الجزء العاشر
261
ص44 الصدر، محمد.
محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج10 (368ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1714/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1714) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
4-32-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
محاضرات
في
علم أصول الفقه
تقريراً لأبحاث
سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء العاشر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ويحتوي على:
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بقية مبحث حجية ظواهر القرآن
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الدليل الثاني الذي استدلّ به الأخبَاريّون، على النِّهي عن اتّباع ظواهر القرآن الكريم هو: الأخبار الدّالة، أو المتوَّهم دلالتها على ذلك(1).
والأخبار هنا تنقسم إلى طوائف ثلاثة:
قسم من الأخبار تصدّى لبيان أنَّ القرآن مبهم غامض لا يُفهم ولا يُحلّل، وأنّ الله تقصّد إبهامه وإغماضه؛ لأجل أن يحتاج النّاس إلى الحجّة وإلى إمام العصر، وأنَّ القرآن لا يعرفه إلَّا من خُوطِب به، وأنّه معنى لا يصل إليه الإنسان ولا يفهمه.
ما كان بهذا اللسان حُجِّز القرآن عن الناس، والتحجير على الناس، وبيان أنَّ القرآن لا يمكن أن يفهمه غير الحجّة عليه أفضل الصلاة والسّلام.
وطائفة ثانية كانت في مقام بيان حاجة النّاس في مقام فهم القرآن إلى الحجّة. وهذه الطّائفة ليست في مقام أنّ القرآن كتاب لا يفهمه النّاس، وإنّما هي
ــــــــــ[13]ــــــــــ
(1) انظر: الفوائد المدنيّة، ص 270.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
في مقام بيان أنَّ النّاس في مقام فهم القرآن محتاجون إلى الحجّة على أيّ حال، وليسوا مستقلّين عن الحجّة في فهمه.
القرآن وحده لا يكفي وحده كحجّة، بل هو أحد الثّقلين، والله يحتاج في مقام تتميم الحجّة إلى أن يعطِف على القرآن الصَّامت قرآناً ناطق.
وأمّا الطّائفة الثالثة ما كانت بلسان: (مَن فسَّر القرآن برأيه فقد كفر)، و(فقد هوى)، ونحو ذلك من العبائر. هذه ألسُن ثلاثة، وإليها ترجع تمام الرّوايّات التيّ رأيناها في المقام.
أمّا الطّائفة الأولى التّي تقول: بأنّ الله أغمض القرآن، وجعله بحيث لا يفهمه النّاس بقصد أن يحتاج النّاس في مقام فهمه إلى الحجّة(1).
فبهذا المضمون عدّة روّايّات مع اختلاف في اللسان وفي طّرز التعبير. وهذه الرّوايّات لابدَّ وأن يلحظ بشأنها عدّة أمور، بعد الاعتراف أنّ هذه الرّوايّات لولا هذه الأمور التّي سوف نذكرها، والمناقشات التّي سوف نتعرض لها في الجهة السنديّة، لكانت تامّة الدَّلالة من حيث المتن، يعني مثل هذا الكلام لو كنّا سمعناه من الإمام مباشرة، لكان له ظهور عرفيّ في عدم جواز العمل بظواهر القرآن الكريم، لا مستقلّاً ولا منضمّاً.
ــــــــــ[14]ــــــــــ
(1) انظر: وسائل الشيعة 27: 191، الباب 13، باب عدم جواز استنباط الأحكام النظريّة من ظواهر القرآن إلاَّ بعد معرفة تفسيرها من الأئمّة، الحديث 38.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إلَّا أنّه لابدَّ هنا من الالتفات إلى عدة أمور:
الأمر الأوّل: أنَّ هذه الرّوايّات الواردة بهذا اللسّان كلّها ضعيفة السّند لا يوجد فيها رواية صحيحة السّند.
الأمر الثاني: الذي لابدَّ وأن يُلتفت إليه في المقام أنّ رواة هذه الروّايّات بعد التّتبع -طبعاً في غير المرسَل؛ لأنّنا لا نعرف الراوي من هو، فبقدر ما تتبّعت أنا- يظهر في النهاية أنَّ كلّ راوٍ من هؤلاء الرواة غير الموثَّقين، أنّه شخص له خصوصيّة خاصّة، وهي: خصوصيّة أنّه منحرف ومبعّد للنّاس عن ظاهر الشرع، وعن واقع الشرع الّذي هو ظاهره.
هؤلاء الرّواة الّذين روَوا هذه الرّوايّات، من قبيل سعد بن طريف الّذي يقول: (بأنَّ الفحشاء رجل، والمنكر رجل، وأنَّ الصلاة تتكلّم، وأنَّ الصوم يتكلّم)(1). يقول عنه النجاشي أنّ حديثه يُعرف ويُنكر، ويُضعّف من قبل
ــــــــــ[15]ــــــــــ
() الكافي 2: 598، كتاب فضل القرآن، الحديث 1. وقد ورد في الأصل بما لفظه: “قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا أَبَا جَعْفَرٍ وَهَلْ يَتَكَلَّمُ الْقُرْآنُ فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ: رَحِمَ اللَّـهُ الضُّعَفَاءَ مِنْ شِيعَتِنَا إِنَّهُمْ أَهْلُ تَسْلِيمٍ. ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ يَا سَعْدُ وَالصَّلَاةُ تَتَكَلَّمُ وَلَهَا صُورَةٌ وَخَلْقٌ تَأْمُرُ وَتَنْهَى. قَالَ سَعْدٌ: فَتَغَيَّرَ لِذَلِكَ لَوْنِي وَقُلْتُ: هَذَا شَيْءٌ لَا أَسْتَطِيعُ أَنَا أَتَكَلَّمُ بِهِ فِي النَّاسِ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَلِ النَّاسُ إِلَّا شِيعَتُنَا فَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الصَّلَاةَ فَقَدْ أَنْكَرَ حَقَّنَا. ثُمَّ قَالَ: يَا سَعْدُ أُسْمِعُكَ كَلَامَ الْقُرْآنِ، قَالَ: سَعْدٌ فَقُلْتُ بَلَى صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْكَ، فَقَالَ: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّـهِ أَكْبَرُ فَالنَّهْيُ كَلَامٌ وَالْفَحْشَاءُ وَالمُنْكَرُ رِجَالٌ وَنَحْنُ ذِكْرُ اللَّـهِ وَنَحْنُ أَكْبَرُ“.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أشخاص آخرين(1).
ومقصودي ليس مجرّد التضعيف، بل الانتباه إلى هؤلاء المضعَّفين نكتة مشتركة؛ فإنّه تارةً يكون الشخص مضعَّفاً وليس ثقة في نفسه، وأُخرى بالإضافة إلى ذلك أنّه شخص مُغرم بأمثال هذه القضايا غير المفهومة، والتّي لم يبنَ الشرعُ على أمثالها.
أو شأن جابر بن يزيد مثلاً، الّذي هو يحدِّث: (دخلتُ على الإمام الباقر وهو شاب وأنا شاب، فأعطاني كتاباً وقال: هذا أخفه عندك ثُّمّ أعطاني كتاباً آخر وقال: هذا العلم حدِّث به. وقال: بعد ذلك أنَّ الإمام حدَّثني بسبعين ألف حديث، ولم يأذن بأن أُحدِّث به أحداً، إلَّا أنّني أذهب إلى البئر وأُحدِّث البئر بذلك.!!)(2).
ونحو ذلك من الأمور التّي لو ضممناها إلى شهادة الأكابر بضعفه، أو على الأقل بمجهوليّته، وعدم توثّيقه، حينئذٍ يحصل لنّا الظنّ القوي بأنَّ مثل
ــــــــــ[16]ــــــــــ
() أنظر: رجال النجاشي: 178، ترجمة سعيد بن طريف الحنظلي، رقم 468.
(2) انظر: الاختصاص: في ذكر حواري أهل البيت وجملة من أصحابهم، زرارة بن أعين، وجابر بن يزيد الجعفي، 66. وقد وردت الرواية بما لفظها: “عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ سَبْعِينَ أَلْفَ حَدِيثاً لَمْ أُحَدِّثْ بِهَا أَحَداً قَطُّ وَلَا أُحَدِّثُ بِهَا أَحَداً أَبَداً قَالَ جَابِرٌ فَقُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّكَ حَمَّلْتَنِي وِقْراً عَظِيماً بِمَا حَدَّثْتَنِي بِهِ مِنْ سِرِّكُمُ الَّذِي لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَداً وَرُبَّمَا جَاشَ فِي صَدْرِي حَتَّى يَأْخُذَنِي مِنْهُ شِبْهُ الْجُنُونِ. قَالَ: يَا جَابِرُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَاخْرُجْ إِلَى الجَبَّانِ فَاحْفِرْ حَفِيرَةً وَدَلِّ رَأْسَكَ فِيهَا ثُمَّ قُلْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بِكَذَا وَ كَذَا“.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
مذاق هذا الشخص الّذي يضعّفه أكابِرِنا وسَلَفُنا، له مثل هذا الذَّوق، ذّوق أن يغلق أبواب المعرفة، وأن يحتكرها لنفسه، ويجعل الإسلام أمراً غيبيَّاً لا يصل إليه إلَّا مَن كان مثله من النّاس!
سعد بن طريف، جابر بن يزيد، معلَّى بن خنيس، محمد بن سنان، وأشخاص من هؤلاء القبيل، لو أنَّ الإنسان تتبّع ما جاء في أحوال كلّ واحدٍ منهم، وما جاء في دعاوى كلّ واحدٍ منهم عن نفسه، وكيفيّة اطلّاعه على باطن الشريعة، وأنَّ باطن الشريعة قد تلقَّاه هو بالخصوص دون غيره، وغير ذلك من الدَّعَاوى المقاربة لهذا المضمون -وبمقتضى حساب الاحتمالات- يحصل الظنّ القوي جداً بسقوط مثل هذه الرّوايّات في نفسها، لا سقوطها عن الحجيّة، بل مقصودي أنّها مكذوبة أساساً.وجهة الضَّعف تُوجِب سقوطها عن الحجّيّة. أمّا هذه النُكتة فتوجب الظنّ القويّ بأنّها لم تصدر عن الإمام.
وإنّما كان هناك اتّجاهٌ عامٌّ -في غير سَلَفنا الصّالح مِن أمثال زرارة، ومحمد بن مسلم، من فقهاء ظاهر الشريعة، الّذين أخذنا عنهم فقهنا وأحكامنا- جماعة آخرين كان لهم مسلكٌ آخرٌ في مقام تعقيد المطالب، وإغماضها وإجمالها، وتأويل القضايا الدينيّة، بشكل لا يناسب مذاق أولئك السَّلف الصّالح.
الأمر الثَّالث: الّذي أُريد أن أبيّنه أيضاً وهو: أنّه هذه المسألة من أهمّ المسائل التّي لابدَّ وأن يتعلّمها الإنسان، مسألة أنَّ القرآن هل يجوز العمل به، أو لا يجوز؟، هل يٌتصوّر هناك مسألة للمسلم أهمّ من ذلك؟، هل يُتصوّر مسألة للفقيه -الّذي يريد استنباط الأحكام الشرعيّة من أدلّتِها التفصيليّة- أهمّ من
ــــــــــ[17]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أنّه هل يجوز العمل بظاهر القرآن أو لا يجوز؟، وهل يُتصوّر هناك موضوع دار حوله النزاع، والبحث، والجدل بين علماء الباطل، والضّلال من غير الشيعة أكثر من هذا البحث.
فجميع الدّواعي التأريخيّة، والشرعيّة، والواقعيّة كانت تقتضي أن تكون هذه المسألة أهمّ مسألة في مقام السؤال، وفي مقام الاستفادة، وفي مقام تحقّيقها.
فلماذا لم يروِ مثل هذا الأمر المهمّ أحدٌ غير هؤلاء، الّذين لهم مثل هذه الخاصّيّة؟، ولماذا لم يصدر إلينا نصٌّ من هذا القبيل، من أمثال زرارة، ومحمد بن مسلم وأمثاله؟؛ فإنّه في بعض المسائل، يكون نفس عدم رؤية هؤلاء الخواصّ للمعنى يكون موجباً للظنّ القويّ بعدم صحَّته؛ وإلَّا فكيف نتصوّر أنّه بحسب الواقع لا يجوز العمل بالقرآن، ولا بظواهره، ولا يجوز الاستنباط منه؟!
فإمّا أنَّ هذا المطلب لم يُبيَن إلَّا أربع أو خمس مرات، ومن باب الصدفة، لم يكن يوجد أمام. الإمام حين بَيّن هذا المطلب إلَّا شخص، من قبيل هؤلاء الغيّبيين، الّذين لا يرون النّاس مشتركين في فهم الدّين.
أو أنَّ الإمام كان يُبيّن هذا المطلب كثيراً، بمقدار أهميّته وضرورته، إلَّا أنّه من باب الصدفة لم ينقله أحد إلَّا هؤلاء، أو أنّه نُقِل، ولكنّ تمام تلك الرّوايّات التّي نُقِلت ضاعت، إلَّا خصوص هذه الرّوايّات، التّي جاءت عن طريق هؤلاء الثلاثة، أو الأربعة.
ليس هذا من قبيل وجوب السّورة، فإنّه لو فُرض أنّه لم توجد عندَنا ثلاث رّوايّات ضعيفة السند دّالّة على وجوب السورة، هنا نحتمل أنَّ هذا الحكم
ــــــــــ[18]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الشرعي بُيِّن ثلاث مرات لا أكثر وفي هذه المرات الثلاثة من باب الصدفة، لم يكن يوجد إلا شخص واحد ضعيف بين يدي الإمام، أو وِجد شخص قويّ، إلَّا أنَّه من باب الصدفة لم ينقل هذه الرواية، أو نقل هذه الرواية لكن من باب الصدفة لم تصل إلينا.
لكن في مسألة كهذه المسألة الرئيسيّة الأساسيّة، والتّي كانت محلاًّ للجدل والبحث بين علماء أهل الضلال، حينئذٍ كيف نتصوّر في مثل هذه المسألة أنَّه لم يصدر بيان إلَّا بهذا المقدار، بل مقتضى القاعدة حينئذٍ صدور بيان كثير في هذا المقام، لو كان البناء على عدم جواز العمل بظواهر القرآن.
خصوصاً أنّ العمل بظواهر القرآن على مقتضى طبع الإنسان؛ فإنَّ الإنسان العاقل بمقتضى طبع عقلائيته أنَّه يعمل بظواهر القرآن الكريم. فحينئذٍ مخالفة هذا الطبع، وإيقافه يحتاج إلى بيان متكثّر، وإلى إعلّام مرةً بعد مرة.
فكيف يُتصوّر أنَّ هذه الإعلّامات الكثيرة صدر من الأئمة، بمقدار ما هو حق المسألة، ومع هذا لم تصلنا هذه الإعلّامات، إلَّا عن طريق هؤلاء الأربعة أو الثلاثة، الّذين لهم تلك الخاصيّة المشتركة بعد ثبوت ضعفهم أيضاً؟
اذن، هذه الأمور الثلاثة، لو ضممنا بعضها الى بعض، وهي أوّلاً: كونهم ضعفاء، وثانيّاً: الخاصيّة المشتركة في مزاجهم وأحوالهم، وثالثّاً: أنّ طبع موضوع المسألة كان يقتضي أن يصل إلينا هذا المطلب بنحوٍ أكثر وأوفر، لو كان له واقعيّة.
هذه الأمور الثلاثة لـو ضممنا بعضها الى بعض، فبمقتضـى حـساب
ــــــــــ[19]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الاحتمالات يحصل الظنّ القويّ، أو الاطمئنان بأنّ هذه الرّوايّات -أو مثل هذه الروايات- مجعولة على الأئمّة.
إذن، فهذه الطائفة الأولى ساقطة، ولا وجه للتمسّك بها في مقام إثبات عدم حجّيّة ظواهر الكتاب الكريم.
قلنا(1): إنَّ هذه الأخبار يمكن تقسيمها إلى طوائف ثلاث:
أمّا الطّائفة الأولى، التّي تـحصر فهم القرآن بخصـوص أهـل بيت العصمة، فهي من حيث الدّلالة لا بأس بدلالتها على إثبات مراد الأخبَاري؛ فإنّها واضحة في بيان أنَّ القرآن لا يُفهم إلَّا من قبل أناس مُعّينِّين، وهذا الحصر بنفسه معناه إلغاء الحجيّة وسدّ باب فهمه، وإعمال القواعد العرفيّة في مقام استخراج معانيه من قبل غير أولئك الجماعة المخصوصيّن. فمن حيث الدّلالة لا بأس بدّلالة هذه الأخبار.
إلَّا أنَّ هذه الأخبار غير تامّة من حيث السّند بالالتفات إلى النقاط الآتية:
النقطة الأولى: أنَّ هذه الرّوايّات رُويت من قبل رواة مُضعَّفين أو مجهولين، فإنّهم بين مجهول وبين مُضعَّف مطعون في حديثه وفي عقيدته؛ فمن هذه الناحية لا يكون دليل الحجّيّة شاملاً لها.
النقطة الثانية: هي أنّ هؤلاء الرواة المُضعَّفين في المقام يشتركون على ما يظهر من مراجعة حالهم وتأريخهم في خصوصيّة واحدة، وظاهرة عامّة، وهي
ــــــــــ[20]ــــــــــ
() لخصّ الطوائف كما في المحاضرة السابقة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
خصوصيّة أنّهم بحسب ذوقهم ومزاجهم وادعائهم، يحصرون بعض العلوم بطرق خاصّة يدّعون لأنفسهم مقامات خاصّة نتيجة لهذا الحصر.
مثل هذا المذاق موجود في رواة هذه الرّوايّات. وهذا المذاق بنفسه مناسب جداً مع لسان هذه الرواية. ووجود مثل هذا المذاق المُستكشَف من تاريخهم، ومجموع رواياتهم التّي يروونها عن الأئمّة. وجود هذا المذاق عند هؤلاء الثلاثة أو الأربعة، هذا بمقتضى حساب الاحتمالات يوجب الظنّ القوي بأنّ مثل هذه المتون كانت من وحي هذا المذاق، ونتيجة له، وليست من وحي السماع من أهل بيت العصمة.
فبعد النُكتة الأولى، وهو قد ثبت أنّهم مٌضعّفون وليسوا بموثَّقين، حينئذٍ اشتراكهم في هذه النكتة يكون قرينة ظنيّة قويّة بمقتضى حساب الاحتمالات، على أنّ مثل هذا المتن إنّما هو من وحي هذا المذاق المشترك، وليس أمراً صحيحاً مطابقاً لنفس الأمر والواقع.
ومن هذه النقطة الثانية يجب أن ننبّه على مطلب عام، وهو أنّه في جملة من الموارد ينفعنا مراجعة حال الراوي وتاريخه، ومجموع ما نقل من الرّوايّات، ينفعنا في مقام تقدير وتقييم روايته.
فمثلاً، في مثل هذا المورد لو فُرض أنّ هؤلاء الأربعة بُدِّلوا بأربعين، بحدّ يحصل منه التواتر في نفسه، ولكن كانوا جميعاً بمثل هذا المذاق المشترك؛ في مثل ذلك لا يحصل عندنا القطع بالتواتر، بالرغم من أنَّ التواتر لا يشترط فيه
ــــــــــ[21]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الوثاقة، والعدالة للمخبِرين. لكن، مع هذا، الالتفات الى أنّ هؤلاء مشتركين في خصوصيّة، وظاهرة تناسب مع الإيماء بمثل هذه المطالب الباطلة. هذا يوجب عدم حصول القطع في المقام من إخبارهم، ولو تضاعف عددهم من أربعة إلى أربعين.
فالاطِّلاع على خصوصيّات الراوي، وحاله ومزاجه، وما ينقل من سائر الرّوايّات، له دخل في تسعير الرواية أحياناً.
النقطة الثالثة: هي أنّه عجباً لماذا اقتصر نقل هذا المضمون على خصوص هؤلاء الأربعة أو الثلاثة الذين هذا شأنهم وهذه حالتهم؟!، أليس هذا المضمون -على فرض ثبوته في الواقع- أنّ ظواهر القرآن الكريم في الواقع ليست بحجّة ولا يجوز العمل بها؟! ألم يكن مثل هذا المطلب الواقعي محتاجاً من الأئمّة إلى بيانات متكرّرة متكثّرة؛ لأنَّ هذا المطلب من أهم المطالب، وعلى خلاف الطبيعة البشريّة؛ لأنَّ طبيعة العقلاء هو العمل بالظواهر بحسب جبلتهم وطبيعتهم. فلو فُرض أنّه لا يجوز العمل بظواهر القرآن الكريم في الواقع، ألم يكن هناك ضرورة تقتضي في مقام الردع عن هذه السيرة إلى تكرار البيان، وتشديده وتكثيره؟!
ثم ألم يكن هذا منشأ لورود الأسئلة الكثيرة من قبل الرواة؟، أليست هذه القضية بالنسبة إلى الرواة، الّذين شأنهم استنباط الأحكام من الكتاب والسُنّة من أهم القضايا، بل لعلّه لا يوجد قضية أهمّ منها في مقام الاستنباط أصلاً. فحينئذ كيف يُفرض مع أهمية هذا المطلب في نفسه، ومع كونه على خلاف طبع العقلاء،
ــــــــــ[22]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
مع هذا لم يبين إلّا مرّات متعدّدة قليلة فقط؟! في هذه المرات القليلة لم يكن يوجد عند الإمام إلّا واحد من هؤلاء المُضعّفين وأشباه الكذّابين. هذا بعيد جداً.
أو أن يُفرَض أنّ هذا المضمون نُقِل كثيراً، وبُيِّن كثيراً من قبل الأئمة بمقدار ما يستحق المطلب من الأهميّة، وبمقدار يصلح للردع عن الطبع العقلائي المركوز في النّاس. إلّا أنّه مع هذا من باب الصدفة جميع هذه البيانات لم تصل إلينا، إلّا البيانات التّي لم يكن في مجلس صدورها إلّا الشخص المُضعّف، أو الشخص الكاذب. هذا أيضاً في غاية البُعد بمقتضى حساب الاحتمالات، أو أنَّ هؤلاء الثقات أيضاً نقلوا هذا المطلب، إلَّا أنّه انقطع هذا النقل في مرحلة متأخرة مثلاً. هذا أيضاً بمقتضى حساب الاحتمالات بعيد.
إذن، فجميع شقوق المطلب في نفسها تُورث الاطمئنان، بعد الالتفات إلى تمام هذه النُكات، بأنّ مثل هذه الرّوايّات من وحي خيال هؤلاء الروات، وليس صادراً منهم.
ولو فُرض من باب الفرض، أنّه صادر منهم، فلابدَّ أن يكون له محمل آخر، غير ما هو ظاهر الكلام(1). هذا تمام الكلام في هذه الطائفة.
وهي الطّائفة التّي دّلت على أنَّ النّاس في مقام فهم القرآن، واستنباط الحلال والحرام من آيات الأحكام في القرآن الكريم ليسوا مستغنين عن
ــــــــــ[23]ــــــــــ
() وهنا سأل أحد الإخوان: عن لا بديّة الحمل على محمل آخر؟
فقال (سلّمه الله): باعتبار ما ذكرناه في النقطة الثالثة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الأئمّة، فهيّ في مقام نفي الاستغناء(1).
المبني تارةً بلسان تأنيب من ادّعى الاستغناء ولو عملاً، وبنى عليه عملاً، من قبيل بعض فقهاء العامّة المعاصرين للأئمة يومئذٍ(2).
وأمّا بلسان بيان أنَّ حقائق القرآن وتمام معارفه موجودة عند الأئمةوحدهم، فهم الّذين يطّلعون على تمام المزايا، وتمام النُكات، وعلى تمام خصوصيّات التخصيص والنسخ، ويميّزون بين العامّ والخاص والمطلق والمقيّد(3).
ومرجع اللسانّين، أي: بيان هذا المطلب، وهو أنَّ النّاس لا يستغنون عن الأئمة في مقام استنباط الأحكام من آيات القرآن الكريم.
مثل هذا المطلب، مطلب صحيح بلا إشكال؛ فإنَّه لا يجوز لأحد أن يدّعي الاستغناء عن الثَّقل الأصغر في مقام استنباط الأحكام من الثَّقل الأكبر. فإنَّ هذين الثَّقلين توأمان في مقام الاستنباط، وفي مقام فهم الشريعة، بمعنى: أنّه لابدَّ في مقام الاستنباط والأخذ من أحدهما، من أن يُلحظ الآخر أيضاً، بحيث يُلحظ المجموع، كأنهما كلام شخص واحد. وهذا هو معنى التوأميّة. فكما أنّه لا يجوز العمل ببعض القرآن، بقطع النظر عن البعض الآخر وبدون الالتفات إلى مخصّصاته ومقيّداته في البعض الآخر، كذلك لا يجوز العمل بالقرآن بقطع النظر عن السُنّة، كما لا يجوز العمل بالسنة بقطع النظر عن القرآن.
ــــــــــ[24]ــــــــــ
(1) انظر: الكافي 1: 168، كتاب الحجة، باب الاضطرار الى الحجة، الحديث 4.
(2) انظر: الكافي 8: 311، حديث العلماء والفقهاء، حديث 385.
(3) انظر: وسائل الشيعة 27: 197، الباب 13، باب عدم جواز استنباط الاحكام النظرية من ظواهر القرآن، الحديث 51.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إلَّا أنَّ مثل هذا لا يدلّ على عدم جواز العمل بظواهر القرآن الكريم، وإنّما يدلّ على وجوب الفحص قبل العمل بالظاهر، وهذا مفروغ عنه، كما ذكرنا في باب سابق -في باب المطلق والمقيد- ويأتي إن شاء الله التعرّض له في بحث التعادل والتراجيح، وهو عبارة أُخرى عن عدم جواز الاستغناء والاحتياج.
فهذه الطّائفة الثّانية صحيحة سنداً ودلالة، وضروريّة مضموناً؛ فإنَّ مضمونها من ضروريات المذهب، وليس محلاً للخلاف بين الأصوليين والأخباريين.
الطائفة الثالثة: هي الطّائفة الدّالة على النّهي عن تفسير القرآن بمثل لسان “من فسر القرآن برأيه فقد كفر“(1).
هذه الطّائفة ادّعى علمائنا الأخباريّون أنّ لها إطلاقاً؛ لفرض حمل اللفظ على المعنى الظاهر. فقالوا: إنَّ حمل اللفظ على المعنى الظاهر أيضاً هو نحو من أنحاء التفسير، فيشمله إطلاق قوله: “من فسّر القرآن برأيه فقد كفر“.
والرأي هنا، مقابل لمن فسّر القرآن بالحديث، والرواية عنهم عليهم الصلاة والسلام. فيرجع مضمون هذه الرواية إلى عدم جواز العمل بمعنى القرآن، إلَّا بعد ورود الحديث بتعيين معناه، وهذا معناه عدم جواز العمل بظواهر القرآن الكريم.
ــــــــــ[25]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة 27: 60، الباب 6، باب عدم القضاء والحكم بالرأي والاجتهاد والمقاييس، الحديث 45.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وأشكل الأعلام على ذلك، كما في الكفاية(1)، وغيرها من الكتب المتأخرة عنها(2). بأنَّ حمل اللفظ على المعنى الظاهر ليس تفسيراً للقرآن؛ فإنَّ التفسير كما جاء في كتب اللغة هو: كشف القناع، ولا قناع هنا حتى يُكشف. فإن اللفظ ليس قناعاً على معناه الظاهر، بل المعنى الظاهر يرى من خلال هذا اللفظ، ولا يكون اللفظ حجاباً بين السامع وبين المعنى، وإنّما يصير اللفظ حجاباً وقناعاً بين السامع والمعنى، في موارد الإجمال والاشتباه. فالتفسير يختص بخصوص موارد حمل اللفظ في موارد الاشتباه والإجمال، ولا يشمل موارد حمل اللفظ على المعنى الظاهر. ولو سُلّم أنّه تفسير فهو ليس تفسيراً بالرأي، بل هو تفسير بالطريقة العرفيّة العامّة المُتّفق عليها. أليست طريقة حمل اللفظ على المعنى الظاهر طريقة أهل العرف، وأبناء اللغة جميعاً؟ فهذا ليس تفسيراً على أساس الرأي، بل على أساس طريقة مُتّفق عليها بين النّاس جميعاً. فهو إن كان تفسيراً فليس تفسيراً بالرأي.
ولكن الصحيح: أنّ هذا الجواب لا يكفي لدفع شبهة الأخباري في المقام بقطع النظر عن شيء آخر؛ وذلك لأنَّ بعض موارد حمل اللفظ على المعنى الظاهر، وإن كان كما بُيّن ليس تفسيراً وليس كشفاً للقناع، بل المعنى يكون
ــــــــــ[26]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول، ص 284.
(2) انظر: نهاية الأفكار: ج3، ص 92، فوائد الأصول 3: 137.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
سافراً غير مُقنّع، وظاهراً من خلال اللفظ، وحينئذٍ يُذكر ويكون هذا بياناً ووصفاً، كما هو ظاهر لا كشفاً لما هو مستور.
إلَّا أنّنا في باب حجّية الظواهر لا نقتصر على خصوص هذه الموارد، بل نقول: بحجية الظواهر بنحو أعمّ، بحيث يشمل بعض مواردها عنوان التفسير، وعنوان كشف القناع.
وتوضيحه: أنَّ الظواهر على قسمين: ظواهر لغويّة، وظواهر تصديقيةّ سياقيّة مضمونيّة.
أمّا الظواهر اللغوية: التّي ترجع إلى كون اللفظ موضوعاً لمعنى؛ فيكون ظاهراً في ذلك المعنى بالظهور اللغويّ التصوّري المُسمّى بالدّلالة التصوريّة. فهذا قسم من ظواهر القرآن الكريم.
وقسم آخر من ظواهره هي الظواهر التصديقيّة السيّاقيّة، بمعنى: شرح المطلب الذي يريد المولى بيانه من مجموع هذه الكلمات، بعد ضمّ بعضها إلى بعض.
مثلاً في آية مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْه(1) هنا يوجد عندنا ظهور تصوّري افرادي، كلّ كلمة كلمة، كمعنى كلمة (اتبّاع)، أو كلمة (اشتباه)، أو كلمة (إحكام)، وهكذا، فهذه ظهورات افراديّة تصوريّة.
ــــــــــ[27]ــــــــــ
(1) آل عمران: 7.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وهناك ظهور تصديقي سياقي للمجموع المركّب، وأنّه ماذا يريد المولى بمثل هذا التفصيل وهذا البيان.
أمّا القسم الأوّل: وهو الظهور اللغوي التصوّري، ففي كثير من الموارد لا يصدق عليه كشف القناع، فيما لو فُرض أنَّ الوضع اللغوي كان ثابتاً ثبوتاً عرفيّاً عامّاً، وكان كلّ النّاس يعرفون معنى هذه الكلمة، وما هو مدلولها التصوّري كما في قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ(1) فإنَّ كلّ أبناء اللغة يعرفون ما معنى (قل) في المقام، يعني: أمراً بأن يقول شيئاً ما. فالظهور الوضعي هنا، معروف معروفيّة عامّة في ذهن أبناء اللغة، في مثل هذا لو أنّ إنساناً جاء وصار في مقام بيان معنى (قل)، هذا لا يكون كشفاً للقناع؛ إذ لم يكن هناك شيء مستور على أبناء المحاورة لأجل أن يكشفه، ولكن في بعض الموارد لا يكون المطلب كذلك، بل يكون الظهور مقنّعاً، نفس الظهور يكون مقنّعاً؛ وذلك لأنّه لا يُعلَم بأنَّ هذا اللفظ ظاهر في هذا المعنى، أو في معنى آخر؛ وذلك للشك فيما هو الموضوع له.
هنا يكون المعنى مقنّعاً ولا يكون سافراً وظاهراً؛ لأنَّ نفس الظهور هنا مقنّع. فالمعنى مقنّع بمقنعيّة نفس الظهور. فإنَّ أبناء العُرف والمحاورة ليس من الواضحات عندهم بشكل عامّ ما هو المعنى الموضوع له هذه الكلمة؟
ففي مثل هذا المورد لو أعمل إنسان الصناعة، وبها اثبت أنَّ هذا اللفظ موضوع للمعنى الفلاني، فهو ظاهر فيه، وعمل بهذا الظهور وفسّر الآية على
ــــــــــ[28]ــــــــــ
(1) الإخلاص:1.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أساسه. هنا يكون هذا كشفاً للقناع.
فالمعنى هنا ليس معنى ظاهراً، بل هو معنى مبطَّن؛ لأن نفس ظهور اللفظ فيه ودلالته عليه مبطَّنة، فإنه إذا كانت الدلالة مبطّنة فالمدلول ايضاً مبطَّن لا محالة، فهذا يكون كشفاً للقناع لا محالة. وسوف يأتي إن شاء الله تعالى في بحث صغرى حجية الظهور بيانٌ كيف أنّنا في بعض الأحيان نثبت أصل الوضع بالصناعة، في مورد يشكّ أهل العرف بالوضع، ولا يكون من المسلّمات عندهم. نحن نثبت أنَّ اللفظ الفلاني موضوع للمعنى الفلاني بالصناعة. فمثل هذه العمليّة عمليّة كشف للقناع لا محالة.
ففي مثل هذه الموارد لو إنَّ إنساناً فسّر اللفظ بهذا المعنى، بعد أن أعمل الصناعة في إثبات كون اللفظ ظاهراً في هذا المعنى، لكان بهذا يكشف القناع عن معنى لم يكن ظاهراً للنّاس.
فدعوى شمول عنوان التفسير لمثل ذلك، بل عنوان التفسير بالرأي
-باعتبار أنَّ هذه الصناعة نحو نظرٍ ونحو اجتهادٍ، في مقام تعيين مثل هذا الظهور وفي مقام تعيين مثل هذا الوضع- دعوى مثل ذلك يكون في محله. هذا في باب الظهورات التصوّريّة.
وأمّا الظهورات السيّاقيّة التصديقيّة، فالمطلب فيها أوضح بكثير، فإنَّ الظهورات التصديقيّة، بعضها كما قيل: ليس فيه كشف للقناع، كما في الشخص الذي يفسّر آية ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ(1) يفسّرها بأنّها في
ــــــــــ[29]ــــــــــ
(1) النساء: 93.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
مقام بيان حرمة قتل المؤمن المتعمّد هذا لم يصنع شيئاً؛ لأنَّ هذا مطلب واضح لكلّ أبناء اللغة. فلم يكشف قناعاً.
لكنّ الشخص الّذي يفسّر آية مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ يفسّرها باعتبار ضمّ بعض ظواهرها إلى بعض، واستخراج معنى لمجموع الآية، يتناسب مع تمام ظواهر هذه الآية، ومع ظهور كلمة (يتّبعون)، وكلمة (التأويل)، وظهور القسمة ما بين آيات محكمات، وآيات متشابهات. فهذا من مصاديق تفسير القرآن بالرأي، بل هذا كشف للقناع؛ لأنَّ مثل هذا المعنى الجُمَلي التركيبي الّذي بينّاه نحن لهذه الآية المباركة، ليس أمراً مكشوفاً لكلّ إنسان، بل هو أمر يحتاج في مقام دعوى ظهور اللفظ فيه إلى ضمّ ظواهر بعضها إلى بعض، وبعمليّة التنسيق والترتيب بين هذه الظواهر، يُستنتَج معنى واحد.
فمثل هذا أيضاً يكون تفسيراً للقرآن، ويكون كشفاً للقناع، ويكون إعمالاً للرأي والنظر والاجتهاد؛ ومن هنا تختلف الأنظار في تفسير آية واحدة باختلاف النظر في كيفيّة التركيب بين ظواهرها، وجعل بعضها قرينة على البعض الآخر، وحينئذٍ في مثل هذا يقع الإشكال.
مقصودنا في المقام: بيان أنَّ المعنى تارةً يكون مقنّعاً أولاً وبالذات، وأخرى يكون مقنّعاً ثانياً وبالعرض. وبالعرض لا يكون مقنّعاً أصلاً، أمّا أنَّه مقنّع أوّلاً وبالذات، ففيما لو فُرِض أنَّ الكلام كان مجملاً من أوّل الأمر، فهو في نفسه مقنّع، وإذا فُرض أنَّه كان هناك ظهور للكلام إلَّا أنَّ نفس الظهور ليس واضحاً عند عموم النّاس، فهو مقنّع
ــــــــــ[30]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بالعرض؛ باعتبار مقنّعيّة نفس الظهور، وأمّا لو فُرض أنَّ نفس المعنى يكون ظاهراً، والظهور ظاهراً أيضاً، وواضح عند تمام النّاس، حينئذٍ لا يكون هنا قناع، لا أوّلاً وبالذّات ولا ثانياً وبالعرض.
ففي القسم الثالث لا يصدق عنوان التفسّير، لكن في القسم الأول والثاني يصدق عنوان التفسير، وحينئذٍ فتتمّ شبهة الأخباري في موارد الظهورات، التي يحتاج لاستنباطها إلى إعمال نظر في مقام تخريج هذا الظهور، أمّا من اللفظ المفرد كما في الظهورات التصوريّة، أو من مجموع الكلام كما في الظهورات التصديقية السياقية.
فهذا الجواب بحسب الحقيقة ليس جواباً فنيّاً في المقام؛ لأنَّه لم يلحظ فيه إلَّا الموارد التّي احتمل أنَّ الأخباريين أيضاً لا يقولون بعدم جواز العمل بظواهر القرآن فيها.
إذن، فهذا الجواب في المقام لا يرجع إلى محصل، بل لابدَّ أن يُجاب عن هذه الطائفة بجواب آخر.
مأخوذة ممّا بيّناه في بحث الدّليل العقليّ، فإنّنا هناك في بحث سابق تنازعنا فيه مع الأخباريّين، في حجّية الدليل العقلي، وعدم حجّيته. هناك أيضاً استدلَّ الأخباريّون بالرّوايّات، التّي تنهى عن العمل بالرأي بقول مطلق، وإعمال
ــــــــــ[31]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الرأي في الدّين بقول مطلق. لا إعماله في مقام التفسير، بل إعماله في أيّ وجه من الوجوه، في مقام تفسير الدّين، وبيان أحكامه.
وهناك قلنا: بأنّ كلمة (الرأي) وإن كان معناها اللغوي الأوّلى هو عبارة عن النظر مثلاً، ومعنى آخر مقارب له، إلَّا أنَّ الّذي يطالع مجموع الرّوايّات الواردة في باب الرأي، والّذي يطالع عصر هذه الرّوايّات، يعرف أنَّ هذه الرّوايّات كانت ملقاة من قبل الأئمّةعلى أناس كانوا يعيشون، ويفكّرون في جوّ علمي خاصّ، له مصطلحات وتعبيرات خاصّة، وله مسائل مطروحة للبحث إثباتاً ونفياً. ومن أهمّ تلك المسائل التّي راج بحثها، واختلف النّاس بسببها، وكانت من أشدِّ الآراء من حيث نفوذها، وتغلغلها وتعليق الناس عليها هو: مسألة الرأي، ففي عصر الصّادقينوجِدت هناك مذاهب في علماء السُنّة بعنوان مذاهب الرأي، وطريقة الرأي، فنفس كلمة الرأي جاءت عنواناً لمذاهب استُحدثت في أيام الصّادقين في مقام الاستنباط، وفي مقام التفسير، وفي مقام إخراج الأحكام من النصوص.
ولم تكن هذه مذاهب معتمدة، بل كانت مذاهباً تعبّر عن اتجاه فكري منتشر في مختلف بلاد الإسلام.
بعد الالتفات إلى مثل ذلك، فحينئذٍ من يدّعي الاطمئنان بأنَّ كلمة الرأي التي ترد في كلام الأئمّة الملقاة على أُناس كانوا يعيشون في ذلك الجو، حيث إنَّ أصحاب الأئمّة لا نتصوّر أنّهم كانوا منغلقين على أنفسهم، ومفصولين عن عالم السُنّة وعلمائهم، بل كانوا يسمعون بأبحاث السُنّة،
ــــــــــ[32]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ويعرفون آراءهم، وكان جملة منهم يفتي بآراء السُنّة، ولعلَّ كثيراً منهم أعلم بآراء علماء السُنّة من السُنّة. فإن محمد بن مسلم لمّا كان يجلس في المسجد، كان يُفتي كلّ أهل مذهب بمذهبه، وحينما يجيئه شخص من أهل الحق يفتيه بمذهب جعفر بن محمد.
فالأُناس الذين يعيشون في مثل هذه المشاكل ومثل هذه الجوّ، حينما يُلقى عليهم مثل هذا الاصطلاح من قبل الإمام من يدّعي الاطمئنان بأنّهم لم يفهموا من هذه الكلمة إلَّا نفس ذلك المصطلح، الّذي كان عنواناً لاتّجاهات معيّنة في الفقه، والاستنباط، والتفسير، من يدّعي الاطمئنان بذلك؟، فليست مثل هذه الدعوى بمجازفة.
ولو فُرض أنَّ شخصاً لم يحصل له الاطمئنان من ملاحظة مجموع هذه الظروف والملابسات التأريخيّة، بأنَّ المراد بـ(الرأي) هو المعنى المصطلحي، واحتمل أنَّ المراد بـ(الرأي) هو المعنى اللغوي مثلاً.
من شكّ في هذا المطلب، فليس له دليل يتمسّك به، إلَّا أصالة بقاء ظهور اللفظ على حاله السابق؛ لأنَّ لفظة (الرأي) لو كانت واردةً مثلاً في كلام رسول الله لم نكن نحملها على هذا المعنى الاصطلاحي، وإنّما نحملها عليه؛ لأّنها وردت من الإمامين اللّذين عاشا مع هذا الجو. فليس له في المقام إلَّا أصالة بقاء الظهور على حاله. وسوف يأتي إن شاء الله في المقام الثّاني أنَّ مثل هذا الأصل في مثل هذه الموارد لا يجري؛ بنُكتة عامّة سوف نشير إليها في المقام الثّاني.
هذا هو كلامنا الأوّل، في مقام التعليق على هذه الرّوايّات. إذن، هذه
ــــــــــ[33]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الرّوايّات بعد فرض الاطمئنان أنَّ المراد بـ(الرأي) ذلك المعنى الاصطلاحي، الّذي كان عنواناً لمدارس عاشت في ذاك الوقت، أو بعد فرض إجمالها، وعدم إمكان تعيين أنَّ المراد بها هل هو المعنى الاصطلاحي أو المعنى اللغوي الأوّلي؟، لا يمكن التمسّك بها.
فهو أنَّ مثل هذه الرّوايّات، لو فُرض شمولها لحمل اللفظ على المعنى الظاهر بإطلاقها، إلَّا أنّها لا تصلح أن تكون بياناً؛ لعدم حجّية الظهور، لمجرّد مثل هذا الإطلاق.
والسبب في ذلك؛ أنَّ إطلاق دليل يصلح أن يكون بياناً لحكم شرعي، فيما إذا كان هذا الحكم الشرعيّ حكماً تعبديّاً في نفسه من قبل الشارع، كما لو دلّ إطلاق دليل على وجوب السُورة، أو على عدم وجوبها، لا بأس بالتمسّك بإطلاق هذا الدّليل؛ لإثبات وجوب السُورة أو لنفيه.
إلَّا أنَّه في مثال محلّ الكلام، حجّيّة الظهور -ظهور القرآن الكريم- ليست حكماً شرعياًّ ابتدائيّاً تعبديّاً، وإنّما هي مطلب عقلائي على طبق القريحة العقلائيّة؛ فإنَّ العقلاء بقريحتهم العقلائيّة وبارتكازهم الجبلّي، وبالمناسبات الّتي فُطِر عليها تعايشهم، يبنون على العمل بظواهر كلماتهم، وبظواهر كلمات الموالي فيهم.
مثل هذا الارتكاز، والجبلّة الّتي سميّناها بالسيرة العقلائيّة، وانعقادها على
ــــــــــ[34]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
حجّية الظهور. هذه السيرة لو أُريد من قبل المولى الردع عنها، والاكتفاء في مقام الردع عنها، بالنسبة إلى ظواهر القرآن الكريم بإطلاق نَصّ هذا الإطلاق في نفسه، أيضاً يحتاج إلى بحث في مقام بيان أنَّه هل له إطلاق أو ليس له إطلاق؟ الاكتفاء بمثل هذا الإطلاق في مقام الردع عن السيرة العقلائيّة، أمر غير محتمل كما بينّاه في بحث السيرة.
فقد بينّا هناك أنَّ الردع عن السيرة يجب أن يكون مناسباً لمقدار استحكامها ورسوخها؛ لأنَّ الردع عن السيرة إنّما هو بملاك التحفّظ على الغرض. فلابدَّ أن يستحكم الردع بمقدار استحكامها؛ لأجل أن يتحفّظ المولى على غرضه، على تفصيل وتحقيق مرّ في ذلك البحث.
ومن هنا أشرنا في ذلك البحث إلى أنَّ إطلاق الآيات الناهية عن العمل بالظنّ مثلاً، لا يمكن أن يكون رادعاً عن حجّيّة خبر الواحد، بعد فرض أنّها مورد للسيرة العقلائيّة. فإثبات الردع عن السيرة العقلائيّة في المقام بإطلاق نصّ، يحتاج إلى تأمّل في مقام إبرازه وإظهاره.
فمثل هذا الردع، لا يكون كافياً في مقام إيصال المولى إلى غرضه. فإذا لم يكن كافياً، فلا يصحّ أن يكون ردعاً، فالسيرة العقلائية تامّة على هذا، ولا يمكن إثبات الردع عنها بإطلاق هذا النص. هذا كلامنا الثاني.
فهو أيضاً يظهر من القوانين والأصول التي نقّحناها في بحث السيرة؛ لأنّنا في هذا الكلام الثّالث نريد أن نستدلّ بسيرة المتشرّعة لا بالسيرة العقلائيّة.
ــــــــــ[35]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
نقول: بأنَّ سيرة المتشرّعة أصحاب الأئمّة جيلاً بعد جيل، هؤلاء الفقهاء الأوّلين الّذين أخذنا منهم معالم دّيننا، هؤلاء كانت سيرتهم في أيام الأئمّة على العمل بظواهر الكتاب الكريم، وحيث إنَّ سيرتهم كانت على ذلك، فمثل هذه السيرة تكون مخصِّصة لإطلاق هذا النصّ؛ لأن النصّ يكون رادعاً عن مثل هذه السيرة.
فهذا ينحلّ إلى دعويين:
الدعوى الأولى: أنَّ سيرة أصحاب الأئمّة كانت قائمة على العمل بظواهر الكتاب الكريم.
الدعوى الثّانية: بعد إثبات أنَّ سيرة أصحاب الأئمة كانت قائمة على العمل بظواهر القرآن، نقول: إنِّ مثل هذه السّيرة حيث إنَّها سيرة متشرّعة لا سيرة عقلائية، فهي تكون مقيِّدة لإطلاق النصّ، لا أنّ إطلاق النصّ معارضاً لها أو رادعاً عنها.
وكلّ من الدعويّين يظهر سرّه ونُكتته ممّا بيّناه في بحث السّيرة.
أمّا الدعوى الأولى: وهي دعوى أنَّ أصحاب الأئمّةكان قد استقرّ ديدنهم على العمل بظواهر القرآن الكريم، في مقام استنباط الاحكام الشرعيّة منه. فهذا وجه واضح، إذ لو لم يكن العمل بظواهر القرآن الكريم من المسلّمات في أيام الأئمّة، ولو كان من المشكوكات إذن، لكثر السؤال عنه من قبل الأئمّة؛ لأنَّ هذه مسألة مهمّة، وتتوّفر الدّواعي للسؤال عنها؛ لأنَّ كلّ واحد من هؤلاء الفقهاء الأربعمائة الّذين كان يغصّ بهم مسجد الكوفة، وكانوا
ــــــــــ[36]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
طلاب الإمام جعفر بن محمد كلّ واحد منهم كان يُبتلَى بمثل هذه المسألة.
فلو لم تكن هذه المسألة من المعلومات عند هؤلاء الفقهاء بتمامهم، ولو كانت من المشكوكات، ومحلّ البحث إثباتاً ونفياً، لكثر السؤال عنه، ولأصبح عدمه من المعلومات في المقام.
وبتعبير آخر، لو لم تكن حجّيّة ظواهر الكتاب الكريم من الأمور الثابتة الواضحة المسلّمة عند أصحاب الأئمّة، لكثر السؤال عنه، ولو كثر السؤال عنه، لكثر الجواب عليه، ولو كثر الجواب عليه، لكان الجواب بالنفي على مذاق الأخباري. إذن، لأصبح عدم الحجّيّة من الواضحات والمسلّمات، كما هو الحال في كلّ مسألة يكثر السؤال عنها من قبل الأئمّة.
مع أنّه لم يُنقَل عن أحد أنَّه قال: بعدم حجّيّة ظواهر الكتاب الكريم. إلَّا من قبل الأخباريّين في العصور الأخيرة. فإن هذا التفصيل لو كان من المسلّمات عند المتقدّمين لنُقِل عنهم، فعدم نقله، دليل على بطلان تمام حلقات هذه السلسلة، التي تنتهي إلى الالتزام بأنَّ حجّيّة ظواهر الكتاب الكريم كانت من الأمور الثابتة، الواضحة المركوزة في ذهن المتشرّعة. وهذا أحد التطبيقات للقوانين الكليّة التي ذكرناها في بحث السيرة.
وبعد أن ثبت أنَّ سيرة أصحاب الأئمّة كانت على هذا، نقول: بأنّ هذه السيرة تكون مقيِّدة لإطلاق النصّ لا أنّ النص يكون رادعاً عنها.
والوجه في هذا ما نقّحناه أيضاً في بحث السيرة، من أنَّ الاحتياج إلى إثبات عدم الردع إنمّا هو بالنسبة إلى السيرة العقلائيّة، فإنَّ الردع إنمّا يهدم حجّيّة
ــــــــــ[37]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
السيرة العقلائيّة، وأمّا سيرة المتشرّعة فهي حجّة بالذات، لا حجّة باعتبار عدم الردع عنها. إذن، فلو وجد في قبالها إطلاق، أو عموم، أو ظهور، كانت نفس السيرة دليلاً على تقييد ذلك الإطلاق، أو تخصيص ذلك العموم، أو تأويل ذلك الظهور. فحينئذٍ مثل هذه السيرة تكون دليلاً أيضاً. هذه كلماتنا الثلاثة في قبال هذه الطائفة.
إذن، فلا يصحّ الاستدلال بهذه الرّوايّات على عدم حجّيّة ظواهر الكتاب الكريم. على حجّيّة ظواهر القرآن(1).
ــــــــــ[38]ــــــــــ
(1) وهنا طالبه أحد الإخوان بالجواب العامّ عن كل هذه الطوائف، الذي كان قد وعد به: وهو أنه لا نحتمل أن ينزل كتاب على ملّة ولا يكون حجة عليهم.
فأجاب (سلّمه الله): أنّ هذا بينّاه في أوّل البحث، حينما قلنا: إنَّه من سوء الحظ أن تُعنون هذه المسألة، ولولا أنّ جملة من العلماء الأخيار ناقشوا لما كانت المسألة محتملة في نفسها. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
انتهى كلامنا إلى ما يُستدَلّ به -في مقابل الأخباريّين- لما هو مدّعى الأصوليّين من حجّيّة ظواهر الكتاب الكريم.
والطوائف من الأخبار الّتي يمكن أن يُستدَلّ بها، أو الّتي اسُتدِلّ بها على حجّيّة ظواهر الكتاب الكريم، في مقابل تلك الرّوايّات الّتي استند إليها الأخباريّون، يمكن تقسيمها أيضاً إلى أربعة:
هي الأخبار الآمرة بالتمسّك بالكتاب الكريم، والأخذ به والعمل بموجبه.
ونحن ذكرنا هذه الطائفة في أصل بحث حجّيّة الظهور، وجعلناها أحد
الأدّلة، في قبال بعض التفصيلات الّتي تعرضنا لها، وقلنا هناك: إنَّ المستظهَر من هذه الأخبار، هو الأمر بالتمسّك بالدلالات العرفيّة بالقرآن، فمرجع التمسّك بالقرآن إلى بيان وجوب العمل بالدلالات العرفيّة للقرآن.
ومصداق ذلك هو الظهور بتقريب سبق بيانه وتفصيله في بحث أصل المسألة.
هذه الطائفة في نفسها تدلّ على وجوب الأخذ بكلّ دلالة قرآنيّة، وأحد
ــــــــــ[39]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
مصاديق الدلالة القرآنية، الدلالة الظهوريّة: حمل المعنى على المعنى النصّي أو على المعنى الظاهر، مصداقان من مصاديق التمسّك بالقرآن وبدلالته.
إذن، هذه الطائفة تشمل موارد الظهور، وتقتضي وجوب حمل اللفظ القرآني على معناه الظاهر؛ لأنَّه فرد من أفراد التمسّك. هذا في نفسها.
وأمّا لو لوحظت نسبة هذه الطائفة إلى الطائفة الّتي استدلّ بها الأخباريّون وهي لسان “من فسّر القرآن برأيه فقد كفر” -على تقدير تسليم تماميّة تلك الطائفة إطلاقاً، وقطع النظر عمّا ذكرناه من المناقشات فيها- فالنسبة بينهما هي العموم من وجه في المقام.
لأنَّ هذه الطائفة تأمر بالتمسّك بالقرآن، وتلك الطائفة تنهى عن العمل التفسيري للقرآن، فمورد الافتراق من هذه الطائفة هو التمسّك بالنصّ، فإنَّ التمسّك بالنصّ خارج عن إطلاق تلك الطائفة، ومورد الافتراق من تلك الطائفة هو التفسّير في باب المجملات، فإنَّ تفسير اللفظ المجمل، وحمله على أحد معانيه ليس تمسّكاً بالقرآن.
ومورد الاجتماع لكلا العنوانين، هو حمل اللفظ على المعنى الظاهر في مورد يكون الظهور محتاجاً إلى شيء من العنايّة في مقام استكشافه، بناءً على ما ذكرناه من أنَّ هذه الموارد تكون مندرجة تحت إطلاق “من فسّر القرآن برأيه“.
فحمل الظاهر بهذا النحو، يكون مادة لاجتماع هاتين الطائفتين، فيكون مورداً للتعارض بينهما.
ــــــــــ[40]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وحينئذٍ بعد فرض التعارض والتساقط في المقام، يأتي بحث في أنَّه بعد فرض التعارض، والتساقط بين هذه الطائفة الدّالة بإطلاقها على حجّيّة ظواهر الكتاب، وتلك الطائفة الدّالة بإطلاقها على الردع عن العمل بظواهر الكتاب. هل نرجع بعد التعارض والتساقط إلى السيرة العقلائيّة القائمة على حجّيّة الظواهر مطلقاً، من باب أنّ الّذي كان يمنعنا من الرجوع إلى السيرة العقلائيّة، هو إطلاق “من فسّر القرآن برأيه فقد كفر” بناءً على صلاحيّته للرادعيّة، وبقطع النظر عما ذكرناه من النُكات في مقام إبطال رادعيّة هذا النصّ، ومحكوميّته للسيرة العقلائية فضلاً عن سيرة المتشرّعة.
إلَّا أنَّ هذا الإطلاق الّذي يصلح للرادعيّة عوضاً -عن السيرة العقلائيّة- ابتُلى بالمعارض بنحو العموم من وجه، وبعد تساقط العامّين من وجه، يرجع حينئذٍ إلى السيرة العقلائية، إذ لم يكن هناك مانع من الرجوع إلى السيرة العقلائيّة إلَّا هذا الإطلاق الصالح للردع، والمفروض سقوطه بالمعارضة.
هل هذا الكلام صحيح، أو أنِّه لا يصحّ الرجوع للسيرة العقلانية؟
هذا بحث أيضاً يستنبط القاعدة فيه، ممّا حقّقناه في بحث قوانين السيرة. فإنّنا ذكرنا هناك، أنَّ حجّيّة السيرة العقلائيّة ليست ذاتيّة، بل هي حجّيّة باعتبار الإمضاء، والإمضاء يُستكَشف من عدم الردع، فتحتاج السيرة العقلائيّة في مقام ثبوت الحجّيّة لها إلى الجزم بعدم الردع، ومجرّد احتمال الردع يسقطها عن الحجّيّة؛ لأنَّ احتمال الردع يستوجب احتمال عدم الإمضاء، واحتمال عدم الإمضاء، يوجب سقوطها عن الحجّيّة.
ــــــــــ[41]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وقلنا: هناك في بحث السيرة، أنَّه لو جاء دليل غير تامّ الحجّيّة إلَّا أنَّه محتمل الورود من قبل الشارع، وكان على فرض صدوره من الشارع يصلح للرادعيّة، فهنا مجرّد احتمال رادعيّة مثل هذا البيان يكفي سقوط السيرة العقلائية عن الحجية، ولو لم يكن مثل هذا البيان حجّة تعبّداً وشرعاً.
نفس هذا البيان نطبّقه على محل الكلام فنقول: بأنَّ إطلاق قوله “من فسّر القرآن برأيه فقد كفر” لموارد الظهور -على فرض صدور النصّ من الإمام. إطلاقه لموارد الظهور- هل يصلح للرادعيّة في نفسه، بقطع النظر عن المعارض، أو لا يصلح للرادعيّة؟
نحن بيّنا أنَّ مثل هذا الإطلاق في نفسه لا يصلح للرادعيّة عن السيرة العقلائيّة، فسواء وجِد له معارض أولم يوجد، على كلّ حال، هذا الإطلاق في نفسه ساقط.
لكن صار البناء الآن على التنزّل عمّا ذكرناه فيما سبق. فالآن نفترض من باب التنزّل، أنَّ هذا الإطلاق في نفسه صالح للرادعيّة. فلو سُلّم هذا المطلب، أنّه صالح للرادعية، غاية الأمر أنه ابتُلى هنا بالمعارضة، وابتلائه بالمعارضة لا يوجب الجزم ببطلانه، وإنّما يوجب عدم حجّيتّه مع احتمال ثبوته في الواقع. فإذا كان مثل هذا الإطلاق صالحاً للرادعيّة، فاحتمال ثبوته احتمال للرادع، واحتمال الرادع كافٍ في مقام سقوط السيرة العقلائيّة عن الحجّيّة(1).
ــــــــــ[42]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: في أوّل الشريعة ما ورد ردع.
فأجاب (سلّمه الله): مثل ذاك الاستصحاب غير جاري؛ لأنَّه شكّ في النسخ، وفي موارد الشكّ في النسخ لا يجري الاستصحاب. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إذن، فهذه الطائفة الأولى الآمرة بالتمسّك بالقرآن الكريم في نفسها تصلح أن تكون دليلاً مستقلاًّ على حجّيّة ظواهر الكتاب، لكن لو فُرض أنَّه أوقعت المعارضة بينها وبين طائفة الأخباريّين، وانتهى الأمر إلى التساقط، لا تثبت الحجّيّة بالرجوع إلى السيرة العقلائيّة؛ لأنَّ احتمال الردع يكون موجوداً، وهو كافٍ في عدم تماميّة حجّيّة السيرة العقلائية.
هي الأخبار الّتي تأمر بعرض الشروط على كتاب الله، في باب الشروط نقول: بأنَّ الشرط إذا كان مخالفاً للكتاب فهو باطل، وإذا لم يكن مخالفاً له فهو صحيح.
وتقريب الاستدلاّل بهذه الطائفة على ما بُيّن: هو أنَّ الكتاب لو لم تكن ظواهره حجّة، ولو لم تكن دلالاته حجّة. إذن، كيف نستطيع أن نعرف أنَّ هذا الشرط موافق للكتاب، أو مخالف له؟، لا يبقى حينئذٍ عندنا إلّا خصوص النصوص، والنصوص القطعية قليلة جداً في القرآن.
إذن، فنفس هذه الأخبار الّتي تأمر بعرض هذه الشروط على القرآن وتمييز فسادها وصحتها، بلحاظ موافقتها للقرآن، أو مخالفتها له، دليل على أنَّ ظواهر الكتاب الكريم حجّة. في المقام.
وتحقيق هذا التقريب من حيث الصحة والبطلان: هو: أنَّ هذه الطائفة الآمرة بعرض الشروط على الكتاب، والحاكمة ببطلان ما خالف الكتاب،
ــــــــــ[43]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وبصحة ما وافقه من الشروط. هذه الطائفة تارةً تريد بالكتاب لفظ الكتاب، والكلام الموجود في الكتاب. بمعنى: اعرض هذا الشرط على ألفاظ القرآن الكريم وجملاته. وأخرى يُراد بالكتاب مرادات القرآن ومعناه، فتأمر بالعرض على المعاني الّتي هي مدلول القرآن الكريم.
إن كان مراد هذه الطائفة من عرض الشروط على الكتاب، عرضها على ألفاظ القرآن الكريم، فهذا دالّ عرفاً على أنّ ألفاظ الكتاب الكريم لها دلالة ويجوز فهمها، بحيث تُجعل مقياساً ومعياراً لتمييز الشرط الصحيح عن الشرط الفاسد. فإن معنى معياريّة ألفاظ القرآن الكريم ومقياسيّتها لتمييز الشرط الصحيح عن الفاسد، هو معناه انَّه يجوز العمل بألفاظ الكتاب الكريم.
وأمّا لو كان المراد من هذه الطائفة في المقام، عرض الشرط على مدلول الكتاب الكريم، على المعنى المدلول للقرآن -الكتاب بمعنى المدلول لا بمعنى الدالّ- فحينئذٍ مثل هذه الطائفة لا تكون في مقام بيان كيفية تحصيل هذا المدلول؛ فإنَّها تقول: اعرض هذا الشرط على مدلول القرآن فإن كان على وفقه فهو صحيح، وإن كان على خلافه فهو باطل، أمّا أنَّه كيف يتعّين مدلول القرآن؟ لا يتبيّن من نفس هذه الطائفة أنّ مدلول القرآن كيف نعيّنه.
غاية الأمر، لعلّ الإطلاق المقامي، والسكوت في مقام البيان مثلاً، بل على إمضاء الطريقة العرفيّة المتعارفة.
لكن نفس الكلام لا يدلّ بظهوره اللفظي على أنَّ تعيين المدلول يكون بأيّ شيء. حينئذٍ تلك الأخبار الّتي استدلّ بها الأخباريّون، على أن تعيين المدلول
ــــــــــ[44]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
يكون بلحاظ الرّوايّات والأخبار، لا بلحاظ الرأي وإعمال النظر، تلك الرّوايّات تكون حاكمة على هذه الطائفة. فإنَّ غاية مدلول هذه الطائفة بناءً على هذا المعنى، هو عرض الشروط على مدلول القرآن. أمّا كيف نعرف أنَّ هذا هو مدلول هذه الآية؟ فليست هذه الطائفة في مقام البيان من ناحية هذا المطلب. إذن، فنعرف هذا من الخارج.
فلو تمّ دليل الأخباري على أنَّ طريقة معرفة المدلول إنّما هو خصوص الرواية من الإمام، فحينئذٍ تكون تلك الطائفة في مقام تنقّيح موضوع هذه الطائفة، ولا تصلح هذه الطائفة للاستدلال.
هذا هو حال هذه الطائفة الثانية. وحاصل ما قلناه فيها، أنَّه إن أُريد بالعرض على الكتاب، عرض الشروط على ألفاظ الكتاب فالاستدلال تامّ، وإن أُريد بالعرض، العرض على مدلول الكتاب فالاستدلال غير تامّ، وتلك الطائفة تكون حاكمة على هذه الطائفة.
هي الطائفة الّتي تأمر بعرض نفس أخبار الأئمّة على القرآن الكريم. وتجعل القرآن الكريم معياراً لتمييز الأخبار الصحيحة عن الأخبار الكاذبة. على عكس ما اتّفق عليه الأخباريّون، حيث جعلوا أخبار الأئمّة أصلاً والقرآن، فرعاً، يُفسّر بلحاظه.
وهنا في هذه الرّوايّات الّتي قيل: بأنّها متواترة، تجعل القرآن معياراً ومقياساً لتمييز ما هو الصحيح عن غير الصحيح، من الأخبار المنقولة عن
ــــــــــ[45]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الأئمة: “ما خالف قول ربنا، زخرف(1)، باطل، لم نقله(2)، اضرب به عرض الجدار“(3) و”إذا جاءكم حديث فانظروا إلى كتاب الله، فإن وجدتَ في كتاب الله شاهداً عليه، أو شاهدين…”(4) ونحو ذلك من المضامين المختلفة. بحيث يُفرض أنَّ مقياس صحة الخبر، هو ألَّا يخالف الكتاب الكريم.
والإنصاف أنَّ هذه الطائفة، من أقوى الأدّلة على حجّيّة ظواهر الكتاب الكريم؛ وذلك: لأنَّه هنا لا يجيء احتمالنا السابق في الطائفة الثانية، إذ لا يُحتمل هنا أنَّ يكون المقصود من عرض الأخبار على الكتاب، يعني عرض الأخبار على الكتاب الّذي يُفسّر بالأخبار.
هنا، فُرض الكتاب في المرتبة السابقة، والكلام إنّما هو في تمييز ما هو الصحيح من الأخبار من غير الصحيح، فلا معنى لأن يقال: إنّك في مقام تمييز صحة الخبر من سقمه، اعرضه على الكتاب الّذي لوحظ في مقام فهمه نفس الخبر؛ هذا يكون إرجاعاً للخبر مرّة أخرى، ولا يكون الكتاب مقياساً.
بخلافه في باب الشروط؛ فإنَّه لم يكن هناك تهافت في أن يكون مقياس لصحّة الشروط وفسادها، هو مخالفتها للقرآن المُفسّر بالخبر، هذا أمر معقول. لكنّ كون
ــــــــــ[46]ــــــــــ
(1) وسائل الشيعة، 27: 111، الباب 9، باب وجوه الجمع بين الأحاديث وكيفية العمل بها، الحديث 14.
(2) نفس المصدر، الحديث 15.
(3) التبيان في تفسير القرآن 1: 5.
(4) المصدر السابق، الحديث 18.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
المناط في فساد الخبر وصحته، هو مخالفته للقرآن المُفسّر بالخبر. هذا ليس صحيح؛ لأنَّه ينتهي إلى جعل نفس الخبر مقياساً لصحة الخبر. وهذا مّما لا معنى له.
فالمتفاهم عرفا من هذه الطائفة بشكل واضح لا خفاء عليه أنّ القرآن هو الأصل وأنّ الأخبار هي الفرع، وأنّ كلّ ما خالف كتاب الله سواء كانت مخالفة نصيّة أو مخالفة ظهوريّة، فيجب طرحه ولا يجوز العمل به، بل هو مّما لم يقولوه؛ لأنّهم تلامذة القرآن وأبناؤه فلا يأمرون بشيء يخالف القرآن(1).
إذن، فهذه الرّوايّات في نفسها تكون من أحسن الأدّلة على أنّ الكتاب هو
ــــــــــ[47]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: ما فحواه من أين علمتم أنّ هذه الطائفة تنهى عن الأخبار المخالفة لظاهر القرآن… نحن ندّعي المخالفة النصّية؟
فقال أدام الله ظله: وذلك لوجهين:
أولاً: لأنّ عنوان المخالفة يصدق بالنسبة إلى الظاهر، كما يصدق بالنسبة إلى النصّ، فلو قال شخص افعل وقال شخص لا تفعل، يقال بأنّ هذا الكلام مخالف مع ذلك الكلام، وإن كان من الممكن تأويل افعل بمعنى أنّه بيان إلى الرخصة في الفعل، ولا تفعل بيان إلى الرخصة في الترك. هذا ممكن، لكن مع هذا صدق عنوان المخالفة بحسب المتفاهم العرفي وجداني.
وثانياً: بأنّ الّذي يتتبّع هذه الأخبار، يرى بأنّ المقصود منها النظر إلى ما شاع وذاع من الكذب والافتراء والتزوير على الأئمّة؛ لأنّه في أعقاب كثير من هذه الأخبار، يوجد اللّعن والتهديد والتندّيد بالكذّابين وأمثالهم،
وهؤلاء الكذّابون نوعاً كانوا يكذبون فيما يخالف ظواهر القرآن، لا فيما يخالف نصوص القرآن؛ فإنّه فيما يخالف نصّاً قطعيّاً لا شائبة فيه لا معنى للكذب؛ لأنّه لا يوجب تضليلاً. وأكثر الكذب إنّما هو فيما يخالف ظواهر القرآن لا فيما يخالف نصّه. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الأصل، وعلى أنّ المعيار إنّما هو الكتاب في مقام التمييز. فالكتاب حجّة قبل الخبر، لا حجّة بلحاظ الخبر.
نعم، هذه الطائفة تقع طرفاً للمعارضة مع الطائفة الّتي استدلّ بها الإخباريّون، وحينئذٍ تُقدّم هذه الطائفة على تلك الطائفة؛ وذلك لما ادّعى من تواتر هذه الطائفة. -وإن كنتُ لم أراجع على وجه العجالة الآن مقدار أسانيد هذه الطائفة؛ لأجل أن أتأكد من هذا التواتر-إلَّا أنّه لو ثبت أنّ هذه الطائفة متواترة في المقام، تُقدّم هذه الطائفة على تلك الطائفة غير المتواترة، بل الضعيفة. وعلى فرض حجّيّتها فإنّها تكون أخبار آحاد، فلا يمكن أن تقابل أخبار الآحاد تلك مع هذه الطائفة -على فرض تواترها- لما سوف نحقّقه إن شاء الله في بحث التعادل والتراجيح، بأنّ الخبر الظنّي غير القطعيّ وإن كان حجّة، لا يعارض الخبر القطعيّ المتواتر، كما لا يعارَض بالآية القطعيّة، بل يسقط عن الحجّيّة في مورد المعارضة، إذا لم يكن هناك جمع عرفيّ من تخصيص أو تقييد أو حكومة أو ورود، واستحكم التعارض بين دليلين، أحدهما ظنّي والآخر قطعي، يسقط الظنّي في مقام المعارضة عن الحجّيّة. هذا هو حال الطائفة الثالثة.
وأمّا الطائفة الرابعة في المقام: وهي الطائفة الأخيرة: فهي الطائفة الّتي جاء فيها الاستدلال من قِبَل الإمام بجملة من الآيات على جملة من الأحكام، فلو لم تكن ظواهر الكتاب الكريم حجّة فكيف يُستدّل بهذه الظواهر في مقابل الآخرين.
ــــــــــ[48]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هذه الطائفة من الأخبار الاستدلال بها يتوقف على أن نقول: بأنّ مراد الإمام من الاستدلال بالآية على هذا الحكم الشرعي، مراده إفحام الطرف المقابل وإقناعه بهذا، وإرجاعه إلى أصل مشترك بين الإمام، وبين الطرف المقابل. حينئذٍ لو كان مراد الإمام هذا، فيدلّ على أنّ ظواهر القرآن الكريم أصل مشترك بين الإمام وبين المخاطب.
وأمّا لو قيل: بأنَّ هذا الاستدلال مجمل الوجه، كما يُحتمل أن يكون مراد الإمام منه ذلك، كذلك يحتمل أن يكون مراده منه التفسير، إذ بناءً على طريقة الأخباريّين ينحصر تفسير القرآن بالإمام، والإمام لم يكتب كتاباً في التفسير لأجل أن يحِّول عليه. فيكون هذا أحد أساليبه في التفسير، وهو استنباط الأحكام من الآيات؛ لأجل إفهام الناس معاني هذه الآيات. فهذا الاستدلال استدلال بقصد التفسير، لا بقصد الإفهام والإرجاع إلى أصل مشترك، وإذا جاء مثل هذا الاحتمال بطل الاستدلال.
وهذا الاحتمال جاء في أكثر رّوايّات هذه الطائفة. نستثني من ذلك رواية واحدة، “رواية عبد الأعلى مولى آل سام. الذي يسأل من الإمام عن رجل انقطع ظفره فوضع عليه مرارة ومسح، فكيف يصنع في مقام المسح. قال: هذا وأمثاله يُعرف من كتاب الله، يمسح على المرارة“(1).
هنا، ما هو الشيء الذي يُعرف من كتاب الله، إمّا أن يكون المقصود منه هو نفي وجوب المسح على البدن مجرّد الأمر السلبيّ، وإمّا الأمر الإيجابي أيضاً وهو
ــــــــــ[49]ــــــــــ
(1) الكافي 3: 33، كتاب الطهارة، باب الجبائر والقروح، الحديث 32.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
جعل البدل، وهو المسح على المرارة.
إن كان الشيء الذي يُعرف من كتاب الله المراد منه هو المسح على البدل وهو المسح على المرارة -كما لعلّه هو ظاهر الرواية؛ ولهذا احتجّ على السائل، وإلّا لو كان المراد هو الحكم السلبيّ، فإنّه إذا عُرف من كتاب الله مع هذا يأتي ويسأل عن وظيفته الإيجابيّة -هذه الرواية يجب إرجاع علمها إلى أهلها؛ لأنَّ مثل هذا لا يعرف من كتاب الله. فإن هذه الآية الكريمة: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج(1) تنفي الحكم الحرجيّ، ولا تشرّع ما هو البدل، وما هي الوظيفة الاضطراريّة، والوظيفة الاضطرارية لابدَّ أن تشرَّع بدليل آخر، لا بدليل (لا حرج). فنفس الكتاب الكريم بمقدار فهمنا نحن العوام، لا يمكن أن نستنبط منه مثل هذا الحكم. نعم، الكتاب الكريم بواقعه الذي يفهمه الأئمّة لعلّه يُستنبَط منه مثل هذا الحكم.
فإذا كان المراد من الحكم الذي يُعرَف من كتاب الله هو البدل، والوظيفة الاضطرارية، فيجب أن يكون المقصود من المعرفة، معرفة الأئمة، لا أنَّه يعرف للناس. لأنّنا نحن العوام لا نعرف هذا الحكم من ظواهر الكتاب الكريم. وإن كان المراد يعني الحكم السلبي يعرف، وهو عدم وجوب المسح على نفس البدن. فحينئذٍ لا بأس به.
ويكون دّالاً على أنّ مثل هذا وأمثاله يُعرَف للناس من مراجعة كتاب الله؛ لأنَّ إطلاق قوله:وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج يدلّ على عدم جعل
ــــــــــ[50]ــــــــــ
(1) التوبة: 78.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
المسح على نفس البشرة، فتكون هذه الرواية دليلاً على حجّيّة ظواهر القرآن الكريم ولو في الجملة.
هذا تمام الكلام في الأخبار الّتي استدُلّ بها على مدعى الأصوليّين.
وبقي من بحث الإخباريّين المقام الثاني، فإنّنا قلنا: إنَّ الإخباريّين تارةً ينازعون في أصل الكبرى، يقولون: إنَّ القرآن الكريم له ظهور، لكن ظهوره ليس بحجة، وهذا هو البحث الّذي قلناه من الأوّل إلى هنا.
وأخرى يقولون: إنَّ القرآن الكريم ليس له ظهور أصلاً، بل كله ألغاز واحاجٍ. يدّعون التخصّص لا لتخصّيص لحجية الظهور.
*****
قلنا: إنَّ الأخباريّين تارة يدّعون تخصيص كبرى حجّيّة الظواهر، بعد الاعتراف بأنّ القرآن الكريم له ظواهر، يقولون: أنَّ هذه الظواهر الثابتة في القرآن الكريم ليست بحجّة، بل هي خارجة تخصيصاً عن كبرى حجّيّة الظهور. وهذا مرجعه إلى دعوى تخصيص الكبرى.
وأخرى يقول: الأخباريّون بأنَّ الكتاب الكريم ليس له ظواهر في نفسه، بل هو من المجملات، حال القرآن الكريم حال الألفاظ المشتركة، أو حال الحروف الموجودة في أوائل السور، فكلّه من المجملات، فليس له ظهور في نفسه حتى يكون حجّة. وهذه الدعوى الثانية مرجعها على التخصّص، إلى خروج ظواهر الكتاب الكريم عن كبرى حجّيّة الظهور خروجاً تخصيصاً لا
ــــــــــ[51]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
خروجاً تخصيصيّاً، بمعنى أنّهم لا يعتبرونه صغرى من صغريات حجيّة الظهور؛ لإنكارهم حجيّة الظهور في الكتاب الكريم.
أمّا الدعوى الأولى وهي دعوى تخصّيص كبرى حجّيّة الظهور، فقد سبق الكلام فيها، وانتهينا ممّا يمكن أن يُستَدّل به من قبل الإخباريّين على ذلك.
ــــــــــ[52]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
انتهينا إلى الدعوى الثانية، وهي دعوى خروج ظواهر الكتاب الكريم تخصّصاً. بمعنى أنّه ليس فيه ظهور حتّى يكون حجة.
هذه الدعوى الثانية لها وجهان، فإنّه تارة يدّعى الإجمال الذاتيّ للكتاب الكريم، وأخرى يدّعى الإجمال العرضيّ للكتاب الكريم.
فإنّه تارة يدّعى أنَّ الكتاب الكريم خارج تخصّصاً عن كبرى حجّيّة الظهور، بمعنى أنّه مجمل ولا ظهور له وإجماله إجمال ذاتي. فكلّ القرآن حاله حال الألفاظ المفردة المجملة المشتركة. كما لو أُطلقت لفظة مولى وحدها، فإنّه لا يُعلم أنّه أُريد منها هذا المعنى أو هذا المعنى. فيُقال: إنَّ القرآن حاله حال ذلك. هذا دعوى الإجمال الذاتي.
وأخرى يدّعى الإجمال العرضي بلحاظ العلم الإجماليّ بالتخصيص والتقييد والتأويل ونحو ذلك. يقال: بأنَّ القرآن لو لوحظ في نفسه فله ظهور، إلّا أنَّ هذه الظواهر ابتُليَت بالإجمال ثانياً وبالعرض من ناحية العلم الإجماليّ، بأنّ هذه الظواهر قد طرأت عليها في الواقع تخصيصات وتأويلات وتقييدات، فأصبحت مجملة ثانياً وبالعرض. وإن كانت أولاً وبالذات ظاهرة. هذا نسميه بالإجمال العرضيّ، وذاك بالإجمال الذاتيّ. فهذه الدعوى تنحلّ إلى أمرين،
ــــــــــ[53]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أحدهما دعوى الإجمال الذاتيّ، والآخر دعوى الإجمال العرضيّ.
أمّا الأمر الأول -وهو دعوى الإجمال الذاتيّ-: فالإجمال الذاتي المدّعى للقرآن الكريم أيضاً يُتصور من ناحيتين: فإنّه تارةً يُدّعى الإجمال الذاتيّ للقرآن الكريم، من ناحية أنّه إجمال متعمّد مقصود من قِبَل الله تعالى. بمعنى أنَّ الله تعالى كان يمكن أن يصبّ معاني القرآن الكريم بقوالب واضحة مفهومة، ولكنّه اختار أن يصبّ هذه المعاني ويؤديها بعبارات مبهمة، وألفاظ غامضة لنُكتة. ولنفرض أنَّ هذه النُكتة: هي ما أُشير إليها في بعض كلماتهم، من جعل النّاس محتاجين إلى مراجعة الإمام. فإنّه لو فُرِض أنّ هذه المعاني قد بيّنها في قوالب واضحة، وألفاظ مفهومة. إذن، يستغني النّاس عن مراجعة الإمام، وحيث أنّ نظام الملّة لا يتمّ، ولا يستقيم إلا بربط الأمّة بالإمام. فمن هذه الناحية جعلت هذه المعاني مؤداة بألفاظ غامضة، وكلمات مبهمة؛ لأجل تأكيد الصلة والحاجة إلى الإمام. فهو إجمال ذاتي مقصود متعمّد؛ لأجل نُكتة وحكمة.
وأخرى يقال بالإجمال الذاتيّ، من ناحية أنّ طبع القضيّة يقتضي ذلك، فإنّ القرآن الكريم هو كتاب الله تعالى، وكتاب كلّ شخص تُقاس عظمته ودقّته وعلوّه وشموخه، بمقدار ذلك الشخص، فحينئذٍ الكتاب الّذي يؤلّفه من ألّف هذا العالَم على سعته وعظمته وجبروته، يجب أن يكون في أعلى مراتب الدقّة والشموخ النظري والفكري.
فإذا فُرِض أنّ معاني كتاب هندسة إقليدس كانت محلّ الإشكال والغموض،
ــــــــــ[54]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
كيف يُتصوّر أنّ القرآن الكريم تكون معانيه أقل شموخاً ودقّة وعمقاً من كتاب هندسة اقليدس؟ بل مقتضى النسبة بين المؤلِّف والمؤلَّف أن تكون معاني هذا الكتاب الّذي هو معجز في جميع خصوصيّاته، يجب أن تكون معانيه بالغةً حدّ الإعجاز في الدقّة، فإذا كانت كذلك، فلا تُفهم لا محالة(1).
أما الإجمال الأوّل: وهو الإجمال المتعمّد المقصود، فهذا المطلب هو الّذي تحكم بديهة العقل السليم ببطلانه، بلا حاجة إلى استئناف بحث، أو التأمّل في برهان. إذ أنّ شخص لو جاء إلى جماعة وادّعى لهم دعوى، ثُمّ تصدّى لبيانها وإثباتها، فذكر بياناً في مقام إثبات دعواه وتعمّد أن يكون هذا البيان غامضاً مبهماً، بحيث لا يفهمه أحد من هؤلاء الذين ادُّعى عليهم هذه الدعوى، لو أنّ شخصاً قام بمثل هذا العمل لعُدَّ شخصاً ناقصاً غير ملتفت إلى مقتضيات الحال. فكيف يُتصوّر مثل هذا المطلب، الّذي لا يمكن أن يُنسَب إلى شخص كامل ملتفت إلى المزايا، كيف يُتصوّر نسبته إلى الله تعالى؟
كيف يُحتمل أن يكون القرآن الكريم الّذي جاء لهداية البشر، وجاء لإثبات دعوى النبي للنبوة، وإفحام النّاس، وتوضيح المطاليب الإلهيّة إليهم مع الاستدلال عليها بإعجاز القرآن. كيف يُتصوّر أنّ مثل هذا الكتاب أتى به بنحو لا يفهمه النّاس.
ــــــــــ[55]ــــــــــ
() وأجاب هنا سيّدنا الأستاذ على سؤال حول ما إذا لم يكن من الممكن نزوله بألفاظ واضحة. هذا السنخ من المعاني لا يمكن أن يبين بألفاظ واضحة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
لو كان أتى به بنحو لا يفهمه النّاس. إذن، لا يتمّ المقصود من إنزال هذا الكتاب، ويكون نقضاً للغرض.
وأمّا مسألة أنّه بجعل الكتاب بنحو لا يُفهَم؛ لأجل أن يحتاج النّاس إلى الإمام. فهذا قبل أن تصل إلى الإمام، لابدَّ في المرتبة السابقة على ذلك من إثبات أصل النبوة والرسالة؛ لأجل أن نجعل النّاس مستعدّين للرجوع إلى الإمام في مقام تفسير القرآن، والقرآن هو المتصدّي لإثبات أصل النبوة، وأصل الرسالة في المرتبة السابقة على إثبات الإمام، فلابدَّ وأن يكون مثل هذا الكتاب واضحاً ومعلوماً ومفهوماً في المرتبة السابقة على إثبات الإمام؛ لأجل أن يكون دليلاً على إثبات الأصل الموضوعيّ الّذي تتفرّع منه إمامة الإمام.
إذن، فدعوى الإجمال الذاتيّ المتعمّد المتقصّد -ادّعاء مثل هذا- باطلة بالبديهة؛ لأنّه يؤدّي إلى نقض الغرض من إنزال الكتاب وبعث النبي.
وأمّا الإجمال بالمعنى الثاني: الإجمال الذاتيّ الناشئ من طبع القضيّة؛ وذلك لأنّ القرآن الكريم لابدَّ أن يكون كاملاً كمالاً إلهيّاً في جميع جهاته، مناسباً مع الله تعالى في جميع جهاته، ومنه دقّة المعنى وعمقه. فكيف يُتصوّر أن يصل كتاب بشري إلى مثل دقته؟ بل لابدَّ وأن يُفرَض أنَّ معاني القرآن الكريم أدق وأعمق وأعوص من جميع الكتب التي ألّفها البشر. وهذا يؤدّي لا محالة إلى إجماله إجمالاً ذاتياًّ ناشئاً من دقة نفس المعنى وسموّه.
فكما أنَّ كتاب هندسة إقليدس مجمل عند غير الفنيّين في الهندسة، فالقرآن ينبغي أن يكون أحكم وأكثر تركّزاً.
ــــــــــ[56]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هذا الإجمال الذاتيّ يختلف عن الإجمال الذاتيّ الأوّل، فإنّ هذا الإجمال الذاتيّ ناشئ من طبع القضيّة. بمعنى أنَّ طبع هذه المعاني لا يمكن أن يؤدّى إلَّا بهذه القوالب القاصرة عن توضيح تلك المعاني لعموم النّاس.
هذا البيان في الإجمال الذاتي، أيضاً سخيف غايته:
وذلك أمّا أوّلاً: فلأنّ أيّ كتاب كان في مقام حصوله على أعلى درجات كماله، لابدَّ وأن يُلحظ نُكتة الغرض من تأليف ذلك الكتاب.
فإذا فُرض أنّ إنساناً كتب كتاباً في الهندسة، فالغرض من تأليف هذا الكتاب هو اكتشاف القوانين المطلقة لعالم المكان المّادّي. فكلّما كان الكتاب أكثر دقّة وعمقاً في اكتشاف تلك القوانين، وأكثر قدرة على البرهنة على تلك القوانين، وأكثر تمكّناً من رفع الشبهات عنها، يكون مثل هذا الكتاب أحسن لا محالة. ولو فُرض أنَّ الله تعالى أنزل كتاباً بهذا الغرض -بغرض الكشف أو تحقيق قوانين المكان الّمادّي- للزم أن تكون دقّته فوق دقّة كتاب هندسة إقليدس بما لا يتناهى من المراتب.
وأما لو فُرض أنَّ شخصاً ألّف كتاباً بقصد هداية البشر وتوجيههم إلى طريقة الحقّ، وصُنع الإنسان الصالح السعيد في دنياه وآخرته. وكان الغرض من الكتاب هذا المطلب، حينئذٍ يقاس مقدار نجاح هذا الكتاب، ومقدار أهميّته بمقدار حصول هذا الغرض. فكلّما كان الغرض أكثر حصولاً، وكان الكتاب أكثر إحاطة بالجهات الدخيلة فيه، كان الكتاب أنجح، ومطلبه أشمخ وكان مؤلّفه أكثر توفيقاً.
ــــــــــ[57]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وبعد الالتفات إلى هذه النُكتة وهو أن قيمة كلّ كتاب يُقاس لا بلحاظ دقّته في نفسه، بل بلحاظ الوظيفة المقصودة منه. حينئذٍ يقال: بأنَّ القرآن الكريم لم ينزل لأجل تعليم النّاس الهندسة أو الرياضيات أو الفيزياء، أو أيّ علم من العلوم. وإنّما أُنزِل على البشر لهدايتهم، وخْلق الإنسان الصالح السعيد في الدنيا والآخرة.
وغرض القرآن الكريم هو هذا المطلب الذي عبّر عنه في الكتاب بالإحياء للإنسان، وإخراجه من الظلمات إلى النّور. فإذا كان الغرض من إنزال الكتاب الكريم هو هذا، فهو سنخاً يختلف في غرضه عن غرض تمامّ الكتب العلميّة الهندسيّة والأصوليّة والفقهيّة والفيزيائيّة، وسائر الكتب النظريّة. ومقدار نجاح هذا الكتاب في هذا المطلب باعتباره كتاباً إلهيّاً، يجب أن يكون أعظم بما لا يتناهى من نجاح أي كتاب آخر ألَّفه البشر؛ لأجل هذا الغرض.
إذن، فمقتضى إلهيّة القرآن وألوهيّته على سائر الكتب، كونه في مقام تحصيل غرضه أشمخ من بقّية الكتب. ومن المعلوم، أنَّ هذا الغرض وهو خْلق الإنسان الصالح السعيد الورع، لا يحصل ببيان الألغاز والأحاجي الهندسيّة والرياضيّة. فإنَّ هذه الرموز النظريّة لا تخلق الأناس الصالحين(1).
النبيّ نبيّ للنّاس أجمعين، وهذا الغرض -غرض تبديل العالم وتكميل البشر- لا يتحقق إلَّا بذكر واستيعاب وبالإحاطة بتمام المؤثّرات الدخيلة في تغيير الإنسان، روحيّاً وخلقيّاً وفكريّاً، من نواحيه الإنسانيّة والروحيّة، لا من نواحيه العلميّة البحتة.
ــــــــــ[58]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان متمتماً: تُميتهم! (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
والقرآن من هذه الناحية، مستجمع لأفضل ما يمكن أن يستجمعه كتاب يؤلَّف بقصد تحصيل هذا الغرض. هو معجز -من هذه الناحية- إعجازاً تحدّى به تمام النّاس حتّى يومنا هذا.
إلَّا أنَّ إعجازه من هذه الناحية يتوقف على أن تكون معانيه واضحة وميسّرة، وملتقية مع عواطف النّاس ومشاعرهم، قادرة على النفوذ إلى قلوب الناس، حتّى تغيّر هذه القلوب وتخرجها من الظلمات إلى النّور. إذن، فإعجاز القرآن هنا يقتضي عكس المطلب. لا أنّه يقتضي أن يكون هذا الكتاب أغمض من كتاب هندسة إقليدس، بل إعجازه يقتضي أن يكون من الكتب الواضحة النافذة إلى القلوب القادرة على التأثير.
ولهذا كان قراءة أربعة أسطر من هذا الكتاب العجيب، كان ينفذ إلى قلب المشرك، هذا المشرك الغارق في الظلام، ويخرج من الظلمات إلى النّور. وهذا هو أحد نتائج إعجازه.
إذن، فهذا الإعجاز في صالح دعوى الأصوليّين، وليس في صالح الإخباريّين؛ فإنَّه يشخّص أنَّ له ظواهر، لا أنَّه مجمل ذاتاً. هذا أولاً.
وثانياً: نحن لا نتصوّر، ولا نتعقّل إعجازاً يؤدّي إلى هذا الغموض والإجمال في باب الأحكام الشرعيّة. فإنَّه في باب الأحكام الشرعيّة التي مرجعها إلى أنَّ هذا حلال وهذا حرام، وهذا جائز وهذا مستحب -في نفس مرتبة الأحكام الشرعيّة- لا نتعقّل هذا الغموض والإبهام؛ لأنَّ الوجوب والاستحباب والحليّة والإباحة أمور مفهومة للنّاس.
ــــــــــ[59]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
والإعجاز المتصوّر إنمَّا هو إعجاز بلحاظ ملاكات الأحكام الشرعيّة، والمصالح والمفاسد التي يستند إليها الحكم الشرعي. ومن المعلوم إنَّ الإعجاز بلحاظ الملاكات، لا دخل له بفهم نفس الأحكام الشرعيّة المُبيّنة في نفس القرآن الكريم.
إذن، فدعوى الإجمال الذاتيّ هنا دعوى سخيفة، سواءً كانت بلحاظ الإجمال المتقصّد المتعمّد، أو بلحاظ إعجاز القرآن، وبلحاظ طبع القضية. فإنَّ الإجمال الذاتي بكلا الوجهين ممّا لا يمكن ادّعائه احتمالاً، فضلاً عن التصديق به. هذا حال الإجمال الذاتي.
وأمّا الإجمال العرضي: إنّما هو بلحاظ العلم الإجماليّ. بأن يقول الأخباريّون: بأنَّ القرآن وإن كان له ظواهر في نفسه، إلَّا أنّها ابتُليّت بالإجمال ثانياً وبالعرض، من ناحية العلم الإجماليّ بورود التخصيصات والتقييدات والتأويلات، ونحو ذلك من الأمور.
فمن هذه الناحية لابدَّ من التوقّف عن العمل بظواهر الكتاب الكريم.
هذا المطلب ليس بشيء في المقام؛ لأنَّه يكفي في هذه المسألة أن نقابل الأخباريين بالنقض بالسُنّة الشريفة، فإنّ حال السُنّة حال الكتاب من هذه الناحية. فإنّنا لو أخذنا مجموع الروايّات الواردة عن الإمام الباقر أيضاً، نعلم إجمالاً بورود المخصّصات والمقيّدات عليها من ناحية الأئمّة الّذين بعده خصوصاً الإمام الصادق.
ــــــــــ[60]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فلو تمّ هذا البيان في القرآن، فلابدَّ وأن يتمّ بالنسبة إلى روايّات كلّ إمام إمام أيضاً؛ حيث إنّه لو لوحظت في نفسها، فيعلم إجمالاً بوجود المخصّصات والمقيّدات بالنسبة إليها.
والصحيح أنَّ هذا البيان غير تامّ، لا في القرآن ولا في السُنّة؛ وذلك لمِا حقّقناه مفصّلاً في بحث العامّ والخاصّ، من أنَّ هذا العلم الإجماليّ بالمخصّصات والمقيّدات إنّما يقتضي وجوب الفحص عن المخصّص والمقيّد قبل العمل بالظهور، لا أنّه يقتضي سقوط الظهور رأساً عن الحجّيّة.
وتفصيل الحال في هذا العلم الإجماليّ واقتضائه، ومقدار اقتضائه، وكيفيّة انحلاله، كلّ ذلك سبق في بحث العامّ والخاصّ. إذن، فهذا الإجمال العرضيّ أيضاً لا محصّل له.
وبهذا انتهت الدعوى الثانية للأخباريّين أيضاً. وظهر بذلك حجّيّة ظواهر القرآن الكريم. وهذا هو التفصيل السادس الذي بحثناه في الجهة الرابعة من المقام الأوّل من حجّيّة الظهور. وبهذا انتهت الجهة الرابعة من المقام الأوّل.
وبعد هذا نشرع في المقام الثاني، وهو في إثبات الصغرى، بعد الفراغ عن كبرى حجّيّة الظهور، نتكلم أنّه كيف يمكن إثبات الظهور للفظ من الألفاظ.
ــــــــــ[61]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
قلنا: إنَّ الكلام في بحث الظواهر ينقسم إلى مقامين:
المقام الأوّل: في إثبات كبرى حجّيّة الظهور، وتحقيق ما يرجع إلى هذه الكبرى موضوعاً ومحمولاً ونسبة.
المقام الثاني: بعد الفراغ عن حجّيّة الظهور، نتكلم في أنَّ الظهور إذا شُكّ في وجوده فما هو طريق تعيينه.
فإنّه إذا فُرض أنّ اللفظ كان يُعلم بوجود ظهور له في معنى معيّن، فتنطبق عليه الكبرى الّتي بحثناها. وإمّا إذا فُرض أنّ اللفظ كان مّما يُشكّ في وجود ظهور له في هذا المعنى، فما هي الطرق والوسائل، في إثبات ظهور ذلك اللفظ في المعنى واستكشاف مدلوله؟ هنا سوف نبيّن عدة طرق وأساليب، في مقام إثبات الظهور عند الشكّ فيه، بحسب الخارج.
وقبل الدخول في بيان هذه الأساليب والطرق، لابدَّ من دفع توهّم مشهوري، قد يخطر في قبال عنوان هذه المسألة.
قد يقال: بأنّه لا معنى لطرح هذه المسألة بهذه الصيغة؛ وذلك لأنَّ الظهور الّذي هو موضوع الحجّيّة ليس أمراً غيبيّاً يُشكّ فيه، بحيث يُحتمل وجوده ويّحتمل
ــــــــــ[62]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
عدمه؛ فإنُّه ليس من الأمور الواقعيّة الغيبيّة، الّتي تقع مورداً للشكّ والاشتباه؛ حتّى يفتّش عن الطرق في إثبات هذا الظهور؛ وذلك بناءً على ما استقرّ عليه الرأي في الأصول الأخير: يعني ما بين المحقّقين المتأخّرين(1). من أنَّ أصالة الحقيقة ليست أصلاً تعبدّيّاً، وإنّما هي بملاك الظهور الفعليّ للّفظ. فموضوع الحجّيّة إنّما هو الظهور الفعليّ للّفظ، والظهور الفعليّ للّفظ ليس له وجود ووعاء إلَّا وعاء ذهن السامع، وانسباق ذهنه إلى معنى معيّن من اللفظ. فهو بمنزلة الأمور المعلومة بالعلم الحضوريّ. فإنَّ الظهور بهذا المعنى يرجع بالآخرة إلى ظاهرة من ظواهر نفس السامع وذهنه، فهي معلومة له بالعلم الحضوريّ.
فإن فُرض أنَّ اللفظ كان له ظهور بالفعل في ذهنه، فلا يُتصوّر شكّ من قِبَله بالظهور، وإن لم يكن ظهور في وعاء ذهنه وفهمه من هذا اللفظ. إذن، فلا ظهور جزماً. فكيف يُتصوّر في المقام فرض ظهور مشكوك؟
وإنمّا يصحّ هذا الفرض بناءً على أنَّ أصالة الحقيقة معتبرة من باب التعبّد. أي أنَّ موضوع أصالة الحقيقة هو الوضع اللغويّ. حينئذٍ يكون الوضع اللغويّ محلّاً للشكّ. لا ندري بأنَّ كلمة الصعيد موضوعة لأيّ معنىً؟ فيقع بحث في أنَّه كيف يمكن أن نثبت الوضع اللغويّ؟
لكن بعد أن استقر بناء المتأخّرين على أنَّ موضوع الحجّيّة ليس هو الوضع اللغويّ، وإنَّما موضوعها هو الظهور الفعليّ. فمثل هذا الموضوع لا يُتصوّر في حقّه الشكّ. وعلى هذا النزاع بين المتقدّمين والمتأخّرين بين علماء الأصول في
ــــــــــ[63]ــــــــــ
(1) انظر، كفاية الأصول: 233، نهاية الأفكار 1: 67.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هذه المسألة، بُنيت مسألة احتمال قرينيّة المتّصل. كما ذكرناه فيما سبق. كما لو صدر من المولى كلام، وكان ظاهراً في العموم، نحو أكرم كلّ عالم. ثُمَّ اتّصل به كلام آخر، وكان محتمل القرينيّة على التخصيص والتقييد والتأويل.
هنا، لو قيل: بأنَّ موضوع الحجّيّة هو الوضع اللغويّ، فالوضع اللغويّ هنا ثابت، فإنَّ أداة العموم موضوعة للعموم، واحتمال قرينيّة المتّصل لا يؤثّر شيئاً. وأما لو قيل: بأنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور الفعليّ، فبعد احتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة، لا يبقى لمثل هذا الكلام ظهور فعليّ في العموم.
ومن هنا بيّن علماء الأصول المتأخّرون على عدم حجّيّة مثل هذا الكلام في إثبات العموم؛ لأنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور الفعليّ، وهذا الكلام ليس له ظهور فعليّ في العموم.
خلاصة هذا التوهّم هو: أنَّ موضوع الحجّيّة إن كان هو الوضع اللغويّ، فهو أمر غيبي يمكن أن يشكّ فيه الإنسان، وأمّا إذا كان موضوع الحجّيّة هو الظهور الفعليّ، فهو أمر حضوري لدى الإنسان، ولا يمكن الشكّ فيه. وحيث إنّ المُحقَّق في مقام النزاع بين المتقدّمين والمتأخّرين من علماء الأصول، أنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور الفعليّ، لا الوضع اللغوي. فمن هذه الناحية لا مجال لطرح هذه المسألة بهذا العنوان، بل لابدَّ من طرحها بعنوان آخر.
هذا خلاصة ما يُنتَزع من كلام القوم من التوهّم بالنسبة إلى طرح هذه المسألة. والواقع، أنَّ موضوع الحجّيّة أمره ليس دائراً بين هذين الأمرين: بين أن يكون موضوع الحجّيّة هو مجرد الوضع اللغويّ، وبين أن يكون موضوع
ــــــــــ[64]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الحجّيّة هو الظهور الفعليّ المنتقش في ذهن السامع بالفعل، حتّى يقال لنا حيث إنَّ الأمر دائر بين هذين الشقّين، وأنتم لا تلتزمون بالشق الأوّل، حيث إنّكم لا تبنون على حجّيّة العموم فيما إذا احتمل قرينيّة المتّصل فيه. إذن، فيتعيّن الشق الثاني، ومع تعيّن الشق الثاني لا مجال للشكّ.
الأمر ليس دائراً بين هذين الأمرين، بين الوضع اللغويّ البحت والظهور الفعليّ. وأصل تلك المسألة -مسألة احتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة سقوطه عن الحّجيّة- ليس متوقّفاً على القول هنا، بأنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور الفعليّ، بل نلتزم بسقوط ذلك الكلام عن الحجّيّة، حتّى مع عدم الالتزام بأنَّ موضوع الحجية هو الظهور الفعليّ.
والواقع أنّ تخيّل الأمر دائر بين هذين الشقّين -بين الوضع اللغوي البحت، وبين الظهور الفعليّ الحاضر في ذهن السامع- أوجب كثيراً من التفريعات، والمغالطات في كلمات الأصوليّين المتأخّرين الّتي لم تكن موجودة في كلمات الأصوليّين المتقدّمين.
والتحقيق في هذه المسألة: أنَّ الحقّ مع الأصوليّين المتقدّمين دون الأصوليّين المتأخّرين، بمعنى أنّ موضوع الحجّيّة ليس هو الظهور الفعليّ. لكن لا نريد بهذا أن نقول: بأنَّ موضوع الحجّيّة هو مجرّد الوضع اللغويّ؛ حتّى يُشكَل علينا أنَّه في موارد احتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة الوضع اللغويّ ثابت، فلماذا لا تتمسّكوا بهذا الكلام؟
ــــــــــ[65]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بحسب الحقيقة المقابلة ليست بين هذين الأمرين: بين الظهور الفعليّ وبين الوضع. فإنَّ احتمال أن يكون موضوع الحجّيّة مجرّد الوضع اللغويّ، هذا الاحتمال ساقط في نفسه.
إلَّا أنّ المقابلة بين ظهورين، إمّا أن يكون موضوع الحجّيّة هو الظهور الفعليّ في مرتبة فهم السامع، وإمّا أن يكون موضوعها هو الظهور اللغويّ، في مرتبة تقنين قوانين اللّغة.
فموضوع الحجّيّة دائر بين هذين الأمرين، وسوف نبيّن أنّه على كلّ من الحالين سواءً كان موضوع الحجّيّة هو الظهور الفعليّ في مرتبة ذهن السامع، أو الظهور اللغويّ في مرتبة تقنين قوانين اللغة. على كلّ من الحالين ذاك الكلام المحتف بما يصلح للقرينيّة لا يجوز العمل به، ويسقط عن الحجّيّة، مع فرق سوف نشير إليه بين هذين المسلكين.
وأنا حينما أقول: بأنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور اللغويّ، لا أقصد باللغة هنا خصوص اللغة الموجودة في القاموس، يعني اللغة الأصليّة في قبال العرف. لا أريد هذا، بل أريد باللغة الأعمّ من اللغة الأصليّة، أو اللغة الثانويّة وهي لغة أهل العرف؛ لأنَّ متفّاهم أهل العرف أيضاً لغة من اللّغات، غاية الأمر أنَّ هذه لغة ثانويّة وتلك لغة أصليّة.
حينما أقول: الظهور اللغوي. أريد باللغة هنا، النظام المتبّع في مقام التكلّم والتفهيم والتفهّم، سواءٌ كان هذا النظام هو نفس النظام الأوّلي المحفوظ منذ ألف سنة، أو النظام الحادث. فإنّ الفرق بين اللغة والعرف فرق زمني لا فرق حقيقي.
ــــــــــ[66]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بعد تفسير اللغة بهذا المعنى، يجب أن نفسّر مقصودنا من الظهور اللغوي، ومقصودنا من الظهور الفعليّ، ثُمَّ بعد هذا نبرهن على أنّ موضوع الحجّيّة هو الظهور اللغويّ، وليس هو الظهور الفعليّ، ثُمَّ بعد هذا نرى أنَّ هذا الظهور اللغويّ أنَّه هو موضوع الحجّيّة، أمر قابل للشكّ فيه. وحينئذٍ ندخل في البحث. هذا هو منهاج البحث.
ما هو مقصودنا من الظهور اللغويّ، وما هو مقصودنا من الظهور الفعليّ.
مقصودنا من الظهور اللغويّ: الدّلالة الّتي تتعيّن للكلام بلحاظ القوانين الموجودة في تلك اللغة. الدلالة التصديقيّة النهائيّة الّتي تتعيّن للفظ بمقتضى قوانين ذلك النظام اللغويّ العامّ الّذي سار هذا الكلام على طبقه. يعني بمقتضى قوانين اللغة العربيّة، لو كان الكلام عربياًّ أو بمقتضى قوانين لغة أخرى لو كان الكلام من لغة أخرى.
وأمّا الظهور الفعلي: فهو عبارة عن المعنى الّذي ينسبق إليه الذهن، ويتبادر إليه من هذا الكلام بالفعل، بالنسبة إلى هذا السامع.
وبعد أن نعرف معنى الظهور اللغويّ، والظهور الفعليّ، نعرف أنَّ الظهور اللغويّ دائماً واحدٌ في كلّ لغة، والظهور الفعليّ متعدد، ومختلف. فإنَّ أيّ لغة تفرضونها، فإنَّ النظام المتّبع، والقانون الكلّي المتّبع في تلك اللغة، يقتضي دلالة معيّنة بالنسبة إلى هذا الكلام، أو يقتضي دلالّات متعدّدة، فيما إذا كان مجملاً. على أيّ حال اقتضاؤه لا يختلف من شخص بالنسبة إلى شخص آخر. ودلالته
ــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بمقتضى قوانين اللغة أمر واقعيّ ثابت بثبوت تلك اللغة، وبثبوت نظامها، سواءٌ علم به الإنسان، أو لم يعلم به الإنسان.
لا معنى لأن يقال بأنَّ هذا اللفظ بالنسبة إلى هذا الشخص له دلالة، وبالنسبة إلى ذاك الشخص ليس له دلالة؛ لأنَّ هذه الدّلالة لا تتكوّن في ذهن الانسان، بل تتكوّن نتيجة للنظام العامّ في مقام التفهيم والتفهّم في تلك اللغة.
فمادام يوجد نظام عامّ للغة من اللغات، فهذا النظام العامّ هو الّذي يُقيِّم ويُحدِّد ويُسعِّر مداليل الكلام، ويعطي لكلّ كلام دلالة خاصّة.
وأما الظهور الفعليّ، فهو يختلف من شخص إلى آخر في أبناء لغة واحدة. فإنَّ الظهور الفعليّ كما بيّنا: عبارة عن المعنى الّذي ينسبق، ويتبادر إلى الذهن من الكلام بالفعل، فوعائه ذهن السامع. ومن المعلوم أنَّ ذهن السامع ليس مفرّغاً، بل هو وعاء مشحون -متروس على ما يعبّر في العروة- بمختلف الخصوصيّات السابقة، والعوامل والمؤثّرات المقتنصة من المحاورة والتعايش. وذهن كلّ سامع يختلف عن ذهن سامع آخر باعتبار اختلاف السامعين في عدد مرّات سماع هذا الكلام مستعملاً في هذا المعنى، واختلاف علاقة كلّ فرد منهم بهذا المعنى في حياته ومعيشته. واختلاف انتباه الأفراد وذكائهم.
هذه خصوصيّات تختلف من سامع إلى سامع من أبناء لغة واحدة، ومن هنا لا يكون للكلام الواحد العربي بالنسبة إلى أفراد من أبناء لغة العرب، لا يكون له ظهور فعليّ واحد، بل قد يكون له ظهورات فعليّة متعدّدة.
هذا الكلام شأنه شأن الماء، فكما أنّ الماء يجري إلى أوعية مختلفة في ألوانها،
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
يكتسب لون ذلك الوعاء فيصير أحمر تارةً، وأبيض أخرى، وأصفر ثالثة، كذلك هذا الكلام حينما يجري إلى ذهن كلّ سامع يتلوّن بطبيعة ذلك الذهن، وبمؤثّراته وبالمعلومات المسبقة في ذلك الذهن، فالظهور الفعليّ لكلّ كلام هو نتيجة للغة، زائداً المؤثرات الشخصيّة، وما في ذهن السامع من خصوصيّات مسبقة، لا للغة وحدها.
بخلاف الظهور اللغوي، فإنَّه نتيجة للغة وحدها. أظنّ أنَّه حتّى الآن أصبح الفرق بين العنوانين: الظهور الفعليّ، والظهور اللغويّ في غاية الوضوح.
بعد هذا يقع الكلام في أنَّ موضوع الحجّيّة ما هو؟ هل هو الظهور الفعليّ أو هو الظهور اللغويّ؟
وعلى كلّ من التقديرين: فذاك الكلام المحتف بما يصلح للقرينيّة لا يكون حجّة، كما لو قال المولى: أكرم كلّ عالم ولا تكرم زيداً، وتردّد أمر زيد بين أن يكون زيد العالم، أو زيد غير العالم. فقد اقترن بما يصلح للقرينيّة. هنا لا الظهور الفعليّ ثابت، ولا الظهور اللغويّ محرز. أما الظهور الفعليّ فهو غير ثابت بلا إشكال، إذ أنّنا عندما يُلقى علينا مثل هذا الكلام ونحن لا ندري أنَّ المراد من زيد هل زيد العالم، أو زيد الجاهل؟ لا ينتقش في ذهننا وجوب إكرام زيد العالم، ولا يتبادر إلى ذهننا العموم، بل نبقى متردّدين لا ندري هل أراد العموم أم لم يرد العموم؟
كما أنَّ الظهور اللغويّ أيضاً غير ثابت؛ لأنَّ كلمة كلّ وإن كانت موضوعة
ــــــــــ[69]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
للعموم، إلَّا أنّنا قلنا: إنَّ مقصودنا من الظهور اللغويّ ليس هو مجرّد الدّلالة الوضعيّة التصوريّة، بل هو الدّلالة التصديقيّة النهائيّة الّتي تتعيّن بمقتضى قوانين تلك اللغة. ومن المعلوم في المقام، إنّنا لا ندري أنَّ قوانين اللغة هل تسمح لنا بالقول بأنَّ المراد هنا هو العموم أو لا؟؛ لأنَّ كلمة زيد إن كان المراد منها في المقام هو زيد العالم، فقوانين اللغة لا تسمح لنا بذل؛ لأنّها تحكم المخصص، المخصص المتّصل في العامّ. ونحن لا ندري أنّ هذا مخصص متصلّ أو لا؟ إذن، فنحن لا نحرز أنّ قوانين اللغة تقتضي في المقام حمل هذا الكلام على العموم.
فحمل هذا الكلام على العموم لا يجوز، سواءٌ قلنا: إنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور الفعليّ كما يقول المتأخّرون، أو قلنا: بأنَّ موضوعها هو الظهور اللغويّ.
نعم، هناك فرق بين هذين المسلكين. في أنَّه إذا قلنا: إنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور الفعليّ، فنجزم بعدم الظهور؛ لأنّ الظهور الفعليّ منتفٍ جزماً. وأمّا إذا قلنا: بأنَّ موضوعها هو الظهور اللغوي، فنشكّ في وجود هذا الظهور؛ لأنّا نشكّ في أنَّ قوانين اللغة هل تأذن بحمل الكلام على العموم أو لا تأذن؟ فإنَّه إن كان قوله لا تكرم زيداً تخصيصاً، فقوانين اللغة العربيّة لا تأذن بحمل الكلام على العمو، وإلَّا فهي تأذن بذلك.
والثمرة الفقهيّة الّتي تترتّب بين هذين المسلكين ثمرات عديدة، من أهمّها ما لو فُرِض أنَّ ما ورد عليه مخصّص متّصل دائر أمره بين المتباينين، كما إذا قال:
ــــــــــ[70]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أكرم كلّ عالم ولا تكرم زيداً، ونحن نعلم إنَّ زيداً عالماً، ولكن لا ندري أنَّه زيد بن أرقم أو زيد بن خالد. هنا لا يجوز العمل بهذا العامّ، لا بالنسبة إلى زيد بن خالد ولا بالنسبة إلى زيد بن أرقم؛ لأنَّ العمل بهذا العامّ بالنسبة إلى أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح. والعمل بالعامّ فيهما معاً خلاف العلم بالتخصيص، فلا يجوز أن نعمل بالعامّ في كِلا الزيدين.
لكن بناءً على مسلكنا، من أنَّ موضوع الحجّيّة هو الدّلالة اللغويّة والظهور اللغويّ، لا الظهور الفعليّ، نتمسّك بالعامّ بالنسبة إلى غير زيد المراد من هذا اللفظ على إجماله، فنثبت قضيّة إجماليّة. ويتكوّن لنا ببركة هذا العموم وجوب إكرام زيد الآخر على إجماله، فيتكوّن لنا علم إجمالي بوجوب إكرام أحد الزيدين، وتجري عليه قوانين العلم الإجمالي حينئذٍ.
وأمّا بناءً على الكلام المشهوريّ، وهو: أنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور الفعليّ، فهنا لا ظهور فعليّ، لا في هذا ولا في ذاك، فلا يجوز التمسّك بهذا العامّ لا بالنسبة إلى زيد، ولا بالنسبة إلى زيد الآخر، ولا بالنسبة إلى الواقع المردّد. فإنّه بالفعل لم ينتقش في ذهننا لا هذا ولا ذاك، ولا أحدهما المردّد. وتفصيل الكلام في أمثال هذه الثمرات، في بحث العامّ والخاصّ.
والمهم في المقام هو أن نفرّق بين هذين العنوانين: عنوان الظهور اللغويّ وعنوان الظهور الفعليّ.
موضوع الحجّيّة، على ما يظهر من المتأخّرين هو الظهور الفعليّ، بناءً منهم على أنَّ موضوع الحجّيّة ليس هو الوضع. إذن، فهو الظهور الفعليّ. مع أنّ هناك
ــــــــــ[71]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
شيئاً آخر بين الوضع وبين الظهور الفعليّ، وهو ما سميّناه بالظهور اللغويّ.
وأظنّ أنَّ مبنى المتقدّمين لم يكن على ما يُنسب إليهم، من أنَّهم قائلون بأصالة الحقيقة تعبّداً، يعني أنّ موضوع الحجّيّة هو الوضع، بل أظنّ أنّ مرادهم هو ما نختاره، وهو أنَّ موضوعّ الحجّيّة هو الظهور اللغويّ. يعني الدّلالة الّتي تتعيّن للفظ بلحاظ نظام اللغة فقط، لا بلحاظ نظام اللغة زائداً عليها خصوصيّات ذهن السامع. هذا كلّه في مقام شرح المطلب تصوّراً.
بعد هذا نجيء إلى الجنبة التصديقيّة، أنّ الصحيح هو أنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور اللغويّ، لا الظهور الفعليّ.
في أوّل بحث الظواهر، في المقام الأوّل الّذي فرغنا منه قلنا: بأنَّ حجّيّة الظواهر بالسيّرة العقلائيّة، إنّما هي باعتبار الكشف، باعتبار كون الظاهر كاشفاً عن المعنى المراد. وهذا الكشف يكون ببيان: أنَّ طبع المتكلّم من أبناء اللغة أنّه يطبّق ظاهر كلامه على واقع كلامه، ويأتي بالكلام، بحيث يكون ظهوره على وفق مراده الواقعي. وبينّا أنَّ هذا الطبع ملاكه الغلبة الناشئة من حساب الاحتمالات، بنحو أشرنا إليه هناك. فهذه الغلبة تقتضي مثل هذا الكشف، ومثل هذا الظنّ والرجحان، حيث إنَّ الغالب في كلّ متكلّم أنّه يطبّق ظاهر كلامه على واقع مرامه، فيتكوّن من هذه الغلبة -بمقتضى حساب الاحتمالات- كشف ظنيّ، وطبع عقلائي لكلّ متكلّم. هذا الذي نسمّيه: بأنَّ طبع كلّ متكلّم هو أن يطبّق ظاهر كلامه على واقع مرامه.
ــــــــــ[72]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بعد أن نعرف أنَّ أساس حجّيّة الظهور إنّما هو الكشف بهذا المعنى، وأنَّه لا يُحتمل أن تكون حجّيّة الظهور حجّيّة تعبدّيّة بقطع النظر عن جهة الكشف. حينئذٍ نأتي إلى محل الكلام فنقول: هل أنَّ طبع كلّ متكلّم تطبيق ظاهر كلامه على واقع مرام؟ هل ظاهره كلامه الفعليّ على واقع مرامه، أو ظاهر كلامه اللغويّ على واقع مرامه؟
لا إشكال في طبع المتكلم هنا، وما هو شأن المتكلّم والغالب فيه وعادته إنمّا هو تطبيق الظاهر اللغويّ لكلامه على واقع مرامه، لا تطبيق الظاهر الفعليّ في ذهن السامع على واقع مرامه. المتكلّم يطبّق مراده على ما يقتضيه من ظهور للكلام على أساس قوانين اللغة الّتي يعرف. فهو يتكلّم على أساس ما يعرفه هو لا على أساس ما يعرف غيره.
الظهور الفعلي: عبارة عن انسباق معنى خاصّ إلى ذهن السامع نتيجة للغة مع خصوصيّات السامع. والمتكلّم في مقام التكلّم لا يلحظ خصوصيّات السامعين المتباينة المختلفة بعضها عن بعض، وإنّما يلحظ خصوصيّة فهمه للغة. فهو يطبّق ظهور كلامه المُستنبَط من معلوماته عن اللغة على واقع مرامه، يعني يجعل كلامه بمقتضى النظام العامّ المشترك بين أبناء اللغة دّالاً على مرامه، لا أنّه يجعل كلامه بمقتضى ذهن سامع معيّن مطبَّق على مرامه. وهذا أمر في غاية الوضوح. فإنَّ كلّ متكلّم إنّما يلحظ مقدار اطلاعه على اللغة.
طبعاً أنتم تعلمون بأنَّ شخصاً ابن لغة ليس معناه أنّه يفهم تمام تلك اللغة، وإنّما أبناء اللغة يعرفون مقداراً مشتركاً من تلك اللغة. وأمّا الباقي من اللغة لا
ــــــــــ[73]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
يعرفها حتّى الكثرة الكاثرة من أبناء اللغة، وإنّما هي أمور ثابتة في نظام اللغة لا يعرفها إلَّا من التفت إليّها وتعلّمها واستذكرها.
هنا، لو أراد المتكلّم أن يتكلّم في غير هذا المقدار المشترك الّذي يعرفه تمام أبناء اللغة، على ماذا يعتمد؟ طبعاً، يعتمد على الدلّالة اللغويّة، لا على الظهور الفعليّ. يعني: يحاول أن يجعل مراده منطبقاً على الظهور اللغويّ لكلامه، لا على الظهور الفعليّ لكلامه؛ إذ ليس لكلامه ظهور فعليّ.
وهكذا الحال فيما يكون له ظهور فعليّ؛ لأنَّ الظهور الفعليّ يختلف من ذهن سامع إلى ذهن سامع آخر، والمفروض أنَّ هذا المتكلّم يريد أن يتكلّم على طبق نظام مُعترَف به عند الجميع، والنظام المُعترَف به عند الجميع إنّما هو نظام اللغة فقط. وأمّا هذا الظهور الفعليّ المُعترَف به عند هذا الشخص، بحسب الحقيقة هذا يرجع إلى لغة شخصيّة لهذا الشخص، وكذلك الشخص الآخر.
وإن شئتم قلتم: بأنَّ الظهور الفعليّ يعبر عن لغة شخصيّة لكلّ شخص، والظهور اللغويّ يعبّر عن اللغة المشتركة. ومن المعلوم أنَّ كلّ إنسان حينما يتكلّم، يتكلّم بمنظار اللغة المشتركة لا أنَّه يتكلّم بلغة شخص من الأشخاص الآخرين.
إذن، فموضوع الحجّيّة هو الظهور اللغويّ، لا الظهور الفعليّ.
نعم، قد يكون الظهور الفعليّ أمارة تعبّداً، أو بوجه من الوجوه الّتي سوف يأتي بيانها على تعيين الظهور اللغوي، فيكون امارة على الامارة، لا أنّه هو موضوع الحجية ابتداء.
ــــــــــ[74]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
اذن، ما هو موضوع الحجّيّة ابتداء؟ هو: الظهور اللغويّ الأوّلي؛ لأنّه هو الّذي يقتضي طبع كلّ متكلّم أن يجري على وفقه، دون الظهور الفعليّ الّذي هو عبارة عن اللغة الشخصيّة لكلّ متكلّم، والّذي يتمايز به كلّ متكلّم عن سائر المتكلّمين، وكلّ سامع عن سائر السامعين. فمثل هذه اللغة لا يجري عليها المتكلّم في مقام التعلّم.
نعم قد يُجعَل الظهور الفعليّ أمارة على الظهور الفعليّ. وهذا أمر معقول وممكن، بل واقع، على ما سوف يأتي التكلّم فيه. لكنّ هذا غير ما عليه المتأخّرون من أنَّ موضوع الحجّيّة ابتداءً هو الظهور الفعليّ.
قلنا(1): في بداية الدخول في المقام الثاني، مقام إثبات صغرى الظهور عند الشكّ فيه. قلنا: إنّه لابدَّ من الكشف عن نُكتة، وهو أنَّ موضوع الحجّيّة أولاً وبالذات ليس هو الظهور الفعليّ، بل هو الظهور اللغويّ. وليس مقصودنا من الظهور اللغويّ، اللغة في مقابل العرف كما يُستعَمل كثيراً في الألسنة، بل مقصودنا من اللغة: النظام العامّ للتكلّم، سواء كان نظاماً أوليّاً أو ثانويّاً. فالظهور اللغوي: نعني به هو الدلالة التي تتعيّن للفظ بمقتضى هذا النظام العامّ، والذي يكون معتَرفاً به للمتكلّم والسامعين.
ونريد بالظهور الفعليّ، انسباق معنى معيّن إلى ذهن شخص معيّن من هذا
ــــــــــ[75]ــــــــــ
() لخص سيّدنا الأستاذ ما كان قاله في المحاضرة السابقة توضيحاً ونحن نذكره هنا على وجه الاختصار. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
اللفظ. وقلنا: إنَّ هذا الانسباق يكون نتيجة لأمرين: أحدهما هو ذاك النظام العامّ المعترَف به عند الكلّ، زائداً عليه الخصوصيّات الشخصيّة -في ذهن كلّ شخص- الدخيلة في كيفية فهمه للمعاني من الألفاظ.
فموضوع الحجّيّة: هو الظهور اللغوي بذلك المعنى، لا الظهور الفعليّ بهذا المعنى، وتوضيح هذا المدّعى يمكن تلخيصه بمقدمتين:
المقدمة الأولى: هي أنَّ حجّيّة الظواهر، وهي الكبرى التي فرغنا عنها في المقام الأول، ليست ثابتة عند العقلاء ثبوتاً تعبدّيّاً صرفاً، وإنّما هي باعتبار الكشف النوعي. والكشف النّوعي باعتبار استقرار طبع كلّ متكلّم على تطبيق واقع مرامه على ظاهر كلامه، وهذا الاستقرار أيضاً ناشئ عن الغلبة القائمة على أساس حساب الاحتمالات.
المقدمة الثانية: بعد أن نعرف أنَّ حجّيّة الظهور قائمة على أساس هذه الغلبة. فالشيء الذي هو طبع كلّ متكلّم هو تطبيق واقع مراده على ظاهر كلامه، الظاهر المستنبط من النظام العامّ للمتكلّم المعترّف به، بينه وبين تمام أبناء اللغة الآخرين. فكلّ ابن لغة بمقتضى الغلبة تستكشف تعهده ضمناً بتطبيق ظاهر كلامه على واقع مراده. وهذا التعّهد الضمني إنّما هو باعتبار الظهور المستنبط من النظام العامّ للمتكلّم، وإلَّا فليس هناك طبع للمتكلّم في أن يطبق واقع مراده على ظاهر كلامه عند هذا الشخص، وعند ذاك الشخص، مع اختلاف هؤلاء الأشخاص في خصوصيّة فهمهم للمعاني من الألفاظ.
ومع أنَّ قدراً كبيراً من اللغة لا يكون معلوماً لأبناء اللغة أنفسهم، فإذا
ــــــــــ[76]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
تكلّم به ابن اللغة لا يكون له ظهور فعليّ، فما هو البناء وطبع المتكلّم لو تكلّم بذلك. طبع المتكلّم أن يطبق واقع مراده على الظهور اللغوي لكلامه، أي الظهور المستنبّط من النظام العامّ. لا المستنبط من وعاء ذهن معيّن. وهذا البناء لا يفرّق فيه بين الكلمات الخارجة عن نطاق الظهور الفعليّ، وبين الكلمات الداخلة في نطاقه.
على أيّ حال ما هو طبع المتكلّم بحسب الكلمة، بمقتضى قانون حساب الاحتمالات، إنمّا هو تطبيق واقع مراده على ظاهر كلامه الظاهر، المستنبّط من النظام العامّ للتكلّم، المعترَف به بين المتكلَم والسامعين من أبناء اللغة. وليس هناك تعّهد أزيد من هذا المقدار بتطبيق واقع مراده على الظهور الفعليّ، الّذي ينتقش في ذهن هذا أو ذاك؛ ولهذا نجد المتكلّم يتكلّم بكلام ليس له ظهور عقلي أصلاً، جرياً على النظام العامّ، دون أن يكون بذلك مخلّاً بتعّهده أو بنائه.
إذن، فما هو موضوع الحجّيّة هو الظهور اللغويّ بالمعنى الذي نريده. وتظهر الثمرة بين المبنى المختار في موضوع الحجّيّة، وبين مبنى المشهور القائلين بأنَّ موضوعها هو الظهور الفعليّ. فيما إذا احتفّ الكلام بما يصلح للقرينيّة.
فإنه حينئذٍ على كلا المبنيين لا يكون الكلام حجّة. سواءٌ قلنا: إنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور اللغويّ، أو الظهور الفعليّ.
لكنّ الفرق بين المبنيين، أنّه على المبنى المشهوري موضوع الحجّيّة معلوم العدم في المقام؛ لأنَّ موضوعها هو الظهور الفعليّ، وهو معلوم العدم في المقام. وأمّا إذا قلنا: إنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور اللغويّ، أي الدلالة المقتنصة من
ــــــــــ[77]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
النظام العامّ للتكلّم المعترَف به بين الجميع، فهذا غير محرَز؛ لا أنَّه محرَز العدم أو معلوم العدم. وعدم جواز التمسّك، حينئذٍ يكون من جهة عدم الإحراز، إلَّا من جهة إحراز العدم؛ لأنَّ قوله لا تكرم زيد بن خالد(1) إن كان يقصد بزيد بن خالد الشخص العالِم بهذا الاسم.
إذن، فالنظام العامّ للتكلّم يقضي بتحكيم الخاصّ على العام، فحينئذٍ يكون الظهور اللغويّ غير موجود على طبق العموم. وإن كان يقصد به زيد بن خالد الجاهل، فحينئذٍ النظام العامّ للتكلّم يقتضي في المقام تكَوّن الدلالة العموميّة وإبقائها على حالها. إذن، فهنا الدلالة اللغويّة في العموم مشكوكة الوجود، لا أنّها معلومة العدم.
قد يقال: إنَّ هذا فرق فنّي لا فرق فقهي، فإنّنا على كلا المبنيّين بالنتيجة لا يجوز لنا أن نتمسّك بالعامّ لإكرام زيد بن خالد العالِم.
فلأجل إخراج هذا الفرق من الفنيّة النظريّة الى العمليّة، نتصوّر في المقام مثالين: لو قال: المولى أكرم كلّ عالم إلَّا زيد بن خالد، وتردّد أمر زيد هذا بين أن يكون زيد بن خالد العالِم، أو الجاهل. وقال مرةً أخرى أكرم كلّ شاعر إلَّا زيد بن أرقم، وتردّد أمره أيضاً بين فردين، أحدهما شاعر والآخر ليس بشاعر.
فهنا عندنا عامّان، كلّ منهما اقترن بكلام مردّد بين التخصيص والتخصّص. لكن لو علمنا إجمالاً، بأنَّ أحد هذين الزيدين أحد هذين الكلامين المتّصلين ليس تخصيصاً، وأنَّ الآخر تخصيص؛ علمنا إنّه قد أراد بأحد
ــــــــــ[78]ــــــــــ
() بعد قوله أكرم كلّ العلماء. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الزيدين من يدخل تحت العامّ، وأراد بالزيد الآخر من لا يدخل تحت العامّ.
فهنا إذا قلنا بمسلك المشهور، وأنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور الفعليّ، فهو لم يتحقّق لا بالنسبة إلى الأوّل، ولا بالنسبة إلى الثاني، بل هو معلوم العدم بالنسبة إلى كلّ منهما. إذن، فلا نعلم بقيام حجّة لا على إكرام زيد بن خالد العالم، ولا على إكرام زيد بن أرقم الشاعر. إذن، فمع الشكّ في وجوب إكرام أحدهما وعدم وجوب إكرامه، نرجع إلى البراءة في كلّ منهما، فلا نكرمهما معاً.
وأمّا بناءً على مسلكنا، حيث إنّنا علمنا إنَّ أحد الكلامين المتّصلين ليس تخصيصاً، فقد علمنا إجمالاً بتماميّة الظهور اللغويّ في أحدهما، أمّا هناك تامّ وأمّا هنا تام، فيتولّد علم إجمالي بقيام الحجّة الشرعيّة، وهي الظهور اللغويّ على وجوب إكرام أحد الفردين، إمّا زيد ابن خالد العالم، أو زيد بن أرقم الشاعر. وهذا العلم الإجمالي يكون منجزاً لا محالة، يعني يطبق عليه قوانين العلم الإجمالي. فهذه هي الثمرة العمليّة بين مسلكنا ومسلك المشهور.
ونفس هذا المثال هو دليل لنا أيضاً. إذ لا يشكّ أحد في أنّه في مثل هذا المورد العقلاء لا يرجعون إلى أصالة البراءة، وإنّما يبنون على لزوم إكرام أحدهما، تطبيقاً لقوانين العلم الإجمالي. ونفس هذا من العقلاء دليل على أنَّ موضوع الحجّيّة في نظر العقلاء ليس هو الظهور الفعليّ، وإنّما هو الظهور اللغوي المحفوظ في أحدهما لا بعينه، ومن هنا يشكّلون علماً إجمالياً، ويطبقون قوانينه.
هذا تمام ما قلناه في تحقّيق أن موضوع الحجّيّة هو الظهور اللغويّ، لا الظهور الفعليّ. بعد هذا ندخل إلى العلامات التي ذُكرِت لإثبات الظهور.
ــــــــــ[79]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أن يقال: بأنَّ اللفظ إذا أُطلق وتبادر منه معنى معيّن، فهذا التبادر يكون دليلاً على الظهور اللغوي، أي على كون الكلمة موضوعة لذلك المعنى. بشرط ألا يكون هناك قرينة زائدة على اللفظ، تكون هي منشأ التبادر.
وبُيِّنت علاميّة التبادر بهذه الصيغة الفنيّة: فقيل: إنَّ انسباق الذهن إلى المعنى من اللفظ ينشأ من أحد أمرين: إمّا من الوضع وإمّا من القرينة. وقد فرضنا انتفاء القرينة فيتعيّن نشؤه من الوضع. فيكون برهاناً إنيّاً من باب الإنتقال من المعلول إلى العلّة. هذا ما قيل أوّلاً.
وعُلِّق عليه في كلمات الأعلام والمحقّقين بتعليقات ثلاثة:
هو أنّنا لا يهمّنا استكشاف الوضع اللغوي، فإنَّ ما هو مناط الحجّيّة هو الظهور الفعليّ، لا الوضع اللغويّ.
وقد فرغنا سابقاً من تحقّيق حال هذا التعليق. وبيّنا أنَّ موضوع الحجّيّة ليس هو الظهور الفعليّ، بل هو الظهور اللغويّ. وتشخيص الوضع له دخل في تكوين وتحقّيق ما هو مقتضى الظهور اللغويّ للكلمة.
ــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فهذا التعليق الأوّل بحسب الحقيقة ناشئ من الاختلاف البنائي في تشخيص ما هو موضوع الحجّيّة في المقام.
هذا الإشكال الموجود في الكفاية المعروف على الألسنة.
وهو أنَّ التبادر يتوقف على العلم بالوضع، فلو أنّ إنساناً لا يعلم بأنَّ كلمة ماء، موضوعة للمائع السائل الفلاني، كيف يتبادر إلى ذهنه من لفظ الماء هذا المائع السائل. فالتبادر موقوف على العلم بالوضع، وقد جعلتموه علامة على الوضع، أي جعلتم العلم بالوضع متوقفاً على التبادر، فلزم الدور في المقام، وهو توقف كلّ منهما على الآخر.
وهذا الإشكال كأنّه أوقعهم في تأمّل في كيفيّة التخلّص منه. وقد تخلصوا منه بأحد طريقين، كما هو موجود في الكفاية وفي بقيّة الكتب الرسميّة.
أحدهما: أن يقال: بأنَّ العلم بالوضع التفصيلي يتوقف على التبادر، والتبادر يتوقف على العلم الإجمالي الإرتكازي.
ومقصودهم من العلم التفصيلي، يعني العلم الثابت في النفس الملتفَت إليه بالفعل. والعلم الإجمالي الإرتكازي: هو العلم الثابت في النفس غير الملتفَت إليه بالفعل، لا بمعنى النسيان، فإنَّ النسيان يوجب زوال العلم، بل بمعنى عدم توجّه النفس إلى هذا العلم بالفعل. فإنكم الآن كلكّم تعلمون ما معنى كلمة تمر، ولكنّكم قبل أن أقول لكم هذه الكلمة، لم تكونوا متوجّهيّن توجّهاً خاصاً لمعناها. فقد كان علماً إجمالياً إرتكازيّاً، والآن أصبح علماً تفصيليّاً.
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فقد اختلف المتوقِّف على التبادر عن المتوقِّف عليه التبادر. العلم التفصيلي بالوضع يتوقف على التبادر والتبادر يتوقف على العلم الإجمالي الإرتكازي.
ثانيهما: الطريق الآخر الذي يتخلّصوا به أيضاً: هو الفرق بين بين العالم والمستعلِم، فإنّنا لا نفرض أنَّ التبادر عند الجاهل علامة للجاهل، بل التبادر عند العالم علامة إلى الجاهل. فلو أنَّ شخصاً خارجاً عن اللسان دخل إلى مجلس أبناء اللسان، فرأى أنّهم حين يقول أحدهم للآخر آتِنِي بتمر، يذهب ويأتي بهذا المعنى المعهود؛ فيعرف حينئذٍ أنَّ هؤلاء أبناء اللسان يتبادر إلى ذهنهم من كلمة تمر هذا المعنى المعهود، فيصير التبادر عند أهل اللسان قرينة وعلامة عنده، على أنَّ كلمة تمر موضوعة لهذا المعنى.
فأيضاً اندفع الدور في المقام، فإنَّ التبادر عند الجاهل، متوقِّف على العلم بالوضع عند العالم، والعلم بالوضع عند الجاهل متوقِّف على التبادر عند الجاهل. فالمتوقِّف على التبادر علمُ الجاهل، والمتوقِّف عليه التبادرُ علم العالم. هذا هو التعليق الثاني، وسوف نرجع إليه إن شاء الله تعالى.
هو أنَّ التبادر إنمَّا يصير علامة فيما إذا أحرز عدم القرينة، وأمّا إذا شكّ في وجود القرينة وعدمها، فهنا لا يمكن أن يصير التبادر علامة؛ لأنَّ التبادر هنا كما يحتمل استناده إلى الوضع كذلك يحتمل استناده إلى القرينة، إذ يحتمل وجود القرينة. فكيف يُستكشَف من معلول له علّتان أحد العلّتين بالخصوص؟
افرضوا أنّنا وجدنا حرارة في الغرفة، والحرارة كما يمكن أن تنشأ من النار يمكن أن تنشأ من الكهرباء، فكيف تُستكشَف النار بالخصوص.
ــــــــــ[82]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فالتبادر في موارد الشك في القرينة لا يفيد. وحينئذٍ لا ينفع في المقام الرجوع إليه، ولا يجري أصالة عدم القرينة؛ لأنّها كما قرأنا في الكتب الأصولية، تجري في موارد الشكّ في المراد لا الشك في الاستناد. هذا هو التعليق الثالث.
أمّا التعليق الأوّل، فقد قلنا: إنّه يرجع إلى الاختلاف في المبنى، وقد انتهى البحث فيه، وإنّما كلامنا الآن في التعليق الثاني، والثالث، وبين هذين التعليقين شيء من التدافع في المقام؛ وذلك لأنّهم في التعليق الثاني اعترفوا بأنَّ التبادر لا يتوقّف على حاقّ الوضع وواقعه، بل يتوقّف على العلم بالوضع. ومن هنا وقعوا في إشكال الدور، حيث إنَّ التبادر يكون معلولاً للعلم بالوضع، وعلّة للعلم بالوضع، ففرقّوا بين العلمين بالإجمال والتفصيل.
ففي التعليق الثاني، اعترفوا أنَّ علّة التبادر ليست هي الوضع، بل هي العلم بالوضع، أو العلم بالقرينة -أحد الأمرين- وهذا الاعتراف منهم في التعليق الثاني، استحالة فرض الشكّ في التعليق الثالث، إذ كيف يشكّ الإنسان حينئذٍ لو تمّ هذا المطلب الذي يدّعون، في أن هذا التبادر في ذهنه مستند إلى الوضع، أو مستند إلى القرينة؛ لأنَّ المفروض أنَّ التبادر معلول للعلم بالوضع، فالشكّ في ذلك معناه أنَّه يشكّ في أنَّه عالم بالوضع أو ليس عالماً به، وهذا غير معقول.
نعم، لو كان التبادر معلولاً لواقع الوضع، يمكن الشكّ حينئذٍ في أنَّ هذا التبادر، الّذي حصل في ذهني، هل نشأ من واقع الوضع أو نشأ من القرينة؟ فيكون حينئذٍ فرض الكلام في التعليق الثالث صحيح.
ــــــــــ[83]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
لكنّه، لو فُرض بأنَّ التبادر لا ينشأ من واقع الوضع، ولا من واقع القرينة، بل ينشأ من العلم بالوضع، كيف يحصل احتمال أنَّه ينشأ من الوضع في المقام، فإنَّ الشكّ في ذلك معناه الشكّ بالعلم بالوضع وهو لا معنى له في المقام؛ لأن كلّ علم إجمالي ارتكازي بمجرّد الالتفات إليه، لابدَّ أن ينقلب إلى تفصيلي، وإلا لم يكن علماً، بل كان أمراً منسيّاً خارجاً عن خزانة النفس.
إذن، فهنا، لابدَّ لهم من اختيار أحد أمرين: إمّا أن يقولوا بأنَّ التبادر ناشئ من نفس الوضع، كما هو الصحيح -كما سوف يأتي- بناءً على مبانينا في باب حقيقة الوضع، فحينئذٍ يكون التعليق الثاني بلا موجب، ويكون إشكال الدور في نفسه بلا موجب؛ لأنَّه يكون العلم بالوضع متوقَّفاً على التبادر، والتبادر ليس متوقَّفاً على العلم بالوضع، بل على واقع الوضع، فأيّ موجب للدور في المقام.
وإمّا أن يقولوا: بأنَّ التبادر يتوقَّف على العلم بالوضع، فحينئذٍ لا مجال لفرض الشكّ في التعليق الثالث أن نفرض أنّني لا أدري أنَّ هذا التبادر نشأ من الوضعّ أو القرينة. ما معنى أنّه نشأ من الشك بالوضع؟ معناه الشكّ في أنّه نشأ من العلم بالوضع؛ لأنَّ نفس الوضع ليس علّة للتبادر، وإنّما العلّة بحسب مفروض كلامهم هو العلم بالوضع. فالشكّ في ذلك معناه الشكّ في انّني عالم بالوضع، أو لستُ عالماً بالوضع، وهذا لا معنى له في نفسه؛ فإنَّه لا معنى لأن يشكّ الإنسان أنه عالم، أو لا مع فرض كون علمه علماً فعلياً لا علماً منسياًّ؛ قد خرج من خزانة النفس.
ــــــــــ[84]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إذن، فهناك تدافع بين طبيعة هذين التعليقين: الثاني والثالث. وسوف يظهر في المقام أنَّ الحقّ هو مع طرز البحث في التعليق الثالث، لا مع طرز البحث في التعليق الثاني.
ويتلخص من هذا، أنَّه عُلِّق في الأصول الرسميّ على موضوع علاميّة التبادر، تعليقان متدافعان. وهما التعليقان الثاني والثالث، الثاني: وهو إيراد إشكال الدور، باعتبار أنَّ التبادر يتوقّف على العلم بالوضع، ويتوقّف على العلم بالوضع. فيُجاب بالتغاير بين العلمين، مثلاً من حيث الإجماليّة والتفصيليّة. والتعليق الثالث: هو بيان أنَّ هذه العلامة شرطها إحراز عدم القرينة، أمّا إذا احتُمل عدم القرينة، وشكّ أنَّ التبادر مستند إلى الوضع، أو إلى شيء آخر، فحينئذٍ لا مجال للتمسّك بها.
قلنا: إنَّ التبادر إمّا أن يقال بكفاية نفس الوضع في تحقّقه، وعدم توقّفه على العلم بالوضع، وإمّا أن يقال بتوقّفه على العلم بالوضع. فإن قيل بكفاية نفس الوضع في تحقّقه، فحينئذٍ لا مجال للتعليق الثاني، إذ لا موجب لتوّهم إشكال الدور في المقام؛ فإنَّ التبادر حينئذ لا يتوقّف على العلم بالوضع، ويحصل بدون فرض علم في المرتبة السابقة؛ فلا يكون دوراً.
وإن فُرض أنَّ التبادر يتوقّف على العلم بالوضع، ولا يكفي فيه نفس الوضع، فحينئذٍ لا مجال للتعليق الثالث، فإنَّه كيف يُتصّور حينئذٍ الشكّ في استناد التبادر إلى الوضع؟، إذ معناه الشكّ في استناد التبادر إلى العلم بالوضع، الّذي يؤدي إلى الشكّ في أنَّه عالم بالوضع أو لا. وهذا لا معنى له.
ــــــــــ[85]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ثم صار من المناسب التكلّم في كلّ من التعليقين في نفسه مع قطع النظر عن هذا التدافع.
وهو المربوط بإشكال الدور. وهو أنَّ التبادر يتوقّف على العلم بالوضع، ويتوقّف عليه العلم بالوضع.
هنا نريد أن نعرف أنَّ التبادر هل يتوقّف على العلم بالوضع؛ لأجل أن نبتلي بإشكال الدور وبالتخلّص منه، أو أنّه لا يتوقّف على العلم بالوضع.
دعوى أنَّ التبادر يتوقّف على العلم بالوضع في المرتبة السابقة، بحيث بدونه لا يحصل التبادر. هذه الدعوى من قبل الأعلام كأنه كانت منصبّة على ملاحظة الطريقة الدرسيّة والبحثيّة في تعلم اللغة. لا الطريقة الحياتية.
فلو قصرنا النظر على الطريقة الدرسية في تعلم اللغة، فحينئذٍ يصح لقائل أن يقول: بأنَّ التبادر يتوقّف على العلم بالوضع. وأمّا لو لاحظنا الطريقة الحياتيّة فالمطلب ينقلب وفقاً لنظريات معيّنة في باب الوضع.
فهناك طريقتان لتعلّم اللغة: أحدهما الطريقة البحتة والدرسيّة، والثانية الطريقة الحياتيّة. وأقصد بالطريقة الدرسيّة: طريقة اكتساب العلم باللغة عن طريق القواميس، أو الأستاذ المعيّن من قبل الأجنبي عن اللغة. وأقصد بالطريقة الحياتية: هي طريقة تعلّم الإنسان اللغة من عيشه في وسط يتكلّم بتلك اللغة. بأن يسكن في بلد ينطق بتلك اللغة.
وهذه هي الطريقة الحياتيّة في تعلّم اللغة، وهذه طريقة يمّر بها كلّ إنسان
ــــــــــ[86]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
في حال طفولته. فإنَّ كلّ إنسان حينما يولد، يولد وهو لا يعرف لغة أبويه، وإنّما يتعلّم لغتهما لاعن طريق القاموس والمعلّم، وإنّما بطريقة هي الّتي أسميها بالطريقة الحياتيّة. فأوضح مصداق لهذه الطريقة هو كلّ إنسان حينما يمّر بتجربة طفولته، وتعلّم لغة أبويه.
لو قصرنا النظر على خصوص الطريقة البحثيّة والدرسيّة، كما في شخص إنجليزي يريد أن يدرس العربية عند أستاذ في قاموس مُقابَل بالمرادفات من اللغة الانجليزية. هنا، هل يعقل في شأن هذا الإنسان أن يتبادر إلى ذهنه من كلمة الماء معناها قبل أن يبيّن له الأستاذ أنَّ لفظة الماء موضوعة للمعنى الفلاني، الّذي يُعبّر عنه باللغة الانجليزية بكذا –water– قبل أن يبيّن له؟ لا يحتمل أن يتبادر إلى ذهنه من كلمة ماء نفس المعنى الذي يتبادر إلى ذهننا نحن العرب، بحسب السيّر الطبيعي، وإذا لم يدخل الهام أو معجزة في المقام. وبعد العلم بالوضع من قبل الأستاذ يحصل التبادر. فهنا التبادر يتوقف على العلم بالوضع.
فلو قُصِر النظر على الطريقة الدرسيّة، وفرضناها أنّها الطريقة الوحيدة لتعلّم اللغة؛ بحيث إنَّ كلّ إنسان حينما يولد يدرس فيتعلّم لغة أبويه فحينئذٍ يأتي إشكال الدور.
لكنّ الطريقة لتعلّم اللغة ليست منحصرة بذلك، بل هناك الطريقة الحياتيّة. وسر تعلم اللغة بهذه الطريقة سوف نشير إليه في كلماتنا، ومقصودي الآن بيان الأمثلة أولاً؛ لأجل توضيح الفكرة.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
تمثيل للطريقة الحياتيّة في تعلم اللغة
حينما يولد الطفل وينمو في محيط معيّن، يتكوّن عنده تبادر معيّن، حينما يقال له -مثلاً- بابا أو ماما، أو غير ذلك يتبادر إلى ذهنه منها معنى معيّن، وهو المعنى المعترّف به في النظام العامّ للتكلّم.
وهذا التبادر لم يُخلق في ذهن هذا الطفل نتيجةً للعلم بالوضع؛ فإنّه حتّى الآن لا يتعقل معنى الوضع، ولا معنى للانتقال من اللفظ إلى المعنى، بأيّ مرتبة من مراتبه. فهو يخلق في ذهنه معنى معيّن من كلمة بابا وماما، قبل أن يصل إلى درجة تصوّر تمامّ تلك الأمور المُستبَطنة في عمليّة الوضع، من الدّاليّة والمدلوليّة والانتقال والعليّة والمعلوليّة.
فهذا التبادر وجِد عنده الآن بالبديهة والوجدان، قبل حصول أيّ علم بالوضع.
ليس حال الطفل، حال ذاك الشخص الكبير الفيلسوف، حينما يدخل إلى بلد، فيصير(1) في مقام التتبّع، أنَّ (كُلّ تمر) ماذا يفهم منها أبناء اللسان؟ فهنا يرى أنَّ أباً إذا قال لابنه ائتِنِي بتمر، يأتيه بطبق من هذه الحلوى المعروفة. فيستنتج الفيلسوف من ذلك ويقول: إنَّ هذا التبادر عند أهل اللسان دليل على الوضع. إذن، فهناك وضع في المسألة.
هذا لا يُتصوّر في الطفل أنَّه استكشف الوضع من التبادر عند أهله وأقربائه. فإنَّ مثل هذا الاستكشاف يحتاج إلى مرحلة عالية من التفكير لم يصل
ــــــــــ[88]ــــــــــ
() من أهل اللسان. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إليها الطفل. وقبل أنَّ يصل الطفل إلى هذه المرحلة، هو يصل إلى مرحلة التبادر من لفظ بابا وماما معناها. فهذا التبادر في المقام، تبادر لا يمكن أن نفرض أنَّه معلول للعلم بالوضع، أو لأيّ استنتاج من الاستنتاجات العقليّة، الّتي يمكن تصورها في حق غيره. إذن، فقد وجِد عندنا على -سبيل المثال- تبادر لا ينشأ من العلم بالوضع.
وبعد أن يكبر هذا الطفل وتنمو مداركه، ويعرف أنَّ هناك لفظ وهناك معنى وهناك دالّ ومدلول، يُستنتَج من نفس التبادر المدلول عنده، أنَّ كلمة ماما وبابا موضوعة للمعنى الفلاني؛ فيكون التبادر عنده علامة للوضع عنده.
فهذه العلامة قد وجِدت واستُخدِمت من قبل كلّ واحد منّا، حتّى هؤلاء المشكلين بالدور في أيام طفولتهم، من دون يحقّقوا في الدور. وجد عندهم هذا التبادر نتيجة لأمور لا ترتبط بالعلم بالوضع أصلاً. ثم عرفوا بعد هذا عن طريق هذا التبادر، أنَّ اللفظ الفلاني موضوع للمعنى الفلاني.
إذن، العلم بالوضع توقّف على التبادر، والتبادر خُلِق في ذهن الطفل قبل أن يفرض أيّ علم بالوضع في المرتبة السابقة.
هذا مثال وجداني للمطلب قدمته؛ لأجل أن أوضح الفكرة.
ثُمَّ الآن ندخل في الفكرة بالشكل الفنّي:
وهذا معنى قولي في بداية البحث: أنّه لو قُصِر النظر على الطريقة الدرسيّة والبحثيّة؛ لكان التبادر متوقّفاً على العلم بالوضع، وأمّا لو لوحظت الطريقة
ــــــــــ[89]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الحياتيّة، فالتبادر لا يتوقف على العلم بالوضع، بل يمكن فرض التبادر قبل فرض أيّ علم بالوضع في المرتبة السابقة.
كلّ هذا كان توضيحاً للمدّعى. والآن لابدَّ لنا أن ندخل في الفكرة:
هذه الفكرة توضيحها بجذورها غير ممكن الآن؛ لأنّها مستقاة من مبانٍ وتحقيقات في بحث الوضع، ويا ليت أنَّ بحث الوضع يُنقل إلى الظواهر، فيكون من مقدّمات بحث الظواهر، فإنَّ وجوده بعد بحث أنَّ كلّ علم يُبحَث فيه عن عوارضه الذاتية، وجود نابي.
الآن فقط أذكر المدّعى بنحو الإجمال، واستنتج منه النتيجة المقصودة في محل الكلام. في بحث الوضع هناك مشكلة عسيرة وصعبة، وهي: أنّه كيف نفسر علاقة اللفظ بالمعنى؟
لفظة (أب) ومعنى (أب)، ولفظة (ماء) ومعنى (ماء)، بينهما علاقة، وهذه العلاقة أمر حقيقي، وليست مجرّد اعتبار أو خيال صرف؛ بدليل أنَّ وجود أحدهما في الذهن ينقل الذهنَ إلى وجود الآخر. فتصوّر كلمة أب ينقل الإنسان إلى معنى كلمة أب. إذن، فهناك عليّة ومعلوليّة حقيقيّة بين الأمرين، لكن لا عليّة خارجيّة، بل ذهنيّة. فالعلّيّة والمعلوليّة هنا ثابتة حقيقة لا اعتباراً، كاعتبار النار علّة للبرودة. إذا اعتبرنا ذلك فإنّه لا تترتب البرودة على النار؛ لأنَّ العلّيّة هنا وجِدت بالاعتبار ولم توجد حقيقة.
بخلافه في محلّ الكلام، فإن العلّيّة أمر حقيقي، فلذا يترتّب على لفظ (ألف)، (باء)، المعنى. فهذه العلاقة ليست أمراً اعتباريّاً صرفاً؛ وإلَّا كان حال
ــــــــــ[90]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
اللفظ والمعنى حال النار والبرودة. والاعتبار لا يخلق الحقيقة، بل يبقى الواقع على ما كان عليه قبل ذلك.
إذن، هذه العلاقة الحقيقيّة القائمة بين اللفظ والمعنى كيف نفسّرها: هل هي علاقة ذاتية كما يتوّهم بعض الناس؟ هل هي علاقة تُخلَق بالجعل أو تنشأ بالإنشاء كما عليه جملة من الناس؟ أو أيّ مذهب آخر نتصوّر في لب الوضع؟ وكلّ ما أفيد في الأصول الرسميّ من التفصيلات والشروح لكيفيّة تكوّن هذه العلاقة بين اللفظ والمعنى. سواءٌ قيل: إنّها ذاتية أو بالاعتبار أو نتيجة للتّعهد -مثلاً- ذُكِر في بحث الوضع أنّها لا تصلح لتفسير حقيقة هذه العلاقة بين اللفظ والمعنى. وهناك بيّنا حقيقة هذه العلاقة وكيفيّة تكوّنها.
والآن أختصر المدّعى -وأحوّل الباقي إلى بحث الوضع- أخصر مقدار ممكن في مقام البيان، هو أن تقول هكذا: كما أنّه في باب التصديق يكون الحدّ الأوسط الّذي هو حدٌ بين حدّين: الحدّ الأصغر، والحدّ الأكبر. كما أنَّ هذا الحدّ الأوسط يكون واسطة لثبوت وربط أحد طرفيه بالآخر. مثلا، عندنا حدود ثلاثة في القياس: العالم والتغيّر والحدوث، والتغيّر هو الحدّ الأوسط، وهو يكون سبباً في ربط أحد حدّيه وهو الحدوث بالحد الآخر وهو العالم؛ فيكون الحدّ الأوسط همزة الوصل والصلة بين الحدّ الأكبر والأصغر، ورابطة بينهما. وهي تؤدّي إلى حصول الجزم بثبوت الأكبر للأصغر، الّذي هو معنى النتيجة وهي أنَّ العالم حادث.
ــــــــــ[91]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فكما أنَّ هذا في باب التصديق واقع، كذلك في باب التصوّر يمكن أن نتصوّر موضوعين، تقوم بينهما رابطة، حدّ أوسط تصوّري. وهذه الرابطة بين هذين الموضوعين تشدّ أحدهما بالآخر. وظيفتها: أنَّ الذهن ينتقل من تصوّر أحدهما إلى تصور الآخر.
فكما في باب التصديق، ينتقل الذهن من العالَم الى الحكم عليه بالحدوث، بواسطة الحد الأوسط، الّذي يكون رابطة بين الأكبر والأصغر. هنا أيضاً نتصوّر رابطة بين موضوعين بحيث ينتقل الذهن من أحدهما إلى الآخر، لا تصديقاً، بل تصوراً.
افرضوا أنَّ شخصاً سافر إلى البصرة مرّة واحدة في حياته، وفي هذه المرّة سُرِق جميع متاعه ورجع إلى النجف خسراناً. هنا يوجد موضوعان:
أحدهما: هو البصرة -السفر إلى البصرة- والآخر: السرقة وقد ارتبط الآن هذان الموضوعان برابطة، وهي عبارة عن وقوع السرقة في أثناء السفر إلى البصرة. والآن مادامت هذه الرابطة قائمة في عالم النفس، وما دامت النفس تحس بحرقة السرقة؛ متى ما سمع هذا المسكين أُناساً يتحدّثون عن السفر إلى البصرة، يتصوّر السرقة في المقام.
فهذه رابطة قامت بين موضوعين، جعلت الذهن ينتقل من أحدهما إلى الآخر.
وكاصفرار الوجه الذي يحدث كثيراً في حالة الخوف، فهذه رابطة قامت بين الخوف وبين اصفرار الوجه، وهي أنَّ اصفرار الوجه يُقارَن مع الخوف.
ــــــــــ[92]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هنا، لو أنَّ إنساناً قال لكم: اصفرار الوجه، وكانت هذه الرابطة تعيش في أعماق ذهنكم، فمن نفس كلمة اصفرار الوجه الافرادية، تنتقلون منها إلى تصوّر الخوف.
نفس هذ المطلب الّذي هو أمر عامّ في كثير من الموارد، في غير باب اللغة. نفس هذا المطلب، نصوّره في باب اللغة، أي طبّقنا علاقة اللفظ بالمعنى على هذه القاعدة.
قلنا: إنَّ علاقة اللفظ بالمعنى والانتقال من لفظة أب إلى معنى أب، عيناً كالانتقال من معنى إلى معنى، من معنى اصفرا الوجه إلى معنى خوف. وهنا الانتقال من لفظ إلى معنى. وملاك الانتقال فيهما واحد وهو: وجود رابطة بين الأمرين، جعلت الذهن ينتقل من أحدهما إلى الآخر.
ووظيفة الوضع هو: أن يُحدِث هذه الرابطة بين اللفظ والمعنى. يُحدِث رابطة، لا انّه يجعل ملازمة وعليّة، فإنّها غير قابلة للجعل. وإذا حدثت هذه الرابطة بين اللفظ والمعنى، حينئذٍ ما دامت هذه الرابطة قائمة في الذهن، ينتقل الذهن من اللفظ إلى المعنى انتقالاً تصوّريّاً، مَن تَصَوّر اللفظ يتصَوّر المعنى.
أمّا كيف إنَّ عمليّة الوضع تُحدِث هذه الرابطة، وما هو كنه هذه الرابطة؟ طبعاً، تأذنون بتحويله على بحث الوضع.
هنا، لو أنَّ الواضع وضع اللفظ للمعنى دون أن يخبر به أحداً بحسب الخارج، كما لو رزقه الله ولداً فسمّاه حسناً ولم يخبر أحداً باسمه. قطعيّاً الناس لا ينتقلون من كلمة حسن إلى المعنى؛ لأنَّ الرابطة بين اللفظ والمعنى لم توجد في
ــــــــــ[93]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أذهانهم. فإنَّ الانتقال من الحدّ الأكبر إلى الأصغر فرع أن يكون الحدّ الأوسط، موجوداً في ذهنه، وإذا لم تكن الرابطة موجودة، فإنّه لا ينتقل من أحد الحدّين إلى الحدّ الآخر. إذن، لابدَّ أن تكون هذه الرابطة موجودة في ذهنه.
إذن، فهذا الأب الّذي يريد أن يسمّي ابنه حسناً، أو هذا اللغوي الّذي يريد أن يسمّي الماء ماءً والأب أباً، لابدَّ أن يبرز ذلك بوجه من الوجوه مثلاً. وبطبيعة الحال هناك فرق بين الاعلام الشخصية وبين أسماء الأجناس، وإن كنت قد شبهت المطلب بالأعلام الشخصيّة للتوضيح.
فإذا أُبرِز الوضع، فهذا الوضع يُوجِد هذه الرابطة. وبعد أن وجدت هذه الرابطة بين اللفظ والمعنى، أصبح الذهن ينتقل من أحدهما إلى الآخر، عيّناً كالرابطة الّتي توجد بين الخوف وبين اصفرار الوجه. بحيث ينتقل من أحدهما تصوّراً إلى الآخر تصوّراً. وأصبح النّاس يستعملون هذا المطلب، فإذا أرادوا أن يفهموا كلمة أب يقولون: أب.
وولد المولود الجديد في محيط وجدت فيه هذه الرابطة، وجروا عليها في استعمالاتهم. فكانوا حتّى ما أرادوا أن يفّهموه معنى أب يقولون له: بابا؛ لأنَّ كلمة بابا في هذا المحيط موضوعة لهذا المعنى.
وكثرة الاستعمال، لكلمة أب في هذا المعنى، استعمالاً مطلقاً في جميع الأحوال. هذا الاستعمال بنفسه يقوم مقام عمليّة الوضع تماماً. يعني نفس النُكتة الّتي نبيّنها في بحث الوضع، لكيفيّة إيجاد رابطة بين اللفظ والمعنى لعمليّة الوضع، توجد من ناحية عمليّة الاستعمال أيضاً.
ــــــــــ[94]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فعمليّة الوضع ليست عمليّة خاصّة غريبة ذات أثر سحري، وإنّما هي عمليّة إيجاد ربط ذهني، وهذا الربط توجده الاستعمالات المكثّرة أيضاً.
ونشأ الوليد الجديد، وهو يرى توأماً مع (بابا) دائماً يفهّمونه معنى بابا ويشيرون إلى المعنى، ويقولون له بابا بمختلف الأساليب، فاقترنت كلمة بابا، عنده مع معنى بابا، فمتى كان يقال له بابا يخلق في ذهنه تصوّر البابا. فهذا أوجد علاقة بين اللفظ والمعنى.
وهذه العلاقة وجدت في ذهنه قبل أن يعلم شيئاً عن باب الوضع أصلاً، وقبل أن يتصوّر جميع التصوّرات المستبطنة في معنى الوضع. فإنَّ معنى الوضع يستبطن دالّ ومدلول، وعلّة ومعلول، وانتقال من شيء إلى شيء. وجميع هذه التصوّرات المستبطنة والداخلة في معنى الوضع لم يتصوّرها الطفل، ومع هذا وجدت عنده رابطة بين اللفظ والمعنى، بحيث ينتقل من اللفظ إلى المعنى.
فالتبادر وجد عنده معلولاً ناشئاً من معلول الوضع، لا من العلم بالوضع. ناشئٌ من كثرة الاستعمال الّذي هو معلول للوضع.
الآن، كيف يفرّق هذا المولود، أو الإنسان الّذي يتعلّم اللغة على الطريقة الحياتيّة، بين باب الحقيقة وباب المجاز؟
يفّرق بينهما: بأنَّ هذه الرابط، بين اللفظ والمعنى في باب الحقيقة رابطة مطلقة، وفي المجاز رابطة مقيّدة بشروط معيّنة. فهذه الرابطة في باب المجاز ضمن الشروط المعيَّنة، فإذا لم تكن هذه الشروط موجودة، فالرابطة غير
ــــــــــ[95]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
موجودة. وأمّا في باب الحقيقة، فهي رابطة مطلقة؛ لأنَّ الاستعمال كان مطّرداً.
فالرابطة المطلقة نتيجة للاستعمال المطّرد، والاستعمال المطّرد نتيجة للوضع. إذن، حصل عنده تبادر من كلمة أب متى ما أطلقت في أيّ حال وبلا أي قيد أو شرط. وهذا التبادر هو علاقة الحقيقة في المقام.
وملخّص ما نريد أن نقوله: هو أنَّ التبادر إذا أريد تعلّم اللغة على الطريقة البحثيّة الدرسيّة، فهو يتوقّف على العلم بالوضع في المرتبة السابقة على حصول التبادر.
وأمّا في الطريقة الحياتيّة لتعلّم اللغة، فهنا يقوم الاستعمال مقام الوضع في خلق الرابطة في ذهن من يتعلّم على الطريقة الدرسيّة، وأمّا من يتعلّم على الطريقة الحياتية…الخ، فتُخلَق الرابطة في ذهنه عن طريق النتائج والمعلولات الاجتماعيّة لعمليّة الوضع القائمة في المجتمع، والّتي من أهمّها الاستعمال المطّرد بين اللفظ والمعنى. نفس هذا الاستعمال يخلق هذه الرابطة، وهذه الرابطة هي ملاك التبادر، ملاك الانتقال من أحدهما إلى الآخر. إذن، فالتبادر لا يتوقّف على العلم بالوضع، وحينئذٍ فعدّه علامة لا يكون دوراً بوجه من الوجوه. هذا حاصل ما ينبغي أن يقال في التعليق الثاني.
وإذا فُرِض أنَّ التبادر لم يكن يتوقف على العلم بالوضع. فهناك مجال للدخول في التعليق الثالث، أن نقول:
ــــــــــ[96]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هذا الشخص الّذي تعلّم على الطريقة الحياتيّة، إذا شكّ في أنّ هذا التبادر الموجود في ذهنه، وليد الوضع أو وليد القرينة. وتفسير هذا الشكّ بالتعبير الفنّي أن يقال: أنّه شكّ في أنّ هذا التبادر الموجود عنده، وهو لابدَّ أن يكون نتيجةً رابطةً بين اللفظ والمعنى، أو حدّ أوسط تصوّري، شكّ في أنَّ هذه الرابطة الّذي عنده، هل هي رابطة مطلقة، أو أنّها مقيّدة بشروط وأحوال معينة؟
كيف يعرف هذا المطلب؟ يعرفه بتغيير الأحوال، حالاً بعد حال، فإذا غيّر الأحوال، ورأى أنّه في عشرين أو ثلاثين مورد يتبادر إلى ذهنه هذا المعنى، فهذا يكون حاله حال التجربة بحسب الخارج. فإنّه عندما يتبادر إلى ذهنه في المرّة الأولى يحتمل أنَّ هنا خصوصيّة مجازية، لها دخل في إيجاد هذه الرابطة، وحينما يتبادر إلى ذهنه في مورد آخر يختلف عن المورد الأوّل، فهنا احتمال وجود خصوصيّة في كلا الموردين، يصير أضعف من احتمال خصوصّية في مورد واحد فقط، بمقتضى قوانين حساب الاحتمالات. فلو تبادر إلى ذهنه في مئة مرّة، حينئذٍ احتمال وجود خصوصيّة في تمام هذه المئة يصير في غاية الضعف، بل يزول هذا الاحتمال بمقتضى قوانين معيّنة.
فمما ذكرناه يتجلّى حال التعليق الثاني، وهو أنّه إذا شكّ في أنَّ التبادر هل هو مستند إلى الوضع أو لا؟ فإذا وجدت الرابطة في تمام الموارد تستكشف من ذلك أنها رابطة مطلقة.
من قبيل ما إذا شككنا في أنّ (أ) علّة لــ (ب)، أو ليس علّة له؟ فنوجد (أ) فنرى أنَّ (ب) ترتّب عليه. فهنا يحتمل أنَّ وجود (ب) مستند إلى خصوصيّة
ــــــــــ[97]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
موجودة في الواقع غير ألف، ومن باب الصدفة اجتمعت تلك الخصوصيّة مع (أ). أمّا إذا كررّنا (أ) مرّة أخرى فترتّب عليه (ب)، فهنا يكون الشكّ بوجود الخصوصيّة أضعف من المرة الأولى… وهكذا، حتّى يحصل عندنا الجزم بمقتضى قوانين العقل الثالث، بأنَّ (أ) علّة لــ (ب). هنا أيضاً يحصل عندنا الجزم بأنَّ العلاقة والرابطة بين اللفظ والمعنى رابطة مطلقة، وليست رابطة مقيّدة. هذا أيضاً حال التعليق الثاني؛ وبهذا تمّ التعليق على التعليقين.
التبادر، بحسب الحقيقة يقوم بوظيفتين، لا بوظيفة واحدة، إحداهما: هي إثبات المعنى الحقيقي، وأنَّ الكلمة موضوعة لمعنى معيّن وهو المعنى المتبادر. والوظيفة الثانية: هي استكشاف الظهور الفعلي في شخص مورد التبادر.
توضيح ذلك: أنَّنا لو سمعنا شخصاً يقول: رأيت أسداً في الحديقة. وفرضنا أنَّه تبادر إلى ذهننا من هذا الكلام الحيوان المفترس، هذا التبادر إلى الذهن هو الّذي أسميناه فيما سبق بالظهور الفعلي، والذي قلنا: إنَّ المستظهر من كلمات الأصوليّين المتأخّرين أنَّ موضوع الحجّيّة هو.
فالتبادر عبارة عن أنَّ المستبق إلى ذهننا نحن من شخص هذا الكلام: (رأيت أسداً في الحديقة)، هو إرادة الحيوان المفترس من كلمة الأسد.
هنا نريد أن نستعمل هذا التبادر في سبيل معرفة أنَّ كلمة أسد معناها الحقيقي هو الحيوان المفترس، لا أنَّ هذا معنى مجازي.
ــــــــــ[98]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
نقول: إنَّ التبادر علامة حقيقّية، فنستكشف الوضع من هذا التبادر. كيف تستكشف؟ وذلك بأن نقول على مبانينا الّتي بحثناها سابقاً: إنَّ التبادر لا يتوقّف على العلم بالوضع، وإنّما يكفي فيه نفس الوضع، فحينئذٍ هذا التبادر الّذي حصل عندي الآن من كلمة الأسد. إمّا أن يكون مستنداً إلى وضع كلمة أسد للحيوان المفترس، وإمّا أن يكون مستنداً إلى قرينة خاصّة، في خصوص هذا المقام، هي الّتي أوجبت دلالة كلمة أسد على الحيوان المفترس، إلَّا أنَّ كلمة أسد بذاتها تدّل على ذلك وموضوعة له. ففي بداية الأمر يوجد هذان الاحتمالان: الوضع، والقرينة.
هنا أبدّل المثال، يعني التفت إلى كلام آخر لشخص آخر في مقام آخر، كما لو قال شخص آخر في مقام آخر: (إن الأسد أقوى من بقيّة الكائنات الحيّة). هنا أيضاً أرى أنّه يتبادر إلى ذهني من الأسد الحيوان المفترس. وفي بداية الأمر أيضاً أطرح في هذا التبادر، هذين الاحتمالين: احتمال أن يكون هذا التبادر مستنداً إلى دلالة لفظة أسد بذاتها، وكونها موضوعة للحيوان المفترس، واحتمال وجود قرينة حاليّة أو مقاليّة خفيّة، هي التي جعلت لكلمة أسد هذه الدلالة.
لكن، بعد أن ضممنا المورد الأوّل إلى المورد الثاني، نستبعد أن تكون هذه القرينة الخفيّة في المورد الأوّل والمورد الثاني معاً؛ لأنَّ احتمال وجودها في كلا الموردين يصير واحد من أربعة؛ لأنَّ الاحتمالات هنا تكون أربعة: احتمال ألَّا توجد هنا قرينة خفيّة، لا في الأوّل ولا في الثاني. إذن، فكلمة أسد هي الّتي دلت، واحتمال أن توجد قرينة خفيّة في الأوّل دون الثاني، أو في الثاني دون الأوّل، أو أنَّه توجد فيهما معاً.
ــــــــــ[99]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ثلاثة من هذه الصوّر، هي في صالح الوضع، وتثبته، وهي ما لم تكن هناك قرينة خفيّة فيهما معاً، وكذلك إذا لم تكن توجد قرينة خفيّة في الأوّل. إذن، فالتبادر في الأوّل نشأ من الوضع، وهذا يكفي لإثبات الوضع، وكذلك إذا لم يكن في الثاني قرينة خفيّة. نعم، لو كان في كلا الموردين يوجد قرينة خفيّة. إذن، فلعلّ التبادر نشأ من هذه القرينة الخفيّة.
فيصير هنا احتمال استناد التبادر إلى القرائن الخفيّة. لو تكررّت العمليّة مرتين، يصير واحد من أربعة؛ لأنَّ الصوّر أربعة، ثلاثة منها في صالح الوضع، وواحد ليس في صالحه. وهو وجود القرينتين الخفيتين في كلتا المرتبتين.
ولو كررّنا مرة ثالثة، فتكثُر الصوّر، وتصير أكثرها في صالح الوضع، وأقلّها في صالح عدم الوضع. فإنَّ الصوّر حينئذٍ، تكون ثمانيّة، يكون سبعة منها في صالح الوضع وواحد منها في غير صالحه. وواحد من ثمانيّة احتمال أضعف من واحد من أربعة، فيقلّ احتمال عدم الوضع.
وهكذا يتضاءل، ويضعف احتمال عدم الوضع إلى أن ينعدم. ويثبت في النهاية بمقتضى حساب الاحتمالات أن التبادر نشأ من الوضع.
هذه العَلاميَّة علاميّة حقيقية تكوينية، غير محتاجة إلى جعل جاعل، أو إلى تعبّد متعبّد، فهي علاميّة تكوينيّة ليست محتاجة إلى جعل من العقلاء، أو من الشارع، أو إمضاء من الشارع، أو غير ذلك من الوسائل التعبدّية، بل هي علاميّة تكوينية قائمة على أساس قوانين حساب الاحتمالات، بالبيان الذي بينّاه.
ــــــــــ[100]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هذه إحدى الوظيفتين الّتي يقوم بها التبادر(1) من دون أن يلزم دور أصلاً؛ لأنَّ شبهة الدور كانت مبنية على أن التبادر يتوقّف على العلم بالوضع، وقد أوضحنا بالمحاضرة السابقة بما لا مزيد عليه، أنَّ التبادر لا يتوقّف على العلم بالوضع.
الّتي يقوم بها التبادر: هي أنّنا نريد أن نلحظ ذاك الكلام الأوّل وهي ذاك المؤمن (رأيت أسداً في الحديقة)، وقد تبادر إلى ذهني من هذا الكلام، الحيوان المفترس. والآن ليس همّي أن أعرف أنَّ كلمة الأسد موضوعة في لغة العرب للحيوان المفترس، أو أنَّ التبادر نشأ من القرينة. فإنَّ الظهور الفعليّ بالنتيجة لشخص كلمة أسد في هذه الجملة، هو في الحيوان المفترس، سواءً كان هذا مستنداً إلى الوضع، أو مستنداً إلى القرينة. لو فُرض أنَّ هذه الجملة كان يترتّب عليها أثر شرعي، بحيث لابدَّ من استكشاف مدلولها.
هنا، هذا الظهور الفعليّ لهذه الجملة، ليس موضوعاً للحجّيّة؛ فإننا بيّنا أنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور اللغويّ والدلالة اللغويّة، لا الظهور الفعليّ. فكيف أستطيع أن أثبت أنَّ الظهور اللغويّ لهذه الجملة، هو في الحيوان المفترس؟ أنَّ كلمة أسد الواقعة في شخص هذه الجملة، لا طبيعي كلمة أسد يكون ظهورها -بمقتضى نظام اللغة وقوانين الدلالة اللغويّة- في الحيوان المفترس.
ــــــــــ[101]ــــــــــ
( ) وبهذا جُعل التبادر علامة الحقيقة في ألسنتهم. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فهذا التبادر الّذي نشأ عندي هل هو ناشئ من نظام اللغة فقط، أو من نظام اللغة زائداً الخصوصيّات الفعليّة؟ فإنّني أحتمل أنَّ هذا الظهور الفعليّ يختلف عن الظهور اللغويّ؛ لأجل دخول الخصوصيّات الشخصيّة في تكوين هذا الظهور. أحتمل أنّني ذهبت أمس إلى حديقة الحيوانات، فهذا حين قال: (رأيت أسداً في الحديقة) تبادر إلى ذهني الحديقة الّتي رأيتها بالأمس، أو أنّني موظف في حديقة الحيوانات؛ فيتبادر إلى ذهني محل عملي، أو… الخ.
هذه الاحتمالات إذا وجدت على سبيل الإجمال عند الإنسان، فاحتمل أنَّ هذا الظهور الفعليّ في شخص هذه الكلمة، لم ينشأ من نظام اللغة بحتاً، وإنّما نشأ من خصوصيّات أخرى طوّرت المدلول اللغويّ وغيّرت منه. فهنا كيف نستطيع أن نحرز الظهور اللغويّ؟
فهنا، بالرغم من أنَّ الظهور الفعليّ محرز، لكنّ الظهور اللغويّ مشكوك فيه؛ إذ لا أستطيع أن أجزم بمطابقة الظهور الفعليّ للظهور اللغويّ، إلَّا إذا جزمت بأنَّه لا يوجد هناك خصوصيّة شخصيّة، داخلة في نظام فكري الخاصّ، لها دخل في خلق هذا التبادر في ذهني. وإلّا ما دمت أحتمل هذا، فأنا أحتمل أنَّ الظهور اللغويّ على خلاف الظهور الفعليّ.
هنا، هذا الشكّ يكون مجالاً لجعل الأمارة تعبّداً. فيصير التبادر أمارة تعبديّة، لا أمارة تكوينيّة، بمعنى: أنّنا ندّعي بأنَّ التبادر في هذا المورد يصير أمارة معتبرةً عقلائيّاً وشرعاً، على إحراز الظهور اللغويّ. بمعنى أنَّ بناء العقلاء على التعبّد بإحراز الظهور اللغويّ عن طريق الظهور الفعليّ.
ــــــــــ[102]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فالعقلاء أوّلاً قالوا: بحجّيّة الظهور اللغوي، كما بينّا، فهذا الظهور من أين نجده؟ مع أنّ كذا إنسان يعيش مع خصوصيّات معيّنة، ويحتمل الفرق بين الظهور الفعليّ، والظهور اللغويّ. فجعل الظهور الفعليّ أمارة على الظهور اللغويّ. فالتبادر هنا أمارة تعبديّة لا علامة تكوينيّة.
ولعلّ الوجه في جعله أمارة، وفي التعبّد به من قبل العقلاء، هو أنَّ العقلاء وإن كانوا يبدون احتمال الاختلاف بين الظهور الفعليّ، والظهور اللغوي، إلَّا أنَّ هذا الاحتمال في نظرهم موهون جداً، ولو لأجل عدم تنبّه العقلاء إلى تمامّ الخصوصيّات، الّتي يحتمل أن يكون لها دخل في تكوِّين ذهن الإنسان، وعدم تنبهّهم إلى أنَّ الخصوصيّات الشخصيّة لها تأثير مفصّل مهم في تكوِّين مفهوم الإنسان من اللفظ. فكأنّهم يتخيّلون بأنَّ عامل اللغة هو العامل الأهم، وأنَّه بالمئة تسعين تؤثر اللغة في تكوِّين التبادر عند الإنسان مثلاً، وبالمئة عشرة مثلاً تؤثر الخصوصيات الشخصيّة، حينئذٍ بمقتضى الغلبة وبأماريّتها، جعلوا الظهور الفعليّ قرينة على الظهور اللغويّ، قرينة تعبّديّة وأمارة تعبّديّة. وهذه وظيفة ثانية للتبادر غير الوظيفة الأولى.
فإنّنا تارةً نريد بالتبادر أن نجعل التبادر علامة على أن هذا اللفظ الأسد في أيّ مقام، وأيّ جملة جاء، فهو يدلّ بالوضع على الحيوان المفترس. ودلالة التبادر على هذا المطلب دلالة تكوينيّة لا تعبّديّة. وهذه الدلالة التكوينيّة بيانها ما حقّقناه من حساب الاحتمالات. وتحتاج هذه الدلالة إلى تغيير الأمثلة
ــــــــــ[103]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
والأحوال، حتّى يحصل الاطمئنان بأنَّ التبادر في هذه الأمثلة نشأ من الوضعّ ولم ينشأ من القرينة الخفيّة.
وأمّا العلاميّة التعبّديّة، فهي في شخص الكلام الأوّل، بقطع النظر عن الأمثلة الأخرى. ولا شغل لنا بأن نعرف أنَّ كلمة أسد موضوعة للحيوان المفترسّ أو للرجل الشجاع، افرضوا نحن شاكّين بذلك. وقال: هذا المؤمن رأيت أسداً في الحديقة، فالظهور الفعليّ الّذي تبادر إلى ذهني من شخص هذه الجملة، هو الحيوان المفترس، وهذا الظهور الفعليّ، حجّة أو لا؟ لو فُرض أنَّ كلام هذا المؤمن كان له أثر شرعيّ.
لو سألتم المشهور، يقولون: إنّه حجّة؛ لأنَّ موضوع الحجّيّة عندهم هو الظهور الفعليّ، ولا يحتاجون بعد إلى علاميّة أخرى. لكن على مسلكنا، ليس هذا الظهور الفعليّ هو موضوع الحجّيّة، فإنَّ موضوعها على مسلكنا هو الظهور اللغويّ، وهو الظهور الناتج من نظام اللغة. وهذا التبادر الآن هو الظهور الفعلي، يعني: الظهور الناتج من نظام اللغة زائداً الخصوصيّات الشخصيّة.
فأنا أشكّ بأنَّ الظهور الفعليّ لهذه الجملة مطابق لظهورها اللغوي في الواقع. فكيف أحرز الظهور اللغوي؟ بأماريّة الظهور الفعليّ على الظهور اللغوي، يعني أماريّة التبادر على الظهور اللغوي. فأثبت أنَّ شخصاً عربياً صميماً متجرّداً من خصوصيّاتي الشخصيّة، لو سمع هذه الجملة لانتقش في ذهنه نفس هذا المعنى.
وهذه الأماريّة هنا، أماريّه تعبّديّة، لا أماريّة تكوينيّة؛ لأنَّ الشكّ موجود
ــــــــــ[104]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
على كلّ حال. فالظهور الفعليّ هو أمارة على الأمارة: امارة على الظهور اللغويّ، الّذي هو موضوع الحجّيّة(1).
ــــــــــ[105]ــــــــــ
() وهنا قال سيّدنا الأستاذ: ردّاً على سؤال لأحد الإخوان: أنّنا هنا لا نريد أن نثبت الحقيقة*، فإن كلّ كلام سواء كان حقيقة أو مجازاً، له ظهور بحسب قوانين اللغة، ولو باعتبار قرينته. ليس كلامنا في تعيين الحقيقة بمقتضى هذا الظهور، وإنمّا كلامنا في تعيين الظهور اللغوي بمقتضى قوانين اللغة، كلامي أنَّ هذا المعنى الّذي فهمته، هو نفس المعنى الّذي يفهمه العرب لو قدمت لهم هذه الجملة أو لا؟ وهذا لا أدري به؛ لأنّي أحتمل أنَّ فهمي متأثّر بخصوصياتي الشخصيّة ولم ينبع من النظام العامّ للّغة. فبجعل الظهور الفعليّ قرينة على الظهور اللغوي أثبت الظهور اللغويّ.
طبعاً هذه الأماريّة، المشهور مستغني عنها؛ لأنّه يرى أنَّ موضوع الحجّيّة هو الظهور الفعليّ، لا الظهور اللغوي. إذنّ فنفس التبادر هو موضوع للحجّيّة عنده. لكن موضوع الحجّيّة عندنا هو الظهور اللغوي لكلّ كلمة. فلابدَّ أن نستكشف الظهور اللغوي بأمارة، والأمارة هي التبادر. هذا خلاصة الكلام في المقام.
أقول: لا ينفى في المقام أنّه يمكن أن نطرد احتمال الخصوصيّة الشخصيّة، وندخلها في الفهم اللغوي، بحساب الاحتمالات أيضاً، بأن نعرض الجملة المعيّنة الواحدة على أناس كثيرين من ثقافات وبيئات مختلفة، فإن فهموا منها معنى معيّناً واحداً، كان احتمال ألّا يكون هذا المعنى هو المعنى اللغوي، وإن فهم هؤلاء جميعاً ناشئ من خصوصيّاتهم الشخصيّة ضعيفاً جداً بحسب حساب الاحتمالات. كذا تفضل السيّد الأستاذ بعد البحث.
* فان هذا نثبته بالطريق الأوّل، وتكون الدلالة حينئذٍ تكوينيّة لا تعبدية (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
كان الكلام في طرق إثبات الظهور. وقد فرغنا عن الطريق الأوّل من هذه الطرق وهو: التبادر بكلتا وظيفتيه.
الطريق الثاني: هو قول اللغويين:
يظهر من الكفاية وغيرها من الكتب الرسميّة، أنَّ القول بحجّيّة اللغويين كان مشهوراً، حتّى ادّعُي عليه الإجماعات في ألسنتهم، وجعل الإجماع -مثلاً- أحد الأدلّة على حجّيّة قول اللغوي. إلَّا أنّه في الأصول الجديد لما بعد الشيخ الأنصاريانقلب القول بالحجّيّة إلى القول بعدمها. تنقّح لدى المحقّقين المتأخّرين القول بعدم حجّيّة قول اللغوي(1).
ويتلخص من كلامهم في مقام بيان عدم الحجية:
إنَّ حجّيّة قول اللغويّ، تدّعى في أيّ مقام؟ فإنَّ عندنا مقامين:
أحدهما: هو مقام تعيين موارد استعمال اللفظ، كما لو كنّا لا ندري بأنَّ كلمة (أسد) بالعربيّة استُعملت في أيّ معنى وفي كم معنى؟ فنرجع إلى علماء تلك اللغة، فيقولون: بأنَّ كلمة (أسد) -مثلاً- تُستعمل في الحيوان المفترس، وتُستعمل في الرجل الشجاع.
والمقام الثاني: هو مقام تمييز المعنى الحقيقي عن المعنى المجازي. تمييز المعنى
ــــــــــ[106]ــــــــــ
(1) أنظر: كفاية الأصول، 286، نهاية الأفكار 3: 94-96.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الظاهر الّذي هو المعنى الحقيقي، عن المعنى غير الظاهر الّذي هو المعنى المجازي. حيث نشكّ بأنَّ كلمة أسد حقيقة في الحيوان المفترس، والرجل الشجاع.
أنا أريد القول في المقام الأوّل، أي في مقام تعيين موارد الاستعمال، فالّذي يُستفاد من مجموع الكتب الرسميّة للمحقّقين الإشكال على ذلك بوجهين:
ما يستظهر من عبارة المحقق الخراساني وهو أنّنا في موارد الاستعمال كأنّه نحن لا نحتاج إلى اللغويّ، والحاجة إلى اللغويّ إنمّا هي في المقام الثاني، لا في المقام الأوّل، إذ نحن نريد عن طريق قول اللغويّ أن نعيّن الظهور، ونحرزه، أي أن نعيّن ما هو المعنى الظاهر والمعنى الحقيقي للفظ، وحينئذٍ فهذا يناسب المقام الثاني، لا المقام الأوّل. وفي المقام الأوّل غاية ما يبيّنه اللغويّ -هو ما نعرف نحن أيضا- وهو أنَّ لفظة (أسد) تُستعمَل في الرجل الشجاع، والحيوان المفترس. ونحن نريد أن نعيّن ما هو المعنى الظاهر لكلمة (أسد) إذا وقعت موضوعاً لحكم شرعي؛ لنعرف أنّنا ينبغي أن نحمله على الحيوان المفترس، أو نحمله على الرجل الشجاع. وهذا مربوط بتمييز المعاني الحقيقية عن المعاني المجازيّة، وهذا هو المقام الثاني لا المقام الأوّل(1). فالمقام
ــــــــــ[107]ــــــــــ
() فحينئذٍ، إن ادّعى الرجوع إلى اللغوي في ذاك المقام، فيأتي إشكال ذاك المقام، وأمّا هذا المقام فلا معنى للرجوع فيه إلى اللغوي. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الأوّل لا معنى للرجوع فيه إلى اللغوي(1).
هذا هو الّذي يتحصّل من إشكال صاحب الكفاية على هذا الشق الأوّل. وهو: أنّه إن كان المراد من الرجوع إلى اللغويّ الرجوع إليه في تعيين موارد الاستعمال لا في تعيين الحقيقة عن المجاز، فهذا خارج عن محل الكلام؛ لأنّه ليس داخلاً في محل ابتلائنا؛ لأنَّ ما هو المهم من مقصود الفقيه هو تعيين المعنى الظاهر عن غيره(2) في مقام حمل الكلمة عليه، لو جاءت موضوعاً لحكم شرعي في النصّ. فالمقام الأوّل، لا معنى لدعوى حجّيّة قول اللغوي فيه.
[الجواب عن إشكال صاحب الكفاية]
هذا المطلب ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك: لأنّه في باب تعيين موارد الاستعمال لو قلنا بحجّيّة قول اللغويّ أيضاً، يكون له فائدة مهمّة، ويكون له دخل في غرضنا ومقصودنا، وهو: استخراج الأحكام الشرعيّة من النصّ. وذلك في فروض عديدة:
أحدها: أنّنا نفرض أنَّ التردّد ليس في المعنى المُستعَمل فيه، حيث نعلم المعنى المستعمل منه كلمة (الأسد). لكنّ التردّد في حدود هذا المعنى، في إطلاقه وضيقه، في سعته وشموله، وعدم سعته وشموله.
ــــــــــ[108]ــــــــــ
() أنظر: كفاية الأصول، 287.
(2) أي، تعيين الحقيقة في قبال المجاز، لا في تعيين موارد الاستعمال، ومجرّد تعيّينها لا يجوز بواسطته الظهور. كقول اللغويّ الأسد يُستعَمل في الحيوان المفترس والرجل الشجاع. ونحن نريد أن نعيّن الظهور (من محاضرة الغد). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فإنَّ حيرة الفقيه في مقام استخراج الحكم من النصّ، ليس دائماً تنشأ من جهله بباب الحقيقة والمجاز، بل قد يعرف ذلك، وإنَّ هذه الكلمة موضوعة للمعنى الفلاني، لكن لا يدري هل هي موضوعة له مطلقاً أو مقيّداً؟ فهذه الكلمة استعملت في المعنى الموضوع له المركوز يقيناً، لكن الإشكال في حدود هذا المعنى، لا في كونه حقيقة أو مجازاً.
كلمة صعيد مثلاً، نحن نعلم إنَّ لها معنى واحداً في لغة العرب، ونحن لا نريد أن نثبت كون هذا المعنى حقيقيّاً بقول اللغوي، وإنّما هذا أمر ثابت في نفسه باعتبارنا نعرف اللغة العربية، لكن لا ندري أنَّ هذا المدلول الواحد، هل أخذ فيه قيد الترابيّة، أو أنّه مطلق وجه الأرض؟ يعني: يدور أمره بين العامّ والخاصّ، بين المطلق والمقيّد. وهذا ليس بابه باب المقام الثاني -باب تمييز المعاني الحقيقية عن المجازية- فإنّه هنا معنى واحد نعلم إنّه الحقيقي، وأنَّه المراد من النصّ. لكن لا ندري أنَّ هذا المعنى المراد وسيع أو مضيّق. فهذا الشكّ يدخل في المقام الأوّل، لا في المقام الثاني. فنرجع على اللغويّ، لو قلنا بحجّيّة قوله في تحديد حدود هذا المعنى المُستعَمل فيه.
وكذلك من جملة موارده: ما لو فُرِض مثلاً بأنَّ اللفظ كان يعلم إنَّ له معنى، لكن لا يدري ما هو هذا المعنى أصلاً، لا أنّه يدري أنَّ له معنيين ولا يعلم الحقيقة منهما مِن المجاز، بل لعلمه على وجّه الإجمال مثلاً، إنَّ هذه الكلمة ليست مهملة في لغة العرب، لكن لا ندري ما هو معناها. فلو ذكر اللغويّون في موارد استعمال هذه الكلمة أنّها في لغة العرب تُستعَمل في هذا المعنى، حينئذٍ تُحمل عليه، ويكون قول اللغويّ هنا مثمراً ومفيداً، لو قيل بالحجّيّة. وهذا ليس
ــــــــــ[109]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بابه باب تعيين الحقيقة عن المجاز، بل بابه باب تعيين موارد الاستعمال، ففي مثل هذا المورد يشهد لنا اللغوي، بأنَّ هذه اللفظة في لغة العرب لم تُستعَمل إلَّا في معنى واحد. إذن، فلابدَّ أن يكون هذا المعنى هو المراد في النصّ. ويحصل لنا الاطمئنان حينئذٍ بأنّه ليس له إلا معنى واحد، إذ من البعيد جداً أن يكون له معنيان ومع هذا يخفى على اللغوي.
ومن ذلك: ما لو أحرزنا أنَّ هذا اللفظ لم يرد به بعض معانيه. قال لنا اللغوي: أنَّ لهذا اللفظ موارد استعمال ثلاثة، وحصلنا قرينة على أنَّ المعنى الأوّل والثاني(1) غير مراد، إذ يتعين المعنى الثالث. وتعين المعنى الثالث ليس من باب تمييز الحقيقة عن المجاز، بل من باب شهادة اللغويّ بأنَّ هذه الكلمة في لغة العرب تُستعمَل في أحد معانٍ ثلاثة فقط، وعلمنا من الخارج أنَّ هذه الكلمة في هذا النصّ لم تُستعمَل لا في المعنى الأوّل، ولا في المعنى الثاني. إذن، فيتعيّن أن تكون مستعملة في الثالث.
إذن، ففي كلّ هذه الفروض نحن نعتمد على اللغويّ لو قيل بحجيته، لا لأجل تمييز باب الحقيقة عن باب المجاز، الّذي هو المقام الثاني، بل نعتمد عليه في تعيين موارد الاستعمال، ونفس هذا التعيين يكفي في الاستنباط من النص، بلا حاجة إلى أن نميّز باب الحقيقة عن باب المجاز.
إذن، فأقوال اللغويّ في المقام الأوّل أي: في تعيين موارد الاستعمال كثيراً ما يترتّب عليه اقتناص الحكم الشرعي من النصّ. ويكون الحكم بحجيّته مفيداً
ــــــــــ[110]ــــــــــ
() في الرواية (من محاضرة الغد). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أيضاً. وليس اقتناص الحكم الشرعي في هذه الموارد التي ذكرناها متوقّفاً على تمييز المعنى الحقيقي عن المعنى المجازي(1).
إذن، فهذا الكلام من صاحب الكفاية مما لا يمكن المساعدة عليه. إذن فلا بدَّ من التفتيش عن دليل على الحجية أو عدمها.
يستفاد من كلمات المحقّقين الآخرين بتقريب آخر وحاصله:
أنَّ حجّيّة قول اللغويّ إنّما تثبت لو قيل بثبوتها، باعتبار السّيرة العقلائيّة على الرجوع إلى أهل الخبرة، بدعوى أنَّ اللغويّ من أهل الخبرة في اللغة. وهذا هو الدليل المهم، الّذي استند إليه المتقدمّون من علماء الأصول، للقول بحجّيّة قول اللغويّ.
مع أنَّ هذا التطبيق مغلوط في المقام، لا يصحّ تطبيق هذه الكبرى على حجّيّة قول اللغويّ في المقام الأوّل، أي: في مقام تعيين موارد الاستعمال.
والوجه في هذا عندهم، على ما يبينون هو:
أنَّ هذه الكبرى وهي: كبرى الرجوع إلى أهل الخبرة، وإن كانت كبرى عقلائيّة استقرّ عليها العمل، إلَّا أنَّ المقصود بالخبرة الّتي يُرجَع إلى أهلها،
ــــــــــ[111]ــــــــــ
() فليس اقتناص الحكم الشرعي من النصّ منحصر في المقام الثاني، حتّى يقال: إنَّ حجيّة قولهم في المقام الأوّل لغو، أو بلا فائدة أو خارج عن محل الكلام (من محاضرة الغد). (المُقرِّر).
(2) الوجه الثاني.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الخبرة الحدسيّة، لا الخبرة الحسيّة؛ فإنَّ الخبرة قسمان: خبرة حسّيّة، وخبرة حدسيّة. وما استقرّ عليه البناء إنّما هو الرجوع إلى قول أهل الخبرة، فيما إذا كانت خبرتهم خبرة حدسيّة، كخبرة الطبيب وخبرة المهندس والفقيه، ونحوها من الخبرات الفنّيّة الحدسيّة. فإنّه هنا استقرّ بناء العقلاء بالرجوع إلى أهل الخبرة، من دون اشتراط التعدّد أو العدالة، ونحو ذلك من الشروط الّتي تعتبر في الشاهد.
وأمّا إذا كانت الخبرة حسّيّة، لا حدسيّة، من قبيل موت زيد وعدمه. هنا، الخبرة بموت زيد لا تقتضي الرجوع إلى أهل هذه الخبرة. فلو قال شخص: أنا أدري أنَّ زيداً قد مات، فهذا لا يعتبر من أهل الخبرة بموته، وإنّما هذا يعتبر شاهداً، ويعتبر فيه ما يعتبر في الشاهد. ولا يكون قوله حجّة، إلَّا مع استجماعه لشرائط الشهادة من العدالة، والتعدّد وغيرها.
فقول الخبير الحدسي حجّة بالسّيرة العقلائيّة، أمّا قول الخبير الحسّي فلم يثبت حجيّة قوله من باب الرجوع إلى أهل الخبرة، بل من باب البيّنة أو خبر الواحد ونحو ذلك، وهذا كلام آخر.
فإذا اتضح أنَّ هذه الكبرى لا بدّ من إدخال هذا التفصيل عليها، والتمييز فيها بعين الخبرة الحسّيّة والحدسيّة. يقال حينئذٍ: بأنَّ قول اللغويّ في المقام الأوّل، أي: في تعيين موارد الاستعمال، هو من موارد الخبرة الحسّيّة، لا من موارد الخبرة الحدسيّة. فإنَّ الموارد الّتي يشهد بها اللغويّ، بأنَّ العرب قد استعملوا فيها الألفاظ في تلك المعاني، هذه الشهادة شهادة بالحسّ، أو بما هو قريب من الحسّ. حيث إنَّ اللغويّين كان شأنهم التتبّع والاستقراء، والالتفات
ــــــــــ[112]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إلى الشواهد والكلمات، حتّى تحصل عندهم ذخيرة في مقام تعيين موارد استعمال كلّ لفظ. إذن، فمثل هذه الشهادة، قائمة على أساس الخبرة الحسّيّة، لا الحدسيّة، فيدخل في باب الشهادة لا في باب حجّيّة أهل الخبرة، فيعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة من العدالة والتعدّد؛ بناءً على أنّه في الشبهات الموضوعيّة، لا يُقبَل خبر الواحد بل يشترط البيّنة(1).
هذا هو الوجه الثاني في المناقشة، في حجّيّة قول اللغوي في المقام.
وهذا الوجه أيضاً ممّا لا يمكن المساعدة عليه:
وذلك: أمّا أولاً: فلأنّه من قال بأنّ تعيين موارد الاستعمال هو: أمر قائم على أساس الخبرة الحسّيّة، وليس متضمّناً للحدس.
فإنَّه في كثير من الموارد يكون تعيين موارد الاستعمال، قائماً على أساس الحدس، فإنَّ تعيين أصل المعنى، وإن كان قد يكون قريباً من الحسّ، أو بحكم الحسّ، إلَّا أنَّ تعيين حدود المعنى وقيوده وإطلاقه وضيقه، هذا مما لابدَّ فيه من إعمال الحدس في كثير من الأوقات.
فإنَّ اللغويّين كانوا يتتبّعون كلمات العرب ولسانهم، فيرون أنّهم يستعملون كلمة في هذا المورد وفي ذاك، وغيره. فيجمعون هذه الموارد، ثُّمّ ينتزعون بعد ملاحظة تمامّ هذه المواردّ، وإلغاء الخصوصيّات الّتي يمتاز بها عن مورد آخر، ينتزعون المعنى الجامع في المقام.
ــــــــــ[113]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار 3: 93، فوائد الأصول 3: 142-143.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فعمليّة انتزاع هذا المعنى الجامع، الّذي يكون هو محط الاستعمال من تتبّع موارد الاستعمال، هذه عملية حدسيّة اجتهاديّةّ وليست عمليّة حسيّة. فإنَّ الشيء الثابت بالحسّ، أنّهم رأوا أنَّ إعرابياً قال لابنه إئتني بتمر فجاءه به، أمّا كيف عرفوا أنَّ كلمة تمر تُطلق على كلّ ما ينتجه النخل؟ هذا عرفوه من تتبّع موارد الاستعمال، وملاحظتها بمجموعها، وإلغاء خصوصيّة كلّ مورد في قبال المورد الآخر، مع إعمال كثير من حساب الاحتمالات، إلى أن يتوصلوا في النهاية إلى انتزاع هذا المعنى الجامع لهذا اللفظ.
إذن، فتحديد المعنى بقيوده وحدوده وسعته وضيقه، هذه عمليّة حدسيّة وليست عملية حسّيّة.
ثُّمّ، الإشكال في أصل هذه الكبرى، وهي أنَّ حجّيّة قول أهل الخبرة، يختصّ بخصوص ما إذا كانت الخبرة خبرة حدسيّة، لا ما إذا كانت حسّيّة. فكأنَّ الحدس أولى بالاعتماد عليه من الحسّ بمقتضى هذا التفصيل، كأنَّ الشخص إذا لم يعمل نظراً واجتهاداً، وأخبر عن حسّ وقال: رأيت بعيني، نقول له: لا نقبل منك. وإمّا إذا قال: إنّي أعملت نظراً واجتهاداً يكون في معرض الخطأ والصواب، وأضفت أشياء من عندي يقال له: نعم هذا مقبول منك، فهذا التفصيل، تفصيل غريب في المقام.
والّذي دعى هؤلاء الأعلام، إلى مثل هذا التفصيل هو: استثناء باب الشهادة، إذ من المعلوم أنّه في باب الشهادة في القضايا الجزئية، عندما يموت
ــــــــــ[114]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
زيد ويقول ابنه -مثلاً- إنّني أنا من أهل الخبرة بموته، لا يُقبَل قوله في المقام. فتخيّل أنَّ الميزان الفاصل في السّيرة العقلائيّة، إنّما هو كون الخبرة خبرة حسّيّة، أو خبرة حدسيّة.
مع أنَّ الظاهر أنَّ الميزان الفاصل في السّيرة العقلائيّة ليس هو ذلك، فإنَّ الحسّ بحسب طبع العقلاء أولى بالقبول من الحدس. وإنّما الميزان الفاصل هو: كون الحسّ أو الحدس، كون جهة الإخبار مربوطة بمطلب حياتي عامّ، يحتاج استيعابه وتفهّم خصوصيّاته إلى تفرّغ وتخصّص.
فبمقتضى قانون تقسيم العمل بين الناس، خُصّص لكلّ مطلب من هذا القبيل جماعة يتعبون في مقام تحصيل قضاياه، إمّا على أساس الخبرة الحسّيّة أو الخبرة الحدسيّة. فقد رأى الناس لو أنَّ كلّ إنسان لا يبني موقفه إلَّا على أساس الخبرات، الّتي يحصلّها ويعلم بصحّتها بنفسه، ككيفيّة معالجته لمريضه، أو بناء داره، أو كيفيّة تكلّمه، أو كتابته للمقال. لو فُرِض هذا المطلب. إذن، لتوقّفت الحياة بحسب الخارج؛ لأنَّ كلّ إنسان عمره لا يسع، خصوصاً الإنسان الّذي يشتغل في الميادين الحياتيّة، للتفرّغ إلى تحصيل هذه العلوم والمطالب؛ لأجل أن تكون تمامّ المقدّمات محرزة له بالمباشرة.
فمن هذه الناحية فرْض -في القضايا العامّة، الّتي ترتبط بالحياة ارتباطاً عامّاً-. أنَّ هناك جماعة يتخصّصون في هذه القضايا العامّة، وأنَّ الآخرين يقبلون قولهم تعبّدّاً، تبانوا على هذا المطلب؛ لأجل تسهيل الحياة وتيسيرها بحسب الخارج.
ــــــــــ[115]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إذن، فهذه الفكرة، فكرة مركوزة في الأذهان، ملاكها، بحسب التحليل هي هذه النُكتة: نكتة تقسيم العمل وفرْض أناس متخصّصين في الجهات الّتي لا يمكن للفرد الواحد أن يستوعبها.
ومن هنا، تختصّ هذه بالجهات العامّة من الثقافة، لا بالجهات الجزئيّة كموت زيد وبيعه لداره، ونحو ذلك من القضايا الجزئيّة، والأمور المحسوسة. هذه أمور يمكن لكلّ إنسان بمجرّد أن يتصدّى للاطلاع عليها ترتيب الآثار بحسب الخارج، وليست من الأمور التي تحتاج إلى تفرّغ وتخصّص.
بخلافه في هذا، مثلاً في باب اللغة، يحتاج إلى تفرّغ وتخصّص للذهاب إلى القبائل العربيّة الأصيلة في لسانها وبيانها، وتتبّع موارد استعمالاتها والالتفات إلى نُكات تعبيراتها، ثُمّ تبليغ ذلك إلى جميع الناس الجالسين في بيوتهم، وفي محالّ أعمالهم، واضحة محدّدة مشهوداً بصحتها من قبلهم.
فنكتة الفرق بين باب الشهادة في القضايا الجزئيّة، وبين هذا الباب هو مسألة التخصّص في الثقافات، الّتي اقتضت المصلحة الاجتماعيّة التخصّص فيها. فقيل هناك بحجّيّة أهل الخبرة فيها، سواءٌ كانت تلك الثقافة قائمة على أساس الخبرة الحسّيّة، أو الحدسيّة.
وإلَّا لا نحتمل عقلائيّاً أنَّ مناط الفرق هو كونه حدساً وكون حسّاً، بحيث يكون كونه حدساً مقوّم للمطلب، وكونه حساً يكون من مضعّفات المطلب.
إذن، فكلا هذين الوجهين مّمّا لا يرجع إلى محصّل.
ــــــــــ[116]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فبالنسبة إلى المقام الأوّل، لو أن شخصاً قال بأنَّ السّيرة العقلائيّة القائمة على الرجوع إلى أهل الخبرة، تنطبق على المقام الأوّل في تعيين موارد الاستعمال، لم يكن يرد عليه، لا إشكال صاحب الكفاية، ولا هذا الإشكال الثاني.
هذا كله في المقام الأول.
*****
وأمّا المقام الثاني(1)، وهو: مقام تعيين الحقيقة عن المجاز.
ــــــــــ[117]ــــــــــ
() لخصّ سيدنا الأستاذ في مبدأ المحاضرة أكثر ما كان قاله في المحاضرة السابقة، ممّا لا يزيد عمّا سبق تقريباًّ، إلّا في مواضع قليلة أشرنا إليها مع محاضرة أمس، وقال في الوجه الثاني من مناقشة الإشكال الثاني، على المقام الأوّل:
وثانياً: من قال بأن تلك الكبرى العقلائيّة وهي: الرجوع إلى أهل الخبرة مخصوص بخصوص ما إذا كانت الخبرة خبرة حدسيّة؟ فإنّنا لا نحتمل أنّه في حجّيّة أمارة، يشترط ضعفها قيداً، مع أنَّ كونها حدسيّة موجب لضعفها، لا إلى قوتها. كيف يكون ما يوجب القوّة مانعاً عن الحجّيّة، وما يوجب ضعفها يكون دخيلاً في الحجّيّة. هذا المطلب غير مناسب مع ارتكاز العقلاء عن التعبّد، والّذي يكون جعل الحجّيّة عندهم من باب الكاشفيّة، والطريقيّة.
بل، الظاهر أنَّ نكتة جعل الحجّيّة عندهم هو: كون مورد الخبرة مورداً عامّاً من الشؤون الحياتية العامّة، الّتي تتوقّف الحياة على توسيع الخبرة فيها، وتخصيص جماعة يتخصّصون فيها، والتعويل على ما يشهد به هؤلاء الجماعة المتخصّصون.
فهناك فرق بين القضايا العامّة والقضايا الجزئية؛ لا بين الحسّ والحدس من حيث هذا البناء العقلائي العامّ.
إذن، فالظاهر هنا في القسم الأوّل أنَّ السّيرة العقلائيّة تامّة، وتكون متكفِّلة لحجّيّة قول اللغوي. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هنا نعرف، أنَّ لفظة أسد لها معنيّان في موارد الاستعمال: أحدهما الحيوان المفترس، والآخر الرجل الشجاع، ولا ندري أيهّما المعنى الحقيقي، وأيّهما المجازي. هنا نرجع إلى اللغة في التعيّين.
أيضاً، الأعلام قالوا: بأنَّ اللغة لا يجوز الرجوع إليها هنا في التعيين.
والمتحصّل من كلماتهم أيضاً وجهان في بيان عدم جواز الرجوع، أحدهما: هو أنَّ أهل اللغة ليسوا من أهل الخبرة من هذه الناحية -ليسوا أهل خبرة بتعيّين المعنى الحقيقي من المعنى المجازي- بدليل أنّهم لم يتصّدوا لتحقيق هذا المطلب في كتبهم، وفي بياناتهم؛ ولو كانوا من أهل الخبرة في تعيّين المعنى الحقيقي من المجازي، لسجّلوا نتائج خُبرُهم في بحوثهم، مع أنّهم لم يسجّلوا مثل هذا. فيُستكشَف من ذلك، أنَّ خبرتهم إنّما صرفوها في المقام الأوّل فقطّ، دون المقام الثاني(1).
[جواب الاشكال]
وهذا إشكال إثباتيّ على أهل اللغة في المقام، وحلّه يتوقّف بالرجوع إلى حال أهل اللغة؛ لأجل أن يرى أنَّ خبرتهم صرفوها في المقام الأوّل، أو أنّهم في
ــــــــــ[118]ــــــــــ
(1) الكفاية: 287.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
المقام الثاني أيضاً. وهذا إشكال إثباتيّ خارجيّ، وليس إشكالاً علميّا؛ لأجل أن يجاب بجواب علميّ.
وهو أن يقال في المقام: بأنَّ أهل اللغة لا يمكن أن يكونوا من أهل الخبرة في تعيين المعاني الحقيقية عن المعاني المجازية؛ لأنّهم ليس عندهم الوسائل الّتي تمكّنهم من هذه الخبرة؛ لأنَّ أهل اللغة ليس عندهم وسيلة إلَّا الاستماع إلى موارد الاستعمالات وتجميعها. ومن المعلوم أنَّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة، كما قرأنا في المعالم(1)!
فمجرّد تجميع موارد الاستعمال، لا يكون دليلاً على تعيين المعنى الحقيقيّ في قبال المعنى المجازيّ، ولا يناسب هذا التعيين ولا يدّل عليه.
[جواب الاشكال الثاني]
وهذا إشكال فنّي، وجوابه: أنّه ليس كذلك فإنَّ تتبّع موارد الاستعمال في جملة من الموارد قد يُستخدَم مع إعمال النظر والحدس، في تعيين المعنى الحقيقيّ في قبال المعنى المجازيّ.
فلو فُرِض أنَّ اللغويّين تتبّعوا موارد استعمال كلمة أسد في الرجل الشجاع وفي الحيوان المفترس، ورأوا بحسب التواريخ أنَّ استعمال كلمة أسد في الرجل
ــــــــــ[119]ــــــــــ
(1) انظر: معالم الدين وملاذ المجتهدين، 103.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الشجاع متأخّر زماناً عن استعمال كلمة أسد في الحيوان المفترس. ورأوا بالتتبّع والاطلاع، أنّه في كلّ مورد استُعمِلت فيه كلمة أسد في الرجل الشجاع، عطف عليها كلمة أخرى، تدّل أيضاً على الرجل الشجاع، بحيث لو كانت كلمة أسد غير دالّة في نفسها؛ لكفّت تلك الكلمة في الدلالة.
هذا في نفسه لو وقع في مورد واحد، فقد يقال: إنّه من باب الصدفة؛ لأنَّ هذا اللفظ، وإنَّ فُرِض أنّه يدّل باللفظ على الرجل الشجاع، لكنّه لا مانع من فرض دّال آخر في المقام. لكن، إذا تكرّر هذا المطلب بحيث التفت أهل اللغة إلى أنَّ أبناء اللسان الأصليّين الحقيقيّين دائماً كانوا ملتزمين بعطف دّال آخر على الرجل الشجاع، حينما يستعملون كلمة أسد في الرجل الشجاع.
وأيضاً، إذا التفت أهل اللغة إلى أن موارد استعمالات كلمة أسد في الرجل الشجاع، إنّما هي في الموارد الّتي يراد المبالغة في شجاعة الرجل. لا يستعملون كلمة أسد في الرجل الشجاع متى ما يقولون عنه أنه شجاع، بل إذا ما أرادوا أن يبالغوا بشجاعته ويصوّروها بنحو شعريّ.
كلّ هذه الملاحظات لو فُرِض أنّها استُنتِجت من تتبّع موارد الاستعمال، حينئذٍ يحصل الجزم بعد هذا بأنَّ لفظ الأسد موضوع للحيوان المفترس، وأنَّ الرجل الشجاع معنى تبعي مجازي، بالنسبة إلى هذا اللفظ.
مثل هذا النظر والحدس، يمكن قيامه على التتبّع -تتبّع موارد الاستعمالات- فليس تتبّع موارد الاستعمالات يصلح فقط لبيان الموارد المستعمل فيها، بل بعد هذه الضمائم الاجتهاديّة قد يُستنبَط منه تعيين المعنى الحقيقيّ من المجازيّ.
ــــــــــ[120]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
نعم، هل إنَّ أهل اللغة يستعملون هذه الضمائم الاجتهاديّة أو لا؟ فهذا يحتاج إلى تتبّع لشأنهم؛ لأجل أن يرى أنّهم يعملون مثل هذه الخبرة أو لا(1).
فالّذي تحصّل من هذا الكلام: هو أنَّ قول اللغويّ، بحسب الظاهر يكون حجّة فيما يكون خبيراً فيه.
لكن يكون قول اللغويّ حجّة، بالنسبة إلى العامّي طبعاً، لا بالنسبة إلى المجتهد. كما أنَّ قول المجتهد لا يكون حجّة بالنسبة إلى المجتهد، وإنّما يكون حجّة بالنسبة إلى العامّي.
يعني: يكون قول اللغويّ حجّة بالنسبة إلى من لا يتمكّن من استعمال وسائله بالفعل؛ لأجل التوصّل إلى النتيجة.
وأما لو فُرِض أنّ اللغويّ، قد كتب أدّلته وجميع الموارد التي استند إليها، وبيّن طريقة استنباطه للنتيجة من هذه الموارد، وفرضنا شخصاً آخر له ملكة هذه المطالب، فلو طالعنا هذه المطالب، ووجدنا أنَّ اللغويّ اشتبه في مقام استنتاج هذا المعنى من هذا اللفظ -مثلاً- أشتبه اللغويّ في قوله بأن (لعلّ) للتمنّي؛ لأنّنا انتزعنا من جميع موارد استعمالها معنىً آخر أدقّ من هذا، بحيث يشمل تمامّ الموارد.
وبالتالي، إذا فُرِض أنَّ الشخص الآخر كان له القدرة على خوض البحث، كقدرة اللغويّ على خوضه، ففي مثل ذلك لا يكون قول اللغويّ حجّة. كما أنَّ
ــــــــــ[121]ــــــــــ
() وهنا أجاب عن سؤال: وهذا يرجع إلى الأول. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
قول المجتهد لا يكون حجّة على المجتهد الآخر؛ لأنَّ السّيرة العقلائيّة الدّالة على الرجوع إلى أهل الخبرة، إنّما تدّل على رجوع العاميّ إلى الخبير، لا إلى رجوع الخبير إلى الخبير.
نعم، في الموارد الّتي ينسد فيها باب العلم، بمعنى: أنّنا ليس بيدنا تلك الوسائل الّتي استنتج منها اللغوي هذه النتيجة، فهو فقط يبّين النتيجة من دون أن يبين تلك الوسائل والمقدّمات. في مثل هذا، نحن عوّام بالنسبة إلى هذه المسألة بمعنى: أنّنا لا نتمكّن من إعمال النظر في أخذ النتيجة. فبالنسبة إلى أمثال هذه الموارد، لا بأس بحجّيّة قول اللغويّ في المقام نفسه.
هذا تمامّ الكلام في المورد الثاني، من موارد إثبات الظهور.
وكأنّ أصول المحقّقين المتأخّرين، باعتبار شدّته وطغيانه، كان يريد أن يستغني عن العلوم الأخرى، علماً بعد علم؛ لأجل أن يقلل مقدّمات الاجتهاد ويقرّب الطلب إليه؛ يستغنى عن علم الرجال -مثلاً- باعتبار أنَّ السند لا أهميّة له، ويستغنى عن علم اللغة؛ باعتبار أنَّ قول اللغويّين ليس حجّة، وهكذا. والحمد لله أنّه ما استغنى عن علم الفقه نفسه.
كان الكلام في الطرق التي تستعمل في إثبات الظهور. ذكرنا منها التبادر وذكرنا قول اللغوي. وانتهينا إلى:
الأمر الثالث: وهو أصالة عدم النقل: بحسب اصطلاح المشهور وأصالة ثبات اللغة بحسب اصطلاحنا، الّذي مرّ بنا في الأبحاث السابقة.
ــــــــــ[122]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
قلنا فيما سبق: بأنَّ اللفظة إذا كان عصر صدورها غير عصر سماعها. وعصر ترتيب الأثر. فكان عصر صدور الكلمة هو عصر الأئمة، عصر الظهور، كما هو الحال في الروايّات المرويّة عنهم، وعصر السماع أي: عصر ترتيب الأثر هو هذا العصر -مثلاً-. فالعصران متعدّدان. حينئذٍ، كيف نثبت هذا الظهور بالنسبة إلى عصر الكلمة؟
فإنّنا لو كنّا نعيش في ذلك العصر، في عصر الظهور. إذن، كان علينا مرحلة واحدة من الإثبات، وهي: أن نثبت الظهور في عصرنا الّذي هو عصر الكلمة، فإذا أثبتناه بالتبادر -مثلاً-. وحينئذٍ ينتهي المطلب؛ لأنَّ عصر السماع هو عصر الكلمة، ولا نحتاج بعد ذلك إلى مرحلة ثانية.
وأمّا حيث يتعدّد العصر فيكون عصر الكلمة غير عصر السماع، فهنا لا يكفي أن نثبت ظهور عصر السماع عن طريق التبادر. افرضوا أنّنا عن طريق التبادر أثبتنا أنَّ الكلمة ظهورها في عصر السماع في المعنى الفلاني، لكنّ موضوع الحجّيّة إنمّا هو ظهور الكلمة في عصر الكلمة، كما بيّنا ذلك فيما
سبق مفصّلاً.
إذن، فنحتاج إلى إثبات أنَّ ظهور عصر السماع مطابق مع ظهور عصر الكلمة. ومن هنا يجيء هذا السؤال وهو: أنَّه كيف نثبت ظهور عصر الكلمة، والتطابق بين ظهور عصر السماع وظهور عصر الكلمة -مثلاً-.
وهنا ادّعي وجود أصل سُمِّي بأصالة عدم النقل. يقول بالتطابق بين ظهور عصر السماع، وظهور عصر الكلمة. فحينئذٍ نبني على أنَّ الظهور في
ــــــــــ[123]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
عصر الكلمة، مطابق للظهور في عصر السماع، بمقتضى هذا الأصل اللفظي الّذي انعقدت عليه السيرة، والّذي هو من الأمارات العقلائيّة النوعيّة.
ومن هنا، صحّ لنا أن نعدّ هذا الأصل من طرق إثبات الظهورّ غاية الأمر بأنَّ هذا الأصل طريق لإثبات الظهور في عصر الكلمة.
فيما سبق قلنا: بأنَّ اصطلاح أصالة عدم النقل، ينبغي أن يُغيَّر في المقام وذلك؛ لأنَّ الشكّ في تغيير اللغة وتطورها هذا لا يقتصر على خصوص الكلمات الإفراديّة، بحيث يحتمل أنَّ الكلمة الإفرادية نُقلِت من معنى إلى معنى،حتّى يُسمّى الأصل بأصالة عدم النقل، بل قد يشمل الظهورات السياقيّة والتركيبيّة أيضاً؛ فإنّه كما يحتمل أن تكون الكلمة الواحدة ذات ظهور في عصر وذات ظهور آخر في عصر آخر، كذلك الجملة التركيبيّة يمكن أن يكون لها ظهور في عصرّ ولها ظهور آخر في عصر، باختلاف مختلف الظروف الّتي تحيط بتلك الجملة. إذن، فالأولى أن يُسمّى هذا الأصل بأصالة الثبات في اللغة.
وبيّنّا فيما سبق مفصّلاً كيفيّة الاستدلال على هذا الأصل بالسيرة، وكيفيّة اكتشاف نُكتة هذه السيرة. وقلنا: بأنَّ هذه السيرة المنعقدة، على الثبات في اللغة والّتي نسميها بأصالة الثبات في اللغة نكتتها، هي: أنَّ كلّ فرد في تجربته المعاشة يرى اللغة ثابتة، ولا يحسّ بتطوّرها وتغييرها؛ ومن هنا كان التطوّر والتغيير في اللغة أمراً نادراً بحسب ما هو المركوز في الأذهان، وهذه الندرة جُعِلت ملاكاً لمثل هذا الأصل، الّذي أسميناه بأصالة الثبات في اللغة، على تفصيل سبق في
ــــــــــ[124]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الأبحاث السابقة، ولا موجب لإعادته.
وإنّما الشيء الجديد الّذي لابدَّ من ذكره هو التنبيه على أمور، ترجع إلى هذا الأصل. بعد الفراغ عن تصوّره وعن التصديق به.
فلو فُرِض -مثلاً- بأنّنا أحسسنا الآن بأنَّ الظهور في عصرنا هذا عصر السماع، هو في المعنى المعيّن المرموز إليه بــ (ب) فهنا بمقتضى أصالة الثبات في اللغة، نقول: بأنَّ الكلمة في عصر المعصومين أيضاً كانت تحمل نفس هذا الظهور في نفس هذا المعنى وهو (ب).
لكن لو أننّا علمنا بدليل قطعي أنَّ هذه الكلمة، في صدر اللغة، وأولها، لم تكن تحمل هذا المعنى، وإنّما كانت تحمل معنى آخر، وشككنا في أنَّ هذا المعنى الآخر، متى زال عنها. هل زال عنها في عصر الأئمة، أو زال عنها بعد عصر الأئمة؟
ومن جملة مصاديق هذا المطلب، مسألة الحقيقة الشرعيّة الّتي قرأناها في الكفاية وغيرها. الصلاة -مثلاً- كان لها معنى لغوي، غير المعنى الشرعي بلا إشكال. أو أنَّ الخمس -مثلاً- كان له معنى غير هذا المعنى الشرعي، في صدر اللغة. ولا نشكّ أنّه الآن في عصر السماع، الخمس ظاهر في المعنى الشرعي. إذن، فاللغة تطوّرت بالنسبة إلى هذه الكلمة، لكن لا أدري أنّ هذا التطوّر متى حصل، هل حصل في عصر الرسول -مثلاً- فتكون الحقيقة حقيقة شرعيّة، أو حصل في عصر الأئمة، أو حصل في عصر الغَيبة.
ــــــــــ[125]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
لو شُكّ في هذا المطلب، فهنا لا تجري أصالة عدم النقل، أو بتعبير آخر: لا تجري أصالة الثبات في اللغة. كما أشير إليه أيضاً في الكفاية(1).
إلَّا أنَّ النُكتة في هذا المطلب، بناءً على توضيحاتنا لسّر هذا الأصل، تكون في غاية الوضوح حينئذٍ. فإنّنا بينّا أنَّ هذا الأصل ليس أصلاً عبادياً، وإنّما هو أصل انعقد عليه بناء العقلاء؛ باعتبار كلّ فرد في تجربته المعاشة، لم يكن يرى تطوّراً وتغييراً وتبديلاً في اللغة، فهو يرى أنَّ تغيّر اللغة على خلاف طبع اللغة، فكأنّ اللغة شيء من طبعه الاستقرار والثبات، وإذا تغيّر يكون تغيّره أمراً استثنائيّاً.
فهذه الندرة، والاستثنائيّة في التغيير هي التي جعلت ملاكاً للأماريّة وملاكاً للكشف عن عدم التغّير، بمقتضى حساب الاحتمالات.
إلَّا أنَّ هذه الأماريّة، لا مجال لإعمالها فيما لو علم بالتغّير أساساً. فلو علمنا بأنّ اللغة قد تغيّرت يقيناً في هذا المورد، وكانت هذه الكلمة المعيّنة من موارد الاستثناء، وكانت اللغة بالنسبة إلى هذه الكلمة على خلاف طبعها. فبعد أنَّ علم إنَّ اللغة على خلاف طبعها في المقام، لا يوجد هناك نُكتة أخرى مركوزة في ذهن العقلاء، تكون ملاكاً للكشف عن تأخّر هذا التغيير أو عن تقدّمه.
فلو فُرض أنَّ العقلاء، والحالة هذه، حكموا بالتقدّم أو بالتأخّر، كان حكماً تعبّديّاً صرفاً، والمفروض والأصل الموضوعي المتفّق عليه هو: أنَّ الأصول اللفظيّة والأمارات العقلائيّة كلّها بملاك الكشف، لا بملاك التعبّد.
ــــــــــ[126]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول، 22.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إذن، فملاك الكشف بعد أنَّ اكتشفنا نُكتته يتضح، أنَّ هذا الملاك إنّما يكون ملاكاً لنفي أصل التغّير، فيما إذا شُكّ في التغّير، لا في نفي تقدّم التغّير، أو تأخّره، إذا علم بأصل التغّير وشُكّ في زمانه.
إذن، فأصالة الثبات في اللغة، إنّما تجري فيما إذا شُكّ في أصل التغّير لا ما إذا شُكّ في زمانه.
وهو: أنّه إذا افترضنا تعارضاً بين أصالة الثبات في اللغة، وبين قول اللغوي فماذا نصنع؟
بأن نفرض كلمة صدرت في عصر الأئمّة نصّ اللغويّون على أنَّ المراد بها المعنى الفلاني، المعنى المقيّد -مثلاً- ونحن الآن نفهم منها معنى أوسع من ذلك المعنى، الّذي صرّح به اللغويّون. فمقتضى أصالة الثبات في اللغة، وأصالة عدم النقل، أنّنا نقول: بأنَّ هذه الكلمة في عصر الأئمّةأيضاً كانت تدّل على نفس المعنى الّذي تدّل عليه الآن، فنأخذ بالمعنى المطلق. وبناءً على قول اللغويّ وشهادته بأنّ الكلمة معناها هذا مقيّد دون المطلق. إذن، فلابدَّ وأن تحمل على المقيّد.
فيحصل هنا أمارتان متعارضتان، بالنسبة إلى ظهور عصر الكلمة: فقول اللغوي أمارة تدّل بنحوٍ، وأصالة عدم النقل أمارة تدل بنحوٍ آخر. فماذا يصنع في مورد تعارض هاتين الامارتين؟
أمّا المشهور فهم مستريحون في مثل هذا الفرض؛ لأنَّ مشهور الأصوليّين
ــــــــــ[127]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
المتأخّرين على عدم حجّيّة قول اللغوي، فمن هذه الناحية يبنون على أصالة عدم النقل، ولا يعتنون بأقوال اللغويّين.
وأمّا نحن، فبعد أن حقّقنا أنَّ قول اللغويّ يكون حجّة بالنسبة إلى العامّي، يعني: بالنسبة إلى من لا يتمكّن من الاجتهاد في شخص المسألة. فلنفرض المورد مورداً لا يمكن للفقيه أن يجتهد في شخص هذه الكلمة، ويناقش في اللغويّ؛ فيكون هذا المورد من موارد رجوع غير الخبير إلى الخبير؛ فيكون قول اللغويّ حجّة بالنّحو الذي بينّاه. فيحصل التعارض بين قول اللغوي وأصالة عدم النقل.
هنا، حيث إنَّ المدرك في كلّ منهما، إنّما هو السيرة، إذ ليس عندنا دليل لفظيّ على أحدهما؛ لنتمسّك بإطلاقه. وأنَّ الذي دّلنا على حجّيّة قول اللغويّ هو: تطبيق قاعدة الرجوع إلى أهل الخبرة عليه، والّذي دّلنا إلى أصالة الثبات في اللغة إنّما هو بناء العقلاء على هذا الأصل.
فحيث إنَّ الدليل هو السيرة، والسيرة دليل لبّي لا يُعلم بإطلاقه؛ ولذلك لابدَّ من الاقتصار فيه على القدر المتيقّن.
ففي مثل هذا المورد، مورد التعارض بين قول اللغويّ، مع اجتماعه لشرائط الحجّيّة، وبين التبادر الفعليّ، لا دليل لا على حجّيّة قول اللغويّ بالفعل. ولا على حجّيّة أصالة عدم النقل بالفعل؛ لأنَّ الدليل في كلّ منهما لبّي. ومقتضى الاقتصار على القدر المتيقّن في الأدلة اللبّيّة، هو عدم إحراز الحجية في المقام بالنسبة إلى كلّ من المتعارضين.
ــــــــــ[128]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فحينئذٍ، لابدَّ وأن يرجع إلى بقيّة الأصول والقواعد في مقام استنباط الحكم الشرعيّ.
إنّه لو فُرِض في المقام أنّنا شكّكنا في ظهور في عصر الكلمة، لا ندري أنَّ هذه الكلمة -في عصر الكلمة- ظاهرة في أي معنى؟ لكنّنا لا ندري ظهورها في هذا العصر. ألسنا نتمسّك بأصالة ثبات اللغة؛ لإثبات أنَّ الكلمة في عصر صدورها كانت ظاهرة في نفس ما هي الآن ظاهرة عليه.
هنا يُتصوَّر فرضان للشكّ: تارةً أشكّ في أصل وجود أسباب لتغيّر اللغة وتطورّها، وأخرى أشكّ في سببيّة السبب، مع تصوّر سبب وجوده بحسب الخارج، بحيث يُتعقّل عرفيّاً وعقلائيّاً كونه مغيّرا. لكن مع هذا احتمل وجود أسباب أخرى خفيّة حكمت على هذا السبب، ومنعته من أن يغيّر اللغة.
فمثلاً، كلمة (دابّة) لا أدري أنّه تغيّر مدلولها، أو أنَّ ظهورها العرفيّ في عصر الأئمّة هو ظهورها العرفيّ الآن، في خصوص حيوان مخصوص لا في مطلق من يدّب على وجّه الأرض؟ فهنا، احتمال التغيّر موجود، لكنّه ينشأ من احتمال وجود أسباب لا أدري ما هي؟ فالشكّ هنا شكّ في أصل وجود سبب يقتضي تغيّر اللغة وهذه الكلمة. فهذا الشكّ يشبه الشكّ في أصل وجود القرينة.
وأخرى نفرض بأنّي أعلم بوجود ظرف معيّن في عصر الرواية، وفي عصر الكلمة، هذا الظرف المعيّن من شأنه أيضاً أن يكون موجباً للتغيير، ويصلح
ــــــــــ[129]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
للسببيّة؛ لأن يغيّر هذه الكلمة. غاية الأمر أحتمل أنه بالرغم من هذا لأسباب خفية، بأنَّ مثل هذه الكلمة لم تتغير.
الكلام في أنَّ أصالة الثبات في اللغة هل تجري في كلّ من هذين الموردين؟: مورد الشكّ في أصل السبب، ومورد الشكّ في سببيّة السبب، أو أنّنا نفصّل هنا، كما كنّا نفصّل في باب القرينة، بين الشكّ في أصل القرينة، والشك في قرينة الموجود، هنا أيضاً يُفصَّل بين الشكّ في أصل السبب، وبين الشكّ في سببيّة الموجود؛ فتجري أصالة الثبات في الأوّل دون الثاني.
وأحد مصاديق هذا المطلب -وهو احتمال سببيّة الموجود- هو: ما أشرنا إليه في السابق من كلمة (الرأي) في الروايّات الّتي وردت في النهي عن العمل بالرأي من قبل الأئمّة أو تفسير القرآن بالرأي.
افرضوا، أنَّ كلمة (الرأي) لو ألقيناها الآن، لا نفهم منها إلا المعنى العقلي لهذه الكلمة. لكن نحتمل أنّه في عصر الأئمّة -الصادق مثلاً- كان للكلمة ظهور في الرأي بالمعنى الاصطلاحيّ، أي: الرأي بمعنى العمل بالحدسيات والتخمينات العقليّة، كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، ونحو ذلك.
هذا الاحتمال، كون الكلمة كان لها هذا المعنى في ذلك الظرف، ينشأ من احتمال ظرف معيّن. يعني أن نعلم بظرف معيّن، وهو: ظرف هذا الاصطلاح. حيث نعلم إنَّ مثل هذا الاصطلاح كان شائعاً، وأن النظريّات حول الرأي
ــــــــــ[130]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
كانت متداولة، ما بين المعاصرين للأئمة من علماء أهل الضلال، وأنّهم كانوا في مقام ترويج هذه المطالب وتحقّيقها ونشرها بين المسلمين. فنحتمل أنَّ شيوع هذا الاصطلاح وتداوله بين الألسنة، بلغ إلى درجة بحيث أكسب هذه الكلمة ظهوراً عاماًّ في هذا المطلب.
فهذا احتمال سببية الموجود، لا احتمال أصل وجود السبب، فهل هذا الاحتمال هنا يكون مثل الشكّ في أصل وجود السبب، أو نفرّق بين موارد أصل وجود السبب، وموارد الشكّ في سببيّة الموجود؟
[تفصيل للشكّ في أصل السببيّة وسببيّة الموجود، وحلّ التعارض]
[الأوّل: الشكّ في أصل وجود السبب]
كان الكلام في التنبيه الثالث، من تنبيهات أصالة عدم النقل، وحاصله:
هو أنَّ الشكّ في تغيّر اللغة ينشأ من أحد منشأين: إمّا من احتمال حصول أسباب لا يدري ما هي بالتعيين اقتضت تغيير اللغة، بحيث إنَّ ذات السبب مجهول، وسببيّة السبب مجهولة أيضاً. وأخرى يفرض أنَّ الشكّ في تغيير اللغة نشأ من العلم بذات السبب والشكّ في سببيّته. حيث نعلم بذات حادثة معيّنة، ونحتمل في أنّها هل أوجبت تغيير الظهور اللغويّ، أو لم توجبه. فالشكّ هنا في سببيّة السبب، لا في ذات السبب مثلاً. فهذان فرضان.
لا إشكال في جريان أصالة الثبات، أي: أصالة عدم النقل في الزمن الأوّل، فيما إذا كان الشكّ في أصل وجود السبب. فضلاً عن سببية؛ فنجري أصالة عدم النقل، بالتقريب الّذي بيّنّاه؛ لأنَّ احتمال ذات وجود السبب
ــــــــــ[131]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
موهون في نظر العقلاء؛ باعتبار أنَّهم يتخيّلون أنَّ الأسباب الّتي تقتضي تغيّر اللغة، أسباب في غاية الندرة والقلّة. فاحتمال أشياء في غاية الندرة والقلة، لا محالة يكون احتمالاً ضعيفاً.
مثلاً الشخص الصحيح المزاج، احتمال أنّه ليس باقياً كما كانّ وأنّه مات بالرغم من صحة مزاجه، هذا الاحتمال ينشأ من أسباب في غاية الندرة. احتمال أنّه اصطدم في السيّارة ومات، أو وقع عليه سقف فمات، ونحو ذلك. وحيث إنَّ هذه الأسباب نادرة الوجود بحسب الخارج، فاحتمال موت هذا الشخص الصحيح المزاج يكون احتمالاً موهوناً، فأصالة بقائه حيّاً يكون مركوزة في ذهن العقلاء.
كذلك الحال في اللغة، حالها حال ذلك الشخص الصحيح المزاج، فإنّه في نظر العقلاء أنَّ الأسباب الّتي تغيّر اللغة، أسباب في غاية الندرة، كالأسباب الّتي تميت الشخص الصحيح المزاج. وكما أنَّ طروّ احتمال سبب من أسباب الموت على هذا الشخص الصحيح المزاج يكون احتمالاً موهوناً، كذلك احتمال أن يكون قد حدث حادث، أوجب تغيير اللغة احتمال موهون.
فهنا تجري أصالة عدم النقل؛ باعتبار هذه الموهونيّة. نعم، نحن قلنا فيما سبق: إنَّ هذه الموهونيّة قائمة على أسس خاطئة في فهم العقلاء؛ لأنَّ العقلاء بما هم عقلاء، لا بما هم علماء باللغة لا يعرفون كنه تكوّن اللغة، وكيفيّة تطوّرها وتدخّل العوامل والمؤثّرات المختلفة في تفسيرها. لكن على أيّ حال ولو لأجل عدم اطلاعهم، على هذا كانوا يحسّون بندرة هذا الاحتمال، فجعلوا أصالة الثبات، وأصالة عدم النقل باعتبار هذه النُكتة، والشارع أمضى هذا الجعل
ــــــــــ[132]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وهذه النكتة تعبداً. فحينئذٍ يكون أصالة عدم النقل أصلاً صحيحاً.
هذا فيما إذا كان الشكّ في أصل وجود السبب.
[الثاني: الشكّ في سببيّة السبب]
وإذا فُرِض أنَّ الشكّ كان في سببية السبب، لا في أصل وجوده، أيضاً نمثّل بذاك الشخص الصحيح المزاج، فنفرض أنّنا احتملنا موته؛ لأجل حادثة معيّنة وقعت، نحتمل كونها سبب لموته. حيث نعلم باصطدام سيّارة كان يركبها وإنّها قد تحطّمت، ونحتمل أنَّ هذا الشخص بالرغم من أنَّ هذا الاصطدام من شأنه أن يميت الركاب، لكن نحتمل أنَّ هناك أسباب خفيّة اقتضت نجاة هذا الشخص بوجه من الوجوه. ونحتمل أنّه مات.
هناك رجحان لبقائه حيّاً على موته؛ لأنَّ أصل حدوث حادثة الاصطدام وإن كان أمراً نادراً في نظر العقلاء، وأمراً موهوناً بمقتضى حساب الاحتمالات، ويكون الظنّ النوعيّ على خلافه، إلَّا أنّه بعد أن فرضنا أنَّ حادثة اصطدام وقعت بالنسبة إلى هذا الشخص، وأنَّ سيّارته تحطّمت فيها. بعد هذا احتمال أنّه مات بهذا السبب، لا يكون أضعف من احتمال أنّه لم يمت، إن لم يكن أقوى بمقتضى حساب احتمالات آخر.
فحينئذٍ، في مثل هذا المقام لا يبقى عندنا ملاك للكشف النوعيّ، عن عدم الموت وعن بقاء الحياة.
فالكشف النوعيّ القائم على حساب الاحتمالات بالنسبة إلى هذا الشخص الصحيح المزاج، يُفرّق فيه بين ما إذا كان الشكّ في موته ناشئاً من الشكّ في
ــــــــــ[133]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أصل الاصطدام، وبين ما إذا كان ناشئاً في أنّه مات في تلك الحادثة، المعيّنة بعد العلم بالاصطدام.
الكلام في اللغة أيضاً كذلك بحسب نظر العقلاء، فإنَّ الشكّ تارةً يكون في أصل وقوع حادثة اصطدام للغة! أوجبت تغيّرها، أو لا؟ هنا، بمقتضى حساب الاحتمالات، الكشف النوعيّ عن الثبات والبقاء يكون مخفّفاً، وهذا الكشف النوعيّ هو ملاك الحجّيّة والأماريّة، بعد أن كررنا مراراً وتسالمنا على أن الحجّيّة العقلائية دائماً بملاك الكشف، لا بملاك التعبّد الصرف.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ حادثة وقعت للغة، لكن لا ندري أنَّ هذه الحادثة تغيّرت اللغة بسببها وتطوّرت أو لا؟ فنعلم -مثلاً- إنَّ اصطلاحاً خاصّاً في كلمة (الرأي) تداوله الناس، إلَّا أنّنا لا ندري بأن هذا الاصطلاح غطّى على الظهور اللغويّ وأحدث التغيّر، أو لم يحدث التغيّر في اللغة؟ لعلّها أحدثت ولعلّها لم تحدث؟
هنا لا يبقى كشف نوعيّ بمقتضى حساب الاحتمالات عن بقاء اللغة وثباتها. فإذا لم يكن هناك كشف نوعيّ فلا تجري أصالة الثبات؛ لأنّها ليست أصلاً تعبديّاً صرفاً في نظر العقلاء، وإنّما هو أصل باعتبار الكشف النوعي، وهو قائم على حساب الاحتمالات. وهذا الكشف النوعي القائم على حساب الاحتمالات يُفرّق فيه بين هاتين الصورتين.
إذن، ففي كلّ مورد نشكّ شكّاً بدوياً في ذات السبب(1) هنا لا نعتني بمثل
ــــــــــ[134]ــــــــــ
() ونقول على أنَّ هناك أموراً أوجبت تغير اللغة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هذا الاحتمال، ونقول بجريان أصالة الثبات في اللغة. وأخرى نعلم بوجود عامل في اللغة، لكن لا أدري أنّه أثّر في تغييرها أو لا؟ هنا يكون الشكّ في سببيّة السبب لا في ذات السبب، وفي مثله لا كشف نوعيّ عن بقاء اللغة ومع عدم الكشف النوعي، لا أصل لثبات اللغة. لأنَّ الأصل مناطه الكشف النوعي.
إذن، فالظاهر في المقام هو التفصيل في هذا المورد بين ما إذا كان الشكّ في ذات السبب، وما إذا كان الشكّ في سببيّة السبب.
ولعلّ تطبيقات هذا التفصيل تبلور مقصودنا من التفصيل أكثر وأكثر، وليس هذا محل التطبيقات.
هذا حال التنبيه الثالث. وبهذا يتمّ الكلام في أصالة عدم النقل.
من الطرق المعمولة في إثبات الظهور-مثلاً- هو الصناعة، ومقصودنا من الصناعة هنا: معنى يساوق معنى التأمّل البرهانيّ الفنّي. فنطلق اسم الصناعة على هذا التأمّل البرهانيّ الفنّي. مقابلة له بالتبادر، حيث إنّه ليس مستبطناً ومحتوياً على تأمّل فنّيّ برهانيّ، وإنّما هو حالة وجدانيّة تُخلَق في النفس، حيث ينسبق الذهن إلى معنى معيّن من لفظ معيّن.
وهنا نتكلّم في التأمّل الفنّي البرهانيّ، وأنّه هل له دخل في باب الظهور، وهل يمكن به إثبات الظهور أو لا يمكن؟
ــــــــــ[135]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
طبعاً، جملة من إرهاصات ومن إشارات هذا المطلب. سبقت في الأبحاث السابقة أو بقيت بقيّة؛ ولهذا نلخّص ما سبق مع البقيّة الّتي بقيت تحت عنوان مستقل في هذه المسألة.
التأمل الفنّي البرهانيّ، تارةً يعمل في إثبات حجّيّة الظهور. وتحقّيق أصل حجّيته إثباتاً ونفياً، توسعة وتضيّيقاً، وأخرى يعمل في إحراز وجود الدلالة اللفظيّة بحسب الخارج. وكون الكلام ظاهراً بالمعنى الفلانيّ ودّالاً عليه. أي: تارةً يكون التأمّل واقعاً في طريق إحراز الكبرى، وأخرى يكون واقعاً في طريق إحراز الصغرى. أي في طريق بيان أنَّ اللفظ الفلانيّ يدّل على المعنى الفلاني وظاهر فيه. وهذا هو محل الكلام.
أمّا الكلام في الأوّل: يعني التأمّل والصناعة الّتي تُستعَمل لتنقيح الكبرى؛ لتنقيح دائرة حجّيّة الظهور وتوسعتها وتضييقها، فهذا مربوط بالمقام الأوّل، لا بهذا المقام الثاني.
وقد اتّضح، كما بينّاه في المقام الأول، أنَّ للصناعة دخلاً في تحقيق توسعة دائرة الحجّيّة، وتضييقها.
وذلك، أنَّ عمدة دليل حجّيّة الظواهر -كما مرّ بنا- هو السيرة العقلائيّة. فتارةً نفرض أنَّ السيرة العقلائيّة لا نعلم ما هو وجهها، وما هي النًكتة الّتي تعتمد عليها السيرة في بنائها على حجّيّة الظواهر. فتارةً لا نوفَّق لاكتشاف هذه النكتة، بل فقط نعرف أنَّ العمل الخارجي من العقلاء على الظواهر. وأخرى
ــــــــــ[136]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
نعرف هذه النُكتة الّتي هي ملاك حجّيّة الظواهر عند العقلاء.
إذا فرضنا أنّنا لم نعرف هذه النًكتة فقط، عرفنا أنَّ العمل الخارجي من العقلاء على العمل بالظواهر. إذن، متى ما شككنا في سعة دائرة الحجّيّة أو في ضيقها، وإنَّ الحجّيّة -مثلاً- هل تختصّ بخصوص المقصودين بالإفهام أو تعم غيرهم؟ أو تختصّ بخصوص موارد الشكّ في القرينة أو تعمّ موارد الشكّ في قرينيّة الموجود أيضاً؟ حينئذٍ، ليس لنا طريق إلَّا الرجوع إلى السيرة العقلائيّة بحسب الخارج.
فواحد يدّعي أنَّ الوجدان على هذا، وآخر يدّعي أنَّ الوجدان على قباله. فنرجع إلى السيرة العقلائيّة؛ فنرى أنّها واسعة أو ضيقة، وأنّها تشمل تمامّ هذه الموارد أو بعضها. من دون مجال للصناعة في مقام إثبات التعميم أو إبطاله.
وأمّا إذا فُرِض أنّنا عرفنا ما هي نكتة السيرة العقلائيّة؛ وذلك أنّنا عرفنا معرفة متسالم عليها بين علماء الأصول المحقّقين وهو: أنَّ هذه السيرة العقلائيّة القائمة على حجّيّة الظهور، وعلى جميع الأصول اللفظية، إنّما هي بملاك الكاشفيّة والأماريّة، لا بملاك التعبّد الصرف. ليس تعبّداً صرفاً؛ لأجل مصالح نفسيّة استقلاليّة في نفس العمل بالظهور، وإنّما هو باعتبار كاشفيّة الظهور، وكاشفية هذه الأصول اللفظيّة وحكايتها عن الواقع.
فهذا الأصل عرفناه بشكل متّفق عليه بين علماء الأصول المحقّقين المتأخّرين.
بعد هذا نعرف شيئاً آخراً، وهو: أنَّ هذه الكاشفيّة من أين حصلت؟،
ــــــــــ[137]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وهذا مطلب نحن في أبحاثنا السابقة بيّنّاه، وقلنا: بأنَّ هذه الكاشفيّة حصلت بلحاظ حساب الاحتمالات. فهذه الكاشفية، كاشفيّة الكلام عن مراد المتكلّم ليس لها وجه، إلَّا أنَّ الغالب في المتكلّم أن يطبق ظاهر كلامه على واقع مرامه. هذه الغلبة هي الّتي تصبح منشأ لحساب احتمالات، يكون في صالح إرادة الظهور.
من قبيل أن ندخل إلى بلد فنرى أن 9% منهم مسلمون و10%منهم كفرة. فهنا، لو رأينا فرداً مشكوكاً، نجري حساب الاحتمالات القائم على أساس الغلبة، ونقول: إنّه بالمئة 90% هذا مسلم، وبالمئة عشرة هذا ليس بمسلم. ونفس هذا الحساب يجري في باب الدلالات أيضاً.
فهنا الغلبة الّتي تنتج حساب الاحتمالات الّذي ينتج غلبة وقوة تطبيق الكلام على المرام. هذا هو وجه الكاشفيّة، ولا وجه للكاشفيّة عدا هذا.
فبعد أن نعرف هذا المطلب، فهنا لا ندخل إلى مسألة السيرة العقلائية عمياويّاً؛ لأجل أن نقتصر على النظر إلى عملهم الخارجي. فإن عملوا قلنا: هذا بدليل، وإن لم يعملوا قلنا: إنَّ هذا ليس بدليل.
بل بعد أن عرفنا أن السيرة العقلائيّة القائمة على العمل بالظواهر، إنّما هو بملاك الكاشفيّة، إذ لا تعبّد في أدمغة العقلاء. وإنَّ هذه الكاشفيّة ليس لها وجه فناً وصناعة، إلَّا حساب الاحتمالات القائم على أساس الغلبة.
حينئذٍ، لو أنَّ شخصاً ادّعى أنَّ حجّيّة الظواهر ثابتة، حتّى في الموارد الّتي لا يكون فيها ملاك الغلبة في الكشف النوعيّ، فهنا قبل أن نلتفت إلى سيرة
ــــــــــ[138]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
العقلاء(1)، يمكننا أن نبطل هذه الدعوى؛ لأنّنا نقول له بأنّه في هذا المورد لا يوجد هناك كشف نوعيّ، فلو كانت هناك حجّيّة، للزم أن تكون تعبديّة إذ لا كشف آخر غير الكشف القائم على أساس الغلبة، وحساب الاحتمالات.
فمثلاً، لو ادّعى شخص أنّ حجّيّة الظواهر تثبت في موارد قرينيّة المتّصل، أيضاً هنا، قبل أن نرجع إلى العمل الخارجيّ وإلى التجربة، نقول له: بأنّنا لا نحتمل أن تثبت الحجّيّة في موارد احتمال قرينيّة المتصل؛ لأنَّ هذه الحجّيّة الّتي تدّعي ثبوتها، أهي بملاك الكشف، أو بملاك التعبّد؟ إن قلت بملاك التعبّد، فقد اتفقنا في الأصول الموضوعيّة على أنّ الحُجّيّات العقلائيّة ليست تعبّدية، وإن قلت بملاك الكشف، فقد حقّقنا في الأصول الموضوعية أن الكشف ملاكه إنّما هو حساب الاحتمالات، القائم على أساس العلّية، وهنا لا يوجد حساب الاحتمالات ولا غلبة. إذ ليس الغالب في المتكلّم ألّا يوصل كلامه بقرينة متّصلة توضح مراده، بل هو أمر متعارف عند الناس.
نعم الغالب في الناس، لا يعتمد على القرينة المنفصلة. لكن ليس هناك غلبة في ألّا يعتمد على القرينة المتصلة. فاحتمال اعتماده على القرينة المتصلة لا يُنفى بالغلبة وحساب الاحتمالات. إذن، فلا ملاك للحجّيّة هنا.
وكذلك العكس، كما لو ادّعى شخص التفصيل بين المقصود بالإفهام وغيره، وقال: الظواهر في هذه الموارد حجّة وفي غير هذه الموارد ليست بحجّة مع أنَّ ملاك الكشف موجود في كلا الموردين على حدّ واحد.
ــــــــــ[139]ــــــــــ
() ونرجع إلى التجربة الخارجية. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أيضاً هنا، قبل أن نرجع إلى التجربة، نقول له: بأنَّ دعواك للتفصيل باطل؛ لأنَّ هذا التفصيل في المقام هل هو باعتبار اختلاف الموردين في الكشف، أو أنّه تفصيل تعبّدي وجزافي؟ إن قلت: إنّه تفصيل تعبّدي جزافي، فهو خلاف الأصل الموضوعيّ الأوّل، الّذي اتفقنا عليه. وإن قلت: إنَّ هذا التفصيل باعتبار اختلافهما في الكشف، فنبرهن لك على أن ملاك الكشف إنّما هو حساب الاحتمالات القائمة، على أساس الغلبة، وهذا الملاك موجود فيهما على حدّ واحد.
إذن، فهنا تنفعنا هذه الصناعة في إبطال جملة من التعميمات أو التفصيلات، بلا حاجة إلى الرجوع إلى السيرة الخارجيّة.
هذا دور الصناعة في طريق الكبرى، في إثبات أصل الحجّيّة تعميماً أو تضييقاً. وأمّا في طريق الصغرى، يعني: دور الصناعة في إثبات أنَّ هذا الكلام له ظهور أو لا؟ يأتي الكلام عليه.
الكلام في الطريق الرابع من الطرق التي تستعمل لإثبات الظهور، والدلالة لطبيعي جملة أو كلمة في اللغة. هذا الطريق هو الصناعة.
هذا البحث، بحث لازم في نفسه؛ لأجل تحديد مقدار دور الصناعة في باب دلالات الأدلة، فإنَّ هناك كلاماً قد يتردّد على الألسنة، وهو: أنَّ دلالات الأدّلة مرجعها إلى الظهور، والظهور لا معنى لإعمال الصناعة فيه. إذن، فلا مجال لاستعمال أدوات الصناعة وأساليبها في مقام تعيين دلالات الألفاظ، بل
ــــــــــ[140]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
يجب في مقام تعيين دلالات الألفاظ أن يقتصر على إلقاء هذه الألفاظ على البقّال والعطّار على الفرد العاميّ. وما يفهمه الفرد العاميّ هو المرجع، دون ما يفهمه هذا الشخص بعد إعمال الصناعة؛ لأنَّ شأن باب الدلالة هو ذلك.
قد يقال مثل هذا الكلام من جانب. في قبال هذا يرى أن سيرة المحقّقين لم تكن على هذا، فإنّه في جملة من الموارد يُدخلِون الصناعة في مقام الاستدلال والدلالة. فما أكثر ما يتكلّمون صناعةً في إثبات المفهوم -مثلاً- للقضيّة الشرطيّة، ولا يكتفون بإلقاء الجملة الشرطيّة إلى البقّال والعطّار، ويستفتونه ثُمَّ يجرون حسب جوابه، بل يتكلّمون صناعةً، في أنَّ هذه القضيّة هل تدّل أو لا؟ يتكلّمون صناعةً على أنَّ صيغة إفعل هل تدل على الوجوب بمقتضى مقدمات الحكمة -مثلاً-، أو بقرينة عامّة أخرى أو لا تدّل. ويتكلّمون صناعةً على أنَّ دليل الاستصحاب، هل يشمل موارد استصحاب العدم الأزليّ، هل يشمل موارد الاستصحاب التعليقيّ، أو موارد الأصل المثبت أو لا؟ وهكذا إلى كثير من هذه البحوث الّتي هي مرجعها إلى التكلّم حول دلالة الدليل، والتي استعمل فيها الصناعة.
فمن هنا، احتجنا في مقام حلّ هذا التناقض بين ما قد يُقال وبين ما قد يُفعل، إلى تحديد دور الصناعة، ومقدار أثرها في باب دلالة الألفاظ.
وتفصيل الكلام في ذلك: تارةً يكون لها دور في تشخيص كبرى الظهور، وأخرى يكون لها دور في تشخيص صغرى الظهور، وثالثة يكون لها دور في تشخيص خصوصيّات الظهور، ورابعة تعمل في مقام التنسيق بين الظهورات،
ــــــــــ[141]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وأخرى في مقام تحديد العلاقات الكلّيّة بين بعض الظواهر الكلّيّة والبعض الآخر في كلام واحد. فلابدَّ من التكلّم في كل واحد من هذه الأدوار الأربعة.
[دور الصناعة في تشخيص كبرى الظهور]
أي: في إثبات أنَّ اللفظ الفلاني يدّل في اللغة على اللفظ الفلانيّ، أو أنَّ الجملة الفلانيّة، كالقضيّة الشرطيّة -مثلاً- تدّل على المعنى الفلانيّ.
إعمال الصناعة في إثبات كبرى الظهور، في إثبات كون كلام، أو كلمة دّالة كبرويّاً دلالة لفظيّة على المعنى الفلاني. إعمال الصناعة هو شأن علماء اللغة، وهي الصناعة الّتي أشرنا إلى طرف منها في البحث عن حجّيّة قول اللغويّين وعدم حجّيّة قولهم.
فإنّه في مقام إثبات كبرى الظهور، تعمل الصناعة القائمة غالباً على أساس حساب الاحتمالات؛ لتعيين كون اللفظ دّالاً على المعنى الفلاني، أو الكلام ظاهراً في المعنى الفلاني. ومرادي من اللفظ والكلام، اللفظ الكلّي والكلام الكلّي، لا شخص هذا اللفظ في خصوص واقعة جزئيّة.
وهذه الصناعة المعمولة لإثبات كبرى الظهور الكلّي، تارةً تكون بلحاظ وبتوسّط الظهور الفعليّ، وأخرى تكون بقطع النظر عن الظهور الفعليّ، وبلا توسيطه، بل من باب الاستقراء.
[بلحاظ الظهور الفعلي]
تارةً يكون بلحاظ وبتوسّط الظهور الفعليّ، وهذا معناه إعمال أماريّة التبادر في استكشاف الحقيقة الّذي هو الطريق الأوّل. فإنّنا هناك كما نعيّن أنَّ
ــــــــــ[142]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
كلمة أسد موضوعة للحيوان المفترس. وهذا التعيين نُعمِل فيه الصناعة عن طريق الظهور الفعليّ؛ وذلك أنّنا نقول: بأنّ التبادر إلى ذهننا من كلمة الأسد هو الحيوان المفترس، وهذا معنى الظهور الفعليّ، وهذا الظهور الفعلي، فنستكشف منه الظهور اللغويّ، وكون لفظة الأسد موضوعة للحيوان المفترس على أساس حساب الاحتمالات؛ وذلك بأن نجمع موارد مختلفة في حالات متعددة، ونمتحن حالة هذا الظهور الفعلي، فإذا فرضنا أنَّ الظهور الفعليّ كان موجوداً في تمامّ تلك الموارد، فنستكشف بمقتضى حساب الاحتمالات أنَّ هذا الظهور الفعليّ مستند إلى دلالة اللفظ، ووضعه لغة لذلك المعنى لا إلى القرينة، إذ يبعد وجود القرينة الخفيّة في تمامّ هذه الموارد. فهذا الاستبعاد يقوّي الظنّ بأنَّ التبادر والظهور الفعليّ مستند إلى الدلالة اللغوية لا إلى الدلالة القرينيّة. وهذا الظنّ يبقى يقوى ويشتدّ باستمرار مهما أضفنا الحالات المختلفة، حتّى يصل إلى درجة الاطمئنان أو اليقين.
[بلحاظ طريقة الاستقراء]
فإعمال الصناعة في إثبات كبرى ظهور لفظ الأسد في الحيوان المفترس كان عن طريق الظهور الفعليّ، وبتوسيطه قد يكون أحياناً بنحو آخر بلا توسيط الظهور الفعليّ، نجري الصناعة القائمة أيضاً على أساس حساب الاحتمالات في إثبات أصل الظهور اللغويّ، والدلالة اللغويّة.
مثلاً، يُنقل عن بعض المحقّقينأنّه ذكر في مقام بيان الفرق بين هيئة فعيل وهيئة فاعل، بين عليم وعالم، وخطيب وخاطب، اللّتان هما هيئتان من هيئات اسم الفاعل في لغة العرب. أعمل هذا المحقّق الصناعة في مقام
ــــــــــ[143]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
استكشاف مدلول هيئة عليم واستكشاف الخصوصيّة الّتي بها تمتاز هيئة فعيل عن هيئة فاعل.
قال: بأنّنا نستقرئ كلّ هيئات فعيل، وكلّ هيئات فاعل في لغة العرب. ونضع كلّ منهما في قائمة، ثُمَّ نلحظ ما هي الجهة المشتركة بين تمام موارد هيئات فعيل، والّتي بها يتميّز عن تمامّ موارد هيئات فاعل.
وهنا انتهى إلى القول: بأنَّ هذه الجهة الّتي يشترك فيها تمامّ هيئات فعيل، ويتميّز بها عن تمام هيئات فاعل، هو قيام المبدأ بالذات. يعني: كون المبدأ ثابتاً في نفس الذات. فحينما نقول: قدير وعليم وخطيب وسليم، فهنا المبادئ وهي العلم والقدرة والخطابة، قائمة بنفس الذات. وهذه ظاهرة محفوظة في تمامّ الموارد الّتي جاءت فيها هيئة فعيل في لغة العرب، بحسب دعوى هذا المحقّق.
وهذا بخلاف موارد هيئة فاعل، فإن مواردها ليست هكذا، فإنّه كثيراً يجيء هيئة فاعل لا مع هذه النُكتة، ولا يكون المبدأ قائماً بالذات. كضارب، فإنَّ الضرب ليس قائماً بالضارب بل هو قائم بالمضروب.
فهيئة فاعل لا تجيء دائماً توأماً مع هذه النُكتة وهي: نكتة أنَّ المبدأ يقوم بالذات، ولكن هيئة فعيل دائماً تجيء توأماً مع هذه النُكتة.
هذا المطلب، روحه إجراء حساب الاحتمالات، لإثبات أنَّ هيئة فعيل موضوعة للذات الفاعلة. -مثلاً- الّذي يقوم بها المبدأ، لا كلّ ذات فاعلة، هذه الخصوصيّة، وهي: قيام المبدأ بالذات كيف عرفناها؟، عرفناها عن طريق حساب الاحتمالات؛ وذلك لأنّنا رأينا أنَّ هذه الخصوصيّة مشتركة بين تمامّ موارد هيئة فعيل في لغة العرب.
ــــــــــ[144]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فحينئذٍ إن قلنا: بأنَّ هذه الخصوصيّة مأخوذة في مدلول كلمة فعيل، فهذا هو السبب في وجدان هذه الظاهرة، وهذه الخصوصيّة في تمام موارد هيئة فعيل. وأما إذا قلنا: بأنَّ هذه الخصوصيّة غير مأخوذة في موارد هيئة فعيل. إذن، فوجود هذه الخصوصيّة دائماً مع موارد هيئة فعيل يكون صدفة محضة، يعني من باب الاتفاق أنَّ العرب لم ينطقوا بهيئة فعيل إلَّا في مورد كان المبدأ فيه قائماً بالذات. فيكون صدفة محضة.
وطبعاً هذه الصدفة مرة ومرتين وثلاثة محتملة، لكن احتمال وجودها في تمامّ موارد مجيء هيئة فعيل في لغة العرب. في غاية البعد بمقتضى حساب الاحتمالات، فينفى حينئذٍ.
عيناً من قبيل أن نرى أنّه متى ما وِجد (أ) وجد (ب) معه مئة أو ألف مرة. فتقول: إمّا أنَّ (أ) علّة لــ (ب)، وإمّا أنّه من باب الصدفة وِجد (أ) مع (ب) في هذه المرات، وأنَّ العلّة أمر ثالث. احتمال وجود الصدفة هنا في تمامّ المرات يكون ضعيفاً لا محالة، فيتعيّن كون (أ) علة لــ (ب).
كذلك في المقام. احتمال أنَّ هذه التوأميّة بين هيئة فعيل، وبين هذه النُكتة تكون صدفة في تمام الموارد، احتمال موهون جداً فيُستكشف من ذلك، أنَّ هيئة فعيل موضوعة لذات يقوم بها المبدأ قياماً عروضيّاً(1).
ــــــــــ[145]ــــــــــ
() وهنا قال سيدنا الأستاذ جواباً على سؤال: وهذه الخصوصيّة لم نستكشفها من التبادر، فإنّه ليس هنا تبادر، بل استكشفناها عن طريق الاستقراء.
هذا ليس بابه باب التبادر، يعني: ليس عن طريق الظهور الفعليّ استكشفنا دخل هذه الخصوصيّة في المدلول، بل استكشفنا دخلها في المدلول من استقراء جميع موارد هذه الصيغة، ورؤية التوأمية بينها وبين نُكتة من النُكات.
ومقصودي من بيان هذا المثال فقط تشريح الفكرة لا إمضاء هذا المثال بالذات، فإنّ هذا المثال غير صحيح، فإنّه في لغة العرب قد جاءت هيئة فعيل بحيث ينقض هذه القاعدة، بحيث إنَّ المبدأ لا يكون قائماً بالذات. واستقراء هذا المحقّق في المقام استقراء ناقص. فكلمة أليم هي من مصاديق هيئة فعيل، نحو عذاب أليم نار أليمة، والألم لا يقوم بالنار، وإنّما يقوم بهذا المسكين الّذي يحترق في النار. فهذه الخصوصيّة ليست خصوصيّة دائمة الاتفّاق والمقارنة مع مجيء هيئة فعيل. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فهنا في مقام إثبات الكبرى، كبرى دلالة اللفظ على المعنى، تارةً نثبت هذه الدلالة بتوسط الظهور الفعليّ أي بتوسط التبادر، وتارةً لا يكون عندنا تبادر أصلاً ولا ظهور فعلي، لكن نجمع موارد مجيء هذه الكلمة واستعمالها، ونرى أنها دائماً تجيء في لغة العرب، في مورد تكون حالة المعنى كذا فيه. فبعد استيعاب هذا الاستقراء، يحصل لنا الاطمئنان بأنَّ كون المعنى حالته كذا دخيل في المعنى، لا أنَّه مجرد المقارنة والصدفة؛ لأنَّ اجتماع هذه الصدف في تمامّ تلك الموارد موهون، غايته بمقتضى حساب الاحتمالات.
فهذان أسلوبان لإثبات كبرى الظهور بالصناعة.
وأمّا الصناعة المعمولة في إثبات صغرى الظهور وصغرى الدلالة، فهذه تارةً تكون بلحاظ الدلالة المطابقيّة، وأخرى تكون بلحاظ الدلالة الالتزاميّة.
ــــــــــ[146]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أمّا بلحاظ الدلالة المطابقية: فبالإمكان إعمال الصناعة في إثبات صغرى الظهور بعد الفراغ عن كبراه. كما لو كان هناك كبرى مفروغاً عنها، وهي أنَّ عدم البيان، وعدم القرينة على التقييد مع قابليّة المعنى للانقسام، دليل على إرادة المطلق، هذا الّذي سميّناه بمقدمات الحكمة في الكفاية. فمقدّمات الحكمة مفروغ عن دلالتها كبرويّاً، فمتى تمّت تكون ظاهرة على إرادة المطلق.
دلالة هذه المقدّمات كبرويّاً لا إشكال فيها، ومع هذا يقع البحث والكلام في صغريات هذه الكبرى. بين القائلين -مثلاً- باستصحاب العدم الأزليّ، وبين القائلين بإنكاره. كلاهما يعترف بمقدّمات الحكمة، ويعترف بأنَّ جريان مقدّمات الحكمة معناه: إرادة الإطلاق من دليل لا ينقض اليقين بالشكّ. لكن مع هذا يقول القائلون باستصحاب العدم الأزليّ: بأنّنا نتمسّك بإطلاق دليل الاستصحاب؛ لإثبات جرّيان استصحاب العدم الأزليّ والمنكرون له يقولون: لا يمكن أن نتمسّك بإطلاق دليل الاستصحاب؛ لنفي استصحاب العدم الأزلي.
[التنازع في صغرى الظهور بين القائلين بالعدم الازلي والمنكرين له]
ما هو روح هذا النزاع بينهم. فإنَّ هذين الشخصين المتنازعين متفقان على أنَّ دليل الاستصحاب إذا تّمت فيه مقدّمات الحكمة، فهو يدّل على الإطلاق حينئذٍ، ويدّل على الشمول لتمام الموارد والأفراد. إذن، فخلافهم في صغرى مقدمات الحكمة لا في كبراها. الخلاف بينهم: أنَّ المقدّمات يعني الإطلاق في المقام تامّ بالنسبة إلى استصحاب العدم الأزلي أو غير تامّ؟
ــــــــــ[147]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فالمنكر لاستصحاب العدم الأزلي يقول: بأنَّ مقدّمات الحكمة غير تامّة؛ وذلك لأنّه ليس عندنا يقين سابق. فإنَّ هذه المرأة الّتي يُشكّ من أوّل الأمر بأنّها قرشيّة أو لا؟ لم تكن في وقت ما ليست قرشيّة حتّى تُستصحَب عدم كونها قرشيّة. إذن، فليس هنا دليل سابق ودليل الاستصحاب أخذ في موضوعه اليقين والشكّ فما لم يكن هناك يقين سابق وشكّ لاحق لا يجري الاستصحاب، ولا يمكن إجراء مقدّمات الحكمة.
وأمّا ما يقول المثبت لاستصحاب العدم الأزليّ، فيعمل الصناعة والفنّ في المقام، ويقول: إنَّ اليقين يقينان: يقين بعدم القرشيّة بنحو السالبة بانتفاء المحمول، ويقين بعدم القرشيّة بنحو السالبة بانتفاء الموضوع. فإنّنا مرّة نقول: نحن على يقين بأنّ هذه المرأة ليست بقرشيّة مع كونها موجودةّ وأخرى يكون انتفاء القرشيّة بانتفاء أصل وجودها، فإنّها قبل أن تُخلّق لا هي موجودة ولا صفاتها موجودة الّتي منها القرشيّة. فهذه سالبة بانتفاء الموضوع.
والمنكر التفت إلى السالبة بانتفاء المحمول، فادّعى بأنّه لا يقين لها. ونحن نلتفت إلى السالبة بانتفاء [الموضوع] فنرى بأنَّ اليقين بالنسبة إليها تامّ. فإنّنا على يقين بأنَّ هذه المرأة قبل أن تُخلَق لم تكن قرشيّة؛ لأنَّ القرشيّة فرع الوجود، وحيث لا وجود لا قرشيّة. فهذا اليقين موجود والشكّ في المقام موجود. فحينئذٍ تتمّ مقدّمات الحكمة. فنقول: مقتضى قوله (لا ينقض اليقين بالشكّ) أنّ أيّ يقين لا ينقض بالشكّ سواء كان يقيناً بنحو السالبة بانتفاء المحمول، أو يقيناً بنحو السالبة بانتفاء الموضوع مثلاً.
ــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فهذا يدّعي وجود صغرى مقدّمات الحكمة، وهذه الصغرى وهي: قابلية المعنى للانقسام مع عدم القرينة على التقييد هذه الصغرى أثبتها بالفنّ والصناعة، وذاك أنكرها إمّا بالصناعة أو بغير الصناعة.
على أي حال، الخلاف بين هذين الشخصين في إثبات صغرى مقدّمات الحكمة يعني: صغرى كون عدم القرينة على التقييد من دليل الإطلاق. وأنّه هل تجري مقدمات الحكمة أو لا؟ والصناعة هنا أعملت في مقام إثبات الصغرى لا في إثبات الكبرى، كما هو الحال في الأسلوب الأوّل.
[تخصيص قاعدة مقدّمات الحكمة وعدم اثبات صغرى الظهور]
نعم هنا لابدَّ من الالتفات إلى شيء، وهو: أنَّ البحث في إثبات الصغرى بالصناعة، يجب أن يكون بهذا النحو: بحيث إنّه بعد إثبات الصغرى بالصناعة، وبعد توضيح هذا المطلب. كما لو أثبت هذا المؤمن أنَّ مقدّمات الحكمة جارية في المقام، بعد هذا يجب أن يكون من يلتفت إلى هذه الصناعة، يستظهر من الدليل إرادة الإطلاق.
وأما لو فُرِض، أنّه بعد توضيح هذه الصناعة، وإثبات هذه الصغرى، مع هذا من يلتفت إلى هذه الصناعة، لا يستظهر من هذا الدليل إرادة الإطلاق والشمول. ففي مثل هذا حينئذٍ، يحتمل تخصيص مثل هذه الكبرى حيث يحتمل أنَّ كبرى مقدمات الحكمة مخصّصة أصلاً. وفي المقام لا تكون دالّة على إرادة الإطلاق.
فإنّنا إنما نعرف بأنَّ مقدّمات الحكمة دالة على الإطلاق، باعتبار الظهور العرفي، فلو أنّه في مورد تمّت عندنا مقدّمات الحكمة إمّا بالصناعة وإمّا بلا
ــــــــــ[149]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
صناعة، ومع هذا لم يحصل عندنا ظهور عرفي، حينئذٍ نحتمل أنَّ كبرى مقدّمات الحكمة فيها تخصيص، وأنَّ بعض مواردها خُصِّصت وأُخرِجت عن قاعدة مقدّمات الحكمة.
واحتمال التخصيص لا دافع له، إلَّا الظهور الفعليّ، والمفروض في المقام أنَّ الظهور الفعليّ غير موجود.
إذن، ففي مقام إثبات الصغرى بالصناعة، يجب أن يلاحظ هذه النُكتة، ومجرّد إثبات الصغرى بالصناعة لا يكفي، بل لابدَّ بعد إثباتها كذلك أن نرى أنَّ من يلتفت إلى هذه الصناعة ويؤمن بها ويرى حقانيّة هذه الصناعة، هل يتبادر إلى ذهنه وينسبق إليه من هذا اللفظ المطلق أو لا؟ فإن أنسبق إلى ذهنه المطلق، يعرف حينئذٍ أنَّ كبرى مقدّمات الحكمة ليس فيها تخصيص كما هو الحال
-مثلاً- في استصحاب العدم الأزليّ، والأصل المثبت، والاستصحاب التعليقيّ.
فإنَّ القائلين بالاستصحاب التعليقيّ أثبتوا بالصناعة بأنَّ إطلاق دليل الاستصحاب يشمل موارد الاستصحاب التعليقيّ. فلو أنَّ إنساناً آمن بصناعتهم، والتفت إليها يرى أنَّ دليل الاستصحاب شامل لموارد التعليقات، كالشمول لموارد المنجّزات.
لكن في بعض الموارد حتّى، بعد الالتفات إلى هذه الصناعة والإيمان بصحّتها، لا يرى الإنسان هناك ظهور. كما هو الحال في الصناعة المعمولة في إثبات الوجوب بصيغة افعل من ناحية مقدّمات الحكمة.
وذلك بأن يقال: بناءً على أن صيغة افعل ليست موضوعة للوجوب، بل هي موضوعة للجامع بين الوجوب والاستحباب، نثبت الوجوب بمقدّمات
ــــــــــ[150]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الحكمة -على ما قرأتم في الكفاية(1)– وذلك بأن يقال: أنَّ هذا الجامع بين الوجوب والاستحباب هو: جامع بين الفرد الشديد المسمّى بالوجوب، والفرد الضعيف المسمّى بالاستحباب. والمولى إمّا أن يكون مراده الفرد الشديدّ وإمّا أن يكون مراده الفرد الضعيف.
إن كان مراده الفرد الشديد، فقد بيّن تمام مراده؛ لأنَّ أصل الطلب بُيِّنَ بالصيغة وشدة الطلب من سنخ الطلب، والمفروض أنَّ صيغة افعل تدلّ على الطلب، فقد بين تمام مراده. وإمّا لو كان مراده الفرد الضعيف، فلم يبيّن تمام مراده؛ لأنَّ أصل الطلب قد بُيّن. لكن ضعف الطلب لم يُبيّن؛ لأنَّ ضعف الطلب ليس طلباً، فيبقى هناك جزء من مراده ليس مبيّناً باللفظ. وحيث إنَّ الأصل في المولى أن يكون في مقام البيان. فيجب أن يكون مراده الفرد الشديد، لا الضعيف.
فهذه صناعة تثبت تماميّة مقدّمات الحكمة من هذا المورد، لو تّمت مثل هذه الصناعة.
إلَّا أنَّه حتّى بعد تماميّة هذه الصناعة لا نرى ظهوراً في صيغة افعل، من ناحية هذه الصناعة.
من هنا نعرف أنَّ كبرى مقدّمات الحكمة فيها تخصيص، بمعنى: أنَّ قرينيّة عدم البيان على إرادة الإطلاق، وظهور حال المتكلّم أنّه في مقام بيان تمامّ مراده، هذا الظهور معناه ظهور حاله في أنّه في مقام بيان ما هو تمامّ المراد، بالمعنى
ــــــــــ[151]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول، 72.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
العرفي من تمامّ المراد، يعني ما هو تمامّ المراد بحسب المتفاهم العرفي، لا ما هو تمامّ المراد بحسب الدقّة الفلسفيّة. من أوّل الأمر مقدّمات الحكمة ضيقة عن إثبات هذا المطلب.
فهنا إثبات الصغرى بالصناعة لا يكفي؛ بأنَّ كبرى مقدَّمات الحكمة فيها تخصيص. إذن، فإثبات الصغرى بالصناعة إنمّا يكفي بالنسبة إلى مورد بحيث بعد إثبات الصغرى بالصناعة والالتفات إليها والإيمان بها، يحصل عند الإنسان المؤمن بهذه الصناعة، انسباق إلى المعنى المطلق من الدليل. حينئذٍ تكون هذه الصناعة مقيّدة في إثبات الدلالة.
وأمّا في مورد حتّى بعد الالتفات إلى هذه الصناعة والإيمان بصحتها، مع هذا لا يحصل انسباق للإطلاق من الدليل. يعرف من هذا أنَّ كبرى مقدّمات الحكمة فيها تخصيص وأنها غير شاملة إلى هذا المورد.
فإذا كان صغرى هذا الظهور غير موجود فماذا نعمل؟ فإنّه على أي حال مهما حقّقنا صغرى هذا الظهور -إذا كان كبراه غير موجود- حينئذٍ لا يمكننا العمل بمثل هذا الدليل.
إذن، في هذا الطريق الثاني؛ لإثبات الظهور في المقام -طريق إثبات الصغرى- بهذا النحو، يكون إعمال الصناعة جائزاً إذا كان إعمالها مع فرض تماميّة الانسباق
على تقدير تماميّة الصناعة، وإلَّا فلا يكون جائزاً.
*****
ــــــــــ[152]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
قلنا أن الصناعة تارة تعمل في إثبات كبرى الظهور، بأحد وجهين، أما بتوسط الظهور الفعلي أو بلا توسط الظهور الفعلي. وأخرى تعمل الصناعة في إثبات صغرى الظهور. وثالثة في خصوصيات الظهور ورابعة في تنسيق الظواهر.
كان الكلام قد انتهى إلى المقام الثاني من هذه المقامات الأربعة أي الصناعة المعمولة في إثبات صغرى الظهور.
قلنا إن صغرى الظهور تارة تكون بلحاظ الدلالة المطابقية، وأخرى بلحاظ الدلالة الالتزامية:
أما بلحاظ الدلالة المطابقية: فيمكن أن يفرض أن الشخصين المتنازعين، قد تسالما على كبرى ظهور كلي ككبرى ظهور مقدمات الحكمة(1). إلا أنهما يتنازعان في صغرى مقدمات الحكمة، وأنها موجودة في المقام أو لا. هل هناك إطلاق في دليل الاستصحاب لموارد الأصل المثبت أو لموارد الاستصحاب التعليقي أو لموارد استصحاب العدم الأزلي، أو ليس هناك إطلاق.
فهنا البحث ليس في أصل تمامية الظهور الإطلاقي. فإن ظهور مقدمات الحكمة في إرادة الإطلاق محفوظ ولكن الكلام مصداق مقدمات الحكمة محقق هنا، أو لا. فالذي يقول بعدم جريان استصحاب العدم الأزلي مثلاً، يقول بأن مصداق مقدمات الحكمة غير محقق، لأن مصداقها هو المقدمات المعروفة التي منها حفظ الموضوع، وهنا الموضوع غير محفوظ لعدم اليقين بالحدوث. والذي
ــــــــــ[153]ــــــــــ
() فهما يعترفان بدلالتها على الشمول لتمام الأفراد. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
يُعمِل الصناعة هنا ويقول بجريان استصحاب العدم الأزلي، يقول بأن إطلاق دليل الاستصحاب تام وأن مقدمات الحكمة موجودة وأن مصداقها محقق.
إذن فالخلاف هنا بين المثبت والنافي ليس في أصل دلالة مقدمات الحكمة على مدلولها وهو الإطلاق، بل إن الخلاف في أن هذه المقدمات موجودة في المقام أو غير موجودة. وفي هذا الخلاف يمكن إثبات وجودها بالصناعة. فهذا الشخص الذي يثبت استصحاب العدم الأزلي، بالصناعة يبرهن على أن مقدمات الحكمة موجودة في دليل الاستصحاب، فيتبرهن بذلك، أن دليل الاستصحاب دليل على جريان استصحاب العدم الأزلي.
الصناعة في إثبات الصغرى
قلنا إن هذه الصناعة -الصناعة في إثبات الصغرى- لها حد، وإنما يجوز إعمالها في حدها، ولا يجوز إعمالها في غير حدها. وذلك لأن هذه الصناعة في إثبات الصغرى إذا فرضنا أن هذه الصناعة على فرض إعمالها والاعتقاد بها تؤدي إلى انسباق المعنى المدعى من الدليل بحيث أن الشخص الذي يعمل هذه الصناعة ويلتفت إليها ويؤمن بها، لو التفت إلى دليل الاستصحاب يراه دالاً وظاهراً في الشمول لموارد استصحاب العدم الأزلي، بعد الالتفات إلى هذه الصناعة! إذن فمثل هذه الصناعة جائزة الإعمال.
وأما لو فرض أنه بعد إعمال هذه الصناعة والقناعة بها، مع هذا، لو التفت إلى الدليل لا يرى فيه ظهوراً فيما هو المدعى.
فمن هنا نعرف، أن العيب ليس في وجود الصغرى، بل العيب في تمامية
ــــــــــ[154]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أصل الكبرى. لأن الصغرى أثبتناها بالصناعة. فنعرف أن العيب ليس في الصغرى وإنما العيب في تمامية دلالة الكبرى: أن مقدمات الحكمة بالرغم من أنها موجودة، مع هذا لا تدل في المقام. لأنه وقع فيها تخصيص. بمعنى أنه ليس كل مقدمات الحكمة إذا تمّت تكون حتمية الدلالة على إرادة الإطلاق، بل في بعض الموارد قد تتم ولا تكون دالة على الإطلاق.
ففي مثل هذا يكون إعمال الصناعة غير جائز.
مثّلنا للأول بمسألة استصحاب العدم الأزلي، فإننا بعد أن نصور للخصم أن دليل الاستصحاب موضوعه محفوظ في موارد العدم الأزلي وأن اليقين موجود والشك موجود، وأن عدم القرينة على التقييد موجود والمولى في مقام البيان. بعد أن يلتفت الخصم إلى هذه النكات ويصدق بها. حينئذ يرى أن دليل الاستصحاب لا مانع عن شموله لموارد استصحاب العدم الأزلي. ولا يرى حينئذ فرق بين استصحاب عدم القرشية واستصحاب عدم الفسق بعد الالتفات إلى هذه الصناعة. فيكون إعمال هذه الصناعة جائزاً.
وأما إذا فرضنا أننا جئنا مثلاً إلى صيغة افعل، وأعملنا الصناعة في إثبات وتتميم مقدمات الحكمة لتعيين الوجوب، -ثم قرر الوجه الذي ذكر في الكفاية على ما قرره أمس– فهذه صناعة تثبت أن مقدمات الحكمة موجودة في المقام أي تثبت صغراها. لكن بعد أن نؤمن بهذه الصناعة، مع هذا لا نرى أن صيغة افعل تدل على الوجوب، لولا كونها موضوعة للوجوب، فبقطع النظر عن دعوى كونها موضوعة للوجوب، وقلنا أنها موضوعة لصرف الطلب، لا نرى
ــــــــــ[155]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أن مثل هذه التلفيقات كافية لأن تجعل في ذهننا دلالة لصيغة افعل على الوجوب.
وذلك: لأن العيب هنا عيب في الكبرى لا في الصغرى. فإن الصغرى تامة. لكن نفس الكبرى فيها تخصيص، بمعنى أن الكبرى ليس فيها دلالة على إرادة الإطلاق. لأننا نعلم أن أساس مقدمات الحكمة هو كون المولى في مقام بيان تمام مراده. لكن أي تمام مراد؟ تمام المراد العرفي أو تمام المراد الدقّي. لعل الظاهر كونه في مقام بيان تمام المراد العرفي، لا تمام المراد الدقّي. فحينئذ يبطل الظهور من ناحية النقص في الكبرى لا من ناحية النقص في الصغرى. ففي مثل هذا يكون إعمال الصناعة غير جائز.
فهذا هو ضابط جواز إعمال الصناعة في الصغرى وعدم جوازه، هذا كله بلحاظ الدلالة المطابقية.
وأمّا بلحاظ الدلالة الالتزاميّة، فيمكن إعمال الصناعة، وذلك بإقامة الصناعة على أنَّ المعنى الفلانيّ المدلول بالمطابقة للدليل، يستلزم المعنى الآخر الفلاني. فإذا برهنّا على هذه الملازمة بالصناعة فحينئذٍ، يكون ذاك المعنى الآخر مدلولاً لهذا الدليل بالدلالة الالتزاميّة. فقد أثبتنا هذه الدلالة بالصناعة.
مثلاً: الجملة الشرطية، إذا جاء زيد فأكرمه. هنا نبرهن على ثبوت المفهوم للقضيّة الشرطيّة، وأنّها تدّل على أنّه إذا لم يجيء زيد فلا يجب إكرامه؛ وذلك بأن نبرهن على دلالة هذه القضيّة على أنَّ مجيء زيد علّة منحصرة لوجوب الإكرام،
ــــــــــ[156]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وليس هناك علّة أخرى لوجوب الإكرام غير مجيئه، كعلمه وعدالته ورؤيته في السوق. فإنها ليست علّة.
كيف نبرهن على أنَّ الأمور الأخرى ليست عللاً؛ وذلك أن نقول: بأنَّ قوله (إذا جاء زيد فأكرمه) ظاهر في أنَّ وجوب الإكرام يترتّب على مجيء زيد سواء سبقه شيء آخر أو قارنه، أو لم يسبقه شيء آخر ولم يقارنه. فوجوب الإكرام يترتّب على المجيء سواء سبق عليه رؤيته في السوق أو لا، وسواء اقترن مجيئه مع علمه أو لا. وهذا الإطلاق يستلزم عقلاً انحصار للعلّية بالمجيء إذ لو كان رؤيته في السوق علّة أيضاً؛ لاستند وجوب الإكرام إلى العلّة الأسبق، فيما لو رأيناه في السوق قبل مجيئه. فلا يصبح المجيء مستتبعاً لوجوب الإكرام. ولو كان علمه علّة لوجوب الإكرام، فهذا الوجوب يترتّب على علمه لا على مجيئه.
فالقضيّة بالمطابقة تدلّ على أنَّ مجيء زيد دائماً يستتبع وجوب الإكرام. وهذا الاستتباع المطلق يستلزم انحصار العلّة بالمجيء.
هذا أحد الطرق الّتي أُعمِلت في الكفاية(1) لإثبات مفهوم الشرط.
وهذا الطريق بحسب الحقيقة، إثبات الصغرى بطريق الدلالة الالتزاميّة؛ لأنَّ المثبت للمفهوم والمنكر له كلاهما يعترف بأنَّ الجملة الشرطيّة تدّل على الاستتباع، وعلى كلّ ما يستلزمه الاستتباع عقلاً. فيجيء المثبت للمفهوم ويبرهن على ان العلّية الانحصاريّة من اللوازم العقليّة للاستتباع، فإذا برهن
ــــــــــ[157]ــــــــــ
(1) انظر: كفاية الأصول، 195.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
على هذا فقد برهن على صغرى الدلالة الالتزاميّة. فحينئذٍ يتمّ المفهوم.
فإثبات المفهوم بهذا البرهان إثبات صناعي مرجعه إلى إثبات الصغرى للدلالة الالتزاميّة. وهذا هو المقام الثاني من المقامات الأربع.
المقام الثالث من المقامات الأربع: هو مقام إثبات خصوصيّات الظهور. بعد الاعتراف بكبرى الظهور وصغراه.
نفرض شخصين كلاهما يعترف بمفهوم الشرط، ويدّل على أنّه إذا لم يجيء زيد لا يجب إكرامه، فلا خلاف لا في الكبرى ولا في الصغرى. لكن يختلفان ويتأملان في خصوصيّة من خصوصيّاته وشأن من شؤونه. يتأمّلان في أنَّ هذا الظهور هل هو ظهور وضعي أو ظهور إطلاقي؟ هل أداة الشرط (إذا)في قوله (إذا جاء زيد فأكرمه) موضوعه لإفادة العلّيّة الانحصاريّة، أو أنَّ العلّيّة الانحصاريّة ثبتت بالإطلاق؟ فالخلاف بينهم في خصوصيّة من خصوصيّات الظهور. لا في أصل الظهور.
هذه الخصوصيّة من خصوصيّات الظهور الّتي يقع الخلاف فيها بين شخصين، تارةً ترجع إلى جانب الدلالة، وأخرى ترجع إلى جانب المدلول.
فرجوعها إلى جانب الدلالة، من قبيل هذا المثال الذي بيّناه الآن: شخصان كلاهما يؤمن بظهور القضيّة الشرطيّة بالمفهوم، لكن يختلفان بأنَّ هذا الظهور هل هو ظهور إطلاقي أو ظهور وضعي
. فالاختلاف هنا في خصوصيّة الظهور من حيث الدلالة. إنَّ هذه الدلالة ــــــــــ[158]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هل ملاكها الوضع أو ملاكها الإطلاق(1)؟
وأخرى الخلاف من ناحية المدلول لا من ناحية الدلالة، شخصان كلاهما يعترف بأنَّ الجملة التامّة والجملة الناقصة يختلفان من حيث المعنى، وأنَّ ظهور إحداهما غير ظهور الآخر، نحو زيد قائم وزيد القائم. لكن يختلفان، أو لا يدريان بحاقّ هذا المعنى وبحدود الواقعيّة، ما هو كنه النسبة التامّة في زيد قائم، وما هو كنه النسبة الناقصة في زيد القائم. فهنا الخلاف في الخصوصيّة الّتي ترجع إلى المدلول، لا الخصوصيّة الّتي ترجع إلى الدلالة. وفي كلّ منهما إعمال الصناعة له باب.
أمّا إعمال الصناعة في الخصوصيّات التي ترجع إلى الدلالة، كما في هذا المثال: إذا آمن كلا الشخصين في ظهور القضيّة الشرطيّة في المفهوم، واختلفا في ملاكه. فأحدهما يقول بأنَّ ملاكه هو الظهور الإطلاقي لا الوضعي، ليس ملاك ظهور القضيّة الشرطيّة في المفهوم هو أنَّ العلّيّة الانحصاريّة أخذت في مدلول الأداة وضعاً، بل إنَّ العلّيّة الانحصاريّة نتيجة الإطلاق.
كيف يعمل الصناعة هنا؟ أوّل الأمر يحصر ملاك الدلالة في أمرين: وهما الوضع، والإطلاق. ويقول: نحن لا نتصوّر ملاكاً ثالثاً للدلالة. ويثبت هذا الحصر بالاستقراء، أو بالبرهان.
ثُمَّ بعد هذا يأتي ويبرهن على أنَّ أحد هذين الأمرين -مثلاً- افرضوا الوضع
ــــــــــ[159]ــــــــــ
(1) انظر: الكفاية، المصدر السابق.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
يستلزم لازماً، وهذا اللازم غير موجود. إذن، فالوضع منفي، فيتعيّن الإطلاق.
-مثلاً- يقول: بأنّه لو كان هذا الظهور مستنداً إلى الوضع، إلى كون الأداة وهي (إذا) قد وضعت للعلّيّة الانحصاريّة، للزم عدم إمكان التبعيض في المفهوم.
لو قال المولى: إذا جاءك زيد فأكرمه. فمفهومه انّه إذا لم يجئ زيد فلا تكرمه، سواءٌ كان عالماً أو لا، عادلاً أو لا، وسواءٌ رأيته في السوق أو لا، وسواءٌ أحسن إليك أو لا. ونحن عرفنا من الخارج أنَّ زيداً لو أحسن إلينا أيضاً يجب إكرامه حتّى لو لم يجئنا. فهنا نرفع اليد عن المفهوم في مورد الإحسان. فهل نرفع اليد عن المفهوم في غير مورد الإحسان؟
فلو أنَّ إنساناً يبرهن بالصناعة على أنَّ لازم الوضع هو سقوط المفهوم رأساً؛ لأنَّ العلّيّة الانحصاريّة غير قابلة للانحلال والتبعيض، فإذا ثبت أنَّ الإحسان أيضاً علّة، فقد ثبت أنَّ المجيء ليس علّة منحصرة. فإذا لم يكن علّة منحصرة فلا يبقى منشأ للمفهوم. إذن، فيلزم في المقام رفع اليد عن المفهوم رأساً؛ إذ حيث إنَّ العلّيّة الانحصاريّة غير قابلة للتبعيض والانحلال، فتستلزم سقوط المفهوم رأساً لو اختلّ في مورد واحد، وفي حالة واحدة.
نثبت هذه الملازمة بالصناعة، ثُمَّ نقول: بأنَّ التالي خلاف الوجدان، فإنّنا بالوجدان الّذي اعترفنا بموجبه أنّ القضيّة الشرطيّة لها مفهوم، نعترف بأنَّ هذا المفهوم لو قُيّد في حالة واحدة، يبقى في سائر الحالات على حاله.
إذن، فلابدَّ أن يكون مَدرَك هذا الظهور هو غير الوضع. وقد بينّا أنّه ليس هناك غير الوضع، إلَّا الإطلاق، فيتبيّن أنَّ المَدرَك هو الإطلاق. فإذا ثبت أنَّ المَدرَك هو الإطلاق، فيثبت بأنَّ الظهور ظهور إطلاقيّ، فإذا صار ظهوراً
ــــــــــ[160]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إطلاقيّاً، نرتّب عليه أحكام الظهور الإطلاقيّ، كما لو تعارض هذا الظهور الإطلاقيّ مع ظهور آخر وضعيّ، نقدّم الظهور الوضعيّ عليه؛ لأنَّ الظهور الوضعيّ مقدّم على الظهور الإطلاقيّ، وغير ذلك من الأحكام. هذه صناعة جائزة الإعمال في مثل هذه الموارد.
وأمّا الصناعة في طرف المدلول، فمن أحسن مصاديقه أبحاث المعاني الحرفيّة بتمامّها، والهيئات، والنسب، كلّها صناعة لخصوصيّات الظهور من حيث المدلول، لا من حيث الدلالة.
كلّ النّاس يعلمون معنى زيد في الدار، وكلّ النّاس يعرفون إنَّ قولنا: زيد في الدار غير قولنا: زيد إلى جانب الدار، وغير قولنا: زيد على سطح الدار. لكن لا يدرون ما هو تحقيق هذه المعاني. كلّ النّاس يعرفون إنَّ زيداً قائم له معنى، وزيد القائم له معنى آخر، لكن لا يعرفون بالدّقة هذا التحليل. هنا نُعمِل الصناعة في تحديد هذا المعنى، في تحديد معنى النسبة التامّة، وفي تحديد معنى النسبة الناقصة. وإعمال الصناعة في هذا المقام أيضاً جائز.
بأن نتصوّر معنيين للنسبة، أحدهما يغاير الآخر، ثُمَّ نقوم بعمليّة استقراء لغوي. نقول: هذا المعنى الّذي تصوّرناه للنسبة التامّة هل يلائم مع تمامّ موارد الجمل الناقصة أو لا يلائم؟ وهل يمكن أن يُنقَض عليه بمورد من موارد الجمل الناقصة أو لا؟ فإذا ثبت ذلك(1) إذن فيتعيّن أن يكون هو المعنى. وكذلك
ــــــــــ[161]ــــــــــ
() أي كونه يلائمه ولا ينقض عليه. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الحال بالنسبة إلى النسبة الناقصة.
فهذه هي الصناعة التي تُعمَل في أبحاث المعاني الحرفيّة في الهيئات والنسب.
هذا هو المقام الثالث، مقام إعمال الصناعة في إثبات خصوصيات الظهور.
المقام الرابع: هو مقام إعمال الصناعة في تنسيق الظواهر. ومقصودي من تنسيق الظواهر: تحديد الروابط والعلاقات الكليّة بين تلك الظواهر.
مثلاً في القضيّة الشرطيّة، (إذا) لها ظهور في التعليق -مثلاً- لها ظهور في تعليق مفاد الهيئة في (أكرمه) وهو وجوب الإكرام على مفاد الشرط وهو (إذا جاء زيد). وعندنا ظهور آخر في أكرمه، فإنَّ هيئة أكرمه تدلّ على الوجوب. فهنا نسأل، أنّها هل تدلّ على صرف الوجوب، أو على نوع خاصّ من الوجوب؟
فهنا قد يقال في الجواب: أنّنا نجري مقدّمات الحكمة فنقول: بأنَّ أكرم هنا تدلّ على طبيعي وجوب الإكرام ومطلقه، لا على صنف خاصّ من وجوب الإكرام. فتوّلّد هنا ظهور إطلاقيّ في مدلول هيئة كرم.
الآن نريد أن ننسّق بين هذين الظهورين ونحدّد العلاقة بينهما. فهنا يأتي سؤال آخر في عمليّة التنسيق. أنّ ما هو المعلن على مجيء زيد، كما هو مفاد (إذا) هو وجوب الإكرام. فالإطلاق الّذي أثبتناه في وجوب الإكرام، هل نجريها في وجوب الإكرام في مرتبة سابقة على التعليق، ومعناه أنَّ المعلّق هو المطلق، أو في مرتبة متأخّرة عن التعليق، فمعناه أنّ المطلق هو المعلّق.
ــــــــــ[162]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فهنا صورتان: صورة أن نفرض أنّنا نعلّق مطلق وجوب الإكرام على مجيء زيد(1). فيكون معناه أنّه إذا لم يجئ زيد، فمطلق وجوب الإكرام غير موجود. فتكون حينئذٍ الدلالة على المفهوم تامّة.
وأخرى نعلّق وجوب الإكرام على مجيء زيد، ثُمَّ نعطيه صفة الإطلاق، فنقول: هذا الوجوب المعلّق على مجيء زيد مطلق وثابت في تمامّ الأحوال. فحينئذٍ، لا يكون دّالاً على ثبوت المفهوم؛ لأنَّ غاية ما يدّل عليه حينئذٍ، أنّه حينما ينتفي الشرط، ينتفي هذا الوجوب، لا انتفاء وجوب آخر؛ لأنّنا لم نفرض تعليق المطلق على الشرط، وإنّما جعلناه مطلقاً بعد التعليق.
فهذه العمليّة لها أثر في كيفية اقتناص المفهوم من القضية الشرطية. ففي مقام التنسيق بين هذين الظهورين، وإثبات أن مقتضى صناعة الجملة هو إعطاء الإطلاق أوّلاً ثُمَّ التعليق. هذا يحتاج إلى بحث صناعي، في مقام تعيين أحد المعنيين. وقد مرّت هذه الجهات كلها في مفهوم الشرط.
إذن، فهذا هو مقصودنا من التنسيق بين الظواهر، وإيجاد الروابط ما بين ظهور وظهور. هذا هو المقام الرابع لإعمال الصناعة في المقام.
وبذلك تمّ الطريق الرابع من طرق إثبات الظهور. وبذلك تمّ البحث في المقام الثاني، وبضم المقام الثاني إلى المقام الأوّل تمّ -حسب الظاهر- البحث كلّية مسألة الظواهر.
ــــــــــ[163]ــــــــــ
() فنعطي صفة الإطلاق لوجوب الإكرام أوّل الأمر، ثُمًّ نقول: إنَّ وجوب الإكرام بقول مطلق معلق على مجيء زيد. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الإجماع المنقول
انتهى الكلام إلى الحديث عن الإجماع المنقول.
وقد قدّم صاحب الكفاية قبل الدخول في الإجماع المنقول مقدمة(1)، للبحث عن أصل الإجماع ومدرك حجّيّته. حيث إنَّ مسألة الإجماع المنقول مرتبطة بأصل تحقيق مباني حجّيّة الإجماع في الجملة. مضافاً إلى أنّه بحث لابدَّ من تحقيقه في نفسه أيضاً.
تحقيق الحال في ذلك:
إنَّ هناك مسلكين للإجماع. أحدهما: القول بحجّيّة الإجماع باعتبار كشفه عن الحكم الواقعي كشفاً ابتدائياً في عرض سائر الأدلة. وثانيهما: هو المسلك القائل بكشف الإجماع عن وجود دليل ظنّي معتبر، هذا الدليل الظنّي المعتبر هو الذي يكون متكفّلاً لإثبات الحكم الواقعي.
فعلى الأول، يكون الإجماع دليلاً قطعيّاً على الواقع. وفي طول الواقع مباشرة. وعلى الثاني يكون في طول دليل ظنّي على الواقع، ولا محالة يكون أيضاً دليلاً ظنّياً على الواقع(2). وإن كان دليلاً قطعيّاً على الدليل الظني للواقع.
ــــــــــ[167]ــــــــــ
() انظر كفاية الأصول، 287.
(2) لأنّ النتيجة تتبع أخس المقدّمات. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فهذان مسلكان في باب الإجماع، لا بدَّ من التكلّم في كلّ منهما:
فهو المسلك القائل بحجّيّة الإجماع باعتبار كاشفيّة قطعيّة في الإجماع عن الواقع، بلا توسيط دليل ظنّي معتبر في البين. بحيث يكون الإجماع من الأدّلة القطعيّة على ثبوت حكم الله الواقعي.
ملاك هذه الكاشفيّة القطعيّة، فيه مبانٍ ثلاثة:
الأوّل: اقتناص ملاك هذه الكاشفيّة من باب العقل العمليّ.
الثاني: اقتناص ملاك هذه الكاشفيّة من باب العقل النظريّ.
الثالث: اقتناص ملاك هذه الكاشفيّة من الدليل الشرعيّ.
فلابدَّ من التكلّم في كلّ واحد من هذه المباني الثلاثة لاقتناص ملاك هذه الكاشفية.
أمّا المبنى الأوّل لاقتناص هذه الكاشفيّة وهو: مبنى اقتناص ملاكها من العقل العملي. فهذا هو ما يُعبّر عنه في كلمات العلماء بقاعدة اللطف، ويُنسَب(1)
ــــــــــ[168]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول 1: 84-85.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هذا المبنى إلى بعض أكابر المتقدّمين، كالشيخ الطوسي.
وحاصل هذا المبنى: هو دعوى أنَّ إجماع العلماء وأهل النظر على شيء دون أن يظهر خلاف في ذلك، دون أن يظهر الحقّ في ضمن تلك الأقوال، هذا خلف مسلّمات العقل العمليّ. فحينئذٍ لابدَّ من فرضه صواباً.
توضيح ذلك: هناك قاعدة أسّسها علماء الكلام وأسموها بقاعدة اللطف. ويريدون بها التعبير عن الحقوق الثابتة بمقتضى العقل العمليّ للعبد على ربّه، في مقابل الحقّ الثابت لله على العبد المسّمى بحق المولويّة. في قبال ذلك هناك حقوق ثابتة للعباد على ربّهم، بمقتضى قضايا العقل العمليّ المُدرِك للحسن والقبح العقليّين.
وهذه الحقوق من باب التأدّب والصياغة المناسبة مع الربوبيّة، يُعبّر عنها بقاعدة اللطف. أي أنَّ من حقّ العبد على ربّه أن يتلطّف عليه ربّه ويتفضّل بما هو متعلق هذا الحقّ.
هذه القاعدة، قاعدة اللطف، أُدرجت ضمنها حقوق متعدّدة، وطبّقت هذه الحقوق في مجالات متعدّدة في عدة بحوث كلاميّة وأصوليّة.
فمثلاً في الأبحاث الكلاميّة، استدلّ على ضرورة إرسال الأنبياء وإنزال الشرائع بدليل مستمد من مثل هذه الحقوق. فقيل: إنَّ من حقَّ العباد على الله تعالى أن يكملّهم ويرشدهم، ويأخذ بيدهم في طريق تكاملهم(1).
ــــــــــ[169]ــــــــــ
() وأنَّ الله يجب عليه أن يتلطّف على عباده في إيصالهم إلى مصالحهم، وتجنيبهم مفاسدهم. (من محاضرة الغد). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ولهذه الفكرة تطبيقات متعدّدة، أحدها ما هو محل الكلام. حيث طبّق الشيخ الطوسي قاعدة اللطف أيضاً على مسألة الإجماع، فقال(1): بأنَّ من لطف الله الواجب بالنسبة إلى عباده، ألَّا يجعلهم يجتمعون على الخطأ وعلى التيه، ومجافاة الواقع. فما دام هناك قول بالدافع، فلا بأس أن توجد في مقابله أقوال على خلاف الواقع(2). أمّا أن تجتمع الأمّة على خلاف الواقع، ولا تتدخّل إرادة الله تعالى في رفع هذا الاجتماع وتبديله بإظهار الواقع، ولو بنحو الموجبة الجزئيّة، فهذا خلاف اللطف من الله بالنسبة إلى عباده. ومخالفة مثل هذا اللطف قبيح، والقبيح لا يصدر من الله سبحانه.
فمن هنا إذا رأينا في مورد، أنَّ العلماء اتّفقوا على حكم دون مخالف، فنستكشف من ذلك أنَّ هذا الحكم هو الواقع؛ لأنّه لو لم يكن هو الواقع لأنشأ
الله خلافاً في هذه المسألة، بطريق من الطرق الّتي يملكها وتدخل تحت سلطانه؛ وحيث لم ينشأ من هذا الخلاف. إذن، فيعرف أنَّ هذا هو الواقع.
وهذا المطلب طُوِّرَ بعد هذا على يد بعض المتأخّرين عن الشيخ الطوسي، فصيغ بصياغة أخرى تتّصل بالإمام لا بالله تعالى.
ــــــــــ[170]ــــــــــ
() انظر: العدة 2: ص642.
(2) فحينما يجتمعون على الأخطاء وينغمسون كلّهم فيما هو خلاف مصلحتهم وفيما فيه ضررهم، فيجب على الله تعالى بحكم قاعدة اللطف، أن ينقذهم من ذلك. بإحداث قول مطابق للواقع. (من محاضرة الغد). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فقيل(1): بأنَّ الإمام -إمام العصر عليه أفضل الصلاة والسلام- شأنه شأن آبائه، وظيفته وتكليفه من الله تعالى أن يبلّغ حكم الله للعباد، وأن يوصل هذا الحكم بنحو من الأنحاء. ولو بنحو الموجبة الجزئيّة.
وحينئذٍ، ففي الموارد الّتي يكون هناك قول بالواقع من قبل بعض علماء المسلمين، استناداً إلى إيصالات سابقة من قبل آبائه يمكنه الاعتماد عليها؛ لأنَّ الإيصال واجب كفائيّ على الأئمّة، وقد تحقّق من قبل آبائه، فلا يبقى تكليف بالنسبة إليه.
وأمّا في المورد الّذي لا يكون هناك قول بالواقع؛ لعدم توفّر الإيصال من ناحية آبائه فهنا يجب عليه أن يقوم بوظيفته؛ باعتباره حجّة الله على خلقه والمبلّغ لأحكامه، ويعلن الحق بشكل لا يتنافى مع غيبته العامّة وما تقتضيه. وذلك، بأن يبثّ هذا الخلاف بطريق من الطرق، الّتي يمكن للإنسان مع تستّره وغيبته وتحفّظه، أن يستعملها ويمارسها. وحيث إنّه لم يتحقّق هذا المطلب في مورد الإجماع، ولهذا نستكشف أنَّ مثل هذا العقد للإجماع مرضي للإمام ومطابق للواقع. وإلَّا لكان الإمام مقصّراً في وظيفته، وهو خلف عصمته(2). وحينئذٍ، فيثبت حجّية الإجماع.
وهذا بحسب الحقيقة تطوير للفكرة التي بيّنها الشيخ الطوسي، وصياغة لها على مستوى الإمام، لا على مستوى الله تعالى.
ــــــــــ[171]ــــــــــ
() بأنّه بقطع النظر عن وجوب اللطف على الله أو عدم وجوبه. (المُقرِّر).
(2) والتّالي باطل فالمقدّم مثله. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وكل من الصياغتين لا محصّل لها:
أمّا الصياغة الثانيّة لهذا المطلب على مستوى الإمام. فهي تتوقّف على تشخيص مقدار تكليف الإمام وحدوده وقيوده.
لو ثبت على أنَّ إمام العصر مكلّف بإيصال حكم الله الواقعيّ، وإسماعه للمسلمين حين لا يسمعونه، وليس واصلاً إلى أيّ واحد منهم. لو ثبت مثل هذا: أنَّ الإيصال بنحو الموجبة الجزئيّة في أيام غيبته واجب عليه، كما أنَّ الإيصال بنحو الموجبة الجزئيّة كان واجباً على آبائه يعني: إيصاله ببيان واحد أو أكثر، بحيث يسندّ باب العدم من ناحيتهم.
هل أنَّ مثل هذا المطلب واجب عليه أيضاً، هل هو في أيام الغَيبة أيضاً يجب عليه الإيصال بنحو الموجبة الجزئيّة، في مورد لم يتحقّق مثل هذا الإيصال من قبل آبائهأو لا؟ مثل هذا أوّل الكلام.
يعني إيجاب مثل هذا على صاحب العصر حكم شرعيّ يحتاج إلى دليل، وليس عندنا دليل عليه، لكي نستكشف من عدم إلقائه للخلاف، عدم وقوع الاشتباه ومطابقة هذا الإجماع للواقع(1).
ولا نستطيع في المقام أن نتمسّك بالأدلّة الدّالة على وجوب الإيصال على
ــــــــــ[172]ــــــــــ
() بعد أنَّ كلّف بالتستّر عن مواليه وعدم إعلانه عن نفسه بينهم، لم يثبت أنّه مكلّف بإيصال الحكم الواقعي إلى الأمّة، ولو بنحو الموجبة الجزئيّة، كما كان آبائه مكلّفين بذلك. (من محاضرة الغد). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
آبائه، بدعوى شمولها له أيضاً؛ لأنَّ تلك الأدّلة الّتي دلّت كانت شخصيّة، يعني لم تكن بعنوان كلّي. -مثلاً -كان الإمام الباقر يتحدّث عن نفسه فيقول، وكان الإمام الصادق يتحدّث عن نفسه فيقول. ولم يكن عندنا عنوان كلّي.
والعناوين الكلّيّة الواردة عندنا لا تكفي في المقام، لإثبات ذلك بالنسبة إلى صاحب الزمان؛ لأنَّ العناوين الكلّيّة تقتضي التصدّي من قِبَل الإمام بوصفه إماماً، وبوصفه حجّة ومبلّغاً بهذا الوصف. لا التصدّي منه بوصفه إنساناً معيّناً مغموراً ومجهولاً.
الشيء الّذي يستفاد من الأدّلة العامّة هو: أنَّ الإمام يجب عليه أن يقيم الحجّة في كلامه بوصفه إماماً. أمّا مجرّد أن يقول الحقّ، ويكتبه في قصاصة من الورق ويسقطها في شارع من الشوارع، فيمر أحد الطلبة فيلتقط هذه القصاصة، فيرى أنَّ فيها هذا الشيء مذكور. مثل هذا لا يدخل في تلك الأدلّة العامّة(1).
ــــــــــ[173]ــــــــــ
() وهنا سأل أحد الإخوان: أنَّ الإمام يذكره بنحو من الأنحاء لشخص صالح من الناس.
فأجاب سلمه الله: هذا خلاف الغيبة والستر المطلق، الّذي هو متفّق عليه بيننا وبين من يستدلّ بهذا الإجماع. يعني أنَّ من يستدلَّ بهذا أيضاً يعترف بأنَّ الإمام مكلّف بالاختفاء عن تمامّ النّاس، ولا يجب عليه إظهار نفسه لأحد من النّاس. الكلام: في أنه هل يجب عليه مع هذا الإخفاء والستّر، يجب عليه أن يبيّن ويسمع كلمة الواقع أو لا؟ أمّا أن يظهر نفسه، فمن المتسالم عليه بيننا وبين من يستدلّ بهذا الدليل أنه لا يجب عليه مثل هذا الإظهار. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الّذي يستفاد من الأدلة العامّة هو وجوب البيان بعنوان إقامة الحجّة. ومن المعلوم إنَّ البيان بعنوان إقامة الحجّة لا يحصل إلَّا منه في حالة إعلانه عن إمامته، واستعداده لإقامة المعجزة والدليل على إمامته. في مثل هذه الحالة يقول الإمام: حكم الله هذا وأنا حجّة الله، وليّ دليل على هذا المطلب، مستعدّ أن أثبته لمن يشكّ. في مثل هذا يكون إقامة للحجّة… وفي غير هذا(1) لا يكون إقامة للحجّة. إذن، فلا تشمله تلك الأدلّة العامّة.
إذن، فليس دليل في المقام على ثبوت هذا التكليف بالنسبة إلى صاحب الزمان، لكي نستكشف حقانّية الإجماع؛ باعتبار أنَّ هذا الإجماع ليس حقّاً لتدخّل في إحداث الخلاف فيه.
يبقى عندنا الدليل الأوّل: وهو قاعدة اللطف، بمعنى أنَّ الله تبارك وتعالى يجب عليه هذه المرتبة من اللطف بعباده. بحيث لو رآهم مجتمعين على الخطأ، فيوقع فيهم قول الحقّ بنحو من الأنحاء.
وذلك، باعتبار أنَّ الله تبارك وتعالى لابدَّ له أن يوصل العباد إلى مصالحهم، وإلى تكميل نفوسهم، وإلى منافعهم الّتي لا يمكنهم بمفردهم أن يصلوا إليها. فمن باب الشفقة والرحمة الثابتة لله تعالى، يستقلّ العقل بمثل هذا الحكم. هنا عندنا عدة كلمات:
عندنا كلمة ترتبط بأصل قاعدة اللطف، ليس هذا محلها، وإنمّا محلها علم الكلام؛ باعتبارها مسألة كلامية.
ــــــــــ[174]ــــــــــ
() فيما إذا صدر من الإمام حال تستّره وتخفيّه. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
نقطع النظر عن ذلك، ونفرض الآن الفراغ عن قاعدة اللطف. بنحو القضية المهملة، ونتكلّم عن حدودها وشؤونها في المقام.
أولاً: أيّ مصالح؟: هذه المصالح التي يقال: بأنَّ الله تبارك وتعالى يجب عليه من باب اللطف إيصال العباد إليها، لإظهار الحكم الواقعي فيما إذا اجتمعت الأمّة على الخطأ.
إن أريد بهذه المصالح، المصالح الّتي هي في طول الحكم الشرعي الواقعي، وهي مصلحة الإطاعة والتعبّد، والإخلاص في مقام العبوديّة للمولى. هذه المصالح الّتي توجب الكمال الحقيقي للعبد، وترقّيه في عالم الإخلاص، في عالم العلقة مع سيده ومولاه.
إن أريد هذه المصالح الّتي هي في طول الحكم الواقعي، فمثل هذه المصالح حاصلة على كلّ حال، سواءٌ أخطأت الأمّة أم لم تخطئ؛ لأنَّ الخطأ مساوق أيضاً مع تشخيص وظيفة ظاهريّة وحكم ظاهريّ، والتعبّد بالحكم الظاهريّ باعتباره طريقاً لرضا الله تعالى، وتعبيراً عن خضوع العبوديّة بين يدي الله تعالى. وهو يحقّق نفس المصلحة الّتي تتحقّق بالامتثال الواقعي دون أي فرق بين هذا وبين ذاك.
فهذا النحو من المصالح، يعني: مصالح العبودية، ثابتة في الحكم الظاهري، كما هي ثابتة في الحكم الواقعي، بل قد تكون ثابتة في الحكم الظاهري أشدّ، فيما إذا اقتضى الحكم الظاهريّ الاحتياط ونحو ذلك.
وإن أريد في المقام، المصالح السابقة رتبة عن الحكم، لا الّتي هي في طول الحكم. -مثلاً- الوضوء أو الاستنشاق -مثلاً- أو المضمضة فيها مصلحة سابقة على أمر الشارع بها. هذه المصلحة الجسميّة الماديّة المعيّنة الّتي يحصل
ــــــــــ[175]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
عليها الإنسان من الاستنشاق والمضمضة، مصلحة سابقة على الحكم الشرعي. ولو فُرِض أنَّ المجتهدين أجمعوا جميعاً على حرمة الاستنشاق والمضمضة، فسوف تفوّت هذه المصلحة على المسلمين بحسب الخارج.
إن أُريد هذه المصالح الثابتة السابقة على الأحكام الشرعيّة، فمثل هذه المصالح لا يستقلّ العقل جزماً بقبح تفويتها(1). يعني بضرورة تسبيب المولى إلى حفظها بالنسبة على العبد، وإلَّا لزم على المولى تبارك وتعالى إيصال العبد إلى كثير من المصالح الّتي خَفِيَت عليه آلافاً من السنين. وكثير من المصالح الّتي لا تزال خافية عليه حتّى الآن.
فالإنسان بقي الآلاف من السنين وهو يبتلى بكثير من المفاسد؛ لعدم معرفته بطريق تهرّبه وتحذّره منها. لم يكن يعرف كيف يداوي السلّ، وحتّى الآن لا يعرف كيف يداوي السرطان، إلى كثير من هذه المفاسد والأمراض والبلايا، التي لم يعرف الإنسان يتخلّص منها(2).
مثل هذه البلايا، اقتضت المصلحة الإلهيّة العاليّة النوعيّة في هذا الكون، إيكال معرفة ذلك إلى المران العقليّ، والعمل الدائب المستمر من قبل نفس الإنسان. فإنَّ نفس هذا العمل من قِبَل الإنسان في سبيل درأ هذه المفاسد، ولتحصيل تلك المصالح، هو أكمل بالنسبة إلى الإنسان من تحقيق تلك المصالح، ودرأ تلك المفاسد.
ــــــــــ[176]ــــــــــ
() لا يحكم العقل بوجوب تصدّي الله تعالى بإيصال العباد إليها بشكل غير طبيعي. (المُقرِّر).
(2) من دون أن يكون هناك إشكال من ناحية العقل العمليّ. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فنظام الكون اقتضى إيكال إيصال هذه المصالح إلى الناس، إلى عملهم ودأبهم، فحينئذٍ نحن لا قطع لنا بأنَّ مصلحة الاستنشاق والمضمضة تختلف عن هذا النوع من المصالح. لعلّ(1) مصلحة الاستنشاق والمضمضة سنخ مصلحة أيضاً قد اقتضت الحكمة الإلهيّة إيكال التوصّل إليها، ولو عن طريق الحكم الشرعي بالتوصّل إلى الحكم الشرعي، إيكاله إلى العمل والتعب والتأمّل الّذي قد يثمر وقد لا يثمر أيضاً. فقد تكون نُكتة في مثل هذا الإيكال.
ولا يقاس هذا المطلب بأصل البعثة وبأصل النبوة، فإنَّ أصل البعثة -بعثة الأنبياء وإرسال الشرائع، وإنزال الكتب- هذا هو لأجل تحقيق النوع الأوّل من المصالح؛ لأجل ربط العبد بربّه وتدلّيله إلى أنّه عبد، وأنه مخلوق وأنَّ هناك خالقاً يريد منه أن يتعبّد له، ويخضع وينمو من خلال ذلك في مشاعره العبوديّة. لا يقاس هذا بذاك.
فحينئذٍ مثل هذا اللطف في المقام لا دليل على وجوده، بل هناك أفراد متيقّنة لمثل هذا اللطف لم تتحقّق هناك جزماً بحسب الخارج.
هذا حاصل الإشكال الأول في المقام.
ــــــــــ[177]ــــــــــ
() مثل هذه المصالح لا دليل عندنا على كونها بنحو من الأهميّة بحيث إنَّ المولى لابدَّ من إيصال العبد إليها، بل لعلّ هناك مصلحة في إيكال العبد إلى مرتبة من العمل، والتأمّل والتدبّر. أمّا في عالم الطبيعة كما هو الحال في المصالح الطبيعيّة الصرفة، أو في عالم الشريعة كما هو الحال في استنباط الأحكام من الأدلّة كما هو الواقع كثيراً في كثير من المصالح والمفاسد (من المحاضرة). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وأما الإشكال الثاني في المقام، فهو: أنَّ المراد من إيصال الله حكمه الواقعي إلى العباد بنحو الموجبة الجزئيّة، إيجاد الخلاف مثلاً. إن كان المراد من ذلك إيجاد قول يطابق الواقع بنحو، بحيث يكون ذا حجّة، بحيث يمكّن الآخرين من الوصول إلى الواقع. فهذا لطف بالنسبة إلى كلّ فرد فرد، لا بالنسبة إلى من قال بالواقع فقط؛ لأنَّ كلّ فرد فرد أصبح الآن يتمكّن لو أعمل نظره بكمال الدقّة، والنظر إلى الوصول إلى الواقع.
إلّا أنَّ هذا غير واجب جزماً، باعتراف المستدلّ، فإنَّ المستدلّ لا يتوهم أنّه يجب إيجاد قول مطابق للواقع محتوٍ على نُكتة تمكّن سائر المسلمين من التوصّل إليها، مثل هذا لا يُحتمَل ادعائه. وإلّا لو أحتمل ادعائه في المقام، للزم من ذلك -مثلاً- أنَّ القول الّذي يكون مجرّداً من مثل هذه النُكتة في نظر شخص لا يكون وجوده مضراً بقاعدة اللطف، فلزم من ذلك أنَّ القول الّذي تكون معه النُكتة هو: القول المطابق للواقع. مع أنّه ليس كذلك حتماً.
فلابدَّ وأن يقال في المقام، بأنَّ الواجب على الله من باب اللطف إنّما هو أن يهدي واحداً من هؤلاء المسلمين إلى أن يقول بالحقّ، وإن لم يتمكّن من ذلك غيره من الوصول إلى مثل هذا الحقّ. ومثل هذا لا يكون لطفاً بالنسبة إلى غير هذا الشخص الّذي هداه، وإنّما يكون لطفاً بالنسبة إلى خصوص هذا الشخص الذي هداه.
فحينئذٍ مرجع هذه القضية بالتحليل، إلى أنَّ الله تبارك وتعالى يجب عليه وجوباً تخييرياً، أن يتلطّف على واحد من عباده، مع الاعتراف في أنّه لا قبح في
ــــــــــ[178]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ألّا يتلطّف على هذا، ولا على هذا، لكن ألّا يتلطّف على الجميع قبيح. فلا بدّ له أن يتلطّف على واحد من عباده.
ومثل هذا الملاك لا نتعقّله أصلاً؛ لأنَّ الملاك في مثل هذه الألطاف إنّما هو العبوديّة والحاجة، وهي موجودة في الجميع على حدّ سواء. فمثل هذا لا يدركه عقلياً في المقام.
فالصحيح أنَّ قاعدة اللطف ممّا لا أساس لها في المقام. ولابدَّ في مقام التفتيش عن مدرك حجّيّة الإجماع، من تحصيله من غير العقل العملي(1).
ــــــــــ[179]ــــــــــ
() وهنا سأله أحد الإخوان حول النُكتة المشتركة بين المسلمين، وطلب من السيد الأستاذ إعادتها.
فقال: أقول: إذا فرضنا أنَّ الواجب على المولى تبارك وتعالى أن يحدث قولاً مطابقاً للواقع؛ بحيث إنَّ هذا القول واجد لنُكتة، هي أقوى النكات الموجودة في البحث في هذه المسألة، بحيث إنّها تمكّن سائر النّاس من الالتفات إليها. فهذا ممّا لا يقصده المستدلّ جزماً؛ وذلك لأنّه يلزم من هذا إجراء مثل هذه القاعدة حتّى في مورد الخلاف. كما لو فُرِض أن هناك خلاف، وكان أحد القولين قولاً لا نُكتة فيه، بحيث تمكّن الآخرين من الاهتداء إليه ولو في نظر هذا الشخص. حيث يقول هذا الشخص: المسألة خلافيّة وليست إجماعيّة، مع ذلك أجري هنا قاعدة اللطف؛ لأنَّ ذاك القول ليس معه نُكتة تمكّن الآخرين من الأخذ به، وهذا القول معه هذه النُكتة. لو فُرِض أنَّ أحد القولين على طبقه رواية من أخبار الآحاد الثقاة، والقول الآخر ليس على طبقه ذلك، فهل يستلزم من ذلك بأنّه يستكشف من هذا قطعية هذا الحكم الواقعي، بحيث ينقلب من كونه حكماً ظاهرياً إلى كونه حكماً واقعياً؟ لا يلتزم بذلك المستدلّ وهو باطل أيضاً. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وأمّا الثاني من هذه المباني وهو: التمسّك بالعقل النظري، لإثبات حجّيّة الإجماع.
ويمكن أن يُقرّب الاستدلال بقاعدة اللطف في المقام وجّه ثالث. لا يرجع إلى الوجهين السابقين.
وذلك بأن يقال: إنَّ الله تعالى، كما انّه من الواجب عليه بقانون اللطف أن يرسل الأنبياء، وينزل الشرائع، ويكمّل حجّة هذه الشرائع على الخلق، كذلك من الواجب عليه، بحكم اللطف ألَّا يجعل في هذه الشرائع ثغرة أو نقطة ضعف، تكون مثاراً لشبهة أو ضلال لأحد من الناس. فكما أنّه من الواجب عليه أن ينزل الشريعة ويزوّدها بالحجّة، كذلك من الواجب عليه ألَّا يجعل هناك شبهة تطرأ في نفوس النّاس في صحة هذه الشريعة، دون أن يزوّد النّاس بالجواب التامّ عنها في نفسه سواءٌ قبَلَ هؤلاء النّاس هذا الجواب أم لم يقبلوه.
وإلّا لو فُرِض أنّه كانت هناك شبهة مفتوحة، ولم يزوّد النّاس بالجواب عنها، لكان هذا نقضاً لغرضه في إنزال الشريعة، ولكان هذا فتحاً للزيغ والضلال عن الحقّ، دون حجّة منه على هؤلاء الزائغين. فهذا المطلب واجب بحكم اللطف.
ــــــــــ[180]ــــــــــ
() كرر سيدنا الأستاذ ما كان قاله في المحاضرة السابقة، ما عدا بعض التطويرات التي ذكرناها هناك. ثم قال: ويمكن أن يُقرّب…. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بعد بيان هذه المقدّمة يقال في المقام: بأنَّ الأمّة إذا فُرِض أنّها أجمعت -أجمع علماء المسلمين -على حكم، وكان هذا غير حكم الله الواقعيّ. أجمع علماء المسلمين على التفرقة -مثلاً- بين القرشي وغيره في المعاملة، وكان هذا غير حكم الله الواقعي، بحيث في حكم الله الواقعي لا فرق بين سيّد قرشي وأسود حبشي.
فحينئذٍ يكون هذا مثاراً للشبهة على الإسلام؛ لأنَّ هذا الحكم الّذي أجمع عليه المسلمون، ونُسِب إلى الإسلام، هو غير حكم الله الواقعيّ، وحيث إنّه ضدّ حكم الله الواقعي، فلا محالة يكون فيه نقصان وضعف ومفسدة. فلو فُرِض أنَّ جملة من النّاس أدركوا هذا النقصان والضعف، فحينئذٍ تسري الشبهة إلى أصل الدين الإسلامي، فيقال إنّه كيف يتصوّر هذا الدين ديناً إلهيّاً، وهو يفرّق بين قبيلة وقبيلة أخرى لا على حساب التقوى، ولا على حساب الصلة بالله تعالى.
وحيث فرضنا أنَّ الله تعالى كما هو مسؤول عن إقامة الحجّة على الدين حدوثاً، كذلك هو مسؤول عن إقامة الحجّة على الدين بقاءً، بإيجاد الجواب الكافي لدفع كلّ شبهة سواءٌ أقنع هذا الجواب صاحب الشبهة أم لم يقنعه. فحينئذٍ، لابدَّ من إيجاد قول بالخلاف بين الأمّة؛ لأجل أن يتطرق إلى الإنسان احتمال ألَّا يكون هذه الفتوى هي الإسلام، واحتمال أنَّ الإسلام لا يفرّق بين سيد قرشي وأسود حبشي. إذ لعلّ هذا هو المصيب وهذا هو الخطأ، فتندفع الشبهة حينئذ؛ لأنّه إذا جاء الاحتمال بطلت الشبهة.
إذن فهنا لابدَّ بقاعدة اللطف، بهذا البيان، من إيجاد قول بالخلاف، فإذا لم يوجد قول بالخلاف، فيستكشف أنَّ هذا هو حكم الله الواقعي.
ــــــــــ[181]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هذا البيان -على فرض تمامّيته- إنّما يتمّ، في بعض الفروع دون بعض؛ لأنّه لا يتمّ في كثير من الأحكام التعبديّة الّتي لا يكون ثبوتها ولا ثبوت ضدّها ممّا يؤثر في الإسلام شيئاً. كما فُرِض أنَّ الإسلام يحكم بنجاسة عرق الجنب من حرام، ويحكم بطهارته. فلا هذا موجب لدليل على حقانيّة الإسلام، ولا ذاك موجب لشبهة وإشكال في الإسلام؛ لأنَّ هذه أحكام تعبديّة قائمة بنفسها وغير مرتبطة بغيرها، ومن هنا لا يكون هناك منشأ لشبهة من هذه النواحي. فهذا الدليل على فرض تمامّيته لا يتم في كثير من الأحكام التعبديّة.
إلّا أنَّ هذا التقريب لا يكون تقريباً لحجّيّة الإجماع في المقام، يعني لا يمكن إثبات حجّيّته بهذا التقريب مطلقاً في سائر الموارد.
وذلك: لأنّنا نسأل أنّه بقطع النظر عن قاعدة اللطف الّتي يراد تطبيقها بلحاظ هذا التقريب، هل إنَّ الإجماع يحصل منه الوثوق، والقطع العادي والاطمئنان بأنَّ الحكم المجمع عليه هو حكم الله الواقعيّ، أو لا يحصل مثل هذا الاطمئنان؟ بل يبقى هناك احتمال أنّهم بجميعهم قد أخطئوا حكم الله الواقعيّ. بقطع النظر عن قاعدة اللطف.
فإن قلتم: إنّه بقطع النظر عن قاعدة اللطف لا يحصل هناك من الإجماع اطمئنان بصحة قول المجمعين؛ لأنَّ كلّ واحد منهم يجوز عليه الخطأ. فإذا جاز الخطأ على كلّ واحد جاز الخطأ على الجميع. إذا قيل هكذا، وأنَّ العقل النظري لا يحدث الاطمئنان في الإنسان.
ــــــــــ[182]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إذن، فاحتمال الخلاف موجود من أوّل الأمر، فالشبهة لا موضع لها أصلاً. إذن، فحتّى لو أجمع جميع علماء الإسلام على التمييز بين القرشي، والأسود الحبشي، مع هذا لا تكون الشبهة الواردة من هذه الناحيّة بلا جواب؛ لأنّنا نقول في جوابها: بأنّك كيف يحصل لك القطع بأنَّ هذا هو قول الإسلام، ما دمت تعترف بأنَّ الإسلام بقطع النظر عن هذه الجهة هو دين حقّ، وأنَّ كتابه معجز في نفسه. إذن، مثل هذه الشبهة لا تكون هادّمة للمطلب، إذ لعلّ هؤلاء المجمعين كلهم قد أخطئوا.
إذن، فلا تقتضيّ قاعدة اللطف حينئذٍ إيجاد القول بالخلاف.
وأمّا إذا فُرِض أنَّ الإجماع في نفسه. بقطع النظر عن قاعدة اللطف، يُوجِد الوثوق أو الاطمئنان واليقين بأنَّ الحكم المجمّع عليه هو حكم الله الواقعيّ، فهذا معناه حجّيّة الإجماع بلحاظ العقل النظريّ، قبل أن نصل إلى قاعدة اللطف. معناه أنّه في المرتبة السابقة على قاعدة اللطف نحن حصل لنا الاطمئنان بحكم الله الواقعيّ. فهذا معناه انَّ حجّيّة الإجماع لم تكن مستندة إلى قاعدة اللطف، بل كانت مستندة إلى العقل النظريّ؛ باعتبار الملازمة العقليّة
-مثلاً- ونحو ذلك من الأمور، الّتي تقتضي إيجاد الاطمئنان من ناحيّة هذا الإجماع.
إذن، فقاعدة اللطف؛ بهذا التقريب لا يمكن أن تكون مدركاً لحجّيّة هذا الإجماع، هذا هو التقريب الثالث.
ــــــــــ[183]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ويمكن أن تقرّب قاعدة اللطف بتقريب رابع أيضاً:
وذلك بأن يقال: بأنَّ اللطف بإيصال العباد إلى مصالحهم، وإن لم يكن واجباً بحكم العقل؛ لأنّنا نرى بأعيننا أنَّ كثيراً من المصالح الّتي تتوقّف عليها حياة العباد في الدنيا لم يرشد الله إليها، وبقي الناس آلاف السنين يمنون من ناحيتها، حتّى توصّلوا هم إلى اكتشافها، أو حتّى الآن لم يتوصّلوا إلى اكتشافها.
فإيصال العباد إلى مصالحهم الطبيعيّة والدنيويّة والواقعيّة، وإن لم يكن واجباً بحكم العقل من الله. إلّا أنّنا عرفنا بالدليل الشرعي أنَّ المصالح الّتي لأجلها جعل الشارع ملاكات الأحكام الشرعيّة. هذه الملاكات عرفنا بأنَّ الله قد تلطّف وتعلّق له غرض خاصّ، بإيصال العباد إلى هذه المصالح.
صحيح، أنَّ مصلحة دواء السرطان لم يوصل الله شخصاً من العباد إلى اكتشافه، إلَّا أنَّ الله تعلّق غرضه بأنَّ يوصل العباد إلى ملاكات الأحكام الشرعيّة. إذ لو لم يكن قد تعلّق غرضه بذلك، لما أرسل الأنبياء والرسل، ولما أنزل الكتب، ولما شرّع الأحكام، ولما بلّغها إلى النّاس.
إذن، فهذا النحو من اللطف وإن لم يكن واجباً، إلّا أنّنا علمنا بالدليل الشرعيّ، أنَّ المولى تعلّق له غرض خاصّ به، وأنّه اهتمّ بإيصال العباد إلى مثل هذا اللطف.
فحينئذٍ، لو فُرِض أنَّ العلماء أجمعوا على خلاف واحد من هذه المصالح على خلاف حكم الله الواقعيّ، فيكون مثل هذا الإجماع منافياً مع هذا الاهتمام
ــــــــــ[184]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
من قِبَل المولى بهذا اللطف. فلابدَّ له من إيصال الخلاف. لابدَّ له ذلك لا لأجل أنَّ هذا اللطف واجب عليه، بل من باب أنَّ هذا اللطف متعلّق لغرضه.
إلّا أنّ هذا الوجّه أيضاً لا يمكن في المقام تتميمه؛ لعدة أمور:
منها:…(1) صحيح أنَّنا نعرف بان ملاكات الأحكام قد اهتمّ المولى بإيصال العباد إليّها(2). بإرسال الرسول، وبإنزال الكتاب بتشريع الأحكام، بتبليغ هذه الأحكام إلى الإمام، من خلال أمر الإمام بتبليغها إلى المسلمين، بأمر الرواة بحمل هذه الأحكام، بإيجاب التعلّم. وبنحو ذلك من الأحكام الّتي وزِّعت على النبي والإمام والرواة والمجتهدين والعوام.
أي نعلم إنَّ المولى اهتمّ بإيصال العباد إلى تلك المصالح بتهيئة هذه المقدمات. إلَّا أنَّ الاهتمام المُستكشَف من هذه الناحيّة، إنّما هو بقدر هذه المقدمات لا أكثر منها.
لو فُرِض أنّنا رأينا شخصاً، رأينا انّه احتاط لتحقّق مصلحة من المصالح،
ــــــــــ[185]ــــــــــ
() إنّ التجربة في حدود ما رأيناه من سدّ أبواب العدم من ناحية عدم إرسال الرسل والكتب، وجعل الأوصياء، وإيجاب التبليغ على العلماء والتعلّم على الجهّال لا تدلّ على بنائه تعالى على سدّ الباب الناتج من قصور الناس أو تقصيرهم في تلقّي الأحكام وإيصالها للآخرين. هذا مضافاً إلى إشكالات اخرى تظهر ممّا سبق. انظر: مباحث علم الأصول 2: 291.
(2) اهتم بماذا. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بتهيئة كثير من المقدّمات الدخيلة في تحقّق تلك المصلحة. هل يمكننا أن نجزم على هذا الأساس، بأنّه قد احتاط أيضاً بالإتيان بسائر المقدّمات الّتي لم نرها نحن. إذ لعلّ اهتمامه كان بهذا المقدار، لا أكثر.
لعلّ اهتمام المولى كان بسد باب العدم، من ناحيّة عدم النبي، ومن ناحيّة عدم الوصيّ، ومن ناحيّة عدم الراوي والمجتهد وعدم التعلّم. أمّا سدّ باب العدم ولو أنَّ تمام هذه الجهات والمقدّمات قُدّمت، لكن المسلمين أمّا تقصيراً أو قصوراً أو غفلة لم يصلوا إلى هذه المصلحة. هل أنَّ المولى تعلّق له غرض بسدّ باب العدم؟، ولو من هذه الناحيّة أيضاً، ولو باستعمال القوة الإلهيّة في إلهام هذا الحكم في دماغ بعض العلماء -مثلاً- أو إلقائه إليهم بطريق من الطرق.
مثل هذا الاهتمام لم يُعلَم في المقام. وقياس هذه المقدّمة على سائر المقدّمات، قياس بلا قطع بعدم الفرق، فإنَّ من المحتمل وجود الفرق في المقام بين هذه المقدمة وبين سائر المقدمات.
إذن، فلا قطع لنا باهتمام الشارع بمقدار، بحيث يستلزم إيجاد هذه المقدمة أيضاً.
هذا: مضافاً إلى إشكالات أخرى ظهر حالها، ويمكن اقتناصها من مجموع كلاماتنا السابقة.
إذن، فقاعدة اللطف في المقام لا ترجع إلى محصّل بكلّ تقريباتها. وبهذا ظهر أنَّ حجّيّة الإجماع لا يمكن أن تقام على أساس العقل العملي.
ــــــــــ[186]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
قلنا: بأنَّ ملاك حجّيّة الإجماع، تارةً يُقرّب باعتبار اكتشاف الحكم الواقعي من ناحية، وأخرى بلحاظ استكشاف الدليل الظنّي المعتبر من ناحيته. ومن هنا فرضنا مقامين. وبدأنا:
بالمقام الأول: وهو استكشاف الحكم الواقعي من ناحيته. وقلنا: إنَّ ملاك هذا الاستكشاف، تارةً يكون بلحاظ العقل العمليّ، وأخرى بلحاظ العقل النظريّ، وثالثة بلحاظ التعبّد.
وقد تكلمنا في الأوّل من هذه الثلاثة، وهو ما كان بلحاظ العقل العملي، وانتهينا إلى ما كان بلحاظ العقل النظري.
قد يقال: بأنَّ الإجماع يُستكشَف منه الحكم الواقعيّ، بلحاظ العقل النظريّ، بما أنَّ العقل النظريّ هو الذي يحكم بكاشفيّة الإجماع عن الواقع. والملازمة
-مثلاً- بين انعقاد الإجماع على حكم، وكون ذلك الحكم هو الحكم الواقعيّ.
لا ينبغي أن يخفى عليكم أنَّ هذا التقريب يعني: دعوى أنَّ استكشاف الحكم الواقعيّ من ناحية الإجماع بلحاظ العقل النظريّ. هذا التقريب إنمّا يمكن أن يُدّعى ويُتوهّم في بعض الموارد دون بعض؛ وذلك لأنَّ الإجماع إذا فُرِض أنّه كان منعقداً على الوظيفة، لا على الحكم الواقعيّ بعنوان كونه حكماً واقعيّاً. انعقد على أنَّ الوظيفة هذه، أعمّ من أن يكون هذا هو حكم الله الواقعيّ، أو أن يكون مدلولاً لصحيحة زرارة -مثلاً- أو لإطلاق آية مباركة –
ــــــــــ[187]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
مثلاً-. ففي مثل ذلك لا يمكن أن يُتوهّم أنَّ مثل هذا الإجماع على عنوان الوظيفة، يكشف كشفاً قطعيّاً بحكم العقل النظريّ، عن كون هذا الحكم هو حكم الله الواقعيّ؛ لأنَّ طبيعة مثل هذا الإجماع لو فُرِض فيه الكشف التامّ، فهو إنّما يكشف عن حقّانية مَعقِده. ومَعقِده إنمّا هو عنوان الوظيفة الجامع بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي.
ففي مثل ذلك، لا ينبغي أن يُتوهّم كون مثل هذا الإجماع كاشف عن الحكم الواقعيّ. نعم، هنا ينبغي أن يقال: بأنَّ الإجماع بحكم العقل النظريّ، يكشف عن إثبات جامع الوظيفة في المقام. أو(1) على أقل تقدير يكشف عن الدليل الظني المعتبر. وهذا حينئذٍ معناه الرجوع إلى المقام الثاني الّذي سوف نتكلّم فيه بعد هذا. وهو دعوى كأشفيّة الإجماع عن الدليل الظنّي المعتبر. وهذا المقام إنّما سميّناه بهذا الاسم؛ لأنَّ النتيجة تتّبع أخس المقدّمات.
إذن، في كثير من الموارد الّتي ينعقد فيها الإجماع على عنوان الوظيفة، لا مجال لدعوى استكشاف الحكم الواقعي بحكم العقل النظريّ استكشافاً قطعيّاً، وإنّما يكون هناك مجال لهذه الدعوى في موردين:
ما إذا انعقد الإجماع عل حكم، وصرّح المجمعون بأنَّ هذا الحكم حكم واقعيّ، بحيث إنَّ الفقهاء أفتوا بذلك الحكم بعنوان كونه حكماً واقعيّاً، فإنّه في
ــــــــــ[188]ــــــــــ
() بتعبير آخر. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
مثل ذلك يكون المقصد هو الحكم الواقعي بعنوانه، فيكون هناك مجال لاستكشاف الحكم الواقعيّ مجال لدعوى: أنَّ العقل النظريَّ يحكم بانكشاف الواقع من ناحية مثل هذا الإجماع.
والمورد الآخر: ما إذا كانت المسألة سنخ مسألة، بحيث إنّها بطبيعتها، بحيث إنَّ الحكم لو لم يكن كما أُجمِع عليه لكان العدم، وهو نقيض ما أُجمِع عليه من الواضحات الشائعات الّتي لا خلاف فيه بين المتشرّعة والشيعة.
كما أشرنا بذلك في بحث الفقه حيث قلنا: إنَّ بعض الأحكام الّتي ينعقد عليها الإجماع باعتبار خصوصيّات في مواردها، تكون أحكاماً بهذا النحو، بحيث تصدق فيها هذه الملازمة، وهي: أنّه لو لم يكن هذا الحكم الذي انعقد عليه الإجماع -لو لم يكن ثابتاً في الشريعة- لكان عدمه من الواضحات؛ لأنَّ كلّ الدواعي متوفّرة على إشاعة العدم، وحيث إنَّ عدمه ليس من الواضحات؛ لأنَّ الإجماع انعقد على ثبوته، فيُعرف أنَّ هذا الحكم ثابت في الشريعة.
قوانين هذه الفكرة بيّناها في بحث السيرة، وكان أحد تطبيقاتها في بحث الخمس، حيث قلنا: إنَّ ثبوت الخمس في أرباح المكاسب ممّا يُستدَلّ عليه بالإجماع، وقلنا هناك: بأنَّ هذا الإجماع في المقام -وإن كنّا نحن دائماً عندما يُستدَلّ بالإجماع، ويكون الإجماع محتمل المستند، أو مظنونه، أن يكون مستنده
ــــــــــ[189]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هو الأخبار الموجودة بأيدينا، نقول: بأنّه لا حجّيّة فيه، وأنّه ليس إجماعاً تعبديّاً؛ لأنّه محتمل المستند أو مظنونه- في خصوص هذه المسألة، وأمثالها توجد هناك نُكتة. فإنَّ خمس أرباح المكاسب، لو لم يكن مشرّعاً في الإسلام، وفي فقه أهل البيت. إذن، لكان عدمه من الواضحات عند الشيعة. لماذا؟؛ لأنّه على ما بينّا في بحث السيرة، هذا حكم على خلاف الطبع، لا على مقتضى الطبع والدواعي متوفّرة للسؤال عنه بمقتضى كونه على خلاف الطبع. والدواعي من قِبَل الإمام أيضاً متوفّرة للجواب، لو لم يكن هذا الحكم ثابتاً؛ لأنَّ النفي هنا على طبق التقيّة، وعلى طبق ظروف الإمام ومعايشاته مع الشيعة. ليس هناك أي مؤونة أو احتمال ضرر على الإمام أن يقول: أنَّ خمس أرباح المكاسب ليس ثابتاً.
إذن، فدواعي السؤال متوفّرة لأخذ حكم على خلاف الطبع، وعامّ الابتلاء بالنسبة إلى الشيعة، إذ لا يوجد شيعي غالباً إلَّا وله ابتلاء بشيء من المكاسب والفوائد. ودواعي الجواب لو لم يكن ثابتاً أيضاً متوفّرة؛ لأنَّ بيان العدم ليس فيه أي ضرر، أو أي مؤونة على الأئمّة.
مضافاً إلى أن طبيعة امتثال هذا الحكم يقتضي التماس مع الإمام؛ لأنَّ إخراج خمس أرباح المكاسب ليس من قبيل قراءة السورة في الصلاة، بل هو معناه أعطاه الإمام أو لوكلاء الإمام. ونحن نعرف بمقتضى الأخبار المتواترة إجمالاً، أنّه كان يوجد للأئمّة وكلاء في مختلف البلدان الّتي كان يوجد فيها شيعة. معنى امتثال هذا الحكم يعني التماس مع هؤلاء الوكلاء وإعطائهم الخمس بعنوان أرباح المكاسب.
ــــــــــ[190]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وكلّ إنسان حينما كان يتماس مع واحد من هؤلاء ويعطيه هذا الحكم، حينئذٍ كان مقتضى القاعدة، وبمقتضى الشؤون العادية أن ينكشف له أنَّ هذا الخمس غير واجب، لو فرض أنه غير واجب.
إذن، فجميع الدواعي متوفّرة لإشاعة العدم، لو كان هذا الخمس غير مشرّع في الإسلام. ومن هنا تصدق هذه القضية الشرطية، وهي أنَّ خمس أرباح المكاسب لو لم يكن مشرّعاً لكان عدمه من المشتبهات الواضحات. والثاني باطل بدليل استقرار الإجماع، أو ما هو شبه الإجماع على ثبوته. إذن، فالمقدّم مثله. إذن، فهذا الخمس مشرّع في الإسلام.
وبحسب الحقيقة في مثل هذه الموارد لا نحتاج إلى الإجماع أيضاً، بل يكفي مجرّد الشهرة الغالبة. ولهذا أشرنا أيضاً في بحث خمس أرباح المكاسب، إلى أنَّ ما يُنقَل عن مخالفة ابن أبي عقيل أو نحوه، لو تمّت أيضاً لا يُضم بتتميم هذا الوجه.
وعلى كلّ حال، هذا الوجه وهو استكشاف الحكم الواقعيّ من ناحية الإجماع، إنمّا يتمّ في هذين الموردين: في مورد ما إذا كان الإجماع قد انعقد على الحكم الواقعي بعنوان كونه حكماً واقعيّاً، وفي مورد ما إذا انعقد الإجماع، وكان الحكم سنخ حكم بحيث لو لم يكن موجوداً في الشريعة لكان عدمه من الشائعات المشتهرات. في هذين الموردين يمكن أن يدّعى استكشاف ببيانات سوف يأتي شرحها إن شاء الله.
وأما لو فُرِض أنَّ الإجماع انعقد على الحكم الظاهري، على جامع الوظيفة،
ــــــــــ[191]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
في مورد لا تكون فيه مثل تلك النُكتة، الّتي أشرنا إليها في خمس أرباح المكاسب، فإنّه في مثل ذلك لا يكون مثل هذا الإجماع كاشفاً عن الحكم الواقعي أصلاً.
ومن هنا ينبغي تهذيب هذه الدعوى بأن يقال: إنَّ المدّعى في المقام أنَّ الإجماع يكشف عن الحكم الواقعي، بحكم العقل النظري إذا كان مَعقِده هو الحكم الواقعي، ويكشف عن جامع الوظيفة إذا كان مَعقِده هو جامع الوظيفة. بهذا الترتيب يكون هذا الادعاء قابلاً للبحث والتحقيق في نُكاته وخصوصيّاته. وحينئذٍ، يكون دعوى كاشفيّة الإجماع بحكم العقل النظريّ هو محل الكلام، ودعوى كاشفيّته عن جامع الوظيفة، هو المقام الثاني الذي سوف نشير إليه.
وسوف نحوّل الكلام في كلا هذين الأمرين إلى المقام الثاني؛ لأنَّ الكلام فيهما على حدّ واحد. على بعض الفروق الجزئيّة الّتي سوف نشير إليها في المقام الثاني.
هذا هو الاستدلال على كاشفيّة الإجماع بلحاظ العقل النظريّ. وقد عرضنا لحدّ الآن حدود الدعوى، وأمّا تفاصيل صحّتها وعدمها، فحولناه إلى المقام الثاني.
الوجه الثالث في المقام: هو أن يقال: إنَّ حجّيّة الإجماع وكاشفيّته عن الحكم الشرعيّ، باعتبار الدليل الشرعيّ لا باعتبار العقل النظريّ، ولا باعتبار العقل العملي.
ــــــــــ[192]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وما ينبغي ذكره ممّا توِّهم كونه دليلاً شرعياً في المقام، هو: الرواية الواردة في طرق العامّة عن رسول الله. حيث ذكر في تلك الرواية، أنَّ رسول الله قال: إنّي طلبت من ربّي ثلاث طلبات لأمّتي، فأجابني في اثنتين وأبى عليّ الثالثة. الطلبة الأولى: طلبت منه ألَّا تجتمع أمّتي على ضلالة، فأجابني على ذلك، وطلبت منه ألَّا يرتدَّ أمّتي بعدي، وأجابني إلى ذلك. وطلبت منه ألَّا يقع بأسهم بينهم، فردّني في ذلك. ولهذا وقع بأسهم بينهم بعد رسول الله(1).
وهذه الرواية منقولة بعبائر مختلفة، محصّلها في النتيجة هي هذه العبارة الّتي حدثتكم بها.
هذه الرواية استدلّ بها علماء السنة على حجّيّة الإجماع وعصمته؛ باعتبار أنَّ الله تبارك وتعالى تعهّد لنبيّه بأن لا تجتمع الأمّة على ضلالة. ومن هذه الناحيّة إذا انعقد الإجماع على شيء ثبتت حقانيّة ذلك الشيء.
ــــــــــ[193]ــــــــــ
() انظر: مسند أحمد مخرّجاً 45: 200، الباب حديث أبي بصرة الغفار ي، الحديث 27224. وقد رود في الأصل بما لف لفظه حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ أَبِي هَانِئٍ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّـهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، أَنَّ رَسُولَ اللَّـهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: “سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَرْبَعًا فَأَعْطَانِي ثَلَاثًا وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً: سَأَلْتُ اللَّـهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُ اللَّـهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَسَأَلْتُ اللَّـهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُهْلِكَهُمْ بِالسِّنِينَ كَمَا أَهْلَكَ الْأُمَمَ قَبْلَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُ اللَّـهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا“.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وتقريب الاستدلال بهذه الرواية، بنحو تندفع عنه بعض الشبهات، أن يقال: إنَّ ظاهر قوله (لا تجتمع أمّتي على خطأ) (على ضلالة) في السياق الذي نقلناه. أنَّ المنافرة بين نفس الاجتماع والخطأ والضلالة. المنافرة والمصادفة بين نفس عنوان الاجتماع والضلالة. ولهذا جعل هذا من مزايا هذه الأمّة، أنَّ رسول الله طلب من الله هذه المزايا لأمّته الّتي من جملتها ألَّا تجتمع في الضلال، فكان المنافاة والمنافرة بين نفس عنوان الاجتماع، وبين هذه الضلالة. ولأجل هذا يكون هذا من حالات هذه الأمّة وامتيازاتها على الأمم السابقة.
وبهذا البيان يظهر أنّه لا يمكن أن يورَد على هذا الاستدلال، بأنَّ عدم اجتماع الأمّة على الضلال من ناحية وجود المعصوم فيهم، والمعصوم لا يضل، فغير المعصوم مع المعصوم لا يجتمعان على الضلال؛ لأنَّ المعصوم على كلّ حال يمشي على طريق الحقّ ولا يضل.
هذا الاحتمال خلاف ظاهر العبارة؛ لأنَّ ظاهر العبارة ليس هو أنَّ أمّتي لا تجتمع على ضلال؛ باعتبار أنَّ فيها واحداً ذاك الواحد لا يضل، بل ظاهرها أنَّ اجتماع الأمّة ينافي مع الضلال؛ ولهذا جعل هذا من مزايا هذه الأمّة، ومن كمالاتها بحسب سياق هذه الرواية.
فمن هنا لابدَّ أن يقصد من الأمّة الرعيّة، يعني غير المعصوم. أنَّ رسول الله -لو فُرِض أنَّ الرواية صحيحة- طلب من الله ألَّا تجتمع رعيّته، ورعيّة خلفائه على ضلال. فمن هنا يثبت بذلك عصمة الرعيّة، لو اجتمعوا جميعاً. وأمّا حمل الأمّة على المجموع من المعصوم وغير المعصوم، فهذا معناه إسقاط ظهور الرواية في أنَّ المنافرة قائمة بين نفس عنوان الاجتماع والضلال. وظهور
ــــــــــ[194]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الرواية في أنَّ هذا من مزايا الأمّة بما هي أمّة، لا من مزايا وجود فرد معيّن في هذه الأمّة.
هذا هو ما يمكن أن يقال في مقام تقريب الاستدلال، بهذه الرواية. إلَّا أنَّ هذه الرواية ساقطة سنداً ودلالة.
أمّا سنداً فعلى مبانينا واضح؛ لأنَّ هذه الرواية لم تروَ في طرقنا، وإنّما رُوِيت في طرقهم من قبل أُناس لا نعرفهم ولا نعرف حالهم. فبهذا الاعتبار تكون رواية مجهولة لا يمكن الاعتماد عليها.
على أنَّ الّذي يظهر منهم أيضاً أنّها قابلة للغمز واللمز، حتّى على مبانيهم في الرجال، ولهذا لم تذكر في الصحاح الستة، ولم يذكرها البخاري، ومسلم، وإنّما ذكرها الحاكم في المستدرك، مستدركاً على الشيخين، وأشار أيضاً فيما ذكره إلى بعض الغمزات واللمزات في أسانيد هذه الروايات، ممّا يظهر أنَّ هذه الرواية غير سالمة حتّى على مبانيهم في باب التوثيق (1).
ــــــــــ[195]ــــــــــ
() انظر: المستدرك على الصحيحين للحاكم 1: 203، كتاب العلم، الحديث 400. و ورد الحديث في المستدرك بما لفظه: حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ حَمْشَاذَ الْعَدْلُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ السَّكَنِ الْوَاسِطِيُّ، ثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا مُبَارَكٌ أَبُو سُحَيْمٍ، مَوْلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ رَبَّهُ أَرْبَعًا: “سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ لَا يَمُوتَ جُوعًا فَأُعْطِيَ ذَلِكَ، وَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ لَا يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ فَأُعْطِيَ ذَلِكَ، وَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ لَا يَرْتَدُّوا كُفَّارًا فَأُعْطِيَ ذَلِكَ، وَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ لَا يَغْلِبَهُمْ عَدُوٌّ لَهُمْ فَيَسْتَبِيحَ بَأْسَهُمْ فَأُعْطِيَ ذَلِكَ، وَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يُعْطَ ذَلِكَ”. وقال الحاكم تعقيباً على سندها بما نصّه: “أَمَّا مُبَارَكُ بْنُ سُحَيْمٍ فَإِنَّهُ مِمَّنْ لَا يَمْشِي فِي مِثْلِ هَذَا الْكِتَابِ، لَكِنِّي ذَكَرْتُهُ اضْطِرَارًا”.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وأمّا كثرتها وتعددها، فهو أيضاً لا يوجب الاطمئنان بالنسبة إلينا؛ وذلك لاحتمال نُكتة عامّة في مقام كذب واختلاق هذه الرواية، حيث إنَّ الظروف السياسيّة للسُنّة، كانت تقتضي إثبات حجّيّة الإجماع، بتخيّل أنَّ (أبا بكر) ينفعه مثل هذا الإجماع؛ لإثبات إمامته. وهذا الظرف السياسي يحتمل أن يكون نكتة عامّة؛ لاختلاق هذه الرواية. فيكون حال التكثّر هنا حال تكثّر نقل البهائية لمناقب نبيهم أو إلههم. وحيث إنّه يحتمل أن يكون نُكتة عامّة، فلا يحصل فيه شروط التواتر والاستفاضة الّتي توجب الاطمئنان أو القطع.
ولعلّ إنساناً لو تتّبع ظروف نقل هذه الرواية، وتراجم هؤلاء الرواة لازداد ظناً بأنَّ الظرف السياسي كان له دخل في اختلاق هذه الروايات. وعلى كلّ حال فهي من ناحية السند ساقطة.
وأمّا من حيث الدلالة فهي أيضاً ساقطة؛ وذلك لأنَّ قوله “لا تجتمع أمتي على ضلالة” ينفي اجتماعها على الضلالة. ومن المعلوم أنّه إذا فُرِض أنَّ فقهاء الأمّة تعبوا في استنباط حكم شرعي، حتّى أّنهم لم يجدوا حجّة عليه، فصاروا موضوعاً لأصالة البراءة فأجروها وتمسّكوا بها. وكان في الواقع حراماً. هنا، لا يقال أنّهم اجتمعوا على الضلالة. كيف يُفرَض أنّهم اجتمعوا على الضلالة، مع أنّهم تمسّكوا بحكم ظاهري إلهي شرعي إسلامي، تحقّق موضوعه في حقهم.
ــــــــــ[196]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وحينئذٍ، لو جاء شخص آخر والتفت إلى نُكتة أوجبت له القطع بالحرمة الشرعية. وحينئذٍ، يقول أنا لا أجري أصالة البراءة وإن أجراها العلماء جميعاً؛ لأنَّ موضوعها مرتفع بالنسبة إليّ؛ لأنّي أنا ممّن أعلم بالحرمة، فلا يكون موضوع (رُفِع ما لا يعلمون) محقّق بالنسبة إليّ. فيفتي بالحرمة خلافاً لإجماع العلماء على نفي الحرمة. وليس من هذا تكذيب لدعوة رسول الله، إذ أنَّ هذا الإجماع على إجراء أصالة البراءة، ليس إجماعاً على الضلال، وإنّما هو إجماع على حكم ظاهري إلهي تحقّق موضوعه في حقّهم.
غاية الأمر، أنَّ هذا الشخص الآخر لم يتحقّق موضوع هذا الحكم الظاهري في حقّه؛ لأنّه التفت إلى نُكتة لم يلتفت إليها تمامّ أولئك الناس قصوراً. أي مانع من ذلك؟
إذن، فهذه الرواية حتّى على فرض تماميّتها لا تكون دليلاً على حجّيّة الإجماع، ولا على عدم جواز مخالفته والعدول عن مَعقِده، إلى حكم آخر يتمّ عليه الدليل بمقتضى الصناعة والفن.
هذا تمامّ الكلام في المقام الأوّل. وأمّا المقام الثاني: فهو بعد الحوالة الّتي حولناها إليه، يرجع إلى هذا إلى أنَّ الإجماع إذا انعقد على حكم واقعيّ فهل يكشف بحكم العقل النظريّ، عن ثبوت ذلك الحكم واقعاً. وإذا انعقد على جامع الوظيفة، فهل يكشف بحكم العقل النظريّ عن جامع الوظيفة، أو لا أقل من الدليل الظنّي المعتبر أو لا يكشف عن ذلك؟
هذه هي صيغة المقام الثاني بعد الحوالة. وهذا هو لب البحث.
ــــــــــ[197]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
كان الكلام في المقام الثاني المعقودين في تحقيق حجّيّة الإجماع المحصّل. وحاصل الصيغة الّتي اكتسبها المقام الثاني، بعد إحالة بعض مطالب المقام الأوّل، على المقام الثاني، هو أن يقال: باستكشاف الحكم الواقعيّ من الإجماع بحكم العقل النظريّ، فيما إذا انعقد الإجماع على الحكم الواقعي. واستكشاف جامع الوظيفة، أو لا أقل من الدليل الظنّي المعتبر بحكم العقل النظريّ، فيما إذا انعقد الإجماع على جامع الوظيفة.
هنا أساس الاستكشاف في هذا الوجه هو العقل النظريّ، لا العقل العملي، الّذي سبق الكلام فيه في المقام الأوّل، ولا التعبّد الشرعيّ الصرف.
وقد قال الأصحاب في المقام: إنَّ استكشاف الحكم الشرعيّ من ناحية الإجماع بحكم العقل النظري، يُتصوّر على أنحاء ثلاثة:
النحو الأول: إمّا بدعوى الملازمة العقليّة بين الإجماع والحكم الشرعيّ،
ــــــــــ[199]ــــــــــ
(1) المسلك الثاني.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فيستكشف الحكم الشرعيّ من الإجماع، من باب استكشاف أحد المتلازمين العقلييّن من ناحية وجود الآخر.
فمثّلوا له بالتواتر، فقالوا: إنّه كما في باب التواتر، لو أنَّ مئات من الأشخاص أخبروا عن وفاة شخص -مثلاً- فيثبت وفاة ذلك الشخص باعتبار الملازمة العقليّة بين هذا العدد من الإخبارات، وبين تحقّق المخبريّة بحسب الخارج. فكذلك في المقام لو أخبر جماعة من العلماء عن حكم شرعي معيّن، فيتصوّر الملازمة العقلية، بين هذا العدد من الفتاوى وثبوت الحكم في الشريعة الإسلامية.
النحو الثاني: دعوى الملازمة العاديّة، بأن يقال: إنَّ اتفاق هذا العدد الكبير من العلماء على الفتوى لهذا الحكم، وإن لم يكن ملازماً عقلاً في ثبوت الحكم في الشريعة على طبقه، إلَّا أنّه ملازم عادة لذلك. فإنَّ العادة تقضي بأنَّ اتفاق هؤلاء العدد من العلماء على حكم، يجب أن يكون منشأه ثبوت الحكم على طبقه عند الأئمّة. ومثّلوا له باتفاق المرؤوسين في كلّ مجال من المجالات. فإنَّه يكشف عن ذوق الرئيس ومذاقه. فكما إذا وجدنا جماعة لهم رئيس وهم متّفقون على شيء ومتصادقون عليه، فيُعرَف من هذه الناحية، أنَّ هذا الذوق مكتسب من ناحية رئيسهم.
كذلك في المقام، فإنَّ الفقهاء نسبتهم إلى الأئمّة كتلك النسبة، فإذا تطابقوا على شيء ثبوت هذا الحكم عند الأئمّة. بنحو الملازمة العاديّة. وإن لم يبلغ إلى الملازمة العقلية، كما هو الحال في النحو الأوّل.
ــــــــــ[200]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
النحو الثالث: الملازمة الاتفاقيّة، لا العقليّة ولا العاديّة؛ وذلك أنّه في بعض الأحيان قد يحصل هذا الاستكشاف، قد يحصل للإنسان العلم بالحكم الشرعيّ، من ناحية اطلاعه على عدد كبير من الفتاوى، قد يحصل وقد لا يحصل.
وحينئذٍ، يرتبط ملاك حجّيّة الإجماع بالصدفة والاتفاق. فإذا اتّفق أنّه حصل مثل هذا العلم، وتمّت هذه الملازمة في مورد أُخذ به، وإذا لم تتمّ فلا يُؤخذ به. كما هو الحال في أخبار عدد اقل من التواتر، كما لو أخبر ثلاثة أو أربعة عن مطلب، وكان بنحو الاستفاضة لا بنحو التواتر، فإنّه قد يحصل العلم وقد لا يحصل العلم. ومن هنا كانت الملازمة اتفاقيّة لا عقليّة ولا عاديّة.
إذن، فاستكشاف الحكم الشرعيّ، بحكم العقل النظريّ، من ناحية الإجماع، يتوقّف على الالتزام بإحدى هذه الأنحاء الثلاثة من الملازمة. إمّا الملازمة العقليّة كما هو الحال في باب التواتر، أو الملازمة العاديّة كما هو الحال في اتفاق المرؤوسين، أو من باب الملازمة الاتفاقيّة، كما هو الحال في حصول العلم من الاستفاضة، الّتي هي مرتبة أقل من مرتبة التواتر.
وتحقيق هذا الكلام بنحو يتجلّى فيه وجوه النقص في هذا الكلام. يكون ببيان أمور:
لابدَّ لنا قبل تحقيق نكتة الاستكشاف من بيان معنى الملازمة العقليّة، والعاديّة، والاتفاقيّة وشرح هذه المصطلحات الثلاثة شرحاً فنياً.
ــــــــــ[201]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فنقول: بأنَّ الملازمة بين شيء وشيء، دائماً تكون عقليّة لا محالة، باعتبار رجوعها إلى حكم العقل باستحالة الانفكاك بين هذا وذاك. فمتى ما حكم العقل باستحالة الانفكاك بين شيئين، انتزع من هذين الشيئين عنوان الملازمة والتلازم. فعنوان الملازمة أمر ثابت بحكم العقل دائماً، إلَّا أنَّ هذه الملازمة الثابتة بحكم العقل تارة يكون طرفها، يعني أحد المتلازمين مستلزماً للآخر استلزاماً ذاتياً، بحيث لا يُتصوّر انفكاكه عنه أبداً، مهما غيّر ظرفُه وجوه ومقارناته وشروطه.
كما هو الحال في حكم العقل باستلزام وجود الجسم في مكان لعدم وجوده في مكان آخر. وهذا الاستلزام استلزام عقلي ذاتيّ، بمعنى: أنَّ الجسم ما دام هو جسم ولم يخرج عن كونه جسماً، فوجوده في مكان يستلزم عدمه في مكان آخر؛ لاستحالة وجود الجسم في مكانين في وقت واحد. فمثل هذا الاستلزام استلزام عقليّ ذاتيّ. ويكون اللازم لازماً ذاتيّاً في المقام.
وأخرى يُفرَض أنَّ الاستلزام استلزام عقلي، إلَّا أنَّ الملزوم هنا ليس ملزوماً بذاته، بل باعتبار شروط عامّة، بحيث لو غيّرنا تلك الشروط والظروف لارتفعت هذه الملازمة. فالملزوم ملزوم بما هو مقيّد بتلك الشروط لا ذات ماهية الملزوم. غاية الأمر أنَّ هذه الشروط والظروف موجودة دائماً بحسب الخارج، في العالم الذي نعيشه أو غالباً.
كما هو الحال في أن يقال: بأنَّ بقاء الإنسان مئة سنة حيّاً على وجه الأرض يستلزم الشيخوخة، فإنَّ هذا الاستلزام أيضاً استلزام عقليّ؛ لأنَّه بملاك العلّة
ــــــــــ[202]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
والمعلول، فإنَّ مضيّ هذا الزمان مساوق مع تحقّق علة الشيخوخة، واستلزام العلّة لمعلولها دائماً يكون استلزاماً عقليّاً.
لكن فرقه عن الاستلزام الأوّل، هو أنَّ العمر إنّما يكون مستلزماً للشيخوخة، ضمن شروط خاصّة. هي الشروط الّتي نعيشها الآن في العالم من الشروط المزاجيّة والصحيّة. ولا يأبى العقل عن أن يفرض هناك عمر من دون شيخوخة، فيما إذا غُيّرت هذه الشروط العامّة، وفرض أنَّ الإنسان يعيش في الجنّة لا في الدنيا. إذن، فهذا الاستلزام هو الذي يُعبّر عنه بالملازمة العاديّة. بمعنى: كون العمر لا بما هو هو، بل بما هو مقيّد بشروط موجودة دائماً، أو غالباً يكون مستلزماً عقلاً للشيخوخة والهرم.
والملازمة الاتفاقيّة: أن يكون الشيء لا بما هو هو مستلزماً، بل بما هو مقيّد بشروط إلَّا أنَّ تلك الشروط توجد أحياناً لا أنها دائماً تكون موجودة ولا غالباً.
كما يقال -مثلاً- بأنَّ وجود الإنسان في البلاد الحارّة -مثلاً- يكون مستلزماً للابتلاء بالسلّ -مثلاً- كما كان معروفاً في السابق.
فهذه ملازمة اتفاقيّة؛ لأن مجرّد وجود الإنسان في البلد الحار ليس علّة للسل، وإنّما يكون مستلزماً له مع انضمام شروط خاصّة في المزاج، وهذه الشروط أحياناً توجد، وفي كثير من الأحيان لا توجد. ومن هنا تكون الملازمة اتفاقيّة.
وإن كانت هي عقلية، باعتبار أنَّ تمام هذه الأنحاء الثلاثة من الملازمات ملاكها العليّة والمعلوليّة، إمّا في عالم الوجود وإمّا في عالم الماهيّات. وهذه أمور يحكم بها العقل، غاية الأمر أنَّ موضوع الملازمة تارةً يكون هو الذات بما هي
ــــــــــ[203]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ذات، وأخرى يكون هي الذات مقيّدة بشروط موجودة دائماً، وثالثة هي الذات مقيّدة بشروط اتّفاقاً تكون موجودة، وفي كثير من الأحيان لا تكون موجودة.
ومن هنا تسمى الأوّلى بالعقليّة، والثانية بالعاديّة، والثالثة بالاتفاقيّة. وإلَّا فبحسب الحقيقة كلّها عقلية.
فهذه الملازمات الثلاثة ينبغي أن تُفهم بهذا النحو، ولا يصحّ فهمها بنحو آخر. هذا هو الأمر الأول.
بعد أن عرفنا ما معنى الملازمة العقليّة، والعادية، والاتفاقيّة. نقول في المقام: بأنّه لا توجد هناك ملازمة لا عقليّة، ولا عادية، ولا اتفاقية، بين الإجماع وثبوت الحكم الشرعي، بل لا توجد هذه الأنحاء من الملازمات في المقيس عليه أيضاً، فضلاً عن المقيس، لا توجد حتّى في التواتر ملازمة عقليّة بينه.
يعني: بين إخبار عدد كبير من الناس وبين ثبوت المخبريّة بحسب الخارج. أو بين اتفاق المرؤوسين على شيء وبين ذوق الرئيس في المقام، أو بين العدد المستفيض من الإخبارات وبين ثبوت المخبريّة بحسب الخارج.
لا ملازمة بتمامّ الأنحاء الثلاثة لا في المقيس ولا في المقيس عليه، وإنّما الملازمة هنا نوع آخر من الملازمة سوف يظهر سره من خلال الكلام -يقصد بذلك أنها ملازمة مستنتجة من العقل الثالث بالطريقة الذاتية للتفكير-.
توضيح ذلك: والتوضيح يكون ببيان قاعدة عامّة نستفيد منها في المقام وفي أمثال المقام: وحاصلها:
ــــــــــ[204]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هو أنّه كلّ مجموعة من الأشياء إذا فُرِض أنّنا لاحظنا كلّ واحد منها فلم نرَ أنه يستلزم شيئاً من الأشياء. وإذا لاحظنا الثاني نرى أيضاً أنه لا يستلزم ذلك الشيء، وهكذا.
أو إذا شئتم قلتم بأنَّ أيّ واحد من هذه الصوّر الّتي لاحظناها من المجموعة نحتمل وجوده مع عدم ذلك الشيء، ونحتمل وجود الثاني أيضاً في نفسه مع عدم ذلك الشيء، ونحتمل وجود الثالث أيضاً في نفسه مع عدم وجود ذلك الشيء. إلَّا أنّنا لا نحتمل وجود مجموع هذه الأشياء مع عدم ذلك الشيء.
ولنقرب مثالاً من باب التواتر: نفرض أنَّ ألف شخص أخبر عن موت زيد. فهنا أيّ واحد من هؤلاء الألف إذا لاحظناه، فنقول: بأنَّ إخباره عن موت زيد هل يكون ملازماً عقلاً مع موت زيد؟ الجواب، كلا. يعني: هل نقطع بترتّب موت زيد ومساوقته مع إخبار هذا الشخص؟ الجواب، هو كلا. إذ نحتمل أنّه يخبر كذباً، وأنَّ زيد لا يزال حيّاً. وكذلك الكلام في الشخص الآخر، لا ملازمة بين إخباره وبين موت زيد. وكذلك في الثالث، وهكذا. بمعنى: أنَّ كلّ إخبار من هذه الإخبارات في نفسه لو لوحظ باللحاظ الانفرادي فهو يحتمل كذبه عقلاً، ولا مانع من كونه إخباراً كاذباً.
إلَّا أنَّ مجموع هذه الإخبارات بعد انضمام بعضها إلى بعض، وتَقَوي بعضها ببعض، لا يُحتمَل أن يكون تمامّ هذه الألف كذباً، وأنَّ زيد لا يزال حيّاً وأنَّ هؤلاء الألف بتمامهم قد أخبروا كذباً، أو خطأ عن وفاته.
ــــــــــ[205]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
في مثل هذه الموارد لا تكون الملازمة بحسب الحقيقة، بين ذات إخبار هؤلاء، وبين موت زيد. وإنمّا يكون حصول العلم بموت زيد من ناحيته بمقتضى حساب الاحتمالات، على أساس ضعف الاحتمال بضم إخبار إلى إخبار، حتّى ينتهي الاحتمال إلى درجة من الضعف الشديد جداً، فيزول حينئذٍ ضمن قوانين عامّة لا مجال لذكرها هنا(1).
فحصول العلم من باب التواتر إنّما هو بحسب الحقيقة، قائم على أساس حساب الاحتمالات وليس قائماً على أساس الملازمة العقليّة؛ لأنّه مهما زاد هذا العدد، بالتالي إنّما يحصل منّا القطع بموت زيد من باب أنَّ الاحتمال يضعف ويضعف إلى حد يزول. فالاحتمال يزول باعتبار ضعفه، لا أنّه يزول باعتبار حكم العقل باستحالة الانفكاك.
هذه قاعدة عامة، يجب إجرائها في كلّ مجموعة، يُدّعى استلزامها لشيء آخر، مع الاعتراف بأنَّ كلّ فرد من أفرادها لا يستلزم ذلك الشيء الآخر. فإنَّ هذه المجموعة، بحسب الحقيقة، تكون مستلزمة بهذا المعنى من الاستلزام، لا أنَّ ذات المجموعة تكون ملازمة مع ذلك الشيء، بل بمعنى أنَّ الاحتمال يضعف بالضرب ويبقى مستمر الضعف حتّى يصل إلى درجة فيزول.
ــــــــــ[206]ــــــــــ
() وهنا يذكر سيّدنا الأستاذ نبذة عن توضيح أسلوب الاستنتاج حساب الاحتمالات، بضم الاحتمال الأوّل، إلى الثاني ثم إلى الثالث وهكذا… وتناقص الاحتمال بهذه الطريقة حتّى يضمحل. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إذن، من هنا يظهر أنّه في باب التواتر لا توجد هناك ملازمة عقليّة، لا ذاتيّة، ولا عاديّة، ولا اتفاقيّة بين العدد المتواتر من الأخبار وبين ثبوت المخبر به؛ لأنّنا إذا لاحظنا كلّ إخبار من الإخبارات، فهو لا يستلزم ذاك وضم بعض هذه الإخبارات إلى بعض إنّما أوجب العلم بموت زيد باعتبار تناقص الاحتمال، لا باعتبار الملازمة العقليّة. وهذا باب آخر في حساب الاحتمالات غير باب الملازمة العقليّة بكلّ أنواعها.
وكذلك الحال في اتفاق المرؤوسين مع الرئيس. فإنّنا في كلّ مرءوس في نفسه، نحتمل أنَّ ذوقه نشأ لخصوصيّات فيه؛ لا أنّه تلقاه مع الرئيس. لا ملازمة بين وجود هذا الذوق عند هذا المرؤوس، وبين وجوده عند رئيسه. وكذلك المرؤوس الثاني والثالث وهكذا.
لكن لو ضممنا هؤلاء المرؤوسين بعضهم إلى بعض لحصل لنا -مثلاً- الجزم بأنَّ ذوق رئيسهم هو هذا. وهذا الجزم لم يحصل من ناحية الملازمة؛ لأنّنا اعترفنا بعدم وجود الملازمة بعد التحليل، وملاحظة كلّ فرد فرد. وإنّما حصل هذا الجزم عندنا باعتبار أنَّ جمع هؤلاء الأفراد بعضهم إلى بعض، أوجب بمقتضى قوانين حساب الاحتمالات ضعف الاحتمال، حتّى يبلغ هذا الاحتمال إلى درجة بحيث يزول من عالم النفس. وكذلك الحال في باب الاستفاضة.
إذن، فباب الإجماع، لو تمّ فيه استكشاف، فالاستكشاف الّذي يتمّ فيه ليس قائماً على أساس الملازمة العقليّة، بين ذات الإجماع وبين الحكم الشرعي، وإنما يكون قائماً على أساس حساب الاحتمالات.
ــــــــــ[207]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
يعني أنّنا لو لاحظنا أيّ واحد من هؤلاء الفقهاء في نفسه فاحتمال خطأه واشتباهه موجود في نفسه، لكن حينما نضم الآخر إليه يضعف احتمال الخطأ. وهكذا يبقى يضعف إلى أن يزول في النتيجة، بمقتضى حساب الاحتمالات.
إذن، فيجب أن نغيّر منهج البحث في المقام. لا نقول: بأنّنا ندّعي الملازمة العقليّة، أو العاديّة، أو الاتفاقيّة. فإنّه في أمثال هذه المقامات الّتي تندرج تحت القاعدة التي أسّسناها لا مجال للملازمة العقليّة، ولا العاديّة، ولا الاتفاقيّة، بل ينبغي أن يُدّعى ويبحث هكذا:
في أنّه هل أنّه كما في باب التواتر بضم أخبار إلى أخبار يضعف احتمال الكذب، حتّى يبلغ إلى درجة من الضعف بحيث يزول من عالم النفس بمقتضى قوانين معيّنة في باب حساب الاحتمالات؟ هل أنَّ هذا يحصل في باب الإجماع(1).
ينبغي أن تُعرَض المسألة على هذا الوجه، مع الاعتراف بعدم وجود الملازمة بتمامّ أنحائها وألوانها بين ذات الإجماع، وبين الحكم الشرعي، كما لا ملازمة بين التواتر وبين ثبوت المُخبَر به بحسب الخارج.
وحينئذٍ لابدَّ من صرف العنان إلى ملاحظة أنَّ قوانين حساب الاحتمالات في باب الإجماع، هل هي كقوانين حساب الاحتمالات في باب التواتر؟ وإنَّ نُكاته في باب التواتر تجري بنفسها هنا، أو أن هناك فرقاً بين باب التواتر وبين باب الإجماع؟
ــــــــــ[208]ــــــــــ
() وهنا كرّر طريقة استنتاج حساب الاحتمالات في الإجماع. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
قلنا: إنّه في مقام استكشاف رأي المعصوم، إمّا بعنوان الحكم الواقعي، فيما إذا انعقد الإجماع على الواقع، أو بعنوان جامع الوظيفة. فيما إذا انعقد الإجماع على الوظيفة. استكشاف رأي المعصوم من ناحيّة الإجماع، قيل بأنّه تارةً يكون بدعوى الملازمة العقليّة بينهما، وأخرى بدعوى الملازمة العاديّة، وثالثة بدعوى الملازمة الاتّفاقيّة.
ومثّلوا للملازمة العقلية بالتواتر(1)… ومُثِّل للملازمة العاديّة باتفاق المرؤوسين واستكشاف ذوق الرئيس من ذلك(2). ومُثِّل للملازمة الاتفاقيّة بما إذا ورد خبر واستفاض نقله، فإنَّ استفاضة نقله في بعض الأحيان تكون ملازمة مع ثبوت المخبر به، وإن لم تكن كذلك دائماً؛ ولهذا قد يحصل العلم بالاستفاضة وقد لا يحصل(3).
ونحن شرحنا معنى الملازمة العقليّة والعاديّة والاتفاقيّة، وقلنا: بأنَّ الملازمة دائماً عقليّة؛ لأنَّ الملازمة دائماً مرجعها إلى باب العليّة والمعلوليّة، واستحالة انفكاك أحدهما عن الآخر وهذا ما يحكم به العقل(4).
ــــــــــ[209]ــــــــــ
() ثم قرّره بشكل لا يزيد عمّا سبق. (المُقرِّر).
(2) ثم قرره بما لا يزيد عن أمس. (المُقرِّر).
(3) وهنا نظّر الإجماع بالاستفاضة على ما سبق. (المُقرِّر).
(4) وهنا أعطى موجزاً عن خصوصيّات كلّ ملازمة على ما سبق. وكان من جملة ما قال: والملازمة بين العمر… (المقرر )
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
والملازمة بين العمر والشيخوخة، ملازمة عقليّة بملاك العليّة والمعلوليّة، إلَّا أنّها عاديّة لا عقليّة؛ لأنَّ العمر إنّما يلازم مع الهرم حينما يُقرَن مع شروط وخصوصيّات، وهي: هذه الخصوصيّات الّتي نحن مبتلون بها على وجه هذه الأرض، بحيث يمكن أن نتصوّر إنساناً يعيش مع عدم هذه الخصوصياتّ، فلا يهرم أصلاً كما هو الحال في مولانا عليه أفضل الصلاة والسلام(1).
فبالنتيجة الملازمات كلّها عقليّة ترجع إلى باب العليّة والمعلوليّة، وإن اختلفت في سعة دائرتها وضيقها.
بعد هذا الشرح للمصطلحات، قلنا: بأنَّ الملازمة في جميع هذه الأمثلة الّتي قيس عليها الإجماع فضلاً عن الإجماع، حتّى التواتر، الملازمة ممنوعة بتمام أقسامها(2).
هذا المطلب ممنوع في التواتر فضلاً عن الإجماع الّذي نحن بصدد مقايسته به؛ لأنَّ الملازمة لا محالة ترجع إلى باب العليّة والمعلوليّة، إلى كون هذا علّة لذاك أو كونه معلولاً له، أو كونهما معلولين لعلّة ثالثة. وإلَّا فإنّه بلا هذا الربط العلّيّ المعلولي لا تُتصوّر الملازمة بين شيئين. وحينئذٍ، فهنا نقارن بين إخبار مئة شخص وبين موت زيد بحسب الخارج؛ لنرى أنَّ الملازمة هل هي ثابتة بحسب الخارج بين إخبارهم وموته أو لا.
ــــــــــ[210]ــــــــــ
() ثُمَّ استمر في شرح الملازمات… (المقرر ).
(2) وهنا يضرب مثالاً لذلك من التواتر الذي ادّعى كونه مثالاً للملازمة العقلية. ثم قال:… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هذه الملازمة لا يُتصوّر ثبوتها في المقام، إلَّا أن يكون إخبار مئة شخص علّة لموت زيد أو معلولاً لموت زيد، أو ما هو بحكم المعلول كأن يكونا معلولين لعلّة ثالثة.
[الأوّل: أن يكون الإخبار علّة]
إمّا أن يكون إخبار مئة شخص علّة بالنسبة إلى موت زيد، فهذا مفروض العدم في المقام؛ لأنَّ الإخبار شأنه الحكاية والكشف عن الواقع إلَّا إيجاد ذلك الواقع بحسب الخارج.
[الثاني: أن يكون الإخبار معلولاً]
فيبقى أن يكون إخبار مئة شخص معلولاً لموت زيد. وحينئذٍ نسأل: أنّه ما هو المعلول؟ هل المعلول هو جميع هذه الأخبار المئة؟ أو المعلول هو اجتماعها على ما أوضح أو المعلول هو واحد منها؟
فإن قيل: إنَّ المعلول هو جميع هذه الأخبار المئة، يعني: أنَّ كلّ واحد من هؤلاء المئة إنمّا أخبرَنا عن موت زيد؛ لأنّ زيداً مات. وموت زيد هو الّذي كان داعياً له؛ لأنَّ يخبرنا عن موت زيد. فهذا ممّا لا نعلمه أصلاً؛ لأنّنا نحتمل أن بعض هؤلاء المئة قد أخبرونا بذلك دون علم، وبقصد الكذب والتضليل. وهذا ممكن في بعض أفراد التواتر، وإن لم يكن محتملاً في الكلّ. إذن، فلا يمكن أن يقال في المقام: أنَّ جميع هذه الإخبارات المئة معلولة لموت زيد؛ لأنَّ بعض
ــــــــــ[211]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هؤلاء أخبروا بقصد التمويه والتضليل لا بقصد الواقع. ومع وجود هذا الاحتمال في كلّ تواتر كيف نستطيع أن نقول: إنَّ هذه الإخبارات المئة كلّها معلولة لموت زيد.
وإمّا أن يكون عنوان الاجتماع معلولاً لموت زيد. ذوات الإخبارات ليست معلولة لموت زيد، لكن اجتماع هؤلاء المخبرين على الخبر، عنوان الاجتماع، معلول لموت زيد، لا ذوات الأخبار.
هذا أيضاً غير معقول؛ وذلك لأنَّ عنوان الاجتماع، عنوان انتزاعي من ذوات الإخبارات الخارجيّة، ولا يتصوّر له علّة وراء نفس الإخبارات الخارجيّة بعللها وأسبابها. فلا يمكن أن نقول: إنَّ عنوان الاجتماع له علّة زائداً على ما هو علّة لذوات هذه الإخبارات. فإنّه عنوان انتزاعي يُنتزَع قهراً فيما إذا وجدت هذه الإخبارات بعللها وأسبابها. إذن، هذا الاحتمال أيضاً بطل.
[الثالث: أن يكون الأخبار معلولاً بعلّتين]
بقي الاحتمال الثالث: وهو أن يكون موت زيد علّة في بعض هذه الإخبارات. بعض هذه الإخبارات معلول لموت زيد وناشئ من داعي الواقع. أي واحد منها؟
طبعاً لا يمكن أن يقال: بأنَّ المعلول هو البعض غير المعيّن؛ لأنَّ الفرد غير المعيّن والفرد المردّد لا وجود له بحسب الخارج. فإنّ كلّ معلول فهو معيّن في عالم الثبوت، ويستحيل فيه التردّد؛ لأنّ التردّد الثبوتي أمر محال. إذن، فهو أي واحد من هؤلاء المئة؟
ــــــــــ[212]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أيّ واحد من هؤلاء المئة الّذين أخبروا بموت زيد، لو نظرنا إليه وأمسكناه بيدنا، لقلنا: إنّه يُحتمَل صدقه ويُحتمَل كذبه.
يحتمل أنَّ هذا الشخص قد أخبرنا بهذا الإخبار بداعي الواقع، ومن جهة اطّلاعه على موت زيد حقيقة، ويُحتمَل أن يكون قد أخبرنا بهذا الإخبار من جهة تهاوننا بالأخبار، أو أنَّ له غرضاً في التمويه والتضليل علينا.
كلّ واحد، لو أمسكناه نحتمل فيه هذا الاحتمال، فنحن لا نعلم بكون واحد معيّن من هذه الأمور معلولاً.
فإلى هنا يصفو عندنا، أنَّ هذه الإخبارات المئة لا يمكن أن نقول: إنَّ موت زيد علّة لتمامها، ولا أنّه علة لعنوان اجتماعها ولا لبعض معيّن منها.
إذن، ففي المقام يحصل لنا من هذه التصفية البرهان على أنّه لا علم لنا بالملازمة بين هذا الإجماع، أو التواتر على الإخبار عن موت زيد، وموت زيد بحسب الخارج.
وإنّما يحصل لنا العلم بموت زيد، من ناحية هذا الإجماع، بمقتضى حساب الاحتمالات. لا من باب أنَّ هناك ملازمة بين موت زيد وبين نفس هذا الإجماع بأحد هذه المعاني الثلاثة؛ لأنَّ أيّ واحد من هذه المعاني الثلاثة، قلنا: إنّنا لا نعلم به ولا نتصوّر في المقام معنى رابعاً.
وإنّما يحصل لنا العلم بموت زيد في المقام من ناحية حساب الاحتمالات. وذلك؛ لأنَّ هذا الشخص الأوّل الّذي أخبرنا بموت زيد نحتمل صدقه ونحتمل كذبه فهو 50% صادق و50% كاذب. وحينما أخبرَنا الثاني، حينئذٍ احتمال كذبهما معاً يصير أضعف من احتمال كذب الأوّل وحده وهو امتناع؛
ــــــــــ[213]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
لأنَّ الصوّر أربعة. فإذا أخبر الثالث تصير الصور ثمانية، ويصير احتمال كذب الثلاثة جميعاً واحد من ثمانية. وهكذا يبقى يضعف احتمال الكذب في المقام، بمقتضى قوانين حساب الاحتمالات، حتّى يصل إلى درجة من الضعف، بحيث يزول بمقتضى قوانين معيّنة في حساب الاحتمالات.
فحينئذٍ هنا، أنّنا إنما نقطع بموت زيد؛ لأنَّ احتمال الكذب ضعف عندنا وبقي يضعف بالتدريج إلى أن زال. إلَّا لأجل ملازمة عقليّة بين موت زيد وبين هذا التواتر.
[نقل المثال من التواتر الى الإجماع]
نفس هذا الكلام الّذي قلناه في باب التواتر نقوله في باب الإجماع، فإذا ادّعى شخص أنَّ هناك ملازمة عقليّة بأيّ معنى منها، بين رأي الإمام وبين إجماع أهل النظر.
نقول في هذه الملازمة، إمّا أن يكون الإجماع علّة لرأي الإمام، أو معلولاً له. أمّا أن يكون علّة له، فهو خلف المفروض. وأمّا أن يكون معلولاً له فهذا له أحد المعاني الثلاثة، فإمّا أن يكون المعلول هو جميع فتوى أهل النظر -وأنّه مستند إلى رأي الإمام- لا نقطع بهذا؛ لأنّه لا مانع عندنا من خطأ بعض أهل النظر فهذا الاحتمال الأوّل ساقط.
وإمّا أن تقطعوا بأنَّ عنوان الاجتماع معلولاً للإمام، هذا أيضاً باطل؛ لأنَّ عنوان الاجتماع ليس له علّة زائدة على علل ذوات هذه الفتاوى. أو هل تقطعون بأنَّ فتوى معيّنة من هذه الفتوى معلولة إلى رأي الإمام؟ أيضاً لا نقطع
ــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بذلك؛ لأنَّ أيّ فقيه أمسكناه نحتمل -لو خُلِّي ونفسه- خطأه ونحتمل استناده إلى رأيّ الإمام.
إذن، ففي المقام لا قطع لنا بالملازمة بين الإجماع وبين رأي الإمام، بأي واحد من هذه المعاني الثلاثة، وإنّما هو من باب حساب الاحتمالات لو تمّ.
وهذا المطلب يجري في كلّ مورد لا يكون هناك عليّة ومعلوليّة بين المجموع وبين شيء آخر. فهنا إنّما يحصل العلم بذلك الشيء الآخر من باب حساب الاحتمالات.
ومن هنا يظهر أنّنا لابدّ لنا أن نغير في المقام منهج البحث، فلا نبحث في أنّه هل هناك ملازمة عقليّة بين الإجماع ورأي المعصوم، أم اتفاقيّة أو عاديّة، فإنّه لا ملازمة في التواتر فضلاً عن الإجماع. الملازمة غير متصوّرة في هذه المقامات؛ لأنَّ العلم في أمثال هذا المقام إنّما يقوم على أساس حساب الاحتمالات، ومعنى حساب الاحتمالات: يعني أنَّ احتمال الكذب يبقى موجود إلَّا أنّه يضعف ويضعف إلى أن يفنى من نفسه وبلا برهان وبلا استحالة، يعني: بلا حكم من العقل بالاستحالة وبامتناع الانفكاك.
إذن، فيجب أن نعنون البحث هكذا: هل كما أنّه في باب التواتر بمقتضى حساب الاحتمالات يضعف احتمال الكذب بالتدريج حتّى يزول في النهاية؟ هل أنّه في باب الإجماع يضعف احتمال الخطأ بالتدريج بضم فقيه إلى فقيه(1).
ــــــــــ[215]ــــــــــ
() وهنا أجاب سيّدنا الأستاذ أحد الإخوان حول سؤال، فقال:
كلامنا الآن أنَّ القطع ما هو منشؤه؟ تقول: بأنَّ القطع ينشأ في بعض الأحيان من ناحية الملازمة الواقعية بين الشيئين. فإذا اطّلع إنسان على وجود اللازم، يطّلع على وجود ملازمه أيضاً، إمّا بنحو البرهان الإنّي أو بنحو البرهان اللمي، إمّا بنحو الانتقال من العلّة إلى المعلول، أو من المعلول إلى العلّة. الآغايون في باب الإجماع كأنّهم أرادوا أن يدّعوا أنَّ القطع الحاصل لنا برأي المعصوم من ناحية الإجماع من هذا القبيل. يعني قطع قائم على أساس برهان إني، وهو الانتقال من المعلول إلى العلّة؛ لأنَّ هذا الإجماع معلول لرأي المعصوم.
ونحن نقول: بأنَّ هذا القطع ليس مستنداً إلى الملازمة بين نفس الإجماع ورأي المعصوم، وإنّما هو مستند إلى ضعف الاحتمال بالتدريج، حتّى يبلغ درجة يزول من نفسه بلا مبرر منطقي. فإذا زال حصل القطع بعد هذا. ثم قال: القطع الحاصل من الإجماع… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
القطع الحاصل من الإجماع برأي المعصوم لا يقوم على أساس ملازمة عقليّة بين الإجماع وبين رأي المعصوم. ليس حاله حال القطع الناشئ من استكشاف الملاك مثلاً، المصلحة والمفسدة.
لو أنَّ فقيهاً أدرك المصلحة، وعدم وجود مانع عن تأثير هذه المصلحة بنحو كامل. أدرك أنَّ هناك ملاكاً لزوميّاً في إنجاد المؤمن من الغرق. فحينئذٍ يدرك هنا لا محالة رأي المعصوم، وأنَّ المعصوم يوجب إنجاد هذا المؤمن.
إدراك رأي المعصوم هنا، قائم على أساس الملازمة العقليّة بين رأيه وبين الملاك. رأي المعصوم معلول للملاك، وهذا الفقيه أدرك الملاك، فبنحو البرهان اللّمي استنتج رأي المعصوم.
مقامنا ليس من هذا القبيل، فإنّه في المقام ليس هناك برهاناً لميّاً ولا إنّياً، لا في باب التواتر ولا في باب الإجماع، وإنّما يحصل القطع، لو حصل من باب
ــــــــــ[217]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
تضعّف الاحتمال وتنزّل درجته إلى أن يصل إلى درجة من الضعف، بحيث إنَّ العقل البشري يضيق عن حمله فيفرّ من يده. فإذا فرّ هذا الاحتمال الضعيف من يده، يحصل له القطع حينئذٍ.
فالبحث يجب أن يقع هكذا: أنّه كيف يحصل لنا القطع في باب التواتر؟ وأنَّ القطع الّذي يحصل في باب التواتر هل يحصل لنا مثله في باب الإجماع، أو لا يحصل. وهل هناك فرق بين البابين في قواعد حساب الاحتمالات أو لا؟
نكات في الفرق بين الإجماع والتواتر
أوضحنا أنَّ كلّ مجموعة من أشياء، إذا كان واحد منها يحتمل إلزامه ولزومه عن شيء آخر، ويحتمل عدم نشوئه عن ذلك الشيء الآخر، فبضمّ محتمل إلى محتمل، يزيد احتمال ذلك الشيء الآخر، ويضعف احتمال عدمه، ويبقى احتمال العدم يضعف، حتّى يصل إلى درجة من الضعف يزول عندها. وهذه هي القاعدة الّتي على أساسها يحصل العلم في باب التواتر(1).
قلنا: إنَّه يجب أن يُبحَث في الإجماع أيضاً على هذا النحو، فيقال: هل إنّه في باب الإجماع تجري نفس حسابات الاحتمال التي تجري في باب التواتر-وكما يحصل من مئة شخص في باب التواتر العلمُ بموت زيد. كذلك يحصل العلم برأي الإمام من فتوى مئة فقيه بضمّ محتمل إلى محتمل، وتضعيف احتمال الخطأ حتّى يزول- أو لا؟
ــــــــــ[217]ــــــــــ
() وهنا يضرب مثالاً للتواتر لا حاجة إلى ذكره؛ لوضوح الفكرة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
والتحقيق: أنَّ هناك فرقاً بين المقامين، بحيث إنَّ قوانين حساب الاحتمالات لا تجري في كلا البابين على نهج واحد، بل حصول العلم في باب الإجماع في غاية البطء، أبطأ بكثير من حصوله في باب التواتر.
والوجه في ذلك، نكات عديدة موجودة في باب الإجماع، تمنع وتعيّق عن سرعة حصول العلم: يعني تؤثر في حساب الاحتمالات، وتجعل نَفَسَ الاحتمال طويلاً، وتجعل الاحتمال قليلاً فقليلاً يضعف، وقد يصل إلى درجة بعدها لا يضعف أصلاً.
فمن هنا لا يكون اقتضاء حساب الاحتمالات في باب الإجماع مساوياً لاقتضائها في باب التواتر؛ باعتبار تلك النُكات المؤثّرة في حساب الاحتمالات، أو المعيقة عن سرعة حصول العلم.
وهذه النُكات الموجودة في باب الإجماع، إمّا غير موجودة في باب التواتر أصلاً، أو إذا كانت موجودة فهي بنحو أقل، وبنحو لا يكون لها مثل هذه القوة والحيلولة القويّة عن حصول العلم.
والمهم من هذه النُكات؛ خمسة:
النُكتة الأولى: [احتمال الخطأ في غير الحسيات أكثر منه في الحسيات]
النُكتة الأولى الّتي تؤثّر على حساب الاحتمالات في باب الإجماع هي: أنَّ أصل الاحتمال الّذي تبدأ منه عملية الضرب، ويراد تضعيفه بالضرب نفس هذا الاحتمال، هو في باب الإجماع أقوى منه في باب التواتر.
توضيح ذلك: أنّه في باب التواتر حينما يأتي شخص ثقة، ويخبر عن أنّه رأى
ــــــــــ[218]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
زيداً في النجف. هنا يوجد احتمال أنَّ هذا الثقة قد أخطأ، وأنّه رأى غير زيدٍ فتخيّله زيداً. فهنا إنما لا يحصل لنا العلم من ناحية احتمال الخطأ في تشخيص المخبر.
احتمال الخطأ هنا، ليس رقمه واحد من إثنين أو خمسين من مئة؛ فإنَّ احتمال الخطأ بنفسه موهون؛ احتمال أن يكون هذا الثقة قد اشتبه في تمييز صديقه الّذي يعرفه، هذا الاحتمال بنفسه احتمال موهون، ورقمه في درجة اليقين عشرة بالمئة أو خمسة بالمئة.
إذا سألتم لماذا احتمال عدم الخطأ أقوى من احتمال الخطأ؟
أيضاً نجيب ونقول: إنّه بمقتضى حساب الاحتمالات؛ لأنَّ أسباب الخطأ نادرة في باب الحسيّات. فيكون خطأ المخبر الأوّل ضعيفاً 10%، أي عُشْر احتمال الخطأ وتسعة أعشار احتمالا الإصابة مثلاً. إذن، فاحتمال الخطأ من الأوّل من رأس الخيط عندنا ضعيف جداً.
فلا يجيء الثقة الآخر ويخبر عن انه رأى زيداً في النجف، هنا احتمال الخطأ في الثاني أيضاً عشرة بالمئة كما كان في الأول عشرة بالمئة أيضاً. فنضرب العشر بالعشر. والنتيجة هو أن يصبح الاحتمال واحد من مئة، أي عشر العشر.
ولو جاء شخص ثالث فأخبرنا نضرب هذه النتيجة بالعشر، وينقص الاحتمال بالتدريج حتى يبلغ احتمال الخطأ إلى 1 من مليون -مثلاً- فيزول من عالم النفس؛ لضعفه وتفاهته وقلّة رقمه، هذا في باب التواتر.
وأمّا في باب الإجماع. نأتي إلى الفقيه الأوّل، الذي هو الشيخ الكليني
ــــــــــ[219]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
-مثلاً- الذي أفتى بوجوب السورة -مثلاً- احتمال الخطأ في الشيخ الكليني ليس هو عشرة بالمئة، بل هو خمسين بالمئة أو أكثر؛ وذلك لأنَّ احتمال الخطأ في المسائل الاجتهاديّة والحدسيّة الّتي تحتاج إلى إعمال النظر وتهيئة مقدمات كثيرة، احتمال الخطأ فيها أقوى من احتماله في الحصيات. يعني: الذهول عن أمر غير محسوس، أقرب من الذهول عن أمر محسوس أو كالمحسوس.
إذن، فمن أوّل الأمر نسّعر احتمال خطأ الكليني بمقدار 50% لا عشرة بالمئة. فإذا أضفنا الشيخ المفيد إلى الكليني، فنضرب50× 50يعني نضرب نصف في نصف فيصير ربع. حينئذٍ، ضرب عُشر في عُشر يولد 1 بالمئة وضرب نصف في نصف يولد ربع. فالضعف يصير أقل هنا؛ لأنَّ المادة الأوليّة الّتي نريد أن نضعّفها بالتدريج، هي ليست ضعيفة.
فبهذا الاعتبار يكون حصول العلم من الإجماع، أبطأ بكثير من حصوله من التواتر؛ لأنَّ الاحتمال الّذي نريد أن نضعّفه بالتدريج، بمقتضى حساب الاحتمال في باب التواتر هو من أوّل الأمر ضعيف. وأمّا في باب الإجماع فهو من أوّل الأمر ليس ضعيفاً. فلا محالة يصير ضعفه في باب الإجماع أبطأ من ضعفه في باب التواتر.
وحاصل النُكتة الأولى: إنَّ احتمال خطأ الفقيه الأوّل هو أكبر من احتمال خطأ الثقة الأوّل، الّذي أخبر عن رؤية زيد. لماذا أقوى؟؛ لأنَّ احتمال الذهول في الإنسان عن اللامحسوس أقوى من احتمال الذهول عن المحسوس، أو ما بحكمه. لماذا؟ أيضاً؛ لأجل حساب الاحتمالات؛ لأنَّ أسباب الذهول عن
ــــــــــ[220]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
المحسوس أقل من أسباب الذهول عن غير المحسوس(1).
النكتة الثانية: [مركز الخطأ في الحسيات واحد وفي الاجتهاديات متعدد]
هي أن الخطأ المحتمل في باب الحسيّات له غالباً مركز واحد يحتمل الخطأ فيه، وأمّا في باب الإجتهاديّات، فمراكز الخطأ المحتمل متعدّدة.
توضيح ذلك: أنّه في باب الحسيّات، إذا رأى الثقة الأوّل شبحاً فاعتقد أنّه زيد، فأخبر أنَّ زيد في النجف، وكذلك الثاني إلى أن أخبر بهذا أربعة. هؤلاء إذا فرض أنّهم كانوا مخطئين فخطئهم في دائرة واحدة وهي: دائرة هذه الصورة المنتزعة عن هذا الشبح المحسوس بحسب الخارج. فمركز الخطأ واحد كلّهم أشبهوا في أمر واحد، لو فُرِض أنهم مشتبهون. لا أنَّ كلّ واحد اشتبه في أمر غير الأمر الّذي اشتبه فيه الآخر.
ومن المعلوم إنَّ اشتباه أربعة في جهة واحدة بعيداً جداً أنَّ الثاني اشتبه في نفس المركز الّذي اشتبه به الأوّل، والاثنين الآخران اشتبها فيه أيضاً هذا بعيد جداً.
كما لو كان هناك نقطة في الخارج، تقولون لشخص اذهب وانظر أنّها حمراء أو خضراء فيأتي ويخبركم أنها حمراء، وكذلك يخبر الثاني والثالث عن أنّها حمراء. هنا احتمال اشتباههم جميعاً بعيداً جداً؛ لأنَّ مركز الخطأ واحد.
ــــــــــ[221]ــــــــــ
() فمن أوّل الأمر يفترق أحد البيانين عن الآخر. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بخلاف ما إذا كلفتم كلّ واحد من هؤلاء، بأنَّ ينظر إلى بقعة غير البقعة الّتي ينظر إليها الآخر. قلتم لهذا انظر إلى البقعة الشماليّة، وذاك إلى البقعة الجنوبيّة وهذا إلى البقعة الغربيّة. فكلّ واحد منهم قال بأنَّ البقعة الّتي رأيتها حمراء.
هنا احتمال اشتباههم أقوى من احتمال اشتباههم فيما إذا كانت البقعة واحدة. هذا معناه: أنَّ وحدة مركز الخطأ يوجب كون احتمال الخطأ أضعف(1). وفي باب الحسيّات، المركز يكون واحداً.
وأمّا في باب الاجتهادات، فالمركز يكون متعدّداً؛ وذلك بأن نفرض أنَّ الشيخ الكليني، والشيخ المفيد، والشيخ الصدوق كلّهم أفتوا بفتيا واحدة هي: وجوب السورة مثلاً.
إلاَّ أنَّ وجوب السورة يستبطن ويتضمن أموراً كثيرة بحسب الحقيقة، فإنَّ وجوب السورة ليس أمراً كالبقعة اللونيّة يراها الفقيه بعينيه ثُمَّ يخبر عن ذلك، وإنّما وجوب السورة أمر يحتاج إلى تهيئة كثير من المقدّمات. فلعلّ كلّ فقيه من هؤلاء اشتبه في مقدّمة غير المقدّمة الّتي اشتبه فيها الفقيه الآخر. فلم يكن مركز الاشتباه واحداً.
لعلّ الفقيه الأوّل اشتبه في فهم الرواية، حيث لم يكن فيها دلالة على
ــــــــــ[222]ــــــــــ
() هذا المثال الوجداني يعطى أنّه بمقتضى حساب الاحتمالات، كلّما كان مركز الخطأ واحد، يكون احتمال اجتماع الأخطاء فيه أضعف وأوهن. (من محاضرة غد). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الوجوب، وقد فهم منها الوجوب، والفقيه الثاني اشتبه في حجّيّة سند الرواية؛ لأنّه كان يرى أنَّ الخبر الحسن حجّة، فعمل به.
فمركز اشتباه الأوّل غير مركز اشتباه الثاني. فهنا عندنا روايتان: الرواية الأولى سندها موثّق، لكن ظهورها غير ثابت في الوجوب. والرواية الثانية ظهورها ثابت في الوجوب، لكن سندها غير موثّقّ بل هو حسن. الفقيه الأوّل اعتمد على الرواية الأولى والثاني على الثانية، فمركز الاشتباه أصبح متعدّداً.
والفقيه الثالث تخيّل أن الأصلّ العملي يقتضي وجوب السورة -مثلاً- لأجل أنّ إجراء أصالة الاشتغال في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين. فهذا مركز ثالث. وهكذا.
وكلّما تتعقد المسألة الاجتهاديّة، وكلّما تبتعد عن الأصول الأولى المعنونّة في الروايّات، وكلّما تكون المسألة الاجتهاديّة متوقّفة على تفريعات كثيرة ومبانٍ كثيرة؛ تكون فيها هذه النُكتة أوضح: وهو تعدّد مركز الاشتباه.
فبهذا ظهر أنَّ مركز الاشتباه في باب الحسيّات واحد: وهو في باب الحدسيّات من المحتمل أن يكون متعدّداً.
حينئذٍ، يكون الفرق بين باب الحسيّات والحدسيّات كالفرق في ذاك المثال السابق. حيث أخبر ثلاثة من الثقات عن حمرة بقعة معيّنة، فهنا احتمال الاشتباه ضعيف جداً. ومرة أخرى يخبر كلّ واحد عن حمرة بقعة أخرى غير الأخرى، هنا مركز الاشتباه متعدّد؛ ومن هنا يكون احتمال الخطأ هنا أقوى من احتمال الخطأ في الأوّل.
فهذه نُكتة أيضاً في مقام الفرق بين الإجماع وبين باب التواتر.
ــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
النكتة الثالثة: [في الاجتهاديات خطأ الأول مؤثر في اشتباه الثاني]
هي أنّه في باب الحسيّات بحسب الغالب والعادة، كلّما يخبر شخص عن رؤية زيد يتقوى عندنا احتمال رؤيته(1)؛ لأنَّ احتمال أن يكون هذا قد أخطأ وسَلَفُه قد أخطأ احتمال بعيد جداً.
وأمّا في باب الإجماع، فهناك نُكتة وهي: أنّه قد يكون قول الأوّل، ولو كان عن خطأ مؤثّراً في اشتباه الثاني؛ لأجل حسن ظن الثاني بالأوّل، أو لأجل تماميّة الإجماع في نظره.
الشيخ المفيد لمّا جاء رأى بأنَّ الإجماع قد انعقد؛ لأنَّ الشيخ الكليني ومعاصره قد أفتوا بهذه الفتيا، وهو في رأيه أنَّ الإجماع ينعقد باتفاق هذه الجماعة فأفتى.
في مثل هذا لا يتولّد من إضافة فتوى الشيخ المفيد، ضعف جديد في احتمال الخطأ؛ لأنَّ الشيخ المفيد من المحتمل أن يكون قد اعتمد على السابقين فيكون مدركه أخطاء السابقين.
وهذا لا يتفق غالباً وعادة، في باب الحسيّات. فإنّه لا يُحتمل أن يكون المخِبر الثالث عن وجود زيد أخبرنا بذلك؛ لأجل أنّه سمع أنّ الأوّل والثاني أخبروا به، وإن لم يكن قد رآه. هذا غير محتمل في الثقات، لكنه في المسائل
ــــــــــ[224]ــــــــــ
() في باب التواتر لا يحتمل أن يكون دعوى الأوّل للإحساس برؤية زيد، في أن يتخيّل الثاني أنّه أحسّ برؤية زيد أيضاً. يعني: لا يمكن أن يكون خطأ الأوّل في الإحساس سبب لخطأ الثاني في الإحساس أيضاً. (من محاضرة غد)، بخلاف الإجماع فإنّه يحتمل أن يكون الحدسّ الأوّل منشأ للحدس الثاني. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الاجتهاديّة أمر محتمل، أن يكون الشيخ المفيد مع أنه مقطوع الوثاقة عندنا مع هذا، إنّما أفتى بهذه الفتوى لا لأنّه أعمل نظره من جديد في المسألة، بل لأنّه رأى أنّ الإجماع تمّ؛ فلحسن ظنه وثقته بسلفه أفتى طبقاً لفتواهم.
إذن فإضافة فتوى الشيخ المفيد إليهم وإضافة فتوى كلّ من تأخّر عنه، لا يوجب مزيداً من الضعف في احتمال الخطأ.
هذه هي النكتة الثالثة للفرق بين الإجماع، وباب التواتر.
[النُكتة الرابعة(1): المقتضي لعدم الخطأ محرز في التواتر دون الإجماع]
النُكتة الرابعة، أيضاً نبني لها مقدّمة من مثال وجداني:
لو فُرِض أنّه كان يوجد عندكم ثلاثة أشخاص أصحّاء البدن فيهم مقتضى الحياة. كلّ واحد من هؤلاء يحتمل أن يموت باعتبار احتمال وقوع حائط
عليه، أو اصطدام سيّارة به. إلَّا أنَّ احتمال أن يموت الثلاثة جميعاً، احتمال ضعيف جداً. وهكذا كلّما زاد عددهم يصير هذا الاحتمال أقلّ حتّى يبلغ إلى درجة بحيث يزول الاحتمال. وإن كان موت كلّ واحد منهم أمراً محتملاً.
فاحتمال أنَّ الثلاثة جميعاً ماتوا بعيد جداً؛ لأنَّ معناه أنَّ كلّ واحد اصطدمت به السيّارة فمات، واجتماع هذه الأحداث الثلاثة بعيد؛ لأنّه واحد من ثمانية(2) بمقتضى حساب الاحتمالات. على ما بينّا في ذلك اليوم.
ــــــــــ[225]ــــــــــ
() أعاد سيّدنا الأستاذ تمامّ النُكات الثلاث الّتي تؤثر في بطء اليقين في الإجماع عن باب التواتر ولم يكن هناك زيادة مهمّة، إلَّا ما نثبته على محاضرة أمس نفسها. (المُقرِّر).
(2) بقطع النظر عن بعض التضعيفات الزائدة (منه). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هذا فيما إذا كان الاحتمال، في صوره إحراز وجود المقتضي للحياة في هؤلاء الثلاثة، واحتملنا موتهم باعتبار وجود المانع.
وأمّا إذا لم نحرز وجود المقتضي أصلاً للحياة، كما لو كان كلّ هؤلاء الثلاثة مسلولين، ولا ندري هل لهم من الصحّة ما يحفظ حياتهم من اليوم إلى بكرة أو لا. هنا يكون احتمال موتهم جميعاً يكون أقوى بكثير من احتمال موت أولئك الثلاثة؛ لأنَّ المقتضى هنا غير محرز وهناك محرز.
من هذا المثال الوجداني، نعرف إنَّ إجراء حساب الاحتمالات في مورد إحراز المقتضيّ. حينئذٍ، احتمال أنَّ هذه المقتضيات المحرزة لم تؤثّر؛ لأجل وجود المانع في تمام هذه الأفراد، هذا الاحتمال أضعف بكثير من احتمال موت الثلاثة في حالة عدم إحراز المقتضي.
هذا بنفسه يأتي في محل الكلام. فإنّه في باب الحسيّات كلّ إنسان -عادة -سالم الحواس فيه مقتضٍ لأنَّ لا يخطأ، يعني مقتضى العصمة موجود فيه؛ لأنَّ جهاز حواسه وما هو ملحق به من إدراكاته العقليّة الأوليّة هذا تامٌ. فالمقتضي للعصمة من الخطأ موجود فيه، في الإنسان الاعتيادي.
وإنّما يخطأ، من ناحية وجود المانع؛ لأنّه كان جائعاً، أو مبتلي بالصداع الشديد، أو كان يفكّر في بحثه فلم يُشخّص تماماً هذا الشخص الذي رآه.
فالمقتضى للعصمة موجود في باب الحسيّات، وإنّما الشكّ في وجود المانع. عيناً من قبيل الصورة الأولى، حيث كان المقتضي للحياة موجود والشكّ من ناحية وجود المانع وهو اصطدام السيّارة. فيصير احتمال الخطأ هنا، من قبيل
ــــــــــ[226]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
احتمال موت أولئك الأصحّاء الثلاثة. وهذا الاحتمال يكون موهوناً؛ لأنّه مع إحراز المقتضي.
وأما في باب الإجماع النظري، فإن أصل المقتضى للعصمة من الخطأ غير محرز في المقام؛ لأنّنا نحتمل بأن تكون النُكتة الّتي فاتت هؤلاء الفقهاء نُكتة دقيقة لم يخلق الله في عقول هؤلاء ملكة للالتفات إليها. أنَّ ملكاتهم العلميّة كانت أضعف من الالتفات إلى هذه النُكتة.
فالشكّ في باب الإجماع شكٌّ في أصل وجود المقتضي للعصمة من الخطأ. لا شكّ في وجود المانع. فالفرق بين المقامين يكون كالفرق بين مسألة الثلاثة الأصحاء والثلاثة المسلولين.
فإنه هنا احتمال خطأ الثلاثة المخبرين عن حسّ، موهون جداً؛ لأنَّ مقتضى العصمة محرز في كلّ واحد منهم. لكن احتمال الخطأ في المجمعين عن اجتهاد، هذا الاحتمال ليس بتلك الدرجة من الضعف؛ لأنَّ مقتضى العصمة لم يحرز وجوده فيهم.
[النُكتة الخامسة: احتمال استناد المجمعين على نكتة مشتركة]
أيضاً نستعين بمثال على توضيحها فنقول:
لو فرضنا أنَّ ثلاثة أشخاص أخبرونا عن رؤية زيد، وهو يلبس الرداء الأحمر. واحتملنا أنَّ يكون هناك منشأ واحد لاشتباههم جميعاً. وذلك المنشأ الواحد هو: أنّهم اعتادوا أن يروا زيداً في الثوب الأحمر. وحيث إنّهم رأوا هذا الشبح يلبس الثوب الأحمر، فتخّيلوا أنّه زيد. إذا احتملنا أنَّ اشتباه الثلاثة كان
ــــــــــ[227]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بنكتة واحدة. حينئذٍ، يصير احتمال الاشتباه هنا قوياًّ؛ لأنَّ هذه النُكتة الواحدة هي تكون منشأ لاشتباه الثلاثة بتمامهم.
بخلاف ما إذا فرضنا أنَّ الثلاثة كان خطأ كلّ واحد منهم على تقدير خطئه بنُكتة وبسبب غير سبب آخر، كما لو فُرِض أنَّ هؤلاء الثلاثة على تقدير خطئهم فإنّما أخطئوا؛ لأنَّ الأوّل كان فيه صداع؛ ولأنَّ الثاني رأى عليه الثوب الأحمر؛ ولأنَّ الثالث كان جوعاناً-مثلا-.
احتمال الخطأ هناك، فيما إذا فُرِض وجود النُكتة الواحدة المشتركة يكون اقوى لا محالة.
هذا أيضاً مثال وجداني، نستخلص منه قاعدة عامّة في حساب الاحتمالات وهي: إنَّ المحتملات إذا كان يحتمل وقوعها كلّها بنكتة واحدة. إذن، فضمّ بعضها إلى بعض ليس ضعيفاً، ولا يوجب ضعف الاحتمال؛ لأنَّ النُكتة الواحدة محتملة على أيّ حال. وإذا كان وقوع كلّ منها بنُكتة غير النُكتة الّتي يقع فيها الآخر، حينئذٍ ضمّ واحد إلى واحد يوجب ضعف الاحتمال.
نأتي إلى محلّ الكلام فنقول: بأنَّ خطأ هؤلاء الفقهاء نحتمل أنّه مستند إلى نُكتة واحدة، ومع احتمال استناد تمام هذه الأخطاء إلى نُكتة واحدة. حينئذٍ، لا يضعف هذا الاحتمال بضم بعض إلى بعض. فيصير احتمال اجتماعهم على الخطأ بنكتة واحدة، كاحتمال خطأ الثلاثة في تشخيص زيد بنُكتة واحدة. يصير احتمالاً معتدّاً به.
وهذه النُكتة الواحدة: هي سير التطوّر العلميّ والفكر العلمي.
ــــــــــ[228]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فإنَّ من المُشَاهد وجداناً لكلّ من درس علميّ الفقه والأصول، إنّهما في تكامل مستمر وينتقل علم الأصول من مرحلة إلى مرحلة أدقّ، ثُمَّ مرحلة أدقّ؛ باعتبار ما يستجدّ من الأفكار والتنبّهات والتفريعات.
فبعد الالتفات إلى هذه الناحية. والالتفات إلى أنَّ كلّ مرحلة من مراحل الدقّة في علم الأصول، هي إنمّا وصل إليها العلم بعد أن طوى تمام المراحل الأخرى.
لم يكن من الممكن بحسب ناموس الأشياء خارجاً أن يكتب الشيخ الطوسي بدلاً عن كتاب العدّة كتاباً في الأصول، في دقّة تقريرات المرزا، لكن كتاب العدّة كان مُمهِّداً لتقريرات المرزا؛ لأنّه كان يمثّل مرحلة من مراحل الفكر الأصولي، وبقي الفكر الأصولي ينمو ويتكامل بالتدريج، حتّى وصلت النوبة إلى تقريرات المرزا.
بعد الالتفات إلى هذا المطلب الذي هو حقيقة تاريخيّة في سائر العلوم البشريّة، ومنها علم الفقه والأصول. حينئذٍ، يقال:
بأنّه لو فُرِض بانَّ الفقهاء يومئذٍ، كانوا أفتوا بعدم صحّة الصلاة، مع وجود إزالة النجاسة في المسجد ووجوب إزالتها، واجمعوا على هذا. لعلّ إجماعهم على هذا نشأ من عدم التفاتهم إلى نُكتة إمكان الترتّب، إلى نُكتة أنَّ الأمر بالصلاة يمكن ثبوته على وجه الترتّب.
قد تقول: بأنَّ هذه النُكتة قد يغفل عنها فقيه، أو فقيهان، أو ثلاثة. أمّا أنَّ تمام فقهاء العصر يغفلون عن نُكتة إمكان الترتّب، هذا بعيد. نقول: هذا ليس
ــــــــــ[229]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ببعيد؛ لأنّ احتمال غفلتهم جميعاً إنّما هو بعامل واحد ونُكتة واحدة، وهي نكتة طبيعة التطوّر العلميّ.
فإنَّ نُكتة إمكان الترتّب، بحسب سيرة الحركة العلميّة في الفقه والأصول، إنّما حصلت بعد الالتفات إلى باب التزاحم، أو بعد الالتفات إلى الفرق بين باب التزاحم وباب التعارض.
وإنّما حصل التنبّه إلى باب التزاحم، بعد ممارسة التفريعات والتشقيقات. فقيل: لو دار الأمر بين كذا وكذا ولو دار الأمر بين كذا وكذا. هذه اللولات اتّسعت في علم الفقه، حتّى انجرّت إلى وضع هذه القواعد؛ لأجل أن يجاب بها عن هذا اللو وهذا اللو.
علم الفقه بحسب الحقيقة، كان يتّسع بالتدريج. الشيخ الطوسيفي كتابه المبسوط يقول: بأنَّ العامّة يعيبون علينا نحن الطائفة المحقّة، أنّه لا يوجد عندنا كتاب واحد في التفريع الفقهي. يعني إلى أن ألّف الشيخ الطوسي كتاب المبسوط، لم يكن يوجد في الطائفة، بحسب شهادتهكتاب واحد يتناول التفريعات الفقهيّة. وإنّما تمام الكتب التي كانت موجودة عند الطائفة عبارة عن أحاديث، وأخبار، أو عبارة عن فتاوى على طبق مداليل الأخبار دون تفريع منها: لو وقع كذا يصير كذا ولو وقع كذا يصير كذا. وأوّل كتاب تفريعي في فقه الشيعة هو: كتاب المبسوط الّذي به صار الشيخُ شيخَ الطائفة.
بعد هذا صار هذا التفريع، وبمقدار حاجات هذا التفريع كانت توضع قواعد في علم الأصول؛ لأنَّ علم الأصول كان موازي لعلم الفقه، بمقدار ما
ــــــــــ[230]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
كان الفقهاء في علم الفقه يفرعون. كانوا في علم الأصول يؤسّسون القواعد. وهكذا، حتّى انجرّت المسألة إلى هذه القواعد المفصّلة الّتي انتهت أخيراً إلى باب التزاحم. وباب التزاحم انتهى أخيراً إلى التفكير في باب الترتّب، والتنبّه إلى إمكانه.
سير الحركة العلميّة يقتضي مثل هذا. يقتضي غفلة أولئك عن مثل هذه النُكتة؛ لأنَّ هذه النُكتة تتوقّف على حركة في الفكر، وهذه الحركة تتوقّف على زمان وتاريخ لابدَّ أن يطوى، حتّى يصل الفقهاء إلى مثل هذه المرحلة.
إذن، فالنُكتة في المقام تكون نُكتة عامّة: يعني احتمال غفلتهم بتمامهم إنّما تكون باعتبار نّكتة عامّة لا باعتبار نُكتة خاصّة.
أما في هذه المرحلة الّتي نعيشها من علم الفقه والأصول، احتمال غفلة تمام فقهاء العصر عن شيء في هذا المستوى -مثلاً- عن حكومة أصل على أصل آخر، هذا بعيد جداً؛ لأنَّ مستوى الفقه والأصول بلغ الآن إلى مستوى تشقيق الحاكم والمحكوم وتمييزهما. أمّا في ذاك الوقت فاحتمال الغفلة باعتبار النكتة العامّة يكون موجوداً.
إذن، فاحتمال اجتماعهم على الخطأ يكون أمراً موجوداً في نفسه، ولا يكون ضعيفاً. هذه هي النُكتة الخامسة.
[النُكتة السادسة]
وهنا نكتة سادسة تحتاج إلى مزيد من التعب والتوضيح، والدخول في علم التاريخ: في تاريخ الفقهاء وتحقيق حال الشيعة في عصر الغيبة. وحاصل هذه النُكتة:
ــــــــــ[231]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هي أنّه من هم هؤلاء الفقهاء الذين ندّعي إجماعهم في المقام، كم هو عددهم، ما هو مقدار فضلهم، ما هو مقدار جودة استنباطهم، ما هو مقدار طول باعهم وسعة اطلاعهم؟
إجماعات الشيخ الطوسي ومن بعده كلّها من المحتمل أن تستند إلى إجماعات من فوق ذلك، وهكذا حتّى نصل إلى الشيخ الكليني وطبقته، الّذي هو أوّل عصور النظر والاجتهاد عند الشيعة؛ لأنّه عصر الغيبة الّذي به انتهى عصر الرواةّ وبدأ به عصر النظر والاجتهاد الصرف.
هذا العصر هو أوّل عصور الإجماع بحسب الحقيقة. وأيّ إجماع متأخّر نحتمل استناده إلى الإجماع في هذا العصر. إذن، فبالنتيجة ترجع إلى هذا العصر. إلى هذه الفترة من الزمن الّتي تبدأ بالغيبة الصغرى، وتنتهي بأيام الشيخ الطوسي. هذه الفترة الّتي تستمر حوالي مئة سنة أو أكثر.
كم هم علماء الشيعة في هذه الفترة؟
طبعاً الكميّة لها تأثير في المطلب. فإنّه لو فُرِض أنَّ أهل النظر يومئذٍ كانوا ثمانية أو سبعة. إذن، احتمال اجتماعهم على الخطأ يكون أقوى من احتمال اجتماع سبعين على الخطأ، أو سبعمئة على الخطأ.
نحن حتّى الآن، لم نرث محصولات هذه الفترة إلا كتباً قليلة جداً من قِبَل أشخاص معدودين قليلين جداً.
ثُمَّ هؤلاء ما هو سعة اطلاعهم وحسن نظرهم؟
فإنَّ هذه المطالب لها دخل تامّ في تحصيل حساب الاحتمالات وإجرائه؛
ــــــــــ[232]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
لأنَّ اتفاق العدد الأكبر أبعد عن الخطأ من اتّفاق العدد الأصغر، واتّفاق الفقهاء الأفهم أبعد عن الخطأ من اتّفاق الفقهاء الأقل فهماً، واتّفاق الفقهاء الأكثر دقّة أبعد عن الخطأ من اتّفاق الفقهاء الأقل دقّة وهكذا.
هذا المطلب أُهمِل في التاريخ، ولم يُحقَّق حتّى الآن. أُهمِل علم التاريخ كما أُهمِل سائر العلوم الأخرى: علم الرجال، علم اللغة، جميع العلوم عدا علم الأصول، ألغي بالتدريج.
فبحسب الحقيقة ينبغي التعب؛ لأجل أن نكّون فكرة عن حال الشيعة في ذلك الزمان، ومقدار ما عندهم من علماء، ومقدار ما عند هؤلاء العلماء من خبرة؛ لأجل أن يكون ذلك دخيلاً أيضاً في إجراء حساب الاحتمالات.
هذا تمام ما ينبغي أن يقال، في النُكات الّتي تكون دخيلة في بطء حصول اليقين في باب الإجماع، وتكون معيقة عن إجراء حساب الاحتمالات، بالنحو المؤدّي إلى القطع على الطريقة الّتي يؤدّي إليها في باب الحسيّات.
إذن، اتّضح ما هو الوجه، والملاك في استكشاف رأي المعصوم عن طريق الإجماع.
أيّ أنَّ الطريق في هذا الاستكشاف هو حساب الاحتمالات، وأنَّ الإجماع يقترن غالباً بنُكات عديدة توجب إعاقة حساب الاحتمالات عن التأثير وبطء ضعف الاحتمال، وبطء حصول اليقين. واستعرضنا ما هو المهم من هذه النُكات. الأمر الّذي دلّ على أنَّ كلّ إجماع لابدَّ وأن يُلحظ مع هذه النُكات، فإذا كانت موجودة فيه بنحو قويّ، فكلما كان وجودها أقوى كان حصول
ــــــــــ[233]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
البطء وكان احتمال الخطأ أقوى، وكلما كان الإجماع بعيداً عن هذه النُكات الخمسة أو الستة التي بينّاها، وكان متخلصاً من تبعاتها، كان حصول العلم أسرع، واحتمال الخطأ أضعف، بحيث تُجرى حساب الاحتمالات.
هذا هو تمام ما ينبغي أن يقال الآن، في باب الإجماع المحصل.
ــــــــــ[234]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إنَّ هذا الإجماع الّذي يكشف عن رأي المعصوم وعن الحكم باعتبار حساب الاحتمالات على النحو الّذي بيّناه، تارةً نحصّله وجداناً، وأخرى نحصّله عن طريق النقل تعبّداً. فالأوّل هو ما يسمى بالاصطلاح بالإجماع المحصّل. والثاني هو ما يسمى بالاصطلاح بالإجماع المنقول.
فإن حصلناه وجداناً نرتّب عليه ما هو أثر في حساب الاحتمالات، فكلما كان الإجماع أبعد عن النُكات الّتي ذكرناها، كان يؤثّر في حصول العلم بنحو أكمل وأتمّ وأسرع على النحو الّذي شرحناه.
إلَّا أنَّ الكلام في صغرى التحصيل، أنَّه كيف يتأتّى لنا تحصيل الإجماع في المقام على مسألة من المسائل، من قِبَل أهل النظر والاجتهاد من علماء الشيعة. مع فرض العلم تاريخيّا بأنَّ كثيراً من العلماء في كلّ طبقة، خصوصاً من الطبقات الأولى من عصر الاجتهاد والنظر، كثيراً من هؤلاء لم يؤلّف، أو لم يترك لنا على الأقل تأليفاً ولم ينقل رأيه في الكتب المؤلّفة.
وغاية ما يمكن تحصيله بالتتبّع إنّما هو آراء هؤلاء الّذين ألَّفوا واشتهروا، وكانوا هم المؤسّسين في تلك العصور للفكر العلمي في الفقه والأصول.
ــــــــــ[235]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ويمكن بشيء من التوسّع وبشي من القريحة عند بعض الأشخاص، يمكن أن يحصل له العلم أو الاطمئنان، بأنَّ غير هؤلاء من كتَبَ وأسّسَ، أيضاً رأيه رأي من كتَبَ وأسّسَ بحيث أنه متابع له في الرأي.
فإنه إذا فُرِض أنَّ المكاتب الفقهيّة المأثورة في التاريخ، كلّها اتفقت على رأي، فقد يحصل هناك اطمئنان عند شخص في أنَّ الفقيه الَّذي لم يصل إلينا كتاب منه، أيضاً هو موافق على هذا الرأي الّذي اتفقت عليه تلك المكاتب والمدارس الفقهية.
إلَّا أنَّ مثل هذا إنّما يحصل بالنسبة إلى شخص ينتمي إلى تلك المكاتب الفقهية، وقد وقع في هذا الخط التاريخي، الّذي تسلسل من الشيخ المفيد إلى السيد المرتضى إلى الشيخ الطوسي إلى ما بعد الشيخ الطوسي من العلماء.
فيمكن أن يقال: بأنّه إذا كان الشيخ المفيد وتمام من يُعرَف من طلابه، والسيد المرتضى وتمام من يُعرَف طلابه، والشيخ الطوسي وتمام من يعرف من طلابه، على اختلافهم في المباني والأصول والقواعد جميعاً اتّفقوا على رأي. حينئذٍ يظن أو يطمئن بأنَّ من لم يصلنا رأيه من طلاب هؤلاء الأعلام، ومن المنتسبين إليهم أيضاً وافقهم في الرأي وأفتى بنفس فتياهم.
مثل هذا الظنّ لو حصل لشخص فهو إنّما يحصل بالنسبة إلى هذه الدائرة بالخصوص. وأمّا من كان خارج هذه الدائرة من السلف الصالح، الّذين لم يقعوا في هذا الخط الذي ورثنا ضمنه علمهم وفقههم. فإنَّ كلّ واحد من هؤلاء كان لهم معاصرون، وكان لهؤلاء المعاصرون على ما يظهر من التاريخ
ــــــــــ[236]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أُناس مدرسّين، لهم أيضاً خصوصيّات وشؤون وطلاب. غاية الأمر نحن لم نقع في خطّهم، فقد انقرضوا بمدارسهم وطلابهم، ولم يؤثر عنهم ولا عن طلابهم كتاب ولا علم.
فكون سلفنا الّذي ورثناه يرى رأياً، لا يحصل لنا الظنّ بأنَّ غيرهم أيضاً يرى مثل هذا الرأي.
إذن، فبالنسبة إلى هؤلاء الفقهاء الّذين لم يُذكَر عنهم آراء ولم تصلنا كتبهم، خصوصاً من لم يقع في الخط الموروث. هؤلاء كيف تستطيع أن تعرف أنّهم وافقوا الخط الموروث في آرائه المتبنّاة الشائعة.
تحصيل مثل هذا الإجماع بالنسبة إلينا ضرب من المحال.
نعم، اتّضح ممّا سبق، أنّنا لا نقول بموضوعيّة للإجماع بما هو إجماع واتّفاق الكلّ؛ فإنه ليس له موضوعيّة عندنا، وإنّما له موضوعية على بعض المباني في حجّيّة الإجماع:
عند من يقول: بأنَّ الإجماع حجّة من باب قاعدة اللطف، كما يقول الشيخ الطوسي -مثلاً- حينئذٍ، اتّفاق الكلّ في العصر الواحد بما هو اتّفاق الكلّ له موضوعيّة عنده؛ لأنّه لو خالف واحد فيُحتَمل أن يكون الحقّ معه، وأنَّ صاحب الزمان قد اكتفى بمخالفة هذا الواحد. فاتفاق الكلّ له موضوعيّة الحجّيّة في نظر أصحاب قاعدة اللطف.
أو بناءً على دخول المعصوم، أيضاً يكون اتّفاق الكلّ له موضوعيّة. إذ لو لم
ــــــــــ[237]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
يتّفق الكلّ في المقام، فلعلّ من لم يعلن رأيه يكون المعصوم موجوداً فيهم.
هذا بناءً على تلك المباني العتيقة.
وأمّا بناءً على أنَّ حجّيّة الإجماع بمقتضى حساب الاحتمال، وضعف الاحتمال بالتدريج، فهنا اتّفاق الكلّ بما هو اتّفاق الكلّ ليس له موضوعيّة، وليس له بهذا العنوان دخل في الحجّيّة. وإنّما المناط هو تضعيف الاحتمال إلى أن يصل إلى درجة بحيث يزول.
وحينئذٍ، قد يتّفق مثل هذا بلا أن نحرز اتّفاق الكلّ: بأن أحرزنا اتّفاق جملة مَن أثَرَ عنهم العلم، من علماء الشيعة على رأي هؤلاء الّذين وقعنا في خطّهم وسلسلتهم وتشرّفنا بتفهّم ما أثَرَ عنهم من فتاوى وعلوم.
لو فُرِض أنّنا أحرزنا عن طريق الحس، أو الحدس القريب منه، أنَّ هؤلاء قد اتّفقوا على رأي من الآراء، وكان اتّفاقهم خالياً من تلك النكات الخمسة
-الّتي ذكرناها فيما سبق- أو كان بعيداً عنها بقدر الإمكان. قد يتّفق في بعض الأحيان أنّه قد يحصل العلم من دون أن نحرز اتّفاق الكلّ بما هو اتّفاق الكلّ.
ففي باب الإجماع المحصّل، تحصيل الإجماع بما هو إجماع وإن كان ضرباً من المحال بالنسبة إلينا، إلَّا في ضروريات الدّين وما يكون مشابهاً لها، ولكنّ تحصيل ما هو ملاك الحجّيّة في المقام وهو: اتّفاق عدد، بحيث يجري فيهم حساب الاحتمالات، ويضعف الاحتمال إلى أن ينطفئ في عالم النفس، مثل هذا
ــــــــــ[238]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ليس ضرباً من المحال، بل يحتاج إلى مزيد تحقيق وتدقيق وتتبّع على ضوء النكات الخمسة، أو الستة الّتي حقّقناها سابقاً(1).
هذا هو حال التحصيل الوجداني للإجماع.
ــــــــــ[239]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الإخوان: إنّه مع الالتفات إلى وجود تلك النكات، لا يفيد حتّى اتفاق الكلّ.
فقال: نعم، أحسنتم. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وأمّا حال التحصيل التعبّدي للإجماع، وهو ما يسمى في عرفنا بـ(الإجماع المنقول) يعني: أنَّ شخصاً من السابقين، أو المتوسّطين أو اللاحقين، ينقل لنا إجماعاً فيقول: بأنَّ هذه المسألة إجماعيّة، أو اتّفق عليها الكلّ. وهذا هو بحث الإجماع المنقول.
حينئذٍ، فمثل هذا التحصيل التعبّدي، يترتّب عليه نفس آثار التحصيل الوجداني، أو لا يترتّب عليه نفس آثاره؟
نحن نفرض الكلام في مورد، بحيث لو حصّلنا وجداناً لقطعنا برأي المعصوم، وتخلّصنا من تلك النُكات الّتي بينّاها فيما سبق.
في مثل هذا المورد، لو أنّنا لم نحرز آراء تمام العلماء، ولكن جاء إلينا ثقة وأخبرنا على أنَّ تمام العلماء اتّفقوا على هذه المسألة. فحينئذٍ، هل يقوم هذا التحصيل التعبّدي مقام التحصيل الوجداني أو لا يقوم مقامه؟
هنا ينبغي تشقيق البحث إلى ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: ما إذا نقل الناقل الثقة، الكاشف، وهو اتفاق آراء العلماء. فقال: بأن العلماء اتّفقوا على هذه المسألة.
ــــــــــ[240]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
المسألة الثانية: فيما إذا نقل هذا الناقل، المنكشف عنده، لا الكاشف ابتداءً. حيث حصل هذا العالم الإجماع في نفسه، فحصل له القطع بحكم الله ورأي الإمام، فنقل رأي الإمام ابتداءً.
المسـألة الثالثة: إنّه لا ينقل الكاشف ولا المنكشف، بل ينقل جزءاً من الكاشف. يقول: أنا أعلم بأنَّ سبعة من العلماء أو عشرة أفتوا هكذا. والعشرة من العلماء لا هم كاشف ولا هم منكشف، بل هم جزء من الكاشف، إذ المفروض أنَّ علماء الشيعة مئة -مثلاً- وهؤلاء العشرة عُشر علماء الشيعة فهم عُشر الكاشف.
فهنا ينقل جزء الكاشف، وهذه هي المسألة الثالثة(1).
أمّا الكلام في المسألة الأولى: وهي ما إذا نقل الإجماع -إجماع العلماء على هذه الفتوى- وفرضنا أنَّ هذا الإجماع كان بنحو بحيث لو حصّلناه وجداناً لحصل لنا العلم -مثلاً -.
هذا النقل إنمّا يدّعى حجّيّته، بلحاظ(2) شمول أدلّة حجّيّة خبر الواحد له،
ــــــــــ[241]ــــــــــ
() وهنا سأل أحد الإخوان عن الربط بين المسألة الثالثة، وبين المقام؟
فقال: الربط هو أنّه إذا أخبر عن فتاوى عشرة، ونحن حصلنا فتاوى الآخرين، فهذا الجزء هل يصح ضمّه إلى بقية الأجزاء ونستنتج منه النتيجة أو لا؟ (المُقرِّر).
(2) بلحاظ ما يقال من أنّه نقل للكاشف بالمطابقة. وللمنكشف وهو رأي المعصوم بالالتزام، فحجّيّته بلحاظ كونه نقلاً لقول المعصوم. (من محاضرة غد). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
لا بلحاظ مدلوله المطابقي؛ فإنَّ مدلوله المطابقي ليس حكماً شرعياً، والحجّيّة
لابدَّ أن تكون بالنتيجة بلحاظ الحكم الشرعي، وإنّما بلحاظ ما يدّعى كونه مدلولاً التزاميّاً له، أي بلحاظ قول المعصوم الّذي هو حكم الله تعالى.
فيقال في المقام بأنَّ هذا الإخبار والنقل من قبل العلامة الحلي -مثلاً- للإجماع، هو: بحسب الحقيقة إخبار عن قول المعصوم فيكون حجّة بهذا الاعتبار، ومشمولاً لأدلة حجّيّة خبر الواحد.
ومن المعلوم إنَّ كون هذا النقل إخباراً عن قول المعصوم(1) مبني على مقدّمتين:
1-مقدّمة داخلية تُفهَم من نفس كلام العلامة الحلي.
2-ومقدّمة خارجيّة مفروضة من الخارج.
أمّا المقدّمة الداخلية، الّتي تُفَهم من نفس كلامه فهو: نقله لآراء العلماء واتّفاقهم على الفتوى. وهو المدلول المطابقي لقوله الّذي نعبّر عنه بالمعلوم.
والمقدمة الثانية، المطويّة، المفهومة من الخارج، هي: الملازمة بين آراء العلماء، وبين قول الإمام.
فإذا تمّت هاتان المقدّمتان، يعني ثبت بالمقدّمة الأولى إجماع العلماء بنقل العلامة الحلي، وتمّت الملازمة من خارج فيتحصّل حينئذٍ أنَّ هذا النقل(2) في قوة
ــــــــــ[242]ــــــــــ
() بحيث يصير مشمولاً لأدلة خبر الواحد (من محاضرة غد). (المُقرِّر).
(2) فيكون هذا النقل إخباراً بالملازمة عن رأي المعصوم. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الإخبار عن رأي المعصوم. فيتّجه حينئذٍ تخيّل شمول أدلة خبر الواحد له.
فلابدَّ من التكلّم في كلّ من هذين المقدمتين: ثبوت أصل الإجماع، وثبوت الملازمة بين الإجماع وبين قول المعصوم.
أمّا المقدّمة الأولى: وهي ثبوت أصل الإجماع والاتفاق بقول هذا الناقل، الّذي هو المدلول المطابقي للنقل.
ثبوت الإجماع بقول هذا الناقل بعد فرض وثاقته، لا قصور في شمول أدلّة الحجّيّة له؛ لإثبات الإجماع الّذي هو المدلول المطابقي لكلامه. إلَّا شبهة واحدة.
[شبهة في المقام]
وحاصلها: هو أنّنا عثرنا في كثير من موارد نقل الإجماع على تسامحات مفصّلة من قبل النقَلَة للإجماع. وهذه التسامحات ترجع إلى أحد مراكز ثلاثة:
1- إمّا التسامح في تشخيص مَعقِد الإجماع. بأن يكون الإجماع منعقداً على حجّيّة خبر الثقة عن الإمام، فهذا المجتهد يضم إلى تلك الكبرى، صغرى اجتهاديّة، ويستنتج من القياس النتيجة، ويقول: بأنَّ الإجماع انعقد على النتيجة. مع أنَّ النتيجة وليدة كبرى متّفق عليها، وصغرى غير متّفق عليها.
فمَعقِد الإجماع هنا بحسب الحقيقة، إنّما هو الكبرى لا النتيجة، فإنَّ النتيجة لا يكفي فيها الإجماع على الكبرى، بل لابدَّ فيها من ثبوت الصغرى، والصغرى غير مجمع عليها.
2- أو التسامح في حدود الإجماع؛ وذلك لأنَّ كلّ واحد من هؤلاء النقَلَة
ــــــــــ[243]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
كان إذا حصّل عدداً، بحيث أثّر بمقتضى قوانين حساب الاحتمالات في نفسه، في حصول العلم برأي المعصوم سمّى هذا إجماعاً، وعبّر عنه بأنّه إجماع؛ لأنّه لم يكن هناك موضوعيّة في نظره للإجماع، وإنّما يكون الإجماع حجّة باعتبار حصول العلم برأي المعصوم. فكان يدّعي الإجماع مع وجود المخالف أمام عينيه، بل لعلّه يدّعي الإجماع مع وجود الشهرة على خلافه؛ وذلك لأنَّ عدداً كافياً في نظره لحصول العلم بقول المعصوم كان موجوداً؛ فسمّى هذا إجماعاً.
3- أو التسامح في إثبات الإجماع في أيّ حد من الحدود. هذا العدد الّذي يحصل له اليقين به، يحصّله بالاجتهاد أيضاً، لا من مطالعة كتبهم والسؤال منهم.
-مثلاً- يفتح الكتب المشهورة فيرى أنّها لم يُنقَل فيها قولٌ بالخلاف، فيستنتج بالقريحة من عدم نقل قول بالخلاف، أنَّ غير من نُقِلت أقوالهم أيضاً موافق على الفتيا.
أو يتتبّع آراء المشهورين -مثلاً- فيحصل له الاطمئنان على أنَّ غير المشهورين أيضاً، مثل المشهورين في الفتوى. أو غير ذلك من القرائن الاجتهاديّة.
أو يكون مدرك الحكم في نظره واضحاً جداً، بحيث يُستبعَد أن يوجد هناك فقيه يغفل عن مثل هذا المدرك، أو يشككّ فيه. هذا هو التسامح الثالث.
وتاريخ العلماء في باب الإجماعات المنقولة، مشحون بهذه التسامحات، كما
ــــــــــ[244]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أشار إلى ذلك الشيخ الأعظمفي الرسائل(1). وأُشِير في بعض الكلمات إلى أنَّ عشر معشار هذه التسامحات كثير جداً، فضلاً عن واقع هذه التسامحات.
الّذي يتتبّع هذه الإجماعات المنقولة، يرى أنّه في كثير من الموارد، بل في أكثرها، وقع التسامح في أحد هذه المراكز الثلاثة(2).
هذه هي الشبهة التي تذكر عادة في مقام المنع عن حجية نقل الناقل في إثبات الإجماع.
[ردّ شبهة المقدّمة الأولى]
إلاَّ أنَّ هذه الشبهة بهذا المقدار لا يكون فنيّاً؛ لأنّه يقال في مقام إبطالها: أنَّ ظاهر نقل كلّ ناقل حينما ينقل (الإجماع) أنّه ينقل الإجماع القائم على هذا المورد بالخصوص، لا بعنوان أعمّ منه، بل بعنوانه، وأنّه إجماع بمعنى اتّفاق الكلّ وأنّه محصّل عن طريق الحسّ، لا عن طريق الحدس والاجتهاد، كما هو ظاهر كلّ إخبار عن كلّ مورد يقبل الحس، فإن ظاهره الحسيّة غالباً.
فبعد فرض مثل هذا الظهور في كلّ نقل. يحصل لنا علم إجمالي بأنَّ عدداً كبيراً من النقل كان قد اختلّ فيه هذا الظهور. ومثل هذا العلم الإجمالي ينحل
ــــــــــ[245]ــــــــــ
() انظر: فرائد الأصول 1: 18.
(2) ولا أقل من التسامح الثالث، وهو التسامح بمعنى الاعتماد على التخمين والحدس في نقل الاتّفاق دون الحس والسماع وحينئذٍ، فيسقط عن الحجّيّة؛ باعتبار أنَّ الأخبار عن حدس لا يكون حجة، ولا مشمولاً لأدلّة حجّيّة خبر الواحد على ما يأتي تحقيقه مفصّلاً في مسألة حجية خبر الواحد. (من محاضرة غد). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بالعلم التفصيلي، لأنّنا بالتتبّع في الإجماعات المنقولة(1) نحصل على ما يساوي المعلوم إجمالاً عندنا.
افرضوا أنَّ مجموع الإجماعات المنقولة 100 في الفقه، ونحن تتبّعنا بالاستقراء والمطالعة المفصلّة فرأينا 70 أو 80 منها وقعت فيها هذه التسامحات(1). فانحلّ العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي في ضمن السبعين. وأمّا الثلاثين الأخرى، فيبقى الشكّ فيها -الشك في إرادة خلاف الظهور- شكّاً بدوياً. فحينئذٍ يتمسّك بظهور كلام هؤلاء، والظهور إنّما هو في الحسيّة.
ولا نعلم أنَّ تسامح أولئك المتسامحين كان من باب قلب الاصطلاح، من معنى إلى معنى آخر حتّى يقال: بأنّه قد انقلب الظهور إلى ظهور آخر، بل من المحتمل أن يكون الاصطلاح محفوظاً. إلَّا أنَّ هذا كان من باب التجوّز والخروج على الاصطلاح. وممّا يؤيد ذلك تصريحات هؤلاء الفقهاء في كتب الأصول بشكل مستمر، من أيام العدّة للشيخ الطوسي ومن بعده، لمّا يجيئون إلى بحث الإجماع في كتب الأصول، يذكرون له نفس المعنى الّذي لا يناسب مع هذه التسامحات. ممّا يعرف أنّه مع هذه التسامحات هم بانون على الاحتفاظ بذلك المعنى الاصطلاحي.
إذن، فالظهور بالمعنى الاصطلاحي الكامل محفوظ، غاية الأمر أنَّ هذا
ــــــــــ[246]ــــــــــ
() من هنا إلى آخر السطر [العبارة التالية] إضافة يقتضيها السياق. (المُقرِّر).
(2) ففي هذه الموارد السبعين يسقط فيها الخبر عن الحجية؛ باعتبار كونه نقلاً حدسياً عن الكاشف. ولكن ما هو الوجه في سقوط الثلاثين عن الحجية، بعد فرض ظهور كلام الناقل في أنّه نقل للإجماع بمعناه المصطلح عن حسّ. (من محاضرة غد). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الظهور خُولِف كثيراً بحسب الخارج(1). وبعد انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي يبقى في الموارد الّتي لم نعلم فيها بالمخالفة، الشكّ فيها شكاً بدوياً، ومع الشكّ البدوي يكون الظهور حجّة لا محالة.
فيثبت، حينئذٍ في كلّ مورد لا نعلم فيه بالمسامحة، يثبت فيه الإجماع.
هذا ما يمكن أن يقال في إبطال الشبهة. وهو كافٍ في إبطال الشبهة.
[الجواب عن ردّ الشبهة]
ولكن الإنصاف، أنَّ الشبهة مع هذا مستحكمة:
وذلك؛ لأنَّ هذه الموارد الّتي عثرنا عليها من التسامحات، وافرضوا أنّها 70%. هذه الموارد وإن لم تولّد لنا قطعاً بانقلاب الاصطلاح، أو ظناً بانقلابه، ولكنّها تولّد لنا ظناً بوجود مثل هذا التسامح، في أيّ فرد آخر إذا أمسكناه.
فإنه بعد فرض شيوع مثل هذا التسامح في كلمات العلماء وكونه غالباً فيها، فحينئذٍ، هذه الثلاثون الباقية لو أمسكنا أيّ واحد منها، أيضاً يحصل لنا ظن بوجود التسامح فيه.
فإن قلتم: إنَّ هذا الظنّ ليس بحجّة، فإنَّ الظنّ في قبال الظهور لا يكون حجّة. قلنا: نعم، الظنّ في قبال الظهور ليس حجّة، لكن نضم مظنوناً إلى مظنون فنقول:
ــــــــــ[247]ــــــــــ
() هذا الظهور نرفع اليد عنه في الموارد التي اطّلعنا فيها على التسامح. وأمّا في الباقي فالظهور حجّة فيُعمل به. وبمقتضى حجّيّة الظهور نستكشف أنَّ التسامح لم يقع في هذه الثلاثين مورد. (من محاضرة غد). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بعد إفراز السبعين الّتي ثبت فيها التسامح يقيناً، نأتي إلى الثلاثين فنمسك واحداً منها، فنقول: إنَّ التسامح هنا مظنون. لكن يُحتمَل عدم التسامح بالمئة 30 ويظن بالتسامح بالمئة 70. فإذا عطفنا عليه الثاني، فنقول: بأن احتمال عدم التسامح في الأوّل والثاني معاً يصير أضعف من احتمال عدم التسامح في الأوّل. بمقتضى حساب الاحتمالات، يصير احتمال التسامح فيه أقل من ثلاثين،
-مثلاً- عشرين بالمئة، أو 18 بالمئة!
أليس كلّ فرد من هؤلاء الثلاثين يظنّ بوجود التسامح فيه، فإذا عطفنا مظنوناً على مظنون على مظنون، يحصل بحساب الاحتمالات، الاطمئنان بوجود التسامح في الجملة في بعض هذه الثلاثين.
أليس هناك في باب الأشخاص الاصحّاء البدن كلّ واحد منهم يُظنّ بحياته؟ فلو جمعنا مئة شخص نقطع بأنَّ بعض هؤلاء لا يزالون أحياء، ولا نحتمل موتهم جميعاً بمقتضى حساب الاحتمالات؛ لأنّنا ضممنا مظنون الحياة إلى مظنون الحياة، حتّى حصل الاطمئنان بحياة بعضهم.
كذلك في المقام، نضم مظنون التسامح، إلى مظنون التسامح، إلى مظنون التسامح، فيزيد الظنّ بالتسامح ويقوى، حتى يحصل لنا اطمئنان إجمالي، بأن التسامح وقع في بعض هذه الظواهر الثلاثين.
فإذا حصل مثل هذا الاطمئنان الإجمالي في هذه الثلاثين. فحينئذٍ، يحصل التعارض بين الظهورات لا محالة.
صحيح، أنَّ كلّ واحد من هذه الظهورات الثلاثين، في نفسه يقتضي الحمل
ــــــــــ[248]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
على المعنى الاصطلاحي الكامل من جميع الجهات. إلَّا أنّه بعد الاطمئنان بأنَّ بعض هذه الظهورات الثلاثين قد وقع فيها التسامح، فيقع التعارض بين هذه الظهورات الثلاثين أيضاً.
فإذا وقع التعارض بينها، فسقطت عن الحجية لا محالة، وبعد السقوط عن الحجّيّة لا يمكن التمسّك بأيّ واحد منها(1).
وهذا هو الّذي ينبغي أن يذكر تقريباً فنيّاً لإسقاط نقل الإجماع، من ناحية الكاشف: من ناحية حكايته عن أقوال العلماء واتفاقهم(2).
هذا هو تمام الكلام في المقدمة الأولى من المسألة الأولى. حيث قلنا أن نقل الإجماع يصير نقلاً لقول الإمام بعد مقدمتين، الأولى ثبوت أصل الإجماع، والثانية ثبوت الملازمة بين الإجماع وبين رأي الإمام.
وكان كلامنا حتى الآن في المقدمة الأولى، وهو أن الإجماع، هل يثبت بنقله أو لا يثبت، وقد اتضح مما بينّاه أنه لا يثبت بنقله. ويبقى الكلام في المقدمة الثانية.
*****
ــــــــــ[249]ــــــــــ
() وحينئذٍ، لا يثبت بنقل الإجماع اتفاق العلماء؛ وذلك لأنَّ أيّ نقل للإجماع فهو إمّا أن يُعلم فيه بالتسامح، وإمّا طرف للعلم الإجمالي، أو الاطمئنان الإجمالي بالتسامح. وعلى كلّ من التقديرين فلا يمكن العمل به. (المُقرِّر).
(2) وحينئذٍ لا يثبت بنقل الإجماع اتفاق العلماء، وذلك لأن أي نقل للإجماع فهو إما أن يعلم فيه، بالتسامح، وإما طرف للعلم الإجمالي أو الاطمئنان الإجمالي بالتسامح. وعلى كل من التقديرين فلا يمكن العمل به. (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ولكن الإنصاف هو –كما ذكرناه بالأمس- أن الشبهة يجب أن تقرر بنحو لا يرد عليها هذا البيان.
وذلك بأن يقال: إن اطلاعنا على 70 تسامح في ضمن المئة تسامح مثلاً من نَقَلَة الإجماع، هذا وإن لم نستكشف منه تغير الاصطلاح، لأنهم في كتبهم الأصولية يسلمون بالاصطلاح الأول. ولكن يحصل عندنا ظن قوي بمقتضى حساب الاحتمالات، في كل واحد من الثلاثين الباقية، لو لاحظناه نظن بإلحاقه بالأعم الأغلب، لأن الفرد المشكوك يلحق بالأعم الأغلب، وهذه أمارة فنية، أماريّتها قائمة على أساس حساب الاحتمالات بحسب الحقيقة.
فهنا يتولد، بمقتضى حساب الاحتمالات، بالنسبة إلى كل فرد من الثلاثين الباقية، يتولد ظن بأنه قد وقع فيه تسامح.
هذا الظن لو لوحظ في كل واحد من الثلاثين في نفسه فهو ليس بحجة، لأن الظن في قبال الظهور ليس بحجة.
لكن نحن إذا جمعنا مظنوناً مع مظنون. يحصل اطمئنان بوقوع التسامح في أحد الثلاثين الموجودة.
عيناً كما قلنا في ذلك اليوم، أنه لو وجد عشرة أشخاص أصحاء البدن، كل منهم فيه مقتضى السلامة يظن بحياته، لكن يحتمل موته. لكن احتمال موت الجميع غير موجود، يطمئن بأن الجميع لا يموتون. كذلك في المقام يحتمل أن لا يقع تسامح هنا وهنا وهنا، لكن احتمال عدم وقوع التسامح في الجميع غير موجود، لأن ضم مظنون إلى مظنون يولّد شدّة الظن، ويبقى الظن يصعد حتى
ــــــــــ[250]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
يبلغ إلى درجة الاطمئنان، بماذا؟ بأن بعض هذه الموارد قد وقع فيها تسامح.
وهذا الاطمئنان في قوة العلم الإجمالي، فيتشكل عندنا حينئذ علم إجمالي بوقوع التسامح في بعض هذه الموارد الثلاثين. يعني علم إجمالي بأن بعض هذه الظواهر الثلاثين هي كاذبة ومخالفة للواقع.
فيحصل التعارض بين هذه الظواهر الثلاثين. وإذا حصل بينها التعارض، تسقط عن الحجية لا محالة. وإذا سقطت عن الحجية فلا يبقى عندنا دليل على أن النقل كان مستنداً إلى الحسِّ.
[توهّم في المقام]
وقد(1) يُتوّهم في المقام، أنّه كما نجري حساب الاحتمالات في هذه المظنونات؛ لأجل توليد اطمئنان بأنَّ بعض هذه الثلاثين وقع فيه التسامح على وجه الإجمال. قد يقال بالعكس أيضاً: بأنَّ كلّ واحد من هذه الثلاثين، وإن كان احتمال عدم التسامح فيه ضعيف، لكن بعد ضم هذا المحتمل، إلى ذاك المحتمل، إلى ذاك المحتمل، يتقّوى احتمال عدم التسامح حتّى يتشكّل عند شخص الاطمئنان، بأنَّ واحداً على الأقل من هذه الثلاثين، لم يقع فيه تسامح.
الآن، حين يدخل شخص إلى المستشفى، ويرى فيه مرضى كثيرين، فكل مريض يُظنّ بموته؛ لأنّه مريض. لكن إذا قال شخص بأنّي أحتمل موت جميع
ــــــــــ[251]ــــــــــ
() أعاد سيّدنا الأستاذ أغلب ما كان قاله أمس، وكان فيما قال: ولكن الإنصاف هو -كما ذكرناه بالأمس- أنَّ الشبهة يجب أن تُقرّر بنحو لا يرد عليها هذا البيان… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
من في المستشفى في هذه الليلة، بحيث لن يبقى في المستشفى هذه الليلة إنسان حيّ. هذا غير محتمل؛ فإنَّ الإنسان يطمئن بأنَّ بعض هؤلاء المرضى سوف يبقون هذه الليلة أحياء. وهذا معنى أنَّ ضم محتمل، إلى محتمل يقوى الاحتمال.
فيحصل عند الإنسان اطمئنان، بأنَّ بعض هذه الإجماعات الثلاثين لم يقع فيها تسامح، وأنَّ النقل فيها كان عن حسّ، فيتشكّل عندنا علم إجمالي، بأنَّ هناك نقل عن حسّ، أي: أنَّ هناك حجّة قائمة في بعض هؤلاء الثلاثين؛ لأنَّ النقل عن حسّ حجّة.
فيُعلَم إجمالاً بوجود الحجّة بين هذه الثلاثين، والعلم الإجمالي بالحجّة منجّز لا محالة. فيجب الاحتياط في مقام العمل بلحاظ هذا العلم الإجمالي. فيكون للإجماع المنقول أثر بهذا المقدار.
[دفع التوهّم]
إلا أنَّ هذه الشبهة غير صحيحة؛ وذلك لأنَّ مثل هذا العلم الإجمالي لو سُلِّم قيامه وتشكّله فهو منحلّ؛ باعتبار أنَّ هذه الحجّة في بعض الأطراف ليس لها أثر؛ لأنَّ جملة من موارد الإجماع المنقول الحكم، الّذي ادّعى عليه الإجماع ثابت، بأدلّة أخرى مُسلّمة واضحة. ثابت بصحيحة، برواية، بإطلاق، آية ونحو ذلك. بحيث إنَّ حجّيّة هذا الخبر لا يزيد في مقام الكلفة والتنجّز بالنسبة إلى المكلّف شيئاً.
إذن، فهنا الأمر دائر بين أن يكون هذا النقل الحسّي الّذي عُلم إجمالاً بوجوده -بين أن يكون في تلك الموارد، الّتي تنجّز فيها التكليف من خارج-
ــــــــــ[252]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وبين أن يكون في الموارد الّتي لم يتنجّز فيها التكليف من خارج. ومثل هذا العلم الإجمالي لا يكون منجّزاً في المقام، فلا أثر له.
هذا تمام الكلام بلحاظ الأمر الأول.
فاتّضح بما ذكرناه، بأنَّ نَقَلة الإجماع، لا يثبت بنقلهم، كاشف، فضلاً عن المنكشف؛ وذلك لأنَّ أكثرهم قد أطلعنا بالتتبّع على وقوع التسامح في إجماعاتهم، وغير الأكثر تشكّل لنا بحساب الاحتمالات علم إجمالي بوقوع التسامح في بعضهم، وهذا العلم الإجمالي أوجب التعارض بين ظهورات كلماتهم وسقوطها عن الحجّيّة.
نعم، لو اتّفق في مورد أنَّ هذا الناقل قد تصدّى للنقل بلا تسامح، بحيث يخرج عن دائرة العلم الإجمالي. حينئذٍ، من هذه الجهة لا يبقى إشكال.
هذا تمام الكلام في الأمر الأول وهو نقل الكاشف.
نفرض الآن أنَّ الأمر الأوّل تم، وعلمنا بأنَّ العلّامة الحلّي -مثلاً- حينما ينقل الإجماع يتعهّد بعدم التسامح من أيّ جهة من هذه الجهات الثلاثة؛ بحيث خرج شخص العلّامة الحلّي، عن أطراف العلم الإجمالي بالتسامح. إذن، فكلام العلّامة الحلّي باعتباره ثقة عدلاً غير متسامح، خارج عن أطراف العلم الإجمالي. بهذا الاعتبار يكون حجّة في إثبات الكاشف وهو إجماع أهل النظر.
بعد هذا نأتي إلى الأمر الثاني، وهو: ثبوت الملازمة بين اتّفاق أهل النظر وبين قول المعصوم. هذا الشيء الّذي قال الأصحاب بأنَّ هناك ملازمة
ــــــــــ[253]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
عقليّة بينهما، أو عاديّة، أو اتفاقيّة -مثلاً-.
ونحن قلنا بأنَّ التحقيق: أنّه لا ملازمة لا عقلية، ولا عادية، ولا اتفاقية بين إجماع أهل النظر بما هو إجماع لأهل النظر، وبين رأي المعصوم. وإنّما الملازمة بحسب الحقيقة بين تراكم الظنون، وبين العلم برأي الإمام. ملازمة بحسب عالم النفس، لا ملازمة بحسب عالم التكوين.
فإنَّ هناك فرقاً، بين الملازمة بحسب عالم التكوين بين الإجماع، وبين رأي الإمام بحيث تكون بينهما ملازمة، كالملازمة بين الحرارة والنار، أو المرض والموت.
فهذه ملازمة واقعية بحسب عالم التكوين، بين المدلول والمدلول: بين اتّفاق أهل النظر، وبين رأي الإمام. هنا برهنّا فيما سبق على أنّه لا ملازمة بكلّ أنواعها بين هذين الأمرين.
وقلنا: بأنَّ هذا لا يزيد على باب التواتر، وفي باب التواتر لا ملازمة واقعيّة بحسب أفق عالم التكوين، بين إخبار ألف إنسان، وبين ثبوت المخبرية بحسب الخارج. فكما أنّه في باب التواتر لا ملازمة واقعيّة، كذلك هنا لا ملازمة بين إجماع أهل الفتيا، وبين رأي المعصوم.
وإنّما الملازمة بحسب الحقيقة، ملازمة بحسب أفق عالم النفس. بمعنى: أنَّ الإنسان حينما يرى أنَّ الشيخ الطوسي أفتى بفتوى، يحصل له ظنّ بصوابه، فحينما يسمع بأنَّ الشيخ المفيد أفتى بنفس الفتوى يتأكد هذا الظنّ عنده(1) حينما
ــــــــــ[254]ــــــــــ
() ينضم ظن إلى ظن. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
يسمع أنَّ ابن إدريس أفتى بنفس الفتوى، ينضم ظنّ ثالث إلى الظنّين السابقين. وتجمُّع هذه الظنون يولِّد علماً برأي المعصوم؛ لأنَّ احتمال الخطأ يضعف ويضعف إلى أن يبلغ إلى درجة بحيث يزول. يزول بلا برهان؛ يزول الاحتمال لضعفه(1) لا لبطلان المحتمل.
تراكم الظنون يوجب ضعف الاحتمال، وضعفه يوجب زواله، وزواله عبارة أخرى عن حصول العلم برأي المعصوم.
الملازمة إذن، إنّما هي في أفق عالم النفس؛ لأنَّ هذا الأفق هو أفق تراكم الظنون. فإنَّ الأفق الّذي فيه تتراكم الظنون -ويضعف الاحتمال ثُمَّ يزول- هو أفق عالم النفس. فظرف الملازمة هو ظرف عالم النفس، لا ظرف الواقع.
وإلا لو قُطِع النظر عن باب الاحتمالات وتراكم الظنون ولاحظنا ذات الواقع، يعني: ذات الإجماع وذات رأي المعصوم، لم نرَ بينهما ملازمة أصلاً، لا هذا علّة لذاك، ولا ذاك علة لهذا. إذن، فلا ملازمة فيما بينهما.
وتمامّ ما وقع من كلمات المحقّقين (قدست أسرارهم)، إلى يومنا هذا كان خلطاً في تعيين طرف الملازمة في أمثال هذه المقامات في باب الإجماع، وباب التواتر وأمثالهما.
وعاء الملازمة هو عالم النفس، لا عالم الخارج، والملازمة هي بين تراكم الظنون وبين ضعف الاحتمال المنتهي إلى زواله. لا تلازم بين ذات الواقع وذات الواقع.
ــــــــــ[255]ــــــــــ
() بحيث لا يمكن أن يبقى في عالم النفس. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بعد أن اتّضح هذا المطلب، وفهمنا أنَّ ظرف الملازمة هو هذا لا ذاك. إذن، فنفهم من هذا أنَّ رأي المعصوم ليس مدلولاً التزاميّاً أصلاً؛ لأنَّ كون شيء مدلولاً التزاميّاً إنّما هو فيما إذا فُرِض أنَّ هذا المدلول الالتزاميّ كان ملازماً مع المدلول المطابقي. وهنا لا ملازمة بين المدلول المطابقيّ والمدلول الالتزاميّ، ولا علّية ولا معلوليّة بينهما. وإنّما العلّية والمعلوليّة بين تراكم الظنون، وبين حصول العلم، لا بين الواقع والواقع.
وهذا الناقل(1) لا ينقل عن تراكم ظنوننا، وإنّما ينقل عن الواقع. فهو بالدلالة المطابقيّة ينقل واقع الإجماع، وواقع اتّفاق أهل النظر. وهذا الواقع لا يلازم مع رأي المعصوم أصلاً، لا ملازمة عقلية، ولا عادية، ولا اتفاقية.
الملازمة في ظرف عالم النفس والناقل ينقل ظرف الواقع، فظرف النقل غير ظرف الملازمة. فمن هنا رأي المعصوم لا يكون مدلولاً التزاميّاً أصلاً، حتّى يقال بحجّيّة هذا الكلام في مدلوله الالتزاميّ.
نعم نستثني من ذلك صورة واحدة.
[تحقيق في المقام(2)]
إنَّ التحقيق، هو عدم وجود الملازمة؛ بين هذه الفتاوى المنقولة، مهما كانت كثيرة وبين رأي الإمام؛ وذلك لأنَّ الانتقال من آراء العلماء إلى رأي الإمام لم يكن قائماً على أساس ملازمة واقعيّة بين الطرفين الواقعيّين، بل هو قائم على
ــــــــــ[256]ــــــــــ
() العلاّمة الحلّي . (المُقرِّر).
(2) لخّص سيدنا الأستاذ بعض ما سبق ثم قال:… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أساس حساب الاحتمالات أي: الملازمة بين العلمين لا الملازمة بين المعلومين.
هناك ملازمة بين العلم بفتاوى أهل النظر، والعلم برأي الإمام. فإذا علم باتّفاقهم، فيضعف بالتدريج احتمال الخلاف، وضعف احتمال الخلاف يوجب زواله. فإذا زال حصل العلم برأي الإمام. فبالآخرة العلم برأي الإمام يكون من نتائج العلم بفتاوى أهل النظر، بقطع النظر عن النُكات الخمسة التّي بينّاها، والتّي قلنا: إنّها تمنع عن حصول العلم.
بقطع النظر عن تلك النُكات، العلم بفتاوى أهل النظر، ستلزم ضعف الاحتمال وضعفه يتدرج، حتّى يصل على درجة فيزول، وإذا زال حصل العلم برأي الإمام.
فالملازمة بحسب الحقيقة بين العلمين، في عالم وجدان النفس. على أساس حساب الاحتمالات، لا بين ذات المعلومين، أيّ: ذات الفتاوى، وذات رأي الإمام. فإنّه بين هذين لا علم لنا بالملازمة.
إذن، فالناقل لأحد الأمرين بالمطابقة لا يكون ناقلاً للآخر بالالتزام، والذي يكون ناقلاً لفتاوى أهل النظر بالمطابقة، لا يكون ناقلاً لرأي الإمام بالالتزام؛ لأنَّ المدلول الالتزاميّ هو: ما كان لازماً للمدلول المطابقيّ. وهنا لا ملازمة بين ذات الفتاوى وذات رأي الإمام. فالملازمة بين العلمين لا بين المعلومين، فالدّال على أحدهما بالمطابقة لا يكون دّالاً على الآخر بالملازمة؛ لعدم الملازمة بين ذات المعلومين.
ــــــــــ[257]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
[دفع وهم]
وهنا قد يقال ويُتوّهم، بأنَّ أدّلة حجّيّة خبر الواحد، تتكفّل جعل الطريقيّة وجعل العلم، ومقتضى تكفّلها جعل العلم ترتيب تمام آثار العلم على خبر الواحد. أدّلة الحجّيّة تقتضي اعتبار خبر الواحد علماً، فكأنّنا عالمون بمدلول خبر الواحد، فيترتّب على خبر الواحد كلّ ما كان يترتب على العلم من الآثار، ما كان يترتب على العلم الوجداني من الآثار يترتب على العلم التعبّدي والتنزيلي.
فنحن لو كنّا عالمين بفتاوى أهل النظر وجداناً، لكان هذا إجماعاً محصّلاً ولترتّب عليه بقانون حساب الاحتمالات، العلم برأي الإمام؛ لأنَّ الملازمة بين العلمين ثابتة على أي حال، وإن لم تكن هناك بين المعلومين.
إذن، العلم بمدلول خبر الواحد يلزم منه، ويترتّب عليه العلم برأي الإمام، والمفروض أنَّ أدّلة حجّيّة خبر الواحد، تجعل خبر الواحد علماً، فيتّرتب عليه كلّ ما كان يترتّب على العلم من الآثار.
ومن جملة الآثار الّتي كانت تترتّب على العلم بالفتاوى هو: العلم برأي الإمام؛ لأنَّ الملازمة بين العلمين ثابتة على أيّ حال.
قد يُتوّهم هذا، ولكن هذا التوّهم جوابه واضح؛ وذلك لأنَّ أدلّة جعل الحجّيّة لخبر الواحد، لو فُرِض أنّها متكفّلة لجعل الطريقية، كما يدّعى ذلك من قبل المرزا ومدرسته(1). فهي إنمّا تنفع في ترتيب الأحكام الشرعيّة والعقليّة
ــــــــــ[258]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 3: 181.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
على الطريقيّة، لا في ترتيب اللوازم التكوينيّة. فإنَّ مفاد جعل خبر الواحد علماً هو ترتيب الآثار الشرعيّة الّتي كانت مترتّبة على العلم، ترتيبها على خبر الواحد، أو ترتيب الأحكام العقليّة الواقعة في مقام التنجيز والتعذير. فيترتّب على العلم التعبّدي كلّ ما يترتّب على العلم الوجداني من الأحكام الشرعيّة، أو من التنجيز والتعذير.
بالنتيجة ما يرجع إلى جهة المولى، يترتّب على العلم التعبّدي ما يترتّب على العلم الوجداني في الجهات المولويّة الراجعة إلى المولى.
وأما اللوازم التكوينيّة الثابتة بحسب عالم التكوين، هذه لا مجال لتوّهم ترتبها في المقام لا تكويناً ولا تعبّداً على جعل الطريقية؛ لأنَّ جعل الطريقيّة لا نظر له إلى مثل تلك اللوازم التكوينيّة.
فلو فُرِض -مثلاً-أنَّ من اللوازم التكوينيّة للعلم بحياة الابن الاستئناس والسرور. فإنَّ هذا الاستئناس لا يترتّب على جعل الحجّيّة لخبر الواحد.
ومقامنا من هذا القبيل، فإن العلم برأي الإمام لازم تكويني للعلم بالفتاوى من باب حساب الاحتمالات؛ لأنَّ العلم بالفتاوى يولد ضعفاً في الاحتمال، وضعف الاحتمال يستمر ويتناقص حتّى يكون الاحتمال بدرجة يزول، وإذا زال حصل العلم برأي الإمام.
فالعلم برأي الإمام لازم تكويني، بحسب قوانين حساب الاحتمالات أو للعلم بالفتاوى، ومثل هذا اللازم التكويني، لا يمكن الالتزام بترتبه بلحاظ أدلة حجّيّة خبر الواحد، حتّى لو فُرِض كون مفادها جعل الطريقيّة.
ــــــــــ[259]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وهذا المطلب يتّضح تماماً، بملاحظة أصل تشريح هذا المبنى على النحو الّذي سبق تفصيله في بحث قيام الأمارات مقام القطع الطريقيّ، وقيامها مقام القطع الموضوعي.
وكيف كان في المقام بناء على إنكار الملازمة يأتي إشكالنا وهو: أنَّ أدلّة حجّيّة خبر الواحد، كيف تشمل هذا الخبر باعتباره إخباراً عن رأي الإمام. فإنَّ رأيه ليس مدلولاً التزاميّاً لمثل هذا الخبر؛ لأنَّ الملازمة ليست بين ذات المعلومين، بل بين نفس العلمين في أفق الوجدان وعالم النفس، بحسب قوانين حساب الاحتمالات.
فالإخبار عن أحد المعلومين لا يكون إخباراً عن الآخر، بالملازمة بعد أنَّ فرضنا أنَّ مركز الملازمة ليس هو الواقع -واقع المعلومين- بينما هو ظرف العلمين وهو النفس.
هذا تمام ما أوضحناه فيما تقدّم مع بيان شبهة وجوابها.
استثناء النقل الأعلائي الكامل
نعم، نستثني من هذا النفي صورة واحدة:
وهي: ما إذا فُرِض أنَّ الناقل كان ينقل مقداراً من آراء أهل النظر، بحيث إنَّ هذا المقدار لو حصل عند أي شخص، لحصل له العلم برأي الإمام من باب حساب الاحتمالات.
توضيح ذلك: أنّنا أشرنا فيما سبق إلى أنَّ الانتقال من الإجماع إلى رأي الإمام، إنّما هو من ناحية حساب الاحتمالات وضعف الاحتمال. وأشرنا أيضاً، إلى أن ضعف الاحتمال يولّد إفناء ذلك الاحتمال، فيزول من عالم النفس.
ــــــــــ[260]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
[تفاوت العقول في قانون حساب الاحتمالات]
لكن هناك شيء لابدَّ من الالتفات إليه، وهو: أنَّ أدمغة الناس ليست متساويّة من هذه الناحيّة، بل هي مختلفة؛ لعوامل وأسباب لا يمكن حصرها، ولا مجال لذكر بعضها! هذه العوامل اقتضت أن تتفاوت أدمغة الناس في قانون حساب الاحتمالات.
ففي ذهن شخص لو ضعف الاحتمال إلى درجة واحد من مئة، يزول. ولكن في ذهن شخص آخر، إذا ضعف إلى عشرة آلاف من مئة أيضاً يبقى يوسوس، بأنّه لعلّ هذه العشرة آلاف موجود. هذا الّذي في العرف يقال أنّه وسواسي، وقد يكون أشدّ وسوسة من ذلك.
أمّا إذا كان إنساناً عاقلاً، ولم يبلغ إلى درجة المجنون، فلابدَّ وأن يُفرَض أنَّ هذا الاحتمال إذا بلغ إلى درجة من الضعف يزول من نفسه، لكن أيّ درجة؟ هذه الدرجة تختلف من شخص لآخر.
ومن هنا نرى أنَّ شخصاً يصدّق أربعة إذا نقلوا له حادثة، ويحصل له العلم بنقلهم. وشخص آخر لا يحصل له العلم بنقل عشرين واحد، وثالث لا يحصل له العلم من نقل مئة واحد.
بحسب الحقيقة، كما قلنا فيما سبق: إنَّ حصول العلم من التواتر والاستفاضة، ربما هو أقل منها أو أكثر كله على أساس حساب الاحتمالات، على أساس ضعف الاحتمال بالتدريج. إذن، كيف حصل لهذا الشخص العلم من أربعة، وذاك لم يحصل إلا من أربعين ؟؛ لأنَّ الاحتمال في ذهن هذا الشخص
ــــــــــ[261]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إذا بلغ إلى درجة واحد من مئة مثلاً يزول، أمّا من ذاك الشخص، فلا يزول الاحتمال إلَّا إذا بلغ واحد من عشرة آلاف -مثلاً-.
فقابليات الناس في مقام إفناء الاحتمال تختلف. ومع اختلافها يوجد هناك مرتبة من الضعف يشترك فيها عموم الناس الاعتياديّين، غير الشاذّين. يشتركون في حصول العلم فيها.
فإنَّ كلّ إنسان لو أُخبِر من قبل جماعة عن حس، يبلغ عددهم ألف واحد، مّمن لم يُعرَفوا بالكذب إذا أخبروا عن واقعة، ومع بعض القيود الأخرى. حينئذٍ، يحصل لكل إنسان العلم بثبوت المخبر به بحسب الخارج.
هنا ضعف الاحتمال يولّد العلم عند كلّ شخص، يعني حساب الاحتمالات هنا حساب نوعي لا حساب شخصي. وهناك مراتب أخرى يختص بها بعض الناس دون بعض.
مقصودي من هذه المقدُمة، توضيح هذه النُكتة:
وهو: أنَّ ضعف الاحتمال له مراتب بعض مراتبه يقتضي إفناءه في كلّ الناس الاعتياديين، وبعض مراتبه تختلف بين إنسان وإنسان آخر.
إذا اتضح هذا، فحينئذٍ نأتي إلى باب الإجماع:
[نقل قانون ضعف الاحتمالات إلى الإجماع]
أليس استكشاف رأي المعصوم من الإجماع على أساس حساب الاحتمالات؟ نعم، وقلنا: إنَّ هذا الحساب يوجب ضعف الاحتمال شيئاً فشيئاً حتّى يزول ويفنى من ضعفه.
ــــــــــ[262]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فهنا تارةً نفرض أنَّ الناقل ينقل اتّفاق عدد من العلماء، يكونون من حيث الجهات الكميّة -من حيث الكثرة- ومن حيث الخصوصيّات، المقارنة لفتاواهم، كاطّلاعهم وقدم رتبتهم والتحاقهم بعصر الأئمّة. بحيث إنَّ هذا الإجماع الّذي ينقله بهذه الخصوصيّات الكميّة، والكيفيّة، والتاريخية الّتي ينقلها، تكون موجبة للعلم عند كلّ من يعلم بها، بمقتضى حساب الاحتمالات؛ لأنَّ حساب الاحتمالات يوجب ضعف الاحتمال إلى درجة بحيث يفنى في ذهن كلّ أحد، دون فرق بين شخص وشخص.
وأخرى نفرض أنَّ الناقل لم ينقل الإجماع بهذه المرتبة، وإنّما نقل اتّفاق مئة شخص من العلماء -مثلاً-. وهذه المئة شخص في بعض الأذهان توجب، بمقتضى حساب الاحتمالات حصول العلم، وفي بعض الأذهان لا توجب حصول العلم. فهنا حساب الاحتمالات لا يقتضي تحصيل العلم عند كلّ أحد. يعني: الملازمة بين العلمين هنا ملازمة (أحيانيّة) لا (دائميّة). وأمّا في الأوّل فالملازمة بين العلمين دائمية، لا أحيانية.
إذا فرضنا أنَّ الملازمة بين العلمين كانت دائميّة، يعني أنَّ الناقل نقل المرتبة العاليّة من الإجماع، الّتي يكون العلم بها ملازماً دائماً للعلم برأي المعصوم وإن لم يكن هناك ملازمة بين الواقعين.
إذا فُرِض أنَّ الأمر كان كذلك، فحينئذٍ كون قول هذا الناقل حجّة في إثبات رأي المعصوم.
وذلك أنَّ هذا الناقل لا محالة يكشف نقله بهذه المرتبة العاليّة، يكشف
ــــــــــ[263]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
كشفاً عرفيّاً بعد فرض كونه إنساناً سويّا عن أنّه قاطع برأي المعصوم، يكشف عن قطعه برأي المعصوم وحكايته عنه. وهذا القطع والحكاية عن رأي المعصوم قائم على أساس حدسي قريب من الحس؛ لأنّه حدس يشترك فيه كلّ الناس.
وقد قلنا فيما سبق -حوالة على بحث خبر الواحد- إنَّ أدّلة حجيّة خبر الواحد، تتكفّل بإثبات حجيّة الخبر القائم على أساس الحسّ، والخبر القائم على أساس حدس يشترك فيه عموم الناس المتعارف من الناس. فالخبر الّذي يكون مُستنِداً إلى حدس عمومي، أيضاً يكون مشمولاً لخبر الواحد، فحينئذٍ يكون إخبار ناقل الإجماع عن تلك المرتبة العاليّة من الإجماع كاشفة لا محالة عن علمه برأي المعصوم وحكايته ضمناً عن رأيه. وعلمه برأي المعصوم وحكايته عنه، يكون مشمولاً لحجّيّة خبر الواحد؛ لأنّه حدس قائم على أساس حدس عموميّ، لا حدس شخصي يختلف بين شخص وشخص آخر. والحدس العموميّ ملحق بالحس، من حيث شمول أدلّة حجّيّة الخبر الواحد له(1).
ــــــــــ[264]ــــــــــ
() وهذا قد يحتاج، إلى مقدّمة أخرى، ذكرها سيّدنا الأستاذ بعد البحث، وهو: أنَّ المدار في حجّيّة خبر الواحد ليس هو نطقه بالخبر وقوله له، وإنّما المدار هو علم الثقة العدل بذلك. فالحجّيّة مجهولة على منشأ انتزاع الإخبار، لا على نفس الإخبار، ومنشأ انتزاعه هو العلم لا محالة. ومن هنا لو شككنا بوقوع نجاسة في ظرف، وعلمنا إنَّ هذا العدل عالم بوقوعها فيه، فإنّنا لابدَّ أن نحكم بنجاسة الظرف، وإن لم يقل لنا ذلك الثقة العدل شيئاً؛ لشمول أدّلة حجّيّة خبر الواحد له.
ووجه الحاجة إلى هذه المقدمة هو، أنَّ ناقل الإجماع، إنّما ينقل بالمطابقة آراء العلماء، لا رأي المعصوم، إلَّا أنّه بما أنّنا نعلم إنَّ هذه الكميّة من الآراء موجبة لعلمه، أي: الناقل بصفته شخصاً سويّاً برأي الإمام، فيكون هذا العلم مشمولاً لأدّلة حجّيّة خبر الواحد. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
[نقل المرتبة النازلة من الاجماع]
هذا بالنسبة إلى نقل تلك المرتبة العاليّة من الإجماع. وأمّا نقل المراتب النازلة من الإجماع: نقل بعض مراتب الإجماع الّتي هي بمقتضى حساب الاحتمالات، بعض الناس لو اطّلعوا عليها، لحصل لهم العلم وبعضهم لو اطّلعوا عليها، لما حصل عندهم العلم؛ لأنَّ ضعف الاحتمال الّذي ينشأ من ناحية عدم الاطلاع عليها، ليس بمقدار بحيث يفنى ذاك الاحتمال في كلّ دماغ، بل يفنى في بعض الأدمغة دون بعض.
لو فُرِض أنّه نقل تلك المراتب النازلة من الإجماع، لا يكون قوله حجّة. ولو حصل للناقل العلم؛ لأنَّ علمه هذا قائم على أساس حدس شخصي لا حدس عموميّ، وأدلّة حجّيّة خبر الواحد إنما تتكفّل لحجّيّة الخبر القائم على أساس الحسّ، أو على أساس الحدس العموميّ. وأمّا لو كان قائماً على أساس الحدس الشخصي فلا يكون نقل مثل هذا الخبر حجّة.
يبقى فرض واحد، لابدَّ من التكلّم فيه وهو: أنّه لو فُرِض أنَّ المقدار الّذي نقله الناقل من الإجماع لم يكن من المرتبة العاليّة، بل كان من المرتبة النازلة، ولكن هذا المقدار كان بحيث لو أنّنا اطلعنا عليه، لحصل لنا علم برأي المعصوم؛ لأنّنا نعلم من أنفسنا إنّنا سريعو القطع.
ــــــــــ[265]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
العلّامة الحلّي ينقل من رأي ثلاثين فقيهاً، ونحن ندري بأنفسنا إنّنا في كلّ مورد كنّا نطّلع فيه على رأي ثلاثين فقيه، لو رأيناه في كتبهم، كان يحصل لنا العلم برأي المعصوم؛ لأنّنا من الناس الأسرع قطعاً، لا من الناس الأبطأ قطعاً.
غاية الأمر هنا بنقل العلّامة الحلّي لم يحصل لنا العلم برأي المعصوم؛ لأنّنا لا ندري حقيقة أنَّ هؤلاء الثلاثين اتفقوا على هذا، أو لا؟ فإنّنا نحتمل الاشتباه والخطأ والغفلة من قبل العلّامة.
فالآن حالتنا الوجدانية، أنّنا لا علم لنا برأي المعصوم. لكن نحن ندري إنّه لو كان لنا علم بما نقله العلّامة، لحصل لنا العلم برأي المعصوم.
فهنا الحدس الشخصيّ الموجود عند العلّامة موجود عندنا أيضاً. هل أنّه في مثل ذلك يكون هذا مشمولاً لأدّلة حجّيّة خبر الواحد، أو لا يكون مشمولاً له؟
قلنا في المسألة الأولى(1): أنّه لا ملازمة بين اتفاق أصل النظر، بأي مرتبة من المراتب وبين رأي الحجّة. الملازمة ليست بين الأمرين الواقعيين في لوح الواقع، بل أنَّ هناك ملازمة بين العلمين في لوح التصديق: في عالم النفس على أساس حساب الاحتمالات. وهذا يعني أنَّ رأي الإمام ليس مدلولاً التزاميّاً لناقل الإجماع على حد سائر المداليل الالتزاميّة المتعارفة. فلو اقتصر في مقام الحجّيّة على المدلول المطابقي ولوازمه، فيتعيّن في المقام القول بعدم الحجّيّة؛ لأنَّ رأي الإمام ليس هو مدلول مطابقي بحسب الفرض في المسألة الأولى، ولا هو
ــــــــــ[266]ــــــــــ
() وهي نقل الكاشف وهو الإجماع، (شرح). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
من لوازم المدلول المطابقي؛ لأنَّ الملازمة ليست بين الواقعيين، بل بين العلمين.
إلاَّ أنّنا قلنا: إنَّ الملازمة تارةً تكون ملازمة عموميّة، قائمة على أساس حد عموميّ ناشئ من حساب الاحتمالات. ففي مثل ذلك يكشف كلام الناقل للإجماع، كشفاً تصديقيّاً في مرحلة المدلول التصديقي، يكشف عن علم الناقل برأي الإمام. وهذا العلم للناقل، قائم على أساس حد عمومي، صحيح عند العموم، فيكون مشمولاً لأدلّة الحجّيّة؛ لأنَّ أدلّة الحجّيّة تشمل الأخبار القائمة على أساس الحسّ، أو على أساس الحدس العموميّ. فمثل هذا يكون حدساً عموميّاً فيكون مشمولاً لأدلّة حجّيّة خبر الواحد. كما سيأتي تفصيله في بحث خبر الواحد.
فإن قيل في المقام: إنّنا هنا، بنقل هذا الناقل للإجماع، وإن استكشفنا واطلعنا على أنَّ الناقل يعلم برأي المعصوم، فيما إذا نقل المرتبة العالية من الإجماع الّتي تورث العلم لدى كلّ إنسان هنا، وإن كنّا نعلم بأنَّ العلّامة الناقل لهذا الإجماع في نفسه يعلم بقول المعصوم. لكن هو لم يخبرنا عن قول المعصوم، عنوان الإخبار لم يتحقق، وإنما أخبرنا عن الإجماع، ولم يخبرنا عن رأي المعصوم لا مطابقة ولا التزاماً: إمّا مطابقة، فهو مفروض المسألة، وإمّا إلتزاماً، فإنّ هذا مفروض مبانيكم، حيث تقولون: إنّه لا ملازمة بين الواقعين وموضوع أدلّة حجّيّة خبر الواحد، هو عنوان الخبر وعنوان الخبر والنبأ(1) لم يتحقّق في المقام.
ــــــــــ[267]ــــــــــ
() إن جاءكم فاسق بنبأ. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هذه الشبهة جوابها من وجهين في المقام:
ما يأتي إن شاء الله في بحث خبر الواحد، من أنَّ عنوان الخبر والنبأ لوحظ موضوعاً للحجّيّة بنحو الطريقيّة لا بنحو الموضوعيّة. لوحظ النبأ بنحو الطريقيّة إلى تصدّي الثقة للحكاية عنه وعلمه بالمطلب، لا أنَّ النبأ بما هو إبراز له موضوعيّة في المقام.
فما هو موضوع الحجّيّة بحسب الحقيقة إنّما هو ما ينكشف بالنبأ وهو أنَّ هذا المؤمن مع كونه ثقة مستعدّ لأنَّ يخبر عن وقوع المطلب الفلاني من دون تحرّج. هذا الاستعداد المنكشف بالنبأ وبالخبر، هو موضوع الحجّيّة بحسب الحقيقة، لا نفس النبأ والخبر. وقد أخذنا موضوعاً للحجّيّة بنحو الطريقيّة لا بنحو الموضوعيّة.
ومن هنا كنّا نقول في باب خبر الواحد أنّه لو كنّا نعلم بأنَّ هذا الثقة لو سألناه عن هذا الإناء، لأخبر أنّه نجس. نعلم بهذا المطلب لكنّنا لا نسأله، هنا الحجّة على النجاسة تامّة، ولا يجوز إجراء أصالة البراءة أو الطهارة، ولا نسأله ونجريها؛ لأنه لم يخبرنا إلَّا أنَّ الإخبار أخذ بنحو الطريقية إلى استعداد هذا المؤمن الثقة لأن يخبر عن المطلب بلا تحرّج. فإذا علمنا بهذا الاستعداد ولو عن غير طريق إخباره، وتلفّظه ونبئه يكون هذا موضوعاً لأدلّة الحجّيّة.
والمفروض في المقام ذلك: المفروض أنَّ العلّامة الحلّي -مثلا-الّذي نقل لنا
ــــــــــ[268]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
المرتبة العاليّة من إلا جماع، نعلم بانَّ هذه المرتبة العاليّة من الإجماع، تؤثّر في نفسه علماً برأي المعصوم؛ لأنّه ليس وسواسيّاً(1).
فحينئذٍ نحن نعلم بأنَّ العلّامة مستعدّ بأن يخبرنا عن رأي المعصوم لو سألناه، وليس عنده تحرّج من ناحية هذا الإخبار، سواء نطق بالفعل بالجملة الخبريّة أو لا. فيكون موضوع الحجية تامّاً، فتشمله أدلتها. هذا أولاً.
لو فُرِض أنّنا تعبّدنا وجمدنا على ظواهر الألفاظ، وظواهر عنوان النبأ والخبر، وقلنا: بأنَّ موضوع الحجّيّة هو النبأ والخبر يعني: أنَّ يوجد هناك كاشف عرفي عن هذه الحالة النفسانيّة عند الثقة. هذه الحالة عنده وهو استعداده لأن يخبر بلا تحرّج، ما لم ينكشف بكاشف عرفي كقول، أو إشارة أو نحو ذلك. لا يكون موضوعاً لدليل الحجّيّة. فما هو موضوعها هو: أن ينكشف بكاشف عرفي من قِبَله.
لو قلنا بهذا، فحينئذٍ نقول: إنَّ الكاشف العرفي من قِبَله أيضاً موجود في المقام؛ وذلك لأنَّ هذا الناقل الّذي نقل اتّفاق أهل النظر كلامه له مدلو؛ لانَّ مدلول واقعي ومدلول نفسانيّ، أو بالتعبير المصطلح في علم الأصول: مدلول
ــــــــــ[269]ــــــــــ
() بل وإن كان وسواسيّاً، إلَّا أنَّ المدار هو علم الشخص العادي ولو كان العلّامة عاديّاً لعلم. وهذا يكفينا في مقام حجّيّة علمه. كما تفضل بذلك سيدنا الأستاذ بعد البحث. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
تصوّري ومدلول تصديقيّ.
مدلوله التصوّري أو الواقعيّ، هو ذات الإجماع والاتّفاق، يعني النسبة القائمة بين أصل العلم وبين الفتوى المعيّنة. هذه النسبة هي المدلول التصوّري أو الواقعيّ لهذا الكلام.
ومدلوله الآخر، هو المدلول التصديقيّ أو النفسانيّ، وهو قصد الحكاية وإبراز أنّه في مقام الكشف عن ذلك بلا تحرّج، وأنّه عالم بذلك، ونحو ذلك من الأمور النفسانيّة المناسبة لمقام الإخبار.
هذه الحالات النفسانيّة المناسبة لمقام الإخبار مدلول تصديقيّ ثانويّ ونفس النسبة الواقعيّة القائمة بين العلماء، ووجوب السورة مدلول تصوّري واقعيّ أوّليّ.
فهنا لو لاحظنا هذا الكلام في مرحلة المدلول التصوّري الواقعيّ الأوّليّ، فلا ملازمة بينه وبين واقع رأي الإمام كما بيّنّا مراراً وتكراراً.
وأمّا بحسب المدلول التصديقيّ والنفسانيّ للكلام، فهذا الكلام، يدلّ على أنَّ المتكلّم مستعدّ للحكاية عن اتّفاق أهل النظر، وهذا يستلزم لا محالة استعداده للحكاية عن رأي الإمام؛ لانَّ الملازمة بين العلمين ثابتة، وإن لم تكن هناك ملازمة بين المعلومين. فمن يكون مستعدّاً لأن يحكي عن اتّفاق أهل النظر مستعدّ لأن يحكي عن رأي المعصوم.
فينعقد للكلام في مرحلة المدلول التصديقيّ ظهور في استعداد هذا المتكلّم للحكاية عن تمام الأمورّ الّتي يكون العلم بها ملازماً مع العلم بالإجماع، وهذا
ــــــــــ[270]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
يكون إبرازاً لذلك الاستعداد من قبله.
إلَّا أنّنا لا نحتاج إلى مثل هذا التكلّف والتعسّف؛ لأنَّ الصحيح هو ما ذكرناه في الجواب الأوّل من أن عنوان الإخبار والإنباء لوحظ بنحو الطريقيّة لا بنحو الموضوعيّة في أدلّة حجّيّة خبر الواحد.
ويتلخّص من ذلك، أنَّ الناقل لو نقل المرتبة العاليّة من الإجماع عن حسّ فيكون هذا الكلام حجّة في إثبات رأي المعصوم لا لما يقوله الأصحاب من الملازمة بين الواقعين في لوح الواقع، بل من ناحية الملازمة بين العلمين في لوح التصديق وعالم النفس، فيكون إخباره عن ذلك إخباراً عن علمه برأي المعصوم. وعلمه برأي المعصوم بنفسه يكون مشمولاً لأدلّة حجّيّة خبر الواحد؛ لأنّه قائم على أساس حدس عموميّ.
هذا فيما إذا فرضنا أنَّ العلّامة الحلّي نقل المرتبة العاليّة من الإجماع الّتي يكون إيجادها للعلم أمراً عمومياًّ، في جميع الموارد والحالات وعند جميع الناس.
وأمّا إذا فُرِض أنَّ الناقل نقل مرتبة دانيّة من الإجماع، لا تلك المرتبة العالية، كأن يكون ناقلاً لثلاثين من فتاوى أهل النظر.
فحينئذٍ، نحن نمتحن أنفسنا أنّنا إذا كنّا قد اطلعنا على فتاوى هؤلاء الثلاثين عن حسّ ووجدان، هل يحصل لنا قطع برأي المعصوم أو لا يحصل؟
فإن كنّا قد جرّبنا من حالتنا أنّه فيما إذا اطلعنا على رأي ثلاثين مجتهداً لا يحصل لنا قطع برأي المعصوم مع هذا. فلا إشكال ولا ريب، في أنَّ هذا النقل
ــــــــــ[271]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
لا يكون حجّة في إثبات رأي المعصوم. حتّى لو فُرِض أنَّ الناقل كان له علم برأي المعصوم؛ لأنَّ علمه علم حدسيّ وهو قائم على أساس نُكتة غير معلومة الصحّة عندنا.
والأخبار الحدسيّة القائمة على أساس نكتة، غير معلومة الصحة عندنا، لا تكون حجة، إلَّا من باب الإفتاء بالنسبة إلى المقلِّد العامّي لذلك المخبر الحدسي، لا من باب الإخبار بالنسبة إلى من يريد أن يستنبط الأحكام من الأدلّة. على ما سيأتي في بحث خبر الواحد.
وإنّما الكلام فيما إذا فرضنا أنّنا كنّا متسرّعين في القطع من الذين نذهب مع القطع بسرعة، فيحصل لنا القطع من ثلاثين واحد لو سمعنا بفتواهم. وهنا جاء العلّامة الحلّي ونقل لنا اتفاق ثلاثين واحداً، فهل يكون هذا النقل كافياً، لإثبات رأي المعصوم أو لا يكون كافياً لذلك؟
هذا من الموارد الّتي تظهر فيها إحدى الثمرات بين مسلكنا، ومسلك المشهور. مسلك المشهور القائل بأنَّ الملازمة بين نفس الواقعين في لوح الواقع، ومسلكنا نحن الّذين نقول بأن الملازمة بين العلمين في لوح التصديق.
إذا قلنا: إنَّ كلّ من يعلم برأي المعصوم، فإنّما يعلم به استناداً إلى اعتقاده بالملازمة بين الواقعين، كما يقول الاصحاب. فمعنى هذا أنّنا نحن نعتقد بالملازمة الواقعيّة، بين اتفاق ثلاثين واحد من العلماء، وبين رأي الإمام بحيث إنَّ أحدهما لا ينفك عن الآخر.
ــــــــــ[272]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فحينئذٍ، إذا أخبر الثقة عن أحد المتلازمين فلا محالة يخبر عن الآخر بالالتزام، حتّى لو فُرِض أنَّ نفس الناقل لم يكن يعترف بهذه الملازمة. فإنَّ مثل هذا اللازم يثبت بالنسبة إلينا لا محالة، ببركة أدلّة حجّيّة خبر الواحد.
-فمثلاً- لو فرضنا أنّنا نعلم بأنَّ هناك ملازمة بين تقصير الصلاة في السفر وبين جواز الإفطار. فلو حدّثنا الثقة بأنّه في المسافة الملفّقة تقصر الصلاة. فهذا يدلّ بالدلالة الالتزاميّة لا محالة على جواز الإفطار؛ لأنّنا علمنا بالملازمة بين الأمرين فإذا أخبر الناقل عن أحدهما، يثبت به الآخر، سواءٌ كان الناقل أيضاً يعلم بهذه الملازمة، أو لم يعلم بها. وسواءٌ كانت هذه الملازمة مُعترَف بها عند الناس جميعاً، أو لا يدري بها إلَّا نحن(1)، فإنّنا بالنتيجة بأنَّ هذا مدلول التزاميّ وأدلّة حجّيّة خبر الواحد تشمل تمام المداليل المطابقيّة والالتزاميّة.
فبناءً على المبنى المشهوري القائم على الاعتقاد بالملازمة بين الواقعين، يجب أن يقال بأنَّ هذا النقل يكون حجّة في إثبات رأي المعصوم سواءٌ اعترف غيرنا بالملازمة أو لا؛ لأنّنا على كلّ حال نعتقد بالملازمة.
وأمّا بناءً على أن الانتقال من الإجماع، بأي مرتبة من هذه المراتب إلى رأي المعصوم ليس على أساس الملازمة بين الواقعين، وإنّما هناك ملازمة بين العلمين.
بمعنى: أنّنا نحن وإن كنّا نرى إنّه لا ملازمة بين وقوع ثلاثين فتوى، وبين وقوع الفتوى من الإمام. لكن في المورد الّذي يحصل لنا علم بإجماع ثلاثين عالم
ــــــــــ[273]ــــــــــ
() وكون غيرنا لا يدري بالملازمة لا ربط له بهذا النص. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
يتكّون لنا تكويناً علم برأي المعصوم الملازمة بين العلمين لا بين المعلومين.
وهذا كثيراً ما يتّفق بحسب الخارج: أنَّ إنساناً لو سمع خبراً من أربعة أشخاص يحصل له العلم بذلك، لكن قبل أن يخبره هؤلاء الأربعة بهذا الخبر لو سألناه وقلنا له: هل تحتمل أنَّ أربعة يخبرون في الكذب؟ يقول: نعم أحتمل، نقول له: هل ترى أنَّ اجتماع أربعة على الإخبار بشيء، هل يُكوِّن هذا عصمة للخبر عن الكذب؟ يقول: لا.
لكن بعد هذا السؤال وأخذ هذا الاعتراف منه، لو جاءه أربعة من الشهود وشهدوا له بمطلب، يحصل له القطع بذلك. وقد يظهر له كذبهم، ومع ذلك لو حصل له أربعة آخرون أيضاً يحصل له القطع.
فهنا الملازمة بحسب الحقيقة ليست بين الواقعين، إذ لو كانت هناك ملازمة بين واقع إخبار أربعة، وبين ثبوت المخبَر به، لما اعترف هذا المؤمن من أوّل الأمر باحتمال اجتماع أربعة على الكذب. الملازمة بين العلمين، لا بين الواقعين.
فإذا كانت الملازمة بين العلمين، لا بين الواقعين فهنا قبل أن يقطع هذا المؤمن بوجود أربعة، ويشخّص أربعة بحسب الخارج ويجزم بإخبارهم. هو يحتمل اجتماع أربعة على الكذب، ولا يرى اجتماعهم عصمة للخبر عن الكذب.
إذن، ففي المقام حينما نفرض بأنَّ هذا الناقل ينقل اتفاق ثلاثين من العلماء ونفرض أنّنا نحن لا نرى ملازمة أصلاً بين اتفاق الثلاثين من العلماء، وبين
ــــــــــ[274]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الواقع. بحيث لو سألنا الآن: أنكم هل تحتملون أن يتّفق ثلاثون من العلماء على الخطأ؟ نقول: نعم، هذا أمر محتمل.
لكن نحن مع كوننا نعترف بهذا، لو اتّفق لنا بحسب الخارج، أنّنا نرى ثلاثين من العلماء يفتون بالفتوى لحصل لنا العلم عيناً من قبيل صاحب الأربعة شهود.
إذن، فهنا إذا أخبر العلّامة باتفاق ثلاثين من العلماء على الفتوى بشيء، افرضوا أنَّ العلّامة قاطع برأي الإمام من ناحية هذه الثلاثين، إلَّا أنَّ قطعه برأيه قطع حدسيّ مستند إلى اجتماع ثلاثين نفر. واجتماع ثلاثين نفر، الّذي هو مدرك الحسّ ليس في نظرنا نُكتة تامّة، وإن كان لو وقع بالنسبة إلينا لحصل العلم أيضاً، إلَّا أنّنا قبل هذا نحتمل أنَّ هذه النُكتة تخطئ الواقع، ونحتمل أّنها تصيبه. فنُكتة اجتماع ثلاثين ليست نُكتة في نظرنا.
إذن، فهذا خبر حدسيّ قائم على أساس نُكتة غير مضمونة الصحّة، يعني غير تامّة في نظرنا. ومثل هذا الخبر الحدسي، يكون داخلاً في أدلة حجّيّة الإفتاء لا في أدلّة حجّيّة الإخبار.
فهنا يجب أن نفرّق بين المسلكين: بين مسلك الملازمة الواقعيّة، فيكون رأي الإمام مدلولاً التزاميّاً لناقل الإجماع، وبين مسلكنا في الملازمة بين العلمين لا بين الواقعين. فإنّه عليه نحتمل خطأ مدرك العلّامة الحلّي في إخباره. فإنَّ إخباره الحدسي عن رأي المعصوم قائم على أساس نكتة غير تامّة عندنا. فيكون هذا اجتهاداً داخلاً في حجّيّة قول المجتهد، لا إخباراً داخلاً في أدلّة حجّيّة الخبر.
ــــــــــ[275]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بعد وقوع خلاف في تشخيص مركز الملازمة وطرفها. في القول المتعارف يقال: بأنَّ الملازمة بين ذات الواقعين في لوح الواقع
أي بين ذات الاتفاق ورأي المعصوم أو بين ذات التواتر، وموت زيد الّذي أخبر عنه من قبلهم.
وفي القول الّذي قلنا به ظرف الملازمة هو وجدان النفس وعالم التصديق والملازمة. إذن، تكون بين العلمين، لا بين الواقعين المعلومين.
بعد الفراغ عن هذين المبنيين، وإبطال أولهما، واختيار ثانيهما، وقع الكلام في أنه في باب الإجماع المنقول ماذا يكون حال هذا الإجماع المنقول، بلحاظ نقله لرأي الإمام على هذين المبنيين؟
قلنا: إنَّ الناقل للإجماع ينطوي نقله على نقل الكاشف وهو: اتّفاق أهل النظر ولنغض النظر عمّا سبق من أنَّ نقله للكاشف ليس معتبراً فضلاً عن نقله للمنكشف؛ لأنَّ نقله للكاشف إمّا معلوم الحدسيّة، وإمّا أحد أطراف العلم الإجمالي بالنحو الّذي بينّاه.
ــــــــــ[276]ــــــــــ
() لا يخفى أنَّ سيّدنا الأستاذ غيّر في هذه المحاضرة أسلوب بحثه، وبدّل على ذلك مبناه أيضاً، وعليه يكون كثيراً من التفاصيل السابقة غير ذات موضوع، كالتفرقة بين ما إذا كانت نُكتة حساب الاحتمالات عامّة أو خاصّة، كالحاجة إلى القول: بأنَّ أدلّة حجّيّة خبر الواحد تشمل منشأ انتزاع الإخبار، وهو العلم، لا أنّها تقتصر على نفس الإبراز، فتأمّل في ذلك جيداً. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فنفرض أنَّ نقله للكاشف يعني اتّفاق أهل النظر كان نقلاً عن حسّ. وبعد هذا نحصر الكلام في أنَّ هذا النقل الّذي هو معتبر في الكاشف باعتبار كونه عن حسّ، هل يثبت به رأي المعصوم أو لا؟ وهل أنَّ إثبات رأي المعصوم بهذا النقل يتوقّف على تماميّة الملازمة بين الإجماع، وبين رأي المعصوم في نظر الناقل والمنقول إليه معاً، أو يكفي تماميّة الملازمة في نظر الناقل فقط، أو في نظر المنقول إليه فقط؟
أمّا بناءً على القول المتعارف، بأنَّ هناك ملازمة بين الواقعين، بين اتّفاق أهل النظر، وبين رأي المعصوم كالملازمة بين العلل ومعلولاتها: كالملازمة بين النار والحرارة -مثلاً-.
فلا محالة حينئذٍ، يكون نقل العلّامة للاتّفاق بالمطابقة، يكون دالّاً بالالتزام، على رأي المعصوم. كما لو فُرِض أنَّ العلّامة أخبر عمّا هو علّة للحكم الشرعي، كما إذا أخبر عن إسكار شيء فقال: إنَّ هذا المائع مسكر، فقهراً يكون إخباره عن الإسكار إخباراً بالالتزام عن الحكم بالحرمة؛ لأنَّ ملاك الحرمة والعلّة التامّة لها هو الإسكار.
فكما أنَّ هناك ملازمة واقعيّة بين واقع الإسكار وواقع الحرمة، هنا أيضاً نفرض ملازمة واقعية، بين واقع الإجماع، وواقع رأي المعصوم. فإذا أخبر العلّامة عن الإجماع بالمطابقة، يكون هذا الإخبار دالّاً بالالتزام على رأي المعصوم.
وأدلّة حجّيّة خبر الواحد، تقتضي حجّيّة الخبر الحسيّ في مدلوله المطابقي،
ــــــــــ[277]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ومدلوله الالتزامي معاً. وهذا خبر عن الإجماع عن حسّ، فيكون حجّة في مدلوله المطابقي، ومدلوله الالتزامي بلا إشكال.
ومناط الملازمة هنا: ثبوتها في نظر المنقول إليه. فإنّه إذا فُرِض أنِّ المنقول إليه الّذي يريد أن يرتب الآثار، ثبتت عنده الملازمة بين ما نقله العلّامة من الإجماع، وبين رأي المعصوم فيثبت بهذا النقل عنده رأي المعصوم. سواءٌ كانت هذه الملازمة الثابتة عنده بين الواقعين ثابتة عند غيره من الناس، أو لم تكن ثابتة عندهم، بل حتّى ولو أنكرها نفس الناقل. مع هذا يكون رأي المعصوم ثابتاً عند المنقول إليه؛ لأنَّ إدراكه للملازمة يقتضي إدراك أنَّ رأي المعصوم مدلول التزامي لخبر الثقة، وإذا صار مدلولاً التزامياً لخبر الثقة الّذي أخبر به عن حسّ حينئذٍ، يكون مشمولاً لحجيّة خبر الواحد.
هذا على المسلك المتعارف، من كون الملازمة ملازمة بين الواقعين في لوح الواقع.
وأما على مسلكنا المختار، وهو: أنّه لا ملازمة بين الواقعين يعني لا ملازمة واقعية بين اتّفاق ثلاثين من أهل النظر، افرضوا أنَّ علماء الإماميّة ثلاثين وبين رأي المعصوم. وإنّما الملازمة بين العلمين، بين علمنا باتّفاق الثلاثين وبين رأي المعصوم.
هنا إذا قلنا: بهذا المعنى فهل يمكن إثبات رأي المعصوم بخبر الواحد أيضاً، أو لا يمكن. وعلى فرض إمكانه، فهل يكون مناطه ثبوت الملازمة عند المنقول إليه، أو عند الناقل، أو لا بد من ثبوت ملازمة عندهما معاً مثلاً.
ــــــــــ[278]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
التحقيق: أنّ النتيجة هي النتيجة، لا يفرق في النتيجة بين هذا المبنى، وبين المبنى المتعارف، من حيث ما هو محل الكلام.
وذلك؛ لأنَّ هذا الناقل الّذي ينقل الإجماع عن حس بالمطابقة. يعني: ينقل عن حسّ فتاوى ثلاثين عالم أفتوا بوجوب السورة.
نحن لماذا نقول: بأنَّ آراء ثلاثين لا يستلزم رأي المعصوم؛ لأنّنا نقول: بأنَّ الانتقال من هذا الإجماع إلى رأي المعصوم لم يقم على أساس ربط وتلازم واقعي بين الأمرين، وإنّما قام على أساس حساب الاحتمالات، وضعف احتمال الخطأ بالتدريج، كلما انضاف فقيه إلى الجماعة، حتّى إذا بلغوا إلى ثلاثين يكون احتمال خطئهم جميعاً ضعيفاً جداً. فإذا ضعف جداً زال من عالم النفس.
هذا الاحتمال الضعيف في المقام، هو الوجه في عدم الملازمة، بين اتّفاق الثلاثين ورأي الإمام. وجه إنكار الملازمة هو: أنَّ هناك احتمالاً ضعيفاً لاجتماع هؤلاء الثلاثين على الخطأ وهذا الاحتمال الضعيف، وإن زال من عالم النفس. لكن لم يزل ببرهان حتّى تثبت الملازمة، بل زال باعتبار ضعفه فقط، وزواله باعتبار ضعفه يعني الملازمة بين العلمين لا بين المعلومين. وإلَّا لو زال ببرهان، لثبتت الملازمة بين المعلومين لا بين العلمين.
فالثغرة ونقطة الضعف بين الدليل على انه لا ملازمة بين الاتّفاق وبين رأي المعصوم هو هذا الاحتمال الضعيف، فإنّه زال بلا برهان ومعنى زواله بلا برهان، يعني أنّه لم يكن هناك ملازمة بين المعلومين، وإنّما الملازمة بين العلمين.
ــــــــــ[279]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وحينئذٍ فيقال: بأنَّ إخبار العلّامة الحلّي عن حسّ باتّفاق ثلاثين من أهل النظر. هذا الإخبار بالدلالة المطابقية يدلّ بالحسّ على اتّفاق ثلاثين من أهل النظر. واتفاقهم لا يلازم عقلاً مع رأي المعصوم؛ وذلك لوجود هذا الاحتمال الضعيف الذي زال بلا برهان في الوسط.
لكن اتّفاق ثلاثين من أهل النظر يلازم الجامع بين الأمرين عقلاً. الجامع بين رأي المعصوم، أو اجتماع هؤلاء الثلاثين على الخطأ يلازم مع أحدهما؛ لأنّه قبل أن يخبرنا العلّامة باتّفاق ثلاثين من العلماء على هذه الفتوى، كانت الاحتمالات ثلاثة عندنا، يُحتمَل أنَّ العلماء لم يجمعوا على هذه الفتوى، ويُحتمَل أنّهم أجمعوا وأخطئوا ويحتمل أنّهم اجمعوا وأصابوا، وكان رأي الإمام معهم. ولا احتمال رابع في المقام.
والعلّامة بإخباره نفى الاحتمال الأوّل، من الاحتمالات الثلاثة وهو: أنّهم لم يجمعوا، فقد أخبروا أنّهم أجمعوا، فنفى الاحتمال الأوّل بالمطابقة. ونفى عدم الإجماع، يعني الحكاية عن ثبوت الإجماع.
وثبوت هذا الإجماع، يلازم عقلاً أحد أمرين: إمّا رأي المعصوم يعني: أمّا الصواب، وإمّا الخطأ. فهو إخبار بالدلالة الالتزاميّة، لا عن رأي المعصوم، كما هو الحال على مسلك المشهور، بل بالدلالة الالتزاميّة العقليّة عن الجامع بين الصواب والخطأ: أنّه هنا وجد أحد الأمرين، إمّا أن يكون الإمام، هكذا أفتى وإمّا أنَّ هؤلاء الثلاثين أخطأ.
ولا يُتصوّر وجه ثالث إلَّا كذب العلّامة، والمفروض بأنّه هو ينفي كذب نفسه.
ــــــــــ[280]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إذن، إخباره عن ثبوت الإجماع بالمطابقة يدلّ بالملازمة العقلية(1) الواقعية، على الجامع بين رأي المعصوم، واجتماع الثلاثين على الكذب.
فالمدلول الالتزامي الواقعي لرأي العلّامة اختلف هنا، بين مسلكنا وبين مسلك المشهور. فإنّه بناء على مسلك المشهور المدلول الالتزامي الواقعي هو رأي المعصوم ابتداء؛ لأنَّ المشهور يرى ملازمة واقعية بين الإجماع، وبين رأي المعصوم، فإذا أخبر عن أحدهما، كان ذلك دالّاً على الآخر بالالتزام؛ لأنّه ملازم مساوٍ له.
وأمّا إذا فُرِض أنّنا بنينا على مبنانا يعني: أنّه لا ملازمة بين الواقعين؛ لأنَّ احتمال اجتماعهم على الخطأ، وإن كان ضعيفاً إلى درجة زال فيها، لكنّه لا برهان على إبطاله.
بناءً على هذا يصير المدلول الالتزامي هو الجامع بين الصواب والخطأ: بين أن يكون الثلاثون قد أصابوا، يعني أنَّ رأي الإمام معهم، أو أن يكونوا قد اجتمعوا على الخطأ أيّ: أنَّ رأي الإمام ليس معهم.
فالمدلول الالتزامي هنا هو: الجامع بين الأمرين؛ فيثبت بدليل الحجّيّة هذا الجامع بين رأي الإمام واجتماعهم على الخطأ. فإذا ثبت هذا الجامع بدليل الحجّيّة، ننفي أحد فرديه بحساب الاحتمالات؛ لأنّنا لا نحتمل اجتماع هؤلاء على الخطأ، بعد فرض تماميّة حساب الاحتمالات في نفسنا.
فإذا نفينا أحد فردي الجامع بحسب الاحتمالات تعيّن الفرد الآخر، لا محالة.
ــــــــــ[281]ــــــــــ
() إذ يستحيل أن يكون لا صواب ولا خطأ. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إذن، فمقتضى المدلول الالتزامي هو ثبوت الجامع بين رأي المعصوم، وبين اجتماعهم على الخطأ، وبعد فرض نفي أحد فردي الجامع يتعيّن الفرد الآخر منه وهو: رأي المعصوم.
فهنا باللف والدوران وبالحيلة، انتهينا نفس ما انتهى إليه المشهور في مبناهم، لكن على اختلاف في صناعة المطلب لا في نتيجة المطلب(1).
فيثبت هذا الجامع بأدلّة خبر الواحد، وأحد فردي هذا الجامع منفي بحساب الاحتمالات؛ لأنَّ اجتماعهم على الخطأ بعيد جداً. فإنّنا كما نستبعد اجتماعهم على الخطأ، مع القطع بصدور الفتوى منهم، كذلك نستبعد اجتماعهم على الخطأ، مع الشكّ في صدور الفتوى منهم؛ لأنَّ اجتماعهم على الخطأ متضمّن لأصل فتواهم في المطلب. فهنا بحسب الحقيقة يصير اجتماعهم على الخطأ أبعد منه في صورة العلم بصدور الفتوى منهم.
وحينئذٍ ينفى هذا الفرد بحساب الاحتمالات، ويبقى الفرد الآخر وهو رأي المعصوم.
ومن هنا يظهر، أنَّ الميزان هو ثبوت الملازمة في نظر المنقول إليه لا الناقل، حتّى لو فُرِض أنَّ الناقل لا يرى هذه الملازمة مع هذا ثبوت الملازمة، يعني تماميّة حساب الاحتمالات في نظر المنقول إليه هو المناط، لا تماميّته في نظر الناقل ولا في نظر شخص آخر؛ بحيث لو فُرِض أنَّ حساب الاحتمالات لم يكن تامّاً
ــــــــــ[282]ــــــــــ
() وهنا لخصّ سيّدنا الأستاذ رأي المشهور، والرأي المختار مرة أخرى وقال فيما قال حول الرأي المختار:… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إلاَّ في نظر هذا الشخص، لكفى هذا في مقام ترتيب الأثر.
لأن هذا المنقول إليه يقول: بأنَّ كلام العلّامة الّذي أخبر عن الإجماع عن حسّ، له مدلول التزاميّ وهو: الجامع بين رأي المعصوم، وبين اجتماعهم على الخطأ. والفرد الثاني انفيه بحساب الاحتمالات، فيتعيّن الفرد الأوّل وهو رأي المعصوم، فيثبت بذلك الحكم الشرعي.
إذن، فمن حيث النتيجة لا فرق بين المسلكين، من حيث إثبات رأي المعصوم في الإجماع المنقول، لو قُطِع النظر عن إشكالنا في أصل النقل للكاشف. وأن اختلف المسلكان في صناعة المطلب وتقريبه الفنّي.
هذا تمام الكلام في المسألة الأولى.
*****
ومن هذا الكلام ظهر الحال في المسألة الثانية أيضاً: فيما إذا فُرض أنَّ الناقل نقل رأي المعصوم ابتداءً؛ لا أنّه نقل الكاشف، بل نقل المنكشف ابتداءً.
الكلام هو الكلام أيضاً؛ وذلك لأنَّ نقله للمنكشف في المقام لابدَّ وأن يكون مستنداً إلى استكشاف ذلك من ناحية اطلاعه على فتاوى العلماء.
وحينئذٍ هذا المستند إمّا أن يكون تامّاً، وإمّا ألَّا يكون تامّاً. فإذا فُرِض أنَّ هذا المستند في المقام تامّ في نظرنا كان حجّة، وإن لم يكن تامّاً في نظرنا لا يكون حجّة.
أذن، تلخّص من المسألة الأولى، بأنَّ الناقل للكاشف، أي للإجماع إذا تّمت في نظرنا الملازمة بين ما ينقله من الإجماع، وبين رأي المعصوم فيكون نقله
ــــــــــ[283]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
حجّة في إثبات قوله، سواءٌ قلنا: بأنَّ الملازمة بين الواقعين، كما هو مبنى المشهور، أو بين العلمين كما هو التحقيق.
أمّا على الأوّل، فلأنَّ قول المعصوم يكون مدلولاً التزامياً، وأمّا على الثاني فلأنَّ الناقل للإجماع وإن كان مدلول كلامه هو الإجماع، وهو لا يلازم عقلاً مع رأي المعصوم، ولكنّه يلازم مع الجامع بين أمرين، بين رأي المعصوم، أو اجتماع المجمعين على الخطأ. فهو بالدلالة الالتزاميّة العقليّة، ينقل الجامع ما بين الأمرين: بين رأي المعصوم، أو وجود خطأ صادر من جميع هؤلاء الثلاثين.
وأحد فردي هذا الجامع، وهو صدور الخطأ من الجميع، منفيّ عندنا باعتبار ضعف الاحتمال الناشئ من حساب الاحتمالات. ويتعيّن الفرد الأوّل من الجامع.
وإن شئتم قلتم: بأنَّ هذا الناقل للإجماع، هو بالدلالة الالتزاميّة يخبر عن رأي المعصوم(1)، لكن على تقدير نفي الفرد الثاني من الجامع. يعني كأنّه يخبر بالالتزام هكذا: أنّه لو لم يجتمع الثلاثون على الخطأ، فرأي المعصوم هو مطابق لهذه الفتوى.
فالمدلول الالتزامي بحسب الحقيقة يكون قضيّة شرطيّة، جزائها رأي المعصوم ومقدّمها، هو عدم اجتماع الثلاثين على الخطأ. وهذه القضيّة الشرطيّة مستندة إلى حسّه. فإنَّ نفس اطلاعه الحسيّ على فتاوى الثلاثين عالماً، يشكّل عنده هذه القضيّة الشرطيّة، وهي: أنَّ هؤلاء العلماء إذا لم يكونوا بفتواهم
ــــــــــ[284]ــــــــــ
() وهو الفرد الأوّل من الجامع. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بوجوب السورة، قد أجمعوا على خطأ، فلا محالة، يكون وجوب السورة هو: رأي المعصوم.
فهذه القضيّة الشرطيّة مدلول التزامي لقول هذا الناقل، وجزائها قول المعصوم، ومقدّمها عدم اجتماع الثلاثين على الخطأ. ونحن نعلم بمقدّمها بمقتضى حساب الاحتمالات، فيترتّب على ذلك جزائها لا محالة.
هذا هو الكلام في المسألة الأولى.
وأما المسألة الثانية: وهي ما إذا فرضنا أنَّ الناقل نقل رأي المعصوم ابتداءً، نفرض أنَّ العلّامة الحلّي اطلع على آراء ثلاثين عالماً يفتي بوجوب السورة، أو خمسين، بحيث حصل له القطع برأي المعصوم، فأخبر ابتداءً عن رأيه.
إخباره عن رأي المعصوم بحسب الحقيقة ينطوي، ويتضمن إخباره عن مقدّمتين مطويتين:
المقدّمة الأولى: هي اتّفاق عدد من العلماء على الفتوى بوجوب السورة. المقدمة الثانية: هي أنَّ هذا العدد من العلماء لا يُجمعِون على الخطأ.
والمقدّمة الأولى المطويّة، يخبر بها عن حسّ، فإنَّ المفروض أنّه اطّلع على الفتاوى عن حسّ. وأمّا إخباره عن المقدمة الثانية المطويّة، فهذه المقدّمة ليست حسّيّة، بل هي حدسية، استناداً إلى ضعف الاحتمال، وإجراء العلّامة لحساب الاحتمالات في ذهنه، واستنتاج أنّ هؤلاء الثلاثين لا يجتمعون على الخطأ.
فإذا عرفنا أنَّ نقل رأي المعصوم، يتضمن الإخبار عن هاتين المقدّمتين
ــــــــــ[285]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
المطويتين. إذن، فلا مانع عن شمول أدلّة حجّيّة الخبر له، بلحاظ المقدّمة الأولى؛ لأنَّ إخباره عن المقدّمة الأولى وهي: اجتماع ثلاثين -مثلاً- من العلماء على الفتوى، حسيّ لا محالة، فلا مانع عن شمول أدلة الحجّيّة له. بلحاظ إخباره عن المقدّمة الأولى. وإن لم يشمل إخباره عن المقدّمة الثانية.
وحينئذٍ، فالعدد الّذي هو مطوي في المقدّمة الأولى، أمّا أن يكون معيّناً عندنا، بأن نعلم أنَّ العدد الّذي اطّلع عليه العلّامة وأفاده العلم، هو بمقدار، بحيث لو اطّلعنا عليه نحن أيضاً، لأفادنا العلم؛ لأنَّ الملازمة تامّة في نظرنا. كما لو كانوا ثلاثين، وكان اتّفاق ثلاثين يكفي عندنا لحصول العلم.
فحينئذٍ، المقدّمة الثانية، نضمّها نحن بأنفسنا بمقتضى حساب الاحتمالات، وبضمّ تكميلنا الحدسيّ لإخبار العلّامة الحسّي، تتحصّل النتيجة، وهي إثبات رأي المعصوم على النحو الّذي سبق في المسألة السابقة.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ العدد الّذي أخبر به العلامة في المقدّمة المطويّة الأولى، كان أقل من المقدار الّذي يحصل منه العلم. كان -مثلاً- عشرين، ونحن لا يحصل لنا العلم من عشرين. إذن، فلا يمكننا إثبات رأي المعصوم من ناحية إخبار العلّامة؛ لأنَّ إخباره بالمطابقة عن رأي المعصوم، إخبار حدسيّ اجتهادي، ولا يكون حجّة بالنسبة إلينا. وإخباره عن المقدّمة الأولى وإن كان حسيّاً، إلَّا أنّها لا تنفع وحدها، ما لم تنقّح معها المقدّمة الثانية، وهي لم تُنقح؛ لأنَّ المفروض أنّنا نحتمل اجتماع عشرين على الخطأ، وحساب الاحتمالات عندنا يختلف عنه عند العلّامة، فلا يكون حجّة.
ــــــــــ[286]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فرض أنّنا شككنا، ولا ندري أنَّ المقدار الّذي استند إليه العلّامة من العدد هل هو ثلاثون حتّى يكون كافياً عندنا، أو هو عشرون حتى لا يكون كافياً. إذا تردد بين الأقل والأكثر، فلابدَّ من الاقتصار على القدر المتيّقن؛ لأنَّ الإخبار عن المردّد بين الأقل والأكثر، لا يكون حجّة إلَّا في الأقل. فيكون حكمه حكم ما لو علمنا أنه أخبر عن عشرين.
هذا أيضاً محصّل الكلام في المسألة الثانية.
وأمّا المسألة الثالثة: وهي ما إذا فُرِض أنَّ الناقل، لم ينقل في المقام رأي المعصوم، ولم ينقل تمام السبب الكاشف عن رأي المعصوم، بل نقل جزءاً من السبب. نقل فتوى عشرة من العلماء، ولا إشكال أنَّ فتوى عشرة لا يكون كاشفاً عن رأي المعصوم، لكنّه يكون جزء الكاشف؛ لأنّه لو انضمّ إلى العشرة عشرون، فيصير ثلاثين، والمفروض أنَّ الثلاثين كاشف عن رأي المعصوم.
فهنا هذا نقل عشرة فتاوى، ونحن بتتبّعنا اطّلعنا على عشرين فتوى لعشرين فقيهاً آخر. فهنا بالتعبّد لم يثبت سبب تام؛ لأنَّ الثابت عشرة بالتعبّد والسبب التام ثلاثون. وبالوجدان أيضاً لم يثبت سبب تام، لأنّنا بالوجدان حصلنا عشرين أو السبب التام هو ثلاثون.
فهل يمكن دعوى شمول دليل الحجّيّة لناقل جزء السبب، أو بضمّ التعبّد إلى الوجدان يتحصّل بذلك السبب التام، ويثبت بذلك رأي المعصوم؛ كما لو فُرِض أنَّ هذا الناقل نقل ابتداء السبب التام، ثلاثين فتوى. أو لا؟:
ــــــــــ[287]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
في المسألتين السابقتين فرغنا عن أن الناقل إذا نقل ابتداءً تمام السبب، وهم ثلاثون -مثلاً-. فرغنا عن حجّيّة نقدهم. والآن نتكلّم أنّه إذا نقل جزء السبب، فهل يكون نقله هذا مشمولاً لأدلّة الحجّيّة، بلحاظ كون نقله جزء السبب، أو لا يكون مشمولاً لها؟
وفائدة شمول أدلّة الحجّيّة له هو: أن نضمّه إلى ما نحصّله بالوجدان، من فتاوى الآخرين، أو ما نحصّله بالتعبّد بشهادة واحد آخر بعشرين -مثلاً-. وعشرون وعشرة، يتحصّل منه السبب التام. فهل يكون مشمولاً لأدلة الحجّيّة أو لا؟
استشكل في ذلك المحقّق الأصفهاني، بتقريب:
إنَّ أدلّة الحجّيّة إنّما تشمل الأمارة الخبر، فيما إذا فُرِض أنَّ المؤدّى كان قابلاً للتنزيل. والمؤدّى إنّما يكون قابلاً للتنزيل التعبّدي، فيما إذا كان حكماً شرعيّاً، أو كان موضوعاً لحكم شرعي. وأمّا إذا لم يكن حكماً شرعيّاً ولا موضوعاً لحكم شرعي، فلا يُعقَل فيه التنزيل من قبل الشارع؛ لأنَّ التنزيل من قبل الشارع، إنمّا هو بلحاظ ما هي وظيفته، وهي الأحكام الشرعية.
والمفروض في المقام، بأنّ هذا الناقل نقل فتاوى عشرة من الفقهاء، وفتوى العشرة لا يعقل فيه التنزيل والتعبد؛ لأنّه لا هي حكم شرعيّ ولا هي موضوع لحكم شرعي.
ــــــــــ[288]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ويردعلى نفسه فيقول: إنّه لا يقال بأنَّ هذا الكلام يأتي أيضاً فيما إذا أخبر عن تمام السبب، عن فتوى ثلاثين فقيهاً. فإنّ فتوى ثلاثين فقيهاً لا هو حكم شرعي، ولا هو موضوع لحكم شرعي، كموضوعيّة الخمر للحرمة، وموضوعيّة الصلاة للوجوب -مثلاً-(1).
لأنّه يقال -في ردّهعلى هذا الإشكال- بأنَّ شمول دليل التنزيل والتعبّد هناك، لم يكن بلحاظ مدلوله المطابقيّ، بل كان بلحاظ المدلول الالتزاميّ؛ لأنَّ إخبار العلّامة عن الثلاثين، إخبار بالالتزام عن رأي المعصوم، والتنزيل بلحاظ المدلول الالتزاميّ، كان معقولاً.
وأمّا في المقام، فالمفروض بأنّ فتوى عشرة من الفقهاء، لا يلازم مع رأي المعصوم، فليس لهذا النقل مدلول التزامي، منتهٍ إلى رأي المعصوم، ليصح شمول دليل الحجّيّة له، بلحاظ المدلول الالتزاميّ.
فدعوى شمول دليل التنزيل لهذا النقل، إن كان بلحاظ المدلول المطابقيّ، فهو غير معقول؛ لأنَّ المدلول المطابقيّ، وهو فتوى عشرة من الفقهاء، لا هي حكم شرعي، ولا موضوع لحكم شرعي، يعقل فيه التنزيل.
وإن كان شمول دليل التنزيل والحجّيّة، بلحاظ المدلول الالتزاميّ، فهو خلف المفروض في المقام؛ لأنَّ المفروض بأنَّ الناقل، لم ينقل ما هو ملازم مع رأي المعصوم؛ لأنّه نقل فتاوى عشرة، وهي غير ملازمة لرأيه.
ــــــــــ[289]ــــــــــ
() انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 3: 191-192.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هذه الشبهة أوردها المحقق الأصفهانيوبنى عليها. ولكنّ التحقّيق أنها لا ترجع إلى معنى يمكن المساعدة عليه:
وذلك؛ لأنَّ المدلول الالتزامي، هنا أيضاً محفوظ، بأحد التقريبين على اختلاف المسلكين، من حيث إنَّ الملازمة بين الواقعين، أو بين العلمين.
بالنتيجة، أنَّ المدلول الالتزامي هنا أيضاً موجود، غاية الأمر أنّه مدلول التزامي تعليقيّ، لا تنجيزي؛ لأنَّ من يخبر عن فتوى عشرة من الفقهاء، يخبر بالالتزام عن ثبوت رأي المعصوم، لو وجد عشرون فقيهاً آخر يفتي بهذه الفتوى.
لو فُرِض بأنَّ العلّامة نقل فتوى عشرة، وكان السبب التام ثلاثين. إذن، فهو بالالتزام يخبر عن أنّه لو وجِد عشرون فقيهاً آخر. إذن، فرأي المعصوم ثابت في المقام؛ لأنّه بهذا يتمّ السبب.
ففرقه عن المسألة الأولى، وهو: أنّه نقل ثلاثين ابتداءً، فرقه أنّ المدلول الالتزاميّ هناك تنجيزي من هذه الناحيّة، وأمّا هنا فتعليقيّ؛ لأنّه بإخباره عن رأي العشرة، يخبر عن رأي المعصوم لو تمّ عشرون آخرون لا محالة.
فلو حصّلنا نحن المعلَّق عليه، حصلنا فتوى عشرين آخرين. فتخرج هذه القضية التعليقيّة إلى التنجيز لا محالة.
المفروض بأنّ هذا الناقل يخبر عن رأي المعصوم، في ظرف وجود عشرين فقيه آخرين يفتي بوجوب السورة، وهذا الظرف نحقّقه بأنفسنا، أو نثبته
ــــــــــ[290]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بلحاظ التعبّد بخبر آخر، حينئذٍ يثبت رأي المعصوم به.
فشمول دليل الحجّيّة والتنزيل لناقل هذه الفتاوى العشرة، ليس بلحاظ المدلول المطابقيّ، حتّى يُشكل بما أُفيد، من أنَّ فتوى العشرة لا هو حكم شرعي، ولا هي موضوع لحكم شرعي، بل هو بلحاظ المدلول الالتزامي. والمدلول الالتزامي هنا ليس هو رأي المعصوم بالفعل، بل هو رأي المعصوم لو وجد الجزء الآخر من الكاشف.
ويكفي في مقام تعقّل التنزيل، كون المدلول الالتزاميّ حكماً شرعيّاً، ولو بنحو القضية التعليقيّة. والمفروض أنَّ المعلَّق عليه نحن نحرزه إمّا وجداناً، وإمّا تعبّداً. وبعد إحراز المعلَّق عليه يتنجز المعلّق لا محالة، وتكون حكاية العلّامة عن رأي المعصوم حكاية فعلية لا تعليقيّة.
إذن، فالصحيح في الثالث أن يكون حاله حال الأوّل والثاني، من حيث شمول دليل الحجّيّة له، وتماميّة السبب، لو أنّنا حصلنا الباقي. إمّا وجداناً، وإمّا تعبّداً. بعد فرض تماميّة الملازمة في نظرنا.
هذا تمام الكلام في المسائل الثلاثة. وبهذا تمّ بحث الإجماع المنقول.
ــــــــــ[291]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
يبقى عندنا بعد هذا تنبيهات:
التنبيه الأوّل: في الإجماع المركب.
والتنبيه الثاني: في أقسام التواتر، حيث قسَّم إلى تواتر معنوي وإجمالي ولفظي. لابدَّ من الإشارة إليه على نحو الإجمال، مع بيان الوجه في حجّيّة كلّ واحد منها.
والتنبيه الثالث في الشهرة: باعتبار أنَّ مهم الملاك على حجّيّتها، هو نفس الملاك على حجّيّة الإجماع المحصّل، كما قلنا فيما سبق.
تكلمنا في حجّيّة الإجماع المحصّل في حالة كونه بسيطاً، كما إذا اتّفق ثلاثون من العلماء، وفرضنا تحقّق الإجماع في ثلاثين، يعني تحقّق تلك المرتبة الّتي توجب العلم برأي المعصوم في ثلاثين. لو اتّفق هؤلاء الثلاثون على الفتوى بوجوب صلاة الجمعة. حينئذٍ، يحصل إجماع بسيط على وجوبها، ويكون حجّة على الكلام إثباتاً ونفياً حسب ما تقدّم.
وأمّا لو فُرِض أنَّ الإجماع كان إجماعاً مركّباً لا بسيطاً. حيث لم يتّفق هؤلاء الثلاثون على رأي واحد في صلاة الجمعة، بل بعضهم قال بالوجوب،
ــــــــــ[292]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وبعضهم قال بالتنجيز -مثلاً-، وبعض قال بعدم المشروعيّة. وكلّ واحد من هذه الأقوال الثلاثة يستند إلى دليل لا محالة يدلّ على مدّعاه. غاية الأمر أنّه يمكن أن ننتزع معنىً رابعاً، بحيث يكون جميع هذه الأقوال الثلاثة لهؤلاء الثلاثين عالماً، يجمعون على بطلانه، كالقول بالحرمة الذاتيّة؛ وذلك لأنَّ من يقول بالوجوب العيني، فإن دليل الوجوب المعيّن عنده يستلزم لا محالة عدم الحرمة، وكذلك من يقول بالوجوب التخييري، أو بمجرد عدم المشروعيّة.
على أيّ حال لو انعقد إجماع مركّب في مسألة، فهل يمكن أن نستفيد من مثل هذا الإجماع المركّب، إبطال ما ينتزع من مجموع هذه الأقوال إبطاله، أو لا يمكن أن يستفاد من مثل هذا الإجماع المركّب إبطال ما ينتزع من مجموع هذه الأقوال إبطاله.
-مثلاً- إذا فُرِض أنَّ العلماء في مسألة البناء على تقليد الميت، اختلفوا على قولين، قول بجواز البقاء مطلقاً، وقول بعدم جواز البقاء مطلقاً. فالقول بالتفصيل بين ما إذا كان الميت أعلم أو غير أعلم، أو التفصيل بين ما إذا كان ابتدائيّاً أو كان استمراريّاً، هذا -مثلاً- يكون ضرفاً للإجماع المركّب. فيقال: إنّه هل يمكن أن نستفيد من الإجماع المركّب المنعقد على سقوط حجّيّة قول الميت مطلقاً أو بقائها مطلقاً، نستفيد من ذلك بطلان التفصيل، أو لا يمكن أن نستفيد من ذلك بطلان التفصيل؟
هنا لابدَّ من النظر إلى ما هو مدرك حجّيّة الإجماع المحصّل؛ ليُرَى أنَّ مدركه هل يكون ساريّاً للإجماع المركّب، أو لا يكون سارياً إليه؟
ــــــــــ[293]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أما بناءً على المشهور، فقد قلنا: بأنَّ مدرك حجّيّة الإجماع على المشهور هو الملازمة بين الواقعين، يعني بين واقع الإجماع، وبين رأي المعصوم. فطرفا الملازمة هو نفس الأمرين الواقعيين، وظرفها هو لوح الواقع والخارج.
ونحن بينّا فيما سبق أنَّ هذه الملازمة بين الواقعين لا أساس لها، وإنّما هي مجرد خيال في المقام، ومن هذه الناحيّة، لا يمكن ضبط هذا الخيال بحدود. فقد يقع في نفس بعض القائلين بالملازمة، بين الواقعين؛ للاعتقاد بالملازمة بين الجامع بين الإجماع البسيط، والإجماع المركّب، وبين رأي الإمام. يعني يرى أنَّ هناك ملازمة بين الإجماع المركّب، ورأي الإمام كالملازمة بين الإجماع البسيط، ورأي الإمام. وقد يرى بأنّ الملازمة إنّما هي بين خصوص الإجماع البسيط، ورأي الإمام.
فترجع الملازمة إلى خيال المتخيِّل، فإذا فُرِض أنِّ خياله انعقد على اعتقاد الملازمة بقول مطلق، فيقول بحجية الإجماع المركّب أيضاً، وإذا فُرِض أنّه انعقد على الملازمة في بعض موارد الإجماع دون بعض، فيقول بالتفصيل حينئذٍ، بين الإجماع البسيط، والإجماع المركّب.
فليس هناك ميزان علميّ فنّيّ لتشخيص أنَّ الملازمة المعتقد بها بين الواقعين، هل هي ملازمة بين خصوص الإجماع البسيط ورأي الإمام، أو تشمل الإجماع المركّب مع رأي الإمام؟؛ لأنَّ هذه الملازمة لا وجود لها في الواقع حتّى يتكلّم علميّاً في حدودها وسعتها وضيقها.
ومن هنا كان بعض العلماء القائلين بهذه الملازمة بنوا على التعميم
ــــــــــ[294]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
والسراية للإجماع المركّب أيضاً، خصوصاً من قال منهم بقاعدة اللطف -مثلاً-، التي قال بها الشيخ الطوسي. وبعض منهم اعتقد بأنَّ الملازمة بين خصوص الإجماع البسيط ورأي الإمام، دون الإجماع المركّب.
مثل هذه الفوضى إنّما تنشأ من ناحيّة عدم تشخيص ما هو السر في حجّيّة الإجماع، وما هو المدرك في حصول العلم من ناحيته.
وأما بناءً على مبنانا، بعد أن عرفنا أن المدرك في حجية الإجماع، هو الملازمة بين العلمين، لا الملازمة بين الواقعين. وعرفنا إنَّ الملازمة بين العلمين لا أساس لها، وأساسها هو حساب الاحتمالات. حيث إنَّ هؤلاء الثلاثين عالماً إذا أفتوا جميعاً بوجوب السورة في الصلاة، فاحتمال الخطأ في كلّ واحد منهم وإن كان موجوداً، إلاَّ أنّه بإضافة الثاني إلى الأوّل، يضعف احتمال الخطأ، وبإضافة الثالث إليهما يضعف، وهكذا حتّى يصل إلى درجة بحيث يزول.
وإن شئتم قلبتم المطلب، فقلتم: بأنَّ إصابة كلّ واحد منهما وإن كانت محتملة، لا مقطوع بها، إلَّا أنّه بإضافة احتمال إصابة الثاني إلى احتمال إصابة الأوّل، يتقّوى احتمال الإصابة، وبإضافة احتمال الإصابة في الثالث إلى احتمال الإصابة في الأوّليين، يتقّوى احتمال الإصابة، ويبقى يتقّوى، حتّى يصل إلى درجة بحيث يتحّول إلى القطع. هذا هو المدرك الفني في حجّيّة الإجماع.
ومثل هذا المدرك غير موجود في الإجماع المركب جزماً.
وذلك، أنّنا افترضنا أنَّ المرتبة الّتي يحصل لنا منها الإجماع، في موارد
ــــــــــ[295]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الإجماع البسيط. هو اتّفاق ثلاثين نفراً من العلماء. فمعنى هذا أنّنا بمقتضى حساب الاحتمالات، الجمع بين ثلاثين احتمالات يولّد عندنا يقيناً بالإصابة. إذن، فمقتضى هذه الفرضيّة أنَّ مدرك حصول اليقين عندنا ورصيده هو تجمع ثلاثين احتمالاً. فهذا التجمّع يولّد عندنا حالة اليقين بصدق بعض هذه الثلاثين على وجه الإجمال، وكون رأي المعصوم موافقاً معها.
وأمّا تجمّع عشرين احتمالاً، فهو لا يولّد اليقين بحسب الفرض؛ لأنّنا فرضنا أنَّ اتّفاق عشرين فقيهاً على وجوب السورة، لا يحصّل عندنا القطع بوجوبها؛ لأنَّ عشرين فقيهاً يجمع عشرين احتمالاً، وهي لا تكفي لإيجاد القطع في ذهننا بحسب الفرض.
فأقل مقدار من تجمّع الاحتمالات، الّذي يولّد العلم بمقتضى قوانين حساب الاحتمالات، هو ثلاثون احتمالاً.
بعد أن نفرض مثل هذه الفرضيّة، نأتي إلى باب الإجماع المركّب، فنقول: لو فُرِض بأنَّ عشرة من الفقهاء قالوا بقول، وعشر منهم قالوا بقول آخر في المسألة، وعشرة قالوا بقول ثالث. عشرة قالوا بالوجوب العيني لصلاة الجمعة وعشرة قالوا بالوجوب التخييري لها، وعشرة منهم قالوا بمجرد عدم المشروعيّة.
هنا معنى الإجماع المركّب، هو أن يحصل لنا علم بأنَّ المعصوم رأيه يوافق رأي بعض هؤلاء، ولا يخرج عن هذه الدائرة، بحيث يتولّد عندنا علم إجماليّ بأنَّ رأي المعصوم إمّا الوجوب العينيّ كما يقول العشرة الأولى، أو الوجوب التخييري كما
ــــــــــ[296]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
تقول العشرة الثانية، أو مجرد عدم المشروعيّة. كما تقول العشرة الثالثة.
هذا معنى حجّيّة الإجماع المركّب، وحصول العلم لنا بهذا المطلب، لا مبرّر له بمقتضى حساب الاحتمالات.
وذلك لأنَّ المبرّر والسبب كما قلنا هو: تجمع ثلاثين احتمالاً، فإنّ قول ثلاثين احتمالاً هي التي تولّد علماً، وهنا ليس عندنا قوة ثلاثين احتمالاً؛ لأنَّ عشرين من هؤلاء الثلاثين فقيهاً قد أخطئوا جزماً وليس فيهم احتمال الإصابة. فإن حكم الله الواقعي، هو أحد هذه الأمور الثلاثة أو شيء آخر غيرها. فعلى كلّ حال عشرون من هؤلاء الثلاثين قد أخطئوا جزماً، فاحتمال الإصابة عندنا إنما هو في عشرة
فقط من هؤلاء الثلاثين، غاية الأمر عشرة مردّدة بين العشرات الثلاث. والمفروض أن عشرة احتمالات، لا تولّد، يقيناً وعلماً.
فكيف يقاس هذا بموارد الإجماع البسيط، فيما إذا فُرِض أن الثلاثين بتمامهم أفتوا بوجوب السورة. فإنّه حينئذٍ، احتمال الإصابة في كلّ واحد منهم في نفسه موجود، فحينما يتجمع الثلاثون، يتجمع ثلاثون احتمال، فالقوة الاحتماليّة هناك قوة ثلاثين احتمالاً(1)، وهنا قوة عشرة احتمالات، فمن هذه الناحيّة الفرق الفنّيّ بين الإجماع البسيط، والإجماع المركّب يصبح في غاية الوضوح.
نعم، إنّ فرضنا أنَّ هؤلاء الثلاثين فقيهاً، أفتوا بالسلب في عرض إفتائهم بالإثبات، يعني أنَّ كلّ واحد من هؤلاء الفقهاء الثلاثين، كان لهم فتويان
ــــــــــ[297]ــــــــــ
() ولا يعلم إجمالاً بخطأ بعضهم. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بحسب الحقيقة: فتوى مشتركة بين الجميع وهي نفي الحرمة الذاتيّة عن صلاة الجمعة؛ لأنّهم لم يجدوا دليلاً عليها، بقطع النظر عن وجوبها وعدم وجوبها. وفتوى بالإثبات، وقد اختلفوا في مقام الإثبات، بين قائل بالوجوب وقائل بالتخيير وبين قائل بعدم المشروعية.
إذا تصوّرنا مثل هاتين الفتويين العرضيتين، واشتراكهم جميعاً في إحدى الفتويين، مع اختلافهم في الفتوى الأخرى. فهذا حينئذٍ يدخل في الإجماع البسيط. ولا يكون إجماعاً مركّباً. غاية الأمر أنَّ هؤلاء الّذين اتّفقوا على هذه الفتوى اختلفوا في موضوع آخر، فمن حيث اتّفقوا يكون إجماعاً بسيطاً، ومن حيث اختلفوا يكون إجماعاً مركّباً لا محالة.
وكلامنا إنّما هو في الإجماع المركّب من حيثية كونه مركّب، وهو من هذه الحيثية ليس فيه ملاك الحجّيّة. والوجه في ذلك، هو أنَّ ملاك الحجّيّة هو حصول العلم القائم على أساس حساب الاحتمالات، وهنا حيث إّنه يعلم إجمالاً بخطأ عشرين من ثلاثين، فلا يبقى عندنا احتمالات يترقّب منها العلم إلا عشرة احتمالات، والمفروض أنَّ القوة الاحتماليّة المساوية لعشرة احتمالات، لا تولّد علماً.
وهذا بخلاف موارد الإجماع البسيط، فإنّه إذا اتّفق الثلاثون على الفتوى بوجوب السورة، مع احتمال الإصابة في كلّ واحد منهم، وعدم علم إجمالي بخطأ بعضهم، فهناك القوة الاحتماليّة عندنا هناك هي مساوية لثلاثين احتمالاً، ولا يقاس هذا بالقوّة الاحتمالية المساوية لعشرة احتمالات.
ــــــــــ[298]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هذا ملخّص الكلام في مورد الإجماع المركّب، وبيان الوجه الفنّي في عدم جريان الحجّيّة إليه.
التواتر تارةً يُفرَض، وقوعه بلحاظ وحدة المُخبَر، وأخرى بلحاظ وحدة المُخبر والمُخبَر به معاً.
أمّا الأول، وهو التواتر والكثرة بلحاظ وحدة المُخبِر فقط. فذلك كما إذا نظرنا إلى كتاب فيه أحاديث متنوعة من مختلف الأبواب، ولا حجّيّة في أيّ واحد منها في نفسه. كصحيح البخاري الّذي لا حجّيّة في شيء من رواياته.
إلَّا أنّنا إذا نظرنا إلى هذا الكتاب وفيه عدة آلاف من الروايات عن رسول الله، فيقال: بأنّ هذه الأخبار قد تثبت بنحو القضيّة المهملة، ورود شيء من هذا الكتاب عن رسول الله، بحيث يزول احتمال أن يكون رسول الله قد تكلّم بشيء ممّا جاء في صحيح البخاري من أوله إلى آخره.
فهنا الوحدة، بحسب الحقيقة، إنّما هي وحدة المُخبَر يعني وحدتنا نحن، وحيث إنّنا نحتمل ورود كلّ رواية من هذه الروايات إلَّا ما ثبت بطلانه بالدليل، فلهذا حينما نلحظ مجموع هذه الروايات الموجودة الساقطة عن الحجّيّة يقال: بأنَّ هذه الروايات متواترة تواتراً إجمالياً، بمعنى أنّها تولّد قضية مهملة وهي: الصدق بنحو القضيّة المهملة، وثبوت شيء مما ورد في هذا الكتاب عن رسول الله.
هذا هو المراد بالتواتر من ناحية وحدة المخبَر فقط، مع عدم
ــــــــــ[299]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الاتفاق في المخبريّة، فإن بعض هذه الروايات وردت في صحيح البخاري في كتاب الصلاة، وبعضها في كتاب الصوم، وبعضها في الغزوات، وبعضها في فضائل الصحابة. وليس هناك وحدة في المدلول وفي المُخبَر به، بين تمام هذه الروايات.
وأخرى يُفرَض التواتر من ناحية وحدة المُخبَر به أيضاً. كما إذا نظرنا إلى الروايات الواردة في إثبات إمامة أمير المؤمنين. فإنّ هذه الروايات مشتركة لا في مخبَر واحد، وأنّها كلّها روايات لنا، بل مشتركة في مدلول واحد، وهو: أنَّ رسول الله عهد إلى أمير المؤمنين بالأمر من بعده. فهنا وحدة في المُخبَر به زائداً على الوحدة في المُخبَر.
فلابدَّ من التكلّم في كلّ من هذين القسمين؛ ليُرى أنّه ما هو ملاك حصول العلم في كلّ منهما، بعد أن فرغنا في بحث الإجماع المحصّل، عن أنَّ ملاك حصول العلم في باب التواتر بتمام أقسامه ليس هو الملازمة العقلية، ولا الملازمة بأي معنى من المعاني بين واقع التواتر، وواقع ثبوت المُخبَر به. وإنمّا الوجه في حصول العلم من ناحية التواتر هو حساب الاحتمالات. يعني ضعف الاحتمالات بالتدريج الناشئ من قوانين حساب الاحتمالات.
هذا هو الملاك الوحيد في حصول العلم من كثرة الخبر المسمى بالتواتر.
وبعد أن فرغنا عن هذا الأصل الموضوعي؛ لابدَّ لنا من تطبيقه في باب التواتر. أيّ لا يبقى هنا إلا مسألة التطبيقات، أن نطبق هذا الأصل الموضوعي
ــــــــــ[300]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
لنرى أنّه في أيّ قسم من التواتر تكون قوانين حساب الاحتمالات مقتضيّة لضعف الاحتمال، بنحو آكد، وفي أيّ منها يكون ضعف الاحتمال بنحو أبطأ وأقل.
فنحن الآن في هذا التنبيه نتكلّم تكلّماً تطبيقيّاً، بعد الفراغ عن الأصل الموضوعي، الّذي أسّسناه لبيان النُكتة في حصول العلم من ناحية التواتر، وكثرة الأخبار.
أمّا القسم الأوّل: وهو ما إذا كان محط التواتر والكثرة، فقط وحدة المُخبَر، حيث وردَنا نحن، في كتاب البخاري، أحاديث مختلفة بعناوين متعدّدة، فليس هناك وحدة للمخبَر به، لكن هناك وحدة للمخبَر.
هنا ما هو ميزان حصول العلم وهل ضعف الاحتمال هنا يستند إلى أساس صحيح، أو لا يستند إلى أساس صحيح.
ولأجل توضيح المطلب، نفرض أنَّ هذا الكتاب الّذي نريد أن نحصل التواتر الإجمالي من ناحية كثرة الروايات فيه، بلا وحدة في مدلولها، مشتمل على ثلاثين رواية. ونريد أن نتكلّم في أنّه هل يحصل لنا العلم بأنَّ بعض هذه الكلمات صادرة من رسول اللهأو لا؟
هنا لا منشأ لدعوى حصول العلم بصدق البعض بنحو القضية المهملة، على أساس حساب الاحتمالات، إلَّا ضعف احتمال الكذب في كلّ واحد منهم، بضمّه إلى احتمال الكذب في الآخر، الضعف هنا ضعف كمّي، وهو ضم هذا
ــــــــــ[301]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الاحتمال، إلى الاحتمال الآخر، إلى الاحتمال الآخر، إلى ثلاثين احتمالاً.
فإذا لاحظنا الراوي الأوّل، فنحصل أنّه له داعٍ للكذب ونحتمل ألَّا داعي له للكذب. فاحتمال كذبه موجود، والثاني أيضاً احتمال كذبه موجود، إلَّا أنَّ احتمال كذبهما معاً، بمعنى وجود مصلحة للأوّل في أن يكذب، وللثاني في أن يكذب، هذا أضعف من احتمال وجود المصلحة في واحد منهما فقط.
لأنَّ الصوّر المتصوّرة حينئذٍ عقلاً أربع، فإنّه إمّا أن تكون مصلحة لكلّ منهما في أن يكذب، وإمّا ألَّا تكون هناك مصلحة للأوّل، ولا للثاني، وإمّا أن تكون هناك مصلحة للأوّل، دون الثاني أو بالعكس، وعلى ثلاث صور من هذه الأربع أحدهما صادق. وعلى التقدير الرابع وهو أن يكون هناك مصلحة للكذب عند كلّ منهما، يكون كلاهما كاذباً. فيصير احتمال كذبهما معاً، واحد من أربعة.
فلو ضُمّ الثالث، فيصير احتمال وجود مصلحة للكذب عند الثلاثة جميعاً، واحد من ثمانية.
وهكذا يضعف هذا الاحتمال، احتمال وجود مصلحة عند الجميع في الكذب، مهما أزدنا عدداً جديداً إلى الأعداد السابقة. إلى أن يصل إلى مرتبة من الضعف بحيث يزول من عالم النفس.
هذا هو التقريب الابتداء للمطلب، في باب حصول العلم في المقام.
وهذا التقريب يتوقّف على أن نلاحظ مقدار احتمال الكذب واحتمال الصدق في كلّ واحد منهما في نفسه؛ لأنّه بحسب الحقيقة، احتمال كذب
ــــــــــ[302]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
المجموع إنّما ضعف، من ناحية ضعف احتمال الكذب في كلّ واحد منهم، وبضم الضعيف إلى الضعيف إلى الضعيف يزداد ضعفاً لا محالة، فمن هنا لابدَّ أن يعيد ويقيّم سعر احتمال الكذب في كلّ واحد منهم. من أوّل الأمر يقال، بأنَّ احتمال الكذب في كلّ واحد منهم هو واحد من اثنين، أي خمسين بالمئة، أو أنَّ احتمال الكذب في كلّ واحد 90% أو 80%. يعني أنَّ دواعي الصدق، ودواعي الكذب متساوية في كلّ واحد منهم بحسب إحرازنا، أو أنَّ دواعي الكذب أكثر من دواعي الصدق، أو أنَّ دواعي الصدق أكثر من دواعي الكذب. هذا الحساب له أثر في حساب الاحتمالات.
فإنّنا تارةً: نجمع ثلاثين كذباً، يخبر كلّ واحد منهم بخبر، يخبر عن نوع العشاء الّذي تعشّاه بالأمس. فهنا ثلاثون إخباراً من ثلاثين كذباً. وطبعا احتمال الكذب في كلّ واحد من هؤلاء الثلاثين: 90% أو أكثر؛ لأنّ دواعي الكذب في كلّ واحد منهم أكثر من دواعي الصدق.
وأخرى: نجمع ثلاثين شخصاً لا نعرف صدقهم من كذبهم، أو نعرف أنهم يكذبون بمقدار ما يصدقون. فاحتمال الكذب بالضم يضعف أكثر من الفرض الأوّل.
وثالثة: نجمع ثلاثين شخصاً من الأخيار، كما لو لاحظنا ثلاثين رواية من الروايات الواردة في الكتب الأربعة عندنا. من رواة نعرفهم بالديانة والورع. هنا احتمال مخالفة الواقع في كلّ واحد منهم أضعف بكثير، فإنّ دواعي الكذب في كلّ واحد منهم أضعف وأقل بكثير من دواعي الصدق. فاحتمال الكذب في
ــــــــــ[302]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
كلّ واحد منهم من أوّل الأمر هو واحد من مئة أو واحد من عشرة -مثلاً-. فبالضمّ قهراً يزداد ضعفاً.
فحساب الاحتمالات بالنسبة إلى الجميع يتوقّف على تشخيص حساب الاحتمالات بالنسبة إلى كلّ فرد فرد. أنَّ كلّ فرد فرد، دواعي الكذب والصدق في نفسه متساوية، أو أن دواعي الكذب (9) ودواعي الصدق (1)، أو بالعكس. ويختلف حساب الاحتمالات بالنسبة إلى مجموع الثلاثين باختلاف حساب الاحتمالات بالنسبة إلى كلّ فرد فرد.
فإذا فرضنا الفرض المتوسّط في المقام، وهو: أن يكون كلّ فرد من هؤلاء دواعي الصدق عنده (5) ودواعي الكذب عنده (5) أيضاً. وهؤلاء هم ثلاثون إنساناً.
فهنا احتمال أن يكون الراوي الأوّل، حينما أخبر عن عشائه بالأمس، كان مستنداً إلى أحد الدواعي الخمسة من دواعي الكذب، احتمال مساوٍ في نفسه. لكن احتمال أن يكون تمام هؤلاء الثلاثين، قد استندوا في إخبارهم عن نوع عشائهم بالأمس، إلى الخمسة من دواعي الكذب، ولم يستند أحد منهم إلى الخمسة من دواعي الصدق أصلاً. هذا الاحتمال في نفسه موهون جداً، إلى حد يبلغ الضعف فيه بحيث يزول؛ لأجل ضعفه ويحصل القطع بنحو القضية المهملة، بأنَّ بعض هؤلاء قد استند في إخباره إلى الخمسة من دواعي الصدق، ولا يحتمل أن يكون جميعهم قد استندوا إلى تلك الخمسة من دواعي الكذب.
بطبيعة الحال، إنَّ هذا المطلب يحتاج إلى عدد كبير جداً؛ لأجل أن يحصل
ــــــــــ[304]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
مثل هذا العلم. يعني حصول العلم حيث إنّه يتقوّم بالناحية الكمّية فقط، يعني الضرب الكمّي للاحتمالات، والتضعيف من ناحية إضافة فرد إلى فرد، فمن هذه الناحية نحتاج لا إلى ثلاثين مخبر، بل إلى مئات المخبرين، نلحظهم حتّى يحصل أحياناً العلم بنحو القضية المهملة بأن بعضهم صادق، أنّهم ليسوا جميعاً قد استندوا إلى الدواعي الخمسة من دواعي الكذب.
فحساب الاحتمالات بالنسبة إلى المجموع يتوقّف على تشخيص حساب الاحتمالات بالنسبة إلى كلّ فرد فرد، فإذا فرض أن حساب الاحتمالات في كلّ فرد اقتضى كون كذبه أكثر من صدقه، فهنا يصير عائقاً عن تماميّة العلم بالنسبة إلى المجموع، وإذا اقتضى حساب الاحتمالات في كلّ فرد، أن صدقه أكثر من كذبه، فهذا يصير مؤيداً ومقرباً لجريان حساب الاحتمالات بالنسبة إلى المجموع، وهكذا.
هذا حال التواتر الإجمالي في المقام، الّذي تكون الكثرة فيه، بلحاظ وحدة المخبر فقط أي السامع فقط.
وأمّا القسم الثاني: وهو ما إذا فُرِض أنَّ الوحدة، كانت وحدة في المدلول أيضاً، لا وحدة في السامع فقط، بل كانت هذه الروايات تتّفق على مدلول واحد.
فهنا يتولّد مضعّف جديد زائداً على ذلك المضعف الكمّي السابق، يتولّد مضعّف كيفيّ جديد، كما لو فُرِض أنَّ كلّ هؤلاء الثلاثين أخبروا عن عشاء
ــــــــــ[305]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
واحد معيّن. فهنا المضعّف الكمي الّذي سبق في القسم السابق، موجود هنا على حاله بنفس البيان السابق.
ويضاف إلى ذلك المضعف الكمّي مضعّف كيفيّ؛ وذلك لأنَّ فرض كذبهم جميعاً هنا، هو فرض وجود مصلحة للكذب. في كلّ واحد منهم. وهذه المصالح الثلاثين تتمركز كلّها في موضوع واحد، هو موضوع عشاء ذاك المؤمن. وهذه المصالح باعتبار وحدة المركز تزداد ضعفاً، وهذا مضعف كيفيّ، زائداً على ذلك المضعف الكمّي.
احتمال وجود ثلاثين مصلحة للكذب، لكن في ثلاثين موضوع، هذا الاحتمال أقوى بكثير، من احتمال وجود ثلاثين مصلحة للكذب عند ثلاثين شخص في موضوع واحد؛ لأنَّ فرض تجمّع المصالح الثلاثين في موضوع واحد، هو: فرض أنَّ هذا الموضوع الواحد يمسّ حياة كلّ واحد من هؤلاء، وفرض وجود ظروف مشتركة بين كلّ واحد من هؤلاء(1) والباقي ومثل هذا مبّعد زائد على مجرد وجود المصالح الثلاثين.
ومن هنا كان حساب الاحتمالات هنا يجري بنحو أشدّ وآكد ويحصل العلم بشكل أسرع، ومن عدد أصغر. فلو فُرِض أنّه في الأوّل لا يحصل العلم إلاَّ من كتاب فيه ثلاثة آلاف رواية، هنا لعلّه يحصل العلم من ثلاثين خبر، أو
ــــــــــ[306]ــــــــــ
() بحيث إنَّ ما يكون مصلحة لكلّ واحد منهم بنفسه يكون مصلحة للآخر. مع أنَّ ثلاثين شخصاً، بحسب العادة مختلفون في ظروفهم وغاياتهم وأسلوب حياتهم (من المحاضرة). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
عشرين. فلو أنَّ عشرين شخصاً أخبر عن واقعة واحدة، بحيث كان مركز المصلحة واحداً، هنا يحصل العلم بنحو آكد، والوجه في هذا إضافة المضعّف الكيفيّ إلى المضعف الكميّ.
ثُمَّ أنّه هنا في هذا القسم الثاني، وهو ما إذا كان التواتر بلحاظ وحدة للمخبّر به. هذا أيضاً ينقسم إلى قسمين: لأنَّ الوحدة في المُخبَر به تارةً تكون وحدة حقيقيّة، وأخرى وحدة منتزعة، وبعبارة أخرى، أنَّ الوحدة تارةً تكون وحدة في المدلول المطابقيّ، وأخرى تكون وحدة في المدلول التحليليّ، الأعمّ من التضمّني، والالتزاميّ.
فإنّه تارةً نفرض أنَّ هؤلاء الثلاثين أخبروا عن واقعة واحدة، كما في مثالنا، حيث أخبروا بأنَّ ذاك المؤمن أكل في الأمس خبزاً وجبناً. فهنا الوحدة وحدة حقيقيّة في المدلول المطابقي في كلام جميع هؤلاء.
أو نفرض أنَّ هؤلاء الثلاثين مؤمناً أخبروا جميعاً عن قلع أمير المؤمنين لباب خيبر بمفرده، فهذه قضيّة واحدة، يتّفق هؤلاء على الإخبار عنها.
واخرى نفرض أنَّ هؤلاء الثلاثين لا يتّفقون في المدلول المطابقي، لكن يتّفقون في مدلول تحليلي، كما إذا أخبر كلّ واحد منهم، عن قضيّة من القضايا الّتي تدلّ على شجاعة أمير المؤمنين. واحد منهم أخبر عن قلعه لباب خيبر، والآخر أخبر عن قتله لعمر بن عبد ود، والثالث أخبر عن مبيته في فراش النبي.
كلّ هذه القضايا تشترك في لازم واحد، وهي وجود ملكة الشجاعة
ــــــــــ[307]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
والإخلاص للإسلام عند أمير المؤمنين. فهنا وحدة المُخبَر عنه هو في مرحلة المدلول التحليلي، لا في مرحلة المدلول المطابقي، فإنّه في مرحلة المدلول المطابقي، ليس هناك وحدة بينها؛ لأنَّ كلّ واحد منهم يخبر عن واقعة لا يخبر عنها الآخر. ولكن الوحدة في المدلول التحليلي، سواء كان التزاميّاً كما هو الحال في هذا المثال.
أو كان تضمنيّاً، كما لو فُرِض-مثلاً- بأنّه أخبر كلّ واحد من هؤلاء الثلاثين، عن صدور معصية من المعاصي عن أحد خلفاء الجور -مثلاً- واحد بعينه منهم، فأخبر واحد عن تحريمه للمتعة، والآخر أخبر عن تحريمه لمتعة الحج، -مثلاً- والثالث أخبر عن جعله التفاوت بين المسلمين في مقام العطاء، وهكذا. بحيث إنَّ كلّ واحد من هؤلاء يخبر عن واقعة واحدة، إلّا أنَّ هذه الوقائع لها مدلول تحليلي، وهو الفسق؛ لأنَّ الفسق عنوان ينطبق على كلّ واحد من هذه الأمور المُخبَر بها، لا أنّه لازم لها.
فهذان قسمان، قسم ما يكون المُخبَر به بحسب المدلول المطابقي واحداً. والقسم الآخر، أن يكون المُخبَر به بحسب المدلول التحليلي واحد، لا بحسب المدلول المطابقي.
أمّا إذا فرضنا أنَّ المُخبّر به كان بحسب المدلول التحليلي واحد، يعني القسم الثاني، ولم يكن بحسب المدلول المطابقي واحداً، كما هو الحال في قصص شجاعة أمير المؤمنين. حيث أخبر كلّ واحد من هؤلاء الثلاثين عن واقعة،
ــــــــــ[308]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إلَّا أنَّ هذه الوقائع تتّفق في لازم واحد، وهو أنَّ أمير المؤمنين، كان مخلصاً للإسلام إخلاصاً مع شجاعة.
هنا تارةً: نفرض بأنَّ احتمال الكذب في كلّ واحد من هؤلاء المخبرين، أنّ مركز المصلحة الّتي من المحتمل أن تكون داعية إلى الكذب إلى كل واحد منهم، أن يكون مركزها، هو نفس ذلك المدلول المشترك. وأمّا أن نحتمل أن يكون لكلّ واحد منهم مصلحة للكذب بلحاظ الخصوصيّة، بلحاظ شخص هذه الخصوصيّة.
أليس كلّ واحد من هؤلاء الرواة يشترك في جهة مع الآخرين، ويمتاز في جهة أخرى. فالجهة المشتركة هو إبراز شجاعة أمير المؤمنين وإخلاصه، وجهة الامتياز أنّه ينقل قلع أمير المؤمنين لباب خيبر، وذاك ينقل قتله لعمر بن عبد ود. فكلّ واحد منهم ينقل قصة تأريخية غير القصة التاريخية الّتي ينقلها الآخر. فهناك جهة امتياز وجهة اشتراك.
تارةً: نفرض أنّنا لا نحتمل وجود مصلحة للكذب عند أي واحد منهم في الخصوصيّة، فيما فيه الامتياز، بحيث إنّه ليس له غرض، في خصوص قلع باب خيبر، وإنّما غرضه ترويج أمير المؤمنين وإبراز إخلاصه. فمركز المصلحة المحتملة، هو نفس المدلول المشترك، الّذي هو ما به الاشتراك لا المدلول المطابقي الذي هو ما به الامتياز.
وأخرى: نفرض أنَّ كلّ واحد منهم، نحتمل أن يكون له مصلحة للكذب، بلحاظ نفس المدلول المطابقي، الّذي هو ما به الامتياز، من دون أن يكون ناظراً
ــــــــــ[309]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إلى ما به الاشتراك. المصلحة للأوّل الذي ينقل قلع أمير المؤمنين لباب خيبر، ليس هو أن يثبت شجاعته، بل هو أن ينفي هذه المكرمة عن شخص آخر. فيكون نظره إلى الخصوصيّة، وما به الامتياز، لا إلى ما به الاشتراك.
ففي الفرض الأوّل، فيما إذا فرض، أنَّ المصلحة المحتمل كونها داعياً إلى الكذب، كان مركزها على فرض وجودها، في المدلول التحليلي، الّذي هو ما به الاشتراك، كما هو الغالب في أمثال هذه المقامات.
إذن، فهنا يحصل المضعّفان: المضعّف الكمّي، والمضعّف الكيفي. أمّا المضعّف الكمّي باعتبار العدد، وأمّا المضعف الكيفيّ، باعتبار تمركز هذه المصالح في مركز واحد.
وأمّا إذا فرضنا أنّه كانت المصلحة المحتملة، فيما به الامتياز، لا فيما به الاشتراك، يعني في المدلول المطابقي لا في المدلول التحليلي. فإنّه هنا، المضعّف الكيفيّ لا يأتي بذاك النحو من القوة؛ لأنّه لا يلزم من كذب الجميع، أن يكون مصلحة الجميع في موضوع واحد، بل مصلحة الأوّل في موضوع، ومصلحة الثاني في موضوع، ومصلحة الثالث في موضوع آخر. نعم، من باب الصدفة أنَّ مصالح هؤلاء الثلاثين على موضوعاتها الثلاثين، أدّت إلى نتيجة لا بأس بها بالنسبة إلى أمير المؤمنين. فلا يلزم هنا أن يكون موضوع المصلحة واحداً بينهم، فالمضعّف الكيفيّ لا يأتي في المقام، بذاك النحو من القوة. فهنا فرق بين هذين الفرضين.
هذا فيما إذا فرض أن المدلول المشترك كان مدلولاً تحليلياً.
ــــــــــ[310]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وإذا فُرِض أنَّ هؤلاء اتّفقوا في المدلول المطابقي، كما هو الحال في نصّ الغدير -مثلاً- فنقلوا جميعاً قضيّة واحدة بعينها، أو نقل الثلاثون كلّهم قلع أمير المؤمنين لباب خيبر. فقد اشتركوا في المدلول المطابقي.
هنا لا إشكال، في أنَّ المضعّف الكمّي موجود، وكذلك بحسب العادة المضعف الكيفيّ أيضاً موجود؛ لأنّه لو فُرِض في المقام أنَّ هؤلاء الثلاثين كان لهم مصلحة في إبراز هذا المطلب على خلاف الواقع، يلزم أن يكون موضوع المصلحة عند كلّ واحد منهم هو بنفسه موضوع المصلحة عند الآخر؛ لأنَّ ما أخبر به كلّ واحد منهم هو بنفسه ما أخبر به الآخر، بلا زيادة ولا نقيصة.
فالمضعّفان: الكمّي والكيفيّ موجودان. وهذا هو الوجه فيما يتراءى من أنَّ التواتر المعنوي، على ما يسمّونه في الكتب، يصير أقوى من التواتر الإجمالي.
ثُمَّ هنا، على تقدير من التقادير، يتولّد عندنا مضعّف ثالث، زائداً على المضعّف الكمّي والمضعف الكيفيّ المذكورين:
وذلك، أنَّ هؤلاء الثلاثين الّذين أخبروا عن قلع باب خيبر، كان احتمال المصلحة في الكذب عندهم، إنّما هو بلحاظ ما تكشف عنه هذه الواقعة من إخلاص أمير المؤمنين، لا بلحاظ شخص هذه الواقعة. بحيث إنَّ شخص هذه الواقعة إنمّا نقلوها على فرض كذبهم لا باعتبار مصلحة في نفس شخصها، بل باعتبار مصلحة في لازمها الأعمّ، وهو إخلاص أمير المؤمنين.
ــــــــــ[311]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فإذا كانت المصلحة في اللازم الأعمّ، لا في نفس المدلول المطابقي كما هو الغالب، في أمثال هذه القضايا. فإنه لا يحتمل أن يكون له مصلحة في شخص هذه القضيّة وإنّما له مصلحة في لازمها الأعمّ.
فهنا يأتي مضعف ثالث؛ وذلك لأنّه لو فُرِض أنّهم جميعاً كانوا كاذبين، فالمضعّف الكمّي موجود، والكيفيّ أيضاً؛ لأنَّ مصالحهم اجتمعت في مركز واحد وهو إظهار إخلاص هذا الشخص الذي تكلّموا عنه. وهنا شيء ثالث، وهو: أنّه من باب الصدفة أنّهم جميعاً في مقام إبراز إخلاصه بيّنوا قضية واحدة.
إذ أنَّ هذه القضيّة الواحدة كذب، وأنّها لم تقع بحسب الواقع، وأنّها من نسج خيال الرواة، فكيف اتفق أنَّ خيال هذا الراوي، صار مطابقاً مع خيال ذلك الراوي.
خصوصاً فيما إذا فُرِض أنَّ هؤلاء الرواة لم يكن بعضهم مطّلعاً على رواية الآخر، بحيث نقلوا هذه الرواية في عرض واحد وفي طبقة واحدة، يكون هذا المضعّف الثالث، في غاية الأهمية. فإن هذه الواقعة، إذا فُرِض أنّها كانت واقعة بحسب الخارج، فيقال: إنّهم اتّفقوا عليها من باب أنّهم رأوها بأم أعينهم. وأمّا إذا فُرِض أنّها لم تكن واقعة، وإنّما خلقوها، بقصد ترويج إمامهم. إذن، فكيف وقع في ذهنهم كلهم أن يروّجوه بهذا الترتيب.
فإنَّ مقتضى القاعدة أنَّ الكذّابين، حينما يفكّر كلّ في مكانه، ويريد أن يخلق قضيّة، لا يتّفقون جميعاً على خلق قضيّة واحدة. فلو فُرِض أنَّ هؤلاء الكذّابين رووا في اليوم الثاني واقعة واحدة، لكان ذلك من الاتفاقات العجيبة جداً: أن يتّفق خيال كلّ منهم مع خيال الآخرين.
ــــــــــ[313]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هذا هو المضعف الثالث الّذي يحصل في مثل المقام، فيضاف إلى المضعّف الكمّي وإلى المضعف الكيفيّ.
وهذا هو الوجه في أنَّ التواتر اللفظي -على ما يسمى في الكتب- أقوى من التواتر المعنوي. والوجه فيه: أنَّ ثلاثين واحد كلّهم يروون نفس الصيغة (من كنت مولاه فهذا علي مولاه)، هذا أقوى من التواتر المعنوي، بأن ينقل كلّ واحد من الثلاثين صيغة غير ما ينقله الآخر. فالتواتر اللفظي يكون أضبط من التواتر المعنوي، والوجه فيه هو: أنَّ هذا المضعّف الثالث، يوجد في التواتر اللفظي بنحو آكد؛ لأنَّ الغرض من الكذب على -فرض الكذب- لا يتعلّق في شخص اللفظ غالباً، وإنّما يتعلّق في مضمون المطلب، فاتّفاقهم جميعاً على أن يعبروا عن ذلك المضمون الواحد، بلفظ واحد معيّن، هذا ممّا يضعّف أن يكونوا قد خلقوا هذا اللفظ، وإلَّا لم يتّفقوا على لفظ واحد.
فالوجه في أنَّ التواتر اللفظي أضبط من المعنوي هو: أن المضعّف الثالث موجود في التواتر اللفظي غالباً، وغير موجود غالباً في التواتر المعنوي، وللوجه في أنَّ التواتر المعنوي أضبط من التواتر الإجمالي هو: أنَّ المضعّف الثاني في بعض موارد التواتر الإجمالي غير موجود، وأما في موارد التواتر المعنوي فهو دائماً موجود.
هذا خلاصة الكلام في المقام.
اتّضح ممّا تقدم(1) أنَّ الملاك في باب التواتر ليست هي الملازمة بين الواقعين في لوح الواقع، بل الملازمة بين العلمين القائمة على أساس ضعف الاحتمال الناشئ من قوانين حساب الاحتمالات.
ويتلّخص ما بيّناه بالأمس في تقسيم التواتر إلى أنواع متعدّدة، متفاوتة من حيث درجتها ومرتبتها، واستحكام اليقين فيها وسرعة حصوله. نبدأ الآن بأضعف هذه المراتب، ونتدرّج إلى الأقوى فالأقوى، إلى أن نصل إلى أقواها.
النوع الأوّل من أنواع التواتر الّذي هو أضعف هذه الأنواع، هو: أنَّ يفرض أنَّ الوحدة في باب التواتر هي وحدة المُخبَر أو السامع، فقط ومع فرض تعدّد المُخبَر به ومدلول الإخبار.
كما قلنا: إنّنا نأخذ كتاب البخاري الّذي لا حجّية في كلّ رواية من رواياته. فنقول -مثلاً-
إنَّ هذه الروايات مع اختلاف مضامينها، ومداليلها وعدم اتّفاقها على شيء يحصل لنا القطع بصدور بعضها من قبل النبي، لا أقل رواية واحدة منها، في فضل العلم -مثلاً-.
هذا التواتر هو أضعف أنحاء التواتر، والمضعّف لاحتمال الكذب هنا،
ــــــــــ[314]ــــــــــ
() أعطى سيدنا الأستاذ في مجموع هذه المحاضرة ملخصاً وافياً للأفكار التي عرضها بالأمس. قال: اتضح مما تقدم… (المقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
مضعّف كمّي، وهو عبارة عن ضرب كلّ احتمال بالاحتمال الآخر، احتمال كذب هذا الشخص يضرب باحتمال كذب الآخر، فينتج رقماً أقل، ثُمَّ يضرب الناتج في رقم احتمال الكذب في الشخص الثالث. فينتج رقماً أقلّ من الأوّل وهكذا يبقى الاحتمال يضعف، ويتناقص بعملية الضرب، إلى أن يصل إلى درجة بحيث يزول لمقتضى قوانين معيّنة في حساب الاحتمالات.
النوع الثاني من التواتر: هو ما إذا فرضنا وحدة للمُخبَر به، إلاَّ أنَّ الوحدة في المدلول التحليلي، لا في المدلول المطابقي، ونفرض أيضاً أنَّ مركز المصلحة المحتمل كونها داعياً للكذب، هو المدلول المطابقي في كلّ واحد منها لا المدلول التحليلي. كما إذا فرضنا أنَّ شخصاً نقل بأن زيداً تباحث مع فلان فغلبه، والشخص الآخر أيضاً نقل بأنَّ زيداً تباحث مع آخر فغلبه، والثالث نقل أنَّ زيداً تباحث في مرة أخرى مع شخص ثالث فغلبه.
هنا يوجد مدلول تحليلي مشترك لهذه الروايات، وهو وجود القوة العلميّة عند زيد بحيث إنّه يغلب من يباحثه. وأما مدلولها المطابقي فهو مختلف، فإن الأوّل يخبر عن مباحثه غير ما يخبر عنها الثاني أو الثالث.
إذن، فالمدلول التحليلي هنا واحد، بخلاف المدلول المطابقي فإنّه ليس واحداً. ونحن نحتمل في كلّ واحد من هؤلاء المخبرين الكذب، ونحتمل أن تكون المصلحة في الكذب عنده قائمة في المدلول المطابقي، لا في المدلول
ــــــــــ[315]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
التحليلي. أنّ الداعي عنده لهذا الإخبار لا أن يبرز أعلمية زيد، وإنّما أن يبرز نقصان ذات الشخص الآخر، حيث يكون له معه عداوة فيخبر أنه مغلوب لزيد في المباحثة. والثاني يخبر أنَّ زيداً تباحث مع خالد فغلبه بقصد أن يبرز منقصة في خالد.
فالمصلحة للكذب المحتمل وجودها في كلّ واحد منهم، مركزها المدلول المطابقي لا المدلول التحليلي المشترك.
وهذا القسم من التواتر يشارك القسم الأوّل في المضعّف الكمّي. ولا يأتي هنا ما أسمّيناه بالأمس بالمضعّف الكيفيّ، الّذي كنّا نعني به وحدة مركز المصالح، فإنّه هنا على فرض كذبهم جميعاً لا يكون مركز المصالح واحداً، بل مركز المصلحة في كلّ واحد منهم غير مركز المصلحة في الآخر. فمركز المصالح على فرض كذبهم هنا، لا يكون واحداً، ليكون وحده مركز المصالح مبعّداً كيفيّاً جديداً لاحتمال كذبهم جميعاً.
ولكن مع هذا يرى الإنسان أنَّ التواتر في هذا النوع، أقوى منه في القسم الأوّل، وأن حصول القطع هنا أسرع منه في الأوّل، والوجه في هذا: أنّ هؤلاء على فرض كذبهم جميعاً، وإن لم يكن مركز المصالح واحداً، إلَّا أنَّ مركز المصالح في المقام بينه شيء من التقارب. وهذا التقارب المفروض في المقام، والّذي هو واجب اشتراكها في المدلول التحليلي، هذا التقارب هو بنفسه أيضاً مبعّد كيفي لكن ليس بدرجة الوحدة في المركز. وحدة المركز مبعد بنحو أشدّ لكن تقارب المراكز مبعّد بنحو أخف.
ــــــــــ[316]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فوجه كون هذا التواتر أقوى وأكثر استحكاماً من الأوّل، هو تقارب المراكز، بخلافه في الأوّل، فإنه لا تقارب في مراكز المصالح هناك، في روايات كتاب البخاري.
النوع الثالث من التواتر، هو أن نفرض وحدة المُخبَر به، وإنَّ الوحدة في المدلول التحليلي، لا في المدلول المطابقي، كالثاني. لكن فرقه عن الثاني، أنَّ المصلحة المحتمل كونها داعياً للكذب هنا، مركزها على فرض وجودها، هو نفس المدلول التحليلي المشترك.
كما هو الحال في عين المثال السابق، فيما لو كانت المصلحة المحتمل كونها داعياً إلى الكذب في كلّ واحد منهم، مركزها هو ترويج زيد، لا الانتقاص من بكر وخالد وعمرو.
فهنا المضعّف الكمّي موجود كالسابق، ويضاف إليه ما أسمّيناه سابقاً بالمضعفّ الكيفيّ؛ وذلك لأنَّ هؤلاء الرواة، الّذين نقل أحدهم مباحثة زيد مع عمرو وغلبته عليه، ونقل الآخر مباحثته مع خالد وغلبته عليه. وهكذا، لو كانوا كلهم كاذبين وكانت لهم مصلحة في ترويج زيد وإظهار علميته، لكان مركز تمام هذه المصالح واحداً، ووحدة المركز بنفسها مضعّف لهذا الاحتمال.
لأنَّ الناس بحسب العادة تختلف ظروفهم، وما يضرّهم وينفعهم وآمالهم وغاياتهم ومشاكلهم. فاشتراكهم تماماً واتفاقهم، في مركز واحد لمصالحهم. هذا
ــــــــــ[317]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بعيد جداً وهذا ما أسمّيناه بالمبعّد الكيفيّ. وحيث إنَّ وحدة المركز أشدّ بعداً من تقاربها، فمن هذه الناحية، كان هذا النوع الثالث أشدّ استحكاماً من النوع الثاني أيضاً. وكان حصول القطع هنا أسرع من حصوله في النوع الثاني.
النوع الرابع في المقام، هو ما إذا فُرِض وحدة المُخبَر به، وأنَّ الوحدة كانت بلحاظ المدلول المطابقيّ، لا بلحاظ المدلول التحليليّ. كما هو الحال في النوع الثالث، والثاني.
بأن نفرض أنَّ تمام هؤلاء المئة أخبروا عن أن زيد تباحث مع عمرو، فغلب عمراً. فهنا الوحدة في المدلول المطابقيّ لا في المدلول التحليليّ.
إلَّا أنّنا هنا هكذا نفرض: أنَّ المصلحة المحتمل كونها داعياً إلى الكذب بالنسبة إلى كلّ واحد من هؤلاء، قائمة بخصوص هذه الواقعة وشخصها؛ وذلك بأن يكون كلّ واحد منهم، يحتمل كونه عدواً لعمرو، فأخبر عن أنّه غلب في المقام. بحيث إنَّ المصلحة المحتمل كونها داعيّاً للكذب، مركزها شخص المدلول المطابقيّ، لا المدلول التحليلي وهو علمية زيد. فهنا الوحدة في المدلول المطابقي والمصلحة المحتملة قائمة فيه.
هنا المضعّف الكمّي الموجود في الأقسام الثلاثة السابقة، موجود هنا، والمضعّف الكيفي الموجود في النوع الثالث أيضاً موجود هنا؛ لأنَّ هؤلاء لو فرض كذبهم بتمامهم. إذن، لكان هناك مركز واحد تتجمّع فيه مصالحهم
ــــــــــ[318]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
جميعاً، ووحدة المركز لمصالح عدد كبير من الناس مختلفين في ظروفهم وآمالهم وعلاقاتهم، هذا بنفسه مبعّد كيفي. زائداً على المبعد الكمّي.
إذن، فالبعدان الموجودان في القسم الثالث موجودان هنا فلماذا جعلنا هذا أقوى من الثالث، مع هذا إنّنا نرى بأنّ هذا أقوى من الثالث وأشدّ استحكاماً منه.
ووجه كون هذه المرتبة أشدّ استحكاما من الثالث، يعني أن يخبرنا تمام هؤلاء المئة بقصة مباحثة واحدة شخصية، وهي أنَّ زيداً تباحث مع عمرو فغلبه، هذا أشد استحكاماً في مقام إثبات علمية زيد، من أن يخبرنا كلّ واحد بمباحثة زيد مع شخص.
أشديّة الاستحكام لهذا النوع الرابع من الثالث، مع اشتراكهما في المضعّف الكمّي والكيفيّ، لم يكن يلحظ احتمال تعمّد الكذب، بل كان بلحاظ احتمال الخطأ؛ وذلك أنّه في باب التواتر: المانع عن حصول العلم أمران، لا أمر واحد، أحدهما: احتمال تعمّد الكذب، والآخر: احتمال الخطأ. فإنّ احتمال الخطأ أيضاً مانع عن حصول العلم.
والفرق بين النوع الرابع، والثالث يظهر من ناحية احتمال الخطأ؛ وذلك لأنّه في الثالث: لو فُرِض أنّهم كانوا قد أخطئوا جميعاً. إذن، لم يكن مركز الخطأ واحداً بالنسبة إليهم؛ لأنَّ كلّ منهم ينقل حادثة غير ما ينقل الآخر، ويحتمل في كلّ فرد منهم الخطأ. فمركز الخطأ في النوع الثالث لو فُرِض أنّهم جميعاً قد أخطئوا، لا يكون واحداً، لأنّ القضايا متعددة.
ــــــــــ[319]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وأمّا هنا، لو فُرِض أنّهم جميعاً كانوا قد أخطئوا، فمركز الخطأ واحد، لأنَّ المفروض أنَّ زيداً وعمرواً تباحثا وتمام هؤلاء الألف كانوا جالسين ويلتفتون إلى مباحثتهم. فلو فُرِض خطئهم، فمعنى هذا كون مركز تمام هذه الأخطاء واحداً.
وكما أنَّ وحدة مراكز الكذب مضعّف كيفيّ، كذلك وحدة مركز الخطأ، أيضاً مضعّف كيفيّ. كون ألف واحد يخطئون في قضية واحدة، أبعد من أن يخطأ الألف كلّ واحد منهم في قضية غير القضية الّتي يخطأ بها الآخر.
فالوجه في استحكام النوع الرابع في قبال النوع الثالث. من ناحية احتمال الخطأ، حيث لو فُرِض خطئهم جميعاً في النوع الرابع، يلزم وحدة المركز الخطأ بخلافه في النوع الثالث.
النوع الخامس: أن يُفرَض في المقام أنَّ المدلول المطابقي لجميع هؤلاء واحد، وأن هذا المدلول المطابقي الواحد، وهو مباحثة زيد مع عمرو، وغلبته عليه. كالرابع، لكن فرقه عنه، أنّنا هنا لا نحتمل وجود مصلحة للكذب عندهم في نفس هذا المدلول المطابقي، وإنمّا المصلحة المحتمل وجودها عندهم في لازم المطلب وهو علمية زيد.
هذا يصير حينئذٍ أقوى من الرابع؛ لأنَّ جميع المضعّفات الّتي ذكرناها في الرابع موجودة هنا، مضافاً إلى أمر جديد، وهو أنّهم لو كانوا كلّهم كاذبين في
ــــــــــ[320]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
المقام، وكانت قصة مباحثة زيد مع عمرو من نسج خيالهم، بداعي ترويج زيد. إذن، فكيف أنَّ أخيلتهم اتّفقت كلّها على هذه القصة. وممّا لم يخطر على بال أحدهم أنَّ زيداً تباحث مع عمرو، وعلى بال الآخر أنَّ زيداً تباحث مع خالد. اتفاق خيالهم حينئذٍ على نسج واحد وصيغة واحدة، يكون صدفة غريبة ضعيفة بمقتضى حساب الاحتمالات، وهذا هو المضعّف الجديد.
وإقوائية هذا النوع الخامس من التواتر، من الأقسام السابقة من التواتر، هو سر إقوائية التواتر اللفظي من المعنوي. وإقوائية القسم الرابع من الأقسام السابقة، هو سر إقوائية التواتر المعنوي، من التواتر الإجمالي(1).
كثيراً ما يحصل التواتر، وتُنقل من قبل جماعة كثيرين واقعة معيّنة، إلَّا أنّه يقع الاختلاف بين هؤلاء الناقلين، ببعض جزئيات هذه الواقعة. فواحد
-مثلاً- ينقل: أنَّ مباحثة زيد مع عمرو، كانت واقعة في المسجد، والآخر ينقل أنّها كانت واقعة في خارجه. والآخر ينقل أنّها وقعت قبيل الظهر، والآخر يقول: أنّها وقعت مع الظهر. وغير ذلك من الاختلاف في هذه الخصوصيّات.
ــــــــــ[321]ــــــــــ
() وهنا سأل أحد الإخوان: أنَّ التواتر اللفظي أليس أقوى من القسم الخامس.
فأجاب (سلّمه الله): لا؛ لأنَّ الاتفاق على شخص قضية واحدة هذه القضية تارةً تكون كلاماً وأخرى فعلاً. نعم، غاية الأمر أنَّ الكلام حيث يتضمّن أفعال متعدّدة؛ لأنَّ كلّ حرف يكون فعلاً، فنقايسه بأفعال متعدّدة، كما لو فُرِض أنَّ راوٍ يُحدّث عن غزوة من الغزوات من أولها إلى آخرها. بحيث يعادل مع الراوي الآخر. ومع المعادلة لا فرق حينئذٍ. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
في مورد الاختلاف في هذه الخصوصيّات، يدور الأمر بين أن يكون هؤلاء صادقين من ناحية الكذب أي غير متعمدّين له، وأن تكون هذه الواقعة قد وقعت بشكل ما وأنَّ عدداً من هؤلاء أخطئوا في مقام تشخيص خصوصيّات ذلك الشيء، بل قد يكونوا جميعاً أخطئوا كلٌ أخطأ في خصوصيّة غير الخصوصيّة الّتي أخطأ فيها الآخر. فهذا أخطأ في تعيين الزمان، وإن أصاب في تعيين موضوع المسألة، وذاك أخطأ في تعيين الموضوع، وإن أصاب في تعيين الزمان وهكذا، بعد الاتّفاق على أصل القضية.
فإمّا أن ننفي عنهم تعمّد الكذب ونلتزم بارتكابهم الخطأ، وإما أن نقول: أن هؤلاء لم يقعوا في خطأ من هذه الناحية، فهم يعلمون ما وقع، إلَّا أنّهم زوّروا ما وقع؛ بقصد ترويج زيد. وفي مقام التزوير قهراً كلّ منهم يقع في خياله شيء غير ما يقع في خيال الآخر.
حساب الاحتمالات هنا يكون أضعف وحصول القطع يكون أبطأ باعتبار وقوع التزاحم بين الحيثيات المقتضية لجريان حساب الاحتمالات، إلَّا أنّه في كثير من الأوقات مع هذا يكون التواتر تامّاً ويحصل لنا العلم بأصل القضية على وجه الإجمال، وإن بقي الإبهام والغموض من ناحية الخصوصيّات.
والوجه في ذلك: تقديم حساب الاحتمالات الجاري بلحاظ احتمال تعمّد الكذب في مقام التزاحم مع حساب الاحتمالات النافي للخطأ عن كلّ واحد واحد من هؤلاء.
وذلك، لأنّنا إذا فرضنا أنَّ هؤلاء الألف الّذين أخبروا عن هذه المباحثة
ــــــــــ[322]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
والمغالبة، كانوا كاذبين أو متعمدين للكذب، لمصلحة في كشف هذه المغالبة، يلزم من ذلك، مضافاً إلى المضعّف الكمّي، المضعّف الكيفي، وهو تمركز مصالح ألف كذّاب في مركز واحد. وهذا في نفسه مبعّد يكون موجباً لضعف شديد بحسب حساب الاحتمالات.
وأما على فرض صدق القضية، فإنّه لا يلزم محذور بتلك المرتبة من المبعديّة. فإنّنا لو فرضنا أنّهم لم يكونوا متعمدّين وأن مغالبة من هذا القبيل تحقّقت وانتصر فيها زيد على عمرو حقيقة، إلَّا أنّهم أخطئوا في تشخيص الخصوصيّات، فواحد لم يكن يحمل ساعة فلم يشخّص الوقت، وآخر كان منصرف إلى البحث بتمامه، فلم يكن يلتفت إلى وجود شخص آخر موجود معهم. وهكذا كلّ واحد يحتمل فيه حالة من هذا القبيل بحيث تؤدي إلى خطئه.
احتمال وقوع هؤلاء الأشخاصّ في هذه الأخطاء، أقرب من احتمال تمركز الكذّابين في مركز واحد؛ باعتبارين: أولاً باعتبار أنَّ من يصدر منهم الخطأ أقلّ ممّن يصدر منهم الكذب، فإنّه بالآخرة بعض هؤلاء لم يخطئ في بيان الخصوصيّات. ولو فُرِض أنَّ الخطأ كان موّزعاً عليهم جميعاً بحيث إنَّ كلّ واحد منهم أخطأ في خصوصيّة من الخصوصيّات، فأيضاً يكون احتمال الخطأ أقرب، لتعدّد المراكز؛ لأنَّ مركز خطا كلّ واحد غير مركز خطأ الآخر.
ومن هنا بعض الموارد إذا وقع التزاحم، يُقدّم الملاك المضعّف لاحتمال الكذب، على الملاك المضعّف لاحتمال وقوع هؤلاء المؤمنين في الخطأ. ويلتزم بصدق القضية على وجه الإجمال، مع وقوع عدد من هؤلاء في الخطأ، باعتبار الخصوصيّات.
ــــــــــ[323]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وهذا هو الوجه في حصول القطع في جملة من القضايا الّتي تواتر نقلها، مع الاختلاف في الخصوصيّات، بل قلما يوجد هناك قضية يتواتر نقلها تواتراً حاقيّاً، ولا يكون هناك اختلاف في الخصوصيّات، بمقدار زيادة أو نقيصة.
هذا تتمة ما تكلمنا فيه في بحث التواتر. وبهذا نختم هذا البحث: بحث التواتر، يعني التنبيه الثاني. ونشرع في التنبيه الثالث: من تنبيهات الإجماع.
وهو في الشهرة: في حجية الشهرة(1).
الشهرة: تارةً تطلق ويراد منها الشهرة الروائيّة، بمعنى كون الرواية اشتهر نقلها من قبل الرواة والمحدّثين، وهذه الشهرة هي الّتي تُجعل مرجِّحة لإحدى الروايتين على الأخرى في مقام التعارض، ويكون محلّ البحث في مرجحيّتها وحجيّتها في إثبات الرواية المشهورة في قبال معارضتها، محل البحث في ذلك، هو بحث التعادل والتراجيح.
وقد تكون الشهرة بمعنى الشهرة في الاستناد، الّتي يُدّعى كونها جابرة للرواية الضعيفة، حيث يكون كثير من العلماء يستندون إليها في مقام الإفتاء، فيقال: إنَّ شهرة الاستناد إلى هذه الرواية تكون جابرة، لها مخرجة لها عن الضعف إلى القوة، وموجبة لشمول أدلّة خبر الواحد لها.
ــــــــــ[324]ــــــــــ
() وهنا سأله أحد الإخوان: عن سبب جعل مبحث الشهرة تنبيهاً من تنبيهات باب الإجماع، لا بحثاً مستقلاًّ.
فأجاب: باعتبار أنَّ ملاك حجّيّة الشهرة بحسب الحقيقة، هو نفس ملاك حجّيّة الإجماع. فهو أحد المصاديق. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هذا أيضاً بحث آخر في الشهرة يأتي الحديث عنه إن شاء الله، في موضعه وهو بحث حجّيّة خبر الواحد. حيث لابدَّ وأن نرى هناك أنَّ الأدلّة الدالة على حجية خبر الواحد، هل تدلّ على حجيّة عنوان بحيث يدخل تحته الخبر الضعيف بعد عمل المشهور به، أو لا؟
وقد تقال الشهرة ويراد بها الشهرة الفتوائيّة، في مقام استنباط الأحكام من أدلّتها. ويقصد للتكلّم بأنَّ هذه الشهرة بما هي شهرة هل تكون حجّة أو ليست حجّة. يعني هل أنَّ الفقيه ملزم بأخذ قول الفقهاء فيما إذا انعقدت الشهرة الفتوائية على ذلك القول أو ليس ملزماً.
والتكلّم في حجّيّة هذه الشهرة يقع في مقامين: المقام الأوّل في حجّيّتها على مقتضى القاعدة. والمقام الثاني: في حجّيّتها التعبديّة.
وهو حجّيّتها على مقتضى القاعدة، فالوجه في ذلك دعوى حصول القطع من ناحية هذه الشهرة. أنَّ الشهرة يحصل من ناحيتها القطع بصحة ما انعقدت عليه، والقطع حجّة بذاته، على مقتضى القاعدة، فتكون الشهرة حجّة بهذا الاعتبار.
والملاك في دعوى حصول القطع من ناحية الشهرة هو نفس الملاك الّذي شرحناه مفصّلاً في بحث الإجماع، وقلنا: إنّه هو ملاك حصول القطع من ناحية الإجماع. يعني أنّ النُكتة فيهما واحدة، وهي ضعف الاحتمال الناشئ من قوانين حساب الاحتمالات.
فضعف الاحتمال الناشئ من قوانين حساب الاحتمالات، الّذي يُدّعى في باب الإجماع أنّه سبب في تولّد القطع من ناحية الإجماع، بنفس ذلك التقريب
ــــــــــ[325]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
يأتي في المقام أيضاً، بأن يقال في باب الشهرة: إنّها عبارة عن ضم أقوال عدد كبير من الفقهاء، بعضها إلى بعض، وحيث إنَّ احتمال الخطأ في كلّ واحد منهم، يضعف بضربه في احتمال الخطأ في الآخر. ثُمَّ النتيجة نضربها باحتمال خطأ فقيه ثالث، فيصير أضعف.
وهكذا يبقى احتمال الخطأ يتناقص حتّى يصل إلى درجة من الضعف بحيث يزول من عالم النفس بحسب قوانين حساب الاحتمالات.
نفس هذا التقريب الّذي ذكرناه هناك، يأتي أيضاً صورة هنا. ونحن في بحث الإجماع بينّا نقاط الضعف والنُكات الّتي تمنع وتحول، دون ضعف الاحتمال، ووصوله في الضعف، بمقتضى حساب الاحتمالات، إلى درجة بحيث يزول ويحصل، القطع بعدم الخطأ. وبينّا خمس فوارق بين باب الإجماع، وبين باب التواتر. تكون عائقة عن تتميم حساب الاحتمالات في باب الإجماع، بالسرعة الّتي تتمّ فيها حساب الاحتمالات في باب التواتر.
والشهرة من هذه الناحية أسوأ حالاً من الإجماع؛ وذلك: لأنَّ تمام تلك نقاط الضعف موجودة في الشهرة، زائداً على ذلك، أنَّ الشهرة أنقص من الناحية الكميّة من الإجماع، إذا أريد بالإجماع اتّفاق الكلّ، وأضعف من الناحية الكيفيّة، فيما إذا فرض وجود المخالف، فإنَّ وجود المخالفين أيضاً له سعر في حساب الاحتمالات كما لو أفتى (80) من الفقهاء بوجوب السورة، و(20) منهم بعدمها، فهؤلاء العشرين لهم سعر في حساب الاحتمالات، وما دام لهم سعر في حساب الاحتمالات فيضعف احتمال الإصابة في هؤلاء الثمانين؛ باعتبار الاحتمال الناشئ من مخالفة هؤلاء العشرين.
ــــــــــ[326]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
خصوصاً فيما إذا كانت هناك امتيازات كيفيّة، لهؤلاء العشرين على أولئك الثمانين، فإنه ربّ قليل أدّق من كثير، وربّ قليل هو أبعد عن الخطأ من كثير. فلو فُرِض أنَّ هؤلاء القليل كان فيهم أناس محقّقين ومدقّقين ومن طبقة المتقدّمين -مثلاً- ممّا ييسر لهم الاطلاع على مقدار أوسع من مصادر التشريع. إذن، يكون مثل هذا الأقل له سعر كبير في حساب الاحتمالات.
مضافاً إلى أنّنا علمنا من أكثر الفقهاء تفصيلاً، فساد كثير من مبانيهم ومن آرائهم بحسب اعتقادنا نحن في الفقه والأصول. فبعدم العلم بأنَّ هناك مبانياً كثيرة للمشهور غير صحيحة، كيف يُفرَض أنَّ احتمال الإصابة يتقوّى بحيث يحصل القطع بإصابتهم. مع العلم التفصيلي بخطئهم في كثير من المباني، وقوة احتمال استناد هذه المسألة إلى بعض تلك المباني الّتي نعلم باختلافنا معهم فيها.
إذن، فحصول الاطمئنان، بل الظنّ القوي فضلاً عن القطع في المقام، مّما لا مجال له بمقتضى حساب الاحتمالات. بعد فرض الالتفات إلى هذه النُكات.
فالحجّيّة على مقتضى القاعدة لا مجال لها في المقام. فيتعيّن التنزّل إلى:
وهو أن يتكلّم في حجّيّة الشهرة (التعبّد)، يعني بلحاظ الأدلّة الّتي يُستدلّ بها على حجّيّة الشهرة من قبل الشارع تعبّداً.
وهذه الأدلّة الّتي يُستدلّ بها على ذلك من قبل الشارع وجوه ثلاثة:
فإنّه فيها فرض الراوي أنَّ هناك حاكمين عدلين، اختلفا في حكمهما وكان
ــــــــــ[327]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
المنشأ في الاختلاف، استناد كلّ واحد منهما إلى رواية عن أهل البيت، تعارض في مضمونها، ما استند إليه الآخر، يعني اختلافهما كان بلحاظ الشبهة الحكميّة لا بلحاظ الشبهة الموضوعيّة الخارجيّة، فهنا بأي من هذين نأخذ؟
فصار الإمام، في مقام ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، بمرجّحات، مورد الاستدلال، من هذه المقبولة، هو هذا المرجّح حيث قال:
-أنقل بالمعنى لا باللفظ- (أنظر إلى ما هو المجمع عليه بين أصحابك فخذ به، ودع الشاذ النادر، فإن المجمع عليه لا ريب فيه).
[الأمر الأوّل: أن المراد بالمجمع عليه هو الشهرة]
أنَّ مقصوده من المجمع في قوله، خذ بالمجمع عليه بين أصحابك، وبالمجمع في العلة، حينما أراد أن يعلّل الحكم فقال: فإنَّ المجمع عليه لا ريب فيه. المقصود بالمجمع هنا ليس هو الإجماع بالمعنى الاصطلاحي، أيّ اتفاق الكلّ، بل المقصود منه الشهرة والغلبة؛ وذلك بقرينة فرض الشاذ النادر في مقابله، وإلَّا لو كان هناك إجماع فكيف يفرض شاذ نادر في مقابله.
[الأمر الثاني: حجية الأخذ بما هو مشهور]
الّذي يتوقّف عليه الاستدلال: هو أنَّ يقال في المقام بأنَّ الأمر بالأخذ بالمشهور، بعد أن صار المجمع مشهوراً، (خذ بالمجمع) عليه يعني خذ بما هو المشهور بين أصحابك. فإنَّ المشهور لا ريب فيه.
ــــــــــ[328]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
مورد الحديث وإن كان هو خصوص مورد تعارض الروايتين، إلاَّ أنَّ التعليل يقتصر بقانونه، إلغاء خصوصيّة المورد، وفرض هذا قاعدة عامّة. فإنَّ المجمع عليه لا ريب. فمقتضى إلغاء خصوصيّة المورد ببركة قانون التعليل، أنَّ كلّ مشهور هو حجّة. فيشمل حينئذٍ بإطلاقه الشهرة الفتوائيّة، وهذا هو المقصود.
[اشكال الشيخ الانصاري على الأمر الاوّل]
أمّا الأمر الأوّل: فقد أشكل عليه الشيخ الأعظم، في رسائله(1)، وملخّص ما أفيد هناك: هو أنّنا لا نسلّم أنَّ المراد بالإجماع هنا الشهرة في مقابل الشاذ النادر، بل المراد من الإجماع هنا معناه، وهو اتفاق الكلّ. والقرينة المزعومة، وهو أنّه كيف يُفرَض اتّفاق الكلّ مع فرض الشاذ النادر، في مقابله. هذه القرينة غير صحيحة؛ لأنَّ مورد كلام الإمام، إنّما كان هو مورد تعارض الروايتين، وفي مورد تعارض الروايتين يمكن أن يُفرَض اتّفاق الكلّ على نقل هذه الرواية، وعدم اتفاق الكلّ على نقل الأخرى. وفي باب الفتوى لا يمكن أن يُفرَض اتّفاق الكلّ على وجوب السورة مع وجود أقليّة تقول بعدم وجوبها. هذا غير متصوّر في باب الإفتاء. لكن في مورد الرواية، الّتي هي مورد السؤال
والجواب، يمكن أن يُفرَض أنَّ الجميع متّفقون على نقل هذه الرواية. وبعض هؤلاء وشرذمة منهم، ينقلون الرواية الأخرى. فالاتّفاق في مقابل الشاذ النادر أمر متصوّر في مورد الرواية. ومع فرض تصوّره فلا وجه لتأويل اللفظ حينئذٍ، وحمل كلمة الإجماع على الشهرة، بل نحملها على معناها الحقيقي، وهو
ــــــــــ[329]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول 1: 108.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
اتّفاق الكلّ، ويكون المقصود حينئذٍ من مثل هذا البيان هو بيان: أنَّ الروايتين إذا تعارضتا وكانت إحداهما مرويّة من قبل الجميع والأخرى غير مرويّة إلَّا من قبل البعض، فتُقدّم تلك على هذه، وهذا يكون أجنبياً عما هو محل الكلام.
فالأمر الأوّل، الّذي يتوقّف عليه الاستدلال، وهو دعوى حمل الإجماع على الشهرة في المقام. بنفسه باطل، وليس عليه قرينة، فإن القرينة المزعومة غير صحيحة.
هذا ما أفاده الشيخ الأعظم (قدست أسرارهم) في مقام إبطال الأمر الأوّل. ولنعم ما أفاد.
الرواية الّتي استند إليها الحاكم الآخر. فحينئذٍ أي شيء يكون التكليف؟ يقول في مرحلة من مراحل الرواية: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا، المجمع عليه، فخذ به، واترك الشاذ النادر، وليس بمعروف بين أصحابك. ثُمَّ يعلّل هذا المطلب، وأنّه لماذا يأخذ بالرواية المجمع عليها ويترك الشاذ النادر، الذي هو ليس معروفاً بين الأصحاب، فيقول: “فإنَّ المجمع عليه لا ريب فيه“.
ونحن هنا لا بأس أن نتشرف بنص هذه الرواية الشريفة كاملة، فإنها تحتوي على حكم بالغة وفوائد إسلامية عظيمة، والنص الآتي منقول عن الشيخ الأعظم الأنصاري، كما ورد في رسائله(1):
ــــــــــ[330]ــــــــــ
() انظر: فرائد الأصول، المصدر السابق.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
رواه المشايخ الثلاثة بإسنادهم عن عمر بن حنظلة(1)، قال: “سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّـهِ: عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ فِي دَيْنٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَتَحَاكَمَا إِلَى السُّلْطَانِ وَإِلَى الْقُضَاةِ أَيَحِلُّ ذَلِكَ. قَالَ: مَنْ تَحَاكَمَ إِلَيْهِمْ فِي حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ فَإِنَّمَا تَحَاكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ وَمَا يَحْكُمُ لَهُ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ سُحْتاً وَإِنْ كَانَ حَقّاً ثَابِتاً لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِحُكْمِ الطَّاغُوتِ وَقَدْ أَمَرَ اللَّـهُ أَنْ يُكْفَرَ بِهِ قَالَ اللَّـهُ تَعَالَى يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ. قُلْتُ: فَكَيْفَ يَصْنَعَانِ. قَالَ: يَنْظُرَانِ إِلَى مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا وَنَظَرَ فِي حَلَالِنَا وَحَرَامِنَا وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا فَلْيَرْضَوْا بِهِ حَكَماً فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِماً فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمِنَا فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ فَإِنَّمَا اسْتَخَفَّ بِحُكْمِ اللَّـهِ وَعَلَيْنَا رَدَّ وَالرَّادُّ عَلَيْنَا الرَّادُّ عَلَى اللَّـهِ وَ هُوَ عَلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّـهِ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ كُلُّ رَجُلٍ اخْتَارَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِنَا فَرَضِيَا أَنْ يَكُونَا النَّاظِرَيْنِ فِي حَقِّهِمَا وَ اخْتَلَفَا فِيمَا حَكَمَا وَ كِلَاهُمَا اخْتَلَفَا فِي حَدِيثِكُمْ. قَالَ: الحُكْمُ مَا حَكَمَ بِهِ أَعْدَلُهُمَا وَأَفْقَهُهُمَا وَأَصْدَقُهُمَا فِي الحَدِيثِ وَأَوْرَعُهُمَا وَلَا يَلْتَفِتْ إِلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ الْآخَرُ. قَالَ قُلْتُ: فَإِنَّهُمَا عَدْلَانِ مَرْضِيَّانِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لَا يُفَضَّلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ. قَالَ فَقَالَ: يُنْظَرُ إِلَى مَا كَانَ مِنْ رِوَايَتِهِمْ عَنَّا فِي ذَلِكَ الَّذِي حَكَمَا بِهِ المُجْمَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِكَ فَيُؤْخَذُ بِهِ مِنْ حُكْمِنَا وَ يُتْرَكُ الشَّاذُّ الَّذِي لَيْسَ بِمَشْهُورٍ عِنْدَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا رَيْبَ فِيهِ(2) وَإِنَّمَا الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَيُتَّبَعُ وَ أَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَيُجْتَنَبُ وَأَمْرٌ
ــــــــــ[331]ــــــــــ
() انظر: الكافي 1: 67، كتاب فضل العلم، باب 21، باب اختلاف الحديث، الحديث 10.
(2) هذا هو محلّ الشاهد من الروايّة في حدود المقام. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
مُشْكِلٌ يُرَدُّ عِلْمُهُ إِلَى اللَّـهِ وَإِلَى رَسُولِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّـهِ: حَلَالٌ بَيِّنٌ وَحَرَامٌ بَيِّنٌ وَشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ المُحَرَّمَاتِ وَمَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ المُحَرَّمَاتِ وَهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الخَبَرَانِ عَنْكُمَا مَشْهُورَيْنِ قَدْ رَوَاهُمَا الثِّقَاتُ عَنْكُمْ. قَالَ: يُنْظَرُ فَمَا وَافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَخَالَفَ الْعَامَّةَ فَيُؤْخَذُ بِهِ وَيُتْرَكُ مَا خَالَفَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَوَافَقَ الْعَامَّةَ. قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْفَقِيهَانِ عَرَفَا حُكْمَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَوَجَدْنَا أَحَدَ الخَبَرَيْنِ مُوَافِقاً لِلْعَامَّةِ وَالْآخَرَ مُخَالِفاً لَـهُمْ بِأَيِّ الخَبَرَيْنِ يُؤْخَذُ. قَالَ: مَا خَالَفَ الْعَامَّةَ فَفِيهِ الرَّشَادُ. فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَإِنْ وَافَقَهُمَا الخَبَرَانِ جَمِيعاً. قَالَ: يُنْظَرُ إِلَى مَا هُمْ إِلَيْهِ أَمْيَلُ حُكَّامُهُمْ وَقُضَاتُهُمْ فَيُتْرَكُ وَيُؤْخَذُ بِالْآخَرِ. قُلْتُ: فَإِنْ وَافَقَ حُكَّامُهُمُ الخَبَرَيْنِ جَمِيعاً. قَالَ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَرْجِهِ حَتَّى تَلْقَى إِمَامَكَ فَإِنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الهَلَكَاتِ“.
والاستدلال بهذه الفقرة، يتوقّف على بيان أمرين، كما بينّا سابقاً:
الأمر الأوّل: أن يكون المراد بالمجمع عليه في التعليل، قوله: “فإن المجمع عليه لا ريب فيه“، أن يكون المراد به الشهرة، لا الإجماع بمعنى اتّفاق الكلّ.
والأمر الثاني: أنَّ التعليل في المقام يقرّر قاعدة عامّة، وبمقتضاه، يلغي خصوصيّة المورد، ويتمسّك بالعلّة بعنوان كونه قاعدة عامّة، وهي قاعدة حجّيّة كلّ شهرة.
أمّا الأمر الأوّل، وهو أنَّ المراد من الإجماع في المقام هو الشهرة، فيقرب
ــــــــــ[332]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ذلك من قبل المستدلّ، بأنَّ الإجماع، وإن كان ظاهره في نفسه اتّفاق الكلّ، إلَّا أنّه بقرينة قوله، “ودع الشاذ النادر، الذي ليس بمعروف بين أصحابك“. حيث فُرِض شاذاً نادراً في مقابل الشهرة. إذن، فالمراد من الإجماع هنا هو الشهرة، فإنَّ اتّفاق الكلّ لا معنى لفرض شاذ نادر في مقابله.
فبهذه القرينة يثبت الأمر الأوّل، وهو أنَّ المراد من المجمع عليه، من قوله “المجمع عليه لا ريب“، هو المشهور.
وأمّا الأمر الثاني، فإثباته بمقتضى قانون التعليل، فإن مقتضاه إلغاء الخصوصية وجعل العلّة قاعدة عامّة، يكون حكمها سارياً إلى تمام موارد مصاديق تلك العلّة. هذا هو تقريب: الاستدلال بالرواية.
وقلنا: بأنَّ كلاً من الأمرين غير تام في نفسه.
أمّا الأمر الأوّل: وهو أن يكون المراد بالإجماع هنا، الشهرة، بالمعنى الاصطلاحي، فهذا غير تام، كما أفيد من قبل الشيخ الأعظم، حيث أفاد، بأنَّ فرض الشاذ النادر الذي ليس بمشهور، ليس قرينة على أن المراد بالإجماع هنا غير اتّفاق الكلّ؛ لأن مورد الكلام، إنّما هو الرواية. وفي باب الرواية يمكن أن يُفرَض اتّفاق الكلّ على رواية أحد الأمرين، مع فرض وجود شاذ نادر يروي الخبر الآخر.
نعم في باب الفتوى لا يمكن أن يُفرَض اتّفاق الكلّ على وجوب السورة، مع فرض وجود شاذ نادر يفتي بعدم الوجوب. إلَّا أنَّ فرض الإجماع مع وجود الشاذ النادر في مورد الرواية، لا مانع.
ــــــــــ[333]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وقوله: (الشاذ النادر) الّذي ليس بمشهور، ليس المقصود هنا، هو فرضه في قبال المشهور الاصطلاحي، فإنَّ الشهرة بالمعنى الاصطلاحي أمر حادث. وأمّا الشهرة بالمعنى اللغوي والعرفي، فهو عبارة عن الوضوح واشتهار المطلب. حينئذٍ يكون المقصود من هذه العبارة، أنّه أتركوا الرواية الشاذّة النادرة الّتي هي ليست بمعروفة ومتداولة بين عموم الأصحاب وكافّتهم، وخذ بالرواية الّتي يتّفق تمام الأصحاب على نقلها عنا.
إذن، فلم يبقَ في الرواية قرينة على حمل لفظة المجمع على الشهرة، حتّى تُجعَل العلّة قاعدة عامّة، ويُتمسّك بإطلاقها.
هذا هو وجه سقوط الأمر الأول.
[مناقشة التقريب الثاني للرواية]
ثُمَّ لو غُضّ النظر عن هذا وسلم الأمر الأوّل، وقيل بأنَّ المراد من الإجماع هنا الشهرة، فيكون معنى التعليل، كأنّه قال: فإن المشهور لا ريب فيه. فهل يمكن تتميم الأمر الثاني، بمعنى أنَّ قانون التعليل يلغي خصوصيّة المورد ونجعل العلّة قاعدة عامّة مضروبة على وجه كليّ، ونتمسّك بإطلاقها حينئذٍ، كما هو الشأن في سائر موارد التعليل، أو لا؟
الصحيح أنَّ هذا أيضاً غير ممكن؛ وذلك لأنَّ العلّة، وهي قوله: “فإن المجمع عليه لا ريب فيه“، لابدَّ من تحقيق المراد من نفي الريب عن المجمع عليه. يعني لابدَّ من تحقّيق المحمول في هذه العلّة، وهو نفي الريب، ماذا أُريد به؟
ــــــــــ[334]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
[الاحتمالات الأربعة في نفي الريب]
[الاحتمال الأوّل: نفي الريب حقيقةً]
أن يكون المراد بنفي الريب، الإخبار عن نفي الريب حقيقة، عن المجمع عليه. يعني أنَّ المجمع عليه دليل قطعي لا شكّ فيه أصلاً. فيكون المقصود من نفي الريب، نفي الريب حقيقة وزوال الشكّ عن جهة معقِد الإجماع، بعد تفسير الإجماع بالشهرة.
إنَّ الشهرة توجب زوال الشكّ، وانتفاء الريب في المقام، بخلاف الرواية الأخرى المقابلة، فإنّها فيها ريب.
بناءً على هذا الاحتمال، لا إشكال ولا ريب، في أن التعليل يختص بخصوص موارد الشهرة الروائية، ولا يشمل موارد الشهرة الفتوائيّة؛ وذلك لأنَّ العلّة غير موجودة في موارد الشهرة الفتوائيّة، فإنّه في موارد الشهرة الفتوائيّة، مجرّد كون القول مشهوراً، وكون أكثر العلماء قائلين به هذا لا ينفي الريب وجداناً، ولا ينفي الشكّ حقيقة، عمّا هو معقِد الشهرة ومحلّها. وإلَّا فإنَّ موارد العلم الوجداني من ذلك الخارج عن محل الكلام، ولا حاجة فيه إلى إثبات الحجّيّة التعبديّة حينئذٍ.
لابدَّ بعد تفسير التعليل بذلك من أن يقال، بأنَّ نظر التعليل إلى موارد الشهرة الروائية، لا إلى موارد الشهرة الفتوائيّة؛ لأنّه في موارد الشهرة الروائية يحصل في الغالب القطع العادي على الأقل، إن لم يكن القطع الحقيقي بصحة الرواية، فيما إذا كانت منقولة من قبل الكلّ.
ــــــــــ[335]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وطبعاً ليس مقصودنا من الكلّ، ليس هو الكلّ الآن، الّذين هم ينقلون بالتالي بتمامّهم عن كتاب واحد. في ذلك الوقت كان المشايخ متعدّدين كلّ واحد له سلسلة غير سلسلة الآخر، لا أنهم جميعاً ينتهون إلى شخص واحد، كحال علمائنا اليوم.
فإذا كانت تمام هذه السلاسل تنقل هذه الرواية، حينئذٍ كثيرة ما يكون اتّفاق الكلّ على نقلها، موجباً للقطع بصدورها، بخلاف الرواية الأخرى، فإنّها لا يكون مقطوعاً بصدورها. نعم، لا يكون مقطوعاً ببطلانها أيضاً؛ لاحتمال صدورها أيضاً مع إرادة خلاف الظاهر منها. هذا الاحتمال أيضاً موجود.
ولهذا في آخر الرواية، جعل ما يقابل الإجماع من المشتبه؛ حيث استشهد الإمام بحديث رسول الله: “وإنما الأمور ثلاثة: أمر بيِّنٌ رشده فيُتّبع، وأمر بيِّن غيّه فيُتجنّب، وشبهات بين ذلك“. فطبّق ما يقابل الإجماع على الشبهات، وطبّق الإجماع على ما يكون بيِّناً في نفسه.
وعلى أيّ حال: بناءً على احتمال أن يكون المقصود من نفي الريب عن الإجماع هنا، النفي الحقيقي، بمعنى أنّه محلّ القطع، فلا إشكال في أن اللازم حينئذٍ جعل التعليل ناظراً إلى خصوص الشهرة الروائية؛ لأنَّ الغالب في مواردها حصول القطع، وأمّا في موارد الشهرة الفتوائية فالغالب عدم حصول القطع.
وهذا الاحتمال، هو في نفسه هو الظاهر من طبع القضية؛ لأنَّ الظاهر من قوله: “فإنَّ المجمع عليه لا ريب فيه“، كونه قضية إخباريّة، على ما يأتي في مقام
ــــــــــ[336]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
توهين الاحتمال الثاني. وظاهره أنّه في مقام نفي الريب حقيقة لا نفيه تعبّداً(1).
فبناءً على هذا الاحتمال الأوّل، لا يكون الاستدلال حينئذٍ تامّاً، ولا يمكن جعل التعليل قاعدة عامّة بحيث يشمل الشهرة الفتوائيّة؛ لأنَّ مثل هذه العلّة غير موجودة في موارد الشهرة الفتوائيّة. وبقرينة عدم وجودها غالباً في موارد الشهرة الفتوائيّة، نستكشف أنَّ النظر في التعليل إلى ما هو مورد الكلام، وهو الشهرة الروائيّة؛ لأنَّ العلّة موجودة غالباً فيها.
[الاحتمال الثاني: نفي الريب تعبداً]
أن يكون المراد من نفي الريب هنا، النفي التعبّدي. بمعنى جعل الحجّيّة، وإلغاء الشكّ تعبّداً من ناحية المولى. فقوله: فإنَّ المجمع عليه لا ريب فيه، يعني لا ينبغي التشكيك فيه، يعني لا ريب فيه تعبّداً بحسب جعلي وتنزيلي. فكان هذا التعليل يصبح قاعدة عامّة. ومقتضاها إلغاء خصوصيّة المورد وأنّه كلّ مجمع عليه، يعني كلّ مشهور، هو حجّة في نظري، ولا ريب فيه تعبّداً.
ــــــــــ[337]ــــــــــ
() وهنا سأل أحد الإخوان: مع نفي الريب لا يحتاج إلى السؤال حينئذٍ؟
فأجاب: مع نفي الريب حقيقة، بالآخرة الحكم غير متعيّن الصدور. وليس المقصود من عدم الريب نفيه من جميع جهاتها، بحيث يثبت بها حكم الله الواقعي. هذه الرواية مقطوعة الصدور، ألَّا يبقى مورد للسؤال أنّه إذا تعارضت رواية منكم مع آية، فماذا نصنع، فيقول: “ما خالف قول ربنا زخرف باطل لم نقله“، اطرحه.
ليس المقصود من نفي الريب، نفيه في حكم الله الواقعي، بل نفي الريب في صدور هذه الرواية من الإمام؛ لأنَّ محل الكلام سؤالاً وجواباً ونظراً إنّما هو في حيثية صدور هذه الرواية من الإمام. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إلَّا أنَّ هذا الاحتمال الثاني في نفسه خلاف الظاهر في قبال الاحتمال الأوّل؛ وذلك لأنَّ حمل نفي الريب هنا، على لسان جعل الحجّيّة، يحتاج إلى تأويل في الكلام. إمّا بحمل الجملة على أنّها إنشائيّة لا على أنّها إخباريّة. حمل هذه الجملة الخبريّة، على أنّها استُعمِلت في مقام إنشاء نفي الريب، وإنشاء جعل العلم والطريقيّة، لا أنها جملة إخباريّة. ومن المعلوم إنَّ هذا خلاف طبع القضية. فإنَّ ظاهرها بطبعها، يقتضي حملها على أنّها جملة إخباريّة لا إنشائيّة.
أو يقتضي التأويل من ناحية أخرى، لو تحفّظنا على كونها إخباريّة، يلزم بالتأويل، في أنَّ المخبريّة ليس هو النفي الحقيقي للريب، بل هو النفي التعبّدي له.
إنَّ الإمام وإن لم يكن الآن في مقام الإنشاء، بل في مقام الإخبار، لكن الإخبار عن نفي الريب تعبّداً، وأن الحجّيّة قد جعلت في السابق للإجماع، أو للشهرة. وهذا أيضاً خلاف الظاهر. فإنَّ الظاهر من نفي الريب النفي الحقيقي، لا النفي التعبّدي والتنزيلي.
إذن، فحمل التعليل على أنّه لسان من ألسنة جعل الحجّيّة يلزم منه أحد هذين التأويلين.
هذا مضافاً إلى أنّ من الممكن أن يقال، بأنَّ ظاهر التعليل في نفسه، أنّه في مقام تقريب الحكم إلى ذهن أهل العرف والمحاورة، وهذا معنى قولهم: أنَّ ظاهر التعليل أن يكون ارتكازيّاً وعرفيّاً. فظاهر التعليل أنَّ الإمام في مقام تقريب المطلب. ومن المعلوم إنَّ حمل العلّة على هذا المعنى الثاني لا يكون فيه تقريب للمطلب إلى أذهان أهل العرف، وإلى مرتكزاتهم. هذا هو الاحتمال الثاني.
ــــــــــ[338]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
[الاحتمال الثالث: نفي الريب عند العقلاء]
أن يكون المراد بنفي الريب في المقام، نفي الريب عند العقلاء، بمعنى أنَّ “المجمع عليه لا ريب فيه“، يعني: لا ريب فيه في نظر العقلاء، بمعنى كونه حجّة عند العقلاء، بحيث إنّهم يلغون احتمال الخلاف في المقام ولا يعتنون به(1).
وفرق هذا الاحتمال عن سابقه، أنّه في السابق تحمل نفي الريب، على الحجّيّة الشرعيّة من قبل نفس الشارع، وهنا نحمله على الحجّيّة العقلائيّة من قبل العقلاء. ومن هنا كان يمتاز هذا الاحتمال على سابقه، من حيث إنَّ التعليل هنا، يكون أيضاً تقريباً للمطلب، وإيصالاً له إلى مستوى مرتكزات المخاطب، لو تمَّ هذا الاحتمال الثالث؛ لأنَّ المفروض هنا، أنّه تعليل بما استقرّ عليه بناء العقلاء، والتعليل بما استقرّ عليه بناء العقلاء يكون فيه تقريباً للمطلب لا محالة.
إلَّا أنَّ هذا كسابقه خلاف الظاهر، يعني: حمل نفي الريب في المقام على النفي التعبّدي ولو في نظر العقلاء، أيضاً خلاف طبع القضية.
على أنه لو سُلّم مثل هذا الاحتمال، فحينئذٍ، غاية ما يقتضي هذا التعليل هو حجيّة ما ارتكز في أذهان العقلاء حجّيّته من الشهرة. يعني بما أنّ الحجّيّة عقلائيّة في التعليل، فهي بحسب الحقيقة، تقرّر قاعدة حجّيّة الشهرة بمقدار ما يساعد عليه الارتكاز العقلائي لا أكثر من ذلك.
ومن المعلوم إنَّ الارتكاز العقلائي لا يساعد على حجّيّة الشهرة الفتوائيّة،
ــــــــــ[339]ــــــــــ
() وجعل الحجّيّة العقلائيّة علّة لحكم الشارع؛ بالرجوع إلى الرواية المشهورة (من محاضرة غد). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
يعني على حجّيّة الشهرة الحدسية من قبل أهل النظر. وإنّما يساعد الارتكاز العقلائي، على حجّيّة الشهرة الروائية والحسيّة، لا الشهرة الاجتهاديّة والحدسية.
فلو فُرِض تماميّة هذا الاحتمال الثالث أيضاً لا يكون مفيداً للمستدلّ.
[الاحتمال الرابع: نفي الريب بالإضافة]
أن يكون المراد بنفي الريب هنا، نفي الريب بالإضافة. كما عبّر عنه في كلمات الشيخ الأعظم ومن تأخر عنه(1). أي نفي الريب من هذه الناحية. كلاهما فيه ريب، كلّ من الرواية المجمع عليها والرواية غير المجمع عليها؛ لأنَّ كلاً منهما لم يصل إلى درجة القطع مثلاً.
إلَّا أنَّ المقصود من نفي الريب، نفيه من هذه الناحيّة، يعني جهة التجمّع على هذه الرواية أو الفتوى، جهة تدفع الريب من ناحيتها هنا، ولا يوجد ما يماثلها هناك. فهو خالٍ من الريب من ناحية هذا المؤيد. سد لباب العدم من هذه الناحيّة، لا سدّ له من جميع النواحي.
فكأنه هكذا قال: بأنَّ المجمع عليه من هذه الناحية مع أنَّ هذا الباب من العدم الّذي سدّ هنا، لم يسدّ هناك؛ لأنَّ التجمّع الّذي حصل هنا لم يحصل هناك.
إذا كان المقصود من نفي الريب هذا المعنى. فحينئذٍ، يمكن جعل التعليل قاعدة عامّة، أو يكون هذا التعليل ارتكازيّاً عرفيّاً، يعني مفهوماً لأهل العرف. إنَّ هذه الرواية فيها جهة امتياز على الأخرى، وباب العدم فيها مسدود من هذه
ــــــــــ[340]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول 1: 614.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الناحية، بخلاف الرواية الأخرى. تعليل ارتكازيّ عرفيّ وهو تعليل منطبق على المورد بتمام مصاديقه أيضاً، سواءٌ حصل القطع أو لا. ويمكن جعله أيضاً قاعدة عامّة.
ولا وجه لما أُفيد في الكتب الرسميّة من أنه لا يمكن جعله قاعدة عامّة، لماذا لا يمكن جعله قاعدة عامّة؟ بل يمكن ذلك، حاله حال سائر التعليلات.
[الالتفات إلى نكتة في المقام]
لكن لابدَّ من الالتفات إلى نُكتة، وهي: أن هذا يجعل قاعدة عامّة مع لحاظ الخصوصيّة الملحوظة في هذه الرواية.
وذلك، أن ليس معنى جعل هذه قاعدة عامّة، يعني جعل، كلّ شيء يكون فيه جهة امتياز حجّة فيما لا يكون فيه ذلك الامتياز، بحيث إنّنا أيّ أمارة من الأمارات إذا رأينا ما هو أسوأ منها، فنقول بحجّيّته، باعتبار أنّه لا ريب فيه بالنسبة إلى الأسوأ.
ليس المقصود من جعل التعليل قاعدة عامّة يعني جعل الحجّيّة لكلّ ما يتصوّر وجود ما هو أسوأ منه. حيث إنّه إذا وجد ما هو أسوأ منه، فيصدق عليه أنه لا ريب فيه بالنسبة إلى ذاك.
بل هنا أمر مستتر مطويّ في الرواية، وهو فرض وجوب الأخذ بأحد الأمرين، وبعد فرض وجوب الأخذ بأحد الأمرين يقال حينئذٍ بوجود مثل هذه القاعدة العامّة، أنَّ ما لا ريب فيه بالنسبة إلى الآخر يتعيّن في قبال الآخر.
أمّا وجوب الأخذ بأحد الأمرين، فهذا لا يمكن إثباته من نفس هذا التعليل
ــــــــــ[341]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
أو هذه الرواية، بل هو مفروض في المرتبة السابقة، في الروايتين المتعارضتين.
فهذه القاعدة، قاعدة في مقام جعل الحجّيّة لما لا ريب فيه بالإضافة، في قبال مقابل، لكن في طول وجوب الأخذ بأحدهما، وبعد فرض ذلك.
ومن هنا استناد بعض العلماء، على ما يأتي في بحث التعادل والتراجيح، الترجيح لكلّ مزيّة؛ باعتبار أمثال هذا التعليل. حيث إنَّه ثبت وجوب الأخذ بإحدى الروايتين إمّا تخييراً وإمّا تعييناً، بمقتضى الأخبار العلاجية.
حينئذٍ، يقال بمقتضى هذا التعليل: إنَّ كلّ ما لا ريب فيه بالنسبة إلى الآخر يؤخذ به.
فالحجّيّة المجعولة هنا، حجّيّة لا ابتدائية، بل حجّيّة في طول وجوب الأخذ في أحدهما. وهي مع هذه الطوليّة يمكن جعلها قاعدة عامّة. وعدم الالتفات إلى هذه النُكتة هو الّذي أوجب تخيّل أن هذا التعليل لا يمكن جعله قاعدة عامّة، من دون أن يبيّن النُكتة في عدم إمكان جعله قاعدة عامّة، بل يمكن جعله قاعدة عامّة، لكن يجعل قاعدة عامّة في مرتبته لا في مرتبة أخرى.
فإذا ظهر أنَّ الحجّيّة المجعولة في هذا التعليل، هي حجّيّة ما لا ريب فيه بالإضافة، لكن في طول وجوب الأخذ بأحدهما. فهذا إنّما هو في باب الروايات. وأمّا في باب أقوال الفقيه، لم يثبت بدليل أنَّ المجتهد، يجب عليه أن يأخذ بأحد الأقوال الفقهية، حتّى يقال إنّه يدور أمره بين أن يأخذ بقول الأكثر أو بقول الأقل، وقول الأكثر لا ريب فيه بالنسبة إلى الأقل، لو سُلّم أنّه لا ريب فيه بالنسبة إلى الأقل.
ــــــــــ[342]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فوجوب الأخذ بأحد القولين لم يثبت في المرتبة السابقة، فمثل هذه القاعدة العامّة لا ربط لها بمحل الكلام.
هذه هي الاحتمالات الأربعة، في تصوير نفي الريب. وقد ظهر، أنَّ الأوّل والرابع منها لا يتم الاستدلال بناء عليه، والثالث في نفسه بعيد، ولا يتمّ الاستدلال عليه، والثاني في نفسه بعيد(1).
هذا هو تمام الكلام في الوجه الأوّل من الوجوه الّتي استُدِلّ بها على حجّيّة الشهرة.
[الجهات المتصوَّرة في الاحتمالات الأربعة(2)]
تارةً: يُتكلّم في أنَّ الاستدلال يتمّ على أيّ واحد من هذه الاحتمالات، ولا يتمّ على أنّ واحد منها، وأخرى: يُتكلّم في أنَّ هذه الاحتمالات أيّ واحد منها يكون صحيحاً، ومطابقاً مع ظهور الرواية، وأيّ منها لا يكون مطابقاً مع ظهور الرواية. فالكلام يقع في جهتين:
ــــــــــ[343]ــــــــــ
() وهنا سأل أحد الإخوان: أنَّ الأول والرابع متساويان؟
فأجاب: هذا بحثه يأتي في بحث التعادل والتراجيح، وبمقدار ما يرتبط بمحل الكلام، أنَّ الأوّل والرابع لا بأس به، ولكن على كلّ منهما لا يتمّ الاستدلال في المقام. (المُقرِّر).
(2) لخصّ سيدنا الأستاذ أولاً الاحتمالات الأربعة، الّتي ترد في معنى نفي الريب في المقبولة، ثُمَّ ذكر ما كان قد ذكره، بعرض جديد لا بأس من إثباته لتمام الفائدة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
[الجهة الأولى: الكلام في إتمام الاستدلال بالاحتمالات الأربعة]
في أنّه بعد فرض وجود هذه الاحتمالات الأربعة في التعليل، فالاستدلال هل يتمّ بناءً على تمامّها، أو لا يتم -مثلاً- إلَّا على بعضها دون بعض.
الاحتمال الأوّل: التحقيق أنّه بناءً على الاحتمال الأوّل، لا يتمّ الاستدلال بالرواية. إذ لو حملنا نفي الريب هنا على النفي الحقيقي الوجداني، بمعنى أنّ المجمع عليه، أي المشهور أمر قطعي، لا شائبة فيه ولا شكّ.
بناءً على هذا لا يمكن جعل العلّة شاملة لموارد الشهرة الفتوائية، بل لابدَّ من فرض كون التعليل ناظراً حينئذٍ إلى موارد الشهرة الروائية؛ لأنَّ حصول القطع ونفي الريب وجداناً بسبب الشهرة إنّما يُتصوَّر في باب الرواية في كثير من الأحيان، وأمّا في باب الفتوى والاجتهاد وإعمال النظر، فالشهرة هنا، لا تكون مناطاً في نفي الريب، بالنسبة إلى غالب الأشخاص.
وحينئذٍ، لا معنى للتمسّك بإطلاقه لمحل الكلام، مع أنّه في محل الكلام الريب موجود وجداناً. فالاستدلال على الاحتمال الأول ساقط.
وأمّا على الاحتمال الثاني، وهو احتمال أن يكون المراد بالتعليل هنا، التعليل بنفي الريب تعبّداً، كأن الإمام يقول: خذ بما اشتهر بين أصحابك؛ لأنَّ الشهرة حجّة عندنا.
بناءً على هذا الاحتمال يمكن أن يقال: بأنَّ التمسّك بعموم العلّة لا بأس به؛ لأنَّ الظاهر من العلة حينئذٍ، إلغاء خصوصيّة المورد، ومقتضى قانون العلة، حينئذٍ، هو جعل الشهرة موضوعاً للحجّيّة بقول مطلق. ومن المعلوم أنَّ
ــــــــــ[344]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
الشهرة الفتوائيّة مصداق من مصاديق الشهرة أيضاً. فيصدق بحسب الفهم العرفي أنَّ الشهرة انعقدت على وجوب السورة، فتكون هذه الشهرة مصداقاً من مصاديق موضوع الحجّيّة في المقام.
الاحتمال الثالث: وأمّا بناءً على الاحتمال الثالث، وهو أن يكون المقصود من التعليل، التعليل بنفي الريب في نظر العقلاء، كأنّ الإمامهكذا قال: خذ بالرواية المشهورة؛ لأنَّ الشهرة حجّة عند العقلاء.
بناءً على هذا لا معنى للتمسّك بإطلاق العلّة لما هو محل الكلام؛ لأنَّ العلّة حينئذٍ تكون تابعة سعة وضيقاً لسعة وضيق الارتكاز العقلائي. والارتكاز العقلائي لا يناسب جعل الحجّيّة للشهرة في موارد الاجتهاد والنظر. ودائرة الارتكاز العقلائي إنّما هي في باب الشهادة، لا في باب الاجتهاد؛ فلا يكون الاستدلال أيضاً تامّاً بناءً على الاحتمال الثالث.
الاحتمال الرابع: وأمّا بناءً على الاحتمال الرابع، وهو أن يكون مقصود الإمامهذا: خذ بما اشتهر بين أصحابك؛ لأنَّ المشهور فيه جنبة قوة في قبال غير المشهور؛ لأنَّ الشهرة بنفسها جنبة قوة.
بناءً عليه، أيضاً الصحيح أنّه لا يمكن التمسّك بعموم التعليل؛ وذلك لأنَّ مثل هذا التعليل، وإن كان بمقتضى قانون يقتضي إلغاء خصوصية المورد وجعله قاعدة عامّة، وهو كذلك أيضاً. إلَّا أنَّ المفروض في المقام هو وجوب الأخذ بأحد الخبرين وبإحدى الروايتين. فهذه قاعدة عامّة في طول فرض وجوب الأخذ بأحد الأمرين.
ــــــــــ[345]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بمعنى أنَّ المستفاد من التعليل بناءًّ على الاحتمال الرابع هو أنّه، متى ما وجب الأخذ بإحدى أمارتين، وكانت إحداهما فيها جنبة قوة بالنسبة إلى الآخر، فحينئذٍ، يتعيّن ما فيه جنبة قوة؛ لأنَّ ما فيه جنبة القوة لا ريب فيه، بالإضافة إلى الآخر.
فالتعليل يكون قانوناً عامّاً في طول وجوب الأخذ بأحد الأمرين، ولا يكون قانوناً عامّاً يتكفّل جعل الحجّيّة الابتدائية لكل ما كان فيه جنبة قوة في قبال الآخر. بحيث إنَّ كلّ أمارة كان يوجد ما هو أسوأ منها تكون حجّة حينئذٍ، حتّى تصل إلى أمارة لا أسوأ منها في مقام الكشف.
مثل هذه القاعدة لا تُستنبَط من هذا التعليل، ولا يقتضي إلغاء خصوص المورد ولا قانون العلّة.
وعلى هذا، نحتاج حينئذٍ في المرتبة السابقة، إلى فرض وجوب الأخذ بأحدهما، فإنّه مفروغ عنه في باب الروايتين المتعارضتين. وأمّا في باب أقوال الفقهاء، فلم يدلّ دليل في المرتبة السابقة على أنه يجب على المجتهد إمّا يقول الأكثر وإمّا يقول الأقل من الفقهاء، حتّى يقال في المرتبة المتأخرة بتطبيق القانون المستفاد من هذا التعليل.
وإن شئتم قلتم، فإنَّ قوله: “فإن المجمع عليه لا ريب فيه“، تعليل لتعيّين الحجّة، بعد فرض وجوب الأخذ بأحد المتعارضين، لا تعليل لأصل جعل الحجية. وحينئذٍ في المقام لا يكون له فائدة؛ لأنّه في المقام أصل الحجّيّة غير مجعولة عندنا، لا أنّه جعل عندنا حجّيّة قول الفقهاء ودار الأمر بين أن يكون المجعول حجّيّة قول الأكثر، أو قول الأقل.
ــــــــــ[346]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
إذن، فعلى هذا الاحتمال الرابع أيضاً لا يتمّ الاستدلال.
فظهر أنّ الاستدلال لا يتمّ إلَّا على الاحتمال الثاني، مع إمكان المناقشة فيه أيضاً.
هذا هو الكلام في الجهة الأولى.
[الجهة الثانية: في ترجيح أحد الاحتمالات في الاستدلال]
وأمّا الكلام في الجهة الثانية: وهي أنّ أيّ هذه الاحتمالات أرجح من غيره في هذه الرواية؟
أمّا الاحتمال الأوّل: الظاهر من هذه الرواية هو الاحتمال الأوّل، وهو الاحتمال الراجح من هذه الاحتمالات الأربعة.
فإنَّ الاحتمال الثاني، وهو حمل نفي الريب في المقام، على جعل الحجّيّة من قبل الشارع، هذا خلاف الظاهر، إذ أنّه يتوقّف على أحد أمرين. إمّا أن يحمل قوله: “فإن المجمع عليه لا ريب فيه“، على أنّه في مقام الإنشاء، ويصرف من ظهوره في الجملة الخبرية. وإمّا أن يتحفّظ على ظهوره في الجملة الخبريّة، لكن يقال: أنّه إخبار عن النفي التعبّدي لا الحقيقي. وكلاهما خلاف الظاهر في المقام.
ومن هذا يُعرف كون الاحتمال الثالث أيضاً خلاف الظاهر.
وأما الاحتمال الرابع: فهو أيضاً خلاف الظاهر في المقام: باعتبار أنَّ الظاهر من نفي الريب نفيه بالفعل، لا نفيه من جهة الظاهر، النفي الفعلي لا النفي الجهتي، والاحتمال الرابع يقتضي حمل النفي على النفي الجهتي، لا على النفي الفعلي.
ــــــــــ[347]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وممّا يؤيد الاحتمال الأوّل، استشهاد الإمام بقول رسول الله، بعد هذا، حيث استشهد بحديث التثليث المروي عنه: (الأشياء ثلاثة بين الرشد وبين الغي وشبهات بين هذا وذاك). فإنّه هنا ظاهر الرواية أنّه طبّق بين (الرشد) على ما هو المشهور، وما هو المجمع عليه، وطبّق (الشبهات) على ما هو في مقابله.
فلا بدَّ أن يكون المقصود من (الرشد) هنا الّذي هو بين في الرواية المجمع عليها، و(مشتبه) في الرواية الأخرى (الرشد الواقعي).
يعني ثبوت الواقع على طبقه لا الرشد الظاهري بمعنى جعل الحجّيّة، إذ أنَّ جعل الحجّيّة لا يحتمل ثبوته بالنسبة إلى الرواية الأخرى، الّتي حكم بأرجحيّة هذه الرواية عليها.
(الرشد) الّذي هو مشتبه في الرواية المرجوحة الساقطة عن الحجّيّة بالفعل، إنّما هو الرشد بمعنى احتمال المطابقة للواقع، والرشد الّذي هو معلوم في تلك الرواية هو الرشد بمعنى المطابقة للواقع، يعني الصدور من الإمام. كأنّه يريد أن يقول بأنَّ الرواية المشهورة معلومة الصدور من الإمام، وتلك الرواية غير معلومة الصدور منه.
فتطبيق عنوان بين (الرشد) على الرواية المشهورة ظاهر في أن نفي الريب هنا نفي حقيقي، لا نفي بالإضافة أو نفي تعبّدي؛ لأنَّ النفي بالإضافة، أو النفي التعبّدي لا يجعله بين الرشد.
هذا هو الكلام أيضاً في الجهة الثانية وبذلك تمّ الوجه الأول.
ــــــــــ[348]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
من الوجوه الّتي استُدلّ بها على حجّيّة الشهرة: مرفوعة عوالي اللئالي(1).
حيث ذكر هناك، بأنَّ الإمام قال: “خذ بما اشتهر بين أصحابك“. بعد سؤاله عن الروايتين المتعارضتين.
وتقريب الاستدلال في المقام، دعوى التمسّك بإطلاق هذا الكلام، حيث إنَّ المورد لا يخصّص الوارد. فإن المورد وإن كان هو مورد تعارض الروايتين، إلَّا أنَّ المورد لا يخصّص الوارد. فمقتضى إطلاق هذا الكلام هو وجوب الأخذ بكلّ ما اشتهر بين الأصحاب، سواء كان فتوى أو رواية.
هذا الاستدلال ظهر عدة جهات من الإشكال فيه، ممّا تقدّم من المقبولة. فإنَّ هذا الاستدلال يورد عليه بما ذكرناه عن الشيخ الأعظم في الرواية السابقة، من أنّه لم يعلم بأنَّ المراد بالشهرة في قوله: خذ بما اشتهر بين أصحابك، الشهرة بالمعنى المصطلح، أي الأكثرية في مقابل الأقلية، بل هو المراد من الاشتهار بوضوح المطلب وجلائه عند تمام الأصحاب، فتكون الشهرة هنا مساوقة مع الوضوح عند الكلّ وتكون أجنبية عن محل الكلام(2).
ــــــــــ[349]ــــــــــ
(1) انظر: عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية 4: 133، الجملة الثانية في الأحاديث المتعلقة بالعلم وأهله.
(2) انظر: فرائد الأصول 1: 234.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ويُورَد أيضاً على هذا الاستدلال، ما ذكرناه نحن في تلك المقبولة، وحاصله: أنَّ قوله: “خذ بما اشتهر بين أصحابك“، هذا الأمر ليس في مقام تأسيس أصل الحجّيّة، بل هو في مقام تعيين الحجّة، وكلامنا الآن في مقام تأسيس أصل الحجّيّة لا في مقام تعيين الحجّة. لم يفرغ عن وجود حجّة، ويتكلّم عن تعيينها، وإنّما الكلام في أصل وجود الحجّة وعدمه.
وقوله: “خذ بما اشتهر… إلخ” بعد فرض روايتين متعارضتين، إرشاد إلى مرجحيّة الشهرة، وكونها معيّنة لحجيّة هذا في قبال ذاك، لا كونها ملاكاً أصلياً ابتدائياً للحجّيّة.
على أنّ الرواية من حيث السند ساقطة جداً.
الّذي يُستدلّ به على حجّيّة الشهرة هو دعوى المساواة، أو الأولويّة من أدلّة حجّيّة خبر الثقة.
بعد أن نفرض تماميّة الدليل على حجّيّة خبر الثقة نقول: بأنَّ الشهرة إما مساويّة مع خبر الثقة في مقام الكشف، والحكاية عن الواقع، وإمّا أنّها أقوى من خبر الثقة، فتكون حينئذٍ حجّة بمفهوم المساواة، أو بمفهوم الأولويّة، (مفهوم الموافقة).
ــــــــــ[350]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
هذا الاستدلال أيضاً غير صحيح في المقام:
أمّا أولاً: فيظهر ذلك عن دراسة ما هو ملاك الكشف في الشهرة، مع دراسة ما هو ملاك الكشف في خبر الثقة.
والحقيقة أنَّ ملاك الكشف في كلّ منهما هو حساب الاحتمالات، وقد سبق أن أشرنا إلى ما هو ملاك الكشف في باب الشهرة ويأتي إن شاء الله في باب خبر الواحد توضيح ما هو ملاك الكشف في خبر الثقة، على أساس حساب الاحتمالات.
وبالمقارنة بين ملاك الكشف في الشهرة القائم على أساس حساب الاحتمالات، أو ملاك الكشف في خبر الثقة القائم على نفس الأساس. يُعرَف أنَّ نكتة وثاقة الراوي عن حس، أقوى في مقام تحصيل الاحتمال والظنّ من نكتة تجمع أصحاب النظر الغالبيين على فتوى واجتهاد معيّن(1).
المستدلّ يقول: بأنَّ خبر الواحد له ملاك تكويني في مقام الكشف بمقدار 60% مثلاً. ونحن رأينا أنَّ الشارع جعل الحجّيّة له. والشهرة أيضاً فيها نفس هذا الملاك الذاتي، وهي أنّها تكشف عن الواقع بمقدار 60%. فإذا كان قد جعل الحجّيّة لتلك الأمارة، فيجب أن يكون قد جعل الحجّيّة لهذه الأمارة.
ــــــــــ[351]ــــــــــ
() وهنا أوضح سيّدنا الأستاذ هذا الوجه بما يلي جواباً على سؤال من أحد الإخوان. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
وقد استظهرنا من أدلّة جعل الأحكام الظاهريّة، أنّها متكفّلة لجعلها بقصد الإيصال إلى الواقع، وليس هناك مصلحة وغرض آخر وراء الأغراض والملاكات الواقعية. والمفروض أنَّ موّصلية هذا على حد موّصلية ذاك أو أقوى منه. إذن، فبالدلالة الالتزامية يكون دالّاً على ذلك، وهو وجود نفس الملاك في الشهرة.
أولاً: نقول بأنَّ هذا الملاك غير موجود في الشهرة؛ لأنَّ ملاك الكشف التكويني الذاتي، في خبر الثقة في الشهرة واحد، وهو حساب الاحتمالات؛ وجريانه في خبر الثقة يكون بنحو أشد من جريانه في الشهرة. من حيث إنَّها خبر ثقة وشهرة. وإلَّا فقد تنضاف خصوصيّات إلى هذا فيجعله، أقوى من ذاك أو إلى ذاك فيجعله أضعف من هذا.
وأمّا ثانياً: فلأنا ذكرنا في بحث المجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعيّة، أنَّ جعل الأحكام الظاهرية إنّما هو بملاك التحفّظ على الأحكام الواقعيّة الموجودة إجمالاً في موارد الشبهات، والأمارات. وأنَّ هذه الأحكام الواقعيّة في موارد الشكّ، يقع التزاحم بينها في مقام التحفّظ عليها.
فالأحكام الواقعية الترخيصيّة -مثلاً- تقتضي في مقام حفظها، أنَّ المولى يحكم بإباحة كلّ ما يحتمل إباحته؛ لأنَّ تحفّظ المباحات الواقعية. والأحكام الإلزاميّة تقتضي أنَّ المولى يحكم بالإلزام في كلّ ما يحتمل الإلزام فيه، بقصد التحفّظ على الإلزامات الواقعيّة.
ــــــــــ[352]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
ومن هنا يقع التزاحم بين الأحكام الواقعيّة في مقام اقتضائها للحفظ بالخطاب الظاهري. والخطابات الظاهريّة هي نتيجة التزاحم الواقع بين تلك الأحكام الواقعية في اقتضائها لهذا الحفظ.
بناءً على هذا، يقال في المقام، بأنَّ الشهرة، وإن فُرِض أنّها من حيث الكشف كانت مساويّة مع خبر الواحد، إلَّا أنّه لا يُعلَم أنّه وجد هناك مقتضٍ لجعل الحجّيّة للشهرة، بعد فرض جعل الحجّيّة لخبر الواحد.
إذ، لماذا يجعل الحجّيّة للشهرة بعد فرض جعل الحجّيّة لخبر الواحد؟ إنّما يفرض جعل الحجّيّة للشهرة بعد فرض جعل الحجّيّة لخبر الواحد، من ناحية الموارد الّتي تكون الشهرة فيها موصلة للواقع، ولا يكون خبر الواحد فيها موجوداً وموصلاً إلى الواقع. بلحاظ التحفظ على الأحكام الواقعية التي يحتمل كون الشهرة موصلة إليها، ولا يكون خبر الواحد موّصلاً إليه.
فجعل الحجّيّة للشهرة إنّما هو باقتضاء تلك الأحكام للحفظ. فلو فُرِض أنَّ اقتضاء تلك الأحكام للحفظ، قد ابتلي بمزاحم أقوى منه، قدّم في باب التزاحم، فحينئذٍ لا يبقى هناك مقتضٍ إلى جعل الحجّيّة للشهرة.
ومن هنا يبطل هذا الكلام الأساسي السيّال في علم الأصول. وهو أنّنا نستكشف بالمساواة، أو الأولويّة من جعل الحجّيّة لأمارة، جعلها لأمارة أخرى؛ لأنَّ جعل الحجّيّة لا يكفي فيه مجرد الطريقية، بل لابدَّ مضافاً إلى الطريقية من أن يكون هناك اقتضاء للأحكام الواقعيّة لجعل هذه الحجّيّة في مقام التحفّظ عليها.
ــــــــــ[353]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
فإذا فُرِض أنَّ هذا الاقتضاء غير تام، إلَّا في دائرة خبر الواحد، وفي غير دائرة خبر الواحد غير تام.
إنَّ المولى في غير دائرة خبر الواحد قدّم اقتضاء الأحكام الترخيصيّة للتحفّظ؛ عليها بجعل أصالة البراءة على الأحكام الإلزامية، بالتحفّظ عليها بجعل حجية الشهرة -مثلاً-. إذا فرضنا أنَّ اقتضاء الأحكام الواقعية للتحفّظ، غير مرجوح، فحينئذٍ يكون عدم حجّيّة الشهرة من ناحية عدم المقتضى وعدم الغرض المولوي لا من ناحية قصور في كاشفيتها وفي طريقيتها، حتّى يقال: بأنَّ كاشفيتها على حد كاشفيّة خبر الواحد.
هذا أيضاً ما ينبغي أن يقال في مقام إبطال الوجه الثالث.
وبهذا ظهر أن الشهرة ليست حجة أيضاً.
ــــــــــ[354]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
بقية مبحث حجية ظواهر القرآن 13
[الدليل الثاني للأخبَاريّين في النهي عن ظواهر القرآن: هو الأخبار] 13
الطّائفة الأولى [بأنّ الله أغمض القرآن، وجعله بحيث لا يفهمه النّاس…] ومناقشتها 14
[تلخيص وزيادة] 20
فائدة 21
الطّائفة الثانية [في احتياج الناس إلى الأئمة في فهم القرآن] 23
الطائفة الثالثة [من فسر القرآن برأيه فقد كفر] ومناقشتها 25
جواب الأعلام عن الاشكال 26
[مقتضى التحقيق] 26
بيان معنى الظواهر 27
[مناقشة الطائفة الثالثة] 31
عدّة كلمات في مقابل استدلاّل الأخباري بإطلاق من فسّر القرآن برأيه 31
الكلمة الأولى: [في المراد من كلمة (الرأي) في الروايات] 31
ــــــــــ[355]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
كلامنا الثاني: [إطلاق هذه الروايات لا يصلح أن يكون بياناً؛ لعدم حجّية الظهور] 34
كلامنا الثالث [الاستدلال بسيرة المتشرعة لا بالسيرة العقلائية] 35
الأخبار التي يُستدلّ بها على حجية ظواهر القرآن 39
الطائفة الأولى: [روايات التمسك بالكتاب الكريم] 39
[ابتلاء هذه الطائفة بالمعارض] 40
الطائفة الثانية [روايات عرض الشروط على كتاب الله] 43
[تحقيق في تقريب الاستدلال بالطائفة الثّانية] 43
الطائفة الثالثة [عرض أخبار الأئمّة على القرآن الكريم] 45
الطائفة الرابعة: [استدلال الإمام بجملة من الآيات على جملة من الأحكام] 48
دعوى الاخباري بعدم وجود ظهور للقران 53
الأمر الأول: دعوى الإجمال الذاتي 54
[ابطال التصور الأول للإجمال الذاتي] 55
[ابطال التصور الثاني للإجمال الذاتي] 56
الأمر الثاني: الإجمال العرضيّ 60
[ابطال دعوى الاجمال العرضي] 60
المقام الثاني: في طريق تعيين الظهور 62
[توهّم في عنوان المسألة] 62
ــــــــــ[356]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
[التحقّيق في دفع التوهّم] 65
مقصودنا من الظهور اللغويّ والظهور الفعليّ 67
ما هو موضوع الحجّيّة من هذين الظهورين 69
[الثمرة الفقهيّة من الظهورين] 70
[التحقيق في موضوع حجّيّة الظهور] 72
[تلخيص وتحصيل] 75
[طرق إثبات الظهور] 80
الطريق الأول: التبادر 80
[التعليق الأوّل: على هذه العلامة] 80
[التعليق الثاني: هو لزوم الدور في المقام] 81
[التعليق الثالث: على علاميّة التبادر] 82
[التدافع بين التعليق الثاني والثالث] 83
[مناقشة التعليق الثاني: الإشكال بالدور] 86
[تفسير علاقة اللفظ بالمعنى] 89
[تلخيص لنظريّة القرن الأكيد] 91
[تمييز الحقيقة والمجاز على ضوء الطريقة الحياتيّة] 95
[خلاصة القول في التوقّف بين الوضع والتبادر] 96
[مناقشة التعليق الثالث] 96
وظيفة التبادر 98
ــــــــــ[357]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
[الوظيفة الأولى: إثبات المعنى الحقيقي] 98
[الوظيفة الثانيّة: استكشاف الظهور الفعلي في شخص مورد التبادر] 101
الطريق الثاني لأثبات الظهور: قول اللغويين 106
[دعوى عدم حجّيّة اللغويّ] 106
المقام الأول: في تعيين موارد استعمال اللفظ 107
[الوجه الأول: لعدم حجية قول اللغوي] 107
[الجواب عن إشكال صاحب الكفاية] 108
[التقريب الثاني لعدم حجّيّة قول اللغوي] 111
[مناقشة التقريب الثاني ] 113
[مناقشة كبرى حجّيّة اهل الخبرة في الأمور الحدسيّة] 114
المقام الثاني في تعيين الحقيقة والمجاز 117
[الاشكال الأوّل: في عدم الرجوع الى أهل اللغة] 118
[جواب الاشكال] 118
[الإشكال الثاني: بأنَّ أهل اللغة لا يمكن أن يكونوا من أهل الخبرة في تعيين المعاني الحقيقية عن المعاني المجازية] 119
[جواب الاشكال الثاني] 119
[محصّل البحث في قول اللغويّ] 121
الطريق الثالث: أصالة عدم النقل 122
ــــــــــ[358]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
من أصالة عدم النقل الى أصالة ثبات اللغة 124
التنبيه الأوّل: الشكّ في أصل التغيّر لا في زمان التغيّر. 125
التنبيه الثاني: التعارض بين أصالة ثبات اللغة وقول اللغويّ 127
[مرجع القول في التعارض] 128
التنبيه الثالث: الشك في ظهور عصر الكلمة. 129
[الشكّ في أصل السبب وسببيّة الموجود] 130
[تفصيل للشكّ في أصل السببيّة وسببيّة الموجود، وحلّ التعارض] 131
[الأوّل: الشكّ في أصل وجود السبب] 131
[الثاني: الشكّ في سببيّة السبب] 133
الطريق الرابع للظهور: الصناعة 135
[التأمل الفني البرهاني] 135
الكلام الأوّل: في الصناعة الّتي تُستعمَل في كبرى الظهور 136
[تحديد مقدار دور الصناعة دلاليّاً] 140
[دور الصناعة في تشخيص كبرى الظهور] 142
[بلحاظ الظهور الفعلي] 142
[بلحاظ طريقة الاستقراء] 143
الكلام الثاني: الصناعة المعمولة في صغرى الظهور 146
[أولاً: بلحاظ الدلالة المطابقيّة] 147
ــــــــــ[359]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
[التنازع في صغرى الظهور بين القائلين بالعدم الازلي والمنكرين له] 147
[تخصيص قاعدة مقدّمات الحكمة وعدم اثبات صغرى الظهور] 149
[ثانياً: بلحاظ الدلالة الالتزاميّة] 156
الكلام الثالث: اثبات خصوصيّات الظهور بالصناعة 158
[إعمال الصناعة في خصوصيات الدلالة] 159
[إعمال الصناعة في خصوصيات المدلول] 161
الكلام الرابع: اعمال الصناعة في تنسيق الظواهر 162
الإجماع المنقول 167
[المقام الأول:] مسلك كاشفيته عن الحكم الواقعي 168
المبنى الأول: اقتناص الكاشفية من العقل العملي (أي قاعدة اللطف ومناقشتها) 168
[الصياغة الأولى لقاعدة اللطف] 169
[الصياغة الثانية لقاعدة اللطف] 170
[مناقشة الصياغتين] 172
[الصياغة الثالثة لقاعدة اللطف] 180
[مناقشة الصياغة الثالثة] 182
[الصياغة الرابعة للقاعدة] 184
ــــــــــ[360]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
[مناقشة الصياغة الرابعة] 185
المبنى الثاني: لاقتناص الكاشفيّة من العقل النظري بلحاظ الملازمة بين الإجماع والحكم الواقعي 187
[موارد استكشاف الحكم الواقعي من الاجماع في العقل النظري] 188
[المورد الأوّل: انعقاد الإجماع على الحكم الواقعي بعنوانه] 188
[المورد الثاني: انعقاد الإجماع على سنخ حكم لو لم يشرع لكان عدمه من الواضحات] 189
[تطبيق فقهي للمورد الثاني] 189
[مناقشة المورد الثاني] 191
المبنى الثالث كاشفيته بلحاظ الدليل الشرعي 192
[رواية لا تجتمع أمّتي على خطأ] 193
[تقريب الاستدلال بالرواية] 194
[المناقشة السنديّة] 195
[المناقشة الدلالية] 196
المقام الثاني: في إثبات الحكم الواقعي او جامع الوظيفة بالإجماع 199
[انحاء ملازمات العقل النظري بين الحكم الشرعي والاجماع] 199
[التحقيق في المقام] 201
الأمر الأوّل: بيان معنى الملازمة 201
الأمر الثاني: عدم الملازمة بين الاجماع والحكم الشرعي 204
ــــــــــ[361]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
[حـصول العـلم بالـحكم الشرعي على أساس حـساب الاحتمالات] 206
[قوانين حساب الاحتمال بين الإجماع والتواتر] 209
[تفصيل انحاء العليّة المتصوّرة في التواتر] 211
[الأوّل: أن يكون الإخبار علّة] 211
[الثاني: أن يكون الإخبار معلولاً] 211
[الثالث: أن يكون الأخبار معلولاً بعلّتين] 212
[نقل المثال من التواتر الى الإجماع] 214
نكات في الفرق بين الإجماع والتواتر 217
النُكتة الأولى: [احتمال الخطأ في غير الحسيات أكثر منه في الحسيات] 218
النكتة الثانية: [مركز الخطأ في الحسيات واحد وفي الاجتهاديات متعدد] 221
النكتة الثالثة: [في الاجتهاديات خطأ الأول مؤثر في اشتباه الثاني] 224
[النُكتة الرابعة: المقتضي لعدم الخطأ محرز في التواتر دون الإجماع] 225
[النُكتة الخامسة: احتمال استناد المجمعين على نكتة مشتركة] 227
ــــــــــ[362]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
[النُكتة السادسة] 231
في التحصيل الوجداني للإجماع: (الإجماع المحصّل) 235
[مناقشة صغرى الاجماع المحصّل] 235
[موضوعيّة الإجماع المحصّل على رأي المشهور] 237
[موضوعية الإجماع المحصّل على الرأي المختار] 238
التحصيل التعبّدي للإجماع (الاجماع المنقول) 240
[مسائل ثلاث في قيام الاجماع التعبّدي مقام الوجداني] 240
الكلام في المسألة الأولى: في نقل تمام الكاشف 241
[مقدّمتان في حجيّة اجماع نقل الكاشف] 242
المقدّمة الأولى: ثبوت أصل الإجماع 243
[شبهة في المقام] 243
[ردّ شبهة المقدّمة الأولى] 245
[الجواب عن ردّ الشبهة] 247
[توهّم في المقام] 251
[دفع التوهّم] 252
المقدمة الثانية: ثبوت الملازمة بين الإجماع وقول المعصوم 253
[تحقيق في المقام] 256
[دفع وهم] 258
استثناء النقل الأعلائي الكامل 260
ــــــــــ[263]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
[تفاوت العقول في قانون حساب الاحتمالات] 261
[نقل قانون ضعف الاحتمالات إلى الإجماع] 262
[نقل المرتبة النازلة من الاجماع] 265
تذكير في المسألة الاولى: نقل الكاشف 266
شبهة أنَّ نقل الاجماع لم يكن إخباراً برأي المعصوم وجوابها 267
جواب الشبهة 268
[الوجه الأوّل في الجواب] 268
[الوجه الثاني في الجواب] 269
[المدلول التصوّري والتصديقي لكلام الناقل] 269
[ملخّص النقل الأعلائي والداني من الاجماع] 271
[ثمرة القول بين مسلك المشهور والمختار في الملازمة] 272
ملخص المختار في المقام 276
[التحقيق في نتيجة المبنيين] 279
المسألة الثانية: في نقل المنكشف (رأي المعصوم) 285
المسألة الثالثة: نقل جزء الكاشف 287
شبهة الأصفهاني في المقام 288
جواب الاصفهاني عن الشبهة 289
[التحقيق في الشبهة] 290
[تنبيهات في المقام] 292
ــــــــــ[264]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
التنبيه الأوّل في الإجماع المركّب: 292
[المدرك في الاجماع المحصّل] 293
[الفرق الفنّي بين الاجماع المحصّل والمركّب] 295
التنبيه الثاني: التواتر 299
تطبيق الملاك في كلّ من قسمي التواتر 300
الأوّل: المضعّف الكمّي 301
الثاني: المضعّف الكيفيّ 305
[وحدة المخبر به بحسب المدلول التحليلي] 308
[وحدة المخبر به بحسب المدلول المطابقي] 311
المضعّف الثالث 311
[الوجه في إقوائيّة التواتر اللفظي على المعنوي] 313
في ذكر أنواع التواتر 314
النوع الأوّل: وحدة المخبر به 314
النوع الثاني: وحدة المخبر به في المدلول التحليلي ومركزها في المدلول المطابقي 315
النوع الثالث: وحدة المخبر به في المدلول التحليلي ومركزها في المدلول التحليلي 317
النوع الرابع: وحدة المخبر به في المدلول المطابقي ومركزها شخص المدلول المطابقي 318
ــــــــــ[265]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
النوع الخامس: وحدة المخبر عنه في المدلول المطابقي ومركزها في لازم المطلب 320
[نقل التواتر ببعض الخصوصيّات] 321
التنبيه الثالث: حجّيّة الشُهرة 324
المقام الأوّل: في حجيتها على مقتضى القاعدة 325
المقام الثاني: في حجّيتها بلحاظ الأدلّة الشرعية 327
الوجه الأول: مقبولة ابن حنظلة 327
تقريب الاستدلال بالمقبولة 328
[الأمر الأوّل: أن المراد بالمجمع عليه هو الشهرة] 328
[الأمر الثاني: حجية الأخذ بما هو مشهور] 328
[اشكال الشيخ الانصاري على الأمر الاوّل] 329
نص مقبولة عمر بن حنظلة 330
[مناقشة التقريب الثاني للرواية] 334
[الاحتمالات الأربعة في نفي الريب] 335
[الاحتمال الأوّل: نفي الريب حقيقةً] 335
[الاحتمال الثاني: نفي الريب تعبداً] 337
[الاحتمال الثالث: نفي الريب عند العقلاء] 339
[الاحتمال الرابع: نفي الريب بالإضافة] 340
[الالتفات إلى نكتة في المقام] 341
ــــــــــ[365]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10
[الجهات المتصوَّرة في الاحتمالات الأربعة] 343
[الجهة الأولى: الكلام في إتمام الاستدلال بالاحتمالات الأربعة] 344
[الجهة الثانية: في ترجيح أحد الاحتمالات في الاستدلال] 347
الوجه الثاني: مرفوعة عوالي اللئالي 349
[تقريب الاستدلال بالرواية] 349
[إشكال على التقريب] 349
[إيرادنا على تقريب الاستدلال بالرواية] 350
الوجه الثالث: الأولويّة من أدلة حجّيّة خبر الثقة 350
[ردّ الاستدلال بأولويّة] 351
[جواب المستدلّ] 351
[الرد على جواب المستدلّ] 352
الفهرس 355
ــــــــــ[367]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج10