أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
علم أصول الفقه ج11

محاضرات في علم أصول الفقه

الجزء الحادي عشر

 

261

ص44 الصدر، محمد.

محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج11 (416ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1715/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1715) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

1-33-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com

محاضرات 

في 

علم أصول الفقه 

تقريراً لأبحاث 

سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية الله العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر 

الجزء الحادي عشر  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 






مبحث حجية خبر الواحد

 

ويحتوي على:

  • تمهيد: في كون المسألة أصولية أم لا
  • الاستدلال على عدم حجّيّة خبر الواحد
  • الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 








[تمهيد: في كون المسألة أصولية أم لا]

 

  • تمثيل لكون علم الأصول منطق الفقه
  • تطبيق نظرية منطق الفقه في حجّيّة الخبر 
  • متمّمات حجية خبر الواحد

ــــــــــ[11]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 







وبذلك تمّ بحث الاجماع بتبعاته. ووصلنا إلى بحث هو أهمّ أبحاث الظنّ، بل هو من أهم أبحاث علم الأصول، وهو بحث حجية خبر الواحد(1).

 

[تمهيد: في كون المسألة أصولية أم لا]

 

حينما بدأ الآغايون ببحث حجّيّة خبر الواحد، تكلموا، في أنَّ هذه المسألة هل هي من المسائل الأصولية، أو ليست منها؟

 تعقيباً للإشكال المعروف في أصوليّة هذه المسألة، وحاصله، بناءً على ما وجِد في الأصول القديمة، من أنَّ موضوع علم الأصول هو الأدلّة الأربعة:

أشكل في المقام بأنَّ بحث حجّيّة خبر الواحد، ليس بحثاً عن عوارض الأدلّة الأربعة، بل هو بحث عن الخبر الحاكي عن أحد هذه الأدلة الأربعة وهو السنة.

والتُزِم في مقام التخلّص عن هذا الإشكال، بتأويلات وتعقيبات أول الأمر؛ لأجل تطبيق البحث في خبر الواحد على الأدلّة الأربعة، كما يظهر من مراجعة رسائل الشيخ الأعظم(2) وما ينقله صاحب الكفاية عنه(3).

ــــــــــ[13]ــــــــــ

(1) كان الشروع بهذا البحث في الأحد 10/11/1384هـ، 14/3/ 1965م. 

(2) انظر: فرائد الأصول 1: 108. 

(3) انظر: كفاية الأصول: 293.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وبعد أن لم تنجح هذه التعسّفات والتكلّفات، انتهت النوبة إلى إنكار أصل المبنى، وهو: أنَّ موضوع علم الأصول هو الأدلّة الأربعة. لا ليس موضوعه ذلك، بل إمّا أنّه لا موضوع لعلم الأصول أصلاً، أو على فرض أنَّ يكون له موضوع، فهو عنوان مرن منفتح قابل للصدق على تمام هذه الموضوعات؛ بمعرفيّة عنوان انتزاعي، كما في الكفاية من أنَّ موضوع علم الأصول هو الكلي المنطبق على موضوعات المسائل. 

وبإلغاء موضوعية الأدلّة الأربعة، وبعدم الاعتراف بضرورة تعيين موضوع معيّن؛ ليقع الإشكال في أنَّ هذا الموضوع هل ينطبق على خبر الواحد أو لا. بذلك أستريح من ناحية الإشكال في أصولية هذه المسألة. ولم يبقَ حينئذٍ إلا تطبيق تعريف علم الأصول على هذه المسألة، وكلّ واحد اختار في باب التعريف شيئاً طبقه على حجّيّة خبر الواحد.

كلّ هذه الكلمات لا ينبغي التفصيل فيها؛ لأنّه لابدَّ أن يساعدني الرفقاء في جمعها من الكتب.

وما ينبغي أن يقال في المقام هو أنَّ الفقيه في علم الفقه يمارس عملية واحدة، تتكرر في كلّ مسألة وهي عملية استنباط الحكم الشرعي. ونقصد بعملية استنباط الحكم الشرعي، أي عملية تحديد الموقف العملي للعبد تجاه الشريعة. فالفقيه يحدد الموقف العملي للعبد تجاه الشريعة في كلّ مسألة مسألة سواءٌ كان تحديد هذا الموقف العملي بإثبات الحكم الواقعي، أو كان بإثبات الوظيفة الظاهرية.

هذا هو عمل الفقيه في الفقه.

ــــــــــ[14]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وهذه العملية الّتي يمارسها الفقيه في الفقه، هي بنفسها موضوع علم الأصول. باعتبار أنَّ علم الأصول في الحقيقة، هو علم منطق الفقه. هو علم المنطق، لكن لا للفكر البشري على إطلاقه، كمنطق أرسطو، بل هو علم المنطق لعلم الفقه بالخصوص.

فكما أنّ علم المنطق يبحث عملية الفكر الّتي يمارسها كلّ عالم في علمه. الفقيه حينما يقول: إنَّ النبيذ مسكر، وكلّ مسكر حرام، فالنبيذ حرام. أو العالم الطبيعي حينما يثبت تمدّد الفلزات بالحرارة، أو العالم الرياضي حينما يبحث المسائل الرياضية. أو أي عالم آخر في أي علم آخر.

عملية الفكر المشتركة بين جميع العلوم، يمنطقها علم المنطق، يعني أنَّ هذه العملية يجعلها علم المنطق موضوعاً لبحثه ويتكلّم عن الموجّهات العامّة لهذه العملية.

وأقصد بالموجّهات العامّة لهذه العملية، أنَّ عملية التفكير لها صورة ومادة، والمنطق لا يلتفت إلى مادة دون مادة، وإنما يلتفت إلى الصورة المستبطنة في العملية. دون أن يدخل في حسابه مادة دون مادة. فيقول المنطق -مثلاً- أنّه: إذا كان (أ) هو (ب) وكان كلّ (ب ج). إذن، فـ (أ ج)، هذا هو الشكل الأوّل من القياس.

هذا بيان لقانون من قوانين عملية الفكر من ناحية صورته، بقطع النظر عن المادة. سواءٌ قلتم أنَّ (أ) هذه، هو الحديد و(ب)هو المعدن، الحديد معدن، و(ب ج) يعني المعدن يتمدّد بالحرارة. إذن، فالحديد يتمدّد بالحرارة. أو هو العالم متغيّر، 

ــــــــــ[15]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وكلّ متغير حادث، فالعالم حادث، أو أي شيء آخر تفرضونه مادة لهذا المطلب. سواءٌ أُخِذ من الفلسفة، أو من الرياضيات، أو من العلوم الطبيعية.

فعلم المنطق هو العلم الّذي يشرح ويدرس الموجّهات العامّة لعملية التفكير من ناحية الصورة الّتي لا تتوقّف على مادة دون مادة. بحيث إنّها تنسجم مع سائر المواد.

هذه الفكرة نعرفها من علم المنطق بالنسبة إلى تمام العلوم.

منزلة علم الأصول إلى علم الفقه منزلة علم المنطق بالنسبة إلى جميع العلوم. فعلم الأصول يأخذ عملية، لا عملية التفكير على إطلاقها، بل يأخذ عملية التفكير الفقهي، أي عمليّة تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة فيدرس مراتب هذه العملية، ودرجاتها من حيث إنَّ هذه العمليّة لها مراتب: مرتبة الإثبات الواقعي، ومرتبة الإثبات التعبدّي، ومرتبة الانتهاء إلى الوظائف العملية. إلى غير ذلك.

يدرس هذه العملية من حيث مراتبها ومن حيث الموجهات في كلّ مرتبة مرتبة، أيّ الأمور العامّة الّتي توجّه العمليّة في كلّ مرتبة من هذه المراتب.

فعلم الأصول بهذا الاعتبار يمكن أن نقول بأنَّ موضوعه هو نفس العملية الاستنباطية الّتي يمارسها الفقيه في الفقه. وأنَّ مباحث علم الأصول هي عبارة عن شؤون هذه العمليّة من حيث مراتبها ومن حيث الأمور العامّة الّتي تكون موجّهة لهذه العملية، ومؤثرة فيها في كلّ مرتبة من هذه المراتب.

على شرط أن يكون هذا الأمر العام الموجِّه مرتبطاً بالصورة، لا بالمادة. يعني ليس له توقّف على مادة دون مادة.

ــــــــــ[16]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 



تمثيل لكون علم الأصول منطق الفقه

 

أمثّل بمثال؛ لأجل أن يتّضح مقصودي:

فالاستصحاب -مثلاً-: هو أمر عام موجِّه لعملية الاستنباط في المرتبة المتأخّرة، وهذا الأمر العام موجّه لعملية الاستنباط بلحاظ الصورة، وأقصد بالصورة هنا: الحكم الشرعي، بقطع النظر عن أيّ مادة. فإنَّ هذا الحكم الشرعيّ أفرضوه في أيّ مادة. كأن يكون الاستصحاب مؤثّراً في استنباطه لو تمتّ أركانه.

افرضوا إنّا ما كنّا على يقين منه فشككنا هو وجوب الصلاة، أو حرمة الخمر، أو هو وجوب صلاة الجمعة، أو هو صحة البيع المعاطاتي. إلى غير ذلك من الموارد. فمهما غيّرنا المادة، ما دامت الصورة باقية، يكون الاستصحاب مؤثّراً في هذه العملية.

وفي بعض الأحيان يكون الأمر الموجّه، أمراً موجهاً ضمن نطاق مادة معينة، بحيث لو غيّرنا تلك المادة لم يكن ذلك الموجه موجّهاً.

كما هو الحال في المسائل اللغوية. فظهور كلمة الصعيد، أيضاً موجّه لعملية الاستنباط أيضاً. فإنّه حينما يريد الإنسان أن يستنبط جواز التيمّم بالغبار
-مثلاً-. يأتي إلى ظهور كلمة الصعيد؛ ليرى أنَّ الصعيد هل استعمل في مطلق 

ــــــــــ[17]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وجه الأرض أو في خصوص التراب.

لكن هذا الموجّه موجّه ضمن نطاق مادة معيّنة ولا يكون موجّهاً ضمن نطاق مادة أخرى. فلو فُرِض أنَّ الحكم الشرعي هنا لم يكن هو جواز التيمّم بالتراب، بل الحكم الشرعي هو وجوب إكرام العالم، أي توجيه لظهور كلمة صعيد بالنسبة إلى وجوب إكرام العالم.

إذن، فعلم الأصول يبحث عن الأمور العامّة الموجّهة لعملية الاستنباط في كلّ مرتبة من مراتب هذه العمليّة، على شريطة أن يكون التوجيه مرتبطاً بالصورة وغير مربوط بمادة معيّنة.

وهذا هو معنى قولنا: إنَّ علم الأصول هو منطق علم الفقه. 

وهذا ليس بدعاً من الكلام. فإنَّ كلّ علم من العلوم تقريباً، له منطق يختص به زائداً على المنطق العام الّذي تشترك فيه سائر العلوم، وهو المنطق الصوري. لكلّ علم منطق يختص به، يدرس الخصائص الصورية للعمليّة الفكرية في ذلك العلم، والّتي تختص بذلك بعملية ذلك العلم، ولا تسري إلى عملية علم آخر.

ــــــــــ[18]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 



[تطبيق نظرية منطق الفقه في حجّيّة الخبر]

 

إذا اتّضح هذا، فيكون تطبيق هذه النظرية على خبر الواحد في غاية الوضوح؛ وذلك لأنَّ حجّيّة خبر الواحد هي من الأمور العامّة الموجّهة لعملية الاستنباط في مرتبة من المراتب، موجّهة من الناحية الصورية بقطع النظر عن المادة.

بمعنى أنّه لا فرق بين أن نفرض وجوب الصلاة، أو وجوب صلاة الجمعة، أو وجوب إكرام العالم، أو أيّ مادة أخرى. فإنّ أي مادة أخرى نستبدلها مكان هذه المواد، يمكن أن يُفرَض هناك خبر دالّ على ذلك الحكم الشرعي، فتكون حجّيّة خبر الواحد موجّهة بالنسبة إلى ذلك.

فحجّيّة خبر الواحد، تدخل في منطق علم الفقه، أي تدخل في علم الأصول. ووجه دخولها، أنّها من الأمور العامّة الموجّهة لعملية الاستنباط من الناحية الصورية لا من الناحية الماديّة.

أمّا كيفيّة اندفاع سائر النقوض. وبيان أن هذه النظرية التي بينّاها مطّردة ومنعكسة، بحيث ليس هناك مسألة من المسائل الأصولية تخرج عن هذا الضابط، وليست هناك مسألة أخرى من خارج علم الأصول تدخل فيه. فهذا ليس موضعه، في مسألة خبر الواحد، وإنّما موضعه أول الدورة من الأصول. وهنا نتكلّم على المباني.

ــــــــــ[19]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بناءً على هذا التصوير لعلم الأصول، وجعل عملية الاستنباط موضعاً له. وجعل علم الأصول علماً صورياً، وظيفته مَنطقَه التفكير الفقهي، بذكر مراتب هذه العملية والأمور العامّة الموجّهة لهذه العملية غير المربوطة بمادة دون مادة.

بناءً على هذا يكون انطباقه على بحث خبر الواحد في غاية الوضوح. بعد الفراغ عن هذا لابدَّ من الدخول في أصل البحث:

ــــــــــ[20]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 












متمّمات حجية خبر الواحد 

 

المراد بخبر الواحد في المقام ليس هو الواحد بالمعنى العددي، بل المراد منه الخبر غير العلمي، سواءٌ كان خبراً واحداً، أو لم يكن واحداً، بل كان متعدّداً ما لم يفد العلم.

وقد ذكر الشيخ الأعظم ومن تبعه، أنَّ خبر الواحد، استنباط الحكم منه يتوقّف على تتميم عدة جهات: 

الجهة الأولى: السند، في ثبوت صدور هذا الكلام من الإمام.

 الجهة الثانية: هو الظهور.

 الجهة الثالثة: هو حجية الظهور(1).

أمّا البحث في السند فموضعه هو هذه المسألة، مسألة حجّيّة خبر الواحد، حيث يُتكلّم في حجّيّته من حيث السند، وعدم حجّيّته من هذه الناحية. وأمّا بحث حجية الظهور، فيُتكلّم عنه في مسألة حجّيّة الظهور؛ حيث تقرّر هناك الأصول العقلائيّة، كأصالة الظهور وأصالة الحقيقة ونحو ذلك من الأصول.

وأمّا البحث عن أصل الظهور(2): فالظهور أيضاً ينبغي تقسيمه إلى قسمين: 

ــــــــــ[21]ــــــــــ

() انظر: فرائد الأصول 1: 108.

(2) لا يخفى، أنَّ العبارة ظاهرة في نقل هذا المطلب عن الشيخ الأعظم إلَّا أنّه مطلب في نفسه غير منقول عن الشيخ كما ذكر (سلّمه الله) فيما بعد. (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

قسم من الظهور يكون داخلاً في علم الأصول. وقسم منه يكون بحثه لغويّاً صرفاً خارجاً عن علم الأصول.

وذلك؛ لأنَّ الظهور تارةً يكون أمراً عامّاً موجِّهاً لعملية الاستنباط وغير موقوف على مادة دون مادة. في مثل ذلك يكون 

هذا الظهور داخلاً في علم الأصول، من قبيل ظهور أداة العموم -مثلاً-. فنتكلّم أنّها هل لها ظهور في العموم أو لا. أو أنَّ نتكلّم في أن صيغة افعل هل لها ظهور في الوجوب. هذه الظهورات ليست موقوفة على مادة دون مادة. فإنّك مهّما بدّلت مادة صيغة افعل، ومهّما بدّلت مدخول أداة العموم، على أيّ حال بالنتيجة، هذا الظهور يكون موجّهاً لعمليّة الاستنباط، بلا توقّف على مادة دون مادة، فمثل هذه الظواهر تكون داخلة في علم الأصول.

وأمّا الظواهر الّتي لا تكون كذلك، بل تكون مؤثّرة وموجّهة لعملية الاستنباط ضمن مادة معيّنة. من قبيل ظواهر الكلمات الافرادية. ما هو ظهور كلمة الصعيد أو الفاسق. هل الفاسق هو خصوص فاعل الكبائر، أو الأعمّ منه ومن فاعل الصغيرة. هذا الظهور يؤثّر قهراً في تشخيص سعة الأحكام المترتّبة على الفاسق مثلاً، كالحكم بعدم جواز الائتمام به.

إلا أنَّ هذا الظهور مربوط بمادة معيّنة، بحيث لو أبدلت هذه المادة، ففرض بدلاً عن الحكم بعدم جواز الائتمام بالفاسق، الحكم بعدم جواز الائتمام بالجاهل -مثلاً-. حينئذٍ لا يكون لظهور كلمة الفاسق دخل وتأثير في عملية الاستنباط.

ــــــــــ[22]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فمثل هذه الظواهر الّتي لا يكون لها دخل في عملية الاستنباط، إلَّا ضمن مادة معيّنة. لا تدخل في علم الأصول، وإنّما تحقّق في علم آخر.

الضابطة في أصوليّة المسألة(1) 

لأجل تحقيق أصولية مسألة خبر الواحد، لابدَّ من التعرّض إجمالاً إلى ضابط كليّ في أصولية المسألة، وما هو حدّ هذا العلم من ناحية موضوعه ومحمولاته. ولأجل تحقيق ذلك، لابدَّ من تمهيد أمرين:

الأمر الأوّل: تصوير الضابط الكلي

 أنَّ تصوير ضابط كلي لعلم الأصول، وموضوع كليّ تدور حوله أبحاثه. يتوقف على شرطين: 

الشرط الأوّل: عدم إيراد النقوض 

أنَّ يكون بحيث لا ترد عليه النقوض المتعارف إيرادها على التعاريف المتداولة.

النقوض المتعارفة

ويمكننا تلخيص هذه النقوض المتعارفة المتداولة في ثلاثة:

النقض الأوّل: النقض بالقواعد الفقهية

 على الضوابط الأصوليّة، هو النقض بالقواعد الفقهية المحقَّقة في الفقه، من 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

() رغبة من الرفقاء سوف نعيد بحث الأمس، مع شيء من التوضيح، بالمقدار الذي (منه). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

قبيل لا ضرر ولا ضرار، أو قاعدة أنّ ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده، ونحو ذلك من القواعد، فإنّه يُنقض بهذه القواعد على بعض الضوابط الكليّة.

فيقال -مثلاً-، نقضاً على الضابط القائل: بأنَّ المسألة الأصوليّة، ما وقعت كبرى في قياس استنتاج حكم شرعيّ كليّ. أنَّ لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة ما لا يضمن… ايضاً تقع كبرى في قياس استنتاج حكم شرعي كلّي. بأن يقال
-مثلاً-: إنَّ لزوم العقد الغبني ضرري على المغبون، وكلّ حكم ضرري فهو مرفوع. إذن، فلا يلزم العقد الغبني، بل يكون عقداً خيالياً، لو تمّ هذا الاستدلال في باب خيار الغبن.

هذا هو النقض الأوّل الّذي لابدَّ من التحفّظ من ناحيته.

النقض الثاني: النقض بالظواهر اللغوية

 الّذي لابدَّ من التحفّظ من ناحيته، هو النقض بالظواهر اللغوية الّتي يبحثها علماء اللغة في اللغة. من قبيل أنَّ كلمة الصعيد ظاهرة في خصوص التراب، أو مطلق وجه الأرض؟

قد يُنقض بهذه أيضاً على بعض الضوابط، الّتي تُذكر للمسألة الأصوليّة، من قبيل الضابط القائل، بأنَّ المسألة الأصوليّة هي القاعدة الممهِّدة لاستنباط حكم شرعي، كما في الكفاية، من دون أن يتقيّد بوقوعها كبرى في قياس الاستنتاج.

فإنّه بناءً على هذا يقال: بأنَّ الظهور اللغوي أيضاً يمهِّد لاستنباط الحكم الشرعي؛ لأنَّ ظهور كلمة الصعيد في مطلق وجه الأرض، يمهِّد لاستنباط 

ــــــــــ[24]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

جواز التيمّم بالغبار تمسّكاً بإطلاق الآية الكريمة.

النقض الثالث المتعارف: النقض بمسائل علم الرجال

 هو النقض بمسائل علم الرجال، من قبيل وثاقة زرارة وعمار الساباطي
-مثلاً-. ينقض بذلك بناءً على تعريف المسألة الأصوليّة، بما له دخل في الاستنباط، بدون أن يأخذ قيد الكبرويّة. فإنّه يقال: بأنَّ الوثاقة لها دخل أيضاً في مقام الاستنباط، فلماذا لا تُدرج مسائل علم الرجال في مسائل علم الأصول.

هذه هي أصول النقوض المتعارف تداولها على الضوابط الّتي تقال في هذا البحث.

الضابط الموفّق في المقام 

 فالضابط الموفّق يجب أن يكون ضابطاً، بحيث لا يرد عليه هذه النقوض الثلاثة، عن نطاق علم الأصول.

لكن هذا الضابط إنّما يكون موفّقاً في إخراج هذه الموارد الثلاثة، فيما إذا لم يلزم من إخراجها إخراج بعض المسائل المعترَف بأصوليّتها، الداخلة في حدود العلم. وإلا للزم حينئذٍ، الإشكال من ناحية خروج ما هو داخل.

كأن يقال، في مقام إخراج المورد الثالث وهو: مسائل علم الرجال يقال
-مثلاً- باشتراط الكبرويّة في القاعدة الأصوليّة. ووثاقة الراوي لا تقع كبرى في القياس، بل الكبرى هي حجّيّة خبر للثقة. وأمّا وثاقة الراوي فهي من شؤون الصغرى، لا من شؤون الكبرى.

ــــــــــ[25]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

هذا الكلام، وإن تخلّص من هذا النقض إلَّا أنّه يُخرج بعض ما هو داخل في علم الأصول، من قبيل بحث الظواهر، بحيث إنَّ صيغة افعل، هل لها ظهور في الوجوب أو لا؟ فإنَّ ظهور صيغة افعل في الوجوب، لا يقع كبرى في القياس -قياس الاستنباط-، وإنمّا يقع صغرى، والكبرى هي حجّيّة الظهور.

فكما أنَّ وثاقة الراوي تحتاج إلى ضمّ كبرى إليها، وهي كبرى حجّيّة خبر الثقة، كذلك ظهور صيغة افعل في الوجوب تحتاج إلى ضم كبرى إليها وهو كبرى حجية الظهور.

فهذا التخلّص من النقض الثالث ابتُلِيّ بإشكال من تلك الناحية.

أو أن يقال: في مقام التخلّص -مثلاً- عن النقض للثاني، وهو النقض بمسائل اللغة، كظهور كلمة الصعيد في التراب، أو في مطلق وجه الأرض. يقال: بأنَّ هذا الظهور ليس هو الدالّ على الحكم، وإنّما الدالّ على الحكم قوله فتيمّموا، أمّا قوله صعيداً طيباً فيحدّد مفهوماً وقع موضوعاً للحكم. بالآخرة جواز التيمّم نثبته بإطلاق تيمموا المترتّب على إطلاق الموضوع.

يقال في هذا الكلام: إنَّ من شرط القاعدة الأصوليّة أن تكون هي الدالّة على ثبوت الحكم، لا أن تكون دالة على مفهومه سعة وضيقاً، ويكون شيء آخر دالاً على ثبوت الحكم.

كما هو الحال في ظهور صيغة افعل في الوجوب، فإنَّ هذا الظهور هو بنفسه يدلّ على ثبوت الحكم. بخلاف ظهور كلمة الصعيد في مطلق وجه الأرض، فإنَّ نفس هذا الظهور لا يدلّ على جواز التيمّم، وإنمّا الّذي يدلّ عليه هو 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إطلاق صيغة افعل فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا(1).

إذن، فنأخذ هذا القيد في المسألة الأصوليّة وهو: أن تكون هي بنفسها دالّة على الحكم، لا أنّها ممهِّدة لدلالة غيرها.

هذا الكلام أيضاً يخرج جملة من مباحث علم الأصول، -فمثلاً- بحث إمكان الترتّب: نفس إمكان الترتّب، ليس هو الدليل على الحكم الشرعي، فإنَّ إمكان الشيء أعمّ من وقوعه كما عرفنا؛ وإنّما إمكان الترتّب يمهد للتمسّك بإطلاق خطاب صل -مثلاً- لإثبات الحكم الشرعي.

فلو اشترطنا في القاعدة الأصوليّة أن تكون هي الدالّة بصورة مباشرة على الحكم الشرعي؛ لزم خروج إمكان الترتّب.

وخروج بحث أدوات العموم، (كلّ) هل هي ظاهرة في العموم، أو غير ظاهرة فيه؟ (كلّ) إنّما توسّع دائرة مدخولها في عالم اللحاظ والتصوّر، وأمّا وجوب الإكرام في قولنا أكرم كل عالم، فهو يستفاد من أكرم كما أنَّ جواز التيمّم يستفاد من تيمّموا. ومع هذا كان بحث أدوات العموم من المباحث الأصوليّة.

أو أن يقال في مقام التخلّص عن النقض الأوّل، وهو النقض بالقواعد الفقهيّة، بقاعدة لا ضرر، يقال: بأنَّ قاعدة لا ضرر لا يمكن استخدامها في إثبات أيّ حكم شرعيّ. وإنّما هي في دائرة معيّنة، وأمّا مسألة حجّيّة خبر الواحد، فيمكن استخدامها لإثبات أيّ حكم شرعيّ.

هذا الكلام وإن كان قد يدفع النقض من ناحية القواعد الفقهيّة، لكنه 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

(1) النساء: 43.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

يُخرج جملة من مباحث علم الأصول. فكما أنَّ قاعدة لا ضرر لا تصلح لاستنباط حكم شرعيّ منها، كذلك جملة من القواعد الأصوليّة، كبحث إمكان الترتّب، وبحث اجتماع الأمر والنهي، وبحث أنَّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد أو لا؟ أيضاً لا يمكن أن يستفاد منها ثبوت خيار المجلس وعدم ثبوته.

إذن، فشرط الضابط الأصولي أنَّ يتخلَّص من هذه النقوض، دون أن يكلّفه هذا التخلّص، الابتلاء بخروج ما هو داخل.

هذا هو الشرط الأول.

الشرط الثاني: أن يكون الضابط متفقاً مع الغرض الأصولي

الشرط الثاني: في الضابط الأصولي: أنّه لا يكفي في المقام أن نعمّل الفن، ونتأمّل بانتزاع عنوان جامع مانع، هذا وحده لا يكفي، فإنّنا لم ننذر أنَّ نتصوّر عنواناً جامعاً مانعاً، حتّى يكون هذا العنوان هو تمام هدفنا وغرضنا.

بل يجب أن يكون هذا العنوان الجامع المانع، يجب أن يكون متّفقاً مع طبيعة علم الأصول، أي مع الغرض الّذي من أجله دون علم الأصول، وإلا لو فرض أنَّ هذا الجامع كان يفرق بين أمرينّ بلا نكتة ترتبط بالغرض من تكوين علم الأصول. فمثل هذا الجامع لا قيمة له في المقام.

فمثلاً لو قيل إنَّ الضابط في المسألة الأصوليّة، هو: أنَّ الحكم الشرعي يُستخرَج من المسألة الأصوليّة على نحو استخراج الملازم من ملازمه، لا على نحو استخراج الفرد من كلّيّة. بخلافه في المسألة الفقهيّة فإنه يكون الاستخراج فيها على نحو استخراج الفرد من كليّة.

ــــــــــ[28]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

توضيح ذلك: أنّه في الفقه عندنا كبرى كلّيّة، وهي لا ضرر ولا ضرار. فنجعلها كبرى في القياس، ونضم إليها صغرى، وهي أن لزوم العقد الغبني ضرري، فنستنتج أنه لا لزوم للعقد الغبني. فهذه النتيجة نسبتها إلى الكبرى الفقهيّة، وهي لا ضرر ولا ضرار نسبة الفرد إلى الكلّي، وهذا يسمى بابه باب التطبيق.

وأخرى تكون النسبة بين النتيجة والكبرى المستخرج منها النتيجة نسبة اللازم إلى الملزوم، لا نسبة الفرد إلى الكلّي، من قبيل أن نقول: إنَّ الوضوء مقدّمة للصلاة، ووجوب كلّ شيء يستلزم وجوب مقدمته، فنستكشف من ذلك وجوب الوضوء. فهذا الحكم الشرعي الّذي هو وجوب الوضوء نسبته إلى قانون الملازمة، ليست نسبة الفرد إلى الكلي؛ لأنَّ وجوب الوضوء ليس فرداً من الملازمة، بل هو فرد من أحد طرفي هذه الملازمة، أي هو نتيجة اقتضاء هذه الملازمة. فنسبته إلى الملازمة سنخ نسبة اللازم إلى الملزوم، لا نسبة الفرد إلى الكلي.

ولهذا قالوا: إنَّ البحث في مقدّمة الواجب، لو كان في نفس وجوب مقدّمة الواجب، لكانت المسألة فقهيّة؛ لأنَّ وجوب الوضوء نسبته إلى وجوب مقدّمة الواجب، نسبة الفرد إلى الكلي. لكن البحث ليس في وجوب مقدّمة الواجب، بل البحث في الملازمة بين وجوب ذي المقدّمة ووجوب المقدّمة. ووجوب الوضوء ليس فرداً من هذه الملازمة بل هو من نتائج هذه الملازمة.

فكل قاعدة استنتج منها الحكم الشرعي الإلهي الكلّي بنحو التطبيق، تطبيق للكلّي على فرده، فهذه مسألة فقهية، من قبيل لا ضرر ولا ضرار. وكلّ قاعدة ــــــــــ[29]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

كان الحكم الشرعي المستنبَط منها من لوازمها ونتائجها، كانت هذه القاعدة الأصولية، من قبيل مقدمة الواجب.

هذا الكلام بقطع النظر عن أنّه يُدخل ما هو خارج أو يُخرج ما هو داخل، كحكم في المسألة بلا مبرّر فنّي؛ لأن مجرّد أن تكون القاعدة نسبتها إلى الحكم الشرعي نسبة الكلّي إلى الفرد أو نسبة الملزوم إلى اللازم، أي فرق فنّي ما بين هذين القسمين، بحيث نخصّص علم الأصول بخصوص أحدهما.

لو فُرِض أنَّ شخصاً كان يدّعي أنَّ وجوب مقدّمة الواجب مدرك للعقل ابتداء بلا توسّط الملازمة، فكما يدرك العقل وجوب معرفة الله، يدرك وجوب مقدمّة الواجب! بناءً على هذا لا تكون المسألة أصوليّة، وإنّما تكون فقهيّة، لكن لو قيل إنَّ العقل يدرك الملازمة فتكون المسألة أصوليّة.

هذا تحكم. لم يعرف ما هو ربط الأصوليّة إثباتاً ونفياً بكون محط الدعوى هو الملازمة أو نفس وجوب المقدمة.

وهذا هو معنى الشرط الثاني الّذي شرطناه: أن يكون الضابط والجامع مبيناً لنكتة مرتبطة بطبيعة تكوين علم الأصول.

هذا هو الشرط الثاني.

هذا كلّه هو الأمر الأوّل الذي أردنا توضيحه في المقام.

الامر الثاني: في الموجهات العامة لعملية الاستنباط

إنَّ العلوم البشريّة على اختلافها، وتعدّد مجالاتها وموضوعاتها، تشترك كلّها في أنَّ العالم يُمارس فيها عمليّة تفكير في تلك المادة التي هي موضوع ذلك 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

العلم، فالفلكي يُمارس عمليّة التفكير في الفلك وحركته وسكونه، والطبيعي يُمارس عمليّة التفكير في الطبيعة وظواهرها، واللغوي يُمارس عمليّة التفكير في اللغة وشؤونها، وهكذا.

وهذه العمليات -عمليات التفكير في جميع العلوم- تختلف فيها عمليّة التفكير في كلّ علم عنها في العلم الآخر من ناحية المادّة؛ لأنَّ المادّة هنا هي الطبيعة، والمادّة هناك هي اللغة مثلاً، أو الفلك، أو الرياضيات.

لكن من حيث الصورة هناك جهات صوريّة تتّحد بين هذه العمليات التفكيرية؛ ولذا اختلفت مواردها.

فمثلاً صورة الشكل الأوّل من القياس نجدها عند العالم الطبيعي، ونجدها أيضاً عند الفيلسوف، فالعالم الطبيعي يقول: الحديد معدن، وكلّ معدن يتمدد بالحرارة، فالحديد يتمدد بالحرارة. هذا هو الشكل الأوّل من القياس، إلَّا أنَّ المادّة أخذها من عالم الطبيعة. 

والفيلسوف يقول: العالم متغيّر، وكلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث. فهنا نفس الشكل الأوّل موجود وصورة التفكير واحدة، إلَّا أنَّ المادة أخذها من موضوع علمه، وهو الموجود العامّ من حيث كونه موجوداً مثلاً.

فهنا الاتّحاد في الصورة مع اختلاف في المادة، يعني: أنَّ هناك نكتة واحدة مشتركة بين صورة تلك العمليّة وصورة هذه العمليّة، فقوة موجّهة واحدة وقانون واحد يوجّه كلتا العمليتين، وهو قانون انتاج الشكل الأوّل من القياس.

من هنا أُسس علم المنطق العامّ؛ لأجل أن يدرس عملية التفكير المشتركة 

ــــــــــ[31]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بين تمام هذه العلوم، مع إسقاط تمام المواد، فيدرسها من ناحية الصورة فقط، بلحاظ القول والخصوصيات والأمور المؤثرة في توجيه عملية التفكير بقطع النظر عن مادة دون مادة.

فعلم المنطق يدرس عمليّة التفكير وهي موضوعه، فيدرس عمليّة التفكير والأمور والأسباب المؤثرة والموجّهة لها بقطع النظر عن مادة دون مادة؛ لأنَّ الأسباب التي تكون موجّهة لعمليّة التفكير المخصوص بمادة معيّنة يبحثها عالم تلك المادّة، ولا يبحثها المنطقي.

والمنطقي وجد له فرصة؛ لأنَّ مادة التفكير العارية من كلّ مادة يبحثها المنطقي، ولا يبحثها عالم أصلاً، لا عالم الهيئة ولا الرياضيات ولا غيرهما. هذا هو المنطق البشري العامّ.

وهناك منطق يختصّ بالعلوم، فجملة من هذه لعلوم اختصت بمنطق زائد على ذلك المنطق العامّ.

وذلك: أنّه كما أنَّ عمليّة التفكير المطلقة في جميع العلوم العارية عن جميع المواد، لها موجّهات عامّة تُبحث في علم المنطق، كذلك عمليّة التفكير المأخوذة مع مادة من مواد هذه العلوم، كأن نأخذ عمليّة التفكير في موضوع علم الطبيعي، أو في موضوع علم التاريخ.

فهذه العمليّة بعد تقييدها بمادة هذا العلم بالخصوص يوجد لها موجّهات عامّة بقطع النظر عن خصوصيات تلك المادة، وإن كانت أصل تلك المادة محفوظة، -مثلاً-: لو فرضنا أنَّ موضوع الرياضيات هو العدد، فعمليّة التفكير في العدد يوجد لها موجّهات عامّة لهذه العمليّة، بقطع النظر عن أن يكون 

ــــــــــ[32]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

البحث عن جمع العدد أو ضربه أو طرحه.

وهذه الموجّهات العامّة تُشكّل منطقاً لذلك العلم بالخصوص، لا منطقاً عامّاً لكلّ العلوم؛

ولأجل التوضيح نضرب لهذا -مثلاً- من مقدّمة ابن خلدون في علم التاريخ(1)، فإنَّ مقدّمة ابن خلدون كانت محاولة لذلك. 

وعلى كلّ حال فالمسألة واضحة لا تحتاج إلى ذكر هذا المثال، وهذا الذي قلته الآن يسمّى منطق علم التاريخ؛ لأنّه يبحث في الموجّهات العامّة لعمليّة التفكير لا مطلقاً، بل عملية التفكير مع أخذ مادة علم التاريخ فيه؛ ولهذا يكون هذا منطق علم التاريخ بالخصوص. هذا هو الأمر الثاني الذي أردت بيانه.

فإذا اتّضح هذا الأمر الثاني بعد اتّضاح الأمر الأوّل نقول: إنَّ علم الأُصول بحسب الحقيقة هو علم منطق الفقه؛ وذلك لأنَّ الفقيه في الفقه، شأنه شأن كلّ عالم في أيّ مجال آخر يمارس عمليّة تفكير، وهذه العمليّة هي عبارة عن عمليّة الاستنباط، يعني: عمليّة تحديد الموقف العملي للعبد تجاه الشريعة.

وهذه العمليّة مع أخذ مادتها العامّة وهي الشريعة لها موجّهات، وتلك الموجهات على قسمين:

القسم الأوّل: الموجّهات الخاصّة. 

القسم الثاني: الموجّهات العامّة.

ــــــــــ[33]ــــــــــ

() وهنا فصّل سيّدنا الأُستاذ معنى علم التاريخ الذي هو عبارة عن نقل نفس الحوادث، ومعنى منطقه الذي هو عبارة عن جمع الوثائق التأريخية والمقارنة بينها والبحث عن قيمة كلّ واحدة منها، الخ. (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

تمثيل للموجهات الخاصة في عملية الاستنباط

فيأتي هذا الفقيه إلى مسألة حرمة النبيذ، فالموجّه لعمليّة الاستنباط هنا هو رواية زرارة القائلة: (بأنَّ النبيذ كالخمر)(1). فهذه الرواية موجّه خاصّ في خصوص هذه المسألة مع هذه المادّة المخصوصة وهي النبيذ، فلو أبدلنا النبيذ بالشاي أو التتن، فلا تكون هذه صالحة بتوجيه عمليّة الاستنباط، فهذا موجّه خاصّ شخصي، أو افرضوا موجّهاً خاصّاً، إلَّا أنَّه أوسع من هذا قليلاً، نحو: (لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ إِلَّا مِنْ خَمْسَة)(2)  فهذا موجّه لكثير من أحكام الخلل في باب الصلاة، ولكن هل يوجه فيما لو أبدلنا الصلاة بالصوم؟ لا.

 إذن، فهو ضمن نطاق مادة خاصّة هي أوسع من هذا بمقدار ما، كظهور كلمة الصعيد فإنّها موجّه لعمليّة الاستنباط، ولكن موجّه بالنسبة إلى أيّ مادة؟ فحتّى لو أبدلنا جواز التيمم بجواز شرب الماء، لا يكون حينئذٍ موجها. إذن، فتوجيهه منوط بمادة معيّنة.

هذه الموجّهات نسمّيها موجّهات خاصّة؛ لأنَّ توجيهها منوط بمادة معيّنة.

ــــــــــ[34]ــــــــــ

(1) جاء ما لفظه: “عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: وَضَعَ رَسُولُ اللَّـهِ دِيَةَ الْعَيْنِ‏ ودِيَةَ النَّفْسِ وحَرَّمَ النَّبِيذَ وكُلَّ مُسْكِر” الكافي ‏1: 267، باب التفويض إلى رسول الله وإلى الأئمّة في أمر الدين، الحديث7، وورد أيضاً ما نصّه: “قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّـهِ الْقَدَحُ‏ مِنَ‏ النَّبِيذِ والْقَدَحُ مِنَ الْخَمْرِ سَوَاءٌ. فَقَالَ: نَعَمْ سَوَاءٌ قُلْتُ فَالْحَدُّ فِيهِمَا سَوَاءٌ فَقَالَ سَوَاءٌ“. الكافي ‏6: 410، باب أنَّ رسول الله حرّم كلّ مسكر قليله وكثيره، الحديث 14.

(1) من لا يحضره الفقيه ‏1: 279، باب القبلة، الحديث 857.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

حجية الخبر الواحد من الموجهات العامة

وهناك موجّهات لعمليّة الاستنباط مع تعريتها عن خصوصية المواد، بحيث إنّها موجّه عامّ لعمليات الاستنباط، صالحة للتوجيه مع أيّ مادة فرضت في مضمون المسألة، من قبيل: مسألة حجّيّة خبر الواحد، فإنّنا لو أبدلنا جواز التيمم بجواز شرب الماء، فعلى أيّ حال يمكن لمن يفرض خبر الثقة يكون موجّهاً لعمليّة الاستنباط، فمهما أبدلتم المادّة فهذا الموجّه هو الموجّه المنطقي، فكلّ موجّهٍ لا يرتبط بالمادة، بل يرتبط بالصورة، هذا الموجّه بطبيعته منطقي، غاية الأمر منطقي لهذا العلم بالخصوص؛ لأنّه أُخذت فيه مادة هذا العلم.

فعلى هذا الأساس نحن نقول: بأنَّ علم الأُصول بحسب الحقيقة هو علم منطق الفقه، والسبب في تكوينه هو أنَّ الفقهاء التفتوا إلى أنَّ هناك أموراً تدخل في توجيه تمام عمليات الاستنباط، يعني: صالحة لتوجيه تمام عمليات الاستنباط، وهناك أمور توجه بعض العمليات دون بعض باختلاف المواد.

فالأمور التي توجه عمليات الاستنباط بلحاظ بعض المواد دون بعض، فهذه بحثوها في نفس الفقه؛ لأنَّ الفقه موضوع لبحث أحكام تلك المواد.

والأمور التي تكون موجّهة لعمليّة الاستنباط مع تعريتها عن تمام خصوصيات المواد، يعني: بلا ربط بمادة دون مادة، فهذه الأمور أفردوا لها بحثاً مستقلاً، ونِعمّ ما صنعوا؛ فإنَّ هذه هي قريحة العالم التي اتخذت مثل هذا التدبير في سائر العلوم أيضاً، فأُفرد لها بحثاً مستقلّ سُمّي بعلم الأُصول.

فعلم الأُصول هو منطق علم الفقه، وموضوعه هو نفس عملية الاستنباط، 

ــــــــــ[35]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ونفس عمليّة التفكير التي يمارسها الفقيه، فكما أنَّ موضوع علم المنطق هو عمليّة التفكير على الإطلاق، فموضوع علم الأُصول هو نفس عمليّة التفكير والاستنباط التي يمارسها الفقيه، فيبحث عن عملية الاستنباط من حيث الأسباب الموجّهة لهذه العمليّة من ناحية صورتها بلا توقف على مادة دون مادة. هذه هي أصل الفكرة.

وبعد هذا سوف نشرح كيف أنَّ هذه النظرية سوف تحل تمام النقوض التي أشرنا إليها في الأمر الأوّل، دون أن يلزم خروج ما هو داخل، أو دخول ما هو خارج، ودون أن يلزم التحكم والاعتباط بلا مبرر، وانطباق هذا على واقع الحال، ودفع بعض الشبهات التي يمكن أن تخطر على البال بالنسبة إلى هذا الكلام.

تلخيص وتحصيل

والخلاصة: أنَّ علم الفقه هو علم استنباط الأحكام الشرعيّة الواقعيّة، والفقيه هو الذي يُمارس هذه العمليّة، ونقصد بعمليّة الاستنباط الأحكام الشرعيّة الواقعيّة، عملية تحرير الوظيفة والموقف العملي تجاه الشريعة.

 ومن هنا كان كلّ حكم واقعي، هو مورد من موارد البحث في الفقه كوجوب الصلاة ووجوب الصوم وحرمة الخمر، ونحو ذلك.

وهذه المسائل لها مادة ولها صورة، والمادة هي الصلاة. والصورة هي الحكم الشرعي بالوجوب. وعمليّة الاستنباط معناه تحديد الموقف العملي تجاه هذا الحكم الواقعي.

ــــــــــ[36]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بعد هذا بيّنا أنَّ نفس عملية الاستنباط التي يمارسها الفقيه في علم الفقه لها أمور موجّهة في مقام الاستنباط.

فالموجّهات(1) التي توجه عملية الاستنباط في الفقه تقع على قسمين: 

بعضها يوجه العمليّة من مادة معيّنة، وبعضها يوجه العمليّة من ناحية صورتها، أي: من ناحية الحكم الشرعي، بقطع النظر عن المادة بحيث مهما تبدّلت المادّة كان هذا الأمر موجّهاً لعمليّة الاستنباط؛ وذلك كحجّيّة خبر الواحد، فحجّيّة خبر الواحد موجّه صوري لا مادي، يعني: لا يرتبط بمادة معيّنة، وإنَّما هو موجّه للعمليّة من ناحية صورتها، بقطع النظر عن أنَّ المادة هي شرب الماء أو التيمم بالتراب.

ومن هنا قلنا: إنَّ الموجّهات الخاصّة المرتبطة بمادة معيّنة، يبحثها الفقيه في مسألة تلك المادة؛ لأنّه في علم الفقه كلّ مادة لها مسألة، فالموجّه الذي يرتبط بمادة معيّنة يبحث في مسألة تلك المادة، ففي مسألة حرمة النبيذ يُفتش الفقيه عن صحيحة تدلّ على حرمته، فتُذكر في تلك المسألة. وفي مسألة جواز التيمم بالصعيد يُفتش الفقيه أنَّ كلمة الصعيد هل لها ظهور في مطلق وجه الأرض، أو أنّها ظاهرة في خصوص التراب؟

هذه هي الموجّهات الماديّة المرتبطة بمادة معيّنة. وأمّا الموجّهات الصوريّة التي مناطها الصورة بحيث لو أبدلنا مادة بمادة أُخرى لكان أيضاً هذا الموجّه صالحاً للتوجيه، كحجّيّة خبر الواحد.

 ــــــــــ[37]ــــــــــ

() وهنا لخّص سيدنا الأستاذ فكرة من الموجهات الخاصّة والعامّة. على ما سبق. فكان مما قال: فالموجهات. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

هذا النحو من الموجّهات أُفرد له باب مستقلّ خارج علم الفقه؛ والنكتة في ذلك هي أنَّ هذه الموجّهات ليست مربوطة بمادة دون مادة حتّى يبحث في مسألة تلك المادة؛ إذ المفروض أنّها موجّهات صورية صالحة لتوجيه عمليّة الاستنباط ممّا فُرض في المادة.

فمن هنا لم يكن هناك له مجال بحسب الصناعة التأليفية في نفس علم الفقه؛ لأنّه ليس مربوطاً بمادة دون مادة، وذكره في مادة دون أُخرى بلا موجب؛ ولهذا أُفرد له باب مستقلّ.

وكان هذا الإفراد أيضاً عملاً تدريجياً بحسب الحقيقة، فإنَّ علم الفقه مدة من الزمان، كان يشتمل على الموجّهات العامّة والخاصّة معاً، غاية الأمر أنَّ في الموجهات العامّة يختار مسألة من المسائل فيبحث فيها هذا الموجّه العامّ، ثُمَّ بعد هذا يحوّل عليه، كما أيضاً يظهر من جملة من الكتب الفقهية للقدماء، حيث إنّهم كانوا يدرجون المسائل الأُصولية في نفس الفقه.

وهذا معناه أنَّ الموجّهات العامّة والخاصّة لا تختلف في الجوهر والحقيقة، وإنَّما الاختلاف في طرز التأليف، يعني: بعد أن ترقّى علم الفقه وتجمعت هذه الموجّهات العامّة وتحددت الأفكار تجاهها وُجد باب آخر سُمّي بعلم الأُصول. هذا وجوده متأخّر في تاريخ علم الفقه.

فنكتة هذا الإفراد هو أنَّ هذه الموجّهات ليست مربوطة بمادة دون مادة، لأجل أن تبحث في مادة دون مادة، فأوجد لها باب، لا أنَّ هناك فرقاً جوهرياً ذاتياً بين علم الفقه وعلم الأُصول، بين عمل الفقيه وعمل الأُصولي، كالفرق 

ــــــــــ[38]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بين عمل المهندس وعمل الطبيب، حتّى يتأمَّل أنَّ هذا الفارق الذاتي ما هو.

فإنّنا لولا هذه النكتة التأليفية لما ذكرنا مسألة حجّيّة خبر الواحد في حرمة النبيذ، حيث نذكر أنَّ صحيحة زرارة حجّة أو ليست بحجّة؟ فنبحث عن دلالة آية النبأ على حجّيّتها وعدم دلالتها.

ولكن لأجل أنَّ هذا الموجّه موجّه صوري لا مادي أُفردت هذه الموجّهات الصوريّة في باب مستقلّ. وقلنا: إنَّ هذا الباب المستقلّ بحسب الحقيقة يُشكّل علم المنطق للفقه، وهذه العمليّة وقعت في كثير من العلوم، كما مثلّنا بعلم التاريخ وغيره.

حل النقوض السابقة على ضوء الأمر الثاني

وبناءً على هذا فالنقوض التي ذكرت كلّها ترتفع:

الجواب على النقض الأول

أمّا النقض الأوّل: على ضابط المسألة الأُصولية وحدّها، هو النقض بالقاعدة الفقهية، حيث يقال: بأنّنا يمكننا أن نأتي بقاعدة فقهية ونقول: إنَّها دخيلة في استنباط الحكم الشرعي وممِهّدة لذلك، ومؤثرة على هذه العمليّة، فلماذا لا تكون هذه القاعدة أصوليّة، وتكون قاعدة فقهية؟ مثلاً: (ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده) هذه قاعدة فقهية، لكن يستنبط منها حكم شرعي بوضعها كبرى في القياس، فيقال: إنَّ الهبة لا تُضمن بصحيحها، وكلّ ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده. إذن، فالمقبوض بالهبة الفاسدة غير مضمون. هذا حكم كلّي استخرجناه من هذه القاعدة.

 ــــــــــ[39]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

أو قاعدة: (لا ضرر ولا ضرار) فأيضاً يُستنتج منها حكم كلّي، وهو الحكم في خيار الغبن، بأن يقال: إنَّ لزوم الحكم على المغبون ضرري، وكلّ حكم ضرري مرفوع بالقاعدة. إذن، فالعقد الغبني خيالي وليس لزومياً مثلاً، فلو تمّ هذا الاستدلال فهذه القاعدة يُستنتج منها حكم كلّي، أو يُتوهّم استنتاجه منها، فأيّ فرق بينها وبين القواعد الأُصوليّة؟

وهذا النقض ظهر حاله ممّا حقّقناه؛ وذلك لأنَّ هذه القاعدة الفقهية على قسمين:

فتارةً: تكون القاعدة الفقهية، بمعنى: الحكم الإلهي الواقعي المجعول على مادة معيّنة، غاية الأمر أنَّ هذه المادة مادة وسيعة، لها مصاديق كثيرة فيُستفاد من ثبوت هذا الحكم الإلهي في تلك المادة الوسيعة لمصاديقها لا محالة.

من قبيل قاعدة: (ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده) فلو فُرض صحّتها هنا يقال: بأنَّ معنى هذه القاعدة: أنَّ المعاملات التي لا تُضمن بصحيحها، أليس فيها إقدام على المجانيّة، كالهبة مثلاً؟ هذا الإقدام المجاني يُمضى من قبل الشارع، حتّى لو كان العقد فاسداً، فالعقد بما هو عقد الهبة لا يُمضى، لكن الإقدام المجاني يُمضى. إذن، فيسقط الضمان حتّى على فرض فساد العقد.

فمعنى قاعدة (ما لا يُضمن) الحكم الإلهي الواقعي بنفوذ الإقدام المجاني من قبل هذا الشخص في المعاملة، وحيث إنَّ الإقدام المجاني له مصاديق متعددة، فالواهب والمعير والمستودع لهم إقدام مجاني، فنقول حينئذٍ: بأنَّ هذا أقدم   مجاناً، 

ــــــــــ[40]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وكلّ من أقدم مجاناً يسقط الضمان عن ماله، فالواهب يسقط الضمان عن ماله.

إذن، فما كان من هذا القبيل من القواعد الفقهية حكم إلهي كلّي على مادة كلّيّة، فهذا الحكم بنفسه هو أحد مسائل علم الفقه.

وهذا الحكم لا يمكن أن يُجعل من علم الأُصول؛ لأنّه ليس موجّهاً عامّاً، وإنَّما هو موجّه ضمن مادته المعيّنة، فإنَّ المفروض أنّه حكم إلهي واقعي على مادة معيّنة، وهي الإقدام المجاني، فيكون موجّهاً ضمن هذه المادّة المعيّنة.

 أمّا غير الإقدام المجاني فلا يُستفاد من مثل هذه القاعدة حكمه، فهو موجّه ضمن مادته. وهذا معناه أنّه موجّه مادي لا موجّه صوري، فلا يكون داخلاً في علم الأُصول بناءً على ما عرفنا من أنَّ علم الأُصول يجمع الموجّهات الصوريّة التي لا تختص بمادة دون مادة، إلَّا الموجّهات المادية، هذا بالنسبة إلى القاعدة التي يكون معناها حكماً إلهيّاً واقعيّاً كلّيّاً.

وهناك بعض القواعد الفقهية ليس معناها هذا، بل معناها أنَّ هناك أحكاماً إلهيّة واقعّية كثيرة على مواد كثيرة، إلَّا أنَّ الدليل جمعها في عبارة واحدة، فالإمام جمعها في عبارة واحدة، فكان من باب الجمع في العبارة، من قبيل: (لا ضرر ولا ضرار).

فإنَّ هذا بحسب الحقيقة ليس حكماً إلهيّاً واحداً، وإنَّما معناه: أنَّ وجوب الوضوء مقيّد بعدم الضرر، ولزوم العقد مقيّد بعدم الضرر، وأنَّ وجوب الغسل مقيّد بعدم الضرر، وهكذا. فكلّ من هذه التقييدات غير التقييد الآخر، والحكم الواقعي غير الحكم الواقعي الآخر.

ــــــــــ[41]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

غاية الأمر: بأنَّ الإمام في مقام التعبير جمع هذه الأمور كلّها في عبارة واحدة فقال: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام).

فحينئذٍ هنا يتوهّم المتوهّم إنّنا نُشكّل قياساً، فنقول: بأنَّ لزوم العقد على المغبون ضرري، وكلّ حكم ضرري فهو مرفوع. إذن، فلزوم العقد مرفوع، فيقول: بأنَّ هذه القاعدة الفقهية وقعت كبرى في هذا القياس.

وبحسب الحقيقة ليس عندنا في المقام قاعدة فقهية، يعني: ليس عندنا حكم إلهي واقعي واحد، وإنَّما هناك أحكام كثيرة، كلّها استنبطناها من عبارة واحدة، وهي عبارة (لا ضرر ولا ضرار).

فهنا الاستنباط لهذه الأحكام الكثيرة من هذه العبارة الواحدة من ظهور قوله: (لا ضرر ولا ضرار).

 لا أنّنا استنبطنا هذا من قاعدة فقهية، وإنَّما استنبطنا أحكاماً فقهية كثيرة من ظهور دليل واحد.

ومن المعلوم أنَّ كيفية الاستنباط من هذا الظهور الواحد مبحوث عنه في علم الأُصول لا محالة، فإنَّ ظهور لا ضرر فيه إطلاق أو عموم أو حكومة، أو غير ذلك من الأمور المبحوث عنها في علم الأُصول. 

فهذا بحسب الحقيقة استنباط من إطلاق عبارة لا استنباط حكم من قاعدة فقهية، ومثل هذا لا يكون نقضاً في المقام أصلاً(1).

هذا هو النقض بالقواعد الفقهية وجوابه.

ــــــــــ[42]ــــــــــ

()والجواب هنا يكون أوضح من الأوّل. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الجواب على النقض الثاني

وأمّا النقض الثاني: وهو النقض بالظواهر اللغويّة، حيث يقال: بأنَّه أيّ فرق بين التكلّم في ظهور كلمة الصعيد في مطلق وجه الأرض، أو التكلّم في ظهور أفعل في الوجوب، فلماذا كانت هذه أُصولية وكانت تلك لغوية؟

الجواب واضح أيضاً ممّا ذكرناه؛ لأنَّ ظهور كلمة أفعل في الوجوب، موجّه صوري لا موجّه مادي؛ لأنّه يصلح لتوجيه عمليّة الاستنباط مهما كانت المادّة، سواء كانت (صل، بع، اشتر، قم، اشرب)، فعلى أيّ حال هذا الموجّه في موجّهيته لا يرتبط بمادة معيّنة، وإنَّما هو موجّه صوري.

وأمّا ظهور كلمة الصعيد، فهو أن يكون موجّهاً للحكم بجواز التيمم المترتب على الصعيد، وإلَّا لو أبدلنا جواز التيمم بالصعيد بجواز شرب الماء، لا يكون موجّهاً له، فهذا موجّه مادي وذاك موجّه صوري.

وقد قلنا: إنَّ الموجّهات في عمليّة الاستنباط ما كان منها موجّهاً في ضمن نطاق مادة معيّنة، لا يُذكر في علم الأُصول، وإنَّما يُذكر في علم الفقه؛ لأنَّ نكتة إفراد علم الأُصول لا تأتي فيه. فهذا النقض الثاني أيضاً ارتفع.

الجواب على النقض الثالث

بقي علينا النقض الثالث: وهو النقض بمسائل علم الرجال، وهذا النقض أشكّل من النقضين السابقين؛ إذ يقال في المقام: بأنَّ وثاقة زرارة موجّه صوري أيضاً، وليس موجّهاً مادياً؛ لأنّه يصلح للتوجيه مهما اختلفت المادة؛ لأنَّ زرارة على فرض أن يكون ثقة قد يروي رواية في وجوب السورة، أو في 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

حرمة النبيذ، أو في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، وهكذا، فهو موجّه صوري لا موجّه مادي. 

إلَّا أنَّ الصحيح مع هذا أنَّ هذا النحو من المسائل، وإن كانت موجّهات صورية بهذا المعنى، إلَّا أنّه لا يُبحث عنها في هذا الباب المفرد بعنوان علم الأُصول؛ لأنَّ الموجّهات الصوريّة التي يُبحث عنها في علم الأُصول هي الموجّهات الصوريّة التي ترجع إلى الشارع، إمّا تأسيساً وإمّا امضاءً، لا الموجّهات الصوريّة التي لا ترجع إلى الشارع.

فإنَّ علم الأُصول فُرض علماً شرعياً مربوطاً بالشارع فيُبحث فيه عن الموجّهات العامّة لعمليّة الاستنباط التي ترجع إلى الشارع، ومعنى رجوعها إلى الشارع: كونها شأناً من شؤونه. أمّا كونها حكماً مجعولاً للشارع، كالحكم بحجّيّة خبر الواحد، فإنَّ هذا الحكم يرجع إلى الشارع وشأن من شؤونه، فإنّه حكم مجعول من قبله إمّا تأسيساً وإمّا إمضاءً للسيرة العقلائيّة.

وهكذا سائر أحكام التنجيز والتعذير، فإنّها ترجع إلى الشارع باعتبارها حكماً من أحكامه إمّا إمضاءً وإمّا تأسيساً.

أو ترجع إلى الشارع بمعنى كونها حالة تشريعية عامّة فيه، وحالة عامّة في تشريعه، وإن لم تكن حكماً؛ كأن يقال: بأنَّ الشارع إذا أمر بمقدّمته فهذه حالة عامّة في تشريع الشارع، أو إذا أمر بشيء نهى عن ضده، أو إذا نهى عن مادة حكم ببطلانها، ونحو ذلك من الأمور.

فهذه حالة تشريعية عامّة ترجع إلى الشارع، فيتكلّم عن أنَّ هذه الحالة موجودة فيه؟

 ــــــــــ[44]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

نعم، قد يقام البرهان العقلي على وجودها، وإقامة البرهان العقلي عليها لا ينافي كونها حالة ترجع إلى الشارع، فإنّها على أيّ حال هي حالة عامّة في الشارع، وقد نثبتها بالبرهان العقلي.

وأمّا أن يكون هذا الموجّه الذي يرجع إلى الشارع عبارة عن بناء الشارع والتزامه في مقام المحاورة والمخاطبة كالظهورات، مثل: ظهور صيغة أفعل في الوجوب.

فهنا الموجّه بحسب الحقيقة هو ظهور صيغة أفعل في الوجوب في لسان الشارع لا في لسان العرف، غاية الأمر نحن إنَّما نتكلّم عن الظهور العرفي باعتبار مقدّمة مطوية، وهي جريان الشارع على طبق الطريقة العرفيّة، وإلَّا ففي المورد الذي نحتمل وجود اصطلاح للشارع بالخصوص حينئذٍ يقع البحث فيه.

ولهذا في خصوص صيغة أفعل قال صاحب المعالم (1) أو غيره: إنّها وإن كانت حقيقة في الوجوب لغة، ولكنّها نُقلت شرعاً إلى الاستحباب.

فهنا البحث بحسب الحقيقة عن التزام الشارع بالطريقة الخاصّة في مقام التفهيم، سواء كان التزاماً تأسيسياً كالنقل، أو إمضائياً، كما إذا فُرض أنّه جرى على طبق الظهور العرفي.

ــــــــــ[45]ــــــــــ

(1) قال صاحب المعالم: (فائدة: يستفاد من تضاعيف أحاديثنا المروية عن الأئمّة: أنَّ استعمال صيغة الأمر في الندب كان شايعاً في عرفهم، بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها من اللفظ؛ لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجح الخارجي، فيشكّل التعلّق في إثبات وجوب أمر بمجرّد ورود الأمر به منهم). انظر: معالم الأُصول: 53.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إذن، فالموجّهات العامّة الأُصولية الصوريّة كلّها ترجع إلى الشارع، إمّا حكم صادر من الشارع كحجّيّة خبر الواحد، وإمّا حالة تشريعية في الشارع تثبت ولو بالبرهان، كحالة ما إذا أمر بشيء أمر بمقدّمته، أو بناءً عامّ من قبل الشارع سواء كان تأسيسياً أو إمضائياً.

وأمّا وثاقة زرارة فإنّه ليس شأناً من شؤون الشارع، ولا مأخوذاً من الشارع.

وكذلك كلّ ما كان من هذا القبيل، كتشخيص كمية شهرة بحسب الخاصّ، أو تشخيص مقدار علم العلماء؛ لأجل أن يُعرف أنَّ ذلك مقدار أثر الإجماع لو انعقد إجماع من قبل السلف على الفتوى.

فكلّ هذه الموجّهات موجّهات صورية عامّة، إلَّا أنّها ليست من شؤون الشارع، ومن هذا لم يبحث عنها في علم الأُصول، وإنَّما يبحث عنها في علوم موادها، ففي علم التاريخ يبحث عن أحوال العلماء، وفي علم الرجال يبحث عن أحوال الرّواة، وهكذا. وبهذا ارتفع النقض الثالث.

تلخيص الأبحاث

وتلخص من كلّ ما قلناه: إنَّ إفراد علم الأُصول عن مباحث علم الفقه ليس لأجل مائز ذاتي في علم الأُصول وعلم الفقه، وإنَّما عمليّة استنباط الحكم الإلهي الواقعي التي يُمارسها الفقيه في علم الفقه، لها موجّهات خاصّة ماديّة وعامّة صورة، ولم ير مكان في الفقه للموجّهات الصوريّة العامّة؛ إذ ليس لها مناسبة مع هذه المادة أكثر من تلك المادة؛ ولهذا أُفرد لها باب مستقلّ.

ــــــــــ[46]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ولهذا لوحظ في الإفراد الاقتصار على ذكر الموجّهات العامّة المأخوذة من الشارع، والتي هي شأن من شؤونه لأجل أنَّ علم الأُصول علم شرعي.

ولم يُتوسّع في كلّ ما له توجيه لعمليّة الاستنباط؛ لأجل أن يدخل كلّ علم فيه، فإنّه لعلّه بالتأمّل والتدبّر يكون كثير من العلوم في الدنيا لها دخل في توجيه عمليّة الاستنباط.

فلم يُتوسّع بهذا المقدار -كما هو الحال في منطق كلّ علم- فإنَّ منطق كلّ علم إنَّما يذكر فيه ما يكون موجّهاً بمقدار دائرة ذلك العلم، لا بمقدار أوسع من ذلك. وبهذا نظرنا في تشخيص علم الأُصول.

فيمكن أن نقول: إنَّ علم الأُصول: موضوعه هو نفس عمليّة الاستنباط. ووظيفته أنّه منطق علم الفقه، وبحثه أنّه يبحث عن عمليّة الاستنباط من حيث الموجّهات العامّة الصوريّة التي هي راجعة إلى الشارع.

ولا يقال في المقام: إنَّ جعل عمليّة الاستنباط موضوعاً لعلم الأُصول خلط بين الغرض من علم الأُصول وبين موضوعه، فإنَّ علم الأُصول الغرض منه الاستنباط لا موضوعه.

فنقول: بأنَّ هذا الإشكال خلط بين نفس عمليّة الاستنباط وبين القدرة على الاستنباط، وما هو الغرض من علم الأُصول هو القدرة على الاستنباط، وما هو موضوعه نفس العمليّة.

فالإنسان حين يريد أن يقدر على هذه العمليّة، كيف يقدر أن يدرس علم هذه العمليّة، العلم الذي يُبيّن كيف تكون هذه العمليّة وما هي مراتبها، وما 

ــــــــــ[47]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

هي موجّهاتها العامّة الصوريّة؟

وقد يقال في المقام: بأنّك كيف تقول: بأنَّ موضوع علم الأُصول هو عمليّة الاستنباط مع أنَّ موضوع كلّ علم هو ما يبحث فيه عن عوارضه. 

وهنا الموجّهات العامّة الصوريّة ليست عوارض لعمليّة الاستنباط، بل هي مقدّمات لعملية الاستنباط؛ لأنَّ مقصودهم حينما قالوا: بأنَّ موضوع كلّ علم هو ما يبحث فيه عن عوارضه، ليس المقصود من العوارض هنا العوارض المقولية، أي: ما كان نسبته إلى الموضوع نسبة البياض إلى الجسم، بل المراد من العوارض الشؤون الذاتية الأعمّ من أن يكون عرضاً أو لا يكون عرضاً، بل يكون مقوّماً؛ ولهذا عدّوا من العوارض الذاتية عروض الفصل على الجنس وبالعكس.

ولهذا كان أهم مسألة في الفلسفة إثبات الصانع تعالى، مع أنَّ موضوع علم الفلسفة هو الوجود، وأهمّ مسألة في الفلسفة أنَّ الوجود هل له سبب أوّل أو ليس له سبب أوّل؟

فإذا كان البحث عن المقدّم الأوّل للوجود أهم مسألة في علم الوجود، فليكن البحث عن مقومات عمليات الاستنباط من مسائل علم الأُصول الذي موضوعه نفس عملية الاستنباط.

وبهذا نختم هذا البحث الاستطرادي الذي جرّنا إليه طلب بعض الأحبّة. 

****

 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 



الله تعالى(1)

 

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم وعليه نتوكل وبه نستعين. بهذا ينتهي مجموع سبعة وثلاثين محاضرة مثبتة في هذا الدفتر مما صرفنا فيه الوقت الثمين والتفكير الطويل والتحقيق الدقيق، من محاضرات سيدنا العلامة المجاهد السيد الصدر أدام الله تأييداته آمين وقد انتهى بتأريخ آخر محاضرة منه. ومن الله التوفيق.

نقلت هذه المحاضرات جميعاً من دون استثناء، من جهاز للتسجيل أملكه استخدمته في ضبط المحاضرات، فكانت هذه الكتابة أقرب صورة إلى الواقع جهد الإمكان، والحمد لله العلي الأعلى رب العالمين الذي وفقني لحضورها واستيعابها بفهم وعمق وكتابتها على ما ينبغي، ومنه التوفيق والسداد.

 

من ضبط وكتابة المحتاج إلى رحمة ربه الكريم

محمد الصدر. النجف الأشرف. العراق

ــــــــــ[48]ــــــــــ

() هكذا وردت في النسخة الخطية بقلم المصنّف

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 







الاستدلال على عدم حجّيّة خبر الواحد

 

  • الاستدلال بالآيات الناهية عن العمل بالظنّ وعلى عدم حجية خبر الواحد 
  • الاستدلال بالسُّنَّة على عدم حجّيّة خبر الواحد
  • الاستدلال على عدم حجّيّة خبر الواحد بالإجماع

ــــــــــ[51]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 








الاستدلال على عدم حجّيّة خبر الواحد(1)

 

أُستدل على عدم حجّيّة خبر الواحد بالأدلّة الثلاثة، بل الأربعة.

 أمّا الدليل العقلي الرابع، فقد سبق في شبهة ابن قبة في مقام التعرض للجمع بين الأحكام الظاهريّة والواقعيّة، فقد كان منشأ ذلك البحث هو اعتراض ابن قبة على حجّيّة خبر الواحد، باستلزام تحليل الحرام وتحريم الحلال.

وأمّا الأدلّة الثلاثة فهي: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع.

الاستدلال بالآيات الناهية عن العمل بالظنّ                                   وعلى عدم حجية خبر الواحد 

أمّا الكتاب فقد أُستدل بالآيات الناهية عن اتباع الظنّ بلسان: إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا(2) أو وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ(3)، بدعوى: أنَّ هاتين الآيتين الكريمتين دالّتان على عدم جواز العمل بالظنّ بمقتضى إطلاقهما لسائر الظنون، بما فيها الظنّ الخبري الذي هو محلّ البحث.

ــــــــــ[53]ــــــــــ

(1) كان الشروع بهذا البحث في الأربعاء 13/11/1384هـ، 17/3/ 1965م. 

(2) يونس: 36.

(3) الإسراء: 36.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

مناقشة الاستدلال بعدة وجوه

وقد أجاب عن هذا الاعتراض السيّد الأُستاذ(1) ومن سبقه من المحقّقين(2) بما يرجع محصله الى وجوه ثلاثة:

[الوجه الأوّل: حاكمية أدلة حجية الخبر الواحد على إطلاق الآيتين] 

هو دعوى أنَّ أدلّة حجّيّة خبر الواحد تكون حاكمة على إطلاق هاتين الآيتين الكريمتين؛ وذلك لأنَّ موضوع النهي في هاتين الآيتين هو عدم العلم وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أو عنوان الظنّ. 

وأدلّة حجّيّة خبر الواحد، بناءً على المسلك الذي ذهب إليه المحقّق النائيني وطلاب مدرسته: من أنَّ المجعول في دليل الحجّيّة هو الطريقيّة والكاشفيّة

فحينئذٍ يقال: بأنَّ الدليل الدالّ على حجّيّة خبر الواحد يكون حاكماً على إطلاق هذا الدليل؛ لأنَّه يُخرج خبر الواحد عن كونه فرداً من أفراد اللا علم، أو من أفراد الظنّ، ويجعله بالاعتبار والتعبّد فرداً من أفراد العلم. 

ومن المعلوم أنَّ الدليل الحاكم لا يمكن أن يعارضه الدليل المحكوم؛ لأنَّ الدليل المحكوم لا نظر له إلى وضع موضوعه أو رفعه، وإنَّما هو يتكفّل ثبوت حكم على تقدير وجود موضوعه، وهو اللا علم أو الظنّ، فإذا جاء دليل حجّيّة 

ــــــــــ[54]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 155، غاية المرام المأمول 2: 142.

(2) انظر: أجود التقريرات 2: 103.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

خبر الواحد ونفى اللا اعلم والظنّيّة عن خبر الواحد، كان بهذا حاكماً عليه ومخرجاً لمورده عن موضوعه، هذا الوجه الأوّل الذي ذكروه.

مناقشة الوجه الأول

وهذا الوجه لا يرجع إلى محصّل في المقام؛ وذلك: لا لأجل الاختلاف في المبنى فقط، نظراً إلى ما حقّقناه في مبحث قيام الأمارات مقام القطع الطريقي والموضوعي: من أنَّ البناء على جعل الطريقية لا أساس له في باب الأمارات. بل بعد فرض تسليم المبنى، وأنَّ المجعول في باب أدلّة الحجّيّة هو الطريقيّة والكاشفية، فمع هذا لا معنى للحكومة والإخراج بالتعبّد من موضوع هاتين الآيتين.

وتوضيح ذلك: أنَّ هاتين الآيتين الكريمتين إمّا أنَّ تُفسّر دلالتهما بنحو لا يكون فيها دلالة على عدم حجّيّة الظنّ أصلاً، وإمّا أن يُعترف بدلالتهما على عدم حجّيّة الظنّ، فإن فسّرنا دلالتهما بنحو لا يبقى فيها ما يدلّ على عدم حجّيّة الظنّ -حتّى القياس- فضلاً عن خبر الواحد على ما يأتي قريباً -إن شاء الله- فحينئذٍ لا معنى في المقام لدعوى الحكومة، فإنَّ دعواها فرع التعارض البدوي، والمفروض هنا أنّه لم يبق في هاتين الآيتين دلالة على عدم الحجّيّة ليقال: بأنَّ دليل حجّيّة خبر الواحد يكون حاكماً عليهما.

وإذا سلّمنا دلالة هاتين الآيتين الكريمتين على عدم حجّيّة الظنّ، وسائر الأمارات اللا علميّة فلا مجال للحكومة في المقام؛ وذلك لأنَّ فرض ذلك معناه: أنَّ النهي المجعول في قوله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمأو 

ــــــــــ[55]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

النهي المقتنص في قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا يكون في مقام بيان عدم الحجّيّة للظنّ؛ ولهذا يتمسّك به هؤلاء الأعلام في غير مورد ثبتت حجّيّته بالدليل، فيقولون: بأنَّ القياس -مثلاً- مشمول لهذا الإطلاق.

ففرض هذا هو فرض أنَّ النهي المصرّح أو المقتنص يكون في مقام بيان عدم الحجّيّة، ومعنى الحجّيّة عند هؤلاء القائلين بجعل الطريقيّة هو عبارة عن جعل الطريقيّة، وتتميم الكشف. 

فتكون هاتان الآيتان في مقام بيان نفي الكاشفيّة التعبّديّة والطريقيّة الاعتباريّة للظنّ، فيكون مدلولها في عرض مدلول أدلّة حجّيّة خبر الواحد، لا أن يكون موضوعهما قابلاً للنفي من ناحية أدلّة حجّيّة خبر الواحد.

فــإنَّ أدلّة حجّيّة خبر الواحد وهاتين الآيتين موضوعهما هو الظـنّ الخــبري، والآيتان يشملهما بالإطلاق أدلّة حجّيّة خبر الواحد، فتثبت الطريقيّة للظنّ الخبري والعلميّة له، وهذه تنفي الطريقيّة عنه والعلميّة؛ لأنَّ معنى نفي الحجّيّة -بناءً على أنَّ الحجّيّة هي الطريقيّة- هو نفي الطريقيّة.

إذن، فهما دليلان واردان على وجه واحد ومستوى واحد. إذن، فلا معنى لفرض حكومة أحدهما على الآخر.

وإنَّما يصح فرض حكومة دليل حجّيّة على دليل آخر فيما إذا فُرض أنَّ مدلول ذلك الدليل الآخر كان متأخّراً رتبة عن العلم وعن الحجّيّة، كما لو دلّ دليل على أنّه يحرم الافتاء بلا علم. ودلّ دليل حجّيّة خبر الواحد على أنَّ خبر الواحد علم، فهنا يكون دليل الحجّيّة حاكماً على دليل حرمة الافتاء بلا علم؛ 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

لأنَّ حرمة الافتاء بلا علم ليس في عرض العلم، بل هو في طوله، فالدليل الجاعل للعمليّة يكون حاكماً عليها لا محالة.

وأمّا في المقام فالآيتان في مقام نفي الحجّيّة بحسب الفرض، ومعنى نفي الحجّيّة: هو نفي العلميّة التعبّديّة. إذن، فهما في عرض الدليل الدالّ على إثبات العلميّة التعبّديّة، فإثبات العلميّة التعبّديّة ونفيها نقيضان في رتبة واحدة، واردان على موضوع واحد، وهو الظنّ الوجداني المسمّى بخبر الواحد.

فلا وجه لتوهّم حكومة أحد الدليلين على الآخر، وتوهّم الحكومة في المقام خلط بين الدليل العرضي لدليل الحجّيّة وبين الأدلّة الطوليّة، وإنَّما يكون دليل الحجّيّة حاكماً في الأدلّة المتكفّلة في طول الحجّيّة إثباتاً ونفياً. 

أمّا الدليل المتكفّل لنقيض الحجّيّة وعدمها فهو في عرض الحجّيّة، ولهذا يحصل التعارض فيما بينهما، ولا يكون بينهما حكومة أصلاً.

إذن، فلا يمكن أن يقال: بأنَّ إطلاق الآيتين ساقط؛ لحكومة دليل الحجّيّة عليه، هذا هو الجواب الأوّل.

الوجه الثاني: أدلة الحجية أخص مطلقاً من الآيتين الكريمتين

-الذي أفاده هؤلاء الأعلام- بعد فرض غضَّ النظر عن الحكومة، مثلاً لو التزم من قبلهم بأنَّ المجعول في دليل الحجّيّة ليس هو الطريقيّة والكاشفيّة، بل هو الحكم المماثل مثلاً، فلا تبقى حكومة في نظرهم.

فحينئذٍ يقولون: بأنَّ أدلّة الحجّيّة أخص مطلقاً من الآيتين الكريمتين؛ لأنَّ موضوع الحكم بعدم الحجّيّة في الآيتين هو طبيعي الظنّ الأعمّ من الظنّ الخبري وغير الخبري.

 ــــــــــ[57]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وأمّا أدلّة حجّيّة خبر الواحد فموضوعها خصوص الظنّ الخبري، فتكون النسبة بين الموضوعين هو العموم والخصوص المطلق، فحينئذٍ يخصّص إطلاق الآيتين أو يُقيّد بلحاظ أدلّة حجّيّة خبر الواحد.

مناقشة الوجه الثاني

هذا الكلام أيضاً لا مُحصّل له على هذا النحو من الإهمال، بل لا بُدَّ من استحضار الصور التفصيّليّة لأدلة حجّيّة خبر الواحد، ليُرى أنَّ هذه الأخصّيّة هل هي صحيحة أو ليست بصحيحة؟

فإنّه في مقام اعطاء هذا الجواب تُصَوِّر وجود دليل يدلّ بالخصوص على حجّيّة خبر الواحد، وحينئذ قيل: بأنَّ النسبة بينه وبين الآيتين هو العموم والخصوص المطلق، لكن ما هو الدليل؟

لابدَّ من استحضار الصورة التفصيليّة، ومن هنا يختلف الحال باختلاف المباني في دليل حجّيّة خبر الواحد، فإن فُرض أنَّ الدليل عليها -مثلاً- هو مفهوم آية النبأ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا(1) فسوف يأتي -إن شاء الله- أنَّ أحسن ما يمكن أن يقال في تقريب المفهوم -وإن كانت الآية لا مفهوم لها بحسب المختار- هو أنَّ قوله تعالى: (إِن جَاءَكُمْ… الآية) يدلّ بمفهومه على أنّه إن لم يجئكم فاسق بنبأ فلا تتبينوا. وحالة عدم مجيء الفاسق بالنبأ تنقسم إلى حالتين:

 الأولى: حالة عدم النبأ أصلاً.

الثانية: حالة مجيء العادل بالنبأ.

ــــــــــ[58]ــــــــــ

(1) الحجرات: 6.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وعدم وجوب التبني في إحدى هاتين الحالتين للمفهوم، وهي حالة عدم مجيء النبأ أصلاً يكون من باب السالبة بانتفاء الموضوع، وفي الحالة الثانية للمفهوم، وهو حالة مجيء خبر العادل يكون من باب السالبة بانتفاء المحمول، يعني: أنَّ نبأ العادل فوق التبيّن، وهذا معنى الحجّيّة.

ومن المعلوم أنَّ حجّيّة خبر الواحد ثبتت بإطلاق الواحد، لا ثبتت بدليل خاص؛ لأنَّ قوله تعالى:إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوامفهومه أنّه إذ لم يجئكم فاسق بنبأ فلا تتبينوا، سواء جاء عادل أو لم يجئ عادل. والحجّيّة استُفيدت من إطلاق سواء.

وإلَّا لو فُرض في المقام أنَّ صورة مجيء العادل أخرجت من صورة إطلاق المفهوم فلا يبقى في المقام دلالة على حجّيّة خبر الواحد.

أو إذا فُرض أنّه أُخرج منه صورة مجيء العادل مع عدم حصول العلم، بحيث أبقي تحت المفهوم صورتان: صورة عدم مجيء النبأ أصلاً، وصورة مجيء العادل مع حصول العلم، فلا يبقى دلالة للمفهوم على الحجّيّة أيضاً.

فالدلالة على الحجّيّة هنا بإطلاق آية النبأ، لفرض مجيء النبأ من العادل وعدم حصول العلم منه، فالتعارض بين إطلاق مفهوم آية النبأ بنحو العموم من وجه؛ لأنَّ إطلاق آية النبأ في غير مورد مجيء العادل الظنّي غير معارض بشيء. فهذا مورد الافتراق من ناحية المفهوم. ومادّة الافتراق من ناحية الآيتين الظنّ غير الخبري ومادّة الاجتماع هو الظنّ الخبري الناشئ من إخبار العادل.

فكما يمكن تقييد هاتين الآيتين بلحاظ آية النبأ، كذلك يمكن تقييد مفهوم 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إطلاق آية النبأ بلحاظ هاتين الآيتين، كما هو شأن العامّين من وجه، وحينئذٍ لا يتعيّن التخصيص. هذا إذا كان المدرك هو إطلاق آية النبأ.

والأمر كذلك أيضاً لو كان المدرك في المقام هو آية النفي -على ما يأتي إن شاء الله- حيث إنَّ هذه الآية: فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(1) قيل: إنَّ قوله: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَيدلّ على مطلوبية التحذّر. ومقتضى إطلاقه أنَّ التحذّر مطلوب، سواء أفاد انذار المنذر العلم أو لم يفد، فإطلاقه لصورة عدم إفادة الانذار للعلم هو دليل الحجية. وهذا إطلاق أيضاً نسبته إلى إطلاق الآيتين هو العموم من وجه.

فكما يمكن جعل إطلاق مطلوبية التحذّر لصورة عدم إفادة الانذار للعلم مقيّداً لإطلاق الآيتين، كذلك يمكن جعل إطلاق الآيتين مقيّداً لمطلوبيّة التحذّر بما إذا أفاد العلم، بمعنى: أنّه إذا لم يُفد العلم فإنَّ الظنّ لا يُغني من الحقّ شيئاً.

وأمّا لو لوحظت السيرة التي هي دليل من أدلّة حجّيّة خبر الواحد، فهذا سوف يأتي ونتكلّم عن النسبة بين السيرة وبين هذه الآيات الناهية على العمل بالظنّ.

إلَّا أنّه نقول هنا على نحو الإجمال: بأنَّ السيرة العقلائية إنَّما تكون حجّة فيما إذا لم يُردع عنها، فإن قيل: بأنَّ إطلاق الآية صالح للردع عن السيرة، فإطلاق 

ــــــــــ[60]ــــــــــ

(1)  التوبة: 122.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

خطاب واحد من الشارع يصلح للردع عن السيرة. إذن، فالآية في المقام هي الحاكمة على السيرة، ولو كانت السيرة أخصّ منها.

وإن فُرض أنَّ إطلاق خطاب واحد أو خطابين لا يصلح للردع عن السيرة لأجل استحكامها وتمركزها، بحيث لا يمكن أن يُردع عنها إلَّا بخطابات كثيرة متظافرة -لو قيل بهذا كما هو الصحيح على ما يأتي- إذن، فالسيرة تكون مقدّمة على إطلاق الآيتين، سواء كانت النسبة بينهما العموم المطلق، أو من وجه، أو أيّ نسبة أُخرى غير التباين.

 وتقديم السيرة على أيّ حال لا من جهة الأخصّيّة، بل من جهة أنَّ إطلاق خطاب واحد لا يصلح للردع عنها، فالتخصيص هنا أيضاً لا مجال له.

وعلى أيّ حال لا يمكن استيعاب كلّ دليلٍ دليل من أدلّة حجّيّة الخبر؛ لأنَّه يطول، وهذا كان على سبيل النماذج لصناعة المطلب.

إنَّ هذا الكلام لا يمكن أن يُلقى على إجماله، بأنَّ يُدّعى أنَّ أدلّة حجّيّة خبر الواحد أخصّ مطلقاً من إطلاق الآيتين، بل الأدلّة تختلف وعلى كلّ مبنى تختلف النتيجة عنه على المبنى الآخر.

فهذا الجواب الثاني أيضاً لا يتمّ على إطلاقه، وإن كان يتمّ على بعض التقادير.

[الوجه الثالث: ورود النهي في خصوص أصول الدين ومناقشته]

-من الوجوه التي أفادها الأعلام في المقام للتخلص من إطلاق هاتين الآيتين- دعوى: أنَّ هذا النهي ورد في خصوص أصول الدين، وليس له إطلاق لفروع الدين. 

ــــــــــ[61]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

يقول صاحب الكفاية(1): إنَّ الظاهر منها -أو لا أقل أن يقال- إنَّ المتيقن منها هو النهي في موارد أصول الدين، فلا تشمل محلّ الكلام.

وهذا الكلام أيضاً كلام بلا برهان، فإنَّ آية: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بُيّنت بنحو الخطاب الابتدائي من دون أن تكون في مورد أصلاً، فكانت هناك خطابات عديدة خاطب الله تعالى رسولهخطابات ايجابيّة وتحريميّة وأخلاقيّة وتوجيهيّة، وكان من جملة الخطابات: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ وليس في سياق هذه الآية الكريمة -لو روجع ما قبلها وما بعدها- ما يدلّ على أنَّها نزلت في أصول الدين.

وأمّا آية: إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا فموردها وإن كان هو مورد أصول الدين(2)؛ لأنَّ موردها -على ما أتذكر- هم الناس الذين يعتقدون بأنَّ الملائكة اُناث، يقول تعالى: وَمَا لَـهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ  إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ  وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ً(3).

وهذا المورد بهذا الترتيب يكون له ظهور في العموم لا ظهور في الاختصاص؛ لأنَّ ظاهره هو النهي عن هذه العقيدة الباطلة، وتعليل هذا النهي 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

()  انظر: كفاية الأُصول: 303.  

(2) لا يخفى أنَّ هذه الآية مذكورة في القرآن مرتين: 

أولهما: في سورة يونس، آية: 36 في مورد النهي عن اتّباع الشركاء.

وثانيهما: في سورة النجم، آية: 28 في مورد النهي عن تسميّة الملائكة تسميّة الأنثى. (المُقرِّر). 

(3) النجم: 28.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بقاعدة عامة مركوزة في الأذهان وهي أنَّ الظنّ لا يُغني من الحقّ شيئاً، فكأنّه رتّب صغرى وكبرى: أنَّ اعتقادهم في المقام اعتقاد بلا علم، وكلّ ظنّ لا يُغني من الحقّ شيئاً. إذن، فهذا الاعتقاد لا يُغني من الحقّ شيئاً.

 فظهوره بكونه تعليلاً بقاعدة كبروية مركوزة في الأذهان يؤكد عمومها، لا أنّه يجعل لها إجمالاً ويجعلها مخصوصة بخصوص المورد. إذن، فهذا الجواب الثالث أيضاً لا محصّل له في المقام.

مقتضى التحقيق في مقام الجواب

والتحقيق أن يقال: في مقام الجواب عن الاستدلال بهاتين الآيتين الكريمتين:

الجواب الأوّل: لا دلالة للآيتين على نفي الحجّيّة.

الجواب الأوّل: -وهو المهم- أنَّ هاتين الآيتين الكريمتين في نفسهما لا دلالة لهما على نفي الحجّيّة.

أمّا آية: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فظاهر هذا النهي في المقام، أنّه نهي ارشادي إلى عدم جواز التمسّك والاستناد إلى الظنّ وإلى عدم العلم، وأنَّ الإنسان يلزم أن يكون سنده المباشر ودليله الذي بيده هو العلم، ولا يمكن في المقام التعويل على غير العلم، فكلّ شيء لا يجوز اقتفاؤه بما هو ليس بعلم، وإنَّما يجوز اقتفاؤه بما هو علم.

فيكون هذا النهي -بناءً على هذا- ارشاداً إلى ما يستقلّ به العقل من عدم جواز التعويل على الظنّ، ولزوم تحصيل العلم.

ــــــــــ[63]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

غاية الأمر: أنَّ العلم يختلف في المقام، فتارةً العلم بالحكم الواقعي، وأُخرى العلم بالوظيفة الظاهريّة، فالإنسان حينما يعمل بالاستصحاب أو ما يقتضيه خبر الواحد أو الشهرة، بعد أن تمّ عنده العلم بجعلها ظاهراً، يكون قد اقتفى ما هو عالم بذلك؛ لأنّه اقتفى الحكم الظاهري الذي يعلم بكونه مجعولاً.

فدليل حجّيّة خبر الواحد يخرج مورده عن إطلاق الآيتين بالورود لا بالحكومة، يعني: أنَّ مورد حجّيّة خبر الواحد يكون معلوماً به وجداناً لا أنّه معلوم به تعبّداً، كما قيل على مبنى الحكومة.

فإنَّ من عمل بخبر الواحد استناداً إلى علمه بحجّيّته، فقد اقتفى العلم بحسب الحقيقة ولم يقتف الظنّ. نعم، من عمل بخبر الواحد استناداً إلى افادته للظنّ بالواقع، فهذا اقتفى الظنّ دون علم، ونحن لا نعمل بخبر الواحد استناد إلى افادته الظنّ بالواقع، بل استناداً إلى افادته العلم.

فهذا ارشاد للعبد بأن لا يعوّل على الظنّ، وأن يجعل له مستمسّكاً علمياً دائماً.

والقرينة على ذلك من نفس الآية الكريمة: فإنَّ هذا النهي عُلّل بعد هذا، فقال تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(1)، فهذا تعليل للنهي عن اقتضاء غير العلم.

فهنا فُرضت المسؤوليّة في المرتبة السابقة على هذا النهي، وجُعل هذا النهي من ناحية المسؤوليّة. إذن، فلا بُدَّ أن يكون هذا النهي نهياً ارشادياً، ولا يمكن 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

(1) الإسراء: 36.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

أن يكون نهياً مولوياً؛ إذ لو كان هذا النهي مولوياً وفي مقام بيان عدم الحجّيّة للظنّ. إذن، لكانت المسؤوليّة في طوله ولم تكن واقعة قبله.

فغرض المسؤوليّة واقعة قبل هذا النهي، وهو فرض تمامية تنجّز المطلب الذي يُراد بيانه بهذا النهي، فإنَّ هذا المطلب الذي يُراد بيانه بهذا النهي هو منجّز في المرتبة السابقة على هذا النهي، وأنَّ المسؤوليّة فيه تامّة، وأنَّ الله يحاسب العبد عليه، وأنَّ هذا النهي ارشاد إلى هذه المسؤوليّة التي تمّ ملاكها في المرتبة السابقة.

ولو فُرض أنَّ هذا النهي كان مولوياً وبياناً لعدم الحجّيّة. إذن، فالمسؤوليّة تكون بعد فرض وصول عدم الحجّيّة للعبد، لا أنّها تكون في المرتبة السابقة عليه، فتعليل هذا النهي بالمسؤوليّة قرينة على أنَّ المطلب الذي يريد هذا النهي بيانه للعبد مطلب تنجّز في المرتبة السابقة.

وهذا المطلب الذي تنجّز في المرتبة السابقة هو ما يستقلّ به العقل من أنَّ الإنسان يجب أن يأوي إلى ركن وثيق، والركن الوثيق هو العلم دائماً، فلا يعوّل إلَّا على العلم، إمّا العلم بالواقع وإمّا العلم بالوظيفة.

ونكتة هذا التعليل لا ينبغي أن تخفى على أمثال هؤلاء العلماء المحقّقين، إلَّا أنَّ المظنون أنّهم كتبوها عن حفظهم ولم يرجعوا فيها إلى القرآن، هذا بالنسبة إلى الآية وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ .

وأمّا آية: إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا فمدلولها الحرفي والمطابقي غير مدلولها السياقي.

فمدلولها السياقي هو معاتبة هؤلاء على أنّهم لماذا يعوّلون على الظنّ في المقام؟! 

ــــــــــ[65]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ومدلولها المطابقي واللفظي أنَّ الظنّ لا يكون بدلاً عن الحقّ، يعني: عن الواقع وحاقّ المطلب. فالأمر الوهمي والظنّي لا يكون مُجزياً وعدلاً للواقع ومغنياً عن حاقّ المطلب، وما هو الثابت في نفس الأمر والواقع.

وهذا المطلب وحده لا يكفي في مقام تركيز العقاب، بل لا بُدَّ من ضمّ أمر آخر ومقدّمة أُخرى مطوية في هذا الاستدلال القرآني، وهي: أنَّ المطلوب هو الحقّ والواقع، والوصول إلى الواقع.

وهذه المقدّمة مقدّمة ثابتة في مورد الآية الكريمة؛ إذ في مورد الاعتقاديات وأصول الدين وما يرتبط بالله تعالى المطلوب هو الاعتقاد بحاقّ الواقع. فالاعتقاد بالأمور الظنّيّة والوهميّة لا يُغني من الحقّ شيئاً، وحيث إنَّ الحقّ هو المطلوب -وهذه هي المقدّمة المطويّة– إذن، فيكون الاعتقاد بالأمر الوهمي والظنّي أمراً مذموماً ومعاتباً عليه ويستحق اللوم عليه.

وأمّا في مورد لا يكون المطلوب أصل الواقع، يعني: لم يثبت تكليف بالوصول إلى الواقع، وإنَّما ثبت التكليف بتفريغ الذمة تجاه هذا الواقع، لا أكثر من هذا المقدار، كما هو الحال بالنسبة إلى الأحكام العمليّة، لا إلى الأُصول الاعتقادية، ففي مثل ذلك المقدّمة المطويّة غير موجودة، فبحسب الحقيقة: أنَّ المقدار المبيّن في القرآن الكريم، وهو إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًاوان كان هذا تعليلاً للعتاب واللوم، إلَّا أنَّ هذا التعليل هو إحدى المقدّمتين اللتين هما تمام الملاك في العتاب واللوم.

 وأمّا المقدّمة الثانية فمطويّة في المقام؛ إذ لو لم يكن يوجه إلَّا هذه المقدّمة 

ــــــــــ[66]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وحدها، وهو أنَّ الظنّ لا يكفي عن الحق والواقع، فمن قال: بأنّه يجب اقتناص الواقع واخذه؟ فلا بُدَّ من ضمّ هذا المطلب، وهو أنَّ المطلوب هو الحقّ، وهذا لا يغني عن الحقّ. إذن، فهذا لا يُغني عن المطلوب.

إذن، فلا بُدَّ من معرفة أنَّ تلك المقدّمة متى تتمّ ومتى لا تتمّ، وهذا لا يمكن أخذه من هذه الآية.

فتمامية تلك المقدّمة المطويّة في الأُصول الاعتقاديّة واضح ومركوز في الأذهان وثابت في الأديان. وأمّا ثبوتها في الأحكام الشرعيّة فهذا أوّل الكلام.

إذن، فهذه الآية أيضاً لا دلالة فيها على نفي الحجّيّة عن خبر الواحد أصلاً.

هذا هو الجواب الأوّل عن الاستدلال بهاتين الآيتين الكريمتين. وخلاصته: أنَّ الآيتين الكريمتين لا دلالة فيهما أصلاً على سلب الحجّيّة عن الظنّ، حتّى يقع الكلام في إطلاقهما لخبر الواحد، ثُمَّ يُتكلّم في أنَّ هذا الإطلاق هل جاء عليه مقيّد أو مخصّص أو حاكم أو نحو ذلك، فإنَّ النوبة لا تصل إلى ذلك، فإنَّ الآيتين لا دلالة فيهما على سلب الحجّيّة عن الظنّ وعدم جواز العمل به في مقابل جعل الحجّيّة له شرعاً، على تفصيل تقدّم مع نكاته.

[الجواب الثاني: إطلاق دليل الحجية ناسخ لإطلاق النهي]

ما يقال في المقام: بأنَّ هاتين الآيتين إذا لوحظتا نسبتها إلى الأدلّة اللفظيّة الدالّة على حجّيّة خبر الواحد أو المدّعى دلالتها على ذلك كان التقديم للأدلّة اللفظيّة على إطلاق هاتين الآيتين، فإنَّ الأدلّة اللفظيّة المدّعى دلالتها على حجّيّة خبر الواحد أحد أمرين: 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الأمر الأوّل: السُّنَّة المتواترة الدالّة على حجّيّة خبر الثقة على ما يأتي.

الأمر الثاني: الآيات المستدلّ بها كآية النبأ وآية النفر.

أمّا النص الثابت بالتواتر في كلمات المعصومينالدال على حجّيّة خبر الثقة، وكون الملاك في الحجّيّة هو الوثاقة، فهذا النص المتواتر أخصّ مطلقاً من هاتين الآيتين.

ودعوى التخصيص بقول مطلق الذي ادعاه الأصوليون(1)، حيث قالوا: إنَّ أدلّة حجّيّة خبر الواحد أخصّ مطلقاً من هاتين الآيتين، فهذه الدعوى في هذا الدليل تامّة.

حيث يقال: بأنَّ هذا النص المتواتر الدالّ على حجّيّة الخبر غير العلمي أخصّ مطلقاً من إطلاق الآيتين فيُقدَّم عليه بالتخصيص.

وامّا الأدلّة اللفظيّة الثابتة في الكتاب -والمهم في الدليل على الحجّيّة من الكتاب هو آية النبأ وآية النفر- فقد ذكرنا أنَّ النسبة بين الآيتين المستدلّ بها على عدم الحجّيّة، أي: الناهيتين عن العمل بالظنّ فرضاً، وبين آية النبأ أو آية النفر هي العموم من وجه، لا التخصيص. 

ومن هنا أشكلنا على المشهور، حيث ادّعوا أخصيّه أدلّة الحجّيّة، فقلنا: إنَّ أدلّة الحجّيّة إن كان من قبيل آية النبأ وآية النفر فالنسبة بينهما العموم من وجه لا التخصيص؛ ومن هنا لا موجب لدعوى التقدّم في آية النبأ وآية النفر بالتخصيص.

ــــــــــ[68]ــــــــــ

(1)  انظر: فرائد الأُصول 1: 263.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إلَّا أنّنا نقول في هذا الوجه الثاني: إنَّ آية النبأ وآية النفر وإن كانت النسبة بينهما وبين تلك الآيات هو العموم من وجه ولا موجب للتخصيص، إلَّا أنّه يتعيّن النسخ لو تمت دلالة كلّ من الطائفتين، فلو تمت دلالة كلتا الطائفتين على ما يُدّعى لها من المدلول، بحيث يكون إطلاق دليل الحجّيّة المجعولة في آية النبأ وآية النفر يكون ناسخاً لإطلاق النهي عن العمل بالظنّ.

والوجه في هذا النسخ: أنَّ الآيتين المستدلّ بهما على حجّيّة الخبر الواحد في الكتاب، هما: آية النبأ وآية النفر. 

أمّا آية النبأ فهي واردة في السورة المدنيّة ويُعلم بقصة نزولها، وهي إخبار الوليد بارتداد بني المصطلق، وتهافت الصحابة على ترتيب الآثار على ذلك، وتأديب هؤلاء المرتدين، فنزل الوحي بقول: إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا(1).

فهذه الآية الكريمة يُعلم -لا بلحاظ كونها واقعة في سورة مدنية فقط، بل بلحاظ الروايات الواردة في سبب نزولها- بأنّها نزلت في سنين متأخّرة من الهجرة. إذن، فهي مدنيّة على هذا الحساب.

وكذلك الأمر في آية النفر فإنّها واقعة في سورة المائدة، وهذه السورة من أواخر ما نزل في المدينة على رسول الله؛ ولهذا كانت فيها آيات الغدير.

مضافاً إلى أنَّ مضمونها وسياقها لا يناسب وقوعها في مكة؛ إذ الدعوة كانت مضطهدة في مكة، والمسلمون قليلون ومعذبون وملتفون حول رسول الله ليلاً ونهاراً، فأيّ معنى لأن يقال: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

(1)  الحجرات: 6.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(1) فإنَّ مثل هذا المضمون إنَّما يناسب ما بعد اتساع الإسلام وامتداده، ودخول جماعات كثيرة من أماكن متفرقة في الإسلام، ووجود مجال للفقيه والتعليم وبيان الأحكام، ففي مثل هذه المرحلة يتناسب تشريع هذا الحكم دون المرحلة التي كانت في مكة.

فهذه القرينة المعنويّة، مضافاً إلى كونها واردة في السورة المعتبرة من السور المدنية، فيحصل اطمئنان بأنَّ مثل هذه الآية المباركة أيضاً وردت في عصر المدينة، لا في عصر مكة.

فإذا عرفنا أنَّ هاتين الآيتين الكريمتين وردتا في المدينة، نأتي إلى الآيتين المستدلّ بهما على عدم حجّيّة الظنّ بقول مطلق، فهاتان الآيتان كلاهما اُدرجتا في السور المكيّة. 

أمّا آية: إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًافقد وردت في سورة يونس أوّلاً وهي سورة مكيّة، ووردت ثانياً في سورة النجم وهي أيضاً مكيّة. 

وأمّا آية: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ(2) فقد وردت في سورة الإسراء وهي أيضاً مكيّة.

فإن فُرض أنَّ اندراج آية في سورة معنونة بالعنوان المكي، فيكفي أن يكون دليلاً وجدانياً أو تعبّدياً على ترتيب آثار المكي عليها مثلاً، فهو وإن فُرض أنه لا 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

(1) التوبة: 122.

(2) الإسراء: 36.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

يكفي، ولو بلحاظ ما جاء في بعض الروايات من أنَّ رسول الله كان يُعَيّن مواقع للآيات، فقد يُعَيّن موقع للآية النازلة فيما بعد في السورة النازلة قبل ذلك بسنة أو سنتين، فحينئذٍ يجيء احتمال أنَّ هذه السورة وإن كانت مكيّة، إلَّا أنَّ من المحتمل أنَّ خصوص هذه الآية نزلت في المدينة، وأنَّ رسول الله أدرجها في السور المكيّة لحكمة.

فإن فُرض أنّنا اكتفينا بمكيّة السورة في إثبات مكيّة هاتين الآيتين فثبت بذلك لا محالة أنَّ دليل الحجّيّة المجعولة في القرآن متأخّر زماناً عن دليل سلب الحجّيّة المجعول في القرآن أيضاً، وحينئذ يتعيّن كون المتأخّر ناسخاً للمتقدّم بعمومه، ويكون بعمومه رافعاً للإطلاق الأزماني للحكم المتقدّم.

وأمّا إذا فُرض أنّنا لم نعلم بهذا المطلب، ودار الأمر بين كون الآيتين مكيّة أو نازلة في المدينة، فأيضاً الأمر كذلك؛ لأنَّ هاتين الآيتين المستدلّ بهما على عدم الحجّيّة، إن كانتا نازلتين في مكة فهما منسوختان بالدليل المتأخّر، وإن كانتا نازلتين في المدينة فهما متعارضان، فلم يحُرز وجود المعارض، وسقوط دليل الحجّيّة فرع احراز وجود المعارض(1)،فتكون النتيجة حينئذٍ هو التعارض(2) 

ــــــــــ[71]ــــــــــ

() وهنا قال إجابةً على سؤال لأحد الإخوان: مقصودي من التعارض أنّنا لا نعلم تاريخه، يعني: على فرض نزولهما في المدينة لا يُعلم أيّهما أسبق، فيكون كلّاً منهما قابل للحاكميّة على الآخر بنحو النسخ، أو بأيّ نحو آخر (المُقرِّر).

(2) سواء احتملنا تقارن دليل الحجّيّة ودليل عدمها، أو احتملنا تأخّر دليل عدم الحجّيّة؛ وذلك لأنّه على الثاني يكون معارضاً أيضاً ولا نحتمل نسخه لدليل حجّيّة خبر الواحد، (هكذا ذكر السيّد الأُستاذ بعد ذلك). (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وأمّا هنا بعد فرض العلم بأنَّ الآيتين المتكفّلتين للحجّيّة نزلتا في المدينة، والشكّ في أنَّ الآيتين الأُخرى، هل هما نازلتان أيضاً في المدينة أو في مكة، فمجرّد الشكّ في هذا يقتضي الشكّ في وجود المعارض، وحينئذٍ لا يُرفع اليد عن الحجّيّة باعتبار الشكّ في وجود المعارض(1).

وهذا، يعني كون عدم الحجّيّة مجعولاً في أوّل الأمر ثُمَّ منسوخاً بعد هذا، أمر محتمل أيضاً، ومطابق للذوق في الجملة، ومطابق لطبيعة العمل والدعوة. أنَّ الدعوة في مكة حينما كان الناس محدودين ومتصّلين برسول الله بصورة مباشرة، وكانت الأحكام محدودة من المناسب أن يقال: بأنكم لا تكتفوا بالظنّ بل اعملوا بالعلم، وبعد هذا لما اتسعت رقعة الإسلام وامتَدَّ الدين، ودخل الناس في دين الله أفواجاً بحيث لم يكن من المتاح عادةً تحصيل العلم بالنسبة إلى هؤلاء بتمامهم، فجُعلت الحجّيّة لخبر الواحد.

وهذا الالتزام بالنسخ إنَّما يختصّ بخصوص الأدلّة الواردة عن النبي يعني: الواردة في عصر التشريع إمّا في الكتاب أو في السُّنَّة النبويّة، فلا يرد علينا أنّه لو اُلتزم بمثل هذا النسخ، فيُلتزم بناسخيّة كلّ عامّ متأخّر للعامّ المتقدّم إذا كانت النسبة بينهما هي العموم من وجه مثلاً.

ــــــــــ[72]ــــــــــ

() وأمّا لو فرض أنّه جهل تأريخ نزول كلّ من الآيات الأربع واحتمل تقدّم أحد القرينتين على الآخر وتأخّره عنه، فيكونان متعارضين ويتساقطان ولا يبقى دليل في القرآن على الحجّيّة أو على عدمها، وينبغي الرجوع في أدلّة الحجّيّة إلى أدلّة أُخرى كالسيرة مثلاً، هكذا ذكر سيّدنا الأُستاذ بعد البحث. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

هذا الوجه لا يرد لما أشرنا إليه في بحث الفقه: من أنَّ الأدلّة الواردة عن الأئمّةالمستظهر منها أنّها كلّها ناظرة إلى أصل زمان التشريع. إذن، فهما بلحاظ مدلولهما في عرض واحد، فلا يُتصوّر ناسخ أو منسوخ.

وأمّا في التشريعات الواردة في عصر التشريع، فمن المحتمل أن يكون الدليل المتأخّر ناسخاً للدليل الذي تقدَّم عليه، فحيث إنَّ بناء الشريعة كانت على التدرج في مقام التشريع، وليس في دليل الحجّيّة آية النبأ وآية النفر، وظهوره في أنَّ الحجّيّة مجعولة في أوّل أزمنة التشريع، بل يكون المجعول فيهما مناسباً مع فرض انشاء الحجّيّة بنفس هذا الخطاب المتكفّل له آية النبأ وآية النفر.

فحينئذٍ لو اُلتزم في المقام بذلك، فتقدّم أدلّة الحجّيّة على الآيتين الناهيتين عن العمل بالظنّ، إمّا تخصيصاً وإمّا نسخاً، هذا هو الجواب الثاني.

[الجواب الثالث: قصور إطلاق الايتين للردع عن السيرة]

الجواب الثالث: هذا الالتزام بالسيرة في مقابل إطلاق هاتين الآيتين الكريمتين لا تخصيصاً ولا نسخاً ولا حكومةً، بل بدعوى: أنَّ إطلاق الآيتين لا يقبل للرادعيّة عن السيرة، كما سوف يأتي وجهه مفصّلاً في بحث الاستدلال بحجّيّة السيرة، وأشرنا إليه فيما سبق أيضاً.

حيث قلنا: إنَّ السيرة إذا كانت مستحكمة جداً مثل السيرة القائمة على حجّيّة خبر الواحد، فمثل هذه السيرة لا يكفي في الردع عنها إطلاق ظهور دليل، بل لا بُدَّ في مقام الردع عنها من أن يكون الردع مستحكماً مثلها، وحيث لم يرد مثل هذا الردع المستحكم غايته إطلاق الدليل، فمثل هذا الإطلاق لا 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

يصلح للردع عن مثل هذه السيرة المستحكمة، هذا أيضاً الوجه الثالث.

والعمدة من هذه الوجوه الثلاثة الذي عليه المعوّل هو الوجه الأوّل، وإلَّا فالوجهان الأخيران قابلان لشيء من الكلام.

هذا هو الكلام في الدليل الأوّل الذي أُستدل به على عدم حجّيّة خبر الواحد.

صياغة أخرى للجواب الثاني

ونعيد الجواب الثاني(1): أن يقال: بأنَّ الآيتين الكريمتين لو فُرض تماميّة دلالتهما على عدم حجّيّة الظنّ وشمل اطلاقهما خبر الواحد، باعتبار أنّه أيضاً ظنّي، فحينئذٍ يقال: بأنَّ الأدلّة اللفظيّة تُقدّم على إطلاق هاتين الآيتين الكريمتين. والأدلّة اللفظيّة قسمان:

 القسم الأوّل: هو النص المتواتر في السُّنَّة المتكفّل لحجّيّة خبر الثقة بالخصوص، ومن المعلوم أنَّ هذا النص أخص مطلقاً من إطلاق الآيتين، فتتم هنا دعوى التخصيص التي ذكرها الأعلام.

وأمّا إذا لاحظنا القسم الثاني من الأدلّة اللفظيّة، وهو الآيات الكريمة التي اُستدلّ بها على حجّيّة خبر الواحد، كآية النبأ وآية النفر المستدلّ بهما على حجّيّة خبر الواحد، فالنسبة بين دلالة الآيتين على الحجّيّة، ودلالة تلك 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

() كرّس سيّدنا هذه المحاضرة كلّها في إعادة الجواب الثاني على الاستشهاد بالآيات الناهية عن العمل بالظنّ، حافّاً له بالجواب الأوّل والجواب الثالث، ولا يخفى ما قد طرأ على هذا الجواب الثاني من تطوير. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الآيتين على نفيها هو العموم من وجه، كما أوضحناه في مناقشة الوجوه التي أفادها الأعلام.

قلنا هناك: بأنَّ دلالة الآيتين الناهيتين عن العمل بالظنّ على عدم حجّيّة خبر الواحد إنَّما هو بالإطلاق، باعتبار أنَّ خبر الواحد فرد من أفراد الظنّ، كما أنَّ دلالة آية النبأ بمفهومها أو دلالة آية النفر بمنطوقها على الحجّيّة أيضاً بالإطلاق لغرض عدم حصول العلم من المنذر، فالتعارض بينهما يكون بنحو العموم من وجه.

لكن مع هذا يُلتزم بتقدّيم دليل الحجّيّة، وهو هاتان الآيتان على دليل عدم الحجّيّة، وهو تلك الآيتان، مع كون النسبة بينهما هو العموم من وجه، وذلك التزاماً لناسخيّة دليل الحجّيّة لدليل عدم الحجّيّة.

وتوضيح ذلك يتوقف على بيان مقدّمتين: إحداهما صغرى والأُخرى كبرى.

أمّا الصغرى فهو تعيين زمان هذه الآيات، بأن يقال: بأنَّ الآيتين المتكفّلتين لجعل الحجّيّة، لا شكّ ولا ريب في أنّهما مدنيتان نازلتان في السنين المتأخّرة في عصر النبوة المبارك، لا لأنّهما مندرجتان في سور مدنيّة بحسب العنوان والتعبّد القرآني فقط، بل لأجل خصوصيات فيها.

فإنَّ آية النبأ نزلت في واقعة معيّنة حسب ما ينقله التأريخ المستفيض، وهي واقعة خبر ارتداد بنى المصطلق من قبل الوليد، كما سوف تأتي الإشارة إليه -إن شاء الله- وهذه الواقعة متأخّرة تأريخياً.

ــــــــــ[75]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وكذلك الحال في آية النفر، فإنَّ مضمونها لا يناسب أن يكون في عصر ما قبل الهجرة(1).

 إذن، فكلّ من هاتين الآيتين لا ينبغي الإشكال في أنّهما نزلتا في عصر ما بعد الهجرة، بل في زمان متأخّر عن ذلك العصر.

وأمّا الآيات الدالّة على النهي عن العمل بالظنّ بحسب الفرض، فالدليل أو القرينة على تاريخهما هو سياقهما، فإن كلًّا منهما قد أُدرج في السورة المكيّة بحسب التعبير القرآني، فلو اكتفى بهذا في مقام إثبات التاريخ، خصوصاً مع انسجام المضمون أيضاً مع السياق، ومع طبع الآيات النازلة في مكة، فإنَّ هذه الآيات كانت في مقام التعريض على عقائد المشركين، وغالباً أنَّ الآيات التي هي في مقام التعريض تكون في مكة، باعتبار أنَّ الإسلام في مكة كان معركته مع المشركين، وبعد هذا في المدينة كانت أغلب المناقشات وألوان الجدل إنَّما هو مع المسيحيين واليهود من أهل الكتاب.

وعلى أيّ حال إذا كانت هذه القرائن موجبة للاطمئنان بكونهما مكيتين. إذن، فهذه الصغرى قد تمت الآن.

وأمّا إذا فُرض أنَّه لا اطمئنان بذلك بلحاظ ما ورد: أنَّ رسول اللهكان إذا نزل عليه الوحي، قد يأمر بإدراج الآية في سورة سابقة، فيقال: بأنّه من المحتمل أن تكون هاتان الآيتان قد أُدرجتا إدراجاً تعبّدياً من قبل رسول الله في السور المكيّة، لا أنّهما مكيتان.

ــــــــــ[76]ــــــــــ

() وهنا ذكر (سلّمه الله) الوجه المذكور في المحاضرة السابقة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فلو أنَّ شخصاً شككّ في هذا ولم يحصل له الاطمئنان، فهذه الصغرى التي نبيّنها لا تتمّ بالنسبة إليه، وسوف نتكلّم عن الحال، حينئذٍ لو لم تتمّ هذه الصغرى، فحاصل هذه الصغرى هي أن الآيتين الدالّتان على الحجّيّة بحسب 

الفرض متأخّرة زماناً عن الآيتين الدالّتين على عدم الحجّيّة؛ لأنَّ دليل الحجّيّة مدني ودليل عدمها مكي، هذا حاصل المقدّمة الصغرى.

وأمّا حاصل المقدّمة الثانية، وهي المقدّمة الكبرى، وهي مربوطة بمبنى لنا في بحث التعادل والتراجيح في الأدلّة الواردة في عصر التشريع، فإذا دار الأمر بين تخصيص الدليل المتأخّر تخصيصاً إفرادياً أو نسخ الإطلاق الأزماني في الدليل المتقدّم.

وأوضحه في مثال: لو فُرض أنّه جاء دليلان في صدر التشريع في زمانين مختلفين، الدليل الأوّل يقول: (أكرم كلّ عالم)، والدليل الثاني يقول: (يحرم إكرام كلّ فاسق)، وكانت النسبة بينهما هي العموم من وجه.

حينئذٍ يدور الأمر بين أن نُخرِج الفاسق من عموم الدليل المتأخّر، ونقول: إنَّ العامّ المتقدّم (أكرم كلّ عالم)، نافذ المفعول إلى حدّ الآن وإلى ما بعد الآن، وأنَّ الدليل المتأخّر (لا تكرمُ كلّ فاسق) أريد منه الفاسق الجاهل، ولا يشمل الفاسق العالم، فهذا تخصيص إفرادي للعامّ المتأخّر.

أو نقول: ببقاء العامّ المتأخّر على إطلاقه، لا تخصّصه تخصيصاً إفرادياً(1). ونلتزم بأنَّ عموم (أكرم العالم) كان ثابتاً، ومن الآن وصاعداً ارتفع هذا الحكم 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

() فمثلاً: جاء العامّ المتأخّر: يحرم إكرام كلّ فاسق حتّى العالم. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

عن العالم الفاسق، وهذا معناه نسخ وجوب الإكرام بالنسبة إلى هذه الحصة. ومرجع ذلك إلى تقييد الإطلاق الأزماني في الدليل الأوّل، فإنَّ مقتضاه كان وجوب الإكرام إلى الأبدَّ، فنرفع اليد عن هذه الحصة.

وهذا معنى قولنا: إنَّ الأمر يدور بين أن نوقع التخصيص الإفرادي في الدليل المتأخّر، أو نوقع النسخ والتقييد الأزماني في إطلاق الدليل المتقدّم.

والمختار في هذه المسألة في باب التعادل والتراجيح: أنَّ هذين الدليلين إذا كانا واردين في عصر التشريع، يعني: عصر النبوة المباركة، فيتعيّن النسخ بالدليل المتأخّر للدليل المتقدّم.

 نعم، فيما إذا ورد مثل هذين الخطابين من الأئمّة نلتزم بالتعارض(1). والنكتة الصناعيّة والفنيّة في ذلك نوكلها إلى مبحث التعادل والتراجيح، هذه هي الكبرى.

فالصغرى هي أنَّ دليل الحجّيّة متأخّر زماناً في عصر التشريع عن دليل عدم الحجّيّة، والكبرى أنّه إذا ورد دليلان في عصر التشريع وكان أحدهما متقدّماً والآخر متأخّراً، ودار الأمر بين الالتزام بتخصيص المتأخّر أو منسوخيّة المتقدّم فنلتزم بمنسوخيّة المتقدّم.

والنتيجة: أنّه هنا نلتزم بأنَّ إطلاق دليل الحجّيّة يصير ناسخاً لإطلاق النهي عن العمل بالظنّ وشموله لخبر الواحد، وخبر الواحد إلى حال مجيء دليل الحجّيّة كان مشمولاً لعدم الحجّيّة، ومن الآن وصاعداً، فنُسخ العدم 

ــــــــــ[78]ــــــــــ

() بدون نسخ لا بهما من الآخر. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وبُدّل إلى الوجود فجعلت الحجّيّة لخبر الواحد. هذا كلّه إذا تمت الصغرى والكبرى.

وأما إذا شكّكنا في الصغرى على النحو الذي أشرنا إليه، وقلنا: بأن الكبرى وإن كانت مُسلّمة بحسب ما هو المبنى عندنا، إلَّا أنَّ الصغرى غير معلومة؛ وذلك لأنَّ آيتي الظنّ لم يعلم نزولهما في مكة، فلعلهما أيضاً نزلتا في المدينة، ولعلهما نزلتا بعد آية النبأ وآية النفر، وألحقتا إلحاقاً بالسور المكيّة، فحينئذٍ نقول: إنَّ النتيجة بعد إنكار الصغرى هي نفس النتيجة، لكن مع تغيير في التقريب. وذلك بأن يقال: إنَّ ظهور آية النبأ وآية النفر يجعل الحجّيّة لخبر الواحد محرز. 

وهذا الظهور حجّة في نفسه ما لم يُحرز وجود معارض له، ولم يُحرز وجود المعارض؛ وذلك لأنَّ ما يُتوهّم كونه معارضاً له هو إطلاق الآيتين الناهيتين عن العمل بالظنّ، وهذا الإطلاق أمره مردد بين أن يكون سابقاً زماناً أو متأخّراً زماناً، وعلى فرض أن تكون الآيات الناهيّة عن العمل بالظنّ سابقة زماناً فهي منسوخة كما بيّنا، وساقطة عن الحجّيّة باعتبار المنسوخيّة. 

وإذا فُرض أنّها متأخّرة زماناً فهي معارضة. إذن، فأمر الآيات الناهية عن العمل بالظنّ يدور بين المنسوخية والمعارضة. إذن، فلم يُحرز وجود معارض في المقام لدليل الحجّيّة. إذن، فظهور دليل الحجّيّة يكون حجّة في نفسه، ولا يجوز رفع اليد عنه لمجرّد احتمال وجود المعارض، فإنَّ رفع اليد عن الحجّة لا يكون إلَّا بالجزم بوجود حجّة أُخرى معارضة. 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ولا يتوهّم في المقام فيقال: إنّه إذا كانت الآيات الناهيّة عن العمل بالظنّ متأخّرة زماناً عن دليل الحجّيّة فلتكن هي ناسخة، فكما أنَّ آية النبأ وآية النفر على تقدير تأخّرها زماناً تكون ناسخاً كما قلنا، فلتكن الآيات ناهية عن العمل بالظنّ على تقدير التأخّر أيضاً ناسخةً، فيدور الأمر بين ناسخيّة دليل الحجّيّة لدليل عدمها أو العكس، ولا موجب لتقديم أحدهما على الآخر.

وهذا الكلام غير وارد؛ لأنّنا لا نحتمل ناسخيّة عدم الحجّيّة لدليل الحجّيّة، يعني: أنَّ آية النبأ وآية النفر على فرض تكفّلهما لجعل الحجّة لخبر الواحد، وعلى فرض أن تكون حجّيّة خبر الواحد مجعولة في الإسلام ومبيّنة في القرآن، لا نحتمل أن تكون بعد هذا منسوخة بخطاب آخر كخطابات النهي عن العمل بالظنّ؛ وذلك لأنَّ هذا النهي كيف يقع ولا يقول به أو يبدي احتماله أحد من المسلمين أصلاً ولا ترد فيه رواية لا صحيحة ولا ضعيفة لا من طرق الشيعة ولا من غيرهم من طرق المسلمين مع تتبع المسلمين لموارد النسخ!!

لا يحتمل أن يكون القرآن قد جعل الحجّيّة لخبر الواحد ثُمَّ نسخها، ولم يعرف أحد من المسلمين بهذا النسخ، ولم يبد أحد منهم احتمال هذا النسخ اصلاً؛ لأنَّ المسلمين بين قولين: إمّا من يقول: بأنَّ القرآن جعل الحجّيّة ولم ينسخ وبين من يقول: إنّه لم يجعل الحجّيّة، فهذا يوجب القطع والاطمئنان بعدم هذا النسخ، وهذا بخلاف العكس، فإنَّ ناسخيّة دليل الحجّيّة لدليل عدمها أمر محتمل، بل معنى القول بالحجّيّة هو النسخ دائماً، فإنَّ كلّ من يقول بحجّيّة خبر الواحد لا محالة يقول: إنَّ حجّيّته نسخت عدم حجّيّته؛ لأنّه من المعلوم أنَّ 

ــــــــــ[80]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

حجّيّة خبر الواحد لم تنزل مع نبوة رسول الله وإنَّما نزلت بعد هذا، فعدم الحجّيّة كان هو مقتضى الأصل، والحجّيّة تكون ناسخة لعدم الحجّيّة، كنسخ كلّ حكم إلزامي للحكم الثابت قبله على مقتضى الأصل.

فناسخيّة الحجّيّة لعدم الحجّيّة أمر محتمل، بل هو لازم لكلّ من يقول بحجّيّة خبر الواحد. 

وأمّا ناسخيّة دليل عدم الحجّيّة لدليل الحجّيّة، بحيث إنَّ المولى جعل الحجية وبيّنها في القرآن ثُمَّ نسخها في القرآن، ولم يكن عند أحد إطلاع على ذلك أصلاً، فمثل هذا لا يحتمل أبداً.

إذن، فالآيات الناهيّة عن العمل بالظنّ على فرض تقدّمها على دليل الحجّيّة فهي منسوخة، وعلى فرض تأخّرها فلا يحتمل فيها أن تكون ناسخة، بل تكون معارضة حينئذٍ، ونقول: إنّهما متعارضان بنحو العموم من وجه، ولا ندري أنَّ مادّة الاجتماع هل تدخل تحت هذا العامّ أو ذلك العامّ؟

فعلى هذا يتمّ ما بيّناه من أنَّ ظهور آية النبأ وآية النفر لم يُحرز وجود معارض له، وما لم يُحرز وجود المعارض فيُعمل بدليل الحجّيّة، هذا فيما إذا فرضنا أنّنا أنكرنا الصغرى.

وأمّا إذا فرضنا أنّنا أنكرنا الكبرى، يعني: أنكرنا أصل المبنى الذي بنينا عليه، فحينئذٍ لا محالة يقع التعارض بين هذين العامّين من وجه والتساقط، فلا هذا يكون ناسخاً لذلك ولا العكس.

 وبعد التعارض والتساقط تكون السيرة حجّة، ولا يبقى هناك ما يكون 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

رادعاً عنها؛ لأنَّ ما كان رادعاً عنها إنَّما هو إطلاق النهي عن العمل بالظنّ. وهذا الإطلاق لو سُلّم كونه صالحاً للرادعيّة، فهو إنَّما يصلح للرادعيّة إذا لم يبتل بالمعارض، وأمّا حيث يُبتلي بالمعارض فمثل هذا الشارع الذي صدر منه المتعارضان لا يمكنه الاكتفاء بهذا الخطاب في مقام الردع عن مثل هذه السيرة، فتكون السيرة حجّة ودليلاً كافياً لإثبات حجّيّة خبر الواحد، هذا تمام الكلام في الوجه الثاني(1).

ــــــــــ[82]ــــــــــ

() وهنا لخّص سيّدنا الأُستاذ (سلّمه الله) الوجه الثالث على ما سبق. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 










الاستدلال بالسُّنَّة على عدم حجّيّة خبر الواحد

 

الدليل الثاني الذي اُستدلّ به على عدم حجّيّة أخبار الآحاد هو الروايات والأخبار، وهذه الروايات يمكن تقسيمها إلى طائفتين.

الطائفة الأولى: ما دلّت على عدم جواز العمل بالأخبار غير العلميّة التي لم يُعلم صدورها عنهم.

الطائفة الثانية: ما دلّ على تحكيم الكتاب الكريم في الأخبار، وعدم جواز العمل بخبر ما لم يكن موافقاً للكتاب، أو ما لم يكن عليه شاهد أو شاهدان من الكتاب، أو ما لم يكن مخالفاً للكتاب، على اختلاف ألسنة الأخبار.

الطائفة الأولى: ما دلت على عدم قبول الأخبار غير العلميّة

أمّا الطائفة الأولى وهي ما دلّت على عدم قبول الأخبار غير العلميّة المرويّة عنهم وفي الوسائل(1) لم نجد إلَّا رواية واحدة، وفي كتاب(2) جامع الأحاديث للبروجردي يوجد رواية أُخرى أيضاً بنفس المضمون، وعليه تكون هذه الطائفة المؤتلفة من خبرين والمضمون واحد تقريباً.

 ــــــــــ[83]ــــــــــ

() وسائل الشيعة 27: 119، باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة وكيفيّة العمل بها، الحديث 36.

(2) اسمه كتاب مستند الشيعة للبروجردي، انظر: ص359 (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وحاصل ما قرأناه سابقاً: “وسَألتُهُ عَنِ العلمِ المَنقُولِ إلَينَا عَن آبائك وأجدَادِك قَد اختُلِفَ عَلَينَا فيهِ كيفَ نَعمَلُ بهِ عَلى اختلافهِ أو الرّدّ إلَيكَ فِيمَا اختُلِفَ فِيهِ؟ فَكَتَبَ: ما عَلِمتُم أنّهُ قَولُنَا فَالزِمُوهُ‏ وَ ما لَم تَعلَمُوهُ فَرُدّوهُ إلَينَا“. وهذه الرواية تدلّ على عدم جواز العمل بقول مروي عنهم، ما لم يعلم أنّه منهم. 

والاستدلال بهذه الرواية يتوقف على الالتزام بأنَّ هذا البيان من قبل الإمام عامّ وليس مخصوصاً بخصوص الاختلاف والتعارض، فإنَّ السائل وإن فرض ذلك، إلَّا أنّه يدّعي أنَّ الإمام في مقام الجواب أعطى قاعدة كلّيّة، وهي: أنّه كلما علمتم أنّه قولنا فالزموه سواء كان له معارض أو لم يكن، وما لم تعلموا أنّه قولنا لا يكون حجّة سواء كان له معارض أو لا.

مناقشة الاستدلال في الطائفة الأولى

والاستدلال بهذه الرواية غير تامّ من وجوه:

الوجه الأوّل: فلعدم تمامية الدلالة في نفسها؛ لأنَّ السؤال إنَّما هو عمّا اختلف فيه من العلم المروي عنهم.

فأجاب عن هذا الموضوع المسؤول عنه بأنّه: (ما علمتم أنّه منّا فالزموه وما لم تعلموا أنه منا فردوه).

فالإرجاع إلى العلم ضابط في مورد الاختلاف ومورد الأخبار المتعارضة. وإنّه إذا وردت روايتان متعارضتان عنهم، فالضابط في مقام التمييز الأخذ بالرواية العلميّة واسقاط غير العلميّة، وهذا الضابط في نفسه صحيح، وهو ما 

ــــــــــ[84]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

نسمّيه بالسُّنَّة القطعيّة عند تعارضها بالخبر الظنّي، فتقدّم السُّنَّة القطعيّة، فهذه الرواية لا يستفاد منها أكثر من اعطاء هذا الضابط.

ولا يتوهّم أنَّ هذا من باب تخصيص الوارد بالمورد، بأن يقال: إن مورد السؤال وإن كان هو خصوص فرض الاختلاف، إلَّا أنَّ الحكم الوارد للإمام مطلق في نفسه، ولا موجب بتقييد المطلق بالمورد؛ لأنَّ مورديّة المورد لا تكون قرينة على تقييد إطلاق الحكم الوارد، وهذا الكلام صحيح.

إلَّا أنَّ المقام ليس من هذا القبيل، فهو ليس من قبيل تقييد الحكم الوارد بقرينة مورديّة المورد، بل نقول: إنّه لا إطلاق من أوّل الأمر، لا أنَّ الإطلاق في نفسه تامّ وموردية المورد تكون قرينة على التقيد، بل الإطلاق في نفسه ممنوع.

وذلك لأنَّ الموضوع الذي أخذه الإمام موضوعاً لحكمه هو عنوان مهم مدلول عليه باسم الموصول: (ما علمتم وما لم تعلموا)، واسم الموصول من المداليل المبهمة التي قد تستعمل ويراد بها الخاص وقد يراد بها العامّ حسب المناسبات. وإرادة الخاص من اسم الموصول ابتداءً أمر صحيح وليس فيه تجوّز، وليس هو كإرادة الخاص ابتداءً من مطلق اسماء الأجناس، كما لو قال: (أكرم العالم)، وأراد من العالم خصوص العالم الفقيه أو العادل فهذا تجوّز؛ لأنَّ لفظة العالم وضعت للطبيعة المهملة ولم توضع لهذه الحصّة.

إلَّا أنَّ الاسماء المبهمة لأجل مرونتها الابهامية في اللغة يمكن أن يراد بحاقّها المطلق تارةً ويراد المقيّد أُخرى بلا لزوم تجوّز. نعم، لا بُدَّ من نصب قرينة على أنّه أريد المقيّد.

ــــــــــ[85]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وبتعبير آخر: أنَّ حال الاسماء المبهمة حال المشتركات اللفظيّة التي تكون مشتركة بين المطلق والمقيّد، فاستعماله في المقيّد وفي المطلق كلاهما جائز، ويكون حينئذٍ نفس السؤال على استعمال هذا اللفظ المبهم في الخاص، فهذا قرينة على استعمال اللفظ في الخاص لا أنَّ مورديّة المورد تكون قرينة على تقييد الإطلاق الثابت في كلام الإمام في نفسه.

وكم فرق بين أن يرد في كلام الإمام لفظ مطلق في نفسه، ونقول: إنّنا نرفع اليد عن إطلاقه؛ لأنَّ مورد السؤال كان هو هذا، فهذا بلا موجب، وبين أن يأتي لفظ مشترك قابل لأن يراد به المطلق أو المقيّد، ونقول: بأنَّ السؤال يكون قرينة على أنّه أُريد به المقيّد، فمثل هذا على مقتضى القاعدة.

إذن، فكلام الإمام في نفسه لا يكون ضابطاً إلَّا في مورد التعارض، وفي مورد التعارض لا كلام بأنَّ السُّنَّة القطعيّة تُقدّم على غير القطعيّة، كما سوف يأتي -إن شاء الله- في بحث التعادل والتراجيح. 

الوجه الثاني: فلو فرض أنّها كانت تامّة من حيث الدلالة، ولم يكن المورد قرينة على الاستعمال في المقيّد، بل فُرض إرادة المطلق بحيث يكون هذا ضابطاً كلّيّاً لا يختص بخصوص مورد التعارض والتخالف، وحينئذٍ يقال: بأنَّ هذا الخبر لا يُعقل حجّيّته في المقام؛ وذلك لأنّه هو بنفسه ليس بعلمي، فهو يشمل نفسه أيضاً.

ولا يقال: إنّه حينئذٍ يكون عبثاً، فلماذا صدر هذا الخبر من الامام مع أنَّه يُسقط نفسه؟

ــــــــــ[86]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

لأنّه إنَّما يُسقط نفسه بالنسبة إلينا لا بالنسبة إلى الراوي الذي سمع هذا من الإمام، فإنّه لو كان قد صدر من الإمام فهو سنة قطعيّة، ولا يشمل نفسه، وإنَّما يشمل نقل الراوي لنا هذا الكلام، وحينئذٍ لا يُعقل حجّيّة مثل هذا الخبر؛ لأنَّ حجّيّته تستلزم التزام السقوط عن الحجّيّة؛ فيلزم ما يسمّى في المشهور بمحذور: (أنّه يلزم من وجوده عدمه) أو ما يرجع بالدقة إلى محذور آخر أشير إليه في بحث الظواهر. وعلى أيّ حال جعل الحجّيّة لهذا الخبر المسقط لحجّيّة السُّنَّة بالنسبة إلينا محال. نعم، لو فُرض أنَّ هذه الصيغة متواترة لأمكن الاستدلال به. 

بعبارة أخرى: أنَّ هذا الخبر ممّا لم يعلم صدوره منهم بالنسبة إلينا، ولو فُرض العلم بصدوره بالنسبة إلى الراوي الأوّل فهو بإطلاقه يشمل نفسه، فمن هذه الناحية لا يُعقل حجّيّته؛ لأنَّ حجّيّته في المقام تؤدي إلى سقوطه عن الحجّيّة، على النحو الذي تكلّمنا فيه في الآيات الناهية عن العمل بالظنّ وشمولها للظواهر، بعد فرض عدم احتمال وجود فرق بين رواية ورواية أُخرى، فلو ثبت سقوط الخبر العلمي عن الحجّيّة، فنعلم بأنَّ هذا السقوط لا يختص بغير هذه الرواية، فإنّها ليس فيها نكتة عن سائر الروايات فيشملها هذا السقوط أيضاً.

فالاستدلال بهذه الرواية مع فرض كونها غير علميّة على سقوط حجّيّة الخبر غير العلمي غير معقول.

الوجه الثالث: لو غُفل عن هذه النكتة، وفُرض إمكان الاستدلال به باعتبار شمول دليل الحجّيّة له، مع أنَّ الكلام في حجّيّة خبر الواحد، فحينئذٍ يقال: بأنَّه مع هذا لا يشمله دليل الحجّيّة؛ لأنَّ السند ضعيف، والدليل على فرض صحّته وتعقّل الرجوع إليه في المقام بنحو لا يلزم منه خُلف أو مناقضة 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

أو دور، فهو لا يشمل أيضاً هذه الرواية؛ لأنّها ضعيفة السند.

الوجه الرابع: لو قطع النظر عن كلّ ذلك، وفُرض مثلاً تمامية الدلالة وتواتر السند، فلا يكون هذا إلَّا مطلقاً، فتقدّم عليه سائر أدلّة الحجّيّة التي نستدلّ بها على حجّيّة خبر الواحد.

أمّا الأدلّة اللفظيّة الثابتة من قبل السُّنَّة فمتى تُقدّم عليه؟ باعتبار الأخصيّة. فمن باب أنَّ هذه السُّنَّة المتواترة دلّت على حجّيّة خبر الثقة بالخصوص، وخبر الثقة أخص مطلقاً من عنوان (غير العلمي)، فحينئذٍ يخرج عنه؛ إذ لا معنى لتقييد خبر الثقة بخصوص ما إذا أفاد العلم، إذ لو فُرض أنّه أفاد العلم فلا يكون هناك مجال لجعل الحجّيّة المولويّة التعبّديّة، وحينئذٍ فدليل(1) الحجّيّة المستفاد من السُّنَّة المتواترة أخص مطلقاً فيقيّد به.

وكذلك الحال أيضاً في السيرة، فإنَّ إطلاق هذه الرواية لا يصلح رادعاً عن السيرة العقلائيّة، وقلنا: إنَّ إطلاق الآية لا يصلح رادعاً فكيف بإطلاق الرواية؟ بل تكون السيرة مقدّمة عليه. 

وأمّا آية النبأ والنفر لو فُرض الاستدلال بها فالتعارض -على النحو الذي أشرنا إليه فيما سبق- بين إطلاق هذا النص وبين الآيات المستدلّ بها على الحجّيّة هو العموم من وجه.

وحينئذٍ فإن فرضنا أنَّ هذه الرواية متواترة وأنّها سنة قطعيّة فلا ميزة 

ــــــــــ[88]ــــــــــ

() أولى، فموضوع الكميّة هو الخبر الظنّي الصادر من الثقة، وهو أخص مطلقاً من الخبر غير العلمي. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

لأحدهما على الآخر؛ لأنَّ السُّنَّة القطعيّة كالقرآن، فيحصل التعارض بينهما بنحو العموم من وجه ويتساقطان.

وأمّا إذا فرضنا أنّه خبر الواحد، وكان التنزّل عن الإشكالات السابقة مع التحفّظ على كونه خبر واحد، فحينئذٍ يكون معارضاً للكتاب بنحو العموم من وجه، والمعارض للكتاب بنحو العموم من وجه يسقط إذا كان ظنّياً، فيقدّم عليه أيضاً دليل الحجّيّة من الكتاب(1).

هذا هو تمام الكلام في مناقشة الطائفة الأولى الدالّة على النهي عن اتباع الأخبار غير العلميّة، والمهم في المقام هو الطائفة الثانية الدالّة على تحكيم الكتاب في أخبار الآحاد، وعدم جواز العمل بخبر الواحد، إلَّا إذا كان على وفق الكتاب.

الطائفة الثانية: الدالّة على تحكيم الكتاب الكريم في أخبار الآحاد

وأمّا الطائفة الثانية الدالّة على تحكيم الكتاب الكريم في أخبار الآحاد، وهذه الطائفة تنقسم إلى قسمين:

القسم الأوّل: ما جُعل الحكم هو موافقة الكتاب الكريم، وأنَّ ما وافق القرآن فهو معتبر وما لم يكن موافقاً له فهو غير معتبر.

القسم الثاني: ما جُعل الضابط هو المخالفة للكتاب الكريم، فما كان مخالفاً للكتاب فهو ساقط وما لم يكن مخالفاً له فهو معتبر.

ــــــــــ[89]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إنّه على فرض التساقط يتمّ كلام الخصم.

فقال (سلّمه الله): نعم، على هذا التقدير يتمّ. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ومن المعلوم أنَّ الضابط الثاني أعمّ من الأوّل، بمعنى: أنَّ ما يكون باقياً على الحجّيّة بلحاظ الضابط الثاني أكثر ممّا هو باق على الاعتبار بلحاظ الضابط الأوّل، فما يكون باقياً على الاعتبار بلحاظ الضابط الثاني هو جميع الأخبار التي لا تخالف القرآن، سواء وافقه أو لم يوافقه.

أو إذا جاءت في موضوع آخر لم يذكر في القرآن. وأمّا على الضابط الأوّل فلا يبقى على الاعتبار -مثلاً- لو تمت، إلَّا خصوص الأخبار التي يكون شيء من القرآن الكريم.

فهذان قسمان لا بُدَّ من التكلّم في كلّ قسم منهما:

 القسم الأوّل ما جُعل فيه الضابط موافقة الكتاب 

وهو ما جُعل الضابط والحكم هو موافقة الكتاب الكريم، فيُستدلّ بهذا القسم على سقوط حجّيّة كلّ خبر ما لم(1) يكن موافقاً مع القرآن الكريم، فتكون الأخبار التي وردت في موضوعات لم يُتعرض لها في القرآن الكريم لا إثباتاً ولا نفياً، فتسقط عن الحجّيّة فضلاً عن الأخبار المخالفة.

جواب الآغايون عن هذا القسم ومناقشته

واجيب عن الاستدلال في كلمات الأعلام بوجهين:

الوجه الاوّل: مقتضى التواتر الإجمالي الاقتصار على القدر المتيقن

أنَّ هذا القسم من الروايات التي تحاكي الكتاب لو لاحظناه فهي ليست متواترة، كما في الكفاية والكتب المتأخّرة عنها، وإنَّما يحصل التواتر الإجمالي فيما 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

() ما لم يرد بمضمونها نص في القرآن الكريم. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إذا لوحظت مجموع روايات هذه الطائفة بكلا قسميها.

ومن المعلوم أنَّ مقتضى قواعد التواتر الإجمالي هو الاقتصار على القدر المتيقن، يعني: على المقدار الذي هو محفوظ في تمام الروايات التي يحصل بها التواتر، والقدر المتيقن هو المخالفة، فإنَّ هذه الروايات تُسقط حجّيّة غير الموافق سواء كان مخالفاً أو لا، والقسم الثاني يُسقط حجّيّة المخالف، فالمخالف سقوطه عن الحجّيّة مدلول لتمام روايات هذه الطائفة، فيكون معقد التواتر محدود بحدود المخالفة. 

وأمّا ما لا يوافق فلا يكون التواتر متحقّقاً بالنسبة إليه، بل يكون من أخبار الآحاد. إذن، فكيف يلتزم به من لا يقول بحجّيّة أخبار الآحاد؟! فهذا لا يُعقل الاستدلال به. هذا حاصل الجواب الأوّل الذي أفاده المحقّق الخراساني(1) ومن تبعه من المحقّقين.

نكتة في المقام

وهذ الجواب بلا ضميمة نكتة لا يُفيد في المقام، بل لا بُدَّ من ضمّ نكتة إليه سوف نُشير إليها فيما بعد؛ إذ بدونها يمكن أن يُقال: بأنّنا لا نحتاج في مقام الاستدلال إلى التواتر، بل يمكننا أن نستدلّ بخبر الواحد على ذلك، فلو وجد خبر واحد يدلّ على سقوط الأخبار التي لا توافق الكتاب عن الحجّيّة، فيمكننا أن نستدلّ به بلا حاجة إلى تواتره.

والوجه في ذلك: أنَّ هذا الخبر الواحد في نفسه مشمول للسيرة العقلائيّة 

ــــــــــ[91]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأُصول: 301.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

القائمة على حجّيّة خبر الواحد، كما أنَّ سائر الأخبار الأُخرى التي لا توافق الكتاب والتي هي مردوع عنها في هذا الخبر أيضاً مشمولة في حدِّ نفسها للسيرة العقلائيّة.

 فالسيرة العقلائيّة شاملة للخبر الواحد الرادع، وللأخبار المردوعة التي لا توافق الكتاب الكريم، فإذا فُرض أنَّ كُلاً مِنْ الرادع والمردوع مشمول للسيرة في نفسه، فحينئذٍ يقال: بأنَّ شمول السيرة للرادع يكون موجباً لسقوطها بالنسبة إلى المردوع؛ لأنَّ حجّيّة السيرة في كلّ مورد يتوقف على عدم ثبوت الردع، والخبر الرادع لم يردع عنه في المقام، والخبر المردوع ردع عنه بالخبر الرادع. فإثبات الحجّيّة للخبر الرادع بالسيرة يوجب سقوط الخبر المردوع عن الحجّيّة في المقام من دون عكس، يعني: لو فُرض الالتزام بحجّيّة الخبر المردوع فلا تكون حجّيّته ردعاً عن حجّيّة الخبر الرادع.

وبعبارة ثانية: أنَّ إثبات الحجّيّة للخبر المردوع بالسيرة يتوقف على عدم قيام حجّة على الردع، وقد قامت الحجّة على الردع، وهي الخبر الرادع، والدليل على حجّيّته هو شمول السيرة له، ولا ردع عن هذه السيرة، فالرادع يوجب سقوط حجّيّة السيرة عن المردوع، وأمّا المردوع فلا يقتضي سقوط حجّيّتها بالنسبة إلى الرادع، فلا محالة يتعيّن حجّيّة الرادع بالسيرة، ولا تنتهي النوبة إلى إثبات حجّيّة المردوع بالسيرة.

وبتعبير ثالث: أنَّ إثبات حجّيّة كلّ من هذين الخبرين، أي: الرادع والمردوع بالسيرة غير ممكن، لكن إثبات حجّيّة أحدهما بها دون الآخر أمر 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ممكن، فإذا كان ذلك ممكناً فأيّهما تثبت حجّيّته بالسيرة؟ نثبت حجّيّة الرادع بالسيرة؛ لأنَّ إثبات حجّيّة الرادع بها، لا يبقي مجالاً بعد هذا لإثبات حجّيّة المردوع بها، بخلاف إثبات حجّيّة المردوع بالسيرة، فإنّه لا يحقّق ردعاً على الخبر الرادع، ولا يقيم حجّة في الردع عنه.

فنحن هنا لا نحتاج في مقام اسقاط تلك الروايات عن الحجّيّة غير موافقة الكتاب الكريم، ولا نحتاج في مقام اسقاطها إلى الخبر المتواتر، بل يكفينا خبر واحد مشمول للسيرة العقلائيّة؛ فإنّنا نثبت حجّيّته بالسيرة وبعد ذلك نثبت به الردع عن السيرة القائمة على العمل بسائر الأخبار الأُخرى.

إلَّا أنّه يبقى الكلام في تحقيق هذه النكتة، وهي: أنَّ هذا الخبر الواحد الذي دلّ على سقوط ما لا يوافق الكتاب، أو يوجد عليه شاهد أو شاهدان منه، فهل هو بنفسه ممّا لا يوجد عليه شاهد أو شاهدان من كتاب الله أولا؟ وهل يشمل نفسه أو لا يشملها؟

فإن فُرض أنّه يشمل نفسه فلا يُعقل حجّيّته بالسيرة العقلائيّة لعين الوجه الذي قلناه في الطائفة الأولى الدالّة على اسقاط الأخبار غير العلميّة، وإذا كان هو بنفسه لا يشمل نفسه فيكون كلامنا تامّاً.

وتحقيق هذه الجهة مربوطة بالمباني في الآيات الناهية عن العمل بالظنّ، فإنّه بناءً على ما بنى عليه جملة من هؤلاء المحقّقين من أنَّ الآيات الناهية عن العمل بالظنّ في نفسها تامّة الدلالة على نفي حجّيّة خبر الواحد، وأنَّ آية النبأ والنفر غير تامّة الدلالة على حجّيّته.

فبناءً عليه هذه الرواية موافقة للكتاب الكريم، ويوجد عليها شاهد أو 

ــــــــــ[93]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

شاهدان من كتاب الله؛ لأنَّ الآيات الناهية عن العمل بالظنّ شاهد عليها حينئذٍ، فلا تكون مشمولة لنفسها. إذن، فلا مانع حينئذٍ من شمول السيرة لها بالتقريب الذي بيّناه وإثبات حجّيّتها بها، ثُمَّ إثبات الردع بها عن السيرة القائمة في سائر الأخبار الأُخرى.

وأمّا بناءً على ما قلناه من أنَّ الآيات الناهية عن العمل بالظنّ في نفسها لا دلالة لها على سلب الحجّيّة عن الظنّ. إذن، فلا يوجد على هذا المضمون موافق في كتاب الله ولا شاهد منه، فتكون مشمولة لنفسها، فيأتي عليها نفس الكلام الذي يأتي هناك في الطائفة السابقة، وهذه هي الضميمة التي أشرت إليها.

المختار في الجواب

فحاصل ما ينبغي أن يقال في مقام الجواب بعد هذا التعديل: بأنَّ الروايات الدالّة على النهي عن العمل بما لا يوافق كتاب الله لا يُعقل حجّيّتها الوجدانيّة ولا حجّيّتها التعبّديّة.

 أمّا حجّيّتها الوجدانيّة فلعدم تواترها، وأمّا حجّيّتها التعبّديّة؛ فلأنّها بنفسها شاملة لنفسها بالنسبة إلينا، فإنّها لا يوجد عليها شاهد أو شاهدان من كتاب الله. إذن، شمول دليل الحجّيّة -ولو كان سيرةً لها- غير معقول.

هذا هو الجواب الأوّل الذي أفاده الأعلام مع تبديله إلى الجواب الصحيح(1).

ــــــــــ[94]ــــــــــ

() لخص سيّدنا الأُستاذ أوّلاً الوجه الأوّل الذي ذكره الأعلام في الجواب عن القسم الأوّل من الروايات، وهو القسم الذي يجعل معيار حجّيّة الخبر وهو موافقة الكتاب. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وبالجملة: فإنَّ هذا الوجه لا يمكن تتميمه صناعة؛ وذلك لأنّه لو لم نضمّ اليه ضميمة لامكن لنا أن نقول: بإنّنا نختار الشقّ الأوّل، وهو أنَّ الاستدلال هو بلحاظ أخبار هذا القسم وحده بلا ضمّ أخبار القسم الثاني إليه.

فإن قلتم: بأنَّ أخبار هذا القسم خبر واحد، وكيف يُستدلّ بخبر الواحد، مع أنَّه لم يثبت بعد حجّيّته؟

قلنا: إنَّ السيرة العقلائيّة منعقدة في نفسها على العمل بخبر الواحد، ومقتضية للكشف عن حجّيّته، ولا مانع عن تطبيق السيرة على مورد، إلَّا إذا تمّ الردع عنها في ذلك المورد. 

وهنا عندنا رادع وأخبار مردوع عنها، والخبر الرادع هو القسم الأوّل الذي يردع عن العمل بأخبار الآحاد التي لا توافق الكتاب الكريم، ولا مانع عن تطبيق السيرة على الخبر الرادع؛ لأنَّ فيه نكتة السيرة وهو تمامية ملاك الحجّيّة ولم يردع عن العمل بالخبر الرادع من قبل الشريعة، فيكون الخبر الرادع حجّة بالسيرة، فإذا ثبتت حجّيّته بالسيرة فيصلح هو نفسه للردع عن تطبيق السيرة على موارد الأخبار التي لا توافق الكتاب والسُّنَّة، ويكون دليلاً على عدم حجّيّتها.

فنحن لا نحتاج في دليل الردع عن الأخبار التي لا توافق الكتاب الكريم، إلى تواتر الردع، بل نحتاج إلى ثبوت الردع بحجّيّة معتبرة، وهي في المقام موجودة، وهي خبر الواحد المنعقد عليه السيرة الغير المردوع عنه؛ لأنَّ المفروض أنّه هو يردع عن غيره لا أنّه يردع عن نفسه.

ــــــــــ[95]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إذن، فالوجه الأوّل ليس له محصّل بحسب الصناعة في المقام(1).

الوجه الثاني: العلم الإجمالي بصدور أخبار عن الأئمة غير موجودة في القرآن

بأنّنا نعلم إجمالاً بصدور أخبار كثيرة غير موجود مضمونها في القرآن الكريم عنهم (عليهم الصلاة والسلام) وهذا العلم الإجمالي ليس موجوداً عندنا فقط، بل هو موجود عند كلّ أحد حتّى عند من سمع مثل هذا الكلام من الإمام.

ومع هذا العلم الإجمالي لا يمكن الالتزام بإطلاق العنوان وبحمله على الظاهر؛ لأنَّ الالتزام بحمله على الظاهر يؤدي إلى مناقضة هذا العلم الإجمالي الثابت عندنا بالوجدان.

فلابدَّ إذن من التأويل فيه، وإذا سقط ظهوره عن الحجّيّة وتعيّن التأويل فيه، انفتح ألف باب للتأويل، فيمكن حمله على مورد التعارض، فإنّه إذا تعارض خبران كانت موافقة الكتاب مرجحة لأحدهما على الآخر، أو نحمله على موارد أصول الدين، أو غير ذلك من المحامل. ومع التأويل يسقط الاستدلال بهذا القسم.

ــــــــــ[96]ــــــــــ

() ولا يخفى في المقام أنَّ سيّدنا الأُستاذ لم يذكر النكات التي ذكرها سابقاً بهذا الخصوص، مِن أنَّ هذا الوجه إنَّما يتمّ على مذهب المشهور من دلالة الآيات على النهي عن الظنّ دون المذهب المختار من عدم الدلالة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

تتميم الوجه لثاني

هذا الوجه أيضاً غير تامّ بحسب الصناعة ما لم تُضمّ إليه بعض الضمائم التي نشير إليها؛ وذلك لأنَّ لسان جعل الموافقة معياراً يكون على نحوين:

النحو الأوّل: يكون اللسان فيه ناظراً إلى الحكم الواقعي، وإلى ما هو الواقع، بحيث يدلّ على أنَّ الخبر الذي لا يوجد مضمونه في كتاب الله غير صادر واقعاً من الأئمّة.

 وإن شئتم قلتم: إنَّ لسانه لسان الجملة الخبرية، فكأنَّ الإمام يخبر بأنّه لم يصدر منهم شيء إلَّا ومضمونه موجود في القرآن الكريم.

النحو الثاني: يكون اللسان فيه لسان الجملة الانشائيّة، لا لسان الجملة الخبريّة، بمعنى: اسقاطه عن الحجّيّة، فإنَّ كلّ خبر غير علمي فهو ليس بحجّة إذا لم يكن موافقاً للكتاب الكريم، فيكون بنحو الجملة الانشائيّة لا بنحو الجملة الخبريّة.

فإذا فُرض أن اللسان كان بنحو الجملة الخبريّة، فهنا العلم الإجمالي الذي أشير إليه في كلمات الأعلام ينفع في مقام رفع اليد عن ظهور مثل هذا اللسان؛ لأنّنا نعلم بكذب هذه الجملة الخبريّة، فإنَّ المعصوم الذي لا يكذب يُخبر عن مضمون نعلم بأنَّ ظاهره غير منفي مع أنّه ينفيه، فلا بُدَّ صوناً لهذه الجملة الخبريّة عن الكذب من تأولها وحملها على محمل من المحامل مثلاً، بعد فرض ابائها عن التخصيص؛ إذ لا يمكن أن يقال فيها: إنّها مخصّصة، بحيث إنَّ قوله: ما لم يقله ربنا فهو زُخرف، هذا مخصّص بالرواية الفلانيّة والرواية الفلانيّة؛ لأنَّ 

ــــــــــ[97]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

هذا خُلف فرض جعل المقياس والمعيار، فإن فُرض جعل المعيار هو فرض نفوذ هذا المعيار بقول مطلق فلا بُدَّ إذن بناءً على الجملة الخبرية من الالتزام بالتأويل بوجه من الوجوه التي سوف نتعرض إليها.

وأمّا في لسان الجملة الانشائية فلو فُرض أنَّ لسان الرواية لم يكن هو الإخبار عن عدم صدور ما لا يوافق، بل إسقاطه عن الحجّيّة.

فمن المعلوم أنَّ هذا الإسقاط عن الحجّيّة ورد على الأخبار المشكوكة لا على الأخبار المعلومة؛ لأنَّ الإمام ليس في مقام إسقاط قوله عن الحجّيّة، وإنَّما هو في مقام إسقاط خبر الواحد الذي لا يُعلم صدوره عنه عن الحجّيّة ما لم يكن موافقاً للكتاب.

ومثل هذا لا منافاة بينه وبين العلم الإجمالي بصدور البعض، فأيّ منافاة بين أن لا تكون الأخبار المخالفة حجّة من قبل المولى بالحجّيّة التعبّديّة، وبين أن يُعلم بصدور بعضها إجمالاً؟ فإنَّ العلم بالصدور الواقعي لا ينافي عدم الحكم بالحجّيّة من ناحية المولى.

وقد قلنا فيما سبق: إنّنا إذا جمعنا كتاباً في الحديث كلّه روايات ضعيفة، وليست حجّة، مع هذا يحصل لنا العلم بأنَّ بعض هذه الأخبار صادرة من رسول الله فالعلم الإجمالي بصدور بعض الأخبار الضعيفة من الأئمّة أيضاً موجود؛ إذ لا نحتمل أنَّ غير الثقة كان يكذب. إذن، فهذا العلم الإجمالي موجود، ومع هذا الخبر الضعيف ليس بحجّة من ناحية المولى.

فالعلم الإجمالي بصدور بعض الأخبار الضعيفة لا ينافي مع إسقاط الخبر الضعيف عن الحجّيّة في مورد الشكّ مطلقاً.

ــــــــــ[98]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وكذلك في المقام فالعلم الإجمالي بصدور بعض الأخبار التي لا توافق الكتاب الكريم، لا ينافي إسقاط هذا الخبر عن الحجّيّة ما لم يُعلم بصدوره من الإمام.

وفي الروايات الواردة في القسم الأوّل يوجد كلّ من اللسانين، فيوجد فيها ما كان طرزه طرز الجملة الخبريّة، ويوجد فيها ما كان طرزه طرز الجملة الانشائيّة.

ومن أحسن الأخبار الواضحة في كون مفادها بنحو طرز الجملة الإنشائيّة في مقام إسقاط الحجّيّة -لا في مقام الإخبار عن الواقع- هذه الرواية: “إِذَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ‏ حَدِيثٌ‏ فَوَجَدْتُمْ لَهُ شَاهِداً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ وَإِلَّا  –الجزاء هنا محذوف يعني: اعملوا به– فَالَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ أَوْلَى بِه‏”(1).

وهذا ليس في مقام نفي صدوره، بل في مقام بيان أنّه إذا لم يكن له شاهد من كتاب الله فألْقُوه على صاحبه إن كان صادقاً أو كاذباً فهو أولى. نعم، ما كان بلسان زُخرف وباطل ونحو ذلك، لعلّه ظاهر أنّه بلسان الجملة الخبريّة لا بلسان الجملة الإنشائيّة، وقد أشرنا فيما سبق إلى أنَّ وجود خبر واحد تامّ الدلالة يكفي في مقام العمل به، ولا نحتاج في مقام الردع إلى ردع متواتر، بل يكفي خبر واحد مشمول لدليل الحجّيّة وهو السيرة بالبيان السابق.

إذن، فوجود لسان الجملة الإنشائيّة ولو في رواية واحدة، إذا كانت في 

ــــــــــ[99]ــــــــــ

(1) الكافي 1: 69، كتاب العقل والجهل، باب الأَخْذ بالسُّنَّة وشَوَاهِدِ الْكِتَاب‏، الحديث 2.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

نفسها تامّة الحجّيّة ومشمولة للسيرة العقلائيّة يكفي لثبوت مضمونها. والعلم الإجمالي الذي أشير إليه لا يكون قرينة على التأويل إلَّا في اللسان الأوّل لا في السان الثاني. هذا أيضاً هو الوجه الثاني الذي لا يتمّ صناعة بلا ضميمة.

الصحيح في تحقيق الحال في هذه الطائفة

فالصحيح في تحقيق الحال في هذه الطائفة أن يقال: إنَّ هناك احتمالاً يُتبادر إلى الذهن في تفسير معنى الموافقة الموجودة في هذه الروايات، فإن تمّ هذا الاحتمال وإن بلغت مؤيداته إلى درجة بحيث انعقد للكلام ظهور في ذلك. فحينئذٍ يسقط عن الاستدلال به في المقام، ويكون أجنبياً عن محلّ الكلام بالمرة، ولا يكون فيه دلالة على مراد المنكر لحجّيّة خبر الواحد.

وإن لم يتم هذا الاحتمال، بمعنى: أنّه لم يبلغ إلى درجة بحيث نطمئن به، أو بحيث ينعقد للكلام ظهور بلحاظ القرائن المتصّلة أو المنفصلة فيه، فحينئذٍ نحتاج إلى علاج آخر، وهو ما سوف نذكره.

فالكلام يقع في مرحلتين: 

المرحلة الأولى: [الموافقة للإطار العام للكتاب] 

في هذا الاحتمال الذي يُتبادر إلى ذهننا في معنى الموافقة في المقام، حيث نحتمل أن يكون معنى الموافقة المذكورة في هذه الروايات العديدة التي جُعلت موافقة القرآن الكريم معياراً لقبول خبر الواحد، ونحتمل أنَّ المراد من الموافقة لا الموافقة لنص الكتاب الكريم في شخص مضمون هذا الخبر الواحد، بحيث إنّه لو فرض أنّه جاءت رواية عن الإمام في ذم النميمة وتحريمها، فنقول: 

ــــــــــ[100]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إنَّ هذا مضمونه غير موجود في القرآن الكريم؛ لأنَّ النميمة لم تحرّم فيه؛ فهذا خبر غير موافق للقرآن الكريم.

فليس المراد من الموافقة هذا، بل المراد منها: الموافقة للإطار العامّ للكتاب الكريم.

 أو بتعبير آخر: الموافقة لمزاج الكتاب الكريم، أو لذوقه وطبعه العامّ المستكشف من تمام ما فيه من معارف وحقائق وأحكام وتشريعات، فهذا المزاج العامّ الثابت ثبوتاً قطعياً للقرآن الكريم -لا الثابت على وجه القياس والاستحسان والمصالح المرسلة، فإنَّ تلك المدارك لا اعتبار بها- يكون معياراً في قبول الخبر وعدم قبوله بعد فرض تمامية شرائط الحجّيّة في نفسه.

فإذا تمّت في الخبر في نفسه شرائط الحجّيّة، كما لو أخبر به ثقة مع هذا يُلحظ موافقته لهذا المزاج العامّ وعدم موافقته له، فإذا فُرض أنّه لم يكن موافقاً لهذا المزاج العامّ فيُرفض هذا الخبر.

كما لو وردت رواية بنحو خبر الواحد تُحبذ النميمة والفتنة بين الناس، وفرضنا أنّه لم يرد نص خاص بالقرآن في تحريمه، إلَّا أنَّ المزاج العامّ المستكشف من القرآن بوجه قطعي يأبى عن التسليم بأنَّ الشريعة تُحبذ النميمة، أو تقول باستحباب الفتنة بين الناس وايقاع العداوة بين المؤمنين.

أو إذا فُرض أنّه جاء في وصف الله تعالى شيء بحيث يكون خلاف المزاج العامّ للقرآن الذي يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ(1) فإنَّ المعارف الإلهيّة المبيّنة في 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

(1) الشورى: 11.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

القرآن تقتضي خطوطاً عريضة وأموراً كلّيّة مسلّمة، فلو لم يتفق هذا المطلب معها، وهكذا.

فإذا فرضنا أنَّ هذه الرواية لم تكن تتفق مع شيء من الأمور العامّة التي ثبتت للقرآن بعنوان كونه مزاجاً عامّاً له. 

أو بتعبير آخر: أنَّ هذه الأمور هي مسلّمات الشريعة، فإنَّ هذا الذي نعبّر عنه بالمزاج العامّ أو الإطار العامّ للقرآن الذي هو عبارة أُخرى عن مسلّمات الشريعة التي ثبتت بالضرورة، والتي يكون مثالها الكامل هو القرآن؛ لأنّه كتاب الشريعة ودستورها.

وهذه المسلّمات إذا جاء خبر يكون غير موافق معها، وغير منسجم ومؤتلف مع جهاتها وحيثياتها فمثل هذا الخبر لا يكون حجّة في المقام، بل لا بُدَّ وأن يكون هذا الخبر موافقاً مع تلك المسلّمات، والموافقة مع تلك المسلّمات العامّة غير الموافقة مع شخص هذه الآية، أو هذه الآية، يعني: وجود شخص مضمون هذا الخبر في هذه الآية أو في هذه الآية(1)، لا أنّه هو يُبيّن المسلّمات، وإنَّما هو يُبيّن مطلباً موافقاً مع المسلّمات ومؤالفاً معها -الاُلفة في قبال المنافرة- فيوجد بينه وبين تلك المسلّمات اُلفة وصحبة وعلاقة ونحو ربط، فالشريعة التي لها نحو تلك المسلّمات يناسب أن يكون لها مثل هذا الحكم.

فالمقصود من الموافقة هنا الموافقة بمعنى الاُلفة والصحبة والمناسبة، لكن 

ــــــــــ[102]ــــــــــ

() وهنا فسّر سيّدنا الأُستاذ معنى الموافقة مع المسلّمات في الإجابة على سؤال بهذا الخصوص. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

المناسبة مع تلك المسلّمات العامّة المستكشفة من القرآن الكريم استكشافاً قطعياً. فبناءً على هذا الاحتمال لا يكون هناك موجب للاستدلال بمثل هذه الرواية على عدم حجّيّة خبر الواحد، ما لم يكن مضمونه موجوداً في القرآن بشخصه، فإنّه لا يحتاج إلى أن يكون مضمونه موجوداً في القرآن بشخصه، بل يحتاج إلى أن يكون مضمونه مؤالفاً مع المسلّمات العامّة الموجودة في القرآن، والاُلفة تحصل إذا كان منسجماً مع طريقة الإسلام العامّة في الأخلاق والتوحيد وتربية الإنسان وتقريبه إلى الله وإلى الآخرة.

وإذا كانت هذه الاُلفة غير موجودة كما هو الحال في كثير من الأخبار التي دسّها أبو الخطاب وأمثاله من الكذابين والوضاعين الذين اُبتلي بهم الأئمّة، على حدِّ تعبيرهم(1) (عليهم أفضل الصلاة والسلام) فمثل هذه الأخبار تكون ساقطة وليس بينها وبين الخطوط العامّة للمسلّمات القرآنية اُلفة ولا مناسبة ولا سنخيّة، وهذا المطلب في نفسه محتمل.

ويوجد بعض الأمور التي تكون مؤيدة لهذا الاحتمال، وموجبة لاستشعاره أو قرينة عليه على اختلاف مراتب التأييد.

ففي جملة من هذه فرض عنوانين فقط، فقيل: إنَّه ما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فذروه، ولم يفرض شقّ ثالث.

ــــــــــ[103]ــــــــــ

(1) رجال الكشي (إختيار معرفة الرجال): 136و 224، بحار الأنوار2: 246-249، باب: علل اختلاف الأخبار وكيفية الجمع بينها والعمل بها ووجوه الاستنباط وبيان أنواع ما يجوز الاستدلال به‏، الحديث 58و62، جامع أحاديث الشيعة ١: ٢٦٢، الحديث 449.  

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فلو فُرض أنَّ المراد بالموافق هنا، يعني: المطابق مدلوله مع مدلول آية بشخصها، والمراد من المخالف ما كان مخالفاً مع مدلول آية بشخصها، لكان الشقّ الثالث المسكوت عنه في المقام هو أكثر من كلا هذين الشقّين؛ لأنَّ الأخبار التي لا تخالف القرآن ولا يوجد بمضمونها آية في القرآن هي أكثر من القسمين، وتكون هذه خارجة عن محلّ الكلام، إلَّا أن يُلتزم بتأويل أحد العنوانين، فيقال: بأنَّ المقصود من الموافقة عدم المخالفة لنص بشخصه، أو المقصود من المخالفة عدم الموافقة مع نص بشخصه.

وأمّا لو اُبقيت الموافقة بمعنى المؤالفة، والمخالفة بمعنى المنافرة، واُضيفت المؤالفة والمنافرة إلى الشخص لا إلى المزاج العامّ، فحينئذٍ يخرج القسم الثالث الذي هو أكثر من القسمين.

المرحلة الثانية: في الموافقة الحرفية للكتاب

أنَّ ظاهر قوله: (ما وافق كتاب الله فخذوه) أنَّ الأمر بالأخذ هنا أمر مولوي في مقام جعل الحجّيّة له، فلو كان المراد من الموافق الموافق لشخص آية معيّنة، بأن يكون مضمونه موجوداً في آية معيّنة، وحينئذٍ جعل الحجّيّة التعبّديّة له لا يظهر له أثر إلَّا نادراً وفي فروض نادرة؛ لأنَّ الآية الكريمة حينئذٍ هي تتكفل الحكم الشرعي بلا حاجة إلى جعل الحجّيّة لهذا الخبر إلَّا في فروض نادرة.

وهذا بخلاف ما إذا فرضنا أنَّ المقصود من الموافقة هنا المؤالفة لا لمضمون شخص آية بعينها، بل للمزاج العامّ، فإنَّ مجرّد المؤالفة للمزاج العامّ لا يكفي 

ــــــــــ[104]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

لثبوت الحجّيّة، فإنَّ زكاة التجارة -مثلاً- مؤالفة مع المزاج العامّ، إلَّا أنَّ مجرّد المؤالفة لا يكفي للقول بها، بل لا بُدَّ أن نرى أنَّ الرواية الدالّة عليها حجّة أو ليست بحجّة، فحينئذٍ يكون الأمر بالأخذ في مقام جعل الحجّيّة على سبيل المولوية، وهذا الظهور يكون محفوظاً بلا إشكال ولا تأمل.

القرائن المؤيدة لمعنى موافقة الذوق العام للكتاب

ومن جملة هذه القرائن ما ورد في بعض روايات الباب من أنّه: “وَإِذَا جَاءَكُمْ عَنَّا حَدِيثٌ فَوَجَدْتُمْ عَلَيْهِ‏ شَاهِداً أَوْ شَاهِدَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّـهِ فَخُذُوا بِه‏(1).

 لماذا قال شاهداً أو شاهدين؟ إذا فُرض أنَّ المراد من الشاهد أو الشاهدين في المقام، يعني: آية دالّة بمضمونها على نفس ما يدلّ عليه هذا الخبر الواحد. ففرض آيتين في المقام لا يُزيد في ملاك الأخذ شيئاً ولا يقوّي ملاك الأخذ؛ لأنَّ ثبوته في آية واحدة يكفي في مقام الأخذ به، وكون حكم واحد ثابتاً في آيتين أو في آية واحدة لا يؤثر في قوة ملاك الأخذ أو ضعفه.

مع أنَّ مثل هذا التعبير يُشعر بأنّه إذا فُرض وجود شاهدين يكون أخذه بنحو آكد ممّا إذا كان شاهد واحد. وكأنَّ ملاك الأخذ هو وجود الشاهد، وكلما كثر الشاهد في القرآن اشتدّ ملاك الأخذ. وهذا إنَّما يناسب مع ذاك الاحتمال.

فإنّه مع ذاك الاحتمال إذا وجد مزاج عامّ في القرآن يناسب مع هذا المطلب، فكلما كانت المناسبة مع عدد أكبر من المسلّمات ومع عدد أكثر من 

ــــــــــ[105]ــــــــــ

(1) الكافي2: 222، کتاب الإيمان والكفر، باب الكتمان، الحديث 4.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الأذواق المستكشفة للشريعة الإسلاميّة يكون ملاك الأخذ أقوى لا محالة.

ففرض تقوّي الأخذ بوجود شاهدين يناسب مع احتمالنا لا مع ذاك الاحتمال.

وكذلك أيضاً ما جاء في بعض تلك الروايات من استنكار أنّهم يصدر منهم غير ما يوافق كتاب الله، فإنَّ بعض الروايات عبرت بنحو الاستنكار، وأنَّ هذا لا يناسب مقامنا، فإنَّ صدور شيء لا يوافق كتاب الله لا يناسبنا.

مثل هذا يؤكد هذا الاحتمال الذي نحتمله؛ إذ لو كان المراد من غير الموافق الشيء الذي لا يوجد مضمونه في القرآن الكريم، أي: استنكار في صدور هذا المطلب منه، فإنَّ من ضروريات الإسلام أنَّ القرآن لا يحتوي على تمام أحكام الشريعة، وهذا مُجمع عليه ما بين جميع المسلمين شيعة وسنة، غاية الأمر نحن نأخذ بقية الأحكام من رسول الله ومن الأئمّة والسُّنَّة يؤخذونها من رسول الله ومن أئمّتهم، فلا ضير ولا حزازة في أن يُفرض صدور ما لا يوافق بذلك المعنى منهم، وإنَّما هذا الضير والحزازة تُتصوّر في غير الموافق بهذا المعنى الذي نحن نقوله، فما لا يؤالف المسلّمات لا أنّه ما لا يؤالف آية بعينها وبشخصها.

وأيضاً من جملة القرائن على ذلك ما ورد في بعض الروايات من التعبير بالتشابه، قال: “مَا جَاءَكَ عَنَّا فَقِسْ‏ عَلَى‏ كِتَابِ اللَّـهِ (عَزَّ وَجَلّ)َ وَأَحَادِيثِنَا فَإِنْ كَانَ يُشْبِهُهُمَا فَهُوَ مِنَّا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُشْبِهُهُمَا فَلَيْسَ مِنَّا(1) ولم يقل: إن وجدت في 

ــــــــــ[106]ــــــــــ

(1) كتاب الاحتجاج: 357، وسائل الشيعة 27: 121، باب وجوه الجمع بَيْنَ الأَحاديثِ المختلفَة وكيفِيَّة العمَلِ بهَا، الحديث 40.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

كتاب الله مضمونه، وإنَّما قال: فإن وجدت في كتاب الله ما يشبهه. وهذا لعلّه لا يخفى وضوح ظهوره في أنَّ المقصود منه ليس هو التفتيش عن وجود شخص هذا المضمون في شخص آية معينة في القرآن الكريم، وإنَّما وجود هذا المزاج العامّ فيه، فيكون هذا مقرباً للأخذ بهذا المطلب.

ومجموع هذه الأمور تقوّي جداً احتمال أن يكون المراد بالموافقة هنا الموافقة بمعناها الأصلي وهو المؤالفة، لكن لا المؤالفة مع شخص نصّ بعينه، بل المؤالفة في المسلّمات العامّة، ومع هذا لا نجزم بمثل هذا الاحتمال.

فإن فُرض أنَّ مثل هذا الاحتمال بلغ إلى درجة الظهور وجداناً أو تعبّداً، ولو بلحاظ هذه القرائن فلا يبقى دلالة في مثل هذه الروايات.

وإن فُرض أنّه لم يبلغ إلى هذا، والتزمنا بحمل الموافقة على المؤالفة مع الشخص لا مع المسلّمات العامّة، فتكون الدلالة في نفسها تامّة في الجملة بقطع النظر عمّا سوف نذكره من مناقشات فيما يأتي (1).

مناقشة الموافقة بمعناها الحرفي

وقد قلنا: إنَّ الأخبار التي تدلّ على تحكيم الكتاب في قبول أخبار الآحاد 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

() ثُمَّ ذكر سيّدنا الأُستاذ (سلّمه الله): بأنَّ هذا الاحتمال وإن كان قوياً في نفسه جداً، إلَّا أنّه لا يتمّ على مرّ الصناعة، فإنَّ هناك من روايات هذا الباب ما ليس فيه شيء من هذه القرائن والمرجحات الخمس؛ وعليه فتكون مثل هذه الروايات رادعة عن أخواتها، باعتبار شمول السيرة لها على التقريب السابق. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إثباتاً ونفياً على قسمين: 

القسم الأوّل: ما أُخذ فيه عنوان الموافقة ضابطاً. 

القسم الثاني: ما أُخذ فيه عنوان المخالفة ضابطاً. 

ويوجد بعض الروايات يتداخل فيه الضابطان، يعني: أُخذ فيها عنوانان عنوان المخالفة وعنوان الموافقة معاً، كما سوف نشير إليه إن شاء الله.

أمّا القسم الأوّل: وهو ما أُخذ فيه عنوان الموافقة، فإن تمّ الاحتمال الذي ذكرناه سابقاً -باعتبار نفسه أو بضميمة مؤيداته وشواهده(1)– في سائر روايات الباب سقط الاستدلال بها على ما هو مدّعى منكري الحجّيّة؛ لأنَّ غاية ما يُستفاد من هذه الروايات: أنَّ الموافقة مع المسلّمات والملائمة مع المزاج العامّ شرط في قبول الخبر الواحد، ولا شكّ أنَّ هذا شرط في قبوله بلا حاجة إلى تجشم المناقشة والمنازعة مع منكري الحجّيّة.

وأمّا إذا لم يتمّ هذا الاحتمال ولو في بعض الروايات -كما هو الظاهر- لأنَّ الشواهد التي جمعناها لا تستوعب تمام روايات الباب، على أنَّ بعض هذه الشواهد بنفسها أيضاً لا توجب ظهوراً للرواية في هذا الاحتمال، بحيث يصرفه عن ظهورها الأوّلي في كون الموافقة بمعنى الموافقة الحرفيّة.

فيُفرض أنَّ الروايات أُخذ فيها الموافقة بمعناها الحرفي، أي: كون مضمون خبر الواحد موجوداً في آية من الآيات، كما هو ظاهر اللفظ بطبعه الأوّلي بقطع النظر عن الشواهد والمؤيدات، فإذا فُرض هذا المطلب في روايات هذا الباب 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

() ثُمَّ لخص سيّدنا الأُستاذ فكرة عن هذا الاحتمال كما سبق. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فلا بُدَّ من المصير إلى جواب آخر: 

وذلك أن يقال: بأنَّ روايات الباب بعد فرض حمل الموافقة فيها على ما هو ظاهرها بطبعها الأوّلي -وهو الموافقة بالمعنى الحرفي، أي: وجود مضمون الخبر في مدلولات الآيات الكريمة- نقول: بأنَّ أكثر الروايات التي أُخذ فيها عنوان الموافقة ننكر دخولها في القسم الأوّل، وندّعي دخولها في القسم الثاني، وإن كان لفظ الموافقة قد جاء فيها، إلَّا أنَّه مع هذا نقول: بأنَّ المستفاد والمتحصّل من مفادها: أنَّ المعيار هو المخالفة، فلو كان الخبر مخالفاً يُرفض ولو لم يكن مخالفاً يُقبل، لا أنَّ المعيار هو المخالفة، بحيث لوكان موافقاً يُقبل، ولو لم يكن موافقاً لا يُقبل ولو لم يكن مخالفاً.

وأكثر روايات هذا القسم هي في الحقيقة مندرجة في القسم الثاني لا في هذا القسم.

أمّا ما كان منها قد اشتمل على كلا العنوانين، فهذا قيد واضح، فإنَّ جملة من الروايات التي اُدرجت في هذا القسم قد اشتملت على كلا العنوانين، عنوان الموافقة وعنوان المخالفة، فقالت: “فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّـهِ فَخُذُوهُ وَمَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّـهِ فَدَعُوه(1).

وبعد فرض ظهور هذه الروايات في أنَّها في مقام جعل الضابط الكلّي لسائر الأحاديث والروايات -كما هو الظاهر عرفاً منها حينئذٍ- يريد إمّا من حمل الموافقة على عدم المخالفة، أو حمل خالف على أنّه بمعنى لا يوافق.

ــــــــــ[109]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27: 119، باب وجوه الجمع بين الأحاديث، الحديث 35.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

يعني: توسعة دائرة إحدى الشرطيتين وجعلها بمثابة الإشارة إلى مفهوم الشرطيّة الأُخرى. فإمّا أن نوسّع دائرة الموافقة ونقول: إنَّ المراد منها هو مجرّد المخالفة، أو نوسّع دائرة المخالفة ونقول: بأنَّ المراد منها هو مجرّد عدم الموافقة. ولو لم نوسّع لا تلك ولا هذه للزم عدم التعرض إلى القسم الثالث الذي هو أهمّ من كلّ من القسمين، وهو خلاف ظاهر هذه الأخبار، فلا بُدَّ من توسعة أحد العنوانين.

وإن لم ندّع الظهور في أنَّ العرف يحكّم الأخص في الأعم هنا، ويقتضي توسيع عنوان الموافقة، لأجل الضابط الأخص وهو المخالفة، فلا أقل من الإجمال.

وحينئذٍ لا يُدرى أنَّ الضابط المعطى هنا ما هو؟ هل هو الموافقة أو هو المخالفة، حيث لا معنى مثلاً لتوسعة العنوان الأوّل لأجل العنوان الثاني، ولا توسعة العنوان الثاني لأجل العنوان الأوّل، فيكون مجملاً من هذه الناحية فلا يصحّ الاستدلال به على عدم حجّيّة كلّ خبر لا يكون مضمونه موجوداً في القرآن الكريم. هذا في الروايات التي أُخذت كلا العنوانين.

وكذلك الحال في جملة من الروايات التي اقتصرت على خصوص عنوان الموافقة كلسان قوله: “وَكُلُّ حَدِيثٍ لَا يُوَافِقُ كِتَابَ اللَّـهِ فَهُوَ زُخْرُف‏”(1) ونحو ذلك. فإنَّ الظاهر من قوله: (لم يوافق كتاب الله) السالبة بنحو انتفاء المحمول 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

(1) المحاسن 1: 220، باب الاحتياط في الدين والأخذ بالسُّنَّة، الحديث 128.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

لا السالبة بانتفاء الموضوع، فعدم الموافقة لكتاب الله تتصوّر على نحوين: 

تصوّر عدم الموافقة بنحوين:

فتارةً: تتصوّر بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، بمعنى: أنَّ موضوع هذا الخبر غير موجود في القرآن حتّى يقال: إنّه يوافق أو يخالف أصلاً، كالرواية التي وردت في أحكام النفساء، والنفساء لم يتعرض لها في الآيات أصلا، لأجل أن يرى بأنَّ هذه الرواية موافقة للقرآن أو مخالفة له، فهنا عدم الموافقة بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، بمعنى: أنَّ موضوع الرواية لم يتعرض له في القرآن حتّى يتكلّم في أنّه موافق أو مخالف.

وأُخرى: تكون عدم الموافقة بنحو السالبة بانتفاء المحمول، يعني: أنَّ الموضوع تُعُرض له في القرآن وعيّن له في القرآن حكم غير الحكم المبيّن في خبر الواحد، من قبيل: البيع مثلاً، حيث تعرّض القرآن لحكمه وحكم بحليته أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ(1) فلو جاء خبر الواحد ودلّ على حرمة بعض البيوع مثلاً وعدم جوازها، فمثل هذا يكون عدم موافقته للقرآن بنحو السالبة بانتفاء المحمول، لا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع.

والظاهر من العدم في (لم يوافق) هو السالبة بانتفاء المحمول لا السالبة بانتفاء الموضوع.

وهذا الظهور يتفق في كثير من الأعدام التي تضاف إلى كثير من العناوين التي ينعقد لها ظهور عرفي في السالبة بانتفاء المحمول، أو إن شئتم قلتم: في 

ــــــــــ[111]ــــــــــ

(1) البقرة: 275.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

العدم المقابل للملكة لا في العدم بانتفاء الموضوع، فتقول: فلان ليس بأعمى، فعدم العمى ظاهر بأنّه بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، يعني: أنّه إنسان قابل لأن يُبصر، لا سالبة بانتفاء الموضوع، يعني: هذا شأنه شأن الجماد الذي هو ليس بأعمى ولا ببصير.

فظاهر قوله: (كلّ حديث لم يوافق كتاب الله) ظاهره المخالف، يعني: لم يوافق بنحو السالبة بانتفاء المحمول، لا أنّه لم يوافق ولو من باب أنَّ مضمونه لم يُتعرض له في القرآن أصلاً إثباتاً أو نفياً. 

فهذا اللسان أيضاً يندرج في القسم الثاني ولا يدخل في القسم الأوّل.

رواية لسانها عدم حجية كل خبر لا يوجد مضمونه في الكتاب

ولا يبقى في القسم الأوّل إلَّا لسان هذه الرواية التي قرأناها سابقاً: إِذَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ‏ حَدِيثٌ فَوَجَدْتُمُوهُ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ كِتَابِ اللَّـهِ أَوْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّـهِ وَإِلَّا فَالَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ أَوْلَى بِه‏”(1).

نعم، هذا ظهوره في أنَّ المناط هو وجود الموافق، وأنَّ غير الموافق سواء كان بنحو السالبة بانتفاء المحمول أو بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، فهذا الظهور ثابت في نفسه، فيكون مقتضى إطلاق هذا الخبر هو عدم حجّيّة غير ما يكون مضمونه موجوداً في القرآن سواء كان مخالفاً أو لم يكن مخالفاً.

وقد قلنا فيما سبق: إنّنا لا نحتاج في مقام إثبات الردع عن الأخبار غير 

ــــــــــ[112]ــــــــــ

(1) المحاسن 1: 137و225، باب علل اختلاف الأخبار وكيفية الجمع بينها، وباب الشواهد من كتاب الله‏، الحديث 145.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الموافقة للقرآن إلى السُّنَّة المتواترة، بل يكفي خبر واحد مشمول للسيرة العقلائيّة، فإنّنا نثبت حجّيّته بالسيرة، مع عدم الردع عنه، وبعد ثبوت حجّيّته بذلك يصير هو بنفسه رادعاً عن(1) الأخبار غير الموافقة للقرآن الكريم(2)، فكون هذا اللسان لساناً لا يضر للاستدلال به في المقام، بل إن هذا اللسان حيث إنّه ورد من قبل أُناس كلّهم ثقات فهم مورد للسيرة العقلائيّة، ولم يُردع عنه؛ لأنّه رادع لا أنّه مردوع عنه.

هذا غاية ما يمكن أن يُنتصر به للاستدلال بالقسم الأوّل بعد تصفيته وإخراج أكثر رواياته منه وادخالها في القسم الثاني.

الجواب الأول: أن هذا اللسان مردوع عنه بنفسه

وبعد بيان كيفية الاستدلال بهذا النحو يقال: بأنَّ هذا الاستدلال غير تامّ؛ وذلك لأنَّ هذا الحديث بهذا اللسان الذي يسقط حجّيّة كلّ خبر لا يوجد مضمونه في الكتاب الكريم.. يشمل نفسه أيضاً، لأنّه هو أيضاً مضمونه غير موجود في الكتاب الكريم؛ إذ ليس فيه ما يدلّ على عدم حجّيّة الأخبار غير الموافقة للكتاب الكريم، إلَّا بناءً على تمامية الاستدلال بالآيات الناهية عن العمل بالظنّ بدعوى أنَّ هذا ظنّ.

لكننا قلنا فيما سبق: إنَّ هذه الآيات لا دلالة لها في نفسها أصلاً على سلب الحجّيّة عن الظنّ بتمام أقسامه حتّى غير خبر الواحد فضلاً عنه.

ــــــــــ[113]ــــــــــ

() عن الجري على طبق السيرة العقلائية… (المُقرِّر).

(2) فيكون حاكماً على جريان السيرة في الموارد الأخرى. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إذن، فمضمون هذا اللسان لا نجد عليه شاهداً في كتاب الله فيكون مردوعاً عنه بنفسه، فحينئذٍ يستحيل حجّيّة مثل هذا الخبر؛ لأنَّ الخبر الذي يردع عن نفسه لو صار حجّة يلزم من حجّيّته سقوطه عن الحجّيّة، ويستحيل إثبات حجّيّته بالسيرة، وهذا المطلب يحتاج إلى تحليل، وقد حلّلناه فيما سبق، هذا هو الجواب الفنّي الأوّل في الاستدلال عن هذه الرواية.

الجواب الثاني: إيقاع التعارض بين إطلاق الرواية وإطلاق دليل الحجية

لو قطعنا النظر عن هذا، وفرضنا أنَّ هذه الرواية لم تكن تشمل نفسها، بأنَّ قال مثلاً: كلّ حديث ليس عليه شاهد من كتاب الله فلا تقبلوه إلَّا هذا الحديث(1)، بحيث إنَّ هذا الحديث كان مستثنى من الإطلاق، ولم تكن هناك ملازمة بين سقوط غيره وسقوط نفسه.

وحينئذٍ نقول: بأنَّ هذا الحديث مطلق من حيث الروايات الواردة في الأحكام وفي معالم الدين، ومن حيث الروايات الواردة في غير ذلك من أبواب المعارف الإلهيّة التي تعرّض لها القرآن الكريم، فإنَّ القرآن لم يقتصر على ذكر الأحكام التي ترجع إلى الجمل الانشائيّة، بل ذكر كثيراً من المعارف الإلهيّة والمواعظ والتواريخ التي ترجع إلى الجمل الخبريّة.

وهذه الرواية مطلقة؛ إذ ليس فيها دلالة على أنّها في مقام تشخيص الوظيفة 

ــــــــــ[114]ــــــــــ

() لا يخفي أنّه لو ورد مثل ذلك لشمل نفسه أيضاً باعتبار سنده الظنّي وعدم موافقة مدلوله للكتاب. نعم، إذا سمعنا من الإمام تعيين حجّيّته بالخصوص لخرج عن القاعدة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

العمليّة بل تقول: إذا ورد عليكم حديثاً فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من سنّة رسول الله والجزاء محذوف هنا، فهل الجزاء هو: فاعملوا به في صلواتكم أو صومكم؟ لا، بل القدر المتيقن من الجزاء هو: فاقبلوه، يعني: انسبوا هذا إلى الدين (أي: إلى الأئمّة(1)) وقولوا: بأنَّ الإسلام يقول بكذا.

وأمّا إذا وجدتم حديثاً وليس عليه شاهد سواء كان في أصول الدين أو المعارف الإلهيّة أو في كتاب البحار فلا تنسبوه إلى الدين، ومن قاله أولى به. فقولوا له: أنت سمعته فأنت أعرف بما سمعت، أمّا نحن فلا ندخل هذا في ديننا ولا نضيفه إليه.

فهذه الرواية مطلقة تعمّ الروايات الواردة في الأحكام والواردة في سائر أبواب المعرفة التي تعرض لها القرآن.

فمقتضى إطلاقها في نفسها عدم حجّيّة الأخبار الواردة في باب الأحكام أيضاً إذا لم تكن موافقة للكتاب الكريم.

فإذا كان هذا إنَّما يثبت بالإطلاق، فحينئذٍ نوقع المعارضة بين هذا النص وبين الأدلة اللفظيّة الدالّة على حجّيّة خبر الواحد.

فإما أن نفرض أنَّ هذا الدليل اللفظي هو آية النفر:

بناءً على ما هو المشهور من الاستدلال بهذه الآية الكريمة على إثبات الحجّيّة لقول المنذر وروايته.

وقد قلنا فيما سبق: إنَّ الحجّيّة إنَّما تثبت لقول المنذر بهذه الآية الكريمة 

ــــــــــ[115]ــــــــــ

() كذا ذكر سيّدنا الأُستاذ بعد البحث. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بالإطلاق، لأنّها تقول: إذا انذرك المنذر فاحذر سواء حصل لك العلم أو لا. فالإطلاق لغرض عدم حصول العلم تثبت الحجّيّة.

فالنسبة بين إطلاق الآية وبين إطلاق الرواية هي العموم من وجه(1). فإطلاق الآية لغرض عدم حصول العلم يعارض مع إطلاق هذه الرواية للأخبار الواردة في باب الأحكام.

ومادّة الاجتماع والتعارض ما بين هذه الآية والرواية، هو خبر المنذر في باب الأحكام إذا لم يكن مضمون الحكم موجوداً في القرآن الكريم، فهذا يكون حجّة بمقتضى إطلاق الآية الكريمة، ويكون ساقطاً عن الحجّيّة بمقتضى إطلاق هذه الرواية(2)

وكذلك بالنسبة إلى السُنَّة المتواترة الدالّة على حجّيّة خبر الواحد، فإنّه سوف يأتي -إن شاء الله- بأنَّ ما هو المتواتر لسان يثبت به حجّيّة خبر الثقة للفقيه ورأي الثقة للعامي، فبإطلاقه يثبت حجّيّة خبر الثقة، وهذا اللسان هو: “أَفَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ‏ ثِقَةٌ آخُذُ عَنْهُ مَا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَعَالِمِ دِينِي، فَقَالَ: نَعَم(3) فقوله آخذ عنه معالم ديني مطلق، فإنَّ الأخذ يُتصوّر على نحوين: 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

() وهنا أعاد وجه إطلاق الرواية، ووجه إطلاق الآية. (المُقرِّر).

(2) ثُمَّ قرّر مادّة الافتراق من طرف الآية*(1) ومن طرف الرواية *(2) بما لا يهم ذكره. 

*(1) ما إذا حصل العلم. 

*(2) الروايات الواردة في السماء والعالم. (المُقرِّر).

(3) وسائل الشيعة 27: 147، باب وجوب الرُّجوع فِي الْقضَاء والفَتوى إلى رواة الحدِيث منَ الشِّيعة،‏ الحديث 33.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فتارةً الأخذ بنحو الرواية، وهو أخذ الفقيه من الراوي، وأُخرى الأخذ بنحو الرأي، وهو أخذ العامي من المجتهد.

إذن، فحجّيّة خبر الواحد تثبت بإطلاق هذا النص المتواتر، فلو فرضنا أنّه متواتر بإطلاق الأخذ للرواية، ومن المعلوم أنَّ أخذ الرواية لا يمكن تقييده بخصوص ما إذا كان مضمونه موجوداً في القرآن الكريم، فإنَّ هذا تقييد بفردٍ نادرٍ جداً.

فهذا الإطلاق يكون نسبته الى إطلاق هذه الرواية هو العموم من وجه. ومادّة الاجتماع هي: أنَّ يونس بن عبد الرحمن يُخبر بحكم شرعي غير موجود في القرآن الكريم. 

 فالنص المتواتر يثبت حجّيّة قوله بمقتضى إطلاقه، وهذا النص ينفي حجّيّته بإطلاقه، ومادّة الافتراق لدليل الحجّيّة هو ما إذا افتى يونس بن عبد الرحمن، فإنَّ افتاءه لا يكون رواية(1)، ومادّة الافتراق من ناحية هذه الرواية هو الأخبار الواردة في باب السماء والعالم، فإنَّ هذه الأخبار غير مشمولة لدليل الحجّيّة؛ لأنّه قال: آخذ منه معالم ديني، ولم يقل: آخذ منه علم الجغرافية مثلاً.

ملاحظة النسبة بين الأخبار الدالّة على حجّيّة أخبار الآحاد والنافية لها

إذا فُرض أنَّ النسبة هي العموم من وجه ما بين إطلاق هذا النص وما بين الدليل القطعي من القرآن أو الدليل القطعي من السُّنَّة الدالّة على حجّيّة خبر الواحد.

ــــــــــ[117]ــــــــــ

() وما إذا حصل العلم. (من محاضرة غد). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فإذا كانت النسبة ما بينهما هي العموم من وجه فهذه الرواية بإطلاقها للأخبار الواردة في باب الأحكام تصير مخالفة للكتاب وللسنة القطعيّة. والمفروض وجود رواية أُخرى مشمولة للسيرة العقلائية في نفسها(1) فتدلّ على وجوب طرح ما خالف الكتاب والسُّنَّة، فتلك الرواية تكون رادعة عن هذه الرواية(2)، فإذا ردعت عنها بقي دليل الحجّيّة على إطلاقه، وهذا هو جوابنا الثاني.

وحاصله: أن نوقع التعارض بنحو العموم من وجه بين إطلاق هذه الرواية وبين إطلاق أدلّة الحجّيّة، فإذا وقع هذا التعارض وتمّ عندنا دليل من الخارج على أنَّ ما خالف الكتاب والسُّنَّة فهو غير حجّة، فيكون ذلك الدليل التامّ من الخارج على هذا رادعاً عن إطلاق هذه الرواية بعد الالتفات إلى أنَّ هذه الرواية غير مخصوصة بباب الأحكام، بل تشمل باب الأحكام بإطلاقها(3).

ــــــــــ[118]ــــــــــ

() فتكون حجّة. (المُقرِّر).

(2) نحن يجب أن نطبّق السيرة على الخبر الذي لا رادع عنه، وهذا الخبر أصبح مردوعاً عنها، فنطبقها على ذلك الخبر الذي ينهى عن الأخذ بالمخالف فيسقط هذا عن الحجّيّة، وحينئذٍ لا يكون هناك مانع عن ثبوت حجّيّة سائر الأخبار التي هي لا موافقة ولا مخالفة ببركة السيرة العقلائية. (من محاضرة عنه) (المُقرِّر).

(3) وكان أن سأله أحد الإخوان حول الوجه الثاني: ذكركم لآية النفر دون آية النبأ، فهل هو مجرّد مثال أو لنكتة هناك؟ 

فأجاب: إنَّما مثلت لآية النفر، باعتبار أنَّ آية النبأ تشمل الأحكام وغيرها فتكون أعمّ. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وأمّا الروايات الواردة في إثبات حجّيّة خبر الثقة فهي على قسمين:

القسم الأوّل: ما ورد مطلقاً من حيث كون المأخوذ من الثقة هو الخبر أو الرأي (الفتوى) وهذا هو الذي قلنا: إنّه متواتر(1)

القسم الثاني: ما هو وارد في خصوص الأخذ من باب الرواية، وهذا القسم الثاني بنفسه غير متواتر، وإنَّما يجب بضمّ هذه الروايات الواردة في الخصوص إلى الروايات الواردة في المطلق لكي يثبت التواتر، وحيث إنَّ النتيجة في باب التواتر تتبع أخس المقدّمات. إذن، فالنتيجة المتواترة تصبح بالإطلاق لا بالخصوصية؛ لأنَّ التواتر حصلناه هنا من ضمّ الإطلاق إلى الخصوصية، فيصبح الأمر المتواتر هو الإطلاق لا الدلالة بالخصوص.

ومن هنا قلنا: بأنَّ المطلق يقع طرفاً للمعارضة بنحو العموم من وجه مع الخبر الدال على طرح ما لا يوافق كتاب الله من الأخبار.

فإذا فرضنا أنّه لم يكن عندنا دليل على طرح المخالفة، وصيرورة هذا مخالفاً -كما بيّنا في الوجه الثاني- فحينئذٍ نقول: بأنّه مع هذا يتعيّن تقديم إطلاق هذا النص القطعي على إطلاق هذا الخبر، حتّى لو لم يوجد عندنا خبر آخر دالّ على طرح الخبر المخالف للقطعي.

ووجه تعيّن ذلك: أنَّ الأمر دائر بين رفع اليد عن إطلاق الخبر الذي هو محلّ الكلام، أي: الخبر المسقط للخبر غير الموافق عن الحجّيّة، ونقيده بخصوص غير باب الأحكام، أو أن نرفع اليد عن إطلاق قوله: (يونس بن 

ــــــــــ[119]ــــــــــ

() كقوله: “يونس بن عبد الرحمن ثقة خذ عنه معالم دينك“. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

عبد الرحمن ثقة خذ عنه معالم دينك) ونقيّد الأخذ بعنوان الرأي.

وحينئذٍ نقول: إذا قيّدنا دليل الحجّيّة في المقام، وهو: (قوله يونس بن عبد الرحمن ثقة خذ عنه معالم دينك) والأخذ بعنوان الرأي دون الرواية. ورفعنا اليد عن الإطلاق وقيّدناه بلحاظ معارضه، فهذا تقييد بلا موجب؛ لأنّه تقييد لأحد العامّين من وجه بلحاظ العامّ مع استقرار النسبة بين العامّين من وجه.

فإنَّ العامّين من وجه نسبتهما على حدٍّ واحد؛ ولذا ُيلتزم في موارد تعارضهما بالتساقط، فتقييد دليل الحجّيّة لأجل هذا الخبر تقييد بلا موجب.

وأمّا العكس فلو تحفظنا على إطلاق دليل الحجّيّة، وشموله للرأي والرواية(1) وقيّدنا هذا الخبر الذي ينهى عن الأخذ بما لا يوافق كتاب الله، وقلنا إنَّما هو في غير باب الأحكام لا في معالم الدين وباب الأحكام، فهنا لا يكون تقييد إطلاق هذا الخبر حينئذٍ من باب تقديم أحد العامّين من وجه على الآخر، بل من باب التخصيص على القاعدة بقدرةِ قادِر!!

وذلك: أنّنا إذا أخذنا بإطلاق دليل الحجّيّة، وهو قوله: (خذ معالم دينك من يونس بن عبد الرحمن) فثبت بمقتضى هذا الإطلاق حجّيّة خبر كلّ ثقة، فيثبت بذلك حجّيّة القبيل الثاني الدالة على حجّيّة خبر الثقة الذي ورد في خصوص الخبر، فإنّنا إذا أخذنا بإطلاق قوله: (خذ معالم دينك من يونس بن عبد الرحمن) وكان عند يونس بن عبد الرحمن أو غيره من الثقات رواية تدلّ على حجّيّة خصوص الخبر، فتكون هذه الرواية حجّة.

ــــــــــ[120]ــــــــــ

() التي لا يوجد مضمونه في الكتاب الكريم. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وهذه الرواية نسبتها إلى إطلاق الخبر الذي هو محلّ الكلام هي العموم والخصوص المطلق؛ لأنَّ هذه الرواية واردة في خصوص الخبر، والخبر الذي هو محلّ الكلام أعمّ من حيث كون الرواية في باب الأحكام أو في غير باب الأحكام، فتكون هذه الرواية أخص مطلقاً منه.

فيكون رفع اليد عن باب الخبر من باب التخصيص، وهذا معناه: أنَّ الأمر يدور بين الالتزام بتقييد أحد العامّين من وجه لأجل العامّ الآخر بلا موجب، أو تقييد العامّ الآخر من باب التخصيص، ومن المعلوم أنّه يتعيّن التخصيص في هذا المقام(1).

فرفع اليد عن إطلاق الخبر يكون من باب التخصيص، ورفع اليد عن أصالة الإطلاق فيه يكون من باب الحكومة، حكومة الآخر عليه. وهذا بخلاف العكس، فإنّنا لو تحفظّنا على إطلاق الخبر، وقلنا: إنَّ كلّ ما لا يوافق كتاب الله فهو ساقط عن الحجّيّة حتّى في باب الأحكام، وقيّدنا قوله: (خذ معالم دينك) يكون هذا التقييد تقييداً ابتدائياً ورفعاً لليد عن الإطلاق بلا مقيّد ولا قرينة ولا ما يصلح للقرينة.

فاذا دار الأمر بين التقييد بلا مبرر وبين التقييد على مقتضى الصناعة، يتعيّن الثاني في قبال الأوّل لا محالة. 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

() وهنا أجاب على سؤال لأحد الإخوان: أصالة الإطلاق في هذا الخبر الذي هو في حمل الكلام، موقوفة على عدم مجيء قرينة من قبل المولى متصّلة أو منفصلة، ودليل الحجّيّة قوله: “يونس بن عبد الرحمن خذ عنه معالم دينك” يصير دليلاً على ورود هذه القرينة، فيكون حاكماً على أصالة الإطلاق لا محالة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وهذا المطلب يمكن تقريبه بعدة تقريبات صناعيّة، بحيث يُستعمل فيها اصطلاح الدور ونحو ذلك، فيمكن أن تُستخرج بالتفكير والتأمل.

وجوهر المطلب هو هذا الذي أقوله، ولعلّه لا نظير لهذا المطلب في كلّ الفقه، يعني: أنّا حتّى الآن لم أعثر على نظير. هذا تمام ما ينبغي أن يقال في إسقاط القسم الأوّل.

القسم الثاني ما جُعل الضابط فيه هو المخالفة للكتاب الكريم

والقسم الثاني من الروايات هو الأخبار الدالّة على طرح ما يخالف كتاب الله الكريم، حيث أخذ فيها عنوان المخالفة لا عنوان الموافقة.

هنا لا بُدَّ من التكلّم في جهتين: 

الجهة الأولى: في أنّه هل يجب علينا في مقام الاستدلال بهذا القسم أن نأخذ بأوسع روايات الباب مدلولاً، أو بأضيق روايات الباب مدلولاً؟

الجهة الثانية: ما هو المقدار الذي يجب أن نأخذ به على كلّ من التقديرين؟ يعني: ما هو الأوسع وما هو الأضيق؟

[الجهة الأولى: هل يجب الأخذ بأخص المداليل أو بأعمها]

أمّا الجهة الأولى: وهي أنّه في المقام هل يجب أن نأخذ بأوسع مداليل الباب. وبأوسع رواية مدلولة أو بأضيق رواية مدلولة؟ حيث إنَّ روايات الباب مختلفة من حيث السعة والضيق.

وهذا سبق التكلّم فيه، فقال المشهور: بأنّه يجب الأخذ بأضيق الروايات مدلولاً؛ لأنَّ الاستدلال إنَّما هو بالتواتر، وهو يتبع أخس المقدّمات، فلا بُدَّ من 

ــــــــــ[122]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الأخذ بأخص المداليل؛ لأنَّ التواتر إنَّما يتحقّق بلحاظه لا بلحاظ أعمّ المداليل. هذا هو مذاق المشهور.

وأمّا نحن فخالفناهم في ذلك، وقلنا: بأنّه لو وجدت رواية مستجمعة لشرائط الحجّيّة بمقتضى السيرة العقلائيّة، ولها مدلول وسيع فيجب أن نأخذ بها حينئذٍ؛ لأنَّ تطبيق السيرة عليها لا مانع منه ولا رادع عنه، فنطبق السيرة عليها فتصير حجّة، فيثبت بها مدلولها، وهو الردع في أوسع دائرة، فنأخذ بأوسع المداليل إذا لم يكن هناك محذور من الأخذ به، هذا ما قلناه وذاك ما قاله المشهور.

الجهة الثانية: ما هو المقدار الذي يجب الأخذ به على كِلا التقديرين

أمّا الجهة الثانية -وهو أنّه ما هو أوسع المداليل وما هو أضيقها- فأمّا على مبنى المشهور فمدلول القسم الثاني مدلول المخالفة أوسع من مدلول الموافقة، فالقسم الأوّل لا بُدَّ من الأخذ به. 

ثُمَّ أنَّ هذا القسم الثاني من الأخبار التي تنهى عن العمل بما يخالف كتاب الله أيضاً على ثلاثة أقسام أو طوائف:

الطائفة الأولى: يكون في مقام بيان عدم الحجّيّة. 

الطائفة الثانية: يكون في مقام بيان عدم الصدور والتكذيب بلا نكتة زائدة.

 الطائفة الثالثة: يكون في مقام التكذيب مع التعليل بما يُشعر بأنَّ صدوره غير مناسب لمقامهم. 

ــــــــــ[123]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الطائفة الأولى: ما كان في مقام بيان عدم الحجية

أمّا ما كان في مقام اسقاط أصل الحجّيّة فهذا مطلق في نفسه وشامل حتّى لموارد المخالفة بنحو العموم والخصوص المطلق، فضلاً عن المخالفة بنحو العموم من وجه فضلاً عن التباين؛ لأنّه في جميع هذه الموارد يصدق عنوان المخالفة.

والعلم الإجمالي بأنَّ الأئمّة صدر منهم مخصّصات أو مقيّدات، فقد قلنا فيما سبق: إنَّ مثل هذا العلم الإجمالي لا ينافي إسقاط الخبر عن الحجّيّة؛ لأنَّ هذا الإسقاط إنَّما هو في غير ما عُلم صدوره منهم، فما عُلم صدوره منهم تفصيلاً أو إجمالاً يُطبّق عليه قواعد العلم التفصيلي أو الإجمالي لا محالة.

فإطلاق هذا القسم أو الطائفة من الروايات المتكفّلة للإسقاط عن الحجّيّة في نفسه تامّ. هذه هي الطائفة الأولى.

الطائفة الثانية: ما كان في مقام التكذيب بلا نكتة

أمّا الطائفة الثانية -الدالّة على تكذيب المخالف، وأنّه لم يصدر هنا بلا مؤونة زائدة- فهذه الطائفة لا إشكال ولا ريب لا يمكن أن تشمل العموم المطلق، وإلَّا لكانت كاذبة، بعد فرض اباء سياقها عن التخصيص بخصوص فرد دون فرد.

فلا بدَّ وأن يُفرض أنَّ هذا العلم إجمالي كالقرينة المتصّلة لا المنفصلة؛ لأنَّ الراوي الذي سمع هذا الكلام من الإمام أيضاً كان يعلم أنَّ الإمام من شأنه أن يُبيّن المقيّدات والمخصّصات لإحكام الكتاب، فمثل هذا الارتكاز 

ــــــــــ[124]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

المتشرعي العامّ الذي يُشكّل هذا العلم الإجمالي بصدور المخصّصات والمقّيدات يكون كالقرينة المتصّلة على رفع اليد عن الإطلاق في المقام.

أمّا موارد المخالفة بنحو العموم من وجه فيمكن أن يقال هنا ببقائها تحت الإطلاق على كلام أيضاً.

الطائفة الثالثة ما كان في مقام التكذيب مع التعليل

أمّا الطائفة الثالثة التي تدلّ على نفي صدور المخالف من باب أن قولنا قول الله، وأن هذا لا يناسبنا، فما كان من هذا القبيل من اللسان لا يشمل المخالفة لا بنحو العموم المطلق ولا بنحو العموم من وجه أيضاً؛ لأنَّ الذي لا يناسب إنَّما هو البيان الذي يكون بحسب المتفاهم العرفي تكذيباً للقرآن. وأمّا ما يكون تخصيصاً أو تقييداً للقرآن أو أنَّ العبارة وإن لم تكن تخصيصاً، إلَّا أنّه في الواقع لا يلزم من صدقها إلَّا التخصيص، فإنَّ العامّين من وجه لو قُدّم أحدهما على الآخر لا يلزم في الواقع إلَّا محذور التخصيص، لا محذور التكذيب. نعم، غاية الأمر أنَّ طرز البيان كان بنحو لا يُساعد على التخصيص، لكن تقديمه في الواقع لا يؤدي إلى أكثر من محذور التخصيص، والتخصيص ليس محذوراً بالنسبة إلى مقامهم.

فبقرينة التعليل لا بُدَّ من تقييد المخالفة بخصوص المخالفة بنحو التباين، بل لعلّه لا يشمل مطلق موارد المخالفة بنحو التباين، بل بعضها.

خلاصة الكلام في الجهة الثانية

إذن، فإذا كنا لا بُدَّ وأن نأخذ بأضيق المداليل الذي انعقد عليه التواتر -كما 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

هو مسلك المشهور- فيجب أن نأخذ بهذا الأخير، ونقول: إنَّ غاية ما يُستفاد من مجموع هذه الروايات هو تواتر هذا المقدار، وهو طرح الخبر المخالف للقرآن مخالفة بنحو التباين، بحيث لو ألقى على العرف يقال: بأنَّ صاحب هذا الكلام يُكذب القرآن بقطع النظر عن مصدر الكلام.

فمثل هذا الكلام يسقط حينئذٍ عن الحجّيّة لا أكثر، ويبقى تحت دليل الحجّيّة المخالفة بنحو العموم والخصوص من وجه، فضلاً عن المخالفة بنحو العموم المطلق، هذا على مسلك المشهور فيما إذا أخذنا بأضيق المداليل.

وأمّا إذا أخذنا بأوسع المداليل فأوسعها هو الأوّل، يعني: الطائفة الأولى الدالّة على نفي الحجّيّة عن الخبر الذي يكون مخالفاً للكتاب الكريم، فمقتضى إطلاقه هو الالتزام بعدم حجّيّة أخبار الآحاد المخالفة للقرآن الكريم لا بنحو التباين، ولا بنحو العموم من وجه، ولا بنحو العموم المطلق.

[الإطلاق في الرواية يقتضي سقوط كل خبر مخالف للكتاب عن الحجية]

فما قلناه من وجود رواية واحدة فقط في مجموع أخبار تحكيم الكتاب، فهذه الرواية بحسب الظاهر تتمتع بجميع النكات المطلوبة في المقام:

النكتة الأولى: أنّها صحيحة السند بحيث إنّها مشمولة للسيرة العقلائيّة وشروط الحجّيّة في نظر العقلاء في نفسها.

النكتة الثانية: أنَّ مدلول هذه الرواية هو نفي الحجّيّة عن خبر المخالف، لا نفي الصدور لتكون مختصّة بمراتبه الخاصّة من المخالفة؛ لأنّه يقول: “فَمَا وَافَقَ 

ــــــــــ[126]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

كِتَابَ اللَّـهِ فَخُذُوهُ وَمَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّـهِ فَدَعُوه(1) فالمحمول هنا هو الأمر بالترك والنهي عن العمل به، والنهي عن العمل به مساوق لإسقاطه عن الحجّيّة، وليس له نظر إلى مطابقته للواقع أو عدم مطابقته.

النكتة الثالثة: أنّها مخصوصة بخصوص باب الأحكام وليست مطلقة من حيث باب الأحكام وغيرها، حتّى يمكن تقييدها وحملها على غير باب الأحكام، بل هي واردة في باب الأحكام بالخصوص بقرينة فيها، حيث يقول: “الْوُقُوفُ‏ عِنْدَ الشُّبْهَةِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الهَلَكَةِ إِنَّ عَلَى كُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً وَعَلَى كُلِّ صَوَابٍ نُوراً فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّـهِ فَخُذُوهُ وَمَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّـهِ فَدَعُوه(2).

فالصدر يقول: إنَّ الوقوف عند الشبهة خير من اقتحام الهلكة، وهذا بنفسه قرينة على أنَّ هذا البيان لوحظ فيه باب الأحكام؛ لأنّه هو الباب الذي يدور الأمر فيه بين الوقوف عند الشبهة وبين اقتحام الهلكة، فظاهره أنّه ناظر إلى الباب الذي يكون فيه اقتحام وعمل وجري وهو باب الأحكام.

فبهذه القرينة يُعرف أنَّ البيان ورد في باب الأحكام ولا يمكن تقييده بغيرها.

وبعد استجماع هذه الرواية لتمام هذه النكات، يُقال: بأنَّ مقتضى إطلاقها هو سقوط كلّ خبر مخالف للكتاب عن الحجّيّة، سواء كانت مخالفته بنحو التباين أو العموم من وجه أو المطلق، فلا بُدَّ لنا في مقام رفع اليد عن مثل هذا الإطلاق إلى وجه مبرر إلى التقييد.

ــــــــــ[127]ــــــــــ

(1)  وسائل الشيعة 27: 119، باب وجوه الجمع بين الأحاديث، الحديث 35. 

(2)  وسائل الشيعة 27: 119، باب وجوه الجمع بين الأحاديث، الحديث 35.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

دعوى عدم شمول المخالفة بنحو العموم المطلق

وأمّا ما يُدّعى من أن المخالفة في نفسها لا تشمل المخالفة بنحو العموم والخصوص المطلق؛ لأنَّ الخاصّ ليس بحسب الفهم العرفي معارضاً مع العامّ وإنَّما هو قرينة على ما هو المراد من العامّ، فلا يصدق عنوان المخالفة على الخاص مع العامّ والمقيّد مع المطلق.

وهذه الدعوى غير صحيحة؛ لأنّه إن أُريد بعدم التعارض بين الخاص والعامّ عدم وجود تنافٍ بينهما في مقام الدلالة، فهذا خلاف الواقع، بناءً على ما بيّنا في بحث الظواهر من أنَّ القرينة المنفصلة لا توجب هدم الظهور التصديقي، فالظهور التصديقي منعقد بمجرّد انتهاء الكلام، والقرينة المنفصلة لا يُتعقّل هدمها لأيّ مرتبة من مراتب الظهور والدلالة، وإنَّما تهدم حجّيّة الظهور لا نفس الظهور، فالتنافي في مقام الدلالة موجود على أيّ حال.

وإن أُريد بعدم التعارض عدم استحكام التنافي، بحيث يوجب التساقط. فنعم، هذا صحيح، فإننا بعد التنافي في الدلالة لا نلتزم بسقوط كلّ منهما عن الحجّيّة، بل نلتزم بحجّيّة الخاصّ ونرفع اليد عن العامّ، إلَّا أنَّ هذا علاج للتعارض ما بين هذين الدليلين، وليس هذا موجباً لنفي صدق عنوان المخالفة، فإنَّ الملحوظ في المخالفة إنَّما هو عالم الدلالة والظهور، والمنافاة بحسب عالم الدلالة ثابتة على أيّ حال.

وتقديم أحد الدليلين في مقام الحجّيّة على الآخر لا ينافي صدق عنوان المخالفة فيما بينهما؛ لأنَّ التخالف إنَّما هو في مرحلة الدلالة والظهور.

فإطلاق هذا الخبر لموارد المخالفة بتمام أقسامها محفوظة في نفسها.

ــــــــــ[128]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وهنا لا يأتي الإشكال الذي هو أوردناه في الأخبار التي تنهى عن العمل بما لا يوافق كتاب الله، حيث قلنا هناك: إنَّ هذه الأخبار لا يُعقل إثبات حجّيّتها العقلائيّة؛ لأنّها هي تشمل نفسها أيضاً؛ لأنَّ نفس مضمونها أيضاً غير موجود بالقرآن، فلو ثبت حجّيّتها ورادعيتها لردعت عن نفسها أيضاً، وهو محال.

وهذا ما قلناه في القسم الأوّل في الأخبار التي تنهى عن العمل بما لا يوافق الكتاب، وأمّا هذا الخبر الذي ينهى عن العمل بما يخالف الكتاب فليس شاملاً لنفسه؛ لأنَّ هذا المدلول ليس مخالفاً للكتاب؛ إذ لا يوجد في الكتاب الكريم دليل على جواز العمل بالروايات المخالفة للكتاب حتّى يصير هذا العنوان شاملاً لنفسه.

 فالمحذور الذي قلناه في القسم الأوّل لا يأتي بالنسبة إلى هذه الرواية(1).

وكذلك أيضاً لا يأتي إشكالنا الآخر الذي أوردناه هناك وهو إيقاع المعارضة بنحو العموم من وجه؛ لأنَّ المعارضة هنا ليست بنحو العموم من وجه، فإنّنا قلنا: إنَّ هذه الرواية مخصوصة بخصوص باب الأحكام، وليس مطلقة في باب الأحكام، وباب السماء والعالم، وباب التاريخ، حتّى يقال: إنَّ هذه الرواية تُقيّد بغير باب الأحكام، فهي مخصوصة بخصوص باب الأحكام، 

ــــــــــ[129]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إطلاق آية النبأ -ويقصد أنّه يوجد في الكتاب ما يخالفه مدلولاً وهو إطلاق آية النبأ-.

فأجاب (سلّمه الله): نحن نتكلّم على المختار، وهو أنّه لا يوجد في القرآن دليل على حجّيّة خبر الواحد، لا بالإطلاق ولا بالعموم ولا بالخصوص. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وواردة في الأخبار غير العلميّة، فهي أخَصّ مطلقاً من أدلّة الحجّيّة.

فالإشكالات السابقة التي أوردناها على الاستدلال بالخبر الناهي عن العمل بما لا يوافق كتاب الله لا يأتي على الاستدلال بهذه الصحيحة الناهية عن العمل بما يخالف كتاب الله.

التمسّك بصحيحة الراوندي لإثبات حجّيّة المخالفة بنحو العموم المطلق

إلَّا أنّه مع هذا نلتزم بحجّيّة الأخبار المخالفة للكتاب الكريم بنحو العموم والخصوص المطلق؛ وذلك باعتبار وجود مخصّص لهذا الإطلاق، وهي صحيحة الرواندي المنقولة في الوسائل، ونصّها نقلاً عن المكاسب: ما عن القطب الرواندي بسنده الصحيح عن الصادق:  “إِذَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ فَاعْرِضُوهُمَا عَلَى كِتَابِ اللَّهِفَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَخُذُوهُ وَمَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّـهِ فَرُدُّوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُمَا فِي كِتَابِ اللَّـهِ- فَاعْرِضُوهُمَا عَلَى أَخْبَارِ الْعَامَّةِ، فَمَا وَافَقَ أَخْبَارَهُمْ فَذَرُوهُ‏ وَ مَا خَالَفَ أَخْبَارَهُمْ فَخُذُوه‏(1).

فهنا يُفرض وجود روايتين متعارضتين، ويتحيّر السائل في مقام العمل بأيّ واحد منهما، وظاهر هذا التحيّر(2) من هذا الفرض أنَّ  كلاً من الروايتين في 

ــــــــــ[130]ــــــــــ

() وسائل الشيعة 27: 118، باب وجوه الجمع بَيْنَ الأَحَادِيث الْمُختلفة وكيفيَّة العَمَل بهَا، الحديث 29. 

(2) لا يخفى أنَّ تقرير سيّدنا الأُستاذ كان قائماً على افتراض وجود سؤال من قبل الراوي في الصحيحة إلَّا أنّه غير موجود في الواقع، إلَّا أن يقال: إنَّ ما ذكره يتمّ أيضاً، فتأمّل. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

أنفسهما حجّة لولا المعارض، ولما احتاج إلى سؤال، فجهة السؤال الناهي باعتبار وجود التعارض بين هاتين الروايتين، وإلَّا لو لوحظت كلّ واحد منهما في نفسها بقطع النظر عن الأُخرى لكانت حجّة في نفسها.

ومعنى هذا هو أنَّ مفروض السؤال هو السؤال عن فرض تعارض خبرين حجّتين، ففي هذا الفرض -وهو فرض تعارض خبرين حجّتين- جعل الإمام مخالفة الكتاب ميزاناً فقال: (خذ بما وافق الكتاب واطرح ما خالفه) إذن، فأحد هذين الخبرين الحجّتين يمكن أن يكون مخالفاً للكتاب، وهو حجّة في نفسه رغم مخالفته للكتاب، بحيث لو لم يكن له رواية أُخرى معارضة لعمل به.

فتدلّ هذه الصحيحة بهذا التقريب على أنَّ الخبر الحجّة يمكن أن يُفرض فيه كونه مخالفاً للكتاب الكريم.

إلَّا أنَّ هذه المخالفة التي لا تنافي الحجّيّة، أيُّ قسم من المخالفة؟ هل هي المخالفة بنحو العموم المطلق، أو حتّى بنحو العموم من وجه، أو حتّى بنحو التباين؟ هنا نقول تارةً بأنَّ هذه الصحيحة يُقتصر في دلالتها على القدر المتيقن، لأنّها تثبت قضية مهملة في أحكام قد فُرض خبر حجّة في نفسه مخالف للكتاب الكريم، والقضية المهملة كما قرأنا في المنطق في قوة الجزئية، فيُقتصر حينئذٍ على القدر المتيقن، والقدر المتيقن من مراتب المخالفة التي لا تنافي الحجّيّة هي المخالفة بنحو العموم والخصوص، فتكون هذه الرواية دليلاً على تخصيص ذلك الإطلاق بغير المخالفة بنحو العموم والخصوص.

ــــــــــ[131]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ويمكن أن نقول بعبارة أُخرى: بأنّنا نستفيد من نفس الرواية وحاقّها أنَّ المخالفة هي المخالفة بنحو العموم والخصوص، لا أنَّ هذا من باب القدر المتيقن، أي: أنَّ القضية المستفادة من الرواية قضية جزئيّة لا مهملة؛ وذلك بأن يقال: إنَّ هذا الخبر المخالف للكتاب الكريم الذي فُرض وجوده في أحد المتعارضين، لو فُرض أنَّ مخالفته كانت بنحو العموم والخصوص من وجه، أو كانت بنحو التباين لما جاز العمل به في نفسه بقطع النظر عن معارضه.

ونحن استظهرنا من سؤال السائل أنَّ كلاً من الروايتين لو قطع النظر عن معارضتها لم يكن هناك أيّ توقف عن العمل بها، واستنباط الحكم الشرعي وقفاً لمدلولها، فلو كانت المخالفة في الرواية المخالفة بنحو العموم من وجه أو التباين، أي: مخالفة بنحو يقتضي التساقط بحسب القاعدة الأوّليّة فمقتضى القاعدة الأوّليّة يقتضي التساقط، فهذه الرواية المخالفة حتّى بقطع النظر عن الرواية الأُخرى تتساقط مع إطلاق الآية بالتعارض.

مع أنّنا استظهرنا من الرواية أنَّ ظاهر حال هذين الخبرين المتعارضين كلٌّ منهما في نفسه تامّ الجهات، بحيث لو لا وجود الخبر الآخر لعمل به فوراً، وهذا لا يُتصوّر في المخالف، إلَّا المخالف الذي يكون مقدّماً على الكتاب، لو خُلّي هو والكتاب. وهذا المخالف إنَّما هو المخصّص والمقيّد، وما كان بحكمهما من القرائن المنفصلة.

فنفس هذه النكتة تكون قرينة على اختصاص المخالفة المفروضة هنا في خصوص المخالفة بنحو العموم والخصوص المطلق.

ــــــــــ[132]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وهذه الرواية التي جعلناها مخصّصة -أي: صحيحة الراوندي- أيضاً حجّة بالسيرة العقلائية؛ لأنّها رواية صحيحة مستجمعة لشرائط الحجّيّة، وليست مخالفة للكتاب الكريم مضموناً، حتّى يقال: إنَّ مقتضى ذلك الدليل وتلك الصحيحة هو الردع عن كلّ سيرة عقلائية في موارد الأخبار المخالفة؛ إذ ليس في الكتاب الكريم ما يدلّ على عدم حجّيّة الخبر الواحد المخالف للكتاب بنحو العموم المطلق.

فإن صار خبر الراوندي حجّة بالسيرة العقلائيّة، فيصير مخصّصاً لإطلاق تلك الصحيحة، وينتج حينئذٍ التفصيل بين المخالف بنحو العموم والخصوص والمخالف بأيّ نحو آخر، فالمخالف للقرآن الكريم غير نحو القرينية فهذا لا يكون حجّة في نفسه، لا أنّه يتعارض مع القرآن ويتساقطان بالتعارض.

 وأمّا ما يكون مخالفاً مع صلاحيته للقرينية كالمخصّصات والمقيّدات، فهذا لا بأس به، فيكون حجّة وخارجاً عن إطلاق دليل الردع. 

المخالف بنحو العموم من وجه هل يسقط بالمرة أو في مادة الاجتماع

يبقى الكلام في أنَّ المخالف بنحو العموم من وجه للكتاب الكريم لو فُرض وجود رواية هكذا، فهي مشمولة لدليل الردع، إلَّا أنَّ معنى الردع عنها هل إسقاطها بالمرة أو إسقاطها في مادّة الاجتماع؟

وهذا بحث مهمّ ومفيد جداً أيضاً؛ لأنّه كثيراً ما تقع المعارضة بنحو العموم من وجه بين دليل ظنّي وبين آية من الآيات، فتكون هذه الرواية الظنّيّة مشمولة للصحيحة التي قلنا إنّها تردع عن العمل بما يخالف كتاب الله، لكن هل معنى شموله لها سقوطها بالمرة حتّى في مادّة الافتراق، أو سقوطها في مادّة الاجتماع؟

ــــــــــ[133]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ظاهر النهي عن الأخذ بحيث لا يخالف كتاب الله هو إسقاط الحديث نفسه، لا إسقاط إطلاقه لمادّة الاجتماع؛ لأنَّ إطلاقه لمادّة الاجتماع ليس حديثاً، فإنَّ الحديث أمر واحد ولا ينحلّ إلى أحاديث متعدّدة حتّى يقال: بأنَّ ما يخالف كتاب الله هو خصوص ما ورد في مادّة الاجتماع، وأمّا ما ورد في مادّة الافتراق فليس مخالفاً مع الكتاب الكريم.

فعنوان الحديث لا ينحلّ إلى أحاديث متعدّدة، بل هو عنوان وحداني بوحدة الكلام الصادر من المتحدث، وهذا الأمر الواحد فرض كونه مخالفاً للكتاب بنحو العموم من وجه، فمقتضى القاعدة حينئذٍ سقوط أصل الحديث.

ولكن هذه الصحيحة المباركة التي قلنا: إنّها مستجمعة لتمام ما نأمله في مثل هذا الدليل لم يؤخذ فيها عنوان الحديث من حسن الصدفة، وإنَّما أخذ فيها “مَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَدَعُوهُ“. 

وإنَّما قلنا بشمولها للأحاديث؛ لأنّها هي القدر المتيقن من هذا الميزان؛ إذ لا نحتمل ورود هذا الميزان في غير باب الأحاديث والروايات(1)

فعنوان الحديث لم يؤخذ فيه، وإنَّما المأخوذ فيه (ما خالف كتاب الله) ومن المعلوم أنَّ ما خالف كتاب الله إنَّما هو إطلاق الحديث لا أصله.

 فقوله: “فَدَعُوهُ” نهي عن العمل به موضوعه يكون هو الإطلاق لا أصل الحديث.

ــــــــــ[134]ــــــــــ

() وإن كان في نفسه شاملاً للشهرة أو الإجماع المنقول المخالف للكتاب، كذا ذكر سيّدنا الأُستاذ بعد البحث. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ومن هنا كان مبنانا في الفقه على ما إذا تعارضت رواية صحيحة مع إطلاق آية كريمة بنحو العموم من وجه، وحكمنا بسقوط الرواية عن الحجّيّة في مادّة الاجتماع فقط لا أن نُسقطها عن الحجّيّة رأساً.

والنكتة في ذلك: أنَّ المأخوذ في موضوع الردع ليس هو عنوان الحديث الذي هو عنوان وحداني، بل عنوان ما خالف الكتاب، وهذا عبارة أُخرى عن الدلالة التي تخالف الكتاب، والدلالة بالمقدار المخالف له إنَّما هو الإطلاق لا أصله.

فخلاصة الكلام إلى هنا: أنَّ المتحصّل من هذا الأخبار -يعني: من هذه الصحيحة التي هي عمدتنا في المقام- بعد تخصيصها بصحيحة الراوندي هو التفصيل بين المخالف بنحو القرينيّة أو المخالف بنحو التعارض، فالمخالف بنحو التعارض ساقط عن الحجّيّة في نفسه رأساً، والمخالف بنحو القرينيّة يكون حجّة ومشمولاً لما سوف يأتي في أدلّة حجّيّة خبر الواحد إن شاء الله.

ولأجل التحديد نقرأ الروايات التي أشرنا إليها:

الروايات في المقام

أمّا الرواية التي قلنا: إنَّ عليها الاعتماد في النهي عن العمل بأخبار الآحاد المخالفة للكتاب الكريم، وهي الرواية الوحيدة الجامعة لتمام النكات المقصودة في المقام، فهي صحيحة جميل بن دُراج عن أبي عبد الله: قال: “الْوُقُوفُ‏ عِنْدَ الشُّبْهَةِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الهَلَكَةِ إِنَّ عَلَى كُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً وَعَلَى كُلِّ صَوَابٍ نُوراً فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّـهِ فَخُذُوهُ وَمَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّـهِ فَدَعُوهُ(1).

ــــــــــ[135]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27: 119، باب وجوه الجمع بين الأحاديث، الحديث 35.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وأمّا الرواية الصحيحة الأُخرى التي قلنا إنّها تكون مخصّصة لإطلاق هذه الرواية، فهي صحيحة الراوندي التي استفدنا منها حجّيّة الخبر المخالف بنحو العموم المطلق، وهذه هي الرواية: عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: قال الصادق: “إذا ورد عليكم حديثان(1)

صحيحة يونس بن عبد الرحمن في وجود الدسّ في الروايات ووجوه الاستشهاد بها

ولم يبق من بحث الأخبار الدالّة على حجّيّة الكتاب، إلَّا الرغبة في قراءة رواية واحدة لخصوصية فيها، لا لأجل دخله في تتميم الملاك، وهذه الرواية مذكورة في رجال الكشي(2)بسند صحيح عن يونس بن عبد الرحمن، يحدّث عبد الرحمن بن عيسى بن عبيد ويقول: “أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا سَأَلَهُ وَأَنَا حَاضِرٌ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَا أَشَدَّكَ فِي الحَدِيثِ وَأَكْثَرَ إِنْكَارَكَ لِمَا يَرْوِيهِ أَصْحَابُنَا فَمَا الَّذِي يَحْمِلُكَ عَلَى رَدِّ الْأَحَادِيث‏، فَقَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ الحَكَمِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّـهِ يَقُولُ: لَا تَقْبَلُوا عَلَيْنَا حَدِيثَنَا إِلَّا مَا وَافَقَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ أَوْ تَجِدُونَ مَعَهُ شَاهِداً مِنْ أَحَادِيثِنَا المُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّ المُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ (لَعَنَهُ اللَّـهُ) دَسَ‏ فِي‏ كُتُبِ‏ 

ــــــــــ[136]ــــــــــ

() ثُمَّ نقل سيّدنا الأُستاذ النص السابق الذي نقلنا عن المكاسب ص103، مع اختلاف قوله: “وما خالف كتاب الله فردوه، فان لم تجدهما في كتاب الله“. (المُقرِّر).

(2) قال في رجال الكشي: حدثني محمّد بن قولويه والحسين بن الحسن بن بندار القمي، قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، قال: حدثني محمّد بن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرحمن: أنَّ بعض أصحابنا.. الخ. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

أَصْحَابِ أَبِي أَحَادِيثَ لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا أَبِي فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَلَا تَقْبَلُوا عَلَيْنَا مَا خَالَفَ قَوْلَ رَبِّنَا تَعَالَى وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ فَإِنَّا إِذَا حَدَّثْنَا قُلْنَا قَالَ اللَّـهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ .

قَالَ يُونُسُ:‏ وَافَيْتُ الْعِرَاقَ فَوَجَدْتُ بِهَا قِطْعَةً مِنْ أَصْحَابِ أَبِي جَعْفَرٍ وَوَجَدْتُ أَصْحَابَ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ مُتَوَافِرِينَ فَسَمِعْتُ مِنْهُمْ وَأَخَذْتُ كُتُبَهُمْ فَعَرَضْتُهَا بَعْدُ عَلَى أَبِي الحَسَنِ الرِّضَا فَأَنْكَرَ مِنْهَا أَحَادِيثَ كَثِيرَةً أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَادِيثِ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ وَقَالَ لِي: إِنَّ أَبَا الخَطَّابِ كَذَبَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ لَعَنَ اللَّـهُ أَبَا الخَطَّابِ وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ أَبِي الخَطَّابِ يَدُسُّونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا فِي كُتُبِ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ فَلَا تَقْبَلُوا عَلَيْنَا خِلَافَ الْقُرْآنِ فَإِنَّا إِنْ تَحَدَّثْنَا حَدَّثْنَا بِمُوَافَقَةِ الْقُرْآنِ وَمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ إِنَّا عَنِ اللَّـهِ وَعَنْ رَسُولِهِ نُحَدِّثُ وَلَا نَقُولُ قَالَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَيَتَنَاقَضُ كَلَامُنَا إِنَّ كَلَامَ آخِرِنَا مِثْلُ كَلَامِ أَوَّلِنَا وَكَلَامَ أَوَّلِنَا مِصْدَاقٌ لِكَلَامِ آخِرِنَا وَإِذَا أَتَاكُمْ مَنْ يُحَدِّثُكُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَرُدُّوهُ عَلَيْهِ وَقُولُوا أَنْتَ أَعْلَمُ وَمَا جِئْتَ بِهِ فَإِنَّ مَعَ كُلِّ قَوْلٍ مِنَّا حَقِيقَةً وَعَلَيْهِ نُورٌ فَمَا لَا حَقِيقَةَ مَعَهُ وَلَا نُورَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ قَوْلُ الشَّيْطَانِ“. انتهت الرواية (1)(2) .

ــــــــــ[137]ــــــــــ

() نقلها سيّدنا الأُستاذ وكذلك ما سبق من الروايات من جامع أخبار الشيعة للبروجردي. (المُقرِّر).

(2) رجال الكشي (إختيار معرفة الرجال): 224، بحار الأنوار 2: 249، الحديث 62، جامع أحاديث الشيعة ١: ٢٦٢، الحديث 449. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ومن الإنصاف أنَّ من الطف مصاديق الكلام الذي عليه نور هو هذه الرواية المباركة، وقد قرأت هذه الرواية لعدّة جهات:

الجهة الأولى: تولد علم إجمالي بوقوع التحريف في كتب الأصحاب

أنّه قد يُستشكل في المقام بلحاظ هذه الرواية الصحيحة سنداً والواضحة من حيث اللهجة والمضمون واللسان، ويقال: بأنّها تُخبر عن وجود دسّ في كتب أصحاب أبي عبد الله، أي: الأصول التي كتبها أصحاب أبي عبد الله. 

وحينئذٍ يتولد عندنا العلم الإجمالي بأنَّ الروايات المأخوذة من كتب أصحاب أبي عبد الله قد وقع فيها التحريف والتغيير والتبديل، ومثل هذا العلم الإجمالي يُسقط تمام تلك الروايات عن الحجّيّة، ولا يمكن بعد هذا العمل برواية واحدة مأخوذة من أصل من أصول أصحاب هذين الإمامين، الباقر والصادق .

ومن ناحية أُخرى: أنَّ الإمام الرضا أنكر روايات كثيرة واردة في الأصول التي عرضها يونس بن عبد الرحمن عليه، وذكر أن هذه الروايات لم تصدر من أبي عبد الله، وإنَّما وضعت من قبل الجماعات المنحرفة والمشبوهة ممّن كان يتصل بالأئمّة علناً وكان عدوهم واقعاً كأبي الخطاب.

فهذا أيضاً يؤكد تشكيل هذا العلم الإجمالي وسقوط هذه الروايات عن الحجّيّة.

ولا يقال: إنّه يقع التعارض بين إخباره وبين أخبار أصحاب تلك الأصول؛ لأنّه لا تعارض بين إخباره وأخبارهم حّتى يقال: إنّه لماذا تُقدّمون 

ــــــــــ[138]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

قوله على قولهم، فإنّه لم يقل: إنَّ زرارة كذّب أو عمار الساباطي كذّب، وإنَّما يقول: إنَّه دسّت في كتبهم روايات كاذبة، فالتعارض غير موجود بين كلامه وكلامهم. 

فما هو المخلص من ناحية هذا العلم الإجمالي؟

المخلص منه هو أنّنا لا ندري حدود هذا الوضع والزيادة، يعني: أنَّ مقتضى العادة أنَّ من المستبعد أن يكون هذا الدساس -مهما كان نافذاً بنظره وخبثه وتبعاته- قد دسّ في تمام نسخ الكتاب الواحد، فإنَّ الشيء الذي يعتاد خارجاً أنَّ هذا الشخص يأخذ بعض هذه النسخ، إمّا من طريق الاستعارة أو غيره، فيدس في تلك النسخ.

 ونحن نعرف أو نطمئن بأنَّ هذه الأُصول كانت منسوخة ومكتوبة، وكانت كلّ طبقة ترويها عن الطبقة المتقدّمة عليها، ومقتضى ذلك تعدد نسخ تلك الأُصول، ولا أقل من احتمال ذلك إذا لم يحصل الاطمئنان بذلك.

وحينئذٍ فكلام يونس لا يكون دليلاً على وقوع الدس بتمام النسخ، وإنَّما يكون دليلاً على وقوعه في بعض النسخ وفي خصوص ما قدّمه للإمام الرضا. إذن، فالنسخ التي انتهى أمرها إلى الثلاثة (رضوان الله عليهم) الكليني والصدوق وشيخ الطائفة، فألفوا الكتب الأربعة لم يُعلم بثبوت الدس فيها، ولا يمكن جعل شهادة يونس منطقية عليها بعد فرض إجمالها، وكون القضية مهملة لا إطلاق لها.

فحينئذٍ مقتضى دليل الحجّيّة والتعبّد هو شموله لطرق الشيخ إلى هذه 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الأُصول؛ لأنَّ طريق الشيخ والكليني والصدوق إلى هذه الأُصول طريق صحيح معتبر في جملة من الموارد، ففي هذه الموارد التي يكون فيها الطريق صحيحاً ومعتبراً مقتضى القاعدة شمول دليل الحجّيّة له، باعتبار احتمال أن تكون النسخة التي انتهت إلى الشيخ في طريقه الصحيح نسخة خالية من الدسّ أو أنّها طهرت من الدسّ بالتدريج وبالبحث والفحص وتطبيق نسخة على نسخة.

فإذا جاء مثل هذا الاحتمال -حتّى لو لم يكن ظنّاً- فيكفي في شمول دليل الحجّيّة له، وحينئذٍ لا يبقى للعلم الإجمالي المزبور أثر.

الجهة الثانية: شبهة اختصاص تحكيم الكتاب بلحاظ الدّس ونقدها 

أنَّ ظاهر هذه الرواية أنَّ تحكيم الكتاب الكريم في الأخبار إنَّما هو بلحاظ الدسّ، وإلَّا لولا الدسّ لم يحكم الكتاب الكريم، كما هو ظاهر التعليل في قوله: “لَا تَقْبَلُوا عَلَيْنَا حَدِيثَنَا إِلَّا مَا وَافَقَ الْقُرْآنَ والسُّنَّةَ أَوْ تَجِدُونَ مَعَهُ شَاهِداً مِنْ أَحَادِيثِنَا المُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّ المُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ (لَعَنَهُ اللَّـهُ) دَسَ‏ فِي‏ كُتُبِ‏ أَصْحَابِ أَبِي“.

وهذا ظاهره أنَّ تحكيم الكتاب الكريم إنَّما هو باعتبار الدسّ لا بقطع النظر عنه، بحيث لو علم صدور هذه الرواية عن الثقة، فحينئذٍ لا يحكم الكتاب الكريم، مع أنّا قلنا: بأنّه يحكم الكتاب الكريم على أيّ حال، سواء صدر المضمون من الثقة أو من غيره، وهذا خلاف التعليل هنا.

وهذه الشبهة أيضاً غير صحيحة؛ وذلك لأنَّ هذا التحكيم المذكور هنا غير التحكيم الذي تكلّمنا عنه، فإنَّ هذا التحكيم تحكيم بملاك الموافقة لا بملاك 

ــــــــــ[140]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

المخالف بقرينة قوله: “لَا تَقْبَلُوا عَلَيْنَا حَدِيثَنَا إِلَّا مَا وَافَقَ الْقُرْآنَ وَ السُّنَّةَ” وهذا بنفسه ظاهر في هذا المطلب “أَوْ تَجِدُونَ مَعَهُ شَاهِداً مِنْ أَحَادِيثِنَا المُتَقَدِّمَةِ” وهذا واضح بأنَّ المقصود جعل الموافقة معياراً لا جعل عدم المخالفة معياراً، يعني: كأنَّ المولى (عليه الصلاة والسلام) أسقط حجّيّة هذه الكتب برمتها بعد إسقاط حجّيّتها، فحتّى لو وجد فيها خبر لا يخالف فهو بالتالي غير حجّة؛ لأنّه يُحتمل أن يكون من وضع الخطابيين أو المنحرفين، الذي دسّوا في تلك الكتب الشريفة.

فهذا بحسب الحقيقة تحكيم مساوق مع الإسقاط عن الحجّيّة، وهذا التحكيم الذي هو في طول الدسّ غير التحكيم الذي قلنا: إنّه ثابت بقطع النظر عن الدسّ؛ لأنَّ التحكيم الذي قلناه هو التحكيم بمعيار المخالفة، يعني: طرح المخالف وسقوطه عن الحجّيّة، لا التقيد بخصوص المخالف، وهذا يأمر بالتقيّد بخصوص الموافق؛ وذلك لأنَّ هذه الأخبار بعد حصول الدسّ فيها يصير وجودها كعدمها لا مبرر للعمل بها من جهة ذاتها، بل نحتاج إلى مبرر من ناحية خارجيّة، وهذا غير ما قلناه: من أنَّ المبرر الذاتي موجود، لكن المخالفة تسقطه عن الحجّيّة.

الجهة الثالثة: احتمال الدّس في النُسخ يدفع الكثير من الإشكالات

أنَّ ما قلناه: من أنَّ النسخ الواصلة إلينا يُحتمل فيها أن تكون بريئة من الدسّ، إنَّما هذا مجرّد احتمال لتصحيح شمول أدلّة الحجّيّة لهذه الأخبار لا أكثر من ذلك، وإلَّا احتمال أن يكون هذا الدسّ موجوداً في هذه الكتب التي تسربت إلى الكتب الأربعة وإلى المصادر الأُخرى موجود أيضاً.

ــــــــــ[141]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وبعد التصريح من قبل الأئمّة بهذا الاحتمال على وجه الإجمال. يكون جواباً لنا في مقام دفع كثير من الإشكالات التي تورد على كثير من مضامين الروايات التي قد تكون منافية مع بعض المسلّمات العقليّة أو الغير العقليّة التي لا يسع الإنسان -مثلاً- الخروج عنها.

حيث نقول: بأنَّ الأئمّة الذين يصدر منهم مثل هذا الكلام، هم صرحوا: بأنّه قد دُسّ علينا أخبار كثيرة، فبعد تصريحهم بهذا المطلب يكون ابداء احتمال الدسّ في مثل هذه الروايات له باب واسع، ولا نبقى في ضيق أو حرج من ناحية كيفية دفع مثل هذه الشبهات، والتوفيق بين ورود الرواية في طريق الصحيح وبين فساد مضمونها. 

واحتمال الدسّ يكون مستنداً إلى تصريح نفس الأئمّة، فهذا باب من أبواب الدفاع عن الدين.

هذه هي الخصوصيات الثلاثة التي لأجلها قرأنا هذه الرواية، وبهذا تمّ الكلام عن الوجه الثاني.

ــــــــــ[142]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 






الاستدلال على عدم حجّيّة خبر الواحد بالإجماع 

 

الوجه الثالث: هو الإجماع في المقام، حيث إنّه نُسب إلى السيّد المرتضى(1) دعوى الإجماع عدم حجّيّة خبر الواحد، بل إنّه ذكر -على ما نُسب إليه- بأنَّ العمل بأخبار الآحاد من المعلوم ضرورة من حال الطائفة عدم جواز العمل به، حتّى أنَّ شأنه بالنسبة إلى الطائفة شأن القياس، فكما أنّه من المعلوم ضرورة من حال الطائفة أنّهم لا يعملون بالقياس، فمن المعلوم ضرورة أنّهم لا يعملون بأخبار الآحاد أيضاً.

مناقشة الإجماع المنسوب للسيّد المرتضى

ويرد على الاستدلال بهذا الإجماع المنقول في كلام السيّد وجوه عديدة:

الوجه الأوّل: مراد السيد المرتضى ليس هو ظاهر كلامه

 إنّنا لا نحتمل عادة احتمالاً معتداً به، أن يكون مقصود السيّد ما هو ظاهر كلامه، من أنَّ الطائفة مجمعة إجماعاً محسوساً على عدم جواز العمل بأخبار 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

(1) قال الشيخ الأعظم “وأمّا الإجماع فقد ادّعاه السيد المرتضى في مواضع من كلامه، وجعله في بعضها بمنزلة القياس..”. انظر: فرائد الأصول 1: 246، وانظر أيضاً: رسائل الشريف المرتضى 1: 24 و3: 309، رسالة إبطال العمل بالخبر الواحد.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الآحاد، على حدِّ إجماعها على عدم جواز العمل بالقياس. 

وذلك بعد ملاحظة أنَّ الشيخ الطوسي(1) قد نقل اجتماع الطائفة على حجّيّة خبر الواحد، وأنَّ العمل بأخبار الآحاد الثقات التي لا تفيد علماً، فهذا ديدن الطائفة وشأنهم في جميع الطبقات والأجيال.

ولا أُريد بهذا أن أقول: إنّه يقع التعارض بين الإجماعين المنقولين ويتساقطان عن الحجّيّة، لو فُرض حجّيّة كلّ منها في نفسه.

بل أُريد أن أقول: إنَّ كلام الشيخ يكون قرينة موجبة للاطمئنان بأنّه لم يصدر هذان الكلامان على ما هو ظاهرهما، وأنَّ أحدهما -وهو كلام السيّد كما سوف أشير إليه- قد صدر على خلاف ما هو ظاهره.

وذلك لأنَّ فرض اختلاف شخصين في دعوى الإجماع على أمرين متناقضين في مسألة واحدة لا يُتصوّر بأحد وجوه:

الوجه الأوّل: إمّا أن يُفرض في المقام أنَّ كلاًّ من هذين الشخصين قد اتّصل مع دائرة معينة من الفقهاء(2)، واكتفى بهذه الدائرة المعيّنة في حصول الإجماع، فإدّعى الإجماع من باب أنَّ هذه الدائرة المعيّنة حصلت له القطع برأي المعصوم. وقد قلنا فيما سبق أنّه كثيراً ما يكتفي الفقيه من فقهائنا الأبرار في مقام دعوى الإجماع بتحصيل عدد يورث عنده القطع ولو لم يكن إجماعاً.

وهذا المطلب غير محتمل في المقام؛ لأنَّ كلّاً منهما يُصرّح: بأنَّ الطائفة 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

() انظر: العدة في أصول الفقه 1: 126

(2) غير الدائرة التي اتصل بها الآخر. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بتمامها قد انعقد بناؤها على ذاك، حيث يقول السيّد: بأنَّ بناء الطائفة على ذلك كبنائهم على حرمة القياس، فكيف يُحتمل حمل كلامه على أنّه نظر إلى جماعة، وأنَّ الشيخ نظر إلى جماعة آخرين، وأنَّ كلّاً منهما مقصوده من الإجماع مع هذه الجماعة بالخصوص مع التفاته إلى وجود المعارضين.

الوجه الثاني: أن نفرض أنَّ كلّاً منهما حصّل فتوى جماعة ودائرة غير الدائرة التي نظر إليها الآخر، فحصل له الحدس بأنَّ الباقين أيضاً كذلك، فأحرز الإجماع من طريق الحدس والاجتهاد، فكلّ منهما ادّعى الإجماع مع أنَّ الواقع أنّه لا إجماع، فيكون وجه الاختلاف هو الاعتماد على الحدسّ في المقام.

وهذا أيضاً غير محتمل في كلام هذين الرجلين الجليلين؛ وذلك لأنّه إمّا أن نفرض أنّه في الواقع كان عمل الطائفة منعقداً بالأجماع على الحجّيّة مثلاً، وأنَّ السيّد بالرغم من ذلك حدس بإجماعهم على عدم الحجّيّة، فهذا من المضحكات؛ فإنَّ الحدس بالإجماع يحتاج إلى منشأ انتزاع، واحراز عدد من الفتاوى وبعد هذا يترتب الحدسّ، فإمّا أن يقطع الإنسان بهذا المطلب بدون منشأ انتزاع، فهو غير محتمل في شأن العاقل الحكيم فضلاً عن العالم. 

وإمّا أن يُفرض أنّه في الواقع كانت المسألة خلافيّة، ولا يوجد إجماع على هذا ولا على ذاك، وكلّ واحد منهما اتّصل بجماعة، وصدفة كانت الجماعة التي اتّصل بهم هذا كانوا قائلين بالحجّيّة، والذين اتّصل بهم ذاك كانوا قائلين بعدمها، وكلّ منهم تخيّل حينئذٍ أنَّ من لم يتّصل به كمن اتّصل به.

فهنا يوجد منشأ انتزاع للحدس، إلَّا أنّه مع هذا فهو غير محتمل عادة؛ لأنَّ 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

هذا إنَّما يُتصوّر في الشخصين المتباعدين من حيث الزمان أو من حيث المكان.  فيُفرض أنّهما في جيلين أو في بلدتين متباعدتين كقم والكوفة مثلاً.

وكلاهما غير موجود بالنسبة إلى السيّد والشيخ، فإنَّ أحدهما تلميذ الآخر، وكان يسكن في نفس البلد الذي كان يسكن به الآخر، ويتصل مع نفس الطبقة التي اتّصل بها الآخر.

والشيخ الطوسي أيضاً ليس من التلاميذ المتأخّرين، بل هو تلميذ السيّد المرتضى وزميله في التلمذة على الشيخ المفيد، فهو من طبقة متقدّمة، فمقتضى القاعدة أنّه رأى الشيخ المفيد وسمع منه ومن معاصريه، كما سمع السيّد المرتضى، فلا نحتمل عادة أنّه قد انكشف للسيّد المرتضى دائرة لم تنكشف للشيخ الطوسي، أو انكشفت للشيخ ولم تنكشف للسيّد.

إذن، فاحتمال تفسير هذا الاختلاف بنحو الحدس أيضاً غير موجود في هذا الاختلاف العجيب ما بين هذين الناقلين.

الوجه الثالث: التسامح والتهاون في مقام النقل وعدم الضبط، فإنّه في نفسه ساقط بالنسبة إلى هذين الرجلين الثقتين العدلين.

فبعد أن انتفت مثل هذه الاحتمالات الثلاثة، لا يبقى إلَّا أن يُفرض أنَّ أحدهما جرى كلامه على خلاف ظاهره، ولم يكن يقصد منه ظاهره، وحينئذٍ فمثل هذا الاحتمال تطبيقه على كلام السيّد أولى من تطبيقه على كلام الشيخ.

إذ يُحتمل في كلام السيّد أن يكون مقصوده التقيّة في مقام التصريح بهذه القضيّة المطلقة بخلاف الشيخ الطوسي.

ــــــــــ[146]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ويحتمل أنَّ السيّد كان مقصوده بيان عدم حجّيّة العمل بالأخبار الآحاد الواردة عن طريق السُّنَّة، باعتبار أنّها أخبار ضعيفة لم يثبت وثاقه رواتها، فبيّن هذا المطلب بالصيغة العامّة تقية، أو باعتبار ظرف كان يقتضي ذلك.

هذا المطلب محتمل في السيّد إلَّا أنّه لا يُحتمل في الشيخ الطوسي أنّه كان في ظرف تقية؛ إذ هو صرح بالفرق ما بين أخبار الطائفة وغيرهم، إذ قال: بأنَّ الطائفة أجمعت على حجّيّة أخبار الثقات من الشيعة، وعلى عدم حجّيّة أخبار غيرهم من الفرق الأُخرى.

والذي يؤيد هذا هو أنَّ الشيخ الطوسي بنفسه فسّر كلام السيّد -مظنوناً- بهذا التفسير، فإنّه في العدة(1) بعد أن ذكر الإجماع على حجّيّة خبر الواحد. قال -ما مضمونه- إن قلت: كيف تقول: إنّك وجدت الطائفة تعمل بأخبار الآحاد جيلاً بعد جيل، مع أنَّ أشياخك لا يزال يُسمع عنهم أنَّ الطائفة مجمعة على عدم العمل بأخبار الواحد، وأنَّ شأنه شأن القياس؟

ومن المظنون به جداً أنَّ المقصود من هذا الشيخ في هذا الاعتراض هو السيّد المرتضى، إذ لم يرو مثل هذه العبارة عن غيره.

فأجاب الشيخ وقال -ما مضمونه- بأنَّ مقصود أشياخي الذين يقولون ذلك، هو مقابلة العامّة وإسقاط أخبار الآحاد الضعيفة الواردة في كتبهم.

وتفسير الشيخ الطوسي لكلام السيّد المرتضى لا ينبغي أن يُعتبر تفسيراً اجتهادياً، فإنّه تفسير تلميذ لكلام أُستاذ بعد طول خبرة وممارسة.

 ــــــــــ[147]ــــــــــ

() انظر: العدة في أصول الفقه 1: 126.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وهذه المسألة محلّ الابتلاء جداً، وسارية في تمام أبواب الفقه من أوّلها إلى آخرها، فبعد الجزم بذلك يكون تفسيره حجّة في المقام؛ لأجل كشف مراد السيّد المرتضى.

فبعد مثل هذه التفصيلات يحصل لنا اطمئنان بأنَّ مراد السيّد المرتضى ليس هو ظاهر كلامه. إذن، فليس هناك دعوى الإجماع على عدم حجّيّة خبر الواحد. 

إذن، الاطمئنان بما سبق من التفصيلات والقرائن المنفصلة والمتّصلة على أنَّ السيّد لم يرد من كلامه ما هو ظاهر للفظ، وعليه فلا يوجد إجماع منقول على عدم حجّيّة خبر الواحد، ليقع الكلام في حجّيّته. هذا أوّلاً.

الوجه الثاني: عدم حجية الاجماع المنقول في هذا المورد

وأمّا ثانياً: فلأنّنا لو فرضنا بأنَّ السيّد أراد ما هو ظاهر كلامه، حيث كان ينقل الإجماع، فهذا الإجماع المنقول ليس حجّة في المقام؛ وذلك لا من باب  ذهابنا إلى أنَّ الإجماع المنقول ليس بحجّة، فإنّه لو لا خصوصيّة في المقام لذهبنا إلى حجّيّة هذا الإجماع المنقول، باعتبار أنّنا ذكرنا في بحث الإجماع المنقول: أنَّ ناقل الإجماع إذا كان ينقل ما هو سبب في رأينا وملازم في رأينا  لرأي المعصوم؛ وكان نقله للسبب عن حسّ، فبهذا يثبت رأي المعصوم فمع استجماع هذين الشرطين يكون الاجماع المنقول حجّة، وهنا كلا الشرطين موجود.

أمّا الشرط الأوّل: وهو أن يكون المنقول ملازماً في رأينا لرأي المعصوم، فلا إشكال في ذلك؛ لأنَّ السيّد المرتضى ينقل إجماع الطائفة على عدم حجّيّة خبر 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الواحد، فالإجماع البالغ إلى حدِّ صيرورته ضرورة من ضروريات المذهب التي تعرف عن الطائفة كما يعرف عنها عدم حجّيّة القياس، ومن المعلوم أنَّ مثل هذا المطلب لو كنّا قد أحرزناه من حال الطائفة لقطعنا برأي المعصوم؛ إذ لا نحتمل بمقتضى حساب الاحتمالات أنَّ الطائفة تجمع على مطلب ويبلغ إجماعها في تلك العصور المتقدّمة  إلى حدِّ الضرورة ومع هذا لا يكون مثل هذا المطلب متلقَّياً من الإمام.

كما أنَّ نقله يكاد أن يكون صريحاً في الحسّيّة، لأنَّه ينقل الإجماع بمقدار الضرورة، ومثل هذا المطلب حينما يصبح من ضروريات الطائفة، حينئذٍ يكون التوصل إليه عن طريق الحس أو ما هو إليه قريب منه، فإنَّ مسلّمات كلّ طائفة وضرورياتها يمكن أن تُعرف حتّى لغير الطائفة، فضلاً عن عالم من علماء تلك الطائفة، فكلامه يكاد يكون صريحاً في الحس، لا أنّه مجرّد ظهور ابتدائي في المطلب يرفع اليد عنه بما أُشير إليه هناك من العلم الإجمالي بإعمال الحدس في جملة من الإجماعات المنقولة؛ لأنَّ ذلك العلم الإجمالي إنَّما ينفع إذا  لم يكن كلام الناقل كالصريح في الحس، وهذا كالصريح في الحس.

إذن، فهذا الإجماع المنقول في نفسه مستجمع لشرائط الحجّيّة التي ذكرناها فيما سبق، إلَّا أنّه لا يكون حجّة باعتبار خصوصيّة في المقام. 

وحاصلها: هي أنَّ الإجماع المنقول إنَّما يكون حجّة باعتبار كونه إخباراً واحداً عن رأي المعصوم وهو من أسوء أنحاء الإخبار، فلو فُرض حجّيّة مثل هذا الإخبار عن رأي المعصوم بتوسط الإجماع، للزم من ذلك حجّيّة نفس الأخبار الصادرة من الرواة أيضاً بالأولويّة أو المساواة؛ إذ نحن لا نحتمل 

ــــــــــ[149]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الفرق بين هذا الإخبار الذي هو بتوسط الاجماع وبين ذلك الإخبار الذي هو بتوسط السماع.

فحجّيّة إخبار السيّد المرتضى المتحصل من دعواه للإجماع، تستلزم كذبه، يعني: تستلزم حجّيّة أخبار الرواة المساوق مع الكذب، هذا الإجماع المنقول، وكل ما كان حجّيّته مستلزماً لكذبه لا يكون حجّة لا محالة.

وهذا هو ما أشير إليه في الكفاية(1) بقوله: (خصوصاً في المسألة) إلَّا أنَّ ظاهر عبارة الكفاية: أنَّ هذا الإجماع المنقول ليس حجّة من جهة أنّه إجماع منقول، وأيضاً من جهة خصوصيّة المقام، ولكن الإنصاف أنّه إنَّما لا يكون حجّة باعتبار خصوصيّة المقام، وإلَّا بقطع النظر عنها لا بأس بصيرورته حجّة.

الوجه الثالث: عدم انعقاد السيرة العقلائية

وأمّا ثالثاً فلأنّه لو قُطع النظر عن ذلك وفرضنا أنَّ حجّيّته لا تستلزم كذبه باعتبار أنّنا نحتمل الفرق بين الخبر المتحصّل من الإجماع والخبر المتحصّل من السماع، بحيث نحتمل فرضاً أنَّ الأوّل حجّة دون الثاني.

إلَّا أنّه حينئذٍ يقال: إنَّه ما هو الدليل على حجّيّة هذا الإخبار؟ إذ لا يوجد عندنا دليل على هذا الإخبار عن ردع المعصوم عن العمل بأخبار الآحاد، إلَّا السيرة العقلائيّة، وهي كما تشمل في المقام هذا الإخبار عن ردع الإمام عن العمل بأخبار الآحاد، كذلك تشمل أخبار الآحاد التي تنقل إمضاء الإمام للعمل بأخبار الآحاد على حدٍّ واحد.

ــــــــــ[150]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 294.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ففي مثل هذا المورد لم تنعقد السيرة العقلائيّة على العمل بخبر الواحد الذي ينقل الردع عن الإمام مع معارضته بخبر الواحد عن حدِّ وسماع الذي ينقل الإمضاء من قبل الإمام، بل السيرة العقلائيّة بالنسبة إلى كلا الخبرين على حدِّ واحد(1).

ومقصودنا بذلك الخبر هو ما سوف يأتي -إن شاء الله- من الروايات الدالّة على حجّيّة خبر الواحد بالخصوص، فإنَّها أيضاً مشمولة للسيرة العقلائيّة في نفسها.

الوجه الرابع: مخالفة الاجماع المنقول للدليل القطعي وهو التواتر

وأمّا رابعاً فلأنَّ هذا الإجماع المنقول الذي يتحصّل منه إخبار السيّد عن ردع الإمام عن العمل بحجّيّة خبر الواحد، فهو مناقض ومخالف للدليل القطعي؛ لأنَّ حجّيّة خبر الواحد ثبتت بالتواتر على ما يأتي إن شاء الله، فيكون إخبار السيّد المرتضى عن عدم حجّيّة خبر الواحد مخالفاً للنص المتواتر القطعي، والمخالف للدليل القطعي ساقط عن الحجّيّة، ولو فُرض كونه من أخبار الآحاد الثقات، بعد تطبيق السيرة العقلائيّة على دليل النهي عن الأخذ بالأخبار المخالفة.

ــــــــــ[151]ــــــــــ

() لا يخفى كون السيرة بالنسبة إليها على حدّ واحد يقتضي شمولها للخبر الرادع وعدم شمولها للخبر المردوع بالتقريب السابق، فتتعيّن الحجّيّة حينئذٍ لكلام السيّد المرتضى وتسقط أخبار الإمضاء عن الحجّيّة باعتبارها مردوعاً عنها بالإطلاق، إلَّا أن يقال: إنّه على هذا يكون إخبار السيّد رادعاً عن نفسه بالأولويّة أو بالمساواة. أو يقال: بأنَّ شمول السيرة للأخبار عن حس -كما في أخبار الإمضاء- أولى من شمولها للأخبار عن حدس كما في إخبار السيّد، وهو ما أُفيد في المتن، فتأمّل. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ولا يقال في المقام: بأنَّ هذا الردع المنقول عن السيّد المرتضى مخالفته بنحو العموم والخصوص المطلق، لا بنحو العموم من وجه أو التباين؛ لأنَّ النصّ المتواتر يشمل الخبر بالإطلاق، فإنَّ قوله: “يونس بن عبد الرحمن ثقة خذ عنه معالم دينك(1) (المفروض التواتر) مطلقاً من حيث الأخذ بنحو الرأي أو الأخذ بنحو الخبر، فهو شامل للخبر بالإطلاق، وكلام السيّد مخصوص بخصوص الخبر، فينبغي أن يكون كلام السيّد مخصّصاً.

وقد قلنا فيما سبق: إنَّ المخالفة بنحو العموم المطلق لا توجب خروج خبر الواحد عن الحجّيّة.

إلَّا أنَّ هذا الكلام غير صحيح؛ وذلك لأنَّ خبر الواحد المخالف للدليل القطعي بنحو العموم والخصوص المطلق، إنَّما قلنا: إنَّه لا يخرج عن الحجّيّة تقيداً لإطلاقات النهي عن العمل بالخبر المخالف بصحيحة الراوندي؛ حيث دلّت على حجّيّة الخبر المخالف بنحو العموم المطلق.

ومن المعلوم أنَّ مورد صحيحة الراوندي هو الأخبار السماعيّة لا أخبار الإجماع، فتكون الأخبار الإجماعيّة باقية على إطلاق قوله: “فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّـهِ فَخُذُوهُ وَمَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّـهِ فَدَعُوهُ(2). ومقتضى إطلاق المخالفة حينئذٍ سقوط الأخبار الإجماعيّة عن الحجّيّة إذا كانت مخالفة ولو بنحو العموم المطلق.

ــــــــــ[152]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27: 147، باب وجوب الرُّجوع فِي الْقضَاء والفَتوى إلى رواة الحدِيث منَ الشِّيعة،‏ الحديث 33. مع اختلاف في الألفاظ.

(2) وسائل الشيعة 27: 119، باب وجوه الجمع بين الأحاديث، الحديث 35.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الوجه الخامس: عدم إحتمال صدق الاجماع المنقول ومطابقته للواقع

وأمّا خامساً فلأنّنا لو قطعنا النظر عن كلّ هذه الأمور الأربعة، فإنّنا إنَّما نلتزم بحجّيّة الإجماع المنقول لو كنا نحتمل صدقه ومطابقته للواقع؛ لأنَّ الإجماع المنقول أمارة، والأمارة إنَّما تكون حجّة في مورد الشكّ، وهنا نحن نعلم بعدم انعقاد إجماع الطائفة على عدم العمل بأخبار الآحاد.

خصوصاً بقرينة الروايات الكثيرة الواردة عن أصحاب الأئمّة وعلاقات بعضهم مع بعض، وكيف كان بعضهم يأخذ الروايات من بعض ويعتمد عليها، كما سوف نشير إليه -إن شاء الله- في الاستدلال بالسُّنَّة.

فإنَّ تلك الروايات وإن كانت لا تكفي دليلاً على انعقاد الإجماع على الحجّيّة، لكنّها تكفي لتحصيل الوثوق والاطمئنان بعدم انعقاد الإجماع على عدم الحجّيّة، وأنَّ ديدن كثير من الأصحاب كان على العمل بحجّيّة خبر واحد.

فهذا الإجماع المنقول في نفسه غير محتمل المطابقة للواقع، هذه هي وجوه الإشكال في الاستدلال بهذا الإجماع. 

وبذلك تمّت أدلّة النافين لحجّيّة خبر الواحد، وتحقّق أنه لم يتحصّل منها إلَّا نفي الحجّيّة عن الخبر المخالف للكتاب الكريم بكلِّ نحو من أنحاء المخالفة، إلَّا ما رجع إلى باب القرينيّة، كمخالفة الخاصّ للعامّ والمقيّد للمطلق.

وينتهي الكلام بعد ذلك إلى أدلّة المثبتين، وقد استدلّوا بأدلّة أربعة.

ــــــــــ[153]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد

 

  • الدليل الأوّل: الكتاب الكريم 
  • الدليل الثاني: الاستدلال بالسُّنَّة

ــــــــــ[155]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 




 الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد

 

الدليل الأوّل: الكتاب الكريم 

 

حيث استدلوا بعدة آيات:

 الآية الأولى: آية النبأ 

 ونصّها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا على مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(1).

التقريب الأوّل: التمسّك بمفهوم الشرط

وقُرّب الاستدلال بهذه الآية الكريمة بوجوه أظهرها وأشهرها وأهمّها من الناحية العلميّة هو مفهوم الشرط، وتقريب مفهوم الشرط بصورة ابتدائية: بأنَّ هذه الآية الكريمة علّقت وجوب التبيّن عن النبأ، على مجيء الفاسق به. ومقتضى هذا التعليق هو انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط، أي: أنَّ النبأ إذا لم يجئ به الفاسق، بل جاء به العادل فلا يجب التبيّن عنه.

 وحينئذٍ فإمّا أنّه لا يجب التبيّن عنه ولا يُعمل به أصلاً، فيصير العادل أسوأ 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

(1) الحجرات:6.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

حالاً من الفاسق، وهو معلوم البطلان بالضرورة(1)، فيتعيّن أنّه لا يجب التبيّن عنه من باب أنّه يعمل به بلا تبيّن، ومعنى العمل به بلا تبيّن هو حجّيّته، هذا حاصل التقريب البدوي لمفهوم الشرط في المقام.

والشيخ الأعظم(2) ذكر في تنقيح هذا التقريب: أنَّنا لا نحتاج إلى مقدّمة الأسوئيّة، فإنَّ حجّيّة خبر العادل يمكن إثباتها بالمفهوم ابتداءً بلا حاجة إلى توسيط هذه المقدّمة الخارجيّة التي يقال فيها: إنَّ العادل ليس أسوأ حالاً من الفاسق، بحيث لو فُرض أنّنا نحتمل أنَّ العادل أسوأ حالاً من الفاسق، فمع هذا يتمّ الاستدلال بالآية الكريمة.

وذكر في توضيح ذلك: أنَّ ما هو المتعارف من القدماء من ضمّ هذه المقدّمة الخارجيّة مبني على تخيّل أنَّ وجوب التبيّن هنا وجوب نفسي شرعي، فهو من الواجبات النفسيّة الشرعيّة، بحيث إنّه بمجرّد أن يأتي الفاسق بخبر يصبح التبيّن واجباً كما تصبح الصلاة واجبة إذا زالت الشمس، فيكون واجباً نفسياً في نفسه يستحق العقاب على مخالفته.

فبناءً على هذا يقال: بأنَّ غاية ما يقتضيه المفهوم انتفاء هذا الوجوب النفسي عند انتفاء الشرط، بمعنى: أنّه إذا لم يكن المخبر فاسقاً، بل كان عادلاً، فلا يجب التبيّن عن خبره بالوجوب النفسي.

ومجرّد عدم الوجوب النفسي ليس مساوقاً مع الحجّيّة، فيبقى عندنا شقّان. 

ــــــــــ[158]ــــــــــ

() ويستلزم أسوئية العادل من الفاسق. (المُقرِّر).

(2) انظر: فرائد الأصول 1: 117.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فإنَّ عدم وجوب التبيّن إمّا بمعنى: أنّنا لا نعتني به أصلا، أو بمعنى: أنّنا نعمل به بلا تبيّن.

 والأوّل يكون معناه الأسوئيّة، والثاني يكون معناه الحجّيّة، فلا بُدَّ من ضمّ مقدّمة الأسوئيّة لأجل نفي الأوّل وإثبات الثاني.

إلَّا أنَّ حمل وجوب التبيّن على الوجوب النفسي غير صحيح، ولو فُرض حمله على الوجوب النفسي في المقام فالمقدّمة الخارجيّة -مقدّمة الأسوئيّة- غير صحيحة في نفسها، وإن كنّا نحتاج إليها على هذا المبنى(1).

وذلك: أنّنا نحتمل أنَّ خبر الفاسق يجب التبيّن عنه بالوجوب النفسي، لكن خبر العادل لا يجب؛ لأنَّ وجوب التبيّن النفسي معناه وجوب التجسّس عن خبره لأن يكشف صدقه من كذبه، فلعلّ الله إنَّما أوجب التجسّس على الكذابين والفساق، وأمّا العدول فلم يوجب على الإنسان أن يتجسّس على إخباراتهم ويتبيّن صدقها من كذبها.

فلو فُرض اختصاص وجوب التجسّس بخصوص الفاسق، لا يلزم من ذلك أسوئيّة حال العادل من الفاسق، بل يلزم منه نحو احترام للعادل، فإنَّ خبره وأن لم يكن موجباً للعلم، إلَّا أنّنا لا نتجسّس على خبره، وهذا نحو من المجاملة واللطف. إذن، فهذه المقدّمة في نفسها غير تامّة. هذا بناءً على الوجوب النفسي.

وأمّا إذا حملنا الوجوب في المقام على الوجوب الشرطي لا على الوجوب 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

()  كذا أفاده السيّد الأُستاذ. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

النفسي، فلا نحتاج حينئذٍ إلى ضمّ مقدّمة من الخارج.

ومقصود الشيخ -حسب ما يتراءى من العبارة- من الوجوب الشرطي في المقام، هو أنَّ الأمر بالتبيّن هنا إرشاد إلى كون التبيّن شرطاً في العمل بخبر الواحد الفاسق.

وليس معنى الشرطيّة هنا أنَّ العمل بخبر الفاسق لا يُعقل بدون التبيّن، فإنَّه من الضروري أنَّ العمل بخبر الفاسق يُعقل بلا تبيّن، فالشرط هنا ليس شرطاً عقليّاً تكوينيّاً كشرطيّة نصب السلّم للكون على السطح، بل هي شرطيّة جعليّة مولويّة، والملحوظ في هذه الشرطيّة المولويّة هو دخل التبيّن في جواز العمل بخبر الفاسق.

فكأنَّ المولى قسّم العمل بخبر الفاسق إلى حصّتين، حصّة بلا تبيّن، وحصّة مع التبيّن، فحرّم الحصّة التي تكون بلا تبيّن تحريماً مولوياً، فبنظره التحريمي كأنّه أعدمها في الخارج، فهذه لا توجد في الخارج.

فبعد أن نفرض أنَّ الحصّة الأولى أعدمها إعداماً تشريعياً، انحصر العمل بخبر الفاسق بالحصّة الثانية، وهي العمل به مع التبيّن، ومن المعلوم أنَّ هذه الحصّة الثانية يُشترط فيها التبيّن لا محالة.

فمرجع الأمر بالتبيّن إلى الارشاد، إلَّا أنَّ التبيّن شرط في وجود العمل بخبر الفاسق، لا وجوده بحسب عالم التكوين، بل وجوده بحسب لحاظ المولى؛ لأنَّ المولى أعدم الحصّة الأولى من هذا العمل الغير المقارنة مع التبيّن إعداما تشريعياً. فنحصر العمل بخبر الفاسق بخصوص الحصّة الثانية، أو من المعلوم أنَّ الحصّة الثانية مشروطة بالتبيّن.

ــــــــــ[160]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فالأمر بالتبيّن إرشاد إلى هذه الشرطيّة التي هي من تبعات تحريم المولى للعمل بالحصّة الأولى، وتخصيص الجواز بخصوص الحصّة الثانية من العمل بخبر الفاسق.

وحينئذٍ يكون معنى قوله تعالى: إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواَ(1) إنَّ النبأ إذا كان الفاسق جائياً به فيشترط في جواز العمل به في شريعتي وجواز وقوعه في لحاظي التبيّن.

ومفهوم هذا هو أنَّ النبأ إذا لم يكن الفاسق قد أخبر به، بل العادل قد أخبر به، فلا يُشترط في جواز العمل به التبيّن.

وهذا إمّا أن يكون معناه: أنّه يجوز العمل به على كلِّ حال ولو بلا تبيّن، أو أنّه يحرم على كلّ حال ولو مع التبيّن. والثاني باطل بلا إشكال، لا من ناحية الأسوئيّة، بل من ناحية عدم معقوليّة العمل مع التبيّن؛ لأنّه مع التبيّن وحصول العلم بالمطلب كيف يحرم العمل؟ فالشقّ الثاني باطل عقلاً بقطع النظر عن مقدّمة الأسوئيّة، فيتعيّن أن يكون محصّله هو جواز العمل مطلقاً، لا عدم الجواز مطلقاً.

فجواز العمل مطلقاً مساوق مع الحجّيّة بلا حاجة إلى فرض مقدّمة الأسوئيّة.

تحقيق الكلام في الحاجة إلى ضمّ مقدّمة الأسوئيّة

تحقيق الكلام في أنّه هل يحتاج في مقام الاستدلال بمفهوم الشرط في الآية الكريمة على حجّيّة خبر العادل إلى ضمّ مقدّمة الأسوئيّة من خارج، بحيث لو 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

(1) الحجرات: 6.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

لم نحرز صحّة تلك المقدّمة، واحتملنا أنَّ العادل أسوأ حالاً من الفاسق لا يتمّ الاستدلال بالآية الكريمة.

تفصيل ذلك يتوقف على تحقيق ما هو حقيقة الأمر بالتبيّن الموجود في الآية الكريمة. 

حقيقة الأمر بالتبيّن الموجود في الآية

 إنَّ الأمر بالتبيّن فيه محتملات عديدة في بادئ الأمر.

الاحتمال الأوّل: كون الأمر نفسياً حقيقياً

أن يكون أمراً نفسيّاً حقيقيّاً كوجوب الصلاة، باعتبار وجوب التبيّن نفسيّاً حينما يخبر الفاسق بخبر، فإخباره يكون شرطاً ومقدّمة لتحقّق وجوب نفسي، وهو وجوب التجسّس على خبره وكشف الحال في مورد نبأه.

وبناءً على هذا الوجوب النفسي نحتاج الى مقدّمة الأسوئيّة، كما نقلناه عن الشيخ الأعظم؛ وذلك لأنَّ غاية ما يدلّ عليه المفهوم حينئذٍ أنّه إذا كان الجائي بالنبأ عادلاً، فلا وجوب نفسي للتجسّس والتبيّن، وعدم وجوبه ملائم مع أمرين: 

الأمر الأوّل: مع العمل بلا تبيّن الذي هو معنى الحجّيّة.

الأمر الثاني: مع عدم ترتيب أيّ أثر لا التبيّن ولا العمل. 

فيقال حينئذٍ: بأنَّ الثاني باطل باعتبار مقدّمة الأسوئيّة لو تمّت فيتعيّن الأوّل.

ــــــــــ[162]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إلَّا أنَّ هذا الاحتمال في نفسه غير موجود، كما ذكره الشيخ الأعظم(1)

أمّا أوّلاً: فلأنّه لم يذكر أحد أصلاً من سائر المسلمين أنّه يجب في بعض الموارد التجسّس على خبر الفاسق، فلو أخبر الفاسق بأنّه أكل قرص خبز مع جبن فيجب علينا بنحو الوجوب النفسي أن نحقّق عن ذلك، ومثل هذا لم يبد احتماله من مسلم أو فقيه(2).

وهذه قرينة منفصلة في المقام، وهي الارتكاز المتولد من عدم وجود احتمال ذلك فقهياً، وهذا الارتكاز يكون قرينة على بطلان هذا الاحتمال في الآية.

وثانياً: أنَّ حمله كذلك هو خلاف مادّة التبيّن، فإنَّ نفس مادّة التبيّن لا تتناسب مع الملاك النفسي؛ لأنَّ التبيّن مستبطن لجهة الطريقيّة، واستبطانه لجهة الطريقيّة كعنوان التعلم يوجب ظهوراً للحكم المتعلّق به في أنّه حكم طريقي لا حكم نفسي.

ــــــــــ[163]ــــــــــ

()انظر: فرائد الأصول 1: 117.

(2) لا يخفى ما في هذا المثال من المسامحة فإنَّ الآية إنَّما أمرت بالتبيّن من خبر الفاسق في مقام العمل وترتيب الآثار عليه، وبيّنت أنَّ الكشف الناقص الذي يحدثه خبره غير تامّ لترتيب الآثار الشرعيّة، إلَّا أن يترقى هذا الكشف إلى اليقين أو الاطمئنان لقرينة داخلية أو خارجيّة، والبحث عن هذه القرينة هو المراد بالأمر بالتبيّن، الذي هو أمر طريقي على مأ يأتي*؛ إذ تقرّر الآية أنَّ هذه الدرجة من الكشف يغلب فيها عدم المطابقة للواقع وإصابة القوم بجهالة، وهذا أجنبي عن المثال. فتأمّل. (المُقرِّر).

* انظر: ص 172.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وثالثاً: أنّه لا يتناسب مع التعليل الموجود في الآية، وهو قوله تعالى: أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ(1) كما أشار إليه الشيخ الأعظم أيضاً في الرسائل(2)، فإنَّ الوجوب النفسي للتبيّن والتجسّس لا ينبغي أن يعلّل بخوف الندامة وخوف إصابة القوم بالجهالة، فإنَّ هذا لا يكون ملاكاً لمحبوبيّة التبيّن من حيث هو هو، وإنَّما يكون ملاكاً لحكم طريقي في المقام لا محالة.

فهذا الاحتمال في نفسه ساقط، وإن كنّا نحتاج إلى المقدّمة الخارجيّة
-مقدّمة الأسوئيّة- لو تمّت.

الاحتمال الثاني: كون الأمر إرشاداً إلى حكم العقل 

أن يكون المقصود من الأمر بالتبيّن في المقام، أن يكون إرشاداً إلى حكم العقل بوجوب التبيّن، وبوجوب تحصيل العلم بالواقع، فإنَّ العقل يستقلّ بلزوم تحصيل العلم بالواقع مالم ترد هناك حجّة تكفي عن العلم وتقوم مقامه، وحينئذٍ يكون الأمر بالتبيّن إرشاداً إلى حكم العقل هذا.

وهذا هو الذي استظهره المحقّق العراقي(3) بناءً على أن يكون معنى التبيّن هنا تحصيل العلم لا تحصيل ما يعم الظنّ مثلاً، فإنّه بناءً على أنَّ المراد من التبيّن تحصيل العلم، فالمادّة واجبة بحكم العقل، فيكون الأمر بمثل هذه المادّة إرشاداً الى ما يستقلّ به العقل في المقام.

ــــــــــ[164]ــــــــــ

() الحجرات: 6. 

(2) انظر: فرائد الأصول 1: 118.

(3)انظر: نهاية الأفكار 2: 108، مقالات الأصول ۲: 30.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وفرّع عليه أنّه بناءً على هذا نحتاج إلى مقدّمة الأسوئيّة؛ وذلك لأنّه بناءً على أن يكون الأمر إرشاداً إلى حكم العقل بوجوب تحصيل العلم؛ لأنّه هكذا يقول: إذا جاءك خبر الفاسق فاجهد في تحصيل العلم بحال هذا الخبر، وأمّا إن جاءك العادل فلا تجهد لتحصيل العلم بالواقع، فلماذا لا يجهد بتحصيل العلم بالواقع، ولماذا لا يجب الفحص عن حال هذا الخبر؟

 فيه احتمالان:

 أحدهما: أنّه لا يفحص؛ لأنَّ العادل معلوم الكذب، فلا نحتاج إلى فحص؛ لأنَّ الفحص إنَّما يكون في مورد الشكّ والعادل لا تشكّ في كذبه مثلاً.

 ثانيهما: يكون عدم الفحص من باب أنّه حجّة، والحجّة تقوم مقام العلم، وحيث إنَّ الأوّل يلزم منه أسوئيّة العادل عن الفاسق. إذن، الفاسق كان مشكوك الكذب، فكيف يكون العادل معلوم الكذب، فيتعيّن الثاني.

إلَّا أنَّ كلّاً من كلاميه في أصل تصوير هذا الاحتمال واستظهاره، وتفريع هذه النتيجة عليه -وهي الاحتياج إلى مقدّمة الأسوئيّة- محلّ نظر.

أمّا أصل هذا الاستظهار فهذا الاحتمال في غير محلّه:

أمّا أوّلاً: فلأن العقل لا يستقلّ بلزوم تحصيل العلم، وإنَّما يستقلّ بوجوب تحصيل العلم بالامتثال وفراغ الذمة في مقام العبوديّة، فيستقلّ بأنَّ العبد مادام عبداً فيجب عليه أن يقطع بفراغ ذمته، أو لا يحكم العقل بوجوب تحصيل العلم بمؤدّى الخبر الذي هو الواقع؛ ولهذا يكفي الاحتياط في المقام، فالعقل يُجوز الاحتياط من دون حاجة إلى تحصيل العلم بالواقع بأن لا يفحص، بل 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

يجمع بين الظهر والجمعة، فتحصيل العلم بالواقع ليس من الواجبات.

اللهم إلَّا على المبنى الذي يقول: بأنَّ الامتثال التفصيلي يتعيّن في قبال الامتثال الإجمالي، لأنّه مع التمكن من الامتثال التفصيلي لا تصل النوبة إلى الإجمالي

وهذا المبنى إنَّما يقال في باب العبادات دون غيرها، فهناك تأتي شبهة أنَّ العقل يحكم بوجوب تحصيل العلم بالواقع، وأمّا في غير ذلك المورد، بل وحتّى في ذلك المورد لأجل بطلان المبنى، فإنَّ العقل لا يحكم بوجوب تحصيل العلم بالواقع، فلا معنى لأن يكون هذا إرشاداً إليه.

وأمّا ثانياً: فلأنه أيّ معنى لتعليق هذا الحكم الإرشادي على مجيء الفاسق بالخبر، فلو أنّنا قلنا: بأنَّ العقل يحكم بوجوب تحصيل العلم، كما هو الحال في باب العبادات، فبناءً على ذلك المبنى الفاسد، أيّ ربط لوجوب تحصيل العلم بمجيء الفاسق بالنبأ، سواء أخبر الفاسق بوجوب صلاة الجمعة أو لم يخبر!! فعلى أيّ حال أنا يجب عليّ تحصيل العلم بما هو الواقع في الفريضة المفروضة يوم الجمعة.

وهذا التعليق يكون مجرّد ربط إثباتي، بلا ارتباط لزومي ثبوتي بين الشرط والجزاء.

إلَّا أن يُراد من الإرشاد إلى حكم العقل الكناية عما هو لازمه، وهو عدم حجّيّة خبر الفاسق، حيث إنَّ العقل إنَّما يحكم بوجوب تحصيل العلم حيث لا حجّة، فكأنّه يرشد إلى حكم العقل لأجل أن يلفت النظر إلى ما هو لازم ذلك، وهو عدم حجّيّة خبر الفاسق.

 ــــــــــ[166]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

 وحينئذٍ فلا نحتاج إلى مثل هذا التعسف، بل يتعيّن ما سوف نذكره من الاحتمال من أنَّ الأمر بالتبيّن ابتداءً يكون كناية عن سلب الحجّيّة، بلا حاجة إلى توسيط هذا الإرشاد إلى حكم العقل في المقام على ما يأتي -إن شاء الله-توضيحه، هذا في إبطال أصل هذا الاحتمال.

ثُمَّ لو فرضنا هذا الاحتمال، وأنَّ الأمر بالتبيّن إرشاد إلى حكم العقل بوجوب تحصيل العلم، فمقتضى ذلك أنّه إذا جاء العادل بالنبأ فلا يجب تحصيل العلم بالواقع.

يقول المحقّق العراقي: بأنَّ عدم وجوب تحصيل العلم بالواقع حينئذٍ له أحد الاحتمالين: إمّا من باب أنّه معلوم الكذب، وإمّا من باب أنّه حجّة.

وهذا أيضاً غير صحيح؛ وذلك لأنَّ وجوب تحصيل العلم بالواقع ليس وجوباً مولوياً له امتثال، حتّى يكون منفياً في مورد حصول العلم بالكذب، فإنَّ الوجوب العقلي عبارة عن لابدّية المطلب بحكم العقل، ولابدّية الاستناد إلى العلم محفوظة حتّى في مورد العلم بالكذب، غاية الأمر أنَّ هذه اللابدّية تحقّقت بهذا النحو لا بذلك النحو.

فاللابدّية ليست منفيّة في مورد العلم بالكذب، بل هي موجودة حتّى في مورد العلم بالكذب، وحتّى في مورد العلم بالصدق، غاية الأمر أنّه هنا كان التبيّن سهل المؤونة، يعنى: مجرّد عدالة المخبر أصبحت سبباً كافياً في ثبوت كذبه!! وهذا ليس موجباً لانتفاء اللابدّية، بل هي محفوظة على أيّ حال.

وإنَّما تنتفي اللابدّية فيما إذا كان خبر العادل حجّة، فإنّه حيث إنَّ العقل 

ــــــــــ[167]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

يُقيّم الحجّة التعبّديّة مقام العلم، فلا يرى لابدّية في تحصيل العلم(1).

الاحتمال الثالث: كون الأمر بالتبين غيرياً 

أن يكون الأمر بالتبيّن أمراً غيرياً ناشئاً من أمر آخر، وهو الأمر بالعمل بخبر فاسق.

فكأنّه نتصوّر هنا أمرين:

 أحدهما: وجوب العمل بخبر الفاسق، وهذا الوجوب وجوب نفسي طريقي، لا نفسي حقيقي كما سبق في الأوّل، ومقدّمة للعمل به فيجب ما هو مقدّمة العمل، وهي التبيّن؛ فيجب في المقام التبيّن مقدّمة للعمل به، فوجوب التبيّن وجوب مقدّمي غيري ناشئ من وجوب نفسي طريقي متعلّق بالعمل بخبر الفاسق.

ــــــــــ[168]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: بأن اللابدّيّة في صورة العلم بالكذب لا معنى لها؛ لأنّه تحصيل للحاصل. 

فأجاب: ليس المقصود من اللابدّيّة هنا الحكم الشرعي، حتّى يقال: بأنّ تحصيل الحاصل غير معقول، بل المقصود من اللابدّيّة هنا الحكم العقلي الذي مرجعه إلى القضيّة الخبريّة، فإنَّ العقل ليس له بعث وإلزام وتشريع ليقال: بأنَّ تحصيل الحاصل محال، وإنَّما حكم العقل جملة خبريّة مرجعها إلى أنَّ من لا علم له بالواقع ليس معذوراً، وإنَّما يُعذر إذا حصل له العلم بالواقع، وهذه الجملة الخبريّة صادقة على أيّ حال، سواء كان عالماً بالكذب أو عالماً بالصدق أو شاكاً.

فارتفاع هذه اللابدية، هذه الجملة الخبرية، معناه الحجّيّة. ارتفاعها في مورد مجيء العادل بالنبأ معناه أنّه يجوز الاعتماد على العادل ولا نحتاج إلى العلم، ففرض المفهوم حينئذٍ ليس له صورتان حتّى نحتاج إلى ضمّ المقدّمة الخارجيّة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وهذا هو مختار المحقّق العراقي أيضاً على التقريب الثاني في معنى التبيّن، قال: لو كان المراد من التبيّن ما يعم الظنّ، فلا ينبغي أن يكون هذا الأمر إرشاداً إلى حكم العقل؛ لأن العقل لا يكتفي بالظنّ، وإنَّما يكون حينئذٍ أمراً مقدّمياً غيرياً ناشئاً من أمر نفسي طريقي متعلّق بالعمل بخبر الفاسق(1).

وفرّع عليه حينئذٍ بأنّنا بناءً على هذا أيضاً نحتاج إلى مقدّمة الأسوئيّة؛ لأنَّ غاية ما يدلّ عليه المفهوم أنّه إذا كان الجائي بالنبأ عادلاً، فلا يجب التبيّن بالوجوب الغيري، وعدم وجوبه بالوجوب المقدّمي الغيري؛ إمّا لعدم وجوب ذي المقدّمة أصلاً، من حيث إنَّ خبر العادل لا يجب العمل به، وإمّا لأجل عدم المقدّميّة وعدم التوقف، أي: أنّه يجب العمل بلا تبيّن، فإنَّ عدم وجوب الوضوء إمّا لأجل عدم وجوب الصلاة أصلاً، وإمّا لأجل عدم اشتراط الصلاة به.

ثانيهما: وهو الذي ينفعنا طبعاً، والأوّل نبطله بمقدّمة الأسوئيّة.

هنا الاحتياج إلى مقدّمة الأسوئيّة، بناءً على هذا الاحتمال متين، وكما أُفيد.

إلَّا أنَّ هذا الاحتمال في نفسه ساقط، وهو احتمال أن يكون الأمر بالتبيّن هنا أمراً مقدّميّاً ناشئاً من أمر آخر متعلّق بالأمر بخبر الفاسق.

وذلك لأنّنا نسأل: أنّ ذلك الأمر النفسي الذي تعلّق بخبر الفاسق، ونشأ منه الأمر بالتبيّن غيرياً تعلّق بالعمل بخبر مطلق الفاسق، أو الفاسق الموثّق في 

ــــــــــ[169]ــــــــــ

(1) انظـر: مـقالات الأصول 87:2، الـمقالة التاسعة: حجّيّة خبر الـواحد من الكتاب الكريم.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

خبره؟ فلا يخلو من أحد الأمرين:

إذا فُرض أنَّ الأمر النفسي الطريقي تعلّق بالعمل بخبر الفاسق مطلقاً، سواء كان موثّقاً في الخبر أو لم يكن. إذن، فلا مقدّميّة للعمل بالنسبة إليه، وكيف يترشح من الأمر بذلك أمر بالتبيّن؛ فإنّ التبيّن ليس مقدّمة للعمل بمطلق خبر الفاسق، ولا يتوقف عليه العمل بخبر الفاسق، فإنّه يمكن العمل به بلا تبيّن. فلا ملاك للوجوب الغيري في المقام.

وإذا فُرض أنَّ الأمر النفسي كان متعلّقا ًبالعمل بخبر الفاسق الموثّق في خبره، بحيث يكون موضوع الأمر بالعمل هو الفاسق الموثّق في خبره، فحينئذٍ يكون التبيّن واقعاً في طريق تحصيل مقدّمة الوجوب لا مقدّمة الواجب.

فإنَّ الموثّقية حينئذٍ تكون قيداً في موضوع الوجوب، والتبيّن قد يحصل هذه الموثّقيّة، فإنّني إنَّما أتبيّن لكي أجعل خبر الفاسق موثّقاً، ومن المعلوم أنَّ ايجاد مقدّمة الوجوب لا يدخل تحت الوجوب لا محالة(1).

ــــــــــ[170]ــــــــــ

() وهنا ادّعى أحد الإخوان: أنَّ وجوب التبيّن شرط مولوي للواجب.

فأجاب (سلّمه الله): لو تبيّن ولم يحصل له وثوق به، فأيضاً يكون مصداقاً للوجوب؟ مقتضى ما تقول: إنَّ الوجوب يتعلّق بالعمل بخبر الفاسق التوأم مع التبيّن، لا التوأم الوثوق، فإنّنا تارةً نفرض أنّه يجب العمل بخبر الفاسق الموثّق، فلو تبيّنت ولم يصر موثّقاً فلا يجب عليّ العمل به، فتصير موثّقيّته شرط الوجوب، ولا يجب تحصيل شرط الوجوب. وأُخرى نفرض أنّه يجب عليّ أن أعمل بخبر الفاسق المسبوق بالتبيّن، سواء صار موثّقاً بالتبيّن أو لا، فهذا خلاف الضرورة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الاحتمال الرابع: كون الأمر بالتبيّن نفسياً طريقياً

هو نفس الاحتمال الثالث من دون هذا اللف والدوران، فلا نقول: بأنَّ الأمر بالتبيّن أمر غيري نشأ من أمر آخر، لأجل أن يقع الإشكال الذي ذكرناه.

بل نقول: إنَّ الأمر بالتبيّن بنفسه أمر نفسي طريقي بداعي التحفّظ على الواقع والاهتمام به، أليس المولى قد جعل أصالة البراءة في موارد الشكّ؟ إلَّا أنّه رفع اليد عنها في موارد أخبار الفاسق، فلو أخبر الفاسق عن وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فالشارع وقف هنا موقفاً متوسطاً، لا أنه أمر العبد بأصالة البراءة وتفويت الواقع لو كان المخبر صادقاً، ولا أنّه جعل الحجّيّة لأخبار هذا الفاسق، بالرغم من كونه فاسقاً، بل أمره بأن يتبيّن ويتوقّف عن إجراء أصالة البراءة إلى أن يتجلّى الموقف له بالتبيّن.

فهذا وجوب طريقي بداعي الاهتمام بالواقع بسبب أخبار الفاسق، وهذا الوجه لا يأتي عليه الإشكال السابق في الوجه السابق.

وبناءً على هذا الوجوب الطريقي أيضاً نحتاج إلى مقدّمة الأسوئيّة؛ لأنَّ غاية ما يدلّ عليه المفهوم حينئذٍ، فإنَّه إذا أخبر العادل فلا يجب التبيّن بالوجوب الطريقي، فحينئذٍ لا يخلو من أحد أمرين، فإمّا أن تجرى أصالة البراءة حينئذٍ بلا تبيّن، وإمّا أن تعمل بأخباره. والاوّل معناه الأسوئيّة، والعمل بأخباره معناه الحجّة، فنحتاج إلى مقدّمة الأسوئيّة(1) .

ــــــــــ[171]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّ الوجوب الطريقي ينبغي أن يُعرض على هذا الشكل: وهو أنَّ خبر الفاسق لمدى كشفه الناقص لا يصلح لأن يكون حجّة على الحكم الشرعي، بل يحتاج إلى ضمّ التبيّن إليه لنرقّي درجة كشفه، بحيث يكون حجّة على الواقع على تقدير ثبوته، وإنَّما نحتاج إلى التبيّن لأن خبر الفاسق وإن لم يكن كشفه بالمقدار الحجّة، إلَّا أنّه يحدث فكرة عن احتمال وجود حكم واقعي في البين، وهذا يكفي لوجوب التصدّي للفحص والتبيّن للحصول على الحجّة على الواقع، إهتماماً به في الموارد التي يكون لها آثار شرعيّة؛ وعلى هذا لا نحتاج إلى ضمّ مقدّمة الأسوئيّة، فإنَّ ما يدلّ عليه المفهوم حينئذٍ هو: أنّه لا يجب التبيّن عن خبر العادل باعتبار زيادة كشفه إلى حدِّ يصلح لأن يكون حجّة على الحكم الشرعي، والمناقشة أيضاً لا ترد، باعتبار أنَّ خبر الفاسق كما يحتمل أنَّ يكون على طبقه حكم واقعي كذلك يحتمل أنَّ يكون مضاداً له، فيؤدّي إلى إصابة القوم بجهالة. إذن، فيجب التبيّن عنه لكي يعلم أنَّ هذا الخبر من الفاسق هل هو مطابق للحكم الواقعي؛ لكي يعمل على طبقه أو منافٍ له لكي لا نصيب قوماً بجهالة. وأمّا كون الآية نصّت على إحدى العلتين دون الأُخرى؛ فلأن اتباع قول الفاسق إذا كان مخالفاً للواقع يكون أشدّ في نظر المولى من عصيانه على تقدير مطابقته للواقع؛ فلهذا خُصّص بالذكر في الآية، إلَّا أنّه يبدو بعد ذلك بوضوح أنَّ خبر الفاسق بنفسه ليس بحجّة ولا قيمة له إلَّا بضمّ التبيّن، وعندئذٍ يكون ضمه إلى التبيّن كضم الحجر إلى الإنسان، وعليه يتمّ الوجه السادس المختار لسيّدنا الأُستاذ. فتأمّل جيداً. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إلَّا أنَّ هذا الاحتمال أيضاً في نفسه خلاف الظاهر؛ وذلك لأنّه لا يتناسب مع التعليل، فإنَّ الأمر بالتبيّن هنا عُلل بالخوف من إصابة القوم بالجهالة، يعني: بالخوف من نتائج العمل بخبر الفاسق، لا الخوف من نتائج ترك العمل بخبر الفاسق، وهذا الوجوب الطريقي بحسب الحقيقة ملاكه مجموع الخوفين لا أحد الخوفين؛ لأنّه يقول اُدرس المسألة وتبيّن، أهو صادق لأجل أن لا تقع في نتائج مخالفة، أو هو كاذب لأجل أن لا تقع في نتائج موافقة، فالوجوب الطريقي هنا 

ــــــــــ[172]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ناشئ بداعي الاهتمام بكلا الأمرين ومجموع الخوفين، مع أنَّ الصلة في المقام هي أحد الخوفين، واحد الخوفين لا يناسب أن يكون علّة لهذا الخوف الطريقي، وبهذا كان هذا الاحتمال خلاف الظاهر.

الاحتمال الخامس: كون الأمر بالتبين إرشاداً إلى الوجوب الشرطي

هو ما أشار إليه الشيخ الأعظم(1)، وأشرنا إليه سابقاً، فإنّه ذكر بعد إبطال الوجه الأوّل، وهو الوجوب النفسي الحقيقي ذكر الوجوب الشرطي.

وفسّرنا سابقاً الوجوب الشرطي، وقلنا: إنَّ مرجعه إلى أنَّ الأمر بالتبيّن يكون إرشاداً إلى كون التبيّن شرطاً في العمل بخبر الفاسق، لكنه ليس شرطاً عقلياً، بل هو شرط بلحاظ إعمال مولويّة المولى في تحريم الحصّة غير المقرونة بالتبيّن منه، فهو شرط في العمل به في عالم عبوديته لا شرط تكويني في مقام العمل به.

وحينئذٍ فغاية ما يدلّ عليه المفهوم هو أنَّ خبر العادل لا يُشترط بالعمل به التبيّن، وهذا لا يخلو من أحد أمرين:

 أمّا معناه أنّه يجوز العمل به مطلقاً أو يحرم العمل به مطلقاً، وحرمة العمل به مطلقاً باطل لا من جهة مقدّمة الاسوئيّة، بل من باب استحالة تحريم العمل به بعد التبيّن، ووضوح صدقه، فلا بُدَّ من تعيّن الشقّ الأوّل، ومن هنا قلنا: بأنَّ هذا الوجه لا يحتاج إلى مقدّمة الأسوئيّة. 

ولعلّ هذا الوجه مرجعه بحسب الدقّة أو بحسب التحليل العرفي إلى الوجه السادس، وهو المختار، وهو المستظهر من الآية الكريمة.

ــــــــــ[173]ــــــــــ

() انظر: فرائد الأصول 1: 118.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الاحتمال السادس: كون الأمر بالتبيّن إرشاداً إلى سلب الحجية

وهو أن يكون الأمر بالتبيّن في المقام إرشاداً بنفسه إلى سلب الحجّيّة عن خبر الفاسق بحسب المتفاهم العرفي، وأنَّ العمل بخبر الفاسق غير جائز من قبلي ولا يجوز الاعتماد عليه.

فلو أنَّ شخصاً جاء إلى شخص آخر وقال: فلان حدثني كذا، فقال له: تبيّن، تأمّل، تبصّر، تريّث. فمثل هذه العناوين تُستعمل ولا يفهم منها السامع حينئذٍ إلَّا أنَّ مقصود المتكلّم من هذا عدم جواز التعويل على هذا الكلام باعتبار صدوره من شخص لا ينبغي التعويل عليه.

فيكون هذا بنفسه إرشاداً إلى عدم الحجّيّة، وذاك الوجوب الشرطي بحسب الحقيقة هو مصداق عدم الحجّيّة بحسب الخارج، والمتحصّل منه بحسب الخارج، والفرق بينهما بحسب الحقيقة كالفرق بين العنوان والمعنون وما بين المفهوم والواقع. 

وحينئذٍ يكون الجزاء في المقام هو الإرشاد إلى سلب الحجّيّة، فالمفهوم بنفسه يكون دالاً على الحجّيّة، بلا حاجة إلى توسيط مقدّمة أُخرى.

وهذا يتناسب مع ظهور الآية، ومع ظهور التبيّن في الطريقيّة ومع التعليل أيضاً، فإنَّ سلب الحجّيّة إنَّما هو بلحاظ الخوف من نتائج العمل بخبر الفاسق وإصابة القوم بجهالة.

فهذا هو المختار وبناءً عليه لا نحتاج إلى مقدّمة الأسوئيّة.

هذا تمام الكلام في تقريب الاستدلال بمفهوم الشرط إلى هذا المقدار.

ــــــــــ[174]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

يقع الكلام في مقامين

وبعد التقريب الصوري للاستدلال بمفهوم آية النبأ على حجّيّة خبر الواحد يقع الكلام في مقامين: 

المقام الأوّل: في تنقيح ثبوت المقتضي لهذه الدلالة على حجّيّة خبر الواحد. 

المقام الثاني: في بيان ما يتصوّر كونه مانعاً عن تأثير هذا المقتضي في مقتضاه في فعلية ظهور الدلالة أو حجّيّتها بعد فرض فعليتها، فالكلام يقع في مقامين: 

المقام الأوّل: في تنقيح ثبوت المقتضي لهذه الدلالة على حجّيّة خبر الواحد. 

المقام الأوّل: في تتميم أصل المقتضي للمفهوم في المقام للدلالة على حجّيّة خبر الواحد.

المفروض أنَّ ما يُدّعى كونه مقتضياً للدلالة على ذلك هو كون القضية شرطية، حيث إنَّ القضية الشرطيّة يدلّ سياقها أو هيئتها أو أداة الشرط فيها على الانتفاء عند الانتفاء، أي: انتفاء وجوب التبيّن عند عدم كون المخبر فاسقاً، فيثبت بذلك حجّيّة المخبر العادل، إمّا بضمّ مقدّمة الأسوئيّة أو بدونها، على تفصيل سبق.

إذن، فلا بُدَّ من تنقيح هذه الجهة، وهي أنَّ شرطيّة الآية الكريمة هل تناسب انتزاع المفهوم وتقتضيه أو لا تقتضيه؟ بعد الفراغ عن ثبوت مفهوم الشرط كلّيّة.

ــــــــــ[175]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وحاصل ما ذُكر في المقام في تحقيق أنَّ شرطيّة هذه القضية هل ينتزع منها المفهوم أو لا؟

 وهو: أنَّ القضيّة الشرطيّة فيها أركان ثلاثة: الشرط والموضوع والجزاء، أي: الحكم المترتب، وانتزاع المفهوم عبارة عن عدم ترتيب الحكم وانتفائه عن ذلك الموضوع عند انتفاء الشرط، فلا بُدَّ وأن يُفرض موضوع محفوظ في جانب وجود الشرط وجانب انتفاء الشرط، ويكون هذا الموضوع موضوعاً لثبوت الجزاء منطوقاً وموضوعاً لانتفاء الجزاء مفهوماً، وموضوعيّة الثبوت على تقرير ثبوت الشرط وموضوعيّة للعدم على تقدير انتفاء الشرط.

كما في قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه)، فالموضوع هو زيد، والشرط هو مجيئه، والحكم هو وجوب الإكرام، فزيد هنا يقع موضوعاً للحكم بوجوب الإكرام على تقدير مجيئه، وبعدم وجوب الإكرام على تقدير عدم مجيئه. 

وليس المراد بالموضوع في المقام ما كان موضوعاً بحسب عالم الجعل والتشريع، أي: تمام ما أُخذ مفروض الوجود في عالم الجعل والتشريع؛ إذ من المعلوم أنَّ الموضوع بهذا المعنى يدخل فيه الشرط أيضاً؛ إذ أنَّ الشرط أيضاً فُرض في عالم الجعل والتشريع مفروض الوجود ورتّب عليه الجزاء.

بل المقصود من الموضوع في المقام الركن الأساسي الذي أُضيف إليه الشرط أوّلاً، وأُضيف إليه الحكم في طول إضافة الشرط، فهذا الركن الأساسي هو موضوع القضية الشرطيّة الذي ينتزع من عدم ثبوت الشرط فيما نفي ثبوت الحكم عن ذلك الموضوع.

ــــــــــ[176]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ومن هنا يُعرف أنَّ هذا الموضوع إذا كان تحقّقه في طول وجود الشرط وبوجود الشرط، بحيث لم يكن محفوظاً في كلا حالي وجود الشرط وعدمه، فإذا فُرض أنّه لم يكن محفوظاً فلا مفهوم؛ لأنّه لا موضوع حينئذٍ لينسب إليه انتفاء المفهوم، إذ الموضوع لم يحفظ في حال عدم الشرط ليكون موضوعاً للانتفاء.

كما إذا فُرض أنّه قال: (إذا وجد عالم فأكرمه)، فإذا لم يتحقّق الشرط لم يتحقّق أصل الموضوع، فإنَّ الموضوع هنا غير محفوظ في كلتا الحالتين لينتزع من هذه الشرطية الحكم بانتفاء الجزء من ذلك الموضوع على تقدير عدم تحقّق الشرط، وهذا هو الذي يسمّى بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، فيقال: إنَّ هذه القضية ليس لها مفهوم؛ لأنّها بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، وهو من الدلالات العقليّة.

والوجه فيه: هو ما قالوه: من أنَّ المفهوم ينتفي بانتفاء الإضافة الثانية عن الموضوع الذي حكم عليه بهذه الإضافة على تقدير انتفاء الإضافة الأولى، فإنَّ الإضافة الثانية موضوعها إثباتاً ونفياً واحد، غاية الأمر أنَّ إثبات الإضافة الثانية في طول إثبات الإضافة الأولى، ونفي الإضافة الثانية في طول نفي الإضافة الأولى.

فلو فُرض أنَّ الموضوع متقدّم بالإضافة الأولى، ففي حال نفي الإضافة الأولى لم يبق موضوع حتّى يحكم عليه بانتفاء الإضافة الثانية، ومن هنا تكون القضية سالبة بانتفاء الموضوع.

تنقيح الصغرى في المقام

والآن بعد تنقيح هذه الكبرى نأتي إلى محلّ الكلام لنرى أنَّ الشرطيّة هنا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع أو بنحو السالبة بانتفاء المحمول، فهل موضوع 

ــــــــــ[177]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الإضافة الأولى محفوظ عند انتفائها ليحكم عليه انتفاء الإضافة الثانية، فيكون سلباً بنحو انتفاء المحمول فيكون من الدلالات اللفظية. أو أنَّ معنى الموضوع غير محفوظ أصلا فيكون من باب السالبة بانتفاء الموضوع فيخرج عن باب المفهوم؟ فيقع الكلام في تنقيح صغرى ذلك:

وأحسن من جميع الكلام في هذا المقام هو كلام المحقّق العراقي(1) ولذا هنا نقتصر على ذكر كلامه كمثال وممثل للمشهور في هذا البحث، فأفاد وفاقاً لما يحصل من كلمات سائر المحقّقين:

أنَّ موضوع وجوب التبيّن في الآية هو النبأ، فإنّه هو الذي يوجب التبيّن عنه تارةً وينفي عنه وجوب التبيّن تارةً أُخرى، وهو الذي أضيفت إليه كلتا الإضافتين، وأضيف إليه الجزاء في طول تحقّق الشرط، إلَّا أنَّ هذا النبأ يُتصوّر وقوعه موضوعاً بأحد أنحاء ثلاثة:

أنحاء تصور وقوع النبأ موضوعاً

فتارةً يكون الموضوع هو ذات النبأ وصرف النبأ، وتمام المعاني المتحصّلة من الشرط في الآية -وهي مجيء الفاسق به- تكون مندرجة في الشرط لا في الموضوع.

فنتصوّر القضية الشرطيّة هنا ذات أركان ثلاثة والركن الأساسي ومحط الاضافتين الطوليتين هو صرف النبأ، وحكم هذا الركن هو وجوب التبيّن، وذلك إذا جاء الفاسق به وهو الشرط.

ــــــــــ[178]ــــــــــ

(1) انظـر: مـقالات الأصول ٢: ٨٧، الـمقالة التاسعة: حجّيّة خبر الواحـد من الكتابالكريم.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فلو أردنا أن نصوغ الآية بحيث نجعلها صريحة في هذا المطلب نقول: (النبأ إن جاء به فاسق فتبينوا).

فاذا فرضنا أنَّ الموضوع في الآية كان هو صرف النبأ فما هو المفهوم عند فرض انتفاء الحالة الأولى، وهي حالة ما إذا لم يجئ الفاسق بطبيعي النبأ؟ فهنا حالتان: حالة انعدام النبأ بقول مطلق، وحالة مجيئه من ناحية العادل.

وعدم وجوب التبيّن يعني انتفاء الإضافة الثانية في إحدى هاتين الحالتين، ويكون بنحو السالبة بنحو انتفاء الموضوع، ولا يكون من باب المفهوم، لكن انتفاء الإضافة الثانية في إحدى حالتي انتفاء الإضافة الأولى يكون لها مفهوم، وهي حالة مجيء العادل بالنبأ؛ لأنّه فيها يكون النبأ محقّقاً ومحفوظاً، فيمكن حينئذٍ إضافة انتفاء الجزاء إليه. 

إذن، بناءً على فرض الموضوع هو ذات البناء لم يتمحض فرض انتفاء الإضافة الأولى لا في السالبة بانتفاء الموضوع فقط لأجل أن يسقط المفهوم رأساً، ولم تتمحض في السالبة بانتفاء المحمول رأساً لأجل أن يكون المفهوم ثابتاً في مطلق صور انتفاء الإضافة الأولى، بل يتبيّن.

وأُخرى نفرض أنَّ الشرط في المقام لا طبيعي النبأ، بل نبأ الفاسق، أو إن شئتم قلتم: إنّنا نجعل تمام خصوصيات الشرط في الآية موضوعاً عدا المجيء، وإذا حرصنا بهذا المطلب فنقول: (نبأ الفاسق إذا جاءكم فتبينوا).

فموضوع القضية هو نبأ الفاسق والشرط هو (إذا جاءكم) أي: إذا أخبركم، والجزاء هو وجوب التبيّن.

فهنا على فرض انتفاء الإضافة الأولى عن هذا الموضوع ينتفي الموضوع، ــــــــــ[179]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فإنّه إذا لم يجئنا الفاسق، إذن، فنبأه غير محفوظ أصلاً؛ لأنّ الموضوع هو هذه الحصّة من النبأ وهو نبأ الفاسق وهو غير محفوظ، فحينئذٍ يكون عدم الإضافة الثانية من باب السالبة بانتفاء الموضوع(1)

فمثل هذا لا يكون فيه دلالة من الناحية الشرطيّة على أنَّه لو وجدنا نبأ العادل هل يكون هناك تبيّن أو لا.

وثالثة أن نقول: إنَّ الموضوع هو النبأ، لكن لا طبيعي النبأ كما هو الحال في الوجه الأوّل، ولا نبأ الفاسق، بل النبأ المضاف إلى المجيء فندخل المجيء في الموضوع، ونضع الفاسق شرطاً، فيكون الموضوع هو (النبأ الذي جيء به) والشرط هو فسق الجائي به.

فلو حرصنا بهذه القضية لقلنا: إنَّ كان الجائي بالنبأ فاسقاً، أو بتعبير أصرح: النبأ الذي جيء به إن كان الجائي به فاسقاً فتبينوا.

وهنا -بعكس الثاني- يكون المفهوم متمحضاً بنحو السالبة بانتفاء المحمول، فإنَّ النبأ الذي جيء به، إذا لم يكن الجائي به فاسقاً -يعني انعدمت الإضافة الأولى- فرضه هو فرض مجيء العادل؛ لأنّنا قد فرضنا أنَّ النبأ جيء به، لأنَّ المجيء به أُخذ في الموضوع فأصبح مفروغاً عنه. 

إذن، فانعدام الإضافة الأولى مساوق مع مجيء العادل به حينئذٍ، فتكون السالبة سالبة بانتفاء المحمول، هذه هي الاحتمالات الثلاثة.

ثُمَّ هو استظهر من هذه الاحتمالات الثلاثة الأوّل، وهو أن يكون 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

(1) إذ لم يبق نبأ فاسق لكي يقع الكلام في أنَّ التبيّن عنه أو لا. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الموضوع طبيعي النبأ في المقام، وأن تكون تمام الخصوصيات الأُخرى مأخوذة في جانب الشرط، وحينئذٍ يكون الانتفاء عند الانتفاء مزدوجاً من السلب بانتفاء الموضوع والسلب بانتفاء المحمول، ومن حيث السلب الأوّل لا يكون به مفهوم، ومن حيث السلب الثاني ينعقد المفهوم. ومن هنا اختلف بالاستدلال بآية النبأ.

هذه خلاصة ما أفاده في المقام، وهو خير ما أُفيد في المقام في حلّ الخصومة بين الشيخ الأعظم وصاحب الكفاية إذ أنَّ الشيخ الأعظم هو الذي أنكر مفهوم الشرط باعتبار أنَّ القضية هنا مسوقة لبيان تحقق الموضوع، وصار صاحب الكفاية في مقام حلّ هذا المطلب.

وملخص حلّ الخصومة هو أن يقال: بأنَّ الشيخ الأعظم حين أنكر ذلك كأنّه كان نظره إلى الشقّ الثاني، والآخوند حين صار بصدد التصحيح كان نظره الى الشقّ الثالث، والمحقّق العراقي بهذا التحقيق أوضح، بأنّه لا يحتاج إلى الالتزام بهذين الشقّين، بل يمكن الالتزام بالشقّ الأوّل، حيث نجعل السلب المنتزع من هذا التعليق سلباً مزدوجاً ينحلّ إلى سلب بانتفاء الموضوع وسلب بانتفاء المحمول، فبلحاظ الأوّل يخرج عن باب المفاهيم، وبلحاظ الثاني يدخل في باب المفاهيم، وحينئذٍ يكون الاستدلال بالآية تامّاً.

التحقيق في المقام

وتوضيح الحال في المقام يتوقف على توضيح أمرين:

الأمر الأوّل: في تحقيق الحال فيما هو موضوع الحكم الذي يقال بلزوم انحفاظه في جانب المفهوم؛ لكي يمكن انتزاعه.

ــــــــــ[181]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

والأمر الثاني: في تحقيق ما هو المراد من موضوع القضية الشرطيّة بما هي قضية، لا موضوع الحكم بما هو حكم، كما سوف يظهر الفرق ما بين الأمرين.

الأمر الأول: في المراد من موضوع الحكم

أمّا الأمر الأوّل -وهو تحقيق ما هو المراد من موضوع الحكم الذي يجب أن يكون منحفظاً في حال انتفاء الشرط؛ لكي يمكن انتزاع المفهوم من القضية الشرطية- فما هو المراد بالموضوع في المقام؟

ليس المراد من الموضوع -الذي يجب أن يكون منحفظاً- تمام الخصوصيات المأخوذة مفروضة الوجود في عالم الجعل والتشريع في مقام انشاء هذا الحكم؛ لأنَّ من جملة الخصوصيات المفروضة الوجود هي نفس الشرط ولا يمكن انحفاظ الشرط في حال فقدانه.

بل المراد من الموضوع ما كان موضوعاً بحسب مقام الإثبات، لا ما كان مفروض الوجود بحسب مقام الثبوت.

وتوضيح ذلك: أنّه في باب انتزاع المفهوم من القضية الشرطيّة، لا بُدَّ من الالتفات إلى أنّها فيها جنبة تقييد كما هو مقتضى الشرطيّة، فحينما يقول: (إذا جاء زيد فأكرمه) فمفاد وجوب الإكرام مقيّد من ناحية الشرط، وهو مجيء زيد. 

أمّا إذا قال: (أكرم زيداً) فيكون مطلقاً، ومقتضى القاعدة وجوب إكرامه حال مجيئه، وحال عدم مجيئه، وحال سفره وحضره وجميع حالاته، إلَّا أنّه من ناحية هذه القضية الشرطيّة، فرفع اليد عن مثل هذا الإطلاق الثابت له في نفسه، وقيد وجوب الإكرام هنا بحالة وجود الشرط وهي مجيئه، فعند مجيئه يجب الإكرام.

ــــــــــ[182]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ولكن ما هي فائدة ونتيجة هذا التقييد في طرف المفهوم؟

 فائدته أن يرى الجهات التي كان مدلول الجزاء مطلقاً من ناحيتها لولا التقييد بالشرط، فلولا التقييد بالشرط في أيّ حال يثبت مفاد الجزاء، فحينئذٍ التقييد من ناحية الشرط يقتضي انتفائه في تمام تلك الحالات.

فالمفهوم عبارة عن اقتضاء تقييد مفاد الجزاء بالشرط؛ لنفي الجزاء عن الحالات التي بقطع النظر عن التقييد الناشئ من الشرط يكون للجزاء إطلاق بالنسبة إليها، فمن هنا يدلّ على انتفاء مفاد الجزاء في تلك الحالات.

وأمّا لو فُرض أن حاله لم يكن لمفاد الجزاء، حتّى بقطع النظر عن التقييد بالشرط فإطلاق لها، فالتقيد بالشرط لا ينفي ثبوته في تلك الحالة.

فمثلاً: (إذا جاءك زيد فأكرمه)، فالجزاء (إكرام زيد)، وهذا لو خُلّي وطبعه وبقطع النظر عن التقييد الناشئ من الشرط، له إطلاق لغرض مجيئه وعدم مجيئه وفرض سفره وحضره، وهنا عرض على مدلول الجزاء التقييد من ناحية الشرط، وهذا التقييد يقتضي انتفاء وجوب إكرام زيد عن تمام تلك الحالات التي كان لمفاد الجزاء في حدّ ذاته إطلاق وشمول لها، إلَّا حالة واحدة وهي حالة المجيء.

فوظيفة التقييد الناشئ من الشرط هي أن يرفع مفاد الجزاء عن تمام تلك الحالات -إنَّما كان مطلقاً في المرتبة السابقة عن التقييد بالإضافة إليها- إلَّا حالة وجود الشرط.

لكن ليس من وظيفته أن يرفع مفاد الجزاء في حالة، لم يكن مفاد الجزاء في 

ــــــــــ[183]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

المرتبة السابقة له إطلاق بالنسبة إليها أصلاً، بل هو بالنسبة إلى تلك الحالة التي لا يكون له إطلاق في نفسه لها سالبة بانتفاء الموضوع، وإن كان هذا التعبير
-السالبة بانتفاء الموضوع- تعبيراً ركيكاً أوجب تميّع المعنى(1) في البحث الأُصولي، فلا نعبّر به إلَّا بقصد تطبيق المدّعى على البحث الأُصولي.

فمثلاً: إذا قال: (إذا جاء العالم العادل فأكرمه) فهنا وظيفة التقييد بالشرط هي نفي مفاد الجزاء عن الحالات التي كان مفاد الجزاء إطلاق لها لو لا هذا التقييد، وهي حالة عدم مجيء العالم العادل، فإنَّ مفاد الجزاء هنا مرجعه إلى قوله (أكرم العالم العادل) فيكون شاملاً لتمام حالات العالم العادل التي منها حالة عدم مجيئه ومنها حالة مجيئه.

والتقييد من ناحية الشرط يقتضي نفيه حالة عدم مجيئه، لكن هل يمكن أن نستدلّ بمفهوم الشرط على أنّه إذا فُرض أنّه جاءنا العالم غير العادل أو العادل غير العالم فلا يجب إكرامه مثلاً؟

 كلا، وذلك لأنَّ مفاد الجزاء لو خُلّي ونفسه بقطع النظر عن التقييد الناشئ عليه من الشرط، لم يكن له إطلاق في نفسه في حالة مجيء العالم بلا عدالة أو العادل بلا علم، فالتقييد الذي نشأ من الشرط لا يقتضي نفي وجوب الإكرام عن حالة لم تكن مشمولة لإطلاق الجزاء لو لا التقييد بالشرط؛ ولهذا يتوقف انتزاع المفهوم في قولنا: (إذا جاء العالم العادل فأكرمه) في حالة وجود عالم بلا 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

() حيثما وجب الخلط بين موضوع الحكم بهذا المعنى وبين موضوع القضية التي سوف نتكلّم عنه في الوجه الثاني إن شاء الله. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

عدالة، أو عادل بلا علم على مفهوم الوصف مثلاً، أو مفهوم اللقب. 

أمّا من ناحية مفهوم الشرط فلا يمكن أن نثبت به نفي للوجوب في هذه الحالة؛ لأنّها لم تكن مشمولة لمفاد الجزاء في نفسه بقطع النظر عن عروض التقييد عليه من ناحية الشرط. إذن، كيف نشخص الموضوع بحسب مقام الإثبات؟ 

اتّضح ذلك ممّا سبق: وذلك بأن نلحظ النسبة الطلبيّة، يعني: وجوب المدلول للهيئة، وقد عرض هذا الوجوب على المادّة، والمادّة تعلّقت بالعروض لا محالة، ونحن نقطع النظر عن الشرط ونرى أنَّ مدلول الهيئة ما هو؟ هل هو الوجوب؟ لا الوجوب المطلق، بل وجوب الإكرام، لا إكرام أيّ شخص، بل إكرام العالم العادل، فإلى هنا يتحدّد مفاد الجزاء في نفسه بقطع النظر عن التقييد الناشئ من الشرط.

فحينئذٍ يصير موضوع هذا الوجوب عبارة عن إكرام العالم العادل، أو العالم العادل من حيث إكرامه، فالمفهوم ينفي الوجوب عن بعض حالات هذا الموضوع فيقول: بأنَّ إكرام العالم العادل غير واجب في حالة عدم وجود الشرط وهو مجيئه، ولكنّه لا ينفي وجوب غير الإكرام كالتعليم مثلاً.

أو وجوب الإكرام عن غير العالم العادل، كالعالم غير العادل، أو العادل غير العالم، فلا ينفيه من ناحية الشرطية؛ لأنَّ تلك الحالات لم يكن لمفاد الجزاء في نفسه فلا إطلاق لها حتّى ينفي من ناحية التقييد الناشئ من الشرط.

فإذا أردنا أن نعرف وظيفة التقييد الناشئ من الشرط في القضية الشرطيّة فلا بُدَّ أن نحدّد مفاد الجزاء في نفسه، ثُمَّ نحدد الحالات التي يشملها مفاد ــــــــــ[185]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الجزاء في نفسه، ثُمَّ نقول: بأنَّ التقييد الناشئ من الشرط ينفي الحكم عن تمام تلك الحالات إلَّا حالة وجود الشرط.

وحينئذٍ إذا فرضنا أنّنا حدّدنا مفاد الجزاء في نفسه -بقطع النظر عن الشرط- كان مفاده في نفسه عدم الإطلاق له إلَّا لحالة وجود الشرط، ولم يكن له إطلاق لحالة فقدان الشرط. إذن، فحينئذٍ لا ينفي التقييد الشرطي شيئاً؛ لأنَّ هذا الشيء منفي من ناحية مفاد الجزاء وفي المرتبة السابقة على عروض التقييد عليه من الشرط، كما إذا قال: (إذا رُزقت ولداً فاختنه) أو (إذا وجد عندك مال فتصدق به) فالجزاء إذ نحدّده بقطع النظر عن الشرط، وهو وجوب عرض على مادة وهو الختان، وقد تعلّق الختان بموضوع وهو الولد، فمفاد الجزاء في نفسه هو وجوب ختان الولد، وهذا المفاد يستحيل أن يكون له إطلاق لغرض عدم وجود الشرط، أي: فرض عدم تحقق ولد له؛ لأنّه حينئذٍ لا يُعقل تحقّق مثل هذا الوجوب. إذن، لم يكن هناك إطلاق لمفاد الجزاء بقطع النظر عن الشرط.

 إذن، فالانتفاء الذي يراد تحصيله من ناحية التقييد حاصل في المرتبة السابقة على التقييد؛ لأنّه حصل من ناحية التقييد.

وهذا معنى أنَّ القضية ليس لها مفهوم، وهذا معنى السالبة بانتفاء الموضوع بحسب اصطلاحهم.

هذه هي المقدّمة الأولى في توضيح معنى موضوع الحكم الذي لا بُدَّ من انحفاظه في طرف المفهوم والمنطوق معاً، وهو ذاك الموضوع الذي يكون مفاد الجزاء مقيّداً به في المرتبة السابقة على عروض الشرط عليه.

ــــــــــ[186]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الأمر الثاني: في المراد من موضوع القضية الشرطية

أمّا الأمر الثاني ففي توضيح معنى موضوع القضية، فإذا قال المولى مثلاً: إذا أكرم زيد عالماً فأكرمه، أي: أكرم ذلك العالم.

 وهنا إذا أردنا أن نشخص موضوع الحكم على ضوء المقدّمة السابقة، فماذا نصنع؟ كنا نقول: إنّنا نحسب حساب مفاد الجزاء في المرتبة السابقة على عروض التقييد عليه بالشرط، والجزاء هو (أكرمه) يعني: أكرم العالم، فموضوع هذا الوجوب هو العالم مطلقاً من حيث إنَّ زيداً يكرمه أو لا يكرمه، فالتقييد الناشئ من الشرط الذي يقتضي نفي وجوب إكرام العالم في حالة عدم وجود الشرط. فموضوع الحكم هو العالم؛ لأنّه هو الذي تتعلّق به الحالة التي تعلّقت بها الهيئة.

لكن عندنا هنا موضوع آخر بمعنى آخر، وهو نفس زيد، فإنّه موضوع هنا، لكن لا موضوع للحكم، بل هو موضوع للشرط الذي جعل قيداً للحكم، لا أنّه موضوع للحكم، ولكنّه موضوع للقضية. 

ومن هنا نفرق بين ما هو الموضوع للحكم وما هو موضوع للقضية.

وتوضيح ذلك: أنّه في قولنا: إن أكرم زيد العالم فأكرمه، فأداة الشرط دخلت على مدلول جملة الشرط، وهو أكرم زيد.

وهنا لا بُدَّ من الالتفات إلى نكتة، وهي: أنَّ الموضوعات تارةً تكون مقدّرة بتقدير شرطي، وأُخرى تكون مُقدّرة بتقدير حملي. فالتقدير الشرطي هو عبارة عن صيرورة شيء مدخولاً لأداة الشرط، فيكون كونه أمراً مقدّراً ومفروضاً 

ــــــــــ[187]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

أمراً بارزاً وواضحاً، كما في قوله: إن جاء زيد فأكرمه، فإنَّ مجيء زيد هنا وقع موقع الفرض والتقدير بشكل بارز وواضح.

وأُخرى يكون التقدير مستتراً، كما هو الحال في القضايا الحمليّة، فإنّه يقال: بأنَّ القضية الحمليّة ترجع في كثير من الموارد إلى قضية شرطيّة، ومعنى رجوعها هو أنَّ موضوع القضية الحمليّة أيضاً مستبطن للتقدير، لكنّه تقدير مستتر لا تقدير بارز، فحينما يقال: زيد يجب إكرامه، فالتقدير هنا مستتر، بمعنى: أنّه يفرض وجود زيد ثُمَّ يحكم بعد هذا بوجوب إكرامه.

ولذا بحسب الروح إذا أردنا أن نبرز هذا التقدير نحوله إلى تقدير شرطي فنقول: إذا وجد زيد فأكرمه.

فإذا علمنا أنَّ التقدير بارز ومستتر فالبارز هو الشرطي والمستتر هو الحملي، فنقول: إنَّه في الجملة الشرطيّة يوجد تقدير شرطي يقتضي أداة الشرط، وقد انصبّ على مفاد جملة الشرط: (أن أكرم زيد العالم). فمفاد الجملة هنا هو مصبّ الفرض والتقدير، ومفاد الجملة هو النسبة التامّة القائمة بين المجيء وبين زيد.

إلَّا أنَّ هذه النسبة القائمة بين المجيء وزيد، وإن كانت نسبتها إلى كلّ من الطرفين على حدّ واحد؛ لأن كلّاً من المجيء وزيد طرف لها، إلَّا أنَّ تقديرها بلحاظ أداة الشرط إنَّما يتجه نحو طرف محمولها لا نحو طرف موضوعها. يعني: أنَّ تقدير النسبة في قولنا: (إذا جاء زيد) هو تقدير للنسبة بلحاظ المجيء لا تقدير للنسبة بلحاظ أصل وجود زيد.

ــــــــــ[188]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

والدليل على ذلك: أنّنا يمكننا أن نقدّم دائماً ما هو الموضوع من دون أن يختل الكلام أصلاً، فنقدّمه على أداة الشرط، فنقول مثلاً: زيد إذا جاء فأكرمه. ولا نرى فرقاً بين قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) أو قولنا: (زيد إذا جاء فأكرمه).

فإنّنا حينما نُقدّم زيداً على أداة الشرط فإنّنا نُخرج زيداً عن أن يكون هو محط الفرض والتقدير الشرطي، ونجعله مقدراً تقديراً حملياً؛ لأنّنا نجعله موضوعاً في قضية حمليّة وفي داخل هذه القضية الحمليّة توجد قضية شرطيّة، كما في قولنا: (زيد إذا جاء فأكرمه) فزيد الواقع قبل أداة الشرط مقدّر بتقدير حملي لا بتقدير شرطي.

ونحن لا نرى بالوجدان فرقاً بين أن يُقدّم زيد وأن يؤخر، وهذا دليل على أنَّ التقدير الشرطي لم ينبسط على الموضوع، وإنَّما هو تقدير للنسبة بلحاظ المحمول فقط، فما وقعت موقع الفرض والتقدير إنَّما هو النسبة بلحاظ المحمول لا الموضوع.

وأمّا الموضوع فإذا فُرض أنَّ نفس تقدير المحمول هو تقدير للموضوع، كما هو الحال فيما إذا قال: (إذا وجد زيد فأكرمه) فإنَّ تقدير الوجود هو بنفسه تقدير إلى زيد، فحينئذٍ يكون زيداً مقدراً بالعرض باعتبار مقدّريّة محموله، لا بتقدير شرطي عرضي في عرض مقدّريّة محموله.

وإذا فُرض أنّه لم يكن هكذا، كما في قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) فحينئذٍ يكون مقدراً تقديراً حملياً لا محالة، ويكون معناه: أنَّ زيداً المفروض الوجود إذا جاء فأكرمه، فيكون تقدير زيد تقديراً حملياً، وتقدير نسبة المجيء إليه تقديراً شرطياً، ومن هنا يصير زيد موضوعاً للقضية.

ــــــــــ[189]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فمرادنا بموضوع القضية هو الموضوع المأخوذ في جملة الشرط الذي يكون خارجاً عن مصبّ التقدير الشرطي.

فقولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) الموضوع في القضية هو زيد. وفي قولنا: (إذا أكرم زيد عالماً فأكرمه)، الموضوع بما هو موضوع للقضية هو زيد؛ لأنَّ مصبّ التقدير الشرطي هو المحمول لا الموضوع، وأمّا الموضوع فهو خارج عنه.

وبهذا اتّضحت نكتة الفرق بين موضوع الحكم وبين موضوع القضية، وتبيّن: أنّهما قد يجتمعان وقد يفترقان، ففي قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه)، فزيد موضوع لكلّ من القضية والحكم، وقد يختلفان كما في قولنا: (إذا أكرم زيد عالماً فأكرمه) فهنا موضوع الحكم هو العالم؛ لأنّه هو الذي يتعلّق به الإكرام، وموضوع القضية هو زيد المكرم؛ لأنّه هو المأخوذ في جملة الشرط خارج مصبّ دائرة الفرض والتقدير الشرطي، هذه أيضاً المقدّمة الثانية.

النسبة بين موضوع الحكم وموضوع القضية الشرطية

فتحقق من المقدّمتين السابقتين معنى أمرين:

 ففي المقدّمة الأولى شرحنا معنى موضوع الحكم في القضية الشرطيّة، وفي المقدمة الثانية شرحنا معنى موضوع نفس القضية الشرطية بما هي قضية.

وقلنا في المقدّمة الأولى: إنَّ موضوع الحكم هو عبارة عن العنوان الذي يكون الحكم مضافاً إليه بقطع النظر عن تقيده من ناحية الشرط وفي المرتبة السابقة عليه، ويكون في حدّ نفسه إطلاق لحال فرض وجدان الشرط وفقدانه. ويكون التقييد الناشئ من الشرط موجباً حينئذٍ للدلالة على انتفاء الحكم عن ذلك الموضوع في غير حاله وجود الشرط.

ــــــــــ[190]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

أمّا لو فُرض أنَّ موضوع الحكم في حدِّ ذاته لم يكن له إطلاق لغرض فقد الشرط فلا مفهوم؛ إذ لا يكون التقييد الناشئ من ناحية الشرط تقييداً جديداً رافعاً لإطلاق في المرتبة السابقة، فإذا لم يكن هناك تقييد في المرتبة المتأخّرة فلا مفهوم؛ لأنَّ هذا التقيد هو الذي ينتزع منه المفهوم، وحيث لا إطلاق في المرتبة السابقة فلا تقييد في المرتبة المتأخّرة فلا مفهوم.

وأمّا موضوع القضية فهو عبارة عن العنوان المأخوذ في الجملة الشرطيّة خارج حدود التقدير الشرطي على النحو الذي شرحناه سابقاً، وقلنا: إنّه بناءً على هذا التمييز بدقّة بين موضوع الحكم وموضوع القضية نعرف أنّهما قد يجتمعان فيصير شيء واحد موضوعاً للحكم وللقضية، وقد يفترقان فيصير موضوع الحكم شيئاً وموضوع القضية شيئاً آخر.

ومثال صورة اجتماعهما ما إذا قال: إذا جاء زيد فأكرمه، فهنا موضوع الحكم هو زيد؛ لأنَّ الوجوب المدلول لهيئة أكرم تحصّص بالمادّة وهي الإكرام، والإكرام تحصّص بالإضافة إلى فاعله(1) وهو زيد، كما أنَّ زيداً هو أيضاً موضوع القضية، بقرينة أنّه يمكن تقدّيمه بلا أن يختلف شيء من المعنى، بأن يقال:(زيد إذا جاء فأكرمه) فهذا يدلّ على أنَّ زيداً لوحظ خارج نطاق التقدير الشرطي، وهذا معنى كونه موضوعاً للقضية الشرطيّة.

ومثال افتراق الموضوعين: (إذا أكرم زيد عالماً فأكرمه) فموضوع القضية هو زيد أيضاً بنفس التقريب السابق، وأمّا موضوع وجوب الإكرام فهو العالم الذي أكرمه زيد.

ــــــــــ[191]ــــــــــ

() الواقع أنَّ زيداً في (أكرم زيداً) مفعول لا فاعل. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بل قد يكون موضوع الحكم أمراً غير مذكور في جملة الشرط أصلاً وأجنبياً عنها: (إذا جاءك عالم فتصدّق على الفقراء) فموضوع الحكم بوجوب التصدّق هو الفقراء، والفقراء أُخذ في جملة الجزاء ولم يُأخذ في جملة الشرط، وموضوع القضية هو العالم.

ومن هنا يُعرف أنَّ موضوع الحكم ليس لا بُدَّ وأن يكون مأخوذاً في جملة الشرط، لكن موضوع القضية لا بُدَّ وأن يكون مأخوذاً فيها، أو مقدّماً على أداة الشرط.

هذا هو معرفة النسبة بين موضوع القضية وموضوع الحكم بالمعنى الذي حقّقناه.

[النسبة بين كلّ منها والشرط]

أمّا نسبة موضوع القضية إلى الشرط فهما متباينان دائماً؛ لأنَّ المراد من الشرط هو ما دخل في ضمن دائرة تقدير الشرطي، والموضوع في القضية الشرطية قد فسّرناه بأنّه ما كان خارج هذا النطاق، فيستحيل أن يكون شيئاً واحداً مصبّاً للتقدير الشرطي خارج نطاقه، فموضوع القضية مع الشرط متباينان لا محالة.

 وموضوع القضيّة لا يُعقل أن يكون شرطاً، غاية الأمر أنَّ الشرط والموضوع كلاهما لا بُدَّ وأن يُؤخذ من جملة الشرط كما بيّنا، ومن هنا تقسيم جملة الشرط على الشرط وعلى الموضوع يرجع إلى المتفاهم العرفي.

فإنَّ جملة الشرط يجب أن نعيّن جزءاً منها، فنقول: إنّه داخل في دائرة التقدير الشرطي، وجزء منها، فنقول: إنّه خارج هذا النطاق، فأيّ جزء منها نقول: إنّه 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

داخل الدائرة، وأيّ جزء نقول: إنّه خارجها؟ ليس هناك ميزان كلّي لذلك، بل الفهم العرفي في مورد هو الحكم في تحديد الدائرة بتمام الخصوصيات.

ففي قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه) أنَّ مجيء زيد داخل في دائرة التقدير الشرطي وزيد نفسه خارج عنها، وهو في غاية الوضوح، وفي بعض الموارد يكون هناك نوع من الخفاء، فيُعمل حينئذٍ الارتكاز العرفي والظهور العرفي في مقام تشخيص ما هو داخل وما هو خارج.

وأمّا نسبة موضوع الحكم مع الشرط فليس بينهما تباين؛ إذ قد يكون الموضوع بنفسه هو الشرط، كما إذا فُرض أنّه قال: (إذا أخبرك زيد فلا تعتني) فالشرط في القضية هنا هو إخبار زيد، والجزاء هو حرمة الاعتناء، وموضوع هذه الحرمة هو إخبار زيد، لا نفس زيد، وإخبار زيد هو بنفسه الشرط.

كما قد يصير الحكم هو موضوع القضية، أي: الجزء الآخر من جملة الشرط الخارج عن دائرة التقدير الشرطي، كزيد في قولنا: (إذا جاء زيد فأكرمه).

كما قد يصير موضوع الحكم أمراً آخر أجنبياً عن تمام جملة الشرط، كما في قولنا: (إذا جاء العالم فتصدّق على الفقراء) فإنَّ موضوع الحكم هنا هو الفقراء، وهو أجنبي عن تمام دائرة جملة الشرط.

إذن، موضوع الحكم ليس مبايناً مع الشرط، بل يمكن اتّحاده معه، بحيث يكون موضوع الحكم هو بنفسه الشرط، وإنَّما التباين يكون بين موضوع القضية وبين الشرط. 

ومن مجموع هذا ظهر وجه الخلط في كلمات الأكابر، كالمحقّق العراقي 

ــــــــــ[193]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

والسيّد الأُستاذ وغيرهما، حيث إنّهم ذكروا في مقام تحقيق ما هو موضوع القضية في آية النبأ: أنَّ جملة الشرط إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواَ(1) فيها ثلاث خصوصيات، المجيء والفسق والنبأ، ولا بُدَّ من إفراز دائرتين هنا دائرة للشرط ودائرة للموضوع، وتعيين كلّ من الدائرتين يكون بالفهم العرفي. 

ومن هنا صاروا في مقام بيان أنَّ دائرة الفرض والتقدير، هل تنبسط على المجيء والفسق معاً، ويكون موضوع هو النبأ فقط، أو أنّها تنبسط على المجيء فقط، أو على الفسق فقط على الوجوه الثلاثة التي ذكرها المحقّق العراقي؟ 

واستظهر الوجه الأوّل: وهو أنَّ دائرة الشرط تنبسط على الفسق والمجيء معاً، وأنَّ الموضوع الخارج عن الدائرة هو ذات النبأ فقط.

هذا كلّه غير صحيح؛ وذلك لأنَّ هذا إنَّما يصحّ في موضوع القضية، فإنّه هو الشيء الذي يكون مبايناً مع الشرط، ولا بُدَّ من افرازه عنه في جملة الشرط لأجل أن يرى ما هو الداخل في دائرة التقدير الشرطي، وما هو خارج عنها. وتحكيم الفهم العرفي فيما هو الداخل تحت الدائرة، وما هو خارج إنَّما هو في موضوع القضية.

وما هم بصدده من أنَّ المفهوم هل هو ثابت أو أنَّ السلب هنا بانتفاء الموضوع، فهذا مربوط بموضوع الحكم لا بموضوع القضية؛ لأنّنا قلنا: إنَّ محذور السالبة بانتفاء الموضوع إنَّما يتحصل فيما إذا فُرض أنَّ موضوع الحكم لم يكن له في المرتبة السابقة على عروض التقييد عليه من ناحية الشرط، فلم يكن 

ــــــــــ[194]ــــــــــ

(1) الحجرات: 6.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

له إطلاق لغير حالة وجدان الشرط.

فالميزان في كون القضية الشرطيّة سالبة بانتفاء الموضوع(1) هو تشخيص ما هو موضوع الحكم، والنظر إلى أنّه هل له إطلاق في المرتبة السابقة لحال فقدان الشرط أو ليس له إطلاق؟ لا تشخيص موضوع القضية، لأجل أن يتكلّم أنّه في جملة الشرط يجب أن نوزع هذه الخصوصيات، فأيّ منها ندخله في دائرة الشرط وأيّ منها نخرجه.

فإنَّ إدخال خصوصيّة تحت دائرة الشرط لا يوجب عدم كونه موضوعاً للحكم، كما أنَّ خروج خصوصيته عن دائرة الشرط، وصيرورته موضوعاً للقضية لا يوجب كونه موضوعاً للحكم.

ومنشأ الخلط هنا هو التعبير بالموضوع هنا، التعبير بالسالبة بانتفاء الموضوع وملاحظة موضوع القضية.

وبعد أن نُميّز بين موضوع القضية وبين موضوع الحكم حينئذٍ نكون في منجاة من مثل هذا التشويش.

شرطان في انعقاد المفهوم للقضية الشرطية

بعد أن اتّضح معنى موضوع الحكم ومعنى موضوع القضية، والنسبة بينهما في نفسها، والنسبة بين كلّ منها والشرط، حينئذٍ نقول: إنّه يُشترط في انعقاد مفهوم للقضية الشرطية شرطان:

ــــــــــ[195]ــــــــــ

() وفي قولنا: (إذا رزقت ولداً فأكرم العلماء) يكون باصطلاحهم سالباً بانتفاء الموضوع، مع أنّه ليس مفهومها بالبشاعة الذي لمفهوم (إذا رزقت ولداً فاختنه). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الشرط الأوّل: أن يكون موضوع(1) الحكم في المرتبة السابقة على عروض التقييد عليه من ناحية الشرط، له إطلاق -على ما بيّنا- لحالات فقدان الشرط، حتّى يصير التقييد الشرطي هدماً لهذا الإطلاق في المرتبة المتأخّرة، وتقييداً له لينتزع المفهوم من هذا التقييد.

وأمّا إذا فُرض أنَّ موضوع الحكم لم يكن له في المرتبة السابقة إطلاق، فلم يُتصوّر في المرتبة المتأخّرة تقييد، فلم يُنتزع المفهوم، من قبيل قوله: (إذا جاءك شخص بتحية فردّ عليه التحية، فهنا موضوع الجزاء وهو ردّ التحية في المرتبة السابقة لا يُعقل أن يكون له إطلاق لحالة فقدن الابتداء بالتحية؛ لأنَّ عنوان الرد لا يُعقل تحقّقه مع عدم الابتداء بالتحية.

الشرط الثاني: أن لا يكون موضوع الحكم شرطاً في القضية الشرطيّة، يعني: داخلاً تحت دائرة الفرض والتقدير الشرطي.

ولا يقال: إنّه كيف تعرضون أنَّ الموضوع داخل تحت دائرة التقدير الشرطي، هذا خُلف؛ لأنّه يقال: بأنَّ هذا الخُلف اندفع بما بيّناه، إذ لا تقابل
-كما شرحناه- بين موضوع الحكم وبين الشرط، وإنَّما التقابل بين موضوع القضية والشرط.

ومن هنا نحن نسجل هذا الشرط الثاني في انتزاع المفهوم، وهو أنّه لا بُدَّ وأن يكون موضوع الحكم غير داخل في دائرة الفرض والتقدير في القضية الشرطيّة.

ــــــــــ[196]ــــــــــ

() لا موضوع القضية. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وأمّا إذا كان داخلاً في الدائرة فلا يُنتزع المفهوم؛ لأنَّ التقييد من ناحية الشرط يدلّ على الانتفاء في حالات انتفاء حالات ما هو داخل تحت الفرض والتقدير، لا بلحاظ الخصوصيات الداخلة تحت الفرض والتقدير.

فإنَّ التقييد بالشرط إنَّما يدلّ على انتفاء الحكم عن موضوع، يكون ذلك الموضوع غير ما هو داخل تحت دائرة الفرض والتقدير، ويكون محفوظاً بقطع النظر عن الخصوصيات الداخلة في الدائرة.

 وأمّا إذا فُرض أنَّ نفس الموضوع كان داخلاً تحت دائرة الفرض والتقدير فلا يدخل على المفهوم.

وهذا الشرط ليس أمراً برهانياً، وإنَّما هو أمر عرفي وجداني، كما إذا قال المولى: (إذا اخبرك زيد فلا تعتني) أو (إذا أخبرك الفاسق فتبيّن) فهنا موضوع حرمة الاعتناء هو إخبار زيد، وقد وقع هذا الموضوع هنا تحت دائرة الفرض والتقدير، وحيث وقع كذلك، فلا يحتمل أحد من أهل العرف في هذا المثال أنّه يدلّ في مفهومه على أنَّ الإخبار إذا صدر من عمرو أو من خالد فاعتني به، فإنَّ هذا ليس شيئاً غير مفهوم اللقب.

وهذا بخلاف ما إذا صيغت العبارة هكذا: (إذا كان الإخبار من زيد فلا تعتني) فإنّه هنا الإخبار وإن كان موضوع الحكم، لكن الإخبار هنا خرج عن دائرة الفرض والتقدير؛ ولهذا يمكن تقدّيمه على أداة الشرط، فيقال: (الإخبار إن كان من زيد فلا تعتني).

هذا بناءً على مفهوم الشرط يدلّ على المفهوم، وأنّه أذا لم يكن الإخبار من زيد فاعتني به.

ــــــــــ[197]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ما هو موضوع الحكم في آية النبأ

وبعد تأسيس هذا القانون، قانون هذين الشرطين المبني على المقدّمتين السابقتين نأتي إلى التطبيق في آية النبأ التي قال فيها تبارك وتعالى: إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواَ(1)  فما هو موضوع الحكم هنا؟

 يوجد فيه أوّلاً احتمالان:

الاحتمال الأوّل: أن يكون موضوع الحكم هو نفس الفاسق، بأنَّ يكون التبيّن تبيّناً عن حال الفاسق، يعنى: تبيّنوا عن الفاسق هل له غرض أو داع لأن يكذب أو له عداوة مع بنى المصطلق، كما كان للوليد عداوة معهم، فأخبر عن ارتدادهم وامتناعهم عن اعطاء الزكوات.

الاحتمال الثاني: أن يكون موضوع التبيّن هو حال نبأ لا حال نفسه.

وبناءً على الاحتمال الأوّل فيما إذا كان موضوع التبيّن هو حال نفس الفاسق، فمن الواضح أنّه لا مفهوم لمثل هذه القضية؛ لأنَّ الحكم هنا هو وجوب التبيّن عن الفاسق، فيكون موضوع الحكم هو الفاسق، وحينئذٍ لا يمكن أن نثبت بالمفهوم عدم وجوب التبيّن عن العادل.

فإنَّ قلنا: بأنَّ النفي الذي نثبته بالمفهوم يجب أن نثبته في حالة كانت مشمولة لا إطلاق الحكم في المرتبة السابقة على عروض التقييد الشرطي عليه. وهنا الحكم المجهول -وهو وجوب التبيّن عن الفاسق- لم يكن له إطلاق لحالة 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

(1) الحجرات: 6.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

العادل، فيستحيل أن ننفي بالمفهوم وجوب التبيّن عنه، ويكون الشرط الأوّل مفقوداً في المقام.

وهذا في غاية الوضوح لو تمّ هذا الاحتمال أو أُجملت الآية بحيث تساوى الاحتمالان.

وأمّا لو قيل بالاحتمال الثاني وأن يكون التبيّن هنا مضافاً إلى حال نبأ الفاسق لا إلى حال نفسه، فالذي يدلّ على النبأ في جملة الشرط في الآية الكريمة كلمتان: 

إحداهما: تدلّ عليه دلالة مستترة وغامضة. 

والأُخرى: تدلّ عليه دلالة صريحة.

 أمّا ما تدلّ عليه دلالة صريحة، فهي نفس كلمة النبأ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواَ(1) وأمّا الكلمة الدالّة بدلالة مستترة، فهي مادّة المجيء في قوله:إِن جَاءَكُمْ لأنَّ المجيء بالنبأ، يعني الإخبار به والابقاء به. والفرق بين من جاء بالنبأ وأنبأ بالنبأ، كالفرق بين المعنى المصدري واسم المصدر وبين الايجاد والوجود، فالتبيّن لا بُدَّ وأن يُدّعى رجوعه إلى أحد هذين الأمرين. 

فإنَّ ادّعي الأوّل، يعني: رجوعه إلى النبأ، يعني: كلمة (بنبأ). فتقريب الاستدلال بالمفهوم كما نقلنا عن المحقّق العراقي أن يقال: بأنَّ كلمة النبأ تكون بمفردها بلا ضمّ قيد إليها من خارج، فتكون هي المرجع للتبيّن، فيكون موضوع وجوب التبيّن هو ذات النبأ، وذات النبأ محفوظ في حالة وجدان 

ــــــــــ[199]ــــــــــ

(1) الحجرات: 6.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الشرط وفقدانه؛ لأنَّ النبأ قد يتحقّق عند مجيء العادل.

وهذا الكلام غير صحيح؛ وذلك لأنَّ النبأ هنا وقع حداً للنسبة الناقصة وقيداً لمجيء الفاسق، فإنَّ الباء في النبأ تدلّ على النسبة الناقصة، وهذه النسبة شأنها التمديد والتضييق وتخصيص ما بعدها بما قبلها وجعل ما قبلها حدّاً لما بعدها، فالصورة الذهنية المدلول عليها بهذا الكلام هو حصّة من مجيء الفاسق، فإن الفاسق قد يجيء بالفاكهة، وقد يجيء بالنبأ.

فكلّ كلمة من هذه الكلمات تدلّ على جزء من هذه الصورة الذهنية، فـ (إن جاءكم فاسق) تدلّ على أصل النسبة التامّة، والباء تدلّ على التحصيص والنسبة الناقصة، والنبأ يدلّ على ما هو حدّ لهذه النسبة التامّة، النبأ بما هو حدّ لمجيء الفاسق.

ومن المعلوم أنَّ النبأ بوقوعه حدّاً يتحصّص لا محالة، فإنَّ النبأ الذي هو حدّ لمجيء الفاسق غير النبأ الذي هو حدّ لمجيء العادل، فإنَّ النبأ يتكثر بتكثر المجيء بالإنباء، فكلّ إنباء يساوقه نبأ غير النبأ الذي يساوق إنباء آخر، فالنبأ الملحوظ حدّاً لمجيء الفاسق هو حصّة من النبأ لا محالة لا الطبيعي؛ لأنّه يتحصّص بالحدّية، فما هو داخل في الصورة الذهنيّة هو هذه الحصّة الخاصّة من النبأ.

ولفظة النبأ وإن لم تكن مستعملة في الحصّة الخاصّة بما هي حصّة خاصّة؛ لأنَّ اسم الجنس لا يُستعمل إلَّا في معناه، لكن بنحو تعدّد الدالّ والمدلول يراد منه هذه الحصّة الخاصّة.

ــــــــــ[200]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فاذا صار مدلول كلمة النبأ هو هذه الحصّة الخاصّة، وهو النبأ الناشئ من مجيء الفاسق، فهذا النبأ يستحيل أن يكون له في المرتبة السابقة إطلاق لحال عدم مجيء الفاسق، فالشرط الأوّل منتف في المقام.

ولا يُقاس هذا على نحو قولنا مثلاً: (إذا أكرم زيد عالماً فأكرمه)، فإنَّ العالم في المثال أيضاً طرف للنسبة الناقصة، وقد لوحظ بما هو حدّ، لكن العالم لا يتحصّص بالحدّيّة إلى حصتين، فإنَّ العالم الذي يجيء به زيد لو لم يجئ به زيد لا يكون عالماً آخر، بل هو عالم واحد بالشخص، فتارةً يجئ به زيد، وتارةً لا يجئ به، فالحدّيّة هناك -أي: في المثال- لا تساوق التحصّص، لكن حدّيّة النبأ هنا تساوق التحصّص.

فالنبأ في الآية من قبيل قولنا: (إن ألّف زيد كتاباً فاقرأه) فإنَّ الكتاب هناك يتحصّص، فإنَّ الكتاب الذي يؤلفه زيد غير الكتاب الذي يؤلفه عمرو، ومن هنا لا يتوهّم أحد من العقلاء أنَّ (المثال) يدلّ بالمفهوم على أنّه إذا ألّف عمرو كتاب فلا تقرأه، بخلاف قوله: (إذا جاء زيد بعالم فاعتني به) فإنّه لا غرابة في أن يقال: إنّه يدلّ بالمفهوم على أنّ العالم إذا جاءك به شخص آخر فلا تعتني به، كلّ ذلك باعتبار هذه النكتة.

وبالتالي(1) أنّه في خصوص المقام مدلوله بنحو تعدّد الدالّ والمدلول هو الحصّة الخاصّة، باعتبار ملاحظته حدّاً وتحصّصه بذلك، وهذه قاعدة متبعة في تمام ما يكون من هذا القبيل، فما يتحصّص لا يكون فيه مفهوم، وما لا 

ــــــــــ[201]ــــــــــ

() وهنا أعاد سيّدنا الأُستاذ موجز الفكرة عن قوله تعالى: بِنَبَأ. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

يتحصّص يكون فيه مفهوم، فطبقوا هذا على القضايا العرفيّة تعرفون أنَّ هذه النكتة البرهانيّة مطابقة للوجدان والذوق العرفي.

وأمّا إذا أريد ارجاعه إلى المجيء وهذا ممّا لا يحتمله أحد، وإنَّما أذكره لأجل فهم أنّه لماذا لا يُحتمل.

فلو فرضنا أنَّ الآية قالت: (إن انبئكم فاسق بنبأ فتبينوا) لو كانت الآية هكذا لا يحتمل أحد من العلماء وأهل العرف أنّه يكون لها مفهوم.

وانَّما صار منشأ لاحتمال المفهوم باعتبار كلمة (بنبأ)، وإلَّا لو كان هكذا (لو أنبئكم فاسق فتبينوا) لا يحتمل أنّه يدلّ على أنّه لو أنبأنا غير الفاسق فلا يجب التبيّن عنه.

وذلك لأجل فقدان الشرط الثاني؛ لأنَّ موضوع وجوب التبيّن في (إن انبئكم فاسق فتبينوا) هو النبأ، والنبأ وقع شرطاً في القضية الشرطيّة، وداخل دائرة الفرض والتقدير. 

وقد قلنا في الشرط الثاني: بأنّه يلزم أن يكون موضوع الحكم خارج دائرة الفرض والتقدير، وهنا اتحد موضوع الحكم مع دائرة الفرض والتقدير(1).

ــــــــــ[202]ــــــــــ

() وإنّنا نرى فرقاً وجدانياً بين (إن أكرمت عالماً فأكرمه)، وبين (إن أكرمت زيداً فأكرمه)، فإنَّ (زيداً) غير داخل في دائرة الفرض والتقدير باعتباره فرداً خارجياً، في حين أنَّ (عالماً) بحسب الفهم العرفي يمكن أن يكون داخلاً في دائرة الفرض والتقدير باعتباره كلّيّاً، فيمكن أن يكون مقدّراً.

ومن هنا كان استنتاج المفهوم من مثال (زيد) أوضح من مثال عالم، وذلك أنَّ الشرط الأوّل متوفر في مثال (زيد)، فإنَّ الجزاء له إطلاق لحالة وجود الشرط كما أنّه أيضاً مُتعرّض في المثال الآخر كما هو واضح، إذن ما هو سرّ هذا الفرق العرفي الوجداني في خفاء المفهوم في الثاني دون الأوّل؟

 الجواب: هو في توفر الشرط الثاني أيضاً في نحو من: (إذا أكرمت زيداً فأكرمه)، فإنَّ (زيداً) خارج حتماً عن دائرة الفرض والتقدير، إلَّا أنَّ (عالماً) ليس خارج حتماً عن ذلك، بل هو إمّا داخل يقيناً أو احتمالاً؛ ومن هنا نجد أنّه لا يشكّ أحد باستنتاج المفهوم من القضية الأولى في حين أنَّ استنتاج المفهوم من الثانية لا يخلو عن خفاء وذلك لاحتمال عدم توفر الشهرة الثانية فيه، فيكون قولنا: (إذا أكرمت عالماً فأكرمه)، هو مورد افتراق الشرط الثاني عن الأوّل. منه. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ومن هنا لم يحتمل أحد في انتزاع المفهوم لو وردت الآية هكذا: (إن أنبئكم فاسق فتبينوا).

إذن، فلا مفهوم لهذه القضية؛ لأنّه بأحد التقريبين يكون الشرط الأوّل مفقوداً، وفي التقريب الآخر الذي لم يحتمله أحد يكون الشرط الثاني مفقوداً. فالصحيح هو عدم ثبوت مفهوم لهذه القضية الشرطّية.

وخلاصة ما تقدم: أنَّ انتزاع المفهوم من القضية الشرطيّة يتوقف على شرطين:

الشرط الأوّل: أن يكون موضوع الحكم محفوظاً في المرتبة السابقة على عروض التقييد الناشئ من ناحية الشرط عليه، بحيث يكون له في تلك المرتبة إطلاق لحالة وجدان الشرط ولحالة فقدانه، ثُمَّ يطرأ عليه التقييد من ناحية الشرط، فيدلّ التقييد على انتفاء الحكم عن ذلك الموضوع في سائر حالاته عدا حالة وجدان الشرط.

ــــــــــ[203]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وأمّا إذا فُرض أنَّ الموضوع في المرتبة السابقة لم يكن له إطلاق لحالة فقدان الشرط، لم يكن هناك مفهوم، وسمّي بالسالبة بانتفاء الموضوع.

والبرهان على هذا الشرط كما قلنا: هو أنّه إذا لم يُفرض للموضوع إطلاق في المرتبة السابقة على عروض التقييد الشرطي عليه، فلا يمكن أن يُفرض تقييد في المرتبة المتأخّرة أيضاً؛ لأنَّ التقييد فرع وجود الإطلاق الذاتي للموضوع في نفسه، فإذا لم يُفرض تقييد فلا ينتزع مفهوم، لأنّه إنَّما ينتزع من التقييد في المرتبة المتأخّرة.

الشرط الثاني: وهو مربوط بموضوع القضية لا بموضوع الحكم، وهو أن يكون موضوع الحكم خارجاً عن دائرة التقدير الشرطي في جملة الشرط. فإمّا أن يكون موضوع الحكم هو موضوع القضية بناءً على ما قلناه: من أنَّ موضوع القضية خارج دائرة التقدير الشرطي، أو أن يكون موضوع الحكم أمراً مذكوراً في الجزاء لا في الشرط أصلاً(1) نحو: (إذا جاء زيد فتصدق على الفقراء) فإنَّ موضوع الحكم هو الفقراء، وهو غير داخل في دائرة التقييد الشرطي؛ لخروجه رأسا عن جملة الشرط.

وبرهان هذا الشرط الثاني من الفهم العرفي، هو أنّنا نرى بالوجدان أنَّ انتزاع المفهوم بالوجدان في الموارد التي يكون موضوع الحكم فيها محتمل الدخول في دائرة التقدير الشرطي، فيكون اخفى منه في موارد خروج موضوع الحكم جزماً عن الدائرة، كما بيناه سابقاً.

ــــــــــ[204]ــــــــــ

() نحو: (إذا جاء زيد فأكرمه) فإنَّ موضوع الحكم هو زيد، وهو موضوع القضية، وهو خارج دائرة التقييد الشرطي. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وبعد بيان هذين الشرطين، فنقول في المقام: بأنَّ القائل بانتزاع المفهوم من آية النبأ الذي يدّعي أنَّ موضوع الحكم في المقام هو طبيعي النبأ، إمّا أن يكون مقصوده إرجاع التبيّن إلى النبأ المدلول لمادة الفعل في (جاءكم) وإمّا أن يكون مقصوده إرجاع التبيّن إلى مدلول كلمة نبأ في قوله (بنبأ).

فإن أراد إرجاع التبيّن إلى مادة النبأ المدلول عليها بقوله (جاءكم)، فهي مجملة على معنى أنبئكم. ومن المعلوم أنَّ الشرط الثاني مختل هنا؛ لأنَّ المجيء هنا داخل تحت دائرة التقدير الشرطي، وقد قلنا: إنَّ الشرط الثاني هو أن يكون موضوع الحكم خارجاً عن دائرة التقدير الشرطي.

ولذا لا يحتمل أحد، حتّى القائلون بالمفهوم أنَّ الآية لو جاءت هكذا (إن أنبئكم فاسق فتبينوا) أن يكون لها مفهوم؛ لأنَّ موضوع الحكم حينئذٍ يتحد مع دائرة التقدير الشرطي، فيختل الشرط الثاني.

وإن أرادوا أنَّ التبيّن هنا يضاف إلى مدلول كلمة (نبأ) في الآية، فحينئذٍ يقال:

 أوّلاً: فلأنه لا يتعيّن في المقام أن يكون موضوع الحكم في المقام هو النبأ، إذ لعلّ موضوع الحكم هو الفاسق؛ لأنَّ التبيّن كما يحتمل أن يكون تبيّناً عن حال النبأ من حيث مطابقته للواقع وعدمها، فيكون النبأ موضوعاً للحكم كذلك يمكن أن يكون تبيّناً عن حال الفاسق من حيث إنَّ له داع للكذب أو لا. فتبيّنوا ملائم مع قولنا: فتبيّنوا حال الفاسق أو فتبيّنوا حال النبأ.

إذن، فمن المحتمل أن يكون موضوع الحكم هو الفاسق لا النبأ، وحينئذٍ 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فيكون اختلال الشرط الأوّل في غاية الوضوح في المقام؛ لأنّنا إذا فرضنا الحكم هو وجوب التبيّن عن حال الفاسق، فالموضوع هو الفاسق، ومن المعلوم أنَّ هذا الموضوع في المرتبة السابقة على عروض التقيّد عليه لم يكن له إطلاق لحالة فقدان الشرط أي: لحالة عدم مجيء الفاسق بالنبأ ومجيء العادل. فحالة العادل ليست من الحالات التي يكون للموضوع إطلاق بالنسبة إليها. هذا بناءً على أن يكون موضوع الحكم هو الفاسق أو النبأ.

ويكفينا في المقام دعوى الإجمال والتردد، ودوران الأمر بين الاحتمالين في عدم جواز الاستدلال في الآية الكريمة.

ثانياً: فإنّنا نتنزل ونفرض أنَّ التبيّن هنا ظاهر في التبيّن عن حال النبأ لا عن حال المنبّأ، فيكون موضوع وجوب التبيّن هو النبأ المدلول عليه بكلمة بنبأ.

وحينئذ يقال: بأنّه مع هذا لا يمكن انتزاع المفهوم؛ لأنَّ الشرط الأوّل مختل جزماً، والشرط الثاني مختل احتمالاً.

أمّا اختلال الشرط الأوّل جزماً، فلأن كلمة نبأ وإن كانت موضوعة للكلّي للطبيعي لا للحصّة الخاصّة، إلَّا أنّها حيث وقعت حدّاً فتحصّص لا محالة، ولو بتعدّد الدالّ والمدلول، فيصير المراد الاستعمالي منها حصّة خاصّة من النبأ؛ لأنَّ النبأ الذي يقع حدّ النسبة المجيء إلى الفاسق غير النبأ الذي يقع حدّ النسبة المجيء إلى العادل مثلاً.

وحينئذٍ فهذه الحصّة الخاصّة -وهي النبأ الجائي من الفاسق- ليس لها إطلاق في المرتبة السابقة لحالة مجيء العادل بالنبأ، حتّى يتمّ المفهوم في المقام، فيكون الشرط الأوّل مختلاً.

ــــــــــ[206]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وأمّا الشرط الثاني، وهو أن يكون موضوع الحكم مغايراً لما هو داخل تحت دائرة الفرض والتقدير.

فهذا محتمل الاختلال في المقام، وإن كنّا لا نجزم بالاختلال؛ لأنّنا قلنا فيما سبق: إنَّما هو داخل تحت دائرة التقدير والشرط، فيجوز إفرازه بالظهور العرفي والفهم العرفي، وما هو خارج عن دائرة التقدير والشرط من جملة الشرط يعيّن أيضاً بالفهم العرفي، وفي جملة الشرط في الآية غير بعيد أن يقال: بأنَّ مقتضى الفهم العرفي هو دخول تمام جملة الشرط في دائرة التقدير الشرطي عدا نفس كلمة فاسق، فهو يكون الخارج عن الدائرة لا كلمة النبأ.

بقرينة أنَّ الفاسق يمكن تقديمه على أداة الشرط؛ إذ لا فرق بين أن نقول: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) أو (الفاسق إن جاءكم بنبأ فتبينوا) ولا إشكال فيما لو وردت الصيغة الثانية في الآية، فالفهم العرفي يقتضي أنَّ الفاسق هنا خارج عن دائرة التقدير، وأنَّ تمام الباقي داخل فيها بما فيه النبأ، وحيث إنَّ تقديمه وتأخيره لا يوجب تغييراً في المعنى وجداناً؛ ولهذا يكون احتمال النبأ هنا داخلا تحت دائرة التقدير الشرطي في غاية القوة.

وهذا معناه إنَّما هو خارج عن دائرة كلمة الفاسق فقط، وأمّا كلمة النبأ فهي داخلة تحت دائرة التقدير الشرطي، وحينئذٍ فيصير موضوع للحكم داخلاً تحت دائرة التقدير، ويختل بذلك الشرط الثاني.

ومجرّد احتمال ذلك وعدم قيام قرينة -ولو من ناحية الارتكاز العرفي على إخراج النبأ عن دائرة التقدير- يكفي لإبطال الاستدلال بالمفهوم. هذا حاصل ما حقّقناه في مقام إبطال انتزاع المفهوم من هذه القضية الشرطية.

ــــــــــ[207]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إشكال المحقّق الأصفهاني وجوابه

ذكر المحقّق الأصفهاني في حاشيته على الكفاية(1) إشكالاً على امتناع المفهوم، ودعوى أنَّ وجوب التبيّن هو طبيعي النبأ الذي تتوقف عليها دعوى المفهوم، فذكر الإشكال على هذا غير ما حقّقناه، وأجاب عنه.

وحاصل الإشكال: بأنَّ موضوع وجوب التبيّن لو كان هو طبيعي النبأ، لا النبأ الخاص؛ للزم حينئذٍ أنَّه في حال تحقّق الشرط وهو مجيء الفاسق بالطبيعي فيجب التبيّن عن الطبيعي بتمام أفراده حينئذٍ، والوجوب المتعلق بالطبيعي لا محالة يسرى إلى تمام أفراده، فبمجرّد أن يُخبر فاسق عن نبأ يجب التبيّن حتّى عن إخبار العدول، وهذا خلاف الوجدان، فيكون هذا برهاناً على أنَّ وجوب التبيّن ليس هو الطبيعي، بل هو الحصّة الخاصّة. هذا حاصل ما ذكره مع أدنى تغير.

ثُمَّ أجاب عنه: بأنَّ المراد من أنَّ موضوع وجوب التبيّن هو الطبيعي، ليس المراد من ذلك هو الطبيعي الملحوظ بنحو سار في تمام الأفراد، يعني: الملحوظ بنحو الوجود الساري، بل المراد من الطبيعي هنا صرف الوجود ونفس الكلّي الطبيعي لا ملاحظة السريان إلى تمام الأفراد.

ولا مانع من أن يكون موضوع الحكم في مرتبة الموضوعيّة مطلقاً، بهذا المعنى، أي: صرف الوجود بلا قيد مجيء من فاسق أو من عادل.

 ثُمَّ في المرتبة المتأخّرة عن ذلك يتقيّد من ناحية الشرط، ويتحصّص إلى حصّتين، حصّة من ناحية الفاسق، وحصّة من ناحية العادل.

ــــــــــ[208]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 3: 208.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فإن قيل: إنّه على هذا ما فائدة إطلاقه في المرتبة السابقة، ثُمَّ يُفيد في المرتبة المتأخّرة؟ فيقال: الفائدة من ذلك هو انتزاع المفهوم؛ إذ لو لا إطلاقه في المرتبة السابقة وتقييده في المرتبة المتأخّرة لما أمكن انتزاع المفهوم في المقام. هذا أيضاً خلاصة ما أفاده في مقام الجواب مع أدنى تغيير أيضاً.

التحقيق في حل الإشكال

والتحقيق: أنّه لا محصّل لا لهذا الجواب ولا لذلك الإشكال، أمّا هذا الجواب الذي أفاده المحقّق الأصفهاني فإن أراد بقوله: إنَّ موضوع وجوب التبيّن هو طبيعي النبأ، بمعنى صرف الوجود لا بمعنى الوجود الساري ومطلق الوجود، وأنّه في المرتبة يتقيّد بالشرط.

إن أراد بذلك بيان أنَّ هذا إطلاق الموضوع في مرتبة الموضوعيّة، حيث إنّه إطلاق بمعنى صرف الوجود، فكأنَّ الحكم تعلّق بالمطلق بمعنى صرف الوجود، فلا يقتضي السريان إلى تمام الأفراد بمعنى مطلق الوجود، فهو لا يقتضي السريان إلى تمام الأفراد، وإنَّما يقتضي السريان لو تعلّق بالمطلق بنحو الوجود الساري لا بنحو صرف الوجود، فالموضوع هنا إطلاقه في المرتبة المتقدّمة وهو لا يقتضي السريان حتّى في هذه المرتبة، باعتبار إطلاقه بنحو صرف الوجود لا بنحو مطلق الوجود.

 فهذا غير تامٍّ، فإنّا قد بيّنا في بحث المطلق والمقيد، أنَّ الإطلاق سواء كان بمعنى صرف الوجود أو مطلق الوجود، أو باصطلاحنا الذي ذكرناه هنا، سواء كان إطلاقاً لحاظياً أو إطلاقاً ذاتياً، يقتضي سريان الحكم لا محالة إلى تمام الأفراد، إذ لوحظت الطبيعة مطلقة غير مقيّدة.

ــــــــــ[209]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فإن أراد بيان عدم السريان من ناحية أنَّ الإطلاق ذاتي لا لحاظي. فالتحقيق: أنّه لا فرق بين الإطلاقين كما سبق في بحث المطلق والمقيّد.

وإن أراد بيان عدم السريان من ناحية التقييد بالشرط في المرتبة المتأخّرة. وأنَّ هذا الإطلاق إطلاق ترتبي لا إطلاق واقعي، فهو في هذه المرتبة مطلق، ولكنّه في المرتبة المتاخّرة مقيّد، فيتحصّص النبأ إلى حصّتين لا محالة من ناحية التقييد بالشرط.

إن أراد هذا فهو أيضاً غير صحيح؛ وذلك لأنَّ مصبّ التقييد بالشرط هو الحكم لا الموضوع، فالذي يتحصّص من ناحية التقييد بالشرط هو الحكم بوجوب التبيّن لا موضوع الوجوب، وهو النبأ، فالحكم هو الذي يصير حصّتين حصّة مع الشرط وحصّة بلا شرط، والحصّة مع الشرط تثبت للموضوع على إطلاقه؛ إذ أنَّ تقييد الحكم وتحصيصه لا يلزم منه تقييد موضوع الحكم وتحصيصه. فمركز التقييد في المرتبة المتأخّرة ليس هو مركز الإطلاق في المرتبة المتقدّمة، فإنَّ الإطلاق في المرتبة المتقدّمة إطلاق الموضوع وأمّا التقييد من ناحية الشرط في المرتبة المتأخّرة فهو تقييد للحكم؛ لأنَّ التعليق في القضية الشرطيّة تعليق للحكم، لا تعليق لموضوعه فالتحصيص يكون تحصيصاً للحكم وهو لا يلزم منه تحصيص الموضوع.

فالإشكال باق على حاله، وهو أنَّ موضوع وجوب التبيّن إذا كان في المرتبة السابقة، يعني: في مرتبة موضوعيته مطلقاً، فيلزم أنّه إذا جاء الفاسق بهذا الكلّي الطبيعي ولو في ضمن أحد أفراده فيجب التبيّن عن هذا الكلّي الطبيعي. ومقتضى تعلّق الوجوب بهذا الكلّي الطبيعي سريانه إلى تمام الأفراد.

ــــــــــ[210]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إلَّا أنَّ حلّ هذه المغالطة في أصل الإشكال يكون بالانحلال؛ وذلك لأنَّ موضوع وجوب التبيّن، وإن كان هو طبيعي النبأ إلَّا أنَّ مقتضى موضوعيّة طبيعي النبأ بوجوب التبيّن هو انحلال التعليق إلى تعليقات متعدّدة أيضاً، كانحلال الوجوب إلى وجوبات متعدّدة، فكما أنَّ الوجوب يسري إلى تمام الأفراد فيسري التعلّق أيضاً، أي: أنَّ الوجوب بما هو مُعلّق يسري إلى تمام الأفراد؛ لأنّه بلا تعليق يسري. 

فتصير هذه القضية الشرطيّة بقوة آلآف القضايا الشرطيّة، يعني: (إن جاء فاسق بهذا النبأ فتبيّنوا) و (وإن جاء فاسق بهذا النبأ فتبيّنوا) وهكذا. 

فالسريان هنا سريان للحكم مع التعليق لا سريان بلا تعليق، فهو بما هو مُعلّق ويسري إلى تمام الأفراد، فكلّ فردٍ من أفراد الطبيعة يصير موضوعاً لحكم مُعلّق، فإذا وجد المُعلَّق عليه في أحد هذه الأفراد يصير حكم ذلك الفرد فعلياً ولا موجب لأن يصير حكم فرد آخر فعلياً.

ومنشأ المغالطة هو أنَّ الحكم هنا يسري إلى تمام الأفراد بذاته، مع أنَّ السريان هنا إنَّما هو بوصف كونه مُعلّقاً لا بذاته، فالمغالطة بلا موضوع.

وإلَّا لو تمّت هذه المغالطة في آية النبأ لسرت إلى تمام القضايا الأُخرى، حتّى في قولنا: (إذا جاءك العالم فأكرمه) بأن يقال هنا: إنَّ الموضوع هو طبيعي العالم، فإذا جاء العالم في ضمن بكر فيجب عليّ إكرام زيد العالم أيضاً؛ لأنّه تحقّق الشرط فيجب عليّ إكرام الطبيعي بتمام أفراده.

وحلّ هذه المغالطة أنَّ السريان سريان مع التعليق لا سريان بلا تعليق. فكلّ فردٍ من أفراد الموضوع يصير له حكم مُعلّق، فلو فُرض إنَّما عُلّق عليه 

ــــــــــ[211]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

حكم أحد هذه الأفراد تحقق وأصبح حكمه فعلياً، فلا يلزم من ذلك أن يكون الفرد الآخر يصبح حكمه فعلياً. وبهذا تنحلّ هذه المغالطة.

وبما ذكرناه ظهر أنَّ المقتضى للدلالة على المفهوم في آية النبأ غير موجود، فهي لا تدلّ بالمفهوم على حجّيّة خبر من أخبار الآحاد أصلاً. هذا تمام الكلام في الجهة الأولى في تنقيح المقتضي للدلالة.

 المقام الثاني: في وجود المانع عن المفهوم

وأمّا الجهة الثانية وهي أنّه بعد فرضه وجود المقتضي للمفهوم في ذاته، فهل هناك مانع عن فعلية تأثير هذا المقتضي في ايجاد الظهور المفهومي، أو ليس هناك مانع عنه؟

المانع بلحاظ الجهة الداخلية وهي عموم التعليل

يقال: بوجود المانع عن ذلك، وهو عبارة عن عموم التعليل؛ فإنَّ القضية الشرطيّة هنا لم تُترك سدى بلا ضبط، بل عُلّلت بكبرى كلّيّة، وهي قوله تعالى: أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(1) فعُلّل وجوب التبيّن عن خبر الفاسق وعدم جواز الاعتماد عليه بأنّه جهالة. 

ومن المعلوم أنَّ الجهالة وعدم العلم علّة مشتركة بين خبر الفاسق وخبر العادل، فيكون التعليل بنفسه قرينة على عدم إرادة العليّة الانحصاريّة من التعليق، حتّى لو سُلّم دلالة أداة الشرط في نفسها على العلّيّة الانحصاريّة التي هي ملاك انتزاع المفهوم. وحينئذٍ لا يبقى ظهور فعلي للقضية في المفهوم.

ــــــــــ[212]ــــــــــ

(1) الحجرات: 6.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وقد أُجيب عن هذا المانع بعدة وجوه:

الوجه الأوّل في الجواب [المفهوم أخص من التعليل]

هو دعوى أن التعارض هنا وإن وقع بين المفهوم وعموم التعليل، حيث إنَّ المفهوم يقتضي انعقاد ظهور القضية في حجّيّة خبر العادل، والتعليل يقتضي إسقاط مطلق الخبر غير العلمي عن الحجّيّة، إلَّا أنَّ حلّ هذا التعارض في صالح المفهوم لا في صالح التعليل.

وذلك لأنَّ المفهوم أخصّ من التعليل، فإنّه يقتضي حجّيّة قسم مخصوص من الأمارة غير العلميّة، والتعليل يتكفّل بيان كبرى كلّيّة مؤداها هو إسقاط كلّ أمارة غير علميّة عن الحجّيّة.

 ومن المعلوم أنَّ نسبة المفاد الأوّل إلى المفاد الثاني نسبة الخاصّ إلى العامّ، فيخصّص عموم التعليل بقرينة المفهوم. 

مناقشة الجواب الأول

وهذا الجواب على الإشكال غير صحيح؛ وذلك لأمرين:

 الأمر الأوّل: فلأنّه إنَّما يُلتزم بتقدّم المخصّص على العامّ باعتبار أنّه قرينة عرفية على رفع اليد عن إرادة العامّ في العموم، وهنا القرينية بالعكس، فإنَّ نفس وقوع العامّ تعليلاً للحكم المنطوقي المتفرع عنه الحكم المفهومي، وهذا يجعله في المقام قرينة على ما هو المراد من التعليق في جانب الحكم المُعلّل، فملاك تقديم الخاص على العامّ هو أنَّ التخصيص بحسب المرتكز العرفي نكتة عامّة للقرينة. وهذا تامّ إلَّا أنّه قد تحتم على هذه النكتة بحسب الارتكاز العرفي نكتة 

ــــــــــ[213]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

عامّة للقرينية بحيث تكون تلك النكتة أقوى بحسب الارتكاز العرفي من هذه النكتة، ففي مورد اجتماع النكتتين تؤثر تلك النكتة الأقوى في جعل ذلك قرينة دون هذا كما في المقام.

فإنَّ نكتة كون العامّ قد سيق تعليلاً وتحديداً لما هو ملاك وروح الحكم المُعلّل، وهذا بنفسه يكون ملاكاً لقرينة العلّة على المُعلّل وحكومته عليه في مقام اقتناص مراد المولى من كلامه، فكما أنَّ العلّة ثبوتاً مقدّمة على المعلول وحاكمة عليه، كذلك التعليل الإثباتي أيضاً يكون له مثل هذه الحكومة، والقرينيّة على ما هو المراد من الحكم المُعلّل. إذن، فالأخصّيّة هنا نكتة مزاحمة بنكتة أُخرى للقرينية أقوى منها.

وهذا هو الوجه في أنّنا نقول في المقام بتقدّم هذا العموم على المفهوم، وليس الوجه في ذلك ما أشار إليه السيّد الأُستاذ على ما في تقريرات بحثه(1): من أنَّ العامّ بالعموم، وأنَّ المفهوم بالإطلاق، والعامّ مقدّم على المطلق.

فإنَّ هذا من العجائب؛ لأنَّ منشأ هذا الكلام هو أنّه عُبّر في كلام الشيخ الأعظم عن التعليل بعموم التعليل(2)، وإلَّا فإنّه لم يرد في هذا التعليل أداة من أدوات العموم لأجل أن يقال: إنَّ هذا عامّ بالوضع وذاك مطلق بمقدّمات الحكمة، والعامّ الوضعي مقدّم على الإطلاق الحكمي.

بل كما أنَّ المفهوم بالإطلاق، كذلك شمول التعليل لمطلق الأخبار غير 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأُصول 3: 163.

(2) انظر: فرائد الأصول89:4.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

العلميّة الصادرة من العادل بإطلاق كلمة (جهالة). إذن، فليس الملاك في تقديم التعليل هنا على دلالة الحكم المُعلّل على المفهوم كون هذا عمومه وضعي وذاك حكمي، وإنَّما الملاك فيه أنَّ هنا نكتتين للقرينية وإحدى النكتتين أقوى من الأُخرى.

الأمر الثاني: لو سلّمنا -مثلاً- بأنَّ هاتين النكتتين(1) متساويتان في مقام القرينية، فإنَّ تساويهما أيضاً يكفي، فإنَّ كلًّا منهما بمقدّمات الحكمة والإطلاق. أمّا التعليل -فكما قلنا الآن- فإنَّ شموله لخبر العادل غير العلمي إنَّما هو بإطلاق كلمة جهالة، والمفهوم أيضاً الإطلاق، فإنَّ مفهوم الشرط لو قيل به، فإنَّما يقال به لا من باب أنَّ أداة الشرط موضوعة للعلّيّة الانحصاريّة، بل من باب الإطلاق وجريان مقدّمات الحكمة بأحد التقريبات التي سبقت في باب مفهوم الشرط.

وحينئذٍ يكون التنافي بين الإطلاقين بلا قرينية لأحدهما على الآخر، وحينئذٍ تكون الآية مجملة، والإجمال يكفي لسقوط الاستدلال بها على حجّيّة خبر الواحد.

وهذا هو الوجه الثاني الذي أُشير إليه في كلمات الشيخ الأعظم(2)، حيث إنّه ذكر في مقام الجواب عن الأخصّيّة في المقام: بأنَّ التعارض بحسب الحقيقة هو بين منشأ دلالة القضية الشرطيّة على المفهوم وبين عموم التعليل. 

ــــــــــ[215]ــــــــــ

() نكتة الأخصّيّة ونكتة التعليل. (المُقرِّر).

(2)  انظر: فرائد الأصول 1: 256.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ومن المعلوم أنَّ منشأ دلالتها على المفهوم إنَّما هو الإطلاق، فإنّنا لا نلحظ نفس المفهوم والانتفاء عند الانتفاء، حتّى يقال: إنّه أخصّ من التعليل، بل نلحظ الدلالة التي اقتضت ثبوت هذا المفهوم الأخصّ، وهي إنَّما هي إطلاق الشرط مثلاً، أو الإطلاق من حيث (أو) في مقابل أن يكون له عدل، كما إذا قال: (إذا جاءك زيد أو عمرو)، وحينئذٍ التعارض بحسب الحقيقة بين عموم التعليل وبين الإطلاق الذي يصير منشأ لأثبات المفهوم الأخصّ، ويكون التعارض بينهما تعارضاً بين المتكافئين بقطع النظر عما بيّناه في الوجه الأوّل من قرينية عموم التعليل فيقع التساقط ما بينهما، هذا حاصل الكلام في الجواب الأوّل عن المانع مع رده.

الوجه الثاني المحقّق النائيني ومدرسته

 هو ما أفاده المحقّق النائيني(1) ومدرسته، حيث ذكروا: بأنّه في المقام يكون عموم التعليل محكوماً للمفهوم، والمفهوم يكون حاكماً عليه لنكتة في خصوص المقام، فإنّه وإن كان في كلِّ مقام آخر لو تعارض المفهوم مع عموم التعليل يُقدّم عموم التعليل على المفهوم، كما لو قيل مثلاً: إذا كانت هذه الفاكهة رماناً فلا تأكله؛ لأنّه حامض، فمقتضى المفهوم هنا أنّه إذا لم يكن رماناً فكله سواء كان حامضاً أو لا، ومقتضى التعليل أنَّ الحامض لا يجوز أكله سواء كان رماناً أو لا، فيُقدّم عموم التعليل على المفهوم.

لكن في خصوص المقام يقدّم المفهوم على عموم التعليل باعتبار 

ــــــــــ[216]ــــــــــ

(1) انظر: فوائد الأُصول 3: 170-173.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الحكومة، وذلك لأنَّ المفهوم هنا يتكفّل جعل الحجّيّة لخبر العادل، وجعل الحجّيّة له معناه جعله علماً واعتباره كاشفاً تامّاً على مبانيهم، فحينئذٍ يخرج عن موضوع الحكم في التعليل، فإنَّ الكبرى المبيّنة بالتعليل هي: أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ، يعني: عدم حجّيّة الخبر غير العلمي. وخبر العادل ببركة المفهوم يخرج عن كونه خبراً غير علمي، ويصبح خبراً علمياً بالتعبّد الشرعي، فيكون حينئذٍ حاكماً على التعليل، فلخصوصية الحكومة في المقام يقال بعدم المانع من ناحية عموم التعليل.

اعتراض المحقّق الأصفهاني

وقد اعترض على ذلك المحقّق الأصفهاني في حاشيته على الكفاية(1): بأنَّ هذا يلزم منه الدور؛ وذلك لأنّه بعد أن اعترف بالحكومة، وأنَّ المفهوم في نفسه لو تمّ تكون له حكومة على التعليل، إلَّا أنّه يقول: بأنَّ الإشكال في تماميته، فإنَّ تماميته متوقفة على سقوط دلالة العامّ، وسقوط دلالة العامّ متوقفة على حكومة المفهوم عليه، وحكومة المفهوم عليه موقوفة على تماميته فيلزم الدور في المقام.

دفع الاعتراض

وهذا الإشكال على المحقّق النائيني والسيّد الأُستاذ غير صحيح؛ وذلك لأنّنا لو سلّمنا الحكومة في المقام وتعقّلناها على مبانيها في مبنى الحكومة فلا دور في 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 3: 211.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

المقام؛ لأنَّ حكومة المفهوم هنا تتوقف(1) لا محالة على ثبوت المفهوم والدلالة المفهومية، إلَّا أنَّ ثبوت هذه الدلالة لا تتوقف على سقوط دلالة العامّ أصلاً.

فإنَّ دلالة العامّ لا تكون مفنية ومعارضة مع دلالة الخاص بوجه من الوجوه، وتوضيح ذلك: أنَّ التعارض بين الدلالتين إنَّما يقع من ناحية التعارض بين مدلوليهما، فإنَّ الدلالتين بما هما، إنَّما يسري إليهما التعارض من ناحية المدلول، وإلَّا بقطع النظر عن وقوع التعارض بين المدلولين لا معنى لوقوع التعارض بين الدالين بما هما، ففي مورد لا يمكن اجتماع مدلولي كلّ من الدليلين فيسري التعارض إلى نفس الدلالتين، فلا اجتماع حينئذٍ لحجّيّة تلك الدلالة مع حجّيّة هذه الدلالة. 

وحينئذٍ يقال: إذا كانت إحدى الدلالتين مكافئة للأُخرى فتسقطان معاً، وإن كانت أحداهما أقوى بحيث تصلح للقرينية فتفني الدلالة الأُخرى، فإن كانت متّصلة بها فتفنيها حقيقة، وإن كانت منفصلة عنها فتفنيها حكماً.

ومن هنا يظهر أنَّ افناء إحدى الدلالتين للأخرى هو فرع وقوع تعارض بين الدلالتين، وهذا التعارض فرع وقوع تعارض بين المدلولين. أمّا إذا لم يكن هناك تعارض بين المدلولين فلا تعارض بين الدلالتين، وإذا لم يكن تعارض ما بين الدلالتين فلا موجب للصراع فيما بينهما حتّى يفني أحدهما الآخر، أو كان أقوى منه.

ــــــــــ[218]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّ هذا التوقف لم يكن في كلام الأصفهاني، ولعلّ المراد أنَّ سقوط دلالة العامّ تتوقف على حكومة المفهوم، فتأمّل. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وحينئذٍ يقال في المقام: أنّه لو تعقّلنا الحكومة بين المدلولين -وهذا ما غضَّ الأصفهاني عنه النظر- حكومة المفهوم على عموم التعليل، وفسّرناها بمباني الميرزا والسيّد الأُستاذ، أي: فسّرناها بمعنى لا يرجع إلى التحصيص، كما هو الصحيح عندنا، فبناءً عليه لا يكون هناك تعارض ما بين مدلول المفهوم وبين مدلول عموم العامّ على عمومه؛ لأنَّ العامّ يدلّ على قضية شرطيّة، مقدّمها هو أنّه إذا كان الخبر غير علمي، وجزائها فهو ليس بحجّة. والمفهوم ينفي المقدّم في المقام، ويقول: خبر العادل ليس لا علمي، بل هو علمي. ولا تنافي بين مدلول هذين الدليلين أصلاً.

فاذا لم يكن هناك تعارض ما بين المدلولين. إذن، ليس هناك تعارض ما بين الدلالتين أصلاً؛ لأنَّ التعارض بين الدلالتين إنَّما هو من ناحية التعارض بين المدلولين؛ وإذا لم يكن تعارض بين الدلالتين فلا موجب لأن يكون العامّ مفنياً للمفهوم دلالةً؛ لأنَّ الافناء فرع التعارض والمبارزة بينهما.

إذن، فثبوت الدلالة المفهومية لا تكون متوقفة على عدم الدلالة العموميّة، بل كلّتا الدلالتين موجودتان بالفعل، لكن أحدهما لا ينفي الآخر، بل أحدهما حاكم على الآخر بالمعنى الذي فسّره الميرزا ومدرسته للحكومة، وحينئذٍ لا منشأ لإشكال الدور.

إذن، فمهم ما ينبغي أن يقال في مقام الإشكال على مدرسة الميرزا في المقام، هو الإشكال في أصل تعقّل حكومة مدلول المفهوم على مدلول العامّ، فإنَّ أصل هذه الحكومة غير صحيح، لا أنّه بعد فرض هذه الحكومة يقال: بأنّه يلزم من فعليّة هذه الحكومة الدور.

ــــــــــ[219]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ما ينبغي أن يقال في مقام إبطال حكومة مدلول المفهوم على العامّ 

وما ينبغي أن يقال في مقام إبطال حكومة مدلول المفهوم على مدلول العامّ وجهان:

الوجه الأوّل: ما سبق منا بيانه في بيان إبطال حكومة أدلّة حجّيّة خبر الواحد على عموم الآيات الناهية عن العمل بالظنّ، خلافاً لمدرسة الميرزا التي ادّعت هناك أيضاً: أن دليل حجّيّة خبر الواحد يصير حاكماً على عموم الآيات الناهية عن العمل بالظنّ.

وقلنا: إنَّ الآيات الناهية عن العمل بالظنّ في مقام سلب الحجّيّة، لا في مقام بيان أمر ارشادي مترتب على سلب الحجّيّة. والحجّيّة عند هذه المدرسة معناها: جعل الطريقيّة وجعل العلم، فمعنى ذلك: أنَّ الآيات الناهية عن العمل بالظنّ يكون مفادها المطابقي هو أنَّ الظنّ لا أجعله علماً.

 ومن المعلوم أنَّ مثل هذا المفاد في عرض مفاد أنَّ الظنّ أجعله علماً، وهما واردان على مورد واحد: أحدهما يثبت صفة والآخر ينفيها؛ فلا وجه لحكومة أحدهما على الآخر، وإنَّما تصير الحكومة على أدلّة الأحكام التي هي مترتبة على عدم الحجّيّة لا على الدليل الذي يتكفّل نفي الحجّيّة بنفسه.

فنفس هذا البيان الذي قلناه هناك يأتي أيضاً في المقام؛ وذلك أنّه إذا قلنا: إنَّ قوله: فَتَبَيَّنُوا بيان لعدم حجّيّة خبر الفاسق، ثُمَّ صار في مقام تعليل هذه الحجّيّة، فلماذا صار خبر الفاسق ليس حجّة؟ يقول: لأنَّ خبر غير العلمي ليس بحجّة، فطبّق قاعدة كبروية على هذا المصداق.

ــــــــــ[220]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وهنا لا معنى لأن يقال: بأنَّ الموضوع في كبرى التعليل، وهي قوله: (إن غير العلمي لا يكون حجّة) تصبح محكومة لدليل جعل الظنّ علماً، فإنَّ هذه الكبرى مفادها ابتداءً نفي الحجّيّة عن ذلك العنوان الأعمّ، ونفي الحجّيّة معناه نفي الطريقيّة ونفي اعطاء الكاشفيّة للظنّ.

إذن، فيكون مدلول الكبرى مع مدلول المفهوم في عرض(1)واحد، لا أنَّ أحدهما قضية شرطيّة والآخر يكون ناظراً إلى نفي المقدّم فيها(2). هذا هو أحد الوجهين في إبطال الحكومة في المقام.

الوجه الثاني: أن يقال: بأنَّ العلّة في المقام قد ذُيلّت باحتمال الندامة أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا على مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(3). وبالتالي كلّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات، فيظهر من مثل هذا التعليل أنَّ منتهى النظر في مقام التعليل إنَّما هو هذه الندامة التي يترقب أو يحتمل الوقوع فيها على فرض العمل بخبر الفاسق بلا تبيّن. وهذه الندامة لا يخلو أمرها من أحد احتمالين: 

الاحتمال الأوّل: أن يكون المقصود من هذه الندامة التي جُعل احتمالها علّة لعدم جواز العمل بخبر الفاسق الندامة الناشئة من فوات المصالح والملاكات الواقعيّة، فإنَّ الإنسان يتأذى بأن يُطبّق عمله على إخبار الوليد فيقتل بني المصطلق، وبعد هذا يتبيّن أنَّ هؤلاء كانوا أناساً مؤمنين، ويتألم من هذا نفسياً ألماً قد يؤدي به إلى الموت غمّاً. 

ــــــــــ[221]ــــــــــ

() غاية الأمر أنَّ مدلول أحدهما أعمّ من مدلول الآخر. (المُقرِّر).

(2) بل كلاهما ناظر إلى الجزاء أحدهما يثبته والاخر ينفيه. (المُقرِّر).

(3) الحجرات:6. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الاحتمال الثاني: أن يكون المقصود من الندامة -ليس الندامة الناشئة من فوات المصالح والملاكات الواقعية- الندامة في عالم المولوية في عالم الحساب والثواب والعقاب، أي: المؤاخذة من قبل الله تعالى له، أي: أنّه إذا قُتل هؤلاء وبعد هذا تبيّن أنّهم كانوا مؤمنين فالله يعاقبه على ذلك. 

فالندامة لا تخلو من أحد هذين الأمرين، وعلى كلّ من التقديرين فلا معنى للحكومة. 

فإنّنا لو بنينا على الاحتمال الأوّل -وهو أن يكون معنى الندامة في المقام الندامة الناشئة من فوات الملاكات والمصالح الواقعيّة- إذن فالعلّة هنا في عدم جعل الحجّيّة لخبر الفاسق هو احتمال الوقوع في فوات المصلحة الواقعيّة. ومن المعلوم أنَّ هذا الاحتمال لا يرتفع ولا يُلغى وجداناً أو تعبّداً بجعل الحجّيّة لخبر الواحد، حتّى بناءً على جعل الطريقيّة، فإنّه بناءً عليها يُلغى احتمال الخلاف بالنسبة إلى الحكم الشرعي الواقعي، لا بالنسبة إلى فوات المصالح والملاكات المترتبة عليه، فإنَّ هذا لازم تكويني قهري، ولا يُلغى احتماله بجعل الحجّيّة لخبر الواحد، فلا حكومة(1).

وأمّا على التقدير الثاني فلو فُرض أنَّ الندامة هنا بمعنى العقاب، فحينئذٍ يكون المفهوم وارداً في المقام لا حاكماً فيكون له الورود؛ لأنّه ينفي احتمال 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

() ثُمَّ ذكر سيّدنا الأُستاذ استطراداً في جواب سؤال وجهته إليه: أنَّ هذه الندامة لا شكّ أنّها مطلوبة من قبل الله، أنَّ الإنسان يشعر بمثل هذه الندامة؛ لأنّها ناشئة من الروح الإسلاميّة العامّة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

العقاب حقيقة لا أنّه ينفيه تعبّداً؛ لأنَّ من يعمل على طبق الحجّة لا يحتمل العقاب أصلاً. وهذا معنى الورود لا معنى الحكومة.

وبهذا يرتفع أصل إشكال ابداء المانع(1)؛ إذ لو فُرض أنَّ الندامة هنا كانت بمعنى العقاب الإلهي، فيلزم حينئذٍ أن يقال: بأنَّ هذا التعليل ليس تعليلاً لعدم الحجّيّة، إذ لا معنى لأنَّ يُعلّل عدم الحجّيّة لخبر الواحد بالعقاب، فإنَّ العقاب مترتب على عدم جعل الحجّيّة؛ لأنَّ عدم جعل الحجّيّة مترتب على العقاب، فإنَّ المولى إنَّما يعاقب العبد إذا عمل بخبر الفاسق على تقدير أنَّه لم يجعل حجّة، لا أنَّ عدم جعله له حجّة لأنّه يعاقبه عليه.

فهنا لا معنى لأن يقال: بأنَّ هذا التعليل تعليل لعدم الحجّيّة، لأجل أن يقتضي توسعه دائرة العدم حينئذٍ، وتنقيح كبرى وهي أنَّ كلّ ما لا يكون علمياً لا يكون حجّة.

بل لا محيص عن الالتزام بأنَّ مثل هذا التعليل تعليل للأمر الإرشادي والقاعدة التي يستقلّ بها العقل، وهي لزوم التمسّك لعروة اليقين وعدم تركها إلى الشكّ، وأنَّ العبد من وظيفته دائماً أن يعمل بالقطع إمّا بالقطع بالواقع أو القطع بالوظيفة، وحينئذٍ لا يبقى في التعليل دلالة على توسعة دائرة عدم الحجّيّة؛ لأنّه ليس تعليلاً لعدم الحجّيّة.

ــــــــــ[223]ــــــــــ

() وقد كان مبنياً على أنَّ هذا التعليل تعليلٌ لعدم الحجّيّة فيوجب توسعة دائرة الحجّيّة وتعميمها لتمام الأمارات غير العلميّة بما فيه خبر العادل فيحكم على المفهوم. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

تلخيص لما سبق

ويمكن أن نلخص الجهة الثانية وهي ما يُتصوّر كونه مانعاً عن تمامية المدّعى في المفهوم، وقد قلنا: إنَّ الكلام يقع في المانع المتصوّر في مقامين: 

المقام الأوّل: ما يكون متصوّراً بلحاظ جهة داخليّة في حاقّ الآية الكريمة. 

المقام الثاني: ما يكون متصوّراً بلحاظ جهة خارجيّة. 

أمّا المقام الأوّل -وهو المانع المتصوّر بلحاظ الجهة الداخلية- فقد قلنا سابقاً: إنَّ هذا المانع هو عبارة عن عموم التعليل بإصابة القوم بجهالة، فإنَّ الصلة مشتركة الورود بين خبر الفاسق وخبر العادل غير العلمي، ومقتضى عموم التعليل حينئذٍ هو الغاء المفهوم والغاء خصوصيّة الشرط بالبيان المتقدّم.

وهذا أجيب عنه بوجوه:

الوجه الأوّل: دعوى أنَّ عموم التعليل وإن كان يقتضي الغاء وعدم حجّيّة خبر العادل فضلاً عن الفاسق، إلَّا أنَّ التعارض يقع بين دلالة المفهوم على حجّيّة خبر غير الفاسق وبين عموم التعليل. 

وتُقدّم دلالة المفهوم على عموم التعليل باعتبار الأخصّيّة في المقام، فإنَّ المفهوم يتكفّل إثبات الحجّيّة للخبر غير العلمي الصادر من العادل، وأمّا كبرى التعليل فهي متكفّلة لنفي الحجّيّة عن مطلق غير العلمي من الأمارات سواء كان خبر العادل أو غيره من سائر الأمارات، فيتقدّم المفهوم للأخصّيّة.

وقلنا: إنَّ هذا غير صحيح؛ وذلك لأنّه يرد عليه:

أوّلاً: أنَّ الأخصّيّة وإن كانت في نفسها نكتة للتقديم، بلحاظ أنّها ملاك 

ــــــــــ[224]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بحسب الارتكاز العرفي للقرينية، إلَّا أنّه كما أنَّ الأخصّيّة نكتة للقرينية، التعليل أيضاً نكتة أُخرى للقرينية، وكون التعليل نكتة للقرينية أقوى من كون الأخصّيّة نكتة للقرينية -كما أوضحنا سلفاً- وبناءً عليه يتقدّم عموم التعليل على المفهوم لا محالة.

ولو سُلّم أنَّ النكتتين في عرض واحد، فلا محيص من التساقط، فلا يُقدّم العموم على المفهوم ولا المفهوم على العموم، وبهذا تسقط دلالة الآية على حجّيّة خبر الواحد.

ثانياً: فلأنّنا ننكر الأخصّيّة في المقام؛ لأنَّ العامّ المتكفّل له التعليل في المقام ليس حاله حال العامّ الذي يُبيّن ابتداءً في دليل من الأدلّة بصورة مستقلّة، وتوضيح ذلك: أنَّ العامّ تارةً يبيّن بصورة ابتدائية، فيقال: (أكرم كلّ عالم) ويقال: (لا تكرم فساق العلماء) فهنا يقال بتقديم الدليل الثاني على الأوّل باعتبار الأخصيّة؛ لأنَّ الثاني يتناول خصوص فساق العلماء، وأمّا الأوّل فهو يتناول طبيعي العلماء بتمام أفرادهم.

وأُخرى يُفرض أنَّ العامّ سيق لبيان العموم وعدم الاختصاص بخصوص حصته، ففي مثل هذا المقام لا يُقدّم عليه الخاص، فإنَّ الخاص يقتضي التخصيص والعامّ هنا بنفسه يقتضي التعميم، وما يقتضي التخصيص مع ما يقتضي التعميم متعارضان لا محالة.

وهذا كما في المقام، فإنَّ العامّ هنا بين تعليلاً للحكم المنطوقي، والمتفاهم العرفي من العامّ حينما يذكر تعليلاً للحكم المنطوقي أنّه سيق مساق التعميم، 

ــــــــــ[225]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بحيث إنَّ نظرة الابتدائي إلى تعميم الحكم وبيان أنه ليس وقفاً على خصوص مورد المنطوق، بل يسري إلى غير مورد المنطوق أيضاً، فمدلول العامّ هنا ليس هو مجرّد إثبات الحكم للكافة، بل هو تعميم الحكم لسائر الأفراد، ومثل هذا المفاد يكون معارضاً مع الخاص لا محالة ولا يعامل معهما معاملة العامّ والخاص.

وقلنا: إنّه من مجموع ما ذكرناه تعرف النكتة في تقديم عموم التعليل على المفهوم، وأنّ النكتة فيه هو ما أشير إليه، لا ما ذكره السيّد الأُستاذ: من أنَّ العموم في التعليل عموم بالوضع، وأنَّ المفهوم بالإطلاق، والعامّ الوضعي مقدّم على المطلق الحكمي.

فإن وجد الوقوع في مثل هذا التعبير -وهو التعبير بعموم التعليل- فهو، وإلَّا فإنَّ التعليل في الآية ليس فيه عموم وضعي، بل هو أيضاً بالإطلاق ومقدّمات الحكمة.

وهذا الوجه المتقدّم منا بتمامه المبيّن سابقا إنَّما نكرره باعتبار أنَّ هذا الطرز من البيان أكثر تنسيقاً للمطلب من الطرز المتقدّم.

وبعد هذا بيّنا الوجه الثاني في الجواب، وهو حكومة المفهوم على عموم التعليل، وأبطلناه بما لا نعيده.

الوجه الثالث: للمحقق الخراساني 

الوجه الثالث: من الأجوبة التي قيلت في التخلص عن إشكال المانع، وهو عموم التعليل، وهو ما أفاده المحقّق الخراساني في الكفاية(1)، وحاصله: أنَّ 

ــــــــــ[226]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 297.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

المراد بالجهالة في الآية، إن كان هو عدم العلم، أي: الجهالة العقليّة، بمعنى: عدم العلم لكانت العلّة مشتركة بين الفاسق والعالم، ولكن مَن قال: بأنَّ المراد من الجهالة ذلك؟ بل لعلّ -أو من المظنون- أن يكون المراد بالجهالة في المقام الجهالة العمليّة، لا الجهالة النظريّة والعقليّة.

 والجهالة العمليّة معناها: أن يكون العمل عمل الجهال، وهو ما يُعبّر عنه بالسفاهة، بمعنى: العمل غير العقلائي الذي لا يصدر من العقلاء، وإنَّما يصدر من الشاذين والمنحرفين عن الطريقة العقلائيّة.

إذا فُرض أنَّ المراد بالجهالة الجهالة العمليّة المساوقة للسفاهة، فمثل هذه العلّة ليست مشتركة الورود بين خبر الفاسق وخبر العادل، فإنَّ العمل بخبر العادل لا يُعد سفاهة وجهالة عمليّة، وإن فُرض أنَّه ليس علمياً فلا يقتضي حينئذٍ عموم التعليل نفي الحجّيّة على الخبر العادل؛ لأجل أن يكون بسبب ذلك مانعاً عن انعقاد ظهور للقضية في المفهوم.

وهذا البيان الذي أفاده في غاية المتانة؛ فإنّه لا أقل من احتمال أن يكون المراد بالجهالة في المقام الجهالة العمليّة بمعنى السفاهة، كما استعمل في عدة موارد في الكتاب الكريم والسُّنَّة، واحتمال ذلك احتمالاً معتداً به يكون كافياً في مقام دفع صلاحية هذا التعليل للقرينية ورفع اليد عن ظهور القضية في المفهوم.

[إيراد المحقق الأصفهاني على الوجه الثالث]

وأمّا ما أورده عليه المحقّق الأصفهاني(1) من أنَّ عنوان الجهالة بالمعنى 

ــــــــــ[227]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية3: 211.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الثاني إنَّما لا ينطبق على خبر العادل بعد فرض حجّيّته، وإلَّا لو فُرض أنَّه ليس حجّة، فأيضاً يكون العمل به جهالة؛ إذ ليس من شأن العقلاء العمل بغير الحجة وبأمارة غير معتبرة وملغية في نظر المولى.

إذن، فعدم شمول العموم في التعليل لخبر العادل فرع ثبوت حجّيّته، فإن ادّعى ثبوتها بدليل سابق في المرتبة السابقة. إذن، فذاك هو الذي يكون دليلاً على حجّيّة خبر العادل لا نفس آية النبأ بالمفهوم. وإن ادّعى ثبوت الحجّيّة بالمفهوم رجع إلى جعل المفهوم معارضاً مع عموم التعليل أو حاكماً عليه بنحو من الانحاء المتقدّمة، مع أنَّ المفروض أنَّ عموم التعليل يكون مقدّماً على المفهوم لو خلا الميدان إلَّا من المفهوم وعموم التعليل.

دفع الإيراد

وهذا الإشكال غير صحيح من المحقّق الأصفهاني؛ وذلك لأنّه فرق بين العمل غير العقلي والعمل غير العقلائي، وعمل الإنسان بأمارة غير حجّة ولم يثبت حجّيّتها من قبل المولى هذا عمل غير عقلي، بمعنى: أنَّ العقل العملي الحاكم بوجوب الإطاعة وحرمة المعصيّة وقبح التجرّي على المولى وهتك حريمه، فهذا العقل العملي يحكم بعدم جواز العمل بأمارة لم يقطع بحجيتها ولم يعلم باعتبارها شرعاً، غايته أنَّه يكون معصيّة، وإلَّا فإنَّ مجرّد حكم العقل بذلك لا يوجب صيرورة هذا العمل عملاً سفهائياً غير عقلائي، فإنَّ المعصية ليست سفهائيّة فضلاً عن مثل هذه المعصية الطريقيّة، فنفس المعصية وارتكاب ما نهى عنه المولى ليس عملاً سفهائياً بالمعنى العرفي من السفهائية، وإن كان 

ــــــــــ[228]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

معنى غير عقلي يعني يناقض حكم العقل العملي. إلَّا أنّه ليس كلّ ما يناقض حكم العقل العملي يكون سفهائياً.

بل السفهائي هو ما يناقض مجموع الارتكازات والطباع والقرائح المركوزة في عموم العقلاء، ومرتكزة فيهم، لا بمعنى أنّها نابعة من حاقّ عقلهم النظري أو عقلهم العملي، بل مرتكزة فيهم لعدة أسباب وعوامل.

 وهذه الارتكازات والطبائع المشتركة بين نوع العقلاء، لو أنَّ إنساناً سلك سلوكاً خالف فيه تلك القرائح والارتكازات والطباع المركوزة في نفوسهم يُعتبر سفيهاً، ويُعتبر عمله عمل غير عقلائي.

فعقلائيّة العمل لا يكفي فيه مجرّد حكم العقل باستحقاق العقاب على العمل، أو بكونه قبيحاً ومعصية، بل لا بُدَّ في صدق السفهاهة واللاعقلائية من أن يكون العمل منافياً مع تلك المرتكزات والطباع المركوزة في نفوس العقلاء.

وحينئذٍ يقال: لو فرضنا أنّه لم تثبت حجّيّة خبر العادل في المرتبة السابقة، ولم نتمّم الاستدلال بالسيرة العقلائيّة على حجّيّة خبر الواحد، لكن لا نستشكل في انعقاد أصل السيرة العقلائيّة على العمل به، وأنَّ العمل بخبر الواحد مطابق مع طباع العقلاء وقرائحهم ومرتكزاتهم المشتركة.

فمجرّد انعقاد السيرة على العمل بخبر العادل بلا أن نستكشف من ذلك حجّيّته شرعاً يكفي لإخراج العمل بخبر العادل عن اللا عقلائية والسفاهة، فلا نحتاج إلى فرض تمامية الحجّيّة في المرتبة السابقة(1).

ــــــــــ[229]ــــــــــ

() بل تماميّة السيرة في المرتبة السابقة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وحينئذٍ بعد أن أخرجنا خبر العادل عن السفهائية بإثبات استقرار عمل العقلاء عليه، وأنّه على طبق قرائحهم العامّة، فيقال: بأنَّ التعليل لا يشمله، فإذا لم يشمله يكون المفهوم باقياً على حاله.

فما أفاده المحقّق الأصفهاني من أنَّ العمل بغير الحجّة أيضاً ليس أمراً صحيحاً، إن أراد به ليس جارياً على طبق مرّ العقل فنعم كذلك، إلَّا أنّه ليس كلّ شيء لا يجري على طبق مرّ العقل ويكون مخالفاً له يكون عملاً غير عقلائي، بل الميزان في اللا عقلائيّة المخالفة لتلك المرتكزات العامّة المركوزة في قرائح العقلاء وطباعهم. إذن، فلا يلزم من الاستدلال بهذه الآية الكريمة دور، لو استدلّ بها على حجّيّة خبر الواحد.

وهذا الجواب الثالث هو أحسن الأجوبة، وهو الجواب الذي يمكن تتميمه منها، إذا فُرض بأنَّ الجهالة هنا حصل اطمئنان وظنّ قوي بحيث أوجب الوثوق بأنَّ الجهالة هنا هي الجهة العمليّة لا العقليّة(1). 

تحقيق في المقام

ثُمَّ إنَّ هنا كلاماً حاصله: أنَّ الأمر بالتبيّن -الذي هو الجزاء في القضية الشرطيّة- حصل له ارتباط بأمرين، ارتباط بالشرط على حدّ ارتباط المشروط بشرطه، كما هو قانون القضية الشرطية، فإنَّ الأمر بالتبيّن شرط بمجيء الفاسق 

ــــــــــ[230]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إذا لم يحصل الوثوق يكون هذا -أي: كبرى التعليل- صالحاً للقرينية.

فقال: بلى، يوجب الإجمال حينئذٍ. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بحسب الفرض، والارتباط الآخر ارتباطه بعلّته، فإنَّ الأمر بالتبيّن علّل بمخافة أن يُصاب قوم بجهالة، كما هو مقتضى قانون التعليل، فهنا ربطان للأمر بالتبيّن ربط تعليقي بالشرط وربط تعليلي بالعلّة ،والذي نريد أن نتكلّم فيه: أنَّ هذين الربطين هل هما على نحو واحد أو أنَّ أحد الربطين متأخّر رتبة عن الآخر؟ وأنّه لو استحصل تركيب الجملة على الوجه الأوّل أو على الثاني هل تختلف النتيجة بالنسبة إلى ما هو محلّ الكلام أو لا تختلف؟

إذا فرضنا أنَّ هذين الربطين في عرض واحد، بمعنى: أنَّ الأمر بالتبيّن رُبط في عرض واحد ربطاً تعليقياً وربطاً تعليلياً، فيجري فيه تمام الكلام الذي قلناه سابقاً واتممناه الآن من أنَّ عموم التعليل حينئذٍ يكون مقدّماً على المفهوم وقرينة عرفية على الغاء المفهوم والغاء خصوصية الشرط، وأنَّ الميزان في الجزاء ليس هو وجود الشرط، بل الميزان فيه عنوان جامع أعمّ من حالة وجود الشرط أو حالة فقده.

ولنتصوّر الآن أنَّ أحد الربطين في طول الربط الآخر، فهذا يُتصوّر على وجهين:

فتارةً نفرض أنَّ ربط التعليق الشرطي في طول الربط التعليلي، ومعناه: أنَّ وجوب التبيّن يُعلّل أوّلاً بمخافة إصابة قوم بجهالة، ويُعلّق هذا الحكم المُعلّل بما هو مُعلّل على مجيء الشرط.

 وعبارته الصريحة في ذلك: أنَّ وجوب التبيّن الناشئ من مخافة إصابة القوم بجهالة مُعلّق على مجيء الفاسق بالنبأ، فهنا التعليق الشرطي في طول التعليق التعليلي ومتأخّر عنه رتبة.

ــــــــــ[231]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وهنا هل يختلف الحال أو لا؟ نعم، لأنَّه إذا فُرض أنَّ التعليق الشرطي كان في طول الربط التعليلي بهذا المعنى، فنفس التعليق الشرطي في مقام بيان انتفاء علّة الحكم أيضاً عند انتفاء الشرط؛ ولهذا لو فُرض أنَّ المولى عبّر بالعبارة الصريحة في ذلك لم يكن هناك إشكال في ظهور العبارة في هذا المعنى، كما لو قال: إنَّ وجوب التبيّن عن النبأ بملاك الجهالة مُعلّق على مجيء الفاسق بالنبأ. فلا إشكال أنّه يُفهم منه أنَّ الوجوب هو وملاكه لا ثبوت له في حال فقد الشرط، فيكون التعليق بنفسه في مقام بيان إخراج حالة فقد الشرط عن موارد العلة، فحينئذٍ يكون المفهوم ثابتاً، ولا يكون التعليل مقتضياً لهدم المفهوم.

أمّا لو عكسنا المطلب وفرضنا أنَّ الربط التعليلي في طول الربط الشرطي، كما إذا قال بالصراحة: إنَّ وجوب التبيّن عن النبأ المُعلّق على مجيء الفاسق به، علته بما هو وجوب مُعلَّق هو الجهالة.

وحينئذٍ أيضاً يكون محصله ومعناه بناءً على هذا أنَّ الجهالة في المقام اقتضت وجوباً مُعلّقاً بما هو مُعلَّق، فإنّها اقتضت وجوباً في نفسه. واقتضائها للوجوب المُعلّق بما هو مُعلَّق، معناه أنَّ مثل هذه العلّة حيث إنّها ضيّقة وغير موجودة إلَّا في مورد وجود المُعلّق عليه؛ ولهذا فهي لا تقتضي إلَّا الوجوب المُعلّق لا محالة لأجل ضيق وجودها وعدم تحقّقها في مدار فقدان الشرط، فتكون النتيجة أيضاً في صالح المفهوم بكلا صورتيه.

وبهذا يظهر أنَّ تركيب هذه الجملة إذا فُرض الربطان فيه بنحو طولي يكون في صالح المفهوم، أمّا لو فُرض أنَّ كلا الربطين انصبّا في عرض واحد على 

ــــــــــ[232]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الحكم، فيكون في خلاف صالح المفهوم. هذا من حيث صناعة المطلب.

وأمّا من حيث تشخيص صحّة أيّ من التقديرين، فلا بُدَّ فيه من الرجوع إلى الفهم العرفي، والفهم العرفي في أمثال هذه المقامات يُساعد على العرضيّة لا على الطوليّة، أي: لا يُساعد على ارجاع مثل هذا الكلام إلى تعليق المُعلّل أو تعليل المُعلّق، وإنَّما يُساعد على أنَّ المولى كان في مقام أمرين: أحدهما: تعليل الحكم، والآخر: تعليقه.

 وحينئذٍ تعليله يبطل تعليقه على النحو الذي بيّناه فيما سبق. هذا خلاصة الكلام فيما ينبغي أن يقال في المانع من الجهة الداخليّة.

المانع بلحاظ الجهة الخارجيّة

وأمّا المانع بلحاظ الجهة الخارجيّة، فحاصله: ما أشير إليه في كلمات الأعلام من أنَّ الدليل من الخارج قد تمّ واقتضى عدم حجّيّة خبر الواحد حتّى لو كان عدلاً في الشبهات الموضوعية مطلقاً، أو على الأقل في خصوص باب الارتداد الذي هو مورد نزول الآية، حيث أخبر الفاسق بارتداد بني المصطلق.

ففي هذه الموارد ثبت من الخارج أنَّ المُخبر لو كان عادلاً أيضاً لا يجوز تصديقه والعمل على طبق قوله، وإنَّما لا بُدَّ من إثبات المطلب بالبينة، فحينئذٍ لو قيل بثبوت المفهوم لآية النبأ للزم من ذلك إخراج مورد الآية عنها؛ لأنَّ موردها لا يمكن الالتزام فيه بحجّيّة خبر العادل، وإخراج المورد غير ممكن بحسب القواعد العرفية في مقام التعبير، فيُستكشف من ذلك عدم ثبوت المفهوم للآية. هذا هو التقريب الثاني للمانع.

ــــــــــ[233]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

جواب الشيخ الأعظم ومن تأخر عنه

وقد ذكر الشيخ الأعظم(1) ومن تأخّر عنه من المحقّقين أنَّ هذا الإشكال ليس بشيء؛ وذلك لأنَّ غاية ما يقتضيه الدليل الخارجي الدالّ على عدم جواز التعويل على خبر العدل الواحد في باب الشبهات الموضوعية وعدم جواز التعويل إلَّا على البيّنة، غاية ما يقتضيه ذلك هو تقييد إطلاق المفهوم لا رفع اليد عن المفهوم رأساً.

توضيحه: أنَّ آية النبأ بعد فرض القول بثبوت مفهوم لها تقتضي أنَّ (النبأ) إذا لم يجيء به الفاسق فلا يجب التبيّن عنه سواء جاء به عادل واحد أو جاء به عادلان. 

وهذا الإطلاق في المفهوم يرفع اليد عنه بالنسبة إلى خصوص مورد الآية، ففي مورد الآية يقال: إنَّ النبأ في موارد الارتداد والشبهات الموضوعية إذا لم يكن الجائي به فاسقاً فلا يجب التبيّن عنه على شرط أنَّ الجائي به عادلان لا عادلاً واحد.

وحينئذٍ يكون مورد الآية مندرجاً أيضاً تحت المفهوم، غاية الأمر أنَّ المفهوم يكون مقيّداً في حقّه؛ لأنَّه باق على إطلاقه، وأمّا في غير مورد الآية يكون باقياً على إطلاقه ولا مانع من ذلك(2).

ــــــــــ[234]ــــــــــ

() انظر: فرائد الأصول 1: 119. 

(2) وهنا ذكر سيّدنا الأُستاذ مثالاً مفصّلاً لتوضيح تقييد إطلاق المفهوم في مورد الحكم، إلَّا أنَّ المسألة واضحة، فلا حاجة إلى ذكره. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فحاصل الجواب هو: أنَّ ما يلزم في المقام بلحاظ الدليل الخارجي هو تقييد إطلاق المفهوم بالنسبة إلى مورد الحكم لا إخراجه عن المفهوم رأساً، وما هو الباطل انَّما هو إخراجه عن المفهوم رأساً لا تقييد إطلاقه.

التأمل في جواب الأعلام

إلَّا أنَّ هنا كلاماً لا بُدَّ من التدّبر فيه؛ وذلك أنَّه لا بُدَّ أن يُرى أنَّه بعد قيام الدليل الخارجي على أنَّ مجيء العادل الواحد بالنبأ أيضاً يكون موضوعاً لوجوب التبيّن، كما لو جاء به الفاسق.

 فهل يبقى مجال حينئذٍ لإثبات المفهوم بالنسبة إلى مورد الحكم وهو الشبهة الموضوعيّة بلحاظ البينة، فيما إذا جاء بالنبأ عادلان، أو أنّه لا يمكن إثبات المفهوم حتّى بالنسبة إلى مجيء العادلين؟

فهنا أشياء ثلاثة: مجيء الفاسق بالنبأ، ومجيء العادل الواحد، ومجيء العادلين به. 

فالشيء الأوّل -وهو مجيء الفاسق به- جعل موضوعاً للحكم من المنطوق وشرطاً في القضية الشرطيّة، بحسب ما هو المفروض.

وهنا نريد أن نرى بأنَّ هذا الشرط -وهو مجيء الفاسق بالنبأ- هل هو علّة منحصرة أو لا؟ هل له بدلّ يقوم مقامه في ترتب الجزاء عليه أو لا؟ وهذا هو معنى المفهوم.

ومحتمل البدليّة عن هذا الشرط أمران: أحدهما: مجيء العادل الواحد بالنبأ، والآخر: مجيء العادلين بالنبأ.

 ــــــــــ[235]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فبالنسبة إلى مجيء العادل الواحد، لو خُلينا نحن وآية النبأ، بقطع النظر عن الدليل الخارجي الدال على عدم حجّيّة خبر الواحد في الشبهات الموضوعيّة. ماذا كنا نقول في مقام تقريب المفهوم؟

كنا نقول: إنَّ المولى علّق الحكم بوجوب التبيّن على مجيء الفاسق بالنبأ، والمولى في مقام بيان ما هو المُعلّق عليه، فلو كان للشرط بدل يقوم مقامه، وكانت هناك علّة أُخرى يترتب عليها الجزاء غير الشرط، لقيّد الشرط بكلمة (أو) فقال: (إذا جاءكم فاسق بنبأ أو جاءكم عادل به فتبيّنوا) وحيث إنّه لم يُقيّد بـ(أو) مع أنّه في مقام البيان، فيستكشف من ذلك أنَّ العادل الواحد ليس بدلاً عن مجيء الفاسق الواحد، يعني: أنّه لا يقوم مقامه في إيجاب التبيّن.

وبعد أنَّ دلّ الدليل الخارجي على أنَّ العادل الواحد -بحسب الحقيقة- حاله حال الفاسق الواحد، ويقوم مقامه في إيجاب التبيّن، وأنَّ خبر العادل الواحد ليس حجّة في الشبهات الموضوعيّة كخبر الفاسق بعد أن قام الدليل الخارجي على ذلك، نستكشف لا محالة أنَّ المولى لم يكن في مقام البيان من ناحية بدلية العادل الواحد عن الفاسق الواحد وعدم البدلية(1)؛ فمن هذه الناحية ليس المولى في مقام البيان؛ إذ لو كان في مقام البيان لكان قد قيّد الشرط ولقال: (إذا جاءكم فاسق واحد أو عادل واحد) لأنّنا علمنا من الخارج بأنَّ العادل الواحد بدلّ عن الفاسق الواحد وحكمه حكمه؛ فمن هنا سقط المفهوم من ناحية هذا البدل.

ــــــــــ[236]ــــــــــ

() بل هو في مقام الإهمال والإجمال من هذه الناحية. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

والآن نرى الشقّ الآخر المحتمل البدلية، وهو العدلان، لكن نُفكر ونتأمّل في أنّه هل يمكن إثبات المفهوم من ناحية العدلين أو لا يمكن؟ ومعنى إثبات المفهوم من ناحية العدلين أن نقول: إنَّ المولى في مقام البيان، فلو كان مجيء العدلين عدلاً لمجيء الفاسق، لكان قد بيّن هذا مع أنّه لم يبيّن فنستكشف منه أنَّ مجيء العادلين بالنبأ ليس عدلاً لمجيء الفاسق، يعني: لا يترتب عليه ما يترتب على مجيء الفاسق من وجوب التبيّن.

وهذا البيان غير تامّ في المقام: لأنّنا نجزم في هذا الفرض بأنَّ المولى ليس في مقام بيان عدلية مجيء العدلين بالنبأ حتّى لو فُرض أنّه كان عدلاً بحسب الواقع، فحتّى لو كان هذا العدل ثابتاً في الواقع فمع هذا لا نحتمل أنَّ المولى سوف يُقيّد؛ لأنَّ تقييده بهذا العدل مساوق مع تقييده بالعدل الأوّل، مع أنّنا قد فرغنا أنَّ المولى لم يكن في مقام البيان من تلك الناحية.

ولا يُعقّل أن يكون المولى في مقام البيان من ناحية عدلية العادلين، وليس في مقام البيان من ناحية عدلية العادل الواحد؛ لأنَّ عدلية العادلين تستلزم قهراً عدلية العادل الواحد، اذ لا يحتمل أن يكون العادلان عدلاً للفاسق دون الواحد.

إذن، فلا يُحتمل أن يكون المولى في مقام بيان عدلية العادلين على فرض عدليتهما بحسب الواقع. إذن، فلا يتمّ الإطلاق الذي هو منشأ انتزاع المفهوم. فلا يمكن الالتزام بالمفهوم، مع الالتزام بتقييده بالبينة بالنسبة إلى مورد الآية الكريمة، أي: لا يمكن التمسّك بالآية الكريمة لإثبات حجّيّة خبر العادل في الشبهات الموضوعيّة مع تقييده بالتعدّد والبيّنة، كما أُفيد من قبل الأعلام، فهذا الجواب الذي أفاده المحقّقون (قدس الله أسرارهم) لا يمكن المساعدة عليه.

ــــــــــ[237]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ما ينبغي أن يقال في الجواب

نعم ينبغي أن يقال في المقام: إنّه لا بأس بإخراج المورد عن المفهوم؛ وذلك لأنَّ المورد مورد للحكم المنطوقي لا للحكم المفهومي. والمدلول المنطوقي للقضية هو أصل وجوب التبيّن، وتعليق الوجوب وربطه بالشرط وهو مجيء الفاسق، وكلاهما محفوظ في المقام في مورد الحكم.

غاية الأمر بأنَّ ربط وجوب التبيّن بالشرط في خصوص المقام له بدل وفي غير المقام ليس له بدل، هذا غاية ما يلزم منه: تقييد إطلاق المدلول المطابقي بالنسبة إلى مورد الآية، وبقاء اطلاقه بالنسبة إلى غير مورد الآية.

فمرجع المفهوم بحسب الحقيقة إلى إطلاق في المدلول المطابقي، فكما أنّه لا إشكال في إمكان رفع اليد عن إطلاق في المدلول المطابقي بالنسبة إلى مورد الدليل مع بقائه بالنسبة إلى غير مورده، كذلك لا ينبغي أن يُستشكل في إمكان رفع اليد عن المفهوم بالنسبة إلى مورد الدليل مع بقاء المفهوم على حاله بالنسبة إلى غير مورد الدليل؛ لأنَّ المفهوم مرجعه إلى إطلاق في المدلول المطابقي، فرفع اليد عن المفهوم معناه رفعها عن إطلاق فيه، وايّ محذور في ذلك؟!

من قبيل أنَّ شخصاً يسأل: هل يجب إكرام زيد العالم؟ فيقول: يجب إكرام كلّ عالم. وعلمنا من الخارج أنَّ زيداً العالم بالخصوص لا يجب إكرامه في حالة خروجه من النجف، فبالنسبة إلى مورد الحكم نلتزم بسقوط الإطلاق لحالة خروجه من النجف، وأمّا بالنسبة إلى غيره من العلماء فنتمسّك بإطلاق الحكم بالنسبة إليه. 

ــــــــــ[238]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فرفع اليد عن إطلاق المدلول المطابقي بالنسبة إلى مورد هذا الدليل لا يلزم منه رفع اليد عن الإطلاق بالنسبة إلى مورد آخر.

نعم، لو فُرض أنَّ المفهوم مرجعه إلى نكتة العلّيّة الانحصاريّة وثبوتها بالوضع، بحيث إنَّ كلمة (إذا) دالّة على العلّيّة الانحصاريّة، فحينئذٍ الالتزام بعدم المفهوم بالنسبة إلى المورد معناه عدم تمامية أصل المدلول المطابقي لأداة الشرط بالنسبة إلى مورد الحكم، وهذا غير صحيح كما سبق في بحث المفاهيم. وعليه فهذا الإشكال غير تامَّ لا تقريباً ولا جواباً.

وبهذا تمّ البحث في مفهوم الشرط، واتّضح أنّه لا يصحّ الاستدلال بالآية بنحو مفهوم الشرط، لا لأجل وجود الموانع، بل لأجل عدم وجود المقتضي في نفسه لانعقاد المفهوم فيها.

التقريب الثاني: التمسّك بمفهوم الوصف 

التقريب الثاني: للاستدلال بآية النبأ على حجّيّة خبر الواحد، هو مفهوم الوصف.

إمّا بنحو بسيط بأن يقال: بأنَّ وجوب التبيّن أخذ في موضوعه وصف اشتقاقي، وهو عنوان الفاسق. ومقتضى مفهوم الوصف هو انتفاء الحكم عند انتفائه، كما هو الحال في سائر القضايا الوصفيّة.

وإمّا أن يُقرّب مفهوم الوصف في المقام بنحو أكثر تعقيداً ودقّة، كما وقع في كلمات الشيخ الأعظم(1) إذ يقال: بأنَّ وجوب التبيّن لو فُرض أنّه مشترك 

ــــــــــ[239]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأصول 1: 118.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بين خبر العادل وخبر الفاسق، بمعنى: أنَّ الخبرية على الإطلاق تقتضي وجوبه، من دون فرق بين صدور الخبر من الفاسق أو من العادل، لكان الأنسب حينئذٍ تعليل وجوب التبيّن واناطته بأصل الخبرية التي هي وصف ذاتي للخبر، مع أنّه قد اُنيط -في الآية الكريمة- بصدور الخبر من الفاسق الذي هو وصف عرضي للخبر. والعدول عن اناطة الحكم بالوصف الذاتي إلى الوصف العرضي، لو لم يكن بنكتة أنَّ الحكم لا يثبت للوصف الذاتي، وإنَّما يختصّ بخصوص الوصف العرضي لكان غير صحيح.

إمّا لأجل أنَّ الوصف العرضي متأخّر مرتبة عن الوصف الذاتي، فلو كان الوصف الذاتي مناطاً للحكم على حدِّ مناطية العرفي للزم استناد الحكم قهراً إلى الوصف الذاتي الثابت في المرتبة السابقة، ولا تصل النوبة بعد ذلك إلى استناده إلى الوصف العرضي في المرتبة المتأخّرة.

وإمّا لأنَّ العدول عن الوصف الذاتي إلى العرضي مع مناطية الذاتي للحكم مستهجن استهجاناً عرفياً، فمن المستهجن -مثلاً- أن يقال: إنَّ البول الذي يلاقي الدم نجس، مع أنَّ نفس عنوان البولية كاف في مقام ترتيب الحكم بالنجاسة عليه.

فإذا فُرض أنَّ مناط وجوب التبيّن محصور بخصوص الجهة العرضية، وهي صدور الخبر من الفاسق، فقد ثبت المطلوب وهو انتفاء وجوب التبيّن عند انتفاء هذه الجهة العرضية.

وإمّا إذا كانت نكتة وجوب التبيّن ثابتة في تمام موارد الجهة الذاتيّة، فحينئذٍ العدول في مقام البيان عن اسناد الحكم عن الجهة الذاتيّة واسناده إلى الجهة 

ــــــــــ[240]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

العرضية غير صحيح، إمّا لأنّه خلاف الواقع باعتبار أنَّ الجهة العرضيّة متأخّرة رتبة عن الجهة الذاتيّة، ويكون الحكم مستنداً في الرتبة السابقة إلى الجهة الذاتيّة. وإمّا لأنّه مستهجن عرفاً، فإذا بطل الشقّ الثاني تعيّن الشقّ الأوّل وهو المطلوب.

جواب السيد الأستاذ عن التقريب

وقد أجاب على ذلك جملة من المحقّقين المتأخّرين ومنهم السيّد الأُستاذ(1)، بما يرجع حاصله: بانّه لا محصل لكلا التقريبين.

أمّا التقريب الأوّل الساذج البسيط لمفهوم الوصف فيجاب أيضاً بجواب ساذج، وذلك بالتحويل على بحث المفاهيم، حيث حقّق هناك بأنّه لا مفهوم للقضية الوصفيّة، خصوصاً فيما إذا كان الوصف غير معتمد على موصوفه وغير مذكور معه، بل مذكور ابتداءً، كما هو الحال في إكرام العالم، وتبيّن عن نبأ الفاسق.

وأمّا التقريب الثاني المعقّد فيجاب عنه ويقال: بأنّه يمكن أن نختار الشقّ الثاني، وهو أن تكون الجهة الذاتيّة مناطاً للحكم، ومع هذا فالمولى عدل عن الجهة الذاتيّة إلى جهة عرضيّة في مقام البيان.

أمّا قولكم: بأنَّ هذا أمر مستهجن عرفاً، فمدفوع: وذلك لأنَّ مرجع هذا الاستهجان إلى الدليل الذي أُقيم على أصل ثبوت المفهوم للقضية الوصفيّة، فإنّه في باب الوصف قيل: لو لم يكن الحكم مختصّاً بخصوص العالم العادل لكان ذكر قيد العدالة في المقام لغواً، فيكون مستهجناً؛ لأنَّ التكلّم باللغو 

ــــــــــ[241]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 156.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

مستهجن. وقد قلنا هناك في مقام دفع هذا البيان: بأنَّه يكفي فائدة للقيد أيّ نكتة من النكات، ولا يشترط في اخراج القيد عن اللغوية الالتزام بالمفهوم، بل تكفي أيّ نكتة أُخرى في مقام اخراجه عن اللغوية والاستهجان العرفي؛ إذ لعلّ هذا محلّ ابتلاء السائل، أو أنَّ المولى يهتم بهذه الحصّة أكثر من غيرها، أو لعلّها اخفى عن غيرها؛ ولهذا نصّ عليها بالخصوص، إلى غير ذلك من الاحتمالات.

فنفس هذا البيان العامّ الذي نقض به برهان مفهوم الوصف، ننقض به هذا البيان في المقام أيضاً، وذلك أن نقول: إنَّ العدول من الجهة الذاتيّة إلى الجهة العرضيّة، وإن كان بلا مناسبة يكون مستهجناً ولغواً، إلَّا أنَّ هنا مناسبة بمثل هذا العدول، ولعلّ المناسبة للعدول هو التنبيه على فسق الوليد في قصة نزول الآية الكريمة، على أنَّ هذا الذي أخبر عن ارتداد بني المصطلق كان شخصاً منحرفاً عن خط الإسلام، وهذا يكفي لخروجه عن الاستهجان العرفي واللغوية.

ومن هنا يظهر أنَّ هذا التقريب الثاني ليس أمراً زائداً على أصل دعوى ثبوت المفهوم للوصف، وليس زائداً على أصل البرهان الذي يُقام على انعقاد المفهوم للقضية الوصفية(1).

ــــــــــ[242]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: وإمّا أنّه خلاف الواقع؛ مشيراً إلى أنَّ هذا الجواب إنَّما يدفع إشكال اللغوية ولا يدفع إشكال أنّه خلاف الواقع. 

وأجاب (سلّمه الله): أنَّ هذا لم يُذكر في كلماتهم، لكن جوابه واضح باعتبار أنَّ ترتّب الحكم على موضوعه زماني لا رتبي، والجهة العرضيّة والذاتيّة والترتّب ما بينهما رتبي لا زماني. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

تحقيق في المقام

ولكن الانصاف أنَّ هذا البيان الثاني يمكن تطويره بنحو لا يرد عليه هذا الكلام، ولا يكون مساوقاً لأصل برهان انعقاد المفهوم في تمام القضايا الوصفية.

وتوضيح ذلك: أنّه في القضية الوصفية إذا قال المولى: (أكرم المسلم العالم) فيقع البحث في أنّه هل له مفهوم يدلّ على عدم وجوب إكرام الجاهل من المسلمين إذا كان عادلاً ورعاً أو لا يدلّ على نفي الوجوب عن الجاهل بتمام أقسامه من هذه الأمة؟

فاحتمال الشكّ في ثبوت وجوب الإكرام لغير مرور الوصف، أي: للجاهل يكون على نحوين: تارةً يحتمل ثبوت الوجوب للجاهل بنفس هذا الجعل الذي كان قوله: (أكرم المسلم العالم) بياناً له وابرازاً له، بمعنى: أنّنا نحتمل أنَّ نفس هذا الجعل الذي أبرز بهذه القضية قد انصبّ ابتداءً على الجامع بين العالم والجاهل، فانصبّ على طبيعي المسلم، ولكن كان البيان أقصر مدى من المبيّن، وأضيق دائرة من واقع هذا الجعل.

وأُخرى نفرض الفراغ عن أنَّ شخص هذا الجعل المبرز لشخص هذه القضية قد تعلّق بخصوص المسلم العالم، كما هو مبرز بهذا البيان، لكن نحتمل أنَّ المولى له جعل آخر على حصّة أُخرى من حصّص المسلمين، مثلاً على المسلم العادل فأوجب إكرامه ولو كان جاهلاً.

فاحتمال وجوب إكرام المسلم الجاهل لم ينشأ من ناحية احتمال شمول 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

شخص ذلك الجعل الأوّل له، بل نشأ من احتمال وجود جعلين على حصّتين خاصتين بما هما خاصتان: أحد الجعلين ثابت على المسلم العالم بما هو عالم، والآخر على المسلم العادل بما هو عادل. هذا هو الاحتمال الثاني.

أمّا الاحتمال الأوّل، وهو اتّصاف الجاهل من المسلمين بالوجوب

من باب شمول شخص هذا الجعل المبرز بالقضية الأولى له، وكون ذلك الجعل منصبّاً على العامّ والجاهل، فهذا منفي بظهور القضية الوصفيّة بلا إشكال.

وهذا المفهوم مسلّم حتّى عند منكري المفهوم؛ لأنَّ هذا ما يُسمّونه بانتفاء شخص الحكم، وظهور القضية في انتفاء شخص الحكم عند انتفاء القيد، وهذا الظهور ثابت على أيّ حال. 

ومن هنا قيل: بأنَّ الأصل في القيد الاحترازية، ومعنى ذلك: أنَّ أخذ قيد ظاهر في أنَّ الجعل المبرز لا يشمل حالة فقده، ومن هنا قيل من قبل الجميع بحمل المطلق على المقيّد، فيما إذا علم بوحدة الجعل، كما إذا قال المولى: (أكرم العالم) وقال من خطاب آخر: (أكرم العالم الفقيه) وعُلم بوحدة الجعل، فنحمل الأوّل على الثاني؛ لأنّنا لو بقينا متمسّكين بإطلاق الأوّل للزم من ذلك رفع اليد عن احترازية القيد بالفقاهة في الخطاب الثاني، مع أنَّ الأصل في القيد أن يكون احترازياً.

ومرجع كلّ هذا الكلام -كما أوضحناه في بحث المفاهيم- إلى أصالة المطابقة بين مقام الإثبات ومقام الثبوت، فإنَّ الأصل أن يكون مطابقاً، فكما في 

ــــــــــ[244]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

مقام الإثبات والبيان اُخذ قيد العلم في موضوع الحكم بمقتضى أصالة المطابقة، فإنَّ هذا القيد مأخوذ في موضوع الجعل ثبوتاً أيضاً.

فاحتمال أنَّ الجعل المبرز بهذه القضية يكون شاملاً للجاهل وثابتاً للجامع منفي بنفس تلك القضية الوصفيّة وظهورها. 

وأمّا الاحتمال الثاني: بعد أن فرغنا عن كون القيد احترازياً، والتزمنا أنَّ الجعل المبرز بشخص تلك القضية قد تعلّق بخصوص حصّة خاصّة، وهي المسلم العالم، لكن نحتمل أنَّ هناك جعلاً آخر غير هذا الجعل لوجوب النصبّ على حصة أخرى وهي المسلم العادل ولو كان جاهلاً.

 هذا الاحتمال لا يمكن نفيه بالقضية الوصفية؛ لأنَّ نفيه يتوقف على إثبات العلّيّة الانحصارية لسنخ الحكم، وفي باب القضايا الوصفية لا نلتزم بالعلّيّة الانحصارية لسنخ الحكم يعني: لمطلق الجعل؛ ومن هنا نقول: بأنَّ القضية الوصفيّة ليس لها مفهوم. 

هذه مقدّمة لتوضيح ما هو محلّ الكلام.

والآن نطبّق هذه القواعد المبيّنة في هذه المقدّمة على ما هو محلّ الكلام. فنقول: بأنّنا نفرض أنَّ الآية الكريمة قضية وصفيّة لا قضية شرطيّة، كما لو قال: يجب التبيّن عن نبأ الفاسق، فوجوب التبيّن هنا أُخذ في موضوعه بحسب مقام الإثبات عنوان الفاسق.

وحينئذٍ فاحتمال وجوب التبيّن عن نبأ العادل لا يخلو من أحد الوجهين السابقين المذكورين في المقدّمة: إمّا من باب احتمال أنَّ ذلك الجعل قد تعلّق 

ــــــــــ[245]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ابتداءً بالجامع بين الفاسق والعادل من دون دخل لخصوصية الفسق أو العدالة. وإمّا من باب وجود جعل آخر تعلّق بالحصّة الأُخرى وهي نبأ العادل، بأن جعل المولى جعلين: جعلاً على الفاسق، وجعلاً آخر على العادل.

أمّا الاحتمال الأوّل -وهو احتمال أنَّ الجعل الأوّل الوحداني انصبّ ابتداءً على الجامع بين الفاسق والعادل، غاية الأمر أنَّ المولى في مقام البيان لم يُنطه بالجامع، بل اناطه بالحصّة لنكتة أن ينبّه على فسق الوليد مثلاً- فمنفي بظهور القضية الوصفيّة؛ لأنَّ ظهور القيد في الاحترازيّة على ما هم يصطلحون، وأصالة المطابقة بين مقام الإثبات ومقام الثبوت على ما نحن نصطلح يدفع هذا الاحتمال، فإنَّ مقتضى ذلك هو أنَّ عنوان الفسق كما هو دخيل في مقام الإثبات دخيل أيضاً في مقام الثبوت، وفرض تعلّق الجعل ابتداءً بالجامع مع الغاء الخصوصية الغاء للقيد عن الاحترازيّة، ومعناه عدم مطابقة مقام الإثبات لمقام الثبوت وهو خُلف.

وأمّا الاحتمال الثاني: وهو أنَّ المولى جعل جعلين، أحدهما وجوب التبيّن على الفاسق بما هو فاسق، والآخر وجوب التبيّن على العادل بما هو عادل، فهذا وإن كان لا يُنفى بالقضية الوصفيّة؛ لأنّها ليس لها مفهوم ولا تدلّ على انتفاء سنخ الحكم، ولكنّه منفي في نفسه بلا حاجة إلى قضية وصفية؛ لأنّنا لا نحتمل أنَّ المولى يجعل جعلاً ثانياً لوجوب التبيّن على العادل بما هو عادل؛ لأنَّ خصوصية العدالة لا تحتمل أن تكون ملاكاً ومناطاً آخر لوجوب التبيّن، لا أقل من أنَّها لا تقتضي عدم وجوب التبيّن؛ لأنها هي مقتضية له على حدِّ اقتضاء الفسق.

ــــــــــ[246]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وهذا بخلافه في المثال السابق، وهو قوله (أكرم المسلم العادل) حيث نحتمل أنَّ المولى جعل جعلين أحدهما وجوب إكرام المسلم العالم بما هو مسلم عالم، والجعل الآخر وجوب إكرام المسلم العادل بما هو مسلم عادل(1) ولو كان جاهلاً؛ لأنّنا نحتمل بأن يكون هناك مناطان لوجوب الإكرام عند المولى، أحدهما العلم ولو تجرّد عن العدالة، والآخر العدالة ولو تجرّد عن العلم، فمن هنا لا يمكننا هناك نفي وجوب إكرام العادل الجاهل.

لكن هناك نحتمل وجود جعلين بملاكين، أحد الملاكين هو الفاسق بما هو فاسق، والملاك والآخر هو العادل بما هو عادل؛ لأنَّ ملاكية العادل بما هو عادل غير محتملة في المقام، بل العادل أمره دائر بين أن يكون ملاكاً لعدم وجوب التبيّن أو أنّه لا اقتضاء من حيث وجوب التبيّن، لا أنّه يكون ملاكاً له.

فمن هنا يظهر أن تتميم الوصف هنا يختلف عن تتميم مفهوم الوصف في 

ــــــــــ[247]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّ المثال غير منطبق على الآية تماماً، فإنّنا وإن كنّا نحتمل جعل وجوب إكرام العادل وإن كان جاهلاً، إلَّا أنَّ هذا أجنبي عن الآية، وإنَّما يكون موازياً لها في المثالية إذا احتملنا وجود ملاك للجعل في الجاهل بما هو، بأن يكون المولى قد جعل وجوب الإكرام لكلا الخصوصيتين بما هما، وهذا غير محتمل حتماً، وهو أن يكون الضدان ملاكين لجعلين متماثلين، كما في الآية وكما في المثال على ما شرحناه، وعليه يمكننا أن نخلص إلى القول: أنَّ القضية الوصفيّة دالّة على المفهوم بهذا المقدار، بل هو أمر لا يزيد على ظهور القيد في الاحترازيّة، حيث لو كان الحكم للجامع بين الخصوصية وضدها لذكر الجامع موضوعاً للحكم دون الخصوصيّة. إذن، ملاك كلا الاحتمالين ودفعهما واحد في الروح والجوهر، وهو ظهور القيد بالاحترازيّة وعدمه. فتأمّل. (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

مثل قوله: (أكرم المسلم العالم) فإنّه هنا -أي: في الآية، بقطع النظر عما سوف يأتي من الإشكال- يمكن تتميمه بأن يقال: إنَّ وجوب التبيّن المحتمل ثبوته لبناء العادل إن اُحتمل ثبوته من ناحية سعة نفس الجعل الأوّلي له وتعلّقه بالجامع، فهذا منفي بظهور القيد في الاحترازيّة، وإن احتمل من باب تعدّد الجعل بتعدّد المناط، فهذا في نفسه غير محتمل. 

هذا غاية ما يمكن أن يقال في مقام تقريب المفهوم في المقام. 

إلَّا أنَّ هذا البيان أيضاً غير صحيح من عدّة جهات، أهمّها: أنَّ الحكم في المقام -وهو وجوب التبيّن- ليس حكماً وجودياً ثبوتياً بل هو -كما قلنا فيما سبق بحسب الحقيقة- إرشاد إلى عدم الحجّيّة، لا أنّه وجوب تكليفي كوجوب الإكرام، بل معنى وجوب التبيّن يعني: عدم جعل الحجّيّة لا جعل عدم الحجّيّة.

وحينئذٍ لا مانع من أن يُفرض أنَّ نبأ الفاسق يكون موضوعاً لوجوب التبيّن، وأنَّ نبأ العادل يكون موضوعاً له؛ إذ ليس معنى موضوعيّة الفاسق له، أو موضوعية العادل له إلَّا أنّه لم يجعل له الحجّيّة، وأنّه ليس مقتضياً للحجّيّة. وأنَّ عدالة المخبر بما هي عدالة وفسقه بما هو فسق لا يقتضي الحجّيّة، وهذا لا بأس به أن يكون هناك عدمان ثابتان على حصّتين، أحد العدمين ثابت على حصّة نبأ الفاسق والعدم، الآخر ثابت على حصّة نبأ العادل.

ومعنى ثبوت العدم على هذه الحصّة وعلى تلك الحصّة: أنَّ هذه الحصّة بجميع اجزائها التحليلية ليس فيها ما يقتضي الحجّيّة، لا باعتبار الجامع الموجود في ضمنها، ولا باعتبار خصوصيتها وقيدها. وهذا لا بأس به.

فاحتمال وجوب التبيّن بجعل آخر معقول في المقام، لكن لا بمعنى أنَّ 

ــــــــــ[248]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

هناك جعلين لحكمين ثبوتيين، بل بمعنى أن هناك عدمين لجعلين، لاجعلين لعدمين، بل عدمين لجعلين بلحاظ انتفاء المقتضي في كلّ من الحصّتين.

إذن، فلا يكون في مثل هذه الآية الكريمة دلالة على حجّيّة خبر الواحد ولو بالجملة، لا بلحاظ مفهوم الشرط ولا بلحاظ مفهوم للوصف. هذا تمام الكلام بالاستدلال بآية النبأ.

الإشكال في الأخبار مع الواسطة

إنَّ هنا إشكالاً معروفاً في شمول دليل الحجّيّة -بعد فرض تمامية الدليل عليه متمثلاً في آية النبأ أو غيرها من الأدلّة التي أقيمت على حجّيّة خبر الواحد- فيقال: باستحالة شمول دليل الحجّيّة للأخبار مع الواسطة.

ويقرّب هذا الإشكال بوجوه يمكن ارجاعها إلى تقريبين رئيسيين:

التقريب الأوّل: [لزوم اتحاد الحكم مع الموضوع]

أنَّ أدلّة الحجّيّة لو شملت الأخبار مع الواسطة للزم اتّحاد الحكم مع الموضوع وهو محال؛ وذلك لأنَّ حجّيّة كلّ خبر هي حكم وموضوعه مركب من جزئين:

أحدهما: صدور الخبر ووجوده. 

ثانيهما: هو ثبوت أثر شرعي لمؤدى الخبر حيث يكون مؤداه حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي.

 فحينئذٍ يُعقل جعل الحجّيّة لهذا الخبر بأن يقال: بأنّنا إذا لاحظنا الخبر المباشر للإمام يعني: إذا لاحظنا خبر الصفار عن الإمام الرضا فهذا 

ــــــــــ[249]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الخبر يكون مؤداه حكماً شرعياً؛ لأنَّ مؤداه هو قول المعصوم المتكفّل لحكم الله تعالى الواقعي كوجوب السورة، لكن إذا لاحظنا الطرف الآخر للسلسلة أي: لاحظنا رواية الكليني في الكافي، حيث يقول: حدثني أحمد بن محمّد، عن محمّد بن الحسن الصفار، عن الإمام الرضا فيُراد هنا أن يُعرف أنّه هل يمكن شمول دليل الحجّيّة لخبر الكليني أو لا يمكن؟

فيقال: بأنَّ دليل الحجّيّة لو شمل خبر الكليني للزم اتّحاد الحكم مع موضوعه، ببيان: أنَّ حجّيّة خبر الكليني لها موضوع وهو مركب من جزئين
-كما بيّنا في الأصل الموضوعي- الجزء الاوّل هو تحقّق نفس الخبر عن الكليني، وهذا ثابت بالوجدان؛ لأنَّ كتاب الكافي مقطوع الصدور عن الكليني، والجزء الآخر بموضوع الحجّيّة هو أن يكون مؤدى خبر الكليني حكماً شرعياً، أو موضوعاً لحكم شرعي.

فما هو مؤدّى خبر الكليني؟ فالكليني لا ينقل لنا شيئاً سمعه من الإمام، بل ينقل ما سمعه عن أحمد بن محمّد بن يحيى، وأحمد بن محمّد كلامه ليس حكماً شرعياً، وإنَّما هو موضوع لحكم شرعي، والحكم الشرعي مُترتّب عليه وهو الحجّيّة، باعتبار كونه ثقة.

 إذن، فيكون الجزء الآخر من موضوع حجّيّة خبر الكليني هو الحجّيّة أيضاً؛ لأنَّ خبر الكليني إنَّما صار ذا أثر شرعي باعتبار نفس الحكم بالحجّيّة، وإلَّا لو لا الحكم بحجّيّة خبر الثقة لم يكن مؤدّى خبر الكليني حكماً شرعياً ولا موضوعاً لحكم شرعي.

وهذا معنى اتّحاد الحكم والموضوع، فإنَّ الحكم هو حجّيّة خبر الكليني، 

ــــــــــ[250]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

والموضوع هو أن يكون مؤدّى خبر الكليني موضوعاً لحكم شرعي، وهو ليس موضوعاً إلَّا لنفس الحكم بالحجّيّة، فيكون الحكم بالحجّيّة حكماً وموضوعاً. وهذا معنى لزوم اتّحاد الحكم والموضوع.

ومن المعلوم أنَّ هذا التالي باطل باعتبار أنَّ الحكم متأخّر رتبة عن الموضوع، فيستحيل أن يتحد الحكم والموضوع. هذا هو التقريب الأوّل.

التقريب الثاني: لزوم تأخر الموضوع عن الحكم رتبةً 

بأنّه يلزم في المقام تأخّر الموضوع عن الحكم رتبة؛ وذلك لأنّنا إذا لاحظنا في المقام خبر أحمد بن محمّد الذي ينقل عن الكليني، هل ثبت خبره بالوجدان؟ لا، لأنّنا نحتمل اشتباه الكليني -مثلاً- في مقام النقل، وإنَّما ثبت بلحاظ دليل الحجّيّة، حيث إن الكليني ثقة والمولى جعل الحجّيّة لخبر الثقة. فثبوت خبر أحمد بن محمّد هو بلحاظ جعل الحجّيّة لخبر الثقة، فثبوت هذا الخبر في طول الحجّيّة، مع أنّه موضوع للحجّيّة؛ لأنَّ الخبر كما قلنا هو الجزء الأوّل من موضوع الحجّيّة، والجزء الثاني هو أن يكون الخبر حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي، فلزم من ذلك أن يكون موضوع الحجّيّة ثابتاً من ناحيتها ومتأخّراً رتّبة عنها. وهذا الإشكال يختلف عن الإشكال الأوّل ملاكاً ومورداً.

أمّا ملاكاً فواضح، حيث إنَّ الإشكال الأوّل ملاكه هو لزوم وحدة المتقدّم والمتأخّر، وهذا إشكاله لزوم كون المتقدّم في طول المتأخّر.

وامّا مورداً فهو أيضاً كذلك؛ لأنَّ الإشكال الأوّل وهو إشكال لزوم وحدة المتقدّم والمتأخّر -أي: وحدة الحكم والموضوع- يأتي في غير أوّل السلسلة، أي: في غير خبر الصفار، وفي خبر الصفار لا يأتي؛ إذ بالنسبة إليه 

ــــــــــ[251]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ليس أثره هو الحجّيّة؛ بل أثره هو الحكم الواقعي الذي ينقله عن الإمام فلا يأتي الإشكال الأوّل، ولا يتوهّم وحدة الحكم والموضوع، فإنَّ الحكم هو الحجّيّة والموضوع هو قول الإمام المتكفّل للحكم الواقعي، لا نفس الحجّيّة، وإنَّما يأتي الإشكال الأوّل في الحلقات النازلة من السلسلة، أي: فيمن بعد الصفار من الرواة إلى أوّل السلسلة من ناحيتنا.

وأمّا الإشكال الثاني، وهو لزوم كون الموضوع متأخّراً عن حكمة، فيأتي في أوّل السلسلة في خبر الصفار؛ لأنّه لم يثبت عندنا إلَّا بلحاظ شمول دليل الحجّيّة لأخبار أحمد بن محمد عنه، فهو قد يثبت من ناحية الحجّيّة أيضاً. نعم، هذا الإشكال الثاني، لا يأتي في أوّل السلسلة من ناحيتنا في خبر الكليني؛ لأنّه لم يثبت عندنا بلحاظ دليل الحجّيّة، بل ثبت عندنا بالتواتر.

فالنسبة بين موردي الإشكالين عموم من وجه، ومادّة الاجتماع للإشكالين هو أحمد بن محمّد، وكلّ من كان ما بين الحدّين، والمادّة التي يختصّ بها الإشكال الأوّل، هو أوّل السلسلة من ناحيتنا، والمادّة التي يختصّ بها الإشكال الثاني هو أوّل السلسلة من ناحية الإمام.

[كلام المحقق الخرسان في المقام]

والمحقّق الخراساني في الكفاية(1)، كأنّه اقتصر على بيان التقريب الأوّل، ولم يتعرض -على ما أتذكر- للتقريب الثاني، ولعلّ الملحوظ له في مقام عدم التعرض للتقريب الثاني، هو الخدشة من ناحية الصورة الفنيّة له، حيث خلط 

ــــــــــ[252]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 297-298.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فيه بين الثبوت الحقيقي الواقعي وبين الثبوت التعبّدي، فقيل فيه: إنَّ الموضوع يثبت من ناحية الحكم فيكون في مرتبة متأخّرة عنه، فإنَّ خبر أحمد بن محمّد إنَّما ثبت لشمول دليل الحجّيّة لخبر الكليني. إذن، فخبر أحمد بن محمّد صار في طول الحجّيّة، وهذا خلط بين خبر أحمد بن محمّد بوجوده الواقعي وبين وجوده الظاهري التعبّدي التنزيلي، إذ ما هو في طول الحجّيّة هو الوجود التنزيلي لموضوع الحجّيّة لا الوجود الواقعي كموضوعها. وما هو متقدّم رتبة على الحجّيّة هو الوجود الواقعي لموضوعها لا الوجود التنزيلي.

فالتقريب الثاني يستبطن مغالطة في مقام عدم التمييز بين الوجود الواقعي والوجود الظاهري، فإنَّ الوجود الواقعي لموضوع الحجّيّة وهو واقع خبر أحمد بن محمد وهو ليس معلولاً لشمول دليل الحجّيّة لخبر الكليني وإنَّما هو تابع لأسبابه الواقعية وعلّله النفس الأمرية التكوينيّة. والوجود التنزيلي لخبر أحمد بن محمّد الذي ثبت بلحاظ دليل الحجّيّة هذا ليس موضوعاً للحجّيّة، فإنَّ ما هو موضوع لها هو الخبر الواقعي لا التنزيلي.

[بيان المحقق النائيني في المقام]

ومن هنا قال المحقّق النائيني(1): إنّه يمكن تقريب هذا الوجه الثاني بوجه أحسن -ولعلّ نظره في الأحسنيّة أيضاً إلى التخلص من هذه المغالطة- فذكر في مقام تقريب الوجه الثاني:

ــــــــــ[253]ــــــــــ

(1) انظر: فوائد الأصول 3: 19-22.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

أنّه يلزم في المقام اتّحاد الحاكم مع المحكوم، فإنَّ الدليل المتكفّل لجعل الحجّيّة يكون له حكومة ظاهريّة -بحسب مصطلحات الميرزا- على أدلّة الأحكام الواقعية؛ لأنّه يوسّع دائرة موضوعات الأحكام الواقعيّة توسعة ظاهرية تعبّديّة ظاهريّة لا توسعة حقيقيّة؛ ومن هنا فرّق بين الحكومة الظاهريّة والحكومة الواقعيّة، على ما شرحنا ذلك في بحث قيام الأمارات مقام القطع الطريقي والموضوعي، فمثلاً: دليل صدّق العادل له حكومة على أدلّة الأحكام الواقعية؛ لأنَّ العادل حينما يخبر عن طهارة ثوب أو اجتهاد شخص ، فمقتضى (صدّق العادل) هو توسعة دائرة جواز التقليد أو جواز الصلاة في الثوب توسعةً تعبّديّة ظاهريّة، وتطبيق ذلك الموضوع على هذا الفرد الذي قامت عليه الأمارة.

فدليل الحكم الظاهري شأنه هو الحكومة والتوسعة، لكن بحسب عالم الشكّ وعالم الظاهر لا بحسب عالم الواقع.

وحينئذٍ يقال في المقام: بأنَّ دليل الحجّيّة لو فُرض شموله لخبر الكليني فهو إنّما يشمله بلحاظ الحجّيّة الثابتة لخبر أحمد بن محمّد، فهو إنَّما يشمل خبر الكليني باعتبار حكومته على دليل الحكم الثابت بمؤداه، والحكم الثابت بمؤداه هو الحجّيّة، فهو يحكم على تلك الحجّيّة، بمعنى: أنّه يوسّع دائرتها ظاهراً ويقتضي بالتعبّد الظاهري بثبوت موضوعها. 

وهذا معناه أنَّ الحجّيّة الحاكمة والحجّيّة المحكومة ثبتتا بدليل واحد؛ لأنَّ حجّيّة خبر أحمد بن محمّد، وحجّيّة خبر الكليني ليس لهما دليلان، وإنَّما لهما دليل 

ــــــــــ[254]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

واحد، وكلّتا الحجّيّتين -الحجّيّة الموسَّعة والموسِّعة- ثبتتا بدليل واحد.

 وهذا معنى اتّحاد الدليل الحاكم والمحكوم وهو غير معقول، لما بُيّن في بحث الحكومة -مثلاً- من أنَّ الدليل الحاكم له نظر إلى دليل الحكومة، ويستحيل أن يكون للشيء الواحد نظر إلى نفسه؛ لأنَّ النظر فرع المغايرة والاثنينية.

فلو لزم في المقام حكومة حجّيّة خبر الكليني على حجّيّة خبر أحمد بن محمّد حكومة ظاهريّة توسعيّة للزم كون دليل واحد متكفّلاً للحاكم والمحكوم، ويلزم من ذلك نظر الشيء إلى نفسه وهو خلف الوحدة؛ وبهذا قرّب التقريب الثاني لأجل أن يخلّص من الثغرة الموجودة فيه. هذا خلاصة التقريب المتعارف للتقريب الثاني.

[الصور الفنية للإشكال وورودها على أدلة الحجية]

ولا بدَّ قبل الدخول في الجواب عن ذلك أن نرى أنَّ هذا الإشكال بهذه الصورة الفنيّة أو شبه الفنيّة، فهل يأتي على جميع أدلّة الحجّيّة أو على بعضها دون بعض، ثُمَّ هل يأتي على جميع المباني في تصوير الحجّيّة أو بعضها دون بعض.

أمّا من حيث أدلّة الحجّيّة فهذا الإشكال لا يأتي بالنسبة إلى الاستدلال بالدليل اللبّي على الحجّيّة، يعني: لا موضوع له في قبال الاستدلال على الحجّيّة بالسيرة العقلائية مثلاً.

فإنّه إذا فُرض الاستدلال بالسيرة العقلائيّة على الحجّيّة، فلا معنى للإستشكال حينئذٍ في شمول دليل الحجّيّة للخبر مع الوسائط؛ وذلك لأنَّ السيرة 

ــــــــــ[255]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

العقلائيّة بحسب الخارج إمّا أن يُفرض انعقادها على العمل بالخبر مع الوسائط، وإمّا أن يُفرض عدم انعقادها على ذلك. فإن فُرض أن الارتكاز العقلائي قائم على العمل بالأخبار مع الوسائط أيضاً، ويكون حجّة بحسب الارتكاز العقلائي ومجرى للعمل، فيكون نفس هذا دليلاً على ثبوت الحجّيّة لتمام هذه الأخبار، فلو فُرض عدم إمكان ثبوت الحجّيّة لتمام هذه الأخبار بجعل واحد من ناحية لزوم اتّحاد الحكم والموضوع أو اتّحاد الحاكم والمحكوم. فيستكشف لا محالة بعد القطع بالسيرة أنَّ هناك جعولاً متعدّدة في مقام إمضاء هذه السيرة، فسيتكشف عدداً من الجعول بحيث يكفي في إمضاء السيرة، فلو لم يمكن تصوير جعل واحد يفي بحجّيّة خبر الصفار وأحمد بن محمّد والكليني معاً، فيُستكشف لا محالة جعول متعدّدة بالمقدار الذي يرتفع به المحذور العقلي في مقام جعل الحجّيّة لهذه الأخبار، فلا يبقى هناك مجال للإشكال الثبوتي في المقام.

هذا بناءً على الاستدلال بالسيرة. إذن، فهذا الإشكال شرطه أن يكون الدليل لفظياً في المقام.

ولعلّ هذا هو الوجه في التعرض لهذا الإشكال بعد آية النبأ باعتبار أنّها هي أوّل دليل لفظي في المقام وعدم تأخيره عن تمام أدلّة حجّيّة الخبر، وإن كان الأنسب تأخيره عن الأدلّة اللفظيّة بالخصوص.

وأمّا الأدلّة اللفظية فهل يأتي هذا الإشكال عليها بأيّ لسان كانت أو لا؟

هنا أيضاً ينبغي أن يقال: إنَّ الدليل اللفظي إنَّما يأتي فيه هذا الإشكال فيما إذا فُرض أنّه كان متكفّلاً للحجّيّة بنحو الجملة الإنشائية لا بنحو الجملة 

ــــــــــ[256]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الخبريّة، أو بنحو الجملة الخبرية مع ظهوره في الحكاية عن جعل واحد، لا مع لا بشرطيته من ناحية وحدة الجعل وتعدّده، فإنّه في هاتين الحالتين يأتي هذا الإشكال بصورته الفنيّة أو شبه الفنيّة.

وأمّا إذا فُرض أنَّ الدليل اللفظي كان على طرز الجملة الخبريّة والإرشاديّة ولم يكن ظاهراً في وحدة الجعل، بحيث كان مناسباً مع وحدته وتعدّده، فلا يكون مثل هذا إشكالاً، إذ غاية ما يقتضيه هذا الإشكال هو استحالة إثبات الحجّيّة لتمام هذه الأخبار الثلاثة: خبر الكليني، وخبر أحمد بن محمّد، وخبر الصفار، فحينئذٍ نستكشف من إطلاق دليل الحجّيّة لتمام هذه الأخبار وجود جعول متعدّدة في المقام؛ لأنَّ المفروض أنَّ الهيئة ليست ظاهرة في وحدة الجعل، فنتمسّك بإطلاق مادّة الخبر في موضوع دليل الحجّيّة ونستكشف من ذلك جعولاً متعدّدة.

فهذا الإشكال إنَّما ينبغي أن يكون إشكالاً إذا كان مدرك الحجّيّة لفظياً، وكان بطرز الجملة الإنشائيّة هو الخبريّة الظاهرة بوحدة الجعل.

والمحقّقون كلّهم أجابوا عن هذا الإشكال بما يرجع محصّله إلى معنى واحد، على ما يأتي التعرض له إن شاء الله تعالى.

 وحاصله: هو التسليم بأنَّ حُجّيّات هذه الأخبار حُجّيّات طوليّة، يعني: التسليم بالمحذورين والتاليين الباطليين كلاهما، وهما وحدة الحكم والموضوع، ولزوم إثبات الموضوع من ناحية حكمه، غاية الأمر يقال: بأنَّ هذا المحذور محذور عنواني لا واقعي، إذ بالانحلال وبتصوير القضية الطبيعيّة -على ما يأتي توضيحه- يزول هذا المحذور.

ــــــــــ[257]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إلَّا أنَّ التحقيق عندنا هو أنَّ الإشكال في الأخبار مع الواسطة لا موضوع له أصلاً؛ لأنّنا يمكننا أن نتصوّر كون الخبر الأخير في السلسلة -وهو خبر الكليني- خبراً عن الإمام مباشرة، من دون فرض كونه خبراً مع الواسطة.

وتمام هذا الإشكال وتمام الصعوبات التي وقع فيها المحقّقون في مقام الجواب عنه على أن يكون خبر الكليني خبراً عن غير الإمام لا عنه وأمّا إذا تصوّرنا أنَّ خبره الثابت عندنا بالوجدان هو خبر عن الإمام لا عن غيره، فلا يبقى عندنا خبر مع الواسطة ليُشكل في شمول دليل الحجّيّة له، ويُفكّر في مقام الجواب عنه، وتمسّك بكون القضيّة طبيعيّة كما في الكفاية، أو حقيقيّة كما عن الميرزا(1).

التحقيق في المسألة 

البحث في تحقيق هذا الإشكال يقع في مقامين: 

المقام الأوّل: تحقيق أن خبر الكليني هل هو خبر مع الواسطة أو هو إخبار عن قول الإمام مباشرة بلا واسطة؟ فإنَّ مبنى الإشكال كان قائماً على الاعتقاد 

ــــــــــ[258]ــــــــــ

() لخص سيّدنا الأُستاذ الوجهين السابقين للإشكال، وتبيّن أنَّ صاحب الكفاية ذكر الوجه الثاني للإشكال في آخر عبارته، كما ذكر سيّدنا الأُستاذ في هذه المحاضرة خلافاً لما ذكره في المحاضرة السابقة، كما أنّه ذُكر أنَّ المحقّق النائيني إنَّما صحّح وجه الإشكال الأوّل في الوجه الذي ذكره ولم يقصد به تصحيح الوجه الثاني للإشكال، وذكر في سبب التصحيح وجهاً آخر غير الوجه الذي تعرّض له سيّدنا الأُستاذ، فراجع. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بأنَّ الكليني يُخبر بالواسطة، أي: يُخبر عن الراوي المخبر عن الراوي المخبر عن الإمام، لا أنّه يُخبر عن الإمام ابتداءً.

وهذا المبنى سُلّم أيضاً من قبل جميع الأعلام الذين عالجوا هذه المشكلة من الناحية الفنيّة.

فإن أمكن بطريق ما أن نجعل أخبار الكليني إخباراً عن الإمام ابتداءً فحينئذٍ يكون حاله حال خبر زرارة عن الإمام ابتداءً، ولا يأتي فيه إشكال الإخبار مع الواسطة، ويكون الإشكال منتفياً.

المقام الثاني: لو عجزنا أو تنزلنا من الناحية الفنيّة عن اعتبار خبر الكليني خبراً عن الإمام مباشرة، واعتبارنا إخباره عن شخص آخر غير الإمام يخبر عن الإمام، يعني: خبر عن الخبر لا عن الإمام، فحينئذٍ لا بُدَّ لنا من أن ندخل في مستوى بحث الأعلام، لأجل أن نرى ما هو الحلّ الفني للإشكال مع التسليم بالمبنى.

المقام الأوّل: أن خبر الكليني خبر بلا واسطة

أمّا المقام الأوّل: فالتحقيق: أن خبر الكليني يمكن بالدقّة ارجاعه إلى كونه إخباراً عن قول الإمام مباشرة، وبهذا يكون خبراً بلا واسطة لا خبراً مع الواسطة، فلا يبقى للإشكال موضوع. 

وتقريب إرجاعه إلى ذلك يكون بأحد وجهين فنيين نرتضي الأوّل منهما ولا نرتضي الثاني منهما.

الوجه الأوّل: بلحاظ المدلول الالتزامي

وذلك أن يقال: بأنَّ الكليني حينما يقول: حدثني أحمد بن محمّد عن محمّد 

ــــــــــ[259]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بن الحسن الصفار عن الإمام أنّه قال: إنَّ السورة واجبة في الصلاة -مثلاً- فهذا الكلام له مدلول مطابقي وله مدلول التزامي، فمدلوله المطابقي هو الإخبار عن أحمد بن محمّد لا عن الإمام حيث إنَّ الكليني لم يرو عن الإمام مباشرة، وإنَّما سمع من شيخه أحمد بن محمّد، فالمدلول المطابقي خبر مع الواسطة بلا إشكال.

لكن هذا المدلول المطابقي له مدلول التزامي، فله لازم. وهذا المدلول هو قضية شرطيّة جزائها قول الإمام وذلك أنَّ إخبار الكليني هذا في قوة أن يقول: إنَّ الإمام قال: إنَّ السورة واجبة، لكن إخباره عن قول الإمام ليس مطلقاً، بل معلّقاً على أنّه لم يصدر كذب من الرواة الذين سبقوه، فيقول: لو لم يكذب أحمد بن محمّد والصفار، فقد قال الإمام كذا.

وهذه القضية الشرطيّة لازمة للمدلول المطابقي؛ لأنّه لو فُرض أنَّ أحمد بن محمّد ومحمّد بن حسن الصفار لم يكذبا ومع هذا الإمام لم يقل هكذا، فمعنى هذا أنَّ الكليني لم يسمع من أحمد بن محمّد شيئاً؛ لأنّه لو أخبر أحمد بن محمّد أو أخبر الصفار عن قول الإمام فيكون كاذباً، وهو خُلف الفرض. إذن، فلم يُخبر أيّ منهما عن قول الإمام. إذن، معناه أنَّ الشيخ الكليني لم يسمع من أحمد بن محمّد مع أنّه هو أخبر بالمطابقة على أنّه سمع من هذا الخبر.

فلازم سماعه عن أحمد بن محمّد هو صدق هذه القضية الشرطيّة لو لم يكذب هذان فقد قال الإمام كذا، وهذا لازم عقلي لكلامه. وهذه القضية الشرطيّة لم تكن ثابتة لو لا إخبار الكليني؛ إذ لو لم يخبرنا من أنَّ أحمد بن محمّد 

ــــــــــ[260]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

حدثه بأنَّ الصفار حدثه بأنَّ الإمام قال: بأنَّ السورة واجبة. إذن، لما كنا نقول: بأنّه لو لم يكذب محمّد بن الحسن الصفار وأحمد بن محمّد فقد قال الإمام كذا، بل لعلهما لم يكذبا والإمام أيضاً لم يقل هكذا. فلا هما نقلا عنه ولا هو قال شيئاً، وتكون القضية الشرطيّة كاذبة بشرطها وجزائها. 

وإنَّما حصل لنا العلم بهذه القضية، وإنَّما انعقدت الملازمة وتمت بلحاظ أخبار الشيخ الكليني، فهو مدلول التزامي عقلي لإخباره.

وهذا المدلول الالتزامي العقلي مستند إلى الحسّ من الشيخ الكليني، لا إلى الحدس؛ لأنّه مستند إلى سماعه من أحمد بن محمّد؛ إذ حيث سمع منه(1) هذه الرواية منسوبة إلى محمّد بن الحسن الصفار مرفوعة إلى الإمام  فانعقدت عنده هذه الملازمة العقليّة؛ ولما كانت هذه القضية مدلولاً التزامياً للحس المباشر للشيخ الكليني فتكون مشمولة للأدلّة الحجّيّة المختصّة بالأخبار الحسّيّة لا محالة.

دفع الإشكال على ضوء الوجه الأول

والآن نرى أنّه هل يأتي فيه شيء من شبهات ذلك الإشكال من لزوم اتّحاد الحكم مع الموضوع، أو لزوم تأخّر الموضوع عن الحكم أو لا يلزم؟ لا يلزم.

أمّا التقريب الأوّل وهو لزوم اتّحاد الحكم والموضوع، فقد كان منشأه تخيّل أنَّ شمول دليل الحجّيّة لخبر الشيخ الكليني إنَّما هو بلحاظ الأثر المترتّب على المدلول المطابقي لكلامه، وهو خبر أحمد بن محمّد وأثر خبر أحمد بن محمّد هو 

ــــــــــ[261]ــــــــــ

() أو قرأ في كتابه. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الحجّيّة، فتكون الحجّيّة بلحاظ الحجّيّة، وهذا معنى اتّحاد الحكم والموضوع. فمنشأ هذا التقريب هو تخيّل تطبيق دليل الحجّيّة على كلام الكليني بلحاظ المدلول المطابقي.

وأمّا بعد أن التفتنا إلى نكتة المدلول الالتزامي، فنطبّق دليل الحجّيّة عليه ابتداءً، فنقول: بأنَّ كلام الكليني بلحاظ مدلوله الالتزامي -وهو نقل الإمام لكن لا مطلقاً بل على تقدير- يكون مشمولاً لدليل الحجّيّة، ولا يكون شموله له بلحاظ الأثر المترتّب على خبر أحمد بن محمّد، حتّى يقال: بأنَّ ذلك الأثر هو نفس الحجّيّة، فتكون الحجّيّة بلحاظ الحجّيّة، بل إنَّ المدلول الالتزامي بنفسه هو حكم الله الواقعي؛ لأنّه قضية شرطيّة جزائها قول الإمام فهو حكم واقعي يُخبر به الشيخ الكليني ابتداءً، لكن لا مطلقاً، بل على تقدير.

 ولا فرق في شمول دليل الحجّيّة للخبر عن حكم الله الواقعي بين أن يكون إخباراً مطلقاً أو إخباراً على تقدير. فشمول دليل الحجّيّة لهذا المدلول الالتزامي لكلام الكليني ليس بلحاظ الحجّيّة، بل باعتبار أنّه بنفسه هو قول الإمام، شأنه شأن خبر زرارة عن الإمام الصادق ابتداءً.

فيثبت بدليل الحجّيّة من دون أن يلزم اتّحاد الحكم مع الموضوع، فيثبت عندنا هذه القضية الشرطيّة وهي: إنّه لو لم يكذب أحمد بن محمد والصفار فالإمام قد قال كذا.

فمن أين لنا أنّهما لم يكذبا في المقام حينئذٍ؟ نقول: إنّهما لا يخلو أمرهما، إمّا أن يكونا قد أخبرا عن الإمام بوجوب السورة أو لم يخبرا، بل كانا ساكتين.

 ــــــــــ[262]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إذا فُرض أنّهما لم يخبرا فهما لم يكذبا، فالشرط في القضية الشرطية محقّق، فإنَّ الشرط هو عدم الكذب وهو محقّق وجداناً. 

وإذا فُرض أنّهما كانا قد أخبرا، فخبرهما يكون موضوعاً حينئذٍ لدليل الحجّيّة، ويكون دليل الحجّيّة نافياً لكذبهم لا محالة؛ إذ معنى شمول دليل الحجّيّة لهم هو التعبّد بعدم كذبهم وبعدم كلّ ما يلازم مع كذبهم لا محالة من اللوازم العقليّة أو الشرعيّة، وحينئذٍ فيكون الكذب منفياً أيضاً، فالشرط في الشرطيّة وهو عدم الكذب ثابت إمّا وجداناً وإمّا تعبّداً.

وإن شئتم قلتم: بأنّنا نعلم بأنّهما لم يكذبا علماً أعمّ من الوجداني والتعبّدي، بمعنى: أنّهما إمّا لم يخبرا بشيء أصلاً(1) أو أخبرا فكذبهما منفي بدليل الحجّيّة. فكذبهما منفي إمّا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع أو بنحو السالبة بانتفاء المحمول غاية الأمر السالبة بانتفاء الموضوع تكون واقعية والسالبة بانتفاء المحمول تكون تعبّدية بلحاظ دليل الحجّيّة، فبهذا قد أحرزنا شرط القضية الشرطيّة، وإذا احرزناه تنجّز جزائها أيضاً. ولا يلزم محذور اتّحاد الحكم مع الموضوع، ولا لزوم ثبوت الموضوع من ناحية حكمه.

ــــــــــ[263]ــــــــــ

() وقد سألتهوقلت: إنّهما إذا لم يخبرا فلا يكون الجزاء صحيحاً -بمعنى: أنَّ الإمام لم يقل شيئاً ولم ينقل عنه الرواة شيئاً-. 

فقال: لا يكون الجزاء صحيحاً، لا أنّه لا يكون الكليني مخبراً به، يعني: يكون الكليني كاذباً بحسب الواقع، وهذا لا مانع منه، يكون على هذا التقدير كاذباً، وهذا التقدير غير محرز حتّى يكون معلوم الكذب. وكلّ خبر ثقة هو على أحد التقديرين كاذب. (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

أمّا محذور اتّحاد الحكم مع الموضوع فقد بيّنا: أنَّ شمول دليل الحجّيّة لخبر الكليني لم يكن بلحاظ أثر المؤدّى المطابقي لحجّيّة خبر أحمد بن محمّد حتّى يقال: بأنَّ الحجّيّة بلحاظ الحجّيّة، بل شموله له إنَّما هو باعتبار المدلول الالتزامي، وهو قول الإمام ابتداءً، فلا يحتاج إلى ملاحظة أثر آخر وراء نفس المدلول الالتزامي، حتّى يكون ذاك الأثر الآخر هو الحجّيّة فيتحد الحكم مع الموضوع.

وأمّا من ناحية التقريب الثاني -وهو أن يلزم أن يكون الخبر الذي هو موضوع الحجّيّة ثابتاً من ناحية نفس الحجّيّة- هذا أيضاً لا يلزم في المقام، فإنَّ الخبر الذي هو موضوع الحجّيّة ما هو؟ إن أُريد به خبر الكليني، فخبر الكليني الذي هو موضوع للحجّيّة بلحاظ مدلوله الالتزامي ثابت وجداناً عندنا لا أنّه ثابت بلحاظ الدليل، وإنّما ثابت بلحاظ تواتر كتاب الكافي.

وإن أريد خبر أحمد بن محمد الذي نثبته بلحاظ شمول دليل الحجّيّة لخبر الكليني، فقد تبيّن من طريقتنا في البحث، أنّنا لا نريد أن نثبت خبر أحمد بن محمّد بشمول دليل الحجّيّة لخبر الكليني، فلايهمنا إثباته، وإنّما نريد أن نثبت بشمول دليل الحجّيّة لخبر الكليني، لا نثبت خبر أحمد بن محمّد، بل نثبت المدلول الالتزامي، وهو أنّه لو لم يكن أحمد بن محمّد كاذباً فالإمام قد قال كذا. أمّا أنّه هل هو كاذب أو لا؟ فهنا نُشكّل علماً إجمالياً، ونقول: بأنّنا نعلم إجمالاً أنّه ليس كاذباً إمّا وجداناً وإمّا تعبّداً، فإن كان خبره محقّقاً في الواقع فهو موضوع للحجّيّة وللتعبّد بعدم الكذب في الواقع على حاله، وإن لم يكن محقّقاً فهو غير كاذب.

ــــــــــ[264]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فنحن لا نريد أن نثبت خبر أحمد بن محمّد ولا يهمنا أن نثبته، وإنَّما يهمنا أن نثبت صدق الشيخ الكليني في المدلول الالتزامي لكلامه، وهو القضية الشرطيّة، وهي تثبت بشمول دليل الحجّيّة لخبر الكليني بلا لزوم اتّحاد الحكم مع الموضوع ولا لزوم إثبات الموضوع من ناحية الحكم.

فغاية ما يُستنتج من هذا البيان: أنَّ دليل الحجّيّة الثابت لخبر أحمد بن محمّد على فرض صدوره في الواقع يكون دخيلاً في تحقيق الشرط في القضية الشرطيّة التي هي مدلول خبر الكليني. 

وفرق بين كون دليل الحجّيّة محقّقاً للشرط في مدلول الخبر أو أن يكون دخيلاً في تحقيق موضوع الحجّيّة.

فإنَّ الاشكال كان في أن دليل الحجّيّة كيف يحقّق موضوع الحجّيّة، وكان ذلك أمراً محالاً للزوم اتّحاد الحكم والموضوع. وهنا دليل الحجّيّة لم يحقّق موضوعها، فإنَّ حجّيّة خبر الشيخ الكليني في المدلول الالتزامي موضوعها محقّق بالفعل ولا تتوقف على شيء –وهو وجود الخبر وهو صادر وجداناً بلا حاجة إلى دليل الحجّيّة، وكونه ذا أثر شرعي وهو ثابت وجداناً بقطع النظر عن الحجّيّة؛ لأنَّ المدلول الالتزامي بنفسه هو حكم الله الواقعي وقول الإمام-. فتمّت بذلك حجّيّة القضية الشرطيّة من دون توقف على نفس الحجّيّة.

 إذن، فلم تقع الحجّيّة في موضوع الحجّيّة، غاية الأمر أنَّ الشرط في هذه الشرطيّة كيف نثبته؟ نثبته بالتلفيق بين الوجدان وبين دليل الحجّيّة، فيصير دخل الحجّيّة أنّه محقّق شرط مدلول الخبر، وهذا أمر على القاعدة لا أنّه محقّق 

ــــــــــ[265]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

لموضوع حجّيّة الخبر ليلزم اتّحاد الحكم مع الموضوع. هذا هو الوجه الأوّل الذي به يرتفع موضوع البحث في المقام.

 ويظهر أنَّ كلّ خبر يقع في السلسلة فهو خبر عن قول الإمام وهذا المطلب كتلك المطالب التي يُعبّر عنها بعض الرفقاء بأنّها (سحر) لأنّها غريبة جداً إلى حدّ أنّها تساوي في غرابتها مع السحر. 

تلخيص المطلب

وبالجملة(1): كان كلامنا في تحقيق أنَّ خبر الكليني هو خبر مباشر لا غير مباشر، أي: متكفّل لقول الإمام رأساً لا متكفّل لقول شخص آخر يحكي عن قول الإمام.

توضيح ذلك بوجهين:

أوّلهما: وهو المرتضى: أنَّ قول الشيخ الكليني له مدلول التزامي، وهو أنّه لا يخلو الأمر من أحد شيئين، فإمّا أن يكون أحمد بن محمّد قد كذب -ونفرض أنّه الراوي الوحيد بينه وبين الإمام- وإمّا أنَّ الإمام قال: إنَّ السورة واجبة، حيث سمع الكليني من أحمد بن محمّد أنَّ السورة واجبة.

 وهذا المدلول المطابقي له لازم عقلي مستحيل الانفكاك عنه؛ لأنَّ لازم صدور هذا الكلام من أحمد بن محمّد، هو أحد أمرين: إمّا أن يكون قد كذب على الإمام وإمّا أن يكون الإمام قد قال هذا، باعتبار أنَّ الكلام الواحد الخبري 

ــــــــــ[266]ــــــــــ

() لخص سيّدنا الأُستاذ ما كان قاله في المحاضرة السابقة، ولا بأس بكتابته هنا لأنّه موجز واف عن ذلك. (المُقرِّر).

حاضرات في علم أصول الفقه، محمد الصدر، ج11 

الواجد المعنى يستحيل أن يكون لا صادقاً ولا كاذباً.

هذا الجامع يكون مدلولاً التزامياً على نحو مانعة الخلو، يعني: لا يمكن أن ينقض كلا فردي هذا الجامع، لكن لا على نحو مانعة الجمع، إذ يمكن اجتماعهما معاً، بأن يكون هذا قد كذب، أي: نقل من دون أن يسمع من الإمام، والإمام قد قال هذا حقيقة(1).

وحيث إنَّ هذا الجامع على نحو مانعة الخلو لازم عقلي لكلام الكليني، فهذا الجامع ينحلّ إلى قضيتين شرطيتين لا محالة لو لم يكن هذا فهذا، لو لم يكن هذا فذاك.

فينحلّ المدلول الالتزامي -كما بيّنا سابقاً- إلى قضية شرطيّة وحاصلها: أنّه لو لم يكن أحمد بن محمّد قد كذب على الإمام، فالإمام قد قال: إنَّ السورة واجبة. وكلام شيخ الكليني ينحلّ إلى هذه القضية الشرطيّة، ودليل الحجّيّة يشمل خبره بلحاظ المدلول الالتزامي هذا، بلحاظ هذه القضية الشرطيّة، لا بلحاظ المدلول المطابقي.

حينئذٍ لا يأتي إشكال الأخبار مع الواسطة بكلا تقريبيه، لا بتقريب اتّحاد الحكم مع الموضوع؛ لأنَّ شبهه اتّحاد الحكم مع الموضوع كانت مبنية على تخيّل أنَّ شمول دليل الحجّيّة لخبر الكليني إنَّما هو بلحاظ مدلوله المطابقي، وهو إخبار أحمد بن محمّد، وأثر إخبار أحمد بن محمّد هو الحجّيّة. فيصير شمول دليل الحجّيّة للكليني بلحاظ الحجّيّة، وهذا معنى اتّحاد الحكم والموضوع.

ــــــــــ[167]ــــــــــ

() وإن كان هذا بعيداً جدّاً بحسب حساب الاحتمالات، فلاحظ. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وأمّا هنا فيقال: بأنَّ دليل الحجّيّة يشمل خبر الكليني بلحاظ المدلول الالتزامي وهو القضية الشرطية، وهذه الشرطية حيث إن جزائها هو نفس قول الإمام، فلا يحتاج في مقام إثباتها بدليل الحجّيّة إلى لحاظ حجّيّة خبر أحمد بن محمد، بل نفس هذه القضية هي متكفّلة للحكم الواقعي لا محالة.

وكذلك لا مجال للشبهة الأُخرى، بتقريب: أنَّ الموضوع ثبت من ناحية الحكم، فإنها إنَّما كانت ترد بناء على تخيّل أنّنا نُريد أن نثبت خبر أحمد بن محمّد بشمول دليل الحجّيّة لخبر الكليني، مع أنّنا لا شغل لنا بذلك، وإنَّما نثبت بشمول دليل الحجّيّة لخبر الكليني، لا خبر أحمد بن محمّد، بل نثبت القضية الشرطية، وهي أنّه لو لم يكذب أحمد بن محمّد فالإمام قال هذا. ولا نريد أن نثبت أكثر من هذا المقدار بدليل الحجّيّة، فلم يلزم في المقام اثبات الموضوع من ناحية حكمه.

وبعد أن تتحصل لنا هذه القضية الشرطيّة بالتعبّد بلحاظ دليل الحجّيّة فعدم الكذب له حصتان لا محالة، تارةً عدم الكذب بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، بمعنى: أنَّ أحمد بن محمّد لم يقل شيئاً أصلاً، وأُخرى عدم الكذب بنحو السالبة بانتفاء المحمول، بمعنى: أنّه قال وكان قوله بداعي الإخبار عن الواقع، لا بداعي التزوير والتظليل ونحوه.

والشرط في القضية الشرطيّة هو الجامع ما بين هذين العدمين. وهذا الجامع محرز في المقام؛ وذلك أنّه لا يخلو في الواقع، إمّا أن يكون أحمد بن محمّد قد أخبر عن الإمام أو لم يُخبر. فإذا كان لم يخبر عنه فالجامع محقّق في ضمن السالبة 

ــــــــــ[268]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بانتفاء الموضوع، وإن كان قد أخبر عن الإمام فقد تحقّق بذلك موضوع للحجّيّة بالنسبة إليه؛ لأنَّ إخبارات أحمد بن محمّد موضوع للحجّيّة باعتبار وثاقته، ومعنى حجّيّته نفي كذبه. إذن، فالجامع محقّق بنحو السالبة بانتفاء المحمول.

 فالجامع محرز التحقّق على كلّ حال إمّا وجداناً وإمّا تعبّداً، فإذا أحرزنا جامع عدم الكذب في المقام رتبنا عليه الجزاء في القضية الشرطية؛ لأنّنا اثبتناه بشمول دليل الحجّيّة لكلام الكليني، وهي أنّه متى ما ثبت جامع لعدم الكذب ثبت قول الإمام، وقد ثبت الجامع فيثبت قول الإمام من دون لزوم أيّ محذور أو أيّ ضوضاء.

هذا هو التقريب الأوّل الصحيح لإرجاع خبر الكليني بالدقة إلى خبر مباشر عن الإمام لا خبر مع الواسطة، فيرتفع موضوع الإشكال.

الوجه الثاني بلحاظ العلم التعبدي بالصدور

وامّا التقريب الثاني: أن يقال: بأنَّ الكليني ينقل عن أحمد بن محمّد، وأحمد بن محمّد يروي عن الإمام وطبعاً المفروض بأنَّ دليل الحجّيّة قد تكفّل إثبات الطريقيّة والحجّيّة لخبر الثقة على الإطلاق، فالخبر المباشر للإمام قد فرغنا عن حجّيّته ببركة دليل الحجّيّة. فخبر أحمد بن محمّد -على تقدير صدوره- حيث إنّه خبر مباشر عن الإمام فهو موضوع للحجّيّة لا محالة.

ومعنى كونه موضوعاً للحجّيّة على تقدير صدوره أنَّ المولى جعل الآخرين عالمين بالتعبّد بمؤدّى الخبر، بما يقوله أحمد بن محمّد بناء على أنَّ معنى الحجّيّة هو جعل الطريقيّة والكاشفيّة.

ــــــــــ[269]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فلو أنَّ الكليني كان صادقاً فيما ينقل وأنّه سمع من أحمد بن محمّد هذه الرواية عن الإمام، فلازم ذلك أنَّ الشيخ الكليني قد أعتبر عالماً تعبّداً بصدور هذه المقالة من الإمام فهو وإن لم يكن عالماً وجداناً بصدوره عن الإمام لأنّه يحتمل أنَّ أحمد بن محمّد قد كذب.

 ومقصودي من الكذب في هذه الأبحاث دائماً هو الكذب المساوق مع الغفلة والخطأ، لكنّه يعلم تعبّداً بصدورها من الإمام؛ لأنَّ المفروض أنَّ الشيخ الكليني يدّعي أنَّ الثقة أخبره بسماع هذه المقالة من الإمام، وهذا الثقة حيث إنّه يخبر عن الإمام بلا واسطة فهو شمول لدليل الحجّيّة.

وهذا العلم هو مدلول التزامي لكلام الشيخ الكليني؛ لأنَّ لازم أنَّ أحمد بن محمّد أخبره بسماع هذه المقالة من الإمام أن تكون الحجّيّة قد تمّت في حقّه وأن يكون عالماً بصدور هذه المقالة عن الإمام.

فالشيخ الكليني حينما يُخبر بسماع هذا الكلام من أحمد بن محمّد يُخبر بالالتزام عن علمه التعبّدي بصدور هذه المقالة من الإمام.

وحينئذٍ يرجع خبر الكليني بالتحليل إلى ما لو أخبر ابتداءً وقال: أنّا عالم تعبّداً بصدور هذه المقالة من الإمام. ومن المعلوم أنَّ العلم التعبّدي كالعلم الوجداني يصحّح جواز الإخبار، كما سبق من أصحاب مبنى الطريقيّة، حيث قالوا: إنها مصحّحة لجواز الإخبار؛ لأنّه قول مع علم لا قول بلا علم.

وحينئذٍ فيتحصل بذلك إخبار من الشيخ الكليني عن قول المعصوم ابتداءً، إمّا ببيان: أن الشيخ الكليني وإن لم يُخبر بالفعل عن قول المعصوم، لكن كان يجوز له أنّ يُخبر، لأنّه كان عالماً وكان يجوز له أن يُخبر، بمعنى: أنّنا لو سألناه 

ــــــــــ[270]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

لأخبر، وفي باب حجّيّة الخبر لا يشترط الأخبار الفعلي، بل الاستعداد للإخبار؛ لأنَّ ما هو موضوع الحجّيّة ليس هو التكلّم اللفظي، بل هو الاستعداد للحكاية والكشف عن هذا المطلب، وهذا الاستعداد موجود عند الكليني، بعد فرض كونه عالماً بصدور المقالة عن المعصوم، وكون هذا العلم مسوغاً للإخبار عن المعصوم (1).

وأمّا أن نقول: إنَّ علم الكليني التعبّدي بمقالة المعصوم هو بنفسه مدلول التزامي لكلامه -كما أشرنا إليه- فهو قد أخبر بالمطابقة عن كلام أحمد بن محمّد وبالالتزام عن علمه التعبّدي بمقالة المعصوم، فكلامه يستبطن هذه الإخبار بلا حاجة إلى فرضه إخباراً بالقوة، بل هو إخبار بالفعل، لكن بلحاظ الدلالة الالتزاميّة.

وهو وإن كان إخباراً عن العلم لا عن المعلوم، إلَّا أنّه لا بأس بذلك، فإنَّ الإخبار دائماً يكون عن العلم، فإنَّ المدلول التصديقي لكلّ جملة خبرية إنَّما هو العلم، يعني: الأمر النفساني، فحينما يقول: زيد قائم، هو إخبار بلحاظ المدلول التصديقي عن علمه بقيام زيد، أو قصد للحكاية عن قيامه، ونحو ذلك من الأمور النفسيّة، حاله حال ما لو قالت البينة: نحن نعلم بأنَّ هذا الإناء نجس، فهل يستشكل أحد بنجاسة هذا الإناء؟ هذا حاصل ما يمكن أن يقال في تقريب الوجه الثاني.

ــــــــــ[271]ــــــــــ

() إذا كان الكليني مقلداً لمدرسة الميرزا في جعل الطريقيّة، وكون هذا العلم مسوغاً للإخبار عن الإمام!! (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

شبهة كون الإخبار حدسيّاً

لا يبقى في المقام إلَّا شبهة واحدة، وهي أنَّ الإخبار من الكليني بلحاظ المدلول الالتزامي، فهو يُخبر عن مقال الإمام لكن هذا الإخبار ليس عن حس، بل هو مستند إلى الاجتهاد، فمن ناحية اجتهاده في حجّيّة خبر أحمد بن محمّد، فهو خبر حدسي لا حسي، وأدلّة حجّيّة الخبر إنَّما تشمل الأخبار الحسيّة لا الحدسيّة!!

وجوابه: بأنَّ الخبر الحدسي -الذي تكون جهة الحدس صحيحة عندنا، ونكون مع المحادس مشتركين في جهة الحدس- يكون مشمولاً لأدلّة الحجّيّة بلا اشكال، وإنَّما لا يكون الخبر الحدسي مشمولاً لها فيما لو فُرض أنَّ جهة الحدس لم يُعلم صحتها عندنا، فإنه حينئذٍ يرجع إلى باب التقليد، ويكون باب الرجوع إليه باب رجوع العامي إلى العالم، لا من باب رجوع العالم إلى الراوي. أمّا إذا كانت جهة الحدس صحيحة، فلا بأس من الرجوع إليه بملاك الرواية.

والمفروض أنّها صحيحة عندنا؛ لأنَّ جهة الحدس هو حجّيّة خبر أحمد بن محمّد، وحجّيّته صحيحة في نظرنا. هذا تمام ما يمكن أن يقال في تنقيح هذا الوجه.

إلَّا أنّه مع ذلك لا يمكن المساعدة عليه، وإن كان فنياً بحسب الصورة. وذلك لأمرين: 

أمّا أوّلاً: فلأنَّ هذا الوجه لو تمّ، لا يتمّ في تمام الصور، بل يتمّ في بعض الصور دون بعض.

وذلك لأنَّ هؤلاء الذين يقولون بجواز الإخبار استناداً إلى العلم التعبّدي، إنَّما يقولون بذلك فيما لو أحرز المخبر حجّيّة ذلك الخبر، لا فيما إذا لم يحرز. 

ــــــــــ[272]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فالكليني إنَّما يجوز له أن يُخبر عن قول المعصوم ابتداء استناداً إلى خبر أحمد بن محمّد، فيما لو أحرز حجّيّة خبر أحمد بن محمّد.

 أمّا إذا نقل عنه وهو لم يحرز حجّيّته، ولكن نحن نعلم بحجّيّته، في مثل هذا لا يمكن للكليني الاعتماد عليه في مقام النقل، لأجل أن يُحلل إخباره إلى الإخبار بالدلالة الالتزاميّة عن مقالة المعصوم.

والمهم في مقام حلّ مغالطة هذا الوجه أن يقال:إنَّ مثل هذا الخبر غير مشمول لأدلّة الحجّيّة؛ وذلك لأنَّ أدلّة الحجّيّة كلّها اللبّيّة منها واللفظيّة، المستظهر من اللفظيّة والمقطوع من اللبّيّة، هو أنَّ موضوع الحجّيّة هو الخبر باعتبار أماريته وكاشفيته الذاتيّة، الخبر بماله من الكشف الظنّي جعل حجّة، ومن المعلوم أن الخبر القائم على أساس العلم التعبّدي ليس له كشف ذاتي أصلاً وليس أمارة من الأمارات، فقد يُخبر على أساس الاستصحاب بناءً على أنَّ المجعول فيه هو الطريقية، أو قد يُخبر على أساس قاعدة اليد لا يكون من ناحية نفس الإخبار أماريّة زائدة من الأماريّة المفروضة قبل الإخبار. ففي مثل هذا الإخبار الذي لا تكون فيه أماريّة زائدة من قبل نفسه لا يكون مشمولاً لأدلّة الحجّيّة، لأنّها إنَّما تجعل الحجّيّة للخبر بعنوان الأمارة، يعني: بلحاظ كشفه، فالخبر الذي ليس فيه كشف ذاتي لا يكون مشمولاً لأدلّة الحجّيّة(1).

ــــــــــ[273]ــــــــــ

() وهنا أشكل أحد الإخوان: بأنَّ الخبر إذا كان صادراً من عادل، فإن له كشف ذاتي لا محالة.

فأجاب (سلّمه الله): ذاك الكشف إَّما هو في المدلول المطابقي لا في المدلول الالتزامي، يعني: بما هو خبر مع الواسطة له كشف لا بما هو خبر بلا واسطة، فإنَّ خبر الكليني له اعتباران فإنّنا تارةً نعتبره خبراً مع الواسطة فله كشف، إلَّا أنَّ المفروض أنّه لا يُعقل شمول دليل الحجّيّة له لأجل الإشكالات السابقة. فنحن نريد أن نُرجعه إلى خبر بلا واسطة لأجل أن نتعقّل شمول دليل الحجّيّة له. وهذا الخبر ليس له كشف بملاك الخبرية، فلا تشمله أدلّة الحجّيّة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إذن، فالمعول في مقام إرجاع هذا الخبر إلى الخبر بلا واسطة إلى الوجه الأوّل، وعليه لا موضوع لهذا الإشكال، ولا تصل النوبة إلى الأجوبة التي تقال في المقام. هذا كلّه في المقام الأوّل.

ثُمَّ بعد هذا نتنزل عن المقام الأوّل ونفرض أنَّ خبر الكليني خبر مع الواسطة لا خبر بلا واسطة، ونقطع النظر عن المدلول الالتزامي ونلحظ المدلول المطابقي لكلام الكليني، وهذا المدلول المطابقي له هو كلام أحمد بن محمّد لا كلام الإمام رأساً، فحينئذٍ يكون موضوع الإشكال محقّقاً ويكون له صورة.

المقام الثاني: في كلمات الآغايون في ذلك

ومن هنا أُجيب في كلمات الأعلام بما يرجع إلى وجوه ثلاثة:

الجواب الأول شمول الأخبار لملاك الحجية ومناطها

الوجه الأوّل: هو دعوى أنَّ دليل الحجّيّة بإطلاقه اللفظي وإن لم يشمل الخبر مع الواسطة للزوم اتّحاد الحكم مع الموضوع أو تأخّر الموضوع عن الحكم، لكن يشمله مناطاً وملاكاً، بمعنى: القطع بعدم الفرق بين أثر وأثر.

صحيح أنَّ جعل الحجّيّة لخبر الكليني لا يمكن؛ لأنَّ هذا الجعل يجب أن 

ــــــــــ[274]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

يكون بلحاظ أثر المترتّب على مؤداه، ومؤداه هو خبر أحمد بن محمّد، والأثر المترتّب على خبر أحمد بن محمّد هو الحجّيّة، فتصير الحجّيّة بلحاظ الحجّيّة. وهذا أمر غير معقول، الَّا أنّه لا نحتمل فرقاً بين هذا الأثر وبين غيره من الأثر، أي: بين شمول دليل الحجّيّة بلحاظ هذا الأثر وبين شموله بلحاظ أثر آخر وهو جواز الائتمام أو التقليد أو الصلاة في الثوب -مثلاً- ونحو ذلك من الآثار الشرعيّة.

فالدليل اللفظي وإن لم يكن شاملاً لمثل هذا الأثر، إلَّا أنّنا حيث نقطع بعدم الفرق، فنستكشف لا محالة وجود جعل آخر، أو جعول متعدّدة بحيث ترفع المحذور أو يكون حجّيّة خبر الكليني مجعولاً بجعل وحجّيّة خبر أحمد بن محمد مجعولاً بجعل آخر ويكون أحدهما موضوعاً للآخر، فلا يلزم حينئذٍ وحدة الحكم والموضوع.

مناقشة الجواب الأول

وهذا الجواب لا يخلو عن مناقشة فنية؛ وذلك لأنَّ ملاك الحجّيّة ومناطها لم يحرز وجوده في المقام في الأخبار مع الواسطة خصوصاً في تمام المراتب، بقطع النظر عن السيرة العقلائيّة، يعني: لو اقتصرنا في مقام النظر على الأدلة اللفظيّة ولم يكن عندنا سيرة عقلائيّة، فيمكننا أن نقول: إنَّ ما هو الملاك في الحجّيّة لم يحرز وجوده في المقام، لا لأجل أنَّ هناك فرقاً بين أثر وأثر حتّى يقال: إنّه أيّ فرق محتمل ما بين أثر وأثر من الآثار الشرعيّة، بحيث تكون الأمارة منجّزة لهذا دون ذاك.

بل من ناحية أنَّ هذا الأثر بالخصوص يلازم مع ضعف في أمارية الأمارة، 

ــــــــــ[275]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ونحتمل أنَّ هذا الضعف يبلغ إلى درجة بحيث يضر بحجّيّة هذه الأمارة ولا يتمّ الملاك فيه.

الوجه في ذلك: أنَّ أمارية خبر الواحد الذاتيّة، والكشف الذاتي الظنّي الناقص، الذي هو ملاك جعل الحجية له، فهذا الكشف الذاتي قائم على أساس حساب الاحتمالات، يعني: قائم على أساس مقدار احتمال إصابة هذا الخبر للواقع، مثلاً يقال: بأنَّ هذا المخبر ثقة، والثقة علل صدقه 90 وعلل كذبه 10، فبمقتضى حساب الاحتمالات يكون 90% وكذبه 10%. فعلى هذا الأساس يُظنّ بصدقه، لكن احتمال كذبه موجود.

فلو فُرض أنَّ ثقة أخبر عن ثقة، فقهراً احتمال الكذب في مجموعها يصير أقوى؛ إذ يُحتمل في الأوّل وفي الثاني كلاهما الكذب بمقدار 10% أو على كلّ من التقديرين يكون الكلام غير صادر من الإمام، فاحتمال عدم صدور هذا الكلام من الإمام يصبح أقوى حينئذٍ.

وهكذا كلما تعدّدت الوسائط ضعف احتمال الصدق وقوى احتمال الكذب، بمقتضى حساب الاحتمالات. وعليه: نحتمل أنَّ هذا الضعف يبلغ إلى درجة لا يكون موجباً لجعل الحجّيّة من قبل الشارع.

 ومثل هذا الاحتمال لا دافع له بقطع النظر عن الأدلّة اللبّيّة من قبيل السيرة والارتكاز والإجماع ونحو ذلك(1).

ــــــــــ[276]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: بالنسبة إلى الأدلّة اللبّيّة أصلاً الإشكال لم يكن! 

فقال: نعم. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فمن هنا لا يمكن تتميم مثل هذا الوجه بعد اكتشاف ما هو ملاك الحجّيّة، وأنَّ هذا الملاك يضعف بتعدّد الأخبار والوسائط، واحتمال كون هذا الضعف موجباً لبلوغ الكشف درجة من الضآلة والنقص بحيث يخرج عن كونه كشفاً معتداً به في نظر الشارع.

الجواب الثاني للآخوند مع مناقشته

ما ذكره المحقّق الخراساني(1) حينما تعرض للإشكال، وخلاصه ما أفاده: هو حمل قضية دليل الحجّيّة على أنّها قضية طبيعية، وحينئذٍ لا يلزم اتّحاد الحكم مع الموضوع، فإنَّ ما هو الحكم هو الحجّيّة، وما هو الموضوع هو طبيعي الأثر، لا هذا الأثر وذاك وذاك.

 وطبيعي الأثر مع الحجّيّة أمران متغايران ككلّ كلّي مع فرده، فلا يلزم في المقام اتّحاد الحكم مع الموضوع؛ ولا يخفى من هذا أنَّ جواب الآخوند ناظر إلى الإشكال الأوّل من إشكالات الأخبار مع الواسطة دون الثاني منهما، كما نصّ عليه أيضاً سيّدنا الأُستاذ في أثناء المحاضرة، وتوضيح ذلك على وجه الإجمال:

أنَّ القضية الطبيعية تارةً تُطلق ويراد منها ما كان الموضوع فيه هو نفس الطبيعة الملحوظة بما هي هي بمعزل عن مرآتيتها عن الأفراد وحكايتها عن المصاديق المحقّقة في الخارج، كما في قضية: الإنسان كلّي، أو الإنسان نوع مثلاً.

ومن هنا يكون الحكم المجعول في مثل هذه القضية الطبيعية لا يسري إلى الأفراد بوجه من الوجوه؛ لأنَّ موضوع الحكم لوحظ بمعزل عن الأفراد، 

ــــــــــ[277]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأُصول: 297.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فالحكم يقف على الطبيعة في عالم تنعزل فيه الطبيعة عن الأفراد، وهو عالم الذهن والفرض العقلي الصرف، ولا يسري إلى الأفراد في الخارج.

مثل هذه القضية الطبيعية غير متصوّر في باب الأحكام. ولا معنى لأنَّ يقال: إنَّ موضوع الحكم مأخوذ بنحو القضية الطبيعية بهذا المعنى، أي: تلحظ الطبيعية بما هي هي بمعزل عن الأفراد؛ لأنَّ القضية المجعولة في باب الأحكام قضية قابلة للانطباق على المصاديق والأفراد بحسب الخارج.

فعلى ذلك، لا بُدَّ أنَّ لا يُحمل كلام المحقّق الخراساني، حيث ذكر: أنَّ الحجّيّة مجعولة بنحو القضية الطبيعية، يعني كأنّه هكذا: الخبر الذي له أثر فهو حجّة في إثبات ذلك الأثر، وهذا ليس معناه: أنَّ عنوان الأثر أخذ بما هو طبيعة منعزلة عن أفرادها وبقطع النظر عن حكاية تلك الطبيعة عن واقع تلك الآثار والأحكام التي يراد إثباتها بالحجّيّة وتنجيزها بالخبر.

بل ينبغي أنَّ يكون المراد من القضية الطبيعية في المقام اصطلاح آخر لها، وهو ما كان الحكم فيه مسلطاً على الطبيعة، لكن بما هي مرآة للأفراد وحاكية عنها، لا بمعزل عنها. والقضية الطبيعية بهذا المعنى تقابل المعنى الأوّل؛ لأنَّ طبيعية القضية بحسب الاصطلاح الأوّل إنَّما هو بلحاظ عزل الطبيعة عن الأفراد، ويقابله أنَّ الحكم ينصبّ على الطبيعة بما هي معنون، لا بما هي عنوان، يعني: بما هي فانية في معنونها، لا بما هي معزولة عنه.

ويقابل هذا الاصطلاح الثاني من القضية الطبيعيّة، ما إذا فُرض أنَّ الحكم انصبّ على الأفراد ابتداء؛ لأنّه انصبّ على الطبيعة بما هي حاكية عن الأفراد وفانية في معنونها.

ــــــــــ[278]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ومن هنا يقال: بأنَّ القضايا التي جُعل فيها الحكم على موضوعه، إن فُرض أنَّ القضية كانت حقيقية، فدائماً لا بُدَّ وأن تكون قضية طبيعية، فالقضية الحقيقية ملازمة مع القضية الطبيعية بهذا المعنى الثاني الأُصولي، لا المعنى الأوّل المنطقي؛ إذ معنى كون القضية حقيقية سريان الحكم إلى تمام الأفراد المحقّقة والمُقدّرة، وحينئذٍ فلا يُعقل جعل الحكم على الأفراد ابتداءً؛ لأنَّ الأفراد المقدّرة غير متناهية، وحينئذٍ لا بُدَّ من توسيط الطبيعة في مقام جعل الحكم، بأن يُجعل الحكم عليها بما هي فانية في تلك الأفراد وحاكية عنها، وفي قباله القضية الخارجية، إذ يمكن أنَّ تكون غير طبيعية، فهي في قبال الطبيعية بالمعنى الثاني؛ لأنَّه في القضية الخارجيّة الأفراد محدودة، نحو: (أكرم من في العسكر) وهم أفراد محدودون، فيمكن أن ينصبّ الحكم على الأفراد ابتداءً.

فالقضية الحقيقية دائماً طبيعية في المعنى الثاني، والخارجيّة مقابلة للطبيعة بهذا المعنى، يعني: يمكن ألَّا تكون طبيعية.

فعلى هذا -مثلاً- يقال: بأنَّ مقصود المحقّق الخراساني من كون القضية في المقام طبيعية هو المعنى الثاني في قبال أن ينصبّ الحكم على الأفراد، فكأنَّ الحجّيّة في المقام حكم وموضوعه هو الأثر المترتّب على المؤدّى، وهذا الموضوع تارةً يكون موضوعاً بنحو القضية الطبيعية بالمعنى الثاني، وله أن يجعل الموضوع طبيعة الأثر، لكن بما هي حاكية وفانية في معنونها. وأُخرى يجعل الموضوع نفس أفراد الآثار أثراً أثراً.

فكأنَّ المحقّق الخراسانييريد أن يقول: بأنَّ إشكال اتّحاد الحكم مع 

ــــــــــ[279]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الموضوع إنَّما يلزم لو لم تكن القضية طبيعية بالمعنى الثاني، أي: لو كان الحكم قد صُبّ على الأفراد ابتداءً، على الآثار أثراً أثراً، فإنّه حينئذٍ من جملة هذه الآثار التي تجعل الحجّيّة بلحاظها هو نفس الحجّيّة، فيلزم حينئذٍ اتّحاد الحكم مع الموضوع في عالم الجعل والتشريع، وهذا محال.

وأمّا لو فُرض أنَّ القضية كانت طبيعية، وأن الحكم لم ينصبّ في عالم الجعل على الأفراد ابتداءً، بل انصبّ على العنوان الطبيعي بما هو حاك عن الأفراد وفان فيها، فإنَّ هذا العنوان الطبيعي مغاير مع أيّ فرد من أفراده، وإن كان قابلاً للانطباق على أفراده، وحينئذٍ فلا يلزم اتّحاد الحكم مع الموضوع في عالم الجعل وعالم عروض الحكم؛ لأنَّ الحكم في عالم الجعل متقوّم بعنوان طبيعة الأثر لا بكلّ فردٍ فردٍ من أفراد الأثر.

نعم، العقل بعد هذا في مقام التطبيق يحكم بسريان الحكم إلى تمام أفراد الأثر، كما يحكم بسريان نفس الطبيعي إلى أفراده، إلَّا أنَّ هذا تطبيق من قبل العقل وليس هذا عروضاً آخر للحكم، فإنَّ الحكم لا يعرض على موضوعه مرتين، بل مرة واحدة من قبل جاعل الحكم.

فبحسب عالم العروض الذي هو عالم الجعل لم يلزم وحدة العارض والمعروض، ووحدة الحكم والموضوع، ووحدة المتأخّر والمتقدّم؛ لأنَّ العارض هو الحكم بالحجّيّة، والمعروض هو طبيعي الأثر. نعم، بحسب عالم التطبيق يُطبّق العقل هذا الطبيعي لا محالة على تمام أفراده، إلَّا أنَّ التطبيق بحكم العقل غير العروض بحسب عالم الجعل، فما هو المحذور غير لازم. هذا غاية ما يمكن أن يقال في فهم مرام المحقّق الخراساني.

ــــــــــ[280]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وهو بعد كلّ هذا لا يرجع إلى معنى محصّل؛ وذلك لأنَّ المحقّق الخراساني في مقام دفع الإشكال، كان تصوّر أنَّ الإشكال إنَّما هو بلحاظ عالم عروض الحكم على الموضوع الذي هو عالم الجعل، فمن هنا ذكر أنَّ الإشكال بحسب عالم العروض إنَّما يأتي فيما لو فُرض أنَّ القضية، أي: الحكم بالحجّيّة، كان منصبّاً على الأفراد ابتداءً، لا ما إذا كان منصبّاً على الطبيعي.

مع أنّه بحسب الحقيقة أنّه بحسب عالم العروض والجعل لا إشكال عليه سواء كان الحكم منصبّاً على الطبيعي أو كان منصّباً على الأفراد، وما هو الإشكال إنَّما هو بحسب عالم آخر غير عالم الجعل والعروض. فما هو الإشكال الواقعي في المقام أجنبي عما هو محط إشكال المحقّق الخراساني، وما هو محط علاجه وهو عالم العروض ولا إشكال فيه بحسب الواقع، سواء قبل بكون الحجّيّة مجعولة بنحو القضية الطبيعية أو الإفرادية.

توضيح ذلك: أنَّ الحكم بالحجّيّة بحسب عالم الجعل لا يخلو أمره إمّا أن يُفرض كونه منصبّاً ابتداءً على الطبيعي بما هو حاك عن المعنون، وهو الذي سمّاه بالقضية الطبيعية. وإمّا أنَّ يكون منصّباً على الأفراد، وعلى كلّ أثر أثر. 

وعلى الثاني: فإمّا أن يُراد بالأفراد التي ينصبّ الحكم عليها واقع الأفراد، أي: واقع تلك الأحكام، من وجوب السورة وجواز الاتمام، بوجوداتها النفس الأمرية الثابتة في نفس المولى. وإمّا أن يُراد بتلك الأفراد العناوين المشيرة إليها، لا واقعها، يعني: ننتزع عنواناً انتزاعياً يشير إلى تمام تلك الأفراد، وهو مثلاً عنوان جميع الأفراد، أو كلّ الأفراد بناءً على ما حقّقناه في بحث العامّ والخاص: 

ــــــــــ[281]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

من أنَّ العناوين الانتزاعيّة، تارةً تُنتزع من القدر المشترك بعين الأفراد بلا لحاظ الخصوصيات كعنوان الإنسان والحيوان والعالم والقدرة، وأُخرى تُنتزع من الكثرة بعد توحيدها في عالم اللحاظ، كعنوان جميع الأفراد وكلّهم ومجموعهم والأفراد كافة.

 وهذه العناوين بحسب الحقيقة عناوين وحدانية بحسب عالم الذهن، إلَّا أنّها تنتزع عن الكثرة الإفرادية بحسب الخارج؛ ولهذا تحمل على الكثير بما هو كثير، بخلاف الأوّل، فإنَّ عنوان العالم لا يحمل على كلّ العلماء، فلا يقال: إنَّ الشيخ المفيد والطوسي والمرتضى عالم، بل كلّ واحد منهم عالم، لكن يقال: إنّهم جميع العلماء وكلّهم.

فالحكم بالحجّيّة إمّا أن يكون متعلّقاً بالطبيعي المنتزع من القدر المشترك، وأُخرى يكون متعلّقاً بعنوان منتزع عن مقام الأفراد، وثالثة يكون الحكم متعلّقاً بواقع الأفراد ابتداءً. وعلى كلّ من هذه التقادير الثلاثة لا إشكال.

فإن فُرض أنَّ الحكم بالحجّيّة كان متعلّقاً بطبيعي الأثر بما هو حاك عن معنونه، فتكون القضية طبيعية، وحينئذٍ لا يلزم اتّحاد العارض مع المعروض والحكم مع الموضوع؛ لأنَّ ما هو المعروض بحسب أفق النفس وعالم الجعل هو الطبيعي، والطبيعي غير الفرد بحسب عالم الجعل والذهن كما أفاد.

وإذا فُرض أنَّ الحكم انصبّ على عنوان تمام الأفراد، لا واقعها، فالأمر أيضاً كذلك، فإنَّ عنوان تمام الأفراد غير واقع تمام الأفراد، ومغاير له مغايرة العنوان مع المعنون، فأيضاً لم يلزم بحسب عالم الجعل والعروض وحدة 

ــــــــــ[282]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

العارض والمعروض، ووحدة الحكم والموضوع؛ لأنَّ ما هو عارض ومتأخّر هو شخص هذا الحكم، أي: الحكم بالحجّيّة الذي هو أحد الأفراد وما هو متقدم هو عنوان تمام الأفراد، وعنوان تمام الأفراد غير أفراد معنونه لا محالة، فأيضاً المغايرة محفوظة كما هو الحال في القضية الطبيعية، ولم يلزم إشكال.

ونحن نشتهي أن نقول: إنَّ الحكم على الوجه الأوّل يكون مجعولاً بنحو القضية المطلقة، وعلى الوجه الثاني يكون مجعولاً بنحو القضية العامّة، فقوله: (رتّب الأثر) بنحو القضية المطلقة و(رتّب كلّ أثر) بنحو القضية العامّة.

أنَّ نفرض أنَّ الحكم بالحجّيّة انصبّ على الأفراد ابتداءً، لا على عنوان منتزع منها، فأيضاً لا يلزم الإشكال، وإن لزم الخلف من ناحية أُخرى، لكن لم يلزم وحدة العارض والمعروض؛ لأنَّ واقع الأفراد متكثر حقيقة، والحكم المتعلّق بالتكثّر بما هو مُتكثّر لا محالة، فيلزم من ذلك تعدّد الجعل، وتعدّد الحكم بالحجّيّة، لا أنّه يكون هنا جعل واحد لها؛ لأنَّ وحدة الجعل تابعة لوحدة الموضوع عنواناً في عالم الجعل، فإذا فُرض أنَّ الموضوع المأخوذ في عالم الجعل هو عنوان طبيعة الأثر، كما في القضية المطلقة، أو عنوان جميع الآثار كما هو في القضية العامّة، فيكون الجعل واحداً وإن انحلّ في النتيجة.

وأمّا لو فرض أنَّ الموضوع كان هو واقع الآثار، وهو مُتكثّر بلا وحدة أصلاً، فيكون الحكم بالحجّيّة مُتكثّراً أيضاً لا محالة، فيكون جعولاً متعدّدة. فاللازم على هذا التقدير تعدّد الجعل لا أنَّ اللازم على هذا التقدير اتّحاد الحكم والموضوع.

ــــــــــ[283]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فعلى كلّ من هذه التقادير الثلاثة لا إشكال من ناحية عالم الجعل والعروض. فصاحب الكفاية حينما بيّن أنَّ القضية طبيعية لم يصنع شيئاً؛ لأنّها سواء كانت طبيعية أو على الوجهين الآخرين، فعلى أيّ حال لا إشكال من ناحية عالم الجعل.

والإشكال إنَّما هو بحسب عالم فعلّيّة الحكم، لا بحسب عالم العروض، فإنَّ الحكم المجعول له عالم فعلّيّة على كلّ حال بأيّ معنى فسّرنا الفعلّيّة، سواء فسّرناها بالمعنى القرآني من كلمات الميرزا ومدرسته، وهو أن يكون للحكم وجودان وجود في عالم الجعل ووجود في عالم المجعول، أو فسّرناها بمعنى آخر، فعلى أيّ حال لا بُدَّ من الالتزام أنَّ هناك شيئاً اسمه فعليّة الحكم، وهو المنوط بفعلّيّة الموضوع.

والإشكال إنَّما هو بلحاظ مرتبة فعليّة الحكم. وهذا الإشكال باعتبار أنّه إذا فرض أنَّ الحكم اُخذ عن موضوعه ما يشمل نفسه، وفعليّة كلّ حكم تابع لفعليّة موضوعه، فيلزم أنَّ يكون فعليّة الحكم تابعاً لفعليّة نفسه، ففعليّة الحكم بما هو محمول تابع لفعليّة نفسه بما هو موضوع، فيلزم من ذلك توقف فعليّة الحكم على نفسه، وهذا محال.

 وهذا الإشكال لم ينحلّ بكلمات المحقّق الخراساني.

وهذا الإشكال يمكن تقريبه بعبارة أُخرى: أنَّ ترتّب الحجّيّة على الحجّيّة وكونها موضوعاً لنفسها، بقطع النظر عن محذور توقف الشيء على نفسه، محال أيضاً، بمعنى: أنه لغو؛ وذلك أنّه حتّى لو فُرض أنّه يمكن أن يتوقف وجود 

ــــــــــ[284]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الإنسان على وجود الإنسان، لكن مع هذا لا يمكن أن يتوقف وجود الحجّيّة على وجود الحجّيّة باعتبار مؤونة زائدة.

وذلك لأنَّ الحجّيّة من المفاهيم التي لا يتحصّل معناها إلَّا بلحاظ أمر آخر. فإنَّ حجّيّة الخبر لا بُدَّ أنَّ تكون لإثبات شيء لا محالة، فلا بُدَّ من فرض شيء يُثبَت بالحجّيّة ولا معنى لأن يُفرض أنَّ الحجّيّة تثبت نفسها؛ لأنّه لغو صرف لا محالة، فما لم يلحظ أمر آخر وتكون الحجّيّة إثباتاً له بلحاظ ما يقتضيه ذلك الأمر من جري في مقام العمل يكون جعلها لغواً(1) صرفاً؛ لأنَّ جعلها بلحاظ نفسها لا يقتضي ترتّب أيّ أثر عملي عليها، والحجّيّة بما هي لا جري عملي فيها(2).

ويمكن تقريبه بعبارة ثالثة: بأن يقال: بأنَّ جعل الحجّيّة للخبر إنَّما معناه إثبات مؤدّى الخبر لا إثبات غير مؤداه، ليس معنى جعل خبر الكليني حجّة أنّنا نثبت به أمراً لم يخبر به الكليني، بل معنى جعل خبره حجّة أنّنا نثبت بخبره أمراً أخبر به الكليني، فلو فُرض أنَّ الذي نُريد أن نثبته بالحجّيّة هو نفس هذه الحجّيّة التي هي مترتبة على خبر الكليني للزم من ذلك أنَّ يكون المخبر بإخبار 

ــــــــــ[285]ــــــــــ

() فإذا كانت لغواً فيستحيل جعلها. (المُقرِّر).

(2) وهنا ذكر توضيحاً جواباً على سؤال: أنَّ هذه تقريبات لإشكالنا الرئيسي حول الأخبار مع الواسطة الذي صار الآخوند بصدد جوابه، والذي قلنا: إنّه لا يرد بحسب عالم الجعل، وإنَّما يرد بحسب عالم الفعليّة، فهذا الإشكال نقرّبه بعدة تقريبات. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الكليني هو الأمر(1) المترتّب على إخباره، وهذا أمر محال بحسب عالم الإخبار.

فإنّه بحسب عالم الإخبار يستحيل أنَّ يُخبر الشخص عن أمر مترتّب على نفس إخباره، فإنّه يلزم على هذا كون المخبر عنه في طول الإخبار، أو وحدة الإخبار والمخبر عنه، فإنّه لو فرضنا أنَّ الكليني يُخبر عن نفس هذه الحجّيّة التي تترتّب عليه، فيلزم كون المخبر عنه في طول الإخبار، وإن أخبر عن موضوعها، يعني: عن نفس إخباره، فيلزم وحدة الإخبار والمخبر به. وكلاهما محال.

كلّ هذه عبارات مختلفة عن جوهر واحد الذي هو إشكال الإخبار مع الواسطة بحسب عالم الفعليّة.

إذن، فبهذا يظهر أنَّ صاحب الكفاية لم يعالج موضوع الإشكال وجوهره، لأنّه لاحظ عالم الجعل والعروض مع أنَّ الإشكال ليس بحسب ذلك العالم، وإنَّما هو بحسب عالم الفعليّة لأحد هذه التقريبات.

الجواب الثالث للنائيني

ومن هنا كان موقف الميرزا أمتن من موقف صاحب الكفاية في الجواب الثالث من الأجوبة التي ذُكرت من قبل الأعلام؛ لأنَّ الميرزا لاحظ موطن الإشكال وهو عالم الفعليّة.

 وادّعى(2) أنَّ الأحكام حيث إنّها مجعولة بنحو القضية الحقيقية، والحكم الذي بنحو القضية الحقيقية ينحلّ إلى أحكام عديدة بعدد أفراد موضوعه 

ــــــــــ[286]ــــــــــ

() وهذا الأمر هو الحجّيّة المترتبة على إخباره. (المُقرِّر). 

(2) انظر: فوائد الأصول 3: 187، أجود التقريرات 2: 106و107. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بحسب الخارج، فالحجّيّة الثابتة لخبر الكليني ترد مغايرة مع الحجّيّة الثابتة لخبر أحمد بن محمّد، ومغايرة للحجّيّة الثابتة لخبر محمّد بن الحسن الصفار، وهكذا.

إذن، فلم يلزم لا وحدة الحكم والموضوع ولا إثبات الموضوع من ناحية حكمه، أمّا أنّه لا يلزم وحدة الحكم مع الموضوع؛ لأنَّ الحكم هو حجّيّة الكليني، والموضوع الذي بلحاظه صار خبر الكليني حجّة هو حجّيّة أحمد بن محمّد، وهي فرد مغاير مع حجّيّة الكليني.

كما أنّه لا يلزم إثبات الموضوع بحكمه، فإنَّ خبر أحمد بن محمّد اثبتناه بشمول الدليل الحجّيّة لخبر الكليني، فأحمد بن محمّد يثبت خبره بحجّيّة خبر الكليني لا بحجّيّة نفسه، حتّى يلزم من ذلك ثبوت الموضوع من ناحية حكمه. وهذا الكلام إلى هنا تامّ، إلَّا أنَّ الميرزا لم يقتصر على هذا المطلب من البيان بل أضاف إليه بيانات أُخرى لا يمكن المساعدة عليها. ومن هنا كان اللازم التعرض لتلك البيانات مع بيان واقع الحال فيها.

وحاصل جواب الميرزا: دعوى انحلال القضية في باب الأحكام إلى أحكام عديدة بعدّد أفراد موضوعات القضية، فجعل الحجّيّة للخبر تنحلّ إلى حجّيّات متعدّدة بعدّد الأفراد، فكلّ خبر موضوعه شخص من الحجّيّة غير الشخص الذي يترتّب على خبر آخر، وحينئذٍ لا يترتّب لا محذور اتّحاد الحكم مع الموضوع ولا محذور إثبات الموضوع من ناحية حكمه.

أمّا محذور اتّحاد الحكم مع الموضوع فهو غير وارد؛ وذلك لأنَّ حجّيّة خبر الكليني لوحظ في موضوعها مؤدّى خبر الكليني والحكم المترتّب عليه، ومؤدّى خبر الكليني هو خبر أحمد بن محمّد وحكمه هو فرد آخر من الحجّيّة 

ــــــــــ[287]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

مترتّب على خبر أحمد بن محمّد. إذن، فقد اصبحت الحجّيّة الأولى حكماً والثانية موضوعاً. فلم يلزم هنا اتّحاد الحكم مع الموضوع.

وكذلك يندفع الإشكال بإثبات الموضوع من ناحية حكمه، فإنّنا أثبتنا خبر أحمد بن محمّد ببركت حجّيّة الكليني الذي نقل لنا الخبر، ومن المعلوم أنَّ خبر أحمد بن محمّد ليس موضوعاً لحجّيّة خبر الكليني، بل هو موضوع لحجّيّة أُخرى ثابتة له.

 إذن، فما هو موضوع لم يثبت من ناحية حكمه، بل ثبت من ناحية حكم موضوع آخر(1).

وهذا الكلام الذي أفاده في غاية المتانة وفي غاية الوضوح أيضاً، ولعلّه مشار إليه في كلمات الشيخ الأعظم.

إلَّا أنّه لم يقتصر على هذا الجواب في مقام دفع إشكال الأخبار مع الوسائط، بل أجاب بجواب آخر أيضاً. فقال: بأنَّ إشكال لزوم اتّحاد الحكم مع الموضوع، بقطع النظر عن مسألة الإنحلال في الجواب السابق لا يرد على ما هو 

ــــــــــ[288]ــــــــــ

() وهنا سألته (دام ظلّه): كأنَّ النائيني هنا يلتزم بتعدّد الحجّيّات، مع أنَّ المفروض هنا وجود جعل واحد للحجّيّة بنحو القضية الحقيقية. 

فأجاب (سلّمه الله): لكنّها في عالم الفعليّة تتعدد؛ إذ قلنا في مقام الإشكال على الآخوند أنَّ جوهر المحذور انَّما هو بحسب عالم الفعليّة لا بحسب عالم الجعل، وبحسب عالم الفعليّة تتعدّد الأحكام لا محالة؛ لأنَّ فعلية الحكم تابعة لفعلية موضوعه، وكلما تكثر الموضوع وتكثّرت فعلياته تكثّرت فعليات الحكم لا محالة بالنحو المتصوّر في باب الواجب المطلق والمشروط. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

المبنى الصحيح لنا في مقام جعل الحجّيّة، وهو جعلها بنحو جعل الطريقيّة والكاشفيّة لا بنحو جعل الحكم المماثل، وإنَّما يرد الإشكال على المبنى المشهوري غير الصحيح، وهو أن يكون مرجع جعل الحجّيّة إلى جعل الحكم المماثل.

فكأنَّ الميرزا كان له جوابان: أحدهما الانحلال وتعدّد الأحكام في مرحلة الفعليّة، والجواب الثاني بقطع النظر عن الأوّل، يقول: بأنَّ هذا الإشكال
-بلزوم اتّحاد الحكم مع الموضوع- لا يأتي بناءً على الطريقيّة التي هي المبنى الصحيح، وإنَّما يأتي بناءً على جعل الحكم للمماثل.

توضيح ذلك: أنّه لو قلنا: إنَّ مرجع جعل الحجّيّة للخبر إلى جعل الحكم المماثل لمؤداه، فحينئذٍ لا بُدَّ من فرض حكم للمؤدّى حتّى يجعل الحكم المماثل له فإنَّ معنى جعل الحكم المماثل هو جعل حكم ظاهري مماثل لحكم المؤدّى الخبر. فلو أخبر ثقة عن نجاسة هذا الاناء أو عن عدالة زيد، فمعنى جعل الحجّيّة لهذا الخبر، هو جعل حكم مماثل لحكم العدالة وهو جواز الإئتمام، فيجعل حكم ظاهري بجواز الإئتمام يماثل الحكم الواقعي بجوازه المترتّب على العدالة، فإذا فسّرنا الحجّيّة بمعنى جعل الحكم الظاهري المماثل لمؤدّى الخبر. ومؤدّى خبر الكليني في المقام هو خبر أحمد بن محمّد، وحكم خبر أحمد بن محمّد هو الحجّيّة، وقد قلنا: إنَّ معنى حجّيّة خبر الكليني هو جعل حكم مماثل لمؤدّاه، فلا بُدَّ من ملاحظة حكم المؤدّى وجعل حكم مماثل له، وحيث إنَّ حكم المؤدّى هو بنفسه الحجّيّة، فيلزم حينئذٍ اتّحاد الحكم مع الموضوع. هذا بناءً على أن يكون معنى جعل الحجّيّة هو الحكم المماثل.

وأمّا بناءً على جعل الطريقيّة، حيث إنّها ليست عبارة عن جعل حكم مماثل 

ــــــــــ[289]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

للمؤدّى، فلا يلزم في مقام جعل الطريقيّة والكاشفيّة لخبر الكليني ملاحظة حكم المؤدّى، حتّى يقال: بأنَّ هذا الحكم هو نفس الحجّيّة، فإنَّ جعل الطريقيّة عبارة عن فرض غير العلم علماً، وفرض الأمر الظنّي والاحتمالي علماً، والفرض أمر معقول من دون ملاحظة أيّ حكم آخر، فيمكن أن يفرض المولى الخبر الظنّي للشيخ الكليني علماً من دون أن يلحظ في عالم هذا الفرض أنَّ مؤدّى خبره له حكم أو لا.

غاية الأمر أنَّ جعل الطريقيّة لا بُدَّ ألَّا يكون لغواً؛ لأنَّ صدور اللغو غير ممكن من الحكيم، فإخراجاً له من اللغويّة لا بُدَّ من انتهائه إلى الأثر العملي الشرعي، لكن لا يلزم أن يكون هذا الأثر المخرج لجعل الطريقيّة عن اللغويّة هو أثر نفس مؤدّى خبر الكليني؛ لأجل أن يلزم حينئذٍ ملاحظة الحجّيّة في موضوع الحجّية، بل يكفي في إخراجه عن اللغويّة هو الأثر الواقع في آخر السلسلة وهو قول الإمام الذي يُحكى عن محمّد بن الحسن الصفار، وهذا الأثر يكفي في مقام جعل الحجّيّة.

وتمام هذه الطريقيات المجعولة لهذه الأخبار كلّها تكون بلحاظ أثر واحد مخرج لها عن اللغويّة، وهو قول الإمام فلا نحتاج إلى أثر شرعي لكلّ طريقة طريقة بالخصوص، ليلزم في الطريقيات النازلة عن محمّد بن الحسن الصفار اتّحاد الحكم مع الموضوع. 

هذه خلاصة ما أفاده الميرزا في الجواب عن الإشكال، كما في التقريرات(1) وإن لم تكن عبارة التقريرات وافية بذلك.

ــــــــــ[290]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 201.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

مناقشة جواب المرزا النائيني

إلَّا أنَّ هذا الذي أفاده وإن كان تامّ صورة إلَّا أنّه غير تامّ مبنى، ولا يمكن المساعدة عليه، وذلك بعد بيان مقدّمتين، وهاتان المقدّمتان تأتي من حيث المباني التفصيلية في موضعها، والمقصود هنا الإشارة فقط.

المقدّمة الأولى: أنَّ هناك فرقاً بين العلم الاعتباري المجعول على مبنى الميرزا في باب الحجّيّة، وبين العلم الحقيقي التكويني الذي هو عبارة عن القطع الحاصل بأسبابه العادية، والفرق ما بين هذين العلمين من ناحيتين:

الناحية الأولى: أنَّ العلم التكويني إذا تعلّق بشيء فيسري لا محالة إلى تمام لوازم ذلك الشيء وملازماته، فينبعث منه علم بتمام لوازمه التي يكون العالم عالماً بالملازمة بينها وبين معلومة، فلو علم بطلوع الشمس فيعلم بتمام لوازمه من حرارة الجو وطلوع النهار، ولو علم بخمريّة المانع فيعلم بلوازمها العقليّة كالسكر، أو الشرعيّة كحرمة شربه وحدّ الشارب.

فالعلم التكويني علم متحرك يسري لا محالة من موضوعه إلى تمام لوازمه التي تمت الملازمة فيها في نظر العالم.

وأمّا العلم الجعلي الاعتباري، فهو يقف على موضوعه الذي عُلّق عليه في عالم الجعل والاعتبار، ولا يسري منه قيد أنملة إلَّا بالإسراء الاعتباري، فلو فُرض أنَّ المولى جعلنا عالمين بخمريّة هذا المائع وجعل هذا العلم واقفاً على 

ــــــــــ[291]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الخمريّة ولم يمدده إلى آثارها، فحينئذٍ يكون علمنا الاعتباري علماً بالخمريّة فقط ولا نكون عالمين بآثار الخمريّة الشرعّية فضلاً عن العقليّة؛ لأنَّ الأثر غير الخمريّة، والعلم الاعتباري بالخمريّة لا يلزم منه عقلاً العلم الاعتباري بأثرها؛ لأنَّ العلم الاعتباري أمر اعتباري فهو بيد المعتبر، والمعتبر يمكنه أن يُفكّك في عالم الاعتبار والفرض بين الأمرين. إذن، فالعلم الاعتباري بشيء لا يسري بطبعه إلى لوازمه وآثاره، بل يحتاج في سريانه إليها إلى أن يكون نفس الاعتبار مسريا له، كما لو جعلنا المولى عالمين بالخمريّة وبتمام آثارها.

وهذا المطلب سوف يأتي -إن شاء الله- مفصّلاً في بحث الأصل المثبت، في بيان عدم حجّيّته؛ لأنَّ هذا المطلب هو بذرة النكتة في عدم حجّيّته، على ما سوف يأتي تحقيقه -إن شاء الله- في محلّه.

الناحية الثانية: هو أنّه في العلم التكويني لا يُتصوّر الشكّ في حصول العلم التكويني، ولا يُتصوّر علم زائد بالعلم التكويني، وأنَّ العلم التكويني تارةً يقع موضوعاً للعلم وأُخرى موضوعاً للشكّ وثالثة موضوعاً للظنّ، فإنّي شاك أو ظان أو عالم بأني عالم. وهذا المطلب غير متصوّر عادة في العلم التكويني، فإنّه موجود حضوري في عالم النفس، فهو معلوم بنفس وجوده لا بأمر زائد على وجوده، ولا يُتصوّر الشكّ فيه عادة.

وأمّا في العلم الاعتباري فهو يُتصوّر العلم به تارةً والشكّ فيه أُخرى؛ لأنَّ العلم الاعتباري حكم شرعي بحسب الواقع نسميه علماً من باب المسامحة، وإلَّا فإنّه عبارة عن جعل الشارع الشاك عالماً، وهذا الجعل تارةً يعلم به الشاك وأُخرى لا يعلم به، كعلمه وشكه بحرمة الخمر مثلاً.

 ولو فُرض أنّه علم أنَّ المولى جعله عالماً، يعني: علم بعلمه، فعلمه بالعلم 

ــــــــــ[292]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ليس مساوقاً لعلمه بأصل الشيء، فلو علم أنَّ المولى جعله عالماً بوجوب السورة فله علم بالعلم بوجوب السورة، وهذا ليس علماً بوجوب السورة(1) بخلافه في باب التكوينيات، فإنَّ علمه التكويني بعلمه التكويني بوجوب السورة هو عبارة أُخرى عن علمه بوجوب السورة.

وهذا معنى أنَّ العلم الاعتباري يقع موضوعاً لعلم زائد، وشكّ زائد بخلاف العلم التكويني. هذه المقدّمة الأولى. وفلسفة هذه البحوث بنحو مفصّل تأتي -إن شاء الله- في بحث الأصل المثبت.

المقدّمة الثانية: هي أنّه في باب الأخبار مع الوسائط بناء على جعل الطريقية في باب الحجّيّة، لو قطعنا النظر عن إشكال الأخبار مع الواسطة وأردنا أن نُثبت الحجّيّة لتمام هذه الوسائط بمعنى جعل الطريقيّة، فالمعنى المتصوّر في المقام هو أن يكون الإنسان عالماً بالعلم بقول المعصوم، فالمعنى المتصوّر في المقام سلسلة من العلوم الاعتباريّة بعضها يتعلّق ببعض حتّى تصل إلى قول الإمام.

وذلك لأنَّ محمّد بن الحسن الصفار الذي أخبر في علم الله عن قول المعصوم حينما أخبر بذلك اعتبرنا المولى عالمين بقول المعصوم، لكن نحن لم نعلم بهذا العلم لأنّنا لم نسمع من الصفار، فنحتاج إلى من يعلمنا بهذا العلم، 

ــــــــــ[293]ــــــــــ

() يمكن أن يقال: إنَّ هذا صحيح تكويناً، أي: العلم الاعتباري بالعلم الاعتباري ليس علماً تكوينياً، وهذا صحيح إلَّا أنّه علم اعتباري على كلّ حال، فالعالم بعلمه بوجوب السورة اعتباراً عالماً بوجوبها اعتباراً، كما أنَّ العالم بعلمه تكويناً عالم تكويناً. نعم، العلم الاعتباري لا يكون علماً تكوينياً كما أفاد، فتأمّل. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وحين أخبر أحمد بن محمّد عن أحمد بن الحسن الصفار قال هكذا، فاعتبرنا الشارع عالمين بذلك العلم، لكن نحن أيضاً لم نعلم بهذا العلم. وحينما كتب الكليني في كتابه خبر أحمد بن محمّد اعتبرنا الشارع عالمين بالعلم بالعلم بوجوب السورة. وهذا العلم الثالث علمنا به وجداناً؛ لأنَّ كتاب الكافي رأيناه بأم أعيننا.

فنحن عالمون تكوينياً بالعلم الاعتباري الناشئ من خبر الكليني أو هو علم بعلم اعتباري آخر بلحاظ خبر أحمد بن محمّد، وهذا العلم علم بعلم اعتباري آخر بلحاظ خبر الصفار، وهذا العلم الاعتباري الثالث متعلّق بقول الإمام ابتداءً.

وقد عرفنا في الفرق الثاني من المقدّمة السابقة أنَّ العلم الاعتباري بالعلم الاعتباري بشيء ليس مساوقاً بالعلم بذلك الشيء، وليس حاله حال العلم التكويني بالعلم التكويني بالشيء. إذن، فنحن الآن لا نستطيع أن نقول: بأنّنا عالمون بوجوب السورة، وإنَّما بالدقة نحن عالمون بأنّنا عالمون بوجوب السورة. ونُكثر من كلمة عالمون بعدد الوسائط.

وحينئذٍ نحتاج هنا إلى كلمة السر، وهو أن يأتي الميرزا ويقول: إنَّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان موضوعها عدم بيان وجوب السورة أو عدم بيان بيان وجوب للسورة أو عدم بيان بيان بيانه.

 وهكذا بحيث لو تحقّق بيان لها أو بيان لبيان وجوبها ولو مع الوسائط ارتفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

ــــــــــ[294]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فهل العلم بالعلم بالعلم منجّز لقول الإمام أو لا؟ إن ثبت أنّه منجّز كالعلم بقول الإمام ابتداءً. إذن، فقد تمّ مطلب الميرزا، ويكون حجّة شرعيّة ويترتّب عليه الأثر ولا يكون لغواً.

 وإن فرضنا أنَّ العلم بالعلم ليس كنفس العلم بالمباشر، والمنجّز بحكم الله هو أن أعلم به لا أن أعلم بأني أعلم به. إذن، فسلسلة هذه العلوم لغو صرف، فلا يكون حينئذٍ دليل الحجّيّة شاملاً له من ناحية اللغويّة.

فلا بدَّ للميرزا أن يختار الموقف الأوّل، وإنَّ العلم بالعلم بالشيء منجّز له كنفس العلم المباشر به. ومعنى كونه منجّزاً هو موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو عدم البيان ولو بهذا المعنى، فلو تمّ البيان ولو بهذا المعنى لم يحكم العقل بقبح العقاب بل حكم بصحته، وهو معنى المنجّزية. هذه هي المقدّمة الثانية.

بعد هذا نأتي إلى محلّ الكلام، فنقول: بإنّنا لا نتصوّر جعل الحجّيّة للوسائط بناءً على جعل الطريقيّة الا بنحو يؤدّي إلى الإشكال السابق في الأخبار مع الواسطة.

وذلك لأنَّ الطريقيّة المجعولة لخبر الكليني هل هي بلحاظ كشف خبره عن قول المعصوم ابتداءً، أو بلحاظ كشفه عن قول أحمد بن محمّد؟ فإنَّ خبر الكليني له كشفان: كشف ظنّي قوي عن خبر أحمد بن محمّد؛ لأنّه هو ينقل عنه، وله كشف ظنّي ناقص جدّاً عن آخر السلسة وهو قول الإمام، فإنَّ الأمارة عن الأمارة عن الأمارة له نحو كشف عن ذلك القول الأخير.

وجعل الطريقيّة معناه تتميم الكشف الظنّي وجعله علماً. هنا نسأل أنّه أيّ 

ــــــــــ[295]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

من هذين الكشفين يجعل علماً، هل الكشف الظنّي عن قول أحمد بن محمّد، أو كشفه عن قول الإمام ابتداءً يجعل علماً؟ 

فإنَّ قال: إنَّ الكشف الظنّي لخبر الكليني عن قول الإمام ابتداءً يجعل علماً، فحينئذٍ لا يرد بناء على هذا إشكال الأخبار مع الوسائط، إلَّا أنَّ هذا خلف من جهتين.

أحداهما: هو أنّنا نتكلّم عن الكشف الخبري، يعني: في حجّيّة الخبر بمعنى إثبات مؤدّى الخبر بالخبر، وقول الإمام ليس منكشفاً لخبر الكليني، وإنَّما هو مكشوف عنه باعتبار الوسائط.

ثانيهما: أنَّ لازم ذلك أنَّ الحجّيّة تثبت لخبر الكليني باعتبار كشفها الناقص عن قول المعصوم ابتداءً، فلا يحتاج بعد ذلك إلى إثبات حجّيّة خبر أحمد بن محمّد ولا إلى خبر محمّد بن الحسن الصفار، مع أنّنا نحن الآن في مقام تصوير حجّيّة الأخبار مع الوسائط.

 إذن، فلا بُدَّ له أن يختار الأوّل، كما هو مراده: من أنَّ الحجّيّة والطريقيّة تجعل لخبر الكليني بلحاظ الكشف الظنّي الناقص عن قول أحمد بن محمّد، أي: يجعل خبر الكليني علماً بخبر أحمد بن محمّد.

وحينئذٍ نقول: بأنَّ هذه العلميّة، هل تقف على خصوص أحمد بن محمّد، أي: يجعل خبر الكليني علماً بخبر أحمد بن محمّد فقط، أو يجعل علماً به مع آثار خبر أحمد بن محمّد التي منها العلم التعبّدي؟

 إن فُرض أنَّ العلم التعبّدي المجعول على خبر الكليني هو علم تعبّدي 

ــــــــــ[296]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فقط بخبر أحمد بن محمّد، فقد انقطعت السلسلة؛ لأنّنا بيّنا في المقدّمة الثانية أنّه لا تُتصوّر الحجّيّة بناءً على جعل الطريقيّة، إلَّا بأن يكون هناك علم بالعلم بالعلم. 

وهذا العلم الذي جُعل على خبر الكليني علم لخبر أحمد بن محمّد لا علم بالعلم الناشئ من خبره، وقد أشرنا في المقدّمة الأولى أنَّ العلم الاعتباري بشيء لا يسري بنفسه تلقائياً إلى لوازمه. إذن، فأنّا صرت عالماً بخبر أحمد بن محمّد لكني لم أصر عالماً بعلمي، مع أنَّ المفروض إنَّما المنجّز هو العلم بقول الإمام أو العلم بالعلم به، فقد انقطعت السلسة في المقام.

 فهذا العلم الاعتباري يقف على خبر أحمد بن محمّد ولا يسري إلى غيره، والمفروض أنّه ليس حكماً شرعياً وإنَّما هو موضوع خارجي، فيلغو جعل مثل هذا العلم(1)، وإذا فرضنا أنَّ العلم المجعول على خبر الكليني يجعل علماً بخبر أحمد بن محمّد وبآثاره، وآثاره هو العلم وهو الطريقيّة، فقد جعل العلم بلحاظ العلم، يعني: جعل خبر الكليني علماً بالعلم المجعول على خبر أحمد بن محمّد، فقد صار العلم الاعتباري موضوعاً للعلم الاعتباري، فعاد الإشكال الثبوتي.

إذن، فمبنى الطريقيّة لا يُفضّل عن غيره من المباني من هذه الناحية، فالجواب لا بُدَّ وأن يكون هو الانحلال.

ــــــــــ[297]ــــــــــ

() بجعله كاشفاً من خبر أحمد بن محمّد بأحكامه الشرعيّة، ومنها طريقيّته إلى خبر الصفار، فقد أُخذت الطريقيّة في موضوع الطريقيّة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وبما(1) ذكرناه اندفع ما يمكن أن يقال في مقام تقريب مرام الميرزا من مقايسة العلوم الاعتباريّة بالعلوم التكوينيّة.

وتوضيح ذلك: أنّه لو فرضنا أنَّ الكليني وأحمد بن محمّد والصفار كانوا معصومين، بحيث لو نقل أحدهم شيئاً حصل لنا العلم بمطابقته للواقع، لكان خبر الكليني علّة للعلم بصدقه وبمطابقة مؤداه للواقع، أي: للعلم التكويني لخبر أحمد بن محمّد، وهذا العلم التكويني يولّد علماً تكوينياً بخبر محمّد بن الحسن الصفار، وهذا العلم التكويني يولّد علماً تكوينياً آخر بخبر المعصوم فتتولد عندنا علوم تكوينيّة ثلاثة طولية بعضها متفرّع على بعض.

وإن فرضناهم غير معصومين بحيث يحتمل فيهم الخطأ وعدم المطابقة للواقع فهنا بدلاً عن العلوم الثلاثة الطولية تتولد عندنا ظنون ثلاثة طولية، أو احتمالات ثلاثة طولية، وهي الظنّ بصدق الكليني يولّد ظنّاً بخبر أحمد بن محمّد وهذا الظنّ يولد ظنّاً بخبر الصفار، وذلك الظنّ يولد ظنّاً بقول الإمام أو لا أقل من أن تكون هناك احتمالات طولية.

فهذه الظنون الثلاثة الطولية يتمّ كشفها بالجعل الشرعي بأن يجعلها الشارع علوماً، فيصير حال هذه السلسلة ببركة التعبّد الشرعي حال تلك السلسلة من العلوم التكوينية التي كانت تحصل لو فُرض أنَّ هؤلاء الثلاثة معصومين.

ــــــــــ[298]ــــــــــ

() لخص سيّدنا الأُستاذ الجواب الثاني للميرزا، وهو: أنَّ إشكال الأخبار مع الواسطة لا يأتي على مبنى جعل الطريقيّة مع جوابه. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إلَّا أنَّ هذا الكلام وإن كان صورة فنياً أيضاً، إلَّا أنّه انقدح الجواب عنه ممّا حقّقناه سابقاً، وذلك أنّنا قلنا في المقدّمة الأولى أنّه يختلف حال العلم الاعتباري عن العلم التكويني، فالعلم في فرض كون الثلاثة من المعصومين يكون العلم الواقع(1) في درجة الكليني علّة للعلم الواقع في درجة أحمد بن محمّد. 

وهذا العلم يولّد لنا علماً بما هو فوقه بصدور خبر الصفار، وهذا العلم يولّد علماً بما هو فوقه، وهو قول الإمام فكلّ علم في المرتبة المتأخّرة يولّد علماً بالذي فوقه بمقتضى برهان إنّي من باب كشف المعلول عن العلّة.

وأمّا في باب العلوم الاعتبارية، فهنا لو فُرض أنّه جُعل خبر الكليني علماً، فكون خبره علماً اعتبارياً بخبر أحمد بن محمّد لا يكون مولّداً لعلميّة أُخرى في خبر أحمد بن محمّد، فإنَّ علمية أحمد بن محمّد حكم شرعي آخر يحتاج إلى قصد آخر غير قصد جعل الحجّيّة لخبر الكليني في المقام، فكون خبر الكليني علماً بالاعتبار لا يولّد تكويناً كون خبر أحمد بن محمّد علماً بالاعتبار، وإنَّما تكون وظيفته أن يكشف عنه لا أن يولّده.

فهنا الوظيفة تنقلب، بمعنى: أنَّ المولى يجعل كلّ من خبر أحمد بن محمّد وخبر الصفار وخبر الكليني علماً، فهذه علوم اعتباريّة ثلاثة لم يتولد بعضها من بعض، بل كلّها تولدت من الجعل الشرعي المنصبّ على موضوعات ثلاثة. 

وهنا علميّة خبر الكليني الاعتباريّة تكشف عن العلم السابق الاعتباري، حيث إنَّ خبر أحمد بن محمّد لم نسمعه بأذاننا ولم نقرأه في كتابه، فمن أين نعرف 

ــــــــــ[299]ــــــــــ

() أي: العلم بصدقه. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

هذا الخبر الذي جعل علماً في نظر الشارع؟ وأنّه صدر عن أحمد بن محمّد؟ عرفنا بذلك خبر الكليني الذي هو علم آخر في نظر الشارع، فعلميّة خبر الكليني هنا علميّة كاشفة عن العلميّة السابقة لا مولّدة لها.

وحيث عرفنا أنَّ هذه علميّة كاشفة لا مولّدة، فقد قلنا في المقدّمة الأولى: إنَّ كاشفية العلم الاعتباري تقف على موضوعه ولا تسري إلى لوازمه.

 وحينئذٍ فنتساءل أنَّ خبر الكليني هل جُعل كاشفاً بالاعتبار عن خبر أحمد بن محمّد وعن حكمه أيضاً، أو عن الخبر فقط؟ فإن جُعل كاشفاً عن ذات خبره كان هذا لغواً؛ لأنَّ خبر أحمد بن محمّد ليس حكماً شرعياً.

وإن جُعل خبر الكليني كاشفاً عن خبر أحمد بن محمّد وعن آثاره التي منها كاشفيته، فقد عاد الإشكال وهو لزوم اتّحاد الحكم مع الموضوع.

إذن، فلا فرق بحسب الدقة بين مبنى جعل الطريقيّة وبين غيره من المباني من حيث هذا الإشكال، ولا بُدَّ من التخلّص عنه بمبنى الانحلال الذي أفاده.

وجه آخر للنائيني مع مناقشته

والميرزا بعد أن ذكر الجواب الثاني، وهو أنَّ إشكال اتّحاد الحكم مع الموضوع لا يتمّ بناءً على جعل الطريقيّة ذكر أنّه يمكن بيان الإشكال بوجه آخر، بحيث يتمّ حتّى بناءً على جعل الطريقيّة، وذلك بأن تُبدل عبارة لزوم اتّحاد الحكم مع الموضوع بعبارة لزوم اتّحاد الدليل الحاكم مع المحكوم؛ فإنّه يلزم في شمول دليل الحجّيّة بالأخبار مع الوسائط لزوم اتّحاد الحاكم مع 

ــــــــــ[300]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

المحكوم وهذا الإشكال لازم على كلّ حال حتّى لو قلنا: بأنَّ معنى الحجّيّة هو جعل الطريقيّة.

وتوضيح ذلك: يكون بالإشارة إلى مبنى الميرزا في باب تحقيق العلاقة بين الأحكام الظاهرية والواقعيّة، فإن الميرزا كما تقدّم في بحث قيام الأمارات مقام القطع الطريقي والموضوعي، يقول: بأنَّ أدلّة الأحكام الظاهريّة حاكمة على أدلّة الأحكام الواقعيّة، ولكن الحكومة هنا حكومة ظاهريّة لا واقعيّة؛ ومن هنا قسّم الحكومة إلى قسمين:

القسم الأوّل: هو الحكومة الواقعيّة، كما لو فرضنا أنَّ المولى قال: (الربا حرام) ثُمَّ قال:(لا ربا بين الوالد وولده) فحكومة هذا الدليل على دليل حرمة الربا حكومة واقعيّة؛ وذلك لأنَّ هذا الدليل الحاكم -الثاني- لم يُؤخذ في موضوعه الشكّ فهو حكم واقعي لا حكم ظاهري، فهو يحكم على دليل حرمة الربا حكومة واقعيّة لا ظاهريّة؛ لأنّه متكفّل للحكم الواقعي لا الظاهري.

القسم الثاني: هو الحكومة الظاهريّة كحكومة دليل حجّيّة البينة التي تدلّ على طهارة الثوب في قوله: “لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ(1) فإن دليل لا صلاة إلَّا بطهور يدلّ على أنّه لا بُدَّ في الصلاة من إعمال الطهور الحدثي والخبثي معاً.

ودليل حجّيّة البينة يقول: إذا شكّكت في طهارة ثوبك أو نجاسته، وقامت البينة على أنّه طاهر، فابن على أنَّ صلواتك بطهور، فهذا دليل يوسّع دائرة (لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ) ويعبّد المكلف على أنَّ الصلاة مع هذا الثوب بطهور.

ــــــــــ[301]ــــــــــ

(1)  وسائل الشيعة 1: 422، الباب الرابع من أبواب الوضوء، الحديث 1.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إلَّا أنَّ هذا الحكم ظاهري لأنّه أُخذ في موضوعه الشكّ، ومن هذه الناحية تكون حكومته على دليل (لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ) حكومة ظاهريّة لا واقعّيّة.

وهذا هو الشأن في جميع أدلّة الأحكام الظاهريّة مع أدلّة الأحكام الواقعيّة، فإنَّ لها حكومة ظاهريّة على الآثار التي هي بصدد إثباتها أو بصدد نفيها، فإنَّ دليل كلّ حكم ظاهري هو بصدد إثبات حكم أو نفيه، ولكن في عالم الشكّ، فمن هنا كانت حكومته في عالم الشكّ حكومة ظاهريّة.

 إذن، دليل الحكم الظاهري يكون حاكماً، فإذا عرفنا هذا نأتي إلى محلّ الكلام فنقول: إنَّ دليل حجّيّة خبر الكليني هو دليل حاكم، فإنّه دليل من أدلّة الأحكام الظاهريّة، وقد قرأنا أنّها حاكمة، فما هو محكومها؟ هو ذلك الأثر الذي يراد إثباته بجعل الحجّيّة لخبر الكليني، وذاك الأثر مؤدّى خبر الكليني، ومؤداه هو خبر أحمد بن محمّد، وحكم خبر أحمد بن محمّد هو الحجّيّة، فقد اصبحت الحجّيّة محكومة والحجّيّة حاكمة؛ ومن هنا لزم اتّحاد الدليل الحاكم مع المحكوم، بخلافه في سائر الموارد، فإنّه يتعدّد الدليل الحاكم والمحكوم.

وبعد أن بيّن هذا المطلب ذكر أنَّ هذا الإشكال إشكال سار في جملة من المسائل الأُصوليّة، ومنها -مثلاً- حكومة الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسبّبي بدليل الاستصحاب، فإنَّ استصحاب عدم ملاقات الثوب للنجاسة حاكم على استصحاب طهارة الثوب، أو استصحاب طهارة الماء حاكم على استصحاب نجاسة الثوب المغسول به، وغير ذلك من موارد الأصل السببي والمسبّبي.

ــــــــــ[302]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فلو فرضنا أنَّ ثوباً محكوماً بالنجاسة شرعاً غسلناه بماء مستصحب الطهارة، فهنا عندنا استصحابان استصحاب النجاسة في الثوب، فإنَّ الماء إذا كان طاهراً فقد ارتفعت عنه النجاسة، وإذا لم يكن طاهراً فالثوب لا زال نجساً، فاستصحاب النجاسة في الثوب في نفسه تامّ.

 ويحكم على هذا الاستصحاب استصحاب طهارة الماء؛ لأنَّ الشكّ في نجاسة الماء سبب في الشكّ في نجاسة الثوب، فاستصحاب الطهارة إنَّما يكون حاكماً على استصحاب نجاسة الثوب، مع أنَّ كلا الاستصحابين ثبتا بدليل واحد، هو دليل (لا تنقض اليقين بالشكّ)(1) فأيضاً لزم في المقام اتّحاد الحاكم والمحكوم. 

فهذا الإشكال إشكال سار في كثير من الموارد والجواب عنه في تمام تلك الموارد هو بالرجوع إلى الوجه الأوّل وهو الانحلال، والقول بأنَّ دليل الحجّيّة ينحلّ إلى حجّيّات متعدّدة بعضها يحكم على بعض، وأنَّ دليل الاستصحاب ينحلّ إلى استصحابات متعدّدة بعضها يحكم على بعض، فما هو الحاكم غير المحكوم. هذا هو خلاصة ما أفاده الميرزا.

وهذا الذي أفاده أيضاً لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأمور

الأمر الأوّل: فلأنَّ الإشكال بتعبير اتّحاد الحاكم والمحكوم، حاله حال التقريب السابق وهو لزوم اتّحاد الحكم مع الموضوع. إمّا كلاهما يرد على مبنى 

ــــــــــ[303]ــــــــــ

(1) تهذيب الأحكام ١: ٨، الحديث ١١، وسائل الشيعة ١: ١٧٤، الباب الأوّل من أبواب نواقض الوضوء، الحديث1، مع اختلاف يسير بالألفاظ.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

جعل الطريقيّة، وإمّا كلاهما لا يرد عليه. ولا معنى لأن يقال: إنَّ الإشكال باتّحاد الحكم مع الموضوع لا يرد على مبنى الطريقيّة، لكن هذا الإشكال يرد.

فإنَّ الإشكال السابق باتّحاد الحكم مع الموضوع، لو قلنا: إنّه لا يرد على مبنى جعل الطريقيّة، يعني: أنّنا التزمنا أنَّ جعل خبر الكليني طريقاً وعلماً إلى خبر أحمد بن محمّد لم يلحظ فيه أثر خبر أحمد بن محمّد وهو الطريقية؛ لئلاً يلزم اتّحاد الحكم مع الموضوع، بل لوحظ فيه نفس قول الإمام الذي هو آخر السلسلة.

لو تمّ مثل هذا الكلام واندفع به الإشكال بلسان اتّحاد الحكم مع الموضوع، يندفع به الإشكال بلسان اتّحاد الحاكم والمحكوم، وحينئذٍ يكون المحكوم هو قول الإمام لا أنّه يكون هو أثر خبر أحمد بن محمّد.

فنفرض كون المحكوم هو نفس دليل الحجّيّة، هو فرض أنَّ شمول دليلها لخبر الكليني هو بلحاظ حجّيّة خبر أحمد بن محمّد.

 وإن شئتم قلتم: إنَّ شمول دليل الحجّيّة لخبر الكليني لا يخلو أمره في الواقع من أن يكون بلحاظ حجّيّة خبر أحمد بن محمّد، أو يكون بلحاظ قول الإمام الواقع في آخر السلسلة، فإنَّ كان بلحاظ حجّيّة خبر أحمد بن محمّد، إذن فكلا الإشكالين وارد بلسان اتّحاد الحكم مع الموضوع وبلسان اتّحاد الحاكم مع المحكوم وإن كان شمول دليل الحجّيّة بلحاظ قول الإمام ابتداءً، فكلا الإشكالين غير وارد، فتغيير العبارة لم يوجب تغييراً جوهرياً في الإشكال. 

الأمر الثاني: فلأنه قاس حكومة الأحكام الظاهريّة على الواقع 

ــــــــــ[304]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بحكومة الأصل السببي على المسبّبي، وفرض أنَّ هذه الحكومات كلّها من باب الحكومة الظاهريّة.

ونحن أوضحنا في بحث قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي والطريقي بما لا مزيد عليه أنَّ حكومة أدلّة بعض الأحكام الظاهريّة على بعضها ليست حكومة ظاهريّة، بل حكومة واقعيّة.

والآن بالمقدار المناسب نعيد الدعوى فنقول: فرق بين حكومة دليل حجّيّة البينة على دليل (لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ) وبين حكومة الأصل السببي على الأصل المسبّبي، وليستا من جوهر واحد.

فإنَّ الحكومة الأولى حكومة ظاهريّة؛ لأنَّ الدليل الحاكم وهو قوله: (لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ)، متكفّل لحكم واقعي نفس أمري، والدليل المحكوم وهو دليل حجّيّة البينة متكفّل للتعبّد بطهارة الثوب في طول الشكّ وفي مرتبة متأخّرة عن الشكّ فمدلول الدليل الحاكم يقول: إذا شكّكت أنَّ صلاتك بطهور أو لا فابن أنّه طهور، فهو يوسّع مدلول الدليل المحكوم في طول الشكّ في مدلوله.

فمن هنا لا يُعقل أن يكون حاكماً حقيقة؛ لأنّه أخذ في موضوعه الشكّ في الدليل المحكوم فهو في مرتبة متأخّرة عنه، فيستحيل أن يتصرف فيه حقيقة، وإنَّما يتصرف فيه مسامحة.

وجوهر عن هذا التصرف المسامحي عبارة عن التنجيز التعذير، وعبارة عن جعل الحكم الظاهري بداعي تنجيز الحكم الواقعي أو بداعي التعذير عنه، 

ــــــــــ[305]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

غاية الأمر أنّه مجرّد اصطلاح أن نسمّي هذا حكومة.

هذا في حكومة دليل حجّيّة البينة على دليل (لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ) وحكومة تمام أدلّة الأحكام الظاهريّة على أدلّة الأحكام التي يراد إثباتها بها.

وأمّا حكومة الأصل السببي على الأصل المسبّبي فهي حكومة واقعيّة، فحكومة استصحاب طهارة الماء على استصحاب بقاء النجاسة في الثوب حكومة واقعيّة؛ لأنّه لم يؤخذ في موضوع الأصل السببي الشكّ في جريان الأصل المسبّبي وعدمه، فلم يقل: إذا كنت شاكاً في جريان استصحاب النجاسة في الثوب فاستصحب طهارة الماء، وإنَّما قال: استصحب طهارة الماء والغ احتمال نجاسة الثوب، فلم يؤخذ في الاستصحاب السببي الشكّ في جعل الاستصحاب المسبّبي؛ لأجل أن يكون في مرتبة متأخّرة عنه ليكون حكومة ظاهريّة.

بل الأصل السببي ثابت بقول مطلق ثبوتاً واقعياً في قبال الأصل المسبّبي، ومقتضى ذلك أن حكومته واقعيّة عليه، بمعنى: أنّه في الواقع لا يجري الأصل المسبّبي؛ لأنّه في الظاهر لا يجري مع احتمال جريانه في الواقع، فهذا خلط بين الحكومة الواقعيّة والحكومة الظاهريّة. ومن هذا تبيّن الأمر الثالث في مقام الإشكال على كلام الميرزا.

الأمر الثالث: وهو أن الحكومة الظاهريّة -بعد أن شرحنا معناها- لا معنى لها إلَّا مجرّد كون الحكم الظاهري منجّزاً للواقع أو معذّراً عنه، وإلَّا ليس معنى الحكومة الظاهريّة هو معنى الحكومة الواقعيّة، فإنَّ الدليل الحاكم 

ــــــــــ[306]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بالحكومة الواقعية في أصول الميرزا يعمل أحد عملين: فإمّا أن يتصرف في موضوع الدليل المحكوم، وإمّا أن يُفسره، فتارهً يتصرف في موضوعه، مثل قوله: وَحَرَّمَ الرِّبَا(1) ثُمَّ يقول(2): “لا ربا بين الوالد وولده“. وأُخرى يُفسّره كما إذا قال: “لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ فَقِيه‏”(3) ثُمَّ يقول أعني: الشكّ بين الثلاثة والأربعة. فهذا تفسير للأوّل لا رفعاً للموضوع.

ومن هنا يُشكل حينئذٍ في اتّحاد الحاكم والمحكوم من ناحية أنّه لو اتّحد الحاكم والمحكوم للزم إمّا أن يكون الشيء متصرفاً في موضوع نفسه وهو محال، أو أن يكون الشيء مفسّراً لنفسه وهو أيضاً محال.

وأمّا الحكومة الظاهريّة فليس معناها لا التصرف في موضوع دليل المحكوم، لأنّها في رتبة متأخّرة عنه، فكيف يُتصوّر أن تكون متصرفة فيه، وقد لا يكون هناك محكوم في الواقع حتّى يكون هنا الدليل متصرفاً فيه، وليس معناها التفسير أيضاً، فإنَّ أدلّة الأحكام  الظاهرية لا تفسّر الأحكام الواقعية، وإنَّما معنى الحكومة الظاهرية أنها واقعة في صراط تنجيز الواقع أو التعذير عنه، وحينئذٍ لا يكون هناك إشكال غير الإشكال الأوّل، وهو أن جُعل خبر الكليني حجّة ومنجّزاً ومعذّراً لا بُدَّ أن يكون بلحاظ أثر شرعي لمؤداّه، ولا أثر لمؤدّاه إلاَّ نفس الحجّيّة، فلزم اتّحاد الحكم مع الموضوع.

ــــــــــ[307]ــــــــــ

(1) البقرة: 275. 

(2) وسائل الشيعة 12: 436، باب أنّه لا يثبتالربابين الولد والوالد، الحديث1.

(3) تهذيب الأحكام193:2، باب أحكام السهو في الصلاة، الحديث 63.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فليس هذا إشكالاً زائداً على الإشكال السابق، غاية الأمر أنّه اسبغت عليه مصطلحات أصول الميرزا وعبّر عنه باتّحاد الحاكم والمحكوم ولم يغير من جوهره شيء. هذا خلاصة ما ينبغي تحقيقه في كلمات الميرزا.

إشكال آخر للمحقّق العراقي

لم يبق من إشكال الأخبار مع الوسائط إلَّا تقريب واحد يُراد فيه تطبيق الإشكال في شمول دليل الحجّيّة للخبر مع الواسطة بلحاظ الجعل والتشريع، وهذا العالم الذي قلنا: إنّه لا يرد فيه إشكال إلَّا بصيغة اتّحاد الحكم والموضوع، لا بصيغة تولّد الموضوع من الحكم، ولكن هنا صيغة زائدة قد تورد لأجل تصوير الإشكال بحسب عالم الجعل والتشريع. 

وهذه الصيغة الزائدة هي بحسب الحقيقة ملاك سيال لإشكال عامّ يذكره المحقّق العراقي(1) في مسألة استحالة أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر، وفي استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع شخص ذلك الحكم، وفي هذه المسألة، وفي أمثالها من المسائل.

ولأجل ذلك سوف لن نتعرض إلى هذا الإشكال لا من حيث بيانه ولا من حيث دفعه، وإنَّما نوكل ذلك إلى بحث التعبّدي والتوصّلي.

فخلاصة(2) هذا الإشكال: هو عبارة عن أنَّ المولى في عالم اللحاظ حين 

ــــــــــ[308]ــــــــــ

() انظر: نهاية الأفكار 1: 189.

() وبعد أن رجوناه أن يُعطي عنه فكرة ولو موجزة جداً. قال: فخلاصة… (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

يجعل الحكم على موضوع ينظر إلى الحكم بنظرة المحمول وينظر إلى الموضوع بنظرة الموضوع، يعني: لحاظه للحكم متأخّر عن لحاظه للموضوع، فهو يرى الموضوع في رتبة سابقة على الحكم بحسب نظره التصوّري واللحاظي حينما يجعل الحكم على موضوع.

ورؤيته لذلك الموضوع في المرتبة السابقة على ذلك الحكم يحدد الموضوع بنحو يجعله غير قابل للانطباق على نفس ذلك الحكم أو على ما هو في طول ذلك الحكم ممّا هو موجود في المراتب المتأخّرة، فنفس رؤية المولى للموضوع في المرتبة السابقة محدّد ذاتي له ومقيّد له ورافع لإطلاقه وشموله لقيام الموجودات التي تتصوّر في المرتبة المتأخّرة عنه.

هذه هي صيغة الإشكال، وأمّا تفصيله وتفصيل الجواب عنها، فهو موكول إلى بحثنا في التعبّدي والتوصّلي.

وبهذا تمّ الكلام في آية النبأ. وتحقّق أنّها ليس فيها دلالة على حجّيّة الخبر مطلقاً(1).

الآية الثانية: آية النفر

الآية الثانية: آية النفر، وهي: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(2).

ــــــــــ[309]ــــــــــ

() وهنا تكلّم سيّدنا الأُستاذ قليلاً في آية النفر بما سوف يعيده في اليوم الآتي -إن شاء الله- وانقطع البحث. (المُقرِّر).

(2) التوبة: 122.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وجه الاستدلال بها

وتقريب الاستدلال بهذه الآية الكريمة على حجّيّة خبر الواحد يكون بدعوى قضية شرطيّة، مع إثبات مقدّم هذه القضية وفرض جزائها هو الحجّيّة، بأن يقال: إنَّ هذه الآية الكريمة تدلّ على لزوم التحذّر مطلقاً حتّى في حالة عدم حصول العلم من قول المنذر.

 ومقصودنا من اللزوم في المقام اللزوم سواء كان مُنشأ بلسان الحكم التكليفي من قبيل تحذَّر، أو منتزعاً من جعل الحجّيّة بلسان الطريقيّة مثلاً أو المنجّزيّة والمعذّريّة، أو أي لسان آخر للحجّيّة.

فالمدّعى هو أنَّ الآية تدلّ على لزوم التحذّر عند تحقّق الإنذار ولو لم يحصل علم بصدق المنذر، ويراد بهذا اللزوم جامع اللزوم الأعمّ من المنشأ بلسان الحكم التكليفي أو المنتزع من جعل الحجّيّة والطريقيّة. 

فهذا المطلب نجعله شرطاً في قضية شرطيّة، فنقول: إذا ثبت لزوم التحذّر بهذا المعنى حين إخبار المنذر ولو لم يحصل العلم به، فلا بُدَّ وأن يكون قول المنذر حجّة. وحيث إنَّ الشرط ثابت بالآية فالجزاء ثابت لا محالة.

فالشرط في القضية نثبته بالآية الكريمة، وهو لزوم التحذّر من قول المنذر ولو لم يحصل العلم به، ونقول حينئذٍ: إذا لزم وجوب التحذّر من قول المنذر ولو لم يحصل العلم به. إذن، فقول المنذر حجّة. والشرط ثابت في الآية فالجزاء -وهو الحجّيّة- أيضاً يكون ثابتاً بالآية ومثل هذا الهيكل في مقام الاستدلال يحتاج في تتميمه إلى توضيح أمرين: 

ــــــــــ[310]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الأمر الأوّل: بيان الملازمة بين الشرط والجزاء.

 الأمر الثاني: بيان ثبوت الشرط بالآية الكريمة.

الأمر الأول: بيان الملازمة بين الشرط والجزاء

أمّا الملازمة بين الشرط والجزاء في القضية الشرطيّة، بمعنى: صدق هذه القضية الشرطيّة: وهي لو لزم التحذّر من قول المنذر ولو لم يحصل العلم. إذن، فقول المنذر حجّة.

فبرهان هذه الملازمة: هو أنّه لو لم يكن قول المنذر حجّة لما كان هناك احتمال العقاب، ولما ترتّب احتمال العقاب على قوله؛ لأنَّ غير الحجّة لا يكون منجّزاً للواقع، وإذا لم يترتّب عليه احتمال العقاب فلا معنى للتحذّر في المقام لأجل أن يجب التحذّر على هذا المكلف. إذن، فلا محيص عن الملازمة بين هذين الأمرين؛ فإن فرض وجوب التحذّر ولم يحصل العلم، هو فرض احتمال العقاب، وفرض احتماله هو فرض حجّيّة شمول المنذر؛ اذ لو لم يكن قوله حجّة لما كان هناك احتمال للعقاب، ولو لم يكن هناك احتمال للعقاب لم يكن هناك معنى لإيجاب التحذّر. إذن، إيجابه ملازم ومساوق مع الحجّيّة.

الأمر الثاني: بيان ثبوت الشرط بالآية الكريمة

وأمّا أنَّ الشرط في القضية الشرطيّة ثابت، وهو أنَّ لزوم التحذّر بالمعنى الأعمّ المنشأ بلسان الحكم التكليفي والمنتزع من لسان الحكم الوضعي، فإنَّ هذا اللزوم ثابت ببركة الآية الكريمة.

فبيان ذلك يكون بأحد وجوه ثلاثة:

ــــــــــ[311]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الوجه الأوّل: أنَّ التحذّر وقع مدخولاً لكلمة (لعلّ) في الآية الكريمة لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ وهو موضوعة لإنشاء الترجّي والظهور السياقي التصديقي الأوّلي لكلمة لعلّ هو أن يكون انشاء الترجّي بداعي الترجّي حقيقة، لكن حيث إنَّ المولى المطلق تبارك وتعالى يستحيل في شأنه الترجّي مثلاً؛ ولهذا يقال: بأنَّ أقرب الدواعي إلى داعي الترجّي هو داعي المطلوبية؛ لأنَّ المطلوبية مقاربة مع الترجّي، فيُستكشف أنَّ لعلّ هنا استعملت لإنشاء الترجّي بداعي المطلوبية، فكأنَّ قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ مساوق مع جملة طلبية: اطلب منك الحذر. وإذا ثبت كون الحذر مطلوباً ثبت كونه لازماً؛ لأنَّ فرض الحذر هو فرض احتمال العقاب، ومع احتماله يلزم الحذر لا محالة، وحيث لا احتمال بالعقاب لا معنى لطلبه ولو بنحو غير لازم، فطلب الحذر مساوق مع لزوم التحذّر؛ وبهذا ثبت الشرط في القضية الشرطيّة، وهو لزوم التحذّر، وحينئذٍ نقول: حيث لزم التحذّر، إذن خبر الواحد حجّة.

الوجه الثاني: أنّنا وبقطع النظر عن جملة لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ نقول: إنّه من قوله في الآية الكريمة: لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ يُستفاد وجوب الإنذار(1) على 

ــــــــــ[312]ــــــــــ

() ولما سألته عن كيفية استفادة الوجوب مع أنَّ اللام في قوله تعالى: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ ، (ليتفقهو ولينذروا) لام تعليل لا لام الأمر؟ 

أجاب (سلّمه الله تعالى): بأنَّ صاحب الكفاية اثبت ذلك من باب أنَّ غاية الواجب والهدف منه واجب أيضاً -على ما سيأتي الإشارة إليه في المحاضرة أيضاً- فالنفر بعد أن استفدنا وجوبه باعتبار دخول أداة التحضيض عليه وهي لولا، استفدنا أيضاً من الآية أنَّ الغاية من النفر ليس هو مجرّد من البقاء في المدينة، بل البقاء مع التفقه؛ ولأجله كان التفقه غاية للنفر الواجب، فهو واجب أيضاً، بل أشدّ وجوباً منه باعتبار أنَّ النفر إنَّما أُمر به لأجله. واستفدنا أيضاً أنَّ التفقه في نفسه ليس مطلوباً، بل لأجل إنذار القوم، فيكون الإنذار أيضاً واجباً، بل أشدّ وجوباً بحسب التقريب السابق، بل هو الهدف الأسمى من النفر والتفقه. ونتيجة ذلك هو صحّة استفادة وجوب التفقه والإنذار. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

المتفقهين إذا رجعوا إلى قومهم. ومقتضى إطلاق وجوب الإنذار على المتفقهين سواء ترتّب على إنذارهم علم السامع أو لم يترتّب؛ فثبت بذلك وجوب الإنذار على المتفقه بقول مطلق.

وهذا يكشف عقلاً عن لزوم التحذّر؛ إذ لو لم يلزم التحذّر على السامع في حالة عدم علمه بصدق المنذر، لما كان المولى يوجب على المنذر أن يُنذر في حالة عدم ترتّب العلم على إنذاره؛ اذ يكون إنذاره حينئذٍ لغوا وبلا فائدة، ويكون إيجاب مثل هذا الإنذار لغواً أيضاً من قبل الحكيم. هذا هو التقريب الثاني لتحقّق الشرط وبه يثبت لزوم التحذّر ولو لم يحصل العلم، فنرتّب القضية الشرطيّة.

الوجه الثالث: أنَّ الآية دلّت على أمرين: على وجوب الإنذار، وعلى أنَّ غرض المولى من الإنذار هو التحذّر، بقرينة قوله:لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون ونحو: (اسقني ماء لعلّ العطش يرتفع عني) الظاهر بأنَّ الغرض من سقاية الماء هو رفع العطش. وهذا مدلول مطابقي للآية الكريمة، وحينئذٍ يقال: بأنَّ غاية الواجب واجبة؛ لأنَّ المولى إذا كان قد أوجب أمراً لأجل حصول أمر آخر، فهو لا محالة يكون اهتمامه بذلك الأمر أكثر من اهتمامه بهذا الأمر؛ لأنّه إنَّما أوجب 

ــــــــــ[313]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

هذا لأجل ذلك، فإن فُرض أنَّ ذاك الأمر ليس تحت اختيار المكلفين، فلا معنى لإيجابه، كما لو قال: (اعطوني دواء لعلّي أشفى) فهنا شفاؤه ليس تحت اختيارهم، فلا معنى لإيجابه.

لكن لو فُرض أنّه كان تحت اختيارهم فيكون واجباً لامحالة؛ لأنَّ الغرض أقوى من مقدّمات الغرض. وقد ثبت في المقام أنَّ التحذّر غاية في الإنذار الواجب فيكون واجباً. ومقتضى إطلاق وجوب ذي الغاية إطلاق وجوب الغاية، فيُستكشف من إطلاق وجوب الإنذار إطلاق وجوب التحذّر، فيثبت بهذا اللزوم التحذّر، وإن لم يحصل العلم فنرتّب القضية الشرطيّة أيضاً. فهذه وجوه ثلاثة تُذكر لأجل إثبات الشرط في القضية الشرطيّة بالآية الكريمة، ثُمَّ ترتيب القضيّة الشرطيّة.

المناقشة في الأصل الموضوعي لكلام الأعلام وهو صدق القضية الشرطيّة

والأعلام الذين بحثوا في هذه الآية من الشيخ الأعظمومن تأخّر عنه من المحقّقين، كلّهم اشتغلوا في مقام تحقيق أنّه هل يُستفاد الشرط في القضية الشرطيّة من الآية بأحد هذه الوجوه الثلاثة أو لا يُستفاد، بعد تسالمهم على تمامية القضية الشرطيّة في نفسها، بمعنى: أنّه لو ثبت في الآية الكريمة لزوم التحذّر على هذا المكلف ولو لم يحصل له العلم بقول المنذر لكان هذا ملازماً مع الحجّيّة، باعتبار القضية الشرطيّة.

هو أنَّ القضية الشرطيّة في نفسها باطلة، بمعنى: أنّه لو تمكنا من أن نثبت بالآية الكريمة لزوم التحذّر ولو لم يحصل العلم بقول المنذر، فلا يكشف ذلك 

ــــــــــ[314]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

عن الحجّيّة ولا يلازم معها بالمعنى المقصود المبحوث عنه في المقام.

 إذن، فنحن لنا إشكال في نفس الأصل الموضوعي لكلام المستدلّ ولكلام المشكلين، ذلك الأصل الموضوعي الذي تسالموا عليه وهو صدق هذه القضية الشرطيّة.

والنكتة في أنَّ هذا الأصل الموضوعي غير تامّ، فإنَّه لو فُرض في المقام أنَّ لزوم التحذّر كان مرتّباً في دليل من الأدلّة على عنوان الإخبار والقول ونحو ذلك من العناوين، لكانت هذه الملازمة تامّة كما هو الحال في مسألة كتمان ما أنزل الله، فلو كان الحكم الشرعي هكذا: يجب التحذّر لو أخبر المخبر بالحكم الشرعي، فيقال: بأنَّ لزوم التحذّر هنا إنَّما هو باعتبار العقاب ولا منشأ للعقاب إلَّا حجّيّة قول هذا المنذر؛ إذ لولا حجّيّة قوله لا يكون هناك احتمال للعقاب، وما لم يوجد احتمال العقاب لا معنى للزوم التحذّر، فلو رتّب لزوم التحذّر على عنوان قول فلان أو إخباره، لاستكشف لا محالة أنّه حجّة ولصدقت القضية الشرطيّة.

ولكن النكتة -كلّ النكتة- هي أنَّ وجوب التحذّر في الآية الكريمة على فرض استفادته منها، لم يرتّب على عنوان قول القائل أو خبر المخبر، بل على عنوان إنذار المنذر. والإنذار فرضه هو فرض ثبوت العقاب في المرتبة السابقة على الإنذار، لأجل أن يكون الإنذار إنذاراً بهـا، فإنَّ العقاب تارةً يُفرض تمامية ملاكه قبل الإخبار، وحينئذٍ فيكون الإخبار إنذاراً به، كما لو كانت حرمة الخمر معلومة لهذا المؤمن ومنجّزة عليه والعقاب ثابت في حقّه لو ارتكب، فأقول له: إنَّ الله حرّم الخمر وشدّد عليها، فيكون هذا إنذاراً بعقاب ثابت في المرتبة السابقة عليه.

ــــــــــ[315]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وأمّا لو فُرض أنّه في المرتبة السابقة على إخباره بحرمة الخمر لا يوجد هنا ملاك منجّز للحكم، يعني: لو لم أخبر لما كان هناك عقاب، وإنَّما ترتّب العقاب معلولاً للإخبار، فمثل هذا الإخبار لا يكون إنذاراً؛ لأنّه إخبار عن أمر ليس هو عقاباً، فإنّه يستحيل أن يكون إخباراً عن العقاب بأيّ دلالة من الدلالات الثلاثة؛ لأنَّ العقاب في طول هذا الإخبار، فكيف يُعقل أن يكون هذا الإخبار إخباراً عن العقاب؟! إذن فهو ليس إخباراً عن العقاب، فلا يصدق عليه عنوان الإنذار.

إذاً اتّضح في المقام أنَّ الإخبار على نحوين: تارةً يكون الإخبار إخباراً عن العقاب، فيصدق عليه عنوان الإنذار، وأُخرى يكون العقاب في طول الإخبار فلا يصدق عليه عنوان الإنذار. 

وحينئذٍ نأتي إلى محلّ الكلام فنقول: إنَّ لزوم التحذّر هنا رتّب على إنذار المنذر (لينذروا قومهم لعلّهم يحذرون) والإنذار معناه فرض العقاب في المرتبة السابقة على الإنذار، لأجل أن يصدق أنَّ هذا الإنذار به. إذن، فقد فُرض كون الحكم منجّزاً ومورداً للعقاب قبل إخبار هذا المخبر، فكيف يستكشف حينئذٍ من لزوم التحذّر حجّيّة قول هذا المخبر؛ لأنَّ المفروض أنَّ لزوم التحذّر هنا إنَّما هو بالملاك الثابت في المرتبة السابقة على إخبار هذا المخبر، فيستحيل أن يكون ملاك التحذّر ناشئاً من ناحية إخباره.

إذن، فالآية الكريمة إنَّما تقتضي لزوم التحذّر فيما لو فُرض أنّه تحقّق إنذار، أي: تحقّق إخبار عن عقاب ثابت في المرتبة السابقة. إذن، فهي ليست في مقام 

ــــــــــ[316]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ترتيب العقاب على نفس هذا الإخبار وجعله منجّزاً، بل في مقام ملاحظة التنجّز في المرتبة السابقة.

يبقى سؤال واحد حينئذٍ، ما هو الملاك لتنجز هذه الأحكام في المرتبة السابقة؟ وما هو ملاك تنجّزها؟ أهو الاحتمال قبل الفحص، أو العلم الإجمالي بوجود الأحكام الالزاميّة في الشريعة؟

فهؤلاء القوم لا يمكنهم أن يجروا أصالة البراءة وهم جالسون في بيوتهم، غاية الأمر في صدد هذه الآية لم يوجب عليهم الفحص بالهجرة الجماعيّة، بأن يُهاجر جميع المسلمين من مختلف الأقطار الإسلامية إلى المدينة، لاختلال النظام في المجتمع الإسلامي، بل رفع اليد عن مقدار من الفحص وأوجب مقداراً منه.

إذن، فهذه الأحكام تكون منجّزة في المرتبة السابقة، كما هو مقتضى جعل الإخبار معنوناً بعنوان الإنذار حينئذٍ ليدلّ وجوب التحذّر على جعل الحجّيّة لقول المخبر؛ إذ لعلّ ملاك المتحذّر هو ذاك الملاك الثابت في المرتبة السابقة، ولو لم يكن هذا حجّة (1).

ــــــــــ[317]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إنَّ خبر المنذر يكون في تعيين الوظيفة. 

فأجاب: أنَّ هذا لا يُستفاد من وجوب التحذّر، فإنّه لم يقل: لعلّهم يعينون الوظيفة، أو لعلّهم يعلمون العلم الإجمالي، وإنَّما قال: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ لأنَّ هؤلاء ليس عندهم فكرة أصلاً عن الحلال والحرام، ولما يجئ إليهم هؤلاء يحصل من أخبارهم العلم في كثير من الأحيان، والظنّ في بعض الأحيان، والاحتمال أحياناً وكلّ هذا بالنسبة إليهم. نعم، لو فرضنا أنَّ حكماً من الأحكام لم يخبر به أحد من هؤلاء الاشخاص، فقد يقال حينئذٍ: بأنَّ عدم إخبار تمام هؤلاء المخبرين بهذا الحكم يكون سبباً في حصول القطع الوجداني أو التعبدي بعدم ثبوت ذلك الحكم، فالآية لا يُستفاد منها أنَّ إخبار المخبر يكون معيناً للأحكام المعلومة إجمالاً، وإنَّما يستفاد أنَّ إخباره يكون منبهاً للجري على طبقه وللتحذّر في المقام، ومثل هذا أجنبي عن باب الحجّيّة بالمرة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

والملاك الذي تمّ في المرتبة السابقة بالنسبة إلى مورد نزول الآية في عصر النبي هو الملاك قبل الفحص، أو العلم الإجمالي ونحوه من المنجزات العقلية.

إذن، فيكون لزوم التحذّر هنا بلحاظ الملاكات التي يُنذر بها المنذر، لا أنَّ ملاك التحذّر ينشأ من ناحية إنذار المنذر، فإنَّ هذا خُلف كونه إنذاراً. 

ويستحيل أن يكون ملاك التحذّر الواجب في الآية في طول الإنذار، بل لا بُدَّ من فرضه في المرتبة السابقة على الإنذار ليصدق عليه عنوان الإنذار.

وكل هذا الكلام الذي وقع فيه المستدلّ ووقع في الأكابر الذين سلّموا بهذا الأصل الموضوعي نشأ من الغفلة عن التمييز بين كلمة الإنذار وبين القول والإنذار، فإنَّ فرض الإنذار هو فرض تمامية ملاك التحذّر في المرتبة السابقة عليه، فكيف يُستكشف من وجوب التحذّر نشوء ملاك التحذّر من ناحية نفس هذا الإنذار؟!

إذن، فالأصل الموضوعي للاستدلال مفهوم، ومن هنا لا يمكن تتميم الاستدلال.

وحينئذٍ فلا يكشف لزوم التحذّر عن حجّيّة قول المنذر؛ لأنَّ كشفه عن ذلك كان ناشئاً من تخيّل أنَّ ملاك التحذّر تمّ من ناحية إخبار المنذر. وأمّا إذا 

ــــــــــ[318]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

التفتنا أنَّ ملاك التحذّر تامّ في المرتبة السابقة على إنذار المنذر. إذن، فلا يكون في ذلك كشف عن حجّيّة قول المنذر.

وإنَّما يكون قول المنذر في المقام منبهاً وموقظاً، من قبيل قول الواعظين التي قد تكون منبهة ومحدثة لحالة من الخوف في نفس الإنسان تبعثه نحو الطاعة ونحو الله تبارك وتعالى.

نعم، غاية ما يمكن أن يُستفاد من الآية الكريمة هو عدم تنجّز الحكم الذي لا يخبر به تمام هؤلاء المتفقهين، فلو أنَّ بلدة ارسلت متفقهين لينذروها بتلك الأحكام المنجّزة عليهم في المرتبة السابقة، لو أنّه لم يوجد فيهم أحد أخبر بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فيمكن أن يُستفاد من الآية الكريمة أنَّ مثل ذلك الحكم يسقط عن المنجّزيّة حينئذٍ.

واستفادة ذلك بلحاظ صدر الآية الكريمة: وهو قوله تعالى:وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فالمؤمنون لا يكلّفون بأن يهاجروا جميعاً إلى المدينة ليتفقهوا على يد الرسول وعلى يد صحابته أليس هذا أمراً منطقياً أو في مصلحة الإسلام والمسلمين، فليقم بهذا الواجب طائفة من كلّ فرقة. 

وهذا معناه عدم وجوب الفحص بمقدار بحيث يقتضي الاحتياط في حالة عدم إخبار هؤلاء المتفقهين بحكم من الأحكام. وهنا هل يقال: إنَّ وجوب الدعاء عند رؤية الهلال منجّز عليهم؛ لأنّه شكّ قبل الفحص؛ ولأنّهم لم يفحصوا بأنفسهم؟ 

ولم يذهبوا إلى بلد النبي والمفروض أنَّ قول هؤلاء المتفقهين ليس 

ــــــــــ[319]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

حجّة عليهم، وليكون الفحص فيه محضاً في الحجّيّة، فلا يجب عليهم ذلك؛ لأنَّ نفس رفع التكليف بالهجرة عليهم جميعاً مساوق مع رفع وجوب الفحص في هذه المرتبة.

ومن هنا نستفيد أنَّ الأحكام التي لم يوجد شخص من هؤلاء المبلغين بلغاتها تسقط عن المنجّزيّة لرفع لزوم الفحص بمقتضى صدر هذه الآية، وأمّا غير ذلك من الأحكام التي وجد من يبلغها من هؤلاء المتفقهين ممّا هو منجّز في المرتبة السابقة بملاك الشكّ قبل الفحص وبملاك العلم الإجمالي، ويكون لزوم التحذّر بلحاظ ذلك الملاك، فلا يكون في الآية دلالة على كون لزوم التحذّر بملاك ناشئ من إخبار نفس المنذر(1).هذا تمام البحث المتقدّم.

بعد الاعتراف بصدق القضيّة الشرطيّة هل يمكن إثبات مقدّمها بالآية 

وبعد هذا لو تنزلنا عن هذا المطلب وفرضنا أنَّ القضية الشرطيّة صحيحة، فلو ثبت لزوم التحذّر من قول المنذر ولو لم يحصل العلم لكان إخبار المنذر منجّزاً، فالمقدّم في هذه القضية الشرطيّة هل يمكن اثباته بالآية الكريمة، أو لا يمكن؟

ــــــــــ[320]ــــــــــ

() وهنا سأل أحد الإخوان: بأنّه لما رفع الشارع وجوب الفحص لماذا لم يجعل الاحتياط؟ 

فأجاب (سلّمه الله): لأنَّ الاحتياط في كثير من الموارد غير ممكن؛ لأنَّ هؤلاء الصحابة ليس شأنهم شأننا، ولم تكن لهم فكرة عن الإسلام، ولم يكونوا يعرفون متى يجب الاحتياط، فإنَّ الاحتياط نفسه يتوقف على أن تكون لديهم أفكار تفصيلية عما يحتمل حرمته ووجوبه، وهي لم تكن موجودة عند هؤلاء الناس الذين عاشوا في الجاهليين. فيُفهم من عدم ايجاب الفحص عليهم أنَّ الأحكام التي لم تصل إليهم عن طريق المخبرين غير منجّزة عليهم. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

قد أشرنا إلى أنَّ هناك وجوهاً ثلاثة لإثبات المقدّم بالآية الكريمة، يعني: أنَّ إثبات التحذّر مطلقاً ولو لم يحصل من قول المنذر العلم.

ومن الوجوه التي سبقت:

الوجه الأوّل: ما أورده الأصفهاني وجوابه

 الوجه الأوّل: أنَّ التحذّر وقع مدلولاً لكلمة لعلّ، وهي وإن كانت موضوعة لإنشاء الترجّي، إلَّا أنّها في الآية الكريمة لم تُستعمل في الآية بداعي الترجّي جدّاً، وإن استعملت فيه إنشاء، بل بداع هو أقرب الدواعي إلى الترجّي، وهو داعي الطلب، فيدل قوله: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَعلى طلب التحذّر، وطلب مساوق مع ايجابه، لأنّه إذا كان هناك احتمال العقاب فيجب التحذّر لا محالة، وإن لم يكن هناك احتمال العقاب فلا معنى لطلب التحذّر أصلاً.

هذا الوجه أورد عليه المحقّق الإصفهاني في حاشيته على الكفاية(1) في تحقيق مفصّل في بيان مفاد كلمة (لعلّ) في لغة العرب، فهي لا تدلّ على الترجّي، وإنَّما تدلّ على معنى يناسب مع الترجّي ومع ضد الترجّي وهو التخوّف.

قال: بأنَّ الاستعمالات الصحيحة الفصيحة قد تكفّلت وورد كلمة (لعلّ) في موارد يكون مدلولها مخوّفاً ومرعوباً من لا يكون مترجّياً ومحبوباً، نحو قوله في دعاء أبي حمزة الثمالي: “لعلك عن بابك طردتني” و”لعلك وجدتني آلف 

ــــــــــ[321]ــــــــــ

(1) انظر: نهایة الدراية في شرح الکفایة 3: 233.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

مجالس البطالين فبيني وبينهم خليتني“. فهنا مدخول لعلّ ليس مترجّياً، وإنَّما هو أمر مخوف، فإنَّ العبد المخلص يرى أنّه لم يوفّق في عبادة ربه كلّ التوفيق، فيفتش عن أسباب عدم التوفيق، فيقول: “لعلك عن بابك طردتني“.

فمن هنا يُستنتج أنَّ مدلول (لعلّ) في لغة العرب ليس هو الترجّي أو المحبوبيّة المستبطنة في الترجّي، بل مدلوله هو مجرّد وقوع مدلوله موقع الترتّب والاحتمال في معرض الوقوع، فمجرّد هذا يكون مصحّحاً لاستعمال كلمة (لعلّ) سواء كان وقوعه باعثاً على الفرح أو باعثاً على الألم، وإذا فُرض أنَّ (لعلّ) كانت تدلّ على الجامع. إذن، لا دلالة فيها على المطلوبية.

ثُمَّ إنّه يمكن إصلاح الاستدلال حتّى بناءً على هذا، فبناءً على أنَّ كلمة (لعلّ) دالّة على وقوع مدخولها موقع الاحتمال والتقرب.

وذلك لأنَّ الآية الكريمة تدلّ حينئذٍ على أنَّ التحذّر أمر محتمل الوقوع بعد الإنذار، وهو لا يحتمل وقوعه إلَّا إذا كان العقاب محتملاً، فيدلّ وقوع التحذّر في معرض الوقوع على وقوع العقاب في معرض الوقوع بعد إنذار المنذر، ولا منشأ للعقاب إلَّا حجّيّة قول المنذر، فتقدّم الاستدلال إلَّا أنَّ كلا من كلاميه، يعني: إشكاله على التقريب الرسمي للمطلب، ثُمَّ إصلاحه للتقريب بهذا الوجه، كلاهما لا يمكن المساعدة عليه.

أمّا إشكاله على التقريب الرسمي، فلأنَّ كلمة (لعلّ) وإن كانت كما أفاد لا تدلّ على الترجّي، أو على التخوّف بالخصوص، وإنّما تدلّ على وقوع المدلول ووقوع الترتّب والاحتمال كما نقل ذلك عن بعض آراء أهل اللغة، إلَّا أنَّ هذا لا 

ــــــــــ[322]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

يوجب عدم دلالتها على المطلب بمقتضى الظهور السياقي أحياناً، فإنَّ غاية ما يدلّ عليه هذا المطلب أنَّ (لعلّ) تارةً تستعمل في مقام جعل مدلولها مترقّباً تقرباً متخوّفاً وأُخرى ترقباً مشوقاً ومحبوباً، إلَّا أنَّ خصوصية المترقّب يمكن تُستفاد من الظهور السياقي.

ولا ينبغي الإشكال في أنَّ سياق الكلام في الآية الكريمة يُستفاد منه أن هذا الترقّب ترقّب محبوب؛ إذ لا يحتمل أن يقال: إنَّ قوله: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ يعني: مخافة أن يحذروا، حيث فُرض أنَّ ترتّب الحذّر وقع علّة للأمر بالإنذار لا منهي عن الإنذار، فبهذا الاعتبار ينعقد له ظهور عرفي سياقي في أنَّ هذا الترقّب ترقّب محبوب لا مكروه مخوف. وحينئذٍ فيتمّ الاستدلال الرسمي للمطلب.

وأمّا ما أفاده هو من أنّ كلمة (لعلّ) غاية ما تدلّ عليه هو وقوع مدخولها موقع الاحتمال، فإنّه لو أنذر المنذر فيحتمل أن يتحذّر المتحذّر، واحتمال التحذّر مساوق مع احتمال العقاب، ولا منشأ لاحتمال العقاب إلَّا حجّيّة قول المنذر.

فهذا صحيح، إلَّا أنَّ احتمال التحذّر يكفي فيه احتمال العقاب، واحتمال العقاب يكفي فيه احتمال حصول العلم من قول المنذر. افرضوا أنَّ قول المنذر ليس حجّة ولكن أليس يحتمل أن يكون قوله ممّا يحصل العلم منه، والعلم حجّة بالذات. إذن، فهو يحتمل أن يحصل منه التحذّر، فاحتمال ترتّب المحذور والعقاب على قول المنذر لا ينحصر وجهه في الحجّيّة، بل لعلّ وجه وقوع الحذر 

ــــــــــ[323]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

موقع الاحتمال والترتب هو احتمال تولد العلم من ناحية قول المنذر. وهذا الاحتمال بوجوده الطبيعي موجود في كلّ فردٍ فرد من أفراد الإنذار، فحينئذٍ يكفي في مقام تصحيح هذه المعرضيّة في جعل التحذّر في معرض الوقوع احتمالاً، فيكفي في المقام أن يكون الإنذار في معرض توليد العلم احتمالاً، فكيف يمكن أن يُستكشف من مثل تلك المعرضيّة الاحتماليّة للتحذّر الالتزام بالحجّيّة وجعلها بعد أن نفرض أنّه يكفي فيها أحد الأمرين إمّا معرضيّة الإنذار للعلم وإمّا كون الإنذار حجّة، فلا يمكن الاستدلال على جعل الحجّيّة من مثل هذه المعرضية مع مناسبتها مع الأمرين.

إذن، فهذا الوجه الأوّل بتقريبه الرسمي تامّ لا بتقريبه الذي أصلحه المحقّق الأصفهاني؛ وعليه فالآية تدلّ على لزوم التحذّر.

لكن يبقى الإشكال الذي أوردناه من أنَّ لزوم التحذّر لا يلازم مع الحجّيّة والقضية الشرطيّة باطلة؛ لأنَّ لزوم التحذّر هنا نشأ من ملاك ثابت في المرتبة السابقة على إنذار المنذر لا من ملاك في طوله، هذا هو الوجه الأوّل لإثبات مقدّم القضية الشرطيّة.

الوجه الثاني: هو لزوم التحذير من قول المنذر 

الوجه الثاني: هو لزوم التحذير من قول المنذر -وإن لم يُفد العلم- واستفادته من الآية الكريمة وهو أنَّ الآية الكريمة تدلّ على وجوب الإنذار مطلقاً سواء ترتّب عليه العلم أو لم يترتّب، فإنَّ مقتضى إطلاقها هو وجود الإنذار على المتفقه، حتّى لو علم أنَّ إنذاره لزيد لن يترتّب عليه العلم، وإطلاقه 

ــــــــــ[324]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

لصورة عدم العلم يكشف عن لزوم التحذّر في صورة عدم العلم؛ إذ لو يلزم التحذّر في هذه الصورة لكان الإنذار لغواً ولكان ايجابه لغواً أيضاً، فصيانة للدليل عن اللغويّة تستكشف عقلاً من إطلاق لزوم الإنذار لفرض عدم حصول العلم إطلاق وجوب التحذّر لفرض عدم حصول العلم.

إلَّا أنَّ الصحيح أنَّ هذا الوجه غير تامٍّ فإنّنا يمكن أن نفرض أنَّ لزوم التحذّر مخصوص بخصوص صورة حصول العلم، ولا يجب عند عدم حصوله، ولكن مع هذا يجب الإنذار بقول مطلق في حال حصول العلم وفي حال عدم حصوله.

وذلك لا من باب أن يكون الإنذار بنفسه فيه مصلحة نفسية قائمة فيه حتّى في حال عدم حصول العلم، وأنَّ المولى أوجب الإنذار لأجل نفسه لا لأجل أن يترتّب عليه هداية الناس؛ حتّى يُشكل علينا ويقال: بأنَّ إيجاب الإنذار بملاك طريقي بداعي التحفّظ على الملاكات الواقعيّة لا من باب مصلحة شخصيّة ذاتيّة في نفس الإنذار بما هو إنذار.

بل مع التحفّظ على ظهور وجوب الإنذار في كونه وجوباً طريقياً، أي: وجوباً بعنوان حفظ الملاكات الواقعيّة، فمع التحفّظ على هذا يمكن تصوير إطلاق وجوب الإنذار مع عدم إطلاق وجوب التحذّر.

توضيح ذلك: لو فُرض أنَّ المولى كان قد تعلّق له غرض بإنقاذ ولده إذ تعرض للغرق، فله غرض في أن يتصدى مواليه لإنقاذه من الغرق، فيحكم بوجوب إنقاذ ولده.

ــــــــــ[325]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وهذا الحكم بوجوب إنقاذ ولده يُتصوّر على انحاء ثلاثة:

النحو الأوّل: نفرض أنّه يحكم بوجوب إنقاذ ولده، ثُمَّ يلتفت أنَّ العبد سوف يشكّ في أن هذا ولده أو لا، فيجر حينئذٍ أصالة البراءة، فوفقاً لجريان أصالة البراءة يحكم حكماً آخر ظاهرياً بوجوب الاحتياط، فيكون هنا حكمان للمولى: حكم واقعي بوجوب انقاذ ولده الواقعي، وحكم ظاهري بأنّه إذا رأيت شخصاً يغرق وشكّكت في أنّه ابني أو ليس بأبني، فاحتط واخرجه احتياطاً. وهذا الحكم الثاني الظاهري نشأ بداعي التحفّظ على ملاك الحكم الواقعي.

النحو الثاني: نفرض أنَّ اهتمام المولى بالمطلب أكثر من هذا، فيقول في نفسه: إنَّ هذا المقدار أيضاً لا يكفي، إذ لعلّ هذا العبد سوف يرى ابني يغرق، ويقطع اشتباهاً أنّه ليس ابني، ففي مثل هذه الحالة لا ينفعه لا الحكم الواقعي ولا الحكم الظاهري. أمّا الحكم الواقعي فلأنَّ موضوعه هو (إنقاذ ولدي) وقد قطع هذا العبد اشتباهاً أنّه ليس ولدي. وأمّا أنَّ الحكم الظاهري لا ينفعه؛ لأنَّ الحكم الظاهري بوجوب الاحتياط موضوعه الشكّ والعبد غير شاك، بل قاطع اشتباهاً بأنَّ هذا ليس ولده، فسوف يغرق ولده على تقدير تحقّق مثل هذه الفرضيّة، فماذا يصنع في هذا المقام؟

تارةً: نفرض أنَّ المولى له ميزان يمكنه أن يبيّنه للعبد، بحيث لا يشتبه في مقام معرفة ابنه عن غيره، بأن يكون في ابنه علامة مخصوصة لو بيّنها للعبد فسوف لا يمكن أن يشتبه، ففي مثل ذلك يمكنه أن يُبيّن مثل هذه العلامة.

ــــــــــ[326]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وأمّا لو فُرض أن الأب لم يكن توجد عنده علامة يمكن أن يُبيّنها للعبد، بحيث تكون علامة معصومة عن الخطأ لا تتخلف.

فهنا يقوم ويوسّع دائرة الحكم الواقعي نفسه، والحكم الظاهري هنا لا ينفعه، لأنّه أخذ في موضوعه الشكّ، وهذا العبد غير شاك، بل هو معتقد خطأ. فهنا لا محيص عن اتباع هذا الأسلوب، وهو توسعة دائرة الحكم الواقعي ابتداء، بأن يقول للعبد: أنقذ كلّ من تجده يغرق، فهذه توسعة في الحكم الواقعي.

وهنا لو سألنا المولى: إنّك تهتم وحريص على حياة كلّ إنسان، فيقول: لا لست حريصاً إلَّا على حياة ولدي، لكن إنَّما جعلت الموضوع هو كلّ من يغرق لأجل توسعة دائرة الحفظ بالنسبة إلى ولدي(1) دفعاً لهذا الاحتمال الذي كنت اتّصوّره.

فهذه توسعة بداعي ضمان الملاك لا توسعة ناتجة عن سعة نفس الملاك. ومثل هذه السعة أيضاً متصوّرة في موضوعات الأحكام الواقعيّة، فإذا تصوّرنا هذه المقدّمة نأتي إلى محلّ الكلام فنقول: ما هو الملاك الواقعي عند المولى تبارك وتعالى بخصوص الإنذار الذي يُترتّب عليه العلم، والإنذار الذي لا يُترتّب عليه العلم لا أثر له؛ لأنَّ قول المنذر ليس بحجّة، فالملاك عند المولى قائم بخصوص تلك الحصّة الخاصّة، وهي المقدار التي يترتّب عليه العلم.

 لكن المولى يقول: لو جعلت وجوب الإنذار على خصوص هذه الحصّة وهو 

ــــــــــ[327]ــــــــــ

() وضمان إنقاذه على كلّ تقدير. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الذي يترتّب عليه العلم، فهذا المتفقه الذي ذهب إلى المدينة وتفقه ورجع سوف يشكّ في كثير من الاحيان أنَّ انذاري سوف يترتّب عليه العلم أو لا، فيجري حينئذٍ أصالة البراءة؛ لأنّه شاك أنّه من مصاديق تلك الحصّة الخاصّة أو لا.

ولو فُرض أنّه جعلت له وجوب الاحتياط في مورد الشكّ، فمع هذا قد يكون متخلفاً؛ لأنَّ هذا قد يقطع بأنَّ إنذاره لا يترتّب عليه العلم؛ لقصر نظره مع أنّه يترتّب عليه العلم، إمّا بالنسبة إلى شخص السامع أو أنَّ هذا الإنذار سوف يترتّب عليه العلم ولو بعد ثمانمئة سنة، بالنسبة إلى من يسمع هذه الرواية حينئذٍ.

ففي مثل هذه الحالة يوسّع المولى دائرة موضوع الحكم الواقعي، فيجعل وجوب الإنذار معلّقاً في الواقع على طبيعي الإنذار الجامع بين الحصّة التي يترتب عليها العلم أو التي لا يترتب، مع كون الملاك هو في خصوص الحصّة التي يترتّب عليها العلم. إلَّا أنّه يوسّع موضوع الوجوب لأجل ضمان الملاك لا لأجل سعة دائرة الملاك.

وحينئذٍ مثل هذه التوسعة لا تكون لغواً؛ لأنَّ هذه التوسعة إنَّما هي بداعي ضمان الغرض، وضمان الغرض غرض عقلاني لا محالة، فيتصدى كلّ عاقل، ويحاول أن يضمن غرضه بالنحو المناسب مع غرضيته؛ لذلك الغرض، فتكون توسعة دائرة الوجوب على القاعدة، ومع هذا لا يجب التحذّر مطلقاً؛ لأنَّ المفروض أنَّ قول المنذر ليس حجّة، وإنَّما هو حجّة فيما إذا أفاد العلم، فالتحذّر لا يجب مطلقاً، مع أنَّ الإنذار يجب مطلقاً.

ــــــــــ[328]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فإن قيل: إنّه لماذا وجب الإنذار مطلقاً، مع أنَّ التحذّر لم يجب مطلقاً؟

فنقول: إنَّ توسعة دائرة وجوب الإنذار هنا لم يكن لأجل سعة دائرة التحذّر المطلوب، بل كان لأجل ضمان وقوع التحذّر المطلوب في حالة حصول العلم.

إذن فلا يلزم بناء على هذا من سعة دائرة وجوب الإنذار سعة دائرة وجوب التحذّر؛ إذ لعلّ سعة دائرة وجوب الإنذار هنا لم تنشأ من ناحية سعة دائرة الملاك، بل نشأ من ناحية الحرص على ذلك الملاك وضمان تحصيله على كلّ حال.

وهذه الفرضية لا يلزم فيها أيضاً جعل المولى، لأجل أن يقال: إنّه تبارك وتعالى عالم بالغيب، فهو يعرف الإنذار الذي سوف يترتّب عليه العلم والذي سوف لن يترتّب، ولا يُعقل من المولى أن يشكّ أنَّ هذا الإنذار هل سوف يترتّب عليه العلم أو لا؟

نعم هذا لا يُعقل بالنسبة إلى المولى، إلَّا أنّه لا طريق له إلى بيان قاعدة تميّز ما يترتّب عليه العلم وما لا يترتّب للمكلف الخارجي، إذ لم يجعل هناك نبياً توئماً مع كلّ مكلف خارجي يمشي معه أينما ذهب لأجل أن يُبيّن له بنحو الإخبار بالغيب أنَّ هذا الإنذار سوف يترتّب عليه العلم أو لا، كما أنَّ الأب في مثالنا ليس معنى توسعته لدائرة وجوب الإنقاذ أنّه جاهل بأنَّ هذا ابنه أو لا، لكن ليس له علامة بحيث يلقيها على العبد، فمثل هذا لا يلزم منه نسبة الشكّ والتردد إلى المولى، فهذا الوجه الثاني غير تامٍّ.

ــــــــــ[329]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الوجه الثالث ومناقشته(1)

دعوى أنَّ الآية تدلّ على وجوب الإنذار وتدلّ على أنَّ الغاية من إيجاب الإنذار هو التحذّر، فتدلّ الآية الكريمة على أنَّ الحذر هو غاية الواجب، فنضم إلى هذا كبرى كلّيّة يحكم بها العقل، وهي: أنَّ غاية الواجب واجبة.

وذلك لأنَّ المولى إن أوجب شيئاً لأجل تحصيل شيء آخر فيلزم أن يكون اهتمامه بذلك الشيء الآخر أشدّ وأكثر من اهتمامه بالأوّل، فإنَّ الاهتمام بذي المقدّمة أهمّ من الاهتمام بالمقدّمة، فلو اقتضى اهتمامه بالمقدّمة ايجابها، فلا محيص من استكشاف اقتضاء اهتمامه بذي المقدّمة، وهذا معنى أنَّ غاية الواجب واجبة، فإذا ضمت هذه الكبرى إلى تلك الصغرى استنتج من ذلك أنَّ التحذّر واجب بقول مطلق.

ولا إشكال عندنا من صغرى المقام، فإنَّ الآية الكريمة تدلّ على أنَّ الغاية من إيجاب النفر هو التفقه، والغاية من إيجاب التفقه هو الإنذار، والغاية من إيجاب الإنذار هو التحذّر وهداية المسلمين. وهذا لا إشكال فيه، إلَّا أنَّ الكلام في كبرى هذا الكلام.

والصحيح: أنّه لا ملازمة عقلاً بين كون شيء غاية للواجب وبين كونه واجباً.

 توضيح ذلك: أنّه حينما يوجب المولى فعلاً لأجل تحقّق أمر آخر وفعل 

ــــــــــ[330]ــــــــــ

() لخص سيدنا الأستاذ فكرة الوجهين السابقين في استفادة وجوب التحذر من الآية الكريمة، وقد تقدم الكلام فيهما. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

آخر، فمثلاً يوجب الإنذار على المنذر لأجل أن يتحقّق التحذّر من السامع، فهنا لا محيص عن الالتزام بوجود محبوبيتين للمولى، محبوبيّة أصليّة قائمة بالغاية وهي التحذّر، ومحبوبية أُخرى ثانوية بذي الغاية، وهو الإنذار. 

ولا محيص أيضاً عن الالتزام بأنَّ المحبوبيّة القائمة بالغاية ليست بأضعف اقتضاء ودرجة من المحبوبية القائمة بالمقدّمة؛ إذ كيف يُعقل أنّها أقل وأضعف مع أنَّ محبوبيّة الإنذار إنَّما هي لأجل محبوبيّة التحذّر.

فمن هذه الناحية لا محيص عن الالتزام بأنَّ ما هو الملاك الاقتضائي بجعل الوجوب على الغاية تامّ؛ لأنَّ الملاك الاقتضائي عبارة عن محبوبيّة الفعل في نفسه، ولا محيص عن الالتزام بأنَّ الغاية محبوبة في نفسها، بدرجة لا تقل عن محبوبيّة نفس الإنذار في نفسه.

 فالملاك الاقتضائي للغاية تامّ ويمكن استكشافه من ناحية حكم العقل بالملازمة بين كون الشيء غاية للواجب وبين تمامية الملاك الاقتضائي له.

إلَّا أنّه مع هذا يمكن أن لا يُجعل الوجوب على الغاية، وذلك باعتبار مزاحمة ذلك الملاك الاقتضائي القائم بالغاية بملاكات أُخرى، ويكون نتيجة إعمال باب التزاحم من قبل المولى بأن لا يوجب الغاية مع إيجاب المقدّمة.

توضيح ذلك: أنَّ الغاية في المقام وهو الفعل الثاني الذي يكون غاية وهو في محلّ الكلام التحذّر الذي هو الغاية من الإنذار. وهذا التحذّر له أبواب من العدم متعدّدة؛ إذ تارةً لا يتحقّق التحذّر من السامع لأجل أنّه لم يُنذر حتّى يتحذّر، فهذه حصة لعدم التحذّر ما ناشئة من عدم الإنذار، وحصة أُخرى من 

ــــــــــ[331]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

عدم التحذّر وهو الناشئ من غير ناحية عدم الإنذار، فإنَّ التحذّر هنا موجود إلَّا أنَّ عدمه مستند إلى عدم إلزام المولى بتصديق المنذر والجري على طبقه.

إذا تصوّرنا أنَّ عدم التحذّر له حصّص متعدّدة، وأنَّ أبواب العدم للتحذّر في المقام يمكن سدّ بعضها دون بعض فيقال: فإنَّ المقتضى في نفس المولى لسدّ تمام أبواب العدم، وإن كان موجوداً وثابتاً؛ لأنَّ المولى يحب التحذّر من العبد، لكن هذا السدّ سدّ لتمام أبواب التحذّر الذي معناه الايجاب الفعلي المطلق للتحذّر، وهذا السدّ يزاحم مع ملاكات أُخرى لدى المولى، حيث إنَّ المولى يرى بأنَّ هذا السدّ للباب يلزم منه -مثلاً- وقوع المكلف في مؤنة وكلفة زائدة، وهذه الكلفة الزائدة بنفسها أيضاً لا يريدها المولى ومحط لغرض مولوي يقتضي سدّ باب وجودها.

فحينئذٍ يقع التزاحم لا محالة بين سدّ باب عدم التحذّر، وبين سدّ باب وجود تلك الكلفة، وبعد فرض أنَّ سدّ باب وجود تلك الكلفة أقوى ملاكاً في نظر المولى من سدّ باب عدم التحذّر، فحينئذٍ المولى لا يسدّ أبواب عدم التحذّر في المقام؛ وذلك لتقديمه ما هو أقوى وهو سدّ باب عدم الكلفة.

مع هذا يوجد هناك باب من أبواب عدم التحذّر، لا يزاحم سده مع ملاك وجود الكلفة، وهو باب عدم التحذّر الناشئ من عدم الإنذار، فإنَّ هذا الباب سده لا يقتضي وقوع المكلف بالمؤونة؛ لأنّه لو الزم الفقيه بأن يُنذر، ولكنه لم يلزم المكلف بأن يمتثل ويسمع من الفقيه ويجري على وفقه ولو لم يحصل العلم. إذن، لا تتحقق تلك المؤونة والكلفة من قبله، والتي لا يريد أنَّ تتحقّق.

ــــــــــ[332]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ومن المعلوم أنَّ التزاحم إنَّما هو بقدرة وتوسيع أقوى الملاكين على أضعفهما في نطاق التزاحم لا خارج نطاقه، فسدّ باب وجود الكلفة لا يقتضي ابقاء تمام عدم التحذّر مفتوحة، بل يقتضي ابقاء المقدار الذي يزاحم مع سد باب وجود الكلفة مفتوحاً

وأمّا أبواب عدم التحذّر الذي لا يكون سدها مزاحماً مع سد باب وجود الكلفة، فمثل تلك الأبواب لا مانع عن تصدّي المولى لسدّها؛ لأنّها لم تقع طرفاً للمزاحمة.

والأمر في المقام كذلك، فإنَّ باب عدم التحذّر الناشئ من عدم إنذار المنذر -وهذه لحصة من أبواب العدم- ليس طرفاً للمزاحمة، فإنّها لو سدّ هذا الباب لا يلزم من ذلك وقوع المكلف في المؤنة، إذ أنّه حتّى بعد إنذار المنذر يبقى بالخيار إنَّ شاء احتاط وإن شاء لم يحتط. إذن، فسدّ خصوص هذا الباب وخرج عن باب المزاحمة، فمقتضى قوانين الجمع بين الملاكين هو سدّ هذا الباب بالمرة بالإنذار وإبقاء سائر الأبواب مفتوحة.

وهذا المعنى هو الجوهر التحليلي للعبارة السائدة، وهو أنَّ الإنذار واجب لكن التحذّر ليس بواجب، وأنَّ غاية الواجب ليست واجبة.

فحينئذٍ لا مانع من تصوّر من هذه الفرضيّة، فإذا كانت هذه الفرضيّة معقولة جدّاً، فيبطل بذلك دعوى الملازمة بين كون الشيء غاية للواجب وبين وجوبه، إذ لعلّ هو غاية للواجب ومع ذلك ليس بواجب، من ناحية أنَّ سدّ تمام أبواب عدمه طرف للمزاحمة مع ملاك آخر، وإن كان سدّ خصوص هذا 

ــــــــــ[333]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الباب الناشئ من الإنذار ليس طرفاً للمزاحمة، فتكون مقتضى القاعدة حينئذٍ تصدّي المولى لسدّ هذا الباب بالخصوص مع عدم سد سائر الأبواب وهذا معناه باللغة العرفيّة أنَّ الغاية ليست بواجبة، وأنَّ مقدّمتها واجبة(1). هذا حاصل التحقيق الفنّي لأبطال هذا الوجه الثالث.

وبهذا تلخص أنَّ الصحيح في مقام تقريب استفادة مطلوبية التحذّر من الآية الكريمة هو الوجه الأوّل، وبه يتمّ الاستدلال، -مثلاً- لولا مناقشة الأصل الموضوعي، الذي ذكرناه بادئ بدء؛ وبهذا هدمنا الأصل المشترك المتسالم عليه بين المثبتين والنافين. هذا هو الكلام في الوجوه الثلاثة.

إشكال الآغايون في هذه الوجوه

ثُمَّ إنَّ الأغايون الذين لم يقبلوا هذه الوجوه الثلاثة، وأشكلوا عليها، العمدة من إشكالاتهم ترجع إلى وجوه ثلاثة:

الوجه الاوَّل(2): [المناقشة في إطلاق وجوب التحذر]

أنَّ يقال: لو سُلّم استفادة وجوب التحذّر من الآية الكريمة، إلَّا أنّه لا 

ــــــــــ[334]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال وجهتُه: أنَّ هذه الحصة من سدّ باب التحذّر تتحقّق بنفس الإنذار، فبنفس إنذار الفقيه يستحيل أن يتحقّق عدم التحذّر الناشئ من عدم الإنذار، ولا تحقّق عدم التحذّر فهو عدم ناشئ من شيء آخر من غير ناحية عدم الإنذار، فما هو السدّ المطلوب للمولى تحقّق بنفس حصول الإنذار من المتفقه ولا يحتاج إلى عمل من قبل السامع، فلا يلزم حين ذلك وجوب التحذر. (المُقرِّر).

(2) الإشكال الأول.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

يمكن استفادة إطلاق وجوب التحذّر منها، غايته إثبات وجوب التحذّر بنحو القضية المهملة، وأمّا إطلاقه لغرض عدم حصول العلم من قول المنذر لا يمكن إثباته. 

والنافع في مقام الاستدلال إنَّما هو إثبات وجوب التحذّر مطلقاً ولو في حالة عدم العلم لأجل أنَّ نستكشف منه الحجّيّة. وأمّا وجوب التحذّر بنحو القضية المهملة فهي في قوة الجزئية، حيث يصير مصيرها مصير وجوب التحذّر مع ثبوت العلم، حيث لا يكون دليلاً على الحجّيّة الشرعيّة.

أمّا أنّه لماذا لا يكون هناك إطلاق لوجوب التحذّر المستفاد من الآية الكريمة، فيقال: بأنَّ الآية ليست في مقام البيان من ناحية وجوب التحذّر، وإنَّما هي مسوقة مساق أيجاب النفر والتفقه والإنذار، وإذا لم تكن في مقام البيان من تلك الجهة، فلا يمكن ثبوت الحجّيّة حينئذٍ؛ لأنَّ الاطلاق فرع بثبوت كون المولى في مقام البيان.

هذا الإشكال لم يُعرف وجهه؛ وذلك لأنَّ إثبات وجوب التحذّر بالآية الكريمة، إن كان بتقريب الوجه الأوّل، بحمل لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَعلى أنّه في مقام بيان المطلوبية. إذن، بهذا يثبت أنَّ المولى تصدّى بالمدلول المطابقي لإبراز المطلوبية، ومقتضى تصدّيه لذلك أنّه في مقام البيان من ناحيته، فإنَّ هذا هو مقتضى الأصل فيه، والمفروض في الوجه الأوّل أنّه كان في مقام مطلوبية التحذّر فكأنّه قال: احذروا. فلماذا لا يتمّ فيها الإطلاق؟! ولماذا لا تدّل على الحجّيّة؟!

وأمّا لو فُرض أنَّ إثباته للتحذير كان بلحاظ الوجه الثاني أو الثالث، فحينئذٍ 

ــــــــــ[335]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وإن لم تكن الآية في مقام البيان من ناحية وجوب التحذّر إلَّا أنّه تكفينا حينئذٍ كونها في مقام البيان من ناحية وجوب الإنذار؛ لأنَّ ذلك يقتضي التمسّك بإطلاقها، لإثبات وجوب الإنذار مطلقاً على المتفقه ولو لم يحصل من قوله العلم. وهذا الإنذار بنفسه له لازم بمقتضى الوجه الثاني أو بمقتضى الوجه الثالث.

أمّا بمقتضى دلالة الاقتضاء وصيانة إطلاق كلام المولى عن اللغويّة، أو بمقتضى كبرى أنَّ غاية الواجب واجبة فلازمه أنَّ التحذّر أيضاً يكون واجباً.

إذن، فعلى الوجه ثاني والثالث لا نحتاج إلى إجراء مقدّمات الحكمة في نفس وجوب التحذّر حتّى يقال: إنَّ المولى ليس في مقام البيان من ناحيته، بل يجريها لوجوب الإنذار، ويترتّب عليه وجوب التحذّر بأحد التقريبين، فهذا الإشكال لا يرجع إلى محصّل. 

الإشكال الثاني للشيخ الأعظم

ما لعلّه يُستفاد أو يُستفاد جزماً من كلمات الشيخ الأعظم، وحاصله: هو أيضاً المناقشة في إطلاق وجوب التحذّر وذلك لا بدعوى أنَّ المولى ليس في مقام البيان من هذه الناحية، بل بدعوى وجوب بيان وقرينة على التقييد بنفس الآية الكريمة.

وذلك لأنَّ ظاهر قوله فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(1) أنَّ المطلوب من 

ــــــــــ[336]ــــــــــ

(1) التوبة: 122.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

المتفقهين أنَّ ينذروا بما تفقهوا فيه، وأنَّ التحذّر إنَّما يكون مطلوباً لو أنذر هؤلاء قومهم بما تفقهوا فيه، فوجوب التحذّر مترتّب على إنذار المتفقه بالشيء الذي سمعه من رسول الله حينما ذهب إلى المدينة. وحينئذٍ إذا السامع يُصدّق المخبر فيكون قوله حجّة عليه بملاك حجّيّة العلم، ولو لم يعلم بهذا فلم يحرز بذلك موضوع وجوب التحذّر، لأنَّ موضوعه هو الإنذار بما درسه عند رسول الله وسمعه منه، والمفروض أنَّ هذا يشكّ في أنَّ هذا الكلام هل سمعه من رسول الله أو أنّه خلقه كذباً أو اشتباهاً فلا يمكن التمسّك بإطلاق وجوب التحذّر.

إلَّا أنَّ هذه المناقشة وإن كانت صورتها فنية، إلَّا أنّها أيضاً لا يمكن المساعدة عليها، وذلك أنّه لو سُلم أنَّ وجوب التحذّر مترتّب على الإنذار المطابق للواقع والإنذار بما تفقه به. فهذا فيكفي في المقام لإثبات الحجّيّة؛ وذلك لأنّنا إذا انسقنا في تصوّر الحكم الظاهري مع الأصول الرسمي، وقلنا: إنّه عبارة عن خطاب وجعل في قبال الخطاب الواقعي وجعله، فهذا الإشكال من الشيخ يكون له صورة.

وذلك لأنَّ وجوب التحذّر هنا لا يُعقل أن يكون حكماً ظاهرياً؛ لأنّه أُخذ في موضوعه مصادقة الأمارة للواقع، وكيف يُعقل جعل حجّيّة الإمارة مشروطة بمصادقتها للواقع. هذا أمر غير معقول؛ لأنّه إن علم بمصادقتها للواقع، فلا تحتاج إلى حكم ظاهري؛ لأنَّ العلم بنفسه يكشف الواقع، وإن لم يعلم بذلك فالحكم الظاهري مشكوك كالحكم الواقعي، فلا يكون الحكم الظاهري منجّزاً في المقام.

ــــــــــ[337]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فيُستفاد منه لا محالة حينئذٍ أنَّ مثل هذا الحكم ليس حكماً ظاهرياً مولوياً، وإنَّما لا بُدَّ أنَّ يؤول حينئذٍ.

ولكن بناءً على تصوّرنا للحكم الظاهري، حيث قلنا: إنَّ حقيقة الحكم الظاهري وجوهره عبارة عن إبراز المولى لعدم رضائه لتفويت الواقع من قبل الشاك، يقول: أيّها الشاك لو كان الواقع هو حرمة الشيء فأنّا غير راض بتفويتك لهذا الواقع -فجوهره هو هذا ومهما اختلفت العبائر عنه- سواء كان بلسان صدق العادل أو بلسان جعل الطريقية أو المنجزية.

في قبال أن يبرز رضائه بتفويت الواقع من قبل الشاك فذاك يكون الحكم الظاهري الترخيصي. 

فإذا فرضنا أنّنا تصوّرنا الحكم الظاهري بهذا المعنى، فنقول: بأنّ لعلهم يحذرون بمقتضى الوجه الأوّل، أنّه أريد به إبراز محبوبيّة التحذّر، وأنَّ المولى لا يرضى بترك التحذّر في المقام. فمَن هو هذا الشخص الذي يحب المولى منه التحذّر ولا يرضى بتركه منه؟ هو الشاك؛ لأنَّ الآية الكريمة صنفت كلّ فرقة إلى طائفتين، إلى طائفة متفقهة تذهب إلى المدينة أو إلى النجف، فتتفقه وتتعلم، وإلى طائفة جاهلة بالأحكام شاكّة تنتظر مجيء الفقهاء إليها ليبينوا لها الأحكام. وهذا التصنيف هو مقتضى قوله تعالى فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ أي: قومهم الشاكّون والجاهلون.

فهؤلاء القوم الشاكّون الجاهلون المولى يبرز لهم إني لا أرضى بتفويت الواقع لو أخبر هؤلاء بالواقع، فعلى فرض إخباركم بالواقع من المتفقهين، 

ــــــــــ[338]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فحينئذٍ نحذركم، واحتياطكم محبوب لادعاء أنّي لا أرضي بفواته حينئذٍ.

مثل هذا هو عبارة أُخرى عن الحكم الظاهري، وهو الحكم الظاهري الذي يبيّن بمثل هذه العبارة، ولا نريد بجعل الحجّيّة أكثر من هذا المطلب؛ لانَّ هذا هو جوهر الحجّيّة، فجوهرها أن يُبرز المولى للشاك بما هو شاكّ عدم رضائه بتفويت الواقع لو أصابت الأمارة الواقع. فهنا يخاطب القوم الجاهلين غير المتفقهين ويبرز لهم حبه للتحذّر والاحتياط منهم لو أصابت الأمارة الواقع، ولا يرضى منه بترك التحذّر والاحتياط مثلاً، وهذا هو الحكم الظاهري.

فإشكال الشيخ الأعظم كان مبنياً على التصوّر القديم لمدرسة الشيخ الأعظم للأحكام الظاهريّة، وأمّا على تصوّرنا لها فلا موضوع لذاك الإشكال. هذا هو الإشكال الثاني.

الإشكال الثالث في المقام

وهو أيضاً للشيخ الأعظم(1) وحاصله: أنَّ الآية لو تمت دلالتها على وجوب التحذّر بقول مطلق، واستفيد منها جعل الحجّيّة، فالحجّيّة موضوعها هنا هو الفقيه لا الراوي، وهو خارج عن محلّ الكلام، وهذا الكلام هو أحسن ما قاله الأعلام في هذه المسألة، وتقريب هذا المدّعى بأحد تقريبين:

التقريب الأوّل: بأنَّ الإنذار هنا فرض بعد التفقه فهو إنذار صدر من الفقيه، فيكون موضوع الحجّيّة هو الخبر الصادر من الإنسان بعد صيرورته فقيهاً لا خبر الراوي بما هو راوي، بل الفقيه بما هو فقيه.

ــــــــــ[339]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 131.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وهذا التقريب يمكن الجواب عنه بما ذكره في الآية: من أنّه إذا ثبت بالآية حجّيّة رواية الفقيه، فبالقول بعدم الفصل، أو بالقطع بعدم الفصل، في الخارج يثبت أيضاً حجّيّة الراوي غير الفقيه؛ لأنَّ مناط الحجّيّة في الرواية ليس هو العلم والفقاهة، بل هو الوثاقة والصيانة عن الخطأ، وفي مثل ذلك -مثلاً- الفقيه وغيره على حدّ واحد.

التقريب الثاني: وهو مقصود الشيخ الأعظم، وحاصله: أنَّ ظاهر الآية الكريمة أنَّ وجوب التحذّر من فوائد نفس الإنذار بما هو إنذار، فيكون موضوع الحجّيّة هو الإنذار، والإنذار غير مجرّد الإخبار، فإنَّ مجرّد من يخبر كلاماً عن الإمام من دون أنَّ يعمل رأيه في مقام اقتناص الحكم الإلزامي من هذا الكلام وتسجيل هذا اللزوم على المكلف، لا يسمّى منذراً؛ اذ لعلّ هذا الكلام ليس فيه دلالة عند السامع؛ إذ لو كان فيه دلالة فهو مبتلى بالمعارض، أو بالمخصّص، أو بالحاكم، أو بنحو ذلك من الابتلاءات.

فما لم يكن هناك إعمال للنظر من قبل الراوي في مقام اقتناص اللزوم من النص وتسجيله على المكلف لا يسمّى هذا إنذاراً.

إذن، فما هو موضوع الحجّيّة أنّها عمليّة اقتناص اللزوم من النص وتسجيله على المكلف، وهذه العمليّة هي الاجتهاد بأحد مراتبها البسيطة أو المعقدة، وهي عبارة أخرى عن الرأي بأحد مراتبه البسيطة أو المعقدة، فيكون موضوع الحجّيّة هنا هو رأي الراوي لا خبره.

وهنا لا يأتي مسألة عدم القول بالفصل، فإنّه عدم القول بالفصل إنَّما هو 

ــــــــــ[340]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بين رواية ورواية، لا بين اجتهاد ورواية، وما هو موضوع الحجّيّة هنا هو الاجتهاد. هذا الكلام هو أحسن ما صدر من الأعلام في بحث هذه الآية الكريمة.

الآية الثالثة: آية الكتمان

الآية الثالثة: آية الكتمان، وهي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّـهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ(1).

تقريب الاستدلال

وتقريب الاستدلال بها على حجّيّة خبر الواحد، وهو من سنخ تقريب الاستدلال بآية النفر بالوجه الثاني من الوجوه الثلاثة.

وذلك أن يقال: بأنَّ هذه الآية تدلّ على حرمة كتمان ما أنزل الله، ومقتضى إطلاق هذا التحريم هو حرمة الكتمان سواء علم الشخص أنّه يترتّب على بيانه علم السامع أو لا يترتّب. وحرمة الكتمان في فرض عدم حصول العلم للسامع ملازمة عقلاً مع وجوب القبول على السامع تعبّداً؛ إذ لو لم يجب عليه القبول تعبّداً فيكون تحريم الكتمان لغواً في المقام، وتكليف الكاتم بإظهار ما يكتم لغواً في المقام، فإنّه أيّ فائدة في فرض عدم وجوب القبول على السامع تعبّداً، فمضموناً للحكم عن اللغويّة وبدلالة الاقتضاء يُستكشف من إطلاق دليل 

ــــــــــ[341]ــــــــــ

(1) البقرة: 159.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الكتمان لفرض عدم حصول العلم من الاظهار بالملازمة العقليّة وجوب القبول على السامع، وهو معنى الحجّيّة(1).

وجوه الضعف بالاستدلال بها

وهذا الاستدلال في المقام في غاية الضعف، وذلك لعدة وجوه:

الوجه الأوّل: أنَّ التحريم في هذه الآية الكريمة عُلّق على عنوان الكتم والكتمان، كما هو ظاهر فرض وقوع عنوان الكتمان موقع التأنيب والعقاب واللعن، فالظاهر من ذلك هو أنَّ المحرّم هو عنوان الكتمان.

وعنوان الكتمان ليس هو مجرّد عدم بيان الواقع، بل هو كتم الواقع المساوق للتقصد لإخفائه، فإنّه ليس كلّ من لم يبيّن الواقع يقال عنه: إنّه كتم الأمر، وإنَّما كتم الشيء فيما لو فُرض أنَّ الكاتم أعمل عناية وقصداً خاصاً في مقام جعل هذا الشيء مخفياً، فيقال: كتمت عنه السّر، بمعنى: اعملت عناية في مقام ستر هذا البيان عنه وعدم إظهاره له، فالكتمان مستبطن لعناية تستدعي عدم الإظهار، وليس هو مجرّد عدم الإظهار.

وحينئذٍ فمن المحتمل قوياً أن تكون الحرمة هنا حرمة نفسيّة باعتبار خصوصية هذه العناية، فإنَّ إعمال هذه العناية من الإنسان في مقام سدّ باب وجود المعارف الإلهيّة إلى العبد والتقصّد لعدم بيانها، مثل ذلك يكون تقصيراً واستخفافاً بالشريعة، واستهانة بالمعارف الإلهيّة وعداوة للباب المفتوح للجنة من قبل الله تعالى.

ــــــــــ[342]ــــــــــ

() حجّيّة قول هذا الشخص الذي حرّم عليه الكتمان. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

هذا تقصير في العبوديّة أن يتقصّد أن لا تصل أوامر مولاه وهداه إلَّا بيد مولاه، فمن المحتمل حينئذٍ أن يكون نفس الكتم في المقام بما هو كتم حراماً في نفسه، ويكون مستحقاً في العقاب، سواء ترتّب على الكتمان عدم وصول الغير إلى الطاعة أو لم يترتّب عليه ذلك، كما لو فُرض أنَّ شخصاً كان يتخيّل أنَّ الآخرين لا يعلمون بالشريعة، فكتم عنهم ثقافة الشريعة ومطالبها، ولكن الآخرين كانوا يعرفون الشريعة من طريق آخر، مع هذا ارتكب هذا الشخص حراماً في المقام؛ لأنّه تقصّد أن يحول بين العبد وربه، وهذا التقصّد في نفسه تقصير في عالم العبوديّة، مثل هذا التقصير يمكن للمولى جعله حراماً وترتيب العقاب عليه.

إذن، فلا يلزم من تحريم الكتم المستبطن لعناية مساوقة للتقصير في مقام العبودية بذاتها، ولا يلزم منه إيجاب القبول في المقام، فإنّه يكون بملاك نفسي، ولا يكون في مقام الاستطراق إلى حصول الغرض من قبل السامع؛ لأجل أن يقال: إنَّ تحريم الكتمان بلا إيجاب القبول يكون لغواً، بل لا يكون لغواً فإنَّ تحريمه لم يكن بنكتة أنَّ السامع يصل إلى الشريعة، بل كان بنكتة أنَّ الكتمان نحو تقصير في عالم العبودية نحو المولى وهو محرّم في المقام مثلاً. فهذا أحد نقاط الضعف في الاستدلال في الآية الكريمة.

الوجه الثاني: أنّه لو قطعنا النظر عن النقطة الأولى، وفرضنا أنَّ الكتم ليس فيه جهة تقصير تجاه المولى، بحيث يحتمل أن تكون ملاكاً نفسياً لحرمة نفسية. وفرضنا كون الحرمة المتعلّقة بعنوان الكتم ليست من ناحية التقصير المستبطن في الكتم.

ــــــــــ[343]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

إلَّا أنّه مع هذا يقال في المقام: بأنَّ مثل هذه الحرمة لعلّها باعتبار كون الكتمان في مورد الآية الكريمة مساوقاً لتكذيب الرسالة وتفنيد دعاواها المحضة، بقرينة قوله تعالى: مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ بناءً على أنَّ المراد من الكتاب القرآن الكريم.

وحينئذٍ يقال: إنَّ هذه البينات والهدى من بعد ما بيناها في القرآن وادعينا في القرآن أنَّ رسول الله وشريعته منصوص عليها في التوراة والانجيل ومبشر بها في شرائع الأنبياء السابقين، فهؤلاء يكتمون ذلك الذي أنزلناه، أي: علماء اليهود والنصارى يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى، مع أنّها موجودة في كتبهم، فيكتمونه بقصد تكذيبنا وتشويه سمعة الرسالة الحقّة أمام الناس، حيث يقال لهم: بأنَّ هذا النبي يقول: بأنَّ هذه البينات موجودة في التوراة والانجيل، وهما عندنا ونحن لا نجد فيها مثل هذه البينات، فبقرينة قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ يكون معناه حينئذٍ أنَّ كتمهم لهذه الحقيقة -بعد بياننا لها في الكتاب- محرّم، فإنّه تكذيب للحقيقة التي بيناها في الكتاب، حيث يقولون: لا إطلاع لنا على هذه الحقيقة، فمثل هذا ليس مجرّد عدم إظهار للواقع، بل هو تكذيب لأشرف رسالات السماء، ويكون فيه أيضاً نحو تغرير للبسطاء والسذج من الناس عن التصديق بهذه الرسالة الحقّة، إذ يتخيّلون وجود الاخلاص عند أولئك الكاتمين. إذن، أخذ في موضوع الحرمة الكتمان بعد البيان في القرآن، وهذا يكون حراماً باعتبار كونه تكذيباً لما بيّن في القرآن.

ــــــــــ[344]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ولا أقل من أن تكون مثل هذه الكلمة محتملة القرينة على هذا المعنى، فإن يكون قوله مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ تقييداً محتمل القرينة على أن يكون المراد بالكتمان هنا: كتمان شيء قد ادّعي من قبل النبي والرسالة، فيكون حينئذٍ مردد الحرمة وهو الكتمان المعنون بعنوان تكذيب النبي، ومثل هذا لا إشكال أنّه من أعظم المحرمات والموبقات، هذه هي نقطة الضعف الثانية في الاستدلال.

الوجه الثالث: وذلك أنّه من المحتمل أن يقال: بأنّ قوله تعالى: مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِظاهر في كونه في مقام توضيح أنَّ هذه البينات والهدى قد تمّ عليه البيان في القرآن الكريم، فمقتضى أن يعرف الناس هذا المطلب موجود؛ لأنّا بيناه في الكتاب، غاية الأمر أنَّ هذا المقتضي اقترن بالمانع، والمانع هو كتمان هؤلاء، فإنّه هو الذي جعل بياناً في القرآن الكريم يتخلف عن مقتضاه في بعض الأحيان ويوسوس من قبل بعض الناس في أنَّ هذا البيان لعلّه غير صحيح وغير مطابق للواقع.

ومقصودنا من هذا هو ابداء احتمال أن يكون قوله تعالى: مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِفي مقام بيان أنَّ هذه المطالب التي كتمها هؤلاء هي مطالب تمّ عليها البيان وهناك مقتض لأن يحصل العلم بها، والمانع عن حصوله إنَّما هو كتمان هؤلاء الاشخاص.

فيكون في نفس الآية الكريمة قرينة على أنَّ مورد تحريم الكتمان هو مورد يكون الكتمان واقعاً مانعاً عن تأثير مقتضيات العلم بالعلم، فقد فُرض مع 

ــــــــــ[345]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الكتمان تماميّة المقتضي للبيان ووضوح المطلب، وفرض تماميّة المقتضي هو فرض أنّه لو لا الكتمان لحصل العلم في المقام.

فيمكن أنَّ يقال حينئذٍ -ولو من باب صلاحية هذه الجملة للقرينية- إنَّ الآية بناءً على هذا لا إطلاق لها لفرض عدم حصول العلم وعدم وجود مقتض للبيان أصلاً بأن يكتم شيئاً لو لم يكتمه ويبينه لم يكن هناك أيّ مقتض وأيّ سبب لحصول العلم للسامع.

الوجه الرابع: فلأنَّ الكتمان هنا في الآية أضيف إلى البينات والهدى لا إلى مطلق ما أنزل الله يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى والبينة: عبارة عن الدليل المبيّن للمطلب والموضح له والهادي نحوه، هذا هو البينات والهدى.

 فموضوع الكتمان أُعدم في الآية، وهو ما يبيّن المطلب وما يوضحه، فإذا فرض أنَّ موضوعه هو ما حشدت الأدلّة والبراهين لأجل تثبيته، فمن القريب جداً أن يكون عنوان البينات هنا، إشارة إلى بينات شخصيّة خارجيّة، وأن تكون اللام هنا لاماً عهدية إلى تلك البينات والدلائل التي حشدت في التوراة والانجيل في مقام توضيح نبوة رسول الله.

فـمَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ يعني: من البراهين والأدلّة، فعلى ماذا؟ المحتمل قوياً أن يكون المقصود منها الأدلّة والبراهين الشخصيّة المشار إليها التي كان النبي يتحدّث عنها في المقام، فلا تشمل الأحكام الشرعيّة، فإنّها ليست بينات، فإنّها أحكام وتشريعات وليست أدلّة وبينات على شيء آخر.

وإن كان مثل هذا البيان في الوجه الرابع يحتاج إلى مزيد ذوق لأجل أن 

ــــــــــ[346]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

يُفهم من الآية الكريمة، إلَّا أنَّ من كان له مثل هذا الذوق يحصل له القطع بهذا بلا توقف.

وأخيراً، بقطع النظر عن كلّ هذه الجهات يكون حال هذه الآية الكريمة من هذه الناحية حال التقريب الثاني في آية النفر. وقد قلنا في آية النفر: إنَّ وجوب الإنذار لا يلزم منه عقلاً وجوب القبول.

كذلك نقول هنا بأنَّ حرمة الكتمان حتّى في فرض عدم حصول العلم لا يلزم منه وجوب القبول على الشخص الآخر تعبّداً؛ إذ لعلّ القبول إنَّما يجب في خصوص فرض العلم، والكتمان الذي يكون وجوبه متعلّقاً لغرض المولى التحريمي هو خصوص الكتمان في حالة ترتّب العلم على الإخبار، لكن حيث إنَّ هذه الحصّة غير متبينة عن غيرها، والمولى لا يمكنه بيان ضابطة لا تتخلف للعبد، ليعرف انّه متى يكون الكتمان في حالة يترتّب عليه العلم أو لا يترتّب.

وحيث إنّه لا يعلم هذا المطلب؛ لهذا فهو في مقام الحفاظ على الملاك الواقعي وسع دائرة موضوع نفس الحكم الواقعي، إذ لم يكن التوصل إلى ذلك بجعل وجوب الاحتياط كما أشرنا إليه فيما سبق، فوسّع دائرة موضوع الحكم الواقعي، لأجل ضمان تلك الحصّة الخاصّة من اللاكتمان، وهو الذي يكون في مورد يترتّب على اللاكتمان العلم.

فالغرض وهو القبول قائم بحصّة خاصّة من اللاكتمان، وهو الذي يترتّب عليه العلم، لكن حيث إنَّ هذه الحصّة الخاصّة لا يمكن تميّزها عن غيرها بضابطة كلّيّة لا تختلف؛ ولهذا للمولى في مقام جعل الحكم جعل الحكم على طبيعي اللاكتمان، وحرّم مطلق الكتمان، لأجل ضمان تحقق تلك الحصّة الخاصّة 

ــــــــــ[347]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

من اللاكتمان التي يقوم بها الغرض، وهذا أمر معقول كما أوضحنا في آية النفر.

إذن، فلا يكون تحريم الكتمان مستلزماً بدلالة الاقتضاء لوجوب القبول. وبهذا اتّضح أنَّ هذه الآية الكريمة أيضاً لا دلالة فيها على حجّيّة خبر الواحد.

 إشكال الشيخ الأعظم على آية النفر والكتمان

أشكل الشيخ على الوجه المتقدّم في الاستدلال بآية الكتمان، بما حاصله(1): أنَّ آية الكتمان حرّمت كتمان ما أنزل الله، فموضوع الحرمة هو ما أنزل الله لو أخبر به المخبر، كما هو الحال في آية النفر، حيث رتّب وجوب التحذّر على وجوب الإنذار بما تفقه به.

وخلاصة إشكال الشيخ في كلّ من الآيتين هو دعوى عدم ثبوت إطلاق للقبول ووجوب التحذّر المستكشف من آية الكتمان أو من آية النفر، فيشمل صورة عدم حصول العلم؛ لأنَّ وجوب القبول ووجوب التحذّر أخذ في موضوعه الإخبار بما أنزل الله والإنذار بما تفقه به، فإذا لم يحرز كون الإخبار إخباراً بما أنزل الله وبما تفقه به لا يكون حينئذٍ من موارد فعليّة وجوب القبول أو وجوب التحذّر.

والجواب عن هذا الإشكال: ما حقّقناه في آية النفر من أنّه بعد التسليم بأنَّ وجوب التحذّر ووجوب القبول أخذ في موضوعه الإخبار بما تفقه فيه، فإنَّ معنى الآية الكريمة حرمة كتمان الواقع لا كتمان غير الواقع، وأوجبت الإنذار بالواقع كذلك، إلَّا إنّها تكشف بإطلاقها لصورة عدم ترتّب العلم على 

ــــــــــ[348]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأصول1: 131-133.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الإظهار، فتقتضي وجوب القبول وجعل الحجّيّة في المقام تعبّداً بنفس البيان السابق، فهذا الإشكال من الشيخ الأعظم هنا لا يحتاج في مقام رده إلى مؤونة أكثر ممّا تقدّم في آية النفر.

ما أفاده الميرزا في المقام 

نعم أفاد المحقّق النائيني(1) في مقام رد هذا الإشكال، بأنَّه غير تامٍّ ؛ لأنَّ آية الكتمان والنفر، إذا فُرض غاية دلالتها على الحجّيّة في نفسها لولا هذا الإشكال، فهي بنفسها تثبت أنَّ ما أخبر به المنذر وما أظهره الكاتم هو الواقع؛ لأنَّ معنى جعل الحجّيّة هو التعبّد بواقعيّة المخبر به، فيكون الموضوع وهو الإخبار بالواقع ثابتاً ثبوتاً تعبّدياً ببركة جعل الحجّيّة في هذا الدليل.

وهذا البيان غير صحيح، وذلك للدور -كما أشير إليه أيضاً على ما أتذكر في حاشية المحقّق الأصفهاني(2)– حيث إنَّ استفادة جعل الحجّيّة من الآية الكريمة يتوقف على انعقاد إطلاق للوجوب فيها لغرض عدم حصول العلم، فلو فُرض أنَّ هذا الإطلاق يثبت من ناحية جعل الحجّيّة للزم الدور الواضح حينئذٍ، فالصحيح في الجواب ما ذكرناه. كان هذا ملحقاً بآية الكتمان.

الآية الرابعة: آية السؤال من أهل الذكر

الآية الرابعة: من الآيات التي استدلّ بها على جعل الحجّيّة لخبر الواحد هي آية السؤال من أهل الذكر، وهي قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا 

ــــــــــ[349]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 112.

(2) نهاية الدراية في شرح الكفاية 3: 244.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ(1) وورد أيضاً نفس النص للآية في سورة النحل(2).

تقريب الاستدلال

وتقريب الاستدلال بها على الفهم المتقدّم في الآيات السابقة: أنَّ هذه الآية دلّت بالمطابقة على إيجاب السؤال، وتدلّ بالالتزام -لا محالة- على إيجاب القبول، فإنّه لو لم يكن القبول واجباً مع فرض عدم حصول العلم لما وجب السؤال بقول مطلق، ولو لم يترتّب عليه العلم، ولكن إيجاب السؤال بقول مطلق لغو؛ فصوناً للحكم عن اللغويّة وببركة دلالة الاقتضاء يستكشف وجوب القبول تعبّداً المساوق مع الحجّيّة شرعاً، وإلَّا لزم لغويّة المدلول المطابقي.

وأُشكل في هذه الآية بأنَّ أهل الذكر هنا بمعنى أهل العلم، فإنَّ الذكر بمعنى العلم، فوجوب السؤال من أهل الذكر يعني حجّيّة قول العالم بما هو عالم، وهذا غير ما هو محلّ الكلام فإنّنا نتكلّم في حجّيّة الخبر لا في حجّيّة العالم بما هو عالم.

واُجيب عن ذلك: بأن أهل الذكر عبارة مساوقة لأهل الخبرة والمعرفة، وأهل المعرفة أمر نسبي يختلف باختلاف الاشخاص، فأهل المعرفة بالنسبة إلى 

ــــــــــ[350]ــــــــــ

(1) الأنبياء: 7-8.

(2) النحل:43.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

العامي هو المجتهد، وبالنسبة إلى المجتهد هو الرواة، وبالنسبة إلى عموم المؤمنين هم الأئمّة، وبالنسبة إلى الأئمّة هو رسول الله.

فيمكن أنَّ يُستفاد من الآية قاعدة عامّة تشمل حجّيّة خبر الراوي للمجتهد وحجّيّة قول المجتهد للعامي، إلى آخر مصاديق هذا العنوان. 

التحقيق في أنَّ هذه الآية لا دلالة فيها على حجّيّة خبر الواحد

إنَّ هذه الآية الكريمة أيضاً لا دلالة فيها على حجّيّة خبر الواحد؛ وذلك لأمور: 

الأمر الأوّل: [أن الأمر في الآية ليس مولوياً]

فلأنَّ الأمر في السؤال في قوله تعالى: فسألوا أهل الذكر..ليس أمراً مولوياً بقرينة سياق الآية والمقطع القرآني التي وردت فيه، حيث وردت في مقام المحاجة مع الجاهلين بأصول النبوات الذين كانوا يتخيّلون بأن النبي يجب أنَّ يتميز عن بقية الناس بالبشريّة والإنسانيّة، وكانوا يقولون: كيف يكون هذا نبياً وهو بشر؟! وكيف يرسل الله بشراً رسولاً؟! ومن هنا يشكّكون في نبوت خاتم المرسلين.

والقرآن صار في مقام دفع الإشكال مع هؤلاء الجاهلين، وفي مقام تنبيههم على أنَّ النبوة مقام بشري إلهي، يعني: مقام يصل إليه الإنسان عن طريق الله تعالى؛ ولذا قال قبل هذه الآية وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.

والأمر الوارد في مقام المحاجة يسقط ظهوره عن المولويّة، فإنّه وإن كان الأمر الصادر من المولى بطبعه له ظهور بالمولوية، لكنّه أي أمر؟ ذاك الأمر الذي 

ــــــــــ[351]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

يصدر من المولى في حالة تقمّصه لباس المولوية. وأمّا المولى حينما يصبح طرفاً للمحاجة والاعتراض والمغالبة ولـ (إن قلتَ قلتُ)، في هذا المقام لا يكون الأمر الصادر منه بما هو مولى، ولا يكون له ظهور في المولويّة، وإمّا يكون مباحثاً مع الخصم والإنسان! وقد يستعين في مقام البحث مع الخصم بالجملة الخبريّة حيناً والانشائيّة حيناً آخر.

إذن، فأصل الاستدلال في المقام ساقط؛ لأنّه كان مبنياً على إثبات وجوب السؤال بنحو مولوي تعبّدي يُستكشف منه وجوب القبول تعبّداً بملاك الملازمة وصرفاً له عن اللغويّة. وأمَّا إذا فرضنا عدم موجب لإثبات وجوب السؤال في مقام عدم ظهور بالمولويّة، فلا يبقى حينئذٍ موضوع للاستدلال بالآية الكريمة. 

الأمر الثاني: [أن متعلق السؤال ليس مطلقاً]

لو سُلّم أن تصدّى المولى لمقام المحاججة والخصومة لا يخرجه عن ظهور حاله في كونه مولى، وفي كون أمره أمراً مولوياً، وبقطع النظر عن الإشكال الأوّل فنقول في المقام: بأنّه لم يبيّن في الآية الكريمة صريحاً ما هو متعلّق السؤال، فعن ماذا نسأل أهل الذكر؟ ومن هنا يُقال مثلاً: إنّه من باب حذف المتعلّق يقال بالإطلاق، من باب أنَّ حذفه دليل الإطلاق.

لكن الآية الكريمة فيها قرينة على أنَّ المراد بتعلّق السؤال أمر مخصوص لا مطلق المعارف الإلهيّة وهذه القرينة هي تفريع الأمر بالسؤال على صدد الآية الكريمة، فإنّه قال: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ 

ــــــــــ[352]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَحيث بيّن في صدر الآية حقيقة من حقائق علم النبوة الإلهي، وهو أنَّ المبلِّغ يجب أن يكون من جنس المبلغ، ومتحداً معه في الأُصول الموضوعيّة في المزاج والتفكير والروح، حتّى يستطيع أن يؤثر فيه من ناحية تفاوت الدرجة، فالفرق بينه فرق الدرجة لا فرق النوع والماهيّة.

فبعد أن بيّن هذه الحقيقة فرّع عليها: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وجعل الأمر بالسؤال متفرعاً على بيان هذه الحقيقة، فمِن أقوى القرائن على أنَّ الأمر الذي أمر المولى بالسؤال عنه إنَّما هو هذه الحقيقة، وإلَّا لو كان متعلّق الأمر بالسؤال هو مطلق المعارف الإلهيّة حتّى أحكام الغسل والوضوء. إذن، لا يتبيّن معنى لتفريع الأمر بالسؤال على ذلك.

فنفس هذا التفريع لا يبقي الإطلاق الناتج من حذف المتعلّق على حاله، فإنّه إنَّما ينعقد إذا لم يكن في الكلام قرينة على ما هو المتعلّق المحذوف، وهنا نفس تفريع الأمر بالسؤال على بيان تلك الحقيقة يصلح قرينة عرفاً على بيان المتعلّق المحذوف.

إذن، فمتعلّق السؤال ليس مطلقاً لأجل أنَّ نتمسّك بإطلاقه، ونثبت به حجّيّة خبر الواحد، وإنَّما هو مخصوص بباب النبوة ومن المعلوم أنَّ باب النبوة هو باب من أبواب أصول الدين ولا معنى لتعلّق حجّيّة خبر الواحد فيه، فيستكشف من ذلك أنَّ الآية أجنبيّة عن باب جعل الحجّيّة لخبر الواحد رأساً. 

الأمر الثالث: [احتمال أن المراد من الذكر هو الرسالة لا العلم]

فلأنَّ منشأ تخيّل الإطلاق -عند من تخيّله في الآية- أنّهم فسّروا أهل الذكر 

ــــــــــ[353]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

هنا بمعنى أهل العلم، وفسّروا الذكر بمعنى العلم، حيث قالوا: إنَّ الذكر مأخوذ من التذكر، والتذكر نحو من العلم، فيطلق على العلم أنّه ذكر.

 ومن هنا قالوا أيضاً: بأنَّ الراوي من أهل العلم بالنسبة إلى المجتهد؛ لأنّه يعلم الروايات، والمجتهد من أهل العلم بالنسبة إلى العامي؛ لأنّه يعلم الأحكام وهكذا، فاستنبطوا من هذه العبارة قاعدة عامّة.

إلَّا أنَّ من المحتمل قوياً في المقام أنَّ المراد بالذكر في المقام ليس هو العلم، بل المراد به هو الرسالة، فإنّه ورد في القرآن كثيراً بمعنى الرسالة الإلهيّة، ويستعمل بمعنى الكتاب الإلهي باعتبار تمثل الرسالة الإلهيّة فيه، وتستعمل في الرسول الإلهي، باعتبار أنّه الحامل لتلك الرسالة، فالرسالة الإلهيّة هي الذكر.

وإنَّما يطلق عليها أنّها ذكر، وكذلك على الكتاب والرسول، باعتبار أنَّ الرسالة مذكّرة للبشريّة بما هو حقّ فطرتها وطبيعتها؛ لأنَّ البشريّة بمقتضى فطرتها وطبيعتها كانت على طبق القاعدة، والرسالة تذكّرها بما هي مقتضى القاعدة، ومقتضى الطبيعة والفطرة.

 وموارد استعمال الذكر في القرآن الكريم تدلّ على أنّه استعمل كثيراً بهذا المعنى الجامع وهو الرسالة، فمنها قوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ(1).

ومنها قوله تعالى: لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(2) أي: 

ــــــــــ[354]ــــــــــ

(1) الأنبياء: 105.

(2) الأنبياء: 10.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الرسالة الأخيرة التي هي رسالتكم. ومنها قوله عزّ من قائل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(1). وكذلك قوله: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(2).

ونحو ذلك ممّا لا يحتمل أنَّ يكون المراد من الذكر فيها هو العلم (ولقد أنزلنا كتاباً فيه علمكم مثلاً) أنزلنا الذكر يعني أنزلنا العلم. كلّ هذا تهكم بعيد؛ فإنَّ الذي يُستفاد من ملاحظة مجموع هذه الاستعمالات أنَّ المراد من الذكر هنا الرسالة الإلهيّة.

كلّ هذا يجعلنا نحتمل على الأقل احتمالاً قوياً بأنّ كلمة (الذكر) مستعملة في القرآن الكريم بمعنى الرسالة والدين، لا بمعنى العلم.

وحينئذٍ ففي الآية الكريمة: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ المقصود من أهل الذكر أهل الأديان السابقة، حيث إنَّ المحاججة محاججة مع الجاهلين بأصول النبوات، ويؤيد ذلك بأنَّ السورة(3) مكيّة في المقام والسورة المكيّة تكون غالباً في مقام المحاججة من أهل مكة الذين عاشوا عصر الفترة (على فترة من الرسل) بعيدين عن الأديان الكتابية، فيقال لهم: أنتم حيث لا تعرفون هذه الحقيقة فاسألوا أهل الذكر، لا بمعنى أهل العلم والمعرفة، بل 

ــــــــــ[355]ــــــــــ

() الحجر: 9.

() النحل:44.

() وهذا صحيح فإنَّ كلتا السورتين اللتين وردت فيهما هذه الآية مكّيتان، وهما النحل والأنبياء. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

المراد أهل الأديان والرسالات السابقة الذين أرسل إليهم أنبياء، فاسألوهم كيف كان أنبيائهم وكيف كان حالهم.

فالمراد من الذكر هو هذا خصوصاً أنَّ الآية التي بعدها تقول:وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(1) فكأنَّ ذلك ذكر سابق وهذا ذكر لاحق، فعبّر عن نفس الرسالة الإسلاميّة والقرآن بالذكر.

وبناءً على هذا الاحتمال القوي يكون المسؤول منه هو أهل الذكر بمعنى أهل الرسالة وأهل الدين السابق ومن كان عنده أنبياء. ومن المعلوم من مناسبة الحكم والموضوع أنَّ السؤال منهم لا يكون عن الغسل والوضوء، بل عن حال أولئك الأنبياء، وكيفية بعثتهم ودعوتهم، ليرى أنَّ حالهم مطابق مع حال أشرف النبيين أو غير مطابق معه. 

وهذا لا أقل من احتماله؛ لأنّنا لو لم ندع ظهور كلمة الذكر في هذا المطلب، فلا أقل من إجمالها واحتمال أن يكون هذا هو المراد منها؛ إذ ليس هذا على أقل تقدير بأبعد من حملها على معنى العلم بعد أن لم يكن معنى العلم من معانيها اللغويّة، وإنَّما هو أيضاً تأويل باعتبار أنَّ التذكّر مساوق مع العلم. 

الأمر الرابع: [محتملات اشتراط عدم العلم في الآية]

فلأنَّ هذه الآية الكريمة اشترطت عدم العلم. فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وهذه الشرطيّة فيها احتمالات:

ــــــــــ[356]ــــــــــ

(1) النحل:44.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الاحتمال الأوّل: أن يكون المراد بها محض التعليق، بلا أمر زائد، بمعنى: أنَّ هذا الأمر بالسؤال مشروط بعدم العلم، فإنَّ من يعلم لا يجب عليه السؤال، من قبيل شرطيّة الاستطاعة بوجوب الحجّ.

الاحتمال الثاني: أن تكون هذه الشرطيّة متضمنة للغاية لوضع غاية الواجب، فيكون معناه: فاسألوا حتّى تعلموا، يعني: اسألوا وابقوا في مقام السؤال حتّى تحصلوا العلم، من قبيل قولنا: إن لم تكن بلغت درجة الاجتهاد فاشتغل وحصّل، أي: ابق مشتغلاً حتّى تبلغ درجة الاجتهاد، فيكون هذا التعليق متضمناً معنى الغاية.

الاحتمال الثالث: أنَّ يكون هذا التعليق متضمناً معنى الغرضيّة، لا الغائية، يعني: فاسألوا وغرضي من طلبي لكم السؤال هو أن تعلموا، وبناءً على هذا فتارة يكون الغرض هو العلم بالمعنى المصدري، وأُخرى العلم بمعنى اسم المصدر، فإنّه تارةً يكون الغرض بالعبارة العرفية هو أنَّ تعلموا، فأسالوا لكي تعلموا، فهذا هو المعنى المصدري، وأُخرى يكون الغرض هو معنى اسم المصدر، اسالوا لكي تكونوا عالمين؛ فعلى بعض هذه الاحتمالات يتمّ الاستدلال لولا إشكال آخر، وعلى بعضها لا يتمّ الاستدلال.

فإنّه لو كانت هذه الشرطيّة متمحضة في التعليل فلا يأتي إشكال من ناحية الوجه.

وأمّا لو كانت هذه الشرطيّة متضمنة بمعنى الغائية للواجب، فيكون معنى الآية هو فاسألوا حتّى تصبحوا عالمين، وحينئذٍ لا يبقى في الآية دلالة على وجوب القبول تعبّداً.

ــــــــــ[357]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وأمّا بناءً على تضمنه معنى الغرض، يعني: الغرض من الأمر بالسؤال هو العلم، فإن كان بالمعنى المصدري، بمعنى: فاسألوا فأيضاً الأمر كذلك لا يكون فيه دلالة على وجوب القبول تعبّداً، وإنَّما الأمر بالسؤال لأجل أن يحصل العلم للسائل من قول أهل الذكر.

وإن كان بنحو اسم المصدر، اسألوا لكي تكونوا عالمين، فيمكن أن يقال: إنَّ ظاهر هذا الغرض أنَّ المولى جعل الجواب علماً، فكأنّه فرض أنّه بمجرّد رد الجواب يصبح السائل عالماً، فتكون الغاية هنا أمراً يترتّب بصورة آليّة على السؤال والجواب، بلا حاجة إلى عمل زائد. وهذا معناه جعل الحجّيّة للجواب حينئذٍ.

وحيث يدور أمر الشرطيّة بين هذه الاحتمالات ولا ظهور لها في خصوص الاحتمال الذي يكون في صالح الاستدلال فمن هذه الناحية تكون الآية ساقطة عن الاستدلال في حجّيّة خبر الواحد.

الأمر الخامس: [إبطال الملازمة]

فبعد عدم ملاحظة تمام الإشكالات السابقة، إذ نفرض أنَّ السؤال وجب بوجوب مولوي تعبّدي مطلق حتّى لفرض عدم العلم، فلا يلزم من إيجاب السؤال مطلقاً إيجاب القبول مطلقاً. 

وقد أبطلنا هذه الملازمة فيما سبق حيث قلنا: إنّه لا يلزم من إيجاب الإنذار مطلقاً إيجاب التحذّر مطلقاً، ولا يلزم من تحريم الكتمان مطلقاً، كذلك لا يلزم من إيجاب السؤال مطلقاً إيجاب القبول مطلقاً، فالملاك السابق من أنّه لعلّ 

ــــــــــ[358]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الغرض قائم بالحصّة الخاصّة والتوسعة في دائرة الحكم الواقعي كان باعتبار ضمان الغرض الواقعي على النحو الذي بيّناه هناك. فهذه الآية أيضاً لا يتمّ الاستدلال بها على حجّيّة خبر الواحد.

هذه تمام الآيات التي ينبغي التعرض لها في المقام، وبهذا اتّضح أنّه لا دليل من القرآن الكريم في حدود فهمنا على حجّيّة خبر الواحد.

ــــــــــ[359]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 









الدليل الثاني: الاستدلال بالسُّنَّة

 

وقيل في المقام: بأنَّ الاستدلال لا بُدَّ أن يكون بالسُّنَّة المتواترة لا بالخبر غير المتواتر؛ لأنَّ البحث الآن في حجّيّته.

كلام المحقق النائيني ومناقشته

ولذلك قسّم المحقّق(1) النائيني توطئة لتحقيق التواتر إلى تواتر لفظي ومعنوي وإجمالي، وذكر أنَّ التواتر اللفظي والمعنوي يورث العلم. وأمّا التواتر الإجمالي فهو عبارة عن ملاحظة مجموعة من الأخبار غير مشتركة في لفظ واحد ولا في معنى واحد، فهو لا يوجب العلم ولا يؤدي إلى حصول القطع بصدق بعضها مهما تفرض تلك الأخبار؛ وذلك لأنّنا لو لاحظنا كلّ واحد منها في نفسه يحتمل فيه الصدق والكذب، فكيف يحصل القطع من مجموع هذه الروايات؟

وأشكل على ذلك مقرّر بحثه الشريف(2): بأنّه كما أنَّ التواتر اللفظي والمعنوي يوجب القطع كذلك التواتر الإجمالي، فلا فرق من هذه الناحية بينهما. 

ــــــــــ[360]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات2: 112.

(2) انظر: دراسات في علم الأصول3: 204.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وأمّا برهان أنّه لا يحصل القطع، لأنَّ كلّ واحد في نفسه محتمل الصدق أو الكذب، فهذا أيضاً يرد في باب التواتر اللفظي والمعنوي، فإنَّ كلّ واحد منهما أيضاً محتمل الصدق أو الكذب.

فمجرّد أنَّ كل واحد من هؤلاء الرواة محتمل الصدق والكذب لا يبرهن على عدم حصول القطع من التواتر الإجمالي. إذن، فحاله حال التواتر اللفظي والمعنوي من هذه الناحية.

نعم، يبقى سؤال واحد، وهو: أيّ فائدة في هذا القطع الحاصل من التواتر الإجمالي، بعد أنَّ نفرض أنّهم غير مشتركين في لفظ واحد ولا معنى واحد، فأيّ فائدة تحصل من ناحية هذا العلم بصدق بعض الرواة.

 فذكر في مقام الجواب: أنّه يمكن تصوير الفائدة فيما لو فُرض أنّه كانت هناك جهة مشتركة بين هؤلاء جميعاً يمكن انتزاعها من تمام مداليل هذه الأخبار، وتكون هذه الجهة المشتركة مدلولاً عليها بدلالة تحليلية في الكلام. فالقطع بصدق بعض هؤلاء يؤدي إلى القطع بصحّة هذه الجهة المشتركة، فيكون منتهياً إلى الأثر بهذا اللحاظ نفس هذا الإشكال حيث إنّه صدر من نفس مقرر العبارة فيمكن أن يُطبق على كلام الميرزا، وأن يكون مراد الميرزا من التواتر الإجمالي ما يشمل فرض وجود جهة مشتركة، وأنّه أنكر حصول القطع منه ولو فرض فيه جهة مشتركة. هذا ما أُفيد في المقام إشكالاً وجواباً.

تحقيق في التواتر الاجمالي 

ويمكن اقتناصه من النكات التي بيّناها في بحث التواتر في آخر بحث الإجماع. وحاصل هذا التحقيق بنحو الإجمال: هو أنَّ التواتر الإجمالي بما هو 

ــــــــــ[361]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

تواتر إجمالي لا يُعقل أنَّ يؤدّي إلى العلم -كما ذكر الميرزا- وإنَّما يُعقل أن يؤدّي إلى العلم بلحاظ فرض مؤنة زائدة فيه، وإلَّا فإنَّ صرف تكاثر الروايات والأخبار لا يُعقل أنَّ ينتهي عادة إلى حصول العلم.

وتوضيح ذلك: ليس عدم حصول العلم في مقام التواتر الإجمالي من ناحية أنَّ كلّ واحد من هؤلاء الرواة في نفسه محتمل الصدق والكذب، كما ذكر الميرزا حتّى يقال في جوابه: بأنَّ ذلك متوفر في باب التواتر اللفظي والمعنوي أيضاً، فإنَّ هذه الكلمات نشأت من ناحية عدم وضوح ملاكات حصول العلم من التواتر.

بل الصحيح في المقام هو أنَّ حصول العلم من باب التواتر الإجمالي لا منشأ له لو خُلّي وطبعه بلا مؤونة زائدة، إلَّا ما سمّيناه في باب التواتر بالمضعّف الكمي. يعني: نجمع كومة من الروايات بلا ضابط ولا جهة اشتراك أصلاً، ثُمَّ نقول: بأنَّ كذبها جميعاً في غاية البعد، بحيث يحصل القطع بعدم كونها جميعاً كاذبة، وليس هناك مبعّد لذلك إلَّا المضعّف الكمّي فقط؛ وذلك لأنَّ كذبها جميعاً يستبطن ضرب احتمال كذب كلّ واحد منها في احتمال كذب الآخر، حتّى يصل احتمال الكذب إلى كسر ضئيل جداً، فيبعّد هذا الكسر الضئيل مثلاً، ويحصل القطع بعدم كذبها جميعاً.

ومن المعلوم أنَّ هذا المبعّد الكمّي كما يُبعّد احتمال كذبها جميعاً يُبعّد أيضاً بنفس الملاك احتمال صدقها جميعاً، أو احتمال كذب الأوّل وصدق الباقي، أو احتمال كذب الثاني وصدق الباقي، فإنَّ أيّ تركيب من تراكيب هذه 

ــــــــــ[362]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الاحتمالات ينتج ضرب هذه الاحتمالات ببعض، حتّى نصل إلى نفس ذلك الكسر الضئيل الذي نصل إليه بناءً على قياس قوة كذبها جميعاً.

فلو صار البناء على أنَّ مثل هذا المقياس الكمّي يكون موجباً للوصول إلى مثل هذا الكسر الضئيل، وأنَّ هذا الكسر الضئيل يرفض ويحصل لنا القطع بعدمه، لكان معنى هذا أنّه يحصل لنا القطع بعدم كذبها جميعاً وبعدم صدقها جميعاً وبعدم كذب الأوّل مع صدق الباقي، وبعدم كذب الثاني مع صدق الباقي جميعاً، وهكذا حتّى يحصل لنا القطع بانتفاء تمام الاحتمالات وهو خُلف.

فمثل هذا المقياس الكمّي بالبرهان الرياضي يستحيل أن يكون مؤثراً في إعدام الكسور الضئيلة، فهذه الكسور الضئيلة تبقى على حالها مهما كانت ضئيلة.

فلو لم يكن في باب التواتر اللفظي والمعنوي إلَّا هذا المقياس فقط. إذن، لقلنا هناك أيضاً بعدم حصول العلم، ولكن هناك مضعّف آخر سمّيناه في باب التواتر بالمضعّف الكيفي إلى صف المضعّف الكمّي، وهو الذي يحمل رسالة المضعّف الكمّي فيوصل الإنسان إلى القطع بعدم كذبها جميعاً.

فمِن(1) هذه الناحية يصبح هذا الكسر الضئيل الناتج من ضرب احتمالات الكذب بعضها مع بعض في باب التواتر اللفظي والمعنوي، فيصبح هذا الكسر أضئل وأقل بكثير من الكسر الناتج من ضرب الاحتمالات بترتيب آخر غير هذا الترتيب؛ لأنّه هنا يضاف المضعّف الكيفي إلى الكمّي.

ــــــــــ[363]ــــــــــ

() وبعد أن شرح سيّدنا الأُستاذ فكرة عن المبعّد الكيفي، وذكر أنّه له مبعّد ذاتي في نفسه كأن يجتمع الرواة الألف على تزويج زيد مثلاً قال:… (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وفي باب التواتر الإجمالي الساذج فالمضعّف الكيفي غير موجود، وإنَّما هو متمحض في المبعّد الكمّي.

وكأنَّ الميرزا بفطرته السليمة، وإن لم يصل إلى المطلب بالصناعة والبرهان، أدرك هذا المطلب، فذكر -ونعم ما ذكر- أنَّ القطع لا يحصل من التواتر الإجمالي.

لكن لو فُرض أنَّ مثل هذا التواتر الإجمالي كان فيه جهة اشتراك، فهذه الروايات المختلفة لفظاً ومعنى فيها جهة اشتراك، إمّا اشتراك من ناحية الخبريّة وإمّا من ناحية المخبريّة.

إمّا اشتراك من ناحية نفس الخبرية بأن نفرض بأنَّ هذه الأخبار كلّها واقعة في ساعة معينة من الزمان، مثلاً نقول: بأنَّ تمام الأخبار التي وقعت في يوم السبت المنصرم في العالم، فتمام هذه الأخبار هل يحتمل أحد أنّه بتمامها كذب؟ لا، باعتبار جهة اشتراك خبري في نفس الأخبار.

أو جهة اشتراك في المخبريّة، لا في الأخبار، فإن نفرض أنَّ هذه الأخبار كلّها تشترك في مدلول تحليلي ينتزع من هذه المداليل، وفي ذلك قد يقول حينئذٍ: المضعّف الكيفي إلى صف المضعّف الكمّي ينتج القطع من هذا المضعّف الكيفي لكن بدرجة أبطأ وبنحو أقل من التواتر اللفظي والمعنوي، بنحو فصّلنا نكاته في بحث التواتر.

ومن هنا يظهر أنَّ جهة الاشتراك بين مداليل الأخبار هي في الحقيقة الملاك في حصول العلم، لا كما يذكر السيّد الأُستاذ من أنَّ العلم يحصل بمجرّد كثرة 

ــــــــــ[364]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الأخبار، لكن فائدة هذا العلم ما إذا كانت هنا جهة اشتراك، بل جهة الاشتراك هي ملاك حصول العلم، لا أنّها هي فائدة العلم الحاصل من ناحية الكثرة الإجمالية، فما ذكره السيّد الأُستاذ أيضاً من حيث الملاك الفني كالذي ذكره المحقّق النائيني.

وحاصل المختار: أنَّ التواتر الإجمالي إذا فُرض أنَّ فيه جهة اشتراك تولّد مبعّداً كيفياً يضاف إلى المبعّد الكمّي، فيتولد العلم حينئذ وأمّا إذا لم يكن فيه جهة اشتراك بحيث يتولّد المبعّد الكيفي، فلا يتولّد العلم. هذا حال المقدّمة التي ذكروها.

بعد هذا جاءوا إلى الأخبار الدالّة على حجّيّة خبر الواحد، فذكروا: أنَّ هذه الأخبار وإن لم تكن متواترة لفظاً ولا متفقة معنى، إلَّا أنّها متواترة إجمالاً بهذا المعنى الذي قبلناه نحن من التواتر الإجمالي، يعني: أنَّ الحجّيّة منتزعة تحليلاً من تمام مداليل الأخبار وإن اختلفت سعة وضيقاً وشروطاً وقيوداً باختلاف مضامين الأخبار ومداليلها.

فإذا تمّ التواتر بهذا النحو يثبت بذلك حجّيّة خبر الواحد، لكن الذي يثبت إنَّما هو أضيق المداليل، أي: تثبت الجهة المشتركة، والنتيجة تتبع أخس المقدّمات، فيثبت القدر المتيقن وهو خبر الثقة العدل الإمامي مثلاً، على ما يقول صاحب الكفاية(1)، فتثبت حجّيّة التواتر.

ويوجد في نفس روايات الباب خبر ثقة عدل إمامي يدلّ على حجّيّة مطلق 

ــــــــــ[365]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 302.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

خبر الثقة فتثبت في المرحلة الثانية حجّيّة مطلق خبر الثقة بالخبر الثقة العدل الإمامي الثابت حجّيّته بالتواتر. هذا أيضاً خلاصة ما ذكروه في مقام تحقيق التواتر في المقام.

ولم أر شخصاً بعيني(1) يقول: أنَّ هذه الرواية من الروايات التي هي رواية الثقة العدل الصحيح الإمامي الادلائي -على ما يعبرون- الدالة على حجّيّة خبر الواحد.

واحتمل ولو من باب سوء الظن أنَّ هذا الكلام ذكر في علم الاصول بنحو الفرضية، لا ينتمي إلى الواقع الخارجي، غاية الأمر أنّه حصل للكاتب في مقام الكتابة اطمئنان بهذه الفرضية قبل الفحص؛ ولذا لم يشخص مثل هذه الرواية، ثُمَّ اقتفى غيره أثره، وإلَّا فإنَّ هؤلاء المحقّقين الذين وقفوا في دلالة آية النبأ وآية النفر لكانوا قد دققوا في دلالة هذه الأخبار التي يُدّعى تواترها بالنحو الذي دققوا فيه في آية النبأ والنفر ولعرفوا أنّه لا تواتر في المقام، بمعنى: أنَّ الأخبار التي تسلم في مقام الدلالة على حجّيّة خبر الواحد ليست بالكثرة الكميّة التي يحصل بها التواتر الذي ملاكه الكثرة وتواتر الخبر من مخبرين كثيرين، فإنَّ أكثر الروايات التي ذكرت تحت هذا العنوان أجنبية عن ذلك. نعم، تحت هذا العنوان تذكر أخبار كثيرة جداً وصل رقمها في الوسائل(2) إلى 

ــــــــــ[366]ــــــــــ

() لا يُفهم من هذا أنَّ مثل هذه الرواية غير موجودة، بل هي متوفرة على ما سيأتي، إلَّا أنَّ مقصود سيّدنا الأُستاذ من هذا الكلام هو: انتقادهم على عدم تعيينها. (المُقرِّر).

(2) انظر: وسائل الشيعة، كتاب القضاء. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

حوالي مئة وفي جامع أحاديث الشيعة (للبروجردي)(1) إلى أكثر من مئتين وستين أو سبعين، ولكن أكثر من تسعة أعشار هذه الروايات بعيد عما هو محلّ الكلام، ولا يدلّ على حجّيّة خبر الواحد بوجه، فالصحيح أنّه لا تواتر في المقام، والبحث في هذا يقع  في مقامين:

الكلام في مقامين 

المقام الأوّل: في الإشارة إجمالاً إلى الطوائف التي لا تتم دلالتها على حجّيّة خبر الواحد.

 المقام الثاني: في الغربلة في ملاحظة ما يتبقى حينئذٍ من الروايات التي تدلّ على حجّيّة خبر الواحد من مجموع هذه الأخبار الكثيرة وما هي هذه الروايات وما هو موقفنا وتكليفنا تجاهها.

المقام الأوّل: في الطوائف غير الدالة على حجّيّة.

وهو الطوائف التي لا تدلّ على حجّيّة خبر الواحد من الأخبار التي جعلت جزءاً من التواتر في المقام في كتب الحديث وامضيت امضاء سكوتياً وتقريرياً من قبل الآخرين.

الطائفة الأولى: [الدالة على تصديق روايات الثقة لا بنحو جعل الحجية]

التي لا تدلّ على أكثر من تصديق روايات الثقة -مثلاً- بنحو الحكم الواقعي، لا بنحو جعل الحجّيّة وجعل الحكم الظاهري فيها فيشهد الإمام بأنَّ 

ــــــــــ[367]ــــــــــ

(1) جامع أحاديث الشيعة 1: 222.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

هذا صادق في قوله، وهذا أجنبي عن باب الحجّيّة، ولمن جعل الحكم الظاهري على طبق خبر من قبيل هذه الروايات: 

(26)(1) منها: عن أبي بصير عن حماد بن عبيد الله ابن أُسيّد الهروي عن داوود بن القاسم أنَّ جعفر الجعفري قال: ادخلت كتاب (يوم وليلة) الذي ألفه يونس بن عبد الرحمن على أبي الحسن العسكري فنظر فيه وتصفحه كلّه، ثُمَّ قال: “هذا ديني ودين آبائي وهو الحقّ كلّه(1).

وطبعاً هذه الرواية تدلّ على حجّيّة مثل هذا الكتاب، لكنها تدلّ على حجّيّته من باب شهادة المعصوم بمطابقته للواقع، وأنّه حقّ كلّه، وما أعظمها من شهادة!

ومنها: ما رواه محمّد بن يعقوب الكليني عن اسحاق بن يعقوب… فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان، وإلى أن قال: “أمّا محمّد بن عثمان العمري فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنّه ثقتي وكتابه كتابي(3).

فقوله: (كتابه كتابي) قابل للتنزيل على الشهادة؛ لأنّها قضية خارجيّة فيُنزّل على الشهادة بأنَّ كتابه الخارجي مطابق للواقع؛ لأنَّ العمري كان من وكلائه فالشهادة بالمطابقة للواقع بالنسبة إليه أمر محتمل، وإن لم يكن ظاهر 

ــــــــــ[368]ــــــــــ

() هذه الأرقام هي تسلسل الروايات في كتاب مستند الشيعة للبروجرودي. باب أخبار الثقات. (المُقرِّر).

(2) وسائل الشيعة 27: 100، باب إنّه يجوز للمؤمن أن يأخذ بالعول، الحديث 75.

(3) كتاب الغيبة للطوسي: 362، فصل في ذكر أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري والقول فيه.‏

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الكلام هذا فلا أقل من عدم إبائه من ذلك(1).

ومنها: ما في رجال الكشي عن سعد بن جناح الكشي، قال: “سمعت محمّد بن إبراهيم السمرقندي يقول… فخرجت من سرّ من رأى ومعي كتاب يوم وليلة فدخلت على أبي محمّد واريته ذلك الكتاب، فقلت له: جعلت فداك، إنّي رأيت أن تنظر فيه، فلما نظر فيه وتصفحه ورقة ورقة، قال: هذا صحيح ينبغي أنَّ يُعمل به(2).

 فهذا مقام بيان مطابقة الكتاب للحكم الواقعي، وكذلك عدة روايات أُخرى لا بأس بسردها لتعم الفائدة:

ففي رواية الكشي محمّد بن الحسين بن محمّد الهروي عن حامد بن محمّد الأزدي البوشجي عن الملقب بفورا من أهل البوزجان من نيشابور، أنَّ أبا محمّد الفضل بن شاذان كان وجهه إلى العراق إلى حيث أبو محمّد الحسن بن علي (صلوات الله عليهما) فذكر: أنّه دخل على أبي محمّد، فلما أراد أن يخرج سقط منه كتاب في حضنه ملفوف في ردائه، فتناوله أبو محمّد ونظر فيه، وكان الكتاب من تصنيف الفضل بن شاذان فترحم عليه، وذكر أنّه قال: (أغبط أهل خراسان بمكان الفضل بن شاذان وكونه بين أظهرهم)(3).

ــــــــــ[369]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً عن سؤال: من حيث تعبير ثقتي يأتي الكلام فيه في طائفة أُخرى. (المُقرِّر).

(2) رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال) :537، الحديث 1023.

(3) رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال) :542، الحديث 1027.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ومنها: حدثني محمّد بن الحسن البراني قال: حدثنا الحسن بن علي بن كيسان عن اسحاق بن إبراهيم عن محمّد اليماني عن اذينة عن أبان بن أبي عياش، قال: هذه نسخة كتاب سليم بن قيس العامري، ثُمَّ الهلالي رفعه إلى أبان بن أبي عياش وقرأه وزعم أبان أنّه قرأه على عليّ ابن الحسين قال: “صَدَقَ‏ سُلَيْمٌ‏ رَحِمَهُ اللَّـهُ هَذَا حَدِيثُنَا كُلُّهُ‏ نَعْرِفُه(1).

ومنها: ما عن السيّد بن طاووس في فلاح السائل… قال عرض أحمد بن عبد الدين بن خانبه كتابه على مولانا محمّد بن علي بن محمّد صاحب العسكر فقرأه، وقال: “صَحِيحٌ فَاعْمَلُوا بِه‏”(2).

ومنها: ما في الكافي عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن محمد بن الحسن أبي خالد شينولة، قال: قلت لأبي جعفر الثاني: جعلت فداك أنَّ مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله وكانت التقية شديدة، فكتموا كتبهم فلم يرووا عنهم، فلما ماتوا صارت الكتب إلينا، فقال: “حَدِّثُوا بِهَا؛ فَإِنَّهَا حَقٌّ(3).

الطائفة الثانية: ما أخذ فيها عنوان الورود

ما كان موضوعه عنوان الورود منهم (عليهم الصلاة والسلام) كالرواية السادسة من هذا الباب، فإنّه فيها وفي غيرها أيضاً عنوان الأخذ هو ما يرد منكم.

ــــــــــ[370]ــــــــــ

(1) كتاب سليم بن قيس الهلالي1: 91، الحديث 1.

(2) فلاح السائل ونجاح المسائل: 289.

(3) الكافي ‏1: 131، باب رواية الكتب والحديث وفضل الكتابة، الحديث15.  

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الوسائل عن الحسن بن الجهم، قال للعبد الصالح: هل يسعنا في ما ورد عنكم إلّا التسليم كلّه، فقال: “لَا وَاللَّـهِ(1) لَا يَسَعُكُمْ‏ إِلَّا التَّسْلِيمُ لَنَا“. فقلت: فيروى عن أبي عبد الله شيء ويروى عنه بخلافه، فبإيّهما نأخذ، فقال: “خُذْ بِمَا خَالَفَ الْقَوْمَ وَمَا وَافَقَ الْقَوْمَ فَاجْتَنِبْه‏”(2)

وهذه عبارة أُخرى عن حجّيّة قول الأئمّة، بمعنى: عدم جواز الرأي والاجتهاد والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، فالعنوان ما يرد عنهم، وأمّا الخبر الواحد فنشكّ في أنَّ هذا النصّ هل ورد منهم أو لم يرد منهم، ومثل هذا الكلام لا يكون متكفّلاً لإثبات موضوعه، وهو عنوان الورود منهم، وإنَّما يكون ناظراً إلى عدم جواز إعمال الهوى والرأي كما كان عليه ديدن علماء الضلال يومئذٍ في مقام استنباط الأحكام الشرعيّة، فهذه الطائفة أيضاً لا دلالة لها على حجّيّة خبر الواحد.

الطائفة الثالثة: [الدالة على الترغيب في أخذ الحديث]

الحث على تحمل الحديث وحفظه من قبيل رواية جابر المروية في المحاسن عن أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه عن يونس بن عبد الرحمن عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر، قال: “سَارِعُوا فِي طَلَبِ‏ الْعِلْمِ‏ فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَحَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي حَلَالٍ وَحَرَامٍ تَأْخُذُهُ عَنْ صَادِقٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا حَمَلَتْ مِنْ 

ــــــــــ[372]ــــــــــ

() هذا الجزء لم يروه السيد في المحاضرة. (المُقرِّر).

(2) وسائل الشيعة 27: 118، باب وجوهِ الجمعِ بَيْن الْأَحَادِيثِ الْمخْتَلِفَةِ وَكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ بِهَا، الحديث 31.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ‏مَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (1)(2).

وهذه الرواية أيضاً أجنبيّة عن محلّ الكلام، وما كان بهذا اللسان من الروايات؛ وذلك لأنّه ترغيب في أخذ الحديث، ولا إشكال أنَّ أخذ الحديث من أهمّ المستحبات، بل هو من أهمّ الواجبات الكفائيّة التي بها تحفظ الشريعة وأفكار الإسلام وأحكامه وتقاليده، ويقدم في مقام التزاحم على أكثر الواجبات الأُخرى، وهذا ليس هذا مربوطاً بباب حجّيّة خبر الواحد.

وأمّا قوله: (تأخذه من صادق) فإن جمدنا على حاقّ العبارة فمعناه تأخذه من شخص صادق لا يكذب بحسب الخارج، لا من شخص يحتمل كذبه. ولكن من المحتمل قوياً أن يكون المقصود من الصادق هنا الإمام فهو كناية عن الإمام الذي هو الصادق المطلق، بقرينة استشهاده بآية: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ باعتبار أنَّ الرسول والأئمّة هم الصادق المطلق.

وكذلك مثلاً روايات: من حفظ من أمتي أقل أربعين حديثاً، والتي لا يبعد استفاضتها بل أكثر؛ ولهذا كان العلماء السابقون يتبركون بكتابة أربعين حديثاً بخطهم لأجل أن يكونوا مشمولين لمثل هذه الروايات، بناءً على فهم المعنى الحرفي من العبارة.

ومنها: ما عن أنس قال: قال رسول الله: “مَنْ‏ حَفِظَ مِنْ‏ أُمَّتِي أَرْبَعِينَ 

ــــــــــ[372]ــــــــــ

(1)  الحشر: 7.

(2) المحاسن1: 227، باب الحث على طلب العلم،‏ الحديث 156.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

حَدِيثاً مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ بَعَثَهُ اللَّـهُ (عَزَّ وَجَلَّ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقِيهاً عَالِما(1).

وهذه الروايات كلّها أجنبيّة عن محلّ الكلام، فإنَّ الحث على حمل أحكام الشريعة وحمل ثقافة الإسلام لا ربط له بأنَّ هذا الشخص المبلغ هل يقبل منه تعبّداً أو لا؟ فإنَّ هذا واجب كفائي على عموم المسلمين حفظاً للشريعة وإبقاء للإسلام.

الطائفة الرابعة: وهي التحويل على أشخاص مخصوصين.

فمنها: هذه الرواية(2) الواردة في فضل السيّد عبد العظيم الحسني، حيث ذكر للإمام وقال: سألناه عن أشياء من الحلال والحرام فأجابني فيها، فلما ودعته قال لي: “يَا حَمَّادُ إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْ‏ءٌ مِنْ أَمْرِ دِينِكَ بِنَاحِيَتِكَ فَسَلْ عَنْهُ عَبْدَ الْعَظِيمِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الحَسَنِيَّ وَ أَقْرِأْهُ مِنِّي السَّلَام‏”(3)، فهو يحوّله على شخص مخصوص هو السيّد عبد العظيم.

ومنها: كذلك الرواية الأُخرى: قال الصادق: “إِنَّ أَبَانَ بْنَ تَغْلِبَ رَوَى عَنِّي رِوَايَةً كَثِيرَةً فَمَا رَوَاهُ لَكَ عَنِّي‏ فَارْوِهِ‏ عَنِّي‏”(4).

ــــــــــ[373]ــــــــــ

() ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 134، ثواب من حفظ أربعين حديثاً.  

(2) انظر نص الرواية في صفحة 389 من هذا الدفتر. (المُقرِّر).

(3) مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل17: 321، باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى الى رواة الحديث،32.

(4) وسائل الشيعة 27: 91، باب وجوب العمل بأحاديث النبي والأئمّة، الحديث 49.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ومنها: ما في رجال الكشي: محمّد قولويه قال: حدثني سعد بن عبد الله قال: حدثني محمّد بن الحسين ابن أبي الخطاب، عن محمّد بن سنان، عن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله يوماً ودخل عليه الفيض بن المختار، فذكر له آية من كتاب الله يأولها أبو عبد الله فقال له الفيض: جعلني الله فداك، ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتكم، قال: “وَأَيُّ الِاخْتِلَافِ يَا فَيْض“. فقال له الفيض: إنّي لأجلس في حلقاتهم في الكوفة فأكاد أشكّ في اختلافهم في حديثهم، حتّى أرجع إلى المفضل بن عمر فيوقفني من ذلك على ما تطيب إليه نفسي ويطمئن إليه قلبي. فقال أبو عبد الله: “أَجَلْ هُوَ كَمَا ذَكَرْتَ يَا فَيْضُ! -هو كما ذكرت، يعني في أصل المطلب، وليس في هذا الجواب إمضاء لاعتقاد ذاك الشخص بالمفضل بن عمر- إِن النَّاسَ أَوْلَعُوا بِالْكَذِبِ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّـهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ لَا يُرِيدُ مِنْهُمْ غُرَّةً وَ إِنِّي أُحَدِّثُ أَحَدَهُمْ بِالحَدِيثِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِي حَتَّى يَتَأَوَّلَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَطْلُبُونَ بِحَدِيثِنَا وَبِحُبِّنَا مَا عِنْدَ اللَّـهِ وَإِنَّمَا يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا، وَكُلٌّ يُحِبُّ أَنْ يُدْعَى رَأْساً أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَرْفَعُ نَفْسَهُ إِلَّا وَضَعَهُ اللَّـهُ وَمَا مِنْ عَبْدٍ وَضَعَ نَفْسَهُ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّـهُ وَشَرَّفَهُ، فَإِذَا أَرَدْتَ بِحَدِيثِنَا فَعَلَيْكَ بِهَذَا الجَالِسِ وَأَوْمَى إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَسَأَلْتُ أَصْحَابَنَا عَنْهُ فَقَالُوا زُرَارَةُ بْنُ أَعْيَنَ(1).

وبهذا التحذير بعد ذلك المدح من قبل هذا الشخص للمفضل بن عمر فيه ما فيه من الإشعار بالدغدغة.

ــــــــــ[374]ــــــــــ

(1) رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال):135، الحديث 216.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ومحلّ الشاهد من هذه الرواية هي قوله: (عليك بهذا الجالس هنا) تحويل على زرارة(1).

وهذه الروايات وهذه التحويلات على هؤلاء الأشخاص يُستبعد جدّاً أن تكون شهادة بمطابقة تمام ما يقوله هؤلاء للواقع؛ لأنَّ مثل هذه الشهادة لا تكون إلَّا بعنوان علم الغيب من قبل الأئمّة، وإلَّا ماذا يُدري الإمام لولا إمامته وعلمه بالغيب، بأنَّ هذا لا يخطأ ولا يسهو ولا ينسى ولا يجعل شيئاً في غير موضعه، فمن البعيد جدّاً أن تكون هذه شهادة بمطابقة تمام ما يخبرون للواقع، فلا بُدَّ أن يكون دالّاً على التعبّد بحجّيّة قولهم.

لكن هل التعبّد بحجّيّة قولهم بلحاظ احتمال الكذب أو بلحاظ احتمال الخطأ أو بلحاظ كلا الاحتمالين؟

القدر المتيقن هو أن يكون التعبّد بقولهم من ناحية احتمال الخطأ؛ لأنَّ نفي احتماله من قبل الإمام بالنسبة إلى تمام ما يروي زرارة وأبان والسيّد عبد العظيم لا يأتي إلَّا بالطريق الغيبي، وحيث إنَّ اعمال الطريق الغيبي خلاف الظاهر، فيُستكشف من ذلك جعل الحجّيّة لا محالة.

ــــــــــ[375]ــــــــــ

() ومنها: أيضاً رواية أشار إليها السيّد الأُستاذ في ورقة ولم يذكرها في المحاضرة، وهي ما رواه الكشي في رجاله: “حدثني علي بن محمّد القمي، قال: حدثني الفضل بن شاذان، قال: حدثني عبد العزيز بن المهتدي وكان خير من رأيته، وكان وكيل الرضا وخاصته، قال سألت الرضا فقلت: إني لا القاك في كلّ وقت فممن آخذ معالم ديني، قال: خُذْ مِنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن“. (المُقرِّر).

انظر: رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال):483، الحديث 910.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وأمّا أنّه جعل للحجّيّة بلحاظ تعمّد الكذب أيضاً، فمثل هذا يمكن إنكار دلالتها عليه.

 يمكن أن يقال: إنَّ الإمام كان قاطعاً لعدم تعمّدهم للكذب، وليس مثل هذا القطع أمراً غيبياً، فإنَّ الشخص قد يقطع بهذا بالنسبة إلى أصحابه وصفوته ومن عاش معهم، ومن درس عنده وتخرج على يده، فإنَّ كلّ واحد منا قاطع بأنَّ بعض الأشخاص ممّن يعرف لا يتعمّد الكذب.

وحيث إنَّ الموضوع المحوّل عليه ليس طبيعي الثقة، حتّى يقال: بأنَّ طبيعي الثقة كيف يقطع بعدم تعمّده للكذب، فإنَّ القضية خارجيّة، ومخصوصة بشخص خاص، وهذا الشخص الخاص في تمام هذه الروايات له علاقات مفصّلة مع الإمام أو له قرابة معه كالسيّد عبد العظيم الذي لا ندري مقدار علاقته بالأئمّة فمثل هذه الروايات وإن كانت تدلّ على الحجّيّة لكن لا تدلّ على الحجّيّة بالمعنى المبحوث عنه في المقام، فلا يكون فيها دلالة على الغاء احتمال تعمّد الكذب تعبّداً، وإن كان فيها دلالة على الغاء احتمال المخالفة للواقع ولو من ناحية احتمال الخطأ.

فالطائفة الرابعة هي التي تحوّل على شخص كزرارة وأمثال زرارة، فإنّها وإن كانت تدلّ على الحجّيّة، وعلى التعبّد بإلغاء احتمال الخلاف، ولكنها تدلّ على الغائه من ناحية احتمال الخطأ، فهذا هو القدر المتيقن من مدلولها، وليس فيها دلالة على الغاء احتمال الخلاف تعبّداً من ناحية تعمد الكذب.

ونفس هذه النكتة أيضاً موجودة في الطائفة الثالثة، أي: الطائفة التي أُخذ 

ــــــــــ[376]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

في موضوعها عنوان الورود منهم فإنّها حيث فُرض في موضوعها عنوان الورود منهم فلا يمكن أن يتكفّل لإثبات الصدور منهم تعبّداً في موارد خبر الواحد؛ لكي يمكن الاستدلال بها على الحجّيّة من ناحية نفي احتمال الخطأ، فإنَّ الغالب في الدليل فيما ينقل منهم ولو نقلاً قطعياً، هو احتما ل الخطأ، ونفيه لا يكون إلَّا بالتعبّد، فقول الإمام: “لَا وَاللَّهِ لَا يَسَعُكُمْ‏ إِلَّا التَّسْلِيمُ لَنَا(1)، يكون ملازماً عرفاً مع الغاء احتمال الخلاف من ناحية احتمال الخطأ، باعتبار الملازمة العرفيّة.

الطائفة الخامسة: [الآمرة بنقل المفاهيم الإسلامية]

الطائفة الخامسة: وهي الدالّة على الأمر بنقل بعض الأشياء وبعض النكات والمفاهيم الإسلاميّة، حيث يأمر الإمام الرواة بنقلها.

فمنها: ما روى الكافي عن الحسين بن محمّد، عن معلّى بن خنيس وعدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد جميعاً، عن الوشاء عن أحمد بن عائذ، عن أبي الحسن السواق(2) عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله، قال: “يَا أَبَانُ إِذَا قَدِمْتَ‏ 

ــــــــــ[377]ــــــــــ

() وسائل الشيعة 27: 118، باب وجوهِ الجمعِ بَيْن الْأَحَادِيثِ الْمخْتَلِفَةِ وَكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ بِهَا، الحديث 31.

(2) لا يخفى أنَّ السيّد الأُستاذ كان يُسقط السند في أثناء كلامه، فكلّ ما كتبناه تقريباً عن السند فهو منا لعموم الفائدة، ولما سألته عن النكتة في حذف السند.

قال: إنَّ الكلام في التواتر، ولا يحتاج معه إلى السند.

فقلت: إنَّ تواتر الثقات أوثق. 

فقال: أمّا الأخبار غير الدالّة فلا تنفعنا على كلّ حال، وأمّا الأخبار الدالّة فغير متواترة على وثاقتها. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الْكُوفَةَ فَارْوِ هَذَا الحَدِيثَ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ مُخْلِصاً وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة(1)

ومنها: رواية علي بن الحسين بن فضال، عن معاوية بن حكيم عن أبي مالك الحضرمي، عن أبي العباس البقباق قال: دخلت على أبي عبد الله فقال لي: “ارْوِ عَنِّي‏ أَنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَقَدْ بَانَتْ مِنْه‏”(2).

ومنها: في ما يأمر الإمام الراوي بنقل بعض المفاهيم الإسلاميّة والأحكام. ومثل هذا لا يدلّ على الحجّيّة، إلّا ببعض التقريبات التي سبقت في الآيات السابقة، من حيث إنَّ الأمر بالبيان مطلقاً ولو لم يحصل منه العلم ملازم عقلاً مع وجوب القبول، كما سبق في آية النفر مع جوابه.

الطائفة السادسة: الدلة على أنفعية السامع أكثر من الراوي 

الطائفة السادسة: ما دلّ على انتفاع السامع بالرواية قد يكون أكثر من الراوي، منها رواية عوالي اللئالي عن النبي قال: “رَحِمَ اللَّـهُ امْرَأً سَمِعَ‏ مَقَالَتِي‏ فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيه‏(3). وفي رواية “رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْه(4).

ــــــــــ[378]ــــــــــ

(1) الكافي 2: 521، باب من قال: لا إله إلَّا الله مخلصاً، الحديث 1.

(2) وسائل الشيعة 15: 321، باب أنَّ المخالف إذا كان يعتقد وقوع الثلاث، الحديث 8.

(3) عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية66:4، الحديث 24.

(4) عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية66:4، الحديث 25.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ومنها: هذه الرواية -وإن لم يشر اليها سيّدنا الأُستاذ- وهي ما في الكافي عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبان بن عثمان عن أبن أبي يعفور عن أبي عبد الله:”أَنَّ رَسُولَ اللَّـهِ خَطَبَ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الخَيْفِ فَقَالَ نَضَّرَ اللَّـهُ عَبْداً سَمِعَ‏ مَقَالَتِي‏ فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَ بَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ وَ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ‏ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّـهِ وَالنَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ‏ وَاللُّزُومُ لِجَمَاعَتِهِمْ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ مُحِيطَةٌ مِنْ وَرَائِهِمْ المُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ(1).

فقد يتوهّم أنّه يمكن الاستدلال بهذه الطائفة باعتبار أنفعيّة السامع من الراوي لا يكون مع عدم الحجّيّة(2) إلَّا أنّها لا تدلّ على ما هو محلّ الكلام؛ لأنّها ليست ناظرة إلى جهة صدور النص وعدم صدوره، بل بعد الفراغ عن صدوره ناظرة إلى جهة أُخرى، وهي جهة أنَّ فهم الحديث أهمّ من حفظه الدرخي، بأنَّ المهم في الإسلام ليس هو أنَّ الإنسان يصبح قلبه وصدره متناً للأحاديث، كأنّه كتاب في الأحاديث والأخبار، وإنَّما المهم أن يفهم هذه الأحاديث ويستوعبها ويفهم المغزى والمفهوم منها، فربّ حامل فقه إلى من أفقه منه، وسامع ينتفع أكثر من الراوي، بمعنى: أنَّ حقيقة الانتفاع ليس بحفظ الألفاظ، وإنَّما هو 

ــــــــــ[379]ــــــــــ

() الكافي 1: 403، باب ما أمر النبي بالنصيحة لأئمّة المسلمين، الحديث 1.

(2) فالأنفعيّة موقوفة على الحجّيّة ولولاها لما كان السامع محلّ انتفاع بهذه الرواية. (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بحفظ المفاهيم والمعاني والتوصل إلى ما يريده الشارع من وراء الألفاظ، فهو في مقام البيان من هذه الناحية، وليس في مقام البيان من ناحية أنَّ الرواية صدرت أو لم تصدر، حتّى يُتمسّك بها في مقام جعل الحجّيّة.

الطائفة السابعة: الروايات الدالّة على الثناء على المحدثين وحملة الأخبار

الروايات الدالّة على الثناء على المحدثين وحملة الأخبار، وهي روايات كثيرة بالثناء على الذين حملوا الروايات وحملوا فقه آل محمد

فمثلاً في أمالي الصدوق حدثنا الحسين أحمد بن ادريس، قال: “حدثنا أبي محمّد أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري عن محمّد بن حسان الرازي عن محمّد بن علي عن عيسى بن عبد الله العلوي العمري عن أبيه عن آبائه عن علي قال: اللَّهُمَّ ارْحَمْ‏ خُلَفَائِي‏ ثَلَاثاً، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ‏ خُلَفَاؤُكَ؟ قَالَ: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ حَدِيثِي وَ سُنَّتِي ثُمَّ يُعَلِّمُونَهَا أُمَّتِي(1).

 بناءً على أنَّ المراد من هؤلاء هم الرواة لا خصوص الأئمّة.

وكذلك رواية معاوية بن عمار وهو ما رواه الكافي عن الحسين بن محمّد عن أحمد بن اسحاق عن سعدان بن مسلم عن معاوية بن عمار قال: “قلت لأبي عبد الله: رجل رواية لحديثكم يبث ذلك في الناس ويشدده في قلوب شيعتكم، ولعلّ عابداً من شيعتكم ليست له هذه الرواية، فإيّهما أفضل. قال: الرَّاوِيَةُ لِحَدِيثِنَا يَشُدُّ بِهِ قُلُوبَ شِيعَتِنَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ‏ عَابِدٍ(2).

ــــــــــ[380]ــــــــــ

(1) الأمالي (للصدوق): 181، المجلس الرابع والثلاثون‏، الحديث4.

(2) الكافي 33:1، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، الحديث 9.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وهناك عدة روايات بهذا النحو، فمنها رواية رجال الكشي حدثني حمدويه بن نصير قال: “حدثني يعقوب بن يزيد ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمّد بن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد وغيره قالوا: قال أبو عبد الله: رَحِمَ اللَّـهُ زُرَارَةَ بْنَ أَعْيَنَ لَوْ لَا زُرَارَةُ بْنُ أَعْيَنَ لَوْ لَا زُرَارَةُ وَنُظَرَاؤُهُ لَانْدَرَسَتْ‏ أَحَادِيثُ أَبِي‏”(1)(2).

الطائفة الثامنة: ما دلّ على حمل رسالة الدين من العدول في كلّ قرن

فهناك روايات دالّة على أنّه في كلّ قرن وفي كلّ عصر يُقيض الله له عدولاً أبراراً أخياراً يحملون رسالة هذا الدين ويدافعون عنه، وينفون ما يورد عليه من شبهات وإشكالات؛ لأجل أنَّ يبقى الدين إلى يوم القيامة.

من قبيل(3) ما في رجال الكشي محمّد بن مسعود بن محمّد، قال: حدثني علي بن محمّد بن فيروزان القمي، قال: حدثنا أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، قال: حدثنا أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن اسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله: قال: “قَالَ رَسُولُ اللَّـهِ: يَحْمِلُ هَذَا الدِّينَ فِي كُلِّ قَرْنٍ عُدُولٌ يَنْفُونَ عَنْهُ تَأْوِيلَ المُبْطِلِينَ وَتَحْرِيفَ‏ الْغَالِينَ‏ وَانْتِحَالَ الجَاهِلِينَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الحَدِيد(4). وغيره.

ــــــــــ[381]ــــــــــ

() رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال): 136، الحديث217.

(2) ويلاحظ: أنَّ سيّدنا الأُستاذ لم يذكر هنا مناقشة لهذه الطائفة. (المُقرِّر).

(3) من الآن إلى آخر الطوائف غير الدالّة لم يورد نص الرواية في المحاضرة، وإنَّما نقلناها من إشارة لسيّدنا الأُستاذ في ورقة مستقلّة. (المُقرِّر).

(4) رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال): 4، الحديث5.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وقد يتخيّل أنَّ هذه الروايات واردة في مقام جعل الحجّيّة لأجل أنَّ هؤلاء الذين يحملون الدين هم الرواة الذين يحملون أحكامه ويروون أحاديثه. وحينئذٍ حمايتهم للدين فرع حجّيّة قولهم، وإلَّا لو لم يكن قولهم حجّة، فأيّ حماية منهم؟

إلَّا أنَّ الصحيح أنَّ المقصود من هؤلاء ليس هم الرواة، بل هم من يستحقوا شرف الحماية عن الإسلام وعن أحكامه ومبادئه بالعلم والمنطق والبرهان والمحاججة ونحو ذلك من الأمور، فهؤلاء الذين هم حجج الإسلام بالحقيقة، هم الذين يهيئهم الله على رأس كلّ قرن أو في كلّ عصر -على اختلاف الروايات- لأجل أن يُبقوا الرسالة واضحة الدليل والبرهان، ولأجل أنَّ تبقى حجّة الله هي العليا، ويبقى باب الهداية مفتوحاً على مصراعيه للعالمين.

فالمقصود من هؤلاء هم المجتهدون في الإسلام اجتهاداً كاملاً من جميع جهاته أصولاً وفروعاً، وليس المقصود منهم مجرّد من ينقل الألفاظ والحروف.

الطائفة التاسعة: ما دلّ على الأمر بحفظ الكتب والترغيب بالكتابة

الطائفة التاسعة: ما دلّ على الأمر بحفظ الكتب والترغيب بالكتابة، بتخيّل مثلاً أنَّ الترغيب بالكتابة، لو لا حجّيّة المكتوب يكون لغواً. 

وجوابه يظهر ممّا تقدّم، فإنّه خارج عما هو محلّ الكلام.

فمنها: ما عن الكافي عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسن بن علي بن فضال عن أبي بكير عن عبيد بن زرارة، قال: “قال أبو عبد الله: احْتَفِظُوا بِكُتُبِكُمْ فَإِنَّكُمْ سَوْفَ‏ تَحْتَاجُونَ‏ إِلَيْهَا(1).

ــــــــــ[382]ــــــــــ

(1) الكافي52:1، باب رواية الكتب والحديث، الحديث 10.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وطبعاً سوف يحتاجون إليها؛ لأنَّ الذاكرة والحفظ في الصدور له أمد وانتهاء، وأنَّ زرارة أو عبيد ابن زرارة الذي ينقل هذه الرواية، كان يستطيع أن يحفظ هذه الأحاديث، لكن بعد أن تتعدّد الوسائط وتتكثر طبقات الرواة، كيف يمكن الضبط في الصدور؟!

الطائفة العاشرة: ما دلّ على جواز النقل بالمعنى

الطائفة العاشرة: ما دلّ على جواز النقل بالمعنى، وهو عدّة روايات دالّة على جواز النقل بالمعنى.

  منها: عن الكافي محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن ابن أبي عمير عن عمر بن اذينة عن محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد الله: اسمع الحديث عنك فأزيد أو أنقص. قال: “إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مَعَانِيَهُ فَلَا بَأْس(1).

وهذه الروايات أيضاً أجنبيّة عما هو محلّ الكلام، حيث إنّها تعيّن وظيفة الناقل جوازاً لا وظيفة السامع وجوباً.

الطائفة الحادية عشر: ما أوجب السماع عن صادق

الطائفة الحادية عشر: ما أوجب السماع عن صادق، ففي الكافي عن بعض أصحابنا عن عبد العظيم الحسني عن مالك بن عامر عن المفضل بن زائدة عن المفضل بن عمر، قال: “قال أبو عبد الله: مَنْ دَانَ اللَّـهَ بِغَيْرِ سَمَاعٍ‏ عَنْ صَادِقٍ أَلْزَمَهُ اللَّـهُ الْبَتَّةَ إِلَى الْعَنَاءِ وَمَنِ ادَّعَى سَمَاعاً مِنْ غَيْرِ الْبَابِ الَّذِي فَتَحَهُ 

ــــــــــ[383]ــــــــــ

(1) الكافي51:1، باب رواية الكتب والحديث، الحديث 2.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

اللَّـهُ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَذَلِكَ الْبَابُ المَأْمُونُ عَلَى سِرِّ اللَّـهِ المَكْنُونِ(1).

قد يتوهّم الاستدلال بمثل هذه الطائفة باعتبار أنَّ السماع من صادق إذا فرض أنّه كان واجباً، فمعنى هذا هو الأخذ منه والتصديق بروايته، إلَّا أنَّ من المطمئن به أنَّ المراد بالصادق هنا الصادق المطلق، وهو ولي الله تعالى، وليس المراد منه مطلق الثقة من الرواة.

الطائفة الثانية عشر: ما دل على إعمال الرأي والهوى في رد الرواية

الطائفة الثانية عشر: هو ما دلّ عن إعمال الرواية ورفضها بمجرّد منافاتها مع الرأي والذوق والهوى، وهنا عدة روايات بهذا المضمون منها هذه الرواية:

الكافي محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد ابن محبوب عن جميل بن صالح عن أبي عبيدة الحذاء: قال سمعت أبا جعفر يقول: “وَاللَّهِ إِنَّ أَحَبَ‏ أَصْحَابِي‏ إِلَيَّ أَوْرَعُهُمْ وَأَفْقَهُهُمْ وَأَكْتَمُهُمْ لِحَدِيثِنَا وَإِنَّ أَسْوَأَهُمْ عِنْدِي حَالًا وَأَمْقَتَهُمْ لَلَّذِي‏ إِذَا سَمِعَ الحَدِيثَ يُنْسَبُ إِلَيْنَا وَ يُرْوَى عَنَّا فَلَمْ يَقْبَلْه‏ (يعني: لم يقبله طبعه) اشْمَأَزَّ مِنْهُ وَ جَحَدَهُ وَ كَفَّرَ مَنْ دَانَ بِهِ وَ هُوَ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الحَدِيثَ مِنْ عِنْدِنَا خَرَجَ وَ إِلَيْنَا أُسْنِدَ فَيَكُونُ بِذَلِكَ خَارِجاً عَنْ وَلَايَتِنَا(2).

قد يتوهّم الاستدلال بهذه الطائفة بدعوى أنّه لولا حجّيّة الرواية، لما منع عن الرفض والرد في المقام، إلَّا أنّه ليس الأمر كذلك، فإنَّ هذه الطائفة في مقام بيان عدم جواز الرفض المطلق والإنكار المطلق بإعمال الرأي والهوى والذوق 

ــــــــــ[384]ــــــــــ

(1) الكافي377:1، باب من مات وليس له إمام من أئمّة الهدى، الحديث 4.

(2) الكافي233:2، باب الكتمان، الحديث 7.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الشخصي الذي لا يمكن أن يحكّم في أحكام الإسلام ومفاهيمه وثقافته، فمجرّد مخالفته لذوقه وهواه لا يقبل متن الرواية، وهذا لا يوجب تكذيب الرواية حتّى لو فُرض أنَّ الرواية لم تثبت حجّيّتها، إلَّا أنّه يلزم عليه أن يتوقف؛ لأنَّ نقلها يوجوب احتمال صدورها من الإمام ودفع الاحتمال بالرأي غير صحيح. إذ هو نحو إعمال للرأي والذوق في الدين وهو غير جائز.

الطائفة الثالثة عشرة: الأخبار العلاجيّة الدالّة على الترجيح

ما دلّ على الترجيح، أي: الأخبار العلاجيّة الدالّة على الترجيح لكن بما يناسب مع القطعيّة، فإنَّ الترجيح يختلف فبعض المرجحات لا تتناسب مع القطع، وإنَّما تتناسب مع الظنّ، كالترجيح بأوثقها وأعدلها ونحوه، فإنّه من المعلوم أنَّ هذا الترجيح بلحاظ عدم قطعية السند. وبعض الترجيحات تناسب حتّى مع عدم القطعية، من قبيل ترجيح ما خالف العامّة على ما وافق العامّة، حتّى في القطعيين الصدور من الإمام لو تعارضا وكان أحدهما موافقاً للعامّة والآخر مخالفاً لهم، فيتصوّر مجال لمثل هذا الترجيح. من قبيل ماورد في الأخبار العلاجيّة:

منها: ما في الوسائل بالإسناد عن بن بابويه عن محمّد بن الحسن الصفار عن احمد بن محمّد بن عيسى عن رجل عن يونس بن عبد الرحمن عن الحسين بن السرى قال: “قال أبو عبد الله: إِذَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ حَدِيثَانِ‏ مُخْتَلِفَانِ‏ فَخُذُوا بِمَا خَالَفَ الْقَوْمَ(1).

ــــــــــ[385]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 27: 118، باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة وكيفية العمل بها، الحديث 30.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

حيث إنَّ هذه العبارة ليس واردة في مقام أصل أنّه متى يرد الحديث ومتى يقبل، فلا يمكن الاستدلال بهذه الناحية فيها، والترجيح بالمخالفة يناسب مع القطعيّة. نعم، هنا أيضاً يمكن أن يقال: بأنَّ هذه الروايات حيث إنّها تدلّ على قبول ما يصدر من المعصوم، وحيث إنَّ الغالب فيما ينقل عنهم هو احتمال الخطأ، فيستكشف من ذلك عرفاً أنَّ احتمال الخطأ ملغى تعبّداً، إلّا أنَّ هذا غير الحجّيّة المبحوث عنها في المقام.

الطائفة الرابعة عشرة: وهي التي تدلّ على حجّيّة ثقاتنا أو ثقتي

الطائفة الرابعة عشرة: وهي التي تدلّ على حجّيّة ثقاتنا أو ثقتي، من قبيل الرواية المروية في رجال الكشي عن علي بن محمّد بن قتيبة، قال: حدثني أبو حامد أحمد بن إبراهيم المراغي، قال ورد على القاسم بن علاء نسخة ما كان خرج من لعن بن هلال، وكان ابتداء ذلك أن كتب مولانا إلى قوامه بالعراقي: “احْذَرُوا الصُّوفِيَ‏ المُتَصَنِّع ‏(إلى أن قال) وَأَعْلِمِ الْإِسْحَاقِيَّ سَلَّمَهُ اللَّـهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ مِمَّا أَعْلَمْنَاكَ مِنْ حَالِ هَذَا الْفَاجِرِ، وَجَمِيعِ مَنْ كَانَ سَأَلَكَ وَيَسْأَلُكَ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ وَالخَارِجِينَ، وَمَنْ كَانَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ مِنْ مَوَالِينَا فِي التَّشْكِيكِ فِيمَا يُؤَدِّيهِ‏ عَنَّا ثِقَاتُنَا، قَدْ عَرَفُوا بِأَنَّنَا نُفَاوِضُهُمْ سِرَّنَا، وَنَحْمِلُهُ إِيَّاهُ إِلَيْهِمْ وَعَرَفْنَا مَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّـهُ تَعَالَى(1).

وهذه العبارة: (لا ينبغي التشكيك في ما يروى عنا ثقاتنا) هي العبارة 

ــــــــــ[386]ــــــــــ

(1) رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال): 535، الحديث1020.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

المشهورة في الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد، فهذه الصيغة من الصيغ التي لها حظ ولم ترد إلَّا من هذه الرواية.

ولكنّها لا دلالة فيها على حجّيّة خبر الواحد؛ وذلك لأنني أحسب بأن يقال: لا ينبغي التشكيك في ما يروى عن الثقات أو في ما يروى عن ثقاتنا، فإنَّ الشخص حينما يخبر عن شخص أنّه ثقتي الظاهر منه ليس مجرّد إنّي أعلم أنّه يتحرّج عن الكذب، بل كونه ثقتي معناه كونه أميني وموضع سرّي، وممّن اعتمد عليه في قضاياي وفي حوائجي، على النحو الذي كتب سيد الشهداء لمسلم بن عقيل، حيث كتب: “لقد أرسلت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي(1) فظاهر هذا العنوان ليس مجرّد أنّه صادق اللهجة وأنّه من المتورعين عن الكذب، بل معناه: أميني ومن أركن إليه في قضاياي.

ومن المعلوم أنَّ هذه مرتبة عالية من الوثاقة التي لا ينالها إلَّا ذو حظ عظيم، ويناسب ذلك كون مورد الرواية هم وكلاء صاحب الزمان، ثُمَّ يقول في مقام العطف على هذا: “قَدْ عَرَفُوا بِأَنَّا نُفَاوِضُهُمْ‏ سِرَّنَا وَنُحَمِّلُهُم ‏إِيَّاهُ إِلَيْهِمْ(1) ونجتمع بهم اجتماعات خاصّة بعيداً عن الرقيب، فلا ينبغي التشكيك في ما ينقلونه عنه.

ومثل هذا الموضوع لا إشكال في حجّيّته، لكن الكلام في حجّيّة خبر الثقة 

ــــــــــ[387]ــــــــــ

() بحار الأنوار ٣٣٤:٤٤،تاريخ الطبري4: 262.

() وسائل الشيعة27: 150، باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث، الحديث 40.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

لا في حجّيّة من كان ثقة الإمام وأمينه ومعتمده وقاضي حوائجه ومن عليه معوّل الإمام في تطبيق مخططاته.

هذه تمام الطوائف التي لا دلالة على حجّيّة خبر الواحد. وهذه الطوائف تستوعب 150 رواية من 170 من الروايات التي استدلّ بها على حجّيّة خبر الواحد.

المقام الثاني: في الروايات التي تدلّ على حجّيّة خبر الواحد

 بعد هذا لا بُدَّ من الغربلة، وملاحظة ما يتبقى لنا بعد إخراج الأكثر من الروايات الدالّة على حجّيّة خبر الواحد، فلا بُدَّ من ذكرها وضبطها ثُمَّ ملاحظة ما هو موقفنا منها.

أحد هذه الروايات هي رواية عن رجال الكشي: حدثنا(1) محمّد بن قولويه قال: حدثني سعد بن عبد الله بن أبي خلف القمي، قال حدثني أحمد بن محمّد بن عيسى -وفي اختصاص المفيد: حدثنا محمّد بن الحسن عن محمّد بن الحسن الصفار وسعد بن عبد الله عن احمد بن محمّد بن عيسى- عن عبد الله بن محمّد الجمال عن العلاء بن زين عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد الله: إنه ليس كلّ ساعة القاك أو أتمكن من الوصول اليك ويجئ الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كلّ ما يسألني عنه، قال: “فَمَا يَمْنَعُكَ مِنْ مُحَمَّدِ 

ــــــــــ[388]ــــــــــ

() هنا سيدنا الأستاذ قرأ سند الرواية على خلاف عادته في سائر الروايات. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

بْنِ مُسْلِمٍ الثَّقَفِيِّ فَإِنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِي وَ كَانَ عِنْدَهُ وَجِيهاً(1).

ولولا التعليل -لو فرض انّه انقطع الكلام بدونه- لكانت هذه الرواية من روايات التحويل على شخص معيّن فتندرج في الطائفة الرابعة، ولكنّه عُلّل هذا التحويل بقوله (وكان عنده مرضياً).

 والمرضي والوجيه هنا بمناسبة الحكم والموضوع، حيث إنّه حوّل عليه في مقام أخذ الفقه، فلا يبعد أنَّ يكون الفهم العرفي مساعداً على أنَّ المراد من الرضا هنا الرضا بالنحو الذي يناسب أخذ الرواية منه، فالرضاء العرفي الذي يناسب أخذ الرواية منه والرضاء الفقهي والعلمي الذي يناسب أخذ الفتوى منه.

فهذا يكون تعليلاً للحوالة على محمّد بن مسلم، فإنَّ كلّ من كان مرضياً للإمام صدقاً وفقهاً، فيجوز أخذ الفقه منه رواية وفتوى. فمثل هذه الرواية لا يبعد دلالتها على حجّيّة خبر الثقة.

وإن كان قد يشكّك ويوسوس من ناحية أنَّ المرضي للإمام ظاهره أنّه مرضي بقول مطلق، وهو أكثر من الثقة، لكن هذه الوسوسة لعلّها في غير محلّها.

ومنها: حدثني محمّد بن قولويه، قال حدثنا سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن عبد الله بن محمّد الجمال عن يونس بن يعقوب، قال: كنا 

ــــــــــ[389]ــــــــــ

(1) رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال): 161، الحديث273، وفي عبارة الإختصاص للمفيد: (مَرْضِيّاً وَجِيهاً)، الإختصاص: 202، ما روي في محمّد بن مسلم‏.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

عند أبي عبد الله قال:”أمَا لَكُمْ مِنْ مَفْزَعٍ أَمَا لَكُمْ مِنْ‏ مُسْتَرَاحٍ‏ تَسْتَرِيحُونَ إِلَيْهِ مَا يَمْنَعُكُمْ مِنَ الحَارِثِ بْنِ المُغِيرَةِ النَّصْرِي(1).

وهذه الرواية تحويل شخصي على الحارث بن المغيرة، لكن قد يقال: إنّه بعد تقديم مثل هذه المقدّمة التي هي: “أَمَا لَكُمْ مِنْ مَفْزَعٍ أَمَا لَكُمْ مِنْ‏ مُسْتَرَاحٍ…” يظهر منه أنّه لا خصوصية للحرث بن المغيرة، وإنَّما المناط شخص يعتمد عليه ويستراح إليه، يعني: كونه معتمداً في مقام النقل ويعوّل عليه في مقام أخذ الفقه، فلا يبعد أن يكون هكذا، فبناءً على ذلك أيضاً تكون هذه الرواية من روايات الحجّيّة. 

وأحسن منها الرواية الأُخرى: الكشي عن محمّد بن قولويه عن سعد بن عبد الله عن محمّد بن عيسى عن أحمد بن الوليد عن علي بن المسيب، قال: قلت للرضا شقتي بعيدة ولست أصل إليك في كلّ وقت، فممن آخذ معالم ديني، فقال: “مِنْ زَكَرِيَّا بْنِ آدَمَ الْقُمِّيِّ المَأْمُونِ عَلَى الدِّينِ وَالدُّنْيَا، قَالَ عَلِيُّ بْنُ المُسَيَّبِ: فَلَمَّا انْصَرَفْتُ قَدِمْتُ عَلَى زَكَرِيَّا بْنِ آدَمَ فَسَأَلْتُهُ عَمَّا احْتَجْتُ إِلَيْهِ(2)“.وعن أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ المُسَيَّبِ، قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا شُقَّتِي بَعِيدَةٌ، وَ ذَكَرَ مِثْلَهُ.

وهذه أيضاً حوالة على شخص، لكن كأنّه يبيّن الوجه في هذه الحوالة، بقرينة توصفيه بكونه المأمون على الدين والدنيا، فإنَّ ظاهره هو الوثاقة أو ما 

ــــــــــ[390]ــــــــــ

(1) رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال): 337، الحديث620.

(2) رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال): 595، الحديث1112.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

هو أجل منها بمقدارها، فالعدالة والاستقامة ديناً ودنيا.

 وحينئذٍ لا يبعد أن يكون فيها دلالة على حجّيّة مطلق من كان مأموناً على الدين والدنيا، والعبارة وإن كانت: (عمن آخذ معالم دين) إلَّا أنّها مطلقة، فإنَّ الأخذ لغة تارةً يكون مع الرواية وأُخرى يكون بنحو الفتوى.

فمقتضى الإطلاق في المقام أنَّ من كان مأموناً على الدين والدنيا، يجوز أن يأخذ منه معالم الدين، أمّا فتوى أو رواية، بحسب درجته في الدين الذي يكون هو مأموناً عليه، فإن كان مأموناً على ألفاظ فيأخذ منه رواية، وإن كان مأموناً على أحكام فيأخذ منه الفتوى.

ومنها: ما في رجال الكشي عن محمّد بن مسعود قال: “حدثني محمّد بن نصير، قال: حدثنا محمّد بن عيسى، قال: حدثني عبد العزيز المهتدي القمي، قال محمّد بن نصير، قال: محمّد بن عيسى وجدت الحسن بن يقطين -بذلك أيضاً- قال قلت لأبي الحسن الرضا جعلت فداك، إنّي لا أكاد أصل إليك لأسألك عن كلّ ما احتاج إليه من معالم ديني. أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما احتاج اليه من معالم ديني فقال: نعم(1).

وهذه الرواية وإن كان فيها تحويل على هذا الصحابي الجليل (رضوان الله عليه) إلَّا أنَّ الراوي ذكر ما هو المركوز في ذهنه مناطاً لهذا التحويل: أهو ثقة أخذ عنه معالم ديني، يعني هل آخذ عنه لأجل أنّه ثقة أو لا؟ والإمام أمضى هذا الارتكاز في ذهنه، فظاهر ذلك أنَّ مناط أخذ معالم الدين من يونس بن عبد 

ــــــــــ[391]ــــــــــ

(1) رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال): 490، الحديث935.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الرحمن هو أنّه ثقة. والأخذ أيضاً مطلق من حيث الأخذ الفتوائي أو الأخذ الروايتي، فنتمسّك به في الأخذ الروايتي في المقام، فهذه الرواية أيضاً لا بأس بدلالتها على حجّيّة خبر الواحد.

ومنها: ما في غيبة الشيخ الطوسي، قال أبو الحسين بن تمام، حدثني عبد الله الكوفي خادم الشيخ حسين بن روح، قال سأل الشيخ -يعني أبا القاسم- عن كتب أبي العزاقر بعد ما ذم وخرجت فيه اللعنة، فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منها ملئ، فقال: أقول فيها ما قال أبو محمّد الحسن بن علي وقد سأل عن كتب بني فضال، فقال: خُذُوا بِمَا رَوَوْا وَذَرُوا مَا رَأَو(1). وهم قد رأوا الوقف(2).

وكذلك الرواية الأولى من الأخبار العلاجيّة، وهي مقبولة عمر بن حنظلة المعروفة، حيث رجح أحد الحديثين على الآخر في مقام التعارض (خذ باصدقهما واعدلهما ونحو ذلك) ممّا يدلّ على أنَّ الخبرين ظنيان، ومع ذلك 

ــــــــــ[392]ــــــــــ

() الغيبة للطوسي: 390، فصل سفراء الإمام المهدي

(2) وهنا أجاب عن سؤال لأحد الإخوان: هذا بعيد جداً، أن يكون تمام بني فضال من لا يحتمل فيهم الكذب، وفيهم من لم تثبت وثاقتهم، فعلي بن الحسن بن فضال، رجل من أكابر العلماء والفقهاء، ويقال: إنّه اهتدى في آخر لحظة حيث عدد من الأئمّة بعد الإمام الكاظم الذي وقف عليه، الامام الرضا ومن كان قد وقف عنه اثناء حياته. فمن البعيد جداً أنَّ تمام هؤلاء ممّن لا يحتمل في حقهم الكذب، إلَّا بنحو إعمال الغيب، وإلَّا بغيره من البعيد جداً؛ اذ ليس حاله حال زرارة وعبد العظيم الحسني، فمن هذه الناحية تكون هذه الرواية دليلاً على الحجّيّة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فرض كونهما حجّة، فهذا يدلّ على أنَّ خبر الثقة يكون حجّة؛ لذا ذكر بعد تساويهما أنّه يأخذ بالأوثق ونحوه، فيفهم من هذا عرفاً أنَّ مناط القبول كان هو الوثاقة، وحيث إنّهما تعارضا فيأخذ ما كان فيه مناط أقوى، يعني: ما كان أوثق من غيره.

وكذلك الرواية الثانية من هذا الباب، وهي ما عن عوالي اللئالي روى العلامة مرفوعاً إلى زرارة بن أعين قال سألت الباقر “فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فأيهما أخذ قال: يا زرارة خذ بما اشتهر بين اصحابك ودع الشاذ النادر. فقلت ياسيدي إنّهما معاً مشهوران مرويان مأخوذان عنكم، فقال: خُذْ بِمَا اشْتَهَرَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ وَدَعِ الشَّاذَّ النَّادِرَ فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي إِنَّهُمَا مَعاً مَشْهُورَانِ مَرْوِيَّانِ مَأْثُورَانِ عَنْكُمْ. فَقَالَ: خُذْ بِقَوْلِ أَعْدَلِهِمَا عِنْدَكَ وَأَوْثَقِهِمَا فِي نَفْسِكَ فَقُلْتُ: إِنَّهُمَا مَعاً عَدْلَانِ مَرْضِيَّانِ مُوَثَّقَانِ فَقَالَ انْظُرْ إِلَى مَا وَافَقَ مِنْهُمَا مَذْهَبَ الْعَامَّةِ فَاتْرُكْهُ وَخُذْ بِمَا خَالَفَهُمْ فَإِنَّ الحَقَّ فِيمَا خَالَفَهُمْ فَقُلْتُ: رُبَّمَا كَانَا مَعاً مُوَافِقَيْنِ لَهُمْ أَوِ مُخَالِفَيْنِ فَكَيْفَ أَصْنَعُ، فَقَالَ: إِذَنْ فَخُذْ بِمَا فِيهِ الحَائِطَةُ لِدِينِكَ وَ اتْرُكْ مَا خَالَفَ الِاحْتِيَاطَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُمَا مَعاً موافقين [مُوَافِقَانِ‏] لِلِاحْتِيَاطِ أَوْ مخالفين [مُخَالِفَانِ‏] لَهُ فَكَيْفَ أَصْنَعُ فَقَالَ: إِذَنْ فَتَخَيَّرْ أَحَدَهُمَا فَتَأْخُذُ بِهِ وَ تَدَعُ الْآخَرَ“. وَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: “إِذَنْ فَأَرْجِهْ حَتَّى تَلْقَى إِمَامَكَ فَتَسْأَلَه‏(1).

حيث فُرض فيها التعارض، وقال: (خذ بقول اعدلهما عندك واوثقهما في 

ــــــــــ[393]ــــــــــ

(1) عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية ‏4: 133، الحديث229.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

نفسك) والقدر المتيقن من هذه الرواية هو حجّيّة العادل الثقة، حيث فرض التفضيل من كلتا الجهتين: العدالة والوثاقة.

وكذلك الرواية التي من باب الأخبار العلاجيّة، ففي الوسائل عن سعيد بن هبة الله الراوندي في رسالته التي ألّفها في أحوال أحاديث أصحابنا وإثبات صحّتها عن محمّد وعلي إبني عليّ بن عبد الصمد عن أبيهما عن أبي البركات عليّ بن الحسين عن أبي جعفر بن بابويه عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أيوب بن نوح عن محمّد بن أبي عمر عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: قال الصادق: “إِذَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ فَاعْرِضُوهُمَا عَلَى كِتَابِ اللَّـهِ
فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّـهِ فَخُذُوهُ وَ مَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّـهِ فَرُدُّوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُمَا فِي كِتَابِ اللَّـهِ- فَاعْرِضُوهُمَا عَلَى أَخْبَارِ الْعَامَّةِ فَمَا وَافَقَ أَخْبَارَهُمْ‏ فَذَرُوهُ‏ وَ مَا خَالَفَ أَخْبَارَهُمْ فَخُذُوهُ(1).

وهذه الرواية فرضت الترجيح بموافقة الكتاب، والظاهر من ذلك هو أن لا يكونا قطعيين في أنفسهما؛ لأنا أشرنا فيما سبق بأنَّ الكتاب إنَّما يعتبر مرجحاً بحسب الفهم العرفي، باعتبار قطعيته لا باعتبار كونه كتاباً معجزاً(2) ومثل هذا إنَّما يكون في المتعارضين غير القطعيين، فيكون هذا دالّاً على حجّيّة الخبرين 

ــــــــــ[394]ــــــــــ

() وسائل الشيعة 27: 118، باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة، الحديث 29.

(2) فإنّما يرجع إليه في الظنيين لا القطعيين، وإلَّا فإنَّ القطعيين يكونان كالكتاب فإنَّ الكتاب إنَّما يعتبر مرجحاً لأجل قطعيته لا لأجل كونه معجزاً، فإنَّ إعجاز القرآن لا دخل له في مقام الترجيح وباب الأحكام الشرعيّة (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

المتعارضين غير القطعيين في أنفسهما أيضاً.

ومنها: رواية الكافي عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن حمد عن عثمان بن عيسى عن أبي أيوب الخزاز عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله قال: قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله لا يتهمون بالكذب، فيجئ منكم خلافه، قال: “إِن‏ الحَدِيثَ يُنْسَخُ‏ كَمَا يُنْسَخُ الْقُرْآن‏”(1).

وظاهر هذه الرواية أيضاً أنَّ الحديث حينما يصدر ممّن لا يتهم بالكذب، ولهذا وقع في إشكال من حيث إنّه كيف يأتي خلافه منهم. وعنوان أنّه لا يتهم بالكذب مساوق مع الوثاقة عرفاً، لا أنّه الذي يكون صادقاً في شخص هذه الرواية، بل من شأنه أن لا يكذب، فيدلّ حينئذٍ على أنَّ المركوز في ذهن المتكلّم هو قبول خبر الثقة، والإمام قد أمضى ذلك وفسّر التعارض بنحو النسخ مثلاً، وأنَّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن.

هذه هي الروايات التي تدلّ على حجّيّة خبر الواحد، ويمكن أن نضيف اليها رواية واحدة أو روايتين في هذا المقام.

وهذه الروايات هي تمام ما يُستدلّ به على حجّيّة خبر الواحد، مع إضافة روايتين آخريتين.

 وهذه الروايات التي قرأناها، لو بقينا نحن وهي لم تكن متواترة؛ وذلك لأنَّ العدد ليس وافياً لحصول التواتر مع كثرة الوسائط في المقام.

فإنّه لو فُرض أنَّ تسعة أو عشرة أشخاص نقلوا عن شخص شيئاً لحصل 

ــــــــــ[395]ــــــــــ

(1) الكافي 1: 65، باب اختلاف الحديث، الحديث2.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

القطع لنا، لكن حيث إنَّ هذه الروايات فيها وسائط في كلّ رواية خمس وسائط أو ستة أو أقل أو أكثر فحينئذٍ فاحتمال الاشتباه والكذب باعتبار تعدد الوسائط يكون قوياً. 

وتكون العشرة حينئذٍ مع تعدّد الوسائط في قوة ثلاثة أو اثنين بحسب حساب الاحتمالات، ومعه كيف يمكن أنَّ يقال في المقام: بأنَّ التواتر حاصل في المقام.

الاستدلال بالرواية المباركة ووجهه

نعم، هنا توجد رواية واحدة مباركة، وبها ينحلّ هذا المطلب؛ لأنّها بمفردها ووحدها اطمئن بصدورها عن الإمام اطمئناناً شديداً لا يخالطه شكّ عقلائي معتد به بحيث يمنع من العمل بها، فهذه الرواية وحدها هي دليل قطعي على مدلولها، وتكون سنة قطعية لا من باب التواتر، بل من باب خصوصيات سوف نذكرها في هذه الرواية توجب الاطمئنان بصدورها؛ لأنّها نقلت بثلاث وسائط فقط عن الإمام. 

الواسطة الأولى: هو محمّد بن يعقوب الكليني، الواسطة الثانية والثالثة من اجلاء فقهاء الصحابة، يعني: صحابة الأئمّة، فالثالث من وكلاء الأئمّة المخصوصين، والثاني منهم من علماء ومن أجلة أصحابنا في قم على ما يعبّر عنه في كتب الشيخ والنجاشي وغيرهما.

ومثل هؤلاء الثلاثة لا احتمل فيهم الكذب جزماً، واستبعد فيهم الخطأ في مثل هذه الرواية استبعاداً اطمئنانياً في المقام، فلو أضفنا إلى هذه الرواية -التي

ــــــــــ[396]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

 هي بمفردها تكون دليلاً- هذه التسعة أو العشرة من الروايات الأُخرى التي قرأناها لتأكد مثل هذا الاطمئنان، ولتم عندنا دليل قطعي من السُّنَّة على حجّيّة خبر الواحد.

وهذه الرواية المباركة يمكننا أن نستفيد منها حجّيّة خبر الواحد على درجات، وبالتالي يثبت المطلوب بهذه الصحيحة المباركة.

وهذه الصحيحة هي أوّل روايات هذا الباب التي تُذكر فيها الروايات بعنوان الدلالة على حجّيّة خبر الواحد.

والرواية ينقلها في الكافي(1) عن محمّد بن عبد الله ومحمد بن يحيى جميعاً عن عبد الله بن جعفر الحميري قال: “اجْتَمَعْتُ أَنَا وَالشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو رَحِمَهُ اللَّـهُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ فَغَمَزَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ الخَلَفِ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا عَمْرٍو إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ وَمَا أَنَا بِشَاكٍّ فِيمَا أُرِيدُ أَن‏ أَسْأَلَكَ عَنْهُ فَإِنَّ اعْتِقَادِي وَدِينِي أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ إِلَّا إِذَا كَانَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِأَرْبَعِينَ يَوْماً فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ رُفِعَتِ الحُجَّةُ وَأُغْلِقَ بَابُ التَّوْبَةِ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُ‏ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ‏ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ‏ فِي إِيمانِها خَيْراً فَأُولَئِكَ أَشْرَارٌ مِنْ خَلْقِ اللَّـهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُمُ الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ الْقِيَامَةُ وَلَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أَزْدَادَ يَقِيناً وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ سَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي المَوْتَى‏ قالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي‏ وَقَدْ أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الحَسَنِ قَالَ سَأَلْتُهُ وَقُلْتُ مَنْ أُعَامِلُ أَوْ عَمَّنْ آخُذُ وَقَوْلَ مَنْ أَقْبَلُ فَقَالَ لَهُ
ــــــــــ[397]ــــــــــ

() الكافي 1: 330، باب في تسمية من رآه، الحديث1.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الْعَمْرِيُّ ثِقَتِي فَمَا أَدَّى إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّي وَمَا قَالَ لَكَ عَنِّي فَعَنِّي يَقُولُ فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ فَإِنَّهُ الثِّقَةُ المَأْمُونُ. وَأَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ- الْعَمْرِيُّ وَابْنُهُ ثِقَتَانِ فَمَا أَدَّيَا إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّيَانِ وَمَا قَالا لَكَ فَعَنِّي يَقُولَانِ فَاسْمَعْ لهُمَا وَأَطِعْهُمَا فَإِنَّهُمَا الثِّقَتَانِ المَأْمُونَانِ. فَهَذَا قَوْلُ إِمَامَيْنِ قَدْ مَضَيَا فِيكَ. قَالَ فَخَرَّ أَبُو عَمْرٍو سَاجِداً وَ بَكَى ثُمَّ قَالَ: سَلْ حَاجَتَكَ. فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ رَأَيْتَ الْخَلَفَ مِنْ بَعْدِ أَبِي مُحَمَّدٍ فَقَالَ إِي وَاللَّهِ وَرَقَبَتُهُ مِثْلُ ذَا وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَبَقِيَتْ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ لِي هَاتِ. قُلْتُ: فَالاسْمُ قَالَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تَسْأَلُوا عَنْ ذَلِكَ وَلَا أَقُولُ هَذَا مِنْ عِنْدِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُحَلِّلَ وَلَا أُحَرِّمَ وَ لَكِنْ عَنْهُ فَإِنَّ الْأَمْرَ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ مَضَى وَلَمْ يُخَلِّفْ وَلَداً وَقَسَّمَ مِيرَاثَهُ وَأَخَذَهُ مَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَهُوَ ذَا عِيَالُهُ يَجُولُونَ لَيْسَ أَحَدٌ يَجْسُرُ أَنْ يَتَعَرَّفَ إِلَيْهِمْ أَوْ يُنِيلَهُمْ شَيْئاً وَإِذَا وَقَعَ الِاسْمُ وَقَعَ الطَّلَبُ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَمْسِكُوا عَنْ ذَلِكَ”(1).

ــــــــــ[398]ــــــــــ

() ولا بأس بعد انتهاء هذه المحاضرة من نقل نصّ الرواية الواردة في فضل السيد عبد العظيم الحسني كما وردت في مستند الشيعة للسيد البروجردي، وذلك لتفيدنا في صفحة 364 من هذا الدفتر، فعن نهاية الشيخ بخط ابي اسحاق بن ابراهيم بن الحسين بن بابويه، تأريخ كتابتها سنة سبع عشرة وخمسمائة، وفي آخر المجلد الأوّل منها رسالة من الصاحب بخطه أيضاً في أحوال عبد العظيم الحسني المدفون بالري أوّلها، قال الصاحب (رحمة الله عليه) سألت عن نسب عبد العظيم الحسني المدفون بالشجرة صاحب المشهد (قدس الله روحه) وحاله واعتقاده، وقدر علمه وزهده، إلى أن قال وصف علمه: روى أبو تراب الرباني قال: سمعت أبا حماد الرازي يقول: دخلت على علي بن محمّد بسر من رأى فسالته عن أشياء من الحلال والحرام فأجابني فيها فلما ودعته قال لي: يا حماد إذا أشكل عليك شيء من أمر دينك بناحيتك فسل عنه عبد العظيم بن عبد الله الحسني واقرأه مني السلام. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وبعبارة أُخرى: أنَّ أكثر الروايات التي تُذكر بعنوان خبر الواحد لا تدلّ على حجّيّة خبر الواحد، بل هي واردة في مقامات أُخرى لا ربط لها بحجّيّة خبر الواحد. وبعد الغربلة يبقى عدد يشكل جداً حصول التواتر منه بمجرّده من ناحية الكمية والعددية، باعتبار أنَّ العدد لو فُرض وصوله إلى 13رواية أو 14 وبلحاظ تعدد الأسانيد لعلّه بلغ أكثر، فعلى أيّ حال لا يحصل من هذا العدد التواتر. نعم، قد يحصل به التواتر فيما لو فرض أنّهم كانوا يخبرون بلا واسطة فإنّه يحصل منه التواتر والقطع.

وأمّا لو أخبرنا 15 مع أربع وسائط مثلاً، فهذا يصير بقوة 3 روايات تقريباً؛ لأنَّ احتمال الخطأ والكذب في كلّ واسطة يكون موجوداً، وحين تجمع هذه الاحتمالات لكلّ واحد منهم يصير الخمسة عشر رواية لذات الأربع وسائط إلى حوالي ثلاث روايات، ويتنزل بالدقة بمقتضى حساب الاحتمالات، فيصير بمقدار ثلاث روايات مباشرة وبلا واسطة، ومثل هذا من الناحية العددية والكمية لا يحصل فيه التواتر.

لكن قلنا: إنَّ الناحية العدديّة يُعوّض عنها بالناحية الكيفيّة والمعنويّة، فإنّا إذا التفتنا إلى الجهات الكيفيّة في هذه الروايات فيمكن الجزم، ولا أقل من الاطمئنان في بعض هذه الروايات الدالّة على حجّيّة خبر الثقة.

ــــــــــ[399]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وأهمّ هذه الروايات والتي هي بمفردها توجب الاطمئنان في المقام هي الرواية الأولى من روايات الباب.

فنقرأ هذه الرواية ثُمَّ نعطف عليها مؤيداتها وما يسندها من الروايات الأُخرى بلحاظ خصوصياتها الكيفية(1).

فهذه الرواية يرويها الكليني في الكافي عن شخصين في عرض واحد، هما محمّد بن عبد الله بن اسحاق الحميري، ومحمّد بن يحيى الأشعري جميعاً. حدثاه بأنَّ عبد الله بن اسحاق الحميري الذي هو أبو أحد الراويين، قال: … الشيخ أبو عمرو عبارة عن العمري أوّل نواب الحجّة… فغمزني أحمد بن اسحاق أنَّ اسأله عن الخلف(2) كأنَّ هذه القصة وقعت قبل أنَّ يتّضح الحال، ومسألة وجود المهدي بالنحو المؤثر الكامل القائم بأعباء الخلافة والإمامة، وإلَّا فإنَّ أحمد بن إسحاق -كما سوف يظهر فيما بعد- أصبحت له مراسلات مع المهدي. وإنَّما هذا في بداية الأمر كما يظهر من آخر الرواية من أنَّ الخلفاء العباسيين كانوا في شدة المراقبة والتفتيش عن هذا المهدي المنتظر المفروض فيه أن ينقذ المسلمين منهم.

فيسأله عن الخلف باعتبار أنَّ الشيخ العمري أجلّ منهما وأقرب إلى الامام فهو أعرف بواقع هذا الحال منهما… إلى قوله في الرواية: (أو كسبت في إيمانها خيراً). 

ــــــــــ[400]ــــــــــ

() وهنا نلخص ما ذكره سيّدنا الأُستاذ في شرح الرواية. (المُقرِّر).

(2) الكافي 1: 330، باب في تسمية من رآه، الحديث1.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

ولعلّ الأنسب أن يكون (وقعت الحجّة) يعني: أنَّ اشراط يوم القيامة تتحقّق بشكل لا يبقى بعده امتحان وتكليف، فيتجلى الموقف بشكل بديهي، ويصبح الإيمان أمراً اضطرارياً بالنسبة إلى الناس، بأن يأذن الله للكون بان يكشف عن أسراره بحيث لا يبقى هناك مجال للشكّ ولا للتأول للناس فيضطرون للخضوع والإيمان والانقياد.

 وحينئذٍ فيبطل مفعول التوبة، ولا يبقى بعد هذا مجال للتراجع؛ لأنَّ التراجع يكون أمراً قهرياً لا أمراً اختيارياً، فالذين لم يتوبوا إلى ذلك الوقت هم أشرار خلق الله(1).

والمقدّمة الثانية ترجع إلى المسؤول، لماذا اسألك دون تمام الشيعة عن هذه المسألة، باعتبار أنّك الشخص الذي يشهد الأئمّة بوثاقته ويحولون عليك.

قال: وقد أخبرني أبو علي أحمد بن اسحاق وهو هذا الذي غمزه في المجلس، وقال اسأل عن الخلف، فهو ينقل رواية سمعها من أحمد بن اسحاق أمام أحمد بن اسحاق وفي محضر منه.

وعن أبي الحسن -يعني: الإمام الهادي-: “قال سألته وقلت من أعامل، وعمن آخذ، وقول من أقبل، فقال له: العمري ثقتي فما أدى اليك عني فعني يؤدي، وما قال لك عني فعني يقول، فاسمع له واطع فإنّه الثقة المأمون” 

ــــــــــ[301]ــــــــــ

() ولكني احببت أن ازداد يقيناً. وهنا شرحه إلى آخر المقطع وقال: فهذه هي المقدّمة التي ترجع إليّ. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

وهذه الشهادة العظيمة من الإمام الهادي (1) إلى قوله: “قال: محرّم عليكم أنَّ تسألوا عن ذلك“.

طبعاً هذه الحرمة مؤقتة باعتبار الظرف الخاص الذي كان يعيش به بيت الإمام العسكري من حيث الرقابة(2). هذه هي الرواية.

وهذه الرواية أمّا من حيث المتن فدلالتها لا يمكن أن تخفى في المقام على حجّيّة خبر الثقة، وفرض الوثاقة هي المناط في الحجّيّة؛ وذلك لأنّه فيها نقل صيغتين عن إمامين :

الأولى: عن الإمام الهادي: “قلت: من أعامل، وعمن آخذ، وقول من أقبل” وهذه عبارة عامّة مطلقة في نفسها فعمن آخذ معناه آخذ معالم الدين وهو يكون على أنحاء، فتارة يكون بنحو الرواية وأُخرى بنحو الفتوى. فعبارة السؤال مطلقة شاملة بكلّ أنحاء الأخذ، فلا بُدَّ أن يكون الجواب جواباً مطابقاً مع صلاحية السؤال للإطلاق لأنحاء الأخذ.

قال له في مقام الجواب: “العمري ثقتي، فما أدى اليك فعني يؤدي وما قال لك فعني يقول فاسمع له واطع”.

لو كنا واقفين إلى هذا الحدّ، لكنا نقول: بأنَّ هذا الحكم فرعه على أنّه ثقة، وحينئذٍ فالقدر المتيقن هو ثبوت هذا الحكم فيما إذا صدق على الإنسان أنّه ثقة 

ــــــــــ[402]ــــــــــ

() وهنا نقل سيّدنا الأُستاذ شهادة الإمام العسكري على ما في الرواية. وشهادته للعمري وابنه الذي أصبح أحد نواب الحجّة بعد ذلك. (المُقرِّر).

(2) وهنا أتمّ سيّدنا الأُستاذ تلاوة الرواية إلى آخرها على ما نقلناه فيما سبق. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الإمام، وقد قلنا فيما سبق: إنَّ ثقة الإمام أخص من مطلق الثقة، والتفريع لا يدلّ على أكثر من هذا المقدار 

قد يقال: هذا إلَّا أنّه بعد هذا عُلّل هذا الحكم بما وسع دائرة المفرّعة عليه. فقد قال: فإنّه الثقة المأمون وإنَّما احولك عليه باعتباره الثقة المأمون.

فيكشف هذا أنَّ تفريع هذه الأحكام على قوله: ثقتي لم يكن بلحاظ خصوصية كونه ثقتي، بل بلحاظ كشف كونه ثقتي عن كونه الثقة المأمون في نفسه؛ لأنَّ الإمام لا يثق إلَّا بمن هو الثقة المأمون بنفسه، فيكون المناط في المقام هو كونه الثقة المأمون بنحو الواقع الموضوعي، والتعبير بأنّه ثقتي باعتبار أنّه أتمّ مراتب الكشف واعلاها عن وثاقته في نفسه وامانته في نفسه.

وأمّا سنخ ارتباط العلّة بالمعلّل، فهو أنَّ الأخذ بأيّ عنوان وبأيّ ملاك يكون مناطه شرعاً وثاقة المأخوذ منه في جهة الأخذ، فلو فُرض أنَّ الأخذ كان أخذ رواية فيجب أن يكون موثوقاً في اعطاء الرواية، وإن كانت جهة الأخذ هي الفتوى والاستنباط، فيجب أن يكون ثقة في الاستنباط واعطاء الفتوى واستخراج الحكم الشرعي من الأدلّة وهكذا.

فمناط الحجّيّة، وجواز الأخذ من الشخص معالم الدين، هو أنَّ يكون ثقة في الجهة التي يُعطي والتي يأخذ منها وأن يكون أميناً على ذلك، فوثاقته تختلف باختلاف الجهات: منها في باب الرواية، بمعنى: كونه صادقاً متحرجاً عن الكذب. ووثاقته في عالم الاستنباط، معناه: أنه خبير بالأدلة عارف بالكتاب والسُّنَّة قادر على استنباط الأحكام منها.

ــــــــــ[403]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

فهذه قاعدة عامّة في جعل الحجّيّة للثقة في مقام الأخذ من الثقة بالمقدار الذي يناسب مع وثاقته.

وأوضح منها أنَّ الصيغة الثانية التي نقلها عن الإمام العسكري وهي صيغة مستقلة في مجلس آخر، فالصيغة الأولى إن كان فيها إجمال، وليس فيها فإنّه لا يسري إلى الصيغة الثانية.

والصيغة الثانية هي هذه: “قال وسألت أبا محمّد عن ذلك، فقال له: العمري وابنه ثقتان“، هنا ثقتي ليس فيه (فما أديا عني فعنى يؤديان) تفريع للحكم على أنّهما ثقتان لا على أنّهما ثقتاي.

هذا أيضاً تأكيد مرة أُخرى على أنَّ المناط في المقام هو الوثاقة وكون الشخص مأموناً في نفسه، ومقتضى الإطلاق هو الأخذ بأيّ نحو يكون ثقة فيه(1).

 

ــــــــــ[404]ــــــــــ

() انتهى هذا الدفتر الأمين والحمد لله رب العالمين.

انتهى هذا الدفتر العاشر بعون الله وحسن توفيقه وجليل إفضاله ونعمائه، منقولاً بتمامه عن جهاز التسجيل من محاضرات سيّدنا الأُستاذ السيّد الصدر (أدام الله ظلّه) كهفاً وموئلاً للإسلام والمسلمين. وقد جاء والحمد لله وافياً ضافياً كافياً، حسب ما ينبغي ويراد، والفضل لله وحده وهو ربي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّـهِ وَفَضْلٍ. 

وقد احتوى هذا الدفتر على خمس وثلاثين محاضرة منتهية بتأريخ آخر محاضرة منها والمرقمة 364 من المفاهيم والحمد لله رب العالمين إنّه ولي التوفيق. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

 

الفهرس

 

[تمهيد: في كون المسألة أصولية أم لا] 13

تمثيل لكون علم الأصول منطق الفقه 17

تطبيق نظرية منطق الفقه في حجّيّة الخبر 19

متمّمات حجية خبر الواحد 21

الضابطة في أصوليّة المسألة 23

الأمر الأوّل: تصوير الضابط الكلي 23

الشرط الأوّل: عدم إيراد النقوض 23

النقوض المتعارفة 23

النقض الأوّل: النقض بالقواعد الفقهية 23

النقض الثاني: النقض بالظواهر اللغوية 24

النقض الثالث المتعارف: النقض بمسائل علم الرجال 25

الضابط الموفّق في المقام 25

الشرط الثاني: أن يكون الضابط متفقاً مع الغرض الأصولي 28

الامر الثاني: في الموجهات العامة لعملية الاستنباط 30

تمثيل للموجهات الخاصة في عملية الاستنباط 34

ــــــــــ[405]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

حجية الخبر الواحد من الموجهات العامة 35

تلخيص وتحصيل 36

حل النقوض السابقة على ضوء الأمر الثاني 39

الجواب على النقض الأول 39

الجواب على النقض الثاني 43

الجواب على النقض الثالث 43

تلخيص الأبحاث 46

الاستدلال على عدم حجّيّة خبر الواحد 53

الاستدلال بالآيات الناهية عن العمل بالظنّ وعلى عدم حجية خبر الواحد 53

مناقشة الاستدلال بعدة وجوه 54

[الوجه الأوّل: حاكمية أدلة حجية الخبر الواحد على إطلاق الآيتين] 54

مناقشة الوجه الأول 55

الوجه الثاني: أدلة الحجية أخص مطلقاً من الآيتين الكريمتين 57

مناقشة الوجه الثاني 58

[الوجه الثالث: ورود النهي في خصوص أصول الدين ومناقشته] 61

مقتضى التحقيق في مقام الجواب 63

الجواب الأوّل: لا دلالة للآيتين على نفي الحجّيّة. 63

[الجواب الثاني: إطلاق دليل الحجية ناسخ لإطلاق النهي] 67

ــــــــــ[406]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

 [الجواب الثالث: قصور إطلاق الايتين للردع عن السيرة] 73

صياغة أخرى للجواب الثاني 74

الاستدلال بالسُّنَّة على عدم حجّيّة خبر الواحد 83

الطائفة الأولى: ما دلت على عدم قبول الأخبار غير العلميّة 83

مناقشة الاستدلال في الطائفة الأولى 84

الطائفة الثانية: الدالّة على تحكيم الكتاب الكريم في أخبار الآحاد 89

القسم الأوّل ما جُعل فيه الضابط موافقة الكتاب 90

جواب الآغايون عن هذا القسم ومناقشته 90

الوجه الاوّل: مقتضى التواتر الإجمالي الاقتصار على القدر المتيقن 90

نكتة في المقام 91

المختار في الجواب 94

الوجه الثاني: العلم الإجمالي بصدور أخبار عن الأئمة غير موجودة في القرآن 96

تتميم الوجه لثاني 97

الصحيح في تحقيق الحال في هذه الطائفة 100

المرحلة الأولى: [الموافقة للإطار العام للكتاب] 100

المرحلة الثانية: في الموافقة الحرفية للكتاب 104

القرائن المؤيدة لمعنى موافقة الذوق العام للكتاب 105

ــــــــــ[407]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

مناقشة الموافقة بمعناها الحرفي 107

رواية لسانها عدم حجية كل خبر لا يوجد مضمونه في الكتاب 112

الجواب الأول: أن هذا اللسان مردوع عنه بنفسه 113

الجواب الثاني: إيقاع التعارض بين إطلاق الرواية وإطلاق دليل الحجية 114

ملاحظة النسبة بين الأخبار الدالّة على حجّيّة أخبار الآحاد والنافية لها 117

القسم الثاني ما جُعل الضابط فيه هو المخالفة للكتاب الكريم 122

الجهة الثانية: ما هو المقدار الذي يجب الأخذ به على كِلا التقديرين 123

الطائفة الأولى: ما كان في مقام بيان عدم الحجية 124

الطائفة الثانية: ما كان في مقام التكذيب بلا نكتة 124

الطائفة الثالثة ما كان في مقام التكذيب مع التعليل 125

خلاصة الكلام في الجهة الثانية 125

[الإطلاق في الرواية يقتضي سقوط كل خبر مخالف للكتاب عن الحجية] 126

دعوى عدم شمول المخالفة بنحو العموم المطلق 128

التمسّك بصحيحة الراوندي لإثبات حجّيّة المخالفة بنحو ــــــــــ[408]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

العموم المطلق 130

المخالف بنحو العموم من وجه هل يسقط بالمرة أو في مادة الاجتماع 133

الروايات في المقام 135

صحيحة يونس بن عبد الرحمن في وجود الدسّ في الروايات ووجوه الاستشهاد بها 136

الجهة الأولى: تولد علم إجمالي بوقوع التحريف في كتب الأصحاب 138

فما هو المخلص من ناحية هذا العلم الإجمالي؟ 139

الجهة الثانية: شبهة اختصاص تحكيم الكتاب بلحاظ الدّس ونقدها 140

الجهة الثالثة: احتمال الدّس في النُسخ يدفع الكثير من الإشكالات 141

الاستدلال على عدم حجّيّة خبر الواحد بالإجماع 143

مناقشة الإجماع المنسوب للسيّد المرتضى 143

الوجه الأوّل: مراد السيد المرتضى ليس هو ظاهر كلامه 143

الوجه الثاني: عدم حجية الاجماع المنقول في هذا المورد 148

الوجه الثالث: عدم انعقاد السيرة العقلائية 150

الوجه الرابع: مخالفة الاجماع المنقول للدليل القطعي وهو التواتر 151

ــــــــــ[409]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الوجه الخامس: عدم إحتمال صدق الاجماع المنقول ومطابقته للواقع 153

الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد 157

الدليل الأوّل: الكتاب الكريم 157

الآية الأولى: آية النبأ 157

التقريب الأوّل: التمسّك بمفهوم الشرط 157

تحقيق الكلام في الحاجة إلى ضمّ مقدّمة الأسوئيّة 161

حقيقة الأمر بالتبيّن الموجود في الآية 162

الاحتمال الأوّل: كون الأمر نفسياً حقيقياً 162

الاحتمال الثاني: كون الأمر إرشاداً إلى حكم العقل 164

الاحتمال الثالث: كون الأمر بالتبين غيرياً 168

الاحتمال الرابع: كون الأمر بالتبيّن نفسياً طريقياً 171

الاحتمال الخامس: كون الأمر بالتبين إرشاداً إلى الوجوب الشرطي 173

الاحتمال السادس: كون الأمر بالتبيّن إرشاداً إلى سلب الحجية 174

يقع الكلام في مقامين 175

المقام الأوّل: في تنقيح ثبوت المقتضي لهذه الدلالة على حجّيّة خبر الواحد. 175

ــــــــــ[410]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

تنقيح الصغرى في المقام 177

أنحاء تصور وقوع النبأموضوعاً 178

التحقيق في المقام 181

الأمر الأول: في المراد من موضوع الحكم 182

الأمر الثاني: في المراد من موضوع القضية الشرطية 187

الـنسبة بين مـوضوع الـحكم ومـوضوع الـقضية الشرطية 190

[النسبة بين كلّ منها والشرط] 192

شرطان في انعقاد المفهوم للقضية الشرطية 195

ما هو موضوع الحكم في آية النبأ 198

إشكال المحقّق الأصفهاني وجوابه 208

التحقيق في حل الإشكال 209

المقام الثاني: في وجود المانع عن المفهوم 212

المانع بلحاظ الجهة الداخلية وهي عموم التعليل 212

الـوجه الأوّل في الـجواب [الـمفهوم أخـص من التعليل] 213

مناقشة الجواب الأول 213

الوجه الثاني المحقّق النائيني ومدرسته 216

اعتراض المحقّق الأصفهاني 217

ــــــــــ[411]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

دفع الاعتراض 217

ما ينبغي أن يقال في مقام إبطال حكومة مدلول المفهوم على العامّ 220

تلخيص لما سبق 224

الوجه الثالث: للمحقق الخراساني 226

[إيراد المحقق الأصفهاني على الوجه الثالث] 227

دفع الإيراد 228

تحقيق في المقام 230

المانع بلحاظ الجهة الخارجيّة 233

جواب الشيخ الأعظم ومن تأخر عنه 234

التأمل في جواب الأعلام 235

ما ينبغي أن يقال في الجواب 238

التقريب الثاني: التمسّك بمفهوم الوصف 239

جواب السيد الأستاذ عن التقريب 241

تحقيق في المقام 243

الإشكال في الأخبار مع الواسطة 249

التقريب الأوّل: [لزوم اتحاد الحكم مع الموضوع] 249

التقريب الثاني: لزوم تأخر الموضوع عن الحكم رتبةً 251

[كلام المحقق الخرسان في المقام] 252

ــــــــــ[412]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

 [بيان المحقق النائيني في المقام] 253

[الصور الفنية للإشكال وورودها على أدلة الحجية] 255

التحقيق في المسألة 258

المقام الأوّل: أن خبر الكليني خبر بلا واسطة 259

الوجه الأوّل: بلحاظ المدلول الالتزامي 259

دفع الإشكال على ضوء الوجه الأول 261

تلخيص المطلب 266

الوجه الثاني بلحاظ العلم التعبدي بالصدور 269

شبهة كون الإخبار حدسيّاً 272

المقام الثاني: في كلمات الآغايون في ذلك 274

الجواب الأول شمول الأخبار لملاك الحجية ومناطها 274

مناقشة الجواب الأول 275

الجواب الثاني للآخوند مع مناقشته 277

الجواب الثالث للنائيني 286

مناقشة جواب المرزا النائيني 291

وجه آخر للنائيني مع مناقشته 300

إشكال آخر للمحقّق العراقي 308

الآية الثانية: آية النفر 309

وجه الاستدلال بها 310

ــــــــــ[413]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الأمر الأول: بيان الملازمة بين الشرط والجزاء 311

الأمر الثاني: بيان ثبوت الشرط بالآية الكريمة 311

المناقشة في الأصل الموضوعي لكلام الأعلام وهو صدق القضية الشرطيّة 314

بعد الاعتراف بصدق القضيّة الشرطيّة هل يمكن إثبات مقدّمها بالآية 320

الوجه الأوّل: ما أورده الأصفهاني وجوابه 321

الوجه الثاني: هو لزوم التحذير من قول المنذر 324

الوجه الثالث ومناقشته 330

إشكال الآغايون في هذه الوجوه 334

الوجه الاوَّل: [المناقشة في إطلاق وجوب التحذر] 334

الإشكال الثاني للشيخ الأعظم 336

الإشكال الثالث في المقام 339

الآية الثالثة: آية الكتمان 341

تقريب الاستدلال 341

وجوه الضعف بالاستدلال بها 342

إشكال الشيخ الأعظم على آية النفر والكتمان 348

ما أفاده الميرزا في المقام 349

الآية الرابعة: آية السؤال من أهل الذكر 349

ــــــــــ[414]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

تقريب الاستدلال 350

التحقيق في أنَّ هذه الآية لا دلالة فيها على حجّيّة خبر الواحد 351

الأمر الأوّل: [أن الأمر في الآية ليس مولوياً] 351

الأمر الثاني: [أن متعلق السؤال ليس مطلقاً] 352

الأمر الثالث: [احتمال أن المراد من الذكر هو الرسالة لا العلم] 353

الأمر الرابع: [محتملات اشتراط عدم العلم في الآية] 356

الأمر الخامس: [إبطال الملازمة] 358

الدليل الثاني: الاستدلال بالسُّنَّة 360

كلام المحقق النائيني ومناقشته 360

تحقيق في التواتر الاجمالي 361

الكلام في مقامين 367

المقام الأوّل: في الطوائف غير الدالة على حجّيّة. 367

الطائفة الأولى: [الدالة على تصديق روايات الثقة لا بنحو جعل الحجية] 367

الطائفة الثانية: ما أخذ فيها عنوان الورود 370

الطائفة الثالثة: [الدالة على الترغيب في أخذ الحديث] 371

الطائفة الرابعة: وهي التحويل على أشخاص مخصوصين. 373

الطائفة الخامسة: [الآمرة بنقل المفاهيم الإسلامية] 377

الطائفة السادسة: الدلة على أنفعية السامع أكثر من الراوي 378

ــــــــــ[415]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11 

الطائفة السابعة: الروايات الدالّة على الثناء على المحدثين وحملة الأخبار 380

الطائفة الثامنة: ما دلّ على حمل رسالة الدين من العدول في كلّ قرن 381

الطائفة التاسعة: ما دلّ على الأمر بحفظ الكتب والترغيب بالكتابة 382

الطائفة العاشرة: ما دلّ على جواز النقل بالمعنى 383

الطائفة الحادية عشر: ما أوجب السماع عن صادق 383

الطائفة الثانية عشر: ما دل على إعمال الرأي والهوى في رد الرواية 384

الطائفة الثالثة عشرة: الأخبار العلاجيّة الدالّة على الترجيح 385

الطائفة الرابعة عشرة: وهي التي تدلّ على حجّيّة ثقاتنا أو ثقتي 386

المقام الثاني: في الروايات التي تدلّ على حجّيّة خبر الواحد 388

الاستدلال بالرواية المباركة ووجهه 396

الفهرس 405

ــــــــــ[416]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج11