أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
علم أصول الفقه ج15

محاضرات في علم أصول الفقه

الجزء الخامس عشر 

 

261

ص44 الصدر، محمد.

محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج15 (352ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1719/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1719) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

9-37-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com

محاضرات 

في 

علم أصول الفقه 

تقريراً لأبحاث 

سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية الله العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر 

الجزء الخامس عشر  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 

 

بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 








تكملة مناقشة أخبار الاحتياط

 

ويحتوي على:

  • النسبة بين اخبار الاحتياط وأدلة البراءة
  • التنبيهات

ــــــــــ[9]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 








النسبة بين اخبار الاحتياط وأدلة البراءة

 

  • [الجهة الأولى: في النسبة بين أخبار الاحتياط وأخبار البراءة]
  • الجهة الثانية: النسبة بين الكتاب وأخبار الاحتياط 
  • استدراك حول النسبة بين أخبار البراءة والاحتياط 
  • [الجهة الثالثة: في النسبة بين أخبار الاحتياط ودليل الاستصحاب]
  • الجهة الرابعة: الكلام في فرض سقوط أدلّة الاحتياط والبراءة   

ــــــــــ[11]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 



النسبة بين أخبار الاحتياط وأدلة البراءة 

 

بعد هذا يقع الكلام فيما لو تنزّلنا وفرضنا، أنّ أخبار الاحتياط تّمت ودلّت على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكمية. وحينئذٍ، يقع الكلام في جهات أربع:

 الجهة الأولى: في النسبة بين أخبار الاحتياط وأخبار البراءة.

الجهة الثانية: في النسبة بين أخبار الاحتياط، ودليل البراءة من القرآن الكريم.

الجهة الثالثة: في النسبة بين أخبار الاحتياط، ودليل الاستصحاب

حيث ذكرنا انه يجري استصحاب عدم التكليف.

الجهة الرابعة: فيما لو تعارض الدليلان وتساقطا، أخبار البراءة وأخبار الاحتياط، فماذا يصنع.

ــــــــــ[13]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 





[الجهة الأولى: في النسبة بين أخبار الاحتياط وأخبار البراءة]

 

أما الجهة الاولى: وهي النسبة ما بين أخبار الاحتياط، وأخبار البراءة. فقد تصدّى جملة من المحقّقين الأصوليين لدعوى، أنّ أخبار البراءة أخصّ من أخبار الاحتياط، فتخصّصها.

[في بيان جهات ثلاث لأخصية أخبار البراءة]

 وذكر السيّد الأستاذ في بيان ذلك جهات ثلاث للأخصيّة: 

الجهة الأولى: أنّ أخبار البراءة لا تشمل موارد(1) العلم الإجمالي، ووجوب الاحتياط يشملها.

 والجهة الثانية: هي أنّ البراءة لا تشمل موارد ما قبل الفحص، ووجوب الاحتياط يشمله. 

ــــــــــ[14]ــــــــــ

() هذه الموارد لا تشملها أدلّة البراءة؛ لوجود العلم، فلا يشملها (ما لا يعلمون) موضوعاً، ولا تشملها أدلّة الاحتياط لتنجزها في المرتبة السابقة بالعلم، فلا تصل النوبة إلى دليل الاحتياط. نعم، تبقى أخصيّة البراءة من الجهة الثانية، إلاّ أنّه سوف يأتي عمومها للشبهات الموضوعية، دون أدلة الاحتياط. وحيث كانت الجهة الثالثة باطلة أيضاً على ما سوف يأتي. إذن، تكون أدلّة الاحتياط على فرض تماميتها مكافئة لأدلّة البراءة، فلابدَّ من الحكم بالتساقط فتأمّل. (المقرر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

والجهة الثالثة: الاخصيّة: ذكر أنّ بعض أخبار البراءة واردة في خصوص الشبهة الحكمية التحريمية بالخصوص، من قبيل رواية: “كُلُّ شَيْ‏ءٍ مُطْلَقٌ حَتَّى‏ يَرِدَ فِيهِ‏ نَهْي(1) فإنّه وارد في الشبهة الحكمية التحريمية، فيكون أخص من أدلّة الاحتياط الواردة في مطلق الشبهات الحكمية.

تحقيق هذه الجهات الثلاث من الاخصيّة:

أمّا الجهة الأخيرة، وهي أنَّ بعض أخبار البراءة واردة في الشبهة الحكمية التحريمية، فهو مبنى على دلالة: “كُلُّ شَيْ‏ءٍ مُطْلَقٌ حَتَّى‏ يَرِدَ فِيهِ‏ نَهْي“، وقد سبق عدم دلالته. لكن لو فُرِض أنّ هذه الرواية كانت دّالة فلا تنفع في المقام شيئاً؛ وذلك إذ كما يوجد في أخبار البراءة، ما يكون نصّاً في خصوص الشبهة الحكمية التحريمية، كذلك يوجد في أخبار الاحتياط ما يكون نصّاً في الشبهة الحكمية التحريمية -لو تمّ دلالتها على وجوب الاحتياط- كأخبار التثليث: فإنّ قولهم -لو صحّت الرواية- “حلالٌ‏ بَيِّنٌ‏ وحرامٌ‏ بَيِّنٌ وشبهاتٌ بين ذلك“. هذا لا يمكن حمله على خصوص الشبهة الوجوبية -مثلاً-، بل لابدَّ من فرض حمله على الشبهة التحريمية، أمّا بالخصوص أو هو مع غيره. 

فعلى أي حال يكون نصّاً في الشبهة التحريمية، ولا يمكن إخراج الشبهة التحريمية منه بالتخصيص بقرينة “كُلُّ شَيْ‏ءٍ مُطْلَقٌ حَتَّى‏ يَرِدَ فِيهِ‏ نَهْي“.

ففي كلا الطرفين عندنا ما يكون كالنصّ في خصوص الشبهة الحكمية 

ــــــــــ[15]ــــــــــ

(1) أنظر: من لا يحضره الفقيه 1: 317، باب وصف الصلاة من فاتحتها إلى خاتمتها، الحديث 937.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

التحريمية. فالنكتة الثالثة للاخصيّة، لا ترجع إلى محصّل.

وأمّا النكتتان الأوليتان: وهما أنّ البراءة مخصوصة بغير موارد العلم الإجمالي، مع أنّ وجوب الاحتياط عامّ. وهي مخصوصة بغير موارد قبل الفحص، مع أنّ وجوب الاحتياط عام. فهذا في نفسه مبني على أحد أمور: أمّا أن يُدعى أنَّ دليل البراءة بمدلوله اللفظي، لا يشمل موارد العلم الإجمالي وموار الشكّ قبل الفحص.

 وأمّا أن يُدعى أنّه بمدلول اللفظي، وإن كان يشمل، لكان بقرينة لبيّة عقلية ارتكازية، كالمتصل، لا يشمل. فيكون مختصّاً ببركة مخصّص كالمتّصل بغير موارد العلم الإجمالي، وموارد الشكّ قبل الفحص. وأمّا أنّ يقال بأنّ المخصّص هنا منفصل. 

وأمّا بمدلوله اللفظي وظهوره الابتدائي، يشمل موارد العلم الإجمالي وموارد الشكّ قبل الفحص. 

فإن بنينا على أحد الأولين: أنّه لا يشمل بمدلوله اللفظي، أو بقرينة كالمتّصل فحينئذٍ، تكون الأخصيّة من هذا الجانب ثابتة. وأمّا لو قلنا لايشمل بلحاظ مخصّص منفصل، دلّ على عدم جواز جريان الأصول في الشكّ قبل الفحص، أو في أطراف العلم الإجمالي. 

بناءً على هذا، مثل هذه الاخصيّة بلحاظ المخصّص المنفصل، لاتنفع إلّا بناءً على مباني انقلاب النسبة.

في بحث انقلاب النسبة، هناك كلام في أنّه في مقام تحقيق النسبة بين 

ــــــــــ[16]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

دليلين، يجب أن نلحظ كلّ واحد منهما في نفسه، قبل مخصّصاته، أو كلّ واحد من المتعارضين نوقع عليه تمام مخصّصاته، ثُّمّ بعد المخصّصات نلحظ المتعارضين. فمدرسة المحقّق النائيني تقول بانقلاب النسبة، وإن المتعارضين كلّ واحد منهما نوقع عليه كل مخصّصاته، ثُّمّ نرى مايتبقى له بعد المخصّصات، ونلحظ النسبة بين المتبقي، هنا والمتبقي هناك. ونحن لانقول بانقلاب النسبة، بل نقول: إنّ النسبة بين المتعارضين يجب أن تلحظ بينهما بماهما، بقطع النظر عن المخصّصات المنفصلة.

وأمّا لوبنينا -مثلاً-على انقلاب النسبة، وإن دلّ دليل البراءة يلحظ بعد المخصّصات المنفصلة. إذن، يكون هنا دليل البراءة أخصّ من دليل وجوب الاحتياط من هذه الناحية؛ لأنّه لا يشمل موارد العلم الإجمالي وموارد الشكّ قبل الفحص.

لكن دليل وجوب الاحتياط أخصّ من دليل البراءة من ناحية أخرى؛ لأنَّ دليل وجوب الاحتياط لايشمل موارد الشبهة الموضوعية، بل هو نصّ في خصوص الشبهة الحكمية. ولا يشمل موارد الشبهة الموضوعية. 

أمّا للتخصيص من الخارج، بناءً على انقلاب النسبة. فنقول: (قف عند الشبهة إلّا في الشبهة الموضوعية)؛ لأنّ في الشبهة الموضوعية نصوص صريحة واضحة على عدم وجوب الاحتياط، ولم يدّع أحد من علماء الإسلام قاطبة وجوب الاحتياط، في الشبهة الموضوعية. فيكون المخصّص في المقام قطعياً.

أو بدعوى أنّ بعض أدلّة وجوب الاحتياط في نفسها صريحة في خصوص 

ــــــــــ[17]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الشبهة الحكمية. من قبيل مقبولة عمر بن حنظلة، التي وردت من موارد تعارض النصيّن، يقول بعد ذلك: “فَأَرْجِهِ‏ حَتَّى‏ تَلْقَى إِمَامَكَ فَإِنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ خَيْرٌ مِنَ الِاقْتِحَامِ فِي الهَلَكَات‏”(1). فهذه الرواية واردة في الشبهة الحكمية لا الموضوعية، فإنّها واردة في تعارض النصيّن، وهو من الشبهة الحكمية.

إذن، فدليل وجوب الاحتياط لا يشمل إمّا بنفسه، أو بلحاظ المخصّص المنفصل، الشبهة الموضوعية. فتكون النسبة العموم من وجه بين دليل البراءة، ودليل وجوب الاحتياط. مادة الاجتماع هو الشبهة الحكمية بعد الفحص بلا علم إجمالي، مادة الاقتران لدليل البراءة هو الشبهة الموضوعية؛ لأنها داخلة تحت البراءة ومن الاحتياط، ومادة الاقتران من ناحية أخبار الاحتياط. هي موارد العلم الإجمالي -مثلاً- أو قبل الفحص في الشبهة الحكمية.

فعندنا مادة تدخل تحت أخبار الاحتياط بلا معارض هي الشبهة الحكمية قبل الفحص، أو مع العلم الإجمالي. وعندنا مادة تدخل تحت البراءة بلا معارض وهو الشبهة الموضوعية. فإنّه لم يتمّ لنا دليل على البراءة إلّا حديث الرفع وهو مطلق للشبهة الحكمية والموضوعية. 

والمادة الثالثة يقع فيها التعارض مابين النصيّن، وهي الشبهة الحكمية قبل الفحص بلا علم إجمالي.

ــــــــــ[18]ــــــــــ

(1)  تهذيب الأحكام 6: 301-302، الباب 92، باب من الزيادات في القضايا والأحكام، الحديث 52.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 إذن، فالنسبة في مابينهما هي العموم من وجه، ومقتضى القاعدة حينئذٍ، التساقط في مادة الاجتماع، لا تخصيص أخبار الاحتياط بدليل البراءة، كما أُفيد. هذا هو الكلام في الجهة الأولى.

تقريب النسبة في صالح الأخباري ومناقشته(1)

وذكرنا أنّ هذا لايتم، وذلك أنّه لو سُلِّم أنّ أخبار البراءة مختصّة، بحيث لاتشمل موارد العلم الإجمالي ولا موارد الشكّ قبل الفحص، فتكون النسبة بينهما وبين جملة من أخبار الاحتياط هي العموم من وجه، لا الاخصية المطلقة، لأنّ جملة من أخبار الاحتياط، واردة في خصوص الشبهات الحكمية. من قبيل مقبولة عمر بن حنظلة، فإنّها واردة في تعارض النصيّن وهو شبهة حكمية. فتكون النسبة بينهما هي العموم من وجه؛ لأنّ دليل البراءة يكون أخص من ناحية عدم شموله لموارد العلم الإجمالي وموارد الشكّ قبل الفحص، ودليل الاحتياط يكون أخص من ناحية أخرى لعدم شموله للشبهات الموضوعية، مع شمول دليل البراءة لها. ويجتمعان في مادة التعارض، وهي الشبهة الحكمية بعد الفحص بلا علم إجمالي. هذا ماتقدّم منا.

ومن هذا الذي تقدّم ينقدح امكان تقريب النسب بما يكون في صالح الأخباري وذلك بأحد تقريبين:

وذلك أن يقال: بناءً على أنّه حاول على البراءة من الروايات، هو حديث 

ــــــــــ[19]ــــــــــ

() ذكر أوّلاً محاولة سيّدنا الأستاذ وغيره لجعل دليل البراءة أخص من دليل الاحتياط، كماسبق ص50. (المقرّر). [ص14 من هذا الكتاب].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الرفع فقط-كما عرفنا فيما سبق- فحينئذٍ، فنقول: إنّه في حديث الرفع تارةً نبني على أنّه بمدلوله اللفظي، أو بقرينة كالمتصلة لا يشمل موارد العلم الإجمالي وموارد للشك قبل الفحص. 

وأمّا أن نبني أنّه لا يشمل باعتبار المخصّص المنفصل، وإلّا فإنّه بحدّ ذاته لا بأس بشموله لموارد العلم الإجمالي، وموارد الشكّ قبل الفحص.

التقريب الأوّل: الذي هو في صالح الإخباري، مبني على التقدير الأوّل: وهو أن نقول: إنَّ حديث الرفع بحد نفسه، لايشمل موارد العلم الإجمالي وموارد الشكّ قبل الفحص.

 والتقريب الثاني: مبنى على التقدير الثاني(1) وهو أنّ الحديث بنفسه يشمل هذه الموارد، إلّا أنّها خرجت بالمخصّص المنفصل.

أمّا التقريب الأوّل الذي في صالح الإخباري، والمبني على أنَّ حديث الرفع بنفسه لا يشمل موارد العلم الإجمالي وموارد الشكّ قبل الفحص. بناءً على هذا يكون في قبال حديث الرفع طائفتان من أخبار الاحتياط. طائفة النسبة بينهما، وبين حديث الرفع هي العموم من وجه، كما بيّنا في مقبولة بن حنظلة؛

لأنهما يجتمعان في الشبهة الحكمية بعد الفحص بلا علم إجمالي، ومادة الافتراق التي يتميز بها حديث الرفع هو الشبهة الموضوعية، ومادة الافتراق التي تتميّز بها مقبولة عمر بن حنظلة، هي موارد العلم الإجمالي والشكّ قبل الفحص، الذي فرضنا أنّ حديث الرفع لا يشملها -بناءً على هذا التقريب-. 

ــــــــــ[20]ــــــــــ

() ويمكن مزج التقريبين بصيغة فنية واحدة يذكر فيها كلا التقديرين. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وطائفة أخرى من أخبار الاحتياط نسبة حديث الرفع إليها نسبة الخاصّ إلى العام، من قبيل “أَخُوكَ‏ دِينُكَ‏ فَاحْتَطْ لِدِينِك(1)، فإنّ هذه الأوامر العامّة بالاحتياط هي أعمّ مطلقاً من حديث الرفع؛ لأنّها تشمل الشبهات الحكمية والموضوعية، وماقبل الفحص وبعده، وموارد العلم الإجمالي وغيره. فهو يشمل تمام موارد حديث الرفع مع زيادة موارد ما قبل الفحص والعلم الإجمالي. فيكون حديث الرفع أخصّ مطلق من (أخوك دينك).

لوخُلِّينا نحن وحديث الرفع مع الطائفة الثانية، وهي:(أخوك دينك) لحكمنا بأنّ حديث الرفع مخصِّص ومقيِّد لعموم الأمر بالاحتياط، فيتخصّص بموارد العلم الإجمالي، والشكّ قبل الفحص؛ لأنّ حديث الرفع أخصّ مطلقاً منه، ويستحيل أن يكون المطلق معارضاً، مع المخصّص، بل يكون حديث الرفع مقدّماً بالتخصيص على (أخوك دينك).

لكن المفروض أنّ حديث الرفع ابتُلِيَ بالمعارض بنحو العموم من وجه وهو الطائفة الأولى، وهو مقبولة بن حنظلة، حيث فرضنا أنّ نسبتها هي العموم من وجه. فيحصل التعارض بين حديث الرفع والمقبولة.

وتكون صورة الموقف هكذا: أنّنا عندنا عام فوقاني يدلّ عل وجوب الاحتياط مطلقاً وهو: “أَخُوكَ‏ دِينُكَ‏ فَاحْتَطْ لِدِينِك” وعندنا مخصّص له، وهو حديث الرفع. وهذا المخصّص يوجد في درجته معارض، وهو: مقبولة عمرو 

ــــــــــ[21]ــــــــــ

(1) انظر: وسائل الشيعة 27: 167، الباب 12، باب وجوب التوقّف والاحتياط في القضاء والفتوى، الحديث 46.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بن حنظلة، والمعارضة بنحو العموم من وجه. 

وقد قرأنا في علم الأصول: أنّ المخصص إذا ابتُلِيَ بالمعارض بنحو العموم من وجه، يسقط في مادة التعارض، ويرجع إلى العام الفوقاني، في مادة الاجتماع وهو الشبهات الحكمية، بعد الفحص بلا علم إجمالي، إلى إطلاق قوله: (أخوك دينك)(1)

وهذا الكلام الذي أقوله لا يفرق فيه بين أن ننكر انقلاب النسبة، كما هو الصحيح، وبين أن نقول به كما ذهب إليه المحقّق النائيني، أي: بين أن نلحظ الأدّلة قبل مخصّصاتها المنفصلة أو بعدها.

ولا يُتوهم في المقام أنّه بناءً على انقلاب النسبة، ليس الأمر كما ذكرناه؛ لأنّ هذا المطلق الفوقاني وهو: “أَخُوكَ‏ دِينُكَ‏ فَاحْتَطْ لِدِينِك” نخصّصه ونخرج منه موارد الشبهة الموضوعية، للإجماع على عدم وجوب الاحتياط فيها، فتنقلب نسبته من حديث الرفع فيصير بنحو العموم من وجه أيضاً معه.

لا يُتوهم ذلك؛ وذلك لأنّ القائلين بانقلاب النسبة لا يقولون بمثل هذا الانقلاب، أنّه إذا وجد عندنا مخصّص، وعام فوقاني، وكان للعام مخصّص آخر، فنخصّصه بذلك المخصص الآخر أولاً، ثُّمّ نلحظ نسبته

مع هذا المخصّص. لا يقولون هكذا.

هنا عندنا عام فوقاني وهو (أَخُوكَ‏ دِينُكَ‏ فَاحْتَطْ) وله مخصِّص وهو حديث الرفع، وله مخصص آخر، وهو ما دلّ في خصوص الشبهة الموضوعية على عدم 

ــــــــــ[22]ــــــــــ

()  وقال جواباً على سؤال: وتبقى إلى دليل البراءة الشبهة الموضوعية. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وجوب الاحتياط من إجماع، أو ضرورة، أو رواية “كلّ شيء فيه حلال وحرام”(1). هنا لا معنى لأن يقال أنّ هذا العام نخصّصه أولاً بذاك المخصِّص فنثلم عمومه، ونجعله عامّ من وجه مع هذا المخصِّص الآخر. هذا المطلب لا يتوهمه أحد من القائلين بانقلاب النسبة. ويأتي بيان النكتة فيه في بحث انقلاب النسبة.

والقائلون بانقلاب النسبة أنّ ما يقولون بها، فيما إذا وجد متعارضان متباينان، من قبيل (أكرم العالم) و(لا تكرم العالم)، ثُّمّ وجد مخصّص لأحدهما، فيقولون: إنّنا نلحظ أحدهما بعد تخصيصه مع الآخر، فقد يصبح حينئذٍ أخصّ من الآخر. أو فيما إذا فُرض أنّهما كانا عامّين من وجه، من قبيل (أكرم العلماء ولا تكرم الفساق)، وجاء مخصِّص يخرج مادة الافتراق لأحد العامّين من وجه، وحينئذٍ بعد التخصيص يصبح أخصّ مطلق من العامّ الآخر. ففي هذين الموردين يقال بانقلاب النسبة دون سواهما ويأتي إن شاء الله تفصيله في محلّه.

إذن، فهذا الوجه تام على كلّ حال.

التقريب الثاني: مبني على ما لو قلنا بأنّ حديث الرفع بمدلوله اللفظي يشمل موارد العلم الإجمالي، وموارد الشكّ قبل الفحص. وإنّما خرجت هذه الموارد من إطلاق ما لا يعلمون للمخصص المنفصل. وبنينا أيضاً على إنكار انقلاب النسبة. يعني أنّ الأدلة تُلحظ نسبها، بما هي لا بعد المخصّصات المنفصلة. حينئذٍ، يأتي التقريب الثاني الذي هو أيضاً في صالح الإخباري.

وحاصله: أنّه بناءً على هذا المبنى، أنّ حديث الرفع يصحّ في مستوى 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

(1) انظر 25: 118، الباب 61، باب جواز أكل الجبن ونحوه مما فيه حلال وحرام، الحديث 1. مع اختلاف في الالفاظ الحديث.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

“أَخُوكَ‏ دِينُكَ‏ فَاحْتَطْ لِدِينِك” فيصير عندنا مطلقان متعارضان، بنحو التباين.

 أحدهما: حديث الرفع، الذي يدلّ على البراءة مطلقاً في الشبهات الحكمية والموضوعية، قبل الفحص، وبعد الفحص، في موارد العلم الإجمالي وغيره.

 وثانيهما: (اخوك دينك) وهو يساوي حديث الرفع من حيث الموضوع؛ لأنّه يدلّ على وجوب الاحتياط في تمام تلك الموارد. فهما مطلقان فوقيان متعارضان، في تمام مادتهما. إذن، فيسقطان.

 وبعد هذا نرجع إلى مقبولة عمر بن حنظلة، الواردة في خصوص بعض الموارد، وهي الشبهة الحكمية. فنأخذ بها، وتكون دليلاً على وجوب الاحتياط في الشبهة الحكمية.

وهذا أيضاً على القاعدة؛ لأنّ المقبولة بهذا البيان، الذي بيّناه أصبحت أخصّ مطلقاً من حديث الرفع؛ لأنّها تختص بالشبهات الحكمية، وهو يشمل جميع الشبهات. فحينئذٍ، يستحيل أن يقع طرفاً للمعارضة مع حديث الرفع؛ لأنّ الأخصّ أقوى من العام، فالعام مع العام يتساقطان، ويبقى عندنا الأخص سليماً عن المعارض، وهو مقبولة عمر بن حنظلة.

هذا هو التقريب الثاني، الذي هو في صالح الأخباريين.

هذا هو الكلام في الجهة الاولى. وهي النسبة بين أخبار البراءة، وأخبار الاحتياط(1).

ــــــــــ[24]ــــــــــ

() وهنا سألته: أليس لهذين التقريبين جواب. 

فاجاب -بما حاصله-: أنّهما كانا مبنيين على التنزّل، إلاّ أنّه على تقدير تمامية التنزّل يكونان صحيحين. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بقي، أنّنا لو فرضنا أنّ أخبار البراءة، وأخبار الاحتياط تعارضا بنحو التباين، ولم يتمّ هذان التقريبان، بل نفرض أنّ تمام أخبار البراءة، وتمام أخبار الاحتياط مطلقة، أو أنّ تمامها خاصّة.

 فإذا فُرِض أنّه تعارضت أخبار البراءة، وأخبار الاحتياط. فماذا نصنع؟ هنا، نرجع إلى المرجّحات. وهي مرجحان: أحدهما، موافقة الكتاب ومخالفته. والأخرى، موافقة العامّة ومخالفتهما.

يقول العلماء الإخباريون: إنّ علماء العامّة مطبقون على جريان أصالة البراءة في الشبهات الحكمية، وما سنح لي أن اتتبّع صحّة هذه النسبة، ومن هنا يرون هذا مرجّحاً لأخبار الاحتياط، لكن هناك مرجّح أسبق منه رتبة، وهو موافقة الكتاب. 

فأنّنا فرغنا فيما سبق عن دلالته على البراءة. فلو لم يكن الدليل القرآني على البراءة بنفسه مسقطاً لأخبار الاحتياط عن الحجّية، فلا أقل أنّ يكون مرجّحاً لأخبار البراءة على أخبار الاحتياط؛ لأنّ المرجّح الأوّل في باب التعارض بين الروايات، هو موافقة الكتاب وأخبار البراءة، هي التي توافقه، وأخبار الاحتياط تخالفه، فالترجيح مع أخبار البراءة، دون أخبار الاحتياط، وإن ثبت أنّ العامّة أيضاً يفتون ب بالبراءة. هذا تمام الكلام في الجهة الأولى.

ــــــــــ[25]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 



الجهة الثانية: النسبة بين الكتاب وأخبار الاحتياط 

 

وأمّا الجهة الثانية: وهي ملاحظة النسبة بين الكتاب، وأخبار الاحتياط. فهنا لا نريد أن نكرّر ما تقدّم منّا سابقاً. حيث قلنا: إنّ هناك آيتين تدلّان على البراءة: أحداهما النسبة إلى أخبار الاحتياط، هي العموم والخصوص من وجه. والآخر نسبتها إليها هي العموم المطلق.

أمّا ما كانت نسبته إلى أخبار الاحتياط هو العموم والخصوص المطلق، فلا إشكال أنّه يكون مقيِّداً لأخبار الاحتياط. وهو ما دّل على البراءة في خصوص الشبهات الحكمية، قبل الفحص، بلسان يأبى عن التخصّيص بخصوص بعض الشبهات دون بعض، وهي آية: وما كانَ اللَّـهُ لِيُضِلَ‏ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُون‏(1). وهي نسبتها مع دليل وجوب الاحتياط في الشبهة الحكمية، نسبة الخاصّ إلى العامّ؛ لأنّ دليل وجوب الاحتياط مطلق من حيث قبل الفحص وبعده، وهذه مخصوصة -بنكتة بيّناها سابقاً- بما بعد الفحص، فتُخصَّص.

وهناك آية آخرى، قلنا فيما سبق: إنّ نسبتها إلى أخبار الاحتياط هي العموم 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

(1)  التوبة:115.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

من وجه، وهي لا يُكَلِّفُ‏ اللَّـهُ‏ نَفْساً إِلَّا ما آتاها(1). هذه الآية نسبتها هي العموم من وجه، وقد بيّنا في بحث حجّية الخبر الواحد، إن كلّ خبر معارض للقرآن، بنحو العموم من وجه يسقط عن الحجيّة في نفسه، ولا يكون مشمولاً لأدلة حجيّة خبر الواحد. إذن، فالآية المعارضة بنحو العموم من وجه، أيضاً تتقدّم على أخبار الاحتياط، فضلاً عمّا إذا كان خاصّاً. وعليه فالدليل القرآني للبراءة مقدّمة على أخبار الاحتياط. هذا هو الكلام في الجهة الثانية.

ــــــــــ[27]ــــــــــ

(1)  الطلاق: 7.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 








استدراك حول النسبة بين أخبار البراءة والاحتياط 

 

تبيّن ممّا حقّقناه سابقاً تقريبين: لتقديم أخبار الاحتياط على أخبار البراءة، في مقام المعارضة:

 أحدهما مبني على أن يكون حديث الرفع بمدلوله اللفظي، أو بقرينة كالمتّصلة، لايشمل موارد العلم الإجمالي والشكّ قبل الفحص؛ فإنّه بناءً على ذلك يكون في مقابله طائفتان من أخبار الاحتياط، أحدهما هي مقبولة عمر بن حنظلة، والنسبة بينهما العموم من وجه، والطائفة الاخرى عمومات (أَخُوكَ‏ دِينُكَ‏ فَاحْتَطْ لِدِينِك) ونحوها، والنسبة هي العموم المطلق.

ويتحصّل من ذلك، أنّه عندنا مطلق فوقاني يدلّ على وجوب الاحتياط في الشبهات الموضوعية والحكمية، قبل الفحص، وبعده مع العلم الإجمالي، أو بدونه. وقد وجد لهذا المطلق مخصِّص، وهو: حديث الرفع، الذي لايشمل بحسب الفرض موارد العلم الإجمالي وما قبل الفحص. وقد ابتُلِىَ هذا المخصِّص بالمعارض بنحو العموم من وجه، وهو مقبولة بن حنظلة، فيسقط المخصّص بالمعارضة ويرجع إلى العام الفوقاني.

وقلنا: إنه لا يختلف الحال في ذلك بين القائلين بانقلاب النسبة، وبين المنكرين لها.

ــــــــــ[28]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

والتقريب الثاني: مبني على عكس ما بُني عليه التقريب الأوّل. أي مبني على أن يكون حديث الرفع بمدلوله اللفظي شاملاً لموارد العلم الإجمالي،

 وموارد الشكّ قبل الفحص. وإنّما تخرج هذه الموارد بالتخصيص المنفصل عنه. بناءً على هذا قلنا: إنّ حديث الرفع يكون مطلقاً فوقانيّاً؛ لأنّه بمدلوله اللفظي يشمل تمام موارد الشبهة، وفي عرضه مطلق (أَخُوكَ‏ دِينُكَ‏ فَاحْتَطْ)؛ لأنّه بحسب سعة مدلوله مساوٍ له؛ لأنّهما شاملان لتمام أقسام الشبهة. فهما مطلقان متعارضان بنحو التباين في تمام مدلولهما. وعندنا خاصّ دالّ على وجوب الاحتياط في خصوص الشبهة الحكمية، وهو مقبولة بن حنظلة. وحينئذٍ، يسقط المطلقان المتعارضان بنحو التباين بالتعارض، ولا يسقط معهما الخاصّ بالتعارض؛ لأنّ هذا الخاصّ -وهو مقبولة بن حنظلة- موافق مع أحدهما، ومخصّص للآخر، فلا موجب للسقوط معهما بالتعارض. لا من ناحية الموافق وهو (أخوك دينك)؛ لأنّه موافق، ولا من ناحية المخالف، وهو حديث الرفع؛ لأنّ المقبولة أخصّ مطلق من حديث الرفع بحسب الفرض، فيستحيل أن يعارضهما ويسقطها. إذن، يسقط المتعارضان الفوقيان بالتعارض، ويرجع بلامعارض إلى مقبولة عمر بن حنظلة، فيثبت وجوب الاحتياط في الشبهات الحكمية.

وإنمّا كرّرت المطلب مرة أخرى؛ لأنّه فاتني أن أشير إلى أنّه كما أنّ التقريب الأوّل يتمّ دون فرق بين القائلين بانقلاب النسبة والمنكرين، كذلك التقريب الثاني، لا يفرق الحال في تماميّته، بين أن نقول بانقلاب النسبة أو لا نقول.

ــــــــــ[29]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وقد يُتوهَّم أنّه يختلف الحال بلحاظ التقريب الثاني، وأنّه بناءً على انقلاب النسبة لا يكون الحال هكذا، بل يختلف. إلّا أنّ هذا التوهّم غير صحيح؛ لأنّه عندنا في المقام مثبتان، بناءً على التقريب الثاني: نسبة حديث الرفع إلى حديث: (أَخُوكَ‏ دِينُكَ‏ فَاحْتَطْ لِدِينِك) وهي كونهما مطلقان فوقيان متعارضان بنحو التباين فيتساقطان، والنسبة الأخرى هي نسبة حديث الرفع، إلى مقبولة ابن حنظلة، وهي أنّ المقبولة أخصّ مطلقاً من حديث الرفع؛ لأنّه بمدلوله اللفظي يشمل الشبهات الحكمية والموضوعية معاً، والمقبولة مخصوصة بالشبهات الحكمية. فهذه نسبتان.

لو فُرِض أنّنا بنينا على انقلاب النسبة، فالأمر كذلك أيضاً لا يوجد فرق وأثر عملي من ناحية القول بانقلاب النسبة. إذ بلحاظ النسبة القائمة بين المطلقين الفوقانيين. لو قلنا أنّنا نلحظ النسبة بين حديث الرفع و(أخوك دينك) قبل المخصّصات المنفصلة، فالنسبة بينهما التباين. وحينئذٍ، يتسقطان بالمعارضة. ولو لاحظنا النسبة بينهما بعد المخصّصات المنفصلة، فهي العموم من وجه، فأيضاً يتساقطان بالتعارض.

لأن حديث الرفع وجِد له مخصِّص منفصل، أخرج موارد العلم الإجمالي وموارد الشكّ قبل الفحص. و(أَخُوكَ‏ دِينُكَ‏ فَاحْتَطْ لِدِينِك) وجد له مخصَّص منفصل أخرج موارد الشبهات الموضوعية، فالباقي تكون النسبة بينهما العموم من وجه لا محالة. فأيضاً لابدَّ من التساقط بين المطلقين الفوقانيين. هذا بلحاظ النسبة الأولى.

ــــــــــ[30]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وأمّا بلحاظ النسبة الثانية: وهي نسبة حديث الرفع، إلى مقبولة عمر بن حنظلة. لو لم نبنِ على انقلاب النسبة، فقد بيّنا أنّ النسبة هي المقبولة أخصّ مطلقاً من حديث الرفع؛ لأنّه بمدلوله اللفظي، بحسب الفرض، يشمل موارد الشبهات الحكمية والموضوعية، قبل الفحص، بعد الفحص، مع العلم الإجمالي أو بدونه. والمقبولة تُخرِج جميع موارد الشبهات الحكمية. سواءٌ كانت قبل الفحص، أو بعده من إطلاق حديث الرفع، فهي أخصّ مطلقاً منه.

أمّا لو بنينا على انقلاب النسبة، فقد يُتخيَّل أنّ النسبة بينهما لا تكون هي العموم والخصوص المطلق، بل هي العموم من وجه؛ وذلك لأنّنا نلحظ نسبة حديث الرفع إلى المقبولة، بعد أن نخصّصه بغير موارد العلم الإجمالي وموارد الشكّ قبل الفحص. فحينئذٍ، تصبح النسبة بين المقبولة والحديث بعد تخصيصه هي العموم من وجه، لا من المطلق، بناءً على انقلاب النسبة. فاذا صارت النسبة العموم من وجه. إذن، فيتعارضان ويسقط الثلاثة في عرض واحد.

إلّا أنّ هذا غير صحيح؛ وذلك لأنّ القائلين بانقلاب النسبة، لا يقولون به في امثال المقام؛ إذ في المقام، لو خُلِّينا نحن والمدلول اللفظي لحديث الرفع، لكان عامّاً، ويكون المقبول أخص منّه. وأنتم تريدون أن تخصّصوا العام بمخصّص آخر، ثُّمّ تلحظوا نسبته مع هذا المخصّص. وهذا لا يقول به القائلون بالانقلاب، لا يقولون: إنّه لو وجد عندنا عام ومخصّصين فأولاً نخصّصه بأحّدها، ثُّمّ نلحظ نسبته مع المخصّص الآخر. هذا غير جائز؛ لأنّ كلا المخصّصين نسبته إلى العام على حدّ واحد، كما يأتي توضيحه في بحث التعادل والتراجيح.

ــــــــــ[31]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فهنا عندنا عامّ هو حديث الرفع، طرأ عليه مخصّصان: أحدهما المقبولة والآخر هو -مثلاً- الإجماع القائم على عدم جريان البراءة في موارد الشكّ قبل الفحص، أو موارد العلم الإجمالي. فهذا مخصّصان في عرض واحد، ونحن لا يجوز لنا أن نخصّص حديث الرفع أولاً بالإجماع، ثُّمّ بعد ذلك نلحظ نسبته مع مقبولة عمر بن حنظلة.

إذن، فالتقريب الثاني الذي بيّناه، لايختلف الحال فيه بين أن نقول بانقلاب النسبة أو لا نقول.

ــــــــــ[32]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 




[الجهة الثالثة: في النسبة بين أخبار الاحتياط                                ودليل الاستصحاب]

 

هي ملاحظة النسبة بين أخبار الاحتياط، ودليل الاستصحاب. حيث بنينا سابقاً على جريان استصحاب عدم التكليف في الشبهات البدوية.

ذكر السيّد الأستاذ أنّ دليل الاستصحاب يكون حاكماً على أخبار الاحتياط موضوعها الشكّ والشبهة وهو يكون ملغيّاً بدليل الاستصحاب؛ لأنّ المجعول بدليل الاستصحاب هو الطريقية، وإلغاء الشكّ، فلا يبقى حينئذٍ موضوع لألخبار الاحتياط. فإنّ أخبار الاحتياط تحكم بالوجوب على تقدير الشبهة، ودليل الاستصحاب يلغي الشبهة، ويرفع موضوع أخبار وجوب الاحتياط. وهذا معنى الحكومة.

هذا البيان يرد عليه:

 أولاً: الاختلاف المبنائي، فيما هو المجعول في دليل الاستصحاب حيث إنّنا لانقول بأنّ المجعول فيه، ولا في أدلّة الأمارات هو الطريقية، على ما مرّت الإشارة إليه في بحث القطع، ويأتي تفصيله فيما يخصّ الاستصحاب في مباحث الاستصحاب.

ــــــــــ[33]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

ويرد عليه ثانياً: أنّ دليل الاستصحاب يكون المجعول فيه هو الطريقية. إلّا أنّه مع هذا لا يكون حاكماً على دليل أُخذ في موضوعه الشكّ، وإن سُلّمت حكومته على دليل أُخذ في موضوعه العلم.

توضيح ذلك: أنّ الآثار الشرعية تارةً تترتّب على عنوان الشكّ والتردّد، وأخرى تترتّب على عنوان العلم. فما كان من الآثار الشرعية مترتّباً على العلم إثباتاً، أو نفيّاً فهذا يثبت -مثلاً- ببركة التعبّد الاستصحابي، لو قيل أنّ المجعول في دليله هو الطريقية، إذ يتنقح بذلك أنّ احتمال البقاء علم. فيترتّب على احتمال البقاء كلما يترتب على العلم.

وأمّا الآثارة المترتّبة على عنوان الشكّ، والتردّد فلا يمكن نفيها بحكومة دليل الاستصحاب على أدلة آثارها؛ وذلك لأنّ دليل الاستصحاب لو سُلِّم أنّ المجعول فيه هو الطريقية، فالمجعول فيه هو الطريقية بعد فرض الشكّ. إذ أُخذ الشكّ في موضوع دليله في قوله: “لَا يَنْقُضِ‏ الْيَقِينَ‏ بِالشَّك”(1) فالطريقية المزعومة في دليل الاستصحاب، هي طريقية في طول الشكّ، وظاهر التعبّد بالطريقية بطول الشكّ هو أنَّ هذا التعبّد ليس ناظراً إلى إلغاء الشكّ نفسه، بل مع محفوظية الشكّ بتعبّد بأنّ الشاك عالم، ولو من باب التعبّد بالجمع بين الضدين؛ إذ لا مانع منه في عالم الاعتبار.

فهذا التعبّد، حيث إنّه أُخذ في موضوعه الشكّ، فهو تعبّد بالطريقية في 

ــــــــــ[34]ــــــــــ

(1) انظر: وسائل الشيعة 8: 217، الباب 10، باب من شكّ بين الثلاث والأربع، الحديث 3.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

المرتبة المتأخّرة عن الشك، ومع محفوظية الشكّ في نفسه، فيستحيل أن يكون حاكماً على أدلّة أُخذ في موضوعها الشكّ، وملغيّاً للشكّ، بل أخذ الشكّ في موضوعه، يكون قرينة على أنّ نظر التعبّد بالطريقية مسوق إلى جهة أخرى غير جهة إلغاء الشكّ، وهو صرف إثبات عنوان اليقين من دون إلغاء عنوان الشكّ. كما هو مقتضى أخذ ذاك موضوعاً لهذا.

وهذه النكتة -مثلاً- لا تأتي في أدلّة الأمّارة، فإنّه لو فُرِض أنّ دليل الأمارة كان متكفّلاً لجعل الطريقية، ولم يكن قد أُخذ في موضوعه الشكّ، كما لو قال: خبر الثقة علم. هذه النكتة لا تأتي؛ لأنّه لم يُؤخذ في موضوعه الشكّ، حتّى يصير هذا قرينة على أنّ التعبّد بالطريقية، ليس في مقام إلغاء الشكّ، بل هو في مقام صرف إثبات اليقين مع محفوظية الشكّ. مثل هذه النكته مخصوصة بخصوص دليل الاستصحاب، حيث أُخذ في موضوعه الشكّ.

فحينئذٍ، لو قيل بحكومة دليل الاستصحاب، فإنّما يحكم على دليل أُخذ في موضوعه العلم، لا أنّه يحكم على دليل أُخذ في موضوعه عنوان الشبهة، والتردّد ونحوه من العناوين المقابلة لعنوان العلم. هذا ثانياً. 

وأمّا ثالثاً: فلو سلّمنا أنّ لسان دليل الاستصحاب، لسان دليل الأمارة، يعني: لم يُؤخذ في موضوعه بحسب مقام إثباته عنوان الشكّ، يكون قرينة على صرف نظر التعبّد من إلغاء عنوان الشكّ، مع هذا نقول: إنّ دليل الاستصحاب لا يكون حاكماً على دليل وجوب الاحتياط.

وذلك؛ لأن أخبار وجوب الاحتياط الآمرة بالوقوف عند الشبهة، دالّة 

ــــــــــ[35]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بنفسها على عدم جواز الاعتماد على أحد طرفي الشبهة والبناء عليه، لا التزاماً في مقام الحجّيّة، ولا عملاً في مقام الجري الخارجي. 

فمقتضى إطلاق الأمر بالوقوف، والنهي عن الأخذ بالشبهة، هو النهي عن الأخذ الالتزامي والبنائي، والأخذ العملي، والجري بحسب الخارج. 

ومعنى النهي عن الأخذ البنائي بأحد طرفي الشبهة، هو: الأرشاد إلى عدم جعل الحجّية لا إلى هذا الاحتمال، ولا إلى ذاك. فلو كان عندنا يقين سابق، ثُّمّ شككنا في ارتفاعه وعدمه، فهذه بنفسها شبهة، ومقتضى قوله: “قف عند الشبهة”، هو أنّ مثل هذه الشبهة لا يجوز البقاء فيها لا التزاماً، ولا عملاً، لا على احتمال الانتقاض، ولا على احتمال عدمه.

فدليل الوقوف عند الشبهة بإطلاقه يدلّ على عدم حجّيّة احتمال البقاء. كما يدلّ على عدم حجّيّة احتمال الارتفاع؛ لأنّ هذين الاحتمالين هما ركنا الشبهة، فإطلاق هذا الأمر يدلّ على إلغاء كليهما في مقام الالتزام، والبناء وفي مقام الجري والعمل. وحينئذٍ، يكون معارضاً مع دليل الاستصحاب؛ لأنّ دليل الاستصحاب يدل على حجّيّة احتمال البقاء، ودليل الوقوف يدل على عدم حجّية المكنّى عنه بالأمر بالوقوف. فيكون المدلول في عرض واحد بلا حكومة لأحدهما على الآخر.

وهذا نظير ما قلناه في إبطال توهّم مدرسة المحقّق النائيني، لحكومة دليل حجيّة خبر الواحد على العمومات الناهية عن العمل بالظن. هناك أيضاً ذكر الأعلام: إنّ عمومات النهي عن العمل بالظن، هي موضوعها الظن، 

ــــــــــ[36]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

ودليل حجّيّة خبر الثقة، يُخرج الخبر عن كونه ظناً، إلى كونه علماً، فيحكم على تلك الاطلاقات.

ذكرنا هناك مفصّلاً، إنّه لا مجال لهذه الحكومة؛ وذلك لأنّ عمومات النهي عن العمل بالظن، هي بنفسها إرشاد إلى عدم حجّيّة الظن وعدم جعله علماً. فحينئذٍ، يكون في عرض دليل الحجّيّة، ويستحيل أن يكون دليل الحجّيّة حاكماً عليه، بل يكون هناك موضوع واحد وهو الظن، يقول دليل الحجّيّة: جعلته علماً. والعمومات تقول: لم أجعله علماً، فهما متعارضان بنحو النفي والاثبات. هذا الكلام بعينه نقوله في المقام.

إذن، فحكومة دليل الاستصحاب على أخبار الاحتياط ممّا لا أساس له، بل النسبة ما بينهما هي العموم من وجه. وحينئذٍ، يكون ساقطاً معه المعارضة(1).

هذا هو تمام الكلام في الجهة الثالثة.

ــــــــــ[37]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: أليست بعض أخبار الاحتياط أخصّ من دليل الاستصحاب، كمقبولة عمر بن حنظلة، باعتبار مخصوصيّتها بالشبهة الحكمية، وأن موردها ليس هو مورد العلم الإجمالي؟ 

فقال (سلّمه الله): بلي، لا بأس به. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 






الجهة الرابعة: الكلام في فرض سقوط                                                       أدلّة الاحتياط والبراءة  

 

الجهة الرابعة: أنّه لو فرضنا أن تمام أدلّة البراءة من كتاب وسُنّة. مع تمام أدلّة الاحتياط من كتاب وسُنّة تعارضت، ولم يكن عندنا مرجّح لأحدهما على الآخر وتساقطت، فماذا نصنع؟

أمّا بناءً على المشهور فهم في فسحة من القول؛ لأنهم يرجعون إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأنّ دليل البراءة ودليل الاحتياط تعارضا وتساقطا، فيبقى الإنسان ولم يتمّ عنده البيان، لا على الواقع، ولا على وجوب الاحتياط، فيجري حينئذٍ، قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

وأمّا نحن فلا نؤمن بهذه القاعدة، بل نؤمن بدلاً عنها بقاعدة منجزيّة الاحتمال؛ لأنّ دائرة حق المولويّة أوسع من حدود المعلومات. لكن مع هذا نحن قد وجدنا في الأدلة اللفظية في البراءة، ما يكون مفاده في مستوى قاعدة قبح العقاب بلا بيان. ومعنى هذا: أنّ أدلّة البراءة تنقسم الى قسمين: قسم يكون له مفاد، بحيث يعارض مع دليل وجوب الاحتياط، من قبيل (رُفع ما لا يعلمون). وقسم له سنخ مفاد، لا يقوى به على معارضة دليل وجوب 

ــــــــــ[38]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الاحتياط، بل لو تمّ دليل وجوب الاحتياط يكون رافعاً لموضوعه، ولو لم يتم الدليل يتمّ موضوعه. وحينئذٍ، يستحيل أن يقع طرفاً للمعارضة مع دليل وجوب الاحتياط؛ لأنّ دليل المحكوم يستحيل أن يقع طرفاً للمعارضة مع الدليل الحاكم.

بل طرف المعارضة مع دليل وجوب الاحتياط هو القسم الأوّل، الذي له مفاد يعارض به وجوب الاحتياط وينفيه. ففي المرتبة الأولى يسقط دليل وجوب الاحتياط بالمعارضة مع القسم الأوّل من دليل البراءة الشرعية. 

وتنتهي النوبة في المرتبة المتأخّرة إلى دليل البراءة من الثاني؛ إذ بعد التساقط يكون دليل وجوب الاحتياط غير تام، فيتنقح في طول التساقط، موضوع هذه الادلة(1)، فنرجع حينئذٍ إليها فتثبت البراءة الشرعية أيضاً، لكن بهذا الترتيب.

هذا هو الكلام في الجهة الرابعة. وبذلك تمّ البحث في البراءة والاحتياط. وبقي البحث في التنبيهات.

ــــــــــ[39]ــــــــــ

() أدلّة البراءة من القسم الأوّل. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 





التنبيهات

 

  • التنبيه الأوّل: في عدم جريان أصل موضوعي حاكم على البراءة
  • التنبيه الثاني: في حكم الاحتياط شرعاً
  • التنبيه الثالث من تنبيهات البراءة: إجرائها في الشبهة الموضوعية  
  • التنبيه الرابع: في جريان البراءة في الأحكام غير الإلزاميّة

ــــــــــ[41]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 




تنبيهات

 

التنبيه الأوّل: في عدم جريان أصل موضوعي حاكم على البراءة 

 

من تنبيهات البراءة حسب ترتيب الكفاية. 

ذُكِر في كلام الشيخ الأعظم(1)، في هذا التنبيه: أنّ من شروط جريان البراءة، وأصالة الحلّ أن لا يكون هناك أصل موضوعي ينقّح الحكم في مورد أصالة البراءة، وإلّا قُدّم ذلك الأصل لحكومته عليها. 

ثُّمّ مثّل لهذا القاعدة بأصالة البراءة عن حرمة لحم الحيوان المشكوك في تذكيته وعدمها. فمقتضى أصالة البراءة والحل، هو الحكم البراءة عن حرمته وحليّته ظاهراً، إلّا أنّ أصالة البراءة لا تجري هنا؛ لوجود الأصل الموضوعي هو: استصحاب عدم التذكية، وهذا الاستصحاب يُسمّى موضوعاً؛ لأنّه ينقّح موضوع الحليّة والحرمة، وهو المذكّى، وغير المذكّى    -مثلاً-. 

في جريان استصحاب عدم التذكية

ومن هنا انساق البحث إلى مسألة عدم التذكية، إلى الصغرى. هذا ما وقع ــــــــــ[43]ــــــــــ

(1)  انظر: فرائد الأصول 2: 127.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

في كلام الشيخ الأعظم(1).

ثُّمّ علّق على ذلك المعلّقون كالمحقّق النائيني ومدرسته(2)، وقالوا: لا ينبغى ان يكون مقصود الشيخ من هذا الشرط حيث اشترط في جريان أصالة البراءة إلّا يكون هناك أصل موضوعي. بمعنى الأصل الجاري في رتبة الموضوع، إذ لا خصوصيّة لكون الأصل جارياً في رتبة الموضوع، أو في رتبة الحكم فيما هو المهم، والمقصود من هذا الشرط، بل الملاك إلّا يكون الملاك أصل حاكم سواءٌ كان هذا الأصل جارياً في رتبة الموضوع، أو في رتبة نفس البراءة (الحكم).

ومثال الأصل الجاري في رتبة الموضوع، من قبيل استصحاب عدم التذكية، إن قلنا بجريانه، فإنّه جارٍ في رتبة موضوع أصالة الحلّ. ومثال الأصل الجاري في رتبة نفس الحكم، كما لو فُرِض أنّ الش كانت حالته السابقة هي الحرمة، فإنّه يجري استصحابها وهو استصحاب حكمي يجري في نفس الحكم، ومعه لا تصل النوبة إلى أصالة البراءة؛ لأنّ الاستصحاب حاكم على أصالة البراءة.

فمناط الشرطية هو حاكمية الأصل للآخر، فإنّ أصالة البراءة ككّل أصل يشترط في جريانه عدم الأصل الحاكم عليه، والرافع لموضوعه سواءٌ كان جارياً في رتبة الموضوع أو الحكم؛ لأنّ موضوع البراءة هو عدم العلم والشك، ودليل الاستصحاب يتكفّل إلغاء الشكّ والتعبّد بوجود العلم وإبقاء اليقين السابق 

ــــــــــ[44]ــــــــــ

(1) انظر: نفس المصدر، 128-129.

(2) انظر: أجود التقريرات 2: 193.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

على حاله، فيرتفع بذلك موضوع دليل البراءة، فيكون الاستصحاب مقدّماً. وهذه النكتة لا يفرق فيما بين أن يكون الأصل موضوعيّاً أو حكمياً(1).

ثُّمّ بعد هذا دخلوا في الصغرى، كما دخل الشيخ، من تحقيق استصحاب عدم التذكية.

طبعاً تفصيل المباني، في تقديم بعض الأصول على بعض وملاكاتها، ممّا لايمكن الدخول فيه هنا؛ لأنّ موضوعه آخر بحث الاستصحاب. هناك يأتي إنّ شاء الله، أنّ الأصول الموضوعية تتقدّم على الحكمية، والاستصحاب السببي يتقدّم على الاستصحاب المسبَّبي. ودليل الاستصحاب مقدّم على أصالة البراءة. كلّ هذه الدعاوي صحيحة، وسوف ندّعيها في محله إن شاء الله.

إلّا أنّ الذي يسعنا هو التنبيه على نقاط المطلب؛ لأجل أن يتّضح وجوه الاختلاف، ولو تصوّراً في مباني المطلب بيننا وبين المشهور؛ ومن هنا كانت عندنا نقاط ثلاثة: 

[النقطة الأولى: في تقديم الأصل الموضوعي على الأصل الحكمي]

النقطة الأولى هي: هل أنّ الأصل الموضوعي بعنوان كونه موضوعيّاً يتقدّم على الأصل الحكمي؟ أو أنّ ملاك التقديم متمحّض فقط في كون الأصل المقدّم حاكماً، باعتبار تكفلّه لجعل الطريقية والكاشفيّة، بالمعنى الذي تقرّره مدرسة المحقّق النائيني. وهذا هو الذي تذهب إليه هذه المدرسة، وكون أحد الأصلين موضوعيّاً والآخر حكمياً، لا دخل له في هذا المطلب.

ــــــــــ[45]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات، المصدر نفسه.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فاستصحاب عدم التذكية، إنّما يتقدّم على أصالة الحلّ في اللحم، لا لأنّه موضوعي، بل لأنّه متكفّل لجعل الطريقية، وإلغاء الشك، وكذلك استصحاب نجاسة الماء الحاكم على أصالة الطهارة في ملاقيه، إنّما يتقدّم على أصالة الطهارة بالملاقى؛ لا لأنّه أصل موضوعي، بل لأنّه متكفّل لجعل الطريقية وإلغاء الشك. هذا ما تقوله مدرسة الميرزا.

 والآن نكتفي بنحو التصوّر أن نفهم أنّ هذا ممّا لا نساعد عليه، بل نحن نرى أنّ كون الأصل موضوعيّاً، في قبال الأصل الحكمي بنفسه ملاك لتقديم دليل الأصل الموضوعي على دليل الأصل الحكمي، سواءٌ تكفّل دليل الأصل الموضوعي جعل الطريقية أو لم يتكفل. موضوعية الأصل بنفسها قرينة عرفية على تقديم دليل الأصل الموضوعي، على دليل الحكمي بتقريب يأتي في محلّه.

وليس ملاك التقديم منحصراً في كون الأصل الموضوعي متكفّلاً لجعل الطريقية كما تدّعيه مدرسة المحقق النائيني، وإلا لأشكل المطلب، في تقديم الأصول الموضوعيّة، التي يعترف المحقّق النائيني ومدرسته، بأنّها لم يجعل لها الطريقية، مع أنّها تتقدّم على الأصل الحكمي، وإن كان قد جعل فيه الطريقية. من قبيل أصالة الطهارة في الماء الحاكم على استصحاب النجاسة في الثوب المغسول به(1).

 هنا أصالة الطهارة في الماء تكون مقدّماً على استصحاب النجاسة في الثوب المغسول به بلا اشكال. حتّى عند الميرزا، فقهيّاً، مع أنّ الأصل 

ــــــــــ[46]ــــــــــ

() وهنا ذكر تفصيل هذا المثال توضيحاً. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الموضوعي هنا ليس هوالاستصحاب، بل هو قاعدة الطهارة، ودليلها ليس متكفلاً لجعل الطريقية، أو إلغاء احتمال الخلاف باعتراف المحقّق النائيني ومدرسته، ومع هذا تُقدّم على استصحاب النجاسة في الثوب المغسول، مع أنّ هذا الأصل ثبت بدليل الاستصحاب المتكفّل لجعل الطريقية، وإلغاء الشكّ.

من هنا تعرف أنّه لايكفي في توجيه تقديم الأصل الموضوعي على الحكمي، ماذكرته مدرسة المحقّق النائيني، بل لامحيص عن الاعتراف بأنّ موضوعية الأصل، وكونه جارياً في رتبة الموضوع بنفسه، ملاك مستقلّ لتقديم الأصل الموضوعي على الحكمي، سواءٌ كان دليل الموضوعي متكفّلاً لجعل الطريقية أو لا.

[النقطة الثانية: في كون ملاك التقديم هو الحكومة] 

النقطة الثانية: هي أنّ الملاك الذي تذكره مدرسة المحقّق النائيني، للتقديم وهو الحكومة، هل هو صحيح أو غير صحيح. وهنا أيضاً يجب أن نكتفي بمقدار التصوّر فنقول: بأنّ المبنى أنّ هذه الحكومة ليست صحيحة في باب الأصول، بالمعنى الميرزائي أي: بمعنى أنّ دليل الاستصحاب يتكفّل إلغاء موضوع دليل أصالة البراءة. هذا المعنى غير صحيح.

وبحسب الحقيقة، هذا المعنى صغرى من صغريات بحث كلّي، وهو أنّ جعل الطريقية هل يوجب قيامه مقام القطع الموضوعي، كما يقوم مقام القطع الطريقي أو لا؟

 إن قلنا: بأنّ جعلها يوجب القيام مقام القطع الطريقي في المنجزيّة 

ــــــــــ[47]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

والمعذرية، ومقام القطع الموضوعي في آثاره الشرعية. إذن، يتمّ كلام الميرزا؛ لأنّ من الآثار الشرعية للقطع، هو ارتفاع أصالة الإباحة؛ لأنّها جعل العلم غاية لها “كل شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام” فالعلم بالحرمة، أثره الشرعي هو ارتفاع الحكم المغيّ. ولو فُرِض أنّ دليل الاستصحاب كان المجعول فيه هو الطريقية، وهي تقوم مقام القطع الموضوعي، فيترتّب عليه أثر الشرعي، وهو ارتفاع أصالة الإباحة.

وأمّا لو قلنا: بأنّ جعل الطريقية غاية ما ينتج قيامه مقام القطع الطريقي دون الموضوعي. فحينئذٍ، دليل الاستصحاب يكون متكفّلاً لجعل الطريقية بنحو يؤدي إلى التنجيز والتعذير، وأمّا ترتيب الآثار الشرعية، التي منها رفع أصالة الإباحة لا يتكفله دليل الاستصحاب.

هذا بحث كلّي تكلّمنا في أكثر أطرافه في مسألة قيام الأمارات مقام القطع، ونتكلّم في تطبيق قواعده إن شاء الله في بحث الاستصحاب. مضافاً إلى أنّ مدعانا في باب الاستصحاب، في تشخيص المجعول أيضاً يختلف عن مدّعى المحقّق النائيني. 

وخلاصة مقصودنا من النقطة الثانية بنحو التصور هو: أنّ الحكومة المرزائية، بملاك أنّ دليل الاستصحاب يلغي الشكّ، فيرتفع موضوع دليل أصالة البراءة، هذه الحكومة غير صحيحة عندنا؛ لأنّها مبنيّة على أن يكون دليل الاستصحاب متكفّلاً لجعل الطريقية، وأن يكون جعلها الطريقي موجباً لقيام هذا الطريق التعبّدي مقام القطع الموضوعي أيضاً في ترتيب الآثار الشرعية.

ــــــــــ[48]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 [النقطة الثالثة: في تعارض الاستصحاب مع أصالة البراءة] 

النقطة الثالثة: هي أنّه بعد أن دّعينا، ولو في حدود التصور، أنّ الصحيح هو بطلان تقديم الاستصحاب على البراءة بالحكومة المرزائية. فهنا قد يقال: أنّكم هل تبنون على أنّ الاستصحاب مع البراءة يتعارضان، نقول: لا يتعارضان؛ لأنّ الاستصحاب إن كان موضوعيّاً، البراءة حكمية فالاستصحاب يتقدّم؛ باعتبار كونه أصلاً موضوعيّاً، على ضوء النقطة الأولى، وإن العكس، انعكس المطلب، كما في أصالة الطهارة في الماء مع استصحاب النجاسة في الثوب المغسول به.

وان كان في رتبة واحدة من قبيل استصحاب(1) الحرمة مع أصالة البراءة عن الحرمة في شيء مستصّحب الحرمة، فهنا كلا الأصلين في رتبة واحدة؛ لأنّ أحدهما موضوعيّاً والآخر حكمي. هنا أيضاً نقول بتقدّم دليل الاستصحاب على دليل البراءة بنكات مستفادة من لسان دليل الاستصحاب، ودليل البراءة؛ لا باعتيار الحكومة المرزائية. هذا أيضاً في حدود التصوّر.

فالمدّعى الآن في حدود التصوّر، أن الأصل الموضوعي، باعتباره موضوعيّاً مقدّم على الأصل الحكمي، وأن دليل الاستصحاب بنكتة فيه مقدّم على البراءة، لا باعتبار الحكومة، وأنّه لو قُطِع النظر عن موضوعيّة الأصل 

ــــــــــ[49]ــــــــــ

() دخول الحائض للمسجد كان حراماً قبل النقاء، وبعده يشك بحرمته فهنا استصحاب الحرمة يعارض مع أصالة البراءة عنها فيتعارض دليلاهما فيتقدم دليل الاستصحاب، (من المحاضرة). (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

ونكتة دليل الاستصحاب، ولاحظنا الحكومة المرزائية، لم تكن وحدها كافية لأثبات تقديم دليل أصل على أصل. ومدرسة الميرزا لا تستطيع أن تفسّر تقدّم أصالة الطهارة في الماء، على استصحاب النجاسة في الثوب المغسول بذلك الماء. ما لم تعترف بأنّ كون الأصل موضوعياً بنفسه ملاك للتقديم، تقع في حرج من حيث تفسير ذلك.

فالآن ينبغي أن يقال هكذا: بأنّ دليل أصالة البراءة ككل دليل في الدين، يشترط في التمسّك به أن لا يوجد له معارض، بحيث يسقط معه بالتعارض، ولادليل أقوى منه يقدّم عليه بايّ ملاك من ملاكات التقديم العرفية(1). ومن جملة الأدلّة الأقوى من دليل البراءة -وإن كنا حتّى الآن لم نفسّر أنّه لماذا أقوى- دليل الاستصحاب، وكذلك من جملة الأدلّة الأقوى منها، كلّ أصل موضوعي يكون جارياً في رتبة موضوع البراءة.

فأصالة البراءة لا تجري مع الاستصحاب، سواءٌ كان موضوعيّاً، أو حكمياً، ولامع الأصل الموضوعي، سواءٌ كان استصحاباً أوغيره.

هذا هو الذي ينبغي أن يقال في مقام تحقيق أصل الشرطية.

ثم بعد هذا ينتهي الكلام إلى المثال الذي وقع محلاًّ للبحث بين الأعلام، وهو مسألة أصالة البراءة عن حرمة لحم الحيوان مع استصحاب عدم التذكية.

في جريان استصحاب عدم التذكية 

بعد هذا استطرق من بيان أصل الشرطية إلى تحقيق مصداق بعينه جعل 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

() فلو وجد شيء من ذلك لا يجوز التمسّك به، (المحاضرة). (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

من صغريات المسألة. وهذا المصداق هو عدم جريان أصالة الحل في اللحم المشكوك في حليّته وحرمته؛ لوجود أصل موضوعي حاكم، وهو: استصحاب عدم التذكية، ومع جريانه لايبقى مجال للتمسّك بدليل أصالة البراءة، أو أصالة الحل.

ومن هنا وقع البحث كليّاً في مسألة أصالة الحل، في موارد الشكّ في حليّة اللحم وحرمته، وتشخيص أنّه هل يجري استصحاب عدم التذكية، وبيان موارد جريانه وعلى هذا الأساس قسّموا الشكّ في المقام إلى أنحاء أربعة:

النحو الأوّل: أن يكون الشكّ في حليّة اللحم وحرمته، مع العلم بالتذكية؛ وذلك لأنّ التذكية ليست دائماً تستتبع الحليّة، بل حكم الشارع بذكات الحيوان يستتبع الطهارة والحليّة أحياناً، وقد يستتبع الطهارة دون الحليّة.  فهنا نفرض حيوان علمنا أنّه ذُكّي، وأنّه طاهر شرعاً، وليس ميتة، ولكن نشك أنّه ممّا يؤكل لحمه، أو ممّا لايؤكل، وهذا الشكّ تارةً يُفرَض بنحو الشبهة الموضوعية، وأخرى يُفرَض بنحو الشبهة الحكمية. تارةً نعلم هوية هذا الحيوان: نعلم أنّه خيل، ولاندري أنّ الخيل هل هو ممّا يؤكل لحمه كالغنم، أو ممّا لايؤكل لحمه كالسباع، بعد العلم أنّه يقبل التذكية، وليس حاله حال الحشرات، أو المسوخ التي لا تقبل التذكية.

فهنا لا شك عندنا في وقوع التذكية عليه، لكن نشكّ أنّه من المذكّى المأكول، أو غير المأكول.

وأخرى: نفرض أنّ الشبهة موضوعية، بأن نعلم أنَ الغنم مّما يُذكّى ويؤكل 

ــــــــــ[51]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

لحمه، وأنّ السباع لا تُذكّى، ولكن يحرم أكلها، ولا ندري أنّ هذا اللحم لحم غنم مُذكّى، أو لحم سبع مُذكّى. فالتذكية معلومة، لكن لانعلم أنّه حلال، أو حرام بنحو الشبهة الموضوعية.

النحو الثاني من الشك: أن يكون الشكّ في حليّة اللحم وحرمته، ناشئاً من الشكّ في قابلية هذا الحيوان وصلاحيته شرعاً للتذكية، وأنّ أُجريت عليه بحسب الخارج تمام العملية، من فري الاوداج واستقبال القبلة والتسمية، لكن نشكّ في أنّ هذه العملية تجري في صيرورة هذا الحيوان مُذكّى شرعاً أو لا؛ لأنّ المسوخ على المشهور، حتّى لو أُجريت عليه هذه العملية فهي لا تكون مذكّاة. فلا ندري أنّ هذا الحيوان من قبيل المسوخ أو لا؟ فالشكّ بالحليّة هنا ينشأ من الشكّ في صلاحيته للتذكية.

وهذا الشكّ أيضاً تارةً: يُفرَض بنحو الشبهة الحكمية، وأخرى: بنحو الشبهة الموضوعية، فإنّه تارةً تعرف هوية الحيوان، وأنّه أرنب، لكن لا ندري أنّ الأرنب هل هو من قبيل المسوخ، والحشرات، غير قابل للتذكية ولو ذُبِحت باستقبال القبلة، أويقبلها؟ فهنا الشبهة حكمية. وأخرى نفرض أنّنا نعلم أنّ الأرنب لا يقبل التذكية، ونعلم أنّ الغنم يقبلها، ولا أدري أنّ هذا اللحم هل هو لحم غنم أو أرنب؟

النحو الثالث من الشك: أن يُشكّ في صلاحية الحيوان للتذكية أيضاً، كالثاني لكن بقاءً لاحدوثاً، لاحتمال طرّو عارض أخرجه عن قابلية التذكية، كعارض الجلل الذي يخرج الحيوان عن قابلية التذكية.

ــــــــــ[52]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وهنا أيضاً تارةً: نفرض الشبهة حكمية، وأخرى: موضوعية. تارةً يكون الشكّ في أصل أنّ الجلل هل هو مانع عن قابلية الحيوان للتذكية أو لا؟ فهذه شبهة حكمية. وأخرى بعد العلم بأنّ الجلل مانع، نشكّ في أنّه هل وقع جلل بالنسبة إلى هذا الحيوان أو لا؟ فالشبهة موضوعية.

النحو الرابع من الشك: أن يُشكّ في وقوع نفس العملية، عملية الذبح، واستقبال القبلة والتسمية. والشكّ هنا أيضاً تارةً يكون بنحو الشبهة الحكمية، وأخرى بنحو الشبهة الموضوعية. فإنّه تارةً نشكّ، في أنّ إسلام الذابح شرط، أو أنّه ليس شرطاً، وأنّ كون التسمية باللغة العربية شرط أو لا. فهذه شبهة حكمية، وأخرى نعلم بأنّ إسلام الذابح شرط، لكن لاندري بأنّ الذابح مسلم، أو ليس بمسلم، أو أنّ التسمية بالعربية صدرت منه أو لا؟

فهذه انحاء أربعة من الشكّ كل واحد منها يتصور فيه تارة الشبهة الموضوعية وأخرى الشبهة الحكمية، فيتكلم في كل واحد من هذه الانحاء بكلا شقيه.

النحو الأوّل من الشك: الشكّ في أنّه مأكول اللحم مع قابليته للتذكية

أمّا النحو الأوّل من الشك، وهو: أن نقطع بأنّ هذا الحيوان قابل للتذكية، لكن لاندري بأنّه من الُمذكّى المأكول اللحم، أو من الُمذكّى غير المأكول. 

فإن كانت الشبهة حكمية كما في الخيل -مثلاً- الذي نقطع بأنّه قابل للتذكية، ولاندري أنّه مأكول اللحم -مثلاً- أو غير مأكول اللحم.

فهنا، إن كان عندنا عموم، أو إطلاق يقتضي حليّة كلّ مُذكّى، إلاّماخرج 

ــــــــــ[53]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بدليل، نرجع إليه، ويكون الدليل الاجتهادي كافياً لنا عن الرجوع إلى الأصول العملية. وإذا فرضنا أنّه ليس عندنا مثل هذا العموم، فلا محالة تكون الشبهة حكمية، مع عدم الدليل، فيرجع إلى الأصل العملي، وهو أصالة الحل؛ لأنّ هذا اللحم بعد العلم بتذكيته، يُشكّ في حرمته وحليّته، ويرجع حينئذٍ إلى أدلّة البراءة.

ولايُتوهّم هنا، بوجه من الوجوه، الرجوع إلى استصحاب عدم التذكية؛ لأنّ المفروض أنّنا نعلم، بأنّ هذا الخيل مُذكّى، وأنّه قابل للتذكية. إذن، فلا معنى للرجوع إلى استصحاب عدم التذكية، بل يتعيّن الرجوع إلى أصالة الحل.

هذا فيما إذا كانت الشبهة حكمية.

وأمّا إذا كانت الشبهة موضوعية، كما إذا تردّد أمر هذا اللحم بين أنّ يكون من الأرنب القابل للتذكية المُحرّم الأكل، أو الغنم القابل للتذكية المحلل الأكل.

فهنا، لا يمكن التمسّك بالإطلاق، أو العموم الدّال على حليّة كلّ مُذكّى، حتّى لو وجد عندنا هذا الإطلاق أو العموم؛ لأنّ الشبهة هنا مصداقية، ولا يجوز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية. حيث إنّنا علمنا أنّ عموم مايدّل على أنّ كلّ مُذكّى حلال، بأنّه خرج منه الأرنب فهو مخصّص بغير الأرنب، ولا ندري بأنّ هذا أرنب أو ليس بأرنب، فالتمسّك بالعام ابتداءً غير جائز.

نعم، قد يُتمسّك هنا بالاستصحاب الموضوعي، بأحد بيانين:

 إن فرض عندنا عموم يدلّ على حليّة كلّ مُذكّى، وخرج منه بالمخصّص الأرنب، ولاندري أنّ هذا أرنب أو لا. قد يقال هنا، بأن الشكّ في حليتّه وحرمته مسّبب عن الشك، في أرنبيّة هذا اللحم وعدمه، فيستصحب عدم 

ــــــــــ[54]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الأرنبيّة بنحو العدم الأزلي. وبه ننقّح موضوع العام في المقام؛ لأنّ العام يقول: (كلّ مُذكّى حلال إلّا الأرنب). فموضوع الحليّة يكون مركّباً من جزئين: أحدهما المُذكّى والآخر عدم كونه أرنباً، أي نقيض العنوان الخارج بالتخصيص. وكونه مُذكّى محرز بالوجدان، وعدم كونه أرنباً يثبت بالاستصحاب الأزلي. فنثبت الحليّة بالا ستصحاب.

وهذا الاستصحاب الموضوعي بحسب النتيجة موافق مع أصالة الحل، ولكنّه حاكم عليه على المباني المشهورة، فيتقدّم عليه عندهم بالحكومة.

التقريب الآخر، وهو يقوم على فرض معاكس: لو فرضنا أنّ الدليل يدلّ على حرمة كل لحم خرج منه المُذكّى الغنم، ولا أدري أنّ هذا غنم، أو لا. فهنا ينعكس المطلب. وينبغي أنّ يجري استصحاب عدم الغنميّة بنحو العدم الأزلي؛ لأنّ الدليل العام يدلّ على الحرمة في كلّ حيوان مالم يكن غنماً، فموضوع الحرمة يصير مركّباً من حيوان وعدم الغنميّة، والأوّل محرز بالوجدان، والآخر بالاستصحاب الأزلي، فيتنقّح موضوع الحرمة. وهذا الاستصحاب حاكم على أصالة الحل، ومخالف لها في النتيجة؛ لأنّه يثبت الحرمة في المقام.

وأمّا لو لم يكن عندنا دليل يدلّ بالإطلاق، أو العموم لا على ذاك الوجه، ولا على هذا الوجه، ومنعنا من جريان استصحاب العدم الأزلي، أو قلنا بجريانه، لكن مع تفصيل بحيث ينتج عدم الجريان في المقام، فلا يمكن حينئذٍ، الرجوع إلى الاستصحاب، بل يتعيّن الرجوع إلى أصالة الحل.

توضيحه: في بحث استصحاب العدم الأزلي. كما يوجد هناك قول بجريان الاستصحاب وقول بعدمه، يوجد هناك تفصيل بين الخصوصيّات الذاتيّة، 

ــــــــــ[55]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

والخصوصيات العرضية. فالخصوصيّات العرضية المقارنة مع أصل الموضوع يجري استصحاب عدمها الأزلي، كالقُرَشيّة، فإنّها خصوصيّة عرضية، لا ماهوية فيمكن استصحابها، وأمّا الخصوصيّات الذاتية فلا يجري استصحاب عدمها الأزلي، فلو شككنا في حيوان، أنّه خيل أوسبُع لانجرى استصحاب عدم الخيلية، بناءً على أنّ هذه الأمور ذاتيّة ومقوّمة. أمّا وجه هذا التفصيل، ومبناه فقد تقدّم في بحث العام والخاص، في بحث استصحاب العدم الأزلي.

بناءً على هذا التفصيل، أيضاً لا يجري الاستصحاب في المقام، لا عن عدم الخيليّة أو الغنمية، يرجع إلى استصحاب الأعدام الأزلية في الخصوصيات الذاتيّة. وحينئذٍ، فإذا انقطع جريان الاستصحاب تنتهي النوبة إلى أصالة الحل لا محالة، في هذا اللحم.

نعم، يبقى توضيح واحد في جريان أصالة الحل: وهو توضيح جريان استصحاب حكمي في المقام لا موضوعي. وهو استصحاب الحرمة الثابتة حال حياة هذا الحيوان. بناءً على أنّ الحيوان حال الحياة يحرُم أكله حيّاً، بناءً على هذا يقال: أنّ هذا الحيوان حال حياته كان يحرم أكله حيّاً، فبعد أن ذبح بهذا الترتيب، فمع الشكّ في حليّته، يُشك في أنّ الحرمة الثابتة له حال الحياة ترتفع عنه أو لا، فتستصحب. وهذا استصحاب حكمي لا موضوعي. لكن بيّنا أنّ الاستصحاب الحكمي، أيضاً يقدّم على أصالة البراءة (1).

ــــــــــ[56]ــــــــــ

()  وهنا قال جواباً على سؤال: هذا البيان يأتي حتّى في الشبهة الحكمية، وإنّما أجلناه إلى هنا؛ لأنّه هنا أوضح. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 [دفع وهم]

قد يُتوهّم جريان هذا الاستصحاب، وتحقيق هذا التوهّم: أن حرمة أكل الحيوان حيّاً، تارةً تكون من فروع حرمة أكل غير الُمذكّى، أنّ كلّ حيوان غير المُذكّى يحرم أكله، مرةً من باب أنّه حي، وأخرى من باب أنّه قتل بغير وجه شرعي، أو مات حتف أنفه. وأخرى نفرض أنّ حرمة أكل الحيوان الحي حرمة مستقلّة مجعولة، بدليل مستقلّ على عنوان الحي، ويحرم أكله بما هو حي، وابتلاعه حيّاً ولو لخاطر هذا الحيوان وكرامة له.

إن فرضنا الثاني، يعني أنّها حرمة مستقلّة، مجعولة على عنوان الحي بما هو حي، فمن المعلوم أنّ مثل هذه الحرمة لا يمكن استصحابها، وإثباتها بالاستصحاب بعد الموت، لأجل تغيّر الموضوع؛ لأنّ الحرمة الثابتة بعنوان الحي، بمناسبات الحكم والموضوع، يُرى أنّ الحياة حيثية مقوّمة للموضوع في نظر العرف، لا أنّها مجرّد حيثية تعليليّة، فيكون الموضوع غير محفوظ في نظر العرف، فلا يجري الاستصحاب.

وأخرى نفرض: أنّ هذه الحرمة ثابتة من باب أنّها من مصاديق حرمة الحل غير الُمذكّي، كما توهّم بعضهم استدلالاً بإطلاق المستثنى منه في الآية إِلَّا ما ذَكَّيْتُم(1). بناءً على هذا يكون موضوع هذه الحرمة هو غير ما قُتِل بوجه الخاص. 

حينئذٍ، نقول هكذا: هذا الحيوان قبل أن يُقَتل كان يحرم أكله بلا إشكال. وهذه الحرمة لا ندري أنّها ارتفعت، أو لم ترتفع. أن نفرض أنّ هذه الحرمة 

ــــــــــ[57]ــــــــــ

(1) المائدة: 3.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

كانت من باب غير مُذكّى، وكان الحيوان مأكول اللحم في نفسه لو ذُكّي، إذن ترتفع الحرمة. وأمّا إذا لم يكن مأكول اللحم في نفسه، فالحرمة ثابتة له ابداً وأزلاً، من باب أنّه أرنب، لا من باب أنّه غير مُذكّى، بناءً على أنّ التذكية لا تؤثر في حليّته.

فإن كانت بعنوان أنّه أرنب، فالحرمة باقية على حالها؛ لأنّه لا يزال هذا لحم أرنب، وإن كان بعنوان أنّه غير مُذكّى فقد ارتفعت هذه الحرمة وتبدلّت إلى الحليّة. حينئذٍ، نفرض أنّ هذه الحرمة تكون متيقّنة الحدوث مشكوكة البقاء. والتذكية هنا حيثيّة تعليليّة بحسب الفهم العرفي، وليست حيثية تقييدية، وحينئذٍ لا بأس باستصحاب هذه الحرمة.

لكن المهم في المقام اندفاع أصل التوّهم، وهو: ثبوت حرمة لأكل هذا الحيوان حال الحياة بالملاك الثاني، لا الأوّل، وهو أنّه من مصاديق غير مُذكّى، هذا المطلب في نفسه غير محتمل فقهياً؛ لأنّ الآية الكريمة المستثني المُذكّى لا من الحيوان، بل من الميت: النطيحة، والمترديّة، وما أكل السبع. فلا يدلّ على أنّ كلّ حيوان حيّاً أو ميتاً حرام، إلَّا ما ذَكَّيْتُم‏. ليس عندنا ما يدلّ في أخبار التذكية وآياتها على حرمة غير الُمذكّى بنحو يشمل الحيوان الحي أيضاً.

فلو كانت هناك حرمة في الحيوان الحي، ولا يبعد استفادته من بعض القرائن، فإنّما هو بالملاك الأوّل يعني حرمة ثابتة له بعنوان كونه حيّاً، ولو بعنوان احترامه. ومثل هذه الحرمة لا يمكن استصحابها؛ لاجل تغير الموضوع.

خلاصة المطلب، أنّه قد اتّضح في هذا الشق الأوّل، أنّ الشكّ في الحليّة 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

والحرمة مع العلم بأصل وقوع التذكية، إن كان بلحاظ الشبهة الحكمية، فإنّ كان هناك دليل له عموم أو إطلاق نتمسّك به، وإلا رجعنا إلى أصالة الحل. وإن كان بنحو الشبهة الموضوعية، تردّد أمر اللحم بين أن يكون لحم أرنب مُذكّى محرّم الأكل، أو لحم غنم مُذكّى حلال الأكل، فهنا إن فرضنا وجود إطلاق، أو عموم يدلّ على حليّة كلّ مُذكّى إلّا الأرنب، فباستصحاب العدم الأزلي ننقّح موضوع الحليّة.

 وإن فرض وجود إطلاق، أو عموم يدلّ على حرمة كلّ حيوان، إلّا الغنم المّذكّى، فباستصحاب عدم الغنميّة، ننقّح موضوع الحرمة، ولو استشكلنا في أصل جريان العدم الأزلي، أو في خصوص موارد الخصوصيّات الذاتية، كما في أمثال المقام، نرجع حينئذٍ، إلى أصالة الحل والبراءة.

 ولا يُتوهّم جريان استصحاب الحرمة الثابتة حال الحياة؛ لأنّ هذه الحرمة إن ادُّعي ثبواتها بعنوان حرمة أكل الحي، فلا داعي لانكارها فقهياً لكن لا مجال لاستصحابها فتغيّر الموضوع. وإن ادُّعي من باب الحي غير مذكى، فأصل هذه الحرمة غير ثابتة. هذا خلاصة الكلام في الشق الأوّل.

النحو الثاني: الشكّ في قابليته للتذكية(1)

النحو الثاني من الشك، هو أن يُشك في حليّة هذا الحيوان وحرمته، من ناحية الشكّ في قابليته للتذكية، وصلاحيته لها شرعاً، حتّى بعد فرض تمامية العملية خارجاً؛ لاحتمال أن يكون الحيوان من قبيل المسوخ، التي لا تقبل 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

() لخص أولاً الصورة الأولى للشك كما سبق. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

التذكية ذاتاً، عند المشهور أو الحشرات التي لا تقبل التذكية عند الجميع. 

هنا أيضاً تارةّ: نفرض الشبهة حكمية، وأخرى موضوعية. تارةً: نفرض أنّنا نعلم بأنّ هذا خيل أو أرنب، ولا ندري أنّ الأرنب هل يقبل التذكية شرعاً أو لا؟ فذبحناه خارجاً، ومع ذلك نشكّ في حليّة لحمه وحرمته؛ لاحتمال عدم قابليته للتذكية. فهذه شبهة حكمية. وأخرى نفرض بأنّ هذا اللحم، لا ندري أهو لحم غنم، أو سبّع، أو لحم مسوخ، فتكون الشبهة من هذه الناحية موضوعية.

[الشك بنحو الشبهة الحكمية]

أمّا الشبهة الحكمية وهي: أن نفرض في المقام، أنّ هذا حيوان معلوم الهوية، كالأرنب، ولكن لا ندري أنّ الأرنب قابل للتذكية شرعاً أو لا؟ فنشك في حليّته وحرمته من ناحية الشكّ في قابليته للتذكية وعدمها. 

هنا هل نجري استصحاب عدم التذكية أو لا ؟، بعد ذبحه بالطريقة المتعارفة.

تحقيق جريان هذا الاستصحاب في هذا الشق إثباتاً، ونفياً يتوقّف على الالتفات إلى بحثين في مباني المطلب من الناحية الفقهية:

البحث الأوّل: أن نعرف ما هو حقيقة التذكية، التي أُخذ عدمها في موضوع الحرمة، فحرّم الشارع كلّ ما لا يكون مُذكّى، ونريد أن نستصحب عدمها. هذه التذكية فيها احتمالان بدواً:

 أحدهما: أن تكون التذكية عبارة عن أمر بسيط متحصّل من عملية الذبح بخصوصياتها. 

ــــــــــ[60]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

والاحتمال الآخر: أن تكون التذكية عبارة عن نفس هذه العملية بشؤونها. ورود هذين الاحتمالين هنا، من سنخ ورودهما في باب الطهارات الثلاث، إنّ الطهارة هل هي معنى متحصّل من الغسلات، والمسحات، أو هي نفس الغسلات والمسحات.

وكلّ من الاحتمالين، في معنى التذكية، أيضاً فيه تشقيقات، فمثلاً: إذا كانت التذكية معنى بسيطاً متحصّلاً من هذه العملية، فهل نسبة هذا المعنى المتحصّل إلى العملية نسبة العنوان إلى المعنون، بحيث ينطبق عليه، وتكون العملية مصداقاً له، من قبيل مصداقية القيام لعنوان التعظيم، أو نسبة المسبَّب إلى سببه، بحيث إنّه أمر آخر موجود بوجود آخر ناشئ منه. وعلى الثاني فهل هذا المسبَّب أمر تكويني من قبيل الموت المسبَّب تكويناً عن الضرب، أو أنّه مسبَّب تشريعي من قبيل الملكية التي هي أمر بسيط مسبَّب عن العقد.

كما أنّه على الاحتمال الآخر، إذ فرضنا أنّ التذكية هي نفس العملية فهل التذكية مجرّد هذه العملية، بلا تقيّد بخصوصية في نفس الحيوان، فمتى ما أجرينا هذه العملية سميّناها تذكية، حتّى لو أجريناها على المسوخ، أو على الكافر الحربي -مثلاً-. أو أنّ هذه العملية انما تكون تذكية بقيد أن تقع في موضوع قابل، فتكون مقيّدة بخصوصيّة في موضوعها، فمثلاً التذكية هي فري أوداج الغنم لا فري الأوداج مطلقاً.

فهذه الاحتمالات مرجعها إلى هذين الاحتمالين البدوين: هل أنّ التذكية أمر بسيط متحصّل، أو أنّها نفس هذه العملية، وسوف نشير من الناحية الفقهية 

ــــــــــ[61]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

إلى ما هو الصحيح من هذين الاحتمالين بشقوقها. ومقصودنا الالتفات إلى هذا البحث؛ لأنًّ جريان الاستصحاب يبتنى عليه.

البحث الثاني: الذي لابدَّ من الالتفات إليه تصوّراً الآن، هو: أنّ عدم التذكية الذي أُخذ موضوعاً للحكم بالحرمة، كيف أُخذ عدم التذكية في موضوع الحكم الشرعي، فهذا البحث الثاني في معرفة كيفية أخذ عدم التذكية في موضوع الحكم الشرعي.

هناك كيفيتان متصوّرتان ثبوتاً لأخذ عدم التذكية في موضوع الحكم بالحرمة، يحتاج تعيين أحدهما إلى الدليل بحسب مقام الأثبات.

الكيفية الأولى: أن يكون عدم التذكية الذي أُخذ في موضوع الحكم بالحرمة أضيف الى ذات الحيوان بما هو حيوان، لا بما هو زاهق الروح أو ميت. فقيل بأن الحيوان الذي لا يكون مُذكّى حرام، وجعل عدم التذكية مسند إلى الحيوان ومن شؤونه. وحينئذٍ، فمن المعلوم أنّنا إذا لاحظنا عنوان: الحيوان الذي لا يكون مُذكّى، فإنّه ينطبق على الحي أيضاً كما ينطبق على الميّت حتف أنفه. فإنّ الحي أيضاً حيوان ليس بمذكّى، والمفروض أنّ الحرمة لا تشمل الحي. ومن هنا كان هناك جزء آخر في موضوع الحرمة، وهو زهاق الروح، فيصير موضوع الحرمة عبارة عن حيوان له شأنان: أحدهما، شأن عدمي وهو أنّه ليس مذكى، والآخر، شأن وجودي، وهو أنّه زاهق الروح. وكلا هذين الشأنين أضيفا إلى ذات الحيوان بما هو حيوان. وهذا معنى ما نقوله من أنّ موضوع الحكم الشرعي هنا مركّب من جزئين، عدم تذكية الحيوان بما هو حيوان، وزهاق روحه. 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فحينئذٍ، الحرمة لا تشمل الحي؛ باعتبار أنّ الجزء الثاني من الموضوع غير موجود، وهو زهاق الروح، وإن كان الجزء الأوّل موجوداً في الحي وهو عدم التذكية.

الكيفية الثانية: المتصوّرة، هي أن لا نفرض حيواناً له شأنان، والموضوع مركّب من شأن وجودي وعدمي مضافين إليه، بل نقول: بأنّ عدم التذكية، الذي أُخذ في موضوع الحكم الشرعي بالحرمة أُضيف إلى زهاق الروح ابتداءً، عدم تذكية الميت، لا عدم تذكية ذات الحيوان، فمن أوّل الأمر نجعله لا يشمل الحي؛ لأنّ عنوان: زاهق الروح الذي لم يُذكَ بنفسه لا يشمل الحي، فيكون موضوعاً واحداً، هو عبارة عن عدم تذكية زاهق الروح او الميّت الذي لم يذك. بحيث يجعل عدم التذكية شأناً من شؤون الميّت لا شأناً من شؤون ذات الحيوان.

هذا هو البحث الثاني الذي سوف يأتي أيضاً الأشارة إلى تحقيقه من الناحية الفقهية.

[تحقيق في المقام]

فإذا التفتنا إلى هذين البحثين فنقول: إذا بنينا في البحث الأوّل على أنّ التذكية معنى متحصّل بسيط. بناءً على هذا، هل يجري استصحاب عدم التذكية أو لا؟ 

يختلف الحال بأختلاف المبنى في البحث الثاني؛ لأنّه إن بنينا في البحث الثاني على أنّ عدم التذكية -التي هي أمر بسيط- أُخذ عدمها مضاف إلى ذات الحيوان، وأنّ موضوع الحرمة مركّب من شأنين للحيوان: شأن عدمي هو عدم 

ــــــــــ[63]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

التذكية، وشأن وجودي وهو زهاق الروح. بناءً على هذا لا ينبغي الإشكال في جريان استصحاب عدم التذكية؛ لأنّ الشأن الوجودي ثابت بالوجدان؛ لأن هذا الحيوان فرينا أوداجه. والشأن العدمي هو عدم التذكية، أُضيف إلى ذات الحيوان، وعدم التذكية بما هو مضاف إلى ذات الحيوان له حالة سابقة؛ لأنّ هذا الحيوان قبل فري أوداجه لم يكن فيه هذا المعنى البسيط المسمّى بالتذكية جزماً. فنستصحب هذا العدم الثابت للحيوان قبل فري أوداجه إلى ما بعد الفري. فنثبت أحد جزئي الموضوع بالوجدان والآخر بالاستصحاب.

بلا فرق بين أن نقول بجريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية أو لا نقول؛ لأنّ عدم التذكية الذي نريد أن نستصحبها هنا، ليس عدماً أزلياً، بل هو عدم في حال وجود الموضوع؛ لأنّه أُخذ مضافاً إلى ذات الحيوان، وذاته كان موجوداً، وكان هذا العدم ثابتاً في حقّه. فلا يبتنى استصحابه على جريان استصحاب العدم الأزلي.

وأمّا لو فُرِض أنّ أخذ عدم التذكية، أُخذت في موضوع الحكم الشرعي، بالنحو الأخر المذكور في البحث الثاني، يعني: أُخذ عدمها في الموضوع، لابما هو مضاف إلى ذات الحيوان، بل ماهو مضاف إلى زاهق الروح، فقيل أنّ عدم تذكية زاهق الروح موجب للحرمة، فإنّ زاهق الروح قد يكون مُذكّى وقد لا يكون مُذكّى، فالشارع يقول: إنّ زاهق الروح حيث لايكون مُذكّى حرام.

بناءً على هذا يبتنى جريان الاستصحاب هنا على جريانه في الاعدام

الأزلية؛ وذلك لأنّ موضوع عدم التذكية بناءً على هذا التقدير ليس هو 

ــــــــــ[64]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

ذات الحيوان، بل هو زاهق الروح، ومن المعلوم أنّ زاهق الروح ليس له حالة سابقة بما هو زاهق الروح؛ لأنّ هذا الخيل الذي قتلناه من الآن الأوّل مِن قتله، هو إمّا مُذكّى أو غير مُذكّى، فلم يثبت له التذكية أو عدمها في آن، حتّى نستصحب عدمها. نعم عدمها في زاهق الروح من باب السالبة بانتفاء الموضوع، من باب أنّه لا زاهق روحه. وهذا ثابت قبل زهاق الروح. 

فإنّ عدم التذكية بما هو مضاف إلى زاهق الروح، فرع أن يكون هناك زاهق الروح، فعدم التذكية بنحو السالبة بانتفاء الموضوع ثابت لا محالة، إذ قبل زهاق الروح لا موضوع، ليثبت له التذكية. فعدم التذكية بعدم الموضوع ثابت، وهذا معنى العدم الأزلي. وهذا العدم الأزلي متيقّن في السابق. فحينئذٍ، يكون جريان استصحابه مبنيّاً على جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية، والصحيح هو جريانها.

 هذا إذا اخترنا المبنى الاول في التذكية.

وأمّا إذا اخترنا المبنى الثاني، وهو أن تكون التذكية عبارة عن نفس العملية -عملية فري الأوداج- وحينئذٍ، فإن فرضنا أنّها مجرّد هذه العملية بلا قيد زائد، بحيث حتّى لو أُجريت في الكافر الحربي يضاً تسمّى تذكية. 

إن كان هكذا فمعناه: أنّ هذا الأرنب نقطع بأنّه مُذكّى؛ لأنّنا أجرينا عليه العملية، ويصير الشكّ في حرمته، وحليّته. من ناحية أخرى أنّ الُمذكّى هل هو من قبيل مأكول اللحم، أو من محرّم اللحم، فيدخل في الشق الأوّل من شقوق الشك، ويخرج عن هذا الشق.

ــــــــــ[65]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وأخرى نفرض أنّ التذكية عبارة عن عملية فري الأوداج مع خصوصية زائدة، حتّى تصبح أصل التذكية مشكوكة.

وأمّا(1) إذا اخترنا في البحث الأوّل، أنّ التذكية أمر مركّب: عبارة عن نفس عملية فري الأوداج -مثلاً-. فحينئذٍ، إمّا أنّ تكون التذكية مجرّد هذه العملية، بلا قيد ولا جزء زائد، وهذا معناه: أنّ هذا الخيل، بإجراء هذه العملية عليه، يُقطع بكونه مُذكّى إذ ليست التذكية إلّا نفس هذه العملية، فيكون الشكّ في حرمته ناشئاً من غير ناحية الشكّ في تذكيته، ينشأ من ناحية احتمال، أنّ هذا الحيوان وإن كان مُذكّى هو من غير مأكول اللحم، فيدخل في النحو الأوّل من الشكّ الذي فرغنا عنه.

وأمّا إذا فرضنا أنّ التذكية، عبارة عن نفس العملية، لكن لا كيفما اتّفقت، بل العملية المتحصّصة بخصوصية في الحيوان، فالتذكية في العملية الواقعة على حيوان مخصوص، لا على أي حيوان كيفما اتّفق. 

غاية الأمر أنّ هذه الخصوصية، التي أُخذت مخصِّصة للعملية، لا ندري ما هي، نشك في سعتها وضيقها.

 ومن هنا تنشأ الشبهة الحكمية. لا ندري أنّ هذه الخصوصية -مثلاً-، هل هي خصوصية الغنميّة، بمعنى أنّ التذكية هي عبارة عن إجراء عملية الذبح على حيوان موصوف بالغنميّة، أو هي خصوصية أوسع من الغنميّة كخصوصية كون الحيوان أهلياً.

ــــــــــ[66]ــــــــــ

() لخّص أولاً بعض ما كان قاله في النحو الثاني من الشك. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فإن فُرِض أنّ الخصوصية هي خصوصية الغنميّة، فالخيل إذن، لا تتحقّق به التذكية؛ لأنّه ليس غنماً، وفاقد للخصوصية. 

وإن كانت الخصوصية، هي: خصوصية كون الحيوان من الحيوانات الأهلية، في مقابل السباع والوحوش، إذن، فالخيل حيوان أهلي، فتكون هذه الخصوصية موجودة فيه، فمن هذه الناحية ينشأ الشك، في أنّ الخيل هل هو قابل للتذكية، أو ليس قابلاً لها بنحو الشبهة الحكمية.

وهنا لايمكن إجراء الاستصحاب، سواءٌ كانت هذه الخصوصية قد أُخذت جزءاً في مفهوم التذكية أو قيداً. أي سواءٌ قلنا بأنّ التذكية مركّب من فعل الذابح وفعل الله، وهو كونه غنماً أو كونه حيواناً أهلياً. أو أنّ التذكية عبارة عن فعل الذابح، لكن مع تقيّده بخصوصية في هذا الحيوان، وهو أن يكون غنماً أو أهلياً.

على كِلا التقديرين، لا يمكن في المقام استصحاب عدم هذه الخصوصية؛ وذلك لأنَّ ما يراد استصحاب عدمه، إمّا أن يكون هو نفس عنوان الخصوصية الدخيل في الحكم الشرعي. نقول: إنّ هذا الخيل قبل أن يوجد لم يكن فيه تلك الخصوصية الدخيلة، فنستصحب عدم عنوان الخصوصية، هذا خطأ؛ لأنّ عنوان الخصوصية، الدخيلة عنوان انتزاعي منتزع عن ترتيب الحكم الشرعي بالحرمة أو بالحليّة، على موضوعه(1)، وليس هو موضوعاً للحكم الشرعي. 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

() فهو في طول ترتيب الحكم، وليس موضوعاً للحكم حتّى يجري فيه الاستصحاب (المحاضرة). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

والاستصحاب إنّما يجري مثبتاً أو نافياً في موضوع الأحكام الشرعية.

وإن أردنا أن نستصحب عدم ذات تلك الخصوصية وواقعها، الدخيلة في التذكية، فهذا غير صحيح؛ لأنّ واقع تلك الخصوصية مردّد بين ما هو مقطوع العدم، وما هو مقطوع الثبوت؛ لأنّ واقع تلك الخصوصية إمّا الغنميّة وإمّا كون الحيوان أهلياً. فإن كان الغنميّة فهو مقطوع العدم وعلى الثاني فهو مقطوع الثبوت. فاستصحاب واقع الخصوصية الدخيلة أركانه غير تامّة.

إذن، فهنا يمتنع جريان الاستصحاب من دون فرق بين أن تكون بخصوصية جزء أو شرطاً. إذ لوكانت جزء، نجري هذا الكلام في الجزء فنقول: إنّ هذا الجزء أمره مردّد بين الغنميّة، وهي مقطوعة العدم، والأهلي وهي مقطوعة الثبوت. 

وإن كانت شرطاً، وأنّ الحكم الشرعي مترتّب على عملية الذبح المقيّدة بتلك الخصوصية، نتكلّم في المقيّد بما هو مقيّد، نقول: هل أنّنا نستصحب عدم الذبح المقيّد بالغنميّة، فهذا مقطوع العدم، أو نستصحب عدم الذبح المقيّد بالأهلية، وهو مقطوع الثبوت.

إذن، فهنا لا مجال لجريان الاستصحاب الموضوعي بالنسبة إلى هذه الخصوصية.

وليس هذا بدعاً، بل هذا الحال في تمام الشبهات الحكمية، فإنّه فيها لايجري الاستصحاب الموضوعي لا محال، كما لو شككنا في شخص عالم بغير الفقه أنّه هل يجب إكرامه أو لا؟ لاحتمال أن وجوب الإكرام مخصوص بخصوص العالم الفقيه. هنا، لا معنى لأن نستصحب عدم ذلك العنوان الواقع 

ــــــــــ[68]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

موضوعاً لوجوب الإكرام؛ لأنّ ذلك العنوان أمره مردّد عندنا بين السعة والضيق، بين الفقيه خاصّة ومطلق العالم، فإن كان هو الفقيه خاصّة فهو مقطوع الانتفاء عن هذا المؤمن، وإن كان هو مطلق العالم فهو مقطوع الثبوب بالنسبة إليه.

فهذا يندرج تحت مدّعى كلّي، وهو: أنّه في تمام موارد الشبهات الحكمية، لايمكن اجراء الاستصحاب الموضوعي؛ لأنّ الموضوع في الشبهات الحكمية أمره مردّد دائماً بين مقطوع البقاء ومقطوع الارتفاع. ومن هنا لايجري الاستصحاب إلّا حكمياً عن الشبهات الحكمية، دون الاستصحاب الموضوعي.

نعم، قسم من الشبهات الحكمية، وهي الشبهات الحكمية المفهومية، التي ينشأ الشكّ في الحكم فيها من ناحية إجمال المفهوم، توهم بعضهم إجراء الاستصحاب في ذلك المفهوم المجمل. كما لو فُرِض أنّ شخصاً كان تاركاً للكبيرة والصغيرة، ثُّمّ ارتكب الصغيرة، توهّم بعضهم أنّه يجري استصحاب العدالة بالنسبة إليه؛ لأنّ العدالة مفهوم مجمّل متيقّن الحدوث مشكوك البقاء. 

إلّا أنّ الصحيح كما هو المحقّق في محلّه، عدم جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية، لهذا البيان حتّى في موارد إجمال المفهوم.

ومن هنا، في ماهو محلّ البحث لا نقول بجريان استصحاب عدم التذكية، وعدم تلك الخصوصية، حتّى مالو فُرِض أنّها كانت مجملة مفهوماً. كما لو علمنا إنّ هذه الخصوصية هي الغنميّة، لكن لاندري أنّ الغنميّة هل يكفي فيها كون الحيوان أحد أبويه غنماً، أو لابدّ فيها من أن يكون كلا أبويه غنماً. فهذه 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

شبهة مفهومية. وهنا أيضاً لا يجري الاستصحاب؛ لعدم جريان الاستصحاب الموضوعي في الشبهات الحكمية مطلقاً، ولو كانت الشبهة مفهومية. وتمام النكتة في ذلك هو: أنّ الموضوع مردّد أمره بين مقطوع الثبوت ومقطوع النفي، فأركان الاستصحاب غير تامّة في المقام(1).

هذا كلّه في الشبهة الحكمية. فاتّضح من ذلك أنّ جريان الاستصحاب في المقام، مبني على تحقيق أنّ التذكية أمر بسيط وأمر مركّب. فإن كانت أمراً بسيطاً جرى الاستصحاب على كلا المبنيين في البحث الثاني؛ لأنّنا نقول بجريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية. وإن كانت التذكية أمراً مركّباً، فلا يجري الاستصحاب سواءٌ أُخذت خصوصية المحلّ في الموضوع جزءاً أو شرطاً.

[الشك بنحو الشبهة الموضوعية] 

وأمّا الشبهة الموضوعية، لو فرضنا أنّنا علمنا بنحو الشبهة الحكمية، أنّ الخصوصية في التذكية هي كون الحيوان أهلياً، وأنّ التذكية عبارة عن العملية الواقعة على الحيوان الأهلي، لكن لاندري هل أنّ هذا الحيوان هو أهلي أو من السباع بنحو الشبهة الموضوعية؟

هنا، لا بأس بالالتزام بجريان استصحاب عدم التذكية، سواءٌ كانت 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: هذا يكون من قبيل الاستصحاب القسم الثاني، لو أردنا أن نجريه في الفرد لا في الكلّي، وهو الذي سمَّوه باستصحاب الفرد المردّد. فإنّنا في استصحاب القسم الثاني لو أردنا إجراء استصحاب الفرد يكون باطلاً لعين هذا البيان. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

التذكية أمراً بسيطاً أو كانت أمراً مركّباً. أمّا إذا كانت امراً بسيطاً، فالأمر في غاية الوضوح؛ لأنّ هذا الأمر البسيط يُشك في تحقّقه أو عدم تحقّقه فيجري استصحاب عدمه، سواءٌ بنحو العدم الأزلي أو بنحو العدم النعتي، على مامر في الشبهة الحكمية.

 وأمّا إذا فرضنا أنّ التذكية، عبارة عن نفس العملية، لكن في الحيوان الأهلي، بهذا القيد، ولا ندري أنّ هذا أهلي أو لا؟ فيستصحب عدم الأهلية هنا؛ لأنّ الأهلية صفة نشك في وجودها. فالشكّ هنا في وجود الموضوع لا في موضوعية الموجود. وهذا هو الفرق بين هذا المقام، وسيرة الشبهة الحكمية. فإنّه هناك لما كنّا نشير إلى الخيل نقول: الخيل أهلي جزماً وليس غنماً جزماً، ولا ندري أنّ موضوع الحكم الشرعي أهو الأهلية الموجودة أو هو الغنميّة المفقودة، فالشكّ هنا في موضوعية الموجود، لا في وجود الموضوع. وأمّا هنا فالشكّ في وجود الموضوع، فإنّ الموضوع هو الأهلية، وأنا أشكّ في أنّ هذا الحيوان أهلي أو لا. فأجري استصحاب عدم الأهلية ولو بنحو العدم الأزلي الثابت قبل وجود الموضوع، بناءً على ماهو المحقّق عندنا من جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية(1).

ــــــــــ[71]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: حتّى في الخصوصيات الذاتية؟

 فاجاب (سلمه الله): على الكلام فيما لو فُرِض أنّها كانت خصوصية ذاتية.

 فقال: يعني قد يفرق بين الغنمية والأهلية؟

 فاجاب: نعم. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فاتضح الفرق بين الشبهة الموضوعية لهذا الشكّ والشبهة الحكمية له. ففي الشبهة الحكمية استصحاب عدم التذكية انما يجري لو كانت التذكية أمراً بسيطاً. وأمّا إذا كانت أمراً مركّباً فلا يجري. 

وأمّا في الشبهة الموضوعية فيمكن القول بجريان استصحاب عدم التذكية مطلقاً. سواءٌ كانت التذكية أمراً بسيطاً أو مركّباً.

هذا تمام الكلام في النحو الثاني من الشك.

[تلخيص]

كان(1) الكلام في النحو الثاني من أنحاء الشكّ في الحليّة والحرمة وهو: أن يُشك في حرمة اللحم ناشئاً من قابليته للتذكية. قلنا: أنّ هذا الشكّ تارةً يتصدّر بنحو الشبهة الحكمية، وأخرى بنحو الشبهة الموضوعية. 

والحكمية هي: أن يعرف أنّ هذا لحم خيل، ولا يدري أنّ الخيل قابل للتذكية أو لا. والموضوعية هي أن يتردّد أمر هذا اللحم بين ان يكون لحم غنم أو لحم سبُع.

أمّا في الشبهة الحكمية فخلاصة المدّعى هو: أن التذكية إذا كانت أمراً بسيطاً متحصّلاً، فيجري استصحاب عدم التذكية على تفصيل. وإن كانت أمراً مركبّاً فلا يجري استصحاب عدمها أصلاً.

خلاصة ذلك: أنّ التذكية إذا كانت امراً بسيطاً، وفُرِض أنّها أُضيفت إلى 

ــــــــــ[72]ــــــــــ

()  لخّص أولاً بعض ماكان قد قاله في النحو الثاني من انحاء الشك، ولا باس بنقله هنا لكونه اختصاراً منظّماً لما سبق: (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

ذات الحيوان بما هو حيوان، وأُخذ عدمها في موضوع الحرمة. حينئذٍ، لا إشكال في جريان استصحاب عدم التذكية؛ لأنّ التذكية -ولو عند من لا يقول بالاستصحاب الأزلي- هنا أضيف إلى ذات الحيوان، وهي بما هي مضافة الى ذات الحيوان مسبوقة بالعدم في حال حياته فيستصحب ذلك العدم المحفوظ مع حفظ الموضوع.

وإن فُرِض أنّ التذكية، التي هي أمر بسيط -مثلاً-، قد أضيفت إلى الحيوان الزاهق الروح بما هو زاهق الروح، لا بما هو حيوان، وأُخذ عدمها في موضوع الحرمة، عدم تذكية زاهق الروح، فمثل هذا العدم ليس له حالة سابقة مع الحفاظ على الموضوع؛ لأنّ هذا الحيوان الذي زهقت روحه، لأنّه من أوّل ما زهقت روحه لا يدري أنّه مُذكّى أو لا. نعم، العدم بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، أي عدم تذكية ما زهقت روحه، ولو من باب أنّه لم تزهق روحه، هذا العدم الأزلي الذي هو من باب السالبة بانتفاء الموضوع متيقّن سابقاً. ومن هنا يبنى جريان الاستصحاب على إجرائه في الأعدام الأزلية. هذه خلاصة المطلب في الشبهات الحكمية.

وأمّا في الشبهات الموضوعية، إن كانت التذكية التي أُخذ عدمها في موضوع الحرمة مضافة إلى عنوان ما زهقت روحه، فيجري استصحاب العدم الأزلي وبه تنقّح موضوع الحرمة؛ لأن عدم التذكية بالنسبة إلى ما زهقت روحه، إنّما يكون محرّزاً قبل زهاق الروح، يعني محرّزاً بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، الذي هو معنى العدم الأزلي. فيجري الاستصحاب حينئذٍ بنحو العدم الأزلي.

ــــــــــ[73]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وأمّا إذا فرضنا أنّ التذكية التى أُخذ عدمها في موضوع الحرمة أضيفت إلى ذات الحيوان، لا الى الحيوان بماهو زاهق الروح. فهنا إمّا أنّ تكون التذكية أمر بسيطاً، وإمّا أن تكون أمراً مركّباً. فإن كانت أمراً بسيطاً، فيجري استصحاب عدمها، حتّى عند من يقول بعدم جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية؛ لأنّ هذه التذكية، التي هي أمر بسيط، أضيفت إلى ذات الحيوان، فهى مسبوقة بهذا الاعتبار بالعدم مع حفظ الموضوع وهو الحيوان، فيجري استصحابه بلا اشكال.

وأمّا إذا كانت التذكية المضافة إلى ذات الحيوان، أمراً مركّباً، أي عبارة عن نفس عملية الذبح بشرائطها. فحينئذٍ، تلك الخصوصية المفروضة في الحيوان، كخصوصية الغنميّة -مثلاً- إمّا أن تكون مأخوذة جزءاً في مفهوم التذكية، أو قيداً فيه.

فإن كانت مأخوذة جزءاً في مفهوم التذكية كان معنى ذلك، أنّ مفهوم التذكية مركّب من أمرين: أحدهما عمل الإنسان والآخر عمل الله. والأوّل هو ذبح هذا الخروف والآخر غنميّته. وأحد هذين الجزئين وهو عمل الإنسان تيقّنّا بوقوعه بحسب الخارج، وأنّما الشكّ في عمل الله؛ لأنّا لا ندري بأنّ هذا غنم أو سبُع. فهنا لا محيص عن التمسّك باستصحاب العدم الأزلي حينئذٍ؛ لأن الغنميّة حالة ليس لها سابق عدم إلّا من باب السالبة بانتفاء الموضوع. فتبنى المسألة على جريان الاستصحاب العدم الأزلي في أمثال المقام.

وأمّا إذا كانت خصوصية الغنمية مأخوذة قيداً لا جزءاً، أو كانت التذكية عبارة عن أمر مقيّد بالغنمية لا مركّب منها. وشأن المقيّد أنّه ينحل إلى ذات 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

المقيّد وإلى التقيّد مع خروج القيد، كما قرأنا في الكفاية. والقيد ليس جزءاً من المقيّد، وإلا لانقلب الشرط شطراً. إذن، فالتذكية، بناءً على هذا، عبارة عن الذبح المقيّد بالغنمية، من دون ان تكون الغنمية نفسها دخيلة في المطلب.

وحينئذٍ، لا نحتاج هنا إلى أن نجري استصحاب ذات القيد، وهو الغنمية(1)، حتّى يكون عدمها عدماً أزلياً، فتُبنى المسألة على استصحاب العدم الأزلي. بل نجري استصحاب المقيد بما هو مقيد، لأنّ ذات المقيّد وهو الذبح وإن وقع بحسب الخارج، لكن التقيّد أو النسبة التقييدية بالغنمية هو أمر مشكوك الوقوع؛ لأنّ تمامية النسبة فرع تمامية طرفيها، وحيث إنّه يشك في ذلك فيشك في التقيد فيستصحب عدم المقيّد بما هو مقيد. بلا حاجة إلى ملاحظة ذلك العدم الأزلي الثابت قبل أن يوجد هذا الحيوان.

إذن، فجريان الاستصحاب في الشبهة الموضوعية، أوسع منه في الشبهة الحكمية. فإنّه في الحكمية إذا كانت التذكية أمراً بسيطاً يجري الاستصحاب على تفصيل، وأمّا إذا كان مركّباً لا يجري الاستصحاب أصلاً. سواءٌ أُخذت الخصوصية قيداً أو شطراً. 

وأمّا في الشبهات الموضوعية فليس الأمر كذلك، بل يكون بهذا التفصيل: ففي بعض هذه الشقوق يجري الاستصحاب على كلّ حال، وفي بعضها يُبنى جريانه على إجرائه في الأعدام الأزلية.

ــــــــــ[75]ــــــــــ

() بل لا يمكن ذلك؛ لأنّها غير داخلة في موضوع الحرمة على الفرض والأصل إنّما يجري في موضوعات الأحكام، (من كلام سيّدنا الأستاذ). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 [وجوه النظر في ما أفاده المحقق العراقي في المقام]

إذا اتّضح هذا، يتّضح حينئذٍ، وجوه النظر في ما أفاده المحقق العراقي. في هذه المسألة. فإنّه ذكر بأنّ الشبهة سواءٌ كانت موضوعية، أو حكمية، إن فُرِض أنّ التذكية كانت أمراً بسيطاً متحصّلاً فيجري استصحاب عدمها، سواءٌ كانت الشبهة موضوعية، أو حكمية. وهذا هو الجانب الإثباتي في كلامه. 

وإذا كانت التذكية أمراً مركّباً وعبارة عن فري الأوداج مع القابلية الخاصّة بالحيوان، فهنا لا يجري استصحاب عدم التذكية، سواءٌ أُخذت القابلية جزءاً أو اخذت قيداً؛ وذلك لأنّ هذه القابلية في نفسها ليس لها حالة سابقة؛ لأنّ هذه القابلية هي أمر ذاتي للحيوان، وثابت بثبوته من أول الأمر. فلم يمر على الحيوان وقت لم يكن فيه هذه القابلية، حتّى يستصحب عدمها.

فإن قيل: إنّكم تقولون بجريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، فاستصحبوا عدمها الثابت قبل وجود الحيوان. 

أجاب عن ذلك، بأنّ هذه القابلية حيث إنّها ذاتية للحيوان، ومن لوازم الماهية على حسب تعبيره. فلا يجري استصحاب الأعدام الأزلية فيها لبنائه على التفصيل الذي أشرنا إليه سابقاً، في باب الأعدام الأزلية بين الصفات الذاتية والصفات العرضية(1) وهذا هو الجانب السلبي في كلامه(2).

ــــــــــ[76]ــــــــــ

()  انظر: نهاية الأفكار 3: 255-256.  

(2) وهنا قال جواباً على سؤال: قال يعني المحقق العراقي: وان كان قيداً فالامر قيد أيضاً كذلك. من دون استئناف بيان جديد. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

اتّضح ممّا بيناه وجود الملاحظة في كلا الكلامين:

 أمّا الجانب الإثباتي في كلامه، وهو أنّ التذكية إذا كانت أمراً بسيطاً فيجري استصحاب عدمها بلا اشكال. فقد بيّنا بأنّ الأمر وإن كان كذلك. لكن ينبغي التفصيل بينما إذا كانت التذكية التي أُخذ عدمها في موضوع الحرمة مضافة إلى ذات الحيوان، أو مضافة إلى ما زهقت روحه، فإن كانت مضافة إلى ذات الحيوان جرى استصحاب عدمها، ولو عند من يقول بعدم جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية. وأمّا إذا كانت مضافة إلى عنوان ما زهقت روحه، فلا يجري استصحاب عدمها إلّا بناءً على جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية.

فالجانب الاثباتي من كلامه، وإن كان صحيحاً بحسب النتيجة، لكن ينبغي أن يفصّل فيه بين هذين الوجهين، ويبني جريان الاستصحاب، في الوجه الثاني على مسألة جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية.

وأمّا الجانب السلبي من كلامه، وهو أنّه إذا كانت التذكية مركّبة من فري الأوداج مع القابلية، أو كانت القابلية قيداً فلا يجري الاستصحاب؛ لأنّ القابلية من الشؤون الذاتية للحيوان، فلا يجري فيها الاستصحاب، ولو أزلياً.

هذا الجانب السلبي من كلامه غير مفهوم موضوعاً ومحمولاً:

 أمّا موضوعاً: فيحتاج إلى تأويل، إذ ما معنى أن يقول أنّ التذكية إذا كانت مركّبة من فري الأوداج مع القابلية للتذكية. هذا أمر لا معنى له. لا معنى لأن يفرض أن القابلية للتذكية جزء من مفهوم التذكية؛ لأن القابلية لشيء خارج 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

عن ذلك الشيء وغير داخل فيه. فإذا فرضنا أنّ التذكية عبارة عن فري الأوداج مع القابلية للتذكية، لزم كون القابلية لشيء داخلاً في مفهوم ذلك الشيء وهذا أمر غير معقول.

فينبغي أن يكون مقصوده من القابلية -بعد غض النظر عن التسامح بالتعبير- ما ذكرناه بالخصوصية التي بها يرى المولى أنّ فري الأوداج يكون مؤثّراً في طهارة الحيوان ونقائه وحلّه، كخصوصية الغنميّة أو خصوصية كون الحيوان أهلياً. وبعد أصلاحه بذلك يرجع من حيث الموضوع إلى ما ذكرناه.

وأمّا من حيث المحمول: فقد منع عن جريان استصحاب العدم هنا من باب أنّ القابلية خصوصية ذاتية، ولا يجري الاستصحاب العدم الأزلي في الخصوصيات الذاتية. ونحن قلنا، على ضوء ما تقدّم، إنّ الشبهة إذا كانت حكمية، فلا يجري استصحاب العدم، ولو قلنا بجريان الاستصحاب الأزلي في الخصوصيات الذاتية، من باب أنّه لا شكّ أنّ في الشبهة الحكمية، الخصوصية متردّدة بين مقطوعة الثبوت ومقطوعة الارتفاع. إذ لا نعلم أنّ تلك الخصوصية هي الغنميّة: وهي مقطوعة الانتفاء في الخيل، والأهلية وهي مقطوعة الثبوت، فجريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية ليس مربوطاً أصلاً بالمباني في بحث استصحاب العدم الأزلي، بل ولو قيل بجريان استصحاب العدم الأزلي مطلق، مع هذا لا يقال بجريان استصحاب العدم في الشبهة الحكمية. كما حقّقناه فيما سبق، وبيّنا أنّ الشكّ في الشبهة الحكمية ليس في بقاء الموضوع وعدم بقائه، بل في موضوعية الباقي أو المرتفع وفي مثل ذلك لا يجري الاستصحاب.

ــــــــــ[78]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فيما إذا كانت الشبهة موضوعية لا حكمية 

وأمّا إذا كانت الشبهة موضوعية لا حكمية، عندنا لحم لا ندري أهو سبُع أو هو غنم؟ فهنا قلنا أنّه ينبغي أن يفصّل بين ما إذا كانت خصوصية الغنميّة مأخوذة في مفهوم التذكية جزءاً، أو قيداً. فإذا كانت مأخوذة جزءاً فيه ومفهوم التذكية مركّب عن جزئين: أحدهما فري الأوداج والآخر غنميّة الحيوان فالجزء الأوّل متيقّن، لا معنى لاجراء الاستصحاب فيه. والجزء الثاني وهو الغنميّة ليس له حالة إلّا العدم الأزلي.

هنا يأتي كلام آغا ضياء، وهو أذنّ استصحاب العدم الأزلي لا يجري،
-مثلاً- لأنّ خصوصية الغنميّة من الخصوصيات الذاتية.

وأمّا إذا فرضنا أنّ الغنمية مأخوذة قيداً في مفهوم التذكية، لا جزءاً. والتذكية هي المقيّد بما هي مقيّد، بحيث يكون التقيّد داخلاً والقيد خارجاً، بناءً على هذا يجري استصحاب العدم، ولو منعنا من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية؛ لأنّ أصل الذبح وإن كان متيقناً لكن الذبح المنسوب إلى الغنميّة بما هو منسوب إليها، أمر مشكوك فيه فيستصحب عدم وقوع المقيّد على هذا الحيوان. والمفروض أنّ التذكية عبارة عن المقيّد ولا تحتاج الى إجراء استصحاب عدم ذات القيد ليقال إنه ليس له حالة سابقة لا بنحو الأزلي، بل يكفي أن نجري استصحاب العدم في المقيّد بما هو مقيّد(1).

ــــــــــ[79]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الأفكار 3: 257.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

هذه هي التعليقات المستفادة من كلامنا السابق على ما أفاده المحقّق العراقي في المقام.

*****

وأمّا(1) إذا كانت الغنميّة مأخوذة قيداً لا جزءاً، والتذكية الذي هو موضوع الحلية عبارة عن ازهاق موضوع الغنم، بحيث تكون الغنميّة قيداً على نحو خروج القيد ودخول التقيد.

هنا قلنا: بأنّ مقتضى القاعدة هو إجراء استصحاب العدم المحفوظ حتّى مع وجود الموضوع، بلا حاجة إلى الصعود بالنظر إلى ذلك العدم الأزلي الثابت قبل وجود الموضوع؛ لأنّ هذا الحيوان حال حياته لم يطرأ عليه الذبح المقيّد بما هو مقيّد، ونشك بعد ذبحه في أنّه هل طرأ عليه الذبح

المقيّد أو لا. فنجري استصحاب عدم الذبح المقيّد. ولانحتاج إلى إجراء الاستصحاب إثباتاً أو نفيّاً في ذات القيد، حتّى يقال إنّ القيد وهو الغنميّة ليس له حالة سابقة، إلّا بنحو العدم الأزلي؛ لأنّ القيد في باب المقيّدات خارج عن موضوع الحكم الشرعي، والدخيل إنّما هو التقيد لا القيد. فنحن نجري الاستصحاب في المقيّد بما هو مقيّد لا في ذات القيد. والمقيّد بما هو مقيّد مسبوق بالعدم في حال وجود الحيوان خارجاً، فنستصحب عدمه المحفوظ في حال وجود الحيوان.

ــــــــــ[80]ــــــــــ

() بعد أن لخّص جملة عن التحقيقات السابقة، قال فيما إذا كانت الشبهة موضوعية. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وهذا الكلام من حيث الكبرى، وإن كان تامّاً، إلّا أنّ مبنى الفقهاء في الفقه خارجاً، ليس على العمل بمثل هذه الكبرى. ليس مبناهم خارجاً في باب المقيّدات فيما إذا فرض أنّه وقع المقيّد موضوعاً لحكم شرعي، على إجراء الاستصحاب في المقيد بما هو مقيد، بل يجرون الاستصحاب في ذات القيد إثباتاً ونفياً ويكتفون به ولا يرون هناك مجالاً لإجراء الاستصحاب في المقيّد بما هو مقيّد.

فمثلاً تعلّق الوجوب بالصلاة المقيّدة بالطهارة بنحو خروج القيد ودخول التقيد. فإنّ الطهارة ليست جزءاً للصلاة، بل شرط، ومعنى ذلك أنّ الطهارة خارجة عن دائرة الوجوب، ولكن التقيّد بها داخل في دائرته. فلو كان الإنسان على طهارة ثُّمّ صلّى بعد هذا، وهو شاك في بقاء طهارته وعدمها. لا اشكال في أن يجري الاستصحاب في ذات القيّد هنا، وهو الطهارة، أو يثبت بذلك أنّه وقعت منه صلاة مع الطهور، فيحرز بذلك ما هو معروض الوجوب بالنسبة إليه بلا أن يأتي إشكال المثبتية، من أنّ استصحاب وجود القيد لازمه العقلي ثبوت التيقيّد الذي هو داخل في دائرة الوجوب. لم يستشكل أحد مثل هذا الإشكال. ولم يتوهّم أحد إجراء الاستصحاب في نفس المقيّد بما هو مقيّد بدلاً عن إجرائه في ذات القيد، فلم يقل أحد إنه نستصحب عدم وقوع الصلاة المقيّدة بما هي مقيّدة.

وهذا معناه أنّ مبناه في الفقه على معاملة المقيّدات بمثل ما يعامل به المركّبات. فكما أنّه إذا كان الموضوع مركّباً من جزئين ينظر إلى كلّ جزء جزء من حيث حالته السابقة. 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

كذلك الموضوع إذا كان مقيّداً أيضاً يعامل القيد كما يعامل الجزء، فينظر إلى القيد في نفسه، ويكون محطّاً للاستصحاب، لا أنّه ينظر إلى المقيّد بما هو مقيّد.

وهذا المطلب لو تم، يكشف لا محالة عن إرتكاز وفهم عرفي للدليل، بحيث يخرج المقيّد عن كونه مقيّداً بذلك المعنى ويجعله كالمركّب بحيث يجري فيه الاستصحاب. وتفصيل النكتة في ذلك وتوضيحه في بحث الاستصحاب إن شاء الله، في باب إجراء الاستصحاب في الموضوعات المركّبة والمقيّدة.

وخلاصة ما أريد أن اقوله هنا: أنّه إذا كان موضوع الحكم الشرعي مقيّداً بالمعنى الحقيقي للمقيّد، فما ذكرناه من الكبرى لا محيص عنه، وهو أنّ مجرى الاستصحاب يكون المقيّد لا ذات القيد. ولا ينفع إجراء الاستصحاب   في ذات القيد اإثباتاً ولا نفياً؛ لأنّ ما هو دخيل في الحكم الشرعي هو التقيّد لا ذات القيد، وإثبات التقيّد أو نفيه بإثبات القيد أو نفيّه من أوضح أنحاء الأصل المثبت، بل يكون مجرى الاستصحاب هو نفس المقيد إثباتاً أو نفياً. وتطبيق الكبرى على محلّ الكلام. حينئذٍ، أنّه إذا كانت الغنميّة مأخوذة قيداً فيجري استصحاب عدم المقيّد.

لكن من حيث الفهم الفقهي، هكذا نحن نفهم، أو هكذا فهم الفقهاء، دائماً إذا أُخذ موضوع بعنوان مقيّد موضوعاً للحكم الشرعي. بنكتة وتحليل وتعمّل، يأتي(1) في بحث الاستصحاب بشرحه الفنّي، يرجع إلى المركّب. 

ــــــــــ[82]ــــــــــ

() وبعد إعمال هذه النكتة يكون الاستصحاب غير مثبت لا أنه مع كونه مثبتاً مع هذا نقول به. (من جواب على سؤال). (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فحينئذٍ، يكون مجرى الاستصحاب ذات القيد لا المقيّد.

فبناءً على الفهم الفقهي الذي يرجع المقيّد إلى المركّب. لا يفرق في المقام بين أن يكون لسان الدليل أخذ الغنميّة قيداً، أو أخذها جزءاً، على كلا الوجهين يتوقّف إجراء استصحاب عدم التذكية على ملاحظة ذلك العدم الأزلي الثابت قبل ثبوت الموضوع(1).

[وجوه النظر في ما أفاده المحقق الأصفهاني]

من مجموع ما ذكرناه، اتّضح وجه النظر أيضاً في ما أفاده بعض المحقّقين كالمحقّق الاصفهاني. من بناء استصحاب عدم التذكية على تحقيق سنخ التقابل بين المُذكّى وغير المذكّى، فقد أفيد أن المذكّى، لا إشكال في كونه موضوعاً للحليّة

شرعاً ومقابلة موضوع للحرمة شرعاً، لكن لكي نعرف أنّه هل يمكن باستصحاب عدم التذكية، أن تحرز موضوع الحرمة المقابل للمُذكّى يجب أن نعرف سنخ التقابل بين المّذكّى وغير المّذكّى.

فإنّ المذكّى ككلّ عنوانٍ يمكن أن يفرض له مقابل بنحو تقابل التضاد. فيكون مقابلة الضدين موضوعاً للحرمة. كأن يقال -مثلاً- بأنّ موضوع الحرمة هو الميّت حتف أنفه، وهذا ضد الميّت ذبحاً بفري الأوداج. فيكون التقابل بين الموضوعين تقابل التضاد. 

ــــــــــ[83]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً لبعض الإخوان: هذا الاشكال حينئذٍ يرتفع عن آغا ضياء. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وإمّا أن يكون التقابل بينهما تقابل السلب والايجاب، والتناقض، بأن يكون موضوع الحلية هو الُمذكّى وموضوع الحرمة هو الحيوان اللامُذكّى. وأمّا أن يكون التقابل بين المُذكّى ومقابله، تقابل العدم والملكة، من قبيل التقابل بين الأعمى والبصير، والعلم والجهل. فموضوع الحليّة هو المُذكّى، وموضوع الحرمة ليس صرف إلّا يكون مُذكّى، بل عدم التذكية في الموضوع الذي من شأنه أن يكون مّذكّى، في الموضوع القابل. ففي البداية شُققت هذه الشقوق الثلاث.

فإن كان التقابل بنحو تقابل التضاد، من قبيل إن يقال أنّ موضوع الحرمة هو الميّت حتف أنفه فحينئذٍ، يتعارض الاستصحابان؛ لأنّ الُمذكّى أمر وجودي، ومقابله أيضاً أمر وجودي، وكلاهما مسبوق بالعدم، فيكون استصحاب عدم الذبح. لمخصوص المسمّى بالتذكية -مثلاً-، معارضاً باستصحاب عدم الموت حتف أنفه. ويسقط الاستصحابان بالمعارضة.

وإن كان التقابل هو تقابل السلب والايجاب، فيجري استصحاب عدم التذكية؛ لأنّ موضوع الحرمة هو الحيوان، الذي لا يكون مُذكّى، وهذا نثبت عدم التذكية فيه بالاستصحاب.

وأمّا أن يكون التقابل بينهما تقابل العدم والملكة، بحيث يكون موضوع الحرمة، هو عدم التذكية في الموضوع من شأنه أن يكون مُذكّى. والموضوع القابل للتذكية، إنّما هو الميّت لا الحي. وحينئذٍ، لا يكون هناك حالة سابقة؛ لأنَّ الميّت من أول آنات زهاق روحه، نحن نشك في أنّه مُذكّى أو غير مُذكّى. 

ــــــــــ[84]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فالعدم في الموضوع غير محّرز. نعم، العدم قبل القابلية محّرز وهو العدم في حال حياة الحيوان لكن العدم في ظرف القابلية وهو ظرف زهاق الروح غير محرز، والمفروض أنّ موضوع الحكم الشرعي هو العدم بنحو العدم الملكتي، لا العدم السلبي الصرف، ومثل هذا العدم الملكتي لا يمكن إثباته بالاستصحاب، إذ ليست حالة سابقة.

فبني جريان استصحاب عدم التذكية على تحقيق سنخ التقابل بينما هو موضوع الحلية وهو الّمذكّى، وما هو موضوع الحرمة وهو غير مّذكّى(1).

 هذا الكلام لا يخلو أيضاً عن نظر:

أمّا ما أفاده في فرض كون التقابل بين المّذكّى وغيره، يعني بين موضوع الحليّة وموضوع الحرمة هو تقابل التضاد، حيث ذكر أنّه يجري الاستصحابان ويتساقطان بالمعارضة. 

فيرد عليه:

 أولاً: عدم تعقّل الفرض في نفسه؛ لأنّ موضوع الحرمة إذ كان أمراً وجودياً مضادّاً للمُذكّى، وهو الميّت حتف أنفه، فلا محالة يكون موضوع الحليّة مجرّد نفي هذا العنوان الوجودي، لا عنواناً وجودياً آخر مقابلاً له؛ إذ يكفي في حلية شيء أن لا يكون معنوناً بعنوان من العناوين المحكومة بالحرمة شرعاً. مجرّد أن لا يكون ميّتاً حتف أنفه يكفي في الحليّة.

 ففرض أنّ الميّت حتف أنفه موضوع للحرمة، مساوق لفرض أنّ موضوع 

ــــــــــ[85]ــــــــــ

(1)  انظر: نهاية الدراية 4: 135-137.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الحليّة هو نقيض موضوع الحرمة، وهو مجرّد ألّا يكون قد مات حتف أنفه، بلا حاجة إلى أن يكون مُذكّى. وإن كان الأمران متساوقين بحسب الخارج. لكن ما هو موضوع الحليّة دائماً هو نقيض موضوع الحرمة؛ إذ يكفي في موضوع الحليّة عدم تمامية ملاك الحرمة. ومن المعلوم أنّ نقيض موضوع الحرمة لم يكن فيه ملاك الحرمة. 

إذن، فقد تمّ فيه ملاك الحليّة. فما هو موضوع الحليّة حينئذٍ، يكون نقيض موضوع الحرمة، وهو أن لا يكون ميّتاً حتف أنفه.

وحينئذٍ، فعنوان المُذكّى بما هو مُذكّى، لا يكون له أثر لا وجوداً، ولا عدماً، بل يكون الأثر تحريماً وتحليلاً، مترتّباً على الميّت حتف أنفه وجوداً وعدماً، لا على الُمذكّى، فلا يجري استصحاب عدم التذكية، بل يجري حينئذٍ استصحاب عدم الموت حتف الأنف بلا معارض. وتنتفي بذلك الحرمة، لا أنّها تثبت به.

فموضوع الحليّة دائماً نقيض موضوع التحريم لا ضده، حتّى يلزم تعارض الاستصحابين. هذا أولاً.

وأما ثانياً: فلأنّه لو سلّمنا أنّ موضوع الحليّة هو الُمذكّى، وموضوع الحرمة هو أمر وجودي مضاد له، وهو الميّت حتف أنفه، وقطعنا النظر عن إشكالنا الأوّل. مع هذا لا يتعارض الاستصحابان. فإنّه لا يجري استصحاب عدم التذكية، التي هي موضوع الحليّة؛ إذ ليس له أثر عملي بحسب الخارج، فإنّ التذكية وإن كانت بحسب الفرض موضوعاً للحليّة، وباستصحاب عدمها 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

تنتفي الحليّة، إلّا أن نفي الحليّة مالم يتضمّن إثبات الحرمة لا يكون منجّزاً، فإنّما هو المنجّز إنّما هو إثبات الحرمة، لا مجرّد نفي الحليّة. وإلا ففي حالة عدم(1) وجود تشريع في واقعة اصلاً لا تحليلاً ولا تحريماً، لا تكون هذه الواقعة منجّزة على العبد.  فاستصحاب عدم الحلية لا قابلاً للمنجّزية والمعذرية؛ لأنّ مجرّد نفي الحليّة لا يكفي في التنجيز.

وإن ادُّعيّ أنّنا نثبت بالحليّة الحرمة، كان هذا أصلاً مثبتاً؛ لأنّ المفروض أنّهما ضدان، وأنّهما مجعولان على موضوعين متضادّين، فإثبات أحد الضدّين بنفي الآخر يكون مثبتاً لا محالة.

 فلو سلّمنا أنّ الحليّة موضوعها ضد موضوع الحرمة، لا نسلم جريان استصحاب العدم فيها. ويبقى استصحاب الطرف الآخر بلا معارض وهو استصحاب موضوع الحرمة؛ لأنّه معذّر لا محالة.

هذا حال ما إذا كان التقابل بينهما تقابل التضاد، واتّضح أنّ فرض التقابل التضادي بين الموضوعين في نفسه غير صحيح، ولو فُرِض صحيحاً لم يحصل التعارض بين الاستصحابين.

وأمّا التقابل بنحو العدم والملكة، فلعلّ هناك خلطاً بين القابلية الاحتمالية للتذكية والقابلية الإمكانية لها. فقد قيل في المطلب الذي نقلناه: إنّ موضوع الحليّة هو المُذكّى، وموضوع الحرمة هو عدم التذكية في الموضوع القابل لها. ماذا 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

() إلّا أنّ هذا فرض غير واقع في الإسلام فيكون استصحاب عدم الحليّة ملازماً لإثبات الحرمة، لا محالة لولا أنّه يكون حينئذٍ مثبتاً. (المقرر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

يُراد بالموضوع القابل للتذكية؟ إن أُريد بها القابلية المأخوذة في العدم والملكة فهي القابلية الإمكانية بمعنى: أن الموضوع من شأنه بحسب نظام الوجود أن تُعرض له هذه الصفة. وهذه الشأنية ثابتة في المقام سواءٌ كانت التذكية بمعنى فري الأوداج، أو كانت أمراً بسيطاً متحصّلاً. فإنّه إن كانت بمعنى فري الأوداج، فمن المعلوم أنّ الحيوان قابل لفري الأوداج، بل هو القابل لفريها دون الميّت، فإنّ الميّت لا يُذبح وتُفرى أوداجه. وإن كانت أمراً بسيطاً وحكماً شرعياً متحصّلاً، فمن المعلوم أنّ هذا الحكم الشرعي لا يحتاج إلّا إلى موضوع بحسب الخارج، وكما يمكن أن يُحكم على الميّت بأنّه مُذكّي، كذلك يمكن أن يُحكم على الحي بأنّه مُذكّى. فالقابلية بمعنى الشأنية الإمكانية بهذا المعنى، ثابت حتّى في حال حياة الحيوان.

نعم، القابلية بمعنى القابلية الاحتمالية، يعني كونه من المحتمل أن يكون مُذكّى، هذا إنّما يكون في حال الموت، قلنا: الميّت هو المردّد بين الُمذكّى والميتة لا الحي. وفرق بين الترديد الاحتمالي والقابلية بمعنى الشأنية الإمكانية. وما هو المقوّم للعدم والملكة، إنّما هو الثاني لا الأوّل. إذن، فمجرّد كون التقابل هو تقابل العدم والملكة أيضاً، لا يمنع عن جريان الاستصحاب؛ لوجود الحالة السابقة. فإنّ هذا الحيوان في حال حياته لم يكن مُذكّى مع قابليته للتذكية بأي معنى أردنا من التذكية، فنستصحب هذا العدم الملكتي إلى ما بعد ذبحه.

وعليه فنرجع إلى ما قلناه أولاً من أنّ الصحيح هو التفصيل بين الشبهة الحكمية والموضوعية.

 ــــــــــ[88]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

في الحكمية إذا كانت التذكية أمراً بسيطاً، يجري استصحاب العدم فيها، وإذا كانت أمراً مركّباً، فلا يجري. 

وأما في الشبهة الموضوعية، فلا بأس بإجراء العدم، ولو بنحو العدم الأزلي في تمام صورها، بناءً على إجراء الاستصحاب في الاعدام الأزلية. هذا تمام الكلام في الشق الثاني.

النحو الثالث: في الشكّ في قابليته من ناحية العارض 

النحو الثالث من الشكّ المقصود في المقام، هو الشكّ في حليّة اللحم من ناحية الشكّ في قابليته للتذكية، لكن لا من أوّل الأمر باعتبار عروض عارض، كما لو كان غنماً، ونحن نحرز أنّه قابل للتذكية، ولكن عرض له الجلل، فشككنا في قابليته للتذكية، بعد أن عرض له هذا العارض. 

وهذا يُتصوّر تارةً بنحو الشبهة الحكمية، وأخرى الشبهة الموضوعية. فالشبهة الحكمية، كما إذا فُرِض إحراز أنّ هذا الحيوان قد أصبح جلّالاً، ولكن يُشكّ في أنّ عدم الجلل دخيل في التذكية أو ليس دخيلاً بنحو الشبهة الحكمية الكلّية؟، والشبهة الموضوعية، بأن نعلم بأنّ الجلل مانع عن التذكية، ولكن لا ندري أنّ هذا الحيوان هل صار جلاّلاً أو لا؟

[بلحاظ الشبهة الحكمية] 

أمّا في الشبهة الحكمية، أذ علمنا أنّ هذا الغنم جلاّل، وشككنا في أنّ الجلل هل يمنع عن صلاحيته للتذكية أو لا يمنع؟ فإمّا أن تكون التذكية عبارة عن نفس عملية فري الأوداج بشؤونها وخصوصيّاتها، وإمّا أن تكون أمراً بسيطاً 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

متحصّلاً. فإن كانت التذكية هي عبارة عن نفس عملية الذبح. إذن، فلا معنى لإجراء استصحاب العدم في المقام؛ لأنّ مرجع الشكّ في مانعية الجلل إلى الشكّ في أنّ التذكية التي هي موضوع للحكم بالحليّة شرعاً، أهي عبارة عن الذبح المقيّد بعدم الجلل، أو الذبح مطلقاً من ناحية وجود الجلل وعدمه. نشكّ في أنّ التذكية مفهومها مفهوم ضيق أُخذ فيه عدم الجلل قيداً أو جزءاً، أو مفهوم وسيع لم يُأخذ فيه عدم الجلل لا قيداً ولا جزءاً. الشكّ إنّما هو في هذا، ولا شكّ في الأمر الخارجي بوجه من الوجوه، حتّى نستصحب استصحاباً موضوعيّاً، لأنّ كون هذا الحيوان جلاّلاً أمر مفروغ عنه، ولا شكّ فيه، حتّى نجري استصحابه، بل التذكية أمرها مردّد بينما هو مقطوع الثبوت، وما هو مقطوع الانتفاء. إن كانت التذكية عبارة عن مطلق الذبح فهو مقطوع الثبوت، وإن كانت التذكية عبارة عن ذبح مخصوص بحال عدم الجلل فهو مقطوع الانتفاء.

إذنّ، فلا معنى لأجراء الاستصحاب الموضوعي في المقام كما هو الحال في سائر موارد الشبهات الحكمية، كما أوضحنا ذلك فيما سبق من الأبحاث. فإنّ الشكّ ليس في بقاء الموضوع وعدم بقائه، بل في موضوعية الموجود وعدمها.

وحينئذٍ، فإنّ فُرِض أنّ هناك دليلاً اجتهادياً يدلّ على قابلية كلّ حيوان للتذكية، وله إطلاق احوالي، بحيث يشمل حال الجلل، نتمسّك به بلا حاجة إلى الأصول العملية، وإن لم يكن هناك دليل اجتهادي من هذا القبيل وتعذّر إجراء الاستصحاب الموضوعي، فلا محالة نرجع إلى الأصول الحكمية. حينئذٍ، 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

نتمسك بأصالة الحلّ في المقام في إثبات حليّة هذا اللحم؛ لأنَّ هذا اللحم لحم مشكوك في حليّته، فنجري أصالة البراءة عن حرمته. بعد عدم إمكان إجراء الاستصحاب الموضوعي.

وأمّا إذا كانت التذكية أمراً بسيطاً متحصّلاً من عملية الذبح، فهنا يمكن إجراء استصحاب عدم التذكية؛ لأنّ هذا الأمر البسيط المتحصّل نشكّ في وجوده، خارجاً وعدم وجوده، فنستصحب عدمه الثابت حال حياة الحيوان. فإنّه قبل أن نذبح هذا الحيوان الجلاّل لم يكن هذا مصداقاً لعنوان البسيط جزماً، فنستصحب عدم انطباق هذا العنوان عليه، حتّى بعد الذبح. واستصحاب العدم هذا، إما أن يرجع إلى استصحاب العدم الأزلي أو لا. 

على ما شرحناه فيما سبق. إن كانت التذكية مضافة إلى ذات الحيوان فالعدم هنا ليس عدماً أزلياً. وإن كانت التذكية مضافة إلى الحيوان الزاهق الروح بما هو الروح، فاستصحاب العدم هنا استصحاب للعدم الأزلي، وعلى كلا التقديرين لا بأس بإجراء استصحاب عدم التذكية.

ولا يوجد هناك توهّم في مقابل جريان استصحاب عدم التذكية، بهذا البيان، إلّا أن يقال بالتمسّك بالاستصحاب التعليقي هنا، المثبت للتذكية. وذلك بأن نشير إلى هذا الغنم الذي أصبح جلّالاً، فنقول: هذا الغنم لو ذبحناه قبل شهر، وقبل أن يصبح جلاّل إلى القبلة مع التسمية، لكان مُذكّى ولتحقّق فيه هذا العنوان البسيط، فنستصحب هذه القضيّة التعليقية: لو ذبحناه لكان مُذكّى، فالآن أيضاً لو ذبحناه لكان مُذكّى.

ــــــــــ[91]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وهذا هو روح دعوى استصحاب قابلية الحيوان للتذكية؛ لأنّ قابليته لها، بحسب الحقيقة، مفهوم انتزاعي يُنتزع من صدق هذه القضيّة التعليقية، بحيث لو ذبح لكان مُذكّى. هذه القضيّة التعليقية يُتزع منها مفهوم أنّ الحيوان قابل للتذكية، أو صالح لها شرعاً ومن شأنه أن يُذكّى شرعاً، وغير ذلك من العناوين المنتزعة من صدق هذه القضيّة التعليقية.

فحينئذٍ، يمكن أن يقال: إنّنا نستصحب هذه القضيّة التعليقية، التي هي منشأ انتزاع عنوان القابلية والصلاحية. كونه بحيث لو ذُبح بالوجه الكذائي، لكان مُذكّى، فالآن أيضاً كما كان.

وهذا الكلام حينئذٍ، يرتبط بالمباني في باب الاستصحاب التعليقي، فإن بنينا على جريانه في القضيّة التعليقية، وعلى حكومة الاستصحاب التعليقي على التنجيزي. ففي المقام نأخذ بهذا الاستصحاب التعليقي ونقدّمه على استصحابنا الأولّ وهو استصحاب عدم التذكية؛ لأنّ ذاك الاستصحاب تنجيزي، والمفروض أنّ التعليقي حاكم على التنجيزي. فكما نقول في العصير العنبي: إنّ استصحاب كونه بحيث لو غلي لحرم. حاكم على استصحاب عدم حرمته بالفعل قبل الغليان، كذلك هنا، باستصحاب كونه بحيث لو ذبح لكان مُذّكى يكون حاكماً على استصحاب عدم تذكيته بالفعل، فنحكم بكونه مُذكّى.

وإن بنينا في بحث الاستصحاب على أنّ الاستصحاب التعليقي لا أساس له أصلاً، ولا يجري كما هو الصحيح. فحينئذٍ، لا معنى لإجراء الاستصحاب التعليقي هنا، بل يجري استصحابنا الأوّل وهو استصحاب عدم التذكية بلا معارض فيحكم بحرمة اللحم؛ لأنّه غير مُذكّى بالاستصحاب. 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وإن بنينا في الاستصحاب على المعارضة بين الاستصحاب التعليقي والتنجيزي. كلّ منهما في نفسه تامّ الأركان، ولا حكومة لأحدهما على الآخر فيتعارضان. فحينئذٍ يسقط الاستصحابان بالمعارضة، وإذا سقطا بالمعارضة نرجع إلى الأصل الذي هو أدنى مرتبة من الاستصحاب، وهو أصالة الحلّ؛ لأنّ هذا حيوان لم نستطع أن نحرز أنّه مُذكّى، ولا أنّه غير مُذكّى، فلا بد من الانتهاء إلى الأصول الحكمية، وأصالة الحل، ونحوها من الأصول المؤمّنة.

هذا حاصل الكلام في الشبهة الحكمية.

[بلحاظ الشبهة الموضوعية]

وأمّا في الشبهة الموضوعية، لو علمنا أنّ الحيوان الجلاّل لا يصلح للتذكية، ولكن لا ندري بأنّ هذا الغنم هل هو جلاّل أو لا؟

 هنا، إن كانت التذكية التي أُخذت موضوعاً للحكم بالحليّة شرعاً، عبارة عن نفس عملية فري الأوداج، مع خصوصية عدم الجلل، بحيث إنّ هذه الخصوصية مأخوذة في التذكية، بنحو الشرطية أو الجزئية، فينتج أنّ موضوع الحليّة شرعاً، الذي هو التذكية، مركّب من جزئين: أحدهما فري الاوداج، والآخر عدم الجلل، أمّا فري الأوداج فهو محرز بالوجدان، وأمّا عدم الجلل فيحرز بالاستصحاب؛ لأنّ هذا الحيوان أول ما خُلق لم يكن جلاّلاً، فيُستصحب عدم كونه جلاّلاً؛ فنحرز الموضوع للحليّة الذي هو عنوان التذكية بضم الأصل إلى الوجدان. وحينئذٍ، يترتّب عليه الحليّة شرعاً. وهذا ممّا لا إشكال فيه.

ــــــــــ[93]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وأمّا إذا كانت التذكية أمراً بسيطاً متحصّلاً من الذبح مع عدم الجلل، لا أنّها نفس الذبح وعدم الجلل.  فحينئذٍ، إن كانت التذكية التي هي هذا الأمر البسيط المتحصّل، إن كانت من الأحكام الوضعية الشرعية من قبيل الطهارة، والنجاسة، والملكية، والزوجية ونحو ذلك، فهو حكم شرعي موضوعه مركّب من فري الأوداج وعدم الجلل. فأيضاً هنا نحرز الموضوع بضمّ الأصل إلى الوجدان. فإنّ الذبح محرز بالوجدان، وعدم الجلل محرز بالاستصحاب. فنثبت بالاستصحاب الموضوعية ماهو الموضوع للحكم بالتذكية، وأيضاً لا إشكال فيه.

وأمّا إذا فرضنا أنّ التذكية أمر بسيط متحصّل من الذبح، مع عدم الجلل، إلّا أنّ هذا الامر البسيط ليس حكماً شرعياً وضعياً، بل أمر تكويني من قبيل الموت المتحصّل من الضرب مع عدم الدرع، فإنّ الإنسان إذا لم يكن لبس درعاً وضُرب، فإنّه يموت لامحالة، فالتذكية نفرض أنّها أمر بسيط تكويني، متحصّل من فري الأوداج، مع عدم الجلل. هنا لايمكن إجراء استصحاب عدم الجلل؛ لأنّه ليس موضوعاً لحكم شرعي، وإنما هو موضوع للازم تكويني، وهو ذلك الأمر البسيط المسمّى بالذكية، وذلك اللازم التكويني موضوع للحكم الشرعي وهو الحليّة. فلا يمكن إثبات الحليّة باستصحاب عدم الجلل؛ لتخلل الواسطة العقلية حينئذٍ، فيكون الأصل مثبتاً من هذه الناحية. فيمتنع جريان الاستصحاب الموضوعي في نفس الجلل.

بل يجري الاستصحاب على العكس، يجري استصحاب عدم تحقّق التذكية، التي هي أمر تكويني بسيط متحصّل، فإنّه يُشكّ في حصوله وعدمه. فنستصحب عدم حصوله. فيثبت حرمة لحم الحيوان لا حليّته. فالنتيجة على 

ــــــــــ[94]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الثالث حرمة اللحم، وعلى الأولين حليّته. هذا حاصل الكلام في النحو الثالث من الشك.

النحو الرابع: في الشكّ في تحقق نفس العملية 

وأمّا النحو الرابع من الشكك: بأنّ نشكّ في نفس العملية: عملية الذبح وفري الأوداج، استُكمِلت أجزاؤها وعناصرها أو لا؟ فالشكّ في الطرف الذابح لا في الحيوان المذبوح.

هنا، أيضاً تارة ً أن نتصوّر الشبهة حكمية، وأخرى نتصوّرها موضوعية.

تارةً نفرض بأنّ هذا الشخص قطع رأس الذبيحة، بحيث بان الرأس عنها. ولا ندري أنّ فري الأوداج، الذي هو سبب في حليّة اللحم هل قُيِّد بأن لا يبين الرأس عن الذبيحة، أو لم يُقيَّد. فهذه شبهة حكمية. وأخرى يُفرَض، أنّنا لا ندري أنّه هل صدرت منه التسمية أو لا؟ مع علمه بأنّ التسمية دخيلة في المطلب.

أمّا في الشبهة الحكمية، فيما إذا فرضنا أنّه فرى الأوداج، وقطع الراس. ولا ندري أنّ قطعه هل هو مانع أو لا. أو فرى الأوداج ولم يستقبل القبلة، ولا يدري أن استقبالها هل هو شرط أو لا؟

 هنا، أيضاً يعرف حاله ممّا تقدّم؛ وذلك لأنّ التذكيه إذا كانت أمراً مركّباً، فلا يجري الاستصحاب الموضوعي هنا؛ إذ لا شكّ في الموضوعات الخارجية، وإنّما الشكّ في كيفية ترتّب الحكم على موضوعه. فلا معنى لأن نجري استصحاب عدم قطع الرأس؛ لأنّه يعلم بأنّ هذا المقطوع راسه. وإنّما الشكّ في أنّ المقطوع الرأس هل يحكم بتذكيته أو لا؟ فلا معنى لإجراء استصحاب 

ــــــــــ[95]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

موضوعي، بل لابدّ من الانتهاء إلى أصالة الحل إذا لم تكن هناك عمومات اجتهادية فوقانية.

وأمّا إذا كانت التذكية أمراً بسيطاً متحصّلاً، فيجري استصحاب عدم هذا الأمر البسيط المتحصّل، إما بنحو العدم الأزلي، أو بنحو العدم مع انحفاظ الموضوع على الوجهين اللذين أشرنا إليهما مراراً. هذا في الشبهة الحكمية.

وأمّا في الشبهة الموضوعية، إذا شُكّ أنّه هل حصلت فيه التسمية أو لا. على كلّ حال يجري استصحاب عدم التذكية، ويثبت بذلك حرمة اللحم بلا إشكال. هذا تمام الكلام في الشقوق الأربعة المتصوّرة في المقام. 

بعد هذا لم يبقَ علينا من هذا البحث، إلّا الأشارة إلى ما هو الصحيح في المطلبين الفقهيين، اللذين أشرنا إليهما سابقاً، واللذين قلنا وظهر خلال البحث أنّ جريان استصحاب عدم التذكية في غالب هذه الصور، مربوطة بتحقيق ما هو المبنى في هذين البحثين الفقهيين. 

مطلبان فقهيان 

أحدهما: في موضوع الحرمة 

ذكرنا أنّه بقي مطلبان فقهيان لابدَّ من التعرّض لهما إجمالا:

المطلب الأوّل: إنّ التذكية التي أُخذ عدمها في موضوع الحكم بالحرمة، هل أُضيفت إلى ذات الحيوان، بحيث إنّ موضوع الحرمة يكون حيوان لا مُذكّى وقد زهقت روحه. أو أنّ عدم التذكية، أُضيفت إلى الحيوان الزاهق الروح والميّت، فيكون موضوع الحرمة هو الميّت، الذي لم يكن موته على وجه التذكية.  

ــــــــــ[96]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وقلنا في ماسبق إنّه على الأوّل يكون استصحاب العدم استصحاباً تامّاً حتّى عند من يمنع من جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية. وأمّا على الثاني فيكو ن جريان الاستصحاب مبنيّاً على تلك المسألة.

الظاهر من الأدلّة والنصوص هو الثاني: يعني أن التذكية التي أُخذ عدمها في موضوع الحرمةأُضيفت إلى زهاق الروح والميت، لا أنّها أضيفت إلى ذات الحيوان. والأصل في هذا الحكم هو الآية الكريمة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَـحْمُ الْخِنْزيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّـهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطيحَةُ وما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ(1). فأوّل الأمر ذكرت أسباباً عديدة للموت بغير الذبح، وتعدّد هذه الأسباب يكون المفهوم منه عرفاً أنّ الآية في مقام بيان تحريم كلّ ميت بأي سبب “إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ”، إلّا إذا فُرِض أنّ هذا الميتة أدركتم ذكاته وذكيتموه فمات.

فهذه الآية، تستثني عنوان الُمذكّى من دليل الحرمة، فمعنى ذلك أُخذ عدم التذكية في موضوع الحرمة. ولكي نعرف أنّ التذكية التي أُخذ عدمها أهي مضافة إلى ذات الحيوان أو إلى زاهق الروح؟ يجب أن نعرف ماهو العنوان المستثنى منه في المقام، أهو عنوان الحيوان، قال: حُرِّم عليكم الحيوان إلّا ماذكيتم. فتكون التذكية التي أُخذ عدمها في موضوع المستثنى منه مضافة إلى ذات الحيوان. ولكن الأمر ليس كذلك، بل العنوان الذي وقع موضوعاً للحرمة في طرف المستثنى، هو الميّت ثُّمّ استثنت منه الُمذكّى، الذي ذكر له 

ــــــــــ[97]ــــــــــ

(1) المائدة: 3.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

مصاديق عديدة من قبيل: النطيحة، والمترديّة وما أكل السبّع، وهذه المصاديق؛ لأجل الإشارة إلى هذا العنوان الجامع، وهو عنوان الميّت. فكأن الآية الكريمة قالت: حُرِّم عليكم الميّت إلاماذكّيتم. ويستثنى من عنوان الميت: الُمذكّى، فينتج أنّ موضوع الحرمة هو عدم تذكية الميّت، بما هو ميّت لاعدم تذكية ذات الحياة.

هذا هو ظاهر الآية الكريمة، وجميع أخبار الباب أيضاً موافقة مع ذلك، كالأخبار الواردة -مثلاً- في السؤال عن فريسة الكلب المعلَّم، أو فريسة الفهد، أو فريسة الصقور، كلّ هذه الروايات تفترض ميّتاً، وتسأل عن جواز أكله وحليّته وعدمها. فيقال في مقام الجواب: إنّ ذكيّته كان حلالاً، وإن لم تدرك ذكاته لم يكن حلالاً.

[الروايات في المقام]

أقول نذكر للفائدة وتيمناً هذه الأحاديث منقولة في الوسائل ج،3 كتاب الصيد والذبائح، باب أنّه لا يجوز أكل ما يصيده حيوان آخر، غير الكلب المعلّم الخ:

 “مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ عَنْ أَبِيهِ وَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ فِي حَدِيثٍ قَالَ: لَيْسَ شَيْ‏ءٌ (يُؤْكَلُ مِنْهُ) مُكَلَّبٌ‏ إِلَّا الْكَلْبُ‏”(1).

ــــــــــ[98]ــــــــــ

() هذا الحديث ينفع نقله في معرفة السند والا فهو خارج عن محل الاستشهاد. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 “عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّـهِ عَنْ صَيْدِ الْبُزَاةِ وَ الصُّقُورَةِ وَ الْفَهْدِ وَ الْكَلْبِ. فَقَالَ: لَا تَأْكُلْ صَيْدَ شَيْ‏ءٍ مِنْ هَذِهِ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمُوهُ إِلَّا الْكَلْبَ المُكَلَّبَ‏ الحَدِيثَ“.

“بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ مُوسَى بْنِ بَكْرٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا خِلَافُ الْكَلْبِ مِمَّا تَصِيدُ الْفُهُودُ وَالصُّقُورُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ فَلَا تَأْكُلْ مِنْ صَيْدِهِ إِلَّا مَا أَدْرَكْت” الحديث.

وفي الباب الذي بعده، “مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ‏ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ يَسْرَحُ كَلْبَهُ المُعَلَّمَ ويُسَمِّي إِذَا سَرَحَهُ. قَالَ: يَأْكُلُ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْهِ فَإِذَا أَدْرَكَهُ قَبْلَ قَتْلِهِ ذَكَّاهُ الحَدِيثَ(1).

 وفي باب آخر، “عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ‏ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَيْدِ الْبَازِي والْكَلْبِ إِذَا صَادَ وقَدْ قَتَلَ صَيْدَهُ وأَكَلَ مِنْهُ آكُلُ فَضْلَهُمَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا قَتَلَهُ الطَّيْرُ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ إِلَّا أَنْ تُذَكِّيَهُ الحَدِيثَ(2).

ــــــــــ[99]ــــــــــ

(1) انظر الوسائل: 23: 340، الباب 4، باب ان صيد الكلب المعلَّم إذا أُدرِك قبل أن يقتله..، الحديث 1. 

(2) المصدر نفسه، 348، الباب 9، باب أنّه لا يحل كل ما صاده غير الكلب من الباز والصقر… إلاّ أن تُدرِك ذكاته، الحديث2.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وغير ذلك من الأحاديث، ومعلوم أنّ الموضوع الذي يُستفاد منها هو: الحيوان المشارف على الموت لا الميّت، بل لعلّه إن مات قبل التذكية فلا يحلّ عليه، ما يُستفاد من الحديث الأخير.

أيضاً، يتحصّل منها بالمفهوم تارةً، وبالمنطوق أخرى، إنّ الميّت الذي لم يذكَ يكون حراماً، فعدم التذكية أُخذ في موضوع الحرمة بما هو وصف للميت بعد فرض كونه ميّتاً.

وليس معنى هذا أنّ التذكية تقع على الميّت خارجاً، بعد أن يموت، بل هذه التذكية التي تقع على الميّت قبل موته، فيستند الموت إليها، هذه التذكية، في عالم التوصيف والإسناد في مقام جعل الحكم، جُعلت وصفاً للميّت بما هو ميت، لا لذات الحيوان.

وعليه فالصحيح هو الوجه الثاني من الوجهين اللذين ذكرناهما في المطلب الأول. وهو أنّ التذكية التي أُخذ عدمها في موضوع الحرمة أُضيف إلى الميّت بما هو ميّت في عالم الإسناد وجعل الحكم. لاأنّها أُضيفت إلى ذات الحيوان. وحينئذٍ، فاستصحاب عدم التذكية يكون مبنيّاً في الموارد التي أشير إليها، على إجراء الاستصحاب في الاعدام الأزلية. هذا هو الكلام في المطلب الأوّل.

المطلب الثاني: في تحقيق حال التذكية

ذكر المحقّق النائيني ولعلّه هو مختار المشهور، أنّ التذكية عبارة عن نفس العملية، وهي الذبح، واستشهد كذلك تارةً بتصريحات أصل اللغة حيث إنّه في كتب اللغة يقال: ذكّى الحيوان أي ذبحه. فهذا يكون قرينة على أنّ معنى 

ــــــــــ[100]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

التذكية هو الذبح. واستشهد له أخرى بظهور الإسناد حيث إنّه في الروايات والأخبار أُسندت التذكية إلى الفاعل فقيل: إلّا إذا ذكّيته أو إذا ذكيتم أكلت منه(1). وظاهر الإسناد كونه فعلاً مباشرياً له. لا كونه عنواناً بسيطاً مسبَّباً عن الفعل المباشر(2).

وهناك من ذهب إلى أنّ التذكية أمر بسيط مسبَّب عن الفعل المباشري وهو الذبح، على حد -مثلاً- الاحتراق أو الموت المسبَّب عن الفعل المباشري. وطعن عن كلا الشاهدين المتقدميّن:

 أمّا الشاهد الأوّل، فلعدم حجّية تصريحات اللغويين، وأمّا الشاهد الثاني، فلأن إسناد التذكية إلى الفاعل، كما يناسب أن يكون فعلاً مباشريّاً كذلك يناسب أن يكون مسبباً توليدياً، فإنّ المسبَّبات التوليدية، التي تحصل بعد الفعل بسببه مباشرة، هذه المسببات وان لم تكن صادرة من الفاعل أوّلاً وبالذات، ولكن باعتبار شدّة التصاقها بالفعل ولزومها له، ترى بحسب المفهوم العرفي فعل للفاعل وتُسند إليه حقيقة بلا أي عناية.

والصحيح في المقام، هو: أمر وسط ما بين المطلبين: وهذا الأمر الوسط، يتّضح بملاحظة مجموع الأخبار الواردة في الفقه التي وردت فيها كلمة التذكية.

فإنّنا إذا لاحظنا خصوص الروايات الواردة في بعض أبواب الصيد 

ــــــــــ[101]ــــــــــ

() راجع الأخبار التي نقلنا ما فيها الكفاية على المقام. (المقرّر).

(2) انظر: أجود التقريرات 2: 194.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

والذباحة، التي ورد فيها: “إذا أدركت ذكاته“، “إذا ذكيت الحيوان فكل منه”. لكانت هذه الروايات غير آبية عن الاحتمال الأوّل، وهو: كون التذكية هنا، بمعنى الذبح. كما أنّها غير آبية عن الاحتمال الثاني، وهو أن تكون التذكية أمراً مسبًّباً توليديّاً، إلّا أنه بملاحظة مجموع الروايات التي ورد فيها هذا اللفظ: لفظ التذكية. نعرف أنّها ليست مرادفة مفهوماً للذبح، إذ استعملت في عديد من الروايات، في موارد عديدة بنحو لا يناسب منها الذبح أصلاً. نذكر من ذلك ثلاث طوائف:

[طوائف الروايات في المقام]

الطائفة الأولى: هي الواردة في كتاب الطهارة في مقام بيان عدم انفعال الشيء بالملاقات لليابس. فقد قيل هنا: إنّ كلّ يابس ذكي، وجاء في الروايات التعبير عن اليابس بأنّه ذكي، وأنّ النجاسة والانفعال والسراية إنّما هي من شأن المرطوب لا اليابس(1)  ولا معنى لأن يراد من الذكاة هذا الذبح؛ لأنّ اليابس لا معنى لكونه مذبوحاً، بل يراد من الذكاة هنا معنى الطيب والنزاهة وملائمة الطبع. حيث إنّ الإنسان لا يقع في حرج من ناحيته ويلائمه، ولهذا يكون ذكياً.

الطائفة الثانية: هي الطائفة الواردة في جلود الحيوانات، في باب أنّه هل يجوز الصلاة في الجلد أو لا يجوز. حيث فصّل هناك ما بين الجلود الذكية وغير 

ــــــــــ[102]ــــــــــ

() أقول: عقد صاحب الوسائل باباً بعنوان: تعدّي النجاسة مع الملاقات والرطوبة لا مع اليبوسة الخ ص 196 ج 1، وذكر فيه خمسة عشر حديثاً، لم نجد فيها أي من رواياته هذا التعبير. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الذكية، فجعلت الذكاة وصفاً للجلد لا وصفاً للحيوان، فقيل صلِّ في جلود الذكية، ولا تصلِّ في جلود الميتة(1).

هذا أيضاً لا يناسب أن يكون الذكاة هنا بمعنى الذبح؛ لأنّ الجلد لا يُذبح، وإنّما الذي يُذبح هو الحيوان، إلّا بتأويل أن يكون معناه: جلود حيوان ذكي، وهذا تأويل على خلاف المتفاهم العرفي. والمتفاهم العرفي من هذا التعبير أن الذكاة وصف لنفس الجلد. ولا معنى لأن تكون وصفاً له إلّا أن تكون بمعنى الطيب والنزاهة، لا بمعنى الذبح والقتل.

الطائفة الثالثة: ما ورد فيما لا تحلّه الحياة من الميتة من قبيل الصوف، ــــــــــ[103]ــــــــــ

() أقول: وجدنا هذا الحديث في أبواب لباس المصلّي، باب عدم جواز الصلاة في جلد الميتة… الخ، ص261، هذا الحديث يرويه مرتين في نفس الباب: “عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَلَوِيِّ عَنِ‏ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّـهِ وأَبَا الْحَسَنِ عَنْ لِبَاسِ‏ الْفِرَاءِ والصَّلَاةِ فِيهَا. فَقَالَ: لَا تُصَلِّ فِيهَا إِلَّا فِي مَا كَانَ مِنْهُ ذَكِيّا” الحديث. (المقرّر). 

ويروى في أبواب النجاسات باب طهارة جلد الميتة ص205 ج1 بالإسناد عن الحسن بن علي عن محمد بن عبد الله عن عبد الرحمن بن الحجاج قال “قلت لأبي عبد الله إنّي أدخل سوق المسلمين أعني هذا الخلق الذين يدّعون الإسلام فأشتري منهم الفرا للتجارة فأقول لصاحبها أليست هي ذكية، فيقول بلى فهل يصلح لي أن أبيعها على أنّها ذكية فيقول لا، ولكن لا بأس أن تبيعها، وتقول شرط الذي اشتريتها منه أنّها ذكية” الحديث أقول قد ينفع هذا الحديث في المقام، وإن لم يكن مورد نظر سيّدنا الأستاذ (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

واللبن، والبيض، فإنّه قيل: إنّ كلّ ذلك ذكي(1).

مع أنّه لا معنى لأن يراد من الذكاة هنا الذبح، حتّى بالتأويل؛ لأنّ أصل الحيوان ليس مذبوحاً، بل هو ميّت، غاية الأمر أنّ الإمام في مقام بيان أنّ البيض الذي في داخل الدجاجة، أو الحليب الذي في داخل الحيوان لا يشمله الاستقذار الموجود في نفس الحيوان. فالذكاة هنا بمعنى الطيبة والطهارة والنزاهة، ونحو ذلك من المفاهيم المقاربة.

وعلى ضوء مجموع هذه الطوائف نفهم أنّ الذكاة ليست بمعنى الذبح، وإنّما هي بمعنى الطيب والنزاهة، ولعلّ هذا هو المفهوم العرفي فهنا بحسب الخارج، هو الطيب وليس هو مجرّد الذبح.

وأما تلك الروايات، التي وردت في باب الصيد والذباحة، فليس فيها دلالة على أنّ الذكاة بمعنى الذبح. نعم، هي غير آبية عن هذا المطلب، لا أنّها دالّة عليه، فمقتضى الجمع حينئذٍ، أنّ التذكية هي عبارة عن عنوان بسيط وهو عنوان الطيب والنزاهة.

غاية الأمر أنّ هذا العنوان البسيط ليس أمراً مسبّباً توليديّاً عن الذبح كما 

ــــــــــ[104]ــــــــــ

()  أقول: وجدنا في باب طهارة مالا تحلّه الحياة من الميتة غير نجس العين… الخ. ص 207 ج1 أبواب النجاسات. هذا الحديث ممّا ورد فيه عنوان الذكي: “محمد بن يعقوب عن محمد بن يحى عن أحمد بن محمد عن ابن فضال عن ابن بكير عن الحسين بن زرارة قال كنت عند أبي عبد الله وأبي يسأله عن اللبن من الميتة والبيضة من الميتة وأنفحة الميتة، فقال: كل هذا ذكي” الحديث.   (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

هو مدّعى الاحتمال الثاني، بل هو عنوان ينطبق على نفس الذبح، بقرينة روايات -أيضاً- واردة في باب الصيد والذباحة، حيث طبّق بالحمل الشايع عنوان التذكية على نفس الذبح. فقيل في بعض روايات “الكلب المعلَّم اليس قد اتفقتم معهم يعني مع السنة على أنّ قتله ذكاته”(1).

وفي بعض الروايات في ذكاة السمك “أنّ ذكاته إخراجه من الماء حيّاً(2).

وفي بعض الروايات جاء:أنك إذا أرسلت الكلب فسمّ فإنّ ذلك ذكاته(3)

ــــــــــ[105]ــــــــــ

() وهو مارواه في الوسائل ص 270 ج2: “مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ حَكَمِ بْنِ حُكَيْمٍ الصَّيْرَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّـهِ مَا تَقُولُ فِي الْكَلْبِ يَصِيدُ الصَّيْدَ فَيَقْتُلُهُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ. قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُ إِذَا قَتَلَهُ أَكَلَ مِنْهُ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ. فَقَالَ: كُلْ أَوَلَيْسَ قَدْ جَامَعُوكُمْ عَلَى أَنَ‏ قَتْلَهُ‏ ذَكَاتُهُ‏” الحديث*. (المقرّر).

* أقول: وجدناه في باب: ان ذكاة السمك اخراجه من الماء حياً الخ ص285 ج3، ثلاثة أحاديث: يقول في الأوليين عن أمير المؤمنين على: “الجراد ذكي والحيتان ذكي، فما مات في البحر فهو ميت وأما ما هلك في البحر فلا تأكل“.

 وأمّا الثالث فهو عن “أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الطَّبْرِسِيُّ فِي الْإِحْتِجَاجِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ فِي حَدِيثٍ‏ أَنَّ زِنْدِيقاً قَالَ لَهُ: السَّمَكُ‏ مَيْتَةٌ؟ قَالَ: إِنَّ السَّمَكَ ذَكَاتُهُ إِخْرَاجُهُ مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى يَمُوتَ مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ وذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ دَمٌ وكَذَلِكَ الجَرَادُ. (المقرّر).

(2) وهو ما رواه في الوسائل في اول باب الصيد ص270 ج3. عن “عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ مِثْلَهُ وزَادَ، ثُمَّ قَالَ: كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ السِّبَاعِ تُمْسِكُ الصَّيْدَ عَلَى نَفْسِهَا إِلَّا الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ فَإِنَّهَا تُمْسِكُ‏ عَلَى‏ صَاحِبِهَا وقَالَ: إِذَا أَرْسَلْتَ الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَهُوَ ذَكَاتُهُ“. ( المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وهكذا، في جملة من الروايات طبّق عنوان الذكاة على نفس العملية. غاية، الأمر أنّ هذا التطبيق ليس تطبيقاً تكوينيّاً وجدانياً؛ لأنّ الذبح ليس هو بالوجدان طيب للمذبوح. فإنّ طيب المذبوح قائم بالمذبوح، وليس الذبح طيباً للمذبوح.

[التحقيق في المقام]

فمن هنا يمكن أن يقال: بأنّ هذا التطبيق تطبيق اعتباري عنائي، لا تطبيق حقيقي، بمعنى: أنّ الشارع جعل مصداقاً حسب لهذا المفهوم، لأجل أن يرتفع الإشكال فيه إثباتاً ونفيّاً، وهذا المصداق الحسّي مصداق بالجعل والاعتبار، لا مصداق حقيقي. فالشارع بالحكومة وبالجعل والاعتبار وبالفرض والعناية، فرض أنّ ذبح الحيوان هو طيب ونزاهة له. وهذا أمر معقول.

من المعقول أن يُجعل غير المصداق التكويني مصداقاً بالاعتبار الشرعي، وعلى هذا ينبغي أن يحمل كلام أهل اللغة، حيث إنّهم فسّروا الذكاة بالذبح. يُحمل على أنّه من باب استبدال مفهوم بالمصداق، وتعريف اللفظ بالمصداق بدلاً عن المفهوم، حيث إنّ كون الذبح مصداقاً للطيب ليس هذا من مختصّات الشارع ومبتدعاته، حتّى يقال أنّ أهل اللغة كيف نظروا إليه، بل هو أمر عرفي بحسب الخارج. فإنّ أهل العرف حتّى قبل الشارع، كانوا يفرّقون بين حيوان يمرض فيموت، وبين حيوان يُذبح، فيرون أنّ الحيوان إذا 

ــــــــــ[106]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

ذُبح يكون طيّباً ويعتبرون الذبح طيباً له.

 وأمّا إذا مات حتف أنفه فيُستقذر منه. فهذا الاعتبار الشرعي بحسب الحقيقة مطابق للارتكاز العرفي والعقلائي بحسب الخارج. 

فمن هنا، ذكر أهل اللغة في مقام التعريف، المصداق بدلاً عن المفهوم فقالوا: ذكّى الحيوان أي ذبحه. مع أنّ الذبح ليس هو مفهوم التذكية، بل هو مصداق هذا المفهوم. وما هو مفهوم التذكية عبارة عن الطيب والنزاهة.

إذن، فنحن نجمع بين فصيلتين من الروايات: 

الفصيلة الأولى، عبارة عن مجموع تلك الطوائف الثلاثة، التي تشهد على أنّ التذكية ليست بمعنى الذبح مفهوماً، بل بمعنى الطيب والنزاهة. والفصيلة الأخرى: هي التي تطبّق بالحمل الشايع عنوان الذكاة على نفس العملية. ونستنتج من مجموع هاتين الفصيلتين، أنّ التذكية عبارة عن اعتبار شرعي إمضائي للارتكاز العقلائي وهو الذبح.

 يعني أنّ التذكية مفهومها هو الطيب والنزاهة، وقد طُبّق بالعناية المولويّة والاعتبارية مفهوم الطيب والنزاهة على الذبح.

وهذا هو معنى الأمر الوسط بين المطلبين، إذ لم نقل إنّ التذكية عبارة عن نفس الذبح مفهوماً، بل هي مفهوماً عبارة عن الطيب والنزاهة، ولم نقل أنّه أمر مسبَّب توليدي، بل هي عنوان بسيط منطبق على نفس الذبح، لكن لا إنطباقاً حقيقياً، بل إنطباقاً بالاعتبار الشرعي الموافق للارتكاز العقلائي.

 وعليه فكل ما كنّا نرتّبه من الآثار، على أنّ يكون التذكية أمراً بسيطاً 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

يترتّب أيضاً على هذا. إذ اتّضح بهذا، أنّ التذكية أمر بسيط منطبق.

وهذا الذي اخترناه هنا، هو نفس المختار في باب الطهارات الثلاث فإنّه هناك وقع نفس الخلاف، في أنّ الطهارة هي نفس الغسل، والمسح، أو أمر مسبَّب توليدي.

 الصحيح هناك نفس الصحيح هنا، مستظهراً من نفس روايات الوضوء، والغسل، والتيمم، وهو: أنّ الطهارة عنوان بسيط منطبق على الوضوء، والغسل، والتيمم كما هو الحال فيما استظهرناه في التذكية هنا.

هذا أيضاً تمام الكلام في المطلب الثاني.

ثُّمّ ينبغي أن يُعلم أنّه إذا جرى استصحاب عدم التذكية، وفي المورد الذي يجري به ذلك، يترتّب عليه حرمة الأكل بلا إشكال؛ لأنّنا قلنا: بأنّ حرمة الأكل أُخذ في موضوعها عدم التذكية، وقد حرزنا الموضوع بالاستصحاب. كما أنّه يترتّب على ذلك عدم جواز الصلاة فيه -مثلاً- الجلد الذي يُستصحب عدم تذكية حيوان لا تجوز الصلاة فيه؛ لأنّ جوازها فيه أيضاً مترتّب على عنوان عدم التذكية، الذي يحرز بالاستصحاب.

وإنّما الكلام في أنّه هل يحكم بنجاسته أيضاً؛ باعتبار استصحاب عدم التذكية أو لا. وجهان مبنيان على ما هو المستفاد من أدلّة نجاسة الميتة. فإنّ كان المستفاد منها، أنّ موضوع النجاسة هو أيضاً كلّ حيوان زهقت روحه ولم يذكّ، فباستصحاب عدم التذكية يتنقّح موضوع النجاسة ويُحكم بنجاسته.

 وأمّا إذا كان المستفاد من أدلّة نجاسة الميتة، أنّ موضوع النجاسة هو 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

عنوان وجودي مضاد للمُذكّى عنوان: ما مات بغير الطريق الشرعي.

فباستصحاب عدم التذكية لا نثبت ذلك العنوان الوجودي المضاد؛ لأنّ إثبات أحد الضدّين ينفي الضد الآخر من أوضح أنحاء الأصل المثبت. وحينئذٍ، لا نحكم بالنجاسة مبنياً على استصحاب عدم التذكية، بل نجري أصالة الطهارة حينئذٍ، أو استصحاب عدم ذلك الموت المخصوص، وهو استصحاب موافق لأصالة الطهارة، ونحكم حينئذٍ، بطهارة هذا اللحم المشكوك التذكية مع حكم بحرمته. فنفكّك ما بين الطهارة والحرمة.

وتفصيل ذلك من حيث المبنى في الفقه، والمختار هو الثاني، يعني أنّ موضوع النجاسة هو عنوان الميتة(1)، وهو يختلف عن موضوع الحرمة. وحينئذٍ، فالنجاسة لا تثبت باستصحاب عدم التذكية.

هذا تمام ما ينبغي أن يقال في هذا التنبيه.

في الرويات الموافقة لاستصحاب عدم التذكية 

تمّ الكلام في التنبيه الأوّل، المربوط ببحث استصحاب عدم التذكية وبيان مباني هذا الاستصحاب الأصولية والفقهية.

بقي علينا أن نشير إلى شيء في هذا المقام: وهو أنّ في جملة من روايات كتاب الصيد والذباح، ما يتفق في مضمونه مع الاستصحاب: استصحاب عدم التذكية. وجملة من رواياته يخالف ولو بدواً في مضمونه مع استصحاب عدم التذكية.

ــــــــــ[109]ــــــــــ

() الذي هو عنوان وجودي مضاد لعنوان المُذكّي كما يُستفاد من الأخبار. (المقررّ).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 أمّا الروايات التي تتّفق في مضمونها مع استصحاب عدم التذكية(1).

وكذلك أيضاً الصيد باليد وهي أنّه قال: “لاتأكل منه حتّى تعلم أنّ رميتك هي(2) التي أصابته”.

ــــــــــ[110]ــــــــــ

() وهنا ذكر السيّد مضمون الرواية. وجدنا في الوسائل منها ثلاث نذكرمنها هذين الاثنين: “عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ‏ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْمٍ أَرْسَلُوا كِلَابَهُمْ‏ وهِيَ مُعَلَّمَةٌ كُلُّهَا وقَدْ سَمَّوْا عَلَيْهَا فَلَمَّا أَنْ مَضَتِ الْكِلَابُ دَخَلَ فِيهَا كَلْبٌ غَرِيبٌ لَا يَعْرِفُونَ لَهُ صَاحِباً فَاشْتَرَكَتْ جَمِيعُهَا فِي الصَّيْدِ. فَقَالَ: لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي أَخَذَهُ مُعَلَّمٌ أَمْ لَا“. 

  “مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّـهِ: إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ عَلَى صَيْدٍ وشَارَكَهُ‏ كَلْبٌ‏ آخَرُ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ إِلَّا أَنْ تُدْرِكَ ذَكَاتَه” ص271 ج3.

(2) وهنا ذكر مضمون الرواية، وفتوى الإمام،  لكنّنا وجدنا في الوسائل جملة روايات في باب من ضرب صيداً، ثُّمّ غاب عنه الخ، تختلف عن هذا النص قليلاً بعضها يمكن الاستشهاد بمفهومها، وبعضها صرّحت بالمفهوم: 

فمن الأوّل: “مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّـهِ عَنِ‏ الرَّمِيَّةِ يَجِدُهَا صَاحِبُهَا أَ يَأْكُلُهَا. قَالَ: إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ رَمْيَتَهُ هِيَ الَّتِي قَتَلَتْهُ فَلْيَأْكُلْ“.

ومن الثاني: “عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ سَمَاعَةَ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ رَمَى حِمَارَ وَحْشٍ أَوْ ظَبْياً فَأَصَابَهُ ثُمَّ كَانَ فِي طَلَبِهِ فَوَجَدَهُ مِنَ الْغَدِ وسَهْمُهُ‏ فِيهِ‏. فَقَالَ: إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَصَابَهُ وأَنَّ سَهْمَهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ فَلْيَأْكُلْ مِنْهُ وإِلَّا فَلَا يَأْكُلْ مِنْه“. ص274 ج3. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فقد حرّم عليه الأكل ما لم يعلم بالتذكية، وبوقوعها عن طريق الكلب، أو عن طريق السهم المرمي.

هذه الروايات من حيث المضمون متّفقه في مواردها مع استصحاب عدم التذكية، إلّا أنّه ليس في لسانها ما يشعر بأنّ سندها هو الاستصحاب، بل مجرد بيان حرمة للأكل، ما لم يعلم بأنّ رميته هي التي صابت. 

فكما يُحتمل أنّ تكون هذه الحرمة مجعولة بالملاك الاستصحابي، ولو من باب إجراء الاستصحاب في الأعدام الأزلية، على النحو الذي بيّناه. كذلك يُحتمل في شأن هذا اللسان، أن تكون حرمة ظاهرية مجعولة على مستوى الحليّة الظاهرية المجعولة في أصالة الحلّ. فهنا نشكّ في أنّ هذا حلال، أو حرام أنّه قد ذُكّي بالكلب المعلَّم، أو قُتِل بكلب غير معلَّم. وفي موارد الشكّ قد يحكم الشارع بالحليّة ظاهراً أحياناً، وقد يحكم بالحرمة أحياناً، فمن المحتمل أن تكون هذه حرمة ظاهرية قد حكم بها في مورد الشكّ، دون نظر إلى الحالة السابقة، التي هي أحد أركان الاستصحاب.

فمثل هذه الروايات لا يمكن أن تُعتبر دليلاً، أو شاهداً على جريان استصحاب عدم التذكية؛ لعدم إبائها عن كونها حرمة ظاهرية بحتة. وإن كانت موافقة مع الاستصحاب بحسب المضمون نتيجة في مواردها.

وأمّا الطائفة التي تخالف الاستصحاب من حيث المضمون، ولو بدواً(1)

ــــــــــ[111]ــــــــــ

() ثُّمّ ذكر مضمون الرواية، ولعلّه يشير الى هذه الرواية: ص275 ج3 “مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ وفَضَالَةَ عَنْ أَبَانٍ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّـهِ أَرْمِي‏ بِسَهْمِي‏ فَلَا أَدْرِي سَمَّيْتُ أَمْ لَمْ أُسَمِّ. فَقَالَ: كُلْ لَا بَأْسَ“. الْحَدِيثَ. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فقد حكم الإمام بحليّة أكل مثل هذا الحيوان، مع أنّنا لو خُلِّينا نحن ودليل الاستصحاب، لأمكن أن يقال بأنّ هذا من موارد جريان استصحاب عدم التذكية؛ لأنّ أحد شؤون ومقوّمات التذكية هو التسمية، وهذا المؤمن شاكّ بها فيستصحب عدم التسمية، أو يستصحب عدم ذلك الأمر البسيط، على التفاصيل التي تقدّمت.

فتعتبر هذه الرواية حينئذٍ، إمّا شاهداً على بطلان استصحاب عدم التذكية كليّة في أمثال المقام، وتكون مخصّصة لدليل الاستصحاب في خصوص موردها؛ لاّنّها على خلاف القاعدة فيقتضى فيها على موردها. -مثلاً-.

لكن هذه الطائفة أو هذه الرواية لها محملان آخران، بناءً عليهما لا تكون من مؤيّدات بطلان استصحاب عدم التذكية:

المحمل الأوّل: إبداء احتمال أن تكون هذه الرواية في مقام التمسّك بقاعدة الفراغ؛ باعتبار أنّ هذا المؤمن بعد أن رمى، شكّ أنّه سمّى أو لم يسّمِّ، فقد صدر منه عمل ذو أثر شرعي، وبعد ذلك شكّ هل وفى بتمام الشرائط، أو لم يفِ بتمامها؟ فيكون مورد القاعدة الفراغ. وتكون الحليّة بلحاظ هذه القاعدة، التي فرغنا في بحثها عن تقديمها على دليل الاستصحاب(1).

ــــــــــ[112]ــــــــــ

()  وهنا قال جواباً على سؤال: الشكّ بالنسبة إليه شكّ بعد العمل، وبعد تحقّق الموضوع، سواءٌ فُرِض أنّ هذا الشكّ وقع في الآن المتخلّل ما بين الرمي، والوصول إلى النحر، أو بعد الوصول إلى النحر. على أي حال قاعدة الفراغ إنّما هي بنكتة كاشفية حال العمل عن المطلب، وهذه النكتة لا يفرق فيها بين أن يكون ظرف الشكّ بعد العمل، وقبل وصول السهم إلى النحر أو بعده. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

هذا أحد المحملين.

والمحمل الثاني: الذي يبطل المحمل الأوّل أيضاً، وهو إبداء احتمال أن تكون هذه الحليّة هنا، حليّة واقعية لا ظاهرية. بمعنى أنّ هذا المؤمن الذي صاد، ثُّمّ شكّ في أنّه هل سمّى أو لا. يكون هذا الحيوان واقعاً حلالاً ومُذكّى شرعاً بالنسبة إليه؛ لأنّه يُحكم ظاهراً بالتذكية، والحليّة من باب قاعدة الفراغ.

والنكتة في ذلك: هي، أنّ مورد قاعدة الفراغ -وهو المنصرف أيضاً من نفس هذه الرواية- ما إذا شكّ العامل بعد العمل في أنّه هل أخلّ سهواً، أو أنّه أتى بالمطلوب، بحيث يكون المطلب مردّداً بين الترك السهوي والإتيان، دون ما إذا كان المطلب مردّداً بين الترك العمدي أو الإتيان.

فإنّنا تارةً نفرض أنّ المصلي، بعد الصلاة يشكّ في أنّه هل ترك الفاتحة سهواً، أو أتى بها، فهذا هو مورد قاعدة الفراغ. وأخرى لا يحتمل السهو أو يحتمله، لكن يحتمل أيضاً أنّه ترك الفاتحة عمداً وعصياناً. في مثل ذلك لا تجري قاعدة الفراغ على ما هو المُنقّح في محلّه. فمورد هذه القاعدة هو ما إذا تردّد الأمر بين الإتيان، وبين الترك السهوي، وهو المنصرف من السؤال في الرواية، أنّه لا يدري سمّى أو لم يسم. فكأنه لا يحتمل أنّه عمداً لم يسمّ، وإنّما لا يدري أنّه التفت وسمّى، أو أنّه سها ولم يسم.

ــــــــــ[113]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وحينئذٍ، ففي مثل ذلك تكون التذكية واقعية، لطائفة أخرى من الروايات دلّت في موارد السهو والنسيان على صحّة المطلب، وكون الحيوان المُذكّى. وقد وردت في مورد فُرِض فيه النسيان، فحكمت بأنّ الحيوان مّذكّى(1)

وبذلك عرفنا أنّ شرطية التسمية مشروطة بحالة الذكر، وليست مطلقة لحالة النسيان، ففي حال النسيان لا يشترط التسمية. إذن، فمن تردّد أمره بين أن يكون ناسياً أو مسميّاً، فهو مذكٍ على كل حال؛ لأنّه إن كان مسميّاً فقد تمّت التذكية، وإن كان ناسيّاً فالتسمية ليست شرطاً في حالة النسيان. فتحّمل هذه الحليّة على أنّها حليّة واقعية. 

وحينئذٍ فلا يبقى مجال لتوهّم أن تكون مثل هذه الرواية مدغدغة لدليل ــــــــــ[114]ــــــــــ

() أقول: منها ما في باب أنّه لابدّ من التسمية عند إرسال الكلب.. إلاّ أن ينسى التسمية: “عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ عَنْ مُوسَى بْنِ بَكْرٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ قَالَ: إِذَا أَرْسَلَ‏ الرَّجُلُ‏ كَلْبَهُ‏ ونَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ‏ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ ذَبَحَ ونَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ وكَذَلِكَ إِذَا رَمَى بِالسَّهْمِ ونَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ“.

 ورواه الصدوق باسناده عن موسى بن بكر مثله وزاد (وحل ذلك).

 “وعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّـهِ عَنْ رَجُلٍ أَرْسَلَ كَلْبَهُ‏ فَأَخَذَ صَيْداً فَأَكَلَ مِنْهُ آكُلُ مِنْ فَضْلِهِ. قَالَ: كُلْ مَا قَتَلَ الْكَلْبُ‏ إِذَا سَمَّيْتَ‏ عَلَيْهِ فَإِذَا كُنْتَ نَاسِياً فَكُلْ مِنْهُ أيضاً وَ كُلْ فَضْلَهُ” ص273 ج3. وراجع أيضاً باب اشتراط التسمية عند التذكة وإلا لم تحلّ…الخ ص280. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الاستصحاب، الذي تمسّكنا به لإجراء استصحاب عدم التذكية.

فبذلك اتّضح أنّ روايات الباب بالخصوص لا يوجد فيها لا ما يؤيد دليل الاستصحاب، ولا ما يفنّده. هذا هو تمام الكلام في التنبيه الأوّل.

ــــــــــ[115]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 


















التنبيه الثاني: في حكم الاحتياط شرعاً 

 

التنبيه الثاني: عُقد بيان حال الاحتياط، بعد أن فرغنا عن عدم وجوبه وأثبتنا بطلان دعوى العلماء الإخباريين القائلين بوجوب الاحتياط. فنريد أن نعرف ما هو حال الاحتياط في الشريعة الإسلامية.

والكلام في هذا التنبيه يقع في مقامين: المقام الاول: في حكم الاحتياط شرعاً وانه ما هو حكمه بعد عدم الوجوب، هل هو الاستحباب أو شيء آخر من الأحكام التكليفية، أو ليس له حكم أصلاً. والمقام الثاني: بعد تنقيح حكمه نتكلم في بعض صغرياته وتطبيقاته. ومنه ينفتح الحديث عن جريان الاحتياط في العبادات وعدم جريانه فيها.

[المقام الأول: في تحقيق حكم الاحتياط]

أمّا المقام الأوّل: وهو البحث عن حكم الاحتياط، بعد أن عرفنا سابقاً، أنّ الاحتياط ليس واجباً في الشرع، وأنّ المجعول في الشبهات البدوية هو أصالة البراءة. فقد ذهب، بناءً على هذا -لعلّه جمهرة الأصوليين- إلى عمل أوامر الاحتياط في المقام على الاستحباب. فإنّه بعد فرض قيام القرينة(1) على عدم 

ــــــــــ[116]ــــــــــ

() التي منها أخبار البراءة. ( المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الوجوب، تُحمل هذه الأوامر على الاستحباب، إن لم تكن هي من أوّل الأمر دالّة عليه، كما أشرنا إليه فيما سبق في بعضها. فيتحصّل أنّ الأمر بالاحتياط استحبابي، لا أمر وجوبي، ومن هنا أفتوا باستحباب الاحتياط، وأنّه مستحب والشريعة.

تقريب المرزا لحمل الأمر على الإرشاد وجوابه 

وقد وقع بحث علمي في هذا المطلب، وان لم يكن له مزيد أثر فقهياً، من قبل جملة من المحقّقين كالمحقّق النائيني حيث إنّهم أنكروا استحباب الاحتياط شرعاً، مدعين بأنّ الأمر بالاحتياط في الأخبار يجب حمله على الإرشادية، ولا يكون أمراً مولويّاً، بكلا قسمي المولوي من الوجوبي والاستحبابي. مستدلّين على ذلك بأنّ الاحتياط لا يقبل تعلّق الحكم المولوي به من قبل الشارع على وجه الاستحباب، فيتعيّن حمله على الإرشاد(1).

أمّا لماذا أنّ الاحتياط لا يقبل تعلّق الحكم المولوي الاستحبابي به من قبل الشارع، بحيث يتعيّن حمل أوامر الاحتياط على الإرشاد، فيمكن أن يقرّب ذلك باحد وجهين أو تعبيرين:

[التقريب الأول] 

التعبير الأول: ما عن المحقق النائيني، من تطبيق كبرى أسّسها ونقّحها في أصوله على المقام.

وحاصل الكبرى في نفسها، هي أنّ الأشياء التي يستقلّ العقل بتحسينها 

ــــــــــ[117]ــــــــــ

(1) انظر: اجود التقريرات 2: 204-205.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وتقبيحها، تارةً يكون التحسين والتقبيح العقلي ثابتاً بقطع النظر عن حكم شرعي في المرتبة السابقة، وأخرى يكون التحسين والتقبيح ثابتاً في مرتبة متأخّرة عن الحكم الشرعي، أي بلحاظه. 

فمن قبيل الأوّل، حكم العقل بحسن العدل وقبح الظلم، فإنّ العقل حينما يحكم بذلك، يحكم بذلك حكماً بتيّاً تنجيزياً، بلا أن يلاحظ حكماً شرعيّاً قبل ذلك. فهذه أحكام عقلية قبلية في باب الحسن والقبح. وهناك أحكام عقلية بعدية، مثاله حكم العقل بقبح المعصية وحسن الطاعة. وهذا الحسن والقبح في طول الحكم الشرعي وفي المرتبة المتأخّرة عنه؛ لأنّ موضوعه هو المعصية والطاعة المضافة إلى حكم المولى. فهذه الأحكام العقلية واقعة في سلسلة معلومات الحكم الشرعي، وفي الرتبة المتأخّرة عنه.

يقول الميرزا: إنّ كلّ عنوان وقع موضوعاً للتحسين والتقبيح في المرتبة المتقدّمة السابقة، من قبيل عنوان العدل والظلم، فيقبل أن يتعلّق به حكم مولوي، فالمولى أيضاً يحرّم الظلم، ويوجب العدل، أو يندب إليه. وأمّا العناوين التي وقعت موضوعاً للتحسين والتقبيح في المرتبة المتأخّرة عن الحكم الشرعي وفي طوله، فلا يمكن أنّ يتعلق به حكم شرعي آخر. كعنوان المعصية وعنوان الطاعة؛ ومن هنا قلنا: إنّ أمر (أطيعوا الله) يجب أن يحمل على الإرشاد، ولا يمكن أن يكون أمراً مولوياً؛ لأنّ عنوان الاطاعة عنوان محكوم بالحسن في المرتبة المتأخّرة عن الحكم الشرعي(1).

ــــــــــ[118]ــــــــــ

()  انظر: فوائد الأصول 3: 46-47.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

هذه هي الكبرى التي نقّحها الميرزا في بحث التجرّي، وتكلمنا فيها هناك.

وهذه الكبرى طبّقها في المقام، فإنّ الاحتياط في المقام من القسم الثاني، فان الاحتياط ممّا يستقل العقل بحسنه، فإنّه يستقلّ أنّ العبد يحسن منه الاحتياط في الشبهات، التي يحتمل فيها وجود حرام، أو واجب. واستقلاله بحسنه واقع في المرتبة المتأخّرة عن الحكم الشرعي، فإنّ عنوان الاحتياط كعنوان الطاعة والمعصية، احتياط بلحاظ الحكم الواقعي. 

إذن، فهو من العناوين الواقعة في طول الحكم الشرعي، ومادام كذلك فيستحيل أن يقع موضوعاً للحكم الشرعي بالاستحاب(1).

ــــــــــ[119]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال سألته: إنّ العقل يحكم بحسن الاحتياط حسناً مساوقاً مع الاستحباب. إذن فالشارع لا يمكن أن يحكم بالاستحباب. 

فقلت: إنّ حكم العقل بالحسن والقبح إلزامي دائماً.

 فنقض عليّ: بحسن الصدقة على الفقير، وهل أنّها إلزامية عقلاً. وقال ليس كلّ إحسان واجبٌ، ولكن كلّ إحسان حسن.

أقول: إنّ العقل العملي الأولي لا يدرك إلاّ قضايا كبروية ذات مواضيع كليّة يحكم -يعني يدركها العقل- عليها أحكام عامّة إلزامية. ولا نتصوّر له غير ذلك. فالعقل إمّا يحكم بالحسن أو بالقبح أو لا يحكم بشيء أصلاً. وليس في أحكامه استحباب وكراهة كما في الشرع. 

نعم، العقل العملي الثاني المدرك للتزاحم بين ملاكات ومقتضيات الحسن والقبح، قد يدرك بعد لحاظ سائر الجهات وتقديم الأهم.

 إنّ الشخص مخيّر بين فعل عدة أمور، أو ترك عدة أمور، إلاّ أنّ الجامع بينهما إلزامي، بمعنى عدم جواز غض النظر عنها جميعاً. أو قد يدرك أنّ الإنسان مخيّر بين الفعل، والترك على اعتبار تزاحم مصلحة الفعل ومفسدة الترك بمزاحم أهمّ، كالتخيير بين التقية أو العقل عند طلب البراءة من الأئمّة. وقد يكون الفعل، أو يكون الترك أرجح؛ لعدم بلوغ مزاحمه من القوة بحيث يوجب إلغائه كليةً. أو لأنّ مزاحمه أضعف من مزاحم نقيضه. وهكذا. ومن المعلوم أنّ هذا كلّه إنّما هو في موارد التزاحم، لا في الأحكام العقلية الكلية على العناوين العامّة، كحسن العدل والإحسان وقبح الظلم والعدوان.

وممّا لابدّ من ملاحظته، أنّ حكم العقل الأوّلي الإلزامي، لا يكون إلاّ على عناوين كليّة بسيطة وحدانية المفهوم، كالعدل، والظلم، والصدق والكذب، أمّا إذا دخلت عليه قيود أخرى أصبحت القيود متزاحمة مع مقيّداتها في بعض الموارد، فتدخل في أحكام العقل العملي الثاني، فمن الممكن حينئذٍ، أن نجد حكم العقل بحسن الصدق الزامي. إلاّ أنّ حكمه بحسنه مقيّداً باستلزامه لبعض مراتب الضرر على النفس ليس إلزامياً وهكذا. فتدبّر في هذا البيان فإنّه حقيق به. انتهى ما أُريد أن أقوله. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

هذا حاصل ما افاده المحقق النائيني(1).

ونحن في باب التجري تكلمنا في هذه الكبرى، وبيّنا عدم تماميتها، وأنّه ليس ميزان في قابلية العنوان؛ لأنّ يقع موضوعاً للحكم الشرعي، أو لا يقع. هو كونه في المرتبة المتقدّمة أو المتأخّرة. كما تكلمنا مفصّلاً في بحث التجرّي.

ولكن الآن نقطع النظر عن النزاع المبنائي في الكبرى، ونتكلّم بقطع النظر عنه. 

ــــــــــ[120]ــــــــــ

(1)  انظر: أجود التقريرات 2: 204-205.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فنقول: إنه يرد عليه.

أولاً: منع انطباق هذه الكبرى على محلّ الكلام، أي منع كون الاحتياط من قبيل القسم الثاني، من العناوين التي يحكم العقل بحسنها بالنحو الذي أُفيد. فإنّ الاحتياط له صطلاحان:

 تارةً يُراد به: الإتيان بالعمل بداعي التكليف الواقعي المشكوك. وهذا عمل عبادي تقرّبي من المولى بلا إشكال ويحكم العقل بحسنه؛ لأنّ التقرب من المولى بأي مرتبة حسن. فإنّ غاية سعادة العبد أن يكون قريباً من المولى، وأحد أساليب القرب منه هو التعبّد له. ولا إشكال في أنّ الإتيان بالعمل المحتمل الوجوب برجاء وجوبه الاحتمالي تعبّد للمولى، فيكون تقربّاً فيكون حسناً بلا إشكال.

والمعنى الآخر للاحتياط: هو أن يعمل المكلّف عملاً، بحيث لا يُبتلّى بمخالفة الواقع. فلو فرضنا أنّ الإنسان كان ملتزماً، أنّه متى ما شكّ في حرمة شيء وعدمها، يتركه. لا بداعي إحتمال حرمته وتقربّاً للمولى، بل لأنّ أباه أمره بذلك فهو لخاطر [لأجل] أبيه يتركه. هذا ينطبق عليه عنوان الاحتياط بالمعنى الثاني؛ لأنّنا لا نريد به إلّا أن يعمل المكلّف سنخ عمل، بحيث لا يبتلي بمخالفة الواقع. وفي المثال صدر منه الاحتياط. غاية الأمر لا بقصد القربة، بل بقصد التقرّب إلى أبيه لا إلى المولى تعالى.

وكلام الميرزا، كان مبنيّاً على حمل الاحتياط على المعنى الأوّل، يعني: الإتيان بمشكوك الوجوب، أو ترك محتمل الحرمة بداعي المولى. مع أنّ هذا 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

ليس مقوِّماً لمفهوم الاحتياط، فإنّه لم يُؤخذ في مفهوم الاحتياط قصد القربة، بل مفهوم عبارة عن هذا المعنى الثاني الذي ذكرناه. وهو أن يحتاط الإنسان بالمطلب الواقعي، بحيث لا يبتلى بمخالفته. سواءٌ كان بداعي المولى، أو لم يكن.

ومن المعلوم، أنّ مثل هذا العنوان يمثّل هذه الحدود، ولا يحكم العقل بحسنه(1). وإنّما الذي يحكم بذلك -لو كان هناك حاكم- هو الشارع. فما العنوان الذي أستقلّ العقل بحسنه ليس مساوقاً لعنوان الاحتياط، الذي ورد الأمر به شرعاً في الأخبار. والعنوان الذي ورد الأمر به شرعاً في الأخبار ليس هو ذلك العنوان الذي أستقلّ العقل بحسنه، بل هو أعمّ منه وأوسع. إذن، فالكبرى الذي أفادها لا تنطبق على محلّ الكلام.

فإنّ الكبرى تقول: بأنّ كلّ عنوان يقع موضوعاً لحكم العقل بالحسن في المرتبة المتأخّرة، لا يعقل أن يقع موضوعاً للحكم الشرعي، وعنوان الاحتياط ليس من هذا القبيل؛ إذ ليس معنى الاحتياط متضمّناً لقصد القربة، بل معناه الإتيان بعمل بحيث لا يُبتلَّى بمحذور مخالفة الواقع. وهذا العنوان لا يحكم العقل بحسنه بما هو كذلك. وحينئذٍ، يكون قابلاً لتعلّق الأمر المولوي به ولا يكون داخلاً تحت الكبرى التي أفادها المرزا(2).

ــــــــــ[122]ــــــــــ

() لأجل أن يمتنع الأمر به على وجه الاستحباب، (محاضرة غد). (المقرّر). 

(2) وهنا قال أحد الإخوان: لو فُرِض ورود الإشكال على الميرزا في باب الاحتياط، فهو يردّ حتّى في باب الإطاعة؛ لأنّه لم يُؤخذ في مفهومها قيد التقرّب، فإنّ الإنسان في التوصليّات يطيع المولى، لكن لا بداعي التقرّب، بل بداع آخر. هل هذه الاطاعة حسنة عقلاً أو لا. مجرّد الموافقة القطعية للأمر لا بداعي القربة.

فاجأب (سلّمه الله): مجرّد الإتيان بذات المتعلّق من دون قصد القربة ليس فيه حسن. غايته أُخذ عنوان الإطاعة، وهي لا تصدق على الإتيان بالمتعلّق بقصد آخر غير قصد القربة. نعم، لو أُخذت معرفّاً لمجرّد الإتيان بذات المتعلّق، كان الإشكال وارداً. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وأمّا ثانياً: فلانّه لو سلّمناه الكبرى في نفسها، وسلّمنا انطباقها على محلّ الكلام أيضاً، وفرضنا أنّ عنوان الاحتياط بالمعنى الذي نقوله ما يحكم العقل بحسنه أيضاً. مع هذا لا يكون ما أفاده كافياً لمنع تعلّق الأمر الاستحبابي المولوي بعنوان الاحتياط. إذ أنّ عندنا نحوين من المولويّة: أحدهما: الاستحباب المولوي الطريقي، والآخر: الاستحباب المولوي النفسي. وما أفاده، لو تمّ فإنما يتمّ في نفسي باستحباب مولوي نفسي، مستقلّ عن الحكم الأوّل. بأن يفرض أنّ الاحتياط حيث وقع موضوعاً للحكم بالحسن عليه عقلاً في المرتبة المتأخّرة عن حكم واقعي نفسي، فلا يقع هذا العنوان موضوعاً لحكم واقعي نفسي في المرتبة المتأخّرة عنه. هذا هو مدعاه في الكبرى.

إلّا أنّ هذا لا ينافي أن يتعلّق بالاحتياط استحباب مولوي طريقي، لا نفسي. والفرق بين الاستحبابين أنّ النفسي منهما يكون متعلّق بالاحتياط بملاك حكم العقل بحسنه. بحيث يكون حسنه العقلي ملاكاً لتعلّق الاستحباب المولوي الاستحبابي النفسي به. هذا نفرض أنّه غير معقول؛ لأنّ الأحكام العقلية التي هي في طول الأحكام الشرعية، لا يعقل أن تكون ملاكات للإحكام الشرعية. 

ــــــــــ[123]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وأمّا الاستحباب المولوي الطريقي، فإنّ هذ لا يتعلّق بالاحتياط بملاك حسنه العقلي، بل هو خطاب متعلّق بالاحتياط بداعي نفس ملاك الحكم الواقعي الاحتمالي. فإنّ المولى في مقام التحفّظ على ملاك الوجوب الواقعي المشكوك للدعاء عند رؤية الهلال، في مقام التحفّظ عليه في حالة الشكّ، تارةً يُحكم بوجوب الاحتياط تحفّظاً على شؤون الواقع المشكوك وأخرى يحكم باستحباب الاحتياط تحفظاً عليه.

فالحكم باستحباب الاحتياط مولويّاً ليس حكماً نفسيّاً، بل هو حكم طريقي بداعي التحفّظ على ملاكات الحكم الواقعي المشكوك، لكنّه تحفّظ ناقص، بمقدار قابلية الاستحباب للحفظ، لا تحفّظ كامل بمقدار قابلية الإيجاب للحفظ. ومثل هذا الاستحباب أجنبي عن الكبرى التي نقّحها.

بل لو لا هذا الاستحباب، لماحكم العقل بحسن الاحتياط أصلاً. فإنّه لوفُرِض أنّ ملاكات الحكم الواقعي المشكوك كان بدرجة من الضعف في نظر المولى بحيث لا يهتم بها، ولو بنحو حفظها بخطاب استحبابي في موارد الشكّ. لو لم يكن لها هذا النحو من الأهميّة، لما حكم العقل بحسن الاحتياط أصلاً. فإنّ حكمه بحسنه إنّما هو بلحاظ ترتّب بمثل هذه الأهمّية.

إذن، فمثل هذا الخطاب المولوي الطريقي ممّا لا مانع منه أصلاً، وبعد فرض ظهور الأمر في المولويّة، فلا موجب لظهوره في ذلك، وحمله على الإرشادية. فيمكن أن نلتزم أنّ الأمر بالاحتياط أمر مولوي طريقي. 

أمّا أنّه مولوي لا إرشادي؛ فلأنّ ظاهر كلّ أمر في نفسه المولوية، ما لم تقم 

ــــــــــ[124]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

قرينة على الخلاف، ولا قرينة هنا بعد فرض معقولية المولوية. 

وأمّا أنّه طريقي لا نفسي، فالقرينة على أنه طريقي هو نفس عنوان الاحتياط ومادّته. فإنّ مادة الاحتياط ظاهرة عرفاً في أنّها ملحوظة بنحو الطريقية والاستطراق للواقع، فهي تستبطن معنى الطريقية إلى الواقع، بنحو يوجب انعقاد ظهور للأمر المتعلّق بهذه المادة الطريقية.

إذن، فما أفاده الميرزا من الكبرى لا ينفي المولوية، غايته لو تم ّينفي الامر الاستحبابي النفسي بملاك حسنه عقلاً. أمّا الأمر المولوي الطريقي بداعي التحفّظ على ملاكات الواقع، فهو أمر معقول. ولا يمنع عنه حكم العقل بحسن الاحتياط، بل حكمه بذلك هو بلحاظ ترتّب هذا الحكم(1) الطريقي؛ لأنّه يكون مانعاً عنه.

هذا هو الوجه الأوّل الذي أفاده الميرزا لبيان عدم تعلّق استحبابي مولوي بالاحتياط.

التقريب الثاني لذلك 

كان الكلام في أنّ الأمر المتعلّق بالاحتياط في الروايات، بعد الفراغ عن ظهوره في حدّ ذاته بالمولوية، ككّل أمر وارد من قبل الشارع، ما لم تقم عنايته زائدة. 

يقع الكلام في أنّه هل هناك قرينة عقلية تحتم رفع اليد عن ظهور هذا الأمر 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

() بحيث لو علم بعدم ملاك الحكم لما حكم بحسنه، (المحاضرة). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

في المولويّة، بحيث يُصرف إلى الارشادية أو لا(1)؟

التقريب الثاني الذي يمكن أن يُقرّب به حمل الأمر على الإرشاد، وعدم كونه مولويّاً، بهذا التعبير: أن يقال: إنّ الأمر بالاحتياط لا يمكن أن يكون أمراً مولويّاً، وذلك لمحذور اللغوية؛ لأنّ الأمر المولوي إنّما يكون بداعي البعث والتحريك من قبل المولى للعبد.

 وحينئذٍ، ففي سائر موارد الاستحباب، كاستحباب القنوت أو صلاة الليل، يمكن جعل أمر استحبابي مولوي بداعي البعث والتحريك؛ إذ لو لا الاستحباب المجعول من قبل المولى لم يكن هناك داعٍ مولوي في المرتبة السابقة يدعو إلى القنوت. فجعل الاستحباب أمر معقول.

وأمّا في موارد الاحتياط، فحيث إنّ فرض الاحتياط هو فرض وجود شكّ في الواقع، المساوق مع احتمال حكم واقعي تحريمي، أو وجوبي -مثلاً-. فيكون نفس احتمال وجود حكم إلزامي يكون -في المرتبة السابقة على الأمر بالاحتياط- ثابتاً لا محالة؛ لأنّ الأمر بالاحتياط متقوّم بعنوان الاحتياط، وعنوان الاحتياط متقوّم بالشكّ، وبأحتمال وجود الواقع. فاحتمال وجود الواقع ثابت في المرتبة السابقة على الأمر بالاحتياط. ومثل هذا الاحتمال الثابت في المرتبة السابقة على الأمر به كافٍ في المحركية والباعثية، بلحاظ استقلال العقل بحسن التحرّك عن احتمال الأمر، على حدّ حسن التحرّك عن الأمر الجزمي.

 ــــــــــ[126]ــــــــــ

() وهنا لخّص الوجه الذي ذكره الميرزا مع ملخص جوابه. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

إذن، فالأمر بوجوده -الاحتمال المفروض- في الرتبة السابقة على الأمر بالاحتياط، كافٍ في المحركية والباعثية والمولوية.

وحينئذٍ، فهذا الداعي الذي هو الأمر بوجوده الاحتمالي، إنّ أثّر أثره في المرتبة السابقة لم يكن هناك حاجة إلى جعل الأمر بالاحتياط في المرتبة المتأخّرة. وإن لم يؤثر أثره لأجل أنَّ العبد لا يتحرّك عن المحرّكات المولوية، فحال الأمر بالاحتياط حال هذا المحرّك المولوي. فلا يترتّب أثر للأمر بالاحتياط، زائداً عن الأثر المفروض ترتّبه بقطع النظر عنه. وهذا معنى كونه لغواً.

هذا الكلام غير صحيح؛ وذلك لأنّ الأمر بالاحتياط المفروض كونه مولويّاً، إمّا أن يكون أمراً نفسياً، وإمّا أن يكون أمراً طريقياً.

فإن فرضنا أنّه أمر نفسي مولوي، فلا يأتي إشكال اللغوية؛ باعتبار الالتزام بتأكّد المحركيّة والباعثية في المقام، بلحاظ اجتماع جهتين نفسيتين مولويتين: إحداهما الواقع بوجوده الاحتمالي. والاخرى الأمر الاستحبابي النفسي بوجوده الجزمي.

إذا فرضنا أنّ الامر بالاحتياط كان أمراً نفسياً ناشئاً من ملاك وراء ملاكات الحكم الواقعي، وزائداً عليها. إذن، فهو حكم في قباله له ملاك في قباله. إذن، فيمكن التأكّد مابين هذين الحكمين، كما هو الحال في كلّ حكمين حقيقين اجتمعا في مورد واحد. والانبعاث عن المحرّكية المؤكّدة والحكم المؤكّد أقوى قهراً من الانبعاث عن الحكم غير المؤكّد. 

وإذا التزمنا بالتأكد ملاكاً وخطاباً، فلا محالة لابدَّ من الالتزام بالتأكّد في 

ــــــــــ[127]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

عالم المحرّكية والباعثية، وفي عالم حكم العقل بحسن الانقياد والانبعاث. فلا يكون مثل هذا الأمر لغواً لا محالة. هذا إذا كان الأمر نفسياً.

وأمّا إذا كان الأمر طريقياً، إذا فرضنا أنّ الأمر بالاحتياط أمر مولوي طريقي، يعني خطاب ناشئ عن نفس ملاكات الحكم الواقعي، لا عن ملاكات أخرى ورائه، بل حاله حال سائر الأحكام الطريقية والظاهرية، التي روحها هو نفس الأحكام الواقعية، وملاكها نفس ملاكها، على النحو الذي وضحنّاه في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية.

بناءً على هذا يستحيل الالتزام بالتأكّد هنا؛ لأنّ الحكم الطريقي، ليس له ملاك وراء ملاك الحكم الواقعي، حتّى يتأكّد الحكم الواقعي به. فالتأكّد هنا أمر مستحيل. ولكن مع هذا لا يأتي إشكال اللغوية؛ وذلك لأنّ الأمر المولوي الطريقي، محرّكيته هي نفس محرّكية الأمر الواقعي المشكوك؛ لأنّها محرّكة زائدة عليه، بل هي من شؤون محرّكية الأمر الواقعي.

وذلك؛ أنّ الملاك الواقعي، الذي دعى المولى إلى جعل خطاب واقعي على طبقه. المفروض أنّ هذا الملاك مشكوك فيه عند المكلّف، وحيث يُشكّ فيه عند المكلّف، يدور أمر المولى -فإنّه في هذا الحال- إمّا أن يهتم بذاك الملاك الواقعي اهتماماً أعلائياً شديداً، بحيث يحكم بوجوب الاحتياط لأجل التحّفظ عليه. فوجوب الاحتياط حكم طريقي ناشئ من نفس الملاك الواقعي المشكوك بداعي التحفّظ عليه، وروحه هو نفس روح الخطاب الواقعي.

وأخرى: نفرض بأنّ اهتمام المولى بمرتبة ضعيفة، بحيث لا تدعوه إلى 

ــــــــــ[128]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

إيجاب الاحتياط، لكن تدعوه إلى الحثّ عليه، ولو على مستوى الاستحباب، فيبرز هذه المرتبة من اهتمامه. وإبرازه لذلك يكون بلسان الأمر الاستحبابي. فهذا الأمر بحسب الحقيقة. هو خطاب في مقام إبراز المرتبة الناقصة من اهتمام المولى بملاكه الواقعي.

وقد يُفرَض أنّ المولى أصلاً ليس له اهتمام بحفظ ملاكه الواقعي، لا بالنحو الكامل، ولا الناقص، فيبرز أنّه: ما عليّ أن تحتاط، أو لا تحتاط، ولا يفرق في حالي ذلك فهذا أيضاً حالة ثالثة.

والمولى في عالم المولويّة، يمكنه أن يتصرّف بأحد هذه الأنحاء الثلاثة. وأي نحو تصرّف به، لا يكون فيه محذور بالنسبة إليه لا محالة(1).

ــــــــــ[129]ــــــــــ

()  وهنا قال أحد الإخوان: إنّ محذور اللغوية لم يرتفع. 

فأجاب (سلّمه الله): بل ارتفع. فإنّه بعد فرض أنّ هناك حالات ثلاثة ممكنة بالنسبة إليه، فكان من الممكن أن يقول ما على فرق بين أن تحتاط، أو أن لا تحتاط. أو يبرز اهتمامه بالملاك الواقعي، إمّا بالمرتبة الناقصة، أو الكاملة. فهنا، حيث إنّ الواقع الموجود في نفسه هو الاهتمام بالمرتبة الناقصة، فأراد أن يبرزه في المقام؛ دفعاً لإبراز الشق الثالث، أو لاحتماله. يعني دفعاً لوصوله خطأ، أو لوصوله ولو احتمالاً أي إشكال في ذلك.

وهنا قال الأخ: الوصول الاحتمالي للثالث لا يضرّ المولى؟

فأجاب (سلّمه الله): إن الوصول الجزمي للثالث يكون موجباً، بلا ضرار بالمولى، ويكون بيان الثاني مفيداً في مقام من ناحية عدم الوصول الجزمي للثالث، وأمّا الوصول الاحتمالي للثالث، فهذا يوجب أضعفية المحرّكية؛ لأنّ المحرّكية مع احتمال أنّ المولى لا يهتم أصلاً بالواقع غير المحرّكيّة، مع العلم بأنّ المولى مهتم بالواقع بالمرتبة الناقصة. فبيان الثاني فيه فائدتان: منع الوصول الخطأي للثالث ومنع الوصول الاحتمالي له. ولا يكون فيه لغوية أصلاً. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وبهذا اتّضح، أنّه لا يوجد هناك محذور في التحفّظ على ظهور الأمر في المولويّة، فنتحفظ عليه. نعم لا نلتزم بالمولويّة النفسية، بل بالمولويّة الطريقية. “أخوك دينك فحتط له بم شئت” هنا نلتزم بالمولويّة الطريقية لا النفسية؛ وذلك لظهور نفس مادة الاحتياط، في أنّها في مقام الاستطراق إلى الواقع، لا باعتبار نفسها وبما هي أمر في حيال الواقع وفي قباله.

كما نستظهر هذا من جميع أدلّة الأحكام الظاهرية، كـ(صدّق العادل) ولا ينقض اليقين بالشك، ونحو ذلك من الخطابات، نستظهر منها الطريقية لا السببية، فإنّ العرف لا يفهم من قوله (صدّق العادل) أن تصديق العادل بما هو معنى يكون مطلوباً للشارع، بل نفس المادة تكون قرينة بعتبار كونها مطعّمة بمعنى الكشف والإرائة عن غيرها، تكون قرينة على أنّها في مقام الاستطراق إلى الواقع. كذلك مادة الاحتياط في المقام.

حينئذٍ، يلتزم بالأمر المولوي الطريقي.

نعم، بعض الروايات الواردة في المقام قد لا تكون مناسبة مع الأمر المولوي الطريقي بهذا المعنى. من قبيل الروايات التي قرأناها فيما سبق. تقول “من حام حول الحمى أوشك ان يقع فيه”، “من ترك ما اشتبه عليه من الإثم كان لما استبان له من الإثم اترك”.

ــــــــــ[130]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

حيث يظهر هنا، أنّ ملاك الأمر بالاحتياط في شرب التتن -مثلاً- ليس هو التحفّظ على الحرمة الواقعية المشكوكة المحتمل تعلّقها بالتتن، بل هو التحفّظ على عدم شرب الخمر؛ لأنّ هذا العبد إذا شرب التتن وهو محتمل الحرمة، بعد هذا قد يصل إلى شرب المحرم الجزمي. فظاهر هذه الروايات: هو أن النكتة هو تعويد النفس على الوقوف في محارم الله وكسب ملكة الارتداع النفسانية؛ لأجل أن تكون هذه الملكة مفيدة في اجتناب المحرّمات الجزمية، والإتيان بالواجبات الجزمية.

ومثل هذا يكون أمراً نفسياً حينئذٍ، لا أمراً طريقياً. ولا بأس من الالتزام بكلتا الجهتين تحفظاً على كلا الظهورين لكلتا الطائفتين. نلتزم بأنّ الاحتياط مأمور به باعتبار حيثيتين: مأمور به بالأمر الطريقي المولوي تحفّظاً على الجهة الواقعية المشكوكة، ومأمور به بالأمر النفسي المولوي تحفّظاً على تربية النفس بالنحو المناسب للمؤمن المطيع.

هذا كلّه بقطع النظر عن أسانيد تلك الروايات، وإلّا فقد سبق بأنّا لم نعثر على رواية صحيحة في حدود ما قرأناه، ولم اتتبع جديداً لعدم الأهميّة في هذا البحث، فلو صحّت أسانيدها فلا بأس بالمصير إلى الأمر المولوي الطريقي، والنفسي معاً جميعاً بين الظهورين في كلتا الطائفتين. إلّا أن الشأن في تمامية تلك الروايات من حيث السند.

هذا تمام الكلام في المقام الأوّل، أي في تحقيق حكم الاحتياط.

ــــــــــ[131]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

المقام الثاني: الاحتياط في العبادات 

الكلام في المقام الثاني: في تحقيق بعض الصغريات:

[إشكال في تصوير الاحتياط في باب العبادات]

بعد الفراغ عن إمكان الاحتياط وتصويره في غير العبادات من الأحكام الواقعية المشكوكة، وقع الإشكال في تصويره في باب العبادات.

وتقريب الإشكال هو أن يقال: بأنّ الاحتياط كما ذكرنا سابقاً هو: عبارة عن الإتيان بالعمل المشكوك الوجوب بنحو يكون وافياً بالغرض لوكان هناك غرض واقعي ثابت في نفس الأمر. 

وفي باب العبادات يتوقّف وفاء العمل بالغرض العبادي المشكوك ثبوته في الواقع. على الإتيان بالعمل على وجه عبادي؛ إذ لو لم يؤتَ به على وجه عبادي لايكون وافياً بالغرض الواقعي المشكوك على تقدير ثبوته، فلا يكون العمل احتياطياً. وعبادية العمل إنّما هي بقصد امتثال الأمر، وقصد امتثال الأمر مع عدم العلم بالأمر- كما هو المفروض، إذ المفروض الشكّ في الوجوب الواقعي، أو الاستحباب الواقعي-يكون غير ممكن للمكلّف إلّا تشريعاً وبوجه(1) محرّم. فإنّه مع عدم العلم بالأمر لو قصد بعمله امتثال الأمر. لكان من باب إسناد ما لا يُعلم أنّه من المولى إلى المولى، إسناداً عمليّاً. وكما أنّ الإسناد القولي لما لا يُعلم أنّه من المولى إلى المولى، تشريع محرّم كذلك الإسناد العملي. فقصد امتثال الأمر مع عدم 

ــــــــــ[132]ــــــــــ

() فيمتنع التقريب وإذا امتنع التقريب امتنع الاحتياط لا محالة، (من محاضرة غد). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

العلم بالأمر لا يمكن إلا على وجه التشريع المحرّم المبُعّد عن المولى لا المقرّب إليه. ومعه يتعذّر الإتيان بالعمل على وجه يكون وافياً بالغرض الواقعي المشكوك.

 هذه هي الصورة الساذجة للإشكال في المقام.

[التحقيق في المقام]

وتحقيق هذا المطلب: أنّ عندنا فروضاً ثلاثة بحسب ما هو المتصوّر في حال هذه العبادة المشكوكة. -مثلاً- لا ندري أنّ صلاة العيد واجبة، أو لا، فهذا واجب عبادي مشكوك فعندنا فروض ثلاثة فيه.

الفرض الأوّل: هو أن يكون الغرض الواقعي من هذا الواجب العبادي المشكوك، يحصل بالإتيان بالعمل على وجه قربي كيفما كان هذا الوجه القربي. بحيث إنّ مطلق الوجه القربي كافٍ في تحقيق الغرض، بما فيه الانبعاث عن احتمال الأمر، على ما يأتي الإشارة إليه من أنّ الانبعاث عن احتمال الأمر هو أحد انحاء الوجه القربي.

الفرض الثاني: أن يُفرَض أنّ الغرض الواقعي من صلاة العيد المشكوكة الوجوب، سنخ غرض لا يحصل إلّا بالإتيان بصلاة العيد بقصد امتثال الأمر الواقعي الجزمي، المتعلّق بصلاة العيد. بمعنى توقّف الغرض على الانبعاث في مقام العمل عن الصورة الجزمية للأمر الواقع المشكوك. ولا يحصل الغرض دون ذلك.

الفرض الثالث: أن يُفرَض، أنّ الغرض الواقعي من صلاة العيد المشكوكة الوجوب سنخ غرض يتوقّف حصوله على الإتيان بالعمل منبعثاً عن الصورة 

ــــــــــ[133]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بجزميّته لأي أمر كان(1)، سواءٌ كان هو الأمر الواقعي المشكوك، أو كان امراً آخر. وهذا الفرض الثالث كأنّه وسط مابين الفرضين السابقين. 

هذه ثلاثة فروض متصوّرة عندما نشك في صلاة العيد. نتكلّم عن كل واحد منها: 

الفرض الأول

أمّا الفرض الأوّل: وهو فرض، أنّ الغرض من صلاة العيد المشكوكة الوجوب واقعاً، سنخ غرض يكفي في حصوله إتيان العمل على وجه كيفما كان هذا الوجه. بناءً على هذا لا إشكال ولا ريب في أنّه لامنشأ لمثل هذه الشبهة في المقام؛ وذلك لأنّنا لا نحتاج في مقام الاحتياط في العبادة إلى الإتيان بالعمل بقصد الأمر الجزمي حتّى يقال: إنّ هذا غير ممكن إلا على وجه التشريع المحرّم، بل يمكن الإتيان بالعمل بقصد احتمال الامر وبرجاءه، الذي هو معناه الانبعاث عن الصورة الاحتمالية للأمر الواقعي، القائمة في عالم النفس. 

وحينئذٍ، فلو فُرِض أنّ صلاة العيد كانت واجبة في الواقع، وكان الغرض متعلّقا بها، فقد حُقّق الغرض خارجاً؛ إذ يكفي في حصوله الإتيان بالعمل على وجه قربي، وقد أتى بهذا العمل كذلك. 

وهذا الفرض هو المتعيّن إثباتاً في الفقه كبرى، وصغرى: 

أمّا الكبرى، وهي أنّه يكفي في حصول الغرض مطلق الوجه القربي من 

ــــــــــ[134]ــــــــــ

() من الأوامر المتعلّقة بنفس هذا الموضوع، كالأمر الواقعي والظاهري والاحتياطي ونحوهما، (مستفاد من المحاضرة). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

دون تخصيص بوجه قربي دون آخر. فإنّه في الفقه لا يوجد هناك احتمال أن يكون الواجب عبادي في مورد قد أُخذ فيه مؤونة زائدة على أصل طبيعة الوجه القربي. هذا المطلب غير محتمل في الفقه بالنسبة إلى أي عبادة من العبادات.

بل الأمر الذي ثبت في الفقه جزماً بالنسبة إلى بعض الأمور، وشُكّ فيه بالنسبة إلى بعض الأمور الأخرى، هو اعتبار مطلق الوجه القربي. فمن ناحية غرض المولى لا نحتمل أن يكون الغرض متوقّفاً على مؤونة زائدة على صرف الوجه القربي. يعني نظراً إلى علم الفقه، لا نحتمله بملاحظة الأدلّة الواردة في باب العبادات. إذن، فعلم الفقه يثبت بأن الغرض في باب العبادات يحصل بمطلق الوجه القربي، وهذه هي الكبرى.

وأمّا الصغرى، وهي أنّ الانبعاث عن احتمال الأمر هذا وجه قربي، فهذا أيضاً ممّا فرغنا عنه، في بحث الامتثال الإجمالي في مباحث القطع. هناك فرغنا عن أنّ الامتثال الإجمالي، والاحتياطي، والانبعاث عن احتمال الأمر، هو وجه قربي بحكم العقل؛ وذلك لأنّ العبد إذا أتى بالفعل لاحتمال أنّ المولى يريده، فهذا مظهر من مظاهر إخلاص العبد لمولاه بلا إشكال. ومظهريّته للإخلاص النفساني للمولى لذلك تكوينية ذاتية، لا جعلية حتّى يطالب بدليل على هذا الجعل. وإظهار الإخلاص لشخص هو تقرّب نحوه، وصدق عنوان التقرّب على إظهار الإخلاص أيضاً أمر ذاتي بلا إشكال، فيكون هذا تقرّباً من المولى بلا إشكال. ولم يستشكل في ذلك أحد في علم الأصول.

نعم، وقع كلام في بحث القطع، في أنّ هذا النحو من الوجه القربي هل هو 

ــــــــــ[135]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

في طول الوجه القربي الآخر، وهو الامتثال التفصيلي. أو أنّ الامتثال الإجمالي في عرض الامتثال التفصيلي. فذهب البعض أنّ الامتثال الإجمالي في طول التفصيلي، يعني أنّه يكون وجهاً قربياً المرتبة المتأخّرة عن العجز عن الامتثال التفصيلي لا في عرضه. وذكرنا هناك أنّ الصحيح هو العرضية بينهما(1).

وعلى أي حال، سواءٌ قلنا بالعرضية أو بالطولية، فهنا لا إشكال بالقربية؛ لأنّ المفروض هنا، امتناع الامتثال التفصيلي. فإنّ المفروض هو الشكّ في الوجوب الواقعي، وعدم إمكان الوصول إلى الواقع، واليأس عن الظفر بدليل. إذن، ففي محلّ الكلام لا اشكال أنّ الانبعاث عن الصورة الاحتمالية للأمر الواقعي، يكون مصداقاً لطبيعي الوجه القربي.

فالكبرى تامّة، والصغرى أيضاً تامّة بلا إشكال، وحينئذٍ، فهذا الوجه هوالمتعيّن، ومع تعيّنه لا يبقى مجال للإشكال.

 والإنصاف أنّه لو لا أنّ هذا الإشكال ورد على لسان الشيخ  في الرسائل(2)، وما كان ينبغي أن يُرد لو لا ذلك، لا أرى هناك وجهاً أصلاً للتعرّض له، ولمحاولة الجواب عليه، هذا على الفرض الأوّل.

ــــــــــ[136]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: بعضهم يقول بأنّ القربية أصلاً لا تحصل كالميرزا. نعم، الشيخ إذ يتمسّك بالاجماع يقول بعدم الكفاية من باب الاجماع. لكن الميرزا يقول: إنّ القربية لا تحصل، وإنّ الامتثال في نظر العقل له مراتب أربعة. (المقرّر).

(2) انظر: فرائد الأصول 2: 519-520.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الفرض الثاني

وأمّا على الفرض الثاني: لو فرضنا أنّنا احتملنا وجوب صلاة العيد وجوباً عبادياً، بحيث لا يحصل الغرض من هذا الواجب، إلا بالإتيان بالعمل منبعثاً. عن الصورة الجزمية لشخص الأمر الواقعي في هذا الفرض لا إشكال في عدم امكان الاحتياط؛ لأنّ الانبعاث عن الصورة الجزمية لشخص الأمر الواقعي في فرض عدم الجزء أمر غير معقول بلا إشكال. فيكون الاحتياط في المقام أمراً غير مقدور للمكلّف ومتعذّراً عليه.

ولا يمنع في مقام تصحيحه وتبريره ملاحظة الأوامر الشرعية المتعلّقة بعنوان الاحتياط بدعوى، أنّها أوامر جزمية، وإن لم يكن الأمر الواقعي بصلاة العيد جزمياً. ولكن أمر (احتط لدينك) جزمي، فنبحث عن الصورة الجزمية للأمر المتعلّق بعنوان الاحتياط.

هذا لا يُتصوّر في المقام؛ وذلك لأنّ الأمر بالاحتياط إنّما يكون في فرض معقولية الاحتياط، وهو في المقام غير معقول؛ لأنّ المفروض توقّفه عن الانبعاث عن الصورة الجزمية لشخص الأمر الواقعي، ولا يكفي فيه الانبعاث عن الصورة الجزمية لأمر آخر حتّى يقال: يكفينا الأمر بالاحتياط(1).

ــــــــــ[137]ــــــــــ

() فيكون الاحتياط غير مقدور، وينتج عدم مقدوريّته بسقوط التكليف الواقعي عن الشاك، على فرض ثبوته؛ لأنّه لا يتمكّن من تحصيل الغرض منه، فيستحيل بقاء الوجوب الواقعي على حاله، فيسقط إطلاق الوجوب الواقعي لحال الشكّ لا محالة؛ لأنّ الشكّ يصير حينئذٍ، مساوقاً للعجز، ومعه يسقط التكليف الواقعي لا محالة، (من محاضرة غد). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فبناءً على هذا الفرض، الإشكال مركّز ولا جواب عليه، سواءٌ ثبت هناك أوامر شرعية بالاحتياط أو لا.

اتّضح إلى حدّ الآن أنّه في الفرض الأوّل، لا مجال لتوهّم الإشكال، وفي الفرض الثاني لا مجال لاندفاعه. وكلا هذين المطلبين، اندفاع الإشكال على الأوّل وتماميته على الثاني، لا يفرق بين أن نبني على أنّ قصد القربة، الذي هو دخيل في الغرض، أنّ الكاشف عن دخالته في الغرض، أخذه في الخطاب، أو نبني على إمكان أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر، أو أن نبني على استحالة ذلك، وأنّ الملزم به هو حكم العقل، بوجوب تحصيل الغرض. على كلا التقريبين، لا يفرق ما هو النتيجة في المقام على كلا هذين المسلكين.

أمّا في الفرض الأوّل، فالإشكال مندفع على كلا التقديرين؛ لأنّنا إذا فرضنا، أنّ مجرّد الانبعاث عن احتمال الأمر كافٍ في المقربّية، ولا نحتاج إلى أكثر من طبيعي المقربيّة. إذن، فيحصل الاحتياط سواءٌ كان الملزم بالمقربيّة هو أخذ القربة تحت الخطاب، أو الملزم بها هو حكم العقل في عالم تحصيل الغرض. تشخيص الملزم لا دخل له في حل الإشكال، بل المهم إنما هو لازم أمر ممكن التحقيق خارجاً وهو قربية العمل(1).

كما أنّه في الفرض الثاني الإشكال مركّز، ولا مدفع عنه، سواءٌ قلنا بأنّ القربية المقصودة، التي هي عبارة عن الانبعاث عن الصورة الجزمية لشخص 

ــــــــــ[138]ــــــــــ

() على كلا التقديرين يمكن للعبد الاتيان بالعمل على وجه قربي وذلك بالانبعاث عن احتمال الامر (من محاضرة غد). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الأمر الواقعي، سواءٌ قلنا بأنها مأخوذة تحت الخطاب، أو مأخوذة بحكم العقل. على كلا التقديرين لا يمكن تحقيقه خارجاً. فتشخيص ما هو اللازم لا دخل له في نفي الإشكال على الأوّل، ولا في إثبات الإشكال على الثاني.

الفرض الثالث 

الفرض الثالث، هو أن نفرض إنّنا في موارد صلاة العيد، الغرض الواقعي المشكوك سنخ غرض يتوقّف حصوله على الإتيان بالعمل، لا مع الوجه القربي مطلقاً، ولا مع خصوص الانبعاث مع الصورة الجزمية لشخص الأمر الواقعي، بل وسط ما بين المطلبين، بأن يكون الغرض الواقعي المشكوك متوقّفاً على الإتيان بالعمل منبعثاً عن الصورة الجزمية لطبيعي الأمر من قبل الشارع.

بناءً على هذا، قد يجاب عن الإشكال بأنّ الانبعاث عن الصورة الجزمية للأمر من الشارع، هنا ممكن؛ لأنّنا إذا لاحظنا شخص الأمر الواقعي فهو مشكوك. ولكن يكفي في مقام تحقيق الانبعاث عن الصورة جزمية للأمر شرعي، يكفي ملاحظة الأوامر الاستحبابية الشرعية المتعلّقة بنفس عنوان الاحتياط. فإنّ الأمر المتعلّق بالاحتياط أمر شرعي مجزوم به ببركة الروايات(1)، فإذا أتى بصلاة العيد منبعثاً عن الصورة الجزمية بهذا الأمر، فقد أتى ما يكون وافياً بالغرض الواقعي على تقدير ثبوته؛ لأنّ هذا الغرض على تقدير ثبوته 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

() ومتعلّق بذات العمل ولو فرضنا؛ لأنّ العمل مقوّم للاحتياط لا محالة (من محاضرة غد). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

يحصل؛ لأنّ العمل قد أتى به وقد انبعث عن صورة جزمية للأمر الشرعي. وهذا كافٍ في مقام حصول الغرض.

وقد إستُشكِل في ذلك كما في الكفاية وغيرها: بأنّ تصحيح الاحتياط من ناحية نفس الأمر المتعلّق بالاحتياط أمر غير معقول؛ وذلك لأنّ الأمر بالاحتياط نسبته إلى عنوان الاحتياط نسبة العارض إلى المعروض ككّل حكم بالنسبة الى معروضه(1). وحينئذٍ، يكون الأمر بالاحتياط متأخّراً عن عنوان الاحتياط تأخّر كلّ عرض عن معروضه. فلو فُرِض أنّ تحصّل الاحتياط وتصويره وتقرّره، كان من ناحية نفس الأمر المتعلّق به، يلزم من ذلك تقرّر المتقدّم من ناحية المتأخّر، وهو دور. إمّا حقيقة وإمّا ملاكاً. فيكون أمراً محالاً.

فلابدّ من أن يكون الاحتياط متقرّراً ومتصوّراً في المرتبة السابقة على الاّمر المتعلّق به، وفي المرتبة السابقة لا يُتصوّر الاحتياط؛ إذ في المرتبة السابقة على المتعلّق به لا يكون عندنا صورة جزمية للأمر الواقعي، بل صورة احتمالية له. 

والتحقيق في المقام: هو أنّ الأمر بالاحتياط، بعد فرض كونه أمراً مولويّاً من قبل الشارع، أمره مردّد -على ما أشرنا إليه سابقاً- بين أن يكون أمراً مولويّاً نفسياً ناشئاً من ملاكات وراء ملاكات الحكم الواقعي، وإمّا أن يكون أمراً مولويّاً طريقياً في مقام إبراز اهتمام المولى بحفظ الواقع بهذه الدرجة. فنتكلّم على كلا التقديرين، لنرى أنّه على كلّ واحد من التقديرين هل يمكن تصحيح الاحتياط من ناحية أمر المتعلّق بعنوان الاحتياط، أو لا يمكن.

ــــــــــ[140]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول، 350.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 [كون الأمر بالاحتياط نفسياً]

أمّا عن الأوّل: وهو أن نفرض أنّ الأمر الشرعي المتعلّق بعنوان الاحتياط أمر نفسي ناشئ من ملاكات حقيقية، وراء ملاكات الأمر الواقعي.

بناءً على هذا، لابدَّ من أن نفصل بلحاظ المباني في بحث التعبّدي والتوصيلي. فإنّه تارةً يكون مبنانا هناك، على عدم إمكان أخذ قصد الأمر في متعلّقه، وأخرى يكون مبنانا على إمكان ذلك. 

فإن بنينا على عدم إمكان أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر، فقد يقال في المقام: بأنّ الأمر النفسي بالاحتياط هنا غير معقول؛ لأنّ هذا الأمر المفروض بالاحتياط. ماهو متعلّقه؟ إمّا أن يكون متعلّقه بحسب الروح والجوهر، هو ذات العمل صرفاً، أو العمل مع قصد امتثال الأمر. فإن فُرِض أنّ متعلّقه ذات العمل صرفاً، فهذا خُلف؛ لأن ذات العمل صرفاً ليس احتياطاً، فإنّ الاحتياط كما ذكرنا، عبارة عن الإتيان بالعمل على وجه يكون وافياً بالمشكوك واقعاً، وذات العمل لا يكون وافياً. والمفروض أنّ الأمر تعلّق بعنوان الاحتياط، لا أنّه تعلّق بشيء آخر.

وإن فرضتم أنّ الأمر تعلّق بعنوان الاحتياط المنحلّ حقيقة إلى ذات العمل، وإلى قصد امتثال الأمر، فيلزم حينئذٍ، مخالفة المبنى في بحث التعبّدي والتوصلي؛ لأنّنا فرضنا هناك أنّ أخذ قصد امتثال الأمر في متعلّق الأمر أمر غير معقول. 

هذا المطلب بهذا المقدار، يمكن أن يُجاب عنه ويقال: بأنّنا نختار الشق 

ــــــــــ[141]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الأوّل، وهو: أنّ الأمر بالاحتياط متعلّق بحسب الروح والحقيقة، ذات العمل، فإن قلتم بأنّ هذا خلف؛ لأنّه ليس احتياطاً، قلنا هذا ليس خلفاً، بل هذا احتياط؛ وذلك لأنّ المبنى القائل بأنّ قصد امتثال الأمر لا يعقل أن يُؤخذ في متعلّق الأمر هذا المبنى يسرى على الخطابات الواقعية أيضاً، كما يسري على الخطابات الظاهرية. فنفس الخطاب الواقعي المشكوك تعلّقه بصلاة العيد، أيضاً لم يتعلّق إلا بذات العمل، لا بقصد متثال الأمر.

وأوامر الاحتياط ناظرة بحسب الفهم العرفي، إلى الخطابات العرفية والأوامر الشرعية، يعني: ناظرة إلى الجعل الشرعي، فهي في مقام الأمر بالاحتياط بلحاظ الخطابات الشرعية الواقعية. والمفروض أنّ الخطاب الشرعي الواقعي المشكوك، لا يزيد متعلّقه على ذات العمل، فالاحتياط بلحاظه أيضاً لا يزيد على ذات العمل؛ لأنّ أوامر الاحتياط ناظرة إلى المجعول شرعاً في الواقع، فهي أيضاً متعلّقة أيضاً بذات العمل.

غاية الأمر أنّه كما أنّ العقل بلحاظ الخطاب الواقعي يحكم بلزوم الإتيان بقصد الأمر من باب وجوب تحصيل الغرض، كذلك يحكم العقل، بلحاظ الأمر بالاحتياط، بلزوم قصد امتثال الأمر من باب تحصيل الغرض. فكما أنّ لا بديّة قصد امتثال الأمر بلحاظ الخطاب الواقعي كانت بحكم العقل على هذا المبنى، كذلك لا بديّة قصده بلحاظ الأمر بالاحتياط أيضاً تكون بحكم العقل، لا أنّها تكون تحت الخطاب.

إذن، فالأمر بالاحتياط ناظر إلى الأمر الواقعي المجهول شرعاً، والأمر الواقعي، بناءً على هذا المبنى، يتعلّق بذات العمل، فالأمر بالاحتياط بما أنّه أمر 

ــــــــــ[142]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

شرعي مولوي لا يتعلّق إلا بذات العمل، غاية الأمر أنّ العقل يستقل أنّ هذا الأمر لا يمكن أن يحصل الغرض منه، إلّا بالإتيان به على وجه قربي. إذن، فيأتي بالعمل بقصد امتثال هذا الأمر الجزمي المتعلّق بالاحتياط نفسه.

ولا يكون هناك إشكال لا من ناحية أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر؛ لأنّ حال الأمر بالاحتياط حال الأمر الواقعي، كما أنّه هناك لم يؤخذ، أيضاً هنا لم يؤخذ، ولا من ناحية أنّه كيف أصبح العارض مثبتاً لمعروضه والموضوع منقّحاً من ناحية حكمه. أيضاً هذا لا يأتي؛ لأنّ معروض الأمر بالاحتياط هو ذات العمل. وأمّا قصد امتثال الأمر فهو بحكم العقل، لا أنّه داخل في دائرة معروض الأمر بالاحتياط. فلا يأتي حينئذٍ، إشكال أصلاً.

هذا لو بنينا على أنّ قصد امتثال الأمر لا يعقل أخذه في متعلّق الأمر.

وأمّا لو بنينا على أنّ قصد امتثال الأمر مأخوذة في متعلّقه، وأنّ الأمر الواقعي بصلاة العيد، في الواقع متعلّق بها، مع قصد امتثال الأمر. إذن، فالأمر بالاحتياط -حيث إنّه ناظر إليه- أيضاً متعلّق بالعمل بقصد امتثال الأمر، والانبعاث عن الصورة الجزمية لطبيعي الأمر.

بناءً على هذا لماذا لا يصح الاحتياط بالإتيان بالعمل، منبعثاً عن الصورة الجزمية بنفس الأمر بالاحتياط. ولا يكون في هذا إشكال زائداً على أصل الإشكالات على أخذ قصد امتثال الأمر في متعلّق الأمر. فتقولون: بأنّ هذا يكون من باب تنقيح العارض لمعروضه. فهذا إشكال يأتي في أصل بحث التعبّدي والتوصلي. يأتي بنفس الأمر الواقعي المتعلّق بصلاة العيد، بقصد 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

امتثال الأمر. وهو أنّه عرض ومعروضه متعلّق وقد أُخذ في متعلّقه قصد امتثال الأمر فكيف يتنقّح هذا من ناحية عارضه.

هذه المغالطة لو تمّت تتمّ في أصل المبنى، وحيث إنّ المبنى بحسب الفرض باطل، إذن، فالتفريع أيضاً يكون باطلاً. فلا يكون بالأمر بالاحتياط مزيد إشكال زائداً على أصل الإشكال في بحث التعبّدي والتوصلي.

هذا كلّه لو فرضنا أنّ الأمر بالاحتياط أمر نفسي.

[توضيح وتنقيح]

قيل(1) كما في الكفاية وغيرها، إنّ هذا لا يمكن؛ لأنّ الأمر بالاحتياط عرض، ومعروضه هو الاحتياط، وحينئذٍ، يكون الأمر بالاحتياط متأخّراً عن عنوان الاحتياط تأخّر كلّ عرض عن معروضه، فكيف يمكن أن يفرض تقرّر المعروض من ناحية عرضه، وثبوته من ناحية.

أمّا هذا الإشكال وهو أنّ الأمر بالاحتياط يكون عرضاً، وكيف يمكن إثبات المعروض من ناحية عرضه، فلا محصّل لهذا الكلام في المقام؛ وذلك لأنّ المراد من كون الأمر بالاحتياط عرضاً، وأنّ الاحتياط معروض له، وأنّه لا يمكن إثبات المعروض من ناحية عرضه. وهنا قد أثبتنا الاحتياط من ناحية 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

() أعاد سيّدنا الأستاذ في هذه المحاضرة مطالب الأمس مع توضيحات وتنقيحات، نكتب منها ما كان ضرورياً للوضوح.

بعد أن ذكر في الفرض الثالث أنّهم حاولوا تصحيح العبادة بالانبعاث عن الصورة الجزمية لأوامر الاحتياط، قال: قيل… (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الأمر بالاحتياط. ما هو المراد من أنّنا قد أثبتنا الاحتياط من ناحية الأمر به.

إن أُريد أنّ الوجود الذهني لعنوان الاحتياط المقوّم للأمر به في أفق النفس وفي عالم الجعل والاعتبار، هذا قد ثبت من ناحية الأمر بالاحتياط. فهذا غير صحيح، فإنّ الأمر بالاحتياط ككّل حكم شرعي متقوّم في عالم الجعل بالوجود اللحاظي لمتعلّقه ومعروضه، وهذا الوجود أسبق رتبة منه لا محالة وهو متقوّم به. فعنوان الاحتياط بوجوده اللحاظي مقوّم للأمر بالاحتياط. ولا ندّعي في المقام، أنّ الوجود اللحاظي لعنوان الاحتياط قد نشأ من ناحية الأمر بالاحتياط، أو أنّه متأخّر رتبة عن الأمر به، ليلزم(1) كون المتقدّم متأخّراً، بل الأمر بالاحتياط بوجوده في عالم الجعل والاعتبار، وفي عالم نفس المولى، متقوّم بالوجود اللحاظي لعنوان الاحتياط، ولا يكون هذا الوجود متأخّراً عن الأمر بالاحتياط بوجه من والوجوه.

وإن أُريد أنّ الوجود الخارجي لعنوان الاحتياط قد نشأ من ناحية الأمر بالاحتياط، فهذا ليس فيه إشكال أصلاً؛ لأنّ هذا شأن كلّ متعلّق بالنسبة إلى أمره، فإنّ كلّ أمر يكون سبباً في حصول متعلّقه في الخارج. ووقوع الاحتياط في الخارج نشأ من ناحية الأمر بالاحتياط. ووقوع الصلاة في الخارج نشأ من ناحية الأمر بها. ولا يلزم من ذلك كون المتقدّم ناشئاً من المتأخّر؛ لأنّ المتقدّم هو الوجود اللحاظي للعنوان والمتأخر -لو كان هناك شيء متأخّر- هو الوجود 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

() ولا يلزم من جعل الأمر بالاحتياط سبباً لإمكان الاحتياط، أن يكون الوجود اللحاظي لعنوان الاحتياط قد ثبت من ناحية الأمر بالاحتياط (إعادة). (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الخارجي. إذن، ففرض كون الوجود الخارجي للاحتياط ناشئاً من الأمر به لا إشكال فيه.

وإن أُريد(1) أنّ القدرة على الاحتياط نشأ من ناحية الأمر به. بتقريب: أنّ كلّ أمر مشرط في عالم الفعلية بالقدرة على متعلّقه، لاستحالة تكليف العاجز، فالأمر بالاحتياط مشروط بالقدرة عليه، وتكون القدرة على الاحتياط شرطاً متقدّماً رتبة على فعلية الأمر به؛ لأنّ فعلية كلّ حكم تابع لوجود شرطه، فتكون الأمر بالاحتياط منوطاً بالقدرة عليه. والمفرض في المقام أنّ القدرة عليه قد ثبتت من ناحية نفس الأمر بالاحتياط. إذن، لو قطعنا النظر عن الأمر به لكان الاحتياط غير ممكن؛ إذ الاحتياط لا يمكن إلّا بالإتيان بالعمل على وجه قربي، والمفروض -على الفرض الثالث- أنّ الوجه القربي ليس إلّا الانبعاث عن الصورة الجزمية للأمر، فلو لم يكن عندنا أمر بالاحتياط لم يكن بالامكان الانبعاث عن الصورة الجزمية للأمر.

فالقدرة على الاحتياط نشأت بلحاظ نفس الأمر بالاحتياط، مع أنّ الأمر به مشروط بالقدرة عليه، فقد نشأ الشرط من ناحية مشروطه، فيلزم الدور
-مثلاً- في المقام.

هذا الفرض يكون له صورة، إلّا أنّ هذه الصورة ليست شيئاً جديداً في المقام، بل هو بحسب الحقيقة أحد الإشكالات التي تقال في البحث التعبّدي 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

() وإن أردتم أنّ إمكان العنوان يكون ثابتاً من ناحية الأمر بالاحتياط. إذ أنّ الاحتياط لولا الأمر به، لم يكن ممكناً وإنّما أصبح ممكناً بلحاظ الأمر به، (الاعادة). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

والتوصلي على أصل أخذ قصد امتثال الأمر في متعلّقه. إذا فُرِض أنّ المولى أمر بالصلاة بقصد امتثال الأمر، أيضاً يأتي هذا الإشكال ويقال: بأنّ الأمر بالصلاة بقصد امتثال الأمر مشروط بالقدرة على متعلّقه، ومتعلّقه مركّب من الفعل وقصد امتثال الأمر، والقدرة على الجزء الثاني، وهو قصد امتثال الأمر موقوف على ثبوت نفس الأمر، فيلزم الدور -مثلاً- فليست صورة الدور إشكالاً جديداً.

وملخّص الجواب عن هذه الشبهة، هو: أن يقال: بأنَّ الأمر بالاحتياط، وكلّ أمر وإن كان مشروطاً بالقدرة على متعلّقه، إلّا أنّ هذه الشرطية إنّما هي بحكم العقل من باب استحالة تكليف العاجز؛ لأنّ تكليفه لا يعقل فيه المحركيّة والباعثية. فبحسب الحقيقة، ما هو شرط الأمر هو: قابليته للمحركيّة والباعثية. وقابليته لذلك، فرع أن لا يكون المكلّف عاجزاً من غير ناحية الأمر، من ناحية سائر الجهات الأخرى: أن لا يكون مريضاً أو مشلولاً.

وأما لو فُرِض أنّ المكلّف سنخ مكلّف، في نفسه لو لا الأمر يكون عاجزاً عن الإتيان بالمتعلّق، لكن الأمر تكويناً يهبه القدرة على الإتيان به. نفرض أنّ صدور الأمر من المولى يوجب شفاء المشلول، ويكون صحيحاً، هل يتوهّم أحد أنّ مثل هذا الأمرغير معقول للزوم الدور؛ لأنّ أمره فرع قدرته، وقدرته فرع الأمر. لا يتوهم أحد ذلك.

والنكتة فيه، هو ما ذكرناه، من أنّ الأمر بشيءٍ شرطه هو عدم العجز من غير ناحية الأمر، لا عدم العجز ولو بلحاظ الأمر. فالأمر بالاحتياط فرع أن لا 

ــــــــــ[147]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

يكون المكلّف عاجزاً بنحو من العجز، بحيث لا يرتفع حتّى بالأمر بالاحتياط. هذه الحصّة من العجز يكون عدمها شرطاً عقلاً في الأمر لا مطلق حصّص العجز. لا بالعجز الذي يرتفع بمجرد صدور الأمر.

إذن، فلا دور في المقام؛ لأنّ الأمر بالاحتياط مشروط بعدم الحصة الأوّلى من العجز، وما نشأ من الأمر بالاحتياط هو نفي الحصة الثانية عن العجز، فما نشأ من الأمر غير ما توقّف الأمر عليه. وعليه فلا دور.

إذن، فهذا الإشكال ممّا لا محصل له.

إذن، نبقى نحن وأصل المطلب، وهو أنّه على فرض الثالث يمكن تصحيح الاحتياط في العبادة وجعله ممكناً، بلحاظ الأمر المتعلّق بالاحتياط؛ لأنّ الأمر المتعلّق به أمر جزمي، فيكون العبد متمكناً بلحاظه من الانبعاث عن الصورة الجزمية للأمر.

حينئذٍ، هنا يأتي ما قلناه سابقاً من الأمر بالاحتياط، الثابت في الروايات، إمّا أن يكون أمراً نفسياً، وإمّا أن يكون أمراً طريقياً.

فإن فرضنا أنّه أمر نفسي ثابت بمبادئ، وملاكات تخصّه. فحينئذٍ، إمّا أن نقول في بحث التعبّدي والتوصلي، بامتناع أخذ قصد الأمر في متعلّقه، وإمّا أن نقول بأمكان ذلك.

فإن قلنا بامتناع أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر، فالأمر الواقعي المشكوك بصلاة العيد متعلّق بذات الفعل فقط، لا بالفعل مع قصد امتثال الأمر. والأمر النفسي بالاحتياط، حيث إنّه ناظر إلى الخطابات الشرعية الواقعية، فهو أيضاً 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

متعلّق بالاحتياط، بمقدار ما تعلّق به الخطاب الشرعي الواقعي، وهو ذات الفعل. فيكون الأمر النفسي الاستحبابي أيضاً متعلّقاً بذات الفعل، لكن لا بعنوانه الأوّلي، بل بعنوان ثانوي وهو عنوان الاحتياط. وحينئذٍ، كما أنّ العقل بلحاظ الخطاب الأوّل يُحكم بلزوم الاحتياط بذات الفعل بقصد القربة. تفريغاً للذمة عن الغرض، كذلك أيضاً بلحاظ الخطاب الثاني يحكم العقل بأنّ ذات الفعل لا يكفي في مقام تحصيل الغرض، ولابدَّ من الإتيان به بقصد القربة، ولا يكون هناك إشكال من هذه الناحية أصلاً. فيأتي بالفعل بقصد الأمر الجزمي المتعلّق بالفعل بعنوان ثانوي، وهو عنوان الاحتياط.

وإن تبنيّنا في بحث التعبّدي والتوصلي، على أنّ قصد الامتثال الأمر يعقل أخذه في متعلّق الأمر. تنقلب الآية، أن يكون الأمر الواقعي بصلاة العيد متعلّق بها مع قصد امتثال الأمر. والأمر بالاحتياط أيضاً متعلّق بصلاة العيد مع قصد امتثال الأمر يعني: مع الانبعاث عن الصورة الجزمية لطبيعي الأمر. غاية الفرق ما بينهما أنّ الأمر الواقعي تعلّق بالعمل، بعنوانه الأوّلي، ووجوب الاحتياط متعلّق به بالعنوان الثانوي، وهو عنوان الاحتياط. والمكلّف بحسب الخارج متمّكن من الإتيان بالعمل منبعثاً عن الصورة الجزمية للأمر الشرعي بالاحتياط.

غاية ما يلزم من ذلك، أن قصد الأمر قد أُخذ في متعلّق الأمر بالاحتياط. إلّا أنّ هذا قد فرغنا عن جوازه؛ لأنّنا نتكلّم عن هذا لمبنى.

هذا كله بناءً على أن يكون الأمر نفسياً.

ــــــــــ[149]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 [كون الأمر بالاحتياط طريقياً]

وأمّا إذا فرضنا الأمر طريقياً، فهل يكفي لتصحيح الاحتياط أو لا يكفي؟ كفايته وعدمها، مربوط بأنّ تفهم معنا الصورة الجزمية لطبيعي الأمر الشرعي. التي قلنا في الفرض الثالث، أنّ الغرض يتوقّف على الانبعاث عنها. ما هو المراد بالجزم في المقام؟ 

هل المراد بالجزم يكون الفعل مطلوباً بطلب حقيقي ذا مبادئ قائمة بذاته. إن كان المراد من الجزم هذا المعنى، فهذا غير موجود في المقام؛ لأنّ الأمر الطريقي ليس حكماً حقيقياً ذا مبادئ قائمة في متعلّقه. وإنّما هو خطاب ناشئ من نفس الملاكات الواقعية المشكوكة الثبوت، فهو لا يزيد على الواقع في كونه مشكوك الروح والجوهر.

وإن أُريد بالصورة الجزمية في المقام، الجزم بأنّ هذا الفعل، حاله بالنسبة إلى المولى، ليس حال المولى بالنسبة إلى الفعل وجوداً وعدماً على حدّ سواء، بل هو يهتم بأحد الطرفين أكثر من اهتمامه بالآخر، ولو اهتماماً طريقياً. لو فُرِض أنّ المراد من الجزم هذا المطلب، فنحن بعد وصول الأمر بالاحتياط إلينا، أمراً طريقياً، نجزم بأنّ المولى ليست علاقته على حدّ واحد بالنسبة إلى الفعل والترك. فيكون الجزم موجوداً، وإذا كان موجوداً فيكون الاحتياط ممكناً لا محالة.

هذا تمام الكلام في تصوير الاحتياط في العبادات.

الكلام في أخبار (من بلغ) 

بعد أن تكلّمنا في المقام الأوّل المعقود لبيان حال الاحتياط على ضوء الأخبار الواردة فيه. وتكلّمنا في المقام الثاني المعقود لبيان حال الاحتياط 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

صغروياً في باب العبادات، والبحث عن إمكانه وعدم إمكانه.

يقع الكلام في تعقيب: لهذين المقامين في أخبار (البلوغ). التي دّلت على أن من بلغه ثواب على عمل فعمله كان له أجر ذلك، وإن لم يكن قد قاله المعصوم. حيث إنّ هذه الأخبار واردة في موارد الاحتياط بحسب الحقيقة، يعني في موارد الشكّ وعدم العلم. من هنا، صحّ أن يبحث عنها في هذا التنبيه لتحقيق ما هو مفادها في المقام.

وهذه الأخبار متعدّدة المضامين متّفقه في هذه النكتة: (من بلغه من رسول الله -مثلاً- ثواب على عمل فعمله كان له أجر ذلك، وإن لم يكن رسول الله قد قال ذلك). وقد استُدلَّ بهذه الروايات على استحباب العمل الذي جاء خبر، مهما كان هذا الخبر، وتحقّق بلوغ مهما كان هذا البلوغ، ويكون دالاً على رجحانه وترتيب الثواب عليه.

[المحتملات في مفاد الروايات]

وتحقيق الحال في هذه الأخبار: أنّ المحتملات في مفاد هذه الروايات أربعة: 

الاحتمال الأوّل: أن تكون هذه الروايات في مقام الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الاحتياط وحسن الانبعاث عن احتمال الأمر، فيكون الكلام مسوقاً للإرشاد إلى حكم العقل، بحسن التحرّك عن احتمال الأمر، وعن البلوغ المحتمل مطابقته للواقع. ويكون الترغيب المستفاد في هذا اللسان ترغيباً عقلياً صادراً من الإمام لابما هو شارع، بل بما هو عاقل، باعتبار أنّ الحسن والقبح من 

ــــــــــ[151]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الشؤون التي يتفق عليها(1) العقلاء.

الاحتمال الثاني: أن يكون الأمر في المقام أمراً مولويّاً، ويكون اللسان متكفّلاً لجعل أمر مولوي نفسي على الفعل. وأُخذ في موضوع هذا الأمر النفسي بلوغ الثواب عليه. فكأن المولى جعل حكماً على موضوع، والموضوع هو: الفعل الذي بلغ عليه الثواب، وحكمه هو الاستحباب المولوي النفسي، باعتبار وجود ملاك في هذا الفعل المقيّد بهذه الحيثية، فيكون اللسان لساناً مولويّاً، ويكون الترغيب باعتبار تعلّق استحباب نفسي مولوي بالفعل الذي بلغه ثواب عليه.

الاحتمال الثالث: أن تكون هذه الروايات في مقام إعمال المولوية، لكن لا بجعل امراً استحبابي نفسي، بل بجعل الحجّيّة للخبر الذي حدث عن رسول الله، بأنّه قال: بأن ثواب تسريح اللحية كذا. فكأنّ الروايات في مقام جعل الحجّيّة للخبر، وإن كان ضعيفاً. وأنّ الخبر الحاكي عن الرجحان والثواب يكون حجّة في إثبات ما يحكي عنه، وهذا نحو من المولوية. ومرجعه حينئذٍ، إلى جعل حكم ظاهري، وجعل الخبر الضعيف حجّة.

وهذا الاحتمال هو الذي يناسب التعبير بالتسامح في أدلّة السنن، فكأنّ أدلّة المستحبّات يتسامح فيها. فبينما كان يشترط في ثبوت الحكم الإلزامي أنّ 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

() في هذا التعبير مسامحة واضحة، فإنّه خلاف مسلك سيّدنا الأستاذ في التحسين والتقبيح، وإنّما تناسب مسلك المحقق الاصفهاني غير الصحيح والأمر سهل على أي حال، (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

يأتي خبر الثقة أو العدل، لا يشترط هذا في إثبات الأحكام الاستحبابية(1).

الاحتمال الرابع: أن لا تكون هذه الروايات ناظرة إلى العمل أصلاً، ولا في مقام الترغيب فيه، بل في مقام إعطاء وعد في المقام، بعد الفراغ عن العمل، يقول: بأنّ من عمل هذه العمل على أساس بلوغ الثواب إليه من رسول الله. أنا أعده بأنّ هذا الثواب يحصل له. وهذا الوعد يكون باعتبار نكتة نفسية في نفس الوعد، وليست في مقام الترغيب في العمل والحث عليه، ليسأل أنّ هذا الحث هل هو حث عقلي، أو مولوي نفسي، أو طريقي. افرضوا أنّ هذه المصلحة (في الوعد) هو تعظيم رسول الله، حيث إنّه هو الذي بلّغ عن هذا المطلب فحفظاً لشأنه واحتراماً له كأنّه كلّ ما يقال عنه يمضي بحسب الخارج. فهو وعد لنكتة نفسية في نفس الوعد بقطع النظر عن صدور العمل وعدم صدوره، غايته بعد أن وعد، خلف الوعد غير جائز من قبل الحجّة عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا نجزم بأنّه سوف يترتّب الثواب بحسب الخارج.

والفرق بين كلّ واحد من هذه الاحتمالات الأربعة في غاية الوضوح. فإنّ الثلاثة احتمالات الأوّلى تختلف كلّها عن الرابع في أنّ تلك الثلاثة يجمعها كون الروايات بصدد الحث على العمل والتشويق إليه. 

غاية الأمر أنّه تارةً تشويقاً عقلياً كما هو الحال على الأوّل، وأخرى تشويقاً 

ــــــــــ[153]ــــــــــ

() إلاّ أنّ إطلاق التسامح حينئذٍ، لا يخلو عن تسامح فإنّ الخبر الضعيف حينئذٍ، يكون حجّة شرعية شأنه في ذلك شأن خبر الثقة العدل، ومن هنا يتمسّك به. وإنّما يصدق التسامح مع الأخذ بالخبر مع سقوطه شرعاً ظاهراً عن الحجّية، وهذا إنّما يتمّ على الوجه الرابع، لا على هذا الوجه فتأمّل جيداً. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

مولوياً، كما هو الحال على الثانيين. بخلافه على الرابع فإنّه ليس في مقام التشويق والترغيب، بل في مقام حفظ شأن من شؤون النبي -مثلاً-.

كما أنّ الفرق بين الأوّل والوسطين، أيضاً في غاية الوضوح؛ لأن الأوّل مرجعه إلى الحث من قبل الشارع، بما هو عاقل لا بما هو مشرّع، بما هو مدرك لعالم الحسن والقبح، لا بما هو جاعل للأحكام، بخلافه على الثاني والثالث، فإنّ الحث فيهما يكون بما هو شارع وجاعل.

كما أنّ الفرق بين الثاني، والثالث أيضاً في غاية الوضوح، فإنّ الثاني والثالث، وإن اتفقا معاً في أنّ الحث كان بعنوان المولوية، وأنّ المولى اعمل المولويّة في مقام الحث، لكن الفرق في سنخ أعمال المولوية، فإنّه في الثاني أعملها بجعل الأمر الاستحبابي النفسي، وفي الثالث اعملها بجعل الحجّيّة.

الإشكال في الفرق بين بين الوجه الثاني والثالث

إلّا أنّه مع هذا استشكل في الفرق ما بين الثاني والثالث، والاستشكال في الفرق بينهما، تارةً يكون استشكالاً موضوعياً، وأخرى يكون حكمياً. فهنا استشكالان. أحدهما الاستشكال الذي يرجع إلى عدم التمييز موضوعاً بين الثاني والثالث، وأنّه لا فرق بينهما موضوعاً. 

وهذا هو الاستشكال الذي وقع في الرسالة المنسوبة إلى الشيخ الأعظم التي ألّفها في خصوص هذه المسألة: قاعدة التسامح في أدلّة السنن(1)

والاستشكال الآخر حكمي، بمعنى: أنّه يمييز ما بين الثاني والثالث 

ــــــــــ[154]ــــــــــ

(1) انظر: رسائل فقهية: رسالة في التسامح في أدلّة السنن، 145.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

موضوعاً، لكن يقال أنّه لافرق ما بينهما بحسب صناعة الأدلّة وبحسب غرض الفقيه. وهو الاستشكال الذي أفاده السيّد الأستاذ على ما في تقريرات بحثه(1).

[الاستشكال الأول: الموضوعي]

أمّا الاستشكال الأوّل: وهو الاستشكال الثبوتي والموضوعي، فحاصله أنّ يقال: بأن جعل الحجّيّة، بعد أن بنينا -مثلاً- على أنّ مرجعه إلى جعل   الحكم المماثل. فمرجع جعل الحجّية لخبر الثقة، أو لخبر الضعيف، إلى جعل حكم في طول خبر الثقة، أو الضعيف. يرجع إلى قضيّة شرطية، شرطها: أنّه إذا أخبر الثقة، أو إذا أخبر الضعيف، بالاستحباب وجزاؤها، هو أنّي أحكم بالاستحباب. فمرجع الحجّية إلى جعل الحكم المماثل، ومعناه: هو أنّ المولى يجعل حكماً في طول الخبر مماثلاً لما أدّى إليه الخبر.

إذا كان هذا هو معنى جعل الحجيّة، إذن، فأي فرق يبقى، بين أن نحمل أخبار (من بلغ) على جعل الحجيّة، أو نحملها على جعل الاستحباب. فإنّ جعل الحجيّة أرجعناه إلى جعل الحكم المماثل، والحكم المماثل هنا هو الاستحباب؛ لأنّ الخبر الضعيف قد دلّ عليه. فيكون مرجع جعل الحجيّة ومرجع جعل الاستحباب على وجه واحد. وهو جعل الحكم الاستحبابي على تقدير قيام الخبر الضعيف.

نعم، لو بنينا على أنّ جعل الحجيّة مرجعه إلى -مثلاً- جعل المنجزيّة والمعذريّة، لا إلى جعل الحكم المماثل، أو إلى جعل الطريقية وتتميم الكشف. 

ــــــــــ[155]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 303.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

حينئذٍ، يختلف الثاني عن الثالث، فإنّه في الثاني يكون المجعول هو الحكم التكليفي وفي الثالث يكون حكماً وضعياً أسمه المنجزيّة، أو الكاشفيّة.

هذا ما هو المنسوب إلى الشيخ(1).

ولا أدرى أن هذا الشيء هل صدر من الشيخ أو لا. إلّا أنّه على فرض صدوره عنه، فهو يناسب الذهنية العامّة التي تجعل ميزان الحكم الظاهري هو النظر إلى ما هو المجعول قيد في عالم الانشاء، مع أنّنا بيّنا فيما سبق أنّ الحكم الظاهري لا يكون حكماً ظاهرياً بلحاظ ماهو المجعول في عالم الإنشاء، من كونه حكماً مماثلاً، أو الطريقية، أو المنجزيّة أو المعذريّة، كلّ هذه العناوين إنّما هي ألسنة وتفنّن في مقام التعبير، وفي مقام إبراز المقصود. وليست هي جوهر الحكم الظاهري ولا حقيقته.

وأمّا حقيقة الحكم الظاهري المحفوظ على جميع هذه الألسنة، فهي عبارة عن أنّ الحكم الظاهري، سنخ خطاب ناشئ من التحفّظ على الملاكات الواقعية، بعد فرض وقوع التزاحم بينها في حال الشكّ. وبناءً على هذا يكون الفرق ما بين الثاني والثالث موضوعاً في غاية الوضوح؛ لأنّ مرجع الثاني إلى جعل حكم حقيقي، ومرجع الثالث إلى جعل حكم ظاهري طريقي. وسواءٌ كان هذا الحكم الظاهري الطريقي، بلسان جعل الحكم المماثل، أو بلسان جعل الطريقية، أو المنجزيّة والمعذريّة، على كلّ هذه التقادير، هو يختلف اختلافاً جوهريّاً ذاتياً عن الحكم الحقيقي المفروض في الاحتمال الثاني. فإنّ الحكم 

ــــــــــ[156]ــــــــــ

(1)  انظر: رسائل فقهية: رسالة في التسامح في أدلة السنن، المصدر السابق.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الحقيقي ناشئ من مبادئ أوليّة، والحكم الطريقي ناشئ من مبادئ ثابتة في المرتبة. للسابقة بعد فرض وقوع التزاحم بينها في حالة الشكّ. 

إذن، فالفرق بين الثاني، والثالث هو الفرق بين الحكم الواقعي والظاهري دائماً.

هذا بالنسبة إلى الإشكال الثبوتي.

[الاستشكال الثاني: الحكمي]

وأمّا بالنسبة إلى الاستشكال الثاني الحكمي، فهو ما ذكره السيّد الأستاذ، حيث ادّعى أنّنا لا نتعقّل فرقاً بحسب النتيجة وصناعة الفقيه بين الاحتمال الثاني والاحتمال الثالث، إذ على الاحتمال الثاني يحكم الفقيه بالاستحباب وجداناً عن العنوان الثاني، وهو: عنوان الفعل الذي بلغه عليه ثواب. وعلى الثالث يحكم بالاستحباب تعبّداً عن العنوان الأوّلي بلحاظ حكاية الخبر الضعيف عنه، على عنوان تسريح اللحية. ففي النتيجة يحكم بالاستحباب على هذا الموضوع بأحد الوجهين. فلا فرق بينهما بحسب صناعة الأدلّة.

وذكر أنّ بعض المحقّقين حاولوا تصوير الثمرة في المقام ما بين الاحتمالين الثاني والثالث، وحاصل الثمرة التي ذكرها هي: أنّه لو فرضنا خبراً ضعيفاً دلّ على استحباب عمل كالتمشّي بعد الأكل، وفرضنا أنّ دليلاً دلّ على حرمة التمشّي. فحينئذٍ، بناءً على أن يكون الخبر الضعيف حجّة بأخبار من بلغ، يعني بناءً على الاحتمال الثالث، فلا محالة يقع التعارض ما بين الخبر الضعيف الدالّ على استحباب التمشّي، وبين الدليل الدالّ على حرمة التمشّي؛ لأنّ التمشّي لا 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

يمكن أن يكون حراماً ومستحبّاً في وقت واحد.

وأمّا إذا فرضنا أنّنا قلنا بالاحتمال الثاني، وهو: أنّ أخبار (من بلغ) تفيد جعل الاستحباب على العنوان الثانوي، وهو عنوان الفعل الذي بلغه عليه ثواب. فهنا يكون من تزاحم الملاكات والمقتضيات؛ لأنّه يوجد هنا عندنا عنوانان: عنوان ذات التمشّي وهو فيه ملاك الحرمة، وعنوان الفعل الذي بلغه عليه ثواب وهو يقتضي الاستحباب، فيصير من باب التزاحم ما بين الجهات المقتضى للتأثير في جعل الأحكام. فكون المورد من باب التعارض، أو التزاحم ثمرة ما بين الاحتمال الثاني والثالث.

وأشكل السيّد الأستاذ على ذلك، بأنّ هذا المورد خارج عن أخبار (من بلغ) على كلّ حال، سواءٌ قلنا بالاحتمال الثاني أو الثالث، فإنّ أخبار من بلغ لا تشمل ما إذا فُرِض أنّه كان في مقابل خبر الضعيف، بلوغ آخر للحرمة وللعقاب على ما يأتي إن شاء الله. في تنبيهات هذه الأخبار، أنّها مختصّة بما إذا لم يكن هناك بلوغ آخر للعقاب، وأمّا إذا كان ذلك فلا تشمل أخبار من بلغ في نفسها، سواءٌ كان المجعول فيها هو الاستحباب النفسي، أو الحجّية(1).

وعلى هذا فلا يُتصوّر ثمرة ما بين الاحتمال الثاني والثالث.

الثمرات المترتّبة بين هذين الوجهين 

ولكن الصحيح: هو وجود ثمرات عديدة ما بين الاحتمال الثاني والثالث، بحسب صناعة الأدلّة.

 ــــــــــ[158]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأصول، المصدر السابق.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الثمرة الأولى: هي ما إذا فرضنا أنّ الخبر الضعيف دلّ -مثلاً- على استحباب التمشّي بعد الطعام، وفرضنا أنّ خبراً صحيحاً دلّ على عدم استحباب التمشّي بعد الطعام، لا على حرمته، بل على مجرّد نفي الاستحباب والرجحان.

فإنّه هنا، لو بنينا على أنّ المجعول في أخبار (من بلغ) هو الحجّيّة والطريقية للخبر الضعيف، فإنّه يصير من باب تعارض الحجتين؛ لأنّ خبر الثقة دلّ على نفي الاستحباب وهو حجة بمقتضى آية النبأ -مثلاً- وخبر الضعيف دل على ثبوت الاستحباب وهو حجة ببركة أخبار (من بلغ). فيقع التعارض ما بين هاتين الحجتين ويتساقطان لا محالة.

وأمّا لو بنينا على أنّ المجعول في أخبار من بلغ هو الاستحباب النفسي على العنوان الثانوي، وهو عنوان من بلغه ثواب على عمل. إذن، فلا تعارض أصلاً ما بين الدليلين؛ لانّ الدليل الأوّل ينفي الاستحباب عن العنوان الأوّلي، إذ يقول: إنّ التمشّي بما هو ليس من المستحبّات في الشريعة، والدليل الثاني يثبت الاستحباب بالعنوان الثانوي، فلا يحصل تعارض بينهما، ونفتي حينئذٍ، بالاستحباب. فعلى الاحتمال الثاني لا تعارض، وعلى الثالث يقع التعارض.

هذه هي الثمرة الأولى(1).

ــــــــــ[159]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: أنّ الخبرالصحيح يدلّ على كذب الخبر الضعيف.

 فأجاب: فليدلّ، لأنّ الخبر الضعيف لا يحتاج في شمول الأخبار (من بلغ له) إلاّ أن يكون محتمل المطابقة للواقع، سواءٌ كانت هناك حجّة على خلافه أو لا. نعم، لو فُرِض أنّ خبر الصحيح كان قطعي الصدور من الإمام، وقطعي الدلالة، بحيث أوجب القطع بعدم الاستحباب، هنا سوف يأتي، بأنّهم يقولون: بأنّ عنوان البلوغ لا يصدق؛ لأنّه أُخذ فيه أن يكون في معرض المطابقة للواقع. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الثمرة الثانية: لو فرضنا خبرين ضعيفين دالين على استحبابين، أحدهما دلّ على استحباب التمشي بعد الطعام والآخر دلّ على استحباب التمشّي إلى زيارة المؤمن. وعلمنا إجمالاً بكذب أحد هذين الخبرين. فإنّه بناءً على أنّ المجعول في أخبار (من بلغ) هو الحجّية، فالعلم الإجمالي بكذّب إحدى الحجتين، يوجب لا محالة التعارض ما بينهما والتساقط. 

وأمّا بناءً على أنّ المجعول فيها هو الاستحباب النفسي بالعنوان الثانوي. إذن، فالعنوان الثانوي قد تحقّق في كلّ منهما، إذ لا يحتاج في العنوان الثانوي إلى أكثر من بلوغ محتمل المطابقة للواقع، وكلّ من الخبرين هو كذلك، فيفتى بالاستحباب في كلّ منهما، على الثاني دون الثالث.

الثمرة الثالثة: لو فُرِض أنّ الخبر الضعيف حدث عن الوجوب، أبو هريرة نقل عن رسول الله الثواب عن التمشّي بعد الطعام كونه واجباً لا بعنوان أنّ كونه مستحبّاً. فإنّه هنا بناءً على الاحتمال الثاني وهو الاستحباب المولوي النفسي، نحكم هنا بالاستحباب المولوي النفسي؛ لأنّه يصدق عليه أنّه بلغه ثواب على التمشّي بعد الطعام؛ لأنّ الواجب له ثواب كما أنّ المستحب له ثواب. فنحكم هنا باستحباب التمشّي بقانون أخبار (من بلغ).

وأمّا بناءً على الثالث: فالمفروض فيه أنّ أخبار من بلغ تتكفّل جعل الحجيّة 

ــــــــــ[160]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بمعنى إثبات المؤدّى. ومؤدى خبر أبي هريرة هو وجوب التمشّي بعد الطعام، والمفروض أنّ أخبار من بلغ لا تثبت الوجوب والحكم الإلزامي، فلو اثبتت شيئاً في المقام فإنّها تثبت جامع الرجحان، حيث إنّ الوجوب متضمّن للرجحان لا محال. فهنا يمكن أن يقال: إنّه بناءً على الاحتمال الثالث، يُجعل خبر أبي هريرة حجّة في حصة تحليلية من مدلوله، لا في تمامه، وهذه الحصّة عبارة عن أصل الرجحان الجامع ما بين الوجوب والاستحباب في المقام. لا أنّه يُجعل حجّة في خصوص أحدهما.

فهنا يظهر فرق ما بين الثاني والثالث، أنّه على الثاني نحكم بالاستحباب، وأمّا على الثالث فغاية ما نثبت بحجيّة خبر الضعيف، جامع الرجحان، الجامع ما بين الوجوب والاستحباب.

وعليه، قد لا يمكن أن نثبت هذا الجامع، بناءً على الاحتمال الثالث، كما لو فرضنا أنّ هذا المورد كان قد دلّ دليل معتبر، على عدم وجوب التمشّي بعد الطعام، بحيث لم نكن نحتمل وجوبه. فهنا بناءً على الاحتمال الثاني، نثبت الاستحباب، لأنَ بلوغ الثواب محقّق. وأمّا بناءً على الثالث، على الحجّية، أي مقدار من مؤدّى الخبر الضعيف نثبته؟ هل نثبت الوجوب، هذا خلف. أو نثبت الجامع القابل الانطباق على الوجوب، هذا أيضاً خلف، لأنّنا نقطع تعبّداً بعدم الجامع القابل الانطباق على الوجوب. أو نثبت الجامع مع غير المقابل على الوجوب، فهذا غير محكّي عنه بالخبر الضعيف، فكيف يمكن أن نثبته به.

إذن، فينتهي إلى أثر عملي، وهو أنّه بناءً على الثاني نحكم بالاستحباب، وبناءً 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

على الثالث لا نحكم بالاستحباب ولا بالرجحان أصلاً. هذه هي الثمرة الثالثة.

[تفصيل الكلام في الثمرات]

قلنا(1) إنّ الصحيح هو تعقّل الثمرة بين المسلك الثاني، والمسلك الثالث أي: بين البناء على استفادة الأمر الاستحبابي، أو البناء على استفادة جعل الحجّية للخبر الضعيف. هناك فرق بينهما من حيث الثمرة، بحسب صناعة الادّلة. وهذه الثمرة يمكن إبرازها بالتدقيق بعدة أشكال، وتصوير عدة ثمرات:

[الثمرة الأولى: في وقوع التعارض وعدمه]

الثمرة الأولى: من الثمرات المتصوّرة للفرق ما بين المسلكين:  

 هو في وقوع التعارض وعدم وقوعه. فإنّه في بعض الموارد ولو بنينا على مسلك جعل الاستحباب لايقع التعارض. وإذا بنينا على مسلك جعل الحجيّة يقع التعارض، ويمكن إبراز ذلك في عدة موارد:

المورد الأوّل: ما إذا فُرِض أنّ خبراً ضعيفاً دلّ على استحباب التمشّي بعد الطعام -مثلاً-، وأخبر الثقة -المشمول لدليل حجّية خبر الثقة- عن عدم استحباب المشي بعد الطعام. أي: أخبر عن عدم ثبوت الاستحباب للعنوان الأولي، للمشي بعد الطعام بما هو مشي بعد الطعام.

ــــــــــ[162]ــــــــــ

() ذكر أولاً الاستشكال الموضوعي في الفرق، وهو الموجود في الرسالة المنسوبة إلى الشيخ المعمولة لهذه المسألة. والاستشكال في الفرق حكماً وهو ما ذهب إليه السيّد الأستاذ مدّعياً أنّه لا يُتصوّر هناك فرق بحسب صناعة الادّلة بين الاحتمال الثاني والثالث الخ الاشكال. (انظر ص180). (المقرّر). [ص157 من هذا الكتاب].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فإنّه هنا، إذا بنينا على المسلك الثالث، وهو مسلك جعل الحجيّة، فيقع التعارض بين حجتّين: إحداهما نافية، والأخرى مثبته؛ لأنّ الثقة أخبر عن عدم استحباب العنوان الأولى للمشي بعد الطعام وهو: مشمول لدليل حجيّة خبر الثقة وهو آية النبأ -مثلاً-، وأخبر الضعيف، الذي ثبتت حجيّته بأخبار (من بلغ)، أخبر عن ثبوت استحباب هذا العنوان الأولي، وحيث لايمكن أنّ عنواناً أوليّاً واحداً يثبت استحبابه وينفى؛ ولهذا يقع التعارض لا محالة بين الخبرين الحجتّين، فيُعمل فيها قواعد باب التعارض، ولعلّها تقتضي أحياناً التساقط.

وأمّا بناءً على المسلك الثاني: وهو استفادة الأمر الاستحبابي من أخبار (من بلغ). فحينئذٍ، لاتعارض مابين خبر الثقة النافي للاستحباب بالعنوان الأولي وبين الالتزام بالاستحباب بالعنوان الثاني؛ لأنّ مجرّد أنّ الثقة ينفي عنوان الاستحباب، لا ينافي صدق عنوان البلوغ بلحاظ الخبر الضعيف. فإنّه مع عدم قطعية خبر الثقة، يصدق علينا أنّه قد بلغنا جعل الثواب على المشي بعد الطعام. وإذا صدق هذا العنوان الثانوي، يلحقه حكمه وهو الاستحباب. ولا يكون هذا منافياً لخبر الثقة؛ لأنّ خبر الثقة ينفي الاستحباب عن العنوان الأولي، وأخبار (من بلغ) تثبت الاستحباب للعنوان الثانوي، المتحقّق وجداناً في المقام. ولا منافاة بين عدم استحباب العنوان الأولي واستحباب العنوان الثانوي، فننفي استحباب هذا العنوان الثانوي. فموضوع التعارض وعدمه من ثمرات المسلكين.

المورد الثاني للثمرة الأولى: الذي يكون وقوع التعارض وعدمه من فوائد هذين المسلكين. هو ما إذا أخبر ضعيف باستحباب شيء، وأخبر ضعيف آخر باستحباب آخر، وعلمنا إجمالاً بكذب أحد الخبرين.

ــــــــــ[163]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فإنّه هنا لو بنينا على المسلك الثاني، وهو إنّ أخبار (من بلغ) تثبت استحباباً على عنوان ثانوي، وهو عنوان (ما بلغ) أو ماقيل أنّ عليه الثواب، فهنا نلتزم باستحبابين؛ لأنّ عنوان (قيل) صدق هنا مرّتين، ومجرّد العلم الإجمالي بكذب أحد القيلين، لا ينافي في صدق هذا العنوان على هذين الموردين. فإنّ موضوع الاستحباب الثانوي المجعول بأخبار (من بلغ) قد تحقّق في كلّ منهما(1).

وأمّا بناءً على المسلك الثالث، وهو جعل الحجيّة، فهنا يقع التعارض ما بين الخبرين؛ لأنّنا نعلم إجمالاً بكذب أحدهما. والمفروض، أنّ أخبار (من بلغ) ليست في مقام إنشاء حكم واقعي على عنوان ثانوي، بل هي في مقام جعل الحجّية للخبر الضعيف، في مقام الإيصال إلى الواقع، ونحن نعلم بأنّ أحد الخبرين كذب، وغير موصل إلى الواقع، فلا محالة يقع التعارض بين الخبرين، كما هو الحال في أخبار الثقات، أيضاً لو علمنا إجمالاً بكذب أحدهما. كذلك الخبرين الضعيفين إذا أصبحا حجّة فيحصل التعارض ويتساقطان(2).

المورد الأوّل للثمرة الأولى، الذي تكلّمنا فيه لا اعتبار عليه، ولا نقاش فيه. وأمّا المورد الثاني ففيه تفاصيل:

ــــــــــ[164]ــــــــــ

() إلا أنّه لا يمكن إسناد الفتوى إلى الشارع ابتداءً؛ لاستلزامه العلم إجمالاً بالكذب على الله ورسول الله. ولا تكون أخبار من بلغ مصحّحة للإسناد؛ لأنّ لسانها ليس لسان التنزيل منزلة الواقع فإنّها تقول: وإن لم يكن كما بلغه فاعرف (المقرر).

(2) وقال سيدنا الأستاذ بعد البحث، إنّ ما ذكره في المحاضرة السابقة في الثمرة الثالثة، وهو إذا ما دلّ الخبر الضعيف على الوجوب، وخبر الثقة على عدم الوجوب. يصلح أن يكون مورداً ثالثاً للثمرة الأولى فراجع. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وذلك أنّه بناءً على المسلك الثاني، لا إشكال فيما قلناه من لزوم الالتزام الاستحبابي، لتحقيق عنوان (قيل) مرتين. وأمّا بناءً على المسلك الثالث، وهو ملك الحجّية، قلنا: إنه يقع التعارض ما بين الخبرين للعلم الإجمالي بكذب أحدهما.

هذه مسالة كبروية في بحث التعادل والتراجيح مربوطة بحمل الكلام، لابدَّ من الالتفات إليها؛ لأنّه هناك نقول: بأنّ العلم الإجمالي بكذب أحد الخبرين، إمّا أن ينشأ من تعارض ذاتي بين الخبرين، أو تعارض إتفاقي بينهما. والتعارض الذاتي من قبيل أن يثبت أحد الخبرين استحباب الفعل، والآخر يثبت استحباب تركه. والإتفاقي فيما إذا أخبر أحدهما باستحباب المشي بعد الطعام، وأخبر الآخر بعد العشاء، وعلمنا من الخارج أنّ أحد المشيين ليس مستحبّاً، وأنّ أحد المخبرين قد كذب في خبره.

في موارد تعارض الذاتي، لا إشكال في وقوع التنافي، بين حجيّة هذا الخبر مع حجيّة ذاك؛ إذ كيف يمكن أن يُحكم باستحباب النقيضين، أو وجوبهما. فيطبّق عليه قواعد باب التعارض. 

وأمّا في موارد التعارض الإتفاقي، أيضاً لا اشكال عندهم أنّه يحكم بالتعارض والتساقط. لكن الكلام في ملاك إيقاع التعارض ما بينهما. لماذا يقع التعارض بينهما مع أنّه لا مانع عقلاً الالتزام بمدلول كلّ منهما ظاهراً. فنلتزم ظاهراً بأنّ كلّ المشيين مستحب أو واجب، وإن كنّا نعلم في الواقع بأنّ أحدهما ليس مستحبّاً أو واجباً. إذ لا مانع من الالتزام بحكمين ظاهرين، نعلم بأنّ 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

أحدهما على خلاف الواقع. كما ذكروا في الأصول كثيراً: أنّ التفكيك ما بين الآثار في مقام إجراء الأصول والأحكام الظاهرية لا بأس به. فلماذا يقع التعارض ما بينهما.

هناك مسلكان لتصوير التعارض هنا: 

أحدهما: مسلك المحقّق النائيني وهو: أن جعل الكاشفية، والحجيّة لخبرين أحدهما معلوم الكذب، هذا غير معقول، من حيث هو هو بيان يكون في محلّه. 

المسلك الثاني -هو مختارنا-، وهو أن وقوع التعارض بينهما باعتبار الدلالات الالتزامية. فلو أنّ خبري الثقة كانا من الأصول غير المثبته، من قبيل الاستصحاب لعملنا بهما معاً، كما نعمل بالاستصحابين الذين نعلم بكذب أحدهما من دون إشكال.

لكن حيث إنّ خبر الثقة مثبتاته أيضاً حجّة، ومداليله الالتزامية أيضاً حجّة. فكلّ منهما يدلّ بالالتزام على نفي الآخر؛ لأنّنا نعلم بالملازمة ما بين ثبوت هذا وعدم ذاك، وأنّهما معاً غير موجودين، فإنّ كان هذا موجوداً فذاك منفي، وبالعكس

 وحينئذٍ، يصير المدلول الالتزامي لكلّ منهما، معارضاً تعارضاً ذاتيّاً مع المدلول المطابقي للآخر؛ لأنّه يرجع إلى معارضة النفي والإثبات، فيسقط حينئذٍ، المدلول المطابقي لكلّ منهما بالمعارضة، مع المدلول الالتزامي للآخر. هذا هو مسلكنا.

ــــــــــ[166]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

إذا بنينا على المسلك الأوّل، للمحقّق النائيني. فهذا المورد الثاني للثمرة تام؛ لأنّه هنا خبران ضعيفان نعلم إجمالاً بكذب أحدهما. وعلمنا الإجمالي الإتفاقي، من باب أنّنا من الخارج علمنا أنّ المشي بعد الطعام لا يستحب مرّتين. فلو بنينا على أنّ المجعول في أخبار (من بلغ) هو الحجّية، فهنا لا يُعقل جعل الحجيّة لكلا الخبرين الضعيفين للعلم الإجمالي بكذب أحدهما. فيقع التعارض أو التساقط فيما بينهما.

وأمّا لو بنينا على مسلكنا، من أنّ وقوع التعارض ما بين الخبرين المعلوم إجمالاً بكذب أحدهما من الخارج، إنّما هو باعتبار التعارض ما بين المدلول المطابقي لأحدهما والالتزامي للآخر. فهنا هذان الخبران إنّما يقع التعارض ما بينهما لو قلنا بحجيّة كلّ منهما في مدلوله الالتزامي أيضاً، يعني حجيّته في نفي الآخر. مع أنّه يمكن للقائل بالحجّية، لصاحب المسلك الثالث أن يقول: بأنّنا نستفيد من أخبار (من بلغ) جعل الحجيّة للخبر الضعيف بمقدار إثبات الاستحباب لا أكثر، فلا تثبت الحجيّة بلحاظ المداليل الالتزامي، التي لا تنتهي إلى اثبات الاستحباب، يعني بمقدار بلوغ الثواب لا أكثر.

وحينئذٍ، لا يحصل هنا تعارض بين الخبرين، فلا بأس أن يُجعل حجّة في كلّ منهما بمقدار الاستحباب، ويصير حالها حال الاستصحابين اللذين يعلم إجمالاً بكذب أحدهما. فكما لا تعارض هناك ما لم يلزم مخالفة عملية بين الاستصحابين كذلك.

على أي حال، أصل الثمرة صحيحة، وهي أنّه بناءً على المسلك الثاني لا 

ــــــــــ[167]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

يقع التعارض في بعض الموارد. وبناءً على الثالث يقع التعارض في بعض الموارد، لا أقل من المورد الأوّل منهما. والمورد الثاني يُضاف إليه على التفصيل الذي ذكرناه.

[الثمرة الثانية: في تحديد مركز التعارض]

الثمرة الثانية: لهذين المسلكين: هو تحديد مركز التعارض، فإنّ مركزه يختلف بالدقّة بين المسلك الثاني، والمسلك الثالث، واختلاف مركز التعارض يؤدي إلى كيفية إجراء قوانين باب التعارض.

مثاله: ما إذا فرضنا أنّ خبر الثقة دلّ على خبر الثقة على أنّ الأفعال المضرّة لا يستحبها الشارع، لا بعناوينها الأوليّة، ولا بأي عنوان آخر، ما دامت مضرّة لا يُحكم عليها بالاستحباب في الشريعة. ثُّمّ أخبر الضعيف عن استحباب اللطم على سيّد الشهداء، ونفرض أنّه مضر.

حينئذٍ، إذا بنينا على المسلك الثالث، وهو أنّ أخبار (من بلغ) تتكفّل حجيّة الخبر الضعيف، فهنا يحصل التعارض بين ذلك العموم، الذي يدلّ عليه خبر الثقة، وبين هذا الخبر الضعيف، ولا تعارض بين ذلك العموم وبين نفس أخبار (من بلغ)؛ لأنّ أخبار (من بلغ) هو دليل الحجيّة، ولا منافاة بين الحجيّة وبين حكم واقعي: لا منافاة بين أن لا يحكم المولى واقعاً باستحباب عنوان مضر وبين أن يحكم بحجيّة خبر ضعيف. 

فطرف المعارضة مع خبر الثقة ليست هي نفس أخبار (من بلغ)، بل نفس الخبر الضعيف، الذي دلّ على استحباب اللطم، وتكون مثابة أخبار (من بلغ) 

ــــــــــ[168]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

مثابة دليل الحجيّة. كما لو دلّ خبر ثقة على خلاف خبر ثقة آخر، فطرف المعارض هو نفس خبر الثقة، لا دليل حجيّته كذلك في المقام.

وحيث إنّ خبر الضعيف أخّص مطلقاً من عموم خبر الثقة الذي يقول: الأعمال المضرّة لا تكون مستحبّة، فهنا نفهم أنّها لا تكون مستحبّة، إلّا بملاك واحد وهو -مثلاً- احترام الأئمّة. فيكون هذا مخصّصاً لذلك العموم. وهذا من فوائد كون التعارض بين خبر الثقة، وبين نفس الخبر الضعيف، وعزل أخبار من بلغ عن الطرفية للتعارض؛ لأنّها دليل حجيّة المعارض لا هي المعارض.

وأمّا بناءً على المسلك الثاني، وهو أنّ أخبار (من بلغ) ابتداءً تفيد حكماً واقعياً بالاستحباب، غاية الأمر هذا الحكم الواقعي، مركزه العنوان الثانوي، وهو عنوان (ما بلغ) عليه الثواب، لا العنوان الأوّلي. بناءً على هذا هي بنفسها تكون طرف المعارضة مع ذلك العموم؛ لأنّ ذلك العموم ينفي الاستحباب الواقعي عن الأفعال المضرّة بتمام عناوينها الأولية والثانوية وأخبار (من بلغ) باطلاقها لهذا المورد (مورد اللطّم الذي بلغ عليه الثواب) تثبت الاستحباب لبعض الافعال المضرّة. فتقع أخبار من بلغ بنفسها طرفاً للمعارضة.

وحينئذٍ، فقد تختلف قوانين باب التعارض؛ لأنّ النسبة بين أخبار (من بلغ) وبين ذلك العموم، هو العموم من وجه. فإنّ ذلك العموم يقول: بأنّ الفعل المضرّ لا يستحب في الشريعة سواءٌ كان لطماً على الحسين أو غيره.

 وأخبار (من بلغ) تقول: الفعل المبلوغ عليه الثواب مستحب في الشريعة 

ــــــــــ[169]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

سواءٌ كان مضرّاً أو لا. فتقع المعارضة بنحو العموم من وجه، وحينئذٍ تختلف النتيجة.

وهذا هو معنى ما قلناه: من أنّ تحديد مركز التعارض يرتبط بتحقيق هذين المسلكين. فطرف التعارض على المسلك الثاني نفس أخبار (من بلغ)، وعلى الثالث الخبر. وتبعاً لذلك تختلف كيفية إجراء قوانين باب التعارض.

[الثمرة الثالثة: في شمول أخبار (من بلغ) للأخبار الضعيفة وعدم شمولها]

 الثمرة الثالثة: هي أنّه يمكن أن يقال: إنّه بناءً على أحد هذين المسلكين لا تشمل أخبار (من بلغ) الأخبار الضعيفة، وبناءً عن المسلك الثاني تشملها.

وذلك؛ لأنّ بلوغ الثواب يكون بأحد أنحاءٍ ثلاثة: إمّا أن يأتي ضعيف فينقل لنا: إنّ رسول الله نطق بكلمة الثواب بحيث تكون الرواية دالة على الثواب بالدلالة المطابقية. وإمّا أن ينقل الضعيف بأنّ المولى نطق بكلمة الأمر الاستحبابي، فقال يستحب هذا الفعل، ويدلّ على الثواب بالدلالة الالتزامية. وبلحاظها يصبح مصداقاً لعنوان (من بلغ عليه الثواب). وثالثة ينقل الضعيف إلى المولى نطق بكلمة الايجاب، فيقول: أوجبت وألزمت، والالزام كالاستحباب يجر ثواباً.

في الصورة الاولى والثانية، افرضوا أنّه لا إشكال في شمول أخبار (من بلغ) لها، وإنما الكلام في الصورة الثالثة، وهو: ما إذا كان الخبر الضعيف يدلّ بالمطابقة على الوجوب وبالالتزام على الثواب.

ــــــــــ[170]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

هنا، إنّ بنينا على المسلك الثاني، وهو: المسلك الاستحباب النفسي، لا إشكال في شمول أخبار (من بلغ)؛ لأنّ عنوان البلوغ قد تحقّق، ولو بلحاظ الدلالة الالتزامية، وإذا تحقّق هذا العنوان الثانوي تبعه حكمه، وهو الاستحباب فنحكم به. 

وأمّا بناءً على مسلك جعل الحجيّة: فمقتضى جعل الحجيّة هو جعلها لهذا الخبر الضعيف بالنسبة غلى مدلوله. وحينئذٍ، إمّا أن نختار أن هذا الخبر الضعيف يمكن أن يثبت به الوجوب، وإمّا أن نقول: إنّ أخبار (من بلغ) قاصرة عن جعل الحجيّة بنحو يثبت أكثر من الاستحباب كما هو صحيح.

فإن قلنا: بأنّ أخبار من بلغ يمكن أن يستفاد منها جعل الحجيّة بنحو يثبت بها الوجوب. إذن، فثبت بهذا الخبر الضعيف الوجوب. وإن كان هذا خلفاً، ولا يمكن الالتزام به.

وإن قلنا بما هو الصحيح: بأنّ جعل الحجيّة لا يمكن أن نستفيد منه أكثر من الاستحباب والرجحان. إذن، فهذا الخبر الضعيف لا يمكن جعل الحجيّة له بلحاظ مدلوله المطابقي، وهو الوجوب. يبقى جعل الحجيّة له بلحاظ مدلوله الالتزامي. فهنا تأتي مسألة أنّ الدلالة الالتزامية هل هي تابعة للدلالة المطابقية في الحجيّة؟  

مبنى السيّد الأستاذ الذي هو مورد البحث -حيث إنّه أنكر الثمرة- إن الدلالة الالتزامية لازمة عقلاً للمطابقية ذاتاً وحجيّة، بحيث يستحيل التفكيك ما بين حجيتهما، يعني أنّ تكون المطابقية غير حجّة والالتزامية حجّة. بناءً على 

ــــــــــ[172]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

هذا لا يمكن جعل الحجيّة لهذا الخبر الواحد؛ لأنّ جعل الحجيّة له بلحاظ مدلوله المطابقي خلف، وبلحاظ مدلوله الالتزامي ابتداءً تفكيك ما بين الدلالة الالتزامية والمطابقية في الحجيّة.

وحينئذٍ، لا بدَّ من الالتزام بأنّ أخبار (من بلغ) لا تشمل بناءً على المسلك الثالث الخبر الضعيف الدال على الوجوب، بل تختص بخصوص الخبر الضعيف الدال على الاستحباب ابتداءً.

نعم لو بنينا على ما بنى عليه المحقّق العراقي والكثير من المحقّقين، من إمكان التفكيك بين الدلالة الالتزامية والمطابقية، في جعل الحجيّة كما هو الصحيح، أنّ التفكيك بينهما ممكن ثبوتاً، وإن كنّا لا نقول به لقصور بحسب مقام الإثبات. فمن الممكن أن يقال في المقام بجعل الحجيّة للخبر الضعيف بلحاظ المدلول الالتزامي ابتداءً.

[الثمرة الرابعة: في استفادة استحباب واحد أو استحبابات متعددة] 

الثمرة الرابعة: وعنوانها: أنّه بناءً على مسلك الحجيّة، لا يمكن استفادة أكثر من استحباب واحد، وبناءً على المسلك الثاني يستفاد استحبابان.

كما لو أخبر ضعيف عن استحباب المشي بعد الطعام، ودلّ خبر ضعيف آخر على تقييده، وكان ناظراً إلى تقييده، قال إنّما يستحب المشي بعد الطعام مع لبس الثوب الأبيض، لا مطلق.

هنا، لو بنينا على الحجيّة، لا يعقل في المقام استفادة أكثر من استحباب واحد؛ لأنّ الخبر الضعيف الثاني لا يحكي عن فرد آخر من الاستحباب غير 

ــــــــــ[172]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الفرد الأوّل، وإنّما هو ناظر إلى مقام تقييده، فيستحيل أن يكون كاشفاً عن استحباب آخر، غير الاستحباب الذي كشف عن الخطاب الأوّل. فلابدَّ من استفاده استحباب واحد في المقام لاتفاق الروايتين على وحدة الاستحباب واقعاً.

وأمّا بناءً على المسلك الثاني، مسلك جعل الاستحباب على العنوان الثانوي: عنوان (ما بلغ عليه الثواب). فهنا، الخبر الضعيف الأوّل يحقّق عنوان البلوغ بالإضافة الى المطلق، فإنّ المطلق بلغ عليه الثواب، والظهور انعقد واستقر بانقطاع كلام المتكلّم، فبلغ الثواب على المطلق، ويكون ملاك الاستحباب طولي ثانوي مجعول بأخبار (من بلغ).

ثُّمّ يجيء الخبر المقيّد، وهو يدل بالالتزام على أنّ هناك ثواباً على المقيّد بما هو مقيّد؛ لأنّ هذا هو معنى التقييد، فيصدق عنوان البلوغ بالنسبة إلى المقيّد أيضاً. ولا ينافي ذلك العلم الإجمالي بكذب أحد الخبرين كما بيّنا فيما سبق. إذن، فيصدق عنوان البلوغ بلحاظ المطلق، وبلحاظ المقيّد، وحينئذٍ بتعدّد الاستحباب الثانوي المجعول بأخبار (من بلغ).

[الثمرة الخامسة: في جريان الاستصحاب وعدمه] 

الثمرة الخامسة: هي جريان الاستصحاب وعدم جريانه: افرضوا أنّ خبراً ضعيفاً دل ّعلى استحباب المكث في المسجد في يوم الخميس إلى الظهر. فهنا لو بنينا على المسلك الثاني، وأنّ الاستحباب المجعول على العنوان الثانوي، وهو عنوان (ما بلغ عليه الثواب) فهذا الاستحباب معلوم الارتفاع بعد الظهر؛ لأنّه 

ــــــــــ[173]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

حينئذٍ، لم يبلغنا ثواباً على العمل، والبلوغ فرع الدلالة، والخبر الضعيف لم يدلّ على أكثر من هذا المقدار، إلا أنّه دلّ على العدم وعلى ارتفاعه بعد ذلك. إلا أنّه لم يدلّ على أكثر من هذا المقدار. إذن الاستحباب المجعول على العنوان الثانوي معلوم الارتفاع، ومعه لا يعقل استصحابه.

نعم يحتمل وجود فرد آخر من الاستحباب، ولكن ذلك الفرد الآخر غير معلوم الثبوت حتّى يُستصحب.

وأما بناءً على مسلك جعل الحجيّة، فالخبر الضعيف دلّ على استحباب واقعي للمكث في المسجد إلى الزوال، لكن نحن نحتمل أنّ ذلك الاستحباب الواقعي مستمر حتّى بعد الزوال أيضاً، وأنّ الخبر لم يدلّ على أكثر من هذا المقدار منه. ونفرض أنّ الخبر ليس فيه مفهوم(1) الغاية حتّى نستفيد منه النفي بعد وقوع الغاية. فهنا، لا بأس بإجراء الاستصحاب؛ لأنّ شخص ذلك الاستحباب الواقعي الثابت ببركة حجيّة الخبر الضعيف نحتمل بقائه فنستصحبه بناءّ على إجراء الاستصحاب في الأحكام غير الالزامية. هذه هي الثمر الخامسة. 

إذن، فالفرق ما بين المسلكين بحسب صناعة الأدلّة يظهر في خمس موارد، ولعلّ التدقيق أكثر وأكثر يوجب ظهوره في خمسين مورداً لا في خمسة. 

ــــــــــ[174]ــــــــــ

() إمّا لأجل الذهاب إلى عدم مفهوم الغاية في نفسه، أو لأنّ غاية ما تثبته أخبار من بلغ من الحجيّة هو حجيّة بلوغ الثواب، دون المفاهيم والمداليل الالتزامية كما سبق (المقرر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

هذا هو الكلام في تصوير هذه المسالك الأربعة ثُّمّ بعد هذا يأتي تحقيق ما هو الصحيح منها.

[تحقيق في الاحتمالات الأربعة لأخبار (من بلغ)]

بعد أن تبيّن أنّه يوجد في مفاد أخبار من بلغ، هذه الاحتمالات الأربعة التي قدّمناها. يقع الكلام في تحقيق كلّ واحد منها:

تحقيق الاحتمال الأوّل وهو الإرشادية 

أمّا الاحتمال الأول: وهو أن تكون هذه الأخبار إرشاداً إلى ما يستقلّ به العقل من حسن الاحتياط والانقياد. فهو لا يحتاج إلى التكلّف في مقام إثباته وتعيينه في قبال سائر الاحتمالات الأخرى؛ بل إن وجد معيّن لتلك الاحتمالات وقامت قرينة على أحدها، فنفس تلك القرينة تنفي هذا، الاحتمال. وإن لم توجد قرينة على ذلك، فلا يحتاج إلى التكلف على هذا، بل مجرّد الإجمال والتردّد يكفي؛ لأنّ هذا الاحتمال ليس متكفّلاً لشيء زائد على أصل حكم العقل بحسن الاحتياط الثابت في نفسه سواءٌ جاءت هذه الأخبار أو لا. فلابدَّ من صرف عنان الكلام إلى تحقيق حال الاحتمالات الأخرى. وينكشف حال هذا الاحتمال من خلال التكلّم في الاحتمالات الأخرى.

[تحقيق] الاحتمال الثاني وهو الحجية 

الاحتمال الثاني: هو احتمال أنّ تكون أخبار من بلغ متكفّلة لاعمال المولويّة بجعل الحكم الطريقي، وجعل الحجّية للخبر الضعيف -مثلاً-.

أشكل المحقّقون على هذا الاحتمال، كالمحقّق العراقي، والسيّد الأستاذ 

ــــــــــ[175]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وغيرهما(1): بأنّه مناف مع لسان أخبار من بلغ، فإنّ جعل الحجيّة يناسب لسان فرض ثبوت الواقع، وكون الخبر محرّزاً له وكاشف عنه. وهذا ينافي مع ما وقع في أخبار (من بلغ) من فرض التخلّف عن الواقع، وعدم ثبوته. في قوله: “إن لم يكن رسول الله قد قاله”. ففرض أنّه لم يقله لا يتفق مع لسان جعل الحجيّة المناسب مع جعل الخبر كاشفاً ومثبتاً للواقع.

هذا الكلام في مقام الإشكال مجمل يحتاج إلى تمحيص، وتمحيصه أنّ يقال: إنّ من يحمل أخبار من بلغ على جعل الحجيّة لا يدعي أنّها تدلّ بالمطابقة عل جعلها. وإنما يدعي أنّها تدل بالالتزام على ذلك.

وبيان هذه الدلالة الالتزامية هو أن يقال: بأنّ أخبار (من بلغ) -مثلاً- تدلّ على أنّه إذا بلغ الإنسان ثوابٌ على عمل فذلك الثواب ثابت. فهذا هو مدلولها المطابقي. فمدلولها المطابقي هو فرض مساوقة بين البلوغ والثواب البالغ. وهذه المساوقة لا محالة تلازم مساوقة أخرى أسبق منها رتبة، وهي المساوقة بين البلوغ وبين الأمر. حيث إنّ الثواب من شؤون الأمر. ففرض المساوقة بين بلوغ الثواب، وبين ثبوته هو فرض المساوقة بين البلوغ، وبين ثبوت الأمر واقعاً.

وهذه المساوقة لا يخلو أمرها إمّا أن تكون مساوقة وجدانية، وإمّا أن تكون 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الأفكار 3: 278، ودراسات في علم الأصول 3: 203.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

مساوقة بالفرض والعناية. أمّا كونها مساوقة وجدانية فهو كذب وجداناً؛ لأنّ بلوغ شيء لا يلزم ثبوت ذلك الشيء لا خطاباً ولا ثواباً. فلابدَّ أن تكون مساوقة بالفرض والعناية، بمعنى أنّ المولى يفرض أنّ بلوغ الثواب وبلوغ الأمر، يلازم مع ثبوت واقع الأمر والثواب. وهذا هو تعبير آخر عن الحجيّة ومن الطرق الصالحة لإبراز جعل الحجيّة للخبر. فصرف لسان أخبار من بلغ إلى الحجيّة يكون بهذا التقريب.

وبعد أن يتضح أن هذا هو البيان الذي ينبغي ان يُبيّن به استفادة الحجيّة من أخبار (من بلغ)، يعرف حينئذٍ، بأنّ قوله: “وإن لم يكن رسول الله قد قال”، يضرّ بهذا البيان؛ وذلك لأنّه يدلّ على أنّ أخبار (من بلغ) ليست في مقام بيان المساوقة بين بلوغ الخبر، وبين صدق ذلك الخبر، حتّى يقال إنّ الملازمة بين الخبر وبين صدقه وثبوت مدلوله، ملازمة عنائية يُكنّى بها عن الحجيّة. ليس كذلك إذ أنّ فرض الملازمة ما بين الخبر وبين صدقه، ينافي مع عدم صدق الخبر في مقام بيان هذه المساوقة، بل هي في مقام بيان أنّ الخبر إذا تحقّق، فيترتب عليه أثر من الآثار، وهو أنّنا نعطي ثواباً بمقدار ما بلغه. إذن، لا تكون هذه الروايات في مقام بيان المساوقة، بين الخبر وصدق الخبر الذي هو مبنى دعوى دلالة أخبار (من بلغ) على الحجيّة(1).

(وإن لم يكن قد قاله) نعرف، أنّ المساوقة هنا ليست مساوقة بين بلوغ الخبر، وبين ثبوت مدلوله، إذ لا معنى لأنّ يقال: إنّه إذا بلغ الخبر يثبت مدلوله، وإن لم يكون مدلوله ثابتاً، بل المساوقة هنا بين بلوغ الخبر وبين ترتب أثر عليه. 

ــــــــــ[177]ــــــــــ

() وهنا قال إعادة: لأنه بقرينة قوله: (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فلا يكون هذا المضمون مناسباً مع جعل الحجيّة(1)

فهذا هو تمحيص مرادهم في المقام.

إلّا أنّ التحقيق في المقام: هو أن الحكم الطريقي على نحوين: تارةً يراد به جعل الحجيّة للخبر الضعيف على نهج جعلها لخبر الثقة -مثلاً- بلسان تتميم الكشف، أو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع. أو غيره من الألسنة التي تناسب جعل الحجيّة للأمارات. 

والنحو الآخر من الحكم الطريقي: هو الحكم الطريقي الذي يكون من سنخ الأمر بالاحتياط، ولا يكون من سنخ جعل الحجية للأمارات. فإنّ الأمر بالاحتياط أيضاً أمر طريقي وحكم ظاهري، باعتبار نشوءه عن إهتمام المولى بالملاكات الواقعية، غاية الأمر أنّ لسانه ليس لسان جعل الحجيّة للاحتمال، بل لسان إظهار اهتمام المولى بحفظ الواقعيات بنحو بحيث يأمر بالاحتياط.

وهنا في أخبار (من بلغ) يُحتمل جعل الحكم الطريقي على وجهين: أحدهما: أنّه يجعل الخبر الضعيف حجّة على نهج (خبر الثقة حجة). ويقال بأنّه مثبت للواقع. وهذا هو الذي نُوقش فيه بهذا النحو من النقاش. وقيل بأنّ جعل الحجيّة 

ــــــــــ[178]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: فإنّه بذلك النظر التعبّدي، الذي يريد أن يبين به المساوقة، وفي حالة إعمال تلك العناية التعبديّة، يرى أنّ الواقع ثابت بهذا الخبر، فلا معنى لأن يقول أنّه ثابت به، وإن لم يكن ثابتاً به. نعم بنظر آخر ينظر إلى التعبّد السابق، ويقول بأنّ الخبر يثبت به مدلوله تعبّداً، وإن لم يكن يثبت به واقعاً، هذا مطلب صحيح. لكن بنفس العناية الأولى، التي بها يكون في مقام بيان الحجيّة لا يكون صحيحاً. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

لخبر الثقة ببيان المساوقة ما بين بلوغ الخبر، وبين صدقه لا يناسب مع ما وقع في لسان أخبار (من بلغ)، من قوله: “وإن لم يكن رسول الله قد قاله”.

لكن يبقى احتمال الحكم الطريقي بالنحو الثاني؛ وذلك بأنّ يقال: إنّ المولى حيث يعرف أنّ هناك مستحبّات واقعية كثيرة موجودة في ضمن هذه الأخبار الضعيفة، فإنّ كثيراً من هذه الأخبار مطابق مع واقع المطلوبات الشرعية المستحبّة. فتحفّظاً على تلك المطلوبات الواقعية المنتشرة في موارد الأخبار الضعيفة، صار بصدد الترغيب في الإقدام، وترتيب الأثر على الأخبار الضعيفة. وقد رغّب في ذلك بجعل الثواب على الإقدام على ترتيب الأثر، ولو لم يكن الأخبار مطابقاً للواقع؛ لأنّ هذا بنفسه يقوي من رغبة الإنسان في ترتيب الأثر واندفاعه في مقام العمل. يعني جعل الربح قطعياً بالنسبة إلى العمل. وهذا جعل ترغيبي ناشئ من داعي التحفّظ على الملاكات الواقعية. ولا نريد من الحكم الطريقي إلا هذا المعنى. فهذا حكم طريقي من قبيل الأمر بالاحتياط، وإن لم يكن من قبيل حجيّة خبر الثقة؛ لأنّه لا يتكفّل جعل الكاشفيّة ونحوها.

ومثل هذا الحكم الطريقي بهذا المعنى لا ينافيه قوله: “وإن لم يكن رسول الله قد قاله”. فأنّ هذا التصحيح في مقام جعل الثواب، إنّما هو بقصد جعل ربح قطعي بداعي دفع(1) المكلّف إلى التحفّظ على الواقعيات المنتشرة فيما 

ــــــــــ[179]ــــــــــ

() تصدي المولى إلى البعث والتحريك ناشئ من التحفّظ على الواقعيات، (من المحاضرة). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بين الأخبار الضعيفة. فما أُفيد من الإشكال إن تمّ فإنّما يتمّ في مقام إبطال استفادة الحجيّة من أخبار من بلغ بالمعنى المساوق لحجيّة خبر الثقة. ولا يتم في مقام إبطال استفادة الحكم الطريقي أساساً، بل لأستفادته مجال واسع(1).

فحتّى الآن لم نحصّل قرينة على نفي هذا الاحتمال. حتّى يأتي الكلام في الاحتمال الثالث، وهناك نرى أنّه إن كانت هناك قرينة تعيّن الاحتمال الثالث فينتفي الحكم الطريقي بكلا شقّيه. وان لم تكن مثل هذه القرينة فنرى حينئذٍ، مقدار المحتملات التي يدور الأمر ما بينها في أخبار (من بلغ).

[تحقيق] الاحتمال الثالث وهو الاستحباب 

وأمّا الاحتمال الثالث: وهو احتمال أن يكون مفاد أخبار من بلغ هو الحكم الحقيقي النفسي بالاستحباب، المجعول على عنوان ثانوي وهو عنوان (من بلغ).

قُرّب هذا المطلب بعدة تقريبات، بعض تقريباته تناسب بحسب الحقيقة مع جامع الأمر المولوي، سواءٌ كان أمراً استحبابياً نفسياً، أو أمراً طريقياً. وبعضها تناسب مع خصوص الوجه الثالث.

[التقريب الأول: للمحقق النائيني] 

التقريب الأوّل: وهو الذي يناسب مع جامع الوجه الثاني والثالث، وهو ما أفاده المحقّق النائيني(2) واحتمله المحقّق العراقي(3)

ــــــــــ[180]ــــــــــ

() فيكون حكماً طريقياً ظاهرياً حينئذٍ، (من المحاضرة). (المقرّر).

(2) انظر: أجود التقريرات 2: 209. 

(3) انظر: نهاية الأفكار 3: 277.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وحاصله: دعوى أنّ المقام من موارد الجملة الخبرية المستعملة في مقام الطلب والأمر. فان لسان أخبار (من بلغ) وإن لم يرد فيه الأمر لا بصيغته (صيغة افعل) ولا بمادته (آمرك) وإنّما هو جملة خبرية (فعله وعمله) ونحو ذلك. إلّا أنّ هذه الجملة الخبرية الصادرة من المولى، ينعقد لها ظهور كسائر الجمل الخبرية الواردة في كلام الشارع، في أنّها في مقام الإنشاء والأمر فتكون من قبيل قوله: “اعاد صلاته”، “اغتسل”. ونحوها من الجمل الخبرية التي يكون مبنى الفقهاء في الفقه على عملها على الإنشاء واستفادة الأمر منها.

وبعد فرض إثبات الأمر عن هذا الطريق، يقال: بأنّ ظاهر كلّ أمر وهو المولوية. فإنّ الأمر حينما يدور أمره بين كونه إرشادياً، أو مولوياً، ظهوره في المولويّة ينفي الارشادية ويعيّن المولوية.

وهذا المقدر من البيان يناسب مع الجامع ما بين الوجه الثاني، والوجه الثالث؛ لأنّ هذا المقدار محفوظ فيهما(1)

إلّا أنّ هذا الكلام من غرائبهم قدّس الله أسرارهم؛ وذلك لأنّ الجملة الخبرية في المقام وهو قوله (فعله أو عمله) منسلخة عن كونها جملة خبرية، حيث إنّها وقعت شرطاً في الجملة شرطية، حيث إنّه قال: “من بلغه ثواب على عمل فعمله أو ففعله كان له ذلك الثواب”. والجملة الخبرية حينما تقع شرطاً ومقدّماً في القضيّة الشرطية تنسلخ، عن كونها جملة تامّة وعن كونها أخباراً، 

ــــــــــ[181]ــــــــــ

() وقال جواباً على سؤال: المرزا حينما بيّنه قال: إنّ هذا يناسب مع الوجه الثاني والثالث، وآغا ضياء عبارته مجملة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وتصبح عبارة عن شيء واقع موقع الفرض والتقدير، وعن نسبة ناقصة واقعة طرفاً لنسبة تامّة، وهي النسبة التي هي مفاد القضيّة الشرطية(1)

ومثل هذه الجملة المنسلخة، لم يتوهّم أحد كونها تستعمل في مقام إفادة الأمر والبعث والتحريك. هذا من قبيل أن يقال: إنّ قوله: (من أجنب اغتسل)، يستفاد منه الأمر بالإجناب -مثلاً-. مع أنّ هذا ممّا لا يتصور في المقام؛ لأنّ (أجنب) هنا وقع مقدّماً في القضيّة الشرطية، وبذلك انسلخ عن كونه جملة تامّة وخبراً إلى كونه مجرد طرف في نسبة أخرى. وحينئذٍ، لا معنى لأن يُفاد به معنى نسبي، لا إنشائي ولا إخباري.

وفي المقام وقعت الجملة شرطاً في القضيّة الشرطية، (من بلغه ثواب على عمل فعمله) وهذا لا يقاس على ما لو فُرِض أنّ (فعله) وقع جزاء في القضيّة الشرطية: (من بلغه ثواب على عمل فعله)، يقال هذا معناه: من بلغه ثواب على عمل فليفعله. ولكنّها في المقام وقعت شرطاً في القضيّة الشرطية، وقد ذكرنا في بحث المفاهيم: إنّ الجملة الواقعة شرطاً في القضيّة الشرطية تنسلخ عن عالم النسبة التامّة، وعن عالم الإخبار والإنشاء معاً وتصبح طرفاً في نسبة، لا أنّها تتكفلّ معنى نسبياً مستقلاًّ، بخلاف قوله (أغتسل أو أعاد صلاته) فإنّها لم تنسلخ عن معانيها النسبية. فهذا الوجه لا يرجع إلى محصّل.

ــــــــــ[182]ــــــــــ

()  وقال جواباً على سؤال حول مبناه في الجمل الشرطية، وانه كان يرى أنّها تفيد الربط بين نسبتين تامتّين لا ناقصتين.

 فقال: قصدي النسبة الناقصة في مقام الإفادة بمعنى أنّه لا يصح السكوت عليه. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 

[التقريب الثاني: للسيد الأستاذ]

التقريب الثاني(1): ما ذكره السيّد الأستاذ على ما في الدراسات، حيث جاء فيها أنّ أخبار من بلغ محتملاتها ثلاثة: 

أحدها: الحمل على الإرشاد.

 والثاني: الحمل على الحجية.

 والثالث: الحمل على الاستحباب النفسي.

 وينفي الأوّل وهو الحمل على الإرشاد ظهور الروايات في أنّها في مقام الترغيب في العمل، وينفي الثاني: منافاة لسان الحجيّة مع لسان قوله: (وإن لم يكن رسول الله قد قال). فيتعيّن الثالث هو الحمل على الاستحباب المولوي النفسي(2).

إلّا أنّه يرد على هذا التقريب اولاً: أنّ الاحتمال غير منحصر في هذه الأمور الثلاثة، بحيث لو انتفى اثنان يتعيّن الثالث. فإنّنا ذكرنا أنّ الحكم الطريقي لا ينحصر شكله في جعل الحجيّة الذي لا يناسب لسانه مع قوله: (وإن لم يكن قد قاله)، بل يمكن تصوير الحكم الطريقي بالنحو الذي صوّرناه: وذلك بأنّ يكون المولى في مقام جعل الربح قطعياً بداعي تقوية دوافع المكلف نحو الإقدام على العمل استطراقاً على التحفّظ على المطلوبات الواقعية المنتشرة في ضمن الأخبار الضعيفة. ويكون هذا محصّله الحكم الطريقي. وحينئذٍ، فمجرد نفي 

ــــــــــ[183]ــــــــــ

() قال بعد عنونة المسألة وذكر التقريب الأوّل للوجه الثالث كما سبق: (المقرّر).

(2) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 301-302. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الأوّل والثاني لا يعني الثالث، مع إمكان هذا الاحتمال وعدم ابداء ما ينافيه.

وأمّا ثانياً: فلأنّ ما ذكره في مقام إبطال الشقّ الأوّل وهو الإرشاد، من أنّ ظاهر الأخبارهوالترغيب في العمل هذا أيضاً في غير محلّه؛ لأنّ الشق الأوّل هو الإرشاد إلى حكم العقل، لا ينافي كون الروايات في مقام الترغيب في العمل. غاية الأمر أنّ الترغيب عن الشقّ الأوّل يكون ترغيباً صادراً من الشارع بما هو عاقل، وباعتبار ملاكات الحسن والقبح. وعلى الثاني والثالث يكون صادراً منه بما هو شارع ومولى.

فأصل ظهور الأخبار في كون المولى في مقام الترغيب في العمل، محفوظ على الاحتمالات الثلاثة، ومناسب معها فمجرّد ظهور الأخبار في ذلك لا ينفي الشقّ الأوّل. نعم، هذا الظهور ينفي الاحتمال الرابع في كلامنا على ما يأتي. نعم، لو تُمسّك في المقام بدعوى ظهور الترغيب في كونه مولوياً، لكان شيئاً على ما يأتي توضيحه. إذن، فهذا التقريب غير تامّ في المقام.

التقريب المشهوري لاستفادة الاستحباب 

التقريب الثالث: لاستفادة الاستحباب النفسي من أخبار (من بلغ) وهو التقريب المشهوري المتداول ما بين المحقّقين.

وحاصله: هو جعل أخبار (من بلغ) من قبيل الروايات الكثيرة، التي يستفاد منها الاستحباب، وهي دالة بالمطابقة على ترتيب الثواب على بعض الأعمال. كقوله: من زار الحسين كان له كذا أو كذا من الثواب. وهي روايات كثيرة. وهي لم تدلّ بالمطابقة على الأمر وإنّما رتبّت الثواب الفلاني على 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فعل من الأفعال، وإستفاد الفقهاء من ذلك، الاستحباب المولوي النفسي لذلك الفعل.

ووجه هذه الاستفادة هو الدلالة الالتزامية العقلية؛ وذلك لأنّ الفعل كالمشي -مثلاً-، من حيث هو لا يصير منشأ للثواب بلا إشكال، بعد نفي احتمال الثواب الجزافي في أمثال هذه الروايات. فمنشائيّته للثواب يكشف عقلاً، عن وجود ملاك الثواب في هذا الفعل، وهو كونه إطاعة للأمر الشرعي، فلا محالة يكشف كشفاً عقلياً إنّياً عن تعلّق الأمر الشرعي بهذا الفعل لا محالة من باب كشف المعلول عن وجّه علّته.

 فهذا هو التقريب العام لاستفادة الاستحباب من جميع الروايات المتكفلّة بيان الثواب.

وهذا الطريق العام يُطبّق على أخبار (من بلغ) أيضاً، فيقال: إنّه قد رتّب الثواب هنا على الفعل، الذي بلغ عليه الثواب، ويكشف حينئذٍ، بهذا الاعتبار بالدلالة الالتزامية العقلية، عن وجود ملاك الثواب، وهو كون العمل المبلوغ عليه الثواب إطاعة لأمر شرعي وهو معنى الاستحباب.

فإن قيل: بأنّه يختلف حال أخبار (من بلغ) عن غيرها؛ لأنّه فيها يوجد ملاك آخر للثواب أيضاً غير باب الإطاعة وهو: الإنقياد والتحرّك عن احتمال الأمر، وهذا بنفسه أيضاً ملاك للثواب، فلعلّ الثواب المجعول والموعود في أخبار من بلغ لعلّه باعتبار ملاكية الإنقياد للثواب ومحرّكيّة الاحتمال له. لا باعتبار ملاكية الإطاعة للثواب. حتّى يستكشف من ذلك الأمر. بخلاف قوله: 

ــــــــــ[185]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

من مشى إلى زيارة فلان كان له كذا. فإنّ المشي من حيث هو هو ليس إنقياد للمولى، وليس حسناً بقطع النظر عن كونه مأموراً به شرعاً فيستكشف الأمر هناك. بخلافه هنا، إذ لعلّ الثواب هنا بملاكية الإنقياد.

حينئذٍ، قالوا في مقام الجواب عن ذلك: بأنّنا نتمسّك بإطلاق الموضوع. فإنّ الثواب في أخبار (من بلغ) لو كان مرتّباً على خصوص تلك الحصّة من العمل التي أتى بها بداعي احتمال الأمر لكان المطلب كما تقولون، فإنّ هذه الحصة لا يكشف ترتّب الثواب عليها عن تعلّق الأمر بها من قبل الشارع؛ إذ لعلّ ترتّبه عليها كان باعتبار كونّها إنقياداً والإنقياد حسن بحكم العقل.

لكن هذا خلاف المفروض في أخبار (من بلغ)، فإنّ مقتضى الأخبار فيها، هو كون الثواب مترتّب على طبيعي العمل بعد البلوغ، سواءٌ أتى بها بداعي احتمال الأمر الواقعي أو لم يؤت بها بهذا الداعي. إذن، فإطلاقه لغير الحصّة الانقيادية يكشف عن تعلّق الامر لا محالة؛ لأنّ إطلاقه لغير الحصّة الإنقيادية يكشف عن وجود ملاك آخر للثواب غير باب الإنقياد، ولا ملاك آخر غير الطاعة، وكونه مأموراً به شرعاً.

فإلى هنا(1) تمّت صورة هذا الوجه. وتطبيق هذا القانون(2) عليه يكرر بلحاظ دعوى التمسّك بإطلاق الموضوع، وإنّما رتّب عليه الثواب في أخبار من بلغ ليس هو خصوص الحصّة الإنقيادية، بل هو مطلق العمل حتّى غير الإنقيادي 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

() وهنا قال في إعادة الوجه: فإلى هنا… (المقرّر). 

(2) قانون استفادة الثواب من مطلق الأخبار (توضيح). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

منه، فإطلاقه لغير الانقيادي يكون كاشفاً عن وجود ملاك آخر للثواب. ولا ملاك آخر إلّا الأمر الشرعي. هذه هي الصورة:

ومن هنا، وقع البحث ما بين هؤلاء المحقّقين، المحقّق الخراساني، والمحقّق العراقي، والمحقّق الأصفهاني وغيرهم، في تشخيص الصغرى، وأنّ الثواب الموعود في أخبار (من بلغ) هل موضوعه مخصوص بخصوص الحصّة الإنقيادية، وهناك قرينة في نفس أخبار (من بلغ) على ذلك. أو أنّ موضوع الثواب مطلق وهو طبيعي العمل. فهناك من ذهب إلى أنّ موضوع الثواب هو طبيعي العمل، كالمحقّق الخراساني(1)، ومن هنا استفاد الاستحباب من أخبار من بلغ، بهذا التقريب الذي بيّناه. وهناك من ذهب إلى أنّ موضوع الثواب هو خصوص الحصّة الإنقيادية، ومن هنا لا يمكن أن يستفاد الاستحباب كالمحقق العراقي(2).

مناقشته 

ففي هذا التقريب نقطتان: نقطة متّفق عليها ونقطة مختلف فيها. والنقطة المتّفق عليها، هي أنّه لو كان الثواب الموجود في أخبار من بلغ مترتبّاً على طبيعي العمل على إطلاقه، بحيث يشمل الحصة غير الإنقيادية لتمّ فيه استفادة الاستحباب، بنفس الملاك الذي يُستفاد به الاستحباب في الأخبار الكثيرة الواردة في الثواب. وهو الدلالة الالتزامية العقلية من باب كشف العلّة عن المعلول.

ــــــــــ[187]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول 353.  

(2) انظر: نهاية الأفكار 3: 278.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

والنقطة المختلف فيها، هي تشخيص الصغرى وهي: أنّه في أخبار (من بلغ) هل الثواب مرتّب على العمل على إطلاقه حتّى يُستفاد الاستحباب، أو مرتّب على خصوص الحصّة الإنقيادية حتّى لا يُستفاد الاستحباب.

فهنا بحثان، بلحاظ كلتا النقطتين.

[البحث الأول: رُتب على طبيعي العمل على إطلاقه] 

أمّا البحث الأوّل، وهو في النقطة المتّفق عليها:

الصحيح أنّ هذه النقطة المتّفق عليها غير صحيحة، ولنا حولها كلامان:

[الكلام الأول: في ملاك استفادة الاستحباب] 

الكلام الأوّل: في أصل ملاك استفادة الاستحباب من أخبار الثواب. كقوله (من مشى إلى زيارة مؤمن كان له كذا) كيف نستفيد الاستحباب منها. هل صحيح ما يقولونه من أنّ استفادته تكون بالدلالة الالتزامية العقلية بطريق الإنّ. من حيث إنّ العمل بما هو هو لا يكون ملاكاً للثواب فلابدَّ من استكشاف ملاك في المرتبة السابقة، وليس هو إلّا كونه مأموراً به شرعاً.

هذا الكلام غير صحيح وذلك؛ لأنّ ترتب الثواب على فعل ليس لازماً عقلياً يواقع تعلّق الأمر بذلك الفعل، حتّى يكون الدليل على اللازم ودليلاً على الملزوم بالدلالة الالتزامية العقلية. فإنّ مجرّد تعلّق الأمر واقعاً بفعل لا يكفي في ترتّب الثواب عليه، بل قد يعاقب الإنسان على هذا الفعل مع تعلّق الأمر به واقعاً. فإنّه لو فُرِض أنّ الأمر كان متعلّقاً به، ولكن المكلّف كان غافلاً عنه، وأتى بالفعل، هل يترتّب عليه ثواب، أو لو فُرِض أنّ المكلّف كان يتخيّل حرمة 

ــــــــــ[188]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

هذا الفعل، فيترتّب عليه العقاب لا محالة بملاك التجرّي.

فاستحقاق الثواب على الفعل ليس لأنّ ما قلنا للأمر بوجوده الواقعي، وعنوان الإطاعة لا يكفي فيه مجرّد وجود الأمر الواقعي، بل حسن الإطاعة عقلاً المستتبع للثواب فرع وصول الأمر إلى المكلّف وإحرازه له، ولا يكفي فيه مجرّد الوجود الواقعي. فالملازمة العقلية بالدقّة قائمة بين ترتب الثواب على الفعل، وبين كونه طاعة المساوق لوصول الأمر وإحراز المكلّف له.

وحينئذٍ، فهنا لا معنى للتمسّك بالأدلّة الالتزامية العقلية، إذ ما هو مدلول الالتزامي العقلي؟ هل هو الأمر بوجوده الواقعي؟ لا؛ لأنّ طرف الملازمة ليس هو ذلك، بل الأمر بوجوده العلمي، والإحرازي لا بوجوده الواقعي، فلا يكون الأمر مدلولاً التزامياً. أم هل المدلول الالتزامي هو إحراز الأمر. فهذا كذب؛ لأنّنا بالوجدان لم نحرز الأمر بقطع النظر عن هذا الخبر المفيد للثواب. كيف نجعل هذا الخبر دالاً بالالتزام على وجود علم لنا بالمطالب قبل ذلك. كيف نثبت علمنا بالأمر عن طريق حكاية هذا الخبر، مع أنّنا بالوجدان لا علم لنا به، مع قطع النظر على هذا الخبر. إذن، فالدلالة الالتزامية العقلية في المقام ممّا لا أساس لها.

وإنّما وجه استفادة الاستحباب من أمثال هذه الروايات هو أحد أمرين:

إمّا أن تكون هذه الروايات مستعملة على طريق الكناية، لا على الطريق المتعارف. والكناية بشيء عن شيء هنا، بهذا المعنى: أنّ المدلول اللفظي الاستعمالي هو ترتّب الثواب، لكن المراد الجدّي من هذا الكلام ليس هو 

ــــــــــ[188]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الأخبار عن ترتّب الثواب، بل هو الأخبار عن حكم الله بالاستحباب أو الوجوب -مثلاً-. من قبيل زيد كثير الرماد، فإنّ المدلول الاستعمالي أُريد استطراقاً إلى مراد جدي آخر، وهو الحكاية عن كرمه. والاستطراق في باب الكناية لا يتوقّف على وجود ملازمة عقلية دقيّة بين المدلول اللفظي، وبين المراد الجدّي، اذ لا ملازمة عقلية بين كثرة الرماد والكرم، اذ قد يكون الانسان كثير الرماد ولا يكون كريماً وقد يكون كريماً. بل يحتاج إلى تناسب إرتكازي بين المطلبين بحسب الفهم العرفي العام، وهذا التناسب موجود في المقام بين المستطرق منه والمستطرق إليه. 

فاستطراقنا من المدلول المطابقي الذهنى للثواب، إلى الأمر الاستحبابي، ليس على نهج الدلالة الالتزامية العقلية، التي تحتاج إلى ملازمة واقعية ما بين المدلولين، بل هو على نهج الكناية الذي يكفي فيه مجرد التناسب للارتكاز العرفي بين المدلول الاستعمالي والمراد الجدّي. فكأنه يقول من أوّل الأمر: بأنّي أمر بهذا الفعل(1).

ــــــــــ[190]ــــــــــ

()  وهنا قال جواباً على سؤال: لا ينافي أن يكون فيه جنبة استطراقية من ناحية، وجنبة جدّيّة* من ناحية أخرى. 

* بمعنى أنّ جعل الثواب بنفسه مراد جدّي إلّا أنه جعل كناية إلى مراد جدّي آخر في طوله وهو الأمر. وهذا بالاضافة إلى مخالفة ماذكره قبل قليل في التقرير غير متصوّر من وجوه منها اسحالة أن يتوجه الانسان إلى مرادين جدّيين في نفس الوقت ومنها اجتماع اللحاظ الآلي والاستقلالي في المراد الجدّي الأول. بصفته بنفسه مراداً من ناحية وكناية على المراد الآخر من ناحية أخرى. إذن فلا بُدّ من اسقاط أحد المرادين. فلو فرض أن المرويّات كانت كناية عن الثواب فهي إذن لا تريد الاخبار عن الثواب جداً وهو كما نرى مخالف لظهورها بل نصّها وإذا كانت تريد جداً الاخبار عن الثواب كما هو مقتضى نصّها فهي لا تريد جداً التعبير عن الأمر فاعلم. المقرر (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

والتقريب الآخر في لكيفية استفادة الاستحباب من هذه الأخبار: أنّ يقال إنّ هذه الأخبار التي نقول: من مشى إلى زيارة مؤمن كان له ثواب. فيها تقييد مستبطن إرتكازاً دائماً وبضم هذا التقييد المستبطن تحصل دلالة التزامية عقلية حينئذٍ. 

وهذا التقييد المستبطن هو: من مشى إلى زيارة المؤمن أو عاده فالحكم زيارة المؤمن بعد أن وصل إليه حكم المشي شرعاً فهذا له ثواب. فهذا يدلّ بالدلالة الالتزامية العقلية على أنّ هذا الحكم المفروض إجمالاً في الشرط هو الاستحباب والرجحان، إذ لو لم يكن هو الاستحباب، أو الرجحان لم يكن هناك وجه لترتّب الثواب على المشي(1).

هذا هو الوجه الثاني.

ــــــــــ[191]ــــــــــ

() وهنا قلت له: إذن فلا بدَّ أن يكون الحكم واصلاً في المرتبة السابقة عن هذه الروايات.

 فاجاب: أنّها على نهج القضيّة الحقيقية تقول: كلّ من مشى إلى زيارة مؤمن بعد أن وصل إليه حكم هذا المشي له ثواب. وحينئذٍ، نفس هذه القضيّة الحقيقية الشرطية، نحن نستفيد منها أنّ حكم المشي هو الاستحباب. وبعد هذا نحن نتدرج فيها؛ لأنَّ هذه الملازمة على نهج القضيّة الحقيقية لا يمكن أن تصدق لو كان الحكم غير الاستحباب. فنفس عقدها يكشف عقلاً عن أنّ الحكم المترقب وصوله من قبل الشارع هو الاستحباب وإلاّ لكذبت هذه القضيّة الشرطية من قبل المولى. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وأمّا بلا كناية وبلا تقييد مستبطن، فتقريب استفادة الاستحباب بالدلالة الالتزامية العقلية بالبيان الذي أفادوه غير تامّ.

فاذا عرفنا أنّ هذين الوجهين هما الملاك في استفادة الاستحباب. فنأتي إلى أخبار (من بلغ)، لنرى أنّهما هل يكونان جاديين فيها.

أمّا الوجه الأوّل وهو الكناية، بأن يقال: بأنّ قوله: (عمله كان له ثواب). هذه كناية عن تعلّق الأمر به. هذا أمر ممكن في المقام. ولكن تعيّن الكناية في المقام بلا موجب؛ لأنّ الكناية في سائر الموارد تكون متعيّنة؛ باعتبار عدم وجود احتمال آخر يكون مطابقاً للفهم العرفي على حد الكناية. وأمّا هنا فحيث إنّه يوجد احتمال آخر مطابق للفهم العرفي على حد الكناية بلا التزام بها ولهذا لا تتعيّن الكناية. على ما سوف أشير إليه.

وكذلك الاحتمال الثاني: وهو أن يكون التقييد هنا تقييداً مستبطناً. بأنّ يقال: إنّ عمله بعد أن وصل إليه حكم العمل. هذا التقييد المستبطن أيضاً مناسب مع الارتكاز العرفي، لكن إنّما يكون متعيّناً حيث لا يوجد هناك وجه آخر يكون مناسباً مع الإرتكاز العرفي على هذا النحو. وهنا يوجد وجه آخر مناسب للارتكاز العرفي على حد حمل اللفظ على الكناية وعلى حدّ مناسبة حمله عن هذا التقييد المستبطن؛ وذلك بأنّ يحمل على أن المراد من الثواب: الثواب على العمل بعنوان الإنقياد. يعني تقييد العمل بوجه آخر، وهو أن يكون عملاً بداعي البلوغ والثواب. ورفع اليد عن إطلاق العمل والالتزام بمثل هذا التقييد في المقام ليس بأبعد من الإرتكاز والفهم العرفي من كلا ذينك الحملين. 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

نعم، في غير أخبار (من بلغ) حيث لا يوجد هناك احتمال آخر ليس بأبعد من هذين الامرين؛ ولذا نلتزم بأحدهما. بخلافه هنا، فلا يتعيّن أحد هذين الأمرين. هذا كلّه هو كلامنا الأول في المقام.

[الكلام الثاني]

وأما كلامنا الثاني(1): فنفرض فيه التنزّل عن كلامنا الأوّل، والتسليم بأنّ الوجه من استفادة الاستحباب من أخبار ثواب الأعمال للصدوق هو الدلالة الالتزامية العقلية. حينئذٍ نرى أنّ هذه الدلالة الالتزامية العقلية التي هي ملاك استفادة الاستحباب من قوله: من مشى إلى زيارة الحسين كان له كذا. هل تثبت في أخبار (من بلغ) لو سلّم الإطلاق فيها وسلّمنا أنّ الثواب مرتّب على طبيعي العمل على إطلاقه لا على خصوص الحصّة الإنقيادية. حينئذٍ، هل يمكن التمسّك بإطلاق من بلغ لإثبات الاستحباب ببركة هذه الدلالة الالتزامية العقلية، بنفس الملاك الذي نثبت به الاستحباب في روايات ثواب الأعمال أو لا؟

هنا أيضاً نقول: لا، بمعنى أنّنا لو سلمنا الدلالة الالتزامية العقلية وأنّها هي ملاك استفادة الاستحباب، فلا يمكن إعمالها في أخبار (من بلغ)، ولو مع الاعتراف بأنّ لسانها هو ترتيب الثواب على طبيعي العمل.

ــــــــــ[193]ــــــــــ

() كان الكلام على الوجه الثالث من الوجوه التي قرّب بها استفادة الاستحباب النفسي من أخبار (من بلغ) ولخّص النقطتين المتّفق عليها والمختلف فيها، ولخّص الكلام الأوّل حول النقطة الأولى. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

والنكتة في ذلك، هي: أنّ الثواب المجعول في أخبار (من بلغ)، إمّا أن تستظهر من لسان هذه الأخبار، أو من أي منشأ آخر. أنّ هذا الثواب المجعول ثواب استحقاقي. وإمّا أن لا يأتي عن حمل هذا الثواب ثواباً جزافياً أو تفضيلياً بتعبير آخر، بحيث لا تأتي عن حمل هذا الثواب على كونه بلا وجه، ولا ملاك من باب أنّ الله هو الجواد الكريم لا أكثر.

فإن فُرِض الثاني، وأنّ أخبار (من بلغ) لا تأتي عن كون الثواب جزافياً أو تفضيلياً. إذن، ينسد باب البحث في هذا الوجه؛ لأنّ الثواب الجزافي لا يمكن أن يستفاد منه الأمر ولو بالدلالة الالتزامية العقلية؛ لأنّها على تقدير تسليمها إنّما تكون بين الثواب الاستحقاقي، والأمر لا بين الثواب الجزافي والأمر. فلا معنى لأن يستفاد من الثواب الجزافي وجود أمر في المقام.

فلابدَّ وأن نفرض الشقّ الأوّل، لكي يكون لهذا التقريب صورة، وهو أن ندّعي أنّ ظاهر أخبار (من بلغ) هو كون الثواب هنا ثواباً استحقاقيّاً لا جزافياًّ، فالمحمول في أخبار من بلغ هو الثواب الاستحقاقي والموضوع بحسب لسان أخبار من بلغ هو طبيعي العمل من دون تقييد في لسانها بخصوص الحصّة الإنقيادية. 

هنا يقولون: بأنّ إطلاق الموضوع وهو العمل للحصّة غير الإنقياديّة يكشف لا محالة عن وجود الأمر. إذ لا وجه لترتّب الثواب الاستحقاقي على الحصّة غير الإنقياديّة، إلّا وجود أمر بالنسبة إليها.

حينئذٍ نقول: إنّ هذا تمسُّك بالمطلق في الشبهة المصداقية للمخصص 

ــــــــــ[194]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

المنفصل، ولا يجوز ذلك؛ وذلك لأنّ لسان أخبار (من بلغ) وإن فرضنا -من باب الفرض- أنّها رتبت الثواب الاستحقاقي على طبيعي العمل من دون تقييد، إلا أنّ المخصّص والمقييد العقلي هنا موجود.

حيث إنّ العقل (العملي)(1) بحكم أنّ المشي بعد الطعام من حيث إنّه مشي بعد الطعام، ليس موضوعاً للثواب الاستحقاقي.

لأنّه ليس ملاك للثواب بما هو مشي في نظر العقل. إذن، يحكم بأنّ العمل على إطلاقه ليس موضوعاً للثواب الاستحقاقي. وإنّما يكون موضوعاً له مقيّداً بأنّ يؤتى به على وجه قربي؛ لأنّ الثواب الاستحقاقي بحسب الحقيقة هو من تبعات التقرّب من المولى في نظر العاقل، فإنّ كلّ من يتقرّب إلى المولى يستحق على المولى -بمعنى من معاني الاستحقاق- ثواباً، وأمّا من لا يتقرّب إلى المولى فهو لا يستحق عليه ثواباً، سواءٌ مشى بعد الطعام أو لم يمشِ. فالعقل هنا يحكم بأنّ موضوع القضيّة في أخبار (من بلغ) مقيّد بأنّ يؤتى بالعمل على وجه قربي؛ لأنّه هو المنشأ لاستحقاق الثواب.

فهذا الإطلاق، وإن كان ثابتاً في نفسه ولكنّه مُبتلَى بتقيّد عقلي منفصل، وهو حكم العقل بأنّ الاستحقاق لا يكون إلا بملاك التقرّب من المولى. فبعد ضم هذا المقيّد العقلي المنفصل إلى القضيّة يصبح موضوع الثواب الاستحقاقي: هو العمل المأتّي به على وجه قربي.

حينئذٍ، هذا العنوان له مصداق معلوم المصداقية، وهو أن نأتي بالمشي بعد 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

() زيادة مستفادة من السيّد. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الطعام برجاء صدق أبي هريرة الذي أخبر عن رسول الله -مثلاً- باستحباب هذا المطلب، يعني بداعي الانقياد وبرجاء وجود الأمر بحسب الواقع. فهذا مصداق يقيني لعنوان المطلق بعد تخصّصه من ناحية المخصّص العقلي المنفصل. فإنّ هذا عمل أتى به على وجه قربي.

وهناك مصداق نشكّ في مصداقيته للمطلق بعد تعنّونه وتخصيصه من ناحية المخصّص المنفصل أو لا؟ وهو أن نأتي بالعمل بداعي الأمر. إذ لو فُرِض أنّ هناك أمراً في الواقع، وأنّ المولى حكم بالاستحباب النفسي. إذن، فهذا مصداق للعمل القربي؛ لأنّه إتيان بالعمل بقصد أمر موجود. وقصد امتثال الأمر الموجود قصد قربي -مثلاً-. فيكون هذا حينئذٍ، مصداقاً له. وأمّا لو فُرِض أنّه في الواقع لم يكن هناك أمر. إذن، فالإتيان بالعمل بقصد الأمر هذا لا يكون عملاً قربيّاً، بل يكون تشريعاً. حينئذٍ، لا محالة أو يكون غير معقول.

إذن، فكون العمل المأتي به بقصد امتثال الأمر قربيّاً، هذا أمر مشكوك فيه لأنّه فرع(1) وجود أمر في الواقع، وحيث إنّنا نشكّ بوجود الأمر، بقطع النظر عن أخبار (من بلغ)، إذنّ فنحن نشكّ أنّ هذا مصداق للعنوان، بعد التخصيص أو لا. وهذا معنى كونه شبهة مصداقية لأخبار (من بلغ) بعد ابتلائها بالمخصّص العقلي المنفصل.

فلو أردنا أن نتمسّك بأخبار من بلغ لإثبات شمول الثواب الاستحقاقي 

ــــــــــ[196]ــــــــــ

() بحسب تنزّلنا لانّا قلنا: بأنّ ملاك التقرّب هو العلم بوجود، لا واقع الأمر (من المحاضرة). (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

لهذا المصداق المشكوك، وبالتالي نثبت عن طريق ترتّب الثواب عليه، وجود الأمر، لكان هذا من باب التمسّك في المطلق بالشبهة المصداقية للمخصّص المنفصل. وقد بُيّن في محلّه أنّ ذلك غير جائز(1).

فخلاصة القضيّة هو أننا يجب أن نلحظ الموضوع هنا بعد المخصّص المنفصل. وحينئذٍ، لا يكون الموضوع هو العمل على إطلاقه، بل هو العمل القربي، وهذا يشك في إنطباقه على هذا الفعل الغير الانقيادي المأتي به بعنوان الطاعة؛ لأن مصداقيّته للعمل القربي فرع وجود أمر فكيف نثبت الأمر قبل إحراز كونه مصداقاً له. فيكون التمُّسك بالعامّ هنا، من باب التمسُّك بالعامّ في الشبهة المصداقية للمخصّص المنفصل. هذا هو كلامنا الثاني حول النقطة المتفق عليها.

بعد هذا نأتي إلى النقطة المختلف فيها.

الآن، لو تنزّلنا عن كلا الكلامين حول النقطة المتّفق عليها، وفرضنا أنّنا قلنا بالدلالة الالتزامية العقلية، وأنّ الثواب الاستحقاقي يكشف عن الأمر أنّ من باب كشف المعلول عن العلّة. وقلنا أيضاً بأنّ الإطلاق هنا لم يبتلِ بالمخصّص المنفصل، بمعنى أنّنا قلنا بجواز التمسُّك بالعام في الشبهات المصداقية للمخصّص المنفصل. فهنا نتمسّك بالإطلاق، ونثبت به أنّ العمل 

ــــــــــ[197]ــــــــــ

() وهنا قلت له: إذا كان هذا المخصّص العقلي من الوضوح، بحيث يكون كالمتصل.

 فاجأب: بأنّه يصير أتعس، فإنّه يصير من باب التمسّك في الشبهة المصداقية في المخصّص المتصلّ الذي لم يقل به أحد. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

المأتي به بقصد الأمر القربي، وأنّه طاعة وأن عليه ثواباً، فنستكشف من هذه الناحية أنّه مأمور به لا محالة.

[البحث الثاني:] في أنّ الثواب رُتّب في الأخبار على خصوص الحصّة الانقيادية 

بعد هذا نأتي إلى النقطة المختلف فيها، وهي: أنّ لسان أخبار (من بلغ) هل رُتّب فيها الثواب الاستحقاقي على طبيعي العمل على إطلاقه. أو رُتّب على خصوص الحصّة الإنقيادية.

ذكر جملة من المحقّقين: إنّ الثواب رُتّب على خصوص الحصّة الإنقيادية في لسان أخبار (من بلغ). وحينئذٍ، ينسد باب إثبات الاستحباب بهذا الدليل. وتقريب ذلك يكون بأحد وجهين.

[التقريب الأول: قرينية الفاء]

الوجه الأول: قرينة (الفاء) في بعض تلك الروايات: كصحيحة هشام بن سالم(1)

ــــــــــ[198]ــــــــــ

() وهي ما روي في الوسائل في الباب الثامن عشر من ابواب مقدمة العبادات ص60 من طبع إيران الجديد ج1 الرواية الثالثة: “أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيُّ فِي الْمَحَاسِنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ قَالَ: مَنْ‏ بَلَغَهُ‏ عَنِ‏ النَّبِيِ شَيْ‏ءٌ مِنَ الثَّوَابِ فَعَمِلَهُ كَانَ أَجْرُ ذَلِكَ لَهُ وإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّـهِ لَمْ يَقُلْه‏”. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فهنا الموضوع في القضيّة هو العمل المتفرّع على البلوغ لا طبيعي العمل، فإنّه لم يقل: من بلغه ثواب على عمل وعمله. بل قال: (فعمله). فالموضوع للثواب الاستحقاقي هنا، هو العمل المتفرّع على بلوغ الخبر الضعيف، وهذا العمل ليس هو إلّا العمل الإنقيادي لا محاله، يعني العمل الذي يكون متفرّعاً على البلوغ بنحو يكون البلوغ داعياً إليه، فتكون مخصوصة بقرينة حرف (الفاء) بخصوص الحصّة الإنقيادية.

[التقريب الثاني: قرينية قوله: (فعمله التماساً لقول النبي)] 

والوجه الثاني، هو التصريح الموجود في بعض الروايات، حيث قيل: (فعمله التماساً لقول النبي) أو (رجاء لقوله). وحينئذٍ يقال: بأنّ الروايات التي لم يصرّح فيها بهذا القيد، تُحمل أيضاً على القيد، من باب حمل المطلق على المقيّد.

فهذا تقريبان؛ لاستفادة كون الثوب الاستحقاقي مترتّباً في لسان أخبار (من بلغ) على خصوص الحصّة الإنقيادية. فيقع الكلام في كلّ واحد منها: 

مناقشة قرينية الفاء 

أمّا التقريب الأوّل: وهو استفادة كون الثواب مترتّباً على خصوص الحصة الإنقيادية بلحاظ (الفاء). فقد نُوقش في قرينية (الفاء) بعدة مناقشات:

المناقشة الأولى: ما هو في الكفاية(1) حيث ذكر في مقام مناقشة هذه القرينة: بأنّ (الفاء) هنا توجب صيرورة داعي البلوغ حيثية تعليلية العمل، لا حيثية تقييدية، بحيث نلبسه عنواناً ثانوياً كعنوان الإنقياد، الذي يحكم العقل بحسنه.

ــــــــــ[199]ــــــــــ

(1)  انظر: كفاية الأصول، 353.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وهذه العبارة لا تخلو من شوب إجمال؛ لأنّه بهذه العبارة بيان وإدّعاء أنّ الإطلاق محفوظ باعتبار أنّ الحيثية تعليلية لا تقييدية، فإطلاق الموضوع لا ينسلخ، فهذا بديهي البطلان؛ باعتبار أنّ إطلاق الموضوع ينثلم بالتقييد، على نحو الحيثية التعليلية، أو على نحو الحيثية التقييدية التي يتقمصّها الفعل ويصبح بها عنواناً ثانوياً. على كلا التقديرين يحصل في الموضوع ضيق وتمدّد، بحيث لا يشمل صورة فقد تلك الجهة التعليلية، أو التقييدية. فكسر الإطلاق وتقييد الموضوع، لا يتوقف على التقييد بنحو الجهة التقييدية، بحيث يلبس الموضوع عنواناً ثانوياً، بل يكفي فيه بنحو الجهة التعليلية.

وإن أراد بهذه العبارة أن يقول: بأنّ التقييد حيث كان بنحو الحيثية التعليلية لا بنحو الحيثية التقييدية، فهو لا يلبس الفعل عنواناً جديداً. فإنّ موضوع الثواب، هو المشي بعد الطعام، لا عنوان جديد كعنوان الإنقياد. غاية الأمر لا المشي على إطلاقه، بل المشي الناشئ من داعي البلوغ. فبالنتجية، موضوع الثواب هو المشي لا عنوان الانقياد؛ لأنّ التقييد تعليلي لا تقييدي. وما دام الفعل موضوعاً للثواب، ولو ظناً، ولو في ضمن المقيّد، فيثبت بذلك، أنّ هذا الثواب ليس هو ثواب الإنقياد؛ لأنّ ثواب الإنقياد ليس مترتّباً على عنوان الفعل محضاً، بل على عنوان الإنقياد.

إن أراد أن يبيّن هذا المطلب، فهذا صحيح في المقام. أنّ الجهة التعليلية هنا لا تسلخ الفعل عن الموضوعية للثواب رأساً، ولا تقلب الموضوع من العنوان الأوّلي إلى الثانوي، الذي هو الانقياد، بل يبقى الفعل موضوعاً في القضيّة للثواب الاستحقاقي. إلّا أنّ هذا يكفي لمنع دلالة القضيّة حينئذٍ، على 

ــــــــــ[200]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الاستحباب. إذ كما أنّ الثواب الإنقيادي، موضوعه الدقّي هو نفس عنوان الإنقياد لا الفعل، كذلك الثواب الاطاعتي موضوعه بالدّقة نفس عنوان الإطاعة لا الفعل بما هو فعل.

فلو أعملنا مثل هذه الدّقة. إذن، لا يكون مثل هذا الثواب لا ثواباً انقياديّاً، ولا ثواباً طاعتياً؛ لأنّ الموضوع لم يؤخذ فيه، لا العنوان عنوان الإنقياد ولا عنوان الإطاعة. وهذا يكشف عن أنّه لم تعمل هذه الدقّة في هذا التعبير. وإنّما يريد في هذا التعبير، بيان أنّ هذا الفعل مورد للثواب.

 أما أنّ كونه مورداً لنفس هذا العنوان المذكور هنا، فهذا غير ملحوظ في الرواية.

وحينئذٍ، بعد أن فرضنا أنّ موضوع القضيّة لا يشمل سوى الحصّة الإنقيادية، ولو على نهج التقييد التعليلي، فحينئذٍ، كيف يمكن أن نثبت بترتّب الثواب علّة الحصّة الإنقيادية، كون الثواب هنا ثواباً (طاعتياً) أو ترتّب ثواب آخر على غير الحصّة الإنقيادية. إذن، فهذا الجواب لا يرجع إلى محصّل.

المناقشة الثانية: في قرينية (الفاء) هو ما أفاده المحقّق الاصفهاني(1) ما ذكره المحقّق الاصفهاني لا كمناقشة في دلالة (الفاء)، بل كوجه برأسه في إثبات الإطلاق في المقام.

وحاصله: أنّه مركّب من أمرين:

 الأمر الأول: هو أنّ الخبر الضعيف البالغ شأنه شأن الصحيح من حيث 

ــــــــــ[201]ــــــــــ

() قال بعد أن لخّص عنوان المسألة والمناقشة، الأولى للقرينة الأولى. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

المفاد. بمعنى: أنّ مفاده هو ترتّب الثواب على ذات الفعل، لا على ترتّبه على الفعل المأتي به بداعي الاحتمال. 

والأمر الثاني: أنّ ظاهر أخبار (من بلغ) هو ترتّب نفس ذلك الثواب الموعود. فينتج من ضم الأمر الثاني إلى الأول: إنّ الأخبار مترتّب بأخبار (من بلغ)، هو نفس الثواب الموعود والمدلول عليه في خبر أبي هريرة، وحيث كان ذلك الثواب مترتّباً على ذات الفعل في لسان خبر أبي هريرة، فيكون في لسان أخبار (من بلغ) أيضاً ترتّباً على ذات الفعل. بقرينة ظهور أخبار من بلغ في وحدة الثواب(1).

هذا التقريب أيضاً غير تام؛ وذلك لأنّ الأمر الأوّل وإن كان صحيحاً، وهو: أنّ مفاد خبر أبي هريرة هو ترتّب الثواب على العمل، إلّا أنّ الأمر الثاني غير تام؛ لأنّه إن أُريد بظهور أخبار (من بلغ) في كون الثواب المجعول هو نفس الثواب الموعود، إن أُريد كونه نفسه، أنّه نفسه من جميع الجهات، فهذا مفروض العدم في المقام على كلّ حال؛ لأنّ الثواب المفروض في أخبار (من بلغ) لا إشكال أنّ للبلوغ دخل فيه، إمّا بنحو الداعي، بناءً على تقييد الفعل، بأنّ يؤتى به بداعي البلوغ. أو بنحو الموضوع، بناءً على أنّ تكون أخبار (من بلغ) في مقام جعل الاستحباب على عنوان البلوغ. بالنتيجة للبلوغ دخل في شخص الثواب الموعود بأخبار (من بلغ) إمّا بنحو الجهة التعليلية أو التقييدية. بخلاف الثواب الموعود في نفس خبر أبي هريرة، فإنّ البلوغ لم يؤخذ فيه لا بنحو الداعي ولا بنحو الجهة التقييدية. 

ــــــــــ[202]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الدراية 4: 176.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فالعينية من سائر الجهات، هذا مفروض العدم، حتّى على القول باستفادة الاستحباب من أخبار (من بلغ).

وإن كان المراد من العينية، المساواة، والعينية في الكمية، والكيفية، -مثلاً- في خبر أبي هريرة قيل: أنّه يغفر له سبعون ذنباً، هنا أيضاً كذلك. 

نعم، هذا المقدار من العينية صحيح. إلّا أنّ هذا لا يقتضي وحدة موضوع الثواب. غاية ما يقتضي أنّ نفس ذلك الثواب المذكور في خبر أبي هريرة بخصوصياته الكمية، والكيفية، يعطى هذا المؤمن، لكن يُعطى على ماذا؟ هل يعطى على أساس ذات العمل الذي صدر منه، أو على أساس العمل بداعي الإنقياد. هذا المطلب لا يتكفلّه مسألة وحدة الثواب، بل لا بد من استظهاره من طرف الموضوع. فهذا البيان أيضاً غير تام(1).

الـوجه الثالث: في الـمناقشة في قـرينية (الفاء). وما أفاده الـمحقّق الاصفهاني أيضاً.

 وحاصله: أنّ (الفاء) وإن كانت تدلّ على التفريع، وعلى كون العمل الذي أُخذ موضوعاً للثواب، هو العمل المتفرّع على البلوغ، لا العمل على إطلاقه. لكن التفرّع الفائي لشيء على شيء يُتصوّر على نحوين:

تارةً يكون على نحو تفرّع العمل على داعيه، وأخرى يكون على نحو تفرّع العمل على موضوع داعيه. فالأوّل من قبيل أن يقول المتكلّم: أمرني مولاي فأطعت، أمرني بالصلاة فصلّيت، رأيت الاسد فهربت، فهذا من باب تفرّع 

ــــــــــ[203]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: هذا لم يكن مناقشة لقرينيّة (الفاء) وإنّما نحن من باب تنظيم البحث هكذا جعلناه. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

العمل على داعيه. فإنّ أمر المولى داع للصلاة. والثاني من قبيل أن نقول: دخل الوقت فبادرت إلى المسجد. فهنا نفس دخول الوقت ليس هو الداعي إلى المبادرة إلى المسجد، وإنّما الداعي إليه هو حضور الجماعة وغيره. ودخول الوقت هو محقّق لموضوع الداعي؛ لأنّه قبل الوقت لا موضوع للأمر وللجماعة، وإنّما يكون ذلك بدخول الوقت، فيكون محقّقاً لموضوع الداعي، والتفريع صحيح في مثل هذا المقام. إذن، فالتفريع يناسب كلتا الحيثيتين: كون التفرّع عليه هو الداعي، وكونه موضوعاً للداعي.

وهنا، في أخبار (من بلغ)، كلتا الحيثيتين متصوّرة، فإنّه يُتصوّر تفرّع العمل على البلوغ، بملاك كون البلوغ هو الداعي، فيما إذا فُرِض هذا المؤمن حركة نفس البلوغ والرجاء والاحتمال، بأنّ يأتي بالعمل. كما أنّ الحيثية الثانية للتفرّع أيضاً متصوّرة في المقام؛ وذلك لأنّ من يقول بالاستحباب(1) يقول بأنّ موضوعه هو البلوغ، على حدّ موضوعية دخول الوقت لوجوب الصلاة، أو الاستحباب للصلاة في المسجد.

فالتفرّع لا ينحصر وجهه بالحيثية الأولى، وهي حيثية تفرّع العمل على داعية حتّى يكون حينئذٍ، موجباً للسقوط الإطلاق في أخبار (من بلغ)، وعدم إمكان الشمول لغير الحصّة الإنقيادية والاختصاص بها، بل إنّ التفرّع (الفائي) يلائم مع غير الحصّة الإنقيادية أيضاً بهذا الاعتبار(2).

ــــــــــ[204]ــــــــــ

() يعني الاستحباب النفسي الذي هو محلّ الكلام (توضيح). (المقرّر). 

(2) انظر: نهاية الدارية، 177-178. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وهذا الذي أفاده من قابلية التفرّع بكلا هذين اللحاظين، صحيح كما أفاده. إلّا أنّه مع هذا لا ينفع لتتميم الاستدلال في المقام، ورفع الإشكال عنه. 

 إذ غايته أن هذه (الفاء) الدالة على التفريع، تكون موجبة لتحصيص موضوع الثواب المجعول في أخبار (من بلغ) بخصوص العمل المتفرّع على البلوغ، فلا يشمل عملاً ليس له تفرّع عليه. فلو قلبنا المعنى العرفي إلى اسمي فكأنه قال: الثواب يترتّب على العمل المتفرّع على البلوغ. إمّا هو العمل المتفرّع على البلوغ، لا يمكن أن يُبيّن من ناحية نفس هذه الأخبار مصاديق العمل المتفرّع على البلوغ؛ لأنّ القضايا التي ترتّب حكماً على موضوع، لا يمكن ان يثبت من ناحيتها ماهي مصاديق هذا الموضوع الكلي، بل لابدَّ وأن تؤخذ هذه المصاديق من الخارج.

وحينئذ، إذا لاحظنا الخارج بقطع النظر عن أخبار (من بلغ)، نرى هناك مصداقاً وجدانياً، للعمل المتفرّع على البلوغ، وهو العمل الذي يكون البلوغ داعياً ومحرّكاً إنقيادياً له، فيشمله أخبار (من بلغ) جزماً. 

وإمّا مصداقية العمل المتفرّع على البلوغ على حدّ تفرّع العمل على موضوع داعيه، مصداقيته لهذا العنوان فرع أن يكون البلوغ موضوعاً للداعي يعني: فرع أن يكون البلوغ موضوعاً لأمر استحبابي نفسي، حتّى يُتصوّر أن يكون نحو آخر من التفرّع على البلوغ، من باب تفرّع العمل على موضوع داعيه، من قبيل تفرّع الذهاب إلى المسجد، على دخول الوقت. فإنّ التفرّع في المثال إنّما صح باعتبار أنّ دخول الوقت من الخارج قد فُرِض موضوعاً للصلاة. فهذا العمل المتفرّع على 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

البلوغ على حدّ نوع العمل على موضوع داعيه، انّما يكون مصداقاً للعنوان في المقام، بعد فرض كون البلوغ موضوعاً للداعي، وفرض الأمر الاستحبابي. وإلا لو فُرِض أنّ البلوغ ليس موضوعاً للأمر الاستحبابي، إذن، فيخصّ مصداق هذا العنوان فرد واحد، ولا يُتصوّر له حينئذٍ مصداقان، وتصوّر مصداق وحصّة أخرى من العمل التفرّعي على البلوغ لهذا العنوان، في إثبات كون البلوغ موضوع للأمر الاستحبابي. وإثبات هذا لا يمكن أن يكون من ناحية نفس القضيّة المجعولة في أخبار (من بلغ)؛ لأنّها لا تحرز موضوعها. ولا معنى للتمسّك بها في إثبات الفرد الآخر. فهنا إحراز وجود الحصّة الثانية فرع وجود الأمر، والمفروض، أنّه لا دليل على الأمر بقطع النظر عن أخبار (من بلغ).

وهذا المطلب لا يرجع إلى ما أشكلناه في النقطة المتّفق عليها، حيث قلنا: إنّه لا يجوز التمسّك بالإطلاق حتّى لو سُلّم؛ لأنّ ذاك الإشكال كان بملاك عدم جواز التمسّك بالمطلق في الشبهة المصداقية للمخصّص العقلي المنفصل. 

وأمّا هذا الإشكال فهو تامّ حتّى لو بُني على جواز التمسّك بالمطلق في الشبهة المصداقية للمخصّص المنفصل. مع هذا لا يتوهّم أحد أنّه يجوز التمسّك بالمطلق حيث لا إطلاق له. وهذا من هذا القبيل، فإنّه لا يجوز التمسُّك بدليل إلّا بعد إحراز إنطباق موضوعه على فرده من الخارج. وهنا لم يحرز أن يكون للعنوان: العمل المتفرّع، فرد آخر غير الحصّة الإنقيادية. إذن، فكيف يمكن أن يتم الإطلاق(1).

ــــــــــ[206]ــــــــــ

() وهنا لخّص إشكاله ونكتبه للتوضيح: (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

العمل المترتّب على البلوغ يترتّب عليه الثواب، أمّا أن العمل كيف يتفرّع عل البلوغ، هل يتفرّع عليه بوجهين أو بوجه واحد. هذا لا يمكن إثباته من ناحية نفس هذه القضيّة؛ لأنّها لا تبين مصاديق موضوعها. ومن الخارج نحن لا نعرف إلّا وجهاً واحداً للتفرّع، وهو تفرّع العمل على البلوغ، من باب تفرّع العمل على داعيه. أمّا التفرّع عليه من باب التفرّع على موضوع الداعي بلحاظ وقوع البلوغ موضوعاً للأمر الاستحبابي. فهذا النحو من التفرّع لم يقم عليه دليل من خارج أخبار (من بلغ). إذن، فلا دليل على وجود مصداق آخر للعنوان غير المصداق الأوّل. وعليه فلا يتم الاستدلال. إذن، فهذا الوجه الثالث لمناقشة القرينية غير تام أيضاً.

هذا كلّه بالنسبة إلى القرينية الأولى.

مناقشة قرينية قوله (فعمله التماساً لقول النبي) 

وأمّا بالنسبة إلى القرينية الثانية، وهي التفريع الموجود في بعض الروايات. حيث صرّح بها فقيل: فعمله التماساً لذلك الثواب. فهذا تصريح بالقيد. وأمّا الروايات التي ليس فيها تصريح بالقيد، فيحمل المطلق على المقيّد. ففرضوا أنّ عندنا طائفتين من الروايات: طائفة تدلّ على ترتّب الثواب على طبيعي العمل، وطائفة تدلّ على ترتّبه على العمل التماساً للثواب، وحينئذ، نحمل المطلق على المقيّد، فينتج انعدام الإطلاق(1).

ــــــــــ[207]ــــــــــ

() وهنا قلت: أنه لا بّد أن يكون المقيّد معتبراً من حيث السند، وإلاّ لا يكون مقيّداً له.

 فقال: بلي. فهذه هي القرينية الثانية. (االمقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

حمل المطلق على المقيد له أحد ملاكات ثلاثة:

إمّا أنّ يكون باعتبار العلم بوحدة المطلب التي تعرّض لها المطلق وتعرض لها المقيّد. وحيث إنّهما لا يمكن أن يصدقا معاً، فلابدَّ أن نرفع اليد عن المطلق، أو عن المقيّد. فهنا تعمل قواعد باب التعارض المنتجة لقرينية المقيّد على المطلق، لا العكس.

الملاك الثاني لحمل المطلق على المقيّد، هو المفهوم، أن يكون للمقيّد مفهوم كما إذا كان بنحو القضيّة الشرطية، قال: أكرم العالم، وقال: أكرم العالم إذا كان عادلاً، فالمقيّد بمفهومه يدلّ على عدم وجوب إكرام العالم غير العادل.

الملاك الثالث، هو استحالة تعلّق أمرين مولويين نفسيين -مثلاً- الزاميين واستحبابيين، على خلاف في حدود هذا الملاك سعة وضيقاً، أحدهما بالمطلق والآخر بالمقيّد. كاستحالة تعلّق أمرين مولويين بشيء وحده. أمّا لماذا يستحيل، فهذا يُبيّن في محلّه، وسوف يأتي بأنّ هذا الملاك غير صحيح.

فالملاكات المذكورة عندهم، هذه الثلاثة: 

أمّا الملاك الأوّل، وهو وحدة المطلب. ففي أخبار (من بلغ) يقول الشيخ الاصفهاني: بأنّ الفقيه يجزم بأنّ هذه الأخبار مسوقة لبيان مطلب واحد لا لبيان مطلبين، وهذا جزم، وإن لم يقم عليه برهان، إلّا أنّه لا بأس بتكّونه على أساس القرينة، وإجراء بعض حسابات الاحتمالات. وحينئذ، يتعيّن عنده حمل المطلق على المقيّد.

أمّا الملاك الثاني، وهو أن يكون للمقيّد مفهوم الشرط، فهذا يمكن أن 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

يُدّعى في المقام لو قلنا بأنّ (مَنْ) من أدوات الشرط التي لها مفهوم. حيث أخذ في المقيّد أخذ (مَن)(1).

إذا كانت من هنا بمعنى الشرطية لا أنّها متمحّضة في الموصول، فحينئذ، يكون لها مفهوم، ويكون مقتضى المفهوم: إن لم يبلغه ثواب على عمل فعمله التماساً لذلك الثواب ليس له ذلك الثواب. وهذا له مصاديق، فإنّه تارةً باعتبار أنّه لم يبلغه شيء أصلاً، وأخرى بلغه، ولم يعمل، وثالثة عمل، ولكن لم يعمل التماساً لذلك الثواب.

إلّا أنّ هذا مبني على أن يكون لأمثال (مَن) ونحوها من أدوات الشرط مفهوم. ونحن في بحث المفاهيم فصّلنا في أدوات الشرط، بين الأدوات التي تربط بالهيئة يعني بالحكم، وبين أدوات الشرط التي تحقّق الموضوع. فالأولى من قبيل إذا جاءك زيد فاكرمه يكون لها مفهوم، ولكن الثانية من قبيل من جاء أكرمه لا يكون لها مفهوم. فمن هذه الناحية أيضاً لا يتمّ هذا الكلام.

ــــــــــ[209]ــــــــــ

() نحو ما رواه في الوسائل ج1 ص13 باب18 “عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عِمْرَانَ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ يَقُولُ‏: مَنْ‏ بَلَغَهُ‏ ثَوَابٌ‏ مِنَ‏ اللَّـهِ‏ عَلَى عَمَلٍ فَعَمِلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ الْتِمَاسَ ذَلِكَ الثَّوَابِ أُوتِيَهُ وإِنْ لَمْ يَكُنِ الحَدِيثُ كَمَا بَلَغَهُ” ومثله “أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ‏ بَلَغَهُ‏ عَنِ‏ النَّبِيِ‏ شَيْ‏ءٌ فِيهِ الثَّوَابُ فَفَعَلَ ذَلِكَ طَلَبَ قَوْلِ النَّبِيِّ كَانَ لَهُ ذَلِكَ الثَّوَابُ وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ لَمْ يَقُلْه“. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وأمّا الملاك الثالث، وهو: استحالة تعلّق أمرين مولويين: أحدهما بالمطلق والآخر بالمقيد، ولو لنكتة مؤجّلة الآن إلى بحث آخر. هذا الملاك غير موجود في المقام؛ لأنّه فرع أن يكون كلّ من المقيّد والمطلق بصدد الأمر المولوي، مع أن المقيّد هنا ليس بصدد الأمر المولوي؛ لأنّه بناءً على أن نفكر بعقلية هذا التقريب، يعني: نفكر في أنّ استفادة الاستحباب يتوقّف على مسألة الإطلاق في الموضوع.

 إذن، فالمقيّد لا يحتمل(1) فيه استفادة الاستحباب، وإنّما يتمحّض في الإرشاد بخلاف المطلق، فإنّه يكون دليلاً على الأمر المولوي. إذن، فظهور المطلق لا موجب لرفع اليد عنه؛ لأنّ ظهوره ثابت، والموجب رفع اليد عنه إنّما هو استحالة الجمع ما بينه وبين ظهور المقيّد، فيما لو فُرِض كون ظهور المقيّد في المولويّة، وهو غير موجود هنا؛ لأنّ المقيّد أُخذ في موضوعه الحصّة الإنقيادية، ومعه لا يحتمل استفادة الأمر. إذن، فلا يأتي الملاك الثالث.

إذن، فملاكات حمل المطلق على المقيّد كلّها لا تأتي. إلّا مَن تمّت له قريحة، أوجبت الاطمئنان بأنّ أخبار (من بلغ) كلّها، ولو باعتبار تقارب اللفظ فيها، واشتراك بعض قَسَمات لفظية ومعنوية معيّنة في تمام هذه الأخبار، قد يؤدي ذلك بحساب الاحتمالات إلى الاطمئنان بأنّها مسوقة مساق معنى واحد. وحينئذ، يحمل المطلق فيها على المقيّد(2).

ــــــــــ[210]ــــــــــ

() يعني لم يثبت. وهو كافٍ في التحفّظ على ظهور المطلق (جواب على سؤال). (المقرّر). 

(2) وهنا سُئِل: هل أن هذا الاطمئنان في محلّه، فلم يجب. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

هذا كلّه، مع أنّه لو غضضنا عن كلّ هذه الإشكالات في المقام، وفرضنا أنّ هذا التقريب في الاستدلال تامّاً، وقطعنا النظر عن الإشكالات حول النقطتين المتّفق عليها، والمختلف فيها. مع هذا لا يتعيّن هذا الوجه، ولا يكون المصير إليه حتميّاً باعتبار ابداء احتمال الأمر الطريقي.

لأنّ هؤلاء هكذا يقولون: إنّنا نستكشف من ترتّب الثواب على طبيعي العمل، حتّى على الحصّة غير الانقيادية، وجود الأمر؛ لأنّ هذا الثواب إمّا استحقاقي، وإمّا جزافي، وكونه جزافياً خلاف الظاهر، وكونه استحقاقياً فرع الأمر، فنستكشف الأمر. 

نحن نقول: لعلّ هذا الثواب لاهو جزافي ولاهو استحقاقي(1)، بل هو ثواب ترغيبي بداعي التحّفظ على الملاكات الواقعية. فالإطلاق لوتمّ، وتمّت جميع الجهات المدّعاة في المقام، بالنتيجة أيضاً يبقى الإجمال والتردّد بين الاستحباب النفسي، وبين الأمر الطريقي، إذ كما يُحتمل أن يكون الملاك في الثواب هو الأمر المولوي، كذلك يُحتمل أن يكون الملاك فيه هو الترغيب للتوصّل إلى الواقع.

إلّا أنّ الصحيح، أنّ هذه الكلمات كلّها تبعيد للمسافة. والذي ينبغي أن يقال في المقام مقتنصاً من مجموع ماسبق هو:

 إنّ هذه الأخبار، لاينبغي لأهل العرف حينما ينظرون إليها لا ينبغي أن يشكّوا في أنّها في مقام الترغيب في العمل والحثّ عليه، لا أنّها مجرّد أخبار عن 

ــــــــــ[211]ــــــــــ

() من باب الإطاعة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

قضيّة ثابتة في نفس الأمر والواقع، ولو لنكتة نفسية. فظهورها في هذا الحث غير قابل للإنكار. وبذلك يسقط الاحتمال الرابع من الاحتمالات الأربعة التي ذكرناها في ماسبق، وهو كونه مجرّد وعد؛ لأجل احترام شخص النبي حتّى تُنقذ حتى عداته المشكوكة. وهذا ينافي ظهور الرواية على الحث.

فاذا اثبت أصل الحثّ يبقى أنّه حثّ مولوي أو حثّ عقلي. هل هو حث صادر من المولى بما هو عاقل فيكون إرشاداً إلى حسن الاحتياط. أو حثّ صادر منه بما هو مشرّع، فهنا نتمسّك بالظهور المولوية، الذي نتمسّك به في سائر الأوامر. فإنّه إذا صدر أمر بصيغة أمر ودار أمر المدلول التصديقي له هو الإرشاد أي مطلب عقلي، أو هو أمر ومطلوب مولوي. نتحّفظ على الظهور في المولوية، ونقول بأنّ ظاهر ذلك هو أن تكون مبادئ هذا الأمر مبادئ مناسبة مع مولوية المتكلّم لا مع عقلانيته. كذلك في المقام. إذا لا يفرق في هذه النكتة بين أن يكون الحثّ، والترغيب مكتشفاً بصيغة افعل، أو بهذا اللسان.

يبقى بعد هذا دوران الأمر بين مولويتين: مولوية طريقية، بالمعنى الذي ذكرناه لا بمعنى الحجّية، بل بمعنى جعل الربح قطعيّاً في مقام الحفظ على المطلوبات الواقعية، أو مولوية نفسية بمعنى الاستحباب المولوي النفسي. ثُّمّ إذا عيّنا الثاني في قبال الأوّل وهو الاستحباب المولوي النفسي يبقى الكلام في أنّ هذا الحب والمطلوبية النفسية ما هو متعلّقها، هل متعلّقها طبيعي العمل أو خصوص العمل الإنقيادي. فهنا عندنا نقطتان في الكلام.

ــــــــــ[212]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

استدراك لمناقشة قرينية الفاء 

بنحو الاستدراك عمّا سبق:

ذكرنا أنّ قرينة (الفاء) على اختصاص موضوع الثواب بخصوص العمل الإنقيادي، ذكرنا لها عدة مناقشات مع الجواب فاتنا مناقشة رابعة:

وحاصلها: أنّ التفريع في أخبار (من بلغ) لو كان تفريعاً على داعي احتمال الأمر. كما لو جاء هكذا: بلغه ثواب فاحتمل أمراً ففعله. حينئذٍ، تكون (الفاء) قرينة على اختصاص موضوع الثواب بخصوص العمل الإنقيادي، ومعه لا يبقى له إطلاق بحيث يشمل الحصّة غير الانقياديّة. لكن الواقع في الأخبار ليس هو هذا، بل هو تفريع العمل على داعي الثواب لا على داعي احتمال الأمر؛ لأنّ الصيغة جاءت هكذا “من بلغه ثواب على عمل فعملهّ) فالعمل متفرّع على بلوغ الثواب ومحرّكيّة رجائه.

وإذا فُرِض ذلك، فغاية ما تقتضي(الفاء) في المقام هو تقييد العمل وتحصيص موضوع الثواب، بخصوص الفعل المأتي به بداعي محرّكيّة الثواب. ومن المعلوم أنّ هذه المحرّكيّة كما تناسب مع العمل الانقيادي تناسب مع العمل الإطاعتي أيضاً. فإنّ داعي الثواب إنّما يحرّك -في الحقيقة- إلى الإتيان بما يوّلد الثواب. وموّلد الثواب ليس هو ذات الفعل، بل الفعل المتحرّك فيه عن محرّك مولوي، فكأن داعي الثواب يدعو المكلّف إلى أنّ يتحرّك عن محرّك مولوي يترتّب عليه المثوبة. ومن المعلوم أنّ الحصّة الإنقيادية هي تحرّك عن محرّك مولوي؛ لأنّ المحرّك المولوي للمنقاد هو احتمال الأمر. وكذلك الكلام في الحصّة الإطاعتية فإنّه لو فرضنا أنّ البلوغ يحقّق أمراً استحبابياً جزماً 

ــــــــــ[213]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بالعنوان الثانوي. فهذا المؤمن كما يمكنه أن يحصل الثواب بالتحرّك عن داعي احتمال الأمر؛ لأنّه محرّك مولوي، كذلك يمكنه أن يستطرق إلى هذا الثواب عن طريق التحرّك عن هذا الأمر الاستحبابي الجزمي المتولّد من ناحية البلوغ.

إذن، فمحركيّة دخول الجنة التي أُخذت قيداً في موضوع الثواب المجعول، تناسب مع الحصّة الانقياديّة المأتي بها بداعي احتمال الأمر الاستحبابي المخبر عنه في كلام أبي هريرة. وتناسب أيضاً مع الحصّة الإطاعتية التي يؤتى بها بداعي الأمر الاستحبابي الجزمي، الذي يتوّلد من ناحية نفس البلوغ؛ لأنّ كلا التحركين هو بداعي الاستطراق إلى الثواب في النهاية. فليس أخذ محركيّة الثواب قيداً في موضوع العمل، قرينة على اختصاص الموضوع بخصوص الحصّة الانقياديّة، بل العمل المقيّد بمحرّكيّة الثواب المحتمل، كما يمكن أن يكون بداعي احتمال الأمر الثابت بالعنوان الأولي، كذلك يمكن أن يكون بعنوان الإطاعة للأمر الجزمي الاستحبابي الثانوي.

وتلخيصه: أنّ (الفاء) التفريعية هنا، لا تفرّع العمل على داعي احتمال الأمر، الذي ينقله أبو هريرة، حتّى يقال: بأنّ الموضوع أصبح خاصّاً، بل تفرّع العمل على داعي الثواب المحتمل. ومن المعلوم أنّ محرّكيّة الثواب المحتمل تناسب الحصّة الإنقيادية، والحصّة الإطاعتية معاً؛ لأنّ الثواب المحتمل يُحرّك العبد للتحرّك عن المحرّك المولوي في مقام العمل. وهنا يوجد محرّكان مولويان: أحدهما: احتمال الأمر، والآخر الأمر الثابت بالعنوان الثانوي. إذن، فالتحصيص الناشئ من التفريع لا يوجب قصر الموضوع على خصوص الحصّة الإنقيادية.

هذه هي المناقشة الرابعة في قرينة (الفاء).

ــــــــــ[214]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وهي أيضاً غير تامّة، ويأتي عليها سنخ إشكالنا على المناقشة الثالثة:

وذلك؛ لأنّه صحيح كما يقولون: أنّ التفريع، تفريع على محرّكيّة الثواب المحتمل، وهذا الثواب يحرّك -في الحقيقة- نحو ما يوّلده، وما يوّلد الثواب المحتمل هو المشي بعد الطعام، المتحرّك فيه عن محرّك مولوي، فيرجع بالنتيجة، روح هذا التقيد التفريعي، إلى أنّ موضوع الثواب هو المشي بعد الطعام، المُتحّرَك فيه عن محرّك مولوي. وحيث إنّ هذه القضيّة لا تتصدّى لإحراز موضوعها، ولبيان أنّه ماهو المحرّك المولوي، فمن نفس هذه القضيّة، يستحيل أن نحرز أفراد لمحرّك المولويّة. فلابدَّ من إحراز أفراد ذلك من الخارج.

ومن الخارج لم نحرز إلا شيئاً واحداً يكون محرّكاً مولويّاً، وهو احتمال 

 الأمر، الأمر الذي يحدّث به أبوهريرة ويدّعى ثبوته للعنوان الأولي. أمّا الأمر الثابت للعنوان الثانوي، فهو لم يثبت من غير ناحية أخبار (من بلغ)؛ ليتحقّق لك مصداق لعنوان المحرّك المولوي، حتّى تشمله القضيّة.

إذن، فهذه القضيّة: قضيّة أنّ من عمل بمحرّك مولوي كان له كذا. لا يمكن التمسُّك بها لإثبات الإطلاق للحصّة غير الانقيادية؛ لأنّ إطلاقه لها فرع أن يكون هناك محرّك مولوي آخر غير احتمال الأمر، وهو الأمر بالعنوان الثانوي، وأنتم تريدون أن تثبتوا هذا الأمر بالإطلاق، مع أنّ الإطلاق فرع وجود مثل هذا الأمر. فيكون مثل هذا الإثبات دورياً.

هذا استدراك لما سبق.

ــــــــــ[215]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

ثُّم قلنا: إنّنا لا نحتاج في اثبات الطلب المولوي إلى هذا اللف والدوران، إلى التمسُّك بإطلاق الموضوع للحصّة غير الانقيادية، بل نقول، بأنّ ظهور الكلام من أول الأمر هو: أنّ المولى في مقام الترغيب في العمل والحثّ عليه، لا في مقام التحدّث عن قضيّة واقعية نفس الأمريه، إنّ كذا شرط يستدعي كذا إجراء، ولا في مقام بيان عظمة النبي؛ لأنّ كلّ هذا من لا يناسق إلى الفهم العرفي حتّى مثل هذا البيان.

وإنّما الذي ينساق إلى الفهم العرفي منه هو أنّ الإمام في مقام الحث على العمل والترغيب فيه. وبهذا ينتفي الاحتمال الرابع.

يبقى أنّ هذا الحث هل هو حث إرشادي صادر منه بما هو عاقل، أو حثّ مولوي صادر منه بما هو مولى؟ 

دائماً نتمسّك بظهور المقام في المولوية، هنا كذلك، فنعيّن أنّ هذا الحثّ حث مولوي لا حث إرشادي.

في تعيين الأمر الطريقي لا الاستحباب النفسي 

بعد هذا تبقى عندنا نقطتان: 

النقطة الأولى: أن ّهذا الحثّ المولوي هل مرجعه إلى أمر طريقي، على النحو الذي بيّناه في الوجه الثاني، أو مرجعه إلى استحباب نفسي، على النحو الذي تكلّمنا فيه في الوجه الثالث. 

والنقطة الثانية: بعد فرض أنّ هذا الحثّ مرجعه إلى الاستحباب النفسي، 

ــــــــــ[216]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

نرى أنّ متعلّقه ما هو؟ أهو طبيعي العمل، أو خصوص العمل المأتي به بعنوان الإنقياد.

أمّا النقطة الأولى: فبحسب الحقيقة هذا الحثّ أمره متردّد بين الاحتمال الثاني، بمعنى: الأمر الطريقي الذي نحن بيّناه، لا بمعنى الحجّيّة، وبين الاحتمال الثالث(1).

ويمكن أن يقال بتعيين الاحتمال الثالث في المقام، ونفي الاحتمال الثاني؛ وذلك بنكتة أنّ هذه الأخبار ظاهرها -على ما أشرنا إليه مثلاً- أنّ موضوع الثواب، هو خصوص العمل المتفرّع على البلوغ، أي العمل المأتي به بداعٍ قربي. فقد أُخذ في موضوع الثواب مؤونة زائدة على ذات العمل. ولنفرض أنّها عبارة عن داعي احتمال الأمر. وهذا لا يناسب مع كون الأمر طريقيّاً صرفاً؛ لأنّه لو كان جعل الثواب هنا، بداعي الأمر الطريقي الصرف وبداعي التحفّظ على المستحبّات الواقعية، لما ناسب أخذ هذه المؤونة الزائدة؛ لأنّ المستحبّات الواقعية يحصل الغرض منها بمجرّد الإتيان بذات العمل، بلا حاجة إلى مؤونة داعي احتمال الأمر، إلّا فيما كان منها تعبّدياً، فإنّه يحتاج فيه إلى مؤونة قصد القربة بوجه من الوجوه. وإلّا ما أكثر المستحبّات الواقعية مستحبّات توصلية، لا يحتاج فيها إلى قصد قربي أصلاً، فضلاً عن قصد احتمال الأمر.

فلو كان المولى في مقام التحفّظ على المستحبّات الواقعية، بهذا الجعل، لما كان يناسب أن يأخذ مؤونة زائدة قيداً في موضوع الثواب المجعول، بل أنّ 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

() يعني الاستحباب النفسي (توضيح). (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

التحفّظ يكون أكمل وأتمّ، لو أناط الثواب بذات العمل سواءٌ أتى به بداعي احتمال الأمر، أو لا. فإناطة الثواب بمؤونة زائدة(1) غير دخيلة في ملاكات المستحبّات الواقعية على فرض ثبوتها.

 هذا قرينة على أن نجعل هذا الثواب لم يكن متمحّضاً في داعي التحفّظ على تلك الملاكات الواقعية، وإلا لماذا أخذ هذه المؤونة الزائدة؛ لأنّ هذه المؤونة الذي أخذها قيداً في موضوع الثواب لا تضرّ به نحو ملاكاته الواقعية، بل لعلّ عدم أخذها يوجب أقربيّته نحو تحصيل تلك الملاكات الواقعية.

إلّا أن هذا غير تام؛ وذلك أنّ المولى بناءً على حمل هذه الأخبار على الأمر الطريقي، وعلى أن جعل الثواب هو بداعي التحفّظ على الملاكات الواقعية وتقوية محرّكيّتها في مورد الشكّ. لا نريد في هذا الإحتمال أنّ نفترض أنّ المولى يريد أن يجعل للمستحبّات الواقعية المشكوكة محركّيّة أقوى من محرّكيّة المستحبّات المتيقّنة، الواصلة بالوصول الصحيح إلى المكلّف.

وإنّما معنى الأمر الطريقي في المقام: أن يتدارك جهة النقص الوارد في محرّكيّتها الناشئة من ناحية الشكّ، فيها وعدم العلم بها، بحيث يجعل محرّكيّة المستحب المشكوك، على حدّ محرّكيّة المستحب المعلوم، لا أنّه يجعلها أكثر. فلو لاحظنا المستحب المعلوم، لرأينا محرّكيّة ليست بنحو بحيث يترتّب الثواب على ذات المستحب، لو أتى به ولو لا بقصد القربة، حتّى في باب المستحبّات التوصليّة. وإنّما المحرّكات هناك مقصورة على خصوص الحصّة القربية، غاية 

ــــــــــ[218]ــــــــــ

() وهي مؤونة داعي القربة أو محركية احتمال الأمر، (المحاضرة). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الأمر هناك يعلم العبد بترتّب الثواب، للعلم بأنّ هذا المستحب مقرّرمن قبل الشارع.

فالمولى يريد أن يجعل المستحب المشكوك كالمستحب المعلوم، بداعي التحفّظ على المطلب بهذا المقدار. وحينئذٍ، أخذ مؤونة قصد القربة في موضوع الثواب يكون على القاعدة(1).

إذن، فلم يتّضح لنا حتّى الآن، أنّ الحثّ والطلب المولوي، الموجود في أخبار (من بلغ)، هل هي مولوية طريقية، بالمعنى الذي بيّناه، أو بمعنى الاستحباب النفسي، وهذا الإجمال هو الذي يجعلنا لا نقول بدلالة أخبار (من بلغ) على الاستحباب النفسي. فيصبح مجملاً من هذه الناحية.

هذا من ناحية النقطة الأولى.

ــــــــــ[219]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: هذا الكلام الأخير الذي بينتموه يأتي في أصل المستحب أيضاً، حينما يقول المولى ابتداء: من فعل كذا فله كذا. 

فاجاب (سلمه الله): هذا فرغنا عنه في بحث فقهي، أنّه حينما يقول الشارع هذا المطلب يختص الثواب بخصوص ما إذا اتى بالعمل بقصد القربة. 

وهنا أجاب الأخ: في خصوص أخبار (من بلغ) ألم يكن مفروغ عنه فقهياً. 

قال: نعم، يعني هذا التقريب ناشئ من الغفلة عن هذه المفروغية الفقهية في الأصل؛ ولهذا نبهنا إلى هذه المفروغية في الأصل، وقلنا: إنّ الفرع لا يزيد على الأصل. فإنّ المقصود إلحاق المستحب المشكوك بالمستحب المعلوم في مقام المحرّكيّة لا جعله أزيد منه. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

في متعلّق الاستحباب على تقدير تسليمه 

ثُّمّ لو غمضنا النظر عن هذه الناحية، وفرضنا أنّنا بوجه عيّنا الاستحباب النفسي، فحينئذٍ نتكلّم في أنّ هذا الاستحباب ما هو موضوعه، هل هو العمل المأتي به بداعي احتمال الأمر، أو أعمّ منه.

هنا نقول: إنّ العمل لو كان مفرّعاً في لسان أخبار (من بلغ) على داعي احتمال الأمر، كما لو قال: من بلغه ثواب فاحتمل فعمل. لكان ظاهره أنّ موضوع الحثّ المولوي، ومصبّه هو العمل المأتي به بداعي احتمال الأمر. فنلتزم حينئذٍ بجعل استحباب على الحصّة الإنقيادية، ولا بأس بذلك. وكون الإنقياد هنا بحكم العقل لا يأتي عن جعل حكم مولوي في المقام، كما بيّنا ذلك في مناسبات عديدة، لعلّ منها بحث التجرّي.

لكن التفريع لم يكن على داعي احتمال الأمر، بل -كما أشرنا إليه في المناقشة الرابعة- كان على داعي الثواب ومحرّكيّته، (من بلغه ثواب على عمل فعمله). فمحطّ الحثّ والترغيب النفسي هو العمل المأتي به بمحرّكيّة الثواب، وقد قلنا فيما سبق. أنّ محرّكيّة الثواب تكون داعية إلى التحرّك عن محرّك مولوي على الإجمال، أيّ محرّك كان. إذن، فمصب الحثّ النفسي هو العمل المأتي به بمحرّك مولوي، وأحد مصاديق المحرّك المولوي هو داعي احتمال الأمر. والمصداق الآخر، هو نفس هذا الحثّ النفسي الذي استفدناه من أخبار (من بلغ).

ولا يأتي هنا، الإشكال الذي أشكلناه هناك؛ لأنّه هناك كنّا نريد أن نستفيد الاستحباب من إطلاق الموضوع، مكان إطلاقه فرع أن نحرز وجود أمر، 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فكيف نحرز الأمر من ناحية الإطلاق. أمّا هنا على مبنانا، فلم نستفد الاستحباب من ناحية إطلاق الموضوع بالدلالة الالتزامية، بل استفدناه باعتبار ظهور نفس اللسان ابتداءً في أنّ المولى في مقام الحثّ والترغيب، فالاستحباب مستفاد في نفسه، سواءٌ كان الموضوع ضيّقاً أو وسيعاً.

وهذا الاستحباب المستفاد في نفسه، الذي سميّناه بالحثّ والترغيب، موضوعه ومتعلّقه هو عبارة عن العمل المأتي به بمحرّك مولوي، فيكون نفس هذا الحث والترغيب الذي هو الاستحباب النفسي مصداقاً للمحرّك المولوي، فكما يمكن أن يؤتي بهذا المستحب، بداعي احتمال الأمر، فيكون مصداقاً للمستحب الثابت بأخبار (من بلغ). كذلك يمكن يؤتى به بداعي نفس هذا الاستحباب النفسي، الذي جعل في أخبار (من بلغ).

وعليه فبناءً على استفادة الاستحباب النفسي، بالبيان الذي بيّناه، لا يختص متعلّق الاستحباب بخصوص الحصّة الإنقيادية. لكن الشأن باستفادته، فإنّ الصحيح هو الإجمال في المقام، والتردّد بين الاستحباب النفسي، والأمر الطريقي. 

وعليه فغاية مايحصل لنا الجزم به من ناحية أخبار (من بلغ) بعد هذا الإجمال، هو: أنّنا لوعملنا هذا العمل بقصد قربي، يحصل لنا الثواب الموعود المنقول في خبر أبي هريرة، وأنّ المولى يهتم بأنّ نعمل هذا العمل، أمّا أنّ هذا الاهتمام ماهو؟ هل هو اهتمام طريقي، أو حقيقي نفسي بالعنوان الثانوي. كلّ هذا، ممّا لا سبيل لنا إلى تعيّنه. هذا تمام الكلام في أصل دلالة أخبار (من بلغ).

ــــــــــ[221]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 [إبداء احتمال آخر جديد]

وقد(1) يمكن إبداء احتمال آخر جديد غير الاحتمالات الأربعة السابقة: على ضوء بعض ألسِنة روايات الباب. ويتلّخص في أن يقال أنّ أخبار (من بلغ) ليست في مقام جعل استحباب مولوي نفسي على العنوان الثانوي، ولا في مقام جعل حكم ظاهري بداعي التحفّظ في موارد الشكّ على المستحبّات الواقعية. أنّما أخبار (من بلغ) فُرِض في موضوعها في المرتبة السابقة فرض ثبوت الاستحباب والرجحان، وثبوت الأمر الشرعي. هذا في المرتبة السابقة مفروض التحقّق، ومفروض الوصول إلى المكلّف، بنحو من أنحاء الوصول، وأخبار (من بلغ) ناظر إلى مرتبة متأخّرة عن الأمر الشرعي، وهي مرتبة الترغيب في إطاعة الأمر الشرعي، بعد فرض ثبوته وتحقّقه ووصوله إلى المكلّف. لا في مقام تأسيس أمر جديد، لا واقعي ولا ظاهري.

هذا هو عنوان المدّعى، وهو ينطبق على ثلاثة أو أربع روايات في المقام، التي وردت بهذا اللسان: (من بلغه ثواب على شيء من الخير فعمله) حيث أخذ في موضوع اللسان، أن يكون البلوغ بلوغ ثواب على شيء من الخير. وظاهر هذا التركيب إنّما هو بالغ في الخبر الضعيف هو الثواب، وأمّا كون هذا خير في نفسه فهذا مفروض في المرتبة السابقة. حيث فُرِض كونه خيراً وطاعة ومأموراً 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

()  ذكر أولاً الوجهين الذين كان المختار هو التردّد بينهما، وهو الحكم النفسي على العنوان الثانوي، والحكم الطريقي بداعي التحفّظ على المستحبّات الواقعية، وقلنا: أنّ الأخبار مجملة من حيث التردّد بين هذين الاحتمالين. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

به شرعاً، وراجحاً شرعاً. وجاءت رواية في ثواب الأعمال في مقام بيان مقدار ما يعطي الله على أداء هذا المستحب الراجح شرعاً. -مثلاً- من المفروغ عنه أنّ قراءة القران أمر راجح شرعاً فجاءت رواية ضعيفة تقول: من قرأ سورة الواقعة كان له كذا. فهنا ينطبق هذا العنوان: من بلغه ثواب على شيء من الخير. وكونه (خير) مفروع عنه؛ باعتبار دليل قطعي سابق. والشيء الذي ثبت بالخبر الضعيف هو الثواب على هذا العمل.

والرواية الضعيفة بما أنّها غير مقطوعة الصدور عن النبي. تكون دافعة للإنسان إلى التحفّظ على ذلك المستحب المفروغ عن استحبابه، دفعاً ناقصاً. وأخبار (من بلغ) تريد أن تجعل الاحتمال يقيناً، وتجعله يقطع بتلك الكمية الكبيرة من الثواب على قراءة سورة الواقعة؛ لأجل أن يقرأها. فهذا جعل لتلك المرتبة من الثواب لا بروح الأمر الطريقي في مقام الشكّ؛ إذ لم يُفرَض شكّ في المرتبة السابقة بناءً على هذا التفسير؛ فإنّ الشكّ المفروض هنا هو الشكّ في الثواب البالغ، لا الشكّ في خيرية الخير ورجحانه شرعاً. وليس هذا أيضاً استحباباً نفسياً، مجعولاً بشكل زائد من قبل أخبار (من بلغ)، بل هذا وعد باعطاء نفس ذلك الثواب البالغ، بداعي تقويّة الداعي والدافع عند المكلّف على امتثال المستحبّات المفروغ عن خيريّتها واستحبابها.

هذا احتمال يبدو قريباً جدّاً من جملة من هذه الروايات، وتتميم هذا الاحتمال، يتوقّف على الدعوى التي أشرنا إليها فيما سبق، وهو دعوى الاطمئنان بوحدة لسان أخبار (من بلغ)، لو فُرِض وجوده، وحينئذٍ، بعد حمل 

ــــــــــ[223]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بعضها على بعض تكون مجموع الأخبار، ليس ناظرة أصلاً إلى بيان حكم العمل لا الواقعي ولا الظاهري، بل أُخذ في موضوعها الفراغ عن أن يكون العمل راجحاً شرعاً، بقرينة ورود كلمة الخير.

إذن، من ناحية نفس أخبار (من بلغ)، لا يمكن أن نثبت أصل الخيرية والأمر الشرعي. فلو وردت رواية ضعيفة لا في ثواب سورة الواقعة، بل في ثواب المشي بعد الطعام، فهنا لم نحرز أنّه ينطبق عليه العنوان؛ لأنّا لا نعلم أنّ هذا عمل الخير، لعلّه ليس عملاً خيراً.

إذن، بناءً على هذا الاحتمال، الإنصاف أنّ هذه الروايات يكون بابها باب روايات الترغيب في الطاعة، وتقريب الإنسان نحو الإتيان بما يأمر به الشارع، وتكون أجنبيّة عن باب جعل الأمر الطريقي، أو الواقعي بوجه من الوجوه. هذا تمام الكلام في مفاد أخبار (من بلغ).

تنبيهات أخبار من بلغ 

بقي بعد ذلك: التنبيهات:

الأول: في شمولها للأخبار الضعيفة الدالة على الكراهة 

التنبيه الأوّل: من تنبيهات أخبار (من بلغ):

وقع الكلام بينهم، بعد فرض تمامية دلالة أخبار (من بلغ) -مثلاً- في أنّها هل تشمل الأخبار الضعيفة الدالة على الكراهة، أو تختص بخصوص الأخبار الدالة على الاستحباب.

والبحث في شمولها للأخبار الدالة على الكراهة، يكون من ناحيتين: الناحية ــــــــــ[224]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الأولى: في تحقيق أصل شمول أخبار (من بلغ) للروايات الدالة على الكراهة. في قبال أن لا يكون للقاعدة إطلاق لموارد الأخبار المكروهة. الناحية الثانية: بعد فرض إثبات أصل شمول القاعدة، لموارد الأخبار المكروهة، يُتكلّم في أنّ مفاد القاعدة في هذه الموارد هل هو جعل الكراهة أيضاً أو هو استحباب العمل على طبق الخبر الضعيف، يعني استحباب الترك؛ بأعتبار أنّه هو مورد الثواب.

أمّا الناحية الأولى: وهي في تحقيق أصل شمول (من بلغ) لموارد الروايات الدالة على الكراهة:

فالإشكال في الشمول ليس من ناحية دعوى انصراف الحكم البالغ في الروايات إلى الحكم الطلبي، دون الحكم الزجري. حتّى يقال: إنّ هذا الإشكال يختصّ بخصوص الأخبار الدالة على كراهة الفعل، ولا يشمل الأخبار الدالة على استحباب الترك وطلبه. أو حتّى يقال: إنّ الإشكال مبني على النزاع المعروف في حقيقة النهي، فإن قلنا في باب النواهي: إنّ النهي مرجعه إلى الزجر عن الفعل، فلا تشمله أخبار (من بلغ)؛ لانصرافها إلى الأحكام الطلبية الأمرية. وإذا قلنا: بأنّ مرجع النهي إلى الطلب الترك، إذن، فهو أيضاً استحباب لكن في ثواب آخر، ولا يكون هناك فرق بين أن يكون الاستحباب بصيغة الأمر أو النهي.

ليس منشأ الاشكال هو دعوى انصراف الحكم البالغ في أخبار من بلغ إلى الحكم الطلبي؛ لأجل أن تُفرّع عليه هذه التفريعات،

بل منشأ الإشكال هو لانصراف مورد البلوغ إلى الأمر الثبوتي لا الأمر 

ــــــــــ[225]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

السلبي، بقرينة التعبير بالفعل والعمل، (ففعله او عمله) حيث يُدّعى انصراف الفعل والعمل إلى الأمر الإيجابي، لا السلبي. وهذا الانصراف هو الذي يصير منشئاً لدعوى عدم شمول أخبار (من بلغ) لموارد الأخبار المكروهة، إذ أنّها لا تدلّ على الثواب على العمل، وإنّما تدلّ على الثواب على الترك: ترك المكروه. إذن، فلا يصدق أنّه بلغنا ثواب على عمل، بل بلغنا ثواب على ترك، والعمل لا ينطبق على ترك. هذا هو منشأ الإشكال.

ومن هنا نعرف الإشكال يسري أيضاً إلى الأخبار الضعيفة الدالة على استحباب الترك، حيث لا تشملها أخبار (من بلغ)؛ لأنّ البلوغ هناك بلوغ ثواب على ترك، لا على العمل.

وهذا الإشكال حينما يجمد على حاق اللفظ من الناحية اللغوية، لا مناصّ عنه؛ لأنّ دعوى اختصاص مفهوم العمل بنحو لا ينطبق على الترك، أمر صحيح. 

إلّا أنّ هذا الإشكال يندفع، بأنّ خصوصية كون مورد البلوغ عملاً وفعلاً، من الخصوصيات التي تُلقى في الفهم والارتكاز العرفي.

 فإنّ مقتضى مناسبات الحكم والموضوع، بحسب الفهم العرفي أنّ مناط الحكم، هو هذا العنوان الثانوي الذي تعلّق به الفعل، وهو عنوان أنّه: (ممّا بلغ عليه الثواب)، وخصوصية كون (مابلغ عليه الثواب) عملاً أو فعلا أو صنعاً
-وإن أُخذت في لسان الدليل- إلّا أنّ العرف يفهم من ذلك كونها مصداقاً من المصاديق، لا لنكتة دخولها في موضوع الحكم.

فبقرينة مناسبات الحكم والموضوع، ينعقد للروايات ظهور ثانوي بالإطلاق. فلا يتوقّف عرفي عند سماع مثل هذه الأخبار من الإمام، في مقام 

ــــــــــ[226]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

إسراء الحكم إلى الرواية الدالّة على أنّ من ترك كذا كان له كذا من الثواب. أيضاً يقول بأنّ مثل هذا الثواب محقّق ببركة أخبار (من بلغ).

إذن، فالجواب عن الإشكال ينبغي أن يكون هذا، وعليه فالصحيح شمول أخبار من بلغ للأخبار الدالّة على الكراهة، أو على استحباب الترك وفاقاً لما نُقل عن المشهور. هذا كلّه في الناحية الأولى.

وأمّا الناحية الثانية: أنّ هذا الثواب بعد فرض شمول أخبار (من بلغ) لموارد الأخبار الدالّة على الكراهة، هل يمكن أن يُستفاد من شمول أخبار (من بلغ) هنا، جعل الكراهة أيضاً، أو لا يستفاد منه ذلك؟

الظاهر، أنّه لا يمكن أن يُستفاد من ذلك جعل الكراهة، سواءٌ قلنا بأنّ أخبار (من بلغ) في مقام جعل الحجّية للخبر الضعيف، أو كانت في مقام جعل حكم على العنوان الثانوي.

أمّا إذا كانت في مقام جعل الحجيّة للخبر الضعيف. فلِما أُشير إليه سابقاً، من أنّ الحجيّة المجعولة في أخبار (من بلغ) إنّما هو بمقدار ما يستتبع الثواب لا أكثر، وسائر الخصوصيات الأخرى لا يكون الخبر الضعيف حجّة في مقام إثباتها. وما يستتبع الثواب في المقام، يناسب مع كراهة الفعل ويناسب أيضاً مع استحباب الترك. فيكون الخبر الضعيف حجّة في جامع رجحان الترك، أعمّ من أن يكون رجحانه باعتبار كونه رجحاناً ذاتياً، أو باعتبار كونه نقيضاً للمرجوح. ولا تثبت هنا خصوصيّة كون الرجحان عرضياً؛ باعتبار كونه نقيضاً للمرجوح.

ــــــــــ[227]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

والأمر أوضح بناءً على جعل الحكم بالعنوان الثانوي، فإنّه غاية ما يُستفاد من أخبار (من بلغ) على هذا المبنى، أنّه قد جعل فيها حكم يصير منشأ للثواب. وكما أنّ كراهة الفعل بالعنوان الثانوي، تكون منشأ للثواب، كذلك استحباب الترك بالعنوان الثانوي. فلو لم نقل بظهور أخبار (من بلغ)، في أنّها في مقام جعل سنخ واحد من الحكم في سائر الموارد، وهو: عنوان العمل على طبق الخبر الضعيف، سواءٌ صار مصداقه الفعل أو الترك. لو لم نقل في ظهوره في ذلك فلا أقل من الإجمال، فلا يمكن أن يثبت من ناحية أخبار (من بلغ) الكراهة بخصوصيتها.

هذا هو الكلام في الناحية الثانية أيضاً.

ثُّمّ يقع الكلام في هذا التنبيه، فيما إذا ورد خبر ضعيف في استحباب الفعل، وخبر ضعيف في كراهة نفس ذلك الفعل، أو استحباب تركه. فهل تشمل أخبار (من بلغ) أو لا تشمل أو يكون هنا فرق بين المباني، والمسلك من حيث الشمول وعدمه، وهل يؤدي الى التعارض أو التزاحم. يأتي الكلام فيه.

فيما إذا ورد استحباب الفعل وكراهته 

بعد(1) هذا يقع الكلام فيما لو دلّ خبر على استحباب الفعل، ودلّ خبر آخر ضعيف كالأوّل على استحباب الترك، أو كراهة الفعل، فماذا يُعامل في مثل هذه الحالة مع قاعدة (من بلغ)؟

ــــــــــ[228]ــــــــــ

() بعد أن لخصّ الناحية الأولى وهي شمول أخبار من بلغ للأخبار الدالة على الكراهة، قال: (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 [تفصيل السيد الأستاذ في المقام]

ذكر السيّد الأستاذ: أنّنا تارةً نبني على أنّ أخبار (من بلغ) تختص بخصوص الروايات الضعيفة الدالة على الاستحباب، ولاتشمل الدالة على الكراهة، أو على طلب الترك كما بنى هو عليه. وأمّا أنّ يُبنى على الشمول على ما بنينا عليه.  

فإن بنينا على الأوّل، أي على اختصاص القاعدة بخصوص الأخبار الضعيفة الدالّة على الاستحباب، فلا يوجد هنا مزيد إشكال، بل لاينبغي الإشكال في التمسُّك بقاعدة (من بلغ)، لإثبات الاستحباب بلحاظ الخبر الضعيف الدالّ على استحباب المشي بعد الطعام -مثلاً- من دون احتمال معارضة، أو مزاحمه بلحاظ الخبر الضعيف الآخر، الدالّ على استحباب ترك المشي أو كراهة المشي. فإنّ الخبر الآخر لايكون مشمولاً في حدّ ذاته لقاعدة (من بلغ)، لأجل أن يقع التنافي بين الشمولين للروايتين الضعيفتين، حتّى يقع الكلام بعد ذلك، أنّ هذا التنافي هل هو بنحو التزاحم، أو التعارض. إذن، فلا ينبغى الإشكال بناءً على ذلك على الشمول للخبر الدال على الاستحباب، من دون معارض.

وأمّا على المبنى الثاني، وهو: أن أخبار (من بلغ) كما تشمل مورد الأخبار الضعيفة الدالّة على استحباب الفعل، كذلك تشمل الأخبار الدالة على كراهة الفعل، أو استحباب الترك. فحينئذٍ، قد يُقال إنّه من قبيل تزاحم المستحبين، حيث إنّ بلوغ الثواب على الفعل ملاك وعنوان الاستحباب ثانوي لاستحباب الفعل، وكذلك الحال في الترك، فيكون عندنا مستحبّان لكنهما متزاحمان؛ لأنّه لا يُعقل الإتيان بهما معاً. ولا بأس بالالتزام بوجود مستحبّات متزاحمة، إذ ما أكثر 

ــــــــــ[229]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

المستحبات المتزاحمة؛ لكثرة المستحبّات واختلاف جهاتها. فنلتزم باستحباب كلّ من الفعلين، ووقوع التزاحم بينهما في عالم الامتثال، لا في عالم الجعل(1).

ثم يقول السيّد الأستاذ: إنّ التحقيق في المقام هو التفصيل ففي بعض الموارد يلتزم بالتزاحم، وفي بعضها لا محيص على التعارض؛ وذلك لأنّ هذين المستحبين: كالمشي بعد الطعام وتركه. إمّا أن يُفرض أنّهما معاً توصّليان، أو يُفرَض أن أحدهما -على أقل تقدير- عبادي، إن لم يكن كلّ منهما عبادي. فإن فُرضا معاً توصّليين، بحيث كان المطلوب من هذا الجانب صرف الفعل، وذاك أيضاً دلّ على مطلوبية صرف الترك، فحينئذٍ، لا يمكن الالتزام بالتزاحم، بل يقع التعارض في دلالة أخبار (من بلغ)، لاستحالة جعل طلبين، ولو استحبابيين على صرف الفعل وصرف الترك؛ وذلك لأنّ وجود أحدهما قهري على كلّ حال، ووجودهما معاً غير ممكن. فجعل الطلبين استحبابيين على النقيضين لغو صرف؛ لأنّ حال المكلّف بعد جعل هذين الطلبين لا يختلف عن حاله قبله. فكما أنّه قبله لا يمكنه الجمع بينهما، كذلك بعده، وكذلك قبل الجعل كان من الضروري أن يصدر أحدهما منه كذلك بعده، فمثل هذين الطلبين غير قابلين للمحرّكيّة والباعثية. فيستحيل جعلهما معاً. فإذا صار التنافي في عالم الجعل، يحصل التعارض في عالم الدلالة. فيكون إطلاق أخبار (من بلغ) للخبر الضعيف الدالّ على استحباب الفعل معارضاً مع إطلاقه للآخر، الدالّ على كراهة الفعل، أو على استحباب تركه.

ــــــــــ[230]ــــــــــ

(1) انظر: درسات في علم الأصول 3: 310-311.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وأمّا لو فرضنا أنّ أحدهما -إن لم يكن كلاهما- عبادي، فهنا، لا يكون وجود أحدهما ضرورياً. فإنّنا إذا فرضنا أنّ الفعل كان عبادياً، وإن لم يكن الترك عبادياً. فالمكلّف هنا، وإن لم يمكنه الجمع بين المطلبين، لكنّه يمكنه تركهما معاً؛ وذلك بأنّ يفعل لا بقصد القربة، فلم يأتِ لا بهذا المستحب ولا بذاك. فهناك شقّ ثالث. وفي مثل هذا لا بأس بجعلين لاستحبابين لكلّ منهما؛ باعتبار الملاك القائم به، ولا يلزم اللغوية في المقام. وفائدة هذين الجعلين سد باب الشقّ الثالث، وهو: باب تركهما معاً والإتيان بالحصّة الأخرى.

غاية الأمر يكون ذلك من باب التزاحم، ما بين المستحبّين، يعني من باب الضدّين اللذين لهما ثالث. من قبيل زيارة مسلم والحسين. وبعد فرض التساوي يكون كلاً منهما في عرض الآخر. من قبيل الصلاة والإزالة فإنهما ضدان لكن لهما ثالث، فإنّه يمكن للمكلّف أن لا يصلي، ولا يزيل فيدخل في باب التزاحم(1).

هذا خلاصة ما أفاده سيدنا الاستاذ.

[مناقشة ما أفاده السيد الأستاذ]

ويرد عليه:

[الإيراد الأول]

أولاً: أن الصحيح في المقام هو: أنّ أخبار (من بلغ) لا تشمل هذا الخبر الضعيف، الدالّ على الاستحباب المُبتلى بخبر آخر معارض، دال على استحباب 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأصول، المصدر السابق.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الترك، أو على كراهة الفعل، لا تشمله ولو بنينا على ما بنى هو عليه من اختصاص أخبار من بلغ بخصوص الأخبار الضعيفة، الدالة على استحباب الفعل.

وقوله: إنّه بناءً على الاختصاص، لا ينبغي توهّم عدم الشمول، إذ لا موجب للمعارضة. 

جوابه: أنّ عدم الشمول في المقام ليس باعتبار المعارضة حتّى يقال: بأنّ الخبر الآخر الدالّ على الكراهة ليس مشمولاً في حدّ ذاته يقع طرفاً للمعارضة، بل عدم الشمول لقصور المقتضي بحسب مقام الإثبات. فإنّ الدليل بحسب مقام الإثبات ليس له إطلاق للخبر الضعيف، الدالّ على الاستحباب في حالة ابتلائه بالمعارضة لخبر آخر، دالّ على استحباب النقيض.

والنكتة في ذلك: أنّ المولى في لسان أخبار (من بلغ)، جعل الموضوع عبارة عمّن بلغه شيء من الثواب فعمله. وبقرينة (الفاء) المأخوذة في الموضوع، عرفنا بأنّ هذا العمل هو العمل المتفرّع على داعي الثواب، البالغ في الخبر الضعيف. إذن، فموضوع هذه القضيّة المجعولة في أخبار (من بلغ) المتكفلّة لإنشاء الاستحباب المولي -مثلاً- هو سنخ موضوع يُتصوّر في تفرّع الفعل على داعي ثواب البالغ، وأمّا سنخ مورد يبلغ فيه الثواب، لكن يستحيل فيه التفرّع. مثل هذا المورد لا يكون مشمولاً لإطلاق الموضوع، بعد فرض تحصّص الموضوع
-بقرينة الفاء- على تفريع العمل على داعي الثواب.

وحينئذٍ، لو دلّ خبر ضعيف على استحباب الفعل بلا معارض. أو كان لا معارض، بلسان نفي الاستحباب، لا إثبات استحباب الترك. فهنا بالنتيجة، 

ــــــــــ[232]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

يحتمل المكلّف أنّ المولى يرجّح الفعل على الترك. واحتمال ذلك يمكن أن يُتصوّر كونه داعياً إلى الإتيان بالفعل، تحصيلاً للثواب الموعود.

وأمّا إذا فرضنا أنّه ورد خبران أحدهما يقول: الفعل عليه الثواب، ومستحب، والخبر الآخر: يقول الترك مستحب. فهنا -في المرتبة السابقة على قاعدة من بلغ- يستحيل محرّكيّة داعي الثواب البالغ، في خبر الاستحباب للإتيان بالفعل. فإنّ محرّكيّة داعي الاستحباب للإتيان بالفعل فرع إمكان الإتيان به على وجه قربي؛ لأنّ الثواب إنّما يترتّب على الإتيان بالفعل على وجه قربي. ولا يُتصوّر في هذا الفرض التقرّب إلى المولى بالفعل أصلاً؛ لأنّ نسبة المولى إلى الفعل والترك على حدّ واحد. إذ كما نحتمل أنّ المولى يستأنس 50% على الفعل ويتأذى من تركه 50% كذلك العكس. فبعد فرض استواء الجهة المولويّة للفعل والترك معاً، يستحيل أن يكون الداعي المولي محرّكاً بنحو الفعل والترك. وإذا استحال ذلك، استحال محرّكيّة الثواب نحو الفعل؛ لأنّ هذه المحرّكيّة إنّما هي لتقوية وتنشيط الدوافع المولوية، فإذا استحالة تقويتها، استحالة محرّكيّة الثواب، وإذا استحالة محرّكيّة الثواب استحالة تفرّع العمل على البلوغ، وإذا استحال تفرّع العمل على البلوغ، لم يشمله إطلاق أخبار (من بلغ).

ففي مثل هذا إطلاق أخبار (من بلغ)، في نفسه قاصر الشمول بالنسبة إلى هذا الخبر الضعيف الدالّ على الاستحباب، وإن لم نقل لشموله للخبر الآخر؛ لأنّ أخبار (من بلغ) تفترض في الرتبة السابقة تفرّع العمل على داعي الثواب، ولا إمكان لهذا التفرّع في محلّ الكلام. إذن، فلا يتمّ الإطلاق.

ــــــــــ[233]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

نعم، يمكن أن يُفرَض ذلك فيما لواختلفت درجة الاحتمال في المقام. بحيث كان احتمال استحباب الفعل -مثلاً- أقوى من استحباب الترك، أو لو فُرِض وجود مزيّة في المحتمل، بحيث على فرض أن يكون الفعل مستحبّاً فهو من أهم المستحبّات، وأمّا على فرض أن يكون الترك مستحبّاً فهو مستحب بسيط. حينئذٍ، يُتصوّر المحرّكيّة، ويُتصوّر حينئذٍ، شمول الإطلاق.

وإلّا مجرّد فرض خبرين ضعيفين متعارضين، مع تساوي حسابهما من حيث الاحتمال، الذي هو مقتضى طبع القضيّة في المقام، في مثل هذا لا يُعقل دعوى شمول أخبار (من بلغ) للخبر الضعيف الدالّ على الاستحباب ولو بنينا على الاختصاص. هذا أوّلاً. 

ثُّمّ نتنزّل عن هذا الإشكال، ونفترض أنّ أخبار (من بلغ) في حدّ نفسها، لا قصور فيها في مقام الإثبات، للشمول لهذا الخبر الضعيف على الدالّ على الاستحباب. وهذا التنزّل معناه، أنّه يتمّ الجزء الأوّل من كلام السيّد الأستاذ، وهو: أنّه بناءً على اختصاص أخبار (من بلغ) بخصوص الخبر الدالّ على استحباب الفعل لا بأس به، باعتبار أنّ الخبر الآخر لا يعارضه؛ لأنّه خبر على الكراهة، وهو غير مشمول لأخبار (من بلغ).

[الإيراد الثاني]

ولكن يرد عليه ثانياً: أنّ التفصيل الذي ذكره بناءً على الشمول، وهو أنّه بناءً على شمول أخبار (من بلغ) للأخبار الدالّة على الكراهة على حدّ شمولها للدلالة على الاستحباب، هنا فصّل بين ما إذا كان كلا الاستحبابين توصليين 

ــــــــــ[234]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فيقع التعارض، وبينما إذا كان أحدهما تعبّدي فلا يقع التعارض، بل يشملهما معاً ويتزاحمان.

هذا التفصيل ليس مناطه ما أفاده من توصليّة أو تعبديّة الاستحباب المخبَر عنه بالخبر الضعيف الدالّ على الاستحباب، الدالّ على الكراهة، بل مناط دقةً هو التوصليّة والتعبديّة في الاستحباب الثاني، المجعول على نهج واحد في نفس أخبار (من بلغ)، أن نرى أنّ هذا الاستحباب هل هو تعبّدي أو توصلي.

افرضوا أنّ الاستحباب، الذي حدثنا به أبو هريرة كان توصليّاً، وكذلك ما أخبرنا به ابو الدرداء المتعلّق بالترك. لكن إذا بنينا على أنّ المجعول في أخبار (من بلغ) هو الاستحباب التعبّدي لا التوصلي، إذن، لا يقع التعارض بينهما، بل يقع التزاحم؛ لأنّ وقوع التعارض، أو التزاحم فرع ملاحظة ما هو المجعول من قبل المولى، والمجعول قد ثبت بأخبار (من بلغ) لا بحجيّة أخبار أبي هريرة أو الآخر. إذن، في مقام تشخيص التنافي بين الجعلين لابدَّ من ملاحظة دليل الجعلين، لنرى أنّه هل هو توصلي، أو تعبّدي، ودليل الجعلين ليس هو الخبر الضعيف، بل هو نفس أخبار (من بلغ).

والصحيح في أخبار (من بلغ) أنّ الاستحباب فيها استحباب تعبّدي، أو لا أقلّ من أنّ هذا هو القدر المتيقّن، لأنّ الاستحباب المجعول فيها، بناءً على طريقتهم في استنتاج الاستحباب، إنّما استنتج بلحاظ ترتّب الثواب على العمل، وموضوع الثواب هنا، هو العمل المأتي به بداعي الثواب. وقد قلنا فيما سبق، أنّ العمل المأتي به بداعي الثواب معناه العمل القربي. فأخبار (من بلغ) بدلالتها 

ــــــــــ[235]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

على الاستحباب، أمّا بالدلالة الالتزامية، أو بظهورها في الحثّ والترغيب. بالنتيجة هي دالّة على محبوبية هذه الحصّة، وهو العمل المأتي بداعٍ قربي، لأنه هو العمل المتفرّع على داعي الثواب. وأمّا شمول المحبوبية لحصّة أخرى ليست بداع قربي فلا دليل عليه؛ لأنّ الحصّة الآخرى غير مشمولة بالعمل المتفرّع على داعي الثواب، وبعد فرض عدم الشمول لا دليل على إطلاق المستحب للحصّة غير القربية. فالمستفاد من المجعول في نفس أخبار (من بلغ) هو الاستحباب التعبّدي.

إذن، لو تمّ هذا التفصيل الذي يذكره، ينبغي أن يكون في جميع الموارد من باب التزاحم لا التعارض. سواءٌ كان مفاد الخبرين الضعيفين الاستحباب التوصلي أو التعبّدي. فالتفصيل ليس في محلّه.

[الإيراد الثالث]

ويرد عليه ثالثاً: أنّ ما ذكره من أنّه لو كان أحد المستحبّين عبادياً، فحينئذٍ، يقع التزاحم، يعني يثبت كلا الجعلين ويتزاحمان في عالم الإمتثال. نعم، لو كان كلاهما توصلياً يقع التعارض بينهما.

هذا التفصيل أصله غير صحيح؛ وذلك لأنّه لو كان أحدهما عبادياً، أيضاً لا محيص عن الالتزام بوقوع التعارض في المقام، إذ يستحيل كلا هذين الجعلين، وإن كان أحدهما عبادي والآخر توصلي.

فإنّه إذا فرضنا أنّ هناك جعل استحباب تعبّدي متعلّق بالمشي بعد الطعام والآخر توصلي متعلّق بتركه. هنا يقول سيّدنا الأستاذ: إنّه يكون بالدّقة من 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

باب الضدين اللذين لهما ثالث؛ لأنّ أحد المستحبّين هو الحصّة القربية من الفعل، والمستحب الآخر هو صرف الترك، وهناك ضد ثالث لهما، وهو الحصة غير القريبة للفعل، وحينئذٍ، ينطبق عليهما قانون الضدين اللذين لهما ثالث، حالهما حال زيارة الحسين وزيارة الرضا، وإنّما هذا مستحب وذاك مستحب، ويقع التزاحم في عالم الأمثال لا الجعل

إلّا أنّ هذا الذي أفاده وهذه المقايسة غير تامّة؛ لأنّه في مقام تصوير استحباب كلا هذين الأمرين، أمّا أن نلتزم بالترتّب من الجانبين: أن يكون كل من الأمرين الاستحبابيين مشروطاً بعدم امتثال الآخر، كما يلتزم بذلك في باب الأوامر الالتزامية المتزاحمة كالصلاة والإزالة، بناءً على ما هو الصحيح من إمكان الترتّب. وأمّا أن يدّعى في المقام أنّ الاستحبابين المجعولين، جعلاً على وجه الإطلاق لاعلى وجه الترتّب. وكلاهما غير معقول:

أمّا أن يُفرَض أنّ الاستحبابين هنا، جعلا على وجه الترتّب والاشتراط، فهذا في المقام غير معقول، وإن كان معقولاً في باب زيارة الحسين والرضا. إذ هناك يمكن أن يقال إن لم تزر الحسين فزر الرضا. وفرض عدم زيارة الإمام الحسين له عدة أنحاء من التصرّفات أحدها أن يزور الإمام الرضا، فيمكن هنا أن يجعل أمر بزيارة الإمام الرضا على تقدير عدم زيارة الإمام الحسين وبالعكس.

ولكن هنا، في خصوص المقام غير معقول، إذ في المقام ماذا يُجعل في جانب الفعل، الذي هو التعبّدي بحسب الفرض؟ يؤخذ في موضوع الأمر التعبّدي 

ــــــــــ[237]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بالفعل عدم امتثال هو فرض عدم الترك، أي فرض الفعل، فنتيجة ذلك، أن يؤخذ في موضوع الأمر بالفعل تحقّق الفعل، أي لابدّ أن يُفرَض في المرتبة السابقة على فعلية الأمر الاستحبابي بالفعل أن لا يكون هناك ترك، المساوق؛ لأن يكون هناك فعل. وفي هذه المرتبة يستحيل البعث نحو الفعل. إذ يكون الفعل مفروضاً في المرتبة السابقة عليه.

وإن شئتم قلتم: إنّ فرض عدم الترك، وإن كان يناسب حصّتين، أحدهما: الحصّة القربية وهي المحبوبية، والأخرى الحصّة غير القربية وهي غير محبوبة. لكن مع هذا يستحيل أن يجعل الأمر مشروطاً بأنّ لايترك بقصد تحقيق الحصّة القربية. إذ بعد فرض أنّه لا ترك يكون الفعل ضرورياً، ومع ضرورية الفعل في المرتبة السابقة على الأمر به يستحيل أن يؤتى به على وجه قربي، بل يكون مأتي به باعتبار هذه الضرورة. إذن، فيستحيل التوصل إلى الحصّة القربية عن هذا الطريق.

وإمّا إذا ادّعى أنّه لاترتّب في المقام، وأنّ المستحبّين مجعولين على وجه الإطلاق. وأدّعى أنّه في باب المستحبّات المتزاحمة لا نلتزم بالترتّب، بل باستحباب كلّ منهما بلا تقييد؛ وذلك لأنّه في باب الأحكام الإلزامية إنما نلتزم بالترتّب من باب أنّه لولاه يلزم التكليف بغير المقدور وهو الجمع. وأمّا هنا، فحيث أنّ التكليف الاستحبابي ليس إلزامياً، فلا يكون فيه إحراج للمكلّف. ولا تكليف بغير المقدور. إذن، فنلتزم بالإطلاق في كلّ منهما.

إن أراد هذا فهو أيضاً غير صحيح؛ وذلك لأنّ الأمر بالفعل المتعلّق به 

ــــــــــ[238]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بقصد القربة، لابدّ أن نفرض أنّه مجعول على وجه الإطلاق حتّى نفرض التلّبس بضده المستحب، وكذلك الأمر الآخر.  هذا الإطلاق في نفسه خُلف؛ وذلك لأنّ إطلاق الأمر لحالة التلّبس بالضد، فائدته هو تحريك المكلّف عن الضد إلى الامتثال. -مثلاً- حينما يكون الأمر بالصلاة مطلقاً حتّى لمن يلعب القمار أو يشرب الماء، مع أنّه ضد لها وفائدة هذا الإطلاق هو تحريك المكلّف من لعب القمار أو شرب الخمر إلى الصلاة. ففائدة إطلاق الأمر بشيء حتّى لحالة التلّبس بضدّه المباح، أو المحرم هو تحريك المكلّف عن ذلك الضد إلى الامتثال.

 وفي المقام، المفروض أنّه ليس للمولى غرض في تحريك المكلّف من الضد إلى الامتثال؛ لأنّ الضدّين متساويان بالنسبة إليه. فيستحيل مثل هذا الإطلاق في المقام. إذن، فهذا الإطلاق في نفسه غير متصوّر.

 وهذا الإشكال يأتي في سائر المستحبّات المتزاحمة أيضاً. -مثلاً- إذا فرضنا أنّ زيارة الإمام الرضا وزيارة الإمام الحسين متساوية في الملاك، هنا لايمكن أن نقول: بأنّ الأمر بزيارة الإمام الحسين مطلق لمن زار الإمام الرضا؛ وذلك لأنّ فائدة مثل هذا الإطلاق هو تحريكه عن زيارة الإمام الرضا إلى زيارة الإمام الحسين. أو المفروض أنّ هذا التحريك عن مثل هذا الشيء إلى مثل هذا الشيء ليس داخلاً الفرض المولوي(1)

ــــــــــ[239]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: يعني واقع إرادة المولى ليست مطلقة في المقام. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

هذا مضافاً -وهذه الإضافة مخصوصة بخصوص المقام- إلى أنّه لو فُرِض أنّ هناك مطلقين: أحدهما متعلّق بالفعل بقصد القربة، والآخر متعلّق بالترك. هنا، لا يُتصوّر تحقّق قصد القربة بالنسبة إلى المكلّف؛ لأن يفعل بدلاً عن أن يترك. كيف يُتصوّر المحرّك المولوي بالنسبة إليه، مع أنّ نسبة المولى إلى الفعل، والترك على حدّ واحد؛ لأنّ كلاً منهما مستحب على حدّ واحد.

وهذا الإشكال لا يأتي في زيارة الإمام الرضا والحسين؛ لأنّه هناك، التحريك المولوي نحو الجامع يكفي، فالمولى يحرّك نحو الجامع، ثُّمّ يطبق المكلّف الجامع على أحد فرديه ولو للامور النفسانية؛ لأنّ الجامع هناك ليس اضطرارياً، وأمّا هنا فالجامع بين الفعل والترك اضطرارياً، لا محالة، فالتحرّك بقصد القربة ومن ناحية المولى نحو الفعل. مع فرض أنّ الترك موصوف بنفس الصفة الاستحبابية، التي اتّصف بها الفعل. هذا أمر غير معقول في نفسه.

فبهذا اتّضح أيضاً أنّ هذا التفصيل بنفسه غير صحيح.

[الإيراد الرابع]

واما رابعاً: فلأنّ ما ذكره لو تمّ، وقطعنا النظر عن كلّ النكات التي ذكرناها. فهو إنّما يتمّ في الخبر الضعيف الدال على استحباب الترك، لا فيما إذا دلّ خبر على استحباب الفعل وآخر على كراهته، وبنينا على أنّ شمول أخبار (من بلغ) للأخبار الدالة على الكراهة يوجب الكراهة. وإلّا بناءً على هذا لا يُتصوّر التزاحم، بل لا محالة يقع التعارض. لو تمّ التفصيل الذي يذكره.

إذ بناءً على هذا يكون مركز الكراهة هو مركز الاستحباب واحد، في 

ــــــــــ[240]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

المقام، فلا يكون من باب الضدّين اللذين لهما ثالث، فإنّ تصوّر كون المركزين
-المركزين من باب الضدين اللذين لهما ثالث- إنّما هو في مورد ما إذا دلّ الخبر الضعيف على استحباب الترك، ودل خبر على استحباب الفعل على وجه قربي. وأمّا إذا دلّ أحدهما على استحباب الفعل، والآخر على كراهته، فهنا -وإن كان أحدهما قريباً- إلا أنّ وحدة المركز لم تنثلم بقربية أحدهما وتعبديّته. ومع وحدة المركز يلحق بباب التعارض لا محالة. ولا يمكن أن يلحق بباب التزاحم.

وتلخّص من خلال ما قلنا، أنّ الصحيح هو عدم شمول أخبار (من بلغ) للخبر الضعيف، الدالّ على استحباب المعارض بالخبر الضعيف الآخر، الدالّ على استحباب الترك، الصحيح هو عدم الشمول. وإن قلنا بالاختصاص.

الثاني: في إشتراط أن لا يكون الخبر معلوم الكذب 

التنبيه الثاني: من تنبيهات قاعدة من بلغ.

ذكر السيّد الأستاذ وفاقاً للمشهور، أو ما لعلّه المشهور: إن الخبر الضعيف الدال، إنّما تشمله أخبار (من بلغ) إذا لم يكن معلوم الكذب ومخالفة الواقع. وأمّا لو كان معلوم المخالفة للواقع بحيث يعلم بعدم استحباب فلا يشمل مدلول أخبار (من بلغ). وبيّن: أنّ الوجه في ذلك هو الانصراف عن هذه الصورة.

ثُّمّ رتّب على ذلك: أنّه لو فُرِض ورود خبر ضعيف يُعلم بكذبه تعبّداً لا وجداناً، بل قام دليل معتبر من رواية أو إطلاق، أو عموم ينفي الاستحباب، الذي دلّ عليه ذلك الخبر الضعيف، أيضاً الحال كذلك، بمعنى أنّ أخبار (من 

ــــــــــ[241]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بلغ) لا تشمله؛ لأنّ دليل حجيّة ذلك الخبر الدالّ على نفي الاستحباب، يجعل المكلّف عالماً تعبّداً بكذب هذا الخبر، وعدم الاستحباب، فيكون حاكماً على أخبار (من بلغ)؛ لأنّ المفروض أنّ أخبار (من بلغ) أُخذ في موضوعها عدم العلم بالبطلان والكذب، وهذا الإنسان يصبح عالماً بكذب الخبر الضعيف، ببركة دليل حجيّة ذلك الإطلاق أو العموم، والخبر الصحيح النافي للاستحباب.

ثُّمّ بيّن أنّ أخبار (من بلغ) لا تشمل أيضاً، للانصراف -كالأوّل- ومواردَ ما إذا وجد عندنا دليل معتبر على الحرمة، كما لو دلّ الخبر الضعيف على استحباب شيء، وكان مقتضى الدليل المعتبر هو حرمة ذلك الشيء، هنا، أيضاً لا يشمله أخبار (من بلغ)، وإن لم يُفرَض ذلك الدليل المعتبر قطعياً. ولكن بعد فرض كونه معتبراً، لا تشمله -أي الخبر الضعيف- للإنصراف.

وأرجع الانصراف الثاني إلى الانصراف الأوّل، حيث إنّ الدليل على الحرمة، يدلّ بالإلتزام على عدم الاستحباب لا محالة، فحاله حال الدليل النافي للاستحباب ابتداءً. يوجب العلم التعبّدي بالكذب، وعدم المطابقة بالواقع. والمفروض أنّ العلم التعبّدي يكون حاكماً على أخبار (من بلغ) ونافياً لموضوعها(1).

هذا خلاصة ما أفاد السيّد الاستاذ.

أمّا أصل المطلب: وهو عدم شمول أخبار (من بلغ) لموارد العلم الوجداني 

ــــــــــ[242]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 310.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بالكذب، فهذا صحيح لا مناص عنه؛ وذلك لا لقصور في مقام الثبوت؛ لأنّ المفروض أنّ أخبار (من بلغ) ليست في مقام جعل الحجّيّة حتّى يستحيل جعلها للخبر الذي يعلم بكذبه، بل هي في مقام جعل الاستحباب المولوي النفسي
-مثلاً- ولا مانع ثبوتاً من أن يُجعل الاستحباب المولوي نفسي على هذا العنوان الثانوي: عنوان البلوغ، ولو كان معلوم الكذب واقعاً(1)

المفروض أنّ السيّد الأستاذ هكذا يقول: وإنّما المحذور إثباتي ونكتته هي ما أشرنا إليه سابقاً، من أنّ ظاهر أخبار (من بلغ)، حيث إنّه فُرِض في طرف موضوع القضيّة تفرّع العمل على داعي الثواب، البالغ في ذلك الخبر الضعيف، وفرض ذلك هو فرض أن يكون الخبر الضعيف محتمل المطابقة للواقع(2)، وإلّا مع العلم بعدم مطابقته للواقع، يستحيل التفرّع. فهذه النكتة هي نكتة عدم الشمول، لا مجرّد الإنصراف الساذج.

ونفس هذه النكتة تكون نكتة أيضاً، في عدم الشمول في موارد قيام الدليل المعتبر على الحرمة، صحيح زرارة دلّت على الحرمة، وأبو هريرة أخبر عن استحباب العمل في مثل هذا، في المرتبة السابقة على أخبار (من بلغ)، وبقطع 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

()  وهنا قال جواباً: (المقرّر). 

(2) ظاهر القضيّة هو فرض مورد يمكن في تفرّع العمل على محركيّة الثواب المذكور في خبر أبي هريرة، وهذا التفرّع لا يتعدّد مع العلم وجداناً بكذب أبي هريرة؛ إذ لا محركيّة حينئذٍ. فيكون هذا قرينة على عدم شمول الإطلاق لصورة العلم الوجداني بالكذب. (من المحاضرة). (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

النظر عنها، التفرّع غير ممكن في نفسه، لا يعقل تفرّع العمل على داعي الثواب المنقول في كلام أبي هريرة؛ لأنّ كلام أبي هريرة وإن كان محتمل المطابقة للواقع أن يحتمل أن يكون هذا الفعل مستحبّاً لا حراماً، وأنّ زرارة قد اشتبه في مقام النقل. إلّا أنّه بعد تنجّز الحرمة فيه وقيام الحجّة والمعتبر عليه، يعلم باستحقاق العقاب عليه، ويعلم بكونه مبّعداً عن المولى، ومع فرض العلم بذلك، كيف يُعقل تفرّع العمل فيه على داعي الثواب والإتيان به برجاء أن يترتّب عليه ثواب؟ مع أنّه مورد العقاب، والمبعديّة بلحاظ ذلك الدليل المعتبر، فنفس تلك النكتة تكون دليلاً على عدم الشمول لموارد قيام الدليل المعتبر على الحرمة.

وأمّا موارد قيام الدليل المعتبر على نفي الاستحباب، لو أخبر أبو هريرة على استحباب المشي بعد الطعام، وصحيح زرارة لم تدلّ على الحرمة، بل على عدم استحباب المشي بعد الطعام. فهنا نقول: بشمول أخبار (من بلغ) لهذا المورد. وما أفاده السيّد الأستاذ من أنّ دليل حجيّة صحيحة زرارة يوجب العلم تعبّداً بكذب أبي هريرة، فيخرج عن موضوع أخبار (من بلغ) غير تامّ.

 وذلك؛ لأنّ أخبار (من بلغ) لم يؤخذ في موضوعها عدم العلم بهذا العنوان، من قبيل عدم العلم المأخوذ في موضوع أصالة البراءة، أو أصالة الإباحة في قوله: “كلّ شيء حلال حتّى تعلم”. أو (رُفع مالا يعلمون). حتّى يقال -مثلاً-: أنّ دليل الحجّيّة بناءً على أنّ المجهول فيه هو الطريقية والكاشفيّة، يكون رافعاً لموضوع أخبار (من بلغ) ومبدّلاً للّا علمَ إلى العلم.

ليس هكذا.

 ــــــــــ[244]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وإنّما نكتة عدم شمول أخبار (من بلغ) لمورد العلم الوجداني، كما بيّنا هو اختلال إمكان التفريع، حيث إنّ المستظهر من أخبار (من بلغ)، أنّ موضوع القضيّة المجهولة فيها، هو العمل المممكن تفرّعه، وإمكان التفريع إنّما ينتفي في مورد العلم الوجداني بالكذب. 

وأمّا في موارد العلم التعبّدي به فلا ينتفي إمكان التفريع، بلا إشكال. إذ حتّى مع فرض قيام الحجّة المعتبرة عل عدم الاستحباب، يبقى هناك أمل عند المكلّف أنّه لعلّه مستحب. وحيث لا عقاب جزماً، فينقدح في نفسه الإتيان بالفعل بداعي الثواب المحتمل. فالمأخوذ هو إمكان التفرّع، وهذا إنّما ينتفي في مورد العلم الوجداني بالبطلان.

 وأمّا مع عدم ذلك، فهو ثابت. وإن شئتم قلتم: وإن كان التفرّع لازم تكوني لمجرّد الشكّ الوجداني، واللزوم التكويني للشك الوجداني، لا معنى لارتفاعها بدليل الحجّيّة، وإن كان المجعول هو الطريقي والكاشفيّة.

وعليه، فالصحيح وهو أنّ أخبار (من بلغ) لا تشمل موارد العلم الإجمالي بكذب الخبر، وموارد قيام الحجّيّة المعتبر على الحرمة. دون قيامها على عدم الاستحباب، فتكون مشمولة لأخبار (من بلغ)، هذا هو الكلام في التنبيه الثاني.

الثالث: في بلوغ الخبر إلى المجتهد 

التنبيه الثالث: أنّه لو بلغ الخبر الضعيف إلى المجتهد، ولكنّه لم يبلغ للعامّي. فهل يمكن للمجتهد أن يفتي العامّي باستحباب العمل، مع أنّه لم يبلغه هذا الخبر الضعيف أو لا؟

ــــــــــ[245]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

هنا، أفاد المحقّق العراقي: أنّ المسألة مبنيّة على المختار في مفاد أخبار (من بلغ)، فإن بنينا على أنّ مفادها هو جعل الحجّيّة للخبر الضعيف، فيمكن للمجتهد أن يفتي باستحباب المشي بعد الطعام الذي ورد خبر ضعيف باستحبابه، يفتي باستحبابه، حتّى لمن لم يبلغ هذا الخبر الضعيف؛ وذلك لأنّ الحجّيّة وإن كان مخصوصّة به؛ لأنّه هو الذي بلغه الخبر، والحجية موضوعه البلوغ فالحجّية مخصوصّة به، ولكن مدلول الحجّة هو ثبوت الحكم، لتمام المكلفين، وثبوته له فقط، فإنّ أبا هريرة لم يخبر بثبوت الاستحباب لخصوص من بلغ خبره، بل يخبر عن ثبوته لتمام أفراد المكلّفين، وهذا الأخبار جعلت له الحجّيّة، بالإضافة إلى المجتهد. فالمجتهد تمّت عنده الحجّة لثبوت الاستحباب لتمام أفراد المكلّفين. حسب مدلول الحجّة، وإن كانت الحجّيّة ضيقة، وغير ثابتة الدلالة.

وامّا إذا فرضنا أنّ مفاد أخبار (من بلغ) هو الاستحباب النفسي المجعول على عنوان: (من بلغه) ثواب على عمل، فالاستحباب النفسي يدور مدار موضوعه. والمفروض أنّ موضوعه إنّما انطبق على المجتهد، ولم ينطبق على العامّي؛ لأنّ العامّي لم يبلغه ذلك، كالحجّة بالنسبة إلى من ينطبق علىه عنوان المستطيع. وحينئذٍ، ليس من حقّ الفقيه أن يفتي باستحباب العمل مطلقاً، بل لابد له من إيصال الخبر الضعيف إلى مقلديه، ثُّمّ بعد هذا يفتيهم بالاستحباب. هذا ما أفاده المحقّق العراقي(1).

ــــــــــ[246]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الأفكار 3: 286.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

أمّا الشق الأوّل الذي أفاده، وهو: أنّه بناءً على جعل الحجيّة، يمكن للفقيه أن يفتي بالاستحباب بجميع أفراد المكلّفين؛ لأنّ الحجّيّة وإن كانت مخصوصّة به، لكن مدلول الخبر ليس مخصّوصاً به، فهو يفتي بمدلول الخبر وهو ثبوت الحكم لتمام أفراد المكلّفين. فهذا من حيث مقام الثبوت قابل للخدشة والتنظّر؛ إذ ثبوتاً يمكن جعل الحجّيّة على وجهين، فإنّه كما يمكن جعل الحجّيّة بلحاظ تمام مدلول الخبر، يمكن جعلها لمن بلغه الخبر خاصّة بمقدارها يرتبط من مدلول الخبر بعلمه خاصّة، بمقدار قطعه بمدلوله وهي القطعة المرتبطة بعمل (من بلغه) الخبر لا أكثر من هذا المقدار. هذا أمر معقول ثبوتاً.

وحينئذ قد يقال: بأنّ القدر المتيّقن من الحجّيّة المجعولة، إنّما هو هذا لا أكثر منه؛ لأنّ هذه الحجّيّة إنّما استكشفت بلحاظ الحثّ، والترغيب من قِبَل المولى بعد حمل هذا الترغيب على أنّه ترغيب طريقي مساوق لجعل الحجّيّة
-مثلاً-. وهذا الترغيب، إنّما هو ترغيب في عمل من بلغ الثواب لا في عمل غيره. فغاية ما يكشف عنه، هو تمامية ملاك الحجّيّة بلحاظ تلك القطعة من مدلول الخبر، التي ترتبط بعمله، حتّى يصحّ هذا الترغيب بالنسبة إليه. 

فقد يقال: حيث إنّه في مقام الثبوت هذا أمر معقول، ومقام الإثبات ليس له إطلاق؛ لأنّ الحجّيّة إنّما استكشفت من ناحية الترغيب للمكلّف، الذي بلغه الخبر، والترغيب يناسب جعل الحجّيّة بلحاظ هذه القطعة، وهذا يكون هو المتيّقن، قد يقال هذا.

إلّا أنّه مع هذا، حيث إنّ التفكيك ما بين المطلبين، يعني التفكيك في مقام 

ــــــــــ[247]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

جعل الحجّيّة بين هذه القطعة من مدلول الخبر، وسائر القطعات على خلاف الارتكاز العرفي والفهم العقلائيّ في باب جعل الحجّة، وحيث إنّ المدّعي
-مثلاً- أنّ أخبار (من بلغ) من مقام جعل الحجّيّة وإيصالها إلى المكلّف، فحينئذٍ، تُحمل على الفهم العرفي والعقلائي، وحينئذٍ، لا يقتصر على خصوص هذه القطعة، بل يُفهم من مثل هذا الدليل جعل الحجّيّة بلحاظ تمام مدلول الخبر. وحينئذٍ، يتمّ ما أفاده بالنسبة إلى هذا الشقّ بعد الاستعانة بالارتكاز العقلائي، في باب جعل الحجّج وأن التقطيع والتبعيض في مقام جعل الحجّة لمدلول الخبر على خلاف الارتكاز العقلائي(1). هذا بالنسبة إلى القطعة الأولى من كلامه.

وأمّا بالنسبة إلى القطعة الثانية من كلامه: وهي أنّه بناءً على الاستحباب حينئذٍ، يشكّل إفتاء الفقيه بالاستحباب، مع أنّه لم يبلغه الخبر الضعيف. فهذا الإشكال في محلّه أيضاً. وإن تصدى السيّد الأستاذ للجواب عنه، على ما اتذكره، حيث ذكر في مقام الجواب عنه، أنّه يكفي في مقام تبرير هذه الفتوى وصول الثواب إليه بنفس وصول هذه الفتوى إليه. فإنّ الفقيه حين يفتي باستحباب العمل، فهذه الفتوى بالنسبة إلى من لم تصل إليه لا أثر لها، وليست 

ــــــــــ[248]ــــــــــ

()  وهنا قال أحد الاخوان: فيما مضى قلتم: إنّ الخبر الدال على الوجوب -مثلاً- نثبت الرجحان فقط لا الوجوب. 

فقال: إن التقطيع من حيث المحمول غير التقطيع من حيث الموضوع، وهناك أصل الحكم نثبته بالنسبة إلى تمام الأفراد، والذي أقول إنّه خلاف الارتكاز هو، التفرقة ما بين الأفراد في الموضوع. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

إلى مجرّد لقلقة لسان. وأمّا بالنسبة إلى من تكون واصلة إليه، فنفس وصولها إليه مساوقاً لصدقها؛ لأنّ وصولها إليه مساوق للبلوغ، والبلوغ مساوق لصدق هذه الجملة. فهذه جملة تصدر من المجتهد، ولا يسمعها إلّا شخص يسمعها وهي صادقة ومطابقة للواقع.

هذا البيان، الإشكال عليه واضح؛ وذلك لأمرين: 

الأمر الأوّل: أنّ مجرّد خروجها عن الكذب في ظرف سماع شخص لها بالنسبة إليه، لا يخرجها عن كونها كذباً بالنسبة إلى ذلك الشخص، بلحاظ شمولها للآخرين، فإنّ هذا الكلام عند سماعه يصير صادقاً بمقدار ما يرتبط بالمكلّف السامع، لكنّه سوف يفهم من مثل هذه الفتوى شمول الحكم حتّى لمن لم يسمع بهذه الفتوى، وهذا الفهم، فهم على خلاف الواقع؛ لأنّه بعد حتّى الآن لم يسمعوا مثل هذه الفتوى.

وأمّا ثانياً: فلو فرضنا أنّنا حصرنا الإشكال بالإغراء بالجهل -مثلاً- وقطعنا النظر عن مسألة الكذب في المقام. فهنا في أخبار (من بلغ) يوجد عندنا استحبابان، استحباب أُخذ في موضوعه البلوغ وهو المشي بعد الطعام، واستحباب أُخذ في بلوغه في الموضوع وهو الاستحباب، الذي يُنقل عن أبي هريرة. ويستحيل وحدة هذين الاستحبابين، بحيث يكون بلوغ استحباب مأخوذاً في موضوع نفس ذلك الاستحباب على حد استحالة أخذ العلم بشخص حكم في موضوع لخّص ذلك الحكم. فلابدّ من فرض استحباب بالغ واستحباب مترتّب على البلوغ.

ــــــــــ[249]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بعد الإلتفات إلى هذه النكتة نقول: بأنّ المجتهد حينما يفتي بالاستحباب في المقام، هل يفتي بالاستحباب المستفاد من خبر أبي هريرة بالاستحباب المترتّب على ذلك، وهو المجعول في أخبار (من بلغ). أنّ فُرِض أنّه يفتي بالاستحباب البالغ في خبر أبي هريرة، فهو إفتاء بغير الحجّة؛ لأنّ خبر أبي هريرة ليس حجّة فكيف يفتي باستحباب الفعل بعنوانه الأولي مع أنّه لم تقم حجّة معتبرة عليه، هذا إفتاء بغير الحجّة فيكون حراماً.

وإن فُرِض أنّه يفتي بالاستحباب الثاني، وهو المترتّب على العنوان الثانوي المجعول في نفس أخبار (من بلغ)، فهل يفتي به بنحو القضيّة التنجيزية، أو بنحو القضيّة التعليقية، إن فرضنا أنّه يفتي به بنحو القضيّة التعليقية أو يقول: من إنطباق عليه هذا العنوان الثانوي يكون الفعل مستحبّاً عليه، فمن المعلوم أنّ الإفتاء بالقضيّة التعليقية لا يحقّق الموضوع؛ لأنّه لا يكون هذا بنفسه إبلاغاً للموضوع إلّا بضم فرائق خارجية، حيث يعلم من سيرة هذا المجتهد، أنّه يريد أن يبلغ هذا الخبر الضعيف بمثل هذه العبارة، فلا كلام حينئذ.

وأمّا إذا فُرِض أنّه افتى بهذا الاستحباب المجعول في أخبار (من بلغ) بصيغة القضيّة التنجيزية، ففرض الإفتاء بها بهذا النحو هو فرض تنجز الموضوع وفعليّته، يعني فعلية البلوغ في حقّ من سمع على أقل تقدير.

 وفرض فعلية البلوغ في حقّ من سمع يكون بأحد أمرين: إمّا بدعوى أنّه بمجرّد سماعه بمثل هذا الاستحباب يتحقّق من حقّه بلوغ شخص هذا الاستحباب، فالبلوغ المتحقّق في حقّه هو بلوغ شخص هذا الاستحباب الذي افتى به المجتهد. هذا محال؛ لأنّه يلزم أن يكون بلوغ شخص هذا الاستحباب 

ــــــــــ[250]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

مأخوذ موضوعاً لهذا الاستحباب. وقد قلنا: إنّ هذا غير معقول؛ فإنّ الاستحباب البالغ يجب أن يكون غير الاستحباب المترتّب على البلوغ.

الأمر الآخر أن يقال: بأنّ البلوغ تحقّق في حقّ السامع بلحاظ الدلالة الالتزامية؛ لانّ السامع يدري لاعتقاده بالمجتهد، أنّ المجتهد لا يعني باستحباب عمل ما لم يكن هناك خبر دال على استحبابه، فقد استكشف بالدلالة الالتزامية وجود الخبر الضعيف، فبلغه الخبر، ولو بهذا العنوان الإجمالي، فتحقّق في حقّه عنوان الاستحباب المجعول في أخبار (من بلغ).

هذا أيضاً غير تام؛ وذلك لأنّه لا ينحصر إفتاء المجتهد بالاستحباب الخبر الضعيف، قد يكون من مداركه: الشهرة الفتوائية، أو الظن بناءً على حجّيّته(1).

إذن، فالإشكال من قبل المحقّق العراقي على المشهور الإنصاف أنّه مسجّل، فإنّ المشهور الذين بنوا على استفادة الاستحباب النفسي، كيف يفتون به لمن لم يصل هذا الخبر.

هذا تمام الكلام في التنبيه الثالث. وبه نختم الحديث في قاعدة (من بلغ)، حيث إنّه بقي هناك بعض تنبيهات أخرى إلّا أنّها غير مهمّة، والجهات الصناعية تّمت في هذه التنبيهات، ومنها يُعرف حال الجهات الأخرى. وبهذا تمّ التنبيه الثاني من تنبيهات البراءة.

ــــــــــ[251]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الاخوان: فيتمّ الكلام في مجتهد لا يكون هكذا. 

فقال (سلّمه الله): نعم، لو اطّلع على مباني هذا المجتهد بتمامها، وافرز بعضها عن بعض.

 (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 

التنبيه الثالث من تنبيهات البراءة: إجرائها                                       في الشبهة الموضوعية  

 

الكلام في التنبيه الثالث: من تنبيهات البراءة: في الشبهات الموضوعية:

لم يقع هناك خلاف تحقيقياً، أو تقريباً في جريان البراءة في الشبهات الموضوعية، حتّى ممّن ذهب إلى وجوب الاحتياط في الشبهات الوجوبية والتحريمية. 

وإنّما وقع البحث فيها من ناحيتين: 

الناحية الأولى: في شمول بعض أقسام البراءة للشبهة الموضوعية.

 والناحية الثانية: أنّه بعد الفراغ عن جريان البراءة في الشبهات الموضوعية، متى ما كان الشكّ في أصل التكليف، والفراغ عن جريان الاشتغال، متى ما كان الشكّ في عالم الامتثال، والمكلّف به بعد الفراغ عن أصل التكليف.

 وقع الكلام في تشخيص الصغريات، وأنّه ما هو الضابط في أنّ يكون الشكّ شكّاً في أصل التكليف، أو شكّاً في المكلّف به.

[بلحاظ البراءة الشرعية]

وتفصيل الكلام في ذلك: أمّا البراءة الشرعية، فظاهر جملة من أدلتها هي الشمول للشبهات الموضوعية، وأن كان بعضها قد يكون مختصّاً بخصوص 

ــــــــــ[252]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الشبهات الحكمية، ولا يشمل الموضوعية، من قبيل ما استدللنا به على البراءة من القرآن:لا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها(1) ‏وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ‏ حَتَّى يُبَيِّنَ لَـهُمْ ما يَتَّقُون‏(2)

أشرنا فيما سبق، أنّه لا يبعد اختصاص مثل هذه الادلّة بخصوص الشبهات الحكمية، بحيث لا تشمل الشبهات الموضوعية. ولكن جملة من أدلّة البراءة لا بأس بدعوى شمولها، والاستدلال بها على جريان البراءة في الشبهات الموضوعية، ومن جملة تلك الأدلّة حديث الرفع، بعدما بيّنا في بحثه أنّ المرفوع سنخ جامع محفوظ في موارد الشبهات الحكمية والموضوعية معاً. فنتمسّك في الإطلاق لإثبات الشمول للشبهات الموضوعية.

وكذلك الحال في أخبار الحلّ “كُلُّ شَيْ‏ءٍ فِيهِ حَلَالٌ وحَرَامٌ فَهُوَ لَكَ حَلَالٌ أَبَداً حَتَّى‏ تَعْرِفَ‏ الْحَرَامَ‏ مِنْه(3). كان هذه الطائفة أيضاً لا إشكال في شمولها للشبهات الموضوعية، بل قد يُدّعى اختصاصها بها، وعدم شمولها للحكمية، لأنّها واردة في مورد الشبهات الموضوعية. وعلى كلا التقديرين: اختصاصها بالموضوعية، أو شمولها للحكمية يصحّ الاستدلال بها لإثبات أصالة البراءة، وعدم تنجيز التكليف الواقعي، المشكوك في الشبهات الموضوعية.

ــــــــــ[253]ــــــــــ

(1)  الطلاق: 7. 

(2)  التوبة: 115.  

(3) انظر: وسائل الشيعة 24: 236، الباب 64، باب حكم السمن والجبن إذا علم أنّه خلط حرام، الحديث 2.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

نعم، هنا يأتي شوب إشكالٍ للاستدلال بهذه الطائفة، من أخبار الحلّ وحاصله: هو أنّ هذه الأخبار إذا ادّعينا شمولها للشبهات البدوية، وعدم اختصاصها بأطراف العلم الإجمالي، الأمر كما ذكرناه، فإنّه حينئذٍ، نتمسّك بها لإثبات جريان البراءة في الشبهات الموضوعية البدوية.

أمّا إذا فرضنا بقرينة قوله: “كلّ شيء فيه حلال وحرام” وبقرينة قوله: “حتّى تعلم الحرام منه بعينه” استظهرنا اختصاص هذه الأخبار بأطراف العلم الإجمالي. وحينئذٍ، يكون مفاده الترخيص في اقتحام أطراف العلم الإجمالي، وهذا المدلول المطابقي، وإن كان يلزم منه بالأولوية -مثلاً-، الترخيص في الشبهات البدوية؛ لأنّ الترخيص في أطراف العلم الإجمالي وهو ترخيص مع وجود شكّ زائداً العلم، والشبهة البدوية شكّ بلا علم، ولا نحتمل أن يكون العلم في التكليف له دخل في الترخيص الظاهري. لكن حيث إنّ المشهور يقولون بعدم إمكان الترخيص في أطراف العلم الإجمالي، بهذا يسقط المدلول المطابقي عن الحجّيّة، ولابدَّ من رفع اليد عن ظهورها، والالتزام بأنّه يريد بها معنى خلاف ظاهرها.

وحينئذٍ، بعد سقوط المدلول، لا يسقط المدلول الالتزامي عن الحجّيّة؛ لأنّ الدلالة الالتزامية، إنّما تكون حجّة إذا كانت المطابقية حجّة، فلا يصحّ حينئذٍ، الاستدلال بأخبار الحلّ على جريان البراءة في الشبهات الموضوعية البدوية.

قد يقال هكذا: إلّا أنّ هذا الاشكال غير وارد. والآن لا نريد أنّ نتكلّم في أنّ هذه الروايات، هل هي مخصوصة بحسب ظاهرها بخصوص موارد العلم 

ــــــــــ[254]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الإجمالي، أو هي شاملة لطبيعي الشبهات الجامعة بين البدوية وبين المفروض بالعلم الإجمالي. فإنّ هذا موضوع لبحث العلم الإجمالي على ما سوف يأتي.

 ولا نريد أن نتكلّم في أنّ الترخيص في أطراف العلم الإجمالي معقول أو غير معقول كما يدعي الآغايون. فإنّه أيضاً يأتي بحثه هناك.

لكن هناك نفرض تماميّة كلتا الجهتين: أن الترخيص في أطراف العلم الإجمالي غير معقول كما يدعي الأعلام. ونفرض أنّنا استظهرنا من هذه الروايات الاختصاص بمورد العلم الإجمالي.

مع هذا يقول: بأنّ هذا لا يكفي لتسجيل الإشكال الذي أشرنا إليه؛ لأنّ العلم الإجمالي بعدُ هو ينقسم إلى موارد الشبهة المحصورة، وموارد الشبهة غير المحصورة. افرضوا أنَّ أخبار الحلّ مخصوصة بالعلم الإجمالي، لكن لا يتوهّم أحد اختصاصها بخصوص العلم الإجمالي المستجمع لشرائط التنجيز، التي منها إنحصار أطراف الشبهة على ما يأتي في محلّه إن شاء الله. فلو فُرِض هناك أنّنا مشينا على مسلك الشيخ والمدارس التابعة له، القائلة باستحالة الترخيص في أطراف العلم الإجمالي، فإنّما هو في أطراف الشبهة المحصورة، فنرفع اليد عن المدلول المطابقي بهذا المقدار، ونلتزم بمضمون هذه الروايات في موارد العلم الإجمالي في الدوائر غير المحصورة.

وحينئذٍ، فيتمّ الدلالة الالتزامية بهذا اللحاظ؛ لأنّ الترخيص في أطراف العلم الإجمالي غير المستجمع لشرائط التنجيز، يستلزم بالأولوية -مثلاً- أو بالمساواة، الترخيص في أطراف شبهة خالية. من العلم الإجمالي. فيتمّ 

ــــــــــ[255]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الاستدلال حينئذٍ، بالدلالة الالتزامية لهذه الروايات حتّى على أسوأ التقدير. إذن، فمقام الاثبات لأدلة البراءة الشرعية وافية في محلّ الكلام لأثبات البراءة، حتّى ما رجع الشك، إلى الشكّ في أصل التكليف، بحيث يكون التكليف غير معلوم، فيشمله حينئذٍ، قوله: “رُفع ما لا يعلمون” وقوله: (كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام). هذه من حيث البراءة الشرعية.

[بلحاظ البراءة العقلية]

وأمّا حيث البراءة العقلية: فنحن حيث انكرناها أساساً، وقلنا: بأنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان بالمعنى الذي يقوله الأعلام من هذه القاعدة غير مقبول عندنا، لا في الشبهات الموضوعية ولا الشبهات الحكمية. فليس عندنا براءة عقلية، بل بدلاً عنها عندنا قاعدة منجزيّة الاحتمال. بمجرد أن يحتمل المكلّف أنّ للمولى إرادة ملزمة، ويحتمل أنّ المولى لا يرضى بتفويت مطلوبه، ولو في حال الشكّ، هذا يلزم بالاحتياط في المقام. بناءً على هذا لا مجال للبحث عن البراءة العقلية في الشبهات البدوية.

إلّا أنّ هؤلاء الأعلام، الذين استقلّ عقلهم العملي، على ما يدّعون، بإدراك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وذكروا أنّها من بديهيات العقل، ولكنهم في الشبهات الموضوعية وقعوا في نفي وإثبات، كأن هذه البداهية في خصوصيات هذه القاعدة وشؤونها. فذكر جملة من الأعلام المؤمنين بهذه القاعدة أنّها لا تجري في الشبهات الموضوعية، مستدلّاً على ذلك بأنّ البيان موجود؛ لأنّ البيان تمّ من ناحية الشارع، وذلك بوصول الكبرى والحكم 

ــــــــــ[256]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الشرعي من قبله. ولا يترقّب في حق الشارع أنّ يبني المصاديق الخارجية: هذا خمر أو سكنجبيل. فما هو البيان الذي هو: عبارة عن الخطاب الشرعي الصادر من قبيل الشارع قد وصل إلى المكلّف فيكون العقاب عقاباً مع البيان لا عقاباً بلا بيان.

والأكثر أنكروا هذا التشكيك، وذكروا أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لا فرق فيها بين الشبهات الموضوعية والحكمية، وذكروا في ذلك أسلوبين: أحدهما، بلحاظ الدلالة، والآخر بلحاظ الملاك.

أمّا بلحاظ الدلالة فذكروا: أنّ البيان عبارة عن الإظهار والإبراز، وهنا، الحكم بالنسبة إلى هذا الفرد لم يظهر؛ لأنّ ظهوره بالنسبة إليه فرع إحراز الكبرى والصغرى، وهنا، لم تُحرز الصغرى، فالبيان غير محقّق. كونهم عاملوا مع هذه العبارة معاملة رواية عن الإمام وصاروا في مقام الاستظهار والتحفّظ على خصوص كلمة (البيان) ودعوى إطلاقها لمحلّ الكلام.

والأسلوب الآخر، من ناحية الملاك، حيث ذكروا: إنّ ملاك قاعدة قبح العقاب بلا بيان ليس هو تقصير الشارع في مقام إيصال حكمه، حتّى يقال: إنه لا تقصير للشارع في مقام حكمه في الشبهات الموضوعية. بل ملاك هذه القاعدة هو قبح العقاب على التكليف المشكوك، سواءٌ كان الشكّ فيه وعدم وصوله من ناحية الشارع، أو من ناحية أخرى. ومن العقاب على التكليف المشكوك عقاب على عمل بلا مقتضي، ومرجع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، هو قبح العقاب على أنّه لماذا لم تعمل العمل الفلاني، مع أنّه لا مقتضي لعمله. المولى 

ــــــــــ[257]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

يقول له: لماذا لم تدعُ عند رؤية الهلال، مع أنّه لا مقتضى لأنّ يدعو، إمّا لأنّه لم يصل إليه أصل الوجوب وهذه هي الشبهة الحكمية، وأمّا لأنّه لم يرَ الهلال، وهذه هي الشبهة الموضوعية، أو رأى شيئاً فشكّ أنّه حلال أو لا. 

هذه كلمات القوم.

نفس وقوع النزاع في هذا المطلب نستفيد منه نحن، المنكرون لقاعدة قبح العقاب بلا بيان. حيث إنّه يكشف عن أنّ الملاك الُمدّعى لهؤلاء الاعلام في قاعدة قبح العقاب بلا بيان ليس ملاكاً بديهياً لا يقبل الشكّ، ولا يقبل الغموض. فإنّهم يذكرون أنّ ملاك هذه القاعدة في الشبهات الموضوعية والحكمية واحد، فنعرف من تفصيل المفصّل بينهما، أنّه هو أيضاً لم يدرك هذا الملاك مثلنا، وإنّما أدرك ملاكاً آخر، ومبنياً عليه فصّل بين الشبهة الحكمية والموضوعية. وما أدركه هو من الملاك ينكره الأعلام، وما أدركه الأعلام من الملاك، الذي لا يفرق فيه لم يدركه. فبحسب الحقيقة نستفيد من هذا الخلاف عدم بداهة هذه القاعدة؛ لأنّها لو كانت بديهه لا يقع النزاع بهذا النحو، ولا يقع هذا المفصّل في مقام نقضها، وعدم إدراك ملاكها. نفس هذا هو مؤيد، لكون هذه القاعدة ناشئة من التفكير العلمي، لا من السذاجة العقلية الفطرية.

[تعليق على النزاع في المقام]

وأمّا تعليقنا على هذا النزاع، فإنّ ما ذكروه من تعميم القاعدة بالأسلوب الأوّل من باب أنّ البيان لغة يشمل معناه الإظهار، والإظهار مساوق مع العلم، ولا علم مع الشكّ فهذا كلام في غير محلّه؛ لأنّ القاعدة ليست دليلاً 

ــــــــــ[258]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

لفظياً، حتّى يقع البحث في ظهوره، وإنّما هي من المدركات العقل العملي على فرض وجودها. 

وأمّا الأسلوب الثاني، وهو بيان كون الملاك واحداً. فهذا الملاك الذي يذكرونه أشرنا إليه في بحث قاعدة قبح العقاب بلا بيان وحاصله: عبارة عن إرجاع قاعدة قبح العقاب بلا بيان إلى قبح العقاب، على ترك عمل لا مقتضي لأنّ يعمله. ويقولون: إنّ العمل في موارد الشبه الحكمية، أو الموضوعية لا مقتضي لأنّ يعمله المكلّف؛ لأن المقتضي إنّما هو التكليف بوجوده الواصل، ولا تكليف واصل، لا في موارد الشبهات الحكمية، ولا الموضوعية.

ذكرنا فيما سبق، أنّ هذا الكلام لا محصّله له، ولا يمكن التكرار إلّا على نحو الإجمال والاختصار، فنقول: ما معنى أنّه لا مقتضي، في قولهم: أنّه بقبح العقاب على عمل لا مقتضي لأنّ يعمله. لابدَّ وأن يراد بعدم الاقتضاء هنا يعني عدم المقتضي المولوي، أنّه لا موجب من ناحية حقّ المولى لأن يعمل هذا العمل، يرجع بالنتيجة إلى أنّه يقبح للمولى أن يعاقب على ترك عمل، لا مقتضي مولوي لأن يعمل العبد هذا العمل.

 هذا الكلام بهذا النحو صحيح. إلّا أنّ الكلام أنّه من الذي يحدّد أنّه هناك مقتضٍ مولوي، أو ليس هنا مقتضٍ مولوي. الكلام في أنّه في موارد الشبهة الحكمية، أو الموضوعية هل هناك مقتضٍ مولوي أو لا؟ والمقتضي المولوي هو تنجّز التكليف، فإنّه إذا كان التكليف منجّزاً فالمقتضي المولوي موجود وهو حكم العقل بوجوب إطاعة التكاليف المنجّزة، وإذا كان غير منجّز فالمقتضي المولوي غير موجود.

ــــــــــ[259]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

إذن، نرجع هذه الصيغة بعد التحليل إلى أنّه: يقبح من المولى أن يعاقب العبد على ترك عمل، ومخالفة تكليف غير منجّز.

 وهذه الصيغة أيضاً صحيحة، لكن عجباً هل أن التكليف المشكوك بنحو الشبهة الحكمية، أو الموضوعية منجّزاً أو غير منجّز؟! محلّ الإشكال هنا، والقاعدة بهذه الصيغة لا تثبت موضوعها، وهل أنّ التكليف المشكوك منجّز أو لا، فهو لا يمكن أن يستفاد من مثل هذه الصيغة.

إذن، كيف نعرف أنّ التكليف الواقعي المشكوك هل هو منجّز أو غير منجّز، هنا يجب أن نرجع -كما بيّنا- إلى معرفة مقدار حقّ المولى. وهذا هو الذي أُغفل في مقام البحث، وحُرِف البحث عنه إلى مثل هذه الصيغة التي لا إشكال فيها. نرى أنّ مولانا ما هو مقدار حقّه علينا، هل له المولويّة وحقّ الطاعة في التكليف المعلومة فقط، أو في التكاليف المشكوكة أيضاً. هذا هو محلّ البحث، لا أنّه يقبح من المولى أن يعاقب بلا مقتضي، بلا حقّ، بلا تكليف منجّز بلا موجب، كلّ هذه الكلمات، ترتيب ألفاظ لتحصيل معنى لا إشكال فيه بالبداهة. وإنّما الذي فيه إشكال هو تشخيص صغرى هذه المعاني الكلّية، وهو وجود المحرّك والمقتضي المولوي، والتكليف المنجّز، وكلّ هذا لا تفي به هذه الصيغ المنشأة بشكل القاعدة الكلية فإنّها لا تحرز موضوعها.

وقد قلنا أيضاً فيما سبق: إنّه غير المولى الحقيقي من الموالي الآخرين أيضاً يجري فيهم هذا البحث، في تكاليف الحكومة أوالأب، في التكاليف الحكمية، والموضوعية، هل تجري البراءة، أيضاً يرجع البحث بالدّقة إلى مقدار مولوية الحكومة أو الأب، ومقدار حقّ الطاعة. لكن هناك حيث إنّ هذه المولويات 

ــــــــــ[260]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

جعلية، ففي مقام معرفة ذلك نرجع إلى الجاعل، لنسأل منه: أنك الذي جعل الحكومة أو الأب مولى، جعلتهم مولى بأي مقدار، هل بمقدار التكاليف المعلومة فقط؟ إذن، فالعقاب على المشكوك عقاب بلا موجب. أو بمقادر التكاليف المعلومة والمشكوكة؟

وبحسب الخارج، المتعارف في هذا المجتمع البشري الذي يعيش فيه، هو كون المولويات المجعولة، مجعولة في التكاليف المعلومة لا أكثر من هذا المقدار. والمجتمع البشري لم يتواضع ولم يتعارف على جعل المولويّة، حتّى في التكاليف المشكوكة، ومن هنا نشأ ارتكاز البراءة العقلية. إلّا أنّ هذه البراءة نشأت من ضيق في جعل المولويات في المجتمع البشري، وقد طُبّقت هذه البراءة العقلية حتّى على المولويّة التي لم تُجعل من قبل جاعل، وهي مولوية الله تعالى. فإنّها ليست مجعولة من قبل جاعل حتّى من قبل نفسه، حتّى نرجع إلى دليل ذلك الجعل لنرى أنّ دائرة هذا الجعل وسيعة أو ضيقة، بل هي مولوية ذاتية يدركها العقل الإنساني بمقدارٍ ما أُوتي من تفتّح بالنسبة إلى الحقائق النفس الأمرية.

 والشيء الذي نحن ندركه أنّ الله مولانا في التكاليف المعلومة والمشكوكة معاً، لا المعلومة فقط، يعني للمولى على العبد حقّ الطاعة في التكاليف المعلومة لأن يمتثل، وفي المشكوكة، إذا شك(1) العبد في تكليف واحتمل أنّ الله سبحانه 

ــــــــــ[261]ــــــــــ

() الشيء الذي أدركه أنا هو: أنّ حقّ الطاعة إنّما يكون ثابتاً في التكاليف المشكوكة إن كانت على تقدير وجودها مقطوعة الأهّمية لا مشكوكة الأهمية في نظر المولى. وعلى الثاني من الممكن إنكار حكم العقل بحق الطاعة فيجب الاحتياط على الأوّل دون الثاني. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

لا يرضى بتفويته، حتّى في حالة الشكّ، هنا من حقّ المولى عليه، أن يطيع بنحو الاحتياط. إذن فدائرة الحقّ وسيعة. ونفس السعة

كنفس حقّ الطاعة للمولى، لا يمكن أن يُبرهن عليه؛ لأنّ هذا من المدركات الأولية للعقل، لا من المدركات البرهانية، حتّى تخضع لباب البرهان.

وحينئذٍ، يكون حقّ الطاعة ثابتاً في التكاليف المشكوكة، وحينئذٍ، تخرج الشبهة عن كونها مصداقاً لتلك الصيغ الكليّة، التي يتحدّث عنها الأصوليون. فإنّ الموجب والمقتضي للعقاب موجود، والتكليف المنجز موجود، فيخرج المورد عن هذه العناوين الكليّة التي سُمّيت البراءة العقلية عندهم. فالبراءة العقلية لا أساس لها إذن.

ويكفينا في مقام إثبات البراءة في الشبهات الموضوعية، الأدلّة الشرعية، كما كفانا ذلك في الشبهات الحكمية. إذن، فالصحيح هو جريان البراءة في الشبهات الموضوعية، فيما إذا كان الشكّ في أصل التكليف.

يبقى الكلام في تميز موارد جريان البراءة، بعد الفراغ عن أصل الكبرى، وأنّه حتّى يكون الشكّ في أصل التكليف، وحتّى يكون في المكلّف به في الشبهات الموضوعية.

متى يكون الشكّ في أصل التكليف؟ ومتى يكون في المكلّف به؟ 

بعد أنّ بيّنا في هذا التنبيه الثالث جريان البراءة في الشبهات الموضوعية، قلنا: إنّه يقع الكلام بعد الفراغ عن هذه الكبرى في تمييز موارد جريان البراءة في 

ــــــــــ[262]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الشبهات الموضوعية، أي في تمييز موارد الشكّ عن موارد الشكّ المكلّف به، حيث إنّ مجرى البراءة هو الأوّل، ومجرى الاشتغال هو الثاني. فيقع الكلام في ضابط التمييز ما بين موارد أصالة البراءة من الشبهات الموضوعية، وموارد أصالة الاشتغال منها.

وقد ذكر المحقّق النائيني، في مقام بيان ضابط التمييز بين هذين القسمين من الموارد: أنّه متى كان الشكّ في شيء يستتبع التكليف فيكون مورداً لأصالة البراءة. وأمّا إذا كان ما يستتبع التكليف مفروغاً عنه، وليس محطّاً للشكّ، والشكّ في المراحل المتأخّرة عن تلك المرحلة، فهو مجرى أصالة الاشتغال. هذا هو العنوان الكلّي المُدّعى هنا(1).

تفصيل رأي الميرزا في المقام  

ثم فصّل وأفاد في مقام توضيح الضابط وتطبيقه على الموارد: أنّ متعلّقات التكاليف الإلهية على قسمين: 

تارةً: تكون سنخ متعلّقات قائمة بأنفسها، غير مرتبطة بأي موضوع خارجي أيضاً، من قبيل الكلام أو الغناء -مثلاً- فإنّه فعل اختياري للفاعل، يعقل تعلّق التكليف الشرعي به بحثاً أو زجراً، وليس له تعلّق بأي موضوع خارجي. نعم، قد يُفرَض ذلك مع إعمال عناية، كما لو قيل تكلّم مع العالم، فحينئذٍ، يكون العالم موضوعاً. وأمّا صرف الكلام فهو فعل اختياري ليس له تعلّق بموضوع خارجي.

ــــــــــ[263]ــــــــــ

(1) انظر: رسالة في حكم اللباس المشكوك، 252-258.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

القسم الثاني: هو الأفعال الاختيارية ذات التعلّق بموضوع خارجي. كالإكرام -مثلاً- فإنّه فعل له تعلّق بموضوع خاجي؛ لأنّ الإكرام يحتاج إلى مُكرِم لا محالة. ويتعلّق به الحكم بلحاظ ذلك الموضوع.

أمّا القسم الأوّل: وهو ما إذا لم يكن لمتعلّقه تعلّق بموضوع خارجي أصلاً، فمثل هذا القسم، يكون التكليف فيه فعلياً بمجرّد فعلية وجود المكلّف خارجاً، واستجماعاً للشرائط العامّة للمكلّف، والقيود الخاصّة لو فُرِض وجودها. -مثلاً- لو فرضنا أنّ المولى حرّم الكلام بعد الظهر يوم السبت إلى المغرب. فهذا التكليف يكون فعلياً بمجرد استجماع الشرائط العامّة في المكلّف وتحقّق ظهر يوم السبت، يكون فعلياً بلا توقّف على تحقّق أي موضوع في الخارج، وكما أن فعلية هذا التكليف لا تتوقّف على فرض أي موضوع في الخارج، ويكفي في فعليّته مجرّد استجماع المكلّف للشرائط العامّة والخاصّة، كذلك يكفي في تنجّز هذا التكليف العلم(1) بهذه الشرائط العامّة والخاصّة؛ لأنَّ فعليّته لا تتوقّف على أكثر من ذلك، فالعلم به أيضاً لا يتوقّف على أكثر من العلم بذلك. فبمجرّد العلم(2) بذلك يصبح التكليف الفعلي معلوماً، وحينئذٍ، متى ما وقع شكّ في المرتبة المتأخّرة، يدخل في باب أنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ القيني. ولابدَّ من الاحتياط.

ــــــــــ[264]ــــــــــ

() علم المكلَف ( المقرّر). 

(2) العلم بالشرائط يستتبع العلم بفعلية التكليف وإذا علم بفعليته تنجز؛ لأنّ العلم بالتكليف الفعلي يوجب تنجّزه. فأي شكّ نفرضه بعد هذا فهو شك في تكليف منجّز وهو يكون مجرى لأصالة الاشتغال. (المحاضرة). (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

في هذه النقطة، وجد اختلاف بين تقريرات السيّد الأستاذ، وما كتبه المحقق نفسه في رسالة اللباس المشكوك. فالسيّد الأستاذ في التقريرات يقول بالنحو الذي بيّناه الآن: إنه متى ما تحقّق الشكّ فهو يرجع إلى أصالة الاشتغال لا محالة؛ إنّه شكّ في الفراغ بعد معلومية التكليف(1).

الميرزا في رسالة اللباس المشكوك يقول: بأنّه في هذا القسم الشبه الموضوعية للتكليف غير معقولة في نفسها، لا أنها متصوّرة وتكون مجرى لأصالة الاشتغال. كما هو ظاهر عبارة (أجود التقريرات). 

والنكتة في أنّها غير متصوّرة على ما ذكر، هو: إنّما هو تعلّق التكليف، إمّا أن نفرضه فعلاً مباشرياً للمكلّف كالكلام والغناء. وإما أن نفرضه عنواناً مسبّباً عن فعله كعنوان التعظيم أو الإحرام -مثلاً- بحيث لا يكون له موضوع بحسب الخارج.

إن فرضناه فعلاً مباشرياً، إذن، لا يعقل بعد فرض العلم باستجماع الشرائط العامّة للتكليف، لا يعقل فرض الشكّ في شيء أصلاً؛ لأنّ ما هو دخيل في فعلية التكليف معلوم بحسب الخارج، وما هو متعلّق التكليف لا يعقل الشكّ فيه، إذ كيف يعقل أنّ يشكّ الإنسان في صدور فعله الاختياري منه، أن يتكلّم أو لا يتكلّم. نعم، يمكن بعد هذا يشكّ أنّه هل صدر منه كلام أو لا، هل عصى أو امتثل، فيكون مجرى لأصالة الفراغ، أو أصالة الصحة، وهذا خارج عن محل الكلام، فإنّ الكلام إنّما هو في الشكّ في ظرف فعلية 

ــــــــــ[265]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 237.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

التكليف، وفي هذا الظرف لا يُتصوّر شكّ؛ لأنّ الشكّ إن كان فيما يستتبع التكليف، أي في القيود الدخيلة فهذا مفروض العدم؛ لأنّ التكليف ليس له موضوع حتّى يتوقّف فعليته على فعليته، أو الشرائط العامّة أيضاً معلوم. إذن، فلا شكّ من هذه الناحية. 

وأمّا الشكّ في متعلّق التكليف، فهو غير معقول أصلاً؛ لأنّ الفاعل المختار، لا معنى لأن يشكّ أنّه يمارس عمله الاختياري أو لا. فمن هنا لا يُعقل فرض الشبهة الموضوعية للتكليف.

وأمّا لو فُرِض أنّ متعلّق التكليف كان عنواناً محصّلاً كعنوان التعظيم فهنا يُعقل الشكّ؛ لأنّه لا يدري أنّه بقيامه هل حصل التعظيم أو لم يحصل، إلّا أنّ هذا يكون شكاً في المحصّل، ولا يكون من الشبهة الموضوعية للتكليف. يكون شكاً في المحصّل؛ لأنّ العلم بوجوب التعظيم ثابت ويشكّ في أنّه هل أتي بالمقدّمات التي توّلد الواجب أو لا. فيكون الشكّ أجنبياً عن دائرة الواجب بالمّرة. فيكون الشكّ في دائرة الواجب أمر غير معقول(1)؛ لا أنّه معقول، ويكون مجرى للاشتغال، كما هو ظاهر تقريرات السيّد الأستاذ(2).

هذا في القسم الأوّل، وهو المتعلّقات التي لا ربط بها بموضوع خارجي(3).

ــــــــــ[266]ــــــــــ

() انظر: رسالة في حكم اللباس المشكوك، المصدر السابق، 254. 

(2) انظر، أجود التقريرات، المصدر السابق. 

(3) وهنا قال جواباً على سؤال: أنّه إنما فرض العلم بالشرائط العامّة والخاصّة؛ لأنّه مع عدم العلم بها والشكّ بها، لا إشكال في جريان البراءة. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وأما القسم الثاني: وهو ما إذا فُرِض أنّ متعلّقات التكليف، كانت منوطة بموضوع خارجي، فقد قسّمها الميرزا في رسالة اللباس المشكوك إلى ثلاثة أنحاء: 

النحو الأوّل: أن تكون منوطة بموضوع خارجي، وأن يكون هذا الموضوع الخارجي فرداً وحدانياً شخصياً موجوداً في الخارج حين الجعل. من قبيل: صلِّ إلى القبلة، فإنّ الكعبة موجودة حىن الجعل.

النحو الثاني: أن نفرض أنّ الموضوع الخارجي، أُخذ على وجه كلّي لا على وجه جزئي، لكنّه أُخذ بصرف وجوده موضوعاً، من قبيل الماء في (توضأ بالماء). فالمتعلّق هو الوضوء، وهو له إناطة بموضوع خارجي وهو الماء، والماء لم يؤخذ على وجه جزئي في الخارج، بل أُخذ على وجه كلّي، لكن أُخذ على نحو صرف الوجود، فإنّه ليس يجب على المكلف أن يتوضأ بكلّ ماء، بل يجب عليه بماء ما.

النحو الثالث من القسم الثاني: هو أن يكون متعلّق منوطاً بموضوع خارجي، مأخوذ على وجه كلّي بنحو مطلق الوجود، لا بنحو صرف الوجود، من قبيل (إكرام العالم)، فإنّ الإكرام متعلّق بموضوع خارجي، وقد أُخذ موضوع على نحو كلّي، ولوحظ بنحو مطلق الوجود لا صرف الوجود(1).

ونحن نبدأ في هذا القسم الثاني بالنحو الأخير، وهو ما كان المتعلّق منوطاً بموضوع خارجي وكان الموضوع مأخوذاً على وجه كلّي بنحو مطلق الوجود. يقول: بأنّ هذا القسم يرجع إلى جعل الحكم على نهج القضيّة الحقيقية، بحيث 

ــــــــــ[267]ــــــــــ

(1) انظر: رسالة في حكم اللباس المشكوك، 252-258.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

إنّ المولى يفترض وجود الموجود ويجعل عليه الحكم، بحيث تنحلّ هذه القضيّة الحقيقية إلى قضيّة شرطية مقدّمها وجود الموضوع، وجزاؤها وجود الحكم، لو كان هناك عالم يجب إكرامه. فتنحلّ بعدد أفراد الموضوع؛ لأنّ الموضوع أُخذ بنحو المطلق الوجود، لا بنحو صرف الوجود. فتنحلّ هذه الشرطية إلى قضاية شرطية بعدد أفراد الموضوع، فكلّ فرد من الموضوع موضوع في قضيّة شرطية انحلالية لفرد من الحكم يستتبع ذلك الفرد، وتكون فعلية كلّ جزاء منوطة لفعلية الشرط في تلك القضيّة الشرطية. ففعلية وجوب إكرام هذا العالم فرع فعلية هذا العلم. وهكذا إلى آخر هذه الأخبار؟ 

وحينئذٍ، فهنا يُتصوّر الشبهة الموضوعية في أصل التكليف، فيما إذا شكّ أصل وجود العلم عند هذا الشخص وعدمه. فهذه شبهة موضوعية لأصل التكليف؛ لأنّنا قلنا: إن العلم يكون كلّ فرد منه موضوعاً مستتبعاً لفرد من الحكم، فإذا فُرِض أنّنا شككنا في الموضوع، فلا محالة نشك في الفرد المستتبع له.

يقول: وبتعبير آخر: إنّ فعلية الحكم المجعول على نهج القضيّة الحقيقية يتوقف على أمرين: أحدهما أصل الجعل وهو الكبرى، والآخر وجو د الموضوع وهو الصغرى، وحيث إنّ فعلية الحكم تتوقّف على هذين الأمرين. إذن، تنجّز الحكم يتوقّف على العلم بكلا هذين الأمرين: العلم بالجعل، وبوجود الموضوع. فمع عدم العلم بوجود الموضوع خارجاً لاعلم بفعلية الحكم، ومع عدم العلم بفعليّته، يكون الشكّ شكّاً في التكليف وتجرى حينئذٍ البراءة (1).

ــــــــــ[268]ــــــــــ

(1) انظر: المصدر السابق، 253-254.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

هذا في النحو الثالث من القسم الثاني. ونؤجل الكلام الآن في النحوين الأولين من القسم الثاني، إلى مابعد الفراغ من التعليق على القسمين الأوّل، وهذا النحو الثالث من القسم الثاني. لأنّه يصير أوضح حينئذٍ.

مناقشته 

أمّا ماذكره في القسم الأوّل، وهو في المتعلّقات التي ليس لها إناطة بموضوع خارجي، فإنّه أفاد في المقام على مافي رسالته: أنّ الشبهة الموضوعية للتكليف غير متصوّرة هنا، وأُفيد من تقريرات بحثه أنّ الشكّ هنا كأنّه مجرى لأصالة الاشتغال.

ما أفاده هنا من أنّ الشكّ غير متصوّر. مّما لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لأنّه ردّد الأمر مابين شقّين، إمّا أن يكون متعلّق التكليف هو ذات الفعل الاختياري كالكلام، وإمّا أن يكون متعلّقه هو العنوان المسبّب عن الكلام كالتعظيم. فإن كان الأوّل، فلا يعقل أن يشكّ فيه المكلّف، إذ أنّه لو فُرِض أنّه يشكّ في ما يستتبع التكليف فهو خلف؛ لأنّ ما يستتبع التكليف، إمّا الشرائط، وإمّا الموضوع، فقد فرضنا أنّ التكليف ليس له موضوع.

 وأمّا الشرائط فقد فُرِض العلم بها. وأنّ كان الشكّ في متعلّق التكليف، فهو أمره غير معقول؛ لاّنّه فعل اختياري، ولا معنى لأن يشكّ المكلّف في أنّه يتكلّم أو لا. وإن كان عنواناً مسبّباً فيرجع إلى الشكّ في المحصّل.

نحن نقول: بأنّه يمكن فرض الشكّ في انطباق عنوان المتعلّق على الفرد الخارجي، فيما إذا فُرِض أنّ المتعلّق كان فعلاً اختيارياً محدود بحدود خاصّة، 

ــــــــــ[269]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بحيث يكون قابلاً للشكّ حتّى من قبل فاعل ذلك الفعل المحدود. افرضوا أنّ المتعلّق ليس هو طبيعي الكلام، أو الحركة، بل ما هو مخصوص بخصوصيّته، نفرض أنّ المولى ينهى عن رسم دائرتين متساويتين. فهذا فعل اختياري مباشري بالمكلّف، إلّا أنّه أُخذ محدوداً بحدّ وهو حدّ التساوي ما بين الصورتين، وهذا الحدّ قابل للشك حتّى من قبل نفس الفاعل في اثناء الفعل، لأنّ حدود الفعل وعلاقات بعض أجزائه مع بعض، ليست غير قابلة للشكّ، بل هي قابلة للشك من قبل الفاعل.

فلو حرّم المولى رسم دائرتين متساويتين، فقد يحصل الشكّ في أنّ هذا العنوان المحرّم هل ينطبق على رسم مثل هاتين الدائرتين أو لا؟ لعدم العلم بتساويهما وعدمه. فالشكّ هنا، لم ينشأ من ناحية الشكّ في الموضوع، حتّى يقال إنّ هذا التكليف لا موضوع له، ولم ينشأ من ناحية الشكّ في الشرائط العامّة أو الخاصّة، حتّى يقال أنّ المفروض هو العلم بها، بل نشأ من ناحية الشكّ في انطباق عنوان المتعلّق على حصّة من الحصص المفروضة، التي يريد المكلّف أن يأتي بها بحسب الخارج.

فالمكلف يرسم دائرتين ولا يدري أنّ هذا الرسم هل هو مصداق للعنوان الذي تعلّق به الحرمة أو لا. فيكون حرمة هذا مشكوكاً لا محالة، إذا كان اتصاف فعل بالحرمة يتوقف على فعلية الموضوع، كذلك يتوقّف على فعلية انطباق عنوان الحرام عليه، إذ ما لم ينطبق ذلك عليه لا يكون حراماً. إذن، يُتصوّر الشكّ في المقام بهذا النحو. يشكّ في انطباق المتعلّق بقطع النظر عن 

ــــــــــ[270]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الموضوع. فلابدَّ من بحث بأنّ هذا هل هو مجرى لأصلة البراءة، أو الاشتغال.

فدعوى أنّه لا يُتصوّر في المقام شك، غير صحيح، بل يُتصوّر الشكّ في انطباق نفس عنوان المتعلّق على حصّة من الفعل الخارجي، فيما إذا فُرِض أن عنوان المتعلّق كان فعلاً اختيارياً مباشرياًّ محدداً بحدود قابلة لأن يُشكّ فيها حتّى من قبل الفاعل. وحينئذٍ، لابدَّ من البحث في أنّ هذا مجرى للبراءة أو مجرى لأصالة الاشتغال. هذا بالنسبة إلى القسم الأوّل.

وأما بالنسبة إلى النحو الثالث من القسم الثاني: وهو ما إذا فُرِض أنّ المتعلّق كان مرتبطاً بموضوع مأخوذ على وجه كلّي بنحو مطلق. 

في هذا النحو الثالث(1) من القسم الثاني استشكل المحقّق الاصفهاني في حاشيته على المحقّق النائيني: في أنّ جريان البراءة هنا لا يتوقّف على فرض كون الحكم مجعولاً نهج القضيّة الحقيقية، كما فرض الميرزا، بل حتّى في القضايا الخارجية لو شُكّ أيضاً تجري البراءة. كما لو قال المولى: يحرم عليك أن تشرب من المياه الموجودة في هذا المخيّم. فهذه قضيّة خارجية؛ لأنّ أفرادها هي الأفراد 

ــــــــــ[271]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: إنّ هذا المقدار من كلام المرزا صحيح، وهو أنّه إذا كان متعلّق الأمر عنواناً توليدياً، وكان الشكّ فيما يولده، فهو مجرى لأصالة الاشتغال. كالتعظيم، فإنّه يكون شكّاً في المحصّل، لا محالة؛ لأنّ عنوان التعظيم واجب على أي حال. ويشك في أنّ هذا يحصّله أو لا يحصّله، فهو شك في الفراغ، بخلافه هنا؟

وقال جواباً على سؤال آخر: أنّ تقريب السيّد الأستاذ لا يُتكلّم فيه ثُّمّ قال: في هذا النحو الثالث… (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

المحقّقة الوجود، لا الأعمّ منها ومن المقدّرة. وشككنا أن هذا الماء هل هي من المياه الموجودة في ذلك المخيّم أو لا. فهذه شبهة موضوعية، والشكّ شكٌّ في أصل التكليف فتجري البراءة فيه. ففرض كون القضيّة حقيقية، وجعل ذلك من مبادئ جريان البراءة في الشبهة الموضوعية في غير محلّه، بعد تسليم جريانها فيما إذا كان الحكم مجعولاً على نهج القضيّة الخارجية(1).

[توضيح للضابط الذي ذكره المحقق النائيني] 

كان الكلام في الضابط الذي ذكره المحقّق النائيني لتمييز موارد الرجوع إلى البراءة في الشبهات المصداقية، أو الموضوعية، عن موارد الرجوع إلى أصالة الاشتغال، الموارد الشكّ في التكليف، وموارد الشكّ في المكلّف به. وبيان هذا المطلب بالطرف الذي ذكره النائيني في رسالته المقصودة للباس المشكوك، لا يخلو عن غموض في التعبير، إلّا إننا سوف نبين نفس المطلب بتوضيح منا فنقول: 

 جوهر ما أفاده، هو دعوى أن الضابط في جريان البراءة في الشبهات المصداقية الموضوعية، هو أن يكون مركز الشكّ في شيء يستتبع التكليف، فمتى كان الشكّ في شيء يستتبع التكليف كان مجرى للبراءة، إذ أنّ الشكّ بالمستتبع شكّ في المستتبع، فلا محالة يكون الشكّ في أصل التكليف فتجري البراءة. وأمّا إذا لم يكن هناك شيء فيما يستتبع التكليف، بل كان ماله دخل في التكليف معلوم، فلا محالة يدخل في كبرى أنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

وتفصيل هذا الضابط: أنّ التكليف له أطراف ثلاثة: أحدهما المتعلّق، 

ــــــــــ[272]ــــــــــ

(1)  انظر: نهاية الدراية 4: 204.  

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

كشرب الخمر في (لا تشرب الخمر)، والصلاة في (صلّ)، والآخر موضوع التكليف. ومرادنا من الموضوع هنا، متعلّق المتعلّق أي ذلك الشيء الخارجي الذي يكون متعلّق التكليف مربوطاً به، كالخمر بالنسبة إلى شرب الخمر، وكالقبلة بالنسبة إلى الصلاة إلى القبلة. الطرف الثالث للتكليف: القيود المأخوذة بنفس التكليف، وهي عبارة عن الشرائط العامّة والخاصّة، كالبلوغ والعقل، ودخول الوقت، أو الاستطاعة.

وهذه الأطراف الثلاثة كلّها مجتمعة في وجوب الحجّ، فإنّ متعلّقه هو الحج، وموضوعه هو بيت الله الحرام، والموقف، وقيود وجوب الحجّ هو الاستطاعة، مضافاً إلى الشرائط العامّة.

والشكّ تارةً لا يكون في شيء من هذه الأطراف الثلاثة، بل يكون في نفس التكليف، فهذه شبهة حكمية لا مصداقية.

وأمّا إذا فُرِض أنّ الشكّ لم ينصب ابتداءً على حاق التكليف، فلابدَّ أن يكون منصبّاً على أحد الأطراف، المتعلّق أو الموضوع أو الشرائط والقيود. وحينئذٍ، فيُتكلّم في كلّ واحد من هذه. وهنا نبدأ من الثالث.

[إذا كان مركز الشك هو القيود]  

أمّا القيود والشرائط الدخيلة العامّة أوالخاصّة في التكليف من قبيل الاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحجّ، فالشكّ فيها دائماً يكون مجرى لأصالة البراءة ويكون شكّاً في التكليف. 

والوجه في هذا واضح؛ لانطباق الضابط الذي ذكرناه بالنسبة إليه، حيث 

ــــــــــ[273]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

إنّه شكّ فيما يستتبع التكليف؛ لأنّ هذه القيود أُخذت مفروضة الوجود، وعلى نهج القضيّة الشرطية في مقام جعل التكليف، فلا محالة يكون الشكّ في الإستطاعة شكّاً فيما يستتبع التكليف، والشكّ في الشرط يكون مساوقاً للشكّ في الجزاء لا محالة. فيكون التكليف مشكوكاً فيكون مجرى للبراءة.

[إذا كان مركز الشك هو الموضوع]

وإمّا إذا فرضنا أنّ مركز الشكّ كان هو الموضوع، أي متعلّق المتعلّق، فأخذ الموضوع يكون على أنحاء: 

تارةً: يكون مأخوذاً بما هو فرد جزئي مشخّص، موجود في الخارج، كالقبلة، فقد قال الشارع استقبل هذا المكان الموجود في الخارج. 

وأخرى: يكون الموضوع مأخوذاً على نهج كلّي، أي بما هو عنوان كلّي لأفراد كثيرة، إلّا أنّه أُخذ بمقدار صرف وجود ذلك الكلّي لا أكثر، كما هو الحال في الماء المأخوذ موضوعاً لوجوب الوضوء، ولهذا يكفي لوجود ماء واحد في وجوب الوضوء فيه، ولا يحتاج إلى وجود تمام المياه في العالم. وثالثة: يكون ماخوذاً على وجه كلّي بنحو مطلق الوجود، كما في إكرام العالم فإنّ العالم هنا، موضوع أُخذ بنحو مطلق الوجود، لا بنحو صرف الوجود.

إن فُرِض الأوّل، أي كان الموضوع مأخوذاً بما هو موجود جزئي متشخّص في الخارج، فلا معنى للشكّ فيه؛ لأنّه خلف، إذا فرضنا أنّ الموضوع هو جزئي، متشخص مفروض الثبوت في الخارج، وليس أمراً كليّاً لُيشكّ في انطباقه وعدمه. فالشكّ هنا ممّا لا معنى له.

ــــــــــ[274]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وأمّا إذا فرضنا أنّ الموضوع أُخذ على وجه كلّي، بنحو صرف الوجود، كما في (توضأ بالماء). فهنا تارةً يُشكّ في صرف أصل وجود الماء، وعدم وجوده، فيكون هذا شكّاً في الموضوع، ولا محالة يكون شكّاً فيما يستتبع التكليف؛ لأنّ صرف الوجود هنا يستتبع وجوب الوضوء لا محالة، فنجري البراءة في مثل ذلك إذا لم تكن هناك عناية زائدة سوف يُشار إليها خلال البحث.

وأمّا علمنا بأصل وجود الماء، ولكن شككنا أنّ هذا أيضاً ماء كذلك أو لا؟  أي شككنا في فرد آخر من الماء. هذا لا يرجع إلى الشكّ فيما يستتبع التكليف؛ لأنَّ موضوع التكليف هو صرف الوجود، وعلى فرض أن يكون هذا الثاني أيضاً ماء، فهو لا يستتبع تكليفاً، بل هو يوسّع دائرة الامتثال، لا أكثر من ذلك. إذن، فهو ليس شكّاً بما يستتبع التكليف، فيكون مجرى لأصالة الاشتغال؛ لأنّه شكّ في سعة دائرة الامتثال وضيقها، فلابدَّ من إحراز الامتثال بالتوضّي فيما يُعلم كونه ماء، ولا يكفي التوضّي بما يُشكّ فيه.

وأما إذا فُرِض أنّه أُخذ بما هو مطلق الوجود موضوعاً، كما في (أكرم) فهذه تكون قضيّة شرطية منحلّة على نهج القضاية الحقيقية، إلى قضايا شرطية عديدة بعدد الأفراد المفروضة للموضوع. وكلّ قضيّة منها شرطها فرد من الموضوع، وجزاؤها فرد من الحكم. وهذا الفرد من الحكم متوقّف في فعليته على ذلك الفرد من الحكم. وهنا يكون الشكّ في موضوع أمراً معقولاً، بأنّ أشكّ بأنّ زيداً عالم أو ليس بعالم، وهو شكّ فيما يستتبع التكليف لا محالة؛ لأنّنا فرضنا أنّ كلّ فرد في الموضوع يتسبّب بالانحلال فرداً من الحكم. فيكون مجرى للبراءة 

ــــــــــ[275]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

أيضاً. حيث إنّ فعلية الحكم فرع فعلية موضوعه، فما لم يُحرز موضوعه، لم يُحرز التكليف، فيكون مجرى للبراءة.

[إذا كان مركز الشك هو المتعلق]

أمّا المركز الثالث، وهو ما إذا كان الشكّ في المتعلّق: يقول: إنّ الشكّ في المتعلّق في بعض الموارد غير معقول، وفي بعضها يكون معقولاً، له حكم وهو إمّا البراءة وإمّا الاشتغال.

وذلك؛ لأنّ التكليف، إمّا أن لا يكون لمتعلّقه من موضوع خارجي أصلاً، وليس له ارتباط بموضوع خارجي بوجه من الوجوه، كـ(تكلّم) أو لا تغنّي، فهنا الشكّ في المتعلّق غير معقول في نفسه، إلا بإرجاعه إلى الشكّ في المحصّل؛ وذلك لأنّ المتعلّق إمّا أن يكون فعلاً إختياريّاً مباشرياً للمكلّف، أو عنواناً توليديّاً. 

فعلى الأوّل كالكلام، والغناء فالشكّ فيه غير معقول، كيف يشكّ الإنسان أنّه بالفعل يتحرّك أو لا يتحرّك؟! نعم، يُعقل الشكّ بعد الفراغ، الذي هو مجرى لقاعدة الفراغ لو تّمت شروطها. وهذا خارج عن محلّ الكلام، وأمّا لو كان عنواناً توليديّاً فالشكّ دائماً يكون في مقدّماته، ويرجع إلى الشكّ في المحصّل، وتجري حينئذٍ، أصالة الاشتغال. فلا يكون الشكّ في المتعلّق أيضاً، وإنّما يكون في مقدّماته. فالشكّ في المتعلّق غير متصوّر في التكاليف التي ليس لها موضوع.

وأمّا التكاليف التي لها موضوع، ونفرض أنّنا أحرزنا موضوعها، وهنا 

ــــــــــ[276]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

يُعقل الشكّ في متعلّقه، أن ينصبّ الشكّ على المتعلّق، بلحاظ عدم إحراز نسبة المتعلّق إلى الموضوع. افرضوا أنّ الوقوف بالموقف واجب، والإفاضة عنه حرام قبل المغرب، فهذا الحكم له موضوع وهو الموقف بحدوده، ومتعلّقه هو الوقوف فيه، أو الإفاضة عنه. هنا يُعقل الشكّ في المتعلّق وهوالوقوف، من ناحية الشكّ في النسبة إلى الموضوع الخارجي؛ وذلك بأن نفرض بأنّ الموضوع الخارجي -وجود الموقف- كان مردّداً بين الأقل والأكثر، فهنا ليس شكّنا في أصل وجود الموضوع، المستتبع لفعلية التكليف، فإنّ أرض الموقف موجودة، إلّا أن الشكّ في أنّ هذه الأرض التي تستتبع التكليف، هل هي واسعة أو ضيقة من ناحية الشبهة الموضوعية، لظلمة أو نحوها -لا من ناحية الشبهة الحكمية ليخرج عن محلّ الكلام- فيصير الشكّ هنا في الحقيقية في المتعلّق؛ إذ لا يدري أنّ هذا الوقوف، هل هو وقف المشعرأو لا؟ هذه إفاضة عنه أم لا. فيعقل الشكّ في المتعلّق من هذه الناحية.

وهنا فصّل بين الشبهة الوجوبية، والشبهة التحريمية، فذكر أنّه في الشبه الوجوبية يجب الاحتياط، ولا تجري البراءة، فيجب على المكلّف أن يقف فيما يتيقّن أنّه من الموقف، ولا يكفي أن يقف فيما يُشكّ فيه. وفي الشبه التحريميّة قال بالبراءة، فيجوز بهذه الإفاضة قبل الغروب. من متيقن الموقفيّة إلى مشكوكها، بعد إنهاء الواجب.

وذكر في نكتة ذلك، أنّه في الطلب الوجوبي، هو طلب فعل يكون مصداقاً للعنوان المأمور به، فعل ينطبّق على المأمور به، بحيث أنّه مضافاً إلى ذات الفعل، انطباقه على المأمور به أيضاً تحت الطلب. فإذا كانت تحت الطلب، ويُشكّ في 

ــــــــــ[277]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

تحقّقها خارجاً، إذ يُشكّ في أنّه هل تحقّق منه وقوف، بحيث ينطبق على العنوان المأمور أو لا ينطبق. فحينئذٍ، يكون من موارد الشكّ في الامتثال؛ لأنّ موارد الشكّ في أصل التكليف، فتجرى أصالة الاشتغال لا البراءة.

وأمّا في جانب الطلب التحريمي، فهذه الخصوصية، وهي خصوصية أن يكون الفعل، بحيث ينطبق على العنوان المأخوذ في المأمور به، ليست تحت الطلب التحريمي، فإنّ المولى لا يطلب في باب المحرمات أن يكون الفعل مصداقاً للعنوان المحرّم، بل يزجر عن الفعل، ويطلب تركه لو كان مصداقاً للفعل المحرّم. فكونه مصداقاً للفعل المحرّم، للعنوان الذي أُخذ في متعلّق التكليف، في باب الطلب الوجودي أُخذ تحت الطلب فيجب إحرازه، في باب الطلب التحريمي أُخذ قيداً في نفس التحريم، فحينئذٍ، يرجع الشكّ في المصداقية وعدمها إلى الشكّ في قيد من قيود الحرمة، فيدخل في قسم سابق، فحينئذٍ، يكون شكّاً فيما يستتبع التكليف، فتجري البراءة.

هذا تمام ما افاده المحقق النائينئ لكن بتغيّر في البيان(1).

[تنقيح المطلب] 

أمّا الضابط والعنوان الكلّي الذي ذكره، وهو أنّ الشكّ إذا كان ما يستتبع التكليف، فيكون مجرى للبراءة، وإنّ لم يكن في ذلك فلا يكون مجرى لها. فهو بظاهره من دون تأويل غير معقول، بل لابدَّ من تبديله أو تأويله. وسوف يظهر الضابط بعد ذلك.

ــــــــــ[278]ــــــــــ

(1) انظر: رسالة في حكم اللباس المشكوك، 254-255.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وأما هذه الأقسام، فالشكّ تارةً يكون متعلّقاً بالقيد وأخرى بالموضوع وأخرى متعلّقاً، ومنصبّاً على المتعلّق. أمّا المنصب على المتعلّق. يقول: أنّه إذا لم يكن للتكليف موضوع فهذا الشكّ غير معقول، وإن كان له موضوع فيُعقل فيه الشكّ ويفصل بين ما إذا كان الطلب وجوبياً، أو يكون تحليلياً.

هذا فيه نظران: النظر الأوّل: هو عدم معقولية الشكّ فيما إذا لم يكن للتكليف موضوع، فإنّنا ذكرنا سابقاً: إنّ التكليف، ليس ينحصر أن يكون متعلّقه، إمّا ذات الفعل الاختياري العاري. وإمّا العنوان التوليدي، بل يمكن أن يكون متعلّق التكليف، الذي ليس له موضوع أن يكون فعلاً اختيارياً، لكن غير عاري، بل محدّد بحدود ومقيّد بملابسات وبعلاقات بين أجزاء هذا الواجب، بحيث يمكن أن يُفرَض الشكّ في هذه العلاقات، من قبل الفاعل المختار في أثناء ممارسته للعمل الاختياري. هذا أمر معقول. ولا ينحصر في القسمين الذين ذكرهما، حتّى يتمّ برهاناً على استحالة تعلّق الشكّ بتعلّق التكليف في هذا القسم.

أمّا أن هذا، هل يكون مجرى للبراءة، فيما إذا شكّ في المتعلّق أو للاشتغال؟  نبيّن في القسم الثاني، الذي اعترف فيه بتصوّر الشكّ في المتعلّق. وهو: ما إذا كان للتكليف موضوع، اعترف أنّه يُتصوّر الشكّ في المتعلّق، لكنّه فصّل ما بين الشبهة الوجوبية، والتحريمية.

هذا الذي ذكره، صحيح بحسب الفطرة، إلّا أنّه ليس عنوان التفصيل هو هذا، الذي ذكره من التفصيل بين الشبه الوجوبية (بما هي وجوبية)، 

ــــــــــ[279]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

والتحريمية بما (هي تحريمية)، بالنكتة التي ذكرها، بل التفصيل هو: بين الحكم الانحلالي ولو كان وجوبياً، والحكم غير الانحلالي بنكتة أخرى غير النكتة التي ذكرناها. فإن فُرِض انحلالي، فتجري البراءة سواءٌ كان الطلب وجوبياً، أو تحريمياً، وإن فُرِض غير انحلالي، في المورد الذي يُتصوّر فيه عدم الانحلالي، فتجري أصالة الاشتغال.

ولا بدَّ أولاً، من إبطال النكتة التي ذكرها، وبعدها نذكر النكتة الصحيحة: هو قال: أنّه في باب الطلب الوجوبي، كون الفعل بحيث ينطبق على عنوان المأمور به أيضاً تحت الطلب، وأمّا في باب الطلب التحريمي، فكونه مصداقاً للعنوان أنّ المحرّم ليس تحت الطلب. فإنّ المولى لا يريد مصاديق عنوان المحرّم، بل لو كان مصداقاً له فهو يزجر عنه ويطلب تركه.

هذا الكلام ممّا لا محصّل في ذلك؛ لأنّه: تارةً يُنظر إلى مفاد (كان الناقصة)، بعد فرض الوجود، وأخرى يُنضر إلى مفاد (كان الناقصة) قبل فرض الوجود. يعني أنّ هذه القضيّة التي أدّعى أنّها تحت الطلب الوجوبي وليست تحت الطلب التحريمي. أهي قولنا: إنّ هذا الموجود مصداق للصلاة، أو لشرب الخمر، وهو معنى النظر إلى مفاد (كان الناقصة)، بعد فرض الوجوب. أو ننظر إلى ذات الموجود بقطع النظر عن ايجاد المكلّف له، إن ذات هذه الحصّة، بقطع النظر عن طرو الوجود عليها، كانت مصداق للصلاة أو لشرب الخمر؟

إن كان نظره إلى مفاد كان الناقصة، بعد فرض الوجود، أي أن اسم (كان) هو الموجود، وخبرها هو كونه مصداقاً، كان الموجود صلاة، أو شرب خمر، 

ــــــــــ[280]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فمفاد (كان الناقصة) بهذا المعنى، متضمّن في مفاد (كان التامة)، وهو إيجاد الصلاة. فإنّه يستتبع بمعنى من المعاني كون الموجود صلاة. فإنّ الثاني حصيلة الأوّل، وكذلك وجود شرب الخمر، وكون الموجود شرب خمر. فمفاد (كان الناقصة) بهذا المعنى هو حصيلة (كان التامّة)، الذي هو تحت البعث في الوجوب، وتحت الزجر والتحريم؛ لأنّه بعث نحو إيجاد الصلاة، وزجر عن إيجاد الخمر، وبنفس ذلك يزجر عن (مفاد كان الناقصة) المتضمّن، فيها وهو كون الموجود صلاة، أو كونه شرب خمر؛ لأنّه نتيجة (كان التامّة) أوجد الصلاة فكأنّ الموجود الصلاة، أووجد شرب الخمر، فكأنّ الموجود شرب خمر، والتفرقة ما بينهما بمحض التعمّل الاعتباري، والترتيب العنائي العقلي.

فلو كان هناك مجرى لأصالة الاشتغال، لكان يجب أن يكون كلّ منهما مجرى لها؛ إذ كما يجب على الإنسان بعد العلم، أنّه مبعوث إلى شيء من قبل المولى أن يجزم أنّه أتى به، كذلك بعد أن يعلم أنّه مزجور عن شيء من قبل المولى، أن يجزم بأنّه لم يأتِ به. فلا فرق بين باب البعث، وباب الزجر. هذا إذا أُريد (مفاد كان الناقصة) بهذا المعنى.

وإن أُريد (مفاد كان الناقصة) قبل لحاظ الوجود، أي ملاحظة ذات الحصّة، قبل أن يطرأ عليها الوجود من قِبَل المكلّف، أي الحصّة التي هي موضوع الإيجاب من قبل المكلّف. أي جواب المكلّف حين نسأله حين يريد أن يصلي ويشرب الخمر: ماذا تريد أن تفعل، فيقول: (أن افعل كذا كذا)، جواب بالحصّة الخاصّة. هذه الحصّة هي اسم (كان الناقصة)، كانت هذه الحصّة 

ــــــــــ[281]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

مصداقاً للصلاة أو لشرب الخمر. (مفاد كان الناقصة) بهذا المعنى قيد شمول دليل الوجوب، كما هو قيد لشمول دليل الحرمة، كما أنّ دليل الحرمة لا يشمل شرباً، وفعلاً خارجياً، يعني لا يشمل أي حصّة في عالم المفهوم، ما لم تكن هذه الحصّة المصداقية لذلك العنوان الكلّي، الذي أُخذ موضوعاً في دليل التحريم، أي يصدق عليه (مفاد كان الناقصة) وعنوان هذا الحصّة مصداق لذلك العنوان. وبقطع النظر عن كونه مصداقاً يستحيل شمول دليل وجوب له، فكما يستحيل شمول إطلاق دليل التحريم لحصّة ما لم تكن مصداقاً في عالم المفهوم لذلك العنوان الكلّي، كذلك يستحيل أن يتمّ دليل الوجوب للحصّة، ما لم تكن مصداقاً لذلك العنوان الكلّي.

فمن هذه الناحية لا يتحصّل فرق ما بين الوجوب وبين الحرمة.

الذي ينبغي أن يقال في المقام 

انتهينا(1) إلى الشقّ الثاني من كلامه، وقلنا: بأنّ النكتة التي أفادها في مقام التفصيل بين الشبهة الوجوبية والتحريمية، لا ترجع بالدقّة إلى محصّل.

وإنّما الذي ينبغي أن يقال في المقام، كما يقال في كلّ مقام، يعني هذا الشيء الذي نقوله في المتعلّق، نقوله أيضاً في طرف الموضوع والقيود. ينبغي أن يقال: بأنّ المتعلّق، إن كان إطلاق شمولياً، فتجري البراءة سواءٌ كان التكليف، وجوب كـ(أكرم كلّ عالم)، أو تحريماً، كـ(لا تكرم فاسقاً). وإذا كان الإطلاق بدلياً واشتبه المصداق الخارجي، فنجري أصالة الاشتغال حينئذٍ، دون البراءة.

ــــــــــ[282]ــــــــــ

() لخصّ أولاً ما كان قاله من المناقشات للمحقّق النائيني. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فهذا هو الميزان في جريان البراءة في تمام أطراف التكليف، من المتعلّق أو الموضوع أو القيد.

والوجه في ذلك واضح: حيث إنّ الإطلاق(1) إذا كان شمولياً -ولناخذ المتعلّق الآن- بالنسبة إلى المتعلّق، من قبيل (لا تكرم فاسقاً)، ووقعت شبهة موضوعية مصداقية بحسب الخارج، فهذه الشبهة، إمّا من ناحية الموضوع كما لو لم يكن يعلم أنّه فاسق أو لا، أو من ناحية المتعلّق، لا أدري أنّ هذا إكرام أو ليس بإكرام، هذا فاسق وأكرم ابنه إكرام له، ولكن لا أدري أنّ هذا ابنه حتّى يكون إكرامه إكراماً له أو لا.

في مثل ذلك تجري البراءة؛ لأنّ الإطلاق هنا، إطلاق شمولي، ومرجع الإطلاق الشمولي إلى سعة اقتضاء التكليف المولوي، أنّ التكليف المجعول من قبل المولى يكون واسع الدائرة في مقام الاقتضاء. وما يدخل في دائرة شغل الذمّة أكثر، على تقدير أن يكون هذا إكراماً للفاسق. لا أدري أنّ ماهو مقتضى التحريك المولوي، وما اشتغلت ذمّتي به من ناحية، أهو معنى يشمل إكرام هذا أو لا يشمله. فالشكّ في الحقيقة في سعة دائرة التحريك من قبل المولى وضيقها، ففي مثل ذلك تجري البراءة عن المقدار، والزائد المشكوك من اقتضاء التحريك المولوي، شرعاً وعقلاً بناءً على قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

وأمّا إذا كان الإطلاق بدليّاً، قال أكرم عالماً، بنحو الإطلاق البدلي، وأنا أعلم بأنّ زيد عالم، وأعلم بأنّ إكرام ابن العالم إكرام له، لكن لا أدري أنّ هذا 

ــــــــــ[283]ــــــــــ

() إطلاق التكليف. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

هو ابنه، حتّى يكون إكرامه إكراماً له أو لا، فهنا الشكّ ليس في سعة دائرة تحريك المولوي، والإقتضاء المولوي، وفي حدود ما دخل في الذمّة، فإنّ ما دخل في الذمّة معلوم بحدوده، وهو إكرام عالم ما، وإنّما الكلام في انطباق ما دخل في الذمّة على الخارج، بالإتيان بمثل هذا الفعل وعدمه. فيتمحظ حينئذٍ، في الفراغ، ويدخل تحت كبرى: أنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

إذن، لابدَّ من التفصيل ما بين الإطلاق الشمولي للمتعلّق والبدلي. ففي الثانية يلتزم بأصالة الاشتغال، وعلى الأوّل نلتزم بالبراءة.

من دون فرق في ذلك، يعني في جريان البراءة في موارد الإطلاق الشمولي، بين أن يكون التكليف المطلق شمولياً انحلالياً، بحيث يكون منحلّاً إلى تكاليف متعدّدة، كما من قولنا: (لا تشرب الخمر)، و(أكرم كلّ عالم)، حيث إنّ كلّ فرد من أفراد العالم، له وجوب الإكرام، وكلّ فرد من أفراد الخمر، له حرمة بالنسبة إلى الشرب. أو أن يكون هذا الحكم مطلق شموليّاً، أن يكون حكماً واحداً، ولكن إطلاقه بالنسبة إلى المتعلّق شموليّاً. على ما يأتي توضيحه. حيث يأتي إن شاء الله، بأنّ النهي حتّى لو فُرِض كونه نهياً واحداً، حينما يتعلّق بالطبيعة، يقتضي إنتفاء أفرادها على ما قرأناه في الكفاية(1) أنّ الأمر بالطبيعي يقتضي الإتيان بفرد واحد منها، وأمّا النهي عنها، فيقتضي إعدام تمام أفرادها؛ لأنّ الطبيعة توجد بفرد، ولا تنعدم إلّا بانعدام سائر الأفراد.

هذا المطلب الذي سوف نحقّقه عن قريب، معناه النهي الواحد إذا تعلّق 

ــــــــــ[284]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول، 149.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بالطبيعة، أيضاً يكون اقتضاؤه شمولياً لا محالة، وحيث إنّ الاقتضاء يكون شمولياً، فمن هذه الناحية تجري البراءة، إذ يرجع الشكّ بالنتيجة إلى الشكّ لا بأصل تكليف، بل إلى الشكّ في سعة دائرة التحريك المولوي والمقتضي المولوي، وما دخل في الذمّة، فيكون حينئذٍ، مجرى للبراءة عقلاً وشرعاً.

[مناقشة في ما يستفاد صاحب الكفاية] 

وبهذا ظهر الإشكال في ما يستفاد من عبارات المحقّق الخراساني، من هذا التنبيه، فإنّ المقتضي من عبائره، أنّه جعل ضابط البراءة والاشتغال، هو تعدّد التكليف ووحدته في موارد الشبهة الموضوعية للتكليف، فإن كان التكليف انحلالياً، فتجري البراءة؛ لأنّه يرجع إلى الشكّ في أصل تكليفٍ في حدود تلك الشبهة الموضوعية. وإن كان التكليف وحدانياً، فتجري أصالة الاشتغال؛ لأنّ التكليف الوحداني معلوم بالنتيجة، والشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني(1).

هذا الكلام الذي أفاده، غير تام؛ لأنّه إن أراد بهذا الكلام، التعبير عمّا قلناه من الإطلاق البدلي أو الشمولي، فعبّر عن الإطلاق البدلي بوحدة الحكم وعن الشمولي بتعدّد الحكم.

 فيرد عليه، أنّ الإطلاق الشمولي لا يساوق تعدّد الحكم، بل قد يكون الإطلاق شمولياً، ومع هذا يكون الحكم واحداً، كما يأتي إن شاء الله في النهي المتعلّق بصرف الوجود. فإنّه نهي شخصيّ واحد حقيقة، ولكن مع هذا يكون 

ــــــــــ[285]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول، 352.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

إطلاقه شمولياً على ما قاله في الكفاية: حيث إنّ طبيعة الزجر تقتضي إنتفاء تمام الأفراد خارجاً. فشمولية الإطلاق لا تساوق مع تعدّد الحكم خارجاً، فكان الأولى حينئذٍ، أن يذكر ما هي النكت الحقيقية في جريان البراءة والاشتغال، وهو الشمولية والبدلية لا وحدة الحكم وتعدّده، لعدم الملازمة ما بين الضابطين.

وإن أراد جعل هذا ضابطاً برأسه، بحيث إنّ وحدة الحكم بما هي وحدة الحكم، تكون منشأ بجريان أصالة الاشتغال، وتعدّد الحكم بما هو تعدّد، له ملاك للبراءة.

 فيرد عليه، ما أشرنا إليه أنّ ملاك البراءة ليس هو الشكّ في أصل التكليف وحسب، بل الشكّ بالمقدار الزائد من التحريك المولوي، فمتى ما رجعت الشبهة الموضوعية إلى ذلك وإلى مقدار زائد ممّا اشتغلت به الذمّة في عالم الذمّة، هذا يكون مجرى البراءة، سواء كان التكليف واحداً، فوحدة التكليف وتعدّده ليس هو المناط في جريان البراءة والاشتغال.

فمتى ما كان الإطلاق بلحاظ أي واحد من أطراف التكليف، المتعلّق أو الموضوع أو القيد شمولياً، فتجرى البراءة. 

وإذ كان بدلياً، وشكّ وكان للشك أثر فيجري حينئذٍ، أصالة الاشتغال(1).

ومنه ظهر الحال بالنسة إلى الموضوع، فقد ذكر: بأنّ الموضوع إذا كان 

ــــــــــ[286]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: بلحاظ القيد كيف يكون الشكّ ذا أثر. 

فاجأب: نقول إذا كان! فيما لو فُرِض أنّ هذا القيد كان من شؤون المتعلّق، بحيث إن القيد له ربط به، فيرجع الموضوع. هذا بالنسبة إلى المتعلّق. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

فرداً خارجياً محقّقاً جزئياً فلا معنى للشكّ فيه، وإذا كان بمعنى صرف الوجود، وشكّ في الوجود الثاني، فهو ليس شكّاً فيما يستتبع التكليف، فتجري أصالة الاشتغال، وإذا كان مأخوذ بنحو مطلق الوجود، فتكون القضيّة انحلالية على نهج القضاية الحقيقية، فتجرى الشبهة؛ لأنّ الشكّ يكون شكّاً حينما يستتبع وجوده وجود التكليف، حيث إنّ فعلية كلّ تكليف منوطة بفعلية موضوعه، فمع الشكّ في وجود الموضوع، يشكّ في ثبوت الحكم.

ظهر التنظّر في ذلك مّما سبق؛ وذلك لأنّ جريان البراءة في هذا المورد، فيما إذا كان الموضوع كليّاً مأخوذ بنحو مطلق الوجود، ليس من ناحية أنّ فعلية الحكم ووجوده خارجاً، منوط بوجود الموضوع خارجاً، كما هو مقتضى قانون القضيّة الحقيقية. ليست هذه التبعية في الوجود هو مناط جريان البراءة، بل مناط جريانها كون الإطلاق شمولياً من هذه الناحية، حيث إنّ الموضوع إذا أُخذ بنحو مطلق الوجود، نحو (أكرم كلّ عالم)، فيكون الإطلاق من هذه الناحية شمولياً لا محالة. فإذا شككت في علم زيد وعدمه، فتجري البراءة.

ولهذا، نجري البراءة حتّى لو فُرِض أنّه لم تكن القضيّة مجعولة، بحيث يتوقّف وجود الحكم على وجود موضوعه، كما لو فُرِض أنّ الموضوع لم يؤخذ مقدّر الوجود ومفروض الوجود. 

توضيحه: أنّه في مثل خطاب (لا تشرب الخمر)، يتصوّر على نحوين: تارةً أنّ الموضوع هو الخمر يؤخذ مقدّر الوجود ويقال: لو وجد خمر فلا تشربه، وأخرى يحكم بالفعل بحرمة شرب كلّ خمر، سواءٌ كان محقّق الوجود أو 

ــــــــــ[287]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

مقدّره. بحيث تكون الحرمة فعلية، حتّى بالنسبة إلى الأفراد المقدّرة الوجود.

وفائدة هذه الحرمة الفعلية بالنسبة إلى الأفراد المقدّرة الوجود، أنّها تكون مانعة عن إيجاد الموضوع، لو علم المكلّف أنّه لو اوجده يضطر إلى فعله، أنّه لو جعل هذا الخل خمراً، لاضطر إلى فعله، مثل هذه الحرمة الفعلية تكون مانعة وزاجرة عن إيجاد هذا الموضوع؛ لأنّ المفروض أنّها فعلية بالنسبة إليه، فهو بالفعل يحرم عليه شرب الخمر المقدر الوجود في هذا الخل، وفعلية مثل هذه الحرمة تستتبع وجوب اعدام الموضوع استطراقاً للتحفّظ على الامتثال.

إذا فرضنا أنّ الخطاب كان مجعولاً بالنحو الثاني لا بالنحو الأوّل، إذن ففعلية حرمة الشرب، ليست منوطة خارجاً بوجود الخمر، على نهج القضايا الحقيقية، بل هي فعلية ثابتة بمجرّد الجعل، ووجود المكلّف واستجماعه للشرائط العامّة، سواءٌ كان الخمر موجوداً في الخارج، أو لم يكن. ومع هذا نقول بجريان البراءة، فإنّه لو شكّ بأنّ مثل هذه العملية، هل تكون مساوقة مع الخمرية أو لا. شكّ أنّ هذا الخل انقلب خمراً أو لا، هنا تجري البراءة؛ لأنّ الإطلاق شمولي على أي حال، ويكون الشكّ شكّاً في الاقتضاء الزائد من قبل المولى، والتحريك المولوي الزائد.

ومن هنا نعرف، أنّه في هذه الموارد، لو فُرِض أنّ الموضوع كان محرزاً بحسب الخارج في مطلق الوجود، وكان الشكّ من ناحية المتعلّق، أيضاً تجري البراءة؛ لأنّ الإطلاق شمولي. كما لو فرضنا أنّه قال: لا تمشي خلف الفاسق، ونحن نعلم بأنّ زيداً فاسق، ولكن لا ندري أنّ هذا المشي هذه الحصّة -لظلمة 

ــــــــــ[288]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

ونحوها- أهي مشي خلف الفاسق أو لا؟  فهو يشكّ في انطباق عنوان المتعلّق على هذه الحصّة، لا في وجود الموضوع خارجاً، فإنّه محرز، وإنّما الشكّ في انطباق كعنوان المتعلّق هنا، أيضاً تجري البراءة، لأنّ الإطلاق شمولي من هذه الناحية، فيرجع إلى الشكّ في التحريك الزائد من المولى.

فمن هنا يتلخّص أنّ المناط في جريان البراءة في الشبهات الموضوعية، هو كون الإطلاق شمولياً، في أطراف التكليف، سواءٌ كان متعلقاً أو موضوعاً أو غيرهما. متى ما كان الإطلاق شمولياً تجرى البراءة، ومتى ما كان الإطلاق بدلياً، وكان للشك أثر، فتجرى حينئذٍ، أصالة الاشتغال.

هذا هو الضابط، لا ما أفاده المحقّق النائيني، من أنّ الضابط هو الشكّ فيما يستتبع التكليف، فإنّه إن أراد من الشكّ فيما يستتبع التكليف، يعني الشكّ في الشيء الموضوع خارجياً. الذي يكون وجود الحكم خارجاً منوطاً بوجوده، على نهج القضايا الحقيقية، فقد عرفنا أنّ البراءة لا تختص بمثل هذا المورد، بل قد تجري البراءة مع الشكّ من دون استتباعه للتكليف بوجه من الوجوه أصلاً، مع فرض وحدة التكليف أيضاً، وعدم احتمال التكليف الزائد. كما قلنا بأنّ النهي الواحد، باعتبار كون إطلاقه من ناحية المتعلّق شمولياً، تكون البراءة جارية في المقام لا محالة. فهذا المناط غير صحيح. 

وكذلك المناط الذي أفاده المحقّق الخراساني، وهو وحدة الحكم وتعدّده، بل لابدَّ من إرجاع كلتا هاتين العبارتين إلى ما قلناه من الشمولية والبدلية.

هذا هو ما ينبغي أن يقال الآن في بيان الضابط في البراءة والاشتغال في 

ــــــــــ[289]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الشبهات الموضوعية. وبعد هذا سوف نطبّق هذا الضابط على الموارد المتصوّرة للأوامر والنواهي، حيث نذكر أقسامها، من حيث أنّها متعلّقة بصرف الوجود، أو بمطلق الوجود أو بمجموع الوجودات، ونطبق هذا الضابط عليها، فمتى ما كان الإطلاق شمولياً التزمنا بالبراءة، ومتى ما كان بدلياً وكان للشك أثر التزمنا بجريان أصالة الاشتغال(1).

المقام في الأنحاء المتصوّرة للطبيعة الملحوظ فيها جانب الوجود 

اتّضح ممّا سبق أنّه ليس المراد في جريان الشبهات الموضوعية، كون الشكّ شكّاً فيما يستتبع التكليف؛ لأنّه لاينحصر جريانها في ذلك، بل إذا كان الشكّ في المتعلّق، بالنحو الذي ذكرناه أيضاً تجري البراءة، مع أنّ المتعلّق لا يستتبع التكليف كالموضوع والقيد. كما أنّه ليس مناط جريانها متعدّد الحكم فإنا ذكرنا أنّه حتّى مع فرض وحدة الحكم أيضاً تجري البراءة فيما إذا رجع الشكّ إلى الاقتضاء المولوي الزائد.

بل مناط جريان البراءة هو نكتة الشمولية والبدلية. فأي طرف من أطراف التكليف: الموضوع والمتعلّق والقيود، كان إطلاق التكليف بالنسبة إليه شمولياً، فتجري البراءة في مورد الشكّ سواءٌ كان مستتبعاً للتكليف لوجوده خارجاً كالموضوع، أو كان الحكم مستتبعاً له كالمتعلّق. ومتى ما كان الإطلاق 

ــــــــــ[290]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: ذكرتم في اليوم الأوّل كلاماً للمحقّق الاصفهاني، فما هو حاله. 

فاجاب: انطمس في أثناء هذه الكلمات. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بدلياً وكان للشك أثر فتجري حينئذٍ، أصالة الاشتغال.

فبناءً على هذا الضابط صرنا في مقام تطبيقه على الصوّر المتعدّدة في المقام. وحيث إن كلاً من جانبي الفعل، والترك يصلح أن يكون متعلّقاً للأمر والنهي؛ ولهذا يقع الكلام في مقامين:

 المقام الأوّل: في الأنحاء المتصوّرة للطبيعة الملحوظ فيها جانب الفعل. 

والمقام الثاني: في الأنحاء المتصوّرة للطبيعة الملحوظ فيها جانب الترك. 

وفي كلّ من المقامين نتكلّم في الأنحاء المتصوّرة للطبيعة ونتحدّث عما هو مقتضى الأصل في مورد الشكّ لو تعلّق بها أمر، أو تعلّق بها نهي.

[المقام الأول: في الأنحاء المتصورة للطبيعة الملحوظ فيها جانب الفعل]

المقام الأول: في الأنحاء المتصورة للطبيعة الملحوظ فيها جانب الفعل. سواء(1) تعلّق بها أمر بهذا اللحاظ أو تعلّق بها نهي بهذا اللحاظ.

هناك عدة أنحاء للطبيعة الملحوظة فيها جانب الفعل:

النحو الأوّل: صرف الوجود 

 النحو الأوّل: هو ما يُسمّى بصرف الوجود، أن تلحظ الطبيعة على نحو صرف الوجود. والمراد من ملاحظة الطبيعة بهذا المعنى، أي لحاظ نفس الطبيعة بما هي، بلا أخذ مؤونة زائدة، فهي تقع متعلّقاً للأمر تارةً وللنهي أخرى. فيقال صلِّ ولا تصلِّ، وأشرب ولا تشرب. في قبال أن نلحظ الطبيعة بنحو العام الاستغراقي، أو العام المجموعي، أو غيرها مّما ياتي فيما بعد.

ــــــــــ[291]ــــــــــ

() هذا جواب على سؤال. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الأمر إذا تعلّق بالطبيعة الملحوظة، بمثل هذا اللحاظ، فيكون إطلاقه من ناحية المتعلّق بدلياً. كما إذا قال صلِّ أو أكرم عالماً، بمعنى أنّه يكفي في امتثاله الإتيان بفرد واحد. وأما إذا تعلّق النهي به، فيكون الإطلاق من ناحيته، إطلاقاً شمولياً لا بدلياً. كما إذا قال لا تصلِّ، أو لا تشرب الخمر.

وحينئذٍ، فمقتضى القاعدة بناءً على الضابط الذي بيّناه، أنّه متى ما وقعت الشبهة الموضوعية بلحاظ التكليف المتعلّق بالطبيعة الملحوظة بهذا النحو، فتجري أصالة البراءة، إذا كان التكليف تحريمياً؛ لأنّ الإطلاق من ناحية المتعلّق يكون شمولياً، وتجري أصالة الاشتغال، إذا كان التكليف وجوبياً؛ وذلك لأنّ الإطلاق من ناحيته بدلي. فالاقتصار فيه مقام امتثال الأمر الوجوبي على الإتيان بمشكوك المصداقية، غير جائز. ولكن اقتحام مشكوك المصداقية للشبهة التحريمية جائز. وهذا معنى جريان البراءة في التحريمية والاشتغال في الوجوبية. 

هذا القسم في الحقيقة، هو القسم الذي يُقال عنه عادة في بحث النواهي، أنّ الأمر والنهي يختلفان في اقتضائهما العقلي، بحيث إنّ الأمر حينما يتعلّق بشيء يقتضي عقلاً، غير ما يقتضيه النهي حينما يتعلّق بنفس ذلك الشيء، فالأمر يقتضي الإيجاد، ولو في ضمن فرد واحد وأمّا النهي فيقتضي إعدام سائر الأفراد.

ومن هنا وقع الإشكال في هذا الميز والتفرقة، مابين جانبي الأمر والنهي. وأن هذه الشمولية والبدلية -رغم أن المتعلّق طبيعة واحدة- كيف تنشأ من نفس طبيعة الأمر وطبيعة النهي.

ــــــــــ[292]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 [كلام المحقق العراقي في المقام]

وذكر المحقّق العراقي في هذا المقام، تبعاً للمحقّق الخراساني والمشهور: أنّ هذا الاختلاف في الشمولية والبدلية، إنّما هو من تبعات نفس طبيعة البعث والزجر. فإنّ الأمر حيث إنّه مقتضي للبعث نحو الطبيعة، والطبيعة بما هي تكون موضوعاً للبعث، فلا محالة يكفي في مقام تحقّق البعث، وجود فرد منها بحسب الخارج؛ لأنّ هذا الوجود ينطبق عليه عنوان الطبيعة. فقد تحقّق ما هو موضوع البعث بحسب الخارج. وأمّا لو فرضنا أنّ النهي تعلّق بالطبيعة، وهو مشتمل على الزجر عنها، فالزجر عنها لا يكون الانتفاء تمام أفراد تلك الطبيعة. وهذا هو ما يقال في العبارة المشهورة: من أنّ وجود الطبيعة يكفي فيه وجود فرد واحد، وأما انتفائها فلابد فيه من انتفاء تمام أفرادها.

ومن هنا، كان الأمر ساقطاً بعد الإتيان بالوجود الأوّل بالامتثال، وأمّا النهي فلا يسقط بالوجود الأوّل بالعصيان، بل يبقى النهي بلحاظ الأفراد الأخرى(1).

هذا الذي أفاده المحقّق العراقي جمع أو خلط ما بين مطلبين وفرقين: مابين باب الأمر، وباب النهي. فإنّ هناك فرقين مابين باب الأمر والنهي:

 أحدهما: هو أنّ الأمر الواحد المتعلّق بالطبيعة(2) لا يقتضي أكثر من الإتيان 

ــــــــــ[293]ــــــــــ

() انظر: نهاية الأفكار 2: 407. 

(2) فهو يقتضي ايجادها المساوق مع إيجاد فرد واحد في الخارج. (من محاضرة غد). (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بفرد واحد. وأمّا النهي الواحد المتعلّق بنفس تلك الطبيعة فيقتضي(1) انتفاء تمام أفرادها. فهذا فرق ما بين النهي والأمر في عالم الاقتضاء، وعالم الاستدعاء من قبل المكلّف وتحريكه. 

ثانيهما: هو عبارة عن وحدة الحكم وتعدّد الحكم، فإنّه في (صلِّ) يكون الحكم واحد بحسب الفهم العرفي. حينما يتعلّق أمر بالصلاة(2) يكون الوجوب واحد، لا أنّه هناك وجوبات متعدّدة بعدد الصلوات. وأمّا حينما يقول: (لا تشرب الخمر)، ظاهر مثل هذا الخطاب هو الانحلالية، بمعنى تعدّد الحكم، وأنّ كل شرب شرب له حرمة تخصّه

ومن نتائج هذا الفرق، هو: لو أنّ الإنسان ارتكب الفرد الأوّل من المحرّم، لا يسقط النهي بلحاظ الأفراد الأخرى؛ لأنّها نواهٍ متعدّدة لها امتثالات متعدّدة وعصيانات متعدّدة، وهذا بخلافه في طرف الأمر، فإنّه لو أتى بفرد واحد، فقد حصل الامتثال للأمر الواحد، ولا يوجد بعد ذلك أمر آخر، ليتصور له امتثال آخر.

فهذان فرقان بحسب الحقيقة:

 أحدهما: يرجع إلى عالم الاقتضاء، مع وحدة الأمر والنهي.

ــــــــــ[294]ــــــــــ

() فيقتضي إعدامها المساوق لنفي سائر أفرادها. (من محاضرة غد). (المقرّر). 

(2) في (صلِّ) يفهم الفقيه وحدة الحكم ومن (لا تصلِّ) يستفيد الفقيه تعدد الحكم. وهذا فرق في عالم الجعل والمجعول حيث إن المجعول هنا واحد وهناك متعدد. (من محاضرة غد). (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 وثانيهما: يرجع إلى عالم الجعل، بحيث إنّ الأمر مجعول بحيث لا ينحلّ إلى أوامر متعدّدة بخلاف النهي. بحيث إنّ المولى قد جعل حرمات ونواهياً متعدّدة في ضمن هذا الجعل الواحد الكلّي.

وما ذكره المحقّق العراقي، من إشكال الفرق، من حيث إنّ الأمر يسقط بعد الوجود الأوّل، بخلاف النهي. هذا مربوط بالفرق الثاني، لا بالأوّل، فإنّه مربوط بوحدة الحكم في باب الأمر وتعدّده في باب النهي. وحيث إنّ الأمر في باب الأمر واحد، فليس له إلّا امتثال واحد وعصيان واحد، وحيث إنّ الحكم في باب النهي متعدّد فله امتثالات وعصيانات متعدّدة، وعصيان بعضها، لا يستوجب سقوط البعض الآخر.

إلّا أنّ البيان الذي بيّنه لتوضيح نكتة هذا الفرق، يصح بيان لنكتة الفرق الأوّل، لا الثاني، حيث ذكر أنّ الطبيعة توجد بوجود واحد، وتنعدم بانعدام سائر الأفراد. هذا بحسب الحقيقة بيان للفرق عقلاً ما بين اقتضاء البعث واقتضاء الزجر. وإلّا فالفرق الثاني مرجعه إلى اختيار المولى؛ لأنّ وحدة الحكم وتعدّده ليس أمراً يفرضه العقل عليّ وإنّما هو أمر بيد المولى، فإنّه تارةً يجعل حكماً واحداً، وأخرى يجعل احكاماً متعدّدة. فليست وحدة الحكم وتعدّده مربوطاً بعالم حكم العقل أو عالم اقتضاء البعث والزجر، وإنّما هو مربوط بباب المصالح والمفاسد، وتقدير المولى على النحو الذي سوف نشير إليه فيما بعد إن شاء الله..

إذن، لابّد من التمييز بين الفرقين، فإنّهما مختلفان ملاكاً وروحاً، والمحقّق 

ــــــــــ[295]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

العراقي خلط بينهما، فكان نظره في مقام تقريب الفرق، إلى الفرق الثاني ونتائجه، ولكن في مقام بيان نكتة الفرق بين نكتة الفرق الأوّل.

هناك فرقان كلّ منهما يحتاج إلى بحث برأسه، أحدهما الفرق بحسب عام الاقتضاء والآخر، بحسب عالم الجعل. إلّا أنّه يجب أن يعلم أنّه على كلّ من الفرقين، يكون الإطلاق في جانب النهي شموليّاً، وفي جانب الأمر بدلياً. يعني ضابط البراءة في جانب النهي محقّق على كلّ حال. غاية الأمر أنّ الشموليّة بلحاظ الفرق الأوّل، يكون معناها سعة دائرة الاقتضاء ودائرة التحريك المولوي، وبناءً على الفرق الثاني، يكون معناها سعة دائرة الحكم والمجعول المولوي.

أمّا الفرق الأوّل: نفرض أمراً واحداً ونهياً واحداً، ونتكلّم عن ناحية الاختصار بحسب الخارج. إنّ هذا الأمر الواحد والنهي الواحد، هل يمكن أن يختلف بحسب اقتضائها. قال المشهور: إنّهما يختلفان بحسب اقتضائهما؛ لأنّ الطبيعة، الأمر يستدعي إيجادها، والنهي يستدعي عدمها. والوجود يكفي فيه فرد واحد والعدم، لا يكفي فيه إلّا انتفاء تمام الأفراد.

[إشكال السيد الأستاذ والمحقق العراقي في المقام]

واستشكل في ذلك السيّد الأستاذ، كما استشكل فيه المحقّق الاصفهاني.

ذكر السيّد الأستاذ: بأنّ الفرق ما بين الأمر والنهي، من حيث إنّ الأمر يكون إطلاقه بدلياً، والنهي يكون إطلاقه شمولياً، هذا الفرق ما بينهما، إنّما هو بحسب الحقيقة؛ باعتبار اختلاف نحو لحاظ الطبيعة المأخوذة متعلّقاً للأمر والنهي. وأمّا إذا فرضنا أنّ الطبيعة كانت متعلّق للأمر والنهي على نحو واحد 

ــــــــــ[296]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

في الموردين، فلا معنى لا يختلف اطلاقهما من حيث البدلية والشمولية.

وذلك؛ لأنّ الطبيعة لا تقع متعلّقاً للأمر والنهي بحيالها وبما هي هي. لأنّها كذلك ليست محبوبة، ولا مكروهة من قبل المولى، وإنّما تتصف بذلك باعتبار فنائها في الأفراد الخارجية وحكايتها عن مصاديقها الخارجية. 

إذن، فهي تؤخذ متعلّق باعتبار حكايتها عن الأفراد الخارجة. وحينئذٍ، فإمّا أنّ تؤخذ بما هي حاكية ومرآة عن جميع الأفراد الخارجية، وإما أن تؤخذ بما هي حاكية عن أحد الأفراد الخارجية، والأوّل هو الإطلاق الشمولي، والثاني هو البدلي.

فإن فرضنا أنّ الطبيعة أُخذ بما هي حاكية، ومرآة لتمام الأفراد الخارجية، الذي هو الإطلاق الشمولي. فالطبيعة الملحوظة بهذا اللحاظ، أنّ تعلّق الأمر بها يقتضي الأمر والإتيان بتمام الأفراد الخارجية، وأنّ تعلّق النهي بها، فهو يقتضي الانزجار عن تمام الأفراد الخارجية. فقد تساوى الأمر والنهي في مقام الاقتضاء والتأثير.

وإذا لوحظت الطبيعة بما هي مرآة وحاكية عن أحد الوجودات، فهنا لو تعلّق الأمر بها لكفى في مقام امتثالها الإتيان بفرد واحد. ولو تعلّق النهي بها، لكفى في مقام امتثالها ترك فرد واحد. فلو ترك إكرام فرد واحد من العلماء فقد امتثل قوله: لا نكرم فرداً واحداً من العلماء. فأيضاً قد تساوى الأمر والنهي في مقام الاقتضاء. هذا ما أفاده السيّد الأستاذ(1).

ــــــــــ[297]ــــــــــ

(1) انظر: مصباح الأصول (مباحث الألفاظ) 2: 149- 154.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وذكر المحقّق الاصفهاني، أنّه لا معنى لأن يُفرَض أنّ هناك وجوداً، يكون مساوقاً مع فرد من أفراد الطبيعة، إلّا أن نقيضه وبديله لا يكون إلّا عدم تمام أفراد الطبيعة. مثل هذا تهافت في مقام التصوّر. بحيث إنّه لو تعلّق به الأمر لكفى في مقام امتثاله فرد واحد، لكن لو تعلّق به النهي المقتضي لبديله ولنقيضه، فنحتاج إلى انعدام سائر الأفراد.

هذا تهافت في مقام التصوّر؛ وذلك لأنّ الطبيعة لها وجودات متعدّدة ولها أعدام متعدّدة بعدد هذه الوجودات، إذ في قبال كلّ وجود عدم. وكلّ وجود موجودات طبيعية هو طارد لعدم نفسه؛ لأنّه طارد لعدم غيره. فكلّ وجود عدمهم هو بديله، المطرود به لا العدم الآخر المقابل للوجود الآخر المطرود بالوجود الآخر.

فإذا كان الأمر هكذا، فلا معنى لأن نتصوّر سنخ وجود، بحيث يكون مساوقاً مع فرد من أفراد الطبيعة، ويكون بديله المطرود به مساوقاً مع انتفاء تمام أفراد الطبيعة. مثل هذا أمر غير معقول(1).

وكلا هذين الكلامين(2) ممّا لا يمكن المساعدة عليهما:

أمّا ما أفاده السيّد الأستاذ من أنّ الطبيعة، إمّا أن تُلحظ في أحد الأفراد، وإمّا أن تُلحظ فانية في جميع الأفراد وعلى كلّ من الحالين، لا يختلف اقتضاء الأمر والنهي. 

ــــــــــ[298]ــــــــــ

() انظر: نهاية الدراية 2: 289-290. 

(2) كلام السيد الأستاذ، وكلام المحقّق الاصفهاني (توضيح). (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

هذا جوابه التفصيلي في مباحث المطلق والمقيد والعموم والخصوص. فإنّنا حقّقنا هناك: أنّ الطبيعة بما هي، يستحيل أن تُلحظ فانية لا في أحد الأفراد، ولا في جميع الأفراد، بل الذي يكون فانياً في أحد الأفراد أو جميعها، هو نفس عنوان أحد الأفراد أو جميع الأفراد. حيث يُلحظ فانياً في معنون هذا العنوان، وفيما هو بالحمل الشايع أحد الأفراد أو جميعها. وأمّا نفس عنوان الصلاة، أو شرب الخمر، والطبيعة بما هي. يستحيل فنائها وحكايتها عن شيء من المصاديق من ورائها، لا بنحو أحد الأفراد، ولا بنحو جميع الأفراد كما برهنّا عليه هناك بناءً على تفسيرنا لمعنى الفناء هناك.

بل فناء الطبيعة، معناه ملاحظتها بما هي خارجية. فإنّ نفس الطبيعة، طبيعة الصلاة، تارةً تُلحظ بما هي، وأخرى تُلحظ بما هي شيء خارجي. وهو معنى فنائها. وكل طبيعة غير قابلة للفناء أكثر من هذا المقدار. فبناءً على هذا لا يأتي مثل هذا الحصر الثنائي، الذي ذكره السيّد الأستاذ، بل يقال بأنّ الطبيعة هناك لا تُلحظ لا فانية في أحد الأفراد ولا في جميعها، بل تُلحظ بما هي خارجية، وهذه الطبيعة الملحوظة بما هي خارجية، وجودها يكفي فيه فرد واحد، وعدمها يتوقّف على انتفاء سائر الأفراد. ويحتاج إلى استئناف بيان جديد لإبطال مثل هذه التفرقة. وهذا البيان الجديد قد يتحصّل من كلام المحقّق الاصفهاني. فننتقل إليه:

الذي ذكر أنّ الطبيعة لها وجودات متعدّدة وفي قبال كلّ وجود عدم، وبديل كلّ وجود هو العدم المطرود به ذاتاً، لا العدم المطرود بشيء آخر بعد أنّ 

ــــــــــ[299]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

ذكر المحقّق الاصفهاني ذلك، أورد اشكالاً على نفسه وأجاب عنه.

وحاصل الإشكال، أنّه قد يقال: بأنّنا قد حصّلنا بالمعجزة على هذا الوجود الذي يكون مساوقاً مع فرد من الطبيعة، ويكون عدمه البديل له مساوقاً مع عدم سائر الأفراد. وهذا الوجود عبارة عن عنوان الوجود الأوّل للطبيعة، فإنّ الوجود الأوّل لها مساوق مع وجود أفراد من الطبيعة، فإنّه إذا وجد فرد منها، فقد تحقّق الوجود الأوّل. ولكن لا ينتفي الوجود الأوّل إلّا إذا انتفت سائر الأفراد، إذ لو لم تنتفِ كلّها وتحقّق منها فرد، إذن، كان الوجود الأوّل محقّقاً. فالوجود الأوّل مساوق من طرف الإثبات مع طرف واحد، ولكن من طرف النفي يكون مساوقاً مع إنتفاء سائر الأفراد.

ثُّمّ أجاب عن هذا الإشكال، بأنّه بحسب الحقيقة الوجود الأوّل، ليس عدمه إلّا عدم ذات هذا الوجود البديل له المطرود به. غاية الأمر أنّ عدم ذات هذا الوجود ملازم بحسب الخارج صدفة مع عدم وجود الثاني والثالث والرابع، إذ لا يُعقل تحقّق الوجود الثاني بلا الوجود الأوّل. فهذا ليس معناه سعة دائرة الامتثال النهي وضيق دائرة امتثال الأمر، فإنّ دائرة امتثال الأمر عبارة عن إيجاد الوجود الأوّل، وكذلك دائرة امتثال النهي، هي عبارة عن إعدام الوجود والأوّل يعني العدم البديل له. غاية الأمر أنّ عدم البديل للوجود الأوّل أصبح ملازماً مع سائر الأعدام الأخرى. فعدم الوجود الأوّل أصبح ملازماً مع سائر الأعدام الأخرى، فهي ملازمة مع امتثال النهي المتعلّق بالوجود الأوّل، لا أنّها داخلة في دائرة اقتضائه، حتّى يقال بأنّ هذا قد حقّق 

ــــــــــ[300]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الفراق بين دائرة اقتضاء الأمر ودائرة اقتضاء النهي(1).

إذن، فالإشكال يبقى على حاله، من حيث إنّه لا يمكن أن نحصّل وجوداً، بحيث يكون مساوقاً مع فرد من الطبيعة، ويكون عدمه البديل له مساوقاً مع انتفاء سائر الأفراد؛ وذلك لأنّ بديل كلّ وجود هو عدمه المطرود به، لا العدم المطرود بوجود آخر. 

تحقيق الكلام في المقام 

تحقيق(2) الجواب عن هذا الكلام يكون بتوضيح: أنّ تقابل النفي والإثبات يكون في عوالم ثلاثة بحسب الحقيقة، لابد من التمييز بينها: التقابل بين النفي والإثبات في عالم الوجود الخارج. والتقابل بينهما في عالم المفاهيم الإفرادية، والتقابل بينهما في عالم القضايا والأحكام، الذي يُسمّى في المنطق بالتناقض.

العالَم الأوّل: عالَم الوجود الخارجي، وفيه تقابل بين الوجود واللاوجود، أي بين النفي والإثبات، أو بين الوجود والعدم. وفي هذا العالم يكون كلّ وجود، بحسب الحقيقة، مقابل لعدم نفسه، ولا يُتصوّر كون الوجود مقابلاً لعدم، بحيث يشمل عدم غيره أيضاً؛ لأنّ ملاك هذا التقابل في عالم الوجود الخارجي هو الطارديّة والذاتية والمطروديّة الذاتية. وكلّ وجود، يعني ما هو حقيقة الوجود في الخارج، إنّما يطرد عدم نفسه، لا أنّه يطرد بالذات عدم غيره. 

ــــــــــ[301]ــــــــــ

() انظر: نهاية الدراية 2: 289-290.

(2) لخصّ اوّلاً جملة ممّا قاله بالأمس، ثُّمّ لخصّ إشكال المحقّق الاصفهاني ثم قال: تحقيق… (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

نعم، قد يطرد بالعرض، باعتبار انتهائه إلى التناقض(1) إذن، فبديله يكون هو عدم نفسه، لا العدم الذي يشمل عدم غيره.

ومقصودنا من الطارديّة الذاتية هنا، يعني: أنّ الوجود الحقيقي كان بلا ضمّ مؤونة زائدة، في إفناء ما يقابله وتذويبه.

العالم الثاني: للتقابل ما بين النفي والإثبات، وهو عالم المفاهيم الأفرادية في الذهن. فإنّ الإنسان يتصوّر في ذهنه مفاهيم أفرادية كثيرة، كمفهوم الإنسانّ، والحجر، والعلم، والقدرة. وأيّ واحد منهما يمكنه بعد أن يتصوّره، أن يضيف إليه مفهوم (لا) فيتصور الإنسان ثُّمّ يتصدّى اللإنسان بتصور الحجر، ثُّمّ بتصوّر وهكذا. ففي تصوّره الأوّل حصل على مفهوم، وحينما أضاف إليه الـ(لا) فقد حصل على مفهوم آخر، فإنّ اللاإنسان مفهوم مغاير، مع مفهوم الإنسان.

فهذان مفهومان أفراديان متغايران بملاك النفي والإثبات في عالم الذهن على حدّ تغاير أي مفهومية فيه كتغاير إنسان وحجر.

وفي هذا العالم ليس ملاك التغاير والتخالف ما بينهما الطارديّة والمطرودية، فإنّ هذين المفهومين نسبتهما إلى الوجود الذهني وإلى الوجود الخارجي على حدّ واحد، ويحتاج كلّ منهما في مقام أن يكون محقّقاً إلى إضافة مؤونة إليه؛ لأجل أن يكون موجوداً، ويكون الآخر معدوماً. فلا هذا بذاته طارد لذاك، ولا ذاك 

ــــــــــ[302]ــــــــــ

() كالضدين الوجوديين اللذين يلازم وجود أحدهما عدم الآخر، كما مثلّ بعد البحث. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

بذاته طارد لهاذا. كما أنّ مفهوم الإنسان ليس بذاته طادراً لمفهوم الحجر ولا العكس، كذلك مفهوم الإنسان ومفهوم اللاإنسان.

العالَم الثالث: لتقابل النفي والإثبات، وهو ما نسمّيه بعالم القضايا، أو الأحكام، وذلك أنّ نفس مفهوم الإنسان الذي كنّا نتصوّره في العالم الثاني هذا أيضاً نتصوّره، لكن لا بما هو مفهوم، لكن بما هو عنوان حاكٍ عن الوجود الخارجي، ثُّمّ ننفيه، فالنفي هنا لا نجعله طارئا على الإنسان بما هو ماهية ومفهوم في عالم المفاهيم الصرفة، بل بما هو مرآة وحاكٍ عن الوجود الخارجي. 

فهنا أيضاّ، نحصّل شيئين متقابلين بنحو تقابل النفي والإثبات، وهو الإنسان واللاإنسان. لكن: الإنسان الحاكي عن الخارج، مع نفي هذا العنوان الحاكي. وتقابل هذين العنوانين بحسب الحقيقة مرجعه إلى تقابل قضيتين، فإنّ كلّ منهما هو حصيلة قضيّة، فإنّ عنوان الإنسان حينما يُلحظ بما هو حاكٍ عن الوجود الخارجي أو فانٍ فيه، هو حصيلة قضيّة الإنسان الموجود. وهذه القضيّة ترجع إلى هذا التصوّر الوحداني، وهو تصوّر الإنسان بما هو حاكٍ عن الوجود الخارجي. بخلاف مفهوم الإنسان في عالم المفاهيم، الذي كنّا نلحظه بما هو مفهوم، فإنّه مفهوم أفرادي صرف، وليس حصيلة قضيّة تركيبية.

وحينما ننفي هذا الإنسان الحاكي عن الخارج، وهو أيضاً حصيلة قضيّة سالبة، وهي: الإنسان ليس بموجود.

والتقابل بين هذين المفهومين الحاكيين، بحسب الحقيقة مرجعه إلى تقابل بين هذين القضيتين. ومعنى التقابل بين هاتين القضيتين، هو التقابل بين الحكم 

ــــــــــ[303]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

في تلك القضيّة، والحكم في هذه القضيّة من حيث الصدق والكذب. يعني أنّ هاتين القضيتين لا يمكن أن تصدقا معاً؛ لاستحالة اجتماع النقيضين. فإنّ هذا هو معنى التقابل في القضايا. وهو التنافي ما بينهما من عالم صدق(1)

وفي هذا العالم ليس ملاك التقابل هو الطارديّة والمطرودية، ليس هنا طارد ومطرود ولاعدم بديل(2) وجود، لأن نسبة كلّ من القضيتين إلى النفس -يعني نفس الأمر حسب الظاهر- وإلى الخارج على حدّ واحد. 

غاية الأمر أنّه كلما صدق الإنسان باحدهما فلا محالة لايمكن أن يصدق بالآخر. فإنّ اجتماعهما في الصدق لايمكن. فلا هذه القضيّة تطرد تلك، ولا تلك تطرد هذه.

والتقابل في المقام، مابين المطلوب في باب الأوامر والمزجورعنه في باب النواهي، يعني التقابل بين الطبيعة الموجودة والمعدومة، فإنّ نتيجة اقتضاء الأمر هو: إيجاد الطبيعة ونتجية اقتضاء للنهي هو إعدامها. هذا مرجعه إلى التقابل مابين هذين المفهومين في العالم الثالث، الذي مرجعه بالدّقة إلى التقابل بين 

ــــــــــ[304]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: وأمّا الكليّة مع السالبة الكليّة لا تنافي بينهما في الكذب، وأمّا التنافي بينهما في الصدق فقط. (المقرّر). 

(2) أقول: هذا لو اقتصرنا بالنظر على حدود هذا العالم. إلاّ إنّنا لو نظرنا إلى منشأه ودليله اللمّي لرجع لامحالة إلى العالم الأوّل، وعادت مسألة المطاردة بين العدم والوجود. وذلك أن صدق القضيتين أنّما لايمكن لاستحالة اجتماع النقيضين في الخارج. أمّا لو أمكن في العالم الأوّل اجتماع الوجود والعدم أو ارتفاعهما، لايمكن صدق كلا القضيتين، الإنسان موجود والإنسان ليس بموجود كما هو واضح. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

القضيتين في مقام الصدق. كأن الأمر يبعث المكلّف نحو أن تكون قضيّة: الصلاة موجودة صادقة، والنهي يبعثه نحو أن تكون قضيّة الصلاة ليست بموجودة صادقة.

إذا رجع المطلب إلى هذا، فلابدَّ من أن نعرف أنّ مناط صدق القضيّة الموجبة ماهو، وهي: (الصلاة موجودة)، هل يكفي في صدقها أن يكون هناك فرد واحد، وما هو مناط صدق القضيّة السالبة وهو: (الصلاة ليست موجودة)، وهل يكفي في صدقها انتفاء فرد واحد، أو يحتاج إلى انتفاء تمام الأفراد.

هنا ندّعي: أنّ قضيّة (الصلاة موجودة) يكفي في صدقها صدق القضيّة الجزئية أو المهملة، وهي قولنا (بعض الصلوات موجودة)، وأمّا في صدق: (الصلاة معدومة)، فلا يكفي صدق القضيّة الجزئية السالبة، وهي (بعض الصلوات معدومة)، وإنّما يحتاج صدقها إلى صدق السالبة الكليّة، إن تمام حصص الصلاة معدومة.

توضيح ذلك: أنّ موضوع القضيّة الموجبة أو السالبة هنا، هو الصلاة. حيث حُمل عليه الوجود تارةً والعدم أخرى. فقيل الصلاة موجودة والصلاة معدومة. فقد أُخذت موضوعاً في المرتبة السابقة عن الوجود والعدم. وفي هذه المرتبة لا يُتصوّر له أفراد محقّقة الوجود، أو مقدّرة الوجود في الخارج؛ لأنّ كون الطبيعة ذات أفراد محقّقة الوجود أو مقدّرة، بلحاظ توصيفها بالوجود. ففي مرتبة وقوع الطبيعة موضوعاً للوجود أو العدم لا يتصوّر لها أفراد إلّا لحصص المفهومية التي يركّبها الذهن: الصلاة في المسجد، أو في الثوب الأبيض.

ــــــــــ[205]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

والحصّة التي تحصل بعملية ذهنية، عبارة عن تركيب ذهني ما بين الجزئين بين مقيّد وقيد، ذات المقيّد هو ذات الصلاة، والقيد الذي به تصبح الصلاة حصّة، هو خصوصية من خصوصياتها، وشأن من شؤونها، كالصلاة في المسجد. فمرجع الحصّة إلى مركّب من ذات المقيَّد ومن القيد، من ذات الصلاة وخصوصياتها، فالحصّة عبارة عن المجموع المركّب من أمرين، من جزء عام وجزء خاص، فالعام هو ذات الصلاة، والخاصّه والخصوصية التي بها صارت الحصّة حصّة.

والمجموع المركّب، أي مجموع مركّب، من الأولويات بالنسبة إليه. أنّ عدم المجموع لا ينسحب على الأجزاء، إلّا أنّ وجود المجموع ينسحب على الأجزاء. بمعنى: أنه متى وصفنا المجموع من شيئين بأنّه موجود، فلا محالة يكون كلّ واحد من هذين الجزئين موجوداً، فإذا كان المجموع المركّب من الحيوانية الذي هو عام، والناطقية الذي هو خاص، فلا محالة الحيوانية موجودة والناطقية أيضاً موجودة. فصدق الحكم بالوجود على المجموع المركّب، يلزم منه صدق الحكم بالوجود وعلى ذات كلّ جزء جزء منها سواءٌ كان هو الجزء الأعمّ أو الأخص. 

وأمّا في طرف العدم، فعدم المجموع لا ينسحب على الأجزاء. يعني: أنّنا إذا حكمنا أنّ المجموع المركّب في الحيوانية والناطقية غير موجود. لا يلزم منه أن يكون الجزء الأعمّ غير موجود؛ لأنّ وجود المجموع لا يكون إلّا بوجود تمام الأجزاء. ولكن عدم المجموع يكفي فيه عدم أحد الأجزاء، وهذا من القضايا التي قياساتها معها.

ــــــــــ[206]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

إذن، فالحصّة، بما أنّها مجموع مركّب من ذات الصلاة، ومن الخصوصية، فحينما نضيف الوجود إلى الحصّة، ويصدق قولنا إنّ الحصّة موجودة. بصدق قولنا: إن ذات الصلاة موجودة؛ لأنّ وجود المجموع يساوق مع وجود كلّ جزء، وذات الصلاة جزء للمجموع. وأمّا صدق قولنا: الحصّة معدومة وغير موجودة، لا يلزم منه صدق قولنا أنّ ذات الصلاة معدومة؛ لأنّ صدق العدم على المجموع لا ينسحب على الأجزاء، بل صدق العدم على المجموع دائماً يساوق مع عدم الجزء الاخصّ، الذي هو الخصوصية.

فإذا اتّضح هذا المطلب يقال: بأنّ صدق، الصلاة موجودة يكفي فيه أن تصدق قضيّة موجوبة جزئية، وهي: أن بعض حصص الصلاة موجودة. فلو صدق: الصلاة في الثوب الأبيض موجودة، يكفي من صدق القضيّة المهملة وهي: الصلاة موجودة؛ لأنّ صدق وجود المجموع يلازم وجود كلّ جزء من أجزائه. وأمّا الصلاة معدومة بنحو المهملة، فهو لا يكفي في صدقها أن يصدق قضيّة سالبة جزئية، وهو أن يقال: أنّ بعض حصّص الصلاة معدومة؛ لأنّ هذا العدم مضاف إلى المجموع، وهو(1) لا ينبسط على الأجزاء، وإنّما يختصّ بأخصّها، فأعمّ تلك الأجزاء لا يضاف إليه مثل هذا العدم. فلا يكون صدق القضيّة السالبة مساوقاً لصدق هذه القضيّة. الصلاة معدومة. ولكن صدق الموجبة الجزئية يكون مساوقاً مع صدق قولنا الصلاة موجودة.

وتمام النكتة في ذلك هو إرجاع باب الكلّي مع الفرد إلى باب المجموع مع 

ــــــــــ[207]ــــــــــ

() بين العدم المضاف إلى المجموع. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الأجزاء. وقولنا: إنّ الكلي يوجد بوجود فرد، ولا ينعدم إلّا بانعدام سائر الأفراد، مرجعه بهذا التحليل إلى قولنا، المتّفق عليه، وهو: أنّ المجموع يوجد بوجود تمام الأجزاء، وينعدم بانعدام جزء واحد.

فهنا: الصلاة موجودة، والصلاة معدومة، بالرغم من أنّ الموضوع أُخذ على نحو واحد، ولم يختلف من ناحية اللحاظ في جانب كلتا القضيتين. إلّا أنّ نفس السلب والإيجاب أوجب هذا الفرق. نفس طبيعة السلب أوجبت أن لا تصدق هذه القضيّة السالبة، مع صدق قضيّة سالبة جزئية واحدة. وطبيعة الايجاب، أوجبت أن تصدق هذه القضيّة المرجعية، مع صدق جزئية موجبة واحدة، فالفرق يرجع إلى طبيعة السلب والإيجاب نفسه، لا إلى نحو ملاحظ الموضوع في القضيتين.

وبهذا يظهر: أنّ القضيتين المهملتين، التى تكون إحداهما سالبة والأخرى موجبة، إذا كان المحمول فيهما، نفس الوجود والعدم، هما متناقضان. وما ذُكر في علم المنطق من أنّ القضيتين المتقابلتين(1) المهملتين حيث إنّهما في قوة الجزئين، لا يكون بينهما تقابل، صحيح، إلّا أنّه صحيح في غير ما إذا كان المحمول هو الوجود والعدم.

مثل قولنا بعض الإنسان عالم، وبعض الإنسان ليس بعالم. فهنا يصدق بنحو المهملة، الإنسان عالم، والإنسان غير عالم.

لكن في خصوص ما إذا كان المحمول هو الوجود والعدم، فيكون بينهما 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

() بين السالبة والموجبة. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

تقابل؛ لأنّ نفس السلب في القضيّة السالبة يجعلها كليّة. فهذه الكليّة تنشأ من طبيعة السلب، لا من أخذ سورٍ كليّ بالنسبة إلى الموضوع بالقضيّة المهملة في جانب السلب تصبح كليّة، إلا أنّ كليتها في طول السلب، لا كليّة من ناحية الموضوع.

وبهذا اتّضح بما لامزيد عليه، أنّ الطبيعة الواحدة إذا تعلّق بها الأمر الواحد والنهي الواحد، يختلفان في مقام اقتضائهما؛ لأنّ اّمر الواحد يقتضي حصيلة القضيّة الموجبة، وهي الصلاة موجودة. والنهي يقتضي حصيلة القضيّة السالبة، وهي الصلاة معدومة. وهاتان القضيتان متقابلتان من حيث الصدق. ويكفي في صدق الموجب منهما، صدق الموجبة الجزئية، ولا يكفي في صدق السالبة منها السالبة الجزئية؛ لأنّ السلب فيها يوّلد الكلية، ومن هنا يحتاج في صدقها إلى صدق تمام السوالب الجزئية، أي إلى صدق السالبة الكليّة. وهذا هو معنى ما يقولون: من أنّ الأمر بالطبيعة يقتضي الإتيان بفرد واحد، والنهي عنها يقتضي الإنتهاء عن تمام الأفراد.

وهذا كلّه لا ربط له بمسألة التقابل بين الوجود والعدم بملاك الطاردية والمطرودية، حتّى يقال: بأنّه(1) لا يتحقّق إلّا بين الوجود وبين عدم نفسه. هذا تمام الكلام في الفرق الأوّل.

واتّضح أنّ الفرق الأوّل بين الأمر والنهي، فرق صحيح وتامّ، وأنّ مرجعه إلى طبيعة الأمر والزجر عقلاً، لا إلى دلالة اللغوي، أو عناية لحاظية.

ــــــــــ[309]ــــــــــ

() يعني الملاك. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

إلاّ(1) أنّ هذا الفرق لا يظهر فيما إذا أُخذت الطبيعة بنحو صرف الطبيعة بلا قيد ولا مؤونة. بحيث إنّ هذا الفرق إنّما يظهر فيما إذا فرّقنا أنّ الأمر واحد والنهي واحد، وقياسنا الأمر الواحد مع النهي الواحد. فحينئذٍ، نقول: إنّ الأمر الواحد المتعلّق بالطبيعة، يقتضي في مقام الامتثال إلى الإتيان بفرد. وأمّا النهي الوحداني المتعلّق بالطبيعة، يقتضي الانزجار عن تمام الأفراد.

فالفرق في عالم الاقتضاء، إنّما يظهر في فرض وحدة الحكم المجعول في جانب الأمر والنهي معاً. وهذا لا يكون فيما إذا فُرِض أنّ المتعلّق كان صرف الطبيعة بلا عناية، ولا قيد زائد، فإنّه إن كان كذلك يظهر الفرق الثاني، ويحكم على الفرق الأوّل. وهو أنّه يكون الأمر بدليّاً بمعنى يكون امراً واحداً، ويكون النهي انحلالياً، اي نواهٍ متعدّدة بعدد الأفراد.

فلا يبقى مجال لظهور الفرق الأوّل، بل يحصل هناك فرق آخر، هو وحدة الأمر وانحلالية النهي، فيكون الفرق ما بينهما بحسب عالم الجعل وعالم المجعول. ولا تصل النوبة إلى ظهور الفرق بينهما في عالم الاقتضاء والمحرّكية.

وأيضاً يقع الكلام في نكتة هذا الفارق الثاني، وأنّه لماذا يستفيد الفقيه من دليل (صلِّ)، وجوباً واحداً، ولكن من دليل (لا تصلِّ). يستفيد نواهياً متعدّدة انحلالية بعدد الأفراد.

النكتة في ذلك: هي أنّ وحدة الحكم وتعدّده، تابع لوحدة المصلحة وتعدّدها، يعني وحدة الملاك وتعدّده. فإن فُرِض أنّ هناك كانت مصلحة 

ــــــــــ[310]ــــــــــ

()  وبعد أن ذكر الفرق الأوّل فرق صحيح قال: إلا… (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

واحدة قائمة بالطبيعة، أو مفسدة واحدة كذلك، إذن، يكون الحكم المجعول إيجاباً أو تحريماً حكماً وحداً. إذ لا يكون للمولى حينئذٍ، محبوبان أو مبغوضان مستقلّان، بدليل أنّ المكلّف في هذه الحالة لو أوجد فردين في طرف الأمر أو فردين في طرف النهي، لم يكن يتحقّق محبوبان للمولى في الأوّل أو مبغوضان له في الثاني، بل لا يتحقّق بالنتيجة، مهما كثر الأفراد، إلا محبوب واحد في الأوّل أو مبغوض واحد في الثاني؛ لأنّ جهة المحبوبية والمبغوضية واحدة لا تكثّر فيها. فيكون الحكم يتبع ذلك واحداً.

وأخرى يفرض تعدّد الملاك، الذي يكون منشأ لجعل الحكم على طبقه. فهناك مصالح متعدّدة في أفراد الطبيعة، بحيث أنّ كلّ فرد من الطبيعة موضوع لمصلحة. إكرام زيد العالم فيه مصلحة، وإكرام عمرو العالم، فيه مصلحة أخرى وهكذا. وكذلك في جانب النهي، هناك مفاسد متعدّدة، بحيث إنّ العبد لو أتى بفردين، فقد حقّق محبوبين للمولى في الأوّل، ومبغوضين له في الثاني. فهنا، المولى يجعل أحكام متعدّدة بعدد الأفراد على نهج الانحلال. هذا هو ضابط وحدة الحكم وتعدّده.

إلّا أنّنا من دليل (صلِّ) نستفيد وحدة الحكم ومن دليل (لا تصلِّ)، نستفيد انحلالية الحكم وشموليته، بمعنى كونه حكماً متعدّداً بتعدّد الأفراد.

أمّا أنّنا نستفيد من دليل الأمر وحدة الحكم فهذا مربوط بقاعدة بيّناها في بحث المطلق والمقيّد، وبرهنّا عليه، وقلنا: بأنّ الإطلاق تارةً يكون في موضوع الحكم، وأخرى في متعلّقه. والإطلاق الجاري في طرف الموضوع دائماً يكون شمولياً وانحلالياً، يعني بوجوب تكثّر الحكم بتكثّر أفراد الموضوع، وأمّا 

ــــــــــ[311]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الإطلاق الجاري في طرف المتعلّق، فدائماً لا يكون انحلالياًّ على القاعدة، بمقتضى مقدّمات الحكمة، وفي جانب المتعلّق بدلي على القاعدة. وقد برهنّا على ذلك في محلّه.

بناءً على هذا وحدة الأمر تكون على القاعدة، لا نحتاج لإشكال من ناحيتها، فإنّ مقتضى القاعدة بالإطلاق في جانب المتعلّق(1) هو وحدة الأمر وبدليّته. فبمقدّمات الحكمة نثبت كون الحكم واحداً المساوق لكون المصلحة واحدة، قائمة بصرف الطبيعي.

وأمّا في جانب النهي، فالمتعلّق أيضاً بحسب القاعدة الأولية، أنّ يكون إطلاقه بدليّاً لا شمولياً، إلّا أنّ هنا نكتة اقتضت استفادة الشمولية من دليل النهي. 

وحاصلها: أنّ المفسدة التي هي ملاك لا تصلِّ أو لا تشرب الخمر، لو كانت مفسدة واحدة مساوقة للنهي الواحد، فلا يخلو أمرها، إمّا أن تكون قائمة بالوجود الأوّل فقط، وإمّا أن تكون قائمة بمجموع الوجودات، فإن فُرِض أنّها كانت قائمة بالوجود الأوّل فقط، فيلزم من ذلك تخصيص المتعلّق بخصوص الوجود الأوّل، يعني أن لا تقع الطبيعة على إطلاقها متعلّقاً للنهي، بل الذي يتعلّق به النهي حينئذٍ، هو الطبيعة المقيّدة بأن لا يكون هناك وجود 

ــــــــــ[312]ــــــــــ

() إلاّ أنّه يقع الإشكال من حيث الموضوع فإنّنا أيضاً نستفيد من دليل الأمر بدليلته، مع أنّ مقتضى القاعدة التي ذكرها هو انحلاليته. ولم يجب السيّد في البحث عن ذلك. (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

قبلها، وبان تكون هي الوجود الأوّل، إذ أنّ الوجود الثاني ليس فيه مفسدة؛ لأنّ المفروض أنّ المفسدة واحدة لا يعقل تكرّرها، وهذه المفسدة يكفي في حصولها الوجود الأوّل. فحينئذٍ، لابدَّ من أخذ قيد الأولية في المتعلّق، بحيث لا يكون للطبيعة إطلاق من ناحية الوجودات المتعاقبة الأخرى. هذا لو كانت المفسدة الواحدة يكفي فيها إلى فرد.

وأمّا لو فُرِض أنّ المفسدة تتوقّف على اجتماع تمام الأفراد، فمعنى هذا أنّ المفسدة تحصل بالوجود الأخير، الذي يتعقّب تمام الوجودات. إذن، فيجب أن تقيّد الطبيعة المنهي عنها بخصوص الوجودات الأخيرة، ولا ينبغي أن تقع الطبيعة على إطلاقها متعلّقاً للنهي.

فمتى كان هناك، في عالم ملاكات المولى مفسدة واحدة، يستحيل أن تقع الطبيعة على إطلاقها الذاتي متعلّق للنهي، بل لابدَّ من تقييدها، إمّا بالوجودات الأولى، وإمّا بالوجود الأخير، فحيث تقع على إطلاقها الذاتي متعلّقاً للنهي، يستكشف من ذلك لا محالة، باعتبار أجزاء مقدّمات الحكمة، ونفي قيد الأولية ونفي قيد الآخرية، يستكشف تعدّد المفسدة لا واحد(1).

فبهذا يظهر بأنّ النهي المتعلّق بالطبيعة بلا قيد، يكون نهياً انحلالياً، وأمّا الأمر المتعلّق بالطبيعة بلا قيد، يكون أمراً بدليّاً. فهذا الفرق الثاني صحيح. ويظهر هذا الفرق فيما إذا تعلّق الأمر والنهي بذات الطبيعة.

هذا تمام الكلام فيما إذا كان الملحوظ في المقام ذات الطبيعة.

ــــــــــ[313]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الاخوان: هل يجري هذا في الأمر؟ 

قال: لا. فهذه النكتة أوجبت في المقام انحلالية النهي. (المقرّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

النحو الثاني: الوجود الأوّل للطبيعة 

اللحاظ الثاني: أن يلحظ الوجود الأوّل للطبيعة، الطبيعة المقيّدة بالوجود الأوّل. هنا إذا تعلّق بها النهي أو الأمر فهو واحد على كلّ حال. الأمر إذا تعلّق بالوجود الأول، فهو أمر واحد، ويكون حكماً واحداً لا انحلاليّاً وكذالك النهي. فالفرق الثاني لا يظهر هنا.

وهنا مجال ظهور الفرق الأوّل، وهو أنّ هذا الأمر الواحد، المتعلّق بالوجود الأوّل، يكفي في مقام امتثاله الإتيان بفرد واحد، ولا يلزم الإتيان بتمام الأفراد العرفية دفعة واحدة. وأمّا النهي المتعلّق بالوجودات الأولى، فلا يكفي في مقام امتثاله، إلا ترك تمام الأفراد والعرضية في عرض واحد.

وهذا الفرق مردّه إلى الفرق الأوّل، يعني: الفرق بحسب عالم الاقتضاء لا إلى الفرق بحسب عالم الجعل، أو تعدّد الحكم في أحدهما ووحدته في الآخر.

وهنا، لو شككنا بأنّ هذا الفرد أهو مصداق للوجود الأوّل لهذه الطبيعة أو لا. ففي جانب الأمر تجري أصالة الاشتغال؛ لأنّ الإطلاق بدلي، وفي جانب النهي تجري أصالة البراءة؛ لأنّ الإطلاق شمولي.

إلّا أنّ هناك إشكالاً في جريان البراءة في جانب النهي، وإنّ كان الإطلاق شموليّاً، وكان الشكّ شكّاً في أصل التكليف، وحاصله: وهو دعوى تشكيل العلم الإجمالي في المقام.

فإنّنا لو شككنا بأنّ هذا هل هو إكرام للفاسق أو لا، لأجل الشكّ بأنّ هذا فاسق أو لا؟ وفرضنا أنّ الحرمة تعلّقت بالوجود الأوّل من إكرام الفاسق. فهنا 

ــــــــــ[314]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

نشكّ أنّ الإتيان فعلاً حرام أو ليس بحرام؛ لاحتمال أنّه هو الوجود الأوّل، واحتمال أنّه لا يصدق علىه عنوان الوجود الأوّل للطبيعة. لكن نعلم إجمالاً أنّه إما هو حرام، وإمّا الإتيان بإكرام معلوم الفسق من سائر الأفرد الأخرى، بعده حرام؛ لأنّه إن فرضنا أنّ هذا كان إكرام للفاسق، وكان زيد فاسقاً في الواقع، إذن، يكون إكرامه الآن مصداقاً للوجود الأوّل للطبيعة، وحينئذٍ، يكون هو الحرام. ولو أكرمنا عمرو المعلوم الفسق بعده لا يكون حراماً؛ لأنّه لا يكون هو الوجود الأوّل، بل الثاني. وأمّا لو فرضنا أنّ زيداً، المشكوك الفسق ليس فاسقاً في الواقع، إذنّ فإكرامه ليس حراماً، لكن إكرام عمرو المعلوم الفسق بعده يكون حراماً؛ لأنّه لا يخرج عن كونه وجوداً أوّل.

فيستشكل عندنا علم إجمالي، إمّا بحرمة إكرام زيد المشكوك الفسق فعلاً، او بحرمة إكرام عمرو المعلوم الفسق بعد إكرام زيد. وحينئذٍ، قد يقال: بأنّ مثل هذا العلم الإجمالي يكون منجّزاً في المقام.

ومنجزيّة هذا العلم الإجمالي إثباتاً ونفيّاً، منوط بتحقيق ضابطة في بحث العلم الإجمالي؛ وذلك لأنّ طرفي العلم الإجمالي هنا بحسب الحقيقة، بينهما، من حيث المورد، عموم وخصوص مطلق لا من وجه؛ لأنّا نعلم إجمالاً إمّا بحرمة إكرام زيد المشكوك الفسق، أو بحرمة إكرام عمرو المعلوم الفسق بعد إكرام زيد؛ لأنّ إكرام عمرو قبل إكرام زيد معلوم الحرمة تفصيلاً(1)، لا أنّه أحد طرفيه 

ــــــــــ[315]ــــــــــ

() كما أنّ إكرام زيد بعد إكرام عمرو معلوم الجواز تفصيلاً (وجواب على سؤال). (المقرّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

العلم الإجمالي. وهو من حيث المورد أخصّ ورداً من الطرف الأوّل دائماً؛ إذ متى ما وجد إكرام عمرو بعد إكرام زيد، فقد تحقّق إكرام زيد لا محالة قبله، ولكن ليس متى ما تحقّق إكرام زيد فقد تحقّق إكرام عمرو.

فهنا الطرف الأوّل للعلم الإجمالي، هو: إكرام زيد المشكوك الفسق سواءٌ تعقّبه إكرام عمرو أو لا. والطرف الثاني. هو إكرام عمرو المسبوق بإكرام زيد. وهذا أخصّ من الأوّل لا محالة، بمعنى أنّه متى ما وجد الطرف الثاني للعلم الإجمالي فالطرف الأوّل موجود ولا عكس. كما لو أكرم(1) زيداً دون عمرو

وحيث إنّه هكذا، فيدخل في نكتة كليّة، حيث إنّه قد يُدّعى في بحث العلم الإجمالي، أنّه متى ما كان أحد طرفي العلم الإجمالي أخصّ مورداً من الطرف الآخر، بحيث كان فرض وجوده مساوقاً لفرض وجود طرف آخر معه، المساوق مع المخالفة القطعية. متى ما كان هكذا في الأصول لا تتعارض في الطرفين، بل الأصول المؤمّنة تجري بالنسبة إلى الطرف الأعمّ ولا تجري بالنسبة إلى الطرف الأخص؛ لأنّ فرض الطرف الأخصّ هو فرض مجموع الطرفين المساوق للمخالفة القطعية، والأصول لا تؤمّن من ناحية المخالفة القطعية.

ومنجزية هذا العلم الإجمالي إثباتاً ونفيّاً، مربوطة بتلك الكليّة فمن يقبل(2) هذه النكتة فلا يرى هذا العلم الإجمالي منجّزاً، بل يجري أصالة البراءة عن إكرام زيد المشكوك الفسق، ولا يعارض بأصالة البراءة عن إكرام عمرو المعلوم 

ــــــــــ[316]ــــــــــ

() مثال لوجود الطرف الأوّل دون الثاني. (المقرّر). 

(2) فُهم من مجموع كلام السيّد أنّه لا يرى هذه النكتة صحيحة. (المقرر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الفسق، المسبوق بإكرام زيد المشكوك.

وأمّا من لا يقبل هذه النكتة، ويقول بتعارض الأصول في طرفي العلم الإجمالي، ولو كان أحدهما أخصّ مطلقاً من الآخر. فلابدَّ له أن يقول بمنجزّية مثل هذا العلم الإجمالي، وأنّ أصالة البراءة في إكرام زيد المشكوك الفسق يعرض لأصالة البراءة في إكرام عمرو المعلوم الفسق، المسبوق بإكرام زيد المشكوك. هذا حال الحاظ الثاني.

اللحاظ الثالث(1): العام الاستغراقي 

 اللحاظ الثالث: أنّ تُلحظ الطبيعة بنحو العام الاستغراقي، وهو ما يُعبّر عنه، بأنّ الطبيعة تُلحظ فانية في جميع الوجودات.

وقد أشرنا فيما سبق، وحقّقنا في بحث العام والخاصّ والمطلق والمقيّد، أنّ ما يصلح أن يكون فانيّاً في جميع الوجودات، هو عنوان جميع الوجودات، لا عنوان الطبيعة. فالطبيعة بضمّ عنوان (جميع) و(كلّ) ونحوها من المفاهيم الانتزاعية، تصلح أنّ تكون فانيّة في تمام الوجودات.

وحينئذ سواءٌ تعلّق الأمر والنهي بمثل هذه الطبيعة، يكون انحلالياً لا محالة، ومتعدّداً بعدد الأفراد، ويكون الاطلاق شمولياً.

فبالشبهة الموضوعية سواءٌ كانت تحريمية، أو وجوبية تجري البراءة بلا إشكال؛ لأنّ الإطلاق شمولي.

ــــــــــ[317]ــــــــــ

(1) النحو الثالث.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

اللحاظ الرابع(1): العام المجموعي 

اللحاظ الرابع: أن نلحظ الطبيعة بنحو العام المجموعي، أي مجموع الوجودات، فيأمر بمجموع الأفراد أو ينهى عنها.

أمّا لو كان في جانب الأمر لو قيل (أكرم مجموع العلماء)، وتردّد أمر العلماء بين التسعة والعشرة، حيث إنّ العاشر كان مشكوكاً بنحو الشبهة الموضوعية، فهنا يدخل في بحث الأقل والأكثر الارتباطين. والصحيح هو جريان البراءة فيه. وأيضاً ينطبق عليه الضابط الذي بيّناه، فإنّ الإطلاق هنا شمولي بلحاظ الأجزاء لا محالة، فتجري البراءة عن الزائد.

وأمّا لو فُرِض أنّ النهي تعلّق بالمجموع، فمرجع النهي عن المجموع، إلى الاكتفاء في مقام امتثاله بترك واحد؛ لأنّ ترك المجموع يكون بترك أي واحد من الأفراد. ففي مثل هذه الحالة يجوز ارتكاب الفرد المعلوم. فضلاً عن المشكوك؛ لأنّ ارتكاب الفرد المعلوم أيضاً لايكون ارتكاباً للمجموع، والمنهي عنه هو ارتكاب المجموع. فارتكاب الفرد المشكوك وحده، يكون معلوم الحلية في المقام.

نعم، يقع الإشكال في ارتكاب تمام الأفراد المعلومة، وأيضاً المشكوكة. فإنّه لوترك إكرام التسعة بتمامهم وهم تمام الأفراد المعلومة. هنا يُحتمل أنّه قد عصى؛ لأنّ العاشر لو لم يكن هو العالم فقد تحقّق من المجموع، ولم يتحقّق منه الترك المجموع؛ لأنّ تركه إنّما يكون بترك أحد الأفراد، أو هذا لم يترك ولا واحداً 

ــــــــــ[318]ــــــــــ

(1) النحو الرابع.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

منها. وأمّا لو كان العاشر عالماً، إذن، فقد تحقّق منه ترك المجموع؛ إذ يكفي في ترك المجموع ترك الفرد العاشر.

فهنا يقع البحث إنّه هل يجوز له ارتكاب تمام الأفراد والتسعة المعلومة أو لا يجوز.

قلنا: أنّ لحاظ الطبيعة في جانب الوجود له أنحاء:

 فتارةً: يُلحظ بنحو صرف الوجود.

 وثانية: تُلحظ بنحو الوجود الأوّل.

 وثالثة: تُلحظ بنحو العام الاستغراقي، بمرآتية عنوان من قبيل عنوان جميع الوجودات. 

 ورابعة: تُلحظ بنحو العام المجموعي، أي مجموع أفراد الطبيعة. وانتهينا بالبحث إلى هذا القسم الرابع.

قلنا: بأنّ الطبيعة، أي لوحظة بهذا النحو، وتعلّق بها الأمر، وقال (أكرم مجموع العلماء)، وفرضنا أنّ مجموعهم مردّد من حيث الشبهة الموضوعية المردّدة ما بين التسعة والعشرة، للشكّ في أنّ العاشر هل هو عالم أو لا؟ فيكون هذا من باب دوران أمرين الأقل والأكثر الارتباطين؛ لأنّ الوجوب المحمول الطبيعة، فيشكّ في سعة دائرة هذا الواجب الواحد وضيقه. وبعد البناء على جريان البراءة، في بحث الأقل والأكثر الارتباطين. فيقال بجريانها هنا.

وأمّا إذا تعلّق النهي بالمجموع، فقال لا تكرم مجموع الفساق. فهنا إكرام معلوم الفردية أيضاً يكون جائزاً، فضلاً عن المشكوك الفردية؛ لأنّ النهي عن 

ــــــــــ[319]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

المجموع، إنّما يعصى بإكرام مجموع الفساق؛ لأنّ ترك المجموع يكفي فيه ترك اجزائه.

وإنّما يقع الإشكال هنا أنّه هل يمكنه ارتكاب تمام الأفراد المعلومة، وهي التسعة والاختصار في مقام الترك على الفرد العاشر المشكوك، بدعوى أنّه لا يعلم أنّ التسعة هي مجموع الأفراد. هذا بحسب الحقيقة أيضاً يرجع إلى دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين، لكن في جانب الحرمة لا الوجود؛ وذلك لأنّ الإكرامات التسعة المحفوظة في ضمن العشرة معلومة الحرمة وجداناً، إمّا بحدها التسعتي، وإمّا بحدّ العشرة الذي يكون التسعة محفوظة فيه، بالنتيجة ذات التسعة المحفوظة في ضمن العشرة حرام، لأحد الحدّين؛ لأنّه مجموع الأفراد. وأمّا الحصّة الأخرى من التسعة، وهو وجودها لا في ضمن العشرة، هذه الحصّة غير معلومة الحرمة، بل مشكوكة. وحينئذٍ، فتجري البراءة منها، على حدّ جريان البراءة في طرف الواجب، فيما إذا دار الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين. وتفصيل ذلك من حيث المباني.

اللحاظ الخامس(1): العنوان المتحصّل 

اللحاظ الخامس: أن يكون هناك عنوان وراء الطبيعة، ومتحصّل من الإتيان بالطبيعة، كعنوان التعظيم من ناحية الضيافة أو القيام. ويكون هذا العنوان المتحصّل والمتعلّق بالأمر والنهي دون أفراد الطبيعة نفسها، ونسبة الأفراد إلى هذا العنوان نسبة المقدّمة إلى ذي المقدّمة والسبب إلى المسبب. فإنّ ما 

ــــــــــ[320]ــــــــــ

(1) النحو الخامس.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

هو موضوع الأمر والنهي، أنّما هو ذات ذلك العنوان المتحصّل.

هنا أيضاً يتصور أيضاً على وجهين؛ لأنّه تارةً يكون هذا العنوان المتحصّل، لا يتحصّل إلى من مجموع أفراد الطبيعة وأخرى يُفرَض أنّه يكفي في تحصّله أي فرد من أفراد الطبيعة.

أمّا في الأوّل وهو ما أن نفرض أنّ هذا العنوان المتحصّل، سنخ عنوان لا يكفي في حصوله، إلّا الإتيان بتمام أفراد الطبيعة. فهنا إن تعلّق الأمر بمثل هذا العنوان، ثُّمّ شككنا في أنّ أفراد الطبيعة هل هي تسعة أو هي عشرة، هنا تجري أصالة الاشتغال، ويجب عليه الإتيان بالعاشر أيضاً؛ وذلك لأنّ الشكّ ليس في دائرة الواجب، فإنّ الواجب معلوم وهو تعظيم زيد، لكن لا يدري أنّ هذا الواجب المعلوم الوجوب المفروغ عن تنجزّه الداخل في الذمة بحدوده المعيّنة، هل وجد في الخارج أو لا، للشك في انّه هل أتى بتمام المقدّمات الدخيلة في وجوده أو لا. وهذا مجرى لأصالة الاشتغال لا محالة.

هنا، لو فُرِض أنّ المولى نهى عن ها العنوان، الذي يتوقّف وجوده على تمام أفراد الطبيعة. فهنا يمكن للعبد أن ياتي بالفرد المعلوم من الطبيعة؛ لأنّه في مأمن من ناحية وجود الحرام. نعم يأتي الإشكال في أنّه هل يمكنه أن يأتي بتمام الأفراد التسعة المعلوم، ويقول: أنّه عسى أنّه لم يوجد الحرام؛ لأنّ العاشر لعلّه أحد أفراد الطبيعة؟

لا، بل هنا أيضاً تجري أصالة الاشتغال، ولا تجري البراءة؛ وذلك لأنّ الحرام مجهوده معلوم منجّز، وقد دخل في الذمة، والشكّ ليس في حرمة شيء 

ــــــــــ[321]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وعدم حرمته، وإنّما الشكّ في أنّ الحرام المفروغ عن حرمته هل وجد في الخارج أو لا. وكما يجب على الإنسان بحكم العقل أن يجزم بالإتيان بالواجب، كذلك يجب عليه بحكم العقل أن يجزم بأنّه ترك الحرام. ولا يحصل الجزم بذلك، ما لم يجتنب إحدى المقدّمات التسعة المعلومة. إذن فلا يجوز له الجمع ما بين تمام الأفراد المعلومة، بل لابدَّ له من ترك واحد منها.

 هذا فيما إذا فُرِض أنّ عنوان التعظيم يتحصّل من مجموع الأفراد. وأمّا إذا فرضنا أنّ العنوان المتحصّل كان يكفي في تحصيل أي فرد من أفراد الطبيعة. فتارةً يؤمر به، وأخرى ينهى عنه. فإنّ أمر به، فلا يجوز في مقام الامتثال الاقتصار على الإتيان بمشكوك الفردية الطبيعية؛ لأنّ هذا من باب الشكّ في المحصّل. فإنّ الذمة اشتغلت بتعظيم زيد، ولا أدري أهذا فرد من الطبيعة، حتّى يكون محصّلاً للتعظيم أو لا يكون فرداً لها. فنجري أصالة الاشتغال بلا إشكال.

وكذلك الحال فيما إذا تعلّق النهي به أيضاً. وشككت بحسب الخارج أنّ هذا فرد من الطبيعة، بحيث يترتّب عليه هذا العنوان، أو لا. الشكّ هنا أيضاً ليس في حرمة شيء، وإنّما في وجود الحرام بحسب الخارج. لا نقول بأنّ هذا حرام أولا، وإنّما نقول: بأنّ الحرام هل وجد أو لا. إذن، فيكون الحرام بخصوصياته معلوماً، ومنجّز أو داخل في الذمة، وأشكّ بأنّ هذا الحرام المعلوم المحدود، هل وجد بحسب الخارج أو لا؟ والعقل يستقلّ بوجوب تحصيل الجزم بترك الحرام بحسب الخارج. وهذا لا يكون إلّا بترك المشكوك 

ــــــــــ[322]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

في فرديّته للطبيعة، فأيضاً تجري أصالة الاشتغال في كلا الجانبين، في طرف الأمر وطرف النهي.

هذا هو تمام الكلام في صور ملاحظة الطبيعة في طرف الوجود(1).

تتمة الكلام في جريان البراءة في الشبهة الموضوعية(2)

ونفس هذه التشقيقات والنكات أيضاً تجري في طرف الترك، فإنَّ ترك الطبيعة أيضاً تارةً يُلحظ بصرف الترك، يعني: الترك المضاف إلى الطبيعة بما هي بلا عناية، وأُخرى يُلحظ الترك الأوّل للطبيعة، إذا فرض أنّها كان لها وجودات تدريجية بعضها بعد بعض، فالترك الأوّل هو ترك الوجود الذي يترقّب وجوده في الزمان الأوّل. 

ــــــــــ[323]ــــــــــ

() بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد واله الطاهرين أمّا بعد، فقد انتهيت بحمد الله بحسن التوفيق من كتابة هذه المحاضرات، الثمان والثلاثين بعد حضورها جميعاً في حوزة سيّدنا الأستاذ السيد الصدر دام ظله، وتسجيلها في جهاز التسجيل. ومنه عز وجل استمد العون والتوفيق على كتابة ما يلي من المحاضرات، والسعي على هذا الطريق الطويل، ولا يلقّاها إلاّ الصابرون، ولا ينالها إلا ذو حظ عظيم، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. جعلنا الله من أفراد هذا الركب الالهي العظيم ركب الأنبياء، والأوصياء، والشهداء، والصالحين وحسن اولئك رفيقاً أنّه ولي التوفيق.

وأنا أكثر العباد زللاً وأقلّهم عملاً، المحتاج الى رحمة ربه الكريم وشفاعة نبيه الكريم وآله الميامين محمد الصدر. كتبه بيمناه الخاسرة في البلدة الطاهرة النجف الأشرف
– الجمهورية العراقية.

(2) كان تاريخ الشروع في هذا البحث يوم الثلاثاء 16/3/1386هـ، 5/7/1966م. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وكذلك يمكن أن يُلحظ بنحو العامّ الاستغراقي: كلَّ تركٍ، أو بنحو العام المجموعي: مجموعُ التروكِ، أو العنوان المتحصّل من التروك: إمّا متحصّل من مجموعها أو من أيّ واحد منها.

فتمام تلك الشقوق تأتي هنا، وتمام تلك النكات أيضاً تأتي، إلَّا أنَّ الفرق ما بينها يظهر في القسم الأوّل؛ ولهذا نقتصر على تحقيقه، وهو الترك المضاف إلى الطبيعة بلا عناية، يعني: صرف الترك في قبال صرف الوجود، فالأمر والنهي المتعلّق بهذا الترك يُعاكس الأمر والنهي المتعلّق بصرف الوجود.

أليس الأمر في جانب صرف الوجود كان يكفي في مقام امتثاله الإتيان بفرد واحد؟! وأمّا النهي فلا يكفي في مقام امتثاله إلَّا ترك سائر الأفراد؛ لأنَّ الأمر إيجاد تشريعي للطبيعة والنهي إعدام تشريعي لها، ووجود الطبيعة يكفي فيه وجود فرد واحد، وعدمها لا يكفي فيه إلَّا عدم تمام الأفراد.

وفي المقام بالعكس، فلو تعلّق الأمر بترك الطبيعة، فإنّه بحسب الحقيقة بعثٌ نحو إعدامها لمصلحة قائمة في عدم الطبيعة، وحينئذٍ تأتي عين القاعدة السابقة وهو أنَّ عدم الطبيعة لا يكون إلَّا بعدم سائر أفرادها، كما كان هو حال الزجر عنها، فالبعث نحو ترك الطبيعة من حيث الاقتضاء متّحد مع الزجر عن وجود الطبيعة، فكما أنّه ذاك في اقتضائه شمولي، كذلك هذا، يعني: يتوقّف امتثاله على استيعاب تمام الأفراد.

وأمّا لو تعلّق النهي به، فقال: (لا تترك زيارة الحسين) فهنا يكون بالعكس، فإنَّ (لا تترك) زجر عن الترك، والزجر عنه يعني إعدامه، وتشريعاً 

ــــــــــ[324]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

إعدام ترك الطبيعة مساوق مع وجودها، وقد فرغنا عن أنَّ وجود الطبيعة يكفي فيه وجود فرد واحد، فيكتفى في مقام امتثال هذا النهي بالإتيان بفرد واحد.

فنفس الفرق الأوّل من الفرقين السابقين اللذين ذكرناهما في القسم الأوّل من الأقسام السابقة، يظهر بصورة معاكسة هنا أيضاً، فما كان للأمر هناك يكون للنهي عنها وبالعكس.

وأمّا الفرق الثاني، فهنا لا يُلتزم بالشموليّة -بمعنى: تعدّد الحكم لا في جانب الأمر ولا في جانب النهي- بل يُلتزم بوحدة الحكم، فإنّه حكم واحد له امتثال واحد، غاية الأمر في طرف النهي يكون بترك تمام الأفراد وفي جانب الأمر يكون بإعدام بعض التروك، أي: إيجاد بعض الأفراد. فيلتزم بوحدة الحكم في كلّ منهما، وكون الإطلاق بدلياً لا شمولياً، بمعنى يساق مع انحلالية الحكم وتعدّده.

وذلك لأنَّ هذا هو مقتضى القاعدة على ما بيّناه وأشرنا إليه، وبيّناه مفصّلاً في بحث المطلق والمقيّد: بأنَّ مقتضى القاعدة في إطلاق المتعلّق بأن يكون إطلاقاً بدلياً بحيث يكون الحكم واحداً، لا شمولياً انحلالياً. 

وإنَّما رفعنا اليد عن هذه القاعدة في طرف النهي المتعلّق بالوجود فيما إذا قال: (لا تصلِّ) باعتبار النكتة التي أشرنا إليها سابقاً، وملخّصها(1): أنَّ المفسدة إذا كانت واحدة فهي تلازم عقلاً مع طروّ تقييد على المتعلّق؛ إمّا الفرد الأوّل أو 

ــــــــــ[325]ــــــــــ

() وقد ذكرها السيّد هنا مفصّلاً إلَّا أنّه لا يزيد على ما سبق. (المُقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الأخير على ما سبق، فيستكشف من عدم التقييد وتعلّقها بذات الطبيعة تعدّد المفسدة وانحلالها إلى تمام الأفراد.

وهذا البيان لا يأتي هنا في طرف الأمر، الذي هنا هو شمولي الاقتضاء؛ وذلك لأنَّ الأمر هنا ينشأ عن مصلحة في نفس الترك لا عن مفسدة في الطبيعة، وهذه المصلحة يمكن أن نفرضها قائمة بمجموع التروك، وحينئذٍ فلا بأس للمولى أن يبعث نحو ترك الطبيعة بما هو ترك الطبيعة، من دون أن يقيدها بقيد؛ لأنَّ لازم تعريتها عن القيود : هو شمولية اقتضاء هذا البعث ودفعه للمكلّف نحو إعدام سائر الأفراد وتحقيق سائر التروك، وهذا هو المقصود؛ لأنَّ المفروض بأنَّ المصلحة قائمة بمجموع التروك، فوحدة المصلحة هنا لا يلزم عقلاً أخذ قيد زائد على ذات الطبيعة، وأمّا وحدة المفسدة هناك فيستلزم أخذ قيد زائد عليها؛ ومن هنا لا تتمّ تلك القرينة في المقام.

فمن هنا نلتزم بوحدة الحكم في جانب الأمر والنهي معاً، غاية الأمر أنّه في أحدهما الاقتضاء شمولي وفي الآخر غير شمولي.

هذا تمام الكلام في الصور التي ينبغي التعرّض لها في الشبهة الموضوعيّة، وأظنّ أن الكلام قد تمّ في الشبهة الموضوعيّة.

ــــــــــ[326]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 






التنبيه الرابع: في جريان البراءة                                                                        في الأحكام غير الإلزاميّة

 

التنبيه الرابع في جريان البراءة في الأحكام غير الإلزاميّة، كما إذا شكّ في استحباب فعل وعدمه، فهل تجري البراءة عنه أو لا تجري؟ 

أمّا البراءة العقليّة فلا معنى لدعوى جريانها على القول بها؛ لأنّها تنفي استحقاق العقاب، وهو معلوم العدم في غير الأحكام الإلزاميّة، سواء وصلت أم لم تصل.

[تفصيل السيد الأستاذ في البراءة الشرعية]

وأما البراءة الشرعيّة فقد ذكر السيّد الأُستاذ(1) تفصيلاً في جريانها في الأحكام غير الإلزاميّة، وحاصله: هو اختيار جريانها فيما إذا كان الشكّ في خصوصيات المستحبّ من الجزء والشرط ونحوه، وعدم جريانها فيما إذا كان الشكّ في أصل الاستحباب، كما إذا شكّ في أصل استحباب زيارة المؤمن أو الدعاء عند رؤية الهلال، فهنا لا تجري البراءة.

 وبتعبير آخر: إنّه إذا كان الشكّ في الاستحباب الاستقلالي فلا تجري 

ــــــــــ[327]ــــــــــ

(1) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 246، مصباح الأصول 2: 270.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

البراءة، وإن كان في الاستحباب الضمني فتجري؛ فله بهذا اللحاظ دعويان:

الدعوى الأولى: وهي عدم جريان البراءة فيما إذا كان المشكوك هو الاستحباب الاستقلالي، فقد ذكر -ناظراً في كلامه إلى حديث الرفع- أنَّ دليل البراءة لا يشمل موارد الشكّ والاستحباب الاستقلالي؛ لأنَّ حديث الرفع يتكفّل نفي وضع المشكوك ظاهراً على المكلّف. ووضع الاستحباب المشكوك واقعاً على المكلّف إن أريد به الوضع بنحو الإلزام والإيجاب فهو غير محتمل من أوّل الأمر؛ لأجل أن يتصدّى إلى نفيه، وإنَّما الذي ينبغي أن يكون معنى الوضع في المقام هو الحكم بالاستحباب ظاهراً أيضاً؛ لأنَّ وضع كلّ شيء بحسبه، فوضع الأحكام الإلزاميّة على المكلّف بإيجاب الاحتياط ووضع الأحكام الاستحبابية الاستقلالية باستحباب الاحتياط، فلو تمسّكنا بحديث الرفع لكان مرجع ذلك إلى نفي استحباب الاحتياط، مع أنَّ استحباب الاحتياط ثابت بلا إشكال، فلا مجال للتمسك بالحديث لنفي الأحكام الاستحبابية الواقعيّة.

فكأنّه يريد أن يقول: إنَّ دليل استحباب الاحتياط بنفسه يكون مخصّصاً لحديث الرفع ودالّاً على وجود الوضع في المقام، ومع قيام الدليل على الوضع في مورد بعينه لا معنى للتمسّك بإطلاق حديث الرفع.

الدعوى الثانية: وهي جريان البراءة فيما إذا كان الشكّ في الوجوب الضمني، أنَّ صلاة الليل هل يجب فيها الاستقبال حال المشي أو لا؟ 

فهنا لا بأس بجريان البراءة عن شرطية الاستقبال، إذ يترتّب على ذلك أثر من غير ناحية نفي استحباب الاحتياط، فإنّنا لا نريد بإجرائها نفي استحبابه، 

ــــــــــ[328]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وإنَّما يترتّب عليه آثار أُخرى؛ وذلك لأنَّ كون الاستقبال شرطاً في صلاة الليل يترتّب عليه عدم جواز الإتيان بالفرد الناقص -يعني: صلاة الليل بدون استقبال- مع قصد امتثال الأمر؛ إذ لا يجوز الإتيان بما لا يكون مصداقاً للمأمور به بقصد امتثال الأمر، فهنا لا نجري البراءة عن الشرطية بقصد إثبات جواز الإتيان بالفاقد بقصد امتثال الأمر.

وإن شئت قلت: إنّنا هنا نجري البراءة عن الوجوب الوضعي الشرطي، فإنَّ صلاة الليل وإن كانت مستحبة أساساً، وكلّ جزء من أجزائها مستحب أيضاً بتبع استحباب المركّب، إلَّا أنَّ الشرطية مرجعها إلى الوجوب الشرطي، يعني: لابدّية هذا الشرط أو الجزء في مقام الإتيان بصلاة الليل، وامتثال الأمر الاستحبابي لابدّية أن يستقبل إذا أراد أن يمتثل ويقصد هذا الأمر الاستحبابي، فهذه اللابدّية ترتفع بالبراءة.

[الجواب على الدعويين]

أمّا الدعوى الأولى: وهي عدم جريان البراءة في الاستحباب الاستقلالي المشكوك، وحاصل ما ذكره في المقام: أنَّ التمسّك بحديث الرفع ينتج نفي الوضع الظاهري المساوق لنفي استحباب الاحتياط، مع أنَّ استحبابه ثابت بلا إشكال، فلا بدَّ من الالتزام بعدم شمول حديث الرفع أمثال ذلك، وإنَّما يتمسّك به لنفي الوضع فيما يكون الوضع إلزاماً.

فهذا الذي ذُكر قابل للخدشة؛ وذلك لأنّه إن أراد باستحباب الاحتياط استحبابه الثابت بأخبار الاحتياط فهذا غير تامّ؛ لأنَّ أخبار الاحتياط لو تمت دلالتها على كونها بصدد الحثّ على الاحتياط والأمر به ولو استحباباً، فهي كُلّاً 

ــــــــــ[329]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

أو جُلّاً لا تشمل موارد الشبهة الاستحبابية، وإنَّما هي متخصّصة بموارد شبهات الأحكام الإلزاميّة بقرائن فيها، فإنَّ أخبار التثليث -مثلاً- أو أخبار الوقوف عند الشبهة خير من اقتحام الهلكة، أو أخبار الورع والتقوى والحثّ عليها، وكلّ ما يوجد من أخبار الاحتياط في مصادر الأخبار، اللهم إلَّا أحد حديثين ضعيفي السند وساقط، وهو لا يشمل شبهات الأحكام الاستحبابية، وإنَّما يختصّ بخصوص شبهات الأحكام الإلزامية.

 إذن، لا ينبغي الاستدلال بمثل هذه الأخبار على استحباب الاحتياط في الشبهات الحكمية أو الموضوعية للاستحباب، اللهم إلَّا حديثاً أو حديثين، وهو حديث: “أَخُوكَ‏ دِينُكَ‏، فَاحْتَطْ لِدِينِكَ بِمَا شِئْت‏”(1) فقد يقال: بأنَّ مثل هذه لو تمّت دلالتها على أنّها بصدد الأمر بالاحتياط حينئذٍ تشمل موارد الشبهات الاستحبابية، كما تشمل موارد الشبهات الإلزامية، إلَّا أنَّ هذه الرواية ساقطة سنداً باعتبار المجاهيل المتعدّدين فيها، فإنَّ ابن الشيخ يرويها في الأمالي(2) عن الشيخ عن مجاهيل عن الراوي إلى الإمام.

والرواية الأُخرى التي يرويها الشيخ في (الرسائل)(3) مرسلاً عن الشهيد
-ولا أعلم في أيّ كتبه- والشهيد يذكره مرسلاً عن الإمام وهو: (أنّه ليس بناكب عن الصراط من سلك سبيل الاحتياط). 

ــــــــــ[330]ــــــــــ

(1) أمالي الطوسي: 110، المجلس الرابع، الحديث 22. 

(2) نفس المصدر. 

(3) انظر: فرائد الأصول 1: 347.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

وكلتا الروايتين موجودتين في كتاب السيد البروجردي وكلتاهما لو تمّت دلالتهما لا يمكن العمل بهما؛ لأنّهما في غاية السقوط من حيث السند، وأمّا غيرهما فهي مختصة جميعاً بموارد الشبهات الإلزامية التحريمية أو الإيجابية. إذن، فمن هذه الناحية لا مانع من نفي استحباب الاحتياط بإطلاق حديث الرفع.

بعد هذا نجيء إلى أخبار (من بلغ) التي هي دليل برأسه على أخبار الاحتياط، إلَّا أنَّ هذه الأخبار عند السيّد الأستاذ تتكفّل الاستحباب النفسي المجعول على العنوان الثانوي، وهو عنوان (من بلغه ثواب على عمل)، وليست متكفّلة للاستحباب الطريقي تحفّظاً على الواقع، كما أبدينا نحن احتمال ذلك، فعند من يستظهر منها الاستحباب النفسي على العنوان الثانوي باعتبار ملاك نفسي فيه، لا في مقام التحفظ على الواقع.

بناءً على هذا فلا معارضة ما بين ثبوت مثل هذا الاستحباب وما بين شمول حديث الرفع لموارد الشبهات الاستحبابية؛ وذلك لأنَّ حديث الرفع إنَّما ينفي الوضع الظاهري بالاستحباب الواقعي، فمعناه جعل استحباب طريقي للاحتياط استطراقاً للتحفظ على الواقع، كإيجاب الاحتياط إيجاباً طريقياً في موارد الشبهات الإلزامية. 

وحينئذٍ لا يكون هناك منافاة بين أن لا يكون هناك استحباب طريقي للاحتياط، يعني: أنَّ المولى ليس في مقام التحفظ على الواقع بما هو واقع بمجرّد احتمال أن يكون هذا مستحباً، ولكن فيما إذا جاءت رواية وأخبرت عن أن شيئاً 

ــــــــــ[331]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

ينطبق عليه عنوان ثانوي ويترتب عليه استحباب نفسي، ويكون هذا الاستحباب معلوم للمكلف ولا يكون حينئذٍ داخلاً في (ما لا يعلمون)، ولا يكون هناك منافاة ما بين أخبار (من بلغ) وإطلاق حديث الرفع.

فما هو المراد في المقام: هو أنَّ إطلاق حديث الرفع في نفسه لا يمكن أن يقال فيه بأنّه ساقط للعلم بثبوت الاستحباب في المقام؛ لأنّه إن حصل هذا العلم بثبوت الاستحباب من ناحية أخبار الاحتياط فهي كُلّاً أو جُلّاً مختصة بالشبهات الإلزامية ولا تشمل الاستحبابية. 

ونحتمل الفرق بينهما وإن كان منشؤه هو أخبار (من بلغ)، فهي عنده جزماً وعندنا احتمالاً، وهي إنَّما تدلّ على استحباب واقعي حقيقي نفسي مجعول على العنوان الثانوي، وهو غير الاستحباب المنفي بحديث الرفع، وهو الاستحباب الطريقي(1)، فهذا الكلام ممّا لا يمكن المساعدة عليه.

وأمّا الدعوى الثانية: -لو تمّت الدعوى الأولى وبنينا على أنَّ الاستحباب الاستقلالي إذا شك كنا فيه لا نجري البراءة، لكن إذا شكّكنا في الاستحباب الضمني، أي: في الشرطية والجزئية فنجري البراءة- فهذا أيضاً ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك:

أمّا تقريب أنّنا نجري البراءة في المقام استطراقاً إلى إثبات جواز الإتيان بالفاقد بقصد امتثال الأمر؛ لأنَّ هذا الفاقد للشرط -وهو الاستقبال مثلاً- بإجراء البراءة يترتّب عليه جواز الإتيان به بقصد امتثال الأمر؛ لأنَّ ثبوت 

ــــــــــ[332]ــــــــــ

() فالمنفي غير المثبت. (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الشرطية يترتّب عليه عدم جواز الإتيان بالفاقد بقصد امتثال الأمر، فنفي الشرطية بالبراءة يترتّب عليه جواز الإتيان بالفاقد بقصد امتثال الأمر.

وذلك لِما يأتي -إن شاء الله- تحقيقه في بحث الأقلّ والأكثر الارتباطيين من أنَّ البراءة في موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيين لا تثبت الإطلاق، وإنَّما تنفي التقييد فقط، فإنّه في موارد الأقلّ والأكثر هناك علم إجمالي بوجوب واقعي أمره مردّد بين أن يكون متعلقاً بالتسعة لا بشرط أو بالتسعة بشرط شيء، أي: مردّد ما بين الإطلاق والتقييد.

وأصالة البراءة وحديث الرفع لا يثبت الإطلاق في المقام ولو ظاهراً، ليس حاله حال أمارة أو حديث يدلّ على أنَّ المتعلّق مطلق، لكن بأصالة البراءة لا يثبت الإطلاق ظاهراً، وإنَّما ينفي التقييد فقط. ونفيه وإن كان يلزم منه عقلاً إثبات الإطلاق، لكن هذه ملازمة عقلية لا يؤخذ بها في مؤدّيات الأصول. 

إذن، فتمام وظيفة الأصل العملي هو نفي التقييد والوجوب الزائد، وهذا لا يثبت كون الأقلّ مصداقاً للمأمور به، فنبقى مع هذا شاكين بأنَّ الأقلّ الفاقد هل هو مصداق للمأمور به أو لا؟ وإنَّما نأتي به لأجل الخروج عن عهدة التكليف المعلوم إجمالاً؛ لأنّنا علمنا بتكليف متعلق إمّا بالمطلق أو بالمقيّد، فلو لم نأت بالتسعة لعلمنا بالمخالفة القطعية على كلّ حال، فالإتيان بالتسعة يكون لأجل الخروج عن عهدة المقدار المنجز من هذا التكليف المعلوم بالإجمال، وغاية عمل أصالة البراءة هو نفي تنجز العاشر لا إثبات تعلّق الوجوب بالمطلق أو إثبات مصداقية الفاقد للواجب الواقعي، فإنَّ كلّ ذلك يتوقّف على 

ــــــــــ[333]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

ملازمات عقلية لا تتكّفلها الأصول على ما يأتي في محلّه.

إذن فدعوى جريان البراءة استطراقاً إلى إثبات جواز الإتيان بالفاقد بقصد امتثال الأمر مبني على تخيل إثبات الإطلاق بجريانها، مع أنَّ جريانها في موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيين، مع أنّه لا يثبت به المطلق.

ومن هنا يعرف منشأ الإشكال في التقريب الثاني، حيث أفاد السيّد الأُستاذ بأننا نجري البراءة هنا عن الوجوب الشرطي الذي هو عبارة عن لابدّية الإتيان بالاستقبال في مقام امتثال هذا الأمر، فننفي هذه اللابدّية فيثبت أنّه في مقام امتثال هذا الأمر، فلا نحتاج إلى استقبال.

هذا أيضاً غير صحيح، وذلك لأنَّ لابدّية الإتيان بالاستقبال في مقام امتثال هذا الأمر لا يمكن نفيها في المقام بإجراء البراءة؛ لأنَّ هذه اللابدّية إنَّما تنفى بالإطلاق، فلو ثبت كون متعلق الأمر الاستحبابي مطلقاً ومأخوذاً لا بشرط، فحينئذٍ تنتفي هذه اللابدّية، فنفيها من شؤون الإطلاق الواقعي، وحيث إنَّ الإطلاق لا يمكن إثباته بالبراءة في المقام، فلا معنى لنفي هذه اللابدّية بإجراء أصالة البراءة.

فإجراء البراءة عن الأحكام الاستحبابية الضمنية المشكوكة ممّا لا يمكن المساعدة عليه أيضاً في نفسه، يعني: لو نفينا جريان البراءة في الاستحباب الاستقلالي.

ومن مجموع ما ذكرناه في مناقشة كلتا الدعويين اتّضح بأنّه لا بأس بإجراء البراءة لنفي الجانب التكليفي من الاستحباب، سواء كان الجانب التكليفي 

ــــــــــ[334]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

استقلالياً، كأمر استحبابي استقلالي في نفسه، أو ضمنياً كالاستحباب الضمني. 

ومرجع جريان البراءة في المقام والتمسّك بحديث الرفع إلى نفي وضع هذا الاستحباب ظاهراً على رقبة المكلّف بالنحو المناسب لواقع المشكوك.

[وبعبارة ثانية:] وأما في الثاني فقد ذكرنا بأنه أيضاً لا معنى لتصحيح إجراء البراءة(1) بلحاظ جواز الإتيان بالفاقد بقصد امتثال الأمر، لأن جواز الإتيان به كذلك فرع إحراز كون الفاقد مصداقاً لمتعلق الأمر الذي مرجعه إلى إطلاق دائرة الواجب من حيث وجوب الاستقبال وعدمه.

وحينئذٍ إن ادعي أننا بالبراءة نثبت الإطلاق فهذا غير صحيح على ما سوف يأتي من أن البراءة في موارد الأقلّ والأكثر الارتباطيين تنفي التقييد، ولكن لا يثبت بها الإطلاق الواقعي ولو ظاهراً. 

وإن ادعي أننا وإن لم نثبت الإطلاق بالبراءة ولكن نثبت ابتداء جواز الإتيان بالفاقد بقصد امتثال الأمر فهو أيضاً غير صحيح، إذ ما لم نحرز الإطلاق في المرتبة السابقة ولو تعبداً وظاهراً، يكون الإتيان بالفاقد بقصد امتثال الأمر معلوم الحرمة، لا أنه مشكوكها لأجل أن نجري عن مثل هذا الجواز بالبراءة، لأنه إتيان بما لا يعلم كونه مصداقاً لمطلوب المولى بقصد طلبه وهذا نحو من التشريع.

وأما المسألة الثانية وهي أنّنا ننفي الوجوب الشرطي في المقام فنقول: هنا 

ــــــــــ[335]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً الجواب على الدعوى الأولى للسيد الأستاذ. ثم قال: وأما في الثاني فقد ذكرنا بأنه أيضاً لا معنى لتصحيح إجراء البراءة… (المُقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

يوجد طعم الوجوب فننفيه بالبراءة، وهذا غير تامّ؛ وذلك لأنَّ الوجوب الشرطي إلى لابدّية الاستقبال في مقام امتثال الأمر بصلاة الليل واسقاطها يعني: أن الاستقبال دخيل في إسقاط الأمر بصلاة الليل، بحيث لا يسقط بدونه، وهذا هو معنى الوجوب الشرطي، وهذه اللابدّية ليست بعثاً أو تحريكاً للمكلف، وإنَّما هي جملة خبرية بحسب الحقيقة، وإخبار عن أمر واقعي، وهو: أنَّ الأمر بصلاة الليل لا يسقط إلَّا إذا أتى بالفعل مع الاستقبال، ونحن نريد أن ننفي هذا التوقف الذي هو قضية واقعية نفس الأمرية، ونفيها إنَّما يكون بنفي منشئها التشريعي لا محالة، ومنشؤها التشريعي لا يمكن إحرازه بأصالة البراءة، فإنَّ عدم توقف سقوط الأمر بالصلاة على الاستقبال معناه: أنَّ الأمر بالصلاة يسقط من دون استقبال، وسقوطها من دون فرع الإطلاق، وقد فرضنا أنّه لا يمكن أن نثبت الإطلاق بأصالة البراءة.

ففي مسألة البراءة في مسألة الوجوب الشرطي إن اُدّعي أننا نحرز ما هو ملاك نفي الوجوب الشرطي وهو الإطلاق فهو غير ممكن.

 وإن اُدّعي أنّه مع عدم إحراز الإطلاق في المقام مع هذا نقول: بأنَّ الأمر يسقط بدون استقبال فهو لا معنى له؛ لأنَّ هذه قضية واقعية تكوينية بحسب الخارج، ولا معنى لتعرض أصالة البراءة لها إثباتاً ونفياً. إذن، فكلا الكلامين ممّا لا يمكن المساعدة عليه.

والصحيح في المقام هو جريان البراءة عن الاستحباب من حيث جهته التكليفية سواء كان الاستحباب استقلالياً أو ضمنياً على النحو الذي فصّلناه سابقاً. 

ــــــــــ[336]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

ثُمَّ إنَّ هنا إشكالاً آخر قد يخطر على الذهن، وحاصله: لغوية جعل البراءة في موارد الأحكام الاستحبابية؛ وذلك لأننا ماذا نريد بالرجوع إليها في هذه الموارد؟

إمّا أن نريد التأمين من ناحية العقاب على فرض المخالفة، وإمّا أن نريد بها نفي الثواب على فرض الموافقة. 

أمّا نفي العقاب فهو منتفٍ وجداناً بلا حاجة إلى جريان البراءة، وأمّا نفي الثواب بالتمسّك بحديث الرفع فهو:

أولاً: ممّا لا معنى له؛ لأنَّ حديث الرفع مسوق مساق الامتنان، ونفي الثواب ليس فيه امتنان على العبد، بالإضافة إلى هذا فالثواب ثابت على أيّ حال سواء جرت البراءة أو لا؛ لأنَّ العقل يحكم بحسن الاحتياط، ومعه يترتب عليه الثواب في الخارج جرت البراءة أو لا، فالبراءة لا يترتب عليها أثر عملي بحسب الخارج، فيكون جعلها لغواً في المقام.

والجواب عنه: أنَّ جريان البراءة في المقام لا يكون لغواً؛ وذلك لأنَّ حال المستحبات الواقعية مع المباحات بالمعنى الأخص هو كحال الواجبات والمحرمات الواقعية مع المباحات بالمعنى الأعم، فكما أنّه في بحث الجمع ما بين الأحكام الواقعية والظاهرية ذكرنا أنّه يقع تزاحم بين الأحكام الإلزامية الإيجابية والتحريمية، ولكنه ليس تزاحماً في عالم الامتثال، بمعنى: أنَّ المكلّف لا يقدر على امتثالهما معاً، ولا تزاحم في عالم الملاك؛ لأنَّ متعلق كلّ منهما غير متعلق الآخر؛ لأنَّ الحرام الواقعي غير الحلال الواقعي، وإنَّما نشأ التزاحم بينهما في طول اشتباه المكلّف وبعد عدم تمييزه بين الحرام والمباح وقع تزاحم بين ملاك الإباحة وملاك الحرمة، وهذا التزاحم يكون في حيثية الحفظ، لأنَّ كلاً من طرفي

ــــــــــ[337]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 المزاحمة يقتضي الحفظ بمقدار قوته لا محالة، فمقتضى اقتضاء الخطابات الالزامية للحفظ هو الإلزام في موارد الشك، ومقتضى اقتضاء الأحكام الترخيصية للحفظ هو الترخيص في موارد الشك، فيقع التزاحم ما بينهما في توسعة دائرة الحفظ استطراقاً إلى تحصيل الملاك إلى أيّ حال من قبل الشاك، وحينئذٍ يجعل في هذا المقام إمّا أصالة البراءة أو وجوب الاحتياط على اختلاف كيفية إجراء قوانين باب التزاحم. 

والمفروض أنَّ المولى جعل البراءة، يعني: قدم ملاكات الإباحة على ملاكات الإلزام في هذا التزاحم، فوسّع دائرة حفظ هذه الملاكات على حساب تلك الملاكات. 

ونفس هذا الكلام بعينه يأتي في المقام أيضاً ما بين المستحبات الواقعية والمباحات بالمعنى الأخص، فيما إذا فرضنا أن الإباحة بالمعنى الأخص نشأت أيضاً عن مقتضٍ، لا من باب اللا اقتضاء، فإنه في مثل ذلك أيضاً تقع المزاحمة في مقام الحفظ بين أغراض الإباحة بالمعنى الأخص وما بين أغراض الاستحباب، وذلك في موارد الشكّ وعدم تمييز المكلّف بينهما.

وحينئذٍ يمكن للمولى هنا أن يلحظ جانب المستحبات الواقعية ويوسع دائرة حفظها، وذلك بأن يحكم حكماً طريقياً ظاهرياً باستحباب الإقدام في موارد الشبهة الاستحبابية، ونتيجة هذا الاستحباب الطريقي هو نفس نتيجة الاستحباب الواقعي على فرض وصوله.

أليس الاستحباب الواقعي على فرض وصوله يكون له نحو من المحركية، بحيث يترتب نحو من الحزازة عقلاً على عصيانه ومخالفته، فإنه وإن لم يترتب 

ــــــــــ[338]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

على مخالفته عقاب وشقاوة، لكن يترتب عليه نحو من الحزازة والبعد عن المولى، وهذا النحو من الحزازة أيضاً يترتب في المقام ببركة هذا الحكم الاستحبابي الطريقي.

في قبال هذا أن يرجّح المولى جانب الإباحة بالمعنى الأخص على جانب الاستحباب، فينفي الاستحباب الواقعي ظاهراً، ويقول: رفعت ما لا تعلمون، وفائدة هذا الرفع هو نفي تلك المرتبة من الحزازة للمخالفة التي تحصل على تقدير تصديه لحفظ المستحبات الواقعية بالخطاب الظاهري.

وهكذا، كلّ رفع -هو بحسب الحقيقة- يرفع الحزازة والضيق، بالمقدار الذي يستتبعه الوضع المقابل له، فرفع إيجاب الاحتياط برفع الحزازة والضيق بالمقدار الذي كان يستتبعه إيجاب الاحتياط، ورفع الاستحباب الواقعي المشكوك عن الشاكّ يستتبع رفع الضيق والكلفة بالمقدار الذي كان يستتبعه وضع الاستحباب الواقعي في ذمة المكلّف الشاك وضعاً استحبابياً. 

إذن، فالتمسك بحديث الرفع في المقام في محله. وعليه فأصالة البراءة كما تجري في الأحكام الإلزامية كذلك تجري في الأحكام الاستحبابية، من دون فرق بين الاستقلالي والضمني. نعم، في الضمني لا يثبت بجريانها جواز الإتيان بالأقل بقصد امتثال الأمر.

هذا مختصر الكلام في هذا التنبيه.

وبهذا تمّ الكلام في بحث البراءة بحسب الظاهر.

ويقع الكلام في بحث دوران الأمر بين المحذورين: فيما إذا علم بالوجوب أو الحرمة.

ــــــــــ[339]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 

الفهرس

 

النسبة بين أخبار الاحتياط وأدلة البراءة 13

[الجهة الأولى: في النسبة بين أخبار الاحتياط وأخبار البراءة] 14

[في بيان جهات ثلاث لأخصية أخبار البراءة] 14

تقريب النسبة في صالح الأخباري ومناقشته 19

الجهة الثانية: النسبة بين الكتاب وأخبار الاحتياط 26

استدراك حول النسبة بين أخبار البراءة والاحتياط 28

[الجهة الثالثة: في النسبة بين أخبار الاحتياط ودليل الاستصحاب] 33

الجهة الرابعة: الكلام في فرض سقوط أدلّة الاحتياط والبراءة 38

تنبيهات 43

التنبيه الأوّل: في عدم جريان أصل موضوعي حاكم على البراءة 43

في جريان استصحاب عدم التذكية 43

[النقطة الأولى: في تقديم الأصل الموضوعي على الأصل الحكمي] 45

[النقطة الثانية: في كون ملاك التقديم هو الحكومة] 47

[النقطة الثالثة: في تعارض الاستصحاب مع أصالة البراءة] 49

في جريان استصحاب عدم التذكية 50

ــــــــــ[341]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

النحو الأوّل من الشك: الشكّ في أنّه مأكول اللحم مع قابليته للتذكية 53

[دفع وهم] 57

النحو الثاني: الشكّ في قابليته للتذكية 59

[الشك بنحو الشبهة الحكمية] 60

[تحقيق في المقام] 63

[الشك بنحو الشبهة الموضوعية] 70

[تلخيص] 72

[وجوه النظر في ما أفاده المحقق العراقي في المقام] 76

فيما إذا كانت الشبهة موضوعية لا حكمية 79

[وجوه النظر في ما أفاده المحقق الأصفهاني] 83

النحو الثالث: في الشكّ في قابليته من ناحية العارض 89

[بلحاظ الشبهة الحكمية] 89

[بلحاظ الشبهة الموضوعية] 93

النحو الرابع: في الشكّ في تحقق نفس العملية 95

مطلبان فقهيان 96

أحدهما: في موضوع الحرمة 96

[الروايات في المقام] 98

المطلب الثاني: في تحقيق حال التذكية 100

ــــــــــ[342]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 [طوائف الروايات في المقام] 102

[التحقيق في المقام] 106

في الرويات الموافقة لاستصحاب عدم التذكية 109

التنبيه الثاني: في حكم الاحتياط شرعاً 116

[المقام الأول: في تحقيق حكم الاحتياط] 116

تقريب المرزا لحمل الأمر على الإرشاد وجوابه 117

[التقريب الأول] 117

التقريب الثاني لذلك 125

المقام الثاني: الاحتياط في العبادات 132

[إشكال في تصوير الاحتياط في باب العبادات] 132

[التحقيق في المقام] 133

الفرض الأول 134

الفرض الثاني 137

الفرض الثالث 139

[كون الأمر بالاحتياط نفسياً] 141

[توضيح وتنقيح] 144

[كون الأمر بالاحتياط طريقياً] 150

الكلام في أخبار (من بلغ) 150

[المحتملات في مفاد الروايات] 151

ــــــــــ[343]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الإشكال في الفرق بين بين الوجه الثاني والثالث 154

[الاستشكال الأول: الموضوعي] 155

[الاستشكال الثاني: الحكمي] 157

الثمرات المترتّبة بين هذين الوجهين 158

[تفصيل الكلام في الثمرات] 162

[الثمرة الأولى: في وقوع التعارض وعدمه] 162

[الثمرة الثانية: في تحديد مركز التعارض] 168

[الثمرة الثالثة: في شمول أخبار (من بلغ) للأخبار الضعيفة وعدم شمولها] 170

[الثمرة الرابعة: في استفادة استحباب واحد أو استحبابات متعددة] 172

[الثمرة الخامسة: في جريان الاستصحاب وعدمه] 173

[تحقيق في الاحتمالات الأربعة لأخبار (من بلغ)] 175

تحقيق الاحتمال الأوّل وهو الإرشادية 175

[تحقيق] الاحتمال الثاني وهو الحجية 175

[تحقيق] الاحتمال الثالث وهو الاستحباب 180

[التقريب الأول: للمحقق النائيني] 180

[التقريب الثاني: للسيد الأستاذ] 183

التقريب المشهوري لاستفادة الاستحباب 184

ــــــــــ[344]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

مناقشته 187

[البحث الأول: رُتب على طبيعي العمل على إطلاقه] 188

[الكلام الأول: في ملاك استفادة الاستحباب] 188

[الكلام الثاني] 193

[البحث الثاني:] في أنّ الثواب رُتّب في الأخبار على خصوص الحصّة الانقيادية 198

[التقريب الأول: قرينية الفاء] 198

[التقـريب الثاني: قـرينية قوله: (فـعمله التمـاساً لقول النبي)] 199

مناقشة قرينية الفاء 199

مناقشة قرينية قوله (فعمله التماساً لقول النبي) 207

استدراك لمناقشة قرينية الفاء 213

في تعيين الأمر الطريقي لا الاستحباب النفسي 216

في متعلّق الاستحباب على تقدير تسليمه 220

[إبداء احتمال آخر جديد] 222

تنبيهات أخبار من بلغ 224

الأول: في شمولها للأخبار الضعيفة الدالة على الكراهة 224

فيما إذا ورد استحباب الفعل وكراهته 228

[تفصيل السيد الأستاذ في المقام] 229

ــــــــــ[345]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

 [مناقشة ما أفاده السيد الأستاذ] 231

[الإيراد الأول] 231

[الإيراد الثاني] 234

[الإيراد الثالث] 236

[الإيراد الرابع] 240

الثاني: في إشتراط أن لا يكون الخبر معلوم الكذب 241

الثالث: في بلوغ الخبر إلى المجتهد 245

التنبيه الثالث من تنبيهات البراءة: إجرائها  في الشبهة الموضوعية 252

[بلحاظ البراءة الشرعية] 252

[بلحاظ البراءة العقلية] 256

[تعليق على النزاع في المقام] 258

متى يكون الشكّ في أصل التكليف؟ ومتى يكون في المكلّف به؟ 262

تفصيل رأي الميرزا في المقام 263

مناقشته 269

[توضيح للضابط الذي ذكره المحقق النائيني] 272

[إذا كان مركز الشك هو القيود] 273

[إذا كان مركز الشك هو الموضوع] 274

[إذا كان مركز الشك هو المتعلق] 276

[تنقيح المطلب] 278

ــــــــــ[346]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15 

الذي ينبغي أن يقال في المقام 282

[مناقشة في ما يستفاد صاحب الكفاية] 285

المقام في الأنحاء المتصوّرة للطبيعة الملحوظ فيها جانب الوجود 290

[الـمقام الأول: في الأنحاء الـمتصورة للطبيعة الـملحوظ فيها جانب الفعل] 291

النحو الأوّل: صرف الوجود 291

[كلام المحقق العراقي في المقام] 293

[إشكال السيد الأستاذ والمحقق العراقي في المقام] 296

تحقيق الكلام في المقام 301

النحو الثاني: الوجود الأوّل للطبيعة 314

اللحاظ الثالث: العام الاستغراقي 317

اللحاظ الرابع: العام المجموعي 318

اللحاظ الخامس: العنوان المتحصّل 320

تتمة الكلام في جريان البراءة في الشبهة الموضوعية 323

التنبيه الرابع: في جريان البراءة في الأحكام غير الإلزاميّة 327

[تفصيل السيد الأستاذ في البراءة الشرعية] 327

[الجواب على الدعويين] 329

الفهرس 341

ــــــــــ[347]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج15