أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
علم أصول الفقه ج13

محاضرات في علم أصول الفقه

الجزء الثالث عشر

 

261

ص44 الصدر، محمد.

محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج13 (280ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1717/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1717) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

5-35-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com

محاضرات 

في 

علم أصول الفقه 

تقريراً لأبحاث 

سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية الله العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر 

الجزء الثالث عشر  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 








(بقية) أصالة البراءة الشرعية

 

ويحتوي على:

  • (بقية) حديث الرفع

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 







(بقية) حديث الرفع

 

  • [المقام الثاني]: التصوير الثاني للجامع وهو التكليف المجعول
  • المقام الثالث: في فقه الحديث
  • المقام الرابع: في سند الحديث
  • المستوى الثاني للبراءة: وهي التي في مستوى قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) 

ــــــــــ[11]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 



(بقية) حديث الرفع(1)

 

[المقام الثاني: التصوير الثاني للجامع                                                   وهو التكليف المجعول]

 

قلنا: إنَّ الكلام في حديث الرفع يقع في مقامات أربعة، ووصل الكلام إلى المقام الثاني، وهو أنَّ البراءة المجعولة في هذا الحديث هل تشمل الشبهات الحكمية والموضوعيّة معاً، أو تختصّ بأحدهما؟ وقلنا: إنَّ الكلام هنا يقع في أمرين؛ لتوقّف شمول الحديث لهما:

 أحدهما: هو تصوير جامع يقع مصبّاً للرفع في موارد الشبهات الموضوعيّة والحكميّة.

 والأمر الثاني: بعد فرض تصوير الجامع يقع البحث في أنّه هل هناك قرينة عرفيّة في نفس الحديث، تقتضي اختصاص الرفع بخصوص بعض حصص هذا الجامع أو لا(2)؟ 

ــــــــــ[13]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

التصوير الثاني للجامع، هو أن يراد بـ(اسم الموصول) هنا التكليف، فيكون كناية عن التكليف المجهول، سواءٌ كان سبب الجهل به عدم النّص أو إجماله، أو تعارض النصّين، كما هو الحال في الشبهات الحكميّة، أو اشتباه الأمور الخارجيّة، كما هو الحال في الشبهات الموضوعيّة.

[إشكال على التصوير الثاني للجامع]

وأحسن ما يمكن أن يورد على هذا الجامع هو أن يقال: 

بأنّه بحسب الحقيقة ليس هناك عندنا تكليف مجهول في الشبهات الموضوعيّة، وإنمّا عندنا موضوع مجهول، لا تكليف مجهول. 

توضيحه: هو أن يقال: إنّه في باب جعل الأحكام على موضوعاتها المقدّرة الوجود، على نهج القضايا الحقيقيّة، هناك يقال: بأنَّ الحكم له مرتبة جعل وله مرتبة مجعول، ومرتبة الجعل تتحقّق بنفس الإنشاء ومرتبة المجعول، تتوقّف فعليّتها على وجود الموضوع خارجاً: لِلَّـهِ‏ عَلَى‏ النَّاسِ‏ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ(1)، هذا جعل. وفعلية المجعول هو: وجوب الحج، يكون بعد فرض الاستطاعة بحسب الخارج.

بناءً على هذا التصوير يتمّ الجامع في المقام؛ وذلك بأن يقال: بأنَّ وجوب الحج مرتبتان وثبوتان: ثبوت في عالم الجعل، وهو الإلزام الكلّيّ على موضوعه الكلّيّ، وثبوت في عالم تحقيق الموضوع وهو: ثبوته على زيد بسبب استطاعته. وحينئذٍ فالشكّ في وجوب الحج تارةً يكون بنحو الشبهة الحكميّة، بأن يشكّ في 

ــــــــــ[14]ــــــــــ

(1) آل عمران: 97.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

أصل وجوب الحج على من يستطيع السفر إلى مكّة ماشياً ولا يستطيعه راكباً. وأخرى نعلم بوجود الحجّ على المستطيع ونشكّ في أنَّ زيداً هل هو مستطيع أو لا؟ هنا أيضاً يكون شكّ في الوجوب؛ لأنّ الوجوب الثابت بالنسبة إلى هذا الفرد تابع لوجود موضوعه. 

فالوجوب له وجود آخر وراء عالم الجعل، وهو عالم المجعول وتحقّق الموضوع. بناءً عليه، في الشبهات الموضوعيّة دائماً يكون عندنا شكّ في ذلك المجعول، الذي له نحو من الوجود زائداً على وجود الجعل؛ لأنَّ وجود هذا المجعول يتوقّف على وجود موضوعه، فإذا شككنا في وجود الموضوع، كان معناه الشكّ في وجود هذا المجعول. إذن، فـ”رفع ما لا يعلمون” يرفع الالزام المجهول، سواءٌ كان هو الجعل أو المجعول -مثلاً- هو الجعل في الشبهات الحكميّة والمجعول في الموضوعيّة. 

هذا بناءً على أن يكون للحكم وجود زائد على وجود الجعل.

 [دفع الإشكال عن التصوير الثاني] 

وأمّا إذا بنينا -كما حقّقنا في بحث الواجب المطلق والمشروط- أنَّ الحكم ليس له وجود زائد على وجود جعله الكلّيّ على موضوعه الكلّيّ المقدّر الوجود -وجود وجوب الحج- إنّما هو بوجود هذا الجعل الكلّيّ في قوله: وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ الآية(1). وليس له وجود آخر. في حين تحقُّق الاستطاعة خارجاً، بناءً على إنكار الوجود الآخر للحكم، يقال: في الشبهات الموضوعيّة لا يُتصوّر 

ــــــــــ[15]ــــــــــ

() قوله تعالى: وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إليه سَبِيلًا (آل عمران:97).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وجود حكم مجهول عندنا؛ إذ ليس عندنا إلَّا جعل الحكم بنحو الكبرى والقضيّة الحقيقيّة، ووجود الموضوع خارجاً. 

أمّا الكبرى، فهو معلوم في موارد الشبهات الموضوعيّة، أي عند الشكّ في تحقّق الاستطاعة.

فلا يوجد عندنا هنا إلَّا شيئان أحدهما الكبرى وهي معلومة.

 والآخر الصغرى، وهي الاستطاعة، وهي ليست حكماً شرعيّاً، وإن كانت مجهولة. فاين هذا التكليف المجهول الذي يُتصوّر في الشبهات الموضوعيّة. فما هو مجهول، وما هو حكم ليس مجهولاً، فلا يُتصوّر الجامع. 

وهذا، وإن كان هو الصحيح في تحقيق حقيقة الواجب المطلق والمشروط. إلَّا أنَّ هذا لا ينفع في المقام؛ وذلك لأنّه لا يمنع عن انتزاع عنوان اللزوم عرفاً من الجعل بالإضافة إلى موضوعه الخارجي. فإنَّ عنوان اللّزوم والإلزام، والإيجاب والفرض ونحوها، كلّها عناوين عرفيّة، ينتزعها العرف من تعلّق خطاب المولى بموضوع. وحينئذٍ، فالخطاب الكلّيّ بتعلّقه بالموضوع الكلّيّ يُنتزع من ذلك عنوان الفرض، والالزام، والكتابة بالنسبة إلى ذلك الموضوع الكلّيّ. وحينما ينطبق ذلك الموضوع الكلّيّ على فرد بحسب الخارج فيصر زيد مستطيعاً، حينئذٍ يُنتزع من نفس ذلك الخطاب الكلّيّ عنوان الالزام والفرض، والكتابة بالنسبة إلى هذا الفرد بالخصوص. 

فهذه العناوين عناوين عرفيّة، ينتزعها العرف من تعلّق الخطاب بالموضوع الكلّيّ، أو من انطباق الموضوع الكلّيّ على مصداق بحسب الخارج؛ ولهذا لا 

ــــــــــ[16]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

يستشكل العرف من مثل هذه الإضافة والنسبة، أن يقال: إنَّ زيداً استطاع فوجب عليه الحج. مثل هذه (الفاء) ليس فيها مؤونة عند العرف أصلاً. من ناحيّة أنَّ هذا الوجوب عنوان انتزاعيّ، ينتزعه العرف من تعلّق الخطاب بالموضوع الكلّي، أو من انطباق الموضوع الكلّي على الفرد الخارجي. 

ومثل هذا العنوان بنفسه قابل لأن يُرفع في المقام، بداعي عدم إيجاب الاحتياط من ناحيته، وعدم وقوع المكلّف في الكُلفة من هذه الناحية. 

إذن، فهذا المطلب وهو أنَّ التكليف هل له وجود آخر وراء عالم الجعل، أو ليس له؟ إنّما يرتبط بفلسفة وتحليل حقيقة الحكم، ولا يرتبط بمسألة الظهور العرفي في جملة “رفع ما لا يعلمون“. 

اذن، فهذا الإشكال في غير محلّه، وجامعيّة التكليف المجهول لا إشكال فيها. 

ولكنّه مع هذا لا موجب للمصير إلى هذا الجامع في قبال الجامع الأوّل، كما بيّنا فيما سبق؛ وذلك لأنَّ هذا -يعني الجامع بمعنى التكليف- إعمال لنحو من التخصيص، والعناية في مفهوم اسم الموصول. مع أنَّ مقتضى القاعدة هو بقاء اسم الموصول على عموميّته، وحينئذٍ، يتعيّن الجامع الأوّل في قبال هذا الجامع؛ وذلك بأن يراد الشي المجهول، سواءٌ كان هو شرب الخمر أو حرمة شرب الخمر. 

هذا تمام ما ينبغي أن يقال بالنسبة إلى الأمر الأوّل، وهو تصوير الجامع. 

وأمّا بالنسبة إلى الأمر الثاني، وهو: أنّه هناك قرينة عرفيّة، في نفس الحديث 

ــــــــــ[17]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

تقتضي اختصاصه بخصوص أحدهما دون الآخر أو لا؟ فقد ادُّعيت القرينة العرفيّة من كِلا الجانبين. 

ما يدّعى قرينة على اختصاص حديث الرفع في الشبهات الموضوعية

أمّا ما يُدّعى كونه قرينة على الاختصاص بخصوص الشبهات الموضوعيّة، فهو السياق؛ وذلك: بأن يقال: إنَّ “رفع ما لا يعلمون” وقع في سياق كلامي تواردت فيه جمل عديدة لهذه الصيغة: “ما لا يعلمون“، “ما لا يطيقون“، “ما اضطرّوا إليه”، ما استكرهوا عليه“. ومن المعلوم أنَّ المراد من (اسم الموصول) من تلك الجمل الأخيرة هو الفعل “ما اضطرّوا إليه” ، أي الفعل الذي يكون”ما اضطرّوا إليه”، وما لا يطيقون” يعني الفعل الذي لا يكون مطاقاً. وليس المراد به التكليف، بل المراد به خصوص الفعل. 

فبقرينة وحدة السياق، يجب أن نحمل (اسم الموصول) في “ما لا يعلمون” أيضاً، على خصوص الفعل؛ ليكون السياق واحداً في تمام هذه الجمل. 

[الجواب عن الدعوى] 

هذا الإشكال ليس صحيحاً؛ وذلك أنَّ الجمل المتواردة في سياق كلامي واحد، والمشتركة في هيئة وصيغة واحدة. هذه الجمل تارةً يُلحظ مدلولها الاستعمالي، وأخرى يُلحظ مرادها ومدلولها الجدّي، وثالثةً يلحظ مصداقها الواقعيّ. فهنا ثلاث مراحل بالنسبة إلى هذه الجمل. 

قد تكون هذه الجمل متطابقة في المراحل الثلاثة، وقد تكون متطابقة في المرحلتين الأوّليّتين، وقد تكون متطابقة في الأوّلى فقط -فمثلاً- لو قال المولى: 

ــــــــــ[18]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

أطع الإمام، واحترم الإمام، وأكرم الإمام. فهنا لو فُرض أنَّ كلمة الإمام استعملت(1) في إمام الجماعة في تمام هذه الموارد. وكان المراد الجدّي منها هو أيضاً إمام الجماعة بقول مطلق. وكانت دائرة انطباق كلّ كلمة من هذه الكلمات مساوية مع دائرة انطباق الآخر. إذن، فقد اتّحدت هذه الكلمات في المراحل الثلاث: مرحلة المراد الاستعمالي، ومرحلة المراد الجدي، ومرحلة التطبيق الخارجي. 

وقد يُفرض أنّه يختلّ الاتّحاد في بعض هذه المراتب، ولا يختلّ في بعضها الآخر. -مثلاً- لو قال: أكرم كلّ عالم، وقلّد كلّ عالم، واحترم كلّ عالم(2). وفرضنا أنَّ المراد الاستعمالي هو العموم فيها. إلَّا أنّنا عرفنا أنَّ المراد الجدّي من بعض هذه الجمل هو خصوص العالم العادل. فهنا الاتّحاد في المراد الاستعمالي محفوظ وهو العموم، ولكن لا اتّحاد بينها في المراد الجدّي؛ لأنَّ المراد الجدّي من بعضها هو خصوص العالم العادل، وفي بعضها هو مطلق العالم. 

وأخرى نفرض الاتّحاد من كِلا العالمين في عالم المراد الاستعمالي، وعالم المراد الجدي. ولكن لا اتّحاد في عالم التطبيق. كما إذا فرضنا قال: -مثلاً- لا تغصب الشيء الذي تأكله، ولا تغصب الشيء الذي تنام عليه، ولا تغصب الشيء الذي تطالع فيه.

فهنا، كلمة (الشيء) تكرّرت ثلاث مرات، وفي كلّ منها قد أُرِيد منها 

ــــــــــ[19]ــــــــــ

(1) يعني المراد الاستعمالي، (المُقرِّر).

(2) ونحو ذلك من الجمل، (المحاضرة). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

بالإرادة الاستعماليّة معنى واحد، وهو: ذلك المفهوم المبهم العام، القابل الانطباق على كلّ شيء. كما أنَّ المراد الجدّي أيضاً واحد في الجميع، فإنَّ المراد الجدّي يكون له نحو من التخصيص، لا من ناحية أنّه يطالع به. كذلك المراد الجدّي من قوله: لا تغصب الشيء الذي تنام عليه؛ وذلك المفهوم المبهم الذي يكون له نحو من التخصيص، إلَّا من حيث إنّه ينام عليه. وهكذا. المراد بالجدي من ناحية نفس هذه اللقطة هو مطابق مع المراد الاستعمالي. 

غاية الامر، أنَّ المصاديق الخارجيّة تختلف باختلاف حقيقة النوم، والمطالعة، والأكل، حيث إنَّ النوم لا يمكن أن يطرأ على نفس ما يطرأ عليه الأكل، والأكل لا يمكن أن يطرأ على نفس ما تطرأ عليه المطالعة. لو فُرض محالاً، أنَّ هذه الأمور الثلاثة كانت تطرأ على شيء واحد، لم يكن هناك تصوّر من ناحية نفس اللفظ، يعني: لم يكن هناك اختلاف من ناحية نفس المستعمل(1)، وإنّما الاختلاف نشأ من اختلاف حاجات الأكل، والنوم والمطالعة. وحيث إنه لو فُرض محالاً أنَّ الإنسان ينام على نفس الشيء الذي يأكل منه، ويأكل من نفس الشيء الذي يطالع به. إذن، لم يكن هناك أيّ اختلاف بين هذه الجُمل، من حيث مدلولها الاستعمالي والجدّي.

إذن، الاختلاف ما بين هذه المداليل بحسب الحقيقة اختلاف في عالم التطبيق؛ باعتبار سنخ ماهيّات هذه الأشياء، لا اختلاف يرجع إلى المستعمِل، والمستعمِل لم يعمل غاية في مقام الاختلاف أصلاً. بخلافه في المقامين الأوليّين.

ــــــــــ[20]ــــــــــ

(1) لا في عالم مراده الاستعمالي، ولا في عالم مراده الجدي، (المحاضرة). (المُقرِّر ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

فمن هنا، اتّضح أَّن الجُمل المتعاطفة بصيغة واحدة، الواردة في سياق واحد، تارةً يُفرض الاختلاف بينها في المدلول الاستعمالي، وأخرى يُفرض اتُحادها فيه، واختلافها في المدلول الجدّي بإعمال العناية من قبل نفس المستعمِل، وأخرى يفرض إعمال العناية من قبل المستعمِل، لا في مرتبة المدلول الاستعمالي، ولا الجدّي، لكن الاختلاف في مرحلة التطبيق؛ لاختلاف ماهيّات الأشياء.

بعد أن يتّضح عالم هذه المراحل الثلاث نقول حينئذٍ: بأنَّ قرينيّة وحدة السياق تأبى عن الاختلاف في العالم الأوّل: في عالم المدلول الاستعمالي. فلو فرضنا أنَّ المولى قال: الإمام يجب احترامه، والإمام يجب تقليده، والإمام ينفذ حكمه. وعرفنا أنَّ المراد من الإمام في الجملة الأولى والثانية، هو إمام الجماعة لا إمام الأصل (المعصوم). فبقرينة وحدة السياق نقول: إنّه في الجملة الثالثة حيث يقول: الإمام ينفذ حكمه، المراد هو إمام الجماعة، لا إمام الأصل. فبقرينة وحدة السياق تدلّ على التوحيد، بلحاظ المراد الاستعمالي جزماً.

ولا تدلّ على التوحيد، بلحاظ عالم التطبيق جزماً. بعد فرض الوحدة في المرادين: الجدّي، والاستعمالي. لا تدلّ وحدة السياق على الوحدة في عالم التطبيق؛ لأنَّ الاتّحاد في عالم التطبيق مربوط بماهيّات هذه الأشياء، وغير مربوطة بقصد المستعمِل، وإرادته، وبالعناية في استعماله أصلاً. وحينئذٍ، فأي ربط لقرينة وحدة السياق، التي هي قرينة من قبل المستعمِل على الاتّحاد في مقام التطبيق في المقام؟

وأمّا المقام المتوّسط بين المقامين، وهو مرحلة المراد الجدّي، كما لو قال: 

ــــــــــ[21]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

أكرم كلّ عالم، وقلّد كلّ عالم، وفرضنا أنّنا علمنا بأنَّ المراد جداً، من قوله: (قلّد كلّ عالم) خصوص العالم العادل، ولا يجوز تقليد العالم الفاسق.

حينئذٍ، هل نقول بقرينيّة وحدة السياق، إنَّ المراد من قوله: (احترم كلّ عالم) أيضاً هو خصوص العادل أيضاً أو لا؟ 

لو لم نقل بهذا، فمعناه أنّ المراد الجدّي من الأوّل اختلف عن المراد الجدّي من الثاني، وإن اتّحد المراد الاستعمالي. فهل قرينة وحدة السياق توحَّد أو لا؟ هذا فيه احتّمالات ومحلّ بحث. وإن كان الصحيح أنَّ قرينة وحدة السياق غير جارية في المقام، أو أنَّها مخصوصة بخصوص المراد الاستعمالي. وعلى أيّ حال من غير المهمّ هنا تحقيق هذا المطلب. 

إذا اتّضحت كبرى وحدة السياق، ومجالات قرينيتها، نأتي إلى محلّ الكلام: 

في محلّ الكلام لو بُني على أنَّ “رفع ما لا يعلمون” هنا، يكون مطلقاً للشبهات الموضوعيّة والحكميّة، يعني للفعل وللتكليف معاً، بخلاف “رفع ما اضطرّوا إليه” فإنّه مخصوص بخصوص الفعل، فقد اختلف أحدهما عن الآخر. فهذا الاختلاف هل هو اختلاف في مرحلة المراد الاستعمالي، الذي هو مورد جريان قرينة وحدة السياق جزماً، أو في مرحلة المراد الجدّي، الذي هو مورد الشكّ في جريانها، أو اختلاف في مرحلة التطبيق الذي هو ليس مجرى لهذه القرينة جزماً؟

هنا من الواضح أنّه من القسم الثالث، فإنَّ هذا الاختلاف ليس اختلافاً لا في المراد الاستعمالي، ولا في الجدّي. فإنَّ المراد الاستعمالي من اسم (الموصول) في 

ــــــــــ[22]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

كلّ هذه الجمل هو (الشيء) على إجماله وعموميّته. والمراد الجدّي أيضاً هو الشي الذي لم يتحصّص لا من ناحية وقوع هذه العناوين عليه -عنوان الاضطرار والجهل والنسيان-، غاية الأمر بأنَّ ما يكون مضطرّاً إليه لا يعقل انطباقه في الخارج إلَّا على الفعل؛ لأنَّ الإنسان لا يضطرّ إلَّا إلى فعله، بخلاف ما يجهل، فإنّه ينطبق على فعله وينطبق على فعل المولى، فإنّه أيضاً قد يكون مجهولاً للعبد، وهو التكليف الشرعي. 

إذن، فالفرق حينئذٍ يصير في مرحلة التطبيق من ناحية اختلاف ماهيّات هذه الأشياء، وليس اختلافاً لا في المراد الاستعمالي، ولا في المراد الجدّي. فقد اتّضح بذلك أنَّ وحدة السياق في المقام لا مجال لها. كما اتّضح كليّة المجالات التي يمكن إعمال قرينة وحدة السياق فيها إثباتاً ونفياً وشكّاً. 

هذا هو الكلام في القرينة، التي تدّعى لاختصاص حديث الرفع بخصوص الشبهات الموضوعية.

بعد فرض تصوير الجامع، يقع الكلام في أنّه هل هناك قرينة تدلّ على اختصاص الرفع بخصوص أحد القسمين: إمّا الشبهات الموضوعيّة أو الحكمية، أو لا توجد قرينة عرضيّة على ذلك؟ 

ما يدّعى قرينة على اختصاصه بالشبهات الحكميّة 

وقد ادّعيت القرينة من كِلا الطرفين فقيل تارةً أنَّ هناك قرينة على الاختصاص بخصوص الشبهات الموضوعية، من ناحية دعوى أنَّ وحدة السياق تقتضي ذلك. وقد تقدّم الكلام في ذلك. 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وادّعى أخرى عكسه أنَّ هناك قرينة عرفيّة تقتضي الاختصاص بخصوص الشبهات الحكميّة. وقد يوقع مدّعي هذه القرينة الثانية المعارضة حينئذٍ بين هذه القرينة، والقرينة الأولى، من حيث إنَّ كُلّاً منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر على ما ورد في كلمات المحقّق العراقي(1)

وحاصل هذه القرينة، التي يدّعي قبالها على الاختصاص بخصوص الشبهات الحكميّة، هو أنَّ اسم (الموصول) في قولنا: “ما لا يعلمون” وإن كان من قِبل نفسه لا يأبى عن الانطباق على أيّ شيء بحسب الخارج، يكون مصداقاً لهذا العنوان؛ لأنّه مرادف مع مفهوم الشيء. 

إلاَّ أنّه لا بُدّ في مقام تطبيق مفهوم “ما لا يعلمون” على الشيء الخارجي، أن يكون الشيء الخارجي من (لا يعلم) بحيث يُنسب عدم العلم والمجهوليّة إليه حقيقة. فإذا صحّت نسبة المجهوليّة إليه حقيقة، فيطّبق عليه عنوان “ما لا يعلمون“، فيشمله الإطلاق. 

وفي باب الشبهات الحكميّة، نفس التكليف، ممّا يُنسب إليه المجهوليّة حقيقة، ويضاف عليه عدم العلم بلا عناية. فإنّ التكليف بالاجتناب عن التتن -مثلاً- مجهول وغير معلوم حقيقة. فيطّبق عليه عنوان “ما لا يعلمون” فيشمله الإطلاق. وأمّا في باب الشبهات الموضوعيّة لو شُكّ في حرمة شرب هذا المائع؛ للشكّ في أنّه خمر أو أنّه خلّ -مثلاً-. 

ــــــــــ[24]ــــــــــ

(1) انظر نهاية الأفكار 3: 216-217، المقصد الثالث، المسألة الأولى، عنوان ما لا يعلم: عموم الرفع للشبهات الحكمية والموضوعية.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

فهنا بحسب الحقيقة، ذات الموضوع ليس مجهولاً، وإنّما المجهول عنوانه لا ذاته. فإنَّ الذات بحسب الخارج معلومة؛ لأنَّ ذات الموضوع هو عبارة عن ذات هذا المائع، وليس هناك جهل به. وإنّما الجهل إلى عنوانه، فهو مجهول العنوان، لا مجهول الذات، وهذا الجهل العنواني يُنسب إلى نفس الذات بنحو من المسامحة والعناية حينئذٍ. وتطبيق عنوان “ما لا يعلمون” عليه يكون عنائيّاً لا محالة؛ لأنَّ هذه الذات ليست (مما لا يُعلم)، بل (ممّا لا يُعلم) عنوانها، فهو من باب الوصف بحال المتعلّق. 

فهنا، انطباق عنوان (ما لا يُعلم) على ما يكون عدم المعلوليّة في عنوانه، لا في ذاته، فيه عناية زائدة، وحينئذٍ، لا يتكفّله الإطلاق؛ لأنَّ الإطلاق، إنّما يتكفّل شمول المفهوم لأفراده الحقيقة(1)

مناقشة القرينة

هذه القرينة في المقام غير صحيحة وذلك: 

أمّا أولاً: فلأنّه قد تكون أصل الذات في المقام مجهولة أيضاً، كما أنَّ العنوان يكون مجهولاً؛ وذلك كما لو فُرض أنّه شكّ في وجوب الحجّ؛ للشكّ في أصل وجود الاستطاعة، لا يدري هذا المؤمن أنّه هل مات مورّثه، فانتقل إليه مال كثير أو لا؟ فليس مستطيعاً. فهنا يكون الشكّ في أصل ذات الاستطاعة، لا في عنوان الاستطاعة، كما في المائع المعلوم الذات، والمشكوك الخمريّة. 

ــــــــــ[25]ــــــــــ

(1) وهنا قال جواباً على سؤال: حول ما إذا كانت هذه القرينة يذكرها المحقّق العراقي. قال: بلي. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

فإذا فُرض أنّه لا بدَّ من صدق المجهوليّة في حقّ الذات، فهنا كذلك؛ لأنَّ الاستطاعة ذاتاً وعنواناً مجهولة؛ لا أنّها معلومة ذاتاً وعنوانها مجهول كما هو الحال في مسألة الخمريّة.

وإذا ثبت شمول البراءة لامتثال هذه الشبهات، يعمّم لسائر الشبهات؛ لعدم احتمال الفرق بين شبهة موضوعيّة، وشبهة موضوعيّة. 

وأمّا ثانياً: فلأنّه لو فُرض أنَّ الذات في الشبهات الموضوعيّة، من حيث إنّها ليست مجهولة، وإنّما تكون مجهولة بلحاظ عنوانها، وهو عنوان الخمر في المقام. فهذا أيضاً ليس منشأ للإشكال؛ لأنَّ “ما لا يعلمون” هنا لا يصحّ تطبيقه على الذات، وإنّما لا بُدّ وأن يطّبق على العنوان. 

لا يطّبق “ما لا يعلمون” على الذات، ليقال إنّها غير مجهولة، وإنّما المجهول عنوانها، بل يطبّق “ما لا يعلمون” على نفس العنوان ابتداءً. والعنوان مجهول الذات في نفسه. فإنّ المجهوليّة تُنسب إلى العنوان حقيقة، وتنسب إلى الذات بالعرض.

لو أردنا أن نطبّق “ما لا يعلمون” على ذات المائع، فحينئذٍ يقال: بأنَّ هذا تطبيق عنائي؛ لأنَّ المجهوليّة لا تُنسب لى الذات، بل تُنسب إلى عنوانها. لكن نحن نريد أن نطبّق “ما لا يعلمون” على نفس عنوان الخمر، وهو ما يضاف إليها المجهوليّة حقيقة اللاعناية. فيكون التطبيق حقيقياً. 

وهذا هو المتعيّن: المتعيّن هو تطبيق عنوان (مما لا يعلمون) على العنوان، عنوان الخمر الذي هو مجهول إلَّا على الذات الخارجيّة؛ وذلك لأنّه هو الذي 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

يناسب أن يكون مصبّاً للرفع والوضع؛ باعتبار موضوعيّته للحكم الشرعي؛ لأنَّ موضوع الحكم ليس هو الذات عارية بما هي ذات، بل هو العنوان، فما هو موضوع للحكومة، وما هو قابل للرفع والوضع من قبل الشارع، إنّما هو العنوان لا الذات بما هي. وحينئذٍ فتطبيق “ما لا يعلمون” عليه يكون في محلّه. ولا تتمّ القرينة من هذه الناحية. 

فبهذا اتّضح أنَّ الحدّ ينشأ ليشمل الشبهات الموضوعيّة والحكميّة معاً. ولا موجب لاختصاصه بأحد الحكمين دون الآخر(1). هذا حاصل الكلام في المقام الثاني. 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: إنَّ المحقّق العراقي، في مقام إبطال القرينة الأولى، يعارضها بالقرينة الثانية أوّلاً، ثُمّ يذكر أنّها -أي القرينة الأولى- في نفسها باطلة؛ لإشكال نحن لم نتعرّض له؛ لعدم صحّته. يقول: بأنّ وحدة السياق* في المقام غير تامّة؛ لأنَّ السياق بتغيير العبارة. حيث قيل في الحديث: “رُفع ما اضطرّوا إليه“، “وما استكرهوا عليه“، “وما لا يطيقون“، “وما لا يعلمون“، “ورفعت الطيّرة والحسد“، فاختلف السياق بتغيير للعبارة. والإشكال هناك غير صحيح؛ ولهذا لم نتعرّض له.

* وهو القرينة الأولى، (توضيح). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 






المقام الثالث: في فقه الحديث

 

وفي هذا المقام جهات عديدة: 

الجهة الأولى: في تصوير نسبة الرفع إلى المرفوعات في هذا الحديث

حيث إنّه وقع الإشكال في كيفيّة نسبة الرفع إلى جملة من هذه المرفوعات في الحديث في قوله: “رفع ما اضطرّوا إليه، وما لا يطيقون، وما استكرهوا عليه“. مع أنَّ هذه الأمور أمور خارجيّة محقّقة ثابتة، فكيف يكون الرفع مستنداً ليها. 

ومن هنا التزم جملة من المحقّقين، على ما هو ظاهر عبارة الشيخ الأعظم في (الرسائل)(1)، أنَّ الرفع لم يُسند إلى المذكورات، وإنّما أُسند إلى أثر مقدّر، فيكون معنى “رفع ما اضطرّوا إليه” رفع الشيء الذي اضطرّوا إليه، ورفع الشيء الذي هو وسيط بين الرفع، وبين المضطرّ إليه. والتقدير وإن كان خلاف الأصل وخلاف المتفاهم العرفي، لكن لا بُدّ من الالتزام به حيث لا يمكن استناد الفعل إلى نفس المضطرّ ابتداء. 

ومن هنا وقعوا في بحث في أنَّ المقدّر ما هو؟ هل هو خصوص العقاب أو أنّه جميع الآثار أو بعضها دون بعض؟ وما هو الضابط في هذا التبعيض؟ 

ــــــــــ[28]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأصول 2: 28- 29، المطلب الأول، المسألة الأولى، الاستدلال على البراءة بالسُنّة.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وبعد ذلك: المحقّق النائيني(1) ذكر هنا أنّه لا حاجة إلى التقدير؛ لأنّه خلاف المتفاهم العرفي جدّاً، بل يمكن أن يكون الرفع مستنداً إلى نفس هذه المرفوعات. إلَّا أنَّ العالم الذي لوحظ أرفع بالنسبة إليه، هو عالم التشريع لا عالم التكوين. 

وادّعى جملة من المحقّقين في المقام، أنَّ الرفع يكون رفعاً تنزيليّاً لا رفعاً حقيقياً(2). وتشوشت هذه الكلمات، ما بين الرفع التشريعي، وما بين الرفع التنزيلي. ووقع الخلط ما بين هذين القسمين.

[التفصيل في احتمال التقدير]

وتحقيق وتفصيل الكلام في المقام أن يقال: 

بأنّنا إذا بنينا على عدم التقدير، وأنَّ الرفع يكون مسند إلى نفس هذه المذكورات، وأنّنا لا نحتاج في المقام إلى تقدير، فحينئذٍ لا بُدّ من الالتزام بإحدى مؤونتين: إمّا أنَّ نتصرّف في نفس الرفع في المقام، ونقول: إنّه ليس رفعاً حقيقيّاً، بل هو رفع عنائي. وإمّا أنَّ نتصرّف في المرفوع، ونحمله على معنى قابل للرفع الحقيقي. 

توضيح ذلك: إنّنا إذا أبقينا الرفع على ظهوره الطبيعي الأوّلي، في الرفع الحقيقي أي النفي حقيقة. وأبقينا المرفوع والمنفي على ظهوره، حيث إنَّ “ما 

ــــــــــ[29]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 170، المقصد السابع: في الأصول العملية الجارية عند الشك، المبحث الأوّل، البراءة. 

(2) انظر: نهاية الأفكار 3: 211، المقصد الثالث: في أحكام الشكوك، المبحث الثالث: في الشبهة التحريمية، المسألة الأولى، في الشبهة التحريمية لأجل فقدان النص.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

اضطرّوا إليه، وما استكرهوا عليه، وما لا يطيقون“، ظاهر في أنّه ناظر إلى عالم الخارج، وإلى هذه الإفعال التي صدرت من المكلّف، بسبب الاضطرار أو الإكراه.

إذا تحفّظنا على هذين الظهورين، يلزم من ذلك عدم معقولية مثل هذه الجملة؛ لأنَّ الفعل المضطّر إليه بحسب الخارج ليس مرفوعاً حقيقة، بل هو ثابت حقيقة. فلا بُدّ إذن، من الالتزام بإحدى مؤونتين، ولا بدَّ من التمييز بينهما: 

الأولى: أن نتصرّف في الرفع، ونبقى المرفوع على ظهوره. فإنّ ما (اضطرّوا إليه) ظاهر في أنّه فانٍ ومشير إلى الوجودات الخارجيّة، وإلى المصاديق العينية في عالم التكوين. فهذا الظهور نبقيه على حاله، ونتصرّف في الرفع. ونقول: بأنَّ رفع هذا الوجود الخارجي ليس رفعاً حقيقيّاً بل رفع تنزيلي. فمعنى كونه مرفوعاً أي منزّل منزلة الوقوع، أي هو منفي في عالم اعتباري وتنزيلي. بالنحو الذي نتصوّر به الحكومة على عقد الوضع، في باب الأدلّة. 

حكومة (لا شكّ لكثير الشكّ) و”لا سهو للمأموم مع حفظ الإمام(1) و”الطواف في البيت صلاة(2) و”لا ربا بين الوالد وولده(3) و”لا ربا بين 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

(1) انظر: وسائل الشيعة 8: 242، الباب 24، باب عدم وجود شيء بسهو الإمام مع حفظ المأموم، الحديث 8. 

(2) عوالي اللئالي 1: 214، الفصل التاسع، في ذكر أحاديث تتضمن شيئاً من أبواب الفقه. 

(3) انظر: وسائل الشيعة 18: 136، الباب 6، باب أنه لا يثبت الربا بين الولد والوالد ولا بين الزوجين، الحديث 3.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

المحارب والمسلم(1) ونحو ذلك من الأدلّة. هناك نقول: إنَّ المنفى هو الربا الخارجي -بوجوده التكويني-، لكن نفس النفي ليس خارجيّاً، بل هو نفي بحسب عالم الاعتبار. فنطعّم الاعتباريّة والتنزيلية في النفي، لا في المنفي. أي: إنَّ هنا الوجود الخارجي بحسب اعتباري فرضي وتنزيلي معدوم وغير محقّق. 

فهذه العناية هي التي نحملها، في تمام الأدلّة الحاكمة على عقد الوضع، يعني المنصرفة في موضوع دليل آخر. “لا ربا بين الوالد وولده” حاكم على عقد الوضع في قوله وَحَرَّمَ الرِّبا(2)؛ لأنّه يتعرّض في موضوعه. وهكذا.

فهنا أيضاً يقال إنَّ “ما اضطرّوا اليه” فانٍ ومرآة لوجوداته الواقعيّة الخارجيّة، ولكن الرفع رفع اعتباري وتنزيلي.

وأمّا(3) أن نتحفّظ على ظهور الرفع في المقام في الرفع الحقيقي، ونقول: بأنَّ المرفوع ليس هو الفعل المضطرّ إليه بوجوده الخارجي، بل لفعل المضطرّ إليه بوجوده في عالم التشريع والحكم؛ لأنَّ موضوعات الأحكام ومتعلّقاتها، لها ثبوت في عالم الأحكام بثبوت تلك الأحكام؛ لأنَّ الأحكام متقوّمة بمتعلّقاتها وبموضوعاتها، فلكلّ موضوع ومتعلّق، يتبع وجود حكمه، ووجود جعلي وتشريعي، في عالم الجعل والتشريع.

هذا الوجود فرد عنائي للماهيّة لا فرد حقيقي؛ لأنَّ الفرد الحقيقي لكلّ ماهيّة 

ــــــــــ[31]ــــــــــ

(1) انظر: نفس المصدر: الحديث 2.

(2) البقرة: 275. 

(3) ثانياً.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

فردها التكويني. ومن هنا كان ظاهر العنوان هو الفناء في الفرد الحقيقي، لا الفرد العنائي. لكن يمكن أن نلتزم بهذه العناية ونقول: بأنَّ (ما اضطرّوا إليه)، وهو شرب الخمر -مثلاً- ويكون فانياً ومرآة للشرب بوجوده التشريعي. 

إذا أعملنا هذه العناية في المرفوع، فحينئذٍ نبقي الرفع على حقيقته؛ لأنَّ الوجود التشريعي قابل للرفع حقيقة في المقام. ويكون جوهر رفعه هو رفع حكمه في المقام. أنَّ معنى أنّه لا وجود له في عالم التشريع، يعني ليس موضوعاً لحكم. إذن، فحكمه غير موجود. فيرجع بالنتيجة إلى نفي الحكم. 

إلاَّ أنَّ نفي الحكم في المقام لم يكن بملاك الحكومة في عقد الوضع، يعني نفي الحكم بنفي موضوعه؛ لأنَّ الأحكام -كما تعلمون- مترتّبة على وجود موضوعها في الخارج. فلو أنَّ المولى نفى وجود الموضوع في الخارج، يصير هذا حكومة. أمّا لو نفى وجوده في عالم التشريع فكأنّه في هذا نفى نفس الحكم ابتداءً، فهو ليس حكومة في عقد الوضع، بل هو يشبه الحكومة في عقد الحمل، لا في عقد الوضع، يعني كأنّه نفي الحكومة ابتداءً؛ لا نفيه بنفي الموضوع. 

وله نظائر أيضاً في الأدلّة الشرعيّة نحو “لا رهبانية في الإسلام(1). هنا المنفي ليس هو الرهبانية بوجودها الخارجي، وإنّما المنفي، هو الرهبانية في عالم التشريع، بقرينة قوله (في الاسلام) يعني أنَّ الرهبانيّة ليس لها وجود في عالم التشريع. فقوله: “لا رهبانية في الاسلام” نفي حقيقي للوجود التشريعي 

ــــــــــ[32]ــــــــــ

(1) انظر: دعائم الإسلام 2: 193، كتاب النكاح، الفصل الأوّل: ذكر الرغائب في النكاح.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

للرهبانية. وهذا يختلف عن قوله: “لا ربا بين الوالد وولده” فإنّه نفي عنائي لـ(لربا) الخارجي، وهذا نفي حقيقي للوجود العنائي والتشريعي. 

فهنا لا بُدّ أن نعمل إحدى هاتين العنايتين(1).

وحينئذٍ، فقد يقال: بأنّه إذا كان لا بُدّ من إعمال إحدى هاتين العنايتين، ورفع اليد عن أحد هذين الظهورين: ظهور الرفع في الحقيقة، وظهور المرفوع في أنّه مرآة للوجود التكويني لا التشريعي. إذا كان لا بُدّ من هذا فليُجعل التقدير مؤونة ثالثة في عرض هاتين المؤونتين. فيقال: نحن الآن مضطرّون إلى ارتكاب إحدى مؤونات ثلاث في المقام: إمّا مؤونة التصرّف في الرفع. وإمّا مؤونة التصرّف في المرفوع. أو مؤونة التقدير: بأن نقدّر شيئاً في المقام، فلا نتصرّف لا في الرفع، ولا في المرفوع. 

فتكون هذه الاحتمالات في عرض واحد. إلَّا أنَّ التقدير يكون باطلاً. وهذه الشبهة غير صحيحة ويأتي جوابها.

[إجمال أنحاء العناية في فهم حديث الرفع]

قلنا إنَّ الظهور الأوّلي لهذه الجمل المتعاطفة في الحديث، لا يمكن الأخذ به؛ لأنَّ الرفع قد أُسند إلى أمور غير مرفوعة حقيقة. ومن هنا لا بُدّ من الالتزام بعناية؛ لأجل تصحيح مفهوم الحديث. ومضمون هذه العناية على إنحاء ثلاثة: 

النحو الأوّل: الالتزام بالتقدير كما كان هو مبنى ظاهر كلمات الشيخ 

ــــــــــ[33]ــــــــــ

(1) ولخّص. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الاعظم(1)، بأن يقال بأنَّ الرفع منسوب حقيقة إلى مفهوم مستتر هو الأثر، ويكون المرفوع هو أثر (ما اضطرّوا إليه) لا نفسه. 

ومن هنا وقع البحث. أنَّ هذا البحث المقدّر هل هو مطلق الآثار أو أهم الآثار، أو بعضها أو خصوص المؤاخذة منها؟ 

النحو الثاني من العناية: أن يُلتزم بعدم التقدير، وأنَّ الرفع منسوب إلى نفس (ما اضطرّوا إليه)، ولكن يُلتزم بالعناية في نفس الرفع؛ وذلك لأنَّ الرفع ككلّ مفهوم حينما يُستعمل فظاهره أنّه يراد فانياً في فرده الحقيقي، لا فرده العنائي. فهنا يُرفع اليد عن هذا الظهور، ويقال: إنَّ المراد من الرفع هو الفرد العنائي منه لا الحقيقي منه. والفرد العنائي من الرفع هو عبارة عن الرفع التنزيلي الاعتباري التشريعي. فيرجع محصّل الحديث: “ما اضطرّوا إليه” بوجوده الخارجي مرفوعاً رفعاً تنزيليّاً تعبديّاً، إلَّا أنّه منفي بحكم الشارع. ويكون حال الحديث حال الأدلّة النافية لموضوعات أدلّة أخرى، من قبيل “لا ربا بين الوالد وولده” و”لا سهو لكثير السهو(2). ونحوها من الأدلّة التي يكون لها الحكومة على عقد الوضع للأدلّة الأخرى. 

ــــــــــ[34]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأصول 2: 28- 29، المطلب الأول، المسألة الأولى، الاستدلال على البراءة بالسُنّة.

(2) انظر: وسائل الشيعة 8: 227، الباب 16، باب عدم وجوب احتياط على من كثر سهوه، الحديث 1. وقد وردت الرواية بما نصّها “مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ صَفْوَانَ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: إِذَا كَثُرَ عَلَيْكَ السَّهْوُ فَامْضِ عَلَى صَلَاتِكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَدَعَكَ إِنَّمَا هُوَ مِنَ‏ الشَّيْطَانِ“.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

النحو الثالث من اعمال العناية: أن يبقى الرفع على طبعه الأوّلي وظاهراً ويراد به الرفع الحقيقي منه، لا العنائي، ولا يلتزم أيضاً بالتقدير. ولكن تعمل العناية في جانب المرفوع. فليس المرفوع هو (ما اضطرّوا اليه) بوجوده الخارجي، بل بوجوده في عالم التشريع والجعل. 

وذلك، أنَّ الفعل المضطرّ إليه -ككلّ عنوان يأخذ في مقام الاستعمال طبعه الأوّلي- يفتخر كونه فانياً في فرده الحقيقي كما قلنا، وهو وجوده في عالم التكوين، لكن قد يؤخذ فانياً في وجود اعتباري. فإنّ موضوعات الأحكام الشرعيّة ومتعلّقاتها لها وجود في عالم جعل الأحكام يتبع وجود تلك الأحكام؛ لأنَّ الأحكام متقدّمة بنحو من أنحاء التقدّم بمتعلّقاتها وموضوعاتها. وبذلك يكون للموضوع والمتعلّق وجود في عالم التشريع، وهو وجود عنائي لا حقيقي. 

فهنا يراد بالرفع: الرفع الحقيقي للوجود التشريعي للفعل المضطرّ إليه. الذي وجهه ومرجعه بحسب الحقيقة، إلى رفع كونه موضوعاً للحكم الشرعي، أو متعلقاً له؛ لأنَّ رفع وجوده التشريعي يعني رفع ما يتعلّق به من أحكام. 

وهذا أيضاً له أمثلة في الأدلّة الشرعيّة، نحو “لا رهبانية في الإسلام“. هنا النفي، نفي حقيقي، وقد انصبّ على الوجود الحقيقي للرهبانية، بقرينة قوله: (في الإسلام). معلولة في جانب المرفوع لا الرفع.

فهذه أنحاء ثلاثة من أنحاء العناية في المقام. 

إذا ميّزنا بينها بوضوح، حينئذٍ نقول بأنّه قد يقال: بأنَّ هذه العنايات الثلاث، كلّها في مرتبة واحدة؛ لأنّه كلّها على خلاف مقتضى الظهور العرفي 

ــــــــــ[35]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الأوّلي. إذن، فيحصل التعارض في المقام، بين أصالة عدم التقدير، وأصالة الظهور في جانب الرفع، وأصالة الظهور في جانب المرفوع، وتكون هذه العنايات على حدّ واحد، وحينئذٍ لا يكون الاحتمال الأوّل وهو التقدير بأسوأ أو أبعد من الاحتمالين الأخيرين، بل يكون في عرضهما.

بطلان احتمال التقدير والتحقيق في المقام 

إلا أنَّ هذا غير صحيح، بل الصحيح أنَّ احتمال التقدير أسوأ من الاحتمالين الآخرين، بحيث إنَّه لا يصار إليه في المقام، بعد فرض إمكان الرجوع إلى أحد الاحتمالين الأخيرين. 

وذلك؛ لأنَّ طبع كلّ مفهوم في مقام الاستعمال، وإن كان يقتضي فناءه في الفرد الحقيقي لذلك المفهوم لا في الفرد العنائي، فالرفع والمرفوع يقتضي كلّ منهما فناءه في الفرد الحقيقي. إلا أنَّ هذا الظهور في خصوص حديث الرفع وأمثاله غير موجود، وإن كان بحسب طبعه الأوّلي موجوداً؛ وذلك: باعتبار ظهور حال المتكلّم الذي يوجب عدم هذا الظهور في المقام. فإنَّ ظاهر حاله انّه يتكلّم متقمّصاَ قميص المولويّة، في قوله “رُفع عن أمّتي ما لا يعلمون...” ظاهر الحال أنّه يتكلّم متقمّصاً قميص المولوية، ويتكلّم بما أنّه مشرّع، وجاعل، وصاحب قانون للأمّة، لا أنّه يتكلّم بما هو قصّاص عن أمور خارجية، أو بما هو حاكٍ، أو راوٍ. 

فإذا فُرِض أنَّ ظهور حال المتكلّم حال إلقاء الكلام، كان هو ظهور كونه جاعلاً، حينئذٍ، مع هذا لا يكون على خلاف طبعه الثانوي المستكشّف من ناحية هذا الظهور، أن يريد بالرفع الرفع التشريعي المولوي، أو يريد بالمرفوع 

ــــــــــ[36]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

المرفوع بلحاظ وجوده التشريعي، ووجده في عالم مولويّته وشريعته. 

إرادة الفرد العنائي، وإن كان على خلاف الطبع الأوّلي، فإنّ الإنسان حينما يقول لرفيقه: (رأيت أسداً)، ويريد بالأسد، الحيوان المفترس السكّاكي يعني الرجل الشجاع الذي هو فرد عنائي للأسد، هذا على خلاف الطبع الأوّلي. 

لكن بعد أن انعقد للمتكلّم والكلام، ظهور حال في مقام المولويّة، فحينئذٍ هذا الطبع الثاني، لا يأبى أبداً عن أن يكون مراده من الرفع في المقام الفرد التشريعي من الرفع، أو بالمرفوع الوجود التشريعي له. 

هذا ينافي الطبع الأوّلي للمتكلّم بما هو متكلّم، ولا ينافي الطبع الثانوي للمتكلّم، الذي دلّ عليه ظهور الحال في خصوص هذا الحديث. إذن، فإعمال العناية الثانية أو الثالثة، ليس منافياً مع الطبع المستكشّف من هذا الظهور في المقام.

وهذا بخلاف العناية الأولى وهو عناية التقدير، فإنّ المتكلّم سواءٌ كان قد تقمّص قميص المولوية، أو قميص الحديث والحكاية، على أي حال، خلاف طبعه أن يُقدّر في المقام. فكون التقدير على خلاف الطبع، لا يُفرّق فيه بين المولى وغيره، فإنّه شأن من شؤون أيّ متكلّم بأيّ عنوان تكلّم. إذن، فالمؤونة الأولى هي على خلاف الطبع، حتّى في المقام. وأمّا المؤونة الثانية فليست على خلاف الطبع الثانوي المكتشف من ظهور الحال في المقام. 

وحينئذٍ، فمقتضى القاعدة إجراء أصالة عدم التقدير لنفي الأوّل، ولا يعارضه أصالة عدم العناية الثانية، أو الثالثة، بعد أن لم تكن هذه العنايات على خلاف الطبع الثانوي للمقام. 

ــــــــــ[37]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وهذا هو الوجه الذي لأجله نذهب إلى أحد الاحتمالين الآخرَين في قبال الاحتمال الأوّل، ولا نلتزم بالتقدير في المقام، كما هو ظاهر كلمات الشيخ الأعظم ومن تبعه من المحقّقين(1)

ثُمّ، بعد أن دار الأمر ما بين هذين الوجهين الأخيرين، حيث إنّهما ليس بينهما مجرّد فرق تفنّني في مقام التعبير، بل بينهما فرق مفهومي يترتّب عليه آثار في مقام الاستنباط. كما سوف نشير إليه إن شاء الله. وعليه فلا بدَّ من تعيين أحدهما في قبال الآخر. 

إنَّ ظاهر الحديث، هو العناية بالمعنى الثاني، أي: أن يكون الرفع رفعاً تشريعيّاً تنزيليّاً للوجود الخارجي، فيصير من قبيل “لا ربا بين الوالد وولده”. أو أن يكون رفعاً حقيقيّاً للوجود التشريعي للفعل المضطرّ إليه، فيصير من قبيل “لا رهبانية في الاسلام“. 

هنا أيضاً يمكن أن يقال في بادئ الأمر، أنَّ هاتين العنايتين حيث إنّهما على حدّ واحد في المقام؛ لأنَّ كُلّاً منهما يناسب مع الطبع الثانوي المكتشف للمولى، ويتنافى مع الطبع الأوّلي. إذن، فلا موجب لتقديم أحدهما على الآخر. وحينئذٍ فلو فُرض أنّه على أحد التقديرين كأنّ يوجد أثر زائد وفائدة زائدة، فلا تلتزم بما في المقام، بل لا بُدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن -مثلاً – إلَّا أنَّ الصحيح، أنَّ المتعيّن من هذين الاحتمالين هو الاحتمال الأخير، يعني احتمال أنَّ يكون الرفع حقيقيّاً للوجود التشريعي. فيصير الدليل من قبيل “لا رهبانيّة في الإسلام” لا 

ــــــــــ[38]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأصول 2: 28- 29، مصدر سابق.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

من قبيل “لا ربا بين الوالد وولده“. 

والنُكتة في ذلك: هو أنَّ المعنى الثاني، وهو أن يكون الرفع رفعاً تنزيليّاً للوجود الخارجي، يتوقّف على أن يكون هناك وجود خارجي للمرفوع خارجاً، حتّى يعمل المولى مولويته في رفعه تنزيلاً وتشريعاً والمرفوعات في الحديث، في بعض الجمل وإن كان لها وجود خارجي من قبيل “ما اضطرّوا إليه” و”ما استكرهوا عليه“. ولكن في بعض الجمل ليس له وجود خارجي في قوله: “رفع عن أمّتي ما لا يطيقون” و”ما لا يطيقون” ليس له وجود خارجي؛ لأنَّ معناه (ما يعجزون عن الإتيان به) وما يعجزون عنه ليس موجوداً في الخارج، وينزّل المولى نزوله منزلة عدمه، ويفرضه كأنّه غير موجود في عالم الجعل والتشريع. 

الإعدام التنزيلي للموجود الخارجي، يتوقّف على أن نتصوّر وجوداً خارجياً للمرفوعات في الحديث؛ لينصبّ عليه. وهذه المرفوعات وإن كان بعضها لها وجود خارجي، كالمضطرّ إليه والمستكره. إلَّا أنَّ بعضها، إمّا واحد أو أكثر من واحد جزماً، ليس له وجود خارجي.

الواحد المتيقّن هو “رفع ما لا يطيقون“. ويحتمل ذلك أيضاً في رفع النسيان، إن أُريد به الكناية عن المنسي، كما يفسره الأعلام (قدس سرهم)، فإنّ المنسي ليس له وجود في الخارج، صلّى بلا فاتحة الكتاب ونسي الفاتحة. إذن، فالفاتحة ليس لها وجود خارجي حتّى يطرأ عليها الإعدام التنزيلي. 

إذن، فالمعنى الثاني لا يُناسب مع الحديث. وحيث إنَّ ظاهر الرفع أنّه بنحو 

ــــــــــ[39]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

واحد في تمام هذه الجمل. إذن، فالذي يناسبه ويتعيّن فيه هو المعنى الثالث، وهو: أن يكون الرفع في المقام رفعاً حقيقياً للوجود التشريعي لهذه الأشياء. أيّ إنَّ هذه الأشياء غير داخلة في عالمٍ تشريعي وجعلي. وهذه عبارة أخرى على أنّها لا تقع موضوعات للأحكام ولا متعلّقات لها؛ لأنّها لو وقعت كذلك، لكان داخلة في عالم الجعل والتشريع. 

وليكن المراد بعالم الجعل وعالم التشريع في المقام، الذي ينفي وجود هذه الأشياء فيه، فليكن المراد به عالم المسؤولية المولويّة، عالم حساب المولى ومسؤوليته، لا عالم الجعل والتشريع بالخصوص -مثلاً- يرد إشكال من حيث إنَّ بعض الأشياء ليس لها وجود في عالم الجعل والتشريع. كما لو أنَّ إنساناً اضطرّ إلى ترك واجب، فالمضطرّ إليه في المقام هو ترك للواجب، وهو ليس موضوعاً لحكم شرعي، ولا متعلّقاً له، بناءً على أنَّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه العام. وحينئذٍ كيف يفرض في المقام نفي موضوعيّته أو متعلقيّته. مع أنَّ الارتكاز العرفي لا يفرّق في مقام الفهم من الحديث بين ترك الواجب وفعل الحرام.

 الارتكاز العرفي أنّما لا يفرّق من حيث إنّه يفهم من عالم الجعل وعالم التشريع: عالم المسؤوليّة المولويّة، وعالم حساب المولى، بنحو ينطبق على فعل الحرام وترك الواجب، وإن فُرِض أنّه بالتدقيق الأصولي وقع فعل الحرام موضوعاً للحكم الشرعي دون ترك الواجب. 

هذا هو الصحيح في تفسير معنى الرفع في المقام. 

ــــــــــ[40]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

في أنحاء حكومة الرفع على المرفوعات 

تلخّص ممّا تقدّم أنَّ هناك ضربين من الحكومة في الأدلّة: 

أحدهما: أنَّ يكون الدليل نافياً نفياً تنزيلياً وتشريعياً، للوجود الخارجي لموضوع دليل آخر، نحو “لا ربا بين الوالد وولده” الذي ينفى نفياً تنزيلياً للوجود الخارجي للربا، الذي رفع موضوعاً لدليل الحرمة في قوله وحَرَّمَ‏ الرِّبا(1). فيكون دليل النفي له الحكومة على دليل حرمة الربا في مرتبة عقد الرفع. أي: ينفى الموضوع وينفى حكمه بتبعه. فهنا العناية تعمل في النفي لا في المنفي.

ثانيهما: ما يعمل فيه العناية في المنفي لا في النفي، فينفى نفياً حقيقيّاً الوجود التشريعي لعنوان من العناوين. ومعنى نفي وجوده التشريعي، هو نفي كون هذا العنوان قد دخل عالم التشريع، ودخول عنوان عالم التشريع بصيرورته موضوعاً لحكم ومتعلّقاً.

فنفي وجوده التشريعي مرجعه إلى كونه متعلّقاً للحكم، أو موضوعاً له. من قبيل “لا رهباينة في الإسلام(2). فهنا النفي الحقيقي لوجود الرهبانية في الإسلام، وفي عالم الجعل والتشريع. 

هنا أيضاً تكون الحكومة، لكنها مكوّنة في مرتبة عقد الحمل، لا في مرتبة عقد الوضع؛ لأنَّه في القسم الاوّل، كان المنفي ابتداءً بحسب لسانها هو 

ــــــــــ[41]ــــــــــ

(1) البقرة: 275.

(2) انظر: دعائم الإسلام 2: 193، كتاب النكاح، الفصل الأوّل: ذكر الرغائب في النكاح.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الموضوع وبتبعه ينفي الحكم، وهنا المنفي ابتداءً هو الحكم؛ لأنَّ المنفي هو الوجود التشريعي للموضوع، وهو عبارة أخرى عن وجود حكمه. 

[ضابطة الفرق بين القسمين]

وسرّ هذا الفرق ما بين القسمين هو: أنَّ العناية التشريعيّة أُعملت في القسم الأوّل في جانب نفس الرفع لا في المرفوع، وفي الثاني أعملت في المرفوع وفي الثاني على الحكم(1)

وقد قلنا: إنَّ حديث الرفع، بعد إبطال الاحتمال الأوّل، وهو احتمال التقدير. ويكون أمره مردّداً ما بين هذين الاحتمالين وبنُكتة سبقت عيّنا الاحتمال الأخير، وهو: أن يكون العناية قطعهم في المنفي، لا في النفي، فيكون الرفع حقيقياً للوجود التشريعي.

[ضابطة السيّد الخوئي في المقام]

ومن كلّ ما ذكرناه، تتّضح وجهة النظر فيما أقامه السيّد الأستاذ، حيث ذكر في المقام(2) أنَّ الدليل تارةً يكون نافياً للموضوع، وأخرى يكون نافيّاً 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: قلتم فيما سبق: إنّه يشبه الحكومة لا عقد الحمل؛ لأنّها حكومة على عقد الحمل. 

فأجاب: باعتبار أيضاً يشبهه؛ لأنَّ هناك ما يكون حكماً على نفس الحكم صريحاً، وهذا فيه شيء من الالتواء. ليس من قبيل (لا ضرر ولا ضرار) بناءً على تفسير صاحب (الرسائل). انتهى الجواب. (المُقرِّر). 

(2) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 241، مباحث الأصول العمليّة، المبحث الأوّل: مبحث البراءة، المبحث الأوّل أدلّة البراءة، حديث الرفع.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

للحكم، أي: تارة يكون في مرتبة عقد الوضع، وأخرى يكون في مرتبة عقد الحمل، لكنّ نُكتة هذين القسمين ذكرها بنحو يختلف عما ذكرناه. 

نحن ذكرنا: أنَّ نُكتة ذلك أنَّ المولويّة والعناية، تارةً تُطعّم في النفي وأخرى في المنفي، فعلى الأوّل: يكون من باب نفي الموضوع ومن باب الحكومة في عقد الوضع. وعلى الثاني: كانت من باب نفي الحكم ومن باب الحكومة في عقد الحمل. 

أمّا هو: فقد ذكر فرقاً آخر وجعل الضابط في مقام الفرق بين القسمين، هو أنَّ يكون المنفي عنواناً أوّلياً أو عنواناً ثانويّاّ، فلو فُرض أن المنفي كان عنواناً أوّليّاً، فحينئذٍ يكون النفي حكومة في مرتبة عقد الوضع، أي: يكون النفي مسلّطاّ على الموضوع وبتبعه يكون الحكم منفيّاّ كما قوله: “لا ربا بين الوالد وولده“، وأخرى يكون المنفيّ عنواناً ثانويّاّ، لا عنواناً أوليّاً. من قبيل عنوان “ما اضطرّوا إليه”، فإنَّ المنفيّ هنا ليس هو عنوان شرب الخمر، أو عنوان الربا، أو أيّ عنوان آخر محرّم أو واجب في الشريعة، بل المنفي عنوان منتزع من تلك العناوين؛ ولهذا يُسمّى عنواناً ثانويّاً، وهو عنوان: “ما اضطرّوا إليه”.

فيما إن فُرِض، إذا فرض أنَّ النفي كان متعلّقه هو العنوان الثانوي، فلا محالة لا بُدّ من جعله من القسم الثاني، وجعل النفي مسلّط على الحكم ابتداءً. أي نفي لترتّب الأحكام عليه، لا نفي للموضوع وبتبعه ينتفي الحكم(1)

ــــــــــ[43]ــــــــــ

(1) وهنا لخّص الفكرة، وأن الضابط عنده في الفرق هو كون العنوان المنفي عنوان أوّلي، أو ثانوي؟ فعلى الأوّل يكون من الحكومة على عقد الوضع، والمنفي هو الموضوع. وعلى الثاني فيكون من الحكومة على عقد الحمل ويكون المنفي هو الحكم. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

توضيح مراده من ذلك: أنّنا إذا فرضنا أنَّ العنوان الذي تسلّط عليه النفي كان عنواناً أوّليّاً، من العناوين التي ثبتت لها الحرمة، أو الوجوب في الأدلّة الأولية كعنوان الربا. فقال: “لا ربا بين الوالد وولده“. فظاهر النفي هنا أنّه تسلّط على نفس الربا، فيكون نفياً للربا أوّلاً وبالذات، ونفياً لحكمه ثانياً وبالعرض؛ باعتبار وجود الحكم وفعليته، وفرع فعلية الموضوع خارجاً. فإذا نفى وجود الموضوع خارجاً ينتفي لا محالة. فهذا نفي في مرتبة الموضوع. فهو حكومة على عقد الوضع؛ لدليل حَرَّمَ‏ الرِّبا وهذا ممّا لا إشكال فيه. 

وأما إذا فرضنا أنَّ الدليل سلّط النفي على عنوانٍ ثانوي، كما في حديث الرفع، كعنوان “ما اضطرّوا إليه”. هنا لا بُدّ من جعله من القسم الثاني لا من القسم الأوّل؛ وذلك: لأنّنا لو أردنا أن نجعل المنفي هنا من قبيل القسم الأوّل، ونقول: إنّه نفى الموضوع لا الحكم. فما هو الموضوع الذي يكون منفيّاً في المقام؟ إمّا أن يكون هو العنوان الثانوي، أو العنوان الأوّلي. 

إن فرضنا أنّ المنفى هو العنوان الأوّلي، يعني هو ذات المعنى (الربا) المضطرّ إليه، لا بوصفه مضطرّاً إليه. فيكون المنفى في قولنا: “رفع ما اضطرّوا إليه” نفس المنفى في قولنا “لا ربا بين الوالد وولده“؛ لأنَّ ظاهره هو تسليط النفي على العنوان الثانوي على العنوان الأوّلي. فإلغاء العنوان الثانوي وإخراجه من مصبّ الرفع، وجعله منصبّاً على العنوان محضاً، يعني ذات “ما اضطرّوا إليه” لا بوصفه كذلك. هذا خلاف ظهور القيد في كونه حيثية تقييديّة -مثلاً -. 

ــــــــــ[44]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وإن فرضوا، أنَّ المرفوع هو العنوان الثانوي. وهو خلاف “ما اضطرّوا إليه”. إذن، ينتج عكس المقصود؛ لأنَّ رفعه معناه: أنّي أنا أنفي صفة الاضطرار عن هذا الفعل، واعتبر هذا الفعل (المضطرّ إليه) غير مضطرّ إليه. فكأن الشارع اعتبر هذا الشخص قد ارتكب المحرّم اختياراً؛ لا اضطراراً وهو خلاف المقصود في المقام. 

إذن، لا معنى لأن يتسلّط النفي على الموضوع، إذ الموضوع في المقام لا يخلو من أحد أمرين: إمّا العنوان الأوّلي، أو الثانوي، أو في كلّ منهما محذور. فلا بُدّ وأن يُسلّط النفي على حكمه. فمعنى “رفع ما اضطرّوا إليه” يعني رفع حكمه، رفع موضوعيّته للأحكام، وترتّب الأحكام عليه. 

فتصير الحكومة من القسم الثاني. 

[الجواب عن ضابطة السيّد الخوئي] 

هذا الذي ذكره غير تامّ، على ضوء ما تقدّم؛ وذلك لأنَّ ميزان الفرق بين الحكومتين لا يختلف فيه بين أن يكون العنوان أوّليّا، ومع هذا تكون الحكومة من القسم الثاني لا من القسم الأوّل. من قبيل “لا رهبانية في الإسلام“، والرهبانية عنوان أوّلي لأنّها بنفسها يترقّب صيرورتها موضوعاً للحكم الشرعي كصيرورة الربا موضوعاً له. مع هذا فإنَّ الحكومة حكومة(1) في مستوى عقد 

ــــــــــ[45]ــــــــــ

(1) هذا لا يكون دليلاً ضدّه، إلَّا إذا كان مسلّماً من الطرفين، وإلاَّ فيكون مصادرة على المطلوب، ويكون من حقّه أن يقول تبعاً للضابط الذي أعطاه: إن هذه حكومة في عقد الحمل، لا الوضع؛ باعتبار كون النفي عنوانا أوّليّاً. فتأمّل، (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الحكم، لا من مستوى عقد الوضع؛ لأنَّ العناية طُعّمت في المنفي، لا في المنفي. فالنفي هو الوجود التشريعي للرهبانية. 

كما أنّه قد يكون النفي عنواناً ثانوياً، ومع هذا تكون الحكومة من قبيل القسم الأوّل، كما في “رفع ما اضطرّوا إليه” لو لم تكن النُكتة التي ذكرناها فيما مرّ، لكان بالإمكان الالتزام بكون العناية مطعّمة في نفس النفي لا في المنفي. 

فالمناط اندراج دليل حاكم في القسم الأوّل من الحكومة، أو من القسم الثاني منها، وكون النفي مُسلّط على الموضوع ابتداءً، أو على الحكم ابتداءً. ليس هو المأخوذ في مقام النفي عنواناً أوّلياً أو ثانويّاّ، بل المناط هو أنَّ العنائية المولوية تطعّم في النفي، أو في المنفي، إن طُعّمت في النفي فهو من القسم الأوّل. وإن طُعّمت في المنفي فهو من القسم الثاني.

وأمّا جواب هذه الصورة من البيان، الذي أوضحنا به مراد السيّد الاستاذ نقول: إنَّ مجرّد كون العنوان ثانويّاً، لا يجعله من القسم الثاني حتماً، بل يعقل أن يكون من القسم الأوّل.

فقد أفاد أنَّ النفي إذا تعلّق بعنوان ثانوي، فلا يمكن أن يصير هذا من باب نفي الموضوع؛ لأنّه إمّا نسلّطه على العنوان الأوّلي أو على الثانوي، فعلى الأوّل، يكون خلاف ظاهر الدليل، وعلى الثاني خلاف المقصود(1).

نختار كلاً منهما، ولا إشكال. نختار أنَّ النفي مسلّط على ذات المضطرّ إليه، ولا يرد ما أفاده في مقام الإشكال عليه؛ لأنّه يقول: إنّه على ذلك خلاف 

ــــــــــ[46]ــــــــــ

(1) وقد فسّره في البحث كما سبق فراجع، (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

ظهور العنوان في كونه دخيلاً في المرفوع وجهة تقييديّة فيه. 

الجواب، بأنَّ هذا الظهور لو كان تامّاً في نفسه(1)، فهو لا بُدّ من رفع اليد عنه على كلّ حال، حتّى لو كان النفي نفياً للحكم، لا نفياً للموضوع؛ وذلك لأنَّ المنفي هنا -على تقدير أن يكون النفي نفياً للحكم أيضاً- ليس المنفى أحكام المضطرّ إليه بوصف أن يكون مضطرّاً إليه، بل المنفى هو أحكام ذات الفعل. فلو أنَّ المولى قال: من شرب الخمر مضطرّاً إليه فحكمه كذا. فهذا الحكم لا يكون نفياً -كما سوف يأتي التصريح منه وبقيّة الأكابر- وإنّما يكون المنفي هو حكم ذات الفعل. الحرمة المنفيّة هنا ليس موضوعها هو الخمر المضطرّ إليه بقيد أن يكون مضطرّاً إليه، بل موضوعها كلّها شرب ذات الخمر. ونحن نريد أن ننفي الحرمة بقوله: “رفع ما اضطرّوا إليه” فكيف ننفيها به.

 إذن، فالنفي هنا سواءٌ، كان الموضوع، أو كان هو الحكم بالنتيجة، لا بُدّ أن يأخذ الاضطرار من جهة تعليليّة خارجة عن معنى نفس الرفع. وإن كان قيداً في الرفع، لا قيداً في الموضوع. 

إذن، فنختار في المقام، أن يكون المرفوع هو ذات الفعل المضطرّ إليه، وقولكم: إنّه يلزم من هذا أن تكون حيثية الاضطرار خارجة عن دائرة المرفوع.

 نقول: هذا لازم على كلّ حال، حتّى لو فُرض أنَّ النفي كان نفياً لحكمه؛ لأنّنا نريد أن ننفي حكم ذات شرب الخمر، لا بوصفه مضطرّاً إليه. فلا بُدّ من الالتزام بهذه العناية، لو كان ظاهر الدليل كون هذه الحيثية دخيلة في المرفوع. 

ــــــــــ[47]ــــــــــ

(1) هو غير تامّ عند السيد الأستاذ، (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

ثُّمّ، يمكننا في المقام أن نختار الشقّ الثاني، وهو أن نقول: بأنَّ الرفع يتعلّق بالعنوان الثانوي، فهو رفع للشيء المضطرّ إليه. إنَّ المولى يعتبر أنَّ شرب الخمر المضطرّ إليه كأنه لم يوجد بحسب الخارج. فهنا عدم وجود هذا العنوان الثانوي بحسب الخارج يكون بأحد وجهين: تارةً يكون بعدم وجود أصل شرب الخمر، وأخرى يكون بوجود أصل الشرب، لكن لا بنحو الاضطرار. بنحو التكليف بين العنوان الأوّلي والعنوان الثانوي. 

والنفي هنا إذا سلّطناه على العنوان الثانوي، يناسب مع كلّ من هذين. وحينئذٍ ظهور حال الحديث في أنّه مسوق مساق الامتنان، الذي هو أحد القرائن المتّصلة في الحديث على تقييده، وتخصيصه في كثير من المجالات على ما يأتي.

 هذا الظهور يعين: على أن يكون المراد هو نفيه بنفي أصل الشرب، لا نفيه بنحو التفكيك بين العنوان الأوّلي، والعنوان الثانوي. إذن، فحمله على هذا أيضاً لا محذور فيه في المقام. 

فاتّضح بذلك أن تسليط. النفي على العنوان الثانوي، لا بين أن تكون الحكومة من باب عقد الحمل، بل يمكن أن يتسلّط النفي عليه، ومع هذا تكون الحكومة على مستوى عقد الوضع. وإنّما تمام نُكتة الفرق بين القسمين هو: أن العناية تُطعّم في النفي أو في المنفي. كما أوضحناه مفصّلاً. 

وأوضحنا أنَّ الصحيح في حديث الرفع هو: أن العناية مطعّمة في المنفي، فهو رفع حقيقي للوجود التشريعي، لا رفع تشريعي للوجود الحقيقي. باعتبار ما ذكرناه من النُكتة في هذا المقام. 

بعد هذا لا بُدّ من بيان الثمرات على هاتين الحكومتين.

ــــــــــ[48]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الفروق والثمرات في الاحتمالات الثلاثة للتقدير(1)

بعد هذا يقع الكلام في ثمرات هذه الاحتمالات الثلاثة، والفروق التي تترتّب على كلّ واحد منها. 

[1- الفرق بين الأوّل والأخيرين وثمراتهما]

أمّا الفرق بين الاحتمالين الأوّل والأخيرين، يعني الثمرة المتصوّرة لالتزام الاحتمال الأوّل الذي معناه الالتزام بالتقدير، وبين الاحتمالين الاخيرين المشتركين في نكتة في نفي التقدير، وأنَّ الرفع مسند إلى نفس (ما اضطرّوا اليه). 

الثمرة المترتّبة بين مبنى التقدير ومبنى اللاتقدير، هو انعقاد الإطلاق وعدم انعقاده. 

توضيح ذلك: أنّه إذا بنينا على الاحتمال الأوّل الذي هو ظاهر كلمات الشيخ الأعظم. وهو أنَّ يكون الرفع مسنداً إلى كلمة قد أخفاها المتكلّم وسترها، ولم يظهرها وهو معنى التقدير، فهذه الكلمة المستترة، لا يُدرى ما هي، أهي جميع الآثار، أو هي نوع خاصتها يعني عدد معيّن منها، أو هما أثر واحد، وهو المؤاخذة -مثلاً- وما يستلزم رفعها؟ وليس هناك ظهور عرفي يقتضي تعيّن هذه الكلمة المقدّرة بمناسبات الحكم والكلام. 

فإنّه في جملة من موارد التقدير هناك ظهور عرفي ينشأ من مناسبات الحكم 

ــــــــــ[49]ــــــــــ

(1) لخّص أولاً صور واحتمالات المؤونة الثلاثة في المرفوعات (راجع ص21 وص22 مثلاً). واختار أن العناية طعّمت في المرفوع وأنه رفع حقيقي للوجود التشريعي. (المُقرِّر). [ص33].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

والموضوع يعيّن ما هي هذه الكلمة المقدّرة، من قبيل حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ‏ أُمَّهاتُكُم‏(1) أو (حرمّت عليكم الخمر) -مثلاً- هنا يوجد بمناسبات الحكم والموضوع، ارتكاز عرفي يقتضي تعيّن كلمة شرب.

إلاَّ أنّه في المقام، لا يوجد ارتكاز عرفي ناشئ من مناسبات الحكم والموضوع، يعيّن ما هي هذه الكلمة المقدّرة؛ لأنَّ كلّ احتمالاتها مناسبة في المقام، وليس بعضها أنسب من بعضها بالطرفين. فاللازم حينئذٍ الاختصار على القدر المتيقّن وصور -مثلاً- خصوص المؤاخذة. 

[رفع توهّم]

ولا يُتوّهم في المقام انَّه وإن لم يوجد هناك ظهور عرفي بملاك المناسبات الارتكازيّة تقتضي تعيّن أحد هذه الأمور، لكن يكفينا التمسّك بالإطلاق. فبالإطلاق، وبمقدّمات الحكمية نعيّن أنَّ المراد جميع الآثار. 

هذا المعنى ليس صحيحاً في المقام: وذلك لأنَّ مقدّمات الحكمة إنّما تعيّن الإطلاق في كلمة تردّد أنَّ المتكلّم أراد بها مطلقاً أو مقيّداً كما لو تردّد أمر كلمة (العالم) بين أن يريد مطلق العالم وخصوص العالم الفقية؟ فمقدّمات الحكمة تعيّن أنَّ المراد بالكلمة مطلق العالم. لا فيما إذا تردّد أنّه قال: (أكرم العالم) أو قال: (أكرم الفقيه). وهنا لا معنى لأن نقول بمقدّمات الحكمة نثبت أنّه أراد كلمة العالم. ومقامنا بحسب الحقيقة من هذا القبيل؛ وذلك لأنَّ الكلمة المقدرة وإن لم ينطق بها المولى، إلَّا أنّها منطوق بها تقديراً وفرضاً، يعني إنّها موجودة في 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

(1) النساء: 23.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

عالم الكلام، لكن وجوداً استنادياً. فهي في قوة كلمة نطق بها، ولم نسمعها. 

فكما لو نطق بكلمة تردّد أمرها بين العالم والفقيه، لا نتمسّك بمقدّمات الحكمة؛ لإثبات أنّها العالم. كذلك في المقام، لو قُدّر كلمة ونصب قرينة على تقديرها، ولا ندري أنَّ الكلمة التي قدّرها هل هي العالم أو هي الفقيه، هنا لا نستطيع بمقدّمات الحكمة أن نعيّن أنّها عالم.

والمفروض، على الاحتمال الأوّل، أنَّ المولى قد نصب قرينة على تقدير كلمة، لكنّنا لا ندري ما هي، هنا لا معنى للتمسّك بالمقدّمات الحكمية؛ لإثبات أن يكون المراد هو جميع الأحكام. 

إذن، فبناءً على التقدير لا يمكن التمسّك بالأصل، بل يتعيّن في المقام الاختصار على القدر المتيّقن. 

ومن هنا نحن نلتزم في جميع موارد التقدير بعد التمسّك بالإطلاق، لو دار أمر المقدّر بين كلمة ذات مفهوم أخصّ وكلمة ذات مفهوم أعمّ، وإنّما يكون المعتمد في مقام التعيين هو الظهور العرفي الناشئ من مناسبات الحكم والموضوع الارتكازيّة لو كان، فإن لم يكن فلا بدَّ من الاقتصار، حينئذٍ على القدر المتيّقن. هذا على مبنى التقدير. 

وأمّا لو بنينا على الاحتمالين الآخرين. فإذا بنينا على ما هو المختار منهما، وهو تطعيم العناية في المرفوع، لا في نفس الرفع فيكون الرفع رفعاً حقيقياً، للوجود التشريعي للفعل المضطرّ إليه. فهنا لا بأس بالتمسّك بالإطلاق. فإذا شككنا أنَّ المرفوع هل هو بعض الأحكام، أو تمامها؟ نثبت بالإطلاق أنَّ 

ــــــــــ[51]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

المرفوع هو تمام الأحكام؛ لانَّ هذا الفعل المضطرّ إليه وجودات تشريعيّة بعدد الأحكام التي تترتّب عليه، يوجب كلّ حكم له وجود تشريعي يتبعه لا محالة. فحينما ينصبّ الرفع على وجوده التشريعي، فمقتضى ذلك هو رفع تمام وجوداته التشريعية. ورفع ذلك معناه رفع تمام الأحكام المتعلّقة به. 

نعم غاية الأمر أنَّ بعض الأحكام المتعلّقة به لا يكون موافقاً للامتنان؛ ولهذا لا نلتزم برفع هذه الأحكام التي لا يكون رفعها موافقاً للامتنان -كما سوف يأتي-. لظهور الحديث في أنّه مسوق لسياق الامتنان، فيكون عندنا مقيّد للإطلاق، وهو الظهور الامتناني في الحديث. وإلاَّ فبقطع النظر عن هذا المقيّد نلتزم بارتفاع تمام الأحكام والآثار، ببركة مقدّمات الحكمة على القاعدة. هذا على الاحتمال المختار.

وأمّا على الاحتمال الثاني، وهو ما إذا طعّمنا العناية في الرفع، لا في المرفوع، وقلنا: بأنَّ الرفع رفع تشريعي للوجود الخارجي. ويكون معنى هذا أنَّ الحكومة في مستوى عقد الوضع من قبيل “لا ربا بين الوالد وولده” -مثلاً-. 

حينئذٍ، مَن بحث في كليّة الحكومات التي تكون في مستوى عقد الوضع، أشرنا إليه في مسألة قيام الأمارات مقام القطع الطريقي والموضوعي في مباحث القطع. وحاصله: أنَّ قوله: “لا ربا بين الوالد وولده” أو “الطواف في البيت صلاة(1) أو غيره من الأدلّة الحاكمة في مستوى عقد الوضع، أهي تنزيل أو هي اعتبار؟

ــــــــــ[52]ــــــــــ

(1) عوالي اللئالي 1: 214، الفصل التاسع، في ذكر أحاديث تتضمن شيئاً من أبواب الفقه.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [الفرق بين التنزيل والاعتبار]

فإنّه تارةً يقال: “الطواف…” هذا تنزيل لشيء منزلة شيء يقال: بأنَّ قول: “الطواف…” هذا تنزيل لشيء منزلة شيء، فكأنّه قال: الطواف بمنزلة الصلاة. أو قوله: “لا ربا…” كأن يقول: إنَّ الربا بين الوالد وولده كأنّه لا ربا وبمنزلة الصلاة. أو في قوله لا ربا وبمنزلة البيع غير الربوي. هذا معنى التنزيل. والتنزيل لا محالة يجب أن يكون بلحاظ أثر. فحينما أقول جيراني بمنزلة ولدي، لا بُدّ أن يكون بلحاظ، وهو المحبوبية أو الاحترام أو الإكرام. وإلاَّ فالتنزيل بلا ملاحظة أثر أمر غير معقول. إذن، فحين نقول في الأدلّة الحاكمة: إنَّ هذا منزّل منزلة ذاك لا بُدّ أن نلحظ أثر في المقام.

وهناك مبنى آخر هو مبنى الاعتبار(1)، وهو أن نقول: بأنَّ المولى حين يقول: “الطواف بالبيت صلاة“، لا ينزّل الطواف منزلة الصلاة، وليس هذه العبارة مثل قولنا الطواف بمنزلة الصلاة، بل هو يعتبر الطواف صلاة ويجعلها فرداً من الصلاة في عالم الاعتبار. على طريقة المجاز السكاكي، حيث يقول بأنَّ الرجل الشجاع يعتبر المستعمل فرداً من الحيوان المفترس ويستعمل كلمة (الأسد) فيه. فهنا أيضاً يعتبر الطواف صلاة، والربا بين الوالد وولده فرداً من البيع غير الربوي.

والفرق بين هذا وبين الأوّل، أنّه هنا بناءً على الاعتبار لا نحتاج إلى ملاحظة الأثر. افرضوا أنَّ الصلاة ليس لها أثر أصلاً، لكن مع ذلك من حقّ 

ــــــــــ[53]ــــــــــ

(1) الاحتمال الثالث.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

المعتبر أن يعتبر. الاعتبار أمر سهل المؤونة، مرجعه إلى الفرض والخيال. فيمكنه أن يتخيّل ويفرض أنَّ الطواف صلاة، أو تسبيح أو رمان، وإن لم يكن للرمان أثر أصلاً. فيمكنه أن يعتبر العنوان أصلاً في مقام جعل هذا الاعتبار. 

وهذا بخلافه في التنزيل، فإنّه في عملية التنزيل نحتاج إلى ملاحظة الأثر؛ لأنَّ كون هذا منزّل منزلة ذاك، هذا معنى إضافي لا يتقوّم ولا يتحصّل إلَّا بإضافته إلى ما يكون منزّلاً بلحاظه، ومن ناحيته بخلاف عمليّة الاعتبار فإنها ليست إضافية فنحتاج إلى محصَّل. 

هذا هو الفرق بين الاعتبار، وبين التنزيل، ولعلّ أوّل من تنبّه إلى الفرق ما بينهما هو المحقّق النائيني(1) على ما سبقت الإشارة إليه في بحث جعل الطريقية. حيث إنَّ جعل الطريقية في باب الأمارات تارةً يُتصوّر بنحو التنزيل، وأخرى بنحو الاعتبار. 

هنا، إن فرضنا أنَّ الحكومة بنحو الاعتبار لا بنحو التنزيل، فلا يحتاج في عملية الاعتبار إلى ملاحظة الأثر أصلاً. فلا إشكال إذن، في التمسّك بالإطلاق؛ لأنّه مقتضى قوله: “رفع ما اضطرّوا إليه” حينئذٍ، إنَّ المولى اعتبر هذا الموجود معدوماً، ومقتضى ذلك، هو أنَّ جميع الأدلّة التي رتّبت الأحكام على وجوده، لا يبقى لها موضوع في المقام. من دون فرق بين حكم وحكم أو أثر وأثر(2)

ــــــــــ[54]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 12، المقصد الثالث، المقدمة الثالثة: ليس معنى حجية الطريق تنزيل مؤداه منزلة الواقع.

(2) وهنا قال جواباً على سؤال: إنه إطلاق -بحسب الحقيقة- في أدلّة ربط تلك الأحكام بموضوعاتها. وهذا لا إشكال فيه. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وأمّا إذا فرضنا انًّ الحكومة كانت بنحو التنزيل، لا بنحو الاعتبار، حينئذٍ معنى الطواف بالبيت صلاة، يعني هذا الطواف بمنزلة الصلاة، يعني هذا الموجود بمنزلة المعدوم. 

بناءً على هذا، قد يُتوّهم، أنَّ هذا حاله حال التقدير. هنا نحتاج إلى ملاحظة الأثر في عملية التنزيل. والأثر هو مردّد بين أمرين فيكون حاله حال التقدير.

لكن الصحيح: أنَّه قياس مع الفارق؛ وذلك لأنَّ الاحتياج إلى ملاحظة الأثر إنّما هو في عالم لحاظ المولى ثبوتاً، لا في عالم مدلول الكلام، وإلاَّ في عالم مدلول الكلام ليس الأثر محتاجاً إليه أصلاً. وإنّما التنزيل مسند بحسب عالم الكلام إلى نفس المذكورات في المقام. وهذا بخلافه في باب التقدير، فإنَّ الكلمة المقدّرة موجودة في نفس الكلام، فهي قرينة متّصلة في المقام، وأمرها مردّد بين أن تكون كلمة كلّ أثر أو كلمة المؤاخذة. 

ففي فرض التقدير لا يمكن التمسّك بالإطلاق؛ لأنَّ المقدّر قرينة متّصلة أمرها دائر بين الأقلّ والأكثر، والكلام المتّصل به مثل هذه القرينة. وأمّا هنا فالأثر يحتاج إليه في عالم لحاظ المولى، لا أنّه مأخوذة في مدلول الكلام. إذن، فمدلول الكلام هو ذات تنزيل الموجود منزلة المعدوم. ومن المعلوم أنَّ هذا التنزيل له حصص وأفراد بعدد الأحكام. حتّى يقع الكلام في أنَّ المراد منه هل هو مطلق هذه التنزيلات المتعدّدة بعدد الأحكام، أو بعضها دون بعض؟ مقتضى الإطلاق ومقدّمات الحكمة هو أنَّ المراد هو مطلق هذه التنزيلات.

ــــــــــ[55]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

ولهذا لا يشكّ أحد من العرف في التمسّك في إطلاقات أدلّة التنزيل، فلو قال المولى: بأنَّ المتفقّه بمنزلة الفقيه، فيتمسّك بإطلاق دليل صرف التنزيل إلى جهة مخصوصة دون وجهة. فما لم يكن مثل هذا الظهور العرفي حاكماً على مقدّمات الحكمة، فمقتضى المقدّمات هو انعقاد الإطلاق في المقام. 

فاتّضح بذلك أنَّ الثمرة المترتّبة على الاحتمال الأوّل في قبال الأخيرين، هو أنّه على الأوّل لا يمكن التمسّك بالإطلاق. فلا يمكن التمسّك بالحديث لرفع الأحكام الشرعية المترتّبة على الفعل المضطرّ إليه، بجميع أقسامها، على ما يأتي التعرّض له تفصيلاً. وإنّما نقتصر على خصوص القدر المتيقّن منها. وأمّا على الاحتمالين الأخيرين فيكون الإطلاق تامّاً ونتمسّك به لنفي تمام الآثار، عدى ما كان رفعه منافياً للامتنان على ما يأتي تفصيله؛ لأنَّ ما يكون رفعه منافياً للامتنان لا يناسب رفعه بعنوان الامتنان. ومن هنا لا إشكال في الإطلاق.

هذه هي الثمرة المترتّبة بين الاحتمال الأوّل والأخيرين. يعني علينا أن نبيّن الثمرة المترتّبة بين نفس الاحتمالين الأخيرين.

[2- الفرق بين الاحتمالين الأخيرين وثمراتهما]

وأمّا(1) الثمرة بين نفس الاحتمالين الأخيرين، أي احتمال: أن تكون العناية محمولة في طرف الرفع، ويكون الرفع تشريعاً للوجود الخارجي، ومعناه أنَّ الحكومة تكون حكومة في مرتبة عقد الوضع. والاحتمال الثالث -المختار- تكون العناية معمولة في جانب المرفوع والمنفي، لا في جانب النفي، فيكون النفي نفيّاً 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

(1) لخّص أوّلاً: الثمرة بين الاحتمال الأوّل والاحتمالين الآخرين. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

للوجود التشريعي والتنزيلي، فتكون الحكومة في مستوى عقد الحمل.

الثمرة ما بينهما تتصوّر من ناحيتين: 

الثمرة الأولى 

هي أنَّ الاضطرار -مثلاً- تارةً يتعلّق بأمر وجودي وأخرى يتعلّق بأمر عدمي. فإنّه تارةً يضطرّ الإنسان إلى شرب الخمر -مثلاً- وهو أمر وجودي، وأخرى يضطرّ إلى ترك الوفاء باليمين أو النذر، وهو أمر عدمي. فإن فرض إّنه اضطرّ إلى أمر وجودي، فلا إشكال في شمول حديث الرفع له في نفي الحرمة ونفي وجوي الحدّ -مثلاً- على كِلا الاحتمالين والمبنيين. 

وأما إذا اضطرّ إلى أمر عدمي فهل يشمله حديث الرفع، أو لا؟ هذا العدم، عدم الإتيان بالمنذور، موضوع شرعاً للكفّارة، فنريد أن نعرف أنَّ حديث الرفع هل يشمله، بحيث ننفي وجوب الكفّارة. فمن حلف على إكرام فقير فلم يكرمه اضطراراً لم تجب عليه الكفارة، أو تجب؟

بناءً على المبنيين قد يختلف الحال وقبل توضيح اختلاف الحال. نذكر مذاق الميرزا في المقام. 

حيث ذهب في المقام إلى أنَّ حديث الرفع لا يشمل الأمر العدميّ، كما في محلّ الكلام، وذكر في توجيه ذلك: أنَّ الرفع لا يناسب مع تعلّقة بالأمر العدميّ؛ لأنَّ رفع الأمر العدمي، إنّما هو وضع للوجود المقابل له. فمرجعه بحسب الحقيقة، إلى الوضع، لا إلى الرفع، وارتكاز التقابل بين الرفع والوضع بحسب الفهم العرفي، يقتضي عدم شمول الرفع للأمور العدميّة؛ لأنَّ شموله 

ــــــــــ[57]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

لها يعطيه معنى الوضع وهو خلاف ارتكاز التقابل بين الوضع والرفع. 

فهذا الارتكاز يكون قرينة على أنَّ الرفع المجعول في الحديث المبارك يختصّ بالأمور الوجودية، فشرب الخمر المضطّر إليه مرفوع، وأمّا ترك الصدقة على الفقير المضطّر إليه ليس مرفوعاً. فمن هنا ذهب إلى التفصيل بين الأمور الوجوديّة والعدميّة(1)

[المبنى المختار بناءً على الاحتمال الثالث]

وتحقيق حال هذا المطلب: أنَّه بناءً على الاحتمال الثالث الذي هو المختار، وهو أن تكون العنايّة مطعّمة في المنفي لا في النفي، فيكون الرفع رفعاً حقيقياً للوجود التشريعي للمضطّر إليه. بناءً عليه لا مجال أصلاً لِما أفاده المحقّق النائيني ولا ينبغي توهّمه؛ لأنَّ الرفع ليس رفعاً بلحاظ عالم التكوين حتّى يقال إنَّ متعلّق الاضطرار بحسب عالم التكوين هو أمر عدمي، لا وجودي، ورفع الأمر العدميّ في عالم التكوين، معناه وضع الوجود المقابل له وهو خلاف الارتكاز القاضي بالتقابل بين الرفع والوضع. 

وإنّما المرفوع -بناءً على الاحتمال المختار- هو وجوده التشريعي، وبلحاظ عالم التشريع بتبع أحكامه، كذلك الأمر العدميّ له وجود بتبع أحكامه -الأمر العدمي في عالم التشريع-، وإنّما هو موجود بوجود أحكامه، وإنّما يكون عدميّاً بلحاظ عالم التكوين. 

فكما يصحّ أن يقال إنَّ شرب الخمر وجوده في عالم التشريع مرفوع برفع 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

(1) انظر: فوائد الأصول 3: 336.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

حرمته. كذلك يصحّ أن يقال: بأنَّ ترك الصدقة على الفقير مرفوع برفع حكمه بوجود الكفارة وهو وجود الكفارة. لا مانع من ذلك. ولا يكون هذا الرفع وضعاً، بل هو رفع حقيقة؛ لأنّه رفع للوجود التشريعي. 

إذن، فبناءً على المبنى المختار، وهو الاحتمال الثالث، ينبغي الجزم بعدم الأمور الوجوديّة والأمور العدميّة. وهو أيضاً يناسب مع ارتكاز العرف. فإنّه لا ينبغي الإشكال في أنَّ الصحابة حينما سمعوا هذا الكلام من رسول الله لم يخطر على بالهم أن يفرقوا بين الأمر العدمي والأمر الوجودي، فلو اضطرّوا إلى شرب الخمر يتمسّكون بحديث الرفع، بخلاف ما لو اضطرّوا إلى ترك الصلاة، أو الوفاء باليمين. لا شكّ في أنَّ الناس الّذين سمعوا هذا الحديث أيضاً فهموا منه الإطلاق. هذا بناء على مبنانا.

 وأمّا بناءً على الاحتمال الثاني، وهو أن تكون العنايّة مطعّمة في نفس النفي، لا في المنفي، ويكون مفاد حديث الرفع، هو الرفع التنزيلي للأمر الخارجي، حيث إنَّ الرفع يكون بلحاظ عالم التكوين لا التشريع، فهنا يوجد مجال لِما أفاده المحقّق النائيني من التفرقة بين الأمور الوجوديّة والأمور العدميّة، بدعوى أن رفع الأمر العدمي بلحاظ عالم التكوين، ليس هو إلَّا وضع ما يقابله، وهذا ينافي ارتكاز التقابل بين الوضع، والرفع بحسب الفهم العرفي. 

[التفصيل في المبنى المختار]

إلاَّ أنَّه بناءً على هذا المبنى، أيضاً لا بُدّ وأنَّ نفصّل ونقول: بأنَّ الرفع التنزيلي، تارةً نختار أنّه يتعلّق بالعنوان الأوّلي، أي بذات”ما اضطرّوا إليه”، 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وأخرى نختار انّه يتعلّق بالمضطرّ إليه بما هو مضطرّ إليه، على النحو الذي بيّناه في كلام السيّد الأستاذ، يعني أنَّ الاضطرار يُعتبر معرّفاً ومشيراً صرفاً إلى الذات، أو أنّه عنوان ومصبّ للرفع. 

إن فرضنا أنّه مشير ومعرّف محض إلى الذات، تأتي حينئذٍ هذه الشبهة التي أفادها المحقّق النائيني، وهو أن ذات “ما اضطرّوا اليه” هو أمر عدمي، ورفعه لا محصّل له بحسب الفهم العرفي، إلَّا وضع الوجود المقابل له، والعرف لا يفهم من دليل الرفع وضعاً للتقابل بينهما بحسب ارتكازهم. 

وأمّا لو قلنا بأنَّ الرفع انصبّ إلى نفس عنوان (ما اضطرّوا إليه) بما هو مضطّر إليه، بحيث إنَّ هذا العنوان هو مصبّ الرفع. حينئذٍ الشبهة أيضاً لا تأتي في المقام؛ لأنَّ (ما اضطرّوا إليه) وإن كان مصداقه هو الأمر العدمي، لكن نفس هذا العنوان عنوان ثبوتي(1). نفس عنوان المضطرّ إليه ليس عنواناً عدميّاً لم يستبطن مفهوماً عدميّاّ، لا بنحو المعنى الأسمى كمفهوم العدم ولا بنحو المعنى الحرفي، كمفهوم (ليس) و(لا)، بل هو عنوان ثبوتي غايته أنَّه انطبق على أمر عدمي، فنسبة الرفع إليه لا تكون فيها عناية أصلاً، وإن انطبق على أمر عدمي. 

 وعدم القيام هنا أمر عدمي، انتُزع عنه عنوان الإهانة، وهو عنوان ثبوتي لا عدمي، ولكنه انطبق على أمر عدمي وهو عدم القيام. يصحّ أن يُنسب الرفع إلى الإهانة، فيقال: (رفعت هذه الإهانة عنك وتسامحت عنها)؛ لأنَّ الرفع هنا لم 

ــــــــــ[60]ــــــــــ

(1) ثبوتي بمعنى وجودي المقابل للعدمي، لا المقابل للإثباتي، هكذا استعمله سيّدنا الأستاذ في المقام. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

يضف إلى نفس عدم القيام، بل أُضيف إلى عنوان ثبوتي منطبق على عدم القيام، وهو عنوان الإهانة فحينئذٍ لا يكون فيه مؤونة زائدة؛ ليستشكل بالإطلاق.

فبهذا يتحصّل أنّه بناءً على الاحتمال الثالث المختار، نبني على أنَّ حديث الرفع يشمل الأمور الوجوديّة العدميّة على حدّ سواء بلا إشكال. وأمّا بناءً على الاحتمال الثاني، ففيه تفصيل وذكره كما سبق.

وبهذا البيان كما ظهرت هذه الثمرة، ظهر وجه الخلل فيما أفاده المحقّق النائيني، خصوصاً أنَّ المظنونات بالظنّ القوي -وإن كانت عبائر التقرير مشوّشة- أنَّ الميرزا يقول بنفس مبنانا، وهو الاحتمال الثالث، مع ذلك كيف يبني في المقام على التفصيل بين الأمور الوجوديّة والعدميّة، مع أنَّ هذا التفصيل على التقريب الذي بيّنه لا مجال له على الاحتمال الثالث أصلاً. هذه هي الثمرة الأولى. 

الثمرة الثانية:

 لا شكّ ولا ريب أنَّ حديث الرفع، ينفي الآثار التي تترتّب على متعلّق الاضطرار، على (ما اضطرّوا إليه). أحكامه وآثاره تكون منفيّة في المقام. فلو فُرِض والعياذ بالله شرب الخمر اضطراراً، فحديث الرفع ينفي أحكام هذا الشراب، وهي الحرمة بوجوب الحدّ، ونحو ذلك. أّما أنّه هل يثبت حدّي الرفع أحكام نقيضه أيضاً، فهو كما ينفي أحكام شرب الخمر، يثبت أحكام نقيض شرب الخمر، وهو تركه لو كان له أحكام في الشريعة. 

فلو فُرِض أنّه ورد في الشريعة: أنّه لا يجوز الائتمام إلَّا بعادل، لم يشرب الخمر. ونفرض أنَّ هذا المؤمن شرب اضطراراً الخمر، فعدالته لا تزال موجودة حتّى 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الآن، لكنه لا يصدق عليه أنّه تارك لشرب الخمر. هل بحديث الرفع نستطيع أن نرتّب أحكام الترك عليه وهو جواز الائتمام به -مثلاً- وحرمة استغابته، أو أنّه بحديث الرفع نستطيع أن ننفي أحكام الوجود لا أن نرتّب أحكام العدم. 

هذا سؤال مهمّ في المقام يرتبط جوابه في تحقيق هذين المبنيين والاحتمالين؛ وذلك لأنّه إذا بنينا على الاحتمال الثاني من الاحتمالات الثلاثة، وهو الذي لا نوافق عليه، وهو أن يكون الرفع رفعاً تنزيليّاً للوجود الخارجي. فتكون الحكومة في درجة عقد الوضع. 

لو قلنا هكذا فمرجع قوله: “رُفع ما اضطرّوا إليه”، يعني شرب الخمر المضطرّ إليه، وجوب منزّل منزلة تركه. فعل شرب الخمر المضطرّ إليه هو الترك، في نظري وفي عالم اعتباري. فإذا كان هكذا، فحينئذٍ ننفي أحكام الوجود؛ لأنَّ الوجود نفاه المولى، ونثبت أحكام العدم أيضاً؛ لأنَّ المولى اعتبر الوجود عدماً، واعتبر الفعل تركاً. فهذا الذي فعل شرب الخمر اضطراراً يجوز الائتمام به؛ لأنّه منزّل في عالم اعتبار المولى منزلة التارك. هذا بناءً على الاحتمال الثاني. 

وأمّا بناءً على الاحتمال الثالث، الذي هو المختار: يعني أنَّ العناية تطعّم في المنفي، لا في النفي فتكون الحكومة في مستوى عقد الحمل، ويكون مرجع حديث الرفع إلى أنَّ المولى رفع الوجود التشريعي لشرب الخمر المضطرّ إليه. شرْب الخمر ليس له وجود في عالم التشريع. غاية ما يدّل على ذلك أنَّ شرب الخمر لم يقع موضوعاً لحكم شرعي، إذ لو وقع متعلّق للحرمة، أو الموضوع لوجوب الحج، لكان له وجود تشريعي وهو خُلف، فسنخه عن الوجود التشريعي يدّل لا محالة على نفي أحكام الوجود.

ــــــــــ[62]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

لكن لا يدّل ذلك على أن وجوده الخارجي يكون بحكم تركه في اعتبار المولى، فإنَّ كونه لا وجود له في عالم التشريع، لا يلازم أنّ وجوده في عالم التكوين يكون عدماً في نظر المولى وتركاً. هذا اعتبار وذاك اعتبار آخر. 

إذن، فلم يتحقّق في حقّ هذا المؤمن موضوع جواز الائتمام؛ لأنَّ جوازه موضوعه مَن ترك شرب الخمر وكان عادلاً، وهذا وإن كان عادلاً إلَّا أنّه لم يترك شرب الخمر. ومجرد أنَّ شرب الخمر لم يقع موضوعاً لحكم في عالم التشريع، لا يلازم أنَّ المولى يعتبر وجوده الخارجي عدماً، وينزّل وجوده منزلة العدم بلحاظ أحكام العدم.

فمن هنا نقول بناءً على الاحتمال الثالث اختار أنَّ حديث الرفع ينفي أحكام ما وقع تحت الاضطرار، ولا يثبت أحكام نقيض ذلك. وهذا المطلب يترتّب عليه أثر مهم في باب العبادات، فيما إذا اضطرّ إلى ترك جزء، وأتى بالباقي. 

لو فُرِض أنَّ الشخص اضطرّ إلى ترك جزء من الواجب، وأتى بالباقي. نفرض الصلاة مركّبة من عشرة أجزاء فهو اضطرّ إلى ترك الجزء العاشر منها، وأتى بتسعة، هل نحكم بصحّة الصلاة الاضطراريّة، بموجب حديث الرفع، أو لا نحكم بصحّة الصلاة؟

الشيء الذي نحكم به يقيناً بمقتضى الحديث هو ارتفاع وجوب العشرة؛ لأنّه قد اضطرّ إلى تركها. أمّا أنَّ التسعة التي أتى بها هل تكون صحيحة أو لا تكون؟ فهو مبني على هذين المبنيين. 

لو بنينا على الاحتمال الثاني الذي لا نقبله، نحكم بالصحّة في المقام، 

ــــــــــ[63]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وذلك؛ لأنَّ المولى بالحكومة، نزّل المضطرّ منزلة نقيضاً. والعبد قد اضطرّ إلى ترك الفاتحة، فيكون ترك الفاتحة كلا ترك، ومعناه أنَّ ترك الفاتحة المضطرّ إليه كأنّه إتيان بها، فهذه الصلاة صلاة واجدة للفاتحة في اعتبار المولى. هذا الاعتبار يصير حاكماً على دليل أَقيمُوا الصَّلاة يعني موسِّعا لدائرة الواجب فيه، فيُنزّل الفاقد منزلة الواجد، ويجعله فرداً من الواجب الاختياري. فيصحّ حينئذٍ على القاعدة. بموجب حديث الرفع لا حاجة إلى التمسّك بدليل آخر خاصّ. 

وأمّا بناءً على مبنانا فغاية ما يثبت بحديث الرفع، هو نفي آثار الوجود، هو نفي وجوب العشرة ونفي حرمة تركها. إمّا أنَّ التسعة التي أتى بها، منزّلة منْزِلة في نظر المولى، أو أنَّ الترك الواقع خارجاً منزّل منْزلة اللاترك. هذا ممّا لا يثبت من حديث الرفع. ومن هنا نقول: بأنَّ حديث الرفع تمكن العبادة الاضطرارية به، تصحيح الإتيان بالباقي، على ما يأتي نريد التوضيح لذلك في بقية التنبيهات(1)

فهذه الثمرة في غاية الأهميّة، بينها وبين المسلكين. 

هذه هي الثمرة الثانية ما بين المسلكين. 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: رفع الفاتحة معناه رفع الوجود التشريعي عن عالم جعل الشرطية؟

 قال: الشرطية ليست مجعولة، وإنّما المجعول هو وجوب العشرة، والمرفوع بحسب الحقيقة هو مجموع العشرة؛ لأنَّ الوجوب وجوب واحد، والوجوب الضمنّي لا يُعقل رفعه، مع بقاء الوجوب الضمني للآخر، فإنَّ الوجوبات الضمنيّة متلازمة في الرفع. فالرفع هنا رفع لوجوب العشرة، فإذا ارتفع وجوب العشرة من قال إن وجوب التسعة تكون واجبة، ومصداقاً للواجب. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الجهة الثانية: في ثبوت المقتضي للأحكام المرفوعة. 

هي أنّه قد يستظهر من الحديث المبارك، أنَّ هذه الأحكام، المرفوعة فيه، ثابتة ثبوتاً اقتضائيّاً ملاكيّاً، أي إنّ مقتضياتها وملاكاتها ثابتة في حال الاضطرار والإكراه ونحوه، وإنّما رُفعت فعّليتها. واستظهار هذا المطلب يؤثّر هذا المطلب في تصحيح العمل المأتيّ به في هذه الحالات، فيما لو فُرض أنّه أُكره على ترك الوضوء -مثلاً- بنحو سقط وجوبه من هذه الناحية، أو فرضنا أنّه تحمّل مشقّة الإكراه، ووعيد المُكرِه وتوضأ. 

فإن بنينا على أنَّ حديث الرفع يُستفاد منه رفع الحكم، مع الدلالة على وجود الملاك والمقتضي، فمن الممكن في المقام حينئذٍ، تصحيح مثل هذا العمل، ببيان أنّها تقع بلحاظ الملاك واجدة للغرض، وإن لم يُكلّف بها بالفعل امتناناً على العباد. فيصحّ الوضوء منه ما لم يكن الإكراه بدرجة منه، بحيث يكون اقتحامه حراماً على المُكلَّف، فإذا كان بهذه الدرجة، فيصير الوضوء حينئذٍ حراماً على المُكلَّف والنهي عن العبادة يقتضي فسادها. 

وأمّا إذا لم نستفد من حديث الرفع هذه النُكتة الجديدة، وهي ثبوت المقتضي، وإنّما استفدنا منه انتفاء الحكم، فغاية ما يتحصّل للفقيه هو: أنَّ الوضوء في هذه الحالة غير مشمول لأدلّة وجوب الوضوء، وبعد انتفاء الوجوب لا يبقى دليل على أصل وجود الملاك فيه؛ فلعلّ الوضوء في هذه الحالة بلا ملاك أصلاً فُيحكم ببطلان هذا الوضوء، المأتي به في حالة الإكراه أو الاضطرار. 

ــــــــــ[65]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

هذه هي الثمرة الفقهيّة المترتّبة على استظهار هذه النُكتة الزائدة. فيقع الكلام في منشأ استظهارها، وهي نُكتة أنَّ الأحكام ثابتة ثبوتاً اقتضائيّاً وملاكيّاً. 

[تقريبان في إثبات المقتضي للأحكام المرفوعة في الحديث] 

ما يمكن اَّن يُحاوَل إثبات هذه النُكتة به أحد تقريبين: 

[التقريب الأوّل]

 أن يقال: بأنَّ ظاهر الحديث أنّه مَسوق مساق الامتنان، كما أشرنا إليه سابقاً، وكما سوف نفصّله لاحقاً إن شاء الله. ولا امتنان في رفع الحكم الذي يكون مقتضيه منتفياً، وإنّما الامتنان يكون في رفع حكم له مقتضى الثبوت. ومع هذا يُرفع بملاحظة حال المكلَّفين من حيث إنَّهم وقعوا في حالة الاضطرار، أو الإكراه، أو النسيان.

ولو فُرض أنَّ الاضطرار، أو الإكراه كان يوجب انتفاء أصل المقتضي للحكم، فحينئذٍ، ينتفي الحكم بلا منّة للمولى على العباد؛ لأنَّ المقتضي غير موجود في المقام، ولا يكون انتفاؤه تلطّفاً ومنّة على العباد.

وأمّا لو فُرِض أنَّ الاضطرار والنسيان، لا ينفي المقتضي، بل المقتضي والمحبوبية الواقعيّة محفوظة في المقام أيضاً، غاية الأمر أنَّ المولى لم يجعل الحكم تمنّناً على العباد؛ لأنّهم وقعوا في حالة الاضطرار، أو الإكراه. حينئذٍ، يكون هذا لطفاً من قبل الله بعباده، وحيث إنَّ ظاهر الحديث أنَّ الرفع رفع امتناني، وبعنوان اللطف بالعباد، فيُستكشف من ذلك أنَّ هذا النفي المجعول في الحديث نفيّ مع 

ــــــــــ[66]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

انحفاظ المقتضي، أن لو كان نفيّاً بنفي المقتضي، لم يكن هناك امتنان.

وهذا الكلام متين في حال الموالي العرفيّة مع العبد، والمكلَّف العرفي. يعني في حال المولى الذي يكلِّف بصالح نفسه وملاكات نفسه. المولى يعطش أحياناً فيقول للمكلَّف ائتِ بالماء. هنا، لا بأس أنَّ يقال: بأنَّه إذا قال هذا المولى: رفعت عنك وجوب الإتيان بالماء، حين اضطرارك إلى عدم الإتيان به، يقال: بأنَّ هذا الرفع لا معنى له في حالة عدم العطش، ولا يكون حينئذٍ امتنانياً. فنفيه للحكم بوجوب الإتيان بالماء لا يكون امتنانياً، إلَّا إذا كان عطشاناً، وكان مقتضى الحكم موجوداً، ومع هذا يرفعه، من باب ملاحظة حال المكلَّف والاهتمام بشأنه، وتغليب جهة المكلَّف على جهة عطشه، فبهذا الاعتبار يصحّ منه أن يمتنّ على المكلَّف.

 وأما لو فُرِض أنَّه ليس بعطشان أصلاً، فالنفيّ لا يكون نفيّاً امتنانياً. فالنفي الامتناني من المولى العرفي مساوق مع وجود المقتضي، وثبوت الحاجة للمولى في المقام. 

وأمّا بالنسبة إلى الشريعة الإلهية، وذلك لأنَّ تكليف المولى بالواجبات والمحرمّات الواقعيّة ليس لمصلحة وحاجة وغرض يرجع إلى المولى، وإنّما هو تعرّض يرجع إلى العبد نفسه. وهنا لا يُفرّق في مقام الامتنان بين أنَّ يكون هناك ملاك أو لا يكون. إذ ليس وجه الامتنان في حديث الرفع أنَّ المولى غلّب ملاحظة حال المكلَّف على حالته هو، حتّى يقال بأنَّ هذا فرق وجود للحاجة التي هي معنى المقتضي. 

بل ملاك الامتنان في حديث الرفع، أنَّ المولى سنخ مولى، في مقام التشريع 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

يلحظ حال المكلَّف وظروفه، أيّ إنَّه يجعل الأحكام على طبق مصالح المكلّفين(1). وفي هذا لا يُفرّق بين أن يكون المكلَّف له مصلحة في الوضوء في حال الاضطرار، والمولى يرفع هذا الوجوب عنه لأجل مصلحة أخرى أقوى، أو أنّه لا يكون هناك مصلحة، بل يكون هناك مفسدة، والمولى ينفي هذا الوجوب؛ لأجل هذه المفسدة. 

إذن، فالامتنانيّة هنا كما تناسب مع فرض وجود المقتضي، تناسب مع فرض عدم المقتضي فهذا التقريب الأوّل غير تامّ. 

[التقريب الثاني]

 لاستفادة ثبوت المقتضي وهو استفادته من ناحية كلمة (الرفع). 

بتقريب: أنَّ حديث الرفع لم يتكفّل نفي الأحكام بلسان النفي، بل بلسان نفي مخصوص، وهو النفي الرفعي والرفع حقيقة في النفي، بعد الوجود، لأنَّه إزالة الأمر الموجود. غير أنَّه في المقام، من المعلوم أنَّ مثل هذه الأحكام لم تُوجد في الشريعة من أوّل الأمر، لا أنّها وِجدت وأنَّ حديث الرفع ناسخ لها. إذ لم يكن حديث الرفع في مقام النسخ، بل في مقام عدم تحقّق هذه الأحكام. إذن، فهذه الأحكام لم تنفَ بعد الوجود، فكيف عبّر عن نفيها بأنّه رفع؟

 لا بُدّ أن يكون ذلك باعتبار نُكتة. وهي قرب وجودها، وكونها موجودة وجوداً اقتضائيّاً ملاكيّاً، فإنّه قد يُعبّر عن الشيء الموجود اقتضاء إذا اقترن بالمانع، أنّه رُفع عن العبد؛ لأنَّ وجود المقتضى له كأنّه لحكم وجوده بحسب الخارج. 

ــــــــــ[68]ــــــــــ

(1) وبهذا رفع ما اضطرّوا إليه، (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

إذن، فلا بدَّ من الالتزام بوجود المقتضي، والملاك في المقام تصحيحاً لكلمة الرفع، إذ لو لم نفرض وجود المقتضي، والملاك في المقام فكيف يستعمل كلمة الرفع في المقام في نفي أصل الوجود، مع أنَّ الرفع نفي الموجود، لا نفي أصل الوجود. فبقرينة استعمال كلمة الرفع يُعرف أنَّ المقتضي موجود في المقام. 

تحقيق الكلام في استعمال كلمة (الرفع) 

هو أنّه تارةً نبني على الاحتمال غير المرضي لنا وهو: أنَّ يكون الرفع رفعا تنزيليّاً للوجود الخارجي. وأخرى نبني على ما هو المختار من أنَّ الرفع رفع حقيقي للوجود التشريعي. 

فإن بنينا على الأوّل منهما، وهو أن يكون الرفع تنزيليّاً للوجود الخارجي. بأن نفرض لهذه المرفوعات وجوداً خارجياً، والمولى يرفعها رفعاً تنزيلياً. فهنا من المحتمل أن تكون العناية المصحّحة لاستعمال كلمة الرفع، هو أنَّ هذه الأمور التي يراد رفعها تنزيلاً هي موجودة حقيقة للفعل المضطرّ، موجودة حقيقة بحسب الخارج، وهنا عبّر عنه بالرفع؛ لأنّه نفى الموجود.

نعم، هنا أيضاً لا يخلو من عناية؛ لأن نفي هذا الموجود لا يراد به نفيه في الآن الثاني(1)، بل نفيه التنزيلي من أوّل آنات وجوده، إلَّا أنَّه هناك مجال لإعمال العنايّة لاستعمال كلمة الرفع، باعتبار أنَّ المرفوع موجود بحسب الخارج. فكأنَّ نفيه هذا يشبه الرفع وإن كان ليس رفعاً حقيقيّاً. 

أمّا أنّه ليس رفعاً حقيقة؛ فلأنَّ هذا النفي لا يُراد به أن يطرأ على الفعل 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

(1) يعني نفيه بعد تحقّق وجوده في الخارج، (شرح). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

المضطرّ إليه في الآن الثاني من وجوده، بحيث يوجد الفعل المضطرّ إليه في الآن وتترتّب عليه الأحكام، وفي الآن الثاني نرفع عنه الأحكام، بل هذا النفي التنزيلي يتّصل عليه من الآن الأوّل، فهذا الرفع ليس حقيقة؛ لأنّه منصبّ على الموجود من أوّل(1) آنات وجوده لا في الآن الثاني ليكون رفعاً. 

ولكنه يشبه الرفع؛ لأنّه انصبّ على أمر موجود، فلعلّ هذا الشبه هو المصحّح لاستعمال كلمة الرفع في المقام، بلا حاجة إلى فرض ثبوت المقتضى لجعل الأحكام المرفوعة في المقام.

وأمّا بناءً على الاحتمال المختار. وهو أن يكون الرفع رفعاً حقيقياً للوجود التشريعي. فهنا وجودها خارجاً لا ينفعنا في مقام تصحيح الرفع؛ لأنَّ الرفع لم ينصبّ على الوجود الخارجي، حتّى يقال: أنَّ الرفع كان باعتبار أنَّ هذه الأمور موجودة في الخارج، بل أنّ كلمة الرفع انصبّت على الوجود التشريعي، فلا بُدّ من فرض أن يكون الوجود التشريعي له ثبوت في عالم التشريع، أي إنَّ لهذه الأحكام ثبوتاً في عالم التشريع.

[صور الأحكام المرفوعة في الثبوت التشريعي]

وثبوتها في عالم التشريع لا يخلو من أحد صور ثلاث:

إمّا أن نفرض أنَّ هذه الأحكام كانت مشرّعة في صدر الإسلام، ثُمّ نُسِخت 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

(1) إلَّا أنه ينصبّ على الموجود في الرتبة المتأخّرة عن وجوده، فكأنّه انصبّ علىه حال وجوده، باعتبار أنّه لو كان معدوماً حقيقة لم يتعلّق مقصود الحديث في رفعه أصلاً. فافهم واغتنم. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

بحديث الرفع. وإمّا أن نفرض أنَّ هذه الأحكام لها ثبوت في الإسلام ثبوتاً ملاكيّاً واقتضائيّاً، كما هو المدّعى. وإمّا أن نفرض أنّ هذه الأحكام ثابتة في الشرائع السابقة، وموجودة في التشريع الإلهي المبلّغ من قبل الانبياء السابقين، وأنه رُفع من قبل نبينا. وكلّ واحد من هذه الاحتمالات لتصحيح كلمة الرفع.

أمّا الأول: من هذه الأمور، وهو: أنَّ هذه الأحكام كانت مجعولة في صدر الإسلام، ثُمّ نُسخت، فهذا قطعي البطلان؛ لا تُحتمل أن تكون هذه الأحكام ثابته في الإسلام في يومٍ مّا.

فيدور الأمر بين الاحتمال الثاني، والثالث: إن احتملنا كما يحتمل بعضهم، أن تكون هذه الأحكام ثابتة في الشرايع السابقة. يعني أنَّ بعض الناس يَحتمل أن تكون هناك أحكام في غاية الضيق في الشرائع السابقة، كما يظهر من بعض الروايات في باب الطهارات(1) وهي: أنَّ بني اسرائيل كانوا إذا أصابهم البول يقرضون لحومهم بالمقاريض(2)

وإن كان هذا أمراً محتملاً احتمالاً معتدّاً به. فحينئذٍ يقع الإجمال؛ لأنَّ تصحيح كلمة الرفع يكفي فيها أحد الأمرين: إمّا الثبوت الاقتضائي في هذه الشريعة، أو الثبوت الفعليّ في الشرائع السابقة، ومع الإجمال لا يمكننا الجزم بالثبوت الاقتضائي في هذه الشريعة.

ــــــــــ[71]ــــــــــ

(1) انظر: وسائل الشيعة 1: 134، الباب 1، باب أنه طاهر مطهّر يرفع الحدث ويزيل الخبث، الحديث 4. 

(2) هكذا ذكر سيّدنا الأستاذ بعد البحث. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

لكنّ الإنصاف أنَّ هذا في نفسه ممّا لا أحتمله أنا احتمالاً عقلائيّاً معتدّاً به، وهو: أن تكون هذه الأحكام مشرّعة في الشرائع السابقة. وأنَّ الناس كان قد وضع عليهم (ما اضطرّوا إليه)، و(ما استكرهوا عليه) و(ما لا يطيقون) ونحو ذلك. أنا لا أحتمل أن يكونوا مكلّفين بذلك، احتمالاً معتدّاً به. 

فمن هذه الناحية يتعيّن حينئذٍ أن تكون المؤونة المصحّحة لكلمة الرفع هو الثبوت الاقتضائي، فيتمّ المدّعى. وهو أن يكون الثبوت هنا ثبوتاً اقتضائيّاً، وهذا هو الصحيح في المقام. حيث إنّنا نبني على أنَّ الرفع يكون من باب الرفع الحقيقي للوجود التشريعي، فبناءً عليه، تنحصر العناية في الثبوت الاقتضائي الملاكي.

 ومن هنا نستفيد من حديث الرفع الثبوت الاقتضائي الملاكي، ونرتّب على ذلك ما يناسبه من الثمرات والآثار في الفقه. وهذه هي الجهة الثانية. 

الجهة الثالثة: في شمول الرفع لِما كان في موضوعه السهو والنسيان

الجهة الثالثة من جهات فقه الحديث: أنَّ الأحكام التي تكون -لولا حديث الرفع- ثابتة بالنسبة إلى المضطرّ والمُكّره، والناسي ونحوه على قسمين: 

القسم الأوّل: الأحكام التي يكون موضوعها ذات الشيء من دون أن يؤخَذ الاضطرار، أو الاكراه بقيد الاضطرار، والاكراه، والنسيان، أو مقيّداً بعدم هذه الأمور.

والأحكام من القسم الاوّل، الثابتة لذوات موضوعاتها ومتعلّقاتها. بلا أخذ هذه العناوين وجوداً أو عدماً فيها، هي التي تُرفع بحديث الرفع.

ــــــــــ[72]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 فنرفع به الحرمة -الثابتة لذات الشرب- عن شرب الخمر الاضطراري أو النسياني. القسم الأوّل من الأحكام هو القدر المتيقّن في مقام الرفض، وسوف يظهر القدر متيقّناً من خلال الحديث عن القسم الثاني.

وأمّا القسم الثاني: وهو الأحكام التي تكون ثابتة بقيد وجود هذه العناوين أو بقيد وجود عدمها. فالمعروف بين المحقّقين أنَّ حديث الرفع لا يشملها، ولا يمكن التمسّك به لنفيها.

أمّا الأحكام الثابتة لموضوعاتها بقيد عدم هذه العناوين، من قبيل وجوب الكفارة الذي موضوعه الحنث العمدي، بقيد أن يكون عمديّاً لا من نسيان فهذا واضح بأنَّ هذه الأحكام المقيّدة موضوعاتها بعدم هذه العناوين، لا نحتاج في مقام نفيها إلى حديث الرفع، بل بقطع النظر عنه، هي منتفيّة بانتفاء موضوعاتها؛ لأنَّ موضوع وجوب الكفارة هو تعمّد الحنث ولا تعمّد من الناسي. إذن، فيكون انتفاء هذه الأحكام على مقتضى القاعدة، بلا حاجة إلى التمسّك بحديث الرفع. 

وإنّما يقع الكلام في الأحكام التي تكون ثابتة لموضوعاتها بقيد هذه العناوين، من قبيل وجوب سجدتي السهوة -مثلاً- الثابتة لمن ترك جزءاً من الصلاة نسياناً، بحيث يكون موضوع هذا الوجوب قد قُيّد بعنوان النسيان. فمثل هذا الوجوب هل يمكن رفعه بالحديث أو لا؟

قلنا: إنَّ المعروف بين المحقّقيين هو عدم جواز التمسّك بالحديث في المقام، حيث ذهبوا إلى التفصيل بين القسمين، بين ما إذا كان الحكم المفروض ثابتاً 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

لموضوعه بلا قيد هذه العناوين، وبين ما إذا كان ثباتاً له بقيدها. فالأوّل نرفعه بحديث الرفع دون الثاني. 

[دعوى عدم شمول الحديث لعناوين السهو والنسيان]

وقد ذكر المحقّق الخراساني، والمحقّق العراقي ووافقهما على ذلك السيد الأستاذ(1) في مقام توجيه ذلك، وبيان عدم شمول حديث الرفع لمثل هذه الأحكام والآثار المترتّبة على نفس هذه العناوين المرفوعة في الحديث. ذكروا في وجه ذلك ما يتمّ توضيحه ببيان أمرين: 

الأمر الأوّل: ما استفدناه من الجهة السابقة التي تعرّضنا لها سابقاً، وحاصلها: أنَّ حديث الرفع ظاهر في أنَّ الحكم المرفوع ثابت اقتضاء وملاكاً، يعني رفع الحكم عن موضوع يقتضي ثبوت هذا الحكم له، غاية الأمر يُرفع فعلاً مع ثبوته اقتضاء وملاكاً؛ ولهذا عبّر بالرفع ولم يعبّر بالدفع. إذن، فأيّ حكم نريد أن نرفعه عن موضوع بحديث الرفع لا بُدّ أن نفرض أنَّ ذلك الموضوع يقتضي -لو خلي وطبعه- ثبوت هذا الحكم له، إلَّا أنَّ هذا المقتضي لم يؤثّر؛ لأنَّ المولى رفع حكمه. 

الأمر الثاني: أنَّ ظاهر الحديث أنَّ الاضطرار والإكراه، وغيرها من العناوين في الحديث هي ملاكات للرفع، أي حيثيات تقييديّة(2) وجهات للرفع، 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 341. نهاية الأفكار 3: 210- 212. دراسات في علم الأصول 3: 238، 242. 

(2) بالمعنى الذي سوف يأتي (توضيح). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

يعني أنَّ الرفع في المقام إنّما هو باعتبار الاضطرار، والإكراه، والنسيان لا باعتبار أمر آخر اقترن صدفة مع هذا الاضطرار والنسيان، لأنَّ ظاهر الرفع أنه رفع تسهيلي، والرفع التسهيلي إنّما يناسب أن يكون بملاك الاضطرار والنسيان، لا أنّه صدفة اقترن معها شيء آخر هو: نزول المطر وهو الذي يقتضي رفع الحكم. 

وحينئذٍ، إذا تمّ هذان الأمران: فإذا طبّقنا حديث الرفع على القسم الأوّل من الأحكام، وهو الأحكام الثابتة لذوات الأشياء بلا قيد ثبوت هذه العناوين وجوداً أو عدماً، كان هذا أماراً معقولاً. فنقول -مثلاً-: إنَّ الحرمة ثابتة لذات شرب الخمر، ذات الشرب يرتضي الحرمة حتّى في حالة الاضطرار، غاية الأمر أنَّ طروّ الاضطرار إلى شرب الخمر، أو النسيان يقتضي رفع هذا الحكم، هنا ما يقتضي ثبوت الحكم غير ما يقتضي رفعه، فإنَّ ما يقتضي ثبوت الحكم هو ذات شرب الخمر وهو يقتضي ثبوت الحرمة على الإطلاق لو خلي وطبعه. غاية الأمر أنَّ طروّ عنوان ثانوي عليه وهو الاضطرار يقتضي رفعه في حالة طروّ هذا العنوان الثانوي. فمقتضي الوضع، غير مقتضي الرفع. 

وهذا أمر معقول؛ ومن هنا نتمسّك بحديث الرفع؛ لإثبات انتفاء تلك الأحكام في حال طروّ هذه العناوين الثانوية. 

وأمّا إذا فرضنا أنَّ الحكم الذي نريد أن ننفيه هو حكم ثبات بنفس هذه العناوين الثانويّة، من قبيل وجود سجدتي السهو الثابت بنفس عنوان النسيان. (من نسى يجب عليه سجدة السهو) هنا لا يمكن تطبيق حديث الرفع، والتمسّك بإطلاقه لنفيه؛ إذ يلزم من ذلك أن يكون مقتضي النفي والإثبات 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

واحداً؛ لأنَّ فرض شمول الحديث لرفع وجوب سجدتي السهو عن الناسي هو فرض أنَّ النسيان في نفسه مقتضٍ لثبوت هذا الحكم؛ لأنَّ الحديث لا يشمل إلَّا مورداً يكون المقتضي فيه للوضع والثبوت تامّاً، فمقتضى إطلاق دليل الرفع حينئذٍ تماميّة(1) المقتضي لثبوت في هذا العنوان في نفسه، وأنّه لو خُلّى وطبعه؛ لاقتضى جعل الحكم للوجوب. ومقتضى شمول الرفع له بالفعل أنَّ عنوان النسيان يقتضي(2) رفع هذا الحكم عنه، فيكون مقتضى الوضع مقتضيّاً للرفع.

 مع أنَّ الشيء الواحد والعنوان الواحد يستحيل أنَّ يكون مقتضيّاً لأمرين متناقضين. 

هذا حاصل ما أفاده المحقّقون في المقام. 

[دفع دعوى عدم الشمول]

إلاَّ أنَّ هذا الذي أفادوه لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لأنَّ مقتضى الوضع، وإن كان يستحيل أن يكون مقتضيّاّ للرفع، إلَّا أنَّ هذا إنّما هو في المقتضيات الفاعليّة بالنسبة إلى مسببّاتها ومقتضياتّها. وأمّا في المقام، اقتضاء الموضوع للحكم ليس على حدّ اقتضاء المقتضي الفاعلي لأثره، وإنّما اقتضاء الموضوع للحكم معناه أنَّ هذا الموضوع يتوجّب اتّصاف الفعل بخصوصيّة تجعل الفعل صلاحاً للعبد، وكمالاً له. فمعنى كون النسيان مقتضيّاً لوجوب سجدتي السهو أنَّ النسيان يوجب اتّصافهما بخصوصيّة، بها تصبح كمالاً للعبد، 

ــــــــــ[76]ــــــــــ

(1) كما عرفنا في المقدّمة الأولى (توضيح). (المُقرِّر). 

(2) كما عرفنا في المقدّمة الثانية (توضيح). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

أنَّ النسيان يوجب منقصة في العبد فتصبح السجدتان للسهو رفعاً لهذا العنوان الموجود في العبد. 

فسببيّة الموضوعات للأحكام إنّما هو بمعنى إيجادها بخصوصيّات في المكلّف أو بالفعل، بها يكون الفعل صلاحاً للعبد فيجب أو فساداً له فيحرم، أو يكون حياديّاً بالنسبة إلى العبد. وأيّ مانع من أن يُفرَض بأنَّ شيئاً واحداً يقتضي حصول خصوصيّتين في الفعل، بلحاظ أحدها يكون الفعل صلاحاً للعبد، وبلحاظ الخصوصيّة الأخرى يكون فساداً له. فيقتضي الفعل بلحاظ إحدى الخصوصيتين إيجابه من قبل المولى وبلحاظ الأخرى يقتضي إباحته من قبله.

فالنسيان يوجب خصوصيتين في المقام بلحاظ أحداها يكون سجود السهو صالحاً للعبد، وهو يقتضي إيجاده، وبلحاظ الأخرى يكون سجود السهو أمراً شاقّاً على العبد وحرجاً عليه، فيقتضي ألا يُلزم به من قبل المولى. 

فهذا ليس بابه باب اقتضاء الأمر الواحد أمرين متنافيّين بالذات، بل بابه باب اقتضاء الأمر الواحد خصوصيتين، ممّا في أنفسهما غير متنافيتين، فإنّه لا تنافي بين أن يكون سجود السهو فيه صلاح للعبد، وفيه مشقّة عليه، غاية الأمر أنَّ هاتين الخصوصيتين يزاحمان في مقام التأثّير في نفس المولى؛ لأنَّ أحداهما تناسب مع جعل الوجوب، والآخر مع جعل الإباحة والرخصّة، وحينئذٍ فيكون النسيان في نفسه مقتضيّاً للوضع، باعتبار إحدى الخصوصّيتين، ويكون مقتضياً للرفع باعتبار الخصوصيّة الأخرى. 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وحيث إنَّ المفروض في المقام بأنَّ الخصوصّية المقتضية للرفع أقوى من الخصوصّية المقتضية للوضع. فمن هذه الناحية غلّب المولى هذه على تلك فقال: (رُفع النسيان). ولا يلزم تأثير الأمر الواحد في شيئين متنافيين، ومنشأ الشبهة هو قياس تأثير الموضوعات في الأحكام على تأثير المقتضيّات التكوينيّة الفاعليّة في آثارها بحسب عالم التكوين، مع أنّه قياس مع الفارق. إذن، فلا مانع من فرض كون العنوان الواحد مقتضيّاً للوضع بلحاظ، وللرفع بلحاظ آخر. 

[التحقيق في شمولية حديث الرفع لموضوعات السهو والنسيان]

وعلى هذا، فالذي ينبغي أن يقال في مقام تحقيق هذا المطلب، وإثبات عدم شمول حديث الرفع لمثل هذه الأحكام: إنَّ الرفع حينما أُسند إلى الفعل المضطرّ إليه، أو المكّره عليه، هذا العنوان -عنوان المضطرّ إليه ونحوه- إمّا أن يؤخذ بنحو الموضوعيّة محطّاً للرفع، أو بنحو المعرفيّة. 

فحينما يقال: “رفع ما اضطرّوا إليه”، إمّا أن يراد بهذا العنوان محطّ الإشارة، ويؤخذ هذا العنوان بنحو المعنى الحرفي إشارة ومرآة إلى ذات الفعل المضطرّ إليه. وهذا معنى المعرّفيّة ومعنى الجهة التعليلية. وأخرى يُفرض أن هذا العنوان يؤخذ بنحو الموضوعيّة، أي إنَّ الرفع يكون رفعاً لهذا العنوان، لا رفعاً للذات التي يشير إليها. فهو مرفوع بما هو مضطرّ إليه وهذا معنى الموضوعيّة، ومعنى الجهة التقييديّة. 

وهذان لحاظان متقابلان في مقام الإنشاء والجعل. فإن فُرض أنَّ هذا العنوان لوحظ بمعنى المعرفيّة، والمعنى الحرفي إشارة إلى ذات المضطرّ إليه، وهو 

ــــــــــ[78]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

شرب الخمر أو ترك الصلاة ونحوه. فحينئذٍ يختصّ الرفع بخصوص القسم الأوّل؛ لأنّ الرفع، حينئذٍ، بحسب الحقيقة، يكون منصبّاً على ذات المضطرّ إليه، لا على المضطرّ إليه بوصفه كذلك. وذات المضطرّ إليه هو شرب الخمر، فيكون الرفع رفعاً للأحكام الثابتة لشرب الخمر بما هو شرب الخمر، ويكون عنوان الاضطرار مرآة ومُعرّفّاً لذات شرب الخمر، الذي هو موضوع لتلك الأحكام. 

فيختصّ الرفع بخصوص الأحكام الثابتة لذات شرب الخمر بما هو شرب للخمر، ولا يشمل الأحكام الثابتة للنسيان بما هو نسيان؛ لأنَّ المفروض أنَّ النسيان والاضطرار أُخذ موضوعاً للرفع؛ باعتبار معرّفيّته ومشيريته إلى الذات لا بما هو هو.

وأمّا إذا فرضنا أنَّ هذه العناوين، أُخذت على وجه الموضوعيّة، وبنحو الحيثيّة التقييديّة، وانصبّ الرفع عليها بما هي هي، فيكون معنى “رفع ما اضطرّوا إليه”: أنَّ عنوان المضطرّ إليه بما هو كذلك مرفوع في عالم التشريع. حينئذٍ، يختصّ الرفع بخصوص القسم الثاني، ولا يشمل القسم الأوّل ويكون محصّل الرفع حينئذٍ إمّا عنوان المضطرّ إليه، هذا العنوان الثانوي، لم يُحكم عليه بحكم في الشريعة بأنّه مرفوع فيها، وهذا لا ينافي أن يكون ذات الشرب المضطرّ إليه بما هو شرب، لا بما هو مضطرّ إليه ومكره عليه، محكوماً بحكم.

فإذا فرضنا أنَّ الرفع قد وجّه إلى هذا العنوان الثانوي على وجه الموضوعيّة، اقتضى انتفاء هذا العنوان الثانوي، لا انتفاء أحكام العنوان الأوّلي بكلّ ما ثبت بدليل للعنوان الأوّلي من الأحكام يبقى على الإطلاق. 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

إذن، على الوجه الأوّل يختصّ الرفع في القسم الأوّل من الأحكام. وعلى الثاني يختصّ بالقسم الثاني منها، أمّا عمومه لكِلا القسمين من الأحكام، فغير معقول؛ لأنّه يلزم من الجمع بين لحاظ المعرّفية ولحاظ الموضوعيّة، مع أنّه يستحيل أن تلحظ الجهة الواحدة معرّفة وموضوعاً، لأنَّ فرض لحاظها معرّفة هو فرض ملاحظة الذات بما هي، وفرض ملاحظتها موضوعاً هو فرض ملاحظة الذات المقيّدة بما هي مقيّدة. والذات الواحدة لا يمكن أن تلحظ مطلقة ومقيّدة في استعمال أو إنشاء واحد فيشمل شمول الرفع لكِلا القسمين من الأحكام، بل يدور الأمر ما بين هذين القسمين.

فإذا دار الأمر ما بين هذين القسمين يتعيّن جزماً القسم الأوّل. وهو أن يكون الرفع دفعاً بخصوص الأحكام الثابتة لذوات الأشياء، للعناوين الأوّلية بما هي؛ لأنَّ هذا هو القدر المتيقّن من الداخل والخارج.

أمّا من الداخل، فلأنّنا لا نشكّ في أنَّ الصحابة الّذين سمعوا هذا الحديث من رسول الله، فهموا منه أن من يضطرّ إلى شرب الخمر ترتفع حرمته عنه. لم يفهموا منه إلَّا معنى يقتضي هذا المطلب. هذا هو القدر المتيقّن من فهم الصحابة، ولا نحتمل أنّهم فهموا منه خصوص القسم الثاني في قبال القسم الاوّل. 

هذا مضافاً إلى الروايات التي استشهد بها الإمام بحديث الرفع، فإنّه على طبق الحديث على أحكام من قبيل القسم الأوّل، على ما إذا حلف في الطلاق ونحو ذلك مكرهاً، مع أنَّ هذه الأحكام التي رفعها الإمام بالحديث، 

ــــــــــ[80]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

ليست مترتّبة على عنوان الاضطرار والاكراه والنسيان.

فمن هنا تعرف، أنَّ هذه العناوين لوحظت بنحو المعرفيّة لا بنحو الموضوعيّة. إذن، فيختص حديث الرفع بخصوص القسم الأوّل.

فالصحيح في مقام اثبات هذا المطلب هو بيان أنَّ مبنى شمول الحديث لكلّ من القسمين غير مبنى شموله للقسم الآخر، والجمع بينهما غير ممكن، وأن يدور الأمر بينهما بتعيّن الأوّل. وأمّا بقطع النظر عن هذا، لو لم نلتفت إلى هذا النُكتة فمجرّد ما أفاده المحقّقون – من أنَّ مقتضي الوضع يستحيل أن يكون مقتضيّاً للرفع- لا يكفي في المقام؛ لأنَّ موضوعات الأحكام ليس اقتضاؤها للأحكام على حدّ اقتضاء المقتضيات التكوينّية لآثارهما، حتّى يقال: إنَّ الشيء الواحد لا يقتضي الحرارة والبرودة معاً(1). إذن، فكون مقتضى الوضع، والرفع واحداً في عالم التشريع أمر معقول، وإنّما الذي يمنع عن شمول حديث الرفع، ما بيّناه.

هذا هو تمام الكلام في الجهة الثالثة من الجهات، التي ينبغي أن تبيّن في فقه الحديث(2)

ــــــــــ[81]ــــــــــ

(1) وهنا تمّ تقريره مكرّراً كما سبق، وهو: أن الموضوعات تقتضي ثبوت خصوصيات وحالات في المكلف أو المتعلّق، تناسب التأثير في نفس المولى يجعل حكماً على طبق هذه الحالة، أو تلك الحالة، (المحاضرة). (المُقرِّر). 

(2) قال سيّدنا الأستاذ: إنَّ فائدة البحث في هذه الجهة هي: أنَّ تلك الأدلّة التي رتبّت الأحكام على السهو، وغيره ليست تخصيصاً في الحديث. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الجهة الرابعة: في ظهور الحديث بالتخفيف على الأمّة

الجهة الرابعة من الجهات التي ينبغي تحقيقها في فقه الحديث: هي أنَّ ظاهر الحديث المبارك اختصاص الرفع بخصوص الأحكام التي يكون في رفعها تخفيفاً على العباد. إلّا الأحكام التي يكون في رفعها مزيد مؤونة ومشقّة على العباد.

والقرينة على ذلك يمكن تقريبها بتقريبين:

[القرينة الأولى: على ظهور الحديث بالتخفيف] 

أحدهما بلحاظ تعدية الرفع إلى الامّة بـ(عن) في قوله: “رُفع عن أمّتي“؛ لأنَّ الرفع عن شخص، إنّما هو بمعنى إزالة الأمر الثقيل عنه، فإنَّ إزالة أمر غير ثقيل، أو أمر من مصلحته لا يقال إنّه رفع عنه. وإنّما يُعدّى الرفع إلى شخص ما بـ(عن) فيما فُرض أنَّ الرفع كان في صالحه، وكان مؤديّاً إلى التخفيف عنه، وتحسين حاله.

 فبقرينة تعدية الرفع بـ(عن) إلى المكلّف، يُعرف أنَّ الرفع رفع في مصلحته، وتخفيف بالنسبة إليه، فكلّ حكم يكون حكمه تخفيفاً يشمله الحديث. وكلّ حكم لا يكون كذلك لا يشمله الحديث. 

[القرينة الثانية: سوق الحديث مساق الامتنان] 

والقرينة الثانية في ذلك: هو سوق الحديث مساق الامتنان، والتحبُّب من قبل سيّد الأنبياء، حيث إضيف الرفع إلى (أمّةٍ) أضافها إلى نفسه الكريمة فقال: “رفع عن أمّتي“، وهو لسان مشعر بالتودّد والتمنّن عليهم. ومثل هذا 

ــــــــــ[82]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

أيضاً يكون قرينة سنخ رفع يُتودّد به إلى الأمّة. وهو معنى قولهم مسوق مساق الامتنان. فتختص حينئذٍ بخصوص ما إذا كان في نفع الأمّة. 

الاختلاف بين القرينتين 

وهاتان القرينتان، وإن كانتا مشتركتين في إثبات المدّعى الذي ذكرناه في هذه الجهة، لكنهما بالدّقة يختلفان في بعض الخصوصّيات؛ وذلك لأّنه إذا لاحظنا القرينة الأولى، فغاية ما تقتضيه هذه القرينة، هو أن يكون الرفع عن الشخص تخفيفاً بلحاظ حال هذا الشخص. حيث إنَّ الرفع في قوله: “رُفع عن أمّتي” رفع انحلالي ينحلّ إلى الرفع عن زيد، وعن عمرو، فلا بُدّ أن نلحظ حال هذا الشخص من حيث إنَّ هذا الرفع، هل هو رفع عنه، أو هو تحميل عليه، فإن كان تحميلاً عليه لا يشمله الحديث، وإن كان رفعاً عنه فيشمله، ولو فُرض أنّه كان فيه مؤونة وتحميل على شخص آخر. إذ كونه فيه مؤونة وتحميل على شخص آخر من إفراد الأمر. 

هذا يأبى عن تعديه الرفع إليه بـ(عن) وأمّا إذا لاحظنا القرينة الثانية، فهي تقتضي سوق الرفع مساق التردّد إلى الأمّة بحجّيّتها. النبي ينظر إلى الأمّة بالنظر المجموعي، باعتبارها متساويّة النسب إليه، وينشأ هذا الرفع أو يخبر عنه بعنوان التودّد والتحبُّب إلى الأمّة. وحينئذٍ، يُشترط في رفع حكم عن شخص أن لا يكون فيه تحميل ومؤونة حتّى على شخص آخر، ولا يكفي عدم المؤونة، والتحميل على ذات الشخص. 

هذا هو الفرق بين القرينتين.

ــــــــــ[83]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 ثُمّ بناءً على هذا، وهو أنّه يشترط في التمسّك بحديث الرفع، أنَّ يكون الحكم رفعيّ من مصلحة العبد، ويكون رفعه تخفيفاً. 

يتفرّع على ذلك:

[التفريع الأوّل] إنَّ حديث الرفع لا يجري في موارد ما إذا كان الرفع فيه تحميل على العبد ونقض لغرضه

كما في موارد المعاملات المضطرّ إليها على ما مثّل به الفقهاء. حيث ذكروا أنّه لا يجوز التمسّك بالحديث، لإبطال المعاملات التي يضطرّ إليها العبد. كما لو اضطرّ إنسان إلى بيع داره؛ لأجل معالجة نفسه أو ابنه، لا يقال تمسّكا بالحديث أنَّ هذا البيع مرفوع في مقام التشريع، فلا يصحّ وتبقى الدار ملكاً له ولا يجوز له أخذ الثمن، وصرفه في علاج ابنه؛ لأنَّ رفع الحكم بصحّة هذا البيع الاضطراري في المقام في عالم التشريع، تحميل عليه ونقض لغرضه، فيكون خلاف كِلتا القرينتين اللتين ذكرناهما. 

فهو لا يكون رفعاً منه، ولا امتناناً عليه، فمن هنا يُحكم بصحّة هذه المعاملات المضطرّ إليها. 

بخلاف ما إذا كان مكرها عليها، كما لو أنًّ جائراً أكرهه على بيع داره فباع داره، هنا إطلاق حديث الرفع بالنسبة إليه موافق للامتنان؛ لأنَّ معنى إطلاقه بالنسبة إليه، إبطال هذا البيع، وبإبطاله نقض لغرض الجائر، لا لغرض البائع. فمعناه أنّه يحول بين الجائر وبين أن يصل إلى مراده، وأن يتحقّق مقصوده، وفي هذا غاية التفضّل على العبد والأمّة كلها. 

إذن، فلا بُدّ من التفصيل في المعاملات، بين المضطرّ إليها والمكره عليها، كما 

ــــــــــ[84]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

ذهبوا إلى التفصيل مبنياً على هذه النُكتة، وإن أحدهما فيه تخفيف دون الآخر. نعم هنا تشقيقات في أنَّ الإكراه إذا تعلّق لا بنفس البيع، بل بشي آخر يتوقّف على البيع. كما لو أكرهه على أن يعطيه مائة دينار، فذهب فباع وأعطاها له. فهذا هل يلحق بباب الإكراه والاضطرار؟ فيه كلام، تفصيله في بحث المكاسب.

[التفريع الثاني] عدم جواز التمسّك بحديث الرفع، في موارد الاضطرار، أو الإكراه، على إيذاء الغير

وكذلك ممّا يتفرّع على هذه النُكتة، عدم جواز التمسّك بحديث الرفع، في موارد الاضطرار، أو الإكراه -مثلاً- على إيذاء الغير. لو فُرِض أنَّ جائراً أكرهه بأنَّ يضرب شخصاً آخر، أو على أن يقتله، أو ينهب ماله. هنا، لا يقال: إنّنا نتمسّك برفع ما (استكرهوا عليه) أو نقول: إنَّ ضرب ذلك الشخص أو قتله أو نهب ماله، رفع في عالم التشريع عنه الحرمة باعتبار الإكراه. 

وذلك؛ لأنَّ رفع هذه الأحكام وإن كانت تخفيفاً عن شخص هذا المؤمن المكره؛ لأنّه يتخلّص بذلك من الوعيد والعقاب، الذي يهدّده به الجائر، ولكنه خلاف الامتنان بالنسبة إلى ذلك الشخص الآخر، الذي أمر بضربه أو قتله، وقد قلنا بالقرينة الثانية: إنَّ السوق الامتناني لحديث الرفع، يقتضي ملاحظة الأمّة ككّل. وجعل هذا الرفع رفعاً في صالحها ككّل، فبلحاظ القرينة الثانية نلتزم في المقام، بأنَّ الحديث لا يشمل مثل المقام. 

فإذا أُكره الإنسان على إيقاع ضررٍ على غيره، نطبّق عليه قواعد باب التزاحم، لا قاعدة حديث الرفع، فلو قال له الجائر: أقتلك إن لم تضرب غيرك. 

ــــــــــ[85]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

يقع التزاحم بين حرمة ضرب الغير وحرمة تعريض نفسه للقتل، وحينئذٍ، يُقدّم الثاني على الأوّل. وأمّا لو فُرض أنّه قال: أقتلك إن لم تقتل غيرك، يقع التزاحم بين الحرمتين، ولابدَّ من تطبيق قواعد باب التزاحم عليه، ولا ينطبق عليه إطلاق الحديث. 

هذا أيضاً من تفرّعات هذه النُكتة. 

[عدم تفريع الحديث للإضرار بالنفس تقصيراً]

نعم، ليس من تفرّعاتها، ما ذكره المحقّق العراقي(1) حيث إنّه بعد أن ذكر أنَّ حديث الرفع مسوق مساق الامتنان، فرّع عليه: أنّه وعليه فلا يشمل حديث الرفع، ما إذا فُرض أنّه أوقع نفسه بالإضرار بسوء اختياره يعني بتقصير في المقدّمات. 

فإنَّ الاضطرار الناشئ من التقصير يراه العقل بحكم الاختياري، من حيث ترتّب التبعات العقلية عليه، ويراه من حيث مرتبة القبح، حاله حال المختار. وليس منافياً للامتنان بوجه. تسجيل المطلب عليه كتسجيله على المختار. 

هذا الكلام منه غير واضح؛ وذلك: لأنَّ ما أفاده من أنَّ العقل يسجّل هذا المطلب على هذا الشخص المقصّر في المقدّمات، وإن كان تامّاً. إلَّا أنّه لا إشكال في أنَّ إطلاق حديث الرفع في نفسه، لولا ما سوف نذكره بعد ذلك، يشمل مثل هذا المؤمن؛ لأنَّ “رفع ما اضطرّوا إليه” لم يُقيّد بقسم من الاضطرار دون قسم، فالإطلاق الحرفي اللفظي شامل له. 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الأفكار 3: 112.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وإنّما الكلام في أنَّ القرينة الحالية، وهو سوقه مساق الامتنان، هل توجب تقييد هذا الإطلاق، وإخراج هذا الفرد منه أو لا؟ فنرى أنَّ شمول الإطلاق له هل يكون امتناناً أو لا يكون؟ لا شكّ أنَّ شمول الإطلاق له يكون امتناناً. ولكنّه نحو من الامتنان مع وجود مصحّح ومبرّر لعدم هذا الامتنان، أكثر من ذاك الفرد المضطرّ باضطرار غير ناشئ من التقصير في المقدّمات. وكون هذا الشخص ممّا يحكم العقل باستحقاقه للعقاب في نفسه، لا يأبى عن صدق عنوان الامتنان على شمول حديث الرفع له. إذن، فلا موجب من هذه الناحية لعدم شمول الحديث له. 

نعم، يمكن أن يقال في المقام: إنَّ حديث الرفع لا يشمله تخصّصاً، لا تخصيصاً بقرينة الامتنان؛ وذلك بأن يقال: إن الشخص الذي قصّر فأوقع نفسه في الاضطرار، لا يشمله عنوان أنّه مضطرّ أو أنّه مُكره. هذا الشخص الذي يعلم أنّه إذا ذهب إلى بيت فلان الجائر، فسوف يوقعه في الاضطرار لشرب الخمر، ومع علمه قصّر وذهب إليه. مثل هذا لا يشمله -بحسب الفهم العرفي- قوله: “رُفع ما اضطرّوا إليه”؛ لأنَّ المتفاهم عرفاً منه، الشيء المضطرّ إليه من دون إعمال اختيار سابق.

 الاضطرار في قبال أصل الاختيار، لا الاضطرار الآني في قبال الاختيار في هذا الآن، حتّى يقال: إنّه في هذا الآن وبعد أن دخل بيت الجائر ليس له اختيار، بل المتفاهم العرفي من الاضطرار هنا، الاضطرار في قبال أصل الاختيار، وهذا لم يتحقّق، فإنَّ هذا كان مختاراً، وإلاَّ فكلّ عاصٍ تقريباً يصل إلى مرحلة يُسلب 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

اختياره، حينما ينقطع بينه وبين المعصية. 

كما لو أوقع نفسه من أعلى ففي الأثناء هو مضطرّ فهل يقال إنّه يشمله (رُفع ما اضطرّ إليه)؟ وهنا يقال جواباً: هذا مثاله مثال الاضطرار؛ وذلك
-المثال السابق- مثال الإكراه. ومقصودي أنَّ هذا بحسب الفهم العرفي لا يصدق عليه -حتّى في أثناء سقوطه- أنَّه مضطرّ؛ لأنَّ المقصود من الاضطرار والإكراه، ومن نحو هذه العناوين، ما يكون في قبال أصل الاختيار لا في قبال الاختيار في ذاك الآن. فإن كان أصل الاختيار ثابتاً، ولو بلحاظ المقدّمات لا يصدق عليه عنوان الاضطرار. 

دعوى هذا المطلب قريبة، ولا أقلّ من الإجمال والشكّ المانع من التمسكّ بحديث الرفع. إذن، فالحديث لا يشمل المقصّر في المقدّمات والموقِع نفسه تحت هذه العناوين تقصيراً. 

لكن عدم شموله لا من باب أنَّه يخرج بنُكتة الامتنان، فإنَّ شموله له على مقتضى الامتنان، وإنّما خروجه، هو بدعوى الاستظهار العرفي، بأنَّ الاضطرار يُلاحظ في قبال أصل الاختيار، لا في قبال الاختيار في كلّ آن؛ وإلاَّ لم يكن مانعاً عن شمول حديث الرفع له(1).

هذه هي الجهة الرابعة. 

ــــــــــ[88]ــــــــــ

(1) وهنا سألته: وأيّ القرينتين أصحّ؟ 

فأجاب: كِلاهما صحيح فنأخذ بكلّ منهما، فإنّهما لا يتعارضان بالآثار وإنّما يختلفان اختلاف المقتضي مع اللامقتضي، بحسب اختلاف الموارد. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الجهة الخامسة: في أنَّ المرفوع هو المُخطأ والمنسيّ 

من الجهات التي ينبغي التعرّض لها فقه الحديث: 

أفاد المحقّق النائيني(1) أنَّ في هذا الحديث المبارك شذّت جملتا النسيان والخطأ عن أخواتهما. فبينما انصبّ الرفع في باب الاضطرار والإكراه، على المضطرّ إليه والمُكره عليه، انصبّ الرفع في باب الخطأ والنسيان.

قال: إنَّ مقتضى الجمود على حاقّ اللفظ، هو أنَّ المرفوع هو نفس الخطأ والنسيان. بمعنى أنَّ من يعمل خطأ أو نسياناً، يُرفع في حقّه خطؤه أو نسيانه، بلحاظ الآثار المترتّبة على نفس الخطأ والنسيان. لا أنَّ المرفوع هو المُخطأ والمنسيّ، بلحاظ الآثار المترتّبة عليهما، كما كان كذلك بالنسبة إلى المضطرّ إليه، والمكره عليه. 

هذا هو مقتضى الجمود على اللفظ؛ لأنَّ لفظ الرفع قد انصبّ على المصدر، لا على المفعول. إلَّا أنَّ هذا غير محتمل في المقام؛ لأنّه لو بُنِيّ على أنَّ المصدر هنا، أُرِيد منه نفس معناه المصدري، وهو نفس الخطأ والنسيان: إذن، لكان معنى رفعه، وهو: فرض أنَّ هذا المكلّف لم يخطأ، ولم ينسَ، فيصير عمله كأنّه عملٌ غير خَطَئِيٍّ ولا نسياني، فيترتّب على خطئه ونسيانه آثار العمد والاختيار، وهذا خلاف الامتنان عليه ونقض للغرض؛ لأنَّ الغرض هو التخفيف عليه لا تحميله وجعل الناسي كالعامد. إذن، فلا معنى للالتزام بأنَّ الرفع منصبّ على الخطأ والنسيان بمعناه المصدري.

ــــــــــ[89]ــــــــــ

(1) انظر: اجود التقريرات 2: 170-171.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

فلابدَّ من الالتزام بتأويله وتوحيد سياقه مع بقيّة الفقرات؛ وذلك بأنَّ يقال إنّه أريد من المصدر هنا المفعول.

أريد من الخطأ والنسيان هنا، المُخطأ والمنسيّ، فيكون حاله حال المفعولات الأخرى. فكما قلنا فيها العناوين في مقام الإشارة إلى ذات الفعل كذلك هنا، تكون في مقام الإشارة إلى الذّات ورفع آثار الذّات. 

[جواب دعوى الشيخ النائيني] 

وهذا الذي أفاده من حيث المدّعى، وإن كان معيّن، فإنَّ الظاهر من رفع النسيان والخطأ في المقام، هو رفع المنسيّ والمُخطأ، لا رفعهما بمعناها المصدري. إلَّا أنَّ ما ذكره في مقام تقريب ذلك بأنَّ الرفع لو انصبّ على الخطأ والنسيان بالمعنى المصدري، للزم نقض الغرض، وفرض الناسي كأنّه ملتفت وعامد. وهو خلاف المقصود. 

هذا غير تامّ؛ لأنَّ هذا الذي أفاده لا ينسجم مع مبناه الذي اختاره في معنى الرفع، والذي هو المبنى الصحيح. فإنّه قلنا: بأنَّ معنى الرفع في الحديث هو الرفع التنزيلي للوجود الخارجي، فحينئذٍ يكون لكلامه مجال في المقام؛ وذلك بانَّ يقال: بأنَّ الرفع التنزيلي للوجود الخارجي للنسيان، معناه أنَّ المولى يفرض أنَّ الناسي كأنّه لم ينسَ والمخطئ كأنّه لم يخطئ، فحينئذٍ قد يقال بأنَّ هذا على عكس الفرض؛ لأنّه يؤدّي إلى فرض العمل النسياني، كأنّه لا نسياني، فيترتّب عليه آثار العمد حينئذٍ، وهذا خلاف الامتنان.

ولكن نحن لم نقبل هذا المعنى من الرفع، قلنا: بأنَّ الرفع عبارة عن الرفع 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الحقيقي للوجود التشريعي، لا الرفع التنزيلي للوجود الخارجي. وقلنا: بأنَّ ظاهر عبارة المحقّق النائيني أيضاً هو هذا، وإن كنّا الآن خلال هذه الأبحاث رأينا أنَّ هناك تشويشاً في مقام تفريعات المطالب، حيث إنّها متناقضة من حيث ما تنسجم معه من معاني الحديث. 

وبالنتيجة، معنى الحديث هو الرفع الحقيقي للوجود التشريعي، فلو فُرِض أنَّ الرفع انصبّ على نفس الخطأ والنسيان، كان معناه أنَّ الخطأ والنسيان لم يقع في عالم التشريع موضوعاً لحكم الزامي، في قبال المكلّف وخلاف مصلحته، ومثل هذا لا يلزم منه أن يكون الناسي كأنّه عامد والمخطئ كأنّه ملتفت، فإنَّ هذا اللازم إنّما يلزمه لو كان الرفع بمعنى الرفع التنزيلي للوجود الخارجي، لا بمعنى الرفع الحقيقي للوجود التشريعي. إذن، فما أفادة في مقام صرف هذا الكلام عن هذا المعنى لا يتمّ. 

[التحقيق في المقام]

نعم، الكلام لا بُدّ من صرفه عن هذا المعنى وحمل النسيان والخطأ هنا على المنسي والمُخطأ؛ وذلك بقرينة وحدة السياق. إذ بعد ما عرفنا أنّه في”ما اضطرّوا إليه”، وما استكرهوا عليه“، قد لوحظت هذه العناوين بنحو المعرّفيّة والمشيريّة إلى نفس الذّات، أي: إنَّ اللّحاظ الاستعمالي فيها لحاظ معرفي بنحو المعنى الحرفي، لا بلحاظ نفسي بنحو المعنى الاسمي. فظاهر وحدة السياق أنّه في الخطأ والنسيان، أيضاً لوحظ بمعنى المعنى المعرّفيّ والحرفي لا بنحو المعنى الاسمي. 

فإذا ثبت بقرينة وحدة السياق، أنّه لوحظ بنحو المعرّفيّة والمشيريّة فيتعيّن أن يكون المشار إليه في المقام هو ذات المخطأ وذات المنسي. فإنَّ هذه الذّات قد 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

يُشار إليها بعنوان. انتقالي وقد يشار إليها بنفس المصدر، من الممكن الإشارة إلى الذّات بنفس المصدر؛ باعتبار المصدر شأن من شؤونها وحال من أحوالها. 

ولا يقال: فكيف الحال في الحسد والطيرة والوسوسة، فإنّها أيضاً مرفوعة، مع أنَّ اللحاظ هناك ليس لحاظاً بنحو المعنى المعرّفيّ والحرفي، فإنَّ الحسد بما هو حسد مرفوع، وكذا الطيرة. 

فإنّه يقال: بأنَّ وحدة السياق إنّما هو في الأمور المتسانخة، وهي: العناوين الثانويّة في المقام. حيث إنَّ الخطأ والنسيان والإكراه والاضطرار، كلّها عناوين ثانوية لا بُدّ من افتراض عنوان أوّلي مسبق في المرتبة السابقة عليها؛ ولهذا ينعقد لها بقرينة وحدة السياق ظهور في أنَّها في مقام المعرّفيّة والمشيريّة إلى ذات العنوان الأوّلي. وأمّا بالنسبة إلى الحسد والطيرة والوسوسة. فهي عناوين أوّليّة لا ثانوية. وحينئذٍ، مع اختلافها لا تكون وحدة السياق جارية بالنسبة إليها. 

هنا مضافاً إلى أنَّ المناسبات الارتكازيّة للحكم والموضوع، بنفسها تقتضي هذا المطلب إيضاً؛ لإنّنا استظهرنا -كما تقدّم منّا- أنَّ الظاهر من الحديث أنَّ عناوين الخطأ والإكراه والنسيان والاضطرار، وهي السبب في الرفع. والمناسبات الارتكازية في ذهن العرف، تقتضي أن تكون هذه الحيثيّات سبباً ومنشأ لرفع الآثار المترتّبة على ذوات الأشياء، لا لرفع الآثار المترتّبة على نفسها، يعني: المركوز في ذهن العرف صلاحية هذه العناوين لرفع ذوات الأشياء التي تتعلّق بها هذه العناوين، لا لرفع آثار نفس هذه العناوين. 

مركوزيّة ذلك في ذهن العرف يكون قرينة في المقام، حيث يوجد ظهور 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الحديث المبارك في أنَّ الموضوع هو المخطَأ والمنسي، كما هو الحال في باب الاضطرار وفي باب الإكراه. 

إذن، فرفع النسيان والخطأ في المقام هو بمعنى المنسيّ والمُخطأ. 

الجهة السادسة: في النجاسة الاضطرارية 

هي أنّه وقع الإشكال في جملة من الأحكام التي لا ينبغي الإشكال عند فقيه، والتأمّل في ثبوتها، حتّى في حال الاضطرار والنسيان، فوقع الإشكال فيها، من حيث إنّها هل خرجت تخصيصاً عن حديث الرفع أو تخصّصاً؟

من قبيل ما إذا فُرِض أنَّ الإنسان اضطرّ إلى أن يلاقى بدنه، أو ثوبه مع النجاسة، أو أُكرِه على ذلك، أو نسي هذا الفراش نجساً، فلاقاها بثوبه أو ببدنه، وكذلك الحال في باب الجنابة، وفي جملة من الموارد. 

بعد الفراغ في أنَّ النجاسة لا إشكال في ثبوتها، ولا يحتمل ارتفاعها في حالة الاضطرار والإكراه ونحوه، فوقع الكلام أنّه في أمثال هذه الموارد هل تكون هذه خارجة تخصيصاً أو تخصّصاً؟ فظاهر كلمات الميرزا الخروج التخصيصي، والمخصّص عنده هو الإجماع، القائم على أنَّ ملاقاة النجاسة توجب النجاسة، سواءٌ نشأت عن اضطرار أو غيره(1)

وجهان في خروج النجاسة الاضطرارية تخصّصاً

وما يمكن أن يقال في تقريب خروجهما تخصّصاً، بحيث إنَّ إطلاق حديث الرفع لا يشملها، ما يمكن أن يقال في ذلك وجهان: 

ــــــــــ[93]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 176.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الوجه الأوّل: ما أشار إليه السيّد الأستاذ 

وحاصله: أنَّ الاضطرار يتعلّق بحسب الحقيقة، أوّلاً وبالذات بفعل الإنسان، فإنَّ الإنسان يضطرّ إلى فعله أو تركه. فاسم الموصول في قوله: “رُفع ما اضطرّوا إليه” إنّما هو عبارة عن فعل المكلّف الذي يقع عليه الاضطرار؛ لأنّه ما يكون متعلّقاً للاضطرار بلا عناية، إنّما هو فعل المكلّف. نعم، نتائج فعله أيضاً تكون يضطرّ إليها، لكن يضطرّ إليها بعناية الاضطرار إلى الفعل، فما يسند -يُنسب- إليه الاضطرار بحسب الفهم العرفي إسناداً غير عنائي، إنّما هو نفس الفعل. فاسم الموصول كناية عنه، فكأنّه قال: رُفع الفعل المضطرّ إليه. 

فإذا فرضنا أنَّ المراد من اسم الموصول هو الفعل المضطرّ إليه. فحينئذٍ، إذا وقع فعل المكلّف لحكم شرعي، ثُمّ اضطرّ المكلّف إليه، فيرتفع بلحاظ أحكامه الشرعيّة، كما لو فرض أنّه قال: من أكلَ وشربَ(1) في شهر رمضان، فعليه الكفارة. فلو اضطرّ إلى الأكل والشرب، أو أُكره عليه، فيشمله حديث الرفع؛ لأنّه مصداق لما اضطرّ إليه فيكون مرفوعاً يرفع آثاره. 

وأمّا إذا فرضنا أنَّ موضوع الحكم الشرعي لم يكن فعل المكلّف، بل معنى ناتج عن فعله، معنى تكويني خارجي، وهذا المعنى قد ينشأ عن فعل المكلّف وقد ينشأ عن غيره. كما هو الحال في باب النجاسة، فإنَّ نجاسة الملاقي موضوعها هو الملاقاة وهي ليست فعل للمكلّف، وإنّما فعله هو جعل هذا إلى 

ــــــــــ[94]ــــــــــ

(1) وهما من أفعاله، (المحاضرة). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

جانب هذا، وأمّا الملاقاة فهي نتيجة هذا الجعل، وهي معنى اسمي تكويني متحصّل من فعل المكلّف. 

فمن هذه الموارد لا يشمله الحديث؛ لأن يكون متعلّقاً للاضطرار وهو فعل المكلّف ليس موضوعاً للحكم الشرعي حتّى يُرفع، وما هو موضوعه وهو الملاقاة ليس متعلقاً للاضطرار، حتّى يشمله حديث الرفع. فإطلاق الحديث في نفسه لا يشمله هذه الموارد(1)

[الجواب عن الوجه الأوّل]

وهذا الكلام وإن كان لا يخلو من وجاهة، إلَّا أنّه لا يتمّ على إطلاقه وذلك؛ لأنّه إنّما يمكن أن يتمّ هذا الكلام -مثلاً- في الاضطرار، حيث إنّه يتعلّق أوّلاً وبالذّات بالفعل. فمصداق المضطرّ إليه دائماً هو الفعل، وأمّا الملاقاة فليس مضطراً إليها، وإنّما هو مضطرّ(2) إلى إيجاد الفعل المنتج لها. 

ولكن هذا الكلام لا يتمّ في باب النسيان -مثلاً-، فإنَّ النسيان كما يتعلّق بالفعل، يتعلّق بالأشياء الخارجية. فيقال -مثلاً- نسيت أنَّ اليوم يوم الجمعة، 

ــــــــــ[95]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 245. 

(2) بل قد يضطرّ أو يكره إلى الملاقاة بعنوانها ويكون الفعل مقدّمة لإيجادها، فهو يضطرّ إلى الفعل اضطراراً مقدّمياً فقط، ويصدق عرفاً اضطراره إلى الملاقاة ونحوها من نتائج الأفعال، كما لو أُكرِه على احترام شخص، فلا بُدّ له من القيام له، فالاحترام مضطرّ إليه ومكّره عليه حقيقة، فلا يتمّ كلام السيّد الأستاذ بكِلا شقّيه وإن كان السيّد الصدر قد قبل بأحد شقّيه، فتبصّر وتأمّل، (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وأنَّ فلاناً اسمه زيد، وأنَّ فلاناً عالم. فالنسيان كما يتعلّق بالفعل فيقول نسيت أنَّ أصلي، يتعلّق أيضاً بالأشياء الخارجية، فحينئذٍ يقع الإشكال من هذه الناحية، لو حصلت الملاقاة، ونسي أنَّ جسمه قد لاقى النجاسة، فهل يقال إنَّ هذه الملاقاة المنسيّة مرفوعة في عالم التشريع، فلا تكون موضوعاً لأثر ولا يترتّب عليها النجاسة؟ يبقى السؤال عن نُكتة خروج ذلك. 

ولا يقال: بأنَّ وحدة السياق تنفع في المقام؛ لما قلناه فيما سبق من أنَّ وحدة السياق لا تنفع في مقام التطبيق؛ لأنَّ المضطرّ إليه ينحصر مصداقه بالفعل. وأمّا المنسي فلا ينحصر مصداقه به. كما أنَّ “لا يعلمون” لا ينحصر مصداقه بالفعل، بل يشمل التكليف الذي هو فعل المولى لا فعل العبد. فكما أنَّ المرفوع في “رفع ما لا يعلمون” لم ينحصر مصداقاً بالفعل، كذلك فليكن رفع النسيان لا ينحصر مصداقه به، بل يتعلّق بالفعل وبغيره. فهذا البيان لا يكفي لدفع الإشكال في المقام. 

[الوجه الثاني: القول بالتمسك بمناسبات الحكم والموضوع]

الوجه الآخر الذي يمكن تقريب دفع الإشكال به، هو أنَّ يقال بالتمسّك بمناسبات الحكم والموضوع الارتكازيّة؛ وذلك أنَّ الاضطرار، والخطأ والاكراه والنسيان، بحسب الارتكاز العرفيّ هي صالحة عن ترتّب الآثار التي تكون في نفسها مترتّبة على موضوعات، لوحظ فيها الانتساب إلى المكلّف. حيث إنَّ الاضطرار… الخ، يوجب قصوراً في هذا الانتساب وضعفاً(1) فيه 

ــــــــــ[96]ــــــــــ

(1) هذا أمر صحيح تكويني لا عرفي، فإنَّ هذه الصفات توجب ضعفاً وقصوراً تكوينيّاً في الإرادة، من حيث التأثير على مبادئها، بمعنى أنَّ إحدى الصفات تكون جزءاً أخيراً لعلّة وجود الإرادة، دون التصوّر والتصديق بالفائدة على النحو الاختياري المطلق، كما أنَّ هذه الصفات قد تكون مانعاً تكوينيّاً في مبادئ الإرادة، كالنسيان، والإرادة إذ تكون معلولة لإحداها، لا يستطيع الفرد الخروج عن مقتضيات هذه الصفة تكويناً، وإطاعة الأمر التشريعي المضادّ. وعليه فإيجاده للفعل وإن كان بإرادة مباشرة، إلّا أنه بإرادة اضطراريّة أو كراهيّة، كما أنَّ إعدامه للفعل وإن كان بإعراضه عنه، وتعمّد تركه، إلَّا أنَّ هذا التعمّد يستند إلى النسيان أو الجهل -مثلاً-. وعليه يكون المكلّف معذوراً لا محالة، بمقتضى العقل العملي والشرعيّ الإسلاميّ أيضاً. ولا يخفى افتراق الفعل المأتيّ به بهذه الصفات عن إرادة في الأفعال القهريّة كالسقوط من شاهق، فأنّه بدون إرادة، فافهم واغتنم، (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

بحسب الارتكاز العرفي، بحيث يرى أنَّ انتساب الفعل المضطرّ إليه إلى المضطرّ أو إلى الناسي، أو إلى المخطئ، انتساب ضعيف، بحيث إنَّ ما كان يترتّب من الآثار والتبعات على وجود هذا الفعل المنتسَب، لا ينبغي أن يترتّب مع ضعف هذا الانتساب بسبب طروّ هذه العناوين.

فارتكاز أنَّ هذه العناوين تكون صلاحيّتها لرفع الآثار، تكون باعتبار تضعّيفها لجهة الانتساب، وهذا الارتكاز بنفسه يصلح قرينة على أنَّ المرفوع في حديث الرفع هو الأحكام التي لولا الحديث يكون موضوعها عبارة عن الشيء الذي لوحظ انتسابه إلى المكلّف. 

أمّا إذا فرضنا أنَّ حكماً من الأحكام كان مترتّباً على ذات شيء في الخارج
-بقطع النظر عن انتسابه إلى المكلّف- هنا الارتكاز العرفي فرض كون 

ــــــــــ[97]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الاضطرار والخطأ… الخ مانعاً عن ترتّب الآثار عليه. 

فلو فُرض أنَّ زوال الشمس -بما هو- موضوعاً لأثر من الآثار من دون أن يُلحظ كون هذا الزوال فعلاً من أفعال المكلّف ومستنداً إليه. هنا لا يوجد ارتكاز قاضٍ بمانعية هذه الأمور عن ترتّب الآثار عليه. 

فالارتكاز كون ملاك المانعيّة هو تأثير هذه العناوين في ضعف جهة الانتساب، يكون قرينة عرفيّة على أنَّ الموضوع بهذا الحديث المبارك هو الأحكام التي أُخذ في موضوعاتها الأشياء بما هي منتسبة إلى المكلّف، لا الأشياء بما هي هي، بقطع النظر عن المكلّف. 

وحينئذٍ، حيث إنَّ نجاسة الملاقي أُخذ في موضوعه الملاقاة بما هي هي لا بما هي منتسبة إلى المكلّف فلا ترتفع بالحديث. لا فيما إذا طرأ عليها الاضطرار، ولا فيما إذا طُرأ عليها النسيان، فإطلاق حديث الرفع في نفسه غير شامل في المقام باعتبار هذه النُكتة. 

وهذا هو الوجه المختار والمتصوّر هنا. 

وهذه هي الجهة السادسة. 

وبهذه الجهات الست تمّت النُكات الكليّة المهمّة في حديث الرفع. والجهة السابعة، التي سوف نبدأ بها ليست إلا تطبيقاً لهذه النُكات على مواردها. فنقسّم الأحكام: إلى أحكام تكليفيّة استقلاليّة، وتكليفيّة ضمنيّة ووضعيّة، ونرى على ضوء الجهات السابقة، وأنَّ الحديث هل يشملها بتمامّها أو يشمل بعضها دون بعض؟ 

ــــــــــ[98]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الجهة السابعة: في شمول الحديث للأحكام التكليفيّة، والوضعية، والاستقلالية، والضمنية

الكلام في الجهة السابعة، وقلنا: بأنَّ هذه الجهة هي بحسب الحقيقة تطبيق لما ذكرناه، أنَّ النُكات في الجهات الفقهيّة المتقدّمة. وفي هذه الجهات نريد أن نتكلّم عن تفصيل التمسّك بحديث الرفع، بلحاظ مختلف. 

[أنواع الأحكام:]

نقسّم الأحكام إلى ثلاثة اقسام: 

1- أحكام تكليفية استقلاليّة. 

2- أحكام تكليفيّة ضمنيّة.

3- أحكام وضعيّة. 

والتمسّك بحديث الرفع بالنسبة إلى أيّ حكم من هذه الأقسام، يخضع على ضوء ما تقدّم من الجهات لشروط ثلاثة: 

الشرط الأوّل: أنَّ يكون المرفوع موضوعاً لحكم شرعي، ومعروضاً له بحسب عالم التشريع، إمّا على حدّ عروض الحكم لموضوعه، وإمّا على حدّ عروض الحكم لمتعلّقه، حتّى يصحّ رفع الشيء من عالم التشريع؛ لأنَّ الشيء ما لم يكن موضوعاً للحكم، بنحو الموضوعيّة أو المتعلّقيّة، فلا يكون له وجود في عالم التشريع ليرفع. 

الشرط الثاني: أن يكون في رفع هذا الحكم توسعة، وتخفيفاً عن المكلّف، ولا يكون فيه تحميل على غيره من أفراد الأمّة. 

ــــــــــ[99]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الشرط الثالث: أن يكون هذا الموضوع، أو المعروض الذي تعلّق به الحكم، قد ترتّب الحكم عليه بما هو منتسِب إلى المكلّف، أي أنّ جهة انتسابه إليه، تكون ملحوظة في مقام ترتيب الحكم. فكلّ حكم كان مترتّباً على شيء لوحظ انتسابه إلى المكلّف، فإذا طرأ عليه الاضطرار يرتفع ذلك الحكم. وأمّا إذا كان الحكم مترتّب على شيء في نفسه، لم يلحظ انتسابه إلى المكلّف، فلا يرتفع حينئذٍ الحكم. بحديث الرفع. 

هذه هي الشروط الثلاثة المنتزعة من الجهات السابقة، وعلى ضوئها نفصّل الكلام في الأقسام الثلاثة: 

أمّا في الأحكام الاستقلاليّة، فإذا وقع شيء معروضاً لحكم تكليفي استقلالي، وفرضنا أنَّ هذا المعروض معروضٌ بما هو م نتسب إلى المكلّف، لا بما هو هو. وحينئذٍ إذا طرأ عليه أحد هذه العناوين: الاضطرار… الخ فيمكن التمسّك بحديث الرفع لرفعه، فيما إذا كان في رفع ذلك الحكم امتناناً وتخفيفاً بالنسبة إلى المكلّف، ولا يكون فيه تحميل على سائر أفراد المكلّفين. 

[تقسيم الأحكام التكليفية الاستقلالية]

من هنا يمكن أن نقسّم الأحكام التكليفيّة، بقسمتين(1)

[القسمة الأولى]

أن نقول: بأنَّ الحكم الاستقلاليّ إمّا أن يكون معروضاً ومترتّباً على ذات 

ــــــــــ[100]ــــــــــ

(1) ذكر ثلاثُ قِسَمٍ.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

شيء بما هو، بقطع النظر عن انتسابه إلى المكلّف. أو أن يكون الحكم مترتّباً على الشيء بما هو منتسِب إليه. ففي الأوّل لا يجري حديث الرفع. 

كما لو قال: إذا نزل المطر، أو إذا جاء فلان، أو إذا فتحت هذا الباب، فتصدّق. وفرضنا أنّه أُكرِه أو اضطرّ إلى فتح الباب. وهنا، لا نقول بأنَّ وجوب الصدقة مرفوع؛ باعتبار أنَّ موضوع وجوبها هو كون الباب مفتوحة، وهذا المعنى الاسمي النفسي من دون أن يُلحظ فيه استناده إلى المكلّف، بحيث لو فتح الهواء الباب أيضاً يترتّب عليه وجوب الصدقة، فلا يكون اضطراره إلى فتحها أسوأ حالاً من مجيء ريح عاصف وفتحها الباب. فهنا لا نتمسّك بحديث الرفع. 

وأمّا إذا فُرض أنَّ الحكم رتّب على شيء بما هو منتسِب إلى المكلّف فقال: إذا فتحتَ الباب فتصدّق، وفرضنا أنّه أُكرِه على فتح الباب، فهنا نرفع الحكم بوجوب الصدقة، بهذا اللحاظ. 

[القسمة الثانية]

 للأحكام الاستقلالية: أنّها إمّا أنَّ تكون انحلاليّة. وإمّا أن تكون متعلّقة بصرف الوجود. 

فإن فرضنا أنّها أحكام انحلاليّة من قبيل حرمة شرب الخمر، أو وجوب إكرام كلّ عالم الذي هو انحلالي على الأفراد. فهنا إذا فُرض أنّه أُكرِه على العصيان بالنسبة إلى فرد، أو اضطرّ إليه، حتّى يرتفع الحكم بلا إشكال.

لأنَّ كلّ فرد فرد موضوع للحكم التحريمي أو الوجوبي، فإذا اضطرّ إلى 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

شرب الخمر، أو ترك إكرام زيد العالم، فيجري حديث الرفع(1)؛ لاستجماع الشروط الثلاثة. 

وإذا فرضنا أنّه اضطرّ أو أُكرِه على إيجاد الفرد، لا على تركه، أُكرِه على أن يكرم زيداً العالم. فقد أُكرِه على الامتثال، لا على العصيان في مثل ذلك، لا معنى للتمسّك بحديث الرفع؛ لأنَّ الشرط الأوّل وإن كان موجوداً؛ لأنَّ المكره عليه هنا معروض لحكم شرعي، وهو الوجوب -مثلاً- لكن لا معنى لرفع مثل هذا الوجوب(2)؛ لأنَّ ثبوت هذا الوجوب لا يكون منشأ للتحميل عليه، بعد أن فُرِض أنّه قد أتى بمتعلّقه بحسب الخارج. فالشرط الثاني غير متحقّق. 

وأمّا لو فُرض أنَّ الحكم كان بنحو صرف الوجود، كما لو وجب عليّ إكرام طبيعي العالم (عالم ما). فحينئذٍ إن أُكرِه على إكرام فرد من العلماء، أيّ على تحقيق صرف الوجود في ضمن فرد منهم. 

ــــــــــ[102]ــــــــــ

(1) والمرفوع هو خصوص الحكم المتعلّق بهذا الفرد المضطرّ إليه، لا كلي الحكم بإكرام كلّ عالم، بل يبقى منجّزاً بالنسبة إلى سائر الأفراد. هكذا ينبغي أن يقال. وإن كانت العبارة مجملة، (المُقرِّر).

(2) ربما يأتي للنظر أن الوجوب لا موجب لرفعه؛ لأنه لم يضطرّ إلى عصيانه. وإنّما يرفع الامتثال بصفته مُكرها عليه، فيكون كعدمه في نظر الشارع فيبقى الوجوب منجّزاً عليه، ويجب عليه الامتثال مرّة أخرى. ويؤيّد ذلك أنّنا لم نعتبر اسم الموصول في قوله: “ما لا يعلمون…” بمعنى التكليف، بل بمعنى الشيء الشامل للامتثال أيضاً. إلَّا أنَّ يقال: إن رفعه ليس امتناناً على المكلّف؛ إذ يحتاج إلى تكراره، فتبصّر. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

فالكلام فيه هو الكلام فيما إذا أُكرِه على الطاعة هناك. فإنَّ هذا أيضاً إكراه على الطاعة. فصرف الوجود وإن أصبح مكرهاً عليه، لكن رَفْع حكمه ليس امتناناً عليه، بل هو خلاف الامتنان، فلا يجري حديث الرفع. 

وأمّا إذا فرضنا أنّه أُكره على الترك، فإن كان المُكرَه عليه هو ترك الطبيعي، يعني أكرِه على أن لا يكرم عالماً على الإطلاق، فلا إشكال في جريان الحديث، ورفع وجوب إكرام العالم حينئذٍ.

 وأمّا إذا أُكّره على ترك إكرام عالم بعينه. فهنا، بناءً على فهمنا لحديث الرفيع لا إشكال في عدم جريانه في المقام لأن نقول: أنَّ مفاده هو الرفع الحقيقي لوجود الشيء في عالم التشريع.

 ومن المعلوم أنَّ إكرام هذا الفرد ليس موجوداً في عالم التشريع؛ لأنّه ليس موضوعاً لحكم شرعي. إذ إنَّ موضوع ومتعلّق الحكم هو صرف الوجود، لا هذا الفرد. 

فالشرط الأوّل من الثلاثة مختلّ في المقام فعلى مبنانا لا مجال للتمسّك بحديث الرفع. نعم، لو قيل: إنَّ معنى حديث الرفع هو تنزيل المضطرّ إليه منزلة نقيضه، يعني: الرفع التنزيلي للوجود الخارجي، فهنا كأنّه يُنزّل ترك إكرام هذا منزلة نقيضه، وهو إكرامه. حتّى قد يقال: إنَّ مثل هذا التنزيل يوجب بالتعبّد، فرض صدور الامتثال من هذا المكلّف، فحينئذٍ يسقط الأمر بإكرام طبيعي العالم بلحاظ مثل هذه الحكومة، إلَّا أنَّ المبنى غير صحيح. 

هذا هو الكلام في القسمين للأحكام الاستقلالية. 

ــــــــــ[103]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [القسمة الثالثة]

ثُّمّ إنَّ هنا قسمة ثالثة في الأحكام الاستقلالية، وهي قسمة معروض الحكم إلى أمر وجودي، وأمر عدمي، فإنّه تارةً يقول المولى: إذا فتحت الباب فتصدّق، وأخرى يقول: إذا لم تفتح الباب فتصدّق. 

إذا كان أمراً وجوديّاً(1)، وأُكرهنا على فتح الباب، نتمسّك بحديث الرفع، لنفي وجوب الصدقة. 

وأمّا إذا كان أمراً عدميّاً، إذا لم تفتح الباب فتصدّق، وأُكرهنا على عدم فتح الباب. فهل نتمسّك هنا بالحديث أو لا؟ كلام سبق في أحد الجهات(2) الست التي تقدّمت. حيث أشرنا هناك إلى أنَّ المحقّق النائيني استشكل في شمول الحديث لهذا المقام؛ باعتبار أنَّ المكره عليه، أو المضُطرّ إليه هنا هو الترك، ورفع الترك هو وضع لا رفع بحسب الحقيقة. وحديث الرفع لا يتكفّل الوضع، بل يتكفّل الرفع، ومن هنا أدّعي اختصاص حديث الرفع، بما إذا تعلّقت هذه العناوين بأمور وجوديّة، فيصير معنى رفعها تنزيلها منزلة المعدوم، لا ما إذا تعلّقت بأمور عدمية ليصير معنى رفعها وضع ما يقابلها من الوجود. 

وقد تعرّضنا في تلك الجهة، أنَّ هذا، الكلام لا صورة له على مبنانا؛ لأنّنا لا نقول: بأنَّ الرفع رفع الوجود الخارجي، حتّى يقال بأنّه لا وجود خارجي في المقام، بل هو رفع للوجود التشريعي. ومن المعلوم أنَّ ترك فتح الباب له وجود 

ــــــــــ[104]ــــــــــ

(1) وذكر المثال. (المُقرِّر).

(2) راجع صفحة 46 وما بعدها. (المُقرِّر). [ص57 وما بعدها].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

في عالم التشريع، باعتبار موضوعيته لحكم شرعي. فلا يُفرّق بين الوجود التشريعي للموضوعات العدميّة، أو الوجوديّة. 

وأشرنا هناك، أنّه على المبنى الآخر أيضاً ما أفاده قابل للمناقشة. هذه هي القسمة الثالثة للأحكام الاستقلاليّة. 

[الأحكام الضمنيّة]

وأمّا الأحكام الضمنية: لو اضطرّ إلى ترك جزء في الصلاة، كترك الفاتحة أو القيام، أو إلى إيجاد مانع في الصلاة كالتكتّف. 

فهنا، الكلام يقع في مقامين:

 المقام الأوّل: في أصل جريان حديث الرفع، وعدم جريانه. 

والمقام الثاني: بعد فرض جريانه أنّه هل يمكن بإجرائه تصحيح الفاقد أو لا يمكن؟ يعني الصلاة الناقصة للفاتحة هل يمكن تصحيحها، أو لا؟ 

[المقام الأوّل:]

 أما المقام الأوّل وهو أنّه هل يجري حديث الرفع أو لا يجري؟ فالحيثيّة الموجبة للرفع كالاضطرار -مثلاً- تارةً نفرض أنّها مستوعبة لتمام الوقت، كما لو اضطرّ إلى ترك الفاتحة في خصوص الساعة الأولى، فلا يجري الحديث؛ لأنَّ الفاتحة في الساعة الأولى ليست موضوعاً للوجوب الضمني، حتّى يُرفع بالحديث، بل ما هو موضوع الوجوب الضمني هو طبيعي الفاتحة في طبيعي ما بين الحرمين. إذن، فلم يقع ما هو موضوع في عالم التشريع محضاً للاضطرار، حتّى يُرفع بحديث الرفع.

ــــــــــ[105]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وأمّا أذا فُرض أنَّ الاضطرار كان مستوعبّاً لتمام الوقت، فهنا لا ينبغي الإشكال في جريان حديث الرفع، فيرجع الوجوب الضمني المتعلّق بالفاتحة أو القيام، أو الوجوب الضمني بعدم المانع، فيما إذا اضطرّ إلى إيجاد المانع. 

ولا يوجد هناك ما يعتّد به في مناقشة شمول حديث الرفع لذلك، إلّا ما أشرنا إليه من تفصيل الميرزا، حيث إنّه استشكل شمول الحديث للأمور العدميّة، وحيث إنَّ الاضطرار في باب الأجزاء والشرائط يتعلّق بترك الجزء والشرط، فلو شمل حديث الرفع لاقتضى تنزيل الترك منزلة الفعل وهذا وضع لا رفع. ويأتي الجواب السابق بالنسبة إليها. إذن، فهنا لا ينبغي الإشكال في شمول حديث الرفع. 

[المقام الثاني]

وإنّما يقع الكلام في المقام الثاني: وهو أنّه بعد فرض شمول حديث الرفع هل يمكن تصحيح الصلاة الناقصة أولا؟ 

الصحيح أنّه لا يمكن تصحيحها كما ذهب إليه جمهور المحقّقين؛ وذلك لأنَّ غاية ما يُرفع بالحديث هو الوجوب الضمني المتعلّق بالفاتحة المضطرّ إلى تركها، أو النسبة -مثلاً- ورفع هذا الوجوب لا محالة لا يكون إلَّا برفع وجوب المركّب الكامل؛ لأنّ الوجوبات الضمنيّة مترابطة فيما بينها. وبعد ارتفاع وجوب المركّب، فقد يكون هناك وجوب وأمر آخر يتعلّق بالباقي وقد لا يكون.

 فإذا كان هناك أمر يتعلّق بالباقي فنلتزم بصحّة الصلاة الفاقدة؛ لأنّها 

ــــــــــ[106]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

مطابقة لأمر اضطراري ثانوي. وأمّا إذا لم يكن هناك أمر متعلّق بالباقي نلتزم بصحتها. وحديث الرفع من هذه الناحية ساكت لا يمكن أن نثبت به أن هناك أمراً متعلّقا بالباقي؛ لأنَّ غاية ما يثبت به رفع الأمر المتعلّق بالمركّب الكامل. 

ولا يُتوهم في المقام أنَّ حديث الرفع يكون حاله حال ما إذا ورد تخصيص على دليل جزئية الفاتحة أو السورة. هناك لا نلتزم بانَّ المستعجل إذا ترك السورة، وأتى بالباقي بأنَّ صلاته لا يعلم صحتها بل نقول بصحّة الباقي. لا يقاس حديث الرفع على ذلك؛ لأنّه هناك حيث إنَّ دليل التخصيص ناظر إلى الجزئيّة، لا إلى الوجوب النفسي، فهو حاكم لا محالة على دليل الجزئيّة لا على دليل الأمر بالمركّب، فإذا قُيّد دليل الجزئيّة بحالة عدم الاستعجال فيكون لا محالة، الأمر المركّب ثابتاً بنفس الدليل الأوّلي، بلا حاجة إلى أىّ دليل آخر. 

وأمّا دليل الرفع، على ما بيّنا، فحيث إنّه يرفع الوجود التشريعي بشيء يكون موضوعاً للحكم، وما يكون موضوعاً للحكم إنّما هو الفاتحة، باعتبار موضوعيّتها للوجوب الضمني، لا باعتبار موضوعيّتها لجزئيّة بما هي جزئية؛ لأنَّ الجزئيّة ليست حكماً موجوداً في عالم التشريع، وإنّما هي من منتزعات عالم التشريع.

 فما هو الحكم الموجود في عالم التشريع هو الوجود الضمني، وما يكون ثابتاً بتبعه هو السورة أو الفاتحة. فرفع السورة معناه رفع الوجوب الضمني وهو لازم أعمّ لثبوت الوجوب الباقي وعدم ثبوته. 

فكيف يقاس هذا بما إذا ورد دليل كان ناظراً ابتداءً إلى دليل الجزئيّة 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

ومضيقاً لها. فإنّه حينئذٍ، يكون الأمر بالباقي ثابتاً بنفس الدليل الأوّلي الدّال على الأمر بالصلوة بلا حاجة إلى دليل آخر. بخلاف دليل الرفع، فإنّه يرفع الوجوب، لا أنه ينظر إلى دليل الجزئيّة. 

إذن، التمسّك بحديث الرفع لا يقتضي في المقام تصحيح الباقي. 

وغاية ما يمكن أن يقال في تصحيح الباقي وجهان: 

الوجه الأوّل: ما سبق تفصيلاً في الجهات(1) المتقدّمة أيضاً، وهو مبنيّ على فهم آخر بحديث الرفع، وهو أن نقول: إنّه رَفْع تنزيلي للوجود الخارجي، بناءً عليه يقال: بأنّ مقتضى حديث الرفع تنزيل الفاتحة المعدومة منزلة كونها لا معدومة. ثُمّ يُضمّ إلى ذلك التسامح بين مفهوم اللا عدم ومفهوم الوجود؛ ويقال إنّهما مفهومان متساوقان عرفاً(2). فالمولى إذا حكم تعبّداً، بأنّ العدم مرفوع، فيفهم العرف من ذك بأنّ الوجود ثابت، فكأنّ الفاتحة موجودة هنا، وإن كانت معدومة حقيقة.

وحينئذٍ، فيصير هذا حاكماً على دليل الأمر بالمركّب، حيث إنّه جعل هذا الفرد الناقص مصداقاً للمركّب الكامل، لأنَّ هذا كامل بالتعبّد. 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

(1) راجع الجهة الأولى ص 16 وما بعدها. (المُقرِّر). [ص28 وما بعدها]. 

(2) بل هما متساوقان عقلاً، لاستحالة ارتفاع النقيضين. نعم، ذلك إنما يكون في الأمور الحقيقية دون الأمور الاعتباريّة، فإنّ الاعتبار سهل المؤونة، ويكون معنى رفع العدم هو عدم العقاب عليه، فلا يكون مساوقاً لوضع الوجوب كما هو واضح. إلّا بانضمام الفهم العرفي التسامحي. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

هذا وجه صحيح مبنيّاّ على هذا التقريب، وحيث إنّنا لا نقول به في حديث الرفع، لا نقبل أنّه رفع تنزيلي للوجود الخارجي، بل رفع حقيقي للوجود التشريعي، ولهذا قلنا فيما سبق: إنَّ الحكومة بحسب عقد الوضع لا نقبلها، الذي هو مقتضى هذا الوجه. 

نعم، لو تمّ هذا الوجه لا يفرّق بين أن يكون النسيان في تمام الوقت أو أن يكون في بعضه. فحتّى لو فرضنا أنّه اضطرّ إلى ترك الفاتحة في جزء من الوقت لصلّى بلا فاتحة، مقتضى دليل الحكومة هو: تنزيل هذا العدم منزلة الوجود، وجعل هذا الفرد الناقص فرداً كاملاً، بالتعبّد والحكومة. 

الوجه الثاني: للتصحيح وهو بحسب الحقيقة. ينتج نتيجة الصحّة لا نفسها؛ وذلك فيما إذا فُرض أنّه استوعب الاضطرارات تمام الوقت، هنا لماذا نريد أن نتكلّم في أنّ الباقي هل هو صحيح أو لا؟ من ناحية أن نعرف أنّه هل يجب علينا القضاء أو لا يجب؟ حتّى نقول: إنّنا نطبّق حديث الرفع على نفس وجوب القضاء ابتداءً فنرفعه؛ وذلك لأنَّ وجوب القضاء حكم مترتّب على ترك الفريضة الكاملة، والمفروض أن تركها تحقّق عن اضطرار أو نسيان أو إكراه. إذن، فيرتفع بذلك وجوب القضاء.

هذا الوجه مبنى على تحقيق ما هو موضوع وجوب القضاء. فإنَّ موضوعه إمّا أن يكون هو عنوان ترك الفريضة، وإمّا أن يكون هو عنوان عدم الإتيان بالفريضة، وإمّا أن يكون عنوان الفرض، وهذه أمور ثلاثة بعضها غير بعض. إمّا أن يكون هو عنوان من ترك فريضة، من قبيل من فتح باباً. وإمّا أن يكون 

ــــــــــ[109]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

العنوان هو: من لم يأتِ بفريضة، أي مجرّد عدم الإتيان بنحو العدم المحمولي؛ وذاك الترك يكون بنحو العدم النعتي. وإمّا أن يكون الموضوع عنوان ثبوتي منتزع من هذا العدم، وهو عنوان الفوت. فهذه احتمالات ثلاثة. 

فإن فُرض بأنَّ موضوع وجوب القضاء هو العدم بنحو العدم النعتي أي من ترَكَ الفريضة، فهذا الوجه تامّ في المقام، نتمسّك بحديث الرفع، حينئذٍ لنفي وجوب القضاء؛ لأنَّ الشروط الثلاثة كلّها موجودة. 

وأمّا إذا فرضنا أنَّ موضوع وجوب القضاء هو العدم المحمولي، لا العدم النعّتي، أو الفوت المنتزع من العدم، فلا نتمسّك بحديث الرفع؛ وذلك لاختلال الشرط الثالث. وهو أنّه لا بُدّ وأن يكون الموضوع الحكم الشرعي، لوحظ فيه جهة الانتساب إلى المكلّف. وهنا لم يلحظ فيه جهة الانتساب، فإنَّ الفوت أمر خارجي، وكذلك العدم المحمولي -أن لا يكون الفريضة قد أتي بها- أمر خارجي لم يلحظ فيه جهة الانتساب والصدور من المكلّف. فبناءً على الاحتمالين الأخيريين لا يتمسّك بحديث الرفع. نعم، بناءً على الأوّل لا باس بالتمسّك به. 

هذا أيضاً تمام ما ينبغي أن يقال في الأحكام الضمنية.

[الأحكام الوضعية] 

وأمّا الأحكام الوضعية فما كان منها مترتّباً على الشيء في نفسه، لا يُرفع بحديث الرفع. كما قلنا في الجهات السابقة(1) من قبيل النجاسة المترتّبة على الملاقاة في نفسها، من دون أن يلحظ فيها جهة الانتساب إلى المكلّف. 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

(1) راجع الجهة السادسة في المحاضرة السابقة. (المُقرِّر). [ص93].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وأمّا ما كان مترتّباً على شيء بلحاظ الانتساب، فان وِجدت فيه بقية الشرائط لا بأس بأنّ يُرفع، كما هو الحال في المعاملات. فإنَّ أحكام المعاملات مترتّبة عليها؛ باعتبار جهة انتسابها إلى المكلّف. فترجع فيما إذا طرأ عليها الاضطرار والاكراه، ونحو ذلك. لكن مع ملاحظة الشرطين الآخرين، أحدهما: أن يكون الرفع امتنانيّاً. ومن هنا، لا نقول برفع معاملات المضطرّ لو اضطرّ إلى بيع داره لعلاج ابنه، هنا لا نرفع صحّة هذا البيع؛ لأنّه خلاف الامتنان، كما بينّا فيما سبق. 

وكذلك لا نقول بشمول الحديث فيما لو اضطرّ أو أُكره على إيقاع المعاملة الفاسدة. كما لو أُكره على إيقاعها بالفعل المضارع، بناءً على اشتراط الماضويّة، أو إذا أُكره على ترك المعاملة؛ وذلك لاختلاف الشرط الأوّل؛ وذلك لأنَّ المعاملة الفاسدة ليست موضوعاً لحكم في عالم التشريع وكذلك ترك المعاملة، وترك البيع ليس موضوعاً لحكم في عالم التشريع. وأمّا الفساد فهو أمر انتزاعي منتزّع من عدم مطابقة الصادر، مع ما هو الموضوع في عالم التشريع للنفوذ والصحّة. فلا يصحّ شمول حديث الرفع.

[شبهة في الأحكام الموضوعيّة والجواب عنها]

نعم، هنا شبهة: وهي أنَّ ترك المعاملة ترك البيع، موضوع لبقاء(1) ملكيّة 

ــــــــــ[111]ــــــــــ

(1) هذه مغالطة صرفة، فإنَّ الحكم بالملكيّة مترتّب على صحّة انتقال المال إليه بالشراء، أو الإرث أو الهبة أو نحوه، ولا مدخليّة للبيع المتجدّد في ذلك أصلاً، وإنّما هو موضوع للحكم بملكية المشتري، والبيع المتأخّر وإن كان يرفع الملكيّة، إلَّا أنه يكون بذلك من الموانع؛ لوجودها على اعتبار صيرورته موضوعاً لملكيّة شخص آخر، وكونه من الموانع لا يقتضي إلَّا كون عدم البيع من أجزاء علّة استمرار الملكيّة، لا أنّه مأخوذ موضوعاً لها في عالم التشريع، فتأمّل. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

نفسه؛ لأنَّ كلّ إنسان يبقى مالكاً لماله ما لم يبع، فترْك البيع بحسب الحقيقة موضوع لبناء ملكيّة نفسه. فإذا أراد أن يتخلّص من ملكية شيء بأن يبيعه فأُكرِه على الترك، فكأنّه أُكره على موضوع حكم شرعي، لأنَّ ترك البيع موضوع لبقاء الملكيّة في نفسه(1)

والجواب عن هذا الإشكال، يكون على ضوء الشرط الثالث؛ وذلك لأنَّ ما هو شرط ومناط بقاء الملكية نفسه، هو عدم البيع بنحو العدم المحمول، لا بنحو العدم النعتي، يعني: أنَّ مالكيته لهذا المال تبقى ما لم يتحقّق البيع، بنحو المحمولي؛ لأنّنا إنّما نلتزم لهذه الشرطية، جمعاً بين دليل مالكيّة ودليل الحكم بنفوذ البيع لو باع، ومقتضى الجمع بين الدليلين هو: أنَّ مالكيّته متقيّدة بنحو العدم المحمولي لا النعتي. وقد قلنا فيما سبق إنَّ العدم المحمولي الذي يؤخذ فيه جهة الانتساب إلى المكلّف إذا وقع موضوعاً لحكم شرعي، لا نتمسّك بحديث الرفع بالنسبة إليه. 

هذا تمامّ ما ينبغي أن يقال في مقام التطبيق. وبهذا تمّ الكلام في فقه الحديث(2)

ــــــــــ[112]ــــــــــ

(1) وهذه شبهة قويّة مستعصيّة في نفسها، وسيّالة في سائر المعاملات كما ذكر بعد البحث. (المُقرِّر). 

(2) عطلة رمضان. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 

المقام الرابع: في سند الحديث 

 

كان الكلام في حديث الرفع المبارك. وقلنا: إنَّ الكلام في هذا الحديث يقع في مقامات أربعة:

المقام الأوّل: في دلالة النصّ على أصالة البراءة، على ما هو المقصود في المقام من الترخيص وعدم وجوب الاحتياط في الشبهات البدوية. 

المقام الثاني: في أنَّ هذا المدلول يشمل الشبهات الحكمية والموضوعية حتماً. 

المقام الثالث: في فقه الحديث: وهو الذي انتهى قبل شهر رمضان، 

المقام الرابع: هو في سند الحديث. 

[الحديث بسند الصدوق في (الخصال)]

ذكر الشيخ الأعظم في (الرسائل) على ما أتذكر: أنَّ هذا الحديث رواه الصدوق في (الخصال) بسند صحيح(1)، إلَّا أنَّ تصحيح سند هذا ليس بهذا المقدار من السهولة، وإن كان صحيحاً في النتيجة. 

ذلك؛ أنَّ هذا النصّ ذكره صاحب (الوسائل) في كتاب الجهاد، عن الصدوق في (الخصال)، وعنه أيضاً في (التوحيد)، هذه الرواية بسند متّصل بالإمام الصادق هكذا: أنّه قال: “عن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فِي التَّوْحِيدِ 

ــــــــــ[113]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأصول 2: 27.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

والْخِصَالِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّـهِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّـهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّـهِ‏: “رُفِعَ‏ عَنْ‏ أُمَّتِي‏ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ الخَطَأُ والنِّسْيَانُ ومَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ ومَا لَا يَعْلَمُونَ ومَا لَا يُطِيقُونَ ومَا اضطرّوا إليه والحَسَدُ والطِّيَرَةُ والتَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الخَلْوَةِ مَا لَمْ يَنْطِقُوا بِشَفَةٍ(1).

[الإشكال على سند الصدوق في الحديث]

والظاهر، أنَّ هذه الرواية بهذا السند هو منشأ الصيغة المتعارفة عن الألسن: (رفع عن امتي تسعة). إلَّا أنَّ إشكالها هو: أنَّ الصدوق يسند إلى أحمد بن محمد بن يحيى، وهو لم يثبت توثيقه، إلَّا بناءً على أنَّ مشايخ الثلاثة ثقات كلّهم، فيكون أحمد هذا ثقة؛ لأنّه من مشايخ الصدوق. وأمّا بناءً على عدم مثل هذه القاعدة، فتكون هذه الرواية من هذه الناحية غير حجّة. 

[الحديث في سند الصدوق في (من لا يحضره الفقيه)]

أيضاً الصدوق يرويها في كتاب (من لا يحضره الفقيه) في روايات الوضوء عن الإمام الصادق، أنّه قال رسول الله إنّه: “رُفِع عن أمتّي تسعة(2)، بعين هذه الصيغة مع حذف السند بنحو مرسل. 

ومن المحتمل قوياً أنَّ يكون نظره إلى ذلك السند الذي سجّله مفصلا ًفي 

ــــــــــ[114]ــــــــــ

(1) انظر: وسائل الشيعة 15: 269، باب 56، باب جملة ممّا عفي عنه، الحديث 1. 

(2) انظر: من لا يحضره الفقيه 1: 59، باب فيمن ترك الوضوء أو بعضه أو شكّ فيه، الحديث 132.مع اختلاف في الالفاظ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 (الخصال) و(التوحيد). وعلى أيّ حال لا يمكن الاعتماد على مثل هذا المرسَل، وإن فُرض أنَّ الصدوق يرويه ابتداءً عن الإمام ويقول: (قال الامام). إذ إنّنا لا نفرق في عدم حجيّة المرسَل بين ما كان إرساله بعنوان (روى عن الإمام)، أو بعنوان (قال الإمام). فإنَّ المناط في سقوط المرسَل عن الحجيّة هو وجود واسطة محذوفة، لا يُعرف حالها على ما بُيّن(1) في بحث خبر الواحد. إذن، فهذه الرواية من هذه الناحية لا يمكن الاعتماد عليها. 

[الحديث في سند (الوسائل)]

في (الوسائل) في كتاب الأيمان ذكر بسنده عن كتاب أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحلبي، عن أبي عبد الله قال: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ‏: وُضِعَ‏ عَنْ‏ أُمَّتِي‏ الخَطَأُ والنِّسْيَانُ ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْه(2) ولا يوجد “ما لا يعلمون” فيها. وهذه الرواية صحيحة من حيث السند على ما سوف يظهر، إلَّا أنّها لا تنفعنا في المقام. 

[رواية أخرى من (الوسائل) والكلام فيها]

رواية أخرى أيضاً ينقلها في (الوسائل) في كتاب الأيمان، ينتهي إلى أحمد بن محمد بن عيسى، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: “قَالَ رَسُولُ اللهِ عُفِيَ‏ عَنْ‏ أُمَّتِي‏ ثَلَاثٌ الخَطَأُ والنِّسْيَانُ والِاسْتِكْرَاهُ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّـهِ وهُنَا 

ــــــــــ[115]ــــــــــ

(1) ولم يتعرّض له السيد في ذلك البحث. (المُقرِّر).

(2) انظر: وسائل الشيعة 23: 237، الباب 16، باب أن اليمين لا تنعقد في غضب ولا جبر ولا إكراه، الحديث 5.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

رَابِعَةٌ وهِيَ مَا لَا يُطِيقُونَ(1).

 وهذه الرواية أيضاً صحيحة من حيث السند على ما سوف يظهر، إلَّا أنّها لا تنفعنا في المقام، إذ لا يوجد فيها “ما لا يعلمون“. 

[رواية ثالثة عن (الوسائل)]

الرواية الوحيدة التي يمكن تصحيحها هي ما ينقله في (الوسائل) أيضاً ينتهي إلى أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ:‏ “وُضِعَ‏ عَنْ‏ هَذِهِ‏ الْأُمَّةِ سِتُّ خِصَالٍ الخَطَأُ والنِّسْيَانُ ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ومَا لَا يَعْلَمُونَ ومَا لَا يُطِيقُونَ ومَا اضطرّوا إليه” (2). وهذه الرواية تنفعنا في المقام إن تمتّ سنداً؛ لأنه ذكر فيها “ما لا يعلمون” الذي هو محلّ الاستدلال. 

والإشكال في سند هذه الرواية من ناحيتين لا بد من تحقيقهما: 

تحقيق الإشكالات في سند الرواية

[الناحية] الأولى: في تحقيق حال إسماعيل الجعفي

 الذي هو الراوي المباشر عن الإمام، والذي يروي عن أحمد بن عيسى؛ وذلك أنَّ إسماعيل الجعفي موجود في سلسلة هذه الرواية بعنوان كونه جعفيّاً. وفي كتب العلمين النجاشي والشيخ الطوسي ذكرت عناوين متعدّدة. 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

(1) المصدر السابق نفسه، الحديث 4. 

(2) انظر: وسائل الشيعة 23: 237، الباب 16، باب أنَّ اليمين لا تنعقد في غضب ولا جبر ولا إكراه، الحديث 3.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

النجاشي في فهرسته ذكر عنوان إسماعيل بن جابر الجعفي(1)، ولم يذكر هناك (إسماعيلاً جعفيّاً) آخر، ولا إسماعيل بن جابر أصلاً. إلَّا أنّه لم يشهد بوثاقته، ذكر: (أنَّ إسماعيل بن جابر الجعفي، روى عن أبي جعفر، وعن أبي عبد الله، وله كتاب ذكره محمد بن الحسن بن الوليد في فهرسته، أخبرنا أبو الحسين علي بن أحمد قال: حدّثنا محمد بن الحسن، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى عنه)(2)

الشيخ الطوسي ذكر في فهرسته(3) عنوان إسماعيل بن جابر يقول: (قال: إسماعيل بن جابر له كتاب أخبرنا به ابن أبي جيد، عن أبي الوليد، عن الصفار، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن صفوان عنه). ولم يشهد في الفهرست بتوثيقه. 

الشيخ في رجاله(4) ذكر عنوان إسماعيل بن جابر الخثعمي الكوفي: (ثقة ممدوح، له أصول رواها صفوان بن يحيى). وقال في طيّ أصحاب الصادق: (إسماعيل بن جابر الخثعمي الكوفي)(5). فقد كرّره مرّتين، ويعني جعله من أصحاب الباقر والصادق. 

إذن، فالمشهود بوثاقته هو بعنوان إسماعيل بن جابر الخثعمي. وأمّا 

ــــــــــ[117]ــــــــــ

(1) وإنَّه من رجال الباقر والصادق، (من محاضرة غد). (المُقرِّر).

(2) انظر: رجال النجاشي: 32-34، ترجمة إسماعيل بن جابر الجعفي، رقم 71.

(3) انظر، الفهرست: 37، ترجمة إسماعيل بن جابر، رقم 49. 

(4) انظر: رجال الطوسي: 124، ترجمة إسماعيل بن جابر الخثعمي، الرقم 1246-18. 

(5) انظر: المصدر نفسه: 160، الرقم 1789-93.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

إسماعيل بن جابر المطلق، وإسماعيل بن جابر الجعفي، الموجود في النجاشي لم يُشهد بوثاقته. فيقال في المقام إنَّ هذين الشخصين متعدّدان، ولا أقلّ من احتمال أن يكونا متعدّدين، فلا بُدّ أن لا يُعمل بروايات الجعفي؛ لأنّه لم يثبت توثيقه، وهو الراوي للرواية التي عندنا. 

[استبعاد التعدّد في شخصية إسماعيل]

وطريق حلّ هذا الإشكال هو تبعيد التعدّد في المقام، وتقريب كون إسماعيل بن جابر الجعفي، وإسماعيل بن الخثعمي شخصاً واحداً. وحتّى يصير التوثيق الذي ذكر في رجال الطوسي توثيقاً لصاحبنا في هذه الرواية. 

والخثعمي والجعفي كلاهما يناسب أن يكون أحدهما منطبقاً على ما انطبق عليه الآخر؛ لأنَّه يقال: إنَّ (خثعم) حي في اليمين، والجعفي نسبة إلى (فلان) الذي هو رأس قبيلة في اليمن(1). وإنّما نحتاج إلى الشواهد على وحدتها. 

[لوازم القول بالتعدّد]

هنا، من الممكن أن يقال إنّهما، واحد إذ لو كانا اثنين للزم من ذلك: أوّلاً: أنَّ النجاشي لم يذكر إسماعيل بن جابر الخثعمي، الذي شهد الشيخ الطوسي بوثاقته وممدوحيته، وذكر أنَّ له أصولاً يرويه عن صفوان. وشخص بهذه المثابة يعرض النجاشي عن ذكره بالمرّة. وهذا في نفسه من مبعدات التعدّد. 

ثانياً: وأيضاً لو كانا متعدّدين. نقول: إنَّ الشيخ الطوسي ذكر في الفهرست 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

(1) الشيء المتيقّن ثبوته أنَّ أحدهما قابل الانطباق على الآخر، وكلام القاموس أكثر من ذلك ليس حجّة، (المحاضرة). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

إسماعيل بن جابر بقول مطلق، وفي الرجال، إسماعيل بن جابر الخثعمي. فمَن أراد بالمطلق الذي ذكره في الفهرست؟

الفرض الأوّل: إن أراد به هو نفس الخثعمي، الذي ذكره في الرجال، ومع هذا فإسماعيل بن جابر الخثعمي غير إسماعيل بن جابر الخثعمي، الذي ذكره النجاشي. فيأتي هنا مبّعد آخر من هذا الطرف؛ لأنّه كيف يُفرض أنَّ الشيخ لا يذكر إسماعيل بن جابر الجعفي، الذي ذكره النجاشي وهو كثير الرواية جداً، أو في (التهذيب)، الذي هو كتاب الشيخ الطوسي يذكر عنه روايات كثيرة بعنوان كونه جعفيّاً

وقال النجاشي عنه: (إنّه راوي رواية الأذان)(1) المعروفة التي هي محلّ الاعتماد ما بين الأصحاب؛ لأنها أدقّ رواية في مقام ضبط فصول الأذان والإقامة إذ تعدّها بالحروف، وهذه الرواية بعينها يذكر الشيخ الطوسي في (التهذيب)، وهي أوّل الروايات بعد كلام المفيد.

 إذن، فمن البعيد في نفسه أنَّ شخصاً بهذه المثابة، هو إسماعيل بن جابر الجعفي لا يذكره الشيخ لا في (الرجال) ولا (الفهرست). 

الفرض الثاني: مضافاً إلى مبّعد آخر: وهو أَّنه على ما يظهر من مراجعة (الفهرست) والنجاشي، أنَّ طريقهما واحد. النجاشي يوصل السند إلى إسماعيل بن جابر الجعفي، والشيخ طريقه إلى إسماعيل بن جابر المطلق، في (الفهرست) نفس سند النجاشي. ومن المعلوم إنَّ النجاشي والشيخ كانا زملاء في عرض 

ــــــــــ[119]ــــــــــ

(1) انظر: رجال النجاشي المصدر السابق.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

واحد وعمر واحد. فوحدة الطريق لهما مقرّب على موجب حساب الاحتمالات على أن يكون الجعفي هو المطلق الذي ذكره في (الفهرست)؛ لأنَّ هذه صدفة بعيدة ما لم يكن هذا عين ذاك.

[احتمالية التعدّد في كتابي (الفهرست) و(الرجال) ودفعها]

يبقى الاحتمال أنَّ يكون مراد الشيخ في (الفهرست) إسماعيل بن جابر الجعفي، وأن يكون الخثعمي المذكور في (الرجال) شخصاً آخر غير ذاك، يعني أراد الشيخ في كلٍّ من الكتابين غير مَن أراده من الآخر. 

هذا أيضاً بعيد؛ إذ بعد فرض إطلاقه على إسماعيل بن جابر الخثعمي، وعلى وثاقته وأنَّ له أصولاً يرويها عنه صفوان، مع هذا لا يشير إليه في (الفهرست) بإشارة أصلاً. هذا أيضاً بعيد(1)

[والتحقيق في المقام]

فالإنصاف في المقام أنَّ الالتفات إلى هذه المبّعدات لا يُبعد أن يحصل للإنسان الاطمئنان، بأنَّ إسماعيل بن جابر واحد، ويكون هذا الواحد مشهوداً بوثاقته من قبل الشيخ. 

نعم، يبقى في المقام، أنّه لو احتملنا -مثلاً-: أنَّ إسماعيل الجعفي، الذي ينقل عنه أحمد بن عيسى الآن(3) شخص ثالث، غير إسماعيل بن جابر الجعفي، 

ــــــــــ[120]ــــــــــ

(1) بل ممكن وقريب؛ لاحتمال اعتماد الشيخ في فهرسته على كتاب رجاله، وهذا أمر ممكن محتمل. (المُقرِّر).

(2) يعني في الرواية التي هي محلّ الكلام، (توضيح). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وغير إسماعيل بن جابر الخثعمي. وليس من أولاد جابر، وهذا شخص مهمل في المقام ولا ذكر له في الروايات. لو احتملنا هذا المطلب فيكون مثل هذا الاحتمال مسقطاً لهذه الرواية عن الحجيّة؛ لإهمال راويها. 

إلاَّ أنَّ بعض الروايات المنقولة عن إسماعيل بن جابر الجعفي منقولة بعنوان إسماعيل الجعفي. والذي كان في ذهني، أن رواية(1) الأذان بالخصوص ذُكر فيها إسماعيل الجعفي بدون جابر -بن جابر-. فمن هذا يظهر عنوان اسماعيل الجعفي هو الذي يعبّر به عن إسماعيل بن جابر الجعفي، مضافاً إلى بعد هذا الاحتمال في نفسه، أن يكون هناك إسماعيل الجعفي مهمل هو غير ابن جابر.

فبلحاظ مجموع هذه الخصوصيّات يمكن حلّ الإشكال. من هذه الناحيّة تحصيل الاطمئنان بأنَّ المراد من إسماعيل الجعفي، الذي ينقل عن أحمد بن محمد بن عيسى، هو اسماعيل بن جابر الخثعمي المشهود بوثاقته من قبل الشيخ الطوسي في كتاب (الرجال). 

ونقل الشيخ المامقاني(2) في رجاله عن جملة من المدقّقين في الفنّ، الجزم بالوحدة بينهما. فهذا أيضاً من مؤيّدات المطلب.  

[الثاني:] في تحقيق طريق الشبخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى

يبقى إشكال آخر في السند، وهو الإشكال في طريق الشيخ إلى أحمد بن 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

(1) هذا صحيح، انظر ص51 ج 2 من التهذيب. (المُقرِّر). 

(2) انظر: تنقيح المقال في علم الرجال: 10: 34، ترجمة إسماعيل بن جابر الجعفي أو الخثعمي، الرقم 833.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

محمد بن عيسى، فإنَّ صاحب (الوسائل) طريقه إلى أحمد بن محمد بن عيسى؛ باعتبار طريق الشيخ إليه. وطريق الشيخ إليه فيه ضعيف؛ وذلك: باعتبار أنَّ الشيخ في كتاب (التهذيب) في مشيخته، يصنّف الروايات المذكورة عن أحمد بن محمد بن عيسى، إلى جُمل فيقول: إنَّ جملة منها رويتها بالسند الفلاني، وجملة رويتها بالسند الفلاني وهكذا. وجملتين منهما سنده صحيح إليها. ولكن جملة واحدة منها سنده غير صحيح إلى أحمد بن محمد بن عيسى. فلو تمّ هذا الإشكال -لو- وجدنا رواية في (التهذيب) بإسناده إلى أحمد بن محمد بن عيسى، ولا تُعرف أنّها من أيّ واحد من هذه الجمل الثلاث فحينئذٍ لا يكون حجّة. 

وهذه الجملة إنّما تكون غير صحيحة؛ باعتبار وجود أحمد بن محمد بن يحيى، نفس رفيقنا السابق(1) وهو مشهور بوثاقته. 

يقع الكلام في هذا الإشكال في جهتين:

 الجهة الأولى: في شخص هذه الرواية. 

الجهة الثانية: في كلّ ما كان من قبيلها من الروايات المنقولة عن أحمد بن محمد بن عيسى. 

وأمّا فيما يرجع إلى شخص هذه الرواية، فهي غنيّة عن هذا الإشكال؛ وذلك باعتبار أنَّ صاحب (الوسائل) يصرّح بأن هذه الرواية مأخوذة من كتاب (النوادر) لأحمد بن محمد بن عيسى، وكتاب (النوادر)(2) قد صرّح الشيخ 

ــــــــــ[122]ــــــــــ

() يعني راوي قوله: “رُفع عن أمّتي تسعة “. (توضيح). (المُقرِّر). 

() انظر: وسائل الشيعة 23: 237، الباب 16، باب أنَّ اليمين لا تنعقد فثي غضب ولا جبر ولا إكراه، الحديث 3.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الطوسي في مشيخته (التهذيب) بسند مخصوص له، من مجموع كتب أحمد بن محمد، وهذا السند صحيح لا غبار عليه(1). فمن هذه الناحيّة لا يأتي إشكال.

فبالنسبة إلى خصوص هذه الرواية أيضاً يندفع المطلب. 

ولكن لا بأس بأن يُتكلَّم كلّيّة في أمثال هذه الرواية من روايات أحمد بن عيسى، مع وقوع أحمد بن محمد بن يحيى. ماذا نعمل معها؟ 

هنا يوجد حلّ مبني على قاعدة عامّة لا بأس بأن تسموها (نظرية التعويض): أن نعوّض عن سند بسند آخر بحيث ينتج هذا التعويض تصحيح السند الأوّل.

[فائدة فيما يتعلّق بالإشكال في تحديد إسماعيل بن جابر]

[احتمالات وحدة وتعدّد شخصية إسماعيل بن جابر في كتب النجاشي والطوسي] 

إلَّا أنَّ(2) هذا الإشكال ينبغي حلّه بتقريب وحدة الشخصين، وأنَّ إسماعيل بن جابر الجعفي، أو إسماعيل بن جابر الخثعمي واحد، بالظنّ الإطمئناني، الذي يكون عليه المعوّل في المقام؛ وذلك لأنَّ إسماعيل هنا ذكر في ثلاثة كتب في كتاب النجاشي، وكتابي الشيخ.

ــــــــــ[123]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: وسند صاحب (الوسائل) إلى الشيخ أيضاً صحيح، وسند صاحب (الوسائل) إلى (النوادر) هو عن طريق الشيخ. (المُقرِّر ).

(2) كرّر سيّدنا الأستاذ ما كان قاله أمس بخصوص إسماعيل الجعفي مع عرض جديد، وزيادة في القرائن، فلا بأس بتسجيل ما قاله أيضاً. قال بعد أنَّ قرّر الإشكال على ما سبق: إلا أن… (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 فالاحتمالات ثلاثة:

الاحتمال الأوّل: [أن يراد به شخصاً واحداً]

 إمّا أن يكون المراد من إسماعيل في الكتب الثلاثة شخصاً واحداً، وهذا هو المقصود، وبذلك يتّحد الجعفي مع الخثعمي ويصير ثقة، وتكون هذه الرواية معتبرة. 

الاحتمال الثاني: [هو إسماعيل بن جابر الخثعمي]

 أن يكون إسماعيل بن جابر المذكور في كلام الشيخ في كِلا الكتابين هو إسماعيل بن جابر الخثعمي، وأن يكون هذا الخثعمي، غير الجعفي، الذي ذكره النجاشي.

إبعاد الاحتمال الثاني 

 وهذا يُبعده أمور: 

أولاً: يلزم من ذلك أنَّ النجاشي لم يذكر إسماعيل بن جابر الخثعمي. مع أنَّه صاحب كتاب مطوّل ويروي عن المشايخ من قبيل صفوان -مثلاً- مع هذا لم يذكره النجاشي مع تمام تتبّعه واهتمامه بذكر هؤلاء. 

ثانياً: أنَّه يلزم من ذلك أنَّ الشيخ الطوسي لم يذكر إسماعيل بن جابر الجعفي، الذي ذكر النجاشي، لا بعنوان كونه راوياً في كتاب (الرجال)، ولا بعنوان كونه مصنِّفاً وصاحب أصل، في كتاب (الفهرست) الذي وِضع لفهرسة مصنفي الشيعة. فإنَّ النجاشي يصرّح أنّه صاحب أصل وكتاب. ومع 

ــــــــــ[124]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

ذلك لم يذكره في الفهرست. وهذا في نفسه بعيد خصوصاً مع تعهّد الشيخ في مقدّمة كلّ من كتاب (الرجال)، و(الفهرست) ببذل قصارى الجهد والطاقة في مقام استيعاب كلّ من يمكن في المقام. وكان النجاشي معاصره وزميله وكان على علاقة به.

خصوصاً إذا لاحظنا أنَّ إسماعيل بن جابر الجعفي، مذكور في كتاب الكشّي الذي لخّصة الشيخ وموجود عند بعض الروايات فيه(1). إذن، فكيف يُفرض أنَّ الشيخ الطوسي مع أنَّه لخّص كتاب الكشّي، لم يطلع على إسماعيل بن جابر الجعفي. 

وخصوصاً أيضاً بلحاظ كتب الشيخ الحديثية: (التهذيب)، و(الاستبصار) فإنّه يذكر فيهما عن إسماعيل الجعفي كثيراً، ويذكر عن سماعيل بن جابر أخرى، ولا يذكر ولا مرّة عن إسماعيل بن جابر الخثعمي، أو عن إسماعيل الخثعمي في تمام (التهذيب) و(الاستبصار)، في حدود ما راجعته إن لم تتحقّق منّي غفلة. ينقل ثمان مرّات عن إسماعيل الجعفي في التهذيب، ومنها مورد الأذان الذي صرّح النجاشي في ترجمة إسماعيل بن جابر الجعفي أنّه صاحب هذه الرواية. فكيف نحتمل أنَّ الشيخ يفضّل التعرّض لمن لم ينقل عنه رواية في الفقه، وعلى التعرّض لهذا الذي نقل عنه في الفقه. هذا أيضاً بعيد جداً.

ثالثاً: المبعد الثالث: لهذه الفرضية -وهي أن يكون إسماعيل بن جابر عند النجاشي هو الجعفي. وعند الشيخ في كِلا كتابيه الخثعمي- وهو وحدة السند، 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

(1) رجال الكشي مع تعليقة المير داماد 2: 450، في إسماعيل بن جابر الجعفي.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

إذ لوكان الخثعمي غير الجعفي، للزم صدفة بعيدة بمقتضى حساب الاحتمالات، وهو أن يكون سند الشيخ إلى الخثعمي متّفقاً في تمام مراحله مع سند النجاشي إلى الجعفي، مع كونهما شخصين. مع أنَّ هذا الاتحاد في السند قرينة على الوحدة في المقام وإبطال هذا الفرض. وإن وقع في رجال المامقاني سهو في مقام التعبير فإنّه في النجاشي قال: أخبرنا أبو الحسين على بن أحمد
-يعني ابن ابي جيد- قال: حدثنا محمد بن الحسن عن محمد بن عيسى عن صفوان بن أبي يحيى عنه. ومحمد بن الحسن الأوّل هو الوليد، والثاني هو الصفّار(1). هنا وقع في (رجال المامقاني) سقط، وهو محمد بن الحسن الآخر(2)، وهذا السقط لم يقع حينما نقل كلام الشيخ الطوسي، حيث ذكر عن الشيخ الطوسي قال: (أخبرنا به ابن أبي جيد عن ابن الوليد عن الصفّار)(3)

فالسندان بتمام مراحلها مشتركان، وهو مبعد ثالث لهذا الفرض. 

الاحتمال الثالث: [تعرض الشيخ الطوسي في كل كتاب لشخص غير الشخص الآخر] 

وهو أن نفرض أنَّ الشيخ الطوسي تعرّض في كلّ كتاب لشخص غير الشخص الآخر. تعرّض في (الرجال) للخثعمي، وفي (الفهرست)حيث ــــــــــ[126]ــــــــــ

(1) انظر: رجال النجاشي: 32، ترجمة إسماعيل بن جابر الجعفي، الرقم 71. 

(2) انظر: تنقيح المقال في علم الرجال 10: 28- 29، ترجمة إسماعيل بن جابر الجعفي أو الخثعمي، الرقم 834. 

(3) انظر: نفس المصدر 10: 29.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

أطلق، فنحمله على الجعفي -مثلاً- وهذا يبعده:

إبعاد الاحتمال الثالث 

أوّلاً: المبعد الأوّل ممّا سبق، وهو أنَّ النجاشي بناءً عليه، يلزم أن لا يكون قد ذكر الخثعمي، مع أنّه ثقة وممدوح عند الشيخ، ومع أنَّ له أصلاً وكتاب. مع التعاصر ما بينهما وفي أفق معلوماتها، مع أنَّه يقال: إنَّ النجاشي كان في الرجال أوسع وأدقّ من الشيخ؛ باعتبار تخصّصه في هذا المطلب. فعدم ذكره له يكون في غاية البعد. 

وثانياً: أنَّ الشيخ يقع في الاستغراب في شأنه انَّه لماذا لم يذكر في (الفهرست) الخثعمي، الذي ذكره في (الرجال)، مع انَّه في (الرجال) صرّح بأنَّ الخثعمي صاحب أصل، و(الفهرست) موضوع لذكر مصنفيّ الشيعة، وهو على علم به، ويذكر في مقدّمة (الفهرست): أنَّ مقصودي الاستيعاب. 

وكذلك العكس. حيث صرّح في الرجال بأنَّ مقصودي في استيعاب تمام من روى رواية عن الأئمّة، وهو يعرف إسماعيل بن جابر الجعفي، وذكرَه في (الفهرست) (1) ومع هذا لا يذكر في الرجال. هذا أيضاً أمر قريب.

المبعد الثالث: هنا تكون مسألة وحدة السند في الراوي المباشر، لا في تمام السند. فهو أضعف قيمة في المبعد الثالث هناك. فإنَّ الاشتراك هناك في السند في تمام مراحله. وهنا الاشتراك فقط في صفوان، حيث إنَّ الراوي عن كلَّ منهما صفوان. 

ــــــــــ[127]ــــــــــ

(1) على الفرض، (توضيح). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

ترجيح الاحتمال الأوّل 

فاذا حصل الظنّ الاطمئناني، وهو حاصل وجداناً بسقوط هذين الاحتمالين، تعيّن الاحتمال الأوّل، وهو أن يكون إسماعيل بن جابر، المذكور في الكتب الثلاثة واحدٌ. 

بقي احتمال(1): أن يكون إسماعيل فيه عيب من ناحية أنَّه لم يُذكر ابناً لجابر. وهذا عيب أيضاً عن طريق ما نعرفه من أنّه في الروايات يعبّر عن إسماعيل بن جابر الجعفي، بقرينة رواية الأذان التي صرّح بأنَّ الراوي لها هو إسماعيل بن جابر الجعفي. إذن، فهذا تعبير مأنوس به في الروايات. وليس هنا شخص آخر يُذكر بعنوان إسماعيل الجعفي بوجه من الوجوه. 

إذن، فمدّعى الظنّ الاطمئناني، يكون هذا الشخص الذي روى عن أحمد بن محمد بن عيسى، هو محطّ توثيق الشيخ في رجاله. قريبة جداً. 

ويؤيّد توثيق إسماعيل الجعفي، القاعدة التي أشرنا إليها مراراً، وهي قاعدة أنَّ كلّ من يروي عنه الثلاثة يعني: صفوان، وابن أبي عمير، وابن أبي نصر البيزنطي، فهو ثقة لشهادة الشيخ الطوسي بأنَّ من يروي عنه الثلاثة هو ثقة(2). ومن هنا تكون روايتهم عن شخص دليلاً على توثيقه. فبناءً على هذا يكون إسماعيل الجعفي بعنوانه يصير ثقة، من دون حاجة إلى إرجاعه إلى الخثعمي؛ لأنّه روى عنه صفوان في طريق النجاشي، وطريق النجاشي إلى 

ــــــــــ[128]ــــــــــ

(1) الاحتمال الرابع.

(2) انظر: العدّة في أصول الفقه 1: 154.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

صفوان أيضاً صحيح(1). فالإشكال من هذه الناحية اندفع. 

في تحقيق طريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى 

بقي الإشكال من ناحية أخرى، وهو طريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى، حيث إنّه في مشيخة (التهذيب) في جملة منه -يعني من هذا الطريق- فيه أحمد بن محمد بن يحيى، وهو لم يثبت توثيقه. 

[دفع الإشكال]

قلنا: هذا الإشكال يُبحث فيه على مستويين:

المستوى الأوّل: بلحاظ خصوص هذه الرواية.

 والثاني: بلحاظ تمام ما ينقله الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى. 

أمّا على المستوى الأوّل: فهذا الإشكال مندفع؛ لأنَّ هذه الرواية مأخوذة من كتاب (النوادر) لأحمد بن محمد بن عيسى، والشيخ في مشيخة (التهذيب)، 

ــــــــــ[129]ــــــــــ

(1) وهنا سأل أحد الإخوان: هل هذا غير ما ذكرتموه من قاعدة أنَّ مشايخ الثلاثة ثقاة؟ 

قال: هؤلاء الثلاثة، غير أولئك الثلاثة. أولئك الثلاثة هم: محمد بن يعقوب الكليني، والشيخ الطوسي، ومحمد بن علي بن الحسين الصدوق. يعني مؤلفي الكتب الأربعة؛ باعتبارهم أجلّاء معروفين… إلى آخره. لا يجوز أن يدرسوا عند شخص بلا دين، بل لا بدَّ أنّهم درسوا عند شخص متديّن -مثلاً-. وهذه القاعدة غير مقبولة عندنا؛ باعتبار أنَّ مسألة النقل في مقام الرواية غير مسألة الدرس والتتلمذ، فقد ينقل رواية عن شخص ولا يكون معروف الوثاقة عنده، لا أقلّ من أن يكون مجهول الحال عنده، لا أنّه يكون معلوم الفسق عنده. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

صرّح بأنَّ له طريقاً مخصوصاً إلى كتاب (النوادر)(1)، وطريقه صحيح. فاندفع الإشكال من هذه الناحية. 

وأمّا الإشكال من ناحية سائر الروايات التي ينقلها الشيخ من أحمد بن محمد بن عيسى. فهذا الإشكال وارد؛ لأنَّ أحمد بن محمد بن يحيى، الواقع في طريق الطوسي إلى بن عيسى، ليس له توثيق إلّا بناءً على قاعدة أنَّ مشايخ الثلاثة: الكليني، والطوسي، والصدوق ثقات، وحيث إنَّ هذه القاعدة ممّا لا نقطع بها؛ ولهذا لا يكون هناك دليل على توثيقه. فيكون الإشكال وارداً. 

[نظرية التعويض في رفع الإشكال والفوائد المترتّبة عليها]

وحلّه يكون عن طريق نظرية التعويض. وهي فرض التصرّف في سند، إمَّا باعتبار ما قبل الضعف، أو باعتبار ما بعد الضعف، أو باعتبار تمام السند، واستبداله بسند آخر، بحيث ينتج تصحيح الرواية. 

ولهذه النظرية عدّة وجوه، لا بأس بذكر وجوهها؛ لأنّها مفيدة جداً في تصحيح كثير من الروايات، التي قد يعسر تصحيحها بغير نظرية التعويض. ثُمّ بعد ذلك أنَّ هذه الوجوه هل تأتي في روايات أحمد بن عيسى أو لا. 

الوجه الأوّل: من وجوه نظرية التعويض: هو أنَّ يُفرض في المقام، أنَّ الشيخ الطوسي له سند إلى أحمد بن محمد بن عيسى -مثلاً- وقد وقع بينهما خمسة رجال، إذ نفرض أنَّ الثاني من هؤلاء الخمسة، ضعيف أو غير ثابت 

ــــــــــ[130]ــــــــــ

(1) انظر: تهذيب الأحكام المشيخة: 10: 74، أحمد بن محمد بن عيسى الذي اخذته من نوادره.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

التوثيق، كأحد رجال، ونفرض أنَّ الثاني من هؤلاء الخمسة ضعيف أو غير ثابت التوثيق كأحمد بن محمد بن يحيى، إلَّا أنَّ الثالث منهم صحيح، كالصفّار
-مثلاً- أو محمد بن علي ابن محبوب. 

حتى، إذا فرضنا، أنّنا وجدنا سنداً آخر للشيخ إلى هذا الثالث. يعني: إلى شخص ثقة، واقعة في سلسلة تلك الرواية بعد الضعف(1) ونفرض أنَّ سنده الآخر إلى هذا الشخص(1) صحيح. حتّى نعوّض بهذا السند الصحيح للشيخ إلى هذا الثقة، عن الضعيف، يعني عمّا قبل هذا الثقة بما فيهم الضعيف. فنجعل وسائط الشيخ على محمد بن علي بن محبوب بدلاً من هذه الوسائط، التي وقعت قبل ابن محبوب في إسناده إلى أحمد بن يحيى؛ وذلك أنَّ الشيخ حينما يقول -في سنده الآخر-: أخبرنا بجميع كتب محمد بن علي بن محبوب، ورواياته فلان عن فلان. إن فرض انّه كان يريد جميع ما صدر منه واقعاً في علم الله من الكتب والروايات، فهذا البيان الذي نبيّنه دور في المقام؛ لأنَّنا حتّى الآن لم نحرز أنَّ محمد بن علي بن محبوب، قد روى من كتب أحمد بن محمد بن عيسى، لا نحرز هذا إلَّا بعد فرض حجية أحمد بن محمد بن يحيى، ونحن نريد أن نستغني عن ابن يحيى بهذا البيان، فهذا أمر غير معقول. 

إلاَّ أنَّ الظهور العرفي لقوله: أخبرنا بجميع كتبه ورواياته، هو هذا يعني ما هو صادر منه واقعاً في علم الله، بل يعني ما وصل إليّ من الكتب والروايات المنسوبة إليه.

 ــــــــــ[131]ــــــــــ

(1) يعني بينه وبين الإمام ، (إيضاح). (المُقرِّر). 

(2) الثالث الثقة، (إيضاح). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

ولهذا، هذا الكلام بنفسيه يصير دليلاً على حجيّة ما وصل إلى الشيخ الطوسي. 

 ولهذا، لو وجدنا كتاب لمحمد بن علي بن محبوب، في مكتبة الشيخ الطوسي نقول: إنّه حجّة، ولا نقول إنّه غير حجّة؛ لأنَّ الشيخ الطوسي سنده إلى محمد بن علي بن محبوب، وإن كان صحيحاً، ولكن سنده إلى واقع ما صدر من ابن محبوب، ومن قال إنّ هذا صدر منه؟ لا يقال هذا؛ فإنَّ بيان السند إنّما هو لأجل نُكتة إثبات حجّيّة هذا الكتاب. إذن، فيكون المقصود ممّا أخبرنا بجميع كتبه ورواياته وصل إلينا، وهذا الكتاب مصداق لما وصل إلينا سواءٌ أصدق أحمد بن محمد بن يحيى، أو كذب وحاشاه(1) من الكذب. 

فنعوّض حينئذٍ بدلاً عن أحمد بن يحيى ونجعل الأشخاص الّذين وقعوا في سلسلة السند بين الشيخ، وبين محمد بن علي بن محبوب. وبهذا تصحّ حينئذٍ، روايات الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى. 

هذا الطريق من طرق نظريّة التعويض، طريق صحيح كبرويّاً، وفي خصوص المقام أيضاً نافع؛ لأنّه هنا بعد الضعف وقع شخصان، في سند وقع محمد بن علي بن محبوب، وفي سند آخر وقع محمد بن الحسن الصفّار، والشيخ له طريق مصرّح به في (الفهرست) إلى جميع كتبه ورواياته، والطريق صحيح. فبالتلفيق نستحصل سنداً صحيحاً. هذا هو الطريق الأوّل. 

ــــــــــ[132]ــــــــــ

(1) هكذا يقول عنه السيّد، ومع ذلك يشكّ بوثاقته. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

رجوع إلى تحقيق حال إسماعيل الجعفي 

نرجع مرّة أخرى إلى الإشكال من الناحية الأولى، وهو الإشكال من ناحية إسماعيل الجعفي، وبعد الاستدراك نتكلّم في الجهة الثانية، جهة نظرية التعويض. 

كان الإشكال في إسماعيل الجعفي من ناحية إسماعيل بن جابر الجعفي، المذكور في كتاب النجاشي ولم يُوثق، وإسماعيل بن جابر الخثعمي، الذي وثّقه الطوسي في رجاله، ومن المحتمل أن يكون غيره، فلا ينفع توثيق الخثعمي؛ لأجل أنَّ يكون الجعفي ثقة في المقام. 

وهنا بالتقريبات والمؤّيدات التي بيّناها فيما مرّ اتّضح لنا من القريب، دعوى الاطمئنان بأنَّ إسماعيل بن جابر الجعفي هو إسماعيل بن جابر الخثعمي، يعني: التوثيق في كلام الشيخ الطوسي هو نفسه الشخص الذي ذكره النجاشي بعنوان إسماعيل بن جابر الجعفي. 

 لكن مرّة أخرى نرجع إلى إشكال آقا سيّد كاظم، بأنّه من قال: بأنَّ إسماعيل الجعفي، هو ابن جابر لعلّه شخص آخر؟ وما بيّناه في مقام دفع هذا الاحتمال، هو أنّه حيث إنَّه لا يوجد شخص بعنوان إسماعيل في كتب الرجال، وحيث إنّه ثبت أنَّ إسماعيل بن جابر الجعفي يُعبّر عنه بإسماعيل الجعفي، بشهادة النجاشي في تعريف إسماعيل بن جابر الجعفي، وحيث إنَّ هذا التعبير شايع في الروايات وكثير، بحيث لو كان هناك شخص آخر اسمه إسماعيل الجعفي غير هذين، ومع هذا غير مذكور، لكان بعيداً جداً. فبهذا الاعتبار 

ــــــــــ[133]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

يحصل الظنّ الاطمئناني بأنَّ إسماعيل الجعفي، هو بن جابر الجعفي. 

لكن، وإن كان لا يوجد إسماعيل جعفي آخر بهذا العنوان. لكن يوجد إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي، ومن المحتمل أن يسقط أبوه، فيصير إسماعيل الجعفي، كما لو أُسقط أبو إسماعيل بن جابر الجعفي. هذا أمر محتمل، ومجرّد وقوعه بالنسبة إلى أحد الشخصين، لا ينفي وقوعه بالنسبة إلى شخص الآخر، فلعلّه وقع له. 

فلا بدَّ حينئذٍ من ملاحظة حال إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي. هذا الشخص لم يُوثق من قبل أحد ممن يكون توثيقه حجّة(1). ولا طريق إلى توثيقه، إلّا قاعدة أنَّ صفوان يروي عنه، إلَّا أنَّ صفوان يروي عنه بسند الصدوق في مشيخته إلى إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي. وقد وقع في السند قبل صفوان محمد بن سنان، فيكون صحّة المطلب موقوف على توثيق محمد بن سنان في المرتبة السابقة. فلو وثّقنا محمد بن سنان، يثبت عندنا بالتعبّد الشرعي، أنَّ صفوان قد روى عن إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي، أمّا إذا فرضنا أنّه ليس ثقة إذن، فلم يثبت أنَّ صفوان قد روى عنه. فلا يكون عندنا دليل على هذا المطلب. وإذا أجمل من هذه الناحية، وبقي هنا الاحتمال على حاله، تسقط هذه الرواية عن الحجّيّة. 

ــــــــــ[134]ــــــــــ

(1) قال عنه العلّامة: اعتمد عليه وروى عن الباقر، ومات في حياة الصادق وكان فقيهاً. وقال عنه المجلسي، حسن كالصحيح، فلم يبقَ إلَّا أنَّ ينكر سيّدنا الأستاذ حجّيّة هذه الشهادتين، أو أنَّه غافل عنهما، فتأمّل. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [القرائن التاريخية على تعدّد شخصيتي إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي وإسماعيل الجعفي]

الآن وقبل أن يظهر الحال نقول مؤقّتاً: بأنَّ إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي، لا يحتمل أن يكون هو المراد من إسماعيل الجعفي(1)؛ وذلك لأنَّ الخصوصيّات التاريخية لا تناسب ذلك؛ فإنَّ إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي ُذكر في تاريخه أنّه من أصحاب الإمام الباقر. وأنّه تُوفيّ في أيام الإمام الصادق بمعنى أنّه في سنة (148) كان متُوفى، وهي سنة وفاة الإمام الصادق وأحمد بن محمد بن عيسى، الذي يروي عن إسماعيل الجعفي في المقام، وإن كنّا لم نضبط تاريخ وفاته، إذ لم يصرّح في الكتابين -النجاشي أو الشيخ- بها، ولكن صرّح في أحدهما بأنّه حضر جنازة أحمد بن محمد بن خالد البرقي حاسراً متأسّفاً، لما صدر منه في حقّه؛ لأنّه كان يتّهمه بعدم الوثاقة، ثُمّ ثبت له أنه ثقة. إذن، فكان أحمد بن محمد بن عيسى حيّاً حينما توفي البرقي الصغير يعني: أحمد بن محمد. وقد ضبط في ترجمة أحمد بن محمد تأريخ وفاته وهي (274). إذن، في هذه السنة كان أحمد بن محمد بن عيسى حيّاً: أي بعد وفاة الصادق بـ(126) سنة. فلو فُرض أنّه كان يروي عن إسماعيل الجعفي، الذي تُوفي في حياة الإمام الصادق، للزم أن يكون عمره (145) سنة على الأقل. وهذا مضافاً إلى بعده(2) في نفسه مقطوع يعني مطمئن بعدمه، لحاظ عدم 

ــــــــــ[135]ــــــــــ

(1) في الرواية التي محلّ الكلام، (توضيح). (المُقرِّر).

(2) بحسب حساب الاحتمالات. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

النظر عليه في كتب الرجال، حيث إنّهم ينصّون على المعمّر، حتّى لا يقع الإنسان في اشتباه من هذه الناحية. 

فالاطمئنان قائم، بهذه القرينة التاريخية، أنَّ إسماعيل الجعفي الذي يروي عن أحمد بن محمد بن عيسى، ليس هو إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي، الذي وقع الإشكال في وثاقته(1)

ويشهد لهذا المطلب أنّه متّى ما رأينا إسماعيل الجعفي في الكتب الأربعة رأيناه يروي عن الإمام الباقر. نعم، إسماعيل بن جابر يروي عن الإمام الصادق. فلو ضممنا هذه الملازمة الاتفاقية إلى ما نعرفه من إسماعيل بن عبد الرحمن، الجعفي هو من أصحاب الباقر وأنّه بقي إلى حياة الصادق، ولا يذكر في تاريخه أنّه روى عن الصادق شيئاً بخلاف إسماعيل بن جابر الجعفي، فإنّه من أصحاب الصادق أيضاً.

 لو ضممنا ذاك لاستبعدنا هذه الصفة بحسب حساب الاحتمالات.

ــــــــــ[136]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان، بأنَّ التعبير بإسماعيل الجعفي يشار به إلى الفرد الشايع، الذي هو ابن جابر، دون ابن عبد الرحمن. 

قال (سلّمه الله): هذا أوّل الكلام، أن يكون هذا هو المشهور من المحتمل أن يكون تمام الروايات غير رواية الأذان، المراد منه إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي، ولعلّ تصريح النجاشي كان لأجل التنبيه على هذه النُكتة. وإلّا فلماذا صرّح بهذا المطلب، مع أنّي راجعت الكتب الفقهيّة فلم أرَ ميزة لهذه الرواية على روايات الأذان الأخرى، وعلى ما احتمله بعض الرجاليين. وإنّما صرّح بذلك؛ لأنَّه في هذا المورد أريد إسماعيل بن جابر الجعفي، دون ابن عبد الرحمن، الذي هو يُراد غالباً من إسماعيل الجعفي. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

لو فُرض أنَّ إسماعيل الجعفي، هو إسماعيل بن جابر الجعفي، الذي يروي أكثر الروايات عن الصادق وقلّما يروي عن الباقر. إذن، كيف صدفة صار أنّه متى ما عُنون بعنوان إسماعيل الجعفي يصير راوياً عن الباقر، وأمّا إذا عُنون بعنوان إسماعيل بن جابر، فبالمئة 95 يروي عن الصادق. هذه الصدفة بعيدة في نفسها. 

وهل هذه الصدفة هي إبداء هذا الاحتمال، هو أنَّ إسماعيل الجعفي دائماً حينما يُطلق، هو عبد الرحمن الذي هو من أصحاب الباقر والذي يناسب أن يروي عنه. نعم، في خصوص رواية الأذان يعرف أهل الخبرة، أنَّ المراد به هو ابن جابر؛ لهذا نبّه عليه النجاشي. وحينما يقال إسماعيل بن جابر يراد منه إسماعيل بن جابر الجعفي، الذي يروي عن الصادق كثيراً وعن الباقر قليلاً. 

إذن، بحسب هذه النُكتة وإن كنّا نميل ميلاً قويّاً إلى إنَّ إسماعيل الجعفي متى يُطلق يراد به إسماعيل بن عبد الرحمن، لا ابن جابر، لكن في خصوص المقام على ضوء الجواب الّذي قلناه، والذي سوف نتركه بعد ذلك أنَّ القرينة التاريخيّة تأتي عن ذلك؛ لأنَّ أحمد بن محمد بن عيسى لا يناسب تاريخه أن يروي عن إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي المتوفي أيام الصادق، إذ يلزم أن يكون عمره حينئذٍ 140 -مثلاً- وهو في غاية البعد. 

فإلى هنا، كأن الإشكال الذي فتحناه قد اندفع؛ وذلك لأنّا أبطلنا أن يكون المراد من إسماعيل الجعفي ابن عبد الرحمن الجعفي. 

فرجعنا حينئذٍ إلى الإسماعيليين السابقين إسماعيل بن جابر الخثعمي، 

ــــــــــ[137]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وإسماعيل بن جابر الجعفي. وقد فرضنا اتحادهما، فيكون توثيق أحدهما يعني توثيق الآخر، فيثبت وثاقة الراوي هنا. 

حينئذٍ ننتقل إلى الكلام الثاني: وحاصله: أنَّ التأمّل في أطراف مجموع ما في الفقه من روايات منسوبة إلى إسماعيل بن جابر، سواءٌ كانت بعنوان: إسماعيل بن جابر، وهي روايات كثيرة، أو بعنوان إسماعيل الجعفي، أو بعنوان إسماعيل بن جابر الجعفي، وهي رواية واحدة، أو بعنوان إسماعيل بن جابر الخثعمي، وهي رواية واحدة. 

هذه العناوين الأربعة فرضت من قبل المدقّقين -ومنهم صاحب (جامع الرواة)- شخصاً واحداً وأضيف كلّ هذه الروايات إليه. 

لو دققّنا في هذه الروايات المنسوبة إلى هذا الشخص الواحد؛ لرأينا ظاهرة وهي أنَّ الرواة الّذين ينقلون عن هذا الشخص الواحد، يختلفون في طبقاتهم اختلافاً كثيراً. بحيث يمكن أن يشكّلوا ثلاث طبقات من أصحاب الأئمّة. 

وذلك أنَّ هذا الشخص الواحد روى عنه عدد من أصحاب الإمام الصادق الكبار المسنيّن، كعبد الله بن سنان في جملة من الروايات. وكذلك رووا عن أصحاب الأمام الصادق الّذين اختصّوا به، والذين يُسمّون في تعبير النجاشي، والشيخ بأحداث الإمام الصادق من قبيل جميل بن درّاج، وأبان بن عثمان، وحوالي (10) أو (12) منهم، وإنّما ذكرت هذين منهم؛ لأنّهم من الخمسة الّذين قيل عنهم، أنّهم أفقه أصحاب الإمام الصادق(1)

ــــــــــ[138]ــــــــــ

(1) في قبال زرارة، ومحمد بن مسلّم، وبريد الذين هم أفضل أصحاب الإمام الباقر. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وكذلك يروي عن إسماعيل بن جابر عدد كبير من الاشخاص الّذين حضروا على الإمام الصادق، والإمام الكاظم، ومنهم بعض من عددناه وغيرهم. ويروي عنه أيضاً بعض أصحاب الكاظم الّذين اختّصوا به، الذين لم يدركوا الصادق، ولم يروا عمّن بعد الكاظم. من قبيل عمر بن أذينة، وهشام بن سالم، وعدد كثير غيرهم. 

وروى عنه أيضاً عدد من أصحاب الرضا محمد بن أبي عمير وجعفر بن بشير وفضالة بن يعقوب. وروى عنه عدد من أصحاب الإمام الرضا (1) والإمام الجواد محمد بن سنان، ومحمد بن خالد البرقي -كلّ هذا بقطع النظر عن الرواية التي هي محلّ الكلام في المقام- كلّ هؤلاء يروون عن هذا الشخص الواحد. ومن يراجع تراجم هؤلاء الأشخاص أنهم يروي عنهم طبقة عن طبقة. -مثلاً- البرقي ومحمد بن سنان يروي عن ابن أبي عمير، وهو يوري عن جميل بن درّاج، أو عن عبد الله بن سنان. فهم بحسب ترتيبهم الحديثي يشكلون ثلاث طبقات. فهنا ثلاثة أجيال يروون عن هذا الشخص الواحد. 

وليس هذا أمراً محالاً أن نفرض هذا شخصاً واحداً، وأنّه كان في هذا العرض العريض.

ويروي عن حريز الذي هو من أحداث أصحاب الإمام الصادق، يروي روايتين، أو ثلاث يقول: عن إسماعيل بن جابر وزرارة عن الباقر. الكشي ينقل بسند عن الإمام الصادق أنّه -في مقام الّذم- قال: المترئسون في 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

(1) وهم الذين أدركوا الرضا ورووا عن الجواد، (المحاضرة). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الدين(1)، أو بالدين على ما في نسخة الكشي في قبال نسخة المامقاني(2). ويذكر منهم زرارة، ومحمد بن مسلم، وبريد وإسماعيل بن جابر. والثلاثة الأُوَل منهم هم أفضل أصحاب الإمام الباقر وهذه الرواية من روايات عديدة جاءت في مقام ذمّ هؤلاء الأكابر. 

وإسماعيل بن جابر يُجعل في هذه الطبقة. فهذه قرينة احتمالية، على أنَّ إسماعيل بن جابر كان من الموجهين، من أصحاب الإمام الباقر أيضاً بحيث يُجعل في صف زرارة، ومحمد بن مسلم، ولو في مقام الذمّ وعنوان (المترئسّون بالدين)، ولا يكون مترأسّاً بالدين، إذا كان طفلاً وإنّما يكون كذلك إذا كان راوياً معتدّاً به. 

إذن، فهذا الشخص له عرض عريض من أيام الإمام الباقر، أو من الرواة المهميّن المحترمين، إلى رواة أصحاب الإمام الجواد أيضاً يروون عنه. وهذا يستوجب أن يكون له عمر طويل جداً. وهذا ممّا يحصل الظنّ القوي بعدمه. 

ولهذا يمكن أن يقال في المقام: بأنَّ هذا التحقيق يصير قرينة مخالفة لقرينة الوحدة، التي قلناها بالأمس بين الخثعمي والجعفي. إذن، فلم يثبت الاتحاد.

ــــــــــ[140]ــــــــــ

(1) انظر: رجال الكشي، مع تعليقات المير داماد 2: 450، ترجمة إسماعيل بن جابر الجعفي، الحديث 349. مع اختلاف بالألفاظ. 

(2) انظر: تنقيح المقال 10: 32، ترجمة إسماعيل بن جابر الجعفي أو الخثعمي، الرقم 834.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [دفع القرينة] 

ولكن هذا غير صحيح؛ وذلك؛ لأنَّ هذا الذي أقوله يأتي في الجعفي أيضاً، يعني أنَّ هذه المشكلة التي عرفتها اليوم لا تنحلّ إذا قلنا إنَّ الجعفي هو القديم والخثعمي هو المتأخر؛ لأنَّ الجعفي يأتي في هذا الإشكال. فإنّه بعنوان الجعفي يروي عن أصحاب الإمام الجواد كالبرقي، وكذلك أصحاب الإمام الصادق يروون أيضاً عن الجعفي. والنجاشي والشيخ الذي سمّاه أحدهما بالخثعمي، والآخر بالجعفي، صرّح بأنّه من أصحاب الإمام الباقر.

إذن، فهذه المشكلة لا تنحلّ بأن نقول بأنَّ الخثعمي متأخّر، والجعفي متقدّم؛ لأنَّ قرائن التقدّم والتأخّر كلاهما تردان على واحد(1) إلَّا أنَّ قرائن التقدّم بالنسبة إلى الجعفي، والتأخّر بالنسبة إلى الخثعمي. 

ومن هنا قد يقوى في الظنّ بأنَّ الخثعمي، والجعفي اللذين ذكرهما الشيخ والنجاشي كلاهما شخص واحد، وهو الشخص المتقدّم الذي هو من إصحاب الامام الباقر والصادق والذي يروي عن أصحاب الصادق أمثال عبد الله بن سنان وغيره. وهناك راوٍ آخر اسمه أيضاً إسماعيل بن جابر، لا خثعمي ولا جعفي. وهذا هو الذي يروي عنه المتأخّرون من أصحاب الأئّمة، يعني أصحاب الإمام الرضا والجواد. 

وهذا إسماعيل بن جابر موجود في كتب الرجال؟ أمّا لدى النجاشي فغير موجود؛ لأنّه ليس له أصل وكتاب، وهو إنّما هو يذكر أصحاب المصنّفات. 

ــــــــــ[141]ــــــــــ

(1) وهو الجعفي بعنوانه. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وأمّا الشيخ لم يذكره في (الفهرست) أيضاً؛ لأنّه ليس له مصنّف، وأمّا في (الرجال)(1) فقد ذكر شخصاً بعنوان إسماعيل بن جابر في أصحاب الإمام الكاظم. 

فإنَّ الشيخ في الرجال ذكر إسماعيل بن جابر الخثعمي في أصحاب الإمام الباقر ووثقه، وقال: إنّه صاحب أصل أو كتاب(2). وذكر الخثعمي أيضاً في أصحاب الصادق(3) ثُمّ ذكر إسماعيل بن جابر بقول مطلق في أصحاب الإمام الكاظم وحُمِل هذا عند الأعلام على أنَّ إسماعيل بن جابر هو الأوّل، بقرينة قوله: (وقد روى عنهما أيضاً) يعني الإمام الصادق والباقر.

وبمقتضى هذه القرينة الفنيّة أنَّ هناك شخص آخر غير الأوّل اسمه إسماعيل بن جابر غير الخثعمي. إذن، لماذا لم يذكره في أصحاب الإمام الصادق والباقر، مع أنّه هو يعتقد أنّه روى عنهما. إذن، لعلّه اكتفى بهذا التعبير (أنّه روى عنهما) ولم يذكر هنا أنّه صاحب أصل أو كتاب حتّى يأتي الأشكال أنّه لماذا لم يُذكر في (الفهرست)، أو كتاب النجاشي.

نعم يأتي الإشكال من ناحية أنّه يقول: (روى عن الباقر)، مع انّه لم يروِ عن الباقر، فهذا يكون قرينة على عدم صحّة هذا الكلام من الشيخ وقوع الخطأ في نسبة هذا الكلام إلى الشيخ. هذا المطلب مظنون في المقام.

ــــــــــ[142]ــــــــــ

(1) انظر: رجال الطوسي: 331، ترجمة إسماعيل بن جابر، الرقم 13. 

(2) انظر: المصدر نفسه: 124، الرقم 18. 

(3) انظر: المصدر نفسه: 160، الرقم 93.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

على أيّ حال هذا ظنّ لا يمكننا القطع به، ولا يترتّب عليه أثر فيما هو محلّ الكلام.

هذا الظنّ بنفسه يمكن أن نصوغه بنحو يكون مؤثّراً فيما هو محلّ الكلام في شخص هذه الرواية، في رواية أحمد بن محمد بن عيسى، فنقول: إنَّ أحمد بن محمد بن عيسى، الذي يروي عنه إسماعيل الجعفي، إمّا أن يكون إسماعيل الجعفي هذا، وهو غير إسماعيل بن جابر الجعفي والخثعمي المعروف المشهور. أو أن يكون شخصاً آخر على طبق هذا الظنّ الذي بيّناه الآن. إذن، فهو شخص آخر لم يعرف وثاقته وعدمها. وإمّا أنَّ يكون أحمد بن محمد بن عيسى في كتاب (النوادر) قد أسقط الواسطة في المقام، أو أن يكون هذا الخبر مرسلاً. 

وذلك؛ لأنّه من البعيد جداً أن يكون المراد من إسماعيل الجعفي الذي يروي عنه أحمد بن محمد بن عيسى هو إسماعيل بن جابر، ومع هذا لم يسقط الواسطة، يعني روى عنه مباشرة. هذا المطلب بعيد؛ وذلك لعدّة أمور: 

القرينة الأولى: أنَّ أحمد بن محمد بن عيسى في روايات عديدة يروي عن إسماعيل بن جابر بواسطة البرقي. الذي هو من أصحاب الجواد والرضا.

القرينة الثانية: أنّه لم يعهد من أحمد بن محمد بن عيسى في الفقه كلّه أنّه روى عن الإمام الصادق بواسطة واحدة، بل في جميع رواياته بمقدار تتبّعي في الكتب الأربعة إمّا أن يروي بواسطتين، أو ثلاث وسائط. وفي خصوص هذه الرواية يروي بواسطة واحدة هو اسماعيل الجعفي، وتاريخ أحمد بن محمد بن عيسى يقتضي أن يروي هكذا: بواسطتين أو ثلاث؛ لأنَّ الإمام الصادق 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

توفي (148) وابن عيسى كان حياً إلى سنة (274) إذن فالفاصل بينه وبين الإمام الصادق (126) ومع هذا الفاصل من المستبعد جداً أن يكون الواسطة واحداً. إلَّا أن يفرض طول عمر مهمّ فيه وفي الواسطة. 

القرينة الثالثة: أنَّ أحمد بن محمد بن عيسى في كتاب (النوادر) الذي ينقل في (الوسائل). يقول في (الوسائل) عنه وعن الحلبي إذ ينقل حديث الرفع بصيغة أخرى عنه وعن الحلبي، وهذا إشكال؛ لأنَّ الحلبي من أصحاب الإمام الباقر، وصرّح بعض علماء الرجال أنّه توفي في أيام الإمام الصادق. فيصير الحلبي من قبيل إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي الذي لا تحتمل رواية أحمد بن محمد بن عيسى عنه. مع أنّه نقلها في سياق واحد. 

إذن، كون هذه الرواية مردفة برواية أخرى مردفة برواية أخرى بالإرسال، وإسقاط الواسطة يقوي احتمال إسقاطها أيضاً. 

القرينة الرابعة: أنَّ الشيخ، والنجاشي كلاهما في طريقهما إلى إسماعيل بن جابر الذي هو الخثعمي، في اصطلاح الشيخ والجعفي في اصطلاح النجاشي. سندها إليه ينتهي إلى محمد بن عبيد عن صفوان عن إسماعيل بن جابر، ومحمد بن عيسى بن عبيد، من مشايخ أحمد بن عيسى ويروي هذا عنه كثيراً. فمن يروي عنه أحمد بن محمد بن عيسى هو يروي بالواسطة عن إسماعيل بن جابر وهو صفوان. فكيف فجأة قفز أحمد بن محمد بن عيسى فأصبح يروي بلا واسطة عن إسماعيل بن جابر مع شهادة سند النجاشي والشيخ بأنَّ شيخ أحمد بن محمد بن عيسى، يروي بالواسطة عنه. 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [التحقيق في القرينة]

فالإنصاف أنَّ هذا ممّا ينبغي الاطمئنان به، وهو أنّه إما أن يكون إسماعيل الجعفي هو شخص آخر، وأمّا أن يكون أحمد بن عمر بن عيسى قد أسقط الواسطة في المقام. 

وممّا يعزّز به المقام: أنَّ بعض المدقّقين كصاحب (جامع الرواة) في مسألة أخرى في رواية من روايات الكرّ، وهكذا أسند تلك الرواية: البرقي عن عبد الله بن سنان بن إسماعيل بن جابر. هناك قال: بأنَّ البرقي لا يمكن أنَّ يكون راوياً عن عبد الله بن سنان، الذي هو راوٍ عن إسماعيل بن جابر فيجب أن يكون هذا محمد بن سنان(1)؛ لأنَّ البرقي لا يناسب طبقته أن يروي عن عبد الله بن سنان، الذي يروي عن إسماعيل بن جابر، والبرقي ممّن يروي عن أحمد بن محمد بن عيسى. إذن، فالذي يروي عنه أحمد بن محمد بن عيسى لا يناسب أن يكون راوياً لمن يروي عن إسماعيل بن جابر الجعفي.

فيُطمَأَن بهذا وهو إمّا أن هذه الرواية فيها سقط وإرسال، وإمّا أن يكون هذا الشخص مجهولاً. وحينئذٍ فالرواية ساقطة عن الحجّيّة. 

وبناءً على هذا فقد سقط حديث الرفع؛ حيث إنّه لا يوجد هناك سند صحيح بالنسبة إلى هذا الحديث. 

نعم، أصل حديث الرفع قد يقال إنّه كثير ومطمأن به، لكن القدر المتيقّن منه لا يدخل فيه “رفع ما لا يعلمون“؛ لأنّه روي (رفع ثلاثة) بالسند الصحيح. إذن، 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

(1) انظر: جامع الرواة 1: 94، ترجمة إسماعيل بن +جابر، الرقم 637.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

فحديث الرفع كدليل من أدلّة في قبال الإخباريين سقط عن الحجّيّة في المقام.

طرق تصحيح حديث الرفع 

تلخّص مما حقّقناه، أنَّ رواية أحمد بن محمد بن عيسى التي كان هناك أمل في تصحيحها، لا مناص من الالتزام بورود الإشكال الأوّل على سنده، وهو أنّ إسماعيل الجعفي، إمّا أن يكون مهملاً غير معروف الحال. وإمّا أن يكون في الرواية إرسال. 

والإشكال الثاني في السند، سواءٌ اندفع أو لم يندفع، لا أثّر له بالنسبة إلى تصحيح هذه الرواية. 

ولكن رواية (الخصال) التي ذكرها الصدوق في (التوحيد). وإن عبّر الشيخ الأعظم بأنَّ الصدوق ذكرها بسند صحيح في (الخصال)، وتّبعه المتأخّرون عنه، حتّى السيد الأستاذ، الذي لا يرى أحمد بن محمد بن يحيى. إلَّا أنَّ هذا السند غير صحيح؛ لأنَّ ابن يحيى هذا لم يثبت توثيقه. وتعبير الشيخ الأعظم بأنَّ الصدوق ذكره بسند صحيح لعلّه مبني على انّه يرى صحّة أحمد بن محمد بن يحيى؛ باعتباره من مشايخ الإجازة الثلاثة(1) كما هو المعروف بين جملة من الأكابر. وتعبير المتأخّرين كالسيّد الأستاذ وغيره؛ ذلك لعلّه من باب المتابعة للشيخ الأعظم. 

[الطريق الأوّل في تصحيح الرواية]

على أيّ حال سند الصدوق في (الخصال) لهذه الرواية غير صحيح بهذا 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

(1) يعني لأحدهم بنحو العموم الانحلالي، (المحاضرة). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

المعنى. إلَّا أنّه مع هذا يمكن تصحيح الرواية، بطريقة من طرائق اللف والدوران. تصحيح الرواية يكون بأحد طريقين: 

الطريق الأوّل يتوقّف على مقدّمات ثلاث: 

المقدّمة الأولى: أنَّ الصدوق ذكر هنا الرواية في ثلاثة من كتبه في (التوحيد)(1)، مسندة بهذا الإسناد غير صحيح، وفي (الخصال)(2) مسندة بنفس هذا الإسناد وإن وقع خطأ في نسخة (الخصال) المطبوعة حيث جاء فيها بدلاً عن أحمد بن محمد بن يحيى، محمد بن أحمد بن يحيى وهذا غير معقول. وذكرها في (الفقيه)(3) مرسلة بعنوان: قال الصادق. 

ونريد في هذه المقدّمة أن ندّعي أن الظنّ الاطمئناني قاضٍ، بأنَّ الصدوق في هذه الرواية المرسلة التي ذكرها في (الفقيه)، اعتمد على ذلك السند الذي صرّح به في (الخصال) و(التوحيد). إمّا نظره إليه وحده، أو هو مع غيره إن كان هناك سند آخر. لا نحتمل عادة احتمالاً مهمّاً، وأنَّ الصدوق حينما ذكر هذه الرواية مرسلة في (الفقيه)، كان نظره إلى سند آخر قاطعاً النظر عن ذلك السند الآخر؛ وذلك لأنَّ هذا السند بقرينة ذكره له في كتابين من كتبه (الوتحيد)، و(الخصال)، والاقتصار عليه في كلّ من الكتابين. نعرف أنَّ هذا سند كان ملحوظاً للصدوق في نفسه بالنسبة إلى هذه الرواية. فحينما ينقل نفس المتن في (الفقيه)، مع إسقاط 

ــــــــــ[147]ــــــــــ

(1) انظر: توحيد الصدوق: 353، الباب 56، باب الاستطاعة، الحديث 24. 

(2) انظر: الخصال 2: 417، باب التسعة: رفع عن هذه الأمّة تسعة أشياء، الحديث 9.

(3) انظر: من لا يحضره الفقيه 1: 59، باب من ترك الوضوء أو بعضه، الرقم 132.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

السند، يغلب على الظنّ أن يكون قد لاحظ نفس ذلك السند الذي كررّه مرتين في كتابين له. 

فبناءً على هذا الظنّ الاطمئناني، كأن الصدوق كرّر في نفس الرواية بنفس السند. غاية الأمر أنَّ السند في (الفقيه) مستتر، وهناك بارز وظاهر.

المقدّمة الثانية: أن نقول: بأنَّ هذه الرواية التي أرسلها الصدوق في(من لا يحضره الفقيه)، والّتي أظهر سندها في (التوحيد) و(الخصال).

هذه الرواية مأخوذة من كتاب من كتب هؤلاء الرواة، لا أنّها مأخوذة مشافهة لساناً من لسان، حتّى يصل إلى الإمام، بل قبل أن يصل إليه هي مأخوذة من كتاب؛ بقرينة ما صرّح به الصدوق في أوّل (الفقيه)، بأنَّ جميع الروايات التي سوف أوردها مأخوذة من المصنّفات، والكتب المشهورة، والّتي عليها المعوّل(1)

بعد دعوى إطلاق مثل هذه العبارة، حتّى الروايات التي لم يصرّح بسندها. يدّعى بأنَّ ظاهر العبارة: أنَّ تمام الروايات التي ذكرتها، واعتمدت في مقام ذكرها على أسانيد معيّنة مأخوذة من كتب هؤلاء الرواة. سواءٌ ذكرت السند أم لا. من كتاب الراوي أو من كتاب من ينقل عن الراوي، بلا واسطة أو مع الواسطة على أن يكون كتاباً مشهوراً. 

وهاتان المقدّمتان ينتجان -لو تمّتا- بأنَّ رواية حديث الرفع المرسلة التي ذكرها الصدوق في (الفقيه)، قد أخذها من كتاب أحد سلسلة هذا السند. 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

(1) انظر: من لا يحضره الفقيه 1: 2، المقدّمة.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

المقدّمة الثالثة: وحاصلها: أنَّ هذا السند يبدأ بأحمد بن محمد بن يحيى، وهو ليس له كتاب فإنّه من مشايخ الإجازة، ومن بعده يعني سعد بن عبد الله، وبعده يعقوب بن يزيد، وبعده حماد بن عيسى، وبعده حريز. وهؤلاء كلّهم أصحاب مصنّفات وأصول. 

إذن، فهذه الرواية قد أخذها الصدوق من كتاب أحد هؤلاء. وذكرها في(من لا يحضره الفقيه). وإن كنّا نرجّح أن يكون قد أخذها من كتاب يعقوب بن زيد. بقرينة أنّه في (الخصال) يقول: حدّثنا محمد بن أحمد(1) بن يحيى العطّار قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن يعقوب. ومعلوم من (الخصال) و(التوحيد) أنّه يكرّر (حدّثنا) ما دامت الرواية مأخوذة بالمشافهة، حتّى إذا وصل المطلب إلى الكتاب ينقلب (حدّثنا) إلى(عن). ثُمّ يقول وبالإسناد نفسه عن فلان. فكأنّ هذا الإسناد هو إسناد المشافهة، وذاك هو صاحب الكتاب. وهذه هي الطريقة العامّة في (التوحيد)، و(الخصال) على ما تتبّعناه. فنرجّح أن يكون المنقول عن يعقوب بن زيد. 

وعلى أيّ حال سواءٌ كان المنقول عنه يعقوب بن يزيد، أو سعد بن عبد الله، أو حماد بن عيسى، أو حريز بن عبد الله. فإنَّ الشيخ في مشيخة (الفقيه) له طريق صحيح إلى كلّ واحد من هؤلاء. 

فينتج من هذه المقدّمات أنَّ الصدوق نقل الرواية في الفقيه، من أحد هؤلاء، وفي مشيخة (الفقيه) يذكر له طريقاً إلى جميع الروايات التي أخذها في 

ــــــــــ[149]ــــــــــ

(1) بالعكس. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 (الفقيه) من كتب هؤلاء. فيثبت بذلك صحّة الرواية بعد تماميّة هذه المقدّمات الثلاث(1). هذا هو الطريق الأوّل. 

[والطريق الثاني:]

الذي هو أمتن وأوضح من المثال الأوّل. والذي لا يتوقّف على استظهار، يكون محلّاً للكلام طبقاً لذوق المستظِهر هو: أنَّ الشيخ الطوسي في فهرسته يذكر له طريقاً صحيح إلى سعد بن عبد الله، وهو الشخص الذي يروي عنه أحمد بن محمد بن يحيى العطّار حديث الرفع(2). يقول: (أخبرنا بجميع كتبه ورواياته فلان عن فلان…الخ)، وهو طريق صحيح. وقد قلنا قبل ذلك أن َّمقصود الشخص حينما يقول: أخبرنا بجميع كتبه ورواياته، يعني ما وصل إليّ من الكتب والروايات المنسوبة إليه.

ونحن نعلم أنَّ رواية الرفع هذه التي كتبها الصدوق، ونقلها من أحمد بن محمد بن يحيى عن سعد، هي من جملة الروايات المنسوبة إلى سعد بن عبد الله(3)، وقد وصلت إلى يد الشيخ، بقرينة أنَّ الشيخ يروي كتاب (الخصال) و(التوحيد) عن الصدوق بسند معتبر. وصاحب (الوسائل) يروي كتاب (التوحيد) 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

(1) وجهة الضعف في هذا الطريق في المقدّمة الثانية، وهو استظهار الإطلاق بين ما صرّح باسمه، أو ما ذكرته عن فلان ولو مستتراً، يعني ما أخذته من فلان. (المحاضرة) (إجابةً على سؤال). (المُقرِّر). 

(2) انظر: الفهرست 215: باب سعد بن عبد الله، الرقم 316. 

(3) بشهادة الصدوق؛ لأنّه ينقلها عن أحمد بن محمد بن يحيى عنه. (المحاضرة). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

و(الخصال) بطريق الشيخ. إذن، فقد وصل الكتابان إلى الشيخ، وفيهما يوجد رواية عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد الله. إذن، فحديث الرفع هو من جملة الروايات المنسوبة إلى سعد بن عبد الله، والّتي وصلت إلى يد الشيخ الطوسي؛ باعتبار وصول كتاب (الخصال) و(التوحيد) إليه. إذن، فيدخل تحت عموم قوله أخبرني بجميع كتبه ورواياته. والسند معتبر في المقام(1).

وخصوصاً إذا التفتنا أنَّ هذا السند المعتبر، قد وقع فيه الصدوق (رضوان الله عليه). وفي طريق الشيخ إلى سعد بن عبد الله، وقع الصدوق الذي هو راوي هذه الرواية.

إذن، هذا البيان الثاني في عقيدتي، في غاية اللطافة، والوضوح، والبساطة.

الشيخ يقول(2): (أخبرنا بجميع كتبه ورواياته عدة من أصحابنا(3) عن محمد بن علي بن الحسين -يعني الصدوق- عن أبيه، ومحمد بن الحسن عن سعد بن عبد الله). وظاهر هذه العبارة أنَّ كلّ واحد من هؤلاء أخبر الآخر بجميع كتبه، ورواياته. ومن المعلوم أنَّ من جملة الروايات التي أخذها الصدوق، هذه الروايات فهي مشمولة له. 

وحتّى يقطع النظر عن وجود الصدوق في السند، يكون هذا الوجه تامّاً في نفسه. 

ــــــــــ[151]ــــــــــ

(1) إذن، فحديث الرفع ممّا أخبر به الشيخ الطوسي بسند صحيح عن سعد بن عبد الله، (المحاضرة). (المُقرِّر).

(2) انظر: الفهرست، المصدر السابق. 

(3) وهذه عبارته كان سيّدنا الأستاذ يقرأها من ورقة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

إن تمّ الطريق الأوّل أو لم يتمّ؛ لأنّه دائر مدار الاستظهار من عبارة الصدوق في المقدّمة الثانية، فهذا الطريق الثاني لا إشكال في تماميّته. وعليه فتكون رواية (الخصال) صحيحة، لا بالسند المذكور فيها كما ذكر الشيخ والمتأخّرون عنه، بل بهذه الطريقة من الدوران. وتصحّ رواية التسعة. 

هذا تمامّ كلامنا في سند حديث الرفع. 

بقي علينا استعراض نظرية التعويض، التي قلنا بأنّها تصحّح إسناد الشيخ إلى أحمد بن عيسى. وأنا أرى أنّه من المستحسن التعرّض إلى ذلك؛ لأنَّ نفس ما صنعناه اليوم هو أحد أساليب التعويض بحسب الحقيقة. 

الكلام في نظريّة التعويض وطرائقه 

قلنا: إنّه قد يتّفق أنَّ يكون السند ضعيفاً، لو لوحظ رجاله في شخص رواية معيّنة. إلَّا أنّه بطريقة من طرائق التعويض يُعوّض عن هذا الضعيف بغيره، فيصبح السند معتبراً حينئذٍ. ومشمولاً لأدلّة الحجّيّة.

[طرق التعويض]

وهذا التعويض يمكن أنّ يتمّ بعدّة وجوه:

[الطريق الأوّل]

أن يُفرَض أنَّ الشيخ الطوسي يروي رواية بسنده إلى أحمد بن محمد بن عيسى. ونفرض أنّه وقع في طريقه إليه أحمد بن محمد بن يحيى، الذي لم يثبت وثاقته. إلَّا أنّه وقع بين ابن يحيى وابن عيسى شخص ثقة، سواءٌ كان قد وقع 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

بعد غير الثقة مباشرة، أو وقع بعده ولو بالواسطة. كمحمد بن علي بن محبوب، الذي وقع بعد أحمد بن محمد بن يحيى(1). ونفرض أنَّ الشيخ له طريق آخر مستقلّ إلى محمد بن علي بن محبوب، في فهرسته مثلاً له طريق إلى جميع روايات وكتب محمد بن علي بن محبوب.

وحينئذٍ نشطب على الأشخاص الّذين وقعوا في شخص هذه الرواية بين الشيخ الطوسي وابن محبوب، الّذين فيهم ابن يحيى، ونعوّض عنهم بالسند المعتبر الصحيح الذي ذكر إلى جميع روايات وكتب محمد بن علي بن محبوب. وبهذه العمليّة نحصّل سنداً صحيحاً لرواية الشيخ التي ينقلها عن أحمد بن محمد بن عيسى.

ذلك؛ لأنَّ الشيخ في إسناده الصحيح إلى بن محبوب يقول: (أخبرني بجميع كتبه ورواياته)، ومعناه: أخبرني بجميع ما وصل إليّ من الكتب والروايات المنسوبة إلى محمد بن علي بن محبوب. ومن المعلوم أنَّ من جملة الروايات المنسوبة إليه هي تلك الروايات التي وقع في طريقها ابن يحيى(2) والّتي يرويها عن ابن محبوب عن ابن عيسى. إذن، فهي مشمولة بقوله: (أخبرني بجميع كتب وروايات محمد بن علي بن محبوب فلان عن فلان). فهذا السند للشيخ إلى ابن محبوب يروي تمام ما يُنسب إلى ابن محبوب، ومن جملته الرواية التي يرويها ابن يحيى عنه.

ــــــــــ[153]ــــــــــ

(1) في المحاضرة (ابن عيسى) وهو سهو. (المُقرِّر). 

(2) كان الأستاذ يلتزم أن يأتي بأسماء الرواة كاملة، ولكنّنا ذكرناها مختصرة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

إذن، فقد أصبحت الرواية صحيحة، وعوِّض عن أحمد بن محمد بن يحيى بالسند الآخر. 

ومرجع هذا التعويض، بحسب الحقيقة، إلى وجدان شخص ثقة بعد الضعف، ويكون للشيخ سند صحيح إلى جميع كتب وروايات إليه. وبهذا الطريق تصحّ جميع روايات الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى بالرغم أنّه وقع فيها أحمد بن محمد بن يحيى؛ لأنّه بعده وقع محمد بن علي بن محبوب في بعض الأسانيد، ومحمد بن الحسن الصفّار في بعضها، وللشيخ طرق صحيحة إلى هذين الثقتين الجليلين. 

[الطريق الثاني]

الطريق الثاني للتعويض، لعلّه عكس الأوّل. 

وهو أن نجد في هذه الرواية التي وقع فيها ضعف، نجد شخصاً ثقة قبل الضعف لا بعده. بحيث لا يوجد أيّ ضعف من الشيخ إلى ذاك الثقة وإنّما وجد الضعف بعد ذلك الثقة. بينه وبين الإمام. وحتّى نفرض أنَّ ذاك الثقة له كتاب فيه فهرست بمشايخه، أو إجازاته، ويكون له طريق إلى جميع كتب وروايات أحمد بن محمد بن عيسى. ويُفرض أنَّ ذاك الطريق صحيح. 

هنا، أيضاً نلفّق ونشطب على الجزء الثاني من السند، الذي بين الثقة وبين ابن عيسى، ونعوض عنه بطريق ذاك الثقة إلى الإمام، أو إلى ابن عيسى. 

ولنفرض أنَّ الصدوق هو الشخص الثقة، الذي وقع قبل الضعف، فمن الشيخ إلى الصدوق في هذه الرواية صحيح، ومعناها أنّنا نجزم ولو تعبّداً بأنَّ 

ــــــــــ[154]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الصدوق قد نقل هذه الرواية عن أحمد بن محمد بن يحيى، وإنّما الإشكال في صدق ابن يحيى نفسه. إذن، فروايات أحمد بن محمد بن عيسى المرويّة بطريق ابن يحيى هي من الروايات الواصلة إلى الصدوق جزماً؛ بشهادة الشيخ الطوسي. إذن، ففي حالة الصدوق هناك روايات منسوبة إلى أحمد بن محمد بن عيسى مرويّة بطريق أحمد بن محمد بن يحيى.

نفرض أنَّ الصدوق له كتاب كتَبَ فيه: أخبرني بجميع كتب وروايات بن عيسى، أيّ عن محمد بن يحيى(1) عن أحمد بن محمد بن عيسى وهذا طريق صحيح.

ومعناه: أخبرني بجميع ما وصل إليّ من الكتب والروايات المنسوبة إلى أحمد بن محمد بن عيسى فلان عن فلان. ومن جملة هذه الروايات المنسوبة الواصلة إلى الصدوق بشهادة الشيخ الطوسي عن الشيخ المفيد عن الصدوق. هي الروايات التي ينقلها أحمد بن محمد بن يحيى، عن محمد بن عيسى، فيشملها حينئذٍ إطلاق شهادة الصدوق.

[الطريق الثالث]

وهو أن نعوّض عن تمام السند: وهذا يكون فيما إذا فُرِض أنَّ الشيخ كان له سند غير صحيح إلى شخص، ونفرض أنَّ الطريق الأوّل والثاني غير موجود، يعني لم نستحصل ثقة قبل الضعف يكون له طريق إلى أحمد بن محمد بن عيسى، كما في الطريق الثاني، ولا ثقة بعد الضعف يكون للشيخ طريق إليه الذي هو الطريق الأوّل. 

ــــــــــ[155]ــــــــــ

(1) الشخص الضعيف هو أحمد بن محمد بن يحيى، فلاحظ. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

لكن هنا شخص آخر ثقة هو النجاشي -مثلاً-، له طريق إلى أحمد بن محمد بن عيسى في فهرسته. لكن من حسن الصدفة أنَّ النجاشي له طريقين لابن عيسى. فيقول: -مثلاً- أخبرني بجميع كتبه ورواياته فلان عن فلان، ويذكر نفس طريق الشيخ الذي فيه الضعف، ثُمّ يقول: وأخبرني بها فلان عن فلان، وهو طريق صحيح. 

حينئذٍ هكذا نقول: بأنَّ ظاهر كلام النجاشي: أنَّ تمام المنقول بالطريق الأوّل منقول بالطريق الثاني، وقد ثبت بشهادة الشيخ أنَّ هذه الرواية منقولة بالطريق الأوّل. فتكون لا محالة منقولة بالطريق الثاني. 

ولأجل أن يتمّ هذا لا بُدّ وأن نفرض: أنَّ النجاشي في فهرسته عدّد كتب أحمد بن عيسى بأسمائها، ثُمّ يقول: أخبرنا بهذه الكتب فلان عن فلان إلى بن عيسى، ثُمّ يقول: وأخبرنا بها فلان عن فلان. بحيث تكون نفس الكتب مذكورة هناك. فيثبت بذلك أنَّ نفس النسخة للكتاب، الذي ينقل عنه الطريق الأوّل ينقل عنه الطريق الثاني. لا أنَّ الطريق الثاني ينقل عن نسخة تختلف عن النسخة التي ينقل عنها الطريق الأوّل. 

فيكون ظاهر كلام النجاشي: أنَّ نفس الكتاب بنفس النسخة التي أخبرنا بها الطريق غير الصحيح المشترك ما بين الشيخ والنجاشي أخبر بها الطريق الصحيح. وحينئذٍ فيثبت بذلك أنَّ الرواية التي ينقلها الشيخ عن نسخة كتاب (النوادر) لأحمد بن محمد بن عيسى. وهذه الرواية صحيحة.

وذلك: أنَّ هذه الرواية ينقلها الشيخ عن النسخة الموجودة عنده، وهي 

ــــــــــ[156]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

كتاب بن عيسى بشهادة الطريق الأوّل. والنجاشي يقول: بأنَّ نفس ما شهد الطريق الأوّل بأنّه كتاب بن عيسى يشهد الطريق الثاني بأنّه كتابه. إذن، فقد اتّحدت الشهادتان. 

فنستطيع بهذا أنَّ نعوِّض عن سند بكامله بسند بكامله، فنحصّل سند النجاشي مكان سند الشيخ(1)

بهذا الطريق الثالث يُصحّح طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال، فإنَّ طريق الشيخ إليه فيه الزبيدي، وهو لم يثبت وثاقته. قال في (الفهرست) ص111: “أخبرنا بجميع كتبه قراءةً عليه أكثرها والباقي إجازة أحمد بن محمد بن عبدون، وعن علي بن محمد بن الزبير سماعاً وإجازة عنه”(2) إلَّا أنَّ النجاشي في فهرسته له طريقان إلى نفس كتب على بن الحسن بن فضّال التي للشيخ طريق إليها نفس الكتب بعددها، ثُمّ يقول: أخبرني بها فلان عن فلان نفس ذاك الطريق، ثُمّ ينقل طريقاً آخر صحيحاً. وظاهر كلام النجاشي هنا أنَّ نفس النسخة التي شهد الطريق الأوّل بها، شهد الطريق الثاني بها، والمفروض أنَّ 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الاخوان: من الذي قال بأنَّ نسخة الشيخ نسخة النجاشي. 

فأجاب: باعتبار أنَّ الناقل المباشر للشيخ والنجاشي يكون ثقة، وإنّما الضعف في أحمد بن محمد بن يحيى. -مثلاً- النجاشي والشيخ كلاهما نقل لهما استاذهما الشيخ المفيد، وهو نقل عن أحمد بن محمد بن يحيى. 

ثُّمّ قال: فشرط هذا الطريق أن يكون الشخص الأوّل ثقة. (المُقرِّر). 

(2) انظر: الفهرست: 272، ترجمة علي بن الحسن، الرقم 392.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

النسخة التي شهد بها الطريق الأوّل للنجاشي نفس النسخة التي شهد بها للشيخ الطوسي.

 إذن، فتّتحد نسخة الطوسي مع النسخة التي شهد بها الطريق الثاني للنجاشي، وهذا الطريق يصحّح به طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضّال. 

[مناقشة الطريق الثالث]

يبقى في هذا الطريق مناقشة واحدة: 

وحاصلها: أنَّ عبارة النجاشي هكذا: “أخبرنا بجميع كتب فلان عن فلان، وأخبرنا بكتبه فلان عن فلان”، أليس يجب أن نستظهر وحدة الطريقين، وأن يكون المنقول بالثاني عين المنقول بالأوّل، لو أنَّ إنساناً أبدى هذا الاحتمال، وهو أن يكون مقصوده -يعني النجاشي- بقوله وأخبرنا بكتبه يعني: بعناوين كتبه لا بواقع كتبه، يعني أخبرنا بأحواله وبأسماء مؤلّفاته. حينئذٍ، لا يمكن تتميم هذا الطريق وتطبيقه على علي بن الحسن بن فضّال؛ وذلك لأنّه من قال حينئذٍ بأنَّ واقع الكتب المخبَر بعناوينها في الطريق الثاني هو نفس واقع الكتب المخبَر بها في الطريق الأوّل فيعود الإشكال على حاله. 

ولا يقال: بأنّه لو تمّ هذا الإشكال في عبارة النجاشي. إذن، فيلزم الإشكال حتّى في تصحيح طرق الشيخ في المشيخة، لو فُرض أنّه وجد طريق صحيح في (الفهرست). في المشيخة ينقل لنفسه طريقاً غير صحيح عن (حريز)، وفي (الفهرست) ينقل عنه طريقين، أو ثلاثة بعضه صحيح. هنا لا إشكال أنّنا نصحّح طريقة إلى (حريز) بلحاظ كتابه الآخر وهو (الفهرست)، ولا نشترط 

ــــــــــ[158]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

أن يكون خصوص ما في المشيخة صحيحاً. 

مع هذا الاحتمال أيضاً يجري هنا، إذ يُقال أنَّ قوله في (الفهرست): “وأخبرنا بكتبه”، لعلّ الطريق الصحيح، أخبره بعناوين الكتب لا بواقعها. 

جواب مناقشة الطريق الثالث

هذا جوابه أنّه كثيراً ما لا يكون هذا الاحتمال موجوداً بالنسبة إلى كتاب (الفهرست)؛ لأنّه يعبّر هكذا: (أخبرنا بجميع كتبه ورواياته..) (وأخبرنا به). وحينما تعطف الروايات على الكتب، لا نحتمل أن يكون المراد عناوين الروايات؛ إذ لا معنى للعناوين هنا في قبال الواقع، فيسري هذا الظهور إلى الكتب، يعني: بواقع كتبه، وحينما يختصّ الكلام بالكتب، يوجد احتمال الأخبار بواقعها، واحتمال الأخبار بعناوينها. 

ومن باب الصدفة، أنّه في ترجمة على بن الحسن بن فضال، لم يعبّر النجاشي ويقول: أخبرنا بجميع كتبه وروايات. وإنّما قال: أخبرني بكتبه فلان بن فلان. 

وعلى أيّ حال فهذا الإشكال(1) في الصغرى لا في الكبرى، وكبرى هذا الطريق الثالث صحيح. 

[الطريق الرابع للتعويض]

وهو أوسع من الطرق الثلاثة الأُوَل. 

وحاصله: أنّنا إذا وجدنا طريقاً من الشيخ ضعيفاً إلى أحمد بن محمد بن 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

() قال سيّدنا الأستاذ حول الإشكال: أنا أحتمل عدم صحّته، لكن حتّى الآن ليس عندي بيان لعدم صحّته. (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

عيسى، لكن طريق الصدوق في المشيخة إليه صحيح. إذن، فنقول بصحّته. سواءٌ كان الصدوق داخلاً، في طريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى، أو لم يكن داخلاً. ولا يتوقّف على دخوله، كما هو الحال في الطرق السابقة. 

وذلك(1): على اعتبار أنَّ طريق الشيخ إلى الصدوق يكون صحيحاً. فيتلفّق بطريق الشيخ إلى الصدوق، والصدوق إلى أحمد بن محمد بن عيسى طريق صحيح. 

[إشكال على الطريق الرابع]

وهنا يأتي إشكال واضح وحاصله: بأنَّ الشيخ في المشيخة يذكر طرق الروايات التي كتبها في كتابه، وهذه الرواية الضعيفة التي نريد أن نصحّحها غير موجودة في كتاب الصدوق، وإلا لعملنا بها ابتداءً، وإنّما هي موجودة في كتب (التهذيب) للشيخ الطوسي. إذن، فمن قال أنّ هذه الرواية التي في (التهذيب) يرويها الصدوق أيضاً بذلك الطريق الصحيح عن أحمد بن محمد بن عيسى. 

غاية ما يثبت في مشيخة (الفقيه)، أنَّ الصدوق يروي ما جاء في (الفقيه) بالطريق الصحيح إلى أحمد بن عيسى، لا أنّه يروي ما جاء في تهذيب الشيخ الطوسي عن أحمد بن محمد بن عيسى بالطريق الصحيح. 

[جواب الإشكال]

هذا الإشكال في مقام جوابه، لا بُدّ وأن يتمسّك بما ذكره الشيخ الطوسي من الحوالة في آخر (التهذيب)، وآخر (الاستبصار) معاً. فإنّه هناك بعد أن ذكر 

ــــــــــ[160]ــــــــــ

(1) تفريع على قوله: نقول بصحّته. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

مشيخته، وطرقه إلى أصحاب المصنفّات والأصول قال: “-وهذه عبارة (التهذيب)، وتشبهها جداً عبارة (الاستبصار)-. وقد وردت جملاً من الطُرق إلى هذه المصنّفات والأصول، ولتفصيل ذلك شرح يطول هو مذكور في الفهارس المصنّفة في هذا اللباب للشيوخ رحمهم الله من أراده أخذه من هناك إن شاء الله”(1). انتهى. 

فهذه حوالة على الكتب المصنّفة في الفهارس من قبل أصحابنا الأخيار. مدّعي ظهور هذه العبارة، في أنّها حوالة على الفهارس التي بيّن فيها الأصحاب المشايخ طُرقهم إلى أصحاب المصنّفات والأصول، ومن المعلوم أنَّ الصدوق هو القدر المتيقّن من هذا العنوان المنظور إلى الشيخ الطوسي في مقام الحوالة.

[والتحقيق]

نعم، مشيخة الصدوق، بحسب مدلولها اللفظي، مشيخة لخصوص الروايات الموجودة في كتاب (الفقيه)، لكن بلحاظ هذه الحوالة من الشيخ الطوسي بعد استظهار إطلاقها وعدمها في المقام. نعرف أنَّ نفس طُرق الصدوق إلى أصحاب المصنّفات، موجودة للشيخ الطوسي أيضاً بالنسبة إلى الروايات التي ذكرها في (التهذيب)؛ باعتبار انتهائه إلى الصدوق. 

فهذا الطريق الرابع لا يتمّ، إلَّا بعد استظهار هذا الإطلاق من هذه الحوالة الموجودة في آخر كتاب (التهذيب) والاستبصار. هذا هو الطريق الرابع للتعويض. 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

(1) انظر: تهذيب الأحكام – المشيخة10: 88.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وعلى أيّ حال فنحن بالنسبة إلى حديث الرفع لا نحتاج إلى روايات أحمد بن محمد بن عيسى، وإنّما نحتاج إلى رواية (الخصال)، التي أثبتنا صحّتها بالتعويض بشكل من الأشكال. وعليه فحديث: “رفع عن أمّتي تسعة” تامّ سنداً ودلالة. 

وبعد هذا يقع الكلام في حديث: “ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم“. 

في الاستدلال بقوله: الناس في سعة ما لم يعلموا 

من الروايات المستدلّ بها في المقام، قوله -إنَّ صحّت الرواية-: “إِنَّ النَّاسَ‏ فِي‏ سَعَةٍ مَا لَمْ يَعْلَمُوا”(1).

تقريبات الاستدلال بالحديث 

وتقريب الاستدلال بها على أصل البراءة المساوقة مع قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، لا يحتاج لوضوحه. 

التقريب المنافي لوجوب الاحتياط الإخباري 

وإنّما الإشكال في تقريب دلالة هذا النص على البراءة، بالنحو الذي يكون منافياً لدليل وجوب الاحتياط الذي يقيمه الإخباري، ونافياً لوجوبه شرعاً. وقد قُرّب ذلك بتقريب ساذج، وحاصله: 

إنَّ ظاهر هذه الرواية هو جعل السعة مغيّاة بعدم العلم، وإيجاب الاحتياط، حيث إنّه تنجيز للمشكوك بما هو مشكوك لا إيصال للمشكوك 

ــــــــــ[162]ــــــــــ

(1) انظر: عوالي اللئالي 1: 242. المسلك الثالث: في أحاديث رواها العالم محمد بن مكي.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وجداناً، أو تعبّداً. إذن، فهو منافٍ لا محالة مع هذه السعة. حيث إنَّ هذه السعة بمقتضى إطلاق هذه الرواية، باقية ما لم يُعلم. وجعل وجوب الاحتياط هو تنجيز للواقع في فرض عدم العلم، لا جعل للعلم بالواقع وإيصال للواقع تعبّداً؛ لأجل أنَّ يكون حاكماً بلسانه، على عنوان “إِنَّ النَّاسَ‏ فِي‏ سَعَةٍ مَا لَمْ يَعْلَمُوا“. 

[اعتراض على التقريب]

وأعتُرِض على هذا التقريب، بانَّ (ما) هنا مردّدة بين أن تكون (موصولة)، ويكون (السعّة) مضافاً و(ما) مضافاً إليه. أو أن تكون (ما) هنا مصدريّة زمانيّة، فيكون معنى الحديث في قوة قولنا: الناس في سعة ما داموا لا يعلمون. فإذا فرضنا أنَّ (ما) كانت موصولة، يتمّ الاستدلال بالحديث؛ لأنَّ ظاهره حينئذٍ أنَّ: “الناس في سعة ما لا يعلمون” يعني: في سعة من ذلك الشيء الذي لا يُعلم وهو التكليف الواقعي، كلّ شيء لا يُعلم فالناس في سعة من ناحيته حتّى يحصل العلم. وأمّا إذا فرضنا أنَّ (ما) مصدرية زمانية، فيرجع إلى قوله: الناس في سعة ما لم يعلموا. يعلموا بماذا؟ ومقتضى إطلاقه يشمل العلم بوجوب الاحتياط أيضاً. فلو علم بوجوبه تتحقّق الغاية، فحينئذٍ يكون دليل وجوب الاحتياط حاكماً على هذه الرواية، ولا تصلح هذه الرواية للمعارضة معه. 

[جواب السيّد الخوئي على الاعتراض]

وأجاب عن ذلك السيّد الأستاذ، بدعوى استظهار أن تكون (ما) هنا موصولة، لا أن تكون مصدريّة زمانيّة؛ وذلك لندرة وعدم تعارف وقوع (ما) 

ــــــــــ[163]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

المصدريّة الزمانيّة، ودخولها على الفعل المضارع. نعم دخولها على الماضي لا بأس به، أمّا دخولها ابتداءً على المضارع خلاف المتعارف. وكونه خلاف المتعارف يوجب ظهوره فيها في المعنى الآخر المتعارف في نفسه. وهو المعنى الموصولي(1)

[ردّ على الإشكال، وعلى جواب السيّد الخوئي] 

وكلّ من الإشكال على الاستدلال، والجواب عن الإشكال ممّا لا يمكن المساعدة عليه. 

أمّا الجواب على الإشكال الذي أفاده السيّد الأستاذ، فهو ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لأنَّ (ما) في المقام إذا فرضنا أنّها مردّدة بين كونها موصولة، أو مصدريّة زمانية،

 إذا فُرِض أنّها موصولة فكملة (سعة) تكون مضافة “في سعةِ ما لا يعلمون” وإذا كانت مصدريّة فـ(سعة) لا تكون مضافة، بل تكون منقطعة، وتكون حينئذٍ منوّنة “في سعةٍ مّا لا يعلمون” 

. وحيث نحتمل في الواقع أنَّ (ما) في المقام مصدريّة، وإنّما نريد نفي هذا الاحتمال بالاستظهار -مثلاً- إذن، فنحتمل أن تكون كلمة (سعة) قد جاءت منوّنة في كلام الإمام. 

والتنوين على فرض وجوده يكون قرينة متّصلة على أن تكون (ما) هنا مصدريّة لا موصولة، إذ لا يُحتمل مع التنوين موصوليّة (ما)، فاحتماله يوجب 

ــــــــــ[164]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 254.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

احتمال القرينة المتّصلة، ومع احتمال القرينة المتّصلة لا يمكن التمسّك بظهور (ما) في الموصولة، لو سلِّم أنَّ لها ظهوراً في اللغة العربية في ذلك. 

ولا يمكن نفي هذا الاحتمال -احتمال التنوين- عن طريق الراوي كما هو الحال في سائر الموارد. فإنّنا إذا احتملنا قرينة متّصلة زائدة عمّا ينقله الراوي، ننفيه بشهادة الراوي. وفي المقام لا يمكن نفيه بشهادة الراوي؛ لأنّنا لا ندري بأنّ الراوي الذي أُخذت هذه العبارة من كتابه، بماذا كان يقرأ كلمة (سعة)، منوّنة أو غير منوّنة؟ ولم يكن التنوين في عصر تدوين هذه الأصول أو المصنفات متعارفاً، إلى درجة بحيث يُستكشف من عدم وجود علامة التنوين، عدم كون هذا الحرف منوناً بحسب الواقع. إذن، فلا شهادة من قبل الراوي في المقام بعدم التنوين، ومعه يكون احتمال القرينة المتّصلة قائماً. 

فالجواب الذي أفاده السيّد الأستاذ غير صحيح. 

[ردّ أصل الإشكال]

وأمّا أصل الإشكال الذي أشكل به على هذا الاستدلال فهو أيضاً غير صحيح؛ فإنَّ تماميّة الاستدلال بهذه الرواية إثباتاً ونفيّاً لا يدور مدار أن تكون (ما) في المقام موصولة أو مصدريّة زمانية، بل يدور مدار نُكتة أخرى. 

توضيحه: انّه لو فُرض جعل الاحتياط كما يدّعى الإخباري بالنسبة إلى التكاليف الواقعيّة المشكوكة. فلا محالة يحصل هناك ضيق على المكلّف هذا الضيق له نسبتان: نسبة إلى وجوب الاحتياط، ونسبة إلى التكاليف الواقعيّة المشكوكة، التي يجب الاحتياط في مقام امتثالها.

 ــــــــــ[165]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

ونسبة هذا الضيق إلى وجوب الاحتياط نسبة المسبَّب إلى سببه؛ لأنّه نشأ من وجوب الاحتياط. إذ لو لم يكن وجوبه، وبقينا نحن والتكاليف الواقعية المشكوكة، لأجرينا البراءة العقليّة، أو النقليّة المساوقة لها ولأعرضنا عن الاحتياط. 

وهذا الضيق الذي ينشأ من وجوب الاحتياط، له نسبة أخرى إلى التكليف الواقعي المشكوك، وهو أنّه موضوعه. فإنَّ المكلّف يتضيّق من ناحية التكليف الواقعي المشكوك، فنستطيع أن نقول: إنَّ التكليف الواقعي المشكوك هو موضوع الضيق ومحطُّه، ولكنّه ليس سبب الضيق، وإنّما السبب وجوب الاحتياط. 

فنسبة هذا الضيق إلى إيجاب الاحتياط نسبة المسبَّب إلى سببه، ونسبته إلى التكاليف الواقعيّة المشكوكة، نسبة الصفة إلى محطِّها ومعروضها وموضوعها. 

حينئذٍ، مدّعانا هذا: أنّه إن كانت كلمة (السعة)، وهي يراد بها عدم الضيق، عدم الضيق تارةً يكون مضافاً إضافة المسبَّب إلى سببه، وأخرى يكون مضافاً بإضافة العرض إلى محطّه، فإن كان مضافاً بنحو إضافة المسبّب إلى سببه. فالاستدلال بالرواية لا يتمّ سواءٌ كانت (ما) موصولة، أو مصدريّة زمانيّة. وإن كان بنحو إضافة الصفة إلى محطّها، فيتمّ الاستدلال بالرواية. 

توضيح ذلك: أنّه إذا فرضنا أنَّ (ما) في المقام كانت موصولة، وقد أضيفت كلمة (سعة) إلى “ما لا يعلمون“، يعني الناس ليسوا في ضيق من ناحيّة ما لا يعلمون. هذه الإضافة إن كانت إضافة المسبّب إلى سببه، يعني أنَّ ما 

ــــــــــ[166]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

لا يُعلم لا يصير سبباً في الضيق(1). لا تنافي جعل إيجاب الاحتياط؛ لأنَّ إيجابه ليس معناه أنَّ ما لا يُعلم صار سبباّ للضيق، بل ما يُعلم صار سبباً للضيق. لأنَّ ما صار سبباً للضيق هو إيجاب الاحتياط الذي هو معلوم، لا التكليف الواقعي المشكوك، الذي هو غير معلوم. فلا تكون هذه الرواية نافيّة لوجوب الاحتياط. 

وأمّا لو كانت الإضافة هنا من باب إضافة الصفة إلى محطِّها، يعني أنَّ “ما لا يعلمون“، لا يقع المكلَّف في ضيق في مقام التعرّض له، لا يقع موضوعاً للضيق بالنسبة إلى المكلّف. فهذا يكون دليلاً إلى عدم وجوب الاحتياط؛ لأنّه لو وجب الاحتياط لكان وجوبه منجّزاً للواقع ومصحِّحاً للعقاب عليه. فيكون موضوع الكلفة هو الواقع. ولهذا لو انكشف أنّه لا تكليف واقعي، لا يكون هناك استحقاق العقاب بملاك العصيان. فإذا فرضنا أنَّ العبارة كانت هكذا: إنَّ ما لا يُعلم لا يكون موضوعاً للضيق، فهو ينافي مع جعل وجوب الاحتياط؛ لأنَّ معنى جعله أنَّ التكليف الواقعي المشكوك، مع أنّه غير معلوم، موضوع للضيق والكُلفة، وهذا يتعارض مع إطلاق الرواية. 

إذن، فبناءً على أنَّ (ما)موصولة ينبغي أن يُفصَل بين (ما) إذا كانت إضافة المسبّب إلى سببه، وهو لا ينفي وجوب الاحتياط ولا يتعارض معه. وبين إضافة الصفة إلى محطِّها فينبغي وجوب الاحتياط. 

وأمّا إذا كانت مصدريّة زمانيّة، فيأتي نفس هذا التفصيل؛ وذلك بأنَّ 

ــــــــــ[167]ــــــــــ

(1) وهذه القاعدة صحيحة حتى عند الإخباري القائل بوجوب الاحتياط؛ لأنَّ التكليف الواقعيّ محطّ الضيق وموضعه لا سببه. (المحاضرة). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

نقول: الناس في سعة ما داموا لا يعلمون، لا محالة قد أُضيفت السعة إلى شيء مستتر؛ لأنَّ السعة في نفسها لا معنى لملاحظتها، فهي إضافة لكن بإضافة استتارية لا بارزة، فالناس في سعة شيء ما داموا لا يعلمون. 

مرة أخرى نقول: إنَّ إضافة (السعة) إلى ذلك الشيء المستتر، إن كانت من باب إضافة المسبّب إلى سببه، فلا دلالة في الرواية، ويصير معناه أنَّ الناس في سعة من ناحية أي شيء ما لم يعلموا بذلك الشيء. لا يكون شيئاً سبباً للضيق ما لم يعلموا به. ومن المعلوم أنَّ هذا لا ينافي مع وجود الاحتياط. فإنّ وجوبه ليس معناه أنَّ التكليف الواقعي يصير سبباً للضيق، بل وجوب الاحتياط يكون سبباً لحصول الضيق والكلفة. 

وإن كانت الإضافة المستترة: من باب إضافة الصفة إلى محطّها، فيتمّ الاستدلال. بمعنى أنَّ الناس في سعة وليسوا في ضيق من ناحية شيء، ما لم يعلموا، يعني لا يقع شيء محطّاً للضيق، ما لم يعلموا.

 ظاهر التطابق ما بين المصدر والذيل، أنَّ ما يترتّب العلم به هو نفس ما أُضيفت السعة إليه استتاراً. فكأنّه يقال: لا يكون شيء موضوعاً للضيق ما لم يُعلم بذلك الشيء. وهذا خلاف وجوب الاحتياط، لأنّ معنى وجوبه، أنّ التكليف الواقعي وقع موضوعاً للضيق مع أنّه لم يُعلم. 

[والتحقيق]

فالّذي ينبغي أن يقال: لا التفصيل بين كون (ما) مصدريّة زمانيّة، وكونها موصولة، حتّى يحاول استظهار كونها موضوعة بالوجّه الذي دفعناه، بل ينبغي 

ــــــــــ[168]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

بناء الاستدلال على أنَّ إضافة (السعة) إلى ذيّها من باب إضافة المسبّب إلى سببه، أومن باب إضافة الصفة إلى محطّها فإن كان الأوّل لا تكون الرواية دالّة على نفي وجوب الاحتياط. وأمّا على الثاني تكون دالّة على نفي وجوبه، من دون فرق بين أن تكون(ما) موصولة أو مصدريّة زمانيّة. 

هذا تمام الكلام في هذه الرواية(1).

بلحاظ هذه الرواية على فرض تماميّة الاستدلال بها، فحالها حال حديث الرفع، هي مطلق من حيث الشبهات الموضوعية والحكمية، وليست مخصوصة بخصوص أحد القسمين. ومن هنا لو استطاع الإخباري أن يقم دليل تمام الجهات في نفسه على وجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية مطلقاً، أو في بعض أقسامها، وكان ذلك الدليل مخصّصاً أو مقيّداً لإطلاق هذه الرواية، ولإطلاق حديث الرفع أيضاً. 

فهذه الأدلّة وإن كانت تدلّ على نفي وجوب الاحتياط، لكنّها إنّما تدّل على ذلك بإطلاقها، ولا تصلح للوقوف في قبال دليل الإخباري، بل يكون دليله مخصّصاً، ولا تنفع هذه الرواية، ولا حديث الرفع لإسقاط دليل الإخباري بالمعارضة. 

نعم، يكون لها نفع لو فُرِض أنَّ الأصولي كان له أدلّة أخرى على البراءة خاصّة بالشبهات الحكمية أيضاً، يعني مستواها بنفس مستوى اخبار 

ــــــــــ[169]ــــــــــ

(1) وهنا قال جواباً على سؤال: الظاهر بحسب وجداني أن تكون الإضافة من باب إضافة الصفة إلى محطّها، يعني التقدير الذي به يتمّ الاستدلال. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الإخباري، فيوقع المعارضة بين الخاصّيتين، ثُمّ يرجع إلى هذا المطلق الفوقاني. 

ففائدة هذا الحديث وحديث الرفع وما كان من قبيلهما، لو تمّ دليل الإخباري هو الرجوع إليه بعنوان كونه مطلقاً فوقانيّاً بعد تعارض الخاصّيتين، لا أنّه يقع طرفاً للمعارضة مع الأخبار الخاصّة(1).

في الاستدلال بحديث الحجْب 

ممّا أستدلّ به على البراءة قوله: “ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم(2) وهذه الرواية مذكورة بسند صحيح في (الكافي). 

وعليه، فلا إشكال من ناحيّة السند. 

[تقريب الاستدلال بالرواية]

وإنّما الإشكال في دلالتها على البراءة المبحوث عنّها في المقام. والتقريب الساذج للاستدلال واضح وحاصله: أنَّ كلّ تكليف غير معلوم فهو محجوب عن المكلَّف. فيدخل تحت هذه الكبرى، والوضع عنهم معناه نفي إيجاب الاحتياط، فهذه الرواية بالدلالة المطابقيّة تنفي وجوب الاحتياط، وتقع طرفاً للمعارضة، مع ما سوف يدلّ وجوبه من قبل العلماء الإخباريين. 

ــــــــــ[170]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال عن سند هذه الرواية: أنا لم أعثر على سند له؛ لأنَّ هذه الرواية غير موجودة في (الوسائل). ولم يتيسّر لي مراجعة توحيد الصدوق؛ لأنّي أظنّ أنّها موجودة فيه. (المُقرِّر).

(2) انظر: الكافي 1: 164، باب حجج الله على خلقه، الحديث 3. مع اختلاف في الالفاظ. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [اعتراض الشيخ الأنصاري على التقريب]

اعترض على ذلك الشيخ الأعظم ومن تأخّر عنه من المحقّقين(1)، بأنًّ هذه الرواية ليست واردة فيما هو محلّ الكلام؛ وذلك لأن (الحجْب) هنا لو فُرِض أنّه لم يضف إلى الله تعالى، وقيل: “ما حُجِب عن العباد فهو…“حينئذٍ لا بأس بالتمسّك بمثل هذا النصّ. إلَّا أنَّ (الحجْب) هذا أُضيف إلى الله تعالى. وظاهر (الحجْب) حينما يُضاف إلى الله، هو أنَّه حجْب في قبال ما يترقّب من البيان من الله تعالى، والبيان المترقّب من قوله تعالى، إنّما هو إعلام وليّه بالحكم، وأمر الولي بتبليغ الحكم إلى المكلّفين، فالحجب يكون في قبال هذا الإعلام من قبله تعالى. فمرجعه إلى أنَّ التكاليف التي لم يوحِ بها، أو أوحى ولكن منع وليّه من تبليغها ولم يأمره بإيصالها، هذه تكون موضوعة عن العباد، وأين هذا ممّا هو محلّ الكلام؟ 

فإنَّ محلّ الكلام، فيما إن احتملنا أنَّ النبي أو الإمام قد أمر بالتبليغ، وبيّن ولم يصل إلينا الحكم لعارض من العوارض الخارجية.

[الوجوه المدّعاة للتخّلص من إشكال الشيخ الأنصار]

 هذا الإشكال، قد يُدّعى التخلّص منه بأحد وجوه: 

[الوجه الأوّل]

 هو أن يقال: إنَّ الحجْب هنا، وإن أُضيف إلى الله تعالى، ولكنّه سبحانه فيه حيثيتان: حيثيّة المولويّة، وحيثيّة السيادة والخالقيّة لهذا الكون.

ــــــــــ[171]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأصول 12: 41، وكفاية الأصول 341.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 فلو كان (الحجْب) مضافاً إلى الله باعتبار حيثيّة المولويّة، فيكون مقابل ما يترقّب البيان منه بما هو مولى، ومن المعلوم أنَّ الله بما هو مولى، شأنه شأن سائر الموالي، فالذي يترقّب منه من البيان، هو إيصال الحكم إلى السفراء، وأَمرَهم بتبليغه إلى المكلَّفين. فلو أسند (الحجْب) إلى الله بما هو مولى، يختصّ حينئذٍ بالأحكام التي لم يأمر بتبليغها، أو مُنع من إيصالها. 

وأمّا إذا فرضنا أنَّ الله تبارك وتعالى، لوحظ الحجْب مسنداً إليه، لا بحيثّية كونه مُشرّعاً، بل بحيثيّة كونه سيّد هذا الكون، والمتصرّف فيه. فحينئذٍ، لا موجب لتخصيص (الحجْب) بخصوص ما كان مرجعه إلى عدم إيصال الحكم إلى السفراء، أو منعهم عن بيانه للمكلّفين، بل إنَّ كلّ تكليف لا يصل المكلّف. إن فُرِض أنَّ عدم وصوله إلى المكلّف كان لسبب من الأسباب الطبيعية(1) الخارجية، المرتبطة بنظام الكون، فيصحّ في المقام أن يُسنَد هذا الحجْب إلى الله، كما يُسنَد جميع نتائج الأسباب الطبيعيّة عرفاً إلى الله، فيقال: إنّه تعالى أنزل المطر، وحجبَه في هذه السنة، مع أنَّ حجْب المطر لم يكن بمعجزة وتدخّل مباشر منه سبحانه وتعالى، وإنّما كان طبق القوانين التي وضعها في هذا الكون ونظّم على أساسها العالم. فجميع نتائج ومحصّلات الأسباب الطبيعيّة، تُنسب إليه عرفاً، بلا تجوّز ولا عنايّة. فحينئذٍ يشمله الحديث المبارك. 

نعم، إذا فرضنا أنَّ (الحجْب) كان مستنداً إلى إرادة الفاعل المختار العاصي 

ــــــــــ[172]ــــــــــ

() كما لو غرق الكتاب الذي كان الحكم بيّناً فيه، أو احترق، أو ضاع أو اضمحلّت أوراقه، (المحاضرة). (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

لله تعالى، كمعاوية ابن أبي سفيان، شخص طاغيّة منع من وصول الحكم، وأجبر الإمام على الاتّقاء في مقام بيانه. هنا، لا يُنسب مثل هذا الحجْب إلى الله عرفاً سواءٌ صحّت نسبته إليه حقيقة، أو لم تصحّ كما هو الواقع. فلا يقال بأنَّ الله قتل الحسين باعتبار أنّ قتله كان مُستنداً إلى شمر بن ذي الجوشن، الذي كان وجوده مُستمَدّاً من الله تعالى. 

لكن على أيّ حال يكفينا في الاستدلال بهذه الرواية شمولها للمحجوب بالأسباب الطبيعيّة. إذ بعد فرض عدم الفصل بين القسمين حينئذٍ: إمّا جزماً، وإمّا إجماعاً. حينئذٍ، يتعدّى من البراءة في المحجوب بالسبب الطبيعي إلى المحجوب بالأسباب الاختياريّة، من قبل نفس العاصي فتتمّ حينئذٍ دلالة الرواية. 

وفي المقام يستظهر الوجه الثاني(1) في الرواية، وهو أن الحجْب مضافاً إلى أنّه سيّد الكون لا بما هو مولى فقط؛ وذلك لأنَّ جهة المولويّة في المقام جهة زائدة، ولا قرينة عليها في المقام. 

وأمّا حيثيّة(2) كونه سيّداً فهي عين ذاته؛ لأنَّ الله لا يراد به إلَّا كونه خالق الكون وسيّده. نعم، من أسباب الحكم والموضوع في بعض الموارد، تقتضي أن يكون الاستناد إليه بعنوان المولويّة، كما لو صدرّ منه أمر، وتردّد أمر هذا الأمر: بين أن يكون صادراً بما هو مولى، أو صادراً منه بما هو مرشد، أو ناصح أو طبيب، فهناك الظهور بالمولويّة يكون محكماً لا محالة. ولكن في مثل المقام لا 

ــــــــــ[173]ــــــــــ

() الذي به يتمّ الاستدلال. (المُقرِّر).

(2) وقال جواباً على سؤال: وأمّا حيثيّة… (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

تقتضي مناسبات الحكم والموضوع ملاحظة جهة المولويّة، فيتعيّن التمسّك بإطلاق الحجْب. 

وهذا الوجه لعلّه أحسن الوجوه في مقام دعوى تتميم دلالة الرواية. إلَّا أنّه غير تامّ كما ستأتي الإشارة إليه في ختام البحث. 

[الوجه الثاني]

الوجه الثاني من الوجوه التي يمكن أن يتخلّص بها عن هذا الإشكال: 

وحاصله: أنّنا نسلِّم في المقام أنّ الحجْب أُضيف إلى الله بما هو مولى، فيختص بالأحكام التي لم يحصل العلم بها؛ نتيجة لعدم بيانها من قبل الله تعالى أو سفرائه. لكن مع هذا يشمل محلّ الكلام؛ وذلك كما في الشبهات التحريميّة المستجدّة، التي كانت خارجة عن محلّ الابتلاء في عصر الأئمّة. لا نحتمل أنّه قد صدر بيان من قبل الإمام بحرمة، أو جواز ركوب الطائرة، أو التدخين، أو التلقيح الصناعي -مثلاً-. وغيرها من الموضوعات، التي لم تكن متصدّرة للمكلّف وقتئذٍ. 

نعرف نحن من الذوق المستكشَف من الأخبار الواصلة إلينا، أنّه لم يكن النبي يبني أحكاماً على موضوعات غريبة خارجة عن الحياة الاستبيانية للأصحاب والرّواة والسامعين. 

كما لو فُرِض في الواقع أنَّ التلقيح الصناعي والتدخين كان حراماً. فمثل هذه الحرمة محجوبة من قبل الله تعالى؛ لأنَّ الله لم يأمر سفراءه بتبليغ أحكام على موضوعات خارجة عن المألوف. فحينئذٍ الرواية مطلقة لمثل هذه الشبهة. فإذا 

ــــــــــ[174]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

ثبتت البراءة عن مسألة التتن(1) ثبتت سائر الشبهات التحريمية؛ وذلك لعدم الفرق إجماعاً بين مورد ومورد. 

[دفع الوجه الثاني]

هذا البيان غير صحيح وذلك؛ لأنّنا نحن وإن كنّا لا نحتمل مادّة صدور بيان من قبل السفراء في مقام تحريم التتن بعنوانه، أو التلقيح الصناعي بعنوانه. لكن لا يلزم من ذلك عدم البيان، إذ يكفي في البيان بيان المطلب ولو بالعموم أو الإطلاق. ونحن نحتمل صدور بيان من قبل السفير على عنوان في مقام التحريم -مثلاً- كلي ينطبق على التتن، أو التلقيح الصناعي. 

لسنا نجزم أنّه على تقدير حرمة التتن، فإنّ حرمته لم تبيّن. إذ ينحصر بيانها بالدليل الخاصّ. حتّى يقال إنَّ هذا غريب وخارج عن المألوف، بل قد تبيّن بنحو القاعدة العامّة أنّ ما يضرّ البدن من المشروبات حرام. فتكون بإطلاقاتها شاملة للتتن. ومعه لم يُحرز عنوان الحجْب حتّى بالنسبة إلى الشبهات المستجدّة. 

[الوجه الثالث]

أن يقال: بأنَّ كلّ حكم في مبدأ أمره محجوب لا محالة، إذ يمرّ على الحكم حدوثاً، وقت وزمان ما يكون فيه محجوباً، حتّى يصل إلى العباد. قبل أن يوحي به الله إلى السفير، أو قبل أن يجد السفير الفرصة المناسبة لبيانه للعباد، يكون محجوباً لا محالة. غاية الأمر أنّه يشكّ أنّه بعد هذا ارتفع الحجب أو لم يرتفع، فنستصحب الحجب. 

ــــــــــ[175]ــــــــــ

(1) يعني في الموضوعات المستجدّة، (إيضاح). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

فكلّ حكم نشكّ في ثبوته وعدمه، نقطع بأنّه محجوب حدوثاً، ولو آناً مّا، ونستصحب كونه محجوباً، فيدخل تحت إطلاق قوله: “ما حُجِب عن العباد فهو موضوع عنهم(1)

[دفع الوجه الثالث] 

هذا البيان أيضاً غير صحيح؛ وذلك: لأنَّ الظاهر أنَّ المراد من الـ(حجْب)، ليس هو حبس بيان المطلب ولو آناً مّا، بل المراد من الحجْب عدم بيانه بالنحو المتقرّب والمتعارف، فلو فُرِض أنَّ الحكم جُعِل، لكن لم يُبيّن لمدّة ساعتين، أو ثلاث، حتّى يخرج النبي إلى المسجد، ويبيّنه لأصحابه، لا يصدق عليه أنّه محجوب. فإنَّ الحجْب هو عدم البيان في المورد المترقّب منه البيان، لا عدم البيان ولو آناً مّا. إذن، فالحجب غير متيقّن حدوثاً حتّى يُستصحب. 

[الوجه الرابع]

أن يقال: إنَّ الشبهة الحكميّة: إمّا أن تنشأ من عدم وصول الرواية، أو إجمال الرواية، أو تعارض النصّيين.

وحينئذٍ نقول: بأنّه في كلّ من هذه الموارد الثلاثة نحتمل أنَّ يكون الحجْب 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: حول أنَّ هذا يكون أصلاً، ولا يكون معارضاً لأدلّة الاحتياط.

قال: يعني بالاستصحاب ننقّح موضوع هذا الأصل، ونقول: إنَّ هذا محجوب، فإذا كان محجوباً، فيكون موضوعاً عنه لا محالة. ودليل الاحتياط لا يقول إنَّه قد بيّن، بل يقول مع الشكّ في بيانه يجب الاحتياط، ووجوب الاحتياط يعارض هذه الرواية، بعد تنقيح موضوعها بالاستصحاب. (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

من قبل الله تعالى. أمّا في مورد عدم وصول الرواية، نحتمل عدم البيان أصلاً من قبل الأئمّة، فيكون الحجْب من قبل الله تعالى. وفي مورد إجمال الرواية نحتمل أيضاً عدم ورود قرينة في مقام رفع الإجمال، فيكون الحجْب من قبل الله. إذ لا يفرق في مقام الحجْب من قبل الله بين أن يمنع عنه البيان، أو يأمر ببيان المجمل، فهذا أيضاً حجْب من قبله تعالى. وفي مورد تعارض النصّين أيضاً نحتمل أن يكون هذا حجْباً من قبل الله؛ لاحتمال أنّه لم ينصب قرينة على ترجيح الحقّ من هذين المتعارضين، فأيضاً، يكون هذا حجبْاً من قبل الله. 

ومع احتمال ذلك نعيّنه بالاستصحاب، فنستصحب عدم صدور البيان في الشقّ الأوّل، وعدم نصب قرينة على رفع الإجمال في الشقّ الثاني، وعدم نصب قرينة على تعيين ما هو الحقّ في المتعارضين في القسم الثالث. 

[دفع الوجه الرابع]

هذا البيان غير صحيح؛ وذلك لأنَّ هذا الاستصحاب مثبت، حيث إنَّ عنوان الحجْب، أمر ثبوتي ملازم لعدم صدور البيان من الأئمّة، أو لعدم نصب قرينة رافعة للإجمال، أو معيّنة للحقّ في المتعارضين. 

ولهذا لم نكن نشكل على الوجه السابق بالمثبتيّة؛ لأنّه كنّا نستصحب نفس عنوان الحجْب. أمّا هنا فيكون المستصَحب أمر ملازم معه، والملازمة عقليّة فيكون الأصل مثبتاً. 

[التحقيق في تقريب الرواية]

والتحقيق في المقام أنَّ هذه الرواية لو فُرِض أنّها كانت هكذا: (ما حجَبَ 

ــــــــــ[177]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الله علمه عن المكلّف فهو موضوع عنه). فلا يُبعد تماميّة التقريب الأوّل وهو التمسّك بإطلاق الـ(حجْب)(1)، يعني ما حجب الله علمه عن زيد فهو موضوع عن زيد، وما حجب الله علمه عن بكر فهو موضوع عن بكر، كما هو شأن القضية الانحلالية. حينئذٍ نتمسّك بإطلاق الحجْب، ونقول: إنَّ الحجْب كما يصدق في مورد عدم البيان رأساً، كذلك يصدق في مورد البيان مع سدّ وصوله بالأسباب الطبيعية. والحجْب لم يضف إلى الله بما هو مولى، بل بما هو هو فيكون الإطلاق في محلّه. 

لكن الذي يمنعنا عن ذلك هو: أنَّ الرواية جاءت بدلاً عن عنوان المكلَّف، عنوان العباد. (ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم). 

وهذه العبارة(2) تُتصَوّر على نحوين: تارةً نتمسّك بإطلاق العباد، ونقول: بأنَّ هذه القضيّة انحلاليّة، بمعنى أنَّ مرجعها إلى أنّها تنحلّ (ما حجب الله علمه عن ذلك الشخص فهو مرفوع عنه)، وهكذا. كما هو الحال في القضيّة التي افترضناها، بحيث يجري الإطلاق ويثبت الانحلال. 

ولكن هناك احتمال آخر في المقام، وهو أن يكون المقصود قوله: (ما حجب الله علمه عن العباد). يعني ما حجب الله علمه عن تمام العباد. الشيء المحجوب عن العباد بقول مطلق يكون مرفوعاً عنهم، بحيث إنَّ المراد من العباد هنا مجموع العباد، بحيث لا يتّفق الحجْب إلَّا بالانحجاب عن تمامهم. 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

(1) وهنا تلا الرواية بالنّص المفروض. (المُقرِّر).

(2) وهنا تلا صدر الرواية. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

فلو كانت الرواية هكذا لا معنى للاستدلال بها؛ لأنَّ المحجوب المطلق تمام العباد، هو عبارة أخرى عمّا قيل من أنَّه الحكم الذي لن يأمر بتبليغه، إذ لو كان حكماً مأموراً بتبليغه، وبلّغ في الجملة، لكن لم يصل إلى الآخرين، إمّا بالأسباب الطبيعية، أو الاختيارية لا يكون محجوباً مطلقاً. 

فبعد فرض كون المراد من العباد العموم المجموعي لا الاستغراقي، ينتج رفع المجموع المطلق، وهذا يكون مساوقاً مع الإشكال. 

فجهة الإشكال بالنحو الذي بيّناه غير جهة الإشكال الأول. ليست جهة الإشكال أنَّ الحجْب أضيف إلى الله وظاهره في قبال البيان منه قرآناً، أو سُنّة. ليس هذا، فإنّنا لو اقتصرنا على هذا المقدار لتمسّكنا بإطلاق الحجْب، أو قلنا بأنَّ حجب الله يكون بالأسباب الطبيعية أيضاً. ولكن جهة الإشكال من حيث إنّه قيّد الحجب بأنّه حجبه عن العباد. وبعد فرض التمسّك بإطلاق العباد بنحو مجموعي، ينتج أنَّ موضوع القضيّة هو المحجوب المطلق. وهو مساوق للأحكام التي لم يأمر بتبليغها. 

[تساؤل]

فإن قيل: كيف لم تُبدوا هذا الاحتمال في “رفع ما لا يعلمون” -مثلاً. وتقولوا هناك: إنَّ المرفوع هو ما لا يعلم به تمام الأمّة، مع أنَّ هذا الاحتمال في نفسه غير موجود هناك بحسب الظهور العرفي. 

يقال: بأنَّ تعيين كون القيد هنا مأخوذاً بنحو الانحلاليّة أو لا بنحوها، يرجع إلى المناسبات الارتكازيّة للحكم الموضوع المركوزة في أذهان أصل 

ــــــــــ[179]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

العرف، وهي التي تصبح للظهور تارةً في هذا الوجه، وأخرى في ذلك الوجه. 

وحينئذٍ، ففي “رفع ما لا يعلمون” أو (رفع ما حجب عنهم) -لو فُرِض أنَّ العبارة هكذا- المناسبات الارتكازية تقضي الانحلال؛ لأنّه بمقتضى هذه المناسبات، لا مناسبة بين الرفع والوصول إلى شخص آخر. الوصول إلى شخص آخر أيّ فائدة له بالنسبة إلى هذا الشخص. فالعرف بطبعه الارتكازي يفهم من مثل هذه القضية الانحلالية: أنَّ الرفع عن كلّ شخص منوط بعدم الوصول إليه، لا منوط بعدم الوصول إليه وإلى غيره؛ فإنَّ هذا من باب ضمّ الحجر إلى جنب الإنسان بحسب المناسبات الارتكازية. 

وهذا بخلافه في المقام، فإنّه في المقام أُسند الحجْب إلى الله تعالى، وفرض أنَّ ما حجب الله علمه عن تمام العباد المساوق لعدم بيانه كما قلنا، هذا مرفوع عنهم. هذا ليس من باب ضمّ الحجر إلى جنب الانسان، إذ إنَّ العرف يحتمل أن يكون الحجْب المطلق المساوق لعدم البيان من قبل الله له دخل في البراءة. 

[نتيجة التحقيق]

 إنَّ الشبهات الحكميةّ إذا كان الحجْب فيها مطلقاً، فهنا تجري البراءة. بخلاف ما إذا فُرِض أنَّه بُيّن، ولكن صدفة لم يصل المكلَّف. فالمناسبات الارتكازية لا تأبى هنا عن مثل هذا الاحتمال. 

عن احتمال أن يكون الشرط في القضيّة الشرطيّة، وهي: (ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم). هنا، بعد التمسّك بالإطلاق في العباد نضيّق دائرة اسم الموصول، بمقدار ما يتّسع مدلول كلمة العباد يُضيّق مدلول 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

كلمة (ما)، (ما حجب الله علمه عن تمام العباد) –بمقتضى جريان الإطلاق ومقدّمات الحكمة– فهو موضوع عنهم. هنا في المقام تطبيق الشرط على الجزاء والجزاء على الشرط، لا يفهم العرف الانحلاليّة، يعني كلّ فرد من الجزاء في قبال فرد من الشرط؛ لأنَّ المناسبات الارتكازية لا تعيّن هذا المطلب. كلّ وضع عن شخص في قبال الحجب عن ذلك الشخص.

 مثل هذا التطبيق الانحلالي ما بين الشرط والجزاء لا يفهمه العرف؛ لأنّه إنّما يفهم بالمناسبات الارتكازية، وهي لا تأبى عن أن يكون التطبيق بالنحو الذي بيّناه نحن، وهو: أن يكون الشرط هو المحجوب المطلق والجزاء هو الرفع عن الجميع. 

فهذه الرواية غير دالّة على البراءة، وإنّما القدر المتيقّن منها هو الدلالة على البراءة في المحجوب المطلق، وهذا ممّا لا ينفعنا في المقام.

كما أنَّ رواية الحجْب ليس فيها دلالة على البراءة. ولو فُرِض دلالته على البراءة، فيكون حاله حال الأحاديث السابقة: “رفع ما لا يعلمون” و”الناس في سعة ما لا يعلمون“، من حيث الشمول للشبهات الموضوعيّة الحُكميّة. خلافاً للمحقق العراقيالّذي ذهب على أنَّ حديث الحجْب دالّ على البراءة بالتقريب الأوّل من التقريبات الأربع، التي بيّناها فيما مرّ؛ لدفع الإشكال، وذكر بعد ذلك أنّه مختصّ بخصوص الشبهات الحكمية أيضاً. 

بدعوى، أنَّ الحجْب المضاف إلى الله، بمناسبة الحُكم والموضوع ظاهر في الحجب في مقام بيان الأحكام، لا الحجب من حيث الأمور الخارجيّة، فيختصّ 

ــــــــــ[181]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

بخصوص الشبهات التي يترقّب صدور بيان فيها من قبل الله تعالى، وهي خصوص الشبهات التحريميّة(1)

هذا الكلام منه خُلف؛ وذلك لأنَّ الحجْب إمّا أن يلحظ مضافاً إلى الله بما هو مولى، لا بما هو هو بحدّ ذاته، بل باعتبار شارعيته وجاعليته للأحكام. فمن المعلوم أنَّ هذا الذي ذكره متين، وهو الاختصاص بالشبهات الحُكميّة؛ لأنَّ الحجْب المترقّب من قبل المشرّع بما هو مشرّع، إنّما هو في الشبهات الحُكميّة لا الموضوعيّة. ولكن هذا خُلف ما فرضه في مقام تقييم أصل دلالة الحديث على البراءة. إذ لو سلّمنا أنَّ الحجْب مضاف إلى الله بما هو مولى، حينئذٍ يختصّ الحجْب بخصوص عدم البيان من قبله، ولا يشمل الحجْب الناشئ من الأسباب الطبيعية والقوانين الخارجيّة؛ لأنَّ هذا الحجْب -الناشئ من الأسباب الطبيعيّة- لا يصحّ إضافته إلى الله بما هو شارع، وجاعل القوانين، فيلزم بناءً على ذلك اختصاص الرواية بخصوص ما إذا كان الحكم غير بيّن من قبل الإمام أصلاً. 

وأمّا إذا فرضنا أنَّ الحجْب أُضيف إلى الله بما هو هو لا بما هو مولى، فحينئذٍ افرضوا أنَّ أصل الاستدلال بالرواية يتمّ باعتبار أنَّ الحجْب من الله كما يصدق على عدم البيان من قبله، كذلك يصدق على الانحجاب الناشئ من الأسباب الطبيعية.

إلاَّ أنَّه معه يبطل استظهار الاختصاص بخصوص الشبهات الحُكميّة. بدعوى، أنَّ الحجْب فيها هو الذي يناسب المولى. فالجمع بين مبنى الاستدلال 

ــــــــــ[182]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الأفكار 3: 226.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وبين مبنى الاستظهار المدّعى فيه الاختصاص في الشبهات الحُكميّة، تهافت. 

هذا تمام الكلام في رواية الحجب. 

استدراك لسند رواية أنَّ الناس في سعة 

وقبلها تكلّمنا في رواية: “الناس في سعة ما لا يعلمون” وقلنا وقتئذٍ: إنَّ السند، لم نتمكّن من الحصول عليه؛ لعدم وجدانه في (الوسائل). واحتملنا وجدانه في بعض كتب الصدوق. والظاهر أنَّه غير موجود لا في كتاب الصدوق، ولا في (الوسائل)، ولا في سائر الكتب الأربعة، بمقدار التتبّع الذي أوجب لي الاطمئنان والوثوق بعدم وجود هذه الرواية بهذا العنوان: “الناس في سعة ما لا يعلمون“. نعم، لعلّه موجود في بعض الكتب الأخرى التي لا تكون على هذا المستوى التي تكون -مثلاً- للحاج النوري في مستدركه. 

نعم، في آخر كتاب اللقطة في كتاب (الوسائل) توجد رواية وقع فيها عبارة مشابهة لهذه العبارة. واحتمل أنَّ أحد العلماء انتزع هذه العبارة من تلك الرواية واستدّل بها، ثُمّ تبعه العلماء الآخرون على هذا الانتزاع. وهي آخر رواية في كتاب اللقطة من (الوسائل) (1): عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ‏: “أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ سُئِلَ عَنْ سُفْرَةٍ وُجِدَتْ فِي الطَّرِيقِ مَطْرُوحَةً كَثِيرٌ لَحْمُهَا وَخُبْزُهَا وَجُبُنُّهَا وبَيْضُهَا وفِيهَا سِكِّينٌ. فَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ: يُقَوَّمُ مَا فِيهَا ثُمّ يُؤْكَلُ لِأَنَّهُ يَفْسُدُ ولَيْسَ لَهُ بَقَاءٌ فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا غَرِمُوا لَهُ الثَّمَنَ. قِيلَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَا نَدْرِي 

ــــــــــ[183]ــــــــــ

(1) باب التقاط اللحم والخبز والجبن والبيض: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ، (توضيح). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

سُفْرَةُ مُسْلِمٍ أو سُفْرَةُ مَجُوسِيٍّ. قَالَ: هُمْ فِي سَعَةٍ حَتَّى يَعْلَمُوا(1).

الظاهر أنَّ الجهة المنظورة للسائل حينما يقول: (لعلّه مجوسي)، أقرب جملة متصوّرة في المقام هي النجاسة؛ باعتبار صاحبه مجوسيّاً. أو يتصور بأنَّ طعام المجوسي في نفسه يكون فيه محذور -مثلاً- شديد أو غير شديد(2)

احتمل أنَّ هذه العبارة: (هم في سعة حتى يعلموا)، هي منشأ هذه الرواية، وهنا مسألة (ما) أنّها مصدريّة، أو موصولة غير موجود. وإنّما هي زمانية، يعني تستمر السعة، حتّى يعلموا بأنَّ صاحبها مجوسي. 

وبناءً على هذا تكون الرواية أجنبيّة عمّا هو محلّ الكلام؛ لأنّها تكون مخصوصة بالشبهة الموضوعيّة، إن لم نقل باختصاصها بخصوص باب النجاسة والطهارة، يعني بالجهة الملحوظة للسائل في مقام السؤال حيث قال: (لعلّه مجوسي)، فيقول: هم في سعة من ناحيّة تلك الجهة التي تسأل عنها حتى يعلموا. فكيف يمكن(3) التمسّك بإطلاقها، لإثبات قانون السعة حتّى في الشبهات الحكميّة. 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

() انظر: وسائل الشيعة 24: 90، الباب 48، باب ما يوجد من الجلد واللحم في بلاد المسلمين، الحديث 2. 

(2) قلت: أو حربي لا يضمن طعامه. 

قال: لا، هذا الكلام في مقام الاستشكال في الأكل لا الاستشكال في الغرامة؛ ولهذا كان جوابه بعنوان التوسعة، فكأن الإشكال كان في قبال التوسعة، لا إشكال على التضييق.

(3) إلَّا أنّ يتصوّر أنَّ الإمام يحوّله على قاعدة عامّة، ويكون المورد من مصاديقها*. فتأمّل. (المُقرِّر).

* أجاب السيّد عن ذلك بأنّه خلاف ظاهر قوله: هم في سعة في الرجوع إلى أولئك الناس الواجدين للسُّفرة، ولا قرينة على تجريدهم عن هذه الخصوصية. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

هذا أيضاً استدراك لسند رواية “الناس في سعة ما لا يعلمون“. 

الاستدلال برواية: كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام 

[صيغ نقل الرواية]

بعد هذا نأتي إلى رواية “كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام“. وهي مرويّة بصيغ ثلاث في الكتب العلميّة. 

الصيغة الأولى: خبر(1) عَبْدِ اللَّهِ‏ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: “سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عَنِ الْجُبُنِّ. فَقَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ طَعَامٍ يُعْجِبُنِي. ثُمّ أَعْطَى الْغُلَامَ دِرْهَماً، فَقَالَ: يَا غُلَامُ ابْتَعْ لَنَا جُبُنّاً. ثُمّ دَعَا بِالْغَدَاءِ فَتَغَدَّيْنَا مَعَهُ فَأُتِيَ بِالْجُبُنِّ فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الْغَدَاءِ قُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي الْجُبُنِّ؟ قَالَ: أَ وَلَمْ تَرَنِي آكُلُهُ، قُلْتُ بَلَى وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْكَ. فَقَالَ: سَأُخْبِرُكَ‏ عَنِ‏ الجُبُنِ‏ وَغَيْرِهِ كُلُّ مَا كَانَ فِيهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَهُوَ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْرِفَ الحَرَامَ بِعَيْنِهِ فَتَدَعَهُ(2)

وخبر عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: “كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِيهِ حَلَالٌ وحَرَامٌ فَهُوَ لَكَ حَلَالٌ أَبَداً حَتَّى‏ تَعْرِفَ‏ الحَرَامَ‏ مِنْهُ‏ بِعَيْنِهِ‏ فَتَدَعَه(3).

ــــــــــ[185]ــــــــــ

(1) إضافات من (الدراسات) ص 154 والسيّد لم ينقل هذه الرواية، بل الرواية الآتية نقلها. (المُقرِّر).

(2) انظر: وسائل الشيعة 25: 118، باب 61، باب جواز أكل الجبن ونحوه مما فيها حلال وحرام، الحديث 1. 

(3) انظر: وسائل الشيعة 24: 236، الباب 64، باب حكم السمن والجبن وغيرهما إذا علم أنّه خلط حرام، الحديث 2.  

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الصيغة الثانية: وهي رواية(1) “صَدَقَةَ(2) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ قَالَ: “سَمِعْتُهُ يَقُولُ:‏ كُلُ‏ شَيْ‏ءٍ هُوَ لَكَ‏ حَلَالٌ‏ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِعَيْنِهِ فَتَدَعَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ، وَذَلِكَ مِثْلُ الثَّوْبِ يَكُونُ عَلَيْكَ قَدِ اشْتَرَيْتَهُ وَهُوَ سَرِقَةٌ أو المَمْلُوكِ عِنْدَكَ وَلَعَلَّهُ حُرٌّ قَدْ بَاعَ نَفْسَهُ أو خُدِعَ فَبِيعَ قَهْراً أو امْرَأَةٍ تَحْتَكَ وَهِيَ أُخْتُكَ أو رَضِيعَتُكَ وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا عَلَى هَذَا حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ غَيْرُ ذَلِكَ أو تَقُومَ بِهِ الْبَيِّنَةُ

الصيغة الثالثة: هو “كلّ شيء حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه“. وهذه الرواية الثالثة لطيفة؛ لأنَّ جملة من الإشكالات الواردة في الصيغتين السابقتين غير واردة في هذه العبارة، إلَّا أنَّ هذه العبارة ليس لها عين ولا أثر في كتب الحديث، والظاهر أنّها تلفيق من الصيغتين الواردتين في موارد متعدّدة. مرّة يسأل في الجبن، ومرة في مقام التمييز بين اللحم المذكّى وغيره. وعليه فالمرجع هو الصيغتان الأوْلَيان. 

الصيغة الأولى للرواية 

أمّا الصيغة الأولى: وهو قوله: “كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه“. 

ذكر الشيخ وسائر المحقّقين من بعده أنَّ هذه الرواية مخصوصة بخصوص الشبهات الموضوعيّة، ولا تشمل الشبهات الحكميّة. يتلخّص من كلامهم بيان قرينتين على هذا المطلب. 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

(1) انظر: وسائل الشيعة 17: 89، الباب 4، باب عدم الجواز من الكسب الحرام، الحديث. 

(2) في الدراسات موثّقة مسعدة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [القرينة الأولى: ما ذكره الشيخ الأعظم]

 وحاصله: أنَّ ظاهر قوله: “كل شيء فيه حلال وحرام هو لك حلال“. هو الانقسام الفعلي إلى الحلال والحرام، وكون الانقسام بينهما منشأ للشكّ في حرمة القسم الثالث، وهذا إنّما يكون فيما إذا فرضنا كليّاً حكم على قسم منه، واختلط تطبيق هذين القسمين في فرد، فيكون هذا حلال حتّى يعلم الحرام. وأمّا إذا فُرض أنَّ الشبهة كانت حكميّة من قبيل شرب التتن، لا ندري أنّه حرام أو حلال، لا ندري أنَّ شرب التتن فيه حلال أو حرام، بل لا بُدّ من حمله حينئذٍ على التردّد لا على التقسيم، يعني: أنَّه قابل لأن يصير حلالاً وحراماً. فإنّه من الأفعال الاختيارية، فيمكن أن يوصف بالحليّة والحرمة. وهذا خلاف ظهور التقسيم في فعليّة الانقسام. 

فلو أُوّل -مثلاً- بإرجاعه إلى جنس، بأن يقال: إنَّ المشروب فيه حلال وحرام، فإنَّ الخمر حرام، والماء حلال، فما حكم الدخان؟ حينئذٍ يختلّ الظهور الثاني، وهو ظهور في أنَّ فعليّة الانقسام هي المنشأ للشكّ. وفي المقام لم يكن هذا، فإنّه ليس فعليّة انقسام المشروب إلى خمر حرام وماء مباح هو السبب في أَّن التتن حرام وحلال. وهذا بخلافه في الشبهة الموضوعيّة، فإنَّ انقسام اللحم إلى ميتة حرام ومذكّى حلال، هو الذي يكون منشأ الشكّ في أنَّ اللحم الخارجي هل هو حلال؟ لاحتمال كونه مذكّى أو حرام؛ باعتبار كونه ميتة(1)

ــــــــــ[187]ــــــــــ

(1) انظر: فرائد الأصول 2: 47.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

اذن، فهنا ظهوران:

الظهور الأوّل: فعليّة التقسيم في قبال الترديد الصرف.

والظهور الثاني: في هذا التقسيم هو المنشأ في الشكّ. وهذا لا يلائم مع الشبهات الحكميّة.

[الكلام فيما أفاده الشيخ الأنصاري من القرينة]

وهذا الذي أفاده في غاية اللطافة والصحّة. إلَّا أنّه قد يشكّك ويُوسوَس بلحاظ الشبهة الحكميّة المفهوميّة، ويقال بأنّنا نتصوّر حصّة بلا هذين القيدين في الشبهات الحكميّة المفهوميّة؛ وذلك بأن يقال -مثلاً-: بأنَّ هناك عنواناً كليّا حكم على قسم منه بالحليّة، وعلى قسم منه بالحرمة، واشتبه القسمان مفهوماً. فمن حيث إنّهما اشتبها مفهوماً؛ لهذا تردّد في هذا الفرد الخارجي. 

-مثلاً- الماء قسمان مطلق ومضاف، والمطلق يجوز التوضؤ به -مثلاً- والمضاف لا يجوز التوضؤ به. واشتبهنا بهذا المائع الخارجي من ناحية الشبهة المفهوميّة، حيث لم نُحدِّد مفهوم المضاف والمطلق؛ ولهذا لا ندري أنَّ عشر أُوقيات من الماء إذا اختلط معه أو فيه من الحليب، هل يصير مطلقاً أو مضافاً؟ 

هنا كِلا الشرطين الذين ذكرهما الشيخ محفوظ وكِلا الظهورين موجود. الظهور في فعليته الانقسام موجود؛ لأنَّ كلّى الماء منقسم بالفعل إلى حلال وهو المطلق، وحرام وهو المضاف. وكون الانقسام سبباً في الشكّ أيضاً موجود؛ لأنّنا إنّما نشكّ في أنَّ هذا المائع هل يجوز التوضؤ به أولا. ومن ناحية أنَّ الماء ينقسم إلى مطلق يجوز التوضؤ به، ومضاف لا يجوز، وإلاَّ لو فُرِض أنّه لم ينقسم لا نشكّ في المقام. 

ــــــــــ[188]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

فحينئذٍ يقال إنَّ هذا يكون مثالاً، وداخلاً تحت الإطلاق. فإذا دخل هذا تحت الإطلاق، فيُعمّم لبقيّة موارد الشبهة الحكميّة من باب عدم القول بالفصل. 

إلّا أنَّ الإنصاف مع هذا أنَّ الرواية ليس فيها إطلاق لذلك، بالرغم من إمكان تقريب صرفيّة الظهورين اللذين ذكرهما الشيخ. إلَّا أنّه مع هذا(1) لا تشمل بإطلاقها مورد الشبهة المفهوميّة. ولو باعتبار دعوى ظهور الغاية في قوله: “حتى تعرف الحرام منه بعينه“. أن يكون المراد بالمعرفة في المقام معرفة الحرام. يعني: أن يكون متعلّق المعرفة أمراً مربوطاً بالخارج، لا أمراً مربوطاً بعالم الألفاظ، إذ في الشبهة المفهوميّة يكون معرفة الحرام بمعرفة مدلول اللّفظ. أن نعرف أنَّ لفظة (مضاف) في اللغة هل هي موضوعة للأعمّ، أو للأضيق؟ ظاهر الرواية هو معرفة الأمر الخارجي لا معرفة باب الألفاظ، وعليه فإطلاق الرواية حتّى لهذا القسم من الشبهة الحكميّة، في غاية الإشكال(2)

فمن هذه الناحية الإشكال على الاستدلال بالرواية في محلّه 

[القرينة الثانية: وهي ما ذكرها السيّد الأستاذ تبعاً للمحقّق النائيني]

 افرضوا أنَّ العبارة هكذا: (كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه). 

وذلك بتقريب: أنّنا لو حملنا الرواية على الشبهة الحكميّة، ولو بلحاظ 

ــــــــــ[189]ــــــــــ

() المدّعى في القرينة صحيح على أيّ حال، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

(2) وهنا قال أحد الإخوان: ليس هذا رفعاً للإشكال على الشيخ، وإنّما هو تتميم لكلامه.

فقال: يكون تتميماً لكلام الشيخ. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

إطلاقها، فلا بُدّ وأن يحمل حينئذٍ كلمة (بعينه) على التأكيد(1) الصرف. لا على تقييد زائد. إذ لو حملناها على هذا التقييد الزائد، فلا نتصوّره إلَّا أن يكون تقييداً في قبال العلم، لا بعينه، أي: في قبال العلم الإجمالي. فكأنّه يقول:(كلّ شيء حلال حتى تعلم علماً تفصيليّاً ولا يكفي العلم الإجمالي). مع أنّه من المعلوم أنَّ العلم الإجمالي منجّز ولا تجري أصالة الحلّ معه. فكلمة (بعينه) في الشبهات الحكميّة إن حملناها على التأكيد الصرف، فهو خلاف ظهوره من كونه تقييداً. وإن حملناه على التقييد، يلزم من ذلك صورة العلم الإجمالي. مع أنّه منجّز. 

وهذا بخلاف ما لو حملنا الرواية على الشبهات الموضوعية، فإنّنا نتحفّظ على ظهور القيد حينئذٍ في كونه تقييداً، من دون أن يلزم من ذلك إبطال منجزيّة العلم الإجمالي؛ وذلك في الشبهات الموضوعية لو شُكّ أنَّ هذا خمرٌ أو لا. حيث إنّه لا يوجد شخص بحسب الخارج قد استوعب بنظره تمام أفراد المائع الموجودة في العالم، وخُيّر بين الخمر منها وغيره. فلا(2) محالة كلّ شخص عنده علم إجمالي بأنّه هناك بعض أفراد المائع خمر في العالم. فإذا احتملنا هذا خمر، فلا محالة يُحتمل أن يكون هذا من تلك الخمور المعلومة إجمالاً، فيكون هذا طرفاً للعلم الإجمالي. ولكن مع هذا لا يجب الاجتناب عنه، بل تجري أصالة الحليّة؛ لأنَّ هذا العلم الإجمالي هو شبهة غير محصورة، وأطرافه كثيرة، وأكثر أطرافه 

ــــــــــ[190]ــــــــــ

(1) بحيث لا ترجع إلَّا إلى نفس قوله: “حتّى تعرف الحرام منه”، (محاضر غد). (المُقرِّر).

(2) حيث إنَّ هذا الشخص غير موجود، (المحاضرة). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

خارجة عن محلّ الابتلاء، فلا يكون منجّزاً، فتجري أصالة الحليّة في المقام(1).

فاتّضح بذلك أنَّ ظهور قيد (بعينه) في كونه قيداً، مع عدم إبطال قاعدة منجزيّة العلم الإجمالي، يقتضي صرف الرواية إلى خصوص موارد الشبهات الموضوعيّة(2)

[الكلام فيما أفاده السيّد الأستاذ من قرينة]

هذه القرينة غير تامّة؛ لأنّه في موارد الشبهات الموضوعيّة وإن كنّا نسلّم بأنَّ كلّ شخص بحسب وجدانه وطبعه عنده علم إجمالي بوجود خمر في العالم بلا إشكال، ولا يحتمل انتفاءه. إلّا أنّه بشكّه في خمرية هذا المائع الموضوع أمامه، لا يصبح هذا المائع طرفاً بذلك العلم الإجمالي؛ لأنَّ العلم الإجمالي في المقام ثابت بالنسبة إليه بقطع النظر عن هذا الخمر. وكون هذا خمراً وعدم كونه خمراً لا يؤثّر في عدم المعلوم بالإجمال بالنسبة إليه بالوجدان. المقدار الذي يعلم به الوجدان لا ينقص ولا يزيد بإفراز هذا وعدم إفرازه. 

فمن هنا يعرف أنَّ العلم الإجمالي الموجود في نفس كلّ شخص أطرافه هو غير هذا الإناء. 

نعم، هنا علم إجمالي بين الأقلّ والأكثر، وهو أنّه يعلم إجمالاً، إمّا بوجود 

ــــــــــ[191]ــــــــــ

(1) وفي محاضرة أشكال أحد الإخوان بأنَّ السيّد الأستاذ لا يقول بانحلال العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة، والخروج عن محلّ ابتلاء. فلم يجبه السيّد الاستاذ إلّا بالابتسام! (المُقرِّر).

(2) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 249- 250.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

ألف خمر في غير هذا الإناء، أو ألف وواحد مع هذا الإناء، فيكون طرفاً للعلم الإجمالي بين الأقلّ والأكثر. 

فإن أُريد في المقام كونه طرفاً للعلم الإجمالي بين الأقلّ والأكثر، فهذا متصوّر حتّى في الشبهة الحكميّة. إذ لو شُكّ في حرمة شرب التتن، فحرمته أيضاً طرف للعلم الإجمالي بين الأقلّ والأكثر؛ لأنّه يعلم إمّا بحرمة الخمر وحده، أو حرمة الخمر مع التتن. إلَّا أنَّ هذا بحسب الحقيقة ليس علماً إجمالياً؛ لأنَّ العلم الإجمالي بين الأقلّ والأكثر ينحلّ إلى العلم الإجمالي بالأقلّ، والشك البدوي في الزائد. 

وإن أراد العلم الإجمالي بين المتباينات، بحيث هذا يكون طرفاً منها. فيلزم من ذلك أنّه لو غُضّ النظر عن شخص هذا المورد ينقص العلم الإجمالي عنده، ولو لاحظه لزاد عدد المعلوم بالإجمال عنده، مع أنَّ هذا خلاف الوجدان. 

إذن، فهذه القرينة لا محصلّ لها. وعلى أيّ حال فيكفي ما بيّنا في مقام تتميم كلام الشيخ في القرينة الأولى، وعليه فهذه الرواية لا يمكن التمسّك بإطلاقها للشبهات الحكميّة. 

تلخيص لِما أفاده السيّد الأستاذ من القرينة الثانية 

القرينة الثانية التي أفادها السيّد الأستاذ:

وحاصلها: -تقريبها- أنَّ الحديث لا يشمل الشبهات الحكميّة بلحاظ كلمة (بعينه) وذلك؛ لأنَّ كلمة (بعينه) مردّدة بين أن تكون تأكيداً، بحيث لا ترجع إلى مطلب جديد، غير نفس قوله “حتّى تعرف الحرام منه“. أو أن تكون 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

تأسيساً وقيداً زائداً على أصل المعرفة. وظاهر كلّ قيد أن يكون تقييداً جديداً. وحمله على التأكيد الصرف خلاف الظاهر. 

فبعد فرض دعوى ظهور (بعينه) بالتقييد الزائد يقال: بأنّنا إذا حملنا الرواية على الشبهات الحكميّة، لزم رفع اليد عن هذا الظهور. وأمّا إذا حملناها على الشبهات الموضوعيّة، فيمكن إبقاء هذا الظهور على حاله فيتعيّن الثاني. 

أمّا أنَّه إذا حملنا الرواية على الشبهات الحكميّة، يلزم رفع اليد عن ظهور كلمة (بعينه) في كونه تقييداً زائداً؛ لأنّه لا يُتصوّر كونه تقييداً زائداً إلَّا إذا أُريد به إخراج صورة العلم الإجمالي بالحرام. فإنَّ كلّ شيءٍ حلال ما لم يُعرف الحرام بعينه معرفة تفصيليّة، ولازم ذلك أن لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً، مع أنّه لا إشكال فيه أنَّ أصالة الحلّ المجهولة في هذه الرواية لا تشمل موارد العلم الإجمالي. 

فلا بدَّ إذن صيانةً لقانون منجزيّة العلم الإجمالي، أن تُحمل كلمة (بعينه) على التأكيد الصرف. وأنّها ليس تقييداً زائداً، وهذا معنى رفع اليد عن ظهورها.

وأمّا إذا حملنا الرواية على الشبهات الموضوعيّة، وفرضنا أنّها في مقام جعل الحليّة للمائع المشكوك كونه خمراً. فحينئذٍ، يقال: بأنَّ إنساناً يشكّ في أنَّ هذا المائع خمر أو لا، هو لا محالة عنده علم إجمالي بوجود الخمر في العالم. فإذا شكّ أنَّ هذا المائع خمر أو لا؟ فمرجع ذلك، أنَّ ذلك الخمر المعلوم إجمالاً، لا يُحتمل انطباقه على هذا الفرد وعدم انطباقه، فيصبح هذا الفرد طرفاً للعلم 

ــــــــــ[193]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الإجمالي حتماً. وإذا أصبح طرفاً له، يقال في المقام: إنَّه بالرغم من ذلك تجري أصالة الحلّ؛ لأنّه لم يعرف الحرام بعينه. ولا يقال بأنَّ العلم الإجمالي منجّز؛ لأنّه يقال إنَّ مثل هذا العلم الإجمالي ليس منجّزاً؛ لأنَّ هذا العلم الإجمالي بوجود خمور في العالم أطرافه غير محصورة، وأكثر أطرافه خارج عن محلّ الابتلاء، فلا يكون منجّزاً. 

فيكون قيد (بعينه) هنا، قيداً في مقام إخراج صورة العلم الإجمالي، وصورة العلم الإجمالي بالبيان الذي بيّناه لا يكون هنالك مانع عن جريان أصالة الحلّ فيه(1)

إلاَّ أنَّ هذه القرينة ممّا لا يمكن المساعدة عليها. 

وذلك؛ لأنّه في مورد الشبهة الموضوعيّة، حيث فُرض أنَّ الاشتباه في خمريّة هذا المائع مساوق لصيرورته طرفاً للعلم الإجمالي، ماذا يريد بالعلم الإجمالي في المقام؟

 إن أراد به العلم الإجمالي المردّد معلومه بين الأقلّ والأكثر. بأن يقال هكذا: بأنّي أعلم بوجود خمسة خمور في العالم على أقلّ تقدير، فإن كان هذا خمراً أيضاً فالخمور ستة وإلاَّ خمسة، فيكون هذا طرفاً للعلم الإجمالي بين الأقلّ والأكثر. فيرد عليه: أنَّ هذا العلم الإجمالي لو سميّناه علماً إجمالياً فهو بنفسه 

ــــــــــ[194]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: الخروج عن محلّ الابتلاء لا يراه من أسباب انحلال العلم الإجمالي. 

فقال (سلّمه الله): باعتبار أدائه إلى الخروج عن محلّ الابتلاء. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

يمكن تصوّره في الشبهات(1) الحكميّة أيضاً ولا بأس بالحكم بعدم منجّزيّتة؛ لأنّه منحلّ لا محالة. ومثل هذا العلم الإجمالي لا يمنع عن جريان أصالة الحلّ لا في الشبهات الموضوعيّة ولا الحكميّة؛ لأنّه منحلّ بحسب الحقيقة إلى العلم بالأقل، والشكّ البدوي في الزائد. ومن هنا يكون تسميته بالعلم الإجمالي جزافاً، ليس هذا علماً إجمالياً. 

وإن أراد بالعلم الإجمالي الذي يشكّل في الشبهات الموضوعيّة، هو العل الإجمالي بين المتباينات. بحيث يكون هذا الإناء طرفاً للعلم الإجمالي بخمس أوانٍ في العالم. بمعنى أنّه يعلم بخمرية خمس مائعات في العالم بما فيها هذا المائع. إن أراد هذا المطلب، فمثل هذا العلم الإجمالي وإن كان غير منجّز، إلَّا أنّه غير موجود بحسب الخارج في الشبهات الموضوعيّة، لا نسلم أنّه موجود، وأن قيد (بعينه) يكون احترازاً عنه. 

بل هذا غير موجود ببداهة أنَّ هذا العلم الإجمالي لو كان موجوداً بحيث إنَّ هذا كان طرفاً له. للزم من ذلك أنَّ هذا المكلّف لو قطع النظر عن خصوص هذا المائع المشكوك الخمريّة ينقص معلومي من خمسة إلى أربعة، ولو ضمّ إلى بقيّة المائعات، يصير معلومه خمسة؛ لأنَّ هذا هو قانون جميع أطراف العلوم الإجماليّة. كيف نعرف أنَّ هذا طرف للعلم الإجمالي؟ أنّه إذا أسقطناه ينقص معلومنا بقدر ما أسقطنا، وإذا ضممناه إلى معلومنا يبقى معلومنا. 

فهو إذا ادّعى أنَّ هذا المائع المشكوك الخمريّة الذي نريد أن نجري فيه 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

(1) راجع مثاله في محاضرة أمس ص175. (المُقرِّر). [ص91-92].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

أصالة الحلّ طرف العلم الإجمالي من هذا القبيل، فيلزم من ذلك أن يكون عدد المعلوم بالإجمال يزيد وينقص بإسقاطه. وهذا مع أنَّ هذا خلاف الوجدان بحسب الخارج، فإنَّ عدد المعلوم بالإجمال من الخمر بضمّ هذا المشكوك الخمريّة إلى باقي خمور العالم. 

إذن، فالعلم الإجمالي بالمعنى الأوّل يعني: بين الأقلّ والأكثر، لا يختصّ بالشبهة الموضوعيّة، بل يجري حتى في الحُكميّة، والعلم الإجمالي بالمعنى الثاني غير موجود حتّى في الشبهة الموضوعيّة. فهذه القرينية غير تامّة. 

هذا هو تمام الكلام في الصيغة الاولى. 

الكلام في الصيغة الثانية للرواية

وأمّا الصيغة الثانية: “كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه قبل نفسك، وذلك مثل الثوب الذي يكون عليك، قد اشتريته لعلّه سرقة أو المملوك يكون عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خُدع فبِيع قهراً، أو امرأة تحتك ولعلّها أختك، أو رضيعتك. والأشياء كلّها على هذا حتّى تستبين، أو تقوم به البيّنة“. 

استُدِل بهذه الرواية على جريان أصالة البراءة في الشبهات الحكميّة تمسّكاً بإطلاقها، ووقع الإشكال في أنّه هل لها إطلاق أو لا؟ ثُمّ انجرّ هذا الإشكال إلى الإشكال في فقه الحديث، وفي تصوّر معنى الرواية في نفسه، بقطع النظر عن النزاع الموجود بين الأصوليين والإخباريين في جريان البراءة وعدمها. 

ومن هنا ينبغي لنا أن نتكلّم أولاً في فقه الحديث، وتعقّل معناه في نفسه، 

ــــــــــ[196]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وبعد ذلك نرى أنَّ هذا المعنى المتعقّل في الحديث هل يكون له إطلاق للشبهات الحُكمية أولا؟ فالكلام يقع في جهتين: 

الجهة الأولى: في تعقّل أصل معنى الحديث
[إشكال في فهم الحديث]

وذلك أنّه قد يُشكل على فهم هذا الحديث سواءٌ أُريد بالحليّة فيه خصوص الحليّة في الشبهات الموضوعيّة، كما يقول الإخباريون، أو الأعمّ منها ومن الحُكمية. على كلا التقديرين في أصالة الحلّ قد يُستشكل في تعقّل مثل هذا الأصل في المقام، باعتبار عدم مناسبته مع الأمثلة التي طبّق الإمام عليها أصالة الحلّ. فإنّها ليست مورداً لأصالة الحلّ بالإجماع والضرورة(1)

فإنّنا لو قطعنا النظر عن جريان قاعدة اليد، وأصالة الصحّة واستصحاب عدم الاختية(2)؟ فلا تجري هنا أصالة الحلّ بلا إشكال. فإنّها لا تجري في المقبوض بعقد مشكوك في صحّته وعدمها، لولا الأصل الموضوعيّ المصحّح للعقد في نفسه، سواءٌ كان ذلك الأصل قاعدة اليد، أو غيرها. فلو قال لي شخص من دون أن تكون يده على الدار مع احتمالي أنّه هو المالك -قال-: بعتك هذه الدار. هل أتمسّك هنا بأصالة الحلّ، وأقول أنَّ هذه الدار أصبح حلالاً لي؟ لا إشكال بعدم جواز التمسّك بها. وإنّما يحلّ لي الدار التي يبيعنيها 

ــــــــــ[197]ــــــــــ

(1) وهنا تلا الأمثلة. (المُقرِّر).

(2) الظاهر أنّه بنحو استصحاب العدم الأزلي، الذي يذهب سيّدنا الأستاذ إلى صحّة جريانه. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

صاحب اليد عليها، من باب أنّه صاحب اليد، لا من باب إجراء أصالة الحلّ. 

وكذلك في الثوب لو باعه من دون أن يكون صاحب اليد عليه، ولا أعلم أنّه مالك، لا يحلّ لي التصرّف فيه. وكذلك الزوجة، لو فُرِض الشكّ في أُختيتها وعدمها، لا يجوز عقد النكاح، وأصالة الحلّ لا تصحّحه، ومع فرض الشكّ في صحة عقد النكاح، لا يجوز ترتيب آثار صحّة العقد بالضرورة والإجماع. فهذه الموارد ليست موارد لأصالة الحلّ أصلاً بوجه من الوجوه، وليس عدم مورديّتها لها لأجل صناعة أو تلفيق حتّى يستكشف من مثل هذه الرواية بطلان هذه الصناعة. بل هو أمر واقعي بحسب الخارج، أنّه لا يوجد هناك فقيه يفتي في مثل هذه الأمثلة بالحلّ من باب قاعدة الحلّ لو قطع النظر عن قاعدة اليد والاستصحاب. إذن، فهنا يُشكل معنى الحديث ويصبح غير متعقّل. 

[وجوه دفع الإشكال]

وقد أُجيب عن هذا الإشكال بعدّة وجوه: 

[الوجه الأوّل]

 هو حمل الأمثلة على التنظير والتشبيه، لا على التطبيق. فكأنّ الإمام يبيّن قاعدة الحلّ، ثُمّ ذكر أنّه في الشريعة الإسلاميّة يوجد عندنا أشياء مشابهة لها، وهي الحليّة الاستصحابية، والحليّة بقاعدة اليد، فيكون قوله: “وذلك مثل الثوب يكون عليك“، من باب التنظير على المشابه، لا من باب تطبيق القاعدة الكليّة على مصاديقها. 

وهذا الاحتمال غير محتمل بعد فرض التحفّظ على كونه بياناً عرفيّاً. بأنَّ 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

التنظير -لو كان- يكون بين الحُكمين لا بين الحكم وموضوع حكم آخر. ينبغي أن يقول: وذلك مثل قاعدة اليد، ومثل الاستصحاب، من باب تنظير الحكم بحكم، أمّا تنظير الحكم الكليّ بالحليّة، بموضوعات ومصاديق جزئية لدليل الاستصحاب وقاعدة اليد، مثل هذا لا يكون بيانا عرفيّاً للتنظير.

 [الاحتمال الثاني]

 أن يقال: إنَّ الإمام في هذه الحليّة جمع بين حلّيّات متعدّدة في عبارة واحدة. هناك عندنا حليّة مجعولة في أصالة الحلّ، وهناك حليّة مجعولة في قاعدة اليد، وحليّة مجعولة في الجعل الاستصحابي. فهذه حلّيّات متعدّدة الموضوع كلّ واحدة منها يختلف عن موضوع الآخر. فإنَّ موضوع الحليّة في أصالة الحلّ هو عنوان ما لا يُعلم حرمته، وموضوع الحليّة في قاعدة اليد أُخذ فيه قيود عديدة منها (اليد)، وموضوع الحليّة في الاستصحاب أُخذ فيه قيود عديدة منها الحالة السابقة. 

المولى جمع بين هذه الحلّيّات الثلاث بعبارة واحدة؛ لأنَّ كلمة الحليّة لغة قابلة للانطباق على جميع هذه الحلّيّات الثلاث. ثُمّ مثّل لهذا الجامع بين الحلّيّات الثلاث، بأمثلة ثلاثة تدخل في الحليّة المجعولة بقاعدة اليد وبالاستصحاب. 

وينبغي أن يكون معلوماً في المقام، أنَّ المولى حينما يكون في مقام بيان حكم من الأحكام. تارةً يفرض أنّه في مقام بيان جعل ذلك، وهو المسمّى بمقام الإنشاء، أي في مقام إبراز ذلك الحكم على موضوعه الواقعي. وأخرى يفرض أنّه ليس في مقام إبراز الجعل، بل هو في مقام الحكاية والإخبار عن نتائج جعول مجعولة سابقة ومبرّزة بأدلّتها. 

ــــــــــ[199]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

لو كان المولى في مقام الجعل والإنشاء يعني في مقام إبراز الحكم على موضوعه.

فلا بدَّ له من بيان نفس الموضوع، الذي وقع موضوعاً للحكم في عالم جعل؛ لأنَّ هذا هو معنى كونه في مقام بيان الجعل والإنشاء. وأمّا لو فُرِض أنّه في مقام الحكاية عن نتائج الجعول المتحصّلة في المرتبة السابقة. حينئذٍ لا يلزم عليه في مقام الإخبار عن نتائج تلك الجعول التحفّظ على نفس العناوين، التي وقعت موضوعات لتلك الجعول. 

وبعد الالتفات إلى هذه النكتة نقول: 

إنَّ هذا الوجه في توجيه الرواية بُيِّن تارةً بأنَّه جمع بين الحلّيّات المتعدّدة في مقام الجعل والإنشاء. يعني: أنَّ المولى يريد أن يُبرز جعولاً متعدّدة بهذا البيان. حينئذٍ استُشكل في ذلك، بأنَّ هذا غير صحيح؛ لأنَّ كلّ واحد من هذه الحلّيّات والجعول، موضوعها غير موضوع الآخر، فإبراز الجعول المتعدّدة على موضوع أصالة الحلّ غير صحيح، إلَّا بالالتزام بتقييدات مستترة، طبقاً لواقع جعول هذه الحلّيّات. فيكون معنى قوله: “كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام“، يعني للأشياء التي تحت اليد بما هي تحت اليد حلال، والأشياء التي يُستصحب العدم فيها بما هي يستصحب العدم فيها حلال، والأشياء المشكوكة بما هي مشكوكة حلال. 

ومن هنا أوّله المحقّق العراقي بأنّه جمع بين الحلّيّات في مقام الإخبار لا في مقام الإنشاء. ومراده بذلك أنّ المولى بعد أن يجعل جعولاً متعدّدة قد يحكي عن 

ــــــــــ[200]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

نتائج تلك الجعول، وفي مقام حكايته عنها، لا يلزم أن يذكر نفس العناوين التي وقعت موضوعات لتلك الجعول، بل قد يُنتزع من الموضوعات عنواناً واحداً، ومن النتائج أيضاً يُنتزع عنواناً واحداً، ويعلّق أحدهما على الآخر. فبمثل هذا لا يكون خلاف مقام البيان؛ لأنّه في مقام البيان بنحو الحكاية عن الجعول السابقة، لا في مقام إبراز تلك الجعول بنفس هذا الخطاب(1)

هذا -مثلاً- من قبيل أن نفرض: أنَّ المولى له قاعدة اسمها قاعدة (الفراغ) موضوعها فعل المكلّف. فكلّما صدر منه فعل، وشكّ بعد ذلك بصحّته وعدمها فهو صحيح. وهناك قاعدة مجعولة أخرى اسمها (أصالة الصحّة) موضوعها فعل الغير، فكّلما شكّ في فعل صادر سابق من الغير أنّه صحيح أو لا، يبني على الصحّة. فهذان جعلان على موضوعين. فالمولى بعد كلا الجعلين نظر إليهما وصار في مقام الحكاية عنهما يمكنه أن ينتزع نتيجة متحصّلة من كلا الجعلين ويخبر عنها، فيقول: كلّ فعل شكّ في صحّته بعد وجوده فالأصل فيه الصحّة. فهذا حكاية عن النتيجة المتحصّلة من المجموع من قاعدة الفراغ، وأصالة الصحّة.

وهذا المثال لعلّه يقرّب مراد المحقّق العراقي. 

[التحقيق في توجيه المحقّق العراقي]

إلاَّ أنَّ هذا التوجيه أيضاً غير صحيح بحسب الفهم العرفي، وإن كان فنيّاً ودقيقاً بحسب الصناعة الأصوليّة، إلَّا أنّه بحسب الفهم العرفي غير صحيح؛ 

ــــــــــ[201]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الأفكار 3: 234-235.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وذلك لقوة ظهور الرواية في أنَّ الأمام في مقام إعطاء معنى كلّي، وضابطة كليّة؛ لأجل أن يطبقها المكلّف على مواردها الخارجيّة، وهو قد ذكر الأمثلة؛ لأجل تشريح ذهن هذا السامع في مقام تطبيق هذه الضابطة الكليّة. ومن المعلوم أنّنا لو حملناه على أنّه في مقام الإخبار عن حلّيّات متعدّدة على موضوعات متعدّدة ذات القيود مع إسقاط تلك القيود. إذن، كيف يطبق السامع المكلّف على مواردها. فإنّه بعد فرض أنّه ليست حليّة مجعولة بهذا العنوان، بل هو تعبير عن حلّيّات متعدّدة على موضوعات متعدّدة، حينئذٍ تطبيقه بحسب الخارج فرع إرجاع هذه الحليّة إلى أصولها الأوليّة، ومعرفة موضوعات أصولها الأوليّة، ثُمّ بعد ذلك تطبيقها وفقاً لذلك. ومثل هذا خلاف ظاهر الرواية جداً. فإنَّ ظاهر الرواية جداً أنّه في مقام إعطاء معنى كلّي قابل التطبيق من ناحية المكلّف(1)

[المختار في فهم الرواية]

والّذي يقوى في نفسي: احتمال أن تكون هذه الرواية، ناظرة إلى مرحلة البقاء، وإلى مرحلة الحدوث؛ وذلك أنّه يفرغ عن وجود قواعد في الشريعة تقتضي الحليّة الظاهريّة، والتأمين الظاهريّ، من قبيل قاعدة اليد والاستصحاب وأصالة الحِلّ. وغيرها من القواعد التي تقتضي الحِلّ بمقتضى قاعديّتها. 

ــــــــــ[202]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: إلَّا إذا احتملنا أنَّ الجامع المنتزع مساوٍ. وهذا بالضرورة غير محتمل؛ فإنّه لا يحتمل أن يكون مقصود الإمام أنَّ الجامع المُنتزع مساوٍ حقيقة، حتّى في نظر السائل لم يكن هذا محتملاً ارتكازاً. فإنّه لو رجع إلى نفسه لا يحتمل لحظة، أنَّ مراد الإمام مثال الدار السابق. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

إلاَّ أنّه بعد التمسّك بهذه القواعد قد يطرأ على الإنسان تشكيك ناشئ من أيّ سبب من الأسباب. بعد أن يشتري البيت من صاحب اليد يقول لعلّ هذه الدار ليست له، أو وقفاً -مثلاً-، ويبقى في مقام التشكيك في أن هذه القاعدة مطابقة للواقع أو لا. 

فمن المحتمل قريباً أن تكون الرواية في هذا المقام، بعد فرض أنَّ هناك شيئاً ثبت بقاعدة حليّته في نفسه، بعد هذا لا يعتني بالاحتمالات الأخرى الموجودة، أو المستجدّة، وأنّه لعلّ القاعدة على خلاف الواقع، مهما كان منشؤها، حتّى يحصل العلم، أو تقوم به البيّنة. وما لم يحصل العلم أو تقوم البيّنة، فإنَّ القاعدة نافذة المفعول والحكم. 

هذا المطلب تطبيقه على الرواية لا يقتضي في المقام إلَّا الالتزام بتقييد واحد، هو أيضاً تقييد عرفي، يعني: ليس فيه منافاة إلّا للإطلاق فقط، ولا يخرج البيان عن كونه عرفياً؛ وذلك أن نقول: إنَّ قوله: “كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف الحرام…” يعني هكذا: كل شيء فُرض حلّيته في نفسه بقاعدة من القواعد فهو لك حلال ويبقى حلال، حتى تعرف الحرام منه بعينه، مثل كذا وكذا. يمثّل بالأمور التي ثبتت بالقاعدة حليّتها ثُمّ صار هناك احتمال الخلاف، والأشياء كلّها على هذا حتّى يتبّين لك، أو تقوم به البيّنة. فنقيّد موضوع الرواية بأشياء قد فرغ عن حليّتها بقاعدة من القواعد، ونجعل نظر الرواية إلى مرحلة البقاء. وإنَّ تلك القواعد المفروغ عنها، لا يرفع اليد عنها بالاحتمال والوسوسة، وقيل ويُقال -مثلاً-، بل تبقى نافذة المفعول، أو تقوم البيّنة على خلافها. 

ــــــــــ[203]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

هذا ليس فيه إلَّا فرض التقييد في موضوع هذه الرواية، لو لم نقل بقراءة الرواية هكذا: (كلّ شيء هو لك حلال). فإنّه إذا قلنا بأنّ: (هو لك) يكون مأخوذاً في الموضوع، يكون هو بنفسه عبارة أخرى عن هذه القيد. يعني كلّ شيء بمقتضى وضعه الظاهري، (هولك) وبحسب الجريان الحياتي داخل في حياتك، فهذا حلال حتّى تعرف الحرام. 

وعليه فيرتفع الإشكال عن الرواية مع التحفّظ على أنّها بياناً عرفيّاً. إلَّا أنَّه بناءً على هذا تكون الرواية أجنبية عن محلّ الكلام، ولا تكون دالّة على أصالة الحِل لا في الشبهات الحكميّة، ولا الموضوعيّة أصلاً. 

ويسقط الاستشهاد بها على ما هو محلّ الكلام أيضاً، فإنّها لا تكون دالّة على البراءة أصلاً أيضاً. 

الاستدلال على البراءة بالاستصحاب 

استُدلّ على البراءة، أو على نتيجتها بالاستصحاب، بدعوى: أنَّ الحالة السابقة هي عدم تكليف فنستصحبها.

[تقريبات في الاستدلال بدليل الاستصحاب]

ويقرّب هذا الاستصحاب بثلاثة وجوه: 

الوجه الأوّل: ملاحظة الحالة السابقة قبل وجود الشرائط العامّة للتكليف من العقل، والبلوغ ونحو ذلك. فإنَّ كلّ إنسان مسبوق بحالة العقل المطلق، فهو يتيقّن بعدم التكليف بلحاظ تلك الحالة فنستصحب.

التقريب الثاني: بلحاظ الحالة السابقة قبل تشريع الشريعة، وتقنين 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الأحكام من قبل المشرّع سبحانه وتعالى. فإنّه قبل الشريعة لم يكن تكليف 

وإلزام، فيستصحب عدم الالزام. 

التقريب الثالث: بلحاظ الحالة السابقة قبل استجماع الشرائط الخاصّة للتكليف المشكوك الثبوت. لو فُرِض أنّنا شككنا أنَّ الحج هل يجب به البذل أو لا يجب؟ وبذل الشخص نفقة الحج، فقبل البذل كان الحج غير واجب عليه، وبعد البذل يشكّ أنّه هل يجب الحج عليه أولا؟ فيستصحب عدم وجوبه. 

التقريب الأوّل: في استصحاب العدم الثابت حال الصغر 

أمّا التقريب الأوّل: وهو استصحاب العدم الثابت قبل تحقق الشرائط العامّة للتكليف. فقد اعتُرض عليه بعدة وجوه:

[وجوه الاعتراض على التقريب الأوّل]

الوجه الأوّل في الإشكال عليه

الوجه الأوّل وهو رأس الخيط للإشكالات في المقام. 

وحاصله بصورته الساذجة البدائية: هو أنَّ الاستصحاب لا يجري إلَّا فيما إذا كان المستصحَب حكماً مجعولاً، أو موضوعاً لحكم مجعول. وفي المقام عدم التكليف لا هو حكم مجعول، ولا موضوع لحكم مجعول بحسب الفرض. ولو فُرِض أنّه موضوع لحكم مجعول يخرج عن محلّ الكلام، ويجري الاستصحاب بلحاظه. لكن نظرنا في المقام ليس إلى حكم آخر يترتّب على عدم التكليف، بل إلى نفس استصحاب عدم التكليف للتعويض به عن البراءة الشرعية. 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

والمستصحب في المقام لا هو حكم مجعول، ولا موضوع لحكم مجعول؛ فلا يجري الاستصحاب. 

[إشكال صاحب الكفاية على الاعتراض]

وقد أشكل عليه صاحب الكفاية: بأنَّ هذا الشرط، وهو: أن يكون المستصحَب حكماً مجعولاً، أو موضوعاً له، مرجعه إلى أنّه لا بُدّ وأن يكون المستصحَب قابلاً للتصرّف والتعبّد الظاهري من قِبَل المولى، نفيّاً وإثباتاً. ويكفي في قابليته لذلك أن يكون عدم حكم. فإنّه كما أنَّ الحكم قابل للتعبّد به من قِبَل المولى، كذلك عدم الحكم أيضاً قابل للتعبّد والتصرّف الظاهري من قِبَل المولى، فلا منشأ لتخيّل عدم جريان الاستصحاب من هذه الناحية(1)

وقيل بأنَّ الآخوند نسب هذا الإشكال إلى الشيخ في (الرسائل)(2). واستغرب السيّد الأستاذ من هذه النسبة، حيث إنَّ الشيخ يقول باستصحاب الأعدام الأزليّة فضلاً عن استصحاب العدم المتعارف. فكيف ينسب إليه أنّه يستشكل في ذلك(3)

وهذا الاستغراب في غير محلّه في المقام؛ وذلك أنَّ الشيخ إنّما يقول 

ــــــــــ[206]ــــــــــ

(1) وهنا قال جواباً على سؤال: إنَّ هذا الإشكال يجري في كلّ استصحاب عدم تكليف. ولم يؤخذ فيه خصوصيّة الصغر، بل يجري في بعض التقريبات الأخرى أيضاً. (المُقرِّر).

(2) انظر: كفاية الأصول: 417، التنبيه الثامن من تنبيهات الاستصحاب.

(3) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 264.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

باستصحاب الأعدام الازليّة فيما إذا وقع العدم الأزلي موضوعاً لحكم شرعي(1)، فإنّه هنا يجري العدم الأزلي لإثبات الحكم المجعول المترتّب عليه.
-مثلاً- في المكاسب يستصحب العدم الازلي لمخالفة الشرط، لو شكّ في أنَّ شرطاً مخالفاً للكتاب أو لا، وليس له حالة سابقة، فيستصحب العدم الأزلي للمخالفة؛ وذلك لأنَّ عدم المخالفة موضوع لحكم شرعي وهو نفوذ الشرط، وجوازه، وترتّب الأثر عليه. 

فجريان استصحاب العدم الأزلي، لا ينافي قاعدة أن يكون الاستصحاب جارياً في حكم شرعي، أو في موضوع لحكم شرعي. فإنَّ العدم الأزلي قد يتّفق أن يصير موضوعاً لحكم مجعول. فأيّ استغراب في أن يجمع شخص بين هذه القاعدة، وبين استصحاب العدم الأزلي، بل محلّ الكلام(2) أجنبي عن باب العدم الأزلي من هذه الناحية. 

ولا يهمّنا تحقيق أنَّ الشيخ هل أراد هذا الإشكال أو لا. وماذا أراد بكلامه؟ كلّ هذا خارج عن محلّ الكلام. 

على أيّ حال، هذا إشكال يجب النظر إليه في نفسه، وحينما يُنظر إليه في نفسه، يُرى أنَّه غير وارد في المقام؛ إذ لا موجب لتخصيص دليل الاستصحاب 

ــــــــــ[207]ــــــــــ

(1) فينطبق عليه الشرط المدّعى وهو أنَّ المستصحَب حكم مجعول، أو موضوع لحكم مجعول، (من محاضرة غد). (المُقرِّر).

(2) وفي المقام عدم التكليف لا هو حكم مجعول، ولا موضوع لحكم مجعول، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

بخصوص ما إذا كان المستصحّب مجعولاً أو موضوعاً لحكم مجعول(1)

الوجه الثاني للإشكال عليه للنائيني 

التقريب الثاني للإشكال على استصحاب عدم التكليف.

[المقدّمة الأولى] 

حاصله: ما أفاده المحقّق النائيني(2) حيث ذكر في توجيه مرام الشيخ، أو تأسيس مبنى الشيخ في المقام. ذكر أنَّ استصحاب عدم التكليف لا يجري، وذلك لأنَّ الاستصحاب لا يكفي فيه مجرّد أن يكون المستصحَب حكماً شرعيّاً إثباتاً، أو نفياً، أو موضوعاً لحكم شرعي، حتّى يقال: بأنَّ هذا الشرط موجود في المقام ولو نفياً، وإن لم يكن موجوداً إثباتاً؛ لأنَّ الاستصحاب أصل عمليّ. حينئذٍ، فلا معنى للتعبّد به إلَّا بلحاظ انتهائه إلى الآثار العمليّة. وما لم ينتهِ إلى ذلك يكون التعبّد به لغواً، -فمثلاً- لا معنى لأن نجري استصحاب الوجوب على المكلّف الفلاني، الذي مات قبل خمسمئة سنة، بعد أن نشكّ أنَّ وجوب الحج هل بقي عليه أو لا؟ مع أنَّ المستصحَب حكم شرعي مجعول، إلَّا أنّه حيث إنَّ استصحابه لا ينتهي إلى أثر عملي بالنسبة إلينا؛ ولهذا لا معنى لجريان هذا الاستصحاب والتمسّك بدليل الاستصحاب بالنسبة إليه.

ــــــــــ[208]ــــــــــ

(1) غايته لا بدَّ وأن يكون المستصحب قابلاً للتصرّف المولوي؛ لأنَّ الاستصحاب نحو من التصرّف المولوي، فلا بُدّ من فرض قابليته لذلك، سواءٌ كان حكماً مجعولاً، أو موضوعاً لحكم مجعول، أو لم يكن كذلك، فالإشكال من هذه الناحية بلا موجب، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

(2) انظر: أجود التقريرات 2: 190-191.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وإنما نجري استصحاب بقاء النجاسة في هذا الثوب، لا لمجرد كون النجاسة حكماً شرعياً مجعولاً، بل لأجل انتهائه إلى الأثر العملي، كعدم جواز الصلاة فيه، وتنجّز الصلاة في غيره. فما لم ينتهِ الاستصحاب إلى أثر عملي في عالم الوظيفة وعالم الامتثال والعصيان بالنسبة إلى المولى لا معنى لجريان الاستصحاب في نفسه. 

هذه هي المقدمة الأولى للإشكال. 

[المقدّمة الثانية]

 هي أن الأثر العملي الداخل في دائرة امتثالي، أو عصياني الذي يجري الاستصحاب -مثلاً- بلحاظه:

تارةً: يفرض أنّه يكون مترتّباً على الواقع، لا على الشكّ في الواقع. من قبيل محلّ الكلام في استصحاب النجاسة، فإنَّ تنجّز الصلاة علينا في غير هذا الثوب في عالم الامتثال، هذا التنجّز واللابديّة من تبعات الواقع، لا من تبعات الشكّ فيه. فهو حكم شرعي مترتّب على واقع النجس (لا تصلِّ في واقع النجس)، لا أنه (لا تصلِ في مشكوك النجاسة). 

وأخرى: نفرض أنَّ الأثر مترتّب على الشكّ محضاً، لا على الواقع، كما لو فُرِض أنَّ الشارع نهى عن الصلاة في مشكوك النجاسة، لا عن الصلاة في النجس الواقعي(1)، بحيث إنَّ الأثر الذي يقع في نطاق امتثالي وعصياني، موضوعه هو الشكّ فقط. 

ــــــــــ[209]ــــــــــ

(1) فالنجس الواقعي إذا لم يكن مشكوك النجاسة، لا بأس من الصلاة فيه. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وثالثة: يُفرض أنَّ الأثر موضوعه أعمّ من الشكّ والواقع كما لو نهى عن الصلاة في واقع النجس، ومشكوك النجاسة. 

فهذه أنحاء ثلاثة متصوّرة في المقام. 

وحينئذٍ، إذا فرضنا أنَّ الأثر كان صورة قبيل القسم الأوّل، وهو أنّه مترتّب على الواقع، فيجري الاستصحاب بلا إشكال؛ لانتهائه إلى الأثر العملي. 

وأمّا في القسم الثاني، وهو ما إذا كان الأثر مترتّباً على الشكّ، وغير مترتّب على الواقع أصلاً، فلا معنى لإجراء الاستصحاب في المقام. وكذلك الحال في الشقّ الثالث، وهو ما إذا كان الأثر مترتّباً على الشكّ، وعلى الواقع معاً. 

والميرزا وإن بيّن بطلان جريان الاستصحاب بعبارة واحدة، لكن لعلّ مراده الجمع والاختصار في العبارة. وإلاَّ فينبغي أن يقال من طرفه هكذا: وهو أنّه في القسم الثاني وهو: ما إذا فُرِض أنَّ الاثر العملي كان مترتّباً على الشكّ محضاً ولا أثر للواقع، يقال بأنَّ الاستصحاب هو محاولة تحصيل شيء عن طريق لا يحصل به؛ لأنّي بالاستصحاب أًريد أن احصّل ذلك الأثر عن طريق إثبات الواقع، مع أنَّ ذلك الأثر أجنبي عن الواقع. أنا بالاستصحاب أُريد أن أثبت الواقع تعبّداً لأصل ذلك الأثر، مع أنّ الواقع أجنبي عن ذلك الأثر. فهنا يجري الاستصحاب؛ لأنّه محاولة تحصيل أثر لا يحصل منه ذلك الأثر. من قبيل استصحاب طهارة هذا الثوب، لأجل التوصّل إلى جواز الصلاة في ثوب آخر. 

وأما في الشقّ الثالث فتنطبق عليه حينئذٍ عبارته، حيث قال: بأنّه يلزم 

ــــــــــ[210]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

تحصيل الحاصل، بل أردأ أنحاء تحصيل الحاصل؛ لأنّه تحصيل للحاصل وجداناً، تحصيله بالتعبّد؛ لأنَّ المفروض أنَّ هذا الأثر العملي له موضوعان: أحدهما الشكّ والآخر الواقع(1)، والشكّ موجود وجداناً، إذن فهذا الأثر مترتّب وجداناً على موضوعه.

 وأنا أُريد أن أجري الاستصحاب بعدم الواقع، حتّى أتعبّد بثبوت هذا الأثر. فالحاصل وجداناً أريد أن احّصله تعبّداً. وهذا من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل(2).

هذه هي الكبرى التي بيّنها (3)

ــــــــــ[211]ــــــــــ

() إثباتاً أو نفياً، (مستفاد من المحاضرة). (المُقرِّر). 

(2) وهنا قال أحد الإخوان: هذا الإشكال وارد حتّى في الصورة الثانية، وهي: ما لو فُرِض أنَّ الموضوع هو الشكّ فقط. في هذه الصورة يرد إشكالان: الإشكال الأوّل الذي بيّنتموه وهذا الإشكال. 

فأجاب هنا: لا يكون تحصيلاً للحاصل. فإنّه لو فُرِض أنَّ تحصيل الحاصل مرّة أخرى ممكن ومعقول في نفسه، أيضاً لا يلزم تحصيل الحاصل. فإنَّ هذا الاستصحاب لا ينتهي إلى ترتيب هذا الأثر؛ لأنَّ الواقع ليس موضوعاً للأثر حتّى أحصّله مرّة أخرى. فلو كان تحصيل الحاصل أمراً معقولاً، مع هذا لا أستطيع هنا أن أحصّله مرّة أخرى؛ لقصورٍ ذاتيٍّ في نفس الاستصحاب. 

فقال الأخ (سلّمه الله): هنا يصير إشكالان على الاستصحاب، أحدهما: أنَّ هذا الاستصحاب لا ينتج أصلاً، والثاني لو فُرِض أنّه ينتج، فهذا تحصيل للحاصل. 

فأجاب: إذا كان بهذا المعنى فنعم. إلَّا أنَّ هذا الإشكال على أيّ حال لا يمكن أن يبيِّن ابتداء بالنسبة إلى القسم الثاني. وإلاَّ فلن يكون صحيحاً. (المُقرِّر).

(3) انظر: أجود التقريرات، المصدر السابق.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [تطبيق كبرى النائيني في موردين]

وقد طبّق هذه الكبرى في موردين: المورد الأوّل، في استصحاب عدم الحجّيّة، والمورد الثاني في استصحاب عدم التكليف، يعني: على ضوء هذه الكبرى منع من جريان كلا هذين الاستصحابين. 

فإنّه في محلّ الكلام من استصحاب عدم التكليف ذكر: أنَّ الأثر العملي الذي نريد أن نجري الاستصحاب بلحاظه، ليس هو إلَّا التأمين والمؤمّنيّة، ونفي العقاب. فإمّا أن نفرض أنَّ المؤمنّية هي أثر للشكّ محضاً وليس أثر الواقع، وإمّا أنّنا نفرض أنّها أثر للشكّ ولواقع عدم التكليف، وكلّ منهما موضوع -موضوع للمؤمّنيّة-. 

أمّا فرض أن يكون موضوع المؤمّنيّة، هو خصوص الواقع دون الشكّ فهذا خلاف قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). فإنَّ هذه القاعدة تبرهن على أن الشكّ، واللابيان موضوع للمؤمّنيّة في نفسه. وحينئذٍ، فإمّا أن نفرض أنَّ واقع عدم التكليف موضوع آخر للمؤمّنيّة، أو نفرض انحصار موضوعها في خصوص الشكّ واللابيان. وعلى كلا التقديرين لا يجري استصحاب عدم التكليف؛ لأنّه يكون من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل. 

وذلك؛ لأنّي أُريد أنَّ احصّل باستصحاب عدم التكليف: المؤمّنيّة، والمؤمنيّة موضوعها ثابت وجداناً، وهو الشكّ، أُريد أن أحصّلها تعبّداً بإحراز عدم التكليف تعبداً. وهذا معناه تحصيل ما هو حاصل وجداناً بالتعبّد. فهذا حاصل إشكال الميرزا في المقام. 

ــــــــــ[212]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [جواب السيّد الأستاذ عن الميرزا]

وأجاب عن ذلك السيّد الأستاذ كأنّه مسلم عدم جريان الاستصحاب فيما إذا فُرِض الأثر كان مترتّباً على الشكّ محضاً. وإنّما استشكل فيما إذا كان الأثر مترتّباً على الشكّ، وعلى الواقع، يعني كان له موضوعان أحدهما: الشكّ، والآخر الواقع، فذكر هنا أنّه لا بأس بإجراء الاستصحاب لأجل ترتيب ذلك الأثر؛ لأجل إحراز الواقع تعبّداً، وترتيب الأثر عليه تعبّداً. ولا يكون هذا تحصيلاً تعبّديّا لِما هو حاصل بالوجدان. 

إذ بعد جريان الاستصحاب، يكون الاستصحاب واقعاً للموضوع الآخر للأثر(1)

توضيحه: أنَّ الأثر في المقام فرضنا أنَّ له موضوعين يترتّب على كلّ منهما، أحدهما الشكّ، والآخر واقع عدم التكليف. فهنا لو لم نجرِ الاستصحاب فالشكّ موجود وجداناً، فيترتّب عليه الأثر وجداناً أيضاً.

 وأمّا لـو أجريناه حيث إنّه بالاستصحاب يلـغو بحـكومة دليل الاستصحاب وببركة جعل الطريقيّة، ويرتفع موضوع هذا الشكّ في عالم نظر المولى؛ ولهذا لا يكون عندنا بلحاظ حكومة دليل الاستصحاب موضوع ثابت وجداناً يترتب عليه الأثر. فينحصر الأمر في مقام ترتيب الأثر، في إثبات الواقع تعبّداً بالاستصحاب. 

ــــــــــ[213]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 266-267.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

إذن، في فرض جريان الاستصحاب ليس عندنا تحصيل وجداني(1)؛ لأنَّ فرض جريانه هو فرض إلغاء الشكّ، وفرض إلغائه هو فرض أنَّ الأثر ليس موضوعه محرزاً وجداناً. 

إذن، فبقطع النظر عن جريان الاستصحاب، وإن كان الشكّ محرزاً وجداناً وبتبعه يكون الأثر محرزاً. لكن مع جريان الاستصحاب يلغو الشكّ بالحكومة، فلا يكون الموضوع محرزاً وجداناً عندنا، بل نضطر حينئذٍ إلى التوجّه إلى الواقع وإثبات الواقع(2) بالاسصحاب، وإثبات الأثر تعبّداً بلحاظه. 

فبالاستصحاب ننفي الشك، فيكون الأثر مترتّباً بلحاظ إثبات الواقع تعبّداً، لا بلحاظ الموضوع الآخر؛ لأنَّ الموضوع الآخر أُلغي بقانون حكومة الاستصحاب على الشكّ. فلا يكون هذا من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل، بل يكون تحصيلاً لشيء في ظرف تحصيله ليس حاصلاً من ناحية أخرى. 

وهذا من قبيل إجراء الاستصحاب مع أصالة الحِل، وأصالة البراءة. كما أنّه لولا الاستصحاب لأمكن تحصيل الأمن من ناحية البراءة، ولكنّه مع الاستصحاب يكون الأمن مستنداً إليه دونها؛ لأنّه حكم على البراءة الشرعيّة. فحال المقام حال ذلك المقام، فكما أنَّ الاستصحاب يرفع موضوع البراءة الشرعيةفيستند إليه الأمنكذلك في المقام يرفع الشكّ فتستند المؤمّنيّة إليه لا إلى قاعدة الشكّ، وأنّه مؤمّنّاً. 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

(1) يقصد تحصيل تعبّدي لِما هو ثابت وجداناً، (توضيح). (المُقرِّر). 

(2) يعني: عدم الواقع. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

هذا تمام ما أفاده في المقام. إلَّا أنّه لا هذا الذي أفاده مما يمكن المساعدة عليه، ولا أصل كلام الميرزا. 

[جواب عمّا أفاده السيّد الأستاذ في دفع كلام الميرزا]

إنَّ كُلّاً من الكلامين(1) ممّا لا يمكن المساعدة عليه. 

أمّا كلام السيّد الاستاذ: فيرد عليه: 

أولاً: دليل الاستصحاب لا يُتصوّر في المقام حكومته على قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) وذلك؛ لأنَّ دليل الاستصحاب لو فُرضت له حكومة إنّما يكون له حكومة على أدلّة شرعيّة أخرى أُخذ في موضوعها الشكّ، كأصالة الطهارة، والإباحة وغيرها، من الأصول التي نفرض أنّها أخسّ من الاستصحاب، وأُخذ في موضوعها الشكّ. حينئذٍ يقال: بأنَّ دليل الاستصحاب يكون حاكماً عليها؛ لأنّه يلغى موضوعها بالتعبّد المولوي. حيث إنّه موضوع تلك الأدلّة أيضاً تحت سلطان المولى بما هو مولى؛ لأنّها متكفّلة لمجعولات مولويّة، فحينما يلغي المولى الشكّ إلغاء مولويّاً بدليل الاستصحاب، فكأنّه حدّد مولويّاً موضوع تلك الأدلّة بغير هذه الحالة -مثلاً-. 

وأمّا بالنسبة إلى قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). فحينئذٍ، إمّا هذه القاعدة ليست دليلاً شرعيّاً متكفلاً لأمر مجعول من قبل الشارع، حتى يدخل تحت سلطانه توسعةً وتضييقاً، بالحكومة تارةً، وبالتخصّص أخرى، بل إنَّ هذه 

ــــــــــ[215]ــــــــــ

(1) بعد أن لخّص إشكال الميرزا وجواب السيّد الأستاذ قال: إنَّ كلاً من الكلامين… (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

القاعدة -على فرض صحّتها- قاعدة عقليّة، فلا بُدّ من النظر إلى ملاك حكم العقل بها، ويرى هذا الملاك هل يرتفع بجريان الاستصحاب أو لا يرتفع؟ فإن فُرض ارتفاعه كان الاستصحاب في المقام (وارداً) لا (حاكماً) يعني يرفع موضوع القاعدة حينئذٍ وجداناً، ويكون له الورود عليه(1)

وإذا فرضنا أنّ ملاك قاعدة قبح العقاب لا يرتفع.. إذن، فيستحيل الحكومة في المقام؛ لأنَّ القاعدة ليست تحت سلطان المولى بما هو مولى، ليحدد المولى موضوعها بالدليل الاستصحابي، والنظر الاستصحابي. 

والصحيح هو الثاني: أنَّ ملاك القاعدة، لا يرتفع بإلغاء الشكّ من قبل المولى، وذلك: لأن ملاك هذه القاعدة، بناءً على ما حللناها مراراً، مرجعها إلى قاعدة قبح العقاب مع عدم حقّ المولويّة، حيث يرجع جوهر قول الذين يقولون بهذه القاعدة، إلى أنَّ المولى ليس له حقّ الطاعة في غير ما بيّن من التكاليف. فملاك هذه القاعدة هو خروج موارد اللابيان عن دائرة حقّ الطاعة، وحيث إنّها خارجة عن هذه الدائرة، لهذا يقبح العقاب فيها. 

وهذا الملاك لا يُفرق فيه بين ما إذا شُكّ في التكليف الواقعي مع عدم وجود موصل للعدم. يعني لو شُكّ في المطلب، أو لو علم بالعدم وجداناً أو تعبّداً. في جميع هذه الموارد يقبح العقاب، لأجل عدم حقّ الطاعة. فكما يقبح العقاب في مورد الشكّ من ناحية أنَّ المولى ليس له حقّ الطاعة في التكاليف 

ــــــــــ[216]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: هو ادّعى الحكومة في عبائره، إلَّا أنّه لعلّه مسامحة في التعبير، أمّا نحن فلا نتسامح في التعبير. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

المشكوكة، كذلك يقبح العقاب في مورد العلم بالعدم إمّا وجداناً، أو تعبّداً ولو بالاستصحاب؛ لأنَّ المولى ليس له حقّ الطاعة في مثل هذه الموارد، باعتبار أنَّ حقّه مخصوص بموارد البيان، فموارد اللابيان كلها ليس فيها حقّ الطاعة. 

إذن، فنُكتة قاعدة قبح العقاب وملاكها ثابت في مطلق موارد اللابيان. سواءٌ كان هناك بيان على العدم وجداناً أو تعبّداً، أو لم يكن. 

إذن، فهذه القاعدة مرجعها إلى قبح العقاب في غير الموارد الداخلة في حقّ الطاعة.

 ومن المعلوم أنَّ جريان استصحاب عدم التكليف لا يجعل المورد داخلاً في حقّ الطاعة، بل يبقى داخلاً ضمن دائرة عدم حقّ الطاعة. 

إذن، فموضوع القاعدة محفوظ ويستحيل تحديده مولويّاً بإعمال المولويّة من قبل المولى؛ لأنَّ القاعدة ليست تحت سلطانه. 

إذن، فدليل الاستصحاب لا يكون حاكماً على القاعدة، فإذا لم يكن حاكماً عليها يعود الإشكال؛ لأن القاعدة حينئذٍ تكون ثابتة، ويكون الشكّ -يعني موضوع القاعدة وهو اللابيان- ثابتاً وجداناً، وتكون المؤمنيّة محرزة وجداناً، فيكون(1) من أردأ أنحاء التحصيل الحاصل، على النحو الذي بيّنه الميرزا -مثلاً-. هذا أوّلاً. 

وأمّا ثانياً: فلأنّه كيف فرض السيّد الأستاذ في المقام، أنَّ الأثر هنا مترتّب على الشكّ، وعلى الواقع، أي من قبيل القسم الثاني. فإنَّ الأثر بعد أن كان المراد 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

(1) استصحاب عدم التكليف لإثبات المؤمّنيّة، (توضيح). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

منه المؤمنيّة، والمؤمنيّة ليست مترتّبة على واقع عدم التكليف بوجه من الوجوه، فإنَّ التكليف لا بوجوده الواقعي دخيل في المنجزيّة، ولا عدم التكليف بثبوته الواقعي دخيل في المؤمنيّة. بعد فرض البناء على أنَّ مشكوك التكليف مؤمَّن عنه ولو كان هناك تكليف واقعي ومعلوم التكليف منجّز ولو لم يكن هناك تكليف واقعي، بناءً على استحقاق المتجرّي للعقاب كما هو الصحيح عندنا وعنده. إذن، فالتكليف الواقعي لا دخل له أثباتاً ونفياً، لا في التنجيز ولا التأمين.

فكيف فرض أنَّ الأثر في المقام له موضوعات: أحدهما الشكّ والآخر الواقع. هذا المطلب غير مُتصوّر في المقام. 

ثُّمّ إنَّه إمّا أن يفرض أنَّ دليل الاستصحاب يكون المجعول فيه هو الطريقيّة، وإمّا لا يفرض، فإن فرضنا أنَّ المجعول فيه هو الطريقيّة، فما ذكره من الحكومة لو تمّ صورةً، يتمّ حتّى في القسم الثالث، فيما إذا فُرض أنَّ الأثر مترتبّاً على الشكّ فقط دون الواقع.

 أيضاً يجري الاستصحاب، والحكم على قاعدة الشكّ، ويكون فائدته حينئذٍ عدم ترتّب الأثر أصلاً؛ لأنَّ موضوع الأثر هو الشكّ، والشكّ قد أُلغي بالقانون الاستصحابي. فلماذا يجري الاستصحاب بالقسم الثالث؟ فالتفصيل بلا موجب. 

ولو فُرض أنّنا لم نقل بأنَّ المجعول في الاستصحاب هو الطريقيّة، فالحكومة بلا موجب، حتّى لو فُرض أنَّ الأثر كان مترتّباً على موضوعين: أحدهما الشكّ والآخر الواقع. ومقصودنا من ذلك أنَّ التفصيل بين هذين 

ــــــــــ[218]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

القسمين ليس له نُكتة. بينما إذا كان الأثر مترتّباً على خصوص الشكّ ذكر هنا أنّه لا يجري الاستصحاب، أو على موضوعين: أحدهما الشكّ والآخر الواقع، يجري الاستصحاب ويصير حاكماً على قاعدة الشكّ. 

هذا التفصيل لا نعرف له وجهاً؛ وذلك لأنّه لو قلنا: بأنَّ المجعول في الاستصحاب هو الطريقية، وأتممنا الحكومة بالنحو الذي نبيّن. إذن، فالحكومة تامّة من كلا القسمين، ولها فائدة في كليهما. وإلاَّ فلا تتمّ الحكومة، في كلا القسمين ويشكل جريان الاستصحاب فيهما معاً. 

وليت السيّد الاستاذ أجاب المحقّق النائيني في المقام، وذكر له في مقام دفع إشكاله: بأنَّ هذا الأثر العملي، الذي يقال بأنَّ الاستصحاب يجري بلحاظه، ماذا يريد الميرزا من هذا الأثر العملي؟ إن أراد به الأثر العملي بمعنى الحكم الشرعي المربوط بمقام العمل(1)، في مقام حكم شرعي غير مربوط بمقام عملي، بل مربوط بمكلّف آخر كالحائض -مثلاً-. إن أراد هذا فهو موجود في المقام؛ لأنَّ نفس عدم التكليف -بقطع النظر عن إشكال آخر يأتي وهو حكم شرعي مربوط بمقام عملي- إمّا أنّه حكم شرعي؛ فلما سيأتي من أنّه كما أنَّ وجود التكليف حكم، كذلك عدمه حكم بمعنى من المعاني. وإمّا مربوط بعملي فهذا واضح، إذ كما أنَّ التكليف مربوط بعملي؛ لأنّه يؤثر في ظرف وصوله، كذلك 

ــــــــــ[219]ــــــــــ

(1) قد صرّح الميرزا كما في المحاضرة، بأنَّ هذا الأثر ليس هو إلَّا المنجّزيّة، إذن، فهذا الاحتمال ليس مراداً له قطعاً، وليس هو إلَّا من باب تطويل المسافة. فتأمّل (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

عدم التكليف مربوط بعملي؛ لأنّه يؤثّر عند عدم وصوله. ذاك يؤثر في ضيق الخناق وهذا في إطلاقه. إذن، فهذا الأثر العملي موجود في استصحاب عدم التكليف. 

وإن أراد بالأثر العملي في المقام -الاّثر العملي الفعلي، بمعنى: المنجزيّة والمعذريّة- الأمن من العقاب والخوف، حيث إنَّ الأصل إنّما يجري بلحاظ التنجيز والتعذير. إنَّ أراد هذا فهذا صحيح.

 نعم، يشترط في الأصل الانتهاء إلى التنجيز والتعذير، إلَّا أنَّ الأثر العملي العقلي بهذا المعنى يكون من تبعات الاستصحاب، لا أن الاستصحاب يكون بلحاظه -يعني يكون من فوائد الاستصحاب ونتائجه-، فإنَّ بعض الاستصحابات يترتّب عليها التنجيز، وبعضها المعذرية. والاستصحاب الذي لا يترتّب عليه لا المنجزية ولا المعذريّة لغوٌ، فلا يكون مجعولاً من قبل الشارع. هذا صحيح. 

وحينئذٍ، نقول في المقام: بأنَّ هذا الاستصحاب، إن أردنا أن نتمسّك في فرض تماميّة قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، وتماميّة موضوعها، وعدم وجود حاكم عليها من قبل الإخباريين. إذن، فهذا عمل صبياني، مجرّد ضمّ عنوان إلى عنوان؛ لأنّنا بالنتيجة مطلقو العنان بحسب الخارج، فليكن هذا إشكال موجّها إلى هذا العمل الصبياني. 

وأمّا إذا فرضنا أنَّ قاعدة قبح العقاب. كان محكوماً عليها بدليل من قبل الإخباريين، بأن نفرض بأنَّ هناك مرتبة من البيان يقتضي وجوب الاحتياط في 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

مطلق الشبهات، سواءٌ كان قبل الفحص، أو بعده، بمقتضى إطلاقه. فلو خلينا وهذا الحكم هذا على القاعدة العقليّة. كما أنَّ مدّعى الإخباري هو هذا. ونزاعنا معه إنّما هو في هذا. 

وحينئذٍ، فيقال: بأنَّ المجعول الاستصحابي يكون مجعولاً باعتبار أن يصير حاكماً على ذلك البيان، الذي لا تستطيع قاعدة قبح العقاب أن تكون حاكمة عليه. يصير حاكماً عليه، أو مخصّصاً له بنحو من الأنحاء. فحينئذٍ، تصير المعذريّة الفعليّة مستندة إليه، إذ لولاه لما كانت هناك معذريّة فعليّة. ويكفي هذا في مقام تصحيحه. 

ليت السيّد الأستاذ أجاب بهذا عن إشكال الميرزا.

[الجواب عمّا أفاده الميرزا النائيني]

أمّا نحن فلا نجيب حتى بهذا الجواب، بل نقول: بأنَّ هذا الكلام كلّه كلام مبني على الاشغال بالألفاظ عن المعاني. 

فإنّه بناءً على ما حقّقناه في حقيقة الأحكام الظاهرية. وقلنا بأنَّ جميع الأحكام الظاهرية عبارة: عن خطابات إنشائية، هي مهما تُفنّن في مدلولها الإنشائي فهي ذات مدلولين تصديقيّين. وتكون فوائدها بلحاظ هذين المدلولين: إمّا إبراز أنَّ المولى شديد الاهتمام بالواقع المشكوك، بحيث لا يرضى بمخالفته، وهذا معناه إيجاب الاحتياط. وإمّا إبراز أن المولى ليس شديد الاهتمام بنحو يرضى بترك الاحتياط. وهذا معناه نفي وجوب الاحتياط. 

جميع الخطابات الظاهرية، سواءً كانت بلسان جعل الطريقيّة، أو المنجزيّة، 

ــــــــــ[221]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

أو الأمر الظاهري والحكم المماثل، أو أيّ شيء آخر، هي ذات أحد هذين المدلولين التصديقيّين. وترتّب الآثار عليها عقلاً هو أيضاً بلحاظ هذين المدلولين، لا بلحاظ عناوينها الانشائيّة، من قبيل عنوان الطريقيّة أو المنجزيّة. 

بناءً على هذا، استصحاب عدم التكليف هو في الحقيقة إبراز لعدم شدة اهتمام المولى بالتكاليف الواقعيّة ورضائه بتركها. فالمبرَّز بهذا الخطاب(1) الاستصحابي نفس المبرَّز بـ”رفع ما لا يعلمون“. غاية الأمر أنَّ هناك فرق في التفنّن في العبارة. فهذان لسانان مختلفان في العنوان الانشائي. ولكنّهما متّفقان في أنّهما في موارد استصحاب عدم التكليف، يكونان مبرزين لمعنى تصديقي واحد، وهو: عدم وجوب الاحتياط وعدم شدّة اهتمام المولى. 

وحينئذٍ، فكما أنّه لم يستشكل أحد في التمسّك بـ”رفع ما لا يعلمون” ولم يقل إنسان إنَّ التمسّك به تحصيل للحاصل، بل من أردأ أنحائه.

 لا ينبغي أيضاً أن يستشكل أحد في الخطاب الاستصحابي؛ لأنّه ابراز لنفس ما يبرزه “رفع ما لا يعلمون“. وإن كان العنوان الانشائي مختلفاً؛ باعتبار التفنّن في مقام العبارة -مثلاً-. فهنا كأن دليل الاستصحاب يصير رواية أخرى من روايات البراءة، مضافاً إلى حديث الرفع، والحجْب.

والوجه في عدم الإشكال فيها جميعاً هو: أنَّ قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، المفروض أنّها ترتفع لو تحقّق البيان.

 والبيان بيانان: إمّا بيان الواقع، وإمّا بيان وجوب الاحتياط. كِلا البيانين 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

() يعني “لا تنقض اليقين بالشكّ“. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

يرفع موضوع القاعدة. فوجوب الاحتياط مطلب مترَقّب الوصول ولو توهّماً وخطأ إلى المكلّف، وهو على فرض وصوله –ولو خطأ– يرفع موضوع هذه القاعدة. فلو تصدّى المولى، في هذه الحالة، للإخبار بعدمه سدّاً لباب وصوله الخطئي. هل كان يشكل على المولى، ويقال له إنَّ عملك غير صحيح؟ بل عمله صحيح. إذن، فهو يتصدّى للإخبار عن ذلك، ببيان واحد وأخرى ببيانين، بلسان واحد أو بلسانين، مرّة في مقام واحد، وأخرى في مجالس متعدّدة. 

كلّ هذا أمر معقول وصحيح ولا إشكال فيه. والإشكال نشأ من الاشتغال بالألفاظ عن المعاني. 

إذن، فهذا الإشكال ممّا لا أساس له من هذه الناحية. 

هذا حاصل الكلام في الإشكال الثاني، الذي ذكره الميرزا مع جوابه. 

الوجه الثالث: في الإشكال عليه 

الكلام في استصحاب عدم التكليف الثابت قبل تحقّق الشرائط العامّة للتكليف، من البلوغ والعقل -مثلاً-. 

وقد تقدّم الكلام في التقريبين الأوليين للإشكال على هذا الاستصحاب. 

التقريب الثالث: هو أن يقال: بأنَّ أركان الاستصحاب غير تامّة في المقام؛ لأنَّ المتيقّن غير المشكوك. فإنّ ما كنّا على يقين به نقطع بارتفاعه. وما نحن في شكّ منه لا يقين فيه؛ لأنَّ الحالة السابقة من النفي هي حالة النفي العقلي بملاك بلا حرجية عقليّة، والنفي المشكوك هو النفي الشرعيّ من قِبل المولى؛ وذلك لأنَّ الطفل الصغير وإن لم يكن مكلّف بالصلاة والصوم، إلَّا أنَّ انتفاء التكليف 

ــــــــــ[223]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

بذلك عقليّ بملاك الحرجيّة، الثابتة بحكم العقل، فيمن لا يقبل التكليف. ومثل هذا النفي العقلي قد ارتفع جزماً بعدما أصبح هذا الشخص عاقلاً رشيداً، قابلاً للتكليف. وما هو المشكوك فيه فعلاً هو النفي الشرعيّ بمعنى: عدم جعل الشارع التكليف له مع فرض قابليته كجعله. فالمُتيّقن غير المشكوك. 

[الجواب عن الوجه الثالث]

هذا الإشكال على إطلاقه غير تامّ؛ لأنّه لا يأتي في الصبي؛ لأنه غالباً يخرج عن طور اللاحرجيّة العقلية، فيما إذا دخل في مرحلة التمييز، ويكون النفي بالنسبة إليه شرعيّاّ مستفاداً من رفع القلم عن الصبي وغيره. ولا يكون منفيّاً عقليّاً محضاً. 

نعم، هذا إنّما يُتصوّر في موارد فرض سبق عدم العقل، يعني في المجنون، الذي يفيق، أو الصبي إذا استمّر معه عدم التمييز، وكان بحكم المجنون. في مثل ذلك قد يقال بأنَّ المُتيقّن: هو النفي بمعنى اللاحرجيّة العقليّة، والمشكوك: هو النفي الشرعي، فما هو المتيقّن غير المشكوك. 

إلاَّ أنَّ الجواب عنه حينئذٍ، أنَّ النفيّ والعدم هنا لا يتحصّص من ناحية الملاك والموجب. نعم، عدم التكليف حدوثاً كان بملاك عدم قابليّة المورد للتكليف، وبقاءً لم يكن بذاك الملاك، بل قد يكون بملاك أنّه لا مقتضى من قبل المولى لأن يُكلّف. فعدم التكليف حدوثاً؛ لعدم قابليّة القابل. وبقاءً؛ لأجل عدم تماميّة فاعلية التكليف والمبادئ في نفس المولى. إلَّا أنَّ تعدّد الملاك في المقام لا يوجب تخصيصاً في نفس العدم، بحيث يكون عندنا عدمان: عدم بذاك 

ــــــــــ[224]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الملاك، وعدم بهذا الملاك، بل عدم فرد واحد على كلّ حال. 

وهذا العدم كما نعلم بثبوته في حال كون هذا الإنسان صبيّاً، ثُمّ بعد هذا نشكّ في بقاء عدمه؛ لاحتمال أنَّ هناك ملاكاً آخراً يقتضي بقاءه غير ملاك عدم قابليّة القابل، بعد ارتفاع هذا الأملاك، ونحتمل بثبوت ملاك آخر في المقام. حينئذٍ، لا بأس باستصحاب عدم التكليف. 

-مثلاً- هذه الورقة كانت مرطوبة واقتربت من النار فلم تحترق، ثُمّ شككنا، بقاءً أنّها هل احترقت أو لا؟ مع العلم بزوال الرطوبة، لكن نحتمل أنَّ النّار قد انطفأت، ولهذا لم تحترق. هنا، لا بأس في نفسه بجريان استصحاب عدم احتراق هذه الورقة.

 ولا يقال إنَّ العدم المتيقّن هو العدم بملاك قابليّة الورقة للاحتراق، والعدم المشكوك هو بملاك عدم فاعليّة الفاعل للاحتراق. فإنَّ هذه الحيثيّة إنّما هي جهات تعليليّة وأسباب للعدم، لا أنّها محصّصة للعدم ومفرّدة له إلى فردين، حتّى يكون المتيقّن غير المشكوك. 

فهذا الإشكال ممّا لا محصّل له. 

الوجه الرابع: [دعوى تغيّر الموضوع عرفاً]

الإشكال الرابع على هذا الاستصحاب، هو: دعوى تغيّر الموضوع عرفاً حيث يشترط في الاستصحاب بقاء الموضوع، وهو متغيّر عرفاً في المقام؛ لأنَّ موضوع ذلك العدم المتيقّن هو الصبيّ، وهذا الشخص خرج عن كونه صبيّاً وصغيراً في نظر الشارع بالبلوغ، إلى كونه مكلّفاً. فخصوصيّة الصبا يكون 

ــــــــــ[225]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

زوالها موجباً لتغيّر الموضوع. ومع تغيّره لا يجري الاستصحاب؛ إذ لا يكون رفع اليد عن الحالة السابقة نقضاً لليقين بالشكّ، ولا إبقاء اليد عليها تحفّظاً على اليقين السابق، بل يكون من باب إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر. 

[الجواب عن الوجه الرابع]

وهذا الإشكال ليس بكل البعيد بحسب الفهم العرفي، فإنَّ الفهم العرفي يقتضي أنَّ العدم لهذا الصبي في حالة الصبا هو عدم معنون بعنوان العفو والمسامحة، باعتبار صغره؛ ولهذا يكون صغر هذا الطفل وقصوره، جهة تقييدية مقومّة لموضوع هذا العفو. 

فبعد أن فُرِض أنّه حصل بناءً من قِبل الشارع ومن قِبل العقلاء، على أنَّ مثل هذا القصور والصغر لا بُدّ من وضع حدّ له لا محالة، ويقال: إنَّه حين الوصول إليه ترتفع جهة القصور والصغر فيه. إذن، لو أبقينا الحالة السابقة لكان إبقاءً لها على غير موضوعها؛ لأنَّ الحالة السابقة هو عنوان العفو عن الصغير، وهذا العفو قد ارتفع موضوعه في المقام. فإنّه لو ثبت عفو فهو فرد آخر عن العفو بحسب الفهم العرفي، لا ذاك الفرد من العفو المتقوّم بالصغر. 

فهذا العدم الذي كان موجوداً حال الصبا، عبارة عن الإباحة المعنونة بعنوان العفو بما هو صغير، فبمناسبات الحكم والموضوع يكون الصغر هنا مقوّماً، ومع كونه مقوّماً، لا يجري الاستصحاب لتغيّر الموضوع. 

هذا كلام ليس بكل البعيد. إلَّا أنّه معه لا بأس باستصحاب العدم بنحو العدم الأزليّ، لا بنحو العدم الثابت حال الصبا، حتّى يقال: إنَّ ذلك العدم 

ــــــــــ[226]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

المجعول بحديث (رُفع القلم)، معنون عن الصبيّ، فيكون مقوّماً له بحسب الفهم العرفي. 

هنا نفرض أنَّ شخصاً خلقه الله الآن عاقلاً رشيداً كآدم، فهنا نجري استصحاب عدم التكليف بنحو العدم الأزليّ، لا يكون تغيّر الموضوع في المقام أسوأ من فرضه قد خُلق ابن الساعة. أليس في مثله تجري استصحاب العدم الأزليّ؛ إذ قبل وجود أصل الإنسان لم يكن هناك تكليف لا محالة، فيُستصحب هذا العدم الأزليّ، ويكون مؤمّناً من هذه الناحية. 

فبهذا ظهر أنَّ إجراء استصحاب عدم التكليف الثابت حال الصغر، ولو بنحو العدم الأزلي. هذا لا بأس به في المقام. ولا يأتي عليه الإشكالات الأربعة التي أُوردت. 

التقريب الثاني: استصحاب عدم التكليف الثابت قبل الشريعة 

 هو استصحاب عدم الجعل الثابت قبل تشريع(1) الشريعة. فإنّه قبل أنَّ 

ــــــــــ[227]ــــــــــ

(1) لو فُرِض وجود مثل هذا الزمان، وإلاَّ في الخارج لم يوجد. فإنَّ أحكام الشرائع السابقة سارية المفعول، وعند إرسال نبي الإسلام صارت أحكام الإسلام سارية المفعول بما فيها جملة من أحكام الشرائع السابقة، التي اعترف بها. اذن، فلم يمرّ زمان يكون الإنسان فيه بدون شريعة. نعم، ربما يقال باستصحاب عدم البيان والتبليغ بعد العلم، بمضي زمان لم يكن الحكم فيه مبيّناً. إلَّا أنَّ هذا تقريب آخر. ولا يقال نحن نستصحب عدم الشريعة الثابتة في أوّل خلق البشر؛ لأنَّ هذا العدم أيضاً غير متحقّق، وعلى تقدير تحقّقه فهو مقطوع الارتفاع بجملة من الشرائع، إلَّا أن يقال: إنّه بعد الشكّ في موضوع ما أنّه هل ورد عليه من أوّل البشريّة إلى الاسلام حكم أو لا؟ وكنّا على يقين بعدم وروده لا محالة، ولو بنحو العدم الأزلي فنستصحب. إلَّا أنَّ هذا إنّما يتمّ على القول بحجّة استصحاب العدم الأزلي أو الاعتراف بوجود فترة خالية من الحكم في أوّل البشريّة. أمّا الثاني فمقطوع العدم. وأمّا الأوّل فعلى المبنى، فتأمّل واغتنم. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

تشرّع الشريعة، لم يكن هناك جعل لوجوب الحج على المبذول له. فيشكّ أنّه بعد تشريعها، هل هذا جعل هذا الوجوب أو لا؟ فيستصحب عدم هذا الجعل. 

[إشكالان على التقريب الثاني للاستصحاب]

وقد أُشكل على هذا الاستصحاب مضافاً إلى إشكالين الأوّلين السابقين من الإشكالات الأربعة، الواردين صورةً على هذا التقريب أيضاً. أُشكل اشكالان آخران. 

[الإشكال الأوّل] 

أحدهما شبيه بالإشكال الثالث الذي تقدّم، وإن كان يختلف تقريبه. 

هناك كنّا نقول هكذا: بأنَّ المتيقّن هو النفي العقلي بملاك اللاحرجيّة العقليّة عن الصبيّ، والمشكوك هو النفي الشرعي. هنا نقول: بأنَّ المتيقّن هو العدم المحمولي الأزليّ، والمشكوك هو العدم النعتي؛ وذلك لأنَّ المتيقّن هو عدم الجعل لعدم الجاعل، يعني: بعدم أصل الشريعة، وهذا هو العدم المحمولي، بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، أو العدم الأزليّ، بأيّ شيء تعبّرون عبروا. والمشكوك هو العدم النعتي، العدم في رتبة وجود الموضوع، هل شرّعت الشريعة هذا الحكم أو لا؟ وحينئذٍ فلا يجري الاستصحاب. 

ــــــــــ[228]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [دفع الإشكال الأوّل]

هذا الإشكال أيضاً ليس بشيء؛ لأنّه إن أريد بهذا البيان، أنَّ استصحاب العدم المحمولي لا يمكن أن نثبت به العدم النعتي. يعني: لا يمكن أن نثبت باستصحاب العدم بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، العدم النعتي المنسوب إلى الشارع والممضى من قِبله. فهذا صحيح. لا تستطيع باستصحاب العدم المحمولي أن نثبت كون هذا العدم منتسباً إلى الشارع؛ لأنَّ هذه ملازمة عقليّة، والملازمات العقليّة لا تثبت بالاستصحاب. 

إلاَّ أنّنا لا نريد أن نثبت بهذا الاستصحاب خصوصيّة النعتيّة في العدم حتّى يقال إنَّه مثبت. 

وإن أُريد بهذا البيان تعديد العدم، بأن يكون عندنا فردان من العدم أحدها متيقّن وقد ارتفع، والآخر مشكوك الحدوث، ليقال: بأن الاستصحاب حينئذٍ يكون من قبيل الاستصحاب في القسم الثالث من الكلّي: كلّي العدم، العدم كان متحقّقاً في ضمن فرد، وهو العدم المحمولي، وقد زال ذلك الفرد، ونشكّ في تحقّقه في ضمن الفرد الآخر، وهو العدم النعتي، فلا يمكن في المقام، إجراء استصحاب كلّي العدم. إن أُريد هذا فإشكاله ما سبق من المحموليّة، والموضوعية الأزليّة والنعتيّة، لا تحصّص العدم في المقام، بل هذا عدم واحد وفرد واحد تارةً ينشأ من ناحية عدم وجود الموضوع، وأخرى ينشأ من ناحية عدم وجود أحد أجزاء العلّة للمحمول، حيث إنَّ وجود الموضوع أحد أجزاء العلّة لا محالة. فتارةً عدم علم زيد ينشأ من ناحية أنَّ زيداً غير موجود؛ لأنَّ 

ــــــــــ[229]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وجوده أحد أجزاء العلّة لعلمه، وأخرى ينشأ من ناحية أنّه ليس له أستاذ حتّى يعلمّه. فبالنتيجة هذا فرد(1) واحد من العدم فيُستصحب. 

فهذا الاشكال غير صحيح، سواءٌ أُريد إثبات كون الأمر مثبتاً، أو إثبات كونه من القسم الثالث من استصحاب الكلّي، بل هو بحسب الحقيقة استصحاب شخصيّ؛ لأنَّ هنا فرد من العدم نستصحبه، ولا نريد أن نثبت خصوصيّة النعتية؛ لأنَّ المؤمنيّة العقلية تترتّب على طبيعي العدم، ولا دخل لخصوصيّة النعتيّة في التأمين العقلي، المطلوب التوصّل إليه بهذا الاستصحاب. 

[الإشكال الثاني]

الإشكال الآخر على هذا التقريب: هو ما ذكره المحقّق النائيني من أنَّ استصحاب عدم الجعل في المقام، واستصحاب الجعل في غير المقام مثبت. 

بتقريب: أنَّ الآثار إنّما تترتّب على المجعول لا على الجعل، الآثار العقليّة ولابديّة الامتثال والتنجيز والتعذير، والمحرّكيّة والباعثية، والزاجريّة وإطلاق 

ــــــــــ[230]ــــــــــ

(1) هنا لا يُعمل سيّدنا الاستاذ (سلّمه الله تعالى) الفهم العرفي، الذي يقتضي تغاير العدمين، وامتياز أحدهما عن الآخر، وأنَّ العدم الأزلي الآن مقطوع الارتفاع، لا مشكوكه؛ لأنَّ العدم المقيّد بعدم وجود (زيد) قد ارتفع لا محالة. نعم، نحن نشكّ بعلمه حال وجوده، ومثل هذا الشكّ لا حالة سابقة له لكي نستصحبه. وإعمال الفهم العرفي في المقام لازم للاستظهار من دليل الاستصحاب، وليس المقام مقام الدقّة العقلية؛ ليقال -مثلاً- إنّها تقتضي الوحدة. إذن، فاستصحاب العدم الأزليّ لا يجري أساساً (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

العنان. كلّ هذه الآثار العمليّة إنّما تترتّب على المجعول، ولا تترتّب على الجعل، وإلاَّ قد يكون هناك جعل، ولا يكون له أثر أصلاً. فلو جعل الشارع وجوب الحج على المستطيع، لكن لم يوجد مستطيع خارجاً. إذن، لا يترتّب على هذا الجعل أثر عملي بحسب الخارج، وإنّما يترتّب ذلك إذا خرج هذا الجعل من القضيّة الحقيقيّة الفرضية التقديرية، إلى قضيّة خارجيّة فعلية بخارجية وتحقّق موضوعه. وإنّما يترتّب الأثر على خروج هذه القضية التقديريّة من عالم التقدير إلى عالم التحقيق الذي هو معنى المجعول. 

فالأثر مترتّب على المجعول، لا على الجعل. والمجعول وإن كان لازماً عقليّاً للجعل، فإنَّ المولى إذا جعل وجوب الحجّ على كلّي المستطيع، فيلزم من ذلك عقلاً أنَّ زيداً إذا صار مستطيعاً فيتحقّق المجعول في حقّه، لا محالة(1)

إلاَّ أنّه لازم عقلي له. وحينئذٍ، لا استصحاب الجعل يجدي، ولا استصحاب عدم الجعل يجدي؛ لأنَّ هذين لا يجديان في ترتّب الآثار العمليّة، إلَّا بتوسّط إثبات المجعول أو نفيه، ومن المعلوم أنَّ هذه الواسطة عقلية. 

وإن شئتم قلتم: بأنّنا حينما نستصحب الجعل، أو عدمه. إن أردنا بذلك مجرّد نفيّ الجعل، أو إثباته بلا استطراق نفيّ المجعول وإثباته، لم يكن له أثر؛ لأنَّ الآثار إنّما هي مترتّبة على فعليّة المجعول، لا على الجعل الكلّي التعليقيّ التقديريّ من قبل المولى. 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 296.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وإن أردنا الاستطراق بنفيّ الجعل، أو بإثباته إلى نفيّ المجعول، أو إثباته، فهذا استطراق إلى اللازم العقليّ، وهو غير جائز في باب التعبّد الاستصحابي(1)

[جواب السيّد الأستاذ عن الإشكال]

هذا الإشكال يُشكله دائماً في كلّ مورد يأتي البحث في استصحاب عدم الجعل، يشكل عليه بأنه مثبت. ونفس الإشكال يُشكل به على المعارضة، التي تقال في الشبهات الحكميّة ما بين استصحاب بقاء المجعول، واستصحاب عدم الجعل. هذه المعارضة التي يقول بها السيّد الأستاذ هناك(2).

 الميرزا يقول: بأنَّ استصحاب عدم الجعل لا يعارض استصحاب بقاء المجعول؛ لأنَّ استصحاب عدم الجعل إن أُريد به عدم الجعل من حيث هو، فليس له أثر، وإن أُريد به الاستطراق إلى نفي المجعول، فهو استطراق إلى اللازم العقلي فيكون مثبتاً؛ ولهذا يجري استصحاب المجعول في الشبهات الحكميّة عنده ولا يعارض استصحاب الجعل. 

ــــــــــ[232]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: -بعد تنقيح السيّد الأستاذ لسؤاله-: إننّي استصحب حال المجعول، مع فرض كوني شخصاً موجوداً في أوّل زمان الرسالة. 

فقال (سلّمه الله): هنا لا باس به صحيح، هنا جرى استصحاب عدم المجعول بالنسبة إليّ، بالآخرة لا بدَّ من ملاحظة حال هذا الشخص، ويقال أنّه مرّ عليه زمان ولو قبل وجوده، لم يكن المجعول فعليّاً في حقّه. فالأمر كما كان. هذا لا بأس به. لا أنّنا ننظر إلى الجعل ونقول: إنّه مرّ عليه زمان لم يكن فهو للآن كما كان. (المُقرِّر).

(2) انظر: أجود التقريرات، المصدر السابق.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

أمّا السيّد الاستاذ هناك، فهو ينكر المثبتيّة في استصحاب عدم الجعل كما ينكره هنا، بل هو غير مثبت، ومن هذه الناحية يعارض استصحاب عدم الجعل باستصحاب بقاء المجعول. 

وقد رأيت في الدراسات(1) هنا في مقام الجواب عن هذا الإشكال يذكر: أنَّ المجعول ليس له وجود زائد على الجعل. ليس عندنا جعل ومجعول، بل المجعول هو عبارة أخرى عن الجعل، وليس عندنا إلَّا جعل وموضوع، المولى يجعل وجوب الحجّ على طبيعيّ المستطيع فهذا هو الجعل. فإذا وِجد المستطيع في الخارج فهذا هو الموضوع، فإذا وجد الجعل والموضوع، تمّ المطلب وحكم العقل بوجوب الامتثال. 

وإنّما لا تترتّب الآثار العمليّة قبل وجود الموضوع، لا من باب أنّنا نحتاج إلى مجعول وراء ذلك الجعل، بل من باب أنّنا نحتاج إلى موضوع، والجعل حينما ينضمّ إليه الموضوع تترتّب الآثار العمليّة. وإلَّا لا تترتّب. 

[الكلام في جواب السيّد الأستاذ]

ومن هنا يقع السيّد الأستاذ في ضيق وخناق، من حيث إنّه لو التزم بهذا المطلب، ووفي بهذا الالتزام إلى الأخر في الأصول: وهو أنّه ليس هناك شيء إلا الجعل والموضوع، إذن فما هو استصحاب المجعول، الذي يلتزم به في الشبهات الحكميّة الذي يخالف المشهور في معارضته، فهو يلتزم بأنَّ استصحاب المجعول يجري في نفسه، وغاية الأمر أنّه معارض باستصحاب الجعل. 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 270.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

ومن هنا كنّا زماناً مّا نبني على عدم جريان استصحاب المجعول، أو أن هذا الاستصحاب في نفسه -في الشبهات الحكميّة- لا يجري، لا أنّه مُعارَض. استناداً إلى هذا الكلام. 

وإذا قلنا: إنَّ هناك جعل، وهناك مجعول، وهناك موضوع. إذن، فإشكال المثبتيّة يجري في المقام، فإنّه كيف يجري استصحاب عدم الجعل لأجل نفي المجعول. 

يحتاج السيّد الأستاذ إلى مبنى يتصوّر فيه جعلاً ومجعولاً لكي يجري استصحاب المجعول. ويُتصوَّر جريان استصحاب الجعل بلا مثبتيّة. وهذا الذي يجعله في ضيق وخناق. 

ونحن في بحث الاستصحاب سوف نتكلّم في كيفية جريان المجعول في الشبهات الحكميّة، بالنحو الذي نتكلّم فيه، سوف يُعرف أنَّ استصحاب المجعول يجري، وأنّه لا يُعارض باستصحاب عدم الجعل، وأنَّ استصحاب عدم الجعل هنا ليس مثبتاً. 

هذا هو الكلام في التقريب الثاني للاستصحاب وهو استصحاب عدم الجعل. 

التقريب الثالث: استصحاب عدم التكليف قبل تحقّق شرطه المحتمل

التقريب الثالث للاستصحاب، استصحاب عدم التكليف قبل تحقّق شرطه المحتمل، حيث لم تكن صلاة الجمعة قبل الزوال واجبة، فلو شككّنا بوجوبها بعده، نستصحب عدم وجوبها. وهذا الاستصحاب أبعد عن 

ــــــــــ[234]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الإشكال من التقريبين السابقين؛ لانَّ جملة من الإشكالات التي يُتوّهم ورودها عليهما، لا يأتي على هذا التقريب. 

وهذا الاستصحاب لا بأس به، فيما إذا لم تكن هذه الخصوصيّة من الخصوصيات المقوّمة المغيّرة للموضوع في نظر العرف. 

هذا تمام الكلام في أصل جريان الاستصحاب وله تتمّة. 

بقي أمران: الأوّل في جريان الاستصحاب في الشبهات الموضوعيّة

الأمر الأوّل أنَّ الاستصحاب المُتمسّك به في المقام، هل يمكن إجراؤه في الشبهات الموضوعيّة كما يجري في الحكمية أو لا يمكن؟ كما لو شُكّ بنحو الشبهة الموضوعيّة بوجود الاستطاعة وعدمها، يعلم بوجوب الحجّ على كلّي المستطيع، ولكن يُشكّ في أنَّ هذا الفرد هل هو مستطيع أو لا؟ فهنا هل يمكن التمسّك بالاستصحاب؟ 

في الشبهات الموضوعيّة، عامّة يجري الاستصحاب الموضوعي، وهو استصحاب عدم الاستطاعة، ونحوه من العناوين التي أُخذت موضوعات للوجوب، وتكون مشكوكة، فإنّها غالباً تكون مسبوقة بالعدم، فيُستصحب عدمها، ولو بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، وهو استصحاب بالعدم الأزليّ، وبذلك يغني عن الاستصحاب الحكمي. 

ولكنّنا نفرض الكلام فيما لو فُرِض أنّه لا يجري، الاستصحاب للموضوع، لعيب من العيوب ولو لأجل المعارضة -مثلاً-، أو -مثلاً- نفرض توارد الحالتين، شخص تواردت عليه هاتان الحالتان: حالة الاستطاعة في 

ــــــــــ[235]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

زمان، وحالة عدمها في زمان آخر، ونفرض أنَّ موضوع وجوب الحجّ هو الاستطاعة مادامت لا حدوثاً. فهنا استصحاب عدم الاستطاعة مُعارض باستصحاب بقائها. فلا يوجد عندنا استصحاب موضوعيّ. ثُمّ هل يمكننا الرجوع إلى استصحاب عدم التكليف على النحو الذي بيّناه سابقاً أو لا؟ 

[إشكال استصحاب عدم الجعل في الشبهات الموضوعيّة]

الشيء الذي وقع محلاً للبحث في المقام هو التقريب الثاني، من تقريبات الاستصحاب، وهو استصحاب عدم الجعل، فقد ذكر السيّد الأستاذ في المقام، أنّه لا بأس بجريان استصحاب عدم الجعل أيضاً. فكما يجري في الشبهات الحكميّة كذلك الموضوعيّة؛ وذلك: يقول: -كما في الدراسات- إنّه وإن كان قد يتراءى في أوّل الأمر، أنَّ استصحاب عدم الجعل لا مجال له في المقام؛ وذلك بتقريب: انّه لا شكّ في الجعل؛ لأنّ جعل وجوب الحجّ على كلّ المستطيع معلوم، ولا يمكن استصحاب عدمه. وجعل الوجوب على خصوص هذا المؤمن، غير محتمل. فإنّا لا نحتمل الوجوب له بالخصوص. فإن لوحظ الجعل الكلّي فهو معلوم، فكيف يستصحب عدمه، وإن لوحظ الجعل الشخصي فهو غير محتمل. 

[جواب السيّد الأستاذ عن الإشكال]

ثُّمّ أجاب عن هذا الإشكال بما يرجع حاصله: إلى أنَّ التكاليف المجهولة على نحو القضايا الحقيقيّة، ينحلّ بعدد أفراد الموضوع، فكلّ فرد منه يكون له تكليف لا محالة من ناحية تلك القضيّة الحقيقيّة. نحو قولنا (الخمر حرام)، 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

و(المستطيع يجب عليه الحجّ)، فهي قضيّة حقيقيّة تنحلّ بعدد أفراد موضوعها. فكل فرد من المستطيع يكون موضوعاً لفرد من الحكم. وكلّ فرد من الخمر موضوع لفرد الحرمة. وهذا هو المنشأ في أنّنا نقول بجريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة من ناحية أنّنا إذا شككّنا أنّ هذا المؤمّن هل هو فرد أو ليس بفرد؟ فمعنى هذا أنّنا نشكّ في فرد زائد من أفراد الحكم، فنجري عنه البراءة عقلاً وشرعاً؛ باعتبار نُكتة الانحلال، ورجوع الشكّ إلى الشكّ في الفرد الزائد من الأحكام. 

وحينئذٍ، بناءً على الانحلال وتعدّد أفراد الحكم بتعدّد أفراد الموضوع، فإذا شُكّ في فرديّة هذا الفرد للموضوع وعدمها، فيُشكّ لا محالة في زيادة المجعول وقلّته؛ لأنَّ المجعول يتعدّد بتعدّد أفراد الموضوعّ ويقلّ بقلّتها. كما هو مقتضى الانحلال، فإنَّ معنى الانحلال هو أنَّ الحرمة المجعولة تتصوّر بتعدد الموضوع، فكلّما كانت أفراد الموضوع أكثر، كانت الحرمات المجعولة أكثر، وتتعدّد بمقدارها. فإذا تردّدت أفراد الموضوع بين الأقلّ والأكثر: بين التسعة والعشرة، فلا محالة يتردّد الجعل بين الأقلّ والأكثر؛ لأنَّ الفرد العاشر من الحرام يُشكّ في جعله، فيُستصحب عدم جعل الفرد العاشر من أفراد الحرمة. فلا محالة(1) ينتهي إلى الشكّ في جعل الفرد الزائد من الحكم المشكوك ثبوته للفرد الزائد المشكوك مصداقيتة للموضوع. هذا ما أفاده في المقام(2).

ــــــــــ[237]ــــــــــ

(1) وقال في إعادة المطلب: فلا محالة… (المقرِّر).

(2) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 271-273.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [الرد على جواب السيّد الأستاذ]

إلّا أنَّ الذي أفاده ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لأنَّ الانحلال المدّعى في المقام، هو انحلال الحكم بانحلال موضوعه، إنّما هو انحلال في عالم فعليّة الحكم لا في عالم إنشائه.

وإن شئتم قلتم: إنّه انحلال في عالم تطبيق الحكم، الذي هو عالم المجعول بالعرض، لا عالم جعله الذي هو عالم المجعول بالّذات، والاستصحاب إنّما نريد أن نجريه في عالم الجعل، لا في عالم الفعليّة. 

[عالَما الجعل والوصول]

توضيحه: أنَّ المولى حينما يجعل حكماً كلّياً، كالوجوب على عنوان المستطيع، هنا يوجد عندنا عالَمان: أحدهما عالم فعل المولى وهو: الذي نسميه بعالم الجعل؛ لأنَّ الجعل هو الفعل المباشر الصادر من المولى. وهناك عالم آخر وهم: عالم وصول هذا الجعل إلى الفعليّة، بفعليّة موضوعه.

 أمّا ما معنى فعليّة الحكم، وماذا يحدث للحكم حينما يحدث موضوعه في الخارج فنسميه فعليّاً؟ هذا بحث آخر تحقيقه في بحث (الواجب المطلق والمشروط). 

وهذا العالَم الثاني غير مربوط بالمولى أصلاً؛ لأنّه قد يتحقّق بعد موت هذا المولى، وانتهاء تمام حاله من ألوان النشاط، والفعل والحركة. وهو عالَم فعليّة الجعل، وتحقّق الموضوع بحسب الخارج، وخروج القضيّة الحقيقيّة من الفرض والتقدير إلى التحقيق. 

ــــــــــ[238]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الانحلال الذي أشار إليه السيّد الأستاذ إنّما هو في العالم الثاني، لا في العالّم الأوّل؛ فإنّه في العالَم الأوّل لم يصدر من المولى إلَّا نشاط واحد حقيقة، هو نشاط وفعل وإيجاد واحد، وهي العمليّة التقديرية الفرضيّة. وهي: أنّه يجب الحجّ على المستطيع. فهذا فعل واحد صادر من قبل المولى وليس أفعالاً متعدّدة لا بالمسامحة ولا بالدقّة، لا بالنظر العرفي ولا بالنظر الفلسفي. لا أنّه أعمال غير متناهية بعدد لا تناهي أفراد المستطيع بحسب الخارج. 

وأمّا العالَم الثاني، فهو عالم الانحلال، إنّما يكون بلحاظ عالم الفعليّة، حيث عن فعلية الحكم إنّما هو بلحاظ فعليّة الموضوع، والموضوع يُتصّور له فعليات متعدّدة(1)، وبتبع ذلك يُتصّور فعليات كثيرة للحكم أيضاً. فحينئذٍ، ينحلّ الحكم الواحد في عالم الفعليّة إلى فعليات عديدة، بتبع فعليات الموضوع. فالانحلال إنّما هو في العالم الثاني، دون الأوّل.

 إذن، فالتكثّر إنّما هو في العالم الثاني؛ لأنّ التكثّر إنّما هو في عالم الانحلال. إذن، فالدوران بين الأقلّ والأكثر بين السعة والضيق، إنّما هو في العالم الثاني، دون الأوّل. كلّ هذه المسائل من تبعات الانحلال، وهذا إنّما يكون في العالم الثاني. إذن، في العالم الأوّل عالم الجعل: عالم نشاط المولى لا تردّد بين الأقلّ والأكثر، ولا تكثّر في الأفراد ولا سعة وضيقاً في المقام. فإنَّ ما هو فعل المولى لا يزيد ولا ينقص بزيادة الأغنياء في الخارج وقلّتهم، ويستحيل أن يكون لزيادتهم وقلّتهم أثر في عالَم نفس المولى، أي ربط بالأمور الخارجيّة بالجعل، بما هو فعل 

ــــــــــ[239]ــــــــــ

(1) فقد يصير (زيد) مستطيعاً، وقد يصير عمرو مستطيعاً، (المحاضرة). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

نفساني ذاتي صادر من قبل المولى. 

إذن، فالانحلال في المقام لا يبرّر جريان الاستصحاب بوجه من الوجوه؛ لأنّنا نريد أن نجريّه في عالم الجعل. والانحلال إنّما هو في عالم المجعول، والاستصحاب في عالم والمبرّر في عالم آخر ومع تعدّده لا مع جريانه بوجه من الوجوه. 

ولأجل هذا قلنا في بحث الفقه: بأنَّ استصحاب الأحكام الذي يقول عنه السيّد الأستاذ دائماً، بأنّه مُعارَض، أي: استصحاب المجعول مُعارَض باستصحاب عدم الجعل. قلنا: إنّه في الشبهات الموضوعيّة لو جرى الاستصحاب الحكمي، فلا ينبغي أن يقال بأنّه مُعارَض باستصحاب عدم الجعل، حتّى على مبنى السيّد الأستاذ؛ لأنّه في الشبهات الموضوعيّة ليس عندنا شكّ في جعل زائد، حتّى نعارِض استصحاب بقاء المجعول باستصحاب عدم الجعل الزائد. 

وإنّما شُبهة المعارضة بين الاستصحابين تكون في الاستصحابات الحكمية الجارية في الشبهات الحكميّة، لا الاستصحابات الحكمية الجارية في الشبهات الموضوعيّة. مبنيّاً على هذا البيان. 

وعليه، فاستصحاب عدم الجعل في الشبهات الموضوعيّة لا أساس له. نعم، استصحاب عدم المجعول، إذا فُرِض أنَّ عدم المجعول كان ثابتاً في السابق، فلا بأس به. أي: استصحاب عدم فعليّة الحكم حيث إنّنا قلنا بأنَّ الفعليّة تتعدّد بعدد أفراد الموضوع، فاستصحاب عدم المجعول لا بأس به في المقام. 

هذا هو التنبيه الأول الذي أردنا بيانه. 

ــــــــــ[240]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الأمر الثاني: في معارضته باستصحاب آخر

التنبيه الثاني بحسب الحقيقة كان التنبيه الأوّل باستصحاب عدم الجعل، يعني: استصحاب عدم التكليف بتقريب استصحاب عدم الجعل. وهذا التنبيه الثاني أيضاً مربوط به؛ وذلك أنَّ السيّد الأستاذ أضاف إشكالاً جديداً على استصحاب عدم التكليف، بمعنى: استصحاب عدم الجعل، غير الإشكالات السابقة التي أجبنا عليها، حيث قال: -كما في الدراسات(1)– إن قلت: إنّ استصحاب عدم جعل التكليف، وعدم جعل الالزام مُعارَض باستصحاب عدم جعل الإباحة والرخصة؛ وذلك لأنَّ شرب التتن -مثلاً-، قبل الشريعة لم يكن لا مجعول له الحرمة ولا مجعول له الاباحة؛ وذلك لأنّه لم يكن هناك شريعة، والحرمة والإباحة فرع الشريعة، فحيث لا شريعة لا حرمة ولا إباحة، وبعد الشريعة نعلم إجمالاً، بأنّه إمّا أنّه جعل الحرمة، أو الإباحة، إذ لا يمكن أن لا يكو لا حراماً ولا مباحاً(2)

وحينئذٍ، فأنتم أصحاب البراءة، تريدون أن تستصحبوا عدم جعل الحرمة الكلّية على شرب التتن. يقال بأنَّ هذا الاستصحاب مُعارَض باستصحاب عدم جعل الإباحة لشرب التتن للعلم بثبوت أحد هذين الجعلين، ومع التعارض يحصل التساقط لا محالة. هذا هو الإشكال. 

ــــــــــ[241]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 271. 

(2) طبعا يقصد الإباحة بالمعنى الأعمّ وإلّا لم يكن هناك وجه للاستحالة لإمكان اتّصافه بالأحكام الثلاثة الأخرى غير الإباحة والحرمة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [جواب السيّد الأستاذ عن إشكال معارضة الاستصحاب]

ثُّمّ تصدّى للجواب عنه، فذكر جوابين: 

[الجواب الأوّل]

أمّا الجواب الأوّل فحاصله: أنَّ هذين الاستصحابين ومعارضته فيما بينهما، ويمكننا الالتزام بجريان كلا الاستصحابين بالرغم من العلم الإجمالي بثبوت أحد الجعلين: الإباحة، والحرمة. مع هذا نستصحب عدم جعل الحرمة، ونستصحب عدم جعل الإباحة، ولا معارضة بينهما؛ لأنَّ المعارضة إنّما تكون فيما إذا لزم من جريان الأصلين المخالفة العمليّة للعلم الإجمالي. وفي المقام لا يلزم من جريان الاستصحابين معاً مخالفة عمليّة؛ لأنَّ العلم الإجمالي ليس علماً إجمالياً بالإلزام على كلّ تقدير، بل هو علم إجمالي إمّا بالحرمة، أو بالإباحة، فإذا أجرينا الأصلين معاً لم نكن بذلك قد خالفنا العلم الإجمالي مخالفة عمليّة قطعيّة.

 إذ على فرض أن يكون ما هو ثابت في الواقع هو الحرمة، فقد خالفنا عملاً، لكن على فرض أن يكون هو الإباحة(1) فلم نخالفها عملاً، ومجرد نفيها 

ــــــــــ[242]ــــــــــ

(1) العلم الإجمالي موجود بين الحرمة والإباحة بالمعنى الأعمّ، كما أشرنا. لا بين الحرمة والإباحة بالمعنى الأخصّ، وما قاله السيّد الأستاذ إنّما يتمّ على الثاني، دون الأوّل، فإنّ المخالفة العملية إنّما لا تكون موجودة إذا كان طرف العلم الإجمالي هو الإباحة الخاصّة. أمّا لو كان طرفه هو الإباحة بالمعنى الأعمّ، فذلك يكون بمنزلة الدوران بين المحذورين، بعد أن كان الوجوب أحد أفراد الإباحة العامّة، فيشمله دليل وجوب الاحتياط قبل الفحص، فيكون بحسب الحقيقة علماً إجمالياً بين الزامين، فلا يأتي ما قاله السيّد الأستاذ من عدم لزوم المخالفة العمليّة القطعيّة، على بعض التقادير، بل هي لازمة على كلّ التقادير كما هو واضح. وعلى كلّ حال تجري في المقام قواعد باب العلم الإجمالي. فتأمّل في المقام جيداً. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

تعبداً ليس مخالفة عمليّة لها. فبناءً على أنَّ الأصول تجري في أطراف العلم الإجمالي ما لم يلزم مخالفة عمليّة، لا بأس بجريان الاستصحابين معاً في المقام. فيجري الاستصحابان معاً، من دون معارضة. 

وحينئذٍ يكفينا في مقام التأمين نفي الحرمة، سواءٌ نُفيت الإباحة باستصحاب آخر، أو لا. فإنَّ التأمين العقلي يكفي فيه أن لا يكون هذا حراماً سواءٌ ثبت أنّه مباح، أو ليس بمباح. وهذا حاصل الجواب الأوّل(1)

الرد على الجواب الأوّل للسيّد الأستاذ 

هذا الجواب غير تامّ على مبانيه؛ وذلك لما سيأتي في بحث العلم الإجمالي، من الإشكال في جريان الاستصحابات في أمثال المقام. 

وملخّص هذا الإشكال هو: أنَّ الاستصحاب عند السيّد الأستاذ يقوم مقام القطع الموضوعيّ، كما أنّه يقوم مقام القطع الطريقيّ. ويصحّ إسناد الحكم إلى المولى، وإضافته إليه. فلو فُرِض أنَّ شخصاً استصحب بقاء النجاسة في الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره. هذا الاستصحاب له آثار، من جملتها الحكم بنجاسة ملاقي هذا الماء -مثلاً- والحكم بعدم جواز التوضؤ به -مثلاً-. فهذه الآثار كلّها آثار للمستصحَب. وهناك آثار لنفس التعبّد الاستصحابي، وهو جواز إسناد النجاسة إلى المولى. 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأصول: المصدر السابق.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

فيقال بأنَّ المولى حكم بنجاسة الماء المتغيّر واقعاً(1)، مع أنّني لا أعلم بالحكم الواقعيّ، مع هذا أسند الحكم الواقعيّ إلى المولى؛ وذلك لأنَّ إسناد حكم واقعيّ إلى المولى لا يجوز إلَّا مع العلم، والاستصحاب المجعول فيه الطريقيّة. فأنا عالم بالتعبّد الاستصحابي بأنَّ هذه النجاسة مجعولة في الواقع، وإن كان علميّ ليس واقعاً، بل هو اعتباري، ولكن هذا العلم الاعتباري الفرعي يصحّح جواز الاستنادي إلى المولى. 

والوجه في ذلك، أنَّ الدليل عندنا دلّ على حرمة ما لا يُعلم أنّه من المولى إلى المولى. ودليل الاستصحاب يحكم على هذا الدليل، ويخرج مورده عن كونه ممّا 

ــــــــــ[244]ــــــــــ

(1) الذي يجوز إسناده وجداناً إلى الشارع، هو أنّه حَكَمَ ببطلان الوضوء في هذا الماء؛ لأنّه أصبح مصداقاً للقاعدة العامّة، التي وضعها الشارع وهو الاستصحاب. والإسناد بهذا المقدار وجدانيّ، وجارٍ على سائر المذاهب الأصوليّة. وأمّا على القول بالطريقيّة وأنَّ الاستصحاب دليل تنزيلي محرز للواقع، كما يذهب إليه السيّد الأستاذ نفسه، فغاية ما يمكن إسناده هو أنَّ الشارع حكم بمقتضى إطلاق قاعدة الاستصحاب حكماً ظاهريّاً بوجوب التعبّد بكون متعلّق الاستصحاب أمراً واقعاّ. وليس معنى ذلك أنّه واقع فعلاً كما ربما تخيّله السيّد الأستاذ، وإنما هو حكم بالبناء الظاهريّ التعبّدي على إجراء آثار الواقع المتيقّن السابق، عند الشكّ في تغيّره بسبب من الأسباب. وعلى كلّ حالٍ يجب الاحتياط في نسبة الحكم إلى المولى، فلا نستصحب إلّا بقدر، وبالشكل الذي دلّ عليه الدليل كما سلفت أمثلته، أخذاً بالقدر المتيقّن من الخارج عن حرمة الكذب على الله ورسوله. ولا يجوز إسناد الأعمّ إليه إن دلّ الدليل على الأخصّ لا محالة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

لا يُعلم، ويجعله ممّا يُعلم، فيترتّب عليه لا محالة جواز الاستناد. هذا مبنى السيّد الاستاذ. 

فإذا بنينا على هذا المعنى، فحينئذٍ نحن في المقام عندنا علم إجمالي بأنَّ المولى صدر منه الحكم بالإباحة، أو الحكم بالحرمة على التتن. ولو أجرينا استصحاب عدم جعل الإباحة، واستصحاب عدم جعل الحرمة، وجمعنا بين الاستصحابين، لا يلزم منه مخالفة عمليّة في مقام الامتثال والعصيان؛ لأنَّ هذا العلم الإجمالي من المحتمل كونه علماً بالإباحة لا بالحرمة، والإباحة لا يُتصوّر لها مخالفة عمليّة؛ لأنّها تلائم مع الفعل ومع الترك. 

ولكن يلزم محذور آخر؛ وذلك أنَّ استصحاب عدم جعل الحرمة يُصحّح بمقتضى المبنى الذي نقلناه عن السيّد الأستاذ، يصحّح اسناد عدم الحرمة إلى المولي، فيقال: إنَّ المولى يحرّم التتن واقعاً. وكذلك في الطرف الآخر. في استصحاب عدم الإباحة يصحّ اسناد العدم الواقعي للإباحة إلى المولى ومع العلم إجمالاً بأنَّ أحدهما كذب على المولى وحرام، فيحصل التعارض بين هذين الاستصحابين لا محالة؛ باعتبار أنّهما يؤدّيان إلى تجويز إسناد ما يُعلم أنّه ليس من المولى إلى المولى(1)

ــــــــــ[245]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: فليكن، هل هذا فيه محذور عقليّ؟ 

فأجاب (سلمه الله): هذا فيه محذور شرعيّ وعقليّ معاً، يعني ما يُعلم أنّه ليس من المولى لا يجوز إسناده إلى المولى، ويدخل في دليل الحرمة. فإنّ الحرمة تكون بمقداره واصلة، وهو أنّه لا يجوز لي أنَّ اسند أحد هذين الأمرين إلى المولى، بهذا المقدار موضوع الحرمة منجّز بالعلم الوجداني. فالاستصحاب في كلّ من الطرفين يكون بالآخرة ترخيصاً. على خلاف هذه الحرمة الثابت موضوعها بالوجدان. وهذه حرمة واقعيّة ثابتة بثبوت موضوعها الواقعي وهو العلم الإجمالي لا محالة. فلو أجرينا الاستصحابين معاً، لأدّيا إلى جواز إسناد مجموع العدمين: عدم الحرمة وعدم الإباحة، إلى المولى وهو ما فرضنا أنّه حرام. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

فهذا الاستصحاب غير جارٍ على مبناه.

 وأتذكّر(1) أنَّ السيّد الأستاذ كان يقع في ضيق وخناق، من حيث إنّه هل يعدّل أصل المبنى، أو يعدّل هذه التفريعات. بناءً على هذا المبنى يقع الإشكال في جريان الاستصحابات في أطراف العلم الإجمالي، ولو لم يلزم منه مخالفة عمليّة. فهذا جواب غير تامّ. 

[الجواب الثاني: الذي ذكره السيّد الأستاذ]

 إنَّ استصحاب عدم الإلزامحاكم على استصحاب عدم الإباحة؛ وذلك أنّنا هكذا نستفيد من الأخبار، أنَّ الشارع حكم بإباحة كلّ ما يُلزم به، ولو من باب “اسكتوا عمّا سكت الله عنه(2). فكلّ شيء لم يتحقّق فيه الإلزام فهو مباح، لا أنّه إباحات عديدة على عناوين عديدة، بل جعل إباحة واحدة على عنوان (ما سكت الله عنه)، أو ما يُلزم به. إذن، فهذه الإباحة موضوعها هو عدم الإلزام، وباستصحاب عدم الإلزام يتنقّح موضوع هذه الإباحة، فيكون استصحاب 

ــــــــــ[246]ــــــــــ

(1) يشير بذلك إلى أيام تلمذته عليه، ومناقشاته له. (المُقرِّر).

(2) انظر: عوالي اللئالي 3: 166، باب الحج، الحديث 61.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

عدم الإلزام حاكماً على استصحاب عدم الإباحة. 

فإنّ الإباحة التي هي أحد أطراف العلم الإجمالي في المقام، ليست إباحة شخصيّة ثابتة في شرب التتن بعنوانه، بل إباحة كليّة ثابتة للفعل الكلّي، ما لم يرد فيه إلزام، فباستصحاب عدم الإلزام يتنقح موضوع هذه الإباحة(1)

[الكلام في الجواب الثاني للسيّد الأستاذ]

وقد استفاد هذه الاباحة من عدة روايات، قال في (الدراسات): كما يظهر ذلك من روايات النهي عن كثَرة السؤال في باب الحجّ، وقوله “فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْ‏ءٍ فَأْتُوا مِنْهُ‏ مَا اسْتَطَعْتُم(2). ومن المعلوم أنَّ مثل هذه الأمور ليس فيه دلالة على المطلب، فإنَّ النهي عن كثَرة السؤال؛ لعلّه باعتبار أنَّ كثّرته يوجب تتميم البيان، وإخراج المورد عن قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، وهذه بنفسه كان فيه محاذير؛ حيث يعرض هؤلاء السائلين للمعصيّة؛ لأنّهم جديدو عهد بالإسلام. 

وليس النهي عن كثرة السؤال في المقام كاشفاً عن جعل حليّة على موضوع ما لم يصل، بل باب الرغبة في إبقاء قاعدة قبح العقاب على حالها، وعدم رفع موضوعها(3)

ــــــــــ[247]ــــــــــ

() انظر: دراسات في علم الأصول 3: 272-273. 

(2) انظر: بحار الأنوار 22: 31، الباب 37، باب ما جرى بينه وبين أهب الكتاب والمشركين بعد الهجرة. 

(3) هنا قال أحد الإخوان: قبل الفحص لا تجري قاعدة قبح العقاب.. 

فأجاب: الفحص بهذا المعنى غير لازم، الفحص اللازم هو الفحص عن الكلمات الصادرة عن رسول الله، لا الفحص من رسول الله. ليس معنى الفحص الواجب أنّني أذهب وأسأل من المولى، مع علمي بأنّه لم يبيّن قبل الآن. الفحص بهذا المعنى غير واجب جزماً. الواجب هو أنّني لو احتملت أنَّ المولى كان قد صدر منه بيان سمعه أخي، ولم أسمعه أنا، أذهب إلى أخي وأسأله هل سمعت من المولى شيئاً أو لا؟ لا هذا الفحص الذي هو محلّ الكلام والمنهيّ عنه في هذه الأخبار. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وأمّا رواية “إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم“، فأيّ علاقة لهذه الرواية بهذا المطلب، سواءٌ كان المراد من الرواية، (فاتوا) يعني بلحاظ الأجزاء، أو بلحاظ الأفراد، أيّ معنى تصوّرنا به هذه الرواية، في بحث قاعدة الميسور لا ربط لها فيما هو محلّ الكلام. 

وكان الأولى أن يستدلّ -مثلاً- برواية، “اسكتوا عمّا سكت الله عنه“، حيث إنّه قال: إنَّ هذا الإنشاء للرخّصة والحليّة في موضوع ما سكت هو عنه. 

ولو استدلّ بهذه الرواية لكان إشكال أنَّ عنوان (سكت الله عن الشيء)، عنوان ثبوتي لا يتحقّق باستصحاب عدم جعل الإلزام، من قبيل عنوان (الحجْب)، الذي قلنا في بعض الروايات السابقة: إنّه لا يتحقّق بمجرد عدم الواقع. فمجرّد استصحاب عدم الإلزام لا يكفي في إثبات عنوان (السكوت)، الذي هو عنوان ثبوتي منتزع، إلَّا بناءً على الأصل المثبت. 

[التحقيق في المقام]

وعليه فلا يتحصّل لنا دليل كافٍ، على مثل هذه الإباحة في المقام. نعم، قد يقال بأنَّ احتمالها كافٍ، إذ مع احتمال هذه الإباحة، حينئذٍ لا علم إجمالي إمّا 

ــــــــــ[248]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

بجعل الحرمة على شرب التتن بعنوانه، أو بجعل الإباحة عليه بعنوانه، بل تعلم إجمالاً: إمّا بجعل الحرمة على شرب التتن، أو جعل الإباحة على شرب التتن، بعنوان أنّه لم يُلزم به ولم يحرَّم. 

إلاَّ أن التطويل في هذا المطلب ممّا لا ينبغي. والصحيح في المقام أنَّ استصحاب عدم جعل الإلزام يجري، ولا يعارضه استصحاب آخر؛ لأنَّ الاستصحابات في أمثال هذه الموارد تجري ولا معارضة، على ما سوف يأتي في بحث العلم الإجمالي(1).

ــــــــــ[249]ــــــــــ

(1) وقال السيّد الأستاذ بعد البحث شفاهاً وكتبته بلفظ منّي: 

إنَّ البراءة إنما هي بمعنى عدم جعل الحرمة، غاية الأمر أنَّ المولى تارةً يبيّنها بدليل مستقل فيقول: أبحت لك الشيء الفلاني، وأخرى يبيّنها بعدم بيان نقيضها وهو الحرمة. إذن، فاستصحاب البراءة لا يصلح لمعارضة استصحاب عدم الحرمة. وقال: وهذه هي النُكتة التي لأجلها اختصرت البحث في الاستصحاب، لا ما قلته في البحث. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 








المستوى الثاني للبراءة: وهي التي في مستوى قاعدة 

 (قبح العقاب بلا بيان) 

 

قلنا منذ البدء في بحث البراءة بأنَّ البحث فيها يقع في مقامين:

المقام الأوّل: فيما يُسمّى بالبراءة العقليّة المستفادة من قاعدة (قبح العقاب بلا بيان).

والمقام الثاني: فيما يُسمّى بالبراءة الشرعيّة، وفي المقام قلنا: إنَّ الكلام يقع على مستويين:

المستوى الأوّل: في الأدلّة الدالّة على البراءة الشرعيّة بنحو يكون لها دلالة بالمطابقة، أو الالتزام على نفي وجوب الاحتياط.

 والمستوى الثاني: هو أدلّة البراءة التي تكون في مستوى قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، بحيث لو تمّ دليل وجوب الاحتياط لما صلحت هذه الأدلّة للمعارضة، بل يكون دليل الوجوب على موضوعها. 

أمّا المستوى الأوّل: فقد تكلّمنا فيما ينبغي له من الأدلّة وتبيّن أنَّ هناك أدلّة من الكتاب والسنة، وافية بإثبات البراءة الشرعية بالنحو الذي يكون كافيّاّ لوجوب الاحتياط. 

ــــــــــ[250]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [الأدلّة الشرعيّة على البراءة في مستوى قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)]

وأما الكلام على المستوى الثاني: أي الأدلّة الشرعيّة الدالّة على البراءة في مستوى قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). 

فما رأينا من الروايات التي يمكن أن يستدلّ بها على ذلك، أربع(1)

الرواية الاولى: رواية ابن الطيار

 وهي مروية بسندين في أحد السندين وردت مختصرة، وفي الآخر وردت هذه الجملة ضمن كلام مفصّل، وما هو محلّ الاستدلال هو هذه الجملة المرويّة في كلا السندين، وهي قوله(2): “إِنَ‏ اللَّـهَ‏ احتجّ عَلَى‏ النَّاسِ‏ بِمَا آتَاهُمْ وعَرَّفَهُم(3).

وتقريب الاستدلال بهذه الرواية، أنَّ ظاهرها هو بيان ما هو ميزان الاحتجاج للمولى على العبد، في مقام المؤاخذة والمحاسبة. فبينما أنَّ الله يحتجّ بما آتى وعرّف وبلّغ. وظاهر ميزانية التعريف والإيتاء في المقام، هو أنّه لا يحتجّ في مقام المؤاخذة، وهو معنى عدم المؤاخذة بلا بيان. ويكون مساوقاً له. 

وحينئذٍ فلو فُرِض أنَّ شخصاً لا يعلم بحرمة شرب التتن، ولا يعلم أيضاً بوجوب الاحتياط في الشبهات التحريمية، لو احتجّ عليه المولى، لكان خرقاً 

ــــــــــ[251]ــــــــــ

(1) كلها أخذها من الكافي في ج1. (المُقرِّر). 

(2) الإمام الصادق . (المُقرِّر).

(3) انظر 1: 394. الباب 32، باب البيان والتعريف ولزوم الحجة، الحديث 1.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

لهذا الميزان والقانون المستظهر من هذه الرواية، إذ يكون المولى قد احتجّ عليه بغير ما آتاه وعرّفه. هذا لو فرض أنّه لم يصل إليه شيء. 

وأمّا لو وصل إليه وجوب الاحتياط، وعلم هذا المؤمن بوجوبه. فهنا يكون بالإمكان للمولى أنَّ يحتجّ على العبد، ولا يكون هذا الاحتجاج خلاف هذا القانون وتخصيصا له. فإنّه احتجاج بما آتاه وعرّفه؛ لأنّه يحتجّ عليه لا بحرمة شرب التتن الواقعية، حتى يقال إنّها مجهولة. ومجهوليتها لا ترتفع بإيجاب الاحتياط. بل يحتجّ عليه بإيجاب الاحتياط، وهو ما آتاه وما عرّفه. فيكون ما به الاحتجاج واصلاً، وإن كان ما بلحاظه الاحتجاج غير واصل، وهو حرمة شرب التتن. لكن ظاهر الرواية هو كون الميزان وصول ما به الاحتجاج لا حصول ما بلحاظه الاحتجاج. فلو دلّ دليل على وجوب الاحتياط يكون ما به الاحتجاج واصلاً. 

فبهذا يظهر أنَّ هذه الرواية، لو دلّ دليل على وجوب الاحتياط، يكون حاكماً عليها ورافعاً لموضوعها، إذ يكون به الاحتجاج واصلاً. ولو لم يدلّ دليل على وجوبه تكون هذه الرواية تامّه. فهذه الرواية تثبت البراءة في المرتبة المتأخّرة من عدم تمامية دليل وجوب الاحتياط وهذا معنى أنّها في مرتبة قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). هذا لو لاحظنا هذه الجملة في نفسها. 

ثُّمّ إنَّ هذه الجملة وردت في سياق كلام طويل. حيث يقول حمزة بن الطيار(1): “أنَّ أبا عبد الله قَالَ: قَالَ لِي: (اكْتُبْ)، فَأَمْلى‏ عَلَيَّ: أنَّ مِنْ قَوْلِنَا: 

ــــــــــ[252]ــــــــــ

(1) انظر: الكافي 1: 399، الباب 34، باب حجج الله على خلقه، الحديث 4.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

إِنَ‏ اللَّـهَ‏ يحتجّ عَلَى الْعِبَادِ بِمَا آتَاهُمْ وعَرَّفَهُمْ، ثُمّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ، فَأَمَرَ فِيهِ وَنَهى‏: أمر فِيهِ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّـهِ عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: أَنَا أُنِيمُكَ‏، وَأَنَا أُوقِظُكَ‏، فإذا قُمْتَ فَصَلِّ؛ لِيَعْلَمُوا إِذَا أَصَابَهُمْ ذلِكَ كَيْفَ يَصْنَعُونَ، لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ: إِذَا نَامَ عَنْهَا هَلَكَ‏؛ وَكَذلِكَ الصِّيَامُ، أَنَا أُمْرِضُكَ، وَأَنَا أُصِحُّكَ‏، فإذا شَفَيْتُكَ فَاقْضِهِ“. ثُمّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: “وَكَذلِكَ إِذَا نَظَرْتَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، لَمْ تَجِدْ أَحَداً فِي ضِيقٍ، وَلَمْ تَجِدْ أَحَداً إِلَّا وَلِلَّـهِ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، ولِلَّـهِ فِيهِ المَشِيئَةُ، وَلَا أَقُولُ: إِنَّهُمْ مَا شَاؤُوا صَنَعُوا“. ثُمّ قَالَ: “إِنَّ اللَّـهَ يَهْدِي ويُضِلُّ“. وقَالَ: “وَمَا أُمِرُوا إِلَّا بِدُونِ‏ سَعَتِهِمْ‏، وَكُلُّ شَيْ‏ءٍ أمر النَّاسُ بِهِ، فَهُمْ يَسَعُونَ لَهُ، وَكُلُّ شَيْ‏ءٍ لَايَسَعُونَ لَهُ، فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُمْ، وَلكِنَ‏ النَّاسَ لَاخَيْرَ فِيهِمْ“. ثُمّ تَلَا: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى المَرْضى‏ وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ‏ ما يُنْفِقُونَ‏ حَرَجٌ‏ فَوُضِعَ عَنْهُمْ‏ مَا عَلَى المُحْسِنِينَ‏ مِنْ سَبِيلٍ‏ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(91)‏ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ‏ لِتَحْمِلَهُمْ قَالَ: فَوُضِعَ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَايَجِدُونَ“.

وفي هذا البيان قد يقال: بأنّ هذه العبارة التي هي مورد الاستدلال جاءت هكذا: “إن الله يحتجّ على العباد بما آتاهم وعرفهم ثُمّ أرسل إليهم رسولاً“. هنا حيث عقّب “ثُمّ أرسل إليهم رسولاً”، يكون ظاهر أنَّ ذاك القانون هو قانون ما قبل إرسال الرسل -قبل الرسل- أنّه يحتجّ عليهم بما آتاهم وعرّفهم من غير ناحية الرسول. ولو من ناحية العقل العمليّ الذي يدرك حسن بعض الأشياء وقبحها.

ــــــــــ[253]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 وأمّا من غير تلك الناحية لا يؤاخِذ ولا يعاقِب، فيكون أجنبيّاً عن محلّ الكلام؛ لأنّنا نريد براءة شرعيّة بعد إرسال الرسل وقبله، إلَّا أنَّ هذا الاحتمال وإن كان ممكناً في نفسه، إلَّا أنّه خلاف ظاهر الرواية، فإنَّ الظاهر من قوله: “إنَّ من قولنا إنَّ الله يحتجّ على العباد بما آتاهم وعرّفهم ثُمّ أرسل إليهم رسولاً“. ليس الترتّب الزماني بينهما، فإنّه لم يلحظ في المقام زمان سابق ثُمّ يقال: “ثُّم أرسل إليهم رسولاً“. وإلاَّ كان الأنسب ترتّب فعل ماضٍ على فعل ماضٍ فيقال: (إنَّ الله احتجّ على الناس بما آتاهم ثُمّ أرسل..)، فكيف صار مدخول (ثُمّ) فعلاً ماضيّاً. وما رتّب عليه (ثُمّ)، كان فعلاً مضارعاً، (إنَّ الله يحتجّ ثُمّ أرسل). فاختلاف صيغة الفعل، قرينة على أنَّ الملحوظ في مقام الترتّب ليس هو الترتب الزماني، وإلَّا فالمترتَّب عليه بأنَّ يكون فعلاً ماضياً في المرتّب. 

بل يكون الترتّب هنا، بلحاظ كون مدخول (ثُمّ) واقعة خاصّة، وما قبله قانوناً عاماً ينطبق على كلّ مكان وزمان. إنَّ من قولنا إلى قوله: “وعرّفهم“. هذا قانون عام. “ثُّمّ أرسل“، بيان الواقعة خاصّة بالنسبة إلى جماعة مخصوصة كان الإمام في مقام التسهيلات الربوبيّة على الناس بحسب الخارج، فبيّن تسهيلات عديدة. فبدأ بالتسهيل الربوبي الأوّل، وهو هذا القانون العام. وهو عام ثابت عن نفسه في كلّ مكان وزمان. 

ثُّمّ أرسل…” هذا تسهيل خاصّ واقع في زمان خاصّ، وهو أنَّ الله -إن صحّت الرواية – أنام رسول الله عن الصلاة، لأجل أن يظهر أنَّ هذا ضلال وخروج عن الدين. فالترتيب يكون بهذا اللحاظ، لا أنّه ترتيب زماني. 

ــــــــــ[254]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وعليه فدلالة الرواية في نفسها على جعل براءة على مستوى القاعدة (قبح العقاب بلا بيان) لا بأس به. 

نعم، السند لا يخلو من خدشة؛ لأنّه قبل حمزة الطيار لا بأس به. أمّا حمزة نفسه ففيه كلام، ولا يعلم ثبوت وثاقته.

الرواية الثانية: رواية عبد الأعلى بن أعين 

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى‏، عَنِ الْحَجَّالِ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: “سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ‏ لَمْ‏ يَعْرِفْ‏ شَيْئاً هَلْ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ؟ قَالَ: لَا(1).

تفصيل الكلام في هذه الرواية أنَّ المعرفة التي فُرِض عدمها في كلام السائل: فقال “من لم يعرف شيئاً” تارةً تكون ملحوظة بنحو المعنى الاسمي بلحاظ الآثار المترتّبة عليها، بما هي هي، في الموارد التي تكون المعرفة بما هي هي مطلوبة، كمعرفة الإمام والنبي والله والآخرة. هذه معارف فوائدها قائمة بأنفسها فهي تلحظ بنحو المعنى الاسمي وبما هي. 

فتارةً: نفرض أنَّ السائل يقصد أنَّ شخصاً لم تتحقّق له المعرفة التي تكون من المعارف النفسيّة المطلوبة لنفسها، يعني لم يعرف لا ربّه ولا نبيه ولا إمامه… الخ. وأخرى: يُفرَض أنَّ المعرفة التي فُرض عدمها هي المعرفة الملحوظة باللحاظ الطريقي -“لم يعرف شيئاً”-، وحتّى الأشياء التي يترتّب الأثر فيها 

ــــــــــ[255]ــــــــــ

(1) انظر الكافي 1: 398، باب 34، باب حجج الله على خلقه، الحديث 2.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

على متعلّق المعرفة، وتكون المعرفة فيها طريقاً إلى ترتيب تلك الآثار. لم يعرف وجوب الصلاة أو حرمة النبيذ. 

إن فُرِض أنَّ السؤال كان عن شخص لم يعرف المعنى الأوّل، فلا بُدّ من حمله على القاصر؛ لأنَّ من لم يعرف النبي والامام والله، إنّما لا يكون عليه شيء فيما إذا كان قاصراً. وأمّا إذا كان غير قاصر وملتفِت وشاكّ في المطلب، فكيف لا يكون عليه شيء -مثلاً- وحينئذٍ يخرج عن محلّ الكلام. فإنَّ كلامنا فيما إذا لم يعرف حكماً عمليّاّ تكليفيّاّ. لا فيما إذا لم يعرف ربه ونبيّه وإمامه. 

إلاَّ أنَّ الحمل على هذا في نفسه خلاف الظاهر، فإنَّ الظاهر عنه المعرفة حينما تطلق إثباتاً أو نفيّاً، ملاحظتها بما هي طريق إلى الواقع التي تكون معرفة متعلّقة به، فإنَّ المفهوم من ذلك عرفاً أنّه لم يعرف شيئاً من الأشياء، والّتي تكون موضوعاً للأثر وتكون المعرفة فيها طريقاً إليه. لا أنّه من لم يعرف شيئاً وكانت في نفسها مطلوبة، خصوصاً وأنّ المعارف التي في نفسها مطلوبة هي معارف محدودة لأشياء محدودة معيّنة من قبيل الله والنبي والإمام، لا أيّ شيء، وإطلاق (شيء) هنا لا يناسب مع ضيق دائرة هذه الأشياء التي تكون معرفتها مطلوباً نفسيّاً. وهذا خلاف ما إذا حملتها على المعرفة الطريقية، فإنّها يُتصوّر تعلّقها بأشياء كثيرة بعدد باب الحلال، والحرام، والواجب.

 فنفس إهمال وتوسعة دائرة الشيء قرينة ومؤيّد لظهور المعرفة في أنّها ملحوظة بنحو المعنى الطريقي الاسمي، فكأنّه يسأل: إن من لم يعرف الحكم العلمي، والأثر العملي ماذا يصنع؟ 

هذا هو الكلام في كلمة (المعرفة). 

ــــــــــ[256]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

جئنا إلى الكلمة الثانية في الرواية وهي كلمة (شيئاً) في قوله: “من لم يعرف شيئاً”. هنا تارةً يُفرَض أنَّ (شيئاً) لوحظت بنحو الإطلاق البدلي يعني: من لم يعرف شيئاً واحداً على نحو مفاد النكرة، -مثلاً- لم يعرف الصلاة، أو لم يعرف الصيام. فيكون لمصاديق متعدّدة، فإنَّ من لم يعرف الصلاة وحدها، يصدق عليه أنّه لم يعرف شيئاً؛ لأنَّ الصلاة مصداق لمفهوم شيء، وكذلك من لم يعرف الصيام والزكاة. 

وأخرى يفرض عدم تطعيم النكرة في كلمة (شيء)، ويحمل كلمة شيء على الإطلاق الاستغراقيّ. لم يعرف (شيئاً) يعني لم يعرف جميع الأشياء. فهذان احتمالان في المقام. 

إن فُرِض أنَّ شيئاً طُعِّمت بمعنى النكرة، وكان الإطلاق بدليّاً، فمعنى هذا أنَّ السائل يسأل عمّن لم يعرف وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، لأنّه شيء من الأشياء، فماذا يصنع؟ وأمّا إذا فرضنا أنّه إطلاق استغراقي، فمعناه أنّه يسأل عمّن لم يعرف شيئا من الأحكام، ماذا يصنع؟ فهذا احتمالان، يبقيان الآن على الحساب. 

ثُّمّ جئنا إلى جواب الإمام يقول: (ليس عليه شيء).

هنا أيضاً احتمالان آخران، فإنّه تارةً يكون السؤال عن وضيفته العمليّة حيث إنّه لم يعلم أنّه بعد أن لم يعلم ما هي وظيفته العمليّة، فيكون الملحوظ في مقام السؤال هو تشخيص الوظيفة في مقام العمل. هل يحتاط -مثلاً- أو لا؟ وأخرى يكون الملحوظ في مقام السؤال المرتبة المتأخّرة عن مقام العمل، بعد 

ــــــــــ[257]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

فرض أنّه لم يعلم شيئاً فلم يصنع شيئاً، هل عليه شيء أو لا؟ فيكون السؤال عن المسؤولية والتبعة لا عن مقام العمل. 

فإن كان السؤال عن مقام العمل: أنَّ من لم يعلم شيئاً هل عليه تكليف، هل يجب عليه الاحتياط؟ قال: “لا“. فيكون دالّاً على عدم وجوب الاحتياط، يصير هذا من أدلّة نفي وجوب الاحتياط على المستوى السابق. على أيّ من الشقّين السابقين فالاحتياط غير واجب غايته الأمر في موضوعه(1)

أمّا بناء على أنَّ المراد من شيء هنا الإطلاق الاستغراقي، يعني: لم يعرف شيئاً أصلاً، فواضح؛ لأنَّ هذا المؤمن لم يعرف لا الأحكام ولا وجوب الاحتياط، والمفروض عدم المعرفة ولو إجمالاً يعني: حتّى العلم الإجمالي غير 

ــــــــــ[258]ــــــــــ

() فسأل أحد الإخوان: أنّ الاحتياط غير واجب على من لم يعلم مجموع الأشياء، حتّى وجوب الاحتياط. 

فأجاب: هذا خُلف، فإنَّ المفروض أنَّ هذا الشخص صار في مقام السؤال من الإمام، لا بدَّ أنَّ نفرض أنّه من غير هذه الجهة المسؤول عنها، وإلَّا لا يكون في مقام السؤال من الإمام. إذا فرضنا أنَّ نظر السائل إلى هذه الناحية، لا إلى ناحية التبعة وحدها. فلا بدَّ أن نفرض أنّه لم يعرف شيئاً من غير ناحية ما يسأل عنه الإمام الآن. فيدل عل عدم وجوب الاحتياط ويكون على المستوى السابق. 

وأمّا إذا فرضنا أنّه كان ناظراً إلى مقام المسؤولية والتبعة، لا إلى مقام العمل. حيث إنَّ عدم المعرفة يستبطن ارتكازاً عدم ترتيب الأثر فكأنّه طُعّم من لم يعرف شيئاً، أنّه لم يصنع شيئاً هل عليه شيء؟ فيكون السؤال عن مقام المؤاخذة والتبعة. حينئذٍ هذا يكون براءة على مستوى قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

موجود عنده، فهذا ليس عليه شيء. حيث إنَّ من جملة ما لا يعرف هو وجوب الاحتياط، فقد فُرِض عدم المؤاخذة في طول عدم وصول شيء إليه، حتّى وجوب الاحتياط. وهذا معناه أنّه في مستوى قاعدة قبح العقاب.

وكذلك إذا أخذنا الشيء بنحو البدلية. لم يعرف شيئاً من الأشياء فلم يصنعه، هل عليه شيء؟ قال لا. فإنَّ نفي التبعة هنا، أُخذ في موضوعه أيضاً عدم وصول وجوب الاحتياط إلى هذا المؤمن. إذ لو كان قد وصل إليه وجوب الاحتياط، لم يكن عدم علمه لحرمة شرب التتن مستبطناً لعدم اجتنابه لشرب التتن. إن فرضنا في المقام أنَّ عدم معرفته بالشيء كنّى به عن عدم ترتيب الأثر، وهذه الكناية إنما تصحّ إذا لم يعرف حرمة شرب التتن ولم يصل إليه وجوب الاحتياط. وإلاَّ لو حصل وجوب الاحتياط لا يكون عدم معرفته بالحكم الواقعي مساوقاً لعدم ترتيبه للأثر. 

وبتعبير آخر: إنَّ ظاهر الكلام أّنه في مورد يكون عدم معرفة الواقع فيه مساوقاً لعدم ترتيب الأثر. وهذا إنّما يكون بحسب الفهم الارتكازي العرفي فيما إذا فُرِض عدم وجود وجوب الاحتياط، فيكون (لا) من كلام الإمام، أُخذ في موضوعه أيضاً عدم وصول وجوب الاحتياط، فيكون دليلاً في مستوى قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). 

فبهذا البيان اتّضحت محتملات المسألة الستة: الاحتمالان في (المعرفة)، واحتمالان في (شيء)، واحتمالان في (الجواب). وظهر ما هو الساقط منها، وظهر تماميّة الاستدلال على تمام الاحتمالات التي لم نسقطها. 

ــــــــــ[259]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وفي هذا ظهر أنَّ جهة السؤال، إن كانت هي المرتبة المتأخرة، تتمّ دلالة هذه الرواية، وأمّا إذا كانت جهة السؤال نفي مقام العمل، تكون دليلاً على عدم جوب الاحتياط. إلَّا أنَّ الظاهر منها هو الأوّل يعني: أن يكون السؤال عن المرتبة المتأخّرة لا سؤال عن مقام العمل، ظاهر قوله “هل عليه شيء”، العليّة ظاهره التبعة والمسؤولية، لا أنّه يعني هل يكلف بشيء أو لا؟

إذن فدلالة هذه الرواية لا بأس بها في المقام. والسند أيضاً لا بأس به؛ لأنّ جميع رواته مشهورين بوثاقتهم في كتب الشيخ والنجاشي، عدا عبد الأعلى بن أعين فإنّه غير مشهور بوثاقته عندهما. إلَّا أنّه مشهور بوثاقته وجلالته وعظم مقامه في كلام المفيد، فبناءً على قبول مثل هذا الكلام من الشيخ المفيد، تكون الرواية معتبرة من حيث السند، كما هي تامّة من حيث الدلالة(1)

ــــــــــ[260]ــــــــــ

() وهنا سأل أحد الإخوان: هل هذا مقبول أو لا؟ 

فأجاب: نعم مقبول، وإن كنّا في وقته ما كنّا نوسوس في هذا المطلب؛ باعتبار أنَّ الشيخ المفيد وكذلك كلّ عالِم آخر. لو شهد بالتوثيق في غير كتاب رجالي لا يُعلم أنَّ توثيقه هل هو اجتهادي أو حسّيّ، يعني: يكون احتمال الحسيّة فيه احتمالاً ضعيفاً وموهوناً جداً. بخلاف ما إذا شهد بذلك في كتاب رجالي، فإنّ احتمال الحسيّة فيه يكون احتمالاً قوياً. لكن في خصوص هذه الشهادة احتمال الحسيّة موجود بالنسبة للشيخ المفيد؛ لأنّه يشهد فيه شهادة مفصّلة جداً، ومثل هذا المشهود به على فرض وجوده في الواقع. فمن المحتمل أن يكون أمراً شائعاً، بحيث يكون كالمحسوس بالنسبة إلى الشيخ المفيد. إذن، لا بأس بسند هذه الرواية. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الرواية الثالثة: رواية حفص بن غياث النخعي 

رواية وجدناها في (توحيد) الصدوق، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّـهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ النَّخَعِيِّ الْقَاضِي قَالَ “قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّـهِ‏: مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ كُفِيَ‏ مَا لَمْ‏ يَعْلَمْ‏”(1).

هذه الرواية أحسن الروايات في مقام الدلالة على هذا المطلب. فإنّه لو فُرِض أنّه لا يعلم لا بحرمة شرب التتن، ولا بوجوب الاحتياط فيه، فهو إذا اجتنب المحرّمات التي يعلم بها، كفي من هذه الناحية؛ بمقتضى إطلاق هذه الرواية، والكفاية هنا مطلقة من ناحية سائر الجهات، التي فيها العقاب الاخروي. وإذا فُرِض أنّه يعلم بوجوب الاحتياط من ناحية شرب التتن، ومع هذا ارتكبه، فهو لم يعمل بما علم؛ لأنَّ من جملة ما علم هو وجوب الاحتياط، ولم يعمل به. فهذه الرواية تدّل على البراءة في مستوى قاعدة (قبح العقاب…)(2)

ــــــــــ[261]ــــــــــ

() انظر: توحيد الصدوق: 416، الباب 64، باب التعريف والبيان والحجة والهداية، الحديث 17.

(2) وهنا قال أحد الإخوان: نفرض شخصاً لم يعمل ببعض ما علم، ارتكب بعض المحرمات، فهل هو غير داخل في هذا الإطلاق بالنسبة إلى محرّم آخر مجهول؟

 فأجاب: ليس المفهوم بحسب الارتكاز العرفي من هذه الرواية هو الشرطيّة. يعني: حيث إنّه عمل بما علم، ولهذا يكفى ما لم يعلم، بل ظاهره بيان مطلبين: وأنَّ المسؤول عنه إنّما هو هذا لا ذاك، وذاك المطلب مكفي المؤونة من ناحيته. فالقضية وإن كانت صيغتها شرطيّة، إلَّا أنَّ الارتكاز العرفي والعقلائي قرينة على أنّه في مقام بيان تحديد دائرة المسؤوليّة، لا في مقام بيان تعليق العفو هناك على الطاعة هنا. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

فهذه الرواية من حيث الدلالة لا بأس بها، ولكن فيها إشكال من حيث السند؛ لأنَّ القاسم بن محمد المعروف بـ(كاسولا) لم يثبت توثيقه، بل ضُعّف في بعض الكتب. هذه الرواية الثالثة. 

الرواية الرابعة: صحيحة عبد الصمد بن بشير 

بقي عندنا من روايات البراءة، رواية واحدة، “أيّما امرئٍ ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه“. 

أقول: ننقل في المقام نصّاً من كتاب الحج، من (الوسائل)، باب أنَّ من لبس قميصاً بعد ما أحرم وجب أن يخرجه من قدميه ولو بالشقّ… إلخ.

 قال: وعن عَنْ مُوسَى بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي حَدِيثٍ(1):‏ “أَنَّ رَجُلًا أَعْجَمِيّاً دَخَلَ المَسْجِدَ يُلَبِّي‏ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ فَقَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا أَعْمَلُ بِيَدِي وَاجْتَمَعَتْ لِي نَفَقَةٌ فَجِئْتُ أَحُجُّ لَمْ أَسْأَلْ أَحَداً عَنْ شَيْ‏ءٍ وَأَفْتَوْنِي‏ هَؤُلَاءِ(2) أَنْ‏ أَشُقَ‏ قَمِيصِي‏ وَأَنْزِعَهُ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيَّ وَأَنَّ حَجِّي فَاسِدٌ وَأَنَّ عَلَيَّ بَدَنَةً. فَقَالَ لَهُ: مَتَى لَبِسْتَ قَمِيصَكَ أَ بَعْدَ مَا لَبَّيْتَ أَمْ 

ــــــــــ[262]ــــــــــ

(1) انظر: وسائل الشيعة 12: 489، الباب 45، باب أن من لبس قميصا بعد ما أحرم وجب أن يخرجه من قدميه ولو بالشق، الحديث 3.

(2) فسّره سيّدنا الأستاذ بفقهاء أبي حنيفة. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

قَبْلَ؟ قَالَ: قَبْلَ أَنْ أُلَبِّيَ. قَالَ: فَأَخْرِجْهُ مِنْ رَأْسِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ بَدَنَةٌ ولَيْسَ عَلَيْكَ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ أَيُّ رَجُلٍ رَكِبَ أمراً بِجَهَالَةٍ فَلَا شَيْ‏ءَ عَلَيْهِ طُفْ بِالْبَيْتِ سَبْعاً وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ -وَاسْعَ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ- وَقَصِّرْ مِنْ شَعْرِكَ فإذا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَاغْتَسِلْ وَأَهِلَّ بِالحَجِّ واصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ النَّاسُ“.

استدلّ بها أيضاً على البراءة، وتقريب الاستدلال بها في المقام، هو أن يقال: بأنَّ هذه الرواية لها موضوع، ولها محمول. الموضوع: هو (من ركب أمراً بجهالة) والمحمول أنّه: (لا شيء عليه). من حيث إنّه فُرِض فيه أنَّ الشخص ركب أمراً، وفرغ عن مرتبة العمل؛ ولهذا لا يُحتمل أن يراد من انّه “لا شيء عليه“، يعني: لا تكليف عليه، ولا يجب عليه الاحتياط؛ لأنَّ مرتبة وجدان الاحتياط، مرتبة ما قبل العمل، وقد فرغ هنا عن صدور العمل من هذا الشخص، فيتعيّن أن يراد بنفي الشي هنا نفي التبعة والمؤاخذة بأقسامها الدنيويّة من قبيل الكفاءة وأمثالها، أو الأخروية كالعقاب. فتدّل بإطلاقها على التأمين الآخروي، الذي هو المراد بالبراءة الشرعيّة في المقام. 

وحيث أنّ ظاهر الموضوع هو كون ركوب الأمر بسبب الجهالة وباعتبارها، بقرينة (الباء)(1)، فلا بُدّ من فرض كون الجهل سنخ جهل يكون منشأ لركوب الأمر. وحينئذٍ يقال: بأنَّ الجهل على قسمين: تارةً جهل حتّى في 

ــــــــــ[263]ــــــــــ

(1) (الباء) في المقام تدلّ على الفرضيّة، لا على العليّة، أي أنَّ الركوب كان في ظرف الجهالة، لا بسبب الجهالة. هذا هو ظاهر العبارة كما هو واضح، إلَّا أنّه لا يغيّر من النتيجة التي يتوخّاها سيّدنا الأستاذ شيئاً، فتأمّل. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

مرحلة التصوّر، بحيث إنّه لم يتصوّر المطلب، كما هو الحال في الغافل. وأخرى يكون جهلاً في مرحلة التصديق مع الالتفات وتصوّر المطلب. 

أمّا الجهل في مرحلة التصور فمنشئيته لركوب الأمر في غاية الوضوح؛ لأنَّ من لم يتصوّر المطلب يقدّم لا محالة. -فمثلاً- شرب التتن، أو السفر إلى دار الكفر، إذا فُرِض أنه لم يتصوّر حرمته، بنحو الغفلة المطلقة، فمثل هذه الغفلة تكون منشأ لركوبه واقتحامه.

 وأمّا الجهل في مرحلة التصديق، لو تصوّر المطلب وشكّ ولكنّه جهِل ولم يعلم، فأيضاً تتصوّر منشئيّة الجهل للاقتحام؛ وذلك إمّا بلحاظ ارتكاز قاعدة قبح العقاب(1) بلا بيان في الأذهان العرفيّة، ولو باعتبار الموالي العرفيّة. حيث إنَّ هذه القاعدة مركوزة في أذهان العُرف، فيكون الجهل بحسب الذهنيّة العرفيّة منشأ للاقتحام. أو باعتبار أنَّ العلم بالتكليف له نحو من المحركيّة، والدفع والتأثير في عالم النفس، لا يحصل بتلك المرتبة في فرض عدمه حتّى لو أنكرنا قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). فمن هنا يكون فرض الجهل هو فرض عدم تلك المرتبة من المحركيّة، التي هي من شؤون العلم والقطع، وانعدام لتلك المرتبة من المحركيّة تصبح منشأ لركوب ذلك الأمر. 

ففي كلا هذين الفرضين: فرض الجهل التصوّريّ، والتصديقيّ ينطبق عنوان الموضوع في المقام، ولكن إنّما ينطبق عنوان الموضوع في موارد الجهل التصديقيّ، فيما إذا لم يصل إليه وجوب الاحتياط.

 ــــــــــ[264]ــــــــــ

(1) بحيث يصير هذا الارتكاز مصحّحاً لـ(باء) السببيّة هنا -مثلاً-. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وأما لو وصل إليه من قِبل المولى وجوبه، فمثل هذا المنشئيّة حينئذٍ غير موجودة في المقام. فإنَّ الجهل بالحكم الواقعيّ مع فرض أنَّ المولى تصدّى لحفظ حرامه واقعاً، بخطاب آخر لا يقلّ عن الخطاب الواقعي في مقام إبراز الأهمية في مثل هذا، لا ارتكاز (قبح العقاب بلا بيان) -المصحّح لتفريع ركوب الأمر على الجهالة- موجودٌ، ولا أنَّ العلم في هذه الحالة تكون له مرتبة من المحركيّة، غير موجودة في فرض العلم بخطاب آخر من المولى، غايته أنَّ هذا الخطاب ظاهري، وذاك الخطاب واقعيّ. 

إذن، ففي فرض وصول وجوب الاحتياط، لا يكون الجهل منشأ لركوب الأمر. والمفروض أنَّ ظاهر الرواية أنَّ التأمين الشرعيّ في مورد كان ركوب الأمر بسبب الجهالة، وهذه السببيّة إنّما تُتصوّر في فرض عدم وصول وجوب الاحتياط. أمّا في فرض وصوله، فلا يقال إنَّ هذا الذي علم بوجوب الاحتياط، وسمع من المولى خطابه، ركب أمراً بجهالة، وإنّما ركبه عصياناً وتمرّداً. 

إذن، فالموضوع سنخ موضوع يرتفع بوصول وجوب الاحتياط، وهذا هو مقصودنا. إذن، فهذا التأمين الشرعيّ سنخ تأمين شرعيّ مجعول في فرض الجهل مع عدم وصول وجوب الاحتياط، وهذا يكون في رتبة قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). 

إلاَّ أنَّ هذه العبارة وردت في مورد الجاهل بالحكم(1) فهذه العبارة وردت 

ــــــــــ[265]ــــــــــ

(1) وهنا لخّص مضمون الرواية عن ظهر قلب. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

في هذا الشخص الجاهل بالحكم. هنا، إذا فرضنا أنَّ هذا الشخص كان من الجاهل الغافل غير المقصّر، يعني: الغافل من أوّل الأمر بلا تقصير حتّى في هذه الغفلة، فهذه القاعدة تكون قاعدة عامّة منطبقة على مورد الكلام بلا كلام. حتّى من حيث نفي العقاب، حيث إنَّ هذا لا يُعاقب.

 ويراد بالجهالة حينئذٍ، مطلق عدم العلم سواءٌ اقترن عدم العلم بالغفلة أو اقترن بالشكّ والتردّد. مطلق من لا يعلم هو معذور، ومن دون فرق بين الشبهات الحكميّة أو الموضوعيّة، قبل الفحص أو بعده، من ناحية العقاب أو من ناحيّة غير العقاب. قانون كلّي في جميع هذه الجهات. 

ومن الخارج نرفع اليد عن إطلاق هذا القانون الكلّي، في الجاهل، الذي يكون جهلة تصديقيّاً، يعني جهلاً مساوق مع الالتفات والشكّ.

 وتكون الشبهة حكميّة، وقبل الفحص. هذا نقول بثبوت العقاب عليه، ونرفع اليد عن إطلاق قوله: “لا شيء عليه“؛ بقرينة الأخبار الدالّة على وجوب التعلّم وعدم معذوريّة الجاهل، إذا ادّعى أنّه لم يعرف، ولم يسأل وانّه يجب عليه السؤال، وهي أخبار متواترة معنى. ويبقى الإطلاق في غير هذه الحصّة على حاله. 

فما هو محلّ الكلام من الجاهل بالحكم بعد الفحص في الشبهة الحكميّة، أو الجاهل بالموضوع الخارجيّ مطلقاً، سواءٌ كان قبل الفحص، أو بعده، مقتضى إطلاق “لا شيء عليه“، هو نفي العقاب بالنسبة إليه. 

هذا إذا فرضنا أنَّ مورد الرواية كان هكذا. 

ــــــــــ[266]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

وأمّا إذا أبعدنا حمل مورد الرواية على هذا. وقلنا، إنَّ هذا الشخص، وإن كان لا يعرف اللغة(1) ولكنّه مسلم وكان يعيش في بلاد المسلمين حتّى صار مستطيعاً، فهو ليس صغير السن، وإنّما عاش بحيث يستطيع فهمها(2). فيستبعد أن يكون هذا الشخص غير ملتفت ولو إجمالاً، على أنَّ الحجّ فيه أحكام، فإنّه لا يحتاج إلى الالفتات التفصيليّ إلى حرمة لبس المخيط للمحرِم، ولكنّه ملتفت بنحو الإجمال(3) أنَّ الحجّ فيه أحكام وتقنينات، وأنّ حال الحجّ من هذه الناحية حال الصلاة، والزكاة، والخمس، فإنّ في كلّ منها تقنينات. 

فيُستبعد جداً أنّه غير ملتفت، ولو بهذا النحو من الالتفات الإجمالي. فإذا فُرِض مثل هذا الالتفات الإجمالي، يصير جاهلاً مقصّراً، لا جاهلاً قاصراً؛ لأنَّ من يلتفت، ولو إجمالاً، يجب عليه الفحص والسؤال والمراجعة. فبحساب الاحتمالات في طبع هذه القضيّة يحصل اطمئنان، بأنَّ مثل هذا الشخص كان مقصّراً، وحينئذٍ فُيعلم استحقاق العقاب عليه؛ للروايات الكثيرة الدالّة على استحقاق العقاب إلى هذا الشخص.

ــــــــــ[267]ــــــــــ

(1) فإنّه يُعبّر عنه بالأعجميّ في مقام الاعتذار عن جهله بهذه المطالب، (المحاضرة) (المُقرِّر).

(2) وخاصّة وهو يعمل بكدّ يده كما في الرواية. (المُقرِّر).

(3) يمكن إنكار وجود هذا العلم الإجمالي عنده. بتقريب أنّه كان يعلم ببعض أحكام الحجّ كالتلبية، والطواف ولم يكن يعلم إجمالاً بوجود أحكام غير ما كان يعرفه. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 فاطلاق (لا شيء عليه)، للعقاب لا بُدّ من رفع اليّد عنه، ويقال: (لا شيء عليه) بلحاظ الآثار الوضعيّة، يعني ليس عليه بَدَنة، كما تجب على من كان يعلم بفقه الحجّ، ولبس الثوب. وليس عليه حجّ من سنة قابلة، كما يصرّح الإمام في الرواية. 

وحينئذٍ، يقع البحث في أنّه بعد أن قيّدنا إطلاق (لا شيء عليه)، بلحاظ ما هو مورد الرواية، وفرضنا أنّه بلحاظ موردها لا يشمل العقاب. فهل يمكن أن يقال إنّه يبقى على إطلاقه في غير مورد الرواية؟

 فالنسبة إلى ما هو مورد الرواية، وهو المقصّر (لا شيء عليه) يعني: من الأشياء الوضعيّة. وأمّا بالنسبة إلى غير مورد الرواية فتبقى القاعدة على إطلاقها سواءٌ كان وضعيّاً أو أخرويّاً. 

ومنشأ الشبهة ما هو المركوز في ذهن أهل العرف، من أنَّ إخراج المورد عن العامّ غير جائز بالتخصيص والتقييد. لو قال: هل يجوز أن أكرم الشيخ المفيد؟ فأجابه: نعم. فإنّه يجب عليك إكرام كلّ عالم. هنا لا يجوز بالتخصيص إخراج عنوان يكون الشيخ المفيد داخلاً فيه. هذا المطلب إلغاء للعام. ولو دلّ دليل على ذلك يكون معارضاً مع العام، لا أنّه يكون مخصّصاً. 

هذا الارتكاز العرفيّ يصير هو منشأ للشبهة في المقام، إذ في المقام لا نريد أن نخرج المورد عن تمام مدلول الرواية، بل عن إطلاق مدلولها. فيقع الكلام في أنَّ إخراج المورد عن إطلاق مدلول العامّ، هل يصير قرينة بحسب الفهم والارتكاز العرفي على أنَّ هذا الإطلاق غير مراد، ولو بلحاظ غير المورد، أو لا 

ــــــــــ[268]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

يكون قرينة على ذلك(1)؟ 

هذا تمام الكلام من حيث فقه الرواية. 

وأمّا من حيث سند هذه الرواية، فهي صحيحة؛ الراوي عن الإمام إلى عبد الصمد بن بشير، كلهم صحيحون. 

هذا تمام الكلام في الرواية، التي ينبغي أن يستدّل بها على البراءة(2).

ــــــــــ[269]ــــــــــ

() وهنا سأل أحد الإخوان: عن الصحيح ما هو؟ 

فأجاب: أنّا مستشكل في هذا المطلب، ولست جازماً بأنّه بحسب الارتكاز العرفيّ أنَّ رفع اليد عن الإطلاق لا يكون قرينة. (المُقرِّر).

(2) وقال جواباً على سؤال: في خلال هذه الكلمات ظهر حال هذه الاستصحابات بالترتيب الذي بيّناه، ظَهر ما هو الصحيح وما هو غير الصحيح من كلمات الآغايون بلا حاجة إلى التعرّض لها. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 






الفهرس 

 

(بقية) حديث الرفع 13

[المقام الثاني: التصوير الثاني للجامع وهو التكليف المجعول] 13

[إشكال على التصوير الثاني للجامع] 14

[دفع الإشكال عن التصوير الثاني] 15

ما يدّعى قرينة على اختصاص حديث الرفع في الشبهات الموضوعية 18

[الجواب عن الدعوى] 18

ما يدّعى قرينة على اختصاصه بالشبهات الحكميّة 23

مناقشة القرينة 25

المقام الثالث: في فقه الحديث 28

الجهة الأولى: في تصوير نسبة الرفع إلى المرفوعات في هذا الحديث 28

[التفصيل في احتمال التقدير] 29

[إجمال أنحاء العناية في فهم حديث الرفع] 33

بطلان احتمال التقدير والتحقيق في المقام 36

في أنحاء حكومة الرفع على المرفوعات 41

[ضابطة الفرق بين القسمين] 42

ــــــــــ[271]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [ضابطة السيّد الخوئي في المقام] 42

[الجواب عن ضابطة السيّد الخوئي] 45

الفروق والثمرات في الاحتمالات الثلاثة للتقدير 49

[1- الفرق بين الأوّل والأخيرين وثمراتهما] 49

[رفع توهّم] 50

[الفرق بين التنزيل والاعتبار] 53

[2- الفرق بين الاحتمالين الأخيرين وثمراتهما] 56

الثمرة الأولى 57

[المبنى المختار بناءً على الاحتمال الثالث] 58

[التفصيل في المبنى المختار] 59

الثمرة الثانية: 61

الجهة الثانية: في ثبوت المقتضي للأحكام المرفوعة. 65

[تقريبان في إثبات المقتضي للأحكام المرفوعة في الحديث] 66

[التقريب الأوّل] 66

[التقريب الثاني] 68

تحقيق الكلام في استعمال كلمة (الرفع) 69

[صور الأحكام المرفوعة في الثبوت التشريعي] 70

الجهة الثالثة: في شمول الرفع لِما كان في موضوعه السهو والنسيان 72

[دعوى عدم شمول الحديث لعناوين السهو والنسيان] 74

[دفع دعوى عدم الشمول] 76

ــــــــــ[272]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [التحقيق في شمولية حديث الرفع لموضوعات السهو والنسيان] 78

الجهة الرابعة: في ظهور الحديث بالتخفيف على الأمّة 82

[القرينة الأولى: على ظهور الحديث بالتخفيف] 82

[القرينة الثانية: سوق الحديث مساق الامتنان] 82

الاختلاف بين القرينتين 83

[التفريع الأوّل] إنَّ حديث الرفع لا يجري في موارد ما إذا كان الرفع فيه تحميل على العبد ونقض لغرضه 84

[التفريع الثاني] عدم جواز التمسّك بحديث الرفع، في موارد الاضطرار، أو الإكراه، على إيذاء الغير 85

[عدم تفريع الحديث للإضرار بالنفس تقصيراً] 86

الجهة الخامسة: في أنَّ المرفوع هو المُخطأ والمنسيّ 89

[جواب دعوى الشيخ النائيني] 90

[التحقيق في المقام] 91

الجهة السادسة: في النجاسة الاضطرارية 93

وجهان في خروج النجاسة الاضطرارية تخصّصاً 93

الوجه الأوّل: ما أشار إليه السيّد الأستاذ 94

[الجواب عن الوجه الأوّل] 95

[الوجه الثاني: القول بالتمسك بمناسبات الحكم والموضوع] 96

الجهة السابعة: في شمول الحديث للأحكام التكليفيّة، والوضعية، والاستقلالية، والضمنية 99

ــــــــــ[273]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [أنواع الأحكام:] 99

[تقسيم الأحكام التكليفية الاستقلالية] 100

[القسمة الأولى] 100

[القسمة الثانية] 101

[القسمة الثالثة] 104

[الأحكام الضمنيّة] 105

[المقام الأوّل:] 105

[المقام الثاني] 106

[الأحكام الوضعية] 110

[شبهة في الأحكام الموضوعيّة والجواب عنها] 111

المقام الرابع: في سند الحديث 113

[الحديث بسند الصدوق في (الخصال)] 113

[الإشكال على سند الصدوق في الحديث] 114

[الحديث في سند الصدوق في (من لا يحضره الفقيه)] 114

[الحديث في سند (الوسائل)] 115

[رواية أخرى من (الوسائل) والكلام فيها] 115

[رواية ثالثة عن (الوسائل)] 116

تحقيق الإشكالات في سند الرواية 116

[الناحية] الأولى: في تحقيق حال إسماعيل الجعفي 116

[استبعاد التعدّد في شخصية إسماعيل] 118

ــــــــــ[274]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [لوازم القول بالتعدّد] 118

[والتحقيق في المقام] 120

[الثاني:] في تحقيق طريق الشبخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى 121

[فائدة فيما يتعلّق بالإشكال في تحديد إسماعيل بن جابر] 123

[احتمالات وحدة وتعدّد شخصية إسماعيل بن جابر في كتب النجاشي والطوسي] 123

الاحتمال الأوّل: [أن يراد به شخصاً واحداً] 124

الاحتمال الثاني: [هو إسماعيل بن جابر الخثعمي] 124

إبعاد الاحتمال الثاني 124

الاحتمال الثالث: [تعرض الشيخ الطوسي في كل كتاب لشخص غير الشخص الآخر] 126

إبعاد الاحتمال الثالث 127

ترجيح الاحتمال الأوّل 128

في تحقيق طريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى 129

[دفع الإشكال] 129

[نظرية التعويض في رفع الإشكال والفوائد المترتّبة عليها] 130

رجوع إلى تحقيق حال إسماعيل الجعفي 133

[القرائن التاريخية على تعدّد شخصيتي إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي وإسماعيل الجعفي] 135

[دفع القرينة] 141

ــــــــــ[275]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [التحقيق في القرينة] 145

طرق تصحيح حديث الرفع 146

[الطريق الأوّل في تصحيح الرواية] 146

[والطريق الثاني:] 150

الكلام في نظريّة التعويض وطرائقه 152

[طرق التعويض] 152

[الطريق الأوّل] 152

[الطريق الثاني] 154

[الطريق الثالث] 155

[مناقشة الطريق الثالث] 158

جواب مناقشة الطريق الثالث 159

[الطريق الرابع للتعويض] 159

[إشكال على الطريق الرابع] 160

[جواب الإشكال] 160

[والتحقيق] 161

في الاستدلال بقوله: الناس في سعة ما لم يعلموا 162

تقريبات الاستدلال بالحديث 162

التقريب المنافي لوجوب الاحتياط الإخباري 162

[اعتراض على التقريب] 163

[جواب السيّد الخوئي على الاعتراض] 163

ــــــــــ[276]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [ردّ على الإشكال، وعلى جواب السيّد الخوئي] 164

[ردّ أصل الإشكال] 165

[والتحقيق] 168

في الاستدلال بحديث الحجْب 170

[تقريب الاستدلال بالرواية] 170

[اعتراض الشيخ الأنصاري على التقريب] 171

[الوجوه المدّعاة للتخّلص من إشكال الشيخ الأنصار] 171

[الوجه الأوّل] 171

[الوجه الثاني] 174

[دفع الوجه الثاني] 175

[الوجه الثالث] 175

[دفع الوجه الثالث] 176

[الوجه الرابع] 176

[دفع الوجه الرابع] 177

[التحقيق في تقريب الرواية] 177

[تساؤل] 179

[نتيجة التحقيق] 180

استدراك لسند رواية أنَّ الناس في سعة 183

الاستدلال برواية: كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام 185

[صيغ نقل الرواية] 185

ــــــــــ[277]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

الصيغة الأولى للرواية 186

[القرينة الأولى: ما ذكره الشيخ الأعظم] 187

[الكلام فيما أفاده الشيخ الأنصاري من القرينة] 188

[القـرينة الثانية: وهـي ما ذكـرها السيّد الأستاذ تبعاً للمحقّق النائيني] 189

[الكلام فيما أفاده السيّد الأستاذ من قرينة] 191

تلخيص لِما أفاده السيّد الأستاذ من القرينة الثانية 192

الكلام في الصيغة الثانية للرواية 196

الجهة الأولى: في تعقّل أصل معنى الحديث 197

[إشكال في فهم الحديث] 197

[وجوه دفع الإشكال] 198

[الوجه الأوّل] 198

[الاحتمال الثاني] 199

[التحقيق في توجيه المحقّق العراقي] 201

[المختار في فهم الرواية] 202

الاستدلال على البراءة بالاستصحاب 204

[تقريبات في الاستدلال بدليل الاستصحاب] 204

التقريب الأوّل: في استصحاب العدم الثابت حال الصغر 205

[وجوه الاعتراض على التقريب الأوّل] 205

الوجه الأوّل في الإشكال عليه 205

ــــــــــ[278]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

 [إشكال صاحب الكفاية على الاعتراض] 206

الوجه الثاني للإشكال عليه للنائيني 208

[المقدّمة الأولى] 208

[المقدّمة الثانية] 209

[تطبيق كبرى النائيني في موردين] 212

[جواب السيّد الأستاذ عن الميرزا] 213

[جواب عمّا أفاده السيّد الأستاذ في دفع كلام الميرزا] 215

[الجواب عمّا أفاده الميرزا النائيني] 221

الوجه الثالث: في الإشكال عليه 223

[الجواب عن الوجه الثالث] 224

الوجه الرابع: [دعوى تغيّر الموضوع عرفاً] 225

[الجواب عن الوجه الرابع] 226

التقريب الثاني: استصحاب عدم التكليف الثابت قبل الشريعة 227

[إشكالان على التقريب الثاني للاستصحاب] 228

[الإشكال الأوّل] 228

[دفع الإشكال الأوّل] 229

[الإشكال الثاني] 230

[جواب السيّد الأستاذ عن الإشكال] 232

[الكلام في جواب السيّد الأستاذ] 233

التقريب الثالث: استصحاب عدم التكليف قبل تحقّق شرطه ــــــــــ[279]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13 

المحتمل 234

بقي أمران: الأوّل في جريان الاستصحاب في الشبهات الموضوعيّة 235

[إشكال استصحاب عدم الجعل في الشبهات الموضوعيّة] 236

[جواب السيّد الأستاذ عن الإشكال] 236

[الرد على جواب السيّد الأستاذ] 238

[عالَما الجعل والوصول] 238

الأمر الثاني: في معارضته باستصحاب آخر 241

[جواب السيّد الأستاذ عن إشكال معارضة الاستصحاب] 242

[الجواب الأوّل] 242

الرد على الجواب الأوّل للسيّد الأستاذ 243

[الجواب الثاني: الذي ذكره السيّد الأستاذ] 246

[الكلام في الجواب الثاني للسيّد الأستاذ] 247

[التحقيق في المقام] 248

المستوى الثاني للبراءة: وهي التي في مستوى قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) 250

[الأدلّة الشرعيّة على البراءة في مستوى قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)] 251

الرواية الاولى: رواية ابن الطيار 251

الرواية الثانية: رواية عبد الأعلى بن أعين 255

الرواية الثالثة: رواية حفص بن غياث النخعي 261

الرواية الرابعة: صحيحة عبد الصمد بن بشير 262

الفهرس 271

ــــــــــ[280]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج13