أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
علم أصول الفقه ج16

محاضرات في علم أصول الفقه

الجزء السادس عشر 

 

261

ص44 الصدر، محمد.

محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج16 (352ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1720/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1720) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

6-38-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com



محاضرات 

في 

علم أصول الفقه 

تقريراً لأبحاث 

سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية الله العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر 

الجزء السادس عشر  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 

 

بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 




يحتوي على:

  • بحث دوران الأمر بين المحذورين
  • الكلام في منجّزية العلم الإجمالي
  • تتمة مباحث العلم الإجمالي

ــــــــــ[9]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 












بحث دوران الأمر بين المحذورين

 

  • المقام الأول: فيما إذا كانت الواقعة واحدة وكان الحكم توصّلياً فيهما معاً
  • المقام الثاني: فيما إذا كان أحدهما تعبدياً
  • المقام الثالث: فيما إذا كانت الواقعة متعدّدة

ــــــــــ[11]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 







بسمه عزّ وعلا

بحث دوران الأمر بين المحذورين

 

إذا علم إجمالاً بالوجوب أو الحرمة. 

يقسم هذا البحث إلى عدة صور؛ وذلك لأنَّ الواقعة تارةً تكون واحدة وأخرى تكون متعددة، فإنّه تارةً نفرض واقعة واحدة في زمن معين واحد، إمّا أن يجب هذا الفعل وإمّا أن يحرم، وإمّا أن يُفرض أنَّ طبيعي الفعل له أفراد طولية متعددة، بحيث يُبتلى به في كلّ يوم، إمّا أن يجب وإمّا أن يحرم.

ثُمَّ إنَّ الوجوب والحرمة في المقام إمّا أن يفرض توصّليتهما، وأخرى يفرض عبادية أحدهما، ولأجل هذه التشقيقات يقال: بأنَّ هذا البحث يقع في مقامات:

المقام الأول: فيما إذا كانت الواقعة واحدة وكان الحكم توصّلياً فيهما معاً

وتحقيق الحال في ذلك: أنه في هذا الفرض يوجد عند المكلّف علم إجمالي، ويوجد عنده احتمالان: 

أمّا العلم الإجمالي فهو العلم بجامع الإلزام الأعمّ من الإلزام الإيجابي والتحريمي، ويوجد عنده احتمالان احتمال الوجوب واحتمال الحرمة.

ــــــــــ[13]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

أما العلم بجامع الإلزام فهو من حيث كونه بياناً وإيصالاً لا قصور فيه، والعلم أرقى مراتب البيان والإيصال، ولكن مثل هذا البيان قام البرهان على عدم منجزيته، ويستحيل كونه منجّزاً. ومعنى كونه منجّزاً كونه مدخلاً لشيء في دائرة حقّ المولى على ذمة العبد، بحيث يجعل للمولى حق على العبد من ناحية هذا العلم الإجمالي، وهذا المطلب غير معقول في المقام، وأنّه ماذا يدخل في دائرة حقّ المولى وماذا يُنجّز؟

أينجز وجوب الموافقة القطعية؟ فوجوبها يستحيل تنجيزه، ويستحيل إدخال الموافقة القطعية في دائرة حقّ الطاعة؛ لأنّها غير مقدورة للمكلف، لاستحالة الجمع بين الفعل والترك.

 أينجّز حرمة المخالفة القطعية، ويدخل ذلك في دائرة حقّ الطاعة؟ هذا أيضاً غير معقول؛ لأنَّ المخالفة القطعية أيضاً غير مقدورة للمكلف.

أينجّز في المقام أحدهما بعينه دون الآخر؟ هذا أيضاً غير معقول، لاستواء نسبة البيان إليهما معاً، فيكون ترجيحاً بلا مرجح، أن يفرض أن هذا العلم بجنس الإلزام يُنجّز الوجوب بما هو وجوب ويدخل الفعل في دائرة حقّ الطاعة بما هو فعل، أو ينجّز الحرمة ويدخل الترك في دائرة حقّ الطاعة؟ هذا أيضاً غير معقول، لأنَّ العلم من حيث كونه بياناً نسبته إليهما على حدّ سواء، وحيث إنَّ هذه التنجيزات غير ممكنة؛ ولهذا لا ينجز.

وهذا البرهان بحسب الحقيقة ملفّق من ضمّ أمرين عقليين:

أحدهما: استحالة التكليف بغير المقدور؛ لاستحالة دخولٍ في دائرة حقّ 

ــــــــــ[14]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الطاعة الذي يبطل الشقّ الأوّل والثاني. 

والآخر: استحالة الترجيح بلا مرجّح الذي يبطل الشقّ الثالث. 

وبضمّ هذين الأمرين يتبرهن سقوط هذا العلم الإجمالي عن المؤثرية والتنجيز بحيث لا يدخل في دائرة حقّ الطاعة شيئاً جديداً لم يكن قبل ذلك.

وأمّا الاحتمالات فينظر إليهما بنظرين: فإنّنا تارةً ننظر إلى احتمال الوجوب بما هو طرف للعلم الإجمالي وأحد شقيه، أي: بما هو يستمد المنجّزية من العلم الإجمالي. 

وأُخرى ننظر إليه بما هو احتمال في نفسه، كما ننظر إلى الاحتمال في الشبهات البدوية الصرفة.

أمّا بحسب النظر الأوّل فقد انقدح الكلام فيه ممّا سبق؛ إذ قد فرغنا أنَّ منجّزيّة العلم الإجمالي غير معقولة، فمنجّزيّة هذا الاحتمال مستمداً من العلم الإجمالي أيضاً غير معقولة.

وأمّا حين ننظر إلى هذا الاحتمال بما هو صرف احتمال لا بما هو منضمّ إلى العلم الإجمالي فهنا لا يأتي ذلك البرهان الذي يقتضي عدم التنجيز؛ إذ لا مانع عقلاً من أن يُفرض أنَّ مثل هذا الاحتمال يوجب دخول متعلّقه في دائرة حقّ الطاعة، ولا يلزم من ذلك الترجيح بلا مرجح؛ لأنَّ الاحتمال حينما ينظر إليه بما هو احتمال الوجوب ليس نسبته إلى الوجوب كنسبته إلى الحرمة، ولا يترقّب في شأنّه أن ينجّزها، بل إنَّما يُتصوّر في شأنه أن يُنجز متعلقه وهو الوجوب.

وحينئذٍ نأتي إلى المباني في قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، فإن بنينا على ما بنينا 

ــــــــــ[15]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

عليه من قاعدة منجّزيّة الاحتمال، وأنَّ أيّ احتمال بما هو احتمال يوجب عقلاً دخول متعلقه في دائرة حقّ الطاعة، وأنكرنا قاعدة (قبح العقاب بلا بيان).

 أو بتعبير آخر: اكتفينا ببيانية الاحتمال، فهذا الاحتمال في نفسه يكون مقتضياً لدخول متعلقه تحت دائرة حقّ الطاعة، إلَّا أنَّ هذا المقتضي مبتلى بمقتضٍ آخر مزاحم يكون مثله وهو الاقتضاء في احتمال الحرمة؛ لأنَّ كلّ منهما على حدّ واحد، ويستحيل تأثير المقتضيين معاً كلّ في مقتضاه لا من ناحية الترجيح بلا مرجح؛ لأنَّ كلاً منهما متعيّن في متعلقه، ولا يكون تعينه به ترجيحاً بلا مرجح، بل من ناحية أنَّ تأثيرهما معاً يوجب دخول غير المقدور في دائرة حقّ الطاعة، مع أنَّ المولى ليس من حقّه على العبد أن يُطيعه في غير المقدور. إذن، فتأثير كلا المقتضيين في مقتضاهما غير معقول، وتأثير أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح(1)

وبعد فرض مقتضيين لتنجزين في مقام التأثير لا محالة، وحينئذٍ فلا يؤثّر لا هذا ولا ذاك لاستحالة الترجيح بلا مرجح.

ــــــــــ[16]ــــــــــ

() وهنا أجاب عن سؤال ارتكازي ظهر من أحد الإخوان حول ما قاله مرّة أنَّه يلزم الترجيح بلا مرجّح. ومرّة قال بأنّه لا يلزم ذلك.

قال: هناك قلنا: بأنَّ العلم الإجمالي يقتضي تعيّن التنجز في هذا الطرف، فهذا ترجيح بلا مرجح.

أمّا هنا فنقول: إنَّ هذا الاحتمال يقتضي تعيّن التنجّز في هذا (يعني في الطرف الذي هو متعلقه) هذا ليس ترجيحاً بلا مرجح. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ومعناه: أنّه لا هذا الاحتمال يكون منجّزاً ولا ذاك، لا لقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) والبراءة العقلية، بل لقانون التزاحم بين المقتضيين واستحالة التكليف بغير المقدور.

وأمّا لو بنينا على التسليم بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، فهنا نقول:

 أولاً: بأنَّ منجّزيّة هذا الاحتمال لمتعلقه إذا نظرنا إليه بما هو احتمال معزولاً عن العلم الإجمالي فهو لا اقتضاء بالنسبة إلى التنجيز لأجل قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) التي تثبت(1) لا بيانية الاحتمال، فالتنجيز هنا مقتضيه غير موجود. 

ثانياً: يقول أصحاب قاعدة (قبح العقاب بلا بيان): لو كان المقتضي موجوداً فالمانع غير موجود، لأنَّ التزاحم بين المقتضيين يؤدّي إلى التنافي بينهما في مقام التأثير.

وقصد أصحاب هذه القاعدة يوجد بيانان طوليان لمنع منجّزيّة الاحتمال، أحدهما عدم المقتضى والآخر وجود المانع. 

وأمّا عند من يقول بقاعدة منجّزيّة الاحتمال فالبيان ينحصر في الثاني لا في الأوّل.

وبهذا ظهر ما في الكلمات، فإنَّ من قال بأنّه تجري البراءة العقلية هنا، لعلّه 

ــــــــــ[17]ــــــــــ

() هذا غريب غايته، فإنَّ الكبرى لا تثبت صغراها، وإنَّما يثبت ذلك بضم حكم عقلي آخر لو ثبت، وهو أن ما يكون قابلاً للتنجيز هو العلم وحده، وهو وحده رافع لموضوع قاعدة (قبح العقاب..) دون الظنّ والاحتمال، ولعلّ هذا هو مراد السيّد الأستاذ. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

كان نظره إلى ملاحظة الاحتمال بما هو احتمال معزولاً عن العلم الإجمالي، وحيث إنّه قائل بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، فنتمسّك بالبراءة العقلية. 

ومن قال إنَّ المورد ليس من موارد البراءة العقلية، بل من موارد التنجيز العقلي، نظر إلى الاحتمال بما هو ممثل للعلم الإجمالي، فإنّه من المعلوم أنّه بهذا اللحاظ ليس عدم منجّزيته من ناحية اللا بيانية؛ لأنَّ البيان تامّ من ناحية العلم الإجمالي، بل من ناحية ذلك البرهان الذي ذكرناه مثلاً. هذا من حيث القواعد العقلية في مقام التنجيز والتعذير.

 فاتّضح أنَّ مقتضى القاعدة هو عدم التنجيز، وعدم تنجيز العلم الإجمالي ليس بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، بل ببرهان آخر. 

وأمّا عدم منجزية ذوات الاحتمالات، فأحدهما قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) لو قيل بها، والآخر مسألة التزاحم ما بين المقتضيين.

في جريان الأصول الشرعية في المقام

بعد هذا يقع الكلام في جريان الأصول الشرعية، يعني: البراءة الشرعية وعدم جريانها.

الصحيح هو عدم جريانها، لكن لا لما أفاده المحقّق العراقي(1) من التوجيه لذلك؛ فإنّه أفاد في مقام عدم جريان البراءة: أنَّ كلّ براءة عقليّة أو شرعيّة لا تجري في أطراف العلم الإجمالي، وبين في وجه ذلك أنَّ جريان البراءة في احتمال الوجوب واحتمال الحرمة، إنَّما يُعقل بعد إسقاط العلم الإجمالي عن 

ــــــــــ[18]ــــــــــ

(1) انظر: مقالات الأصول ٢: ٢٢٣، نهاية الأفكار 3: 293.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

التأثير؛ إذ قبل أن يسقط عن التأثير لا يعقل إجراء البراءة في أطرافه؛ لأنَّ البيان حينئذٍ يكون البيان من ناحية العلم الإجمالي تامّاً فيها، ففي المرتبة السابقة على جريان البراءة لا بُدّ من الالتزام بسقوط العلم الإجمالي، والمسقط له عن التأثير في هذه المرتبة السابقة ليس هو البراءة، لأنّنا فرضناها في المرتبة المتأخّرة، بل المسقط له هو حكم العقل باستحالة التكليف بغير المقدور كما أشير إليه، وحكم العقل بمعذريّة العجز والاضطرار، أي: الترخيص بهذا الملاك هذا ثابت في المرتبة السابقة وهو المسقط للعلم الإجمالي عن التأثير، ومع ثبوت الترخيص في المرتبة السابقة لا معنى لثبوت ترخيص آخر في المرتبة المتأخّرة، بل يكون لغواً وبلا موجب.

وحاصله: هو أن الترخيص المجعول في أدلّة البراءة إنَّما يُعقل شموله لأطراف العلم الإجمالي، بعد الفراغ عن سقوط العلم الإجمالي عن المؤثرية، فلا بُدّ من فرض مرتبة سابقة على هذا الترخيص ليسقط فيه العلم الإجمالي عن المنجّزيّة، وفي هذه المرتبة لا يسقط عن المؤثر إلَّا لأجل وجود ترخيص بملاك الاضطرار والعجز، ومع ثبوت هذا الترخيص في المرتبة السابقة لا تصل النوبة إلى ترخيص آخر في المرتبة المتأخّرة. 

النقاش مع المحقّق العراقي

وهذا الذي أفاده غير تامّ، سواء كان الملحوظ هو البراءة الشرعيّة أو العقليّة.

أمّا إذا كان الملحوظ هو البراءة الشرعية، فلأنّها وإن فرض أنَّ جريانها في 

ــــــــــ[19]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

أطراف العلم الإجمالي فرع سقوطه عن المؤثرية في المرتبة السابقة، فلا بُدّ من فرض مسقط للعلم الإجمالي في المرتبة السابقة، وهذا المسقط له هو عبارة عن البرهان الملفق السابق، وفي المرتبة المتأخّرة التي نريد أن نجري فيها البراءة يبقى هناك مجال لجريانها، ولا يكون جريانها لغواً. 

والسر في ذلك هو: أنَّ غاية ما استفدنا في المرتبة السابقة من هذا البرهان هو أنَّ العلم الإجمالي لا يدخل التكليف في دائرة حقّ الطاعة، يعني: أن التكليف أيّ تكليف كان لا الجامع ولا هذا ولا هذا، لا يدخل في دائرة حقّ الطاعة ولا يتنجّز من ناحية العلم الإجمالي. 

هذا هو الذي فرغنا عنه في المرتبة السابقة، وهذا لا ينافي أن يكون خصوص هذا التكليف بعينه يدخل في دائرة حقّ الطاعة من ناحية الاحتمال المتعلّق به، ولو من باب جعل المولى لوجوب الاحتياط في هذا الطرف. إذن، فلا بُدَّ في المرتبة المتأخّرة من نفي دخوله في دائرة حقّ الطاعة بهذا الاعتبار أيضاً.

وإن شئتم قلتم: إنَّ هناك منشأين لدخول التكليف في دائرة حقّ الطاعة:

 أحدهما: دخوله في دائرة حقّ الطاعة من ناحية العلم الإجمالي.

ثانيهما: دخوله فيها من ناحية تعلّق الاحتمال به بما هو احتمال، إمّا من باب منجّزيّة الاحتمال، وإمّا من باب جعل المولى لوجوب الاحتياط، وما هو مفروغ عنه في المرتبة السابقة هو عدم دخوله في دائرة حقّ الطاعة باعتبار منجّزيّة العلم الإجمالي.

ــــــــــ[20]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وأمّا عدم دخوله فيها بما هو متعلّق للاحتمال في نفسه، لم يُفرغ عنه في المرتبة السابقة، بل يُنتهى إليه في المرتبة اللاحقة، ويكون الترخيص حينئذٍ في هذه المرتبة في محلّه، فهذا البيان لعدم جريان البراءة ليس تامّاً(1).

لكن مع هذا الصحيح وفاقاً للمحقّق العراقي والمحقّق النائيني عدم جريان البراءة، خلافاً للسيّد الأُستاذ، ويأتي البيان الصحيح لذلك.

تحقيق الحال في المقام

فالصحيح عدم جريان البراءة الشرعية في موارد دوران الأمر بين المحذورين، لكن ليس المدرك في ذاك هو البيان الفني الذي ذكره المحقّق العراقي الذي يرجع إلى الإشكال بحسب مقام الثبوت، بل الوجه في المنع عن جريان أدلة البراءة في المقام هو الإشكال الإثباتي، ودعوى أنَّ أدلة البراءة قاصرة بحسب مقام الإثبات عن الشمول لمحل الكلام، مع فرض إمكان 

ــــــــــ[21]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: ذكرتم أنّه تارةً يقع الكلام في البراءة الشرعيّة وأُخرى في العقليّة، فما هو حال البراءة العقليّة؟ 

فأجاب: في مقام البيان اختلطت البراءتان، وإن كان مقصودي العزل، يعني: بالتالي سواء كان المراد البراءة الشرعيّة أو العقليّة فهي براءة بمعنى نفي دخول التكليف في دائرة حقّ الطاعة بما هو محتمل، سواء كان دخوله باعتبار التأثير الذاتي لنفس الاحتمال الذي تنفيه البراءة العقلية، أو بتوسط حكم الشارع بوجوب الاحتياط الذي تنفيه البراءة الشرعيّة، فبالتالي المنفي في هذه المرتبة غير المنفي في المرتبة السابقة، فلا يلزم أن نكون قد نفينا في المرتبة المتأخّرة نفس ما نفيناه في المرتبة المتقدّمة*. (المُقرِّر).

* وهو التنجّز والدخول في حقّ الطاعة؛ باعتبار طرفيته للعلم الإجمالي. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

شمول أدلة البراءة ثبوتاً لو وجد دليل وافٍ بظهوره لإجرائها.

وتوضيح ذلك يتوقّف أوّلاً على تصوير جريان البراءة ثبوتاً في دوران الأمر بين المحذورين، أو الحكم بالبراءة والحِل، فأوّلاً نتصورها تصوراً ثبوتياً محدداً، وبعده نرى أنَّ مثل هذه الصورة هل تنسجم مع أدلة البراءة أو لا.

أمّا في مقام التصوّر الثبوتي فقد ذكرنا في بحث الجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة أنَّ جعل الأحكام الظاهريّة هو جعل طريقي محض ناشئ من وقوع التزاحم بين نفس الأحكام الواقعية، وهو قسم ثالث من التزاحم غير التزاحم في عالم الامتثال وقدرة المكلف، والتزاحم بحسب عالم الملاك والمصالح والمفاسد، كأن يفرض أنَّ هذا الغريق عالم فاسق في إنقاذه مصلحة ومفسدة، فيقع التزاحم بين ملاكات الإرادة والكراهة.

وكلا هذين القسمين من التزاحم غير متصوّر بين الأحكام الواقعيّة في مورد الشكّ بين حرمة النبيذ وحلية السكنجبين، لا في عالم الامتثال؛ لأنّه لا تنافي بينهما بحسب هذا العالم، ولا في عالم الملاك؛ لأنَّ متعلّق أحدهما غير متعلّق الآخر، ولا منافاة بين مبغوضية شرب النبيذ ومحبوبية شرب السكنجبين، لكن هناك قسم ثالث من التزاحم، وهو الذي يُتصور بين الأحكام الواقعيّة غير المتميزة، وهو التزاحم في عالم الحفظ، حفظ الملاكات بعد فرض شكّ المكلّف فيها وعدم تمييزها، كما لو كان للمولى أحكام إلزامية عشرة وله أحكام ترفيقية عشرة، وكلا القسمين نشأت من مصلحة في متعلقه، والمكلف اشتبه عليه فلم يدرِ ما هو الواجب وما هو المباح في واقعة من الوقائع، كالدعاء عند رؤية 

ــــــــــ[22]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الهلال. فلا يدري هل هو من هذه الواجبات الواقعيّة أو المباحات الواقعية، ولكن المولى يعلم بذلك، إلَّا أنَّ المولى يقع عنده تزاحم في مقام الحفظ؛ لأنَّ المولى هنا مدعو من قبل ملاكات اللزوم لتوسعة دائرة اللزوم وجعله ظاهراً على المكلّف تحفظاً على الملاكات اللزومية وضماناً لحصول المكلّف عليها، وملاكات التسهيل والإباحة تدعوه إلى توسيع دائرة التسهيل والإباحة ضماناً لحصولها بحسب الخارج، وهذا معنى التزاحم في مقام الحفظ وتوسعة دائرة الخطاب ظاهراً، فإمّا أن يقدّم هذا الجانب على ذلك الجانب أو ذلك على هذا، فيحكم بالبراءة تارةً وبالاحتياط أخرى. هذا هو روح الحكم الظاهري.

وهذا التزاحم كما يُتصوّر بين الأحكام الوجوبيّة والترخيصيّة الناشئة من مصالح تسهيلية. يُتصوّر بين سنخين من الأحكام الإلزاميّة، فنفرض أنَّ هناك عدداً من الواجبات وعدداً من المحرمات، وفي كلّ منهما ملاك لزومي، وهذا المكلّف لا يدري أهو واجب أو محرم، مع علمه بأنّه ليس مباحاً، كما هو الحال في دوران الأمر بين المحذورين، فهنا الملاكات الوجوبيّة تستدعي توسعة دائرة الوجوب تحفظاً عليها، وتطلب من المولى أن يحكم بالوجوب في هذه الشبهة احتياطاً. والملاكات التحريمية تستدعي توسعة دائرة التحريم وتطلب من المولى أن يحكم بالتحريم في الشبهة احتياطاً لأجل الحفاظ عليها، فيقع التزاحم بينهما في هذا المجال.

وأيضاً هنا المولى يرى حاله، فتارة يُفرض بأنّه يهتم بالوجوبات أكثر من التحريمات، وأخرى العكس، وثالثة يكونان متساويين؛ فإذا فُرض أنَّ أحد 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المتزاحمين أقوى من الآخر، ففي مقام الحفظ يحفظ الأقوى ويترك الأضعف ويحكم بالوجوب ظاهراً، تحفظاً على ملاكات الوجوب التي هي أقوى، أو على ملاكات الحرمة التي هي أقوى.

وإذا فُرض أنّه لا يوجد فيها أقوى، فإنّه حينئذٍ لا يحكم بالوجوب ولا بالحرمة، بل يحكم بالإباحة والترخيص. هذه هي الصورة الثبوتية للمطلب.

بعد أن اتّضحت هذه الصورة نأتي إلى أدلة البراءة ونقول: إنَّ الظاهر المنساق عرفاً من أدلة البراءة أنّها تتكفل أحكاماً ظاهرية مجعولة على وجه التسهيل للمكلفين لوحظ فيها جانب التسهيل من الشريعة لا التشديد، وفي حديث الرفع الذي هو أهم أدلة البراءة، قد امتنّ بهذا التسهيل على العباد، هذا الحكم التسهيلي بيّن بياناً امتنانياً، حيث إنّه موافق مع المنة والترحم على العباد.

وبعد الفراغ عن هذا الظهور في أدلة البراءة حينئذٍ يقال: بأنَّ هذا الحكم التسهيلي إنَّما يصدق بهذا العنوان في موارد التزاحم بين الأحكام الواقعيّة الإلزاميّة والأحكام الترخيصيّة، فإنَّ المولى بعد فرض التزاحم تارة يقدّم جانب التشديد من الشريعة على جانب التسهيل، وأخرى يقدّم جانب التسهيل، فلو فرضنا أنّه قدم جانب الإباحة الواقعيّة على جانب الوجوب الواقعي، فوسّع دائرة الإباحة تحفظاً على المصالح التسهيلية الموجودة في المباحات الواقعية.

ومثل هذا الحكم بالإباحة بهذا الاعتبار يصدق عليه أنّه حكم تسهيلي، وأنَّ هذه الإباحة مجعولة بعنوان التسهيل؛ لأنّه لوحظ فيها ملاكات التسهيل على ملاكات التشديد والإلزام، وكذلك الأمر بعينه لو كان الأمر دائراً بين 

ــــــــــ[24]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

التحريمات والترخيصات؛ ولهذا توصف هذه الأحكام بأنّها تسهيلية، ويكون هذا العنوان منسجماً مع ظواهر أدلة البراءة.

وأمّا إذا وقع التزاحم بين الأحكام الإلزاميّة الوجوبيّة والأحكام الإلزاميّة التحريميّة، فهنا أمّا أن يُفرض أنَّ أحد الأمرين أهم عند المولى، فيجعل حكماً إلزامياً لا محالة على طبقه لا حكماً تسهيلياً.

وأمّا إذا فُرض أنّهما متساويان، فهو لا يجعل حكماً إلزامياً، لكن عدم جعله للحكم الإلزامي، أو حكمه بالإباحة هنا، لا يتعنون بعنوان أنّه حكم تسهيلي على العباد، وإنَّما هو من باب مساواة الملاكين اللزوميين بالنسبة إليه، وليس هذا تقديماً للمصالح التسهيلية على المصالح اللزومية، وإنَّما هو من باب وجود مصلحتين لزوميتين في جانب الفعل والترك، وهو نسبته إليهما على حدّ واحد؛ ولهذا لم يقدّم لا هذا ولا ذاك، فعدم التقديم هنا وإن كان نتيجته الإباحة، إلَّا أنّها ليست حكماً تسهيلياً بملاك التسهيل، وإنَّما بملاك التساوي ما بين مصلحتين لزوميتين.

وهذا لا ينسجم مع أدلة البراءة، فالبراءة مجعولة بما هي تسهيل، ونفس هذا الظهور يصبح قرينة على أنَّ المنظور في أدلة البراءة إنَّما هو موارد دوران الأمر بين الإلزام والرخصة سواء كان الإلزام وجوباً مع الرخصة أو تحريماً معها، لا موارد دوران الأمر ما بين الإلزامين. وهذا الوجه يكون عامّاً في مجموع أدلة البراءة.

هنا قد يقال: بأنَّ أدلة البراءة بمدلولها الحرفي وإن لم تشمل محلّ الكلام، إلَّا 

ــــــــــ[25]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

أنّها لماذا لا تشملها بمدلولها الالتزامي؟! وذلك أنا فرضنا أنَّ أدلة البراءة ثابتة في الشبهات البدوية، ففي الشبهات البدوية حيث يدور الأمر بين الحرمة والإباحة، لا يحكم بوجوب الاحتياط من ناحية الحرمة، فكيف نحتمل أنه يحكم بوجوب الاحتياط من ناحية الحرمة، فيما إذا دار الأمر ما بين الحرمة والوجوب إذا فُرض أنَّ هذا الفعل كان أمره دائراً بين الحرمة والإباحة في مثله، مع أنَّ حكم المولى بوجوب الاحتياط يُفوّت عليه مصلحة لزوميّة جزماً، مع هذا لا يحكم بوجوب الاحتياط، فكيف يحكم بوجوب الاحتياط في المقام من ناحية الحرمة على أنّه من المحتمل أنّه يفوت عليه مصلحة لزومية في الواجب، وكذلك الحال بالعكس. إذن، فنستفيد من نفس أدلة البراءة بالأولوية جريان البراءة.

إلَّا أنَّ هذا الكلام غير صحيح؛ وذلك لأنَّ فرض جريان البراءة في موارد دوران الأمر بين الحرمة والرخصة المطلقة أو الوجوب معها معناه فرض أنَّ مصلحة الإباحة أقوى من مصلحته في الوجوب والحرمة معاً، وإلَّا لما قدّم المولى ملاكات الإباحة على ملاكات الحكم الإلزامي!! فمن هنا نستكشف أنَّ مصلحة التسهيل والإباحة أقوى من المصالح اللزومية في الواجب والمحرم، وحينئذٍ فلا يلزم من تقديم الأقوى تقديم غير الأقوى، وحينئذٍ لعله عند تزاحم الواجب أو الحرام مع الإباحة يقدّم الإباحة؛ لأنّها أقوى منهما جميعاً، ولكن لو تزاحما معاً في أنفسهما لعلّ أحدهما أقوى من الآخر فيقدّم، فلا توجد في المقام أولوية تقتضي نفي وجوب الاحتياط من هذه الناحية. هذا هو الوجه العامّ في عدم التمسّك بأدلة البراءة في المقام.

ــــــــــ[26]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وهناك وجوه أخرى تُذكر في بعض أدلة البراءة بالخصوص، كقوله: “كُلُّ شَيْءٍ هُوَ لَكَ حَلاَلٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرامٌ(1) وفي خصوص لسان: (رفع ما لا يعلمون) فلا بُد بعد الفراغ من البيانات العامّة من التعرّض لهذه البيانات الخاصة.

جريان حديث الحل في صورة دوران الامر بين المحذورين

أمّا لسان قوله: “كُلُّ شَيْءٍ هُوَ لَكَ حَلاَلٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرامٌ(2) فقد ذكر المحقّق النائيني(3) والسيّد الأستاذ(4) أن مثل هذا النص لا يشمل موارد دوران الأمر بين المحذورين لإشكال ثبوتي، وحاصله: هو أنَّ مرتبة الحكم الظاهري غير محفوظة؛ لأنَّ الحكم الظاهري إنَّما يُعقل جعله في مرتبة الشكّ واحتمال المطابقة مع الواقع، وهنا دوران الأمر بين المحذورين لا يحتمل الحلّية في الواقع؛ لأنَّ الفعل إمّا واجب وإمّا حرام، فالحلية غير محتملة في الواقع أصلاً. إذن، فمرتبة الشكّ غير محفوظة، ومعه لا يُعقل جعل الحكم الظاهري(5).

ــــــــــ[27]ــــــــــ

() الكافي 5: 313، كتاب المعيشة، باب النوادر، الحديث 40.

(2) الكافي 5: 313، كتاب المعيشة، باب النوادر، الحديث 40.

(3) انظر: فوائد الاصول ٣: ٤٤٥ و٤٤٨.

(4) . انظر: دراسات في علم الأصول 3: 384

(5) وهنا قال أحد الإخوان: إنَّ هذا إذا تمّ فهو جارٍ في تمام أدلة البراءة. 

فصار سيّدنا الأستاذ في مقام المقارنة بين المقام وبين حديث الرفع، وقال: إنّه في حديث الرفع، لا يثبت لفرد واحد منها نفي الوجوب والحرمة معاً، وإنَّما هناك فردان من الرفع؛ لأنّه هناك فردان ممّا لا يعلمون: الوجوب والحرمة، وكلّ فرد لاحظناه في نفسه فهو محتمل المطابقة للواقع؛ إذ يحتمل أن يكون الوجوب غير ثابت في الواقع. نعم، مجموع الرفعين غير محتمل المطابقة للواقع للعلم الإجمالي في المقام، إلَّا أنَّ هذا العلم الإجمالي وجوده كعدمه؛ لأنّا فرضنا أنّه غير منجّز. إذن، فلا بأس بجريان الأصلين معاً. هذا في حديث الرفع. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وإنَّما امتاز حديث الحلّية بالإشكال من ناحية أنَّ فرداً واحداً من الحلّية يكون مناقضاً مع الواقع جزماً، لا أنَّ الجمع بين فردين من الدليل يوجب العلم الإجمالي بالمخالفة؛ لأنَّ الحلّية بنفسها هي عبارة عن إطلاق العنان فعلاً وتركاً، أي: مجموع الرخصتين، في جانب الفعل والترك، فالحلية(1) التي هي فرد من الدليل عبارة عن مجموع الرخصتين، ومجموعهما غير محتمل المطابقة للواقع، فهنا العلم بالمخالفة تفصيلي لا إجمالي. إذن، فمرتبة الحكم الظاهري في المقام غير محفوظة.

ومن هنا فصّل السيّد الأستاذ ما بين أصالة الحل وما بين بقية أدلة البراءة، فاختار عدم الشمول بأصالة الحل واختار الشمول في بقية أدلة البراءة. وأمّا الميرزا فذكر عيباً لكلّ رواية رواية ومن هنا اختار عدم الشمول في مجموع أدلة البراءة.

ونحن بالتالي نتكلّم في هذا العيب المدّعى في شمول أصالة الحل لمحل الكلام، بأن يقال: إنَّ مرتبة الحكم الظاهري غير محفوظة في المقام، فبحسب الحقيقة أنَّ مرتبة الحكم الظاهري -بالمعنى الذي حقّقناه- مرتبته هو الشك، 

ــــــــــ[28]ــــــــــ

() وهي عنوان انتزاعي من مجموع التركين، ونحن نعلم بكذبه في الواقع؛ لأنَّ أحد الترخيصين غير ثابت فمنشأ انتزاعه غير ثابت، (المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

لكن لا بمعنى احتمال وجود المماثل للحكم الواقعي في الواقع، بل الشكّ المحقّق للتزاحم من القسم الثالث، فمرتبة الحكم الظاهري هو أنّه يتحقّق هناك تزاحم بين الملاكات الواقعية في عالم الحفظ بلحاظ الشك. 

وحيث إنَّ هذا النحو من التزاحم لا يُتصوّر لولا الشك. إذن، فلا بدَّ من فرض الشكّ. فاللابدّية الثبوتية لفرض الشكّ في مقام جعل الحكم الظاهري إنَّما هي لأنَّ الظاهري بحسب روحه وحقيقته نتيجة للقسم الثالث من التزاحم، وهو التزاحم ما بين الأحكام الواقعيّة في مقام الحفظ، فهذا التزاحم حيث إنّه لا يُتعقّل إلَّا مع الشكّ، وحيث إنَّ الحكم الظاهري هو نتيجة هذا التزاحم. من هنا كان الشكّ مقوّماً عقلياً لجعل الحكم الظاهري.

وبعد الاطلاع على واقع برهان دخل الشكّ في حقيقة الحكم الظاهري يُعرف أنَّ المراد من الشكّ الذي هو دخيل فيه هو الشكّ بالمقدار الذي يدخل المقام في القسم الثالث من التزاحم الذي يصوّر التزاحم في مقام الحفظ لا أكثر من هذا المقدار.

والشك بهذا المعنى موجود في المقام -على ما شرحناه في أوّل البحث- فإنّنا قلنا: بأنَّ التزاحم في عالم الحفظ معقول ما بين الأحكام الوجوبيّة والتحريميّة؛ لأنَّ المكلّف لا يميّز الواجب عن الحرام، فهذا الإشكال ناشئ من عدم تحدد هذا المفهوم تحدداً برهانياً. 

أمّا بعد أن يتحدّد ويعرف حقيقة الحكم الظاهري ونحو دخل الشكّ فيه فيعرف أنَّ مرتبة الحكم الظاهري محفوظة، بحيث لولا الإشكال الإثباتي لقلنا 

ــــــــــ[29]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

بالتمسّك بقوله: “كُلُّ شَيْءٍ هُوَ لَكَ حَلاَلٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرامٌ(1) إلَّا أنَّ هذا الإشكال الإثباتي يمنع عن ذلك.

بل هذا الإشكال الإثباتي في خصوص هذا النص واضح وجلي؛ لأنَّ المنساق عرفاً من قوله: “كُلُّ شَيْءٍ هُوَ لَكَ حَلاَلٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرامٌ” هو ترجيح أحد طرفي الشكّ تعبّداً على الآخر حتّى يثبت الآخر، فكأنّه يقول: أرجّح هذا الطرف من الشكّ على ذاك الطرف حتّى يثبت لك ذلك الطرف. إذن، ففرضه هو فرض شكّ يكون أحد طرفيه في الواقع هو الحرمة والطرف الآخر هو الحلية، فكيف يشمل شكاً يكون أحد طرفيه الوجوب والآخر الحرمة؟ فظهوره أنّه في مقام ترجيح أحد طرفي الشكّ على الآخر تعبّداً والبناء عليه ظاهراً حتّى يثبت الآخر مانع عن التمسّك بإطلاق حديث الحل، فيكون الإشكال إثباتياً لا ثبوتياً. هذا هو حال هذا الحديث(1). بعد هذا يقع الكلام في حديث الرفع.

جريان حديث الرافع في المقام

بيّن المحقّق النائيني(3) أنّه لا يشمل موارد دوران الأمر بين المحذورين؛ وذلك لأنَّ الرفع مقابل للوضع، وحيث لا يمكن الوضع لا يمكن الرفع، وبالعكس.

ــــــــــ[30]ــــــــــ

() الكافي 5: 313، كتاب المعيشة، باب النوادر، الحديث 40.

(2)لخّص أوّلاً مجمل الرأي في حديث الحل. (المُقرِّر).

(3)انظر: فوائد الأصول 3: 445. 

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وهنا لا يمكن للمولى وضع الوجوب والحرمة معاً، فلا يمكن له لا وضع الفعل والترك معاً على سبيل التعيين، ولا وضعهما على سبيل التخيير. أمّا على سبيل التعيين فهذا غير ممكن؛ لأنّه تكليف بغير المقدور؛ لأنَّ المكلّف لا يقدر على الجمع بينهما.

 وأمّا وضعهما على سبيل التخيير فلأنَّ الجامع بين الفعل والترك ضروري الوقوع بحسب الخارج فلا معنى لوضعه على المكلف، وحيث لا يمكن الوضع لا يمكن الرفع؛ لأنَّ الرفع إنَّما هو النفي في المورد المقابل؛ لأنَّ التقابل بينه وبين الوضع هو تقابل العدم والملكة، فحيث لا قابلية للوضع لا يمكن الرفع أيضاً، فلا يشمله إطلاق الحديث.

والجواب: إذا بيّن الإشكال بهذا المقدار، وهو إن وضع الجامع بين الفعل والترك غير معقول، ووضعهما معاً الذي معناه تنجيز الوجوب والحرمة معاً أيضاً غير معقول، لكن تنجيز أحدهما فقط أمر معقول -كما بينّاه سابقاً- فإنّه من المعقول أن يهتم المولى بأحكامه الوجوبية أكثر من أحكامه التحريمية أو العكس، ففي مقام التزاحم ما بين الوجوبات والتحريمات في عالم الحفظ بالنسبة إلى المكلّف الشاك، قد يضع أحدهما فقط دون الآخر، فالوضع التعييني لأحدهما دون الآخر أمر معقول؛ فهذا المقدار من معقولية الوجود يكفي لتصحيح عنوان الرفع في المقام وصدقه، حيث إنَّ المولى كان يمكنه أن ينجّز الوجوب ولو وحده، فيصح له أن يقول: إنّي لم أضعه بل رفعته، وكذلك الحرمة فالرفع يكفي فيه قدرة المولى على الوضع التعييني ولو بدلاً، فالقدرة البدلية على 

ــــــــــ[31]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الوضعين التعيينين يكفي في تصحيح كلا الرفعين في المقام وإسنادهما إلى المولى.

نعم، يمكن تصوير الإشكال بتقريب آخر بحيث يتم مرام الميرزا وذلك بأن يقال: إنَّ الرفع في هذا الحديث إمّا أن يكون قد انصب على التكاليف الواقعية غير المعلومة ولا الواصلة، بحيث إنَّ المولى نظر إلى تكاليفه الواقعية إلى المقدار غير الواصل منها، وقال: بأنَّ هذا المقدار غير الواصل منها مرفوع، ومعنى رفعها ظاهراً هو عدم التحفظ عليها في مرتبة الشكّ بإيجاب الاحتياط على المكلّف الشاك، فكلمة (ما لا يعلمون) اسم الموصول يكون كناية عن التكليف الثابت واقعاً غير الواصل إلى المكلف.

وإمّا أن يكون مصب الرفع في المقام هو طبيعي التكليف غير المعلوم، سواء كان التكليف المشكوك موجوداً في الواقع أو لا؛ لأنَّ الإنسان قد يحتمل كثيراً من التكاليف الوهميّة غير الثابتة في الواقع، فهنا نظر الرفع إلى مشكوكات المكلّف سواء كانت واقعية أو لا، ومعنى كونها مرفوعة يعني أنّي لم أوجب الاحتياط من ناحيتها باحتمال أن تكون مطابقة للواقع، فإنَّ احتمال مطابقتها للواقع لا يهمني.

فهنا نظر المولى إلى المشكوكات بما هي مشكوكات، وفي الأوّل مصب الرفع هو التكاليف الواقعية بما هي مشكوكة، وإلى واقع تشريعاته بالمقدار الذي لم يصل منه. فهذان احتمالان.

لو بنينا في المقام على الاحتمال الثاني، وهو: أن يكون مصب الرفع إلى التكاليف المحتملة بما هي محتملة ومشكوكة. إذن، في مورد دوران الأمر بين 

ــــــــــ[32]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المحذورين نحتاج إلى رفعين؛ لأنَّ عندنا حكمين إلزاميين مشكوكين، فإنَّ الوجوب حكم إلزامي مشكوك وكذلك الحرمة، والمفروض أنَّ نظر الرفع إلى التكاليف المشكوكة بما هي مشكوكة، بقطع النظر عن كونها واقعية أو لا. إذن، فنحتاج إلى رفعين، إلى فردين من الدليل: إلى رفع للوجوب المشكوك، ورفع آخر للحرمة المشكوكة.

وفي مثل هذا لا يأتي إشكال الميرزا؛ لأنَّ كلّ رفع لو نظرنا إلى الوضع المقابل له نرى أنّه ممكن، فإنّه كان من الممكن للمولى أن يضع في ذمتنا الوجوب المشكوك فيقول: (افعل ولا تترك وإن كنت تحتمل الحرمة أو بالعكس). إذن، فكلّ من الوجوب والحرمة المشكوكة بعنوانها التفصيلي، كان قابلاً للوضع التعييني وحده دون الآخر. إذن، فيكون قابلاً للرفع أيضاً على النحو الذي بينّاه ويتمسّك بإطلاق حديث الرفع.

أمّا لو استظهرنا الأوّل وقلنا: بأنَّ الرفع مصبه هو التكاليف الواقعية غير المعلومة، فيقول المولى: إنَّ ما يوجد في ورقة تشريعاتي من التكاليف التي لا تعلمها أرفعها عنك ظاهراً، بمعنى: إنّي لا أتصدى لحفظها بإيجاب الاحتياط في مورد الشك، لو كان هكذا إذن فلا يوجد عندنا إلَّا مرفوع واحد ورفع واحد، إذ لا يحتمل أن يكون كلّ من الوجوب والحرمة تكليفاً واقعياً مشكوكاً، لاستحالة اجتماع الوجوب والحرمة على فعل واحد.

إذن، فهنا لا يوجد إلَّا تكليف واقعي مشكوك، لكننا لا نعلم أهو وجوب أم حرمة؟ فهنا فرد واحد من الموضوع وهو اسم الموصول (ما لا يعلمون)، فيستتبع فرد واحد من الرفع لا محالة. 

ــــــــــ[33]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

حينئذٍ هنا يأتي الإشكال؛ وذلك لأنَّ هذا الفرد الواحد ممّا لا يعلمون وهو ذلك التكليف الواقعي المشكوك بعنوانه التفصيلي المردد عندي بين الوجوب والحرمة، فواقع ذلك التكليف غير قابل للوضع على عهدة المكلف؛ لأنَّ وضعه على عهدته إمّا أن يراد به إيجاب امتثال ذلك الواقع تعييناً، يعني: إيجاب الإتيان بمتعلقه سواء كان متعلقه هو الفعل أو الترك، وإمّا أن يراد بوضعه إيجاب الموافقة القطعية بالنسبة إليه، وإمّا أن يكون معنى وضعه هو إيجاب الموافقة الاحتمالية بالنسبة إليه، والكلّ غير معقول.

أمّا إيجاب واقع متعلقه فمثل هذا الإيجاب لا يزيد على نفس الحكم الواقعي المردد بين الوجوب والحرمة؛ لأنّنا لا ندري أنَّ هذا الواقع وجوب أو حرمة، فإيجابه علينا مرة أخرى كالإيجاب الأوّل أمره مردّد بين الفعل والترك، فلم يضع المولى شيئاً.

وأمّا إيجاب الموافقة القطعية لذلك التكليف الواقعي المشكوك، فهو غير معقول؛ لأنَّ الموافقة القطعيّة في المقام تكون بالجمع بين الفعل والترك. 

وأمّا إيجاب الموافقة الاحتمالية أيضاً غير معقول؛ لأنّها في المقام ضرورية الوقوع بحسب الخارج.

فالوضع الظاهري لنفس التكليف الواقعي المشكوك بعنوانه التفصيلي غير معقول بأيّ معنى من الوضع الظاهري فرض. إذن، فرفعه أيضاً غير معقول. 

ومن هنا يظهر أنه يختلف الحال فيما إذا لاحظنا الوضع والرفع مضافين إلى التكاليف المشكوكة بما هي مشكوكة بقطع النظر عن واقعيتها، أو لاحظناهما 

ــــــــــ[34]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

مضافين إلى التكليف الواقعي المشكوك المردّد، فإنّه على الأوّل يُعقل الرفع، فإنَّ كلا الحكمين لو لاحظنا أي منهما في نفسها فهي قابلة للوضع فتكون قابلة للرفع، وأمّا على الثاني فهو غير قابل للوضع، فلا يكون قابلاً للرفع. هذا هو الكلام في حديث الرفع.

جريان دليل الاستصحاب في المقام

 وذلك لأنَّ الوجوب مشكوك فيه مع أنّه معلوم العدم سابقاً فيستصحب عدمه، وكذلك الحرمة فيستصحب عدمها أيضاً، ولا يلزم من جريانهما معاً مخالفة عملية للتكليف المعلوم بالإجمال؛ لأنَّ المخالفة العملية بمقدار منه ضروري الوقوع، وبمقدار مستحيل الوقوع. إذن، فلا يؤدّي جريان الأصول إلى مخالفة عملية.

هنا الميرزا أشكل على مبناه، حيث إنّه يبني على أنَّ الاستصحاب وغيره هو من الأصول التنزيلية لا يمكن أن تجري في أطراف العلم الإجمالي بحيث يتولد مناقضة بين العلم الإجمالي وبين مجموع أصلين أو عدة أصول تنزيلية، ولو لم يلزم هناك مخالفة عملية، حيث إنَّ الأصل التنزيلي لوحظ فيه نحو من الأمارية، والأمارية مع العلم الإجمالي بكذب بعض الامارات متنافٍ بحسب الخارج؛ ولهذا بنى مثلاً في الإناءين المستصحبي النجاسة مع العلم الإجمالي بطهارة أحدهما على عدم جريان الاستصحابين، وإن لم يلزم هنا مخالفة عملية؛ للمناقضة ما بين الاستصحابين والعلم الإجمالي بانتقاض الحالة السابقة في أحد هذين الموردين.

فإن كان هذا المبنى تامّاً فلا بأس بهذا التفريع. 

ــــــــــ[35]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وإن لم يبنِ على هذا المبنى وقيل: بأنّه لا بأس بجريان الاستصحاب في أطراف العلم الإجمالي، بنحو تحصل المناقضة بين مجموع استصحابين وبين العلم الإجمالي، فحينئذٍ لا بأس بجريان الاستصحابين في المقام، ولا يأتي فيه الوجه العامّ الذي نحن بيّناه؛ لأنَّ ذلك الوجه إنَّما يختصّ بأدلة البراءة، حيث نستظهر منها أنَّ الحكم مجعول بعنوان التسهيل، وأمّا دليل الاستصحاب فلا يظهر منه أن يكون الحكم فيه تسهيلياً، وإنَّما هو حكم بملاك أمارية اليقين السابق بحسب لسان دليله، فحينئذٍ فلو أمكن جعل أمارتين مع العلم بكذب أحدهما فلا بأس بالتمسّك بإطلاق أدلة الاستصحاب في المقام. هذا حاصل الكلام في جريان الأصول الشرعية بمختلف صورها.

صورة ما إذا كان لأحد الطرفين مزيّة

بعد هذا يقع الكلام في أنّه لو فُرض مزيّته في أحد الطرفين على الآخر، فهل يتغير الموقف بفرض المزيّة، أو لا يتغير بفرضها؟ 

والمزيّة إمّا تفرض في الاحتمال وإّما تفرض في المحتمل، فتارة احتمال الوجوب 80% والحرمة 20% وهذه مزيّة في الاحتمال، أو أنّهما متساويان من هذه الناحية، لكن أمر هذا دائر بين أن يكون واجباً مهماً أو حراماً بدرجة ضعيفة، فهل في مثل ذلك يتعيّن الاحتياط وملاحظة هذه المزية أو لا؟

إن بنينا على جريان نصوص الترخيص الشرعي، إمّا بلسان حديث الحل أو بلسان حديث الرفع أو دليل الاستصحاب، وعلى هذا بنى السيّد الأستاذ كما اتضح ممّا سبق، فيكون هذا الشقّ هو مختاره وهو عدم تأثير المزيّة أصلاً، فهنا 

ــــــــــ[36]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

نتمسّك بالأدلة الشرعيّة، ولا تكون المزيّة سواء كانت في الاحتمال أو المحتمل موجبة لتنجّز موردها؛ لأنَّ إطلاق دليل الترخيص الشرعي يكون شاملاً لكلّ من الطرفين. 

وحينئذٍ فمثل هذه المزيّة تمنع عن التنجيز بلحاظ الأصل الشرعي المرخص بلا إشكال.

وأمّا لو بنى على عدم جريان الأصول الشرعيّة -كما لو بنى الميرزا مثلاً- وأنَّ سائر الأصول والترخيصات الشرعية كلّها قاصرة عن الشمول لمحل الكلام، سواء كانت بلسان البراءة أو بلسان الاستصحاب، وبقينا نحن والقواعد العقلية للتنجيز والتعذير، فحينئذٍ هل يكون احتمال الأهميّة والمزيّة بالاحتمال أو المحتمل معيناً أو لا؟

فهنا الكلام يقع في مقامين:

 المقام الأوّل: في المزيّة الاحتمالية.

 المقام الثاني: في المزيّة المحتملية.

المقام الأوّل: فيما إذا كانت المزيّة في الاحتمال

أمّا المقام الأوّل -فيما إذا كانت المزية في نفس الاحتمال، فيكون أحد الاحتمالين 70% والآخر 30% مثلاً- فهنا تارة نبني على قاعدة منجّزيّة الاحتمال عقلاً، وأخرى نبني على قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) عقلاً.

إن بنينا على ما هو الصحيح من قاعدة منجّزيّة الاحتمال عقلاً، فالظاهر في المقام تنجّز الاحتمال ذي المزية، فهو منجز بنفس الاحتمال، بلا حاجة إلى ملاحظة 

ــــــــــ[37]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

العلم الإجمالي؛ وذلك لأنَّ الاحتمال بموجب قاعدة منجّزيّة الاحتمال مقتضٍ للتنجيز؛ ولدخول مورده تحت دائرة حقّ الطاعة للمولى، غاية الأمر إنَّما لم نلتزم بمنجّزيّة الاحتمال هنا من ناحية التزاحم ما بين الاحتمالين؛ لأنَّ كلّ منهما مقتضٍ فيتزاحمان، فإذا فُرض أنَّ أحد الاحتمالين كان أقوى، فالعقل العملي الذي يُدرك حقّ الطاعة يُدرك في المقام أنَّ مقدار المزاحمة هو الدرجة المشتركة من القوة الاحتمالية، وأمّا المقدار الزائد فيكون منجّزاً بلا مزاحمة في المقام.

وحينئذٍ يدخل مورده تحت دائرة حقّ الطاعة بهذا الاعتبار، باعتبار منجّزيّة المرتبة الزائدة من الاحتمال الذي يمتاز بها هذا على ذاك، ولا تقوى مرتبة ذاك الأضعف على مزاحمتها في المقام.

وأمّا لو بنينا على (قاعدة قبح العقاب..). إذن، فكلّ من الاحتمالين في نفسه لو خُلّي ونفسه ليس بمنجّز من ناحية هذه القاعدة، وإنَّما يكتسب التنجيز من ناحية العلم الإجمالي المبدل للا بيان بالبيان.

لكن هنا يختلف الحال باختلاف المباني في تنجيز العلم الإجمالي؛ وذلك لأنّه إن بنينا على أنَّ العلم الإجمالي ينجّز بمقدار الجامع بين الطرفين، ويكون لا اقتضاء أزيد منه. إذن، فالعلم الإجمالي غاية اقتضائه للتنجيز في نفسه إنَّما هو بالنسبة إلى الجامع ما بين الفعل والترك، وهذا الجامع يستحيل تنجزه. إذن، فيستحيل تأثير العلم الإجمالي في مقتضاه، وحينئذٍ يتعين سقوط هذا العلم الإجمالي وفرضه كالعدم؛ لأن ما يقتضيه(1) -وهو تنجز الجامع- مستحيل 

ــــــــــ[38]ــــــــــ

() فمقتضاه مستحيل بتمامه، (المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الوجود، وغير ما يقتضيه -وهو تنجّز أحد الطرفين بالخصوص- وإن كان ممكناً إلَّا أنّه ليس ممّا يقتضيه العلم الإجمالي بحسب المبنى؛ لأنَّ بيانية العلم الإجمالي إنَّما هو بقدر الجامع لا أكثر، ويستحيل تنجيزه أكثر من بيانيته.

وإذا بنينا على أنَّ العلم الإجمالي ابتداء هو يقتضي التنجيز لوجوب الموافقة القطعيّة، لا أنّه يؤثّر بمقدار الجامع فقط، بحيث إن مقتضاه هو وجوب الموافقة القطعية، إذا قلنا هذا فيمكن لأصحاب هذا المبنى أن يدّعوا التبعيض في هذا المقتضى، فإنَّ المقتضى بتمامه وهو الموافقة القطعية لا يمكن أن يحصل، ولكن التبعيض في مراتبها ممكن.

ففيما إذا فرضنا أنّه لم يكن هناك مزية لأحد الاحتمالين على الآخر -كما هو الحال في بحثنا السابق- فالتبعيض أيضاً لم يكن ممكناً، لأن الموافقة القطعية غير مقدورة، ولا يوجد ما هو أقل منها إلا الاحتمال وهو ضروري الوقوع بحسب الخارج.

وأما هنا فيفرض مراتب ثلاثة: الموافقة القطعيّة، والموافقة الظنّية، والموافقة الوهميّة. 

والموافقة القطعيّة غير مقدورة في المقام، لكن يمكن أن يقال: بأنَّ الفعل لا يتنزّل حينئذٍ منها إلى الاكتفاء بالموافقة الوهميّة، مع التمكن من الموافقة الظنّية. وهذا يكون من باب التبعيض في المقتضى، وهو الموافقة القطعيّة، فكأن الموافقة الظنية مرتبة منها، فيمكن أن يقال على أساس التبعيض في المقتضى أنّه ينتهي إلى الموافقة الظنّية. هذا تمام الكلام فيما إذا كانت المزية في الاحتمال.

ــــــــــ[39]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المقام الثاني، فيما إذا كانت المزيّة في المحتمل

المقام الثاني فيما إذا كانت المزيّة في المحتمل، لا في الاحتمال، كان الاحتمالان متساويين ولكن أحد المحتملين أهمّ من الآخر على تقدير وجوده أو محتمل الأهميّة بالنسبة إليه.

هنا، إذا بنينا(1) على جريان الأصول الشرعيّة في الأطراف، فلا إشكال في عدم تنجّز محتمل الأهميّة؛ لأنّه يكون مجرى للأصل، ومع التأمين الشرعي لا يكون مثل هذا الاحتمال منجّزاً، كما لا يكون أصل التكليف الوجوبي أو التحريمي منجّزاً. 

وأمّا إذا لم نقل بجريان الأصول الشرعية، فحينئذٍ إن قلنا بقاعدة منجّزيّة الاحتمال، وأنكرنا قاعدة قبح العقاب، فيمكن أن يقال في المقام: إنَّ احتمال المزيّة يكون منجّزاً؛ لأنَّ كلاً من الاحتمالين في نفسه مقتضٍ للتنجيز ولدخوله في دائرة حقّ الطاعة، غاية الأمر أنَّ التزاحم بين الاحتمالين أوجب التساقط وعدم التأثير، وكما أنَّ التزاحم في المقام الأوَّل يُفرض في المقدار المشترك من الاحتمالين، ويبقى الزائد غير مبتلى بالمزاحمة، كذلك هنا، تكون المزاحمة بالمقدار المشترك في المحتملين، وبلحاظ المقدار المشترك تكون نسبة المولى إليهما على حدّ واحد، فلا معنى لأن يدخل أحدهما في حقّ المولويّة.

 وأمّا بالنسبة إلى المقدار الزائد، فيكون حاله حال الشبهة الابتدائيّة، فكما أنّه لو احتمل ابتداءً وجود إلزام، يكون هذا الاحتمال مدخلاً للمورد في حقّ 

ــــــــــ[40]ــــــــــ

() هذا هو مختار سيّدنا الأستاذ على ما سبق. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الطاعة كذلك في المقام، احتمال المزيّة الزائدة لا قصور في اقتضائه ومنجزيته وسببيته في دخول مورده في دائرة حقّ الطاعة.

وأمّا على قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، فلا يكون احتمال المزية منجّزاً لطرفه ومعيناً له. سواء قلنا: بأنَّ العلم الإجمالي يُنجّز الجامع ابتداءً أو قلنا بأنّه ينجّز الواقع على تردده وإجماله، بحيث يستوجب إحراز امتثال الواقع على إجماله المساوق لوجوب الموافقة القطعيّة، على كلا التقديرين لا موجب لتعيّن ذي المزية في المقام.

فإنّه إذا قلنا: بأنَّ العلم الإجمالي يُنجّز الجامع، ولا يقتضي أزيد من ذلك، فمن المعلوم أنَّ هذا المقتضي مستحيل التحقق في المقام؛ لأنَّ الجامع يستحيل أن يتنجّز في موارد دوران الأمر بين المحذورين، فما يقتضيه العلم الإجمالي مستحيل التحقق. وأمّا التنجّز التعييني لذي المزيّة وحده فهو ممّا لا يقتضيه العلم الإجمالي من أوّل الأمر، وحينئذٍ فيكون هذا راجعاً إلى مقدار قوة الاحتمال من حيث هو بقطع النظر عن العلم الإجمالي، وقد فرضنا أنَّ مثل هذا الاحتمال مجرى لقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، فلا يكون منجّزاً، وكذلك الأمر لو بنينا على أنَّ العلم الإجمالي ينجّز الواقع الإجمالي على تردده، بحيث يستوجب إحراز امتثاله المساوق لوجوب الموافقة القطعية، أيضاً يكون الأمر كذلك؛ لأنَّ نسبة العلم الإجمالي إلى كلّ من تقديري الواقع أو إلى الواقع الإجمالي على حدّ سواء.

 وبتعبير آخر: أنَّ الواقع الذي يتنجز بالعلم الإجمالي في المقام، لا يُعقل أن يكون هو الواقع المعيّن؛ لأنَّ تطبيق منجّزيّة العلم الإجمالي على واقع معيّن 

ــــــــــ[4]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

خلف؛ لأنَّ نسبة العلم الإجمالي في النفس إلى كلّ من العنوانين التفصيليين على حدّ واحد. إذن، فلا بُدّ أن يُلتزم لمنجّزيّة العلم الإجمالي بالنسبة إلى الواقع الإجمالي على إجماله وتردده، حينئذٍ فالواقع الإجمالي بما هو إجمالي ومردد بين أن يكون هذا أو ذاك، غير قابل للتنجيز أصلاً؛ لأنَّ تنجيزه له مرتبتان: وجوب الموافقة القطعيّة وحرمة المخالفة القطعيّة، وكلاهما غير معقولة في المقام، وإذا استحال تنجيزه فتبقى قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) بلا محذور(1).

ولا يُقاس المقام بموارد دوران الأمر بين التعيين والتخيير إذا بُني على التعيين هناك ولا بموارد احتمال الأهميّة في التزاحمين، إذا غرق غريقان واحتملنا أهميّة أحدهما بعينه، حيث يلتزم بالعين هناك، لا يقاس المقام على هذين المقامين.

أمّا مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير؛ فلأنَّ من يقول بأصالة التعيين هناك، إنَّما يقول بذلك باعتبار منجّزيّة العلم الإجمالي، فإنَّ مرجع دوران الأمر بين التعيين والتخيير إلى العلم إمّا بالوجوب التعييني أو الوجوب التخييري، وهذا العلم الإجمالي موافقته القطعيّة ممكنة، فهو مستجمع لشرائط التنجيز فيكون منجزاً، فتجب موافقته القطعيّة، ولا تكون موافقته القطعيّة إلَّا 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

() وقال جواباً على سؤال في المقام الأوّل: كان الواقع الإجمالي على تردده له ثلاث مراتب من إحراز الامتثال، فلا يتنزّل من الأولى إلى الثالثة رأساً، بل إلى الثانية. وأمّا هنا فالواقع الإجمالي على تردده ليس له ثلاث مراتب من إحراز الامتثال، بل مرتبتان، وكل منهما مستحيلة التنجز، وعليه فالمزيّة في المحتمل لا تكون في المقام مؤثرة. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

باختيار محتمل التعيّن في المقام، وأين هذا من محلّ الكلام؟ حيث قد فرضنا أنَّ العلم الإجمالي بالجامع بين الوجوب والحرمة يستحيل كونه منجّزاً.

وأمّا من يقول بتعيّن محتمل الأهميّة في باب التزاحم، فأيضاً لا يُقاس بمحل الكلام؛ إذ في مقام التزاحم يُعلم بوجود واجبين شرعيين، وكلّ منهما له دليل في نفسه، ولدليله إطلاق في نفسه، غاية الأمر بعد التزاحم وعجز المكلّف عن الإتيان بهما معاً، إن فرض تساوي الواجبين في الملاك فيسقط إطلاق كلّ منهما لحال امتثال الآخر، فيتقيّد كلّ منهما بصورة عدم امتثال الآخر، وإذا فُرض أنَّ أحدهما كان أهمّ من الآخر، فيبقى الأهمّ على إطلاقه، والمهمّ يكون مشمولاً على وجه الترتّب بناءً على إمكانه، وحينئذٍ إذا فُرض أنّنا احتملنا الأهميّة في أحدهما دون الآخر، فمعنى هذا أنّنا نعلم بسقوط الإطلاق في الآخر؛ لأن الآخر إمّا مساوي أو مفضول، وعلى كلا التقديرين يكون الإطلاق فيه ساقطاً.

 وأمّا الإطلاق هنا فلا نعلم بسقوطه؛ لأنّنا نحتمل أهميّته، ونحتمل أنَّ الإطلاق فيه يكون باقياً فنتمسّك بنفس الإطلاق، ونثبت تعيّنه تمسّكاً بالإطلاق.

وأين هذا ممّا هو محلّ الكلام؟! حيث إنّه في المقام لم نحرز وجود حكمين للمولى يقع بينهما التزاحم بحسب الخارج، وإنَّما أحرزنا جامعاً لا يقبل التنجز. إذن، فلا يمكن أن يُقاس المقام بكلّ من ذينك المقامين.

هذا تمام ما ينبغي أن يقال في المقام الأول، وهي دوران الأمر بين الوجوب والحرمة في واقعة واحدة مع فرض كون كلّ منهما توصلياً.

ــــــــــ[43]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

 

المقام الثاني: فيما إذا كان أحدهما تعبدياً

 

المقام الثاني ما إذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة، وكانت الواقعة واحدة أيضاً، لكن كان أحدهما تعبدياً، أي: كان الوجوب مثلاً تعبدياً، كما هو الحال في صلاة محتملة الحيض، إذا فرضنا أنَّ الحائض يحرم عليها الصلاة حرمة ذاتية(1)، فأمرها يدور بين وجوب الصلاة وحرمتها، إلَّا أنّه على تقدير الوجوب يكون وجوباً تعبدياً.

وامتياز هذا الفرض عن الفرض السابق، هو في إمكان المخالفة القطعية هنا بخلافه في السابق، فإنّه هناك لم تكن ممكنة، وهنا ممكنة وذلك بأن يفعل لا بقصد القربة، فهو قد ترك الواجب على تقدير ثبوته وفعل الحرام على تقدير ثبوته، أي خالف على كلّ تقدير، وأمّا من حيث عدم التمكن من الموافقة القطعيّة، فهذا الفرض والفرض السابق على حدّ سواء.

ومن هذه الناحية(2) ذكر المحقّق الخراساني(3) أنَّ هذا العلم الإجمالي هنا 

ــــــــــ[44]ــــــــــ

() أي حرمة ذات أفعال الصلاة وإن لم تقصد القربة وإلَّا إن قصدت بها القربة من دون تعلق الأمر بها كانت حراماً على القاعدة، (هكذا ذكر السيّد). (المُقرِّر).

(2) يعني التمكن من المخالفة القطعية. (المُقرِّر).

(3) انظر: كفاية الأصول: 356.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

يصير منجّزاً بهذا المقدار، بمقدار حرمة المخالفة القطعية، فلا يجوز له ترك الطرفين معاً والاقتصار على الفعل دون قصد القربة؛ وحيث إنَّ العلم الإجمالي قابل للتنجيز بهذا المقدار، فيكون منجّزاً بمقدار حرمة المخالفة القطعية. أمّا من حيث وجوب الموافقة القطعية فلا يكون منجّزاً لعدم التمكن منها.

واستشكل عليه المحقّق العراقي فذكر أنَّ هذا لا ينسجم من صاحب الكفاية على مبانيه في العلم الإجمالي؛ لأنَّ هذا العلم الإجمالي الذي فرضناه هنا يدخل بحسب الحقيقة، في كبرى العلم الإجمالي بالتكليف مع الاضطرار إلى أحد الطرفين لا بعينه؛ لأنّنا هنا نعلم إجمالاً إمّا بوجوب الفعل بقصد القربة أو بوجوب الترك، ولا يمكن من الموافقة القطعية.

 ومعناه الاضطرار إلى المخالفة الاحتمالية، يعني: الاضطرار إلى مخالفة أحد طرفي العلم الإجمالي(1)، إمّا مخالفة الوجوب بأن يترك أو الحرمة بأن يفعل. نعم، هو غير مضطر إلى مخالفتهما معاً، ولكنه مضطر إلى مخالفة أحدهما لا بعينه. 

هنا لا بُدّ من الرجوع إلى المباني في هذه المسألة، فيما لو علم إجمالاً بأحد تكليفين إما بحرمة هذا المائع أو ذاك، ثُمَّ اضطر إلى أحدهما لا بعينه.

المعروف هناك بين المحقّقين، التفصيل بين الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه والاضطرار إلى أحدهما بعينه، فإذا وقع الاضطرار إلى أحدهما المعيّن، كما لو أكرهه الظالم على شرب أحدهما، هنا مثل هذا الاضطرار يُسقط العلم الإجمالي عن المنجّزيّة؛ وذلك لأنّه لا يبقى علم إجمالي؛ لأنَّ المعلوم بالإجمالي إن كان في هذا 

ــــــــــ[45]ــــــــــ

() لأنه لا يمكن الجمع بين الفعل والترك، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الطرف المعيّن المضطر إلى شربه، فالحرمة ساقطة حتماً، وإن كان في ذلك الطرف فهي ثابتة. إذن، فالحرمة غير معلومة الثبوت على كلّ تقدير، فيسقط العلم الإجمالي، بل يكون عندنا علم بعدم الحرمة في طرف وشكّ بدوي في ثبوتها في الطرف الآخر، فيجوز للمكلف شرب كلا المائعين أمّا هذا فللاضطرار، وأمّا الآخر فلأن الشكّ فيه بدوي بلا علم إجمالي فيجري الأصول المؤمّنة. 

وأمّا الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه، كما لو أجبره على أن يشرب أحدهما لا بعينه، هنا يقولون: إن العلم الإجمالي بلحاظ غير ما سوف يدفع به الاضطرار، فيسمح للمكلف بشرب أحد المائعين ويبقى العلم الإجمالي على المنجّزيّة والمراد عينه في الطرف الآخر؛ لأنَّ الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه لا يرفع التكليف لا في هذا الطرف بعينه ولا في ذاك بعينه، إذ لا اضطرار إلى أيّ منهما بعينه، والتكليف الواقعي سواء كان هناك هو ثابت في الواقع. نعم، حيث إنّه بحسب الظاهر لا يميّز الحرام بعينه؛ ولذا رخص له ظاهر بارتكاب أحد المائعين. هذا فتوى المشهور.

إلَّا أنَّ صاحب الكفاية يختار هناك، أنَّ الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه، أيضاً يوجب سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزيّة، بحيث إنَّ هذا المؤمن الذي اضطر إلى أحدهما لا بعينه يجوز له أن يشرب الآخر أيضاً، وأن الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه يوجب الترخيص التخيري وهو ينافي مع الواقع أيضاً، فيسقط الواقع، فيزول بسقوطه العلم الإجمالي، وحينئذٍ تكون الشبهة بدوية بالنسبة إلى الطرف الآخر، فيجري البراءة ويشرب الآخر.

ــــــــــ[46]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

كلام مع المحقّق العراقي، مع تحقيق الحال

فالآن يحاسبه المحقّق العراقي على مبناه ويقول له: بناءً على أنَّ الاضطرار إلى مخالفة أحد طرفي العلم الإجمالي لا بعينه يوجب سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزيّة، المقام من صغريات هذه الكبرى؛ لأنَّ هنا عندنا علم إجمالي إما بوجوب الفعل مع قصد القربة أو بحرمة الفعل، والمكلف مضطر إلى مخالفة أحد طرفي العلم الإجمالي لا بعينه: إمّا أن يخالف الحرمة أو يخالف الوجوب التعبدي. حينئذٍ فلماذا لا تلتزم بأنَّ هذا الاضطرار إلى أحد طرفي العلم الإجمالي لا بعينه يوجب سقوط العلم الإجمالي عن المنجزية رأساً؟! ومعنى سقوطه رأساً جواز المخالفة القطعية هنا كما جاز هناك، فكما جاز هناك شرب المائعين معاً يجوز هنا الإتيان بالفعل لا بقصد القربة.

وذكر المحقّق العراقي بعد إيراد هذا الإشكال: أنّنا نحن سليمون من هذا الإشكال؛ وذلك لأنّنا نختار في بحث الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه بقاء العلم الإجمالي على المنجّزيّة بلحاظ الطرف الآخر؛ ولذا نختار هنا المنجّزية بلحاظ الطرف الآخر المستتبع لحرمة المخالفة القطعية.

ولنا مع المحقّق العراقي كلامان: كلام على تقدير التسليم بأن هذا المورد من موارد الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه، لنرى أنَّ ما ذكره تامّ أو لا. وكلام آخر في تحقيق أنَّ المورد هل هو من موارد الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه أو لا؟

ــــــــــ[47]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

 [الكلام الأوّل مع المحقّق العراقي]

أمّا الكلام الأوّل: لو فرضنا أنَّ المورد من موارد الاضطرار إلى أحد طرفي العلم الإجمالي لا بعينه. فمقتضى مباني صاحب الكفاية -كما أفاد المحقق العراقي-، هو الالتزام بسقوط هذا العلم الإجمالي عن المنجزية رأساً، حينئذٍ تجوز المخالفة القطعية، إلَّا أنّنا نقول: إنَّ مقتضى مباني المحقّق العراقي أيضاً ذلك، بحيث إنَّ الإشكال مشترك الورود بين صاحب الكفاية والمحقّق العراقي.

توضيح ذلك: أنَّ من يقول بأنَّ العلم الإجمالي باقٍ على المنجّزيّة في موارد الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه، هنا يوجد لهؤلاء القائلين بذلك مسلكان: أحدهما: يسمّى في لسان الشيخ الأنصاري(1)والميرزا(2) بالتوسط في التكليف، والآخر يسمّى بالتوسط في التنجيز.

ومعنى التوسط في التكليف: يقول أصحاب هذا المسلك: إنَّ الترخيص التخييري بأحدهما(3)، ينافي الحرمة التعيينية الواقعية المطلقة المعلومة بالإجمالي؛ لأنَّ تلك الحرمة ببركة تعلّق العلم بها، تكون علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، بناءً على مباني العلّية في تنجيز العلم الإجمالي، والترخيص التخييري هنا ينافي مع حتمية عليتها لوجوب الموافقة القطعية. إذن، فيجب أن نحدد من تلك الحرمة 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

() انظر: فرائد الأصول 2: 246.

(2) انظر: فوائد الأصول 4: 106.

(3) الناتج من الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ونقيدها بحيث يسقط مقدار من الواقع ويبقى مقدار منه، يسقط المقدار الذي ينافي مع الترخيص الظاهري ويبقى المقدار الذي لا ينافيه، لا كما يقول الآخوند: بأن الحرمة الواقعية تسقط رأساً، أليست الحرمة الواقعية المتعلقة في علم الله بأحد المائعين بعينه، هي حرمة مطلقة سواء شرب الآخر أو لم يشرب الآخر، فمرجع الحرمة إلى إلزام تعييني بترك هذا سواء ترك ذاك أو لم يترك.

 فهذا الإلزام التعييني المطلق، لا بد من كسر تعيينه وإطلاقه لمصادمته مع الترخيص الواقعي التخييري؛ وذلك بأن يرجع هذا الإلزام إلى إلزام مشروط مثلاً إلزام بترك الحرام الواقعي مشروطاً بارتكاب الآخر. أمّا في حالة اجتناب الآخر فلا إلزام بترك هذا؛ لأنَّ هذا المؤمن لا بُدّ أن يدفع اضطراره إما بهذا أو بذاك، فإن لم يدفع بذاك يباح له هذا.

فنلتزم بسقوط إطلاق الحرمة وتبدلها إلى حرمة مشروطة أو إلزام مشروط بالترك، بإلزام الترك مشروطاً بأن يشرب المائع الآخر، فيتبدل الإلزام المطلق إلى إلزام مشروط.

ثُمَّ يقول أصحاب هذه المباني: وإن شئتم تعبيراً آخر، قلنا إنّه يتبدل الإلزام التعييني إلى إلزام تخييري، أليس كنا ملزمين بترك هذا تعييناً، فنصير ملزمين بتركه إمّا هو أو بترك بدله.

والعبارتان من حيث النتيجة واحدة لكننا نأخذ بالعبارة الأولى؛ لأنّها أوضح، فهم يقولون: بأن الحرمة تنقلب من مطلقة إلى مشروطة، والعلم الإجمالي بالحرمة المطلقة يزول أو يتبدل إلى العلم الإجمالي بالحرمة المشروطة، 

ــــــــــ[49]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ومقتضى هذا العلم الإجمالي بالحرمة الناقصة المحدودة المشروطة هو التوسط في التكليف ويتبعه التوسط في التنجيز. 

حينئذٍ مع فرض ارتكاب الآخر تكون الحرمة فعلية، ومع فرض عدم ارتكابه لا تكون فعلية، فيكون مثل هذا التكليف الناقص، مؤدياً إلى إلزام العقل باجتناب الآخر، على تفصيلات لا مجال لذكرها هنا. هذا معنى التوسط في التكليف.

وهناك من يقول بالتوسط في التنجيز كالميرزا -مثلاً- يقول: بأنَّ التكليف الواقعي يبقى على تعيينيته على إطلاقه، ولا يسقط منه شيء أصلاً؛ لأنَّ الترخيص الظاهري لا ينافي مع ثبوت الواقع على واقعه، فإنّنا قد جمعنا بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة، والعلم الإجمالي ليس علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، حتّى يحصل التنافي بين التكليف المعلوم بالإجمال التعييني المطلق وبين الترخيص الظاهري التخييري.

إذن، فالتكليف المعلوم بالإجمال يبقى على تعيينيته وإطلاقه، غاية الأمر أنّه توسط في التنجيز، يعني تبعيض في التنجيز لا تبعيض في التكليف، نبعض في منجّزيّة العلم الإجمالي، فإنّه لولا الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه لكان منجّزاً لمرتبتين: مرتبة حرمة المخالفة القطعية ومرتبة وجوب الموافقة القطعية، وبعد هذا الاضطرار سقطت المرتبة الثانية وبقيت المرتبة الأولى، فهذا مبنيان للقائلين بمنجّزيّة العلم الإجمالي يأتي تحقيقهما في محلّه. المبنى الأوّل للمحقّق العراقي والثاني للمحقّق النائيني.

ــــــــــ[50]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

نحن هنا نريد أن نقول: إنَّ من يبني على بقاء العلم الإجمالي على المنجّزيّة
-مع التزامه بالمبنى الأوّل وهو التوسط في التكليف- يلزمه أن لا يبني على منجّزيّة العلم الإجمالي في المقام؛ لأنَّ التوسط في التكليف في خصوص المقام غير معقول(1).

لأنه في مثال المائعين إذا علمنا إجمالاً بحرمة أحدهما، يمكن الالتزام بأنَّ حرمة ذلك المائع الغصبي الواقعي يسقط إطلاقها ويتبدل على حرمة مشروطة بفعل الآخر، فكأنَّ المولى يقول: إن شربت ذاك المائع حرّمت عليك هذا المائع. وهذا الأمر معقول جعله في عالم التشريع والحكم. 

وأمّا في المقام، فالتوسط في التكليف يستدعي الالتزام بأنَّ وجوب الفعل يكون مشروطاً بمخالفة الحرمة، أليس قد حصل عندنا اضطرار إلى أحد المخالفتين لا بعينه!! فالوجوب الواقعي للصلاة لا بُدّ من سقوط إطلاقه، فيصير مشروطاً بأن يخالف الحرمة، إذا خالفت الحرمة فَصَلِّ بقصد القربة. ومعنى مخالفة الحرمة هو أن يفعل فيصير الوجوب مشروطاً بالفعل، فمرجع التوسط في التكليف، حينئذٍ أنّه إن فعلت فافعل بقصد القربة، وقد مرَّ منا سابقاً: أنَّ جعل وجوب على الفعل بقصد القربة مشروطاً فرض وجود الفعل في المرتبة السابقة أمرٌ غير معقول؛ إذ مع فرض وجود الفعل في المرتبة السابقة على وجود التكليف كيف يُعقل جعل تكليف داعياً ومحركاً للإتيان بذلك 

ــــــــــ[51]ــــــــــ

() فإطلاق التكليف الواقعي غير معقول، وذلك بحسب مفروض هذا المبنى وانقلابه إلى التكليف المشروط في خصوص المقام غير معقول، (من محاضرة غد). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الفعل في المرتبة المتأخّرة(1).

وهذه هي نكتة الفرق بين المقام وبين سائر موارد الاضطرار إلى أحدهما لا محالة، فإنّه في سائر الموارد يُعقل التوسط في التكليف، وأن التكليف الواقعي يسقط إطلاقه وينقلب من المطلق إلى المقيّد، وهذا المقيّد -حينئذ- يؤثّر في التنجيز الناقص بمقدار اقتضائه مثلاً، وأمّا في المقام فانقلابه من المطلق إلى المقيّد غير معقول؛ لأنَّ تقييده معناه فرض وجود الفعل في موضوع الأمر بالفعل وهذا محال.

إذن، فلا بُدّ للمحقّق العراقي من الالتزام بسقوط التكليف رأساً لا بانقلابه من المطلق إلى المقيّد، لاستحالة المقيد في المقام. وإذا التزم بسقوط التكليف رأساً، فحينئذٍ يأتي عليه نفس الإشكال الذي أتى على صاحب الكفاية، وهو أنّه لا موجب حينئذٍ للالتزام بالتنجيز الناقص أيضاً، بل تجوز المخالفة القطعية. 

ومن هنا يكون مشترك الورود على صاحب الكفاية وعلى القسم الأوّل من القائلين بالمنجّزيّة، يعني: القائلين بالتوسط بالتكليف.

هذا هو حاصل كلامنا الأوَّل مع المحقّق العراقي.

وبعبارة ملخصة: أنَّ لنا كلامين مع المحقّق العراقي:

الكلام الأول: أن المباني في مسألة الاضطرار إلى أحد طرفي العلم الإجمالي لا بعينه ثلاثة:

ــــــــــ[52]ــــــــــ

() لأنّه يكون تحصيلاً للحاصل، (من محاضرة غد). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المبنى الأوّل: هو المبنى القائل بسقوط التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال رأساً، من ناحية الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه، بدعوى أنَّ هذا الاضطرار يولد ترخيصاً تخييرياً ظاهرياً في هذين الطرفين، وهذا الترخيص ينافي مع التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال المستتبع للمنجّزيّة يوصف بكونه معلوماً، وحينئذٍ فيسقط التكليف الواقعي ويبقى الترخيص التخييري ثابتاً.

وهذا هو ما بنى عليه صاحب الكفاية، وحيث إنّه يلتزم بسقوط التكليف الواقعي رأساً، فيقول بانحلال العلم الإجمالي وعدم موجب للتنجّز بلحاظ الطرف الآخر لغرض عدم العلم الإجمالي، فيجوز له(1) بعد أن يدفع اضطراره بأحدهما أن يرتكب الآخر أيضاً؛ لأنّها تكون شبهة بدوية بلحاظه.

المبنى الثاني: هو القائل بأن التكليف الواقعي لا يسقط رأساً، ولكن يتبعّض ويسقط حده الإطلاقي أو حده التعييني وينقلب من المطلق إلى المقيّد ومن التعيين إلى التخيير، وذلك بدعوى أنَّ الترخيص التخييري الذي ولّده الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه، لا ينافي أصل التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، وإنَّما ينافي إطلاقه، فنرفع اليد عنه بمقدار المنافاة، لا أزيد. فيصبح تكليفاً مشروطاً باقتحام الطرف الآخر.

 الحرمة(2) كانت مطلقة سواء شرب الآخر أو لا، فالآن تنقلب إلى حرمة مشروطة بشرب الآخر، أي: بالمخالفة في الطرف الآخر للعلم الإجمالي، فينقلب 

ــــــــــ[53]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّ هذا كان هو عين إشكال المحقّق العراقي على الآخوند في محاضرة أمس، فكيف أصبح الآن مبنى من مبانيه يعترف به الآخوند ابتداء، فراجع. (المُقرِّر).

(2) وهنا قال: في حدود المثال. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

العلم الإجمالي من العلم الإجمالي بحرمة مطلقة إلى العلم الإجمالي بحرمة مشروطة، ويكون أثره هو التنجيز بلحاظ الطرف الآخر، وهذا المبنى يسمّى بالتوسط في التكليف وعليه بناء المحقّق العراقي.

المبنى الثالث: هو أن يقال: إنَّ التكليف الواقعي لا يسقط لا أصله ولا إطلاقه في مرحلة الواقع، بل يبقى في عالم الواقع على حاله قبل الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه؛ لأنّه بلحاظ شخص متعلقه هو مقدور ولا موجب لسقوطه لا من ناحية الاضطرار والعجز ولا من ناحية الترخيص التخييري. أمّا من ناحية الاضطرار والعجز؛ فلأنّه لم يطرأ على شخص متعلقه بالخصوص حتّى يسقطه، وأمّا من ناحية الترخيص التخييري؛ فلأنّه بما أنّه حكم ظاهري فهو لا ينافي التكليف الواقعي لا مع ذاته ولا مع إطلاقه، ولا ينافي مع العلم الإجمالي أيضاً؛ لأنّه ليس علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية.

إذن، يُلتزم ببقاء التكليف على حاله، غاية الأمر يتبعّض تنجيز هذا التكليف، فبينما كنا قبل الاضطرار نحكم بوجوب الموافقة القطعية. هنا نبعض في التنجيز ونقول: بأنَّ الموافقة القطعية غير واجبة، ولكن المخالفة القطعية حرام، وهو يسمّى بمبنى التوسط في التنجيز، وهو مبنى المحقّق النائيني، وسيأتي تحقيقها في محلّه(1).

ــــــــــ[54]ــــــــــ

() وهنا ذكر أنّه على مبنى المحقّق العراقي يرد الإشكال ويجيب عليه في خصوص المقام أن لا يلتزم بمنجزية العلم الإجمالي كما سبق في أواخر (المحاضرة السابقة) فراجع. (المُقرِّر). [ص47 من هذا الكتاب].

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

نعم، لو بُني على المبنى الثالث. وهو التوسط في التنجيز مع بقاء التكليف على ذاته وإطلاقه، حينئذٍ لا يأتي إشكال المحقّق العراقي، فهذا الإشكال يستريح منه الميرزا لا المحقّق العراقي نفسه. هذا هو كلامنا الأوّل مع المحقّق العراقي.

[الكلام الثاني مع المحقّق العراقي]

وأمّا كلامنا الثاني: فحاصله: أنّه بالدقة محلّ الكلام ليس من موارد الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه، بل هو من موارد الاضطرار إلى أحدهما المعيّن، وإن بدا في بادئ الأمر كالأوّل.

وإن شئتم قلتم: إنَّ هنا اضطرارين طوليين أحدهما متولّد من الآخر: الاضطرار الأوّل هو الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه، وهذا الاضطرار يولّد اضطراراً آخر إلى أحدهما المعيّن.

توضيحه: أنَّ المكلّف بحسب طبعه الأوّلي وعالم التكوين، بمقتضى استحالة رفع النقيضين وجمعهما، هو مضطر إلى مخالفة أحدهما لا بعينه. وبهذه النكتة لا محيص عن الالتزام بأنَّ العلم الإجمالي لا يبقى على منجّزيّته بلحاظ وجوب الموافقة القطعية، وإنَّما يبقى عليها لو بقي بمقدار حرمة المخالفة القطعية لا أكثر.

حينئذٍ يقال: إنّه في طول هذا يتولد اضطرار إلى أحدهما لا بعينه، وذلك أنَّ المكلّف في مثل هذه الحالة لا يمكن أن يأتي بالفعل بقصد القربة، يعني لا يمكنه أن يمتثل الوجوب المحتمل في المقام، الذي هو أحد طرفي العلم الإجمالي؛ لأنَّ 

ــــــــــ[55]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

امتثاله إنَّما هو بالإتيان بالفعل بالداعي الإلهي؛ لأنَّ المفروض أنَّ الواجب تعبدي على فرض ثبوته، والداعي الإلهي يستحيل أن يكون داعياً إلى الفعل في المقام؛ لأنَّ معنى داعوية الداعي الإلهي إلى الفعل هو أن المكلّف يرجّح على الترك لأجل المولى، وفي هذا المورد يستحيل أن يرجّح المكلّف الفعل على الترك لأجل المولى؛ لأنَّ الفعل والترك في الجهات المولوية الواصلة إلى المكلّف على حدّ سواء. 

أمّا من حيث الوفاء بالأغراض الواقعية فنسبتهما إليه على حدّ سواء، بالمقدار الواصل، ولا يُتصوّر مزية للفعل على الترك بالمقدار الواصل إلى المكلف. وأمّا بمقدار حقّ المولوية الثابت بحكم العقل، فأيضاً كذلك؛ لأن غاية ما يقتضيه حقّ المولوية في المقام حرمة المخالفة القطعية، لو ثبتت. وهذه الحرمة نسبتها إلى الفعل والترك أيضاً على حدّ واحد، فإنّه كما يحصل عدم المخالفة القطعية بالفعل بقصد القربة كذلك يحصل بالترك.

فلا يوجد هناك مزية في الفعل على الترك من ناحية الجهات المولوية الواصلة، لأجل أن تكون هي الداعيّة لترجيحه الفعل على الترك لأجل المولى. إذن، فيستحيل على العبد أن يرجّح ذات الفعل على الترك لأجل المولى، وعليه يستحيل عليه إيقاع الصلاة عبادة؛ لأنَّ معنى الإتيان بالصلاة عبادة هو قصد امتثال الأمر بذات الفعل وترجيح الفعل على العدم لأجل المولى، وهنا هذا الترجيح غير معقول، بهذا البرهان.

فحينئذٍ يكون مضطراً إلى مخالفة الوجوب على تقدير ثبوته، فإنَّ معنى هذا أنّه عاجز عن امتثال الوجوب على تقدير ثبوته؛ لأنّه وإن كان قادراً على الإتيان 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

بذات الركوع والسجود، لا أن المفروض أن الوجوب على تقدير ثبوته لم يتعلق بذوات الأفعال، بل تعلّق بذات الفعل المأتي بها بداعي مولوي، والداعي المولوي يستحيل أن يدعو إلى ذات الفعل في المقام. إذن فيستحيل امتثال هذا الوجوب على تقدير ثبوته. وهذا معنى الاضطرار إلى أحدهما المعيّن. 

وحينئذٍ يلحقه حكم الاضطرار إلى أحدهما المعيّن، وهو انحلال العلم الإجمالي بلا إشكال حيث يقول: بأنَّ التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال إن كان هو الوجوب فهو ساقط جزماً؛ لأنّه تكليف بغير المقدور وإن كان هو الحرمة فهو ثابت، فيكون مردداً بين المنفي والثابت، وفي مثله يرجع إلى العلم بالعدم في طرف الوجوب والشكّ البدوي في طرف الحرمة. وحينئذٍ تجري أصالة البراءة في طرف الحرمة بلا معارض.

هذا كلّه فيما لو فرضنا أنه لم تكن هناك مزية في جانب الفعل على جانب الحرمة، وأمّا لو فرضنا أنَّ احتمال الوجوب كان فيه مزية، كما إذا كان أقوى من احتمال الحرمة، فهنا يمكن أن يُفرض الإتيان بالفعل بقصد القربة؛ لأنّه يمكن أن يُفرض أن العبد يرجّح الفعل على الترك لأجل المولى؛ لأنَّ الفعل أقرب إلى الجهات الواصلة من المولى من الترك، فهذا الإشكال الذي بينّاه إنَّما يأتي إذا فرض إذا لم يكن هناك مزية في الاحتمال أو المحتمل، ففيما إذا لم تكن مزية -كما هو مفروض الكلام الآن- يتعيّن أن يكون الاضطرار إلى أحدهما المعيّن لا إلى أحدهما لا بعينه. حينئذٍ يأتي الإشكال حتّى على مباني الميرزا، ويصبح الإشكال أدهى وأمرّ؛ لأنّهم إن اختلفوا في الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه فلم يختلف أحد منهم في الاضطرار إلى أحدهما المعيّن، بل الكلّ يجمعون في ذلك على أنَّ العلم 

ــــــــــ[57]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الإجمالي ينقلب إلى العلم بالعدم في مورد الاضطرار إلى المعيّن والشك البدوي في الطرف الآخر(1).

غاية ما يمكن أن يذبّ به عن هذا المطلب ويلتزم بمنجّزيّة العلم، أحد تقريبين أو تعبيرين عن مطلب واحد.

أحدهما أن نقول: إنّه وإن حصل الاضطرار إلى أحدهما المعيّن، ومقتضى هذا خروجه عن كونه علماً إجمالياً؛ لأنّنا نشير إلى طرف الوجوب فنقول هذا معلوم العدم، وإلى طرف الحرمة فلا ندري إنّه مجعول أو لا بنحو الشبهة البدوية فنجري البراءة، ولكن هنا يمكن أن يقال: بأنّه يتولد من هذا العلم الإجمالي علم تفصيلي بحرمة ذات الفعل المأتي به بغير قصد القربة، يعني الحصّة المجرّدة عن قصد القربة معلومة الحرمة تفصيلاً؛ لأنّه إمّا أن يكون الفعل حراماً فهو بمقام حصّصه حرام وهذه إحدى حصّصه، وإمّا أن يكون الفعل القربي واجباً، فالفعل المقيّد بعدم القربة ضد للواجب، وافرضوا أننا بنينا على أنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده الخاص، فيكون الفعل المأتي به بقصد آخر غير 

ــــــــــ[58]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: كيف يكون من الاضطرار إلى أحدهما المعيّن، مع أنَّ أمر العبد دائر بين ثلاثة أطراف لا طرفين، فإذا امتنعت الحصة القربية يبقى لديه حصتان هما الإتيان بذات الفعل بقصد آخر والترك، فلا يكون من الاضطرار إلى أحدهما المعيّن؟ 

فقال: المقصود من الاضطرار إلى أحدهما المعيّن، هو الاضطرار إلى ترك الواجب على تقدير ثبوته، يعني: أنا مضطر إلى مخالفة أحد هذين التكليفين الإلزاميين اللذين أعلم بهما إجمالاً -مضطر إلى مخالفة أحدهما- بعينه وهو الوجوب، بحيث لو فُرض أنه هو التكليف في الواقع لكان ساقطاً. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

القربة، يكون حراماً، بالحرمة الغيرية. فهذا الفعل معلوم الحرمة تفصيلاً إن حرمة نفسية أو غيرية.

وهذه الحرمة، المعلومة من حيث المورد يُشك في ثبوتها من ناحية الشكّ في القدرة على امتثال حاقّ هذه الحرمة وعدمها؛ لأنّها إن كانت نفسية فالمكلف قادر على تحقيق غرضها وذلك بترك هذا الفعل، وإن كانت غيرية ناشئة من إيجاب الفعل القربي، فالمكلف غير قادر على امتثالها؛ لأنَّ امتثال الحرمة الغيرية لا يكون إلَّا بتحصيل الأقصى الذي ترشحت منه هذه الأحكام الغيرية، والمفروض أنَّ المكلّف لا يستطيع أن يمثّل الملاك الأقصى والحقيقي.

فهذه حرمة معلومة تفصيلاً في نفسها ويشك في ثبوتها بالفعل من ناحية الشكّ في إمكان تحصيل ملاكها للعبد وعدم إمكانه. وحينئذٍ يحكم العقل بوجوب بذل الجهد في مقام امتثالها بقدر الإمكان؛ لأنَّ الشكّ في ثبوت تكليف من ناحية الشكّ في إمكان تحصيل ملاكه والقدرة عليه، هذا الشكّ ليس مؤمّناً، بل هو منجز بحكم العقل، وحينئذٍ فيدخل المقام في موارد الشكّ في القدرة لا في موارد الشبهة البدوية التي هي مجرى الأصل.

فكم فرق بين محلّ الكلام وبين موارد الاضطرار إلى المعيّن في سائر الموارد، فإنّه في سائر الموارد، إذا علمنا إجمالاً بحرمة أحد هذين المائعين واضطررنا إلى الشرب منهما خاصة، هناك نستطيع أن نشير إلى إناء بعينه، ونقول: نعلم بأنَّ هذا حرام لولا العجز، ونشك في ثبوته فعلاً من ناحية العجز، بل هناك نشير إلى الإناء الشرقي ونقول نحن عاجزون عن ترك شربه فلا حرمة فيه جزماً، 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

والإناء الغربي لا ندري أنَّ المولى حرّمه أو لا، من ناحية الشبهة الحكمية أو الموضوعية، ومن ناحية جعل المولى لا من ناحية عجزنا، فإننا عالمون بأننا قادرون عليه، لكن نشك في الجعل.

وأما في المقام فنشير إلى الحصّة اللا قربية من الفعل، ونقول: إنّها حرام على أيّ حال، لولا عجزي، أمّا بالحرمة النفسية أو الغيرية بما هي ضد الواجب، واحتمل سقوط هذه الحرمة من ناحية العجز عن تحصيل ملاكها؛ لأنّها إن كانت حرمة نفسية فهي غير ساقطة؛ لأني قادر على تحصيل ملاكها، وإن كانت غيرية فأنا غير قادر على تحصيل ملاكها، فيدخل في موارد الشكّ في القدرة الذي يحكم العقل فيه بالمنجّزيّة.

البيان الآخر: أن يقال: بأن هذا الحصّة اللا قربية، يعني هذا الداعي غير الإلهي أعلم تفصيلاً بأن هذا الداعي في داعويته ومحركيته مبعد عن الغرض المولوي؛ وذلك لأنَّ الغرض المولوي إن كان غرضاً تحريمياً فيكون هذا الداعي محركاً نحو الحرام، وإن كان غرضاً إيجابياً، فيكون هذا الداعي محركاً نحو ضد الواجب؛ لأنَّ الغرض الإيجابي متعلق بالحصة القربية، ومحركية هذا الداعي، مساوقة مع عدم حصولها.

إذن، فمحركية هذا الداعي محركية مبعدة عن غرض المولى جزماً؛ ولهذا يستقل العقل بعدم التحرك عن هذا الداعي الذي يعلم بمبعديته عن غرض المولى. 

إلَّا أنَّ كلاً من هذين التقريبين لا يخلو عن إشكال.

ــــــــــ[60]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

قلنا في كلامنا الثاني مع المحقّق العراقي أنَّ هذا الفرض يرجع بالدقة إلى موارد الاضطرار إلى أحدهما بعينه، يعني إلى مخالفة أحد طرفي العلم الإجمالي، بالبرهان المتقدّم.

ولا ينفع في حلّ هذه العويصة العجيبة أن يُفتش عن تمركز آثار الوجوب والحرمة في مركز واحد، كأنّه يبدو أنّه مركز لعلم تفصيلي للتكليف وشكّ في ثبوته من ناحية القدرة، كما ذكرنا في التقريبين، فإن كلاهما كان يرجع إلى محاولة أن تتمركز آثار الوجوب والحرمة في مركز واحد، بحيث يبدو أنَّ هذا المركز كأنّه معلوم التكليف علماً تفصيلياً ويتمحض الشكّ في الشكّ في القدرة لكي يكون الاحتمال منجّزاً، فيشار مثلاً إلى الحصّة غير القربية من العدم، فيقال: بأنَّ هذه الحصّة حرام إمّا بالحرمة النفسية أو الغيرية. مثل هذا لا ينفع في المقام؛ لأنَّ هذا جمع في العبارة أو يرجع بحسب الحقيقة، إلى دعوى ثبوت أحد غرضين مولويين أحدهما ساقط عن الفاعلية والتأثير باعتبار الجزم بالعجز عن تحصيله على تقدير ثبوته، والآخر مشكوك الثبوت ابتداءً، فيكون مجرى للأصول المؤمّنة.

فالإشكال يبقى على حاله، ويؤدي إلى الالتزام أنّه فيما إذا علم إجمالاً بالوجوب التعبدي للفعل أو الحرمة، أنّه يجوز المخالفة القطعية والإتيان بالفعل بلا قصد القربة.

ذكر نكتة تساعد على حل المسألة

إلَّا أنّه إذا كان لهذه العويصة حلّ فليكن حلها فقهياً لا أصولياً، بتوسيع نطاق قصد القربة، بحيث يتدارك به المطلب هنا لو ساعد عليه.

ــــــــــ[61]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

توضيحه: أنّه ممّا ينبغي الفراغ عنه في الفقه أنَّ قصد القربة المعتبر في باب العبادة لم يُعتبر بوجوده المؤثر فعلاً، بل اعتبر بوجوده الصالح للتأثير بالفعل، ولو لم يكن مؤثراً بالفعل، وتظهر الثمرة فيما لو فُرض أنَّ إنساناً كان له داعٍ إلهي لأن يُطعم الفقير، وكان له أيضاً داعٍ دنيوي لإطعامه. وكل من الداعيين داعٍ تامّ صالح للداعوية والتأثير بحيث لو انفرد وحده لأثّر أثره، لكن حيث إنّهما اجتمعا فلا محالة لا يستقل كلّ واحد منهما بالتأثير، بل يكون مجموعهما مؤثراً.

 في مثل هذا يقع إطعام الفقير عبادة وقربة إلى الله تعالى؛ إذ يكفي في قربية العمل وجود داعٍ موجود بالفعل صالح للمؤثرية في حدّ ذاته بحيث لو خُلّي ونفسه لكان مؤثراً تأثيراً تامّاً، هذا ممّا لا إشكال فيه.

وبعد أن نفرغ عن هذه المرحلة. يُقال: بأنَّ هذا الداعي الموجود بالفعل الصالح للتأثير في نفسه يُتصوّر على ثلاثة أنحاء:

تارةً يُفرض أن هذا داعٍ غير مبتلى بالمزاحم والمعارض أصلاً، وأخرى أنّه مبتلى بداعٍ آخر دنيوي يزاحمه، كما لو كان هناك داعٍ إلهي لإطعام الفقير، وهناك داعٍ دنيوي في صرف هذا المال في مصرف آخر، وثالثة يزاحم الداعي الإلهي بداعٍ إلهي آخر مثله، كما لو كان داعٍ إلهي لإطعام الفقير وهو صالح للتأثير في نفسه، لكن يوجد هناك داعٍ إلهي آخر هو صرفه في معالجة مريض مثلاً، وهو أيضاً صالح في نفسه للتأثير، فيتزاحمان.

فهذه صور ثلاثة للداعي التامّ الداعوية في حدّ ذاته.

أمّا في الفرض الأوّل وهو فرض عدم الابتلاء بالمزاحم أصلاً، فلا إشكال 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

بمصحّحيته لعبادية العمل وقربيته سواء انفرد بالداعوية أو انضم إليه داعٍ آخر مماثل؛ لما قلنا من أنّه لا يشترط في قربية الداعي كونه مؤثراً بالفعل على وجه الاستقلال، وإنَّما المناط صلاحيته للاستقلال.

كما أنّه في الفرض الثاني لا إشكال في عدم القربية، لو كان للشخص داعٍ إلهي بأن يطعم هذا الفقير إلَّا أنه ابتلى بمزاحم مماثل له، وهو صرف هذا المال في مصرف دنيوي، فهذان داعيان متزاحمان متساويان، ثُمَّ هذا المكلّف رجح إعطاء هذا للفقير على ذلك الداعي الآخر، لا بقوة هذا الداعي، بل بمرجح دنيوي خارجي: لعلّ هذا الفقير إذا أطعمته يخدمني مثلاً.

 هنا لا إشكال في أنَّ العمل لا يكون قربياً؛ باعتبار أنَّ الداعي هنا لم يكن صالحاً للمؤثرية والحركية؛ لأنَّ الداعي الإلهي كان مبتلى بالمزاحم المماثل، وهذه المحركية لم تكن نتيجة للداعي الإلهي، بل نتيجة للمرجح الزائد الدنيوي بحسب طبيعته.

وأما في الشقّ الثالث: لو فرضنا أنَّ الأمر بإطعام الفقير كان داعياً ومحرك تامّ في نفسه لأن أصرف هذا المال في الإطعام، وكان هناك أمر آخر معالجة مريض، وكان هذا في نفسه داعياً محركاً نحو معالجة هذا المريض وصالح للمحركية الاستقلالية في حدّ نفسه. وتزاحما ثُمَّ رجحت إطعام الفقير على شفاء المريض بمرجح دنيوي؛ لأنّه أحب إلي من المريض مثلاً، فأنا ما دمت أصرف هذا الدرهم فلماذا لا أصرفه بشكل أكسب به مصلحة زائدة أيضاً.

هنا هل يقال: إنَّ هذا ملحق بالثاني ديناً، باعتبار أنَّ الداعي الإلهي لم يكن 

ــــــــــ[63]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

كافياً بالفعل للمحركية نحو إطعام الفقير؛ لأنّه لو قصر النظر عليه فهو مبتلى بمزاحم مماثل له في القوة، والمبتلى بالمزاحم المماثل يستحيل محركيته؟ أو أنَّ هذا يلحق بالأوّل، ويقال: بأنّه يقع عبادياً؛ لأنَّ هذا الداعي وهو إطعام الفقير وجد بالنسبة إليه داعٍ إلهي صالح للاستقلال بالداعوية لولا المزاحم، والذي أخرجه عن هذه الصلاحية هو مزاحمه الداعي الإلهي الآخر، وحيث أن ذاك إلهي بطبعه فلا يؤثّر مثل هذا الإضعاف في خروج مثل هذا الداعي عن كونه قربياً؟

ففرق بين الشقّ الثاني والثالث، فإنّه في الثاني، كان الذي أضعف الداعي الإلهي وأخرجه عن الصلاحية للمحركية الفعلية هو داعٍ دنيوي مزاحم له؛ ومن هنا لا يكون هذا الداعي بعد إضعافه ملبساً للعمل ثوب القربية والعبادية، وأمّا إذا كانت جهة ضعفه نشأت أيضاً من داعٍ إلهي آخر مزاحم فقد يقال: إنَّ مثل هذا الضعف لا يمنع عن إلباس العمل ثوب العبادية والقربية. 

بناءً على هذا البحث الفقهي حينئذٍ يقال في المقام: إنّه عندي داعيان مولويان:

 أحدهما: الأمر بوجوده الاحتمالي.

والآخر: الحرمة بوجودها الاحتمالي.

وكلّ من هذين الداعيين نفرضه في نفسه داعٍ تامّ الداعوية بحيث يكون منشأ لمحبوبية إقدام المكلّف على طبقه لأجل تحصيل أغراض المولى. إذن، فالداعي المولوي موجود بالنسبة إلى كلّ من الفعل والترك بحيث لو كان للمكلف الجميع بين النقيضين لجمع بينهما لأجل تحصيل غرض المولى.

ــــــــــ[64]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

غاية الأمر انّه غير قادر على ذلك، فتقع المزاحمة ما بين هذين الداعيين الإلهيين، فإن لم يكن هناك مرجّح زائد دنيوي للفعل على الترك فسوف يصدر الترك حتماً من المكلف، فإنّه يكفي في صدور الترك عدم وجود المرجح للفعل. 

وأمّا صدور الفعل منه فإنَّما يكون عادة فيما إذا وجد مرجّح آخر دنيوي يدعوه إلى الفعل، فلو وجد هذا الداعي الآخر الدنيوي الذي يدعوه إلى الفعل، وصدر منه الفعل بحسب الخارج، فهذا الذي صدر منه هو فعل كان يوجد داعٍ إلهي وحب لأجل المولى يدعو إليه، غايته أنّه لم يؤثّر في الداعوية لأجل ابتلائه بالمزاحم وهو الداعي الإلهي الآخر، فيدخل هذا في الصورة الثالثة، فإذا فرضنا كفاية هذا في القربية وإلباس العمل ثوب العبادية. حينئذٍ ينحل الإشكال.

 وأمّا إذا لم يكفِ هذا في القربية والعبادية فالإشكال ثابت لا محيص. ولا بد حينئذٍ من الالتزام بعدم منجّزيّة هذا العلم الإجمالي ما لم يكن هناك ميزة في جانب احتمال الوجوب، إمّا في الاحتمال أو المحتمل.

فإنا ذكرنا فيما سبق أنّه إذا كانت هناك ميزة إمّا في الاحتمال أو المحتمل فالقدرة موجودة على الإتيان بالعمل بقصد القربة وحينئذٍ ينجّز العلم الإجمالي بمقدار حرمة المخالفة القطعية، وإذا لم يكن مزية يسقط عن المنجّزيّة إلَّا على توسعة المدّعى في البحث الفقهي.

ثُمَّ إن هذا العلم الإجمالي الذي فرضنا أحد طرفيه عبادياً وفرضنا أنَّ هناك مزية للجانب العبادي إمّا في الاحتمال أو المحتمل، أليس التزمنا بمنجّزيته بمقدار المخالفة القطعية؛ لأنَّ العلم الإجمالي يدخل حينئذٍ في موارد الاضطرار 

ــــــــــ[65]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

إلى أحدهما لا بعينه. والصحيح في هذه الموارد هو التبعيض في التنجيز والتوسط فيه، أي: ارتفاع وجوب الموافقة القطعية وبقاء حرمة المخالفة القطعية.

وحينئذٍ يقع الكلام في أن المكلّف الملزم في لا يخالف مخالفة قطعية، وأن يوافق موافقة احتمالية، هل يجب عليه التحفظ على الطرف ذي المزية أو لا؟ وهو مخير في مقام الاقتحام بين الطرف ذي المزية وغيره.

وبتعبير آخر: بعد أن صار المورد من موارد الاضطرار إلى مخالفة أحد طرفي العلم الإجمالي لا بعينه، فهل مثل هذا الاضطرار يولّد ترخيصاً تخييرياً في مخالفة كلّ من الطرفين، أو أنَّ الترخيص يُطبّق على الطرف غير ذي المزية، ولا يُطبّق على ذي المزية؟

بحث، مرّ تحقيقه في مباحث دليل الانسداد، وخلاصته ما ينبغي أن يقال هنا، ويحوّل الباقي على هناك: أنَّ مرجع هذا الترخيص يكون إلى دوران الأمر ما بين الترخيص التخييري، أو الترخيص التعييني؛ لأنّنا لا نحتمل تعيّن الترخيص في ذي المزية أنَّ المولى يُرخّص فيه ويمنع عن الآخر. إذن، فغير ذي المزية معلوم الترخيص على كلّ حال، وفي حالة التحفظ على ذي المزية يعلم أنّه مرخّص بالآخر إمّا ترخيصاً تعيينياً أو تخييرياً، فنرفع اليد بذلك عن قاعدة منجّزيّة الاحتمال أو منجّزيّة العلم الإجمالي.

وأمّا بالنسبة إلى ذي المزية فلم يثبت الترخيص، وحيث إنَّ المفروض أنَّ الاحتمال في نفسه منجّز والعلم الإجمالي منجّز، وإنَّما خرجنا عن منجزيته 

ــــــــــ[66]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

باعتبار الترخيص ولم يثبت، فنعمل على قاعدة منجّزيّة الاحتمال أو منجّزيّة العلم الإجمالي، وتفصيل المطلب وإشكالاته في بحث الانسداد(1).

هذا هو تمام الكلام في المقام الثاني، وهو ما إذا كان العلم الإجمالي دائراً أمره بين المحذورين، وكانت الواقعة واحدة وكان أحدهما تعبدياً.

المقام الثالث: فيما إذا كانت الوقائع متعدّدة، كما إذا علم إجمالاً بحرمة فعل أو بوجوبه في عدة أيام بحيث يمكن الإتيان به في يوم السبت وفي يوم الأحد وفي يوم الاثنين، أعمّ من أن تكون عبادية أو غير عبادية.

*****

وبعبارة أخرى(2): أنّه تارةً يُفرض في الجانب التعبدي مزية إمّا في الاحتمال أو المحتمل، أو لا يكون فيه مزية. 

فيما إذا كان للطرف العبادي مزيّة

فإن فرضنا أنَّ في الطرف التعبدي المحتمل الثبوت مزية، فيكون العلم الإجمالي من موارد الاضطرار إلى أحد طرفي العلم الإجمالي لا بعينه؛ لأنَّ المكلّف قادر على امتثال الوجوب والحرمة كلّ في نفسه، قادر على امتثال الحرمة بأن يترك وعلى امتثال الوجوب بأن يفعل بقصد القربة؛ لأنا فرضنا الفعل ذا مزية 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: هذا إذا فرضت المزية في العبادة وأمّا إذا فرضت في الآخر، فالعلم الإجمالي غير منجّز في نفسه إلَّا على تلك التوسعة الفقهية. (المُقرِّر).

(2) ألخّص في هذه المحاضرة ما كان قاله بالأمس بعرض جديد ونكات زائدة فلا بأس من إثباتها كلها: قال بعد عنوان المسألة: وبعبارة أخرى… (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

في الاحتمال أو المحتمل، فمن المعقول للجهات المولوية أن ترجّح الفعل على الترك. إذن، فكلا التكليفين المحتملين مقدور الامتثال في نفسه. غاية الأمر أنَّ الجمع بين الامتثالين غير ممكن، وفي مثله يكون العلم الإجمالي منجّزاً بمقدار حرمة المخالفة القطعية، فلا يجوز له تركهما معاً.

أمّا وجوب الموافقة القطعية فلا يكون ثابتاً وذلك للاضطرار إلى تركها، وهذا الاضطرار يولّد بملاكه ترخيصاً باقتحام أحدهما.

 وقد بينّا أنَّ هذا الترخيص الاضطراري في اقتحام أحدهما في المقام هل هو ترخيص تخييري بحيث إنَّ نسبته إلى ذي المزية والآخر على حدّ واحد، أو أنّه يختصّ بخصوص غير ذي المزية؟

وبتعبير آخر: بعد أن وجب على المكلّف مراعاة التكليف بالإجمال في الجملة، وحرم عليه مخالفته القطعية، وحينئذٍ فهل هو مخيّر في تطبيق المراعاة اللازمة عقلاً على أيّ من الطرفين، أو مخيّر بتطبيقها على خصوص ذي المزية، وهو الواجب التعبدي؟

قلنا: إنَّ الصحيح هو لزوم تطبيق المراعاة على ذي المزية وذلك بأن يفعل.

والنكتة فيه هو: أنَّ العلم الإجمالي منجّز كما بيّنا لحرمة المخالفة القطعية. وتنجيزه لذلك يستوجب التعارض بين الأصول الظاهرية المؤمّنة الجارية في الطرفين -الوجوب والحرمة- عقلاً أو شرعاً.

 وبعد سقوط الأصول بالتعارض يكون احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على كلّ طرف في نفسه منجّزاً؛ ومقتضى ذلك لزوم مراعاة الاحتمال في كلا 

ــــــــــ[68]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الطرفين، وأن نرفع اليد عن قانون منجّزيّة هذه الأطراف بمقدار الترخيص الناشئ من ملاك الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه. وهذا الترخيص أمره دائر بين أن يكون ترخيصياً أو تعينياً في خصوص غير ذي المزية، ولا نحتمل أن يكون ترخيصاً تعيينياً في ذي المزية بالخصوص.

 ويتحصل من ذلك تيقّن الترخيص في غير ذي المزية في حالة التحفّظ على ذي المزية، ولا يعلم بالترخيص أزيد من هذا المقدار.

ومع عدم العلم بالترخيص الزائد يجب إعمال قوانين منجّزيّة العلم الإجمالي، فيكون الطرف الآخر منجّزاً. 

وعلى هذا الأساس لا ينبغي أن يقاس ذي المزية هنا بذي المزية في الجهة الأولى، فيما إذا كان كلا التكليفين توصلياً، وكان أحدهما ذا مزية في المحتمل، حيث قلنا: إنَّ هذه المزية لا توجب تنجّزاً ولا تعيّن ذي المزية بناءً على قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) وعدم منجّزيّة الاحتمال؛ لأنَّ تعيّنه هناك ليس له منشأ إلَّا من ناحية العلم الإجمالي، وهذا العلم في الجهة الأولى ليس منجزاً أصلاً؛ لأنَّ تنجيزه بتمام المراتب غير معقول، لا بمرتبة حرمة المخالفة القطعية ولا وجوب الموافقة القطعية، فيستحيل أن يكون مؤثراً في لزوم التحفظ على أحد الطرفين دون الآخر.

وأمّا في هذا المقام فالعلم الإجمالي منجّز لحرمة المخالفة القطعية وموجب لتساقط الأصول في الأطراف، والتأمين إنَّما ينشأ من ناحية الترخيص الاضطراري، فيقتصر فيه على القدر المتيقّن. 

وبتعبير آخر: أنَّ المقتضي هنا للتحفّظ على ذي المزية موجود والمانع مفقود. 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

أمّا المقتضي فهو منجّزيّة العلم الإجمالي المستتبعة لتنجّز سائر الأطراف، وأمّا المانع فليس هناك مانع بعد تساقط الأصول إلَّا الترخيص بملاك الاضطرار، والقدر المتيقن من هذا الترخيص، هو الترخيص في ذي المزية.

 وأمّا في ذلك المقام فالمقتضي لم يكن موجود للزوم التحفّظ على ذي المزية؛ لأنَّ العلم الإجمالي ليس منجزاً لأجل أن تتنجّز أطرافه. هذا هو الفرق بين المقامين.

هذا كلّه فيما إذا كان الطرف العبادي ذي مزية في الاحتمال أو المحتمل. 

وأمّا إذا لم يكن للعبادي مزية على الآخر، لا في الاحتمال ولا في المحتمل، فهنا قلنا: بأن مقتضى البرهان، أنَّ الاضطرار هنا ليس اضطراراً إلى أحدهما لا بعينه، بل هو اضطرار إلى أحدهما المعيّن وهو الاضطرار إلى ترك الواجب المحتمل بخصوصه، فإنّه يستحيل صدوره من المكلف(1)

إذن، فيكون مضطراً إلى ترك محتمل الوجوب، وعليه فيدخل في كبرى الاضطرار إلى أحدهما المعيّن، فينحل العلم الإجمالي؛ لأنّه يقول هكذا: لو كان التكليف المعلوم بالإجمال هو الوجوب، فهو ساقط عنّي لعدم القدرة، وإذا كان هو الحرمة فهو ثابت، فيرجع إلى الشكّ البدوي حينئذٍ.

وهذا هو ما سمّيناه بالعويصة، وإنَّما سمّيناه بذلك؛ لأنَّ الإشكال برهاني 

ــــــــــ[70]ــــــــــ

() ثُمَّ ذكر البرهان ومختصره استحالة الإتيان بالعبادة لأجل المولى مع استواء الجهات الواصلة بالنسبة إلى الفعل والترك، راجع التفصيل (ص61-62) من هذا الدفتر. (المُقرِّر). [ص54 من هذا الكتاب].

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

لا محيص عن برهانيته؛ ولأن النتيجة لا يمكن الالتزام بها بحسب الخارج، يصعب على الإنسان أن يلتزم بجواز المخالفة القطعية لمثل هذا العلم الإجمالي، فإن مثل هذا بعيد عن الذهن المتشرعي الخارجي(1)

وليس هناك حل أصولي لهذه العويصة، فإن كان هناك حل فهو الحل الفقهي، وذلك بتوسعة دائرة قصد القربة والداعي المولوي، الذي هو مناط إلباس العمل ثوب العبادية، توسعته بنحو يصبح تحت القدرة في محلّ الكلام.

إعادة للنكتة السابقة

توضيح ذلك: ونعيده لأجل بعض التفصيلات والنكات: أنّه بعد الفراغ عن أنَّ الداعي القربي يكفي في كونه داعياً إلهياً وفي إلباس العمل ثوب العبادة، يكفي صلاحيته للاستقلال بالمحركية. بعد هذا يُقال: بأنَّ الداعي الصالح في حدّ ذاته والتأثير يولّد المزاحم، يتصوّر على ثلاث صور:

 الصورة الأولى: أن لا يبتلي بالمزاحم أصلاً، كداعي إطعام الفقير الذي ليس له مزاحم أصلاً في مثله لا إشكال أنَّ الإطعام يصدر منه عبادة، ببركة مثل هذا الداعي الصالح للاستقلال بالمؤثرية غير المبتلى بالمزاحم.

الصورة الثانية: أن نفرض أنَّ هذا الداعي الصالح بحدّ ذاته، لولا المزاحم، للاستقلال بالمؤثرية. ابتلي بداعٍ آخر مزاحم له دنيوي. وهذه الصورة تنقسم إلى قسمين:

ــــــــــ[71]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً عن سؤال: إن هذا البعد ليس له حجّية، ولكنه يوجب انتزاع عنوان العويصة لهذا البرهان. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

 [القسم الأول:] لأنّه تارةً نفرض أنَّ مركز الداعي الإلهي مع مركز الداعي الدنيوي المزاحم له، من قبيل الضدين اللذين لهما ثالث، كما لو كان الداعي الإلهي يدعوه إلى إعطاء الدينار للفقير، وهناك داعٍ دنيوي لأن يشتري بالدينار كتاب العقد الفريد مثلاً.

 فهذان مصرفان متضادان لهذا الدينار، إلَّا أنَّ لهما ضد ثالث، وهو أن يسافر بالدينار إلى الحلة.

القسم الثاني: أن يفرض أن مركزي الداعيين المتزاحمين من قبيل النقيضين، أي: أنّه ليس لهما ثالث، كما لو فُرض أنّه كان له داعٍ لإطعام الفقير وكان له داعٍ آخر دنيوي إلى إبقاء الدينار عنده وصرفه عن هذا الفقير، يعني الجامع بين التصرفات الأخرى. فهذا من الضدين واللذين ليس لهما ثالث.

أمّا في القسم الأوَّل: وهو ما إذا كان من قبيل الضدين اللذين لهما ثالث، أحدهما صرف الدينار في إطعام الفقير والآخر صرفه في شراء العقد الفريد، والداعي الإلهي يدعو إلى الأوَّل ويزاحمه داعٍ دنيوي يدعو إلى الثاني.

هنا يمكن أن نقول: بأنَّ الداعي الإلهي الذي يدعو إلى إطعام الفقير هذا الدينار، هو بحسب الحقيقة يدعو إلى تمام سد أبواب عدم الإطعام؛ لأن عدم الإطعام يتحصّص بحصّص عديدة، منها صرف الدينار في شراء العقد الفريد، ومنها صرفه في شراء العنب أو السفر إلى الحلة.. إلى سائر الأضداد الأخرى. والداعي الإلهي يدعو إلى سد تمام أبواب هذا العموم، ومن جملتها عدم الإطعام المساوق لشراء كتاب العقد الفريد.

ــــــــــ[72]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

هنا قد يقال: إنَّ الداعي الدنيوي لشراء العقد الفريد لا يزاحم مع اقتضاء الداعي الإلهي في سد سائر أبواب العدم الأخرى، وإنَّما يزاحمه في سد هذه الباب من أبواب العدم بالخصوص، وهي عدم الإطعام المساوق لشراء العقد الفريد، فهذه الحصّة من العدم يدعو الداعي الإلهي إلى سدها والداعي الدنيوي إلى فتحها، فالمزاحمة بحسب الحقيقة تقع بين الداعي الدنيوي وبين أحد اقتضاءات الداعي الإلهي. وأمّا اقتضاءاته الأخرى لسد أبواب العدم من النواحي الأخرى، فلا يزاحم هذا الداعي الدنيوي.

ولكن مثل هذا التصوّر غير صحيح إلى الآخر، وإن كان صحيحاً بحسب الصورة؛ وذلك لأنَّ اقتضاءات الداعي الإلهي لسد أبواب العدم اقتضاءات ضمنية ارتباطية لا استقلالية، فإنَّ الداعي الإلهي الذي يدعو إلى الإطعام إنَّما يقتضي سد أبواب عدمه، باعتبار كونه محركاً نحو الوجود. فهي اقتضاءات ضمنية مترابطة، فالتزاحم مع أيّ واحد منها يسري لا محالة إلى سائر الاقتضاءات الأخرى، فالداعي الدنيوي المزاحم مع اقتضاء الداعي الإلهي لسد باب العدم من ناحيته، هو يزاحم تمام اقتضاء الأدلّة الأخرى أيضاً، لأنها مترابطة في مقام الفاعلية والمؤثرية بحسب الخارج.

فمصب المزاحمة الابتدائي وإن كان هو سد ذلك الباب من العدم لكن بقانون الترابط بين الاقتضاءات يسري التزاحم لا محالة إلى سائر الاقتضاءات الأخرى.

وفي مثل ذلك إذا وجد مثل ذلك الداعي الإلهي والداعي الدنيوي. هاتان 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الإرادتان، يعني الداعي إلى الإطعام والداعي إلى شراء الكتاب يتولد منهما داعٍ إلى الجامع ما بين إطعام الفقير وشراء العقد الفريد، فإن هذا الجامع يوجد عليه داعٍ متحصِّل من قبل كلا الداعيين، وهذا الداعي غير مبتلى بالمزاحم بمقدار الجامع.

 وهذا الداعي هو حصيلة كِلا هذين الداعيين، يعني: كلّاً منهما مؤثر ودخيل في تكوينه، وكلّاً منهما صالح للاستقلال بالمحركيّة نحو هذا الجامع؛ لأنّه بالنسبة إلى الجامع لا مزاحم.

تبقى في المقام الخصوصية، وتطبيق هذا الجامع على محبوب المولى وهو إطعام الفقير، هذا التطبيق وهو إيجاد الجامع في ضمن الإطعام، لا يمكن أن يكون لأجل الداعي الإلهي مع فرض التساوي بين الداعي الإلهي والداعي الدنيوي. إذن، فنحتاج إلى داعٍ دنيوي آخر ينضم إلى الداعي الإلهي الذي يدعو إلى الإطعام حتّى يدعو المكلّف إلى تطبيق الجامع على خصوص إطعام الفقير دون كتاب العقد الفريد. 

كما لو كان يأمل أنَّ هذا الفقير يخدمه أو يكرمه؛ هنا إذا أردنا أن نحسب حساب هذا الداعي الإلهي نرى أنّه ماذا أثّر؟ نرى أنّه اشترك في تكوين الداعي نحو الجامع؛ لأنَّ الداعي إلى الجامع كان حصيلة كلا الداعيين، ونرى أنّه أثر تأثيراً ضمنياً في إيجاد متعلقه وهو إطعام الفقير؛ لأنَّ المكلّف إنَّما عزم على تقديم الإطعام على شراء العقد الفريد، من ناحية أنّه هنا اجتمع داعيان: إلهي ودنيوي، وهناك يوجد داعٍ واحد دنيوي، ومجموع هذين الداعيين صارا أقوى من ذلك الداعي الواحد.

ــــــــــ[74]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

 إذن، فقد اشترك الداعي الإلهي في إيجاد الفرد، لكنه لم يكن صالحاً في الاستقلال في إيجاده؛ لأنّه لو عزل عن داعي الطمع الذي انضم إليه لكان مبتلى بالمزاحم المساوي ويستحيل أن يكون مستقلاً، فهو جزء العلّة لإيجاد الفرد وغير صالح للاستقلال بإيجاده، ولكنه مؤثر في إيجاد الجامع وصالح للاستقلال في إيجاده.

فهنا لو أطعم المكلّف الفقير، لا يتصف لا إطعام الفقير بشخصيته، بأنّه عبادة، ولا الجامع المحفوظ في ضمنه يتصف بأنه عبادة. أمّا أنّه بشخصيته لا يتصف بأنه عبادة؛ لأنّه بشخصيته لم يكن الداعي الإلهي صالحاً للاستقلال بإيجاده، بل هو مع داعي الطمع صارا علّة كافية لإيجاده، وقد فرغنا في الفقه، أنَّ من شرط قصد القربة أن يكون صالحاً للاستقلال في المؤثرية وهذا غير صالح لذلك، فما لم نضمّ الدنيا إلى الله لم يطعم هذا الشخص الفقير، أو معناه أنه عمل للدنيا؛ لأنَّ النتيجة تتبع أخس المقدمتين. فالنسبة إلى خصوصية العمل ليس عبادياً.

وكذلك الجامع المحفوظ في ضمنه؛ لأنَّ هذا الجامع أتى به بداعٍ متحصل من كلا الداعيين، وهذا الداعيان أحدهما إلهي والآخر غير إلهي. والداعي المتحصّل من مثل هذين الداعيين لا يكونا إلهيين.

وإن شئتم قلتم: إنَّ الجامع ليس مأموراً به، وليس ممّا يمكن إضافته إلى المولى؛ لأنَّ الجامع ما بين إطعام الفقير وشراء العقد الفريد ليس من المستحبات الشرعية حتّى يقع عبادة، فالجامع غير صالح للداعي الإلهي وما هو صالح 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

للداعي الإلهي وهو إطعام الفقير، لم يكن الداعي الإلهي صالحاً في مقام إيجاده. إذن، فلا يقع هذا منه عبادة بحسب الخارج.

القسم الثاني من هذه الصورة: ما إذا فُرض التزاحم بين الداعي الإلهي والداعي الدنيوي مع فرض كون الضدين من قبيل النقيضين اللذين ليس لهما ثالث. كلّ ما قلناه في القسم الأوَّل يأتي هنا، إلَّا من حيث إنّه يتحصل من مجموع هذين الداعيين داعٍ إلى الجامع، فإنّه هنا غير معقول؛ لأنَّ الجامع بين الفعل والترك اضطراري الحصول بحسب الخارج، وليس فعلاً اختيارياً حتّى يتصوّر له داعٍ منتزع من قبل هذين الداعيين، فإنَّ الداعي إنَّما يكون في الفعل الاختياري.

بل يقال حينئذٍ: إنّه إن وجد هناك مرجّح لطرف الفعل على الترك أوجد المـطلق للفـعل، ولا يـقع عبادة حينئـذٍ؛ لعدم صلاحية الـداعي الإلـهي للاستقلال(1).

 وإن لم يوجد مرجّح وقع الترك لا محالة؛ لأن الترك يكفي في علته عدم العلة للفعل. هذا هو حال الصورة الثانية بكلا قسميها. فما يقع بحسب الخارج لا يوصف بالعبادية.

الصورة الثالثة: أن يفرض الداعي الصالح للاستقلال بالمؤثرية لولا المزاحم، ابتلي بمزاحم، لكن إلهي لا دنيوي، كما لو ابتلى إطعام الفقير بمزاحم إلهي وهو صرف هذا الدينار بمعالجة مريض آخر مثلاً.

ــــــــــ[76]ــــــــــ

() إلَّا إذا كان الداعي المنضمّ إلهياً أيضاً لا دنيوياً فيقع عبادة لا محالة. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

هنا أيضاً تارةً: نفرض أنهما من الضدين اللذين لهما ثالث، وأخرى: نفرض أنهما من الضدين اللذين ليس لهما ثالث، كالنقيضين وما بحكمهما.

أمّا القسم الأوَّل وهو أن يكونا من الضدين اللذين لهما ثالث، من قبيل مثال الإطعام والمعالجة ولهما ثالث وهو شراء كتاب العقد الفريد بهذا الدينار، في مثل ذلك تقع المزاحمة ما بين هذين الداعيين الإلهيين ويجري نفس ما قلناه في الصورة السابقة، من حيث إنّه يتحصل من مجموع هذين الداعيين الإلهيين داعٍ إلى الجامع ما بين مشافاة المريض وبين إطعام الفقير. وهذا لداعي المتحصّل نحو الجامع داعٍ صالح للاستقلال بالمؤثرية وليس له مزاحم بمقدار حدّ الجامع، وأمّا تطبيق هذا الجامع على إطعام الفقير دون مشافاة المريض، فهذا لا يمكن أن يكون بداعوية نفس الداعي الذي يدعو إلى إطعام الفقير، بل لا بُدّ من فرض مرجّح في المقام، بعد فرض استحالة الترجيح بلا مرجح. وهذا المرجح أفرضوه دنيوياً، كالمطيع بإكرامه أو خدمته حينئذٍ طبّق الجامع على إطعام الفقير.

هنا، الجامع الموجود في ضمن إطعام الفقير يصدر منه عبادة بلا إشكال؛ لأنَّ الجامع ما بين المحبوبين محبوب وقابل للإضافة إلى المولى، والداعي المتحصّل من الداعيين الإلهيين داعٍ إلهي وقابل لأن يتقرب به إلى المولى. إذن، فيقع الجامع عبادة بلا إشكال.

وأمّا خصوصية إطعام الفقير، فهل تقع عبادة؟ هنا الداعي الإلهي لم يكن صالحاً للاستقلال بإيجادها؛ لأنّه كان مزاحماً، وإنَّما أوجده بضم داعٍ دنيوي آخر 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

إليه، فهو لا يصلح للاستقلال. هنا الذي أخرجه عن الصلاحية للاستقلال ليس هو قصور اقتضائه الذاتي، بل هو مزاحمته مع داعٍ آخر هو أيضاً إلهي وهو داعي مشافاة المريض بحيث لولاه لكان هذا صالحاً للاستقلال بالمحركية نحو الإطعام.

ومثل هذا الخروج عن الصلاحية للاستقلال الناشئ من المزاحمة لا مع داعٍ دنيوي كما في الصورة السابقة، بل مع داعٍ إلهي مماثل، لا يضر بعبادية العمل الناشئ. إذن، فإطعام الفقير بخصوصيته أيضاً يكون عبادة، كالجامع، فإن هذا التأثير الضمني في قوة التأثير الاستقلالي؛ لأنّه إنَّما خرج عن الاستقلالية لعارض مزاحمته مع عارض آخر. هذا إذا كان لهما ضد.

وأمّا إذا لم يكن لهما ضد حينئذٍ لا معنى لأن يتحصل من الداعيين داعٍ إلى الجامع ما بين الفعل والترك؛ لأنّه ليس فعلاً اختيارياً حتّى يكون له داعٍ، فنبقى نحن وهذان الداعيان الإلهيان المتزاحمان المحركان نحو خصوصيتي الفعل والترك.

حينئذٍ، هنا إن فُرض أنّه وجد مرجّح دنيوي للفعل على الترك فيفعل وإلَّا فيترك؛ لأنَّ الترك يكفي فيه عدم المرجح للفعل، فإن وجد مرجّح للفعل وفعل فهل يتصف بالقربية أو لا؟

 بناءً على ما ذكرناه في القسم السابق من أنَّ خصوصية الإطعام تتصف بالقربية، هذا أيضاً يتصف بها؛ لأنَّ الداعي الإلهي بالنسبة إلى إطعام الفقير قد أثّر تأثيراً ضمنياً، والتأثير الضمني هنا كافي.

ــــــــــ[78]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

أمّا أنّه أثر تأثيراً ضمنياً، فلأن المكلّف إنَّما أوجد إطعام الفقير ولم يحقّق تركه الذي كان له داعٍ آخر، إنما كان بلحاظ الداعي الإلهي، وإلَّا لبقي الداعي الإلهي إلى الترك وحده ولأثّر في الترك حينئذٍ. إذن، فللداعي الإلهي نحو الفعل تأثير ضمني في إيجاد الفعل، إذ لولاه لصدر الترك منه. وهذا التأثير الضمني كافٍ في المقام؛ لأنّه إنَّما صار ضمنياً لا استقلالياً باعتبار مزاحمته مع داعٍ إلهي آخر، والإنقاص الناشئ من مثل هذه المزاحمة لا يضر بعبادية العمل، فيوصف العمل بأنه عبادي. هذا هو البحث الفقهي. وبناءً على مثل هذه التوسعة، ينفتح باب الخيرات في سائر المستحبات(1) وفي مثل المقام؛ إذ في المقام يكون للمكلف داعيان بحسب الحقيقة: داعٍ إلهي للموافقة الاحتمالية للوجوب المحتمل، وداعٍ آخر إلهي للإتيان بالموافقة الاحتمالية للحرمة المحتملة.

 بحيث لو لم يكن مركز الحرمة والوجوب واحداً لصدر منه أمران بهذين الداعيين، وإنَّما تعذّر عليه ذلك في المقام باعتبار وحدة المركز الموجب للتزاحم بين هاتين الرغبتين النفسيتين الإلهيتين الموجودة في نفس هذا المكلف.

حينئذٍ فلا بُدّ من أن ينضم مرجّح دنيوي حتّى يصدر الفعل، لكن انضمامه إليه لا يضر بصدور الفعل عبادة، بل يصدر عبادة؛ لأنَّ الداعي الإلهي مؤثر ضمناً في وجوده والتأثير الضمني كافٍ، على النحو الذي بيّناه.

وإذا كان الأمر كذلك فيصبح الإتيان بالفعل عبادة تحت القدرة حينئذٍ 

ــــــــــ[79]ــــــــــ

() هذا إشارة إلى ما قاله جواباً على سؤال: ولولا هذا لأشكل الأمر في المستحبات في خصوصياتها لا في الجامع -يعني العبادة- الخصوصية تكون باطلة. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

يكون الاضطرار اضطراراً إلى أحدهما لا بعينه، لا إلى أحدهما المعيّن، فينحل الإشكال حينئذٍ، ويكون العلم الإجمالي منجّزاً بمقدار حرمة المخالفة القطعية.

وهذه التوسعة الفقهية صحيحة، باعتبار أنّه لا دليل على أزيد من هذا المقدار. هذا تمام الكلام في المقام الثاني.

ــــــــــ[80]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 












المقام الثالث: فيما إذا كانت الواقعة متعدّدة

 

الكلام في المقام الثالث وهو: ما إذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة، وكانت الواقعة متعدّدة.

في مثل هذا يتشكّل علم إجمالي بلحاظ كلّ واقعة بوجوب الفعل أو حرمته، نفرض أنَّ الواقعة هي شرب الماء في كلّ واحد من أيام الأسبوع، ففي كلّ يوم من أيام الأسبوع يتشكّل علم إجمالي بلحاظ الواقعة فيه بوجوب شرب الماء أو حرمته.

وهذه العلوم الإجماليّة حينما يُنظر إليها بهذا الشكل يرى أنّها لا تختلف من حيث النتيجة عن العلوم الإجمالية فيما سبق، فكما أنَّ العلم الإجمالي فيما إذا كانت الواقعة واحدة غير قابل للمنجّزيّة على ما سبق، كذلك هنا، لو لوحظ كلّ واحد منها فحاله أيضاً كذلك.

لكن الشيء الذي يُثير البحث هنا هو أنّه يقال: إنَّ هذه العلوم الإجمالية ولو لم تكن منجّزة لو لوحظ كلّ واحد منها، لكننا يمكننا في هذا الفرض تصوير علوم إجمالية أخرى تكون منجّزة، ولنفرض أنَّ المقام مركّب من واقعتين لا أكثر: واقعة شرب الماء في يوم السبت، وواقعة شربه في الأحد، فهنا عندنا علمان إجماليان: علم إجمالي يوجب شرب الماء في يوم السبت أو حرمته، 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وعلم إجمالي يوجب شرب الماء يوم الأحد أو حرمته، وكلّ منهما غير قابل للمنجّزيّة بالبرهان المتقدّم.

لكن عندنا علوم إجمالية أخرى قابلة للمنجّزيّة؛ وذلك لأنّنا نعلم إمّا بوجوب شرب الماء يوم السبت أو حرمة شرب الماء يوم الأحد؛ وذلك لأنّنا نعلم باتفاق الشربين في الحكم، فإنّا فرضنا أنَّ هناك حكماً واحداً انحلالياً، وهو ذو واقعتين إحداهما يوم السبت والأخرى يوم الأحد.

 فإمّا تمام الوقائع حرام وإمّا تمامها واجبة، فهنا يُعلم إجمالاً إمّا بحرمة شرب الماء يوم السبت أو بوجوبه يوم الأحد وبالعكس، إمّا بوجوبه يوم السبت أو حرمته يوم الأحد.

 تشكّل مثل هذه العلوم الإجمالية التي يكون أحد طرفيها نوعاً من الحكم بلحاظ واقعة ويكون طرفها الآخر من الحكم بلحاظ الواقعة الأخرى.

وحينما نشكّل مثل هذا العلم الإجمالي نرى أنّه قابل للمنجّزيّة؛ لأنَّ مخالفته القطعية ممكنة، فإنّه إذا ترك في الأوَّل وشرب في الثاني فقد خالف المولى جزماً؛ لأنّه إمّا ترك واجباً أو فعل حراماً. وإذا كانت مخالفته القطعية ممكنة فلا بُدّ من الالتزام بمنجّزيّته ولو بمقدار حرمة المخالفة القطعية(1).

وبهذا يمتاز مثل هذا العلم الإجمالي عن العلوم الإجمالية في الوقائع المتعددة.

غاية الأمر، حيث إنَّ هذا العلم الإجمالي مبتلي بعلم إجمالي مماثل. فإنّا كما 

ــــــــــ[82]ــــــــــ

() وقال جواباً: وقد فرضنا أنَّ كلاهما توصلياً. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

نعلم إجمالاً، إمّا بوجوب شرب الماء السبت أو حرمته الأحد، كذلك نعلم العكس، وكلّ من هذين العلمين الإجماليين مخالفته القطعية ممكنة للمكلف. نعم، الموافقة القطعية لكلا العلمين غير ممكنة لاستحالة جمع بين النقيضين.

 إذن، فيلتزم بتنجيز العلم الإجمالي في المقام بلحاظ المرتبة الأولى من مراتب التنجيز، وهي مرتبة حرمة المخالفة القطعية، ويرفع اليد عن وجوب الموافقة القطعية لكلّ منهما. هذا حاصل ما قد يقال.

 وتحقيق هذا القول يقع في مقامين:

 المقام الأوَّل: في أصل الالتزام بمنجّزيّة العلم الإجمال، هل هو منجّز أو حاله حال العلوم الأخرى التي فرغنا عن عدم صلاحيتها للمنجّزيّة؟

 المقام الثاني: بعد أن نثبت أنّه صالح للمنجّزيّة، نريد أن نعرف كيف نعمل مع كلا هذين العلمين الإجماليين اللذين لا يمكن موافقتهما القطعية، هل تقتصر على ترك المخالفة القطعية لكلّ منهما ونرفع اليد عن الموافقة القطعية أو نعمل بترتيب آخر لحل المنافاة بين قوانين التنجيز في العلمين الإجماليين؟

المقام الأوَّل: في أصل البحث عن تنجز العلم الإجمالي

أمّا المقام الأوَّل: وهو في البحث عن أصل منجّزيّة هذا العلم الإجمالي، فليس جهة البحث في المقام في أنَّ هذا هل هو منجّز أو لا باعتبار دخوله في كبرى أنَّ العلم الإجمالي في التدريجيات منجّز أو لا، فإنَّ هناك بحثاً من مباحث العلم الإجمالي، وهو أنّه في التدريجيات هل يكون منجّزاً أو لا، كما لو علم التاجر أنّه سوف يُبتلى بمعاملة ربوية في خلال الشهر، أو علمت المرأة بأنها 

ــــــــــ[83]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

سوف تبتلى بالعادة في ثلاثة أيام مردّدة من أوّل الشهر إلى آخره.

هنا نفرغ عن أنَّ العلم الإجمالي في التدريجيات في مثل هذه الأمثلة يكون منجّزاً، ولا نتكلّم في منجّزيته من حيث هذه الكبرى، فإنَّ بحثها في العلم الإجمالي، ويفرغ هنا عن أنّه منجّز، فمن هذه الناحية لا تستشكل في منجّزيته، وإنَّما يستشكل لو كان هناك إشكال من ناحية أخرى.

[ما أفاده المحقّق الاصفهاني]

حينئذٍ يقال: بأنَّ المحقّق الأصفهاني(1) منع من منجّزيّة مثل هذا العلم الإجمالي في المقام: وذكر أنّه غير منجّز وغير موجب لحرمة المخالفة القطعية؛ وذلك لأنَّ كلّ طرف إنَّما ينجّز طرفه ومتعلقه، ونحن إذا لاحظنا الوقائع، نرى أنّه في كلّ واقعة يوجد عندنا تكليف، فهناك تكاليف بعدد الوقائع، فالواقعتان فيها تكليفان، وكلّ من هذين التكليفين قد وصل وصولاً إجمالياً بالعلم الإجمالي، وكلّ واحد من هذه العلوم الإجمالية التي تعلقت بتلك التكاليف لو لاحظناه في نفسه فهو لا يصلح لمنجّزيّة متعلقه؛ لأنَّ متعلقه هو جامع الإلزام المردّد بين وجوب الفعل وحرمته، فكل تكليف في كلّ واقعة وصل بعلم إجمالي غير منجّز له ولا تحرم مخالفته الاحتمالية، أمّا مخالفته القطعية فغير ممكنة في المقام ومخالفته الاحتمالية أيضاً ضرورية الوقوع بحسب الخارج. إذن، فهذا العلم الإجمالي غير منجّز ولا يحكم العقل بحرمة أي مرتبة من مخالفته.

وهنا ليس عندنا وراء هذه التكاليف المتعددة تكليف آخر، لنلحظ أن 

ــــــــــ[84]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 4: 249، وما بعدها.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

موافقة ذلك التكليف أو مخالفته تحت القدرة أو لا.

نعم، يمكننا في المقام أن ننتزع من العلوم المتعدّدة علماً واحداً ونلفّق له أطرافاً من أطراف تلك العلوم الإجمالية، يعني: ننتزع من أطراف العلوم الإجمالية جامعاً وننتزع من نفس العلوم الإجمالية علماً ونضيف هذا العلم المنتزع على الجامع، فنقول: بأنّه لو شرب الماء في يوم الأحد وترك شربه في يوم السبت فهو يعلم بالمخالفة القطعية للتكليف.

 يعلم بالمخالفة القطعية، لأيّ تكليف؟ هل أعلم بها لتكليف وراء تلك التكاليف المتعدّدة بعدد الوقائع؟ لا، فإنّه ليس وراء تلك التكاليف تكليف آخر، وإنَّما هو يعلم بالمخالفة القطعية لأحد تلك التكاليف المتعدّدة بعدد الوقائع والتي وصل كلّ واحد منها بوصول إجمالي غير منجّز ولا محرم للمخالفة، فغاية ما حصل هنا: أننا ضممنا مخالفة احتمالية لتكليف تجوز مخالفته الاحتمالية إلى مخالفة احتمالية لتكليف آخر كذلك، فحصّلنا من مجموع هاتين المخالفتين الاحتماليتين مخالفة قطعية لأحد هذين التكليفين، أي: للجامع بينهما والجامع بينهما ليس تكليفاً ثالثاً ورائهما، وإنَّما مرجعه إليهما والمفروض أنّه يجوز مخالفة كلّ واحد منهما، فلا يدخل الجامع في العهدة أكثر من أفراده(1). إذن، فهذا العلم الإجمالي لا يمكن أن يكون منجّزاً في المقام. هذا خلاصة توضيح ما أفاده.

ــــــــــ[85]ــــــــــ

() ولا يجوز فيه ما يجوز فيها، (المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

 [الاعتراض على ما ذكره الاصفهاني]

وهو ممّا لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك:

أمّا أولاً: فلأننا نمنع أن يكون العلم الإجمالي بالوجوب أو الحرمة هنا، علماً منتزعاً ومتحصلاً من العلمين الإجماليين المتعددين بعدد الوقائع، بل قد يكون هذا العلم الإجمالي التدريجي في عرض ذينك العلمين، لا أنّه منتزع عنهما.

توضيح ذلك: أنّه تارةً نفرض أنَّ المكلّف ابتداءً يعلم إجمالاً بأنّه قد تعلّق نذره إمّا بفعل كلا الشربين أو بتركهما على نحو النذر الانحلالي. وأخرى نفرض أنّه علم إجمالاً بأنّه نذر إمّا شرب الماء في يوم السبت أو تركه، وعلم إجمالاً بأنّه نذر إمّا شرب الماء يوم الأحد أو تركه، ثُمَّ أخبره معصوم بأنَّ هذين اليومين من حيث نذره من حيث الحكم، فإن كان قد نذر في الأوّل إيجاد الشرب فمنذوره في الثاني أيضاً إيجاده، وإن كان نذر تركه ففي الثاني كذلك، يعني: أخبره بوحدة متعلّق النذرين في كلّ من الواقعتين.

فإن فرضنا الأوَّل أنّه ابتداءً علم إجمالاً بأنَّ نذره انصبّ إمّا على كلا الفعلين في كلا اليومين أو على كلا التركين في كلا اليومين، فهنا يكون وجوب الفعل وهو شرب الماء في يوم السبت، طرفاً لعلمين إجماليين في عرض واحد، أحدهما العلم الإجمالي بوجوب شرب الماء في يوم السبت أو حرمة شربه في يوم السبت. والآخر، العلم الإجمالي بوجوب شربه السبت أو حرمته يوم الأحد، وهذان العلمان الإجماليان في عرض واحد؛ لأنَّ العبد انكشف له الجامع بين الوجوبين أو الحرمتين في وقت واحد، فكلّ واحد من الوجوبين يصلح أن 

ــــــــــ[86]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

يكون طرفاً للعلم الإجمالي مع أيّ واحد من الحرمتين، فكما يصلح أن يكون طرفاً مع الحرمة العرضية كذلك يصلح أن يكون طرفاً مع الحرمة الطولية.

فهذان العلمان الإجماليان في عرض واحد، ولا موجب بعد العرضيّة لفرض كونه طرفاً للعلم الإجمالي الغير الصالح للتنجيز في المرتبة السابقة، ثُمَّ يقال بعد هذا: إنّه بعد عدم صلاحيته للتنجيز وحكم العقل بجواز الإقدام، بعد هذا مجرّد صيرورته طرفاً لعلم إجمالي آخر منتزع ومحصل لا يوجب تنجزاً جديداً؛ فإنَّ طرفيته للعلم الثاني في عرض طرفيته للعلم الأوَّل، وإذا كان طرفاً لعلمين في عرض واحد، فإذا فرض أنّه باعتبار طرفيته لأحدهما يستحيل تنجّزه من ناحية ذلك العلم، ولكن باعتبار طرفيته للعلم الآخر لا مانع من تنجزه من ناحية ذلك العلم.

 إذن، فالعلم الذي يكون مقتضياً للتنجيز يؤثّر في التنجيز لا محالة. وكون أحد العلمين لا يصلح للتنجيز لا يمنع عن تنجيز طرفه بعلم آخر لو وقع طرفاً له في عرضه.

هذا فيما إذا فرضنا أنَّ علمنا الإجمالي انصب ابتداء على هذا العنوان.

وأمّا إذا فرضنا أنَّ له علمين إجمالين من أوَّل الأمر أحدهما غير مربوط بالآخر، كما لو علم إجمالاً أنّه نذر إمّا أن يشرب الماء في يوم السبت أو يتركه، وعلم إجمالاً بعلم آخر غير مربوط بالأوَّل: أنّه إمّا نذر شرب الماء يوم الأحد أو نذر تركه، ثُمَّ اخبره معصوم بأنَّ منذوره في كلا النذرين واحد إمّا الفعل أو الترك، فهنا علمه الإجمالي بوجوب الفعل في الأوَّل وحرمته في الثاني هو 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

حصيلة هذه العلوم السابقة عليه مع ضم قول المعصوم إليهما الموجب للعلم بوحدة متعلق النذر في كلتا الواقعتين، فهذا علم متحصل ومنتزع من العلوم السابقة، إلَّا أنَّ كونه متحصلاً ومنتزعاً من العلوم السابقة لا يضر بمنجّزيته في المقام.

 ودعوى أنَّ هذا العلم هو علم بالمخالفة القطعية الحاصلة من ضم مخالفة احتمالية جائزة إلى مثلها جائزة، وبضم أحدهما إلى الآخر لا يحصل مخالفة لتكليف آخر وراء تلك التكاليف التي جاز لنا مخالفتها الاحتمالية.

هذه الدعوى مدفوعة: بأنَّ المخالفة الاحتمالية الجائزة إنَّما كانت جائزة بما هي مخالفة احتمالية للجامع بذلك الحد الذي به وقع متعلقاً للعلم الإجمالي الدائر أمره بين المحذورين، لا بما هو مخالفة احتمالية لجامع آخر بحد آخر، يصلح أن يتلقى التنجز من قبل العلم ومن قبل الانكشاف.

وإن شئتم قلتم في المقام: بأنَّ واقع هذا التكليف الذي خالفناه بالفعل في الأوَّل والترك في الثاني له عنوانان إجماليان: أولاً: انكشف لنا بعنوان إجمالي لا يُعقل تنجزه، ثُمَّ انكشف لنا في طول ذلك بعنوان إجمالي يُعقل تنجزه. إذن، فهذا العنوان الإجمالي الثاني الذي هو صالح للتنجّز لا يمنع عن تنجزه كون طرفه قد تعنّون في المرتبة السابقة بعنوان إجمالي لا بعنوان إجمالي لا يصح تنجزه.

إذن، فهذا العلم الإجمالي الثاني صالح تنجزه، وقد انكشف بالعلم بحسب الفرض، فيتلقى التنجز منه.

حينئذٍ يسري هذا التنجز إلى الأطراف على حسب قوانين منجّزيّة العلم 

ــــــــــ[88]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الإجمالي. إذن، فالمنع عن منجّزيّة مثل هذا العلم غير صحيح، بل المنجّزيّة في المقام صحيحة، ويلتزم بحرمة المخالفة القطعية.

المخالفة القطعية لا لتكليف آخر وراء تلك التكاليف، بل لنفس تلك التكاليف، لكن تلك التكاليف المنكشفة بعنوان إجمالي صالح لأنَّ يتنجّز، فإنَّ التكليف الواحد قد يتعنّون بعنوانين إجماليين، بأحدهما لا يصلح أن يتنجّز وبالعنوان الآخر يصلح للمنجّزيّة، وتعدّد العناوين الإجمالية وكون بعضها صالح للتنجّز وبعضها غير صالح، هذا ليس معناه أنَّ المنجّزيّة تستتبع فرض تكليف آخر وراء ذلك التكليف، بل تستتبع فرض عنوان إجمالي آخر وراء ذلك العنوان الإجمالي الأوَّل الذي فرغنا عن عدم منجزيته.

إذن، فهذا العلم الإجمالي منجّز؛ ومن هنا يقع البحث في المقام الثاني: وذلك أنّه عندنا علمان إجماليان صالحان للمنجّزيّة أحدهما بوجوب العقل في الأوَّل وحرمته في الثاني، والآخر عكسه. والمكلف يمكنه أن يتبع إحدى حالتين تجاههما:

 الأولى: أن يوافق كلّ منهما احتمالاً ويخالف كلّ منهما احتمالاً، وذلك بأن يفعل في كلتا المرتين أو يترك فيهما، فإنّه بذلك يكون قد ترك المخالفة القطعية لكلّ واحد من العلمين، وحصل على الموافقة الاحتمالية لكليهما، وابتلى بالمخالفة الاحتمالية لهما.

والأسلوب الآخر أن يتحفّظ على الموافقة القطعية لأحدهما ويبتلي بالمخالفة القطعية للآخر، وذلك بأن يفعل في الأوَّل ويترك في الثاني، أو 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

العكس، فإنّه حينئذٍ يجزم بأنّه أطاع أحد التكليفين، كما أنّه يجزم أنّه عصى الآخر.

 حينئذٍ يقع البحث في أنَّ قوانين هذا العلم الإجمالي هل تقتضي تعيّن الأسلوب الأوّل، أو تعيّن الثاني، أو التخيير بين الأسلوبين؟

المقام الثاني: في حال العلمين التدريجيين

 بعد الفراغ عن منجّزيّة العلم الإجمالي التدريجي في مورد تعدّد الوقائع يقع الكلام في المقام الثاني: حيث إنّه عندنا علمان إجماليان تدريجيان، أحدهما بوجوب الأوَّل وحرمة الثاني، والآخر عكسه.

وهذان العلمان لا تزاحم بين ترك المخالفة القطعية لأحدهما وتركها للآخر، فإنَّ المكلّف يمكنه التحذّر من مخالفتهما القطعية معاً، ولكن التنافي يقع في التحفّظ على الموافقة القطعية لأحدهما وترك المخالفة القطعية للآخر، فكلّ من العلمين بمرتبة حرمة المخالفة القطعية ينافي الآخر بمرتبة وجوب الموافقة القطعية.

فهل تقدّم مرتبة حرمة المخالفة القطعية لكلّ من العلمين على مرتبة وجوب الموافقة القطعية لكل منهما، أو يعامل بينهما معاملة باب التزاحم، ويرجع حينئذٍ إلى تقديم الأهم ملاكاً، ومحتمل الأهميّة على غيره؟

قد يقال: بتقديم حرمة المخالفة القطعية لكلّ منهما على وجوب الموافقة القطعية، وإنَّ المقام لا يدخل في باب التزاحم.

 ويبيّن لهذا المطلب وجهان: 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الوجه الأوَّل: هو أنَّ العلم الإجمالي بلحاظ مرتبة المخالفة القطعية منجّز بنحو العلّية التامّة، بحيث يستحيل تفكيك المعلول عن العلة في هذه المرتبة.

 وأمّا اقتضاؤه لوجوب الموافقة القطعية، فهو اقتضاء ناقص تعليقي معلّق على عدم المانع، حينئذٍ إذا وقع المزاحمة بين الاقتضاء التنجيزي العلِّي وبين الاقتضاء التعليقي، فيستحيل المعارضة بينهما في عرض واحد، بل تصلح حينئذٍ علِّيّة العلم الإجمالي بمرتبة حرمة المخالفة القطعية لإيجاد المانع عن تأثير العلم الإجمالي الآخر في مرتبة وجوب الموافقة القطعية، كما هو الحال في التنافي بين كلّ مقتضيين يكون أحدهما تنجيزياً في اقتضائه ويكون الآخر تعليقياً على عدم المانع.

نعم، لو بُني على أنَّ العلم الإجمالي علّة تامّة لكلتا المرتبتين، كان لمسألة التنافي والتزاحم بين المقتضيين مجال، ولكن المتبنّى لهذا القول كمدرسة الميرزا هو كونه علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعية ومقتضياً لوجوب الموافقة القطعية، فيصير من باب التنافي ما بين المقتضي التعليقي والتنجيزي فيقدّم الأخير.

وهذا الكلام يرد عليه:

 أوّلاً: أنّه لو سُلّم المبنى وفُرض أن اقتضاء العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية اقتضاء تنجيزي، وأمّا اقتضاؤه لوجوب الموافقة القطعية فهو اقتضاء تعليقي، إلَّا أنّه مع ذلك لا يصلح اقتضاؤه التنجيزي للمخالفة القطعية لرفع اقتضائه التعليقي لوجوب الموافقة القطعية، أي: إنَّ التنجيزي هنا لا يحكم على التعليقي.

فإنَّ حكومة المقتضي التنجيزي على التعليقي، إنَّما هو فيما إذا كان التعليقي 

ــــــــــ[91]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

معلّقاً على عدم المانع بنحو يتحقّق بتأثير ذلك المقتضي التنجيزي، حينئذٍ يكون التنجيزي صالحاً للمنع عنه بلا عكس، وليس كذلك في المقام، فإنَّ المسلك القائل بأنَّ العلم الإجمالي علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعية عقلاً، وهو مقتضي تعليقي لوجوب الموافقة القطعية.

 ومرادهم من التنجيزية والتعليقيّة هنا، التنجيزية والتعليقية بلحاظ الترخيص الشرعي، بمعنى: أنَّ العلم الإجمالي علّة تامّة لحكم العقل بحرمة المخالفة القطعية، سواء رخص الشارع بها أو لا، ومن هنا حكم باستحالة ترخيص الشارع بالمخالفة القطعية. وأمّا اقتضاء العلم الإجمالي في وجوب الموافقة القطعية، فهو تأثير معلّق على عدم الترخيص الشرعي لإمكان وروده في بعض أطراف العلم الإجمالي.

فالمعلّق عليه هو عدم الترخيص الشرعي في بعض الأطراف لا عدم مطلق المانع، وهو كان حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية.

 إذن، ففي ظرف عدم ثبوت لترخيص الشرعي ولو في بعض الأطراف
-من ناحية التعارض بين الأصول- يخرج المقتضي الثاني من التعليقية إلى التنجيزية، فيصبح تنجيزياً لمنجزية ما عُلّق عليه وهو عدم ورود الترخيص الشرعي، ولم يرد الترخيص، فيكون العلم الإجمالي بذاته علِّياً لحرمة المخالفة القطعية، وهو مع ضم عدم ثبوت الترخيص الشرعي علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، وكلتا العلتين محقّقة في المقام، ويستحيل ترتّب كلا المعلولين على كلتا العلتين. وهذا هو معنى التنافي بينهما في مقام التنجيز.

ــــــــــ[92]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

إذن، فهذا خلط بين تعليقية المقتضي التعليقي على عدم تأثير المقتضي التنجيزي وبين تعليقه على أمر آخر يكون محقّقاً في فرض المزاحمة بين المقتضي التعليقي والتنجيزي. ومقامنا من قبيل الثاني والأوَّل.

وأمّا ثانياً: فلأنّنا لو سلّمنا -مثلاً- أنَّ المقتضى في جانب وجوب الموافقة القطعية مقتضٍ تعليقي ولم يصبح تعليقياً. إلَّا أنّنا نقول: إنَّ محلّ البحث أجنبي عن التنجيزية والتعليقية بذلك المعنى المنظور إليه في هذا المسلك.

توضيحه: أنَّ من يقول: بأنَّ العلم الإجمالي علّة تامّة ومقتضٍ تنجيزي لحرمة المخالفة القطعية، لا يقول ذلك في العلم الإجمالي بكلّ تكليف صادر من أيّ شخص كان، من غير المولى، وإنَّما يقال بعلِّيته لحرمة المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، بعد فرض أنَّ هذا التكليف المعلوم بالإجمال، داخل في نفسه تحت دائرة حقّ الطاعة للمولى، لو وصل إلى العبد، حينئذٍ نقول: بأنَّ وصوله الإجمالي يكون علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعية.

فالوصول الإجمالي إنَّما يصير علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعية فيما إذا كان التكليف المعلوم بالإجمال، تكليفاً على تقدير وصوله يدخل في دائرة حقّ الطاعة. وأمّا لو كان ممّا لا يدخل في دائرة حقّ الطاعة حتّى على تقدير وصوله، حينئذٍ لا معنى لأن يقال: إنَّ العلم الإجمالي علّة لحرمة المخالفة القطعية.

وحينئذٍ يقال: بأنَّ من يدّعي إجراء باب التزاحم بين حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية، وتقديم الجانب الثاني مع فرض احتمال الأهميّة -مثلاً- على الأوَّل، يقول: إنّه مع احتمال الأهميّة في الطرف الآخر، لا 

ــــــــــ[93]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

يكون حقّ الطاعة ثابتاً بالنسبة إلى غير محتمل الأهميّة، أي: إنَّ التكليف المعلوم بالإجمال إنَّما يكون العلم الإجمالي علّة لحرمة مخالفته القطعية، لو كان داخلاً تحت دائرة حقّ الطاعة، ونحن نقول: إنّه باعتبار المزاحمة مع جهة أهمّ أو محتملة الأهميّة من ناحية المولى، وحينئذٍ يخرج هذا التكليف عن دائرة حقّ الطاعة ويبقى ذلك داخلاً فيها.

وهذا غير مسألة الترخيص في المخالفة القطعية الممنوع عنه لحكم العقل، فإنّه فرق بين ارتفاع حرمة المخالفة القطعية في مورد يكون التكليف المعلوم بالإجمال داخلاً في حقّ الطاعة على فرض وصوله(1)، هذا هو المنافي لعلّيّة العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية. وبين ارتفاع حرمة المخالفة القطعية لأجل عدم دخوله في دائرة حقّ الطاعة، مثل هذا لا مانع عنه في المقام، وليس منافياً لمسلك العلّيّة.

وهذا ما قد يتفق ببعض المعاني في موارد العلم التفصيلي أيضاً، كما إذا كان يعلم تفصيلاً بغرض مولوي، ومع هذا يحكم العقل بجواز تفويته، بل بوجوب تفويته، وذلك من ناحية مزاحمته مع غرض آخر محتمل الأهميّة على هذا الفرض أو معلومها، ولا يقال بأنَّ هذا معناه الترخيص بالمخالفة القطعية للعلم التفصيلي.

ــــــــــ[94]ــــــــــ

() أن يفرض أنَّ العلم الإجمالي غير مؤثر في حرمة المخالفة القطعية؛ لأنَّ معلومه غير داخل في دائرة حقّ الطاعة أصلاً من ناحية مزاحمته مع جهة أهمّ، (المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

إذن، فدعوى لزوم التحفظ على المرتبة الأولى ورفع اليد عن المرتبة الثانية من باب تقديم المقتضي التنجيزي على التعليقي في غير محلّه. هذا هو الوجه الأوَّل.

الوجه الثاني الذي بينّا لهذا المدّعى: 

هو أن يقال: بأنَّ المقام لا ينبغي إدخاله في باب التزاحم، بحيث يرجع إلى التعيين باحتمال الأهمّية، وذلك لأنَّ باب التزاحم الذي يرجع فيه إلى الترجيح باحتمال أهميّة الملاك، إنَّما هو فيما إذا وقع التنافي بين نفس الحكمين الشرعيين ناشئاً من ناحية ضيق قدرة المكلّف وعجزه عن امتثالهما معاً. وحينئذٍ يكون أمر تشريع المولى إمّا أن يرجّح هذا على ذاك أو العكس، يعني: إمّا أن يجعل وجوب هذا مطلقاً ويرفع اليد عن إطلاق ذاك أو العكس، ففي هذا المقام لا إشكال أنَّ المولى يرجع إلى أغراضه وملاكاته، وكلما كان ملاكه أقوى يتحفّظ عليه، فإن كان الفرضان متساويين فيرفع اليد عن الإطلاق في كلّ منهما، وإن كان أحدهما أهمّ يبقى على إطلاق ويرفع اليد عن إطلاق الآخر، فإن احتملنا أن يكون أحدهما بعينه أهمّ من الآخر، فهنا نعلم بأنَّ المولى رفع اليد عن الإطلاق في غير محتمل الأهميّة؛ لأنّه إمّا مساوٍ أو مفضول، ولا ندري أنّه رفع اليد عن الإطلاق في محتمل الأهميّة فنتمسّك به، بالتالي يرجع إلى إعمال المولى لنظره في باب الملاكات. 

وهذا كلّه مما لا ينطبق على محلّ الكلام، فإنّه في محلّ الكلام لا يوجد هناك تنافٍ بين نفس الحكمين الشرعيين من ناحية عجز المكلّف وعدم قدرته، فإنَّ 

ــــــــــ[95]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

نفس الحكمين الشرعيين الواقعيين وهو إمّا الوجوب في كلتا الواقعتين أو الحرمة فيهما، لا موجب لوقوع التنافي ما بينهما لقدرة المكلّف على امتثالهما معاً، وبقاء إطلاق كلّ منهما على حاله بحسب الواقع، فليس أمر المولى مردّداً في رفع اليد عن أحد الإطلاقين من ناحية عجز المكلّف لتجري قوانين باب التزاحم وإعمال الترجيح بلحاظ الملاكات والأغراض المولوية.

وإنَّما التنافي هنا بين الحكمين العقليين بما هما حكمان عقليان بين حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية وحكمه بوجوب الموافقة القطعية، وفي هذا المقام لا معنى لتقديم الأقوى ملاكاً؛ لأنَّ ملاك حكم العقل ليس هو ملاك الشرع، فإنّه لا يحكم بوجوب الموافقة وحرمة المخالفة القطعيتان من ناحية المفاسد التي تترتب على ذلك، بل إنَّما يحكم بذاك من ناحية أنّه إلزام صادر ممّن له حقّ الإلزام، وهذا الملاك موجود في أضعف الإلزامات وأقواها، كلاهما من حيث حكم العقل بوجوب الموافقة وحرمة المخالفة على حدّ سواء. إذن، فإعمال قوانين باب التزاحم في غير محله.

بل يتعيّن في المقام رفع اليد عن مقدار لا يمكن من الامتثال في المقام، وهنا بلحاظ المرتبة الأولى -مرتبة المخالفة القطعية- لا تنافي ما بين الحكمين، فيتحفّظ عليه بهذا المقدار، وبلحاظ المرتبة الثانية يكون تنافٍ بين الحكمين العقليين فيرفع اليد عن كلا الحكمين العقليين في المرتبة الثانية. 

هذا هو غاية ما يتحصل من كلام السيّد الأستاذ في (الدراسات)، وأظنّ بأنَّ السيّد الأستاذ في مقام اقتناص النتيجة كان يضم الوجه إلى هنا؛ فإنه بعد أن بيّن أنَّ 

ــــــــــ[97]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المقام ليس من مقام التزاحم بين الحكمين الشرعيين، وإنَّما هو مقام التنافر بين الحكمين العقليين، فلا مجال لإعمال المرجحات الملاكية؛ لأنَّ نسبة الملاك إليهما على حدّ واحد، وإن فرض أنَّ أحدهما محتمل الأهميّة. بعد هذا، حينما يأتي إلى باب الأحكام العقلية يرجّح حرمة المخالفة القطعية على وجوب الموافقة القطعية، من باب أنَّ ذاك مقتضٍ تنجيزي وهذا مقتضٍ تعليقي، إلَّا أن عبارة (الدراسات) مشوشة وقاصرة لا تفي بهذا المعنى، ومن دونه يكون كلاماً غير علمي، ولكني أظنّ أنّه كان يضم هذا الكلام إليه، وحينئذٍ يكون كلاماً علمياً.

وهذا الوجه أيضاً غير تامّ؛ وذلك لأنَّ مركز التنافي في المقام وإن كان هو الأحكام العقلية لا الأحكام الشرعية بما هي، باعتبار أنَّ الأحكام الشرعية بما هي لا تنافي ما بين متعلقاتها، إلَّا أنَّ هذا التنافي ما بين الأحكام العقلية في المقام يكون محكوماً أيضاً لقوانين باب التزاحم.

والنكتة في ذلك: أنَّ حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية إنَّما هو بملاك التحفظ على أغراض المولى الذي له حقّ الطاعة على العبد، فيجب التحفّظ على أغراض مثل هذا المولى، ومرجع هذا الوجوب أنَّ العقل يُنزّل النفس منزلة الأداة التكوينية بيد المولى بلحاظ الأغراض التكوينية، فإنَّ مقتضى العبودية هو إفناء اختياره وإرادته وتحويل نفسه إلى أداة بالنسبة إلى المولى، وفي مثل ذلك يختلف الغرض الأقوى والأضعف، ومحتمل الأهميّة وغيره، فقد يستقلّ العقل في المقام، بأنَّ المرتبة المحتملة الأهميّة من هاتين المرتبتين المتزاحمتين في مقام الامتثال، تدخل في دائرة حقّ الطاعة دون الأخرى.

ــــــــــ[97]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وإن شئتم قلتم: بأنَّ دليل وجوب إطاعة المولى، ليس دليلاً لفظياً، بهذا العنوان، حتّى يقال، بعد الجمود على ألفاظه: إنَّ نسبته إلى كلّ منهما على حدّ واحد مثلاً، وإنَّما وجوب الإطاعة من باب التحفظ على أغراض من يجب التحفّظ على أغراضه، فحينئذٍ كلما كان التحفّظ أهم في نظر المولى يكون أَدْخَل في دائرة حقّ الطاعة، فحينئذٍ يحكم بتقديم ما هو محتمل الأهميّة، فضلاً عما هو معلوم الأهميّة.

وحينئذٍ إن فُرض أنَّ التكليفين المعلومين في كلا العلمين الإجماليين، يعلم بمساواته في الأهميّة للتكليف الآخر ولا يحتمل أحدهما أهمّ، فهنا يقع التزاحم بين حرمة المخالفة القطعية لكلّ واحد من العلمين ووجوب الموافقة القطعية للآخر.

 وإن شئتم قلتم: إنّه يدور أمر المولى في المقام بين أن يتحفّظ عبده على أحد الغرضين جزماً، المساوق لفوات الآخر جزماً، وبين أن يتحفّظ على كلا الغرضين احتمالاً المساوق لفواتهما معاً احتمالاً. 

في مثل هذا لو فرض قيام دليل من قبل المولى على أهميّة أحد التحفّظين على الآخر أخذ بها، وإلَّا لا بُدّ من الرجوع إلى العقل ليرى أنّه يرجّح أيّهما، وحيث لا يستقلّ العقل بالترجيح يحكم بالتخيير في المقام بين أن يتحفّظ احتمالاً على كلّ منهما، أو يتحفظ على أحدهما قطعاً مع تفويت الآخر قطعاً. 

وأمّا لو فُرض أنَّ أحد التكليفين المعلومين في أحد العلمين الإجماليين، كان يعلم بكونه أهمّ، بمقدار كان يعلم أنَّ حرمة مخالفته القطعية لا يقدم عليها 

ــــــــــ[98]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وجوب الموافقة القطعية للآخر، فحينئذٍ تقع المزاحمة من طرف واحد فقط، بين وجوب الموافقة القطعية للأهمّ وحرمة المخالفة للآخر، ويكون الكلام هو الكلام أيضاً من حيث إعمال الترجيح ومع عدم استقلال العقل بالترجيح وعدم دليل شرعي، يحكم بالتنجيز في المقام(1).

وللكلام تتمات وتفصيلات تأتي -إن شاء الله- في بحث العلم الإجمالي، في مسألة ما إذا علم بالواجب والحرام واشتبه الواجب بالحرام التي عنّونها في (الرسائل)(2) في مسائل دوران الأمر بين المتباينين. 

هذه المسألة تسأل تلك المسألة، والفرق ما بينهما أنّه في هذه المسألة يعلم بحكمين متسانخين هما إمّا كلاهما وجوب أو حرمة، وإنَّما الترديد أنّهما من قبيل الوجوب أو الحرمة، وهنا يعلم بحكمين غير متسانخين: بحرمةٍ مّا وبوجوبٍ مّا، والترديد إنَّما هو في تشخيص متعلّق الحرام ومتعلّق الواجب.

تتمات هذا البحث تأتي هناك إن شاء الله.

ــــــــــ[99]ــــــــــ

() وهنا قال في جواب سؤال: إنّنا لا نحتمل أن يكون التحفّظ على الموافقة القطعية لغير الأهمّ متعيّناً في قبال التحفّظ على ترك الموافقة القطعية للأهمّ، لكن نحتمل عكسه؛ إذ نحتمل أنَّ الأهمّ، وإن كان أهمّ، لكن التحفظ القطعي عليه ليس بأهم من التحفّظ الاحتمالي على الآخر، فبالتالي لا بُدَّ من إعمال قوانين باب التزاحم. (المُقرِّر).

(2) انظر: فرائد الأصول 2: 278.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ــــــــــ[100]ــــــــــ




الكلام في منجّزيّة العلم الإجمالي

 

  • الكلام على المسلك المختار
  • الكلام على المسلك المشهور
  • في تنجيز العلم الإجمالي للموافقة القطعية في الشبهات الموضوعية
  • الكلام في شبهة التخيير وإلزام القائل بإمكان الترخيص في بعض الأطراف
  • بقيت أمور جزئية

ــــــــــ[101]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 





الكلام في منجّزيّة العلم الإجمالي

 

الكلام في الشكّ في المكلّف به بعد إحراز أصل التكليف، أو بتعبير أوضح: الكلام في منجّزيّة العلم الإجمالي:

يختلف منهج البحث في هذه المسألة باختلاف المسلك المتبع في منجّزيّة العلم الإجمالي ومعذّريته، فإنَّ هناك اختلافاً بيننا وبين القائلين بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان).

فإنّه بناءً على المختار: تقدّم أنَّ احتمال التكليف بحدّ ذاته يكون منجّزاً ومدخلاً للتكليف في دائرة حقّ الطاعة والمولوية، ويحتاج خروجه عنها إلى أصل شرعي وترخيص مولوي يُبرز به المولى عدم اهتمامه بالتكليف المشكوك وعدم إيجابه للاحتياط بالنسبة إليه.

 وهذا هو ما اصطلحنا عليه بقاعدة منجّزيّة الاحتمال. وتذهب المدارس المعروفة في الأصول إلى قاعدة مؤمِّنية الاحتمال استناداً إلى قانون (قبح العقاب بلا بيان)، بدعوى: أنَّ العقل يستقلّ بأنَّ المولى يقبح منه أن يعاقب العبد على تكليف ما لم يصل ويكون معلوماً للعبد، فالعلم مقوّم للمنجّزيّة وبدونه يستحيل تنجّز التكليف الواقعي غير الواصل.

ومنهج البحث يختلف باختلاف هذين المسلكين، فإنّه بناءً على المسلك 

ــــــــــ[103]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المختار، وهي قاعدة منجّزيّة الاحتمال، فنحن فارغون عن وجود المقتضي لتنجز التكليف في كلّ طرف من أطراف العلم الإجمالي، ومعه لا حاجة للبحث في أنَّ العلم الإجمالي ما هي حدود اقتضائه وكشفه، هل يكشف بمقدار الجامع أو بمقدار الواقع، وبالتالي هل يقتضي التنجّز بمقدار الجامع أو الواقع، فلا نحتاج إلى ذلك في مقام إثبات أصل التنجّز؛ لأنَّ مقتضي التنجّز مفروغ عنه ولو بلحاظ الاحتمال الموجود في كلّ طرف.

وإنَّما ينحصر البحث بناءً على هذا في الحديث عن مقدار مانعية العلم الإجمالي ثبوتاً أو إثباتاً عن جريان الأصول المرخصة التي تخرج التكليف المحتمل عن دائرة الطاعة، فيتكلّم عن أنَّ هذه الأصول المرخصة التي كانت هي المخرجة لمورد الشبهة البدوية عن حقّ الطاعة ومنجّزيّة الاحتمال، ما هو مقدار مانعية العلم الإجمالي عن جريانها في المقام؟ هل مانعيته ثبوتية بحيث يستحيل جريانها أو إثباتية بحيث لا إطلاق فيها؟ وعلى تقدير المانعية فما هو مقدارها، هل يمنع عن جريانها في تمام الأطراف أو حتّى في بعضها؟

وأمّا بناءً على المسلك الثاني، وهو قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، فحينئذٍ بقطع النظر عن العلم الإجمالي، المقتضي للتنجّز غير موجود جزماً؛ إذ بقطع النظر عنه ليس هناك إلَّا احتمالات في الأطراف، وهي ليست وصولاً وبياناً وعلماً بالتكليف، بل هي مجرى لقانون (قبح العقاب بلا بيان) في نفسه.

إذن، فيقع الكلام هنا في التفتيش عن أصل المقتضي للتنجّز وتحصيله من ناحية نفس العلم الإجمالي. ويرى أنّه هل يقتضي التنجّز بحيث نرفع اليد عن 

ــــــــــ[104]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

قوانين (قبح العقاب بلا بيان) الجارية في الأطراف في نفسها لولا العلم الإجمالي أو لا يقتضي التنجز؟ وعلى تقدير أنّه يقتضيه فبأي مقدار يقتضيه؟

 وبعد تحديد المقدار الذي يقتضيه من التنجّز يرى أنَّ اقتضاءه تنجيزي أو تعليقي، تنجيزي بحيث يستحيل ترخيص الشارع على خلافه كما هو مبنى القائل بالعلّية، أو تعليقي بحيث لا يستحيل ذلك.

الآن نتكلّم على المسلك الأوَّل المختار أوَّلاً، ثُمَّ بعده نتكلّم على المسلك الثاني.

ــــــــــ[105]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 










الكلام على المسلك المختار

 

قلنا: إنّه على المسلك المختار، أصل المقتضى للتنجّز مفروغ عنه بلا حاجة إلى التحدث عن مقدار علّيّة العلم الإجمالي وكاشفيته ومنجزيته، فإنَّ مجرّد الاحتمال في كلّ طرف بحدّ ذاته كافٍ في التنجز واقتضاء دخول متعلقه في دائرة حقّ الطاعة.

 فيمحض البحث في المانعية، وأنَّ العلم الإجمالي بأيّ مقدار يكون مانعاً عن جريان الأصول ثبوتاً أو إثباتاً؟

البحث هنا يقع في مقامين: الأوَّل في المانعية الثبوتية، والمقام الثاني: في المانعية الإثباتية.

المقام الأوّل: الكلام في المانعية الثبوتية في الترخيص بالمخالفة القطعية 

أمّا المقام الأوَّل: وهو المانعية الثبوتية، بأن يُدّعى أنَّ العلم الإجمالي مانع عقلاً وإمكاناً وثبوتاً عن جريان الأصول الشرعية في الأطراف المخرجة للتكليف عن دائرة حقّ الطاعة.

هنا أيضاً تارةً يقع البحث عن مانعية العلم الإجمالي عن جريان الأصول في

ــــــــــ[106]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

 تمام الأطراف الذي هو عبارة -مثلاً- عن الترخيص في المخالفة القطعية، وأخرى يقع الكلام في المانعية الثبوتية عن جريان الأصول في بعض الأطراف الذي هو الترخيص في ترك الموافقة القطعية. أوَّلاً نتكلّم في البحث الأوَّل ومنه يظهر الحال في البحث الثاني.

فالكلام الآن: في المانعية الثبوتية للعلم الإجمالي عن الترخيص الشرعي الظاهري في تمام الأطراف بحيث ينتج الترخيص في المخالفة القطعية.

التحقيق في المقام: أنّه لا مانعية ثبوتية للعلم الإجمالي عن جريان الأصول المرخصة في تمام الأطراف بحيث ينتج الإذن في المخالفة القطعية، وتوضيح ذلك يكون بالاستعانة بما بينّاه في (بحث الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية) في موارد الشبهات البدوية، فإنَّ تمام ما بيّناه هناك نكتة للجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، وتصوير كيفية انحفاظ الحكم الظاهري وتعقله مع فرض ثبوت الواقع المشكوك على واقعه يأتي في المقام مع شيء من الإضافات والتوضيح(1).

ومحصله: أنَّ الأحكام الظاهرية نبعت من نفس ملاكات الأحكام الواقعية في طول التزاحم بينها في مقام الحفظ، وهو تزاحم في طول الشكّ والتردّد في الأحكام الواقعية، وهو غير التزاحم في مقام الملاكات أو التزاحم في مقام الامتثال، فإنَّ الثاني فرع وحدة الحكم والفرض تعدّده، والثاني فرع وحدة 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

() وهنا ذكر موجزاً لنكتة الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري في موارد الشبهات البدوية. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

مصبّ المصلحة والمفسدة وهنا مصبّها متعدّد، بل هو قسم ثالث للتزاحم الملاكي للأحكام الواقعية في طول شكّ المكلّف وتردّده. واهتمام المولى بالملاك الإلزامي يقتضي منه توسعة دائرة الإلزام ليضمن حفظه من قبل المكلف، كما أنَّ اهتمامه بالملاك الترخيصي يقتضيه توسعة دائرة الإباحة؛ لكي يضمن أنَّ المكلّف يكون مطلق العنان تجاه المباحات الواقعية، وتوسعة دائرة الحفظ لا يعني اتساع دائرة الملاكات الواقعية، كما بينّا في محله.

وهنا المولى يقدّم الأهمّ، فإذا كان هو مبادئ اللزوم يحكم بوجوب الاحتياط، وإن كان هو مبادئ الترخيص فيحكم بالبراءة أو الحل، وحينئذٍ لا يكون أيّ تنافٍ بين هذا الحكم الظاهري بالرخصة والواقعي باللزوم(1)

الآن نريد أن نطبق نفس هذه الصورة هنا، ثُمَّ نلتفت إلى ما قيل من البيانات والمحاذير لنرى أنّها هل تكون مانعة عن تطبيق هذه الصورة هنا أو لا؟

نقول: نفس هذه الصورة نطبقها في موارد العلم الإجمالي، غاية الأمر أنّه هنا يكون بابه لا باب تردّد الشبهة الواحدة بين أن تكون داخلة في باب المحرمات أو المباحات، بل يكون في الغالب من باب اشتباه المباح بالحرام، هناك مباح جزماً وهناك حرام جزماً ويشتبه الحرام المباح، وإن كان قد يتّفق أنّه لا جزم بالإباحة؛ لاحتمال حرمة كلا الطرفين، إلَّا أنّنا نتكلّم في هذه الصورة ومنه يتضح حال الصورة الأخرى.

في هذا المقام أيضاً يقع التزاحم بين الإباحة الواقعية المعلومة بالإجمال 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

() هذا كله كتبناه موجزاً جدّاً اعتماداً على الرجوع إلى أصل البحث. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

والحرمة الواقعية المعلومة بالإجمال بهذا النحو الثالث من التزاحم، وهو التزاحم في عالم الحفظ؛ لأنَّ المولى هنا اهتمامه بغرضه اللزومي التحريمي يقتضي منه توسعة دائرة حفظه التشريعي، وذلك بأن ينهى عن كلا الطرفين بما فيه المباح الواقعي، واهتمامه بغرضه الترخيصي، وبأن يكون المكلّف مطلق العنان تجاه ذاك المباح الواقعي يقتضي منه توسعة دائرة إطلاق العنان تشريعاً بالترخيص في كلا الطرفين، فيقع التزاحم من النحو الثالث بينهما، مع وقوف مبادئ الإلزام على مورده ومبادئ الإباحة على موردها.

فكما كان يمكننا أن نفترض في الشبهات البدوية أنَّ المولى يهتم بأغراضه الترخيصية أكثر ممّا يهتم باللزومية والتحريمية، هنا أيضاً من الناحية العقلية والإمكانية، لا مانع أن نفترض أنَّ المولى يهتم في التحفّظ على غرضه الترخيصي المعلوم تحفظاً كاملاً أكثر ممّا يهتم بالتحفظ على غرضه الإلزامي المعلوم تحفظاً كاملاً أو ناقصاً.

 فحينئذٍ يرخص في كلا الطرفين، يعني: يرخص في دائرة حفظ الغرض الترخيصي لا في دائرة حفظ الغرض الإلزامي.

ومثل هذه التوسعة، التي هي عبارة أخرى عن الترخيص في كلا الطرفين، فيه تمام خصائص الحكم الظاهري؛ لأنَّ طبيعة الحكم الظاهري -كما عرفنا- عبارة عن خطاب نابع من نفس المنبع الواقعي للمبادئ والملاكات بعد فرض وقوع التزاحم بينها في مقام الحفظ بلحاظ شكّ المكلّف وجهله. وهذا ينطبق بتمامه على الترخيص في المقام في تمام الأطراف، فالترخيص في تمام الأطراف 

ــــــــــ[109]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

يحتوي على حقيقة الحكم الظاهري(1).

فهذا هو مدّعانا في المقام؛ وبناءً على مسلكنا هذا المطلب في غاية الوضوح -وهو تعقّل الترخيص في تمام الأطراف وعدم مانعية العلم الإجمالي عن ذلك- لكون هذا الترخيص يحتوي على حقيقة الحكم الظاهري والملاك المصحح لتعقله.

بعد هذا نأتي إلى البيانات المذكورة في مقام مانعية العلم الإجمالي عن الترخيص، استيفاء للبرهنة على المدّعى.

 وهنا يوجد بيانات ثلاثة: للمحقّق النائيني، وللمحقّق الخراساني، وللمحقّق العراقي، ونناقش كلّ واحدة على حدة. 

[أمّا مدرسة المحقّق النائيني]

 يعني: هو ومن تبعه في كلّ ذلك السيّد الأستاذ، فقد ذكروا في المقام(2): بأنَّ الترخيص في تمام أطراف العلم الإجمالي غير معقول ثبوتاً؛ وذلك لأنّه: إذنٌ في المعصية وترخيصٌ بها، والمعصية قبيحة بحكم العقل، وحينئذٍ فيؤدّي إلى الترخيص في القبيح، وهو غير معقول.

ظاهر كلام هذه المدرسة هو حصر نطاق النظر في مقام بيان عدم تعقّل الأصول الترخيصية في مرحلة المضادة بين الترخيص الظاهري وحكم العقل بالمنجّزيّة وبوجوب الامتثال؛ من دون دعوى المضادة بين الحكم الظاهري 

ــــــــــ[110]ــــــــــ

() إذن، فلا منافاة بين الترخيص في المخالفة القطعية والتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

(2) انظر: أجود التقريرات 2: 51.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ونفس التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، يعني: أنّهم سكتوا عن هذه الناحية ولم يصرحوا بأنَّ هناك مضادة بحسب اعتقادهم بين الأصول الترخيصية في تمام الأطراف وبين التكليف المعلوم بالإجمال. وهذا السكوت حسن وموافق لما حقّقناه.

فكأنّهم قصروا النظر على ملاحظة حكم العقل بقبح المعصية، فذكروا أنَّ الترخيص في المخالفة القطعية ترخيص في معصية التكليف الواصل، والترخيص في القبيح قبيح.

وهذا الذي ذكروه مبني على البحث في أنَّ حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية وقبحها هل هو حكم تنجيزي أو تعليقي؟ فإن فرض أنّه تنجيزي، يعني: أنَّ العقل يحكم بقبح المخالفة القطعية حكماً تنجيزياً غير معلّق على عدم شيء من قبل المولى، فلا محالة يكون الترخيص في المقام ترخيصاً فيما هو قبيح بالفعل، ومنجّز القبح وهو غير معقول بالنسبة إلى المولى.

وأمّا إذا فرضنا أنَّ القبح كان قبحاً تعليقياً، فحينئذٍ لا مانع من أن يرفع موضوع الحكم العقلي في المقام، بتبديل ما علّق عليه من النقيض إلى النقيض. إذن، فلا بُدّ من أن تنتهي النوبة إلى البحث في أنَّ حكم العقل في المقام بقبح معصية المولى هل هو حكم تنجيزي أو حكم تعليقي؟ 

والمتبنّى لهذه المدرسة أنَّ حكم العقل في المقام حكم تنجيزي لا تعليقي، وبهذا لا يرتفع بتبديل موضوعه، فلو رخص المولى لكان ترخيصاً في القبح لا رفعاً لموضوع القبح الثابت بحكم العقل. 

ــــــــــ[111]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وهذا المطلب يحتاج إلى تمحيص دقيق؛ وذلك لأنّه إن أريد بكون حكم العقل في المقام حكماً تنجيزياً -إنَّ حكم العقل بمولوية المولى ووجود حقّ الطاعة له حكم تنجيزي وغير معلّق على قبول المولى وعدم رفضه- فهذا صحيح، فإنَّ المولى لا يمكنه أن ينسخ مولويته بعد فرض كون هذه المولوية ذاتية له كوجوب وجوده، فهذه المولويّة أمر ذاتي للمولى الحقيقي وحكم العقل بها تنجيزي لا تعليقي، إلَّا أنَّ هذا لا أثر له في المقام كما سوف يظهر.

وإن أرادوا من تنجيزية حكم العقل: أنّه بعد فرض أنَّ المولوية ثابتة للمولى أنَّ قبح ظلم المولى وسلبه حقّه، تنجيزي، فهذا أيضاً ممّا لا إشكال أنّه تنجيزي، ولا يمكن للمولى أن يرخص في هذا المطلب؛ لأنّه ترخيص في الظلم؛ إذ المفروض أنَّ هذا الحقّ لا يسقط ولا يخرج عن كونه مولى، فلو رخص في انتهاك حرمته لكان هذا ترخيص في الظلم.

إلَّا أنَّ كلتا هاتين التنجيزيتين لا تنفع في المقام شيئاً، فإنَّ من يدّعي تصوّر الترخيص في المخالفة القطعية في أطراف العلم الإجمالي، لا يدّعي أنَّ مرجع هذا الترخيص إلى أنَّ المولى يسلب مولويته أو حقّ للطاعة عنه، فليس للترخيص الذي نتصوّره يؤدي إلى معنى ينافي كلتا هاتين التنجيزيتين.

 وإنَّما الترخيص الذي نتصوّره هو بحسب الحقيقة شكل من أشكال إعمال المولى لمولويته وفقاً لأغراضه المولوية ومصالحه ومفاسده، فإنَّ المولى وقع في محذور التزاحم بين غرضين من أغراضه المولوية -غرض الإلزام والإباحة- وقع التزاحم في مقام الحفظ التشريعي، فالترخيص هنا ليس سلباً لمولوية المولى 

ــــــــــ[112]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ولا إذناً في انتهاك حرمته، وإنَّما هو اتخاذ موقف تشريعي من قبل المولى إعمالاً لمولويته في مقام التحفّظ على الغرض الأهمّ في قبال الغرض غير الأهمّ.

فلو قيل: بأنَّ هذا ممّا لا يجوز للمولى، لكان هذا -في الحقيقة- حدّاً لمولويته، لا أنّه تنجيزية لمولويته، من قبيل الحدّ الثابت له بمعنى عدم جواز التكليف بغير المقدور، فلو ثبت أنَّ المولى(1) لا يجوز أن يعمل مولويته باتخاذ هذا الموقف التشريعي نتيجة للتزاحم الواقع عنده ما بين أغراضه الواقعية، فهذا يكون حداً لمولوية المولى لا تنجيزية لها أو لحكم العقل بقبح المعصية، فإنَّ هذا كلّه أجنبي عن مرتبة قبح المعصية وهتك المولى وظلمه، فإنَّ ظلمه إنَّما يكون بعد فرض اتخاذ المولى الموقف التشريعي الذي يناسب مع أغراضه بإعمال مولويته، فلا تكون مسألة هتك المولى مانعاً(2) للمولى عن إعمال مولويته في مقام اتخاذ مثل هذا الموقف التشريعي، كل هذه الألفاظ لا نعقل لها معنى ومحصلاً في المقام. 

إذن، فتنجيزية حكم العقل بقبح المعصية أجنبي عن هذا الباب، وهو الترخيص بالمعنى الذي ذكرناه في ارتكاب أطراف العلم الإجمالي.

وبهذا يظهر أنَّ الترخيص في تمام الأطراف، كما أنّه يحتوي على حقيقة 

ــــــــــ[113]ــــــــــ

() ومثل هذا لا يدّعيه أحد بلا إشكال وهو خلاف الضرورة، (المحاضرة). (المُقرِّر).

(2) ولا معنى لأن يقال بأنَّ حكم العقل بثبوت المولوية للمولى، أو حقّ الطاعة له، أو قبح ظلمه يمنع المولى عن إعماله لمولويته في مقام التحفّظ على أغراضه الواقعية، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الحكم الظاهري(1) وعلى ملاك تصحيحه وجمعه مع الحكم الواقعي المعلوم بالإجمال، ولا منافاة بينهما، كذلك لا منافاة بينه وبين أحكام العقل التي هي في طول إعمال المولى لمولويته؛ لأنَّ هذا الترخيص بالمعنى الذي بينّاه هو نحو إعمال للمولى لمولويته في مقام التحفظ على أغراضه، وتمام أحكام العقل في عالم الامتثال والعصيان، إنَّما هي في طول إعمال المولى لمولويته في مقام التحفّظ على أغراضه الواقعيّة.

إذن(2)، فلا منافاة ما بين الترخيص في المخالفة القطعية والتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال. وتوهم المنافاة بدعوى المضادة بين مبادئ الحكم الظاهري ومبادئ الحكم الواقعي مدفوعة على ما بيناه إذ ليس للحكم الظاهري مبادئ وراء نفس مبادئ الأحكام الواقعية، غاية الأمر أنَّ تلك المبادئ نبع منها خطاب قبل فرض وقوع للتزاحم بينها في مقام الحفظ وهو الخطاب الواقعي، ونبع منها في المرتبة المتأخّرة خطاب آخر بعد فرض وقوع التزاحم، فليس للحكم الظاهري مبادئ زائداً على المبادئ الواقعية لتأتي شبهة اجتماع الضدين. 

وكذلك لا تأتي شبهة نقض الغرض بدعوى أنَّ المولى بترخيصه بالمخالفة القطعية ينقض غرضه من التكليف المعلوم بالإجمال، فإنَّ هذا وإن كان نقضاً للغرض إلَّا أنّه نقض له في مقام التحفّظ على غرض أهم منه في مقام التزاحم 

ــــــــــ[114]ــــــــــ

() فهو لا ينافي التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، (المحاضرة). (المُقرِّر).

(2) قال بعد أن لخّص فكرة عن الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري: إذن… (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

بينهما في مقام الحفظ، ومثل هذا أمر عقلي وعقلائي(1).

وبما ذكرناه ظهر الفرق بين العلم الإجمالي والعلم التفصيلي، فإنّه لا يُتصوّر في موارد العلم التفصيلي بالإلزام إذن المولى وترخيصه في المخالفة بخلافه في موارد العلم الإجمالي؛ إذ قد تصوّرنا الآن إذن المولى بالمخالفة القطعية وترخيصه في ذلك.

وتمام النكتة بين العلم الإجمالي والتفصيلي: أنّه في العلم الإجمالي فرضنا أنَّ الترخيص في المخالفة القطعية -أي: في ارتكاب تمام الأطراف- هو حكم ناتج عن وقوع التزاحم بين نفس المبادئ الواقعية في عالم التحفظ التشريعي عليها، بلحاظ اختلاطها وتردد المكلّف بين كون هذه الواقعة من المحرمات أو المباحات.

 ومثل هذا التزاحم غير معقول في موارد العلم التفصيلي، فإنّه لو فُرض أنَّ المكلّف علم تفصيلاً ما هو الحرام وما هو المباح، لا يُعقل فرض تزاحم في عالم الحفظ لينشأ من هذا التزاحم الترخيصي في الحرام أو المنع من المباح.

فإنَّ نفس الخطابات الواقعية الأوّلية، التي كانت نابعة من المبادئ الواقعية تكفي بنفسها لحفظ أغراض المولى بالعلم التفصيلي بلا حاجة إلى فرض خطاب آخر في المقام، فيكون الخطاب الآخر والإذن في ارتكاب الحرام المعلوم تفصيلاً محض نقض للغرض وهو غير معقول وبلا مبرر أصلاً، لأنَّ المبرر ليس إلَّا 

ــــــــــ[115]ــــــــــ

() ثُمَّ ذكر موجزاً عن منافاة الترخيص مع حكم العقل، نعرفه في حدود القسم الأخير من المحاضرة السابقة. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وقوع التزاحم في عالم الحفظ وهو لا يتصوّر مع العلم التفصيلي؛ فهذه هي النكتة في الفرق بين موارد العلم التفصيلي والإجمالي.

وتتمّة الكلام في ذلك -يعني: في عدم معقولية الإذن والترخيص في مخالفة العلم التفصيلي- موكول إلى بحث القطع.

هذا فيما يرجع إلى كلام المحقّق النائيني والسيّد الأستاذ.

نقل كلام المحقّق الخراساني في المقام ومناقشته

بعد هذا ننتقل إلى كلام المحقّق الخراساني(1) وهو يختلف عن المحقّق النائيني، حيث إنَّ النائيني قصر النظر في مقام بيان المانع الثبوتي على المعارضة بين الترخيص بالمخالفة القطعية وحكم العقل بقبح المعصية، دون أن يصرّح بسريان هذه المعارضة والمصادمة إلى نفس التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال مع الترخيصات الظاهرية، إلَّا أنَّ صاحب الكفاية بيّن أنَّ المحذور الثبوتي هو المصادمة بين نفس الترخيصات الظاهرية والتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال.

وذلك لأنَّ التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، إمّا أن يكون بالغاً إلى مرتبته الفعلية، وإمّا أن لا يكون بالغاً، ولا يبلغ ولو بلحاظ العلم الإجمالي، بحيث يُحتاج إلى فعليته إلى طريق آخر غير العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي مثلاً، فإذا فُرض أنَّ العلم الإجمالي تعلّق بمثل هذا التكليف الإنشائي، فمثل هذا العلم الإجمالي بمثل هذا التكليف لا أثر له؛ لأنَّ التكاليف الإنشائية غير البالغة إلى مرتبة الفعلية لا تنجّز ولا تدخل في دائرة حقّ الطاعة، وهذا خارج عن محلّ الكلام.

ــــــــــ[116]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 268.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وأمّا إذا فرضنا أنَّ العلم الإجمالي تعلّق بتكليف إنشائي قد وصل إلى مرتبة الفعلية إمّا في المرتبة السابقة على العلم الإجمالي أو بلحاظ العلم الإجمالي، وقد تمّت شرائط فعليته، فأصبح تكليفاً فعلياً، ففي مثل هذا يستحيل الترخيص في أطراف مثل هذا العلم الإجمالي، لا في جميعها ولا في بعضها؛ لأنَّ الترخيص في جميعها يوجب القطع باجتماع حكمين فعليين متضادين(1)، حيث إنَّ الواقع فعلي بحسب الفرض والحكم الظاهري أيضاً فعلي والأحكام الفعلية متضادة فيما بينها.

 ولو رخّص في بعض الأطراف دون بعض يلزم من ذلك احتمال اجتماع الضدين، حيث نحتمل أنَّ التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال هو في طرف الرخصة لا في الطرف الآخر، وهذا يؤدّي إلى احتمال اجتماع الضدين. وحينئذٍ فيستحيل الترخيص لا في تمام الأطراف ولا في بعضها. فتمام السر في استحالة الترخيص ثبوتاً هو التضاد بين الأحكام الشرعية في مرتبته الفعلية.

يقول: ولو كانت التكاليف في الشبهات البدوية المشكوكة كانت أيضاً تكاليف فعلية لاستحالة الترخيص حتّى في الشبهة البدوية؛ لأنّه يؤدّي إلى احتمال اجتماع الضدين، وإنَّما نلتزم بجريان البراءة -مثلاً- في الشبهات البدوية للبناء على عدم كون التكاليف الواقعية المشكوكة واصلة إلى مرتبة الفعلية.

ومن هنا يظهر أنَّ حال العلم الإجمالي عنده حال الشكّ البدوي، من حيث الميزان والضابط الكلي؛ لأنَّ الضابط الكلي هو أنَّ التكليف الواقعي سواء كان 

ــــــــــ[117]ــــــــــ

() وهذا محال، (المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

معلوماً تفصيلاً أو إجمالاً أو مشكوكاً بدواً إن كان تامّ الفعلية فيستحيل جعل الحكم الظاهري في قباله في أيّ من هذه الموارد. 

وإذا فرضنا أنّه لم تتمّ فعليته بعد وكان معلّقاً في فعليته على تعلّق طريق مخصوص به، فحينئذٍ من المعقول الترخيص فيه؛ لأنّه لا يلزم من ذلك اجتماع الحكمين المتضادين الفعليين، غاية الأمر نحن في الشبهات البدوية نفترض التكاليف الواقعية غير تامّة الفعلية ولو بقرينة أدلّة الأصول نفسها.

 وأمّا في موارد العلم الإجمالي، فنفترض -فرضاً واعتباطاً- أنَّ العلم الإجمالي(1) قد تعلّق بتكليف تامّ الفعلية ولو بلحاظ العلم الإجمالي، ونتكلّم في هذا الموضوع، فاختلاف حكم العلم الإجمالي مع الشبهة البدوية لا لفرق بين نفس الشكّ والعلم، بل لفرق في الفرضية التي نفترضها، وليس بينهما اختلاف في الحقيقة والروح.

بل بحسب الحقيقة لا فرق بين العلم الإجمالي والعلم التفصيلي أيضاً، بل بين الشكّ البدوي والعلم التفصيلي أيضاً، على هذه المباني، فإنَّ غاية ما ذكره صاحب الكفاية: أنَّ العلم الإجمالي إن كان قد تعلّق بتكليف تامّ الفعلية ولو بلحاظ العلم الإجمالي، فمثل هذا العلم الإجمالي يستحيل الترخيص في مخالفته؛ لأنّه يؤدّي إلى الجمع بين حكمين فعليين متضادين، وإن فرضنا أنَّ المعلوم الإجمالي لم تتمّ فعليته ولو بلحاظ العلم الإجمالي، بل يحتاج في فعليته إلى طريق أحسن، وهو العلم التفصيلي، ففي مثله لا بأس بالترخيص في مخالفته؛ 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

() وقد قام دليل وبرهان على أنَّ… إلخ، (المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

لأنَّ مثل هذا العلم الإجمالي لا يكون منجّزاً أصلاً.

نفس هذا التفصيل يمكننا أن نأتي به في موارد العلم التفصيلي أيضاً، فإنَّ العلم التفصيلي تارةً يتعلّق بحكم(1) يكون مثل هذا الحكم فعلياً ولو بلحاظ تعلّق العلم التفصيلي به، وأخرى يكون متعلقاً بحكم لا يكون فعلياً ولو بلحاظ تعلّق العلم التفصيلي به، بل يكون الدخيل في فعليته(2) تعلّق العلم الإجمالي به لا التفصيلي، في مثل ذلك أيضاً يأتي نفس هذا التفصيل، فلو تعلّق العلم التفصيلي بما يكون فعلياً ولو بلحاظه يستحيل الترخيص في خلافه؛ لأنّه جمع بين الحكمين الفعليين المتضادين. 

وإن تعلّق العلم التفصيلي بما لا يكون فعلياً ولو بلحاظه فيمكن الترخيص في مخالفته، ولا يكون جمعاً بين حكمين فعليين متضادين، فبحسب الحقيقة لا يبقى فرق بين العلم الإجمالي والتفصيلي والشك البدوي رأساً.

والذي دعا صاحب الكفاية إلى تصوّر الفرق بين العلم الإجمالي والتفصيلي على مبانيه استبعاد(3) فرض أن يكون فعلية الواقع لها حالة منتظرة بعد تعلّق العلم التفصيلي بها، بخلاف ما لو تعلّق العلم الإجمالي بها فإنّه قد يفرض أن يكون لها حالة منتظرة، ومثل هذا الاستبعاد لا يؤثّر فيما هو الملاك الكلي والفني في المقام. هذا خلاصة موقف صاحب الكفاية.

ــــــــــ[119]ــــــــــ

() يعني الحكم الواقعي. (المُقرِّر).

(2) وإنما تتمّ مبادئه وتعلّق الإرادة الفعلية به فيما إذا… إلخ، (المحاضرة). (المُقرِّر).

(3) هذا ليس استبعاد، بل هو مقطوع به لا محالة فيتم كلام الآخوند من هذه الناحية فتأمّل. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وقد انقدح حاله من التحقيقات السابقة؛ وذلك لأنّه إن أراد بكون التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال فعلياً، إن أراد بهذه الفعلية فعلية حفظه تشريعاً بعد فرض وقوع التزاحم بين المبادئ الواقعية نتيجة للاختلاط فيما بينهما، إن أراد ذلك فلا إشكال ولا ريب في أن الحكم الواقعي الفعلي بهذا المعنى يستحيل الترخيص في مخالفته، إلَّا أنَّ الفعلية بهذا المعنى هي مساوقة لعدم الترخيص فيه من قبل الشارع؛ إذ معنى كونه فعلياً في مقام التحفّظ عليه بعد فرض وقوع التزاحم بين المبادئ في عالم الحفظ، هو عدم الترخيص فيه والإلزام وإيجاب الاحتياط من ناحيته، فكأنّ هذا يرجع إلى هذا الحكم الواقعي الذي لم يرخص فيه ظاهراً يستحيل أن يرخص فيه ظاهراً. وهذا من الكلمات البديهية، وليس كلامنا في ذلك؛ إذ ليس كلامنا في معقولية الترخيص في التكليف المعلوم بالإجمال بعد افتراض عدم هذا الترخيص.

وإن أراد بالفعلية، فعليته الواقعية في عالم الجعل والتشريع، فالفعلي بهذا المعنى يجتمع مع الحكم الظاهري على الخلاف، على ما بيّنا في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية، وأن الحكم الواقعي مع التحفّظ على فعليته ووجود المبادئ التامّة بالنسبة إليه، سواء أريد من الفعلية الثبوتية: فعلية مبادئه أو فعلية موضوعه خارجاً، على كلّ حال مع التحفّظ على هذه الفعليات يمكن الترخيص في خلافه نتيجة لوقوع التزاحم بين المبادئ الواقعية بعد اختلاط بعضها ببعض.

هذا هو خلاصة التعليق على موقف المحقّق الخراساني.

ــــــــــ[120]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

موقف المحقّق العراقي في المقام ومناقشته

قلنا: إنّ المحقّق النائيني نظر في مقام تقرير مانعية العلم الإجمالي عن جريان الأصول المرخصة في تمام الأطراف، نظر إلى المصادمة بين الترخيص في تمام الأطراف وحكم العقل بقبح المعصية ووجوب الامتثال للتكليف المعلوم بالإجمال، ولم يتعرض للنسبة ما بين الترخيص الظاهري ونفس التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، والمحقّق الخراساني على العكس، فكلّ منهما تكلّم في مرحلة من التنافي غير ما تكلّم فيه الآخر.

أمّا المحقّق العراقي(1) فقد نظر إلى كلتا المرحلتين وتكلّم بنحو يستوعب التنافي بين الترخيص الظاهري والتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، والتنافي بينه يعني الترخيص الظاهري وبين حكم العقل بقبح المعصية، بل ربط أحد التنافيين بالآخر وجعل أحدهما نتيجة لتنافي الآخر على ما يظهر.

وتوضيح ما أفاده في المقام يتوقّف على استذكار ما هو مسلكه في الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية وفتواه فيها إجمالاً، وقد تقدم تفصيله في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية(2)

وإجمال ذلك: أنَّ المحقّق العراقي يتصوّر وجود غرضين وإرادتين للمولى 

ــــــــــ[121]ــــــــــ

() انظر: نهاية الأفكار 2: 296. 

(2) راجع ص 166 وما بعدها من الدفتر السابع، ولا يخفى ما في هذا التقرير من اختلاف في العرض عن ذلك التقرير السابق، فلاحظ. (المقرّر). [ص159 وما بعدها من الجزء 8 من هذه التقريرات].

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

في مورد التكليف بصلاة الجمعة مثلاً:

أحدهما: الغرض المولوي القائم بذات الفعل، أي: ذات الدعاء عند رؤية الهلال؛ لأنّه محبوب للمولى وواجد لجهات المصلحة.

والغرض الآخر: هو الغرض الذي يقوم بنفس جعل إيجاب الدعاء عند رؤية الهلال، فإنَّ هذا الجعل فعل من أفعال المولى، ويكون قهراً باعتبار غرض أيضاً.

 وشبهة التنافي بين الحكم الواقعي والظاهري، هي شبهة ذات وجهين باعتبار هذين الغرضين، فبلحاظ الغرض الأوَّل القائم بذات الفعل تأتي شبهة اجتماع الضدين، حيث إنَّ للمولى غرض لزومي في الدعاء ومع ذلك يرخص فيه ظاهراً، ومن ناحية الغرض الآخر القائم بنفس الخطاب وهو غرض البعث والتحريك والتوصل به إلى مقصوده. تأتي مسألة نقض الغرض، حيث إنَّ الترخيص الظاهري نقض للغرض من هذا الخطاب الواقعي.

أمّا الإشكال الأوَّل، وهو إشكال اجتماع الضدين، من حيث التنافي بين جعل الحكم الظاهري والغرض الأوَّل القائم بذات الفعل، فيجيب عنه صاحب (المقالات) أنَّ هذين الغرضين لا تنافي بينهما باعتبار الطولية وعدم الوحدة في الرتبة، بتفصيل لا يسعه المقام، كما سبق في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية، وسبق الإشكال عليه.

وأمّا من ناحية الإشكال الثاني، وهو إشكال نقض الغرض، باعتبار ملاحظة الحكم الظاهري مع الغرض القائم بنفس الخطاب والحكم الواقعي، 

ــــــــــ[122]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فيجيب عن ذلك: بأن الغرض من الخطاب الواقعي لا ينتقض بجعل الحكم الظاهري؛ لأنَّ الغرض من الخطاب الواقعي هو غرض مقدّمي، أي: التوصل إلى مراده. إلَّا أنَّ هذا الخطاب الذي تعلّق به غرض مقدّمي إنَّما تعلّق به ذلك باعتبار كونه مقدّمة لإيصال إلى المطلوب.

 ومن المعلوم أنَّ كلّ مقدّمة، إنَّما يتعلّق بها الغرض المقدّمي بمقدار استعدادها للتوصل إلى المقصود الأصلي، فالغرض من كلّ خطاب ليس بحسب الحقيقة إلَّا التوصل إلى المقصود الأصلي بمقدار قابلية الخطاب لا أكثر منها، كما هو الحال في كلّ شخص يأتي بمقدّمة توصلاً إلى ذي المقدّمة، فإنَّ غرضه منها هو التوصل بمقدارها لا أزيد.

فحينئذٍ لا بُدّ أن يرى أنَّ استعداد الخطاب للتوصل إلى المقصود بأيّ مقدار، وحينئذٍ يقال: إنَّ استعداده للتوصل إنَّما هو بمقدار ما يكون منجّزاً وعليه طريق تامّ الطريقية. وأمّا بمقدار لا يكون منجّزاً أو لا يكون عليه طريق تام الطريقية، فلا يكون مستعداً للإيصال إلى المقصود، فلا معنى لأن نقول: بأنَّ المولى غرضه من الخطاب هو التوصل إلى المقصود سواء تنجّز الخطاب أو لم يتنجّز، فإنَّ هذا غير معقول؛ لأنَّ كلّ مقدّمة إنَّما يكون غرضها بمقدار استعدادها الذاتي للإيصال إلى ذيها لا أكثر.

 والاستعداد الذاتي للخطاب الواقعي للإيصال إلى ذيه إنَّما هو بمقدار تنجّزه لا أكثر.

إذن، فالغرض من الخطاب الواقعي هو التوصل به بمقدار تنجّزه، فلا 

ــــــــــ[123]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ينافي ذلك الترخيص في ترك الدعاء عند رؤية الهلال في حالات عدم تنجّز الخطاب، إمّا بأن يكون عدم التنجّز مفروضاً في المرتبة السابقة، كما إذا فُرض أنَّ الخطاب كان في نفسه مشكوكاً وقلنا بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، فالخطاب في نفسه غير منجّز فأيّ مانع للمولى بأن يرخص، ولا يكون ترخيصه نقضاً للغرض من الخطاب؛ لأنَّ الغرض منه هو التوصل بمقدار المنجّزيّة وهو لا ينافي مع الترخيص المساوق لعدم المنجّزيّة.

بل لا مانع عن ترخيص الشارع فيما لو استند عدم منجزيته إلى ترخيص الشارع، كما لو فرض أننا أنكرنا قاعدة قبح العقاب، وقلنا: بأنَّ الاحتمال في نفسه منجّز ما لم يرخص الشارع، فترخيص الشارع يصبح هو المنشأ في عدم تنجز الخطاب. إذن، في هذه الحالة لا يلزم نقض الغرض من جعل الترخيص؛ إذ إنَّ الترخيص يكون مجعولاً بنحو مساوق لعدم تنجّز الخطاب والمفروض أنَّ الغرض من جعل الخطاب إنَّما هو التوصل فيه بمقدار منجّزيته لا أكثر. وبهذا يندفع إشكال نقض الغرض، وبهذا تُعقل تصوير الأحكام الظاهرية. هذه حاصل الصورة العلمية الفتوائية لآغا ضياء لهذا المبحث.

وبعد فهم هذه الصورة واستذكارها نقول: إنَّ المكلّف إذا علم إجمالاً بحكم إلزامي بحرمة أحد شيئين، فحينئذٍ إمّا أن نقول: بأنَّ حكم العقل بقبح المعصية حكم تنجيزي لا تعليقي على عدم الترخيص من قبل الشارع، وإمّا أن نقول: إنَّ العلم الإجمالي إمّا ليس منجّزاً أصلاً أو منجّز ولكن حكم العقل بتنجّزه حكم تعليقي على عدم إذن الشارع بالمخالفة القطعية.

فإذا فرضنا أنَّ حكم العقل بالمنجّزيّة، وبقبح المخالفة القطعية، كان حكماً 

ــــــــــ[124]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

تعليقياً، معلّقاً على عدم ورود الرخصة من قبل الشارع، فلا مانع في المقام من وجود الترخيص في تمام أطراف العلم الإجمالي، ولا يكون هناك منافاة لا بين الترخيص وحكم العقل، ولا بين الترخيص والتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال. 

أمّا بين الترخيص وحكم العقل؛ فلأنَّ الترخيص رافع لموضوع حكم العقل فإنَّ حكمه معلّق على عدم وروده. وأمّا أنّه لا منافاة بين الترخيص والتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، فلأنَّ المنافاة إنَّما هي بأحد وجهين. إمّا من ناحية شبهة اجتماع الضدين، وإمّا من ناحية شبهة نقض الغرض.

أمّا شبهة اجتماع الضدين بلحاظ الغرض الأوَّل القائم بذات الفعل، فجوابها الطولية وتعدّد الرتبة. والطولية لا يفرق فيها بين موارد أطراف العلم الإجمالي وغيرها، فإنه بالآخرة الترخيص المجعول في أطراف العلم الإجمالي، أخذ في موضوعه الشكّ في حكم الذات، فهو حكم في طول الحكم الأوَّل للذات، وهو معنى الطولية. 

وأمّا شبهة نقض الغرض الثاني القائم بنفس هذا الخطاب، أيضاً يندفع؛ لأنّنا بينّا أنَّ الغرض من كلّ خطاب إنَّما هو التحريك والتوصل إلى المراد بمقدار الاستعداد الذاتي للخطاب. والاستعداد الذاتي للإيصال في كلّ خطاب إنَّما هو بمقدار منجّزيته لا أكثر منها، والمفروض في المقام أنَّ الشارع حينما يرخص في المخالفة القطعية يرفع بذلك موضوع المنجّزية، لأنّنا فرضنا أنَّ حكم العقل بالمنجّزيّة معلّقاً على عدم إذن الشارع. إذن، فالخطاب في هذه الحالة منجّزاً. وإذا لم يكن منجزاً فلا تكون هذه الحالة مشمولة للغرض القائم بنفس 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الخطاب؛ لأنَّ الغرض القائم به إنَّما هو التوصل به بمقدار منجّزيته، فلا يلزم من ذلك نقض الغرض أيضاً. هذا كلّه لو فرض أنَّ حكم العقل تعليقي.

وأمّا إذا بنينا على أنَّ حكم العقل بقبح المخالفة القطعية تنجزي لا تعليقي، فالمنجزية ثابتة على كلّ حال سواء أذن الشارع أو لا، ففي المقام يحصل مصادمة بين الترخيص وبين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال نتيجة للمصادمة بين الترخيص وحكم العقل؛ لأنَّ العقل يحكم بأنَّ المخالفة القطعية قبيحة ولو أذن الشارع فيها، فيكون إذن الشارع فيها إذناً في القبيح وهو محال.

 هذه المصادمة تسري إلى نفس التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال فتحصل مصادمة بينه وبين الترخيص الظاهري؛ لأنَّ شبهة نقض الغرض تأتي هنا بلا دافع؛ لأنَّ الغرض من الخطاب كما بيّنا، هو التوصل به بمقدار استعداده الذاتي، أي: بمقدار منجّزيته، والمفروض أنّه منجّز حتّى بعد إذن الشارع. إذن، فالغرض الخطابي فعليّ حتّى بعد إذن الشارع، فيكون إذن الشارع نقضاً لهذا الغرض. فبناءً على تنجّيزية حكم العقل يستحيل الترخيص في تمام الأطراف.

لوقوع مصادمة بين الحكم الظاهري وبين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال نتيجة للمصادمة بين الحكم الظاهري وحكم العقل. وهذا معنى أنّه نظر إلى كلتا الجهتين ولم يقصر نظره على أحدهما دون الآخر.

وبعد أن يشقّق بهذا النحو، يختار الشقّ الثاني، وهو أنَّ حكم العقل بقبح المعصية وحرمة المخالفة القطعية، حكم تنجيزي، فيستحيل حينئذٍ الترخيص في المخالفة القطعية، ويكون الترخيص فيها مصادماً لا مع حكم العقل فقط، بل 

ــــــــــ[126]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

مع التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال أيضاً(1).

ويستدل على تنجيزية حكم العقل بارتكاز المناقضة بين الترخيص الظاهري في الأطراف وبين التكليف المعلوم بالإجمال، حيث إنه تبيّن من هذا التشقيق الذي أوضحناه أنّه لو كان حكم العقل تعليقياً فلا تصادم بين الترخيص الظاهري في الأطراف والتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، وأمّا لو كان تنجيزياً فتسري المصادمة إلى الحكم الظاهري مع الحكم الواقعي، فالتصادم والتناقض بين الحكمين الظاهري والواقعي معلول لتنجيزية حكم العقل.

ويقول: بأنَّ هذا المعلول ارتكازي في أذهان العقلاء، بحيث إنّهم لو صدّقوا صدور التكليف المعلوم بالإجمال من قبل المولى يأبون عن التصديق، بمقتضى عقلائيتهم بصدور ترخيص آخر من قبل المولى في تمام الأطراف، فهذا الارتكاز يكون كاشفاً إنّاً عن تنجيزية حكم العقل؛ إذ لولا تنجيزيته لما كان هناك تناقض. هذا تمام ما أفاده المحقّق العراقي.

[الإشكال على ما أفاده المحقّق العراقي]

إلَّا أنَّ هذا الذي أفاده لا يمكن المساعدة عليه وفيه وجوه من الإشكال:

الإشكال الأوّل 

 منها أنّه لو فرض في المقام أن حكم العقل كان تنجيزياً لا تعليقياً، فغاية وقوع المصادمة بين حكم الشارع بارتكاب تمام الأطراف مع حكم العقل. وبناءً على تصوراته لا ينبغي إسراء هذه المصادمة إلى الحكم الظاهري مع نفس التكليف 

ــــــــــ[127]ــــــــــ

() بالبيان الذي بيّناه، (المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الواقعي؛ لأنَّ إسراء هذه المصادمة من مرحلة حكم العقل إلى مرحلة التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، كان بتخيّل أنَّ شبهة نقض الغرض ليس لها دافع حينئذٍ؛ لأنّنا إنَّما دفعناها بأنَّ الغرض القائم بالخطاب إنَّما هو بمقدار استعداده الذاتي ومنجزيته، والمفروض أنَّ المنجّزيّة في المقام ثابتة، فيكون الغرض الخطابي فعلياً، فيكون الترخيص على خلافه نقض للغرض، فتحصل المصادمة بين التكليف الواقعي والظاهري.

إلَّا أنَّ الصحيح في المقام أنَّ ما هو منقّح في المرتبة السابقة، هو أنَّ الغرض الخطابي أو المقدّمي لا يُعقل أن يكون أوسع من استعداد المقدّمة، لا أنّه يجب أن يكون مطابقاً مع استعدادها.

فمثلاً: لو أنَّ شخصاً يريد أن يسقي الناس فيضع (حبّاً) من الماء في الطريق مقدّمة للشرب منه، فالغرض من هذه المقدّمة لا يُعقل أن يكون أوسع من مقدار استعدادها الذاتي للتوصل إلى الحكم، فلا معنى لأن يقال: بأنَّ الغرض من هذه المقدّمة هو إشباع الجائعين أيضاً؟!!

هذا صحيح، أمّا أنّه لا بُدّ أن يكون غرضه المقدّمي من هذه المقدّمة هو بمقدار تمام الاستعداد الذاتي لها، هذا المطلب غير لازم؛ ولهذا قد يكون غرضه من نصب هذا (الحب) إرواء العدول من سكان هذا الزقاق دون غيرهم، غايته أنّه لا ينصب شُرطياً لمنع غير العدول.

 فلو فرضنا أنّه تمكن من نصب شرطي لمنع غير العدول أيكون هذا نقضاً للغرض؟ بأن يقال: بأنَّ الغرض المقدّمي من كلّ مقدّمة يجب أن يكون بمقدار استعدادها الذاتي. وهذه المقدّمة لها استعداد ذاتي لإرواء فساق هذا الزقاق 

ــــــــــ[128]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فنصب الشرطي لمنعهم نقض للغرض؟ لا يقول ذلك عاقل.

 والنكتة فيه: هو أنَّ البرهان في باب الأغراض المقدّميّة إنَّما قام على أنَّ الغرض المقدّمي يستحيل أن يكون أوسع من الاستعداد الذاتي للمقدّمة لا أنّه يجب أن يكون بمقدارها، بل قد يكون أضيق من استعدادها الذاتي.

فإذا اتضحت هذه النكتة يتضح الإشكال في المقام: حيث إنَّ الخطاب الواقعي لا يمكن أن يكون الغرض منه أوسع من استعداده الذاتي، كأن يكون الغرض من التوصل إلى المقصود ولو في حالات عدم منجزيته. هذا غير معقول، لكنه يُعقل أن يكون الغرض من الخطاب الواقعي التوصل إليه بمقدار أضيق من استعداده الذاتي كـ(الحبّ) تماماً، الذي استعداده الذاتي أوسع من العدول، إلَّا أنَّ الغرض بمقدارهم. 

كذلك الخطاب الواقعي استعداده الذاتي بمقدار تمام حالات المنجّزيّة، لكن الغرض الخطابي هو بمقدار بعض حالات المنجّزيّة، فلو رخّص في بعض حالات المنجّزيّة، حينئذٍ لا يكون هذا نقضاً للغرض؛ لأنَّ غرضه من أوَّل الأمر هو أضيق من دائرة الاستعداد الذاتي للمقدّمة. نعم، غاية ما عندنا أنه يكون الترخيص مصادماً مع حكم العقل، وهنا نرجع إلى كلام الميرزا، لكن لا يكون منافاة بين الترخيص والتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال.

الإشكال الثاني

ومن جملة وجوه الإشكال في المقام: هو أنّه لو سلّمنا هذا المطلب الذي يقوله، وهو: أنَّ المصادمة بين الترخيص وحكم العقل يسري إلى المصادمة بين الحكم الظاهري والواقعي.

 ــــــــــ[129]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

كيف عرف أنَّ حكم العقل تنجيزي لا تعليقي؟ يقول: نستكشفه بلحاظ ارتكاز المناقضة والمضادة بين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال وبين الترخيص الظاهري؛ إذ هذه المضادة من شؤون ومقدّمات تنجيزية حكم العقل، فيستكشف العلّة من ارتكازية المعلول.

هذا الاستدلال أيضاً غير فنّي في المقام؛ وذلك لأنَّ ارتكاز هذا المطلب في ذهن العقلاء إمّا أن يُفرض أنّه ثابت في أذهانهم باعتبار تعايشهم العقلائي، وإمّا ثابت في ذهنهم باعتبار الجهة العقلية محضاً.

فإن فُرض أنَّ ارتكاز المناقضة على النحو الأوَّل، فهذا لا يكشف عن تنجيزية حكم العقل، وإنَّما هذا الارتكاز هو ارتكاز صحيح ثابت منشأه هو عدم مكافأة المصلحة الترخيصية للمزاحمة مع مصلحة لزومية قطعية، فإنَّ الغالب في المصالح والمناسبات العقلائية أنّهم غير مستعدين لأن يرفعوا أيديهم عن مصلحة لزومية ويفوتونها تفويتاً جزمياً في سبيل التحفّظ على مصلحة ترخيصية. 

هذا هو وجه الارتكاز عند العقلاء بما هم عقلاء، وهو لا يكشف عن تنجيزية حكم العقل بوجه، وإنَّما معناه: أنَّ العقلاء يجرون قوانين باب التزاحم في مقام الحفظ بالنحو الذي شرحناه، ودائماً يُقدّمون المصلحة اللزوميّة على الترخيصية؛ لأنَّ تلك معلومة ومع العلم بها غير مستعدين لرفع اليد عنها، وهذا أمر موجود عند العقلاء وغير مربوط بالعقل.

وأمّا إذا ادّعى أنَّ العقلاء باعتبار الجهة العقلية محضاً يكون المركوز في ذهنهم أنَّ هناك تنافياً بين الترخيص في تمام الأطراف وبين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، فمثل هذا الحكم العقلي لو كان مركوزاً وواضحاً عند العقلاء 

ــــــــــ[130]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فليس هناك منشأ لوضوحه إلَّا الحكم العقلي الآخر، وهو تنجيزية حكم العقل بالمنجّزيّة، حيث إنَّ حكم العقل بالمنجّزيّة تنجيزي وليس تعليقياً؛ ولهذا يستنتج العقلاء من ذلك وقوع التناقض والتنافي ما بين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال وبين الترخيص.

ومعه يستحيل أن يكون هذا أقوى من ذاك حتّى يستدل عليه به؛ إذ يكون حكم العقل بالمنجّزيّة أخفى من حكم عقلي لا يمكن أن يتوصل إليه إلَّا بعد التوصل إلى الأوَّل؛ يستحيل أن يكون أقوى منه حتّى يجعل وضوح الثاني دليلاً على وضوح الأوَّل. إذن، فهذا الاستدلال غير صحيح.

والذي دفع المحقّق العراقي إلى التورط في هذا الاستدلال- بحسب الظاهر- هو الخلط ما بين العقل والعقلاء، حيث إنَّ هذا الارتكاز في أذهان العقلاء واضح(1)، بل هو أوضح بمراتب من تنجيزية حكم العقل، وقد وجد المحقّق العراقي بوجدانه ذلك؛ ولهذا استدل بالأوضح على الأخفى، حيث لم يجد مبرراً لهذا الأوضح إلَّا ذلك الأخفى، لكن الواقع أنَّ هذا الواضح لم ينشأ من ذلك الأخفى؛ لأنّه ارتكاز عقلائي لا عقلي. والنكتة فيه هو ما ذكرناه، فلا معنى للاستدلال بهذا الارتكاز على تنجيزية حكم العقل.

الإشكال الثالث

ومن الإشكالات: هو بطلان ما أفاده في مقام تصوير الجمع ما بين 

ــــــــــ[131]ــــــــــ

() ارتكاز المنافاة بين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال وبين الترخيص في تمام الأطراف، (المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الخطابات الواقعية والظاهرية، فإنّا ذكرنا فيما سبق أنّه لا معنى لأن يقال: إنَّ حكم العقل تنجيزي بنحو يأبى عن إذن الشارع وترخيصه بالمخالفة؛ لأنَّ تنجيزيته إن أريد بها تنجيزية مولوية المولى، أو تنجيزية قبح ظلمه فكلّ هذا لا ينافي مع إذن الشارع، فإنَّ المراد من إذن الشارع في تمام الأطراف إعمال لمولويته في مقام تمييز ما هو الأقوى من الأضعف عند التزاحم بين أغراضه الواقعية، وهذا مؤكّد لمولويته لا أنّه مانع عنها، فمثل هذا لا يكون حكم عقلي في قباله أصلاً. هذا تمام الكلام في التعليق على ما أفاده المحقّق العراقي.

فتلخص مما بينّاه أنّه لا مانع ثبوتي عن الترخيص في تمام أطراف العلم الإجمالي حتّى لو بُني على منجّزيّة العلم الإجمالي واستتباعه لوجوب الموافقة القطعية، فضلاً عن حرمة المخالفة القطعية(1)

في المانعية الثبوتيةعن الترخيص في بعض الأطراف

ومن هنا يظهر الحال في المانعية الثبوتية بالنسبة إلى بعض الأطراف، فإننا إذا فرضنا أن الأصل لا بأس بجريانه في تمام أطراف العلم الإجمالي، فكيف(2) بحاله في بعض الأطراف، فلا مانعية ثبوتية في جريان الأصل في بعض أطراف العلم الإجمالي.

ــــــــــ[132]ــــــــــ

() وهنا لخّص البراهين على ذلك بشكل فنّي مختصر إلَّا أنّه مستفاد ممّا سبق. (المُقرِّر).

(2) أعتقد أنَّ هذا الاستدلال بالأولوية، وأنَّ الدليل الذي أقامه على عدم المعارضة في تمام الأطراف ينطبق بنفس الملاك أو بالأولوية في عدم المعارضة عند جريانه في البعض لا محالة. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ومن هنا يظهر أنّنا بناءً على مسلكنا وهو قاعدة منجّزيّة الاحتمال، لا نحتاج إلى البحث في منجّزيّة العلم الإجمالي واقتضائه للشغل عقلاً، ومقدار منجزيته، هل إن مقدار منجزه ومنكشفه هو بمقدار الجامع أو بمقدار الواقع؟ لأننا هل نبحث عن هذه المسألة لأجل أن نحصّل المقتضي للتنجز، فهذا حاصل حتّى بقطع النظر عن العلم الإجمالي أو هو نفس الاحتمال.

 وإن كنا نبحث عن ذلك لأجل أن نصوّر مانعاً عقلياً ثبوتياً عن جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي، فقد اتضح الآن أنَّ منجّزيّة العلم الإجمالي وحكم العقل بشغل الذمة على طبقه لا يصلح أن يكون مانعاً عن جريان الأصول.

[المقام الثاني] الكلام في المانعية الاثباتية مع بيان المختار

بعد هذا ننتقل إلى المانعية الإثباتية: بعد الفراغ عن عدم المانع ثبوتاً فهل هناك مانع إثباتاً عن جريان الأصول في تمام أطراف العلم الإجمالي أو لا مانع؟

المعروف بين المحقّقين: أنّه لا مانع إثباتي، عن جريان أدلّة الأصول في تمام الأطراف؛ وذلك لتحقّق موضوع الأصل في كلّ طرف، فإنَّ موضوعه هو الشكّ وعدم العلم، وهو هنا محقّق في كلّ طرف من أطراف العلم الإجمالي، فإنَّ كلّ واحد من الأطراف مشكوك الحرمة في نفسه، فإذا كان الأمر كذلك، فيكون موضوع دليل (رفع ما لا يعلمون) -مثلاً- محقّقاً بالنسبة إليه فيشمله إطلاقه؛ ولذلك منعوا عن جريانها في الأطراف بلحاظ المانع الثبوتي لا الإثباتي.

نعم، هناك مسلك لبعضهم كالمحقّق النائيني، في خصوص الأصول 

ــــــــــ[133]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

التنزيلية، أنّها لا تجري في أطراف العلم الإجمالي على خلاف العلم الإجمالي، سواء أكانت ترخيصية أو مثبتة للتكليف؛ للمنافاة بين لسانها وبين العلم الإجمالي في كذب بعضها. وهذا المبنى نتعرض له في بحث الاستصحاب إن شاء الله.

إلَّا أنَّ الصحيح هو عدم شمول أدلّة الأصول لأطراف العلم الإجمالي لمانع إثباتي وقصور إثباتي يأبى عن تمامية إطلاقها في المقام. وما ذكره الأعلام من تمامية الإطلاق إنَّما هو بالنظر لملاحظة انطباق موضوع الأصل في كلّ طرف من أطراف العلم الإجمالي. إلَّا أنّهم لو رجعوا إلى عرفيتهم لحكموا بأنَّ أدلّة الأصول لا تشمل أطراف العلم الإجمالي، فإنَّ أيّ مولى عرفي إذا خاطب عبده، وقال له: إذا رأيت غريقاً وشكّكت في أنّه هل تهمني حياته أو لا فلا يجب عليك أن تهتم بإنقاذه.

 فهنا لا يفهم العبد من ذلك أنّه لو وجد غريقين يعلم بأنَّ أحدهما يحبه المولى مع هذا لا ينقذهما معاً، ثُمَّ يعتذر إلى المولى عن غرق الشخص الذي يحبه المولى: بأنني لاحظت كلّ واحد منهما بعنوانه فرأيت بأنّي لا أعلم بأنّك تهتم به. إذن، فكان خطابك منطبقاً على كلّ منهما، مثل هذا الكلام يكون مضحكاً لو تقدّم به مثل هذا المأمور إلى مثل هذا الأمر.

وليس الوجه في أنّه مضحك إلَّا أنَّ العرف لا يفهم من خطاب المولى هنا، الإطلاق والشمول لموارد العلم الإجمالي بحيث ينتج الترخيص في المخالفة القطعية. كذلك الحال بالنسبة إلى أدلة الأصول الشرعية، فإنّه لا إطلاق فيها لأطراف العلم الإجمالي بحيث ينتج الترخيص في المخالفة القطعية.

ــــــــــ[134]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ويمكن تقريب النكتة في ذلك -في عدم هذا الإطلاق الذي هو واضح قبل الالتفات تفصيلاً إلى النكتة، بحسب الفهم العرفي- بأحد وجهين أو كليهما:

الوجه الأوَّل: هو أنَّ المنسبق من أدلّة الأصول كـ(رفع ما لا يعلمون) أو (كلّ شيء حلال) أو (لا ينقض اليقين بالشك) هو جعل أحكام ظاهرية، كما بينّا في بحث الجمع بينها وبين الأحكام الواقعية. والأحكام الظاهرية، كما بينّا هناك، هي عبارة عن إعمال المولى مولويته في مرتبة التزاحم بين الأحكام الواقعية في مقام الحفظ، فمرجع (رفع ما لا يعلمون) هو أنَّ المولى يبرز عدم شدّة اهتمامه بالتكليف المحتمل أو الحرمة المحتملة في مقابل الترخيص المحتمل، فيرفع اليد عنها تحفظاً عليها.

والشيء الذي نريد أن نقوله هنا: هو أنَّ ظاهر أدلّة: الأصول، هو كونها مسوقة لفرض التزاحم بين غرضيين احتماليين لمولى، أحدهما هو الحرمة والآخر هو الإباحة، لا أدري أنَّ شرب التتن حرام أو مباح. في مثل هذا التزاحم يقول: (رفع ما لا يعلمون) بأنَّ اهتمامي بالحرمة المحتملة ليس بمقدار بحيث أوجب الاحتياط من ناحيتها وأرفع يدي عن مسألة الترخيص المحتمل، بل يقدّم هذا الترخيص على الحرمة المحتملة.

 وهذا التقديم أيضاً إمّا أن يكون بلحاظ أهميّة المحتمل، كما هو الحال في الأصول، بلحاظ أنَّ الأغراض الترخيصية أهم من الإلزامية، أو بلحاظ أهمية نفس الاحتمالية وقوته، كما هو الحال في باب الأمارات، كالاستصحاب بناءً على أماريته.

ــــــــــ[135]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فالمتفاهم عرفاً من أدلة الأصول أنّها في مقام علاج التزاحم بين غرضين احتماليين(1) في مقام الحفظ. وأين هذا من موارد العلم الإجمالي؟! فإنّه في موارده وإن تعقّلنا التزاحم إلَّا أنّه تزاحم لا ما بين غرضين احتماليين، بل بين غرضين قطعيين مثلاً، كما لو علم بالحرام والمباح واشتبه أحدهما بالآخر، فلسان: إنّي لا أكلفك بالاعتناء بهذا المحتمل تحفظاً على ذلك المحتمل، ليس ناظراً إلى صورة ما إذا كان طرف المزاحمة هو الغرض القطعي لا الاحتمالي.

فكلّ طرف من أطراف العلم الإجمالي، لو لوحظ في نفسه، بقطع النظر عن العلم الإجمالي، فهنا احتمال الحرمة واحتمال الإباحة، ويأتي قوله: إنني لا أهتم باحتمال الحرمة في مقابل احتمال الإباحة، وكذلك في الطرف الآخر. هذا مطلب، لكن لا نفهم من ذلك أنني لا أهتم بالحرمة المعلومة إجمالاً في قبال الإباحة المعلومة إجمالاً.

بيان تقديم احتمال الإباحة على احتمال الحرمة وإعمال قوانين باب التزاحم بين الغرضين الاحتماليين شيء، وتقديم الغرض المعلوم إجمالاً في جانب الإباحة على الغرض المعلوم إجمالاً في جانب الحرمة وإعمال قوانين التزاحم في الحفظ بين الغرضين القطعيين شيء آخر.

 ــــــــــ[136]ــــــــــ

() وهذا لا ينفع في المقام؛ لأنَّ التزاحم هنا ما بين غرضين علميين، والذي ينفع في الرخصة في تمام الأطراف هو إيجاد ترخيص ناتج عن إعمال قوانين باب التزاحم بين الغرضين العلميين بحيث يقدم الغرض الإباحي حتّى على الغرض الإلزامي المعلوم إجمالاً، ومثل هذا لا يشمله جانب المحمول في دليل الأصل (المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وأدلّة الأصول ليست ناظرة إلى هذا النحو من التزاحم، وإنَّما إلى ذلك النحو منه بالانصراف والفهم العرفي(1).

ونحن حينما نقول بأنَّ (رفع ما لا يعلمون) لا يشمل موارد العلم الإجمالي، لا نريد أن نقول بذلك: إنَّ موضوع هذا الحكم الظاهري مقيّد بحيث لا يشمل هذا الطرف أو ذاك الطرف من أطراف العلم الإجمالي، حتّى يقال: بأنَّ هذا خلاف أصالة الإطلاق، فإنَّ مقتضاها أنَّ كلّ ما لا يعلم مشمول لأدلة الأصول، وكلّ منهما في نفسه لا يعلم.

 نحن نتحفّظ على أصالة الإطلاق ولا ندّعي تقيّد الموضوع، إلَّا أنّنا ندّعي أنَّ محمول هذا الموضوع هو سنخ خاص، وهو (رفع) فإنَّ معناه بحسب المتفاهم العرفي هو تقديم أحد الاحتمالين على الاحتمال الآخر، لا تقديم أحد الغرضين العلميين على الآخر.

 إنّه لا يهتم باحتمال الحرمة في مقابل احتمال الإباحة لا أنّه يهتم بالحرمة المعلومة إجمالاً في مقابل الإباحة المعلومة إجمالاً، فهذا يرجع إلى ضيق في جانب المحمول لا إلى ضيق في جانب الموضوع حتّى يقال: بأن الموضوع صادق في المقام، فإنَّ مصداقية الطرف للموضوع وجدانية، ولا يوجد مقيّد من الخارج للموضوع.

ــــــــــ[137]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: إنَّ التزاحم بين الغرضين في موارد العلم الإجمالي، والتزاحم في غير موارده، سنخان من التزاحم، بل يمكن أن يقال: بأنَّ كلا السنخين موجود في العلم الإجمالي، لكن بلحاظين، يعني: لو لوحظ كلّ طرف للعلم الإجمالي في نفسه، فالتزاحم فيه بين غرضين محتملين، ولو لوحظ المعلومات الإجمالية في المقام فالتزاحم بين غرضين علميين. (المُقرِّر). 

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فهذا البيان فائدته هو دفع هذا البيان البدائي الذي يخطر على ذهن الآغايون في قبال من يدّعي عدم الشمول، فإنّهم يقولون: بأنَّ الحكم تابع لموضوعه وهو منطبق على كلّ من الطرفين، ومقتضى شمول الموضوع شمول حكمه، فإنّنا لا ندّعي ضيق الموضوع بل ضيق المحمول(1).

التقريب الثاني(2) للمطلب: ولعلّ التقريب الأوَّل يرجع إلى الثاني، والثاني متمّم له، وحاصله: هو ما بينّاه سابقاً من الارتكاز الذي ذكره المحقّق العراقي(3)، فإنه ذكر أنَّ الارتكاز البديهي عند الناس هو وجود المناقضة والمصادمة بين التكليف المعلوم بالإجمال والترخيص في تمام الأطراف، ونحن وافقنا على هذا الارتكاز، لكن اختلفنا مع المحقّق العراقي بأنّه هو تخيّل بأنَّ هذه المناقضة عقلية، وأنّه ارتكاز عقلائي من ناحية الجهة العقلية محضاً.

 ونحن قلنا: إنّه ارتكاز عقلائي بلحاظ جهة التعايش ما بين العقلاء، حيث إنَّ المركوز في الأذهان العقلائية أنَّ المصالح الترخيصية مهما كانت، ليست بنحو من القوة والشدّة بحيث تزاحم المصالح والملاكات الإلزاميّة في 

ــــــــــ[138]ــــــــــ

() وهنا قال في ما قال جواباً عن سؤال: فائدة هذا البيان هو تحويل المطلب من الموضوع إلى المحمول، فإنّنا نريد أن نقول: إنّ رفع المشكوك بما هو مشكوك عبارة عن تقديم احتمال الإباحة على احتمال الحرمة، معناه بحسب المتفاهم العرفي هذا، لا أنَّ هذا ليس بمشكوك، فإنَّ هذا باطل جزماً، وكذلك دعوى أنَّ عنوان المشكوك لا يشمل تخصيصاً أيضاً يحتاج إلى قرينة. (المُقرِّر).

(2) الوجه الثاني.

(3) انظر: نهاية الأفكار 2: 49.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فرض وصولها، بحيث تستدعي تفويت غرض إلزامي واصل تفويتاً جزمياً في مقام التحفّظ عليها، فهذا الارتكاز أصبح منشأ لارتكاز المناقضة والمصادمة بين التكاليف الواقعية المعلومة بالإجمال وبين الترخيص في تمام أطراف العلم الإجمالي.

وحينئذٍ مثل هذا الارتكاز يصلح أن يكون مقيّداً كالمتصل لإطلاق دليل الأصل، بعد فرض أنَّ إطلاق دليل الأصل كـ(رفع ما لا يعلمون) و(كلّ شيء حلال) في المقام ليس في مقام نسخ الحكم الواقعي، كما يعلم من لسان الدليل أو من الخارج، بل الواقع محفوظ على واقعه.

حينئذٍ كون إطلاق دليل الأصل لمورده يرى بحسب الارتكاز مناقضاً مع ذلك التكليف الواقعي المحفوظ في مرتبته، هذا الإطلاق يكون ساقطاً، والقرينة على سقوطه هو نفس الارتكاز بحيث يصلح للشارع أن يعتمد على هذا الارتكاز في مقام تقييد إطلاق دليل الأصل، ولا يقال: بأنَّ مقدّمات الحكمة تقتضي إرادة الإطلاق؛ لأنَّ ذلك فيما إذا لم يعتمد على قرينة في مقام إرادة التقييد، ومثل هذا الارتكاز يصلح أن يكون قرينة على التقييد(1).

فهاتان هما النكتتان اللتان نعتمد عليهما في مقام عدم شمول أدلّة الأصول 

ــــــــــ[139]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إنّكم في التقريب الأوَّل تحفّظتم على الإطلاق بخلافه في هذا التقريب.

فأجاب: أنَّ هذا الارتكاز لا يقتضي أكثر من الضيق في المحمول، فإنَّ هذا الضيق يوجب ارتفاع المناقضة ما بين الترخيص والتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

لأطراف العلم الإجمالي، وهما المنشأ في الفتوى بعدم جواز ارتكاب أطرافه، لا تلك التخيلات العقلية والمواضع الثبوتية التي ذكروها. 

ولعلّ هناك أثراً عملياً ما بين هاتين النكتتين، في مقام المنع عن جريان الأصول، فإنّه قد يقال: بأنَّ النكتة الأوّلى لا تجري في بعض أدلّة الأصول، إلَّا أنَّ الثانية تشمل تمامها.

توضيحه: أنَّ النكتة الأوّلى وإن كانت سارية في تمام أدلّة الأصول المجعولة في الشبهات الحكمية، إلَّا أنّه يمكن أن يُستشكل في تمامية النكتة الأوّلى للمانع الإثباتي في خصوص حديث الحل الوارد في الشبهات الموضوعية(1). “كُلْ مَا يَكُونُ فِيهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَهُوَ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْرِفَ الحَرَامَ بِعَيْنِهِ فَتَدَعَهُ(2) بقرينة كلمة (بعينه) فإنّه ظاهر بأنّه في مقام الاحتراز عن المعرفة الإجمالية وإخراجها، فكأنّه ناظر إلى بيان عدم الاهتمام لا باحتمال الحرمة ولا بالمعرفة الإجمالية للحرمة.

فكلمة (بعينه) هنا بنفسها توسّع دائرة المحمول، وهو عدم الاهتمام بالجانب الإلزامي، تجعله أوسع من أن يكون ناظراً فقط إلى جهة احتمال الحرمة، بل هو ناظر إلى إبراز عدم الاهتمام بالحرمة ما لم تكن معينة، سواء كانت محتملة أو كانت معلومة بالإجمال، فيكون قيد (بعينه) موسعاً للمحمول ولا يبقى مجال لدعوى أنَّ هناك ضيقاً في المحمول من ناحية نفس هذه الألفاظ بمناسبات الحكم والموضوع في نفسها.

ــــــــــ[140]ــــــــــ

() صحيحة عبد الله بن سنان على ما أتذكر، (المحاضرة). (المُقرِّر).

(2) المحاسن ‏2: 495، باب الجبن….، الحديث 596. 

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فالنكتة الأوّلى غير تامّة في هذا الحديث الذي يختصّ بخصوص الشبهات الموضوعية؛ ولهذا لو بقينا نحن والنكتة الأوّلى فقط لكان اللازم التفصيل بين الشبهات الحكمية والموضوعية، فيقال: بأنَّ أدلّة الأصول الجارية في الشبهات الحكمية لا تجري في تمام أطراف العلم الإجمالي لمانع إثباتي. وأمّا في الموضوعية فلا بأس بجريانها في تمام الأطراف في الشبهات الموضوعية التحريمية.

ولكن النكتة الثانية تجري في المقام، فإنَّ ارتكاز المناقضة والمضادة بين الترخيص والتكليف المعلوم بالإجمال، يكون مقيّداً للإطلاق لا محالة. فإن قيل: بأنَّ هذا ليس إطلاقاً، بل هذا بحكم النص، لأن كلمة (بعينه) احتراز عن العلم الإجمالي.

لأنّه يقال: بأنَّ العلم الإجمالي على نحوين: علم إجمالي منجّز وعلم إجمالي غير منجّز، فإنّه في موارد الشبهات الموضوعية التحريمية قد يكون شيء طرفاً لعلم إجمالي إلَّا أنه غير منجّز بحيث لا يوجد فيه ارتكاز هذه المناقضة بحسب الفهم العرفي، ما بين الترخيص والتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، كما هو الحال في تمام موارد الشبهات غير المحصورة، على ما يأتي بيانه إن شاء الله.

 وفي بعض الموارد يكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً ويكون هذا الارتكاز قائماً.

فهذا الارتكاز لا يشمل تمام موارد العلم الإجمالي، بل يختصّ بخصوص المنجّز منه، ولنسميه موارد الشبهة المحصورة، ولا يشمل غير المحصورة.

 ومن هنا يكون مقيّداً للإطلاق لا أنّه يكون معارضاً مع كلمة (بعينه) فإنَّ غاية ما تقتضيه هذه الكلمة هي دخول العلم الإجمالي في دائرة الرخصة، 

ــــــــــ[141]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وبإطلاقه يشمل المنجّز منه، فنرفع اليد عن هذا الإطلاق بلحاظ الارتكاز العقلائي الذي ذكرناه.

فإلى هنا ننتهي إلى أنَّ تمام أدلّة الأصول سواء كانت هي الجارية في الشبهات الموضوعية أو الحكمية لا تشمل موارد العلم الإجمالي، إلَّا أنَّ عدم شمولها باعتبار القصور الإثباتي لا الثبوتي.

ومن هنا لو دلّ دليل خاصّ في مورد على الترخيص في تمام أطراف العلم الإجمالي لعملنا به، كما وردت روايات في بعض موارد جوائز السلطان، وفي بعض موارد من كان يتعامل بالربا فتاب، وروايات أخرى يطلع عليها المتتبع في الفقه، بحيث قد يتراءى منها الترخيص في تمام أطراف العلم الإجمالي، فلو تمّت مثل هذه الروايات سنداً ودلالة لا بأس بالأخذ بها، ويستكشف من ناحيتها أنَّ جانب الترخيص كان أهم عند المولى من جانب الحرمة الإلزامية المعلومة إجمالاً. ولا بأس بذلك.

إعادة وتلخيص للوجه المختار 

انتهى(1) الكلام إلى المانعية الإثباتية عن جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي، بنحو يؤدي إلى الترخيص بالمخالفة القطعية للعلم الإجمالي.

وقرّبنا هذا القصور الإثباتي أولاً، بالوجدان العرفي، فإنه شاهد على أن خطابات أدلة الأصول، لا يفهم العرف منها تجويز المولى اقتحام أغراضه 

ــــــــــ[142]ــــــــــ

() أعاد في هذه المحاضرة النكتتين التي منعتا من جريان الأصول في تمام أطراف العلم الإجمالي إثباتاً، مع تطوير وتطويل، ونحن نثبته مختصراً. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المعلومة وتفويت ملاكاته القطعية الثابتة في موارد العلم الإجمالي، ولو أن مأموراً عمل بمثل هذا الإطلاق لعدَّ خارجاً عن المتفاهم العرفي ولا ستحقّ التوبيخ من قبل المولى. 

فيستكشف من ذلك أنَّ هناك نكتة في الأذهان العرفية تمنع عن التمسّك بما يتبادر أوَّل الأمر من الإطلاق في أدلّة الأصول لأطراف العلم الإجمالي. وبينّا لذلك نكتتين: أحدهما لفظية لغوية، والأخرى ارتكازية معنوية: 

[النكتة الأولى]

أمّا النكتة الأولى: التي ترجع إلى تشخيص باب المعاني من الألفاظ. وتوضيحها يتوقّف على أن نشرح نحوين من التزاحم المحقّقين لجعل الحكم الظاهري، فإنّا ذكرنا أنَّ كلّ خطاب ظاهري فهو بحسب الحقيقة نتيجة لإعمال المولى قوانين باب التزاحم بين أغراضه الواقعية في مقام حفظها بعد ترددها واختلاطها على المكلف.

وهناك نحوان من التزاحم في مقام الحفظ، يمكن أن ينتج من كلّ منهما خطاب ظاهري: أحدهما: التزاحم بين الغرضين المولويين الاحتماليين في مقام الحفظ، ثانيهما التزاحم بين الغرضين المعلومين.

أمّا النحو الأوَّل: وهو التزاحم بين الغرضين الاحتماليين في مقام الحفظ فمثاله الشبهات البدوية، لو شكّ المكلّف بحرمة شيء أو إباحته، فهنا تزاحم بين غرضين احتماليين للمولى، حيث إنَّ المولى يحتمل الغرض التحريمي في هذه الواقعة ويحتمل الغرض الترخيصي فيها، فيقع التزاحم بين الغرض التحريمي 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المحتمل والترخيصي المحتمل(1)

وحينئذٍ فالمولى إن تحفّظ على الغرض التحريمي المحتمل بجعل الاحتياط، فقد حفظ بذلك محرماته الواقعية حفظاً قطعياً، ولكن فوت غرضه الترخيصي تفويتاً احتمالياً.

 أمّا لو تحفّظ على الغرض الترخيصي المحتمل بجعل الإباحة ظاهراً، فقد تحفّظ تحفّظاً قطعياً على أغراضه الترخيصية الواقعية، ولكن فوت تفويتاً احتمالياً أغراضه التحريمية.

فالأمر يدور بحسب الحقيقة، بين أن يتحفّظ على هذا الطرف ويبتلى بمحذور التفويت الاحتمالي للطرف الآخر، أو بين العكس. وهنا لا بُدّ للمولى من أن يُعمل قوانين باب التزاحم، وقد تقتضي هذه القوانين الترخيص ظاهراً، بتقديم مصلحة التحفّظ على أغراضه الترخيصية الواقعية، على محذور التفويت الاحتمالي لمحرماته الواقعية؛ لأنَّ تلك المصلحة أهمّ في نظره من هذا المحذور، فيجعل الإباحة في الشبهة البدوية.

وهناك نحو آخر من التزاحم: وهو التزاحم بين غرضين مولويين معلومين قطعيين للمولى، كما لو علم أنَّ أحد هذين الفعلين حرام والآخر مباح واشتبه المباح بالحرام، فالتزاحم(2) هنا بين غرضين قطعيين في مقام التحفّظ، فيدور أمر 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

() والأغراض التحريمية تقتضي التحفّظ على الغرض التحريمي، والأغراض الترخيصية تقتضي التحفّظ على الغرض الترخيصي، (من المحاضرة). (المُقرِّر).

(2) وهذا التزاحم لا يكون مع العلم التفصيلي بالأغراض، وإنَّما مع العلم الإجمالي بها، (من المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المولى هنا، بين أن يتحفّظ على غرضه التحريمي تحفّظاً قطعياً، وذلك بإيجاب الموافقة القطعية، ويبتلى بمحذور الفوات القطعي لغرضه الترخيصي، وبين أن يتحفظ على غرضه الترخيصي تحفظاً قطعياً، بالترخيص في كلا الطرفين، ويبتلى حينئذٍ بمحذور التفويت القطعي لغرضه التحريمي، وبين أن يتحفّظ على كلّ منهما تحفظاً احتمالياً ويبتلي بالتفويت الاحتمالي للآخر، كما لو أوجب الاحتياط في أحد الطرفين ورخص في الآخر.

وهذا نحو آخر من التزاحم يختلف عن الأوَّل من حيث الأطراف؛ لأنَّ الأوَّل قائم بين غرضين احتماليين، وهذا التزاحم قائم بين غرضين علميين، كما قد يختلف عنه في النتيجة، فإنَّ المولى في التزاحم الأوَّل قد يجعل الإباحة تقديماً لمصلحة التحفّظ القطعي على أغراضه الترخيصية على محذور التفويت الاحتمالي لأغراضه التحريمية. 

أمّا هنا فقد يُعمل المولى قوانين باب التزاحم فتنتج إيجاب الاحتياط، نفس ذلك المولى الذي جعل البراءة نتيجة للتزاحم الأوَّل قد يجعل هنا إيجاب الاحتياط لأجل التحفّظ القطعي على أغراضه القطعية التحريمية، وإن ابتلي بمحذور التفويت القطعي لغرضه الترخيصي. وذلك لأنه لو دار الأمر بين مصلحة التحفظ القطعي على الغرض التحريمي وبين مفسدة التفويت القطعي للترخيص، فيقدّم مصلحة التحفّظ القطعي..

ولا يقال: إنّه لو كان الأمر كذلك فلماذا في التزاحم الأوَّل لم يتحفّظ على غرضه التحريمي الاحتمالي تحفّظاً قطعياً، ولو ابتلى بمحذور التفويت الاحتمالي لغرضه الترخيصي؟

ــــــــــ[146]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فإنه يقال: لأنّه هناك فرضنا أنَّ التحفّظ القطعي على الغرض الترخيصي أهم من المحذور الذي ينتج من التحفّظ عليه، وهو التفويت الاحتمالي للغرض التحريمي.

 أمّا هنا فالتحفّظ القطعي على غرضه الترخيصي ينتج محذوراً أشدّ، وهو محذور التفويت القطعي لأغراضه التحريمية، لا التفويت الاحتمالي لها، فإنَّ التحفّظ على أغراضه الترخيصية هنا لا يكون إلَّا بالترخيص في كلا الطرفين، وهو مساوق مع التفويت القطعي لأغراضه التحريمية.

فلا يلزم من جعل البراءة في التزاحم الأوَّل في الشبهات البدوية جعل البراءة هنا في كلا الطرفين، لا يلزم من التحفّظ القطعي على الغرض الترخيصي في القسم الأوَّل من التزاحم التحفّظ القطعي على الغرض الترخيصي في القسم الثاني منه؛ إذ في القسم الأوَّل لم يكن هذا التحفّظ يُكلّف المولى إلَّا التفويت الاحتمالي للغرض التحريمي، أمّا هنا فيكلّفه التفويت القطعي للغرض التحريمي، فمن الممكن أن يفرض أنَّ التحفّظ القطعي على الغرض الترخيصي هناك أهم، ولكن هنا ما في قباله أهم منه، فيقدّم عليه، فيحكم الشارع هنا بوجوب الاحتياط. 

هذا كلّه بحسب مقام الثبوت، وأطراف العلم الإجمالي بحسب الحقيقة مورد لكلا التزاحمين؛ لأنّنا إن لاحظنا كلّ طرف في نفسه بقطع النظر عن العلم الجامع، فهو محتمل الحرمة ومحتمل الإباحة، فيكون فيه تزاحم بين غرضين احتماليين، ولو لاحظنا الغرضين المعلومين إجمالاً -المشتبه أحدهما بالآخر- فهذا من القسم 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الثاني، فالعلم الإجمالي مورد لكلا القسمين من التزاحم في مقام الحفظ.

وحينئذٍ يجب أن يكون المولى قد أعمل قوانين باب التزاحم في التزاحم الأوَّل وقوانينه في التزاحم الثاني، ولو فُرض أنّه أعمل قوانين باب التزاحم في التزاحم الأوَّل، يعني: فيما لو لوحظ كلّ طرف في نفسه، وقدّم هناك الإباحة على الحرمة، هذا لا يكفي لأن نعرف أنّه كيف أعمل قوانين باب التزاحم في التزاحم الثاني، وأنّه هل قدّم فيه الحرمة أو الإباحة؛ لما قلناه: من أنّهما نحوان من التزاحم، ونتيجة أحدهما يختلف عن نتيجة الآخر، ولا يكون جعل الإباحة في التزاحم الأوَّل مؤمّناً لنا من ناحية التزاحم الآخر. هذا كله بحسب مقام الثبوت، فإذا عرفنا كلّ هذا نقول: إنّنا ندّعي أنَّ الموضوع في (ما لا يعلمون) وإن سُلّم شموله لكلا طرف من أطرا ف العلم الإجمالي، فإنَّ منها ممّا لا يعلم في نفسه، فيكون عنوان الموضوع صادقاً عليه، إلَّا أنَّ المحمول -وهو الخطاب الظاهري بالرفع- فيه نحو من الضيق، بحيث لا ينتج الترخيص بالمخالفة القطعية، وهذا الضيق هو أنَّ العرف يستظهر: أنَّ هذا الخطاب المجعول في جانب المحمول، مجعول كنتيجة لإعمال قوانين باب التزاحم في التزاحم الأوّل لا كنتيجة لإعمالها في الثاني. فنتيجة التزاحم الأوَّل، بين الغرضين الاحتماليين، هو أنَّ المولى لا يتمسّك باحتمال الحرمة في قبال احتمال الإباحة، بل يُقدّم احتمال الإباحة، وهذا التزاحم ثابت في الشبهات البدوية، وحتّى في أطراف العلم الإجمالي.

إلَّا أنَّ هذا لا ينفعنا في إثبات الترخيص بالمخالفة القطعية فعلاً في موارد العلم الإجمالي؛ لأنَّ الترخيص بالمخالفة القطعية فعلاً يتوقّف على النظر إلى 

ــــــــــ[147]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

كيفية إعمال قوانين باب التزاحم في التزاحم الثاني، وأنّه ماذا قدّم المولى فيه؟ هل قدم غرضه الترخيصي على التحريمي أو العكس؟ والمفروض أنَّ هذا الخطاب ليس إلَّا نتيجة باب التزاحم الأوَّل فلا يكون مؤمّناً للاقتحام في كلا الطرفين بلحاظ التزاحم الثاني.

أمّا لماذا أنَّ العرف يستظهر من هذا الخطاب، أنّه نتيجة للتزاحم الأوَّل فقط؟ هذا باعتبار مناسبة العنوان مع الحكم، فإنَّ الرفع انصب على ما لا يعلم أو المشكوك، حتّى تعلم أنّه حرام، فمصب هذا الخطاب هو المشكوك ذو الاحتمالين، فمن هنا يعرف العرف أنَّ الملحوظ للمولى في مورد الرفع هما الاحتمالان الموجودان في المشكوك وهو احتمال الحرمة واحتمال الحلية، وأنَّ الرفع معناه تقديم جانب احتمال الحلّية على جانب احتمال الحرمة، بما هما احتمالان، لا(1) تقديم جانب الغرض المعلوم من الرخصة على جانب الغرض المعلوم من الحرمة.

هذا هو حاصل النكتة الأولى.

[النكتة الثانية]

وأمّا النكتة الثانية: وهي بعد أن نتنزل ونفرض بأنَّ الخطاب من حيث كونه كلام وخطاب، لا بأس بفرض كونه متكفّلاً لبيان نتيجة كلا التزاحمين لا الأوّل فقط محمولاً وموضوعاً، ولو باعتبار كلمة (بعينه) في بعض أدلّة الأصول. 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

() لا المزاحمة بين غرضين علميين غير مفروضين في المشكوك بما هو مشكوك، (من المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

بعد هذا نقول: بأنَّ المقيّد لهذا الخطاب موجود، وهو يقتضي عدم الشمول لأطراف العلم الإجمالي، وهذا المقيّد هو عبارة عن الارتكاز العرفي، ومقصودنا منه هنا لا ارتكاز العرف بما هو مستظهر للمعاني من الألفاظ، بل مقصودنا الارتكاز العرفي في عالم مولوياتهم، وعبودياتهم، ومصالحهم، ومفاسدهم، وتحريماتهم، وتحليلاتهم. 

والمركوز في ذهن عوالمه التشريعية: أنَّ الأغراض الترخيصية لا تصل إلى تلك الدرجة من الأهميّة التي توجب تضييع الغرض التحريمي تضييعاً جزمياً في مقام التحفّظ عليها تحفظاً جزمياً. وهذا يؤدّي إلى ارتكاز المناقضة في ذهن العرف في عوالمه التشريعية بين التكليف المعلوم بالإجمال وبين الترخيص في تمام الأطراف.

هذه المناقضة التي ادعاها جميع الأعلام، وأصابوا في دعواها، وإن لم يصيبوا في تشخيص فحواها ومحتواها؛ فإنَّ هذه المناقضة عقلائية ارتكازية لا مناقضة عقلية.

إلَّا أنَّ هذا الارتكاز بنفسه يكون صالحاً لتقييد الإطلاق، يعني: للقرينية وللاعتماد عليه من قبل المولى، فلا تتمّ حينئذٍ مقدّمات الحكمة، وإذا لم تتمّ فلا يكون دليل الأصل شاملاً لأطراف العلم الإجمالي. هذا أيضاً حاصل النكتة الثانية.

لأجل(1) التوسعة في توضيح هذا المفهوم ودفع ما يختلج في بعض الأذهان 

ــــــــــ[149]ــــــــــ

() قال بعد ذكر ملخّص من النكتة الأولى: لأجل… (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

نقول: إنّه قد قيل سابقاً: إنَّ المولى كيف يتصوّر في حقّه التزاحم بين غرضين احتماليين مع أنَّ المولى عالم بما هو الواقع في تمام موارد الشبهات البدوية؟

ذكرنا جواب ذلك في أوّل بحث البراءة، وإنَّما أعيده لأنّي سوف أستفيد منه فيما يأتي من البحث.

حل هذا المطلب: أنّا ذكرنا أنَّ المولى العلام بالغيوب إذا التفت إلى الشبهات البدوية -وهو ملتفت إليها- فهو عالم بما هو الحرام منها والمباح في كلّ شبهة من كلّ مكلف إلى يوم القيامة، ولا يتصوّر بهذا اللحاظ التزاحم عنده بين غرضين احتماليين، كما قد يتّفق ذلك بالنسبة إلى المولى العرفي في شبهات عبده.

وحينئذٍ قلنا هناك في مقام تصوير التزاحم الذي أوقعه المولى بين الحرمة والإباحة المحتملة، وكيف استنتج من ذلك جعل خطاب البراءة والإباحة: إنَّ المولى تارةً يفرض الموضوع بنحو القضية الحقيقية الفرضية. 

يقول: لو شكّ أحد عبيدي، ولم يعرف أنَّ حكم الفعل هل هو الحرمة أو الإباحة، وأخرى ينظر إلى الموضوع بنحو القضية الخارجية، يعني: إلى الشبهات الخارجية الموجودة، أو التي سوف توجد في العالم في نفوس الناس. أمّا إذا لحظ الموضوع بنحو القضية الفرضية ولو لنكتة خاصّة استدعت ذلك، فحينئذٍ فرض التزاحم بين الغرضين الاحتماليين هنا معقول حتّى من قبل المولى؛ لأنَّ القضية الفرضية ليس لها واقع معيّن في نفس الأمر حتّى يتعيّن لدى المولى، بل هي قضية لا واقع لها إلَّا بمقدار فرضها، ومقدار فرضها هو مقدار التردّد والشكّ. إذن، بمقدار منظارية القضية الفرضية يحصل التزاحم بين غرضين 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

احتماليين حتّى بالنسبة إلى المولى العلام بالغيوب.

وأمّا إذا لاحظ المولى الموضوع، بنحو القضية الخارجية، يعني لاحظ شبهات الناس الخارجية، فهو يعرفها واحدة واحدة، ويعرف مقدار ما فيها من المحرمات وما فيها من المباحات، فهنا لا يتصوّر التزاحم في كلّ شبهة شبهة بين غرضين احتماليين، ولكن يتصوّر التزاحم بمعنى آخر: وذلك بأنَّ المولى إذا لاحظ مجموع هذه الشبهات يرى أنَّ فيها محرمات واقعية، وفيها مباحات واقعية، وهو يعلم الواقع في كلّ شبهة.

وحينئذٍ لو أمكن للمولى إيصال مميّز واقعي قطعي ما بين الشبهة التي يكون الواقع فيها حراماً والشبهة التي يكون الواقع فيها حلالاً. فمعنى هذا أنَّ المولى يصير بصدد إيصال الحكم الواقعي للناس، وهذا خلف المفروض، لأنّنا نتكلّم في جريان الأصل، أي: بعد تعذّر الوصول إلى الواقع، فمن هذه الناحية نفرض أنَّ المولى إمّا لا يوجد عنده مميز واقعي يمكن أن يلقيه إلى الناس، أو أن المصلحة تأبى عن إيقاع مثل هذا المميز الواقع. 

بعد هذا المولى يقع عنده التزاحم بين الأغراض التحريمية الموجودة في مجموع الشبهات والأغراض الترخيصية الموجودة فيها، فهنا لا بُدّ إمّا أن يرخص في الجميع، وإمّا أن يحكم بوجوب الاحتياط في الجميع.

 وهذا معنى وقوع التزاحم في مقام الحفظ؛ لأنّه إن رخص في الجميع فقد حفظ الأغراض الترخيصية الواقعية المحفوظة في لوح الشبهات، ولكنه ضيع الأغراض التحريمية، وإن حكم بوجوب الاحتياط في الجميع انعكس المطلب.

وهنا يمكن أن نفرض أنَّ المولى يرجّح جانب الأغراض الترخيصية على 

ــــــــــ[151]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

جانب الأغراض الإلزامية، وذلك باعتبار كثرة عددها مثلاً، فيحكم بالرخصة وعدم وجوب الاحتياط.

إلَّا أنَّ ظاهر تمام الأدلّة التي وردت إلينا في الأصول والأمارات، هو القضية الفرضية لا القضية الخارجية، على ما أشرنا إليه في ذلك البحث. 

هنا يأتي كلامنا، وهو هناك نحوان من التزاحم، التزاحم بين الغرضين الاحتماليين بهذا المعنى الذي شرحناه الآن، والآخر التزاحم بين غرضين علميين. والأوَّل موجود في الشبهات البدوية في أطراف العلم الإجمالي، حيث ينظر إليها بما هي، والثاني موجود فيها بلحاظ العلم الإجمالي. ودليل البراءة يتكفّل جعل الرخصة بعنوان كونها نتيجة للتزاحم الأوَّل دون الثاني.

هنا قد يأتي إشكال وحاصله: أنَّ دليل البراءة وإن لم يكن ناظراً إلى العلم الإجمالي، بل كان بصدد علاج التزاحم بين الغرضين الاحتماليين فقط، وقد عالجه بتقديم الغرض الترخيصي على الإلزامي، إلَّا أنَّ هذا يدلّ بالدلالة الالتزامية على سنخ ما سوف يعالج به التزاحم الثاني، وأنّه يقدّم فيه الغرض الترخيصي أيضاً.

توضيح ذلك: أنّه لو بنينا على أنَّ حقيقة الأحكام الظاهرية عبارة عن خطابات مجعولة بملاكات ومصالح نفسية في نفس الخطابات وراء المصالح والملاكات الواقعية، كما يذهب إليه صاحب الكفاية(1) والسيّد الأستاذ(2) 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

(1) انظر: كفاية الأصول: 277 و287.

(2) انظر: مصباح الأصول 1: 117.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وغيرهما، نفرض أنَّ شخصاً أعطى للمولى ديناراً على أن يجعل حكماً بالإباحة! إذا بنينا على ذلك، فلا ينبغي أن يتوهم أحد أنَّ المولى لو جعل الإباحة في موارد الشبهات البدوية فيجب أن يجعل الإباحة في موارد العلم الإجمالي؛ فإنَّ فرض وجود مصلحة نفسية في جعل الخطاب الظاهري الترخيصي في مورد، لا يلزم منه فرض وجود مصلحة نفسية في جعل خطاب ظاهري ترخيصي في مورد آخر، وهذا واضح.

تحرير وتوضيح الوجه المختار

إلَّا أنّنا لا نقبل هذه المباني، بل نقول: بأنَّ الخطابات الظاهرية نشأت من نفس الأحكام والأغراض الواقعية بعد فرض وقوع التزاحم بينهما في عالم الحفظ، نتيجة لاختلاطها وعدم تمييز بعضها عن بعض.

بناءً عليه يرجع جعل الترخيص الظاهري في موارد الشبهات البدوية إلى أنّه نتيجة لوقوع التزاحم بين الغرض الترخيصي واللزومي في مقام الحفظ وتقديم الغرض الترخيصي على اللزومي، ومعنى ذلك: أنَّ المولى يهتم بالغرض الترخيصي أكثر مما يهتم باللزومي؛ إذ لو كان يهتم بالغرض الإلزامي أكثر لجعل إيجاب الاحتياط.

فجعل الإباحة كاشف عقلي، بعد فرض أنّه من باب إعمال قوانين باب التزاحم في مقام الحفظ، عن أن الغرض الترخيصي للمولى أهم من الغرض الإلزامي، فإذا ثبتت هذه الأهمية، فهي كما تقتضي تقديم الموافقة الاحتمالية للغرض الترخيصي على الموافقة الاحتمالية للغرض الإلزامي، كذلك تقتضي 

ــــــــــ[153]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الموافقة القطعية للغرض الترخيصي على الموافقة القطعية للغرض الإلزامي(1).

 فإنّه في موارد العلم الإجمالي، الغرض الترخيصي هو نفس ذلك الغرض الترخيصي الذي بلحاظ موافقته الاحتمالية قدّم على الموافقة الاحتمالية للغرض الإلزامي. إذن، فكما تقدّم موافقته الاحتمالية على الموافقة الاحتمالية للغرض الإلزامي نتيجة لأهميته فلا بُدّ أن تتقدّم موافقته القطعية أيضاً، ونتيجة ذلك أنَّ المولى يجعل الرخصة في تمام الأطراف بدلاً عن إيجاب الاحتياط، لا أنَّ إيجاب الاحتياط معناه تقديم الغرض الإلزامي لأهميته وهو خلف ما فرضناه في التزاحم الأوّل من تقدّيم الترخيصي؛ لكونه أقوى منه في غرض المولى.

نفس(2) هذه الأغراض الترخيصيّة والإلزامية، تارةً تكون مورداً للشبهة البدوية، وأخرى مورداً للعلم الإجمالي على اختلاف حالات الأشخاص، فكيف في الشبهة البدوية يقدّم الغرض الترخيصي على الإلزامي في التحفظ 

ــــــــــ[154]ــــــــــ

() حلّ هذا المطلب يتضح ممّا قالاه سابقاً وهو: أنه في الشبهات البدوية تقديم الغرض الترخيصي يعني التحفظ القطعي عليه والتفويت الاحتمالي للغرض الإلزامي وهو أخف محذوراً مما هو في العلم الإجمالي فإن المحافظة القطعية على الغرض الترخيصي تستدعي تفويت الغرض الإلزامي قطعاً فالتقديم للغرض الترخيصي في الشبهات البدوية لا يستدعي تقديمه في موارد العلم الإجمالي ومن هنا ينتفي هذا الإشكال أساساً، وكان هذا الإشكال قائم على استلزام تقديم الغرض الترخيصي للموافقة الاحتمالية في الشبهات البدوية على حين أنه مستلزم لموافقته القطعية فلا ملازمة أصلاً لا للأولولية ولا للمساواة كما هو واضح فاعرف. (المُقرِّر).

(2) وقال جواباً عن سؤال: نفس… (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الاحتمالي، لكن إذا صارت مورداً للعلم الإجمالي ينعكس المطلب فيقدم الغرض الإلزامي على الترخيصي في مقام التحفظ القطعي مع أنَّ النسبة هي النسبة. إذن فهناك ملازمة عقلية بين تقديم جانب الترخيص على الإلزامي في التزاحم الأوَّل وتقديمه عليه في التزاحم الثاني. ودليل البراءة وإن كان يعالج التزاحم الأوَّل، لكن بالدلالة الالتزامية العقلية يدلّ على مذاق الشارع في التزاحم الثاني، فلا يكفي مجرّد القصور الإثباتي بلحاظ المدلول المطابقي بعد فرض هذا البيان؟ هذا هو الإشكال. 

والجواب على ذلك: يتضح بأنَّ نرجع إلى التزاحم الأوّل الذي أنتج أصالة البراءة، هناك عدة احتمالات في تصوير جعل البراءة في التزاحم الأوّل، لا بُدّ من استيعابها لنرى أنّه هل أنَّ جعل البراءة على تقدير تلك الاحتمالات جميعاً يستلزم جعل الرخصة في العلم الإجمالي أو لا؟

الاحتمال الأوَّل في جعل البراءة: هو أن يكون المولى قد لاحظ الموضوع بنحو القضية الفرضية، لا الخارجية، يعني: قال: لو وقع في العلم شكّ وتردد…. وفرضنا أنّه لم تُعمل أيّ عناية من قبل المولى من ناحية نفس الاحتمال، احتمال الحرمة والحلية بما هما احتمالان، بل كان قد قصر نظره على ملاحظة المحتمل في مقام إعمال قوانين باب التزاحم بين هذين الغرضين الاحتماليين، فالمرجّح هنا ينحصر في أهمية المحتمل، فإن كان الغرض الترخيصي أهم جعل البراءة، وإن كان الإلزامي أهم أوجب الاحتياط، وإن تساويا تخيّر في التحفّظ على أيّهما شاء.

ــــــــــ[155]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الاحتمال الثاني لتصوير جعل البراءة: أن نفرض أنَّ المولى لاحظ الموضوع بنحو القضية الفرضية، ولكن أعمل العناية في نفس الاحتمال؛ وذلك لأنَّ المولى لاحظ أنَّ احتمال الحرمة يكون غالباً على خلاف الواقع؛ لأنّه هناك دواعٍ وأسباب تتوفّر لمعروفية الحرام لو كان هذا حرام، فما دام لم يعرف أنّه حرام مع توفر الأسباب لمعروفيته، فيكون هذا أمارة ظنية نوعية على أنَّ ما هو محتمل الحرمة والحلية ليس حراماً؛ إذ لو كان حراماً فلا بدَّ أن يخرج هذا من كونه محتمل الحرمة إلى كونه معلوم الحرمة، وحيث إنّه لم يخرج وقد فرضناه في القضية الفرضية مشكوك الحرمة، فهذه الأمارة تكون مرجحة لاحتمال الحلّية على احتمال الحرمة، فيعمل العناية والترجيح لأحد الاحتمالين على الآخر، فيعقل منه جعل البراءة.

ومجرّد إعمال هذه العناية لا يدخل في باب الأمارات ويخرج عن باب الأصول؛ لأنّنا وإن ذكرنا في بحث البراءة أنَّ ميزان الفرق ما بين الأمارات والأصول، أنّه في الأمارات يُعمل قوانين باب بلحاظ الترجيح الاحتمالي وفي الأصول بلحاظ الترجيح المحتملي، إلَّا أنَّ مثل هذا الترجيح الاحتمالي أيضاً يدخل المورد في الأصول؛ لأنَّ مقصودنا من الترجيح الاحتمالي الذي يجعل الحكم الظاهري أمارة، هو أن يكون تمام النظر إلى جهة الترجيح الاحتمالي، ومعتمداً عليه عند المولى بقطع النظر عن متعلقه، سواء كان متعلقه الحرمة أو الإباحة أو الملكية أو الزوجية، من قبيل خبر الثقة.

 وأمّا لو فُرض أنَّ هذا الترجيح الاحتمالي لا يؤثّر في الرجحان عند المولى 

ــــــــــ[156]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

إلَّا في خصوص هذه المادّة في خصوص موارد الشبهات البدوية فيما إذا تردّد بين الحرام والحلال، فالمولى هنا اعتمد على الظنّ في مقام نفي الحرمة وإثبات الحلّية عملاً، إلَّا أنَّ مثل هذا الظنّ لو تعلّق بالحرمة أو الوجوب في مورد لا يعتمد عليه، فهو ترجيح احتمالي مربوط بمادّة معينة، كقاعدة الفراغ(1)، المعتمد عليها في خصومة تصحيح ما سبق من الأعمال، فلا يعتبر قاعدة الفراغ أمارة، وإنَّما هذا المعنى أحد معاني الأصل التنزيلي عندنا.

إذن، فهنا من المعقول أن يفرض أنَّ المولى جعل البراءة بهذا النحو، يعني: لاحظ الموضوع بنحو القضية الفرضية، ورجح احتمال الحلّية على احتمال الحرمة باعتبار أمارة ظنّية لم يعتمد عليها إلَّا في خصوص هذه المادّة، وهي الحلّية في مقابل الحرمة.

النحو الثالث(2): أن نفرض أنَّ المولى لاحظ القضية الخارجية، فالتفت إلى أنَّ هناك في الشبهات البدوية محللات ومحرمات، وكما قلنا: إنّه يقع التزاحم بين هذين النوعين من الاغراض، ويُقدّم ما هو الأقوى عند المولى، ونفرض أنّه الأغراض الترخيصية، لا من ناحية قوة المحتمل، بل من ناحية قوة العدد، حيث إنَّ عدد المحرمات في الشبهات البدوية أقل من المحللات بنفسه، (90) 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

() فإنَّ المولى فيها لا محالة أعمل قوانين ترجيح الاحتمال؛ لأنَّ مقتضى حال العاقل أن يستوفي خصوصيات عمله، فكونه قد غفل عن الفاتحة أو السورة على خلاف مقتضى الأمارة النوعية، إلَّا أنَّ هذه الأمارة لم يُعتمد عليها في سائر الموارد، بل في تصحيح ما صدر من الأعمال، (من المحاضرة). (المُقرِّر).

(2) من احتمالات جعل البراءة.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

محللاً إلى (20) محرمات مثلاً، فالمولى تحفّظاً على التسعين يحكم بأصالة البراءة.

فهذه وجوه ثلاثة كلّها معقولة في جعل البراءة على أساس التزاحم الأوَّل. 

الآن نأتي إلى التزاحم الثاني لنرى أنَّ جعل البراءة على أيّ من هذه الوجوه، هل يستدعي جعل البراءة والرخصة في تمام أطراف العلم الإجمالي أو لا؟

هنا نأخذ الوجوه من الآخر إلى الأوَّل: فإن كان على الوجه الثالث، وهو أنَّ المولى لاحظ الموضوع بنحو القضية الخارجية، ووجد الشبهات البدوية المحللة أكثر من الحرمة والأغراض الترخيصية الـ(90) أهم عندي باعتبار العدد.

 أمّا في التزاحم الثاني، فلا يلزم أن يجعل البراءة في أطراف العلم الإجمالي؛ وذلك لأنّه لو لاحظ تمام العلوم الإجمالية لا يلزم أن تكون نسبة عدد المحرمات فيها إلى عدد المباحات هو نسبة عدد المحرمات إلى المباحات في الشبهات البدوية، بل قد يكون عدد المحرمات هنا أكثر من المباحات، فلا يلزم من تقدّم الرخصة على الحرمة هناك تقدّمها عليها هنا.

وكذلك الأمر على الوجه الثاني، وهو أنَّ البراءة مجعولة في التزاحم الأوَّل بأن يكون المولى قد لاحظ الموضوع بنحو القضية الفرضية وأعمل قوانين باب التزاحم بلحاظ الترجيح الاحتمالي؛ إذ رأى أن احتمال الحلّية أقوى من احتمال الحرمة فحكم بالحلية لأمارة نوعية ظنّية.

 أمّا في موارد العلم الإجمالي فالأمارة الظنّية النوعية غير موجودة، بعد فرض أنَّ الجامع علم حرمته من قبل المكلف، فلا يلزم من وجود أمارة نوعية 

ــــــــــ[158]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ترجّح احتمال الحلّية على احتمال الحرمة في موارد الشبهات البدوية أن يكون المولى قد أعمل نفس هذه الأمارة في موارد العلم الإجمالي. فهناك يعتمد على تلك الأمارة في تقديم احتمال الإباحة، لكن هنا لا يعتمد عليها، فلا يلزم من جعل أصالة البراءة هناك جعلها هنا.

أمّا على الوجه الأوَّل، وهو أنَّ المولى لاحظ الموضوع بنحو القضية النوعية، ولم يعمل عناية في نفس الاحتمال، بل قصر النظر على ذات المحتمل، فرجّح البراءة هناك، وجعل البراءة هناك يحتمل أحد وجهين: إمّا أن يكون الغرض الترخيصي عنده أهم من الإلزامي، وإمّا لأنّهما متساويان وقد قدّم أحد هذين المتساويين على الآخر في مقام الإعمال الخارجي ولو لنكتة خارجية، ولو لمطابقته مع الارتكاز العقلائي بـ(قبح العقاب بلا بيان). 

إذا فرضنا أنَّ جعل البراءة في التزاحم الأوَّل، كان من باب التساوي ما بين الغرضين. إذن، فلا يلزم من ذلك أنّه في موارد العلم الإجمالي أيضاً يجعل البراءة؛ إذ قد تكون هناك نكتة اقتضت تقديم أحد المتساويين، وهو الغرض الترخيصي وتكون هنا نكتة أخرى تقتضي جعل الحفظ على طبق الغرض الإلزامي، بل قد تكون نفس النكتة وهي التوفيق بين تشريعه والارتكاز العقلائي يقتضي التفريق بين المقامين؛ إذ الغالب في الموالي العقلائية هناك جعل البراءة، وهنا الإلزام وإيجاب الاحتياط، فلا يلزم من جعل البراءة هناك جعلها هنا.

وأمّا لو فُرض أنَّ جعل البراءة على الوجه الأوَّل كان نتيجة لكون الغرض الترخيصي أهم وأقوى من الإلزامي، فالإشكال في هذا الفرض أعسر، فإنّه بعد 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

أن يثبت أنَّ الغرض الترخيصي أهم من الإلزامي، قد يقال بتقديمه عليه حتّى في التزاحم الثاني.

إلَّا أنّه مع هذا أيضاً لا ملازمة في الواقع ما بين تقديم الغرض الترخيصي هناك في مقام التزاحم وتقديمه في التزاحم الثاني؛ وذلك لأنَّ الغرض الترخيصي المهم الذي يقدّمه المولى على أغراضه الإلزامية، تارةً نفرض أنّه قائم بصرف إطلاق العنان، فالأمر كما سبق.

 وأخرى نفرض أنَّ هذا الغرض الترخيصي قائم بإطلاق العنان، لكن لا إطلاق عنان، ولو أدّى إلى إطلاق عنانه في باب المحرمات وإلى تحلله من المسؤولية تجاه موارد الإلزام، بل إطلاق عنان مقيّد بأن لا يؤدّي إلى ذلك بحيث إنَّ هذا القيد دخيل في موضوع الغرض، فإنَّ غرض المولى في المباح هو حصّة خاصّة من إطلاق العنان، وهو إطلاق العنان الذي لا يساوق الإطلاق والذي لا يكون توأماً مع إطلاق العنان تجاه المحرمات، وبعد فرض أنَّ المكلّف يتحمل المسؤولية تجاه التكاليف الإلهية الواصلة إليه. هذه الحصّة الخاصة هي متعلّق الغرض الأهم الذي يتحفّظ عليه المولى مهما أمكن، فإذا فرضنا أنَّ هذه الحصّة هي متعلّق الغرض في الشبهات البدوية، المولى يحتمل أنَّ الترخيص فيها مصداق لهذا الغرض. 

يحتمل أنَّ الترخيص فيها هو إطلاق عنان في المباح الواقعي ليس توأماً مع إطلاق العنان في المحرمات؛ لأنّه يحتمل كون هذا مباحاً في الواقع، فلو جعل الرخصة في القسم الأوّل من التزاحم، يعني: في الشبهة البدوية يحتمل كونه 

ــــــــــ[160]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

مصداقاً للغرض الأهم والأقوى، لكن لو جعل الرخصة في تمام أطراف العلم الإجمالي، فإطلاق العنان تجاهه لا يكون إلَّا توأماً مع إطلاق العنان تجاه الآخر، حتّى يستفيد المكلّف وإلَّا يبقى المكلّف غير مطلق العنان، فإن المكلّف لا يصير مطلق العنان تجاه الطرف المباح الواقعي من العلم الإجمالي إلَّا توأماً مع إطلاق عنانه تجاه المفاسد والقبائح التي لاحظها المولى في مقام التحريم.

 وهذا الإطلاق التوأمي ليس متعلقاً للغرض اللزومي أصلاً في نفسه. وهذا ممّا يناسب الوجدان واقتضاء الحال خارجاً أيضاً، فإنَّ إطلاق العنان في كلّ شريعة إنَّما يحتمل أن يكون متعلّقاً لغرض لزومي بالنسبة إلى مكلف قد تحمل المسؤولية تجاه ما ينبغي أن يتحمل مسؤوليته، فحينئذٍ يطلق عنانه تجاه غيره.

 أمّا إطلاق العنان في ضمن إطلاقه في الواجبات والمحرمات، ليس ذلك متعلّقاً لغرض لزومي من قبل المولى أصلاً، فالمولى يُعقل منه جعل البراءة في القسم الأوَّل من التزاحم؛ لأنّه يحتمل كونه مصداقاً للغرض المهم عنده، ولكن لا معنى لأن يجعل الرخصة في تمام أطراف العلم الإجمالي، فإنّه وإن كان إطلاق عنانٍ في المباح الواقعي، إلَّا أنّه غير تلك الحصّة الخاصة التي هي متعلّق غرضه من أوّل الأمر، فلا يحصل بذلك أقوى الغرضين.

وهذا وجه عقلي يكفي لمنع الملازمة بين جعل البراءة في القسم الأوّل وجعل الرخصة في تمام أطراف العلم الإجمالي في القسم الثاني.

وبناءً عليه تتمّ النكتة التي ذكرناها، وهي أنَّ دليل البراءة متكفّل لعلاج 

ــــــــــ[161]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

التزاحم من القسم الأوَّل، ولا يكون متكفّلاً لعلاج التزاحم من القسم الثاني، لا بالدلالة المطابقية ولا الالتزامية(1).

ــــــــــ[162]ــــــــــ

() قلت لسيّدنا الأستاذ بعد البحث: إنَّ في ما سبق أن قلتموه ما يرفع أساس هذا الإشكال، فإنّه في التزاحم الأوَّل في الشبهات البدوية جعل الترخيص فيها يقتضي التحفّظ القطعي على الغرض الترخيصي، ومحذوره هو التفويت الاحتمالي للغرض التحريمي، وهو محذور أخفّ من جعل الرخصة في التزاحم الثاني في أطراف العلم الإجمالي، فإنّه وإن كان مستلزماً للتحفّظ القطعي على الغرض الترخيصي إلَّا أنّه مستلزم لتفويت الغرض التحريمي تفويتاً قطعياً وهو محذور أشدّ، فلا مساواة ولا أولوية بين جعل البراءة في الشبهات البدوية وجعلها في أطراف العلم الإجمالي.

فأجاب (سلّمه الله) بما حاصله: أنَّ استلزام جعل الترخيص في الشبهات البدوية للتحفّظ -وإنَّ التحفّظ القطعي استعمل في الشبهات البدوية بمعنى وفي موارد العلم الإجمالي بمعنى آخر- القطعي على الغرض الترخيصي غير صحيح، فإنّه كان المقصود منه هو التحفّظ على الغرض الترخيصي في عالم التشريع، بمعنى: أنَّ جعل الترخيص في الشبهات البدوية يقتضي التحفّظ القطعي على الغرض الترخيصي في عالم التشريع، إلَّا أنّه مع ذلك لا يحرز المولى بهذا الجعل أنّه قد توصّل إلى غرضه؛ إذ لعلّ هذا المورد من الشبهة البدوية محرّم واقعاً فلم يحصل المولى شيئاً من ناحية الغرض الترخيصي، وإنَّما غاية ما في جعل الترخيص الظاهري في الشبهات البدوية هو التحفّظ الاحتمالي على الغرض الترخيصي، ومحذوره هو التفويت الاحتمالي للغرض التحريمي أمّا في العلم الإجمالي فإنَّ في جعل الترخيص حفظاً للغرض الترخيصي على كلّ حال وتفويتاً قطعياً للغرض التحريمي، ففي الشبهة البدوية كلاهما احتماليان وفي العلم الإجمالي كلاهما قطعيان. ومن هنا ينفتح باب الإشكال والسؤال عن وجه جعل البراءة في أحدهما دون الآخر. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

 [تلخيص ما تقدّم]

قلنا: إنَّ الكلام في مانعية العلم الإجمالي عن جريان الأصول في أطرافه يقع في مقامين: 

أحدهما: في مانعيته عن جريانها في تمام أطرافه.

وثانيهما: في مانعيته عن جريان الأصول في بعض أطرافه.

[المقام الأول: في مانعيته عن جريانها في تمام أطرافه]

وقد انتهى الكلام من المقام الأوّل، وتحقق أنَّ المانعية الثبوتية بحكم العقل المدعاة للمشهور لا أساس لها، وأنَّ جريان الأصول الترخيصية في تمام أطراف العلم الإجمالي يحتوي على حقيقة الحكم الظاهري وتمام عناصر إمكانه.

 وذكرنا أن الصحيح هو المانع الإثباتي في المقام، وذكرنا لذلك نكتتين أو قرينتين لتقييد إطلاق أدلّة الأصول، وكلتاهما ثابتتان بالفهم والارتكاز العرفي(1).

وهاتان النكتتان ليستا متساويتين من حيث المضمون، كما أنّهما لا تجريان في تمام أدلّة الأحكام الظاهرية؛ فإنَّ الأصول المثبتة للتكليف لا مانع من جريانها في أطراف العلم الإجمالي ولو مع العلم الإجمالي بالرخصة في بعض الأطراف وعدم ثبوت التكليف، فلو علم بالإباحة في أحد الأطراف وكان الأصل مثبتاً في كلّ منهما، هنا لا مانع من جريان الأصلين المثبتين تمسّكاً بإطلاق دليل 

ــــــــــ[163]ــــــــــ

() ولخّصهما. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الأصل المثبت للتكليف، ولا يقتضي شيء من النكتتين اللتين ذكرناهما الإباء عن إطلاق الدليل لمثل ذلك.

أمّا النكتة الأوّلى فواضح، باعتبار أنَّ مرجع دليل الأصل المثبت للتكليف على ما بينّا، إلَّا أنَّ المولى يهتم بالتكليف الواقعي بمجرّد احتماله الذي هو على طبق الأصل المثبت للتكليف، ومثل هذا الاهتمام يلائم حتّى مع العلم الإجمالي بالرخصة، فإنَّ هذا العلم الإجمالي لا ينفي الاحتمالي، فيكون مورداً لاهتمام المولى أيضاً، يعني: لا موجب لفرض ضيق في المحمول من هذه الناحية.

 وكذلك النكتة الثانية أيضاً لا تجري؛ لأنَّ الارتكاز العقلائي غير موجود في المقام، فإنّه لا يوجد هناك ارتكاز عقلائي يأبى عن إيجاب الاحتياط في طرفين يعلم بإباحة أحدهما، ومن هنا نقول: بجريان الأصول المثبتة للتكليف في أطراف العلم الإجمالي. 

وأمّا الأصول النافية، فما كان منها بلسان: “كُلْ مَا يَكُونُ فِيهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَهُوَ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْرِفَ الحَرَامَ بِعَيْنِهِ فَتَدَعَهُ(1) فبقرينة كلمة (بعينه) أنَّ الخطاب ناظر إلى العلم الإجمالي أيضاً، يعني: ناظر إلى التزاحم الثاني كما هو ناظر إلى الأوَّل، وحينئذٍ لا تأتي النكتة الأوّلى، بل يختصّ ملاك التقييد حينئذٍ بالنكتة الثانية. 

وكذلك أيضاً تمام أدلّة الأحكام الظاهرية المجعولة بعنوان كاشفية الاحتمال، من باب تقديم أحد الاحتمالين على الاحتمال الآخر، ويعوّل على 

ــــــــــ[164]ــــــــــ

(1) المحاسن ‏2: 495، باب الجبن…، الحديث 596.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

كاشفيته نتيجة لذلك، من قبيل قاعدة الفراغ، فإنها بحسب الحقيقة نتيجة لترجيح أحد الاحتمالين على الآخر، يعني: ترجيح احتمال الإتيان على احتمال عدمه من باب أمارية الإتيان، وهي الذكر: (لأنّك حين العمل كنت أذكر)(1) هنا أيضاً العرف -في مقام فهم المعنى من اللفظ- لا يتعقّل التفكيك في هذه الكاشفية، بحيث يكون احتمال الإتيان بالفعل كاشفاً ومثبتاً للمطلب، في قبال الاحتمال البدوي، ولا يكون مثبتاً له في قبال العلم الإجمالي.

 مثل هذا التفكيك في دليل يكون لسانه الكاشفية والتعويل على أمارية هذا الاحتمال ممّا لا يتعقّله العرف -بما هو يفهم المعنى من اللفظ-.

وحينئذٍ فظاهر هذه الكاشفية كون المولى جعل احتمال الإتيان، بلحاظ أمارية الذكر، حجّة ومثبتاً لمتعلّقه، ومثل هذه المثبتية لا يفرق فيها بين أن يكون في قبالها احتمال بدوي أو احتمال مقرون بالعلم الإجمالي.

وإنَّما تأتي مناسبات الحكم والموضوع في النكتة الأوّلى، فيما إذا فُرض أنَّ اللسان كان من قبيل لسان (رفع ما لا يعلمون) من قبيل تقديم أحد المحتملين على الآخر.

 وظاهر التقديم هو تقديم هذا على ذاك بما هو محتمل وذاك محتمل، من دون نظر إلى تقديم الإباحة المعلومة على الحرمة المعلومة بوجهٍ.

 مثل هذه الأدلّة -أدلّة الأحكام الظاهرية- الناظرة إلى التعويل على أحد 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

(1) وسائل الشيعة 1: 471، باب أنَّ من شكّ في شيء من أفعال الوضوء قبل الانصراف، الحديث 7، مع اختلاف في الألفاظ.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الاحتمالين، لا تأتي فيها النكتة الأوّلى، وإنَّما تختص بها النكتة الثانية، وهي الارتكاز العقلائي، فإنّه يأبى عن جريان قاعدة الفراغ -مثلاً- في كلا طرفي العلم الإجمالي.

فاتضح أنَّ هاتين النكتتين، بالنسبة إلى الأصول المثبتة للتكليف لا تجريان معاً، وبالنسبة إلى الأصول النافية النكتة الثانية أوسع من الأوّلى في مدلولها. هذا تمام ما يقال بالنسبة إلى المقام الأوَّل.

المقام الثاني: في مانعية العلم الإجمالي عن جريان الأصول في بعض الأطراف 

وأمّا المقام الثاني، فهو مانعية العلم الإجمالي عن جريان الأصول في بعض أطراف العلم الإجمالي.

أمّا المانعية الثبوتية فقد فرغنا عن إبطالها؛ لأنّا أبطلنا مانعية العلم الإجمالي عن جريان الأصول في تمام الأطراف، فما ظنّكم بجريان الأصول في بعض الأطراف!! لا محالة لا بُدّ وأن يُلتزم أنّه لا مانع ثبوتي عن جريان بعض الأصول في بعض الأطراف، وعليه فينحصر الكلام في المانع الإثباتي عن جريانها في بعض الأطراف.

والمعروف في تقريب المانع الإثباتي عن جريان الأصول في بعض الأطراف هو أن يقال: بعد الفراغ عن عدم إمكان التحفّظ على إطلاق دليل الأصل بالنسبة إلى جميع الأطراف، إمّا لمحذور ثبوتي كما ذكروه أو لمحذور إثباتي كما ذكرناه.

ــــــــــ[166]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فحينئذٍ يقال: إنَّ الأصل بعد استحالة جريانه في تمام الأطراف، إمّا أن يُفرض جريانه في أحد الطرفين معيناً دون الطرف الآخر، فهذا ترجيح بلا مرجح؛ لأنَّ نسبة كلا الفردين إلى الدليل على حدّ واحد؛ لأنَّ كلا من الفردين مصداق للعنوان الذي وقع موضوعاً للدليل، وهو عنوان (ما لا يعلمون). وإمّا جريان الأصل فيهما على وجه التخيير بحيث تجعل رخصة في الجامع بينهما بنحو صرف الوجود، فهذا وإن كان معقولاً؛ لأنّه لا يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية، إلَّا أنَّ هذه الرخصة التخييرية لا يمكن إثباتها بنفس دليل الأصل؛ لأنَّ مفاده هو الرخصة التعيينية في كلّ فرد فرد على نحو الانحلال، فالرخصة التخييرية ليست مفاداً للأصل حتّى يتمسّك بالدليل لإثباتها. 

وأمّا ما هو مفاد الأصل وهو الرخصة التعيينية، فإجرائه في أحد الأطراف دون الآخر ترجيح بلا مرجح، فلا محالة يحصل التعارض والتساقط.

وممّا مرّ في البحث السابق، اتضح أننا لا نحتاج إلى هذا البيان بالنسبة إلى قسم من أدلّة الأصول في إبطال جريانه في بعض أطراف العلم الإجمالي.

فإذا ذكرنا أنَّ أدلّة الأصول التي تكون مشمولة للنكتة الأوّلى غير ناظرة إلى العلم الإجمالي رأساً، والمجعول فيها لا يكفي للتأمين من ناحية العلم الإجمالي، فمثل هذه الأصول حتّى لو لم يكن هناك معارض، وقطع النظر عن محذور الترجيح بلا مرجح، أيضاً لا تجري في أطراف العلم الإجمالي، كـ(رفع ما لا يعلمون)؛ لأنّه يعالج مسألة الموازنة بين الاحتمالين لا الموازنة بين العلمين، فلا يكفي للتأمين في مورد العلم الإجمالي بوجه من الوجوه أصلاً.

ــــــــــ[167]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وإنَّما نحتاج إلى هذا البيان فيما كان من أدلّة الأصول ناظراً إلى العلم الإجمالي بإطلاقه، من قبيل: “كُلْ مَا يَكُونُ فِيهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَهُوَ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْرِفَ الحَرَامَ بِعَيْنِهِ فَتَدَعَهُ(1) فإنّه بقرينة بعينه، استندنا أنّه لا يقصر نظره على خصوص الاحتمال، بل له نظر أيضاً إلى جهة العلم الإجمالي، فمثل هذا الدليل في نفسه لا بأس بشموله لبعض الأطراف دون بعض، فيأتي حينئذٍ برهان الترجيح بلا مرجّح فيقال: بأنَّ جريانه في بعض الأطراف دون بعض ترجيح بلا مرجح، وجريانه بنحو التخيير مثلاً ليس مدلولاً لدليل الأصل؛ لأنَّ مدلوله هو الرخصة التعيينية لا التخييرية.

[إشكالان في المقام]

أحدهما: ما يتعرض(2) له عادة في مقام المناقشة في هذا البرهان. 

وحاصله: تصوير إجراء الأصول بنحو التخيير بحيث ينطبق على صناعة الاستدلال، بحيث يمكن أن يُستفاد من دليل الحلّية التعيينية، الذي قلنا: إنَّ مدلوله هو الحلّية التعيينية لا التخييرية… في مقام تصوير إجراء الأصول بنحو التخيير بنحو يمكن استفادته من نفس دليل البراءة المتكفّل للرخصة التعيينية في كلّ طرف طرف.

وهذا الإشكال جُعل من قبل المحقّق العراقي نقضاً على من لا يقول بالمانع الثبوتي، حيث إنّه  يقول بالمانع الثبوتي، ويقول: بأنَّ العلم الإجمالي 

ــــــــــ[168]ــــــــــ

() المحاسن ‏2: 495، باب الجبن…، الحديث 596.

(2) تعرض له المحقّق العراقي وغيره، (المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، بحيث يستحيل عقلاً الترخيص لا في تمامها ولا في بعضها، فقال: بأنَّ الخصم الذي ينكر المانعية الثبوتية عن جريان الأصول في بعض الأطراف ملزم بأن يجري الأصول في بعضها تخييراً، لإمكان تصوير التخيير بحيث ينطبق على قواعد الاستدلال. وسوف يأتي -إن شاء الله تعالى- التعرّض لهذا الوجه في بحث مناقشة الاقتضاء والعلّية.

 يأتي التعرّض للوجوه المتصوّرة المعقولة في استفادة التخيير من أدلّة الأصول، وأنّه هل يتم شيء منها على مقتضى الصناعة أو لا؟

وهنا إشكال آخر في برهان الترجيح بلا مرجح: وحاصله: أيضاً يرتبط بطبيعة تصورنا للأحكام الظاهرية؛ لأنّنا لم نبنِ على مذهب السيّد الأستاذ وغيره من أنَّ الأحكام الظاهرية ناشئة من مصالح نفسية في نفس جعلها وراء الملاكات الواقعية، بل نقول بعد فرض أنَّ المستفاد من دليل الحكم الظاهري هو الطريقية الصرفة لا السببية، قلنا: بأنَّ الطريقية أن تكون حقيقة الأحكام الظاهرية عبارة عن خطابات ناتجة عن نفس المبادئ والملاكات الواقعية التي نتجت عنها الخطابات الواقعية، غاية الأمر أنَّ الخطابات الظاهرية ناشئة عن تلك الملاكات بعد فرض وقوع التزاحم بينها في مقام التحفّظ نتيجة لاختلاطها ببعضها. 

فتكون أصالة البراءة بناءً على ذلك، عبارة عن أنَّ المولى قدّم في مقام التزاحم بين أغراضه الترخيصية والإلزامية في مقام الحفظ غرضه الترخيصي على الإلزامي.

ــــــــــ[169]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

هنا لو تشكّل عندنا علم إجمالي بنجاسة أحد المائعين، فكلّ منهما مشكوك الحرمة ونسبة كلّ منهما إلى حاقّ ألفاظ الدليل على حدّ واحد؛ لأنَّ كلا منهما في نفسه ممّا لا يعلم، إلَّا أننا نفرض أنَّ احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على أحدهما أقوى من احتمال انطباقه على الطرف الآخر كما لو كان احتمال الحرمة في أحدهما ظنّي واحتمالها في الآخر وهمي. وأن الغرض فيهما من سنخ واحد ولا فرق بينهما من حيث المحتمل.

هنا لو لاحظنا الطرفين من حيث إطلاق دليل الأصل فلا فرق بينهما؛ لأنَّ كُلّاً من الظنّي والوهمي ممّا لا يعلم، لكن نقول: إنّه بحسب عالم الثبوت لا نحتمل أنَّ المولى في هذا العلم الإجمالي يوجب الاحتياط في الطرف الوهمي ويرخص في الطرف الظنّي، لأنَّ هذا تقريب نحو تفويت أغراضه الواقعية بلا ملزم، بعد فرض عدم وجود ميزة في الطرف الوهمي من حيث أهميّة المحتمل، فالأمر يدور بحسب مقام الثبوت بين أنَّ المولى لا يرخّص لا في هذا الطرف ولا ذاك تحفّظاً على التكليف المعلوم بالإجمال، وإمّا أن يرخّص في الطرف الوهمي خاصّة دون الظنّي.

فإذا كان الأمر دائراً بين سقوط أصالة البراءة في كلا الطرفين أو سقوطها في الظنّي وجريانه في الوهمي خاصة، فحينئذٍ يتحصل من ذلك العلم التفصيلي بسقوط إطلاق دليل الأصل بالنسبة إلى الطرف الظنّي؛ إذ يعلم بسقوط إطلاق الدليل بالنسبة إليه، إمّا هو وحده أو هو مع غيره؛ إذ العكس غير محتمل، وهو أن يكون الترخيص ثابتاً في الظنّي دون الوهمي. 

ــــــــــ[170]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

نعم، هذا محتمل على تصورات السيّد الأستاذ للحكم الظاهري؛ إذ لعلّ المصلحة التي في نفس جعل الحكم الظاهري، موجودة في جعل الترخيص في الطرف الظنّي دون الوهمي، فيبقى مجال لمثل هذا الاحتمال.

التحقيق على المسلك المختار

أمّا على مسلكنا من كون الأحكام الظاهرية نتيجة للتزاحم، فلا نحتمل أنَّ المولى يوقع التزاحم بحيث يرخّص في الطرف الظنّي في العلم الإجمالي دائماً، ويوجب الاحتياط في الوهمي، فالأمر دائر بين خروج كلا الطرفين عن أدلّة الأصول، أو خروج الظنّي منهما خاصة. إذن، فخروج الظنّي خاصّة ثابت على كلا التقديرين، فيسقط إطلاق دليل الأصل بالنسبة إلى الظنّي، وإذا سقط هذا، يبقى إطلاق دليل الأصل بالنسبة إلى غير الظنّي على حاله من دون معارض؛ لأنَّ معارضه لم يكن إلَّا إطلاقه للظنّي وهو معلوم السقوط على كلّ حال، فيتعيّن ذاك حينئذٍ.

ونفس هذا البيان نبينه في عدة موارد منها موارد التعارض ما بين الحجّتين في خبر الواحد، هناك أيضاً يجرون نفس الدليل، فيقولون: بأنَّ نسبة الخبرين إلى دليل الحجّيّة على حدّ واحد؛ لأنَّ كُلّاً منهما خبر الثقة، فتطبيق دليل الحجّيّة على هذا دون ذاك أو ذاك دون هذا ترجيح بلا مرجّح. والحجّيّة التخييرية مباينة مع الحجّيّة التعيينية التي هي مدلول الدليل، فيلتزم بالتساقط؛ ومن هنا قال الآغايون: بأنَّ مقتضى القاعدة في تعارض الحجّيتين هو التساقط.

ونحن نقول نفس هذا البيان أيضاً، فيما لو فُرض أنَّ إحدى الحجّتين كانت 

ــــــــــ[171]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

في ملاك الحجّية أقوى من الأخرى، في جهة الكاشفية، كما إذا كان أحدهما أوثق من الآخر.

 حينئذٍ نقول: إنّه بحسب الواقع ومقام الثبوت، إمّا أنَّ المولى يسقط الحجّيّة من كليهما معاً، وإمّا أن يسقط من غير الأوثق فقط.

 أمّا أنَّ المولى يسقط الحجّيّة من الأوثق فقط دون غير الأوثق، فهذا غير محتمل بعد فرض كون ملاك الحجّيّة فيه أقوى، فيتولد من ذلك علم تفصيلي بسقوط الحجية عن غير الأوثق.

 وحينئذٍ يبقى إطلاق دليل الحجّيّة للأوثق يبقى بلا معارض؛ لأنَّ معارضه لم يكن إلا إطلاقه لغير الأوثق وقد سقط.

مثل هذا الكلام أوجب أن نقرّر هناك أن مقتضى الأصل في تعارض الحجتين ليس هو التساقط بل هو بقاء الحجية ولو في الجملة. بهذا النحو الذي بينّاه ويأتي تفصيله هناك.

وأمّا في المقام، فالذي يوجب رفع اليد عن مثل هذا البيان، إنَّما هو المقيّد المنفصل، فلو بقينا نحن وإطلاق دليل الأصل، لكان مقتضى القاعدة هو التحفّظ على إجراء الأصل في الوهمي، والالتزام بوجوب الاحتياط في الظنّي، إلَّا أنَّ الدليل الخارجي دلّ على وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة، وهو الذي يكون مقيّداً في المقام لإطلاقات أدلّة الأصل على ما يأتي الإشارة إليه حينما نبحث الشبهة الأوّلى، وهي شبهة التخيير.

أمّا الآن فنقول: إنّه لو قطعنا النظر عن المقيّدات المنفصلة ولاحظنا نفس 

ــــــــــ[172]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

دليل الأصل، فلا يأتي برهان الترجيح بلا مرجّح، وإنَّما يأتي فيما إذا لم يكن هناك مزية لأحد الطرفين بعينه على الآخر، من دون ميزة احتمالية في العكس.

وهكذا اتضح من جميع ما ذكرناه إلى هنا، أنَّ جريان الأصول في تمام الأطراف أو في بعضها، لا مانع منه ثبوتاً، وإنَّما المهم هو المانعية الإثباتية، وبمقدار المانعية الإثباتية نلتزم بعدم جريان الأصول، وقد ثبتت هذه المانعية في جريان الأصول في تمام الأطراف، فنلتزم بعدم جريانها، أمّا جريانها في بعض الأطراف دون بعض فسوف يأتي -إن شاء الله تعالى- تتمّة هذا الكلام عند التعرّض إلى شبهة التخيير، ويأتي أنَّ الأصول ما كان منها غير ناظر إلى العلم الإجمالي أصلاً كالبراءة، فهذا لا يجري حتّى في بعض الأطراف سواء كان له معارض أو لا، وما كان ناظراً إلى العلم الإجمالي بإطلاقه، إذا لم يكن له معارض يجري في بعض الأطراف دون ما إذا كان له معارض، وذلك لا لبرهان الترجيح بلا مرجّح الذي ذكرناه، بل باعتبار مقيّد متّصل سوف يشار إليه في ذلك البحث.

هذا تمام الكلام على مسلكنا، يعني: بناءً على قاعدة منجّزيّة الاحتمال، ونحن بناءً على هذا المسلك لا نحتاج إلى البحث عن مقدار منجّزيّة العلم الإجمالي؛ إذ في المرتبة السابقة عليه قد تمّ المنجّز عندنا بلحاظ الاحتمال، وإنَّما يحتاج إلى البحث عن مقدار منجّزيته بناءً على المسلك المشهوري القائل بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان).

ــــــــــ[173]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 



الكلام على المسلك المشهور

 

بعد هذا ننتقل إلى المسلك المشهوري بناءً على قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، وأن الاحتمالات في أطراف العلم الإجمالي في نفسها غير منجّزة وإنَّما تتطلب التنجيز من قبل العلم الإجمالي، فهنا يقع البحث في أنَّ العلم الإجمالي منجّز أو لا، وما هو مقدار تنجيزه؟

[قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)]

الآن نتكلّم على مسلك المشهور القائلين بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان). بناءً عليه لو قطع النظر عن العلم الإجمالي لا يوجد هناك أيّ منجّز في الأطراف، فإنّه بقطع النظر عنه ليس هناك إلَّا الاحتمالات والشكوك، وهي داخلة تحت حكم قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، فيحكم بعدم مصحّحيتها للعقاب.

فيقع البحث بأن العلم الإجمالي يُخرج أيّ مقدار من اللابيانية إلى البيانية، وأيّ مرتبة يصحح العقاب بالنسبة إليها؟ ومن هنا تكلّم أصحاب هذا المسلك أوَّلاً في أنَّ العلم الإجمالي هل يكون منجّزاً لحرمة المخالفة القطعية أو لا؟ إذ لولاه لا منجّز لحرمة المخالفة القطعية إذ نجري قاعدة قبح العقاب في تمام الأطراف ونرتكب المخالفة القطعية، فيقع الكلام حول تنجيزه لهذه المرتبة، 

ــــــــــ[174]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

بمعنى: أنّه هل يخرجها من موضوع قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) أو لا؟

ثُمَّ بعد أن فُرغ أنّه منجّز لهذه المرتبة، بحثوا في أنَّ حرمة المخالفة القطعية التي ثبتت ببركة العلم الإجمالي وبسبب تأثيره بإخراجها من اللابيان إلى البيان، هذه الحرمة العقلية هل هي بنحو العلّية أو الاقتضاء؟ بمعنى: أنَّ العلم الإجمالي هل هو علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعية، بحيث يستحيل تخلّف المعلول عن العلّة، أو هو مقتضٍ لها، وقد يقترن بالمانع، والمانع المدّعى هو الترخيص الشرعي، ويكون مانعاً عن تأثير المقتضي في مقتضاه؟

 فإنَّ حكم العقل بمنجّزية هذه المرتبة حكم معلّق ومشروط على عدم المانع وهو الترخيص الشرعي، ولكلٍ ذهب قوم، فبناءً على مسلك العلّية يستحيل ورود الترخيص الشرعي، وبناءً على مسلك الاقتضاء والتعليق يمكن وروده.

ثُمَّ بعد هذا بحثوا أنَّ العلم الإجمالي، كما ينجّز مرتبة حرمة المخالفة القطعية، هل ينجّز أيضاً مرتبة وجوب الموافقة القطعية، ويخرجها من دائرة اللابيان إلى دائرة البيان أو لا؟ فبعض قال: بأنَّ العلم الإجمالي لا أثر له بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية، وبعض قال: بأنَّ العلم الإجمالي كما يؤثّر في تتميم البيان في مرتبة حرمة المخالفة القطعية كذلك يؤثّر في تتميمه في مرتبة وجوب الموافقة القطعية.

ثُمَّ هؤلاء الذين قالوا بتنجيز العلم الإجمالي لمرتبة وجوب الموافقة القطعية اختلفوا فيما بينهم في أنّه بنحو الاقتضاء أو بنحو العلّيّة. وينتج عن القول بالعلّيّة 

ــــــــــ[175]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

استحالة الترخيص الشرعي، ولو في بعض أطراف العلم الإجمالي، أو أنّه مقتضٍ ويكون ترتّب الأثر عليه معلّقاً على عدم المانع، وهو الترخيص الشرعي. 

الآن نحن نبدأ من النقطة الأولى، بعد افتراض تمامية قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) وصرامتها، بحيث إنّها قانون عقلي غير قابل للتخصيص بوجه، ونأتي إلى منجّزيّة العلم الإجمالي ومقدار ما يخرج من اللابيان إلى البيان.

[أوّلاً:] في حرمة المخالفة القطعية

أوّلاً في مرتبة حرمة المخالفة القطعية: في هذه المرتبة لا إشكال ولا ريب في أنَّ العلم الإجمالي يُخرج هذه المرتبة من دائرة اللابيان إلى دائرة البيان؛ وذلك لأنَّ العلم الإجمالي وإن وقع خلاف في أنَّ المعلوم بالعلم الإجمالي ما هو هل هو الجامع أو الواقع؟ إلَّا أنّه على جميع التقادير فإنَّ الجامع معلوم بلا إشكال في العلم الإجمالي، وفي مرتبة انكشاف الجامع لا غموض ولا تردد. إذن، فالجامع يخرج من اللابيان إلى البيان؛ إذ لا نريد من البيان إلَّا العلم وانتفاء التردد والشكّ، وهو حاصل في مرتبة الجامع.

 إذن فهذه المرتبة مرتبة تمّ عليها البيان، فلا إشكال في خروجها من دائرة اللابيان إلى البيان. 

ولم يقع هناك إشكال في هذا المطلب ما بين المحقّقين المتأخّرين، وإن نسب إلى بعض المتقدّمين، ممّن لا نعرفه، أنّه أنكر حتّى هذه المرتبة من تنجّيز العلم الإجمالي، وذكر أنَّ حال أطراف العلم الإجمالي حال الشبهات البدوية، ولعلّ هذا البعض اشتبه عليه المطلب بين الأصول العقلية والشرعية، حيث إنّه عاش 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

في عصر لم يكن يميز بينهما، فلعله يكون مرجع مقصوده إلى أنَّ الشارع رخّص في أطراف الشبهة، وإلَّا من البعيد جداً أنَّ عاقلاً يقول: إنَّ قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) تجري في أطراف العلم الإجمالي حتّى بلحاظ مرتبة حرمة المخالفة القطعية، وأنَّ هذه المرتبة لم يتمّ عليها البيان أيضاً من ناحية نفس العلم الإجمالي.

وإنَّما وقع الخلاف ما بينهم في أنَّ هذه البيانية والمنجّزيّة الناشئة من العلم الإجمالي بالنسبة إلى مرتبة حرمة المخالفة القطعية، هل منجّزيته تامّة علّية بحيث يستحيل انفكاكها عن العلم الإجمالي، أو منجّزيّة اقتضائية، منوطة بعدم وجود المانع؟ فالمشهور بين المحقّقين المتأخرين أنّها منجّزيّة بتِّيَّة وحتمية، ويكون نسبتها إلى العلم الإجمالي نسبة المعلول إلى العلّة، وعليه فيستحيل انفكاكها عن العلم الإجمالي، ويستحيل ترخيص الشارع في تمام الأطراف، يعني: ترخيصه في هذه المرتبة.

ونحن قد بينّا بما لا مزيد عليه، حينما تكلّمنا على مسلكنا، وتكلّمنا عن المانعية الثبوتية للعلم الإجمالي عن جريان الأصول، وأبطلنا هذه المانعية، تكلّمنا أنَّ هذه التنجّزيّة ليست تنجّيزية بتِّيَّة وحتمية، بل هي نحو من التنجّيزية لا يمنع عن جعل الحكم الظاهري والترخيص في تمام الأطراف بنحو ينتج الإذن في المخالفة القطعية.

ودفعنا ما يورد من التقريبات لبيان كونها منجّزيّة حتمية بتّيّة يستحيل الترخيص في تمام الأطراف، فقد تعرفنا لما ذكره صاحب الكفاية من توهم استلزام الترخيص في تمام الأطراف من اجتماع حكمين فعليين، وهما التكليف المعلوم بالإجمال مع الأصول الجارية بالأطراف، ذكرنا أنّه إن أراد بالفعلية 

ــــــــــ[177]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الفعلية التشريعية والجعلية فلا مانع من اجتماع التكليف المعلوم بالإجمال مع الترخيص الظاهري في تمام الأطراف، فإنَّ نفس الملاك المصحّح لجريان الأحكام في الشبهات البدوية يجري في المقام، وإن أراد فعلّيّة بمعنى آخر فثبوتها للواقع أوَّل الكلام.

وتعرضنا لمسألة أنَّ الترخيص في تمام الأطراف إذن في المعصية، وهي قبيحة بحكم العقل، وهنا بينّا أنَّ أحكام العقل في هذا الباب بعضها تنجيزية وبعضها تعليقية، وما كان منها تنجيزياً لا ينافي مع الترخيص في تمام الأطراف، كحكمه بمولوية المولى وقبح ظلمه؛ لأنَّ الإذن في تمام الأطراف لا يرجع إلى سلب المولوية عن المولى ولا إلى الإذن في ظلمه، وما يكون من الأحكام العقلية منافياً مع الإذن من قبل المولى لا نسلّم أنّه تنجيزي، بل هو تعليقي بحسب الحقيقة، فإنَّ فُرض كونه تنجيزياً هو فرض منع المولى عن صلاحياته المولوية، وهذا ممّا لا منع منه، أن يُفرض أنَّ المولى محجور عن المولوية في مقام الموازنة بين الأغراض الواقعية عندما يقع بينها التزاحم في مقام الحفّظ.

كلام للمحقّق العراقي ودفعه

كذلك ما ذكره المحقّق العراقي(1) من الاستدلال على أنَّ حكم العقل تنجيزي هنا، بلحاظ ارتكاز المناقضة عقلاً بين التكليف المعلوم بالإجمال، وبين الترخيص في تمام الأطراف، فيستفاد إنّاً من ارتكاز المناقضة تنجيزية حكم العقل وعلّيّة العلم الإجمالي.

 ــــــــــ[178]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الأفكار 3: 307.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

هذا أيضاً أبطلناه، وقلنا: بأنَّ هذا الارتكاز وإن كان من أوضح الواضحات، ولكنه بالتحليل لا يكون ناشئاً من حكم العقل، ولا حتّى للاستدلال به عليه، بل هو ارتكاز عقلائي لا عقلي، على ما مرّ تفصيله.

كذلك ما ذكره المحقّق العراقي(1) -وهذا ممّا لم يمرّ- في بعض كلماته، في مقام تقريب علّيّة العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية، قال: بأنَّ العلم الإجمالي كالتفصيلي لا فرق بينهما في نظر العقل، إلَّا من حيث الإجمالية والتفصيلية، والإجمالية والتفصيلية في الانكشاف ليس له دخل في تتميم عهدة المكلّف وحقّ المولى على المكلف. إذن، فكما قلنا في العلم التفصيلي إنّه علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعية كذلك نقول في العلم الإجمالي إنّه علّة تامّة لها، وكما امتنع الترخيص من قبل الشارع في المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالتفصيل كذلك يمتنع في المعلوم بالإجمال، بل أزاد على ذلك وقال: بل إنَّ العلم الإجمالي بالإضافة إلى ما هو موضوع المنجّزيّة علم تفصيلي وليس إجمالياً؛ لأنَّ موضوع المنجّزيّة هو طبيعي أمر المولى لا خصوص أمره بصلاة الظهر أو أمره بصلاة الجمعة. بعض الموالي خصوصيات الأوامر لها دخل في وجوب إطاعتهم كالوالد بالنسبة إلى الولد -لو قيل بوجوب إطاعته- فإنَّما يجب إطاعته في أمر يتعلّق بمصلحة الابن ولو في نظر الأب: فكون الأمر متعلّقاً بمصلحة الابن خصوصية لها دخل في وجوب إطاعته، وأمّا بالنسبة إلى الله تعالى فتمام الملاك في وجوب الإطاعة -عقلاً- هو صرف الأمر والنهي، وصدور الإلزام من قبل 

ــــــــــ[179]ــــــــــ

(1) انظر: المصدر نفسه.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المولى، وخصوصية كون الإلزام متعلقاً بالظهر أو الجمعة ليس له أيّ دخل فيما هو ملاك وجوب الإطاعة عقلاً، وفيما هو موضوع حكم العقل به.

إذن، فما هو موضوع حكم العقل معلوم بالتفصيل، وهو طبيعي الإلزام وما يكون فيه التردد هو الخصوصيات، وهي غير دخيلة في موضوع حكم العقل، فالعلم الإجمالي كالتفصيلي فيما هو موضوع حكم العقل. إذن، فكما تثبت العلّية للعلم التفصيلي كذلك تثبت العلّية للعلم الإجمالي.

هذا الكلام أيضاً غير صحيح؛ فإنّه ينفع في إثبات أصل تنجز العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية، وإخراجه لهذه المرتبة من اللابيان إلى البيان، ولكنه لا ينفع في إثبات كون حكم العقل في المقام تنجيزياً بحيث يأبى عن الترخيص المولوي الناشئ من ملاحظة التزاحم بين الأغراض الواقعية.

بل إنَّ هذا الإباء غير موجود حتّى في العلم التفصيلي، فإنَّ حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالتفصيل أيضاً ليس بنحو بحيث يأبى عن ترخيص من قبل المولى ناشئ من التزاحم بين الملاكات الواقعية في مقام الحفظ، غايته أنّه هناك لا يتصوّر هذا التزاحم وفي باب العلم الإجمالي متصوّر، فبحسب النتيجة، هذه التعليقية -التي ندّعيها نحن في العلم الإجمالي- موجودة روحاً وجوهراً ولبّاً حتّى في العلم التفصيلي، ولا نسلّم التنجّيزيّة حتّى فيه، يعني: التفصيلي؛ لأنّها -يعني التنجيزية- تحديد لصلاحيات المولى في مقام التحفّظ على أغراضه المولوية، ولا موجب لتحديد صلاحياته؛ لأنَّ حكم العقل بوجوب امتثاله إنَّما هو حكم بعنوان تعظيمه وتحليله وليس حكماً عليه 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

من قبيل الحكم بقبح التكليف بغير المقدور، بل هو حكم إخراجي له، ولا معنى لأن يكون مثل هذا الحكم تحديداً لصلاحياته التشريعية ولقدرته على حفظ أغراضه المولوية. هذا ممّا لا معنى له أصلاً.

إذن، فالترخيص الناشئ من التحفّظ على أغراضه الواقعية في مقام التزاحم لا معنى لأن يكون مصادماً ومطروحاً بحكم العقل، غاية الأمر أنَّ مثل هذا الترخيص لا مجال له في موارد العلم التفصيلي؛ إذ لا يتصوّر التزاحم، وفي موارد العلم الإجمالي له مجال؛ إذ يتصوّر التزاحم(1).

وبهذا يتضح بما لا مزيد عليه، أنَّ تنجيز العلم الإجمالي لمرتبة حرمة المخالفة القطعية تنجيز تعليقي وليس تنجيزاً تنجيزياً، تنجيز اقتضائي وليس تنجيزاً عليّاً، فهو معلّق على عدم مجيء الرخصة في تمام الأطراف. هذا هو الكلام في مرتبة حرمة المخالفة القطعية. 

[ثانياً:] في مرتبة وجوب الموافقة القطعية

أمّا المرتبة الثانية، وهي مرتبة وجوب الموافقة القطعية: فمن قال بالتنجيز في المرتبة الأوّلى، تكلّموا في أنَّ العلم الإجمالي هل يكون منجّزاً بالنسبة إلى مرتبة وجوب الموافقة القطعية أو لا؟ اختلفوا على قولين: 

فقول: بانَّ العلم الإجمالي ليس منجّزاً أصلاً لوجوب الموافقة القطعية، وليس مخرجاً لها من دائرة اللابيان إلى البيان. وهذا ما يُصرّح به في بعض كلمات المحقّق 

ــــــــــ[181]ــــــــــ

() بعد فرض اختلاط الأحكام الواقعية وعدم تمييزها بعضها عن بعض، (المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

النائيني(1) وأنَّ العلم الإجمالي لا اقتضاء بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية.

والمشهور، يعني: مدارس الآخوند تقول بتأثير العلم الإجمالي في حفظ مرتبة الموافقة القطعية من حيث التنجيز.

 ثُمَّ هؤلاء القائلون بالتنجيز اختلفوا بينهم: أنّه تنجيز بنحو الاقتضاء أو بنحو العليّة. فالمنسوب إلى المشهور أنّه تنجيزٌ بنحو الاقتضاء، خلافاً للمشهور في المرتبة الأوّلى، حيث قالوا: إنّه منجّز لمرتبة المخالفة القطعية بنحو العلّيّة، وهو -أي تنجيزه لمرتبة الموافقة القطعية بنحو الاقتضاء- المنسوب إلى الشيخ الأعظم في بعض كلماته. وذهب بعضهم كالمحقّق العراقي(2) إلى القول بالعلّيّة، وادّعى أنَّ هذا هو مختار الشيخ الأعظم أيضاً في (الرسائل) واستشهد عليه ببعض الكلمات.

إذن، فيقع الكلام أوَّلاً في أصل تنجيز العلم الإجمالي لمرتبة وجوب الموافقة القطعية، وحيث إنَّ تنجيز هذه المرتبة بالعلم الإجمالي رُبط في بعض كلماتهم في تحقيق حقيقة العلم الإجمالي، حيث ادّعى بعضهم أن العلم الإجمالي إذا بُني على كونه متعلقاً بالجامع فهو لا ينجّز مرتبة الموافقة القطعية وإذا كان متعلّقاً بالواقع فينجزها، فنتكلّم على سبيل المقدّمة في تحقيق حقيقة العلم الإجمالي، وأنّ معنى تعلّقه بالجامع أو الواقع وبعد تحقيق المباني في ذلك نشرع في أصل المسألة لنرى أنّه على أيّها يكون منجّزاً، وعلى أيّها لا يكون منجّزاً.

ــــــــــ[182]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 245. 

(2) انظر: انظر: مقالات الأصول 2: 229.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

 [مباني تصوير هوية العلم الإجمالي]

في هذه المقدّمة(1): يقال بأنَّ المعروف من المباني في تصوير هوية العلم الإجمالي:

كلام الآخوند حول هوية العلم الإجمالي ومناقشاته

المبنى الأوَّل ما يظهر من المحقّق الخراساني في تعليقته على كفاية(2) نفسه، في بحث الواجب التخييري، حيث اختار هناك: أنَّ الواجب التخييري في بعض الموارد يرجع إلى وجوب متعلّق بأحد الشيئين على الترديد، بحيث إنَّ الواجب لا ذاك بعنوانه ولا هذا بعنوانه، بل الفرد المردّد بينهما.

 ثُمَّ في تعليقة له على الكفاية قال: بأنّه لا يستوحش من تعلّق الوجوب بالفرد المردّد وقيامه به، فإنَّ الوجوب صفة اعتبارية تقوّم بالفرد المردّد، مع أنّنا نرى أنَّ الصفات الحقيقية ذات الإضافة قد تقوّم بالفرد المردّد كالعلم الإجمالي، فمتعلقه هو الفرد المردّد لا كلّ منهما بعنوانه التفصيلي.

ولم يتصدّ لإثبات هذا المطلب هناك؛ لأنّه أخذه مفروغاً عنه، وصار في مقام تصوير الوجوب التخييري، ولم يكن في مقام بحث أصل تصوير العلم الإجمالي.

إلَّا أنَّ المتأخّرين عنه كالمحقّق الأصفهاني(3) وغيره، تصدوا للإشكال عليه، وذكروا أنَّ الفرد المردّد يستحيل أن يكون طرفاً للعلم الإجمالي ولا لأي صفة أخرى من الصفات الحقيقية والاعتبارية؛ وذلك لأنّه إن أريد بالمردّد عنوان 

ــــــــــ[183]ــــــــــ

() قال بعد عنونة المسألة: في هذه المقدّمة… (المُقرِّر).

(2) انظر ص 334 من حقائق الأصول ج1. (المُقرِّر).

(3) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 579. 

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المردّد ومفهومه فهو ليس مردّداً، بل هو مفهوم من المفاهيم الثابتة المتعيّنة في نفسها التي يتصوّرها العقل ويطبّقها على أفراد كثيرة بحسب الخارج. 

وإن أراد بالمردّد واقع المردّد، كما هو مراد فعلاً، ما هو بالحمل الشايع مردّد، فهذا ليس له ذات ولا تعيّن أصلاً؛ لأنَّ كلّ ما له تعيّن ماهوي فبمقتضى تعيّنه الماهوي يكون ذا حدود خاصّة محفوظة في حده الماهوي، ولا معنى لأن يكون مردّداً، فليس له تعيّن ماهوي أصلاً حتّى يقع طرفاً لإضافة العلم، ويكون متعلّقاً للصفة الحقيقية ذات الإضافة، فإنَّ طرف الإضافة، في مرتبة الطرفية للإضافة يجب أن يكون متعيّناً؛ لأنَّ المردّد غير المتعيّن بالحمل الشايع ليس شيئاً ولا ماهية من الماهيات. إذن، فكيف يقع طرفاً للعلم الإجمالي؟! 

بل بالدقّة إنَّ طرف الإضافة للعلم الإجمالي، موجود بنفس وجود العلم الإجمالي؛ لأنَّ المعلوم بالذات هو نفس العلم بحسب الحقيقة، وموجود وبنفس وجوده، فما هو الطرف الذاتي للإضافة مقوّم لوجود العلم للنفس، بل وجوده نفس وجود العلم في عالم النفس، فلو فُرض أنّه مردّد للزم التردّد في مرتبة وجود العلم، مع أنّه لا تردّد في الوجود أصلاً، فإنَّ المردّد لا وجود له كما لا ماهية له. بمثل هذه الكلمات أبطلوا ما أفاده المحقّق الخراساني.

مسلك المحقّق الأصفهاني حول ذلك ومناقشته

ومن هنا أقاموا صرح المبنى الثاني: وهو مبنى تعلّق العلم الإجمالي بالجامع، حيث ذكر المحقّق الأصفهاني(1) وهو المستفاد أيضاً من كلمات المحقّق 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

(1) انظر: نهاية الدراية في شرح الكفاية 2: 242و579.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

النائيني(1): أنَّ العلم الإجمالي لا يختلف في حقيقته من حيث إنّه علم وفي أفق الانكشاف عن العلم التفصيلي أبداً، وإنَّما فرقه عنه في جانب المعلوم، حيث إنَّ العلم التفصيلي علم بالفرد والعلم الإجمالي علم بالجامع مع الشكّ في خصوصيات الأفراد، فمن حيث النظر إلى الجامع هما سواء، ويكون الفرق بينهما من ناحية المعلوم.

وقد ذكر المحقّق الأصفهاني في مقام البرهنة على هذا المدّعى: أنَّ العلم الإجمالي لا يخلو في الواقع من أحد شقوق أربعة بنحو الحصر العقلي متصوّرة في المقام:

إمّا أن يُقال: إنّه ليس له طرف أصلاً، علم بلا معلوم، أو أنَّ معلومه هو الفرد المردّد، أو هو الفرد المعيّن بحدّه الخاص، أو هو الجامع الملغى عنه خصوصيات الأطراف، أو الشقوق الثلاثة الأُوَل باطلة.

أمّا أن يكون علم بلا معلوم فهو مستحيل؛ لأنَّ العلم صفة حقيقية ذات إضافة، فيستحيل انسلاخه عن الإضافة.

 وأمّا أنّه علم بالمردّد فقد فرغنا عن استحالته.

وأمّا أن يكون متعلّق العلم هو الفرد لمعين، فهذا بديهي البطلان وخلف؛ لأنّنا بالوجدان لا نعلم بوجود زيد ولا بوجود عمرو، وإنَّما نعلم بوجود جامع الإنسان في المسجد.

إذن، فيتعيّن الشقّ الرابع، وهو أن يكون العلم الإجمالي علماً بالجامع مع الشكّ في الأطراف.

ــــــــــ[185]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات2: ٥٠ – 51.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ويقول في بعض عبائره هكذا: بأنّنا نعلم بالجامع ونشكّ بالأطراف ونعلم بأنَّ الجامع ليس منطبقاً على غير أطراف العلم الإجمالي، فيُرجع العلم الإجمالي بوجود جامع الإنسان في المسجد، وعلمنا بأنَّ الإنسان في المسجد ليس شخصاً ثالثاً من قبيل بكر وخالد، مع الشكّ أنّه زيد أو أنّه عمرو(1).

وهذا المطلب(2) وإن برهن عليه المحقّق الأصفهاني بذلك، إلَّا أنّه في بادئ الأمر يتراءى أنّه غير صحيح؛ وذلك لأنّنا لا يقف علمنا على الجامع بحده، فإنّنا لا نحتمل أنَّ الموجود في المسجد هو الجامع، أيّ ذاك الكلّي الهمداني، فليس المقدار المعلوم لنا واقفاً على الجامع بحده، فإنّنا نعلم بأنّه يستحيل وجود الجامع في الخارج لا في ضمن الخصوصية(3).

 إذن، فزائداً على الجامع نعلم بخصوصية، ولو بلحاظ هذا البرهان، ونعلم بوجود شيء آخر زائد على الجامع، فذاك الشيء الآخر إن كان جامعاً أيضاً فحاله حال الأوَّل، فإنّنا أيضاً نعلم بشيء زائد عليه؛ لأنَّ الجامع بحده لا يوجد في الخارج ما لم يضف إليه حد آخر، وهكذا حتّى ينتهي الأمر منعاً 

ــــــــــ[177]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: أنَّ هذا وإن سمّاه علمين إلَّا أنَّ مرجعه إلى علم واحد، فإنّنا نعلم بوجود إنسان هو موصوف بكونه ليس بكراً، وهذا لا ينافي احتمال وجود بكر أيضاً كشخص ثالث، يعني: العلم بحصة من الجامع. (المُقرِّر).

(2) يعني تعلّق العلم بالجامع وعدم اختلافه عن التفصيلي من جهة كونه علماً، (المحاضرة). (المُقرِّر).

(3) وإنَّما يوجد بحدّ وراء حدّه الجامعي، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

للتسلل إلى العلم(1) بحد جزئي بنحو من أنحاء العلم. 

وهذا معناه تعلّق العلم الإجمالي بالواقع بنحو من أنحاء التعلق وعدم وقوفه على الجامع.

مسلك المحقّق العراقي ومناقشته

ولا أدري هل هذا البرهان أو غيره ادّعى المحقّق العراقي إلى إقامة صرح مبنى ثالث في المقام بعد الطعن في المبنى السابق، حيث ذكر في (مقالاته)(2) : أنّه بلغني عن بعض من يدّعي الفضل في هذا العصر أنّه يقول: إنَّ العلم الإجمالي لا يختلف عن العلم التفصيلي في أفق النفس وعالم الانكشاف، وإنَّما الفرق بينهما من ناحية المعلوم والمنكشف، فإنَّ المعلوم للتفصيلي هو الفرد وللإجمالي هو الجامع.

 ثُمَّ اتَّهم ذلك الشخص بأنّه أخطأ فيما قال، وذكر أنَّ الصحيح هو أنَّ الفرق بين العلم الإجمالي والتفصيلي في نفس أفق الانكشاف وعالم النفس، فالفرق بينهما بما هما علمان وفي عالم الانكشاف لا بلحاظ المنكشف والمعلوم.

وذكر في توضيح ذلك: أنَّ العلم التفصيلي مرجعه إلى صورة تفصيلية للفرد الخارجي، وهو زيد، والعلم الإجمالي مرجعه إلى صورة إجمالية لزيد أيضاً، فكلتا الصورتين حاكية عن الفرد الخارجي، يعني: عن الواقع وهو زيد. غاية الأمر أنَّ الأولى تحكيه بتمام شؤونه والثانية إجمالية لا تحكيه بتمام شؤونه ودقائقه.

ــــــــــ[187]ــــــــــ

() إلى العلم بالخصوصية، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

(2) انظر: مقالات الأصول 2: 230. 

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

إن أردنا أن نشبّه -ولم يشبّه- كما في الصورتين الحسيتين فيما لو كان هناك جسم أنا بعيد عنه فأراه شبحاً وشخص آخر قريب منه فيراه إنساناً، فالمرئي لكلّ منّا شخص خارجي كلّ منا قد اقتنص منه صورة في عالم الحس، غاية الأمر أنَّ الصورة المقتنصة لي صورة إجمالية والصورة المقتنصة للآخر تفصيلية، فالفرق بينهما هو في نفس الإحساس لا في المحسوس، فإنّه شيء واحد.

نفس هذا المطلب نقوله في عالم وراء عالم الحسّ في عالم التعقّل والانكشاف، وأنَّ الشيء الخارجي تارةً نقتنص منه صورة إجمالية، وأخرى 

صورة تفصيلية. وكلتا الصورتين حاكية عن الفرد الخارجي؛ لأنَّ أحدهما حاكية، وإحداهما هي العلم الإجمالي والأخرى هي العلم التفصيلي.

ولا يظهر من كلامه البرهنة على هذا المطلب، غير أنّه يظهر من كلامه دعوى استبداه هذا المطلب. نعم، قد نقتنص نحن من مجموع كلمات المحقّق العراقي ما لعلّه أراده برهاناً على هذا المدّعى؛ لأنّه ذكر: أنَّ هذه الصورة الإجمالية التي هي جوهر العلم الإجمالي، تنطبق على الفرد بتمامه، بحيث لو زال الإجمال بعد هذا لرأينا أنَّ هذه الصورة تنطبق على هذا الفرد بتمام شؤونه. لا أنّها تنطبق عليه بجزء تحليلي منه على حد انطباق الكلي والجامع مع فرده(1). فإنَّ صورة الإنسان لا تنطبق على زيد بتمامه وخصوصياته، وإنَّما ينطبق على الجزء التحليلي من هذا الفرد، وهو الجنس والفصل دون عوارضه المشخصة.

ــــــــــ[188]ــــــــــ

() بل منطبقة على الفرد بتمامه على حد انطباق المجمل على المفصل، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وقد ننتزع من ذلك برهاناً، وحاصل بيانه -مثلاً-: أنَّ الكلي والجامع إنَّما تحصل صورته عند الإنسان بتجريد وتقشير الأطراف عن الخصوصيات التي تتميز بها بعض الأطراف عن بعض حتّى يبقى هذا المعنى الكلي. وحينئذٍ فيستحيل أن ينطبق الجامع على الفرد بتمامه؛ لأنّنا بعد أن قشّرناه حصلنا على الكلّي، فالفرد بقشوره يستحيل أن ينطبق الجامع عليه. والمفروض في المقام بأنَّ الصورة الإجمالية ينطبق على الفرد بتمامه لا أنّها تنطبق على كلّي فيه، بل تنطبق حتّى على حده الجزئي. إذن، فلا بُدّ أن يفرض أن انطباقه عليه ليس على حد انطباق الجامع على فرده والكلي على مصداقه، بل على حدّ انطباق المجمل على المفصّل، والمبهم على المتعيّن. وهذا معنى كون العلم الإجمالي علماً بالواقع، لكن على وجه الإجمال والإبهام.

وسواء كان هذا مراده في مقام الاستدلال أو لم يكن، فيمكننا الاستدلال له صورة بما اعترضنا به على المبنى السابق، وهو تعلّق العلم بالجامع حيث برهنا أنّه لدينا علم بما هو أزيد من الجامع، فيعتبر هذا دليلاً على هذا المبنى.

إلَّا أنَّ هذا المبنى أيضاً أشكلوا عليه، ويمكن البرهنة(1) على إبطاله؛ وذلك لأنَّ هذه الصورة الإجمالية التي يفرض حكايتها عن الواقع، وكونها هي روح العلم الإجمالي، لا يخلو أمرها بحسب الواقع، إمّا أن تكون واجدة لتمام حدود الواقع، حتّى الحدّ الذي به يكون جزئياً، أو أن تكون فاقدة له، أو أن تكون 

ــــــــــ[189]ــــــــــ

() وهذا الإشكال مقتنص من مجموع عبائر المحقّق الأصفهاني كما ذكره السيّد. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

واجدة لأحد الحدّين على وجه الترديد.

أمّا أن يقال: إنّها واجدة له(1)، فمعنى وجدان الصورة العلمية لحد هو كون ذاك الحد معلوماً وهو خلف(2)؛ فإنّ الحد الذي صار به زيد جزئياً ليس معلوماً

وإن قيل: بأنّها واجدة لأحد الحدين على وجه الترديد، يعني: واقع الحد المردّد ما بينهما، فهذا محال كما فرغنا عنه. 

وإن قيل: إنّها غير واجدة لتلك الحدود التي بها صار زيد جزئياً، فلم يبق إلَّا الحد الأوسع من هذا الحد، وهو جامعٌ كلي، فرجع حينئذٍ إلى العلم بالجامع مع الشكّ في الخصوصيات، فلا نتصوّر إلَّا نفس المبنى السابق الذي أبطلناه، فنعود إلى المبنى الذي فررنا منه.

هذا هو عرض مباني المطلب مع هذه الشبهات فيها.

تحقيق حال هذه المباني وذكر تصوير العلم الإجمالي

والذي أظنّه -حيث إنَّ المطلب وجداني- أنّه لا خلاف ما بين هؤلاء الأعلام، وأن ما أراده الأوَّل بالفرد المردّد، وما أراده الثاني بالجامع، والثالث بالصورة الإجمالية الحاكية عن الواقع، شيء واحد. وإنَّما هي أساليب من التعبير عن حقيقة واحد. وقد نظر كلّ منهم إلى جهة من المطلب وعبّر بشكل يناسب ما نظر إليه(3)

ــــــــــ[190]ــــــــــ

() يعني مأخوذ من الصورة الإجمالية، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

(2) ويلزم منه انقلاب العلم الإجمالي إلى التفصيلي وهو خلف، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

(3) وفي مقام إلباسها الثوب العلمي وجعله على بساط التحليل والتحقيق يصبح أمراً صعباً بحيث تختلف العبائر في مقام التعبير عنه، بحيث أوجب وجود مبان متعددة كان بعضها لا يوافق على البعض الآخر مع أنّها ترجع بالروح إلى معنى واحد، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

توضيح ذلك: أنَّ المفاهيم التي يتصوّرها الإنسان وتوجد في عالم النفس على نحوين:

 النحو الأوَّل: أن تكون مفاهيم منتزعة عن الخارج(1). وذلك أنَّ الإنسان ترد إليه عن طريق الحس من العالم الخارجي صور كثيرة، فينتزع العقل من هذه الصور ويحللها إلى مفاهيم عديدة بعد إلغاء الخصوصيات، فإنّه يلتفت أوّلاً إلى الخصوصيات ثُمَّ يلغها وينتزع المعاني العامّة المشتركة بين الصور.

وهذه المفاهيم تكون منطبقة على الخارج على حدّ انطباق الكلي على فرده، وبحسب الحقيقة تكون واردة إلى النفس من الخارج.

النحو الثاني: مفاهيم بالعكس، تفصّل وتخاط في عالم النفس، وتلسبها النفس للأشياء الخارجية، من دون أن يكون هذا الشيء صادقاً على الخارج حقيقة ومحفوظاً في ضمنه حقيقة على حدّ محفوظية القسم الأوَّل من المفاهيم في الخارج، بحسب التصورات المنطقية المتعارفة.

والنفس تفعل ذلك في كثير من الموارد، خصوصاً حيث لا تجد طريقة لاستحضار نفس هذا الشيء الذي تريده، حينئذ تخلق مفهوماً وتلبسه له، من قبيل مفهوم العدم ومفهوم الوجود، فإنَّ مفهوم العدم ليس أمراً محفوظاً في واقع العدم 

ــــــــــ[191]ــــــــــ

() من قبيل الماهيات والمعقولات الأوّلية، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وقد جاء واقع العدم إلى عالم النفس كما جاء البياض أو زيد أو عمر إليها. 

والنفس ألغت خصوصيات الأعدام وانتزعت مفهوماً كلياً هو العدم. ليس الأمر كذلك؛ لأنَّ ما هو عدم بالحمل الشايع لا يجيء إلى عالم النفس، وحينئذٍ صنعت النفس -بقدرة الله تعالى- مفهوماً وألبست هذه الأعدام ذلك المفهوم، يعني: جعلت هذا المفهوم رمزاً لها من قبيل رمزية اللفظ إلى المعنى، غاية الأمر رمزية اللفظ إلى المعنى بالموهبة اللغوية، وأمّا رمزية مفهوم العدم، فهو لخصيصةٍ ذاتية في حاقّ التفكير البشري، أودعها الله تعالى فيه حتّى يستطيع أن يحكم على الأشياء.

كذلك الحال في مفهوم الوجود، بناءً على أن يكون له حقيقة في الخارج، يعني: بناءً على أصالة الوجود، فإنَّ الوجود لا يأتي إلى الذهن؛ لأنَّ كل ما تتصوّره النفس فهو أمر ذهني وليس حقيقته أنّه في الأعيان، فتختلف مفهوماً وتلبسه للأشياء الخارجية، فمفهوم الوجود نابع من النفس لا وارد إليها من الخارج.

هذان القسمان يختلفان حقيقةً ونتيجةً:

أمّا حقيقة، -فكما بينّا- بأنَّ الأوّل -بحسب تصوّر المنطق الأرسطي- مقتضٍ من الخارج، وأمّا هذا فمستورد من داخل عالم النفس.

وأمّا نتيجة وأثراً وأنَّ ذاك المفهوم الذي تنتزعه من الصور الخارجية محفوظ في الخارج حقيقة، ويكون منطبقاً على الخارج بجزء تحليلي منه، أمّا أنّه محفوظ فيه حقيقة؛ فلأنَّ النفس إنَّما حصلته من الخارج، هذا وجدته في زيد، فهو 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

محفوظ فيه، ويكون المفهوم الكلي منطبقاً على الفرد الخارجي بجزء تحليلي منه؛ لأن المفهوم الكلي إنَّما حصل بالتقشير، فهو ينطبق عليه مقشّراً.

وهذا بخلاف القسم الثاني من المفاهيم، فإنّه ليس محفوظاً في الخارج، وإنَّما هو محفوظ في عالم النفس، والخارج من حيث كونه خارج أجنبي عن هذا المفهوم، والعلاقة ما بينه وبين الخارج ليست علاقة جزء تحليلي مع المركب، وإنَّما هي علاقة رمز مع ذي الرمز.

ومن هنا، فهذا الرمز صالح لأن يكون رمزاً لتمام الفرد الخارجي، لا لجزء تحليلي منه، فالنفس تخيط ثوباً يلبسه الفرد الخارجي بخصوصيته لا مقشراً، غاية الأمر أنَّ هذا الثوب يمكن أن يلبسه كلّ شخص خارجي ليسعه الثوب، وأيّ شخص يلبسه فهو يلبسه بتمام خصوصياته، ومعنى ينطبق: يعني يجعله رمزاً له بتمامه(1).

ويمكن أن نقرّب ذلك باللفظ المشترك الموضوع لمعنيين، فإنّه ليس موضوعاً للجامع، بل هو ثوب يلبسه تارةً هذا المعنى بخصوصيته، وأخرى ذاك المعنى بخصوصيته.

إذا اتضح الفرق ما بين هذين القسمين، يقال: بأنَّ العلم الإجمالي، بحسب الحقيقة، هو علم بعنوان تخلقه النفس، وهو عنوان أحدهما؛ لأنَّ النفس حينما تعلم إجمالاً بوجود زيد أو عمرو في المسجد، أو بنجاسة هذا الإناء أو ذاك، فإنّها 

ــــــــــ[193]ــــــــــ

() فتكون نسبته إليه نسبة الرمز إلى ذي الرمز والإشارة إلى ذي الإشارة، لا نسبة الكلي إلى مصداقه والماهية إلى فردها، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

لا تستطيع لا أن تركّز علمها على هذا العنوان التفصيلي ولا على ذاك، فإنهما عنوانان مشكوكان، وليس في الخارج شيء آخر غير هذين العنوانين التفصيليين بتمام حدودهما، فماذا تصنع وقد انكشف لها مقدار من الخارج وهي لا تستطيع أن تستحضره بعنوانه الخارجي؟ إذن، فتخيط هذا الثوب، تخلق عنوان أحدهما، هذا العنوان الصالح لأن يرمز به إلى هذا الفرد وإلى هذا الفرد، ويصب العلم الإجمالي على هذا الرمز خالياً من المرموز، يعني: بدون أن يملأ بمرموز إليه معيّن بالفعل، ويكون العلم الإجمالي علماً به.

بناءً على هذا تنحل كلّ الإشكالات السابقة أمّا الإشكال الذي أشكلنا به على مبنى تعلّق العلم بالجامع، حيث قلنا: نحتاج بالبرهان إلى العلم بأزيد من ذلك؛ لأنَّ الجامع لا يوجد في الخارج بحده الجامعي، هذا صحيح، إلَّا أنَّ هذا الشيء الذي هو أزيد من الجامع، نخلق عنواناً نشير به إليه على حدّ إشارة الرمز إلى ذي الرمز لا على حدّ إشارة الكلي إلى مصداقه. إذن، فيرتفع الإشكال؛ لأنَّ عنوان أحدهما حينئذٍ يكون عنواناً مشيراً إلى ذلك الأمر الزائد.

وكذلك ما ذكره المحقّق العراقي: من أنَّ المعلوم بالإجمال عنوان منطبق على تمام الفرد الخارجي، لا منطبق على جزء تحليلي منه، هذا صحيح ويتمّ بناءً على ما ذكرناه؛ لأنَّ هذا العنوان هو مخلوق للنفس، وهي تفصّله لأجل أن يلبسه الفرد بخصوصيته، فيكون رمزاً للفرد بخصوصيته. والانطباق هنا معناه الرمزية لا انطباق الكلي على مصداقه.

والإشكال على المحقّق العراقي من أنَّ الحدّ الذي صار به زيد جزئياً 

ــــــــــ[194]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

هل هو داخل في الصورة الإجمالية أو لا؟ فإن كان داخلاً لكان جزئياً ولانقلب إلى علم تفصيلي، وإذا كان غير داخل فهو كلي.

 حينئذ نقول: إنّه غير داخل. تقولون فهو كلي!! ماذا تريدون من الكلي؟ إن أردتم به أنَّ المعلوم الإجمالي هو كلي محفوظ في ضمن الفرد الخارجي فليس الأمر كذلك، فإنَّ عنوان أحدهما ليس عنواناً محفوظاً في ضمن الفرد الخارجي.

 وإن أردتم بالكلي سعة دائرة رمزية هذا المفهوم، وأنَّ هذا المفهوم في رمزيته يصلح أن يكون رمزاً لهذا ورمزاً لذاك. نعم، هذا صحيح؛ فالكلية والجامعية والسعة هو في جهة رمزية هذا العنوان لا في معنونه، فمعنونه جزئي وجهة رمزيته كلي.

 والقائلون بتعلّق العلم بالجامع نظروا إلى جهة رمزية هذا العنوان فبنوا على أنّه كلي، والقائلون بتعلّق العلم الإجمالي بالواقع نظروا إلى معنون هذا العنوان فبنوا على أنّه جزئي(1).

[إعادة وتلخيص]

قال(2) حول إبطال مذهب الآخوند: لأنَّ التعيّن المفهومي مقوّم لماهية 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

() وهنا قلت لسيّدنا الأستاذ: وماذا يريد الآخوند بالفرد المردّد؟

فأجاب: أنّا أتصوّر أنّه يقصد بالفرد المردّد هذا المعنى، يعني: العناوين التي تخلقها النفس. ويعبّر عن العناوين من القسم الثاني بالفرد المردّد. (المُقرِّر).

(2) كرس سيّدنا الأستاذ هذه المحاضرة لإعادة وتوضيح المباني والمختار في العلم الإجمالي التي كان قد ذكرها في المحاضرة السابقة؛ لذا فنحن لا نسجل هنا إلَّا حالة مدخلية في زيادة المطلب أو إيضاحه. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الماهية، والتعيّن الخارجي مقوّم للوجود الخارجي، فما لا تعيّن له لا وجه له ولا ماهية له، فلا يمكن أن يكون طرفاً للإضافة.

وقال بعد إبطال مذهب المحقّق الأصفهاني: وكأنَّ الأصفهاني أراد تصوير العلم بأمر زائد، فذكر أنَّ العلم الإجمالي يرجع إلى علم بالجامع وعلم آخر لا يخرج عن أطراف العلم الإجمالي، فكأنَّ هذا هو الأمر الزائد.

وقال بعد البرهنة على وجود الأمر الزائد: ولا يكفي أن يقال في المقام: إنّنا نعلم بجامع مفروغ عن تطبيقه في الخارج، فالخصوصية الزائدة هي أنَّ هذا الجامع قد انطبق في الخارج؛ هذا لا يكفي لدفع هذه العويصة، لأنَّ انطباقه في الخارج هل هو على وجه كلي أو جزئي؟ هل يعلم بفرد معيّن من لانطباق أو لجامع الانطباق؟ إن علم بفرد معيّن منه فهذا علم تفصيلي لا إجمالي وهو خلف، وإن كان الانطباق على جامعه معلوماً مفروغاً عنه، فأيضاً يعود الإشكال.

وبعد أن قرّر مسلك المحقّق العراقي قال: ولعلّ نظره إليه أيضاً -يعني: برهان إبطال المسلك الثاني- حين ذكر أنَّ الصورة الإجمالية تنطبق على الواقع بتمامه لا بجزء تحليلي منه؛ إذ لو كانت تنطبق عليه بجزء تحليلي منه، لكنا نقول: إنَّ لدينا علماً بأزيد من ذلك؛ لأنَّ الجزء التحليلي لا يقف وحده في الخارج على قدميه، فلو كانت صورة الجامع تنطبق على الجزء التحليلي لكنا نعلم بما هو أزيد منه، لكن حيث إنّها صورة إجمالية حاكية عن الواقع لا عن الجامع، ولهذا لا نعلم بما هو أزيد منه، فيكون هذا التعبير منه إشارة إلى النكتة التي بينّاها في إبطال المبنى السابق مثلاً وتعيين هذا المبنى.

ــــــــــ[196]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وقال بعد أن قرّر مسلكه في العلم الإجمالي: ومثل هذه المفاهيم الرمزية تنطبق على الفرد الخارجي بتمامه لا بجزء تحليلي منه؛ لأنّها لم تحصل بالتقشير حتّى لا تنطبق على الفرد بقشوره، بل هي مفهوم جعل لأجل أن يرمز به إلى الفرد مع قشوره، فهي رمز للفرد مع قشوره، يرمز به إمّا إلى هذا الفرد مع قشوره أو ذاك مع قشوره، وبذلك تندفع سائر الإشكالات السابقة:

فيندفع الإشكال الأوَّل؛ لأنّنا لم نقل بتعلّق العلم الإجمالي بالفرد المردّد الخارجي، بل تعلقه بمفهوم متعيّن في عالم المفهومية تخلقه النفس بطبعها في صقع النفس.

ولا يأتي الإشكال على المبنى الثاني، وهو مبنى تعلّق العلم بالجامع، حيث أشكلنا عليه بأنَّ لدينا علماً بأزيد من الجامع؛ لأنَّ الجامع ينطبق على جزء تحليلي من الفرد، ونعلم بأنَّ هذا الجزء التحليلي ليس وحده في الخارج، هنا الأمر ليس كذلك؛ لأنَّ هذا المفهوم الذي تخلقه النفس ينطبق على الفرد بتمامه، يعني: يرمز إليه بتمامه، فليس لنا علم بأزيد ممّا يرمز إليه.

كما لا يأتي الإشكال على المبنى الثالث، وهو أنَّ الصورة الإجمالية، هل أخذ فيها الحدود الخاصة أو لا؟ نقول: بأنَّ الصورة الإجمالية هنا ليست مأخوذة من الخارج، حتّى يقال: هل أخذ من الخارج الحد المشترك أو هو مع الحد الخاص، فعلى الأوَّل هو كلّي وعلى الثاني فهو علم تفصيلي بالواقع، ليس هكذا، بل الصورة الإجمالية مخلوقة للنفس، وهي رمز يصلح للإشارة به إلى كلّ واحد من الأفراد بواقعه وتمامه، فهذه الإشكالات كلّها لا تأتي.

ــــــــــ[197]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وبعد أن اتضحت هذه الفكرة يمكننا أن نصطلح على تسمية هذا المطلب بتعلّق العلم بالجامع، ويمكن أن نسميه تعلّق العلم بالواقع، أو تعلّق العلم بالمردّد مثلاً على اختلاف الاعتبارات.

فإنّه إن أريد بتعلّق العلم بالجامع -يعني: نفس عنوان أحدهما هو جامع وكلّ صادق على كثيرين في الخارج- فهذا غير صحيح؛ لأنَّ عنوان أحدهما ليس صادقاً على كثيرين على حدّ صدق الكلي على فرده والماهية على مصداقها، بل هو رمز للخارج، لا أنّه مفهوم صادق على كثيرين في الخارج، بل نسبته إلى الخارج نسبة اللفظ إلى المعنى من حيث إنَّ اللفظ لا يصدق على المعنى، وإنَّما يشير إليه، غاية الأمر إشارة اللفظ إشارية لغوية وإشارة هذا المفهوم ناشئة من غرض العقل البشري.

وإن أريد بكونه كلّياً أنَّ المشار إليه وما يرمز إليه بهذا الرمز كلّي. فهذا خطأ؛ لأنَّ ما يُرمز إليه هو الواقع دائماً، هو الفرد بتمامه، فإنَّ عنوان أحدهما هو رمز يُرمز به إمّا إلى هذا بتمامه وإمّا إلى هذا بتمامه، فما يُرمز إليه هو فرد جزئي لا كلي.

وإن أريد أنَّ جهة الرمزية كلية، من قبيل المشترك اللفظي، كالمولى المشترك ما بين السيّد والعبد لها في جهة الاستعمال مرونة وسعة، تصلح لأن يرمز بها إلى السيّد وتصلح لأن يرمز بها إلى العبد. نعم، هذا صحيح من حيث جهة الرمزية كلي.

فمن هنا مَن نظر إلى جهة الرمزية، قال: إنَّ العلم الإجمالي متعلّق بالجامع، ومَن نظر إلى جهة المرموز إليه، قال: بأنَّ العلم الإجمالي متعلّق بالواقع، وكلاهما 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

في حدوده صحيح، فإنَّ مفهوم أحدهما، من حيث صلاحيته للرمزية إلى كثيرين هو كلي، لكن من حيث ما يرمز إليه هو جزئي دائماً. وهذا هو الذي يكون نقطة الالتقاء في هذه المباني(1).

وعلى أيّ حال تمام هذه المباني الثلاثة تلتقي في هذا التحليل الذي بينّاه لتصوير العلم الإجمالي.

في إيجاب العلم الإجمالي للموافقة القطعية على هذا المسلك

بعد أن انتهينا من المقدّمة التي عقدناها لتوضيح مباني العلم الإجمالي وتشخيص مصب العلم، وما هو المنكشف في موارد العلم الإجمالي.

يقع الكلام في أنَّ العلم الإجمالي هل يؤثّر في إيجاب الموافقة القطعية؟ وهل يستلزم تبديل اللابيان بالبيان في هذه المرتبة؟ أو مقصور فقط على خصوص المرتبة الأوّلى، وهي حرمة الموافقة القطعية؟

هنا يوجد قولان:

أحدهما: ما هو المتراءى من كلمات المحقّق النائيني(2) ومدرسته(3)، وهو القول بأنَّ العلم الإجمالي ليس مقتضياً ولا منجّزاً لمرتبة وجوب الموافقة القطعية 

ــــــــــ[199]ــــــــــ

() وهنا طُلب منه: تطبيق ذلك على الفرد المردّد.

فقال: انطباقه على الفرد المردّد باعتبار أنَّ هذه الصورة من ناحية رمزيتها تصلح لأن تكون رمزاً لهذا الفرد بخصوصه، ولذلك الفرد بخصوصه، فهذه الصلاحية للرمزية شبّهت بالفرد المردّد. (المُقرِّر).

(2) انظر: أجود التقريرات 2: 234. 

(3) انظر: دراسات في علم الأصول 3: 348. 

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

أصلاً، وإن تمام اقتضاء العلم للتنجيز مقصور على المرتبة الأوّلى، وهي مرتبة حرمة المخالفة القطعية.

 وفي مقابله قول آخر: وهو صريح المحقّقين العراقي(1) والأصفهاني، ولعلّه هو المشهور، وهو أنَّ العلم الإجمالي يكون مؤثراً في إيجاب الموافقة القطعية، وفي تنجيز الواقع المعلوم بالإجمال، بنحو لا بُدّ من ملاحظة كلا الطرفين، ولا يمكن الاكتفاء بالتحفّظ على المرتبة الأوّلى فقط.

ثُمَّ إن هؤلاء الذين قالوا بالقول الثاني اختلفوا فيما بينهم في أنّه تنجيز(2) بنحو العلّية أو بنحو الاقتضاء، وهذا بحث آخر نتعرض له بعد ذلك. أمّا الآن فنتكلّم في أصل التأثير إثباتاً ونفياً، أنَّ العلم الإجمالي هل يكون مؤثراً في مرتبة وجوب الموافقة القطعية أو لا يكون مؤثراً أصلاً؟ ولهم في ذلك قولان:

 أحدهما: أنَّ العلم الإجمالي ليس منجّزاً ولا مؤثراً في هذه المرتبة.

 ثانيهما: أنّه منجّز ومؤثر على كلام يقع بعد ذلك في أنّه بنحو الاقتضاء الناقص أو الاقتضاء العلّي التامّ.

[في القول على المسلك المختار على تقدير التسليم بقاعدة قبح العقاب]

والصحيح في المقام لا القول الأوَّل ولا الثاني، بل هو القول بالتفصيل بين بعض الموارد وبعض، ففي بعضها يكون مقتضياً ومؤثراً وفي بعضها لا يكون. 

ــــــــــ[200]ــــــــــ

() انظر: نهاية الأفكار 3: 295. 

(2) يعني تنجيزه لوجوب الموافقة القطعية. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وطبعاً تعلمون أنّنا إنَّما ندخل في هذا البحث ونطرح قولاً ثالثاً وهو القول بالتفصيل في قبال القولين السابقين، إنَّما نصنع ذلك مبنياً على قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، حينئذٍ ندخل في هذا الباب ونقترح قولاً ثالثاً. 

وأمّا بناءً على ما هو الصحيح من أنَّ هذه القاعدة لا أساس لها، وأنَّ البديل الصحيح لها هو قاعدة منجّزيّة الاحتمال، فحينئذٍ لا إشكال في وجوب الموافقة القطعية؛ لأنَّ الاحتمال في كلّ من الطرفين في نفسه كافٍ في التنجيز وفي إخراج مورده من دائرة لا استحقاق المولى وإدخاله ضمن دائرة استحقاقه.

 فالكلام إنَّما يقع مع المشهور مبنياً على أن نجري جريهم في فهم قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، والتحفّظ على حرفيتها.

بعد هذا يقال: بأنَّ الصحيح في المقام هو أنَّ العلم الإجمالي الذي هو المخرج للمورد عن اللابيانية إلى البيانية، بالنسبة إلى مرتبة وجوب الموافقة القطعية، هو أحياناً يكون مؤثراً ومقتضياً، وأحياناً لا يكون مؤثراً ولا مقتضياً.

وذلك أنَّ العلم الإجمالي في موارد الشبهات الحكمية، كما لو علم إجمالاً بوجوب الظهر أو الجمعة، حينئذٍ يكون مثل هذا العلم الإجمالي غير منجز ولا مقتضٍ للمرتبة الثانية، وهي مرتبة وجوب الموافقة القطعية. وأمّا العلم الإجمالي الناشئ من الشبهات الموضوعية، كما لو وصل إليه كبرى وجوب إكرام العالم، وتردد عنده العالم بين شخصين، فهنا يُعلم إجمالاً بوجوب إكرام العالم المردّد بين هذين الشخصين، وهنا ينشأ التردّد من الشبهة الموضوعية، ففي مثله يكون العلم الإجمالي مؤثراً ومقتضياً لوجوب الموافقة القطعية ولإخراج هذه المرتبة 

ــــــــــ[201]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

من دائرة اللابيان إلى البيان. وهذا قول ثالث.

وهنا القول ينحل إلى مدعيين:

 المدّعى الأول: هو أنَّ العلم الإجمالي في الشبهات الحكمية ليس مؤثراً ولا مقتضياً للمرتبة الثانية.

 والمدّعى الثاني: أنّه مؤثر ومقتضٍ في الشبهات الموضوعية. فلنبرهن على كلّ من المدعيين:

أمّا المدّعى الأوَّل: وهو أنَّ العلم الإجمالي ليس مؤثراً ولا مقتضياً لمرتبة وجوب الموافقة القطعية في الشبهات الحكمية، فيما لو علم إجمالاً مثلاً بوجوب الظهر أو الجمعة، فتوضيح النكتة في ذلك يكون ببيان أمرين.

الأمر الأوَّل: هو أنَّ العلم الإجمالي الذي هو ملاك التنجيز باعتبار بيانيّته وكاشفيته لا يستوجب تنجيز إلَّا بمقدار الجامع لا أكثر، وبرهانه: أنَّ العلم الإجمالي على ما بينّا في المقدّمة لا يتضمن انكشافاً بأزيد من الجامع، بمعنى أنَّ الوجود الخارجي بحده التفصيلي الذي به يصير جزئياً ليس منكشفاً في الصورة الإجمالية على جميع المباني السابقة في تصوير العلم الإجمالي، وإنَّما المنكشف هو الحدّ الجامع، فالانكشاف بحسب الحقيقة يقف على الحدّ الجامع ولا يسري منه إلى الحدّ الخاص، الذي هو حدّ صلاة الظهر بخصوصها أو الجمعة كذلك، وإلَّا لانقلب العلم الإجمالي تفصيلياً.

وحيث إنَّ التنجّز بمقدار الانكشاف لا أكثر؛ لأنَّ التنجّز من تبعات البيان، والبيان إنَّما هو بمقدار ما ينكشف، فإنّه بمقدار ما ينكشف يتبين ويخرج 

ــــــــــ[202]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

عن موضوع قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، وأمّا بمقدار لا انكشاف فيه فيبقى تحت موضوع القاعدة.

إذن، فالانكشاف يقف على الجامع بحده، وبتبعه تكون البيانية بمقدار الجامع، ويكون الخروج عن موضوع القاعدة بمقدار البيانية، ويكون التنجّز بمقدار الخروج، فالتنجّز يقف على الجامع بحده ولا يسري إلى الحد الشخصي إلى وجوب صلاة الظهر بخصوصها أو الجمعة كذلك، تبعاً لعدم سريان العلم إلى الحد الشخصي.

الأمر الثاني: بعد أن فرغنا عن أنَّ التنجّيز هو بمقدار الجامع، بمعنى: أنَّ العقل يحكم باستحقاق العقاب على مخالفة الجامع، فبمَ تحصل مخالفة الجامع وموافقته؟ فيقال: إنَّ الإتيان بأيّ واحد من الطرفين يكفي في تحصيل الموافقة القطعية للجامع بالمقدار الذي تنجّز، وإن لم يحصل بذلك الموافقة القطعية للواقع.

 فلو أنَّ المكلّف أتى بالظهر فقط، فإتيانه بالظهر لا يكون موافقة قطعية للواقع بحده؛ لأنّه قد يكون هو وجوب صلاة الجمعة، ولكن المفروض أنَّ الواقع بحده لم يتنجّز، وإنَّما الذي تنجّز من الواقع هو الحد المشترك بين الواقع وغيره، وهو الذي تم عليه البيان. 

وهذا المقدار المشترك المنجّز معلوم الانطباق على هذا الفرد، فإنَّ هذا فرد من هذا الجامع بلا إشكال، فإنَّ غاية ما أعلمه هو وجوب إحدى الصلاتين، فيتنجز عليه إحدى الصلاتين، يعني: يستحق العقاب لو لم يوجد إحدى 

ــــــــــ[203]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الصلاتين، وهذا قد أوجد إحدى الصلاتين بلا إشكال(1).

إذن، فلا يكون في المقام مخالفة للمقدار المنجّز ولو احتمالاً، وإن كان هناك مخالفة للواقع بحده الشخصي، إلَّا أنَّ الواقع بحده الواقعي لا أثر لمخالفته؛ لأنّه لا يزال تحت قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، وإنَّما خرج منها المقدار المشترك وهو بهذا المقدار أعلم بعدم مخالفته بأيّ واحد من الفردين. 

إذا تم هذان الأمران، ينتج(2) منهما أنّه بناءً على مباني قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، العلم الإجمالي لا يقتضي وجوب الموافقة القطعية أصلاً، لأنّه لا ينجّز إلَّا بمقدار الجامع، كما بينّا في الأمر الأوَّل، وهذا المقدار بحده الجامعي تحصل موافقته القطعية بالإتيان بأيّ واحدٍ من الطرفين. إذن، فالموافقة القطعية لا موجب لها ولا مقتضٍ لوجودها.

وهذا هو الذي ينبغي أن يقال في مقام تقريب عدم اقتضاء العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية، على مباني قاعدة قبح العقاب، لا ما ذكره المحقّق الأصفهاني بعنوان الإشكال. 

حيث ذكر في المقام: أنَّ المقدار المنجّز بالعلم الإجمالي، هو الجامع؛ لأنّه هو 

ــــــــــ[204]ــــــــــ

() فالإتيان بأيّ من الطرفين موافقة قطعية للمقدار المعلوم؛ لأنَّ الحد المشترك الجامع معلوم الانطباق على كلّ واحد من الطرفين، (محاضرة). (المُقرِّر).

(2) إذن لا يحكم العقل بأكثر من إيجاب الموافقة القطعية للمقدار المنجز وهو الحد المشترك وهو يحصل بالإتيان بأي واحد من الطرفين فلا موجب وهو الجمع بين الطرفين، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المقدار المعلوم، وهذا يرجع إلى الأمر الأوَّل من الأمرين اللذين قلناهما.

 ثُمَّ بعد ذلك قال: وإن الإتيان بأحد الطرفين وترك الآخر مخالفة احتمالية للجامع، للتكليف الواصل المنجّز للمقدار الواصل المنجّز وليس مخالفة قطعية.

 والمخالفة الاحتمالية بما هي احتمالية ليست قبيحة، وإلَّا للزم اجتماع قبيحين وعقابين فيما لو ارتكب كلا الطرفين؛ لأنَّ في كلّ منهما مخالفة احتمالية، وإنَّما القبيح هو مخالفته في وجدان العقل، أي: مخالفته القطعية وهي لا تحصل إلَّا فيما إذا ترك كلا الطرفين، فإنّه حينئذٍ يتكوّن علم إجمالي بوقوع المخالفة خارجاً إمّا بترك الظهر وإمّا بترك الجمعة. فهذا هو الإشكال الذي ذكره.

وكأنّه يرى أنَّ من يُنكر اقتضاء العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية يرى أنَّ المخالفة الاحتمالية للتكليف الواصل لا بأس بها وليست قبيحة.

 ثُمَّ يجيب على ذلك: بأنَّ العقل يحكم بوجوب تحصيل الجزم بامتثال التكليف الواصل، ولا يقتصر حكمه على قبح المخالفة القطعية.

وهذا الجواب صحيح: فإنَّ العقل يحكم بوجوب الامتثال القطعي للتكليف الواصل، ولا يكتفي بمجرّد تقبيح المخالفة القطعية. ومن هنا لم يستشكل أحد في موارد العلم التفصيلي، فيما لو علم بوجوب صلاة الظهر عليه ثُمَّ شكّ أنّه أتى بها أو لا، لا يستشكل أحد بوجوب الصلاة عليه؛ لأنّه وإن لم يصدر منه مخالفة قطعية لو لم يصل لاحتمال أنّه قد صلّى، لكنه يجب عليه تحصيل الجزم بالبراءة، وهذا معنى أنَّ (الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني).

إلَّا أنَّ من ينكر اقتضاء العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية، لا يقول هذا 

ــــــــــ[205]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

البيان الذي بيّنه هو حتّى يستشكل عليه بإشكاله، لا يقول: بأنَّ ترك أحد الطرفين مخالفة احتمالية للتكليف الواصل المنجّز والمخالفة الاحتمالية لا بأس بها، وإنَّما القبيح هي المخالفة الواصلة ولا وصول للمخالفة إلَّا في طرف ترك كلا الفعلين معاً.

 بل يقول: إنَّ المكلّف إذا أتى بأحد الفعلين وترك الآخر فقد وافق التكليف الواصل موافقة قطعية، ولم يصدر منه مخالفة ولو احتمالاً، ولكنه لم يصدر منه مخالفة بالمقدار الذي تنجّز وخرج عن موضوع قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)؛ لأنَّ المقدار الواصل هو الحد المشترك، والإتيان بأحد الطرفين موافقة قطعية للحد المشترك؛ لأنَّ هذا أحد فرديه. 

فالذي ينبغي أن يبنى به المطلب هو أن يقال: بأنَّ المقدار الواصل والمنجّز، والذي خرج عن قاعدة قبح العقاب، هو الحد المشترك بين الواقع وغيره، لا الحد الذي يختصّ به الواقع، فإنّه لا زال غير مبيّن.

وهذا الحد المشترك معلوم الانطباق على ما أتى به بحسب الخارج. إذن، فيكون ما أتى به مفرغاً للذمة بمقدار المنجّز، ولا يكون هناك مقتضٍ لإيجاب ما هو أزيد من ذلك.

هذا حاصل البرهان على أنَّ العلم الإجمالي ليس مؤثراً ولا مقتضياً لوجوب الموافقة القطعية أصلاً في موارد الشبهات الحكمية.

وسوف نتعرض لتقريبات المحقّق العراقي لكيفية إسراء التنجز إلى هذه المرتبة، وبعد مناقشتها يتضح هذا المطلب ويتبرهن أكثر وأكثر. 

هذا هو الجانب الأوَّل من مدّعانا.

ــــــــــ[206]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

في القول على المسالك الأخرى

وهذا المدّعى(1) لا يفرق في تماميته بين سائر المباني في تصوير العلم الإجمالي وهويته، وأنَّ التنجّز يكون بمقدار الجامع لا أكثر، ولا يسري إلى الحد الواقعي الذي يتشخص به الواقع.

أمّا بناءً على ما بنى عليه الميرزا من تعلّق العلم الإجمالي بالجامع، مع الشكوك في الأطراف، فلا إشكال في هذا الذي قلناه، من حيث إنَّ العلم يكون موافقاً على الجامع بحده، وحيث أنَّ ملاك المنجّزيّة هو الكاشفية المستبطنة في العلم، فلا يسري التنجز إلى أكثر ممّا تسري إليه الكاشفية، فالمنجّزيّة كالكاشفية، تقف على الجامع بحده.

وكذلك بناءً على ما حقّقناه في آخر المباني، فإنَّ مرجعه بحسب الحقيقة إلى دعوى الكلية والجامعية في جهة الرمزية، وبيان أنَّ المعلوم بالإجمال هو كلي على حدّ الرمز لا الكلية المفهوم والطبيعي إلى مصداقه، فبالتالي حاله حال مبنى الميرزا، غاية الفرق بينهما في هذه النكتة التي تنحل بها مشكلات البحث، وعلى أيّ حال فالانكشاف يكون بمقدار الجامع ومعه لا يسري التنجز إلى أكثر منه.

وكذلك الأمر على مبنى صاحب الكفايةالقائل: بأنَّ العلم الإجمالي متعلّق بالفرد المردّد، فإن صاحب الكفاية إنَّما بنى على تعلّق العلم الإجمالي بالفرد المردّد، مع اعترافه بأن الفرد المردد لا يُعقل بحسب الوجود الخارجي؛ 

ــــــــــ[207]ــــــــــ

() قال بعد أن عنون المسألة ولخّص القول الثالث الذي اقترحه: وهذا المدّعى… (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

لأنَّ الوجود مساوق مع التعيّن خارجاً، مع ذلك يقول بتعلّق العلم الإجمالي بالمردّد باعتبار أنَّ معناه ليس هو أنَّ المردّد موجود، ولكن بما أنَّ العلم صفة حقيقية ذات إضافة؟ إذن، فهي صفة قائمة بالنفس وتحتاج إلى طرف لإضافتها الإشراقية الكشفية، والمردّد يُعقل أن يكون طرفاً لهذه الإضافة؛ لأنَّ وقوعه طرفاً للإضافة ليس معناه وجوده بحسب الخارج حتّى ينافي مع براهين استحالة وجود المردّد خارجاً.

نعم، نحن قلنا: إنَّ وقوع التردّد في طرف الإضافة يلزم منه التردّد في الوجود الخارجي، بحسب الدقة؛ لأنَّ طرف الإضافة بالذات هو المعلوم بالذات، والمعلوم بالذات هو نفس العلم، والعلم موجود خارجي، فينتهي إلى التردّد في الوجود الخارجي.

لكنه -مع التنزل عن هذا الإشكال- ادّعى أنَّ وقوع الفرد المردّد طرفاً للإضافة ليس محالاً، وإن كان وجوده محالاً.

فبناءً على تعلّق العلم الإجمالي بالمردّد بهذا المعنى، يقال: ما هو المقدار المنجّز؟ إمّا أن يكون المنجّز هو الجامع بين الحكمين، وإمّا خصوص الحكم الواقعي -وهو وجوب صلاة الظهر- بحده، وإمّا الحكم المردّد بينهما، لا يخلو الأمر من ذلك.

أمّا أن يكون المنجّز هو الحكم الواقعي بحده التعييني، فهو خلف؛ لأنّه بحده التعييني لم يعلم ولم يكن طرفاً للإضافة، والعلم إنَّما ينجّز ما هو طرف الإضافة، فكيف يتنجز الواقع بحده التعييني من ناحية العلم الإجمالي!! 

ــــــــــ[208]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وأمّا أن يكون المنجّز هو الفرد الواقعي بحده الترديدي، فهو غير معقول؛ لأنَّ المنجّزيّة هي شأن من شؤون الحكم الشرعي، ومن المعلوم أنّه في الخارج لا يوجد هناك حكم بحد ترديدي؛ فإنّه في الخارج لا يوجد إلَّا حكمان كلّ منهما له حدّ تعييني؛ لأنَّ صاحب المبنى يعترف أنّه فيما هو خارج طرف الإضافة لا يتصوّر الترديد، بل كلّ شيء متعيّن حسب مرتبة وجوده. 

إذن، فالمنجّزية التي لا بُدّ وأن تقوم بحكم شرعي يستحيل أن تقوم به بحد ترديدي؛ لأنَّ الحكم الشرعي بالحد الترديدي غير مجعول من قبل الشارع، وغير معقول في لوح التشريع، فإنَّ هذا اللوح يشتمل على أحكام بحدود تعيينية لا ترديدية، ولا معقول الصدور من قبل الحاكم حتّى يتنجّز(1).

بقي أن يكون التنجيز للجامع؛ لأنَّ العلم الإجمالي بالمردّد، بالتالي يستبطن علماً بالجامع، فيكون الجامع ما بين الحكمين والحد المشترك ما بينهما منجّزاً، وهذا معقول ولا بأس به، فبناءً على تعلّق العلم الإجمالي بالفرد المردّد وإن كان نفس العلم يزيد على الجامع؛ لأنّه علم بالمردّد وهذا زيادة على الجامع، لكن التنجّز يستحيل أن يزيد على الجامع بما قلناه. 

ــــــــــ[209]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: المقتضى غير موجود في المقام، لأنَّ الحد الترديدي غير مجعول من قبل الشارع حتّى يتنجّز، وإنَّما المنجّزيّة صفة تحتاج إلى أمرين، إلى موضوع خارجي وإلى سبب وهو العلم. الحد التعييني هو موضوع خارجي، لكن لا يوجد سبب لتنجيزه؛ لأنَّ سبب تنجيزه هو العلم، وطرف العلم ليس هو الحد التعييني، وأمّا الحد الترديدي فهو وإن كان العلم موجوداً بالنسبة إليه، لكن ليس هو حكماً من الأحكام الموجودة في الخارج حتّى يعقل ثبوت المنجزية بالنسبة إليه. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

 [في القول على مسلك المحقّق العراقي]

وأمّا بناءً على مبنى صاحب المقالات يعني المبنى الثالث، وهو تعلّق العلم الإجمالي بالواقع، فهنا قد يتراءى بأننا إذا بنينا على تعلّق العلم الإجمالي بالواقع، فليتنجّز الواقع من ناحية هذا العلم الإجمالي، وإذا تنجّز الواقع بحده فتجب الموافقة القطعية؛ لأنَّ كلّ طرف يحتمل أن يكون هو الواقع المنجّز واحتمال الواقع المنجّز منجّز لا محالة؛ فلا بُدّ حينئذٍ من إتيان تمام الأطراف لأجل تحصيل الجزم بالإتيان بالواقع المنجّز.

إلَّا أنَّ هذا غير تامّ؛ وذلك لأنّنا لو تعقّلنا أن تكون الصورة العلمية في موارد العلم الإجمالي، صورة إجمالية مطابقة للواقع بتمامه، لكن على حدّ مطابقة المجمل للمفصل، وفرّقنا بين العلم الإجمالي والتفصيلي من ناحية نفس الصورة لا من ناحية المعلوم، كما صرح بذلك المحقّق العراقي(1) وقال: بأنَّ العلم التفصيلي صورة تفصيلية خالية من الكدورة، والصورة الإجمالية صورة مستبطنة للكدورة، وإلَّا فإنّ ذي الصورة واحد فيهما وهو الواقع بتمامه.

إذا تعلقنا هذا كله حينئذٍ يقال: بأنَّ الواقع بتمامه وإن كان مطابقاً للصورة الإجمالية لكن لا يكفي ذلك بتنجّزه بحده الواقعي، وخروجه عن دائرة (قبح العقاب بلا بيان)؛ وذلك لأنَّ تنجّزه مربوط بجهة البيانية والانكشاف.

 وبناء على هذا المبنى لتصوير العلم الإجمالي، تكون الصورة العلمية للعلم الإجمالي مكدّرة، يعني: تستبطن وضوحاً من ناحية وكدورة وإجمالاً من ناحية 

ــــــــــ[210]ــــــــــ

(1) انظر: مقالات الأصول 2: 230.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

أخرى، وهي بكلتا جهتيها جهة الإراءة وجهة الإجمال تطابق الواقع بتمامه، لا أنّها تطابقه بإحدى جهتيها، فإنّه وإن لم يكن عزل إحدى هاتين الجهتين عن الأخرى خارجاً إلَّا أنّه يمكن عزلهما تحليلاً.

 وتنجيز هذه الصورة وإخراجها من دائرة اللابيان إلى البيان إنَّما هو بمقدار الكشف الموجود في هذه الصورة لا بمقدار جهة الإجمال والكدورة الموجودة في هذه الصورة، فإنَّ الكدورة والإجمال لا يكون بياناً للواقع ولا يخرج ما يوازيه من الواقع عن دائرة اللابيان إلى البيان.

فبناءً على هذا المبنى عندنا صورة واحدة قائمة في عالم النفس، يوازيها موجود واحد واقعي قائم في عالم الخارج، وهذا الموجود بتمامه يوازي هذه الصورة بتمامها، لكن بالتحليل العقلي نحلل الصورة إلى جهة كدورة وجهة انكشاف، وبهذا امتازت عن الصورة التفصيلية. 

وكلّ من الجهتين بالتحليل العقلي يوازي جزءاً تحليلياً من الواقع لا محالة، فما يقع تحليلاً بإزاء جهة الانكشاف من هذه الصورة الوحدانية يتمّ عليه البيان ويخرج عن قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، لكن ما يقع بإزاء جهة الإجمال والغموض والكدورة من هذه الصورة، لا يتمّ عليه البيان؛ لأنَّ الكدورة والإبهام ليس بياناً، فيبقى تحت دائرة (قبح العقاب بلا بيان).

فإذا تمّ هذا التحليل، نحن نرى، أنَّ ما بإزاء جهة الانكشاف من الصورة إنَّما هو الجامع فقط، بحده الجامعي، يعني: إذا نظرنا إلى الواقع الخارجي نحلله إلى حدين: حد الجامع والحد الخاص، وما بإزاء جهة الانكشاف من الصورة هو الحد الجامع، وما بإزاء جهة الكدورة منها هو الحد الخاص.

 ــــــــــ[211]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

والكدورة لا تكون بياناً، وإنَّما الوضوح هو الذي يكون بياناً. إذن، فالبيان لم يتم إلَّا بمقدار الجامع، فأيضاً يكون التنجيز بمقدار الجامع لا أكثر منه. 

فبهذا يتضح أنّه على تمام المباني السابقة، الصحيح هو وقوف المنجّزيّة على الجامع وعدم سراية المنجزية إلى الواقع، وإذا بقيت المنجّزيّة على الجامع فنتيجتها هو عدم وجوب الموافقة القطعية للواقع؛ لأنَّ الموافقة القطعية للمقدار المنجّز -وهو الجامع- تحصل بالجمع بين أحد الطرفين، وإن كانت الموافقة القطعية للواقع لا تحصل إلَّا بالإتيان بكلا الطرفين لكن المفروض أنَّ الواقع بحده ليس منجّزاً وأن المنجّز إنَّما هو الجامع المشترك بين الواقع وغيره.

فعلى جميع تلك المباني، الصحيح هو أنَّ المنجّزيّة تقف على الجامع، وعليه فلا يكون العلم الإجمالي مقتضياً ولا منجّزاً لوجوب الموافقة القطعية.

والإنصاف أنَّ هذا بنفسه من فضائح مسلك قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، والجمود على حرفيتها، وإلَّا من يستطيع أن يقول بوجدانه وغريزته وعقله العملي: إنَّ المولى ليس له حقّ الطاعة على العبد في مرتبة وجوب الموافقة القطعية في المقام. إنَّ المكلّف لو علم إجمالاً بوجوب الظهر أو الجمعة، فالمولى ليس عليه حقّ الطاعة إلَّا بمقدار الإتيان بأحدهما، بقطع النظر عن الأصول الشرعية كالبراءة، لو لم يجعل المولى أصلاً ترخيصياً أصلاً مع هذا يقول العبد: بأن العلم الإجمالي ليس مقتضياً للتنجيز ولا مخرجاً لي عن دائرة (قبح العقاب بلا بيان) إلا بمقدار حرمة المخالفة القطعية لا بمقدار وجوب الموافقة القطعية. إذن، فأنا آتي بأحدهما وأجري قاعدة قبح العقاب عن الواقع بحده الواقعي.

 ــــــــــ[212]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

أمّا الحد المشترك الذي تنجّز وخرج عن قاعدة قبح العقاب، فأنا أمتثله، فيكفي في امتثاله الإتيان بأحد الطرفين، فآتي بالظهر فقط أو بالجمعة فقط وأكون قد وفيت بحق المولى.

هذا المطلب ممّا لا يرضى عنه صاحب الوجدان، وليس ذلك إلَّا لأنَّ هذه الحرفية التي يبني عليها الأعلام في مقام التمسّك بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) غير صحيحة، بل أساسها غير صحيح، والصحيح أنَّ المولى له حقّ الطاعة في المحتمل البدوي فضلاً عن محتمل المعلوم، يعني: فيما يحتمل انطباق المعلوم عليه، ومن حقّ الطاعة على العبد الإتيان بتمام الأطراف المشكوكة من العلم الإجمالي.

إلَّا أنّنا إنَّما سلكنا هذا البحث بناءً على الالتزام بحرفية قاعدة قبح العقاب، وأنَّ المقدار الذي يتمّ عليه البيان يكون خارجاً عنها، والمقدار الذي لا يتمّ يبقى تحت الدائرة. هذا كله في الشبهات الحكمية.

ــــــــــ[213]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 









في تنجيز العلم الإجمالي للموافقة القطعية                                             في الشبهات الموضوعية

 

وأمّا(1) إذا كانت الشبهة موضوعية، كما إذا فُرض بوجوب إكرام العادل، وتردّد أمر العادل بين شخصين نعلم إجمالاً بعدالة أحدهما، وبالتالي نعلم إجمالاً بوجوب إكرام أحدهما، في مثل ذلك قلنا: بأنَّ الصحيح هو أنَّ العلم الإجمالي يقتضي وجوب الموافقة القطعية، وأنَّ الاجتزاء بأحد الطرفين، وإكرام أحدهما غير جائز، بل يدخل المقام في قاعدة أنَّ (الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني)، والفراغ اليقيني لا يحصل إلَّا بإكرام كلا الطرفين.

توضيح ذلك: أنّه قد يتخيّل في بادئ الأمر أنَّ نفس ما قلناه في مقام البرهنة على عدم تنجيز العلم الإجمالي لمرتبة وجوب الموافقة القطعية في الشبهات الحكمية، جارٍ بنفسه في الشبهات الموضوعية.

وذلك بأن يقال: بأنَّ تنجّز التكليف وخروجه عن دائرة قبح العقاب يحتاج إلى الوصول، وصول كبرى الجعل الكلي من قبل الشارع على موضوعه المقدر الوجود، ووصول الصغرى من قبل الشارع، أي: إحراز انطباق الموضوع 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

() قال بعد أن لخّص فكرة عدم تنجيز العلم الإجمالي للموافقة القطعية في الشبهات الحكمية: وأما… (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

خارجاً على هذا الفرد، فمثلاً: تنجّز وجوب إكرام زيد علينا فيما إذا وصل إلينا كبرى وجوب إكرام العادل، وصغرى أنَّ هذا عادل، أمّا إذا لم يصل أحدهما لا يتنجّز علينا وجوب إكرامه، بل يبقى دائراً تحت قاعدة (قبح العقاب بلا بيان).

وحينئذٍ إن فُرض أنَّ الكبرى أو الصغرى وصلت بالعلم التفصيلي فلا كلام، وأمّا إذا فرض العلم الإجمالي، كما هو محلّ الكلام، فتارةً يتعلّق بالكبرى، كما لو علمنا إجمالاً أنَّ المولى إمّا حكم بوجوب إكرام العادل أو وجوب إكرام اليتيم مثلاً، ففي مثله قلنا: إنَّ هذا العلم الإجمالي لا يقتضي وجوب الموافقة القطعية، يعني: لا يؤثّر في إلزامنا عقلاً في أن نكرم العادل واليتيم معاً؛ لأنَّ المقدار الواصل من الكبرى هو وجوب جامع اليتيم والعادل، وهو معلوم الانطباق على كلّ واحد من الطرفين، فيخرج المكلّف عن عهدته بالإتيان بأحد الطرفين.

نفس هذا يقال في جانب الصغرى أيضاً: كما لو فرغنا عن وجوب إكرام العادل كبروياً، ولكن تردّد العادل صغروياً بين زيد وعمرو، وقد قلنا أنَّ تنجّز التكليف فرع وصول الكبرى والصغرى، وقد وصلت الصغرى بالعلم الإجمالي، والعلم الإجمالي دائماً يقف على حد الجامع، فلنا علم بعدالة أحد الشخصين والجامع بينهما، لا بعدالة هذا بالخصوص ولا ذاك. فنحرز ثبوت الصغرى بمقدار الجامع، فلا بُدّ أن يقف التنجز على الجامع أيضاً، فيكون المنجّز هو وجوب إكرام أحدهما. 

وإذا فُرض أنَّ التنجّز يقف على الجامع بحده، فيكفي في مقام الخروج عن 

ــــــــــ[215]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

هذا المقدار المنجّز الإتيان بأيّ واحد من الطرفين، يعني: إكرام زيد فقط أو عمرو فقط؛ لأنّه مصداق للجامع بحده.

فكما كنا نقول في الشبهة الحكمية: إنَّ المعلوم هو الجامع بين الكبريين، وجوب الظهر أو وجوب الجمعة، هنا أيضاً المعلوم هو الجامع بين الكبريين، فالتنجّز أيضاً يكون بمقدار الجامع، ويكفي في مقام الفراغ منه الإتيان بأيّ واحد من الطرفين.

ولعلّ هذه الشبهة، هي التي جعلت من يقول بعدم اقتضاء العلم الإجمالي، لا يفرق بين الشبهة الموضوعية والحكمية، كالمحقّق النائيني الذي يقول: بأنَّ العلم الإجمالي ليس مقتضياً أصلاً لوجوب الموافقة القطعية؛ لأنَّ التنجز فيه يقف على حدّ الجامع ولا يسري إلى الخصوصية. لعلّ هذه الشبهة هي التي أوجبت أن يسوق كلا من الشبهة الحكمية والموضوعية مساقاً واحداً، باعتبار أن الوصول في كلّ منهما إنَّما هو بمقدار الجامع بحده.

إلَّا أنَّ الصحيح ليس كذلك، فإنَّ كون وصول الصغرى هنا بمقدار الجامع، وإن كان أمراً صحيحاً، فإنّنا لا نعلم بالعدالة إلَّا بمقدار الجامع، ولا يمكن أن نضيف العدالة المعلومة لا إلى زيد بحده الشخصي ولا إلى عمرو كذلك هذا -يعني مقدار الجامع- هو المعلوم والواصل من موضوع الحكم الشرعي، إلَّا أنَّ الإتيان بأحد الفردين هنا، لا يوجب الخروج عن عهدة التكليف المعلوم جزماً، بخلافه هناك، فإنّه يوجب الخروج عن عهدة التكليف المعلوم جزماً، فإنَّ كون الواصل من الموضوع هو مقدار الجامع لا يوجب 

ــــــــــ[216]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

صرف عنان التكليف المعلوم من تعلقه بالواقع إلى تعلقه بالجامع.

توضيحه: أنّنا هنا نعلم بوجوب إكرام العادل، ومعناه: أنّه يجب علينا إكرام شخص، ويجب علينا أن يكون هذا المكرَم عادلاً، بحيث قيد كونه عادلاً تحت الوجوب أيضاً، فوجوب إكرام العادل ينحل إلى هذين الوجوبين؛ ولهذا لو أكرمنا شخصاً فاسقاً، فإنّا وإن كنا قد أكرمنا شخصاً، لكن لم يكن المكرَم عادلاً، ومن هنا لم نمتثل الوجوب. وهذان كلاهما معلوم لنا في المقام -وجوب إكرام شخص، وأن يكون عادلاً- ولا شكّ لنا فيه. 

وقد فرضنا أنّنا نعلم إجمالاً أنَّ أحد هذين الشخصين عادل، فلو فرضنا أننا أكرمنا أحدهما بالخصوص، فهل فرغنا جزماً عن عهدة التكليف المعلوم؟ لا. لأنّنا نعلم بوجوب إكرام شخص، وأن يكون ذلك المكرَم عادلاً، ونحن لا نجزم بأن المكرَم هنا عادل.

 نعم، نجزم بأن المكرَم هنا وهو زيد مصداق للجامع الذي وقف عليه العلم بالصغرى، لكن هذا لا ينفع؛ لأنّنا نعلم بوجوب أن يكون المكرَم عادلاً ونحن لا ندري أن المكرَم هنا عادل أو لا، وإنَّما نحرز كون المكرَم عادل حين نكرم كلا الشخصين؛ لأنَّ حدهما عادل وقد أكرمناه.

فهذه هي نكتة الفرق بين الشبهة الموضوعية والشبهة الحكمية، أنّه في الموضوعية، وإن كان وصول الصغرى يقف إلى الجامع ولا يسري إلى الأفراد، إلَّا أنَّ وقوفه عليه لا يوجب صرف عنان التكليف من الواقع إلى الجامع. إذن، فبعد فرض إكرام أحد الفردين نشكّ في الخروج عن عهدة ما علمنا به من 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

التكليف، وهو أن يكون المكرَم عادلاً، علمنا بالتكليف ولم نعلم بامتثاله، فيكون مصداقاً لقاعدة أنَّ (الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني).

كما هو الحال تماماً في موارد العلم التفصيلي، لو علمنا تفصيلاً بوجوب صلاة المغرب، وشكّكت في صدورها مني، هنا لا إشكال في لزوم الجزم بالإتيان بها لقاعدة الاشتغال(1) وهنا أيضاً كذلك علمنا بوجوب أن يكون المكرَم عادلاً وشككنا في أنّه هل كان مكرمنا عادلاً أو لا، فلا بدَّ في مقام التفريغ من تحصيل الجزم بحصول هذا القيد، ولا يحصل إلَّا بالموافقة القطعية.

وأين هذا من الشبهة الحكمية التي مرت؟! وهو ما إذا علمت إجمالاً بوجوب الظهر أو الجمعة، علمي بالوجوب وبالكبرى يقف على الجامع، فأنّا لا أعلم إلَّا بوجوب مضاف إلى الجامع، فهناك الوجوب بالمقدار المعلوم مضاف إلى الجامع، وأمّا في الشبهة الموضوعية فالوجوب بالمقدار المعلوم مضاف إلى الواقع لا إلى الجامع.

فبناءً على مسلك قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، لا بُدّ من التفصيل بين الشبهة الحكمية، والموضوعية، ففي الشبهة الحكمية يقال: بأنَّ العلم الإجمالي لا يقتضي وجوب الموافقة القطعية، وفي الشبهة الموضوعية يقال بأنّه يقتضي وجوب الموافقة القطعية.

إلَّا أنَّ هذا التفصيل الذي بينّاه، ليس ميزانه الفني هو عنوان الشبهة الحكمية 

ــــــــــ[218]ــــــــــ

() وهو معنى أنَّ العلم التفصيلي يقتضي وجوب الموافقة القطعية، (المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

والموضوعية، فإنّه قد يتفق أن تكون الشبهة الموضوعية ملحقة بالشبهة الحكمية في أنَّ العلم الإجمالي فيها لا يقتضي وجوب الموافقة القطعية. 

وذلك لأنَّ الشبهة الموضوعية إنَّما تكون بلحاظ اشتباه قيد من القيود خارجاً، وهذا القيد:

تارةً يفرض أخذه في متعلّق التكليف، كقيد العدالة المأخوذ في وجوب إكرام العادل.

 وأخرى يكون القيد مأخوذاً في المكلف: يجب على المسافر أن يتصدق بحيث إنَّ السفر أخذ قيداً في المكلف، لا في متعلّق التكليف؛ ولهذا لا يجب إيجاده.

وثالثة يُفرض أخذه قيداً في الوجوب بنحو القضية الشرطية، قيد في نفس التكليف، نحو: (إذا جاء زيد فأكرمه) والعلم الإجمالي تارةً يتشكّل بلحاظ قيد مأخوذ في متعلّق التكليف، كما لو علمت إجمالاً بعدالة أحد هذين، وأخرى يتشكّل العلم الإجمالي من ناحية قيد مأخوذ في المكلف، من قبيل: إنّي أعلم أنَّ من يسافر يجب عليه الصدقة، ومن يعتق عبداً يجب عليه أن يصوم، ثُمَّ يعلم إجمالاً أنّه صدر منه أحد الأمرين إمّا السفر وإمّا عتق العبد، فتشكّل عنده علم إجمالي أنّه إمّا يجب عليه الصدقة وإمّا الصوم. ومثله ما لو كان التردد في شرط التكليف، كما لو قال: (إذا جاءك زيد فأكرمه، وإذا رأيته في السوق فتصدق عليه) وعلمت إجمالاً بحصول أحد هذين الشرطين.

إذا فرضنا أنَّ العلم الإجمالي نشأ من تردّد قيد دخيل في متعلّق التكليف، 

ــــــــــ[219]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فالأمر هو ما ذكرناه؛ لأنّني أكون قد علمت بوجوب أن يكون المكرَم عادلاً، ولا اعلم بتحقّق ذلك ما لم أكرم تمام أطراف العلم الإجمالي، فيكون العلم الإجمالي مقتضياً لوجوب الموافقة القطعية.

وأما إذا فرضنا أنَّ القيد لم يؤخذ في متعلّق التكليف، بل أخذ في المكلّف أو في نفس التكليف، فهنا حاله حال الشبهة الحكمية، كما لو كان يعلم إجمالاً أنّه إمّا سافر وإمّا أعتق، فهو يعلم إجمالاً بوجوب الصدقة أو الصوم، فهنا الوجوب المعلوم عليه هو وجوب الجامع ما بين الصوم والصدقة، فلو فُرض أنّه أتى بأحدهما، فقد أتى بمصداق ما هو المقدار الواصل والمنجّز عليه من الوجوب؛ لأنَّ المفروض أنّه لا يوجد هناك قيد معلوم ويشكّ في تحقّقه ما لم يستوعب تمام الأطراف.

فالميزان بالآخرة ليس هو عنوان الشبهة الموضوعية والحكمية، بل هو أنَّ العلم الإجمالي بالتكليف إذا فُرض أنَّ متعلّقه كان متخصّصاً بخصوصية، وقيد يشكّ في انطباقه هنا أو هناك، فحينئذٍ لا بُدّ من تحصيل الجزم بتحقّقه خارجاً، وهذا لا يحصل إلَّا بالموافقة القطعية. وأمّا إذا فُرض أنّه لم يكن قد أخذ في متعلّقه قيد من هذا القبيل، فهنا يكون العلم الإجمالي واقفاً على الجامع والتنجز بمقداره، ولا مقتضي حينئذٍ لوجوب الموافقة القطعية. هذا هو التفصيل الصحيح بناءً على مباني قاعدة (قبح العقاب بلا بيان).

نعم، حيث إنّنا ننكر هذه القاعدة ونقول بدلاً عنها بقاعدة منجّزيّة الاحتمال؛ ولهذا نحن نقول بوجوب الموافقة القطعية في تمام موارد العلم 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الإجمالي؛ وذلك لأنَّ الاحتمال وحده كافٍ للتنجيز، فكيف بالعلم الإجمالي في المقام! وإنما فصّلنا بناءً على مباني قاعدة (قبح العقاب بلا بيان). 

وبما ذكرناه ظهر إجمالاً بطلان كلا القولين المعروفين في المسألة؛ قول المحقّق النائيني بعدم كون العلم الإجمالي مقتضياً لوجوب الموافقة القطعية مطلقاً، حتّى في الشبهات الموضوعية، بمقتضى إطلاق كلامه، وقول المحقّق العراقي وهو أنَّ العلم الإجمالي مؤثر في وجوب الموافقة القطعية مطلقاً حتّى في الشبهات الحكمية. وسوف نتعرض لكلّ منهما بالخصوص مع بيان نكاته أيضاً.

وتلخّص مما سبق أنّه بناء على إنكار (قبح العقاب بلا بيان)، واستبدالها بقاعدة منجّزيّة الاحتمال، كما هو الصحيح، لا ينبغي الإشكال في وجوب الموافقة القطعية، واقتضاء العلم الإجمالي لها. 

وإنَّما نسلك مسلكاً بحثياً بناءً على قاعدة قبح العقاب… إذا تمسّكنا بحرفيتها، وقلنا: إنّه بالنسبة إلى مرتبة حرمة المخالفة القطعية لا إشكال في أنَّ العلم الإجمالي يخرج هذه المرتبة عن قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) ويوجب تنجّزها وحكم العقل بحرمتها. وأمّا من حيث وجوب الموافقة القطعية فالصحيح، بناءً على مباني هذه القاعدة هو التفصيل بين الشبهة الحكمية والموضوعية، ففي الحكمية لا يُخرج العلم الإجمالي مرتبة الموافقة القطعية من دائرة اللابيان إلى البيان؛ وذلك لأنّه علم بالجامع، وحيث إنَّ العلم يقف على الجامع، فالتنجّز يقف عليه أيضاً؛ لأنّه بتبع العلم. أمّا الواقع وهو وجوب صلاة الظهر بحدها فهو غير واصل، وإنَّما لواصل هو الجامع بين الواقع 

ــــــــــ[221]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

بحده وبين غيره، فيقف التنجّز عليه. 

وهذا الجامع تحصل موافقته القطعية بالإتيان بأحد الطرفين، وهو معلوم الانطباق على كلّ منهما في نفسه، وإن لم يكن ذلك موافقة للواقع بحده، فإنّه ليس واصلاً فهو ليس منجّزاً، وهو تحت قاعدة (قبح العقاب بلا بيان).

وأمّا في الشبهات الموضوعية، فيما إذا علمنا إجمالاً بعدالة أحد الشخصين، وكنا نعلم بأنَّ العادل يجب إكرامه، هنا لا يجوز الاكتفاء بإكرام واحد منهما؛ لأنَّ العلم بوجوب إكرام العادل يستبطن أمرين:

 أحدهما: العلم بوجوب إكرام شخص ما، والآخر: بوجوب أن يكون المكرَم عادلاً، وإذا أكرمنا أحدهما لم نحرز امتثالنا لهذا الوجوب؛ لأنّا لا ندري أنَّ المكرَم عادل أو لا، ولا نعلم بامتثال هذا الوجوب المعلوم المنجّز، ما لم نكرم كلا الفردين، حتّى يكون مكرَمنا في أحدهما عادلاً، فيدخل المقام تحت قاعدة أنَّ (الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني)؛ لأنَّ الشكّ يكون في امتثال التكليف المعلوم لا في تكليف زائد. بعد هذا نأتي إلى القولين المشهورين في المسألة.

في مسلك الميرزا في (أجود التقريرات) وهو أنَّ العلم الإجمالي لا اقتضاء فيه لمرتبة الموافقة القطعية

القول الأوّل، هو اختار الشقّ الذي اخترناه في الشبهة الحكمية، اختياره مطلقاً، بأن يقال: أنَّ العلم الإجمالي مطلقاً، من دون أن يميّز بين الشبهة الموضوعية والحكمية، هو لا اقتضاء بالنسبة إلى مرتبة وجوب الموافقة القطعية، بل تبقى هذه المرتبة خارج نطاق العلم والمنجّزيّة.

ــــــــــ[222]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وهذا القول هو ما ذهب إليه المحقّق النائيني على ما في تقريرات السيّد الأستاذ(1) خلافاً لتقريرات الشيخ محمّد علي(2)، فإنَّ هناك خلافاً بين التقريرين فيما هو مذهب النائيني، ففي تقريرات السيّد الأستاذ يقول المحقّق النائيني: إنَّ العلم الإجمالي ليس مقتضياً ولا منجّز للواقع بحده، أي: لمرتبة وجوب الموافقة القطعية، بل هو منجّز بمقدار الجامع. 

ويستدل على ذلك: أنَّ العلم الإجمالي علم بالجامع فيكون التنجز بمقدار العلم، فيكون تنجزاً للجامع، ولا موجب لتنجيزه لوجوب الموافقة القطعية، أي: أنّه يكتفي في البرهنة على هذا المدّعى بالأمر الأوَّل من الأمرين اللذين ركّبنا منهما البرهان على هذا المدّعى في الشبهات الحكمية.

خلافاً لتقريرات الشيخ محمّد علي حيث يقول: بأنَّ العلم الإجمالي منجّز ومقتضٍ لوجوب الموافقة القطعية، بل قد يستشم من كلماته، على تشويش في مفاهيمه القول بالعلّية أيضاً لهذه المرتبة لا القول بأصل التنجيز فقط، على ما يأتي توضيحه في بحث العلّية المتفرع على هذا البحث.

وعلى أيّ حال فحاصل مختاره في التقرير الأوَّل: هو أنَّ العلم الإجمالي ليس مقتضياً لوجوب الموافقة القطعية، وطبعاً الميرزا لا يفتي في الفقه: أنَّ من علم إجمالاً بوجوب الظهر أو الجمعة يجوز له الاقتصار على أحدهما، أو من علم إجمالاً بوجوب إكرام العادل وتردّد العادل عنده بين زيد وعمرو يكرم أحدهما فقط.

ــــــــــ[223]ــــــــــ

(1) انظر: أجود التقريرات 2: 234.

(2) انظر: فوائد الأصول 3: 231.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

إذن، فلماذا تجب الموافقة القطعية؟ يقول: إنَّما تجب الموافقة القطعية لا بتأثير مباشر من العلم الإجمالي، فإنَّ تمام ما يقتضيه وينجزه هو مرتبة حرمة المخالفة القطعية. هذا هو تمام معلول العلم الإجمالي، وإنَّما تجب الموافقة القطعية لأجل تعارض الأصول في المقام؛ فإنَّ الأصول كالبراءة -مثلاً- متعارضة في الأطراف؛ لأنَّ جريانها في كلا الطرفين، يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية، وقد فرغنا عن أنَّ العلم الإجمالي منجّز لحرمة المخالفة القطعية، وعلّة تامّة له فيستحيل الترخيص بالمخالفة القطعية، فيكون جريان الأصول في تمام الأطراف غير معقول لأدائه إلى ذلك.

 وأمّا جريان الأصل في بعض الأطراف دون بعض فهو ترجيح بلا مرجح، لاستواء نسبة الدليل إلى كلّ منهما. إذن، فتتساقط الأصول بالتعارض، وبعد أن تتساقط الأصول المؤمّنة بالتعارض فالمنجّز هنا يكون هو الاحتمال؛ لأنَّ الاحتمال بلا مؤمّن يكون منجّزاً لا محالة، والمفروض أنَّ الأصول المؤمّنة كلّها عقلية وشرعية سقطت بالتعارض.

فالمنجّز -في الحقيقة- هو نفس الاحتمال بعد تساقط الأصول بالمعارضة.

 قال: وقد يصطلح على هذا بأنَّ العلم الإجمالي يقتضي وجوب الموافقة القطعية؛ لأنّه بالواسطة أصبح مقتضياً لذلك؛ لأنَّ العلم الإجمالي معلوله هو حرمة المخالفة القطعية، ومعلوله الثاني هو التعارض بين الأصول والتساقط، والمعلول الثالث حينئذٍ هو منجّزيّة الاحتمال في كلّ طرف بعد بقائه بلا مؤمّن. هذا الذي أفاده في المقام.

ــــــــــ[224]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

 [مناقشة ما أفاده الميرزا]

وهو غير تامّ مبنىً ولا تفريعاً:

أمّا مبنى، حيث ذكر أنَّ العلم الإجمالي غير مقتضٍ لوجوب الموافقة القطعية أصلاً؛ لأنّه علم بالجامع، ويخرج الجامع من اللابيان إلى البيان، دون الحد الواقعي، فإنّه يبقى تحت دائرة قبح العقاب. هذا المطلب برهنّا عليه، بما لا مزيد عليه، بناءً على الجمود على قاعدة قبح العقاب… برهنّا عليه في الشبهات الحكمية.

وأمّا في الشبهات الموضوعية، فلا يمكن المصير إلى ذلك؛ لأنّه فيها يدخل المقام في قاعدة أنَّ (الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني)؛ إذ لو علمنا بوجوب إكرام العادل، فقد علمنا بأنّه يجب أن يكون مكرَمنا عادلاً. وهذا الوجوب معلوم. إذن، فهو خارج عن دائرة (قبح العقاب بلا بيان)؛ لأنَّ البيان عليه تامّ، فإذا تمّ عليه البيان وتنجّز فيجب الخروج عن عهدته وتحصيل الجزم بامتثاله، بقانون قاعدة الاشتغال. ومن المعلوم أنَّ الجزم بذلك لا يكون إلَّا بعد إكرام كلا الشخصين. 

فلو قيل: إنَّ مثل هذا البيان لا ينجّز وجوب الموافقة القطعية، للزم القول بأنَّ العلم التفصيلي أيضاً لا ينجّز وجوبها، كما لو علم تفصيلاً بوجوب صلاة الظهر ثُمَّ شكّ في أنّه أتى بها أو لا، أو أتى بها وشكّ في صحتها بنحو لا تجري قاعدة الفراغ.

 هنا هل يستشكل أحد في وجوب إعادتها؟ وذلك لأنَّ وجوب صلاة 

ــــــــــ[225]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الظهر تم عليه البيان فيكون موضوعاً لقاعدة أنَّ (الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني).

كذلك الكلام في تمام موارد العلم الإجمالي في أمثال هذه الشبهة الموضوعية، فإنَّ كون المكرَم عادلاً معلوم الوجوب، وقد تم عليه البيان ويشك في امتثاله خارجاً وتحقّقه، فيقع موضوعاً لقاعدة أنَّ (الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني).

نعم، في الشبهة الحكمية لهم حقّ هذا الكلام على مبانيهم؛ لأنَّ العلم الإجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة يقف على الجامع ولا يسري إلى الفرد. فالشك هناك شكّ في التكليف وأمّا هنا ففي الامتثال؛ وعليه فلا معنى لإنكار اقتضاء العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية في الشبهات الموضوعية. هذا الإشكال مبنى. 

وأمّا الإشكال بناءً على الميرزا فهو: 

أنّه لو سلّم ما ذكره من أنَّ العلم الإجمالي ليس منجّزاً ولا مقتضياً أصلاً بشكل مباشر لوجوب الموافقة القطعية، لكان عليه أن يفتي في الفقه: بأنّه لا تجب الموافقة القطعية، وأنّه يجوز للإنسان أن يترك أحدهما.

 وما وجّه به وجوب الموافقة القطعية وفرّعه على مبناه من دعوى أنَّ العلم الإجمالي معلوله الأوَّل هو حرمة المخالفة القطعية، والمعلول الثاني له هو التعارض بين الأصول والتساقط، والمعلول الثالث له هو كون الاحتمال في كلّ طرف بلا مؤمّن.

ــــــــــ[226]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

هذا الكلام الذي أفاده غير صحيح؛ وذلك لأنَّ التعارض إنَّما يتصوّر في المقام بلحاظ الأصول الشرعية، مثلاً: لو تصوّرناه لا بلحاظ قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، فإنّه بالنسبة إليها لا تعارض في المقام؛ لأنّنا هنا نقول: بأنَّ المقتضي العقلي من أوّل الأمر قاصر عن إلزامنا بأكثر من حرمة المخالفة القطعية.

توضيح ذلك: أنّه لنا في باب الامتثال مقامان: المقام الأوَّل أن نفتش عن مقدار حقّ المولى ومولويته بحكم العقل، وبعد أن نحدده وننفي الزائد عنه ننتقل إلى المقام الثاني لنرى أن المولى هل تصرّف في الوظيفة العقلية إثباتاً أو نفياً أو لا؟ فالمقام الأوَّل هو مقام حكم العقل، والمقام الثاني هو مقام الأصول العملية.

 فهنا بناءً على ما بيّنه لا تصل النوبة إلى المقام الثاني، وهو مقام الأصول العملية الشرعية، حتّى يقال بوقوع التعارض بينهما، بل لا زلنا في المقام الأوَّل نتساءل: ما هو مقدار حقّ المولى علينا؟ فيجيب العقل الذي يحكم بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان): بأنَّ حقّه علينا هو أن نلتزم بمقدار ما تم عليه البيان لا أكثر.

 وهذا المقدار هو الجامع، فالزائد عن الجامع وهو الحدود الواقعية التفصيلية للأطراف، لم يتم عليها البيان. إذن، فلا يلزمنا العقل بها ابتداء، فيكون عدم وجوبها من باب عدم المقتضى عقلاً للإلزام بها. ولا نحتاج في نفي الوجوب عنها إلى الأصول الشرعية حتّى يقال: إنّها متعارضة في أطراف العلم الإجمالي، فإنّنا لا نحتاج إلى الأصول الشرعية، بل نفس قاعدة قبح العقاب… 

ــــــــــ[227]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

كافية في المقام حينئذٍ لنفي وجوب الموافقة القطعية.

ولا منافاة أصلاً، بين حرمة المخالفة القطعية أصلاً وبين جريان قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) بالنسبة إلى الحدود التفصيلية.

 فإنَّ العقل(1) يحكم بكلا الحكمين بلا تنافٍ بينهما أصلاً، يحكم بأنَّ المخالفة القطعية حرام من ناحية العلم الإجمالي، ويحكم بأنَّ الواقع بحده لا يزال نائماً في دائرة (قبح العقاب بلا بيان) ولا يجب امتثاله؛ وينتج عن ذلك الترخيص في أحد أطراف العلم الإجمالي عقلاً، بلا حاجة إلى الأصول الشرعية في المقام.

مسلك المحقّق العراقي في العلّية

وقد تنبّه إلى ذلك المحقّق العراقي(2) وجعل هذا إشكالاً ونقضاً على هذا القول، وهو أنَّ العلم الإجمالي لا اقتضاء بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية.

 وقال: بأنَّ القائلين بهذا القول يلزمهم أن يقولوا بجواز ارتكاب أحد طرفي العلم الإجمالي بلا حاجة إلى التمسّك بالأصل الشرعي حتّى يقال بأنَّ الأصول الشرعية هنا غير جارية، فإنَّ المقتضى العقلي من أوَّل الأمر قاصر عن الإلزام بأكثر من هذا المقدار.

ــــــــــ[228]ــــــــــ

() فالحد المشترك يصير موضوعاً للمنجّزيّة عقلاً، والحد الخاص يصير موضوعاً للمؤمّنية عقلاً، ولا منافاة بينهما بعد اختلاف موضوعيهما، (من المحاصرة). (المُقرِّر).

(2) انظر: نهاية الأفكار 3: 296.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

 فجعل هذا نقضاً عليهم حيث إنّهم لا يلتزمون بذلك، يعني: بعدم وجوب الموافقة القطعية. ونِعمَ النقضُ، حيث إنَّ الميرزا لا يلتزم بعدم وجوبها، وإنَّما أراد أن يثبت هذا الوجوب من ناحية تعارض الأصول بشكل غير مباشر، مثل هذا لا يمكن تتميمه.

هذا هو الكلام في القول الأوَّل الذي ذكره المحقّق النائيني.

[إنَّ العلم الإجمالي مؤثر في وجوب الموافقة القطعية مطلقاً]

وأمّا القول الثاني من القولين المشهورين وهو قول المحقّق العراقي، وقول مدرسة الآخوند، والمحقّق الأصفهاني والمنسوب إلى المشهور، وهو أنَّ العلم الإجمالي يؤثّر وينجّز وجوب الموافقة القطعية.

فلعلّ أحسن ما قرّب به هذا المدّعى، من دون فرق بين الشبهة الحكمية والموضوعية، هو في كلمات المحقّق العراقي، وإن كانت كلماته لا تخلو من اختلاف في مقام تقريب المطلب بين مقام ومقام، إلَّا أنَّ هذه العبارات المختلفة يمكن إرجاعها بالتحليل إلى وجهين، وكلاهما انقدح جوابهما مما سبق ببرهاننا الذي أقمناه على عدم اقتضاء العلم الإجمالي للتنجيز في مرتبة وجوب الموافقة القطعية في الشبهات الحكمية، لكن مع هذا نذكر هذين الوجهين توضيحاً لإفاداته وإرجاعاً لكلماته المختلفة بعضها إلى بعض، ثُمَّ نتكلّم في الجواب عنهما على ضوء ما تقدّم من البرهان(1).

ــــــــــ[229]ــــــــــ

() ثُمَّ بدأ السيّد بتقرير الوجه الأوَّل، وحيث إنّه قد أعاده في المحاضرة اللاحقة، فقد اكتفينا بكتابته هناك مع مطابقته على هذا التقرير أيضاً. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

كان الكلام في القول الثاني من القولين المشهورين، وهو القول بأن العلم الإجمالي ينجّز وجوب الموافقة القطعية، وأن التنجيز يسري من الجامع إلى الواقع.

قلنا: إنَّ المستخلص من كلمات المحقّق العراقي تقريبان(1) لهذا المدّعى: 

التقريب الأوّل للعراقي ومناقشته

التقريب الأوَّل هو: أننا إذا لاحظنا عالم النفس الذي هو عالم الصور الذهنية، ففي هذا العالم يوجد حدان متباينان، وهما الحد الإجمالي في الصورة الإجمالية، والحد التفصيلي في الصورة التفصيلية.

 وهذان الحدان متباينان في عالم النفس تباين الوضوح مع الكدورة، بالرغم من أنَّ محكّيهما الخارجي شيء واحد، وهو الواقع الخارجي، وحينئذٍ لا مناص عن القول بأن ما يعرض(2) لأحد الحدّين في عالم النفس لا يسري(3) إلى الحد الآخر؛ لأنّهما في هذا العالم شيئان متباينان.

 ــــــــــ[230]ــــــــــ

() وهو مبنيّ على مبناه في العلم الإجمالي الذي سبق من أنَّ الفرق بينه وبين العلم التفصيلي هو بحسب عالم الصور، لا بحسب عالم الخارج، فالصورة الإجمالية صورة مكدّرة، والصورة التفصيلية واضحة نقية، وما بإزاء كلا الصورتين هو الواقع فحسب. (المُقرِّر).

(2) وهو العلم الإجمالي مرّة والتفصيلي أخرى. (المُقرِّر).

(3) لأنَّ كلّ عَرَض قائم بموضوع يستحيل أن يقوم بموضوع مباين لموضوعه. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ومن هنا نقول: بأنَّ العلم بالحد الإجمالي لا يسري إلى الحد التفصيلي وكذلك العكس، فإنَّ العلم من أعراض الصور الذهنية(1) في عالم النفس، والمفروض، في هذا العالم، وجود حدين متباينين فعرض أحدهما يستحيل أن يسري إلى الآخر.

وأمّا لو لوحظ عالم الواقع المحكّي الخارجي، فليس هناك إجمال ولا تفصيل، ولا يتعقّل فيه لا الحد الإجمالي ولا التفصيلي؛ لأنّهما من شؤون الصورة الحاكية لا من شؤون المحكي.

 ففي العالم الخارجي ليس هناك إلَّا الواقع بحده الشخصي الخاص. والتنجّز وإن كان معلولاً للعلم إلَّا أنّه من أعراض الواقع ومن أعراض الحكم الشرعي الخارجي لا من أعراض الصور العلمية. إذن، فهو يتعلّق بالواقع بحده الواقعي.

 وهذا لا يأتي عليه دعوى: أنَّ التنجز معلول وليد العلم، والعلم لا يسري، فالتنجيز أيضاً لا يسري، لا يأتي ذلك(2): لأنَّ العلم إنما لا يسري من الحد الإجمالي إلى الحد التفصيلي؛ لأجل تباين هذين الحدين في عالم العلم وظرف 

ــــــــــ[231]ــــــــــ

() بدليل إنّي قد أعلم بشيء من دون أن يكون له مطابق في الخارج أصلاً. (المُقرِّر).

(2) فإنّه مغالطة ناشئة من الخلط بين أعراض الصور وأعراض ذيها، فإنَّ عدم السريان إنَّما يكون في عالم الصور لوجود الحدود المتباينة فيها، فإذا عرض لحد يستحيل أن يسري إلى الآخر، ولو فرض أنَّ التنجّز كان من أعراض الصور لكان حاله حاله، لكنّه من أعراض الحكم الشرعي الخارجي من الصورة الذهنية، فيثبت التنجّز له؛ إذ ليس في الواقع إلَّا حدّ واحد. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

عروضه وهو ظرف النفس. وأمّا التنجز فحيث إنّه صفة للحكم الشرعي لا للصور الذهنية؛ فلهذا لا محالة يلتزم بأنّه صفة تقوم بمحكي الصورة العلمية، وهو الواقع المتعيّن بحده، ولا يتصوّر هنا حدان متباينان أحدهما إجمالي والآخر تفصيلي.

فإذا ثبت أنَّ الواقع بحده -ولنفرضه وجوب صلاة الظهر- تنجز بالعلم الإجمالي، فهذا المكلّف حيث إنّه لا يدري أين هو الواقع، فإلى أيّ طرف من الأطراف التفت يحتمل أنّه هو الواقع المنجّز، فلا بُدّ له من ملاحظة الاحتياط فيه؛ لأنَّ احتمال الواقع المنجّز(1) يكون منجّزاً لا محالة، وليس شأنه شأن احتمال الواقع غير المنجّز، فلا بُدّ من الاحتياط في كلا الطرفين. وهذا معنى وجوب الموافقة القطعية.

هذا غاية ما يمكن في مقام توضيح هذا المطلب، الذي أفاده بعبارة مختصرة ومشوشة، إلَّا أنَّ نظره لطيف فيما أفاده إلى هذا البيان.

[مناقشة ما تقدم]

ولكن هذا الذي أفاده لا يمكن المساعدة عليه، وذلك:

أمّا أوَّلاً: فلأنَّ التنجّز ليس من الأعراض القائمة بالحكم بوجوده الخارجي على ما أفاده، حيث حاول أن يفرّق بين العلم والتنجّز، وأنَّ العلم يقوم بالصور والتنجّز يقوم بالحكم بوجوده الخارجي.

 ــــــــــ[231]ــــــــــ

() يعني: احتمال أن يكون هذا هو الذي استقلّ العقل بلزوم امتثاله وقبح مخالفته واستحقاق العقاب على عصيانه. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

هذه التفرقة ليست بصحيحة، فإنَّ تمام المناط في التنجّز وتمام موضوعه هو الحكم بوجوده العلمي لا بوجوده الواقعي، فالوجود العلمي والاعتقادي للحكم هو تمام الموضوع للمنجّزيّة عقلاً، سواء طابق مع الواقع أو لم يطابق، ووجود الحكم وعدمه سيان.

ومن هنا قلنا في بحث التجرّي: إنّه لا فرق في استحقاق العقاب بين العاصي والمتجرّي، فإنّه وإن كان العاصي قد خالف حكم الله الواقعي والمتجرّي لم يخالفه، إلَّا أنَّ مناط التنجز واستحقاق العقاب ليس هو حكم الله الواقعي، لا مستقلاً ولا ضمناً، بل تمام الموضوع للمنجّزيّة، هو مخالفة الوجود الاعتقادي الواصل والصورة العلمية للحكم. 

وهذا موجود في موارد المتجرّي كما هو موجود في العاصي، فإنَّ كليهما خالف الصورة العلمية التي هي تمام الموضوع للصورة العلمية كما أوضحناه في بحث التجري.

ونكتته ملخّصاً: هو أنَّ الحكم بالمنجّزيّة مرجعه إلى وجوب الامتثال قياماً بحقّ المولى وتعظيماً له، وحيثية التعظيم له التحفّظ على ما يعتقد كونه محبوباً للمولى، فمن أخلّ بمن يعتقد بكونه مطلوباً للمولى، فقد خرج عن حدود المولى وهتك حرمته، سواء طابق اعتقاده الواقع أو لا.

على أيّ حال، على مسلكنا في بحث التجري لا بُدّ من المصير إلى أنَّ تمام الموضوع للحكم بالمنجّزيّة، هو الصورة العلمية للحكم الشرعي سواء كانت مطابقة للواقع أو لا؛ وعليه فالتفرقة بين العلم والمنجّزيّة، من حيث جعل العلم 

ــــــــــ[233]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

من أعراض الصور وجعل المنجّزيّة من أعراض الموجود الخارجي، غير صحيحة.

وثانياً: أنَّ المنجّزيّة لو سُلّم أنّها من أعراض الحكم الشرعي الخارجي، إلَّا أنّه لا إشكال ولا ريب في أنَّ الحكم الشرعي الخارجي ليس هو تمام الموضوع للحكم بالمنجّزيّة، بل هو جزء الموضوع.

 والجزء الآخر هو وصوله وبيانه؛ إذ من الواضح أنَّ الحكم الشرعي غير المبيّن ليس موضوعاً للمنجّزيّة لدخوله تحت دائرة (قبح العقاب بلا بيان)، فلو سُلّم أنَّ المنجّزيّة من أحوال الحكم الخارجي، فلا بُدّ أن يقال: إنّها من شؤون الحكم الخارجي الواصل، فهذا هو موضوع المنجّزيّة. 

وحينئذٍ فلا بُدّ من ملاحظة مقدار الوصول، والوصول هو عبارة عن حيثية الانكشاف والوضوح في الصورة الإجمالية، كما بيّنا فيما سبق، وحيثية الانكشاف والوضوح فيها لا توصل إلَّا الحد المشترك ولا توصل الحد الخاص، فإنَّ الحد الخاص على ما سبق يقابل جهة الإبهام في الصورة الإجمالية عنده، والحد المشترك يقابل جهة الوضوح، فمقدار الوصول هو مقدار الحد المشترك.

وأمّا ما أفاده من أنَّ عالم الخارج ليس فيه حدان متباينان، أو أنَّ الحدود المتباينة إنَّما هي في عالم النفس، فهذا إنَّما يصح بالنسبة إلى الحد الإجمالي والتفصيلي، حيث إنّها بطبيعتها حدود للكشف والحكاية، لا حدود للمنكشف والمحكي، فهي حدود متباينة في عالم النفس، وأمّا الحدود التي يقع الكلام في أنَّ التنجّز هل يسري إليها أو لا يسري؟ وهل يقف على بعضها أو يسري إلى 

ــــــــــ[234]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

جميعها؟ فليس المراد منها الحد الإجمالي والحد التفصيلي الذي هو من شؤون الصور العلمية، بل المراد الحد الخارجي العامّ، والحد الخارجي الخاص، حيث إنَّ الموجود الخارجي يحتوي على حدود متعدّدة بعدد ما ينتزع منه من مفاهيم، فنحلله عقلاً إلى حدود متعدّدة بعضها أخص من بعض، لا أنَّ بعضها مباين وجوداً مع بعض.

فهنا هكذا يقال: إنّه في الواقع الخارجي يوجد حكم اسمه وجوب صلاة الظهر، وهذا الحكم الخارجي له حدان: حد أصل الوجوب، وحد كون الوجوب متعلقاً بصلاة الظهر.

 وهذان الحدان غير حدّ الإجمالية والتفصيلية اللذان هما من شؤون الصور العلمية، حينئذٍ يقع الكلام في أنَّ التنجّز يسري من الحد المشترك وهو حد أصل الوجوب وجامعه إلى الحد الخاص وهو حد متعلّق الوجوب بصلاة الظهر. 

وإنَّما نعرف أنّه يسري إذا عرفنا أنّه أيّ واحد من هذه الحدود يقابل جهة الانكشاف في الصورة العلمية الإجمالية، حينئذٍ نقول: إنَّ الذي يقابل جهة الانكشاف فيها(1) إنَّما هو الحد المشترك وهو أصل الوجوب. وأمّا الحد الآخر الخاص، وهو حد كونها متعلّقة بصلاة الظهر فهو يقابل جهة الغموض والتردّد في الصورة. إذن، فلم يتمّ موضوع المنجّزيّة بالنسبة إليه، فلم يتنجز الواقع بحده الخاص.

ــــــــــ[235]ــــــــــ

() فإن الصورة كما سبق عند المحقّق العراقي مزدوجة من جهة الانكشاف وجهة الغموض. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فما ذكره بحسب الحقيقة خلط بين حد الإجمالية والتفصيلية الذي هو من حدود الصور العلمية، وبين حد أصل الوجوب وحد تعلّقه بصلاة الظهر الذي هو من حدود الواقع الخارجي.

 وما هو محلّ الكلام هو هذه الحدود لا تلك الحدود، فلا معنى لأن يقال: بأنَّ المنجّزيّة حيث إنّها صفة للحكم الشرعي الخارجي، فلا يتصوّر في ظرف عروضها وفعليتها حد إجمالية وتفصيلية. نعم، لا يتصوّر ذلك لكن يتصوّر حدّ عامّ وحد خاص، فحينئذٍ يقع الكلام في أنَّ المنجّزيّة هل تبقى واقفة على الحد المشترك أو تسري منه إلى الحد الخاص؟ الصحيح أنّها لا تسري؛ لأنَّ ما يقابل جهة الوضوح في الصورة العلمية إنَّما هو الحد المشترك. إذن، فالحد الخاص يبقى داخلاً تحت دائرة (قبح العقاب بلا بيان). هذا حاصل الوجه الأوّل مع جوابه. 

التقريب الثاني للعراقي ومناقشته

الوجه الثاني المستفاد من كلمات المحقّق العراقي: حاصل عنوانه أن يقال: بأنّنا نسلّم أنَّ العلم يقف على الجامع ولا يسري إلى الواقع، إلَّا أنَّ التنجّز -مع هذا- يسري إلى الواقع؛ لأنَّ الجامع على نحوين فإنّه تارةً يكون الجامع جامعاً ملحوظاً قبل التطبيق والتخصص، من قبيل الجامع الذي يتعلّق به الوجوب في موارد التخيير العقلي أو الشرعي، فلو قال المولى: (صلّ صلاة الصبح) فهذا جامع ملحوظ قبل أن يتخصّص بمكان معيّن أو زمان خاص، وكذلك في موارد التخيير الشرعي نحو: (ائت بأحد الخصال الثلاث). فهو جامع لم 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

يتخصّص بكونه إطعام ستين مسكيناً، أو صوم شهرين، أو عتق رقبة.

 فلو علم بوجوب جامع ملحوظ قبل التخصّص، فهذا الجامع لا يقتضي أيّ فرد من الأفراد، بل يكون المكلّف مخيراً في مقام تطبيقه على أيّ فرد؛ لأنَّ التنجز يقف على حد الجامع.

وأخرى يفرض أنَّ الجامع جامع ملحوظ بعد التخصّص، ومفروغاً عن انطباقه الخارجي على فرد معيّن، كما هو الحال في موارد العلم الإجمالي، فلو علمنا بوجوب الظهر أو الجمعة، فقد علمنا بجامع مفروغ عن تخصّصه وتحصّصه في ضمن إحدى هذين الحدين.

 والعلم بمثل هذا الجامع المتخصّص يوجب تنجز الخصوصية، وحينئذٍ يصبح الواقع متنجّزاً، وإذا تنجّز الواقع، يكون احتمال انطباقه على كلّ طرف منجّزاً لا محالة. هذه هي صورة المطلب. 

وهذا المطلب لا يخلو إلى حدّ ما من شيء من الغموض؛ لأنّه تارةً يريد بهذا المطلب أن يقول: إنَّ الخصوصية حيث كانت معلومة تحت العلم في هذا الجامع لأنّي أعلم بجامع متخصّص؛ ولهذا تصير تحت المنجّزيّة وتخرج عن دائرة (قبح العقاب بلا بيان)، إن أراد هذا فجوابه واضح، وهو: أنَّ ما يكون تحت العلم عنوان الخصوصية وما هو بالحمل الأوّلي خصوصية، لا واقع الخصوصية، أي: واقع تعلّق الوجوب بصلاة الظهر، فإنّه عندنا في المقام عنوان الخصوصية الذي هو مفهوم انتزاعي كلي، وعندنا واقع الخصوصية وما هو بالحمل الشايع كذلك، أي: تعلّق الوجوب بصلاة الظهر أو تعلّقه بالجمعة، وما هو تحت العلم عنوان الخصوصية، وما يبحث عن تنجزه وعدم تنجزه هو واقع الخصوصية.

 ــــــــــ[237]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

إذن، فما نبحث عن تنجزه غير ما هو تحت العلم. والاشتباه ما بينهما من باب الاشتباه بين العنوان والمعنوّن، فكيف يسري التنجّز من العنوان إلى المعنون؟!

وإن أراد أنَّ العلم في المقام، وإن تعلّق بالجامع المعنوّن بعنوان الخصوصية، ويقف العلم عليه ولا يسري إلى واقع الخصوصية، والتنجز أيضاً يقف على الجامع، لكنه جامع بعد التخصّص، ومثل هذا الجامع لا يكون الخروج عن عهدته جزماً إلَّا بالإتيان بكلا الفردين، بخلاف الجامع الملحوظ قبل التخصّص، فإنَّ الخروج عن عهدته كان يحصل بالإتيان بأيّ من الفردين.

فلو أفتى فقيه بالوجوب التخييري بين الظهر والجمعة، كما لعلّه أحسن الأقوال، فمتعلّق الوجوب هو جامع ملحوظ قبل التخصّص فيكون المكلّف مخيراً بينهما ولا يتنجّز عليه أحدهما.

 وأمّا إذا دار الأمر بين وجوب الظهر فقط أو الجمعة فقط، فهنا نعلم بجامع متخصّص، فلو أتينا بالظهر فإنّنا نشكّ في انطباق ذلك الجامع المتخصّص عليه؛ إذ لعلّه متخصّص بخصوصية الجمعة، أي: بخصوصية تأبى عن الانطباق على هذا الفرد الخارجي، أي: نحتمل أنَّ الخصوصية المأخوذة في الجامع مباينة مع الخصوصية التي تمثلت في الفرد المأتي به خارجاً، والمباين لا ينطبق على مباينه.

 وهذا بخلاف ذلك الجامع الملحوظ قبل التخصّص؛ فإنّنا لا نحتمل فيه عدم الانطباق.

ــــــــــ[238]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

إن أراد هذا المطلب فهو أيضاً غير صحيح؛ وذلك لأنّه ماذا يريد بقوله: إنَّ الجامع المتخصّص لا يعلم انطباقه على هذا الفرد المأتي به، يعني: أنَّ الجامع المتخصّص في ضمن حده الواقعي لا يعلم انطباقه على هذا؛ إذ لعلّ الحد الواقعي مباين مع الحد الواقعي الذي أتينا به؛ إذ لعلّ حده الواقعي هو الجمعة، ونحن أتينا بالظهر، وهما حدان متباينان.

لكننا لا يجب علينا أن نحرز انطباق الجامع بحده الواقعي على هذا المأتي؛ لأنَّ الجامع بحده الواقعي لم يتم عليه البيان، فهو تحت دائرة (قبح العقاب بلا بيان) ولا يجب امتثاله.

 وإن أراد أنَّ الجامع لا بحده الواقعي، بل بمقدار الحد المشترك لا يعلم بانطباقه على هذا، فهو باطل بلا إشكال؛ لأنّه بمقدار الحد المشترك الذي تم عليه البيان يعلم بانطباقه على هذا.

فالفرق بين الجامع الملحوظ قبل التخصيص والجامع الملحوظ بعده، إنَّما هو في إحراز انطباقه واقعاً وعدم إحراز انطباقه، فإنَّ الجامع الملحوظ قبل التخصيص يحرز انطباقه واقعاً على هذا الفرد المأتي به. 

وأمّا الجامع الملحوظ بعد التخصيص فلا يعلم انطباقه واقعاً على هذا الفرد لاحتمال التباين بين حد هذا الفرد وحد ذلك الجامع، ولكن يحرز انطباق المقدار المنجّز على هذا الفرد؛ لأنَّ المقدار المنجّز منه هو الحد المشترك، والحد المشترك بما هو -لا بما هو في ضمن الحد الواقعي الخاص- معلوم الانطباق على هذا الفرد خارجاً.

ــــــــــ[239]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

إذن، فباللحاظ الذي لا يعلم بعدم الانطباق لا يجب امتثاله، وباللحاظ الذي يجب امتثاله يعلم بالانطباق فيه على هذا الفرد. فهذا الوجه الثاني أيضاً لا يتم في المقام.

وأظنّ أنَّ هذه الكلمات من المحقّق العراقي كانت من ضيق الخناق؛ لأنّه مشى على طريقة القوم في تقديس قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، القانون الذي خلقوه ثُمَّ قدّسوه فأوقعهم في مشاكل، لا يعلمون كيف أنَّ العلم يقف على الجامع ومعلوله -وهو التنجّز- يسري إلى الواقع، وقد كان لهم طريق سهل واضح للجواب عن هذا المطلب، وهو التنازل عن هذه القاعدة أو خصّصناها أو وسعناها، إلَّا أنّهم لم يعملوا نظرهم فيها توسعة وتضييقاً، وحينئذٍ وقعوا في حيص وبيص.

فذهب أصحاب القول الأوَّل كالمحقّق النائيني إلى التسليم بهذا الإشكال، وأنَّ العلم الإجمالي لا اقتضاء بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية، ووقع في محذور عقلائي جديد؛ إذ لا يشكّ العقلاء في أنَّ عبداً إذا علم إجمالاً بأنَّ مولاه يريد منه أحد فعلين فاقتصر على أحدهما، لا يشكون على أنّه مقصّر في حقّ المولى. هذا المطلب من الواضحات بحسب الخارج.

وأصحاب القول الثاني، حيث إنّهم رأوا وضوح هذا المطلب؛ ولهذا صاروا في مقام التلفيق والتصدي إلى الاحتيال، وأنَّ التنجّز كيف يسبق علته وهو العلم، فبينما العلم يقف على الجامع التنجز يسري إلى الواقع، ومن هنا بيّن المحقّق العراقي بياناته، وهو أجل من أن لا يلتفت إلى جهات الإشكال فيها، وإنَّما الذي 

ــــــــــ[240]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ساقه إلى هذه البيانات هو الجمع ما بين المباني والمسلّمات المفروضة عنده.

وعليه فاتضح من ذلك: أنَّ الصحيح في المقام لو قلنا بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) وجمدنا على حرفيتها كما جمدوا، هو التفصيل في الشبهات الحكمية والموضوعية، ففي الحكمية العلم الإجمالي لا اقتضاء بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية، وأمّا في الموضوعية فيكون منجّزاً لوجوب الموافقة القطعية؛ لأنَّ الشكّ هناك في أصل التكليف وهنا في الامتثال.

أمّا بناءً على قاعدة منجّزيّة الاحتمال، فلا إشكال في وجوب الموافقة القطعية في كلّ من القسمين، في الشبهات الحكمية والموضوعية.

هذا كلّه البحث في أصل تنجيز العلم الإجمالي للمرتبة الثانية، وهي مرتبة وجوب الموافقة القطعية.

بعد هذا يقع الكلام ما بين أصحاب القول الثاني القائلين بالتنجيز، وهم آغا ضياء وأمثاله، أو بناءً على قولنا بالتفصيل حيث نلحظ الشبهة الموضوعية التي نقول فيها بالتنجيز.

 يقع الكلام في أنَّ هذا التنجيز هل هو تنجيز بنحو الاقتضاء، أو بنحو العلّيّة؟

يعني: أنَّ حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية هل هو حكم تنجيزي مطلق يأبى عن مجرّد الرخصة من قبل الشارع في أحد الأطراف، أو أنَّ حكمه بذلك، معلّق على عدم مجيء الرخصة في بعض الأطراف؟ فالقول الأوّل هو المسمّى بالقول بالعلّيّة، والثاني هو المسمّى بالقول بالاقتضاء. والمحقّق العراقي 

ــــــــــ[241]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ذهب إلى القول الأوَّل، والمحقّق النائيني في تقريرات الشيخ الكاظمي(1) ذهب إلى القول بالاقتضاء على تأمّل؛ لأنَّ كلماته مشوشة، وكلا الطرفين يدّعي أنَّ الشيخ الأنصاري يوافقه، فالعراقي(2) يقول: بأنَّ الشيخ الأنصاري يقول بالعلّيّة.

 والنائيني يقول: بأنّه يقول بالاقتضاء. فلا بُدّ من الاستدلال على هذين المسلكين. 

وقع(3) بحث بين أصحاب القول بالمنجّزية، في أنَّ العلم الإجمالي هل ينجّز مرتبة وجوب الموافقة القطعية بنحو العلّية أو بنحو الاقتضاء. 

ومعنى التنجيز بنحو العلّية: أنَّ العقل يحكم بوجوب الموافقة القطعية حكماً تنجيزاً غير معلّق على شيء، ومن نتائج ذلك أنّه يستحيل ورود الترخيص الشرعي، ولو في بعض أطراف العلم الإجمالي؛ لأنّه يصادم مع حكم العقل التنجيزي ويكون تفكيكاً بين العلّة والمعلول؛ لأنَّ العلم الإجمالي عند هؤلاء علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية. 

ومعنى القول بالاقتضاء هو أنَّ العلم الإجمالي وإن كان ينجّز مرتبة وجوب الموافقة القطعية عقلاً، إلَّا أنَّ هذا الحكم من العقل معلّق على عدم مجيء الرخصة من قبل الشارع.

ــــــــــ[242]ــــــــــ

() انظر: فوائد الأصول 3: 231.

(2) انظر: نهاية الأفكار 3: 310.

(3) قال بعد تلخيص شيء من الفكرة: وقع… (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ومعنى هذا هو أنَّ العلم الإجمالي ليس علّة تامّة لهذا الحكم العقلي بل هو مقتضٍ، والمقتضي قد يقترن بالمانع، فترتب الحكم بوجوب الموافقة القطعية على العلم الإجمالي فرع عدم المانع، وهو مجيء الترخيص من قبل الشارع.

 ومن نتائج ذلك أنّه يمكن للمولى أن يرخّص في بعض الأطراف؛ لأنّه لا يصير بذلك مصادماً لحكم العقل، بل رافعاً لموضوعه، فإنَّ حكمه معلّق على عدم المانع والترخيص الشرعي يكون مانعاً.

في القول بالاقتضاء والعلّية

والمعروف عن المحقّق النائيني هو القول بالاقتضاء، ويناسبه حينئذٍ عدّة كلمات في تقريرات الفوائد(1)، والمحقّق العراقي يقول بالعلّيّة(2).

وهذان الفريقان المختلفان تذرّعا في مقام إثبات المدّعى تارةً بالحلّ وأخرى بالنقض على مبنى الطرف المقابل بمحاذير لا يلتزم بها، ولا تندفع إلَّا بأن يصير إلى ما يقوله الناقض؛ ولهذا نتكلّم في كلتا الطريقتين: الحلّ والنقض، التي استعملها هؤلاء في هذا البحث. 

الجانب الحَلّي

أمّا طريقة الحل: فالذي يبدو من تمحيص كلمات الفريقين أنّهم لم يأتوا بشيء جديد في مقام الاستدلال على مدّعاهم، على ما يظهر من توضيح كلماتهم. 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

(1) انظر: فوائد الأصول 3: 231.

(2) تقدم تخريجه.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فإنَّ المحقّق النائيني هكذا قال: بأنَّ العلم الإجمالي يقتضي وجوب الموافقة القطعية، لكنّه اقتضاء ناقص وليس بنحو العلّية التامّة، فلا يأبى عن مجيء الرخصة في بعض الأطراف؛ لأنَّ الرخصة في بعض أطراف العلم الإجمالي ليس ترخيصاً في المعصية، فلا يكون أمراً محالاً، بخلاف الرخصة في تمام أطراف العلم الإجمالي، فإنّه محال؛ لأنّه ترخيص في المعصية.

فكأن الميرزا صار في مقام التفرقة بين حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية التي هي المرتبة الأولى من الامتثال، وحكمه بوجوب الموافقة القطعية، التي هي المرتبة الثانية من الامتثال، فذكر أنَّ الحكم الأوَّل من العقل يأبى عن ورود الترخيص في قباله؛ لأنَّ المخالفة القطعية معصية للمولى، والمعصية قبيحة والترخيص بالقبيح محال. إذن، فهذا الحكم تنجيزي لا تعليقي.

وأمّا بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية، فحكم العقل تعليقي لا تنجيزي؛ لأنّه يمكن مجيء الرخصة من قبل الشارع في بعض الأطراف؛ لأنّه بمجرّده ليس معصية، فالترخيص فيه ليس ترخيصاً في المعصية، فهو أمر معقول، فيكون حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية معلّقاً على عدمه.

هذه هي الصورة المقتنصة من كلماته، وهي لا تسمّى استدلالاً، وإنَّما تسمى تكراراً للمدّعى بعبارات أخرى لا تخلو من عدم مطابقة مع المدّعى؛ وذل: لأن حاصل هذه التفرقة يرجع على أن المخالفة القطعية معصية؛ ولهذا لا يمكن ورود الرخصة فيه شرعاً فيكون حكم العقل بالحرمة تنجيزياً، وأمّا ترك الموافقة القطعية، والاقتحام في بعض الأطراف، فليس معصية، فلا بأس بالرخصة فيه، وحينئذٍ يكون حكم العقل تعليقياً.

ــــــــــ[244]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

إذا كان المراد هذا فمن الواضح أنَّ المعصية عنوان ينطبق على ما يستقل العقل بكونه خروجاً عن قانون العبودية وتعدّياً على المولى وظلماً له. وهذا هو الذي يستحيل الترخيص فيه من قبل الشارع -مهما كان المعنى اللغوي للمعصية-. وحينئذٍ كون المخالفة القطعية معصية فرع تنجّيزيّة حكم العقل بحرمتها، فإنّه إذا كان حكمه تنجيزياً تتصف المخالفة القطعية بأنّها معصية حتّى في ظرف مجيء الرخصة فيها شرعاً فيستحيل الترخيص فيها شرعاً؛ لأنّه ترخيص في المعصية، فلا بُدّ من دعوى تنجيزية حكم العقل هنا، لا من دعوى استحالة مجيء الرخصة في المخالفة القطعية؛ لأنّه ترخيص في المعصية، ثُمَّ يترتّب على ذلك تنجيزية حكم العقل، فإنَّ استحالة مجيء الرخصة بملاك كونه رخصة في المعصية فرع تنجيزية حكم العقل في المقام.

كما أنَّ إمكان مجيء الرخصة في باب الموافقة القطعية، بدعوى: أنّه ليس رخصة في المعصية فرع تعليقية حكم العقل، وإلَّا لو كان حكمه هنا تنجيزياً لكان ترك الموافقة القطعية معصية أيضاً ولكان الترخيص فيها ترخيصاً في المعصية.

فلا بُدَّ إذن، أن يتكلّم ابتداءً هكذا: في أنَّ حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية هل هو من قبيل حكمه بحرمة المخالفة القطعية، تنجيزي، أو حكم تعليقي، فإنَّ كان تنجيزياً انطبق قهراً عنوان المعصية على ترك أي واحد من الأطراف، وحينئذٍ يستحيل الترخيص في أيّ واحد منها، وإن كان حكماً تعليقياً، ففي ظرف مجيء الرخصة من الشارع لا ينطبق عليه عنوان المعصية؛ إذ لا حكم العقل.

ــــــــــ[245]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فهذا اللف والدوران يجب أن نتركه لنرى أنَّ حكم العقل تنجيزي أو تعليقي، وحينما نرجع المطلب إلى هذا الأصل الساذج، لا يبقى للميرزا أن يقول: بأنَّ الوجدان عندي يحكم بأنَّ حرمة المخالفة القطعية تنجيزية، وأنَّ وجوب الموافقة القطعية تعليقية. وسوف يأتي حال هذا الوجدان.

هذا هو الموقف الحَلِّي من قبل المحقّق النائيني.

وأمّا الموقف الحَلِّي من قبل المحقّق العراقي، وهو له ذكاء الجدل؛ فلذا أنقذ نفسه في هذا الموقف الحلّي ولم يكلف نفسه برهاناً على المدّعى، إذ قال ما توضيحه: إنّنا لا نحتاج إلى استئناف برهان على القول بالعليّة هنا، وذلك لأنّنا نحن وخصمنا متفقون على أنَّ العلم الإجمالي ينجّز مقدار ما، ومتفقون على أنَّ تنجيزه لهذا المقدار هو بنحو العلية.

 غاية الأمر أنَّ المقدار الذي ينجّزه العلم الإجمالي بنحو العلية، هو مقدار معلوم العلم، وهذا المقدار عند خصمنا هو الجامع، ولهذا يقول: إنَّ حرمة المخالفة القطعية ثابتة عقلاً بنحو العلّية، وعندنا هو الواقع، على ما بينّا في المقام السابق، فيكون حكم العقل بوجوب امتثال الواقع على العلية.

فالنزاع بيننا ليس أنَّ الاقتضاء والعلّية، وإنَّما النزاع بيننا هو النزاع السابق، وهو أن ما يؤثّر فيه العلم الإجمالي هل هو مرتبة الجامع أو الواقع؟ بعد الاتفاق على أنّه يؤثّر نحو العلّية لا الاقتضاء؛ لأنّنا لم نر فرقاً بين العلم الإجمالي والتفصيلي، فكما أنَّ العلم التفصيلي يؤثّر بنحو العلّية على ما أوضحنا سابقاً كذلك العلم الإجمالي.

 ــــــــــ[246]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فالقول بالعلية متّفق بيننا وإنَّما الخلاف في محطّ تأثيره، وقد أثبتنا في المقام السابق أنَّ محط تأثيره وتنجيزه هو الواقع. إذن، فهذه العلّية تكون منصبّة على الواقع، فيثبت بذلك حكم العقل عليّاً بوجوب امتثال الواقع، ومعه يستحيل الترخيص في أيّ واحد من الأطراف لاحتمال لكونه هو الواقع، فيحتمل مصادمته مع حكم العقل.

 وجعل حكم شرعي يحتمل مصادمته مع حكم العقل غير معقول.

فبناءً على هذا لا يحتاج إلى برهان جديد أزيد من الأدلّة التي أقامها على أنَّ متعلّق العلم الإجمالي هو الواقع.

إلَّا أنَّ هذا الكلام أيضاً غير صحيح؛ وذلك لأنَّ خصمه إنَّما سلّم بأنَّ العلم الإجمالي يكون علّة بالنسبة إلى المقدار الذي يعترف به من التنجيز وهو حرمة المخالفة القطعية، باعتبار أنَّ العلم الإجمالي إذا لوحظ بمقدار المرتبة الأولى، وهو المخالفة القطعية فهو علم تفصيلي، يعني: إذا لوحظ بمقدار الجامع فهو علم تفصيلي حقيقة وليس فيه أدنى غموض أو كدورة؛ ولذا قال بأنَّ العلّية المفروغ عنها في العلم التفصيلي تثبت بالعلم الإجمالي إذا لوحظ إضافته إلى الجامع. 

أمّا لو فرض أنَّ العلم الإجمالي ينجّز الواقع، رغم كونه مشبعاً بالكدورة والغموض، من قال حينئذٍ بأنَّ حاله يكون حال العلم التفصيلي بالواقع. فإنّه هناك فرق بينهما موضوعاً من حيث إنَّ العلم التفصيلي صورة منتزعة عن الواقع بلا كدورة والعلم الإجمالي صورة مستبطنة للكدورة، فمن قال بأنه 

ــــــــــ[247]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

مثله من هذه الناحية.

فاعتراف الخصم بأنَّ العلم الإجمالي كالتفصيلي بالعلية، إنَّما هو مبني على قصر نظره في مقام التنجيز على ملاحظة المرتبة الأولى؛ إذ معه يكون بمقدار هذه المرتبة علماً تفصيلياً حقيقة.

 وأمّا لو لم يقصر نظره على المرتبة الأولى، وفرض تسلم التنجيز للمرتبة الثانية، فمن قال: بأن حاله يكون حال العلم التفصيلي، يحتاج هذا إلى بيان، وأيضاً لا يوجد هناك بيان، إلَّا أن يرجع إلى الوجداني، ويقول: وجداني شاهد بأن حكم العقل بوجوب الامتثال القطعي، حكم علّي وتنجيزي.

إذن، فالبيانات الحلّية ترجع إلى دعوى الوجدان المتقابل، ونحن حلّلنا هذا الوجدان بالبرهان، وأثبتنا فيما سبق، أنَّ حرمة المخالفة القطعية- فضلاً عن وجوب الموافقة القطعية- ليس تنجيزياً، بل هو تعليقي، بل حتّى منجّزيّة العلم التفصيلي أيضاً ليست تنجّيزيّة، بل هي بحسب روحها تعليقية، غاية الأمر هناك لا يُعقل مجيء الرخصة الشرعية؛ لأنّها حكم ظاهري فرع الشكّ ولا شكّ مع العلم التفصيلي، فالتنجيزية بالنحو الذي يقولونه لا ملاك له في العلم الإجمالي ولا التفصيلي، لا في مرتبة حرمة المخالفة القطعية ولا في مرتبة وجوب الموافقة القطعية، على ما برهنّا عليه سابقاً.

 وحينئذٍ فالصحيح هو أنَّ العلم الإجمالي يكون مقتضياً اقتضاء ناقصاً معلّقاً على عدم مجيء الرخصة في الخلاف. 

هذا كلّه في الجانب الحلّي للمسألة. 

ــــــــــ[248]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الجانب النقضي: ما نقضه الميرزا على آقا ضياء

وأمّا الجانب النقضي للمسألة، فقد نقض آغا ضياء على الميرزا، والميرزا على آغا ضياء.

 أمّا ما نقض به المحقّق النائيني(1) على مسلك المحقّق العراقي: أنّه كيف يمكن أن يتوهم أنَّ العلم الإجمالي علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، فإنّه ليس أكثر حرمة وكاشفية من التفصيلي، ونحن نرى أنَّ العلم التفصيلي لا يجب موافقته القطعية أحياناً ولا يحكم بها الشارع له فكيف بالعلم الإجمالي؛ وذلك بإجراء قاعدة الفراغ والتجاوز وأصالة الصحّة، فلو علم تفصيلاً بوجوب صلاة الظهر عليه، فصلى، ثُمَّ شكّ بأنّه هل أنقص ركناً أو لا.

 فهنا يقول له الشارع: (اكتفِ بما أتيت به) ويعبّده بقاعدة الفراغ، فلو فرضنا أنَّ العلم التفصيلي لوجوب الموافقة القطعية لما أمكن للشارع أن يتنازل عنها، وهي لا تحصل إلَّا بإعادة الصلاة مرة أخرى، فاكتفاء الشارع بما أتى به مع أنَّه مشكوك الموافقة دليل على إمكان رفع اليد عن وجوب الموافقة القطعية والترخيص بها. 

وهذا معناه أنَّ العلم التفصيلي ليس علّة لوجوب الموافقة القطعية، وإلا لاستحال التفكيك بين العلّة والمعلول.

أجاب المحقّق العراقي(2) عن هذا النقض: بأنَّ هذا خلط بين الأصول 

ــــــــــ[249]ــــــــــ

(1) انظر: فوائد الأصول ٤: ٣٤.

(2) انظر: مقالات الأصول ٢: ٢٣٨.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الجارية في أصل التكليف والأصول الجارية في الشكّ في الامتثال. 

وبتعبير آخر: إنَّ قاعدة الفراغ لا تنافي وجوب الموافقة القطعية بوجهٍ لأنّها ترجع إلى جعل البدل.

توضيحه: أنَّ العقل الذي قلنا إنّه يحكم بتِّيَّاً علِّيَّاً بوجوب الموافقة القطعية والمفرغ القطعي للتكليف الواقعي، فقصد بالمفرّغ القطعي: الأعمّ من أن يكون تفريغه تفريغاً وجدانياً أو تفريغاً تعبدياً بحكم الشارع، فإنَّ التفريغ لوجوب صلاة الظهر التي يجب عليَّ تفريغه، يحصل بأحد وجهين:

 إمّا تفريغ وجداني ذاتي عقلي بلا إعمال عناية من الشارع؛ وذلك إذا أتيت بالمأمور به على وجهه، فإنَّ الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء عقلاً.

 وإمّا تفريغ تعبّدي؛ وذلك أن آتي بصلاة أشكّ هل وجد فيها نقيصة ركنية أو لا؟ فيقول لي الشارع: أتعبدك بأنَّ الصلاة لم يوجد فيها نقيصة ركنية، وبأنّها صحيحة تامّة الأجزاء والشرائط؛ لأنّك شكّكت بعد الفراغ. 

فهذا التعّبد -بحسب الحقيقة- عبارة عن التعبّد بكون المأتي به مصداقاً للواجب، وهذا مفرّغ تعبّدي؛ لأنَّ مصداقيته للواجب ليست مصداقية وجدانية بل تعبّدية، فيكون تفريغه أيضاً تعبّدياً لا وجدانياً، فالموافقة القطعية حاصلة هنا لكنها حاصلة في ضمن القطع بالمفرّغ التعبّدي، لا في ضمن القطع بالمفرّغ الوجداني، وكلاهما لا ينافي الموافقة القطعية؛ لأنّنا لا نريد بها وجوب خصوص المفرّغ الوجداني، بل وجوب القطع بجامع المفرّغ الأعمّ من أن يكون 

ــــــــــ[250]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

تفريغه وجدانياً أو تعبّدياً(1).

وهذا حاصل في موارد قاعدة الفراغ، ونقول به في موارد العلم الإجمالي، فلو علم بوجوب الظهر أو الجمعة، وقال المولى: أعبّدك بأنَّ الواجب هو صلاة الظهر من باب جعل الحكم الظاهري، فحينئذ يكون الإتيان بها وحدها كافياً؛ لأنَّ هذا جزم بالمفرّغ التعّبدي.

 وليس البحث في هذا، وإنَّما البحث في إمكان مجيء الرخصة في أحد الطرفين، بلا إعمال العناية في جعل الطرف الآخر مصداقاً للواجب تعبداً. كما لو كنت ابتداء أعلم بوجوب الظهر أو الجمعة، فيرخصني الشارع بلسان (رفع ما لا يعلمون) بأحد الطرفين، هذا الذي نقول: إنّه غير معقول، لأنّه لو رخّصني بالظهر فقط وأتيت بالجمعة فقط، لم يحصل عندي لا قطع بالمفرّغ الوجداني ولا قطع بالمفرّغ التعبّدي. 

أمّا المفرّغ الوجداني فعدم حصول القطع به واضح. وأمّا المفرّغ التعبّدي؛ فلأنَّ المولى لم يتعبّدنا بأنَّ صلاة الجمعة مصداق الواجب، بل فقط رخصنا في اقتحام ترك صلاة الظهر، فهذا هو الذي ينافي وجوب الموافقة القطعية لا ذاك.

فهذا النقض من المحقّق النائيني هو في نظر المحقّق العراقي خلط بين 

ــــــــــ[251]ــــــــــ

() فالجزم بالإتيان بأحد المصداقين الوجداني والتعبدي هو معنى الجزم بالفراغ، وهذا هو الذي يجب عقلاً وجوباً علياً بتّياً، ومثل هذا الوجوب لا تنافيه قاعدة الفراغ والتجاوز؛ لأنّها توجد مفرغاً تعبّدياً. وتتعبدنا بأنَّ هذه الصلاة مصداقاً للواجب، فيحصل لنا الجزم بالفراغ لكنّه الفراغ التعبدي لا الوجداني فقط حصلت بذلك الموافقة القطعية، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

التفريغ التعبدي، وبين الترخيص الابتدائي في أحد الطرفين، والثاني هو الذي ينافي حكم العقل الحلّي بوجوب الموافقة القطعية دون الأوَّل. إذن، فلا يرد هذا النقض علينا.

فإذا(1) جاز نفي وجوب الموافقة القطعية بقاعدة مؤمّنة كقاعدة الفراغ في موارد العلم التفصيلي، فكيف لا يجوز نفي وجوبها في موارد العلم الإجمالي بأصالة البراءة مثلاً!! فيما لو فُرض أنَّ أحد طرفي العلم الإجمالي كان مجرى للأصل في نفسه، بقطع النظر عن محذور المعارضة.

وأين(2) هذا من إجراء أصالة البراءة في أحد طرفي العلم الإجمالي. فلو علمنا بوجوب أحد فعلين وجعل المولى أصالة البراءة في أحدهما، واكتفينا بالإتيان بالآخر وتركنا ما هو مجرى البراءة لما حصل عندنا جزم لا بالمفرّغ الوجداني ولا التعبّدي.

 أمّا المفرّغ الوجداني؛ فلأنّنا نحتمل أنَّ هذا الذي تركناه هو الواجب، وأمّا المفرّغ التعبّدي، فلأنَّ المولى لم يتعبدنا بأنَّ هذا الذي فعلناه هو مصداق الواجب، وإنَّما فقط رخصنا في أن نترك الطرف الآخر، فلا جزم لا بالمفرّغ الوجداني ولا التعبّدي، فتختل بذلك الموافقة القطعية، ويكون الترخيص حينئذٍ مستحيلاً؛ لأنّه يكون محاولة للتفكيك بين العلّة والمعلول، ورفع وجوب الموافقة القطعية وهو محال.

ــــــــــ[252]ــــــــــ

() لخّص أوَّلاً ما سبق من نقض الميرزا وأضاف إليه: فإذا… (المُقرِّر).

() ولخّص أيضاً جواب المحقّق العراقي إلى أن قال: وأين… (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

نعم، لو فرضنا أنَّ المولى أوَّلاً تعبّدنا بأنَّ ذاك هو مصداق المعلوم بالإجمال، بأنَّ حكم حكماً ظاهرياً تعبّدياً بأنَّ الطرف الشرقي هو مصداق الواجب، كما حكم في قاعدة الفراغ، فبعد هذا لا بأس بإجراء البراءة في الطرف الآخر؛ لأنّه بالإتيان بالمصداق التعبّدي تحصل لنا الموافقة القطعية، والجزم بالمفرّغ التعبّدي، فلا يكون إجراء البراءة في الطرف الغربي منافياً مع التحفّظ على الموافقة القطعية ووجوبها. فهنا إذا فرضنا أنَّ الأصل الترخيصي كان هو المجعول ابتداءً، فهذا يكون منافياً مع وجوب الموافقة القطعية.

وهذا(1) الذي أفاده بعض أعاظم العصر -يعني الميرزا- خلط بحسب الحقيقة، وأنت ترى ما فيه من خلط مقام بمقام، أي: مقام جريان الأصول النافية لأصل التكليف مع جريان الأصول المنقحة للفراغ في عالم الامتثال.

والغريب في كلمات الميرزا أنّه يقول نفس هذا الكلام الذي يقوله آغا ضياء.

 أيضاً يقول: بأنَّ الموافقة القطعية التي تجب بالعلم الإجمالي هي تحصيل الجزم بالمعنى الأعمّ من المفرّغ الحقيقي أو التعبّدي، وكأنّه يحمل قول القائلين بالعليّة على أنَّ معنى القول بالعليّة هو أنَّ العلم الإجمالي علّة لوجوب تحصيل الجزم بخصوص المفرّغ الوجداني.

 وحينئذٍ ينقض عليهم بقاعدة الفراغ وأمثالها ممّا لا يكون معها جزم بالمفرّغ الوجداني.

ــــــــــ[253]ــــــــــ

() ثُمَّ قال بعد هذا: وهذا.. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ثُمَّ بعد هذا يقول: بأنَّ الصحيح هو أيضاً القول بالعليّة في العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي، لكنّه علّة لوجوب تحصيل الجزم بالأعمّ من المفرّغ الحقيقي والوجداني. فيفسد القول بالاقتضاء بالمعنى الذي يريده خصمه، وهو آغا ضياء من القول بالعليّة، فلو بقينا إلى هنا لقلنا: إنّه لا نزاع بين الميرزا وآغا ضياء؛ لأنَّ الميرزا أخطأ في فهم مدّعى آغا ضياء إذ تخيله يقول بالعليّة للمفرّغ الوجداني.

ثُمَّ اختار نفس ما هو واقع مختار آغا ضياء، لكن في الواقع هناك خلاف ما بينهما؛ لأنَّ هذا المختار الواحد الذي يدعيه آغا ضياء ويدعيه الميرزا يسمّيه آغا ضياء بالقول بالعليّة ويسميه الميرزا بالقول بالاقتضاء.

 ويفرّع عليه المحقّق العراقي استحالة إجراء أصالة البراءة في أحد طرفي العلم الإجمالي، باعتبار أنّه يكون منافياً لوجوب الموافقة القطعية؛ لأنّه لو أجريناها في أحد الطرفين واكتفينا بالاحتياط بالإتيان بالآخر لما حصل لنا جزم لا بالمفرّغ الوجداني ولا التعبّدي، ومثل هذا التفريع على مثل ذلك المدّعى من المحقّق العراقي واضح.

ولكن الميرزا يدّعي نفس الدعوى ويسميها بالقول بالاقتضاء، ويفرّع عليها ثمرة القول بالاقتضاء، وهو أنّه يجري أصالة البراءة في أحد أطراف العلم الإجمالي، لو لم يكن لها معارض.

 إذ بعد جريانها يكون مرجع ذلك إلى اكتفاء الشارع في مقام امتثال التكليف المعلوم بالإجمال بالطرف الآخر، فتحصل الموافقة القطعية التعبّديّة أيضاً. 

ــــــــــ[254]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فحينما نضمّ هذا التفريع إلى المفرّع عليه في كلمات الميرزا، كأنّه يبدو عندنا أنّه لا خلاف بينهما في أصل القول بالعليّة، بحيث إنَّ الميرزا نسجله من القائلين بها، غاية الأمر أنّه يتخيّل أنَّ القول بالعليّة لا ينافي جريان البراءة، فالخلاف إنَّما هو في التفريع لا في المبنى للمفرّع عليه.

وهذا هو التشويش الذي قلناه في كلمات الميرزا؛ لأنّه يدّعي الاقتضاء، وحينما يبيّنه يبيّنه بعين ما يبيّن به القائلون بالعليّة مدعاهم، ثُمَّ يقول في آخر كلماته: بأنَّ العلم الإجمالي ليس مقتضياً بنفسه لوجوب الموافقة القطعية، بل هو يقتضي ذلك من ناحية تعارض الأصول، فيرجع إلى معنى مشابه لما ذكره في (أجود التقريرات). وهذا للمبنى الذي ذكره في الأوَّل.

وهذا هو معنى ما قلناه: من أنَّ المطالب كأن لم تكن متميزة بعضها عن بعض حين كتابة هذه الأوراق.

وعلى أيّ حال فظاهر صدر العبارة، هو أنَّ الميرزا كأنّه يقول بالعليّة، غاية الأمر يسميها اقتضاء، ولا مشاحّة في الاصطلاح، ويفرّع على ذلك جريان البراءة. وكأنّه يريد أن يقول: بأنَّ إجراء البراءة ينتج نفس ما تنتجه قاعدة الفراغ من حصول التفريغ التعبدي للطرف الآخر.

في إشكال آغا ضياء على الميرزا من ناحية جعل البدل 

ومن هنا يعلّق آغا ضياء على ذلك ويقول(1): وأظرف ما يقال في الموضوع أنَّ هذا الشخص ادّعى أنَّ جريان البراءة في المقام ينتج نفس ما تنتجه قاعدة 

ــــــــــ[255]ــــــــــ

(1) انظر: مقالات الأصول 2: 240.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الفراغ، أي: ينتج جعل البدل، ومقصودهم من جعل البدل: جعل المفرّغ التعبّدي، مع أنَّ هذا كيف يمكن تصويره؟ ثُمَّ يشكل على المحقّق النائيني في هذه الدعوى.

وحاصل الإشكال بعد تهذيبه: هو أن يقال: إنَّ ما يحاوله الميرزا من دعوى أن جريان أصالة البراءة في أحد الطرفين يؤدّي إلى جعل الآخر مفرّغاً تعبّدياً عن التكليف المعلوم بالإجمال. 

هذه الدعوى إمّا أن تكون بلحاظ أنَّ مفاد الأصل العملي بنفسه هو هذا، بمعنى: أنَّ مفاد أصالة البراءة هو التعبد بجعل الآخر مفرّغاً، كقاعدة الفراغ، فهذا بديهي البطلان، فإنَّ مفاد (رفع ما لا يعلمون) بعد البناء على أنّه ليس أصلاً مثبتاً ولا يثبت به لوازمه، ليس له إلَّا مدلول مطابقي فقط وهو الترخيص في هذا الطرف، وأمّا جعل الآخر مفرّغاً، فهو لا مدلول مطابقي للأصل ولا مدلول التزامي. أمّا أنّه ليس مدلولاً مطابقياً له فواضح. وأمّا أنّه ليس مدلولاً التزامياً له؛ فلأنَّ مثبتات الأصول لا تكون حجّة.

وإن أراد أن الدليل الاجتهادي الذي يدلّ على أصالة البراءة هو يدلّ بالالتزام على أنَّ المولى قبل أن يجعل البراءة جعل الآخر مفرّغاً؛ لأنَّ جعل 

ــــــــــ[256]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

البراءة قبل جعل الآخر مفرّغاً غير معقول، كما بينّا، لكن جعلها بعد جعل الآخر مفرّغاً أمر معقول، فالدليل الاجتهادي الدال على جعل البراءة يدلّ على معقوليتها الملازم مع كون المولى جعل البدل قبل ذلك، وإلى جعل الآخر مفرّغاً، فجعل الآخر مفرّغاً مدلول الالتزامي لدليل الأصل.

إن أراد هذا المعنى فهو أيضاً غير معقول؛ وذلك لأنّ المصحّح لجعل أصالة البراءة، هو أن لا تكون منافية لوجوب الموافقة القطعية، وهذه المنافاة إنَّما ترتفع فيما لو أنَّ المولى جعل الآخر مفرّغاً ووصل إلينا جعله. أمّا لو لم يصل إلينا هذا الجعل فإنّه لا يمكن تحصيل الجزم بالمفرّغ؛ لأنَّ المفرّغ الوجداني مشكوك فيه، والمفرغ التعبّدي لم يصل بحسب الفرض. فجعل أصالة البراءة إنَّما يُعقل في المرتبة المتأخّرة عن وصول المفرغ التعبّدي لا عن أصل جعله، فإنَّ أصل جعل المفرّغ التعبّدي لا يبرر جعل البراءة؛ لأنَّ أصل جعله لا يكفي في تحصيل الجزم بالمفرّغ، وإنَّما يبرره وصول المفرغ إلينا. إذن، فمدلول دليل الأصل يتوقّف تعقّله على وصول المفرّغ قبله فيستحيل أن نستدلّ على إيصاله بنفس دليل الأصل.

فالمدلول المطابقي لدليل الأصل، هو جريان الأصل، ومدلوله الالتزامي، هو وصول المفرّغ -لا أصل جعله، لأنَّ جريان الأصل يتوقّف على وصول المفرّغ لا على أصل جعله- فمدلوله الالتزامي هو أنّه وصل إلينا المفرّغ وهذا كذب؛ لأنَّ المفرّغ غير واصل إليّ. 

نعم، لو فُرض أنَّ جعل أصالة البراءة، كان يكفي في تعقّله جعل المفرّغ واقعاً ولو لم يصل إلينا، لكان دليل الأصل يدلّ بالمطابقة على جعل البراءة، وبالالتزام على جعل المفرغ، وكلا المدلولين صادق، لكن ما يتوقّف عليه جعل البراءة هو وصول المفرّغ وعلمنا به لا واقع المفرّغ، فيدلّ دليل الأصل بالالتزام على أنّنا عالمون بجعل المفرّغ، مع أنّنا غير عالمين به وجداناً، فتكون الدلالة الالتزامية ساقطة لا محالة. 

إذن، لا معنى لأن يقال: إنّنا بنفس إجراء البراءة نثبت كون الآخر مفرّغاً، لا بلحاظ نفس مفاد الأصل ولا بلحاظ دليله، فهذا ما أفاده المحقّق 

ــــــــــ[257]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

العراقي إشكالاً على المحقّق النائيني في كيفية تفريعه للنتيجة على المقدّمة. 

وفي حدود الإطار للتفكير ما بين هذين المحقّقين، يكون الحقّ مع المحقّق العراقي، حيث إنه بيان خال من التشويش مدّعى، وصحيح صناعياً من حيث التفريع، فإنَّ مثل هذا المدّعى يناسب هذا التفريع ولا يناسبه التفريع الذي ذكره الميرزا، ومدّعى الميرزا مشوش وتفريعه غير صحيح. هذا حسب الإطار المتعارف الذي يفكر فيه هذان المحقّقان العلمان (قدس الله سرهما الشريف). 

إلَّا أنَّ هذه التفرقة بين قاعدة الفراغ وأصالة البراءة، وأنَّ قاعدة الفراغ لا تنافي وجوب الموافقة القطعية؛ لأنها تتكفّل إيجاد المفرّغ التعبّدي. وأنَّ أصالة البراءة تنافي ذلك؛ لأنّه يتكفّل الترخيص في أحد الطرفين ابتداء، دون أن يجعل الآخر مفرّغاً تعبّدياً. 

وهذا الفرق بينهما موجود بينهما صغرى وصحيح، فإنهما يختلفان من حيث اللسان، فإنَّ قاعدة الفراغ لسانها جعل الشيء مفرّغاً، فيكون قد حصل لنا الجزم بالمفرّغ التعبّدي. وأمّا أصالة البراءة فهي لا مفاداً ولا دليلاً تتكفّل جعل الآخر مفرّغاً.

فالفرق بينهما موجود، إلَّا أنّه غير مفرّق؛ لأنّه لا يرجع إلَّا إلى التفنن في مقام التعبير، فإنّنا لو جرينا على حسب أصول يميّز الحقائق الواقعية حسب الألفاظ لأمكننا أن نقبل مثل هذا المدّعى، إلَّا أنّنا لو لم نأسر الحقائق ضمن الألفاظ، لا يمكننا أن نقبل مثل هذا الفرض، بأنَّ المولى إذا قال لعبده: (جعلت هذا مفرغاً عن التكليف المعلوم بالإجمال) فلا بأس بالترخيص في هذا الطرف، وأمّا إذا قال له: (إنّي رخصتك في هذا الطرف) فهو أمر غير معقول.

ــــــــــ[258]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

مثلاً لو كان لسان قاعدة الفراغ، هو أنّه: (لا يجب عليك الإعادة لكان غير معقول)، لأنّه ترخيص بترك الموافقة القطعية بلا جعل ما أتى به مصداقاً للواجب تعبّداً، مع أنَّ العلم التفصيلي علّة تامّة للموافقة القطعية، لكن لو بدلّ المولى العبارة وقال: (لا تُعِد، فإنَّ ما أتيت به كامل إن شاء الله)، هنا نقول: إنّه لا ينافي حكم العقل لحصول الجزم بالمفرّغ التعبّدي.

هذان اللفظان جوهرهما وروحهما واحد، حيث إنّهما حكمان ظاهريان، وحيث أنَّ الأحكام الظاهرية كلها ترجع -على ما حقّقناه- إلى إجراء قوانين باب التزاحم بين الأحكام الواقعية في مقام الحفظ وتقديم الأهم على المهم، فجوهر هذين اللفظين هو: أنّي لست شديد الاهتمام بالتكليف الواقعي لصلاة الظهر بحيث أكلفك عناء الإتيان بعمل آخر لعلّه ليس مطلوباً. يعني: إبراز عدم شدة اهتمامه بالتكليف الواقعي بحيث يحكم بالتحفّظ القطعي عليه.

 وهذا بيّنه تارةً بعنوان: (أنَّ ما أتيت به صحيح إن شاء الله)، وأخرى بعنوان: (لا تُعِد ابتداءً) فهذا تفنن في مقام التعبير عن جوهر واحد. 

فكيف أنَّ المولى إذا أبرز هذا الجوهر الواحد بتلك العبارة يصبح متحدياً لأحكام العقل، وإذا أبرز بهذه العبارة لا يكون متحدياً لها!! الحقيقة أن التميّيز ما بينهما غير صحيح على أصولنا، وإن كان ينسجم مع الذوق الأصولي المتعارف، هذا الذوق الذي وجدناه يفرّق بين جعل الكاشفية والطريقية وما بين غير جعلهما، حيث يقولون: إنّه إذا جعل الحكم الظاهري بلسان الكاشفية والطريقية فيصير منجّزاً؛ لأنه يكون بياناً تعبّدياً فيرفع موضوع قاعدة (قبح العقاب بلا بيان).

 ــــــــــ[259]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وأمّا إذا جعله بلسان الأمر التكليفي، فيشكل منجّزيته حينئذٍ؛ لأنَّ البيان غير موجود، لا بوجوده الحقيقي ولا التعبدي.

هذا كله وجدناه ألفاظ لا يرجع إلى حقيقة؛ لأنَّ المولى إذا قال: (جعلت خبر الواحد كاشفاً) أو (جعلته علماً) أو (اعملوا به) فإنّه يريد أن يُبرز معنى واحداً هو: أنَّ اهتمامي بالتكاليف الواقعية بدرجة بحيث أعتمد على كاشفية خبر الواحد في الوصول إليها، بحيث لو أخبر عنه -يعني: التكليف الواقعي- الثقة فلا أرضى بتفويته على فرض وجوده. وهذا المطلب تارةً يخبر عنه بلسان: (أنَّ خبر الواحد كاشف)، وأخرى بلسان: (اعمل بخبر الواحد). فكيف أن هذا اللسان يكون منجّزاً دون ذاك؟! مع أنَّ المنجّزيّة والمعذّريّة بواقع اهتمام المولى، وهو واحد في كلا اللحنين. 

فإذا فرضنا أنّنا طرحنا صناعة الألفاظ جانباً، فهنا أيضاً لا نجد فرقاً بين المولى بقول (جعلت هذا مفرّغاً) أو يقول: (رخّصتك في ذاك) وبين أن يقول: (لا تعد صلاتك) أو يقول: (إنَّ صلاتك تامّة إن شاء الله)، كِلا التعبيرين يرجعان إلى جوهر واحد، فهذه التفرقة خيالية، وحيث إنَّ المحقّق العراقي يعترف بوجدانه بإمكان جعل قاعدة الفراغ، فهذا اعتراف ضمني من قبله بأنَّ العلم الإجمالي ليس علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية. 

هذا تمام الكلام في النقض الأوَّل. 

إذن، فالنقض الأوَّل الذي نقضه الميرزا على المحقّق العراقي وارد بحسب الحقيقة على أصولنا.

ــــــــــ[260]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

نقوض المحقق العراقي على الميرزا 

انتهى(1) الكلام إلى النقض من قبل المحقّق العراقي على المحقّق النائيني، حيث نقض عليه : بأنه يلزم من المصير إلى كون العلم الإجمالي مقتضياً لوجوب الموافقة القطعية وعدم كونه علّة تامّة، تاليان باطلان، لا يمكن للميرزا الالتزام بهما.

التالي الباطل الأوَّل مذكور في تقريرات بحث المحقّق العراقي فقط، والثاني ذكره هو في (مقالاته).

النقض الأوّل

 التالي الباطل الأوَّل: حاصله هو أنّه لو قلنا: بأنَّ العلم الإجمالي ليس علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، فبعد عدم إمكان التفرقة بين العلم الإجمالي والتفصيلي، واعتراف الميرزا بأنّه على حدة، فلا بُدّ وأن تنسحب هذه الدعوى إلى العلم التفصيلي أيضاً، فيقال: إنّه ليس علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية بحيث يستحيل مجيء الترخيص في المخالفة الاحتمالية في موارده. 

وإذا انسحبت هذه الدعوى إلى موارد العلم التفصيلي، فيلزمكم أنّكم كما تتمسّكون أحياناً بالأصول المؤمّنة المجعولة شرعاً لنفي وجوب الموافقة القطعية في موارد العلم الإجمالي -كما إذا كان الأصل المؤمّن جارياً في أحد الأطراف ولم يكن له معارض في الطرف الآخر- يلزمكم أيضاً التمسّك بالأصول المؤمّنة والبراءة لنفي وجوب الموافقة القطعية في موارد العلم التفصيلي أيضاً. 

ــــــــــ[261]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً أفكاراً عما سبق. ثٌمَّ قال: انتهى… (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فلو علم تفصيلاً بوجوب صلاة المغرب عليه، ثُمَّ شكّ في أنّه هل أنَّ ما أتى به صلاة صحيحة أو لا بنحو لا تجري قاعدة الفراغ. هنا تقولون: إنّه تجري أصالة الاشتغال، فيجب على العبد تحصيل الموافقة القطعية للتكليف بصلاة المغرب، وهي لا تحصل إلَّا بإعادة الصلاة. ولا يتوهم التمسّك بأصالة البراءة شرعاً لنفي الوجوب فعلاً بأن يقال: إنّنا نشكّ في وجوب صلاة المغرب وعدم وجوبها فنتمسّك بأصالة البراءة، لا يقول أحد ذلك. 

مع أنّه لو قلنا: بأنَّ العلم الإجمالي والتفصيلي ليس علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، وأنّه معلّق على عدم مجيء الرخصة من قبل الشارع، وأنّه بإمكانه أن يرخص بالمخالفة الاحتمالية. إذن، فلماذا لا نتمسّك بالأصول المؤمّنة وننفي التكليف المشكوك حتّى في موارد العلم التفصيلي، بأصالة البراءة كما ينفى في موارد العلم الإجمالي؟

ليس الإصرار على جريان الاشتغال وعدم إجراء البراءة في موارد الشكّ في الفراغ، بالنسبة إلى التكاليف المعلومة بالتفصيل، إلَّا لارتكاز العليّة، والإيمان ارتكازاً بأنَّ العلم التفصيلي علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية بحيث يستحيل مجيء الرخصة في قبال ذلك. ومثل هذا الارتكاز ثابت ملاكاً في العلم الإجمالي. هذا خلاصة النقض الذي أفيد في التقريرات.

جوابه

هذا النقض غير وارد في المقام؛ وذلك لأنَّ عدم جريان أصالة البراءة الشرعية في موارد الشكّ في الخروج عن العهدة في التكاليف المعلومة تفصيلاً، 

ــــــــــ[262]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

إنَّما هو لضيق بحسب مقام الإثبات ولقصور دليل البراءة عن الشمول لهذه الموارد، لا من ناحية الضيق بحسب مقام الثبوت، وكون هذا مصادماً لحكم العقل والعلّية، فالإشكال إثباتي لا ثبوتي، وإلَّا لو كان عندنا دليل يقول بالترخيص لأخذنا به، كما وردت أخبار في بعض الموارد تكتفي بالموافقة الاحتمالية.

ونكتة قصور مقام الإثبات، يعني دليل: (رفع ما لا يعلمون) وغيره من أدلة البراءة الشرعية عن الشمول لموارد العلم التفصيلي هو: أن موضوع (رفع ما لا يعلمون) لا ينطبق في المقام؛ لأنَّ موضوعه هو التكليف المشكوك الذي لا يُعلم.

 فلو علمنا تفصيلاً بوجوب صلاة المغرب وأتينا بفرد وشككنا بصحته وبطلانه بشكل لا تجري فيه قاعدة الفراغ، هنا لا يوجد موضوع لأصالة البراءة؛ إذ لا يوجد عندنا تكليف مشكوك، فإنّنا نجري البراءة عن أيّ تكليف؟

هل نجري البراءة عن وجوب صرف الوجوب الجامع بين الفرد الذي أتينا به على تقدير صحته والفرد الذي لم نأت به من الأفراد الصحيحة؟ فهذا الوجوب نعلم به ولا نشكّ فيه أصلاً. 

وإن أردتم إجراء البراءة عن وجوب الفرد الثاني بعنوان كونه فرداً ثانياً(1)، فهذا أيضاً غير مشكوك، بل هو معلوم العدم؛ إذ لا نحتمل وجوب الفرد الثاني 

ــــــــــ[263]ــــــــــ

() فرد غير ما أتينا به ولو كان صحيحاً، (المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

بعنوانه، وإنَّما الوظيفة الواقعية هي عبارة عن الجامع وصرف الوجود القابل للانطباق على المأتي به لو كان صحيحاً، ولا نحتمل وجوب يأبى عن الانطباق على عنوان مغاير لما أتى به ولو كان صحيحاً.

يبقى في المقام كلام واحد، وهو أنَّ نفس الجامع وصرف الوجود، الجامع بين ما أتينا به لو كان صحيحاً وغيره من الأفراد، وإن كنا نعلم به حدوثاً لكننا نشكّ فيه بقاءً، فإنّنا في أوّل المغرب وإن كنا نعلم بوجوب صرف الوجود، لكن بعد أن أتينا بهذا الفرد المشكوك نحتمل أنّه سقط عنا، فنحن بالفعل شاكون في بقائه فلنجري البراءة عنه، مع أنّه لا يلزم أحد بإجراء البراءة عنه ولو كان ممّن لا يقول بجريان الاستصحاب.

فليس منشأ عدم القول بجريان البراءة هنا هو القول بالاستصحاب. كما قد يُجاب ويُقال: بأنّه هنا يوجد أصل حاكم على البراءة وهو استصحاب بقاء التكليف، حيث إنَّ التكليف بالجامع كان معلوماً ويشكّ في بقائه فيستصحب بقاؤه، على أنَّ هذا الاستصحاب في نفسه غير صحيح أيضاً، على ما يأتي -إن شاء الله- في بعض تنبيهات العلم الإجمالي.

إذن، فهنا يمكن أن يقال بعنوان المغالطة: إنّه لماذا لا نجري أصالة البراءة عن بقاء هذا الوجوب؛ لأنّنا نشكّ في سقوطه وعدمه، إلَّا أنَّ الصحيح أنّه هنا أيضاً لا مجال لجريان البراءة؛ إذ ما المراد بقولكم: إنّنا نشكّ في سقوط هذا الوجوب -المتعلّق بصرف الوجود الجامع بين ما أتينا لو كان صحيحاً وغيره- هل سقوط ذاته أو سقوط فاعليته؟

ــــــــــ[264]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

أمّا ذاته، فنحن نعلم ببقاء ذاته حتّى الآن؛ لأنَّ التكليف ذاته وجوهره ليس إلَّا الإرادة والمحبوبية، من المبادئ القائمة في عالم مولوية المولى بنحو من الأنحاء، وهذه المبادئ موجودة حتّى الآن حتّى لو فرض أنَّ الفرد الذي أتينا به كان صحيحاً، فإنَّ الإنسان بعد أن يقع محبوبه في الخارج لا يخرج عن كونه محبوباً ومراداً له، فكلما يلتفت إلى ما وقع يستأنس كثيراً ويحب ما وقع، فإنَّ المحبوب لا يخرج عن كونه محبوباً ومطلوباً بعد وقوعه في الخارج. 

وإنَّما الذي يصير هو فقدان فاعلية هذه الصفات، فإنَّ صفة المحبوبية والمطلوبية، قبل أن يوجد المحبوب في الخارج، لها فاعلية، إمّا تكوينية لو كان المحبوب تكوينياً. وإمّا فاعلية تشريعية لو كان المحبوب تشريعياً.

 وبعد وجود المحبوب تسقط فاعلية التكليف لا نفسه. إذن، فشكّنا ليس في بقاء التكليف وإنَّما شكنا في بقاء فاعلية التكليف ومحركيته. وما هو موضوع دليل البراءة إنَّما هو الشكّ في التكليف لا الشكّ في فاعلية التكليف. إذن، فلا موضوع في المقام لرفع ما لا يعلمون أصلاً. 

نعم، كان يمكن للشارع أن يجعل لنا أصلاً آخر، فيقول: لو شكّكت في أنَّ الوجوب هل بقي عليك محركيته أو أنّه سقط بالامتثال، فاتركه ولا تعتني به. وحينئذٍ نتمسّك بمثل هذا الأصل.

وأين هذا من موارد العلم الإجمالي، فإنَّ موضوع دليل الأصل محفوظ هناك، بعد فرض إطلاقه لموارد العلم الإجمالي في نفسه. فإنَّ موضوع دليل الأصل هو الشكّ في التكليف وفي كلّ طرف من الأطراف يحتمل التكليف في 

ــــــــــ[265]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ذلك الطرف بعينه، فإذا علمت بأنَّ أحد هذين الإناءين خمر فأني أحتمل حرمة هذا بعينه وذاك بعينه، فأجري البراءة عن حرمة هذا؛ لأنّه مشكوك في المقام ويكون مشمولاً لدليل أصالة البراءة. 

فنحن إنَّما نتمسّك بدليل أصالة البراءة في بعض أطراف العلم الإجمالي، لو لم يكن له معارض، ولا نتمسّك به في موارد الشكّ في الفراغ، للخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالتفصيل لأجل القصور في مقام الإثبات، لا لأجل الفرق بين العلم التفصيلي والإجمالي وأنَّ الأوَّل علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية دون الثاني، حتّى يأتي نقض المحقّق العراقي على الميرزا.

النقض الثاني: النقض بالتخيير (يعني: جريان الأقوال في تمام الأطراف تخييراً)

وهو الذي أفاده المحقّق العراقي في (مقالاته)(1)، وكأنّ هذا النقض اشتهر في عصر هذين العلمين، حتّى أنَّ الشيخ محمّد علي الخراساني في تقريراته يستعرض هذا النقض ويجيب عنه بعبائر مفصلة جدّاً، ثُمَّ يشعر في نهاية المقام بأنّه أطال في مقام الجواب فيعتذر عن ذلك ويقول: بأنّي أطلت؛ لأنَّ هذا النقض أصبح مغروساً في أذهان الطلبة ومركوزاً فيها ولهذا أردت أن أرفعه منها، وبعد أن صدر منّي ما بينت لا أظنّ أن هذه الشبهة بقيت عالقة في ذهن أحد.

وحاصل هذا النقض: هو أنَّ العلم الإجمالي لو لم يكن علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، ولو أمكن أن تجري الأصول الشرعيّة المؤمّنة في بعض أطراف 

ــــــــــ[266]ــــــــــ

(1) انظر: مقالات الأصول ٢: ٢٣٦ ـ ٢40.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

العلم الإجمالي ثبوتاً، فلماذا لا تلتزمون بجريان الأصول في البعض إثباتاً؟ 

تقولون في مقام الجواب عن ذلك: إنَّ الأصول متعارضة في أطراف العلم الإجمالي؛ لأنَّ جريانها في تمام الأطراف يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية. وقد بنى الميرزا على أنَّ العلم الإجمالي علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعية فيستحيل الترخيص فيها. وأما جريان الأصول في بعضٍ ترجيح بلا مرجح، لأن نسبة الموردين إلى دليل الأصل على حد واحد. إذن، فيجب أن يتساقط من كلا الموردين؛ ومن هنا يحكم بوجوب الموافقة القطعية. 

حينئذٍ يقال في مقام النقض عليكم: بأنّه لماذا تلتزمون بجريان الأصول بنحو التخيير لا بنحو التعيين؟ يعني نُجري الأصل في كلا الطرفين لكن على التخيير بحيث ينتج المقصود من دون لزوم المحذور. 

وتوضيح ذلك: هو أن دليل الأصل كـ(رفع ما لا يعلمون) و(كلّ شيء حلال) له إطلاق أفرادي وإطلاق أحوالي، وإطلاقه الأفرادي يشمل كلّ مشكوك مشكوك، كما أنَّ له إطلاقاً أحوالياً أيضاً؛ لأنَّ دليل الأصل حينما ينطبق على هذا الفرد المشكوك الحرمة ويحكم بأنّه حلال، مقتضى إطلاقه الأحوالي أنّه حلال في جميع الأحوال، ما دام الشكّ موجود سواء جاء الحجاج من (مكة) أو لا، وسواء كنت لابساً الثوب الأبيض أو الأسود. 

ففي موارد العلم الإجمالي حينما نعلم بحرمة أحد المائعين، فمقتضى الإطلاق الأفرادي لدليل الأصل أنَّ هذا المائع وهذا المائع يدخلان تحت (ما لا يعلمون) و(كلّ شيء حلال). ومقتضى الإطلاق الأحوالي أنَّ حلّية هذا الفرد 

ــــــــــ[267]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

مطلقة شاملة لتمام الصور، سواء كنت لابساً الثوب الأبيض أو الأسود، وسواء شربت المائع الآخر أو لم تشرب. 

وكذلك الفرد الآخر بالنسبة للإطلاقين الأفرادي والأحوالي، فلو خلّينا نحن ودليل الأصل -بقطع النظر عن براهينكم العقلية- لقلنا بالتحفّظ على الإطلاق الأفرادي والأحوالي معاً، كما هو مقتضى حجّيّة الإطلاق(1)، لكن هذا يؤدّي إلى محذور، وهو الترخيص في المخالفة القطعية؛ لأنّه إذا كان هذا حلالاً مطلقاً سواء شربت الآخر أو لم أشربه، وذاك أيضاً صار حلالاً مطلقاً كذلك، فلو شربتهما معاً فقد شربتهما حلالين؛ لأنّي أكون حينئذٍ مرخصاً في الجمع ما بينهما. إذن، فنتج عن الجمع ما بين هذين الترخيصين المطلقين الترخيص في الجمع ما بينهما في الشرب، أي: الشرب في المخالفة القطعية. وهذا غير معقول للبرهان العقلي مثلاً.

إذن، فلا بُدّ من رفع اليد عن الإطلاق(2)، لكن حيث إنَّ الضرورات تقدّر بقدرها، وحيث إنَّ الإطلاق حجّة ما لم يقم برهان على الخلاف، فلا بُدّ وأن نرفع اليد عن الإطلاق بمقدار ما يقتضيه البرهان لا أكثر من ذلك. والترخيص في المخالفة القطعية لم ينشأ من الإطلاق الأفرادي، بل من الإطلاق الأحوالي؛ 

ــــــــــ[268]ــــــــــ

() وحجّيّة الظهور، (من محاضرة غد). (المُقرِّر).

(2) فيتردّد الأمر بين رفع اليد عن أصل الفرد فينهدم الإطلاق الأفرادي والأحوالي معاً، أو هو حالة من حالات الفرد من إبقاء الفرد أصلاً تحت دليل الأصل، فينهدم الأحوالي بالخصوص، (من محاضرة غد). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

لأنّه لو تحفّظنا على الإطلاق الرئيس الأفرادي وقلنا بثبوت الحلّية في كلا الطرفين، لكن لا مطلقاً، بل الحلّية في كلّ من الفردين ثابتة في حالة ترك شرب الآخر لا في حالة فعل شرب الآخر، فينتج عندنا حلّية هذا مشروطاً بترك الآخر وحلية ذاك مشروطاً بترك هذا. 

وبهذا يرتفع المحذور؛ لأنه إذا صار حلّية كلّ منهما مشروطاً بترك الآخر، فلا يمكن أن ينتج عن ذلك الترخيص في الجمع بينهما؛ إذ لو جمع ما بينهما(1) لا يكون شيء منهما حلالاً؛ لأنَّ كُلّاً منهما إنَّما يكون حلالاً في حال ترك الآخر، فهذا أمر معقول؛ لأنّه لا يلزم منه الترخيص في المخالفة القطعية، وهذا يتحفّظ فيه على الإطلاق الأفرادي ويرفع فيه اليد عن الأحوالي.

وإذا ارتفع المحذور بالأقل فلا بُدّ من الاقتصار على التصرف الأقلّ في دليل الأصل، فإذا فُرض أنَّ المحذور يرتفع بتقييد الإطلاق الأحوالي في كلّ منهما، فلماذا نلتزم برفع اليد عن الإطلاق الأفرادي رأساً وإخراج هذا الفرد رأساً من إطلاق الدليل؟ هذا أمر زائد على ما يقتضيه البرهان. 

وهذا معناه عدم وجوب الموافقة القطعية؛ لأنَّ الإنسان بإمكانه أن يترك أحدهما ويشرب الآخر استناداً إلى الأصل الشرعي المؤمّن. 

هذا النقض يرد على مسلك الميرزا، لكن يقول آغا ضياء: إنّه على مسلكنا لا يرد؛ لأنّنا نقول باستحالة الترخيص ولو في بعض أطراف العلم الإجمالي، 

ــــــــــ[269]ــــــــــ

() إذن، ظرف الشربين معاً الذي هو ظرف للمخالفة القطعية لا ترخيص من قبل الشارع، (محاضرة غد). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فإنّنا لا نقول بالسقوط من ناحية التعارض حتّى يُقال بإمكان الجمع(1) بهذا الترتيب، بل نحن نقول: بأنَّ جريان الأصل ولو في بعض أطراف العلم الإجمالي أمر غير معقول، فيتعيّن على مبنانا رفع اليد عن الإطلاق الأفرادي رأساً. وأمّا على مبنى الميرزا فلماذا يرفع اليد عن الإطلاق الأفرادي؟! بل ترفع اليد عن الأحوالي فقط. 

يقول: إن هذا من قبيل أن يرد دليل يقول: أكرم كل عالم وزيد عالم وعمرو عالم. ونعلم بأن هذين الفردين لا يجب إكرامهما وجوباً تعيينياً، بحيث يجب إكرام كلّ منهما ولو أكرمنا الآخر.

 فهنا هل نقول بخروجهما رأساً عن الإطلاق؟ لا، بل نقول: بأنَّ الإطلاق الأفرادي يشملهما معاً ونرفع اليد عن الإطلاق الأحوالي، فينتج وجوب إكرام هذا لو لم تكرم ذاك وبالعكس تحفّظاً على الإطلاق بقدر الإمكان. 

هذا هو النقض الثاني الذي أفاده المحقّق العراقي على مسالك الميرزا. 

ــــــــــ[270]ــــــــــ

() الجمع بين إطلاق دليل الأصل والبرهان العقلي، (توضيح). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 



الكلام في شبهة التخيير وإلزام القائل                                                    بإمكان الترخيص في بعض الأطراف

 

الكلام في شبة التخيير وإلزام القائل بإمكان الترخيص في بعض الأطراف، بإجراء الأصول في أطراف العلم الإجمالي على وجه التخيير بحيث ينتج الترخيص في بعض الأطراف تغييراً. عيناً من قبيل(1) ما إذا دلّ دليل على وجوب إكرام كلّ عالم، وزيد وعمرو عالمان، ولكن علمنا بأنَّ الدليل لا يشملهما على الإطلاق، فلا بُدّ إمّا من إخراجهما رأساً من دليل أكرم كلّ عالم، أو إبقائهما تحت إطلاقه الأفرادي ولكن نلتزم بخروج ظرف خاصّ من ظروفهما، وحال خاصّ وهو حالة سفرهما ونحو ذلك. لا إشكال بتعيين الاقتصار على الأقل، وهو إخراج حالة سفرهما فقط مع إبقاء أصلهما تحت الدليل. 

هذا مقتضى التوفيق بين التحفظ على حجّيّة الإطلاق بقدر الإمكان وبين رفع المحذور العقلي، فينتج عن ذلك الالتزام بالحليتين المشروطتين. هذا هو تقريب التخيير بنحو ينطبق على صناعة الاستدلال. 

وهذا التقريب هو أفضل من التخيير الذي كان موجوداً في كلمات الأقدمين قبل الآخوند والمحقّق العراقي، حيث كانوا يقولون: في مقام تقريب 

ــــــــــ[271]ــــــــــ

() وهنا لخّص المطلب كما سبق إلى أن قال: عيناً من قبيل… (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

التخيير: إنَّ دليل الأصل وإن كان لا يشمل هذا الفرد بعينه ولا ذاك بعينه، لكن يشمل أحدهما لا بعينه؛ لأنَّ ذلك التقريب لا معنى له كما ذكر في الرسائل؛ لأنَّ أحدهما لا بعينه ليس فرداً ثالثاً غير هذا أو ذاك؛ إلَّا إذا أريد به الفرد المردّد، فقد تقدّم الكلام بأنه غير معقول. 

فلأجل تدارك النقص الموجود في هذا البيان بُيِّن التخيير بهذا النحو الذي أوضحناه، حتّى يكون منطبقاً على صناعة الاستدلال، فهذه هي الشبهة التي ذكر الشيخ محمّد علي أنّها مغروسة في أذهان الطلبة.

الجواب الأوّل: جواب الميرزا على شبهة التخيير ومناقشته 

وقد نقل السيّد الأستاذ عن أستاذه المحقّق النائيني الجواب عن هذه الشبهة بما يرجع حاصله إلى بناء هذه المسألة على مبناه في باب الإطلاق والتقييد، حيث إنَّ الميرزا في بحث التعبدي والتوصلي بنى على أنَّ التقابل بين الإطلاق والتقييد هو تقابل العدم والملكة من قبيل العمى والبصر، وبنى على أنَّ المتقابلين بهذا التقابل، إذا استحال أحد المتقابلين استحال الآخر، إذا 

ــــــــــ[272]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

استحال أن يكون الشيء بصيراً استحال أن يوصف بالعمى.

وقد فرّع على هذه القاعدة هناك أنّه حيث يستحيل تقييد المأمور به بقصد القربة للزوم الدور وغيره، فيستحيل الإطلاق أيضاً، فبرهن بهذه القاعدة على أنَّ الواجبات الشرعية لا هي مقيّدة بقصد القربة ولا هي مطلقة، بل هي مهملة.

وكأنّه طبّق هذه القاعدة في المقام أيضاً، فذكر: أنَّ المفروض في المقام استحالة الإطلاق؛ لأنَّ الإطلاق يؤدي إلى الترخيص في المخالفة القطعية وإذا استحال الإطلاق استحال التقييد؛ لأن التقابل ما بينهما هو تقابل العدم والملكة. القيد هو ترك شرب الآخر، فإذا استحال رفضه الذي هو معنى الإطلاق والتسرية إلى حالة فعل الآخر استحال أخذه أيضاً الذي هو معنى التقييد، فإنَّ كلّ قيد إذا استحال أخذه استحال رفضه وإذا استحال رفضه استحال أخذه، فيكون التقييد في المقام مستحيلاً لاستحالة الإطلاق.

وأجاب عن ذلك السيّد الأستاذ: بأنَّ المبنى غير تامّ على ما سبق منه في مبحث التعبدي والتوصلي، حيث ذهب أن التقابل بين الإطلاق والتقييد هو تقابل التضاد، ونحن قد سبق منا في ذلك البحث وفي بحث المطلق والمقيد أنَّ التقابل بينهما ليس هو تقابل العدم والملكة ولا تقابل التضاد، بل هو تقابل السلب والإيجاب.

إلَّا أنَّ محلّ الكلام غير مربوط بذلك المبنى، فإنا نفرض أنَّ القاعدة والمبنى تامّ في نفسه، وهو أن التقابل بين الإطلاق والتقييد هو تقابل العدم والملكة، ولكن كيف يمكن أن نطبق هذه القاعدة على محلّ الكلام.

فإنّه يرد على المحقّق النائيني في تطبيقه لهذه القاعدة على محلّ الكلام:

أوَّلاً: أنَّ المستحيل في المقام ليس هو إطلاق كلّ واحد من الأصلين في نفسه، بل هو مجموع الإطلاقين، باعتبار أنَّ مجموع إطلاقي الحالتين يؤدي إلى الترخيص في المخالفة القطعية وهو قبيح. وأمّا كلّ من الاطلاقين في نفسه فلا استحالة فيه؛ إذ لا مانع أن يرخص المولى في هذا الطرف ترخيصاً مطلقاً دون أن يرخص في الطرف الآخر ترخيصاً مطلقاً أو بالعكس. وجعل الحلّية على 

ــــــــــ[273]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الإطلاق في هذا الطرف فقط أو ذاك فقط بمكان من الإمكان على مذهب الميرزا، وإنَّما المستحيل هو الجمع بين الاطلاقين.

وفي مقام ملاحظة أنَّ المتقابلين هل أنَّ أحدهما مستحيل أو لا؟ لا بُدّ من ملاحظة المتقابلين بذاتيهما، ملاحظة الإطلاق هنا بذاته ليرى أنّه هل هو مستحيل أو ممكن؟ فإن كان بذاته ممكناً كان ما يقابله ممكناً، لا ملاحظة الإطلاق هنا، مع ضمه وتقييده بالإطلاق هناك.

وإلَّا فالإطلاقان المتعارضان بنحو العموم من وجه، الجمع ما بينهما غير ممكن دائماً، نحو: (أكرم العالم) و(لا تكرم الفاسق) ومادّة الاجتماع هو العالم الفاسق، وهنا مجموع الإطلاقين مستحيل؛ لأنّه يؤدي إلى اجتماع الحكمين المتضادين في مادّة الاجتماع، فهل نقول: إنّه إذا استحال مجموع الإطلاقين، يستحيل التقييد بمادّة الافتراق أيضاً، فيستحيل أن يقيّد أكرم العالم بغير الفاسق ولا تكرم الفاسق بغير العالم، لا يقال هذا حتّى لو بنينا على مباني العدم والملكة؛ لأنَّ كُلّاً من العامين يلحظ في نفسه إطلاقه وتقييده، وكُلّاً منهما في نفسه إطلاقه غير مستحيل. إذن، فتقييده المقابل له غير مستحيل. 

كذلك في المقام كلّ من الأصلين إطلاقه غير مستحيل فتقييده في نفسه غير مستحيل. والضمائم خارجة عمّا هو مصبّ التقابل. 

وأمّا ثانياً: فإنَّ تطبيق قانون العدم والملكة، إذا استحال أحدهما استحال الآخر، في المقام، في غاية الغرابة؛ فإن المتقابلان بالعدم والملكة هو نفس المتقابلين بالسلب والإيجاب، غاية الأمر أنّه هنا أخذ في طرف الأمر العدمي 

ــــــــــ[274]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

قابلية المحلّ بخلاف السلب والإيجاب، يعني: أنَّ البصر والعمى هو نفس البصر وعدم البصر، والفرق ما بينهما والفرق ما بين عدم البصر والعمى، هو أنَّ عدم البصر أمر عدمي صرف وأمّا العمى فهو أمر عدمي أخذ فيه قابلية الوجود، يعني عدم البصر في مورد قابل لأن يبصر، فإذا استحال الإبصار في مورد -كما في الجدار- فيستحيل أن يكون أعمى؛ لأنّه لا يصدق عليه أنّه ليس مبصراً مع إمكان أن يبصر. 

لكن إذا استحال في مورد عدم الإبصار، بأن نفرض حيواناً من ذاتياته أن يبصر، فهنا لا يقال: إنّه إذا استحال عدم الإبصار فيستحيل الإبصار، بل يتعيّن الإبصار هنا؛ لأنّه لم يؤخذ في طرف الأمر الوجودي قابلية الأمر العدمي، وإنَّما أخذ في طرف الأمر العدمي قابلية الأمر الوجودي.

 أخذ في طرف عدم البصر قابلية البصر، فسمّي بالعمى، لا أنّه أخذ في طرف البصر قابلية عدم البصر فسمّي باسم آخر غير البصر، يستبطن قابلية العدم.

إذا عرفنا ذلك: فنعرف أنّه إذا استحال الوجود استحال العدم؛ لأنَّ العدم أخذ فيه قابلية الوجود، ومع استحالة الوجود فلا قابلية للوجود فلا عمى، لكنه لا إذا استحال العدم استحال الوجود. 

وحينئذٍ، حينما طبقها في بحث التعبدي والتوصّلي كان لها صورة؛ لأنَّه هناك يقول التقابل بين الإطلاق والتقييد هو تقابل العدم والملكة، والأمر الوجودي بما هو التقييد والأمر الوجودي هو الإطلاق؛ لأنَّ الإطلاق على ما فسّره الميرزا هو عدم التقييد فيما من شأنه التقييد، حينئذٍ كان من حقّه أن يقول 

ــــــــــ[275]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

في بحث التعبدي والتوصّلي: إنّه إذا استحال التقييد بقصد القربة استحال الإطلاق، كما إذا استحال البصر استحال العمى.

ولكنه هنا يريد أن يعكس المطلب، فإنَّ الإطلاق هنا هو المستحيل، ويقول: إنّه إذا استحال الإطلاق استحال التقييد، هذا المطلب مما لا ينطبق عليه قانون العدم والملكة؛ لأنّه أخذ في طرف العدم قابلية الوجود لا أنه أخذ في طرف العدم قابلية العدم، فإذن استحال هذا أن لا يكون مقيّداً، لا أنه حينئذٍ يستحيل أن يكون مقيّداً، بل يتعيّن أن يكون مقيّداً. 

فهذا خلط بين أخذ قابلية الوجود في طرف الأمر العدمي، وأخذ قابلية العدم في طرف الأمر الوجودي. وقانون العدم والملكة -الملفّق الذي يرجع إلى باب اللغة لا إلى باب الحقائق- يرجع إلى الأوَّل دون الثاني.

فإذا استحال الإطلاق في عالم الثبوت والتشريع، فإمّا أن يجعل الحكم مقيّداً، وإمّا أن لا يجعله أصلاً. أمّا أن لا يجعله أصلاً فهو خلاف الإطلاق الأفرادي. فإنَّ مقتضاه أنّه قد جعله، فيتعيّن أن يكون قد جعله مقيّداً. إذن، فلا تصل النوبة إلى الإشكال في المبنى، بل التطبيق في المقام في غير محلّه. هذا هو الجواب الأوَّل عن شبهة التخيير.

الجواب الثاني: جواب السيّد الأستاذ ومناقشته

الجواب الثاني لشبهة التخيير ما ذكره السيّد الأستاذ، وحاصله: هو إدخال بعض التصرفات في المبنى بحيث يتخلص من هذه الشبهة.

 كان المبنى هو قبح واستحالة الترخيص في المخالفة القطعية، وعدم جريان 

ــــــــــ[276]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الأصول في تمام الأطراف من جهة أدائه إلى ذلك. وهذا المحذور يرتفع برفع اليد عن الإطلاق الأحوالي مع التحفظ على الإطلاق الأفرادي. 

فاستبدل هذا المحذور بمحذور آخر لا يرتفع بتقييد الإطلاق الأحوالي، فقال: إن الشيء القبيح بحكم العقل والمستحيل ليس هو فقط الترخيص في المخالفة القطعية، بل الترخيص القطعي في مخالفة التكليف الواقعي. هذا أيضاً في نفسه مستحيل. وهذا يحصل في المقام، فإنّه وإن كانت الحليتان المشروطتان لا تؤديان إلى الترخيص بالمخالفة القطعية؛ إذ في ظرف المخالفة القطعية لا ترخيص ولا حلية، ولكن بالنهاية هو ترخيص قطعي في مخالفة الواقع؛ لأنّي أعلم بأنَّ أحد هذين الطرفين خمر وحرام. وأعلم أنَّ المولى رخّصني في كل منهما على تقدير ترك الآخر. إذن، فقد رخصني في الخمر الحرام لو تركت الخل المباح، فيرجع إلى أنّي أعلم بوجود حلّية ظاهرية من قبل المولى لمخالفة الحرام، فهذا ترخيص قطعي في الحرام، لا ترخيص بالمخالفة القطعية، بأن يؤخذ القطع في نفس الترخيص لا في المرخص به وهو المخالفة، وهو ممّا يستقلّ العقل بقبحه.

ولم يذكر ما يكون بياناً لكيفية استقلال العقل بقبح هذا المطلب، وهو الترخيص القطعي في المخالفة الواقعية، غير أنّه كان ينظر ويقول: بأنّه لا بُدّ من الالتزام بأنَّ المحذور هو هذا: الترخيص القطعي في مخالفة الواقع لا الترخيص بالمخالفة القطعية، وإلَّا للزم أن نلتزم بجريان الأصول على إطلاقها، بلا تخيير ولا تقييد في موارد العلم الإجمالي فيما استحال فيه المكلّف الجمع بين الأطراف، كما لو علم إجمالاً بأنّه يحرم عليه المكث في هذا الآن في أحد المكانين، إمّا في هذا 

ــــــــــ[277]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المكان أو ذاك، فهنا يستحيل صدور المخالفة القطعية منه خارجاً؛ لأنّه يستحيل عليه أن يكون في مكانين في آن واحد. 

فلو كان المحذور هو الترخيص بالمخالفة القطعية للزم في المقام بجريان الأصول في كلا الطرفين بلا حاجة إلى التقييد ولا إلى التخيير؛ لأنّه لا يؤدي جريانها ولو على إطلاقها إلى المخالفة القطعية، لاستحالة وقوعها خارجاً، ولكن هذا محالاً نلتزم به، وإنَّما لا نلتزم به لأنَّ المحذور هو الترخيص القطعي في المخالفة الواقعية، وهو موجود في المقام.

فالكلام هنا مع السيّد الأستاذ يقع في مقامين:

 المقام الأوَّل: في أنّه لو سلمنا اعتباطاً أنَّ المحذور هو الترخيص القطعي في المخالفة الواقعية، فهل تندفع بذلك شبهة التخيير أو لا؟

 المقام الثاني: في أنّه هل هذا الاستدلال صحيح، وأن المحذور هو الترخيص القطعي في مخالفة الواقع، أو أنَّ تمام المحذور ليس إلَّا الترخيص بالمخالفة القطعية؟ 

[الكلام في مقامين]

قلنا(1): إن الحديث معه يقع في مقامين:

المقام الأوَّل: أنّه لو سلّمنا أنَّ المحذور هو ما قاله، وأنَّ الترخيص القطعي في مخالفة الواقع المعلوم بالإجمال بنفسه قبيح، ولو لم يلازم مع الترخيص في المخالفة القطعية، هل يندفع بذلك الإشكال وتتم بذلك مباني الأعلام أو لا؟

ــــــــــ[278]ــــــــــ

() قال: بعد الإعادة التفصيلية لجواب السيّد الأستاذ كما سبق: قلنا… (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

 والمقام الثاني: في أنَّ هذا هل هو محذور، أو لا؟ وهل يمكننا الالتزام على مباني الاقتضاء بأنَّ الترخيص القطعي في مخالفة الواقع وإن لم يلازم مع المخالفة القطعية يكون بنفسه محذوراً أيضاً، أو أنّه ليس بمحذور؟

[المقام الأوّل]

أمّا المقام الأوَّل بعد فرض أنَّ هذا محذور في نفسه، نقول: إنّه هنا لو علم إجمالاً بحرمة أحد مائعين مثلاً، فهنا لو أجرى الأصول بنحو التخيير لأنتج بذلك جعل حليتين مشروطتين في الطرفين، وهذا ينتج الترخيص القطعي في مخالفة الواقع المعلوم بالإجمال، وهذا بنفسه محذور بحكم العقل باستحالته وقبحه. 

هنا نسأل ما هو هذا المحذور الذي يحكم العقل باستحالته وقبحه، أهو مجرّد الترخيص القطعي بما هو حرام ولو مشروطاً بشرط لا يتحقّق بحسب الخارج، أو أنَّ المحذور هو فعلية الترخيص القطعي في مخالفة الواقع المعلوم بالإجمال؟

 فهنا المحذور يمكن أن نتصوّره على أحد وجهين: إمّا أن يكون هو مجرّد الترخيص القطعي في مخالفة التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال ولو لم يصل هذا الترخيص القطعي إلى مرحلة الفعلية وكان مشروطاً، أو أن يقال: إنَّ الترخيص القطعي في مخالفة الواقع إنَّما يصبح محذوراً ومحالاً فيما إذا وصل إلى مرتبة الفعلية وتحقّق شرطه، يعني: الترخيص القطعي الفعلي هو المحذور.

فإن اختار السيّد الأستاذ أنَّ المحذور هو عبارة عن الترخيص القطعي الفعلي في مخالفة الواقع، دون القطع بالترخيصات المشروطة غير الفعلية.

ــــــــــ[279]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فحينئذ نقول: بأنَّ هذا البيان يدفع شبهة التخيير فيما هو محلّ الكلام، فيما لو علمنا إجمالاً بحرمة أحد مائعين، فإنّه بناءً على هذا لا يمكن الالتزام بحليتين مشروطتين كلّ منهما بترك الآخر؛ لأنَّ هاتين الحليتين بالنهاية يصبحان فعليتين في ما لو تركناهما معاً، فنقطع بترخيص فعلي في مخالفة الواقع المعلوم بالإجمال فيلزم المحذور، إذ بتركهما معاً تحصل الفعلية لكلّ من الحليتين فيحصل القطع بالترخيص في مخالفة الواقع المعلوم بالإجمال ترخيصاً فعلياً، لكننا يمكن أن نتصوّر في بعض موارد العلم الإجمالي، التلاعب بالقيود بحيث لا يأتي في مثل هذا الإشكال، بأن نضيف قيداً آخر بحيث يستحيل أن يتحقّق منّا قطع في الترخيص الفعلي في مخالفة التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال.

وذلك، كما لو كنا نعلم إجمالاً بحرمة أحد مائعات ثلاثة لا مائعين. وهنا نلتزم بحلّيات مشروطة ثلاث في أطراف العلم الإجمالي، والشرط ليس هو ترك الآخَريْن، حتّى يقال: إنّه في ظرف ترك الثلاثة يحصل القطع بالترخيص الفعلي في مخالفة الواقع، بل الشرط في كلّ واحد من هذه الحلّيات الثلاث هو ترك أحد الآخرين وفعل الآخر.

 هذا حلال إن تركت هذا وفعلت هذا، وهكذا كلّ واحد من الثلاثة نرفع اليد عن إطلاقه(1) لما عدا هذه الصورة وهي ما إذا فعل أحد الآخَريْن وترك الآخر. 

ــــــــــ[280]ــــــــــ

() لا يخفى أن رفع اليد عن الإطلاق بنحو ينتج التخيير كان هو مقتضى صناعة الأدلّة، إلَّا أنَّ هذا ليس كذلك، فإنَّ الاقتصار على أقلّ مقدار من التصرف يقتضي اشتراط حلّية كلّ واحد بترك واحد من الآخَرين مع غضّ النظر عن فعل الثالث وتركه فإنه مع ترك الواحد لا تحصل المخالفة القطعية لا محالة، إلَّا أنّه بترك الثلاثة يحصل القطع بالترخيص بالتكليف المعلوم بالإجمال. إذن، فلا يزيد هذا الغرض عن سابقه.

وأمّا القيد الزائد الذي فرضه السيّد الأستاذ فيه وهو شرب أحد الآخرين فهو ممّا لا تقتضيه صناعة الأدلّة، فإدخاله في محلّ الكلام بلا دليل.

أجاب عنه السيّد الأستاذ: أنّه لو تم إدخال هذا القيد يلازم الترخيص القطعي في المخالفة الواقعية عند ترك الجميع؛ فلأجل رفع محذور المخالفة القطعية نقيّده بترك واحد؛ ولأجل رفع المحذور الآخر نقيّده بفعل آخر. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فهذه الحليات الثلاث المشروطة بهذا النحو يستحيل أن تصبح فعلية جميعاً في عرض واحد، حتّى يحصل القطع بالترخيص الفعلي في مخالفة الواقع؛ وذلك إن فعلها جميعاً فلم يتحقّق الشرط في واحد منها، وإن تركها جميعاً فلم يتحقّق شرط الحلّية في أيّ واحد منها، وإن فعل البعض وترك البعض الآخر، فيتحقّق بمقدار ما ولا يتحقق بمقدار ما، فلا يوجد في هذا التقدير صورة بحيث تكون الحليات الثلاث كلّها متحقّق شروطها بحسب الخارج، حتّى يلزم القطع بالترخيص الفعلي في مخالفة التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال.

هنا قد يأتي هذا الإشكال: وهو أنّه يقال: بأنَّ هذه الحليات الثلاث المشروطة بهذا النحو لا تفيد؛ لأنّها مشروطة بفعل أحد الآخرين وترك الآخر، وأنا كيف أفعل أحد الآخرين حتّى أحقّق موضوع الحلّية هنا؟

 إلَّا أنَّ هذا الإشكال غير صحيح؛ وذلك:

أمّا أوّلاً: فلأنّنا يمكننا أن نفرض أنّه يوطّن نفسه على العصيان في واحد منها، فيفعل واحداً ويترك آخر، فمقتضى القاعدة أنَّ أصحاب الميرزا يفتون له 

ــــــــــ[281]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

بجواز الاقتحام في الثالث، مع أنّهم لا يلتزمون بذلك. 

وأمّا ثانياً: فإنّه لا عصيان في المقام؛ لأنَّ هذا المكلّف بعد علمه بهذه الحليات الثلاث المجعولة بهذا النحو، يعلم أنّه لو فعل اثنين وترك واحداً فلا يكون قد ارتكب شيئاً لم يحلله الله له ظاهراً، بل قد ارتكب ما أحله الله له، فيكون معذوراً لا محالة فيما يفعل(1).

وهذا النقض، أذكر بأني نقضته على السيّد الأستاذ حينما كنت أحضر بحثه، ولم يأت بشيء في مقام الجواب عنه. 

فهذه الحليات الثلاث المشروطة بترك أحد الآخرين وفعل الآخر يستحيل فعليتها في عرض واحد فلا يلزم(2) المحذور الذي يذكره السيّد الأستاذ، ولا يحصل عندنا قطع فعلي في مخالفة الواقع المعلوم بالإجمال؛ لأنَّ الحليات الثلاث 

ــــــــــ[282]ــــــــــ

() وهنا قلت سائلاً: إنَّ شرب الأوَّل يقع حراماً؛ لأنَّ شرب الثاني لا يكون إلَّا متأخّراً عن شرب الأوَّل، فالشرط يكون متأخّراً عن المشروط؟

 فأجاب (سلّمه الله): بأنَّ المقصود من فعل الآخر وترك الآخر، هو في مجموع الزمان ولو فيما يأتي، على نحو الشرط المتأخّر. (المُقرِّر).

(2) لا يخفى أنَّ هذا المحذور وإن لم يكن يلزم إلَّا أنَّ المحذور الأوَّل وهو المخالفة القطعية ممكنة في المقام، وذلك بشرب الثلاثة فإنه يعلم حينئذٍ بأنّه شرب حراماً ما لم يتحقّق شرطه، وهذا يكفي في سقوط هذه الصورة وعدم النقض بها؛ لأنّه يقال حينئذٍ إنَّ المحذور على شكلين: فإمّا أن تلزم المخالفة القطعية فيبطل الترخيص في هذا العلم الإجمالي، وإمّا أن يلزم الترخيص القطعي الفعلي في التكليف المعلوم بالإجمال فتبطل شبهة التخيير. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

لا تتحقق شروطها في عرض واحد، بل إذا تحقّق شرط اثنين منها انتفى شرط الثالث، فلا يحصل قطع بالترخيص الفعلي في مخالفة الواقع.

هذا كلّه إذا كان المحذور في نظره هو عبارة عن القطع بالترخيص الفعلي في مخالفة الواقع.

وأمّا إذا كان المحذور في نظره هو القطع بالترخيص في مخالفة الواقع ولو ترخيصاً مشروطاً لم يعلم بصيرورته فعلياً. إذن، فالمحذور باقٍ حتّى فيما إذا كان العلم الإجمالي ثلاثي الأطراف والتزمنا بالتقييد بالنحو الذي بيّناه، فإنّنا مع هذا نقطع بأن المولى رخص في مخالفة الواقع ولو ترخيصاً مشروطاً؛ لأنَّ أحد هذه الثلاثة هو الحرام والمولى قد رخص في كل واحد منها مشروطاً بترك أحد الآخرين وفعل الآخر، بما فيها الحرام. فلا يأتي النقض الذي بيّناه عليه.

لكن يأتي عليه نقض آخر لا يمكن الالتزام به على مسالكه، وهو يحتاج إلى مقدّمة لبيان محط هذا النقض. 

هناك مسألة سوف تأتي -إن شاء الله- في تنبيهات العلم الإجمالي تسمّى بمسألة الاضطرار إلى بعض أطراف العلم الإجمالي، هناك يقولون: إنَّ الاضطرار تارةً يكون إلى طرف بعض من الأطراف وأخرى يكون إلى طرف لا بعينه منها، فإذا كان الاضطرار إلى طرف معيّن، كما إذا علمت بحرمة أحد هذين المائعين، واضطررت إلى شرب الأحمر منهما، فهنا ينحل العلم الإجمالي رأساً، لأنَّ الحرمة المعلومة بالإجمال إن كانت بالأحمر فهي ساقطة بالاضطرار، وإن كانت في الأبيض فهي ثابتة. إذن، فلا علم لي بالحرمة على كلّ تقدير، وإذا لم يكن لي علم 

ــــــــــ[283]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

بالحرمة، فهذا هو معنى انحلال العلم الإجمالي وسقوطه عن المنجّزيّة.

وأمّا إذا فرضنا أنَّ الاضطرار كان إلى أحدهما لا بعينه، فإنّي عطشان والعطش كما يرتفع بشرب المائع الأحمر كذلك يرتفع بشرب المائع الأبيض، فالاضطرار إلى الجامع ما بينهما.

 هنا لا موجب لسقوط الحرمة الواقعية عند السيّد الأستاذ على كلّ حال، بل هي باقية؛ لأنّي أنّا غير مضطر إلى ارتكاب الحرام الواقعي، بل إلى ارتكاب الجامع بين الحرام والمباح أو الاضطرار إلى هذا الجامع لا يوجب سقوط الحرمة واقعاً، فالحرمة واقعاً تكون باقية والعلم الإجمالي بالحرمة الفعلية يكون ثابتاً.

 ويكون هذا العلم منجّزاً لا محالة، لكنه ينجّزه بمقدار ناقص؛ لأنَّ المكلّف لا بُدّ له من رفع اضطراره بأحد الطرفين، وهو شاك بأن الحرام ما هو والمباح ما هو منهما، هنا يلتزم السيّد الأستاذ ومدرسة الميرزا، بأن الشارع يحكم بالترخيص الظاهري التخييري في طرفي العلم الإجمالي. ومرجع هذا الترخيص التخييري عندهم إلى الترخيص في الوجود الأوَّل كما يعبّر السيّد الأستاذ في تلك المسألة.

 وهذا الترخيص بالوجود الأوَّل ليس ترخيصاً واقعياً ليرفع الحرمة الواقعية، بل هو ترخيص ظاهري من ناحية الشكّ وتردّد المكلّف بين الحرام والمباح. 

وأمّا الوجود الثاني، وهو المرتبة الأدنى من الامتثال، فلا موجب للترخيص فيها، بل يبقى العلم الإجمالي منجّزاً لحرمة المخالفة القطعية؛ لأنَّ 

ــــــــــ[284]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المكلف غير مضطر إلى المخالفة القطعية، وإنَّما هو مضطر إلى ترك الموافقة القطعية، ويكفي في رفع هذا الاضطرار الترخيصي بالوجود الأوَّل. فالوجود الثاني يبقى حراماً بقانون منجّزيّة العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية. 

هذا المبنى هو ما يبنى عليه في تلك المسألة، وهذا المبنى يهدم ما يقوله في المقام؛ وذلك لأنَّ الترخيص الظاهري بالوجود الأوّل معنى الترخيص في كلّ من الطرفين مشروطاً بأن لا يسبقه الآخر؛ لأنَّ الوجود الأوَّل قد يؤخذ معرفاً صرفاً إلى ذات فرد معيّن، كعنوان خاصف النعل، يقال له: من هو الإمام بعدك؟ يقول: (خاصف النعل)، ليس مرجع ذلك إلى أنه إن كان هذا خاصف النعل فهو إمام، وإن كان أبو بكر خاصف النعل فهو إمام، بل أبو بكر سواء خصف النعل أو لا فهو ليس إمام؛ لأنَّ عنوان خاصف النعل أخذ مشيراً إلى ذات الإمام. 

وأمّا إذا كانت القضية ليست بنحو المعرّفية، بل مجعولة على نهج القضية الحقيقية، نحو (العالم يجب إكرامه)، فمرجعه إلى قضايا شرطية يعني: إن كان زيد عالماً يجب إكرامه، وإن كان عمرو عالماً فيجب إكرامه، وهكذا بعدد الأفراد، فالترخيص بالوجود الأوَّل لم يؤخذ فيه معرّفاً لذات معينة بحسب الخارج في علم الله تعالى، بحيث لو فُرض أن المكلّف اختار غيرها وكان حراماً عليه، بل أخذ الوجود الأوَّل في المقام على نحو الموضوعية موضوعاً للترخيص.

فإذا كان عنوان الوجود الأوَّل مأخوذاً على وجه الموضوعية لا المشيرية إلى 

ــــــــــ[285]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

ذات معينة، فيرجع بالنهاية إلى قضايا شرطية: (إن كان هذا المائع هو الوجود الأوَّل فهو حلال)، و(إن كان ذاك هو الوجود فهو حلال). فيرجع إلى حليتين مشروطتين، كلّ منهما مشروطة بأن لم يسبقه الآخر.

وحينئذ يحصل القطع بالترخيص في مخالفة الواقع ولو مشروطاً. نعم هاتان الحليتان لا يمكن فعليتهما معاً في عرض واحد، لاستحالة أن يكون كل منهما وجوداً أوّل. فإذا قيد بالأولية أو بأن لا يسبقه الوجود الآخر، فيتحصل عند المكلّف القطع بالترخيص في مخالفة الواقع ولو مشروطاً. أي فرق بين أن يقيد بالأولية أو أن يقيد بترك الآخر. هناك قيد بترك الآخر وهنا قيد بالأولية، بعد أن نعرف أن قيد الأولية على وجه الموضوعية لا المشيرية إلى ذات معينة. فيبطل تصوير الترخيص التخييري في موارد الاضطرار لا بعينه بعنوان الوجود الأوَّل؛ لأنَّ مرجعه إلى ترخيصات متعدّدة مشروطة بعنوان الأولية.

إذن فما أفاده السيد الأستاذ لا يصحح مبانيه على كلّ تقدير. 

هذا كلّه حال المقام الأوّل.

[المقام الثاني]

وأما المقام الثاني وهو: الكلام في محذورية هذا المحذور وهو الترخيص القطعي في المخالفة القطعية. باعتبار أن العقل يحكم باستحالته وقبحه. هكذا ذكر السيّد الأستاذ. 

والتحقيق: أنّه لا وجه لكون هذا محذوراً برأسه على مسلك الاقتضاء لأن المحذور المتصور والمتعقل في جعل الأحكام الظاهرية كلية إنما هو المحذور 

ــــــــــ[286]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الناشئ من ناحية اجتماعها مع الحكم الواقعي وتنافيها معه في مرتبة من مراتبه.

أمّا في مرتبة مبادئ الحكم الواقعي أو نتائجه(1) وما يترتّب عليه من حكم العقل بوجوب الامتثال وقبح المعصية، وإلَّا بقطع النظر عن مصادمة الحكم الظاهري لأيّ مرتبة من مراتب الحكم الواقعي لا يتصوّر أن يكون الحكم الظاهري في نفسه من المستحيلات أو القبائح كالظلم أو الدور والتسلسل. وهذا أصل بديهي متفق عليه فيما بيننا.

وبعد فرض هذا الأصل يقال: بأنَّ هذا الترخيص القطعي في مخالفة الواقع الذي لا يلازم الترخيص في المخالفة القطعية، ما هو وجه مصادمته مع الواقع وفي أيّ مرتبة يصادمه؟

أمّا مصادمته له في عالم الجعل والإنشاء فقد دفعه السيّد الأستاذ حيث قال -في جواب شبهة بن قبة- بأنَّ الجعل والإنشاء اعتبار خفيف المؤونة فلا مصادمة ما بين الجعلين.

أو مصادمته في عالم المبادئ دفعه السيّد الأستاذ هناك بأنَّ المصلحة في الحكم الظاهري في نفس جعله لا في متعلّقه.

أو مصادمته للحكم الواقعي من حيث النتائج يعني من ناحية حكم العقل بوجوب الامتثال، أيضاً لا منافاة على مبنى الاقتضاء، إذ معنى مبنى الاقتضاء: أنَّ العقل يحكم بحرمة المخالفة القطعية حكماً تنجيزياً على العبد وأمّا حكمه بوجوب الموافقة القطعية، فهو حكم تعليقي على عدم مجيء الرخصة من قبل الشارع.

ــــــــــ[287]ــــــــــ

() على حدّ تعبير السيّد الأستاذ، (المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وهذا الترخيص القطعي في مخالفة الواقع، هل يصادم حكم العقل بقبح المخالفة القطعية؟ لا يصادم؛ لأنّنا فرضنا أنَّ هذا الترخيص القطعي في مخالفة الواقع، لا يؤدي إلى الترخيص بالمخالفة القطعية. وإن قلتم: إنّه ينافي الحكم العقلي الثاني، وهو خلف مبنى الاقتضاء؛ لأنَّ هذا المبنى يقول: بأنَّ حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية ليس تنجيزياً، بل معلّق على عدم مجيء الرخصة في بعض الأطراف، وقد جاءت الرخصة في بعض الأطراف وقطعنا بهذه الرخصة.

إذن، فهذا الترخيص القطعي في مخالفة الواقع لا يمكن أن نتصوّر فيه محذور قبح أو استحالة من ناحية منافاته مع الحكم الواقعي في أيّ مرتبة من المراتب. 

يبقى فقط، أن يُدّعى أنَّ هذا العمل من قبل المولى قبيح في نفسه، من قبيل قبح صدور الكذب منه، من دون أن يرتبط بالحكم الواقعي ومحذور قبح المعصية، بل هو بنفسه من القبائح، يقبح منه أن يُرخص في مخالفة الواقع بحيث يقطع به المكلف، إذا كان يرخص في مخالفة بلا أن يقطع المكلّف بذلك فلا بأس به، وأمّا إذا انضم إلى ترخيصه قطع المكلّف بذلك فهذا بنفسه يكون قبيحاً، وإن لم يناف مع الحكم الواقعي ولا مع حكم العقل في باب الامتثال والعصيان. هذا المطلب في نفسه لا نتصوّره ودعوى قبحه عهدتها على مدعيها.

إلَّا أنَّ هذا المطلب ممّا لا يُدّعى، وإنَّما الذي يُدّعى من ناحية تنافيه مع الواقع وبالتحليل يثبت بأنَّ هذا الحكم لا ينافي مع الواقع بوجه من الوجوه. إذن، فدعوى كون هذا محذوراً في نفسه غير صحيح بناءً على القول بالاقتضاء.

ــــــــــ[288]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الجواب الثالث لشبهة التخيير ومناقشته

وحاصله: هو أن الحكم الظاهري يشترط في تعقله احتمال مطابقته للحكم الواقعي، فما لم يكن محتمل المطابقة له يستحيل جعله، فمثلاً لو قال المولى: (إذا شكّكت في وجوب شيء أو استحبابه فأحكم عليك بحرمته) فهذا الحكم بالحرمة ليس حكماً ظاهرياً، بل هو حكماً واقعياً، لو كان جعل مثل هذه الحرمة معقولاً؛ لأنَّ هذه الحرمة غير محتملة المطابقة للواقع؛ لأنَّ الواقع مردّد بين الوجوب والإباحة، فلا معنى لجعل حكم ظاهري على خلاف الواقع على جميع تقاديره، بل لا بُدّ أن يكون الحكم الظاهري مطابقاً للواقع ببعض محتملاته. فهذه مقدّمة يجب الفراغ عنها في المقام. 

إذا تمّت هذه المقدّمة فتطبّق على محلّ الكلام ويقال: إنّه هنا مائعان أحدهما مباح والآخر حرام بحسب الواقع وأشتبه المباح بالحرام عندي. ونحن إذا لاحظنا الإباحة والحرمة الواقعيتان، نرى كلّ واحد منهما مطلقاً لا قيد فيه.

 والمدّعي لإجراء الأصول على وجه التخيير يلتزم بأن الأصل يجري في كلّ واحد من الطرفين بحيث ينتج حلّية ظاهرية مقيّدة بترك الطرف الآخر. وهاتان الحليتان المشروطتان بهذا النحو لا يُعقل جعلهما بلسان الحكم الظاهري؛ لأنّنا إذا لاحظنا أيّ واحد منهما فلا نحتمل مطابقته للواقع؛ إذ لو نظرنا إلى هذا المائع، فنقول: هو في الواقع إمّا حرام مطلقاً، سواء شربنا الآخر أو لا، وإمّا مباح مطلقاً، سواء شربنا الآخر أو لا.

 أمّا احتمال أن يكون حلالاً على تقدير ترك الآخر وحراماً على تقدير شرب الآخر، فهذا الاحتمال غير موجود بحسب الواقع، فالحكم بالحلية 

ــــــــــ[289]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المشروطة لا يحتمل مطابقته للواقع في كلّ واحد من الطرفين. 

وبناءً على ما قرّر في المقدّمة من عدم تعقّل الحكم الظاهري إلَّا حيث يحتمل مطابقته للواقع ومماثلته له على بعض تقاديره. إذن، فيستحيل جعل هذا الحكم الظاهري. نعم، جعل حكم واقعي في المقام، بالحلية المشروطة، ولو بنسخ الواقع الأوّلي ورفع اليد عنه، هذا أمر معقول، إلَّا أنّه خلاف المفروض من أنَّ أدلّة الأصول تجعل الوظيفة الظاهرية، وليست في مقام نسخ الأحكام الواقعيّة، أو تخصيصها، أو تقييدها بوجه من الوجوه. 

هذا الوجه غير تامّ أيضاً؛ وذلك لخطأ في المقدّمة التي بنى عليها هذا الوجه، فإنّه بُيّن فيها أنَّ من شروط تعقّل الحكم الظاهري أن يكون محتمل المطابقة للحكم الواقعي، فلا يُعقل للمولى أن يقول للعبد: (إذا شكّكت في فعل أنّه واجب أو مباح) ولا يكون هذا حكماً ظاهرياً؛ لأنّه غير محتمل المطابقة للواقع. 

هذا المطلب غير صحيح، فإنّه لا يُشترط في تعقّل الحكم الظاهري أن يكون محتمل المماثلة والمطابقة للحكم الواقعي، وإنَّما هوية الحكم الظاهري بوصفه خطاباً ناتجاً عن فرض التزاحم بين الملاكات الواقعية في عالم الحفظ، هوية متقوّمة بأن يؤخذ في موضوعه الشكّ في الحكم الواقعي؛ إذ لولا هذا الشكّ لم يكن هناك تزاحم بين الأحكام الواقعية في عالم الحفظ يبرهن على ضرورة أخذ الشكّ في الواقع في موضوعه.

 وأيضاً لا بُدّ وأن يكون الشكّ في الحكم الواقعي المأخوذ في موضوع الحكم الظاهري مأخوذاً بنحو بحيث يصلح الحكم الظاهري لتنجيز المشكوك أو للتعذير عنه.

 ــــــــــ[290]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وبرهانه نفس البرهان السابق، حيث إنَّ الحكم الظاهري ناتج عن التزاحم بين الأحكام الواقعية في عالم الحفظ، وعن إعمال قوانين باب التزاحم في مقام حفظ الأهمّ، ومعنى إعمال قوانين باب التزاحم في مقام حفظ الأهمّ، يعني: تنجيز الإلزام لو كان هو أهمّ أو التعذير عنه وتنجيز الرخصة لو كانت أهمّ، وهكذا. 

إذن، فهوية الحكم الظاهري يستدعي اعتبار قيدين فيه:

الأوَّل: أن يكون الشكّ في الحكم الواقعي مأخوذاً في موضوعه.

والثاني: أن يكون الحكم الظاهري صالحاً للتنجيز والتعذير بلحاظ ذلك المشكوك الذي أخذ الشكّ به في موضوعه؛ إذ لولا ذلك لا يكون الحكم الظاهري إعمالاً لقوانين باب التزاحم في عالم الحفظ.

ومن هنا لو فُرض أنَّ المولى قال: (إذا علمت بإباحة فعل أوجبته عليك) فهذا لا نسميه حكماً ظاهرياً، بل لو كان معقولاً فهو حكم واقعي لا ظاهري؛ لأنّه لم يؤخذ في موضوعه الشكّ، كما أنّه لو أخذ في موضوعه الشكّ لكن لا بنحو يصلح الحكم الظاهري لتنجيزه والتعذير عنه، كما في المثال السابق فيما إذا قال: (إذا تردّد الفعل بين أن يكون واجباً أو مباحاً فأحرمه عليك) هذا أيضاً لا نسميه حكماً ظاهرياً، لاختلال الشرط الثاني؛ لأنَّ الحرمة لا تصلح للتنجيز والتعذير، فإنَّ فيها مؤونة زائدة على مجرّد التنجيز والتعذير في المقام، وهذه المؤونة الزائدة لا معنى لأن يقال بأنها حكم ظاهري. 

وأمّا لو تحفظنا على كلا الشرطين: أخذ في الموضوع الشكّ وكان المحمول -يعني الحكم المجعول على الشكّ- يصلح للتنجيز والتعذير من دون مؤونة 

ــــــــــ[291]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

زائدة، فيكون هذا حكماً ظاهرياً، ويكون معقوليته بنفس براهين معقولية الأحكام الظاهرية التي فرغنا عنها في جواب شبهة ابن قبة. 

وكلا هذين الشرطين موجود في المقام في الحليتين المشروطتين:

أمّا الشرط الأوَّل: فإنهما قد أخذ في موضوعهما، فإن كلاً من الحليتين هي حلّية أمر يشك في حرمته، فالشكّ في الحرمة مأخوذ في موضوعه. 

وأمّا الشرط الثاني: فأيضاً يكون مأخوذاً في موضوعه؛ لأنَّ الحلّية المشروطة تصلح للتعذير من ناحية الحرمة الواقعية المشكوكة، غاية الأمر تصلح للتعذير في صورة خاصّة لا مطلقاً. إذن، فالشرط الثاني يكون موجوداً. 

ومن هنا اتضح وجه الفرق بين مثل هذه الحلّية المشروطة في محلّ الكلام وبين الحرمة المجعولة في ذلك المثال، فإنَّ تلك الحرمة ليست ظاهرية، لا لأنه لا يحتمل مطابقتها مع الواقع، فإنَّ احتمال المطابقة بعنوانه ليس دخيلاً في حقيقة الحكم الظاهري، بل من ناحية اختلال الشرط الثاني، وهو كون الحكم الظاهري متكفّلاً لحيثية التنجيز والتعذير من ناحية الواقع المشكوك. فإنَّ الحرمة المجعولة على تقدير الشكّ في الوجوب والإباحة ليست متكفّلة للتنجيز والتعذير، بل هي متكفّلة لمؤونة أخرى أجنبية عن مؤونة الوجوب والإباحة، وهي مؤونة الإلزام بالترك. إذن، فلا إشكال في الحليتين المشروطتين من هذه الناحية. 

الجواب الرابع لشبهة التخيير ومناقشته 

هو أن يقال: أنّه يوجد عندنا هنا، على ما صورتم، إطلاق أفرادي وإطلاق أحوالي في كلّ من الطرفين، فيكون أربعة إطلاقات، وهذه الأربعة بمجموعها لا يمكن التحفّظ عليها؛ لأنّه يلزم من ذلك الترخيص بالمخافة القطعية، فلا بُدّ 

ــــــــــ[292]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

من رفع اليد عن اثنين من الأربعة، وهو يكون بأحد شكلين:

أحدهما: أن نرفع اليد عن الإطلاقين الأحواليين ونتحفّظ على الإطلاقين الأفراديين وهذا الذي قلتموه يا أصحاب شبهة التخيير، وينتج عن ذلك تقييد كلّ منهما بعدم شرب الآخر.

ثانيهما: أن نرفع اليد عن الإطلاق الأفرادي والأحوالي لأحدهما، ونبقي الإطلاق الأفرادي والأحوالي للآخر، وهذه الصورة مثل الصورة الأولى في أنّها خالية من محذور الترخيص بالمخالفة القطعية ويتحفّظ فيه على اثنين من الأربعة، فعدد ما يتحفّظ عليه هنا مساوٍ لعدد ما يتحفظ عليه هناك.

فإذا فرضنا أنَّ الأمر دار ما بين هاتين الصورتين، ولا معيّن لإحداهما دون الأخرى. إذن، فلا يمكن المصير لأيهما؛ لأنَّ المصير إلى كلّ منهما في قبال الأخرى تعيين بلا معيّن؛ لأن كلاً منهما يندفع به المحذور.

هذا البيان -طبعاً- غير صحيح؛ وذلك لأنَّ رفع اليد عن الظهورات الإطلاقية ليس أمراً جزافياً، وإنَّما هو بمقدار المعارضة وبلحاظها، يعني: نرفع اليد عن الظهورات الإطلاقية التي تقع طرفاً للمعارضة والتصادم والعلم الإجمالي بكذب أحدهما، أمّا ما لا يقع طرفاً للمعارضة فلا معنى لرفع اليد عنه. 

فحينئذٍ يجب أن نتأمل في أنَّ طرف المعارضة ما هو في المقام فنرى أنَّ الإطلاق الأفرادي لهذا الإناء ليس طرفاً للمعارضة مع أيّ واحد مع الإطلاقات الثلاثة الأخرى، لا مع الإطلاق الأفرادي في الطرف الآخر ولا الأحوالي فيه.

 ــــــــــ[293]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وكذلك الإطلاق الأحوالي في هذا الطرف فإنّه ليس طرفاً للمعارضة مع شيء من الإطلاقات؛ بدليل أنّه من الممكن أن نتحفّظ على الإطلاق الأفرادي فقط في أحد الطرفين، وعلى كلا الإطلاقين الأفرادي والأحوالي في الفرد الآخر، ولا يلزم من ذلك، الترخيص في المخالفة القطعية. إذن، فالإطلاق الافرادي لا يعارض مجموع الإطلاقين في الآخر، فإسقاطه في المقام غير جائز. 

وإنَّما طرف المعارضة هما الإطلاقان الأحواليان، بحسب الدقة؛ لأنّهما لو تمّا معاً للزم الترخيص في المخالفة القطعية، فيحصل بينهما تعارض وتكاذب لا محالة باعتبار لزوم طرح أحدهما، فإذا كانت المعارضة بين الإطلاقين الأحواليين فقط فلا بُدّ من طرح طرفي المعارضة. 

نعم، صحيح ما تقولون إنّنا لو تبرعنا بطرح الإطلاق الأفرادي في أحد الفردين لارتفع المحذور أيضاً، إلَّا أنَّ مثل هذا التبرع غير جائز؛ لأنّه لا يجوز طرح إطلاق ما لم يكن طرفاً للمعارضة، وما هو طرف لها هما الإطلاقان الأحواليان لا الأفراديان. فيتعيّن سقوط الأحواليين وبقاء الأفراديين(1)

الجواب الخامس لشبهة التخيير ومناقشته

 هو أن يقال: إنَّ المحذور في المقام كما يرتفع بتقييد الحلّية في كلّ من 

ــــــــــ[294]ــــــــــ

() وهنا قلت له: إن الاقتصار على أقلّ مقدار من التصرّف يقتضي رفع اليد عن إطلاق أحوالي واحد؟ 

فأجاب: أنَّ التحفّظ على الإطلاق الأحوالي هنا فقط ترجيح بلا مرجّح، وبالعكس، فيحصل التساقط بين الإطلاقين الأحواليين بملاك الترجيح بلا مرجّح. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الطرفين بترك الآخر، أي: بتقييده بالوجود الأوحدي، هذا الذي قلتم. كذلك يرتفع بتقييده بالوجود الأوّل، فإنّه لو قيّدت الحلّية في كلّ منهما بالوجود الأوَّل، فأيضاً ترتفع الإشكالات المدّعاة على مسلك الاقتضاء، حيث إنه يستحيل أن يتحقّق كلّ منهما بصفة الوجود الأوَّل، فلا يلزم من ذلك الترخيص في المخالفة القطعية.

فهذان الترخيصان المشروطان بالأوّلية ينتجان نفس الفائدة التي يريدونها من الترخيصين المشروطين بالأوحدية، بالوجود الأوحدي، يعني: بترك شرب الآخر. إذن، فلا مرجّح لأحدهما على الآخر، فكما يمكننا أن نقيّد كلّ من الأصلين بترك الآخر، الذي هو معنى الوجود الأوحدي، كذلك يمكن أن نقيّده بالوجود الأوَّل، وكلّ من التقييدين تنتج التخلص من المحذور، فأيّ معيّن لأحدهما دون الآخر! 

هذا الكلام أيضاً ظهر جوابه مما بيناه في جواب الوجه السابق؛ لأنَّ اللازم علينا هو أن نتحفظ على دليل الأصل وجريان أصالة الحلّية في كلّ من الطرفين بأكبر مقدار ممكن من الحصص والحالات.

 والحصة المسماة بالوجود الأوحدي، أي: الوجود في حالة ترك الآخر، يمكن التحفظ على دليل الأصل بالنسبة إليها، فإنّها بمكان من الإمكان ولا يلزم منه محذور، سواء قلنا: إنّه يمكننا أن نضيف إليها حصّة أخرى وهي الوجود الأوَّل، فنقول: إنَّ هذا الفعل مباح سواء كان وجوداً أوحدياً أو وجوداً أوّل … أو لا.

إذن، فليس هناك دوران بين الوجود الأوحدي والوجود الأوَّل، بل الوجود 

ــــــــــ[295]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الأوَّل إن لم يكن فيه محذور، فنضيفه إلى الوجود الأوحدي، لا أنّنا نجعله بدلاً عنه، بل نقول: إنّنا نتحفظ على دليل الأصل في الجامع ما بينهما. وإن كان في الوجود الأوَّل محذور، فهو يسقط دون حصّة الوجود الأوحدي.

وقد وجدتم لنا حصّة أخرى اسمها الوجود الأوَّل، فإن تمّ ما تدّعون فنضيف هذا إلى ما نقول، لا أن نجعله بدلاً عنه، لكن الصحيح أنّه لا يتم ما قلتموه؛ لأنَّ شمول دليل الأصل لحصة الوجود الأوَّل من هذا الطرف يعارض شمول دليل الأصل لحصة الوجود الثاني لذلك الطرف، وشموله لحصة الوجود الأوَّل من ذلك الطرف يعارض شموله دليل الأصل لحصة الوجود الثاني من هذا الطرف؛ إذ لا يمكن أن يُحكم بحلية الوجود الأوَّل هنا وبحلية الوجود الثاني هناك، وإلَّا فهو يشرب هذا أوَّلاً ويشرب ذاك ثانياً ويلزم من ذلك الترخيص بالمخالفة القطعية.

فالحصة المسمّاة بالوجود الأوَّل من هذا الطرف تعارض مع الحصّة المسمّاة بالوجود الثاني من ذلك الطرف فيتساقطان، والحصة المسمّاة بالوجود الأوَّل من ذلك الطرف يعارض مع الحصّة المسمّاة بالوجود الثاني من هذا الطرف فيتساقطان، ولا تبقى إلا حصتنا الأوحدية، الوجود الأوحدي، ويكون شمول دليل الأصل للوجود الأوحدي لكلّ منهما بلا معارض أصلاً(1). فهذا الجواب الخامس لا يرجع إلى محصل.

ــــــــــ[296]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: الترخيص في الوجود الثاني ليس ترخيصاً بالوجود الأوَّل، فالترخيص بالوجود الثاني ترخيص بالمقيّد، والترخيص بالمقيّد ليس ترخيصاً في قيده. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الجواب السادس لشبهة التخيير ومناقشته

الوجه السادس من الوجوه التي يمكن أن يُجاب بها عن شبهة التخيير، وحاصله: أنّنا حينما نريد أن نتمسّك بدليل أصالة الحل “كُلُّ شَيْءٍ هُوَ لَكَ حَلاَلٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرامٌ(1) فهنا أنحاء ثلاثة يمكن أن نتمسّك وفقاً لها بدليل الأصل: 

النحو الأوَّل: أن نقول: بأنَّ دليل الأصل يثبت لنا حلّية مطلقة موضوعها هو الشرب المطلق، شرب هذا المائع مطلقاً سواء اقترن مع شرب الآخر أو لم يقترن معه، فلا نأخذ قيداً لا في الحكم -يعني: الحلّية الظاهرية- ولا في الموضوع.

هذا الشقّ فرغنا عن بطلانه؛ لأنّنا إذا تمسّكنا بدليل الأصل بحيث أثبتنا به حلّية مطلقة على موضوع مطلق، ولم نأخذ قيد ترك الآخر لا في طرف الحكم ولا الموضوع، يلزم الترخيص في المخالفة القطعية، والمفروض استحالتها. 

النحو الثاني: أنّنا نتمسّك بدليل الأصل لإثبات حلّية على شرب هذا المائع مع أخذ القيد، قيد ترك الآخر في الموضوع لا في الحكم، بأن نقول: إنَّ شرب هذا المائع المقيد بحالة ترك شرب الآخر محكوم بالحلية، وهذا أمر معقول ولا بأس به في نفسه، ولكن لا يفي به دليل الأصل وهو: (كل شيء حلال)؛ وذلك لأنَّ الحلّية المجعولة في دليل الأصل، مجعولة على ما يشكّ في حرمته لا غيره، فموضوع الحلّية لا بُدّ من أن يكون مشكوك الحرمة ومحتملها واقعاً، حينئذ تأتي 

ــــــــــ[297]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 313، كتاب المعيشة، باب النوادر، الحديث 40.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

نوبة أصالة الحل فتنقح حليته ظاهراً. وهنا، الشرب المقيّد بترك الآخر بما هو مقيّد بترك الآخر، لا يحتمل حرمته، فإنَّ ما يحتمل حرمته في الواقع هو طبيعي الشرب المطلق، وقد قلنا مراراً أنَّ الإطلاق ليس عبارة عن الجمع بين القيود، بل عبارة عن رفض القيود، فنحن لا نحتمل ثبوت حرمة في الواقع للشرب المقيّد بما هو شرب مقيّد، وإنَّما المحتمل هو ثبوت حرمة لطبيعي الشرب. 

فالشرب المقيّد بما هو مقيّد، يختل به موضوع دليل الأصل، فإنّه ليس مشكوك الحرمة، فإنّنا لا يمكن أن نثبت بدليل أخذ في موضوعه الشرب في الحرمة حلّية ما لا نشك في حرمته، فهذا الشقّ أيضاً باطل. 

فلا بُدَّ من الانتهاء إلى الشقّ الثالث: وهو أن نفرض أنَّ القيد غير مأخوذ في الموضوع، لكننا نأخذه في الحكم، فنقول: الشرب المطلق بتمام حصّصه، سواء كان حاله شرب الآخر أو حاله عدم شرب الآخر، يقع بإطلاقه موضوعاً للحلية الظاهرية المقيّدة بأن تكون في حالة ترك شرب الآخر، من دون أن نأخذ هذا القيد في موضوعها حتّى يلزم خروجه عن كونه مشكوك الحرمة، فيكون القيد قيداً للحكم الظاهري لا لموضوعه. 

وهذا لا يأتي عليه ما ذكرناه في الوجه الثالث، وهو أنَّ هذا معلوم عدم المطابقة للواقع، حيث قلنا هناك: إنَّ الحلّية المشروطة يعلم بعدم مطابقتها للواقع، فليعلم بذلك، إذ قلنا: إنَّ احتمال المماثلة ليس شرطاً في حقيقة الحكم الظاهري أصلاً.

إلَّا أنَّ هذا الشقّ الثالث أيضاً باطل؛ وذلك لأنَّ الحلّية الظاهرية المشروطة 

ــــــــــ[298]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

بحالة ترك شرب الآخر، يستحيل أن تتعلق بالطبيعي على إطلاقه حتّى الحصّة الأخرى منه، وهي حصّة شربه في حالة شرب الآخر، فإنَّ الحلّية المقيّد بحالة عدم شرب الآخر، يستحيل أن تتعلق بحصة لا في زمانها، وهي حصّة شرب هذا مع شرب ذاك؛ لأنَّ تعلقه بها لغو صرف؛ إذ في ظرف تلك الحصّة لا واقع لهذه الحلّية حتّى تؤثر في التأمين من ناحيتها. ولا يراد من تعلّق الحكم الظاهري بشيء إلَّا التأمين من ناحيته، كما قرأنا. ويستحيل أن تكون هذه الحلّية الظاهرية مؤمّنة من ناحية حصّة أخرى محفوظة في غير ظرف هذه الحلية.

إذن، فلا بدَّ -لو أخذنا القيد في المحمول في الحكم- من الالتزام بأن يكون الموضوع مقيّداً أيضاً لاستحالة تعلّق الحلّية المقيّدة بالحصص بتمامها، بالطبيعي على إطلاقه، فأخذ القيد في الحكم يستلزم لا محالة فرض الموضوع مقيّد في المرتبة السابقة، وحينئذٍ نعود إلى محذور الشقّ الثاني، وهو خروجه عن كونه مشكوكاً حينئذٍ. 

وبهذا البيان يظهر أنَّ القاعدة التي أشير إليها بالشبهة(1)، وهي أنَّ كلّ عام أو مطلق، وتعذر العمل بإطلاقه، نرفع اليد عن إطلاقه بمقدار الضرورة ونتحفظ على أصله، هذا الكلام إنَّما يصح، فيما إذا لم يكن المقيّد أجنبياً عن موضوع دليل العام.

 وهنا الأمر كذلك، فإنّنا هنا إن عملنا بالمطلق على إطلاقه صادمنا حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية، وإن أردنا أن نثبت المقيّد بدليل الأصل فهو 

ــــــــــ[299]ــــــــــ

() يعني شبهة التخيير. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

أجنبي عن موضوع دليل الأصل؛ لأنَّ المقيّد بما هو مقيّد ليس مشكوك الحرمة، وإنَّما يمكننا أن نثبت المقيّد بدليل المطلق، فيما إذا لم يخرج المقيّد بكونه مقيّداً عن كونه مصداقاً لموضوع دليل الأصل، وفي المقام يخرج بالتقييد عن كونه مصداقاً لموضوع دليل الأصل؛ لأنَّ موضوعه هو المشكوك الحرمة، والمقيّد بترك شرب الآخر لا يحتمل حرمته.

نعم، شبهة التخيير تأتي في ذلك المثال، وهو ما لو قال: (أكرم كلّ عالم) وزيد وعمرو عالمان، وعلمنا من الخارج أنَّ وجوب الإكرام فيهما ليس مطلقاً بحيث يجب إكرام أحدهما حتّى لو أكرمنا الآخر، فهنا بنفس دليل العامّ أو المطلق نلتزم بالوجوب المقيّد، ونقول: وجوب إكرام هذا إن لم نُكرِم ذاك وبالعكس؛ لأنَّ هذا التقييد لا يخرجه عن كونه مصداقاً للموضوع؛ لأنَّ الموضوع هو عنوان العالم، و(زيد) بعد تقييده لا يخرج عن كونه عالماً. إذن، فمثل هذا التقييد هناك معقول، لكنه هنا غير معقول، إذ بمجرّد تقييد موضوع الحلّية بقيد ترك موضوع الآخر يخرج عن كونه مشكوكاً، ومصداقاً لموضوع دليل العامّ. 

هذا البيان هو الذي كنا نورده في جواب هذه الشبهة على مسالك القوم في باب الإطلاق والتقييد؛ وذلك أنّه مرّ في باب المطلق والمقيّد أنّه:

تارةً نقول: إنَّ الإطلاق عبارة عن أمر وجودي يكون فيه عناية زائدة على حدّ التقييد الذي فيه مؤونة زائدة، فالتقييد هو أخذ القيد في الطبيعة والإطلاق هو لحاظ إسراء الطبيعة إلى تمام الحصص ورفض القيد.

ــــــــــ[300]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وأخرى نقول: إنَّ الإطلاق ليس إلَّا عبارة عن عدم القيد، فإنَّ الطبيعة بنفسها قابلة للسريان إلى تمام الأفراد، وهذه القابلية لا تزول عنها إلَّا بتحديدها وتضييقها، فإذا لم يُقيّد فهي مطلقة لا محالة. 

وقد سمّينا هذا الإطلاق (بالإطلاق الذاتي) وسمّينا الأوَّل (الإطلاق اللحاظي)؛ لأنَّ المولى في الإطلاق بالمعنى الأوَّل يحتاج إلى مؤونة لحاظية ليسري الطبيعة إلى تمام الحصص، وأمّا على الثاني فالمولى لا يلحظ الإسراء، وإنَّما يلحظ ذات الطبيعة بما هي، وحيث إنّها ذاتاً تقتضي الانطباق على تمام الحصص فهي تسري إليها. على تفصيل بيّناه في محلّه. 

إذا بنينا على المسلك الأوَّل المشهوري، وهو مسلك السيّد الأستاذ، وأن الإطلاق يعني الإطلاق اللحاظي، يرجع إلى لحاظ المولى إسراء الحكم إلى تمام الحصص، فهذا الجواب عن شبهة التخيير في غاية المتانة؛ وذلك لأنّا نسأل أنَّ المولى الذي جعل الحكم بالحلية على شرب هذا المائع، الذي هو طرف العلم الإجمالي، هل لاحظ إسراء موضوع الحلّية إلى تمام الحصص: حصّة الشرب المقارن مع شرب الآخر، والمقارن مع تركه، أو لا، بل قيّده؟ 

إن قلتم: إنّه قيّد موضوع الحلّية بخصوص حالة ترك شرب الآخر.

قلنا: هذا لا يناسب أن يجعل عليه الحلّية الظاهرية بدليل أصالة الحل؛ لأنّه بعد أن قيّده يخرج عن كونه مشكوك الحرمة؛ إذ لا نحتمل أنَّ الحرمة الواقعية ثابتة للمقيّد بما هو مقيّد. 

وإن قلتم: إنّه لاحظ إسراء الموضوع إلى تمام الحصص.

ــــــــــ[301]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

حينئذٍ نسأل: أنّه هل حكم عليه بالحلية مطلقاً أو مقيّداً؟

إن قلتم: حكم بالحلية مطلقاً.

إذن، لزم الترخيص بالمخالفة القطعية.

وإن قلتم: حكم بالحلية مقيّداً على ذلك الموضوع الذي لاحظ إسرائه إلى تمام الحصص.

قلنا: هذا لغو؛ لأنَّ مثل هذه الحلّية كيف تُجدي نفعاً في تعميمها وتعميم موضوعها لحصة لا وجود لها في حالة وجود هذه الحلية، وهذا محال في نفسه. 

وعلى هذا تكون شبهة التخيير مندفعة، وهذا أمتن جواب على المسلك المشهوري في باب الإطلاق.

وأمّا لو تبنينا المسلك الثاني، كما تبنيناه: إن الإطلاق ليس لحاظياً، بل هو إطلاق ذاتي، يعني: أنَّ المولى في مقام تعليق الحكم على الطبيعة لا يلحظ إسراء الطبيعة إلى تمام الحصص، بل يلحظ ذات الطبيعة، ومقدّمات الحكمة تنفي القيد الزائد ولا تثبت لحاظ الإسراء واستيعاب الطبيعة لتمام الحصص، وغيرها في الأمور الوجودية.

إذا بنينا على هذا، فيمكننا أن نختار الشقّ الأخير من هذه الشقوق، وهو أن المولى لاحظ ذات الطبيعة من دون أن يقيّدها بحالة ترك شرب الآخر حتّى لا تخرج عن كونها مشكوكة.

 لاحظ ذات شرب هذا المائع وهو مشكوك الحرمة وحكم عليه بالحلية المقيّد بحالة ترك شرب الآخر.

ــــــــــ[302]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فهنا تقولون: إنَّ هذه الحلّية يستحيل أن تثبت لتلك الحصّة غير المحفوظة في ظرفها، أي: للشرب المقارن للشرب.

نقول: نعم، يستحيل أن تثبت لهذه الحصة، إلَّا أنها لا تثبت بحسب الخارج. 

تقولون: كيف لا تثبت مع أنَّ المولى لم يقيّد؟

نقول: إنّه لم يقيّد، إلَّا أنَّ سريان الطبيعة إلى تمام الأفراد ويتبعه سريان الحكم، ليس للحاظ الإسراء، وإنَّما هو من باب أنَّ الطبيعة قابلة ذاتاً للسريان وبتبعها يسري الحكم لا محالة.

 والطبيعة هنا وإن كانت قابلة ذاتاً للسريان، لكنها بما هي موضوع هذا الحكم غير قابلة ذاتاً للسريان. طبيعة الشرب تسري إلى تمام الحصص ولكن الحكم لا يسري إلى تمام الحصص لقصور ذاتي في نفس الحكم، حيث إنّه حدد بحدّ خاص.

فعدم السريان هنا لم ينشأ من ناحية تقييد الموضوع في الرتبة السابقة، حتّى يخرج بهذا التقييد عن كونه مشكوكاً، وإنَّما نشأ ذلك من ناحية أنَّ الحرمة بذاتها قاصرة عن السريان تبعاً لسريان موضوعها.

وإن شئتم قلتم: إنَّ الموضوع هنا بوصف الموضوعية يستحيل سريانه وإن كان ذات الشرب يكون سارياً، وحينئذٍ فلا يأتي في المقام إشكال ولا يلزم محذور من هذه الناحية أصلاً، وتبقى شبهة التخيير قائمة على حالها، مع الالتزام بالإطلاق الذاتي دون اللحاظي. 

إذن فهذا الوجه السادس أيضاً لا يتمّ.

ــــــــــ[303]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

تحقيق الجواب عن شبهة التخيير 

والتحقيق أن يقال في مقام الجواب عن هذه الشبهة: إنّنا لا بُدّ لنا من ملاحظة أدلّة الأصول التي نريد أن نعمل فيها هذا التقطيع وننتج أصولاً وحلّيات مقيّدة.

هذه الأدلّة إن كانت من قبيل أدلّة أصالة البراءة، من قبيل (رفع ما لا يعلمون) و(كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي) ونحو ذلك، فقد قلنا فيما سبق: إنّها لا تشمل موارد العلم الإجمالي رأساً؛ لقصور بحسب مقام الإثبات، بحيث لو فُرض أنّها جرت في بعض أطراف العلم الإجمالي بلا معارض مع هذا نلتزم بعدم جريانها، وبعدم إجرائها في مقام التأمين من ناحية التكليف المعلوم بالإجمال.

ممّا ذكرناه سابقاً من الخصوصيات التي تقتضي إجمالها وقصور إطلاقها وعدم الشمول لموارد العلم الإجمالي. إذن، ففي مثل هذه الأدلّة لا ينبغي الإشكال؛ لأنَّ القصور والمحذور هنا إثباتي، لا أن الإطلاق في نفسه تامّ وعندنا إطلاق أفرادي وأحوالي، وينبغي لحكم العقل بحرمة المخالفة القطعية أن نرفع اليد عن الإطلاق الأحوالي، كلّ هذا بنيان في الخيال؛ لأنَّ هذه الأدلّة في نفسها بحسب مقام الإثبات قاصرة عن الشمول لأطراف العلم الإجمالي، ولو لم يكن لها معارض. 

وإنَّما الدليل الذي يمكن أن يُعتمد على إطلاقه وظهوره الإثباتي، هو أحد أمرين: روايات الحل والاستصحاب؛ فإنَّ هذين الدليلين على ما بيّنا فيما سبق 

ــــــــــ[304]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

لا قصور فيهما بحسب مقام الإثبات والشمول لأطراف العلم الإجمالي بنحو لا ينتج حرمة المخالفة القطعية.

النظر في دليل الحلّ

الوجه الأوّل: [في أخبار أصالة الحلّ والاستصحاب]

فلا بدَّ من التكلّم في أخبار أصالة الحل والاستصحاب، لنرى أنَّ مثل هذا التخيير هل هو صحيح، ينسجم مع ظاهر الدليل وقواعد فهم المعنى من اللفظ أو لا ينسجم؟ 

أمّا روايات أصالة الحل، فقد قرأناها في بحث البراءة وثبت عندنا هناك
-بعد التصفية- أنّها ما بين غير تامّ الدلالة أو ضعيف السند، أو مبتلى بكلا الداءين، إلَّا رواية واحدة خرجت ناجحة، وهي صحيحة عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق: “كُلْ مَا يَكُونُ فِيهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَهُوَ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْرِفَ الحَرَامَ بِعَيْنِهِ فَتَدَعَهُ(1) وتبين أنّها صحيحة السند وتامّة الدلالة، لكن في خصوص الشبهات الموضوعية.

وجميع أخبار الحل مخصوصة بالشبهات الموضوعية، عدا رواية واحدة ينقلها الشيخ في (الرسائل): (كل شيء حلال حتى تعرف أنه حرام بعينه) وقد قلنا فيما سبق أن هذه الرواية لا وجود لها في كتب الأحاديث، وإنَّما هي مقتنصة من هذه الألسنة، وليست رواية برأسها.

ــــــــــ[305]ــــــــــ

(1) المحاسن ‏2: 495، باب الجبن…، الحديث 596.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وهذه الرواية -يعني رواية عبد الله بن سنان- لا يمكن إعمال التخيير فيها لعدة وجوه: 

الوجه الأوَّل: هو أنَّ في هذه الرواية، قال: “إن كلّ شيء يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال” فدخول أداة العموم هنا ليس هو الشيء الذي لا يُعلم أنّه حرام، بل هو الشيء الذي يكون فيه حلال وحرام، فإن فسّرنا قوله: “فيه حلال وحرام” يعني يكون كلّ شيء مردداً بين الحرام والحلال فهو لك حلال، فيكون شأن هذه الرواية شأن الرواية التي اقتنصها الشيخ من مجموع الروايات، فيصبح موضوع الحكم هو الشيء الذي لا يُعلم أنّه حرام بنحو الانحلال، يعني: كلّ فرد فرد يكون موضوعاً للحكم. إلَّا أننا قرأنا فيما سبق -تبعاً للشيخ الأعظم- أنَّ هذا الحمل خلاف الظاهر، وأنَّ ظاهر قوله: “كلّ شيء يكون فيه حرام أو حلال” يعني يشتمل الشيء على حلال بالفعل وعلى حرام بالفعل.

 ومن هنا قال الآغايون بأنّها مخصوصة بالشبهات الموضوعية؛ لأنَّ مثل هذا الاشتباه إنَّما يتصوّر في الشبهات الموضوعية. 

إذن، فالأفراد التي جُعل الحكم عليها بلسان العموم، ليس هو كلّ فرد لا يُعلم أنّه حرام، بل كلّ فرد مشتمل بالفعل على الحلال وعلى الحرام فهو لك حلال. 

وهذا الاشتمال له معنيان:

إمّا أنَّ الاشتمال على حدّ اشتمال الكلي على أفراده، فيُفرض كأنَّ الأفراد كلّها مجتمعة في الكلي، كالجبن الوارد السؤال عنه في الروايات، فطبيعي الجبن 

ــــــــــ[306]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فيه حلال وحرام، يعني: مشتمل على أفراد حلال وأفراد حرام فهو لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام، فيكون طبيعي الجبن حلالاً باعتبار كونه مشتملاً على أفراده على حدّ اشتمال الكلي على أفراده. 

وإمّا أن تكون هذه الظرفية والاشتمال على حدّ اشتمال المركّب على أجزائه، يعني: كلّ شيء يكون بعضه حلالاً وبعضه حرام فهو لك حلال. وذلك بأن يُنظر إلى الجبن الموجود بالسوق موضوعاً واحداً، وهو بالفعل مشتمل على أبعاض محرمة وأبعاض محللة من ناحية العلم الإجمالي، والظرفية هنا على حدّ ظرفية المركّب لجزئه، لا على حدّ ظرفية الكلي لفرده، فهذا المركّب من الحلال والحرام يكون حلالاً.

فإذا كانت الظرفية على حدّ اشتمال الكلي على أفراد، وقد لوحظ الموضوع بهذا النحو. إذن، فالملحوظ ليس هذا الفرد وهذا الفرد، وإنَّما الملحوظ هو الطبيعي، وهو في مقام تطبيقه على موضوعه ينحل لا محالة إلى هذه الأفراد. وأمّا الملحوظ ابتداءً فهو الطبيعي القابل الانطباق على هذه الأفراد. 

فحينئذٍ يقال: إنَّ هذا الطبيعي، القابل الانطباق على هذه الأفراد لا يقبل عرفاً التقييد بقيد هذه الأفراد، فإنّنا الآن لا نريد أن نقيّد حكم كلّ فرد بحالة ترك شرب الآخر.

 نقول: هذا القيّد إمّا أن نأخذه في الطبيعي، وإمّا أن لا نأخذه فيه. إن لم نأخذه في الطبيعي فلا معنى لأخذه في الفرد؛ لأنَّ الحكم جُعل على الطبيعي ويسري إلى الفرد وفقاً لما جُعل على الطبيعي، وإذا فُرض أنَّ القيد أخذ في 

ــــــــــ[307]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الطبيعي، فهذا ممّا لا معنى له؛ لأنَّ المولى حينما يلحظ الطبيعي لا يلحظ الأفراد، إلَّا بعناية زائدة تحتاج إلى قرينة، وإلَّا فمقتضى حاقّ اللفظ أنَّ المولى لاحظ الطبيعة والطبيعة بما هي طبيعة موضوع واحد، وليس في مقام لحاظها أفراد وحصّص متعدّدة حتّى يقيّد حلّية كلّ فرد منها بترك شرب الآخر.

ففي ظرف التعدّد لا جعل ولا لحاظ من المولى؛ لأنّه لاحظ الطبيعة، وفي ظرف اللحاظ والجعل لا تعدّد حتّى يتصوّر تقييد حلّية كلّ واحد بترك شرب الآخر

نعم، لو قامت قرينة على هذا المطلب نلتزم به، لا نقول: إنّه من المحالات؛ إذ إنَّ القرينة تكشف عن أنَّ المولى لاحظ الأفراد، إلَّا أنَّ هذه عناية زائدة ومجرّد اللفظ ومقدّمات الحكمة لا تفي بأنَّ المولى لاحظ الأفراد.

فإذا فُرض أنَّ المولى علّق الحكم على الطبيعي ولم يلحظ الأفراد بحسب الخارج، فالتقييد الذي يرجع إلى مرحلة الأفراد، غير صحيح، ولا يمكن الالتزام به إلَّا بعناية زائدة ينفيها الإطلاق نفسه ومقدّمات الحكمة، فالتحفّظ على الإطلاق بمقدار ما بنفسه يستوجب مؤونة زائدة، لا أنّه تقييد للمؤونة، بل هو إحداث للمؤونة من ناحية أخرى. 

وكذلك الأمر لو كان الموضوع هو المركّب، يعني: كان الملحوظ للمولى المركّب من الحلال والحرام ومحكوم بأنّه حلال، فالمركّب لوحظ موضوعاً واحداً في المقام. نعم، هذه الحلّية تنحل لا محالة على إجزاء المركّب، وإلَّا أنّه في عالم اللحاظ والجعل لاحظ موضوعاً واحداً وهو المركّب وجعل عليه الحلية. 

فهنا لو ورد قيد يرد على المركّب لا على كلّ جزء جزء من أجزائه بأن يقال: 

ــــــــــ[308]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

هذا الجبن حلال إن لم تأكل ذاك الجبن وبالعكس، فإنَّ مثل هذا يحتاج إلى النظر الاستقلالي إلى الأجزاء بما هي هي، مع أنَّ المفروض أنَّ المولى لاحظ المركّب.

من قبيل أن يقول: (أكرم العشرة) فهنا وإن كان وجوب الإكرام انحلالياً على العشرة، إلَّا أنّه لاحظ المركّب (العشرة) موضوعاً واحداً. وفي مثله لا يمكن أن نقول: بأنَّ وجوب الإكرام لكلّ واحد مقيّد بأن لا يكرم الآخر، فإنَّ هذا التقييد ليس عرفياً بالنسبة إلى خطاب أخذ فيه المركّب موضوعاً واحداً. وإن كان ذلك معقولاً بالنسبة إلى: (أكرم العلماء) بأن نقول: إن إكرام كلّ شخص منهم يجب في حالة عدم إكرام الآخر، ففي المركّب نعيد نفس النكتة وهي: أنه في عالم اللحاظ والجعل لا يوجد تعدّد لموضوع الحلّية حتّى يقيّد، وفي عالم يوجد فيه تعدّد وانحلال لا لحاظ وجعل. إذن، فنحتاج إلى عناية تثبت لنا أنَّ المولى قد لاحظ التعدّد في عالم اللحاظ والجعل، ومثل هذا لا يثبت بمقدّمات الحكمة، بل يحتاج إلى قرينة أخرى. هذا هو الوجه الأوّل في عدم وفاء دليل الحل للتخيير. 

انتهينا إلى تحقيق ما هو الحال في شبهة التخيير، فقلنا: إنّها لا موضوع لها في الأدلّة المتكفّلة لأصول قاصرة، بحسب مقام الإثبات، عن الشمول لأطراف العلم الإجمالي، من قبيل دليل البراءة. 

وإنَّما تأتي هذه الشبهة في دليل أصل تمّ إطلاقه الأفرادي والأحوالي في نفسه، ثُمَّ استشكل في التوفيق بينه وبين حكم العقل بقبح المخالفة القطعية. وهذا إنَّما يكون في أخبار أصالة الحل؛ لأنها تشمل موارد العلم الإجمالي بقرينة كلمة (بعينه) التي تدلّ على جعل الحلّية لا في مقابل الاحتمال البدوي فقط، بل 

ــــــــــ[309]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

في مقابل احتمال انطباق المعلوم بالإجمال أيضاً، وكذلك دليل الاستصحاب، فقد قلنا: إنّه لا قصور للمجعول فيه بحسب ظهوره العرفي عن الشمول لموارد العلم الإجمالي بحسب مقام الإثبات. فيقع الكلام في كلّ منهما. 

أمّا أخبار الحِل فالتامّ منها سنداً أو دلالة رواية واحدة، وهي صحيحة عبد الله بن سنان “كُلْ مَا يَكُونُ فِيهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَهُوَ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْرِفَ الحَرَامَ بِعَيْنِهِ فَتَدَعَهُ(1). وهذه الرواية لا يمكن استفادة التخيير منها بالتقريب المتقدّم. 

وذلك لوجهين: 

الوجه الأوَّل: ذكرناه سابقاً إلَّا أننا نكرره توضيحاً وتأكيداً، وحاصله: يحتاج إلى تقديم مقدّمة، وحاصلها: أنَّ الحكم تارةً يُفرض تعلقه بالطبيعة على وجه اللحاظ الإطلاقي، وأخرى يُفرض تعلقها به على وجه اللحاظ العمومي، وقد بينا في محلّه أنَّ الطبيعة التي تقع موضوعاً للحكم في المطلق تختلف سنخاً عن الطبيعة التي تقع موضوعاً للحكم في العمومات، فإنَّه في باب المطلق ينصب لحاظ المولى في عالم الجعل على ذات الطبيعة بقطع النظر عن حصّصها وأفرادها الخارجية، إلَّا أنّه حيث يتعلق الحكم بهذه الطبيعة، في المرتبة المتأخّرة عن لحاظ المولى وعالم جعله الذي هو مرحلة الانحلال والانطباق على الأفراد، حيث إنَّ الطبيعة تسري بذاتها إلى تمام الأفراد فيسري حكمها بتبع سريانها إلى تمام الأفراد، فهذه مرحلة متأخّرة عن عالم لحاظ المولى في عالم الجعل والتشريع. 

وأمّا في باب العموم فالأمر على العكس، فإنَّ الأفراد بنفسها في عالم لحاظ 

ــــــــــ[310]ــــــــــ

(1) المحاسن ‏2: 495، باب الجبن، الحديث 596.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المولى في مقام الجعل والتشريع، ويكون التقييد منصباً على الأفراد ابتداءً. وقد تقدّم في بحث العموم والإطلاق بعض الثمرات المترتبة على اختلافهما في هذا النحو من اللحاظ. 

وحينئذٍ فإذا ورد دليل بلسان الإطلاق، وقال: (أكرم العالم)، فيقبل التقييدات التي تكون واردة على الطبيعة ابتداءً؛ لأنَّ أكرم العالم يدلّ على أنَّ المولى لاحظ ذات الطبيعة وجعل عليها وجوب الإكرام، فالتقييد المحصّص للطبيعة بما هي ومضيّقاً لها بذاتها، لا بأس به بالنسبة إلى هذا الخطاب إذا قامت القرينة عليه، وأمّا التقييدات التي تكون قيودها واردة ابتداءً بحسب المتفاهم العرفي، على الأفراد والحصص الخارجية لا على الطبيعة، فرض مثل هذه التقييدات في خطاب (أكرم العالم)، يحتاج إلى عناية ومؤونة زائدة على مؤونة أصل التقييد، وهي مؤونة اكتشاف أنَّ المولى قد لاحظ الأفراد(1) هنا، بالرغم من أنَّ اللفظ المطلق لا يدلّ على هذا المطلب.

وهذا بخلافه في باب العمومات، فإن مثل هذا التقييد لا يكون فيه مؤونة زائدة على مؤونة أصل التقييد؛ لأنَّ نفس أداة العموم تدلّ على أنَّ المولى لاحظ الأفراد وعلّق عليها الحكم، وأداة العموم بنفسها قرينة على ملاحظة الأفراد، هذه هي المقدمة. 

بناءً على هذا، لو كان دليلنا على أصالة الحل هو مثل قوله: “كُلْ مَا يَكُونُ 

ــــــــــ[311]ــــــــــ

() ويُستكشف ذلك بنفس ورود التقييد على الأفراد ابتداءً ويُعلم أنَّ المولى لاحظ الموضوع كما يلاحظه في باب العام. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فِيهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَهُوَ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْرِفَ الحَرَامَ بِعَيْنِهِ فَتَدَعَهُ“.(1). فيمكن أن يقال في المقام: إنَّ هذا عموم وقد لاحظ فيه المولى كلّ فرد فرد من أفراد المشكوكات، وحكم عليه بأنّه حلال. ومقتضى الإطلاق الأفرادي هذا، هو أنَّ كلّ طرف للعلم الإجمالي حلال لأنّه فرد من أفراد المشكوك، ومقتضى الإطلاق الأحوالي هو أنَّ حليته ثابتة مطلقاً سواء شرب الآخر أو لا.

فهنا حيث أنَّ العقل حكم بحرمة المخالفة القطعية، نرفع اليد عن الإطلاق الأحوالي ونخرج عن الإطلاق أقل مقدار ممكن وهو حالة شرب الآخر، ونتحفظ على الباقي، ونتيجته هو الالتزام بحليتين مشروطتين بترك شرب الآخر، وهذا أحسن من أن يرفع اليد عن العموم الأفرادي رأساً؛ لأنَّ في ذلك مؤونة أزيد، ولا موجب له بعد إن كان المحذور ويرتفع بتقييد الإطلاق الأحوالي، إلَّا أنَّ الرواية لم تكن هكذا، بل كانت بعنوان: (كلّ شيء يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال) فموضوع الحلّية ليس هو المشكوك، بل هو الجامع الذي يكون فيه حصّة محرّمة وحصّة محلّلة كالجبن، فهذا الجامع يكون حلالاً ما لم تعلم بالحرام بعينه، فإذا فُرض أنَّ موضوع الحلّية كان هو الطبيعي، بمعنى: أنَّ العموم الأفرادي في قوله: (كلّ شيء) لم يُسر الحكم في لحاظ المولى إلى كلّ جبن جبن، بل أسرى الحكم إلى كل طبيعة طبيعة(2)، ذات أفراد بعضها

ــــــــــ[312]ــــــــــ

() المحاسن ‏2: 495، باب الجبن، الحديث 596. 

(2) فكأنه يقول: الجبن المشكوك حلال حتّى تعلم… واللبن المشكوك حلال حتّى تعلم… (المحاضرة). (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

 محرّم وبعضها محلّل. إذن، فموضوع الحكم مطلق في المقام وهو الجامع بين هذه الأفراد. فالموضوع ليس هو كلّ جبن جبن، وكلّ لبن لبن بنحو العموم، بل طبيعي الجبن واللبن بنحو الإطلاق. 

فإذا كان الأمر كذلك، وتعذّر التحفّظ على الإطلاق الأفرادي والأحوالي في هذا الدليل، بل للزوم المخالفة القطعية، فهل يقال حينئذٍ: بأننا نقتصر على مقدار الضرورة في التقييد، فنرفع اليد عن الإطلاق الأحوالي دون الأفرادي، فنلتزم بثبوت حليتين لفردين كلّ منهما مشروطة بترك الآخر(1)؟

نقول: بأنَّ هذا غير صحيح؛ وذلك لأنَّ المقام من باب المطلق لا من باب العام، ومثل هذه التقييدات مصبها الأفراد ابتداءً، تقييد هذا الفرد من الجبن بترك الآخر وبالعكس. واستكشاف هذا التقييد لا يكفي فيه مجرّد التحفّظ على الإطلاق الأفرادي، بل يحتاج إلى قرينة على المؤونة الزائدة وهي مؤونة لحاظ الأفراد، فهذا التقييد الذي تريدون أن تقتصروا به على أقل مقدار ممكن، وأن لا ترتكبوا مؤونة زائدة قد ارتكبتم مؤونة زائدة؛ لأنَّ هذا التقييد يستبطن لحاظ المولى للأفراد لا محالة، حتّى يتصوّر تعلّق التقييد بها، ومثل هذا اللحاظ مؤونة زائدة لا يفي بها الإطلاق الثابت بمقدّمات الحكمة. إذن، فمثل هذا التقييد ليس على مقتضى القاعدة. 

ونفس هذا يقال أيضاً في (رفع ما لا يعلمون) وغيره من الألسنة، لو سُلّم شموله لأطراف العلم الإجمالي؛ لأنّه بالإطلاق لا بالعموم، فإنَّ الرفع تعلّق 

ــــــــــ[313]ــــــــــ

() حلّية هذا الجبن مشروطة بترك ذاك الجبن وبالعكس. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

بطبيعة (ما لا يعلمون) من دون نظر إلى الأفراد، فالالتزام بالتحفّظ على الإطلاق الأفرادي للرفع مع تقييد الأحوالي يستلزم ارتكاب مؤونة زائدة، وهي كون الأفراد تحت لحاظ المولى مع أنّه لا قرينة على ذلك. 

نعم، هذا البيان لا يأتي في مثل قوله: “كُلُّ شَيْءٍ هُوَ لَكَ حَلاَلٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرامٌ(1) فإنّه هناك الأفراد تحت لحاظ المولى بقرينة كلّ، وكذلك (كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي) لو قيل بشموله لأطراف العلم الإجمالي، فيكون التقييد المزبور لا بأس به في ذلك المقام. هذا هو الوجه الأوّل.

الوجه الثاني: وعليه المعتمد في دفع شبهة التخيير 

وهو أيضاً يحتاج إلى توضيح أمورٍ: 

الأمر الأوَّل: هو أنَّ الخطابات التكليفية لها في العادة مدلولان عرفيان: أحدهما مدلول انشائي والآخر مدلول تصديقي إخباري، فحينما يقول المتكلّم: (صلِّ)، فالمدلول الإنشائي هو إيجاب الصلاة، والمدلول التصديقي الإخباري هو الكشف عن وجود مبادئ الوجوب من الإرادة والمصلحة ونحوها. 

كذلك في قوله لا تشرب الخمر أو لا تكذب، أيضاً هناك مدلول إنشائي ومدلول تصديقي إخباري وهو الكشف عن مبادئ الحرمة، وكذلك في خطابات الحلّية نحو: أحلّ لك أن تشرب الماء، مدلوله الإنشائي هو إطلاق العنان والترخيص والمدلول التصديقي الإخباري وهو إبراز علم وجود غرض ملزم وكون المولى على حدّ سواء من حيث الفعل والترك. هذا في الحلّية الواقعية. 

ــــــــــ[314]ــــــــــ

(1) الكافي 5: 313، كتاب المعيشة، باب النوادر، الحديث 40.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وأمّا في الحلّية والوجوب والحرمة الظاهرية، فأيضاً يكون لها مدلول إنشائي، وهو الإلزام تارةً في نحو: (احتط لدينك)، وإطلاق العنان أخرى في نحو (رفع ما لا يعلمون). 

وأمّا المدلول التصديقي الإخباري لقوله: (احتط لدينك) يعني: أنا أهتم بالواقع المشكوك، وأمّا (كل شيء حلال) فيفهم العبد منه أنَّ المولى لا يهتم بالواقع المشكوك، فالاهتمام وعدمه مدلول تصديقي عرفي لدليل أصالة الاحتياط والحل. 

الأمر الثاني: الذي لا بُدّ وأن يُعلم في المقام هو: أنَّ خطابات الوجوب التخييري تتصوّر على نحوين من حيث المدلول الإنشائي ومن حيث المدلول التصديقي، فمن حيث المدلول الإنشائي تارةً يكون الخطاب إلزاماً بالجامع بين الفعلين، نحو: (ائت بإحدى الصلاتين)، وتارةً بلسان الإلزام بكلّ منهما مشروطاً بترك الآخر نحو: (ائت بالظهر إن لم تأت بالجمعة وبالعكس). هذا بحسب المدلول الإنشائي. 

وكذلك بحسب المدلول التصديقي أيضاً الوجوب التخييري على نحوين، فإنّه تارةً يكون هناك ملاك واحد قائم بالجامع ما بين الفعلين، وأخرى يكون هناك ملاكان قائمان بفعلين غاية الأمر كلّ منهما مشروط بترك الآخر، كما هو في باب الترتّب من الجانبين. 

والفرق بينهما عملي بحسب الخارج؛ إذ مع فرض وحدة الملاك لا يوجد إلَّا عقاب واحد، ومع فرض تعدّده لو تركهما معاً لعوقب بعقابين.

ــــــــــ[315]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وأمّا من حيث المطابقة بين المدلول الإنشائي والتصديقي، فلا إشكال في أنَّ المولى إذا استعمل اللسان الأوَّل من المدلول الإنشائي، وقال: (ائت بأحدهما)، فهذا مدلوله التصديقي عبارة عن ملاك واحد قائم بالجامع، وأمّا إذا استعمل اللسان الثاني للمدلول الإنشائي، وقال: (إئت بالظهر إن لم تأت بالجمعة وبالعكس). فلعلّ الأنسب لذلك هو أن يكون هناك ملاكان قائمان بكلا الفعلين، كلّ منهما مشروط بترك الآخر، وإن كان أيضاً لا يأبى عن الوجه الأوّل.

نفس هذا الكلام نقوله في باب الحلّية الواقعية، فإنّها أيضاً لها لسانان يمكن أن يقول المولى: أرخصك في إحداهما دون الآخر، فيكون الترخيص ترخيصاً بالجامع، ويمكن أن يكون الترخيص بلسان الترخيصين المشروطين، ترخيص في هذا إن لم تفعل ذاك وفي ذاك إن لم تفعل هذا، فإنّه إذا كان المولى يريد كُلّاً منهما في طرف ترك الآخر، فهو يقول هكذا: إذا فعلت هذا أرخصك في هذا وبالعكس، فتكون الحلّية بلسان الترخيص بالجامع ويكون للمولى محبوب واحد وهو أحدهما لا بعينه، والآخر يكون مرخصاً فيه. ويتصوّر أن يكون للمولى محبوبان ومباحان، المحبوب الأوّل هو هذا لو ترك ذاك، والثاني بالعكس. إذن، ففي ظرف ارتكاب كُلٍّ من المحبوبين يكون الآخر مباحاً لا محالة، فيكون هنا مباحان مشروطان لا محالة. هذا أيضاً يتصوّر في باب الحلّية الواقعية.

وأمّا في باب الحلّية الظاهرية، فمن حيث اللسان، فقد يقول المولى: بأنّي أرخصك في أحد طرفي العلم الإجمالي، وقد يقول: بأنّي أرخصك في هذا إن لم 

ــــــــــ[316]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

تفعل ذاك وبالعكس. كلا اللسانين يمكن للمولى أن يستعملهما. إلَّا أنّه بحسب المدلول التصديقي لخطاب العلّيّة، لا يتصوّر هنا إلَّا مدلول تصديقي واحد له، وهو عبارة عن وجود ملاك واحد في الجامع بينهما لا ملاكين مشروطين في كلّ منهما. وهذا الذي نقوله بناءً على طريقتنا في فهم الأحكام الظاهرية؛ لأنّنا لا نفهم الأحكام الظاهرية بأنها جعول تقدّم المصلحة في نفس الجعل، حتّى تكون كلا الصورتين متصوّرة.

بل نقول: بأنَّ الأحكام الظاهرية هي نتيجة التزاحم بين الأحكام الواقعية المختلطة، الملاكات الترخيصية واللزومية المختلطة، في مقام الحفظ على المكلّف خارجاً، فالتزاحم هنا بين الغرض اللزومي الذي يقتضي توسعة دائرة الحفظ لحسابه وذلك بالحكم بوجوب الاحتياط في كلّ من مرتبة حرمة المخالفة القطعية ومرتبة وجوب الموافقة القطعية، ومزاحمه هو الغرض الترخيصي الذي يقتضي توسعة دائرة الحفظ؛ وذلك بجعل الإباحة والبراءة في كلّ من المرتبتين أيضاً. 

وحينئذٍ يقع التزاحم بين هذين الغرضين، لو فُرض أنَّ الغرض اللزومي كان أهم من الترخيصي، فلا محالة يجعل الحكم على طبق الغرض اللزومي.

 ومعنى إجراء الأصول على وجه التخيير هو أنَّ مرتبة حرمة المخالفة القطعية أهم من الغرض الترخيصي، لكن مرتبة وجوب الموافقة القطعية، الغرض الترخيصي أهم منه.

 إذن، ففي مقام التزاحم أثّر الغرض اللزومي في المنع عن الترخيص في تمام الأطراف، في المخالفة القطعية، وأثر في إيجاب الموافقة الاحتمالية. وأمّا في 

ــــــــــ[317]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المرتبة الثانية وهي وجوب الموافقة القطعية فبالعكس، فالغرض الترخيصي أثر في المقام. 

إذن، فبحسب الحقيقة هنا يوجد اهتمام واحد للمولى، وهو اهتمامه بأن يتحفظ على الواقع المشكوك بمرتبة حرمة المخالفة القطعية، ويوجد لا اهتمام واحد للمولى، وهو أنّه لا يهتم بالتحفظ زائداً على هذه المرتبة، وهي مرتبة الموافقة القطعية، يعني: غير مهتم بالموافقة القطعية، فهنا عنده بحسب الحقيقة لا اهتمام واحد واهتمام واحد، فإنّه يهتم بأن يؤتى بالنهاية لا بعينه تحفظاً على المرتبة الأولى من الغرض اللزومي ولا يهتم بأن يؤتى بالآخر لا بعينه؛ وذلك لأن الغرض الترخيصي أهم بلحاظ المرتبة الثانية.

فمرجع الحالة فيما إذا فرض أنَّ المولى يجعل الأصول بنحو التخيير، إلى مرتبة ناقصة من الاهتمام بالواقع المشكوك، في قبال أن يجعل وجوب الاحتياط في تمام الأطراف الذي هو المرتبة التامّة من الاهتمام أو البراءة فيها الذي هو معنى اللا اهتمام بقول مطلق.

 وهنا مرتبة ناقصة وهي الاهتمام بمقدار المرتبة الأولى واللا اهتمام زائداً على ذلك، فهذا هو المدلول التصديقي لخطاب الحلّية التخييرية، وهو هذه المرتبة الناقصة من اهتمام الشارع.

إذا اتضح هذا كلّه نأتي إلى اقتناص النتيجة فنقول: إنّنا إذا تمسّكنا بالإطلاق الأفرادي لدليل أصالة الحل، ورفعنا اليد عن إطلاقه الأحوالي، فأنتج حليتين مشروطتين، حلّية كلّ منهما إن تركنا الآخر.

ــــــــــ[318]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وقد قلنا: إنَّ للحلية المجعولة في أصالة الحل مدلول تصديقي عرفي وهو عدم الاهتمام، فمعنى أن هذا حلال: إني لا اهتم به، فلو التزمنا بالتبعيض في المدلول الإنشائي، فتبعاً لذلك نلتزم بالتبعيض في المدلول التصديقي لا محالة، يعني كما أنَّ الحلّية مشروطة عدم الاهتمام أيضاً يكون مشروطاً، يعني: أنا لا أهتم بهذا إذا ترك ذاك ولا اهتم بذاك إذا ترك هذا. 

فينتج بلحاظ المدلول التصديقي هنا عدم اهتمام، وكلّ منهما مشروط بترك الآخر، بحيث لو تركا معاً فمقتضى ظاهر الدليل أنَّ المولى لا يهتم بكلّ منهما، فعدم الاهتمام في كلّ منهما قد تحقّق شرطه، ولو فعلا معاً، كان مقتضى ظاهر الدليل، أنّه لا عدم الاهتمام هنا ولا هناك، فيختلف حال هذين المدلولين التصديقيين بترك الطرفين وفعلهما بحسب الخارج، مع أنَّ هذا المدلول التصديقي غير معقول في موارد الحلّية الظاهرية، فإنّنا قلنا: بأنَّ ما يُعقل في موارد الحلّية الظاهرية ليس هو أن يكون هناك ملاكان حقيقيان للإباحة الظاهرية، كلّ منهما مشروط بترك الآخر؛ بل ليس هنا إلَّا ملاك واحد، وهو مرتبة ناقصة من الاهتمام، وهذه المرتبة الناقصة من الاهتمام لا يختلف في حالها في أنَّ المكلّف يأتي بكلا الطرفين أو يتركهما أو يأتي بأحدهما، فالنسبة إلى عالم المدلول التصديقي وعالم ملاك هذه الحلية، لا يختلف الحال بالفعل والترك. 

لو فعل أحدهما وترك الآخر. إذن، فهذا قد حقّق تلك المرتبة الناقصة من اهتمام المولى وارتكب المباح أيضاً؛ لأنَّ المرتبة الزائدة مباحة وقد ارتكبها، لو فعلهما معاً. إذن، فقد فرّط بهذه المرتبة الناقصة من الاهتمام، ولو تركهما معاً فقد تحفظ على هذه المرتبة الناقصة من الاهتمام، لا أنّه إذا تركهما معاً تزول هذه 

ــــــــــ[319]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

المرتبة الناقصة من الاهتمام، بل تستوفي وتمتثل خارجاً.

إذن، فتعقّل التخيير لا يكون إلَّا بأن نقلب المدلول التصديقي بعد التقييد، بعد أن نقيّد حلّية كلّ منهما بقيد ترك الآخر، نقول: مجموع هاتين الحليتين المقيدتين لهما مدلول تصديقي واحد وهو المرتبة الناقصة من الاهتمام.

 وهذا معقول لو تكفّل خطاب واحد لهاتين الحليتين المقيدتين بعنوانهما، كما لو قال المولى ابتداءً في أطراف العلم الإجمالي: لا بأس أن تأكل هذا الجبن إذا تركت ذاك وبالعكس، فيكون المدلول التصديقي لمثل هذا الخطاب، هو عبارة عن إبراز المرتبة الناقصة من الاهتمام بالواقع المشكوك. 

إلَّا أنَّ هذا لا يتصوّر في محلّ الكلام؛ إذ في محلّ الكلام، المدلول الانشائي في نفسه مطلق، والمدلول التصديقي للمدلول الإنشائي هو عبارة عن عدم الاهتمام لا عبارة عن الاهتمام الناقص، فالمدلول التصديقي للحلية هنا هو عدم الاهتمام وللحلية هناك أيضاً عدم الاهتمام، غاية الأمر ورد تقييد من ناحية حكم العقل أو الارتكاز في المقام، بحيث نعلم أنّه لا يمكننا الأخذ بالإطلاق في كلا الطرفين إنشائياً وتصديقياً، وهذا لا يوجب بمقتضى صناعة الاستدلال أن نقلب المدلول التصديقي، ونغيّره إلى مدلول تصديقي آخر غير عرفي يناسب مع المدلول الإنشائي.

بل إن أمكننا التحفظ على المدلولين التصديقين مع تقييدهما، فهو. وإن لم يمكننا ذلك فنفهم من ذلك أننا لا يمكننا أن نعمل بهذا الدليل عرفاً؛ لأنَّ تأويل المدلول التصديقي يحتاج إلى قرينة. 

ــــــــــ[320]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وهذه هي نكتة الفرق بين مثل هذا الخطاب ومثل خطاب (أكرم كلّ عالم) الذي استشهد به المحقّق العراقي والمحقّق النائيني وغيرهم حين بينوا هذه الشبهة.

هناك لو علمنا بأنَّ زيداً وعمراً معاً ليسا واجبي الإكرام بالوجوب العيني المطلق بحيث أحدهما يجب إكرامه ولو أكرمنا الآخر، هناك لا بأس بالالتزام بالتقييد، بأن نتحفظ على العموم الأفرادي ونرفع اليد عن الإطلاق الأحوالي. وينتج عن ذلك الالتزام إنشاء بوجوبين مشروطين وملاكاً، بملاكين مشروطين، حيث إنَّ التبعيض في المدلول التصديقي هناك أمر معقول بأن يفرض أنَّ المولى له غرضان لزوميان أحدهما في إكرام زيد، حيث لا يكرم عمرو، والآخر في إكرام عمرو حيث لا يكرم زيد.

 هذا أمر معقول، فلو خلينا نحن وخطاب: (أكرم كلّ عالم) لكنا نستفيد منه أنَّ زيداً يجب إكرامه مطلقاً، وأنَّ الملاك ثابت فيه مطلقاً، وأن عمرو أيضاً كذلك، ولكن حيث علمنا بعدم الإطلاق في أحدهما، نلتزم بالتبعيض في كلّ منهما من المدلولين الإنشائي والتصديقي ولا مانع من ذلك. 

وأمّا في المقام فإن التبعيض في المدلول الإنشائي يساوق التبعيض في المدلول التصديقي لا يعقل التبعيض في المقام، بل لا بُدّ من استبداله بمدلول تصديقي آخر.

 وأصل الشبهة نشأت عن الغفلة عن أن هذا الدليل له مدلول تصديقي، يعني: قصر النظر على المدلول الإنشائي، وقيل: بأنَّ الحلّية قابلة للتقييد في كلّ منهما. نعم، الحلّية قابلة للتقييد ولكن المدلول التصديقي غير قابل له، بل لا بُدّ 

ــــــــــ[321]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فيه من التأويل. ولا قرينة على التأويل، تأويل عدمي الاهتمام بالاهتمام الناقص، وهذا تأويل لا قرينة عليه عرفاً. وعليه فالتخيير في دليل الأصل على خلاف القاعدة. 

كان خلاصة الوجه الثاني(1): أنّنا لو أجرينا التخيير في المقام وقيّدنا الحلّية في كلّ من الطرفين بقيد ترك الآخر، فلا محالة يكون المدلول التصديقي لدليل الحلّية مقيّداً أيضاً، تبعاً للمدلول الإنشائي، والمدلول التصديقي له هو إبراز عدم اهتمام المولى بالواقع المشكوك، وحينئذٍ ينتج عن تقييد المدلول الإنشائي تقيّد المدلول التصديقي بالتبع، فتكون في هذا الطرف حلّية مشروطة ورائها عدم اهتمام مشروط بترك الأخذ، وكذلك في الطرف الآخر.

 والجمع ما بين هاتين الحليتين المشروطتين وإن كان لا يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية -كما بُيّن- لكن هذا الجمع بينهما يستوجب افتراض مدلول تصديقي غير معقول في نفسه؛ لأنَّ المدلول التصديقي لهاتين الحليتين المشروطتين، هو عدم الاهتمام بهذا إذا ترك ذاك وبالعكس. وإن شئتم قلتم: اهتمامان مشروطان، بحيث لو تركهما معاً لتحقق شرط عدمي الاهتمام في كلّ منهما، فيكون المولى غير مهتم لا بهذا ولا بهذا، وإذا فعلهما معاً يكون قد انتفى شرب عدم الاهتمام في كلّ منهما، فالمولى يهتم بهما معاً. وإذا فعل أحدهما دون الآخر، فيكون المولى مهتماً بخصوص ما ترك دون ما فعل. 

ــــــــــ[322]ــــــــــ

() لخّص أولّاً الوجه الثاني الذي سبق في دفع شبهة التخيير إثباتاً. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وهذا المطلب غير معقول؛ لأنّنا ذكرنا أنَّ باب الحلّية التخييرية الظاهرية من باب الحلّية التخييرية الواقعية، التي قد ترجع إلى حليتين مشروطتين ذات ملاكين مستقلين، كلّ منهما مشروط بعدم ارتكاب الآخر. فإنَّ الحلّية الظاهرية تنشأ من إعمال قوانين باب التزاحم بين الأغراض اللزومية والترخيصية في مقام الحفظ بعد اختلاط بعضها ببعض، فيرجع معنى الحلّية الترخيصية إلى أنَّ المولى يقدّم الغرض اللزومي على الغرض الترخيصي ويهتم به، ولكن اهتماماً ناقصاً.

 وهذه مرتبة متوسطة بين عدم الاهتمام بقول مطلق المساوق لإجراء أصول الترخيص في كلا الطرفين إجراءً مطلقاً وبين الاهتمام بقول مطلق الذي يناسب الحكم بوجوب الاحتياط في تمام الأطراف، فهذه مرتبة ناقصة من الاهتمام، مرتبة تقديم الغرض اللزومي على الترخيصي بمقدار حرمة المخالفة القطعية لا أكثر، فالمولى مهتم بالواقع بمقدار هذه المرتبة لا أكثر.

هذا المطلب، يعني: اهتمامه الناقص هذا، لا يُختلف فيه بين أن يترك المكلّف كلا الفعلين أو يأتي بهما معاً أو يترك أحدهما دون الآخر، فإنَّ هذا التحديد لمرتبة الاهتمام ناشئ من التزاحم بين الأغراض، ولا دخل لفعل العبد في المقام، بحيث(1) إنَّ العبد فَعَلَهما معاً يزيد اهتمام المولى بالواقع المشكوك، فيصبح اهتمامه بدرجة وجوب الموافقة القطعية، ولو أنّه تركهما معاً يزول اهتمامه بالواقع المشكوك رأساً حتّى بمرتبة حرمة المخالفة القطعية، مثل هذا المطلب غير معقول في باب الحلّية الظاهرية التخييرية. 

ــــــــــ[323]ــــــــــ

() مثال للمنفي. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وحينئذٍ ليس لمن يدّعي التخيير إلَّا أن يقول بالتأويل في مرحلة المدلول التصديقي، بأن يُبدل هذا المدلول التصديقي بمدلول تصديقي آخر، ويقول: إنَّ هاتين الحليتين المشروطتين بمجموعهما لهما مدلول تصديقي جديد، غير ذلك المدلول التصديقي الذي كان ثابتاً بمقتضى ظهور اللفظ لولا إعمال شبهة التخيير، وهو عبارة عن إبراز المرتبة الناقصة من الاهتمام؛ ومن المعلوم أن هذا تأويل يحتاج إلى قرينة، ولا قرينة عليه. وهذه هي النكتة في عدم وفاء هذه الألسنة بحليتين مشروطتين. 

وهذا البيان يجري في (رفع ما لا يعلمون) ونحوه من الروايات، لو سُلّم جريانها في أطراف العلم الإجمالي. وهذا هو المعتمد في إبطال شبهة التخيير دون بياننا الأوَّل؛ لأنَّ ذاك البيان وإن كان تامّاً في قبال التقريب المتعارف لشبهة التخيير بالنحو الذي بيّناه، إلَّا أنّه يمكن لمحتال أن يحتال ويقرّب التخيير بنحو آخر بحيث لا يرد عليه جوابنا الأوَّل، أمّا هذا الجواب الثاني فهو ا لجواب الذي يدحض شبهة التخيير أساساً. 

هذا كلّه في جانب أصالة البراءة والحل ونحوهما.

النظر في دليل الاستصحاب

وأمّا في جانب الاستصحاب، فلا مجال لإجراء شبهة التخيير أساساً من أوّل الأمر؛ إذ ما معنى إجرائها في دليل الاستصحاب؟ معناه: أننا إذا علمنا أنَّ هذين المائعين طاهران في الزمان السابق، ثُمَّ علمنا بحدوث نجاسة فيه، فنقول: إنَّ كلّ واحد منهما مجرى للاستصحاب في نفسه ولا ينبغي أن ينقض 

ــــــــــ[324]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

يقينه بشكه،. غاية الأمر أنَّ الترخيص بالاستصحابين معاً يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية، فنقيّد كلاً من الاستصحابين بنحو يرتفع المحذور، فنقول: إنَّ هنا إطلاق أفرادي وأحوالي، فنتحفظ على الأفرادي ونرفع اليد عن الأحوالي، وينتج استصحابين مشروطين كلّ واحد بترك الآخر واجتنابه. 

هذا المعنى غير صحيح في دليل الاستصحاب رأساً؛ وذلك لأنَّ دليل الاستصحاب لسانه لسان الكاشفية، تُعُبِّد فيه بالحالة السابقة بإعمال عناية كاشفية اليقين السابق وأماريته عن بقاء المتيقّن بقيد “ولا ينبغي أن لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً(1)، فالمجعول فيه هو التعبّد بالبقاء بعنوان أمارية اليقين السابق والتعويل على كاشفيته. 

وهذه الكاشفية، بحسب الارتكاز العرفي ومناسبات الحكم والموضوع، لا يقبل العرف بما هو عرف أن تكون مقيّدة بترك الآخر، بأن يقول: إنَّ اليقين بالطهارة هنا يكشف عن البقاء لو تركت الآخر، أمّا لو فعلت ذاك فلا يكشف، وبالعكس أيضاً، مثل هذا التقييد لا يتعقّله العرف بما هو عرف، فإنّه بحسب ارتكازه لا يرى مناسبة بين القيد والمقيّد، فإنَّ المقيّد هو كاشفية اليقين السابق والقيد ليس له أيّ دخل في هذه الكاشفية، فلا يصلح أن يكون قيداً لها. 

فمثل هذا الارتكاز بنفسه يكون مانعاً عن التحفظ على الإطلاق الأفرادي وتقييد الإطلاق الأحوالي؛ إذ إنَّ ذلك يُنتج استصحابين مشروطين بهذا النحو 

ــــــــــ[325]ــــــــــ

(1) الفصول المهمة في أصول الائمة (الحر العاملي) 627:1، باب ان الشكّ لا ينقض اليقين، الحديث 1، مع اختلاف في الالفاظ.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

غير المناسب مع الارتكاز، فهنا يمكن أن يقال: بأنّنا نرفع اليد عن الإطلاق الأفرادي رأساً، وذلك لوجود القرينة على ذلك، وهو نفس هذا الارتكاز، فإنّه ومناسبات الحكم والموضوع بنفسها تكون صالحة أو محتمل الصلاحية -على أقل تقدير- لأن تكون قرينة على تقييد الإطلاق الأفرادي رأساً. 

فلا يقال: بأنَّ الضرورة تقدّر بقدرها، والبرهان إنَّما قام على عدم الإطلاق الأحوالي، فلماذا لا نتحفّظ على الإطلاق الأفرادي؟ إنَّما لا نتحفّظ من ناحية منافاته مع الارتكاز، ومن هنا لا يُقاس ذلك على ما لو وردت رواية تدلّ على جعل الاستصحاب بهذا النحو، فإنّها وإن كانت منافية مع الارتكاز إلَّا أنَّ منافاة الارتكاز ليست قبيحة من قبل الشارع، وإنَّما الارتكاز يكون من القرائن المحتفة بالكلام في مقام اقتناص معناه منه، فلو ورد دليل خاصّ لأخذنا به، لكن ليس عندنا دليل إلَّا التحفّظ على الإطلاق الأفرادي، وهو إنَّما يتحفّظ عليه إذا لم يكن هناك قرينة على الخلاف، وتصلح مثل هذا الارتكاز ومناسبات الحكم والموضوع لأن تكون قرينة على الخلاف. وحينئذٍ لا يكون في الاستصحاب إطلاق حتّى تجري شبهة التخيير. 

هذا تمام الكلام في إبطال شبهة التخيير.

ــــــــــ[326]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 






بقيت أمور جزئية

 

بقيت هناك أمور جزئية في نهاية البحث عن تنجيز العلم الإجمالي قبل الشروع في تنبيهاته، لا بُدّ من التعرّض لها: 

الأمر الأوَّل:

هو أنّه قد يقال: إنّنا لا نحتاج في مقام الترخيص في بعض أطراف العلم الإجمالي ورفع وجوب الموافقة القطعية، إلى إجراء شبهة التخيير، بل يمكننا أن نجري الأصول بلا تخيير ولا تقييد في تمام الأطراف، فنحكم بحلية هذا أو بالترخيص في تركه مطلقاً -لو كانت الشبهة وجوبية- وكذلك الآخر، كما لو علمنا إجمالاً بوجوب الظهر أو الجمعة، فنلتزم بجريان الأصلين النافيين في كلّ من الطرفين بلا قيد. ومحذور ذلك هو الترخيص في المخالفة القطعية الذي هو محال عندهم، والذي هو على خلاف الارتكاز العقلائي عندنا. 

هنا يقال: إن هذا المحذور لا يلزم، فإنَّ الجمع بين الترخيصين المطلقين في الظهر والجمعة لا يلزم منه الترخيص في المخالفة القطعية، لأنّه لا يلازم مع الترخيص في الجمع ما بين الفعلين، فهو يكون مرخصاً في هذا ومرخصاً في ذاك، ولكن مع هذا يكون الإلزام بالجامع ثابتاً عليه من قبل الشارع، وهو أحدهما لا بعينه. 

ــــــــــ[327]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فإنّنا لو لاحظنا موارد الواجب التخييري فيما إذا كان التخيير واقعياً، لوجدنا أنَّ كلّ واحد من الأطراف مرخص في تركه، لكنه لا تؤدّي هذه الترخيصات إلى الترخيص في ترك الجامع رأساً، بل الإلزام بالجامع يكون ثابتاً على كلّ حال. 

هذه الشبهة جوابها واضح في المقام؛ وذلك لأنّنا في باب الإلزام بالجامع بنحو صرف الوجود، إمّا أن ندّعي أنَّ هذا الإلزام ينحل إلى الإلزام بكلّ فرد، لكن إلزاماً ناقصاً مشوباً بجواز الترك إلى البدل. وإمّا أن نقول: إنَّ الإلزام بالجامع لا يسري إلى الأفراد ولو بهذا النحو المشوب بجواز الترك إلى البدل. 

فإن قلنا بأنَّ الإلزام بالجامع هو إلزام بكلّ فرد، ولكن مشوباً بجواز الترك إلى بدل، فحينئذٍ يكون جواز الترك بقول مطلق في هذا الفرد، وجوازه كذلك في الآخر، يلازم عقلاً مع جواز ترك الجامع رأساً وعدم الإلزام به؛ لأنّنا فرضنا أنَّ الإلزام بالجامع يساوق الإلزام بكلّ فرد بنحو مشوب بجواز الترك إلى بدل، فلو ثبت جواز ترك هذا بقول مطلق فيلازم ذلك عقلاً جواز ترك الجامع وعدم الإلزام به، وهو معنى الترخيص في المخالفة القطعية. 

وأما لو قلنا بعدم سراية الإلزام المتعلّق بالجامع، بنحو صرف الوجود إلى الافراد ولو بهذا النحو من السراية، فحينئذٍ لا ملازمة عقلية -كما ذكر في الشبهة- بين الترخيصين المطلقين في كلّ من الفردين مع الإلزام بالجامع؛ لأنَّ الإلزام بالجامع لا يسري إلى الأفراد، إلَّا أنّه مع هذا يكون دليل الترخيصين المطلقين نافياً للإلزام بالجامع بالملازمة العرفية لا العقلية؛ لأنَّ العرف لا يتعقّل 

ــــــــــ[328]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

مثل هذا التفكيك؛ ومن هنا يفهم العرف من مثل هذا الكلام، كما لو قال المولى: أنت مرخص بأن تشرب الماء ولو شربت الخل، وبالعكس. 

يفهم العرف من ذلك الترخيص في الجامع ما بينهما، وإن كان لا ملازمة عقلاً بين هذا وبين عدم الإلزام بالجامع، إلَّا أنَّ العرف يفهم من الترخيصين المطلقين في الفعلين الترخيص في الجمع ما بينهما، أي: عدم الإلزام ما بينهما، ومع هذه الملازمة العرفية، ومعه يكون إجراء الأصول في تمام الأطراف، مؤدّياً ولو بلحاظ هذه الملازمة العرفية، إلى الترخيص في المخالفة القطعية، وهو محذور عقلي عندهم، ومحذور ارتكاز عقلائي عندنا. 

الأمر الثاني:

هو أننا ذكرنا فيما سبق أنَّ دليل الأصل -أيّ أصل- لا يشمل أطراف العلم الإجمالي بحيث يؤدي إلى الترخيص في المخالفة القطعية. لا لأجل أنَّ الترخيص بها محذور عقلي يحكم العقل باستحالته، فإننا برهنّا على عدم هذه المحذورية، بل لأنَّ هذا خلاف الارتكاز العقلائي، فإنَّ هذا الارتكاز قاضٍ بوجود المناقضة ما بين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال وبين الترخيص بالمخالفة القطعية. وبيّنا فيما سبق نكتة هذا الارتكاز العقلائي بحيث أصبح هذا الارتكاز كالقرينة المتصلة المانعة عن تمامية انعقاد الإطلاق في دليل الأصل في الشمول لأطراف العلم الإجمالي. 

هنا قد تأتي شبهة، وحاصلها: أنَّ هذا البيان إنَّما يتم بلحاظ كلّ دليل دليل من أدلّة الأصول، يعني: دليل الاستصحاب في نفسه، ودليل أصالة الحِلّ في 

ــــــــــ[329]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

نفسه لا يشمل كلا طرفي العلم الإجمالي لوجود الارتكاز على خلافه، لكن هناك فرض آخر وهو ما إذا كان عندنا علم إجمالي أحد طرفيه مجرى للاستصحاب في نفسه النافي للتكليف والطرف الآخر مجرى لأصالة الحل.

 هنا هل يمكن إجراء الاستصحاب النافي في هذا الطرف، وإجراء أصالة الحل النافية في ذلك الطرف؟ لا. أمّا عند الأعلام الذين يقولون بأنَّ الترخيص في المخالفة القطعية قبيح ومحال بحكم العقل فوجهه واضح؛ لأنّه لا يفرّق في الاستحالة العقلية، بين أن يثبت الترخيص في المخالفة القطعية، أو أن يثبت بدليلين، فإنَّ المحال بالنهاية لا يمكن أن يثبت، فلا بدَّ من الالتزام بسقوط هذين الدليلين. 

وأمّا بناءً على مبنانا، فقد يقال: بأنَّ لازم مبنانا هو الالتزام بجريان هذين الأصلين؛ لأنَّ كلاً من الدليلين في نفسه قد انعقد له إطلاق يشمل هذا الطرف؛ لأنَّ شموله لهذا الطرف ليس على خلاف الارتكاز، كما أنَّ دليل الأصل أيضاً انعقد له إطلاق يشمل ذاك الطرف؛ لأنَّ شموله له وحده ليس على خلاف الارتكاز، فإنَّ الارتكاز إنَّما منع من انعقاد ظهور له في الشمول لتمام أطراف العلم الإجمالي، ولم يمنع عن ظهوره للشمول بدحضها. إذن، فظهوره في الشمول لبعض الأطراف منعقد في نفسه، فكلا الظهورين تامّ في المقام. 

يبقى هذين الظهورين حجّة أو لا؟ ومعلوم أنَّ كلّ ظهور ينعقد حجّة أقوى في قباله، ولا حجّة أقوى في قبال هذا؛ إذ ليس في قبال هذين الظهورين الارتكاز، والارتكاز في نفسه ليس حجّة، وإنَّما يكون كقرينة يغيّر من ظهور 

ــــــــــ[330]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الكلام ويكون من العوامل المؤثرة في كيفية فهم المعنى من اللفظ. 

أمّا إذا لم يصبح عاملاً مؤثراً وانعقد الظهور لا يجوز رفع اليد عنه لأجل أنَّ هذا ممّا لا يقبله العرف في نفسه، فإنَّ الارتكاز العرفي ليس حجّة في قبال كلام المولى، وإنَّما هو مؤثر في تحديد دائرة ظهور كلام المولى، ففي المقام حيث يُفرض بأنَّ الظهورين منعقدان في أنفسهما لا مانع من الأخذ بهما. 

إلَّا أنَّ هذا الكلام غير صحيح؛ وذلك: هذا الارتكاز من قبل العرف، يجعل ملازمة ارتكازية عرفية بين الترخيص في كلّ طرف ونفي الترخيص في الطرف الآخر. وهذه الملازمة وإن لم تكن عقلية لكنّها عرفية تنشأ من نفس هذا الارتكاز. وهذه الملازمة الارتكازية العرفية توجب دلالة التزامية لفظية في كلّ من الدليلين على نفي الترخيص في الآخر. كلّ من دليل الاستصحاب ودليل أصالة الحل يدلّ بالالتزام على نفي الترخيص الآخر؛ لأنَّ وجوده يستلزم عدم ذاك استلزاماً عرفياً ارتكازياً، وكما أنَّ الملازمة العقلية ملاك في الدلالة الالتزامية كذلك الملازمة العرفية. 

وعليه فلا تأتي هذه الشبهة بالنسبة إلى المبنى الذي اخترناه. 

هذا هو الأمر الثاني الذي لا بُدّ وأن يُفرغ عنه. 

الأمر الثالث:

من الأمور التي لا بُدّ من التعرّض لها قبل الشروع في تنبيهات المسألة:

هو أنَّ السيّد الأستاذ نهج في بحث هذه المسألة منهجاً خاصاً، حيث ذكر في تحقيق منجّزيّة العلم الإجمالي: أنَّ التكليف -أيّ تكليف مولوي- لو لوحظ في 

ــــــــــ[331]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

نفسه ولم يحصل هناك مؤمّن عقلي أو شرعي في مخالفته، فهو مورد لاحتمال العقاب؛ إذ لا نافي لهذا الاحتمال إلَّا المؤمّن العقلي والشرعي، وحيث يقع مورد الاحتمال العقاب، فيستقل العقل بمنجّزيّة هذا التكليف لما فيه من احتمال العقاب، وبوجوب إطاعته وامتثاله، فإنَّ ملاك المنجّزيّة وحكم العقل بوجوب الإطاعة والامتثال هو مجرّد احتمال العقاب، ولا يحتاج في ذلك إلى الجزم بالعقاب، حيث قد لا يتفق الجزم بالعقاب حتّى في موارد التكاليف المعلومة فضلاً عن المشكوكة والمحتملة؛ إذ يُحتمل مع ذلك عدم العقاب، ولو بملاك العفو والشفاعة ونحوها.

فملاك المنجّزيّة حتّى في التكاليف المعلومة ليس إلَّا احتمال العقاب. غاية الأمر أنَّ هذا الملاك في التكاليف المعلومة أشدّ منه في التكاليف المشكوكة، حيث إنَّ احتمال العقاب في التكاليف المعلومة أقوى منه في التكاليف المشكوكة؛ إذ في التكليف المشكوك قد لا يكون التكليف موجوداً واقعاً أصلاً فيكون العقاب منتفياً بنحو السالبة بانتفاء الموضوع.

 وأمّا في التكاليف المعلومة فلا يحتمل المكلّف أن لا يكون التكليف موجوداً بحسب الخارج، فلا يحتمل السالبة بانتفاء الموضوع. نعم، يحتمل السالبة بانتفاء المحمول، أي: انتفاء العقاب بالعفو ونحوه. 

فمن هنا استخلص أنَّ ملاك المنجّزيّة وحكم العقل بوجوب الإطاعة هو احتمال العقاب حتّى في موارد العلم. واحتمال العقاب موجود في التكليف المشكوك لولا المؤمّن العقلي والشرعي، وإنَّما يكون الرافع للعقاب أحد هذين المؤمَّنَيْن.

ــــــــــ[332]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

وحينئذٍ، ففي موارد العلم الإجمالي ينحصر جهة البحث، في أنّه هل هناك مؤمّن أو لا؟ بعد فرض أنَّ التكليف في نفسه مورد لاحتمال العقاب. ومعنى هذا هو البحث في جريان الأصول وعدمه، دون حاجة إلى البحث في أنَّ العلم الإجمالي ماذا يؤثّر وينجّز؟ وكيف يؤثّر وينجّز؟ بل نبحث عن جريان الأصول وعدمه، وبمقدار ما نثبت من الأصول نرفع اليد عن قاعدة منجّزيّة احتمال العقاب، وبمقدار ما لا نثبت نبقى تحت تلك القاعدة. 

[مناقشة السيّد الأستاذ]

هذا الكلام ممّا لا يناسب صدوره من السيّد الأستاذ: 

وذلك لأنَّ احتمال العقاب ليس ملاكاً للمنجّزيّة ولحكم العقل بوجوب الإطاعة والامتثال، ولا مساوقاً لهذا الحكم العقلي، فإنّه:

من حيث النسبة الرتبية، احتمال العقاب مترتّب على حكم العقل بوجوب الإطاعة وحكمه بالمنجّزيّة، لا أنَّ حكمه بذلك مترتّب على احتمال العقاب، فإنّه والمرتبة السابقة على احتمال العقاب لا بُدّ وأن يفرض أنَّ التكليف قد دخل في دائرة حقّ المولى -على حدّ تعبيرنا- فإذا استقل العقل بدخوله في دائرة حقّ الطاعة، حينئذٍ يترتّب احتمال العقاب، لا أنَّ دخوله في دائرة حقّ الطاعة فرع احتمال العقاب، فإنَّ مجرّد ورود الأذى من الآمر إلى المأمور لا يوجب كون الأمر داخلاً في دائرة حقّ الطاعة بالمعنى الأخلاقي لوجوب الإطاعة. 

نعم، هناك وجوب آخر جبلّي ارتكازي من باب الفرار والهروب من الأذى، وهو يتفق حتّى في أوامر الجبابرة والطواغيت، إذا أمروا وألزموا 

ــــــــــ[333]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

بالعقاب. فهناك، نعم، يكون وجوب الإطاعة بحكم العقل من باب التحفظ على الجبلّة وحب النفس والفرار من الألم؛ وجوب الإطاعة بهذا الملاك التكويني مترتّب على احتمال العقاب، إذ لو لم أحتمل العقاب على مخالفة أمر هذا الجبار لا تحكم جبلتي بوجوب إطاعته. 

إلَّا أنَّ هذا غير وجوب الإطاعة والمنجّزيّة الثابتة لأحكام المولى الحقيقي، فإنَّ وجوب الإطاعة الثابت له هو الوجوب الأخلاقي لا الوجوب الجبلّي، أي الوجوب المُدرَك للعقل العملي، المدرك لقبح الظلم وحسن العدل، لا الوجوب الذي يكون من باب غريزة حب البقاء(1).

 ومثل هذا الوجوب يقع موضوعاً لاحتمال العقاب، لا أنّه يقع محمولاً له، فما أفيد خلط بحسب الحقيقة بين الوجوب الجبلّي والأخلاقي. 

هذا من حيث النسبة الرتبية. 

وأمّا من حيث المورد: فالنسبة ما بين احتمال العقاب، وبين حكم العقل بوجوب الإطاعة والمنجّزيّة هو العموم من وجه، فقد يكون احتمال العقاب موجوداً ولا يكون التكليف منجّزا، وقد يكون التكليف منجّزاً ولا احتمال للعقاب، فالنسبة بينهما عموم من وجه. كيف ذلك؟

قد يكون التكليف منجّزاً ومع هذا لا يحتمل الإنسان العقاب؛ لأنّه يقطع بالشفاعة أو بالتوبة بإخبار معصوم مثلاً، فهو يقطع بأنّه لن يترتّب عقاب على هذه المعصية، ومع هذا فإنَّ التكليف بالنسبة إليه منجّز، بحيث لو ارتكبه لكان فاسقاً.

ــــــــــ[334]ــــــــــ

() يعني الوجوب المدرك بالعقل العملي. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

 وكذلك قد يتفق العكس، بأن يكون احتمال العقاب موجوداً ولكن التكليف مع هذا غير منجّز، كما لو أنَّ شخصاً شكّ في قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، بين مبنانا ومبنى الآغايون، لا يدري أنَّ دائرة حقّ الطاعة هل يشمل التكاليف المشكوكة أو يختصّ بالتكاليف المعلومة؟! وأمّا في المشكوكة تجري قاعدة (قبح العقاب بلا بيان).

 وافرضوا أنَّ الواقع هو قول الآغايون لا قولنا، يعني الواقع جريان قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) وأنَّ حقّ الطاعة الثابت للمولى مخصوص بخصوص التكاليف المعلومة دون المشكوكة. 

فهنا العبد يحتمل العقاب؛ لأنّه يحتمل كون التكليف منجّزاً عليه لسعة دائرة حقّ الطاعة، لكنه في الواقع غير منجّز عليه؛ لأنَّ دائرة حقّ الطاعة للمولى ضيقة لا تشمل التكاليف المشكوكة، فاحتمال العقاب موجود ولكن التكليف غير منجّزاً في الواقع، فالنسبة بينهما بحسب الخارج هو العموم من وجه أيضاً.

وعليه فلا بُدّ وأن يقال: بأنَّ احتمال العقاب في التكليف ملاكه هو منجّزيته ووجوب إطاعته عقلاً، لا أنَّ ملاك منجّزيته ووجوب إطاعته هو احتمال العقاب.

ثُمَّ ما معنى قوله: إنَّ احتمال العقاب في التكاليف المعلومة أقوى من احتماله في المشكوكة، إذ في التكاليف المعلومة لا يحتمل السالبة بانتفاء الموضوع وفي المشكوكة يحتمل ذلك. 

هذا لا يناسب مع ما بنى وبنينا عليه من استحقاق المتجرّي للعقاب. وإلَّا 

ــــــــــ[335]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فمع استحقاق المتجرّي للعقاب يكون تمام الموضوع لاستحقاقه هو الوجود التصديقي في عالم النفس، وأمّا مطابقته للواقع وعدم مطابقته لا دخل له أصلاً في ترتيب العقاب وعدمه، بل تمام ما هو الموضوع للعقاب احتمالاً أو ظنّاً أو قطعاً إنَّما هو الوجود التصديقي في عالم النفس، ومطابقته للواقع ليس له دخل في هذا الملاك أصلاً، كما مرّ في بحث التجرّي(1).

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين(2).

ــــــــــ[336]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: بأنَّ الوجود التصديقي إذا كان بدرجة الشكّ، كمية العقاب تكون أقلّ لا أصل احتمال العقاب، وفرق بين زيادة الكمية وما بين أصل الاحتمال. هو يقول: بأنَّ الاحتمال يكون هناك أقوى لانتفاء احتمال انتفاء السالبة بانتفاء الموضوع، وإلَّا فإنَّ الكمية في التكاليف المعلومة أيضاً تختلف بعض المعلومات عن بعض باعتبار شدّة الملاك في بعضها وضعفها في البعض الآخر. (المُقرِّر). 

(2) وانظر بقية المحاضرة في الدفتر السادس عشر. (المُقرِّر).

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 







تتمة مباحث العلم الإجمالي

 

ثُمَّ(1) لو قُطع النظر عمّا قلناه فأيّ منهج للبحث هذا، فإنّه يقول هكذا: إنَّ التكليف المحتمل -بقطع النظر عن كلّ مؤمّن عقلي وشرعي- مورد لاحتمال العقاب، فهو ممّا يستقل العقل بمنجّزيته ووجوب إطاعته. إذن، فالبحث يجب أن ينصب في أنّه هل هناك مؤمّن أو لا؟ دون أن نبحث عن أنَّ العلم الإجمالي منجّز ومؤثر؟ وبأي مقدار يكون منجّزاً ومؤثراً؟ 

ما مراده من هذه القاعدة الأوّلية التي فرضها، وهي أنَّ التكليف المحتمل في نفسه لو لا المؤمّن العقلي والشرعي لكان مورد للعقاب. هو يريد: أنَّ التكليف المحتمل لو لا المؤمّن العقلي، يعني: لو لا كبرى قاعدة قبح العقاب بلا بيان يكون مورداً لاحتمال العقاب، يعني: لو لم تكن هذه الكبرى موجودة. نعم، هذا صحيح، فإنَّ كلّ تكليف محتمل لولاها ولو لا كبرى أصالة البراءة وأصالة الحلّ يكون مورداً للعقاب المحتمل، إلَّا أنَّ مثل هذه القاعدة قد خرجنا عنها لا محالة بقاعدة أخرى أخص منها، فقد فرغنا في بحث البراءة عن تمامية قاعدة قبح العقاب.. على مبانيهم، فانقلبت القاعدة الأولى اللَّوْلائيّة، منجّزيّة 

ــــــــــ[337]ــــــــــ

(1) كان تاريخ الشروع في البحث بتاريخ الاثنين: 24/6/ 1386هـ، 11تشرين الأوّل 1966.

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

التكليف لو لا المؤمّن العقلي، إلى قاعدة المؤمّن العقلي. 

وحينئذٍ فيجب أن نبدأ من هنا ونقول: بأنَّ هذه القاعدة تحكم بقبح العقاب ما لم يكن بيان، فهل هناك بيان أو لا؟ والشيء الذي يترقب بيانيته في المقام إنَّما هو العلم الإجمالي بمقدار منجزيته، فلا بدَّ وأن يقع البحث عن مقدار بيانية العلم الإجمالي ومنجّزيته. 

ولا معنى لأن نجعل قاعدة البحث هنا قاعدة قد فرغنا عن انقلابها إلى قاعدة أخرى في بحث سابق.

وإن أراد بقاعدة العقاب بالتكليف المحتمل لو لا المؤمّن العقلي، أي: لو لا صغرى المؤمّن العقلي، أي: لو لا اللابيان يكون التكليف مورداً للعقاب. يعني: أنَّ التكليف الذي يكون عليه البيان مورد للعقاب. هذا لا ينبغي أن يُجعل أصلاً في المقام؛ لأنَّ الكلام في أنَّ التكليف هنا هل تمّ عليه بيان أو لم يتم؟ هل تمّ بلحاظ المرتبة الأولى أو المرتبة الثانية؟ إذن، فلا معنى لأن يجعل القاعدة هو قاعدة العقاب على التكليف المحتمل لو لا المؤمّن العقلي والشرعي، ويحصر البحث في جريان الأصول وعدمه. 

والصحيح هو ما ذكرناه من اتخاذ منهجين على مسلكين: فإنّه على مسلك المشهور القائلين بقاعدة قبح العقاب بلا بيان. حينئذٍ يقال: بأنَّ هذه القاعدة جارية لو لا العلم الإجمالي. إذن، فنحتاج إلى إثبات مقتضٍ للتنجز، وبيان يصحّحه.

 وهذا البيان نأخذه من العلم الإجمالي، فيقع البحث أوّلاً في أنَّ العلم الإجمالي هل يقتضي التنجّز ويخرج المورد وعن قاعدة قبح العقاب أو لا؟ وبأيّ 

ــــــــــ[338]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

مقدار يخرج، هل بمقدار المرتبة الأولى فقط أو بمقدار المرتبتين؟

ثُمَّ بعد هذا يقع البحث في أنَّ هذه المنجّزيّة الثابتة للعلم الإجمالي. أهي منجّزيّة بنحو العلّية بحيث يمنع عن جريان الأصول الشرعية، أو بنحو الاقتضاء بحيث لا يمنع عن جريان الأصول الشرعية.

وأمّا بناءً على ما بنينا عليه من إنكار قاعدة قبح العقاب، وتبديلها بقاعدة منجّزيّة الاحتمال، إذ نرى أنَّ الاحتمال بنفسه منجّز ويدخل التكليف تحت دائرة حقّ الطاعة للمولى؛ بناءً على هذا يكون المقتضي للتنجز مفروغاً عنه، إذ لا أقل من الاحتمال في مقام اقتضاء التنجّز، فالمنجّز لحرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية موجود في المقام. 

فيقع الكلام حينئذٍ في أنَّ الأصول الشرعية هل تجري في المقام أيضاً كما تجري في سائر الشبهات البدوية وترفع بذلك منجزية الاحتمال، أو أن العلم الإجمالي هنا له نحو تأثير بحيث يمنع عن جريان الأصول؟

 فيقع الكلام في مانعية العلم الإجمالي في مانعية جريان الأصول وعدم مانعيته في مرتبة حرمة المخالفة القطعية ومرتبة وجوب الموافقة القطعية.

ثُمَّ إنّه قد تحقّق من أوّل البحث إلى آخره أنَّ الصحيح في باب العلم الإجمالي أنّه ليس علّة تامّة لا لحرمة المخالفة القطعية ولا لوجوب الموافقة القطعية، بحيث إنّه لا يأبى عن مجيء الترخيص في تمام الأطراف شرعاً فضلاً عن مجيئه في بعض الأطراف.

 نعم، هو مقتضٍ لكلا المرتبتين، بحيث لو لم يكن هناك ترخيص من قبل 

ــــــــــ[339]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

الشارع لحكم العقل بوجوب تحصيل الجزم بالإتيان بالتكليف الواقعي المردّد بين الطرفين. إذن، فهو مقتضٍ من حيث المانعية الثبوتية.

ثُمَّ بعد هذا تحقّق أن هذا المقتضي لم يقترن بالمانع في مرتبة حرمة المخالف القطعية، فإنَّ العلم الإجمالي وإن كان مقتضياً لهذه المرتبة إلَّا أنَّ المانع وهو الترخيص الشرعي لم يوجد؛ لأنَّ أدلة الأصول بحسب مقام الإثبات قاصرة عن الشمول لتمام أطراف العلم الإجمالي. إذن، فتمت علّة التنجيز؛ لأنَّ المقتضي موجود وهو العلم الإجمالي والمانع مفقود وهو أدلة الأصول، ومن هنا حكمنا بحرمة المخالفة القطعية.

وأما بلحاظ وجوب الموافقة القطعية فالأمر فيه أيضاً كذلك، فإنَّ العلم الإجمالي مقتضٍ لها والمانع أيضاً مفقود؛ لأنَّ المانع هو الترخيصات الشرعية، وأدلة الأصول لا ترخص في ترك الموافقة القطعية؛ لأنَّ نسبتها إلى كلا الطرفين على حدّ واحد، فجريانها في كلا الطرفين خلف ما فرضنا أوّلاً من عدم الترخيص في المخالفة القطعية، والجريان في البعض دون البعض ترجيح بلا مرجح. وشبهة التخيير أيضاً مدفوعة على ما بينا، فلا بُدّ من الالتزام بالتساقط، وبعد التساقط يصير المقتضي للتنجيز موجود والمانع مفقود فتجب الموافقة القطعية.

نعم، يقع البحث في بعض التفريعات: فيما لو وجد أصل في أحد الطرفين دون الآخر، أو وجدت أصول متعدّدة طولية حاكمة أو محكومة. وكل هذه التفريعات تأتي في التنبيهات. وإلَّا بقطع النظر عن هذه الاستنادات مقتضى طبع القضية هو وجوب الموافقة القطعية.

 

ــــــــــ[340]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

 

الفهرس

 

بحث دوران الأمر بين المحذورين 13

المقام الأول: فيما إذا كانت الواقعة واحدة وكان الحكم توصّلياً فيهما معاً 13

في جريان الأصول الشرعية في المقام 18

تحقيق الحال في المقام 21

جريان حديث الحل في صورة دوران الامر بين المحذورين 27

جريان حديث الرافع في المقام 30

جريان دليل الاستصحاب في المقام 35

صورة ما إذا كان لأحد الطرفين مزيّة 36

المقام الأوّل: فيما إذا كانت المزيّة في الاحتمال 37

المقام الثاني، فيما إذا كانت المزيّة في المحتمل 40

المقام الثاني: فيما إذا كان أحدهما تعبدياً 44

كلام مع المحقّق العراقي، مع تحقيق الحال 47

[الكلام الأوّل مع المحقّق العراقي] 48

[الكلام الثاني مع المحقّق العراقي] 55

ذكر نكتة تساعد على حل المسألة 61

ــــــــــ[341]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

فيما إذا كان للطرف العبادي مزيّة 67

إعادة للنكتة السابقة 71

المقام الثالث: فيما إذا كانت الواقعة متعدّدة 81

المقام الأوَّل: في أصل البحث عن تنجز العلم الإجمالي 83

[ما أفاده المحقّق الاصفهاني] 84

[الاعتراض على ما ذكره الاصفهاني] 86

المقام الثاني: في حال العلمين التدريجيين 90

الكلام في منجّزيّة العلم الإجمالي 103

الكلام على المسلك المختار 106

المقام الأوّل: الكلام في المانعية الثبوتية في الترخيص بالمخالفة القطعية 106

[أمّا مدرسة المحقّق النائيني] 110

نقل كلام المحقّق الخراساني في المقام ومناقشته 116

موقف المحقّق العراقي في المقام ومناقشته 121

[الإشكال على ما أفاده المحقّق العراقي] 127

الإشكال الأوّل 127

الإشكال الثاني 129

الإشكال الثالث 131

في المانعية الثبوتيةعن الترخيص في بعض الأطراف 132

[المقام الثاني] الكلام في المانعية الاثباتية مع بيان المختار 133

ــــــــــ[342]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

إعادة وتلخيص للوجه المختار 142

[النكتة الأولى] 143

[النكتة الثانية] 148

تحرير وتوضيح الوجه المختار 153

[تلخيص ما تقدّم] 163

[المقام الأول: في مانعيته عن جريانها في تمام أطرافه] 163

المقام الثاني: في مانعية العلم الإجمالي عن جريان الأصول في بعض الأطراف 166

[إشكالان في المقام] 168

التحقيق على المسلك المختار 171

الكلام على المسلك المشهور 174

[قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)] 174

[أوّلاً:] في حرمة المخالفة القطعية 176

كلام للمحقّق العراقي ودفعه 178

[ثانياً:] في مرتبة وجوب الموافقة القطعية 181

[مباني تصوير هوية العلم الإجمالي] 183

كلام الآخوند حول هوية العلم الإجمالي ومناقشاته 183

مسلك المحقّق الأصفهاني حول ذلك ومناقشته 184

مسلك المحقّق العراقي ومناقشته 187

ــــــــــ[343]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

تحقيق حال هذه المباني وذكر تصوير العلم الإجمالي 190

[إعادة وتلخيص] 195

في إيجاب العلم الإجمالي للموافقة القطعية على هذا المسلك 199

[في القول على المسلك المختار على تقدير التسليم بقاعدة قبح العقاب] 200

في القول على المسالك الأخرى 207

[في القول على مسلك المحقّق العراقي] 210

في تنجيز العلم الإجمالي للموافقة القطعية في الشبهات الموضوعية 214

في مسلك الميرزا في (أجود التقريرات) وهو أنَّ العلم الإجمالي لا اقتضاء فيه لمرتبة الموافقة القطعية 222

[مناقشة ما أفاده الميرزا] 225

مسلك المحقّق العراقي في العلّية 228

[إنَّ العلم الإجمالي مؤثر في وجوب الموافقة القطعية مطلقاً] 229

التقريب الأوّل للعراقي ومناقشته 230

[مناقشة ما تقدم] 232

التقريب الثاني للعراقي ومناقشته 236

في القول بالاقتضاء والعلّية 243

الجانب الحَلّي 243

الجانب النقضي: ما نقضه الميرزا على آقا ضياء 249

في إشكال آغا ضياء على الميرزا من ناحية جعل البدل 255

ــــــــــ[344]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

نقوض المحقق العراقي على الميرزا 261

النقض الأوّل 261

جوابه 262

النقض الثاني: النقض بالتخيير (يعني: جريان الأقوال في تمام الأطراف تخييراً) 266

الكلام في شبهة التخيير وإلزام القائل بإمكان الترخيص في بعض الأطراف 271

الجواب الأوّل: جواب الميرزا على شبهة التخيير ومناقشته 272

الجواب الثاني: جواب السيّد الأستاذ ومناقشته 276

[الكلام في مقامين] 278

[المقام الأوّل] 279

[المقام الثاني] 286

الجواب الثالث لشبهة التخيير ومناقشته 289

الجواب الرابع لشبهة التخيير ومناقشته 292

الجواب الخامس لشبهة التخيير ومناقشته 294

الجواب السادس لشبهة التخيير ومناقشته 297

تحقيق الجواب عن شبهة التخيير 304

النظر في دليل الحلّ 305

الوجه الأوّل: [في أخبار أصالة الحلّ والاستصحاب] 305

الوجه الثاني: وعليه المعتمد في دفع شبهة التخيير 314

ــــــــــ[345]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16 

النظر في دليل الاستصحاب 324

بقيت أمور جزئية 327

الأمر الأوَّل 327

الأمر الثاني 329

الأمر الثالث 331

[مناقشة السيّد الأستاذ] 333

تتمة مباحث العلم الإجمالي 337

الفهرس 341

ــــــــــ[346]ــــــــــ

التقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج16