محاضرات في علم أصول الفقه
الجزء الرابع عشر
261
ص44 الصدر، محمد.
محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.
ج14 (224ص.)؛ 17×24سم.
رقم الإيداع
1718/2024
المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1718) لسنة 2024
رقم الإيداع الدولي
2-36-737-9922-978
جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون
هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
07706062778
manager@alturaath.com
alturaath.43@gmail.com
محاضرات
في
علم أصول الفقه
تقريراً لأبحاث
سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره
بقلم
سماحة الحجة آية الله العظمى
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر
الجزء الرابع عشر
هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره
النجف الأشرف
بسمه تعالى
كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…
وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.
علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا
مقتدى الصدر
ــــــــــ[5]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
أدلّة الاحتياط
ــــــــــ[9]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
أدلّة الاحتياط
وبعد هذا يقع الكلام في أدلّة العلماء المحدثين، الّذين ذهبوا إلى وجوب الاحتياط، أو ما قيل عن لسانهم من الأدلّة.
أُستدلّ لهم بالأدلّة الثلاثة. وكما صنعنا في أدلّة البراءة، نصنع في أدلّة الاحتياط، حيث قلنا هناك: إنَّ الكلام يقع في مقامين: في البراءة العقليّة، وفي البراءة الشرعية. كذلك الأمر في الاحتياط، يقع الكلام أوّلاً في الدليل على وجوب الاحتياط بحكم العقل. ويقع الكلام في المقام الثاني في وجوب الاحتياط بحكم الشرع.
أمّا المقام الأول، وهو وجوب الاحتياط بحكم العقل، فقد أُستدلّ على ذلك بوجهين:
ما هو موجود في شكل متفرّق أو مشوّش في كلمات الأقدمين. وأُخذ في كلمات المتأخّرين بعنوان أصالة الحظر فيما لا يعلم بالضرورة جوازه.
ــــــــــ[11]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وهذا الوجه يغلب على الظنّ أنَّ مَن ادّعاه كان يريد نفس ما نقوله نحن في مقام إنكار قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). هؤلاء الّذين قالوا بأصالة الحظر ومنهم الشيخ الطوسي(1) يغلب على الظنّ، أنّهم أرادوا نفس ما نقوله من حيث إنَّ حقّ المولويّة للمولى، لا يختصّ بخصوص التكاليف المعلومة، بل كلّ تكليف محتمل، ما لم يُعلم بعدم اهتمام المولى به في مقام الشكّ، فهو داخل في نطاق حقّ المولويّة. وإن عُبِّر هنا بتعبيرات مختلفة مشوّشة، وفقاً لمستوى اللغة العلميّة في ذلك العصر. إلَّا أنّه قابل للانطباق على ما ندّعيه، وعليه فيكون هذا الوجه وجهاً صحيحاً.
وهو، أنَّ حقّ المولوية الثابت لله تعالى، ليس مخصوصاً بخصوص التكاليف المعلومة، بل كما يثبت فيها يثبت أيضاً في التكاليف المشكوكّة ما لم يُعلم بعدم اهتمام المولى بها. ولا أساس لقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، على ما فصّلنا القول فيه في أوّل بحث البراءة. وقلنا: بأنَّ هذه القاعدة، مرجعها إلى قاعدة قبح العقاب بلا حقّ. فلا بُدّ وأن نرى دائرة هذا الحقّ الثابت للمولى، وأنّه هل يختصّ بخصوص التكاليف المعلومة أولا؟
ولا أصل للرجوع إلى الموالي والقوانين العرفيّة؛ لأنَّ المولويّات العرفيّة، مولويّات مجعولة لنفس العرف، ولهذا تتبع حدود هذا الجعل سعة وضيقاً، وأمّا المولويّة الإلهية من مدركات العقل العمليّ للبشر. وحينئذٍ لو أُدركت بنحو واسع، لا يلزم أن تكون المولويّات المجعولة عرفاً أيضاً المولويات واسعة. ــــــــــ[12]ــــــــــ
(1) انظر: العدة في أصول الفقه 2: 737.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وعلية فأصالة الاحتياط العقليّة بهذا المعنى إذا ادّعي لا بأس به.
هذا هو الوجه الأوّل للاحتياط العقلي.
الوجه الثاني هو العلم الإجمالي، إنّه بعد فرض بطلان الوجه الأوّل، وجريان قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) في الشبهات البدويّة أن يقال: إنَّ الشبهة في المقام ليست بدويّة حتّى تجري هذه القاعدة، بل هي شبهة مقرونة بالعلم الإجمالي؛ لأنَّ كلّ إنسان يعلم بعد توجّهه إلى الشريعة، وإلى الأدلّة إجمالاً، يعلم بوجود تكاليف إلزاميّة كثيرة. وهذا العلم الإجمالي موجود إلى الآخِر، وليس منحلاً؛ لأنّنا بعد الفحص، لا نستطيع أن نعيّن تلك التكاليف الإلزاميّة، على ما يأتي من خلال المناقشات. فحينئذٍ، يكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً، فلا تجري الأصول المؤمّنة في أطرافه.
وإذا فُرِض(1) أنَّ دائرة حقّ المولويّة كان واسعاً، بهذا النحو، فلا محالة يستقل العقل حتّى بوجوب الاحتياط في كلّ شبهة بدويَة، لاحتمال ترتّب العقاب على ذلك، حيث إنّها مندرجة في دائرة حقّ المولوية.
وقلنا: بأنّ الوجه صحيح وتام؛ لأنّه لا يقاوم دليل البراءة الشرعية سواءٌ كانت البراءة الشرعية على المستوى الأول أو الثاني، فإنّه إذا تمّ الدليل على البراءة الشرعية يكون رافعاً موضوع وجوب الاحتياط في المقام؛ لأنّنا بيّنا أنَّ
ــــــــــ[13]ــــــــــ
( ) ذكر أولاً الوجه العقلي، الذي أستدلّ به على الاحتياط العقلي. وقال فيما قال: وإذا فرض… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
التكليف المشكوك إنّما يدخل في دائرة حقّ المولويّة، ما لم يُبيّن من قِبل الشارع عدم الاهتمام بالتحفّظ عليه في حال الشكّ. ودليل البراءة بيان لذلك، فيكون رافعاً للموضوع لا محالة. وحيث قد تمّت عندنا أدلّة البراءة، فلا يمكن أن تقاوم بهذا الوجه.
وقد أُجيب عن هذا الوجه بجوابين أساسيّين(1) يقع الكلام في كلّ منهما.
هو انحلال هذا العلم الإجمالي بعلم إجمالي وجداني آخر أضيق دائرة منه، من باب انحلال علم إجمالي وجداني كبير بمثله صغير؛ وذلك لأنّنا كما نعلم إجمالاً بوجود تكاليف الزاميّة للمولى في مجموع الشبهات التي بأيدينا في الفقه، كذلك نعلم إجمالاً بوجود تكاليف الزاميّة للمولى في الشبهات التي وجِدت فيها أخبار الثقات -مثلاً- أو كانت مقرونة بأمارة من الأمارات الشرعيّة الدالّة على الحكم الالزامي.
فلنفرض أنَّ عدد الشبهات ألف، وعدد الشبهات التي قامت بها أمارة معتبرة على الحكم الالزامي مائة. وكما نعلم بوجود الأحكام الالزامية في مطلق الشبهات، كذلك نعلم إجمالاً وجداناً بوجودها في الشبهات التي قامت عليها أمارة، إذ لا نحتمل كون تمام الأمارات والروايات كذباً وخلاف الواقع. وحينئذٍ يتشكّل عندنا علمان إجماليان، علم إجمالي كبير أطرافه ألف، وصغير
ــــــــــ[14]ــــــــــ
() يعني قد تكون هناك تفصيلات في هذين الجوابين، أو تقريبات متعدّدة للجواب الواحد، (المحاضرة). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
أطرافه مائة من تلك الألف، وهي المقرونة بالأمارة الدالّة على الحكم الالزامي. وحينئذٍ، يقال بأنَّ عدد المعلوم بالعلم الكبير لا يزيد على عدد المعلوم بالعلم الصغير، ما نعلمه بدواً من الأحكام الالزامية من مطلق الألف، لا يزيد على ما نعلم بثبوته إجمالاً في حدود المائة شبهة. فنحن نعلم إجمالا بعشرة أحكما في مطلق الشبهات، وبمثله في خصوص المائة المقرونة بخبر الثقة. وحينئذٍ ينحلّ العلم الإجمالي الكبير بالصغير.
فيصبح عندنا علم إجمالي واحد بوجود أحكام الزاميّة عشرة في مجموع المائة. وشكّنا في التسعمائة الأخرى يصبح شكاً بدوياً بعد انحلال العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الوجداني الصغير.
هذا أحد جوابين في المقام. وهو الجواب الذي فُسِّرت به عبارة الشيخ الأعظم(1) وذكره بعد ذلك المحققون إلى الآخر.
في تحقيق هذا الجواب يقع الكلام تارةً في كبرى انحلال العلم الإجمالي وعدم انحلاله. ويقع الكلام بعد ذلك صغرىً في أنَّ المورد من موارد الانحلال أو لا. وهذه الكبرى موضعها الفنّي هو بحث العلم الإجمالي؛ لأنّها مربوطة به، إلَّا أنَّ جملة من المحقّقين كالعراقي(2) وغيره تعرّضوا لبحثها هنا، ولعلّه لأجل الجهة البحثيّة؛ لأنَّ بيان أنَّ هذا العلم الإجمالي للإخباريّين هل ينحلّ أو لا؟
ــــــــــ[15]ــــــــــ
(1) انظر: فرائد الأصول 2: 90.
(2) نظر: نهاية الأفكار 3: 249- 255.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
يتوقّف على صورة مسبقة عن الكبرى وخصوصيتها وشؤونها، لكي يكون البحث تامّ الجهات. وحيث إنَّ هذ الكبرى لا بُدّ من بحثها في مكان فيُبحث عنها هنا، ثُمّ لا يُكرّر بحثها في العلم الإجمالي، بل يُحوّل عليها هنا.
إذن، فالبحث يقع في مقامين:
المقام الأول: في كبرى انحلال العلم الإجمالي بعلم آخر وعدم انحلاله.
والمقام الثاني: في تطبيق الكبرى على هذين العلمين الإجماليين اللّذين أدّعى كبيرَهما الإخباريون، وصغيرَهما الأصوليون.
أمّا البحث في المقام الأوّل، وهو: في كبرى الانحلال، فيقع الكلام فيه في جهتين:
الجهة الأولى: في الانحلال الحقيقي.
والجهة الثانية: في الانحلال الحكمي.
الجهة الأولى: في الانحلال الحقيقي
فنفرض -لأجل تسهيل المطلب- علماً إجماليا ذا طرفين، نعلم إجمالاً بموت أحد الشخصين: إمّا زيد أو عمرو، وعلمنا تفصيلاً بموت زيد بالخصوص، فهل ينحلّ علمنا الإجمالي بعلمنا التفصيليّ أو لا؟
هنا يجب أن يُعلَم بأنَّ النزاع في الانحلال وعدمه، لا يشمل صورتين: إحداهما الإشكال في الانحلال فيهما، لا إشكال في عدم الانحلال فيها.
ــــــــــ[16]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
أمّا الصورة التي لا إشكال في عدم الانحلال فيها، هو ما إذا فرضنا(1) أنَّ المعلوم بالإجمال، كان مُعنوناً بعنوان غير معلوم الانطباق على المعلوم التفصيليّ، يعني أُخذت فيه خصوصيّة زائدة(2). كما لو علمنا إجمالاً أنَّ زيداً أو عمراً مات بالسرطان، بحيث إنَّ المعلوم بالإجمال ليس هو طبيعي الموت، بل الموت بالسرطان، ثُمّ علمنا تفصيلاً بأنَّ زيداً مات، من دون أنَّ نعلم أنّه مات بالسرطان. هنا لا إشكال في عدم الانحلال، حتّى عند المدرسة القائلة بالانحلال. وهذا ممّا لا إشكال فيه، فإنّه لا يُعلم انطباق القيد المأخوذ في العلم الإجمالي على شخص المعلوم التفصيلي.
الصورة الثانية: ما أن أفرض أنَّ العلم التفصيلي كان في مقام تعيين المعلوم بالإجمال. أنَّ ابن زيد مات، ولا ندري أنَّ ابن زيد هل هو عمرو أو خالد، ثُمّ علمنا تفصيلاً أنَّ ابن زيد هو عمرو. فهذا العلم التفصيلي لا إشكال أنّه يوجب انحلال العلم الإجمالي، -حتى عند المدرسة المنكرة للانحلال- لأنّه في مقام تعيين المعلوم بالإجمال. هذا أيضاً خارج عن محلّ الكلام.
وإنّما محلّ الكلام، فيما فُرِض أنَّ المعلوم الإجمالي لم تُؤخذ فيه خصوصيّة زائدة، بل كان المعلوم الإجمالي صرف موت أحد هذين الشخصين. ولم يكن
ــــــــــ[17]ــــــــــ
(1) إنَّ المعلوم بالإجمالي أُخذت فيه خصوصيّة زائدة، لم تأُخذ في العلم التفصيليّ، (المحاضرة). (المُقرِّر).
(2) يعني: لم يكن العلم التفصيليّ مشتركاً مع العلم الإجمالي بالخصوصية التي أخذت فيه. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
العلم التفصيلي في مقام تعيين المعلوم بالإجمال، بل كان أيضاً في مقام بيان موت أحد الشخصين بعينه. كما لو كنّا نعلم إجمالاً بموت أحد الشخصين لا بعينه، ونعلم تفصيلاً بموت هذا الشخص بعينه(1)، فهل ينحلّ الأوّل بالثاني أو لا ينحلّ؟
هذا أحد موارد الخلاف الشديدة بين مدرسة المحقّق العراقي ومدرسة المحقق النائيني حيث إنَّ مدرسة النائيني بانيّة على الانحلال بخلاف مدرسة المحقّق العراقي.
وجوه تقريب انحلال العلم الإجمالي
وحاصل ما يقال في مقام تقريب الانحلال، وتوجيه انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي أحد وجوه:
الوجه الأوّل: الانحلال بالدوران بين الأقلّ والأكثر
هو مقايسة المقام بباب الأقلّ والأكثر، وجعله من موارد الدوران بين الأقلّ والأكثر، الذي لا إشكال في الانحلال فيه.
فإنّه في باب الأقلّ والأكثر الاستقلاليّين، نعلم إجمالاً بوجوب قضاء يوم من شهر رمضان -مثلاً- ونشكّ بوجوب قضاء يوم آخر وعدم وجوبه. هنا، لا إشكال ولا ريب هو أنَّ النتيجة هو الانحلال، فإنّنا لا نزعم أنَّ لدينا علماً إجماليا، أمّا بالواحد أو الاثنين، بل نقول: إنَّ هذا العلم الإجمالي قد ذاب وتلاشى، بسبب العلم التفصيليّ بالواحد، حينئذٍ يكون قضاء اليوم الأول
ــــــــــ[18]ــــــــــ
() واحتملت أن المعلوم بالتفصيل هو نفس ذاك المعلوم بالإجمال. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
معلوما تفصيلاً، وقضاء اليوم الثاني مشكوكّا بدوياً. وهذا أمر مسلّم لم يستشكل فيه عاقل.
فيقاس الباب بذلك المقام، ويجعل من مصاديقه. ويقال: إنّه بحسب الدقّة محلّ الكلام الأقلّ والأكثر؛ إذ لو حسبنا حساب هذين العلمين في المقام، نرى أنّه من باب دوران الأمر بين الأمرين الأقلّ والأكثر في الموتى، حيث واحد متيقّن ويُشكّ في الميت الآخر، فيرجع علم تفصيليّ بالأقلّ وشكّ بدوي في الزائد(1).
فالأمر زائد بين احتراق كتاب أو كتابين، فهذا من دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر بلا إشكال(2).
جواب الوجه الأوّل
ولكن هذا البيان غير صحيح، فإنَّ محلّ الكلام لا يرجع بالدقّة إلى دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر؛ فإنّه في باب الأقلّ والأكثر من أوّل الأمر لا يوجد علمان ينحلّ أحدهما بالآخر، أحدهما علم إجمالي بالأقلّ أو الأكثر والآخر تفصيليّ بالأقل، فينحلّ الإجمالي بالتفصيليّ. بل الذي يوجد من أوّل الأمر، علم
ــــــــــ[19]ــــــــــ
() وهنا قال سيدنا الأستاذ: أنا إنّما أمثّل بباب الموت لنُكتة؛ لأنّي أريد أنَّ أمثّل لشبهة، لا يتحمل كلّ طرف من أطراف العلم الإجمالي فيها فردين من المعلوم، فإنَّ زيداً لا يمكن أن يموت مرّتين. بخلاف ما إذا مثلّنا بوقوع قطرة من البول في أحد الإناءين، فقد تقع قطرتان. ثُمّ مثّل باحتراق الكتابين. (المُقرِّر).
(2) انظر: نهاية الأفكار 3: 250.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
واحد وهو علم تفصيليّ بالأقلّ، وشكّ بدوي في الزائد. بخلاف المقام، فإنّه هنا يوجد علمان بالدّقة، علم إجمالي باحتراق أحد الكتابين -علم بالجامع-، وعلم تفصيليّ بالأوّل منهما، ويقع الكلام في أنَّ هذا العلم الإجمالي ينحلّ بالتفصيلي أو لا؟
وبرهان وجود العلم الإجمالي هنا بخلافه هناك، وأنّه لا يوجد هناك إلَّا علم واحد. وهو: أنّه لو فرضنا في باب الأقلّ والأكثر أنَّ هذا المؤمن زال علمه بالأقلّ -وهو قضاء اليوم الأوّل من شهر رمضان في المثال- لو زال من نفسه العلم بالأقلّ لم يبقَ عنده علم أصلاً. لم يبقَ عنده لا علم تفصيليّ ولا إجمالي، بل يبقى عنده أمران مشكوكان بدويان: أحدهما اليوم الأوّل، والآخر اليوم الثاني.
بخلافه في المقام، لو لم يرَ بأمّ عينيه بأنَّ الكتاب الأوّل يحترق(1) يبقى عنده علم إجمالي بالجامع، بأنَّ أحد الكتابين قد احترق. في المقام لو فُرِض عدم علمه باحتراق الكتاب الأوّل، الذي هو الأوّل بحسب المقايسة، لبقي له علم إجمالي آخر باحتراق أحد الكتابين.
وهذا كاشف قطعيّ، على أنّه في المقام يوجد وراء العلم التفصيليّ باحتراق الكتاب الأوّل، علم آخر. بخلافه هناك، لا يوجد وراء علمه بالأقل علم آخر. فالعلم من موارد الأقلّ والأكثر واحد ذاتاً، لا واحد انحلالاً. وأمّا هنا فالعلم متعدّد ذاتاً، وإنّما الكلام أنّه بالانحلال هل يتّحدّ أو لا يتحدّ؟
إذن، فلا يمكن أن يقاس المقام بذلك الباب؛ إذ الانحلال هناك سالبة
ــــــــــ[20]ــــــــــ
(1) يعني: لو زال العلم التفصيلي المتعلّق بأحد الطرفين. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بانتفاء الموضوع؛ إذ لا يوجد هناك علم آخر. أمّا هنا بعد أن نثبت وجود علمين، حينئذٍ نطالب بالبرهان أو الوجدان المقتضي لانحلال أحد العلمين بالآخر. يقع البحث في أنَّ هذا العلم الإجمالي المستتر هل هو معدوم ومنحلّ حقيقة في ظل العلم التفصيليّ، أو هو موجود إلى جانب العلم التفصيلي؟
الوجه الثاني: تقريب المحقّق النائيني ومدرسته للانحلال
وهو الوجه الذي يشيع في تحقيقات مدرسة الميرزا.
وحاصله: هو أنَّ العلم الإجمالي المتعلّق باحتراق أحد الكتابين، قد تعلّق بجامع مأخوذ بنحو صرف الوجود. بمعنى أنَّ منطلق العلم الإجمالي هو احتراق واحد من الكتابي، دون هذا بعينه ولا ذاك بعينه. والمفروض أَّن هذا الجامع مأخوذ بنحو صرف الوجود لم تؤخذ فيه أيّ خصوصيّة زائدة على عنوان أحدهما -زائدة على عنوان موت أحدهما- كالموت بالسرطان أو بالحريق، المفروض أنّها لم تؤخذ بحسب ما هو محلّ البحث، بل المتعلّق هو صرف عنوان أحدهما.
وحينئذٍ فهذا الجامع يتعيّن انطباقه جزماً على المعلوم التفصيلي وهو احتراق الكتاب الأوّل، إذ يستحيل عدم انطباقه بعد فرض أنّه لم يؤخذ فيه خصوصيّة تأبى عن الانطباق عليه. على حدّ كلّ كلّي على مصداقه، فأنّ احتراق الكتاب الأوّل مصداق لعنوان احتراق أحدهما بلا اشكال؛ إذ لم يؤخذ في عنوان أحدهما خصوصيّة كالسرطانية، أو الاحتراق بالكهرباء، بحيث تأبى عن الانطباق على احتراق الكتاب الأوّل. إذن، فهذا الكلّي ينطبق على هذا الفرد الأوّل جزماّ.
ــــــــــ[21]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وبعد فرض انطباقه على الفرد الأوّل، يستحيل أن ينطبق على الفرد الثاني، وهو الكتاب الآخر؛ وذلك لأنّ هذا الجامع مأخوذ بنحو صرف الوجود، لا بنحو الكلّي الطبيعي: يعني مأخوذاً بنحو مفاد النكرة، لا بنحو مفاد اسم الجنس.
فإنَّ الكلّي إذا لاحظناه بنحو مفاد اسم الجنس، فهو قابل للانطباق على الواحد وعلى الكثير، يقول: (كرّم الله الإنسان)، فهنا عنوان الإنسان ينطبق على تمام الأفراد، إلَّا انّه مدلول اسم الجنس، وأخرى مدلول النكرة وهو صرف الوجود (جاء رجل)، (أكرم عالماً). ومفهوم النكرة حيث أّخذ فيه صرف الوجود وقيد الوحدة، فيستحيل أن ينطبق على فردين في عرض واحد؛ لأنَّ الواحد يستحيل أن يكون اثنين. إذن، فانطباق اسم النكرة على فردين في عرض واحد محال.
والعلم الإجمالي دائماً يتعلّق بمفاد اسم الجنس؛ لأنَّ المعلوم هو الواحد من الأطراف بنحو مردّد، لا المعلوم هو كلا الطرفين. وحتّى لو فرضت أنَّ كلا الطرفين كانا في الواقع محترقين، أو ميتين، مع هذا معلومي لا يزيد على الواحد. إذن، فمتعلّق العلم مأخوذ بنحو مفاد اسم النكرة يعني: صرف الوجود وعنوان الواحد.
وحينئذٍ فهذا يستحيل انطباقه على الفرد الثاني في عرض انطباقه على الفرد الأوّل، وقد فرضنا أنّه قد انطبق على الفرد الأوّل.
إذن، فلم يبقَ لدينا علم جامع نحتمل انطباقه على هذا، وعلى ذاك، بل
ــــــــــ[22]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
علم بجامع نعلم بانطباقه على الأوّل، ونعلم بعدم انطباقه على الثاني. إذن، فالعلم الإجمالي في المقام يكون منحلاً.
احتمال انطباق العلم الإجمالي(1) على الفرد الأوّل زال في المقام، وتبدّل إلى العلم بالانطباق، نفس الشي الذي كنّا نحتمله لولا العلم التفصيلي، الآن صرنا نجزم به، وذلك؛ لأن الجامع لم تؤخذ فيه خصوصية تأتى عن الانطباق على الفرد الأوّل. فالفرد الأوّل معلوم المصداقيّة للجامع، فاحتمال الانطباق تبدّل إلى العلم به. وحيث إنَّ هذا الجامع مأخوذ بنحو صرف الوجود، فيستحيل أنَّ ينطبق على الفرد الثاني في فرض انطباقه على الفرد الأوّل. إذن، فقد خرج هذا الجامع عن حدّ الإجمال والتردّد بين هذين الفردين، وتعيّن في أحد الفردين تعيّناً يأبى عن تعيّنه في الفرد الأوّل، وهذا معنى انحلال العلم الإجمالي.
[حاصل تقريب الشيخ النائيني(2)]
التقريب الثاني للانحلال: ما يتحصّل من كلمات مدرسة(3) النائيني.
وحاصله: يتوقّف على بيان ما هو أركان العلم الإجمالي. لكن نعرف إنَّ العلم التفصيلي هل يهدم أحد هذه الاركان أو لا؟ فإن كان يهدم واحداً منها،
ــــــــــ[23]ــــــــــ
() وهنا أعاد المطلب وقال فيما قال: احتمال انطباق العلم الإجمالي… (المُقرِّر).
(2) بعد أن ذكر عنوان المسألة هو الانحلال الحقيقي ولخّص الوجه الأوّل للانحلال قال: التقريب الثاني للانحلال:… (المُقرِّر).
(3) قال سيدنا الأستاذ: هذا الوجه متصيّد من كلمات الميرزا والسيد الأستاذ ومما أضفناه نحن أيضاً، لذا نسبناه إلى مدرسة النائيني لا إلى شخصه. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فهو معنى الانحلال، وإن كان لا يهدم واحداً منها، فهو معنى عدم الانحلال.
[الامر الأول: أركان العلم الإجمالي]
العلم الإجمالي له ركنان أساسيان(1) :
الركن الأوّل: هو العلم بالجامع وبذلك يمتاز عن العلم التفصيلي؛ لأن العلم التفصيلي بزيد -مثلاً- هو علم الفرد وأمّا العلم الإجمالي بإنسان في المسجد، فهو علم متعلّق بالجامع.
الركن الثاني: هو أن تكون احتمالات الانطباق والشكوك بعدد أفراد هذا الجامع المعلوم. فلو فرضنا أنَّ العلم الإجمالي تعلّق بين فردين، فالركن الثاني هنا هو: أنَّ يوجد احتمالان للانطباق: احتمال للانطباق على الفرد الأوّل، وعلى الثاني. وبهذا الركن الثاني أمتاز العلم الإجمالي عن العلم بالجامع المحفوظ في ضمن العلم التفصيلي دائما؛ لأنَّ كلّ من يعلم تفصيلاً بالفرد، فهو يعلم أيضاً بالجامع لامحالة؛ لأنَّ الجامع موجود في ضمن الفرد. فمن يعلم بوجود زيد في المسجد يعلم لا محالة، بوجود إنسان فيه. إلَّا أنَّ العلم الإجمالي المحفوظ في ضمن العلم التفصيلي، ليس علماً إجمالياً؛ لأنَّ العلم الإجمالي يمتاز بهذا الركن الثاني، وهو: أن يكون فيه احتمالات الانطباق بعدد الأفراد المُتصوّرة لذلك الجامع. فإذا علم بوجود زيد في المسجد، فهو وإن كان يعلم بوجود جامع الإنسان فيه، لكن ليس عنده احتمال انطباقه على زيد، بل عنده علم بالانطباق. فليس عنده احتمالات الانطباق بعدد الأفراد. بخلاف العلم الإجمالي بالجامع
ــــــــــ[24]ــــــــــ
() إذا انهدم أحدهما ينهدم العلم الإجمالي. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بين زيد وعمرو. فإنَّ فيه احتمالات الانطباق بعدد الأفراد المُتصوّرة له.
فهذان ركنان(1) للجامع: أحدهما العلم بالجامع، والآخر احتمالات الانطباق بعدد أفراده.
[كلام في حقيقة الركنين]
وبحسب الحقيقة إنَّ هذين الركنين مرجعهما إلى نُكتة واحدة، لا أنهما ركنان عرضيان، وهذه النُكتة الواحدة المقوِّمة لحقيقة العلم الإجمالي وهي: أنَّ العلم الإجمالي يتعلّق بالجامع بحده الجامعي، والمعروض للعلم الإجمالي بما هو بشرط لا، أي: بما هو غير قابل للتحدّد بحدّ أخصّ منه. وهذا معنى أنَّ العلم الإجمالي يقف على الجامع بحدّه، ولا يسرى إلى حدّ آخر من الحدود الأخص التي تعيّن ذلك الحدّ الأعمّ(2).
ــــــــــ[25]ــــــــــ
() والركن الثاني يزول ببركة العلم التفصيلي؛ إذ لا يبقى معه احتمال الانطباق ويتبدّل إلى العلم بالانطباق، فإن الجامع المعلوم إجمالاً معلوم الانطباق على هذا الإناء فيزول الركن الثاني للعلم الإجمالي، فتزول هوية العلم الإجمالي وهو معنى انحلاله. (المُقرِّر).
(2) وهذا هو فرقه عن العلم التفصيليّ، والعلم بالجامع المحفوظ في ضمن العلم التفصيليّ؛ لأنَّ كلَّ من علِم تفصيلاً بالفرد علِم أيضاً بالجامع، لكن علمه به لا يقف على الحدِّ الجامعي، بل يسري منه إلى الحدِّ الأنزل منه، فهو علم بالجامع (بشرط شيء). وأمّا العلم الإجمالي فهو علم بالحدِّ الجامعي بما هو حدّ جامعي، أي: (بشرط لا)، ولا يسري إلى الحدود الشخصيّة. (المُقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
العلم الإجمالي بوجود أحد الأخوين، هو علم بالجامع بين الأخوين بحدّه الجامعي الذي يُنتزع منه حكم العقل بقابلية الانطباق على أكثر من واحد. فذاك الحدّ الذي هو منشأ انتزاع هذه القابليّة هو معروض العلم الإجمالي، مأخوذ بشرط لا -طبعاً-؛ لأنَّ هذا الحدّ بما هو حدّ يستحيل أن يُحفظ في ضمن ما هو أضيق منه، أي: في ضمن الفرد، وإلاَّ للزم أن يكون الفرد قابل للانطباق على كثيرين، مع أنّه محال.
فهذا العلم الإجمالي بحسب الحقيقة، عرض، ومعروضه هو الجامع بحدّه الجامعي الذي هو منشأ انتزاع قابليّة الانطباق على كثيرين، يعني منشأ انتزاع عنوان الكليّة. بذلك الحدّ يكون معروضاً للعلم ويقف العلم على هذا الحدّ؛ لأنّه معروض للعلم بشرط لا. ويستحيل أن يسرى العلم منه إلى حدّ آخر أضيق منه وأخصّ.
هذا هو حقيقة العلم الإجمالي، وهي تستبطن كلا الركنين.
فإنّنا إذا قلنا: إنَّ العلم الإجمالي هو العلم بالجامع بحدّه أي: مأخوذ بشرط لا. فهذا الحدّ واجد لكلا الركنين، فأولاً هو جامع؛ لأنَّ المفروض أنَّ معروض العلم هو منشأ انتزاع عنوان الكليّة، وهو جامع على كلّ حال. ومن ناحية أخرى يلزم منه قهراً احتمالات الانطباق والشكوك فيه.
إذ بعد فرض أنَّ العلم الإجمالي يعرض لحدّ الجامعي، بما هو جامعي ويقف عنده، ويكون هذا الحدّ الجامعي معروضاً للعلم بشرط لا، يعني: بشرط أن لا يسري إلى حدّ بعده أضيق منه. فمعنى هذا أنَّ الحدود الخاصّة التي وراء هذا الحدّ الجامعيّ، والّتي هي قابلة لأن تعيّنه وتخصّصه وتحصّصه، تلك الحدود
ــــــــــ[26]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
كلّها خارج منطقة العلم. ومعنى أنّها خارج منطقة العلم يعني: أنّها مشكّوكة، فيلزم من عروض العلم على هذا الحدّ الملحوظ بهذا اللحاظ هو خروج الحدود الأخرى التي هي حدود الأفراد عن منطقة العلم، وهذا معناه احتمالات الانطباق بعدد أفراد الجامع.
أمّا لو فُرِض أنَّ واحداً من هذه الحدود الأخصّ، لم يكن الشكّ في الانطباق فيها، بل كان العلم بالانطباق فيها. فمعنى هذا أنَّ العلم الإجمالي لم يقف على الجامع بحدّه الجامعي، بل سرى منه إلى متعيِّن هذا الحدِّ وحصّة منه. وحينئذٍ يصبح العالم بالجامع هنا، هو العلم بالجامع المحفوظ في ضمن العلم التفصيلي دائماً، لا علم إجمالي.
فالعلم الإجمالي تمام حقيقته هو عرَض يعرض للحدّ الجامعي المأخوذ بشرط لا، يعني: يقف عليه بما هو حدّ جامعي، فيكون معروض العلم نفسه معروض الكليّة. فكما يستحيل أن تسري الكلية -التي تعرض للكلّي الطبيعي بما هو جامع- إلى الفرد، يستحيل أن يسري العلم إلى الفرد. غاية الفرق بين الكليّة والعلم: أنَّ الكليّة تعرض للحدّ الجامعيّ بما هو حدّ ذهنيّ وقائم في الذهن. وأمّا العلم فيعرض للحدّ الجامعيّ بما هو مرآة للخارج وكاشف عنه. وبما أنّه يرى به -بالنظر التصوّري- الخارج(1)، ولهذا اعتُبِرت الكليّة أمراً ذهنياً صرفاً، لا يوصف بها الأمور الخارجية، وأمّا العلم فيوصف به الأمر الخارجي، فيقال: وجود زيد معلوم عندي.
ــــــــــ[27]ــــــــــ
() ولكن من حيث العروض لا فرق بينهما. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فإذا اتّضحت هذه المقدمة. فيقال حينئذٍ:
[الأمر الثاني: في هدم العلم التفصيلي لأحد الأركان أو لا]
إنّا في المقام نعلم إجمالاً باحتراق أحد الكتابين، يعني: نعلم بوجود كتاب محترق، من دون تعيين هذا الكتاب، أن يكون -مثلاً- كتاب جغرافيا أو هندسة. نعلم بهذا العنوان الكلّي بحدّه الجامعي. ثُمّ علمنا أنَّ كتاب الهندسة احترق بحسب الخارج.
فهنا نقول: بأنَّ هذا العلم التفصيلي باحتراق كتاب الهندسة بحسب الخارج، يهدم الركن الثاني من ركني العلم الإجمالي؛ لأني الآن وإن كنت أعلم بالجامع، وأستطيع الآن أن أقسم بالله أنَّ هناك كتاباً محترقاً. ولكن الركن الثاني وهو احتمالات الانطباق بعدد أفراد العلم الإجمالي غير موجود.
وذلك؛ لأنّه بعد أن بيّنا أنَّ العلم الإجمالي يقف على الحدّ الجامعي ولا يسري إلى الحدود الأخصّ(1) منه، حينئذٍ، يُعرف أنَّ الفرد الخارجي المطابق للعلم الإجمالي، وهو بحسب الحقيقة، يكون مطابقاً ذاتاً للمعلوم بالإجمال للصورة الذهنيّة القائمة في أفق العلم الإجمالي، لا مطابقاً ذاتاً وحدّاً. وهذا هو فرق العلم الإجمالي عن العلم لتفصيلي من حيث المطابق الخارجي؛ فإنّ المطابق الخارجيّ للعلم التفصيليّ، هو مطابق للمعلوم التفصيليّ، يعني للصورة التفصيليّة المعلومة بالذّات القائمة في أفق النفس، مطابق لها ذاتاً وحدّاً. وأمّا المطابق الخارجي للعلم
ــــــــــ[28]ــــــــــ
() وذلك لقصور في المنكشف؛ لأنه لم ينكشف أكثر من هذا المقدار ولهذا وقف عليه لا محالة. فإذا زاد المنكشف زاد العلم لا محالة، وصار علماً تفصيليّاً. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الإجمالي فهو مطابق ذاتاً لا حدّاً. ومعنى ذلك أنّه مصداقه.
وحينئذٍ فاحتمال الانطباق الذي فرضناه ركنا ثانياً(1) للعلم الإجمالي هو عبارة أخرى عن كون هذا مصداقاً له. عبارة عن احتمال أن يكون هذا الفرد مصداقاً للمعلوم. يعني مطابقاً له ذاتاً وإن اختلف معه حدّاً. لا احتمال أن يكون هو هو؛ وإلاَّ فإنّه يستحيل المطابقة الحدّية بين الأمرين الخارجيّ والمعلوم بالإجمالي.
فإذا عرفنا الركن الثاني وهو احتمال الانطباق معناه احتمال مصداقيّة هذا الطرف للجامع، وذلك الطرف أيضاً. يعني احتمالات المصداقية للجامع المعلوم بعدد أفراد العلم الإجمالي.
إذا عرفنا هذا المطلب نقول: إنّه هنا لا يوجد احتمال المصداقية، بالنسبة إلى كتاب الهندسة، الذي نعلم تفصيلاً أنّه احترق، بل تبدّل احتمالنا بالعلم بالمصداقية(2)، فانهدم بذلك الركن الثاني للعلم الإجمالي.
وهذا -بحسب الحقيقة- مرجعه(3) إلى أن العلم الإجمالي الذي كان واقفاً على
ــــــــــ[29]ــــــــــ
() وعليه، يتبيّن أن معنى الركن الثاني وهو احتمال الانطباق هو احتمال المصداقية. وأنه يوجد احتمالات مصداقيّة أطراف العلم الإجمالي للجامع، بعدد ما له من أطراف، (محاضرة غد). (المُقرِّر)..
(2) إذ لا شكّ أنّه مصداق لكلّي الكتاب المحترق، (محاضرة غد). (المُقرِّر).
(3) مرجع هذا الكلام بالدقّة إلى أنَّ العلم بالجامع بحدّه الجامعيّ يتبدّل إلى العلم بالجامع، لا بحدّه الجامعي، بل بحدّ خاص يُضاف إليه وهو حدّ الكتاب الهندسي، فيخرج عن كونه علماً إجماليّاً؛ لأنّا بيّنا أنَّ العلم الإجمالي هو العلم الذي يعرض على الحدّ الجامعي المأخوذ (بشرط لا)، فلو عرض له مأخوذاً له (بشرط شيء)، ومضافاً إليه حدّاً آخر من الحدود الجزئية والشخصيّة لا يكون علماً إجمالياً. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الحدّ الجامعيّ، سرى إلى حدّ أخصّ منه. ألم يكن واقفاً إلى الحدّ الجامعي وهو عنوان كتاب محترق، والآن سرى إلى كتاب هندسي محترق -إلى حدّ أخصّ منه- فهنا الركن الثاني للعلم الإجمالي غير موجود، فينحلّ بذلك العلم الإجمالي الخارج.
البدء بالجواب
هذا أحسن ما يمكن أن يُبيَّن به مرام مدرسة المحقّق النائيني في إثبات الانحلال.
هذا البيان كلّه: يتوقف مصيره على هذه النقطة التي سوف أقولها الآن. وهي أنّ هذا الجامع المعلوم بالإجمال وهو كلّي الكتاب المحترق، هل أُخذ فيه خصوصيّة بها يحتمل إباءه عن الانطباق على الطرف المعلوم تفصيلاً، وهو الكتاب الهندسي، أو لم تؤخذ به خصوصيّة بها يُحتمل إباؤه.
إن فرض أنّه أُخذ فيه خصوصيّة، بتلك الخصوصيّة، يُحتمل إباؤه عن الانطباق على(1) الطرف المعلوم تفصيّلاً، كخصوصيّة أن يكون الاحتراق بالكهرباء. كما لو كنّا نعلم إجمالاً بوجود كتاب محترق بالكهرباء، ونعلم تفصيلاً بأنَّ كتاب الهندسة احترق، لكن لا ندري أيّ شيء، فهنا العلم التفصيليّ لا يهدم(2) الركن الثاني للعلم الإجمالي؛ لأنّه حتى الآن، نشكّ أنَّ الكتاب الهندسي
ــــــــــ[30]ــــــــــ
() ومباينتها للحد المعلوم تفصيلاً. (المُقرِّر).
(2) فأنّه مع احتمال المباينة في الحدود كيف يسري العلم من أحد الحدّين إلى الحدّ الآخر، فإنّ العلم إنّما يسري من الحدّ العام إلى الحدّ الخاص، لا من أحد الحدّين المتباينين إلى الحدّ الآخر المباين. إذن، فالعلم يقف على حاله، ويكون العلم الإجمالي ثابتاً. (المُقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
مصداق للجامع المعلوم بالإجمال أو لا؛ لأنَّ الجامع المعلوم بالإجمال أُخذت فيه خصوصيّة(1)، لا يُعلم أنّها هل تأبى أو لا تأبى عن الانطباق على احتراق الكتاب الهندسي. إذن، فاحتمال المصداقيّة حتّى في الطرف المعلوم تفصيّلاً موجود. إذن، فالركن الثاني محفوظ، وهذا الانحلال صورة لا واقع لها.
وأمّا لو فُرِض أنَّ الجامع المعلوم بالإجمال لم يكن قد أُخذ فيه زائداً على طرف الحدّ الجامعي أيّ خصوصيّة يحتمل إباؤها عن الانطباق على هذا الفرد المعلوم تفصيلاً. فحينئذٍ يستحيل أن يبقى بعد هذا شكّ في مصداقيّة هذا الطرف المعلوم تفصيلاً للجامع. إذ بعد فرض أنَّ الجامع ليس آبياً عن الانطباق على هذا جزماً كيف يُشكّ في مصداقيّة هذا الفرد للجامع. إذن، فيُعلم بأنَّ هذا مصداق للجامع، فينهدم الركن الثاني، وهو: الشكّ في المصداقيّة.
إذن، فهذا الوجه بعد هذا التحليل، يرجع إلى هذه النُكتة: أنَّ نعرف أنَّ الجامع المعلوم بالإجمال هل أُخذِت فيه خصوصيّة، بها يأبى ولو احتمالاً، أو يُحتمل إباؤه عن الانطباق المعلوم بالتفصيل. فحينئذٍ احتمال المصداقيّة نفيّاً وإثباتاً محفوظ في كلا الطرفين. أو لم تؤخذ فيه خصوصيّة(2) ومحتمل الإباء. إذن،
ــــــــــ[31]ــــــــــ
() وهي الاحتراق بالكهرباء، (المحاضرة). (المُقرِّر).
(2) وسوف نتوصّل إلى وجود هذه الخصوصيّة، وهي خصوصيّة عنائية دقيّة، إلا أنّها بوجود الارتكازي تحفظ العلم الإجمالي في الذهن عن الانحلال، ما لم يحصل ملاك آخر للانحلال. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فاحتمال المصداقيّة والشكّ فيها في الكتاب الهندسي غير موجود. فإذا لم يكن ينهدم الركن الثاني. ويكتشف بذلك أنَّ العلم الإجمالي الذي كان واقفاً على الحدّ الجامعي بشرط لا، تبدّل إلى علم واقف على الحدّ الجامعيّ بشرط شيء، أي بشرط انضمام حدّ آخر أخصّ منه إليه، وهذا العلم التفصيليّ الإجمالي، فيكون العلم الإجمالي قد انعدم في المقام.
فبحسب الحقيقة ينبغي التركيز على هذه الناحية، وهي: الناحية التي لم يُركَّز عليها في مقام البحث البرهاني لكلا المدرستين(1): لا مدرسة الميرزا؛ لأنّها وقفت إلى هنا في مقام البيان، ولا مدرسة العراقي ركَّزت على هذه الناحية أيضاً؛ لأنّها غاية ما تصدّت للجواب عن هذا البيان:
إنّها قالت: بأنَّ الجامع المعلوم بالإجمال محتمّل الانطباق وجداناً على الكتاب الآخر غير الهندسي، فإنّى بالوجدان احتمل أنَّ الكتاب غير الهندسي محترق، فعنوان غير المحترق محتمل الانطباق على الآخر، واحتمال الانطباق لازم للعلم الإجمالي، فنستكشف من وجود اللازم وجود الملزوم لا محالة.
[وتحقيق الحال في كلا المدرستين]
هذا الكلام أيضاً غير كافٍ في المقام؛ وذلك لأنَّ هذه المدرسة إن أرادت بالبرهنة على بقاء العلم الإجمالي من ناحية بقاء احتمال الجامع على الكتاب غير
ــــــــــ[32]ــــــــــ
() وكأنّه اكتفى بالارتكاز والوجدان في هذا المقام. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الهندسي -إن أرادت بذلك أنَّ مجرّد احتمال مصداقيّة ذلك الطرف للجامع يكفي في بقاء العلم الإجمالي، وإن زال احتمال المصداقيّة في هذا الطرف- فهذا غير معقول؛ وذلك لأنَّ معنى زوال احتمال المصداقيّة في هذا الطرف: أنَّ الجامع المعلوم لم يؤخذ فيه خصوصيّة تأبى عن الانطباق على هذا الطرف. إذن، فيكون العلم بالإجمال قد سرى إلى الحدّ الآخر، الذي هو أخصّ منه؛ لأنَّ الحدّ العموميّ لم يؤخذ فيه خصوصيّة تأبى عن أن يتحدّد بالحدّ الآخر الأخصّ منه، ومعناه: أنَّ العلم الأوّل أُضيف إليه حدّ جديد، كنّا نعلم بحدّ واحد، والآن صرنا نعلم بذلك الحدّ زائداً عليه تحدداً آخر. إذن، يستحيل بقاء العلم الإجمالي.
وإن فرضنا أنَّ مراد المحقّق العراقي في التمسّك باحتمال الانطباق هنا استكشاف أنّه كما أنَّ احتمال الانطباق هنا موجود، كذلك هو موجود في الطرف المعلوم تفصيلاً. فهذا المطلب يتوقّف على تحقيق النُكتة التي قلناها، وهو: أن نرى أنَّ الحدّ الجامعيّ هل أُخذت فيه خصوصيّة محتملة الإباء عن الانطباق على الحدّ الأخصّ، وهو الهندسة؟
إن فُرِض أنّه أُخذت فيه مثل هذه الأخصيّة، فحينئذٍ، احتمال الانطباق في كلّ منهما موجود، وهو واضح في كلّ منهما، والعلم الإجمالي باقٍ بلا إشكال، وإن لم يؤخذ في الحدّ الجامعيّ خصوصيّة تأبى، ولّد احتمالاً عن التحدّد بحدٍّ آخر أضيق منه. فلا محالة يُضاف الحدّ الثاني إلى العلم.
وبذلك يصبح عندنا علم بالجامع المتحدّد بالحدّين: الحدّ الجامعيّ والحدّ الخاص، واحتمال الانطباق في ذلك الطرف لا يكفي في مقام إبقاء العلم الإجمالي؛ لأنَّ العلم الإجمالي هو العلم بالجامع، لا كلّ علم بالجامع، بل علم
ــــــــــ[33]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بالجامع الواقف على حدّه الجامعيّ المأخوذ بشرط لا، كما بيّنا. وفي المقام لم يقف على حدّه الجامعيّ المأخوذ بشرط لا.
إذن، فهذه النُكتة هي ما وصل إليها المثبتون والنافون، لكن لم يتوصّلوا لها مباشرة إثباتاً ونفيّاً، وحلّ المطلب أن نتكلّم فيها.
ومن هنا يظهر أنَّ تقريب الانحلال بدعوى: أنَّ الإجمال والتردّد في عالم النفس قد زال، وأنَّ القضيّة المنفصلة لا يمكن تشكيكها، بأنَّ يقال: إمّا هذا محترق، وإمّا هذا محترق، مع تقوّم العلم الإجمالي بالقضيّة المنفصلة، كما كان يقول السيّد الأستاذ في مجلس الدرس.
كلّ هذا أمور ثانوية، لا تمسّ جوهر المطلب. متى قال بأنّ الإجمال زال، والتردّد زال، وأنَّ القضيّة المنفصلة لا يمكن عقدها في المقام.
كلّ هذه المطالب إثباتا ونفياً فرع تحقيق تلك النُكتة: أنّه كان الجامع المعلوم بالإجمال أُخذِت فيه خصوصيّة محتملة الإباء عن الانطباق على الكتاب الهندسي. إذن، فالاحتمال موجود، والتردّد موجود، والقضيّة المنفصلة منعقدة في عالم النفس؛ إذ نقول: إنَّ الكتاب المحترق بالكهرباء هو إمّا هذا، وإمّا هذا. وإذا فُرِض أنّه لم يؤخذ فيه خصوصيّة هكذا. إذن، فهذا هو ملاك الانحلال، وانتفاء التردّد والإجمال، وانتفاء تشكّل القضية المنفصلة، كلّه من توابع نُكتة الانحلال. فلا بدَّ بالنتجية من التفتيش عن هذه النُكتة.
أن نرى: أنّه هناك وجداناً أو برهاناً، قاضٍ بأنَّ المعلوم بالإجمال أُخذ فيه، أو لم يؤخذ خصوصيّة تأبى احتمالاً عن الانطباق أو لا.
ــــــــــ[34]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وسوف نحلّ ذلك برهاناً، ونثبت أنّه هذا فيه خصوصيّة تأبى عن الانطباق.
[تلخيص لما أفادته مدرسة النائيني]
وقلنا: بأنَّ(1) هذا البيان يجب نقل البحث فيه إلى النُكتة الأساسيّة، بمعنى: أنَّ الجامع المعلوم بالإجمال وإن فرضنا أنّه سنخ جامع لم يُؤخذ فيه خصوصيّة محتملة الإباء عن الانطباق على هذا الحدّ الشخصيّ، بل هو جامع مع قابل للانطباق على هذا الحدّ الشخصي، وقابل للتحدّد به. فهنا يتمّ هذا البيان، ويزول العلم الإجمالي حتماً؛ لأنَّ العلم التفصيليّ بهذا الحدّ الشخصيّ هو العلم التفصيلي بأنّ الجامع قد عرض له تحدّد وتحصّص في ضمن هذا الحدّ الشخصيّ، وهذا معنى تبدّل المعلوم من الحدّ الجامعي بشرط لا، إلى الحدّ الجامعي بشرط شيء.
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الحدّ الجامعي ممّا أُخذت فيه خصوصيّة محتملة الإباء عن الانطباق على الكتاب الهندسي، فهنا لا يمكن أن يقال بالانحلال؛ لأنَّ هذا الجامع المتخصّص بهذه الخصوصيّة المحتملة الإباء عن الانطباق على هذا الحدّ الشخصيّ، هذا الجامع بحدّه معروض للعلم والعلم واقف على حدّه ولم يسرِ منه إلى حدّ آخر أقلّ منه؛ لأنَّ هذا الحدّ الشخصيّ -وهو الكتاب الهندسي- لم يحرز العالم بأنّه قابل لأن يكون حداً لذلك الجامع حتّى يسري العلم المتعلّق بذلك الجامع، إلى العلم بتخصّص ذلك الجامع. إذن، فالعلم واقف على ذلك
ــــــــــ[35]ــــــــــ
() بعد أن لخّص بيان مدرسة النائيني للانحلال، قال: وقلنا: بأن… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الجامع بحدّه، فلا يكون العلم الإجمالي منحلاً.
فلا بدَّ من تحقيق هذه النُكتة: وهو أنَّ الجامع مع المعلوم بالإجمال، هل أُخذت فيه خصوصيّة من هذا القبيل(1)؟
الوجه الثالث: في تقريب انحلال العلم الإجمالي اجتماع المثلين
هو أن يقال: بأنَّ العلم الإجمالي، بعد أنَّ تعلّق بالجامع، وعُلم انطباق هذا الجامع على هذا الطرف المعلوم بالتفصيل. فلا محالة يستحيل بقاء العلم الإجمالي مع العلم التفصيليّ، إذ يلزم من بقائهما معاً اجتماع المثلين على موضوع واحد؛ لأن العلم التفصيلي متعلق بهذا الكتاب الهندسي بحسب الفرض، والعلم الإجمالي وإن تعلّق بالجامع، إلَّا أنَّ المفروض أنَّ الجامع انطبق على هذا الفرد جزماً. إذن، فيكون هذا الفرد مطبقاً لعلمين، ومحطّاً لعرضين متماثلين. وهذا مستحيل لاستحالة اجتماع المثلين، فلا محالة لا بُدّ من أن يندكّ العلم الإجمالي في جانب العلم التفصيلي.
[جواب الوجه الثالث]
هذا الكلام غير صحيح؛ وذلك:
أمّا أولاً: فلأنّنا يجب أن نعقّب النُكتة التي ذكرناها فيما سبق، فإنَّ الجامع المعروض للعلم الإجمالي، هل أُخذت فيه خصوصيّة محتملة الإباء عن الانطباق
ــــــــــ[36]ــــــــــ
() وسيأتي تحقيق هذه النُكتة في آخر البحث، بعد بيان تمامّ ما ذكر من الكلمات. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
على هذا الفرد، أو لم تؤخذ؟ إن لم يؤخذ سرى العلم والمتعلّق بالجامع إلى الحدّ الذي بعده لا محالة. أو تبدّل الحدّ البشرط لائي، إلى الحدّ البشرط شيء، وحينئذٍ لا يبقى موجب لأن يبقى العلم الإجمالي نفسه، لا أنَّ زواله بمحذور استحالة اجتماع المثلين، فحتى لو جاز اجتماع المثلين، مع هذا لا موجب لبقاء مثل هذا العلم الإجمالي، لأنَّ وقوفه على الحدّ الجامعي تبدّل وزال بسريانه إلى الحدّ الذي هو أخصّ منه.
ففي مرتبة سريان هذا العلم إلى الحدّ الأخص، يزول العلم الإجمالي، من دون أن تصل النوّبة في المرتبة المتأخّرة إلى ايقاع التزاحم بين العلم التفصيلي، والإجمالي ليقدّم أحدهما على الآخر.
وإذا فُرِض أن الجامع كان متخصّصاً بخصوصيّة محتملة الإباء عن الانطباق على هذا الطرف فلا إشكال حينئذٍ من وجود العلمين معاً. إذ لا يستشكل صاحب هذا الكلام في عدم انحلال العلم الإجمالي لو كان للمعلوم نحو تعيّن. كما لو فُرِض أنّنا علمنا إجمالاً باحتراق كتاب بالكهرباء، وعلمنا تفصيلاً باحتراق الكتاب الهندسي. فهنا لا ينحلّ الأوّل بالثاني؛ باعتبار الخصم. وكلّ ما يجب به هناك عن محذور اجتماع المثلين، نحن نجيب به هنا. على فرض تخصصّ الجامع بخصوصية تأبى ولو احتمالاً عن الانطباق على الطرف المعلوم تفصيلاً.
وأمّا ثانياً: فلأن العلم الإجمالي المتعلّق بالجامع، وإن فُرِض أنَّ الجامع عُلِم بانطباقه على هذا الفرد، ولكن العلم بانطباق الجامع على -بقطع النظر عن
ــــــــــ[37]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
البرهان الذي سبق الانحلال- الفرد وكونه مصداقا للجامع، لا يوجب سريان العلم الإجمالي إلى الفرد، بل العلم وكونه مصداقاً للجامع، لا يوجب سريان العلم الإجمالي إلى الفرد، بل العلم الإجمالي يقف على الجامع دائماً ويستحيل أن يسري إلى الفرد ببرهان: ما بيّناه سابقاً من أنَّ معرض العلم الإجمالي نفس معروض الكلّية، نفس الحدّ الذي ينتزع منه عنوان الكليّة ينتزع منه العلم الإجمالي.
فكما أنَّ الكليّة يستحيل أن تسري إلى أفراد الإنسان بحسب الخارج، وإن انطبق الإنسان عليها، كذلك يستحيل أن يسري العلم الإجمالي إلى أفراد الجامع، وإن انطبق الجامع عليها.
إذن، فلا يلزم من بقاء العلم الإجمالي اجتماع المثلين؛ وذلك لأنَّ العلم التفصيليّ متعلّق بالفرد، والإجمالي متعلّق بالجامع. وما دام موجوداً يستحيل أن يسري إلى الفرد في قوة فنائه وانعدامه، وانحلاله. أمّا مع فرض التحفّظ عليه يستحيل أن يسري إلى الفرد؛ لأنه عارض على الحدّ المعروض بالكليّة، يعني: على الحدّ الجامعيّ بوصفه حدّاً جامعيّاً.
ومن المعلم أنَّ الحدّ الجامعيّ بهذا الوصف، يستحيل أن ينطبق على هذه الأفراد الخارجيّة.
وهنا السؤال: بأنَّ العلم الإجمالي إذا كان يستحيل أن يعرض للفرد الخارجي، بل يقف على الجامع. فمن المعلوم أنَّ الجامع بما هو جامع غير موجود في الخارج، فما معنى أنَّ العلم الإجمالي يقف على الجامع.
ــــــــــ[38]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وجوابه: أنَّ العلم الإجمالي معروضه الحقيقي قائم بعالم النفس. لا في عالم الخارج والجامع بحدّه الجامعيّ قابل للوجود في عالم النفس، وإن لم يكن قابلاً للوجود في عالم الخارج.
فالعلم الإجمالي ككّل علم، له معروضات بالّذات وهو الصورة القائمة في عالم النفس، ومعروض ومنكشف بالعرض وهو الأمر الخارجي الذي يحكي عنه العلم. فحينما نقول: إنَّ العلم الإجمالي يقف على الجامع بحدّه، نقصد بذلك الصورة الذهنية للجامع بحدّه، ومن المعلوم أنَّ الجامع بحدّه له صورة ذهنيّة في عالم النفس، فإنَّ الجامع تارة يؤخذ بشرط لا، وأخرى بشرط شيء، وثالثة يؤخذ لا بشرط. فهذه كيفيات لملاحظة الجامع في عالم الحدّ هنا.
فقوله: إنّه يلزم من عدم الانحلال، اجتماع المثلين، غير صحيح؛ لأنا ما دمنا نتحفظ على العلم الإجمالي، فهو لا ينتقل إلى معروض العلم التفصيلي، ولا ينتقل معروض العلم التفصيلي إليه، بل كلّ يبقى على معروضه.
فهذا الوجه أيضاً لا يرجع إلى محصّل.
الوجه الرابع للانحلال
هو أن يقال: إنَّ العلم الإجمالي له لازم وهو غير موجود في المقام، فنستكشف من عدم وجوده عدم وجود الملزوم. وهذا اللازم هو صدق هذه القضية الشرطيّة المنفصلة: إن [كان] هنا فهو ليس هناك، وإن كان هناك فهو ليس هنا، هذا هو لازم العلم الإجمالي كما صرّح به المحقّق العراقي. وهو
ــــــــــ[39]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
صرح(1) باللازم ولم يصرح بالجزء الثاني من البيان، هو أنّه غير موجود في المقام، فهذا البيان كبيان للانحلال ليس من بيانات المحقّق العراقي.
وهذا اللازم غير موجود في المقام؛ لأنّنا لا تستطيع أن نقول: لو كان الكتاب الجغرافي محترقاً فالكتاب الهندسي غير محترق؛ لأنّ الكتاب الهندسي(2) محترق على كلّ حال، سواءٌ كان الكتاب الجغرافي محترقاً أو لا. إذن، فالازم العلم الإجمالي منتفٍ، وبانتفائه ينتفي الملزوم.
هذا البيان ينشأ من إساءة فهم اللازم؛ لأنَّ مراد المحقّق العراقي من جعل هذه القضيّة الشرطيّة لازماً للعلم الإجمالي لو كان هذا: أنَّ الطبيعي لو وجد هنا فهو معدوم هناك، وبالعكس. فهذا اللازم واضح البطلان؛ لأنّه لا ينطبق على موارد احتمال وجود النجاسة في كلا الطرفين، أو وجود الاحتراق في كلا الكتابين، فهو ليس لازماً للعلم الإجمالي.
وإنّما مراد المحقّق العراقي: إن كان هنا فهو ليس هناك، يعني ما هو المنكشف بالعلم الإجمالي. حيث إن المنكشف يستحيل أن يكون أكثر من واحد، لأنَّ العلم الإجمالي تعلّق بمفاد النكرة لا بمفاد اسم الجنس، فيستحيل أن يكون المنكشف بالعلم الإجمالي الواحد أكثر من واحد -لا أقصد أنّه يستحيل أنَّ نعلم إجمالاً بوجود اثنين في عشرة، بل أقصد من الواحد: أحد الأطراف، سواءٌ كان واحداً في العشرة أو أكثر- فالعلم الإجمالي يستحيل أن ينكشف أكثر من واحد، فنشير إلى
ــــــــــ[40]ــــــــــ
() انظر: نهاية الأفكار 3: 250.
(2) وهو المعلوم تفصيلاً. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
ذلك الواحد المنكشف به، فنقول: ذاك إن كان هناك فهو ليس هنا، وبالعكس(1).
فهذا هو مقصود المحقّق العراقيّ.
فلو صحّ هذا اللازم وأردنا تطبيقه على محلّ الكلام، فلا بُدّ أن نرجع إلى النُكتة الأساسيّة التي ذكرناها أيضاً؛ لأنّه إن فرضنا أنَّ الجامع المعلوم بالإجمال، كان متخصّصاً -لُبّاً وارتكازاً- بخصوصيّة محتملة الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم تفصيلاً، فنقول حينئذٍ: إنَّ اللازم موجود. وهو أن ذاك الجامع المُخصّص بتلك الخصوصيّة، إن كان هناك فهو ليس هنا وإن كان هنا فهو ليس هناك(2) وإن فُرِض أنّه غير متخصّص بخصوصيّة محتملة الإباء عن الانطباق، ومتمحّضاً للحدّ الجامعيّ، فحينئذٍ لا محالة هذا الجامع معلوم الانطباق على هذا(3)، فحينئذٍ يتمّ الانحلال بالوجه الثاني الذي حقّقناه.
فهذا البيان أيضاً لا يرجع إلى محصّل.
ــــــــــ[41]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على سؤال: هو يرى أنَّ العلم الإجمالي يكشف عن الواقع. (المُقرِّر).
(2) ولا نحرز انطباقه على المعلوم تفصيلاً، لأن المفروض تخصص الجامع بخصوصيّة محتملة الإباء عن الانطباق على المعلوم تفصيلاً، ومعناه الشكّ في انطباقه عليه فالقضية الشرطية محفوظة. (المُقرِّر).
(3) فينطبق العلم الإجمالي على العلم التفصيليّ، على القاعدة بلا حاجة إلى استكشاف ذلك من ناحيّة بطلان القضية الشرطيّة. يعني نفس تصوّرنا للعلم الإجمالي يقتضي ذلك حينئذٍ. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
[إجمال القول في الوجوه الأربعة]
وبالتكلّم في هذه الوجوه الأربعة يظهر أنّه لو كان هناك انحلال، فلا بُدّ في إثباته من إثبات تلك النٌكتة، وهي: أنّ الجامع لم يتخصّص بخصوصيّة محتملة الإباء، لو أثبتنا ذلك فالانحلال برهانيّ جزميّ. ولو لم نثبت ذلك فلا يمكن المصير إلى الانحلال.
بعد هذا نتعرّض إلى التقريبات التي ذكرت لعدم الانحلال.
[تقريبات عدم الانحلال]
ويرجع حاصلها إلى ثلاثة:
[التقريب الأوّل: والجواب عنه]
دعوى الوجدان: أنَّ الوجدان شاهد بوجود علمين في المقام، وأنَّ العلم الإجمالي لم ينحلّ بالتفصيلي.
ومن الغرائب، أنَّ الواجدان أدُّعى لكلتا المدرستين، فمدرسة المحقّق النائيني تدّعي الوجدان في الانحلال، ومدرسة المحقّق العراقي تدّعي الوجدان في عدمه، والصحيح على ما يأتي إن شاء الله، هو التفصيل في المقام.
فالوجدان في مورد يقتضي البرهان الانحلال، شاهد على الانحلال. والوجدان في مورد يقتضي البرهان عدم الانحلال، شاهد على عدم الانحلال كما سوف يأتي.
[التقريب الثاني: تقريب المحقّق العراقي]
الّذي ذُكر لعدم الانحلال في المقام. ما ذكره المحقّق العراقي، من أنّنا نثبت
ــــــــــ[42]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بقاء العلم الإجمالي بإثبات لازمه. ولازمه هو احتمال انطباق الجامع على الطرف الاخر، فأنّني بالوجدان احتمل أنَّ عنوان الكتاب المحترق يصدق على الكتاب الآخر. واحتمال الانطباق لازم للعلم الإجمالي، فيستكشف من وجود اللازم وجود الملزوم.
[جواب تقريب المحقّق العراقي]
هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه:
ذلك؛ لأنّه إن أراد -بالبرهنة على عدم الانحلال بالتمسّك باحتمال الانطباق على الطرف الآخر- بذلك الاكتفاء باحتمال الانطباق على الطرف الآخر، وأنَّ مجرّد احتمال انطباق الجامع على الطرف الآخر، هذا يكفي لتثبيت العلم الإجمالي وإثباته. أو أنّه يريد باحتمال الانطباق استكشاف أنَّ احتمال الانطباق في الطرف المعلوم تفصيلاً.
إن أراد الأوّل وهو الاكتفاء باحتمال الانطباق في الطرف الآخر فقط في مقام تثبيت العلم الاجمالي، فهذا مستحيل؛ وذلك لأنَّ المعلوم بالعلم الإجمالي، إذا فرضنا أنّه جامع لم يؤخذ فيه خصوصيّة تأبى عن الانطباق، لا على الكتاب الهندسي، ولا على الكتاب الجغرافي. إذن، فهذا الجامع محتمل الانطباق على الطرف الآخر، بلا إشكال، فإنّي احتمل أنَّ الكتاب الجغرافي مصداق للكتاب المحترق الكلّي. إلَّا أنَّ هذا وحده لا يكفي لتثبيت العلم الإجمالي، فإنَّ العلم الإجمالي في فرض تجرّد الجامع من الخصوصيّة الآبيّة، يسري لا محالة من الحدّ الجامعيّ، إلى الحدّ الشخصيّ، وإذا سرى إلى الحدّ الشخصيّ، وتبدّل معروضه
ــــــــــ[43]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
من الحدّ المأخوذ بشرط لا إلى الحدّ المأخوذ بشرط شيء. إذن، خرج ذاك الحدّ البشرط لائي عن أن يكون معلوماً.
وبتعبير أوضح: أنَّ احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على الطرف الآخر، إنّما يثبت العلم الإجمالي، فيما إذا فُرِض أنَّ الجامع الذي يحتمل انطباقه على الطرف الآخر كان محدوداً بحدّ هو نفس الحدّ الذي هو معروض العلم.
فإن عندنا في المقام جملتين: إحداهما، أنَّ الجامع محتمل الانطباق على الطرف الآخر. والأخرى أنَّ الجامع معلوم. وكلتا الجملتين محتملة. لكن إنّما يكون العلم الإجمالي موجوداً فيما لو فُرِض أنَّ الجامع الذي يحتمل انطباقه على هذا محدود بنفس الحدّ، الذي يكون معلوماً بالإجمال ومعروضاً للعلم. فإنّه لو فُرِض أنّه محدود بنفس ذلك الحدّ يصير العلم الإجمالي ثابتاً لا محالة.
وأمّا لو فُرِض أنَّ الجامع بحدّ يُحتمل انطباقه على الآخر، لكنّه بهذا الحدّ غير معلوم، وبحدّ آخر هو معلوم، ولكنّه غير محتمل الانطباق على هذا، فالعلم الإجمالي غير موجود في المقام.
وهذا غير واقع؛ لفرض أنَّ الجامع متجرّد عن الخصوصيّة الآبية عن الانطباق ولو احتمالاً. فإنَّ الجامع بحدّه الجامعيّ محتمل الانطباق على الكتاب الجغرافيّ وهو الكتاب الآخر، ولكنه بهذا الحدّ ليس معروضاً للعلم. وبحدّه الشخصي الهندسيّ هو معروض العلم، لكنّه بهذا الحدّ غير محتمل الانطباق على الآخر. فالجامع هنا بحدّه الجامعيّ محتمل على الطرف الآخر. إلَّا أنّه غير معلوم؛ لأنَّ العلم بالبرهان الذي بيّناه يسري إلى الحدّ الشخصيّ لا محالة، وبالحدّ الشخصيّ
ــــــــــ[44]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
معروض للعلم، ولكنّه بهذا الحدّ غير محتمل الانطباق على الآخر.
وحينئذٍ يصير حال العلم بالجامع هنا مع احتمال الانطباق على الآخر، في فرض اختلاف الحدّين، حال كلّ علم تفصيليّ، حينما نعلم تفصيلا ً ابتداء، بلا علم إجمالي أصلاً، بأنَّ زيداً موجود في المسجد، فنحن نعلم بوجود الجامع
-جامع الإنسان- في ضمنه أيضاً، ونحتمل أن جامع الإنسان موجود في ضمن عمرو، فأيضاً نفس القضيتين تصدقان في المقام، حيث تقول: جامع الإنسان محتمل الانطباق على عمرو، وجامع الإنسان معلوم الوجود في المسجد، فهل نشكّل علماً إجمالياً؟: لا.
والنُكتة في ذلك؛ هو اختلاف الحدود، أنَّ ما يحتمل انطباقه على عمرو، هو الجامع بحدّه الجامعيّ، وهو بهذا الحدّ الجامعيّ ليس معروضاً للعلم، وما هو معروض للعلم الجامع بحدّه الزيدي، وهو بهذا الحدّ ليس محتمل الانطباق على عمرو.
فعدم الالتفات إلى اختلاف الحدود في القضيتين، هو الذي أوجب في المقام تخيل أنَّ احتمال الانطباق يكون كاشفاً عن وجود العلم. إذن، فوجود العلم وعدمه، مرهون بهذه النُكتة: أن نرى الجامع بحدّه هل بقي معروضاً للعم أو لا، بل تبدّل من البشرط لا إلى البشرط شيء؟
كيف نعرف هذا المطلب: أن نعرف أنَّ هذا الجامع، هل هو متخصّص بخصوصيّة محتملة الإباء أو لا؟ فإنَّ كان متخصّصاً بخصوصيّة الإباء. إذن، فالعلم واقف على الجامع بحدّه. وإلاَّ فيسري لا محالة إلى الحدّ الآخر.
فهذا الوجه أيضاً لا محصّل له.
ــــــــــ[45]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
[التقريب الثالث لعدم الانحلال]
هو أن يقال: إنّنا نحن متّفقون أنَّ العلم الإجمالي منحلّ في موارد قيام العلم التفصيليّ في مقام تعيين المعلوم بالإجمالي. لو كنت أعلم إجمالاً بأنَّ ابن زيد مات، ولا ندري هل خالد أو بكر، ثُمّ علمت تفصيلاً بأنَّ ابن زيد هو بكر. فهنا ينحلّ العلم الإجمالي بالتفصيليّ. بلا إشكال.
لو فُرِض أنّه نقول بالانحلال هنا أيضاً، فيما إذا لم يكن العلم التفصيليّ في مقام التعيين، للزم أن يكون أثره الوجدانيّ والنفسانيّ، كالأثر الوجدانيّ والنفسانيّ الأوّل. مع أنّنا نرى بالوجدان أنَّ هناك فرقاً بين الحالتين: بين أن نعلم إجمالاً، بأنَّ ابن زيد مات، وهو مردّد ما بين بكر وخالد، ثُمّ نعلم إنّه بكر، وبين أن نعلم إجمالاً أنَّ أحد الشخصين بكراً أو خالداً مات، ثُمّ نعلم أنَّ بكراً مات. هذا الفرق الوجداني نستكشف منه أنّه في محلّ الكلام لا انحلال(1).
[جواب التقريب الثالث]
هذا الوجدان صحيح بلا إشكال، أنَّ هناك فرقاً ما بين الصورتين: بين العلم التفصيليّ الذي يكون في المقام تعيين المعلوم بالإجمال، وبين هنا العلم التفصيليّ، حتّى بناءً على الانحلال.
والسّر في هذا الفرق، ليس هو الانحلال في الأوّل دون الثاني، بل السّر أنّه في المقيس عليه -وهو: ما إذا كان الكاشف التفصيليّ في مقام تعيين المعلوم
ــــــــــ[46]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على سؤال: هذا يرجع إلى الوجّه الأوّل، من دعوى الوجدان، لكنّه مبرز بهذه الصورة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بالإجمال- يكون له مفهوم حينئذٍ إثباتاً ونفياً؛ لأنَّ معنى كونه في مقام تعيينه، أنَّ المعلوم بالإجمال له تعيّن واقعيّ، بحيث يكون هذا في مقام تعيينه، وأمّا لو لم يكن له تعيّن واقعيّ يستحيل أن يكون في مقام تعيينه. من قبيل مثال العلم بموت ابن زيد، فإنَّ له تعيّناً في الواقع، لو سُئِل غير جبرائيل لأجاب. لكنّه مردّد في أفق علمنا بين بكر وخالد. فلو علمنا بالأمارة القطعيّة، أنَّ ابن زيد هو بكر، فهذا العلم له مفهوم يدّل منطوقاً على أنَّ ابن زيد هو بكر، ومفهوماً، على أنّه ليس هو الآخر.
فالانحلال هنا يكون بزوال كلا احتمالي الانطباق؛ بزوال هذا الاحتمال بتبدّله بالعلم بالانطباق، وزوال ذاك الاحتمال؛ لتبدّله بالعلم بعدم الانطباق.
وهذا بخلافه في المقام، فإنّه إذا لم يكن العلم التفصيليّ في مقام تعيين المعلوم بالإجمال لم يكن له مفهوم. وحينئذٍ، فيكون زوال العلم الإجمالي باعتبار زوال احتمال الانطباق في طرف المعلوم بالتفصيل، وتبدّل إلى العلم بالانطباق. وأمّا احتمال الانطباق هناك فيبقى على حاله، ولكن لا ينفع شيئاً. ولماذا؟ لاختلاف الحدود؛ لأنَّ الجامع الذي يحتمل انطباقه على ذاك الطرف محدود بحدّ، والجامع المعروض للعلم بما هو معروض للعلم محدود بحدّ آخر. ومع اختلاف الحدود لا يتشكّل علم إجمالي مع احتمال الانطباق.
فهذا الوجه الثالث أيضاً لا يرجع إلى محصّل.
هذه تمام الكلمات التي أُفيدت من قبل هاتين المدرستين، في مقام تحقيق الانحلال، إثباتا ونفياً. بعد هذا يقع الكلام في النُكتة الأساسيّة.
ــــــــــ[47]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
[تلخيص الأقوال الذاهبة إلى الانحلال وعدم]
إنَّ(1) احتمال انطباق الجامع على غير الطرف المعلوم تفصيلاً، موجود بالوجدان. واحتمال الانطباق لازم للعلم الإجمالي، فنستكشف من وجوده وجود العلم الإجمالي.
هذ أيضاً لا يرجع إلى محصّل؛ إلّا بإرجاعه إلى تلك النُكتة؛ وذلك لأنّه إذا فرضنا انَّ العلم الإجمالي المتحقّق بالجامع، لم يقف على حدّه، بل سرى إلى الحدّ الشخصيّ المعلوم تفصيلاً، من حيث إنَّ الجامع لم يؤخذ فيه خصوصيّة محتملة الإباء عن الانطباق على المعلوم بالتفصيل، فسرى لا محالة على رسله إلى الحدّ الشخصيّ.
إذن، فاحتمال الانطباق على الطرف الآخر وإن كان موجوداً، إلَّا أنّه لا يكفي لتشكّل العلم الإجمالي؛ وذلك لاختلاف الحدود في المقام؛ وذلك لأنَّ الجامع المحتمل الانطباق على الطرف الآخر هو الجامع بحدّه الجامعيّ لا بحدّه الشخصيّ المتخصّص بالكتاب الهندسي، ومعروض العلم هو الجامع المحدود بذلك الحد الشخصيّ الهندسي. فمعروضية هذا الجامع للعلم بحد، واحتمال انطباقه على الطرف الآخر بحدٍّ آخر لا يشكّل علماً إجماليّاً، وإلّا لكان كلّ من يعلم تفصيلاً بفرد ويشكّ في فرد آخر يكون له علم إجمالي.
وإن فرضنا أنَّ الجامع تخصّص بخصوصيّة محتملة الإباء عن الاطباق على
ــــــــــ[48]ــــــــــ
() لخص أولاً مناقشة الأقوال الذاهبة إلى الانحلال، أو إلى عدمه، على ضوء النُكتة الأساسيّة التي قرّرها. وذكر من وجوه الانحلال: أن… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الطرف المعلوم بالتفصيل. إذن، فاحتمال الانطباق موجود حتّى في الطرف المعلوم تفصيلاً. والشكّ والتردّد والإجمال موجودان في كلا الطرفين على حدّ واحد، فإن كان هناك بحث فنّي فهو في إبراز هذه الخصوصيّة التي تخصّص بها الجامع، والّتي تكون محتملة الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم تفصيلاً. هذا خلاصة ما سبق في مناقشة القوم.
وهنا يمكن أن يقال في بادئ النظر، أنَّ العلم الإجمالي الذي تعلّق بالجامع، يمكننا أن نخصّص الجامع المعلوم إجمالاً بخصوصيّة، بها يصبح محتمل الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم تفصيلاً، فنتحفّظ على العلم الإجمالي. وهذه الخصوصيّة هي نفس العلم الإجمالي.
لأنّنا إذا لاحظنا ذات الجامع وهو الكتاب المحترق -مثالنا-، فهو غير آبٍ عن الانطباق على الطرف الهندسي جزماً؛ لأنّه كتاب(1) محترق، والجامع لم يؤخذ فيه إلَّا عنوان الكتاب المحترق. إذن، فهو غير آبٍ عن الانطباق على الطرف المعلوم تفصيلاً احتراقه، وهو الكتاب الهندسي.
وأمّا إذا أخذنا الجامع مقيّداً بوصف العلم الإجمالي بما هو معلوم إجمالي، فهو بما هو معلوم إجمالي محتمل الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم بالتفصيل. إذ لا ندري أنَّ معلومنا الإجمالي أهو هذا أو ذاك؟ ولعلّ معلومنا الإجمالي هو الآخر لا هذا. فإذا أخذنا الجامع بقيد المعلوميّة الإجمالية فهو غير معلوم الانطباق على الطرف المعلوم تفصيلاً. إذ لعلّ ما علمنا إجمالاً باحتراقه، غير ما علمنا تفصيلاً
ــــــــــ[49]ــــــــــ
() أي: الكتاب الهندسي. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
باحتراقه. فبهذا القيد نجعل الجامع متخصّصاً بخصوصيّة بها يكون محتمل الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم احتراقه تفصيلاً.
إلاَّ أنَّ هذا غير صحيح؛ وذلك لأنّه لا بُدّ من اكتشاف هذه الخصوصيّة المضيقة لجامع، والمحتملة الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم تفصيلاً، لا بُدّ من اكتشاف ثبوتها، في مرتبة سابقة على العلم، أي: في رتبة معروض العلم. بحيث إنَّ العلم يتعلّق بجامع متخصّص بخصوصيّة محتملة الإباء لئلاّ يسري. فلو أُريد إثبات هذه الخصوصيّة وإيقاف العلم من ناحية نفس العلم، يلزم من ذلك الدور لا محالة.
فإنَّ العلم بالجامع بطبعه يسري إلى الحدّ الشخصيّ المعلوم تفصيلاً ما لم يتخصّص بخصوصيّة محتملة الإباء عن الانطباق على ذلك الحدّ الشخصيّ، وهو الكتاب الهندسي. فلو أردنا أن نثبت هذه الخصوصيّة من ناحية نفس العلم الإجمالي للزم الدور؛ لأنَّ ثبوت العلم الإجمالي يتوقّف على هذه الخصوصيّة في معروضه. وانتزاع هذا الخصوصيّة من معروضه لا يكون إلَّا بلحاظ نفس العلم الإجمالي(1) وهذا هو الدور. إذن، فهذا التصور غير صحيح في المقام.
وقد يخطر على البال أن يقال: بأنَّ العلم الإجمالي هنا، وإن تعلّق بالجامع، والجامع هو عنوان الكتاب المحترق قابل للانطباق على الكتاب الهندسي، الذي علمنا تفصيلاً أنّه احترق. ولكن، هذا الجامع المعلوم إجمالاً إنّما عرض له العلم وعلمنا به، بما هو جامع مفروغ عن تطبيقه ووجوده، لا بما هو جامع في طريق الوجود والتطبيق.
ــــــــــ[50]ــــــــــ
() على الفرض. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
توضيحه: أنَّ الجامع تارةً يلحظ بما هو في طريق التطبيق والوجود. كما هو الحال في الجامع الذي يتعلّق به الأمر من قِبَل المولى. حينما يقول (صلّ). فهو لا يأمر بصلاة مفروغ عن وجودها؛ لئلاّ يلزم تحصيل الحاصل، بل يأمر بهذا الجامع الملحوظ بما هو طريق الوجود والتحقّق.
وأمّا فيما إذا تعلّق علمنا بالجامع، فهنا الجامع ليس في طريق التحقّق والوجود. كما لو علمنا أنَّ إنساناً مات في هذه اللحظة. فهذا العلم علم بجامع مفروغ عن وجوده وتطبيقه. غاية الأمر، نحن لا نشخّص مصداقه بحسب الخارج.
وحينئذٍ، حيث إنَّ العلم الإجمالي تعلّق بجامع مفروغ عن وجوده، فنستطيع أن نسير إلى ذلك الوجود المفروغ عنه، فنقول هل هو نفس هذا المعلوم بالتفصيل، أو هو غيره؟ لا ندري. نعم، لو لاحظنا نفس الجامع بما هو بقطع النظر عن المفروغيّة عن وجوده، فهو غير آب عن الانطباق على الكتاب الهندسي جزماً على حدّ كلّ جامع مع مصداقه.
وأمّا بعد أن نلاحظ هذا الجامع بما هو مفروغ عن وجوده، فذاك الوجود المفروغ عنه والمشار إليه بتوسّط هذا الأمر، لا ندري هل هو هذا المعلوم بالتفصيل؟
إذن، فقد وجدنا الخصوصيّة الآبية احتمالاً عن الانطباق على الطرف المعلوم بالتفصيل.
هذا التصور أيضاً غير صحيح؛ وذلك: لأنَّ هذه الخصوصيّة، هي الوجود
ــــــــــ[51]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
المفروغ عنه، لا يكون داخلاً تحت العلم، إلَّا بمقدار معرفّية هذا الجامع، لا أكثر. وبمقدار معرفّية هذا الجامع هي تلائم مع كلّ من الطرفين لا محالة. فإنّ هذه الخصوصيّة المفروغ عن وجودها بما هي كتاب هندسي أو جغرافي غير معلومة، بل بمقدار ما يعرف هذا الجامع، لا تكون بهذا المقدار آبية عن الانطباق على هذا الطرف المعلوم بالتفصيل. فمثل هذا البيان وحده أيضاً لا يكفي.
التحقيق في مقام بيان الانحلال وعدمه
ومن هنا لا بُدّ من استئناف الكلام لتحقيق هذه الخصوصيّة.
بحسب اعتقادنا أنَّ هذه الخصوصيّة موجودة، وأنَّ الجامع في موارد العلم الإجمالي، جامع متخصّص بخصوصيّة محتملة الإباء، يعني: الجامع المتخصّص بها محتمل الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم بالتفصيل. إلَّا أنَّ هذه الخصوصيّة:
تارةً: تكون خصوصيّة خارجيّة، وحدّاً خارجيّاً للمعلوم بالإجمال.
وأخرى: تكون خصوصيّة ذهنيّة، وحدّاً ذهنيّاً للمعلوم بالإجمال.
[تقسيم الخصيصة الأولى في تكوين العلم الإجمالي]
توضيحه: أنّنا يمكن أنَّ نقسّم العلم الإجمالي إلى قسمين. نذكر لآن هذه القسمة بعبارة عرفيّة؛ حتّى تأتيّ العبارة الصناعية.
فنقول: إنَّ العلم الإجمالي يحتاج لا محالة إلى سبب في تكوّنه(1). فإنّنا إنّما نعلم إجمالاً باحتراق أحدّ الكتابين، لسبب لا محالة، كما لو رأينا دخاناً أو لأنَّ شخصاً
ــــــــــ[52]ــــــــــ
() من الأسباب الحسيّة أو العقليّة أو التجريبية، أو الوهميّة أو الخياليّة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
أخبرنا باحتراق أحدهما، أو أنّنا وجدنا آثار الرماد -مثلاً-، أو رأيناه يحترق، ولكن لم نميّز هل هو كتاب الجغرافيا أو الهندسة، فلاحد هذه الأسباب نعلم إجمالاً باحتراق أحد الكتابين، أو بنجاسة أحد المائعين وهكذا.
[القسم الأوّل]
الآن نلحظ السبب الذي نشأ منه العلم الإجمالي فنقول: إنَّ هذا السبب تارةً: يكون نسبته إلى طرفي العلم الإجمالي ليس على حدّ سواء. ليس حاله حال نفس العلم الإجمالي، بل بحسب الحقيقة هذا السبب متحيّث ومنصوب إلى واقع معيّن محفوظ في نفسه. غاية الأمر أنّه أوجب لنا العلم الإجمالي. من قبيل أن ترى الدخان، ولا تدري هل هو صادر من الكتاب الهندسي أو الجغرافي؟ فهنا العلم الإجمالي لو لوحظ في نفسه بقطع النظر عن سبّبه فنسبته إلى الكتابين على حدّ واحد.
وأمّا السبب لعلمي إجمالاً باحتراق أحدهما -وهو هذا الدخان- فهو ليست نسبته إلى كلا الكتابين على حدّ واحد(1). وإنّما هذا الدخان معلول لاحتراق واقع معيّن(2) لا أنَّ نسبته إلى ما احترق وإلى ما لم يحترق على حدّ واحد، كما هو الحال في علمي الإجمال.
وكما لو وقعت قطرة دم في أحد الإناءين، وأنا لا أعلم في أيّ واحد منهما، فهذا السبب للعلم الإجمالي بنجاسة أحدهما غير متساوي النسبة للطرفين، بل هذا
ــــــــــ[53]ــــــــــ
() فطبع العلم يختلف عن طبع الدليل. (المُقرِّر)..
(2) وللسبب علاقة مخصوصة مع طرف معيّن مبهم عندي معيّن عند الله تعالى. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
السبب اللّمي واقع على فرد معيّن في الخارج، وهو الإناء الذي وقعت فيه القطرة في الواقع. فهذا الطرف له تعيّن وتخصّص في الواقع، وإن كان مجهول عندي.
فهذا السبب الآني يمكن أن يكون مخصّصاً ومحصّصاً للجامع المعلوم بالإجمال بأن أقول: أنا أعلم إجمالاً باحتراق الكتاب الذي رأيت الدخان يتطايّر منه الآن، أو الذي وصلني الآن دخان احتراقه. وهذا الجامع المقيّد بهذا السبب محتمل الإباء عن الانطباق على الكتاب الهندسي. نعم، المعصوم أخبرني أيضاً بأنَّ الكتاب الهندسيّ محترق، لكن من قال: بأنَّ الكتاب الهندسي الذي رأيت دخان احتراقه هو نفس الكتاب الهندسيّ. إذ لعلّ الكتاب الذي رأيت دخانه هو الجغرافيّ، دون الهندسيّ بعد أن قيّدنا الجامع بالبيت، فيصبح محتمل الإباء في الانطباق على الفرد المعلوم بالتفصيل.
وحينئذٍ، بعد أن قيدنا الجامع بالسبب فيصبح محتمل الإباء عن الانطباق على الفرد المعلوم بالتفصيل، لا ينحلّ العلم الإجمالي من ناحية انطباق المعلوم بالإجمال على المعلوم بالتفصيل. يعني: نُكتة الانطباق غير موجودة في المقام.
[القسم الثاني]
أن نفرض أنَّ السبب أيضاً -طبعه طبع العلم- كالعلم الإجمالي صديق الطرفين. ونسبته إليهما على حدّ واحد(1) وهذا له أمثلة من فنون متعدّدة،
ــــــــــ[54]ــــــــــ
() وذلك أن يقدّم برهاناً عقلياً، يعيّن له صورة تجريدية، وإن كان باطلاً. على وجود جامع في الخارج من دون أن يكون لهذا البرهان أيّ دلالة على تعيين هذا الجامع، لا في هذا الفرد ولا في ذاك، بل نكتة البرهان قائمة بالجامع، من قبيل مثال مدعّي النبوة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
-مثلاً- نفرض أنّنا ندخل في بيت مسيحي فيه أواني كثيرة 50 إناء، نعلم إجمالاً أنّه ساور أحدها؛ وذلك لأجل حساب الاحتمالات، بمعنى أنَّ هذا الشخص بمقتضى طبعه الإنساني يريد أنَّ يأكل من البعيد جداً أنَّ لا يساور شيئاً من هذه الأواني. احتمال أن لا يساور هذا الإناء بالخصوص؛ وذلك بالخصوص موجود، وأيّ واحد من الخمسين أخذناه ففيه احتمال أن يساوره. لكنّ احتمال أن لا يأكل في شيء من هذه الأواني، معدوم؛ لأنَّ خمسين احتمالاً للأكل تتجّمع فتوّلد علماً إجمالياً بأنّه أكلّ في بعض هذه الأواني.
أو أن جماعة طلبة شهدوا بالهلال لكنّنا لا نعرف عدالة كلّ واحد بالخصوص، ولكنّنا نحتمله احتمالاً معتداً به. وبالنتيجة تراكم الاحتمالات بالأطراف تشكّل علماً إجمالياً بأنَّ أحد هؤلاء الشهود عادل.
فهنا سبب العلم الإجمالي هو 50 قوّة احتمالية، تجمّعت فولّدته.
فهذه القوى الاحتمالية نسبتها إلى جميع الأطراف على حدّ واحد؛ لأنّها تجمّعت من قوى احتمالية مبثوثة في تمام الأطراف(1). فكما أنَّ العلم الإجمالي هنا صديق الطرفين، فكذلك السبب في تكوينه.
مثال آخر: نفرض أنَّ شخصين ادّعيا النبوة قبل خاتم النبيين. وكلّ منهما كذّب الآخر دعواه(2) فهنا نعلم إجمالاً بأنَّ أحدهما ليس بنبي؛ وذلك أنَّ
ــــــــــ[55]ــــــــــ
() وكل طرف قد ساهم وشارك في التجمع. (المُقرِّر).
(2) فهنا يُحتمل أن لا يكونا معاً نبيّين، كما يُحتمل أن يكون هذا نبياً فقط، أو ذاك فقط. ولا يُحتمل أن يكونا معاً نبيّين؛ لأنّ أحدهما كذّب والكاذب لا يمكن أن يكون نبيّاً؛ وذلك لبرهان عصمة النبي. فبهذا البرهان يتولّد لنا علم بأنَّ أحدهما ليس بنبيّ. ولكن هذا البرهان لا يعيّن إلا الجامع، ونسبته إلى كلّ من الطرفين على حدّ واحد، فأنّه يندفع محذور بفرض أنَّ هذا ليس بنبيّ، أو ذاك ليس بنبيّ. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
سبب هذا العلم الإجمالي هو: أنَّ هذين إما أن يكون كلاهما صادق أو أحدهما دون الآخر. ولا يحتمل أن يكون كلاهما كاذباً؛ إذ فرض كذبهما معاً هو فرض ثبوتهما معاً، ويستحيل أن يكونا نبيين معاً، وأحدهما يكذّب الآخر(1).
ونحن الآن نلزم المثال الأوّل؛ لأنّه يحقّق غرضاً حتّى يأتي تحقيق القدر المشترك بين المثالين.
في المثال الأوّل حيث علمنا إجمالاً بأنّ المسيحي ساور ونجّس بعض هذه الأواني. نفرض أنّنا رأينا بأعيننا أنّه ساور إناء بعيّنه، أو شهد معصوم بأنّه ساور هذا الإناء بعيّنه. فهنا عندنا علم إجمالي وتفصيلي. فهنا علمنا الإجمالي بأنّه ساور أحد من الأواني الخمسين، كيف ينحلّ بهذا العلم التفصيليّ..
في القسم السابق كنّا نقيّد الجامع المعلوم بالإجمال، بسبب العلم الإجمالي، وبهذا يصبح محتملّ الإباء على الانطباق على الطرف المعلوم بالتفصيل، هذا لا يمكن في المقام؛ لأنَّ نسبة السبب إلى جميع الأطراف على حدّ واحد. هل أقول: إنَّ المعلوم إجمالاً هو مساورة المسيحي لأحد الأواني التي ثبت مساورتها
ــــــــــ[56]ــــــــــ
(1) وهنا قال جواباً على سؤال وجهّته إليه: كلّ منهما كاذب في تكذيبه للآخر: كلّ منهم قال للآخر أنت تكذب، فهاتان الجملتان لا يحتمل كذبهما معاً؛ ببرهان أنّهما لو كانتا كاذبتين؛ للزم وجود نبيّ كاذب وهو محال. إذن، لا بدَّ أن نفرض صدقهما معاً، أو صدق أحدهما. وعلى كلّ تقدير أحدهما ليس بنبي. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بخمسين قوة احتمالية. هذا نسبته إلى الجميع على حدّ واحد. فإنَّ خمسين قوة احتمالية ليس لها تخصّص بأحد الأطراف دون الآخر كالدخان، فإنَّ الدخان مخصوص بأحد الطرفين في علم الله. ولكن خمسون قوة احتمالية حتّى في [علم] الله نسبتها إلى الجميع على حدّ واحد. وكذلك في مثال ادعاء النبوة، بأن يقال: بأنّي أعلم إجمالاً بعدم النبوة الناشئ من البرهان العقلي، هذا أيضاً نسبته إلى الطرفين على حدّ واحد.
فلا يمكن، عن طريق تقييد الجامع بخمسين قوة احتمالية أن أجعله مُحتَمل الإباء عن الانطباق؛ لأنَّ السبب هنا كالعلم صديق الطرفين معاً. نحتاج في هذا القسم إلى مزيد التعب في مقام اكتشاف واقع تلك الخصوصيّة، التي بها يكون الجامع محتمل الإباء على الطرف المعلوم تفصيلاً.
[تذكير لِما مرّ]
قلنا: إنَّ العلم الإجمالي إذا لوحظ من حيث هو علم إجمالي، فنسبته إلى كلا طرفيه على حدّ واحد. لكن إذا لوحظ سبب العلم الإجمالي وملاك الكشف فيه، فبهذه الملاحظة ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما كان السبب فيه مرتبطا بطرف معيّن في الواقع وإن كان مردّداً عنوناً. كما إذا رأينا دخاناً يخرج فاستكشفنا احتراق الكتاب، فهذا الدخان ليست نسبته إلى كلا الكتابين على حدّ واحد، بل له ارتباط مخصوص مع منشئه الواقعي المخصوص، وإن كان المنشأ غير معلوم عندنا.
فهنا يمكن أخذ السبب قيداً للجامع المعلوم بالإجمال؛ لأجل إبراز عدم
ــــــــــ[57]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
انطباقه جزماً على الطرف المعلوم تفصيلاً، وجعله متخصّصاً بخصوصيّة محتملة الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم تفصيلاً(1).
وأمّا القسم الثاني: وهو ما إذا فُرِض أنَّ سبب العلم الإجمالي كانت نسبته إلى كلا الطرفين(2) على حدّ واحد. على ما بيّنا في مسألة أواني هذا المسيحي؛ إذ يحصل علم إجمالي بأنّه ساور واحداً منها، وسبب هذا العلم الإجمالي هو مجموع خمسين قوة احتمالية تجمّعت وتراكمت، فولّدت علماً إجمالياً بأنَّ المسيحي ساور بعض الأواني الموجودة في بيته. ومن المعلوم أنَّ مجموع هذه القوى الاحتمالية نسبتها إلى تمام أطراف العلم الإجمالي على حدّ واحد.
ولنفرض -من باب التسهيل- أنهما طرفان لا أكثر، فنسبة القوى الاحتمالية إلى كلا الإناءين على حدّ واحد.
ــــــــــ[58]ــــــــــ
() فتحصل لدينا النُكتة المانعة عن الانحلال في هذا المورد بوضوح، فإنَّ المعلوم الإجمالي في مثال وقوع القطرة في الإناءين. هو جامع نجاسة أحد الإناءين المتخصّصة بخصوصية السبب، يعني: أنّها ناشئة من تلك القطرة التي رأيناها في اللحظة الفلانية. وتلك النجاسة بهذه الخصوصية محتملة الإباء على الانطباق على الطرف المعلوم بالتفصيل؛ إذ لعلّ نجاسة الطرف المعلوم بالتفصيل نجاسة أخرى ناشئة من قطرة أخرى غيرها، ففي القسم الأول دائماً يتقيّد المعلوم بالإجمال بخصوصيّة السبب. وحينئذٍ يصبح محتمل الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم بالتفصيل. ولا يكون هناك انحلال كما هو واضح. (المُقرِّر).
(2) انظر حول هذا المطلب ص164 من الدفتر 16. (المُقرِّر). [ص179 ج17 من هذه التقريرات].
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
[خصوصيّة إباء الانطباق على أكثر من طرف]
[أولاً: من حيث العلم التفصيلي]
فهنا، لا بدَّ في مقام إبراز تلك الخصوصيّة المحتملة الإباء والبرهنة على عدم الانطباق من عناية زائدة.
هنا نفرض أنّنا بعد أنَّ علمنا إنَّ المسيحيّ مساور أحدّ الإناءين؛ بسبب تجمّع الاحتمالات، ورأينا أنَّه يساور هذا الإناء الأحمر -مثلاً- بالخصوص، فحصل عندنا علم تفصيليّ بأنَّه مساور لإناء أحمر.
هذا العلم التفصيلي ليس ملاكه هو تجمّع القوى الاحتمالية، بل ملاكه هو رؤيته، أنّه يساور هذا الإناء. فهنا الجامع المعلوم بالإجمال، هل يمكن إبراز حدّ وخصوصية فيه محتملة الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم بالتفصيل، أو لا؟
لإجل أن نعرف هذا يجب أن ندرس بدقّة حدود ما هو المعلوم بالتفصيل، وحدود ما هو المعلوم بالإجمال؛ لنعرف أنَّ المعلوم بالإجمال هل هو محدود بحدّ يأبى وهو احتمالاً عن الانطباق على الطرف المعلوم بالتفصيل. نأتي إلى العلم التفصيلي. هذا العلم التفصيلي بمساعدة الإناء الأحمر -الذي رأيته يساوره- هو في الحقيقة وليد علمين: أحدهما العلم بقضيّة شرطية وهي: أنّي لو كان إحساسي سليماً معافى، حينما رأيته يساوره. إذن، فقد ساور المسيحيّ هذا الإناء. العلم بهذه القضيّة الشرطيّة، شرطها هو: (أنّه لو كان إحساسيّ سليماً)، وجزائها هو: (أنَّ المسيحيّ ساور الإناء الأحمر في الواقع).
ــــــــــ[59]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وأيضا أعلم(1) بتحقّق الشرط في هذه القضيّة الشرطيّة، وهو أنَّ إحساسي سليم معافى بحسب الفرض، وإلاَّ لو كنت أشكّ في صحّة إحساسي، وأنّى في حاله مرضيّة بحيث اتخيّل هذا المطلب، لا يحصل لي العلم بانَّ المسيحي يساور الإناء.
فعندي علم بالقضية الشرطيّة، وعندي علم بتحقّق شرطها، فيتولّد من مجموع العلمين، علم ثالث، وهو العلم بالجزاء، وهو: بأنَّ المسيحي ساور هذا الإناء الأحمر. وهذا معناه أنَّ العلم التفصيلي هو نتيجة العلمين السابقين.
فرجع العلم التفصيلي بناءً على هذا التشريح إلى العلم بفعلية جزاء القضية الشرطية، للعلم بفعلية شرطه. إذن، فمعروض العلم التفصيلي هو مساور المسيحي للإناء الأحمر، بما هو جزاء للقضية الشرطية، أي بما هو محدود بالشرط المذكور فيها، وهو أن يكون إحساسي سليماً معافى. ويستحيل أن يكون -لهذا الجزاء المعلوم تفصيلاً- له إطلاق لفرض انتفاء الشرط. بمعنى انّه لو فرضنا أنَّ إحساسيّ ليس سليماً، على تقدير أن لا يكون الشرط محقّقاً، ولا يكون إحساسي سليماً معافى، فأنا لا أدرى أنَّ المسيحي ساور أو لا؟ ليس لي علم بذلك. فمساورة المسيحي لهذا الإناء على تقدير أن لا يكون إحساسي سليماً معافى غير معلوم به بالفعل.
وإنّما أعلم بالمساورة، بما هو جزاء في القضية الشرطيّة ومحدوداً بالحدّ الجزائي. أي: لو كان إحساسي سليماً فالمسيحي قد ساور. فأنا أعلم بالمساورة على تقديرٍ، ولا أعلم به على تقدير آخر.
ــــــــــ[60]ــــــــــ
() وهذا هو العلم الثاني. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
[دفع توّهم]
قد نقول: كيف لا أعلم بالمساعدة على تقدير آخر. مع أنّي الآن بالفعل أعلم بالمساورة على كلّ حال.
أقول: نعم، أعلم بها؛ لأنّي أعلم بأنَّ الشرط قد تحقّق في القضية الشرطيّة، وهذا لا يخرج المعلوم التفصيلي من كونه معلوماً بما هو محدود بالحدّ الجزائي للقضيّة الشرطيّة، أي: بما هو مقيّد بالشرط، ومرتبط به بنحو يستحيل إطلاقه لفرض بطلان الشرط.
[ثانياً: من حيث العلم الإجمالي]
الآن جئنا إلى العلم الإجمالي: المعلوم الإجمالي المسيحي ساور بعض هذه الأواني، يعني: مساورة الجامع هو المعلوم الإجمالي. هذا الجامع الذي تعلّق به العلم الإجمالي ليس محدوداً بنفس الحدّ، الذي تحدّد به المعلوم التفصيليّ هناك، بل أنا أعلم بالجامع، ولو على تقدير كذب شرط تلك القضيّة الشرطيّة، ولو على تقدير أن يكون جهازي الاحساسي مختّلاً، حتّى على هذا التقدير، فإنَّ المسيحيّ ساور بعض هذه الأواني، لأنّي أعلم بالمساورة لبعض هذه الأواني نشأ عن ملاك كشف آخر، لا من إحساسيّ البصري فعلاً.
فالمعلوم بالإجمالي هو جامع محدود بالحدّ الإطلاقي من هذه الناحية، أي: جامع ثابت مطلقاً من ناحية وجدان ذلك الشرط أو فقدانه.
إذن، عندي في المقام معلومان:
الأول: معلوم تفصيلي محدود وبحدّ الشرط، وإن كان هذا المعلوم فعليّ
ــــــــــ[61]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وليس تعليقيّاً؛ لأجل فعليّة العلم بالشرط، لا لأجل عدم علاقته بالشرط.
الثاني: معلوم إجمالي، وهو الجامع مع المحدود بالحدّ الإطلاقي من ناحية الشرط، يعني: الثابت ولو على تقدير فقد الشرط.
[عدم معقولية انطباق المعلوم الإجمالي على المعلوم التفصيلي]
إذن، حينما يدّعى انطباق المعلوم الإجمالي على المعلوم التفصيلي، إمّا أن يدعي أنَّ المعلوم الإجمالي ينطبق على المعلوم التفصيلي بحدّه الإطلاقي فهذا كذب بالضرورة؛ لأنَّ فرض انطباقه عليه بحدّه الإطلاقي هو فرض أنّي الآن أعلم بهذه المساورة بالحدّ الإطلاقي، مع أنّي بالفعل لا أعلم بها بالحدّ الإطلاقي، لا أعلم أنَّ المسيحي ساور الإناء الأحمر لو كنت مختلّ الحواس. فكيف يتعرّض انطباق الجامع بحدّه على هذا الفرض.
وأمّا أن يفرض، أنَّ ذات الجامع يكون منطبقاً لا بحدّه الإطلاقي. فهذا صحيح، إلَّا أنَّ هذا لا يجري في الانحلال؛ لأنَّ الحدّ الإطلاقي هنا وإن لم يكن حدّاً خارجيّاً للشيء، بحيث يختلف به الشيء في الخارج، كما كان الحال من قيد السبب، فإنّه قيد خارجي في القسم الأوّل. وهذا ليس قيداً خارجيّاً. إلَّا أنَّه قيد لمعروض العلم في أفق العلم، بما هو في أفق العلم مقيّداً بهذا الحدّ الإطلاقي. فما لم ينطبق بحدّه يستحيل فناء العلم واضمحلاله وتبدّله إلى حدّ آخر.
وإذا قيل أنَّ العلم بهذا الحد الإطلاقي يزول من نفسه، فهذا أيضاً محال؛ لأنَّ هذا الحدّ الإطلاقي نحن نعلم به بالفعل. فإنّنا نعلم بوجود مساورة ثابتة، ولو كانت حواسي مختلّة. هذا الحدّ الإطلاقي بالفعل معلوم فكيف يزول؛
ــــــــــ[62]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
لأن(1) سبب موجود وهو سبب العلم الإجمالي.
إذن، فانطباق المعلوم الإجمالي على المعلوم التفصيليّ غير معقول.
هذا المطلب، هو بحسب الحقيقة تشريح لحقيقة حدود المعلوم الإجمالي والتفصيليّ، هذا التشريح يمكن إبرازه بعبارة اخرى، يمكن إبرازه بكاشف وبارز يجسّد لنا عدم انطباق المعلوم بالإجمال على المعلوم بالتقيّد.
وهو: أنّه في هذا المثال بالفعل عندي علم إجمالي غير محتمل يعني: علم إجمالي لا أعلم تفصيلاً بأحد طرفيه أصلاً. العلم(2) ملازم مع هذا العلم. وهو: العلم بهذه القضية الشرطية، التي شرطها هو نقيض شرط في العلم التفصيلي. يعني: أن لا يكون إحساسي سليماً معافى والجزاء هو: أمّا أن المسيحي ساور هذا الإناء الأحمر. أو ساور الأبيض، فالجزاء هنا مردود، إذ في هذا التقدير لا يتعيّن أنّه قد ساور الأحمر، قد يكون قد ساوره أو ساور غيره.
فهنا أشكل قضيّة شرطها نقيض الشرط المقدّم للمعلوم التفصيليّ يعني: أن لا يكون إحساسي معافى، وجزائها مردّد بالفعل بين مساورة هذا الإناء، أو غيره. وأقول أنّا أعلم بهذه القضية، وعلمي بها علم إجمالي؛ لأنَّ الجزاء مردّد بالفعل ما بين القضيتين. وهذا العلم الإجمالي غير منحلّ؛ لأنّي لا أستيطع أن اضع جزاء بعينه في هذه القضية الشرطية، فأقول -مثلاً- لو لم يكن إحساسي سليماً، فالمسيحي قد ساور الإناء الأحمر، إذ لعلّه لم يساوره وكذلك الآخر. فهذا
ــــــــــ[63]ــــــــــ
() هكذا قال ردّاً على سؤال. (المُقرِّر).
(2) يعني العلم إجمالاً بالمساورة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
العلم الإجمالي قائم، ولا علم تفصيلي بأحد طرفيه.
وهذا كاشف -على اعتبار أنَّ المعلوم الإجمالي هنا متّحد مع المعلوم الإجمالي في العلم الإجمالي الذي هو محلّ الكلام في الانحلال، فنقيد المعلوم الإجمالي الذي هو محلّ الكلام بالعلم الإجمالي الثاني فنقول: أعلم إجمالاً بأمر أعلم إجمالا به بشكل غير قابل للانحلال. فيكون هذا القيد محتمل الإباء عن الانطباق على المعلوم بالتفصيل- عن أنَّ العلم الإجمالي لا ينطبق معلومه الإجمالي على معلومه التفصيلي.
إذن(1) فلا يتمّ الانحلال بملاك انطباق المعلوم الإجمالي على المعلوم التفصيلي(2).
إلى هنا كنّا نتكلّم في ملاك الانحلال الذي قصر الاصحاب نظرهم عليه، وحاموا حوله ولم يحقّقوه، وهو مسألة انطباق المعلوم بالإجمال على المعلوم التفصيلي. جميع كلمات المدرسين حامت حول هذا الملاك، إثباتاً ونفياً، ولكنهم –كما رأينا في الوجوه التي ذكرناها للانحلال وعدمه– لم يعالجوا النُكتة الأساسيّة فيه. وهي: أنَّ الجامع المعلوم بالإجمال هل أُخذ متخصصاً بخصوصية محتملة الإباء عن الانطباق أو لا.
ــــــــــ[64]ــــــــــ
() وعين هذا البيان يأتي في مثال تكاذب النبيين (المحاضرة). إذا فرضنا أننا علمنا تفصيلاً أنَّ أحدهما المعيّن ليس بنبي؛ لأنّا رأيناه يشرب الخمر، فنقول لو كان سبب العلم الإجمالي تامّاً فهذا ليس بنبي. (كذا قال بعد البحث). (المُقرِّر).
(2) وهنا قال جواباً على سؤال: هذا العلم الإجمالي حصّة من ذاك العلم الإجمالي. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
ونحن برّهنا على أنَّ الجامع المعلوم بالإجمال أُخذ(1) متخصّصاً بخصوصيّة وبحدّ محتمل الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم بالتفصيل. غايته: أنَّ هذا الحدّ في القسم الأوّل، يكون خارجاً، ولا نحتاج إلى الالتفات إلى الحدود الذهنية. وأمّا في القسم الثاني، فنحتاج إلى الالتفات إلى الحدود الذهنية؛ لأجل إبراز تخصّص الجامع المعلوم بالإجمال بحدّ يكون به محتمل الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم بالتفصيل.
والآن فلنتسالم على هذا المطلب، الذي ثبت بالبرهان، وهو أنَّ المعلوم بالإجمال لا ينطبق على المعلوم بالتفصيل، لكن مع هذا ينحلّ العلم الإجمالي أحياناً لا دائماً؛ وذلك بملاك جديد، وهذا الملاك هو انَّ العلم الإجمالي له ملاك وسبب لا محالة. وفي بعض الاحيان، السبب الذي يولّد العلم الإجمالي يبطل تكويناً بولادة العلم التفصيلي، ولو لم ينطبق المعلوم الإجمالي على التفصيلي. وحينئذٍ، ينحلّ العلم الإجمالي لا بملاك الانطباق، بل بملاك تلاشي سببه، وتكوينه بمجرد ظهور نور العلم التفصيلي.
وفي بعض الأحيان يبقى سبب العلم الإجمالي، حتّى بعد ظهور العلم التفصيلي. فيجتمع العلم الإجمالي مع العلم التفصيلي. ومن هنا نفصل بين بعض الموارد وبعض.
ــــــــــ[65]ــــــــــ
() فالملاك الذي حامت حوله المدرستان غير صحيح، لا في القسم الأوّل، ولا في القسم الثاني. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
[التحقيق في ملاك انحلال العلم الإجمالي بالتفصيلي]
قلنا: إنَّ الملاك الأوّل لانحلال العلم الإجمالي بالتفصيلي، وهو الملاك الذي وقع فيه سابقاً، كان عبارة عن دعوى انطباق المعلوم الإجمالي جزماً على المعلوم التفصيلي. هذا الملاك ثبت بطلانه. حيث إنَّ المعلوم الإجمالي: إمّا محدود بحدّ خارجي وهو: من ناحية سبب العلم الإجمالي، وبذلك الحد يكون محتمل الانطباق على الطرف المعلوم تفصيلاً.
وإمّا محدوداً بحدّ ذهني ذاتي في عالم أفق النفس وعالم عروض العلم، وبذلك الحدّ يكون محتمل الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم تفصيلاً.
ومن هنا لو قصرنا على هذا الملاك للانحلال لكنّا نقول بعدم الانحلال في سائر موارد العلم الإجمالي.
ولكن، التحقيق هو انحلاله في بعض الموارد، لا بهذا الملاك، بل بملاك آخر. وإن شئتم قلتم: بأن هذا الذي بيّناه من أنّ الجامع المعلوم بالإجمال محدود بحدّيه يكون محتمل الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم تفصيلاً. هذا الحد إن كان خارجياً فلا ينحلّ العلم الإجمالي. وإن كان حدّاً ذهنيّاً فينحل؛ لا لأجل انطباق المعلوم الإجمالي على التفصيلي، بل لأجل زوال سبب العلم الإجمالي في نفسه(1) على ما يأتي توضيحه.
ــــــــــ[66]ــــــــــ
() في الحد الذهني دون الحدّ الخارجي على ما يأتي. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
[تقسيم العلم الإجمالي بحسب السبب]
[القسم الأوّل]
بيان ذلك، أنَّ العلم الإجمالي كما أشرنا إليه سابقاً، تارةً يحصل بسبب، ويكون هذا السبب نسبته إلى كلا الطرفين ليس على حدّ واحد، بل هو مربوط واقعاً بطرف معيّن مخصوص، لكن بمقدار كشفه لنا يكون مجملاً و
مردّداً بين الطرفين. كما [لو] رأينا دخاناً يخرج من أحد الكتابين. فمبعث هذا الدخان أمر معيّن في الواقع، فهذا الدخان الذي هو سبب العلم الإجمالي بالبرهان الإنّي نسبته إلى أحد الطرفين تختلف عن نسبته إلى الآخر. وإن كان بمقدار كشفه الإنّي لنا عن الاحتراق، شكّل لنا علماً إجمالياً باحتراق أحد الكتابين.
وكذلك لو فرضنا أنّ المعصوم أخبرنا بأنَّ أحد الكتابين قد احترق، أو ثقة يصدق أخبرنا بذلك، ولا ندري أقال الكتاب الهندسي، والجغرافي، أو هو أجمل المطلب تعمّداً. فهنا السبب أيضاً ليست نسبته إليهما على حدّ واحد، بل نسبته إلى طرف مخصوص غير نسبته إلى الآخر، وإن كان بمقدار كشفه لنا يكون مجملاً.
وهكذا لو فُرِض أنّه كان يوجد في الغرفة قرص سمّ. ودخل زيد إلى الغرفة، وخرج ودخل عمرو وخرج، ثُمّ دخلنا إلى الغرفة فلم نرَ قرص السمّ. فعلمنا إجمالا أنّه قد استعمله أحدهما. هذا بنحو البرهان اللّمي يعني استكشفنا الموت من ناحية علّته. إلَّا أنَّ سبب العلم ليس نسبته اليهما: على حدّ واحد، فإنّ فرص السم قد استعمله شخص معيّن في الواقع منهما.
ــــــــــ[67]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فهذا قسم من العلم الإجمالي. وهو أن يكون السبب الكاشف للعلم الإجمالي، مربوط بطرف بعينه غاية الأمر يشتبه علينا هذا الطرف فيتولّد العلم الإجمالي.
في مثل ذلك قلنا بأنَّ المعلوم بالإجمال محدود بحدّ خارجي، به يكون محتمل الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم بالتفصيل نقيّده بالسبب فنقول: احتراق الكتاب الذي هذا دخان احتراقه. أو موت الشخص الذي سُبِّب عن ذاك القرص الذي رأيناه في الغرفة. افرضوا أنّ أحد الشخصين اللذين دخلا إلى الغرفة علمنا تفصيلاً أنّه مات، لكن مع هذا لا نعلم بانطباق المعلوم الإجمالي عليه؛ لأنَّ المعلوم الإجمالي: هو موت شخص بذلك القرص. ونحن لا ندري أنَّ هذا الشخص الذي مات تفصيلاً قد مات بذلك القرص، لعلّه لم يمت به، فلم يحرز انطباق المعلوم الإجمالي على التفصيلي.
في مثل هذه الموارد يكون السبب الكاشف موجوداً على حاله، ولا موجب لانحلال العلم الإجمالي بوجه من الوجوه؛ لأنّ السبب الذي اقتضى تكّونه موجود بالفعل وهو: كاشفية الدخان عن احتراق كتاب معيّن في الواقع مردّد بيننا. أو كاشفية قرص السم، وهكذا. فيكون العلم الإجمالي ثابتاً بثبوت سببه، ولعدم انطباقه على المعلوم التفصيلي جزماً. وهذا واضح.
[القسم الثاني:]
أن نفرض أنَّ سبب العلم الإجمالي كان سنخ سبب نسبته إلى كلا الطرفين على حدّ واحد كنفس العلم الإجمالي. وهنا التجأنا إلى مسألة الحدّ الذهني،
ــــــــــ[68]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
والحدّ الذاتي؛ لأجل أن نبرهن على عدم الانحلال بملاك انطباق المعلوم الإجمالي على المعلوم التفصيلي.
في هذه الموارد، ينحلّ العلم الإجمالي على تفصيل تأتي الإشارة إليه، لوجه آخر غير مسألة انطباق المعلوم الإجمالي على التفصيلي.
ولأجل توضيح ذلك نذكر مثالين لهذا القسم من العلم الإجمالي، ونتكلّم أنّه كيف ينحلّ العلم الإجمالي فيهما.
[قسمة العلم الإجمالي بالسبب الذي يكون على حدّ واحد]
العلم الإجمالي الذي يكون سبّبه مستوى النسبة إلى كلا الطرفين، تارةً يكون علماً إجمالياً قائما على حساب الاحتمالات. وأخرى يكون علماً إجمالياً قائما على أساس البرهان؛ ولذا نمثّل لكلّ من القسمين، ونتكلّم في كيفية الانحلال
[القسم الأوّل: العلم القائم على أساس البرهان]
أن نفرض أنَّ العلم الإجمالي قائم على أساس(1) البرهان. ومثاله: أن نفرض أنَّ شخصين ادّعيا النبوة في مكان واحد وزمان واحد، ولشخص واحد، مع البرهان العقلي -مثلاً- القائم على عدم إمكان إرسال نبيين على موضوع واحد. لو فُرِض أنَّ هذا البرهان الذي يقوله المتكلمون تامّ. فهنا نسلّم إجمالاً أنَّ أحد هذين الشخصين كاذب لا محالة. ولعلّ كلاهما كاذب وقلنا على أقلّ تقدير أحدهما كاذب. وسبب هذا العلم الإجمالي هو ذلك البرهان العقلي. وهذا البرهان
ــــــــــ[69]ــــــــــ
() وأقصد بالبرهان ما كان تجريدياً قائماً على أساس عقلي وإن كان وهمياًّ باطلاً. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
نسبته إليها على حدّ واحد؛ لأنّه لا يعيّن من هو الكاذب من هذين، بل هو ينفي اجتماعهما في النبوة، ونفي الاجتماع النبّوتين، نسبته إلى كلّ منهما على حدّ واحد.
فهذا مثال العلم الإجمالي القائم على أساس البرهان، ويكون نسبة سببه إلى كلا الطرفين على حدّ واحد.
[القسم الثاني: العلم القائم على حساب الاحتمالات]
هو العلم الإجمالي القائم على أساس الاحتمالات ويكون نسبة سببه إلى كلا الطرفين على حدّ واحد.
نفرض في المقام أنَّ هناك عشرة وقد شهد على نجاسة كل منهما واحد من الطلبة(1)، وأنّه قد رآه تنجّس إلى عشرة من الطلبة. وبحساب الاحتمالات. من البعيد أنَّ عشرة من الطلبة لا يوجد فيهم شخص متوّرع عادل، بحيث لا يكذب أبداً. هذا بعيد بحيث يقطع بعدمه. فبحساب الاحتمالات يحصل العلم الإجمالي، بأنَّ أحد هؤلاء العشرة ثقة، وبالتالي أن أحد هذه الأواني قد تنجّس.
كلّ واحد من هؤلاء الطلبة في نفسه لا نجزم انه ثقة صدوق، لكن نحتمل احتمالاً قوياً بأنّه هكذا، ثُمّ نضمّ هذا الاحتمال إلى الاحتمال الآخر وإلى الاحتمال الثالث، وهكذا إلى عشرة احتمالات، فنتج الجزم بعد بطلانها جميعاً، يعني: الجزم بأنّه لا يخلو هؤلاء العشرة من واحد ثقة صدوق، فيتولّد علم إجمالي بمقتضى حساب الاحتمالات. فهذا مثال للثاني.
ــــــــــ[70]ــــــــــ
() يعني طالب العلم الديني وهو يستعمل للجمع والمفرد في اللغة العاميّة وقد استعمله هكذا. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
[تمثيل لكلا القسمين]
والآن نتكلّم في كلّ واحد من هذين المثالين:
أمّا المثال الأوّل:
وهو العلم الإجمالي القائم على أساس البرهان ويكون نسبة سببه إلى كلا الطرفين على حدّ واحد(1). هنا نريد أن نرى هذا البرهان ماذا يصنع لأجل أن يتكوّن هذا العلم الإجمالي. لو قطعنا النظر عن هذا البرهان وفرضنا عدم وجوده، فتكون الممكنات عنده أربع صور:
1- أن يكون كلاهما نبي.
2- أو كلاهما ليس بني.
3- أو هذا نبي دون ذاك.
4- أو العكس.
وهذه الصور الأربع تستنفذ تمام عالم الإمكان، فلا يمكن للعقل البشري للإنسان أن يضيف إليها صورة خامسة.
والبرهان العقلي القائم(2) على أنَّ الله لا يرسل إلى شخص واحد نبيين في وقت واحدٍ هذا البرهان عمله. انّه ينفي واحد من الصور الأربعة وهو ثبوتهما معاً. وبذلك تضيق دائرة الإمكان. فإنّ عالم الإمكان بينما كان يحتوي على أربع
ــــــــــ[71]ــــــــــ
() وهنا كرّر ذكر المثال. (المُقرِّر).
(2) أو القائم على عصمة النبي يبرهن على نفي الشق الأوّل؛ لأنّه لو كان كلاهما نبياً لكان كلاهما كاذباً؛ لأنّ كلاهما كذّب الآخر في نبوّته. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
صور لولا هذا البرهان، أصبح الآن يحتوي على ثلاث.
بعد فرض أنَّ عالم الإمكان يحتوي على ثلاث صور، لا بُدّ للنفس الإنسانية -عند التوجّه إلى هذه الصور- لا بُدّ أن ينقدح فيها قضية علمية، يعني: فيها علم وتصديق، إذ يستحيل أن لا تصدّق بكلّ هذه الممكنات؛ لاستحالة خلو العالم من تمام تلك الممكنات، وحينئذٍ فالنفس تارةً تصدّق بواحد بعينه من هذه الممكنات الثلاثة، وأخرى تصدّق بأحد شيئين، وأخرى تصدّق بأحد ثلاثة.
والآن، حيث إنَّ نسبة النفس إلى تمام هذه الصور الثلاث على حدّ واحد، فبرهان استحالة الترجيح بلا مرجّح، فلا محالة يكون التصديق هنا تصديقاً(1) إجمالياً ثلاثي الأطراف؛ لأنّه لو كان ثنائي الأطراف أو طرفيّاً، لكان هذا ترجيحاً بلا مرجّح؛ لانَّ نسبة النفس المصدّقة إلى هذه الممكنات الثلاثة على حدّ واحد.
فبضمّ برهان الترجيح بلا مرجّح إلى برهان عدم خلو العالم الخارجي من هذه الممكنات، ينتج علماً إجمالياً ثلاثي الأطراف. فولادة هذا العلم الإجمالي الثلاثي الأطراف، وهو إما أن كلاهما ليس بنبياً، أو هذا فقط ليس بنبي، أو ذاك فقط ليس بنبي. ولِد هذا(2) العلم بسبب هذين البرهانين: أصل ضرورية
ــــــــــ[72]ــــــــــ
() لأنَّ النفس تكون نسبتها في مقام الإذعان بتمام الأطراف على حدّ واحد. (المُقرِّر).
(2) فقد ولد هذا العلم الإجمالي بسبب مركّب من أمرين:
أحدهما: نفي الشق الأوّل بالبرهان.
وثانيهما: عدم وجود مرجّح لتوجّه النفس إلى واحد من الأطراف بعينه دون الآخر. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
حصول التصديق في عالم النفس، والآخر الترجيح بلا مرجّح.
وحينئذٍ، فلو علم هذا الإنسان الذي نتكلّم فيه علماً تفصيلاً بأنَّ زيداً بعينه ليس بنبي، لأنّه رآه يشرب الخمر. هنا يبطل سبب تكّون العلم الإجمالي؛ لأنَّ العلم الإجمالي كان وليد برهان إجراء الترجيح بلا مرجّح، وهو لا يجري في المقام؛ لأنَّ النفس ليست نسبتها إلى الجميع على حدّ واحد، بل هي جازمة بهذا، وحيث إنّها جازمة بهذا. إذن، فلا يبقى سبب تكوين القيام العملي الإجمالي، لأنَّ علّة قيام العلم الإجمالي كانت مركّبة من أمرين:
الأمر الأوّل: ضرورة وجود تصديق في الجملة في عالم النفس.
والثاني: هو واقع الترجيح بلا مرجّح يعني: واقع استواء نسبة النفس إلى هذه الأطراف، وقد اختلّ الجزء الثاني من العلّة، فالعلم الإجمالي زال سببه، وإذا زال السبب، زال المسبب في المقام(1).
هذا في العلم الإجمالي القائم على أساس البرهان.
المثال الثاني:
وأمّا العلم الإجمالي القائم على أساس حساب الاحتمالات، فالأمر فيه أيضاً كذلك: لو فرضنا إننا علمنا إجمالاً أنَّ أحد الطلبة -في المثال- ثقة صدوق. إذن، فأحد الأواني العشرة محكوم بالنجاسة. ثُمّ علمنا تفصيلاً أنَّ هذا
ــــــــــ[73]ــــــــــ
() فهنا يزول العلم الإجمالي من باب تلاشي سببه، لا من باب أنّه يسري إلى المعلوم التفصيلي كما كانت الفكرة عند تلك المدرستين. انظر ص 168 الدفتر 16. (المُقرِّر). [ص183 ج17 من هذه التقريرات].
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الطلبة المسمى بزيد والذي شهد بنجاسة الإناء الأوّل، هو ثقة عدل صدوق. فذاك علم إجمالي وهذا علم تفصيلي. نقول هنا أنَّ العلم الإجمالي يزول لزوال سببه. -لعين التقريب- فإنّ سبب العلم الإجمالي هو حساب الاحتمالات يعني: مجموع القوى الاحتمالية العشر، احتمال أن يكون هذا ثقة، واحتمال أن يكون ذاك ثقة، إلى آخر العشرة. هذه كوّنت عندنا علماً إجمالياً، بأنَّ واحد منهم ثقة.
وبحسب الحقيقة، هنا أيضاً، لو لا حساب الاحتمالات، لكان هناك صور عديدة بحسب عالم الإمكان:
الصورة الأوّلى: أن يكونوا كلّهم ثقاة.
الصورة الثانية: أن يكونوا كلّهم غير ثقاة.
الصورة الثالثة: أن يكون بعضهم دون بعض غير ثقاة، على اختلاف في هذا البعض.
وحساب الاحتمالات في المقام ينفي صورة بعينها من هذه الصور الممكنة، وهي: أن يكونوا كلّهم غير ثقاة. نفس هذه الصورة فيها استبعاد مخصوص، فتنتفي بحساب الاحتمالات، وأجزم ببطلانها. فأبقى أنا وباقي الصور الممكنة.
أيضاً يأتي نفس الكلام السابق، وهو أنَّ النفس هنا، إنّما يحصل لها علم إجمالي بأحد الصور الأخرى الباقية، باعتبار أمرين:
الأوّل: لابدَّية أصل التصديق.
والثاني: أنَّ نسبة النفس إلى تمام هذه الأطراف على حدّ واحد.
فلو فُرِض أنّني علمت تفصيلاً بأنَّ زيداً ثقة فاستواء النسبة قد اختلّ. فجزء
ــــــــــ[74]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
السبب لتكّون العلم الإجمالي زال. إذن، فلا(1) علم إجمالي؛ باعتبار زوال سببه.
نعم، لو فرضنا في هذا المثال بعينه، أنّنا لم نعلم -تفصيلاً(2)– بوثاقة أيّ واحد من هؤلاء العشرة، لكننا علمنا بنجاسة هذا الإناء الأول بعينه، علمت بنجاسته من غير أن أعلم بصدق الشاهد على نجاسته. هنا العلم الإجمالي -في الأواني(3)– لا ينحلّ، بل يبقى على حاله؛ لأنَّ نسبة النفس إلى وثاقة الأوّل، والثاني، والثالث… الخ، على حدّ واحد، فلا محالة يحصل علم إجمالي بوثاقة أحد هؤلاء، ويحصل لي علم إجمالي بنجاسة إناء من هذه الأواني.
الإناء الذي شهد ثقةٌ به، بهذا القيد، وهو قيد خارجي، وحينما نأخذ الإناء بهذا القيد يصبح محتمل الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم بالتفصيل. إذ أنا لا أدرى أنَّ الإناء الأوّل الذي علمت تفصيلاً بنجاسته قد شهد الثقة بنجاسته، إذ لعلّ زيداً الذي شهد بنجاسته لم يكن ثقة.
إنّما ذكرت(4) هذا المثال؛ لأجل أن أجمع بين المستثنى منه، والمستثنى في مثال
ــــــــــ[75]ــــــــــ
() وهناك برهان آخر على زوال العلم الإجمالي بعد حصول العلم التفصيلي وهو: قلّة تجّمع الاحتمالات، فإنه بعد فرض أنَّ العشرة أوجبت لي العلم بوجود العدل الواحد بينهم. فإنّني بعد أن أعلم تفصيلاً بوجود العدل لا تبقى لدي إلَّا تسع قوىً احتمالية، وهي لا تكفي لتوليد العلم الإجمالي؛ إذ الفرد المعلوم لا يساهم في حساب الاحتمالات. (المُقرِّر).
(2) (توضيح). (المُقرِّر).
(3) توضيح. (المُقرِّر).
(4) وهنا قال موضحاً: إنما ذكرت… (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
واحد، يعني تصوّرنا هنا علمين إجماليين: علم إجمالي بوثاقة أحد الشهود العشرة، ويترتب عليه علم إجمالي بنجاسة أحد الأواني العشرة. فهنا إذا علمت تفصيلاً بوثاقة زيد، ينحلّ العلم الإجمالي؛ باعتبار زوال سببه؛ لأنَّ نسبة النفس إلى تمام الأطراف لا تكون على حدّ واحد. وأمّا لو لم أعلم بوثاقة أيّ واحد من العشرة(1)، ولكن علمت بنجاسة هذا الإناء بعينه، لا ينحلّ العلم الإجمالي الأوّل، وإذا لم ينحلّ الأوّل لم ينحلّ الثاني أيضاً؛ لأني أقيّده من ناحية سببه، فيصبح محتمل الإباء عن انطباق على الطرف المعلوم تفصيلاً. فبهذا أتّضح: أنّنا متى استطعنا أن نقيّد المعلوم إجمالاً بقيد وحدّ خارجي من ناحية سببه، فلا نقول بالانحلال؛ لأجل عدم الانطباق، لأجل انحفاظ السبب أيضاً، ومتى ما لا يكون هناك قيد وحدّ خارجي فحينئذٍ نقول بالانحلال، لا من ناحية انطباق المعلوم الإجمالي على المعلوم التفصيلي جزماً، بل من ناحية زوال سبب العلم الإجمالي؛ لأنَّ سببه هو برهان الترجيح بلا مرجّح، وهو يختلّ مع وجود العلم التفصيلي، في بعض الأطراف.
وبهذا ظهر، أنَّ هذا الذي انتهينا إليه مطابق مع الوجدان أيضاً. وظهر لماذا تعاكس وجدان المدرستين، فإنّه الآن لو رجع كلّ واحد منّا إلى وجدانه لرأى، أنّه في موارد العلم الإجمالي الذي يكون نسبة سببه إلى أحد الطرفين غير نسبته إلى الطرف الآخر، يرى أنّ علمه الإجمالي غير منحلّ بالوجدان، وفي الموارد التي يكون نسبة السبب إليهما على حدّ واحد، يرى انحلال العلم الإجمالي بالوجدان
ــــــــــ[76]ــــــــــ
() تفصيلاً. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فلا يقول: إنّي أعلم إجمالاً بعدم نبوّة أحد هذين الشخصين، بل يقول أعلم تفصيلا ًبعدم نبوّة هذا، وأشكّ في نبوّة الآخر.
هذا هو تمام الكلام في الانحلال الحقيقي.
[تلخيص وإفادة]
تلخّص ممّا بيّناه سابقاً: أنَّ انحلال العلم الإجمالي بالتفصيليّ، له ملاكان: أحدها، الانطباق الجزميّ للمعلوم الإجمالي على المعلوم التفصيليّ. والآخر هو زوال سبب تكوّن العلم الإجمالي نفسه. ولو لم ينطبق معه على المعلوم التفصيليّ انطباق جزمياً.
أمّا الملاك الأوّل: فهو غير تامّ في موارد العلم الإجمالي، فإنّه في جميع موارد العلم الإجمالي مع العلم التفصيلي بأحدّ الطرفين، لا يحصل هناك انطباق جزمي للمعلوم الإجمالي على التفصيلي، بل المعلوم الإجمالي دائماً يكون محدوداً بحدّ، وخصوصيّة محتملة الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم تفصيلاً. غاية الأمر بأنَّ هذا الحدّ تارةً يكون خارجياً، وأخرى يكون ذهنياً.
فإنّه إذا كانت نسبة العلم الإجمالي إلى كلا الطرفين على حدّ واحد. كما هو الحال في حساب الاحتمالات، أو برهان عدم اجتماع نبوّتين -كما ذكرنا – فيكون الحدّ الذي تخصّص به المعلوم بالإجمال، وبه أصبح محتمل الإباء عن الانطباق على المعلوم التفصيلي، يكون ذهنياً صرفاً.
وأمّا إذا كان سبب العلم الإجمالي سبباً خارجياً، يكون مخصوصاً بأحد طرفي العلم الإجمالي في الواقع، من قبيل سببيّة الدخان للاحتراق.
ــــــــــ[77]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
في مثل هذا يكون المعلوم بالإجمال واجداً لكلّ من الحدّ الذهني المحتمل الإباء، ولحد آخر خارجي وهو حدّ السبب. لأن المعلوم بالإجمال هنا يُقيّد من ناحية السبب فيقال: أعلم باحتراق الكتاب، الذي رأيت دخانه.
وأمّا الملاك الثاني: وهو زوال سبب العلم الإجمالي في نفسه، فقد قلنا: إنَّ هذا الملاك يتمّ فيما إذا كان سبب العلم الإجمالي نسبته إلى كلا الطرفين على حدّ واحد. ولا يتمّ الملاك الثاني، فيما إذا كان سبب العلم الإجمالي له اختصاص في الواقع بأحد طرفي العلم الإجمالي.
هذه هي النتيجة المستخلصة مما سبق.
[دفع توّهم]
وعلى هذا الضوء، يتراءى في بادئ النظر، بأنَّ ذاك الحدّ الذهنيّ، الذي قلنا: بأنَّ المعلوم بالإجمال يكون محدوداً به، ويكون به محتمل الإباء عن الانطباق على المعلوم التفصيليّ. قد يتراءى أنَّ هذا الحدّ الذهنيّ ليس له أثر في مقام المانعيّة عن الانحلال بحسب الوجدان الخارجيّ.
وسبب هذا الترائي البدوي، يظهر من خلال التلخيص الذي ذكرناه؛ وذلك لأنَّ هذا الحدّ الذهنيّ، الذي يتخصّص به المعلوم بالإجمال، في الموارد التي يكون سبب العلم الإجمالي مخصوصاً بأحد الطرفين، في تلك الموارد وإن كان لا انحلال، لكن فيها الحدّ الخارجي من ناحية السبب أيضاً موجود. فضلاً عن الحدّ الذهنيّ. ويكون المعلوم بالإجمال محتمل الإباء عن الانطباق على المعلوم التفصيليّ، من ناحية الحدّ الخارجيّ الناشئ من السبب.
ــــــــــ[78]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فهنا كأنّه يبدو أن عدم الانحلال نتيجة للحدّ الخارجي، لا لذلك الحد الذهنيّ التعمّلي، ويبقى الحدّ الذهنيّ التعمّلي تحت الشعاع، بالنسبة إلى ذلك الحدّ الخارجي، فكأن الحد الذهني هنا لم يؤثّر في الانحلال، بل أثّر الحدّ الخارجي.
وامّا في مورد ما إذا لم يكن هناك حدّ خارجي، وهو: ما إذا كان سبب العلم الإجمالي نسبته إلى كلا الطرفين على حدّ واحد. فهنا الحدّ وإن كان متخصّصاً بالحدّ الذهنيّ، لكن مع هذا يبدوا كأنّه ليس مانعاً عن الانحلال. إذن، هذا مورد الانحلال ثابت بالملاك الثاني. فلا يظهر للناظر مانعيّة الحدّ الذهنيّ عن الانحلال بالملاك الأوّل؛ لأنَّ الانحلال ثابت هنا بالوجدان.
فهنا الحدّ الذهنيّ مظلوم بمقدار ما؛ لأنّه إمّا أن يوجد مقترناً مع الحدّ الخارجيّ، فيقع تحت الشعاع بالنسبة إليه، ويتراءى كأنّ عدم الانحلال مستند إلى الحدّ الخارجيّ للمعلوم الإجمالي فقط. وأن يبقى الحدّ الذهنيّ وحده بدون حدّ خارجي، فيتراءى أنّه لم يُمنع عن الانحلال؛ لأنَّ الانحلال ثابت بالملاك الثاني. ولكن في الواقع هو مانع عن الانحلال بالملاك الأوّل سواءٌ كان مع الحدّ الخارجي، أو كان وحده.
ومن هنا يظهر، أنّنا لا يمكن أن نتصوّر مورداً، بحيث إنَّ المعلوم بالإجمال لا يكون له حدّ خارجيّ، بل يكون متخصّصاً بالحدّ الذهني، ومع هذا لا ينحلّ العلم الإجمالي(1)؛ لأنَّ فرض أنَّ المعلوم الإجمالي ليس له حدّ خارجيّ، بل
ــــــــــ[79]ــــــــــ
() هذا يحتاج إلى برهان. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
متمّحض للحدّ الذهنيّ، هو فرض أنَّ السبب نسبته إلى كلا الطرفين على حدّ واحد، وهذا الفرض بنفسه مساوق لتماميّة الملاك الثاني للانحلال. فلا يوجد مورد يكون المعلوم الإجمالي متمّحضاً للحدّ الذهني، ومع هذا لا انحلال بحسب الخارج.
نعم، يمكن إنصاف هذا الحدّ الذهني وإبراز دوره في المانعيّة عن الانحلال بمقدارٍ مّا بهذا البيان: بأن نلاحظ موارد اجتماع الحدّ الذهنيّ مع الحدّ الخارجيّ، أي الموارد التي يكون سبب العلم الإجمالي فيها نسبته إلى أحد الطرفين غير نسبته إلى الطرف الآخر، بأن يكون السبب من الأمور الخارجيّة، كالدخان والقطرة. فهنا المعلوم الإجمالي محددّ بحدّين: حدّ خارجيّ، بأن أقول بانّي أعلم بنجاسة الإناء الذي وقعت فيه القطرة، التي رأيتها بعيني -وأشبهت عليّ-. وحدّ ذهنيّ: وهو ما ذكرناه من الحدّ الإطلاقي للمعلوم بالإجمال بأن أقول: أعلم بنجاسته في الجملة ثابتة ولو لم يكن ملاك علمي التفصيليّ صحيحاً.
فهنا أشكّل علماً إجمالياً وأقول: إنّي أعلم بنجاسة أحد الإناءين وأشكّل علماً تفصيلياً بنجاسة الإناء الأحمر. أريد أن أرى أنَّ العلم الإجمالي ينحلّ بالتفصيل أو لا؟
هنا، إذا تحفّظنا على تمام الخصوصيّات المعلومة إجمالاً وتفصيلاً يبرز بكمال الوضوح عدم الانحلال؛ لأنَّ المعلوم الإجمالي عندي مقيّد بحدّ خارجيّ، به يكون محتمل الإباء والانطباق على الطرف المعلوم بالتفصيل؛ إذ أقول بنجاسة الإناءين الناشئة من القطرة، التي نظرت إليها ولم أميّز مكان وقوعها.
ــــــــــ[80]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
والنجاسة المقيّدة بهذا القيد الخارجيّ هي: محتملة الإباء على الإناء الأحمر؛ إذ لعلّ القطرة الواقعة فيه غير تلك القطرة التي رأيتها ولم أميزها. إذن، فهذا المعلوم الإجمالي محتمل الانطباق على كلا الطرفين، وهو معنى العلم الإجمالي. فلم ينحلّ.
وفي هذا البيان لا نحتاج إلى الحدّ الذهني الاعتباري؛ إذ يكفينا في عدم الانحلال إبراز الحدّ الخارجي، والحدّ الذهنيّ هنا مغمور وتحت الشعاع.
ولكن لو جاء شخص وقال: بأنّني أريد أن ألحظ حالتي النفسيّة الوجدانيّة، لا بلحاظ تمام الخصوصيّات، بل بلحاظ ما هو موضوع الأثر عقلاً وشرعاً؛ لأنَّ ما هو موضوع الأثر عقلاً وشرعاً، هو ذات نجاسة الشيء لا نجاسته المقيّدة، بأن تكون ناشئة من قطرة رأيتها بعيني. فإنّ النجاسة بما هي مقيّدة بهذا القيد ليست موضوعاً، لا لأثر عقلي وهو المنجزيّة، ولا شرعيّ وهو حرمة الشرب أو عدم جواز الصلاة فيه. أو التوضؤ فيه. وما هو موضوع الأثر هو ذات نجاسة الشيء سواءٌ كانت النجاسة ناشئة من القطرة التي رأيتها بعيني، أو من غيرها.
إذن، هنا نريد أن نفرز الخصوصيّات غير الدخيلة في موضوع الحكم، ولم ندخل في حدود العلم إلَّا ما هو داخل في موضوع الأثر. ونلحظ ما هو الموضوع للأثر عملاً وشرعاً؛ لأجل أن نرى انّه بلحاظ قصر النظر على ذلك، هل يتشكّل عندي علم إجمالي، وعلم تفصيلي أو لا؟
وحينئذٍ، فأنا اشكّل علمين إجماليين على هذا الترتيب، أقول: أعلم إجمالاً
ــــــــــ[81]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بصرف نجاسة أحد الإناءين، وأعلم تفصيلاً بنجاسة هذا الإناء. فهنا اشكّل علماً تفصيلياً غير موضوع الاثر الشرعي في هذا الاناء وعلماً إجمالياً بموضوع الاثر الشرعي في أحد الإناءين.
في مثل ذلك قد يجيء شخص ويدّعي أنه هنا يتمّ الانحلال، فإنَّ هذا العلم الإجمالي بموضوع الأثر الشرعيّ، ينحلّ بالعلم التفصيليّ بموضوع الأثر الشرعيّ؛ لأنّ معلوم هذا العلم الإجمالي هو نجاسة أحد الإناءين، بلا ضمّ أيّ خصوصيّة إليه، وهذه النجاسة بما هي صرف النجاسة، مقطوعة الانطباق على صرف النجاسة في الطرف المعلوم بالتفصيل.
وما هو الموضوع للأثر هو صرف النجاسة مقطوعة الانطباق على صرف النجاسة في الطرف المعلوم بالتفصيل. وما هو الموضوع للأثر هو صرف النجاسة.
إذن، إذا لاحظنا علومنا الإجمالية والتفصيليّة بلحاظ موضوعات الآثار، ينحلّ علمنا الإجمالي بعلمنا التفصيلي(1).
هنا نقول: إنّه لا ينحلّ العلم الإجمالي بالتفصيلي: وذلك لأنَّ العلم الإجمالي هنا، معلومه محدود بحدّ ذهني، به يكون محتمل الإباء على الانطباق على الطرف المعلوم تفصيلاً. وهنا يعطي الحدّ الذهني حدّاً في مقام الظهور.
وذلك، لأنّي أعلم إجمالاً بصرف نجاسة ثابتة، ولو على تقدير خطأ مدرك
ــــــــــ[82]ــــــــــ
() واجاب السيّد على هذا الإشكال بجواب آخر مذكور في الصفحة 171 من الدفتر السادس عشر. (المُقرِّر). [ص186 ج17 من هذه التقريرات].
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
علمي تفصيلي، بنجاسة بحدّها الإطلاقي، وهذه النجاسة بهذا الحدّ الإطلاقي محتملة الإباء عن الانطباق على النجاسة، المعلومة تفصيلاً على النحو الذي بيّناه سابقاً(1)..
[جواب عن شبهة محتملة]
وبهذا البيان يظهر الجواب على شبهة يمكن أن تتُخيّل في المقام. وهي شبهة الانحلال الحقيقي، لكن لا بلحاظ العلم بتمام الخصوصيّات، بل بلحاظ العلم: بما هو موضوع الحكم الشرعي. بأن يقال: بأنَّ علمي الإجمالي بالنجاسة منحلّ حقيقة بعلمي التفصيلي بها. لكن لا إذا لاحظنا الخصوصيّات، وقيد كلّاً من المعلومين بسببه، بل إذا لاحظنا خصوص المقدار الواقع موضواً للأثر الشرعيّ. أي: إنّنا لا نعلم إجمالا بموضوع الأثر الشرعي، وإن كنّا نعلم بالنجاسة الكذائية. لكن بما هو موضوع للأثر الشرعيّ بحرمة الأكل، لا نعلم اجمالاً؛ لأنَّ علمنا الإجمالي بالموضوع الشرعيّ منحلّ بعلمنا التفصيلي؛ لأنَّ المعلوم الإجمالي منطبق على المعلوم التفصيلي.
هذه شبهة يظهر جوابها مما قلناه؛ لأنّنا حتى لو لاحظنا حدود ما هو
ــــــــــ[83]ــــــــــ
() وهنا قال ضمن جواب لسؤال قلته: أنا أعلم بصرف النجاسة في أحد الإناءين وولو كنت خطأ في علمي التفصيلي، هذا الإطلاق حد ذهني للمعلوم الاجمالي، ولم نلغه. وبهذا الحدّ الذهني يكون محتمل الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم بالتفصيل*
* هذا جواب على ما سألته: من أنّنا بعد أن ألغينا مدرك العلم التفصيلي فيلزم إلغاء الإطلاق. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الموضوع للأثر، فإنّ لنا علم إجمالي بما هو موضوع الأثر، فإنَّ المعلوم الإجمالي محدود بحدّ ذهنيّ، به يكون محتمل الإباء عن الانطباق على الطرف المعلوم تفصيلاً.
إذن، فلا انحلال حقيقي لا بلحاظ تمام الخصوصيّات المعلومة، ولا بلحاظ مقدار ما هو الموضوع للأثر الشرعي. والعلم الإجمالي ثابت على كلا التقديرين.
نعم، الانحلال الحقيقي ثابت بالملاك الثاني، وهو: ما إذا كان سبب العلم الإجمالي نسبته إلى الطرفين على حدّ واحد، فينحل لا من باب انطباق المعلوم الإجمالي على المعلوم التفصيلي جزماً، بل من باب زوال سبب تكوّن وولادة هذا العلم الإجمالي في عالم التكوين.
هذا تمام الكلام في الجهة الأولى وهي الانحلال الحقيقي. بعد هذا ننتقل إلى الجهة الثانية: وهي الانحلال الحكمي.
الجهة الثانية الانحلال الحكمي
[حقيقة الانحلال الحكمي]
نفرض في المقام أنّنا نتكلّم في مورد لم ينحلّ فيه العلم الإجمالي انحلالاً حقيقيّاً كما لو كان العلم الإجمالي أمراً خارجياً، ويكون مخصوصاً بأحد الطرفين في الواقع، فإنّه هنا لا انحلال حقيقي، فنرى أنّه هل هناك انحلال حكمي أو لا؟
ــــــــــ[84]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وهو ومرادنا من الانحلال الحكمي(1) يعني بطلان منجزية العلم الإجمالي. فهل تبطل منجزيّته وإن كان ثابتاً في الواقع أو لا؟
والكلام هنا يقع بلحاظين: تارةً بقطع النظر عن الأصول الشرعيّة وأخرى بلحاظها.
فنتكلّم تارةً: بقطع النظر عن الأصول الشرعيّة، هل تبطل منجزية العلم الإجمالي-لو بقينا نحن والعلم الإجمالي، مع العقل على القواعد العقلائية بقطع النظر عن محلّ الأصل المؤمّن من قبل الشارع-، أو لا؟
ونتكلّم أخرى: عن الانحلال الحكمي، بلحاظ الأصول الشرعيّة المؤمّنة، بأن نضيف إلى العلم الإجمالي والعقل، الشريعة، التي جعلت أصالة البراءة، والحلّ والطهارة، هل تبطل منجزيّة العلم الإجمالي أو لا؟
[الانحلال بلحاظ القواعد العقلية]
قلنا: إنَّ الكلام بعد الفراغ عن عدم الانحلال الحقيقي يقع في الانحلال الحكمي، بمعنى: أنّنا في الموارد التي تثبت فيها عدم الانحلال الحقيقي، لنرى أنّه هل هناك انحلال حكمي، ومقصودنا من الانحلال الحكمي، هو بطلان منجزيّة العلم الإجمالي -انحلال حكم العلم الإجمالي لا ذاته(2)-.
وقلنا: إنَّ الكلام في الانحلال الحكمي، تارةً يكون بقطع النظر عن
ــــــــــ[85]ــــــــــ
() زوال حكمه وأثره وهو المنجزيّة ووجوب الموافقة القطعية، وإلزام المكلّف عقلاً بالاجتناب عن الطرف الآخر غير المعلوم تفصيلاً. (المُقرِّر).
(2) وهنا ذكر مثالاً من موارد عدم الانحلال الحقيقي كما سبق. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الأصول الشرعيّة المؤمنة، أي: لو قصرنا النظر على العلم الإجمالي، وحكم العقل بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) -على القول بها- نرى أنّه هل ينحلّ العلم الإجمالي. وأخرى نتكلّم في الانحلال بلحاظ الأصول الشرعيّة.
أمّا باللحاظ الأوّل، أي: لو قطعنا النظر عن جعل الشارع لأصالة البراءة أو الطهارة، أو الحلّ، وكنّا ممّن يعتقد (قبح العقاب بلا بيان)، فنرى أنَّ العلم الإجمالي هنا، بعد تعلّق العلم التفصيلي بأحد طرفيه هل يكون منجّزاً في الطرف الآخر أو لا؟ بل يمكن في الطرف إجراء قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). فيصير حال الطرف الاخر حال الشبهة البدوية، وإن لم يكن شبهة بدوية حقيقية؛ لأنَّ العلم غير منحلّ حقيقةً. ولكن يكون حكمه عقلاً حكم الشبهة البدوية من حيث عدم التنجّز.
التقريب الأوّل للمحقّق العراقي
لعلّ أشهر ما بُيّن في تقريب الانحلال الحكمي، ما أفاده المحقّق العراقي حيث إنّه بنى على عدم الانحلال الحقيقي مطلقاً، ومن هنا أحتاج إلى تقريب الانحلال الحكمي. فنبيّن لذلك وجهاً:
يمكن تقريب هذا الوجه بتعبيرين أو تقريبين، الأوّل منهما يختلف بمقدار ما، عن تعبير نفس المحقّق العراقي، والثاني مطابق مع عبارته.
أمّا التعبير الأوّل لهذا الوجه: فهو أن يُدّعى من قبل المحقّق العراقي: أنَّ العلم الإجمالي في هذا المثال لا يكون منجّزاً؛ وذلك لأنّه لم يحرز قابلية المعلوم الإجمالي للتنجيز من ناحية العلم الإجمالي؛ ذلك لأنّه في الواقع إن كانت الحرمة
ــــــــــ[86]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الإجمالية هي نفس الحرمة المعلومة تفصيلاً الثابتة في الإناء الشرقي. إذن، فهي منجزة بالعلم التفصيلي ويستحيل أن يتنجّز التكليف الواحد مرتين. إذن، فالتنجّز الثاني مستحيل؛ لأنَّ التنجّز لا يتنجّز على ما يعبر.
فعل هذا التقدير يستحيل أن يعطي العلم الإجمالي تنجيزاً جديداً؛ لأنَّ معنى ذلك، أن ذلك التكليف الذي تنجّز بالعلم التفصيلي، يتنجّز بتنجّز آخر وهو محال؛ لاستحالة اجتماع المثلين -مثلاً-
وإن فرضنا أنَّ الحرمة الإجمالية ليست هي تلك، بل هي الحرمة الأخرى، فحينئذٍ يمكن للعلم الإجمالي أن يتنجّز معلومه بالنحو الذي له من التأثير في معلومه. إذن، فالعلم الإجمالي بالنسبة إلى معلومه، على تقدير المعلوم غير قابل على أن يتنجّز من ناحية العلم، وعلى تقدير المعلوم قابل لأن يتنجّز من ناحية العلم، فلا يحرز قابلية المعلوم للتنجّز من ناحية العلم(1).
هذا البيان، يجب أن يكمّل -مثلاً- بدعوى: أنّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي. إحراز قابلية المعلوم للتنجّز من ناحية العلم، ولا يكفي في هذا التنجّز مجرّد القابلية الواقعية، بل يحتاج إلى إحراز ذلك. إذ لو كفت القابلية الواقعية على التنجّز، فعلى كلا التقديرين(2) القابلية الواقعية محفوظة في الجامع المعلوم بالإجمال، فيصير من باب احتمال التنجّز، ومن المعلوم أنَّ احتمال التنجّز يكون منجّزاً لا محالة.
ــــــــــ[87]ــــــــــ
() انظر: نهاية الأفكار 3: 251-252.
(2) وهو تقدير انطباق الجامع على الفرد الآخر. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بخلاف ما إذا قلنا أنّه من شروط تنجّز العلم الإجمالي إحراز قابلية الجامع المعلوم بالإجمال للتنجّز. حينئذٍ هذا الإحراز غير موجود؛ لأنَّ الجامع المعلوم بالإجمال هنا، إن كان منطبقاً على نفي المعلوم التفصيلي، فلا يقبل تنجّز آخر، وإن كان منطبقاً على الآخر فيقبله. إذن، فلم نحرز القابلية.
إذن، فهذا البيان يحتاج، بعد إبراز عدم قابلية صغرىً، إلى دعوى(1) أمر كبروي، وهو أنّه يشترط في تنجّز العلم الإجمالي إحراز القابلية -مثلاً -لأجل إن تتمّ صورةٌ لإثبات المدّعى.
[جواب التقريب الأوّل]
وهذا لتقريب لا ينطبق تماماً مع عبارة المحقّق العراقي؛ لأنَّ المحقّق العراقي لم يقل كما قلنا: إنَّ الجامع المعلوم بالإجمال لم يحرز قابلياته للتنجّز، بل قال بأنَّ الجامع غير قابل للتنجّز جزماً من ناحية العلم الإجمالي، لا أنّه لم يحرز قابليته. ومن هنا لا يحتاج إلى ضمّ هذه الدعوى، والتي ضممناها. إذ من المعلوم أنّه مع نفي القابلية جزماً كيف يعقل التنجيز، فإنَّ التنجيز في موضوع غير قابل أمر محال.
وذلك: أنّه يقول: إنَّ المعلوم بالإجمال هو الجامع بحدّه الإطلاقي القابل للانطباق على هذا أو ذاك، على كلّ طرف من أطراف العلم الإجمالي، أي: ما نعبّر عنه عرفاً: الجامع سواءٌ كان هذا أو ذلك. والجامع بهذا الحدّ
ــــــــــ[88]ــــــــــ
() وهي تُقال بشكل دعوي لا أكثر، (المحاضرة). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الإطلاقي، يستحيل أن يتنجّز من ناحية العلم الإجمالي؛ وذلك لأنَّ قابليته للتنجّز من ناحية العلم الإجمالي، فرع قابلية كِلا الطرفين للتنجّز من ناحية العلم الإجمالي، فإذا خرج أحد الطرفين عن القابلية للتنجّز بالعلم الإجمالي، خرج الجامع عن القابلية جزماً؛ لأنَّ الجامع هنا هو جامع إطلاقي قابل للانطباق على كلا الطرفين، فإذا بطلت القابلية في أحد الطرفين بطلت القابلية في الجامع حتماً، في المقام أحد الطرفين بطلت فيه القابلية، وهو الطرف المعلوم تفصيلاً، فإنَّ هذا الطرف يستحيل أن يتنجّز تنجّزاً آخر من ناحية العلم الإجمالي بعد تنجّزه بالعلم التفصيلي؛ لأنَّ المتنجّز لا يتنجّز مرّة أخرى.
إذن فلا يكون متعلّق العلم قابلاً للتنجّز من قبل العلم الإجمالي على جميع تقاديره، وما لم يكن قابلاً لذلك يستحيل أن يكون العلم الإجمالي منجّزاً.
فاذا بطلت القابلية في هذا الطرف، بطلت القابلية في الجامع حتماً؛ لأنّه جامع ملحوظ بنحو الإطلاق، والجامع بهذا الحدّ لا يقبل أن يتنجّز جزماً، ولو بلحاظ عدم قابلية أحد جناحيه للتنجّز.
[التقريب الثاني للمحقق العراقي أيضاً]
نعم، الشيء الذي يقبل أن يتنجّز من ناحية العلم الإجمالي، هو الجامع المقيّد بالانطباق على هذا الطرف، لا الجامع المحدود بالحدّ الإطلاقي، بل الجامع المحدّد بالحدّ الشخصي بذلك الطرف(1)؛ لأنّه غير متنجّز بالعلم التفصيلي. فيمكن أن يتنجّز إلَّا أنَّ هذا غير معلوم أصلاً، فما هو معلوم
ــــــــــ[89]ــــــــــ
() يعني: غير المعلوم تفصيلاً. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بالإجمال، وهو: الجامع المحدود بالحدّ الإطلاقي، لا يمكن أن يتنجّز؛ لعدم قابليته للتنجّز، وما يكون قابلاً للتنجّز، وهو الجامع المحدود بالانطباق على الآخر، ليس معلوماً بالإجمال أصلاً. فما هو قابل للتنجّز معلوم، وما هو معلوم لا يقبل التنجّز.
[جواب التقريب الثاني]
هذا التقريب الذي أفاده أحسن من التقريب الذي بيّناه، من حيث إنّه لا يحتاج إلى ضمّ دعوى أخرى، كما صنعنا في ذلك التقريب.
ولكن هذا التقريب في نفسه غير تامّ؛ ذلك لانَّ دعوى أن الجامع يخرج عن قابلية التنجّز هنا بخروج أحد طرفيه عن قابلية التنجّز، مبنية على نُكتة غير صحيحة. وحاصل هذه النُكتة هو تصور أن التنجّز الذي يتعلّق بالجامع يسري إلى الأفراد، لكن على نحو ما يلاحظ به الجامع، وحيث إنَّ الجامع ملحوظ بنحو صرف الوجود، وبنحو مفاد النكرة، بحيث يكون انطباقه على أفراده بدليّاً، فنفس التنجّز أيضاً يسري، لكن بنحو الانطباق البدلي، فتنجّز كلّ واحد من الفردين، لكن بدلاً عن الآخر لا في عرض الآخر ومعه.
من قبيل ما يقال: في الوجوب الشرعي المتعلّق بصرف الوجود، لو تعلّق وجوب الصلاة بصرف وجودها بين الحدّين، هناك يقال بالسريان إلى الأفراد، لكن على وجه البدليّة، بحيث إنَّ الصلاة في أوّل الوقت واجبة، ولكن اتّصافها بالوجوب على نحو البدلية، فهي واجبة لا مع الآخر لكن بدلا عنه.
فبحسب الحقيقة، يكون تنجّز الجامع مساوقاً مع تنجيزات عديدة بعدد الأفراد، ولكنّها بدليّة لا عرضية.
ــــــــــ[90]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وبعد البناء على هذه المساوقة حينئذٍ، يقال في المقام: أنّه إن كان تنجّز الجامع المأخوذ بنحو صرف الوجود مساوقاً مع تنجّزات بدليّة عديدة بعد ردّ الأفراد. فحيث إنَّ الطرف المعلوم بالتفصيل يستحيل فيه التنجيز، لا عرضياً، ولا بدليّاً؛ لأنَّ المتنجّز يستحيل أن يتنجّز مرّة أخرى، فلهذا يستحيل تنجّز الجامع. وهذا هو واقع مراد المحقّق العراقي.
إلَّا أنّ هذا غير صحيح: لما بيّناه في بحث الأوامر والنواهي أيضاً، من أنَّ العرض المتعلّق بالجامع المأخوذ بنحو صرف الوجود بنحو مفاد النكرة، لا يسري إلى الأفراد أصلاً، لا بنحو العرضية، ولا بنحو البدليّة. وإنّما العرض المتعلّق بالجامع المأخوذ بنحو مطلق الوجود، يعني بنحو مفاد اسم الجنس، ذاك هو الذي يسري إلى الأفراد بنحو العرضيّة. وحينئذٍ ففي المقام تنجّز الجامع، ليس معناه تنجّزات بدليّة للأفراد بعددها، حتّى يقال بأنَّ الجامع هنا منسلخ عن القابلية جزماً.
بل يجب أن نعود مرّة أخرى إلى التقريب الأوّل، وهو أن نقول: إنَّ الجامع يحتمل قابليته ويحتمل عدم قابليته.
[تساؤلان]
وقد يقول قائل في المقام: بأنّنا إذا سلّمنا هذه التعليقات، فلماذا تفرضون أنَّ منجّزية العلم التفصيلي مفروغ عنها، ويقع العَوْل والنقصان على العلم الإجمالي. لماذا لا نعكس المطلب، ونفرض أنَّ العلم الإجمالي يؤثر، ويقع العول والنقصان على العلم التفصيلي. فإنّ هاتين علّتان على معلول واحد، ويستحيل
ــــــــــ[91]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
أن يؤثر علّتان على معلول واحد، وهو: التنجّز في هذا الطرف. لماذا تفرضون حينئذٍ أنَّ العلم الإجمالي ينسلخ عن العلّية، بل اسلخوا التفصيلي عنها.
وقد يقول قائل: إنّه لماذا لا تفرضون المقام من قبيل اجتماع علّتين مستقلتين على معلول واحد، فيصير الجامع بينهما، أو المجموع منهما، علّة بالنسبة إليه كما هو الحال في الظواهر الطبيعية.
[الإجابة عن التساؤل]
أمّا بالنسبة إلى السؤال الأوّل، فبحسب الحقيقة إنّما لم يفرض هؤلاء، أنَّ العلم التفصيلي ينسلخ عن المنجزيّة؛ لأنّ انسلاخه عن المنجزيّة حفاظاً على منجزيّة العلم الإجمالي، معناه: أنّه لا يعاقب على ارتكاب المعلوم التفصيلي في المقام، لماذا؟ لأنّ برهان استحالة اجتماع سببين على سبب واحد اقتضى هذا المطلب، واستهجان هذا المطلب طبعا حيث إنه بديهي؛ ولهذا لم يُفرض. وليس حاله حال ما لو قيل أنّه لا يعاقب على الطرف الآخر؛ لأجل برهان استحالة اجتماع سببين على مسبَّب واحد، فإنّ هذا حيث إنَّ استهجانه ليس بديهياً، فلهذا فرض ذلك استصحابه بديهي ولهذا لم يفرض.
[تحقيق المسألة]
والتحقيق، أنَّ كلّ هذه الكلمات بلا موضوع في المقام؛ لأنَّ باب التنجيز. والتنجيز ليس باب من أبواب الظواهر التكوينية مع الأسباب التكوينية. حتّى يقال بأنَّ التنجيز ظاهرة الحرارة في الماء، أو العلم التفصيلي علّة تامّة لها، وكذلك العلم الإجمالي على حدّ نفسه، ويستحيل اجتماع سببين على معلول
ــــــــــ[92]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
واحد ويستحيل تعدّد المعلول هنا؛ لأنَّ الشيء كما لا يكون فيه حرارتان، لا يكون فيه تنجزّان. إذن، فلا بُدّ أن ينسلخ أحدهما عن العلّية، ويقال: إنَّ العلم الإجمالي منسلخ عن العليّة.
كلّ هذه تلفيقات؛ لأنَّ باب التنجيز والمنجّز ليس بابه باب الظواهر والمعلولات مع العلل والمسبِّبات مع الأسباب الخارجيّة التكوينيّة، بل قلنا فيما سبق مراراً: إنَّ باب التنجيز مرجعه إلى إدراك كبرى يستقلّ بها العقل العملي. وهي حقّ الطاعة، وإنَّ هناك تكاليف للمولى داخلة في دائرة حقّ الطاعة. وهي التكاليف بوجودها الواصل بمرتبة من الوصول.
وبعد أن نبني على قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، نقول: الواصل بالوصول العملي، ولا يكفي الوصول الاحتمالي والشكّي في الادخال في دائرة حقّ الطاعة.
هنا يجب أن نبحث هكذا:
إنَّ عندنا وصولين: وصول تفصيلي، ووصول إجمالي، وهذا الدخول التفصيلي أُدخل مورده في حقّ الطاعة، فالعقل يدرك أنَّ من حقّ المولى على العبد أن يطاع في هذا التكليف المعلوم بالتفصيل.
بعد هذا نجيء إلى التكليف المعلوم بالإجمالي، إلى الوصول الإجمالي، لنرى أنَّ ذاك التكليف الواصل بالوصول الإجمالي، على فرض أن يكون ذلك التكليف هو نفس ذلك التكليف(1) أو على فرض أن يكون غيره. هذا الوصول
ــــــــــ[93]ــــــــــ
() المعلوم بالتفصيل، (توضيح). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
هل يدخل في دائرة الطاعة أو لا؟ وليس باب هذا الإدخال باب التأثير أو التأثّر، بل باب الموضوع مع الحكم، يعني: أنَّ العقل هل يحكم بقبح مخالفة هذا التكليف أو لا؟ هل يرى أنَّ مثل هذا الوصول رافع لقاعدة قبح العقاب، أو لا يراه رافعاً؟
يعني هل يرى أنَّ موضوع القاعدة هل هو مقيّد بعدم هذا الوصول، أو غير مقيّد؟
فبابه باب الموضوع مع الحكم في قضية واقعيّة مُدرَكة للعقل العملي. وليس بابه باب الأسباب والمسبِّبات، والتأثير والتأثّر؛ حتّى يأتي إشكال اجتماع علّتين على معلول واحد، أو تنجّز التكليف مرتين. فإنَّ التنجيز ليس معناه إلَّا عدم شمول قاعدة (قبح العقاب…) فنرى أنَّ الوصول الإجمالي هل يكون مانعاً عن شمول القاعدة أو لا؟
فالمسألة يجب أن ترجع إلى أحكام العقل العملي لا إلى أحكام العقل النظري. وإلى باب الحسن والقبح، لا إلى باب قوانين العلل والمعلولات التي قرأناها في الفلسفة؛ لنرى أنَّ العقل هل يدرك في المقام بأنَّ تلك الحرمة المعلومة إجمالاً، هل على العبد أن يطيعها، حتّى مع فرض وجود العلم التفصيلي في أحد الطرفين، أو لا يجب عليه أن يطيعها؟
وهذا الكلام كلّه، على مبنانا لا موضع له؛ إذ نحن ننكر قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، أولاً. ونقول: بأنَّ العقل يحكم بإطاعة التكاليف المشكوكة للمولى بالشبهة البدوية، فضلاً عن التكاليف المشكوكة المقرونة بالعلم الإجمالي.
ــــــــــ[94]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فمثل هذا البحث لا يمكننا أن نجيب عليه بإثبات أو نفي؛ لأنَّ عقلنا يدرك وجوب الطاعة حتّى في الشبهات البدوية.
وإنّما مقصودي بيان أنَّ مطرح البحث وأسلوبه وطراز التفكير، كلّه لم يكن صحيحاً، ومطابقاً لواقع هذه المسالة.
هذا تمام الكلام في الانحلال الحكمي، بلحاظ حكم العقل، بقطع النظر عن الأصول الشرعيّة.
الانحلال بلحاظ الأصول الشرعيّة(1)
وبعد هذا، انتهينا إلى الجهة الثانية: وهي الانحلال الحكمي، وبطلان المنجزيّة فيما إذا علم تفصيلاً بأحد طرفيه(2).
وانتهى المطلب إلى البحث في الانحلال الحكمي، باللحاظ الثاني، وهو: بلحاظ المؤمّنة الشرعيّة. إذ المفروض أنَّ الشارع جعل أصلاً مؤمّناً في كلّ شبهة بمقتضى ما فرغنا عنه من الأدلّة سابقاً. وحينئذٍ يقع الكلام في أنَّ العلم الإجمالي الذي تعلّق علم تفصيلي بأحدّ طرفيه، هل ينحلّ بلحاظ الأصول المؤمّنة الشرعيّة، أو لا؟
هنا، لا ينبغي الإشكال في انحلال العلم الإجمالي بلحاظ هذه الأصول؛ وذلك لأنَّ العلم الإجمالي بحرمة أحد المائعين، لو خلي هو ونفسه، ولم يقترن
ــــــــــ[95]ــــــــــ
() قال بعد عنوان المسألة: وبعد هذا… (المُقرِّر).
(2) وهنا ذكر الانحلال بلحاظ حكم العقل بقطع النظر عن الأصول الشرعية كما سبق. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بعلم تفصيلي بحرمة هذا المائع بالخصوص، فالأصول الشرعيةّ المؤمّنة، لا تجري في تمام الأطراف؛ وذلك أنَّ المحذور ثبوتي، أو قصور في نفس أدلّة الأصول عن الشمول لتمام أطراف العلم الإجمالي، على ما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. وجريان الأصول في بعض الأطراف دون بعض ترجيح بلا مرجّح فيحكم بالتساقط.
وأمّا إذا اقترن العلم الإجمالي بعلم تفصيلي، كما لو علمت إجمالاً بحرمة أحد المائعين، وعلمت تفصيلاً بحرمة المائع الشرقي منها خاصّة، فهنا لا بـأس بالتمسّك بإطلاق دليل الأصل المؤمّن، بلحاظ المائع الأخر غير المعلوم تفصيلاً بحرمته. إذ إنَّ جريان المؤمّن في ذلك الطرف غير المعلوم تفصيلاً حرمته ليس له معارض في المقام. فالمقتضي الإثباتي للتمسّك بالإطلاق، وهو دليل الأصل وتحقّق موضوعه، وهو عنوان الشكّ، ولا محذور في التمسّك بهذا الإطلاق لا ثبوتاً ولا إثباتاً؛ لأنَّ الطرف الذي علمنا تفصيلاً بحرمته ارتفع بالنسبة إليه موضوع دليل الأصل. كقوله “ما لا يعلمون“، أو “حتى تعلم أنه قذر“، أو أيّ أصل مؤمّن آخر، فيكون الأصل المؤمّن وغير المعلوم بالتفصيل جارياً بمقتضى إطلاق دليله، وهذا هو بطلان منجزيّة العلم الإجمالي.
نعم هذا إنّما يتمّ لو لم نقل بمباني العليّة، التي ذهبت إليها مدرسة المحقّق العراقي، هذه المدرسة تقول: بأنَّ العلم الإجمالي سبب للمنجزيّة على نحو العلّية التامة بحيث يستحيل انفكاك العلم الإجمالي عن هذه المنجّزية ما دام صالحاً للسببيّة، يستحيل أن ينفكّ عن مسبّبه. ومن هنا رتّبوا عليه على -ما يأتي- عدم إمكان إجراء الأصل المؤمّن، ولو في بعض أطراف العلم الإجمالي،
ــــــــــ[96]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
من ناحية أنَّ العلم الإجمالي علّة تامّة للمنجزيّة، حتى بمرتبة وجوب الموافقة القطعيّة، فضلاً عن مرتبة حرمة المخالفة، القطعية.
بناءً على هذا، إن استطاعت هذه المدرسة أن تثبت الانحلال الحكمي باللحاظ الأوّل، الذي ناقشناه فلا تصل النوبة إلى هذا الانحلال، وإذا لم تصل هذه المدرسة أن تثبت انحلال باللحاظ الأوّل، بمعنى: أنّه لم يكن لها أن تثبت خروجه عن الصلاحيّة للتنجيز بلحاظ حكم العقل، كما ادّعى المحقّق العراقي، بل بقي صالحاً للتنجيز بناءً عليه يكون تنجيزه بنحو العليّة للمرتبة التامّة، وهي مرتبة وجوب الموافقة القطعية، وعليه فيمنع عن جريان الأصل في أحد الطرفين.
فالانحلال بلحاظ إجراء الأصل المؤمّن الشرعي في أحد الطرفين إنّما ينفع على غير هذه المباني، التي سلكتها هذه المدرسة. وأمّا على مبانيها فلا محيص عن الالتزام بالانحلال بأحد الوجهين السابقين: إمّا الانحلال الحقيقي، أو الحكمي بالنحو الذي تصوّره المحقّق العراقي.
وتلخّص من مجموع بحثنا في الانحلال الحقيقي، والحكمي، أنَّ العلم الإجمالي إذا كان مقارناً للعلم التفصيلي من أحد طرفيه ينحلّ العلم الإجمالي ولكن في بعض الموارد ينحلّ انحلالاً حقيقيّاً، وفي بعضها لا ينحلّ انحلالاً حقيقيّاً، بل انحلالاً حكميّاً بهذا اللحاظ الأخير، وهو: لحاظ التمسّك بإطلاق دليل الأصل المؤمّن الشرعي، في غير الطرف المعلوم تفصيلاً(1).
ــــــــــ[97]ــــــــــ
() وهنا أعاد مقياس الانحلال الحقيقي للاستذكار، كما سبق فراجع، ص294 وما بعدها. (المُقرِّر). [ص65 من هذا الكتاب].
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
هذه المقدمّة وهي بحث الانحلال كلّه كان مقدمّة؛ لأجل أن يلقى ضوء على الجواب، الذي أجاب به المحقّقون الأصوليون عن دليل العلماء الإخباريين، حيث استدلّوا، أو أستدلّ لهم على وجوب الاحتياط العقلي بالعلم الاجمالي: أنَّ المكلّف يعلم إجمالاً بوجود أحكام الزامية في الشريعة وهذا العلم الإجمالي منجّز لا محالة، فتكون كلّ شبهة في الحقيقة، شبهة مقرونة بالعلم الإجمالي، ليست شبهة ساذجة بدوية، حتّى تجري فيها قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) -مثلاً -.
أُجيب عن ذلك في كلام الشيخ الأعظم بما فُسِّر في كلمات المحققين المتأخّرين، واختير بأنَّ هذا الكلام الإجمالي المدّعى للإخباريين منحلّ بعلم إجمالي آخر وجداني مثله. إلَّا أنّه أصغر منه نطاقاً وأضيق دائرة، وهو العلم الإجمالي في خصوص موارد الأمارات المعتبرة شرعاً.
افرضوا أنَّ مجموع الشبهات الالزامية ألف، ونحن نعلم إجمالاً بوجود عشرين حكماً إلزامياً فيها. وهذا هو العلم الإجمالي الإخباري. والأصوليون يقولون لهم: نحن لنا علم إجمالي بأحكام الزامية في نطاق الأمارات المعتبرة شرعاً، وافرضوا أنّها ثلاثمئة، وبعد ملاحظة المقدار المعلوم بالإجمال في كلّ من العلمين، لا نرى أنَّ المعلوم في ذلك العلم الإجمالي الكبير، الذي فرضناه عشرين ليس بأزيد من الأحكام الالزامية والأمارات المطابقة للواقع، في مجموع الثلاثمئة شبهة التي هي مورد أخبار الثقات. وحينئذٍ، فينحلّ لا محالة علمنا الإجمالي بعشرين في الألف، إلى العلم الإجمالي بعشرين في هذه الثلاثمئة المعيّنة
ــــــــــ[98]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
من الألف، ويكون شكّاً في وجود التكليف في الشبهات السبعمئة الأخرى، بدوياً ولا يكون شكّاً مقروناً بالعلم الإجمالي.
وحيث إنَّ الأصوليون أجابوا بهذا الجواب، ولهذا احتجنا إلى بحث الانحلال، لنرى أنَّ العلم هل ينحلّ بالعلم أو لا؟
تطبيق مقياس الانحلال على العلم الإجمالي
وحيث إنّه كانت هناك مدرستان متقابلتان، كما قلنا، هما:
مدرسة المحقّق النائيني، التي اختارت أنَّ كلّ علم الأوسع نطاقاً، ينحلّ بالعلم الآخر الأضيق نطاقاً.
ومدرسة المحقّق العراقي أنكرت الانحلال الحقيقي، والتزمت بالانحلال الحكمي بالنحو الذي ذكرناه.
ونحن في هذا الموقف يجب أن نطبّق مقياسنا، لنرى أنَّ هذا المورد هل هو من موارد الانحلال الحقيقي، أو لا؟
بحسب الحقيقة، إنَّ هذا المورد، بقطع النظر عن نُكات أخرى سوف نشير إليها، وبقدر ما بيّناه من عناصر المسألة، هو من موارد الانحلال الحقيقي، بحسب تفصيلنا البرهاني، الذي اخترناه.
وذلك، أنَّ العلم الإجمالي الواسع، الذي يدّعيه الإخباريون، وهو العلم بوجود عشرين حكماً الزامياً في مجموع الشبهات الألف. له أحد ملاكين: أمّا أنَّ ملاكه هو حكم العقل: بأنَّ الله إنّما يرسل رسولاً إلى الخلق، إنّما يرسله لهدايتهم وتوجيههم، ففرض الرسالة مساوق وملازم عقلاً مع فرض البعث والزجر،
ــــــــــ[99]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
والوعظ والتنبيه في الجملة، بنحو القضية المهملة، أمّا حدوده، وكيفيته وكميته، فلس ممّا يستقلّ به العقل. فحكم العقل هنا يولّد علماً إجماليا؛ لأنَّ الرسالة لا بُدّ أن تحتوي على أحكام الزاميّة في الجملة.
والملاك الثاني للعلم الإجمالي الذي يدّعيه الإخباريون، هو عبارة عن حساب الاحتمالات، بأنَّ كلّ شبهة من هذه الألف، إذا لاحظناها في نفسها، فهي قوة احتمالية ناقصة متعادلة الطرفين. فلو دلّ خبر الواحد على وجود الإلزام، فيحتمل أن يكون صادقاً، ويحتمل أن يكون كاذباً، أو الشهرة الفتوائية دلّت على ثبوت الالزام، يحتمل أن يكون المشهور مصيبين في اجتهادهم، ومحتمل أن يكونوا مخطئين. وهكذا كلّ شبهة، إذا لاحظناها في نفسها فليس لنا علم بالإلزام فيها، وإن كان فيها قوة احتمالية تكشف كشفاً احتمالياً من الالزام كخبر الواحد، أو الشهرة، وغيرها من الأمارات المعمولة في الفقه.
ولكن هذه الأمارات حينما تجتمع تشكّل علماً في القضية المهملة، وهو: أنّه في بعض هذه الشبهات يوجد هناك أحكام الزامية، إذ لا يُحتمل كون تمام هذه الأمارات مخالفة للواقع. فضمّ احتمال إلى احتمال إلى احتمال ينتج علماً. وهذا هو الذي نسميه بالعلم القائم على أساس حساب الاحتمالات، يعني: علم لا يتولّد بالبراهين، بل بضمّ الاحتمالات إلى بعضها.
هذا هو الملاك الثاني للعلم الإجمالي للإخباريين.
ومن المعلوم أنَّ هذين الملاكين المولّدين للعلم الإجمالي، هما من ذلك القسم، الذي يدخل في الانحلال؛ لأنّهما نسبتهما إلى تمام أطراف العلم الإجمالي على حدّ واحد.
ــــــــــ[100]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
أمّا الأوّل: وهو البرهان العقلي، ففيه ما يقتضيه في المقام، أنَّ العقل يستقلّ ببطلان اجتماع النبوّة، مع انعدام التكليف بقول مطلق وهذه نسبته إلى التكليف في هذه الشبهة على حدّ واحد، من قبيل ما يستقلّ به العقل من بطلان اجتماع نبوّتين. فإنّ الشبهة إلى هذه النبوة، أو تلك النبوة على حدّ واحد.
وكذلك الكلام في حساب الاحتمالات، فإنَّ العلم الإجمالي المتولّد من قوى احتمالية منتزعة من أطراف العلم الإجمالي جميعاً، مثل هذا العلم الإجمالي يكون من مجموع القوى الاحتمالية المنبثّة في الأطراف، فأيضاً يكون نسبة السبب إلى أطراف العلم الإجمالي على حدّ واحد.
فهذا -بحسب الحقيقة- من القسم الذي ينحلّ به العلم الإجمالي؛ فإنَّ العلم التفصيلي، يعني التفصيلي بالنسبة؛ فإنّه أيضاً علم إجمالي، ولكنّه أضيق قد وجد، فيوجب انحلاله انحلالاً حقيقيّاً؛ وذلك لأنَّ السبب الكاشف في العلم الإجمالي نسبته إلى تمام الأطراف على حدّ واحد.
حقّ المطلب في المقام(1)
فحق المطلب هنا، انحلال العلم الإجمالي الكبير بالصغير انحلالاً حقيقياً. لكن هذا إذا اقتصرنا على هذه العناصر، التي أبرزها البحث في هذه المسألة. ولكن نقول: إنَّ عناصر الموضوع لا تستكمل في هذين العلمين فحسب، بل لا بُدّ لاستكمال عناصر الموضوع من إضافة مواد أخرى؛ لتكميل صورة كاملة لواقع الحال في المطلب. وحينئذٍ فيتعيّن عدم الانحلال.
ــــــــــ[101]ــــــــــ
() وذكر أولاً انحلال العلم الإجمالي للإخباريين، بحسب المقياس السابق كما سبق. (المقرّر ).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وبهذا الصدد يكون عندنا كلامان:
الكلام الأوّل في المقام
أمّا الكلام الأوّل: هو أنَّ العلم الإجمالي الأصولي أو الصغير الذي لا يدّعي كونه سبباً في الانحلال وهو العلم الإجمالي بوجود ثلاثمئة شبهة اقترنت بأخبار الثقات. هذا العلم الإجمالي من أين نشأ؟ هل نشأ بلحاظ دليل حجية أخبار الثقات؟ لا. لأن دليل حجية أخبار الثقات لا يوجد علماً بأنَّ الحجة مطابقة للواقع، غايته يوجب الحجية الظاهرية وهي لا تنتج العلم بالمطابقة للواقع.
وإنّما نشأ هذا العلم الإجمالي الأصولي الصغير، بلحاظ ذوات أخبار الثقات، بما هي هي، بقطع النظر عن جعل الحجّيّة لها. وذلك بقوانين حساب الاحتمالات. حيث الثقاة بعدد كبير قد توفّروا لنقل الأحكام عن مصادرها. وكلّ ثقة في نفسه أمارة ظنّية محتملة الخطأ والخلاف، لكن تراكم هذه الأمارات الظنّية، وتمركز هذه القوى الاحتمالية بلحاظ الجامع يشكّل علماً إجمالياً، أنّه لا أقلّ يوجد عشرون صادقون من أخبار الثقاة الثلاثمئة. فيتشكّل علم إجمالي بوجود عشرين حكماً الزامياً صادقاً، في مجموع الثلاثمئة شبهة.
نفس هذا الملاك، موجود في أمارة أخرى لا يقول هذا الأصولي بحجّيتها، افرضوا أنَّ الأصوليين الذين أجابوا بالانحلال يقولون بحجيّة خبر الثقة، ولا يقولون بحجيّة الشهرة الفتوائية، كما هو الواقع بالنسبة إلى الأصوليين منذ زمن الشيخ الأعظم ومن بعده.
ــــــــــ[102]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الشهرة الفتوائية في نفسها أمارة، كما بيّنا في بحث الشهرة، وتستبطن قوة احتمالية، تختلف باختلاف الموارد والمقامات، وسنخ المفتين في المسألة. فهنا
-مثلاً- يوجد عندنا ثلاثمئة شهرة. وكما يستبعد بمقتضى حساب الاحتمالات أن يكون تمام الثلاثمئة خبر كذباً، كذلك يستعبد بحساب الاحتمالات أن يكون تمام الثلاثمئة شهرة خطأ، وأنَّ المشهور دائماً يخطئ ولا يطابق الواقع، فأيضاً يحصل عندنا علم إجمالي بعشرين حكماً الزامياً وعشرين شهرة صادقة في موارد الثلاثين شهرة.
والشهرات مع أخبار الثقات، بينهما من حيث المورد عموم من وجه. فهناك موارد فيها خبر ثقة وشهرة وهما كثيرة، وهناك موارد فيها خبر ثقة دون شهرة، وموارد فيها شهرة، وليس فيها خبر ثقة. فبين هذه الثلاثمئة وتلك الثلاثمئة تداخل جزئي افرضوا أنّه بمقدار مائة. فمادّة الإجتماع لهما مائة ومادّة الافتراق في كلّ منهما مائتين.
حينئذٍ، يتشكّل عندنا بهذا التحليل علمان إجماليان صغيران، أحدهما علم إجمالي بعشرين حكماً الزامياً في ضمن الثلاثمئة رواية، والآخر علم إجمالي بعشرين حكماً الزامياً، في ضمن الثلاثمئة شهرة. وبين هذين العلمين عموم من وجه.
هنا نسأل هؤلاء الأعلام: هل تحتملون انطباق المعلومين الإجماليين على مادّة الإجتماع أو لا تحتملون؟ يعني: تحتملون أن تكون العشرين حكماً الالزامية المعلومة إجمالاً في ضمن دائرة الروايات، هي نفس العشرين حكماً الالزامية المعلومة إجمالاً في دائرة الشهرات. تحتملون انطباقهما معاً على عشرين
ــــــــــ[103]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
معيّنة من المائة من مادّة الاجتماع. أو لا تحتملون، بل تقولون بأنَّ بعضهما لا ينطبق على ذلك؟
فإن فرضنا أنكم لا تحتملون انطباق العشرين على مورد واحد، فهذا معناه: أنّنا حينما نجمع أطراف كلا العلمين الإجماليين يكون معلومنا الإجمالي أكثر من عشرين لا محالة؛ لأنّنا لا نحتمل وحدة العشرينين. ومعناه: أنّنا نعلم بتعدّد بعض أطراف العشرينين. إذن، فمعناه: أنّنا إذا لاحظنا مجموع الشبهات، التي تضمّ جميع الشبهات، وجميع أخبار الثقات يكون معلومنا الإجمالي أكثر من عشرين. فبهذا أثبت أنَّ المعلوم الإجمالي الكبير يزيد عدداً عن المعلوم الإجمالي في العلم الإجمالي الصغير، فكيف تقولون أنّه ينحلّ الكبير بالصغير.
هذا لو قلتم إنّنا لا نحتمل انطباق العشرين على مورد واحد.
وأمّا لو قلتم أنّنا نحتمل انطباق العشرينين على مورد واحد، أن تكون العشرين المعلومة في ضمن أخبار الثقات، من المحتمل أن تكون هي نفس العشرين الأخرى المعلومة إجمالاً في ضمن الشهرات. فحينئذٍ، هنا يكون عندنا علمان إجماليان صغيران، النسبة بينهما العموم من وجه، ولو جمعنا بين الكلّ لم ينتج علماً إجمالياً بأكثر من عشرين أيضاً، لأنّنا نحتمل وحدة العشرينين.
فهنا يصحّ قوله حينئذٍ، بأنَّ المعلوم بالعلم الإجمالي لا ينقص عن المعلوم بالكبير، وأنَّ المعلوم بالكبير، لا يزيد على المعلوم بالصغير.
هذا صحيح لكن مع هذا يستحيل الانحلال -يستحيل أن ينحلّ الكبير بالصغير-؛ لأنّ عندنا صغيران لا صغير واحد. فهو ينحلّ بماذا؟ هل ينحلّ أحدهما دون الآخر، أو بهما معاً؟ بمعنى: أنّه حينما ينحلّ هل نخرج مادّة
ــــــــــ[104]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الافتراق لعلم الشهرات، ونبقي تمام أطراف العلم الإجمالي الروائي، أو نخرج مادّة الافتراق من العلم الروائي، ونبقي تمام أطراف العلم الشهرتي. أو نخرج مادّتي الافتراق من كلا العلمين.
إن قال هؤلاء الاعلام: إنَّ العلم الإجمالي الكبير ينحلّ بخصوص هذا العلم المفضّل عندهم، وهو العلم بعشرين حكماً إلزامياً، في ضمن أخبار الثقات. فحينئذٍ، نقول: إنّه ما ترجيحه على العلم الإجمالي الآخر، وهو العلم الإجمالي بعشرين حكماً الزامياً، في موارد الشهرات، لماذا ينحلّ بهذا ونبطل ذاك، الذي هو في رتبته. لماذا لا ينحلّ بذاك ونبطل هذا؟ كلاهما ترجيح بلا مرجّح.
وإن قالوا: إنّه ينحلّ بهما، يعني: تخرج من دائرة العلم مادّة الافتراق من هذا الطرف، دون الافتراق من ذاك الطرف، يعني: ينحلّ بمادّة الاجتماع، هذا كذب بالبداهة؛ لأنّنا لو لاحظنا مادّة الاجتماع للعلمين الصغيرين وحدهما، وهي مائة بحسب الفرض، لم يكن عندنا علم بأنَّ فيها عشرين حكماً الزامياً، فكيف ينحلّ الكبير بلحاظ الاجتماع فقط.
فهنا يستحيل انحلال العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير على كلّ تقدير. فهذين العلمين الإجماليين الصغيرين يتزاحمان في تمام الانحلال، سواءٌ احتملنا تطابق المعلومين في مادّة الاجتماع أو لا.
هذا هو كلامنا الأوّل(1).
ــــــــــ[105]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على سؤال: لو قصدّتم من الأقلّ والأكثر هذا فصحيح، فإنّه بعد فرض احتمال التطابق. مرجعهما -كما قلنا في دليل الانسداد- أنّنا نعلم إجمالاً، إمّا بعشرين من مادّة الاجتماع، أو بأكثر من مادّتي الافتراق. وهذا العلم الإجمالي منجّز لا محالة، وغير منحلّ؛ لأنّه لا علم تفصيلي بأيّ واحد من الطرفين، لا بعشرين في مادّة الاجتماع، ولا بأكثر في مادّتي الافتراق. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
كلامنا الثاني:
لو قطعنا النظر في هذه: النكات. وفرضنا أنّه لا يوجد عندنا إلَّا العلم الإجمالي الصغير المفضّل عند هؤلاء الأصوليين، يعني العلم الإجمالي بعشرين حكماً الزامياً في موارد أخبار الثقات.
هؤلاء الآغايون، نظروا إلى الفقه نظرة مجموعية، ولم ينظروا إليه نظرة تحليلية، إلى كلّ جزء جزء من الفقه. فحيث إنّهم نظروا إلى الفقه نظرة مجموعية رأوا أنّه يوجد عندنا روايات كثيرة، وأمارات معتبرة كثيرة جداً، بحيث تولّد علماً إجمالياّ بصدق بعضها، بمقدار ما لا يقلّ عن عدد المعلوم بالإجمال في العلم الكبير. وأمّا لو نظروا نظرة تحليلية، تجزيئية إلى كلّ باب من أبواب الفقه، لاختلف الحال.
افرضوا -مثلاً- أنّنا نلحظ كتاب الطهارة، فبحسب علم الإخباري نعلم إجمالاً بالعلم الإجمالي الكبير، بأنّه يوجد في الشريعة الإسلامية أحكام الزامية في باب الطهارة والنجاسة. -مثلاً- عشرين حكماً الزامياً. ثُمّ بعد هذا نلتفت إلى الأخبار الموجودة في كتاب الطهارة من (الوسائل)، فنرى أنَّ عددها يزيد عن ثلاثة آلاف رواية -مثلاً- فهنا نجري حساب الاحتمالات فنقول: إنّه من البعيد جداً أن لا يوجد في هذا العدد الضخم عشرون رواية صادقة على الأقلّ.
ــــــــــ[106]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
إذن، فنعلم إجمالاً بوجود عشرين رواية صادقة دالّة على حكم الزامي في أخبار (الوسائل). وهذا هو العلم الإجمالي الصغير الأصولي. ومعلومي الكبير أيضاً عشرين فينحلّ الكبير بالصغير.
هذا صحيح في كتاب الطهارة، أو في كتاب الصلاة، أو كتاب الحجّ. لكن هناك أبواب من الفقه تقلّ فيها الأمارات.
-مثلاً- في باب الضمان نعلم إجمالاً بأنَّ الشريعة فيها أحكام الزامية في باب الضمان، إذ لا يحتمل أنَّ أيّ شخص لا يكون مسؤولاً بأيّ سبب عن حال الآخر، بل نعلم إجمالاً أنّ هناك مسؤوليات وعهدات في الشريعة الإسلامية، من قبل أموال الآخرين بأسباب محددة، افرضوا خمسة أحكام إلزامية.
وحينما نجمع الروايات الواردة في باب الضمان، لا تكون من الكثرة بحيث يعلم إجمالاً بصدق خمس منها. نعم، عدد الروايات افرضوا يزيد على خمس. لكن الكلام ليس في انحلال العلم الإجمالي بنفس الروايات، بل في انحلاله بعلم إجمالي أصغر منه. وهو العلم الإجمالي بصدور بعض الروايات. فلو لاحظنا إجمالي أصغر منه، وهو العلم الإجمالي بصدور بعض الروايات. فلو لاحظنا الروايات، لم يحصل عندنا علم إجمالي بصدور عدد مطابق مع المعلوم الإجمالي الإخباري الناتج من حساب الاحتمالات.
والسبب في ذلك هو قلّتها، وقلّتها توجب -طبعاً- عدم منشئيتها، للعلم الإجمالي؛ لأنَّ منشئيته إنّما هي بحساب الاحتمالات، وكلّما قلّت الروايات تكون أعجز عن تشكيل العلم الإجمالي. فإنكم حين تواجهون ثلاثمئة رواية لا
ــــــــــ[107]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
تحتملون كذبها جميعاً وتقولون على الأقلّ فيها عشرين صادقة. أمّا لو واجهتم عشر روايات، فلا تستبعدون كذبها جميعاً. وأنَّ الروايات الصحيحة غير واصلة إلينا، فلا يكون عندنا علم إجمالي بصحّة عدد من الروايات خصوص هذا الباب من الفقه، مطابق مع العدد الذي نعلم به إجمالاً من الأحكام الإلزامية، في خصوص هذا الباب من الفقه أيضاً.
وهذا معنى أنَّ النظرة التي استصحبها الآغايون هنا، نظرة المجموعية. نظروا إلى الفقه بما هو كلّ، ولم ينظروا إليه نظرة تحليلية. مع أنَّ مقتضى القاعدة أن ينظروا نظرة تحليلية، إذ ليس عندنا علم إجمالي إخباري كبير واحد، بل عندنا علوم إجمالية كبيرة بعدد أبواب الفقه.
فإنَّ الإخباري، لا يقول عندي علم إجمالي واحد، يوجد به كذا مقدار من الأحكام الإلزامية، بحيث يحتمل انطباقها بتمامها على كتاب الطهارة. ولا يوجد هناك حكم في غيره، بل عندنا علوم إجمالية كبيرة في كتاب الطهارة، والصلاة، والضمان، والديّات والبيع والمعاملات وهكذا.
وحينئذٍ، يجب أن نلحظ كلّ واحد من هذه العلوم الإجمالية الموجودة عندنا في الفقه بلحاظ أبوابه؛ لنلحظ أنّه هل هناك علم أصغر منه ينحلّ أو لا؟
وبهذه النظرة التحليلية، تبقى بعض العلوم الإجمالية بلا علم أصغر منها لينحلّ بها.
فبهذه الطريقة من البحث، التي استعملها الأكابر لا تستوفي إبراز عناصر المطلب. إذن، فالجواب الأوّل عن شبهة الإخباريين غير صحيح وهو، انحلال
ــــــــــ[108]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
العلم الإجمالي الوجداني الكبير بمثله أصغر منه.
[تذكير بجواب الأصوليين الأوّل على الإخباري والردّ عليه(1)]
في جملة من أبواب الفقه، لا يتمّ هذا الكلام؛ لأنَّ هذا العلم الإجمالي (الإخباري) في جملة من أبواب الفقه، لا يوجد هناك علم إجمالي صغير بالنسبة إليه. -مثلاً- في باب الضمان، لا يوجد إلى جانب العلم الإجمالي -الذي هو في صالح الإخباريين-. وهو العلم بوجود أحكام إلزامية، وباب الضمان لا يوجد علم إجمالي أصغر منه؛ ليكون موجباً لانحلاله. إذن، ففي مثل هذه الأبواب لا يوجد هناك علم إجمالي أصغر؛ ليُدّعى الانحلال الحكمي، فضلاً عن الانحلال الحقيقي.
وأمّا في الأبواب التي يوجد هناك علم إجمالي أصغر كما في الطهارة، بوجود أحكام الزامية في موارد أخبار الثقات. ولكن كما ذكرنا أنَّ هذا العلم الإجمالي الأصغر يوجد في عرضه علم إجمالي آخر صغير أيضاً. وهو: العلم الإجمالي بوجود أحكام الزامية في موارد الشبهات. واجتماع هذين العلمين الإجماليين الصغيرين في رتبة واحدة، كما كان يمنع عن الانحلال الحقيقي، كذلك يمنع عن الانحلال الحكمي؛ لانَّ كلّ علم في نفسه مستجمع لشرائط التنجيز، ومقتضى القاعدة يمنع عن الانحلال الحكمي؛ لأنَّ كلّ علم في نفسه مستجمع لشرائط التنجيز، ومقتضى القاعدة حينئذٍ تنجيزهما وتأثيرهما معاً، والنسبة بينهما عموم من وجه. فيكون حاله حال ما لو كان عندنا أواني ثلاثة، علمنا بنجاسة
ــــــــــ[109]ــــــــــ
() ذكر بعد عنوان المسألة لزوم النظرة التحليلية إلى الفقه. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الأوّل أو الثاني، وعلمنا بنجاسة الثاني أو الثالث. فهذان علمان إجماليان بينهما عموم من وجه ومقتضى قوانين منجّزيّة العلم الإجمالي منجّزيتهما معاً، بلا موجب لانحلال أحدهما بالآخر؛ لأنَّ نسبة أحدهما إلى الآخر على حدّ سواء.
نعم، هذان العلمان الإجماليان بمجموعهما يؤثران لا محالة في إخراج غير مواردهما عن الطرفية للعلم الإجمالي الكبير، وحلّه بالنسبة إلى غير مواردهما حلاً حقيقياً، فضلاً عن الانحلال الحكمي. يعني غير موارد أخبار الثقات، وموارد الشهرات من أطراف العلم الإجمالي الكبير، تخرج عن الطرفية للعلم الإجمالي. وأمّا موارد هذين العلمين فتبقى على المنجزيّة بلا موجب. لا للانحلال الحقيقي، ولا للانحلال الحكمي.
وبهذا ظهر أنَّ الجواب الأوّل للأصوليين، وهو: دعوى أنَّ العلم الإجمالي الكبير، منحلّ حقيقة أو حكماً، بعلم إجمالي أصغر منه وهو العلم الإجمالي في ضمن أخبار الثقات، هذا الانحلال غير صحيح، لا بمعناه الحقيقي، ولا الحكمي.
هذا تمام الكلام في الجواب الأوّل الذي ذكره الأصوليون.
الجواب الثاني الذي أفاده الأصوليون: هو دعوى انحلال العلم الإجمالي بقيام الأمارات المعتبرة في أطراف هذا العلم الإجمالي، بعدد يزيد جداً على عدد المعلوم بالإجمال.
وهذا يختلف اختلافاً أساسيّاً عن الجواب الأوّل، فإنّه هناك كان المدّعى انحلال العلم الإجمالي الإخباري، بعلم إجمالي وجداني أصغر منه دائرة. ولكن
ــــــــــ[110]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
هنا لا ندّعي انحلال علم بعلم، بل ندّعى انحلال العلم الإجمالي الأوّل بنفس الأمارات المجعول لها الحجّية شرعاً، يعني بنفس أخبار الثقات. انحلال العلم بالأمارة لا انحلال العلم بالعلم.
ولا بد هنا في مقام تنقيح هذا الجواب، من باب الإشارة إجمالاً إلى كبرى انحلال العلم بالأمارة. كما أشرنا في مقدّمة الجواب الأوّل إلى كبرى انحلال العلم بالعلم.
لو علم إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين، وقامت أمارة معتبرة شرعاً، ولكنّها غير مفيدة للعلم على نجاسة هذا الإناء بعينه، فهل ينحلّ العلم الإجمالي بالأمارة أو لا؟
لابدَّ من الإشارة إلى الكبرى إجمالاً، ثُمّ نبحث تطبيقها على محلّ الكلام.
أمّا الكبرى وهي: أنَّ العلم الإجمالي هل ينحلّ بالأمارة، أولا ينحلّ بها؟ فمدرسة المحقّق النائيني التي كانت تقول بانحلال العلم بالعلم انحلالاً حقيقيّاً بقول مطلق وفي جميع الموارد، حاولت بيان أنَّ العلم الإجمالي ينحلّ بالأمارة انحلالاً حقيقيّاً، ولكنّه انحلال حقيقي بالتعبّد، وبحسب الجعل والاعتبار بمعنى: أنَّ دليل حجّية الأمارة يتكفّل فرض انحلال العلم الإجمالي، فهو وإنَّ كان ثابتاً حقيقة وانحلالاً تكوينياً، ولكنّه ملغى ومنحلّ ومعدوم الوجود في نظر المولى واعتباره، ببركة دليل الحجّيّة.
ــــــــــ[111]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
من قبيل سائر موارد الحكومة، حينما يقول المولى: “لا ربا بين الوالد وولده“، الربا موجود بينهما، لكنّه معدوم في نظر المولى بدليل الحكومة(1).
وذكروا في وجّه ذلك، ما أفاده السيّد الأستاذ من أنَّ الأمارة بعد البناء على أنَّ المجعول في دليل حجّيتها هو الطريقيّة والكاشفية، وجعل الظنّ علماً، فتكون هذه الأمارة الظنيّة بحكم العلم، وعلماً في نظر المولى وبلحاظ دليل الحجّية. فكما أنَّ العلم التفصيلي بأحدّ طرفي العلم الإجمالي، يكون مساوقاً مع انحلال العلم الإجمالي، فكذلك العلم التفصيلي المجعول تعبّداً من قبل الشارع.
ونكتة ذلك: أنَّ العلم الإجمالي متكّون من علم وشكّين: من علم، واحتمالي انطباق. وحيث إنَّ هذه هي أركان العلم الإجمالي، فتارةً ينعدم أحد هذه الأركان تكويناً؛ وذلك بأن يزول الشكّ في أحد الطرفين تكويناً ويتبدّل إلى العلم الوجداني، فهذا الانحلال حقيقي بالتكوين.
وأخرى يزول الشكّ ويُبدّل بالعلم، لا تكويناً، بل بالتعبّد وبلحاظ دليل الحجّيّة، فيكون دليل الحجّيّة متكفّلاً بالتعبّد بهدم العلم الإجمالي؛ لأنَّ هدم الركن هدم للركنين لا محالة. وحيث إنّه متكّون من علم وشكّين، فيكون هدم أحد الشكّين بالتعبّد هدماً له بالتعبّد.
هذا خلاصة ما أفاده السيّد الأستاذ في انحلال العلم الإجمالي بالأمارة. انحلال ذاته ووجوده لكن بالتعبّد الشرعي(2).
ــــــــــ[112]ــــــــــ
(1) انظر: أجود التقريرات 2: 245.
(2) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 283-284.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
[مناقشة مدرسة النائيني ]
ولكن هذا الكلام ممّا لا يمكن المساعدة عليه:
[أمّا أولاً:]
فلأنَّ انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي القائم، في أحد طرفيه، في الموارد التي يتمّ فيها هذا الانحلال، هذا الانحلال -بحسب الدقّة- لازم تكويني للعلم التفصيلي، يترتّب عليه ترتيب اللازم على الملزوم.
وذلك؛ لأنَّ العلم الإجمالي كما بيّنا فيما سبق تمام حقيقته، ليس هو عبارة عن علم وشكّين، كما يقال في بادئ النظر، بل هو علم بالجامع بحدّه الجامعي، المأخوذ بشرط لا، من حيث السريان إلى الحدود الشخصيّة، التي هي أخصّ منه، ومجموع الشكّين هما لازم وقوف العلم على الجامع بحدّه، لا أنّهما داخلان في حقيقة العلم الإجمالي؛ فإنَّ كلّ من يعلم بالجامع بحدّه المأخوذ بشرط من حيث السريان، لا محالة يحتمل انطباقه على هذا الطرف أو على هذا الطرف.
وحينئذٍ، فإذا فُرٍض أنّه تعلّق العلم التفصيلي بأحد الطرفين. فهذا العلم يستلزم عقلاً برهان الانحلال، الذي فرغنا عنه -مثلاً- يستلزم تبديل هذا الحدّ في المعلوم من البشرط اللائية إلى البشرط شيئية. وبعد تبديل الحدّ يسري العلم لا محالة إلى الخاصّ. يعني: إلى الفرد المحدود بحدّه الشخصي؛ لأنَّ الذي كان يمنع عن سريانه هو الحدّ البشرط لائي، وقد انقلب فيسري لا محالة، وينقلب العلم بالجامع إلى العلم التفصيلي بالفرد.
ــــــــــ[113]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فانحلال العلم الإجمالي لازم(1) تكويني للعلم التفصيلي، كما أنَّ وجود الشكّ في كلّ من الطرفين، لازم تكويني لوجود العلم الإجمالي. هذا ما فهمناه سابقاً.
وحينئذٍ، لو سلكنا مسالك هذه المدرسة، في أنَّ المجعول في حجّيّة الأمارة هو الطريقية والكاشفية -مثلاً- فمن المعلوم أنَّ جعل الطريقيّة والكاشفيّة، لا يترتّب عليه اللوازم التكوينية للعلم. فيبقى جعل الأمارة علماً لا يثبت بهذا الجعل؛ لأنَّ الجعل بعد أن كانت الطريقة تعبّدية فتتقّدر بمقدار التعبّد لا أكثر، فحيث إنَّ التعبّد تعلّق بوجود العلم في هذا الطرف، فالمقدار المتعبّد به هو وجود العلم هنا.
وأمّا اللوازم التكوينيّة لوجود العلم هنا لا يسري إليها التعبّد، إذ لا ملازمة ما بين التعبّد بالملزوم، والتعبّد بلازمه. فما هي لوازم العلم التفصيلي التكوينية لا تثبت تعبّداً بدليل الحجيّة.
ومن هنا قال الآغايون جميعاً في بحث قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الصفتية، قالو: إنّها لا تقوم مقام هذا القطع، لأنَّ القطع الموضوعي المأخوذ على وجه الصفتية، أُخذ فيه خصوصيّة الاستقرار والطمأنينة، يعني: أُخذ فيه خصوصية اللوازم التكوينية للعلم. ودليل الحجّيّة لا يتكفل إلَّا التعبّد بنفس العلم، ولا يسري التعبّد من العلم إلى لوازمه.
ــــــــــ[114]ــــــــــ
() العلم الإجمالي بوجوده يستلزم الشكّ، وبعدمه ملازم مع عدم الشكّ، فالتعبّد بأحد المتلازمين، لا يلزم من التعبّد بإعدامه الآخر. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فاتّضح بذلك أنَّ دعوى تكفّل دليل الحجّيّة للحكم بالانحلال الحقيقي تعبّداً غير صحيحة. وكأنّ منشأ هذه الدعوى هو: اعتقاد أنَّ الشكّ في الطرف داخل في كلّ كيان العلم الإجمالي، فإعدام الشكّ في الطرف تعبّداً هو بنفسه إعدام العلم الإجمالي تعبّداً. مع أنّه ليس كذلك.
[وأمّا ثانياً:]
فلو قطعنا النظر عن هذه النُكتة وسايرنا هذه المدرسة، في أنَّ الشكّ في الطرف، بما هو شكّ في الطرف هو كيان العلم الإجمالي، فإعدام الشكّ في الطرف هو بالمباشرة إعدام لكيانه. فيريد السيّد الأستاذ أنَّ يثبت أن الشارع لم يتعبّدنا بانحلال العلم الإجمالي انحلالاً حقيقيّاً.
أيّ أثر نريد أن نجنيه من مثل هذا التعبّد؟ في بقيّة موارد الحكومة -مثلاً- حينما يتعبّدنا الشارع بأنّه “لا ربا بين الوالد وولده” حيث إنَّ الربا موضوع لحكم شرعي، وهو الحرمة وبطلان المعاملة. فالتعبّد بنفي الربا فائدته هو نفي هذه الأحكام، فنلتزم بأنَّ الربا بين الوالد وولده، ليس حراماً ولا باطلاً.
ومن هنا فالعلم الإجمالي بما هو علم إجمالي، لم يقع موضوعاً لحكم شرعي، وإنّما وقع موضوعاً لحكم العقل بالمنجزيّة -مثلاً-. والسيّد الأستاذ في تصوير منجزيّة العلم الإجمالي يقول هكذا: بأنَّ العلم الإجمالي ينجّز بالجامع، فهو موضوع لمنجزيّة الجامع، وحيث تنجّز الجامع فتتعارض الأصول المؤمّنة في الأطراف وتتساقط، وحيث إنَّ الأصول تتعارض وتتساقط، وحينئذٍ تتنجّز الأطراف.
ــــــــــ[115]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
ونحن في المقام، نريد إثبات انحلال العلم الإجمالي حقيقة، أو تعبّداً إخراج الطرف الآخر، الذي لم تقم فيه الأمارة عن المنجزيّة. فالآن نرى خروج الطرف الآخر عن المنجّزيّة ما هو ملاكه؟ ملاكه عدم التعارض ما بين الأصول على طرز تفكير السيّد الأستاذ في منجزيّة العلم الإجمالي. وعدم التعارض يثبت مجرّد تنجيز هذه الأمارة لموردها. سواء تعبّد بانحلال العلم الإجمالي أو لم يتعبّد.
بمجرّد أنَّ هذه الأمارة تنجّز موردها، وتخرجه عن قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) وعن الأصول عقلية وشرعية، تجري الأصول المؤمّنة عقلية وشرعية في الطرف الآخر بلا معارض.
إذن، فما هو مقصودنا في المقام هو إجراء الأصل المؤمّن عقلاً أو شرعاً في الطرف الآخر، هذا ملاكه بطلان التعارض، وملاك بطلان التعارض، هو تنجّز مورد الأمارة، وخروج مورد الأمارة عن كونها مصداقاً للأصول، وخروجها عن ذلك، يكون بتنجّز الأمارة لموردها، سواءٌ تعبّدنا بالانحلال أو لا(1). فالتعبّد بعنوان الانحلال في المقام لغو صرف، لا يترتّب عليه أثر، وضمّه من باب ضمّ الحجر إلى جنب الإنسان.
فبذلك اتّضح أنَّ دعوى تكفّل دليل الحجّيّة للتعبّد بالانحلال الحقيقي أمر غير صحيح.
ــــــــــ[116]ــــــــــ
() ولهذا نفس هذا الكلام يأتي فيما إذا فرضنا أنَّ المجعول لم يكن هو الطريقية، بل كان أيّ شيء آخر، (المحاضرة). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
نعم، الانحلال الحكمي، أمر لا بأس به في المقام، بأن يقال أنَّ العلم الإجمالي إن تعلّقت الأمارة بأحد طرفيه، ينحلّ انحلالاً حكميّاً، إمّا ببيان المحقّق العراقي لو تمّ(1) في باب العلم فيتم ّهنا أيضاً. أو بالبيان الأخير، وهو مسألة جريان الأصل في أحد الطرفين بلا معارض، حيث إنّه مع قيام الأمارة على نجاسة هذا الطرف لا تجري أصالة الطهارة هنا، فيكون إطلاق دليل أصالة الطهارة للطرف الآخر سالماً عن المعارض لا محالة.
فبهذا اتّضحت عندنا فكرة عن كبرى انحلال العلم بالأمارة، واتّضح أنَّ الانحلال الحقيقي للعلم الإجمالي بالأمارة لا معنى له، حتّى بالتعبّد، وإنّما الصحيح هو الانحلال الحكمي بأحد البيانين الأخيرين السابقين في باب العلم فهذه هي المقدّمة، ويأتي تطبيقها على محلّ الكلام.
كان الكلام في الجواب الثاني الذي ذكره المحقّقون الأصوليون، من إشكال العلم الإجمالي، وحاصله: دعوى انحلال العلم الإجمالي للإخباريين بالأمارات، لا بالعلم الإجمالي الوجداني الأصغر. وهذه الأمارات(2) هي أزيد المراتب من المعلوم بالإجمال، فينحلّ بها العلم الإجمالي. وبعد الانحلال نجري الأصول المؤمّنة النافية في غير موارد الأمارات من أطراف ذلك العلم الإجمالي الكبير.
ــــــــــ[117]ــــــــــ
() وهو مسألة أنّ العلم الإجمالي هنا يستحيل أن يكون منجّزاً من باب استحالة اجتماع منجزيّة؛ باعتبار أنَّ الأمارة نجّزت هذا الطرف، (المحاضرة). (المُقرِّر).
(2) يعني التي ثبتت حجّيّتها بدليل الحجّيّة، (من المحاضرة). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
عرفنا فيما سبق، أنَّ الانحلال تارةً يكون حقيقيّاً، بمعنى زوال ذات العلم الإجمالي، وأخرى حكمياً بمعنى زوال حكمه.
أمّا الانحلال الحقيقي: فهل يمكن أنَّ يُدّعى أنَّ ذات العلم الإجمالي تزول، وتنحلّ بالأمارة المعتبرة شرعاً، أو لا يمكن أن يُدّعى؟
طبعاً زوال ذات العلم الإجمالي بالتكوين، ممّا لم يدعه أحد، لكن زوال ذاته تعبّداً وتشريعاً ادعاء المحقّق النائيّني، والسيّد الأستاذ، وذكر السيّد الأستاذ: أنَّ دليل حجّيّة الأمارة لـمّا كان بلسان جعل الطريقية، وإلغاء الشكّ فهو حينئذٍ، يلغي العلم الإجمالي تعبّداً، وينفي ذاته تشريعاً.
وذكرنا، بأنَّ هذا البيان مبني على تخيّل أن كيان العلم الإجمالي متقوّم بالعلم الجامع والشكّ في الطرفين. فإنَّ تعبّدنا دليل الحجّيّة بإلغاء الشكّ في هذا الطرف، فهذا بنفسه مباشرة تعبّداً بإلغاء العلم الإجمالي؛ لأنَّ إلغاء الجزء إلغاء للكلّ، ولكن هذا غير صحيح كما ذكرنا سابقاً؛ لأمرين(1). فالتعبّد بعنوان الانحلال لغو، وعليه فلا أساس للانحلال الحقيقي بالتعبّد في موارد الأمارات.
وأمّا الانحلال الحكمي: انحلال العلم الإجمالي حكماً بالأمارة، فلا بأس به، ويأتي به كلا تقريبي الانحلال الحكمي للعلم بالعلم، الذي أحدهما للمحقّق العراقي، والآخر التقريب المختار.
أمّا تقريب المحقّق العراقي، فكانت خلاصته، أنّه إذا علم إجمالاً بحرمة أحد المائعين، ثُمّ علم تفصيلاً بحرمة هذا المائع بالخصوص، وتنجّزت به حرمته
ــــــــــ[118]ــــــــــ
() ولخّصهما. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بالعلم، يستحيل أنَّ يكون العلم الإجمالي منجّزاً، إذ يلزم اجتماع منجّزين على شيء واحد في هذا الطرف.
وهذا الكلام لو تمّ، يجري في المقام أيضاً، فإنّه إذا قامت أمارة على الحرمة في هذا الطرف بعينه ونجّزتها فيه، أيضاً نقول: إنّه يستحيل بقاء العلم الإجمالي على المنجزيّة، إذ لو كان منجّزاً، للزم اجتماع منجّزين على منجّز واحد، بلحاظ هذا الطرف وهو محال. وإشكالنا عليه هناك أيضاً يأتي هنا.
أمّا التقريب الآخر للانحلال الحكمي، فكنّا نقول: إذا علمنا إجمالاً بحرمة أحد المائعين، وعلمنا تفصيلاً بحرمة واحد معيّن منها، ولم نقبل الانحلال الحقيقي، فنقول بالانحلال الحكمي، بدعوى أنَّ الطرف الآخر يكون مجرى الأصل المؤمّن بلا معارض؛ لأنَّ هذ الطرف قد خرج عن موضوع أدلّة الأصول، ببركة العلم التفصيلي بحرمته، فالأصل في ذاك الطرف يكون جارياً بلا معارض. هذا بعينه يأتي في باب الأمارة؛ لأنَّ الأمارة إذا قامت على أحد طرفي العلم الإجمالي، أخرجت موردها عن إطلاقات أدلّة الأصول لا محالة، فيكون الطرف الآخر مورداً للأصل، بلا معارض، فيتم الانحلال الحكمي.
وحينئذٍ، فيمكن أن يقال: إنَّ ذلك العلم الإجمالي الإخباري الكبير، ينحلّ انحلالاً حكمياً بالأمارات المتكفّلة للأحكام الإلزامية، بمقدار مهمّ في بعض أطرافه، فنجري الأصول المؤمّنة، فيما زاد على ذلك.
لكن هنا، يأتي إشكال تعرّض له المحقّقون، وصاروا في مقام الجواب عنه.
وذلك، أنَّ هذه الأمارات التي نريد أن نحلّ بها انحلالاً حكمياً ذلك
ــــــــــ[119]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
العلم الإجمالي الإخباري. هذه الأمارات، لو كانت منجّزيتها مقارنة مع العلم الإجمالي، يعني: في الوقت الذي يحصل للمكلّف العلم الإجمالي تكون هذه الأمارات واصلة إليه، ومنجّزة عليه. فهذا الكلام تامّ، ويأتي الانحلال الحكمي بكلا بيانيه.
وأمّا إذا فرضنا، أنَّ الامارة بوصولها لم تكن مقارنة للعلم الإجمالي. فالمكلّف حين تشكّل العلم الإجمالي الإخباري عنده، لم تصل إليه الأمارات وأخبار الثقات، وإنَّما تصل إليه بعد ذلك بعد المطالعة والتدبّر. فالأمارات بوصولها ومنجّزيتها متأخّرة عن العلم الإجمالي.
وهنا يشكل انحلال العلم الإجمالي انحلالاً حكمياً بالأمارة.
ولأجل توضيح الإشكال، نمثّل بمثال بسيط: نعلم إجمالاً بحرمة أحد المائعين من هذه الساعة، ولا يوجد هنا أمارة. ثُمّ بعد ساعة وجدت أمارة بيّنة دلّت على حرمة المائع الأحمر منهما خاصّة. وهذا الأمارة، من حيث مؤدّاها، وإنَّ مؤداها مطابق مع زمان المعلوم بالإجمال؛ لأنّها تدّل على حرمة الإناء الأحمر من أوّل الأمر. لكنّها من حيث وصولها متأخّرة عن العلم الإجمالي، وتنجّز الأمارة فرع وصولها لا محال. ويستحيل أن تكون منجّزة بلحاظ الزمان السابق على وصولها؛ لأنَّ التنجيز على المنجّز أمر غير عقلي ولا عقلائي. إذن فتنجيز(1)
ــــــــــ[120]ــــــــــ
() وهذا العلم التفصيلي المتأخّر، لا يكون موجباً، لا لسقوط العلم الإجمالي عن المنجزيّة، ولا لإبطال تعارض الأصول. فهذه النجاسة المعلومة بالعلم المتأخّر يستحيل أن تكون منجّزة به، كما يستحيل أن تكون خارجة بحسب وضعها الأولي عن أدلّة الأصول المؤمّنة؛ لأنّها ليست معلومة في طرفها. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
هذه الأمارة يكون من حين وصولها لا قبله.
وحينئذٍ، يمكن أنَّ ننتزع علماً إجمالياً غير منحلّ، لا انحلالاً حقيقيّاً ولا حكميّاً؛ وذلك فيما إذا لاحظنا الطرف الذي لم تقم عليه الأمارة والقطعة التي قبل قيام الأمارة من الطرف التي قامت عليه الأمارة. ونشكّل علماً إجمالياً بلحاظ هذين الأمرين(1): بلحاظ تمام هذا الطرف، الذي لم تقم عليه الأمارة، وتلك القطعة السابقة على زمان قيام الأمارة. نقول: نعلم إجمالاً إمّا بحرمة الإناء غير الأحمر، أو بحرمة الإناء الأحمر في الساعة التي قبل قيام الأمارة. وهذا(2) العلم الإجمالي موجود، وغير منحلّ لا حقيقة، ولا حكماً.
أمّا انّه غير منحلّ حقيقة فواضح؛ لأنَّ الكلام في انحلال العلم الإجمالي بالأمارة، وهو لا ينحلّ حقيقة بالأمارة.
وأمّا أنّه غير منحلّ حكماً؛ فلأن الانحلال الحكمي بكلا تقريبيه، لا يأتي في المقام، لا بتقريب آغا ضياء من حيث إنّه يقول: إنّه يلزم في منجّزية العلم الإجمالي اجتماع منجّزين على منجّز واحد. لا يلزم في المقام؛ لأنَّ هذين الطرفين ليس فيهما منجّز. لا هذا الإناء الأحمر، ولا تلك القطعة المخصوصة في الإناء الأحمر غير المنجّز. فالعلم الإجمالي لو نجّز تلك القطعة من الإناء الأحمر، والإناء الآخر على امتداده الزماني، لا يلزم اجتماع منجّزين على منجّز واحد.
ــــــــــ[121]ــــــــــ
() وهذا العلم الإجمالي، لا منجّز لأحد طرفيه. (المُقرِّر).
(2) وإن شئتم سمّوه علماً إجمالياً تدريجياً؛ باعتبار أنَّ أحد طرفيه أطول من الطرف الآخر، فيبقى إلى ما بعد انتهاء الطرف الآخر. (المُقرِّر)..
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وأيضاً لا يأتي البيان الصحيح للانحلال الحكمي، وهو مسألة عدم تعارض الأصول، بل تتعارض الأصول هنا. فإنَّ الأصول المؤمّنة في هذا الإناء غير الأحمر، تعارض مع الأصول المؤمّنة في تلك القطعة من الإناء الأحمر السابقة على قيام الأمارة؛ لأنَّ الأمارة التي دلّت على الحرمة في الإناء الأحمر، إنّما تبطل الأصول في موردها من حين وصولها وتنجيزها. إذن، فالإناء الأحمر في القطعة الزمانية السابقة على قيام الأمارة مورد للأصول في نفسه، والإناء غير الأحمر أيضاً مورد للأصول في نفسه فيتعارضان لا محالة ويتساقطان(1).
ويكون حاله حال ما لو كان الإنسان من الأوّل يعلم علماً إجمالياً، إمّا بفرد قصير، أو بفرد طويل. ألَا يكون مثل هذا العلم منجّزاً. كما لو علم إجمالاً إمّا بوجوب الجلوس عليه في يوم السبت، أو خمس ساعات في يوم الجمعة. فهذا العلم الإجمالي منجّزاً. وإن كان أحد طرفيه أقصر من الآخر. فليكن هذا كذلك(2).
ــــــــــ[122]ــــــــــ
() إذن، بناءً على الانحلال الحكمي، المناط في الانحلال، هو أن يكون العلم المجمل، مقارناً زماناً مع العلم المنحلّ، أمّا إذا كان متأخّراً عنه فلا يقال بالانحلال. (المُقرِّر).
(2) وهنا قلت له: هذا ما هو أثره؟
فأجاب: أثره بأنَّ الطرف الآخر، الذي لم تقم فيه الأمارة يبقى العلم الإجمالي فيه على المنجزيّة.
قلت: حتّى بعد قيام البيّنة؟
قال: نعم؛ لأنّه حتّى بعد قيامها هذا العلم الإجمالي موجود.
قلت: ذاك -يعني القطعة الزمانية التي قبل قيام البيّنة، التي جعلت طرفاً للعلم الإجمالي- خرج عن محلّ الابتلاء بعد أن انصرم الزمان.
فأجاب: أنّ الخروج عن محلّ الابتلاء -بمعنى انتهاء زمانه- بعد فرض تنجّز العلم الإجمالي لا أثر له. لو فُرِض أنَّ إنساناً علم إجمالاً إمّا بوجوب الصدقة إلى ساعتين أو بوجوب الصلاة إلى أربع ساعات، فهذا العلم الإجمالي منجّز، ولا يقول بعد انتهاء ساعتين إنّ ذاك الطرف خرج عن محلّ الابتلاء. وإلّا دائما يكون الأمر هكذا، وأحد الطرفين يخرج عن محلّ الابتلاء دائماً. إمّا بالامتثال أو العصيان. فالخروج عن محلّ الابتلاء بعد فرض تنجيز العلم الإجمالي لا أثر له كما يأتي في محلّه. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وحينئذٍ، نقول: بأنَّ المقام من هذا القبيل، فإنَّ الأمارة بوصولها متأخّرة لا مقارنة للعلم الإجمالي فنحن نشكّل علماً إجمالياً، أحد طرفيه، هو مورد غير قيام الأمارة، والطرف الآخر هو القطعة السابقة على قيام الأمارة في مورد قيام الأمارة. ومثل هذا العلم الإجمالي غير محتمل، بل الأصول تكون متعارضة في الطرفين وتتساقط. الأصل الجاري في تلك القطعة، تمام الأصول الجارية في تمام هذا الطرف، تكون متعارضة، فهنا الطرف بتمامه يتنجّز بالعلم الإجمالي. هذا هو الإشكال الذي تعرّضوا له.
وأجاب عنه المحقّقون، كما المحقّق العراقي، والاصفهاني، والسيّد الأستاذ(1). بما يرجع حاصله: إلى أنَّ هذا الكلام إنّما يتمّ -عني: إنّما لا نقول بالانحلال في موارد تأخّر وصول الأمارة- فيما إذا لم يكن نفس احتمال الأمّارة منجّزيّاً.
ــــــــــ[123]ــــــــــ
(1) انظر: نهاية الأفكار 3: 254- 255، ونهاية الدراية 2: 491، دراسات في علم الأصول 3: 286.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
توضيح ذلك: أنّه في محلّ الكلام، وصول الأمارة وإن كان متأخّراً، لكن تنجّز الأمارة غير متأخّر، بل تنجّزها مقارن مع العلم الإجمالي. الأمارات الواقعية، بوصولها متأخّر؛ لأنَّ المكلّف لم يعلم بالأمارة الدالّة على حرمة النبيذ، إلَّا بعد المطالعة، لكنّها بتنجّزها ثابتة من حين العلم الإجمالي، ومنجّزيتها مع العلم الإجمالي، وإن كان وصولها متأخّراً. والمناط هو مقارنة المنجّزية لا الوصول.
أمّا الصغرى: وهي أنَّ الأمارات هنا بمنجّزيتها مقارنة مع العلم الإجمالي، فلأجل أنَّ المورد من موارد قبل الفحص، فالأمارة بمجرد احتمالها تصبح منجّزة. والاحتمال موجود من حين تشكيل العلم الإجمالي، وحيث إنّه احتمال قبل الفحص؛ ولهذا فالأمارة منجّزة من حين تشكيل العلم الإجمالي. إذن، فالأمارات هنا مقارنة للعلم الإجمالي، وان كانت بوصولها متأخّرة.
وأمّا الكبرى: وهو أنّه يكفي في الانحلال مقارنة المنجزيّة، والذي يضرّ بالانحلال هو تأخّر المنجزيّة لا تأخر الوصول. هذا أيضاً واضح على كلا التقريبين للانحلال الحكمي؛ وذلك لأنّه إذا فرضنا أنًّ هذه الأمارات منجّزة من حين تشكيل العلم الإجمالي، فمن ذلك الحين يأتي كلا تقريبي الانحلال الحكمي.
وأمّا محذور آغا ضياء، فإنَّ العلم الإجمالي الذي انتزعناه يستحيل أن يكون منجّزاً من أول الأمر؛ لأنّه لو كان منجّزاً يلزم اجتماع المثلين؛ لأنّ الأمارات المحتملة بوجودها الاحتمالي من أول الأمر تكون منجّزة، فيلزم محذور اجتماع المثلين، لو تمّ.
ــــــــــ[124]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وكذلك التقريب الآخر للانحلال الحكمي، وهو مسألة جريان الأصل المؤمّن بلا معارض؛ لأنّه قبل الفحص تمام الأطراف ليست مورداً للأصل لا من ناحية المعارضة، حتّى يقال أنّه بعد التعارض والتساقط لا ترجع، بل من باب أنّه شكّ قبل الفحص، وهذا الشكّ ليس مورداً للأصل في نفسه، لا من ناحية العلم الإجمالي والمعارضة. وبعد الفحص والظفر بمقدار من الأمارات، لا معارضه حينئذٍ. أيضاً، فإنّه يصير الشكّ المقرون بالأمارة منجّزاً بالأمارة، وخارجاً عن دليل الأصل. والشكّ غير المفروض بالأمارة يكون مجرى الأصل بلا معارض.
فلا يوجد هناك وقت يحصل فيه تعارض وتساقط بين الأصول. لا قبل الفحص، ولا بعد الفحص، أمّا قبل الفحص؛ فلأنَّ الشكّ في كلّ شبهة شكّ قبل الفحص. وهذا الشكّ بنفسه لا يجري أصالة البراءة، لا أنّه لا يجري للمعارضة، وبعد الفحص تنقسم الشبهات إلى قسمين: قسم وجد فيه أمارة يعمل على طبقها، ولا يمكنه أن يعمل على طبق الأصل. وقسم آخر لم يجد فيه أمارة فيتمسّك فيه بإطلاق دليل الأصل بلا معارض.
[مناقشة جواب المحقّقي]
وهذا الجواب عن هذا الإشكال في غاية المتانة. إلَّا أنّه مبني على نظر هؤلاء المحقّقين في تصوير حقيقة الحكم الظاهري.
أمّا نحن، وإن كنّا نوافق على هذا الجواب أيضاً. لكنّنا لا نحتاج إليه، بل في المرتبة السابقة عليه ينحلّ هذا الإشكال عندنا. أي حتّى لو فرضنا أنّ الشكّ
ــــــــــ[125]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
قبل الفحص كان في نفسه مجرى البراءة. مع هذا ينحلّ الإشكال ولا تأتي شبهة التعارض بين الأصول.
وذلك مبني على الخلاف الأساسي بيننا وبين هؤلاء الأكابر في فهم طبيعة الحكم الظاهري، والذي شرحناه في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية. وهذا الخلاف أدّى إلى عدة نتائج مؤّثرة عملياً:
أحداها: أنه بناءً على طريقة فهمنا للحكم الظاهري، يكون هناك تنافٍ بين الحكمين الظاهريين بوجوديهما الواقعي، وإن لم يصلا. فكما أنَّ وجود الصلاة واقعاً ينافي حرمتها واقعاً، كذلك وجوبها ظاهراً ينافي حرمتها ظاهراً. فكما أنَّ الحكم بالوجوب واقعاً ينافي الحرمة الواقعية. كذلك أصالة الإباحة مع أصالة الاحتياط بوجوديهما الواقعي متنافيان، أو أصالة البراءة مع خبر واحد بوجودهما الواقعي متنافيان. من دون حاجة أن يصلا ويتنجّزا.
أما على طريقة فهمهم للحكم الظاهري. فالحكم الظاهري عندهم مع حكم ظاهري آخر، قبل الوصول والتنجّز لا منافاة بينهما، فإنّه ليس في الحكم الظاهري ملاكات ومبادئ في متعلّقة، بل ينشأ من مصلحة في نفس جعله، فلا منافاة ما بين الجعلين، وانّما تتحقّق المنافاة بينهما بالوصول والتنجّز. هذه إحدى نتائج الخلاف بيّننا وبين الاعلام.
وهذه النتيجة تؤثر هنا، إذ بناءً على ما نختاره من التنافي بين الحكمين الظاهرين بوجوديهما الواقعي. ففي المقام افرضوا أنَّ الشكّ قبل الفحص مجرى للبراءة في نفسه، وأنَّ العلم الإجمالي منجّز في نفسه، ونقطع النظر عن جواب المحقّقين. مع هذا نقول: إنّه لا معارضة بين الأصول. إذ بعد أن نفتش عن
ــــــــــ[126]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الأمارات، ونحصّل الأمارات المعتبرة شرعاً، نستكشف أنَّ مورد الأمارات من أول الأمر خارج عن دليل أصالة البراءة؛ لأنَّ أصالة البراءة مع حجّيّة الأمارة المثبتة للتكليف، لوجودهما الواقعي متنافيان، لا بوجوديهما الواصل. فبعد أن نحتمل الأمارات المثبتة للتكليف شرعاً نستكشف من ذلك أنّ مورد الأمارة من أوّل الأمر كان خارجاً عن دليل الأصل؛ لأنّه مشمول لدليل صدق العادل، وإن كنّا نحن لم نكن نعرف هذا المطلب، ولكن الآن حيث عرفنا، نعرف أنَّ هذه الموارد حيث إنّها مشمولة لـ(صدق العادل) فهي من أوّل الأمر خارجة عن قوله “رفع ما لا يعلمون“. إذن، فتبقى الأطراف الأخرى مشمولة لدليل الأصل بلا معارض.
هذا على طريقة فهمنا.
وهذا المطلب هم لا يستطيعون أن يقولوه؛ لأنّهم لا يقولون بتنافٍ واقعي بين خطاب (صدق العادل)، وواقع خطاب “ما لا يعلمون” وإنّما التنافي بينهما بالوصول والمنجزية، والوصول هنا متأخّر. فحيث يصل، لا نستطيع أن نستكشف منه أنه من أوّل الأمر لم يكن مورداً لأصالة البراءة. ومن هنا احتاجوا إلى التمسّك بمسألة الشكّ قبل الفحص.
وعلى أيّ حال، فهذا الإشكال منحلّ، إمّا بالجواب الذي أجاب به المحقّقون، أو بهذا المبنى على طريقة فهمنا للحكم الظاهري.
وعليه فالعلم الإجمالي منحلّ انحلالاً حكميّا بالأمارات المعتبّرة، الثابتة حجّيتها شرعاً.
ــــــــــ[127]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
هذا لو كانت عندنا أمارات معتبرة، وإلاّ دخلنا في بحث دليل الانسداد. ورتّبنا مقدماته، وجاءت أبحاثه هنا.
هذا تمام الكلام في حكم العقل بوجوب الاحتياط العقلي.
وتلخّص من ذلك: أنّه لا يتحصّل من ناحية حكم العقل وجوب الاحتياط، بحيث يقاوم دليل البراءة الشرعي.
إذن، فننتقل إلى المرحلة الثانية، وهي وجوب الاحتياط الشرعي الذي ادّعاه الإخباريون، واستدلوا عليه بالكتاب والسنة.
انتهى الكلام إلى وجوب الاحتياط شرعاً، استدلّ الإخباريون على وجوب الاحتياط شرعاً بالكتاب والسُنّة:
أمّا الكتاب: فبآيات عديدة، منها قوله تعالى في سورة البقرة، 195: وأَنْفِقُوا في سَبيلِ اللَّـهِ ولا تُلْقُوا بِأَيْديكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ وأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ المُحْسِنين.
والاستدلال بهذه الآية الكريمة، يتخيّل أنّ هذه الآية الكريمة، بيّنت كبرى كليّة، وهي حرمة إلقاء الإنسان نفسه إلى الهلكة. وحيث إنَّ الاقتحام في الشبهات الحكميّة البدوية، التي يحتمل أداء الاقتحام فيها، إلى مخالفة الله تعالى،
ــــــــــ[128]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
والخروج عن قانونه، يكون في معرض الهلكة، فيصدق عليه عنوان إلقاء الإنسان يده في الهلكة فيحرم، بمقتضى إطلاق هذا الدليل. فيثبت بذلك وجوب الاحتياط.
هذه الآية الكريمة التي دلّت على عدم جواز الإلقاء في الهلكة، تخاطب أفراداً في الخارج، وتنهاهم عن إلقاء أيديهم في الهلكة.
هؤلاء الأفراد والمخاطبون في الخارج، يمكن ملاحظتهم بأحد لحاظين: إمّا أن يُلاحظوا بالنظر إلى المجموعي، وبما هم مجتمع. وإمّا أن يُلاحظوا بالنظر الأفرادي، وبالنحو الانحلالي، بحيث إنَّ كلّ فرد فرد، منظور إليه بما هو في ضمن المجتمع. والهلكة بالنسبة إلى كلّ من الأفراد الملحوظين بأحد هذين اللحاظين، تختلف عن الهلكة بالنسبة إلى الأفراد الملحوظة باللحاظ الآخر.
فالهلكة بالنسبة إلى الأفراد والملحوظين بالنظر الاجتماعي، وبما هم مجتمع وأمّة، ليست مساوقة للهلكة التي تعرض للأفراد بما هم أفراد، ولا بما هم مجتمع أو امّة، بل قد تكون الهلكة بالنسبة إلى أحد هذين الملحوظين حياة بالنسبة إلى الآخر، وكذلك العكس(1).
وظاهر الآية الكريمة، أنَّ المنهيّ عنه هو الهلكة الثابتة لهم بنفس ذلك اللحاظ، الذي به خُوطبوا. وحدة اللحاظ الذي به خوطبوا، مع اللحاظ الذي به أُضيفت الهلكة إليهم، يعني: إذا فُرِض أّنهم خُوطبوا باللحاظ الأفرادي، فظاهر وحدة اللحاظ في الموضوع والمحمول، أنَّ الهلكة المنهيّ عنها، هي هلكة
ــــــــــ[129]ــــــــــ
() وهنا مثّل بالجهاد كمصلحة للأمّة وهلاك للفرد. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
كلّ فرد فرد. وإن كان لوحظ الأفراد بالنظر المجموعي، وبما هم مجتمع، فظاهر الهلكة هو هلكة المجتمع بما هو مجتمع. هلكة الأفراد باعتبار وجودهم المجموعي، لا باعتبار وجوداتهم الاستقلالية.
بناءً على ذلك، نعرف باعتبار ذلك، أنّه لا يُعقل دعوى الإطلاق في الآية، بأنَّ الآية الكريمة تشمل الهلكة من قبيل ترك الجهاد(1) والهلكة من قبيل إلقاء الإنسان نفسه من السطح إلى الأرض. لا يعقل الإطلاق في المقام؛ لأنَّ هذين الحصتّين كلّ منهما يستوجب لحاظاً ينافي مع اللحاظ المناسب مع الحصّة الأخرى. فإنَّ الهلكة الناشئة من ترك الجهاد تستوجب اللحاظ المجموعي لموضوع الحكم، والهلكة الناشئة من إلقاء الإنسان نفسه من السطح، تستوجب الجمع ما بين اللحاظين، وإنّما تستوجب توسعة دائرة اللحاظ الواحد.
فهنا حيث استوجب الجمع بين اللحاظين، فلا يمكن دعوى وجود إطلاق في الآية الكريمة، بل لا بُدّ أن يكون النظر مجموعيّاً، فتختصّ الهلكة بالهلكة الاجتماعية، أو أن يكون النظر إفرادياً فنختصّ الهلكة بخصوص هلكات الأفراد.
هذه الجملة لو خُلِّيت ونفسها، فظاهرها اللحاظ الأفرادي؛ لأنَّ ظاهر الخطاب هو الانحلالية، وأنَّ كلّ واحد لوحظ موضوعاً مستقلّاً للحكم. وأمّا ملاحظته في ضمن المجموع، فهي عناية زائدة تحتاج إلى قرينة زائدة، حيث لا قرينة زائدة على مثل هذا النظر المجموعي.
ــــــــــ[130]ــــــــــ
() الذي هو هلكة للأمّة، (توضيح). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فمقتضى الإطلاق في نفسه تعيين أخفّ اللّحاظين مؤونة، وهو -بحسب الارتكاز العرفي- هو النظر الأفرادي، فينحلّ حينئذٍ، على أنَّ المخاطب هو كلّ فرد فرد. وهناك هلكات بعدد الأفراد، وكلّ فرد يُنهى عن القاء يده في هلكة نفسه.
هذا ظاهر الآية في نفسها.
إلاّ أنّه قد يمكن أن يقترب اللّحاظ الآخر، وهو: اللّحاظ المجموعي؛ باعتبار ورود هذه الجملة في مساق آيات الجهاد، فقد يكون هذا السياق مناسباً، أو أكثر مناسبة مع اللّحاظ المجموعي. إمّا بدعوى أنَّ هذه الجملة هي في مقام الأمر بالجهاد أيضاً كالآيات التي قبلها. غاية الأمر رمزت إلى الجهاد بمعنى في غاية الجمال وهو أنّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ، فعبّر عن الجهاد بأنّه شيء ينجيهم وتركه يهلكهم. فتكون الهلكة هنا هلكة اجتماعية، ويكون اللّحاظ المأخوذ في الموضوع هو اللّحاظ المجموعي.
أو بدعوى، أنَّ هذه الآية ليست في مقام الأمر بالجهاد، بل في مقام تحديد الأمر بالجهاد الذي سبق الآيات السابقة، لأنّه سبحانه أمر بالجهاد وحثّ عليه، ثُمّ أراد أن يحدّد هذه الأوامر بهذا التحديد: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ. بأن لا يكون الجهاد تهلكة، يعني: أنَّ الجهاد إنّما أمرنا به، بحيث لا يكون تهلكة. لا تهلكة بالمعنى الأفرادي، حيث إنّها تهلكة بهذا المعنى، بل حيث لا يكون تهلكة بالمعنى الاجتماعي، كما هو الحال في موارد عدم تكافؤ القوّتين، وعدم وجود قرائن النجاح، هذا الذي يُسمّى اليوم (بالحرب اليائسة) أو حرب الاستماتة. هنا هلكة اجتماعية. فكأنّه يريد أن يقول: إنَّ أوامرنا بالجهاد عامّة،
ــــــــــ[131]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
إلَّا أنّه لا بدَّ لولي الأمر أن يلحظ هذه الخصوصيّة: قابليات الطرفين، والظروف والملابسات المعنوية، والماديّة الدخيلة في إنجاح المعركة، لأجل أن لا يكون هذا القتال، قتال المستميت، وإلاَّ فإنَّ المجتمع الإسلامي لم يُخلَق للاستماتة، بل خُلِق للبقاء والحياة.
وعلى أيّ حال، يراد بالهلكة هنا الهلكة الاجتماعية، سواءٌ كانت في مقام تأكيد الأمر بالجهاد، أو تحديد الأمر به. ويناسب حينئذٍ آيات الجهاد.
فإلى هنا تلّخص أنَّ موضوع الحكم فيه احتمالان: إما أن يُلحظ بالنظر المجموعي وبما هو مجتمع، وإمّا أن يُلحظ بالنظر الأفرادي، حيث لا ظهور للآية بأنّ الهلكة مضافة إلى الموضوع بنفس ذلك الموضوع، الذي جُعِل الحكم عليه، فيستحيل فرض الإطلاق في الآية للهلكة الاجتماعية، والهلكة الشخصيّة معاً. فلابد إمّا من هذا أو ذاك.
وحينئذٍ، فإن كان المراد من الهلكة في المقام، الهلكة الاجتماعية للمجتمع بما هو مجتمع، فأيّ ربط لذلك بمسألة الاقتحام في الشبهة البدوية. فإنَّ غاية ما يُتصوّر في هذا الاقتحام من الهلكة، إنّما هو العقاب الاخروي من ناحية نفس هذا الشخص. ومن المعلوم أنَّ العقاب الاخروي ليس هلكة اجتماعية، وإنّما هلكة شخصيّة مربوطة بنفس هذا الشخص. وعليه فلا يكون في المقام مجال للتمسّك بهذه الآية؛ بدعوى أن ترك الاحتياط في الشبهة البدوية يكون معرّضاً للإنسان للعقاب، والعقاب هلكة فيدخل تحت هذه الكبرى؛ لأنَّ العقاب، وإن كان هلكة إلّا أنه شخصيّة وليس هلكة اجتماعية.
ــــــــــ[132]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وأمّا إذا فرضنا أنَّ الهلكة في المقام أُريدت بالمعنى الشخصيّ، لا بالمعنى الاجتماعي فلوحظ كلّ فرد فرد، ونهى عن إلقاء يده في التهلكة. فالاستدلال بمثل هذا النهي على إيجاب الاحتياط أيضاً غير صحيح؛ وذلك لأنّه في المرتبة السابقة على هذا النهي، إمّا أن يُفرَض أنّه قد جرى أصل عقلي، أو شرعي مؤمّن من ناحية العقاب، ومجوّز عقلاً، أو شرعاً للاقتحام في الشبهة البدوية. وإمّا أن لا يفرض جريانه في المرتبة السابقة، بل يُفرض في المرتبة السابقة حكم العقل، أو الشرع بعدم جواز اقتحام الشبهة.
فإن فُرِض أنّه في المتربة السابقة -أي بقطع النظر عن الإلقاء في الهلكة- إن فُرِض أن التأخير ثابت عقلاً وشرعاً. إذن، فلا احتمال للعقاب، فلا هلكة، فلا موضوع للكبرى حتّى نتمسّك بها. وإذا(1) فُرِض في المرتبة السابقة قد ثبت
ــــــــــ[133]ــــــــــ
() هذا الإشكال يسدّ أمام الشارع أن يحكم بالاحتياط في الشبهة البدوية أصلاً بأيّ لسان كان؛ وذلك أنّنا ببركة هذا الإشكال لن نستطيع أن نفهم منه ذلك، فلا يكون الحكم واصلاً إلينا على كلّ حال، وما دام الشارع يعلم بعدم وصول الحكم إلى المكلّفين يستحيل أن يحكم. وأمّا وجه الملازمة؛ فلأنَّ الشارع إذا حكم بالاحتياط في الشبهة البدوية بأيّ لسان، حينئذٍ نسأله عمّا إذا كانت الشبهة في المرتبة السابقة منجّزة، أو مؤمَّنه إلى آخر الإشكال. وحينئذٍ، لا يصل إلينا الحكم، والصحيح إمكان ذلك، ويكون النصّ الشرعيّ دليلاً على وجوب الاحتياط، بدون أن ننظر إلى المرتبة السابقة، فإنّه لو كان في تلك المرتبة مؤمَّناً عقلاً يكون هذا الدليل حاكماً على حكم العقل. وإذا كان مؤمّناً شرعاً يكون هذا الدليل مخصّصاً له. وأمّا إذا كان منجّزاً في المرتبة السابقة، يكون هذا تأكيداً من باب أهمّية الاحتياط في نظر الشارع. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
المنجّز، ولم يكن هناك مؤمّن. إذن، فيكون ذلك المنجّز هو ملاك وجوب الاحتياط، ويكون وجوب الاحتياط حينئذٍ، ثابتاً في المرتبة السابقة لا محالة، ولا يكون نفس النهي عن الإلقاء في الهلكة ملاكاً لإيجاب الاحتياط.
فعلى كلّ حال لا معنى لفرض أن يكون نفس النهيّ عن الإلقاء في الهلكة منجّزاً للواقع، على كلا المعنيين في الآية.
نعم لو فرض في مورد، أنّنا احتملنا التكليف، واحتملنا، أنَّ هذا التكليف ذو ملاك، بحيث إنَّ هذا الملاك أكيد وشديد في حياتنا الخارجية، الشخصية أو الاجتماعية، بحيث لو فوّتناه على تقدير ثبوته، لكنّا قد هلكنا بحسب الخارج، بمعنى الهلاك الدنيوي. حينئذٍ، لا بأس بإطلاق الدليل لإثبات حرمة التهاون بذلك الملاك المحتمل. إلَّا أنَّ هذه الحرمة حينئذٍ، تكون حرمة نفسيّة في نفسها، بقطع النظر عن احتمال التكليف وعدم احتماله. كما لو احتملنا وجود بلاء من هذا القبيل، من دون أن نحتمل وجود تكليف على طبقه، مع هذا يدخل تحت هذه الكبرى.
فهذه الكبرى حينئذٍ، تشمل المورد بلحاظ احتمال البلاء الدنيوي، لا باعتبار احتمال التكليف المولوي، حتّى تكون بداعي تنجيز ذلك التكليف.
فهي حرمة نفسية مستقلّة، من قبيل حرمة إلقاء الإنسان نفسه من السطح. فلو احتملنا أنَّ التتن حرام، واحتملنا احتمالاً مهمّاً أن يكون الوجه في حرمته أنه سمّ قاتل، بحيث يوجب هلاك الإنسان. هنا، نتمسّك بإطلاق الآية، لإثبات حرمة التدخين حرمة واقعية بهذا الدليل. بعنوان كونه إلقاءً لليد بالتهلكة.
ــــــــــ[134]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
إلَّا أنَّ مثل هذه الحرمة تكون حرمة ظاهرية منجّزة لحرمة التدخين الواقعية، بل هي بنفسها حرمة واقعيّة مستقلّة لها ثواب وعقاب. وهذا خارج عن محلّ الكلام.
استُدلّ أيضاً بهذه الآية على وجوب الاحتياط، باعتبار أنّها تأمر ببذل الجهد الحقّ الكامل التامّ في سبيل الله، ومن المعلوم أنَّ الجهد التامّ الكامل في سبيل الله ينطوي على الاحتياط في الشبهات البدوية. فمتى ما يحتمل الإنسان أنَّ الله يحرّم شيئاً يتركه، ومتى ما يحتمل أنّه يوجب شيئاً يفعله، يدخل في عنوان المجاهدة في الله، فيحكم بوجوبه؛ بدليل وجوب المجاهدة في الله تعالى.
هذه الآية الكريمة، لا بدَّ من فرض تقدير في المقام؛ لأنَّ المجاهدة وبذل الجهد إنّما يكون في شيء مربوط بالله تعالى، لا أنّه في الله ابتداءً، فإنَّ الإنسان لا يجهد بقصد تحصيل الله ابتداءً، بل بقصد تحصيل مطلب مرتبط بالله تعالى؛ ولهذا لا بُدّ من تقدير مطلب في المقام.
وحينئذٍ، فإن قدّرنا -كما لعلّه هو الظاهر، وإن لم يكن هو الظاهر، فهو المحتمل- النصرة يعني جاهدوا في نصرة الله، وإعلاء كلمته، حقّ جهاده.
كما يناسب مادّة الجهاد المستعمل غالباً في مقام القتال، أو إعلاه كلمة الشرع، والتبليغ بأعلى مراتبه، الذي يستوجب بذل النفس.
ــــــــــ[135]ــــــــــ
(1) البقرة: 78.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
ومن المعلوم، أنّه حينئذٍ لا يكون له ربط أصلاً بمسألة الاحتياط في الشبهة البدوية، بل يكون هذا دليلاً على وجوب بذل المقدار الممكن من الجهد، لكلّ إنسان في سبيل ترويج الإسلام، وإعلاه كلمة الله، وإعزاز هذه الكلمة في الأرض، وهذا الوجوب ثابت بلا إشكال ومفروغ عنه، ولا ربط له بمسألة الاحتياط في الشبهة البدوية.
وبناء على هذا الاحتمال، يكفينا هذا الاحتمال، -إن لم يكن هناك ظهور- يكفينا هذا في سبيل الإجمال، فإنّه إن دار أمر القرار ما بين عدة أمور فيكون الدليل مجملاً لا محالة. هذا أوّلاً.
وثانياّ: لو سلمنا أنَّ المقدّر هنا طاعة الله بالخصوص، (وجاهدوا في طاعة الله حقّ جهاده). فحيث إنَّ طاعة الله ليست مخصوصة خصوص طاعة الله المحتملة في الشبهات البدوية، بل تشمل طاعة الله في التكاليف المعلومة تفصيلاً، والمعلومة إجمالاً، والتي قامت عليها الحجّة الشرعيّة، وطاعة الله في التكاليف المحتملة. فحيث إنَّ تمام هذه الموارد مشمولة لهذه الآية الكريمة فيفهم العرف من الأمر بالمجاهدة هنا في سبيل طاعة الله: الحثّ على الطاعة بمقدار المقتضيات الثابتة لهذه الطاعة، في كلّ مقام بحسبه.
إنَّ مقتضيات الطاعة في هذه الموارد مختلفة في نفسها، حيث إنَّ التكاليف المعلومة بالتفصيل لا مجال للأمر الالزامي بها؛ باعتبار أنّها منجّزة بالعلم التفصيلي، وكذلك في موارد العلم الإجمالي، وكذلك في موارد قيام الحجّة. والطاعة في الأوامر الاستحبابيّة أيضاً لا معنى للإلزام بها لأنّه خُلف أن يكون استحبابياً.
ــــــــــ[136]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فهذه الطاعات حيث إنّ كلّ واحد منها مقتضيات المحركيّة فيه تختلف عن مقتضيات المحركيةّ في الآخر، وجمعت كلّها في عبارة واحدة، وأمر ببذل الجهد في مقام تحصيلها، فيفهم العرف من ذلك الأمر في مقام تحصيل تلك الطاعات، وفقاً لمقتضيات أنّها الثابتة في كلّ مقام بحسبه.
وحينئذٍ، فلا يكون نفس هذا الأمر، في مقام إيجاد مقتضٍ للحركة جديد، وراء المقتضيات الثابتة للحركة في انواع هذه الطاعات، كلّ بحسبه. ونتيجته أنَّ مثل هذا الأمر يكون أمراً إرشادياً إلى تلك المقتضيات، والعمل بها فلا بُدّ من الرجوع إليها؛ ليُرى مقدار اقتضائها، ومقدار قابلياتها للمحركيّة.
وفي موارد الشبهات البدوية، لا بُدّ من الرجوع حينئذٍ إلى ما هي القواعد المقرّرة فيها؛ ليرى أنّه ما هو مقتضى المحرّكية فيها.
هذا مضافاً إلى أنَّ دليل البراءة الشرعيّة يكون حاكماً على هذه الآية، حتّى لو فُرِض تماميتها في نفسها، افرضوا أنَّ الآية دلّت على إيجاب مولوي ببذل الجهد نحو طاعة الله تعالى.
لا إشكال أنّه يعني في طاعة الله، ما لم يرد هناك ترخيص من قبل المولى، والمفروض أنَّ دليل البراءة يكون ترخيصاً من قبل المولى. وحينئذٍ تخرج موارد البراءة الشرعية، بقرينة دليل البراءة، حتّى لو فرض تماميّة الآية في نفسها.
إذن، فهذه الآية أيضاً غير تامّة في مقام إثبات المقصود.
ــــــــــ[137]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
نعم، لو فرضنا أنّنا احتملنا تكليفاً، واحتملنا أنَّ في هذا المورد ملاك ومفسدة، بحيث أنّه مهلكة، كما لو احتملنا حرمة شرب التتن، واحتملنا أنَّ شربه فيه مفسدة مهلكة للإنسان. في مثل هذه الشبهة يصدق على اقتحامها أنّه إلقاء للإنسان نفسه في الهلك، فتدخل تحت إطلاق الآية، ويحرّم الاقتحام في هذه الشبهة؛ بمقتضى إطلاق الآية الكريمة.
إلاَّ أنَّ هذه الحرمة المستفادة من الآية الكريمة، أجنبية عن وجوب الاحتياط المدّعى للإخباريين. فإنّهم يقولون: إذا شكّ إنسان في حرمة التدخين بنحو الشبهة الحكمية، يجب عليه الاحتياط، بمعنى أنَّ تلك الحرمة المحتمل ثبوتها للتدخين، منجّزة بوجودها الاحتمالي، ويجب الاحتياط من ناحيتها. وهذا غير الحرمة المجهولة في الآية الكريمة.
توضيح ذلك: أنّه في باب الهلكة يوجد هناك احتمالان فقهيان:
أحدهما: أن يكون للمولى في باب الهلكة حكم واحد، وهو حكم واقعي تحريمي، موضوعه هو التعرّض لمظانّ الهلكة. سواءٌ كان هناك هلكة أو لم يكن، لا واقع الهلكة سواءٌ تعرّض أو لم يكن.
الاحتمال الفقهي الآخر: أن يكون للمولى حكمان أصوليان أحدهما حكم واقع بحرمة الهلكة، يحرّم على الإنسان أن يهلك نفسه.
ــــــــــ[138]ــــــــــ
() لخّص أولاً تقريب الاستدلال بآية النهي عن الهلكة ومناقشته. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وهذا الحكم الواقعي شأنّه شأن سائر الأحكام الواقعية يُفرَض فيه شبهة موضوعية. فكما يُفرض أنّي لا أدرى أهذا خمر أو لا؟ كذلك يُفرض أنّي لا أدرى أنَّ السفر إلى كربلاء في نصف الليل أفيه هلكة أو لا؟
فهنا جعل المولى حكماً آخر وهو الحكم بوجوب الاحتياط، بلحاظ الشبهة الموضوعية لتحريم الهلكة. فخرجت هذه الشبهة الموضوعية عن القاعدة المتّفق عليها بين الأصوليين والمحدّثين، وهي قاعدة عدم وجوب الاحتياط في الشبهات الموضوعية.
إذا بنينا على الاحتمال الفقهي الأوّل: وهو أن يكو للمولى حكم واقعي واحد، موضوعه التعرّض للهلكة، وهو الحكم المجعول في الآية.
فهنا شرب التدخين لما هو مضنّة الهلاك يصبح حراماً بحرمة واقعية؛ ببركة دليل (لا تلقوا بأيدييكم)، أو يستحق العقاب حتّى على مخالفة هذه الحرمة الواقعية. لا أنَّ حرمة التدخين المشكوكة بوجودها الاحتمالي أصبحت منجّزاً، ووجب الاحتياط من ناحيتهما.
وأمّا على الاحتمال الثاني: وهو أن نقول: إنَّ للمولى حكمين: حكم واقعي بحرمة واقع الإهلاك، وحكم ظاهري بحرمة التعرّض للهلاك. وإنَّ مفاد الآية هو الحكم الثاني: الحكم الظاهري بوجوب الاحتياط بلحاظ الشبهة الموضوعية. للحكم الأوّل. أيضاً، لا ربط لذلك بحمل الكلام؛ لأنَّ هذا وجوب للاحتياط بلحاظ الشبهة الموضوعية لخطاب: لا تهلك نفسك، لا إيجاب الاحتياط بلحاظ الشبهة الحكمية بخطاب لا تدخّن، الذي هو خطاب
ــــــــــ[139]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
مشكوك، والذي هو محلّ الكلام هنا، وهو: إيجاب الاحتياط في مقام تنجيز الشبهة الحكمية، وواقع حرمة التدخين المشكوكة.
هذا تمام الكلام في الآية الأولى.
وأمّا الآية الثانية: وهي: وجاهِدُوا فِي اللَّـهِ حقّ جِهادِه تخيّل أنَّ الاستدلال هنا، مبني على أن تكون المجاهدة هنا مجاهدة في طاعة الله، وقد رجعت بمقتضى تعلّق الأمر، ومعنى المجاهدة بذل غاية الجهد. ومن المعلوم إنَّ بذل غاية الجهد يشتمل على الاحتياط في الشبهات البدوية؛ لأنَّ من لم يحتط فيها، لم يبذل قصارى جهده في طاعة الله تعالى.
هذا الاستدلال أيضاً غير تامّ.
أمّا أولاً: فلا بدَّ من احتمال أن لا يكون المقدّر هنا هو طاعة الله، أو عنواناً عاماً ينطبق على طاعة الله، بل لعلّ المقدّر هو قدرة الله.
وكذلك يحتمل أن يكون المقدّر هنا، هو معرفة الله تعالى، المجاهدة في معرفته تعالى كما فُسّر ذلك في آية: والَّذينَ جاهَدُوا فينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا(1). ويؤيد هذا الاحتمال أمران:
الأمر الأوّل: أنًّ المقدّر كلّما كان ألصق بالمبرز، يكون أقرب إلى الفهم العرفي، فحينما يقول: وسْئَلِ الْقَرْيَة(2) يمكن أن نقدّر اسألوا أهل القرية أو جيران القرية. ولكن حيث إنَّ أصل القرية ألصق بالقرية من الجيران فيتعيّن.
ــــــــــ[140]ــــــــــ
(1) العنكبوت: 69.
(2) يوسف: 82.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
أيّ كلّما كان العرف ينظر بنظرة الوحدة إلى المقدّر والمبرز، وتكون وحدتها أقرب إلى الارتكاز العرف، يتعيّن هذا.
وهنا، معرفة الله حيث إنّها بالارتكاز العرفي ليس فيها اثنينية مع ما هو موضوع المعرفة. الاثنينية هنا ليس بارزة كما في طاعة الله، أو نصرة الله، فإنَّ الشخص الذي يجاهد في سبيل الله أن يعرف ربه كأنّه يجاهد في الله ابتداءً؛ لأنَّ المعرفة وباب الكشف –بعناية – يرى كأنّه هو المنكشف.
فلهذه العناية تكون الوحدة بين المقدّر هنا -لو قدّرنا المعرفة والمبرز- أظهر بحسب الارتكاز العرفي، ممّا إذا قدّرنا شيئاً آخر.
ولعلّ هذا، يكون هو النُكتة في أنّه حينما يراد المجاهدة في المعرفة لا يؤتى بكلمة (سبيل) أو (طريق)، ونحوها، بل يجعل اسم الجلالة ابتداءً مدخولاً لهذه المجاهدة، باعتبار أنَّ انكشاف الشيء كأنّه لا يزيد على نفس ذلك الشيء.
والمؤيّد الآخر لهذا الاحتمال: هو سياق الآيات الكريمة. فإنَّ سياقها ورد في أناس لم يعرفوا الله حقّ معرفته، واعتقدوا بوجود علاقات غير لائقة بعالم الربوبية بين الله وملائكته، أو بينه وبين بعض عبيده. والقرآن صار في مقام تمحيص وإبطال هذه الضلالات، وبيان ما يناسب من العلاقات لمقام الربوية. وعقّب ذلك بالأمر بالمجاهدة في الله. بسياق الآية، هو سياق معرفة الله، فيتناسب تعقيب ذلك بالأمر بالمجاهدة في معرفة الله تعالى.
وَإِذَا تُتْلىَ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فىِ وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ المُنكَرَ يَكاَدُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَالِكمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّـهُ
ــــــــــ[141]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ المَصِير(72) يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ لَن يخَلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبهمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ والمَطْلُوبُ(73) مَا قَدَرُواْ اللَّـهَ حقّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّـهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ(74) اللَّـهُ يَصْطَفِى مِنَ المَلَئكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعُ بَصِيرٌ(75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلىَ اللَّـهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(76) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَافْعَلُواْ الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُواْ فىِ اللَّـهِ حقّ جِهَادِهِ(1).
هذا كلّه أولاً(2).
وأمّا ثانياً: فلأنّه لو سلّمنا أنَّ المقدّر هو الطاعة، (جاهدوا في طاعة الله حقّ جهادة)، فحيث إنَّ الطاعة هنا تشمل موارد التكاليف المنجّزة، أيضاً، كما تشمل الشبهات البدوية. تشمل موارد العلم التفصيلي والإجمالي، وموارد قيام الحجّة. فحينئذٍ لا يمكن إبقاء الأمر بالمجاهدة على ظهوره، في المولوية؛ لأنَّ
ــــــــــ[142]ــــــــــ
() الحج: 72-78.
(2) وهنا قال أحد الاخوان في ضمن مناقشة: إنَّ قوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ علامة أنَّ السياق قد انقطع.
فأجاب (سلّمه الله): ليس كذلك، بل علامة الالتفات من المجادلين الكفرة إلى المؤمنين. فإنّه بعد أن جادلهم وزيّف هذه المفاهيم. يريد الآن أن يحصل الحكمة والنصيحة التي يتوجّه فيها إلى المؤمنين. فهذا لا يعدد السياق. وإنّما هو بعد المجادلة أَمَرَ المؤمنين بالإيمان والتقوى وبالمجاهدة في الله. فهذا أيضاً يصلح مؤيّداً لذلك. وعلى أيّ حال، على كِلا التقديرين يبطل الاستدلال بالآية الكريمة. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
سائر تلك الموارد غير صالحة للأمر المولوي. فإنَّ إبقاء الأمر على ظهوره في المولوية يقتضي تخصيص الطاعة بخصوص ما يمكن قيد المولويّة من مثل الشبهات البدوية، وهذا مما لا يقبله الفهم العرفي من الآية. ولهذا لا بُدّ وأن يحمل على الإرشاد إلى ما هو المقتضى للطاعة كلّ بحسبه. فتسقط حينئذٍ أدلّة الآية على وجوب الاحتياط مولويّاً.
من الآيات، التي أستدلّ بها في المقام. هي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا أَطيعُوا اللَّـهَ وأَطيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمر مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّـهِ والرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْويلا(1).
توضيح الاستدلال بهذه الآية الكريمة، مبني على تخيّل أنَّ الأمر بالرد إلى الله والرسول هنا، كناية عن الحجام والتوقّف والتريّث المساوق لعدم الاقتحام، إلَّا أنَّ الصحيح هو أنَّ الآية أجنبية عن وجوب الاحتياط بلحاظ موضوعها ومحمولها.
فإنَّ موضوعها: هو المنازعة المساوقة للمخاصمة، لا الشكّ(2) الذي هو موضوع وجوب الاحتياط. سواءٌ خصصنا المنازعة في هذه الآية بخصوص المنازعة في الموضوعات الخارجية، فيما يرتبط بالتنظيمات السياسيّة، والمدنيّة
ــــــــــ[143]ــــــــــ
() النساء: 59.
(2) التكليف. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
للمجتمع، من قبيل التنازع عن أنَّ الدولة الفلانية، هل تحارب، أو تسالم أو أنَّ فلاناً هل يكون أسيراً للجيش، أو فلاناً أو نحوه. أو عمّمنا بالمنازعة حتّى المنازعة في الأمور التشريعية، في أنّه هل يكون للشريك حقّ الشفعة لو باع شريكه حصّة أو لا؟ على كلا التقديرين الموضوع هو عنوان المنازعة، ولم يؤخذ فيه شكّ من قبل أحد المتنازعين في مطلب حتّى يكون الموضوع في سنخ موضوع وجوب الاحتياط.
وأمّا من ناحية المحمول: فَرُدُّوهُ إلى اللَّـهِ والرَّسُولِ، الأمر بالردّ إلى الله والرسول، هنا ليس معناه إلَّا الأمر بتحكيم الله والشريعة في شؤون الحياة. إنَّ الشؤون المتنازع فيها في حياتكم يجب أن يرجع فيها إلى الله تعالى؛ لأنّه هو الحاكم المطلق.
وهذا بيان لمطلب مبيّن في القرآن كثيراً، وهو حصر الحاكمية بالله تعالى وعدم جواز حكومة الله لأنفسهم، والتصدّي لهذا المطلب غير جائز. والآية لا يستفاد منها إلّا ذلك، وهو أمر مفروغ عنه ومن ضروريات الإسلام. ولا نزاع فيه ما بين المحدّثين والأصوليين، وإمّا النزاع أنّه ماذا حكم في موارد الشبهات البدوية، هل حكم بأصالة البراءة، أو وجوب الاحتياط.
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَـهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا(57) إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّـهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا(58) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
ــــــــــ[144]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّـهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59) أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا(60) وَإِذَا قِيلَ لَـهُمْ تَعَالَوْا إلى مَا أَنْزَلَ اللَّـهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا(1).
فهذه الآيات المتفرّعة على هذه الآية، تعطي أنَّ المسألة هي مسألة تحكيم الله في شؤون الحياة، وهذا أمر مفروغ عنه وليس محلّاً للإشكال والنزاع في هذه المسالة. هذا أولاً.
ثُمّ لو تنزّلنا، وفرضنا أنَّ هذه الآية موضوعاً ومحمولاً، تناسب مع وجوب الاحتياط، يعني: موضوعاً فرضنا معنى المنازعة الشكّ يعني: إذا شككتم في شبهة فردّوها، يعني ردوا هذه الشبهة إلى الله وإلى الرسول.
فما معنى ردوا الشبهة إلى الله والرسول؟ هل معناه التوقّف المساوق للاحتياط؟ بل إن أريد برد الشبهة ردّها في مقام رفعها، يعني ردّ واقع ما اشتبه، وهو مسألة حرمة التدخين -مثلاً- إلى الله والرسول. فمعنى الردّ إلى الرسول يعني الفحص، يعني (افحصوا)، فتكون هذه الآية دليلاً على وجوب الفحص. ونحن لا إشكال عندنا في وجوب الفحص في الشبهات الحكمية. إلَّا أنَّ الكلام، أنّه لو رددناه إلى الله والرسول، فلم نجد هناك ما ينفعنا في مقام بيان حكم المسألة
ــــــــــ[145]ــــــــــ
(1) النساء: 57- 61.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فماذا نصنع؟ والآن لا نتعرّض، فيما إذا لم يثمر الفحص شيئاً ماذا نصنع.
وأمّا إذا ردّ الشبهة بما هي شبهة، يعني: عنوان الشبهة نردّه إليهم، لنعرف أنّه ما هو حكم الشبهة، لا ما هو حكم المشتبه. فهذا أيضاً صحيح.
لا إشكال أنَّ الأصولي والإخباري، يردّان الشبهة إلى الله والرسول؛ ليعرفوا ما هو حكمها، فلو فُرِض أنّه ثبت بدليل حكمها هو البراءة؛ إذن فقد قمنا بردّ الشبهة إلى الله والرسول، فحصل لنا دليل منهم على البراءة. فيكون دليل البراءة محقّقاً للموضوع، وحصول الجواب من الله والرسول بعد الردّ إليهم.
فهذه الآية أيضاً لا دلالة فيها على شيء في محلّ الكلام.
بقيت آية اتَّقُوا اللَّـهَ حقّ تُقاتِهِ(1) أيضاً استدلّ بها على المطلب؛ باعتبار أنَّ التقوى حقّ تقاته، الذي يُعبّر به في مقام بيان غاية التقوى وكمالها. والرتبة من التقوى تشتمل لا محالة على الاحتياط في الشبهات البدوية؛ لأنَّ من ترك هذا الاحتياط لم يتقِّ مخالفة الله حقّ الاتّقاء وكماله، بل عرّض نفسه للمخالفة.
هذا الاستدلال، مبني على أن يكون المراد من الشيء المتّقى منه هو المخالفة، بما هي مخالفة.
وهذا غير صحيح؛ فإنَّ الاتّقاء عبارة عن دفع الخطر والضرر عن المتقي، ويضاف إلى شخص ما يكون مصدراً للخطر والضرر؛ باعتبار منشئيّته له،
ــــــــــ[146]ــــــــــ
(1) آل عمران: 102.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فيقال -مثلاً-: (اتّق الأسد)، باعتبار منشئيّتة الأسد للخطر والضرر.
فاتّقاء الله، إنّما هو باعتبار اتّقاء ما يُترقّب من ضرر وعقاب وهلاك، ناشئ منه، وواقع على المكلّف. وعليه فقد فُرِض في موضوع هذا الأمر وجود الهلاك والعقاب. وأنّه متى كان هناك هلاك وعقاب، يصدق عنوان الاتّقاء فيتعلّق به الأمر. فمثل هذا الأمر لا يكون مولويّاً لا محالة، بل يكون مسوقاً دائماً بالملاك المنجّز المصحّح للعقاب. فكيف يُستدلّ به في المقام؟
بقي هنا الآيات الدالّة على حرمة القول بلا علم
اللَّـهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّـهِ تَفْتَرُون(1)، ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم(2).
ونحوها من الآيات الدالّة على عدم جواز القول بلا علم. أيضاً أستدلّ بها الإخباريون، بدعوى أنَّ الأصولي يقول بلا علم.
حقّ المطلب أن يقال: إنَّ الأصولي والإخباري إن كانا يتصدّيان في الشبهة البدوية للإفتاء بالواقع، مع كونها شبهة بدوية، فكلاهما يقولان بلا علم، ويصدر منهما معصية وحرام. لا الاصولي من حقّه أن يفتي بواقع الإباحة، ولا المحدّث من حقّه أن يفتي بالحرمة الواقعية؛ لأنَّ المفروض هو الشبهة، فهو قول بلا علم.
ــــــــــ[147]ــــــــــ
(1) يونس: 59.
(2) الإسراء: 36.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وإن تصدّيا للإفتاء بالحكم الشرعي الظاهري: هذا يفتي بالإباحة الظاهرية، وذلك بالوجوب الظاهري، فإنَّ كان مع الدليل، فهو جائز، حاله حال كلّ فتوى، وإن كان بلا دليل فهو غير جائز، سواءٌ أفتى بالإباحة، أو بوجوب الاحتياط.
وإن تصدّيا لبيان التنجيز والتعذير العقلي محضاً، بأن قال الأصولي: إنّما التمسّك بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان). وقال المحدّث: التمسك بقاعدة منجزيّة الاحتمال عقلاً. فهذا أيضاً لا بأس به، حتّى لو كان مخطئاً فيما يقول؛ لأنّه لا ينسب شيئاً إلى الله حتّى يقال اللَّـهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّـهِ تَفْتَرُون. وإنّما هو شيء أدركه بعقله العملي، سواءٌ كان إدراكه مطابقاً للواقع أولا. هذا هو مهمّ ما ينبغي أن يُستدلّ به من الآيات مع جوابه.
انتهينا من الاستدلال بالكتاب إلى الاستدلال بالسُنّة، على وجوب الاحتياط. وليس حال الاستدلال بالسُنّة بأحسن حال من الاستدلال بالكتاب. حتّى إنّي لم أعثر لحدّ الآن على رواية تامّة السند، يُتوهّم دلالتها على وجوب الاحتياط.
على أيّ حال إستدلّ الإخباريون بعدد كبير من الروايات على وجوب الاحتياط شرعاً. إلَّا أنَّ هذه الروايات التي استدلّوا بها، ليس في شيء منها دلالة على وجوب الاحتياط، بالمعنى المتنازع فيه بين الأصوليين والإخباريين.
ــــــــــ[148]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
قد قسّم سيّدنا الأستاذ الروايات إلى ثمان طوائف:
الطائفة الأولى: الروايات التي ليس فيها رائحة الإلزام أصلاً، بحيث لو فُرِض أنّها كانت واردة فيما هو محلّ الكلام موضوعاً ومحمولاً، فلا يمكن أن يستفاد منها وجوب الاحتياط؛ لعدم ظهورها في الإلزام، بوجّه من الوجوه. وذلك كهذه الرواية المرسلة من الصادق: “من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه“(1) أمّا أنَّ الاستبراء للدين، هل هو واجب أو مستحب؟ فإنَّ هذا يحتاج إلى ضمّ كبرى إليه وهو وجوب الاستبراء للدين. ولم يثبت من ناحية الرواية حكم الكبرى.
وكذلك أيضاً هذه الرواية المرسلة: “ليس بناكب عن الصراط من سلك سبيل الاحتياط“. هذا لازم أعمّ؛ لفرض كون الاحتياط واجباً.
وكذلك هذه الرواية، في أمالي ابن الشيخ الطوسي بسند ينتهي إلى الرضا يقول: “إنَّ امير المؤمنين قال لكميل بن زياد فيما قال: يا كميل اخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت“(2). أيضاً ليس فيها دلالة على الوجوب بوجه؛ لأنَّ الاحتياط، وإن وقع متعلّقا للأمر هنا، إلَّا أنّه بقرينة قوله “بما
ــــــــــ[149]ــــــــــ
() انظر: وسائل الشيعة 27: 173.الباب 12، باب وجوب الاحتياط والتوقف في القضاء والفتوى، الحديث 64. ولقد وردت عن رسول الله.
(2) انظر: وسائل الشيعة: المصدر نفسه، 167، الحديث 46.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
شئت” يتعيّن حمل هذا الأمر على الاستحبابي، لا على الأمر الوجوبي(1). إذ لا معنى لأن يكون المقدار الواجب موكولاً إلى المكلّف من حيث الزيادة والنقصان. فكأنّه في مقام بيان أنَّ الدين حيث إنّه أمر مهمّ، فبأيّ مرتبة تهتمّ به وتحتاج من أجله، فهو أمر في محلّه.
وكذلك هذه الرواية أيضاً المروية عن أبي عبد الله قال “أورع الناس من وقف عند الشبهة“(2). وكثير من الروايات الواردة بمثل هذه المضامين، التي لا يشمّ منها رائحة الإلزام بوجه. فلو سُلّم أن هذه الروايات واردة فيما هو محلّ الكلام موضوعاً ومحمولاً -مع أنَّ هذا غير مُسلّم في جملة منها- فهي لا تدلّ على وجوب الاحتياط؛ لعدم ظهورها في معاني الإلزام.
الطائفة الثانية: هي جملة من الروايات الواردة في مقام تحكيم الإئمة من سنخ أنّه “فَرُدُّوهُ إلى اللَّـهِ والرَّسُول“(3) فكما أنّه كانت في مقام تقرير مبدأ ولاية أهل البيت ومرجعيتهم في باب الحلال والحرام، وعدم جواز الاستقلاق عنهم، كما هو شأن من لم يكن مؤمناً بهم، حيث كانوا يعتمدون على آرائهم وأذواقهم في مقام الاستنباط.
وأنّه لا يجوز استنباط الأحكام بصورة منفصلة عنهم اتبّاعاً للهوى، أو اعتماداً على مقاييس أخرى غير مشروعة، ومثل هذا أيضاً أجنبي عن محلّ
ــــــــــ[150]ــــــــــ
() فتسقط أيضاً دلالة الرواية. (المحاضرة). (المُقرِّر).
(2) انظر: وسائل الشيعة، المصدر السابق: 162، الحديث 29.
(3) النساء: 59.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الكلام. فإنّه ليس النزاع في هذه المرجعية، بل النزاع فيما عيّنه المرجع في موارد الشبهات البدوية.
ومن هذا القبيل قوله في رواية ابن جابر: “والصَّحِيحُ أَنَّ اللَّـهَ لَمْ يُكَلِّفْهُمُ اجْتِهَاداً لِأَنَّهُ قَدْ نَصَبَ لَـهُمْ أدلّة وأَقَامَ لَـهُمْ أَعْلَاماً وأَثْبَتَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ فَمُحَالٌ أَنْ يَضْطَرَّهُمْ إلى مَا لَا يُطِيقُونَ بَعْدَ إِرْسَالِهِ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ بِتَفْصِيلِ الحَلَالِ والحَرَام“(1).
وهناك عدة روايات أيضاً يمكن حملها على أنّها في مقام بيان هذا المبدأ
-مبدأ مرجعية أهل البيت-. من قبيل هذه الرواية، رواية حمزة بن الطيار: “أَنَّهُ عَرَضَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ بَعْضَ خُطَبِ أَبِيهِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَوْضِعاً مِنْهَا قَالَ كُفَّ واسْكُتْ ثُمّ قَالَ (إِنَّهُ) لَا يَسَعُكُمْ فِيمَا يَنْزِلُ بِكُمْ مِمَّا لَا تَعْلَمُونَ إِلَّا الْكَفُّ عَنْهُ والتَّثَبُّتُ والرَّدُّ إلى أَئِمَّةِ الهُدَى حَتَّى يَحْمِلُوكُمْ فِيهِ عَلَى الْقَصْدِ ويَجْلُوَ عَنْكُمْ فِيهِ الْعَمَى قَالَ اللَّـهُ تَعَالَى فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ”(2).
هذه الرواية، أيضاً قابلة للحمل على هذا المبدأ. فإنّه أمر بالكفّ، والتثبّت بمعنى: أنّه ردع عن الانسياق وراء الطرق الباطلة، في مقام استنباط الأحكام التي وضعها غير علماء أهل البيت وأمر بالرجوع إليهم فهو أيضاً في
ــــــــــ[151]ــــــــــ
(1) انظر: وسائل الشيعة 27: 57، الباب 6، باب عدم جواز القضاء والحكم بالرأي والاجتهاد والمقاييس، الحديث 38.
(2) انظر: وسائل الشيعة، نفس المصدر: 25، الباب 4، باب عدم جواز القضاء والإفتاء بغير علم بورود الحكم عن المعصومين، الحديث 14.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
مقام بيان حصر المرجعيّة في بيان الحلال والحرام بالأئمّة، وعدم وجود مرجع آخر. هذا أيضاً خارج عن محلّ الكلام.
الطائفة الثالثة: وهي جملة من الروايات الواردة في مورد وجود الإمام والتمّكن من مراجعته. فلو فُرِض أنّها دلّت على نفي البراءة، لَما كان هذا يضرّنا؛ لأنّه لا يدّعي أحد نفي البراءة في مورد التمّكن من الرجوع إلى الإمام. فإنَّ مورد التمكّن من الرجوع إليه، هو مورد التمكّن من تحصيل العلم، ورفع الشبهة، ومن المعلوم أنَّ من جملة شروط جريان أصالة البراءة هو اليأس عن الظفر بدليل. فهذه الروايات أجنبية عمّا هو محلّ الكلام.
ومن هذا القبيل مقبولة عمر بن حنظلة. حيث فُرِض فيها تعارض الروايات فأخذ الإمام -إن صحّت الرواية- بيان الترجيح، حتّى إذا استوى المتعارضان من سائر الجهات قال: “أرجه حتى تلقى إمامك“(1) يعني: توقّف ولا تعمل لا بهذه الرواية ولا بهذه الرواية، حتّى تلقى إمامك. فإذا فرضنا أنّ قوله: “أرجه” يكون مرجعاً إلى الأمر بالتوقّف والاحتياط في مقام العمل، وإلغاء أصالة البراءة، لا يضرّنا هذا؛ لأنَّ ظاهر الغاية هو قوله: “حتّى تلقى إمامك” أنَّ محلّ الكلام هو في مورد يكون من الممكن ملاقاة الإمام، ومع التمكّن من ملاقاته، يكون المكلّف قادراً على دفع الشبهة فلم يحصل له اليأس عن الظفر بدليل، فلا مجال لجريان أصالة البراءة، بلا إشكال.
ــــــــــ[152]ــــــــــ
(1) انظر وسائل الشيعة 27: 107، الباب 9، باب جوب الجمع بين الأحاديث المختلفة وكيفية العمل بها، الحديث 1.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فهذه الروايات التي أُخذ في موردها التمكّن من ملاقاة الإمام أيضاً لا دلالة فيها.
الطائفة الرابعة: هي الروايات المسوقة مساق وجوب الفحص. تأمر بالتعلّم، وأنَّ الجاهل لا يسعه أن يقول: (لا أعلم)، إذ يقال له: (لماذا لم تتعلّم). مثل هذه الروايات أيضاً أجنبية عن محلّ الكلام؛ لأنّها تدلّ على وجوب الفحص. أمّا لو فحص ولم يجد، ماذا يصنع؟ فهذه الروايات ليست في مقام البيان من هذه الناحية.
الطائفة الخامسة: هي الروايات المسوقة مساق تحريم القول بلا علم والالتزام بالمطلب دون علم به. من قبيل بعض الآيات التي تقدّمت. ومثل هذا أيضاً خارج عن محلّ الكلام؛ لأنَّ الكلام ليس في أنَّ الأصولي يلتزم بالإباحة الواقعيّة، مع أنّه لا يعلم بها، بل هو يلتزم بمقدار ما يعلم، وهو الإباحة الظاهرية.
من هذا القبيل رواية زرارة، عن أبي عبد الله قال: “لَوْ أَنَّ الْعِبَادَ إِذَا جَهِلُوا وَقَفُوا ولَمْ يَجْحَدُوا لَمْ يَكْفُرُوا“(1) إذا فُرِض أنَّ العبد إذا جهل، وقف، وقال: لا أدري -لا أنّه تسرّع إلى الجحود والانكار- لم يكفروا. فهذا تحريم للجحود حيث يجهل. إنَّ الإنسان إذا جهل شيئاً، يحرم عليه جحوده وإنكاره؛ لأنّه قول بلا علم.
ــــــــــ[153]ــــــــــ
(1) انظر: وسائل الشيعة 1: 32، الباب 2، باب ثبوت الكفر والارتداد بجحود بعض الضروريات، الحديث 8.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وكذلك هذه الرواية، عن علي بن الحسين قال لأبان بن أبي عياش: “يَا أَخَا عَبْدِ قَيْسٍ إِنْ وَضَحَ لَكَ أمر فَاقْبَلْهُ وإِلَّا فَاسْكُتْ تَسْلَمْ ورُدَّ عِلْمَهُ إلى اللَّـهِ فَإِنَّكَ أَوْسَعُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ والْأَرْضِ“(1).
الأمر بالسكوت عنه كناية عن عدم تبنّي المطب إثباتا ونفياً؛ لأنَّ تبنّيه بأحد الوجهين قول بلا علم، وحيث لا يلتزم به إثباتاً أو نفيّاً، يكون أوسع ممّا بين الأرض والسماء، بخلاف ما إذا التزم بأحدهما، يكون رهينة ما التزم. هذا أيضاً يدلّ على حرمة القول بلا علم، ولا ربط له بمحلّ الكلام.
الطائفة السادسة: وهي الروايات التي تدلّ على حرمة الجري، والحركة بلا علم. من قبيل هذه الرواية: “مَنْ هَجَمَ عَلَى أمر بِغَيْرِ عِلْمٍ جَدَعَ أَنْفَ نَفْسِه“(2). ليس معناها أنّه من هجم على أمر مشكوك، بل إن كان الهجوم بغير علم، لا إذا كان موضوع الهجوم مشكوكاً، “من هجم على أمر بغير علم” يعني نفس الهجوم لم يستند على ركن وثيق. كان كمن جدع أنف نفسه؛ لأنّه عرّض نفسه للخطر والضرر. وهذا تنبيه إلى ما يستقلّ به العقل، من أنَّ الإنسان في حركته، يجب أن يستند إلى العلم دائماً. والأصولي في اقتحامه للشبهات التحريمية، يستند إلى العلم بالإباحة عقلاً أو شرعاً، فهو لم يهجم على أمر بغير علم، بل هجم على المشكوك بعلم. فحينئذٍ، لا يكون هذا مشمولاً لإطلاق الرواية.
ــــــــــ[154]ــــــــــ
(1) انظر: وسائل الشيعة 27: 166، الباب 12، باب وجوب التوقّف والاحتياط في الفتوى، الحديث 40.
(2) انظر: وسائل الشيعة، المصدر السابق: 156، الحديث 5.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الطائفة السابعة: وهي الروايات التي لم يؤخذ في موضوعها عنوان الشبهة الحكمية، أو الشكّ في التكليف من قبيل مطلقات قوله: “دَعْ مَا يُرِيبُكَ إلى مَا لَا يُرِيبُك“(1). هذا المطلق في نفسه، لم يؤخذ فيه أن يكون الريب من ناحية التكليف الشرعي. إذن، فلابَّد أن يفهم بمقدار ما بُيّن في اللفظ.
وحينئذٍ، من المحتمل أن يكون هذا الأمر أمراً تعليمياً، مرجعه إلى النهي عن المخاطرة والمغامرة في شؤون الحياة(2) إن رأيت أنَّ تجارة الشاي ولكن تجارة الحنطة ممّا لا تريبك، لا داعي لأنَّ توّرط نفسك فيه شكّ وريب. فلا يكون له ربط بمسالة الشبهة البدوية، بلحاظ الأحكام الإلهية الذي هو محلّ الكلام(3).
بل يمكن أن يقال هذا أيضاً في الأوامر المتعلّقة بعنوان الاحتياط، فإنّ الاحتياط، وإن كان بحسب المصطلح عن ترك ما يحتمل حرمته، أو فعل ما يحتمل وجوبه. إلَّا أنّه لا يُعلم أنَّ مثل هذا الاصطلاح قد كان مستقرّاً في عصر الأئمّة، بحيث إنَّ اللفظ انعقد له معنىً ثانٍ، وراء معناه اللغوي. وإلّا فالاحتياط بالمعنى اللغوي يُكنّى به عن الاهتمام بالشيء، حيث إنَّ جعل سور على الأرض اهتمام بها. فالأمر بالاحتياط للدين، هو: أمر بالاهتمام بالدين. وهذا لا يكون له اختصاص بموارد الشبهات البدوية، بل يجب الاهتمام بالدين، ومن المعلوم إنَّ الاهتمام
ــــــــــ[155]ــــــــــ
() انظر: وسائل الشيعة، نفس المصدر: 167، الحديث 43.
(2) فيحمل على أنّها قاعدة أخلاقية، (المحاضرة). (المُقرِّر).
(3) وهنا قال جواباً على سؤال: إنَّ هذا الاحتياط في جميع شؤون الحياة مستحب، تحفّظاً على الجهات الواقعية. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بالدين، إنما يكون بالأخذ بالموازين الموجودة بالدين. فإن فُرِض أنَّ من جملة أحكام الدين هو أصالة البراءة في الشبهات البدوية، فلا ينافي الاهتمام بالدين أن يترك ما يحتمل وجوبه، أو يفعل ما يحتمل حرمته.
وتحميل هذا المعنى الاصطلاحي للاحتياط، على مطلقات الأمر بالاحتياط الواردة في عصر التشريع، ممّا لا شاهد عليه، يعني: مّما لا دليل على سبق مثل هذا المعنى في أيام الأئمّة، ففي مورد يأتي الأمر بالاحتياط دون قرينة على صرفه إلى خصوص موارد الشبهة، نقول: إنَّ هذا مرجعه إلى الأمر بالاهتمام بالدين ورعاية حقّه، فيكون أيضاً أجنبي عمّا هو محلّ الكلام.
الطائفة الثامنة: الروايات الواردة في موارد خاصّة، بحيث يمكن التعدّي عنها. فلو فُرِض دلالتها على وجوب الاحتياط يقصر فيها على موردها، ولا يتعدّى إلى غيره.
وذلك من قبيل هذه الرواية، أمير المؤمنين يبلغه أنَّ عثمان بن حنيف واليه على البصرة، يُدعى إلى وليمة، فيجيب إليها فيبعث إليه برسالة يزجره عن ذلك يقول فيها: “أَمَّا بَعْدُ يَا ابْنَ حُنَيْفٍ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إلى مَأْدُبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوَانُ وتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إلى طَعَامِ قَوْمٍ عَائِلُهُمْ -فقيرهم- مَجْفُوٌّ وغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ فَانْظُرْ إلى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هَذَا المَقْضَمِ فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ ومَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وَجْهِهِ فَنَلْ مِنْه“(1).
ــــــــــ[156]ــــــــــ
(1) نهج البلاغة (لصبحي الصالح): 417، الرسالة رقم 45.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
هذا يدل على وجوب الاحتياط في الشبهة الموضوعية. هذه الرواية واردة في مورد خاصّ، وقيد يمكن الالتزام بوجوب.
حيث إنَّ المخاطب كان والياً من ولاة المسلمين، وممّن ائتمن على أموال وأعراض ودماء المسلمين، من قبل إمامهم، هذا الشخص في مظنّة أن يعامل بالحسنى، ويُقدّم إليه الأموال باعتبار الإغراء، وقضاء بعض المصالح الشخصيّة، وتقديم جانب الأشخاص على جانب الله. وما يرجع بالآخرة إلى الرشوة ببعض مراتبها وأنحائها. والوالي، لما كان في معرض هذا المطلب حرّم الإمام تناول الإحسان من شخص، ما لم يعل بطيب وجهه.
وليس المراد بمناسبات الحكم والموضوع، من العلم بطيب الوجه، في مقابل الشكّ في أن ذاك المؤمن هل غصب هذا المال أو لم يغصبه. فإنّه ليس مراد الإمام في المقام إلغاء قاعدة اليد -مثلاً- بالنسبة إلى الداعي، بل المراد من طيب الوجه: طيب وجه نفس الإحسان. أنَّ هذا الإحسان الذي يُقدّم إليك إذا علمت بطيب وجهه، وأنّه يُقدّم إليك باعتبارك رجلاً صحابياً متديّناً ورعاً، فهو لا بأس. وأما إذا شككت في هذا المطلب، بقرينة ما ذكر في صدد العبارة “عائلهم مجفوّ وغنيهم مدعوّ” هذا يكون قرينة ظنيّة، أو احتمالية على أنَّ مثل هذه الوليمة لم يقصد بها عثمان بن حنيف باعتباره شخصاً صحابياً ورعاً، بل باعتباره حاكماً آمراً، ناهياً؛ ولهذا جمع حوله الأغنياء. فحيث يثار الشكّ من هذه الناحية، فيجب الاحتياط، ولا بأس بالالتزام بوجوب الاحتياط على الحاكم، في مثل هذه الموارد.
وهذا لا يقاس عليه غيره، خصوصاً أنَّ الشبهة موضوعية، ولا إشكال في
ــــــــــ[157]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
عدم وجوب الاحتياط في نحو هذا المورد. فهذا حكم بوجوب الاحتياط، خرج عن مقتضى القاعدة. سواءٌ قلنا: بأنَّ وجوب الاحتياط هذا صادر من الإمام بما هو مبيّن للشريعة، فيكون حكماً كليّاً على كلّ حاكم يلي بأمور المسلمين، في كلّ زمان ومكان إلى يوم القيامة، أو أنّه صادر منه بما هو موكلّه ووليّه، وبما أنه مسؤول عن حفظ جهات الرعيّة، في عصره. فيكون إيجاب الاحتياط بملاك الولاية، فيقتصر على خصوص ولاته، ولا يعمّ جميع ولاة المسلمين غير المنصوبين من قِبَله، بما هو إمام.
ومن هذا القبيل رواية أخرى عن أمير المؤمنين في عهده إلى الأشتر. قال: “ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الأمور ولَا تُمَحِّكُهُ الخُصُومُ ولَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ ولَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إلى الحقّ إِذَا عَرَفَهُ ولَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ ولَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ وأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ وآخَذَهُمْ بِالحُجَج“(1). وهذا أيضاً لا يدلّ على شيء في المقام؛ وذلك لأنَّ القاضي بما هو قاضٍ، يجب عليه التثبّت في الشبهة، كلّما لاح له احتمال التلبيس، والمخالفة مع الواقع، والدّس من قبل المدّعي أو المنكر يجب عليه أن يتثبّت حتّى يصرف غاية جهده في ذلك. هذا التثبّت واجب على القاضي بما هو قاضٍ، لا أنّه واجب باعتبار وجوب الاحتياط مطلقاً في باب الشبهات، بل هو واجب باعتبار المنصب، ولهذا كثيراً ما تكون الشبهة موضوعيّة ومع هذا يجب على القاضي التثبّت فيها.
ــــــــــ[158]ــــــــــ
(1) نهج البلاغة، المصدر السابق: 435، الرسالة رقم 53.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فهو وجوب منوط بالمنصب، لا بالمكلّف بما هو مكلف حتى يلتزم بوجوب الاحتياط في تمام الموارد.
على أنَّ هذه الرواية ليس فيها دلالة على إيجاب الاحتياط، حتّى على القاضي، فإنَّ الإمام يأمر مالك الأشتر بأن يختار أوقفهم في الشبهات. وهذا لا يدلّ على أنّه يجب على القاضي أن يكون أوقف الناس في الشبهات. وإنّما هو أمر بالترجيح بهذا الملاك، وهو: لا يدلّ لزومية هذا الملاك على القاضي.
فهذه نقاط(1) ثمانٍ في المقام، بها يسقط الاستدلال بأكثر الروايات المذكورة في المقام. نعم، تبقى طوائف ثلاث لا بُدّ من ملاحظتها(2).
قلنا: إنّه بقيت ثلاث طوائف ينبغي التعرّض لها بالخصوص.
الطائفة الأوّلى: هي ما كانت بلسان “الْوُقُوفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الهَلَكَةِ“.
والطائفة الثانية: أخبار التثليث: “الأمور ثلاثة حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك“.
والطائفة الثالثة: ما دلّ على الأمر بالاحتياط في موارد الشبهات التكليفية، مع التطبيق على فروع من الشبهة الحكميّة بعينها.
ــــــــــ[159]ــــــــــ
() يعني من نقاط الضعف في استدلال الإخباريين، (توضيح مبناه من المحاضرة). (المُقرِّر).
(2) انظر محاضرة غد. (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
أمّا الطائفة الأولى: فلنأخذ هذه الرواية ممثلاً لها. رواية أبي سعيد الزهري عن أبي جعفر: قال: “الْوُقُوفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الهَلَكَةِ وتَرْكُكَ حَدِيثاً لَمْ تُرْوَهُ خَيْرٌ مِنْ رِوَايَتِكَ حَدِيثاً لَمْ تُحْصِه”(1).. وبهذا اللسان عدّة روايات.
استدلّ بهذه الرواية على وجوب الاحتياط في المقام، بعد تنزيل ألفاظ الرواية على ما هو المألوف من معانيها في البحث العلمي الأصولي.
[الجواب عنه]
إلَّا أنّه لا بُدّ من مزيد التدبّر في مفاد مفردات هذا الحديث؛ لأجل أن يتّضح دلالته إثباتاً ونفيّاً. وبعد التدبّر، يظهر عدم دلالة الحديث على ما هو المقصود من وجوب الاحتياط. وذلك:
أمّا أوّلاً: فلأنّه قد فُرِض في الرواية التقابل بين الوقوف والاقتحام. فما معنى الوقوف والاقتحام؟ عندنا مفهومان متقابلان:
أحدهما: التقابل بين الإحجام والإقدام، أيّ الاجتناب والفعل.
إذا واجه الإنسان شبهة إمّا أن يحجم بمعنى يترك ويجتنب، أو يقدم بمعنى يفعل.
ثانيهما: التقابل بين التريّث، والتسرّع، بين التمهّل والإقدام بلا أناة.
والظاهر من تدقيق مادّة الوقوف، والاقتحام هنا، أنَّ المراد من الوقوف، ليس هو الإحجام والإعراض عن الشبهة. فإنَّ الشخص حينما يقف في نصف
ــــــــــ[160]ــــــــــ
(1) انظر: وسائل الشيعة 27: 155، الباب 12، باب وجوب التوقّف والاحتياط في الفتوى، الحديث 2.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الطريق، لم يعرض، وإنّما هو واقف، ومعنى وقوفه هو تريّثه وتمهّله. وإلاَّ فإنَّ من أعرض يرجع من طريقه لا يقف في نصف طريقه. فالوقوف عند الشبهة مساوق مع التريّث والتمهّل، لا مع الإحجام والإعراض. وإلاَّ لكان رجوعاً لا وقوفاً.
والاقتحام الذي فرض في مقابل الوقوف، ليس هو مطلق الإقدام، بل هو على ما يتفاهم منه عرفاً -وعلى ما نصّ علماء اللغة-، هو: الإقدام بلا تروٍ ولا تدبّر ولا مطالعة. وحينئذٍ فيناسب في مقابل الوقوف. إذ يكون الوقوف كناية عن التريّث والتروي. والاقتحام ليس مطلق الإقدام، بل الإقدام بلا تروٍ، المساوق للتسرّع وقلّة الأناة.
فإذا كان هذا هو محصّل هاتين الكلمتين عرفاً ولغة، فيرجع قوله: “الْوُقُوفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الهَلَكَةِ” إلى عقد موازنة، لا بين الاجتناب والإقدام، للنهي عن الثاني، والأمر بالأوّل، بل بين التمهّل والترتيب من ناحية، والتسرّع والإقدام بلا أناة. فكأنّ محصّل هذه الرواية: أنَّ الإنسان إذا واجّه شبهة، لا يدري ما هو الصحيح، فهنا يُتصوّر له في بادئ الأمر موقفان: إمّا أن يقف موقف المتريّث والمتمهّل، وهذا معناه الوقوف عندها: يقف عندها حتّى تنحلّ، لا أن يرفع يده عنها ويرجع. ومعنى يقف عندها: يعني يتريّث ويستطلع خبرها، ويدرس تمام الشؤون التي ترتبط بهذا الموقف عملاً، إمّا هكذا.
وإمّا أن يكون شأنّه شأن من لا يهتمّ بالدين والموازين العقلائية، فيتسرّع، ويقدم اقتحاماً من دون تروٍّ وتبصّر.
فالرواية بحسب الدقّة، نقطة موازنة بين هذين العنوانين. ونقول: إنَّ
ــــــــــ[161]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الوقوف يعني التريّث والتمهّل، أولى من الاقتحام والتسرّع في مضانّ الهلاك بلا دراسة للموقف.
وبناءً عليه، تكون الرواية في مقام بيان عدم جواز اقتحام الشبهة دون مطالعة وفحص ومستند. أمّا مع الفحص، والمستند، يعني: الإقدام لا بنحو التسرّع، بل بنحو التمهّل، فهو خارج عن طرف الموازنة، ولا تكون الرواية ناظرة إليه بوجّه من الوجوه.
هذه هي النكتة الأولى في إبطال دلالة الرواية.
ثانياً: لو قطعنا النظر عما ذكرناه. وفرضنا الموازنة بين الوقوف والاقتحام، بقطع النظر عن التفسير الذي فهمناه.
نأتي بعد هذا ندقّق في معنى الشبهة، وهذه الشبهة التي يكون الوقوف عندها خير من الاقتحام فيها.
طبعاً، نحن في الأصول اعتدنا أن نسمّي الشكّ بالشبهة، فنقول شبهة موضوعية حكمية. وشبهة وجوبية وتحريمية. أصبح هذا اللفظ واضحاً في أذهاننا البحثية. لكن نحن يجب في مقام فهم هذا النصّ أن نستقرئ، وأن نشمّ معنى الشبهة في الأحاديث الواردة في مثل هذا المورد؛ لنرى أنّه ماذا كان يراد بالشبهة في ذلك الظرف، متجرّدين عن الاصطلاح الأصولي في هذه المسألة.
وحينئذٍ نقول: إنَّ الشبهة بحسب الأصل في معناها اللغوي، يراد بها المثل(1) والحاكي والنظير. وإطلاق مشتّقات هذه المادّة على باب الشكّ والاشتباه
ــــــــــ[162]ــــــــــ
() وشبهات بمعنى أمثال كما نُصّ عليه من كتب اللغة، (المحاضرة). (المُقرِّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
من باب المماثلة والمشابهة، تؤدّي إلى التحيّر، وعدم تمييز أحدهما عن الآخر. والشكّ في الحقّ هو هذا، أو هذا، فيقع الإنسان في التلبّس من ناحية التمييز ما بين المتماثلين. فبهذه النُكتة سرت هذه اللفظة إلى موارد الشكّ والالتباس.
إذن، فمن المحتمل قوياً أن يكون معنى الشبهة الأصلي منحصراً في المثل والمماثل. وفي بعض الأحاديث الواردة عن أمير المؤمنين قد فسّرت الشبهة. حيث قال في وصيّته لابنه الحسن: “إِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الحقّ فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللَّـهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ ودَلِيلُهُمْ سَمْتُ الهُدَى وأَمَّا أَعْدَاءُ اللَّـهِ فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا الضَّلَالُ ودَلِيلُهُمُ الْعَمَى“(1).
فهذا يؤيّد ما احتملناه قوياً من ناحية اللغة من أنّ الشبهة بمعنى المشابهة والمثل، والذي نستشعره من هذه الرواية وأمثالها. أنّ الشبهة عبارة عن مطلب بحسب ظاهره وصورته يشبه الحقّ والواقع، إلَّا أنَّ هذا الشبه شبه صوري وظاهري وليس هو الحقّ بعيّنه، بل هو شي يتبادر إلى الذهن أنّه حقّ؛ باعتبار أنَّ بعض مظاهره موجودة ففيه أماريّة وكشف على أنّه هو الحقّ، أي: فيه جهة إغراء وتدليس، من حيث يتراءى أنّه هو الحقّ.
كما هو الحال في كثير من الدعوات الباطلة التي يكون ظاهرها مشابهاً للحقّ، وواقعها انحراف وضلال. كالدعوة الوهابية؛ لأنّها بحسب الظاهر عنونت بعنوان الدعوة إلى التوحيد الخالص، ورفض الشرك بتمام ألوانه، الجلي والخفي منه، وهذا ظاهر عظيم هو عينّ الحق. إلَّا أنَّ واقع هذه الدعوة
ــــــــــ[163]ــــــــــ
(1) انظر: وسائل الشيعة، المصدر السابق: 161، الحديث 24.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
ومضمونها منحرف، وسالخ للإسلام عن تمام مضمونه الحقيقي. فهذه شبهة؛ لأنّها تشبه الحقّ.
وفي بعض الروايات قيل: بأنَّ الشبهة من الشيطان. ما هي الشبهة التي من الشيطان، أهي الشكّ؟ نعم، قد يكون الشكّ بمعنى أعمّ من الشيطان، باعتبار أنَّ الحكم الشرعي ينشأ بالنتيجة من أن معاوية وأبا بكر وعمر منعوا الأئمّة من التصدّي إلى بيان الأحكام، وهؤلاء الشيطان اعتراهم فمنعوا. إلَّا أنّه لا ينساق من هذا الحديث هذا المطلب، بل ينساق منه ما هو المركوز في الذهن من عمل الشيطان. فإنَّ الشيطان هو الذي يوسوس ويدّنس ويظهر الشيء بغير مظهره. فالوهابية التي هي بطلان في الواقع يدلّسه ويظهره بمظهر الحقّ.
قال الباقر: قال جدي رسول الله: “أَيُّهَا النَّاسُ حَلَالِي حَلَالٌ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ -وحَرَامِي حَرَامٌ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ- أَلَا وقَدْ بَيَّنَهُمَا اللَّـهُ عَزَّ وجَلَّ فِي الْكِتَابِ وبَيَّنْتُهُمَا لَكُمْ فِي سُنَّتِي وسِيرَتِي وبَيْنَهُمَا شُبُهَاتٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وبِدَعٌ بَعْدِي“(1) فهنا فرض شبهات من الشيطان وعطف عليها عنوان البدع. فساق الشبهة مع البدع بمساق واحد. أيكون الشكّ في حرمة التدخين شبهة بهذا المعنى؟
هنا رواية أخرى قد تؤيد هذا المطلب. قال: قال رسول الله: “يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَ المُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّـهَ مِنَ الشَّيْءِ لَا يُتَّقَى مِنْهُ خَوْفاً مِنَ الدُّخُولِ فِي
ــــــــــ[164]ــــــــــ
(1) انظر: وسائل الشيعة 27: 169، الباب 12، باب وجوب التوقف والاحتياط في القضاء والفتوى، الحديث 52.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الشُّبْهَةِ“(1). فكأنّ هؤلاء يتّقون الله من أشياء لا يُتّقى منها؛ خوفاً من محذور احتمالي يقعون فيه وهو الدخول في الشبهة.
فهل المراد بالشبهة هنا هو ارتكاب مشكوك الحرمة؟ لا. فإنَّ هذا ليس محذوراً احتمالياً يُتّقى منه المتّقون. خصوصاً عبّر بالدخول في الشبهة، لا بارتكاب المشتبه. فيكون المعنى أنَّ كثيراً من العناوين والمطالب التي تعرض بحسب الخارج، حتّى مع وجود عناصر الوضوح في رشدها، وعدم بطلانها، بالمقدار المجوّز شرعاً للاعتماد عليها. بحيث لا مجال للاتّقاء. حتّى مع هذا يتّقون منه، ويقولون ما علينا منه. إذ لعلّه شبهة. يعني: لعلّه أمر واقعه باطل، وظاهره مزيّف.
حيث إنَّ الشبهة غالباً تخفى أوّل ما تظهر، كما ذكر في لسان العرب في حديث حذيفة اليماني. أنّه يقول: “بأن الفتن مشبهات إذا اقبلت مبينات إذا أدبرت“(2). فالفتن إذا اقبلت فهي مشبهات، يعيني شبهة، يعني: واقعها باطل، ولكن ظاهرها يبدو أنّه لا باس به. ثُمّ بعد هذا حينما تتدبّر الشبهة، وتتكشف نوايا هؤلاء، وتظهر سرائرهم يبدوا أنّه خداع وتدليس.
مدعى الاطمئنان على أساس هذه القرائن بأنَّ الشبهة ذات مصطلحات بهذا المعنى في الروايات. هذا الاطمئنان ليس مجازفة، بل هو حاصل عندي.
وحينئذٍ، فمن المحتمل أن يكون المراد بالشبهة في هذه الرواية “الوقوف
ــــــــــ[165]ــــــــــ
(1) انظر: بحار الانوار 11: 264، الباب 20، باب وجوب التقوى، الحديث 12951.
(2) انظر: لسان العرب 13: 504، مادّة شبه. مع اختلاف في الحديث.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة” هذا المعنى. يعني: أنَّ هذا المطلب الذي ظاهره مغرٍ، وعليه دلائل الرشاد، ولكن دلائل تدليسيّة وغير مجّوزة للاعتماد عليها شرعاً. هذه الشبهة يجب الوقوف(1) عندها، ومعناه لا تعتمد على هذه الدلائل؛ لأنّها ليست بحجّة. كما أنّه لا تنكر من أوّل الأمر، كلّ ما تسمع تقول عنه أنّه باطل؛ إذ لعلّ واقعه وظاهره صحيح؛ بل قف عند الشبهة، فإنَّ الوقوف والتريّث هنا أولى من اقتحام الهلكة؛ لأنّه إذا كان هذا المطلب باطلاً فإنّها تؤدّي بها إلى الهلاك والانحراف من جادّة الصواب، إذن فالوقوف والتريّث أولى.
وهذا على القاعدة؛ لأنَّ هذا معناه بيان أنّه لا يجوز الاعتماد على مجرّد الدلالة الصورية والمشابهة الشكلية، بين المطلب الفلاني والمطالب الحقّة في الإسلام، ما لم يقم دليل شرعيّ واضح على صحّته، ومطابقته مع واقعه. وأين هذا من باب الاحتياط في الشبهات البدوية(2).
(بقية) تكملة الكلام في راوية الوقوف عند الشبهة(3)
النكتة الثالثة لمنع الاستدلال بهذه الرواية: (الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة).
ــــــــــ[166]ــــــــــ
() قفْ عندها. (المُقرِّر).
(2) انظر البقية في الدفتر الرابع عشر. (المُقرِّر).
(3) كان تاريخ الشروع في هذا البحث (الدفتر الرابع عشر) يوم الاثنين 21/11/1385 – 14/3/1966.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وحاصلها: أنّنا لو سلّمنا أنَّ الشبهة هنا بمعناها الأصولي وهو الشك، وكلّ شبهة بالمعنى الأصولي تشتمل على احتمالين، احتمال الحليّة، واحتمال الحرمة -مثلاً-(1).
هل هذه الموازنة هي بلحاظ ذات المحتملين، أو بلحاظ ما يترتّب على نفس الاحتمال.
توضيح ذلك: أنّنا إذا فرضنا عندنا شبهة، لا ندري أنّ التفاح يؤدي إلى هذه المرض أو لا. هنا أعقد موازنة، وأقول: بأنّ ترك أكل التفاح خير من الابتلاء بالمرض، وهذه الموازنة موازنة عرفيّة صحيحة. وهي موازنة في المطلب بلحاظ آثار ذات المحتملين بما هما هما. فإنّه على تقدير أنّ يكون التفاح غير مضرّ، فقد خسرت شيئاً، وهو أنّي منعت نفسي عن شيء بلا موجب في الواقع. وإذا كان التفاح مضرّاً فقد ربحت أنّي منعت نفسي عن المرض. فهذا أثران مترتبّان على ذات المحتملين. وأنا أعقد موازنة بين ما يترتّب عليهما، وأقول: بأنّما يترتّب على ذات ذاك المحتمل (وهو المرض) أهم ممّا يترتّب على ذات هذا المحتمل. أي: مراعاة ذات هذا المحتمل، وهو كون التفاح مضرّاً، أهم من مراعاة ذات هذا المحتمل، وكون أكل التفاح لا مانع منه، وتركه بلا موجب. فهذه موازنة بين الآثار المترتبّة على ذوات المحتملين.
نأتي إلى المقام. بقول: “الْوُقُوفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الهَلَكَة“. إذا فرضنا أنّ الموازنة بين المطلبين كانت بلحاظ ذوات المحتملين. كما هو كذلك
ــــــــــ[167]ــــــــــ
() وهنا يعقد موازنة بين مطلبين ويفضل أحدهما على الآخر. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
في جانب المفضول، وهو (الوقوف عند الشبهة). فإنّ حزازته هو أنّه حرمان للإنسان من شيء قد لا يكون هناك موجب للحرمان منه. وهذا أولى من أن يبتلى بشيء مهلك.
فإذا فرضنا أنّ الموازنة بلحاظ آثار ذات المحتملين، فتكون هذه الموازنة كاشفة عن أنّ ذات المحتمل في نفسه مستبطن للهلكة، لا أنّ الهلكة ناشئة من الاحتمال، باعتبار منجزيّة الاحتمال، وجعل وجوب الاحتياط، بل ذات المحتمل فيه هلكة. كما أنّ ذات التفاح على تقدير كونه مضرّاً فيه هلكة.
وحينئذٍ، فيجب أن يُحمل أيضاً على ما حملناه عليه سابقاً، من أنّ هذه الشبهة تختصّ بالشبهات التي يكون المحتمل فيها في نفسه مهلكاً، من قبيل بطلان دعوة الوهابية، فإنّ هذا في نفسه مهلك، بقطع النظر عن الاحتمال؛ لأنّ الدخول في مطلب من هذا القبيل، يؤدي بالتدريج إلى الانحراف والحيد عن طريق الإله.
ولا أقل من احتمال أن تكون الموازنة بلحاظ ذوات المحتملين. لا بلحاظ ما ينتج وينجم من نفس الاحتمالين، إذا احتملنا هذا، فيكون هذا من باب قرينة المتّصل، فيقتصر حينئذٍ، على خصوص ما إذا كان المُحتمَل في نفسه ذا هلكة، لا ما إذا كان بلحاظ الاحتمال ومنجزيّته
وجعل وجوب الاحتياط ذا هلكة. ولا أقل من احتمال ذلك الموجب للإجمال في المقام.
هذه نكات ثلاثة، يكفي واحد منها لرفع اليد عن دلالة هذه الرواية، وهي: “الْوُقُوفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الهَلَكَة“.
ــــــــــ[168]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
كلام الآغايون حول الرواية
إلا أنّ الأعلام ما بنو على ملاحظة هذه الرواية بهذا النحو، بل سلّموا تمام ما لم نسلّمه في هذه المراحل الثلاث، وبعده صاروا في مقام المناقشة: في مقام مناقشة هذه الرواية.
تحقّق ممّا تقدم أنّ هذه الرواية: “الْوُقُوفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الهَلَكَة” لا دلالة فيها على وجوب الاحتياط؛ للنكات الثلاث المتقدّمة(1).
إلا أنّ الأعلام كأنّهم أخذوا هذه الجهات مفروغاً عنها، وفهموا هذه الرواية حسب أُنسهم الاصطلاحي الأصولي. ومن هنا لم يعترضو عليها بمثل هذه الاعتراضات، بل اعترضوا عليها باعتراض آخر.
وحاصل ما أفادوه في مقام الاعتراض على الاستدلال بهذه الرواية، هو أنّ الظاهر من هذه الرواية، فرض الهلكة في المرتبة السابقة عليها، فإنّ فيها أمر بالوقوف، ثم تعليل لهذ الامر، بأنّ المردّد في مظانّ الهلكة، وظاهر تعليل الأمر بالوقوف بذلك، هو: أنّ الهلكة مفورضة في المرتبة السابقة على الأمر بالوقوف، إذ جعلت الهلكة علّة ومنشأ للأمر بالوقوف. فلابدَّ من فرضها في المرتبة السابقة. ومعه، يستحيل أن يكون الأمر بالوقوف أمراً مولويّاً منجّزاً للواقع؛ لأنّ الأمر المولوي المنجّز للواقع يترتّب عليه الهلاك، لا هو يترتّب على الهلكة.
فالهلكة مفروضة قبل الأمر بالوقوف، وفرض الهلكة قبله، هو فرض تنجّز الواقع قبله. إذن، فيختص الأمر بالوقوف، بموارد تنجّز الواقع في المرتبة
ــــــــــ[169]ــــــــــ
() ولخّصها. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
السابقة عليه، وبقطع النظر عنه، ومن المعلوم أنّه بقطع النظر عن هذه الأمور بالوقوف، لا يكون الواقع منجّزاً في موارد الشبهات البدوية؛ لأجل جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان. وإنّما يكون منجّزاً في موارد الشكّ قبل الفحص، ومن موارد العلم الإجمالي. فيختص الأمر بالوقوف في هذين الموردين. هذا حاصل الإشكال الذي أفادوه.
ثم اعتُرض على هذا الإشكال: بأنّه سلّمنا بأنّ الأمر بالوقوف المجهول في شخص هذه الرواية يستحيل أن يكون هو أمراً مولويّاً، ومنشأ للتنجيز، لأنّ الهلكة المساوقة للتنجيز فُرضت في المرتبة السابقة عليه. لكن تستكشف من المعلول علّته. أليس فرضنا هنا أنّ الأمر بالوقوف عللّ به الهلكة المساوقة للتنجيز، الذي هو ناشئ من إيجاب احتياط في المرتبة السابقة عليه. فحينئذٍ، نقول: بأنّ هذه الرواية تدلّ بالمطابقة على فعلية وجود العلّة، وهي الهلكة في تمام موارد الشبهة إذ قوله(1) من قبيل قوله: لا تأكل الرمان لأنّه مضر. فكما أنّه ظاهر في فعلية تطبيق المضرّيّة على تمام افراد الرمان، كذلك ظاهر خطاب: (قفوا عند الشبهة فإن فيها هلكة) فعلية تطبيق الهلكة على تمام موارد الشبهة، حتّى الشبهة البدوية.
ونستكشف من هذا المدلول المطابقي للرواية، مدلولاً التزاميّاً، وهو وجوب الاحتياط، إذ لو لا وجوبه في الشبهات البدوية، لم يكن هناك هلكة فيها. يعنى وجوب الاحتياط في المرتبة السابقة على الأمر بالوقوف. فالمدلول المطابقي للرواية يكشف إنّاً عن جعل وجوب الاحتياط شرعاً، في جميع موارد
ــــــــــ[170]ــــــــــ
() وذكر الرواية. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الشبهة، حتّى في الشبهات البدوية. فيتم الاستدلال.
والفرق بين ما يرومه هذا الشخص في هذا البيان، وبين التقريب الأصلي للاستدلال، الذي أشكل عليه الأعلام، هو: أنّه في التقريب الاصلي كان يقال: إنّ شخص الأمر بالوقوف في الرواية هو أمر مولوي، مرجعه إلى إيجاب الاحتياط بداعي تنجيز الواقع. ومن هنا أُشكل عليه بأنّ شخص ذلك الأمر يستحيل أن يكون أمراً مولوياً(1)؛ لأنّه فرض في موضوع وفي مرتبة علّته الهلكة، ومعنى هذا فرض المنجزيّة قبله، فكيف يمكن أن يكون هو المنجّز.
ومن هنا قيل في دفع اشكال الأعلام: إنّ الأمر بالوقوف، وإن لم يكن هو المنجّز؛ لأن الهلكة والمنجزيّة قد فرضت قبله، ولكن أليس الحديث يدلّ بالمطابقة على فعلية وجود الهلكة(2) في تمام موارد الشبهة. إذن، فهو يدلّ بالالتزام على وجود منشأ هذه الهلكة وهو: إيجاب الاحتياط، إذ لولاه لم يكن هناك هلكة في الشبهات البدوية؛ لأجل جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
هذا هو الإشكال الذي إعتُرِض به على جواب الأعلام.
ثم أُجيب عن هذا الاعتراض، بأنّه غير صحيح؛ لأنّ وجوب الاحتياط لو كان بوجوده الواقعي كافياً في ترتب الهلكة عليه، ومؤثّراً في المنجزيّة سواءٌ وصل، أو لم يصل، لتمّ هذا المطلب، إذ يقال في المقام، بأنّ عندنا علّة ومعلول،
ــــــــــ[171]ــــــــــ
() ظاهرياً، (محاضرة غد). (المقرّر).
(2) هذا المدلول المطابقي شامل للشبهات البدوية باطلاقه، فاذا تمّ دليل البراءة يكون مخصّصاً له ويسقط هذا الدليل. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
والمعلول هو الهلكة، والعلّة هي إيجاب الاحتياط بوجوده الواقعي، وهذا الحديث يدلّ على وجود المعلول في تمام موارد الشبهة، وهي الهلكة بالمطابقة. إذن، فيدلّ بالالتزام على وجود العلّة في تمام موارد الشبهة وهو وجوب الاحتياط.
لكن المسألة ليست كذلك، فأنّ ماهو العلّة للهلكة ليس هو وجوب الاحتياط بوجوده النفس الأمري الواقعي، بل هو وصول وجوب الاحتياط إلى المكلّف، واطلاع المكلّف عليه. ولكن فرضنا أنّه موجود إلاّ أنّه تعّسر وصوله إلى المكلّف، لايكون منشأ للهلكة. فيجب في مقام تصوير المعلول والعلّة أن نقول هكذا: إنّ المعلول هو الهلكة، والعلّة هي وصول وجوب الاحتياط، وقيام الدليل عليه لا واقعه.
وحينئذٍ نقول: إنّه في الشبهات البدوية، إمّا أن يكون بقطع النظر عن حديث: “الْوُقُوفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ“، قد وصل إلينا إيجاب الاحتياط، وإما أن لايكون قد وصل إلينا، فإن كان قد وصل إلينا، بقطع النظر عن حديث الوقوف. إذن، فذاك الوصول هو الحجّة في مقام إثباته، فلماذا تستدلون بحديث الوقوف، إذ يكون وجوب الاحتياط مكشوفاً لنا قبل هذا الحديث، فيستحيل كشفه بهذا الحديث.
وإن فُرِض أنّه قبل حديث الوقوف وبقطع النظر عنه، وجوب الاحتياط غير واصل إلينا. إذن، فنحن نعلم بعدم العلّة؛ لأنّ العلّة هي الوصول لا واقع وجوب الاحتياط، فنحن نعلم بعدم العلّة، وهو الوصول. إذن، فنحن نعلم
ــــــــــ[172]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بعدم العلّة وهو الهلكة، فكيف نتمسّك بالإطلاق؛ لاستكشاف وجوب الاحتياط بالدلالة الالتزامية.
فهذا جواب عن الاعتراض، الذي اعتُرِض به على جواب الأعلام.
واعتُرِض أيضاً على هذا الجواب: وهو أنّنا نفرض هكذا: أنّ الإمام جلس بين أصحابه(1) وقال لهم : (قفوا عند الشبهة فإنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة). نستكشف من هذا الدليل بالدلالة المطابقية فعليّة وجود الهلكة في حقّ هؤلاء الجماعة، الذين خاطبهم الإمام بهذا الحديث. وبالدلالة الالتزامية نستكشف علّة هذه الهلكة وهي وصول وجوب الاحتياط إليهم. فإنّ علّة هلكتهم هو: وصول وجوب الاحتياط إليهم، لا إلينا طبعاً. فإذا ثبت وصول وجوب الاحتياط عليهم، وجعله في حقّهم، يثبت بالنسبة إليهم. وجعله في حقّهم، يثبت بالنسبة إلينا أيضاً، إذ لا نحتمل الفرق بين بعض أفراد المكلّفين والبعض الآخر، في وجوب الاحتياط في الشبهات البدوية.
جواب المحقق العراقي ومناقشته
هذا الإشكال أجاب عنه الآغايون أيضاً، وهنا نذكر المحقق العراقي حيث ذكر في مقام الجواب عن هذا الإشكال: أنّ التمسُّك بإطلاق الرواية لإثبات فعليّة الهلكة في حقّ تمام المخاطبين بالمطابقة، ثُّمّ استكشاف منشأ الهلكة وهو: وصول وجوب الاحتياط إليهم، تمسُّك بالعام في الشبهة المصداقية. وهو غير جائز.
ــــــــــ[173]ــــــــــ
() يعني أنّ القضيّة خارجية لا حقيقية. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وذلك؛ لأنّ هذا الخطاب: (قفوا عن الشبهة). خطاب عام بالنسبة إلى موضوعه. ومقتضى إطلاقه في نفسه لوخلينا، وهو فعلية الهلكة في تمام موارد الشبهة، سواءٌ كان قد وصل إلى المخاطبين وجوب الاحتياط، أو لم يصل. لم يؤخذ في موضوع هذا الخطاب أنّه قد وصل وجوب الاحتياط. ولكن علمنا بحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، أنّ هذا الخطاب مخصوص لبّاً بخصوص من وصل إليهم وجوب الاحتياط، ويستحيل أن يكون شاملاً لمن لم يصل إليه وجوب الاحتياط. فهذا تخصيص عقلي لُبّى، ثبت بقانون قاعدة قبح العقاب بلابيان.
ثُّمّ بحسب الخارج، نحن في موارد الشكّ قبل الفحص، وموراد العلم الإجمالي، نعلم أنّه وصل إليهم وجوب الاحتياط. وأمّا في موارد الشبهة البدوية لا ندري أنّه وصل وجوب الاحتياط أو لا، فهذا شكّ في مصداق المخصّص. أليس الخطاب قد خُصّص عقلاً بخصوص من وصل إليه إيجاب الاحتياط، ونحن نشكّ في أنّه هل وصل إليهم إيجاب الاحتياط في موارد الشبهات البدوية أو لا، فلو أردنا أن نتمسّك بنفس الخطاب المخصّص في الفرد المشكوك دخوله تحت المخصّص، كان تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.
من قبيل أن يقول: (إكرام جيراني)، ونحن نعلم بحكم العقل أنّه مخصّص بغير الاعداء. ونشكّ أنّ هذا عدو أو لا، هذا هو إشكال المحقّق العراقي(1).
وهذا الإشكال إنّما يتمّ لوبنينا على عدم جواز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية مطلقاً، كما هو مبنى الميرزا ومدرسته. وأمّا لوبنينا على مابنينا
ــــــــــ[174]ــــــــــ
(1) انظر، نهاية الأفكار 3: 245- 246.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
عليه من التفصيل في موارد الشبهات المصداقية. فحينئذٍ لا يجدي هذا الكلام؛ لأنّ هذا المورد من موارد جواز التمسُّك بالعام في الشبهة المصداقية. إذ فرض الكلام هو فرض كون القضيّة خارجية بلحاظ أفراد معينين، إذ أنَّ التقريب المُشْكَل عليه كان بيّناً على هذا الفرض. وفي الخطابات المجعولة على نهج القضايا الخارجية، لو وجد مخصّص لبّي وشككنا بنحو الشبهة المصداقية، فيجوز التمسُّك بالعام على تفصيل لا يسعنا ذكره هنا.
فالجواب الذي أفاده المحقّق العراقي، في آخر هذه السلسلة غير صحيح.
إذن، هل يتمّ الشيء الذي أراد أن يدفعه آغا ضياء. وهو تقريب الاستدلال بالرواية بحملها على أنّها قضيّة خارجية واستكشاف وصول إيجاب الاحتياط الى المخاطبين ثُّمّ التعميم لنا بقاعدة الاشتراك. أيضاً لا يتمّ: لأن ظاهر القضيّة أنّها حقيقية لا خارجية. ظاهر قوله: “الْوُقُوفُ عِنْدَ الشُّبْهَةِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الهَلَكَة” تأسيس قانون كلّي؛ لأنّه خطاب مخصوص بشخص معيّن دون شخص، كما هو الحال في سائر الخطابات التي تصدر عن الإمام ولا يكون فيها قرينة زائدة على الخارجية، تحمل على الحقيقية، لأنّ القضيّة الخارجية فيها مؤونة زائدة، وهي تحتاج إلى قرينة. فما لم تقم قرينة عليها، تُحمل عليها أنّها قضيّة حقيقية.
وإذا حملناها على أنّها قضيّة حقيقية، فلا معنى لاستكشاف وصول وجوب الاحتياط من ناحيتها. كما هو واضح. فإنّ موضوعها حينئذٍ، يكون هو طبيعى المكلّف وبحكم العقل، هذا المكلّف مخصوص بخصوص من وصل إليه
ــــــــــ[175]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وجوب الاحتياط فكيف يستكشف من ناحية وصول وجوب الاحتياط. إذن، فهذا الاصلاح غير تام.
فاذا لم يكن هذا تامّاً، فهل معنى هذا أنّ المُشكَل عليه في المرتبة الأسبق يتمّ، يعني: أنّنا في المقام نختار جواب(1) الأعلام. وهو: أنّ هذا الحديث لا يدلّ على وجوب الاحتياط؛ لأنّه فرض الهلكة في المرتبة السابقة. إذن، فلابدَّ من فرض منجّز في المرتبة السابقة، وحينئذٍ يختص الحديث بخصوص ما إذا كان هناك منجّز في المرتبة السابقة. أصل جواب الأعلام غير صحيح مبنى وبناءً.
أمّا أنّه غير صحيح مبناً؛ فلأنا لا نقول بقاعدة قبح العقاب بلا بيان. وهذا الإشكال الذي أفاده الأعلام إنّما أفادوه بعقلية هذه القاعدة، وأمّا تبدلّ هذا العقل، وفرضنا أنّ العقاب بلا بيان بمجرّد الاحتمال يكون جائزاً عقلاً. إذن، فالرواية تكون في مقام تأكيد منجزيّة الاحتمال، إبرازاً لعدم وجود حاكم عليها، وهو جعل أصالة البراءة.
فتكون الرواية في مقام تأكيد المنجزيّة الثابتة في المرتبة السابقة عليه بحكم العقل، وهذا التاكيد بنفسه ظاهرعرفاً، أنّه في مقام بيان عدم وجود حاكم على تلك المنجزيّة، يعني عدم جعل أصالة بالبراءة.
ــــــــــ[176]ــــــــــ
() لا يخفى أنّه بهذا يكون سيّدنا الأستاذ قد حذف من المناقشة حلقتين من السلسلة هو جواب الأخباريين على اعتراض من الأعلام وجوابهم عليه.
عرضنا هذا المطلب على السيّد فقال: إنّ الجواب على إشكال الأخباريين هو حق الجواب عليه، فيثبت بذلك صحّة الحلقة الثالثة، وبهذا نفسه يثبت عدم صحّة الحلقة الثانية، وهو الاعتراض على الأعلام. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
هذا هو الإشكال على جواب الأعلام من حيث المبنى.
وأمّا(1) إذا بنينا على قاعدة منجزيّة الاحتمال، وأنّ مجرّد الاحتمال ولو في الشبهة البدوية يكفي للتنجيز بحكم العقل، فحينئذٍ، تكون الرواية في مقام التأكيد على قاعدة منجزيّة الاحتمال، ومثل هذا التأكيد ظاهراً عرفاً في إمضاء هذه القاعدة وإقرارها، وعدم رفع موضوعها بجعل أصالة البراءة. فيكون نفس هذا التأكيد ظاهراً في نفس الأصل المؤمّن الشرعي، الذي يدّعيه الأصوليون. هذا من حيث المبنى.
وأمّا بناءً، لو فرضنا أنّا اعترفنا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان. وأنّ التكليف الواقعي لا يكون منجّزاً بالاحتمال، فمع هذا نقول: بأنّ بيان الحكم المولوي بلسان بيان العقاب أمر عرفي شائع متداول، في مقام بيان الأحكام الواقعية والظاهرية على السواء.
ففي مقام بيان الأحكام الواقعية، لا يُستشكل من قِبل أحد في صحّة مثل هذا البيان. أنّ الإمام أراد أنّ يبيّن حرمة فعل من الأفعال، كحرمة مخالفة الحاكم -مثلاً- بقول من خالف الحاكم عُوقب بكذا، أو من شرب الخمر عوقب بكذا. مثل هذا البيان يُستعمل في مقام إيصال وتوضيح الحرمة الواقعية المولويّة، فلماذا لا يُستعمل مثل هذا البيان في مقام إيصال الحكم المولوي الظاهري أيضاً. فتكون في مقام إخبار الناس بوجوب الاحتياط في الشبهة، يبين
ــــــــــ[177]ــــــــــ
() لخصّ اعتراض الآغايون؛ لأنّه مبني على قاعدة قبح العقاب بلا بيان. وقال: وأما… (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
هذا المطلب بلسان أنّ من ارتكب الشبهة يُعاقب، كما يبيّن وجوب الصلاة، أو حرمة شرب الخمر بلسان أنّ من ترك الصلاة يُعاقب، أو من فعل شرب الخمر يُعاقب. لا نرى في عرفية البيان فرقاً بين هذه الموارد. والعرف يساعد عليه في سائر هذه الموارد(1).
فهنا تأتي الشبهة، وهي أنّ العقاب والهلكة والمؤاخذة، فرع وصول التكليف والعلم به، وحينئذٍ، كيف يُفرض أنّ الخطاب الذي في مقام إيصال التكليف، يُفرض في المرتبة السابقة على الهلكة. هذا دور في مقام البيان؛ لأنّ وصول التكليف، التكليف متوقّف على هذا البيان، وهذا البيان متوقّف على وصول التكليف.
وهذه الشبهة كما تجري في باب إيصال الحكم الظاهري بوجوب الاحتياط بلسان ترتّب العقاب، كذلك تجري في موارد إيصال الحكم الواقعي بالحرمة او الوجوب، بلسان ترتيب العقاب.
الجواب التفصيلي عن الشبهة
والجوب عن هذه الشبهة يكون بهذا التفصيل:
بأن نقول: بأنّ القضيّة المبيّن فيها الحكم بلسان ترتيب العقاب، إمّا أن نحملها على أنّها قضيّة خارجية، وإما أن نحملها على أنّها قضيّة حقيقية.
فإن حملناها على أنّها قضيّة خارجية، ففي قوله: من شرب الخمر عوقب
ــــــــــ[178]ــــــــــ
() وهنا قال جواباً على سؤال وجهّته إليه: يُعاقب على الواقع المنجّز الحكم الظاهري؟
نعم: الحكم الظاهري لا عقاب عليه، بل العقاب على الواقع. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بدخول النار، نفرض أنّها قضيّة خارجية، كان المنظور فيها الأفراد الذين كانوا في عصر الإمام. حينئذٍ، نقول: إنّ الأفراد الذين كانوا في عصر الإمام وكانوا ملتفتين إلى هذه الواقعة في نفسها كشرب الخمر، هم في الغالب والعادة -إلاّ ما شذّ- ينقسمون إلى قسمين: قسم قد فحص عن حكم الشبهة، ووصل إليه حكمها، وقسم لم يفحص، ولكنّه متمكّن منه. وأمّا الشاذ، فهو أن لا يكون قد فحص، ولا هو متمكّن من الفحص. وهذا لا إشكال أنّه أقل بكثير من مجموع القسمين الأولين.
وحينئذٍ، كلا هذين القسمين يُعاقب على شرب الخمر:
أمّا القسم الأوّل: فلأنّه فحص ووصل إليه واقع حكم الخمر، والمفروض أنّه الحرمة. إذن، فقد وصلت إليهم الحرمة، فيعاقبون عليها.
والقسم الثاني: وهو الذي لم يفحص، ولكنّه متمكّن من الفحص أيضاً يُعاقب؛ لأنَّ المفروض هو ثبوت الحرمة في الواقع في نظر الإمام، فهي حرمة منجّزة بالاحتمال قبل الفحص.
فالإمام قبل أن يصدر منه البيان، يرى أنّ الكثرة الكاثرة من الأفراد المعاصرين له، هم يعاقبون على شرب الخمر؛ لأنّهم إمّا أنّه وصل إليهم هذا الحكم، ببيان سابق، وإمّا لم يصل له ولم يفحص.
وهذا المطلب(1) هو من نتائج ثبوت الحرمة في الواقع، إذ لو لم يكن الخمر حراماً في الواقع، لما تمّ هذا المطلب، إذ يكون من فحص، ووصل إلى واقع
ــــــــــ[179]ــــــــــ
() يعني أنّ الكثرة المعاصرة للإمام يُعاقبون على شرب الخمر(توضيح). (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
حكم المسألة، عرف أنّه ليس بحرام. فإنما أصبح الكثرة الكاثرة من الأفراد يُعاقبون؛ لأنّه في الواقع الحرمة موجودة، والإمام موجود، ونوّابه موجودون. إذّن، فالإنسان إمّا أن يغمض عينيه، فهو شاكّ قبل الفحص. وإمّا أن يفتح عينيه، فيعرف أنّ الخمر حرام، وعلى كلا التقديرين يُعاقب.
فبعد أن يثبت هذ المطلب(1) وهو أنّ الكثرة من معاصري الإمام يُعاقبون على هذا الفعل، وأنّ هذا العقاب هو من لوازم وجود الحكم بالحرمة واقعاً. فحينئذٍ، الإمام يريد هنا أن يبيّن لغير هذه الكاثرة -مثلاً- أنّ يبيّن الحرمة بلسان بيان العقاب على الغالبية؛ لأنَّ هذا البيان أبلغ من مقام الزجر والتخويف؛ لانّه بيان للتكليف متضمّن للوعض في نفس الوقت.
فبهذه النكتة نصحّح هذا البيان على نحو القضيّة الخارجية، ولا يأتي عليه إشكال.
ونحن حينئذٍ، نستفيد من هذه القضيّة، ونستكشف منها أنّ الحكم الواقعي هو الحرمة، أن لو لم يكن شرب الخمر حراماً، لما صدقت هذه القضيّة الخارجية؛ لأنّ من يفحص في زمانه، يصل إلى عدم الحرمة، فكيف يقول إنّه يُعاقب.
فهذا هو توجيه المطلب بالنسبة إلى القضيّة الخارجية. وهذا التوجيه لا يفرق فيه بين الحكم الواقعي والظاهري. فإنّه إذا فُرِض أنّ الحكم في الشريعة الإسلامية هو وجوب الاحتياط في الشبهة. أيضاً يحسب الإمام حسابه بلحاظ الأفراد الخارجين. فيقول: بأنهم كلّهم بحسب المتعارف يُعاقبون على
ــــــــــ[180]ــــــــــ
() الآن يريد أن يبيّن الحرمة بلسان بيان لازمها المتحقّق خارجاً، وهو أن الأكثر يُعاقبون، (المحاضرة). (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
اقتحام الشبهة لو صادف حكم الله الواقعي؛ لأنّهم إمّا أنّهم فحصوا فيصلون إلى وجوب الاحتياط فيُنجّز عليهم الحكم الواقعي المشكوك، وإمّا لم يفحصوا من وجوب الاحتياط، فهذا الوجوب منجّز عليهم بالاحتمال قبل الفحص، فأيضاً يكون الواقع منجّزاً عليهم فيُعاقبون عليه.
فيتحصّل عنده أنّ أكثر الأفراد المتعارفين بحسب الخارج يُعاقبون على اقتحام الشبهة. وهذا المطلب من فوائد ثبوت وجوب الاحتياط في الواقع، إذ لو لم يكن وجوبه ثابتاً في الواقع، لما ثبت هذا المطلب، إذ أنّ مَن فحص عن وجوب الاحتياط، وسمع من الأئمّة البراءة، لا يُعاقب على اقتحام الشبهة.
ففرض أنّ الكلّ أو الجلّ يُعاقبون، ملازم مع فرض أنّ وجوب الاحتياط ثابتاً في الواقع. إذن، فنكتة واحدة تصحّح هذا المطلب على نهج القضيّة الخارجية، في بيان الحكم الواقعي، وفي بيان وجوب الاحتياط. هذا إذا كان على نحو القضيّة الخارجية.
وأمّا إذا كان على نحو القضيّة الحقيقية، كما هو ظاهر القضيّة، بحسب طبعها. فحينئذٍ، يقال: بأنّ القضيّة الحقيقية حينما تُستعمل هنا في مقام بيان الحكم بالحرمة، أو بالوجوب، يكون فيها قيد مستتر ارتكازاً. وهذا القيد المستتر ارتكازاً الثابت بمناسبات الحكم والموضوع في الارتكاز العرفي. لو أردنا أن نبرزه لكان هكذا: (من شرب الخمر، بعد أن وصل(1) إليه واقع حكم الخمر
ــــــــــ[181]ــــــــــ
() بأيّ مرتبة من الوصول المنجّز، وهو الوصول الاحتمالي قبل الفحص والجزمي بعده، (المحاضرة). (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
-على إجماله- دخل النار). فإنّه بمناسبات الحكم والموضوع، الهلكة ودخول النار يناسب مع مقام(1) الوصول لا مع الإنشاء بوجوده الواقعي.
ونستكشف من هذه القضيّة الشرطية، أنّ واقع شرب الخمر هو الحرمة؛ لأنّه لو كان هو الإباحة. إذن، فهذه القضيّة الحقيقية الشرطيةكاذبة وهي قولنا: (من شرب الخمر، بعد أن وصل إليه واقع حكم الخمر دخل النار)، بل لا يدخل النار؛ لأنّ واقع حكم الخمر هو الحليّة، فصدق هذه القضيّة الحقيقية بعد إبراز شرطها المستتر المفهوم بقرينة الارتكاز العرفي، صدقها يكون مستلزماً عقلاً للالتزام بثبوت الحرمة في الخمر. ومن هنا يكون هذا بياناً عرفياً، صالحاً لإبراز الحرمة بمثل هذا الخطاب.
نفس هذا المطلب نقوله أيضاً في وجوب الاحتياط. لو فُرِض أنّ قوله هكذا (من اقتحم الشبهة عُوقب) وكانت هذه القضيّة حقيقية لا خارجية، فحينئذٍ، نبرز قيدها المستتر ونقول: مَن اقتحم الشبهة، وكان قد وصل إليه حكم الشبهة في الإسلام يُعاقب. نستكشف من ذلك، أنّ حكم الشبهة في الإسلام هو وجوب الاحتياط. إذ لو كان حكم الشبهة في الإسلام هو أصالة البراءة، لكذبت هذه القضيّة الحقيقية الشرطية.
فحينئذٍ، مع إبراز هذا القيد المستتر تكون القضيّة معقولة، وكاشفة عن إيجاب الاحتياط في المقام.
فبهذا يظهر، أنّه ليس هناك إشكال ثبوتي في المطلب، وأنّ بيان الحكم
ــــــــــ[182]ــــــــــ
() إلاّ أنّ هذه نكتة علمية غير عرفية (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الواقعي، أو الظاهري للمطلب ببيان ترتّب العقاب عليه، هذا البيان عرفي، وعرفية هذا البيان كاشف عن صحّة أحد هذين التقريبين: إمّا التقريب بلحاظ القضيّة الخارجية، أو التقريب بلحاظ القضيّة الحقيقية.
عرفية البيان وصحّته عرفاً، ممّا لا شكّ فيه، إذ نحن لا نريد إثبات عرفية البيان بالبرهان، وإنّما هي ثابتة بالفهم العرفي لنا، وبعد أن نثبت عرفية البيان، نريد أن ندفع الشبهة بالبرهان، ودفعها يكون بأحد هذين التوجيهين.
هذا تمام الكلام في أخبار التوقّف ويقع الكلام في أخبار التثليث.
الطائفة الثانية من الطوائف الثلاثة المتبقيّة من أخبار الاحتياط، وهي أخبار التثليث. الأمور ثلاثة بيّن الحليّة، وبيّن الحرمة، ومشتبهاً في حليّته وحرمته، ثُّمّ يأمر بالتوقّف في هذه الشبهات.
وهذه الأخبار لها أسوة بسائر ما تقدّم من الروايات، حيث إنّه ليس فيها رواية صحيحة السند. والذي عثرنا عليه ثلاث روايات، أو أربع متكفّلة لهذا التثليث.
رواية جميل بن صالح
الرواية الاولى: رواية الفقيه بسندة عن جميل بن صالح -غير الموثّق- عن أبي عبد الله الصادق عن أبائه قال قال رسول الله: والكلام طويل يقول في آخره: “الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ أَمْرٌ تَبَيَّنَ لَكَ رُشْدُهُ فَاتَّبِعْهُ وأَمْرٌ تَبَيَّنَ لَكَ غَيُّهُ
ــــــــــ[183]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فَاجْتَنِبْهُ وأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فَرُدَّهُ إِلَى اللَّـهِ عَزَّ وجَلَّ“ (1).
والاستدلال بهذه الرواية على وجوب الاحتياط في الشبهة غير تام من عدة جهات. فإنّه يرد على الاستدلال بها:
أولاً: أنّ من المحتمل أن تكون هذه الرواية في مقام إمضاء حكم العقل العملي في باب الحسن والقبح؛ لأنّ الأقسام الثلاثة المذكورة في الرواية ليس هو ما كان بيّن الحرمة، وما كان بيّن الحليّة، وما كان مشتبهاً، بل الأقسام هي بيّن الرشد، وبيّن الغي، والمختلف فيه. وعنوان الرشد والغي أنسب بباب الحسن والقبح منه، بباب الحليّة والحرمة بوجودهما الواقعي، ولا أقل من احتمال ذلك بنحو كافٍ وافٍ في جعل الرواية مجملة وغير صالحة للاستدلال بها.
وبناءً على هذا الاحتمال تكون الرواية في مقام تقسيم الأشياء إلى ثلاثة أقسام: “أَمْرٌ تَبَيَّنَ لَكَ رُشْدُهُ”، بمعنى: استقلّ عقلك استقلالاً قطعياًّ برشده وحسنه، “وأَمْرٌ تَبَيَّنَ لَكَ غَيُّهُ“، يعنى: استقلّ عقلك استقلالاً قطعيّاً بقبحه.
ففي هذين القسمين افعل الأوّل، واجتنب الثاني. وهو يكون عبارة عن إمضاء حجيّة المستقلّات العقلية في باب الحسن والقبح.
“وأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ“، وليس هو من مسلّمات العقل العملي، فهو مّما لم ينعقد فيه إدراك قطعي، لا على الحسن ولا على القبح. في مثل هذه الأمور يقول: “فَرُدَّهُ إِلَى اللَّـهِ عَزَّ وجَلَّ“، ومعناه الأمر بتحكيم الله تعالى في غير
ــــــــــ[184]ــــــــــ
(1) انظر: من لا يحضره الفقيه 4: 400، من الفاظ رسول الله الموجزة التي لم يسبق إليها، الحديث 5858.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
المستقلّات العقلية، في قبال الاعتماد على الذوق والاستحسان والظنون. فما لم يتبيّن لك غيّه ورشده، يجب تحكيم الله في بيان كونه حسناً أو قبيحاً. ولا تعتمد في مقام تشخيص حُسنه أو قبحه على ما يعتمد عليه العقلاء الضالون، غير الملتزمين بحاكمية الله بإعمال أنظارهم الشخصية، واجتهاداتهم الخاصّة؛ لأنَّ الإنسان في هذه الأبواب معرّض للخطأ.
إذن، فالروارية بناءً على هذا التفسير تكون أجنبيّة عمّا هو محلّ الكلام، وليست في مقام البحث عن أنّه هل يجب الاحتياط في الشبهة، أو لا يجب، بل هي في مقام إمضاء مدركات العقل العملي، التي يستقلّ بها استقلالاً قطعيّاً، وأنّ الله هو المرجع والحاكم في غير باب المستقلّات العقلية. وأي ربط لذلك بالاحتياط في الشبهة البدوية.
وهذا الاحتمال، إن لم يكن هو الظاهر من الرواية، فلا أقلّ من أن يكون محتملاً بنحو لا يبقى للرواية ظهور في غيره. هذا أولاً.
وأمّا ثانياً: فلو سلّمنا أنّ المراد بالرشد والغي، الرشد والغي الشرعي،
بمعنى الحكم الشرعي. فنقول: إنّه في بادئ النظر يُرى أنّ هذا التثليث غلط؛ إذ لا تقابل بين الاقسام الثلاثة. فإنّ القسم الأوّل بيّن الرشد، والثاني بين الغي، والأمر الثالث الأمر المختلَف فيه. لا تقابل بين هذه الأقسام الثلاثة؛ إذ قد يكون الأمر مختلفاً فيه لكن بيّن في رشده أو غيّه. فإنّ إمامة أمير المؤمنين أُختلِف فيها بحسب الخارج -مع الأسف- ولكنّها بيّنة الرشد، بلا إشكال بالنسبة إلينا. فلا تقابل بيّن بين الرشد، وبين أمر أُختلِف فيه.
وحيث إنّ التقسيم ظاهر في التقابل، فلابدَّ من إعمال إحدى مؤونتين
ــــــــــ[185]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
لتصحيح التقابل، إمّا أن تحمل عنوان الاختلاف (أَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ) على الطريقية إلى الشكّ، حيث إنَّ الغالب في الأمور المُختلّف فيها أنّ الإنسان يشكّ فيها، فكأنّه هكذا يقول: أمر بيّن لك رشده، وأمر بيّن لك غيّه، وأمر تشكّ فيه. لكن كنّي عن الشكّ بكون المسألة خلافية، من باب أنّ ذلك يصير غالباً منشأ للشكّ.
أو أن نعمل مؤونة في القسمين الأوّلين؛ أن نجعلهما مقابلين للقسم الثالث. وأن نقول: إنّ المراد من أمر بيّن لك رشده، أو بيّن لك غيّه، بقرينة جعل هذا عن مقابل الاختلاف، يعني: أمر مُتفّق على رشده، ومُتّفق على غيّه، وأمر أُختلِف فيه. غاية الأمر عبّر عن الإتّفاق بالوضوح؛ باعتبار أنّ الإتّفاق يصير منشأ للوضوح.
والشيء الذي ينفع الإخباري في مقام الاستدلال هو إعمال المؤونة بالشكل الأوّل، بأن نقول: إنّ القسم الثالث هو: (أمر أُختلِف فيه) كناية عن الشكّ. وأمّا لو عملنا العناية بالوجه الثاني، فلا يبقى في الرواية دلالة على مراد الإخباري. إذ يكون معناها حينئذٍ، أمر أجمع المجمعون على رشده فاتّبعه، وأمر أجمعوا على غيه فاجتنبه. والمسألة الخلافية ردّها إلى الله حينئذٍ، لاتكون الرواية واردة في مقام بيان وجوب الاحتياط في الشبهة، أو حكم الشبهة، بل تكون واردة حينئذٍ، في مقام بيان حجّيّة الإجماع.
إنَّ الإجماع على الرشد، أوعلى الغي حجةّ، ولابدَّ من اتباعه، وأنّه في المسألة الخلافية لايجوز التقليد، “وأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فَرُدَّهُ إِلَى اللَّـهِ عَزَّ وجَلَّ” يعنى لا يجوز لك أن تقلّد فلاناً أو فلاناً، بل أنت ردّه إلى الله يعنى ارجع إلى نفس المستندات الأوّلية التي أُختلِف على أساسها الطرفان، وهما الكتاب والسنة.
ــــــــــ[186]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
واستنبط حكم المسألة منها، وحينئذٍ، أيضاً تكون الرواية أجنبيّة عمّا هو مقصود الإخباري. هذا ثانياً.
وأما ثالثاً: فلو سلّمنا أنّنا أعملنا العناية، بالنحو الذي يكون في صالح الإخباري يعنى: فسّرنا الأمر المختلَف فيه بالشكّ. فافرضوا أنّ الرواية هكذا: أمر تعلم برشده الشرعي فاتّبعه، وأمر تعلم بغيّه الشرعي فاجتنبه، وأمر تشكّ في رشده وغيّه الشرعي فردّه إلى الله. فكان التقابل بين الاقسام بلحاظ العلم والشك.
إذا فُرِض أنّ المراد هو هذا، فأيضاً لا يتمّ مراد الإخباري؛ لأنّ دليل البراءة الشرعي يكون حاكماً على هذه الرواية، لو سُلِّم دلالتها في نفسها. فإنّ الأقسام في المقام هي: معلوم الرشد الشرعي، لا معلوم الحليّة، ومعلوم الحرمة، بل ما تعلم أنّ سلوكه رشاد في نظر الشرع أو غي، وما لا تدري أنّ سلوكه أهو رشاد في نظر الشرع أو غي؟
ومن المعلوم أنَّ الشبهة البدوية بعد قيام الدليل على البراءة الشرعية فيه لا يكون اقتحام الشبهة حينئذٍ، غيّاً في نظر الشرع، بل يكون رشاداً في نظره. فيكون دليل البراءة الشرعية حاكماً، ورافعاً للموضوع، ومدرجاً للشبهة في بيّن الرشد. نعم، الشبهة لا تكون بين الحليّة بحسب الواقع.
لكن فرق بين بيّن الحليّة وبّن الرشد، فإنّه وإن كانت الحليّة الواقعية غير مبنيّة، ولكن الرشاد في نظر الشارع مبين؛ لأنَّ سلوك طريق رخّص فيه الشارع رشاد بلا إشكال، وليس فيه ضلال. فدليل البراءة يكون حينئذٍ حاكماً.
إذن، فهذه هي الاجوبة الثلاثة عن هذه الرواية.
ــــــــــ[187]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
رواية النعمان بن بشير
الرواية الأخرى: من أخبار التثليث، وهي مروية هنا(1) بصورتين، مرجعها إلى رواية واحدة، ولهذا قلنا: إنَّ أخبار التثليث، إمّا ثلاثة، أو أربعة بهذا الاعتبار. مرويّة بصورتين، ومنتهية إلى شخص واحد هو النعمان بن بشير أحد الصحابة المنحرفين عن الحق، الذين تابعوا معاوية وتركوا أمير المؤمنين. قال سمعت رسول الله يقول “حَلَالٌ بَيِّنٌ وَ حَرَامٌ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا شُبُهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَ عِرْضِهِ وَ مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ أَلَا وَ إِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى وَ إِنَّ حِمَى اللَّـهِ مَحَارِمُه“(2).
والصورة الأخرى أيضاً: عن نعمان بن بشير يقول صعد على المنبر في الكوفة فحمد الله وأثنى عليه، وقال: سمعت رسول الله يقول: “إِنَّ لِكُلِّ مَلَكٍ حِمًى، وإِنَّ حِمَى اللَّـهِ حَلَالُهُ وحَرَامُهُ والمُشْتَبِهَاتُ بَيْنَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ أَنَّ رَاعِياً رَعَى إِلَى جَانِبِ الْحِمَى لَمْ تَثْبُتْ غَنَمُهُ أَنْ تَقَعَ فِي وَسَطِهِ، فَدَعُوا المُشْتَبِهَات“(3).
هذه الرواية عاميّة بحسب أصلها؛ لأنّ النعمان بن بشير هو من رجالات أحاديث السُنّة. وهنا منقولة إمّا مرسلة كما في عوالي اللئالي(4) يرسلها عنه، ولابدَّ ــــــــــ[188]ــــــــــ
() يعنى في كتاب جامع أخبار الشيعة للبروجردي، (توضيح). (المقرّر).
(2) انظر: جامع أحاديث الشيعة1: 451، الباب 6، باب ما إذا لم توجد حجّة على الحكم، الحديث 44.
(3) انظر: المصدر نفسه، الحديث 43.
(4) انظر: عوالي اللئالي 1: 89، المقدّمة، الفصل الخامس، الحديث 24.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
أن يكون قد أخذها من كتب العامّة، وإمّا بنحو منقطع شبيه بالارسال. فالأصل في هذه الرواية هو كتب العامّة. وقد وقع اختلاف عمّا هو عليه في كتبهم. فإنّ هذه الرواية موجودة في صحيح البخاري لكن مع تغيير جزئي عليها، حيث يقول بعد أن يسند إلى النعمان بن بشير بسند متصل، يقول: “الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ“(1). وكذلك ينقله البخاري بسند آخر عن النعمان بن بشير: “الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ، كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ“(2).
نعم في مسند أحمد بن حنبل وجدت الرواية بنحو التنكير! “حَلَالٌ بَيِّنٌ، وَحَرَامٌ بَيِّنٌ، وَشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ، مَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ، فَهُوَ لِلْحَرَامِ أَتْرَكُ“(3). وحينما نأخذ العبارة بالنحو المنقول في صحيح البخاري. يعنى (الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما شبهات) يكون الإشكال على الاستدلال أوضح:
فإنّه يرد على الاستدلال بهذه الرواية:
[الاعتراض الأول]
أولاً: بعد الأخذ بصيغة البخاري. أنّ رسول الله -لو صدق هذه
ــــــــــ[189]ــــــــــ
(1) انظر: صحيح البخاري 1: 20، باب فضل من استرأ لدينه، الحديث 52.
(2) انظر: نفس المصدر 3: 53، باب الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما مشبهات، الحديث 2051.
(3) انظر: مسند أحمد 30: 289، باب أحاديث النعمان بن بشير عن النبي، الحديث 18347.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الرواي- بقوله: “الحلال بيّن والحرام بيّن“، فهو ليس في مقام تقسيم الوقائع والأمور إلى ثلاثة، بل ظاهر قوله أنّ الحلال الشرعي بيّنة دلائله واضحة أعلامه. وكذلك الحرام، أحكام الشرع عليها نور يهدي إليها فهي بيّنة وواضحة، وهل هذا البيان، والوضوح بلحاظ عصر التشريع عصر رسول الله، إذ لا إشكال أنّ هذا الوضوح كان موجوداً في ذلك الوقت.
إذن، بعد أن نفرض أنَّ الحلال بيّن، والحرام بيّن والشريعة واضحة محدّدة. إذن، ما معنى فرض الشكّ في المقام، حيث يقول (وبينهما شبهات لا يعلمها كثير من الناس). كيف لا يعلمها كثير من الناس، مع أنَّ الحلال والحرام بيّن. يبدو في بادئ النظر أنَّ هنا تناقض في العبارة.
وهل هذا التناقض يكون بإبداء هذا الاحتمال: وهو أن يكون المراد من الشبهات هنا، المعنى الذي تقدّم في أخبار التوقف، فإنّنا قلنا فيما سبق: إنّ كلمة الشبهة وإن استعملت في كتب علم الأصول بمعنى الشكّ، لكن معناها اللغوي هو المثل، والشبهات الأمثال. وذكرنا فيما سبق الروايات عديدة التي تشهد على اصطلاح لهم في باب الشبهات، يعنى: اصطلاح في عصر الأئمّة في استعمال الشبهة بمعنى المثل المُشَاكل. وقلنا فيما سبق: إنّ استعمال الشبهة في مورد الشك، إنّما هو موسّع فيها، باعتبار أنّ المماثلة تصير منشأ للاشتباه.
وحينئذٍ، من المحتمل ان يكون قوله: “وبينهما شبهات“، في مقام بيان منزلة ثالثة واقعة -ثبوتاً- بين الحرام والحلال، لا أمور يُشكّ في حليّتها وحرمتها. أليس العلماء يقسمون الأحكام التكليفية إلى خمسة أقسام، رسول الله اكتفى بتقسيمها إلى ثلاثة أقسام: حرام، وحلال، وبينهما مرتبة ثالثة لا
ــــــــــ[190]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
هي واصلة مرتبة الحرام، بحسب مصطلح رسول الله للحرام، ولا هي حلال، بمعنى أنّه لم يرد فيها نهي أصلاً. وهذه المرتبة أنسب ما تكون هي المكروه؛ لأنّه لا هو حرام، ولا هو حلال، بمعنى الإباحة التي جُعلت أحد الأقسام الخمسة في الحكم التكليفي، وجُعلت في مقابل الكراهة، بل هو منهي عنه، لكن نهي إعافة وتنزيه لا نهي تحريم.
فهذه منزلة ثالثة واقعة ثبوتاً بين الحلال والحرام. وحينئذٍ، فيريد أن يقول بناءً على هذا الاحتمال: إنّ هناك منزلة ثالثة بين الحلال والحرام، هذه المنزلة ليست بيّنة، لا يعلمها كثير من الناس.
إنَّ من المعلوم أنّ الأحكام الكراهتية(1) يعنى هذه المرتبة المتوسطة ليست في وضوحها وانتشارها كالحلال والحرام، في عصر التشريع. ثُّمّ يقول: “فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّـهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ“(2).
يقول: بأنّ هذه المرتبة الثالثة المتوسطة بين الحلال والحرام، وإن كان ارتكابها بما هو هو، ليس فيه محذور نفسي شديد؛ لأنّها ليست حراماً، بل النهي
ــــــــــ[191]ــــــــــ
() وذكر النهي التنزيهي هنا بالشبهة بمعنى المثل والمشابه؛ باعتبار جهة مشابهته، (محاضرة غد). (المقرّر).
(2) انظر: صحيح البخاري 1: 20، الرقم 52، المصدر السابق.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
عنها نهي تنزيه. لكن ارتكابها باعتبار أنّه يوجب التجرّي والتعوّد على ارتكاب المحرمّات، وقسوة القلب. وحصول حالة العناد وعدم الخضوع
في القلب للنواهي الشرعية، ولهذا قد ينفتح من هذا باب على المحرّمات حينئذٍ. يشبِّه بالراعي حينما يرعى حول الحمى يوشك أن يقع في الحمى، فينبغي للراعي أن يرعى بعيداً عن الحمى؛ لأجل ألا يتوّرط. يعنى يقتصر على الحلال البيّن، ولا يأتي إلى هذه المنزلة الثالثة المتوسطة ما بينهما.
هذا تفسير قابل للإنطباق على هذه الرواية تمام الاإطباق، ويحلّ التناقض بين فرض كون الحلال والحرام بينّاً، مع فرض الشبهات. ولو فسّرنا العبارة بما يتراءى للأخباريين، للزم في بادئ النظر التناقض ما بين العبارتين. بخلافه بناءً على هذا التفسير.
وبناءً على هذا التفسير تكون الرواية أجنبيّة عن محلّ الكلام. فإنّها تقسّم الأمور إلى حرام، ومباح، ومكروه، والحثّ على ترك المكروه؛ استطراقاً إلى التحفّظ على ترك الحرام. فاين هذا ممّا هو محلّ الكلام(1).
الاعتراض الثاني، وتحليل معنى الرواية
كان الكلام في الصيغة الثانية من صيغ حديث التثليث، وقد تقدّم الكلام في الاعتراض الأوّل على الاستدلال بهذه الصيغة(2).
ــــــــــ[192]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الاخوان، أنّه بناءً عليه يكون للمكروهات نهيان. نهي تنزيهي أولي، ونهي طريقي. قال: نعم، باعتبار أدائها إلى الحرام. (المقرّر).
(2) ولخّص. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الاعتراض الثاني: لو قطعنا النظر عن هذا المطلب، وقرأنا العبارة بالنحو الموجود في مصادر أصحابنا، حيث قيل: “حلال بيّن، وحرام بيّن، وبينهما شبهات” ونزلنا هذه الصيغة على التقسيم الثلاثي. وأنّ النبي -إن صحّت الرواية- في مقام تقسيم الوقائع إلى ثلاثة أقسام بعضها معلوم الحليّة، وبعضها معلوم الحرمة، وبعضها مشكوك مردّد بينهما، لايُدرى أهو حلال، أو حرام؟
إذا فرضنا، أنّ النظر في الحديث كان إلى هذا، نرى أن الحديث بناءً على ذلك، هل يدلّ على وجوب الاحتياط، وعلى ما يريده الإخباري في مقام الاستدلال بهذا الحديث أو لا.
ولأجل أن نعرف ذلك، لابدَّ أن نشرح الصورة التي في ذهن الأخباري، في مقام الاستدلال بهذا الحديث. تلك الصورة التي تنسجم مع وجوب الاحتياط. ثُّمّ نرى ماهي الصورة المعطاة في الحديث. ونرى أنّ الصورة التي تدلّ عليها صيغة الحديث، هل هي نفس الصورة التي في ذهن الإخباري، أو تختلف عنها.
قد يتراءى في بادئ النظر، أنّ هناك اختلافاً أساسيّاً بين الصورة الموجودة في صيغة الحديث، والصورة التي تناسب مع قول الإخباري. وذلك؛ لأنّ الإخباري يقول بوجوب الاحتياط في الشبهة، وحرمة الاقتحام فيها. وبذلك يكون (حِمى الله) مركّباً من قسمين: من القسم الأوّل وهو معلوم الحرمة. ومن القسم الثالث وهو الشبهات؛ لأنّها أيضاً تصبح حراماً بناءً على القول بوجوب
ــــــــــ[193]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الاحتياط. فتدخل الشبهات في (حِمى الله) مع معلوم الحرمة، ويتشكّل (حِمى الله) فيها. لا يبقى خارجه إلا معلوم الحليّة. هذه هي الصورة التي تناسب مع وجوب الاحتياط.
وهذه الصورة تناقض مع الحديث، إذ في الحديث لم يفرض أنّ الشبهات داخلة في (حِمى الله)، بل فرض مَن يرتكب الشبهة قد يرتع في الحِمى. وقد لا ترتع(1) فيه. أنَّ من ارتكب الشبهة قد يتلبّس بالمعصية، وقد لا يتلبّس. وهذا معناه أنّ الحمى لم يُفرَض بنحو يشتمل على الشبهات، وإلاّ لم يكون للمعنى لقد، وقد. إذن، فهناك تناقض بين التصوّر المُعطى في الرواية، والتصوّر المناسب مع القول بوجوب الاحتياط، ونفس هذا الاختلاف بين التصورين، يدّل على أن الرواية ليست في مقام إيجاب الاحتياط.
إلاّ أنّ هذا المعنى غير تام؛ وذلك لأنّ القول بوجوب الاحتياط وتحريم اقتحام الشبهة، لا يستدعي فرض دخول الشبهات في دائرة الحمى، بحيث يكون الحمى مركّباً من المحرّمات المعلومة، ومن المشتبهات بما هي مشتبهات. ليس هكذا؛ وذلك لما حقّقناه في محلّه من أنّ إيجاب الاحتياط ليس في الحقيقة إلا عبارة عن إبراز المولى بصورة عرفية، لشدّة اهتمامه بمحرماته الواقعية، بحيث لا يرضى باقتحامها ولو شكّاً.
فمعنى إيجاب الاحتياط هنا، ليس هو توسعة دائرة الحمى، بل الحمى هو خصوص المحرّمات الواقعية، ومعنى إيجاب الاحتياط، إبراز المولى شدّة اهتمامه
ــــــــــ[194]ــــــــــ
() هذا مستفاد من قوله يوشك أن يقع فيه -مثلاً-، (المحاضرة). (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بهذه الحمى، بحيث لا يرضى بالدخول فيه ولو شكّاً وجهلاً، وعن لا أدري.
فإنّه حينئذٍ يحكم العقل، بأنّه في الأرض التي لا يدري الإنسان أهي داخلة في حمى، أو ليست داخلة؟ يحتاط فلا يطأ عليها، فوجوب الاحتياط لا يستدعى توسعة دائرة الحمى؛ لأجل أن يقال إنّ ذلك خُلف المفروض، في الرواية، فإنّ مفروضها هو أنّ الحمى هو خصوص المحرّمات الواقعية دون المشتبهات. نعم، المشتبهات لم تدخل في الحمى، لكن هذا لا ينافي مع إيجاب الاحتياط بمعنى إبراز المولى شدّة اهتمامه، بما هو في الحمى من المحرّمات الواقعية. بحيث لا يرضى باقتحامها حتّى شكّاً وجهلاً.
فحينئذٍ، يحكم العقل لا محالة بوجوب الاحتياط، والتوقّف في الشبهة. وهذا هو معنى الاحتياط الشرعي على ما سبق. إذن، فمن هذه الناحية لا يُتصوّر تناقض بين الصورة المعطاة في الرواية، والصورة التي تناسب مع قول الأخباري.
لكن لنشرح الصورة التي تناسب قول الإخباري؛ ليظهر التناقض بينها، وبين بعض الخصوصيّات في الرواية، التي سوف نشير إليها.
والصورة التي تناسب قول الإخباري هي: أن يُفرض لله حمى، وهو مركّب من المحرّمات الواقعية فقط. لكنّها سواءٌ كانت معلومة، أو مشكوكّة؛ لأنّ المفروض أنّ المولى يهتم حتّى بالحرمّات الواقعية المشكوكة. وخارج الحمى هو ما لا يكون حراماً واقعاً، من المباحات الواقعية.
ــــــــــ[195]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
ثُّمّ، أنّ هناك أشياء مشكوكة الحرمة والحليّة، فتكون مشكوكة أنّها(1) داخلة في الحمى، أو خارجة منه؛ لأنّها على فرض أن تكون حراماً في الواقع فهي داخلة في الحمى؛ لأنّه اشتمل على تمام المحرّمات الواقعية المعلومة والمشكوكة، وإذا فرضنا أنّها مباحة فهي خارجة. فهناك شبهات بينهما يعنى مرادة بين أن تكون داخلة في الحمى أو خارجة منه.
ومعنى القول بوجوب الاحتياط أنّ المولى لا يرضى باقتحام الحمى، ولو من قِبَل الشاك، ومن لا يعرف حدود الحمى، حتّى هذا لا يرضى المولى منه باقتحام الحمى، ولهذا يجب عليه التوقّف في(2) الشبهة، إذ لعلّ الحرام الواقعي موجود في هذا المشكوك. وعلى فرض أن يكون حراماً واقعيّاً، فهو داخل في الحمى، فتحذّراً من الدخول الاحتمالي في الحمى؛ هو يترك هذه الشبهة. وهذا معنى القول بوجوب الاحتياط.
وأمّا الصورة الموجودة في الرواية. فهو هكذا يفرض فيها: أنّ هناك حمى، وهناك أشياء خارجة عنه. وهذه الأشياء الخارجة على قسمين: بعضها بعيد عن الحمى، وبعضها قريب منه، وإن كان خارجاً عنه. فالبعيد عن الحمى هو الحلال البيّن، وما هو قريب منه هو الشبهات. ويفرض أنّ المحذور في ارتكاب
ــــــــــ[196]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الشبهات التي هي قريب من الحمى، هو الخوف من أن يمشي بالتدريج، حتّى يدخل في الحمى، وأن يتجرأ فيرتكب ماهو داخل في الحمى، وهذا معناه أنّ محذور النهي عن اقتحام الشبهات ليس هو احتمال دخولها في الحمى، وإنّما المحذور هو الخوف من استلزام اقتحامها؛ لاقتحام اشدّ بعد ذلك وهو اقتحام ماهو داخل الحمى(1).
وأين هذا من الصورة التي تناسب مع القول بوجوب الاحتياط. هذه الصورة لاتتاسب إلاّ مع فرض اختصاص الحمى بخصوص المحرّمات المعلومة، وفرض الشبهات قريبة من الحمى؛ باعتبار قرب الشكّ من العلم، والنهي عن ارتكاب المشكوك؛ لأجل أن لايتجرأ الإنسان على المعلوم. وهذا أجنبي عن إيجاب الاحتياط الذي يقوله الإخباري (2).
وحيث إنّ هذا النهي ظاهره التحفّظ من ناحية ارتكاب المحرّمات؛ ولهذا يختص بخصوص ما إذا احتمل مثل هذا الانسياق، إذا احتمل منشأية اقتحام الشبهات لاقتحام المحرّمات، وفي مثل هذا المورد مع احتمال ذلك،
لا بأس بالالتزام بهذه الحرمة، وأمّا مع عدم احتمال ذلك، فمثل هذا النهي
ــــــــــ[197]ــــــــــ
() وهذا معناه أنّ الحمى فُرِض مخصوص بالمحرّمات الواقعية المعلومة، وأنّ المحرّمات المشكوكة ليست داخلة في الحمى، (المحاضرة). (المقرّر).
(2) وهنا قال جواباً على سؤالي: يكون هذا نهيّاً على ارتكاب الشبهات تحفظّاً على المحرّمات المعلومة، لا على المحرّمات المحتمل وجودها في الشبهات نفسها، كما هو مدعى الإخباري، وكما هو معنى القول بوجوب الاحتياط. ويكون حكماً طريقياً. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
لا إطلاق له لفرض العلم بعدم الترتّب؛ لأنّ ظاهره أنّه نهي عن ارتكاب الشبهة، وإلزام بالاحتياط بعنوان التحفّظ على المحرّمات المعلومة، فإذا أحرز المكلّف انه سوف يتحفّظ على المحرّمات المعلومة، بدون حاجة إلى اجتناب الشبهات، فلا يكون للنهي إطلاق لذلك المورد(1).
الآن نقرأ بعض الصيغ؛ لنرى مناسبة هذا المطلب مع هذه الصورة:
في مسند أحمد بن حنبل: “حَلَالٌ بَيِّنٌ، وَحَرَامٌ بَيِّنٌ، وَشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ، مَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ، فَهُوَ لِلْحَرَامِ أَتْرَكُ” -فقد فرضنا أنّ الحرام غير الشبهات- “وَمَحَارِمُ اللَّـهِ حِمًى، فَمَنْ أَرْتَعَ حَوْلَ الْحِمَى، كَانَ قَمِنًا أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ“(2). فهنا فرض أنّ الحمى يشتمل على الحرام، الذي هو غير الشبهات، وهذا عبارة عن الحرام المعلوم. فقد فرض الحمى حمى المحرّمات المعلومة، ونهي عن ارتكاب المشتبه؛ باعتبار أنّه يجرّ بالتدريج إلى ارتكاب الحرام المعلوم. لا باعتبار كونه حمى. فهذه الصورة تختلف جدّاً عن الصورة التي تناسب مع القول بوجوب الاحتياط.
وفي صحيح البخاري: عن النعمان بن بشير قال قال النبي: “الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ، كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ، أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ،
ــــــــــ[198]ــــــــــ
() وهنا قال أحد الاخوان: لعلّ هذا تحفّظ من قبل المولى؟
فاجأب: ولهذا قلنا إنّ الظاهر من النهي في المقام أنّه بلحاظ التحفّظ يعني: مرجعه إلى الأمر بالتحفّظ؛ لا أنّه حيث إنّي أتحفّظ أنهاك. هذا أرجعناه إلى الاستظهار العرفي. (المقرّر).
(2) انظر: مسند أحمد، المصدر السابق.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وَالمَعَاصِي حِمَى اللَّـهِ مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ“(1).
هذا أيضاً واضح جدّاً في كون الحمى أمر غير الشبهات، أو أنّها أمر خارج عن الحمى، وهذا معناه أنّ الحمى مخصوص بخصوص المحرّمات المعلومة، وأنّ الشبهات محذورها هو الخوف من أن تنجرّ إلى الدخول في الحمى، لا احتمال كونها داخلة في الحمى. وكذلك عدةّ روايات أخرى أيضاً، يمكن أن يُستفاد منها هذا المطلب.
فبذلك يتلخّص أنّ هذه الرواية حتّى لو حملنا الشبهات فيها على معنى الشكّ، والمشكوك في الحليّة والحرمة، لا تدلّ على إيجاب الاحتياط، بل تدلّ على النهي عن اقتحام الشبهات مع التصريح بأنّها خارج الحمى، خوفاً من الدخول فيه، لا خوفاً أن تكون هي داخلة في الحمى(2)، والفرق ما بين هاتين العبارتين هو الفرق بين الصورتين: الصورة المعطاة في الرواية، والصورة التي تناسب مع القول بوجوب الاحتياط.
هذه هي الصورة الثانية من أخبار التثليث.
مقبولة عمر بن حنظلة
وأمّا الصيغة الثالثة فقد وردت في مقبولة عمر بن حنظلة. حيث فرض روايتين متعارضتين فشرع الإمام في مقام ترجيح أحدهما على الأخرى. حتّى انتهت النوبة إلى الترجيح بالشهرة، وقد بيّنا في بحث حجّية الشهرة أنّ المراد
ــــــــــ[199]ــــــــــ
() انظر: صحيح البخاري 3: 53، الرقم 2051، مصدر سابق.
(2) الذي يناسب مع وجوب الاحتياط، (المحاضرة). (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بالشهرة هنا، هو الشهرة الروائية. ففرض الترجيح بالشهرة الروائية، وتترك الرواية الشاذّة روائيّاً. ثُّم عللّ ذلك بقوله: (المُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا رَيْبَ فِي”(1) بمعنى أنّ الرواية المجمع على روايتها لا ريب فيه. ولم يصرّح بحال الرواية الشاذّة. إنّا ذكرنا في بحث الشهرة، ويأتي أيضاً في محلّه أنّ الرواية الأخرى تكون شاذّة، بمعنى: أنّها ممّا فيه ريب، لا أنّه لا ريب في بطلانها.
قال الإمام: “فَإِنَّ المُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا رَيْبَ فِيهِ وإِنَّمَا الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَيُتَّبَعُ وأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَيُجْتَنَبُ وأَمْرٌ مُشْكِلٌ يُرَدُّ حُكْمُهُ إِلَى اللَّـهِ“(2).
فالرواية المشهورة من لا ريب فيها. أمّا الرواية الأخرى المعارض لها فهي من الأمر المشكل، لا من الأمر الذي لا ريب في بطلانها؛ وذلك لأنّ شهرة رواية غاية ما تستدعي القطع بصدورها من الإمام، لا قطعية تمام جهاتها دلالةً، وسنداً، وجهةً. وحينئذٍ، فيبقى احتمال الصحّة في الرواية الأخرى على حالها. وتكون حينئذٍ، مشكلة لا معلومة الزيف والبطلان. مضافاً إلى أنّه لو كانت الرواية الثانية معلومة البطلان، والأولى معلومة الصحّة، لم يحتج الإمام إلى الاستشهاد بالحديث النبوي، لبيان حكمه. فالاحتياج بالاستشهاد، قرينة على أنّ الرواية الأخرى يكون مشكلاً ومشتبهاً، لا من بيّن الغي(3).
ــــــــــ[200]ــــــــــ
() انظر: تهذيب الأحكام 6: 301-302، الباب 92، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، الحديث 52.
(2) انظر: التهذيب، المصدر نفسه.
(3) وهنا قرأ تقسيم الإمام للأمور إلى ثلاثة، وطبّقه على المقام، ثُّمّ استشهد بالحديث. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
قال ” قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: حَلَالٌ بَيِّنٌ وحَرَامٌ بَيِّنٌ وشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ المُحَرَّمَاتِ ومَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ المُحَرَّمَاتِ وهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُه“(1)
فالتثليث هنا، مذكور مرّتين: مرة في كلام الإمام، ومرّة في الكلام الذي ينقله عن النبي. فنتكلّم أولاً في كلام الإمام، ثُّمّ في تطبيق كلام النبي عليه.
أما التثليث في كلام الإمام. فهو هكذا يقول: “إِنَّمَا الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَيُتَّبَعُ وأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَيُجْتَنَبُ وأَمْرٌ مُشْكِلٌ يُرَدُّ حُكْمُهُ إِلَى اللَّـه“(2). فقد فرض موضوعات ثلاثة لها أحكام ثلاثة: فبيّن الرشد حكمه أن يُتّبع، وبيّن الغي حكمه أن يُجتنب، والمشكل المشتبه حكمه أن يُرد حكمه إلى الله تعالى.
وظاهر التقابل هو أن هذه الموضوعات متقابلة بحسب أحكامها، فكلّ منها يختص بحكم غير حكم الآخر، والمفروض أنّ الإمام حكم في بيّن الغي بالاجتناب والترك، فلابدّ أن يكون حكم المشكل غير الاجتناب والترك، وهو ما عبّر عنه بـ(يُرد حكمه إلى الله) ولابدّ أن يُراد من هذا الرد معنى غير الاجتناب والترك، وإلاّ كان حكم القسم الثاني، والثالث واحداً(3) مع أنّ ظاهر سياق الحديث هو التقابل ما بين هذين القسمين.
ولهذا، نعرف أن حكم الثالث في المقام وهو ما عبّر عنه بالرّد إلى الله ليس
ــــــــــ[201]ــــــــــ
() انظر: التهذيب، المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.
(3) كما هو مقتضى الأخذ بذوق الإخباري، (المحاضرة). (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
هو الاجتناب والترك، بل هو التوقّف(1). فقد فرض هنا حالات ثلاثة: حالة الإتباع في بيّن الرشد، وحالة الاجتناب في بيّن الغي، وحالة التوقّف في الأمر المشكل. ومعنى التوقّف فيه، أنّ لا يأخذ لا بهذا الوجه من الأمر المشكل، ولا بذلك الوجه منه، فإنّ كلّ أمر مشكل ذو وجهين، لا يدري أيّهما الصحيح، ومعنى التوقّف هو عدم الأخذ بأيّ منهما؛ لأنّ الأخذ لكلّ منهما قول بلا علم، وأخذ بغير الحجّة وهو غير جائز.
ومن هنا نقول: إنّ هذا السياق كلّه ليس وارداً في معلوم الحليّة ومعلوم الحرمة والمشكوك، بل وارداً في الدلالات، والأدلّة والروايات. كما يناسب التطبيق على الروايتين المتعارضتين. أنّ الأدلة على ثلاثة أقسام: دليل بيّن الرشد، ودليل بيّن غيّه، ودليل ملتبس فيه وجهان، قد يكون صحيحاً، وقد لا يكون، من قبيل الرواية المعارضة للمجمع عليه الشاذّة النادرة.
ومن هنا عبّر بـ(الإتباع)، وهو لا يناسب مع الحكم، ما معنى أن معلوم الحليّة(2) يُتّبع، وإنما الإتّباع مناسب مع باب الدلالة، والأمارية، لا مع باب الحليّة. ولو كان المقصود منه معلوم الحليّة لكان المناسب أن يقول (فيفعل)
-مثلاً- لا (فيُتّبع). فمعنى “أمر بيّن رشده فُيتّبع”، يعنى دليل تام للدلالة من
ــــــــــ[202]ــــــــــ
() كما هو أنسب بمادة ردّ الحكم إلى الله، إذ كأنه استعفاء من قبل الشخص عن أن يقرّر هو بنفسه شيئاً. (المقرّر).
(2) هذا ممكن، بمعنى إتّباع حكم الشارع بجوازه، بصفتنا متّبعين له وآخذين لأحكامه (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
قبيل الرواية المجمع عليها فهذه يُعمل عليها، “وأمر بّين غيّه” من قبيل الروايات التي يكون واضحاً عليها الجعل والتزوير والكذب، فهذا يُجتنب، وأمر مشكل لا يدري أهو صحيح في دلالته، أو لا؟ فهذا يُرد إلى الله، يعنى: لا يأخذ لا باحتمال صحّته، ولا باحتمال عدم صحّته.
فبناءً على هذه الصورة، تكون الأحكام الثلاثة متقابلة، ويحفظ ظهور الحديث في التقابل بين الأحكام. وبناءً على هذا، يكون هذا البيان أجنبياً عمّا هو محلّ الكلام؛ لأنّه يكون مسوقاً لبيان: أنّ الأمر المشكل ذا الوجهين لا يجوز الاعتماد لا على هذا الوجه منه، ولا على ذاك.
ونحن أيضاً نقول هكذا. ونحن في الشبهات البدوية، حينما نحكم بالحليّة، لا نحكم بها اعتماد على احتمال الحليّة في قبال احتمال الحرمة، بل نحكم بها استناد إلى دليل (رُفع ما لا يعلمون) ونحوه من الأدّلة.
إذن، فكلام الإمام لا يكون له ربط بما هو محلّ الكلام.
ومعنى(1) هذا التوقّف بنحو لايرجع إلى الاجتناب والترك -مثلاً- يلزم محذور إتحاد الحكمين، هو أنّ المكلّف لا يأخذ لا بهذا الوجه من المشكل، ولا بذلك الوجه، ولا يجرى على أي من الاحتمالين وهذا قسم ثالث غير الأخذ وغير الطرح.
وهذا على القاعدة لا إشكال فيه. وعلى هذا عمل الأصولي في باب الشبهات، فإنّ الشبهة حيث إنّها تشتمل على احتمالين، تدلّ من أحد وجهيها
ــــــــــ[203]ــــــــــ
() قال بعد ان لخّص الفكرة السابقة. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
على الحرمة إحتمالاً، ومن الوجه الآخر تدلّ على الحليّة احتمالاً، فالأصولي لا ياخذ بأي من الاحتمالين، ولهذا لا يفتي بحكم واقعي هنا، بل يفتي بالحليّة الظاهرية التي قام عليها دليل بيّن الرشد، داخل في القسم الأوّل، وهو -مثلاً- حديث (رُفع مالايعلمون).
فإلى هنا لا يكون في هذا الحديث ما ينافي قول الأصولي بوجه.
بعد هذا يستشهد الإمام الصادق على المطلب بالحديث النبوي.
وقلنا في ماسبق: إنَّ ظاهر الاستشهاد هو أن يكون النظر الاستشهادي بلحاظ الأمر المشكل؛ لأنّ الأمر البيّن الرشد لايحتاج إلى رواية في مقام معرفة حكمه، وكذلك الأمر البيّن الغي، فإنّ أحكام هذين القسمين من القضايا التي قياساتها معها، وإنّما المحتاج إلى استشهاد تعزيز باقوال النبوة، إنّما هو الأمر الثالث، وهو الأمر المشكل. فالنظر في الاستشهاد إلى الأمر المشكل، الذي طُبّق في محلّ الكلام على الرواية الشاذّة. يقول: قال رسول الله: “حَلَالٌ بَيِّنٌ وحَرَامٌ بَيِّنٌ وشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ المُحَرَّمَاتِ ومَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ المُحَرَّمَاتِ وهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُه“.
فهنا لو فرضنا أنّ القسم الثالث وهو الشبهات في كلام النبي ، كان حكمه هو الترك والاجتناب، فهذا لا يناسب الاستشهاد به، بعد أن بيّنا أنَّ القسم الثالث في كلام الإمام ليس هو الترك والاجتناب، بقرينة التقابل، بل هو التوقّف. فلا يكون حينئذٍ كلام النبي مطابقاً مع كلام الإمام؛ لأجل أن يجعله شاهداً على ما أفتى به. فبقرينة جعله شاهداً على ما صدر سابقاً من حكم الأمر المشكل وهو التوقّف. نعرف أنَّ المراد من قوله: (فمن ترك الشبهات)،
ــــــــــ[204]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
ليس هو يعنى الاحتياط باجتناب مُحتمَل الحرمة، الترك عملاً وخارجاً كما يريد الإخباري، بل المراد من ترك الشبهة، يعنى ترك الأخذ بالأخذ بالدلالة المشبهة. أليست الشبهة ذات جانبين وذات دلالتين احتماليتين ناقصتين، فترك الشبهة بمعنى ترك الأخذ بمدلولاتها الناقصة. فالترك هنا، ترك للأخذ بأحد طرفي احتمال الشبهة. فيرجع حينئذٍ، إلى نفس ما قلناه في تفسير كلام الإمام.
والذي يؤيّد هذا المطلب في نفس كلام النبي: “فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ المُحَرَّمَاتِ ومَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ المُحَرَّمَاتِ“. فقد عبّر و(من أخذ بالشبهة). والاخذ بالشبهة غير ارتكاب الشبهة. فإنّه عندنا ارتكاب الشبهة بمعنى أن يشرب التتن المحتمل الحرمة، فهذا يصدق عليه أنّه ارتكب الشبهة، ولكن لا يصدق عليه أنّه أخذ بالشبهة. الأخذ بالشبهة بابه باب الاستدلال، لا باب الاقتحام العملي. فهو يناسب مع باب الاستدلال والتعويل والالتزام.
فهنا عطف على ترك الشبهة، الأخذ بالشبهة. وهو قرينة على أنّ المراد من ترك الشبهة عدم الأخذ بالشبهة، أي عدم الاعتماد والتعويل على مشبَّهات الشبهة، يعنى: على هذا الاحتمال أو ذاك. فإنّه إذا عوّل على مشبّهات الشبهة، فقد عوّل على غير الحجّة شرعاً، وإذا عوّل على ذلك، فيقع في الحرام ويهلك من حيث لا يعلم. وهذا واضح، ويكون حينئذٍ، خارجاً عمّا هو محلّ الكلام(1).
ــــــــــ[205]ــــــــــ
() وهنا سألته: إذن، فالمقصود من المحرّم -قول الرسول وقع في الحرام، توضيح المقرّر- لا المحرّم الواقعي المحتمل في الشبهة، وإنّما المقصود منه حرمة التشريع بالأخذ بأحد طرفي الشبهة.
فاجاب: بل ارتكب المحرّمات الواقعية المنجّزة أيضاً. إذ يكون المعنى: من صار مبناه على التعويل على الاحتمالات والمشبَّهات فكثيراً ما يقع في المحرمّات، يقع فيها بلا عذر؛ لأنّها شبهة بالنتيجة، ويهلك من حيث لا يعلم؛ لأنّه غير معذور في الوقوع في هذا الحرام. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فهذه الرواية لا دلالة لها أيضاً على المطلب. وبهذا تمت أخبار التثليث.
ومن العجيب ما يُدّعى في الكتب الأصولية، وفي تقريرات المحقّق النائيني، من أنّ أخبار التثليث مستفيضة إلى درجة لا يحتاج إلى مراجعة الأسناد؛ لأنّها بالغة إلى حدّ التواتر وما يشبهه(1). مع أنّه لا يوجد هناك خبر تثليث إلا عن ثلاثة رواة فقط، هم النعمان بن بشير، وعمر بن حنظلة، وجميل بن صالح. والنعمان بن بشير شخص مقطوع بفساده، وجميل بن صالح شخص مطعون في وثاقته، وعلى الأقل غير محرز الوثاقة، وعمر بن حنظلة، محلّ الكلام في أنّه ثقة أو لا. فأيّ استفاضة في هذا المطلب.
وأظن، أنّ هذه الاستفاضة من المراتب المتأخرة جداً عن مصادر الأخبار، حيث رُوِيت هذه الأخبار في كتب الأصول خصوصاً، مع عدم تعرّض لأسانيدها، فتُخُيِل أنّها مستفيضة. وكثيراً ما ينشأ هذا من عدم المراجعة إلى مصادر الروايات، وهذا مّما يجعل الإنسان ملتفتاً إلى أهميّة الرجوع في كلّ مسألة من هذا القبيل إلى مصادر الروايات، وضبطها وملاحظة أسانيدها؛ لأجل ألا يقع في مثل هذه الدعوة المتسرّعة.
هذه هي الطائفة الثاني، من الطوائف الثلاث التي قلنا أنّه ينبغي التعرّض لها.
ــــــــــ[206]ــــــــــ
(1) انظر: فوائد الأصول 3: 372.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الطائفة الثالثة: هي الطائفة الآمرة بالاحتياط الواردة في وقائع معيّنة. ويمكن إدراج روايتين تحت هذا العنوان.
رواية عبد الله بن وضاح: يتوارى القرص ويزداد الليل ارتفاعاً
الرواية الأولى: رواية(1) عبد الله بن وضّاح. قال: كتب إلى العبد الصالح : “يَتَوَارَى الْقُرْصُ وَ يُقْبِلُ اللَّيْلُ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّيْلُ ارْتِفَاعاً وَتَسْتَتِرُ عَنَّا الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعُ فَوْقَ اللَّيْلِ حُمْرَةٌ وَيُؤَذِّنُ عِنْدَنَا المُؤَذِّنُونَ أَفَأُصَلِّي حِينَئِذٍ وَأُفْطِرُ إِنْ كُنْتُ صَائِماً أَوْ أَنْتَظِرُ حَتَّى تَذْهَبَ الحُمْرَةُ الَّتِي فَوْقَ اللَّيْلِ فَكَتَبَ إِلَيَّ أَرَى لَكَ أَنْ تَنْتَظِرَ حَتَّى تَذْهَبَ الحُمْرَةُ وَ تَأْخُذَ بِالحَائِطَةِ لِدِينِكَ“. الوسائل باب 16 رواية 14 من ابواب المواقيت.
ظاهر السؤال في هذه الرواية، أنّ إشكال هذا المؤمن في دخول وقت الصلاة والافطار، كان من ناحية هذه الحمرة المرتفعة فوق الجبل. وهذه الحمرة التي أصبحت منشأ لسؤاله فيها احتمالات ثلاثة:
[الاحتمال الأول: الحمرة المقارنة مع آخر عمر الشمس]
أحدها: أن تكون هذه الحمرة منشأ لإشكاله، باعتبار أنّه من المحتمل أن تكون هي الحمرة التي يكتنف بها الشفق، أي: الحمرة(2) المقارنة مع آخر عمر الشمس.
ــــــــــ[207]ــــــــــ
() وهي موثّقة معتبرة، (محاضرة عنه). (المقرّر).
(2) وهي حمرة سابقة على الحمرة المشرقية والمغربية على ما يظهر من سياق المحاضرة، وليست هي إحداهما؛ لأنّ احتمال أن تكون هي أحدهما غير موجود خارجاً، لا المشرقية كما هو واضح، ولا المغربية؛ لأنّها حين ترتفع فوق الجبل لا يبقى احتمال بقاء القرص وراء الجبل. (المقرّر).
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
ويُحتمل أن تكون هذه الحمرة حمرة موجودة بتبع وجود قرص الشمس خلف [الجبل]، وأنّه إنّما لا يُرى قرص الشمس، باعتبار مانعيّة الجبل عن رؤيته. وحيث إنّ قرص الشمس قد فقد صولته واشعاعه، فلم يبقَ منه إلاّ هذه الحمرة المرئيّة. فهذه الحمرة تدعو إلى احتمال أن يكون عدم رؤية الشمس هنا من باب وجود الحائل، وهو الجبل لا من باب غياب القرص حقيقة.
وهذا الاحتمال منطبق على عبارة السؤال في الرواية انطباقاً تامّاً. حيث إنّه فُرِض في السؤال وجود الجبل. نفس فرض الجبل لا يُرى له نكتة أحسن من نكتة أن يكون بلحاظ مانعيّته عن قرص الشمس، وإلا لو كان السؤال بلحاظ بلحاظ الحمرة المشرقية -على ما يأتي في الاحتمالات الأخرى- فهذا لا يفرق فيه بين الأرض التي فيها جبل، أو الأرض التي ليس فيها جبل. وكيفية التعبير عن كيفية غيبوبة القرص؛ لأنّه يقول: (غيّب عنّا القرص، وتستتر عنّا الشمس). ففي كلتا الجملتين يضيف الغيبوبة والاستتار إليهم، لا أنّ القرص يغيب في نفسه. فهذا يناسب مع أنّه يشكّ في أنّ هذا الاستتار عنهم، هل هو لحائل، أو أنّه استتار في نفسه أيضاً.
ومن العبائر التي قد لا تنسجم مع هذا المطلب، قوله: “ويُقبل الليل ثُّمّ يزيد الليل ارتفاعاً”. إذ مع إقبال الليل وزيادته إرتفاعاً، كيف يُفرَض أنّه يبقى
ــــــــــ[208]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
هذا المؤمن يشكّ في أنّ قرص الشمس غاب أو لم يغب، فقد تبدو هذه العبارة غير منسجمة، إلاّ أنّ عدم انسجامها بناءً على أن يراد بالليل في المقام، الزمان. وأمّا إذا أُريد بالليل المعنى القابل للإقبال والارتفاع، وهو الظلمة. فليس الأمر كذلك: إذ يكون معنى قوله: “ويُقبل الليل، ثُّمّ يزيد الخ” يعني تجيء الظلمة وتنتشر، وسمّى الظلمة بالليل، ولو باعتبار أنّ تكون ظلمة ليلية ناشئة من غياب الشمس. ومع هذا يحتمل أن تكون هذه الظلمة لوجود حاجب عن قرص الشمس، وهو الجبل. فإذا فُرِض أنّه عبّر في الليل عن هذه الظلمة، فهو تعبير متعارف وليس نابياً.
إذن، فهذا الاحتمال ينسجم مع تمام عبارات السؤال، وبناءً عليه، يقول في مقام الجواب بـ”خذ بالحائطة لدينك وانتظر“. وهذا الجواب يكون مبنيّاً على أنّ مناط دخول الوقت، هو غياب قرص الشمس، لكن لا لحائل، بل غيابه بلا حائل. وهذا أمر مشكوك فيه، إذ لعلّ غيابه هنا كان بحائلية الجبل. إذن، يكون من باب الشكّ في دخول الوقت، وعدم دخوله وانتهاء وقت الصوم وعدمه، والأصول الموضوعية هنا تقتضي لا محالة وجوب الانتظار من ناحية الصلاة والصيام، لاستصحاب بقاء الوقت من ناحية الصيام، واستصحاب عدم دخول الوقت، أو أصالة للاشتغال من ناحية الصلاة. حيث إنَّ نحن عندنا تقابل بين الاستصحاب والاحتياط
وهذا التقابل ليس لغوياً ملحوظاً في الرواية، بل قد يعبّر بالأخذ بالحائطة، ويكون المدرك في ذلك هو الاستصحاب.
فهذا الاحتمال موجود في الرواية دلالة على وجوب الاحتياط أصلاً.
ــــــــــ[209]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
[الاحتمال الثاني: الحمرة المغربية]
الاحتمال الثاني: أن تكون هذه الحمرة التي أصبحت لإشكال هذا المؤمن في دخول الوقت، هي الحمرة المغربية. ومعنى: ذلك أن يُفرَض في المقام أنّ الشمس قد غربت من جهة الجبل، وعلم هذا الشخص بغيبوبة القرص من ناحية الجبل، غاية الأمر يخلّف غياب القرص شفقاً خاصّاً من طرف المغرب، وهذه الحمرة المخصوصة تبقى مدة وتزول، وهو يحتمل أن صلاة المغرب لابدَّ فيها من زوال هذه الحمرة المغربية، كما يقول أبو الخطاب والخطابيون. حيث إنّهم ادعوا في الدين، وقالوا: إنّه لابدَّ من دخول الوقت من زوال الحمرة المغربية.
لو فُرِض أنّه كان نظره إلى هذا، فحينئذٍ، لابدَّ من ردّ علم الرواية إلى أهلها؛ لأنّها حينئذٍ، تكون أمضاء بوجه من الوجوه، إمّا إمضاء واقعياً، أو احتياطياً، بلحاظ الحكم الواقعي، أو الظاهري لعمل الخطاب والخطابيين. وهو الانتظار إلى ذهاب الحمرة المغربية. وهذا المطلب من ضروريات الفقه بطلانه، وقد جاءت الروايات العديدة والصحيحة سنداً في التأنيب، والتبرّي، ولعن الخطاب والخطابيين، على مثل هذه البدعة في الدين.
فبناءً على هذا الاحتمال لابدّ من طرح الرواية.
[الاحتمال الثالث: الحمرة المشرقية]
الاحتمال الثالث: أن تكون هذه الحمرة هي الحمرة المشرقية، بأن نفرض أنّ الشمس قد غابت في الجهة الأخرى، والجبل كان في جهة المشرق. وقد
ــــــــــ[210]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
ارتفعت الحمرة المشرقية التي تعكس غيبوبة القرص من الجانب الغربي. فهنا يُسأل هل لابد َّمن انتظار ذهاب الحمرة المشرقية، أو يكفي ذهاب نفس القرص. ويجيب الإمام بناءً عليه: (خذ بالحائطة لدينك).
هنا قد يقال: بأنَّ هذا الجواب من قبل الإمام لا بدَّ من الالتزام بحمله على غير محمل الجد، ولا يمكن حمله على محمل الجد؛ وذلك لأنّه إذا قلنا: بأنّ غيبوبة القرص كافٍ، فلماذا يجب عليه أن ينتظر، وإذا قلنا بما عليه مشهور علماء الإمامية، من أنّه لا بدَّ من زوال الحمرة المشرقية، ولا يكفي زوال القرص. إذن، فلماذا يأمر الإمام بالاحتياط وهو العالم بتمام الأحكام، وقد أُستفتي في الشبهة الحكمية، فلماذا يأمر بالاحتياط. والأمر به لا يناسب الإمام وقد أُستفتى من قبل جاهل في الشبهة الحكمية. فأمره بالاحتياط لا يناسب على كلا الوجهين. ومن هنا يتعيّن حمله على أنّه يريد بيان وجوب الانتظار، وأنّ الوقت لا يدخل إلاّ بذهاب الحمرة المشرقية، لكن حيث إنّ هذا المطلب خلاف رأي مذاهب السُنّة، ولهذا بيّنه في ثوب الاحتياط؛ لتخفّ التبعة.
فروح الفتوى وهي اشتراط دخول الوقت بذهاب الحمرة الشرقية، جدّي، ولكن ثوب وجوب الاحتياط ثوب غير جدي، أُلبِست به الفتوى توقّياً لشر الخصوم. ولهذا يسقط الاستدلال بالرواية أيضاً.
[في توجيه الاستدلال بالرواية]
والصحيح، أنّ الاستدلال بالرواية، بناءً على أن يكون النظر فيها إلى الحمرة المشرقية، لا ينحصر توجيهها بهذا المطلب. ليقال: إنّها فتوى جدّية
ــــــــــ[211]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
أُلبست ثوباً غير جدّي تقية، بل يمكن توجيه مضمون هذه الرواية، بحيث تكون جدّية بتمام المعنى.
وذلك: أنّه في باب دخول الوقت هناك احتمالات: احتمال أن يكون مناط دخول الوقت هو غياب القرص، فمتى ما غاب القرص عن العين بلا حائل، دخل الوقت كما تصرّح بذلك بعض الروايات الصحيحة. واحتمال أن يكون دخول الوقت منوطاً بغياب القرص، لكن لا يكفي مجرّد غيابه عن عيني، بل بغيابه عن عيني وغياب الحمرة المشرقية عن عيني. وحيث إنّ الثاني متأخّر عن الأوّل لا محالة، فبالنتيجة يكون المناط هو الثاني، وهو غياب الحمرة المشرقية عن عيني. والاحتمال الثالث: هو أن يكون المناط الواقعي لدخول الوقت هو غياب القرص، ولكن الحمرة المشرقية معرّف لغيابه وكاشف عنه والمعرّفية هنا تتصور على وجهين:
تارةً: يكون المعرِّف مساوياً للمعرَّف وملازماً له: بأن نفرض بأنّ مناط دخول الوقت هو غياب القرص عن بلدتي، التي اسمها النجف، وعن تمام البلاد الواقعية بعدها في حركة غروب الشمس لا إلى آخر الدنيا، بل إلى البلد الذي يكون غياب القرص فيه مساوياً زماناً مع سقوط الحمرة المشرقية في بلدي، التي اسمها النجف.
فسقوط الحمرة المشرقية في بلدي لا يكون مناط دخول الوقت، بل هو معرِّف مساوٍ وملازم، لا ينفك عمّا هو مناط دخوله. وهو سقوط القرص عن آخر بلد يكون سقوطه فيه مساوياً زماناً مع ذهاب الحمرة في بلدي. وحيث إنّ ذاك البلد غير متعيّن؛ ولهذا جعل الشارع معرِّفاً مساوياً له.
ــــــــــ[212]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
وهذه المعرِّفيّة تكون معرِّفيّة واقعية وعلمية، ولا تستبطن أيّ حكم ظاهرى، أو أي احتياط؛ لأنّه متى ما سقطت الحمرة عندي، فالموضوع قد تحقّق، ومتى ما لم تسقط فالموضوع غير محقّق جزماً.
وأخرى: نفرض أنَّ المعرِّف أخصّ من المعرَّف، أنّ المناط هو غياب القرص عن منطقة -محدودة في علم الله-، هذه المنطقة دائماً حينما تحصل يحصل سقوط الحمرة المشرقية في بلدي، يعنى: لا يمكن أن يحصل الغيبوبة عن تمام تلك المنطقة، ولا يحصل غياب الحمرة. ولكن يمكن العكس، بأن تحصل الغيبوبة عن تمام هذه المنطقة، ولا تسقط الحمرة المشرقية، فسقوط الحمرة المشرقية أخصّ من مناط دخول الوقت. يعنى: متى ما وجد فمناط دخول الوقت ثابت جزماً. لكن يوجد هذا المناط بدونه.
وحينئذٍ، يكون معرِّفيّاً ظاهرياً؛ لأنّه يحتمل وجود ما هو مناط دخول الوقت قبل الحمرة، فلماذا انتظر إلى الحمرة، مع أنّي احتمل دخول الوقت قبل ذلك احتياطاً. وهذا الاحتياط واجب شرعاً، بمعنى: أنّ الشارع أوجب على الإنسان أن يحتاط في مقام دخول الوقت بمعرفيّة هذا المعرِّف وألغى المعرِّفات الأخرى. إلاّ إذا حصل القطع عند الإنسان، فهو يكون حجّة بنفسه. وما لم يحصل القطع، فلا يقبل الشرع معرِّفاً إلاّ معرفيّة ذهاب الحمرة المشرقية.
وهذا الاحتمال، عليه عدة شواهد في روايات تلك المسألة. ولعلّه يصير وجه التقاء ما بين القولين، ووجه جمع ما بين الطائفتين. وبناءً على هذا الاحتمال نفهم معنى الاحتياط في الرواية. إذ يمكن أن يكون الأمر به هنا، باعتبار أنّه
ــــــــــ[213]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
يريد أن يبّين أن ما هو مناط دخول الوقت، أو معرّفه الاحتياطي هو ذهاب الحمرة المشرقية، وهذا المعرِّف جُعل من قبل الشارع، تحفظّاً على الوقت. وهو معرِّف احتياطي لا محالة، ويجب الالتزام به في المقام.
فلا يكون من باب التقية، ولا يكون من باب إفتاء الإمام بوجوب الاحتياط في الشبهة الحكمية، مع أنّه خلاف وظيفته، ولا نرفع اليد عن شيء من ظواهر الرواية. وتفصيل هذا المطلب، من الناحية الفقهية، في الفقه.
لكن المقصود في المقام أنّه بناءً على هذا لا يكون في الرواية دلالة على المطلب أصلاً؛ لأنّ هذا ليس أمراً بالاحتياط بالمعنى الذي يقوله الأخباري، بل هو أمر بالالتزام بمعرِّف جُعل معرِّف على نحو الاحتياط في هذه القضيّة. وأي ربط لذلك بوجوب الاحتياط في الشبهات البدوية.
فبناءً على هذا، اتّضح أن َّالرواية سواءٌ كان المراد بالحمرة فيها، الحمرة التي تكون منشأ للشبه الموضوعية في غيبوبة القرص، أوالحمرة المغربية، أو المشرقية، على كلّ حال لا يمكن الاستدلال بها على وجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية.
الرواية الأخرى من الطائفة الثالثة: صحيحة عبد الرحمن الحجاج قال: “سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَنْ رَجُلَيْنِ أَصَابَا صَيْداً وهُمَا مُحْرِمَانِ الْجَزَاءُ بَيْنَهُمَا أَوْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءٌ. فَقَالَ: لَا بَلْ عَلَيْهِمَا أَنْ يَجْزِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الصَّيْدَ. قُلْتُ: إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا سَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ أَدْرِ مَا عَلَيْهِ. فَقَالَ: إِذَا أُصِبْتُمْ
ــــــــــ[214]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
بِمِثْلِ هَذَا فَلَمْ تَدْرُوا فَعَلَيْكُمْ بِالاحْتِيَاطِ حَتَّى تَسْأَلُوا عَنْهُ فَتَعْلَمُوا“(1).
والفقرة التي هي محلّ الاستدلال هي الجملة الأخيرة، بناءً على أن يكون المشار إليه، في قوله “إِذَا أُصِبْتُمْ بِمِثْلِ هَذَا“، أي بمثل واقعة الصيد التي كانت شبهة، ولم يُعلم حكمها.
بتقريب، أنّ الإمام حكم بوجوب الاحتياط على عنوان مثل هذا، فجعل الضابط لوجوب الاحتياط، هو: ماكان مثل واقعة الصيد. وحينئذٍ فلابدَّ من فرض قدر مشترك بين هذه الواقعة، والوقائع الأخرى، التي يجب فيها الاحتياط. وهذا القدر المشترك، لابدَّ أن يتوفّر فيه أمران:
أحدهما: أنّ يكون هذا القدر المشترك عرفيّاً، بمعنى: أنّه ملتفَت إليه وملحوظ باللحاظ العرفي، لا أن يكون قدراً مشتركاً يُلتف إليه بالعناية؛ لأنّ الإمام في مقام بيان ما هو الضابط لوجوب الاحتياط. وهو في مقام بيان ذلك على وجه عرفي لامحالة، كماهو الحال في كلّ بيانات الإمام وكون هذا البيان عرفيّاً فرع كون ذلك القدر المشترك المنظور للإمام الذي جعله ميزاناً لوجوب الاحتياط، أن يكون واقعاً تحت اللحاظ العرفي، وإلا لم يكن الإمام في مقام البيان للضابط، وهو خلاف ظهوره.
فمثلاً إبداء احتمال أن يكون مقصوده من قوله: (مثل هذا)، يعنى الشبهة التي يدور الأمر فيها بين الأقل، والأكثر، حيث إنّه في هذه الواقعة كذلك، لأنَّ
ــــــــــ[215]ــــــــــ
(1) انظر: وسائل الشيعة 13: 46، الباب 18، باب إذا اشترك اثنان أو جماعة محرمون في قتل صيد، الحديث 6.
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
هذا الذي اصطاد الصيد مع شريكه، لا يدري هل يجب عليه كفارة تامّة، أو يجب عليه نصف كفارة. فننتزع جامعاً بالعناية، وهو عنوان دوران أمر الشبهة بين الأقلّ والأكثر، ونجعله هو المشار إليه بمثل هذا.
هذا المطلب غير محتمل؛ لأنّ مثل هذا، وإن كان قدراً مشتركاً، ولكنّه ليس واقعاً تحت اللحاظ والالتفات العرفي بلا عناية، فإرادة الإمام له ينافي كونه في مقام البيان العرفي للضابط، والميزان الكلّي في إيجاب الاحتياط.
وكذلك لابدَّ أن يوجد في هذا الضابط أمر آخر، وهو: أن يكون هذا الضابط ممّا يناسب مع مناسبات الحكم والموضوع، المناسبات المركوزة في ذهن العرف لوجوب الاحتياط؛ لأنّ مناسبات الحكم والموضوع تحكم على الظهورات اللفظية، فتقيّد وتوسّع وتعيّن. فهنا في قوله: (إِذَا أُصِبْتُمْ بِمِثْلِ هَذَا)، تكون مناسبات الحكم والموضوع، كالقرينة المتّصلة، على تعيين كون الضابط سنخ ضابط يناسب وقوعه، موضوعاً لوجوب الاحتياط.
فمثلاً، ينتفي بناءً على هذا احتمال أن يكون الضابط، والقدر المشترك هو أحكام الصيد -مثلاً- أو أحكام الكفّارة؛ لأنَّ خصوصيّة الصيد بما هي صيد، لا تناسب وجوب الاحتياط بمناسبات الحكم والموضوع، بل مثل هذه الخصوصيات ملغيّة بالارتكاز العرفي، وإلغاؤها بهذا الارتكاز، يصرف المماثلة والقدر المشترك إلى معنى آخر.
بعد الالتفات إلى هذين المطلبين يقال: إنّما هو القدر المشترك، الذي يكون واقعاً تحت اللحاظ العرفي، يعنى يكون منتزعاً انتزاعاً عرفيّاً، لا تعمليّاً، ويكون
ــــــــــ[216]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
منسجماً مع مناسبات الحكم والموضوع، هو عنوان: الشبهة الحكمية. فكأنه يقول: فإن أصبتم بمثل هذا، يعنى: إن وقعتم في حيرة من ناحية عدم وصول الحكم إليكم من قبل الشارع، فعليكم بالاحتياط، حتّى تسألوا وتعلموا. فبهذا التقرير تصبح هذه الجملة بياناً لقاعدة كلّيّة لوجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية.
هذا تقريب الاستدلال بالرواية.
ولكن الصحيح عدم تمامية الاستدلال بها؛ لأنّ المشار إليه بهذا في الرواية، أحد أمرين: إمّا واقعة الصائد، وإمّا واقعة المسؤول عنه. فإن هنا عندنا واقعتان: واقعة وقعت للمُحرِم إذ اصطاد وهو مُحرِم، وواقعة وقعت لعبد الرحمان الحجاج حيث سئل عن الحكم وهو لا يعلم. فالواقعة المشار إليها مردّدة بينهما. إن لم نقل بالظهور في الواقعة الثانية، باعتبار تأخّرها ذكراً عن الواقعة الاولى.
وحينئذٍ، إذا كان المراد بمثل هذا هو الواقعة الأولى، أي: واقعة الصيد، فالرواية وإن كانت تدلّ على وجوب الاحتياط حينئذٍ في الشبهة الحكمية، بالتقريب الذي بيّناه، بدون فرق بين قسم وقسم، ولكن بقرينة قوله: “حَتَّى تَسْأَلُوا عَنْهُ فَتَعْلَمُوا” يقيّد وجوب الاحتياط في المقام بخصوص موارد الشكّ قبل الفحص، مع تمكّن العلم. حيث إنّ ظاهر جعل السؤال والعلم غاية للاحتياط، هو كون المورد ممّا يترقّب في حصول العلم، وكونه مورداً قبل السؤال. ولا إشكال أنّه قيل السؤال الذي معناه الفحص، يجب الاحتياط. ولا إشكال إنّه في مورد التمكّن من تحصيل العلم بالسؤال يجب الفحص أيضاً ويجب الاحتياط.
ــــــــــ[217]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
فالرواية بقرينة الغاية تكون خارجة عن محلّ الكلام.
وأمّا لو قلنا بأنّ الإشارة إلى الواقعة الثانية، فالأمر اوضح حينئذٍ؛ لأنَّ الرواية حينئذٍ، تكون آمرة بالاحتياط فيمن سئل عن حكم ولم يعلم، ومعنى أمره بالاحتياط بما هو مسؤول، يعنى نهيه عن القول بلا علم، ولا إشكال في حرمة القول بلا علم، واشتراط جواز الإفتاء بالسؤال والعلم.
وبذلك تمّت روايات الاحتياط. وتحصّل ممّا ذكرناه، أنّ جميع ما أُستدلّ به ممّا وقفنا عليه من الروايات عدا الروايتين الأخيرتين، ضعيف سنداً، وجميع الروايات التي أُستدلّ بها على الاحتياط حتّى هاتين الروايتين، غير تامّ دلالة. ولعلّ بعض الروايات التي ذُكرت في المقام يكون من المضحك الاستدلال بها.
ــــــــــ[218]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
الفهرس
أدلّة الاحتياط 11
الكلام في أدلّة الإخباريين على الاحتياط 11
المقام الأوّل: في وجوب الاحتياط العقلي 11
الوجه الأوّل: أصالة الحظر 11
الوجه الثاني: العلم الإجمالي 13
[الجواب الأوّل للوجه الثاني] 14
[تحقيق الجواب] 15
[البحث في كبرى الانحلال] 16
الجهة الأولى: في الانحلال الحقيقي 16
وجوه تقريب انحلال العلم الإجمالي 18
الوجه الأوّل: الانحلال بالدوران بين الأقلّ والأكثر 18
جواب الوجه الأوّل 19
الوجه الثاني: تقريب المحقّق النائيني ومدرسته للانحلال 21
[حاصل تقريب الشيخ النائيني] 23
[الامر الأول: أركان العلم الإجمالي] 24
[كلام في حقيقة الركنين] 25
ــــــــــ[219]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
[الأمر الثاني: في هدم العلم التفصيلي لأحد الأركان أو لا] 28
البدء بالجواب 30
[وتحقيق الحال في كلا المدرستين] 32
[تلخيص لما أفادته مدرسة النائيني] 35
الوجه الثالث: في تقريب انحلال العلم الإجمالي اجتماع المثلين 36
[جواب الوجه الثالث] 36
الوجه الرابع للانحلال 39
[إجمال القول في الوجوه الأربعة] 42
[تقريبات عدم الانحلال] 42
[التقريب الأوّل: والجواب عنه] 42
[التقريب الثاني: تقريب المحقّق العراقي] 42
[جواب تقريب المحقّق العراقي] 43
[التقريب الثالث لعدم الانحلال] 46
[جواب التقريب الثالث] 46
[تلخيص الأقوال الذاهبة إلى الانحلال وعدم] 48
التحقيق في مقام بيان الانحلال وعدمه 52
[تقسيم الخصيصة الأولى في تكوين العلم الإجمالي] 52
[القسم الأوّل] 53
[القسم الثاني] 54
ــــــــــ[220]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
[تذكير لِما مرّ] 57
[خصوصيّة إباء الانطباق على أكثر من طرف] 59
[أولاً: من حيث العلم التفصيلي] 59
[دفع توّهم] 61
[ثانياً: من حيث العلم الإجمالي] 61
[عدم معقولية انطباق المعلوم الإجمالي على المعلوم التفصيلي] 62
[التحقيق في ملاك انحلال العلم الإجمالي بالتفصيلي] 66
[تقسيم العلم الإجمالي بحسب السبب] 67
[القسم الأوّل] 67
[القسم الثاني:] 68
[قسمة العلم الإجمالي بالسبب الذي يكون على حدّ واحد] 69
[القسم الأوّل: العلم القائم على أساس البرهان] 69
[القسم الثاني: العلم القائم على حساب الاحتمالات] 70
[تمثيل لكلا القسمين] 71
[تلخيص وإفادة] 77
[دفع توّهم] 78
[جواب عن شبهة محتملة] 83
الجهة الثانية الانحلال الحكمي 84
[حقيقة الانحلال الحكمي] 84
ــــــــــ[221]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
[الانحلال بلحاظ القواعد العقلية] 85
التقريب الأوّل للمحقّق العراقي 86
[جواب التقريب الأوّل] 88
[التقريب الثاني للمحقق العراقي أيضاً] 89
[جواب التقريب الثاني] 90
[تساؤلان] 91
[الإجابة عن التساؤل] 92
[تحقيق المسألة] 92
الانحلال بلحاظ الأصول الشرعيّة 95
تطبيق مقياس الانحلال على العلم الإجمالي 99
حقّ المطلب في المقام 101
الكلام الأوّل في المقام 102
كلامنا الثاني 106
[تذكير بجواب الأصوليين الأوّل على الإخباري والردّ عليه] 109
الجواب الثاني: انحلال العلم الإجمالي بالأمارات 110
[كبرى انحلال العلم بالأمارة] 111
[رأي مدرسة النائيني في كبرى الانحلال] 111
[مناقشة مدرسة النائيني ] 113
[أمّا أولاً:] 113
ــــــــــ[222]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
[وأمّا ثانياً:] 115
[المقصود في المقام] 116
[تلخيص لِما سبق ] 117
إشكال تعرّض له الآغايون 119
جواب (الآغايون) عنه والتعليق عليه 123
[مناقشة جواب المحقّقي] 125
[المقام الثاني: في وجوب الاحتياط الشرعي] 128
الاستدلال بالكتاب والسُنّة على وجوب الاحتياط 128
[الاستدلال بالكتاب] 128
الآية الأولى: آية لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة 128
الآية الثانية: وجاهِدُوا فِي اللَّـهِ حقّ جِهادِه 135
تلخيص لِما سبق مع الإفادة 138
الآية الثالثة: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوه 143
الآية الرابعة: اتَّقُوا اللَّـهَ حقّ تُقاتِهِ 146
الآيات الأخرى: آية اللَّـهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّـهِ تَفْتَرُون وغيرها من الآيات الناهية عن العمل بالظنّ 147
[الاستدلال بالسُنّة] 148
[الطوائف غير التامّة] 148
[تقسيم السيّد الأستاذ لطوائف الروايات] 149
طائفة ما دلّ على وجوب الوقوف عند الشبهة 159
ــــــــــ[223]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14
[الجواب عنه] 160
(بقية) تكملة الكلام في راوية الوقوف عند الشبهة 166
كلام الآغايون حول الرواية 169
جواب المحقق العراقي ومناقشته 173
الجواب التفصيلي عن الشبهة 178
أخبار التثليث 183
رواية جميل بن صالح 183
رواية النعمان بن بشير 188
[الاعتراض الأول] 189
الاعتراض الثاني، وتحليل معنى الرواية 192
مقبولة عمر بن حنظلة 199
الروايات الآمرة بالاحتياط في موراد معيّنة 207
رواية عبد الله بن وضاح: يتوارى القرص ويزداد الليل ارتفاعاً 207
[الاحتمال الأول: الحمرة المقارنة مع آخر عمر الشمس] 207
[الاحتمال الثاني: الحمرة المغربية] 210
[الاحتمال الثالث: الحمرة المشرقية] 210
[في توجيه الاستدلال بالرواية] 211
صحيحة عبد الرحمن الحجاج في مُحرمَين أصابا صيداً 214
الفهرس 219
ــــــــــ[224]ــــــــــ
تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج14