتطوّر في اللغة لا يقتصر على خصوص الظواهر الإفرادية والكلمات الإفرادية، بمعنى: أنَّ كلمة مفردة كان لها معنى، ثُمَّ نقلت بعد ذلك إلى معنى آخر، فهذا تطوّر في اللغة بالنسبة إلى الكلمة المفردة، وهو أحد مصاديق المدّعى، ولكن المطلب المدّعى -وهو تطوّر اللغة- لا ينحصر في خصوص هذا، بل هو جانب من تطوّر اللغة.

وهناك جانب آخر من تطوّر اللغة وتغيرها، وهو التطور والتغير في ظواهر التركيبات اللغوية، فإنّه كما قد يختلف من عصر إلى عصر المدلول التصوّري والوضعي لكلمة واحدة مفردة وهو المسمّى بـ(النقل) عندنا، كذلك قد يختلف المدلول السياقي للجملة التركيبية من عصر لعصر، بحيث إنَّ الجملة بمجموعها، وإن كان كلّ لفظٍ لفظ منها لا زال على معناه الموضوع له ولم يختلف باب الوضع فيه، إلَّا أنّه اختلف الظهور للمجموع المركّب، فهذا المجموع المركّب في عصر كان يُعطي معنى، وفي عصر آخر يُعطي معنى آخر، باعتبار اختلاف حياة الناس، وتجدد أفكارهم ومعلوماتهم وأبحاث أُخرى لهم، فنفس هذه الجملة تعطي معنى آخر، فيتبدل ظهورها التركيبي.

فالتغيّر كما يقع في المفرد يقع في الجمع، ومعنى التغيّر في المفرد هو النقل، يعني: التغيّر في الظهورات التصوّرية، ومعنى التغيّر في الجملة: التغيّر في الظهورات التصديقيّة والسياقيّة.

بل إنَّ هذا يعني التغيّر في الظهورات السياقيّة الجُمَلّية، فقد يتّفق بالنسبة إلى صنف في قبال صنف وبالنسبة إلى طبقة في قبال طبقة، وإن كانوا جميعاً في 

ــــــــــ[259]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

عصر واحد، فصنف من الناس عاشوا في أبحاث مخصوصة جعلتهم يفهمون معنى من الجملة التي لو ألقيت على أشخاص لم يسمعوا بتلك الأبحاث لفهموا منها معنى آخر، فهذا المطلب قد يتّفق في طبقة مع طبقة، فضلاً عن عصرٍ مع عصر.

وكمثال واحد ابتليت به بالأمس، فقد كنت أقرأ في روايات الحجّ رواية في باب الدّين، يقول السائل للإمام: (رجلٌ عليه دَين أعليه أن يحج؟ قال: نعم، عليه أن يحجّ)(1).

وهذه الرواية أوّل ما قرأتها فهمت منها معنى، ثُمَّ بعد هذا احتملت أن يكون هذا المعنى ناشئاً من سنخ أبحاث معيّنة، بحيث لولا تلك الأبحاث لفهمت منها معنى آخر، فقد فهمت من هذه العبارة حينما قرأتها: أنَّ السائل يريد أن يبيّن صورة من صور باب التزاحم، فهو يريد أن يقول: بأنَّ شخصاً مديوناً بمقدار مئة دينار مثلاً، ورزقه الله الآن مئة دينار، أو الدين منجّز عليه وهذه المئة دينار يدور أمرها بين أن يصرفها في وفاء الدين أو أن يصرفها في الحجّ، فأيّهما المقدّم؟ فيقول الإمام في مقام الجواب على خلاف ما يفتي به الفقهاء: (إنَّ عليه الحجّ) ومعناه أنَّ الحجّ في نظر الإسلام أهم من وفاء الدين، فهذه المئة دينار يصرفها في الحجّ، ويتعطل بعد هذا دينه، هذا هو الذي فهمته.

ثُمَّ احتملت بعد ذلك: أنَّ هذا الفهم من التمرين والتعود على فرضيات 

ــــــــــ[260]ــــــــــ

(1) الكافي ٤: ٢٧٩، كتاب الحجّ، باب الرجل يستدين ويحجّ، جميع أحاديث هذا الباب وردت بهذا المضمون.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

باب التزاحم، وأنَّ هذا الانسباق إلى الذهن إنَّما هو نتيجة لأنّنا عشنا مدة من الزمان نفكر في صور التزاحم، فعقليّة التزاحم الأُصولي لعلها هي التي أوحت بهذا الانسباق. 

واحتملت في نفسي أنَّ شخصاً لو جاء إلى هذه العبارة قبل أن يستأنس ذهنه بباب التزاحم الذي أسسه الميرزا لما فهم منه هذا المطلب، ولفهم منه معنى آخر وهو: أنَّ مقصود السائل من هذا السؤال ليس هو فرض التزاحم بأن يكون عليه دين، وأن يكون منجّزاً، وأنّه جاءته مئة دينار، فإمّا أن يعطيها وفاء للدين، وإمّا أن يصرفها في الحجّ، فمن أين أدخلنا هذه الحواشي في الرواية! فإنّها تقول: (رجل عليه دين أيحج أو لا)؟

لعلّ السائل كان يختلج في نفسه أنَّ مقدار وفاء الدّين من المستثنيات في باب الحجّ، كدار السكن، فقد خطر في ذهن السائل أنَّ الدّين مانع تعبّدي عن الحجّ بهذا المعنى، بمعنى: أنَّ من المستثنيات التي لا بُدَّ من ملاحظة تماميّة الاستطاعة بقطع النظر عنها، هو مسألة الدين. 

وحينئذٍ الإمام في مقام الجواب يجيب أنَّه لا، ليس كذلك، فإنَّ الدّين بما هو دين ليس من الموانع عن وجوب الحجّ، ولا يستثنى من نفقات الحجّ، فليس اللازم في المقام ملاحظة كون الشخص مستطيعاً بقطع النظر عن مقدار السكن وعن مقدار وفاء الدين. فقطع النظر في المقام غير صحيح، لا بل لو كان مستطيعاً ولو بلحاظه كان عليه أن يحجّ. 

أمّا أنّه في مورد يتنجّز كلا الحكمين عليه بحيث يكون الدين مطالباً منه 

ــــــــــ[261]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بالفعل ولا يكون متمكناً من الإعطاء إلَّا من شخص هذا المال الذي يريد أن يصرفه في الحجّ، وأنّه في المقام يُقدّم الدّين أو يُقدّم الحجّ، فهذا كلام آخر غير مربوط بغرض السائل ولا بجواب الإمام.

وإنَّما غرض السائل أن يسأل أنَّ الدّين بما هو دين بقطع النظر عن كونه منجّزاً أو غير منجّزاً، هل يكون مقداره من المستثنيات -كدار السكنى- أو لا؟ فيقول له الإمام: إنَّه ليس من المستثنيات في نفسه.

وبعد مراجعة بعض الفقهاء المتقدّمين بحسب التأريخ الذين لم يقرأوا تزاحم الميرزا، رأيتهم أنّهم يُفسّرون الرواية بهذا التفسير بلا إبداء احتمال آخر؛ ولهذا لا يُستدلّ بها على وجوب تقديم الحجّ على وجوب الوفاء بالدّين.

ومقصودي من هذه القصة توضيح أصل الفكرة، وهي: أنَّ الظهور في باب اللغة سواء كان ظهوراً في كلمة إفرادية الذي هو الظهور التصوّري، أو ظهوراً للجملة التركيبيّة الذي هو الظهور التصديقي، من قبيل ظهور السائل هنا مع الإمام فهذا الظهور دائماً يخضع للتغيّر والتبدّل وفقاً لحاجات الإنسان المتغيّرة المتبدّلة.

نعم، هناك ثبات نسبي للغة، بمعنى: أنَّ اللغة ليست في كلّ يوم تتغيّر وتتبدّل، بل هناك ثبات نسبي لها، مثلاً: مدة أربعين سنة أو أكثر أو أقل، إلَّا أنَّ هذا الثبات لو لوحظ مع عمود الزمان الطويل فلا يكون شيئاً في قباله.

إذن، فنفصل في المقام بين الشخص الواقع في قطعة الثبات وهي أربعين سنة أو ثلاثين سنة، وبين الشخص الواقع في عمود الزمان الخارج عن قطعة 

ــــــــــ[262]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الثبات بالنسبة إلى اللغة، فالشخص الواقع في قطعة الثبات، كما لو كان معاصراً مع النص، أو جاء بعد النص بعشرين سنة، فحينئذٍ ما يُستظهر من اللفظ يكون حجّة. 

وأمّا الشخص الذي يأتي بعد عشرين سنة أو ثمانين سنة مثلاً، واللغة في هذه الفترة يقيناً تتغيّر وتتطوّر، فكيف يقال بحجّيّة الظهور بالنسبة إليه(1)؟

هل هذا التفصيل على خلاف مدّعى الأعلام؟

وقبل أن نرى أنَّ هذا التفصيل صحيح أو لا، لا بُدَّ أن نرى هل هو تفصيل في المسألة أو ليس تفصيلاً فيها؟ وبتعبير آخر: أنَّ هذا التفصيل هل هو على خلاف مدّعى الأعلام القائلين بالحجّيّة على الإطلاق؟ أو أنَّ هذا التفصيل معترف به عندهم جميعاً، وإن لم يذكروه بهذا العنوان وبهذا الترتيب.

ولأجل معرفة ذلك لا بُدَّ أن نحقّق نكتة لم نحقّقها قبل اليوم، وهي: أنَّ كبرى حجّيّة الظهور المفروض حجّيّتها عندنا والتي اتّفق عليها الأكابر، موضوعها هو الظهور. وقد تكلّمنا في تحقيق معنى الظهور من حيث كونه 

ــــــــــ[263]ــــــــــ

() وهنا أجاب سيّدنا الأُستاذ عن سؤال، فقال: إنَّ هذا لا يمكن تحديده، ولعلّه لا واقع له أصلاً، لكن على أيّ حال نأخذ القدر المتيقن من هذا الطرف والقدر المتيقن من ذاك الطرف، وحينئذٍ يكون عندنا إحساس بوجود فرق ما بين القسمين. وأمّا الحدّ الفاصل كالحبة لو أضيفت إلى حمل الحمال لعجز عن الحمل، هذا تحديده في غاية الإشكال. إذن، يُفصّل في حجّيّة الظهور بين من عاش في عصر النصّ وبين من تأخّر عنه. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ظهوراً تصوّرياً أو تصديقياً، فمن ناحية هوية الظهور تكلّمنا فيه.

لكن من ناحية زمن الظهور لم نتكلّم فيه، وما نريد أن نفهمه من موضوع الحجّيّة في أصالة الظهور، هل هو الظهور المعاصر للكلمة أو الظهور المعاصر للفهم والسماع؟ فظهور الرواية الموجودة في الوسائل حجّة، ولكن أيّ ظهور هو الحجّة؟ هل الظهور الموجود الآن في عصر السماع، أو الظهور في عصر صدور هذا الكلام منه (عليه الصلاة والسلام)؟

إن فُرض أنَّ مدّعى الأعلام كان هو حجّيّة الظهور في عصر السماع، فيكون هذا التفصيل تفصيلاً في قباله؛ لأنَّ مقتضى حجّيّة كلّ ظهور في عصر السماع أنّنا نعمل الآن بما يظهر لنا من النصّ؛ لأنَّ هذا هو ظهوره في عصر السماع، كما كان زرارة يعمل بما كان يظهر له من النصّ؛ فيكون هذا تفصيلاً في قباله.

أمّا لو كان مراد الأعلام والمراد من الأبحاث المتقدّمة أنَّ موضوع الحجّيّة ليس هو الظهور في عصر السماع، بل الظهور في عصر الكلمة. إذن، فهذا موافق مع هذا التفصيل، لا أنّه مخالف معه، فإنّه لو كان هذا هو مرادهم، فإنَّ كلّ إنسان لا يمكنه أن يعوّل على ظهور اللفظ إلَّا إذا جزم بأنَّ هذا الظهور هو ظهوره في عصر الكلمة، أي: في عصر صدور الكلام من الإمام فيكون هذا التفصيل بحسب الحقيقة توضيحاً للمبنى، لا أنّه يكون تشقيقاً فيه.

والظاهر أنَّ مرادهم هو الثاني، فمرادهم في المقام من حجّيّة الظهور؛ هو كون الموضوع للحجّيّة هو الظهور المنعقد للكلمة في عصر التكلّم، وفي عصر صدور الكلمة من قبل الإمام لا في عصر وصولها إلى المكلف. 

ــــــــــ[264]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

والقرينة على ذلك -مع أنّهم لم يشرحوا هذا المطلب بهذا العنوان تفصيلاً- هو تمسّكهم بأصالة عدم النقل، فإنّه لو كان مراد الأعلام من القول بحجّيّة الظهور هو حجّيّة الظهور في عصر الوصول: أنَّ كلّ شخصٍ ما تكون الكلمة ظاهرة فيه في عصره يكون حجّة عليه. إذن، فلا نحتاج بعد هذا إلى أصالة عدم النقل، بل مجرّد إحراز الظهور في هذا العصر يكفي في العمل به، حتّى لو احتملنا النقل، فإنّنا لا نحتاج إلى نفي النقل حينئذٍ بأصل وبحجّة عقلائيّة.

وهذا بخلاف ما إذا كان موضوع الحجّيّة هو الظهور المنعقد للكلمة في عصر التكلّم، فإنّنا الذين نعيش بعد عصر التكلّم بألف ومئتين سنة تقريباً نشكّ الآن في أنَّ اللغة التي استعملت في هذه الرواية بمفرداتها وبجملها التركيبية، هل تغيّرت أو لم تتغيّر؟ فحينئذٍ لا نستطيع أن نُحرز موضوع الحجّيّة؛ لأنَّ موضوعها هو الظهور المنعقد في عصر التكلّم، ونحن لا ندري أنَّ الظهور المنعقد في عصر التكلّم مطابق للظهور الموجود اليوم أو غير مطابق؟ فنحتاج حينئذٍ إلى أصالة عدم النقل -مثلاً- لإثبات أنَّ اللغة كانت كما هي الآن.

فتمسّك الأعلام بأصالة عدم النقل دليل على أنَّ مبناهم على نفس هذا التفصيل، وأنَّ موضوع الحجّيّة ليس هو الظهور الثابت في عصر الوصول مهما كان هذا العصر، فعصر الوصول إلى زرارة هو القرن الأوّل، وللشيخ الطوسي هو القرن الثاني، وللعلامّة هو القرن الخاصّ، وعصر الوصول إلينا هو القرن الرابع عشر، وليس مقصودهم هو هذا، بل مرادهم الظهور المنعقد للكلمة في عصر التكلّم.

ــــــــــ[265]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فبهذا نثبت أنَّ الأعلام أيضاً يقولون بهذا التفصيل، وأنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور الثابت في عصر التكلّم لا الظهور الثابت في عصرنا، فيجب لكي نعمل برواية أن نُثبت بالوجدان أو بدليل أنَّ هذا الظهور الموجود الآن عندنا هو نفس الظهور الذي كان موجوداً في عصر التكلّم.

وهنا يجب أن نتكلّم في مقامين:

المقام الأوّل: وهو أن نُثبت أنَّ ما هو المستظهر من كلمات الأعلام من أنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور المنعقد للكلمة في عصر التكّلم، وهو الصحيح، لا الاحتمال الآخر، وهو أن يكون موضوع الحجّيّة هو الظهور المنعقد للكلمة في عصر الوصول إلى كلّ شخصٍ، بحيث يختلف الظهور في عصر عنه في عصر آخر، ويختلف ما هو الحجّة في عصر عما هو الحجّة في عصر آخر، فأيّهما هو الصحيح؟

الصحيح هو الأوّل -أي: مدّعى الأعلام- وذلك لأنّنا قلنا فيما سبق: إنَّ حجّيّة الظهور من الأُصول العقلائيّة الثابتة بملاك الكشف النوعي، لا بملاك التعبّد الصرف، فدائماً ببركة هذه النكتة القطعيّة في ارتكاز العقلاء يجب أن نفسّر أصالة الظهور بنحو تكون أصلاً كاشفاً على وجه الأمارية، لا بنحو يكون تعبّداً صرفاً.

ومن المعلوم أنَّ ما هو الكاشف عن مراد الإمام الصادق إنّما هو ظهور الكلام في عصره، لا ظهور الكلام في عصرنا؛ لأنَّ ظاهر حال المتكلّم أنَّ إرادته الجدّيّة على طبق ما هو ظاهر كلامه بحسب قواعد اللغة في عصره، لا 

ــــــــــ[266]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بحسب قواعد اللغة بعد ألف سنة، فلو فُرض أنَّ كلمة من الكلمات كان ظاهرها في عصر الإمام الصادق هو (أ)، وفُرض أنّه بتغيّر اللغة صار ظاهرها بعد ألف سنة (ب)، فلو صدرت هذه الكلمة منه (عليه أفضل الصلاة والسلام) فتحمل لا محالة على (أ) لا على (ب)؛ لأنَّ ما هو الكاشف عن الإرادة الواقعيّة الجدّيّة في نفس الإمام إنَّما هو ظهور حال المتكلّم في أنّه يتكلّم على طبق قانون اللغة عند الناس، ومن المعلوم أنَّ ظاهر كلّ شخص أنّه يتكلّم على طبق قانون اللغة عند الناس في عصره، لا أنّه يتكلّم بلغة لا يفهمها أهل عصره، وسوف توضح بعد ألف سنة.

فنفس النكتة التي بيّناها في إثبات جملة من المدّعيات والبرهنة عليها، وهي نكتة أنَّ أصالة الحقيقة وأصالة الظهور أصل أماري لا أصل تعبّدي صرف. وهذا يعني ما هو الحقّ في المقام.

فإنَّ موضوع أصالة الظهور وحجّيّة الظهور لو كان هو الظهور المنعقد للكلمة في عصر الإمام الصادق إذن، يكون الأصل على وجه الأمارية؛ لأنَّ هذا الظهور الذي كان منعقداً في عصر الإمام الصادق يكشف بمقتضى ظهور حال العاقل، عن أنَّ إرادته الجدّيّة على طبق ما هو المتفاهم من هذا الكلام بحسب قواعد اللغة في عصره.

وأمّا لو فُرض أنَّ موضوع الحجّيّة ليس هو ذاك الظهور، بل موضوع الحجّيّة هو الظهور الثابت في عصر الوصول، فلو كان هذا هو موضوع الحجّيّة فمثل هذا الظهور لا يكشف أصلاً عن إرادة الإمام الصادق؛ إذ ليس من 

ــــــــــ[267]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

شأن شخص يعيش في القرن الثاني أو الأوّل الهجري أنَّ يتكلّم على طبق قواعد الناس بعد ألف سنة، فليس لهذا الظهور كشف تصديقي عن إرادة الإمام فلو وقع موضوعاً للحجّيّة لكانت هذه الحجّيّة حجّيّة تعبّديّة صرفه، لا من باب الكشف والأمارية.

إذن، فيتعيّن بهذه النكتة أن يكون موضوع الحجّيّة هو الظهور المنعقد في أيام الإمام الصادق بحسب هذا المثال.

المقام الثاني: أنَّ هذا الظهور الثابت في أيام الإمام الصادق كيف يمكننا أن نبرهن على أنَّه هو نفس هذا الظهور الثابت في عصرنا، بعد ما عرفنا من حقيقة اللغة وطبيعتها أنّها تتغيّر وتتطوّر؛ لأنّها أداة غيرية لا أداة نفسية، وحيث إنَّ الحاجات في تغيّر فتكون اللغة أيضاً كذلك، فكيف نستطيع أن نعرف أنَّ هذا الظهور الذي نفهمه الآن هو نفس الظهور الذي كان منعقداً في عصر الكلمة وكان حجّة؟

هذا هو الكلام الثاني، وهو الذي كأن الأعلام أرادوا أن يعالجوه بأصل عقلائي آخر غير أصالة الظهور، وهو المسمّى بـ(أصالة عدم النقل) حيث أرادوا بها أن يحقّقوا موضوع أصالة الظهور.

أليس أصالة الظهور موضوعها هو الظهور المنعقد في أيام الإمام فنحن ببركة أصالة عدم النقل مثلاً نثبت أنَّ الظهور الفعلي هو ذاك الظهور المنعقد في أيام الإمام لأنَّ الأصل عدم النقل، فهذا الأصل يثبت أنَّ هذا الظهور الفعلي هو نفس ذاك الظهور الذي كان موجوداً في عصر الإمام 

ــــــــــ[268]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الصادق فإذا اثبت ذلك تنقح بهذا الموضوع أصالة الظهور.

ومن المعلوم أنَّ هذا التعبير عن المطلب فيه ضيق وقصور، بعد ما بيّنا من أنَّ المتغيّر في اللغة ليس هو خصوص الظواهر الإفرادية، بل قد تتغيّر ظواهر الجمل التركيبية؛ لا من باب النقل، فإن باب النقل هو باب الوضع وباب الظهورات التصوّرية، مع أنَّه قد يتغيّر في اللغة الظهور التصديقي السياقي دون أن يتغيّر الوضع بذلك.

فلتسمّ أصالة عدم النقل -لأجل أن تكون العبارة على وفق المدّعى- بأصالة عدم التغيّر في اللغة، وبمقتضاها نثبت أنَّ الظهور الفعلي الموجود الآن هو نفس ذلك الظهور الذي كان موجوداً في أيام الإمام، فبأصالة عدم التغيّر في اللغة ننقح موضوع أصالة الظهور ونتمسّك بأصالة الظهور.

وبالجملة(1): أنَّ هذا التعبير -أي: أصالة عدم النقل- لا بُدَّ من تعميمه، باستبدال أصالة عدم النقل بأصالة عدم التغيّر في اللغة؛ لأجل أن يشمل التغيّرات الجمليّة والسياقيّة، كما يشمل الظهورات الإفرادية الوضعيّة.

وبعد هذا يقع الكلام في صحّة جريان أصالة عدم النقل بهذه الصيغة المعمّمة، وأنّه كيف يمكننا أن نثبت كون الظهور الموجود الآن هو نفس الظهور الموجود في عصر الأئمّة؟

ــــــــــ[269]ــــــــــ

() لخّص سيّدنا الأُستاذ بعض ما كان قاله من أنَّ موضوع حجّيّة الظهور هو الظهور في زمن الإمام وهذا هو مبنى الأعلام، وأنَّه يُعرف ذلك من تمسّكهم بأصالة عدم النقل. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الكلام حول أصالة عدم النقل

الظاهر أنَّه لا ينبغي الإشكال في تمامية أصالة عدم النقل بلحاظ سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة. 

أمّا بلحاظ سيرة العقلاء؛ فلأنَّ العقلاء يبنون بناءً عاماً ارتكازياً على أنَّ اللغة هي كما كانت، وهذا البناء من العقلاء قائم على أساس الاستنتاج الخاطئ من تجربة شخصيّة لكلّ فردٍ من أفراد العقلاء، فإنَّ كلّ واحد من العقلاء من أهل العرف في الفترة المنظورة له التي تدخل في تجاربه وحياته، ففي هذه الفترة التي يعيشها ويستوعبها بملاحظته الشخصيّة وبتجاربه الحياتية لا يجد أنَّ هناك تغييراً في اللغة غالباً، إلَّا قليلاً ما يجد مثل هذا التغير.

وذلك لما أشرنا إليه سابقاً من الثبات النسبي للغة بالنسبة إلى عصر معيّن، فإنَّ اللغة في عمود الزمان الطويل تتغيّر وتتطوّر وتتحرك، ولكن بالنسبة إلى عصر معيّن ومرحلة معيّنة تظل اللغة ثابتة ولا تتحرك، فهي في الفترة المنظورة والمعاشة لكلّ فردٍ بحسب تجاربه الشخصيّة تكون اللغة ثابتة ثباتاً نسبياً، وإنّما نقول نسبياً؛ لأنّها أيضاً تتغيّر، لكنّه تغيّر مغلوب، يعني: تغيّر استثنائي في قباله عدم التغيّر أكثر منه.

فهذا الثبات النسبي ملحوظ لكلّ إنسان يعيش في المجتمع ويتكلّم باللغة.

طبعاً لو أنَّ كلّ إنسان كان منطقياً في استنتاجاته واعتقاداته لما استطاع أن يستنتج من مثل هذه التجربة المحدودة في هذا الشوط القصير من الفترة المنظورة له، فلم يكن يمكن له أن يستنتج من ذلك أنَّ الغالب في اللغة هو 

ــــــــــ[270]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الثبات، وأنَّ التغيّر فيها حالة استثنائية وطارئة ومغلوبة، فإنَّ المنطق لا يُتيح استنتاج هذه النتيجة من تلك التجربة؛ لأنَّ هذه التجربة هي تجربة في حدود فترة معيّنة من الزمن، وتطبيق نتيجة تجربة صادقة على فترة من الزمن، وتطبيق نتائجها على عمود الزمان الطويل، فهذا التطبيق ليس منطقياً.

لكن الناس ليسوا مناطقة في اعتقاداتهم واستنتاجاتهم، بما هم أهل العرف؛ ومن هنا كان العقلاء بارتكازهم بما هم أصل العرف يعمّمون هذه التجربة، يعني: يعمّمون نتيجتها، ويفرضون أنَّ التغيّر في طبيعة اللغة حالة استثنائية، وأنَّ الثبات في طبيعتها هو الأصل والقاعدة، وهو الظاهرة العامّة، وأنَّ التغيّر هو الاستثناء، وهو الشذوذ.

وهذا المطلب مرتكز في أذهان أهل العرف نتيجة لهذه التجربة الخاصّة، والاستنتاج منها استنتاجاً عرفياً لا منطقياً.

وهذه النكتة التي ارتكزت في أذهان أهل العرف أصبحت نكتة لارتكاز حجّيّة أصالة عدم النقل، أي: هذه النكتة أصبحت سبباً في بناءهم ارتكازاً على أنَّ احتمال التغيّر ملغي بالأصل بأصالة عدم التغيّر، وأنَّ احتمال التغيّر موهون في قبال احتمال الثبات.

فمثل هذه الموهونية توصلوا إليها بحسب تسلسل ارتكازاتهم، انطلاقا من ذلك الاستنتاج القائم على تلك التجربة المحدودة، فبنوا ارتكازاً على أنَّ التغيّر خلاف الأصل، وعلى أنَّ الثبات هو الأصل.

ومثل هذا البناء من قبل العقلاء، له مظاهر متعدّدة، فإنّنا قد لا نستطيع أن 

ــــــــــ[271]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

نجد ظواهره الخارجيّة في سلوكهم في الموالي والعبيد، بقطع النظر عن الشارع؛ إذ بقطع النظر عن الشارع أين نجد ذلك المولى الذي تكون نصوصه متوارثة مئات السنين؟ ويبقى له أناس يدينون بالطاعة؟ وبعد مضي سنين يختلفون في فهم هذه النصوص فيُحكّمون ظهورهم لا ظهوره، ويبنون على أصالة عدم النقل، فمثل هذا الفرد فرد قليل الحصول بحسب الخارج.

إلَّا أنَّ هذا الفرد لو وجد في الخارج لأثّر بناء العقلاء على أصالة عدم التغيّر في اعتبار كلامه، وإجراء أصالة عدم التغيّر في كلماته.

فهذا البناء من قبل العقلاء يظهر بغير مجال الحجّيّة التشريعية بين المولى والعبد، وهو باب أغراضهم ومقاصدهم، فإنَّ العقلاء في التوصل إلى مقاصدهم وأغراضهم أيضاً يعملون أصالة عدم التغيّر، فلو أنّهم أرادوا أن يفهموا نصّاً لصيغة وقف أو وصية أو نحو ذلك، ممّا تعلّق غرضهم بتطبيق مراد الموصي أو الواقف، فهنا يستظهرون من اللفظ ويعملون وفقاً لما يستظهرون، حتّى لو كان التاريخ ممتداً، وكانت فترة الزمن المتخللة بينهما طويلة. 

 ونكتة ما بيّناه هو التعميم العرفي، لا التعميم المنطقي لتجربة عاشها كلّ فردٍ من أهل العرف، فهذه التجربة هي الأساس النظري لمثل هذا البناء الارتكازي من قبل العقلاء على حجّيّة اللغة وثباتها، المسمّى بأصالة عدم النقل وعدم التغيّر. 

وبعد أن نستوضح وجود مثل هذه النكتة في ارتكاز العقلاء بهذا التسلسل يقال: بأنَّ مثل هذه النكتة بطبعها كانت تقتضي جريان العقلاء على طبقها حتّى ــــــــــ[272]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

في نصوص الشارع، فإنَّ العقلاء بمقتضى هذه النكتة التي أُشربت في أذهانهم يجرون على أصالة عدم النقل، ويستنبطون الأحكام من الكتاب والسنة بالتغاضي عن احتمال التغيّر.

فهذه النكتة لها اقتضاء لتوجيه العقلاء إلى استنتاج الأحكام الشرعية من ظواهر الكتاب والسنة بقطع النظر عن احتمال التغيّر.

فلو فُرض أنَّ هذا لمطلب لم يكن مرضياً للشارع، وأنّه لم يكن يرضى بالتغاضي عن احتمال التغيّر، وكان يرى أنَّ إلغاء احتمال التغيّر تعبّداً أمر غير صحيح، ولا يقرّ العقلاء على التغاضي عن احتمال الغير.

 إذن، لنبّه وأوقفهم؛ لأنَّ هذه النكتة تشكل خطراً على أغراضه. إذن، فلا بُدَّ للشارع في المقام من الردع، وحيث إنّه لم يردع، فنستكشف من ذلك إمضاء النكتة.

وليس معنى إمضاء النكتة في المقام أنَّ الشارع أيضاً غفل عما غفل عنه أهل العرف بعرفيتهم، بل معناه أنّه أمضى هذه الحجّيّة الموجودة في ذهن العقلاء، وإن لم تصح مبانيها النظرية، فإنَّ إمضاء الحجّيّة لا يلازم مع إمضاء مبانيها النظرية، إلَّا أنّه رأى بحكمته البالغة أنَّ إرجاع الناس إلى أصالة عدم النقل أنفع وأصلح لهم من إرجاعهم إلى مرجع آخر غير أصالة عدم النقل، وحينئذٍ نستكشف إمضاء الشارع، بمقدار الحجّيّة، لا بمقدار ذلك الأساس النظري المغلوط مثلاً، وحينئذٍ يثبت بذلك جريان أصالة عدم النقل بالسيرة العقلائيّة.

فلو أضفنا إلى السيرة العقلائيّة في المقام سيرة المتشرعة، فإنّها أيضاً من 

ــــــــــ[273]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الأدلّة على هذا المطلب؛ لأنَّ المتشرعة في عصر الأئمّة (عليهم الصلاة والسلام) عاشوا مدة طويلة من الزمن منذ أيام عصر النبوة وعصر أمير المؤمنين إلى أيام الهادي والعسكري وفي هذه الفترة اختلفت حالات المسلمين كثيراً من النواحي الاجتماعيّة والماديّة والفكريّة، فإنَّ هذه الفترة لم تكن فترة راكدة من الزمن، وإنَّما كانت فترة فيها مستجدات كثيرة، فهذه المئتان سنة كانت عامرة بالأشياء الجديدة.

فبالرغم من ذلك، كان المتشرعة في أيام المعصومين في أيام أوائلهم وأواسطهم وأواخرهم، كانوا يعملون بظواهر الكتاب والسنة على نحو واحد، فإنَّ المحدثين الشيعة في الكوفة أو في قم أو في بقية حواضر الشيعة، فيما بعد أيام الإمام الباقر والصادق والكاظم (عليهم الصلاة والسلام) كانوا يأخذون بالأصول والروايات وبظواهر القرآن، وبالأحاديث والنصوص المروية عن النبي وعن أمير المؤمنين، ويعملون بها على سجيتهم وعلى طبعهم دون أيّ رادع من قبل الأئمّة عن ذلك.

وهذا تعبير آخر بحسب الحقيقة عن إعمال من قبل المتشرعة لسجيّتهم العقلائيّة في موارد الشرع والشارع. وهذه السجيّة العقلائيّة أُمضيت من قبل الشارع إذ لم يردع عنها.

وعلى كلّ حال، كلّ هذا يبرهن على صحّة أصالة عدم النقل في المقام، وحينئذٍ ببركة هذا الأصل الذي استنتجنا ارتكازيته عند العقلاء، وإن كان أساس الارتكاز مغلوطاً، واستنتجنا تطبيق العقلاء المتشرعة له في أيام الأئمّة في 

ــــــــــ[274]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فترة طويلة من الزمن دون رادع، فمثل هذا يكون دليلاً على أنَّ الأصل في اللغة في مقام استنباط الأحكام هو الثبات، وأنَّ التغيّر خلاف الأصل.

وبهذا يكون عندنا أصلان مترتبان أحدهما ينقح موضوع الآخر، فأصالة عدم التغيّر تنقح موضوع أصالة الظهور؛ لأنَّ أصالة عدم التغيّر تثبت أنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور الثابت في أيام الأئمّة، وهذا الظهور ثابت وفقاً لما نراه الآن؛ لأنَّ الأصل في اللغة أنّها لم تتغيّر.

هذا تمام الكلام في هذا التفصيل الثاني، الذي كان جديداً بعنوانه، إلَّا أنّه بمعنونه عرفاً ليس جديداً، وإنما هو نفس مدّعى الأعلام.

التفصيل الثالث: التفصيل بين احتمال القرينة المنفصلة وبين قرينية المنفصل

هو التفصيل بين موارد احتمال القرينة المنفصلة أو قرينيّة المنفصل. 

يقول المشهور بحجّيّة الظهور بعد فرض انعقاده واستقراره، سواء احتمل وجود القرينة المنفصلة أو احتمل قرينيّة المنفصل، ولم يفرّقوا بين احتمال القرينة المنفصلة وبين قرينيّة المنفصل.

فلو قال المولى: (أكرم كلّ عالم) وانتهى كلامه، ثُمَّ بعد أسبوع شكّ العبد أنَّ المولى هل نصب قرينة منفصلة على التخصيص أو لا.

 وهذا الشكّ يكون على نحوين: 

النحو الأوّل: هو ما يكون باحتمال أصل مجيء القرينة المنفصلة.

النحو الثاني: هو ما يكون باحتمال قرينيّة المنفصل. 

ــــــــــ[275]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فإنّه تارةً يحتمل العبد أنَّ المولى قال: (لا تكرم النحويين من العلماء) ويحتمل أنّه لم يقل شيئاً أصلاً؟ فهذا احتمال أصل القرينة المنفصلة، وأُخرى نفرض أنَّ المولى قال شيئاً بعينه بلا شكّ، وصدر منه بعد أسبوع خطاب آخر، وهو قوله مثلاً: (لا تكرم زيداً)، وتردد زيد بين أن يكون زيد العالم، فيكون هذا تخصيصاً في العامّ، أو يكون زيداً الجاهل فلا يكون تخصيصاً للعامّ، فالشكّ هنا منشأه احتمال قرينيّة المنفصل. 

وفي القرينة المتّصلة أيضاً تارةً يكون الشكّ في أصل مجيء القرينة المتّصلة، وأُخرى يكون الشكّ في قرينيّة المتّصل، فلو قال: (أكرم كلّ عالم)، فتارةً نشكّ أنَّه ألحق بكلامه هذا قوله: (إلَّا الفساق) أو لم يلحق، فهذا شك في أصل القرينة المنفصلة. 

وأُخرى يقول: (أكرم كلّ عالم ولا تكرم زيداً)، وتردد زيد بين زيد العالم والجاهل. فهذا شك في قرينيّة المنفصل.

إذن، فالشكّ في أصل القرينة والشكّ في قرينيّة الكلام الجائي يتصوّران في القرائن المنفصلة تارةً، ويتصوّران في القرائن المتّصلة أُخرى.

والمشهور في باب القرائن المتّصلة فرق بين هذين الشكّين. فقالوا: إنَّ الشكّ إذا كان ناشئاً من أصل مجيء القرينة المتّصلة فينفى بالأصل العقلائي، وإذا كان ناشئاً من احتمال قرينيّة الكلمة المتّصلة فلا يمكن التمسّك بالظهور.

وهذا التفصيل من المشهور في باب القرائن المتّصلة تبيّن غايته بناء على ما عرفناه سابقاً من الملاك في جريان أصالة عدم القرينة، فإنَّ الملاك هو نفي الغفلة 

ــــــــــ[276]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

باعتبار أنَّها على خلاف الطبع، فلو احتمل أنّه ألحق بكلامه قوله: (إلَّا الفساق) وأنّه غفل عن ذلك، فيكون الشكّ شكّاً في أصل مجيء القرينة المتّصلة، ويكون هذا الشكّ على خلاف طبع العقلاء؛ لأنّه شكّ ثابت مع الغفلة، فينفى بأصالة عدم الغفلة، وأصالة عدم القرينة.

وأما إذا كان الشكّ في قرينيّة الموجود المتّصل فنحن لا نحتمل غفلتنا، وإنَّما سمعنا من المولى أنّه قال: (أكرم كلّ عالم ولا تكرم زيداً) ولكن لا ندري أنَّ زيداً هو زيد العالم أو الجاهل. فهنا احتمال قرينيّة المتّصل لم ينشأ من ناحية احتمال الغفلة، حتّى يُنفى بأصالة عدمها، بل نشأ من ناحية الشكّ فيما هو مراد المولى، فكيف يمكن أن تنفى القرينية؟!

وفي ذلك لا يوجد هناك كشف نوعي يساعدنا على نفي القرينة عند الشكّ، فمن هنا كانت التفرقة المشهوريّة في محلّها.

ففيما إذا شكّ في قرينيّة المتّصل لا تجرى أصالة عدم القرينة، كما لا تجرى أصالة الظهور. 

أمّا أنّه لا تجرى أصالة عدم القرينة فمن ناحية أنَّ احتمال القرينة هنا لم ينشأ من ناحية الشكّ في الغفلة حتّى ينفى بأنَّ الغفلة على خلاف الطبع. 

وأمّا أنَّه لا تجرى أصالة الظهور؛ فلأنَّ الظهور لم يحرز؛ لأنَّ الظهور التصديقي -كما قلنا: الذي هو موضوع الحجّيّة- إنَّما ينعقد للكلام، بعد فرض تجرده عن القرائن المحتفّة به، ومن المحتمل أن يكون هذا قرينة، فالظهور أيضاً غير منعقد للكلام حتّى يُتمسّك بأصالة الظهور، فلا أصالة عدم القرينة جارية ولا أصالة الظهور.

 ــــــــــ[277]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فإذا شكّ في قرينيّة المنفصل -وهذا كلام مشهوري على القاعدة، ولا يعد تفصيلاً في الباب؛ إذ في موارد الشكّ في قرينيّة المتّصل، ليس الظهور محرزاً، حتّى يقال: إنّه خرج بالتخصيص بموجب القاعدة، وإنَّ هنا تفصيلاً ما بين بعض الظهورات وبعضها، بل هو ليس تفصيلاً لعدم انعقاد أصل الظهور وعدم جريان أصالة عدم الغفلة ولا أصالة الظهور، إلَّا أنّه ليس محلّ الكلام، وإنَّما ذكرته تمهيداً لما هو محلّ الكلام، وهو مورد القرائن المنفصلة- كما لو قال المولى: (أكرم كلّ عالم)، ونعلم أنه لم يأت بقرينة متّصلة، لكن احتملنا المنفصلة بعد أسبوع، فالشكّ في القرينة المنفصلة أيضاً يكون على نحوين: فتارةً يكون من باب احتمال أصل مجيء القرينة المنفصلة، وأُخرى من باب احتمال قرينية المنفصل، كالأمثلة السابقة.

هنا لم يفرق المشهور بين هذين الحالين، ففي الحالة الأولى نتمسّك بعموم (أكرم كلّ عالم) لإكرام النحويين أيضاً؛ لأنّنا لا نعلم أنَّ المولى قال بعد ذلك: (لا تكرم النحويين من العلماء)، وفي الحالة الثانية نتمسّك بأكرم كلّ عالم، لإثبات وجوب أكرام زيد العالم؛ لأنّنا لا نعلم بأنَّ مراده من لا تكرم زيداً، هو زيد العالم، ولعلّ مراده هو الجاهل.

فاحتمال القرينة المنفصلة واحتمال قرينيّة المنفصل كلاهما ملغي عند المشهور، ولم يُفرّقوا بين هذين الاحتمالين في باب القرائن المنفصلة، كما فرّقوا بينهما في باب القرائن المتّصلة.

والوجه فيما ذهب إليه المشهور من عدم التفرقة بين هذين الاحتمالين في 

ــــــــــ[278]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

باب القرائن المنفصلة هو أنَّ الظهور قد انعقد وتمّ، كما قلنا فيما سبق، من أنَّ ظهور أكرم كلّ عالم في العموم، لا يتوقف على القرينة المنفصلة، بل هو يتمّ بمجرد انتهاء الكلام وعدم نصب القرينة المتّصلة، فالظهور النوعي والكشف النوعي للخطاب الأوّل قد تمّ وانتهى يكون حجّة، ومجرّد احتمال وجود قرينة أخرى من باب احتمال مجيء القرينة المنفصلة، أو من باب احتمال قرينية المنفصل، لا يكون في المقام مانعاً عن إجراء أصالة الظهور بعد إحراز موضوعها، ويلغى كلا الاحتمالين ببركة أصالة الظهور.

هذا ما ذهب إليه المشهور، وكان هذا توطئة لبيان المدّعى في المقام. والمدّعى: هو أنَّه في موارد احتمال القرينة المنفصلة، أليس الظهور قد تمّ واستحكم، ونحتمل مجيء المنفصلة في قباله؟ وهذا الظهور نفصّل فيه فنقول: إن كان في قباله احتمال أصل القرينة المنفصلة فهذا الظهور حجّة، وإن كان في قباله احتمال قرينيّة المنفصل فهذا الظهور ليس بحجّة، يعني: أنَّ نفس التفصيل الذي اختاره المشهور في باب القرائن المتّصلة يُختار هنا في باب القرائن المنفصلة. على تفصيل وتوضيح يُبيّن الآن.

فإنّه هنا نفترض حالتين:

إحداهما: الشكّ في أصل القرينة المتّصلة، وهنا يقول المفصِّل بالحجّيّة.

ثانيهما: نفرض أنّه قال بعد أسبوع: (لا تكرم زيداً) ولا نعلم أنّه زيد العالم أو الجاهل، فهذا شكّ في قرينيّة المنفصل، وقلنا: بأنَّ هذا المفصِّل يقول بعدم الحجّيّة في هذا الشقّ.

ــــــــــ[279]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

والملاك الذي سوف نذكره لهذا التفصيل يقتضي التفرقة بين موارد احتمال قرينيّة المنفصل أيضاً، يعني: ليس دائماً إذا احتمل قرينيّة المنفصل سقط العامّ عن الحجّيّة والظهور عن الحجّيّة، بل هذه الصورة الثانية، وهي صورة احتمال قرينيّة المنفصل فيها أيضاً تشقيق إلى فرضين، فيلتزم في أحدهما بسقوط الظهور عن الحجّيّة، وفي الفرض الآخر لا يلتزم بسقوط الظهور عن الحجّيّة.

فإنّه هنا نقول: إنَّ إجمال اللفظ المنفصل الذي وقع الشكّ من ناحيته تارةً ينشأ من ناحية المولى فقط من ناحية الشكّ فيما هو مراد المولى فقط بعد معلومية المعنى اللغوي للفظ، كأن نعلم -مثلاً- بأنَّ زيداً في اللغة موضوع لشخصين أحدهما عالم والآخر جاهل، وإنَّما أشكّ في أنَّ مراد المولى أيّ من هذين المعنيين، هل أراد بقوله: (لا تكرم زيداً)، لا تكرم هذا أو لا تكرم ذاك. من ناحية كون اللفظ مشترك في اللغة بين معنيين، فإن أراد هذا المعنى يكون الكلام قرينة منفصلة وإن أراد ذاك لا يكون قرينة منفصلة.

وأُخرى يكون الإجمال ناشئاً من ناحية الشكّ في معناه اللغوي، فأنّا أعلم أنَّ زيداً ليس له في اللغة إلا معنى واحد(1). هذا المعنى الواحد، فهو إمّا هذا العالم أو ذاك الجاهل، فهنا مراد المولى مردد عندي، باعتبار الشكّ في اللغة، وإلَّا لو فُرض علمي باللغة لما بقي عندي تردد فيما هو مراد المولى، فإن كان الموضوع له في اللغة هو هذا فالكلام قرينة، وإن كان هذا فالكلام ليس بقرينة. 

فهذان فرضان للصورة الثانية وهي احتمال قرينة المنفصل، والشكّ في 

ــــــــــ[280]ــــــــــ

() والمولى ليس من حقّه إلَّا أن يستعمل اللفظ بهذا المعنى الواحد. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الفرض الأوّل يكون من ناحية المولى فقط ولا شكّ في باب اللغة، وأمّا في الفرض الثاني فيكون منشأ الشكّ هو اللغة، حيث إنّنا لا نعرف المدلول اللغوي لهذه الكلمة.

هنا نفصل بين هذين الفرضين، بمعنى أنّنا نقول: إنّه في الفرض الأوّل من هذين الفرضين -وهو ما إذا كان الشكّ مربوطاً بالمولى فقط لا باللغة- يكون العامّ حجّة، بل في بعض الأحيان قد يكون العامّ بنفسه دليلاً على رفع الإجمال في هذا المجمل، بحيث ببركة العامّ يرتفع الإجمال في هذا المجمل ولو تعبّداً. ويحمل الكلام الثاني من المولى على ما يناسب الكلام الأوّل، فإنَّ كلمات العاقل الحكيم بعضها يُفسّر بعضاً، مثلاً على تفصيل مضت الإشارة إليه في بحث العموم والخصوص.

وأمّا إذا كان الإجمال في احتمال قرينيّة المنفصل من ناحية ا للغة، فالعامّ هنا يكون ساقطاً عن الحجّيّة، بالرغم من انعقاد ظهوره واستقراره، مع هذا احتمال قرينيّة المنفصل الناشئ من اللغة يُسقط العامّ عن الحجّيّة.

هذا هو المدّعى في هذا التفصيل، وطبعاً المدّعى إنَّما صيغ بهذا التقسيم، باعتبار النكتة التي تساعد على هذا التقسيم.

هذان الدعويان من قبل المشهور ومن قبل المفصِّل، فالمشهور يقول: بالحجّيّة مطلقاً، والمشهور يقول بالسقوط عن الحجّيّة في هذا المورد، وهذان الدعويان مرجعهما فنّاً إلى البحث في أنَّ موضوع الحجّيّة ما هو؟ هل إن موضوعها هو خصوص الظهور الأوّل، الظهور المنعقد للكلام الأوّل، أو الظهور المتحصل من مجموع كلمات المولى؟

ــــــــــ[281]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

مبنى المشهور -كما يظهر من تقريبهم لقولهم- هو أنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور الذاتي النوعي للكلام الأوّل.

بطبيعة الحال مع فروق تحليلية ترجع إلى فلسفة المطلب لا إلى جوهره، فهل أنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور التصوّري أو التصديقي؟ وهل هو الظهور -التصوّري أو التصديقي- المقيّد بعدم العلم بالقرينة المنفصلة، أو مع عدم واقع عدمها وإجراء أصالة عدم القرينة في مقام النفي؟ فكلّ هذه فروق فلسفية لأجل تحليل الموقف، وإلَّا فجوهر الموقف بحسب الحقيقة هو هذا، فإنّه سواء قلنا بمقالة الأصفهاني في الحجّيّة، أو بمقالة الميرزا، أو بما اخترناه نحن، فعلى أيّ حال موضوع الحجّيّة إنّما هو الظهور النوعي الثابت للكلام الأوّل.

ومن هنا يقال حينئذٍ: إنَّ هذا الظهور النوعي والكشف الذاتي للكلام الأوّل قد تمّ وانعقد، واحتمال القرينة المنفصلة سواء نشأ من الشكّ في أصل القرينة، أو الشكّ في قرينيّة المنفصل من ناحية اللغة أو من غير ناحية اللغة، ففي تمام هذه الأقسام موضوع الحجّيّة وهو الظهور النوعي للكلام الأوّل ثابت في محلّه، فإذا كان الظهور ثابتاً تكون الحجّيّة أيضاً ثابتة. هذه هي طريقة تسلسل المشهور في الوصول إلى النتيجة والكشف. 

وأمّا المفصِّل فهو يقول في المقام: بأنَّ موضوع الحجّيّة ليس هو الظهور والكشف النوعي لشخص الكلام الأوّل، وهو قوله: (أكرم كلّ عالم) حتّى يقال: بأنَّ هذا الكشف النوعي لم يتبدّل حاله، بل موضوع الحجّيّة هو الكشف النوعي والظنّ النوعي المتحصّل من ضمّ مجموع كلمات المولى بعضها إلى بعض.

ــــــــــ[282]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

لا بمعنى: أنَّ هذا المفصِّل ينكر الكشف النوعي للكلام الأوّل، بل يُسلّم أنَّ الكلام الأوّل له بحدِّ ذاته كشف نوعي ما دام لم يلحق بقرينة متّصلة، لكن هذا الكشف النوعي له ليس حجّة، وليس موضوعاً للحجّيّة، هو موجود ولكنه ليس موضوعاً للحجّيّة، وإنَّما موضوعها هو الكشف النوعي المتحصّل من مجموع كلمات المولى.

وحينئذٍ فلا بُدَّ أن نضمّ إلى الكلام الأوّل سائر كلام المولى، ونلاحظ درجة الكشف بعد عملية الضمّ، فإن بقيت درجة الكشف النوعي كما هي، بحيث لوحظ درجة الكشف النوعي للكلام الأوّل في نفسه ولوحظت درجة كشفه بعد ضمّ كلمات المولى بعضها إلى بعض، فكانت كما هي، أو زادت درجة الكشف النوعي، فحينئذٍ يكون هذا حجّة.

وأما لو فرض أنَّ الكشف النوعي زال بعد ضمّ بعض الكلمات إلى بعض، بمعنى: أنَّ مجموع الكلمات ليس لها هذا الكشف النوعي، وإن كان شخص الكلام الأوّل لو لوحظ مستقلاً لكان له كشف نوعي، وفي مثل هذا لا يكون الظهور حجّة؛ لأنَّ الحجّيّة مترتبة على الكشف النوعي لمجموع الكلام، لا على الكشف النوعي لشخص الكلام الأوّل.

فالمفصِّل يقول: إنَّ هناك كشفين نوعيين، كشفاً نوعياً لشخص الكلام الأوّل لو لوحظ في نفسه، وكشفاً نوعياً للكلام الأوّل الملحوظ منضمّاً إلى سائر كلام المولى، ولا يلزم أن تكون درجة الكشف الثاني مساوية لدرجة الكشف الأوّل، وما هو موضوع الحجّيّة إنَّما هو الكشف الثاني لا الكشف الأوّل.

ــــــــــ[283]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وحينئذٍ فالكلام الواحد الذي له كشف نوعي في العموم مثلاً، إذا لوحظ مع سائر كلمات المولى قد يشتد كشفه، وقد يبقى كشفه كما هو، وقد يضعف، وقد يزول كشفه نهائياً.

وحينئذٍ ففي حال انعدام هذا الكشف النوعي للمجموع المركّب، لا تكون هناك حجّيّة؛ لأنَّ موضوعها ليس هو الكشف النوعي لشخص الكلام الأوّل، بل الكشف النوعي للمجموع وليس هذا الكشف موجوداً.

 هذا هو الأساس الكبروي للمطلب.

تحليل المطلب

 أمّا كيف ينتج هذا التفصيل من هذه الكبرى؟ فهذا ما سوف أبيّنه الآن: لو قال المولى: (أكرم كلّ عالم) فهذا الكلام له كشف نوعي على العموم في نفسه. أمّا لو أردنا أن نحدد كشفه منضمّاً إلى غيره، فإنّنا نلحظه ونلحظ سائر كلام المولى، فلو قال المولى في مجلس آخر: (إنّي أحب العلماء) وضمّمنا هذين الكلامين إلى بعضهما، فقهراً هذا يكون من باب ضمّ المؤيد إلى المؤيد، من حيث إنّه يعرف من ذوق هذا المولى ومن طرز روحياته أنّه محب للعلماء، وأنّه يترقب من شأنه أن يوجب إكرامهم.

فهنا درجة الكشف النوعي لمجموع الكلامين لا يقل عن درجة الكشف النوعي لشخص الكلام الأوّل، فإنَّ الكلام الثاني إن لم يوجب ترقية الكشف النوعي للكلام الأوّل فإنّه لا يوجب تضعيفه. 

وكذلك لو فُرض أنَّ كلامه الآخر كان هو: (أكرم الشعراء) فهو ضمّ إلى 

ــــــــــ[284]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الكلام الأوّل، ولا يكون منقصاً لدرجة كشفه، فالكشف النوعي لمجموع الكلامين عن إرادة المولى لإكرام العلماء، لا يقل عن الكشف الذاتي لشخص الكلام الأوّل عن هذا المطلب في مثل هذا الإشكال في الحجّيّة؛ لأنَّ موضوعها عند المفصِّل هو الكشف النوعي لمجموع الكلام، وهو موجود في المقام. 

وأُخرى نفرض أنَّ المولى قال: (أكرم كلّ عالم) ثُمَّ قال في مورد آخر: (عنيت العلماء العدول) أو (إنّي لا أحب إكرام العلماء الفساق) بحيث يكون مخصّصاً صريحاً حسابياً، فلو ضمّمنا هنا هذا المخصّص المنفصل الصريح إلى الكلام الأوّل، فظهوره النوعي بالعموم يتبدّل إلى الظهور النوعي في عدم إرادة العموم، فالعموم النوعي للمجموع يصير مدلوله نقيض الظهور النوعي لشخص الكلام الأوّل، فيؤخذ به لا محالة.

وفي هذين الموردين لا خلاف ما بين المفصِّل والمشهور من حيث النتيجة، فإنَّ المشهور أيضاً حاله هكذا، إلَّا أنّه هنا خلاف نظري، وهو أنَّ المشهور في مورد وجود مخصّص منفصل صريح، هنا يكون من باب رفع اليد عن الحجّة بحجّة أقوى، من حيث إنَّ ظهور الكلام الأوّل تامٌّ في نفسه، وهذا ظهور أقوى، فنرفع اليد عن الحجّة بحجّة أقوى. 

وأمّا هذا المفصِّل، فهو يقول: إنَّ هذا ليس من باب رفع اليد عن الحجّة بحجّة أقوى، بل من باب أنّه لم يوجد حجّة أصلاً، فإنَّ الحجّيّة موضوعها هو الظهور المتحصل من مجموع كلمات المولى، وهنا لم يدلنا على وجوب إكرام العلماء الفساق ظهور متحصل من مجموع كلمات المولى، وإنَّما دلّ على ذلك ظهور انفرادي هو ظهور الكلام الأوّل معزولاً عن سائر الكلمات.

ــــــــــ[285]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إذن، فهذا بابه ليس باب رفع اليد عن حجّة بحجّة أقوى، وإنَّما من باب أنّه لم يوجد إلَّا حجّة واحدة، وهو الظهور النوعي المتحصل من مجموع الكلمات. وهذا الظهور يدلّ على أنَّ المولى يفصّل بين العلماء العدول وبين العلماء الفساق. فالمفصِّل بحسب النتيجة في هذا الفرق، وإن كان قوله مع قول المشهور، لكنّه يختلف معهم نظرياً.

وثالثة نفترض أنَّ ضمّ الكلمات الأُخرى إلى هذا الكلام يوجب إجمال الكشف، وحينئذٍ من مجموع الكلمات لا يتحصل عندنا كشف نوعي، وإن كان من شخص الكلام الأوّل يتحصل عندنا ذلك.

كما لو قال المولى: (أكرم كلّ عالم) ثُمَّ بعد هذا قال: (لا تكرم زيداً) وأنّا لا أدري أنَّ زيداً هل هو اسم في اللغة لزيد الجاهل أو لزيد العالم، فهنا لو ضمّمنا هذا الكلام إلى الكلام الأوّل، فهذا الكلام المجمل الذي يحمل احتمالين متعادلين، لو ضمّ إلى الكلام الأوّل، فلا يكون للمجموع المتحصل من الكلامين كشف نوعي عن إرادة العموم.

نعم، الكلام الأوّل بنفسه لا يزال يحتفظ بكشفه النوعي لو لوحظ وحده؛ لأنَّ الكشف النوعي لكلّ كلام لا يحتاج إلَّا إلى أكثر من عدم القرينة المتّصلة وهذا محقّق في المقام. 

لكن لو ضمّ الكلام الثاني إلى الكلام الأوّل لا يكون للمجموع المركّب كشف نوعي في المقام، وإن كان لشخص الكلام الأوّل كشف نوعي. 

فحينئذٍ في مثل المقام لا يكون موضوع الحجّيّة تامّاً؛ لأنَّ موضوعها هو 

ــــــــــ[286]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الظهور النوعي والكشف النوعي المتحصل من مجموع الكلامين، وهنا لا يوجد ظهور نوعي متحصل من مجموع الكلامين.

لا يبقى في المقام إلَّا سؤال واحد، وهو: أنَّ هذا المطلب يأتي أيضاً في موارد الشكّ في المراد؟ يعني: في جميع موارد قرينيّة المنفصل سواء كان الشكّ ناشئاً من ناحية اللغة كما هو الحال في هذا المثال، أو كان ناشئاً من الشكّ في مراد المولى، كما لو كنا نعلم بأنَّ زيداً اسمه في اللغة لمعنيين، ولكن لا ندري أنَّ المولى أراد هذا العالم أو أراد الشخص الآخر الجاهل؟

وفي مثل ذلك أيضاً يمكن أن يُدّعى بأنَّ ضمّ هذا الكلام المجمل إلى ذاك الكلام المبيّن ـ وهو العامّ: (أكرم كلّ عالم)، فالمجموع المركّب لا يتحصل منه كشف نوعي، مع أنّنا نُفرّق ما بين المطلبين.

فلا بدَّ من بيان نكتة، بحيث بها يظهر أنّه لماذا يُفرّق ما بين هاتين الصورتين.

 وبحسب الحقيقة لا بُدَّ من الرجوع في مقام الفرق بينهما إلى بعض نكات حساب الاحتمالات.

*****

وبعبارة أُخرى(1): لا إشكال في لزوم التفرقة بين احتمال أصل القرينة المتّصلة واحتمال قرينيّة المتّصل، ففي موارد احتمال أصل القرينة المتّصلة ندفع 

ــــــــــ[287]ــــــــــ

() أعاد سيّدنا الأُستاذ في مبدأ المحاضرة موجزاً عمّا كان قاله تأكيداً لإيضاح الفكرة، ولا بأس بتكرار كتابته لنفس الغرض. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ذلك بأصالة عدم القرينة، فينقح ببركة هذا الأصل موضوع أصالة الظهور.

وأمّا في موارد قرينيّة المتّصل فلا مجال لحجّيّة الظهور، ولا لأصالة عدم القرينة، أمّا أصالة عدم القرينة؛ فلأنَّ احتمال القرينة واحتمال قرينيّة الموجود، لم ينشأ من ناحية احتمال الغفلة فينفى بالأصل. 

وأمّا أصالة الظهور؛ فلأنّه لم يحرز ما هو موضوع هذا الأصل؛ لأنَّ موضوعه هو الظهور التصديقي متقوّم بعدم القرينة المتّصلة، وهنا نحتمل وجودها.

فالتفرقة بين احتمال القرينة المتّصلة وبين قرينيّة المتّصل متّفق بين المشهور وبين هذا المفصِّل. 

وإنَّما الكلام في باب القرائن المنفصلة في التفرقة بين احتمال أصل القرينة المنفصلة واحتمال قرينيّة المنفصل. 

وهنا يظهر الفرق بين كلام المشهور وبين المدّعى في هذا التفصيل. وهذا الفرق هو: في الأساس وفي النتائج، يعني: في أصل حجّيّة الظهور في النتائج المترتبة على هذا الأصل. 

فإنَّ المشهور يقول: بأنَّ الحجّيّة موضوعها هو الظهور النوعي لشخص الكلام الأوّل، وهو (أكرم كلّ عالم). وفي هذا التفصيل يُدّعى أنَّ موضوع الحجّيّة ليس هو الكشف النوعي لشخص الكلام الأوّل، بل هو الكشف النوعي المتحصل من مجموع الكلمات.

 وهذا هو الفرق الأساسي بين مدّعى المشهور والمدّعى في هذا التفصيل الذي يختلفان بسببه في تصوّر كبرى حجّيّة الظهور.

ــــــــــ[288]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهذا الفرق الأساسي في تصوّر كبرى حجّيّة الظهور، وهو المنشأ للفروق في النتائج. فإنَّ المشهور بعد أن بنوا على تصوّرهم لكبرى حجّيّة الظهور، وبنوا على أنَّ الحجّيّة مجعولة على الظهور النوعي لشخص الكلام الأوّل، فحينئذٍ هنا قالوا بحجّيّة الظهور، سواء احتمل مجيء القرينة المنفصلة أو احتمل قرينيّة المنفصل، فإنّه على كلا التقديرين موضوع الحجّيّة محفوظ، وهو ظهور شخص الكلام الأوّل، وأحد هذين الاحتمالين لا يوجب زوال هذا الكشف النوعي.

وأمّا التفصيل فقد أدّعي فيه: أنَّ موضوع الحجّيّة ليس هو الكشف المتحصل من شخص الكلام الأوّل، بل هو الكشف النوعي المتحصل من مجموع الكلمات الواصلة إلينا من قبل المولى، وحينئذٍ هنا تختلف النتيجة عمّا أدّعي من قبل المشهور؛ وذلك لأنَّ المولى لو قال: (أكرم كلّ عالم)، وقد قال بصورة منفصلة: (لا تكرم زيداً)، ولا ندري أنَّ زيداً هل هو موضوع في اللغة للعالم الفلاني أو أسم للجاهل الفلاني.

في مثل هذا لو أردنا ملاحظة شخص الكلام الأوّل، كما يلاحظها المشهور، فالظهور النوعي تامٌّ، لكن أذا أردنا ملاحظة المجموع المركّب من كلمات المولى الواصلة إلينا، فلا بُدَّ أن نضمّ الكلام الثاني الذي كان (لا يجب إكرام زيد) إلى قوله: (يجب إكرام كلّ عالم)، لنرى ماذا يتحصل من مجموع هذين الكلامين. 

ومن المعلوم أنَّه بعد الضمّ لا يبقى الكشف النوعي على حاله، فإنَّ المجموع المركّب من الكلامين ليس له هذا الكشف النوعي عن إرادة العموم؛ لأنَّ الكلام الثاني وهو قوله: (لا يجب إكرام زيد) يحتمل فيه أمران: 

ــــــــــ[289]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

أحدهما: أن يكون زيد هنا اسماً للعالم. 

ثانيهما: أن يكون اسماً لزيد الجاهل. 

وبناءً على أحد هذين الاحتمالين لا يكون العموم مراداً من قوله: (أكرم كلّ عالم)، فهذا الاحتمال يوجب توهين الكشف النوعي للعامّ، بحيث لا يبقى كشف نوعي للمجموع المركّب منهما. 

هنا وقع الكلام في الفرق بين موردين من موارد احتمال لقرينيّة المنفصل، فإنَّه تارةً يكون الشكّ في قرينيّة المنفصل ناشئاً من اللغة محضاً، بحيث لو كنا نعرف اللغة كما شكّكنا، كما لو تردد اسم زيد في اللغة بين أن يكون اسم للعالم أو الجاهل. وهذا المورد هو المورد الذي يدع فيه أنَّ المجموع المركّب من الكلامين لا يكون له كشف نوعي، ولا يكون حجّة.

وأمّا لو فرض أنَّ احتمال قرينيّة المنفصل كان مربوطاً بالمولى، مع العلم باللغة، كما في شخص هذا المثال، لو كنا نعلم من الخارج أنَّ زيداً اسم لرجلين أحدهما عالم والآخر جاهل، ولم ندر أنَّ المولى أراد العالم أو أراد الجاهل، فهنا يكون الشكّ ناشئاً من ناحية المولى صرفاً لا من ناحية اللغة.

في هذا التفصيل يُدّعى الفرق بين هاتين الصورتين، ففي الصورة الأولى
-وهو ما إذا كان الشكّ ناشئاً من اللغة- لا يرجع إلى العامّ ويسقط العامّ عن الحجّيّة؛ إذ لا كشف للمجموع المركّب من الكلامين. وفي الصورة الثانية يرجع إلى العامّ؛ لأنَّ الكشف النوعي للمجموع المركّب من الكلامين ثابت. وكان الكلام في الفرق بين هذين الفرضين.

ــــــــــ[290]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

مقدمة في بيان حساب الاحتمالات

ولأجل بيان الفرق بين هذين الفرضين، لا بُدَّ أن نقدّم مقدّمة مختصرة في توضيح معنى حساب الاحتمالات، فإنَّ المطلب مبني على بعض ما حقّقناه في مبحث حساب الاحتمالات.

ففي حساب الاحتمالات المسألة المطروحة للبحث: أنَّ زيداً جاهل أو عالم، أو أنَّه طويل أو قصير، أو أنَّ الكتاب ثلاثون صفحة أو أربعون، فتارةً نفرض أنّا نريد أن نبحث المسألة بحثاً برهانياً، بمعنى: أن نُفتش عن قيام برهان على تعيين واحد من هذه المحتملات في قبال الآخر، وهذا لا كلام لنا فيه.

فلو فرضنا أنّا قطعنا النظر عن البحث البرهاني، وإنَّما نريد أن نطبّق هنا حساب الاحتمالات في معرض البحث، فهنا نستوعب تمام الفروض الممكنة للمسالة المطروحة للبحث التي يعلم إجمالاً بتحقّق أحدها، فتارةً تكون فروض المسألة فرضين فقط وأُخرى ثلاثة، وثالثة أكثر من ثلاثة وهكذا.

فتارةً نأخذ طائراً لا ندري ما هو لونه، فهنا نجمع تمام الألوان المحتملة، فنقول: هذه كلّها فروض نعلم إجمالاً بأحدها، فإذا فرضنا بأنّه يحتمل فيه مثلاً أحد سبعة ألوان، فهذه فروض سبعة مطروحة لهذه المسألة ويعلم إجمالاً بوجود أحد هذه الألوان السبعة بهذا الطائر.

وهنا في مثل هذا العلم الإجمالي، لا محالة يكون كلّ واحد من هذه الاحتمالات السبعة يكون له قوة احتمالية، بمقدار النتيجة الحاصلة من تقسيم رقم فرضي للعلم على عدد الاحتمالات.

ــــــــــ[291]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فنفترض أنَّ رقم العلم هو مئة، باعتبار أنَّ العلم هو أشرف الأشياء، ورقم المئة هو أعلى الدرجات في الامتحانات. وفرضنا أنَّ العلم الإجمالي متكون من سبعة أطراف، فإنَّ لون الطائر مردد بين سبعة ألوان كلّ واحد من أطراف العلم الإجمالي في المقام، هو واحد من سبعة، والمعلوم هو الجامع بين هذه السبعة لا محالة. 

فهنا لو أردنا أن نحدد درجة وقوة احتمال كلّ واحد من هذه الألوان، نحدده بقطع النظر عن أيّ برهان أو دليل أو إمارة خارج حدود نفس الفرضية. وحينئذٍ كلّ احتمال من هذه الاحتمالات ليس فيه اسوئية عن بقيّة الاحتمالات ولا امتياز عنها، فهو نسبته إلى اليقين كنسبة سائر الاحتمالات إلى اليقين لاستحالة الترجيح بلا مرجح.

فإذا فُرض أنَّ نسبة تمام الاحتمالات السبعة إلى اليقين على حدٍّ واحد، فلا محالة يكون درجة كلّ واحدٍ منها هي عبارة عن سُبع هذا الرقم المفروض لليقين، وهو مئة -مثلاً- فنقسم المئة على سبعة ويكون نتيجة هذا التقسيم هو التقدير الرياضي لقيمة الاحتمال المنطقيّة لكلّ واحد من هذه المحتملات السبعة.

أو نفرض أنَّ الألوان المحتملة كانت عشرة، ففي المقام يُقسم رقم اليقين، وهو مئة على عشرة، فتكون الدرجة والقوة الاحتمالية منطقياً لكلّ لون من هذه الألوان هو عشرة؛ لأنَّ تقسيم المئة على عشرة ينتج عشرة.

هذه هي طريقة تقدير القوة الاحتمالية لكلّ طرف من الأطراف في المسألة المطروحة للبحث.

ــــــــــ[292]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ففي المثال المعروف لو قُذف الدرهم وكان له وجهان (خط وشير)، فهنا الفروض الممكنة فرضان يُعلم بأحدهما، فرقم العلم يقسم على اثنين في المقام، فيكون كلّ منهما خمسين بالمئة. هذا هو المعنى التصويري لحساب الاحتمالات.

الآن نريد أن نمشي خطوة واحدة، فنقول: هذه الأطراف التي استوعبناها في المسألة، فالدرهم إمّا أن يكون (شيراً)، وإمّا أن يكون (خطاً). وهذا الغراب إمّا أن يكون أسوداً، وإمّا أن يكون أبيضاً.

 فتارةً نفرض أنَّ العلل المؤثرة في سواد هذا الغراب أو في بياضه، أو في خروج الشير أو خروج الخط مجهولة وليس عندنا أيّ فكرة عنها، كما هو الحال في الشير والخط، فإنَّه لا شكّ أنّه خروج أحدهما إنَّما هو لعلّة.

 ولو استطاع إنسان أن يضبط بدقة مقاييس حركة هذا الدرهم، وتأثره بالهواء، وكيفية نزوله وغير ذلك، لعلم بأنّه سوف يخرج الشير أو الخط، لكن حيث إنّنا ليس عندنا أيّ فكرة عن هذا المطلب فنحن من ناحية علل الشير والخط على جهل تامّ، ولا ندري العلل في صيرورته شيراً أو في صيرورته خطاً، ولا ندري هل أنَّ العلل في إخراجه شيراً أكثر أو أن العلل في إخراجه خطاً أكثر. 

وأُخرى نفترض أنَّ عندنا فكرة عن باب العلل، فنعرف ما هي العلل في كون الغراب أسود والعلل في كونه أبيض، فإنَّ بعض الحالات في تركيب الغراب توجب كونه أسود وبعضها توجب أنّه أبيض.

إذا عرفنا ذلك حينئذٍ ننتقل من الأصل المسبّبي إلى الأصل السببي بحسب 

ــــــــــ[293]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

تعبير الأُصوليين، أي: أنّنا نُجري حساب الاحتمالات في مرتبة العلل لا في مرتبة المعلول.

وذلك أنّنا لو فرضنا أنَّ سواد الغراب له سبعة علل، وكونه أبيض له ثلاثة علل، يعني: أنَّ سبع حالات في الغراب لو وجد أيّ واحد منها، فإنّه يُسوّده، وثلاث حالات لو وجد أيّ واحد منها في الغراب فإنّه يُبيضّه.

فهنا بدلاً من أن نُجري حساب الاحتمالات في نفس السواد والبياض نجريه في مرتبة أسبق منها، أي: نجريه في علل السواد والبياض، فلو أجريناه في نفس السواد والبياض لقلنا: هنا احتمالان، فإنّه لا يخلو من أحد هذين اللونين بحسب الفرض، فرقم كلّ واحد من هذين الاحتمالين خمسين بالمئة. 

لكن لو تجاوزنا المعلول إلى العلل، فنرى عشر علل في طبيعة الغراب: سبعة منها توجب السواد وثلاثة توجب البياض، ولا أدري أنَّ هذا الغراب الذي أشكّ الآن في سواده وبياضه هل وجدت فيه حالة من تلك الحالات التي توجب السواد أو حالة توجب البياض، فهنا يُعلم إجمالاً بأحد حالات عشرة في هذا الغراب، وهو لا يخلو من أحدها، وعلى سبع تقادير من هذه العشرة فعلّة السواد موجودة، وعلى ثلاث منها علّة البياض موجودة، فهنا تصير قوة احتمال السواد سبعين بالمئة وقوة احتمال البياض ثلاثين بالمئة.

وذلك لأنّنا نجري حساب الاحتمالات في نفس تلك الحالات التي هي علّة السواد والبياض لا في السواد والبياض، فيتكون لنا من إجرائها في تلك المرتبة السابقة الظنّ أنَّ علّة السواد موجودة؛ لأنَّ سبعة في قبال ثلاثة مظنونة 

ــــــــــ[294]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

قهراً، وحينئذٍ لا تصل النوبة إلى حساب الاحتمالات في نفس السواد والبياض، فلا يصحّ لأحد أن يقول هنا: إنَّ رقم السواد هو خمسين بالمئة؛ لأنّه عندنا لونان فقط هما: السواد والبياض؛ لأنّا أجرينا حساب الاحتمالات بحيث حصّلنا منه الظنّ بأنَّ علّة السواد موجودة.

وثالثة نفرض أنَّ علل السواد والبياض معلومة عندنا ومتكافئة، فخمس من الحالات علل للسواد وخمسة علل البياض، فهنا نجري حساب الاحتمالات في المرتبة السابقة لكن النتيجة تبقى كما هي.

هذه صور ثلاثة لإجراء حساب الاحتمالات:

الأولى: أن لا يكون عندنا فكرة مسبقة عن العلل المفروضة للسواد والبياض، فنجري حساب الاحتمالات في نفس مصب المسألة التي هي نفس السواد والبياض. 

الثانية: نفرض عندنا فكرة مسبقة عن علل السواد والبياض، ونعرف أنَّ نسبة ذاك إلى هذا نسبة سبعة إلى ثلاثة، فهنا نجري حساب الاحتمالات في المرتبة السابقة، ولا تصل النوبة إلى إجرائه في المرتبة اللاحقة. 

الثالثة: يكون عندنا إطلاع على العلل، والحالات التي توجب السواد والحالات التي توجب البياض، وتكون بالتساوي والتكافؤ، فهنا نجري حساب الاحتمالات في المرتبة السابقة ولا يؤثر في النتيجة شيئاً.

ومن هذا البيان يظهر أنَّ إجراء حساب الاحتمالات في نفس (الشير والخط) وفي نفس السواد والبياض مشروط بعدم حصول الظنّ من حساب 

ــــــــــ[295]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

احتمالات آخر بوجود علّة السواد؛ وإلَّا لو حصل الظنّ من إجراء حساب احتمالات آخر، فلا يجري حساب الاحتمالات في السواد والبياض.

أمّا كيف لا يحصل الظنّ من حساب احتمالات آخر؟ فذلك إمّا أن لا يكون عندنا فكرة عن العلل أصلاً، فلا يوجد عندنا حساب احتمالات سابق، أو إنّه يوجد، ولكن يكون الاحتمال في العلل متكافئ، فتكون أيضاً خمسة مع خمسة.

وأحد مصاديق حساب الاحتمالات في الحقيقة هو الكشف للظهور، فالكشف النوعي للكلام بمعنى: أنَّ الكلام الظاهر في معنى يكشف عن إرادة ذلك المعنى. 

لماذا يُكشف عن ذلك ببرهان؟ لا! لكن بموجب حساب الاحتمالات؛ وذلك لأنَّ المولى حينما يقول: (أكرم كلّ عالم)، نحتمل أنّه طبّق استعماله على مراده الجدّي، ونحتمل أنّه لم يطبّق استعماله على مراده الجدّي، فعندنا احتمالان قبال الأمر؛ لو كان قد طبّق كلامه على مراده الجدّي. إذن، فمراده الجدّي هو العموم، وإذا كان لم يطبّق بل كان ملغزاً ومجملاً في كلامه. إذن، فالمراد الجدّي ليس هو العموم.

هنا نأتي إلى العلل والحالات النفسية في الناس التي تدعو إلى تطبيق الكلام على طبق المراد الجدي، والحالات التي تدعو إلى الألغاز والإجمال وعدم تطبيق الكلام على المراد الجدي، فإذا نقلنا الكلام إلى باب العلل نرى أنَّ العلل والحالات التي تدعو العاقل إلى تطبيق كلامه على مراده الجدّي أكثر من الحالات التي تدعو إلى عدم تطبيق كلامه على مراده.

ــــــــــ[296]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فمثلا نفرض أنَّ الحالات التي تدعو إلى التطبيق سبع والحالات التي تدعو إلى عدمه ثلاثة، فاحتمال أنَّ المولى طبّق كلامه على مراده الجدّي سبعين بالمئة، واحتمال أنّه لم يطبّق ثلاثين بالمئة، وهذا هو معنى الكشف النوعي، فملاك الكشف النوعي بحسب الحقيقة هو حساب الاحتمالات.

هذا بحسب تصوّر المدعى. 

أمّا إثباته فيحتاج إلى بحث أوسع، أي: إثبات أنَّ الظهور لا يُعقل أن يكون له وجه إلَّا حساب الاحتمالات.

فإذا فرضنا في المقام أنَّ حساب الاحتمالات أوجب الظنّ بتطبيق الكلام على الجد بدرجة سبعين، فمعنى هذا أنّه يتكون كشف نوعي عن الإرادة الجدية للعموم.

وإذا جئنا إلى الكلام المجمل فقوله: (لا يجب إكرام زيد) وافرضوا أنّا نعلم أنَّ زيداً موضوع في اللغة لشخصين أحدهما عالم والآخر جاهل، ونشكّ بأنَّ المولى أراد العالم أو أراد الجاهل، فهنا أيضاً نجري حساب الاحتمالات، فإنَّ هذا اللفظ فيه احتمالان، فإنّه ليس له في اللغة إلَّا احتمال العالم والجاهل. إذن، يُحتمل أنّه أراد به العالم، ويُحتمل أنّه أراد به الجاهل، ونعلم إجمالاً أنّه أريد به أحدهما. فهنا الدرجة الاحتمالية لكلّ منها خمسين في المئة لا محالة، فنجري حساب الاحتمالات في نفس الاستعمال.

وهنا هل ننقل الكلام إلى باب العلل أيضا فنقول: ما هي العلل في استعمال كلمة زيد في العالم؟ وما هي العلل في استعماله في الجاهل؟ وهل علل هذا 

ــــــــــ[297]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الاستعمال أكثر من علل ذلك الاستعمال؟ لا ندري. إذن، لا ننقل الكلام إلى العلل(1)، وإنَّما نجري حساب الاحتمالات في مصب المسألة، وهو احتمال استعمال المولى للفظ في أحد المعنيين.

فجئنا إلى الوضع المجمل كما لو قال المولى: (لا يجوز إكرام زيد) ونحن نعلم أنّه موضوع لمعنى واحد في اللغة، ولكن لا نعلم أنّه وضع للعالم أو للجاهل، فهنا احتمال استعمال المولى لكلّ منهما مساوي للاحتمال الآخر.

ولا ننقل الكلام إلى العلل؛ لأنّه ليس عندنا فكرة عن العلل في أنَّ العلماء يسمَّون بزيد أكثر أو أنَّ الجهلاء يسمَّون بزيد أكثر، فنقتصر على إجراء حساب الاحتمالات في نفس مصب المسألة.

إذن، فهذه الأمور الثلاثة كلّها تتم بحساب الاحتمالات.

فلو أريد تطبيق حساب الاحتمالات عليها فلا بُدَّ أن نجمع تمام الأطراف والفروض الممكنة التي يُعلم إجمالاً أنَّ أحدها واقع لا محالة. وحينئذٍ يُفرض العلم رقماً، ويُقسم هذا الرقم على عدد الأطراف، وتكون النتيجة هي درجة كلّ واحدٍ من هذه الاحتمالات.

فمثلاً: في مسالة الدرهم المقذوف تكون الفروض الممكنة في المسألة المطروحة اثنين: أن يكون الوجه الظاهر هو الخط، أو أن يكون الوجه الظاهر 

ــــــــــ[298]ــــــــــ

() إذ ليس عندنا فكرة عن العلل، وليس عندنا فكرة عن أنَّ الناس بحسب طباعهم العقلائية يريدون أن يفهموا زيداً العالم أو زيداً الجاهل، وليس عندنا فكرة مسبقة عن باب العلل… (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

هو الصورة، فحينئذٍ يُقسم رقم اليقين وهو مئة على اثنين، وتكون القوة الاحتمالية لكلّ واحد منها هو 50%.

ومن هنا قلنا: إنَّ تطبيق حساب الاحتمالات على هذه الفروض المطروحة للبحث مرتبط بباب علل هذا المشكوك، أي: الحالات التي تكون علّة في صيرورة الظاهر صورة تارة وخطاً أُخرى. 

فإنّه تارة نفرض أنّه ليس عندنا فكرة أصلاً عن العلل والأسباب التي تؤدي إلى ظهور أيّ من الصورة والخط، وأُخرى يكون عندنا فكرة عن تلك العلل، فإذا لم يكن عندنا فكرة عن العلل؛ فنطبّق حساب الاحتمالات على نفس المسألة المطروحة للبحث، أي: على نفس الخط والصورة؛ فنقسم رقم اليقين عليهما، ونستنتج قوة احتمال كلّ منهما من هذه القسمة. 

وأمّا إذا عندنا فكرة عن علل صيرورة الدرهم صورة تارةً وخطاً أُخرى، فحينئذٍ هذه الفكرة إذا فُرض أنّنا استوعبنا تلك الحالات وكانت متساوية فيما بينها، فكانت علل كلّ من الصورة والخط خمسة، فكلّ منهما علل مساوية لعلل الآخر؛ إذن نجري حساب الاحتمالات في العلل، فيُستنتج حينئذٍ كون علّة جذب الدرهم إلى طرف الصورة 50%، وعلّة جذب الدرهم إلى طرف الخط 50%.

ولو فُرض أنَّ حساب الاحتمالات في العلل اختلف عن حساب الاحتمالات في المعلولات، فيُحكَّم حساب الاحتمالات في العلل لا محالة، كما لو عرفنا أنَّ سبع حالات توجب جذب الدرهم إلى طرف الصورة، وثلاث 

ــــــــــ[299]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

توجب جذبه إلى طرف الخط، فهنا صيرورة الدرهم صورة 70 بالمئة وصيرورتها خطاً 30 %. 

نعم، حساب الاحتمالات في باب المعلولات يُعطي لكلّ من الاحتمالين 50 %، لكن بعد أن نقلنا الحساب إلى باب العلل، وحصّلنا الظنّ بأنَّ علّة الشير أقوى من علّة الخط، أي: حصّلنا الظنّ بوجود علّة الشير دون علّة الخط، فحينئذٍ لا يجري حساب الاحتمالات في باب المعلولات. 

إذن، فحساب الاحتمالات إنمَّا يجري في باب المعلولات إذا كان مطابقاً لحساب الاحتمالات في باب علله.

قواعد التزاحم بين الاحتمالات

الآن نريد أن نعرف قواعد التزاحم بين الاحتمالات والتخمينات الناشئة من حساب الاحتمالات؛ فإنّه كما يقع التزاحم بين خبرين من أخبار الثقات أو غير الثقات، كذلك يقع التزاحم بين حسابين من حساب الاحتمالات. فنريد أن نعرف إذا وقع التعارض بين حسابين من حساب الاحتمالات، فأيّهما يُقدّم على الآخر.

ومثاله: وقوع التعارض بين حسابين من حساب الاحتمالات في باب الدرهم، فإذا فرضنا أنّه ليس لدينا فكرة عن العلل، فينقسم رقم العلم إلى اثنين، فيصير احتمال كلّ من الصورة والخط 50 %، فهناك احتمال بقوة 50% أنّه خط وليس بشير، وهناك احتمال بقوة 50% أنّه شير وليس بخط.

وهناك ثلاث أوراق أحدها مكتوب واثنين بيضاء غير مكتوبة، ووقعت 

ــــــــــ[300]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

قطرة دم، ولا أدري وقعت على المكتوب أو على غير المكتوب، فهنا احتمال وقوع قطرة الدم على غير المكتوب أقوى من احتمال وقوعها على المكتوب؛ لأنَّ هذه الأوراق الثلاثة متساوية من حيث الاحتمال، فنقسّم رقم اليقين على ثلاثة لا محالة، وأحد الثلاثة مكتوب واثنين غير مكتوب، فوقوع النجاسة على أيّ من الورقتين البيضاوين يعني عدم وقوعها على المكتوب. إذن، فاحتمال وقوع النجاسة في غير المكتوب أقوى من وقوعها على المكتوب؛ لأنَّ احتمال أنّها وقعت في المكتوب واحد من ثلاثة، واحتمال أنّها وقعت في غير المكتوب اثنين من ثلاثة، فثلثا العلم يدلّ على أنّه وقع في غير المكتوب، وثلث العلم يدلّ على أنّه وقع في المكتوب. إذن، فاحتمال وقوعه في غير المكتوب مظنون بمقتضى حساب الاحتمالات.

 وافرضوا أنَّ قيمة هذا الظن 60% وقيمة نقيضه 30%، فلو علمنا من الخارج بإخبار نبي أو وصي نبي، بأنَّ النجاسة لو وقعت في غير المكتوب، فهناك الدرهم يخرج على الخط لا على الشير من باب الصدفة وعلى وجه الاتّفاق، من باب لو طلعت الشمس لكان الحمار ناهقاً. وعلمنا بهذه الملازمة الاتّفاقيّة، فإنَّ النجاسة إمّا أنّها لم تقع على غير المكتوب، بل وقعت على المكتوب، وإمّا أنَّ الدرهم يقع على الخط.

هنا يقع التزاحم بين الظنّ الواقع على غير المكتوب الذي هو نتيجة حساب الاحتمالات في الأوراق وبين الاحتمال بقوة 50% في أنَّ الدرهم يخرج على الشير، وهذا الاحتمال بمقدار 50% يزاحم مع ذاك الظنّ الذي هو بقوة 

ــــــــــ[301]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

60%. وبعد التزاحم قهراً يحصل كسر وانكسار في البين وتقل درجة احتمال ذاك الظنّ، فبعد أن كانت درجة 60% فقد تكون درجة 52% أو 55%، فتنحط درجته باعتبار التزاحم بين هذين الاحتمالين.

وهذا معنى التعارض بين الاحتمالات والتخمينات الناشئة من حساب الاحتمالات(1).

فتارةً نفرض أنَّ حساب الاحتمالات الذي هو طرف المعارضة كان جارياً على أساس أنّه لم يكن عندنا فكرة عن علله، وأُخرى من باب أنَّ حساب الاحتمالات يجري بشكل مماثل في علله، فإنّنا قلنا: إنَّ جريان حساب الاحتمالات في نفس المسألة موقوف على أحد أمرين: 

إمّا على جريانه بشكل مماثل في طرف علله، وإمّا أنّه ليس عندنا فكرة عن علله.

فإذا فرضنا أنَّ حساب الاحتمالات جرى في الدرهم والخط والشير، من باب أنّه جرى في علله أيضاً، فكما أنَّ احتمال نفس الشير والخط احتمالهما متساويان، كذلك احتمالات عللهما أيضاً متساوية، فكان جريان حساب الاحتمالات في المعلولات في طول جريانه في العلل، ووقع معارضاً مع حساب احتمالات أُخر. وهنا يقع التصادم لا محالة بين حسابين من دون مرجح لأحدهما على الآخر، ويقع الكسر والانكسار لا محالة وتخف الدرجة. 

ــــــــــ[302]ــــــــــ

() وهنا ذكر سيّدنا الأُستاذ مثالاً آخر للتوضيح لا حاجة إلى ذكره اختصاراً. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأخرى نفرض أنَّ حساب الاحتمالات جرى في المعلولات من ناحية أنّه ليس عندنا فكرة عن العلل، فحينئذٍ نرى أنَّ حساب الاحتمالات الآخر الذي وقع طرفاً للمعارضة، إن كان يعطينا فكرة عن علل هذا بحيث يوجب الظنّ بوجود علّة الشير في قبال علّة الخط. إذن، فيحكم على هذا الحساب؛ لأنَّ جريان حساب الاحتمالات هنا فرع عدم وجود فكرة عندنا عن العلل، فإنّنا إنَّما نقول بتساوي احتمال الشير والخط؛ لأنّنا لا ندري ما هي عللهما، فلو وجد عندنا حساب احتمالات آخر دلّنا ولو ظنّاً على أنَّ علّة الشير أقوى من على الخط، فحينئذٍ لا يجري حساب الاحتمالات في طرف الشير والخط، فإنَّ جريانه مشروط بعدم وجود فكرة عن باب العلل، وقد كوّنّا هذه الفكرة على أساس الحساب الآخر، فيكون ذاك حاكماً على هذا.

وأما لو فُرض أنَّ كلاً من حسابي الاحتمالات لا يعطي فكرة عن العلل في الآخر، فيكونان متكافئين.

هذا قانون صور التعارض على نحو الإجمال، فإذا اتّضح هذا القانون نطبقه على محلّ الكلام.

فأصل الكلام عندنا في صورتين:

الصورة الأولى: ما إذا قال المولى: (أكرم كلّ عالم) وقال بعد أسبوع:(لا يجب إكرام زيد) وتردد أمر زيد في اللغة بين أن يكون اسماً للعالم أو اسماً للجاهل.

وفي هذه الصورة قلنا: بأنَّ المفصِّل يقول بعدم حجّيّة العامّ، وبصيرورته 

ــــــــــ[303]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

مجملاً، وذلك من ناحية وقوع التزاحم بين حسابين للاحتمالات؛ لأنَّ الكشف النوعي للعامّ إنَّما هو بملاك حساب الاحتمالات كما بيّنا سابقاً، فإنَّ تطبيق الاستعمال على المراد الجدّي حيث إنَّ علله أكثر من علل الألغاز والإجمال، إذن فعلل تطبيق العامّ على الإرادة الجدّيّة أكثر من علل جعل العامّ مخالفاً مع الإرادة الجدّيّة، فلو فرضنا أنَّ علل تطبيق العامّ على الإرادة الجدّيّة أربعة، وعلل عدم تطبيقه ثلاثة، فإجراء حساب الاحتمالات في العامّ أوجب الظنّ النوعي، بأنَّ العامّ مراد جداً، وكون زيدا العالم مراداً جداً من العموم.

وهذا الظنّ وقع طرفاً للمعارضة مع حساب احتمالات أُخر في باب الوضع، فإنَّ كلمة زيد فيها احتمالان:

الأوّل: احتمال أن تكون موضوعة للعالم.

الثاني: احتمال أن تكون موضوعة للجاهل. 

ونحن ليس عندنا فكرة عن باب علل الوضع حتّى ترجع إلى باب العلل. إذن، فنطبق حساب الاحتمالات ابتداء على طرف المعلولات، فنقسم رقم اليقين على قسمين، فنقول: إنّه 50 بالمئة أنّه موضوع لزيد العالم، 50 بالمئة موضوع لزيد الجاهل. إذن، فاحتمال أنَّ كلمة زيد موضوعة للعالم قوته 50%. 

هذا الاحتمال الذي قوته 50% نتيجة لحساب الاحتمالات هنا، فيقع طرفاً للمعارضة مع الظنّ هناك الذي قوته أربعة من سبعة، وبعد وقوع المعارضة ما بينهما وعدم وجود مقتضٍ لتقديم أحدهما على الآخر يختل الكشف النوعي هنا.

ــــــــــ[304]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهذا معنى أن الكشف النوعي المتحصل من مجموع الكلام يكون أضعف في هذه الصورة من الكشف النوعي المتحصل من شخص الكلام الأوّل، وهذه الأضعفيّة نشأت من التزاحم بين حسابين من حساب الاحتمالات.

وأمّا في الصورة الأُخرى فلو قال المولى: (أكرم كلّ عالم)، وقال بعد ذلك: (لا يجب إكرام زيد) ونحن نعلم بأنَّ زيداً في اللغة اسم لشخصيتين، أحدهما عالم والآخر جاهل، وإنَّما لا ندري ما هو المعنى الاستعمالي لكلمة زيد في كلام المولى.

وهنا نجري حساب الاحتمالات في نفس استعمال المولى، فنقسّم رقم اليقين على اثنين، فيصير قوة احتمال أن يكون المولى قد استعمل لفظة زيد في قوله: (لا يجب إكرام زيد)، في زيد العالم 50% لكن هذا مشروط بأن لا يكون عندنا فكرة عن باب علله؛ لأنّنا قلنا فيما سبق: إنَّ تطبيق حساب الاحتمالات على نفس المسألة مشروط بأن لا يكون عندنا فكرة عن العلل، أو أن يكون حال العلل حال المعلولات في القيمة الاحتمالية. 

فما هي العلّة في استعمال المولى كلمة زيد في العالم في قوله: (لا يجب إكرام زيد)؟ فالعلّة هي عدم تعلّق إرادته الجدّيّة بإكرام زيد العالم، فإنّه لو فُرض في الواقع أنَّ المولى لم تتعلّق إرادته الجدّيّة بإكرام زيد العالم، إذن فيقول: (لا يجب إكرام زيد). فالعلّة في استعمال الكلمة في العالم هو عدم تعلّق إرادته الجدّيّة بإكرام زيد العالم.

فهنا إجراء حساب الاحتمالات في باب الاستعمال مشروط بأن لا تكون 

ــــــــــ[305]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

هذه العلّة بنفسها مظنونة الوجود أو مظنونة العدم بدليل آخر أسبق رتبة منه.

وإجراء حساب الاحتمالات في باب العامّ يوجب الظنّ بالعلّة؛ لأنّه يوجب الظن بأنَّ المولى يريد إكرام زيد، أي: أنّنا نظنّ بعدم وجود علّة استعمال كلمة زيد في العالم، فاستعمال زيد في العالم علّته مظنون العدم على ضوء حساب الاحتمالات في العامّ، فيكون حساب الاحتمال في العموم حاكماً على حساب الاحتمالات هنا؛ لأنَّ إجراء حساب الاحتمالات دائماً مشروط بعدم تكوين فكرة مسبقة عن العلل، وقد كوّنا هنا فكرة سابقة عن العلّة ببركة حساب الاحتمالات السابقة. وهذا هو الفرق الفنّي بين الصورتين.

خلاصة ما بيّناه: هو أنَّ حساب الاحتمالات إذا اقتضى إجراءه في مورد التساوي بين الأطراف المحتملة، فهذا الاقتضاء مشروط بعدم وجود رجحان في أحد تلك الأطراف باعتبار علله أو باعتبار معلولاته. 

يعني: إذا فرضنا أنَّ المسألة المطروحة للبحث هو تعيين الوجه الذي يظهر من وجه الدرهم عند قذفه، فهذا الوجه مردد بين احتمالين لا أكثر، إمّا أن يخرج الخط، وإمّا أن تخرج الصورة، فهنا رقم اليقين ينقسم إلى قسمين متساويين، ويكون كلّ من احتمال خروج الخط أو خروج الصورة 50%. وهذا معنى اقتضاء العلم بالجامع للتساوي بين قيم الاحتمالات.

وهذا الاقتضاء من قبل العلم للتساوي بين قيم الفروض والأطراف مشروط بعدم رجحان في أحد تلك الأطراف من ناحية علله أو من ناحية معلولاته. 

ــــــــــ[306]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأمّا لو فُرض رجحان في أحد الأطراف بعينه بمقتضى حساب الاحتمالات في علله أو في معلولاته، فالعلم حينئذٍ لا يقتضي التساوي بين الأطراف. نعم، لو لم يوجد رجحان في طرف يعينه لا من ناحية العلل ولا من ناحية المعلولات، فالعلم يقتضي التساوي بين الأطراف.

أمّا مثال ما لا يوجد فيه رجحان لا من طرف العلل ولا من طرف المعلولات في أيّ واحدٍ من أطرافه، فهو مثال الصورة والخط بعد فرض أنّه لا يوجد رجحان في الصورة لا من ناحية علله ولا من ناحية معلولاته بحسب حساب الاحتمالات، فالعلم هنا يقتضي التساوي بين الطرفين، وكون قيمة كلّ من الاحتمالين محدداً بدرجة 50%.

وأمّا مثال ما يكون رجحان في طرف بعينه من ناحية تطبيق حساب الاحتمالات بلحاظ العلل، فهو من قبيل الطائر المردد لونه بين السواد والبياض، فبمقتضى قسمة العلم إلى قسمين يكون احتمال السواد 50% واحتمال البياض 50% أيضاً، فلو فرضنا أنّه حصل رجحان في أن يكون لونه أسود نتيجة لتطبيق حساب الاحتمالات بلحاظ العلل، حيث إنَّ علل السواد أغلب من علل البياض، فحينئذٍ يحصل ظنّ بالسواد من ناحية تطبيق حساب الاحتمالات بلحاظ العلل.

وهذا الرجحان يكون حاكماً على اقتضاء العلم للقسمة بالسوية بين الاحتمالات، فهذا الاقتضاء للتقسيم بالسوية يكون محكوماً لهذا الرجحان. ومن هنا لا يُحتمل أن يقع التزاحم بين مثل هذا الرجحان وبين تطبيق حساب 

ــــــــــ[307]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الاحتمالات على نفس السواد والبياض، بأن يقال: إنَّ مقتضى تطبيق حساب الاحتمالات عل العلل هو حصول الظنّ بالسواد، ومقتضى تطبيقه على نفس السواد والبياض، وإنّهما ضدان لا ثالث لهما، وإن نسبتهما إلى الجامع على حدٍّ واحد، فإنّه بدرجة 50%، أي: هو مشكوك، لا أنّه مظنون.

لا يتوهّم هذا التزاحم من ناحية أنَّ اقتضاء العلم للتسوية بين الأطراف فرع عدم وجود رجحان من تطبيق حساب الاحتمالات في أحد الأطراف بلحاظ العلل، كما هو الحال في هذا المثال، أو بلحاظ المعلولات، كما لو وجدنا شخصاً لا نعلم أنّه عالم أو جاهل، وهذان الاحتمالان لا ثالث لهما؛ فبمقتضى علمنا أنَّ هذا الشخص لا يخلو من أحد هاتين الصفتين، وأن العلم بالجامع ينقسم إلى قسمين، فهو 50% عالم و50% جاهل، إلَّا أنَّ هذا الشخص يحصل رجحان بالنسبة إليه في أحد هذين الطرفين، وهذا الرجحان قائم على أساس تطبيق حساب الاحتمالات بلحاظ المعلولات؛ لأنَّ هذا الشخص معمّم مثلاً، ولبس العمامة هو معلول غالباً للعلم، فتطبيق حساب الاحتمالات بلحاظ هذا المعلول الغالبي يوجب حصول الظنّ بكونه عالماً.

وهذا الرجحان يحكم على اقتضاء العلم للتسوية بين الاحتمالين، فيقال: إنَّ كشف العمامة بقانون حساب الاحتمالات عن علم هذا الشخص يزاحمه تساوي الطرفين في أنفسهما، فإنَّ اقتضاء العلم للتساوي مشروط بأن لا يحصل رجحان في أحد الأطراف نتيجة لتطبيق حساب احتمالات بلحاظ علله أو معلولاته.

ــــــــــ[308]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأمّا لو فُرض أنّه لم يكن هناك رجحان في طرف بعينه لا بلحاظ العلل ولا بلحاظ المعلولات، وإنَّما حصل مقتضى للرجحان في أحد الطرفين من باب الصدفة، لا من باب تطبيق حساب الاحتمالات في العلل أو في المعلولات، ففي مثل هذا يكون اقتضاء العلم للتسوية بين الأطراف ثابتاً، ويقع التزاحم بين مقتضي الرجحان، فمثلاً لو فرضنا أنّنا علمنا أنّه سوف يزورنا أحد الأخوة العشرة، فهذا العلم يقتضي القسمة بالتساوي على الإخوة العشرة، فاحتمال زيارة كلّ واحد منهم يكون قيمته 10%، فلو فُرض أنّنا علمنا من الخارج بأنَّ الدرهم المقذوف لو كان يخرج على الصورة فسوف يجيء أكبر الإخوة العشرة، ولو خرج على الخط لجاء أحد الإخوة التسعة الآخرين، فهنا يحصل التزاحم لا محالة بين اقتضاء العلم للتسوية ما بين الإخوة، وإعطاء الأكبر عشرة في المئة من الاحتمال وبين حساب الاحتمالات الجاري في باب الدرهم؛ لأنَّ هذا الحساب هناك يعطي الصورة 50%، وقد فرضناها ملازمة لمجيء الأخ الأكبر، فهو بالملازمة يقتضي إعطاء مجيء الأخ الأكبر قيمة 50%، فيقع التزاحم بينهما(1).

والخلاصة: أنَّ تطبيق حساب الاحتمالات في كلّ مورد إنَّما يقتضي التسوية بين الاحتمالات إذا لم يكن هناك رجحان في طرف العلل أو في طرف بعينه ناشئ من تطبيق حساب الاحتمالات بلحاظ العلل أو المعلولات أو ما في حكمهما.

وبعد هذا الأصل الموضوعي، هناك صور: 

الصورة الأولى: أن يقول المولى: (أكرم كلّ عالم)، ويقول بعد ذلك: (لا 

ــــــــــ[309]ــــــــــ

() بين اقتضاء العلم للتسوية وبين اقتضاء هذا للزيارة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

يجب إكرام زيد). وزيد اسم لشخصين في اللغة، أحدهما عالم والآخر جاهل، ويتردد مراد المولى بينهما.

فهنا يوجد عندنا حسابان للاحتمالات. وكلا الحسابين يمكن جعل طرف مشترك بينهما. وهذا الطرف المشترك يعطى قيمة من هذا الحساب تختلف عن القيمة التي يعطاها من الحساب الآخر.

فنرى أنَّ هذين الحسابين المعطيين لقيمتين مختلفتين هل هما متزاحمان أو أنَّ أحدهما يحكم على الآخر؟

فإنّه لما قال: (أكرم كلّ عالم)، فهذا العامّ في الغالب يكون معلولاً لتعلّق الإرادة الجدّيّة بالعموم، ونادراً أن يكون معلولاً للهزل ونحوه، تماماً كالعمامة بالنسبة إلى العلم، كذلك هذا العامّ معلول غالبي للإرادة الجدّيّة، فينتج بحساب الاحتمالات حينئذٍ حصول الظنّ بتعلّق الإرادة الجدّيّة بإكرام العموم حتّى زيد.

 فهنا تعلّق الإرادة الجدّيّة بإكرام العموم حتّى زيد نتيجة لتطبيق حساب الاحتمالات من ناحية المعلول؛ لأنَّ المعلول الموجود يكون معلولاً غالباً لهذا دون ذاك، فالقيمة المعطاة من حساب الاحتمالات لتعلّق الإرادة الجدّيّة بإكرام زيد، هو 70% مثلاً؛ لأنَّ هذا الكلام يحتمل 70% بأنّه معلول للإرادة الجدّيّة، و30% أنّه معلول للهزل. إذن، فيحصل الظنّ بأنَّ العموم معلول للإرادة الجدّيّة، أي: بزيد أيضاً، فإذا جئنا إلى الحساب الآخر حين قال: (لا أريد أن تكرم زيداً)، فأمر هذا الخطاب مردد بين كون ناشئاً من عدم الإرادة الجدّيّة 

ــــــــــ[310]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بإكرام زيد العالم، أي: من نقيض مدلول العامّ، أو من عدم الإرادة الجدّيّة لإكرام الجاهل، فهنا طرفان كلّ منهما له قيمة 50%، فيكون احتمال عدم تعلّق الإرادة الجدّيّة بإكرام زيد العالم 50%؛ إذ من المحتمل أنَّ هذا الخطاب نشأ من عدم تعلّق الإرادة الجدّيّة بإكرام زيد العالم.

فهنا من ناحية هذا الحساب حيث إنَّ أطرافه اثنين فقط، فاحتمال تعلّق الإرادة الجدّيّة بإكرام زيد يعني احتمال النقيض 50% وبحسب حساب الاحتمالات في العام ّيكون احتمال آخر، وهو تعلّق الإرادة الجدّيّة بإكرام زيد العالم 70%، وهو محال أن يكون أحد النقيضين 70 والآخر 30.

لكن على ما بيّناه من الأصل الموضوعي يكون حساب الاحتمالات الأوّل حاكماً على الحساب الثاني؛ لأنَّ اقتضاء العلم للتسوية بين الاحتمالين في الحساب الثاني مشروط بما إذا لم يحصل رجحان بلحاظ إجراء حساب الاحتمالات فيه بلحاظ علله أو بلحاظ معلولاته، وهنا حصل رجحان في احتمال تعلّق الإرادة الجدّيّة.

إذن فاقتضاء العلم للتسوية غير موجود، ويكون حساب الاحتمالات الأوّل حاكماً على الثاني. هذا في الصورة الأولى، الذي هو منشأ لتحديد القيم للاحتمالين؛ لأنَّه مشروط بعدم ذاك الرجحان وهو موجود.

 الصورة الثانية: وهو ما إذا قال: (أكرم كلّ عالم)، وقال: (لا أريد أن تكرم زيداً)، وكان زيد اسماً لشخص واحد، ولا أدري أنّه جاهل أو عالم.

فهنا أيضاً عندنا حسابان للاحتمالات، فحساب الاحتمالات في باب في العامّ 

ــــــــــ[311]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بلحاظ المعلولات؛ حيث إنَّ العام يكون معلولاً في الغالب لتعلّق الإرادة الجدّيّة، ويكشف بلحاظ غالبية المعلول أنَّ الإرادة الجدّيّة تعلّقت بالعموم حتّى زيد.

 والوضع الخاص عندنا فيه احتمالان: أنَّ زيداً موضوع للعالم، وأنّه موضوع للجاهل، فقيمة كلّ من الطرفين 50%.

ومن الخارج من باب الصدفة علمنا أنّه لو كان المولى يريد إكرام العموم جدياً. إذن، فزيد ليس موضوعاً للعالم؛ لأنَّه لو كان موضوعاً للعالم وهو يريد إكرام العموم جداً مع ذلك يقول: (لا أريد إكرام زيد) يكون ذلك تناقضاً. إذن، علمنا أنَّ إرادة العموم الذي استكشفناه من الحساب الأوّل لا يجتمع مع كون زيد موضوعاً للعالم.

 وحيث إنَّ احتمال وضعها للعالم من ناحية حسابه الخاص قيمته 50% كما أنَّ احتمال وضعها للجاهل 50% فيحصل التزاحم بين القيمتين، وهذا تزاحم حسابي ليس فيه حكومة؛ لأنَّ الظنّ بوضع الكلمة لم ينشأ من حساب الاحتمالات في هذا الطرف بلحاظ علّته أو معلولاته، وإنَّما جرى من باب العلم صدفة بالملازمة بين مطلبين، وقد قلنا في الأصل الموضوعي: إنَّ اقتضاء العلم للتساوي بين قيم الأطراف مشروط بعدم حصول رجحان ناشئ من تطبيق حساب الاحتمالات على العلّة أو المعلولات لا ناشئ من شيء آخر. 

وهذا الرجحان لم ينشأ من تطبيق حساب الاحتمالات على معلولات الوضع أو على علله، وإنّما نشأ من الملازمة الاتّفاقية بين كون المولى أراد العموم جداً وبين كون زيد غير موضوع للعالم. إذن، فلا يمكن حكومته 

ــــــــــ[312]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

عليه، بل يقع التزاحم بينهما، فقهراً يقل اقتضاء حساب الاحتمالات في باب العامّ، ويقل عن 70%.

وهذا الفرق بين هاتين الصورتين فرق في مقام الكشف لا فرق في مقام الحجّيّة. 

تنبيه

بعد هذا لا بُدَّ من التنبيه على شيء، وهو: أنّه أنقدح من مجموع ما مرّ أنَّ هذا النّهج يغيّر من كيفية البحث مع المفصّلين؛ لأنّه سابقاً كان البحث مع المفصّلين متوقفاً على الرجوع إلى السيرة العقلائيّة، فلو أنَّ شخصاً فصّل بين من قصد إفهامه أو لم يقصد، أو بين قرينية المتّصل وبين احتمال القرينة، وغير ذلك من التفصيلات التي ترجع إلى العقلاء لا التفصيلات القهرية من قبيل أنَّ ظواهر القرآن ليست بحجّة، فليس له لسان إلَّا أنَّ العقلاء يفعلون ذلك فيعتبرون الظهور حجّة فيمن قصد إفهامه دون غيره، إلَّا أنَّ العقلاء لا يفصّلون في ذلك، فتُفرض فروض وتستحضر شواهد، وإن العاقل إذا تقمّص قميص المولوية، فنرى أنّه لا يفصّل ما بين المطلبين بوجدان السيرة العقلائيّة، فيكون البحث في صحّة التفصيل وعدمه منحصراً بالوجدان العقلائي، وقبل أن نصل إلى الوجدان نبحث بحثاً صناعياً، فإذا لم يمكن إنهاء البحث بالصناعة حينئذٍ ننتقل إلى الوجدان.

توضيح ذلك: أنّه لو فصّل شخص بين مورد ومورد في حجّيّة الظهور، فقال بحجّيّته في مورد دون آخر، فالشيء الذي عرفناه فيما سبق هو أنَّ ملاك 

ــــــــــ[313]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الحجّيّة هو الكشف لا التعبّد، وعرفنا أيضاً أنَّ ملاك الكشف هو حساب الاحتمالات(1)، ولا نكتة للحجّيّة إلَّا الكشف. إذن، لا نكتة للحجّيّة إلَّا حساب الاحتمالات. 

فلو ادّعى هذا المدّعي أنَّ هذا الظهور حجّة وذاك ليس بحجّة، فحينئذٍ يمكن للقائل بالحجّة مطلقاً أن يبرهن على بطلانه قبل الرجوع إلى الوجدان؛ وذلك لأنّهم إذا استطاعوا أن يبرهنوا على أنَّ الكشف موجود هنا بعينه وموجود هناك، فقد برهنوا صناعة على بطلان هذا التفصيل. 

وبعد اشتراك الكشف بين الصورتين لو بقي المفصّل يقول بدعواه يكون اختصاص الحجّيّة بهذا المورد دون ذاك تعبداً صرفاً، مع أنَّ بناءً العقلاء ليس في مقام التعبّد. إذن، قد أبطلنا بالبرهان هذا الوجه، بلا حاجة إلى الرجوع إلى السيرة العقلائيّة.

ولا بدَّ للقائل للمفصّل من الجواب على هذا البرهان، فلا بُدَّ له في كلّ تفصيل أن يُبدي فرقاً في مقام الكشف بين الموردين؛ لأجل أن لا يأتي عليه الإشكال، فحينئذٍ يقع الكلام في أنَّ هذا الفرق، وأنَّ هناك 70 وهنا60 في مقام الكشف هل يؤثر في الحجّيّة أو لا يؤثر؟ فلعلّ العقلاء يكتفون بـ 60 في مقام الكشف، وحينئذٍ يرجع إلى الوجدان، فكلّ مفصّل مسؤول عن أمرين:

 أن يبدي فارقاً، أو يبطل برهان عدم الفرق ما بين الصورتين، بحيث لا 

ــــــــــ[314]ــــــــــ

() وافرضوا أنّا توسّعنا في البحث، وبرهنا على أنّه لا نكتة إلَّا حساب الاحتمالات (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

يكون الاختصاص تعبّدياً صرفاً، وبعد هذا لا بُدَّ له من الرجوع إلى الوجدان لإثبات أنَّ هذا الفارق مفرّق في بناء العقلاء أيضاً.

ونحن في تمام كلامنا من الأوّل إلى هنا تكلّمنا في إثبات وجود الفارق بين الصورتين، أمّا أنَّ هذا الفارق هل هو مفرّق أو لا؟ 

فإنَّ هذا الكشف الذي يبقى في الصورة الثانية بعد التزاحم وإن قل، إلَّا أنّه يكفي في مقام الحجّة أو لا يكفي؟ وحينئذٍ هذا يكون بحثاً وجدانياً بالرجوع إلى السيرة العقلائيّة. 

عوداً على بدء

وقد تحصل ممّا سبق: أنَّ حاصل المدّعى في هذا التفصيل هو التفصيل بين موارد القرينة المنفصلة أو احتمال قرينية المنفصل، فيقال في الأوّل بحجّيّة الظهور، وفي الثاني تارةً يكون التردد ناشئاً من الشكّ في اللغة، وأُخرى يكون التردد من ناحية الشكّ فيما يرجع إلى المولى محضاً، فإن كان الشكّ راجعاً إلى اللغة فالظهور لا يكون حجّة، وإن كان الشكّ راجعاً إلى جهة المولى محضاً فالظهور يبقى على حجّيّته. هذا هو حاصل ما ادّعى في التفصيل.

وقلنا في مقام بيان ما هو الأساس في هذا التفصيل: إنَّ أساسه هو القول بأنَّ موضوع الحجّيّة ليس هو الظهور والكشف النوعي لشخص الكلام الأوّل، وهو (إكرام كلّ عالم) ملحوظاً منفصلاً عن غيره، بل موضوع الحجّيّة هو الكشف النوعي في الكلام الأوّل الملحوظ منضماً إلى مجموع الكلمات الواصلة إلينا.

ــــــــــ[315]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فكأنَّ من ادّعى الحجّيّة مطلقاً في قبال هؤلاء المفصّلين ذهب إلى أنَّ موضوع الحجّيّة هو الكشف النوعي لشخص الكلام الأوّل، ومن هنا ادّعي أنَّ هذا الكشف النوعي لشخص الكلام الأوّل محفوظ، سواء احتمل وجود القرينة المنفصلة أو احتمل قرينيّة المنفصل، وسواء كان ناشئاً من ناحية الشكّ في اللغة أو كان ناشئاً من ناحية المولى، محفوظاً لما سبق بيانه من أنَّ القرينة المنفصلة بوجودها القطعي لا يهدم ظهور الكلام الأوّل فكيف بوجودها الاحتمالي؟! فمن هنا لم يفصّل.

أمّا أصحاب هذا التفصيل فيدّعون أنَّ موضوع الحجّيّة ليس هو الظهور والكشف النوعي لشخص الكلام الأوّل ملحوظاً بشكل منفصل عن بقية كلام المولى، بل هو الكشف النوعي للكلام الأوّل المنضم إلى باقي كلماته.

 وهذا الانضمام قد يوجب وهناً في الكشف النوعي، وهذا الوهن يحصل في موارد احتمال قرينيّة المنفصل فيما إذا كان الشكّ ناشئاً من ناحية اللغة، لا فيما إذا كان ناشئاً من ناحية الشكّ في مراد المولى، وقد بيّنا الفرق بين هاتين الصورتين بمقتضى الصناعة.

وهذا الكلام إلى الآن في هذا التفصيل كان بحسب الحقيقة بيان للمدّعى في التفصيل ولأساس المدّعي، وللفرق التكويني الوجداني المبرهن بين درجة الكشف النوعي للظهور في موارد احتمال قرينيّة المنفصل الناشئ من اللغة، ودرجة الكشف النوعي في موارد احتمال قرينة المنفصل الناشئ من ناحية المولى.

 فتبيّن: أنَّ الكشف النوعي للكلام الأوّل الملحوظ منضماً إلى سائر الكلمات درجته تختلف بين ما إذا احتمل قرينيّة المنفصل احتمالاً ناشئاً من ناحية 

ــــــــــ[316]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الشكّ في اللغة وبين ما احتمل ذلك احتمالاً ناشئاً من ناحية الشك في مراد المولى صرفاً، أو فيما إذا لم يحتمل قرينيّة لمنفصل أصلاً.

وقد برهنا على أنَّ درجة الكشف فيما إذا احتمل قرينيّة المنفصل احتمالاً ناشئاً من ناحية اللغة تضعف لوقوع التزاحم بين حسابين، حساب في العامّ وحساب آخر في المخصّص المنفصل المجمل المردد المحتمل قرينيّته.

 وأما إذا كان احتمال القرينية من باب احتمال أصل القرينة المنفصلة، أو احتمال قرينيّة المنفصل مع كون المنشأ هو المولى لا اللغة، ففي مثل ذلك درجة الكشف النوعي تبقى على حالها؛ لأنّه لا تزاحم على ما بيّنا.

إلى هنا بيّنا هذا المطلب، وهو أن درجة الكشف النوعي للكلام الأوّل الملحوظ منضماً إلى سائر الكلمات، فرقمها في بعض الصور أقل من رقمها في البعض الآخر، لكن مجرّد كون رقمها أقل بالصناعة، هذا لا يبرهن وحده على التفصيل في باب الحجّيّة.

فلا بدَّ وأن ينضمّ إلى هذا المطلب دعوى أنَّ هذا الفرق الذي استكشفناه بالصناعة بين درجة الكشف في إحدى هذه الصور وبين درجة الكشف في غيرها يوجب الفرق في الحجّيّة أيضاً.

بيان دعوى الفرق في الحجّيّة بين الصور 

ودعوى الفرق في الحجّيّة بين تلك الصور وبين بقيّة الصور يكون بأحد بيانين: 

البيان الأوّل: بلحاظ السيرة العقلائيّة، بأن يقال: إنَّ السيرة العقلائيّة التي 

ــــــــــ[317]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

هي المدرك في حجّيّة الظهور حيث إنَّ المستظهر منها أنَّ الحجّيّة للظهور مجعولة فيها على الظهور النوعي للكلام الأوّل، لا في حالة انفراده وانفصاله، بل في حالة انضمامه. 

وهذا النقص الذي يطرأ على درجة الكشف من ناحية الكلمات الأُخرى مضر بالحجّيّة في نظر العقلاء أو بحسب موارد السيرة العقلائيّة.

ولا أقلّ من الشكّ في ذلك الموجب للاقتصار على القدر المتيقن؛ لأنَّ السيرة دليل لبّي، فحيث يشكّ في انعقادها يقتصر على المتيقن، فلا أقلّ من أن نحتمل أنَّ ذاك النقص في درجة الكشف الذي برهنا على نقصانه في صورة الشكّ في اللغة، ولا أقلّ من احتمال أن يكون هذا النقص يكون منشأ لاحتمال عدم تمامية السيرة العقلائيّة. هذا أحد البيانين لتقريب هذا التفصيل(1)

وهنا لا ينبغي أن يُعترض علينا ويقال: بأنّه إذا كان مطلب المفصّل لا بُدَّ وأن يرجع فيه إلى دعوى أنَّ السيرة العقلائيّة فصّلت فيها بين بعض الصوّر عن بعض، فلماذا بحثتم قبل ذلك في وجود فرق في درجة الكشف بين الصورة المستثناة وبين بقية الصور؛ إذا كان بالتالي لا بُدَّ أن يرجع إلى السيرة العقلائيّة في مقام معرفة عموم الحجّيّة أو ضيقها؟!

فإنّه يقال: على منهجنا في البحث في باب حجّيّة الظواهر كان لا بُدَّ من ذلك البحث؛ وذلك لأنَّه في المقام لو أنّنا لم نستطع أن نفرق في درجة الكشف 

ــــــــــ[318]ــــــــــ

() وهنا أعاد سيّدنا الأُستاذ هذا المطلب لطلب أحد الإخوان، إلَّا أنّه لم يذكر أمراً مهماً زائداً عمّا سبق. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بين صورة وصورة، وأثبتنا أنَّ درجة الكشف واحدة في جميع الصور. إذن، نُثبت بمجرّد ذلك صناعة بلا حاجة إلى الرجوع إلى الوجدان، عموم الحجّيّة؛ لأنَّ السيرة العقلائيّة ملاكها الكشف بعد فرض عدم وجود التعبّد في باب الحجّج العقلائيّة، فلو ثبت أن الكشف بدرجة واحدة وبحدٍّ واحد في تمام الصور، فلا يحتمل حينئذٍ اختصاص الحجّيّة العقلائية ببعض الصور دون بعض؛ لأنَّ الاختصاص حينئذٍ يكون تعبّدياً، والمفروض في المقام أنَّ أصالة الظهور ليست مجعولة على وجه التعبّد، وإنَّما هي مجعولة على وجه الأمارية والكشف.

إذن، فقبل أن يدخل المفصّل في بحث السيرة العقلائيّة وفي بحث الوجدان لا بُدَّ أن يُبرز فرقاً في درجة الكشف بين الصورة المستثناة وبين غيرها؛ لأجل أن يكون له مجال لدعوى التفرقة في الحجّيّة بين الصورتين. 

وأمّا لو كانت درجة الكشف واحدة في الصورة المستثناة وفي بقية الصور لما كان لاحتمال الاستثناء وجود أصلاً؛ لأنَّ ملاك السيرة العقلائيّة هو الكشف، والمفروض وحدة درجته في كلّ الصور. 

فالمنهج العلمي في مقام بحث هذا التفصيل يقتضي هذا التدرج، وأن نُبدي فرقاً بالصناعة في درجة الكشف بين الصورة المستثناة وبين بقية الصور؛ لأجل أن نوجه احتمال الفرق؛ إذ لو لم يكن فرق في درجة الكشف لم يكن هناك احتمال للفرق في مقام الحجّيّة؛ لأنَّ مقام الحجّيّة تابع لمقام الكشف بعد العلم بعدم وجود التعبّد.

ــــــــــ[319]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وبعد أن عرفنا صناعة أنَّ درجة الكشف في الصورة المستثناة أضعف من درجته في بقية الصور. إذن؛ فمن حقّ المفصّل بعد ذلك أن يحتمل أنَّ هذه الصورة المستثناة ليس الظهور فيها حجّة؛ لأنَّ درجة الكشف أضعف، وحينما يخطر هذا الاحتمال على ذهن المفصّل يرجع إلى السيرة العقلائيّة، فننتقل من باب الصناعة إلى باب الوجدان، فيقال: بأنَّ السيرة العقلائيّة تفصّل في الحجّيّة بين الصورة المستثناة وبين غيرها، ولا أقلّ من احتمال ذلك، ومع الشكّ في انعقاد السيرة العقلائيّة في مورد الصورة المستثناة يقتصر على القدر المتيقن؛ لأنَّ السيرة العقلائيّة دليل لبّي.

الصحيح في المقام: 

وهذا التفصيل بتمامه غير صحيح، بل الصحيح في المقام هو الحجّيّة مطلقاً من دون فرق بين بعض هذه الصور وبعضها، لا لأنَّ الملحوظ في الكشف النوعي شخص الكلام الأوّل منفصلاً عن بقية الكلام، كما هو المستظهر من كلمات الأعلام.

 فإنّهم وإن لم يتعرضوا لهذا التفصيل بعنوانه ولكنّهم بحسب المستخلص من كلماتهم أنّهم لو اُلقي عليهم هذا التفصيل لأجابوا بهذا الجواب، ولقالوا: بأنَّ المناط في الحجّيّة هو الكشف النوعي لشخص الكلام الأوّل، وهو لا يزول باحتمال قرينية المنفصل، بل لا يزول بالقطع بقرينية المنفصل فضلاً عن احتماله، وإنَّما يرفع اليد عن الكلام الأوّل مع القطع بالقرينة المنفصلة، من باب رفع اليد بحجّة عن حجّة أقوى، ومن المعلوم أنّه في موارد احتمال قرينية المنفصل، لا 

ــــــــــ[320]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

يكون احتمال القرينية حجّة، فلا يجوز رفع اليد عن الحجّة الأولى.

 ولا نريد أن نقول: إنَّ موضوع الحجّيّة في المقام هو الظهور النوعي للكلام الأوّل، بقيد أن يلحظ منفصلاً عن بقية الكلام، بل السبب من إنكار هذا التفصيل هو أن الكشف الذي يكون ملاكاً للحجّيّة، فليس هو الكشف للسامع بل هو الكشف للمولى.

ومنشأ هذا التفصيل وهذا البيان تخيّل أنَّ ملاك الحجّيّة هو الكشف للعبد السامع لا للمولى المشرع.

فلو فُرض أنَّ ملاك حجّيّة ظهور كلام المولى هو الكشف للعبد السامع، فحينئذ يقال: بأنَّ هذا الكشف للعبد في مورد احتمال قرينية المنفصل أضعف من غير هذه الصورة، فدعوى كون الكشف في الصورة المستثناة -وهي صورة ما إذا كان الشكّ فيها في قرينيّة المنفصل من ناحية اللغة- أنَّ الكشف فيها أضعف من الكشف في بقية الصور، إنَّما هو باعتبار الكشف عن العبد السامع.

 نعم، هذا العبد الذي يسمع الكلام من المولى إذا لم يحتمل قرينيّة المنفصل يكون كشف الظهور أقوى من احتماله، فالكشف في هذه الصورة أضعف من بقية الصور عند العبد السامع؛ لأنَّ هذا العبد السامع يقع التزاحم عنده بين حسابين على النحو الذي مرّ سابقاً، إلَّا أنَّ هذا ليس هو ملاك الحجّيّة، وإنَّما ملاكها هو الكشف عند المولى.

 والكشف عند المولى لا يفرق فيه بين هذه الموارد بين احتمال أصل القرينة أو احتمال قرينيّة المنفصل من ناحية اللغة أو من ناحية الشكّ في مراد المولى.

ــــــــــ[321]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فلنا هنا كلام في مقامين:

المقام الأوّل: أنَّ الكشف الملحوظ من طرف المولى، لا الملحوظ من طرف العبد، لا يفرق فيه بين هذه الصور.

المقام الثاني: أنَّ ملاك الحجّيّة هو الكشف للمولى، لا الكشف للعبد.

وفي المقام الأوّل لا يُفرّق بحسب كشف المولى بين هذه الصور؛ وذلك لأنّه ليس المراد من كون ملاك الحجّيّة هو الكشف الظنّي للمولى، وهو الكشف الظنّي من كلّ كلام كلام لو لوحظ مستقلاً من قبل المولى؛ لأنَّ المولى إذا لاحظ كلماته فلا يُتصوّر لها كشف ظنّي، بل يكون لها كشف قطعي على المراد، ولا يُتصوّر في شأنه التردد فيما هو مراده لا من العامّ ولا من الخاص، ولا يتصوّر شكّه في اللغة؛ لأنَّ المفروض أنّه استعمل كلمة زيد وهو يعرف ما هو معناها لغة، فهو لا يتصوّر في حقّه هذه الشكوك أصلاً.

وإنَّما الذي يُتصوّر من قبل المولى في المقام هو أنَّ المولى يلحظ مجموع كلماته على وجه الإجمال، لا على وجه التفصيل والإفراز؛ فيرى أنّه بحسب مجموع كلماته أنَّ الغالب في ظنّه وفي عقيدته أنَّ كلماته تطابق واقع مراداته؛ حيث إنَّ هذا المتكلّم بانٍ على يكون الناس بانين عليه، وهو أنّه في مقام البيان والتوضيح غالباً لا في مقام الألغاز والاحجّيّة، وحيث إنّه يعرف من نفسه أنّه هذا المقام، فهو يغلب على ظنّه أنَّ كلامه غالباً يكون على طبق مراده، وأنَّ كلّ ظهور من الظهورات الصادرة منه على نحو الإجمال، لا أنّه يشير إلى كلّ واحد بعينه؛ لأنّه حينئذٍ سوف ينقلب الظنّ إلى اليقين بالعدم، أو اليقين بالوجود، أو الظهورات التي سوف تصدر منه، 

ــــــــــ[322]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ويكون له ظنّ بأنَّ كلّ واحد من هذه الظهورات يكون على طبق مراده الجدّي، ويكون له ظنّ بأنّه لا يوجد في كلامه الآخر ما يكون منافياً لذلك؛ لأنَّ الغالب في حاله أن يطبق كلامه على مراده الجدّي، فالغالب في نظره هو أنّه لا يعتمد على القرائن المنفصلة، وأنّه لا يذكر بعد هذا قرينة منفصلة.

فنفس هذه الغلبة -غلبة أنَّ المولى يطبّق كلّ ظهور من ظهوراته على مراده الجدّي، وأنّه لا يعتمد على القرائن المنفصلة- من ظهور حاله يولد عنه كشفاً نوعياً في المقام ظنّياً، بحيث يرى أنَّ هذا المطلب مقرِّب إلى مقصوده ومراده، وأنّه لو أوكل العبد إلى ظواهر كلامه لكان أوصل إلى مقصوده ومراده ممّا لو أوكله إلى مجملات كلامه، يعني: ما هو خلاف الظاهر من كلامه مثلاً، أو شيء آخر في المقام.

فحينئذٍ هذا الكشف المتحقّق في نظر المولى الذي يحصل بملاحظة كلماته على وجه الإجمال لا يفرّق فيه حينئذٍ ين مورد ما إذا احتمل زيد أصل القرينة أو قرينية المنفصل من ناحية الشكّ في اللغة، أو من ناحية الشكّ في مراد المولى؛ لأنَّ هذه الشكوك كلّها متصوّرة في حقّ زيد لا في حقّ المولى.

بل هذا العامّ الذي يحتمل فيه زيد وجود أصل القرينة المنفصلة أو العامّ الذي يحتمل فيه زيد قرينية المنفصل من ناحية اللغة، وذاك العلم الثالث الذي يحتمل فيه قرينية المنفصل من ناحية الشكّ في مراد المولى، فجميع هذه العمومات مندرجة في هذا النظر الإجمالي للمولى، حينما ينظر إلى كلماته ويرى أنَّ الغالب في ظهور كلامه أنّه مطبق على إرادته الجدّيّة.

ــــــــــ[323]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهذه الغلبة هي التي تكون منشأ للكشف النوعي عنده، وهذا الكشف النوعي هو ملاك الحجّيّة، وهذا الكشف النوعي لا يفرّق فيه بين هذه الصور جميعاً؛ لأنَّ جميع هذه الشكوك لا تتصوّر للمولى، ولا يتصوّر في المقام تزاحم إلى المولى، وإنّما الذي يتصوّر بالنسبة إليه هو أمارية الغلبة، وهي نسبتها إلى جميع هذه العمومات على حدٍّ واحد.

ومن هنا يكون التفصيل الذي ذكرناه مبنياً على تخيّل أنَّ ملاك الحجّيّة هو الكشف عند السامع، أي: عند العبد؛ ومن هنا برهن في هذا التفصيل على أنَّ الكشف عند السامع في الصورة المستثناة من الحجّيّة أقل من غيرها، واستنتج من هذه الأقلية أنَّ السيرة العقلائيّة لأجل ذلك غير منعقدة على الحجّيّة في الصورة المستثناة، ولا أقل من أن تكون هذه الأقلية منشأ لاحتمال عدم انعقاد السيرة العقلائيّة، حيث إنّها دليل لبّي يقتصر فيها على القدر المتيقن.

وقلنا في مقام الجواب: إنَّ الصحيح هو أنَّ ملاك الحجّيّة هو الكشف عند المولى لا الكشف عند العبد. والكشف عند المولى لا يفرق فيه بين الصورة المستثناة وبين غيرها من الصور. 

وأمّا المقام الثاني -وهو أنَّ ما هو ملاك الحجّيّة هو الكشف النوعي عند المولى لا الكشف النوعي عند العبد- فإذا أثبتنا ذلك، فيتبرهن أنَّ الحجّيّة ثابتة مطلقاً لا مع التفصيل؛ لأنَّ ملاكها مطلق، فتكون هي مطلقة لا محالة؛ إذ لو كان الكشف مطلقاً وهي لم تكن مطلقة للزم أن يكون جعلها تعبّدياً، وقد فرغنا عن عدم وجود التعبّد في الجعول العقلائيّة، فهل ملاك الحجّيّة هو الكشف عند المولى أو الكشف عند العبد؟ 

ــــــــــ[324]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهنا نفس طبع القضية يكفي للجواب عن هذا المطلب؛ وذلك لأنَّ جعل الحجّيّة هو من فعل المولى، فإنَّ الظهور لا يُجعل حجّة بفعل العبد، بل يُجعل حجّة من قبل المولى على العبد، وجعل الحجّيّة يدخل في باب التشريع، والتشريع شأن المولى لا شأن العبد، فجعل الحجّيّة من شأن المولى، بمعنى: أنَّ كلّ عاقل لو تقمّص قميص المولوية يجعل الظواهر حجّة على عبده.

ومن المعلوم أنَّ المولى إنَّما يجعل أمارة من الأمارات حجّة بقصد التحفظ على مراداته الواقعيّة التي تحكي عنها تلك الأمارة، وحينئذٍ بمقدار قوة حكاية تلك الأمارة عن تلك المرادات الواقعيّة، وبمقدار كشفها عنها، يحصل التحفظ عند المولى على تلك المرادات الواقعيّة، فجعل المولى الحجّيّة لأمارة من الأمارات نتيجة لتحفظه على المرادات الواقعيّة، وتحفظه عليها يتبع مقدار كشف الأمارة في نظره عن تلك المرادات الواقعيّة، فلا محالة يكون المحكّم في جعل الحجّيّة هو الكشف عنده لا الكشف عند العبد؛ لأنَّ الكشف عنده هو الذي يكون منشأ لتحفظه على مراداته الواقعية لا الكشف عند العبد؛ إذ قد ينكشف للعبد شيء خطأ من دون أن ينكشف ذلك للمولى، كما هو الحال في باب القياس بالنسبة إلى مولانا، فإنَّ القياس بحسب الانكشاف عندنا دليل من الأدلة الحسابية المهمة التي قد تورث في جملة من الموارد الظنّ القوي جداً، ولكن المولى قال (عليه الصلاة والسلام): “إِنَّ السُّنَّةَ إِذَا قِيسَتْ مُحِقَ‏ الدِّين(1) لأنَّه يعرف من طبعه 

ــــــــــ[325]ــــــــــ

(1) المحاسن 1: 214، باب البدع، الحديث 97، الكافي 1: 57، باب البدع والرأي والمقاييس، الحديث 15.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وذوقه أنَّه لا يطبّق أحكامه على القياس، بل من شأن الشريعة جمع المتفرقات وتفريق المجتمعات، فهنا لم يجعل القياس حجّة؛ لأنّه ليس له كشف عنده، وإن كان له كشف عندنا. فمناط جعل الحجّيّة هو الكشف عند المولى.

والذي يشهد على هذا -مضافاً إلى أن تحليل طبع القضية يقتضي هذا المطلب- هو التفرقة بين القرائن الداخلية والقرائن الخارجيّة. 

توضيح ذلك: أنّه لا إشكال عند الجميع في أنَّ كلام المولى يحكّم في ظواهره القرائن الداخلية المستفادة من نفس كلامه، ولكنّه لا يحكّم فيه القرائن الخارجيّة المستفادة والمستنبطة من أمارات خارجيّة يشخصها العبد بنفسه. 

فمثلاً: هذا المفصّل الذي يقول بعدم الحجّيّة في صورة الشكّ في اللغة، وأنَّ الكلام الثاني من قبل المولى يوجب إنقاص كشف الكلام الأوّل، بحيث يسقط عن الحجّيّة، هنا نسأله ونقول له: بأنّه كما أنَّ الكلام الثاني من قبل المولى يوجب إنقاص كشف الكلام الأوّل، كذلك بعض الأمارات الخارجيّة التي قد تخطر على ذهن العبد، كما لو فرض أنَّ العبد لم يسمع من المولى إلَّا الكلام الأوّل فقط، وهو أكرم كلّ عالم، لكن عنده أمارة ظنّية على أنَّ زيداً العالم لا يريد المولى إكرامه، فالأمارة الظنّية لم تنشأ من كلام المولى، بل نشأت من سلوك زيد، حيث إنّه يعرف أنَّ زيداً له سلوك لا يناسب مع ذوق المولى وطبع المولى وروحياته، فحصل للعبد بقرينة سلوكه الخارجي ظنّ بأنَّ زيداً لا يراد إكرامه، وإن العامّ لم يرد منه العموم. 

هذا الظنّ أيضاً ينقص كشف العامّ الأوّل، فإن لم يكن إنقاصه له أقوى من 

ــــــــــ[326]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إنقاص الكلام الثاني من قبل المولى فلا أقل من أن يكون مثله في الإنقاص.

مع أنَّ المفصّل في المقام لا يتوهّم أنَّ العامّ لا يكون حجّة بمجرّد أنَّ العبد ظنّ لقرائن خارجيّة ولاستنباطات حدسيّة بأنَّ زيداً لا يجب إكرامه، وهذا لا يتوهّم إلَّا عند مفصّل آخر سوف نتكلّم عنه إن شاء الله تعالى.

وهذه التفرقة بين القرائن الداخلية والقرائن الخارجيّة لغز يحتاج إلى جواب، فلماذا أيّها المفصّل جعلت كلام المولى الثاني الذي أوجب إنقاص كشف الملاك الأوّل ممّا يوجب اسقاطه عن الحجّيّة؟ ولكن هذه الأمارة الحدسيّة التي هي سلوك زيد والتي أوجبت نفي الإنقاص لكشف الكلام الأوّل لم تسقط عن الحجّيّة.

فلو كان ملاك الحجّيّة هو الكشف عند العبد. إذن، فالكشف عند العبد قد نقص في كلا هذين الفرضين على حدٍّ واحد من النقصان، فلو قيل: بأنّه بالرغم من ذلك تكون الحجّيّة ثابتة في أحد هذين الفرضين دون الفرض الآخر لكان هذا تعبّداً صرفاً؛ لأنَّ الكشف على واحد فيهما معاً، فلو أثر هذا النقصان في عدم الحجّيّة فلماذا لا يؤثر فيهما معاً؟

وهذا اللغز حلّه هو ما قلناه: من أنَّ ملاك الحجّيّة ليس هو الكشف عند العبد حتّى يقال: بأنَّ الكشف عند العبد هو زال في كلتا الصورتين؛ لأنّه اقترن بأمارة على الخلاف، غاية الأمر أن هذه الأمارة نشأت في إحدى الصورتين من ناحية كلام المولى، وفي الصورة الثانية لم تنشأ من ناحيته، فلو كان ملاك الحجّيّة هو الكشف عند العبد لأمكن أن يقال بسقوطها في كلا هذين الفرضين، مع أنّه 

ــــــــــ[327]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

لا يقول أحد بسقوط الحجّيّة في مورد الأمارات الحدسيّة في نظر العبد.

فهذا شاهد على أنَّ ملاك الحجّيّة ليس هو الكشف عند العبد، بل هو الكشف عند المولى، وحيث إنَّ المولى لا يهمه ظنون العبد وحدوسه، بل هو بمقتضى حسابه يعرف أنَّ الغالب في ظواهر كلامه أنّها مطبقة على مراداته الواقعيّة، فهذا شاهد إضافي إلى كون تحليل طبع القضية يقتضي ذلك. 

وبعبارة مختصرة: أنَّ ملاك الحجّيّة لو كان هو الكشف عند العبد للزم من ذلك لازم باطل، وهو: أنَّ هذا الكشف لو زال عن العبد إمّا بكلام ثانٍ مجمل من قبل المولى، كما في الصورة المستثناة، أو بسبب ما، فحدسيّة ظنّه حصلت عند العبد كسلوك زيد، فيلزم لو زال الكشف بأحد هذين السببين أن تزول الحجّيّة؛ لأنَّ الكشف غير موجود، مع أنّه لا يلتزم بذلك حتّى من قبل هذا المفصّل، فإنّه يعترف أيضاً بأنَّ الأمارة الخارجيّة لا تطعن بحجّيّة ظاهر الكلام، وليس لذلك وجه بناءً على أنَّ الكشف الملاكي هو الكشف عند العبد، فيتعيّن أن يكون الكشف الملاكي هو الكشف عند المولى لا عند العبد، والكشف عند المولى لا يختل باختلال الكشف عند العبد(1).

فاتّضح -من المقدّمة الأولى: هي أنَّ الكشف عند المولى لا يفرّق فيه بين الصورة المستثناة وبين غيرها من الصور، ومن المقدّمة الثانية: أنَّ ملاك الحجّيّة 

ــــــــــ[328]ــــــــــ

() وهنا سألته (سلّمه الله): أنَّ هذا يكون شاهداً بلحاظ رأي هذا المفصّل لا في نفس الأمر والواقع؟ 

فأجاب: يعني بلحاظ ما هو المتفق عليه عند غير من يقول بذاك المطلب (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ليس هو الكشف عند العبد، بل ملاكهما- أنَّ الكشف عند المولى. 

هذا هو تمام الكلام في إبطال هذا التفصيل، فاتّضح من ذلك أنَّ هذا التفصيل غير صحيح، وأنَّ الصحيح هو عدم الفرق بين موارد احتمال قرينية المنفصل، أو موارد احتمال أصل القرينية المنفصلة(1).

من هذا التحقيق الذي بيناه الآن في إبطال التفصيل الثالث يظهر الحال صناعة في التفصيل الآتي.

التفصيل الرابع: التفصيل بين وجود الظن بالخلاف وبين عدمه

وهو التفصيل بين ما إذا ظنّ بالخلاف أو لم يظنّ بالخلاف، فإنَّ بعضهم فصّلوا بين ما إذا ظنّ بالخلاف ولو من ناحية الحدس الخارجي، وبين ما إذا لم يظنّ بالخلاف، فإذا لم يظنّ بالخلاف يكون الظهور حجّة، وأمّا إذا حصل عند العبد ظنّ بالخلاف، ولو من ناحية الأمارات الخارجيّة أو من ناحية الاستخارة، فحينئذٍ لا يكون الظهور حجّة عليه، فهم يعتبرون الكشف النوعي المقيّد بعدم الظنّ الشخصي على ا لخلاف.

نعم، زاد بعضهم فقال: بأنَّ الظهور لا يُعتبر ما لم يحصل ظنّ شخصي على الوفاق، ولا يكفي فيه مجرّد عدم الظنّ الشخصي على الخلاف. 

وقد أجاب الأعلام غالباً بدعوى عدم الفرق بحسب وجدان السيرة 

ــــــــــ[329]ــــــــــ

() وهنا طلب منه أحد الإخوان أن يذكر التقريب الثاني لهذا التفصيل.

فقال: أجّلناه إلى ما بعد التكلّم في هذه التفصيلات؛ لأنّه يجري في أكثر من واحد منها. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

العقلائيّة بين مورد الظنّ بالخلاف، أو الظنّ بالوفاق، أو عدم الظنّ بالوفاق مع وجود الظنّ بالخلاف، ففي جميع هذه الموارد يعمل بالظهور ويُعتبر حجّة بشهادة الوجدان العقلائي.

رأي المحقّق النائيني 

والمحقّق النائيني(1) تعمّق في هذا الجواب الإجمالي فذكر في المقام تفصيلاً، وحاصله: أنَّ العقلاء في عملهم بالظهور لهم مقامان: ففي أحدهما يكتفون بالكشف النوعي، وإن حصل الظنّ على الخلاف فضلاً عما إذا لم يحصل ذلك، وفي المقام الآخر لا يكتفون بتلك الدرجة من الكشف ما لم تتنزل تلك الدرجة إلى درجة فعليّة، يعني: ما لم يخرج الظنّ من الظنّ بالقوة إلى الظنّ بالفعل.

المقام الأوّل: مقام العلاقات بين العبيد والموالي، وفيه يعمل العقلاء بالظواهر باعتبار درجة الكشف النوعي، بلا أن يحتاجوا إلى أن تشتد هذه الدرجة، وأن تخرج من عالم القوة إلى عالم الفعل، بل حتّى لو فرض حصول الظنّ الشخصي بالخلاف يعملون بالظهور، فلو قال المولى لعبده: (أئتني بالماء فإني عطشان) وفُرض بأنَّ العبد حصل له ظنّ بأنَّ المولى يستهزأ بهذا الكلام وليس جاداً، من دون أن يكون هناك قرينة في كلام المولى، ولا في حاله على أنّه في مقام الاستهزاء، فلم يأت بالماء حتّى ترتّب من ذلك الأذى بالنسبة إلى المولى.

ففي مثل هذا يحق للمولى أن يُعاقب العبد، ولا يحقّ للعبد أن يعتذر عن 

ــــــــــ[330]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 508.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

تركه للعمل بظهور كلام مولاه أنّه لم يحصل له الظنّ الشخصي بإرادة الجدّ، أو أنّه حصل له الظنّ الشخصي بالعكس، فإنَّ هذا لا يُعتبر عذراً عند العقلاء، فالعقلاء في العلاقات المولوية يكتفون بدرجة ضعيفة من الكشف.

المقام الثاني: وهو مقام العمل بالظهور لاستكشاف المرادات الواقعيّة والتوصل إلى مصالحهم الشخصيّة، فالتاجر يريد أن يعمل بظاهر كلام وكيله حتّى يعرف أنّه يشتري أيّ سلعة من السلع، فيكتب الوكيل إلى التاجر رسالة يدله فيها على السلع والقيم، فأيّ واحد منهما اشتري؟ وغرضه استكشاف المراد الواقعي لوكيله بقصد تحصيل الربح، فغرضه العمل بالظهور لأجل تحصيل الربح. 

وفي هذا المقام لو فُرض أنَّ التاجر لم يحصل له ظنّ بأنَّ الوكيل أراد المعنى الظاهر أو حصل له ظنّ بخلاف ذلك، فلا يعمل بالظهور، وإنّما يكتب له رسالة أُخرى يستوضحه لأجل دفع هذا الظنّ.

فالعقلاء هنا لا يكتفون بتلك الدرجة من الكشف، بل يحتاجون إلى درجة أرقى من الكشف.

وهذا التفصيل من المحقّق النائيني في المقام، يعني الالتفات إلى وجود فرق بين هذين المقامين، مقام العبودية ومقام المصالح الشخصيّة، التفات حسن جداً، ولكنّه كأنّه لم يكتشف في كلماته ما هو السرّ والنكتة في هذا الفرق.

نكتة الفرق بين هذين المقامين ليس هو أنَّ العقلاء في مقام العبودية يتسامحون في مرتبة الكشف، وفي مقام المصالح الشخصيّة فهم لا يتسامحون في مرتبة الكشف.

ــــــــــ[331]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بل نكتة ذلك: أنّه في مقام العبوديّة ملاك الحجّيّة هو الكشف عند المولى لا الكشف عند العبد، وفي باب المصالح الشخصيّة ملاك الحجّيّة هو الكشف عند العامل بالظهور، فإنَّ نفس هذا التاجر هو يريد أن يكتشف لأجل أن يعمل، فاختلاف سنخ الكشف هو الذي أوجب هذا المطلب، لا أنَّ العقلاء يكتفون في المقام الأوّل بدرجة دانية من الكشف، وفي المقام الثاني يحتاجون إلى درجة عالية من الكشف.

بل الكشف على نحو واحد غالباً في كلا المقامين، ولكنّه في مقام العبودية في درجة أثره في نفس المولى لا أثره في نفس العامل الممتثل.

 وأمّا في المقام الثاني فيلحظ أثره في نفس العامل الذي هو التاجر لا في نفس الوكيل، فالكشف المعتبر بين المرسِل والمرسَل إليه، إن كان المرسِل هو المولى والمرسَل إليه هو العبد، فملاك الحجّيّة هو الكشف عند المرسِل، وإن كان المرسِل هو الوكيل والمرسَل إليه هو التاجر، فملاك الحجّيّة -يعني: ملاك الجري على طبق الظهور- هو الكشف عند المرسَل إليه. وهذه هي نكتة الفرق.

ومن ذلك يتّضح الفرق بنكتته، لا مجرّد دعوى التفرقة من دون بيان النكتة.

فحاصل ما يتحصل من كلام الميرزا بعد تطعيمه بهذه النكتة التي هي سرّ الفرق فيما بين المقامين: هو أنّه في علاقات المولى مع العبد يكون الملاك في حجّيّة الظهور هو الكشف عند المولى، والكشف عند المولى لا يفرّق فيه بين ما إذا حصل عند العبد ظنّ شخصي أو لم يحصل.

ــــــــــ[332]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ففي مقام المولوية لا يضر الظنّ الشخصي بالخلاف، فضلاً عن يشترط الظنّ الشخصي بالخلاف. وأمّا في مقام المصالح الشخصيّة فإنَّ حصول الظنّ بالخلاف مضر، بل يُعتبر حصول الظنّ على الوفاق.

هذا المطلب الذي ذكره في التفرقة في نفسه لا بأس، إلَّا أنَّ نكتة هذا الفرق ليس هو كما أفاده، فإنَّ هناك خلاف في وجهة النظر في تصوير نكتة الفرق. 

ولنفرض -لأجل التوضيح- أنَّ شخصاً حجازياً يكتب رسالة إلى شخص عراقي، وكان في هذه الرسالة كلام له معنى ظاهر، وهو يكون حجّة عند هذا الشخص العراقي الموصل إليه.

هنا إذا فُرض أنَّ الحجازي كان مولى والعراقي كان ممّن يجب عليه إطاعته، فهنا يجب عليه أن يعمل بظهور كلام هذه الرسالة، سواء حصل له الظن بالوفاق أو حصل له الظن على خلاف ظهورها، أو لم يحصل له الظنّ على الخلاف. 

وأمّا إذا فُرض أنَّ الحجازي كان وكيلاً والعراقي كان تاجراً فأرسل له رسالة للاستخبار عن السلع، فهنا العراقي لا يعمل بظهور هذه الرسالة، إلَّا إذا حصل له الظنّ على وفقها. هذا هو الفرق.

والميرزا في مقام تصوير ما هو ملاك هذا الفرق: يقول: بأنَّ هذا العراقي المرسَل إليه، إذا كان عبداً وكان ذاك مولى، فحجّيّة الظهور عند العراقي يكفي فيها أدنى مراتب الكشف، وهو الكشف الاقتضائي النوعي، ولو لم يحصل ظنّ على الوفاق وحصل ظنّ على الخلاف، فالعراقي يكتفي في مقام العبودية بأقل مراتب الكشف.

ــــــــــ[333]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأمّا إذا كان هذا تاجراً وكان ذاك وكيلاً، فملاك الحجّيّة عنده هو الكشف في مرتبة عالية، لا أدنى مراتب الكشف. 

فالكشف الذي هو ملاك الحجّيّة للعبد غير الكشف الذي هو ملاك الحجّيّة للتاجر، وهو يختلف من حيث الدرجة، فالكشف الذي هو ملاك الحجّيّة عند العبد درجته أدنى من الكشف الآخر(1).

أمّا نحن فنقول: بأنَّ الكشف الذي هو ملاك الحجّيّة بدرجة واحدة، سواء كان الحجازي مولى وكان هذا ممّن يجب عليه طاعته، أو كان هذا وكيلاً وهذا تاجر، فعلا كلّ من التقديرين ملاك حجّيّة الظواهر ومحرّكيّة الظواهر هو الكشف بنحو واحد.

لكن صاحب الكشف يختلف بين هذين المطلبين، لا درجة الكشف تختلف، فإنّه في فرض كون الحجازي مولى والعراقي عبد له، هنا الكشف الذي هو ملاك الحجّيّة، ليس هو الكشف عند العراقي، بل الكشف عند الحجازي، فحتّى لو لم يحصل كشف ظنّي بالفعل عند العراقي، بل حتّى لو حصل له كشف ظنّي على الخلاف، مع هذا ملاك الحجّيّة ثابت؛ لأنَّ ملاكها هو الكشف عند الحجازي لا عند العراقي.

لماذا يكون ملاك الحجّيّة هو الكاشف عند الحجازي؛ لأنَّ حجّيّة الظهور إنَّما تُجعل من قبل المولى لأجل التحفّظ على غرضه، والغرض هنا هو غرض الحجازي لا غرض العراقي؛ لأنَّ الحجازي إنَّما يأمر تحفّظاً على غرضه. إذن، 

ــــــــــ[334]ــــــــــ

() هذا تصوير الفرق من ناحية. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ففي مقام التحفّظ على غرضه يلحظ الكشف عنده لا الكشف عند العبد، فلا محالة يكون مناط الحجّيّة هو الكشف عند الحجازي المرسِل لا عند المرسَل إليه؛ لأنَّ الغرض المتحفّظ عليه في مقام جعل حجّيّة الظهور هو غرض المولى لا غرض العبد. إذن، فينبغي أن يُلحظ مقدار انكشاف الغرض الواقعي عند صاحب الغرض وهو المولى لا العبد.

وأمّا لو فُرض أنَّ الحجازي كان وكيلاً والعراقي كان تاجراً، فأرسله لأجل أن يخبره أنَّ أيّ سلعة تربح لو اشتراها؟ فهنا مناط الحجّيّة أو مناط العمل بالظهور هو الكشف عند التاجر العراقي المرسَل إليه، لا عند المرسِل؛ لأنَّ الغرض هو غرضه، فإنَّ الغرض هو الربح، والربح إنَّما هو غرض التاجر العراقي، فهنا لا بُدَّ أن يكون للظهور كشف عند التاجر العراقي حتّى يعمل به، وحتّى يتحفّظ على غرضه من ناحية، لا أنّه يكون له كشف عند المرسِل، فإنَّ كشفه عند المرسِل لا أثر له في المقام. وهذه هي نكتة الفرق.

وعلى أساس هذه النكتة نعرف أنّه لماذا لا يشترط في حجّيّة الظهور الظنّ بالوفاق ولا يشترط عدم الظن بالخلاف؟ لأنَّ الظنّ بالخلاف، أو عدم الظنّ بالوفاق، وإن كان يضعف أو يُفني كشف العامّ عند العبد، ولكن من مناط حجّيّة الظهور ليس هو الكشف عند العبد، بل هو الكشف عند المولى، والكشف عند المولى محفوظ سواء ظنّ العبد بالخلاف، أو ظنّ بالوفاق، أو لم يظنّ لا بالوفاق ولا بالخلاف. 

نعم، لو فُرض قيام أمارة ذات كشف نوعي عند تمام العقلاء على إرادة 

ــــــــــ[335]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

خلاف الظاهر، بحيث إنَّ تلك الأمارة كانت في كشفها النوعي عند تمام العقلاء، فلا تقلّ عن الكشف النوعي للظهور بقانون حساب الاحتمالات وقانون الغلبة.

لو فُرض هكذا، ففي مثل هذا يُحتمل الكشف حتّى عند المولى؛ لأنَّ هذه الأمارة كاشفة عند المولى أيضاً كما هي كاشفة عند العبد. 

كما في القياس فيما لو فُرض أنَّ الكشف النوعي للقياس في نظر تمام العقلاء، فلا يقلّ عن الكشف النوعي للظهور بمقتضى حساب الاحتمالات، فكما أنّه بحساب الاحتمالات الغالب في العاقل أن يُطبّق كلامه على مرامه، كذلك الغالب في العاقل أن يُطبّق مراداته وفق ما يقتضيه القياس، وما يقتضيه حمل الشيء على نظيره، فهذه الغلبة موجودة في كلّ منهما على حدٍّ واحد.

فلو فُرض أنّه وجدت أمارة قياسيّة تدلّ على أنَّ المراد خلاف الظاهر، في مثل هذا يختل الكشف عند المولى لا الكشف عند العبد، وفي مثل هذا لا يكون الظهور حجّة عند العقلاء. 

وهذا بحسب الحقيقة يرجع إلى أنَّ الأمارة تكون حجّة عند العقلاء، أو أنَّ تلك الأمارة تكون مانعة عن حجّيّة الظهور على كلِّ تقدير. 

ومن هنا أشرنا فيما سبق إلى إشكال في الاستدلال بالسيرة العقلائيّة على حجّيّة الظهور عند الشرع، حتّى في المورد الذي يكون هناك حجّة عقلائيّة على الخلاف، غاية الأمر أنّها حجّة عقلائيّة ولم يثبت حجّيّتها شرعاً.

ففي مورد وجود أمارة نوعيّة غالبيّة عند العقلاء، بحيث يكون كشفها 

ــــــــــ[336]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

عقلائياً بحسب حساب الاحتمالات لا يقلّ عن كشف نفس الظواهر، ففي مثل هذا المورد يختل الكشف عند المولى، والعقلاء لا يبنون على الحجّيّة في مثل هذا المورد. إذن، فكيف في مثل هذه الموارد نقول بحجّيّة الظهور شرعاً؟

هذا الإشكال ذكرناه فيما سبق، ومثلّنا له بالقياس افتراضاً، وقلنا: نفترض أنَّ القياس أمارة كاشفة كشفاً نوعياً عند العقلاء لا يقلّ عن الكشف النوعي لظواهر الكلام. إذن، ففي مورد مخالفة القياس للظهور لا يعمل العقلاء بالظهور، فإذا كانوا لا يعملون بالظهور في هذا المورد، فكيف يُتصوّر الاستدلال بالسيرة العقلائيّة على حجّيّة الظهور شرعاً؟ وهذا الإشكال أشرنا إليه فيما سبق وأشرنا إلى جوابه.

وما يمكن أن يكون جواباً عن هذا الإشكال بحيث يتمّم حجّيّة الظهور شرعاً -حتّى مع الأمارات النوعيّة الظّنيّة على الخلاف- أحد أمرين:

الأمر الأوّل: أن يقال: بأنَّ هذه الأمارة النوعيّة الدالّة على الخلاف كالقياس مثلاً، المفروض فيها أنّها ليست حجّة شرعاً، وإلَّا لو كانت حجّة شرعاً لرفعنا اليد عنها بالظهور.

فحينئذٍ نستفيد من نفس الدليل الدالّ على سلب الحجّيّة عنها والردع عن العمل بها: أنّها لا تمنع أيضاً في نظر المولى عن كشف الظهور وعن حجّيّته، لا من باب الملازمة العقليّة، إذ لا ملازمة عقلاً بين أن تكون هي غير حجّة، وتكون مُسقطة لغيرها عن الحجّيّة، فإنَّ هذا أمر معقول، فإنَّ القياس ليس بحجّة، ولكن الظهور الذي على خلافه ليس بحجّة؛ لأنّه يوهن كشفه وتضعف دائرة حكايته وأماريته، فليس هناك ملازمة عقليّة. 

ــــــــــ[337]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بل بدعوى الملازمة العرفيّة، بحيث يفهم من نفس قوله: القياس كذا وكذا، ومن نفس الصيغ الرادعة عن القياس والمحذّرة منه بالملازمة العرفيّة: أنَّ القياس وجوده كعدمه في الشريعة، لا أنّه فقط ليس بحجّة، فلا بُدَّ من ملاحظة المسألة كما لو لم يكن هناك قياس، فلو تمت مثل هذه الملازمة العرفيّة في مورد فحينئذٍ لا بأس بها. 

وهذه الملازمة العرفيّة طبعاً تابعة للاستظهار العرفي بالنسبة إلى كلِّ لسان من ألسنة الردع، وليس لها قانون، فلعلّ بعض ألسنة الردع لا يُفهم منها هذا المطلب، ولعلّ بعضها يفهم منها ذلك، ولعلّ القياس من الثاني، باعتبار التأكيد في ألسنة الردع على إلغاء كشف القياس أصلاً، وأنَّ السنة إذا قيست مُحقّ الدين، بمعنى: أنَّ القياس غالبي الخطأ. وهذا قد يُفهم منه عرفاً أنَّ وجوده كعدمه في نظر الشارع، لا مجرّد أنّه ليس بحجّة. هذا أحد الوجهين.

الأمر الثاني: هو أن نتمسّك بسيرة المتشرعة بعد أن نُفلس من السيرة العقلائيّة، ونقول: بأنَّ المتشرعة كانوا يعملون بالظواهر في قبال القياس، ولم يكونوا يفرّقون بين مورد وجود القياس وبين مورد عدمه؛ إذ لو كان أصحاب الأئمّة يفرّقون في مقام استنباط الأحكام من الكتاب والسنة بين مورد وجود القياس ومورد عدمه لشاع عنهم هذا المطلب وذاع، مع أنّه لم يرو بوجه من الوجوه، فمن هنا يُعلم أنَّ المتشرعة وفقهاء السلف المعاصرين للأئمّة والمنتسبين إلى مدارسهم (عليهم الصلاة والسلام) لم يكونوا يفرّقون في العمل بالظهور بين مورد ثبوت القياس وبين مورد عدم ثبوته.

هذا الأمر الثاني أيضاً لا بأس به بالنسبة إلى جملة من الموارد، ولعلّ منها 

ــــــــــ[338]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

القياس أيضاً؛ لأنّه في جملة من الموارد لو صار البناء على التفصيل لكان تفصيلاً مهماً بحيث يُلتفت إليه ونطمئن بأنّه لو كان مبناهم عليه لكان هذا ممّا يترتّب عليه نتائج وآثار بحيث تصل إلينا لا محالة، وحيث لم تصل إلينا نستكشف من ذلك عدم بنائهم على هذا التفصيل.

لكن في بعض الموارد قد يتّفق أنّه لا يكون البناء على التفصيل مهماً، بحيث يكون له فروض ومصاديق كثيرة بحسب ا لخارج، بحيث لو كان مبناهم على التفصيل لنُقل إلينا جزماً.

لو فُرض أن وجد شخص يُشكّك في بعض الموارد، ويقول: بأنَّ بعض التفصيلات قد تمّ رفع اليد عن العمل بالظهور في قبالها، فقد لا يكون مهماً بدرجة بحيث يطمئن بعلمنا به لو كان واقعاً بحسب الخارج، فلا يتمّ هذا الأمر الثاني أيضاً.

فإذا لم يتمّ هذا الوجه الثاني، ولم يتمّ الوجه الأوّل أيضاً، فحينئذٍ لا بُدَّ من الالتجاء إلى أمر آخر.

التمسّك بالدليل اللفظي لإثبات الحجّيّة مطلقاً

وهذا الأمر الآخر الذي نلتجئ إليه؛ لأجل إثبات حجّيّة الظهور مطلقاً، هو: التمسّك بالدليل اللفظي، ومقصودنا من الدليل اللفظي في المقام هو الروايات الواردة في مقام لزوم التمسّك بالكتاب والسنة، والعمل بها، وأخذ الأحكام منها، ونحو ذلك.

هذه الروايات تدلّ على لزوم التمسّك بالكتاب والسنة وأخذ الحكم منها. 

ــــــــــ[339]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهذا المعنى: -عنوان للتمسّك بالكتاب والسنة وأخذ الحكم منهما- واضح عرفاً، يعني: الأخذ بما هو مدلول اللفظ في الكتاب أو السنة. 

ومن المعلوم أنَّ اللفظ لا يخرج عن كونه ذا مدلول بمجرّد ابتلائه بقياس على خلافه، فإنَّ القياس على خلاف الكتاب أو السنة لا يخرج مدلول اللفظ عن كونه مدلولاً للفظ.

مثلاً: الآية الكريمة تدلّ على وجوب فعل من الأفعال، وقياساً لا يجب هذا الفعل؛ فعلى كلّ حال حتّى عند قيام القياس على الخلاف، فوجوب الفعل يصدق عليه أنّه مدلول للقرآن؛ إذا كان بحسب قواعد اللغة وكان معنى هذا الكلام هو إرادة الفعل، فلا يخرج عن كونه مدلولاً للكلام لمجرّد قيام الأمارة الخارجيّة على خلافه.

فهذا مدلول للكلام ويصدق على الذي يلتزم بهذا المدلول أنّه تمسّك بالقرآن، وأنّه تمسّك بالسنة، فإنَّ هذا مصداق من التمسّك ومقتضى إطلاق هذه الروايات حتّى لمورد قيام القياس على الخلاف، أو قيام تلك الأمارة العقلائيّة التي فرضناها على الخلاف، فمقتضى الإطلاق هو أنَّ وظيفة المسلم هو أن يأخذ الأحكام من الكتاب والسنة، ولا يجوز له أن ينحرف عنهما يميناً أو شمالاً.

ومن المحتمل قوياً أن تكون هذه الروايات أساساً في مقام التأكيد على هذا المطلب، وفي مقام تثبيت أنَّ الكتاب والسنة هو المصدر الأساس الأصلي للتشريع الذي لا بُدَّ وأن يعوّل عليه، ولا بُدَّ وأن يُغمض النظر في مقام 

ــــــــــ[340]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الاستنباط عن أيّ شيء سواه، فمقتضى إطلاق هذا الدليل حينئذٍ أنَّ ظهور الكتاب والسنة حجّة حتّى لو قامت أمارة عقلائيّة على خلافه، وإنَّما لم نتمسّك بهذا الدليل من أوّل الأمر لإثبات حجّيّة الظهور؛ لأنَّ نفس هذا المطلب ثبت بالظهور، فإنَّ نفس هذا المعنى إنَّما هو ظاهر هذه الروايات، فلا بُدَّ أن نُثبت أوّلاً حجّيّة الظهور بمقدار القدر المتيقن، ثُمَّ بعد هذا نثبت بإطلاق هذه الروايات حجّيّة الظهور في مورد الشكّ.

وحيث إنَّ هذا الظهور لم يكن على خلافه أمارة نوعية عقلائية، فحينئذٍ هذا الظهور هو القدر المتيقن من حجّيّة الظهور، فإنّه ليس عندنا قياس يدلّ على عدم وجوب التمسّك بالقرآن، بل القياس يثبت وجوب التمسّك به، لو أردنا أن نقيس(1).

 فهذا يكون نَعِمَ الملجأ في مقام إثبات حجّيّة الظهور مطلقاً بنحو الصناعة، بلا حاجة إلى الوسوسة في السيرة العقلائيّة أو السيرة المتشرعيّة.

 هذا تمام الكلام في التفصيل الرابع.

ــــــــــ[341]ــــــــــ

() وقال (سلّمه الله) في جواب سؤال لأحد الإخوان حول وجود القياس المخالف لإطلاق هذه الروايات: لا، فإنَّ القياس على خلاف الواقع لا على خلاف هذا الظهور. وفرق بين هذين المطلبين، فمثلاً: افرضوا أنَّ الآية الكريمة تدلّ على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، وفرضنا أنَّ القياس يدلّ على عدم وجوبه، فالقياس يكون على خلاف ظاهر الآية الدالّة على وجوبه، لا على خلاف الرواية الدالّة على وجوب التمسّك بالقرآن. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

التفصيل الخامس: بين العمومات المخصّصة وغيرها

التفصيل الخامس: في هذا التفصيل يُدّعى التفرقة بين الظواهر والعمومات المخصّصة وغير المخصّصة، يعني: ما أُحرز تخصيصه وما لم يُحرز تخصيصه.

فإذا ورد من المولى: (أكرم كلّ عالم)، وأُحرز أنّه وجد مخصّص لهذا العامّ، وهو قوله بعد ذلك: (لا تكرم النحويين) من العلماء، لكن شكّكنا في أنَّ المولى كما يُخرج النحويين من العامّ هل يُخرج المهندسين أو لا يخرجهم من العامّ؟ فهو شكّ في التخصيص الزائد.

هنا لا إشكال عند المشهور في حجّيّة العامّ بالنسبة إلى المهندسين؛ لأنّه شكّ في التخصيص الزائد المنفصل، وحينئذ يكون العامّ حجّة ما لم تُحرز حجّة على ذلك التخصيص الزائد المشكوك؛ لأنَّ الحجّة لا ترفع اليد عنه إلَّا بحجّة أقوى. وهذا ما يقوله المشهور.

وفي هذا التفصيل يراد أن يقال شيء آخر: بأنَّ العامّ وهو: (أكرم كلّ عالم) بعد أن علمنا بمخصّص منفصل أخرج النحويين لا يمكن التمسّك به في غيره. وهذا بحث مذكور في مبحث العامّ والخاص، في أنَّ العامّ هل يكون حجّة في الباقي أو لا يكون؟ فمثلاً في العامّ يُنقل عن بعض الأصوليين القدماء(1) بأنّهم كانوا يقولون: بأنَّ العامّ ليس حجّة في الباقي.

 وفي هذا التفصيل يراد إحياء ذلك القول القديم، فيقال: بأنَّ العامّ الذي 

ــــــــــ[342]ــــــــــ

(1) انظر: المعتمد في أصول الفقه 1: 265.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

يُحرز كونه مخصّصاً بالنحويين لو شُكّ في خروج المهندسين عنه، فلا يمكن التمسّك به بالنسبة إليهم.

نعم، لو فُرض أنَّ العامّ لم يُحرز تخصيصه أصلاً، ولم يُعلم بخروج النحويين عنه ولا المهندسين، وشكّكنا من أوّل الأمر أنّه هل خرج منه النحويون أو لا، وهل خرج منه المهندسون أو لا؟ فهنا نتمسّك بالعامّ.

وقول المشهور: بأنَّ هذا من باب رفع الحجّة بلا حجّة؛ لأنَّ العامّ في نفسه انعقد ظهوره التصديقي، وتمت حجّيّته، ومجرّد احتمال التخصيص ليس حجّة، فإنَّ مجرّد الاحتمال لا يكون حجّة، فهو من باب رفع اليد عن الحجّة بغير الحجّة.

وهذا الكلام مدفوع عند هذا التفصيل: بأنَّ كون العامّ حجّة في هذا المورد أوّل الكلام، فإنَّ حجّيّة العامّ إنَّما هو من باب حجّيّة الظهور، وحجّيّة الظهور إنَّما هو باعتبار السيرة العقلائيّة، ونحن نُنكر انعقاد السيرة العقلائيّة على حجّيّة العامّ في مورد ما إذا ثبت تخصيصه وشكّ في التخصيص الزائد، فنحن نُنكر شمول دليل الحجّيّة لهذا المورد، فلا يكون رفع اليد عن العامّ لمجرّد احتمال خروج المهندسين، رفعاً لليد عن الحجّة بلا حجّة، بل يكون رفعاً لليد عن غير الحجّة. 

إذن، فحاق الكلام يجب يُركز على هذه الناحية، وهو أنَّ دليل حجّيّة الظهور والعموم الذي هو السيرة العقلائيّة مثلاً، هل انعقد على الحجّيّة في موارد العمومات المخصّصة أيضاً بمخصّص منفصل وشكّ في أصل التخصيص الزائد؟

ــــــــــ[343]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهنا يمكن للمفصّل أن يقول مستفيداً من كلماتنا السابقة: إنَّ ملاك حجّيّة الظهور هو الكشف عند المولى -كما تحقّق في الأبحاث السابقة- ومن المعلوم أنَّ الكشف عند المولى يختلف في الموارد المخصّصة عنه في العمومات غير المخصّصة؛ لأنّنا كنا نقول في تقريب الكشف عند المولى: إنَّ المولى باعتبار كونه عاقلاً فقد بان على تطبيق ظاهر كلامه على مراده، وهذا هو الغالب في طبع المولى، وهذه الغلبة أمارة نوعية توجب الكشف النوعي عند المولى، فيجعل الحجّيّة باعتباره، إلَّا أنَّ هذه الغلبة لا تجري في موارد العمومات المخصّصة، فإنَّ المولى إذا لاحظ في نظرته الإجمالية، واستوعب العمومات المخصّصة، فهو يشعر بأنّه في موارد العمومات المخصّصة لم يكن في مقام البيان على حدِّ كونه في مقام البيان في غيرها، يعني: أنّه يعرف أنّه في العمومات المخصّصة لم يجر على طبق طبعه العقلائي، وهو تطبيق ظاهر كلامه على مرامه؛ لأنَّ المفروض أنَّ العامّ هنا مخصّص في الجملة.

فبعد وجود قرينة عند المولى على أنّه لم يجر على طبق الطبع العقلائي، والقرينة هي كون العامّ قد خصّص، وبعد هذه القرينة لا يبقى عنده كشف أماري قاض بكون الغالب في ذلك العامّ أنّه حاك عن مراده الواقعي في تمام الحصّص الأُخرى.

فإنّه بعد وجود هذه القرينة يكون احتمال أنّه جرى على وفق طبعه العقلائي في غير الحصّة المخصّصة، فاحتمال أنّه يريد المهندسين، مع احتمال أنّه لا يريدهم على حدٍّ واحد.

ففي هذا الشخص من الاستعمال الواحد إذا فُرض بأنَّ المولى عرف بأنَّ 

ــــــــــ[344]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

حالته كانت غير طبيعية، وأنَّ حالته من الحالات الاستثنائية؛ وحينئذٍ احتمال كون هذه الحالة الاستثنائية عند المولى تشمل المهندسين كما شملت النحويين ليس بأقل من عدم ذلك.

إذن، لا يبقى كشف عند المولى بعد فرض هذا التخصيص؛ فبذلك يتمّ التفصيل بين العمومات المخصّصة وغير المخصّصة. هذا حاصل هذا التفصيل.

مناقشة التفصيل الخامس

ونحن نجيب عن هذا التفصيل بعد فرض تسليم أنَّ الكشف عند المولى غير موجود في باب العمومات المخصّصة، وأنَّ السيرة العقلائيّة غير منعقدة؛ لأنَّ ملاك الحجّيّة في السيرة العقلائيّة هو الكشف عند المولى، وهذا الكشف في باب العمومات المخصّصة غير موجود.

فبعد فرض هذا التسليم نناقش، فنقول: بأنّنا في المقام لا نحتاج إلى السيرة العقلائيّة، فإنَّ سيرة المتشرعة كافية في المقام في إثبات حجّيّة العمومات المخصّصة في غير موارد التخصيص في الباقي.

فلو فرضنا أنّه بحسب السيرة العقلائيّة لا دليل على حجّيّة العمومات المخصّصة، لكن بحسب سيرة المتشرعة الحجّيّة تامّة.

وذلك لأنَّه ما من عامّ إلَّا وقد خُصّ تقريباً، ولو كان المبنى عند المتشرعة على عدم العمل بالعامّ بمجرّد أن يطرأ عليه مخصّص لكان هذا موجباً للتوقف عن العمل بالعمومات والمطلقات الواردة في الشريعة الإسلاميّة، مع أنَّ هذا معلوم البطلان، فالعلم ببطلان ذلك يوجب الاطمئنان بسيرة المتشرعة التي 

ــــــــــ[345]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

انعقدت على العمل بالعمومات مع فرض كونها مخصّصة في غير مورد التخصيص المحرز، وتكون نفس سيرة المتشرعة دليلاً كافياً على الحجّيّة، بلا حاجة إلى تتميم السيرة العقلائيّة.

هنا يبقى إشكال واحد، وهو: أنّنا إذا اعترفنا بأنَّ السيرة العقلائيّة في المخصّصات المنفصلة غير تامّة، ولو من باب التنزل والتجأنا إلى سيرة المتشرعة في حجّيّة العمومات المخصّصة في الباقي.

حينئذٍ هذه العمومات المخصّصة التي تكون حجّة في الباقي في مورد الشكّ في التخصيص على أنحاء؛ لأنّه تارةً يكون الشكّ في التخصيص شكّاً بنحو الشبهة الحكميّة، كما لو قال: (أكرم كلّ عالم)، وقال بعد ذلك: (لا تكرم النحويين)، وشكّكنا أنَّ المهندسين هل خرجوا أيضاً أو لا؟

 وأُخرى يكون الشكّ بنحو الشبهة الموضوعيّة، كما لو قال بعد ذلك العامّ: (لا تكرم فساق العلماء)، وتردد الفاسق بين فاعل الكبيرة أو الأعمّ منه ومن فاعل الصغيرة؟ ففاعل الصغيرة هنا يُشكّ في خروجه، إلَّا أنَّ منشأ الشكّ هنا هو إجمال مفهوم الفاسق، ومن هنا تسمّى هذه الشبهة بالشبهة المفهوميّة.

ومبنى المشهور هو العمل بالعامّ الذي خصّص في كلا الموردين، أي: لإثبات وجوب إكرام كلّ من المهندسين ومن فاعل الصغيرة، من دون فرق بين أن يكون الشكّ بالتخصيص ناشئاً من الشبهة الحكميّة أو من الشبهة الحكميّة الموضوعيّة. هذا بناءً على المشهور.

حينئذٍ لو كان مدركنا في حجّيّة الظهورات المخصّصة هو السيرة العقلائية، 

ــــــــــ[347]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

حيث إنّنا بعض العقلاء، ونقول بأنّه نحكم بأنَّ العامّ حجّة فيما بقي، سواء كان الشكّ في التخصيص ناشئاً من الشبهة المفهوميّة أو من الشبهة الحكميّة، ويكون مرجعنا هو العقلاء الذين يمكن الاتصال بهم فعلاً.

وأمّا لو فُرض أنَّ دليلنا على الحجّيّة هو سيرة المتشرعة في أيام الأئمّة فحينئذٍ يمكن لشخص أن يشكّك ويقول: من يُحرز أنَّ سيرة المتشرعة في أيام الأئمّة كان على العمل بالعامّ في بعض هذه الموارد. نعم، في موارد الشبهة الحكمية نطمئن بأن السيرة المتشرعيّة كانت على العمل بالعامّ؛ لكن في موارد مجيء مخصّص مجمل مفهوماً مردد بين الأقلّ والأكثر، كما في نحو: (لا يجب إكرام فساق العلماء)، فمن قال بأنَّ عمل المتشرعة كان على العمل بالعامّ في فاعل الصغيرة.

 والشكّ في هذا وحده كاف في عدم جواز التمسّك بدليل الحجّيّة؛ لأنَّ الدليل لبّي ولا طريق لنا لإثبات عمومه؛ لأنّنا لم نكن معهم في عصرهم لنرى مقدار سعة عملهم.

هذا الإشكال إنَّما تورطنا فيه نتيجة للاعتراف أو فرض التنزل عن السيرة العقلائية، وإلَّا لو كنا ندّعي حجّيّة العمومات المخصّصة في الباقي بالسيرة العقلائيّة، يمكن أن نقول: إنّها لا تفرّق بين الموردين، لكن بعد أن غضضنا النظر عن السيرة العقلائيّة وفرضنا أنَّ الدليل هو سيرة المتشرعة، فحينئذٍ من يثبت لنا أنَّ سيرة المتشرعة قامت على الحجّيّة في جميع هذه الموارد؛ إذ لعلها لم تنعقد في مورد إجمال المخصّص عند الشكّ في الباقي.

ــــــــــ[347]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وإذا انتهى الأمر إلى هذا الإشكال فحينئذٍ نتمسّك لإبطاله بدليلنا اللفظي الذي أشرنا إليه فيما تقدّم.

فإنّنا إذا غضضنا النظر عن السيرة العقلائيّة وشكّكنا في إطلاق سيرة المتشرعة لجميع الموارد، حينئذٍ نرجع إلى نفس الأوامر الدالّة على التمسّك بالكتاب والسنة، فإنَّ هذه الأوامر لم يعلم تخصيصها أصلاً، فهي حجّة على أيّ حال بالسيرة العقلائيّة وسيرة المتشرعة، يعني: أنّها القدر المتيقن. 

ومن الظواهر التي يعترف نفس المفصّل بحجّيّتها أيضاً، فهو حجّة باعتراف المفصّل؛ لأنّه لم يثبت تخصيصه، وهو يدلّ على التمسّك بالكتاب والسنة، وقد قلنا: إنَّ معنى التمسّك بالكتاب والسنة هو الأخذ بمدلوله العرفي، ومن المعلوم أنَّ معنى التمسّك (بأكرم كلّ عالم) يعني الأخذ بمدلوله العرفي، وذلك بالالتزام بوجوب إكرام المهندسين، ووجوب إكرام فاعل الصغيرة أيضاً، فإنَّ هذا مصداق للتمسّك الذي أمرنا به في هذه الأخبار.

فتثبت حينئذٍ الحجّيّة في هذه الموارد بالدليل اللفظي. هذا هو التفصيل الخامس مع جوابه.

وقد يقال في المقام: بأنَّ الاستدلال بالسيرة العقلائيّة على حجّيّة الظواهر عند الشارع خطأ أساساً ومن أوّل الأمر. وهذا تدارك على الاستدلال على حجّيّة الظواهر بالسيرة العقلائيّة؛ لأنّنا استدللنا على حجّيّتها شرعاً بالسيرة العقلائيّة.

فقد يقال: إنَّ هذا غلط من أوّل الأمر؛ لأنَّ العقلاء إنّما بنوا على حجّيّة 

ــــــــــ[348]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الظواهر عند شخص لم يستقرّ بناؤه على التدرج في البيان وعلى الاعتماد على القرائن المنفصلة كالشارع، فالموالي العرفيّة الذين لم يستقرّ بناؤهم على التدرج في البيان وعلى الاعتماد على القرائن المنفصلة، فمثل هذا المولى العرفي طبعه يقتضي تطبيق كلامه على مرامه، ومن هنا بنوا على حجّيّة الظواهر. 

وأمّا المولى الذي استقرّ بناءه على التقطعة والتدرج في مقام البيان والاعتماد على القرائن المنفصلة، فمثل هذا المولى لم يثبت انعقاد بناء العقلاء على العمل بظواهره، فالاستدلال بالسيرة العقلائيّة في المقام في غير محلّه.

بل ينحصر دليل حجّيّة ظواهر الشارع بسيرة المتشرعة، وإذا انحصر بها، فحينئذٍ كلما شكّكنا في إطلاق سيرة المتشرعة فلا بُدَّ لنا أن نقتصر على القدر المتيقن، ونلتزم بالتفصيلات واحداً بعد الآخر، بمقدار المتيقن من سيرة المتشرعة.

وهذا هو البيان الذي أخّرناه، والذي هو في صالح جملة من التفصيلات، فإنَّه إذا صار البناء على أنَّ السيرة العقلائيّة لا تشمل ظواهر الشارع، وعلى أنَّ سيرة المتشرعة هي الدليل، فلا بُدَّ من الاقتصار على ما هو المتيقن فيها.

وحينئذٍ في ذلك التفصيل الطولاني بين قرينيّة المنفصل من ناحية الشكّ في اللغة وبين غير هذا المورد لو احتملنا أنَّ المتشرعة لم يكن عملهم بالظواهر في هذا المورد، فحينئذٍ لا يبقى عندنا دليل على حجّيّة العامّ، فيتمّ ذلك التفصيل أو إخوته.

إلَّا أنَّ الجواب على هذا بأنَّ العقلاء وإن كانوا كذلك -أي: لا يبنون على 

ــــــــــ[349]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

حجّيّة ظواهر كلام مولى يكون من شأنه التدرج في مقام البيان والاعتماد على القرائن المنفصلة- إلَّا أنَّ العقلاء في صدر الإسلام لم يكونوا يعرفون بأنَّ النبيوأنَّ الإسلام استقرّت سيرته على الاعتماد على القرائن المنفصلة، فهم من أوّل الأمر جروا على طبق ظواهر من باب أنّه مولى كسائر الموالي، فهم كما يقولون بحجّيّة ظواهر سائر الموالي جروا على طبق ظواهر هذا المولى أيضاً قبل العلم بالاستقرار؛ لأنَّ هذا استقرار سيرة النبي على التدرج في مقام البيان، فانكشف بعد هذا، وإلَّا في أوّل الأمر لم يكن هذا معلوماً، فقبل أن يُعلم بذلك جرى العقلاء على العمل بظواهر الكتاب والسنة؛ وجروا على العمل بذلك بنفس النكتة العامّة للحجّيّة المركوزة في أذهانهم، والشارع لم يردع عن ذلك، فيستكشف من عدم الردع إمضاء العمل بظواهر الشارع ومعاملتها، فنفس معاملة ظواهر سائر العقلاء يستكشف من عدم الردع وأن الشارع أمضى أن يُعامل مع تلك الظواهر مثل ما يُعامل مع ظواهر سائر العقلاء، فبالرغم من أنّه يختلف عنهم في الواقع وطريقته غير طريقتهم، فهم متغاضون عن الفرق ما بينه وبينهم.

والاطمئنان بهذا يكون هو الدليل على إمضاء السيرة العقلائية. هذا تمام ما أردنا بيانه في هذا البحث.

وهذه التفاصيل الخمسة التي ذكرناها جملة منها تفاصيل مذكورة وجملة منها تفاصيل متصوّرة، ولم يبق إلَّا التفصيل السادس المنسوب إلى الأخباريين، ولولا أنّه تفصيل منسوب إلى جملة من العلماء الأخيار الأبرار (رحمة الله عليهم) من علماء الأخباريين وصادراً عنهم لما استحق التعرض له أصلاً؛ إذ من سوء 

ــــــــــ[350]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

حظ المسلمين أن يحتملوا عدم حجّيّة ظواهر كتابهم الكريم، وهو كتابهم وعزّهم ومعجزتهم.

إلَّا أنَّ هذا التفصيل حيث إنَّه صدر من جملة من العلماء الأخيار الأبرار، فلا بُدَّ من التعرض له، والتعرض إلى الشبهات التي حصلت في المسألة مع جوابها.

التفصيل السادس: في حجّيّة ظواهر القرآن

التفصيل السادس: وهو التفصيل المنسوب إلى علمائنا الأخباريين (قدّس الله أسرّارهم) حيث ذهبوا إلى عدم حجّيّة ظواهر الكتاب الكريم.

سلوك المنكرين لحجّيّة ظواهر الكتاب

ولم تكن هناك فرصة لمراجعة كلماتهم في هذا المضمار، ولهذا ننقل ما ينقلون، فالذي يُستظهر ممّا ينقل أصحابنا عنهم: أنَّ هناك سلوكين لهؤلاء المنكرين لحجّيّة ظواهر الكتاب الكريم: 

أحدهما: سلوك تخصّصي.

 ثانيهما: سلوك تخصيصي.

فإنّهم تارةً يسلكون سلوك التخصّص، بمعنى: أنّهم ينكرون وجود ظواهر للقرآن الكريم أصلاً، ويقولون: إنَّ عدم حجّيّة ظواهر الكتاب الكريم من باب السالبة بانتفاء الموضوع، بمعنى: أنّه لا ظواهر للقرآن الكريم حتّى يثبت لها الحجّيّة بمقتضى كبرى أصالة الظهور.

وأُخرى يسلكون سلوكاً تخصيصيّاً فيعترفون بوجود ظواهر للقرآن الكريم إلَّا أنّهم يدعون عدم حجّيّة هذه الظواهر. وهذا معناه تخصيص كبرى 

ــــــــــ[351]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

حجّيّة الظهور، أي: أنَّ السلب هنا سلب بانتفاء المحمول لا سلب بانتفاء الموضوع. وهذا السلوك الثاني هو الذي ينبغي أن يُدّعى تفصيلاً في المقام بين ظواهر القرآن الكريم وبين غيرها.

أمّا سلوك التخصّص الذي يُدّعي أنّه لا ظواهر للقرآن الكريم أصلاً، بل كلّه مجمل في مجمل، فهذا السلوك ليس بحسب الحقيقة تفصيلاً في كبرى حجّيّة الظهور، وإنَّما هو مناقشة في صغرى من صغريات هذه الكبرى، فما يرتبط بمحلّ البحث حقيقة هو سلوك سلوك التخصيص الثاني، لا سلوك التخصّص الأوّل؛ ولهذا سوف نبدأ بالسلوك الثاني، ثُمَّ نعقبه بالسلوك الأوّل من باب استيفاء ما هو المهمّ في محلّ الكلام.

إنَّ الأخباري يعترف بأنَّ القرآن الكريم له ظواهر، إلَّا أنّه يقول: بأنَّ هذه الظواهر ليست حجّة، فهي خارجة تخصيصاً عن كبرى حجّيّة الظهور.

ويُستفاد من كلمات أصحابنا المنقولة عنهم أو المدعمة لأقوالهم: أنّه يُستدلّ على التخصيص في المقام، وخروج ظواهر القرآن الكريم عن كبرى حجّيّة الظواهر بدليلين: 

أحدهما: من الكتاب الكريم. 

ثانيهما: من الأخبار.

خروج ظواهر القرآن الكريم عن كبرى حجّيّة الظواهر بالآيات

وهو النهي عن إتّباع المتشابه، فإنَّ القرآن الكريم فصّل الآيات إلى محكمات ومتشابهات، ونهى عن إتّباع المتشابهات وأمر بإتّباع المحكمات.

ــــــــــ[352]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ويُدّعى في هذا الاستدلال أنَّ الكلام المحكم هو خصوص النصّ الذي لا يوجد له قابلية الحكاية والأداء عن معنيين متشابهين في علاقتهما باللفظ، فإنَّ النصّ لا يقبل الحكاية إلَّا عن معنى واحد، فهذا محكم وليس متشابهاً. 

وأمّا غير النصّ سواء كان ظاهراً أو كان مجملاً فهو من المتشابهات؛ وذلك لأنَّ الظاهر فضلاً عن المجمل له قابلية الدلالة على معنيين، وكلّ من هذين المعنيين متشابهان من حيث علاقتهما باللفظ، وفي كونهما معنى للفظ ومدلولاً بالقوة له، فلفظ المتشابه يشمل كلّ ما لا يكون نصّاً، ولفظ المحكم يختصّ بخصوص النصّ.

وبناءً على هذا التفسير لكلمة المتشابه، ولكلمة المحكم، فحينئذٍ يكون النهي عن إتّباع الآيات المتشابهة بإطلاقه نهياً عن إتّباع الآيات الظاهرة أيضاً؛ لأنّنا قد فرضنا أنَّ الآيات الظاهرة أيضاً قسم من المتشابه، ومعنى النهي عن إتّباع الظهور هو إسقاطه عن الحجّيّة، فإنَّ هذا النهي إرشاد إلى سقوطه عن الحجّيّة وتحريم العمل به شرعاً.

مناقشة استدلال الأخباريين بالآية 

وهذا الاستدلال يقع الكلام حوله في جهتين:

الجهة الأولى: فيما تبناه هؤلاء المستدلون من تفسير للمحكم والمتشابه، وهو أنَّ المحكم عبارة عن خصوص النصّ، والمتشابه عبارة عن غير النصّ سواء كان ظاهراً أو كان مجملاً، فهل هذا التفسير صحيح أو غير صحيح؟ 

الجهة الثانية: وهي بعد فرض أنَّ تفسيرهم صحيح للمحكم والمتشابه، 

ــــــــــ[353]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فلو سلّمنا أنَّ المتشابه هو كلّ آية لا تكون نصّاً فحينئذٍ يُتكلّم في أنّه هل يصحّ الاستدلال بهذه الآيات بناءً على ذلك أو لا يصحّ الاستدلال بها؟ فبعد الفراغ والاعتراف تنزلاً بالمعنى الأخباري للحكم والمتشابه يقع الكلام في أنّه هل يمكن الاستدلال بهذه الآية الكريمة على نفي حجّيّة ظواهر القرآن الكريم أو لا يمكن الاستدلال بها على ذلك؟

نحن نبدأ الآن بالجهة الثانية قبل الجهة الأولى، فنفرض أنَّ تفسير الأخباريين للمحكم والمتشابه صحيح، ونفرض أنَّ المحكم عبارة عن خصوص النصّ، وأنَّ المتشابه هو ما كان له قابلية التعبير عن معنيين سواء كانت علاقته مع أحد المعنيين أقوى من علاقته مع المعنى الآخر الذي هو الظاهر، أو كانت علاقته بكلّ منهما على حدٍّ سواء الذي هو المعنى المجمل.

فبناءً على صحّة تفسير الأخباريين للمُحكم والمتشابه، هل يصحّ الاستدلال بهذه الآية أو لا يصح الاستدلال بها؟

أُشكل على صحّة الاستدلال بهذه الآية الكريمة بأنَّ كلمة المتشابه لو سُلّم بأنّها موضوعه لغير النصّ من الكلام سواء كان ظاهراً أو كان مجملاً، فشمول كلمة المتشابه للظهور إنَّما هو بالإطلاق لا محالة، وهذا الإطلاق في المقام محال يستحيل حجّيّته؛ وذلك لأنَّ هذا المعنى ظاهر من كلمة المتشابه وليس نصّاً لها، فإنَّ غاية ما يدّعيه الأخباريون: أنَّ كلمة المتشابه ظاهرة بالمعنى الظاهر، فحينئذٍ لو خصّصنا كلمة المتشابه بخصوص المجمل لسقط كلام الأخباري، ولا يكون هناك إشكال في الآية، ولكن هذا لا وجه له بعد الاعتراف بتفسير الأخباري للمتشابه.

ــــــــــ[354]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأمّا لو أردنا أن ندّعي أنَّ كلمة المتشابه شاملة للظواهر أيضاً مع العلم بأنَّ نفس كلمة المتشابه هو أحد الظواهر القرآنية، فيلزم حينئذٍ من حجّيّتها عدم حجّيّتها؛ إذ يلزم من حجّيّتها في نفي حجّيّة الظواهر نفي حجّيّة نفسها أيضاً، باعتبار أنّها هي أحد هذه الظواهر.

ولا يمكن أن يقال في مقام الجواب عن هذا الإشكال: إنّنا نستثني خصوص هذا الظهور، فنقول: إنَّ الله نهى عن إتّباع كلّ ظواهر القرآن المتشابهات إلَّا هذا الظهور، فإنَّ شخص هذا الظهور يكون خارجاً عن الدائرة. 

والاستحالة إنَّما هي من ناحية أنّه يلزم من وجوده عدمه، وهذا المحذور إنَّما يأتي فيما إذا التزم بشمول الآية بشخص ظهورها(1) وأمّا إذا قيل: إنَّ شخص ظهورها غير داخل تحت مدلولها، وإنَّما الداخل تحت مدلولها سائر ظواهر القرآن الكريم، وحينئذٍ لا يلزم من حجّيّتها عدم حجّيّتها المعبّر عنه بأنّه يلزم من وجوده عدمه.

فإنَّه يقال في مقام الجواب: إنَّ شخص هذا الظهور سواء أُخرج أو لم يخرج، نعلم من الخارج بأنّه لا فرق بين هذا الظهور وبين غيره من ظواهر القرآن، وإنَّ المناط في إسقاط الحجّيّة عن الظواهر هو أنّها متشابهة وليست نصّاً، فحينئذٍ 

ــــــــــ[355]ــــــــــ

() فيدور الأمر بين أن نُخرج كلّ الظواهر من تحت مدلول الآية، أو أن نُخرج ظهور شخصها فقط، فقهراً لا بُدَّ من الاقتصار على القدر المتيقن في مقام الخروج، والقدر المتيقن الذي يندفع به المحذور العقلي هو: خروج شخص ظهور هذه الآية وتبقى بقية ظواهر القرآن على حالها. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

حتّى لو فُرض أنّنا أخرجنا شخص ظهور هذه الآية من المدلول المطابقي للآية، مع هذا يأتي الإشكال.

وذلك لأنّنا بعد العلم أنَّ حكم هذا الظهور، وحكم سائر ظواهر القرآن على حدٍّ واحد، فحينئذٍ هذه الآية الكريمة إذا صارت حجّة في إسقاط الحجّيّة من باقي ظواهر القرآن الكريم فتدلّ بالملازمة على إسقاط حجّيّة نفسها أيضاً، فيعود الإشكال جذعاً.

فهنا لا مناص من إخراج جميع ظواهر القرآن من تحت مدلولها؛ إذ لو بقيت ظواهر القرآن تحت مدلولها للزِمَ من وجوده عدمه، سواء قلنا: بأنَّ شخص ظهور هذه الآية أيضاً داخل في المدلول المطابقي أو غير داخل، فإنّه إن كان داخلاً فالإشكال واضح، فإنّه يلزم من حجّيّة الآية في مدلولها المطابقي إسقاطها لحجّيّة نفسها، وهذا معنى أنّه يلزم من وجوده عدمه. 

وإن فُرض أنَّ شخص ظهور هذه الآية غير داخل في المدلول المطابقي فهو مدلول التزامي لا محالة؛ لأنّنا نعلم بأنَّ حكم ظهور هذه الآية، وحكم ظهور آية: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ حكم واحد، فلو دلّت هذه الآية على سقوط بقية الظواهر القرآنية عن الحجّيّة بالمطابقة، فتدلّ بالالتزام على سقوط ظهورها أيضاً. 

 فيؤدي حجّيّة هذه الآية وشمولها لظواهر القرآن إلى محذور محال، وهو: أن يكون حجّيّتها مغنياً لحجّيّتها، أي: أنّه يلزم من وجوده عدمه، من دون فرق بين أن نقول: إنَّ شخص ظهور هذه الآية داخل في المدلول المطابقي، أو لا نقول بأنّه داخل. هذه هي الكلمات التي أفادها الأعلام في هذه المسألة.

ــــــــــ[356]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وكأنّ الأعلام في هذه المسألة أرادوا أن يجعلوا إطلاق هذه الآية قضيّة منطقيّة متناقضة، كإطلاق قول ذاك (الأقريطشي)(1) الذي قال: بأنَّ كلّ كلمات أهل (أقريطش)‏ كذب، وكان هو أيضاً أقريطشياً، ثُمَّ قال بعد هذا من باب التهكم على منطق أرسطو: بأنّه أيّ شيء يقول المناطقة، هل يقولون: إنّي كذبت، أو إنّي صدقت، إن قالوا: إنّي كذبت، فقد صدقت، وإن قالوا: إنّي صدقت، فقد كذبت. فإن قيل: بأنّي صادق. إذن، فأنا كاذب؛ لأنّي أقول: بأنَّ كلّ كلام أهل (أقريطش) كذب، وأنا منهم، فلو كنت صادقاً. إذن، فيلزم أن يكون كلامي أيضاً كاذباً، فيلزم من صدقي كذبي، فيلزم من وجوده عدمه، وهو محال -مثلاً- ويلزم اجتماع النقيضين.

كأنّ الأعلام تخيّلوا بأنَّ هذه القضيّة من هذا القبيل، أي: أنَّ هذه الآية متناقضة كمتناقضات ذاك (الأقريطشي)، فإنّك حين تقول: كلّ ظهور أو كلّ متشابه ليس بحجّة، وأحد المتشابهات والظهورات هو شخص هذه الآية، فيلزم من حجّيّة هذه الآية عدم حجّيّتها، كما كان يلزم هناك من صدق ذاك (الأقريطشي) شيء كذبه.

وهذه مغالطة في المقام لا بُدَّ من رفع سرها، ثُمَّ بعد ذلك تحقيق المطلب من جديد على ضوء ارتفاع هذه المغالطة من الأذهان.

ــــــــــ[357]ــــــــــ

(1) إمارة إقريطش أو إمارة كريت دولة إسلامية أُقيمت على جزيرة كريت في البحر الأبيض المتوسط منذ العقد الثاني من القرن التاسع الميلادي حتى سقوطها بأيدي البيزنطيين.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إلَّا أنَّ هذا بحث منطقي صرف ليس له علاقة بما هو المهم في المقام، فإنَّ المهم للأصولي في المقام إنَّما هو درس ظهور هذه الآية. ولا شكّ في أنَّ ظهور هذه الآية في المقام لا يتحدد بهذه المسائل على ما سوف نشير إليه فيما بعد أيضاً.

وعلى أيّ حال فمن باب أنّه لا بُدَّ من التعليق على كلماتهم، وكون كلماتهم ناشئة من هذه المغالطة التي لا بُدَّ من رفعها، وتمييز الفرق بين متناقضة القرآن وبين متناقضة (أقريطش). 

ونحن نُعقّب، إلَّا أنَّ هذا التعقيب يكون بنحو التحليل لمدلول الآية باعتباره قضية منطقيّة لا باعتباره قضية عرفيّة، ومدركاً للحكم شرعي كما سوف نشير، ثُمَّ نتكلّم فيما هو وظيفة الأُصولي تجاه هذه الآية.

وبعبارة أُخرى: بحثنا سيكون في جهتين:

الجهة الأولى: في تفسير كلمة المحكم والمتشابه، وهل أنَّ المحكم -كما ذكر هؤلاء- هو خصوص النصّ، والمتشابه الذي نُهينا في القرآن الكريم عن إتباعه هو عبارة عن مطلق الآيات غير النصيّة سواء كانت ظاهرة أو مجملة، أو أنَّ كلمة المحكم والمتشابه لها تفسير آخر غير هذا التفسير؟

فلو قلنا في هذه الجهة: إنَّ لفظ المتشابه ليس تفسيره هو ما يدّعيه الأخباري، بل أنّه يختصّ بخصوص المجمل -كما سوف يأتي بيانه- فحينئذٍ يبطل هذا الاستدلال؛ لأنَّ النهي عن إتّباع المتشابه لا يكون له إطلاق للظواهر القرآنية، بل يكون مختصّاً بخصوص المجملات القرآنية.

إلَّا أنّه لو فُرض أنّنا في هذه الجهة -الأولى- وافقنا الأخباري، وقلنا: بأنَّ المتشابه هو كلّ ما لا يكون نصّاً، سواء كان ظاهراً أو كان مجملاً، فحينئذٍ ننتقل 

ــــــــــ[358]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إلى الجهة الثانية من الكلام: وهي أنّه بعد فرض أنَّ المتشابه عنوان يشمل الظواهر، فهل يصحّ الاستدلال بهذا النهي الوارد في الآية الكريمة الذي انصبّ على عنوان المتشابه؛ باعتبار إطلاقه للظواهر القرآنية، أو لا يصح ذلك؟

وقلنا: إنّنا نبدأ بالجهة الثانية ثُمَّ نثنّي بالجهة الأولى(1)، فنفرض الآن أنَّ المحكم والمتشابه هو كما يفسّره الأخباري، فالمحكم هو خصوص النصّ، والمتشابه هو غير النصّ سواء كان ظاهراً أو كان مجملاً، فهل يصحّ التمسّك هنا بإطلاق هذا النهي للردع عن العمل بالظواهر القرآنية أو لا؟

أُشكل على الاستدلال بهذه الآية الكريمة بعد فرض الفراغ عن التفسير الأخباري للمحكم والمتشابه: بأنَّ المتشابه في الآية الكريمة لا يُعقل أن يكون له إطلاق للظواهر؛ إذ لو كان يشمل الظواهر القرآنية لكان يشمل نفسه أيضاً؛ لأنّه أحد الظواهر القرآنية، والتالي باطل فالمقدّم مثله.

أمّا وجه الملازمة وهو أنّه لو كان يشمل الظواهر القرآنية لكان يشمل نفسه أيضاً، فواضح، حيث إنَّ كلمة المتشابه لا يدّعي الأخباري بأنّها نص في الظاهر، وإنَّما هي على ما يدّعي الأخباري، ظاهرة في الظاهر، لا أنّها نصٌ فيه. فإذا صار البناء على شمول هذا النهي للظواهر القرآنية، فنفس كلمة التشابه هي أحد الظواهر القرآنية، فيكون شاملاً لنفسه أيضاً. 

وأما وجه بطلان التالي: وهو أنّه يستحيل أن يكون شاملاً لنفسه، فيبطل 

ــــــــــ[359]ــــــــــ

() ونؤجل البحث فيها إلى ما بعد الفراغ من الجهة الثانية؛ لنكتة سوف نشير إليها فيما بعد. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

المقدّم أيضاً، فالوجه في ذلك على ما قيل من قبل الأعلام(1): هو أنّه لو كان شاملاً لشخص هذا الظهور الذي هو نفسه، فيلزم محذور كون وجود الشيء مستلزماً لعدمه، وما يلزم من وجوده عدمه محال.

وذلك لأنَّ هذا النهي لو فرض شموله لنفسه، فحينئذٍ حجّيّة مثل هذا النهي يلزم منها عدم الحجّيّة، فإنَّ حجّيّة ظهور هذا النهي في هذه الآية يلزم منه عدم حجّيّة تمام ظواهر القرآن بما فيها هذا الظهور أيضاً. وهذا معنى أنّه يلزم من وجود الحجّيّة عدم الحجّيّة. 

إذن، فشمول الآية الكريمة لشخص هذا الظهور محال؛ لأنّه يؤدي إلى محذور كون الحجّيّة مستلزمة لعدمها. 

 وكأنّهم أرادوا أن يحللوا مدلول الآية تحليلاً منطقياً، ويقيسوا هذه الآية على المتناقضات المنطقية المعروفة، مثل قول ذاك (الأقريطشي)، حيث ذكر: أنَّ كلّ ما يقوله أهل (أقريطش) فهو كذب، وهو بنفسه أيضاً (أقريطشي)، فقيل حينئذٍ بأنَّ القضية تشمل نفسها؛ لأنَّ نفس هذه القضية أيضاً ممّا قالها أهل (أقريطش)، فإذا فُرض أنّها صادقة فهي كاذبة، فيلزم من صدقها عدم صدقها.؛ إذ لو كانت صادقة وكان كلّ كلام أهل (أقريطش) كذباً، فهذا أحده، فيكون هذا كذباً أيضاً، فيلزم من صدق هذه القضية عدم صدقها(2).

ــــــــــ[360]ــــــــــ

() انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 164.

(2) فلا يمكن أن يشمل هذا الإخبار نفسه؛ لأنَّه يلزم من صدقه عدم صدقه، (من محاضرة غد). (المُقرِّر)..

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إلَّا أنّه بحسب الحقيقة هناك فرق بين محلّ الكلام وبين تلك القضية، بمعنى: أنّنا هنا لو أخذنا القضية بالنظر الأوّلي الابتدائي فلا يلزم من شمولها لنفسها محذور كون الحجّيّة مستلزمة لعدمها، بل يلزم كون حجّيّة هذا الظهور لعدم نفسه ظاهراً وتعبّداً لا لعدم نفسه واقعاً.

فإنَّ هذا الظهور الإطلاقي في هذه الآية الكريمة ظهور كلمة التشابه في الشمول حتّى لنفسه، وهذا الإطلاق لو فُرض أنّه كان حجّة في الواقع فيلزم من كونه حجّة في الواقع أنّه يثبت مدلول هذا الإطلاق ثبوتاً تعبّدياً، لا ثبوتاً حقيقياً؛ لأنَّ كلّ أمارة ثبتت حجّيّتها واقعاً يثبت مدلولها بها ثبوتاً تعبّدياً.

مثلاً لو أخبر الثقة عن وجوب السورة فهنا لو كان خبر الثقة حجّة في الواقع فيثبت وجوب السورة ثبوتاً تعبّدياً لا ثبوتاً واقعياً، فهنا بمقتضى حجّيّة هذه الآية أنَّ مدلولها يثبت ثبوتاً تعبّدياً لا أنّه يثبت ثبوتاً واقعيّاً، ومدلولها هو عدم حجّيّة الظهور، فيلزم من حجّيّة الظهور الثبوت التعبّدي لعدم حجّيّة الظهور، لا عدم حجية الظهور واقعاً، فيلزم من وجود الحجّيّة واقعاً عدمها ظاهراً، لا أنَّه يلزم من وجودها واقعاً عدمها واقعاً، كما هو الحال في تلك القضية بالنظر الابتدائي.

فإنّه في قضية كلّ أهل (أقريطش) كذابون، يلزم من صدقها واقعاً عدم صدقها واقعاً، ومن هنا كان الإشكال هناك مستحكماً بالنظرة الأولى، بخلافه بالنظرة الأولى هنا، فإنّه لا يلزم من حجّيّة ظهور الآية عدم حجّيّتها واقعاً، بل يلزم من حجّيّة ظهور الآية ثبوت مدلولها تعبّداً، وهو عدم الحجّيّة، فيلزم من 

ــــــــــ[361]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

حجّيّة ظهور الآية، ثبوت عدم الحجّيّة تعبّداً، وهذا غير المحذور والمحال العقلي، وهو: أنّه يلزم من وجوده عدمه، فإنّه لا يلزم من وجود الشيء واقعاً عدمه واقعاً، بل يلزم من وجود الشيء واقعاً عدمه تعبّداً.

نعم، يأتي هنا كلام آخر، وهو: أنَّ هذا الثبوت التعبّدي لعدم الحجّيّة ما هو فائدته؟ فإنّه لغو صرف؛ لأنّنا إذا كنا لا نعرف أنَّ ظهور هذه الآية حجّة، فلا نستفيد من هذا الثبوت التعبّدي، وإذا كنا نعرف أنَّ الظهور حجّة. إذن، فنعرف كذب الآية، فلا تكون الآية حجّة؛ لأنَّ ما يكون حجّة إنَّما هو الظواهر التي لا يعلم بكذبها، وهذا قد علم بكذبه بحسب الفرض.

وهذا محذور لو تمّ فهو غير المحذور المنظور للأعلام، فإنّه هنا لم يلزم من وجود الحجّيّة واقعاً عدمها واقعاً، بل لزم من حجّيّة هذا الظهور واقعاً التعبّد بعدم حجّيّته، لا نفس عدم حجّيّة الظهور واقعاً، وهذا غير ذاك المحذور، بل هو عبارة عن أنَّ وجود الشيء واقعاً يستلزم عدم وجود الشيء ظاهراً، وهذا لا استحالة فيه، وإنَّما ينحصر إشكاله لو كان فيه إشكال في اللغوية بالتقريب السالف. إذن، فجعل الحجّيّة لمثل هذا الظهور يكون لغواً، لا أنّه من باب استلزام وجود الشيء لعدمه. 

فهناك فرق دقيق بين تلك القضية في كذب أهل (أقريطش) وبين محلّ الكلام، فإنّه هناك يلزم من صدقه واقعاً كذبه واقعاً، وهنا يلزم من حجّيّته واقعاً لا عدم حجّيّته واقعاً، بل التعبّد بعدم حجّيّة الظهور، هذا كلّه بالنظرة الأولى.

ــــــــــ[362]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وأمّا بحسب النظرة الثانية فلا محذور لا هنا ولا في تلك القضية؛ وذلك باعتبار الانحلال في كلّ من القضيتين، فنتكلّم أولاً في قضية (أقريطش)، ثُمَّ في هذه الآية.

في تلك القضية حينما قال: كلّ خبر أهل (أقريطش) كذب، فلو فرضنا أنّنا جمعنا أخبار أهل (أقريطش) غير هذا الخبر في زاوية فنقول: بأنَّ هذا الكلام إخبار عن كذب هذه الإخبارات، وحيث إنَّ هذا الإخبار بنفسه أيضاً إخبار صدر من أهل (أقريطش)، فالقضية بنفسها تكون إخباراً أيضاً عن كذب هذا الإخبار، وهذا إخبار ثان غير الإخبار الأوّل، فتحقّق الإخبار الأوّل يكون موضوعاً له، وهذا الإخبار الثاني -وهو الإخبار عن كذب الإخبار الأوّل- أيضاً إخبار (أقريطش). 

إذن، فقد تحقّق الموضوع لإخبار ثالث، وهو أنَّ هذا الإخبار الثاني كذب.. وهكذا.

إذن، بعد تصوّر الانحلال بهذا النحو لا يكون صدق هذه القضية مستلزماً لكذبها، فإنَّ هذه القضية بحسب الحقيقة ليست إخباراً واحداً، بل هي مجموعة لا متناهية من الإخبارات بحسب التحليل، وصدق كلّ إخبار من هذه الإخبارات يلزم منه كذب الإخبار الذي يجيء بعده، لا كذبه هو.

وهكذا تتسلسل الإخبارات في المقام إلى غير النهاية، وحلقات هذه السلسلة تصعد، وكلّ حلقة هي إخبار عن كذب الإخبار السابق عليها.

أليس قد أخبر (الاقريطشي) بأنَّ كلّ من يقوله بنو قومه فهو كذب؟ فهذا 

ــــــــــ[363]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إخبار، والإخبار الثاني يقول بكذب هذا الإخبار الأوّل، فلو فُرض صدق الإخبار الأوّل للزم كذب الإخبار الثاني، لا أنَّ الإخبار الأوّل نفسه يكون كاذباً.

ثُمَّ هناك إخبار ثالث بكذب الإخبار الثاني، وإخبار رابع بكذب الإخبار الثالث، وهكذا. فصدق كلّ حلقة من هذه الحلقات يلزم منه كذب الإخبار الذي بعده أو الذي فوقه، لا كذب نفسه. فلم يلزم من صدق إخبار واحد كذب ذلك الإخبار. هذا هو حلّ المغالطة في تلك القضية.

وهنا في الآية أيضاً نتصوّر الانحلال، فلو فرضنا أنَّ التركيب المنطقي للقضية كان هكذا: أنَّ كلّ ظهور فهو ليس بحجّة، أو كلّ إطلاق فهو ليس بحجّة، فهذه الآية الكريمة تنحلّ إلى سلسلة من الظهورات، أوّل تلك السلسلة هو أنَّ باقي ظواهر القرآن ليست بحجّة، ثُمَّ نفس هذه الدلالة دلالة الآية على عدم حجّيّة الباقي، وهي أيضاً بالإطلاق(1)وحينئذٍ يوجد هناك إطلاق آخر يشمل هذا الإطلاق ويدلّ على عدم حجّيّة هذا الإطلاق، وحيث إنَّ هذه الدلالة الثانية على عدم حجّيّة هذا الإطلاق أيضاً بالإطلاق؛ فيُتصوّر حينئذٍ إطلاق ثالث يدلّ على عدم حجّيّة هذا الإطلاق، وهكذا.

فهنا أيضاً نتصوّر إطلاقات مترتبة في سلسلة صاعدة إلى ما لانهاية، وكلّ إطلاق من هذه الإطلاقات يدلّ على عدم حجّيّة الإطلاق الذي قبله. 

ــــــــــ[364]ــــــــــ

() فهو موضوع لهذه القضية؛ لأنّه دلالة قرآنية ليست بنص. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إذن، بناءً على هذا الترتيب، فحجّيّة أيّ إطلاق من هذه الإطلاقات لا يلزم منها عدمها، بل يلزم من حجّيّة أيّ واحد من هذه الإطلاقات كذب الإطلاق الذي قبله.

فالإطلاق الأوّل يقول: بأنَّ ظواهر القرآن ليست بحجّة، والإطلاق الثاني: يقول بأنَّ الإطلاق الأوّل ليس بحجّة، والإطلاق الثالث يقول: الإطلاق الثاني ليس بحجّة، والإطلاق الرابع يقول: بأنَّ الإطلاق الثالث ليس بحجّة، وهكذا.

فحينئذٍ لو فرض حجّيّة أيّ واحد من هذه الإطلاقات فحجّيّته لا يلزم منها عدم حجّيّته، وإنَّما يلزم من حجّيّته عدم حجّيّة ما قبله، فيلزم من حجّيّة الإطلاق الثاني عدم حجّيّة الإطلاق الأوّل تعبّداً؛ لأنّه يدل على عدم حجّيّة الإطلاق الأوّل، فلو كان حجّة فقد ثبت ببركته عدم حجّيّة الإطلاق الأوّل، لا أنّه يثبت بحجّيّة الإطلاق الثاني عدم حجّيّة الإطلاق الثاني لا تعبّداً ولا حقيقة ولا تكويناً.

فإذا فُرض أنَّ الأمر كان كذلك، فحيث إنَّ هذه السلسلة لا بُدَّ وأن تقف، ولا يمكن أن تصعد إلى غير النهاية، فإن وقفت هذه السلسلة على عدد فردي أصبح الإطلاق الأوّل حجّة، وإذا وقفت على عددٍ زوجي أصبح الإطلاق الثاني حجّة.

فالإطلاق الأوّل يدلّ على عدم حجّيّة ظواهر القرآن الكريم، والإطلاق الثاني -الذي يكون رقمه زوجياً- يدلّ على عدم حجّيّة الإطلاق الأوّل، والإطلاق الثالث -الذي يكون رقمه فردياً- يدلّ على عدم حجّيّة الإطلاق الثاني، فلو فُرض أنَّ الإطلاق الثالث كان حجّة ولم نصعد أكثر، فالإطلاق 

ــــــــــ[365]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الثالث يدلّ على عدم حجّيّة الإطلاق الثاني الدال على عدم حجّيّة ظواهر القرآن الكريم. إذن، فتكون ظواهر القرآن الكريم حجّة.

أمّا إذا فُرض أننا صعدنا إلى المرتبة الرابعة فتنقلب النسبة، فلو فرضنا أنَّ الإطلاق الأوّل يدلّ على عدم حجّيّة ظواهر القرآن الكريم، والإطلاق الثاني يدلّ على عدم حجّيّة الإطلاق الأوّل، فإذا كان هذا الإطلاق الثاني حجّة، فمعنى هذا: أنَّ الإطلاق الأوّل ليس بحجّة، ممّا يعني أنَّ ظواهر القرآن الكريم حجّة.

أمّا إذا فُرض أنَّ الإطلاق الثاني لم يكن حجّة، فمعناه أنَّ الإطلاق الأوّل حجّة، فمعناه أنَّ ظواهر القرآن ليست بحجّة. 

إذن، فحجّيّة ظواهر القرآن الكريم موقوفة على حجّيّة الإطلاق الزوج، وسقوطها عن الحجّيّة موقوفة على حجّيّة الإطلاق الفرد -هذا إذا اعتبرنا الإطلاق الأوّل هو نفس ظواهر القرآن الكريم، واعتبارنا الإطلاق الدالّ على عدم حجّيّتها ثانياً، فيكون عدم حجّيّة هذا الإطلاق الثاني  الزوجي- أو عدم حجية أيّ زوج موجباً للقول بحجّيّة ظواهر القرآن، ويكون حجّيّته أو حجّيّة أيّ زوج موجباً للقول بعدم حجّيّة ظواهر القرآن، وبمقتضى نفس هذا الترقيم إذا كان الإطلاق الثالث أو كلّ إطلاق فردي حجّة كانت الظواهر حجّة، وإن لم يكن حجّة لم تكن الظواهر حجّة.

أمّا إذا اعتبرنا الإطلاق الأوّل هو الإطلاق الدال على عدم حجّيّة ظواهر القرآن الكريم، واعتبرنا الإطلاق الدال على عدم حجّيّة هذا الإطلاق ثانياً، فيكون عدم حجّيّة الإطلاق الأوّل الدال على عدم حجّيّة ظواهر القرآن، وعدم 

ــــــــــ[366]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

حجّيّة كل إطلاق فردي موجباً لحجّيّة ظواهر القرآن، ويكون حجّيّة الإطلاق الفردي موجباً لعدم حجّيّتها، كما يكون حجّيّة الإطلاق الزوجي في هذا الترقيم الثاني موجباً لحجّيّتها؛ لأنّه دال على عدم حجّيّة الإطلاق الدال على عدم حجّيّتها، ويكون عدم حجّيّة الإطلاق الزوجي موجباً لعدم حجّيّتها؛ لأنّه ملازم لحجّيّة، فالإطلاق الفردي الموجب لعدم حجّيّتها(1)

فإذا وقفت السلسلة على الزوج كانت ظواهر القرآن الكريم ساقطة عن الحجّيّة، وإذا وقفت على الفرد كانت حجّة، وحيث إنّه لا بُدَّ وأن تقف إمّا على الفرد وإمّا على الزوج، وليس متعيّناً وقوفها على الزوج أو وقوفها على الفرد، وليس وقوفها على أحدهما أولى من الآخر، فحينئذٍ تصبح هذه الآية مجملة، ولا يمكن الاستدلال بها على إثبات المدّعى، وهو سقوط ظواهر القرآن الكريم عن الحجّيّة(2)

إلا أن هذا كله كان مشياً على مشربهم، يعني على طريقة تكلم الآغايون في مدلول هذه الآية. وإلا فنحن لسنا بإزاء تحليل قضية منطقية لأجل أن نتكلم مثل هذا الكلام. وإنما نحن بازاء استظهار المعنى العرفي لهذه الآية. ولا شك في 

ــــــــــ[367]ــــــــــ

() فتأمّل في المسألة فإنّه من دقائق سيّدنا الأُستاذ، وبه يرتفع ما قد يكون في المحاضرة من تشويش. (المُقرِّر).

(2) وأما إذا تسلسلت هذه السلسلة إلى ما لا نهاية ولم تقف فتكون الآية مجملة أيضاً، فلا تكون دليلاً على عدم حجية ظواهر القرآن، كذا أفاد سيدنا الأستاذ بعد البحث. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

أمثال هذه القضايا التي تكون ناظرة إلى عنوان عام قابل الانطباق على نفسها وعلى غيرها، لا إشكال في أن ظهورها العرفي أنها ناظرة إلى غيرها من الأفراد وليست ناظرة إلى نفسها.

فالآية في نفسها لا تشمل شخص هذا الظهور كما أن ظاهر كلام ذاك (الاقريطيشي) أن كلام غيره كذب، لا أن هذا الكلام كذب. والآية ظاهرها ذلك أيضاً. وللكلام تتمة تنقيح وتوضيح تأتي في اليوم الآتي إن شاء الله.

*****

ولتوضيح ذلك(1) نستعمل المثال الذي أشرنا إليه بالأمس، لو فرض أن 

ــــــــــ[368]ــــــــــ

() لخص سيدنا الأستاذ ما كان قاله في المحاضرة السابقة، مع زيادات، ونحن ذاكرون بعض التكرار مع كل الزيادات.

ذكر أولاً: عنوان المسألة، وأن محل الكلام في استدلال الإخباريين بالآية على نفي حجية ظواهر القرآن. وإن الكلام يقع في ذلك بعد التسليم بالتفسير الإخباري للمحكم والمتشابه، في أنه هل يصح الاستدلال بالآية أو لا؟

ثم ذكر الإشكال الذي ذُكر على الآية، من كونها إذا كانت شاملة لظواهر القرآن لشملت نفسها أيضاً والتالي باطل فالمقدم مثله. ثم ذكر وجه الملازمة ووجه بطلان التالي بما لا يزيد عمّا في محاضرة أمس.

ثم ذكر تشبيه الآية بالقضية المنطقية للـ(اقريطيشي)، وأنه يقال في البرهان على بطلانها سنخ ما يقال في بطلان الآية.

ثم ذكر الفرق بين الآية وبين قضية أهل (اقريطيش)، بالنظرة الأولى وإن صدق هذه القضية يلزم منه كذبها واقعاً بخلاف الآية، فإن حجيتها واقعاً يلزم منه عدم حجيتها ظاهراً لا عدمها واقعاً. ثم قال: ولتوضيح ذلك… (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

خب الثقة دل على عدم حجية الظهور، فحجية خبر الواحد هل تستلزم عدم حجية الظهور واقعاً، أو عدمها ظاهراً أي للتعبد بعدم حجيته. طبعاً حجية خبر زرارة الذي أخبر عن عدم حجية الظهور يستلزم عدم حجية الظهور تعبداً لا عدم حجية الظهور واقعاً إذ لعل زرارة قد أخطأ في إخباره.

ومعنى جعل الحجّيّة لخبر الواحد: أنَّ خبر الواحد كلما أخبر عنه فهو ثابت تعبّداً وظاهراً، وقد أخبر هذا الواحد عن عدم حجّيّة الظهور، فيكون عدمها ثابتاً تعبّداً وظاهراً، فحجّيّة خبر الواحد الدال على عدم حجّيّة الظهور، تستلزم عدم حجّيّة الظهور تعبّداً لا عدمها واقعاً، وإلَّا قد يكون في الواقع الظهور حجّة وقد أخبرنا زرارة عن عدم حجّيّته اشتباهاً.

وهكذا كلّ أمارة نفرضها إذا دلّت على عدم حجّيّة الظهور، كما إذا قامت شهرة على عدم حجّيّة الظهور، وفرضنا أنَّ الشهرة حجّة، فحجّيّة الشهرة تستلزم عدم حجّيّة الظهور تعبّداً؛ لأنَّ حجّيّة الشهرة معناها التعبّد بمدلول الشهرة، ومدلولها هو عدم حجّيّة الظهور، فحجّيّة الشهرة تنتج التعبّد بعدم حجّيّة الظهور.

فكلّ أمارة من غير سنخ الظهور تدلّ على عدم حجّيّة الظهور، فلو كانت هذه الأمارة حجّة فحجّيّتها تستلزم عدم حجّيّة الظهور تعبّداً، لا أنّها تستلزم عدم حجّيّة الظهور واقعاً. هذا واضح في فرض ما إذا كانت الأمارة من غير سنخ الظهور.

الآن نفرض أنَّ الإمارة من سنخ الظهور، كما لو دلّ ظهور على عدم حجّيّة 

ــــــــــ[369]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الظهور، فيلزم من حجّيّة هذا الظهور الدال على عدم حجّيّة الظهور، عين ما كان يلزم من خبر الواحد والشهرة الدال على عدم حجّيّة الظهور، فيلزم من حجّيّته ثبوت مدلوله تعبداً، ومدلوله هو عدم حجّيّة الظهور، فيثبت عدم حجّيّة الظهور تعبّداً، فحجّيّة ظهور الآية هنا يلزم منه عدم حجّيّتها تعبّداً، لا أنّه يلزم منها عدم حجّيّتها واقعاً.

فكم فرق بين باب تلك القضية المنطقية وبين باب الآية، فإنّه في باب تلك القضية المنطقية كان يلزم من صدق هذا الأقريطشي واقعاً كذبه واقعاً، وأمّا هنا فلو كان الظهور الذي دلّ على عدم حجّيّة الظهور حجّة في الواقع، لنتج عن هذه الحجّيّة التعبد بمدلوله، وهو عدم حجّيّة الظهور.

 إذن، فنتيجة حجّيّة الظهور التعبّد بعدم حجّيّة الظهور، لا واقع عدم حجّيّة الظهور، فلم يلزم من وجود الشيء واقعاً عدمه واقعاً، بل يلزم من كون الظهور حجّة التعبد بعدم الحجّيّة، وهذا غير ذاك المحذور التكويني.

نعم، هذا في نفسه أيضاً محال، فكون حجّيّة الظهور يلزم منه التعبد بعدم الحجّيّة أيضاً محال، لا من ناحية كون الشيء يلزم من وجوده عدمه، بل من ناحية اللغوية، فإنّه يكون جعل الحجّيّة لهذا الظهور الدال على عدم الحجّيّة لغو في المقام، يعني: لا يترتب عليه أثر بحسب الخارج؛ لأنَّ هذه الحجّيّة المجعولة لهذا الظهور، إمّا أنَّ يقوم عليها دليل وتصل، وإمّا أن لا يقوم عليها دليل ولا تصل، فإن لم يقم عليها دليل ولا تصل، فلا يترتب عليها أثر، فإنَّ الحجّيّة غير الواصلة لا أثر لها. 

ــــــــــ[370]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وإذا فُرض أنّها وصلت وقام دليل عليها، فقام دليل على حجّيّة هذا الظهور، فمعنى هذا هو العلم بحجّيّة هذا الظهور، والعلم بحجّيّة هذا الظهور، معناه: العلم بكذب هذا الظهور؛ لأنَّه يدلّ على عدم حجّيّة الظهور، وقد علمنا بكذبه، ومع العلم بكذبه أيضاً لا نعمل به، فلا أثر لجعل الحجّيّة لهذا الظهور(1).

وهذا بنفسه يكفي برهاناً على استحالة هذا المطلب، يعني يستحيل في المقام جعل الحجّيّة للظهور الدال على عدم حجّيّة الظهور، لا من باب أنّه يلزم من وجود حجّيّته واقعاً عدم حجّيّته واقعاً، فإنّه غاية ما يلزم من وجود حجّيّته واقعاً التعبّد بعدم حجّيّته، لا عدمها واقعها، لكن جعل الحجّيّة لهذا الظهور لغو لا يترتب عليه أثر، فإنَّ المكلف على كلّ حال لا يجوز أن يعمل بهذا الظهور، سواء وصلت الحجّيّة أو لم تصل، أمّا إذا لم تصل حجّيّته، فكيف يعمل بأمارة لم يقطع بحجّيّتها؟ وأمّا إذا وصلت حجّيّته؛ فلأنّه بمجرّد أن تصل حجّيّته يقطع بحجّيّة الظهور، فيقطع بكذب هذا الظهور، فحينئذٍ لا يجوز له أن يعمل به؛ لأنّه ظهور مقطوع الكذب.

ــــــــــ[371]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: يعني مع العلم بالحجّيّة يسقط عن الحجّيّة؟

فأجاب سيدنا الأستاذ: نعم يسقط عن الحجية.

فقال الأخ: فلزم من الحجية عدم الحجية.

فأجاب سيدنا الأستاذ: لا لم يلزم من جعل الحجية عدم جعل الحجية، بل لزم من جعلها خروج الظهور عن موضوع الحجية. وهذا معنى اللغويّة؛ لأن الحجية مجعولة على الظهور المحتمل الصدق. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فهذا هو الذي ينبغي أن يُبيّن وجهاً لاستحالة جعل الحجّيّة لمثل هذه الآية، على تقدير شمولها لنفسها، والوجه ليس هو نفس الوجه في تلك القضية المنطقية، وهو أنّه يلزم من وجود الحجّيّة عدم الحجّيّة، بل يلزم لغوية جعل الحجّيّة لهذا الظهور. هذا كلّه بقطع النظر عن التحليل.

وأمّا بلحاظ التحليل، فيتغير الكلام في تلك القضية المنطقية وفي هذه الآية. 

أمّا في تلك القضية المنطقية وهو: كلّ إخبارات أهل (أقريطش) كذب، والمتكلّم هو من أهل (أقريطش)، فهذه القضية قضية حقيقية موضوعها الكلّي هو طبيعي الإخبار الصادر من (الأقريطشي) ومحمولها الكلّيّ هو الحكم بالكذب.

 وبطبيعة الحال كلّ قضية حقيقة أُخذ موضوعها مقدار الوجود تنحل حينئذٍ بعدد أفراد موضوعها المقدرة والأفراد المحقّقة، فكلّ فرد محقّق أو مقدّر من أفراد الموضوع يكون موضوعاً بذاته لفرد من أفراد المحمول، ففي كلّ نار محرقة، كلّ فرد من النار يكون موضوعاً لفرد من الإحراق. وهذا معنى انحلال القضية الحقيقية إلى قضايا متعدّدة بعدد أفرادها، فهذه القضية أيضاً تنحلّ إلى قضايا متعدّدة.

وكيفية الانحلال: أنّنا نجمع في زنبيل مجموع إخبارات أهل (أقريطش) ما عدا إخبار هذا المؤمن، وإخبار هذا الشخص بكذب كلّ إخبارات أهل (أقريطش) يخبر عن كذب مجموع ما في هذا الزنبيل من إخبارات؛ لأنَّ هذه الإخبارات مصداق للموضوع الكلّيّ، فهو يُخبر عن كذبها.

ــــــــــ[372]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ونفس هذا الإخبار عن كذب تلك الإخبارت هو أيضاً إخبار صدر من أهل (أقريطش)؛ لأنَّ نفس المتكلّم (أقريطشي)، إذ فهو فرد جديد من موضوع القضية، فقهراً يتولد من نفس هذا الكلام بالانحلال إخبار آخر من كذب الإخبار الأوّل.

 وهذا الإخبار الثاني عن كذب الإخبار الأوّل أيضاً هو إخبار صدر من أهل (أقريطش)، فيكون فرداً من موضوع القضية، فيستحق إخباراً عن كذبه أيضاً، فيتولد إخبار ثالث بالانحلال عن كذب الإخبار الثاني.. وهكذا حتّى يتسلسل.

فبالتحليل توجد عندنا هنا سلسلة من الإخبارات اللامتناهية، وكلّ إخبار يكون إخباراً عن كذب الإخبار الذي قبله، فالإخبار الثاني يخبر عن كذب الأوّل، والثالث عن كذب الثاني… وهكذا.

وبعد أن شرحنا القضية بهذا النحو، وفرضنا سلسلة لا متناهية من الإخبارات، فحينئذٍ تزول شبهة أنّه يلزم من وجوده عدمه ومن صدقه كذبه، فإنَّ هذا الكلام الذي صدر من (الأقريطشي) ليس إخباراً واحداً يكون له إمّا صدق واحد، وإمّا كذب واحد، بل هو سلسلة لا متناهية من الإخبارات، وصدق كلّ إخبار من هذه الإخبارات يلزم منه كذب الإخبارين الذين هم طرفاها، كذب الإخبار الذي بعده، وكذب الإخبار الذي قبله، وكذب أيّ فرد من أفراد هذه الإخبارات يلزم منه صدق الإخبارين اللذين هما طرفاه.

كيف ذلك والإخبار الأوّل يدلّ على كذب ما في الزنبيل من الإخبارات، والإخبار الثاني يخبر عن كذب هذا الإخبار، والثالث يخبر عن كذب الثاني؟ 

ــــــــــ[373]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الآن نأتي إلى الإخبار الثاني، وهو إن كان صادقاً، وهو يخبر عن كذب الأوّل، فالأوّل كاذب لا محالة، كما أنَّ الثالث يكون كاذباً؛ لأنَّ الثالث يخبر عن كذب الثاني، وقد فرضنا أنَّ الثاني صادق.

وكذلك صدق الثالث يلزم منه كذب الثاني وكذب الرابع، وكذلك كلّ حلقة من حلقات هذه السلسلة، فإنَّ صدقه يلزم منه كذب طرفيه، كما أنَّ كذبه يلزم منه صدق طرفيه، فلو كان الإخبار الثاني كاذباً فالإخبار الأوّل والإخبار الثالث صادقان، وأمّا صدق الثالث؛ فلأنّه يُخبر عن كذب الثاني، وقد فرضنا أنَّ الثاني كاذب، وأمّا أنَّ الأوّل صادق؛ فلأنّ الثاني يُخبر عن كذب الأوّل، وقد فرضنا أنَّ الثاني كاذب، فيكون الأوّل صادقاً والثالث أيضاً صادقاً.

فكلّ حلقة من هذه السلسلة يلزم من صدقها كذب طرفيها، وكذبها يلزم منه صدق طرفيها، فلم يلزم من كذب إخبار واحد صدق ذلك الإخبار، ولم يلزم من صدق إخبار واحد كذب ذلك الإخبار، ذلك هو محذور ما يلزم من وجوده عدمه، بل يلزم من كذب أيّ من الإخبارات صدق اثنين آخرين، ومن صدقه كذب اثنين آخرين فلا محذور. هذا في القضية المنطقية.

وأمّا شأن الآية الكريمة، فالموضوع في الآية الكريمة الذي حكم عليه بالردع والإسقاط عن الحجّيّة إمّا أن نأخذه هو الدلالة والظهور، بأن تكون الآية هكذا: كلّ دلالة قرآنية لا تكون نصاً فهي ليست بحجّة.

 وأُخرى نفرض بـأنَّ الموضوع هو عنوان الآية لا عنوان الدلالة فتكون هكذا: كلّ آية ليست بمُحكّمة فهي ليست بحجّة. فهذان فرضان.

ــــــــــ[374]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

أمّا على الفرض الأوّل فإذا فرضنا أنَّ موضوع الآية هو الدلالة(1).

وهذا لا محالية فيه، فإنّه لا استحالة في أنَّ يكون كلّ ظهور دالّاً على عدم حجّيّة الظهور الذي قبله.

إلَّا أنّه بناءً على هذا لا يصحّ للاستدلال بالآية الكريمة حينئذٍ على مذاق الأخباري وعلى مدّعى الأخباري؛ ذلك لأنَّ إثبات الردع عن العمل بظواهر القرآن الكريم -كما يريد الأخباري- إنَّما يكون بظاهر هذه الآية الذي انحلّ إلى ظواهر لا متناهية من حيث التسلسل، فلا بُدَّ لإثبات الردع من إثبات حجّيّة ظهور هذه الآية حتّى يتمّ الردع عن بقية ظواهر القرآن الكريم، وإلَّا لو لا ذلك لكنّا نعمل بظواهره، وإنَّما لا نعمل بها لأجل رادعية هذه الآية، فيجب أن نثبت حجّيّة ظهور هذه الآية لأجل أن يتمّ الردع.

والدليل على حجّيّة الظهور ما هو؟ إنَّما هو السيرة العقلائيّة، فلا بُدَّ أن نثبت حجّيّة ظهور هذه الآية الوحدانية بالسيرة العقلائيةّ، وحينئذٍ نستكشف من نفس الآية الردع عن ظواهر بقية الآيات.

وظهور هذه الآية فرضنا أنّه انحلّ إلى ظواهر متصاعدة إلى ما لا نهاية، وكلّ ظهور من هذه الظواهر يدلّ على الردع عن الظهور الذي قبله وإسقاطه عن الحجّيّة، فالظهور الثاني يُسقط الأوّل عن الحجّيّة والثالث يسقط الثاني عن الحجّيّة، وهكذا. 

ــــــــــ[375]ــــــــــ

() وهنا قرّب سيّدنا الأُستاذ وجه تسلسل الظهورات في الآية الكريمة إلى ما لانهاية بما لا يزيد عن السابق. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وحينئذٍ إثبات حجّيّة ظواهر تمام هذه الظواهر المتسلسلة بالسيرة العقلائيّة محال؛ لأنَّ إثبات حجّيّة الرادع والمردوع عنه معاً محال، فلا يمكن بالسيرة العقلائية أنَّ نثبت حجّيّة تمام هذه الظواهر، فلا بُدَّ أن نثبت إمّا حجّيّة الروادع أو حجّيّة المردوع عنه.

يعني إمّا أن نثبت حجّيّة الأوّل دون الثاني الذي يردع عنه، وحجّيّة الثالث دون الرابع الذي يردع عنه، وحجّيّة الخامس دون السادس الذي يردع عنه، أو أن نثبت حجّيّة الثاني دون الثالث، والرابع دون الخامس، فإمّا أن نثبت حجّيّة الأزواج وإمّا أن نثبت حجّيّة الأفراد، ولا مرجح لأحدهما على الآخر(1). إذن، فتكون الآية مجملة، ولا يتمّ الاستدلال بها حينئذٍ على عدم حجّيّة ظواهر الكتاب الكريم. هذا كلّه بناءً على الانحلال. 

فظهر بما ذكرناه أنّه بناءً على الانحلال لا يتمّ استدلال الأخباري بعد فرض الاعتراف بشمول الآية لنفسها، لكن أشرنا سابقاً وسنذكر فيما بعد أنَّ هذا كلّه نسج منطقي لمدلول الآية تابعنا فيه الأعلام، حيث إنّهم في المقام أرادوا أن يحلّلوا هذه القضية تحليلاً منطقياً، من قبيل قضية أهل (أقريطش)، وإلَّا فسوف يأتي -إن شاء الله- بأنَّ ترتيب البحث غير هذا الترتيب.

وبالجملة: أنَّ الموضوع في دليل النهي عن إتّباع المتشابه، إمّا أن يُفرض هو الدلالة القرآنية، وإمّا أن يُفرض هو عنوان الآية. 

فإن فُرض أنَّ الموضوع هو الدلالة القرآنية، حيث نُهي عن إتّباع كلّ دلالة 

ــــــــــ[376]ــــــــــ

() وشمولها لكلّ منهما محال جزماً. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

قرآنية، ما عدا الدلالات النصيّة، فبالانحلال والتحليل تنحلّ هذه القضية الحقيقية إلى سلسلة لا متناهية من القضايا والدلالات، وكلّ دلالة منها تدلّ على سلب الحجّيّة عما قبله، وهذه الدلالة بنفسها مسلوبة الحجّيّة بدلالة بعدها، وهكذا بالطريقة التي بيناها للانحلال الذي هو مقتضى طبع القضية الحقيقية. 

وحينئذٍ فلا يتمّ الاستدلال بهذه الآية الكريمة في الردع عن العمل بظواهر القرآن الكريم؛ وذلك لأنَّ الاستدلال بهذه الآية على الردع عن العمل ببقية الظواهر فرع أن نثبت حجّيّة ظهور هذه الآية ودلالتها، بدليل حجّيّة الظهور، ودليل حجّيّة الظهور هو السيرة، فلا بُدَّ وأن نطبّق السيرة على ظهور هذه الآية، ونثبت بالسيرة حجّيّتها، وبعد الفراغ عن حجّيّتها نستدلّ بها على الردع عن بقية الظواهر الأُخرى.

وفي المقام تطبيق السيرة العقلائيّة على ظهور هذه الآية وإثبات حجّيّته بها غير ممكن؛ لأنَّ هذا الظهور انحل إلى سلسلة من الظهورات، فهل نطبّق السيرة العقلائيّة على تمام السلسلة أو على بعض السلسلة، وكلاهما غير ممكن.

أمّا تطبيقه على تمام السلسلة فهو محال؛ لأنَّ بعض هذه الدلالات تردع عن بعض، فإنَّ كلّ دلالة تردع عن العمل بالدلالة التي قبلها، وكيف يشمل دليل الحجّيّة للرادع والمردوع معاً، فلا بُدَّ أن لا يشمل دليل الحجّيّة تمام هذه الدلالات.

وشموله لبعضها دون بعض أيضاً تعيين بلا معيّن، فإنّه هل يشمل الدلالات الواقعية في مرتبة الآحاد؟ إذن، فيسقط الظهور عن الحجّيّة، أو يشمل الدلالات الواقعة في مرتبة الأزواج؟ فيبقى ظهور القرآن حجّة، وكلّ هذا تعيين بلا معيّن، فلا تكون هذه الآية دلالاتها وظهوراتها حجّة، وإذا لم 

ــــــــــ[377]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

نثبت حجّيّتها، فكيف نستدلّ على الردع بها؟ هذا كلّه إذا كان موضوع القضية في الآية الكريمة هو الدلالة.

وأمّا إذا كان الموضوع هو عنوان الآية لا عنوان الدلالة، كما هو لعله الأظهر بالنسبة إلى الآية لو فرض الاستدلال بها؛ لأنّها تقسّم الآيات القرآنية إلى محكمات ومتشابهات، فتنهى -مثلاً- عن إتّباع الآيات المتشابهة. فموضوع النهي هو الآية المتشابهة لا الدلالة القرآنية. 

فإذا كان موضوع النهي هو الآية المتشابهة، فحينئذٍ لا توجد عندنا سلسلة غير متناهية، بل يوجد عندنا عدد متناه محصور من الأفراد.

فلو فرضنا أنّه يوجد في القرآن تسع آيات غير هذه الآية بين ظاهر ومجمل، فهي آيات متشابهة على مذاق الأخباري، ونفس هذه الآية آية بالظهور لا بالنصّ، فهي أيضاً متشابهة، فتكون هذه الآية عاشرة تلك الآيات.

وبناءً على هذا تنحل القضية إلى عشرة قضايا لا أكثر، وتكون هذه الآية بنفسها فرداً واحداً من أفراد هذا الحكم لا أفراد متعدّدة بتعدّد الدلالات وبانحلال ا لظهورات؛ إذ إنَّ هذه الآية آية واحدة ولا تنحلّ إلى آيات متعدّدة، وعنوان الآية لا ينطبق على هذا الكلام الشريف إلَّا مرة واحدة، بخلاف عنوان الدلالة فإنّه ينطبق عليها مرة بعد مرة. 

وحينئذٍ تنحلّ هذه القضية المتكفّلة لها هذه الآية الكريمة إلى عشرة قضايا، فتنحلّ إلى النهي عن إتّباع هذه الآية وهذه الآية وهذه الآية، إلى أن تصل النوبة إلى شخص هذه الآية، فكأنّها متكفّلة لعشرة نواهي لا أكثر، وأحد النواهي العشرة هو النهي عن إتّباع هذه الآية بنفسها، فيكون النهي عن إتّباع هذه الآية 

ــــــــــ[378]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

بمنزلة المدلول التضمّني للآية، كما أنَّ النهي عن كلّ من الآيات الأُخرى مداليل تضمّنيّة. 

فإذا كان حال الآية هكذا، وقد انحلّت إلى ما يكون بمثابة عشرة مداليل تضمّنيّة، أحدهما هو النهي عن نفسها، حينئذٍ يقال في المقام: بأنَّ هذه الآية تسعة من دلالاتها التضمّنيّة يمكن شمول دليل الحجّيّة لها وهو السيرة العقلائيّة، وواحد منها لا يمكن شمول دليل الحجّيّة لها؛ وذلك لأنَّ الدلالة التضمّنيّة لهذه الآية على النهي عن نفسها لا يمكن شمول السيرة العقلائية لها، فلا يمكن إثبات حجّيّة تلك الدلالة التضمّنيّة المربوطة بنفسها بالسيرة العقلائية، وأمّا الدلالات الأُخرى فيمكن إثبات حجّيّتها بالسيرة. 

وقد فُرغ في بحث العامّ والخاص -مثلاً- عن إمكان التبعيض من حيث الدلالات التضمّنيّة، بأن يكون ظهور واحد بلحاظ بعض دلالاته التضمّنيّة حجّة، وبلحاظ بعض دلالاته التضمّنيّة الأُخرى ليس بحجّة، فحينئذٍ نلتزم هنا بمقتضى السيرة العقلائيّة بحجّيّة تسعة دلالات تضمّنيّة من هذه الآية، ونلتزم بعدم حجّيّة الدلالة التضمّنيّة العاشرة، فنفكّك بين بعض الدلالات التضمّنيّة وبعض، وبذلك تكون الآية(1) دليلاً عن الردع عن العمل بسائر الظواهر(2).

 ــــــــــ[379]ــــــــــ

() في الدلالات التضمّنيّة التسعة حجّة، فتكون… (المُقرِّر).

(2) وهنا سأل أحد الإخوان: لماذا لا تشمل السيرة هذا الحكم؟ 

فأجاب (أدام الله ظلّه): لأنَّ الحجّيّة التي يلزم من ثبوتها التعبّد بعدمها، مثل هذه الحجّيّة أمر محال لنفس إشكال اللغوية السابق. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وهذا يتمّ على مذاق الأخباري لو لم ندع العلم من الخارج من أنّه لا فرق بين ظهور وظهور، كما ادّعي من قبل الأعلام، فإذا كانت بعض ظواهر القرآن ليست بحجّة فالكلّ ليس بحجّة، ولا نحتمل تفرقة بين ظهور آية وآية.

فهذا يتمّ بقطع النظر عن العلم بعدم الفرق، وإلَّا فمع العلم بعدم الفرق حينئذٍ لا يمكن شمول دليل الحجّيّة لبعض هذه الدلالات التضمّنيّة للعلم بعدم الفرق بين هذه الدلالات التضمّنيّة، وحيث إنّه لا يعقل الشمول لها جميعاً، فيجب عدم الشمول لها جميعاً، وحينئذٍ فلا يصحّ الاستدلال بها على الردع عن بقية الظواهر.

هذا أيضاً حال مقتضى الصناعة بناءً على أن يكون موضوع القضية في الآية عنوان الآية لا عنوان الدلالة.

إلَّا أنَّ هذا -كما أشرنا- كلّه بناءً على الأخذ بحرفية الآية بما هي قضية منطقية، أي: بناءً على قطع النظر عن الظهور العرفي، وأمّا بلحاظ الظهور العرفي فلا نشكّ في أنَّ الظاهر عرفاً من الآية عدم الشمول لنفسها، سواء كان هذا الشمول أمراً ممكناً بحسب الخارج أو لم يكن ممكناً. 

فإنَّ هذه القضية بحسب التفاهم العرفي إنَّما تدلّ على النهي عن إتّباع غيرها من الأفراد ولا تشمل نفسها.

والنكتة في ذلك لا تسري في كلّ قضية شاملة لنفسها، فإنَّ بعض القضايا التي تشمل نفسها منطقياً لا بأس بدعوى ظهورها عرفا في الشمول أيضاً، من قبيل قولنا: (كلّ كلمة اسم وفعل وحرف) فإنَّ هذه القضية تشمل نفس 

ــــــــــ[380]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الكلمة منطقياً، فإنَّ (ك، ل، م، ة) هي أيضا اسم، ولا بأس بدعوى أنَّ الظهور العرفي هنا أيضاً على طبق الشمول.

ولكنّنا ندّعي أنَّ الظهور العرفي هنا لا يُساعد على الشمول؛ لخصوصية في أمثال هذه القضايا، لا من باب أنَّ الظهور العرفي دائماً لا يُساعد على شمول القضية لنفسها، بل إنَّ الظهور العرفي إنَّما لا يُساعد على شمول القضية لنفسها فيما إذا استفيد من نفس القضية قرينة على عدم الشمول، كما هو الحال في أمثال هذه الآية، بناءً على سوقها في مقام الاستدلال. 

فإنَّ هذه القضية قد بُيّنت، ولها ظهور سياقي في أنّها في مقام إعطاء القاعدة، وفي مقام إيصال مطلب بحسب الخارج إلى المكلف، وظهورها السياقي هذا قرينة على أنّها لا تشمل نفسها، إذ لو كانت شاملة لنفسها لهدمت قاعدية مضمونها، ولخرجت عن كونها قاعدة ملقاة إلى المكلف في مقام العمل، فشمولها لنفسها خُلف كونها قاعدة. 

وأمّا في الموارد التي لا يستلزم شمولها لنفسها خروجها عن كونها قاعدة للعمل، ففي مثل ذلك لا بأس بالشمول، فهنا ندّعي عدم الشمول بحسب الظهور العرفي لأجل وجود القرينة، لا من باب أنَّ كلّ قضية الظاهر فيها عدم الشمول لشخصها.

وحينئذٍ إذا فرضنا أنَّ القضية في المقام لا تشمل نفسها، وإنَّما تختص بغيرها من الظواهر، فكأنّ الآية تشير بإصبعها إلى بقية الآيات وتقول: هذه الآيات المتشابهات ليست بحجّة، وحينئذٍ لا بأس بتتميم كلام الأخباري في المقام؛ 

ــــــــــ[381]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وذلك بأن يقال: إنّنا نطبق دليل الحجّيّة، وهو السيرة على هذه الآية وبعد تتميم حجّيّة هذه الآية ببركة السيرة، نُكوّن منها دليلاً على الردع عن بقية الآيات، هذا لو لا ما يدّعى أيضاً من العلم بعدم الفرق بين ظهور آية وظهور آية أُخرى. هذا تمام الكلام في كيفية الاستدلال بهذه الآية ثبوتاً.

مقتضى التحقيق في المقام

إلَّا أنَّ التحقيق في المقام هو أنَّ هذه الآية لا تدلّ أصلاً على عدم جواز العمل بالمتشابه، فإنّنا إلى هنا كنا نفرض هذا أصلاً موضوعياً متفقاً عليه بين الأخباريين والأُصوليين، وهو أنَّ الآية تدلّ على عدم حجّيّة المتشابه، وبعد هذا يقع البحث في أنَّ المتشابه يشمل الظاهر أو لا يشمل الظاهر؟ وإذا لم يشمل الظاهر هل يشمل نفسه أو لا يعقل أن يشمل نفسه؟ 

إلَّا أنَّ الصحيح هو عدم صحّة نفس الأصل الموضوعي الذي فرض في المقام، فإنَّ الآية لا دلالة فيها على سقوط حجّيّة المتشابه وعدم جواز العمل به، بل إنَّ الآية غاية ما تدلّ عليه هو عدم جواز الاقتصار على العمل بالمتشابهات، وتتبعها بقصد إثارة الفتنة وقطع صلتها بالمحكمات. 

وهذا الشيء الذي كان هو عمل المشاغبين في صدر الإسلام، ولا يزال هو عمل المشاغبين إلى يومنا هذا، شأن هؤلاء أنّهم يأخذون بعض الآيات المتشابهة -على الإجمال في معنى المتشابه- ويدّعون العمل بها والسيرة على طبقها؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويل تلك الآيات ويقطعون النظر عن المحكمات، مع أنَّ المحكمات هي أم الكتاب بحسب نص هذه الآية الكريمة.

ــــــــــ[382]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وليس الشيء المذموم في الآية الكريمة هو إتّباع المتشابهات والعمل بها مع ملاحظة المحكمات والاعتراف بأنّها أم الكتاب، بل إنَّ الشيء المذموم هو الاقتصار على تتبع المتشابهات.

والآية شأنها شأن من يقول من أهل العرف: إنَّ فلاناً عدواً لي، وشأنه أن يتبع زلاتي وأخطائي فيثيرها عليّ. 

وطبعاً في القرآن لا يوجد زلات ولا أخطاء، لكن يوجد متشابهات، يعني: يوجد كلمات يمكن لإنسان منافق وغير مسلم حقيقة أن يجعل منها خطأ أو أن يسوق منها فتنة بالنسبة إلى الناس الآخرين، فيقول القرآن: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ(1) يعني ظاهره: أنَّ هذه طريقتهم وهو إتّباع ما تشابه منه، خصوصاً إذا قلنا: بأنَّ يتبعون بمعنى: يتتبعون، يعني: يتعقبون ويتصيدون المتشابه منه.

فبعد أن فصّل الآيات إلى قسمين، وقال: بأنَّ القرآن الكريم ينقسم إلى محكمات وإلى متشابهات، وذكر أنَّ المحكمات هي أم الكتاب: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ فهذا ذم لهذه الطريقة.

والقرآن المنقسم إلى قسمين: أحد القسمين محكمات، والآخر متشابهات.

وقسم المحكمات هو: أم الكتاب، يعني: هو الأصل، وهو القاعدة، وهو الإطار لفهم سائر آيات القرآن الكريم، فكيف يمكن في المقام أن يقال: بأنَّ 

ــــــــــ[384]ــــــــــ

(1) آل عمران: 7.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

هناك من تنعقد طريقته وسيرته على أن يتتبع المتشابهات من القرآن الكريم؟ هذا شأن من يكون في قلبه زيغ، لا شأن من يريد أن يتفقه.

فالآية في مقام ذم هذه الطريقة التي هي طريقة المشاغبين دائماً وأبداً، فيقتطعون آية من القرآن الكريم ويقولون: إنّها تدلّ على التجسيم، أو تدلّ على الجبر، أو على أيّ مطلب من المطالب الفاسدة.

فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّـهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا(1) أمّا الشخص الذي يؤمن بالمحكمات والمتشابهات معاً، ويتبع المتشابهات ضمن المحكمات، لا أنّه يتبع المتشابهات بالخصوص، فمثل هذا الشخص لا يكون مذموماً في هذه الآية الكريمة.

فالآية لا دلالة فيها على النهي عن العمل بالمتشابه أصلاً حتّى يقع البحث في المتشابه له إطلاق للظهور، وهل يشمله أو لا يشمله؟

وهذا المعنى حينئذٍ يُغنينا عن الدخول في الجهة الأولى التي أجلنا الكلام فيها، وهو البحث في معنى المتشابه، وأنّه هل يشمل الظهور أو لا يشمله؟ فإنّه على كلّ حال لا تدلّ الآية على عدم جواز العمل بالمتشابه حتّى يقع البحث في أنَّ معنى المتشابه ما هو -وهذه هي نكتة أنّنا أخّرنا الكلام في الجهة الأولى إلى عقيب الكلام في الجهة الثانية- ولأجل هذا سوف لن نتوسّع في تحقيق معنى المتشابه، ومعنى المحكم؛ لأنَّ هذا بحث يحتاج بمقدار ما إلى توسّع أكثر ممّا 

ــــــــــ[384]ــــــــــ

(1) آل عمران: 7.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

يناسبه هذه المسألة، وإنَّما نذكر مجرّد المدّعى في المقام ونمر عليه؛ لأنّه ثبت أنَّ المطلب من الناحية الفقهيّة والأُصوليّة لا يتوقف على تحقيقه.

معنى المحكم والمتشابه 

والمدّعى في المقام إجمالاً: أنّه ليس المراد في المتشابه في المقام اللفظ الذي يكون له معان يشبه بعضها بعضاً في علاقته مع اللفظ -كما نقلناه عن الأعلام في الأبحاث السابقة- حتّى يقع الكلام في أنَّ هذه المعاني العديدة للفظ الواحد التي يشبه بعضها بعضاً، هل أُخذ فيها قيد التساوي فيكون مجملاً، أو يعمّ ما إذا كان بعضها أظهر من بعض، فيشمل المعنى الظاهر حينئذٍ؟

وليس المراد من المتشابه أن يكون اللفظ متشابه المعنى؛ بل المراد من المتشابه في المقام أن يكون نفس المعنى متشابهاً، فمجمل الحقيقة، ومجمل المضمون، ومجمل الحدود.

والمعاني في القرآن الكريم على نحوين: فبعض المعاني -نفس المعاني لا الألفاظ- محددة وواضحة وجليّة، وبعض المعاني القرآنية بما هو معنى لا خفاء فيه، أي: أنَّ هذا اللفظ يُعطي هذا المعنى لغة، لكن أليس ينتقش في ذهن الإنسان لكلّ معنى صورة له وتقريب وتجسيد له في ذهنه؟ وهذا التقريب في المقام لا يخلو -في المعنى المتشابه- من غموض ولا يخلو من إبهام.

فاستواء الرحمن على العرش، ليس فيه تشابه من حيث اللفظ، فإنَّ كلّ كلمة كلمة ذُكر لها معنى واضح، ومجموع الكلمات أيضاً لها معنى واضح، لكن تعالوا نتصوّر استواء الرحمن على العرش، يعني: تعالوا نُجسّد هذا المطلب في 

ــــــــــ[385]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

أذهاننا، ونحقّق مصداقاً لهذا الاستواء في أذهاننا، فلا نستطيع أن نحقّق مثل هذا المصداق، وحينئذٍ في مقام تحقيق هذا المصداق نتبلبل ونقلق ونتأرجح بين عدة مصاديق، فلا ندري ما هو واقع المعنى أيّ من هذه المصاديق.

فالمتشابه في المقام هو ما يكون نفس المعنى متشابه الصورة، لا ما يكون اللفظ متشابه المعنى.

والقرينة على ذلك عدة أمور، منها: كقرينة داخلية على هذا من نفس الآية، قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ففُرض في المقام أنَّ الذين في قلوبهم زيغ يتبعون الآية المتشابهة. وعنوان الإتّباع إنَّما هو الأخذ بمدلول الآية والجري على طبق مدلولها، فلو أمرنا المولى بإتّباع هذه الآية لكان معناه الأخذ بمعناها، فإتّباع الآية لا يتصوّر إلَّا أن يكون للآية معنى محدد، أمّا أنَّ الآية لها معنى ظاهر ونحن نأخذ بغير معناها الظاهر، أو أنَّ الآية مجملة لها عدّة معانٍ لا ندري ما هو، كأنْ نأخذ بلفظ المولى الذي هو بمعنى العبد، وبمعنى السيّد، وبمعنى ابن العم، ونقول: بأنَّ معناها هو هذا بلا قرينة، فهذا ليس إتباعاً للآية، وإنَّما هو تحكم في الآية، فإتّباع الآية لا يصدق إلَّا مع فرض الأخذ بمعنى الآية أخذاً جارياً على طبق قواعد اللغة وقواعد اللسان العربي الذي جرى القرآن على طبقها، هذا هو إتّباع الآية. 

ففرض هذا الإتباع، هو فرض أنَّ الآية المتشابهة لها معنى يمكن الأخذ به ويمكن إتباعه. غاية الأمر أنَّ هؤلاء المرضى -مرضى القلوب- يتبعون الآية المتشابهة ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.

ــــــــــ[386]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فهم يأخذون بآية اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ بمعنى: أنّهم يفسّرونها على طبق قواعد اللسان العربي، وإلى هنا لا بأس به، لكنّهم يأخذون بذلك ابتغاء الفتنة، ويقولوا للناس: انظروا أن القرآن الكريم يقول: إنَّ الله تعالى يجلس على العرش. إذن، فالله شأنه شأننا في جلوسنا على مجالسنا ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ يعني: يأخذون بهذا المعنى استطراقاً إلى تلك الصورة القلقة، الصورة التي لا تنسجم مع محكمات القرآن الكريم، وهي صورة الاستواء على العرش.

وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّـهُ يعني صورة المعنى، وما يؤول إليه المعنى، وجوهر المعنى ومصداقه لا يعلمه إلَّا الله تعالى.

فالظاهر أنَّ المراد من الآية هو هذا، والمجال لا يتسع لاستيعاب تمام ما يرتبط بمحلّ الكلام نقضاً وإبراماً، وعلى أيّ حال بالنسبة إلى ما هو المدّعى في المقام: الآية أجنبية بالكامل عن الردع عن الظواهر.

وبعبارة ثانية: أنَّ تماميّة الاستدلال بالآية المباركة الناهية عن إتّباع المتشابه، وعدم تماميّة الاستدلال بها كان منوطاً ومربوطاً في نظر الطرفين المتخاصمين بتفسير كلمة المتشابه، بقطع النظر عن الإشكالات الثبوتية التي تقدّمت، فهل كلمة المتشابه تعمّ الظاهر أو لا تعمّه؟ 

فإن فُرض أنّها تعمّه تمّ الاستدلال بالآية على عدم جواز العمل بظواهر القرآن الكريم، وإذا فُرض أنَّ كلمة المتشابه تختص بغير الظاهر، ولا تعمّ الظاهر فحينئذٍ لا يتمّ الاستدلال بها على مدّعى الأخباري.

ومن هنا وقع البحث في تفسير كلمة المتشابه، بعد الاتّفاق على أنَّ كلمة 

ــــــــــ[387]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

المتشابه معناها هو اللفظ والكلام الذي له معان متعدّدة بعضها يشبه بعضاً، لكن الكلام في أنَّ هذا الشبه الموجود بين معان متعدّدة هل هو شبه في أصل علاقة تلك المعاني مع هذا اللفظ، أو في مقدار العلاقة؟ فإذا فرضنا أنَّ المتشابه هو اللفظ الذي له معانٍ متعدّدة بعضها يشبه بعضاً في أنَّ له علاقة في اللفظ
-وإن اختلفت درجة هذه العلاقة فكانت علاقة بعض المعاني باللفظ أقوى من علاقة البعض الآخر- فيتمّ الشمول للظاهر وفقاً لمقال الأخباري، فكلمة الأسد -مثلاً- تكون متشابهة؛ لأنَّ لها معان: حيوان مفترس، والرجل الشجاع، وبعضها يشبه بعضاً في علاقته باللفظ. فإن كلاً من الحيوان المفترس والرجل الشجاع له علاقة مع هذا اللفظ، وإن اختلفت هنا درجة العلاقة، فكانت علاقة الحيوان المفترس باعتباره معنى حقيقياً أقوى من علاقة الرجل الشجاع باعتباره معنى مجازياً.

وإن فُرض أنَّ المتشابه عبارة عن اللفظ الذي يكون له معان متعدّدة بعضها يشبه بعضاً في كمية العلاقة باللفظ لا في أصل للعلاقة، بل في درجة العلاقة، فبناءٍ على هذا لا يشمل اللفظ الظاهر؛ لأنَّ علاقة المعنيين بهذا اللفظ ليست متشابهة من حيث الدرجة، بل علاقة أحدهما أقوى من علاقة الآخر، فيختصّ حينئذٍ بالمجملات، من قبيل: المولى الذي يكون درجة علاقته بسيده مساوٍ مع درجة علاقة العبد، بقطع النظر عن القرائن المكتنفة.

هذا كأنّه هو كان أساس البحث في تصحيح الاستدلال وعدم تصحيحه، فمن اختار أنَّ المتشابه عبارة عن اللفظ الذي له معان يشبه بعضها بعضاً في أصل العلاقة -وإن اختلفت درجة العلاقة- ذهب في طريق الأخباري. 

ــــــــــ[388]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

ومن قال: بأنَّ المتشابه هو اللفظ الذي له معان يشبه بعضها بعضاً في أصل العلاقة في درجتها، بحيث تكون كلّها على درجة المساواة بالنسبة إلى اللفظ، فقال بعدم صحّة الاستدلال بالآية؛ لأنَّ اللفظ المتشابه حينئذٍ لا يشمل الكلام الظاهر.

إلَّا أنّنا أشرنا فيما سبق إلى أنّه على كلا التقديرين فالظاهر أنّه لا يمكن أن يُستدلّ بهذه الآية الكريمة على عدم جواز العمل بظواهر القرآن الكريم، سواء فسّرنا المتشابه بمعنى يشمل الظاهر، أو فسّرنا المتشابه بمعنى يختصّ بغير الظاهر، فحتّى لو فُسّر المتشابه بمعنى يشمل الظاهر، مع هذا لا تكون الآية الكريمة دليلاً على عدم جواز العمل بظواهر القرآن الكريم.

وذلك لأنَّ الآية الكريمة لم تأت بهذه الصياغة: إياك وإتّباع المتشابه، أو أنهاك عن إتّباع المتشابه، أو لا تتبع المتشابه.

 فلو كانت الآية كلمة من هذا القبيل فهي عبارة قائمة بنفسها، وفسّرنا المتشابه بما يشمل الظاهر، فتكون حينئذٍ دليلاً على عدم جواز العمل بالظواهر.

إلَّا أنَّ الآية لم تأت بهذا التركيب؛ وبحسب تركيبها القرآني الذي جاء لا تُساعد على الدلالة على عدم جواز العمل بالمتشابه على إجماله، حتّى لو كان بمعنى الظاهر، وذلك بتقريبين:

أحدهما: ما أشرنا إليه من أنَّ ظاهر التخصيص بعد القسمة هو أنَّ الزيغ والمرض كان مقتصراً على إتّباع المتشابه بقطع النظر عن المحكمات، فإنَّ الآية أوّل الأمر حدّثت عن أنَّ الله تعالى أنزل الكتاب على رسوله، وأنَّ هذا الكتاب ينقسم إلى قسمين: إلى آيات محكمات وإلى آيات متشابهات.

 ــــــــــ[389]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وبعد هذا التقسيم للقرآن، قالت: فَأمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ(1).

فظاهر هذا التفريع بعد القسمة هو كون الذين في قلوبهم زيغ شأنهم الاقتصار على إتّباع المتشابهات وتتبّعها بقطع النظر عن المحكمات، كما هو الحال في كلّ كلام عرفي يُلقى بهذا النحو، فأمّا التخصيص بعد القسمة فظاهره عرفاً هو أنَّ التخصيص إنَّما هو بلحاظ أحد القسمين بالخصوص، كما لو فرض بأنَّ شخصاً قال: بأنَّ كتابي هذا ينقسم إلى قسمين: إلى منطق وحكمة؛ والذين يدرسون في المكان الفلاني يدرسون المنطق، فهذا ظاهر في أنَّ هؤلاء الذين عناهم المتكلّم يقتصرون على دراسة المنطق، لا أنَّ هذا بيان لأحد القسمين بلا مفهوم.

نعم، هو بمقتضى حاق ومرّ اللفظ ليس له مفهوم، فإنّه ليس هناك شرط ولا مفهوم غاية ولا شيء من هذا القبيل، لكن بقرينة تعقّب هذا التفريع بعد القسمة يصير له مفهوم عرفي سياقي في أنَّ المقصود بيان اقتصارهم على المنطق.

وحينئذٍ بعد هذا الظهور العرفي السياقي تكون الآية دالّة على الذم على هذه الطريقة في إتّباع المتشابهات.

 ولا إشكال في أنَّ الاقتصار على إتّباع المتشابهات والعمل بها قبل النظر إلى المحكمات أمر غير جائز؛ حتّى لو كان المقصود من المتشابه هو الظهور، فإنَّ العمل بالظواهر بقطع النظر عن المحكمات والنصوص والأشياء الأُخرى التي 

ــــــــــ[390]ــــــــــ

(1) آل عمران:7.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

يحتمل أن تكون قرينة في المقام غير جائز، أو أنَّ أصل التبعيض في الدين والعمل بقسم دون قسم أيضاً غير جائز.

فذم مثل هذه الطريقة التبعيضيّة لا يدلّ بوجه من الوجوه على ذم إتّباع المتشابه المقرون بإتّباع المحكم وتوأماً معه وبلحاظه، مثل هذا لا دلالة للآية على ذمه.

فما يستخلص من الآية غير ما هو محلّ الكلام بيننا وبين الأخباري. هذا أحد الوجهين الذي يدلّ على عدم تمامية الاستدلال بالآية(1).

*****

الأمر الثاني(2): هو أنَّ كلمة (المتشابه) لو سُلّم أنّها بمعنى اللفظ الذي له معانٍ متعددة يشبه بعضها بعضاً في أصل علاقته باللفظ، بحيث إنَّ كلمة المتشابه بنفسها تتناول الظواهر أيضاً، إلَّا أنّه حينئذٍ بقرينة قوله: وَابْتِغاءَ تَأْويلِه نرفع اليد عن ذلك.

ــــــــــ[391]ــــــــــ

() انظر الوجه الآخر في الدفتر التاسع.

قد انتهى -بحمد الله وحسن توفيقه- هذا الدفتر الثامن من محاضرات سيّدنا الأُستاذ العلّامة الفقيه حجّة الإسلام والمسلمين، وقد وفقت بمنّه (عزّ وعلا) إلى نقل جميع محاضراته على الإطلاق من جهاز التسجيل، فجاء موافقاً لنفس ما نطقه السيّد أثناء محاضرته تقريباً؛ لذا فقد جاء بالغاً الغاية في الدقّة والكمال، بل ربما يكون مفصّلاً أكثر من الحاجة. ومن الله استمد التوفيق وعليه التوكل. (المُقرِّر).

(2) كان الشروع في الدفتر التاسع بتاريخ يوم السبت 23/7/1384هـ، 28/11/1964م.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فإنّه تعالى قد قال:فَأَمَّا الَّذينَ في‏ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْويلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ.

 هذا إذا فرضنا أنّنا حملنا التأويل على ما هو معناه عند هذين الطرفين المتخاصمين، وهو التأويل بالمعنى الاصطلاحي، أي: حمل اللفظ على معنى على غير أساس من قوانين اللغة، وقواعد اللسان؛ إذا فُرض أنَّ التأويل كان بهذا المعنى -كما هو المفروض عند الطرفين المتخاصمين- فحينئذٍ تكون الآية في مقام ذم اتّباع المتشابه، لكن لا كلّ اتبّاع، بل الاتّباع الّذي يكون بنحو التأويل لا مطلق الاتّباع، بل هذه الحصّة الخاصّة من الاتّباع -وهي الاتّباع ابتغاء التأويل- تكون في المقام منهيّاً عنها ومذمومة لا مطلق الاتّباع.

فبناءً على هذا يكون نفس هذا القيد، وهو قوله: وَابْتِغاءَ تَأْويلِه قرينةً على تقييد إطلاق المتشابه لو سُلم أنَّ له إطلاقاً للظاهر يُقيَّد بغير الظاهر؛ لأنَّ حمل اللفظ على المعنى الظاهر لو سُلّم أنّه اتّباع للمتشابه، فهو ليس تأويلاً على أيّ حالٍ؛ لأنَّ التأويل بالمعنى الاصطلاحي: هو حمل اللفظ على معنى بغير قانون اللغة. 

وقانون اللغة واللسان: هو قانون حمل اللفظ على المعنى الظاهر، فالتأويل هنا بنفسه يكون قرينة متّصلة على تقييد ما هو المراد من لفظ المتشابه، لو سُلم أنَّ لفظ المتشابه في نفسه يكون شاملاً للمعنى الظاهر، فينتج بعد التقييد: أنَّ مَصَبّ الذم واللوم الإلهي إنَّما هو اتّباع المتشابه المساوق مع التأويل لا ينطبق على اللفظ الظاهر، ولو سُلّم أنّه من المتشابهات.

ــــــــــ[392]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

إذن، فالاستدلال بالآية في المقام لا يتمّ في نفسه، حتّى لو سُلّمت وجهة نظر الأخباري في تفسير المتشابه.

إلَّا أنّه في أصل تفسير كلمة المتشابه هناك كلام، وقلنا: إنّ الأصل الموضوعي المتّفق عليه بين المتخاصمين، كان هو: أنّ كلمة المتشابه هنا تُحمل على المتشابه المعني، يعني: اللفظ الذي له معانٍ متعدّدة بعضها يشبه بعضاً، وهذا محلّ الإشكال في المقام، وإن كان هذا هو التفسير المتعارف المألوف لكلمة المتشابه بين المفسرين.

معنى التأويل وكيفية الاستفادة منه

ويؤيَّد هذا بالتأويل، فإنّ التأويل بمعناه الاصطلاحي: عبارة عن حمل اللفظ على أحد معانيه بلا اعتماد على قانون من قوانين ذلك اللسان. وهذا التأويل يناسب حينئذٍ في نظرهم مع حمل كلمة المتشابه على هذا المعنى، فكأنّه أُريد من الآية أنَّ اللفظ الذي له معانٍ متعدّدة وهو مجمل -على مذاق الأصوليين- ولا يجوز اتّباعه، واتّباعه معناه: تأويله بأحد تلك المعاني، هذا لا يجوز؛ لأنّه قول بلا علم، والقول بلا علم غير جائز بلا إشكال.

وكلمة التأويل التي جُعلت مدعمة لتفسير كلمة المتشابه، بالمتشابه في عالم المعنى، حيث إنَّ التأويل الاصطلاحي أيضاً تأويل في عالم المعنى؛ فجُعل هذا شاهداً على أنّ التشابهَ تشابهٌ في عالم المعاني.

هذا المطلب أُشكل عليه من قبل بعض علماء السُّنَّة المتقدّمين، وذكر: بأنّه ليس المراد من التأويل في المقام، التأويل بالمعنى الاصطلاحي، بل المراد منه 

ــــــــــ[393]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

التأويل بمعنى الأَوْل والرجوع، آل إلى الشيء بمعنى: رجع إلى الشيء(1).

وذكر ذلك أيضاً جملة من علمائنا (قدّس الله أسرارهم)، وقد نُقل عنهم (قدّس الله أسرارهم) أنّهم تتبّعوا كلمة التأويل الواردة في القرآن الكريم في جميع موارده، وبعد التتبّع يظهر بأنّه لم تُستعمل كلمة التأويل في القرآن في مورد، بحيث يتّضح أنَّ المراد منه هو هذا المعنى الاصطلاحي، أي: حمل اللفظ على معنى معيّن، وإنَّما يُراد منه الأَوْل بمعنى الرجوع لا التأويل بمعنى حمل اللفظ على معنى معيّن(2).

هذا المطلب -وهو أنَّ التأويل ليس تأويلاً بحسب عالم المعنى، وإنّما هو تأويل بحسب ما يؤول إليه المعنى- إلى هذا المقدار دعوى صحيحة بالنسبة إلى هذه الآية الكريمة؛ وذلك لا لمجرّد استقراء الآيات الأُخرى. 

ومعرفة أنَّ التأويل فيها لم يُستعمل في هذا المعنى، كما ذكر ذلك هذا العالم السنّي، فإنَّ مجرّد استقراء ذلك في بقية الآيات الكريمة لا يدلّ على أنّ كلمة التأويل لا تُستعمل حتّى في هذه الآية بهذا المعنى، بل كثير من الكلمات تُستعمل في القرآن تارةً بمعنى، وأُخرى بمعنى آخر، فمثل هذا الاستقراء لا محصّل له في المقام.

 نعم، هو لا بأس به؛ لأجل استكشاف وجود معنى آخر، وأنَّ هناك معنى آخر للتأويل بمعنى الرجوع والأَوْل، وأمّا جعل ذلك قرينة على أنَّ المراد من 

ــــــــــ[394]ــــــــــ

(1) انظر: الإكليل في المتشابه والتأويل: 30.

(2) انظر: الميزان في تفسير القرآن 3 :24-27.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

التأويل في الآية المباركة هنا هو هذا المعنى، كما جعله ابن تيمية، فهذه القرينة غير تامّة في المقام.

إلَّا أنَّ في نفس الآية الكريمة يوجد قرينة على ذلك: فإنَّ فرض -في الآية الكريمة- أنَّ هؤلاء الذين في قلوبهم زيغ يتّبعون المتشابه ابتغاء التأويل. وقد أشرنا سابقاً إلى أنّ اتّباع المتشابه لا يُتصوّر مع إجمال معنى المتشابه، فإنَّ المتشابه إذا فُرض مجملاً له معنيان، ككلمة المولى التي لها معنيان، وكان مجملاً من ناحيتهما لا يُدرى أنّه السيّد أو هو العبد، هنا اتّباع المتشابه بحمله على أحد المعنيين تأويلاً بالمعنى الاصطلاحي للتأويل، هذا لا يكون اتباعاً للآية بقول مطلق؛ فإنّه اتّباع على تقدير لا اتباع بقول مطلق.

فلو أمرنا الإمام باتّباع الكتاب والسُنّة والتمسّك بهما، هل يتوهّم أحد أنَّ معنى أمره باتّباعهما يعني أنّنا نحمل اللفظ المجمل على أحد معانيه، ثُمَّ نقول: هذا هو المتَّبَع لنا، بل معنى الاتّباع عرفاً لأيّ كلام هو حمله على معناه المتعيّن واتّباع ذلك المعنى المتعيّن، وأمّا حمل اللفظ على أحد معانيه الاحتمالية، فهو لا يكون مصداقاً للاتّباع بقول مطلق.

فنفس فرض الاتّباع هنا قرينة على أنَّ المتشابه له معنى معيّن، بحيث يصدق على عمل هؤلاء الذين في قلوبهم زيغ أنّه اتّباع له. إذن، فالتشابه هنا ليس تشابهاً بلحاظ المعنى؛ إذ لو كان تشابهاً بلحاظ المعنى لم يكن له معنى معيّن.

من هذا تعرف أنَّ التشابه ليس تشابهاً في المعنى، وإنَّما المعني معنى معيّن. والتشابه إنَّما هو في صورة المعنى وفيما يؤول إليه المعنى، لا في نفس المعنى؛ وبناءً 

ــــــــــ[395]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

على هذا لا يمكن حمل التأويل على التأويل بالمعنى الاصطلاحي؛ إذ بعد فرض أنَّ كلمة المتشابه ليست متشابهة من حيث المعنى، وإنَّما هي متشابهة من حيث صورة المعنى، والمثال الذهني الذي يحصل به تجسيد المعنى في عالم التصوّر، حينئذٍ لا بُدَّ أن يُفرض بأنَّ التأويل هنا بمعنى الأَوْل وَابْتِغاءَ تَأْويلِه يعني: ابتغاء تجسيد ذلك المعنى بصورة غير مشروعة.

فإنَّ المعاني التي يتصوّرها الإنسان وتُلقى عليه في المعارف الإلهيّة، هذه المعاني شأنها شأن سائر المعاني التي تُلقى على الإنسان دائماً، فإنّ كلّ لفظٍ لغوي يُلقى على الإنسان له معنى، ومقصودنا من المعنى: مفهومه الكليّ. 

وله صورة المعنى، ومقصودنا من صورة المعنى: أنَّ هذا الإنسان إذا أراد أن يجسّد هذا المعنى الكليّ في مثال، وفي صورة ذهنيّة، هذه الصورة الذهنيّة التي يجسّد بها ذلك المعنى الكلّي، هو: ما يؤول إليه المعنى، هذا تأويل ذلك المعنى.

كما لو سمع شخصٌ بأنَّ الملك أمر بقتل من خالف أمره، فهذا مفهوم(1) كليّ وجميع مداليله مفاهيم كلّيّة، إلَّا أنّه لو أراد أن يجسّده بحسب عالم ذهنه، فتكون الصورة جزئية حينئذٍ، وهذا هو ما يؤول إليه المعنى، وفرض كونه ممّا يؤول إليه المعنى بهذا الاعتبار؛ لأنَّ كلّ معنى كليّ إنَّما يرجع إلى جزئياته بحسب الخارج وإلى مصاديقه، وهو مُنتزع من جزئيّاته. فهذا المعنى بحسب الحقيقة يؤول إلى هذه الصورة، وهذه الصورة هي مآل ذلك المعنى.

فهذا هو المراد من المتشابه، المتشابه من حيث صورة المعنى، لا المتشابه من 

ــــــــــ[396]ــــــــــ

() هنا شرح مختصر للصورة المتصوّرة للملك الذي يأمر بقتل من خالفه. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

حيث المعنى، والمراد من التأويل أيضاً التأويل في مرحلة صورة المعنى، لا التأويل في مرحلة نفس المعنى.

لا أقول بهذا أنَّ التأويل هنا، أمر خارج عن عالم ذهن الفاهم، وأنَّ الآية لها تأويل بحسب وجود خارجي، إمّا وجود خارجي متعارف كما قال ابن تيمية، حيث قال: بأنّ تأويل قصة نوح هو عبارة عن نفس الوقائع التي وقعت قبل أربعة آلاف سنة في أيام نوح، وتأويل آية اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرشْ(1) هو واقع ذلك الاستواء الموجود في عالم الربوبيّة، وتأويل بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتان(2) هو واقع ذلك البسط الموجود إلى يديه وهكذا. ولا وجودٌ خارجي بمعنى آخر صوفي لم نتعقّله(3).

فليس التأويل بمعنى الوجود الخارجي، بل هو عبارة عن تجسيد ذلك المعنى الكليّ في صورة ذهنية بحسب استنزال العموميّات المبهمة إلى التفصيليّات المحددة.

وحينئذٍ في هذا الاستنزال بعض المعاني لا يمكن استنزالها إلى تفصيل بحيث يكون مشروعاً ومنطبقاً على القواعد، ويكون العقل البشري المتعارف عاجز عن ذلك، وبعض المعاني يمكن استنزالها إلى صورة. 

لو فرضنا قصة نوح، فهي معانٍ كليّة نقرأها في القرآن الكريم، ثم أغلقنا 

ــــــــــ[397]ــــــــــ

(1) قد وردت هذه الآية في عدة سور، منها: الأعراف: 54، يونس: 3، الفرقان: 59.

(2) المائدة: 64.

(3) مجموع فتاوى ابن تيمية 5: 145.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

القرآن وأردنا أنّ نتصوّر في ذهننا هذه القضيّة كيف وقعت كقضيّة جزئية مجسّدة، وبالنهاية نجسد قصة تكون مصداقاً مشروعاً لهذه المعاني الكلّيّة، وهذا تأويل صحيح بالنسبة إليه. إذن، فقصة نوح آية محكمة، محكمة من حيث التأويل؛ لأنَّ تأويلها أمر ممكن في المقام.

وأما لو أردنا في المقام أن نؤوّل استواء الرحمن على العرش، معناه الكليّ واضح ومفهوم، لكن إذا أردنا أن نحدّد له صورة بحسب عالم الذهن نعجز عن ذلك، وأيّ صورة نلتقي بها في عالم الذهن نراها غير مشروعة، ولا تنطبق مع أصول الدين.

فالتأويل إنَّما هو بحسب صورة المعنى، والتشابه إنَّما هو تشابه في صورة المعنى، ويقابله الإحكام فإنّه أيضاً إحكام بحسب صورة المعنى لا بلحاظ نفس المعنى.

ومن هنا انقدح الإشكال فيما يُذكر من أنَّ التأويل: عبارة عن الوجود الغيبي للقرآن، وجود أعلى للقرآن، وجود جمعي للقرآن، هذا الوجود الجمعي للقرآن المقصود بقوله تعالى: فِي‏ كِتابٍ مَكْنُونٍ(78) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ(1) -مثلاً- فذلك الكتاب المكنون الذي لا يمسّه إلاّ المطهّرون هو التأويل الحقيقي للقرآن، لآياته المحكمات والمتشابهات.

لو كان هذا هو المراد من التأويل، فأيّ إحكام بقي في الآية المحكمة؟ وأيّ تشابه بقي في الآية المتشابهة؟ 

ــــــــــ[398]ــــــــــ

(1) الواقعة: 78-79.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

حينئذٍ تشابه الآية المتشابهة من أيّ ناحية؟ هل من ناحية المعنى، أو من ناحية صورة المعنى؟ وتأويله إن كان من ناحية المعنى، فقد أقمنا القرينة على أنَّ المتشابهة ليست متشابهة من ناحية المعنى، وإن كانت متشابهة من حيث صورة المعنى. إذن، فهذا التشابه عينه موجود في المحكم أيضاً، فإنّ المحكم أيضاً تأويله بهذا المعنى، بهذا الوجود الجمعي الغيبي، هذا المعنى أيضاً لا يدركه إلَّا المطهّرون، ولا يدركه الناس، فهذا أيضاً متشابه، فتنقلب الآيات المحكمة إلى متشابهة.

وبتعبير آخر: أنَّ ظاهر الآية الكريمة أنّه فُر ض محكماً ومتشابهاً، وأنَّ إحكام الآية المحكمة، وإحكام الآية المتشابهة كلاهما بلحاظ جهة واحدة، وبحسب عالم واحد، فإمّا أن نقول: إنّ إحكام المحكم بلحاظ المعنى، وتشابه المتشابه أيضاً بلحاظ المعنى؛ فيكون معناه الاعتراف بأنّ الآية المتشابهة ليس لها معنى معيّن، وإمّا بعد الاعتراف بأنّ تشابه الآية ليس بلحاظ المعنى، بل بلحاظ تأويل المعنى، وبلحاظ الشيء الآخر الذي وراء المعنى. إذن، لا بُدَّ أن تقول: بأنّ الآية المحكمة إحكامها أيضاً من ناحية تأويل المعنى، ومن ناحية ذلك الشيء الذي هو وراء المعنى.

ومعه حينئذٍ لا بُدَّ وأن نفسّر التأويل بمعنى، بحيث يكون في الآية المحكمة أمراً محكماً وفي الآية المتشابهة أمراً متشابهاً؛ حينئذٍ لا معنى لأن نقول: بأنّ هذا التأويل هو عبارة عن الوجود الجمعي؛ لأنَّ هذا الوجود الجمعي لو كان موجوداً في الواقع، هذا أمر متشابه على جميع الناس في كلّ من الآيات المحكمة 

ــــــــــ[399]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

والمتشابهة؛ فإنَّ الوجود الجمعي الذي يُعبِّر عن قصة نوح في إجماله وغموضه كالوجود الجمعي الذي يعبِّر عن صفات الله تعالى.

فلا بُدَّ وأن نفسر التأويل بمعنى، بحيث يكون بالنسبة إلى الآية المحكمة محكماً، وبالنسبة إلى الآية المتشابهة متشابهاً، وليس هذا إلَّا ما قلناه. هذا تمام الكلام في تحقيق هذه الآية المباركة.

تلخيص ما مرّ

قلنا(1): إنَّ المتعارف في تفسير الآية المباركة الناهيّة عن اتّباع المتشابهات، هو تفسير كلمة المتشابه، بمعنى: اللفظ ذي المعاني المتشابهة التي يشبه بعضها بعضاً في علاقتها باللفظ، وتفسير التأويل في المقام بالتأويل بالمعنى الاصطلاحي، أي: ما يكون حملاً للفظ على معنى معيّن بغير قانون من قوانين ذلك اللسان.

ومن هنا وقع الكلام بينهم في أنَّ المتشابه بعد فرض حمله على هذا المعنى، هل أُخذ فيه تشابه المعاني وتساويها في نسبتها إلى اللفظ، فيختصّ بخصوص المجمل، أو أُخذ فيه تشابه المعاني في علاقتها باللفظ وإن لم تكن متساويّة في هذه العلاقة، فيشمل الظاهر.

وقلنا: إنَّه حتّى على تقدير الشمول للظاهر، هذه الآية المباركة، لا تصلح أن تكون دليلاً على عدم حجّيّة ظواهر الكتاب الكريم، بالنحو الذي تقدّم.

 ثُمَّ بعد هذا دخلنا في بحث معاني المتشابه، والتأويل هنا، فهل هذا المعنى 

ــــــــــ[400]ــــــــــ

() أعاد سيّدنا الأُستاذ في قسم من المحاضرة ما كان قاله حول الآية بالأمس، تأكيداً وتوضيحاً؛ وبهذا الملاك نكتبها أيضاً. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

الاعتيادي الذي كان مركوزاً عند المفسرين، وهو أنَّ المتشابه هو اللفظ المتشابه المعنيّ، والتأويل أي: المعنى الاصطلاحي للتأويل، وهو حمل اللفظ على معنى معيّن بلا قانون يقتضيه طبع ذلك اللفظ في اللغة، هل هذا هو المراد، أو المراد شيء آخر؟

قلنا: بأنّ أوّل من ذكر في المقام أنَّ المراد من التأويل هنا غير التأويل بالمعنى الاصطلاحي، بعض علماء السُنّة وهو ابن تيميّة، حيث ذكر أنَّ المراد بالتأويل في الآية المباركة ليس هو التأويل بالمعنى الاصطلاحي، بل هو التأويل بمعنى آخر، جاء بذلك المعنى في آيات القرآن الكريم. وفي كلامه ذكر تمام الآيات التي جاء فيها كلمة التأويل في عدّة مواضع ممّا لا يناسب أن يكون التأويل فيها بمعنى تأويل اللفظ وحمله على معنى، وأثبت أنَّ التأويل في سائر موارد القرآن الكريم جاء لا بالمعنى الاصطلاحي، بل جاء بمعنى الأَوْل والرجوع: ما يؤول إليه الشيء وما يرجع إليه الشيء. واكتفى في مقام الاستدلال على أنَّ التأويل في هذه الآية الكريمة بهذا المعنى، بمثل هذا الاستقراء، استقراء سائر الآيات الكريمة وإثبات أنّ المراد بالتأويل فيها هو بمعنى الأَوْل والرجوع.

مقتضى التحقيق

إنَّ هذا الرجل وإن أصاب في المدّعى ولكنّه أخطأ في الدليل، فهو في ادّعائه بأنّ التأويل هنا ليس هو ما كان مركوزاً في ذهن المفسرين وهو التأويل الاصطلاحي، أي: حمل اللفظ على معنى بغير قانون يقتضيه من طبع ذلك اللفظ في اللغة، هذا تنبّه حسن، إلَّا أنَّه أخطأ في الاستدلال على ذلك، إذ لا 

ــــــــــ[401]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

يكفي في مقام الاستدلال على ذلك مجيء كلمة التأويل بهذا المعنى في جملة من الآيات الأُخرى؛ فإنَّ ورود التأويل بهذا المعنى في الآيات الأُخرى يكون منشأ لإمكان إرادة هذا المعنى من هذا اللفظ، لا لتعيّين إرادته منه، بل يُحتمل ذلك، ويُحتمل ورود التأويل بالمعنى الاصطلاحي الذي جاءت عدّة من النصوص والأخبار المقاربة لعهد القرآن الكريم، الّتي جاء فيها استعمال كلمة التأويل بهذا المعنى الذي يقولون عنه اصطلاحي.

إذن، فغاية ما ينتج من هذا الاستقراء، أنَّ كلمة التأويل لها معنيّان: المعنى الاصطلاحي، ومعنى آخر هو الأَوْل والرجوع، فنحتاج إلى قرينة متّصلة أو منفصلة تعيّن أنَّ المراد بالتأويل في الآية الكريمة هو الأَوْل والرجوع.

ونحن أضفنا دليلاً، وقلنا: بأنَّ النُكتة في ذلك مأخوذة من نفس الآية الكريمة، وذلك: من ناحية قوله: فَيَتَّبِعُونَ، فإنَّ فرض اتّباع كلام هو فرض العمل بمدلوله المتعيّن، فإنَّ الكلام لو فُرض مجملاً وكان له معنيان، كلفظة (مولى) المجملة التي لها معنيان: السيّد والعبد، ولم يكن هناك ما يعيّن أحد المعنيّين، مجرد أن يأتي شخص ويحمل هذا اللفظ على السيّد ويعمل به ويتّبعه، هذا لا يكون اتّباعاً لهذا الكلام على كلّ تقدير وبقول مطلق؛ فإنَّ اتّباع أيّ كلام كان اتّباعه بقول مطلق في نظر العرف، لا يكون إلَّا بحمله على معنى متعيّن، لا بحمله على أحد المعاني المردّدة اعتباطاً وبلا ميزان.

ومن باب المثال في الأوامر التي وردت في التمسّك بالكتاب والسُنّة واتباعهما، هل يتوّهم أحد أنَّ اتّباع الكتاب والسُنّة -الذي هو واجب- عبارة 

ــــــــــ[402]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

عن حمل اللفظ على أحد معانيه المشتركة المجملة، لا يُتوّهم هذا؛ فإنَّ اتّباع كلام قرآني أو سنّتي، أو أيّ كلام كان، معناه حمله على معناه المتعيّن، والجري على طبق ذلك المعنى المتعيّن في مقام تفسيره.

إذن، ففرض اتّباع أهل الزيّغ للآية المتشابهة، هو فرض أنَّ لها معنى متعيّن، ومع فرض أنَّ لها معنى متعيّن، لا يناسب حينئذٍ حمل التأويل على هذا المعنى الاصطلاحي؛ لأنَّ التأويل هنا لا يكون فرضه هو فرض المعنى المتعيّن؛ فإنَّنا فرضنا أنَّ أهل الزيّغ يحملون الآية على معناها المتعيّن، وهذا ليس تأويلاً بالمعنى الاصطلاحي.

فلا بدَّ وأن نقول: إنَّ التأويل هنا ليس بالمعنى الاصطلاحي؛ لأنّ حمل الآية على معناها المتعيّن، واتّباعها، ليس هذا تأويلاً بالمعنى الاصطلاحي. إذن، فيتعيّن أن يكون المراد بالتأويل هنا هو الأَوْل والرجوع. 

نعم يبقى الكلام في أنَّ هذا الأَوْل والرجوع ماذا يراد منه؟ وتحقيقه كما بينّا أنَّ الآية الكريمة قسّمت الآيات إلى محكمات، وإلى متشابهات، ومقتضى التقابل بين المحكم والمتشابه، أنَّ الجهة التي كان التشابه بلحاظها في الآيات المتشابهة هي الجهة التي كان الإحكام بلحاظها في الآيات المحكمة، وبهذه الجهة الواحدة كانت الآيات المحكمة محكمة والآيات المتشابهة متشابهة.

حينئذٍ فالمتشابه هنا إمّا أن نحمله على أنّه متشابه من حيث المعنى، ويقابله المحكم من حيث المعنى، فهذا ينافيه القرينة التي أشرنا إليها؛ لأنّ المتشابه من حيث المعنى لا يُتصوّر له اتّباع، فلا بُدَّ وأن نفرض بأنَّ المتشابه هنا متشابه من ناحية الأَوْل، ومن ناحية ما يؤول إليه.

 ــــــــــ[403]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وبقرينة التقابل بين التشابه والإحكام لا بُدَّ وأن نعرف أنّ الآيات المحكمة أيضاً إحكامها بلحاظ الأَوْل لا بلحاظ المعنى؛ إذ إنّنا فرضنا أنّ التشابه لم يكن بلحاظ المعنى؛ بل هو بلحاظ الأَوْل، فمقتضى التقابل بين المحكمات والمتشابهات في الآية الكريمة: أنّه كما أنّ التشابه بلحاظ الأَوْل، فإنّ المحكمات أيضاً إحكامها بلحاظ الأَوْل؛ ولهذا كان ذلك الإحكام مقابلاً لهذا التشابه.

إذن، فهذا التأويل لا بُدَّ أن يُفرض نحو شيءٍ بحيث تكون الآيات المتشابهة، متشابهة من ناحيته، والآيات المحكمة محكمة من ناحيته؛ بقرينة هذا التقابل بين الإحكام والتشابه، لا بُدَّ أن نتصوّر أمراً واحداً في الآيات المحكمة فيه جهة إحكام، وفي الآيات المتشابهة فيه جهة تشابه، وإلَّا لم يصحّ التقابل في المقام بين المحكم والمتشابه، فما هو هذا الأمر الواحد؟

ليس هذا الأمر الواحد هو المعنى؛ إذ لو كان هو المعنى، أي: أنّ المحكم محكم المعنى، والمتشابه متشابه المعنى؛ لكان هذا خلاف القرينة التي بينّاها. إذن، فلا بُدَّ وأن يكون الإحكام والتشابه بلحاظ جهة أُخرى، وتلك الجهة الأُخرى هي ما قلناه من تجسيد ذلك المعنى الذي هو أمر وراء ذلك المعنى، فإنّ الآيات المحكمة لو فرضنا أنّنا سمعناها ينتقش في ذهننا معانيها، كما أنَّ الآيات المتشابهة أيضاً ينتقش في ذهننا معانيها. 

لكن إذا أردنا أن نجسد معنى من معاني الآيات المحكمة، ونصوّره في مثال لا نقع في إشكال، ولكن لو أردنا أن نجسد معنى من معاني الآيات المتشابهة، ونصوّره في مثال نقع في إشكال.

ــــــــــ[404]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

فالمتشابه إنمّا هو في مرحلة تجسيد المعنى، وفي قباله الإحكام الذي هو في مرحلة تجسيد المعنى وجعله مثالاً وصورة بحسب عالم الذهن. هذا هو المراد من التأويل في المقام.

وبهذا البيان ظهر أنّه لا يمكن أن يُراد من التأويل هنا معنى يكون خفيّاً وغامضاً في الآيات المحكمة والآيات المتشابهة معاً، حيث إنّه ادُّعي أنّ التأويل بمعنى الوجود الجمعي للقرآن الذي أشير إليه في قوله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ‏ مِنْ لَدُنْ حَكيمٍ خَبيرٍ(1)

حيث فرض إحكاماً ثُمَّ تفصيلاً، فاستظهر من تلك الآية أنَّ هناك وجودين للقرآن: وجوداً جمعيّاً، ووجوداً تفصيّلياً. الوجود التفصيلي هو: هذا القرآن، والوجود الجمعي هو: تأويل هذا القرآن.

هذا المطلب لا يحُتمل في هذه الآية؛ إذ لو فرض أنّنا فسرنّا التأويل بهذا المعنى؛ لكانت الآية المحكمة أيضاً متشابهة التأويل، كالآية المتشابهة، فإنَّ الوجود الجمعي للقرآن بتمامه متشابهة، ممّا لا يمسّه مثلاً إلا المطهّرون، سواءً ما كان منه تأويلاً للمحكم، وما كان منه تأويلاً للمتشابه، فأيّ فرق بقي بين المحكم والمتشابه؟!

وحينئذٍ نسأل ما هي تلك الجهة التي بلحاظها فُرضت هذه الآية متشابهة أو تلك الآية محكمة؟، هل هي جهة المعنى أو جهة التأويل؟ إن قلتم: إنّها جهة المعنى، فيلزم أن تكون الآية المتشابهة متشابهة المعنى، وهو خُلف المفروض، 

ــــــــــ[405]ــــــــــ

(1) هود: 1.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

وإن قلتم: هي جهة التأويل، فيلزم أن تكون الآية المحكمة محكمة التأويل، مع أنّها في المقام غير محكمة التأويل؛ لأنَّ تأويلها هو: عبارة عن ذلك الوجود الجمعي، وهو خفيّ في باب الآيات المحكمة وفي باب الآيات المتشابهة. 

فخلاصة مقصودنا في المقام: هو أن نتصوّر جهة واحدة تكون هي الملحوظة في مقام الحكم بالتشابه على هذه الآيات، وفي مقام الحكم بالإحكام على تلك الآيات، بمقتضى التقابل بين المحكم والمتشابه.

وهذه الجهة الواحدة هي: إمّا المعنى وإمّا التأويل، فإن كانت هي المعنى؛ فيلزم أن تكون الآية المتشابهة متشابهة من حيث المعنى، وهذا خُلف. وإن كانت هي التأويل؛ فيلزم حينئذٍ أن نتصوّر أنَّ التأويل بالآية المحكمة محكم وليس فيه تشابه، وحينئذٍ لا يمكن أن نحمله على الوجود الجمعي؛ لأنّه متشابه دائماً، بل لا بُدَّ أن نفسره بنحوٍ يكون في المتشابه متشابهاً، وفي المحكم محكماً، وهذا يتم بناءً على ما بينّاه. 

وعلى أيّ حال فهذا بحث تفسيريّ محض، لا علاقة له بوظيفة الأُصولي؛ لأنّنا بينّا أنَّ الاستدلال بالآية غير تامٍّ على كلّ حال.

هذا تمام ما يتعلّق بالآية الكريمة. وبذلك تمّ الدليل الأوّل للأخباري(1).

 

ــــــــــ[406]ــــــــــ

(1) ستأتي تتمة هذا البحث في الجزء العاشر: الدليل الثاني للأخباريين في النهي عن ظواهر القرآن، وهو الأخبار.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

 

الفهرس 



مبحث السيرة 15

[الحاجة إلى هذا البحث] 15

معنى السيرة العقلائيّة 27

السيرة التي يُستدلّ بها على حجّيّة الأمارات 38

المرحلة الأولى في إثبات وجود السيرة في عصرهم 46

الطريق الأوّل: إثبات السيرة المعاصرة لهم عن طريق وجدان السيرة المعاصرة لنا. 46

نقد الطريق الأوّل 48

الطريق الثاني: الاعتماد على النقل التاريخي في مقام إثبات السيرة المعاصرة لهم. 56

نقد الطريق الثاني 57

الطريق الثالث: عدم كثرة السؤال عن الحكم تدل على عدم الحكم 60

شروط سلوك الطريق الثالث 62

الطريق الرابع: إثبات السيرة العقلائيّة المعاصرة لهم 71

ــــــــــ[407]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

نقد الطريق الرابع بحسب قوانين العقل الثالث 73

الطريق الخامس: الاستدلال بعدم السلوك البديل للسيرة المنعقدة. 79

الكلام في ارجاع السيرة إلى حكم العقل العملي 84

المرحلة الثانية: في استكشاف الإمضاء الشرعي 92

سيرة المتشرّعة 92

سيرة العقلاء 100

بيان الملازمة في سيرة العقلاء 103

الأمر الأوّل: وجه الملازمة في الشرطيّة الأولى 103

كيفية امتداد السيرة العقلائيّة إلى الموارد الشرعيّة 105

الأمر الثاني: وجه الملازمة في الشرطيّة الثانيّة 112

وجه في حجّيّة سيرة العقلاء ونقده 117

المرحلة الثالثة: في أخذ النتيجة من السيرة 121

الكلام في تفسير الحالة الخاصّة لدى الفقهاء 126

الكلام في بحث الظواهر 139

المقام الأوّل: في تنقيح كبرى حجّيّة الظواهر 139

الجهة الأولى من المقام الأوّل 140

الاستدلال بالسيرة المتشرعيّة 152

الاستدلال بالسيرة العقلائيّة 154

البيان الأوّل لإثبات إمضاء السيرة العقلائيّة 161

ــــــــــ[408]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

البيان الثاني لإثبات إمضاء السيرة العقلائية 163

فيما يُتوهم كونه رادعاً عن السيرة العقلائيّة 164

النتيجة العمليّة بين الاستدلال بالسيرتين 176

الجهة الثانية من المقام الأوّل 185

الدخول في صلب الموضوع 198

تحليل الموقف العقلائي على الاحتمالات الثلاثة 203

إشكال الأصفهاني على الميرزا والجواب عليه 206

الجهة الثالثة: في نسبة الكبرى إلى سائر الأُصول 218

الكلام في أصالة عدم القرينة 220

ما ذكره صاحب الكفاية في المقام 222

بيان الشيخ الأعظم والمحقّق العراقي 225

الرد على بيان العلمين 226

إعادة بيان 228

الجهة الرابعة: التفصيلات في هذه الكبرى 234

التفصيل الأوّل: التفصيل بين المقصود بالإفهام وغير المقصود بالإفهام. 234

نكتة ذلك عند المحقّق القمي 234

جواب الأعلام ومناقشته 236

التفصيل الثاني: التفصيل بين عصر صدور الخطاب والعصور ــــــــــ[409]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

اللاحقة. 257

هل هذا التفصيل على خلاف مدّعى الأعلام 263

الكلام حول أصالة عدم النقل 270

التفصيل الثالث: التفصيل بين احتمال القرينة المنفصلة وبين قرينية المنفصل 275

تحليل المطلب 284

مقدمة في بيان حساب الاحتمالات 291

قواعد التزاحم بين الاحتمالات 300

تنبيه 313

عوداً على بدء 315

بيان دعوى الفرق في الحجّيّة بين الصور 317

الصحيح في المقام: 320

التفصيل الرابع: التفصيل بين وجود الظن بالخلاف وبين عدمه 329

رأي المحقّق النائيني 330

التمسّك بالدليل اللفظي لإثبات الحجّيّة مطلقاً 339

التفصيل الخامس: بين العمومات المخصّصة وغيرها 342

مناقشة التفصيل الخامس 345

التفصيل السادس: في حجّيّة ظواهر القرآن 351

سلوك المنكرين لحجّيّة ظواهر الكتاب 351

ــــــــــ[410]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9 

خـروج ظـواهر القـرآن الكـريم عن كبرى حجّيّة الظواهر بالآيات 352

مناقشة استدلال الأخباريين بالآية 353

مقتضى التحقيق في المقام 382

معنى المحكم والمتشابه 385

معنى التأويل وكيفية الاستفادة منه 393

تلخيص ما مرّ 400

مقتضى التحقيق 401

الفهرس 407

 

ــــــــــ[411]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج9