أدوات النص
0 / 0 لا توجد نتائج
علم أصول الفقه ج17

محاضراتفي علم أصول الفقه

الجزء السابع عشر

 

261

ص44 الصدر، محمد.

محاضرات في علم أصول الفقه/ محمد الصدر.-ط.1- النجف الأشرف: هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر، 2024.

ج17 (584ص.)؛ 17×24سم.

  1. الفقه الإسلامي -أصول- 2- الفقه الإسلامي – المذهب الإمامي الشيعي – أ- العنوان.

رقم الإيداع

1721/2024

المكتبة الوطنية/ الفهرسة أثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق في بغداد (1721) لسنة 2024

رقم الإيداع الدولي 

3-39-737-9922-978

جميع حقوق النشر محفوظة ومسجلة للناشر ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة أو جهة إعادة طبع أو ترجمة أو نسخ الكتاب أو أي جزء منه تحت طائلة الشرع والقانون 

هيئة تراث الشهيد السعيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف

07706062778

manager@alturaath.com

alturaath.43@gmail.com

محاضرات 

في 

علم أصول الفقه 

تقريراً لأبحاث 

سماحة آية الله العظمى الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

بقلم 

سماحة الحجة آية الله العظمى 

الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

بإشراف مقتدى بن السيد محمد الصدر 

الجزء السابع عشر  

هيئة تراث الشهيد السعيد السيد محمد الصدر قدس سره

النجف الأشرف 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بسمه تعالى 

كان لزاماً علينا أن ننشر هذه الكتب القيّمة لما تضم من علم وافر وفكر عال ووعي كبير وفائدة جمّة للمجتمع كافة…فان فكر السيد الوالد (قدس) يضم جواهراً كثيرة لا بد علينا من نشرها فهي تصب في بناء مجتمع إسلامي…

وبعد طول انتظار قام بعض الفضلاء والمؤمنين وبإشراف مباشر منا بتنضيد وتصحيح وتدقيق هذه المؤلفات الجليلة القدر لتخرج للنور فيشع شعاعها على المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها فجزاهم الله خيراً.

علماً ان كل كتاب له (قدس) لا تضم مقدمة لنا فهو ليس صادر عنا على أن يكون المخول من قبلنا لطباعة هذه الكتب هم:- ((هيئة تراث السيد الشهيد)) في النجف الأشرف أو من يحمل تخويلاً خطياً منا

مقتدى الصدر

ــــــــــ[5]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

تنبيهات العلم الإجمالي

ويحتوي على:

  • التنبيه الأوّل: في الطرفين المترتبين
  • التنبيه الثاني: في جريان الأصل في أحد الطرفين
  • التنبيه الثالث: في الشبهة غير المحصورة
  • التنبيه الرابع: في انحلال العلم الإجمالي:
  • التنبيه الخامس: في علاقات العلوم الإجمالية بعضها مع بعص
  • التنبيه السادس: إذا كان لأحد الأطراف أثر زائد
  • التنبيه السابع: فيما إذا كان العلم الإجمالي تعبدياً علماً أو معلوماً 
  • التنبيه الثامن: في العلم الإجمالي في التدريجات:
  • التنبيه التاسع: في الاضطرار إلى بعض أطراف العلم الإجمالي

ــــــــــ[11]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 




  • التنبيه العاشر: في الخروج عن محل الابتلاء
  • التنبيه الحادي عشر: في اثبات وجوب الموافقة القطعية بالاستصحاب 
  • التنبيه الثاني عشر: في ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة

ــــــــــ[12]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 











التنبيه الأوّل: في الطرفين المترتبين

 

  • إشكال في المقام
  • جواب المحقّق العراقي ومناقشته

ــــــــــ[13]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 







التنبيه الأوّل(1): [في الطرفين المترتبين]

 

لو علم إجمالاً بأحد تكليفين يكون أحدهما مترتباً على عدم الآخر، فهل يكون مثل هذا العلم منجّزاً أو لا؟ مثلاً: وجوب الحج مترتب على عدم وجوب الوفاء بالدَّين؛ إذ لو وجب الوفاء لكان رافعاً للاستطاعة مثلاً، فلو علم إجمالاً إنّه إمّا يجب عليه الوفاء بالدَّين أو يجب عليه الحج، فأحد طرفي العلم الإجمالي -وهو وجوب الحج- مترتب على عدم الوفاء بالدَّين. وقد يمثل له أيضاً: بما لو نذر بأن يصوم إن لم يجب عليه وفاء الدَّين، فيحصل له علم إجمالي، حيث يشك أنّه هل عليه دين أو لا؟ إنّه إمّا يجب عليه الوفاء بالدَّين أو الصوم المنذور، فهل يكون مثل هذا العلم الإجمالي منجّزاً، أو أن كون أحد طرفيه مترتباً على عدم الآخر يمنع عن تنجيزه؟

هذا الفرض ذكره المحقّق العراقي نقضاً على نفسه، على القول بعلية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية. حيث ذكر أنَّ هذا القول قد يتراءى أنّه يلزم منه محذور في هذا الفرض؛ لأنَّ المتسالم عليه في هذا الفرض بين الأصحاب أن هذا العلم الإجمالي ليس منجّزاً مع أنّه على القول بالعلية يترآءى 

ــــــــــ[15]ــــــــــ

(1) كان تاريخ الشروع في هذا البحث يوم الثلاثاء 25/6/1386 – 12/تشرين الأول/1966.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

كونه منجّزاً. فهذا اعتبره نقضاً وتالياً باطلاً لهذا القول، وذكر وجه كونه نقضاً ثُمَّ تصدى لدفع النقض، وبيان عدم منجّزيّة العلم الإجمالي في هذا المقام.

ومن هذه الناحية بدأنا التنبيهات بهذا التنبيه، فإنّه وإن كان مسألة مستقلة في نفسها -كما عنونها- إلَّا أنّها أيضاً من توابع بحث العلية والاقتضاء، فهو من توابع أصل المسألة ومتمّم لنقوضها. 

والوجه في كون هذا نقضاً على القول بالعلية، يتوقف توضيحه على استذكار أمرين:

الأمر الأوَّل: هو أنَّ القائل بالعلية يرى أنَّ العلم الإجمالي علة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، بحيث يستحيل مجيء الترخيص وإجراء الأصل النافي ولو في طرف واحد. نعم، هو لا يأبى عن إجرائه في أحد الأطراف بشرط تحقيق إحدى نكتتين: 

النكتة الأولى: جعل الطرف الآخر بدلاً عن التكليف المعلوم بالإجمال، أي: البناء تعبداً على أنَّ الطرف الآخر هو المصداق الواقعي للتكليف المعلوم بالإجمال، فلو ثبت تعبد بالبدلية والمصداقية من قبل الشارع وطبق التكليف المعلوم بالإجمال تعبداً على الطرف الآخر، فلا بأس بإجراء الأصل النافي في هذا الطرف، وهذا ما سمّاه بجعل البدل، وقد عرفنا حاله ممّا سبق.

النكتة الأخرى: التي تجيز في نظره إجراء الأصل النافي، هو أن ينحل العلم الإجمالي في نفسه، ومن جملة أسباب انحلاله عند المحقّق العراقي -على ما سوف يأتي في تنبيه الانحلال- هو جريان الأصل المثبت للتكليف في بعض 

ــــــــــ[16]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أطراف العلم الإجمالي. فحينئذٍ يبطل مفعوله وتزول منجزيته، ولا يبقى مانع عن جريان الأصل النافي في الطرف الآخر؛ لأنَّ المانع لم يكن إلَّا منجّزيّة العلم الإجمالي بنحو العلية، وقد زالت ببركة جريان الأصل المثبت في الطرف الآخر. وسيأتي تحقيقه في بحث الانحلال مع إشكاله.

 وأمّا إذا لم تتحقّق كلا النكتتين فلا يُعقل جريان الأصل النافي ابتداءً في بعض أطراف العلم الإجمالي. 

الأمر الثاني: أنَّ الفقهاء حينما يبحثون هذا الفرض، وهو العلم الإجمالي بوجوب وفاء الدَّين مثلاً، يقولون: بأنَّ هذا العلم الإجمالي غير منجّز، بل هذا المؤمن يجري الأصل النافي لوجوب الوفاء بالدَّين، وببركة ذلك يتنقح موضوع وجوب الحج، فينتج بالتالي أنّه لا يجب عليه الوفاء بالدَّين ويجب عليه الحج؛ لأنَّ وجوب الحج مترتب على نفي وجوب الوفاء بالدَّين، فإذا نفيناه بالأصل يتنقح بذلك موضوع وجوب الحج، فأصل نافٍ واحد ننفي به طرف ونثبت به بعد ذلك طرف آخر. ولا تجب الموافقة القطعية بالاحتياط بالحج ووفاء الدَّين معاً، بل يترك وفاء الدَّين والحج، هكذا يقول الفقهاء.

ــــــــــ[17]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 



إشكال في المقام

 

حينئذٍ وقع الإشكال في الجمع ما بين هذا الأمر الثاني الذي يقوله الفقهاء وذاك الأمر الأوَّل الذي يقوله المحقّق العراقي، حيث إنَّ مقتضى قول الفقهاء هو التمسّك ابتداءً بالأصل النافي للتكليف، وهو وجوب الوفاء بالدين، وفي طول ذلك يثبت وجوب الحج، مع أنَّ المحقّق العراقي يقول في الأمر الأوَّل: بأنّه يستحيل إجراء الأصل النافي والترخيص الظاهري في أحد أطراف العلم الإجمالي، ما لم يسبقه أحد أمرين: إمّا جعل الآخر بدلاً، أو انحلال العلم الإجمالي بجريان الأصل المثبت للتكليف في الطرف الآخر(1)، وهنا أصبح إثبات التكليف في الطرف الآخر في طول الأصل النافي لا أنَّ جريان الأصل النافي صار بع إثبات التكليف بالأصل في الطرف الآخر، فهذا خلاف القول بالعلية.

فكأنّه على القول بالعلية، يستحيل إجراء هذا الأصل النافي، فإذا استحال ــــــــــ[19]ــــــــــ

() وهنا يجري الفقهاء الأصل النافي قبل أن يحصل أيّ واحد من هذين الأمرين لا جعل البدل ثابت في الطرف الآخر، ولا الأصل المثبت للتكليف جار قبل الأصل النافي، نعم، هم بالأصل النافي يريدون إثبات التكليف في الطرف الآخر. وهنا أصبح… إلخ. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

جريانه صار العلم الإجمالي منجّزاً، ويجب موافقته القطعية، فيجب على هذا المؤمن أن يوفي دينه ويحج، مع أنَّ الفقهاء لا يلتزمون بذلك، فهذا هو توجيه النقض في المقام.

ــــــــــ[20]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 






جواب المحقّق العراقي ومناقشته

 

ثُمَّ تصدى المحقّق العراقي للذب عن هذا النقض، فذكر أنَّ التكليف المترتب -ولنفرضه وجوب الحج- فيه صور ثلاث: إمّا أن يكون مترتباً على العدم الواقعي لوجوب الوفاء بالدَّين، وإمّا أن يكون مترتباً على الأعم من العلم الواقعي ومن الترخيص (العدم الظاهري)، وإمّا أن يكون مترتباً على مجرّد المعذورية خارجاً سواء كان هناك تكليف في الواقع أو لم يكن، مجرّد المعذورية عقلاً هو تمام الموضوع لوجوب الحج.

أمّا على الاحتمال الأوَّل وهو أن نفرض أنَّ وجوب الحج ترتب على العدم الواقعي لوجوب الوفاء بالدَّين، فهنا لا يمكننا أن نجري أصلاً من الأصول غير التنزيلية في وجوب الوفاء بالدَّين؛ لأنَّ الأصل غير التنزيلي لا يثبت(1) العدم الواقعي، كما هو معنى كونه غير تنزيلي. ولكن لا بأس بأن نجري أصلاً تنزيلياً وهو الاستصحاب مثلاً، ونثبت به عدم وجوب الوفاء بالدَّين واقعاً، فنثبت العدم الواقعي بالتعبد الاستصحابي.

تقولون: إنَّ هذا خلاف القول بالعلية، إذ كيف تمسكتم بالأصل النافي قبل 

ــــــــــ[21]ــــــــــ

() لا تثبت موضوع وجوب الحج؛ لأنَّ الأصل غير التنزيلي لا يثبت العدم الواقعي. (محاضرة غد). (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أن تثبتوا الطرف الآخر بالأصل؟ فإنكم تثبتون ثُمَّ تنفون لا تنفون ثُمَّ تثبتون. 

هنا يجيب آغا ضياء ويقول: بأنَّ هذا الأصل التنزيلي الذي نتمسّك به له بحسب الحقيقة مجعولان: مجعول مطابقي وهو الرخصة والنفي ومدلول التزامي وهو وجوب الحج؛ لأنَّ وجوب الحج من الآثار الشرعية المترتبة على عدم وجوب الوفاء بالدين، والاستصحاب يتكفّل جعل المستصحب وجعل آثاره الشرعية لا محالة. إذن، فهذا الأصل يتكفّل مجعولين طوليين، أحدهما الرخصة في هذا الطرف والآخر إثبات التكليف هناك.

حينئذٍ نحن القائلون بالعلية نتمسّك بدليل الاستصحاب، بلحاظ مجعوله الثاني، لا بلحاظ مجعوله الأوَّل؛ لأنَّ تطبيق مجعوله الأوَّل يلزم منه المحال، فنتمسّك به بلحاظ مجعوله الثاني، وهو الإثبات، يعني: أنَّ دليل الاستصحاب في نفسه له ظهور في إثبات مجعوله الأوَّل وفي إثبات المجعول الثاني، لكن إثبات المجعول الأوَّل محال قبل الثاني، لكن إثبات المجعول الثاني قبل الأوَّل لا بأس به، فنتمسّك به أوَّلاً؛ لأنَّ المقتضي -وهو ظهور الدليل- موجود والمانع العقلي(1) مفقود، وبعد أن نثبته لا يبقى مانع عن إثبات المجعول الأوَّل؛ لأنّه بإثباتنا للمجعول الثاني، انحل العلم الإجمالي بجريان الأصل المثبت بالتكليف بالحج، وإذا انحل العلم الإجمالي لا يبقى مانع(2) عن الأخذ بالمجعول الأوَّل 

ــــــــــ[22]ــــــــــ

() وهو الترخيص في بعض الأطراف ولم يحصل؛ لأنَّ الجعل الثاني إثباتي لا ترخيصي (محاضرة الغد). (المقرِّر). 

(2) عن تطبيقه بلحاظ ظهوره في الجعل الأول لأن العلم الإجمالي يكون منحلاً فيبطل أثره ومنجزيته، (المحاضرة في غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

حينئذٍ لا يلزم من ذلك منافاة مع القول بالعلية(1).هذا في  الشقّ الأوّل.

وأمّا في الشقّ الثاني، وهو ما إذا فرضنا أنَّ وجوب الحج كان مترتباً على الأعم من النفي الواقعي والنفي الظاهري، فحاله حال الأوَّل، نفس التصحيح الذي يأتي هناك يأتي هنا، غاية الفرق ما بين القسمين: أنّه في الأوّل لم يكن بالإمكان إجراء الأصول غير التنزيلية، أمّا هنا فيمكن إجراؤها، يعني: حتّى أصالة البراءة والإباحة؛ وذلك لأنَّ موضوع الحكم بوجوب الحج هو الأعم من العدم الواقعي والعدم الظاهري، والعدم الظاهري يحرز بالأصل غير التنزيلي أيضاً(2).

وأمّا الشقّ الثالث: وهو ما إذا فرضنا أن الحكم بوجوب الحج مترتب على صرف المعذورية العقلية من ناحية وجوب الوفاء بالدين، سواء كان هناك وجوب في الواقع أو لم يكن.

إذا قلنا بهذا فيقول: بأن العلم الإجمالي هنا وإن كان موجوداً أيضاً إلَّا أنّه 

ــــــــــ[23]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: ألا يقول هو بسقوط الدلالة الالتزامية؟ 

فأجاب: لا يقول، بل يقول: بأنَّ الدلالة الالتزامية تبقى عل الحجّيّة حتّى بعد سقوط الدلالة المطابقية، على أنَّ هذا بحسب الحقيقة ليس دلالة التزامية ومطابقية، فإنَّ الاستصحاب ليس خبراً أمارة حتّى يقال: إنَّ له مدلول مطابقي ومدلول التزامي، بل دليل الاستصحاب يتكفّل جعل المستصحب وجعل آثاره الشرعية، يعني: حتى من يقول بعدم التبعية أيضاً يمكنه أن يقول بهذا الكلام لو لا إشكال آخر. (المقرِّر).

(2) وحينئذٍ لا بأس بجريان الأصول التنزيلية وغير التنزيلية، ووجه دفع مناقضتها مع القول بالعلية هو ما تقدّم، (محاضرة غد). (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

يستحيل أن يكون منجّزاً ببرهان عقلي يخرجه عن قانون العلية؛ وذلك لأنَّ العلم الإجمالي من شروط تنجيزه أن يكون قابلاً لأن ينجّز كلا طرفيه في عرض واحد، وهذا العلم الإجمالي يستحيل أن ينجز كلا الطرفين في عرض واحد(1)؛ لأنّه إن نجّز وجوب الوفاء بالدَّين زالت المعذورية العقلية من ناحيته فارتفع جزماً موضوع وجوب الحج، فيستحيل أن يكون منجّز الوجوب الحج، وإن لم ينجز وجوب الوفاء بالدَّين، فيمكن أن يكون منجزاً لوجوب الحج، فلا يُعقل أن يُنجّز الطرفين في عرض واحد، ومثل هذا العلم يسقط(2) عن المؤثرية؛ لأنَّ العلم الإجمالي إنَّما يكون منجّزاً لو كان صالحاً لتنجيز الواقع المعلوم على جميع تقاديره، وهذا غير صالح لذلك فيكون ساقطاً عن المنجّزيّة، فيكون جريان الأصل النافي لوجوب الوفاء بالدَّين من باب استحالة منجّزيّة مثل هذا العلم الإجمالي في المقام.

هذا خلاصة ما أفاده المحقّق العراقي في توجيه النقض وتتميم فتوى الفقهاء على مباني القول بالعلية.

وهذا الذي أفاده فيه مواقع للنظر.

منها: أنَّ ما ذكره في الصورة الأولى من جريان الأصل التنزيلي، بأن يتمسّك بدليل الاستصحاب بلحاظ المجعول الثاني أوَّلاً، ثُمَّ يتمسّك به بلحاظ المجعول الأوَّل، مبني على أن يكون دليل الاستصحاب أو نحوه من الأدلة 

ــــــــــ[24]ــــــــــ

() إذ بتنجيزه لأحد طرفيه يرتفع موضوع الآخر، (محاضرة غد). (المقرِّر).. 

(2) وفي مثل ذلك لا يُعقل القول بوجوب الموافقة القطعية (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

متكفّلاً لجعلين وتعبدين، أحدهما التعبد بالمستصحب والآخر التعبد بآثاره الشرعية والأحكام الشرعية المترتبة عليه. وهذا وإن كان هو ظاهر كلماتهم في مبحث الاستصحاب على ما يأتي -إن شاء الله- في مسألة الأصل المثبت.

إلَّا أنّه سوف يأتي أن هذا هو خلاف التحقيق، بل التحقيق، إنَّ دليل الاستصحاب لا يتكفّل إلَّا تعبداً وجعلاً واحداً، وهو التعبد بالمستصحب، يعني: ما كنا على يقين به فشكّكنا. ولا يتكفّل التعبد بآثار المستصحب لا الشرعية ولا العقلية ولا العادية، ومن هنا لا نقول بحجّيّة الأصل المثبت. غاية الأمر أنَّ الآثار الشرعية تترتب قهراً عليه لا بالتعبد، بنكتة نذكرها في بحث الأصل المثبت، وهي لا تجري في غير الآثار الشرعية، من الآثار العقلية والعرفية ونحو ذلك.

فترتب الآثار الشرعية على المستصحب ليس من باب تكفّل دليل الاستصحاب لجعلين طوليين، أحدهما جعل مورد الاستصحاب والآخر جعل الآثار الشرعية للاستصحاب، بل هناك جعل واحد لمورد الاستصحاب وتترتب عليه الآثار الشرعية قهراً، وعليه فليس عندنا جعلان يتكفلهما دليل الاستصحاب حتّى نثبت الثاني ثُمَّ نثبت الأوَّل.

وهذا الإشكال في دليل الاستصحاب في الصورة الأولى، وإن كان لا يتم، إلّا على مبنانا، إلَّا أنَّ روح هذا الإشكال في الأصول غير التنزيلية في الصورة الثانية يتم على تمام المباني، فإنَّ المحقّق العراقي في الصورة الثانية -وهو ما إذا كان وجوب الحج مترتباً على الأعم من العدم الواقعي والظاهري- أجاز إجراء الأصول التنزيلية وغير التنزيلية أيضاً كأصالة البراءة، مع أنه هناك لا يوجد 

ــــــــــ[25]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

جعلان حتّى على مبانيهم في أصالة البراءة في مثل هذا الفرض.

والنكتة فيه: هو أنَّ وجوب الحج مترتب على نفس جعل البراءة ترتباً واقعياً بحسب مفروض المسألة؛ لأنّه في فرض الصورة الثانية، وجوب الحج مترتب على الأعم من العدم الواقعي والظاهري لوجوب الوفاء بالدَّين، فالعدم الظاهري لوجوب الوفاء الذي هو معنى أصالة البراءة موضوع واقعي حقيقي لوجوب الحج، فوجوب الحج هنا يثبت من باب وجود موضوعه حقيقة لا من باب انبساط التعبد الموجود في (رفع ما لا يعلمون عليه)(1). 

 إذن، فكيف تقولون هنا: إنّنا نتمسّك بالمجعول الثاني لأصالة البراءة دون المجعول الأوّل؟! فإنّها ليس لها مجعولان بل لها مجعول واحد، وهذا المجعول يترتب عليه واقعة وحقيقة حكم الله الواقعي بوجوب الحج من باب ترتب الحكم على موضوعه الواقعي، فليس هنا مجعولان في دليل أصالة البراءة حتّى نثبت الثاني أوّلاً ثُمَّ نثبت الأوّل، بل هنا مجعول واحد، فإمّا أن تأخذوا به فقد خالفتم قانون العلية، وإمّا أن لا تأخذوا به فقد خالفتم ما عليه الفقهاء بالأمر الثاني. هذا النظر الأوَّل.

قلنا سابقاً(2) أن كلامه فيه مواقع للنظر:

الموقع الأوَّل: في تصويره رفع النقض في الشقّ الأوَّل، وذلك بأخذه 

ــــــــــ[26]ــــــــــ

() لأنَّ ثبوته ليس ثبوتاً تعبدياً، بل ثبوت واقعي حقيقي، لأنَّ موضوعه تحقّق بالوجدان، وهو الأعم من العدم الواقعي والظاهري. (المحاضرة). (المقرِّر). 

(2) قال بعد أن عنون المسألة وذكر كلام المحقّق العراقي كما سبق. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بظهور دليل الاستصحاب في المجعول الثاني، ثُمَّ أخذه بعد ذلك بالمجعول الأوَّل، بل طبّق ذلك أيضاً في الأصول غير التنزيلية في الشقّ الثاني. وقد قلنا بأنَّ هذا الكلام في الأصول التنزيلية -الاستصحاب- لا يتم على مبنانا، وإن فرض تماميته على مبنى المشهور، وأمّا في الأصول غير التنزيلية فلا يتم على كلّ مبنى، كما تقدم توضيحه سابقاً.

الموقع الثاني: من مواقع النظر فيما أفاده: هو أنّه في الشقّ الثاني، وهو ما إذا فرض ترتب وجوب الحج على عدم الدين واقعاً أو ظاهراً، يعني: على الجامع بين العدمين. هنا كأنّه أيضاً استعان بجوابه الذي دفعناه في مقام تصوير إجراء الأصل ودفع شبهة المناقضة بين ذلك وبين القول بالعلية، فإنّه أيضاً قال في الشقّ الثاني: إنَّ مقتضى القول بالعلية أن نتمسّك بدليل الأصل بلحاظ المجعول الطولي الثاني، ثُمَّ بعد ذلك نتمسك به بلحاظ المجعول الأوَّل. 

فأحال(1) التمسّك بالمجعول الأوَّل الترخيص ابتداءً؛ لأنَّ هذا ينافي العلم الإجمالي ومنجّزيّته بنحو العلية. مع أنّه في هذا الشقّ الثاني يستحيل أن يكون العلم الإجمالي مانعاً عن جريان الأصل النافي في طرف وجوب الوفاء بالدَّين وإن قلنا بالعلية للموافقة القطعية.

وبرهان هذه الاستحالة: هو أنَّ العلم الإجمالي إنَّما يكون مانعاً عن جريان الأصل الترخيصي في بعض أطراف العلم الإجمالي عند القائلين بالعلية، باعتبار كونه منجّزاً لتمام الأطراف. ومنجّزيته لتمام الأطراف فرع عدم انحلاله وتبدُّله 

ــــــــــ[27]ــــــــــ

() يعني اعتبره مستحيلاً. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بالعلم التفصيلي، وإلَّا فمع انحلاله وتبدله بالتفصيلي لا معنى لأن يقال بمنجزية العلم الإجمالي؛ إذ لا وجود له حينئذٍ حتّى يكون منجّزاً.

فمانعية العلم الإجمالي عن جريان أصالة البراءة وسائر الأصول المرخصة في ترك الدين، فرع منجّزيته لوجوب الموافقة القطعية، ومنجزيته لذلك فرع عدم انحلاله وتبدله إلى العلم التفصيلي بأحد الطرفين، وعدم انحلاله وتبدله، فرع عدم جريان الأصل المؤمِّن في الدَّين؛ إذ لو جرى الأصل المؤمِّن في الدَّين لتولّد بذلك العلمُ التفصيلي بوجوب الحج؛ لأنَّ المفروض في الشقّ الثاني أن وجوب الحج بوجوده الواقعي مترتب على الأعم من العدم الواقعي والعدم الظاهري، فبمجرّد أصالة البراءة عن الدَّين وصول هذا الأصل إلينا، يحصل لنا العلم التفصيلي بوجوب الحج، وهذا العلم التفصيلي يوجب انحلال ذلك العلم الإجمالي لا محالة، ورجوعه إلى العلم بوجوب الحج والشك بدواً في وجوب الوفاء بالدَّين. إذن، فالمانعية دورية.

فإنَّ مانعية العلم الإجمالي جريان الأصل المرخص في الدَّين، يتوقف على منجّزيته، ومنجّزيته يتوقف على عدم انحلاله وعدم انحلاله يتوقف على مانعيته إذ لو لم يكن مانعاً لجرى أصالة البراءة ومع جريانه يتولّد العلم التفصيلي، ومع تولّده ينحل العلم الإجمالي. إذن يستحيل أن يكون مثل هذا العلم الإجمالي مانعاً عن جريان أصالة االبراءة في ذلك الطرف يعني جريانها عن وجوب الوفاء بالدَّين. 

وإن شئتم قلتم: إنَّ جريان الأصل المرخص في بعض أطراف العلم الإجمالي، إنَّما لا يُعقل على القول بالعلية، إذا جرى مع انحفاظ العلم الإجمالي، 

ــــــــــ[28]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فإنّه حينئذٍ يصادم علية العلم الإجمالي، إلَّا أنَّ نكتته في خصوص هذا الشقّ الذي فرضه، تقتضي أنَّ جريان أصالة البراءة في الدَّين يوجب زوال العلم الإجمالي، ولا يكون العلم الإجمالي محفوظاً مع جريانه ليلزم المصادقة والمناقضة بين جريانه وبين قوانين العلية، التي يستقل بها العقل بحسب زعمهم.

فأصالة البراءة هنا، لا بأس بجريانها، بلا حاجة إلى التكلّف والتعسّف والتمسّك بالمجعول الثاني أوَّلاً ثُمَّ بالمجعول الأوَّل، بل يطبّق ابتداءً دليل البراءة بلحاظ ما يتضمنه من الترخيص والتسهيل على هذا الطرف ولا يكون العلم الإجمالي مانعاً عن ذلك؛ لأنّه إنَّما يكون مانعاً لو حفظ مع جريانه مع أنَّ المفروض مع جريان انحلاله، فلا تكون مانعيته عن جريان الأصل معقولة.

فكان ينبغي له أن يدافع عن القول بالعلية بهذا البيان، ويقول: بأنَّ القول بالعلية إنَّما يمنع عن جريان الأصل المرخص من بعض الأطراف، حيث يكون العلم الإجمالي محفوظاً في حالة جريان الأصل، لا حيث يزول تكويناً بمجرّد وصول هذا الأصل المرخص إلينا. لو أجاب بهذا لكان جواباً فنياً بلا حاجة إلى التعسّف.

وأما النظر الثالث فيما أفاده:

فهو أنّه في الشقّ الثالث وهو ما إذا كان وجوب الحج مترتباً على مجرّد المعذورية من ناحية الدين عقلاً بقطع النظر عن ثبوت الوجوب وعدمه، في هذا المورد تشكيل العلم الإجمالي في نفسه غير معقول، يعني: هنا ليس عندنا علم إجمالي، لا أنّه عندنا لكنه ليس بمنجّز كما ذكره، فإنّه بمقتضى طبع المسألة ما لم تُفرض عناية زائدة، لا علم إجمالي في المقام.

ــــــــــ[29]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

والبرهان على ذلك: أنّه إن ادُّعي وجود علم إجمالي هنا فما هو طرفاه؟ إمّا أن تقولوا: إنَّ طرفيه هما وجوب الحج ووجوب الوفاء بالدَّين، كما هو مفروض المسالة، قلنا: إنّه لا علم إجمالي، بمقتضى طبع المسألة بأحد هذين الشقين، إذ يحتمل المكلف عدم ثبوتهما معاً، وذلك: لو فُرض في المقام أنَّ وجوب الوفاء بالدَّين قد حصل له منجّز كاستصحاب شغل الذمة، وحيث إنَّ وجوب الوفاء بالدَّين تنجّز بالاستصحاب فالمعذورية غير موجودة. إذن، فوجوب الحج غير موجود؛ لأنَّ وجوبه مترتب على المعذورية من ناحية الدَّين ولا معذورية في المقام؛ لأنَّ الاستصحاب منجّز، فوجوب الحج غير موجود. ويحتمل أنَّ وجوب الوفاء بالدَّين أيضاً غير موجود؛ لأنَّ الاستصحاب قد يكون غير مطابق للواقع.

ففي فرض عدم مطابقة استصحاب شغل الذمة للواقع، لا يكون كلاهما ثابتاً، أو وجوب الوفاء بالدَّين، فلأنّنا نتكلّم على تقدير مخالفة الاستصحاب للواقع. وأمّا أنَّ وجوب الحج لا يكون ثابتاً؛ لأنَّ موضوعه هو صرف المعذورية والقدرة عقلاً، وهي في المقام غير موجودة؛ لأنَّ العقل يحكم بلزوم صرف القدرة فيما تنجّز بالخطاب الاستصحابي، وهو الوفاء بالدَّين. إذن، فهنا لا علم إجمالي عندنا بثبوت أحد التكليفين؛ إذ نحتمل عدم ثبوتهما معاً، وذلك فيما لو قام منجّز على وجوب الوفاء بالدَّين واحتمل عدم مطابقته للواقع.

وأمّا إذا فرضتم علماً إجمالياً، أحد طرفيه وجوب الحج، والطرف الآخر المنجّزيّة وعدم المعذورية، بأن تقولوا: إمّا أن يجب الحج بناءً على إنّي معذور عن 

ــــــــــ[30]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الدَّين، وإمّا أنَّ الدَّين منجّز عليَّ، فيكون طرف العلم الإجمالي منجّزية الدَّين لا واقع ثبوته.

فهذا أيضاً غير معقول بعد أن تقرّرت المباني وقواعد التنجيز والتعذير في الأصول: أنَّ وقوع المنجّزيّة طرفاً للعلم الإجمالي معناه الشكّ في المنجّزيّة، مع أنَّ هذا غير معقول بعد أن تقرّر عند كلّ إنسان مبناه، إمّا من قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو من نقيضها، فإننا إذا بنينا -مثلاً- على قاعدة قبح العقاب.. فالشكّ في المنجّزيّة في نفسه غير معقول؛ لأنّه ما لم يحرزالبيان فهذا يقطع بعدم منجّزيته، وإذا أحرز البيان فيقطع بمنجّزيته، فالشك في المنجّزيّة -بعد تقرّر تلك القواعد العقلية في نفسها- أمر غير معقول، فوقوع المنجّزيّة طرفاً للعلم الإجمالي، غير معقول في المقام.

إذن، ففي مثل هذا الفرض، تشكيل العلم الإجمالي من أوّل الأمر غير معقول، لا أنّه متشكل لكنه يستحيل تنجيزه.

وعلى أيّ حال قد اتّضح من مجموع ما ذكرناه إلى حدّ الآن أنّه في مفروض المسألة، وهو ما إذا كان أحد الطرفين التكليفين مترتباً على عدم الآخر لا بأس بإجراء الأصل النافي للآخر، وحينئذٍ كون هذا الأصل نافياً لمورده ويكون مثبتاً للمورد الآخر المقابل له.

هذا تمام الكلام في التنبيه الأوَّل من تنبيهات المسألة.

ــــــــــ[31]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 




 






التنبيه الثاني: في جريان الأصل في أحد الطرفين

 

  • الكلام في مقام الاثبات وأدلة الأصول
  • فهرس نتائج هذا التنبيه

ــــــــــ[33]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 








التنبيه الثاني: في جريان الأصل في أحد الطرفين

 

عرفنا في بحث الاقتضاء والعلية أنَّ القائل بالعلية يقول باستحالة ورود الترخيص الظاهري ولو في بعض أطراف العلم الإجمالي؛ وذلك لأنَّ العلم الإجمالي علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، فمجيء الترخيص في بعض الأطراف ممنوع عنده لمحذور ثبوتي.

وأمّا من يُنكر العلية ويقول بالاقتضاء، فهو لا يؤمن بهذا المحذور الثبوتي في جريان الأصل النافي في البعض، غايته يرى أنَّ المحذور في المقام هو محذور المعارضتين للأصول المؤمِّنة الجارية في أطراف العلم الإجمالي -لو كان كلّ منها مجرى للأصل في نفسه- واستحالة الترجيح بلا مرجح، فيؤدي ذلك لا محالة إلى التساقط؛ لأنَّ جريان الأصلين في كلا الطرفين معاً يؤدي إلى الترخيص في المخالفة القطعية، وهو محذور عقلي عندهم وعقلائي ارتكازي عندنا، وجريانه في أحد الطرفين دون الآخر بلا مرجح. فيتساقطان لا محالة.

ومن هنا لو فُرض عدم المعارضة في مورد للأصل المؤمِّن الجاري في أحد الطرفين دون الآخر، لا يأبى القائلون بالاقتضاء عن التمسّك بهذا الأصل النافي في مورده؛ لأنَّ محذور المعارضة غير موجود، وهم لا يؤمنون بالعلية والمحذور الثبوتي.

ــــــــــ[35]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وقد جُعل هذا هو الثمرة للنزاع الدائر بينهم في العلية والاقتضاء، فإنّه على العلية لا يجري هذا الأصل ا لمؤمِّن في بعض الأطراف، ولو لم يكن له معارض. وأمّا على الاقتضاء فالمحذور منحصر بالمعارضة ومع عدمها لا بأس بإجرائه.

إلَّا أنَّ المحقّق النائيني ذكر في المقام، -على ما في تقريرات بحثه- أنَّ هذه الثمرة ثمرة فرضية لا واقعية خارجية؛ فإنّه ليس لها مصداق بحسب الخارج؛ إذ بحسب الخارج لم نتصوّر مصداقاً لهذه الفرضية، أي: لعلم إجمالي مستجمع لشرائط التنجيز الدخيلة في عليته على القول بعليته، أو في اقتضائه على القول باقتضائه، ومع هذا يكون أحد طرفيه مجرى للأصل المؤمِّن من دون أن يعارض أصل في الطرف الآخر. هذا لا يوجد له مصداق بحسب الخارج، ثُمَّ يذكر تحقيقاً في مقام بيان ذلك.

نحن نعقد هذا التنبيه لأجل التكلّم، بعد الفراغ عن بطلان القول بالعلية، وعدم وجود محذور ثبوتي في جريان الأصل في بعض الأطراف، وانحصار المحذور بالمحذور الإثباتي وهو المعارضة بين الأصول -بحسب لسان الدليل-. نتكلّم في أنّه هل يتصوّر جريان الأصل المؤمِّن في بعض أطراف العلم الإجمالي من دون محذور المعارضة، وأين يُتَصوَّر، وما هي موارد تصوره؟ حتّى إذا انتهينا من ذلك نشير إلى ما أفاده المحقّق النائيني من التحقيق في المقام بيان عدم تصور ذلك.

حينئذٍ نقول: بأنَّ العلم الإجمالي الذي يُفرض جريان الأصل المؤمِّن في أحد طرفيه، تارة نفرض أنَّ الطرف الآخر في نفسه خارج موضوعاً عن مورد الأصول المؤمَّنة، بحيث لو كان الطرف الآخر شبهة بدوية، ولم يكن طرفاً لعلم 

ــــــــــ[36]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إجمالي، مع هذا لا نجري فيه الأصل المؤمَّن، بل تجري فيه أصالة الاشتغال، كما لو علم إجمالاً إمّا بخمرية هذا المايع وإمّا بأنّه يأتي بصلاة الوقت (الظهر) فهنا أحد طرفي العلم الإجمالي وهو عدم الإتيان بصلاة الوقت، في نفسه ليس مورداً للأصول المؤمِّنة ولو كان شبهة بدوية، فإنّه شكّ في الفراغ ويكون مجرى لأصالة الاشتغال، فهذا الطرف في نفسه خارج موضوعاً عن قوانين (رفع ما لا يعلمون) وأصالة الحل وغيرها. 

وأمّا الطرف الآخر فهو مجرى للأصول المؤمّنة في نفسه لو كان شبهة بدوية، وهو خمرية هذا المائع. فهذا العلم الإجمالي يكون مركّباً من طرفين أحدهما خارج في نفسه عن موضوع الأصول المؤمّنة ولو كان شبهة بدوية. والآخر في نفسه مجرى لها، ففي مثل ذلك يقع الكلام في أنّه هل نجري الأصل المؤمّن في هذا الطرف، يعني: بالنسبة إلى خمرية المائع أو لا؟

فهنا لا يستشكل هؤلاء الأعلام، حتّى الميرزا، الذي منع من تصور وقوع فرض لجريان الأصل المؤمّن في أحد الطرفين من دون معارض، لم يستشكل في جريان الأصل المؤمّن في المقام؛ لأنّهم هكذا يقولون: بأنَّ مثل هذا العلم الإجمالي لا يمنع عن جريان مثل هذا الأصل المؤمّن، ولو قلنا بعلّية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية، ولا يكون جريانه هنا مربوطاً ببحث العلية و الاقتضاء؛ وذلك لأنَّ العلية والاقتضاء كليهما إنَّما منجّزيّة العلم الإجمالي ومنجّزيّته فرع عدم انحلاله، وأحد وسائل الانحلال -على ما يدعون في بحث الانحلال- هو جريان الأصل المثبت للتكليف في بعض أطراف العلم الإجمالي إذا جرى الأصل المثبت ولو كان أصلاً عقلياً وأثبت التكليف بمعنى نجّزه، 

ــــــــــ[37]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فهنا ينحل العلم الإجمالي ولا يبقى على منجّزيّته التي نقول بها، سواء قلنا بها على مستوى العلية أو الاقتضاء.

وهذا المورد من موارد انحلال العلم الإجمالي؛ لأنَّ الطرف الآخر وهو مسألة صلاة الوقت مجرى للأصل المثبت للتكليف وهو أصالة الاشتغال، وإذا انحل العلم الإجمالي زالت منجّزيته، وحينئذٍ لم يبق مانع عن جريان الأصل النافي في هذا الطرف، سواء قلنا بالعلية أو الاقتضاء، فجريان الأصل النافي في مثل هذا المورد لا يتوقف على بحث العلية والاقتضاء.

إلَّا أنّه سوف يأتي -إن شاء الله تعالى- أنَّ انحلال العلم الإجمالي بجريان الأصل المثبت في أحد طرفيه ممّا لا أساس له، وأشرنا إليه في بحث البراءة في مناقشة أدلة البراءة ويأتي في تنبيه الانحلال من تنبيهات العلم الإجمالي، وإنَّما مناط الانحلال الحكمي بحسب الحقيقة هو جريان الأصل النافي لا جريان الأصل المثبت في بعض الأطراف، فإنّه بمجرّده لا يكفي في الانحلال.

فإذا بنينا على ذلك، يكون هذا البحث مربوطاً بمسألة العلية والاقتضاء، فلو قلنا بالعلية، فالعلم الإجمالي موجود وغير منحل، ويكون منجّزاً، فلا تجري الأصول المؤمّنة ولو في بعض الأطراف لمحذور ثبوتي. وأما لو قلنا بالاقتضاء، وأنَّ العلم الإجمالي مقتض لوجوب الموافقة القطعية، كما هو كذلك. فحينئذٍ لا يكون هناك محذور ثبوتي، عن جريان الأصل المؤمّن في هذا الطرف، في خمرية المائع، وإن كان العلم الإجمالي غير منحل في نفسه، فإنه ينحل انحلالاً حكمياً بنفس جريان الأصل المؤمّن.

ــــــــــ[38]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 



الكلام في مقام الاثبات وأدلة الأصول

 

نعم يبقى الكلام -بعد الفراغ عن عدم المحذور الثبوتي- أنَّ أدلة الأصول هل تساعد على إجراء الأصل هنا ولو لم يكن له معارض، أو ليس عندنا دليل من أدلة الأصول يقتضي جريان الأصل المؤّمن عن خمريّة المائع في مثل هذا العلم الإجمالي، ولو لم يكن له معارض؟

وحينئذٍ نقول على مستوى البحث الإثباتي -على ضوء ما تقدّم منا سابقاً-: إنَّ الأصول العامّة التي عندنا هي البراءة والحل والاستصحاب. 

أمّا أصالة البراءة بلسان: (رفع ما لا يعلمون) ونحوها فقد تقدّم منا مراراً أنّها قاصرة في نفسها عن الشمول لأطراف العلم الإجمالي(1) ولو لطرف واحد منها، فإنَّ (رفع ما لا يعلمون) هو تأمين في مقابل الاحتمال البدوي، لا في مقابل احتمال انطباق المعلوم الإجمالي على هذا الطرف، كما أوضحنا النكتة(2) في ذلك فيما تقدّم وبناءً عليه يكون: (رفع ما لا يعلمون) قاصراً عن الشمول في نفسه لاطرف العلم الإجمالي. بحسب الحقيقة هو يؤمن من ناحية الغرض 

ــــــــــ[39]ــــــــــ

() حتّى بقطع النظر عن المعارضة. (المقرِّر).

() فإنّه ناظر إلى تقديم احتمال الإباحة على احتمال الحرمة، وليس ناظراً إلى تقديم احتمال الإباحة عند تزاحمه مع الغرض المعلوم إجمالاً. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المحتمل بما هو محتمل ولا يؤمِّن من ناحية تفويت الغرض المعلوم إجمالاً ولو تفويتاً احتمالياً.

وأمّا أصالة الحل فقد قلنا فيما سبق: إنّه لا يوجد عندنا دليل معتبرسنداً ودلالة على أصالة الحل إلَّا صحيحة عبد الله بن سنان وهي قوله: “كل شيء يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه(1).

وقنا أيضاً فيما سبق: إن قوله “كل شيء فيه حلال وحرام” هذه الظرفية والاشتمال إمّا أن يكون بنحو اشتمال الكلي على الفرد، يعني: كلّ كلي يكون بعض أفراده حلالاً وبعضها حراماً فيكون هذا الكلي(2) حلالاً ما لم يعلم الحرام بعينه. وإمّا أن يكون على نحو اشتمال الكلّ على الجزء، يعني: مجموع الجبن الموجود في السوق فيه حلال وحرام، فهذا المركّب من الحلال والحرام حلال حتّى تميز الجزء الحرام عن الجزء الحلال فتتركه(3).

ــــــــــ[40]ــــــــــ

() كلمة (بعينه) تكون ناظرة إلى التمييز المساوق للعلم التفصيلي، فبهذا الاعتبار تكون هذه الكلمة قرينة على أنّها ناظرة حتّى إلى التزاحم من ناحية العلم الإجمالي، وليس قاصرة للنظر على التزاحم بين احتمالي الحرمة والإباحة بما هما احتمالان، فاطلاقها لموارد العلم الإجمالي لا بأس به. (المحاضرة الأخرى). (المقرِّر).

(2) وذكر هذا المطلب إنَّما هو بنكتة تصوير الشكّ في الحلية والحرمة، حيث إنَّ الشكّ في حلية الجبن الذي بعض أفراده حلال وبعضها حرام يصير منشأ لأن نشك فيما نراه من أفراد الطبيعة أنّه حلال أو حرام. (المحاضرة الأخرى). (المقرِّر). 

(3) وبقرينة الغاية يعرف أنَّ موضوع هذه الحلية عبارة عن المركّب الذي يعلم إجمالاً بوجود الحرام فيه، فهذا المركّب يكون حلالاً. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إذا فرضنا أنَّ الاشتمال في الرواية كان على نحو اشتمال الكلي على الفرد، بناءً على هذا لا بأس بالتمسّك بإطلاقه(1) في المقام، فإنّا ذكرنا فيما سبق أنَّ روايات الحل تمتاز عن روايات البراءة، بأنَّ فيها قرينة عرفية على النظر إلى موارد العلم الإجمالي أيضاً، والقرينة هي كلمة (بعينه) كما قلنا فيما سبق. ولا بأس بالتمسّك بهذا الإطلاق في المقام، ويقال: بأن كلي الجبن حلال ما لم يعلم حرمته تفصيلاً.

 وهذا الإطلاق يؤخذ به في الحدود التي لا تنافي الارتكاز العقلائي. وفي المقام لا منافاة في الحكم بالحلية مع الارتكاز العقلائي، فإنَّ الحلية هنا في أحد الطرفين لا في كليهما. فلا يؤدي الحكم بالحلية إلى الترخيص في المخالفة القطعية حتّى يكون منافياً للارتكاز العقلائي. ومعه فالمقتضي وهو إطلاق الدليل موجود أو المانع وهو الارتكاز العقلائي مفقود.

وأمّا لو فسرنا الاشتمال باشتمال المركّب على الجزء. فيصير المدلول المطابقي لرواية عبد الله بن سنان هو الترخيص في الموافقة القطعية ابتداءً. فإنه يفرض الجبن مركّباً واحداً، بعض قطعاته حرام وبعضها حلال ويقول: تمام هذا المركّب لك حلال ما لم تميز الجزء الحرام منه. وحينئذٍ لا بُدّ من الاقتصار فيه على مورد يمكن فيه الترخيص في المخالفة القطعية، وهذا المورد هو الشبهات غير المحصورة على ما يأتي -إن شاء الله- بحثه. وهو أنَّ الشبهات غير المحصورة يُعقل فيها 

ــــــــــ[41]ــــــــــ

() في الشبهة المحصورة وفي غير المحصورة وفي الشبهة البدوية أيضاً في نفسه. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

عقلائياً الترخيص في المخالفة القطعية ولا يأتي محذور الارتكاز الذي قلناه في الشبهات المحصورة.

وحينئذٍ فبقرينة الارتكاز العقلائي يقيّد بموارد الشبهات غير المحصورة، فيكون مدلوله المطابقي هو الترخيص بالمخالفة القطعية في الشبهات غير المحصورة، فيختص بموارد العلم الإجمالي في الموارد غير المحصورة.

 أمّا اختصاصه بالعلم الإجمالي فباعتبار أنّه فرض مركّباً يشتمل على الحرام والحلال، وهذا فرضه هو فرض العلم الإجمالي. وأمّا في خصوص الشبهات غير محصورة فبمقيّديّة الارتكاز لهذا الإطلاق.

نعم، نتعدى من ذلك إلى الشبهات البدوية أيضاً؛ لأنَّ أطراف الشبهة غير المحصورة، طرفيّتها لها توأم مع كونها ذات شبهة في نفسها أيضاً، فلو جاز وأبيح الإقدام في الشبهة غير المحصورة للعلم الإجمالي، يباح لا محالة الإقدام في الشبهة البدوية أيضاً. وأمّا موارد الشبهة المحصورة للعلم الإجمالي، فهي تبقى خارجة عن المدلول المطابقي لإطلاق النص. 

وحينئذٍ لا يبقى لدينا دليل على الترخيص والتحليل في أحد طرفي الشبهة المحصورة دون الآخر ولو لم يكن له معارض، فدليل أصالة الحل في نفسه قاصر الشمول عن إجراءه في مثل هذا المورد ولو لم يكن له معارض، هذا بناءً على احتمال التركيب.

وحيث إنَّ هذه الرواية من هذه الناحية، لا أقل من أن تكون مجملة -إن لم يكن ظاهرها الثاني- فلا يمكن التمسّك بدليل أصالة الحل لإجراء الأصل في 

ــــــــــ[42]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أحد طرفي العلم الإجمالي في هذه الصورة، ولو لم يكن له معارض. 

يبقى عندنا الاستصحاب، وقد قلنا فيما سبق: إنّه لا بأس بجريانه في أطراف العلم الإجمالي، لا بأس أن يكون ناظراً إلى المشكوك بما هو مشكوك والى احتمال انطباق المعلوم بما هو معلوم، كما ذكرنا نكتته وفرقه العرفي عن أدلة البراءة في الأبحاث السابقة. وحينئذٍ بناءً على ذلك لا بأس بأن يكون دليل الاستصحاب جارياً في المقام، فنتمسّك بدليل الاستصحاب وبه ننفي خمرية هذا المائع، لو كانت أركان الاستصحاب تامّة والحالة السابقة موجودة، ويكون هذا الأصل غير ذي محذور في المقام لا ثبوتاً ولا إثباتاً.

أمّا المحذور الثبوتي فينبع من القول بالعلية ونحن لا نقول بها، وأمّا المحذور الإثباتي فهو إمّا المعارضة بين الأصول المؤمّنة في الأطراف وإمّا قصر الدليل في نفسه عن الشمول.

 أمّا المعارضة فمفروضة العدم في المقام؛ لأنَّ المفروض أنَّ الطرف الآخر ليس مجرى للأصل المؤمَّن. وأمّا قصور الدليل فهو إنَّما يتم في أدلة البراءة والحل دون دليل الاستصحاب على ما بينا فيما سبق، فإجراء الاستصحاب في مثل ذلك في محله.

هذا تمام الكلام في الفرض الأوّل، وهو ما إذا كان العلم الإجمالي ملفقاً من طرفين، أحدهما لو خلى ونفسه وكان شبهة بدوية لا تجري فيه الأصول المؤمَّنة، بل هو مجرى للاشتغال، والآخر لو خلى ونفسه كذلك يكون مجرى للأصول المؤمَّنة. في مثل ذلك يقال: بأنّه لا مانع من جريان الأصل المؤمّن في مورده من 

ــــــــــ[43]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أحد طرفي العلم الإجمالي، لا ثبوتاً ولا إثباتاً. إلَّا أنّه يختص عدم المانع الإثباتي عندنا بخصوص دليل الاستصحاب. بخلاف الأعلام الآخرين القائلون بالاقتضاء، فإنّه لا مانع عندهم من جريان تمام الأصول المؤمّنة مهما كان لسانها: الحل أو البراءة أو الاستصحاب.

هذا تمام كلامنا في الفرض الأوّل.

*****

وأمّا(1) بالنسبة إلى جريان الأصل في أحد الطرفين دون الآخر، فعدم جريانه ليس لمحذورٍ، لا عقلي ولا عقلائي، وأمّا المانع العقلي فهو مبني على توهم علية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية وقد أبطلناه. كما أنّه لا مانع عقلائي في المقام؛ إذ بحسب الارتكاز العقلائي يُرى هناك تناقض بين بقاء التكليف المعلوم بالإجمال على واقعه مع رفع المولى يده عن الاحتياط التام واكتفائه بالاحتياط الناقص.

فالمانع الثبوتي غير موجود، فلا بُدّ من ملاحظة الدليل ليرى وفاءه بجريانه في أحد الطرفين، وبعد الفراغ عن عدم المانع الثبوتي ينحصر المحذور في المعارضة، حيث إن كلا من الطرفين في نفسه مجرى للأصل المؤمِّن والجريان فيهما معاً خلاف المفروض وجريانه في أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، وجريانه على وجه التخيير ابطلناه، فنتيجته التساقط.

ــــــــــ[44]ــــــــــ

() لخص سيّدنا الأستاذ ما كان قاله في المحاضرة السابقة، فقال بصدد جريان الأصل في أحد الأطراف: وأما… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

صور المسألة

فلو كان في طرف ليس هناك محذور المعارضة فيها فهل يجري الأصل أو لا يجري(1)؟

حيث قلنا في آخر أيام التحصيل أنَّ صور المسألة، أي: جريان الأصل النافي في أحد الأطراف بلا معارضة ثلاثة:

الصورة الأولى: في ما إذا كان الطرف الآخر ليس مجرى للأصول المؤمِّنة في نفسه

الصورة الأولى: إذا كان الطرف الآخر في نفسه خارجاً عن الأصول المؤمِّنة وليس مجرى للأصول المؤمِّنة في نفسه، بحيث لو كان شبهة بدوية لقلنا أيضاً بأصالة الاشتغال فيه فضلاً عما إذا كان طرفاً للعلم الإجمالي. 

ومَثلنا له بالعلم الإجمالي إمّا بحرمة هذا المائع أو بعدم أداء صلاة الوقت، وعدم أداء صلاة الوقت مجرى لأصالة الاشتغال في نفسه؛ لأنّه يدخل في باب الشكّ في الامتثال؛ لأنّه لا مجال لتخيل إجراء الأصول المؤمِّنة كأصالة البراءة ونحوها، ففي مثل ذلك قد يقال: إنَّ الأصل المؤمِّن يجري في الطرف الأوّل من دون معارض، يعني: يجري الأصل في طرف خمرية المائع؛ لأنَّ الطرف الآخر خارج في نفسه عن موضوع أدلة الأصول المؤمَّنة.

ــــــــــ[45]ــــــــــ

() وهنا أشار إلى جعل هذا المطلب ثمرة للنزاع في الاقتضاء والعلية ومناقشة المحقّق النائيني لذلك، ثُمَّ قال: هذا ما أوضّحه بنحو التلخيص وسيأتي تفصيل مقصوده في المقام بعد ذكر الصور التي تتصوّر بها هذه المسألة.. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وقلنا سابقاً: إنّه يجب أن نحسب حساب أدلة الأصول لنرى أنّها هل تشمل أو لا تشمل؟ 

وقال في مورد أصالة الإباحة(1) : هذه الرواية حيث إنّه جاء فيها كلمة (بعينه) التي تكون ناظرة إلى التمييز المساوق للعلم التفصيلي، فبهذا الاعتبار تكون مثل هذه الكلمة قرينة على أنّها ناظرة حتّى إلى التزاحم من ناحية العلم الإجمالي وليست قاصرة في مقام النظر على التزاحم بين احتمالي الحرمة والإباحة بما هما احتمالان، فإطلاقها لموارد العلم الإجمالي لا بأس به.

ومن هنا، لو لم يكن عندنا مانع ثبوتي عقلي أو عقلائي لتمسّكنا بإطلاق هذه الرواية لإثبات جريان الأصول في تمام أطراف العلم الإجمالي والترخيص في المخالفة القطعية لأطراف العلم الإجمالي، إلَّا أنَّ المانع الثبوتي عن ذلك موجود. 

حينئذٍ هل يمكننا أن نتمسّك بإطلاق هذه الرواية بالنسبة إلى طرف العلم الإجمالي في المقام بدعوى أنَّ دليل أصالة الحل يشمل هذا المائع المشكوك الخمرية؛ لأنّه شيء لا يعلم كونه حراماً، وكلّ شيء لا يعلم كونه حراماً فهو حلال، ولا يعارضه إجراء أصالة الحل في الطرف الآخر؛ لأنّه ليس مجرى لها في نفسه، فلا يلزم من التمسّك بإطلاق دليل أصالة الحل في هذا الطرف محذور؟ 

قلنا: إنّه هنا لا بُدّ أن يفصّل تفصيلاً مبنياً على أننا هنا كيف نفهم الحديث(2)

ــــــــــ[46]ــــــــــ

() سمّاها في المحاضرة السابقة بأصالة الحل. (المقرِّر). 

(2) ثُمَّ ذكر فهمين للرواية باعتبار أن يكون المقصود منها هو الكلي أو المركّب، كما سبق ثم قال: بناءً على الفهم الأوّل… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بناءً على الفهم الأوّل من الحديث يكون شاملاً بمدلوله المطابقي للعلم الإجمالي في الشبهة المحصورة وغير المحصورة وللشبهة البدوية أيضاً. وحينئذٍ لو خلينا نحن والحديث لتمسكنا به في سائر الموارد، لولا المانع العقلي والعقلائي في موارد الشبهة المحصورة. إلَّا أنّه يبقى عندنا بعد هذا الشبهة غير المحصورة، يعني: الجبن المشكوك بالعلم الإجمالي غير المحصور، والجبن المشكوك بالشك البدوي، يبقى على حاله وإنه محكوم بالحلية ولا يتنجز ما لم ينقلب إلى العلم التفصيلي، فحينئذ نحن بإطلاق هذا الحديث بالنسبة إلى هذا الطرف، فيما لو كان مثلاً طرف العلم الإجمالي حرمة الجبن أو عدم أداء صلاة الوقت. 

نقول: إنَّ هذا الجبن مشكوك الحرمة بالشك البدوي في نفسه؛ لأنّه ليس طرفاً لعلم إجمالي بلحظ أفراد الجبن الأخرى، ولا علم لنا بوجود جبن حرام أصلاً، فهو من ناحية الجبن مشكوك بالشك البدوي فيشمله إطلاق قوله: الجبن حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه.

نعم، هذا الجبن وقعت حرمته طرفاً لعلم إجمالي بلحاظ مسالة أخرى، غير باب الجبن، وهي عدم إعادة الصلاة، إلَّا أنَّ هذا علم إجمالي وليس تفصيلاً، ومقتضى الحديث أنَّ كلّ جبن يشك في حرمته بالشك البدوي فهو يبقى على الحلية ولا يتنجز حرمته إلَّا إذا انقلب احتماله إلى العلم التفصيلي. فمقتضاه هو حلية هذا الجبن، ولا معارض له؛ لأنَّ دليل أصالة الحل لا يقتضي عدم وجوب إعادة الصلاة حتّى يلزم المنافاة مع العلم الإجمالي، فالمقتضي موجود والمانع مفقود، المقتضي هو ظاهر الحديث، وهو أنَّ الجبن المشكوك بدواً حلال حتّى يعلم تفصيلاً بحرمته، وهذا مشكوك بدواً ولم يطرأ عليه العلم التفصيلي، بل 

ــــــــــ[47]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

طرأ عليه العلم الإجمالي وهو ليس منجزاً بقرينة حصر المنجّزيّة فيه بالعلم التفصيلي بلحاظ كلمة (بعينه).

وأمّا بناءً على الفهم الثاني للحديث يعني المجموع المركّب من الحلال والحرام ولا تتميز، هذا المجموع بتمامه حلال حتّى يتميّز الحرام عن الحلال، إذا كان هكذا فيختص موضوع الحلية المجعولة في أصالة الحل من أوّل الأمر بموارد العلم الإجمالي؛ لأنّه يفرض مركّباً من حرام وحلال لا يتميز حرامه من حلاله، فيختص موضوعه بالعلم الإجمالي سواء كانت الشبهة محصورة أو غير محصورة، غير أنَّ الشبهة خرجت بلحاظ المانع العقلي أو العقلائي فتبقى الشبهة غير المحصورة. 

وأمّا الشبهة البدوية فلم تدخل تحت إطلاق الدليل في المدلول المطابقي؛ لأنَّ الدليل -بعد تقييده- يختص بخصوص موارد الشبهة غير المحصورة. لكن حيث إن أطراف الشبهة غير المحصورة الغالب فيها أّنها مورد للاشتباه في نفسها أيضاً، يعني الشبهة البدوية ملازم غالبي مع أطراف الشبهة غير المحصورة. فمن هنا نستكشف بالملازمة الغالبية أنَّ أصالة الحل مجعولة أيضاً في الشبهات البدوية. 

وحينئذٍ فلا يمكن التمسّك بدليل أصالة الحل في محل الكلام؛ لأنَّ هذا الجبن الذي وقع طرف للعلم الإجمالي بأنّه إمّا حرام أو أني لم أصلِّ صلاة الوقت، هذا الجبن مشكوك بالشك البدوي في نفسه إنه حلال أو حرام. وهذا الشك البدوي لم يتحول إلى العلم التفصيلي، ولكنّه تحوّل إلى العلم الإجمالي.

فمن حيث إنَّه شك بدوي وليس شكاً بنحو العلم الإجمالي بوجود الجبن 

ــــــــــ[48]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الحرام لا يشمله الحديث بمدلوله المطابقي، فإنّه يختص بخصوص الشبهات غير المحصورة، وحرمة هذا الجبن ليس منها بل هو شبهة محصورة ما بين طرفين. ومن حيث إنّه ليس شبهة بدوية مختصة حتّى نتمسك بالملازمة الغالبية ونتعدى له، فلا يشمله الحديث بمدلوله المطابقي ولا مدلوله الالتزامي، فمن هنا لا يشمله لا بمدلوله المطابقي ولا الالتزامي، ففي مثل ذلك نقول بأنَّ أصالة الحلّ قاصرة عن الشمول لهذا الفرد.

فشمول أصالة الحل لهذا الفرد مبني على أن يكون دليل أصالة الحل بالمطابقة يشمل الشبهات البدوية أيضاً أو يختص بموارد الشبهات غير المحصورة من العلم الإجمالي، فعلى الأوَّل نتمسّك بإطلاقه وعلى الثاني لا نتمسّك.

وأمّا الصحيح من هذين الاحتمالين، فنحن وإن قلنا بأنَّ الحديث لعله مجمل ومردد ما بين هذين الاحتمالين، إلَّا أنّه لا يبعد قرب الاحتمال الأوَّل منهما، أن تكون الحلية على الكلي لا على المركّب من مجموع أفراد الجبن خارجاً؛ وذلك لأنَّ كلمة (شيء) إن جعل كناية عن طبايع الأشياء عن الجبن والخل والماء ونحو ذلك، لا يكون فيه عناية زائدة عن انطباق الكلي على أفراده في الخارج. 

وأمّا إذا فرض كونه كناية عن المجاميع المركّبة، يعني المجموع المركّب من أفراد الجبن المجموع المركّب من أفراد الخل وهكذا، هذا فيه عناية زائدة؛ لأنَّ مثل هذه المجاميع ليست أفراداً حقيقية لمفهوم الشيء وإنَّما هي أفراد عنائية بالاعتبار، ومثل هذه المؤونة الزائدة تحتاج إلى قرينة زائدة في عالم اللحاظ، 

ــــــــــ[49]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وحيث لا قرينة فيتعين الأول، وهو أن يكون الملحوظ في كلمة (شيء) هو التطبيق على أفرادها بلا عناية وهي نفس الجبن لا المركّب الاعتباري بحسب الخارج.

وأمّا الاستصحاب فلا إشكال في شموله في المقام، لأنا ذكرنا أنَّ هذا الدليل لولا المانع العقلي أو العقلائي… وإنَّما لا نقول بلحاظ هذا المانع، وهنا لا مانع عقلي ولا عقلائي لأنه يجري في أحد الطرفين دون الآخر.

فتلخص أنّه في الصورة الأولى، وهي ما إذا كان أحد طرفي العلم الإجمالي خارج عن موضوع الأصول المؤمَّنة، بل هو في نفسه مجرى للأصل المثبت المنجّز ولو كان شبهة بدوية، في مثل ذلك لا بأس بالتمسّك بالأصل المؤمِّن إذا تم اقتضائه في مقام الإثبات شموله للعلم الإجمالي. وهذا الدليل هو دليل الاستصحاب بلا إشكال، ودليل الحل على التفصيل الذي بيناه دون أصالة البراءة.

الصورة الثانية: الكلام في صورة وجود أصل حاكم مثبت في أحد الطرفين

الصورة الثانية: هي أن نفرض أنَّ كلا من طرفي العلم الإجمالي لو خلي ونفسه، مشمول للأصل المؤمّن، لكن الأصل المؤمِّن في أحد الطرفين مغلوب لأصل قدّم عليه من باب الحكومة، أصل حاكم مثبت للتكليف، دون الأصل الآخر، كما لو علمنا إجمالاً إمّا بحرمة ذلك المائع أو حرمة هذا الجبن، كلّ منهما في نفسه مجرى للأصل المؤمّن، فإنَّ مقتضى أصالة الحل هو الترخيص وعدم تنجيز الواقعي المشكوك. إلَّا أنَّ أصالة الحل في المائع فرض أنَّ هناك أصلاً 

ــــــــــ[50]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

موضوعياً حاكماً عليها، ولنفرض الاستصحاب، استصحاب الحرمة في هذا المائع الذي يكون حاكماً على أصالة الحل دون الآخر، ففي مثل هذا الطرف خروجه عن الأصول المؤمّنة لم يكن خروجاً بطبعه، بل بلحاظ حكومة الأصل المثبت على النافي.

هنا قد يقال: إنّه لا بأس بالرجوع إلى الأصل النافي في هذا الطرف الذي لم يجرِ فيه الاستصحاب، وذلك باعتبار أنَّ الرجوع إليه لا يلزم منه محذور المعارضة؛ لأنَّ الطرف الآخر وإن كان في نفسه مجرى للأصل المؤمَّن، لأصالة الحل -وليس حاله حال الشك في إتيان الصلاة الذي هو بطبعه خارج عن موضوع أصالة الحل والبراءة- غير أنَّ دليل أصالة الحل في المائع سقط باعتبار وجود دليل حاكم على دليل أصالة الحل، وبعد سقوطه لا يصلح أن يعارض أصالة الحل في هذا الطرف. إذن، فدليل أصالة الحل في هذا الطرف يكون المقتضي له موجود والمانع مفقود، أمّا المقتضي فهو دلالة الدليل بعد فرض أنّ الشبهة مشمولة له بنفسها، وأمّا المانع فليس هو المعارضة مع أصالة الحل في الطرف الآخر، وهي قد ابتليت بدليل حاكم فسقطت، فيبقى هذا الدليل هنا بلا معارض فيتمسّك به.

شبهة في المقام

هذا الكلام صحيح، إلَّا أنّه تأتي فيه شبهة واحدة لا بُدّ من تحقيق حلها.

وحاصل هذه الشبهة: هو أن يقال: بأنّه بعد الاعتراف أن كلاً من الطرفين مشمول في نفسه لدليل أصالة الحل. بحيث أنه لولا دليل الاستصحاب المثبت 

ــــــــــ[51]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

للحرمة في المائع لكان مقتضى دليل أصالة الحل في نفسه الشمول لهما معاً، فنحن نحسب حساب هذا الدليل في نفسه فنقول: إنّه لو قطع النظر عن دليل الاستصحاب وقصر النظر على دليل أصالة الحل نرى أنَّ هذا الدليل بطبعه الأوّلي اللغوي لا يأبى الشمول لكلّ من هذين الطرفين؛ لأنَّ كلا منهما مصداق لموضوعه.

إلَّا أنه هنا ابتلى بالمخصّص، وهو ذلك المانع الثبوتي العقلي أو العقلائي الارتكازي، الذي يأبى عن جريان الأصول المؤمِّنة في تمام أطراف العلم الإجمالي. وهذا المانع الثبوتي هو كالمتصل بالنسبة إلى الدليل، خصوصاً على مبنانا؛ لأنَّ المانع عندنا إنَّما هو عبارة عن الارتكاز العقلائي، وهو يعتبر من القرائن المتصلة المحتفة بالكلام والمانع عن انعقاد الظهور للكلام على خلافها.

إذن، فهذا المانع الارتكازي يكون كالمخصص المتصل المخرج لأحد طرفي العلم الإجمالي عن أصالة الحل؛ لأنَّ هذا المانع يأبى عن جريان الأصل في كلا الطرفين معاً، لكن لا يأبى عن جريانه في أحدهما فقط دون الآخر، فالقدر المتيقن من النفي بهذا المانع الارتكازي هو أحد الأصلين؛ إذ لو امتنع أحد الأصلين لبقى الارتكاز على حاله. لكنه في أيهما، غير معلوم؛ لأنَّ نسبة هذا الارتكاز إلى كلا الطرفين على حدّ واحد.

فحينئذٍ يدخل في باب المخصّص المتصل الدائر أمره بين المتباينين، وقد قرأنا في بحث العام والخاص أنَّ المخصّص المتصل إذا تردد أمره بين المتباينين، أو بين الأقل والأكثر، فيوجب إجمال العام وعدم انعقاد ظهور له من رأس لا في هذا ولا في ذاك.

ــــــــــ[52]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

 لا أنّه ينعقد ظهور ولكن تنثلم حجّيّته؛ ولهذا قلنا في باب العام والخاص إن هذا هو الفرق بين المخصّص المتصل والمنفصل إذا ابتلى بالإجمال، فإنَّ المتصل إذا ابتلى بالإجمال ودار أمره بين الأقل والأكثر أو بين المتباينين، يوجب عدم انعقاد الظهور من رأس، وأما المنفصل إذا كان كذلك، فلا يوجب ذلك، فإنَّ العام قد انعقد ظهوره واستقر، وإنَّما يوجب التزعزع في مقام الحجّيّة لا في مقام أصل الظهور، وحينئذ إذا كان مردداً بين الأقل والأكثر نتمسّك بالعام، وإن كان مردداً بين المتباينين فحينئذٍ تحصل المعارضة بين ظهورين في المتباينين، لكن في مقام الحجّيّة لا في مقام أصل الظهور.

إذن، فهنا ببركة ضم هذا الارتكاز العقلائي، الذي هو كالمخصّص المتصل الدائر أمره بين المتباينين، ضمّه إلى دليل أصالة الحل، قد ابتلى هذا الدليل بالإجمال ولم ينعقد له ظهور لا في الجبن المشكوك ولا في المائع المشكوك.

بعد هذا جئنا إلى دليل الاستصحاب الذي اقتضى في المقام حرمة المائع المشكوك، هل يمكننا إجراء أصالة الحِل في الجبن؟ لا؛ لأنّه ما هو الدليل على أصالة الحِل، فإنَّ دليلها إنَّما هو هذا الخبر الذي ابتلى بالمخصّص المتصل المردد بين المتباينين الذي أجمله في المقام، وكون الاستصحاب قد جرى في أحد الطرفين لا يزيل الإجمال ولا يعيد له الظهور بعد انثلامه الذي ابتلي به دليل أصالة الحِل، بلحاظ اقترانه بالمخصّص المتصل المردد بين المتباينين. إذن، فمقتضى القاعدة أن لا تجري أصالة الحل فيما إذا فرضنا إنَّ الاستصحاب المثبت للتكليف جرى في الطرف الآخر.

ــــــــــ[53]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هذه الشبهة لا تأتي في عدة موارد

نعم لو فرضنا أننا قلنا بأنَّ المانع الارتكازي الذي نعتمد عليه أو المانع العقلي الذي يعتمد عليه الآغايون، كان من باب المخصّص المنفصل لا المتصل، وكان التمسّك بأصالة الحِل في الجبن في محله حينئذٍ؛ لأنَّ دليلها ليس له مخصّص متصل بوجوب إجماله، فقد انعقد له ظهور في إجراء أصالة الحِل في الجبن، وظهور آخر في إجرائها في المائع، ولكن مخصّصاً منفصلاً دائر بين المتباينين كشف عن بطلان جريان الأصل في أحد هذين الطرفين، فهذا المخصّص المنفصل لا يوجب انهدام الظهورين وإنَّما يوجب المعارضة بينهما يعني سقوط أحدهما عن الحجّيّة، فيتعارضان في مقام الحجّيّة، فلو وجد عندنا دليل ثالث وهو ظهور دليل الاستصحاب الذي يقتضي ثبوت الحرمة في المائع المشكوك، وفرضنا أنَّ ظهوره أقوى من ظهور أصالة الحل في إثبات الحلية هنا، فتقدم ظهور دليل الاستصحاب على ظهور دليل الحل. إذن، فأحد ظهوري دليل أصالة الحل يسقط بلحاظ الأقوى، وحينئذ فالظهور الآخر لأصالة الحِل الذي يختص بالجبن المشكوك يبقى بلا مانع. فإن المقتضى موجود وهو أصل الظهور؛ لأنَّ المخصّص منفصل فلا يمنع عن تكون أصل الظهور والمانع مفقود، فإنَّ المانع ليس إلَّا حجّيّة الظهور الآخر الذي يقتضي حجّيّة المائع والمفروض إنه قد سقط وقدم عليه الظهور الأقوى منه لدليل الاستصحاب في إثبات التكليف.

فهذه الشبهة إنَّما تأتي فيما إذا كان المخصّص متصلاً. وأمّا إذا بُني على أنَّ المخصّص المانع منفصلاً، فلا تجري هذه الشبهة.

ــــــــــ[54]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وكذلك أيضاً لا تجري هذه الشبهة، فيما إذا فُرض أنَّ الأصل الحاكم المثبت للتكليف، مع الأصل المحكوم كانا من سنخ واحد، يعني: كانا ثابتين بدليل واحد؛ فإنّه لا تجري هذه الشبهة ولو بنينا على أنَّ المخصّص متصل، مثلاً: نقول: إنّه في هذا الطرف استصحاب ناف للتكليف، وذلك أيضاً فيه ذلك، ولكن يوجد فرق، الاستصحاب النافي للتكليف استصحاب آخر موضوعي مثبت للتكليف، فالحاكم المثبت والمحكوم النافي من دليل واحد.

افرضوا أنّنا علمنا إجمالاً إمّا بوجوب الإنفاق على هذه المرأة وإمّا بخمرية هذا المائع، فهنا استصحاب ناف لخمرية هذا المائع وهو استصحاب عدم صيرورته خمراً، وهناك استصحاب ناف لوجوب الإنفاق على هذه المرأة أيضاً. وهو استصحاب عدم صيرورتها زوجة حتّى يجب الإنفاق عليها، لكن يوجد استصحاب حاكم على استصحاب عدم الزوجية، ولنفرض أنَّ الشكّ في زوجيتها، يعني: الشكّ في صحّة العقد وعدمها، ناشيءٌ من الشك في بقائها على الإسلام وعدمه، فنشك أنَّ العقد أثّر في الزوجية أو لا؟ فيجري استصحاب عدم الزوجية، لكن يوجد استصحاب حاكم عليه، وهو استصحاب بناء إسلامها إلى حين العقد الذي ينقح صحة الزوجية، ويترتب عليه وجوب الإنفاق، وهو استصحاب موضوعي حاكم على استصحاب عدم الزوجية.

ففي هذا الفرد، الأصل المثبت للتكليف مع الأصل النافي كلاهما بدليل واحد وهو دليل الاستصحاب، في مثل هذا أيضاً لا تأتي هذه الشبهة؛ لأنَّ شمول دليل الاستصحاب لهذا الطرف وهو استصحاب عدم خمرية المائع ليس له معارض؛ إذ أن معارضه لم يكن إلَّا شموله للطرف الآخر، واستصحاب 

ــــــــــ[55]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

عدم زوجية هذه المرأة، والمفروض قيام القرينة المتصلة على بطلان هذا الاستصحاب وهو الاستصحاب الموضوعي؛ لأنَّ الاستصحاب الموضوعي قرينة متصلة في نفس دليله على عدم جريان الاستصحاب الحكمي.

فهنا المخصّص المتصل الدائر أمره بين المتباينين يتعيّن أمره في مرتبة الدليل، لا يبقى أمره دائراً بين المتباينين؛ لأنّه في مرتبة فهم المعنى من الدليل يتعيّن سقوط هذا الطرف من الاستصحاب، يعني: استصحاب عدم الزوجية؛ لأنَّ هناك قرينة تبطله بالخصوص وهو الاستصحاب الموضوعي. فهذا المخصّص المتصل لا يبقى أمره دائر بين المتباينين، فحينئذ ينعقد الظهور في الطرف الآخر بلا معارض فنتمسّك باستصحاب عدم خمرية هذا المائع، ولا نقول: إنّه معارض باستصحاب عدم زوجية هذه المرأة؛ لأنَّ هذا الاستصحاب غير مشمول لدليل الاستصحاب حتّى، لولا المخصّص المتصل باعتبار القرينة الخاصة المتصلة. فهنا لا تأتي الشبهة. 

الفرض الثالث -الذي لا تأتي فيه هذه الشبهة-: هو أن نفرض أنَّ الأصلين النافيين اللذين يكون على أحدهما حاكم من سنخين، يعني: ثابتين بدليلين لا بدليل واحد، كما لو كان في هذا الطرف أصالة الصحّة وفي الطرف الآخر نفرض أصالة الحل، ويحكم على أصالة الحل الاستصحاب، المثبت للتكليف، فالحكم والمحكوم لم نفرضهما في المقام من سنخ واحد لكن فرضنا أن الأصلين النافيين اللذين يكون أحدهما محكوماً من سنخين.

هنا أيضاً لا تأتي الشبهة، لأنَّ كلاً من الدليلين لا يلزم منه المانع الارتكازي العقلائي؛ لأنَّ كلاً من الدليلين يختص بأحد طرفي العلم الإجمالي ولا يشمل 

ــــــــــ[56]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

كليهما، فلا يوجد مخصّص متصل لا لهذا الدليل ولا لذاك. نعم، علمنا بلحاظ المانع الارتكازي أنّه لا يمكن الجمع بين هذين الدليلين، وهذا معناه التعارض بينهما في مقام الحجّيّة، لا التعارض في تكوين أصل الظهور(1)

فالمانع الارتكازي العقلائي يصبح حكمه بالنسبة إلى مجموع الدليلين حكم المخصّص المنفصل لا حكم المتصل؛ لأنّه يوجب العلم بعدم تمامية إطلاق كلا الدليلين فيحصل التعارض بينهما في مقام الحجّيّة، ففي مثل ذلك أيضاً لا تأتي هذه الشبهة؛ لأنّه يصبح عندنا ظهور في دليل أصالة الصحة يعارض ظهور آخر في دليل أصالة الحل، والمفروض أنَّ ظهور دليل أصالة الحل وجد ظهور أقوى منه وهو ظهور دليل الاستصحاب المثبت للحرمة، فسقط ظهور أصالة الحل بالحكومة فيبقى ظهور أصالة الصحة بلا معارض؛ لأنَّ المقتضي موجود وهو أصل الظهور والمانع وهو ظهور أصالة الحل الساقط مفقود.

كذلك لا تتم هذه الشبهة، فيما إذا فرضنا في الطرف الآخر أنّنا اخترنا في الدليل الحاكم أنَّ الحكومة توجب رفع الموضوع، لا أنَّ الحكومة مرجعها إلى التخصيص. 

توضيح ذلك: أنَّ هناك بحثاً في باب الحكومة، أنَّ الدليل الحاكم هل روحه تخصيص لكن الحكومة تفنن في التعبير، فإن (لا شك لكثير الشك) معناه 

ــــــــــ[57]ــــــــــ

() لأنَّ دليل أصل أصالة الصحة في نفسه، وكذلك أصالة الحل لا يقتضي الترخيص في المخالفة القطعية، حتّى يقترن بالمخصص المتصل؛ لأنَّ كلاً منهما يشمل طرفاً لا طرفين. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

تخصيص دليل الشك لكن بهذا الطرز من التعبير، أو أنَّ روحه يختلف عن روح التخصيص، يعني: روحه ورود ورفع للموضوع؟

 الصحيح هو الأوّل، إلَّا أنَّ مدرسة الميرزا كأنّها تتجه اتجاهاً عامّاً أو غالبياً إلى اعتبار الحكومة رفعاً للموضوع.

إذا بنينا على أنَّ الحكومة رفع للموضوع وقد فرضنا أنَّ الجبن مجرى لأصالة الحِل والمائع مجرى لها أيضاً والاستصحاب حاكم عليهما، فإذا فسّرنا حكومة الاستصحاب على أصالة الحِل بأنّه يرفع موضوعها، فأيضاً لا تأتي الشبهة، وذلك لأنَّ دليل الاستصحاب وإن كان منفصلاً عن دليل أصالة الحِل، إلَّا أنّه بحكومته على دليل أصالة للحل في المائع المشكوك ورفعه لموضوعه، يقتضي زوال أصل دليل أصالة الحِل في الاقتضاء لشمول أصالة الحِل للمائع المشكوك، فكأنَّ الدليل الحاكم -على هذا المبنى- يصير من قبل القرينة المتصلة، فكما أنَّ القرينة المتصلة توجب هدم الظهور، كذلك الدليل الحاكم ولو كان منفصلاً، إذا كانت الحكومة بالمعنى الميرزائي. 

إذن فظهور أصالة الحِل في المائع قد انهدم تعييناً، وأمّا ظهور دليل أصالة الحِل في الجبن فلم ينهدم تعييناً، فحينئذٍ لا يكون المخصّص المجمل المردد بين المتباينين الذي هو كالمتصل، لا يوجب الإجمال حينئذٍ؛ لأنَّ نسبة الدليل إلى الطرفين لا يكون على حدّ سواء. فهنا دليل أصالة الحِل يقتضي جريانها في الجبن وأمّا اقتضاؤه لجريانها في المائع فهو منهدم موضوعاً باعتبار زوال موضوعه بدليل الاستصحاب.

ــــــــــ[58]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وهذا بخلاف ما لو قلنا: بأنَّ الحكومة مرجعها إلى التخصيص لا إلى رفع الموضوع، فدليل الاستصحاب لا يوجب هدم ظهور أصالة الحِل، وإنَّما يوجب هدم الحجّيّة، فظهور دليل أصالة الحل بحسب اقتضائه الذاتي، له اقتضاء للظهور في كلاً من الجبن والمائع، فالمخصّص المتصل الذي هو المانع الارتكازي الذي نسبته إليهما على حدّ واحد، يكون موجباً للإجمال حينئذٍ فيهما.

إن(1) هذه الشبهة لا تأتي في عدة موارد:

  1. فيما لو بني على أن المانع العقلي أو العقلائي كالمخصص المنفصل لا المتصل، وإنَّما تأتي لو بني على أنّه كالمتصل.
  2. فيما لو فرض أنَّ الأصل المثبت للتكليف الحاكم، مع الأصل والمحكوم النافي للتكليف، كانا ثابتين بدليل واحد لا بدليلين.
  3. فيما لو فرض أنَّ الأصلين النافيين اللذين يكون أحدهما محكوماً، كانا ثابتين بدليلين لا بدليل واحد.
  4. لا تجرى هذه الشبهة فيما إذا فسّرنا الحكومة بمعنى رفع الموضوع، لا بمعنى يرجع إلى التخصيص روحاً وجوهراً.
مقتضى الشبهة وشروطها

قلنا(2) إنَّ هنا شبهة إذا تمت يكون مقتضاها عدم جواز الرجوع إلى أصالة الحل حتّى في هذه الصورة،وتصوّر محذور المعارضة حتّى في هذه الصورة، 

ــــــــــ[59]ــــــــــ

() وهنا أعاد مختصراً وكان فيما قال: إن… (المقرِّر). 

(2) لخص أولاً جملة مما كان قاله، وكان مما قال: قلنا… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وحاصلها: يمكن أن نحلله إلى مقدّمتين: صغرى وكبرى:

 الصغرى: هي أنَّ دليل الأصل الذي هو دليل أصالة الحل اقترن بالمخصّص المتصل وهو الارتكاز العقلائي عندنا والحكم العقلي عندهم؛ لأنّه بمكان من الوضوح والبداهة خصوصاً إذا كان هو الارتكاز. وهذا المخصّص المتصل يكون مخرجاً لأحد الطرفين لا بعينه عن كونه مجرى لأصالة الحل؛ لأنّه يأبى عن تمامية الترخيص في تمام أطراف العلم الإجمالي في المخالفة القطعية، لكن هذا المحذور لا يعيّن الطرف الساقط منهما، فهو بهذا الاعتبار يعتبر من المخصّصات المتصلة الدائر أمرها بين المتباينين؛ لأنّه يخرج طرفاً لا بعينه، وهذا الطرف أمره مردد بين المائع الشرقي والمائع الغربي اللذين يُعلم إجمالاً بحرمة أحدهما، فيدخل تحت كبرى المخصّص المتصل الدائر أمره بين المتباينين.

وحينئذٍ نطبق هذه الكبرى التي فرغنا عنها في بحث العموم والخصوص، وهو أنَّ المخصّص المتصل الدائر أمره بين المتباينين بإجماله وتردده بين المتباينين يوجب إجمال العام وعدم انعقاد ظهور له لا في هذا الفرد بالفعل ولا في ذاك بالفعل.

صحيح أنَّ العام له اقتضاء ذاتي لتكوين الظهور في كلا الفردين، لكن حيث إنَّ هذا الاقتضاء لكلّ من الطرفين على حدّ واحد ونسبته واحدة. وحيث إنَّ المخصّص المتصل المجمل المردد بين المتباينين يكون مانعاً عن تمامية هذا الاقتضاء الذاتي في أحدهما، فلا محالة لا يتم الاقتضاء الذاتي لا في هذا ولا في ذاك، فيكون مجملاً فيهما معاً.

ــــــــــ[60]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ونتيجة ضم هذه الكبرى إلى تلك الصغرى أنَّ دليل أصالة الحل يصبح بلحاظ المخصّص المتصل المردد أمره بين المتباينين مجملاً بحيث لا يبقى له ظهور أصلاً في الشمول لأيّ من الفردين. هذا في نفسه. 

بعد هذا نلحظ دليل الاستصحاب وهو يثبت حرمة المائع الغربي، فإذا أثبتنا حرمته كيف نرجع بعد هذا ونجري أصالة الحل في المائع الشرقي، بأيّ دليل؟ لأنَّه لا دليل على ذلك إلَّا دليل أصالة الحل والمفروض أنّه أُجمل ولم يبقى له ظهور. ومجرّد أنّه من الخارج ولا دليل على حرمة المائع الغربي لا يكفي لرفع إجمال دليل أصالة الحل وتغييره ممّا وقع إليه. هذه هي الشبهة.

وبناء عليها لا يتمسّك بأصالة الحل في المائع الشرقي حتّى مع جريان الاستصحاب المثبت للتكليف في المائع الغربي.

قلنا فيما سبق: إنَّ استفحال هذه الشبهة يتوقف على عدة شروط:

الشرط الأوّل: أن نقول: إنَّ المانع الثبوتي العقلي أو العقلائي عن جريان الأصل في كلا الطرفين معاً، بلغت إلى درجة من الوضوح بحيث أصبح النافي هنا، سياقه سياق المخصّصات المتصلة، التي تمنع عن انعقاد أصل الظهور وتكون أصل الدلالة. 

وأما إذا فرضنا أنَّ هذا المائع ليس مخصّصاً متصلاً ولا بحكمه، بل هو مخصص منفصل فلا تتم هذه الشبهة(1).

الشرط الثاني في جريان هذه الشبهة: هو أن لا يكون الأصل الحاكم 

ــــــــــ[61]ــــــــــ

() وهنا لخصه كما سبق ص38. (المقرِّر). [ص54 من هذا الكتاب].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

والأصل المحكوم ثابتين بدليل واحد(1).

في مثل هذا نقول: لا بأس بجريان الاستصحاب النافي للتكليف في الطرف الأوّل ولا تأتي فيه هذه الشبهة؛ لأنَّ دليل الاستصحاب النافي ليس له اقتضاء ذاتي أصلاً للشمول لكلا الطرفين حتّى ما إذا ضمّمنا المخصّص اللبّي المتصل بوجوب إجماله في كلا الطرفين. ليس له اقتضاء ذاتي لذلك؛ لأنَّ الاستصحاب الموضوعي المثبت للتكليف في الطرف الثاني هو قرينة متصلة على هدم شمول دليل الاستصحاب للاستصحاب النافي في الطرف الثاني. فالاستصحاب الثاني قد خرج بقرينة متصلة خاصة به، وأنَّ دليل الاستصحاب لا يشمل الاستصحاب النافي في الطرف الثاني وإنَّما يشمل الطرف الأوّل، وحينئذٍ لا نعلم بالمخصّص بالنسبة إليه؛ لأنّنا إنَّما نعلم بالمخصّص لو كان في نفسه شاملاً لكلا الطرفين، أمّا بعد فرض عدم شموله لهما فلا يكون هناك علم بالمخصّص حتى يوجب الإجمال. فلا بأس بجريان الاستصحاب النافي في الطرف الأوّل بلا محذور.

الشرط الثالث في جريان الشبهة: هو اشتراط أن يكون الأصلان النافيان اللذان نقول: إن أحدهما محكوم دون الآخر، لا بُدّ أن يكونا من سنخ واحد، يعني: كلاهما أصالة الحل مثلاً. وأمّا لو كان أحدهما مجرى الأصالة والآخر مجرى لأصالة الحل، ويحكم على أصالة الحل الاستصحاب فلا تجري الشبهة(2).

الشرط الرابع: لجريان الشبهة: أن لا يكون الأصل المثبت للتكليف رافعاً 

ــــــــــ[62]ــــــــــ

() وهنا لخصه فيما قال: في مثل هذا نقول… (المقرِّر). 

(2) وهنا لخصه كما سبق. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

لموضوع الأصل النافي في مورده. وأمّا لو فرض أنَّ الأصل المثبت للتكليف كان رافعاً لموضوع الأصل النافي في مورده. إذن، فمن أوّل الأمر ليس في دليل الأصل النافي فردان ويطرأ عليه مخصّص دائر أمره بين المتباينين، فإنَّ الفرد الثاني بلا موضوع وفرديته له فرع وجدان الموضوع والمفروض أنَّ الأصل المثبت يرفع موضوعه. وهو يرفع موضوعه، إمّا بأن يكون وارداً عليه، كما لو قلنا: بأنَّ دليل الاستصحاب وارداً على أصالة الحل، وإمّا بأن نقول: إنّه حاكم عليه بالحكومة الميرزائية التي روحها ومرجعها إلى الورود.

وأمّا إذا قلنا بأنَّ دليل الاستصحاب مقدّم على دليل أصالة الحل، لا أنّه رافع لموضوعه لا بالورود ولا بالحكومة، وفهمنا الحكومة أنّها تخصيص بلسان أبلغ، وهو لسان رفع الموضوع. بناءً عليه فالموضوع موجود بحسب الخارج، فيكون موضوع أصالة الحل ذا فردين وقد اقترن بالمخصص الدائر أمره بين المتباينين فيكون مجملاً.

فهذه الشبهة إنَّما تأتي مع حفظ هذه الشروط الأربعة. وهو أن يقال: إنَّ دليل أصالة الحل كيف يتمسّك به حتّى مع جريان الاستصحاب المثبت للتكليف في أحدهما؛ لأنّه أصبح مجملاً من أوّل الأمر.

الجواب عن الشبهة

الجواب عن هذه الشبهة يتيسر بالإطلاع على ما قلناه في بحث العام والخاص؛ وذلك لأنّنا هناك ذكرنا مطلباً تنحل هذه الشبهة على ضوئه. لا بُدّ لي أن استعرضه حتّى نطبقه على المقام.

ــــــــــ[63]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وهو: أن المخصّص المتصل بالعام إذا كان أمره دائراً بين المتباينين، كما لو قال المولى: (أكرم كلّ عالم إلَّا زيداً) ولم تدر أنّه زيد بن عَمرو العالم، أو زيد بن خالد العالم.

قلنا: إنَّ هذا المخصّص المتصل يوجب إجمال العام، فلا يمكن أن نتمسّك به للفتوى لا بوجوب إكرام زيد بن عمرو، ولا بوجوب إكرام زيد بن خالد.

لكن هناك قلنا: إنَّ معنى هذاالإجمال هو هذا، إنّه لا يجوز الإفتاء بوجوب أيّ من الزيدين بعنوانه التفصيلي؛ لأنَّ أحدهما خارج عن العام بلا إشكال، ونسبة الخارج إلى كلّ منهما على حدّ واحد، فتطبيقه على أحدهما وفرض أنَّ الخارج هو هذا دون ذاك أو العكس قول بلا علم، لكن هنا الثاني من هذين الفردين، يعني: غير زيد الخارج.

 أقول: المقدار الذي دلّ الدليل على خروجه هو أحد الزيدين، أمّا زيد الثاني فلم يدلّ دليل على خروجه؛ لأنَّ المولى قال: (إلَّا زيداً). وأراد واحد منهما لا محالة، فالدليل إنما دلَّ على عدم وجوب إكرام أحدهما، ولم يدلّ على عدم وجوب إكرام زيد الثاني. فالدليل دلّ على إخراج أحد الزيدين. إذن، فلا بأس بأن نثبت وجوب إكرام زيد الثاني بهذا العنوان الإجمالي بخطاب (أكرم كلّ عالم إلَّا زيداً)؛ لأنَّ المقتضي موجود والمانع مفقود.

فإنَّ مجرّد أن يكون زيد الثاني خارجاً يكون احتمالاً بلا دليل، واحتماله منفي بأصالة العموم أو الإطلاق، فثبت بالعموم أن زيداً الثاني على إجماله داخل تحت العموم، ويجب إكرامه.

ــــــــــ[64]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وفائدة إثبات هذا المطلب هو أنّه إذا ثبت أنَّ زيداً الثاني يجب إكرامه، فيتشكل لنا علم إجمالي بوجوب إكرام أحد الزيدين؛ لأنَّ الخارج إن كان زيد بن فلان فزيد بن الآخر يجب إكرامه، وإن كان زيد بن الآخر فزيد بن فلان يجب إكرامه. وهذا العلم الإجمالي يطبّق عليه قواعد العلم الإجمالي وتنجيزه.

هكذا قلنا هناك، ثُمَّ استشكلنا في ذلك وقلنا: بأنّ هذا المخصّص المتصل الدائر أمره بين المتباينين. فإنّنا تارة نفرض أنَّ الفرد الخارج بالتخصيص المتصل متعيّن في علم الله، والواقع وإن كنت أنا لا أدري من هو. وأخرى نفرض أنّه غير متعيّن حتّى في الواقع، مثال المتعيّن في الواقع (أكرم كلّ عالم إلَّا زيد)، فإن ما دل الدليل على خروجه وهو مدلول كلمة زيد متعيّن؛ لأنَّ المولى -بعد وضوح أنّه لم يستعمل اللفظ الواحد في معنيين- قد قصد بها معنى معيناً، فيكون الفرد الآخر من الزيدين الذي لم يقصده المولى، لا أعلم بخروجه عن العموم، فالتمسّك به لإثبات وجوب إكرامه.

وأمّا أنَّ الفرد الخارج غير متعيّن أصلاً من ناحية الدليل المخصّص، مثاله من قبيل ما هو محلّ الكلام في دليل الأصل، فإنّ دليل الأصل وهو (كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام)، يقتضي في نفسه حلية المائع الشرقي والمائع الغربي اللذين علمنا إجمالاً بحرمة أحدهما.

 جاء مخصّص كالمتصل بحسب الفرض، وهو يقول: بأنَّ المولى لا يرخص في كلا الطرفين؛ لأنّه ترخيص في المخالفة القطعية، فأحد الطرفين ليس فيه ترخيص، هذا غير متعيّن. يعني: الارتكاز الذي هو الدليل على التخصيص 

ــــــــــ[65]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ليس متعيناً في هذه المرتبة، أن يكون الخارج هذا الطرف أو ذاك؛ لأنَّ نسبته إليهما على حدّ واحد.

فلو أردت أن استعمل عين تلك الصيغة، وأقول: إنَّ غير الطرف الذي دلّ المخصّص على خروجه، أشك في خروجه وعدمه، فهنا تعترضنا مشكلة؛ لأنَّ الفرد الذي دل المخصّص على خروجه غير متعيّن؛ لأنَّ المخصّص هو الارتكاز، وهو نسبته إلى الطرفين حيادية، وليس له تعيّن في نظره الارتكازي. فإذا أردت أن استعمل نفس الصيغة وأقول: غير الفرد الذي خرج بالدليل المخصّص لم يخرج -إن شاء الله- من العام. ابتلى بهذا المحذور: وهو أن غيره غير متعيّن؛ لأنَّ الذي خرج غير متعيّن فغير غير المتعين أيضاً غير متعين. ويستحيل جعل ظهور غير المتعين حجّة؛ لأنَّ الظهور غير المتعين ليس له حقيقة ومدلول حتى يكون حجّة في مقام إثبات مدلوله.

دليل أصالة الحل له ظهور في الإناء الشرقي وظهور في الإناء الغربي، سقط أحدهما غير المتعيّن، لا نستطيع أن نقول: إنَّ الآخر غير المتعيّن باق على الحجّيّة؛ لأنَّ الظهور غير المتعيّن لا يعقل جعل الحجّيّة له.

ثُمَّ قلنا في بحث العام والخاص: إنَّ هذا في الحقيقة ليس إشكال، وإنَّما هو مطالبة بفلسفة الموقف؛ وذلك لأنّنا لا نشك بأنَّ السيرة العقلائية على هذا، على أنّهم لا يرفعون اليد عن ظهور كلام المولى بأقل مقدار ممكن، وحيث إنَّ أقل مقدار ممكن هو أحد الفردين، ولهذا يقول العرف: إنَّ ظهور كلامه في الفرد الآخر يبقى على الحجّيّة غير ملتفت التفاتاً تفصيلاً إلى أنّه سوف يتورط في محذور من هذه الناحية.

ــــــــــ[66]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فهذه المشكلة التي أثرناها هي في الواقع، كيفية تحليل هذا الموقف من العقلاء تحليلاً ينسجم مع القواعد التفسيرية، ومن هنا حلّلناه وقلنا: بأنَّ تحليل ذلك هو أنَّ العقلاء وإن كانوا بالصيغة البدائية يقولون: إنَّ الفرد الثاني يبقى على الحجّيّة وظهوره في الفرد الأوّل يبقى على الحجّيّة من دون أن يعيّنوا الفردين، لكن هذا تحليله بالدقة يرجع إلى أنَّ العقلاء يقولون بحجّيّة كلّ واحد من الظهورين لو كان الآخر خطأ، يعني: غير مطابق للواقع وللمراد.

يقولون: إنَّ أحد هذين الظهورين خطأ، ولكن لا ندري ما هو لكن هل يجوز لي حينئذٍ أن أطرح كلا الظهورين للمولى، فأكون قد طرحت ظهوراً لكلام المولى من دون أن يكون عندي موجب إلى طرحه. إذن، فلا بُدّ لي أن أتمسك بظهور كلامه بمقدار الإمكان، وذلك بأن أقول: إنَّ كلا من الظهورين حجّة لو كان الخاطئ هو الآخر.

فينتج بعد التحليل، جعل حجيتين، حجّيّة لهذا الظهور مشروطة بأن يكون الآخر خاطئاً وغير مطابق للواقع، وحجّيّة للآخر كذلك.

هنا أيضاً هكذا: نقول: إنَّ دليل أصالة الحل له ظهوران: ظهور في جريان أصالة الحل في الإناء الشرقي، وظهور في جريانها في المائع الغربي. وهذان الظهوران كلاهما حجّة، لكن حجّيّة مشروطة بأن يكون الآخر خطأ، فلو وقفنا على النظر إلى دليل أصالة الحل بلا أن نستعين بالاستصحاب فمثل هاتين الحليتين المشروطتين لا تنتج أثراً عملياً أصلاً. لأنَّ أيّ واحد أمسكه لا أدري أنَّ هذا حلال؛ لأنّه من قال لي: إنَّ الآخر خطأ ليكون هذا حجّة، فأبقى متردداً 

ــــــــــ[67]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بين الظهورين؛ لأنَّ حجّيّة كلّ منهما مشروطة بخطأ الآخر، وأنا غير محرز لا خطأ ذاك ولا هذا؛ لأنَّ أيّ واحد أمسكه احتمل أنَّ ظهوره مطابق للواقع، فلا يكون لهاتين الحجّيتين المشروطتين أثر.

يظهر أثرها لو جاء دليل الاستصحاب؛ لأنّه يأتي ويثبت حرمة المائع الغربي، والمفروض أنَّ ظهور دليل الاستصحاب مقدّم على ظهور دليل أصالة الحل في المائع الغربي، فيثبت به خطأ ظهور دليل الاستصحاب خطأ ظهور دليل أصالة الحل في المائع الغربي، فيصبح الظهور في الطرف الآخر حجّة؛ لأنني أحرزت شرطه؛ لأنَّ حجّيّة الظهور في الفرد الآخر مشروطه بخطأ الظهور الآخر وقد أحرزنا خطأ الظهور الآخر بضم دليل الاستصحاب.

هذا المطلب كله بحسب الحقيقة تحليل للموقف العقلائي الساذج الذي لا نشك فيه، وهو أنّهم لا يطرحون ظهوراً لكلام المولى لا بعينه، بلا مبرر في المقام. ومرجع ذلك بحسب الدقة إلى هذا الموقف، وحينئذٍ فنتيجته هو حل هذه الشبهة التي أثرناها، ويكون الطرف الغير المجرى للاستصحاب مجرى لأصالة الحل؛ لأنَّ المقتضي موجود والمانع مفقود.

هذا هو تمام الكلام في الصورة الثانية.

الصورة الثالثة: الكلام في صورة وجود أصل طولي نافٍ للتكليف

الصورة الثالثة: هي أن يكون كل واحد من طرفي العلم الإجمالي مجرى للأصل المؤمِّن في نفسه، وأن لا يكون هناك أصل حاكم مثبت للتكليف حاكم على أحدهما، ولكن يفرض أن أحد الطرفين يمتاز على الطرف الآخر، أنَّ فيه 

ــــــــــ[68]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أصلاً آخر وراء هذا الأصل النافي، أصل متأخّر عنه رتبة يسمّى بـ(الأصل الطولي) وهو أيضاً أصل ناف للتكليف في المقام، فكأن أحد الطرفين فيه أصل واحد، والآخر فيه أصلان نافيان أحدهما في طول الآخر.

كما لو علم إجمالاً إمّا بحرمة هذا المائع وإمّا بوجوب إكرام زيد؛ لأنّه عالم. هنا يجري الأصل النافي في كلّ من الطرفين استصحاب عدم حرمة هذا المائع واستصحاب عدم علم زيد، إلَّا أنه في خمرية المائع يوجد أصل طولي بعد سقوط الاستصحاب وهو أصالة الحل، ولا يوجد في طرف إكرام زيد أصل طولي؛ لأنَّ الشبهة هناك وجوبية لا تحريمية، فلا تجري أصالة الحل، وأمّا أصل البراءة فالمفروض أنّه لا يجري في أطراف العلم الإجمالي. هذا على تصورنا لأدلة الأصول(1).

أمّا على المذاق المتعارف فمثاله واضح، كما لو علم إجمالاً بحرمة أحد هذين المائعين، وفُرض أنَّ أحدهما كان مجرى لحالة سابقة وهي الحلية دون الآخر، فالأوّل يكون مجرى لأصلين نافيين طوليين، أحدهما استصحاب الحلية والآخر أصالة الحل. وأمّا الطرف الآخر ففيه أصل واحد هو أصالة الحل. 

جامع هذه الأمثلة هو أن يُفرض في أحد طرفي العلم الإجمالي أصلان نافيان طوليان، أحدهما محكوم للآخر، وفي الطرف الآخر يُفرض أصل ناف واحد.

في مثل هذا قد يقال: بأنَّ الأصل الطولي الثاني يجري في مورده بلا 

ــــــــــ[69]ــــــــــ

() وقال: بأنَّ هذا المثال لا ينسجم على المشهور لوجود الأصل الطولي وهو البراءة في كل من الطرفين، إذ المشهور يرى جريانها في كِلا طرفي العلم الإجمالي. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

معارض، ففي هذا المثال حيث نفرض أنَّ هنا استصحاباً وفي طوله أصالة الحل وفي الطرف الآخر لا يوجد إلَّا أصالة الحل، فهنا الاستصحاب مع أصالة الحل يتساقطان بالمعارضة، والأصل الطولي النافي الذي هو محكوم للاستصحاب والثابت في مورده يبقى بلا معارضة. 

والنكتة في هذا القصور: هو أن يقال: بأنَّ الأصل الطولي النافي للتكليف، ليس له معارض ولا يمكن أن يقع طرفاً للمعارضة مع الأصل النافي للتكليف الوحيد في الطرف الآخر؛ لأنّه في مرتبة جريانه ليس هناك أصل في الطرف الآخر؛ إذ مرتبة جريانه هي مرتبة متأخّرة عن مرتبة الأصل الحاكم في مورده، حيث إنَّ الأصل المحكوم متأخّر مرتبة عن الأصل الحاكم، فلا تنتهي النوبة إلى الأصل الطولي، وجريانه إلَّا بعد أن نفرض في المرتبة السابقة سقوط الأصل الحاكم، ومن تلك المرتبة، مرتبة سقوط الأصل الحاكم، قد سقط الأصل الوحيد الجاري في الطرف الآخر. ففي مرتبة سقوط أحد المتعارضين يسقط المعارض الآخر لا محالة. إذن، فحيث ننتهي إلى مرتبة جريان الأصل الطولي لا يبقى له معارض. هذه نكتة هذا التصوّر.

إلَّا أنَّ هذا التقريب لم يُقبل من قبل جملة من المحقّقين إمّا مطلقاً وإمّا على تفصيل. 

وخلاصة ما ذكر في مقام عدم قبوله، وإثبات أنَّ الأصل الطولي لا يُعقل جريانه في هذا الطرف بعد التساقط بين الأصل الحاكم والأصل في الطرف الآخر، وجوه ثلاثة.

ــــــــــ[70]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الوجه الأوّل: لعدم جريان الأصل الطولي

الوجه الأوّل: ما يتراءى من كلمات المحقّق النائيني وحاصله: أنَّ التنافي بين الأصل الحاكم والأصل الوحيد الجاري في الطرف الآخر، إنَّما لعله باعتبار المجعول في دليلهما، حيث إنَّ المجعولين ينافيان مع العلم الإجمالي وقانونه، فمن هذه الناحية يقع التعارض بينهما.

ونحن إذا نظرنا إلى الأصل الحاكم والأصل المحكوم، منهما من حيث عالم الإنشاء وإن كانا خطابين وانشائين، ولكنهما بلحاظ ما هو المجعول واللبّ مجعولهما شيء واحد، وهو الرخصة -مثلاً- وإطلاق العنان في هذا الطرف، فمحصل كلا الأصلين معنى واحد، وهذا المعنى الواحد هو طرف المعارضة وهو الذي يكون به المنافاة. فمن حيث عالم المجعول مرجعهما إلى شيء واحد فيرتبطان بالمعارضة على نحو واحد ويسقطان أيضاً على نحو واحد.

هذا الكلام أفيد بهذا المقدار في تقريرات الميرزا، وهو بهذا المقدار لا ينبغي أن يستشكل في عدم صحته كما نبه إلى ذلك المحقّق العراقي، فإنّه ذكر هذا البيان للمحقّق النائيني واعترض عليه وأجاد في الاعتراض. 

وحاصله: هو أنّه لو سلّم أنَّ المجعول في الأصل الحاكم والمحكوم شيء واحد، إلَّا أنَّ المعارضة ليست بين مجعولين بما هما، وإنَّما المعارضة هي بلحاظ عالم الحجّيّة والدلالة، أي: عالم إثبات ذينك المجعولين، بين ما يثبت هذا المجعول وذلك المجعول لا بين ذات المجعولين بقطع النظر عن حيثية الإثبات، بل حيثية الإثبات جهة تقييدية فيما هو طرف المعارضة في المقام. إذن، فالمعارضة 

ــــــــــ[71]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

تكون بحسب الحقيقة بين المثبتين، بين مثبث هذا المجعول ومثبث هذا المجعول.

وحينئذٍ يقال: إنّه في هذا الطرف الذي يحتوي على الأصل الحاكم والمحكوم، عندنا مثبتان طوليان للمجعول: الاستصحاب وأصالة الحل، فهما مثبتان أحدهما يترتب على عدم الآخر. إذن، فلا بُدّ من فرض معارضة تقوم بين ذلك الطرف وبين الإثبات هنا. وحيث إنَّ الإثبات الثاني لا تصل النوبة إليه، ولا يتم اقتضاء الدليل له إلَّا بعد فرض سقوط الإثبات الدليل الأوّل. وحيث إنَّ سقوط الإثبات الأوّل هو بعينه فرض سقوط الأصل في الطرف الآخر، فحينئذٍ يكون الإثبات الثاني في مرتبته لا معارض له في المقام.

فالإثبات الثاني إذا لوحظ في مرتبة الإثبات الأوّل، فلا مقتضى له؛ إذ هذه مرتبة الأصل الحاكم. وإذا لوحظ في المرتبة الثانية المتأخّرة فالمقتضي موجود والمانع مفقود، فيكون جارياً.

وهذا المقدار الذي أفاده المحقّق العراقي في غاية المتانة في مقام دفع هذا المقدار المفهوم من كلام الميرزا.

الوجه الثاني: للنائيني أيضاً

التقريب الثاني لبيان عدم جريان الأصل الطولي في المقام: وهو أيضاً مما أفاده المحقق النائيني، وهو موجود في كلا التقريرين: وحاصله استحالة جريان الأصل الطولي؛ لأنّه يلزم من وجوده عدمه؛ وذلك لأنَّ جريان الأصل الطولي -وهو أصالة الحل في هذا الطرف- فرع سقوط الأصل الحاكم؛ إذ لو لم 

ــــــــــ[72]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

يسقط الحاكم لما انتهت النوبة إلى الأصل الطولي. وسقوط الأصل الحاكم فرع منجّزية العلم الإجمالي؛ لأنّه إنَّما سقط بقانون تنجيز العلم الإجمالي، فلو أريد إبطال منجّزية العلم الإجمالي بجريان الأصل الطولي للزم من ذلك استلزام الشيء لعدم نفسه. إذن، فالأصل الطولي يستحيل أن يجري بنحو يبطل منجّزية العلم الإجمالي؛ لأنّه موقوف على سقوط الأصل الحاكم الموقوف على منجّزية العلم الإجمالي. وما يتوقف على شيء كيف يكون منشأ لإبطال ذلك الشيء.

هذا الكلام وإن كان له صورة برهانية، لكن لم يكن من المناسب صدوره من المحقّق النائيني؛ وذلك لأنَّ جريان الأصل الطولي في المقام موقوف على سقوط الأصل الحاكم، هذا صحيح وسقوط الأصل الحاكم يتوقف على منجزية العلم الإجمالي، هذا أيضاً تام، ولكن ما معنى أنَّ سقوط الأصل الحاكم يتوقف على منجزية العلم الإجمالي؟ هل يعني أنَّ سقوطه يتوقف على منجّزية العلم الإجمالي لمرتبة وجوب الموافقة القطعية؟ لو كان هذا معنى العبارة، فيكون جريان الأصل الطولي متوقفاً على سقوط الأصل الحاكم المتوقف على وجوب الموافقة القطعية، فيستحيل أن نرفع وجوبها بالأصل الطولي. هذا يكون له صورة. 

إلَّا أنَّ هذا غير مقصود، كما هو أيضاً يعترف به؛ إذ يذكر مراراً أنَّ سقوط الأصول بالأطراف مبني على حرمة المخالفة القطعية. وأمّا وجوب الموافقة القطعية فينشأ من ناحية التساقط بين الأصول.

حيث إنَّ العلم الإجمالي ينجّز حرمة المخالفة القطعية وحيث إنَّ الترجيح 

ــــــــــ[73]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بلا مرجح مستحيل، ففي المقام لا بُدّ وأن يسقط الأصل الحاكم، لأنَّ جريانه مع الأصل في الطرف الآخر خلاف منجّزية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية، وجريانه وحده ترجيح بلا مرجح فيسقط هو وأخوه.

وهذا الملاك ثابت حتّى بعد أداء إجراء الأصل الطولي ورفع اليد عن وجوب الموافقة القطعية؛ لأنَّ ما هو ملاك سقوط الأصل الحاكم -بحسب الحقيقة- ينحل إلى أمرين: أحدهما حرمة المخالفة القطعية، والآخر استحالة الترجيح بلا مرجح. وكلا الأمرين ثابت حتّى بعد جريان الأصل الطولي. إذن، فالأصل الطولي يتوقف على معنى من المنجّزية ويهدم معنى آخر من المنجّزية. يتوقف على المنجّزية بمعنى حرمة المخالفة القطعية ويهدم المنجزية بمعنى وجوب الموافقة القطعية، فلا يلزم من ذلك هادميّة الفرع لأصله، أو يلزم من وجوده عدمه ونحو ذلك من التعبيرات. فهذا التقريب الثاني غير تامّ.

الوجه الثالث: للسيّد الأستاذ

التقريب الثالث للسيّد الأستاذ، إذ قد فصّل ولم يوافق على ما ذكره الأولون من أنَّ الأصل الطولي يجري مطلقاً، ولا على ما ذهب إليه الميرزا من أنه يسقط بالمعارضة مطلقاً، بل فصّل في المقام.

وحاصل ما ذكره في مقام تفصيل هذه المسألة: أنَّ الأصل الحاكم مع الأصل الوحيد الجاري في الطرف الآخر، إمّا أن يكونا من سنخ واحد ثابتين بدليل واحد، وإمّا أن يكونا ثابتين بدليلين. فإن فُرض أنّهما ثابتان بدليل واحد، من قبيل أن نفرض أنَّ الأصل الحاكم هنا هو الاستصحاب، والأصل الوحيد 

ــــــــــ[74]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هناك هو الاستصحاب، والأصل الطولي المحكوم هنا هو أصالة الحل. فهنا الأصل الحاكم مع طرفه ثابتان بدليل واحد، في مثل هذه لا بأس بالرجوع إلى الأصل الطولي؛ وذلك لأنّه عندنا في المقام دليلان: دليل الاستصحاب الذي يقتضي جريان الاستصحاب النافي في كلا الطرفين، ودليل أصالة الحل الذي هو الأصل الطولي هنا. أمّا دليل الاستصحاب فقد ابتلى بالمخصّص المردّد أمره بين المتباينين؛ لأنَّ جريان كلا الاستصحابين غير معقول، فلا بُدّ من رفع اليد عن أحدهما، فيوجب إجمال دليل الاستصحاب. 

وكأنَّ السيّد الأستاذ هنا بنى على أنَّ الحكم العقلي بحرمة المخالفة القطعية يكون كالمخصّص المتصل وإن لم يصرح بذلك في مقام تقريب المطلب، لكن تتميماً للمطلب لا بُدّ أن يقال هكذا.

فدليل الاستصحاب بعد اقترانه بالمخصّص المتصل الدائر أمره بين المتباينين لا يبقى له دلالة وظهور لا في هذا الطرف ولا ذاك. وحينئذٍ رجع إلى دليل أصالة الحل بلا إشكال؛ لأنّه يقتضي الشمول للطرف الأوّل فقط، ويكون الأخذ بهذا الدليل في المقام متعيّناً؛ لأنَّ المقتضي موجود والمانع مفقود. أمّا المقتضي فهو دلالة الدليل بعد إجمال دليل الاستصحاب وارتفاع الأصل الحاكم، وأمّا المانع فهو أيضاً مفقود؛ إذ لا يتصوّر هناك مانع عن التمسّك بدليل أصالة الحل إلا معارضته بدليل الاستصحاب بلحاظ الطرف الآخر، والمفروض أنه -يعني: دليل الاستصحاب- أصبح مجملاً، والمجمل لا يعارض غير المجمل، فيؤخذ بدليل أصالة الحل.

هذا إذا كان الأصل الحاكم مع ما يقابله من سنخ واحد. 

ــــــــــ[75]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وأمّا إذا فرضنا أنهما من سنخين كما لو فرضنا أنَّ هذا الطرف فيه استصحاب وفي طوله أصالة الطهارة، وذاك الطرف ابتداءً فيه أصالة الطهارة، كما لو كنا نعلم إجمالاً إمّا هذا الماء نجس وإمّا هذا المائع من الأعيان النجسة كالدم مثلاً. فالماء فيه أصلان: استصحاب الطهارة وفي طوله أصالة الطهارة وأمّا الآخر فهو مجرى لأصالة الطهارة وحده لا لاستصحابها، فهنا الأصل الحاكم في الماء وهو الاستصحاب مع ما يقابله من سنخين لا من سنخ واحد.

ففي مثل ذلك تسقط الأصول كلها بالمعارضة والأصل الطولي يسقط بالمعارضة في المقام مع الأصل في الطرف الآخر. ولا يتم ما أفيد في مقام تصوير كيفية بقاء الأصل الطولي وسلامته عن المعارضة. حيث ذكر أنَّ الأصل الطولي في مرتبة جريانه لا يوجد له معارض، وفي المرتبة المتقدّمة على جريانه لا مقتضى له حتّى يتصوّر له معارض، فإنَّ مرتبة جريانه هي مرتبة سقوط الأصل الحاكم وفرض سقوط الأصل الحاكم هو فرض سقوط الأصل الآخر، وحينئذ فيكون -في مرتبته- بلا معارض.

هذا الكلام غير صحيح: لأننا تارة نقول: إنَّ الشيئين إذا فرض أنّهما في عرض واحد، ووجد شيء ثالث متأخّر مرتبة عن أحدهما فنقول: إنّه متأخّر بنفس ذلك التأخر الرتبي عن الآخر أيضاً لأنَّ ما يكون متأخّر عن أحد العرضيين متأخّر عن العرضي الآخر. 

إذا قلنا بهذا القانون فيتم ما أفيد في المقام، حيث إنَّ الأصل الطولي متأخّر رتبة عن الأصل الحاكم في مورده. وحيث إنَّ الأصل الحاكم في مورده هو في 

ــــــــــ[76]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

عرض الأصل الجاري في الطرف الآخر سقوطاً وثبوتاً، فحينئذٍ الأصل الطولي المتوقف على سقوط الأصل الحاكم في مورده يصبح متوقفاً على سقوط الأصل في الطرف الآخر أيضاً. فحينئذٍ ينتج أن جريان الأصل الطولي في هذا الطرف يتوقف على سقوط الأصل في الطرف الآخر، وإذا توقف على سقوطه يستحيل أن يكون معارضاً له؛ لأنَّ ما يتوقف على عدم الشيء يستحيل أن يكون معارضاً له، كما هو من البديهيات. والمفروض أن الأصل في هذا الطرف سقط بالمعارضة مع الأصل الحاكم هناك، فتنتهي النوبة إلى الأصل الطولي بلا معارض. 

وأمّا إذا أنكرنا هذا القانون الفلسفي لا نقبله: إنَّ ما مع المتقدم متقدم وما مع المتأخر متأخر. كما هو كذلك، فحينئذٍ نقول: إنَّ الأصل الطولي هنا متأخّر رتبة عن سقوط الأصل الحاكم وليس متأخّراً رتبة عن سقوط الأصل في الطرف الآخر. ومقتضى تأخّره رتبة عن سقوط الأصل الحاكم هو كونه معلولاً وسبباً عن سقوطه، والعلية والسببية لا تنافي الاجتماع في الزمان، فزمان الأصل الطولي هو زمان سقوط الأصل الحاكم، لا أنّهما زمانان وإن كانا رتبتين.

فهناك زمان واحد، تم فيه اقتضاء(1) دليل الأصل الحاكم واقتضاء دليل الأصل المحكوم، وإن كان اقتضاء دليل الأصل المحكومة مترتباً على رتبة اقتضاء دليل الأصل الحاكم، لكن من حيث الزمان الاقتضاءان فعليان، فإذا فرض فعلية الاقتضائين والدلالتين في زمان واحد فلا محالة يكونان طرفا 

ــــــــــ[77]ــــــــــ

() غاية الأمر محروم عن التأثير. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

للمعارضة؛ لأنَّ المعارضة إنَّما هي معارضة في الحجّيّة، والحجّية حكم شرعي أو عقلائي، وهو حكم زماني لا حكم رتبي، وفي هذا الزمان قد وقع تكاذب وتصادم بين دلالة واحدة هناك ودلالتين هنا. فالأمر يدور بين رفع اليد
-بحسب الحقيقة- بين رفع اليد عن دلالة واحدة هنا أو عن دلالتين هنا. وهذا هو معنى المعارضة.

فذلك التصوّر إنَّما يتم فيما لو فرض أنَّ الحكم الشرعي كان حاكماً للرتبة لا حكماً للزمان. وأمّا أنّه حيث إنّه كان حكماً للزمان، وزمان اقتضاء الأصل الطولي وزمان اقتضاء الأصل الحاكم واحد، فالمعارضة أيضاً تكون بنحو واحد بالنسبة إلى كلا الأصلين.

هذا إجمالي وَلَعَلي أوضحه.

*****

انتهى الحديث إلى ما ذكره السيّد الأستاذ في التفصيل في جريان الأصل الطولي، وخلاصة ما ذكره: أنَّ الأصلين العرضيين النافيين للتكليف في طرفي العلم الإجمالي إمّا أن يكونا متسانخين وإمّا لا يكونا كذلك، فإن فرض تسانخهما وثبوتهما بدليل واحد فحينئذٍ ينتهي إلى الأصل الطولي ويتمسّك به لو وجد أحد الطرفين دون الآخر بلا محذور، كما لو فرض أن كلا الطرفين كان مجرى للاستصحاب النافي في نفسه، وكان في أحدهما أصل نافي محكوم للاستصحاب كأصالة الطهارة. فهنا لا بأس بالتمسّك بدليل أصالة الطهارة، ولا يقال بأنّه تقع المعارضة بين الاستصحاب في ذلك الطرف وبين كلا 

ــــــــــ[78]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الأصلين المترتبين في هذا الطرف، لا يقال هذا باعتبار أنَّ دليل الاستصحاب أصبح مجملاً بعد طرو المخصص كالمتصل المردد أمره بين المتباينين، فلا يمكن أن يعارض به ظهور دليل أصالة الطهارة في الطرف الأوّل بالخصوص، فيرجع إلى أصالة الحل بلا إشكال.

وقلنا: بأنَّ تسليم هذه الدعوى تتوقف على التصريح بأنَّ التخصيص هنا لبّي عقلي متصل. بدعوى أنَّ الحكم العقلي عندهم القاضي بحرمة المخالفة القطعية يبلغ درجة البداهة في النظر العام بحيث يكون من قبيل المخصّصات المتصلة.

وأما إذا كان الأصلان العرضيان غير متسانخين(1).فهنا يختار أنَّ الأصل الطولي يسقط بالمعارضة مع الاستصحاب في ذلك الطرف. يعني: أنَّ الأصول الثلاثة كلها تسقط بالمعارضة.

والوجه في ذلك، هو عدم مجيء النكتة التي ذكرناها في الشقّ الأوّل وهو إجمال دليل الأصلين العرضيين؛ لأنَّ هذين الأصلين هنا ثبت كلّ واحد منهما بدليل، فهنا دليلان وقد علم بكذب أحدهما، فالتخصيص هنا يكون من قبيل المخصّص المنفصل لا المتصل، فالظهور في كلا الدليلين منعقد في نفسه، غاية الأمر التنافي بينهما في مقام الحجّيّة، فإذا كان التنافي بينهما في مقام الحجّيّة، فالأصل الطولي يكون طرفاً ثالثاً للمعارضة، فيكون التنافي -بحسب الحقيقة- بين ظهور دليل الأصل الوحيد في ذلك الطرف مع ظهور دليل الأصل الحاكم في هذا الطرف وظهور دليل الأصل المحكوم فيه أيضاً.

ــــــــــ[79]ــــــــــ

() وهنا مثل له بنفس المثال السابق ص62. (المقرِّر). [ص76 من هذا الكتاب].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ولا ينفع في منع إدخال الأصل الطولي في المعارضة، وسلامته منها، ما قلناه من أنَّ الأصل الطولي واقع في ترتبه متأخّر عن الأصل الحاكم، وفي هذه الرتبة ليس له معارض. هذا لا ينفع؛ لأنَّ وقوع الأصل الطولي في رتبة متأخّرة عن سقوط الأصل الحاكم، لا ينافي اجتماع الاقتضائين في زمان واحد؛ لأنّه بعد فرض أنَّ دليل الأصل الحاكم لم يؤثر اقتضاؤه في الحجّيّة في المرتبة المتقدّمة، فاقتضاء دليل الأصل المحكوم قد تم في رتبة متأخّرة عن عدم تأثير الاقتضاء الأوّل، وعاصره من حيث الزمان. فالاقتضاءان متعاصران من حيث الزمان، وإذا كان كذلك فيقعان معاً طرفاً للمعارضة مع الاقتضاء التام للأصل الوحيد في الطرف الآخر؛ لأنَّ كلّ هذه الاقتضاءات تامّة بالفعل من حيث الزمان ومتنافية في مقام التأثير فتعارض هذه الاقتضاءات في الحجّيّة، وحيث إنَّ الحجّيّة حكم عقلائي أو شرعي فهو حكم واقع في الزمان لا حكم تحليلي عقلي، حتّى يقال: إنّه من أحكام الرتبة وهذه اقتضاءات متعاصرة من حيث الزمان فتكون متعارضة من حيث الحجّيّة. والنتيجة هي سقوطها جميعاً عن الحجية.

ثُمَّ استدرك من ذلك ما لو كان طرفي العلم الإجمالي، كان فيهما معاً أصلان طوليان، إلَّا أنَّ أحدهما نافي والآخر مثبت للتكليف، كما لو فرض أنّه وجد في كلّ من الطرفين أصلان مترتبان الأصل الأوّل هنا نافٍ والثاني أيضاً نافٍ، وهنا الأوّل نافٍ والثاني مثبت للتكليف.

في مثل ذلك قال: إنّه لا بأس -حينما تتساقط الأصول العرضية- بالتمسّك بالأصل الطولي النافي هنا مع الأصل المثبت الطولي في الطرف الآخر؛ إذ بالتمسّك بالأصل المثبت للتكليف ينحل العلم الإجمالي، لما أشرنا إليه سابقاً 

ــــــــــ[80]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

من أن َّبناءهم على انحلال العلم الإجمالي بجريان الأصل المثبت للتكليف ومع انحلاله لا يكون هناك مانع من جريان الأصل الطولي النافي في ذاك الطرف.

ومثاله ما لو علم إجمالاً، بأنّه إمّا أنقص ركناً في هذه الصلاة التي بيده وإمّا أنه أزاد ركناً في الصلاة السابقة، فهنا يوجد أصلان عرضيان نافيان للتكليف، أحدهما قاعدة الفراغ بالنسبة للصلاة السابقة وثانيهما قاعدة التجاوز بالنسبة إلى هذه الصلاة وفي طول هذين الأصلين يوجد أصل طولي نافٍ في الصلاة السابقة وهو أصالة عدم الزيادة، وأصل مثبت طولي بالنسبة إلى الصلاة التي في يده، وهو استصحاب عدم الإتيان بالركن في محله. فحينئذ يكون الأصل الطولي في أحدهما مثبتاً وفي الآخر نافياً فيتمسّك بكلا الأصلين الطوليين بلا محذور. هذا خلاصة ما أفاده في المقام.

جهات مناقشة التقريب الثالث

والكلام حول هذا يقع في عدة جهات:

الجهة الأولى في المناقشة

الجهة الأولى: هي أنّه لو تمّ هذا التفصيل الذي أفيد من حيث إنَّ الأصلين إذا كانا متسانخين، فلا يتمسّك بدليل الأصل، ولا بأس بالرجوع إلى الأصل الطولي، بخلاف ما إذا لم يكونا متسانخين فإن الأصول كلها تسقط بالمعارضة. لو تم هذا المطلب فلا موقع لهذا الاستثناء الذي أفيد أخيراً، حيث فصّل بين ما إذا كان في الطرف الآخر أصل مثبت للتكليف ومبين ما إذا لم يكن.

بل مقتضى ما ذكر: أنّه حتّى في الطرف الآخر أصل طولي مثبت للتكليف 

ــــــــــ[81]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

مع هذا لا يمكن الرجوع إلى الأصل الطولي النافي إذا كان الأصلان العرضيان غير متسانخين. وهذا الاستدراك الذي ذكر لا يناسب لا مع القول بالعلية ولا مع القول بالاقتضاء.

وتوضيح ذلك: أنّه في هذا المثال، وهو ما إذا فرضنا أنَّ الأصلين العرضيين كانا غير متسانخين وكانا نافيين، وكان في طولهما أصل ناف في أحدهما ومثبت في الآخر، إذا قلنا بعلية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية واستحالة الترخيص في بعض أطراف العلم الإجمالي، فينتج من ذلك أنّنا نجري الأصل الطولي المثبت للتكليف مع الأصل العرضي النافي للتكليف هنا، فمثلاً: فيما لو علم إجمالاً بأنّه إمّا أن نقص ركناً من هذه الصلاة وإمّا زاد ركناً في الصلاة السابقة. وقلنا بعلية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية واستحالة الترخيص ولو في بعض الأطراف، ما لم ينحل العلم الإجمالي، فهنا لا يمكن الرجوع إلى قاعدة التجاوز بالنسبة إلى هذه الصلاة التي بيده؛ لأنَّ مفادها الترخيص في المخالفة الاحتمالية، والمفروض أنَّ هذا خلاف قانون العلية فلا يمكن الرجوع إليه، فإذا رفع اليد عن قاعدة التجاوز عن هذه الصلاة، تنتهي النوبة إلى الأصل المحكوم الطولي وهو الاستصحاب المثبت للتكليف، وهو استصحاب عدم الإتيان بالركن. وهو لا مانع من إجرائه؛ لأنّه أصل مثبت لا نافٍ، فلا منافاة له مع علية العلم الإجمالي، فنتمسك بدليل الاستصحاب ونقول: بأننا نبني على نقصان الصلاة ركناً ووجوب إعادتها. 

فإذا تمسكنا بالاستصحاب المثبت للتكليف هنا ينحل العلم الإجمالي؛ لأنهم يبنون أنَّ العلم الإجمالي ينحل بجريان الأصل المثبت في أحد أطرافه، وإذا 

ــــــــــ[82]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

انحل العلم الإجمالي نرجع في الصلاة السابقة إلى قاعدة الفراغ لا إلى الأصل الطولي؛ لأنَّ المقتضي موجود والمانع مفقود. أمّا أنَّ المقتضي ابتداءً موجود فلأنها صلاة تامة وشك في صحتها، فموضوع القاعدة محقّق، وأمّا أنَّ المانع مفقود فلأنَّ المانع الذي يتوهم أحد أمرين: إمّا علية العلم الإجمالي وهي قد انتفت بانتفاء الموضوع وهو انتفاء نفس العلم الإجمالي؛ لأنّه قد انحل ببركة جريان الأصل المثبت هنا. وإمّا إن المانع هو المعارضة بين قاعدة الفراغ في الصلاة السابقة والتجاوز هنا، فهذا أيضاً غير موجود؛ لأنَّ قاعدة التجاوز يستحيل جريانها، حتّى مع انحلال العلم الإجمالي؛ لأنَّ انحلاله إنَّما يكون ببركة جريان الاستصحاب المثبت للتكليف هنا، ومع جريانه في الصلاة التي بيدي كيف يمكن أن أجري قاعدة التجاوز فيها، فإنه يستحيل جريان قاعدة التجاوز في الصلاة التي ثبت بطلانها بالاستصحاب، فقاعدة التجاوز هذه يستحيل جريانها لا مع انحلال العلم الإجمالي ولا بدون انحلاله(1). فقاعدة الفراغ في الصلاة السابقة تجري بلا معارض في المقام.

هذا نتيجة مباني المحقّق العراقي من القول بالعلية. وهذا غير ما أفيد من أننا نجري الأصل الطولي في كلّ من الطرفين، المثبت هنا والنافي هناك.

وأمّا إذا بنينا على القول بالاقتضاء، فقاعدة الفراغ من الصلاة السابقة وقاعدة التجاوز في هذه الصلاة، كلّ واحد في نفسه ممكن الجريان، غاية الأمر أنَّ عدم جريانهما من ناحية العارض فيما بينهما فلا يجريان.

ــــــــــ[83]ــــــــــ

() وذلك للقول بالعلية على الفرض. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وحينئذٍ يقال: إنَّ دليل الاستصحاب النافي للتكليف وهو أصالة عدم الزيادة في الصلاة السابقة يقع نفسه أيضاً طرفاً لهذه المعارضة، بمعنى: أنَّ قاعدة التجاوز في هذه الصلاة التي بيدي تعارض دليلنا في الصلاة التي فرغت منها، أحدهما دليل قاعدة الفراغ والآخر دليل الاستصحاب. بنفس البيان الذي أفيد، وهو أنَّ المعارضة معارضة في الحجّيّة، والحجّيّة حكم للزمان لا للرتبة وقد اجتمعت كلّ هذه المقتضيات في زمان واحد، فتقع المعارضة فيما بينها لا محالة. وكون هذه الصلاة التي بيدي في طول قاعدة التجاوز فيها أصل مثبت أو ليس فيها، أي: علاقة له في إيقاع المعارضة بين قاعدة التجاوز وبين الاستصحاب والفراغ في تلك الصلاة. فإنَّ مناط هذه المعارضة هو استحالة إعمال المتعارضين معاً، وهذا المناط موجود على أيّ حال سواء كان هناك أصل مذخور في الصلاة التي بيدي سوف انتهي إليه بعد المعارضة وهو مثبت للتكليف أو لم يكن.

 هذا لا يؤثر في تكوين طبيعة هذه المعارضة ولا يغير من أطرافها شيئاً، فهي معارضة تستوعب تمام المقتضيات المجتمعة في الزمان، فتسقط جميعاً في المقام.

فاتضح في المقام أنّه لا ينبغي أن يفصّل بين ما إذا كان هناك أصل مثبت وبين ما إذا لم يكن، بل على كلا التقديرين ينبغي أن يقال مثلاً -لو تم ما أفيد- بأنَّ المعارضة تستوعب تمام الأصول النافية.

الجهة الثانية في المناقشة

الجهة الثانية: هي أن ما ذكر من أنَّ الأصلين العرضيين إذا كانا متسانخين فحينئذٍ لا بأس من الرجوع إلى الأصل الطولي النافي مبني على أن يكون 

ــــــــــ[84]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المخصّص القاضي بحرمة المخالفة القطعية من قبيل المخصّصات المنفصلة، بحيث يوجب إجمال دليل الأصلين المتسانخين، وإلَّا لو كان من قبيل المخصّصات المنفصلة فتكون المعارضة في مقام الحجّيّة لا في مقام تكوين أصل الظهور، ومعه يقع دليل الأصلين المتسانخين بلحاظٍ طرفاً للمعارضة معه بلحاظ آخر، ويقع طرفاً للمعارضة مع دليل الأصل الآخر أيضاً.

فمثلاً دليل الاستصحاب الذي يقتضي جريان الاستصحاب النافي في كلا الطرفين، لو قلنا: بأنَّ دليل حرمة المخالفة القطعية مخصّص منفصل بالنسبة إليه، فهو لا يمنع من انعقاد الظهور. فقد وجد له ظهور في جريان هذا الاستصحاب وظهور في جريان ذاك الاستصحاب. وحينئذٍ فظهور دليل الاستصحاب في جريانه في الطرف الذي لا يوجد له أصل طولي يكون معارضاً مع ظهور دليل الاستصحاب في جريان الأصل النافي في الطرف الأوّل، ومعارضاً مع ظهور الأصل الطولي في الطرف الأوّل.

فالنكتة مبنية على تحقيق أنَّ المخصّص في المقام هل يكون كالمتصل أو يكون منفصلاً.

إلَّا أنّه لو بنينا على ما هو الصحيح، من أنَّ المخصّص كالمتصل في المقام، خصوصاً على مبنانا حيث إنَّ المخصّص هو عبارة عن الارتكاز وهو يكون مخصّصاً باعتبار اتصاله بالدليل حكماً.

 لو بنينا على هذا فمثل هذه النكتة لا تختص بخصوص الأصل الطولي، أيّ لا تكون النكتة هي طولية الأصل، بل كونه ثابتاً بدليل آخر. ففي كلّ مورد كان عندنا أصول ثلاثة، وكان واحداً منها يعارض أصلين، وكان هذا الأصل 

ــــــــــ[85]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ثابتاً مع أحد الأصلين ثابتاً بدليل واحد، والأصل الآخر ثابتاً بدليل آخر. في مثل ذلك يرجع إلى دليل الأصل الآخر، ولا يرجع إلى الدليل الذي يشتمل على الأصلين المتعارضين، حتّى لو كانت الأصول عرضية لا طولية. ويمكننا أن نمثل لذلك بمثالين:

المثال الأوّل: ما إذا فرضنا أننا علمنا مثلاً ببطلان صلاة سابقة لزيادة ركن فيها أو بنقصان ركن في هذه الصلاة، وبنينا على أنَّ قاعدة الفراغ ليست حاكمة على الاستصحاب الموافق لها -كما هو الصحيح- فهنا عندنا أصلان عرضيان مصححان للصلاة السابقة، أحدهما قاعدة الفراغ والثاني استصحاب عدم الزيادة. في قبال ذلك أصل واحد مصحح لهذه الصلاة وهو قاعدة الفراغ للصلاة الثانية التي يحتمل النقصان فيها، فهنا أصل واحد يعارض اثنين، وحيث إنَّ أحد الاثنين دليله عين دليل الواحد، فيكون هذا الدليل مجملاً، فيرجع إلى الأصل الثالث الذي يختص بدليل وحده.

المثال الثاني: ما إذا علمنا إجمالاً بنجاسة أحد هذين الشيئين، وعلمنا إجمالاً بنجاسة أحد هذين أيضاً، بمعنى: أنّه كان طرف مشترك في كلا العملين، كان هذا الإناء طرفاً لعلمين إجماليين، علم بنجاسته أو نجاسة ذاك وعلم بنجاسته أو نجاسة هذا. فهناك ثلاثة أواني الأوسط منهما طرف علمين إجماليين. ونفرض أنَّ هذا الإناء مع الإناء الوسط كلاهما مجرى لأصالة الطهارة وليسا مجرى للاستصحاب لعدم الحالة السابقة، لكن ذاك الإناء الثالث مجرى للاستصحاب.

ــــــــــ[86]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فهذه الأصول الثلاثة أيضاً عرضية في المقام؛ لأنّها في مواضيع ثلاثة. فاللازم مما أفيد هو أن يقال: بأنَّ دليل أصالة الطهارة يكون مجملاً؛ لأنّه ابتلى بالمخصّص في أحد هذين الطرفين. وأمّا دليل الاستصحاب فليس مجملاً؛ لأنّه مخصوص بخصوص ذاك الطرف الثالث، وليس مبتلى بالمخصّص المتصل المردّد أمره بين المتباينين؛ فيلزم بناء على هذا إجراء دليل الاستصحاب في ذاك الطرف دون أصالة الطهارة في هذين الطرفين. ويجري دليل الاستصحاب بلا معارض؛ لأنّه لا يتوهم له معارض إلَّا أصالة الطهارة في الطرف المشترك، والمفروض أنَّ دليل أصالة الطهارة أصبح مجملاً.

مقصودي من هذين المثالين بيان: أنَّ هذه النكتة، يكون ملاكها وحدة دليل الأصلين، لا مسألة الطولية والعرضية، فلا بدَّ من إسرائها إلى هذه الأمثلة، ولعل السيّد الأستاذ ملتزم بذلك. 

لكن من هنا لا بُدّ من استكشاف نقض على هذا الفرض.

عود الى الجهتين الأولى والثانية

قلنا(1) بأن هذا الكلام لا بُدّ من التعليق عليه ضمن جهات:

الجهة الأولى: هي أنَّ هذا الاستثناء الذي ذكره في آخر كلامه ممّا لا موجب له، فإنّه لو تم ما أفيد من التفصيل وأنَّ الأصلين المتعارضين إذا كانا متسانخين يتساقطان بالمعارضة، ويسقط معهما الأصل الطولي الموجود في أحد الطرفين، 

ــــــــــ[87]ــــــــــ

() أعاد في هذه المحاضرة جملة كبيرة مما كان قاله في المحاضرة السابقة توضيحاً، ولا بأس بإثباته هنا مختصراً. فأوّلاً بدأ بتلخيص كلام السيّد الأستاذ ثُمَّ قال. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ولا يُفرّق في ذلك بين أن يوجد في الجبهة الأخرى أصل طولي مثبت للتكليف أو لا يوجد، فما ذكره من تساقط الأصول العرضية والانتهاء إلى الأصلين الطوليين، لا يناسب مشرب العلية ولا مشرب الاقتضاء.

أمّا على مشرب المحقّق العراقي، فالذي يناسب، هو أن يقال: إنَّ هذه الجبهة التي فيها أصل عرضي نافٍ وأصل طولي مثبت للتكليف. أصلها الأوّل لا يُعقل جريانه لا من ناحية المعارضة، بل لأنَّ الترخيص ولو في أحد الأطراف غير معقول عند القائل بالعلية(1). وحينئذٍ ننتهي إلى الأصل الطولي المثبت للتكليف في الجبهة الثانية؛ لأنَّ الحاكم عليه أصبح مستحيلاً فننتهي إليه لا محالة، ولا مانع من جريانه؛ لأنّه مثبت للتكليف ولا ينافي مع علّية العلم الإجمالي.

 وإذا أجريناه انحل العلم الإجمالي عندهم؛ لأنَّ العلم الإجمالي ينحل بجريان الأصل المثبت للتكليف في أحد الأطراف، وإذا انحل العلم الإجمالي، لا مانع من أن نرجع في الجبهة الأولى إلى الأصل العرضي الأوّل النافي للتكليف، لا إلى الأصل الثاني النافي؛ إذ المانع من جريانه أحد أمرين: إمّا علّية العلم الإجمالي ومنجزيته، فقد ارتفعت بعد أن انحلّ العلم الإجمالي بجريان الأصل المثبت. وإمّا محذور المعارضة، فهو أيضاً غير موجود في المقام؛ لأنَّ ما يتوهم كونه معارضاً للأصل العرضي النافي في الجبهة الأولى، ليس هو إلا الأصل العرضي النافي في الثانية، وهذا الأصل يستحيل جريانه قبل الانحلال 

ــــــــــ[88]ــــــــــ

() ولنُسَم الجبهة التي فيها أصل طولي مثبت بالثانية والتي فيها أصل ناف طولي بالأولى. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وبعد الانحلال، أمّا قبل الانحلال فخلاف القول بعلّية العلم الإجمالي، وأمّا بعد الانحلال وجريان الأصل المثبت في مورده، كيف يجري الأصل النافي في مورد الأصل المثبت؟

إذن، فالأصل النافي العرضي في الجبهة الأولى يبقى بلا معارض، فيكون جارياً لا محالة.

هذا التصوّر هو نتيجة القول بالعلّية.

وأمّا نتيجة القول بالاقتضاء فهو أن نقول: بأنَّ الأصل العرضي الأوّل في الجبهة الثانية، يعارض مع الأصل العرضي الأوّل في الجبهة الأولى ومع الأصل الطولي النافي فيها أيضاً، في عرض واحد. على ما ذكره من أن الاجتماع في الزمان وهو ملاك المعارضة، وهذه الأصول كلها مجتمعة اقتضاء من حيث الزمان، وكون هذه الجبهة الثانية ذات أصل طولي مثبت للتكليف أيّ أثر له في منع حصول التكاذب والتعارض بين الأصل العرضي الأوّل في الجبهة الثانية وتمام الأصول في الجبهة الأولى.

 فإنَّ مناط التعارض هو التكاذب، سواء وجد أصل طولي مثبت في الجبهة الثانية فمقتضى القاعدة على الاقتضاء هو سقوط تمام الأصول النافية.

ومن هنا ننتهي إلى هذه النتيجة الغريبة، وهو أن يكون القول بالاقتضاء أسوأ من القول بالعلّية، يعني: أشد تنجيزاً للعلم الإجمالي؛ إذ على القول بالعلية كنا ننتهي إلى إجراء الأصل العرضي الأوّل في الجبهة الأولى. وأمّا على القول بالاقتضاء الآن فننتهي إلى تساقط تمام الأصول المؤمَّنة. وهذه الأسوأية نتيجة 

ــــــــــ[89]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الخطأ في المباني التي نتكلّم عليها؛ لأنَّ المبنى القائل بأنَّ العلم الإجمالي ينحل بجريان الأصل المثبت خطأ. هذه هي الجهة الأولى.

الجهة الثانية: إن ما ذكره من قبول جريان الأصل الطولي في الفرض الأوّل، وهو فرض ما لو كان الأصلان العرضيان متسانخين، هناك وافق السيّد الأستاذ على جريان الأصل الطولي في الجبهة الأولى. هذا الذي ذكره في الواقع، ليس ملاك جريان الأصل الطولي في الجبهة الأولى هو كونه طولياً، بل كونه ثابتاً بدليل آخر غير دليل الأصلين العرضيين المنافيين. فالملاك هو استقلاله بالدليل لا طوليته في مقام الدلالة، حيث يقال: إنَّ الأصلين العرضيين المتسانخين أُجمل دليلهما، فلا يصح إيقاع المعارضة حينئذٍ بين الأصل العرضي في الجبهة الثانية مع الأصل الطولي النافي في الجبهة الأولى؛ لأنَّ الأصل العرضي في الجبهة الثانية أصل دليله مجملاً والمجمل لا يعارض غير المجمل، فنرجع إلى دليل الأصل الطولي النافي في الجبهة الأولى.

وحينئذٍ يجب إسراء هذا أيضاً إلى ما إذا كانت الأصول كلها عرضية وتعارض واحد منها مع اثنين، ولكن هذا الواحد في الجبهة الثانية كان مع أحد الأصلين في الأولى ثابتاً بدليل، وكانت الأولى تمتاز بأصل نافٍ عرضي آخر بدليل آخر. إذن، في المقام لا بُدّ من الرجوع إلى دليل الأصل الآخر.

وهذا(1) أيضاً من أمثلة تقديم الأصل العرضي على العرضي بنكتة تعدد 

ــــــــــ[90]ــــــــــ

() وهنا ذكر نحو المثالين اللذين ذكرهما سابقاً ص 72 – 73، وقال بعد ذكر المثال الثاني. وهذا… (المقرّر). [ص86 من هذا الكتاب].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الدليل، فالنكتة في المقام هو الاستقلال بالدليل لا الطولية في مقام الدلالة، ولعلّ السيّد الأستاذ يلتزم بذلك -كما هو حقّ المطلب-، فإنَّ حق المطلب أن يقال بذلك. وحينئذٍ ننتهي إلى نقض مخالف لتصوره للمسألة.

لازم ما ذكره من أنَّ الأصلين العرضيين في مسألتنا إذا كانا متسانخين ثابتين بدليل واحد، فيرجع إلى الأصل الطولي النافي في الجبهة الأولى، لإجمال الأصلين المتسانخين، لازم ذلك إذا كان الأصلان العرضيان غير متسانخين لكن الأصل العرضي في الجبهة الثانية مسانخ للأصل الطولي في الجبهة الأولى. هنا يلزم أن لا يرجع إلى الأصل الطولي في الجبهة الأولى ولا إلى العرضي في الثانية، بل يرجع إلى الأصل العرضي في الجبهة الأولى.

توضيح ذلك: تأخذه من نفس المثال الذي مثل به، حيث مثل للفرض الثاني وهو فرض تساقط تمام الأصول النافية، بما إذا فرضنا أنّنا علمنا إجمالاً بالنجاسة العرضية لهذا الماء أو بالنجاسة الذاتية في هذا المائع. فهنا الجبهة الأولى يجري فيه أصالة الطهارة دون استصحابها والجهة الثانية تجري استصحاب الطهارة وفي طوله أصالة الطهارة، فهنا الأصلان العرضيان غير متسانخين. هنا قال: بأنَّ الأصلين العرضيين غير المتسانخين يتعارضان ويتعارض معهما في مستوى واحد الأصل الطولي وهو أصالة الطهارة هنا، فيسقط الجميع.

مع أنَّ لازم النكتة التي شرحناها، والتي اعتمد عليها في الشقّ الأوّل، أن يقال في المقام: بأنَّ استصحاب الطهارة هو الذي يجري، يعني: الأصل العرضي الجبهة الأولى، ولا يجري الأصلان الآخران الطولي في الأولى والعرضي في 

ــــــــــ[91]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الثانية؛ لأنّهما من سنخ واحد وهو أصالة الطهارة. فيكون دليل أصالة الطهارة قد ابتلى بالإجمال، من ناحية ابتلائه بالمخصص اللبي المتصل المردد بين المتباينين، فلا يكون لهذا الدليل ظهور فعلي لا في هذا الفرد ولا ذاك، ومجرّد أنّه بعد ملاحظة دليل آخر اسمه دليل الاستصحاب، تعرف أنَّ دليل الاستصحاب مقدّم على أصالة الطهارة في الماء لا يوجب تكوين ظهور جديد في دليل أصالة الطهارة في الجبهة الثانية بحيث نتمسّك به. إذن، فأصالة الطهارة في الجبهة الثانية في نفسها لا دليل عليها، بعد أن ابتلي دليلها بالإجمال. إذن، فأيّ مانع يبقى من إجراء الاستصحاب في الجبهة الأولى.

وضابط كلّ ذلك: أنّه متى ما وجدت عندنا أصول متعارضة، أصل واحد في جبهة وأصول متعارضة في جبهة أخرى وفرضنا أنَّ ذلك الأصل الواحد، مع بعض الأصول المتعارضة في الجبهة الأولى من سنخ واحد فيسقط المتسانخ ويبقى غير المتسانخ، سواء كانت الأصول عرضية أو طولية، وسواء كانت جارية بلحاظ علم إجمالي واحد، أو بلحاظ علمين إجماليين(1).

هذه هي الجهة الثانية من الكلام.

الجهة الثالثة في تحقيق أصل المطلب

الجهة الثالثة من الكلام، هي في تحقيق أصل المطلب، في تحقيق أنَّ الطولية 

ــــــــــ[92]ــــــــــ

()  وهنا قال أحد الإخوان: هو لا يقول بالحكومة المرزائية.

فأجاب (سلمه الله): نحن نتكلم على الحكومة بالمعنى العنائي، يعني بالمعنى المختار. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هل تكون نكتة تقتضي سلامة الأصل الطولي عن المعارضة وتساقط الأصلين العرضيين قبل ذلك، والانتهاء الطولي بلا معارض، أو أنَّ الطولية لا تقتضي هذا المطلب.

وهناك يقال: بأنَّ هناك تقريبات عديدة يمكن أن نتصوّرها في تقريب سلامة الأصل الطولي ونجاته عن المعارضة وجريانه بعد تساقط الأصلين العرضيين، بعضها أشرنا إليها تبرعاً خلال نقلنا لكلام السيّد الأستاذ وبعضها غير مشار إليه حتّى الآن.

الوجه الأوّل لسلامة الأصل الطولي

الوجه الأول: هو ما أشرنا إليه استطراداً في خلال توضيح كلام السيّد الأستاذ وحاصله: مبني على قاعدة: أنَّ ما مع المتقدّم متقدّم وما مع المتأخّر متأخّر. إذا قبلنا فلسفياً أنَّ كلّ ما يكون مع المتقدّم رتبة فهو متقدّم رتبة بنفس الملاك، يطبق هذا القانون الفلسفي في المقام. ويقال: بأنَّ الأصل الطولي في الجبهة الأولى متأخّر رتبة عن سقوط الأصل الحاكم في الرتبة الأولى بمقتضى قادة الحكومة، وسقوط الأصل الحاكم في الجبهة الأولى مع سقوط الأصل العرضي في الجبهة الثانية، وحيث إنَّ الأصل الطولي في الجبهة الأولى متأخر عن سقوط الأصل الحاكم، فيكون متأخّراً عما يكون مع سقوط الأصل الحاكم، بحكم ذلك القانون الفلسفي، فيثبت تأخره بنفس الملاك عن سقوط الأصل العرضي في الجبهة الثانية للمعارضة.

فينتج أنَّ جريان الأصل الطولي في الجبهة الأولى يتوقف على سقوط 

ــــــــــ[93]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الأصل العرضي في الجبهة الثانية، وإذا فُرض أنّه كان موقوفاً على سقوطه، يستحيل أن يكون طرفاً للمعارضة معه، كيف أنَّ ما يتوقف على عدم شيء ينافي وجود ذلك الشيء؟!

وهذا البيان لو تمّ القانون لكان صحيح جداً، إلَّا أنَّ بطلانه ينشأ من ناحية خطأ نفس القانون، حيث إنّه ليس كلّ ما مع المتقدّم متقدّم وكل ما مع المتأخّر متأخّر على تفصيل ليس هنا محله.

الوجه الثاني

الوجه الثاني: هو التقريب الذي تصدى السيّد الأستاذ لإبطاله على ما نقلناه، وحاصله: هو التقريب المشهوري الذي جاء في كلمات المحقّق العراقي وغيره من الأكابر.

حيث أفيد في المقام: أنَّ الأصل الطولي وإن لم نقل أنّه متأخّر رتبة عن الأصل العرضي في الجبهة الثانية ولكنه -على أيّ حال- متأخّر عن سقوط الأصل الحاكم في جبهة نفسه. فحينئذٍ يقال: إنّه في المرتبة المتأخّرة عن سقوط الأصل الحاكم يتم اقتضاء الأصل الطولي، وفي هذه المرتبة لا معارض له؛ لأنَّ المعارض وهو الأصل العرضي في الجبهة الثانية سقط في المرتبة السابقة حينما سقط الأصل الحاكم.

فهنا نتصوّر مرتبتين بحسب التحليل العقلي: مرتبة سقوط الأصل الحاكم ومرتبة ما بعد سقوطه، وفي المرتبة الأولى لا مقتضى للأصل الطولي، وفي المرتبة الثانية لا معارض للأصل الطولي، ومع وجود المقتضى له يكون جارياً.

ــــــــــ[94]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هذا هو الذي تصدى السيّد الأستاذ لإبطاله، وحاصل ما ذكر في إبطاله: أمّا المقتضي الدلالي للأصل الحاكم والمقتضي الدلالي للأصل المحكوم مجتمعان في الزمان وإن كان أحدهما مترتباً على عدم تأثير الآخر وملاك المعارضة هو الاجتماع في الزمان، فالأصل الوحيد في الجبهة الثانية يكذّب دليله كلا هذين الاقتضائين ويزاحمهما. 

والاجتماع الزماني يوجب التصادم لا محالة -بين الأصول الثلاثة- يوجوب التصادم في الحجّيّة، فتسقط جميعاً. وهذا الجواب بمقدار ما بُيّن من التقريب تامّ جداً.

 التقريب الثالث(1)

التقريب الثالث: هو أن يقال: بأنَّ جريان الأصل الطولي النافي في الجبهة الأولى، يستحيل أن يقطع طرفاً للمعارضة مع الأصل العرضي في الجبهة الثانية، يستحيل أن يعارضه ويمنعه عن الوجود؛ إذ يلزم من وجود هذه المانعية عدمها، لماذا؟ لأنَّ الأصل الطولي في الجبهة الأولى، لو صار مانعاً عن جريان الأصل العرفي في الجبهة الثانية، فإنّه بذلك يرفع المعارض للأصل الحاكم، وهو الأصل في الجبهة الثانية. فيتم بذلك ارتفاع المزاحم عن الأصل الحاكم، فيتم بذلك ملاك إجراء الأصل الحاكم، فإذا جاء الأصل الحاكم ارتفع الأصل المحكومة لا محالة، فترتفع مانعيته. وهذا معنى أنّه يلزم من مانعيته عدم مانعيته.

ــــــــــ[95]ــــــــــ

(1) وهذا هو الوجه الثالث.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إذن، فمانعية الأصل الطولي من الجبهة الأولى عن جريان الأصل العرضي في الجبهة الثانية، هذه المانعية مستحيلة، وإذا صارت مستحيلة استحال أن يقع الأصل الطولي طرفاً للمعارضة مع الأصل في الجبهة الثانية، وإذا استحال أن يقع طرفاً للمعارضة معه نجى عن المعارضة؛ لأنّه لا تنتهي النوبّة إليه إلَّا بعد معارضة قبله تشمل كلا الأصلين العرضيين وتسقطهما معاً، حينئذٍ تنتهي النوبة إلى هذا الأصل الطولي في الجبهة الأولى.

هذا التقريب أيضاً غير صحيح: لأنَّ البرهان على استحالة مانعية جريان الأصل الطولي في الجبهة الأولى عن جريان الأصل العرضي في الجبهة الثانية كان مبنياً على تخيّل أنَّ ممنوعية جريان الأصل العرضي في الجبهة الثانية الناشئة من جريان الأصل الطولي، تكفي لإجراء الأصل الحاكم. معدومية الأصل العرض في الجبهة الثانية من ناحية الأصل الطولي في الأولى، تكفي لأن تفسح المجال من جديد لإجراء الأصل الحاكم. وحينئذٍ يجري الأصل الحاكم فيرتفع الأصل المحكوم فترتفع مانعيته، فيلزم من وجود المانعية عدمها.

مع أنَّ معدومية الأصل العرضي في الجبهة الثانية، هذه الحصة من المعدومية الناشئة من ناحية الأصل الطولي في الجبهة الأولى الناشئ من سقوط الأصل الحاكم في الجبهة الأولى، يستحيل أن تكون هذه المعدومية منشأ لإجراء الأصل الحاكم؛ لأنَّ هذه المعدومية من تبعات مانعية الأصل الطولي في الجبهة الأولى وجريان هذا الأصل الطولي من تبعات سقوط الأصل الحاكم.

 إذن، فهذه المعدومية من تبعات سقوط الأصل الحاكم، وعدم المعارض 

ــــــــــ[96]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الذي هو من تبعات سقوط الأصل الحاكم يستحيل أن يكون منشأ لوجود الأصل الحاكم، فإنَّ ما يكون منشأ لوجود أحد المتعارضين هو عدم الآخر في نفسه، لا عدم الآخر المبني على عدمه. يستحيل أن يعطى فرصة الوجود من ناحية عدم الآخر المبني على عدمه، وإنَّما يعطى فرصة الوجود فيما إذا عدم الآخر في نفسه، لا فيما إذا عدم عدما مبنياً على عدمه.

فإذا استحال وجود الأصل الحاكم مرة أخرى ارتفع محذور المانعية، وتكون المانعية بلا محذور؛ لأنَّ محذور المانعية متوقف على أن تؤدّي إلى رجوع الأصل الحاكم، وقد ثبت أنّها لا تؤدي إلى رجوعه(1).

إعادة وتوضيح لنفس الوجوه

قلنا: بأنَّ سلامة الأصل الطولي عن المعارضة قد يقرّب بعدة وجوه. بَيَّنا ثلاثة منها وقلنا: إنَّ رابعها هو أمتنها وأحسنها. والآن نوضحها فتكون أربعة ويكون خامسها أمتنها وأحسنها.

ــــــــــ[97]ــــــــــ

() أعاد سيدنا جملة الوجوه التي ذكرها في المحاضرة السابقة لجريان الأصل الطولي، بتوضيح وعرض جديد فلا بأس من إثباتها في المقام:

 أوّلاً: بدأ السيّد الأستاذ بعنونة المسألة وهي الجهة الثالثة وذكر مورد الكلام ما إذا افترضنا جبهتين متعارضتين، في إحداهما يوجد أصل نافٍ -ويسميه بالأصل العرضي تارة والأصل الحاكم أخرى- وأصل طولي نافٍ أيضاً. وفي الجبهة الثانية يوجد أصل نافٍ وحيد -ويسمّى بالأصل العرضي أيضاً- فهل يقع هذا الأصل الوحيد طرفاً للمعارضة مع كلا الأصلين الطوليين النافيين في الجبهة الأولى فيسقط الجميع، أو تنتهي النوبة إلى الأصل الطولي النافي في الجبهة الأولى بلا معارضة؟ (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الوجه الأوّل: هو أنَّ اقتضاء دليل الأصل الطولي لجريانه، إنَّما هو في طول المعارضة بين الأصل الحاكم في الجبهة الأولى والأصل الوحيد في الجبهة الثانية؛ إذ لو لا المعارضة والتصادم بين الأصلين العرضيين في الجبهتين لما انتهت النوبة إلى الأصل الطولي في الجبهة الأولى، إذ كان يجري لو لا التصادم والمانع، الأصل العرضي في الجبهة الأولى وهو حاكم على الأصل الطولي في الجبهة الأولى، فلا تصل النوبة إلى الأصل الطولي. فوصول النوبة إليه، وتمامية اقتضاء دليله لجريانه فرع التعارض والتمانع بين الأصلين العرضين. 

وإذا كان هو فرع المعارضة وفي طولها فلا يتصوّر أن يكون له معارض في مرتبته؛ لأنّه في المرتبة المتأخّرة عن التعارض والتصادم بين الأصلين العرضيين، يتم اقتضاء دليل الأصل الطولي، وفي هذه المرتبة يستحيل أن يعارض الأصل الطولي بالأصل الوحيد الجاري في الجبهة الثانية، فإنَّ هذا الأصل الوحيد يستحيل أن يكون له اقتضاء الجريان في طول المعارضة بينه وبين صاحبه، وهو الأصل العرض الحاكم في الجبهة الأولى.

 توضيح: فإنَّ اقتضاءه للجريان إنَّما هو لو لا المعارضة، وفي مرتبة سابقة عليها لا في طولها، ففي طول المعارضة بين الأصلين العرضيين، لا يبقى اقتضاء للجريان لهما لا في هذا الطرف ولا في ذاك؛ لأنَّ الأصل المبتلى بالمعارض بقيد أنّه مبتلى بالمعارض ليس له اقتضاء الجريان خارجاً.

ففي المرتبة المتأخرة عن المعارضة يكون الأصل الطولي قد تمّ اقتضاؤه للجريان، ولا يوجد في هذه المرتبة اقتضاء آخر يعارضه، بعد أن سقط بالمعارضة 

ــــــــــ[98]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ما يتوهم أنّه معارض له وهو دليل الأصل الوحيد في الجبهة الثانية. إذن، فلا مانع عن جريان الأصل الطولي في المقام.

هذا البيان وإن كان فنياً بحسب الصورة، لكن فيه خطأ ينشأ من عدم تحليل جوهر المعارضة في المقام. 

توضيحه: أنَّ اقتضاء دليل الأصل الطولي للجريان، ليس في طول المعارضة، بحسب الدقة، بل هو في طول جزء أو جانب منها، لا في طول المعارضة ككل.

توضيحه: أنَّ المعارضة عنوانها إجمالي يستبطن أمرين: أحدهما: مانعية الأصل العرضي في الجبهة الأولى عن جريان الأصل العرضي في الجبهة الثانية، وثانيها: هو المانعية من الطرف الآخر، يعني مانعية الأصل الوحيد في الجبهة الثانية عن جريان الأصل العرضي في الجبهة الأولى، والمعارضة بين الأصلين العرضيين هي عنوان يجمع كلتا المانعيتين. مجموع المانعيتين نسميه بالمعارضة في المقام. 

والآن(1) فلنحلل ونفتش أنَّ اقتضاء دليل الأصل الطولي متوقف على أيّ من هاتين المانعيتين، أو هو متوقف على مجموع المانعيتين الذي هو معنى المعارضة. وعند التحليل نرى أنَّ اقتضاء دليل الأصل الطولي موقوف على سقوط الأصل الحاكم، وسقوط الأصل الحاكم متوقف على مانعية دليل 

ــــــــــ[99]ــــــــــ

() وإن أمكن مسامحة التعبير بأنَّ الأصل الطولي في طول المعارضة. (محاضرة غد). (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الأصل العرضي في الجبهة الثانية عن جريان الأصل الحاكم في الجبهة الأولى، فإنّ هذه المانعية هي التي توجب سقوط الأصل الحاكم ومن ثُمَّ يتم اقتضاء دليل الأصل الطولي.

وأمّا المانعية من ذاك الطرف، أي: مانعية الأصل الحاكم في الجبهة الأولى عن جريان الأصل العرضي في الجبهة الثانية فليس لها دخل في تتميم اقتضاء الأصل الطولي؛ لأنَّ اقتضاء دليل الأصل الطولي يتوقف على سقوط الأصل الحاكم، وهو إنَّما هو الأصل العرضي في جبهته لا الأصل العرضي في الجبهة الثانية. وسقوط هذا الأصل العرضي في جبهته يتوقف على مانعية دليل الأصل العرضي في الجبهة الثانية عن جريان الأصل الحاكم، أي: على إسقاط الأصل في الجبهة الثانية للأصل الحاكم، ولا يتوقف على إسقاط الأصل الحاكم للأصل العرضي في الجبهة الثانية.

فإذا كان الأمر كذلك فلا يمكن أن نقول: إنَّ اقتضاء الأصل الطولي يتوقف اقتضاؤه على كلتا المانعيتين وعلى كلا الإسقاطين، حتّى يكون في المرتبة المتأخّرة عنها وفي هذه المرتبة لا معارض له، ليس الأمر كذلك، بل اقتضاء دليل الأصل الطولي يتوقف على جانب من المعارضة لا على كلا جانبي المعارضة.

والتقريب الذي ذكرناه مغالطة نشأت من وضع الكلّ موضع الجزء؛ لأنَّ ما يتوقف عليه اقتضاء دليل الأصل الطولي، هو سقوط الأصل الحاكم وممنوعيته من قبل الأصل في الجبهة الثانية، لا المجموع المركّب من سقوط الأصل الحاكم وسقوط الأصل في الجبهة الثانية، لأجل التمانع بينهما الذي هو 

ــــــــــ[100]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

معنى المعارضة. فقد وضع المركّب هنا موضع الجزء. 

حينئذٍ يأتي التقريب الثاني فوراً بعد هذا التقريب ويقول: بأننا انتبهنا إلى هذه المغالطة فلا نضع الكل موضع الجزء، بل نقول: إنَّ اقتضاء دليل الأصل الطولي هو متأخّر رتبة ومتوقف ذاتاً على سقوط الأصل الحاكم في جبهته وممنوعيته من قبل ذاك، لا على سقوط ذاك وممنوعيته من قبل هذا.

ولكن أليس سقوط الأصل الحاكم وسقوط الأصل العرضي في الجبهة الثانية، هذان السقوطان والممنوعيتان في رتبة واحدة؟ لأنَّ الكل بملاك واحد. إذن، فالأصل الطولي المتأخّر من جزء من المعارضة يتأخّر قهراً عن الجزء الآخر من المعارضة؛ لأنَّ جزئي المعارضة في رتبة واحدة، والمتأخّر عن أحد المتساويين رتبة متأخرة عن الآخر.

هذا غير التقريب الأول، فإنّه هناك كان يتخيل أنَّ الملاك من أوّل الأمر يقتضي تأخّر اقتضاء دليل الأصل الطولي عن عنوان المعارضة بكليتها. وهنا بعد الالتفات إلى أنَّ المعارضة تنحل بالدقة إلى سقوطين وممنوعيتين والتسليم أنَّ اقتضاء الأصل الطولي فرع أحد هذين السقوطين.

 حينئذٍ قال: حيث إنَّ السقوطين في رتبة واحدة فالمتأخّر عن أحدهما متأخّر عن الآخر، فينتج بالتالي أنَّ الأصل الطولي اقتضاؤه للجريان في المرتبة المتأخّرة عن سقوط كلا الأصلين العرضيين. ومن المعلوم أنّه في هذه المرتبة لا يوجد له معارض؛ لأنَّ المفروض سقوط الأصلين العرضيين، والساقط لا يحتمل أن يكون معارضاً.

ــــــــــ[101]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هذا التقريب هو الذي قلنا سابقاً أنّه مبني على قانون قد يدعيه بعض الناس في الفلسفة، وهو أنَّ ما مع المتقدّم متقدّم وما مع المتأخّر متأخّر.

إلَّا أنَّ هذا القانون غير صحيح، فما مع المتقدّم لا يلزم أن يكون متقدّماً؛ لأنَّ تقدّم كلّ شيء على شيء آخر لا يستلزم تقدّم ما يساويه على ذلك الشيء الآخر.

 ولتفصيل ذلك محل آخر غير هذا البحث، فلو تمّ هذا القانون المدّعى لكان هذا التقريب صحيحاً، ولكن حيث إنّه غير تام فيكون هذا التقريب غير تامّ أيضاً.

التقريب الثالث: أن يقال: إنّنا سلّمنا أنَّ اقتضاء دليل الأصل الطولي للجريان، غير متأخّر رتبة عن سقوط الأصل العرضي للجبهة الثانية، لا بالتقريب الأوّل ولا بالتقريب الثاني، إلَّا أنّه مع هذا لا يقع طرفاً للمعارضة معه، يستحيل أن يكون معارضاً له وساقط معه بالمعارضة، بل يجري بعد التساقط بين الأصلين العرضيين. 

والوجه في ذلك، هو امتناع وقوع التعارض بين الأصل الطولي في الجبهة الأولى، والأصل العرضي في الجبهة الثانية؛ لأنَّ التعارض بين شيئين إنَّما يُعقل وقوعه، فيما إذا كان كلّ منهما في حدّ ذاته صالحاً للمانعية عن الآخر وإعدامه، وحيث إنَّهما متكافئان في الصلاحية؛ ولهذا يتعارضان ويتساقطان. أمّا إذا فرض أنَّ شيئين أحدهما لا يصلح لإعدام الآخر، ولكن الآخر يصلح لإعدام الأوّل ومنعه، هنا لا يتعارضان، بل يثبت الآخر بلا إشكال. فجوهر المعارضة إنَّما هو 

ــــــــــ[102]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

في التكافؤ في المانعية في كلّ منهما عن الآخر، وهذا التكافؤ غير موجود في المقام، بين الأصل الطولي في الجبهة الأولى، والأصل العرضي في الجبهة الثانية، بمعنى: أنَّ الأصل الطولي في الجبهة الأولى لا يصلح أن يكون مانعاً بحدّ ذاته عن جريان الأصل العرضي في الجبهة الثانية، حتّى يكونا متكافئين في المعارضة ليس كذلك، ولكن ما هو البرهان على ذلك؟ على أنَّ الأصل الطولي في الجبهة الأولى لا يصلح أن يكون مانعاً عن الأصل العرضي في الجبهة الثانية؟ إنّه يلزم من وجود هذه المانعية عدمها؛ لأنّه لو كان الأصل ا لطولي في الجبهة الأولى مانعاً عن جريان الأصل العرضي في الجبهة الثانية لارتفع ببركة هذه المانعية، المعارض للأصل الحاكم؛ لأنَّ الأصل الحاكم في الجبهة الأولى، كان يعارضه ويمانعه الأصل العرضي في الجبهة الثانية، فلو كان الأصل الطولي في الجبهة الأولى صالحاً للمانعية ومؤثراً في المنع عن جريان الأصل العرضي في الجبهة الثانية لرفع بذلك المانع والمعارض للأصل الحاكم، فلا يبقى محذور في جريان الأصل الحاكم، فيجري الأصل الحاكم. وإذا جرى الأصل الحاكم ارتفع الأصل الطولي؛ لأنّه محكوم له، وإذا ارتفع ارتفعت مانعيته أيضاً لا محالة؛ لأنَّ ما نعيته فرع جريانه، فيلزم من هذه المانعية عدمها.

إذن، فيستحيل أن يكون الأصل الطولي في الجبهة الأولى مانعاً عن الأصل العرضي في الجبهة الثانية، يعني لا يصلح أن يكون مانعاً عنه، فإذا لم يصلح أن يكون مانعاً عنه، فلا يصلح أن يكون معارضاً(1) له أصلا، بل لو خلى معه لكان 

ــــــــــ[104]ــــــــــ

() لأنَّ المعارضة هي المانعية. (محاضرة غد). (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

مغلوباً له؛ لأنَّ الأصل العرضي في الجبهة الثانية يصلح أن يكون مانعاً عن الأصل الطولي، ولا عكس؛ وعليه فيكون حاله معه حال الأصل المحكوم مع الأصل الحاكم. 

إذن، فالأصل الطولي لا يقتضي الجريان إلَّا بعد أن يسقط ذلك الأصل العرضي الذي لا يقدر أن يمنعه، يعني: يكون جريان الأصل الطولي متوقفاً على سقوط الأصل العرضي في الجبهة الثانية، فلا بُدّ -في المرتبة السابقة- من وقوع التعارض بين الأصلين العرضيين والتساقط حتّى تنتهي النوبة إلى الأصل الطولي في الجبهة الأولى. وحينئذٍ يتم ملاكه ولا يكون له معارض.

ولا يمكن أن يقال: بأنَّ الأصل العرضي في الجبهة الثانية، يعارض كلا الأصلين في الجبهة الأولى؛ لأنَّ معنى التعارض بينه وبين الأصل الطولي في الجبهة الأولى، هو صلاحية كلّ منهما للمانعية عن الآخر، مع أنَّ الأصل الطولي يستحيل أن يكون مانعاً عن جريان الأصل العرضي في الجبهة الثانية، فهو يستحيل أن يقع طرفاً للمعارضة معه(1).

هذا التقريب غير صحيح؛ لأنّا نقول: إنّه لا محذور في المانعية، فلا بأس بأن يقع الأصل الطولي في الجبهة الأولى مع الأصل العرضي في الجبهة الثانية، وإن كلاً منهما يصلح للمانعية عن الآخر. 

وهذه المانعية لا يأتي عليها برهان أنّه يلزم من وجودها عدمها؛ لأنَّ تطبيق 

ــــــــــ[104]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: بالتالي صار متأخّراً، ولكن ببرهان استحالة المانعية. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هذا البرهان على هذه المانعية، إنَّما هو بتخيل أنَّ هذه المانعية تؤدي إلى سقوط الأصل العرضي في الجبهة الثانية، فتعود الحياة إلى الأصل الحاكم في الجبهة الأولى ويكون جارياً، وبهذا يرتفع الأصل الطولي وتنهدم مانعيته(1)

مع أنّنا نقول: إنَّ سقوط الأصل العرضي في الجبهة الثانية لا يؤدي إلى عود الحياة إلى الأصل الحاكم وجريانه في الجبهة الأولى؛ لأنَّ سقوط الأصل العرضي في الجبهة الثانية هنا نشأ من مانعية الأصل الطولي، الناشئ من سقوط الأصل الحاكم، فسقوط الأصل العرضي في الجبهة الثانية من متفرعات سقوط الأصل العرضي الحاكم في الجبهة الأولى، وإذا كان من تفرعات عدمه يستحيل أن يكون منشأ لوجوده.

وقولكم إنَّ كلّ متعارضين إذا سقط أحدهما وانتفى فلا بأس بأن يجري الآخر، إنَّما يكون صحيحاً في غير السقوط الناشئ من سقوط الآخر. وأما إذا سقط أحد المتعارضين سقوطاً مترتباً على سقوط الآخر وناشئاً منه، فمثل هذا السقوط يستحيل أن يفسح مجالاً للآخر لأن يعود. 

وفي المقام إذا فرض أنَّ الأصل الطولي في الجبهة الأولى أصبح مانعاً عن جريان الأصل العرضي في الجبهة الثانية، فهذه المانعية تؤدي إلى سقوط الأصل 

ــــــــــ[105]ــــــــــ

() صحيح أنَّ هذه المانعية رفعت المعارض للأصل الحاكم، ولكن هذا الرفع كان من تبعات الأصل الطولي الناشئ من سقوط الأصل الحاكم، فكيف يكون رفع أحد المتعارضين الناشئ من سقوط الآخر منشأ في رجوع الآخر وجريانه؟ هذا محال. (محاضرة الغد). (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

العرضي في الجبهة الثانية، لكن هذا السقوط هو من تبعات سقوط الأصل الحاكم؛ لأنّه فرع للمانعية التي هي فرع الأصل الطولي الذي هو فرع سقوط الأصل الحاكم، فسقوطه فرع سقوط الأصل الحاكم. ومثل هذا السقوط يستحيل أن يكون فرصة لعود الأصل الحاكم. 

فإذا لم تؤدي هذه المانعية -مانعية الأصل الطولي- إلى عود الأصل الحاكم فلا يلزم من وجودها عدمها؛ لأنّها إنَّما يلزم من وجودها عدمها لو أدت إلى عود الأصل الحاكم، وحيث برهنا على استحالة عوده، فلا يبقى حينئذٍ استحالة في المانعية، فإذا لم تبقَ استحالة في المانعية فيقع الأصل الطولي طرفاً للمعارضة مع الأصل العرضي في الجبهة الثانية؛ لأنَّ كلّ واحد منهما يصلح للمانعية عن الآخر حينئذ(1). هذا هو الوجه الثالث.

ــــــــــ[106]ــــــــــ

() وهنا قلت له: الأصل الحاكم لماذا سقط؟ 

فأجاب: سقط من جهة المعارضة مع الأصل العرضي في الجبهة الثانية. 

فقلت: إذن ذاك أيضاً سقط فلا يقع طرفاً للمعارضة مرة أخرى؟! 

فقال: نحن نقول: إنّه سقط بالمعارضة مع كلا الأصلين. 

فقلت: هذا يكون معارضته في رتبتين، يعارض أوّلاً الأصل العرضي فيسقطه ثُمَّ يعارض الأصل الطولي فيسقط. 

فقال: بلى كذلك. 

فقلت: إنَّ هذا يستحيل؛ لأنَّ المعارضة في المرتبة السابقة قد أسقطت كلا الأصلين، فلا يبقى مجال للمعارضة الثانية. 

فأجاب (سلّمه الله تعالى): نحن هنا هكذا نقول: إنَّ الأصل العرضي في الجبهة الثانية يكون معارضاً مع كلا الأصلين الطوليين في الجبهة الأولى، ولا يلزم من ذلك محذور، حيث إنَّ الأصل الطولي في الجبهة الأولى وإن كان متأخّراً رتبة عن سقوط الأصل العرضي في الجبهة الأولى، ولكنه غير متأخّر رتبة عن سقوط الأصل العرضي في الجبهة الثانية. إذن، فهو من حيث الاقتضاء قد تمّ اقتضاؤه مع اقتضاء الأصل الحاكم في زمان واحد. فالاقتضاءان تمّا في زمان واحد، غاية الأمر أحدهما مترتب على عدم تأثير الآخر. واقتضاء الأصل الوحيد في الجبهة الثانية أيضاً معاصر لهما، فأيّ مانع يمنع من وقوعه طرفاً للمعارضة مع كِلا المقتضيين في المقام، وإنَّما المانع يمنع لو برهنا على أنَّ الأصل الطولي في الجبهة الأولى متأخّر رتبة عن سقوط الأصل العرضي في الجبهة الثانية، حينئذٍ يستحيل أن يكون معارضاً له، أمّا تأخّره رتبة عن سقوط الأصل الحاكم في جبهته، فهو لا ينفي إمكان وقوع المعارضة بينه وبين الأصل العرضي في الجبهة الثانية. 

وهنا قال حول سؤال لي عن مرجع كلامه هذا: مرجعه إلى أنَّهما يتعارضان في زمان واحد. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ومعنى(1) عدم تمامية هذا الوجه هو أنَّ سقوط الأصل العرضي في الجبهة الثانية وممنوعيته ليس متقدّماً رتبة على اقتضاء الأصل الطولي، بل هو في رتبة. وبهذا ترتفع المغالطة التعبيرية التي قد تقال في مقام تقريب سلامة الأصل الطولي.

 يقال: بأنَّ الأصل العرضي في الجبهة الثانية قد عارض الأصل العرضي في الجبهة الأولى في مرتبته، ثُمَّ أنتم تفرضون أنّه يعارض الأصل الطولي في الجبهة 

ــــــــــ[107]ــــــــــ

() لخص أوَّلاً الوجوه الثلاثة التي ذكرها في المحاضرة السابقة، وكان فيما قال: إنّه ذكر بعد الانتهاء من مناقشة الوجه الثاني:…  (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الأولى في مرتبته، فمعنى هذا أنّه موجود في كلتا المرتبتين، لكن يعارض كلّ أصل في مرتبته، مع أن الشيء الواحد يستحيل أن يوجد في مرتبتين. 

هذه المغالطة التعبيرية تنحل بهذا البيان؛ وذلك: إذ بعد عموم قبولنا للقانون الفلسفي، وهو أنَّ ما مع المتقدّم متقدّم وما مع المتأخر متأخر. معنى عدم قبولنا له، هو: إن العم هو في رتبة الابن وفي رتبة الأب معاً، ولا يلزم أن يكون متقدّماً ومتأخّراً، فإنَّ معنى كونه في رتبة الأب، أنّه لا موجب لكونه متقدّماً على الأب ولا يلزم أن يكون متأخّراً عنه، كما لا موجب لأن يكون متقدّماً على الابن ولا أن يكون متأخراً، كذلك نلتزم في المقام أنَّ الأصل العرضي في الجبهة الثانية في رتبة الأصل العرضي في الجبهة الأولى وفي رتبة الأصل الطولي أيضاً، وليس معنى هذا وجود الشيء في رتبتين، بل معناه أنَّ هذا الأصل العرضي في الجبهة الثانية لو لوحظ مع أيّ واحد من الأصلين في الجبهة الأولى لا نرى ملاكاً لتقدمه عليه ولا لتأخره عنه.

 التقريب الرابع(1)

التقريب الرابع(2): هو أنّه في هذا الفرض يتكوّن عندنا علم إجمالي، وهو أنَّ المولى إمّا أنّه لم يجعل الأصل العرضي المؤمِّن في الجبهة الأولى أو أنّه لم يجعل الأصل العرضي المؤمِّن في الجبهة الثانية، نعلم إجمالاً بعدم جريان أحد هذين 

ــــــــــ[108]ــــــــــ

() الوجه الرابع.

(2) وبعد أن انتهى من تقرير الوجوه الثلاثة ومناقشتها قال: التقريب الرابع… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الأصلين العرضين المؤمّنين في كلتا الجهتين؛ لأنَّ جعلهما معاً فيه محذور عقلي أو عقلائي، وهذا العلم الإجمالي منجز لا محالة بالنسبة إلى طرفيه، ويوجب سقوط إطلاق الدليل للأصل العرضي الحاكم في الجبهة الأولى، وسقوط إطلاق الدليل للأصل العرضي في الجبهة الثانية.

وبلحاظ منجزية هذا العلم الإجمالي واقتضائه لسقوط إطلاق دليل الأصل الحاكم في الجبهة الأولى، يتولد علم إجمالي آخر، وهو أنَّ المولى لم يجعل أحد الأمرين: إمّا الأصل الطولي في الجبهة الثانية الذي تم اقتضاؤه ببيان تنجيز العلم الإجمالي الأول، أو الأصل العرضي في الجبهة الثانية. وهذا العلم الإجمالي في طول العلم الإجمالي الأوّل، ومتولد منه، لأنه نشأ من ناحية تأثير العلم الإجمالي الأول في إسقاط الأصل الحاكم، إذ لو لا هذا التأثير لما وجد عندنا اقتضاء في الأصل الطولي، وبالتالي لما تولد لنا علم إجمالي ببطلان أحد اقتضائين آخرين، هما إمّا الأصل الطولي أو الأصل العرضي في الجبهة الثانية. فهما علمان إجماليان طوليان.

غير أنَّ هذين العلمين الإجماليين الطوليين مشتركان في طرف واحد، هو طرف لكلّ من العلم الإجمالي المتقدّم والمتأخّر، وهو سقوط الأصل العرضي في الجبهة الثانية؛ لأننا أوّلاً علمنا إجمالاً إمّا أنّه حرم الأصل الحاكم من الجريان أو الأصل العرضي في الجبهة الثانية، وتولد لنا في طول ذلك علم إجمالي جديد: بأنه إمّا حرم الأصل الطولي من الجريان أو حرم الأصل العرضي من الجريان، فمحرومية الأصل العرضي في الجبهة الثانية طرف لكلا العلمين الإجماليين.

حينئذٍ يقال: بأنَّ هذا العلم الإجمالي المتأخّر حيث إنَّ أحد طرفيه وقع طرفاً 

ــــــــــ[109]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

لعلم إجمالي متقدّم فلا يكون منجّزاً ولا مؤثراً في أيّ واحد من أطرافه. مبنياً على قاعدة يدعيها الأصول الرسمي، في أنَّ علمين إجماليين إذا كان أحدهما متقدّماً والآخر متأخّراً واشتركا في طرف واحد، فالعلم الإجمالي المتأخّر لا يكون منجّزاً.

فمثلاً: لو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الإنائين حين الطلوع، ثُمَّ علمنا إجمالاً بعد هذا بأنّه إمّا الإناء الثالث أو الثاني نجس، بحيث إنَّ الإناء الثاني بعينه طرفاً للعلمين الإجمالين. هنا يقال: بأنَّ العلم الإجمالي الثاني لا ينجز الإناء الثالث؛ لأنَّ أحد طرفيه هو طرف لعلم إجمالي متقدّم فلا يكون علماً إجمالياً بتكليف جديد على تقدير، بل على بعض التقادير هو نفس التكليف الذي كنا نعلم به سابقاً. هذه قاعدة يدعيها الأعلام ويأتي -إن شاء الله تعالى- تحقيقها وبيان عدم قبولها.

ومبنياً على هذه القاعدة هنا يقال: بأنَّ عندنا علم إجمالي متأخّر أحد طرفيه هو طرف لعلم إجمالي متقدّم، فلا يكون هذا العلم الإجمالي المتأخّر منجّزاً للطرف الذي يختص به -كما في الإناء الثالث في المثال- وهو حرمان الأصل الطولي. وحينئذٍ لا يبقى هناك منجّز لمحرومية الأصل الطولي ولسقوط إطلاق الدليل فيه، فإنّا كنا نرفع اليد عن دليل الأصل باعتبار وجود المنجز للتخصيص وهو العلم الإجمالي، فإذا فرضنا أنَّ العلم الإجمالي الثاني سقط عن المنجّزية فنتمسّك بإطلاق دليل الأصل الطولي.

هذا التقريب تارة نناقش فيه من حيث المبنى ونقول: بأننا لا نقبل هذه القاعدة، بل نقول: بأنَّ العلم الإجمالي الثاني المتأخّر عن الأوّل، ينجز وإن اشترك معه في بعض أطرافه. حينئذٍ ينهدم هذا التقريب.

ــــــــــ[110]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ولكن إذا قبلنا هذه القاعدة، كما هو المعروف ما بين الاعلام، حينئذٍ يأتي هنا كلام تقديري للسيّد الأستاذ، يعني: كلام نقتنصه من مبانيه في مقام الجواب عن هذا الإشكال.

 وحاصله: أن يقال: إنَّ هذه القاعدة، وهي قاعدة إنَّ العلم الإجمالي المتأخّر إذا اشترك في طرف مع العلم الإجمالي المتقدّم فلا يكون منجزاً، وإن كانت مسلّمة عند السيّد الأستاذ، لكن إنَّما تكون مسلّمة إذا كان التأخر زمانياً لا رتبياً، كما في مثال النجاسة الذي ذكرناه.

وأمّا إذا كان التأخر بين العلمين الإجماليين رتبياً لا زمانياً، كما هو الحال في المقام، فإنَّ العلم الإجمالي الثاني معلول لأثر العلم الإجمالي الأوّل، وقانون العلية يقتضي التأخّر الرتبي مع الاجتماع في الزمان، فهما علمان إجماليان في زمان واحد، وإن تأخر أحدهما عن الآخر رتبة، في مثل هذا لا نقول: بأنَّ العلم الإجمالي الثاني ليس منجزاً؛ لأنَّ أحد طرفيه تنجز بمنجز سابق وهو العلم الإجمالي الأوّل؛ وذلك لأنَّ المنجّزية ليست حكماً للرتبة، فإنَّ المنجّزية معناها وجوب الامتثال ووجوب الإتيان بالعمل، فحيث إنَّ العلم الإجمالي الثاني في عرض الأوّل زماناً، وإن كان متأخّراً عنه رتبة، فلا تبقى عليه القاعدة؛ لأنَّ المنجزية عبارة أخرى عن وجوب الامتثال، وفي مقابله جريان الأصل معناه الترخيص في ترك الاحتياط والامتثال، ومن المعلوم أنَّ إيجاب الامتثال أو الترخيص في تركه، حكم زماني وليس حكماً في الرتبة، فمنجزية العلم الإجمالي الأوَّل لا يتصور كونها سابقة عن منجزية العلم الإجمالي الثاني، بل المنجزيتان مجتمعان في زمان واحد.

ــــــــــ[111]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إذن، فلم يتنجز أحد طرفي العلم الإجمالي، في العلم الإجمالي الثاني بمنجز سابق؛ لأنَّ تنجزه كذلك فرع تصوّر السبق الرتبي في المنجزية، مع أنَّ المنجزية حكم زماني لا يتصوّر فيه السبق الرتبي. إذن، ففي مثل المقام ينبغي أن يقال بأنَّ كلا العلمين الإجماليين ينجزان في عرض واحد والعرضية هنا زمانية.

التقريب الخامس(1)

وهو آخر التقريبات:

وحاصله هو أن يقال في المقام: بأنَّ الأصل الطولي لا يقع طرفاً للمعارضة مع الأصل العرضي في الجبهة الثانية؛ لأنّه يستحيل جريانه ولو أمكن ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح.

توضيحه: أننا إذا تصوّرنا أصلين متعارضين، نقول فيهما أنّهما متكافئان اقتضاءً ومحذوراً. أمّا إنهما متكافئان من حيث الاقتضاء فلأنَّ كلّ منهما مصداق لدليل الأصل، يعني: ينطبق عليه محذور دليل الأصل. وأمّا أنّهما متكافئان محذوراً، فلأنَّ المحذور في جريان كلّ واحد منهما هو كونه لو جرى مع الآخر فيلزم الترخيص في المخالفة القطعية، ولو جرى بدلاً عن الآخر يلزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح، فإن جاز هذا الترجيح فنسبة الجواز إليهما على حدّ واحد، وإن استحال فنسبة الاستحالة إليهما على حدّ واحد. ومن هنا لا يجري الأصل لا في هذا الطرف ولا في ذاك.

فإذا فرضنا في مورد أنَّ أحد الطرفين غير مكافئ محذوراً مع الآخر، بمعنى: 

ــــــــــ[112]ــــــــــ

() وهذا هو الوجه الخامس.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أنّه يستقل بمحذور يمنع عن جريانه حتّى لو قلنا بجواز ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح، فإذا لم يكونا متكافئين محذوراً فبرهان الترجيح بلا مرجح لا يأتي في المقام، بل يطبق دليل الأصل على الطرف الآخر بلا معارض.

والأمر في المقام كذلك، فإنَّ الأصل الطولي في الجبهة الأولى لا يمكن أن يجري حتّى لو أمكن ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح.

إذ لو أمكن ذلك، يعني: أمكن أن نرجح على الأصل العرضي في الجبهة الثانية أصلاً يساويه في الجبهة الأولى، فيقع تزاحم في مقام المرجحية بين أن نرجح عليه الأصل الطولي في الجبهة الأولى أو الأصل العرضي فيها؛ لأنَّ في الجبهة الأولى أصلين، فلو جاز أن نرجح على الأصل العرضي في الجبهة الثانية أصلاً يساويه بلا مرجح، يقع التزاحم بين نفس الأصل الطولي في الجبهة الأولى والعرض فيها في مقام التقديم، أي: أنَّ هذا الأصل الذي فرضنا أنّه لا بُدّ وأن يقدّم على الأصل العرضي في الجبهة الثانية، هل هو الأصل الطولي في الجبهة الأولى أو العرضي فيها فيقع التزاحم والتنافي بين نفس هذين الأصلين في الجبهة الأولى.

وفي هذا المقام يستحيل ترجيح الأصل الطولي في الجبهة الأولى على الأصل العرضي، لا لأجل استحالة ترجيح أحد المتساويين على الآخر، بل من ناحية استحالة مانعية الأصل المحكوم عن جريان الأصل الحاكم الرافع لموضوعه، والأصل العرضي حاكم والطولي محكوم. 

فهنا ببرهان استحالة مانعية الأصل المحكوم عن جريان الأصل الحاكم 

ــــــــــ[113]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

يتبرهن استحالة تقديم الأصل الطولي في الجبهة الأولى على الأصل العرضي في الجبهة الثانية، ولو أمكن ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح؛ وذلك معناه أنَّ المحذور في جريان الأصل الطولي في الجبهة الأولى ليس متمحضاً في مسألة الترجيح بلا مرجح، حتّى يقال: بأنَّ نسبة هذا إليهما على حدّ واحد، بل حتّى لو أمكن ذلك، مع هذا يستحيل ترجيح الأصل الطولي في الجبهة الأولى على الأصل العرضي في الجبهة الثانية، بل يكون الترجيح حينئذٍ للأصل الحاكم في الجبهة الأولى لا للأصل الطولي فيها.

إذن، فدليل الأصل لا يشمل الأصل الطولي ولو أمكن ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح، ولكنه يشمل الأصل العرضي في الجبهة الثانية لو أمكن ذلك، وهذا معناه أنّهما غير متكافئين محذوراً، فإذا لم يكونا متكافئين محذوراً، فالأصل الطولي لا يصلح أن يكون طرفاً للمعارضة مع ما لا يكافئه في المحذور، وهو الأصل العرضي في الجبهة الثانية، بل يكون متأخّراً عنه رتبة، فبعد أنَّ يسقط الأصل العرضي في الجبهة الأولى مع الأصل العرضي في الجبهة الثانية، حينئذٍ يكون هذا جارياً.

وهذا الوجه وجه فني على مقتضى الصناعة.

تعليق على الجهة الثالثة

إلَّا أنَّ هذا الكلام من أوله إلى آخره، في الجهة الثالثة كان مجاراة للأكابر الذين أعملوا الصناعة والفن في هذا المقام. إَّلا أنَّ هذا البحث لا موضوع له عندنا، وذلك لوجهين:

ــــــــــ[114]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الوجه الأوّل: أنّه ليس عندنا في علم الأصول أصلان طوليان أحدهما موافق للآخر، يعني: أصل حاكم واصل محكوم موافق، فإنَّ هذا المطلب موجود في الأصول الرسمي دون فهمنا في الأصول، فإننا لا نقول بالحكومة في الأصل الموافق، بل نقول: إن بعض الأصول إذا خالفت بعض الأصول فتلك الأصول المخالفة تكون قرينة على التصرف في دليل الأصل المخالف، يعني: في موارد التعارض نقول بأن دليل الاستصحاب قرينة على تقييد دليل أصالة الإباحة، أو أنَّ الاستصحاب الموضوعي قرينة على تقييد الاستصحاب الحكمي. 

وأمّا في موارد التوافق، كما لو كان كلاهما نافياً للتكليف -كما هو المفروض في المقام- فلا نقبل الحكومة بل كلاهما يجري في عرض واحد(1). غاية الأمر أنه يكون من باب الدليل الأظهر والظاهر، بالتالي هما دليلان فعليان عرضيان ولا نقبل الطولية في الأصول المتوافقة. وهذا يأتي توضيحه في بحث تعارض الأصول(2).

الوجه الثاني: الذي يجعل هذا الكلام بلا موضوع: هو أنَّ هذا الكلام فُرض فيه أنَّ الدلالات والظهورات من قبيل المقتضيات التكوينية والحجّيّة من 

ــــــــــ[115]ــــــــــ

() فيكون المطلب الواحد عليه شاهدين ودليلين: دليل الاستصحاب ودليل أصالة البراءة بلا تناف بينهما ليكون أحدهما رافعاً لموضوع الآخر، وتحقيق ذلك في محله. (المقرِّر).

(2) وهنا قال جواباً على سؤال: إذن، ليس عندنا أصل طولي، بل تتساقط جميع الأصول بالمعارضة. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

قبيل الآثار التكوينية في عالم التكوين، كما لو فرضنا في الجبهة الثانية مقتضياً تكوينياً للحرارة، وفي الجبهة الأولى مقتضيين طوليين تكوينين للبرودة، وبحثنا أنه بحسب نظام التزاحم والتصادم بين المقتضيات التكوينية هل يقع المقتضي الثاني طرفاً للتزاحم مع هذا المقتضى أو لا؟

إلَّا أنَّ هذا التصوّر غير صحيح في المقام، فإنَّ الظهورات والدلالات موضوعات للحجّيّة عقلائياً وشرعاً، لا مقتضيات تكوينية حتّى يجري عليها براهين قوانين التزاحم ما بين المقتضيات التكوينية، ونحن إذا لاحظنا الحجّيّة العقلائية لا بُدّ أن نرجع إلى العقلاء لنرى أنَّ العقلاء هل يجعلون الحجّيّة هنا أو لا يجعلونها، بقطع النظر عما تقتضيه الصناعة في المقام.

والعقلاء في هذا المقام في أنّه حتّى لو تمّ الوجه الخامس الذي هو تام صناعة، مع ذلك لا نشك بأنَّ العقلاء هنا لا يرون الحجّيّة لأيّ واحد من هذه الكلمات الثلاثة من المولى، لا الكلام الذي يقتضي جريان الأصل العرضي في الجبهة الأولى، ولا الكلام الذي يقتضي جريان الأصل العرضي في الجبهة الثانية، ولا الكلام الذي يقتضي جريان الأصل الطولي في الجبهة الأولى.

يقولون: هذه الكلمات الثلاثة تعارض واحد منها مع اثنين ونحن لا نستطيع أن نستكشف مراد المولى من هذه الكلمات الثلاثة.

فهذا هو الذي سوف يقوله العقلاء، حينما يراجعون في جعل الحجّيّة لهذه الظهورات. وحينئذٍ فلا يبقى أثر للبحث الفني الصناعي القائم على تصور خاطئ لحدود المسألة.

ــــــــــ[116]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وعليه فالصحيح: أنَّ ما يسمّونه بالأصل الطولي يسقط بالمعارضة مع الأصل العرضي في الجبهة الثانية ولا يسلم عن المعارضة. هذا إذا فُرض أنَّ الأصلين العرضيين كانا غير متسانخين. وأمّا إذا كانا متسانخين، فقد قلنا: إنَّ دليل الأصلين العرضيين يكون مجملاً ونرجع إلى دليل الأصل الآخر.

إذن فالأصل(1) الطولي بلا موضوع في المقام بل هو عرضي. وهكذا يجب أن يكون طرح المسألة: أنَّ هنا جبهتين للمعارضة في الجبهة الثانية يوجد أصل عرضي وحيد نافٍ، وفي الأولى يوجد أصلان عرضيان نافيان، وفي مثل ذلك لا شك ولا ريب، في أنَّ الواحد في الجبهة الثانية يعارض الاثنين في الجبهة الأولى، ويسقط الجميع بالمعارضة.

ثُمَّ قلنا ثانياً: بأنّه لو سلّمنا أنَّ الأصل الثاني في الجبهة الأولى أصل طولي وقبلنا الحكومة، فمع هذا أيضاً لا يمكن تتميم المطلب بمثل هذه الوجوه التي تقدّمت للبرهنة على استحالة وقوع الأصل الطولي طرفاً للمعارضة مع الأصل العرضي في الجبهة الثانية؛ وذلك لأنَّ هذه الوجوه إنَّما تنفع لو كان عندنا قوانين كلية صارمة لكلّ أصل من هذه الثلاثة، ويكون حينئذٍ حالها حال القوانين التكوينية أو القوانين الشرعية الثابتة بالأدلة اللفظية ذات الإطلاق والعموم، فيقع الكلام حينئذٍ في كيفية تأثيرها ووقوع التزاحم فيما بينهما، فنُعمل الصناعة فيما هو المقدّم وما هو الساقط بالمعارضة. 

ــــــــــ[117]ــــــــــ

() بدأ السيّد الأستاذ بعد عنونة المسألة بذكر الوجهين المختارين لمناقشة التقريب الخامس، فقال بعد الانتهاء من تقرير الوجه الأوَّل كما سبق: إذن فالأصل… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إلَّا أنَّ الصحيح في المقام، هو أنَّ مرجع البحث بصورة ساذجة إلى أنَّ هنا دلالات ثلاثة لكلام المولى: دلالة تقتضي جريان الأصل العرضي في الجبهة الثانية، ودلالة تقتضي جريان الأصل العرضي في الجبهة الأولى، ودلالة تقتضي جريان الأصل الطولي في الجبهة الأولى بعد فرض عدم تأثير الدلالة السابقة، والعرف حينما يلحظ هذه الدلالات الثلاثة، يرى بعرفيته أنَّ تلك الدلالة الموجودة في الجبهة الثانية، تعارض كلتا الدلالتين الموجودتين في الجبهة الأولى في مقام اقتضاء جعل الحجية. يعني هو يتحير في أنه هل يجعل الحجية والكاشفية للدلالة الموجودة في الجبهة الثانية أو لإحدى الدلالتين الموجودتين في الجبهة الأولى. يتحيّر ولا يعيّن جعل الحجّيّة لأحدهما دون الآخر، وأن فُرض أنَّ هناك برهان عقلي على استحالة وقوع المعارضة بين الأصل الطولي في الجبهة الأولى والعرضي في الثانية لو أنَّهما كانا من قبيل المقتضيات التكوينية.

فإنَّ مثل ذلك البرهان لا دخل له في قريحة العقلاء وطريقة تفكيرهم، وارتكازهم الذي هو أساس جعل الحجّيّة، فهم بحسب ارتكازهم لا يرون طولية وترتباً بين الأصل الطولي في الجبهة الأولى والأصل العرضي في الثانية. نعم، هم يرون أنَّ الأصل الطولي في الجبهة الأولى، هو في طول سقوط الأصل الحاكم في جبهته؛ لأنَّ الحكومة معنى يفهمه العرف، ولكنهم لا يفهمون كون الأصل الطولي في الجبهة الأولى في طول سقوط الأصل العرضي في الجبهة الثانية، وما لم يفهم العرف هذه الطولية، فهو يوقع المعارضة، ولا يجعل الحجّيّة بحسب ارتكازه العقلائي لأيّ من الدلالتين، ولا مستند لحجّيّة الظهور إلَّا 

ــــــــــ[118]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الإرتكاز العقلائي. إذن، فهذا التقريب لا يكون منتجاً ما لم يكون موجباً لثبوت الطولية بحسب الارتكاز العقلائي.

هنا قد ينقض علينا بنقض، وحاصله: بأنَّ نفس هذا البحث في الأصلين العرضيين المتعارضين مع أصل طولي في الجبهة الأولى، كما يمكن تصوّره في الأصول العملية، يمكن أيضاً تصوّره في الأصول اللفظية والأدلة الاجتهادية، فإنّه كثيراً ما رأينا في الفقه أنَّ هناك عامّاً من قبيل: (أكرم كلّ عالم) وهناك خاصان متعارضان في عالم بالخصوص هو زيد مثلاً. جاء فيه دليل اجتهادي بقوله: (أكرم زيداً) وجاء دليل اجتهادي يقول: (لا تكرم زيداً) فنشكّل هنا نفس الخريطة التي ذكرناها في الأصول، فنقول: إنَّ هنا جبهتين للمعارضة: أحدهما تقول بوجوب إكرام زيد العالم، وفيها يوجد دليلان، الدليل الأوَّل هو الخاص الدال على وجوب إكرام زيد العالم، والدليل الثاني هو العموم الذي يشمل زيداً.

 والجبهة الثانية وهي التي تقول: بعدم وجوب إكرام زيد العالم، ويوجد فيها دليل واحد وهو الخاص الآخر، وحيث إنَّ العام في طول المخصّصات لا في عرضها؛ إذ لو كان في عرض المخصّص لوقع طرفاً للمعارضة معه، مع أنّه من المعلوم أنَّ الأدلة الخاصة لا يعارضها العام، بل هي تحكم عليه.

فهنا نستطيع أن نتصوّر نفس ما تصوّرناه في الأصول: دليلن اجتهاديين عرضيين وهما الخاصان، ودليل اجتهادي طولي وهو العام. ومن ضروريات العمل الفقهي في مثل هذا المقام هو إيقاع التعارض بين الخاصين والرجوع إلى العام، نقول: إنَّ الدليلين الخاصين الاجتهاديين تعارضا، فنرجع إلى الدليل 

ــــــــــ[119]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الاجتهادي الطولي في الجبهة الأولى، وهو (أكرم كلّ عالم) ولا نقول: إنَّ هذا الدليل الاجتهادي الطولي يسقط بالمعارضة مع الدليلين العرضيين.

فكما نقول هذا هنا، كذلك ينبغي أن نقول في الأصول، أيّ فرق بين أن نفرض أنَّ هذه الثلاثة أدلة اجتهادية بهذا النحو أو أصولاً عملية بالنحو الذي هو محل الكلام؟! فكما لو قلنا في محل الكلام بأنَّ الطولي يسقط بالمعارضة مع الأصلين العرضيين ينبغي أن يقال في المقام بأنَّ العام يسقط بالمعارضة مع الخاصين أيضاً.

إلَّا أن هذا القياس مع الفارق؛ وذلك لأنَّ العام هنا، الذي هو الدليل الطولي في الجبهة الأولى، ما يكون حاكماً عليه ليس هو الدليل الخاص الموجود في جبهته، وهو أكرم زيداً، الموافق له في المضمون، بل هو الخاص المخالف له الموجود في الجبهة الثانية، فإننا لم نقرأ في علم الأصول بأنَّ الخاص الموافق حاكم على أصالة العموم، وإنَّما قرأنا أنَّ الخاص المخالف حاكم عليه. وحينئذٍ فلا محالة أنَّ العام هنايتوقف على الدليل المخصّص في الجبهة الثانية، لأنَّ كلّ محكوم يتوقف على سقوط حاكمه. فإذا كان العام في الجبهة الأولى، متوقفاً على سقوط الخاص الموجود في الجبهة الثانية، فيستحيل أن يكون طرفاً للمعارضة معه، بل يتساقط الخاصان وتنتهي النوبة إلى العام بلا محذور.

وهذه الطولية، بين هذا العام وهذا الخاص، طولية برهانية وعرفية بحسب الخارج؛ لأنَّ مناطها هو حكومة الخاص المخالف على العام، وهذه الحكومة عرفية، فإنَّ العرف هو الذي يحكم الخاص المخالف للعام ويرى أنَّ الخاص 

ــــــــــ[120]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المخالف مقدّم على أصالة العموم في العام، فيكون العام الذي هو الدليل الاجتهادي الثاني في الجبهة الأولى سالماً عن المعارضة، إذ يستحيل أن يعارض مع شيء، فإنّه هل يعارض مع الخاص الموافق له في جبهته، فهو موافق له كيف يعارضه، لم يعارض مع الخاص المخالف له في الجبهة الثانية، هو حاكمٌ عليه كيف يُعارضه. إذن، فهو لا يعارض مع شيء، وإنَّما يتعارض الخاصان وتنتهي النوبة إليه.

وهذا بخلاف ما هو محل الكلام، فإنَّ ما هو الحاكم، على الأصل الطولي في الجبهة الأولى، ليس هو الأصل العرضي في الجبهة الثانية، بل هو الأصل الحاكم الموافق له في نفس جبهته، ومن هنا لا ندّعي نحن بأنَّ الأصل الطولي في الجبهة الأولى يعارض مع الأصل العرضي في نفس الجبهة، وإنَّما الكلام في أنَّ الأصل الطولي في الجبهة الأولى هل يعارض مع الأصل العرضي في الجبهة الثانية أو لا؟ وهنا لا حكومة بينهما، لو هناك شيء فهو أن نقيم برهاناً على أنَّ ما هو في عرض الحاكم حاكم ونحو ذلك. ولو تمّ مثل هذا البرهان فهو لا ينتج الطولية بحسب الفهم العرفي الارتكازي العقلائي، فمن هذه الناحية لا يجدي شيئاً.

لكن لا نقول بهذا في باب الأدلة الاجتهادية، فيما إذا تعارض خاصان مع عام موافق لأحدهما، بل هناك نقول: بأنَّ العام يكون هو المرجع الفوقاني بعد تساقط الخاصيين. وتمام نكتة الفرق أنَّ الحكومة في محل الكلام للأصل العرضي في الجبهة الأولى على الأصل الطولي فيها، والحكومة هناك للدليل الموجود في الجبهة الثانية الموجود في الجبهة الأولى.

هذا تمام الكلام من هذه الناحية.

ــــــــــ[121]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فاتضح بذلك أنَّ الطولية لا واقع لها، ولو كان لها واقع، لا تكون مناطاً لسلامة الأصل عن السقوط بالمعارضة، بل المناط في السلامة هو وحدة الدليل وتعدده على النحو الذي قلناه، من أنَّ الأصل الواحد في الجبهة الثانية مع أحد الأصلين في الجبهة الأولى، إذا دلَّ عليهما دليل واحد، ودل آخر اختص بالأصل الآخر في الجبهة الأولى. حينئذٍ نأخذ بهذا الدليل الآخر الذي اختص به؛ وذلك لأنَّ الدليل الذي كان يقتضي إجراء الأصل في كلتا الجبهتين أصبح مجملاً، لاقترانه بالمخصّص المنفصل وهو الارتكاز العقلائي. ودليل ذاك الأصل الواحد يبقى على وضوحه ودلالته دون أن يبتلي بالإجمال، فنتمسّك بإطلاقه، سواء كان طولياً أو عرضياً حاكماً أو محكوماً، كما لو كان الأصل العرضي الوحيد في الجبهة الثانية هو الاستصحاب وفي الجبهة الأولى يوجد استصحاب وأصالة البراءة، فهنا نتمسّك بدليل أصالة البراءة.

ــــــــــ[122]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 



فهرس نتائج هذا التنبيه

 

الآن أفهرس النتائج التي انتهينا إليها في هذا التنبيه من تنبيهات العلم الإجمالي، فإنّنا عقدنا هذا التنبيه لأجل أن نرى هل يجري في بعض أطراف العلم الإجمالي من دون معارض، في الموارد التي لا يوجد فيها محذور المعارضة. وقد ذكرنا له صوراً ثلاثة:

الصورة الأولى: أن يكون أحد طرفي العلم الإجمالي، خارج من أوّل الأمر عن موضوع الأصول المؤمَّنة، بحيث لو كان شبهة بدوية أيضاً لما جرى فيه الأصل المؤمّن، كما إذا علمنا إجمالاً إمّا بخمرية المائع أو بعدم الإتيان بصلاة الوقت، وفيها يجري الأصل النافي في أحد الطرفين بلا محذور ثبوتاً وإثباتاً.

أمّا ثبوتاً فلأنَّ المحذور هو محذور المعارضة، وهو غير موجود في المقام؛ لأنَّ الطرف الثاني ليس مجرى للأصل المؤمّن في نفسه.

 وأمّا إثباتاً فلا بُدّ أن نفتش عن دليل أصل له إطلاق في نفسه لأطرف العلم الإجمالي حتّى نتمسّك، وهو أصالة الحل على أحد الوجهين في معناها ودليل الاستصحاب؛ لأنَّ لسانه لسان الكاشفية، ويلحق به من هذه الجهة جميع الأصول التي يكون فيها جهة الكاشفية كقاعدة الفراغ والتجاوز واليد وأصالة الصحة ونحوها. دون أصالة البراءة التي لا يشمل دليلها في نفسه أطراف 

ــــــــــ[123]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

العلم الإجمالي، ويلحق به أصالة الطهارة فإنَّ لسان: (كلّ شيء طاهر حتى تعرف أنه قذر) هو لسان: (كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي) فلا يشمل أطراف العلم الإجمالي.

الصورة الثانية: ما إذا فرضنا أنَّ طرفي العلم الإجمالي كلاهما كان مجرى للأصل النافي في نفسه، لكن وجد في أحد الطرفين أصل شرعي مثبت للتكليف حاكم على الأصل النافي، كما إذا علمنا إجمالاً بنجاسة أحد مائعين، وفرض أنَّ أحدهما مجرى للاستصحاب المثبت للتكليف وهو استصحاب النجاسة، فهنا وإن كان كلاً من الطرفين مجرى لأصالة الطهارة في نفسه، إلَّا أنّه وجد في أحد الطرفين أصل مثبت للتكليف حاكم على أصالة الطهارة.

هنا أيضاً قلنا لا محذور في جريان الأصل النافي في الطرف الآخر، لا ثبوتاً ولا إثباتاً. أمّا ثبوتاً فلأنَّ المحذور هو محذور المعارضة ولا معارضة في المقام؛ لأنَّ الأصل النافي في الطرف الآخر محكوم بالأصل المثبت، على تفصيل تقدّم. وأمّا إثباتاً فلا بُدّ أن نفتش عن دليل له إطلاق بحسب طبعه لأطراف العلم الإجمالي.

الصورة الثالثة: وهي محل الكلام، وهي أن نفرض في المقام، أنَّ طرفين للعلم الإجمالي أو جبهتين للمعارضة يوجد في أحدهما أصل ناف واحد، وفي الآخر أصلان نافيان طوليان، وقد انتهينا فيها إلى التفصيل بين وحدة الدليل وتعدده، فلو فُرض أنَّ الأصول غير متسانخة تسقط بالمعارضة. وأمّا لو فرضنا أنَّ الأصلين العرضيين كانا متسانخين، يعني: أنَّ الأصل في الجهة الثانية مع 

ــــــــــ[124]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أحد الأصلين في الجهة الأولى كانا متسانخين وكان الآخر من غير سنخهما فنرجع إلى ذلك الآخر ونتمسّك به هذا ثبوتاً. وأمّا إثباتاً فلا بُدّ أن نرى أن دليل الأصل الآخر له إطلاق لأطراف العلم الإجمالي، يعني من قبيل أصالة الحل والاستصحاب.

ثمرة القول بالعلّية أو الاقتضاء

بعد هذه النتائج لا بُدّ أن نرى أنّه هل بقيت هناك ثمرة للقول بالعلية والاقتضاء، أو لم تبقَ ثمرة ما بينهما؟ الثمرة المعروفة هي جريان الأصل في بعض أطراف العلم الإجمالي حيث لا يكون له معارض، فإنّه على القول بالاقتضاء لا بأس بذلك على حين أنّه على القول بالعلية يكون ذلك ممتنعاً.

وقلنا: إنَّ الميرزا حاول إنكار هذه الثمرة، وقال: إننا سواء قلنا بالعلية أو بالاقتضاء فالنتيجة واحدة؛ وذلك لأنَّ الطرف الذي ليس له معارض على القول بالاقتضاء بدعوى أنَّ هذا الأصل ليس له معارض. هنا نسأل أنَّ الطرف الآخر ما هو، هل هو مجرى للأصل النافي في نفسه أو مجرى للأصل المثبت في نفسه؟ إمّا المثبت العقلي أو الشرعي، فإن كان الطرف الآخر مجرى للأصل النافي في نفسه فيسقط بالمعارضة لا محالة بين الأصل النافي في الطرف الآخر وبين الأصل النافي الذي تريدون أن تجرونه على القول بالاقتضاء في الطرف الأوَّل، وإن كان الطرف الآخر مجرى للأصل المثبت فنحن قرأنا في مباحث العلم الإجمالي أنَّ جريان الأصل المثبت في أحد طرفي العلم الإجمالي يوجب انحلاله، وإذا انحل العلم الإجمالي لا يكون منجّزاً لا على نحو العلية عند 

ــــــــــ[125]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

القائل بها ولا على نحو الاقتضاء عند القائل به، فلا يبقى مانع حتّى عند القائل بالعلية من جريان الأصل المؤمّن في الطرف الأوَّل.

هذا حاصل مراد الميرزا، وإن كانت العبارة في التقريرات في غاية القصور عن أداء هذا المعنى، إلَّا أنَّ مقصوده -والله أعلم- هو هذا(1).

وقد قلنا فيما سبق: إنَّ هذا الكلام منه مبني على المبنى القائل بأنَّ جريان الأصل المثبت في بعض أطراف العلم الإجمالي، ولو كان أصلا عقلياً يوجب انحلال العلم الإجمالي، وقد اتضح من خلال الكلمات الإشكال عليه مبنى وبناء.

أمّا مبنى؛ فلأنّنا أشرنا مراراً إلى أننا لا نقبل المبنى القائل بأنَّ جريان الأصل المثبت في بعض أطراف العلم الإجمالي يوجب انحلاله، وإن كان القائل بالعلية يقبله، فكلامه بالنسبة إلى القائل بالعلية كآغا ضياء في محله.

وأمّا بناء، فإذا سلّمنا هذا المبنى فهل يمكننا أن ننقض عليه بالنتائج التي انتهينا إليها في هذا البحث -إذ انتهينا إلى أنَّ الأصل المؤمّن قد يجري في بعض أطراف العلم الإجمالي في هذه الصور الثلاثة- أو لا يمكننا أن ننقض عليه بهذه النتائج؟

ــــــــــ[126]ــــــــــ

() وهنا أعاد الدليل، وقال في مقدّماته: إنَّ جريان الأصل النافي في الطرف الأوّل غير مربوط ببحث العلية والاقتضاء؛ لأنَّ الطرف الثاني لا يخلو أمره إمّا أن يكون بالفعل مجرى للأصل النافي لو لا الطرف الأوّل، أو للأصل المثبت، ولا يعقل شقّ ثالث؛ لأنَّ كلّ شبهة هي إمّا مجرى للأصل المثبت أو النافي ولو باعتبار الانتهاء إلى الأصول العقلية. إلخ. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أمّا جريان الأصل المؤمّن في أحد طرفي العلم الإجمالي في الصورة الأولى، وهو ما إذا كان الطرف الثاني في نفسه خارجاً عن الأصول المؤمّنة، كما إذا علم إجمالاً بخمرية مائع أو بعدم أداء صلاة الوقت. هذا لا يمكن أن يُنقض به على الميرزا؛ لأنَّ الطرف الثاني مجرى لأصالة الاشتغال في نفسه، وهو أصل مثبت للتكليف، فيقول لنا الميرزا: إنَّ هذا من موارد انحلال العلم الإجمالي ومعه لا يأبى حتّى القائل بالعلية عن إجراء الأصل المؤمّن في الطرف الأوّل.

الصورة الثانية: وهو ما إذا كان كلا الطرفين مجرى للأصل النافي في نفسه، لكن وجد استصحاب مثبت للتكليف حاكم على الأصل النافي في أحد الطرفين هنا، قلنا: إنّنا نجري -في غير مورد الاستصحاب المثبت- الأصل النافي. هذا أيضاً لا يمكن أن ننقض به على الميرزا؛ لأنّه أيضاً من موارد انحلال العلم الإجمالي بجريان الأصل المثبت في أحد أطراف العلم الإجمالي.

نعم، يمكن أن ننقض على الميرزا في الصورة الثالثة، حيث إنّنا قبلنا في مورد ما إذا كان الأصلان العرضيان متسانخان من دليل واحد وكان الأصل الطولي من دليل آخر، قبلنا أن نتمسّك بدليل الأصل الطولي. وهذا بحسب الحقيقة يختلف باختلاف المبنى بالقول بالعلية أو الاقتضاء، فإن القائل بالعلية لا يستطيع أن يتمسّك في المقام بدليل الأصل الطولي؛ لأنّه يرى استحالة الترخيص في بعض أطراف العلم الإجمالي، والعلم الإجمالي موجود ولا موجب لانحلاله؛ لأنّه لم يجرِ أصل مثبت للتكليف في بعض أطرافه، فالقائل بالعلية لا يرى مجالاً لجريان الأصل الطولي والقائل بالاقتضاء يرى مجالاً لجريانه.

ــــــــــ[127]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فجريان الأصل الطولي في بعض أقسام الصورة الثالثة، يكون ملزماً للميرزا في الاعتراف في أنَّ هناك فرقاً بين القول بالعلية والقول بالاقتضاء، ويكون ملزماً له بأن يفتي في بعض الموارد بجريان الأصل المؤمّن في بعض أطراف العلم الإجمالي ولو لم يكن له معارض، وكأنّه لم يمكن أن يهون عليه هذا المطلب.

هذا تمام الكلام في التنبيه الثاني من تنبيهات العلم الإجمالي.

ــــــــــ[128]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 





التنبيه الثالث: في الشبهة غير المحصورة

 

  • الأمر الأوّل: لعدم تنجيزها للنائيني 
  • الكلام في خصوصيات الشبهة غير المحصورة

ــــــــــ[129]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 








التنبيه الثالث: في الشبهة غير المحصورة

 

في بيان أنَّ العلم الإجمالي الذي فرغنا عن تنجيزه في موارد الشبهة المحصورة، هل يكون منجّزاً أيضاً بذلك النحو من التنجيز في موارد الشبهة غير المحصورة أو لا؟ بمعنى أنَّ كثرة الأطراف وتعدد محتملات انطباق المعلوم الإجمالي هل تكون مانعة -لإيجادها نكتة من النكات- عن تنجيز العلم الإجمالي أولا؟ بعد الفراغ عن أنَّ هذه الكثرة قد تقترن أحياناً بنكتة تكون مانعة عن تنجيزه، كأن يكون بعض الأطراف حرجياً أو مضطراً إليه، أو نحو ذلك من النكات التي تفرض صدفة مع كثرة الأطراف كما قد تفرض أحياناً مع قلتها، فالكلام هنا ليس في النكات التي قد توجد مع كثرة الأطراف من باب الصدفة فتكون مانعة عن تنجيز العلم الإجمالي.

بل الكلام في أنَّ الشبهة غير المحصورة، مجرّد عدم الحصر في أطرافها
-الذي هو معنى كثرة أطراف العلم الإجمالي- هل يكون موجباً لعدم تنجيز العلم الإجمالي أو لا؟ بمعنى: أنّه هل يساوق مع نكتة تحتم عدم التنجيز أو لا(1).

ــــــــــ[131]ــــــــــ

() وهناك قال جواباً على سؤال سألته: إنَّ أطراف العلم الإجمالي هل تبلغ إلى مرتبة من الكثرة، بحيث تكون تلك المرتبة من الكثرة بنفسها مانعة عن تنجيز العلم الإجمالي، وتوجب نكتة تمنع عن تنجيزه. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وفي مقام تحقيق هذه المسألة لا موجب لأن نتكلّم فيما هو المراد من الشبهة غير المحصورة، ثُمَّ بعد هذا يطلب الدليل على عدم تنجيز العلم الإجمالي، فإن عنوان الشبهة غير المحصورة لم يرد في تلك الأدلة التي تقام على عدم منجّزية العلم الإجمالي، ليتكلّم أوّلاً عن معناه.

بل لا بُدّ أوّلاً من النظر إلى الأدلة الموجودة في المقام ويستخلص من نفس الأدلة ضابط هذا العنوان الذي نريد نستثنيه من قانون العلم الإجمالي -لا أنّنا نبحث عن معناه، ثُمَّ نبحث عن الدليل على الاستثناء- ويمكننا حينئذٍ إطلاق اسم الشبهة غير المحصورة على هذا العنوان المستثنى، وعلى أيّ حال فهم معنى الشبهة غير المحصورة يكون بعد ملاحظة الدليل وتتميمه واقتناص طرو هذا العنوان من الدليل الدال على عدم تنجيز العلم الإجمالي في موارد الشبهة غير المحصورة.

ومهم ما يستدلّ به على عدم تنجيز العلم الإجمالي في موارد الشبهات غير المحصورة هو أحد أمور ثلاثة:

ــــــــــ[132]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 




الأمر الأوّل: لعدم تنجيزها للنائيني 

 

هو ما ذكره المحقّق النائيني من أنَّ كثرة أطراف العلم الإجمالي قد تبلغ إلى مرتبة درجة بحيث يصبح استيعابها في مقام المخالفة أمراً غير مقدور، يعني تصبح المخالفة القطعية أمراً غير مقدور، كما لو علم إجمالاً بحرمة إناء واحد من الأواني الموجودة في العالم، فهنا المخالفة القطعية غير ممكنة بالنسبة إليه لكثرة الأطراف وإنتشارها، بحيث لا يمكنه أن يمارس جميع هذه الأواني، فهذه المرتبة التي تلازم مع نكتة عدم إمكان المخالفة القطعية.

والوجه في مانعية هذه المرتبة عن تنجيز العلم الإجمالي هو أنَّ العلم الإجمالي عند الميرزا يكون منجّزاً وعلة تامة لحرمة المخالفة القطعية بحكم العقل، بحيث يستحيل الترخيص بها، وإنَّما يستحيل الترخيص بالمخالفة القطعية؛ لأنّه ترخيص بالقبح؛ إذ بعد أن استقل العقل بحرمتها أصبحت قبيحة عنده، فيكون الترخيص في تمام الأطراف ترخيصاً في القبيح، وهو محال على الشارع. 

وإذا استحال الترخيص في المخالفة القطعية وقع التعارض بين الأصول في أطراف العلم الإجمالي؛ لأنَّ جريان الأصول في تمام الأطراف يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية وجريانها في بعض الأطراف دون بعض ترجيح بلا مرجح، فتتساقط الأصول في الأطراف.

ــــــــــ[133]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وحينئذٍ يقال في المقام: إنَّ كثرة أطراف العلم الإجمالي إذا بلغت مرتبة تمنع عن تمكن ا لمكلف من استيعابها في مقام المخالفة، فلا تكون المخالفة القطعية مقدورة بحسب الفرض، فلا تكون قبيحة ومحرمة بحكم العقل؛ لأنَّ العقل لا يستقلّ بحرمة غير المقدور.

 وإذا لم تحرم المخالفة القطعية، فلا مانع من جريان الأصول في تمام الأطراف؛ لأنَّ المحذور من جريانها هي أنّها لو جرت في الجميع لأدى ذلك إلى الترخيص في القبيح وهو المخالفة القطعية، أو المفروض أنَّ المخالفة القطعية هنا غير مقدورة ولا قبيحة، فلا يلزم من جريان الأصول في تمام الأطراف الترخيص في القبيح.

وإن شئتم قلتم: إنَّ جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي في المقام، لا يلزم(1) منه الترخيص في القبيح؛ لأنَّ القبيح غير ممكن الوقوع بحسب الخارج، والترخيص في غير الممكن غير معقول، فلا محالة يكون الترخيص ترخيصاً في المخالفات الاحتمالية دون القطعية. وبهذا تجري الأصول في تمام أطراف العلم الإجمالي.

والسيّد الأستاذ حيث إنّه يرى -على ما تقدّم- أنَّ المانع العقلي عن جريان الأصول في تمام الأطراف، ليس هو محذور الترخيص في المخالفة القطعية 

ــــــــــ[134]ــــــــــ

() لا يلزم منها الجمع في المخالفة؛ لأنَّ الجمع في المخالفة ليس أمراً مقدوراً للمكلف. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فحسب، بل هو محذور الترخيص القطعي في المخالفة الواقعية؛ وبهذا أبطل شبهة التخيير في جريان الأصول التي سبقت.

بناءً على هذا أشكل على الميرزا: أنَّ جريان الأصول في تمام أطراف الشبهة غير المحصورة وإن لم يلزم منه الترخيص في المخالفة القطعية؛ لأنّها غير مقدورة، وغير المقدور لا يقع تحت الترخيص، إلَّا أنَّ جريان الأصول في تمام الأطراف يلزم منه الترخيص القطعي في المخالفة الواقعية؛ لأنَّ الحرام الواقعي لا يخرج من هذه الأواني المليون، وقد رخص فيها جميعاً، فيكون هذا ترخيصاً قطعياً بالمخالفة الواقعية. وهذا محذور.

وهذا النزاع الدائر بين الميرزا والسيّد الأستاذ، حول كيفية المانع العقلي في المقام، كله مبني على أنَّ المانع من جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي مانع عقلي يستقل به العقل، حينئذٍ يقع الكلام في تشخيص المحذور العقلي، هل يستقل العقل باستحالة الترخيص في المخالفة القطعية فتجري الأصول في المقام أو باستحالة الترخيص القطعي للمخالفة الواقعية فلا تجري.إلَّا أنَّ الأساس الذي بُني عليه هذا النزاع ما بينهما غير مقبول،كما سبق، فإنّنا لا نرى أنَّ المانع عن جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي في الشبهة المحصورة -فضلاً عن غير المحصورة- هو العقل، فإنَّ مر العقل لا يأبى عن الترخيص في المخالفة القطعية، بل يجمع بينه وبين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال بنفس الطريقة التي يجمع بها بين الأحكام الواقعية والظاهرية، ويدفع شبهة ابن قبة، كما سبق مفصّلاً.

ــــــــــ[135]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فالترخيص في المخالفة القطعية فضلاً عن الترخيص القطعي في المخالفة الواقعية، لا محذور فيه، بل هو جعل ممكن عقلاً ولا مانع منه.

وإنَّما المحذور يخص -على ما بينا سابقاً- قصور مقام الإثبات عن الشمول لأطراف العلم الإجمالي، وقصور مقام الإثبات إنَّما هو باعتبار اقتران دليل الأصل بالإرتكاز العقلائي الذي يكون كالمخصّص المتصل الموجب لعدم انعقاد الإطلاق. إذن، فلا بُدّ من صرف عنان البحث للتكلّم في هذا المانع الإرتكازي ليرى لنا هذا المانع الذي اقتضى تخصيص دليل الأصل في موارد الشبهات المحصورة، وصرف الإطلاق عنها، هل يقتضي مثل ذلك موارد في الشبهات غير المحصورة. 

وهنا يجب أن نستذكر ما مرّ بنا في بيان نكتة هذا الإرتكاز. وهو الارتكاز العقلائي المانع عن جريان الأصول في تمام الأطراف، كيف حصل مثل هذا الإرتكاز عند العقلاء، مع أنَّ مرَّ العقل لا يحكم بعدم إمكان ذلك؟ بينا فيما سبق أنَّ هذا الارتكاز حصل عندهم، باعتبار أنّه ارتكزت عندهم المناقضة بين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال وبين الترخيص في تمام أطراف العلم الإجمالي.

مرة أخرى نسأل: أنّه كيف ارتكزت في أذهان العقلاء هذه المناقضة، مع أننا برهنا على أنّه لا مناقضة ما بينهما بحسب حكم العقل؟(1).

ــــــــــ[136]ــــــــــ

() وهنا كرر ما سبق أن قاله من أنَّه يجوز عقلاً تقديم الغرض الترخيصي على الإلزامي في مقام التزاحم في الحفظ على النحو الذي سبق في محله. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

 الجواب: حصلت هذه المناقضة بحسب الإرتكاز العقلائي؛ لأنَّ العقلاء بحسب أمورهم المعاشيّة وأوضاعهم الاجتماعيّة وتشكيلاتهم التشريعية ما بين الموالي والعبيد، لا يوجد عندهم أغراض ترخيصية في درجة من الأهميّة بحيث تغلب على الأغراض اللزومية المعلومة في مقام التزاحم والحفظ.

وكما سبق أنَّ الموالي العقلائيين ليست أغراضهم التشريعية الترخيصية بحيث لو وقع التزاحم بين الغرض اللزومي المعلوم إجمالاً والغرض الترخيص المعلوم بالإجمال، فهنا يُقدّمون في مقام الحفظ الغرض الترخيصي المعلوم بالإجمالي على اللزومي المعلوم بالإجمال ويرخصون في تمام أطراف العلم الإجمالي. مثل هذا غير موجود لدى العقلاء(1)، بل إنَّ أغراضهم اللزومية عادة تكون أقوى من الأغراض الترخيصية، بمرتبة بحيث تقتضي تقديم حفظها فيما إذا وصلت وعلم بها إجمالاً على الأغراض الترخيصية المعلومة إجمالاً، فارتكاز أنَّ الأغراض الترخيصية لا تصلح للمزاحمة هو الذي أوجب في المقام إرتكاز المناقضة. فهذه البداهة العقلائية هي التي جعلناها مخصّصاً لبّياً كالمتصل بالنسبة إلى دليل الأصل.

فإرتكاز المناقضة عند العقلاء إنَّما كان بملاك ارتكازات الأغراض الترخيصية لا تزاحم الأغراض اللزومية وإرتكاز عدم المزاحمة إنما يوجد في الشبهات المحصورة دون غير المحصورة، كما لو فُرض أنَّ العبد علم بحرمة إناء واحد من ملايين الأواني الموجودة في البلد أو في العالم، في مثل ذلك لا يرى 

ــــــــــ[137]ــــــــــ

()وإن كان ممكنا عقلاً. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

العقلاء عدم صلاحية الأغراض الترخيصية للمزاحمة؛ وذلك باعتبار كثرة هذه الأغراض الترخيصية في قبال الغرض اللزومي، فإنَّ الغرض اللزومي المعلوم إجمالاً غرض واحد هو حرمة إناء واحد من ملايين، وهناك أغراض ترخيصية كثيرة، في غير ذلك الإناء الواحد، في مثل ذلك لا يأبى العقلاء بحسب عقلائيتهم عن تقديم الأغراض الترخيصية باعتبار كثرتها على الغرض اللزومي، ولا يرون ضرورة تقديم ذلك الغرض اللزومي على تلك الأغراض الترخيصية، بحيث يتحفظ المولى على الغرض اللزومي بإيجاب الاحتياط، ولو أدى ذلك إلى الضيق الناشئ من الاجتناب عن ملايين من المباحات.

وهو ما أشير إليه أيضاً في بعض روايات الباب على ما يأتي -إن شاء الله- فإنّه في رواية أبي الجارود يسأل الإمام الصادق -إن صحت الرواية سنداً-: عن الجبن، قال: (حدثني شخص أنّه يوضع فيه شيء من الميتة، قال: أمن أجل مكان واحد يحرم جميع ما في الأرض) فهذه العبارة بناءً على كونها منزلة على الشبهة غير المحصورة كما هو الصحيح تكون مؤيداً لهذا الذي أدعيه، وهو أثر لا يوجد مثل هذا الارتكاز، بل الارتكاز على خلافه، فإنَّ الإمام يستبعد أنّه لأجل غرض لزومي واحد، أنَّ الإنسان يجب عليه أن يتقيّد بالاجتناب عن ملايين المباحات، فالتزاحم في مثل المقام يقتضي عقلائياً عكس النتيجة التي كان يقتضيها فيما إذا كان التزاحم في أطراف محصورة.

ولا أقل من هذا المطلب: وهو أنّه لم ينعقد إرتكاز عقلائي على عدم صلاحية الأغراض الترخيصية في موارد الشبهة غير المحصورة للمزاحمة. إذا لم ينعقد مثل هذا الارتكاز، فلا ارتكاز للمناقضة، فحينئذ لا مانع من التمسّك 

ــــــــــ[138]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بإطلاق دليل الأصل في المقام، غاية الأمر يجب أن نفتش عن دليل أصل يكون في نفسه شاملاً لأطراف العلم الإجمالي، فإنَّ دليل الأصل الذي لا يكون شاملاً لا يمكن التمسّك به في المقام لإثبات الترخيص في المخالفة القطعية. وإنَّما لا بُدّ أن يكون الدليل شاملاً كدليل أخبار الحل ودليل الاستصحاب.

فكل دليل سبق لنا أنّه بإطلاقه يشمل أطراف العلم الإجمالي، وإنَّما نرفع اليد عن شموله باعتبار الارتكاز العقلائي لا نرى مانعاً عن التمسّك به في موارد الشبهات غير المحصورة.

وفي(1) هذا البحث يقع الكلام في مقامين: 

المقام الأوَّل: في تصوير هذه النكتة(2) بلحاظ أدلّة الأصول.

والمقام الثاني: في تصوير هذه النكتة بقطع النظر عن أدلّة الأصول، بمقتضى طبيعة نفس العلم الإجمالي ذي الأطراف الكثيرة.

المقام الأوّل: في نكتة الكثرة بلحاظ أدلة الأصول 

أمّا الكلام في المقام الأوَّل وهو في تصوير نكتة مستلزَمَه لمرتبة من مراتب الكثرة، تكون بلحاظ أدلة الأصول، وقد حاول المحقّق النائيني بيان مثل هذه النكتة(3).

ــــــــــ[139]ــــــــــ

() قال بعد عنونة المسألة في الشبهة غير المحصورة: (المقرِّر).

(2) النكتة التي تكون في كثر الأطراف بحيث تكون مضرة لتنجيز العلم الإجمالي. (المقرِّر). 

(3) وهنا لخص كلام النائيني والسيّد الأستاذ (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وقد قلنا: إنَّ أساس هذا النزاع بين المحقّق النائيني والسيّد الأستاذ غير مقبول عندنا؛ لأنّه مبني على أساس أنَّ المانع عن جريان الأصول في تمام الأطراف هو مانع ومحذور عقلي، وحينئذ يقع الكلام بينهما هل هو فقط الترخيص في المخالفة القطعية أو الترخيص القطعي في المخالفة الواقعية؟ إلَّا أنّه على تلك المباني التي تقدّمت من ظهر أنَّ مر العقل لا يأبى عن جريان الأصول في تمام الأطراف للعلم الإجمالي، ولا يمنع عن أن يرخص الشارع فيها؛ لأنَّ هذا الترخيص فيه نفس ملاك الحكم الظاهري وهويته.

وذلك لأنَّ تعقلنا للحكم الظاهري كان باعتبار أنّه نتاج للتزاحم بين الملاكات الواقعية في مقام الحفظ، وهنا يمكن أن نفرض أنَّ الغرض اللزومي المعلوم بالإجمالي، يقع مزاحماً بالغرض الترخيصي المعلوم بالإجمال في مقام الحفظ، ويمكن أن نفرض ثبوتاً أنَّ الغرض الترخيصي المعلوم بالإجمال أهم من الغرض اللزومي، فيتحفظ عليه المولى بتوسعة دائرة إطلاق العنان ظاهراً والترخيص في تمام الأطراف.

وقد قلنا فيما سبق: إنَّ تقديم أحد المتزاحمين في مقام الحفظ على الآخر لا يوجب زوال الآخر(1)؛ ولذا لا يلزم التصويب في الأحكام الظاهرية.

هذا بحسب مر العقل، ولكن إنَّما لا تجرى الأصول المؤمّنة في تمام أطراف العلم الإجمالي للمانع العقلائي الارتكازي لا العقلي، فإنّهم قد أرتكز في ذهنهم عدم إمكان جريان الأصول في تمام الأطراف، وأنَّ هناك مناقضة بين أن 

ــــــــــ[140]ــــــــــ

() بل هو ثابت في مرتبته. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

يرخص المولى ظاهراً في تمام أطراف العلم الإجمالي وبين أن يُبقي التكليف الواقعي على حاله.

 هذا الارتكاز الذي جعلناه كالقرينة المتصلة لأدلة الأصول.

وقلنا فيما سبق: إنَّ هذا الإرتكاز العقلائي موجود في ذهن الأعلام، وهو الذي دعاهم إلى القول بعدم إمكان الترخيص بالمخالفة القطعية، إلَّا أنّنا نخالفهم في هويته، حيث قالوا: إنّه عقلي. قلنا: إنّه عقلائي.

فلا بدَّ أن نرجع إلى هذا الارتكاز ونسبر نكتته، لنرى أنّها هل تشمل موارد الشبهة غير المحصورة أو لا؟(1).

عدم رؤيتهم لذلك أوجب عندهم ارتكاز أنَّ الأغراض الترخيصية لا تزاحم الأغراض الواقعية، يعني: عمموا الحكم تعميماً وهمياً من واقعهم الخارجي إلى القضية الكلية المنطقية، وهذا هو العنصر الوهمي في المسألة. فحيث لم يرد في حياتهم هذا المطلب ارتكز في أذهانهم أنَّ الأغراض الترخيصية لا تزاحم الأغراض اللزومية، وهذا معنى الارتكاز العقلائي، فمن هذه الناحية أصبح هذا الارتكاز قرينة متصلة في تقييد أدلة الأصول.

مثل هذا الارتكاز غير موجود في موارد كثرة الأطراف، وإنَّما هو موجود في موارد قلّتها، فإنّه في موارد كثرة الأطراف، ما لو تردّد الغرض اللزومي الواحد بين آلاف أو مئات، لآلاف من الأغراض الترخيصية، إذ يوجد عند العقلاء فرق بين أن يكون طرف المقابلة مع الغرض اللزومي غرض ترخيصي 

ــــــــــ[141]ــــــــــ

() ثُمَّ ذكر النكتة الذي ذكرها ص123. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

قليل العدد وبين أن يكون في قباله آلاف، فإنه في الثاني ليس عندهم ارتكاز المزاحمة، بل لا يأبى عقلائيتهم ومعاشهم ومصالحهم ومقاصدهم عن فرض المزاحمة، فحينئذٍ لا يرون مزاحمة ما بين الترخيص الظاهري والتكليف الواقعي في موارد الشبهات غير المحصورة. فإذا لم يكن هناك ارتكاز فنتمسّك بنفس إطلاق أدلة الأصول، لأنه إنَّما حرمنا من التمسّك بإطلاقها في الشبهة المحصورة باعتبار قرينية الارتكاز، وهو غير موجود في المقام.

نعم، لا بُدّ وأن نفتش عن دليل أصل يكون في نفسه شاملاً لموارد العلم الإجمالي، كأصالة الحل والاستصحاب على ما تقدّم.

وأيدنا هذا المطلب بالرواية الواردة عن الإمام الصادق: (قال سألته عن الجبن أنه بلغني أنه يوضع فيه الحرام، قال: كُلْ منه أمِن أجل مكان واحد يُترَك الجبن في كل مكان) وهذه الرواية لو كانت صحيحة سنداً لجعلناها دليلاً على عدم وجوب الاحتياط في الشبهة غير المحصورة بالتقريب الذي سوف نذكره، إلَّا أنّها حيث إنها غير تامة سنداً؛ ولهذا فجعلها مؤيدة على الأقل لعدم وجود مثل هذا الارتكاز، فإن هذه العبارة عرفية، لا يستنكرها العرف: (أمِن أجل مكان واحد يوضع فيه الحرام يُترَك الجبن في كل مكان).

نعم، قد يُناقش في دلالة هذه الرواية، ويقال: إنّها أجنبية عن الشبهة غير المحصورة، كما أبدى ذلك الشيخ في الرسائل، إذ قال: لعلّ مراد الإمام ليس هو أنَّ الشبهة إذا كانت غير محصورة، فنحن غير مكلفين بأن نترك تمام الأماكن الألف لحساب المكان الواحد المردّد، بل لعلّ مراد الرواية بالنظر إلى أنّه لو كان 

ــــــــــ[142]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هناك واحد معين يوضع فيه الحرام بنحو العلم التفصيلي، فهذه الحادثة توجب عندنا الشك بأنّه لعلّه في مكان آخر أيضاً كذلك فنحتاط بالنسبة إلى كلّ مكان آخر، فيقول الإمام: (أمن أجل مكان واحد اطلعت تفصيلاً على أنّه يوضع فيه الحرام توسوس نفسك فتترك تمام الأماكن الأخرى) فإنّه بناءً على هذا الحمل تكون الرواية أجنبية عن الشبهة غير المحصورة وتكون في مقام بيان جريان الأصول المؤمّنة في الشبهات البدوية.

إلَّا أنَّ هذا الحمل خلاف الظاهر من الشيخ الأعظم، فإنَّ ظاهرها هو الشبهة غير المحصورة: (أمن أجل مكان واحد أترك أماكن عديدة تحفظاً على ذلك المكان الواحد). المنساق من العبارة هو هذا، خصوصاً إذا لاحظنا ذيل العبارة؛ لأنّه يقول في مقام التمثيل لهذه القاعدة التي قالها يقول: (وإني كثيراً ما أدخل إلى السوق وأشتري اللحم وغيره ولا أظنّ أنَّ كلّ هؤلاء يذكون ويسمون ولا أبالي بذلك). 

فهذه العبارة تؤيد أنَّ محلّ الكلام هو الشبهة غير المحصورة، فإن (لا أظن أنهم يسمون) تستعمل عرفاً في مقام بيان الوثوق و الاطمئنان إجمالاً بأنَّ بعضهم لا يسمون، وليس المراد منه نفي الظنّ حقيقة، بمعنى: أني أحتمل أنَّ الجميع يسمون احتمالاً متعادلاً، وإنَّما هذه العبارة تقال عرفاً في مقام بيان أنّه من البعيد كلهم يسمون؛ لأنَّ هؤلاء السود أناس متسامحون وجديدوا الدخول في الإسلام ففي كلّ واحد احتمال معتد به أنّه لا يسمي وبضم احتماله إلى الآخر يحصل عند الإنسان وثوق أن بعضهم لا يعنيه أن لا يسمي باعتبار ضمّ هذه الاحتمالات بعضها إلى بعض، فيكون شبهة غير محصورة، مع هذا هو يدخل 

ــــــــــ[143]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ويشتري ولا يبالي باعتبار أن الشبهة غير محصورة. إذن فالرواية ظاهرة في الشبهة غير المحصورة.

والرواية غير صحيحة سنداً إلَّا أنّها مؤيدة لهذا المطلب؛ لأنَّ الارتكاز غير موجود في الشبهة غير المحصورة، فنتمسّك بإطلاق دليل الأصل.

طبعاً الآن نثبت بنحو القضية المهملة عدم منجّزية العلم الإجمالي للشبهة غير المحصورة، وأمّا التفصيل والحدود فتأتي في تنبيهات المسألة بعد أن نتمم أصل الملاكات والوجوه.

هذا هو المقام الأوّل، يعني: التكلّم في النكتة الناشئة من الكثرة التي توجب عدم تنجيز العلم الإجمالي بلحاظ أدلة الأصول.

المقام الثاني: في النكتة المانعة بقطع النظر عن أدلة الأصول

المقام الثاني: وهو في إيجاب كثرة الأطراف نكتة مانعة عن تنجيز العلم الإجمالي بقطع النظر عن أدلة الأصول، وحتّى لو لم تكن عندنا أدلة الأصول، هنا أيضاً يمكن أن يقال: بأنَّ هذه النكتة موجودة، وأنَّ كثرة الأطراف قد تبلغ إلى مرتبة بحيث توجب نكتة تمنع -على مقتضى القاعدة- عن تنجيز العلم الإجمالي، بلا حاجة إلى فرض دليل الأصل. 

وتوضيح ذلك: أنَّ العلم الإجمالي يستلزم لا محالة احتمال الإنطباق على كلّ طرف من أطرافه(1)، فإذا حصل العلم إجمالاً بنجاسة أحد إنائين أو بأحد أواني البلد يستلزم العلم بالجامع مع احتمال الانطباق على كلّ طرف من أطرافه 

ــــــــــ[144]ــــــــــ

() حينما تكون نسبة المعلوم بالإجمال إلى الأطراف على حدّ واحد. (إعادة). (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بحسب الخارج، وفيما لو فرض أنَّ نسبة الأطراف إلى العلم الإجمالي معلومة كانت على حدّ واحد، فهنا يتحدد سعر الاحتمال في كلّ طرف من الأطراف بحاصل قسمة رقم اليقين على عدد الأطراف.

بمعنى: أنّنا لو افترضنا أنَّ رقم العلم بالجامع مئة، وأطراف العلم الإجمالي اثنين، ففي مثله لا محالة يستلزم العلم بنجاسة أحد الإنائين احتمال الانطباق في كل طرف بدرجة 50%، فإذا فُرض أنَّ الأطراف كانت عشرة فدرجة الاحتمال في كلّ طرف تنخفض وتقل؛ لأنَّ المقسوم عليه يزيد في المقام، إذ نقسم رقم العلم وهو مئة، حينئذٍ على عشرة ومن المعلوم أنَّ الرقم الواحد كلما زاد المقسوم عليه قلّت نتيجة القسمة، فيكون درجة الاحتمال في كلّ طرف 10%.

وهكذا كلما زادت أطراف العلم الإجمالي تنقص درجة احتمال الانطباق في كلّ طرف حتّى قد يبلغ درجة إحتماله الواحد من ألف، لو كانت الأطراف ألف، أو واحد من عشرة آلاف، لو فرض أنها كانت عشرة آلاف.

نحن هنا نأخذ تلك المرتبة من الكثرة التي يضعف فيها درجة احتمال الانطباق إلى حيث يكون في مقابل احتمال الانطباق اطمئنان بعدمه، يعني: ظن قوي متاخم للعلم، وهو الذي نسميه بالعلم العادي والاطمئنان والوثوق. وطبعاً يوجد في مقابل الاطمئنان احتمال الخلاف إلَّا أنّه احتمال موهون جداً، كما لو بلغ احتمال الانطباق لكثرة الرقم المقسوم عليه والأطراف إلى واحد من ألف، ومعناه أنَّ احتمال عدم الانطباق هو (999) من ألف وهو اطمئنان بلا إشكال، فنحن نأخذ هذه المرتبة، وهي مرتبة ضعف الاحتمال إلى درجة بحيث يكون في مقابله اطمئنان فعلي شخصي بعدم انطباق المعلوم بالإجمال عليه. 

ــــــــــ[145]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وحينئذٍ يقال: بأنَّ أيّ واحد من هذه الأواني وضعنا يدنا عليه فنحن نطمئن بالفعل بأنَّ المعلوم بالإجمال غير منطبق عليه. وهذا الاطمئنان حجّة عند العقلاء وإن لم يبلغ إلى مرتبة العلم، إلَّا أنَّ هذه المرتبة من الكشف التي لم يبق في مقابلها إلَّا خيط واهٍ من الاحتمال، حجّة عند العقلاء، بل إنَّ هذه المرتبة من الكشف الاطمئناني توجب حصول العلم وتتحول إليه، وينعدم ذلك الكسر الضئيل من احتمال الخلاف، لأجل تفاهته وضئالته، ويتحول رقم الاطمئنان إلى رقم العلم في كثير من الموارد. 

إلَّا أنَّ التحوّل في محلّ الكلام غير معقول بالنسبة إلى المتدبر، وإن كان طبع الاطمئنان في كثير من الموارد هو ذلك؛ وذلك لأنَّ في محل ّالكلام أيّ طرف من أطراف العلم الإجمالي أمسكناه بيدنا نرى أننا نطمئن بعدم انطباق المعلوم بالإجمال عليه، فلو كانت هذه الاطمئنانات الموجودة من الأطراف محوَّلة للظنّ إلى العلم وملغية لاحتمال الخلاف، للزم من ذلك زوال نفس العلم الإجمالي رأساً؛ لأنَّ هذا الاطمئنان كذاك الاطمئنان، فإذا صلح هذا الاطمئنان إلى أن يتحوّل إلى العلم ويزول الكسر الضئيل الذي في مقابله، للزم أن يكون كذلك في الفرد الآخر وفي سائر الأفراد، فلا يبقى هناك احتمال الانطباق في أيّ طرف، فيزول العلم بالجامع أيضاً؛ لأنَّ العلم به بلا احتمال الانطباق على طرفٍ أمر غير معقول، وهو خلف. 

إذن، فهذه الاطمئنانات مهما بلغت من الشدّة والقوة يستحيل أن تتحول إلى العلم؛ لأنَّ تحولها جميعاً إلى العلم خلف فرض العلم الإجمالي وتحوّل بعضها إلى 

ــــــــــ[146]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

العلم دون بعض ترجيح بلا مرجح. إذن، فكلها باقية على الدرجة الاطمئنانية ولا تتحول إلى العلم، ولكننا لا نحتاج في مقام إثبات مرامنا الأصولي إلى دعوى أنّها تتحوّل إلى العلم، بل حتّى لو لم تتحوّل فإنّها واجدة لدرجة كشف الاطمئنان، وهذه الدرجة موضوع للحجّيّة عند العقلاء والشارع.

 إذن، يكون عندنا في كلّ طرف لاحظناه حجّة شرعيّة وعقلائية على عدم وجود النجس المعلوم بالإجمال فيه، وهو الاطمئنان الشخصي بالعدم، فتعمل على هذه الحجّة، بلا حاجة إلى التمسّك بدليل الأصل، حتّى لو لم يكن عندنا أصالة البراءة والإباحة.

وبهذا التقريب ظهر: أنَّ ما أفاده الميرزا، والسيّد الأستاذ، في مقام الاعتراض على الشيخ، حيث إنَّ الشيخ قرّب مثل هذا التقريب، فاعترضنا عليه: بأنَّ الاحتمال الموهون في مقابل الاطمئنان مهما كان ضعيفاً فهو حجّة؛ وذلك لأنَّ احتمال الضرر الأخروي ليس من قبيل احتمال الأضرار الدنيوية، فإنَّ احتمال الضرر الدنيوي إذا كان ضعيفاً جداً لا يعتني به العاقل، ولكن احتمال دخول نار جهنم إذا كان ضعيفاً جداً يعتني به العاقل، مهما ضعف هذا الاحتمال عنده.

هذا الكلام غريب من هؤلاء الأعلام، ولعلّ مراد الشيخ كان معنى بحيث ينطبق عليه هذا الإشكال، إلَّا أنَّ هذا المعنى غير صحيح؛ لأنّنا لا نريد أن نقول في المقام: بأنَّ المعلول على الاطمئنان بعدم دخول نار جهنم حتّى يقال: إنَّ في مقابله احتمال ضئيل لدخولها وهو منجّز، بل المراد أنَّ الاطمئنان بعدم انطباق التكليف الشرعي المعلوم بالإجمال على هذا الطرف يكون كاشفاً عن 

ــــــــــ[147]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

عدمه ومعذراً عنه وحجّة في مقام نفيه شرعاً وعقلائياً، وحينئذٍ فلا يوجد احتمال دخول نار جهنم ولو بمقدار واحد من مليون، بل يقطع بعدم دخولها. استناداً إلى الحجّة العقلائية الشرعية القائمة على عدم التكليف الشرعي، وهو الاطمئنان.

والكلام حول تحقيق هذا التقريب يقع في جهتين: 

الجهة الأولى: في معقولية حصول هذا الاطمئنان وعدم معقوليته.

 الجهة الثانية: في حجّة هذا الاطمئنان وعدمه.

 فإذا أثبتنا في الجهة الأولى معقولية الاطمئنان ووجوده بالفعل فقد نقحنا موضوع القضية، وإذا أثبتنا في الجهة الثانية حجّتّه فقد نقحنا محمول هذه القضية فيتم المطلب حينئذٍ.

الجهة الأولى: في معقولية حصول هذا الاطمئنان وعدم معقوليته.

أمّا الجهة الأولى: وهي في معقولية هذا الاطمئنان: قد يقال إن هذا الاطمئنان في نفسه مستحيل التحقّق خارجاً؛ وذلك لأنَّ هذا الاطمئنان لو تحقّق في أيّ طرف، فلا بُدّ وأن يتحقّق في سائر الأطراف أيضاً؛ لأنَّ هذه الألف طرف -في المثال- متساوية من حيث الاطمئنان، فلو ادعيتم بأنَّ هناك اطمئناناً بعد الانطباق في طرف هذا العلم لا بُدّ وأن تقولوا: إنَّ كلّ واحد من الألف مورد للاطمئنان الشخصي بالعدم. ومن المعلوم أنَّ مجموع هذه الاطمئنانات بالعدم تنافي مع العلم الإجمالي بالوجود.

فإنَّ مرجع العلم الإجمالي بالوجود في الجملة إلى القضية الموجبة الجزئية أو 

ــــــــــ[148]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الموجبة المهملة، ومرجع مجموع الاطمئنانات بالعدم في تمام الأطراف إلى الاطمئنان بمجموع الأعدام، يعني: إلى الاطمئنان بالسالبة الكلية، ومن المعلوم أنَّ العلم بالموجبة الجزئية مع الظنّ بالسالبة الكلية لا يجتمعان. إذن، فتولّد مثل هذا الظنّ والاطمئنان أمر غير معقول في المقام.

هذا البيان شبهة ومغالطة؛ إذ لو تمّ فإنه كما يتمّ في الظنّ والاطمئنان يتمّ في الشكّ أيضاً، يعني: يستحيل الشكّ في كلّ طرف طرف؛ لأنَّ مجموع الشكوك يكون شكاً في السالبة الكلية واحتمالاً لها، وهو ينافي مع العلم بالموجبة الجزئية.

وحل هذه المغالطة هو أن نقول: بأنَّ الأمارات الظنّية كالاطمئنان ونحو من الأمارات المتعلقة بأطراف متعددة، إذا قامت أمارة ظنّية على العدم هنا وقامت أمارة على العدم هناك، فهاتان الامارتان لا ترجعان وإنَّما إلى الظنّ بمجموع العدمين، بل لا بُدّ فيه من تفصيل.

وذلك أنَّ الأمارة الظنّية في كلّ طرف حينما تدلّ على النفي في موردها، تارة نفرض أنّها تدلّ على نفي الجنس في موردها مطلقاً من حيث إنّه موجود في مورد الأمارة الظنّية الأخرى، يعني: سواء صدقت الأمارة الأخرى أو كذبت فهذه الأمارة تدلّ على أنَّ النجس غير موجود هنا، وكذلك الأمارة الأخرى، فكلّ من الامارتين يكشف عن النفي في مورده مطلقاً من حيث إنَّ الأمارة الأخرى مطابق للواقع أو لا.

 إن كان كذلك فمرجع مجموع الأمارتين الظنيتين بهذا النحو إلى الكشف عن مجموع العدمين.

ــــــــــ[149]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

مثاله أن نفرض ثقة أخبر عن عدم وجود نجاسة في هذا الإناء وثقة آخر أخبرنا عن عدم وجود نجاسة في ذلك الإناء، فهنا يحصل لنا كشف وظنّ بعدم وجود النجاسة في مجموع الإنائين؛ لأنَّ كلاً منهما يُخبر عن عدم النجاسة في مورده سواء كانت هناك نجاسة في الإناء الآخر أو لا، ففي مثل هذا المقام يقال: بأنَّ مجموع الامارتين يوجب الكشف عن مجموع العدمين.

وأمّا إذا فرضنا أنَّ كلاً من الأمارتين ليس لها إطلاق في مقام الكشف لحالة صدق الأمارة الأخرى، بل كلٌّ من الأمارتين يكون الاحتمال كذب الأمارة الأخرى دخل في تكوينها، في مثل ذلك كلّ منهما لا تخبر عن العدم ولو كانت الأخرى صادقة؛ لأنَّ احتمال كذب الأخرى دخيل في تكوّن أمارية هذه الأمارة.

 ومحلّ الكلام من هذا القبيل، فإنَّ الاطمئنان بعدم وجود النجاسة في هذا الإناء إنَّما نشأ من ناحية ضعف احتمال انطباق المعلوم بالإجمال عليه. وإنَّما كان احتمال الانطباق هنا(1) ضعيفاً؛ لأنّي احتمل الانطباق على الإناء الثاني والثالث.. إلى تمام الألف، فتمام احتمالات الانطباق على سائر الأطراف دخيلة ساهمت في تكوين هذا الاطمئنان بالعدم في الإناء الأوَّل. فاحتمال انطباق المعلوم على الإناء الثاني دخيل في تكوين الاطمئنان الأوَّل وكذلك العكس.

 إذن، فكلّ واحد من الاطمئنانات يكون لاحتمال كذب الاطمئنان وعدم مطابقته للواقع دخل(2) في تكوينه الذاتي. إذن، فيستحيل أن يكون له إطلاق في 

ــــــــــ[150]ــــــــــ

() لأنَّ في مقابله (999) احتمالاً. (محاضرة الغد). (المقرِّر). 

(2)  فقهراً هذا النقص الذي في تكوينه ينعكس على مقام كشفه أيضاً، فلا يكون له كشف عند العدم في مورده حتّى على تقدير عدم الانطباق في المورد الآخر؛ لأنَّ فرض عدم الانطباق في المورد الآخر، هو فرض غض النظر عن احتمال الانطباق والفروض أنَّ هذا الاحتمال أحد مكوناته فكيف يغض النظر عنه؟ (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

مقام الكشف لحالة صدق الاطمئنان الآخر؛ لأنّه يعتمد في تكوّنه على احتمال كذب الآخر فكيف يكون له إطلاق في مقام الكشف لحالة صدق الاطمئنان الآخر؟!

إذن، فهذه الاطمئنانات هي اطمئنانات بالعدم في موردها، لكن لا مطلقاً حتّى مع فرض العدم في الإناء الآخر؛ إذ لو فُرض العدم في الإناء الآخر، فإنَّ معناه أنّه زال احتمال واحد من الاحتمالات التي كانت مساهمة في تكوين الاطمئنان الأوّل، وحينئذٍ لا يتكون الاطمئنان الأوّل، وإذا لم يتكوّن فلا يكشف. إذن، فتكوّن الاطمئنان الأوّل وكشفه فرع انحفاظ تمام الاحتمالات الانطباقية في تمام الأطراف الأخرى، فلا يكون له إطلاق في مقام الكشف لفرض زوال أحدهما، فإذا لم يكن له إطلاق لذلك فلا يرجع حينئذٍ مجموع الاطمئنانات، إلى الكشف عن السالبة الكلية والظنّ بها؛ لأنَّ كلّ اطمئنان يكشف عن العدم في مورده من دون أن يكون تكفّلاً لإثبات ذلك على جميع التقادير.

إذن، فهذه الاطمئنانات لا بأس باجتماعها مع العلم الإجمالي؛ لأنّها اطمئنانات ناقصة التكوين والكشف ذاتاً، باعتبار أن تكوين كلّ واحد منها يدخل فيه احتمال الخلاف بالنسبة إلى الاطمئنان الآخر، وليس له إطلاق في مقام الكشف.

ــــــــــ[151]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

 إذن، فلا(1) ترجع مجموع الاطمئنانات إلى الظنّ بالسالبة الكلية حتّى ينافي ذلك القضية الموجبة على نحو الإهمال أو الجزئية.

الجهة الثانية: في حجّية الاطمئنان في المقام.

يبقى الكلام في الجهة الثانية: وهي أنَّ هذا الاطمئنان حجّة أو لا؟ لا إشكال ولا ريب في أنَّ الاطمئنان كليةً حجّة بالسيرة العقلائية الممضاة شرعاً أو لغير ذلك من الأدلة.

إلَّا أنَّ الإشكال في حجّيّة هذا الاطمئنان بالخصوص نشأ من ناحية دعوى المعارضة؛ لأنَّ كلّ طرف من الأطراف فيه اطمئنان بالعدم، فلو ثبتت حجّيّة تمام هذه الاطمئنانات لثبت بذلك الترخيص في تمام هذه الأطراف.

وبتعبير آخر: بأنَّ هذه الاطمئنانات من قبيل الأمارات، ونحن نعلم إجمالاً بكذب بعض هذه الأمارات، ومع العلم إجمالاً بكذب بعضها لا يعقل جعل الحجّيّة لها جميعاً، وجعل الحجّيّة للبعض دون البعض الآخر ترجيح بلا مرجح، يبقى احتمال واحد وهو جعل الحجّية التخيرية لهذه الاطمئنانات، يعني بعضها على سبيل البدل يكون حجّة.

حينئذٍ يُسأل ممن يلتزم بالحجّيّة التخييرية في المقام، أنّه ما الفرق بين هذا المورد من موارد التعارض بين الأمارات وبين سائر موارد التعارض بينها، لماذا في مورد تعارض الخبرين لا يقال: بأنَّ مقتضى السيرة العقلائية جعل الحجّيّة 

ــــــــــ[152]ــــــــــ

() فلا يلزم من الجمع بين الاطمئنانات الكشف عن مجموع الأعدام حتّى تقع المناقضة بين الاطمئنانات المتعدّدة والعلم الإجمالي. (إعادة). (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

التخييرية، فكيف يقال في المقام: إنَّ مقتضى السيرة هو جعل الحجّيّة التخييرية؟(1).

هذا بحث لا بُدّ من تحقيقه لإثبات كيفية الحجّيّة المجعولة بالنسبة إلى هذه الاطمئنانات.

قد يقال(2): إنَّ هذه الاطمئنانات وإن كانت في نفسها حجّة بحكم العقلاء وحكم الشارع، إلَّا أنّه ابتلي بالمعارضة في المقام.

فإنَّ كلّ طرف إذا أمسكناه فنحن نطمئن بعدم انطباق التكليف المعلوم بالإجمال عليه، فهنا ألف اطمئنان وحجّيّة، تمام هذه الاطمئنانات غير مقبولة للعلم وجداناً بكذب بعضها.

 وحجّيّة بعضها المعيّن دون بعض ترجيح بلا مرجح، والحجّيّة التخييرية بأن يقال: بأنَّ واحد منها على وجه التخيير يكون حجّة، فهو وإن كان معقولاً ثبوتاً إلَّا أنّه يحتاج إلى دليل في مقام الإثبات، وأنتم في مقام التعارض تقولون: بأنَّ هذه الحجّيّة التخييرية ليست على طبق الارتكاز العقلائي حتّى في الأمارات العقلائية كالظواهر وأخبار الثقات، فإنه هناك لا يقال: بأنَّ مقتضى الارتكاز العقلائي هو جعل الحجّيّة التخييرية لأحد الظهورين والثقتين، فكيف يقال بذلك في المقام؟

ــــــــــ[153]ــــــــــ

() فقيسوا المورد بمورد الخبرين، فكما تقولون هناك بالتعارض والتساقط كذلك قولنا هنا بالتعارض والتساقط. (إعادة). (المقرِّر). 

(2) بدأ أوّلاً بعنونة المسألة ثُمَّ ذكر الجهة الأولى ثُمَّ انتهى إلى الجهة الثانية. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

في مقام الجواب عن هذا الإشكال يمكن أن ندرس المسألة على ثلاثة مستويات:

فعلى المستوى الأوَّل -وهو أخفض الثلاثة- يمكن أن نقول في مقام الجواب عن الإشكال: إننا نُسلِّم أنَّ هذه الاطمئنانات الألف متعارضة فيما بينها للعلم الإجمالي بكذب بعضها، إلَّا أنَّ خصوص هذه الأمارات المتعارضة الأصل فيها هو الحجّيّة التخييرية، نفرق بين هذه الأمارات وبين ما إذا تعارض خبران أو بينتان، فهناك لا تكون بحسب الارتكاز العقلائي الحجية التخييرية، لكنها هنا على طبق الارتكاز.

والنكتة في ذلك: هو أنّه في غير محل الكلام إذا أخبر ثقة بأنَّ زيداً مات وكان صدقه أكثر من كذبه ثلاث مرات، بمعنى: أنّه يصدق في كلّ أربع مرات ثلاث مرات، فهنا يحصل عندنا ظنّ بصدقه بمقدار 75%، فلو جاء ثقة آخر وأخبر عن أن عمراً مات وكان حال الثاني كحال الأوّل فيحصل لنا ظنّ بمقدار 75% بأنَّ عمراً مات.

 وبمقدار 25% يبقى على حاله لا يمكن لأمارية كلّ من الأماريتين إزالته لقصورها الذاتي، فلو أخبرنا معصوم معلوم الصدق بأنَّ أحد الشخصين لم يمت، فنعلم وجداناً بأنَّ أحد الثقتين كاذب، فيقع التعارض لا محالة بين الخبرين للعلم الإجمالي بكذب أحدهما.

هذا العلم الإجمالي ينقص من درجة الكشف الذاتي الموجودة لكلّ من الأمارتين لا محالة زائداً على قصوره الذاتي، ومن هنا يكون شأن هذين الخبرين 

ــــــــــ[154]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

عندنا بعد تشكيل العلم الإجمالي أقل من شأنهما عندنا قبله، بلا إشكال، فقد يبلغ بالحساب احتمال صدق كلّ واحد منها إلى 50% مثلاً.

في مثل ذلك نقول: بأنَّ الارتكاز العقلائي لا يقتضي الحجّيّة لا التعيينية ولا التخييرية، أمّا التعيينية فلأنهما متعارضان.

 وأمّا التخييرية؛ فلأنَّ هذا التعارض بين الأمارتين بلحاظ العلم الإجمالي أوجب مزيداً من النقص في كشفهما الذاتي، ولعلّ هذا النقص أخرجهما عن اقتضاء الحجّيّة في نفسه، فإذا لم يكن فيهما اقتضاء الحجّيّة فلا موجب عقلائياً لجعل الحجّيّة، لا تخييراً ولا تعييناً.

وأمّا في المقام فهنا ألف اطمئنان، ونعلم إجمالاً بكذب واحد منها. وكلّ واحد منها بحدّ ذاته أمارة لكنها ليست تامّة؛ لأنّه ليس علماً تامّاً، بل أقل منه، فله جهة كشف ولكن له جهة قصور ذاتي بمقدار واحد من ألف، فكلّ من الاطمئنانات في مقام احتمال 1% للخلاف، وهذا القصور الذاتي لا ينافي حجّيّة الأمارة، وإلَّا لم يجعل لها الحجّيّة من أول الأمر؛ لأنَّ الاطمئنان دائماً مقرون بهذا القصور الذاتي.

أمّا العلم الإجمالي بكذب واحد من هذه الاطمئنانات الألف، فهذا العلم -بحسب الحقيقة- هو تجميع لتلك الكسور الضئيلة التي كانت تمثل جهة النقص الذاتي في كلّ اطمئنان؛ لأنَّ تلك الكسور كانت نتيجة قسمة رقم العلم على عدد الأطراف، فحينما تتمركز تصبح علماً، وحينما تتوزع تصبح احتمالاًبهذا الترتيب، فالعلم الإجمالي بكذب أحد الاطمئنانات مرجعه إلى تجميع تلك 

ــــــــــ[155]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الكسور الضئيلة التي كانت تمثل جهة القصور الذاتي في كلّ اطمئنان.

 إذن، فهذا التعارض بهذا الاعتبار لا يضيف قصوراً جديداً زائداً على التصوّر الذاتي المحفوظ في هوية تكوين كلّ واحد من هذه الاطمئنانات في نفسه، وليس حاله حال المثال السابق، فإذا لم يضف قصوراً جديد فلا يحتمل أن يكون مؤثراً في زوال الحجّيّة، لأنَّ الكشف المحفوظ في الاطمئنان لم ينقص بلحاظ هذا العلم الإجمالي، بل هو محفوظ بمرتبته، ولو كان هذا العلم الإجمالي مضراً باقتضاء الحجّيّة لكان ذلك الكسر الضئيل مضر بها، ولكان معناه أنَّ الاطمئنان بنفسه ليس حجّة وهو خلف.

إذن، فلا يلزم من أن الحجّيّة التخييرية ليس على طبق الارتكاز هناك أن لا تكون على طبقه هنا، بل هنا تكون على طبق الارتكاز -مثلاً-؛ لأنَّ مقتضى الحجّيّة لا يزال موجوداً على حاله، غاية الأمر لا يمكن جعل الحجّيّة لتمام الاطمئنانات؛ لأنّه على خلاف العلم الإجمالي وجعله للبعض دون البعض ترجيح بلا مرجح فيجعل لبعضها تخييراً. هذا على المستوى الأوَّل.

الآن نصعد إلى مستوى ثانٍ أعلى من هذا فنقول: من قال لكم إنَّ هذه الاطمئنانات متعارضة فيما بينها، فإنّه في المستوى الأوَّل سلّمنا التعارض وصرنا في مقام بيان الفرق بين هذا التعارض وبين تعارض أخبار الثقات ونحوه، الآن نريد أن نقول: إنَّ هذه الاطمئنانات غير متعارضة في مقام جعل الحجّيّة، بل بجعل الحجّيّة لها جميعاً في عرض واحد بلا تعارض؛ وذلك لأن التعارض بين الأمارتين يكون بلحاظ أحد ملاكين:

ــــــــــ[156]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إمّا بلحاظ التكاذب بين أمارتين، كما لو أخبرنا الثقة عن وجود صلاة الظهر وأخبرنا ثقة آخر عن وجوب صلاة الجمعة، وأخبرنا الإجماع القطعي بأنّه لا تجب فريضتان في وقت واحد، فهنا يتعارض هذان الخبران؛ لأنَّ كلاً منهما يدل(1) بالالتزام على كذب المدلول المطابقي الآخر؛ لأنَّ النفي والإثبات يستحيل اجتماعهما في مقام الحجّيّة.

والملاك الآخر هو منافاة كلتا الأمارتين لعلم إجمالي منجّز، كما لو علمنا إجمالاً بحرمة أحد مائعين ووجود دليلين شرعيين نافيين في الطرفين، فأيضاً يكون هذان الدليلان متعارضين، بملاك التكاذب، وأيضاً بملاك منافاتهما للعلم الإجمالي المنجّز(2).

وكلا هذين الملاكين بتعارض غير موجود في المقام. أمّا الملاك الأوَّل وهو التكاذب، بمعنى أن كل أمارة من الأمارتين المتعارضتين تدلّ بالالتزام على نفي المدلول المطابقي للآخر، فهذا غير موجود في المقام؛ إذ لو لاحظنا الاطمئنان بعدم انطباق النجس على الطرف الأوَّل، تقول: أيّ أمارة تنفي مدلول هذا الاطمئنان وتثبت نقيض هذا العدم أي تثبت انطباق النجاسة على الإناء الأوَّل، إذا لاحظنا أي واحد واحد من الاطمئنانات فهو لا يثبت انطباق النجس على 

ــــــــــ[157]ــــــــــ

() يدل بالالتزام على نقيض المدلول المطابقي للآخر، (إعادة). (المقرِّر).  

(2) وهنا قال جواباً على سؤال: أنّهما حتّى بقطع النظر عن التكاذب هما متعارضان كما لو فرضنا هما أصلان، وهذان الملاكان أحدهما أخص من الآخر مطلقاً في باب الأمارات، يعني: متى ما وجد الملاك الثاني وجد الملاك الأوَّل، ولا عكس. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الإناء الأوَّل لعدم الملازمة، مثلاً الاطمئنان بالعدم في الإناء الثاني، لا يثبت النجاسة في الأوَّل؛ إذ لا ملازمة بين العدم في الثاني وبين الانطباق على الأوَّل إذ لعله منطبق على طرف آخر.

نعم، قد يتخيل أنّه لو جمعنا الـ(999) اطمئناناً الآخر في جبهة وجعلنا الاطمئنان في الطرف الأوَّل في جبهة وحدة، ونشير إلى تلك الاطمئنانات ونقول: أنها بمجموعها تدلّ بالالتزام على انطباق النجس على الأوَّل، يعني: على كذب الاطمئنان الأوَّل. 

وهذا هو ما نقوله في موارد تعارض الأخبار، كما لو تعارض أربع أخبار ثقات، كلّ منهم أخبر بموت شخص، وعلمت إجمالاً بكذب واحد من الأربعة. فهنا نفرض ثلاثة في جانب وواحد في جانب، فمجموع الثلاثة يدل بالالتزام على كذب الأوَّل.

إلَّا أنَّ هذا في المقام خطأ ووجه الخطأ فيه ينقدح ممّا بيناه، وهو أنَّ مجموع هذه الاطمئنانات لا تشكل كشفاً عن مجموع متعلقاتها لقصور ذاتي في تكوينها ينعكس على كشفها، فهذه الاطمئنانات الـ(999) لا تشكل كشفاً عن مجموع (999) عدم حتّى يقال: إنَّ مجموع هذه الأعدام تلازم مع الانطباق على الطرف الأوَّل. إذن، فلا يوجد هناك تكاذب بالأدلة الالتزامية.

وهذا بخلاف أخبار الثقات فإنّنا نقول في المثال: إنَّ حجّيّة خبر زيد، وحجّيّة خبر عمرو، وحجّيّة خبر بكر حجّيّات مطلقة كلّ واحد منها ثابت حتّى لحالة صدق الآخر، فينتج عن مجموع الحجّيّات الثلاثة حجّيّة مجموع ــــــــــ[158]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الوفيات الثلاثة، وهو يدلّ بالالتزام على نفي الوفية الأولى التي أخبر عنها الآخر. هذا من ناحية ملاك التكاذب.

يبقى من ناحية المعارضة مع العلم الإجمالي، أن نقول: إنَّ هذه الاطمئنانات كلها أمارات نافية للتكليف، فإذا كانت هذه الأمارات حجّة، فيلزم من ذلك طرح العلم الإجمالي بالتكليف، الذي هو منجّز. 

إن لزم من حجّيّة تمام هذه الاطمئنانات المخالفة القطعية للعلم الإجمالي، فنلتزم بذلك ويصير حال هذا العلم الإجمالي، حال العلم الإجمالي الذي التزمنا بجريان أصالة الحل في تمام أطرافه(1)؛ لأنّنا قلنا: إنَّ العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة لا بأس بالترخيص في مخالفته القطعية. 

لكن بحسب التحقيق أنَّ حجّيّة تمام هذه الاطمئنانات لا يلزم منها الترخيص في المخالفة القطعية للعلم الإجمالي.

 وهذا هو المستوى الثالث من البحث: وعلى هذا المستوى نقول:

إن هذه الاطمئنانات ليس بينها تعارض أصلاً، كما حقّقناه؛ لأنَّ حجّة كلّ واحد منها يقتضي نفي احتمال الخلاف الذي هو واحد من ألف المقابل لذلك الاطمئنان، فإنَّ معنى حجّيّة أيّ أمارة يعني إلغاء احتمال الخلاف المقابل له وإلغاء منجّزية أو معذرية ذلك الاحتمال.

فاحتمال انطباق المعلوم الإجمالي على الطرف الأوَّل بالخصوص ليس منجّزاً 

ــــــــــ[159]ــــــــــ

() يعني نرجع إلى ارتكاز عدم المناقضة من دون حاجة إلى دليل أصالة الإباحة، إذ بدلاً عن دليل حجّيّة أصالة الإباحة يأتي عندنا دليل حجية الاطمئنان. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

لأجل جعل الحجّيّة للاطمئنان الأوَّل. ومعناه نفي منجّزية الاحتمال المقابل له، وهو احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على الطرف الأوَّل بالخصوص، وكذلك انطباق المعلوم بالإجمال على الطرف الثاني بالخصوص أيضاً ليس منجّزاً، لكن عندنا احتمال آخر، وهو احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على أحد الطرفين إمّا الأوّل أو الثاني، على الجامع ما بينهما. هذا الاحتمال رقمه اثنين من ألف؛ لأنّه ناتج عن الجمع ما بين الكسرين، وهذا الاحتمال لا مبطل لمنجزيته؛ وذلك لأنّه ليس في مقابله أمارة نافية إلَّا الاطمئنان، ولا اطمئنان عندي في قبال هذا الاحتمال؛ لأنّنا فرضنا درجة الاطمئنان (999)، وهنا في مقابل هذا الاحتمال يوجد عندي ظنّ بمقدار (998) فلا يوجد عندي اطمئنان في مقابله فلا نافي له.

ونتيجة ذلك: أن يكون الاحتمال الفردي الشخصي في كلّ طرف غير منجّز، لكن احتمال الجامع ما بين طرفين يكون منجّزاً، ومقتضى ذلك: هو 

أن يُعمل بهذه الاطمئنانات بمقدار يبقى معه الاطمئنان بعدم انطباق التكليف المعلوم بالإجمال على ما أتى به بحسب الخارج، أمّا بمقدار لا يبقى معه هذا الاطمئنان لا يمكن العمل؛ لأنّه لا مؤمِّن في مقابله، فإنَّ المؤمِّن هو الاطمئنان، وهو غير متحقّق إلَّا بهذا المقدار.

وهذا الكلام بحسب الروح والجوهر عبارة أخرى عما ذكرناه في الأوَّل، فإنَّ مرتبة التكّون الذاتي لهذا الاطمئنان فيها قصور، قد انعكس على مقام الكشف، وانعكس هذا القصور من مقام الكشف إلى مقام الحجّيّة. فبحسب الحقيقة أنَّ هذا القصور موجود في المراتب الثلاث: في مرتبة التكّون الذاتي 

ــــــــــ[160]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

للاطمئنان، ومرتبة كشفه ومرتبة حجّيّته، وكلّ مرتبة مجعولة بالنحو المناسب للمرتبة الأعلى منها.

ونتيجة هذا الوجه حينئذٍ، هو أنّه في الشبهة غير المحصورة يجوز لنا أن نرتكب من أطراف الشبهة مقداراً يبقى معه اطمئنان بأنّنا لم نرتكب الحرام، المعلوم الإجمالي. 

هذا حاصل المقام الثاني. 

فتلخص(1) عندنا وجهان لجواز الاقتحام في أطراف الشبهة غير المحصورة أحدهما التمسك بأدلة الأصول، بعد فرض عدم وجود ارتكاز المناقضة المانع، والآخر الرجوع إلى الاطمئنان الموجود في الأطراف.

هذا هو للكلام في أصل المسألة.

ــــــــــ[161]ــــــــــ

() لخص أولاً ما كان قد ذكره من جواز اقتحام بعض أطراف الشبهة غير المحصورة بلحاظ أدلة الأصول تارة، على أن يكون للأصل إطلاق في نفسه للعلم الإجمالي، وذلك لأن كثرة الأطراف تزيل ارتكاز المناقضة المدعى عرفاً. وتارة بلحاظ الاطمئنان الشخصي بعدم انطباق التكليف المعلوم بالإجمال على الطرف. وكل واحد من هذه الاطمئنانات لا يكون حجة إلا في مقام التعذير عن احتمال انطباق المعلوم بالإجمال في مورده بالخصوص، ولا يكون مرخصاً في الجمع بين مورده ومورد آخر تبعاً لضيق دائرة كشفه تلخص… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 





الكلام في خصوصيات الشبهة غير المحصورة

 

يبقى الكلام في خصوصياتها، ويقع في عدة أمور:

الأمر الأوّل: فيما استدل به على جواز الاقتحام فيها

الأمر الأوَّل: أنَّ ما هو المعتمد عليه بناءً على ما تقدّم في إثبات جواز الاقتحام هو أحد هذين الوجهين، إمّا التمسّك بأدلة الأصول وإمّا مسألة الاطمئنان.

وقد يستدل بوجوه أخرى في إثبات هذا المدّعى:

منها: ما ذكره الميرزا -على ما تقدّم- من أنَّ الشبهة غير المحصورة لا يمكن فيها المخالفة القطعية، فلا تكون حراماً عقلاً، فحينئذٍ لا بأس بجريان الأصول في تمام الأطراف، وقد تقدّم الكلام فيه، وإن هذا الكلام مبني على أن يكون المانع عن أدلة الأصول عقلياً، وأمّا إذا كان المانع ارتكازياً، فيجب أن يبحث بالنحو الذي بحثناه.

كما أنّه قد يمكن الاستدلال في المقام بالإجماع على عدم وجوب الاحتياط في الشبهات غير المحصورة. وهذا أيضاً مما لا يمكن الاعتماد عليه في المقام، لأنَّ هذا الإجماع، وإن كان لعلّه ممّا يطمئن بوقوعه خارجاً في الجملة، إلَّا أنَّ من المحتمل أو من المطمئن به أيضاً أن يكون المستند في هذا الإجماع هو أحد الوجهين اللذين 

ــــــــــ[162]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ذكرناهما، خصوصاً التمسّك بأدلة الأصول كما تمسّك بذلك(1) جملة من الفقهاء كالشيخ الأنصاري، وصاحب الحدائق وغيرهما ممّن تعرض للشبهة غير المحصورة من الأصوليين والمحدثين. ومع فرض الظنّ بأنَّ المستند هو هذا لا معنى للتعويل على الإجماع في المقام كحجّة تعبدية مستقلة. نعم، يكون هذا الإجماع بنفسه من مؤيدات ما ادّعيناه من عدم وجود ارتكاز المناقضة في الذهنية العرفية بين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال وبين الترخيص في تمام الأطراف.

وقد يُستدلّ على ذلك بقواعد نفي العسر والحرج، بدعوى أنَّ الاحتياط في الشبهة غير المحصورة يكون موجباً للعسر والحرج. أمّا حديث التمسّك بهذه القواعد في نفي وجوب الاحتياط في موارد العلم الإجمالي لو كان مؤدياً إلى العسر والحرج، ففيه حديث ونزاع بين صاحب الكفاية والمشهور، حيث إنَّ المشهور يتمسّكون بهذه القواعد في نفي وجوب الاحتياط وصاحب الكفاية يستشكل بالتمسّك بها في نفي وجوب الاحتياط. وقد مر هذا النزاع مفصّلاً في مباحث دليل الانسداد، حيث استدل هناك على عدم وجوب الاحتياط بلحاظ العلم الإجمالي الكبير بأنّه مؤدٍّ إلى العسر والحرج، وهناك اتّضح أنَّ الحقّ أنّه يتمسّك بهذه القواعد في نفي وجوب الاحتياط.

هذا من ناحية الكبرى، وأنّه متى ما كان وجوب الاحتياط في الأطراف مؤدياً إلى العسر والحرج فيتمسّك بقواعد نفيه، إلَّا أنَّ العسر والحرج أمر اتفاقي، قد يكون حاصلاً اتفاقاً في موارد الشبهة غير المحصورة وقد لا يكون 

ــــــــــ[163]ــــــــــ

() لعدم وجود ارتكاز المناقضة في أذهانهم العرفية. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

حاصلاً، وليس هو من الأمور التي تنشأ من كثرة الأطراف بما هي كثرة الأطراف ولو بلغت ما بلغت، فإنّه يمكن فرض كثرة الأطراف في أعلى مراتبها ومع هذا لا ينشأ منه العسر والحرج، فليس ذلك نكتة ملازمة لأيّ مرتبة من مراتب الكثرة، كما لو علم إجمالاً؛ لأنَّ أحد الأواني الموجودة في قارة الهند محكوم عليه بالنجاسة، فأيّ عسر أو حرج في الاجتناب عنها إذا كان هو يسكن في العراق مثلاً.

بخلاف النكتتين اللتين هما محل الاعتماد عندنا أو النكتة التي ذكرها الميرزا، فإنها ملازمة مع مرتبة من مراتب كثرة الأطراف؛ إذ توجب الاطمئنان بعدم الانطباق على كلّ واحد، من دون فرق بين أن تكون الأطراف في الهند أو في العراق، أو توجب عدم ارتكاز المناقضة. فالعسر والحرج أمر اتفاقي قد يحصل مع كثرة الأطراف وقد يحصل مع قلتها، لا أنّه يكون بعنوانه دليلاً على عدم وجوب الاحتياط في الشبهة غير المحصورة.

الأمر الثاني: في سقوط المخالفة القطعية

أنّه في الشبهة غير المحصورة كما لا يجب الاحتياط، بمعنى: أنّه يجوز اقتحام بعض الأطراف، هل كذلك أيضاً يجوز اقتحام تمام الأطراف، يعني أنّه كما تسقط وجوب الموافقة القطعية كذلك تسقط حرمة المخالفة القطعية، أو أنَّ هذه الحرمة لا تسقط وإن سقط ذاك الوجوب.

هذا يختلف باختلاف الوجوه التي يُستدلّ بها على الجواز. 

فإن فُرض أنَّ الوجه في الجواز هو ما ذهب إليه الميرزا، فلا معنى لطرح 

ــــــــــ[164]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هذه المسألة؛ لأنَّ الميرزا يقول: بأنَّ الشبهة غير المحصورة هي الشبهة التي لا يمكن المخالفة القطعية فيها، وحينئذ لا معنى للبحث عن جوازها وعدمها.

وأمّا إذا فُرض أنَّ المدرك في جواز الاقتحام في الشبهة غير المحصورة، هو الإجماع أو قواعد نفي العسر والحرج، فلا إشكال في لزوم الاقتصار على المقدار الذي يندفع به العسر والحرج، أو المقدار المتيقن من الإجماع، وهذا إنَّما هو جواز الاقتحام الجزئي دون الكلي، فبحسب الحقيقة يدخل المقام في باب الإضطرار إلى بعض أطراف العلم الإجمالي لا بعينه ويكون صغرى لتلك الكبرى، فإذا اخترنا هناك التبعيض في التنجيز، وأنَّ العلم الإجمالي يبقى على التنجيز بالنسبة إلى سائر المراتب، فهنا أيضاً نقول ذلك.

وأمّا إذا فرض أنَّ المدرك كان هو أحد الوجهين المعتمدين لنا.

أمّا الوجه الأوَّل، وهو أنَّ كثر الأطراف يوجب زوال ارتكاز المناقضة في المقام فنتمسّك بدليل الأصل، فمقتضى هذا الوجه هو جواز المخالفة القطعية؛ لأنّنا حينما نتمسّك بقوله: (كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه) نتمسّك بهذا الإطلاق لإثبات حلية تمام هذه الأطراف، ولا مانع من ذلك بعد فرض أنَّ المقتضي في مقام الإثبات موجود وهو إطلاق الدليل، والمانع الارتكازي غير موجود من ناحية كثرة الأطراف.

وأمّا بلحاظ الوجه الثاني وهو مسألة الاطمئنان، فلا إشكال أنَّ هذا الوجه لا يقتضي جواز المخالفة القطعية، بل هو لا يقتضي إلَّا جواز الاقتحام بمقدار يحصل معه الاطمئنان بعدم المخالفة، لا أكثر من هذا المقدار، لما ذكرناه من أنَّ 

ــــــــــ[165]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

حجّيّة كلّ واحد من الاطمئنانات حجّيّة ضيقة ذاتاً توجب المعذورية في موردها لا منضماً إلى الآخر لا مستقلاً عنه، فهذه المعذريات في الأطراف لا توجب المعذرية في ارتكاب الجميع.

ويظهر الثمرة ما بين الوجهين في حدود يفرض أنَّ دليل الأصل ليس له إطلاق لمورد العلم الإجمالي، كما هو الحال فيما لو علم إجمالاً بالنجاسة في شبهة غير محصورة، فإنَّ الوجه الأوّل هنا غير تامّ؛ لأنَّ أصالة الطهارة هنا ليس لها إطلاق لمورد العلم الإجمالي في نفسها مع فرض أنَّ الاستصحاب غير جاري من ناحية تعارض الحالتين مثلاً. فحينئذٍ، لا يبقى عندنا إلَّا الاطمئنان الشخصي، في مثل هذا المورد لا بُدّ من الالتزام بحرمة المخالفة القطعية، وأمّا في موارد تكوّن أدلة الأصول في نفسها شاملة لأطراف العلم الإجمالي، فيتمسّك بها، فبناءً على هذا، في تمام موارد الوجه الأوَّل، من الوجهين، نلتزم بجواز المخالفة القطعية، وفي موارد لا يتم فيها الوجه الأوَّل ويتمّ الثاني، نلتزم بعدم جواز المخالفة القطعية، وأنَّ الجائز هو الاقتحام الجزئي بمقدار يبقى معه الاطمئنان بعدم المخالفة.

الأمر الثالث: في سريان حكم الشبهة غير المحصورة إلى الشبهة الوجوبية

هو أنَّ الشبهة غير المحصورة، هل يكون حكمها جارياً إلى موارد الشبهة الوجوبية أيضاً أو تختص بموارد الشبهة التحريمية، كما لو فُرض أنّه كان عندنا واجب مردّد بين غير المحصور، فهل يجري عليه حكمه أو لا؟ إذا فرض أنَّ 

ــــــــــ[166]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وجه جواز الاقتحام هو الوجه الميرزائي، وهو عدم التمكن من المخالفة القطعية، فبحسب العادة تكون المخالفة القطعية في الشبهات غير المحصورة في باب الواجبات ممكنة؛ لأنَّ مرجع الشبهة غير المحصورة هنا، إلى العلم بوجوب فعل واحد من ألف فعل، كما لو كنا نعلم بوجوب الصلاة في مسجد من ألف مسجد، فإنّه مهما زادت المساجد وكثرت، فإنَّ المخالفة القطعية ممكنة، وعليه فلا تأتي النكتة الميرزائية، بل يكون المقام من موارد العلم الإجمالي الذي يضطر إلى بعض أطرافه لا بعينه.

وأمّا بناءً على الوجهين المختارين، فلا بأس بإجراء الحكم في الشبهة الوجوبية كالتحريمية، فإنَّ مسألة الاطمئنان تجري في المقام، فإنّه بزيادة عدد أطراف العلم، لو لاحظنا الصلاة في هذا المسجد بالخصوص يحصل عندنا الاطمئنان بعدم وجوب الصلاة في هذا المسجد، فلا بأس بترك الصلاة فيه اعتماداً على هذا الاطمئنان، وكذلك الوجه الأوَّل؛ وذلك لأنَّ كثرة الأطراف توجب ارتفاع ارتكاز المناقضة بين التكليف المعلوم بالإجمال والترخيص في تمام الأطراف، فعلى مسلكنا المبني على هذين الوجهين لا يفرق بين الشبهة الوجوبية والتحريمية، وإن كان قد يحصل الفرق بينهما على مسالك أخرى.

الأمر الرابع: في الطرف المنجز لو كان شبهة بدوية

الأمر الرابع في المقام هو أنَّ الشبهة غير المحصورة، لو فرضت في مورد بحيث كانت الشبهة البدوية فيه مورداً لأصالة الاشتغال، فهل تكون أيضاً غير مؤثرة أو لا؟

ــــــــــ[167]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

تارة نفرض أنّنا نعلم بحرمة إناء واحد من ألف إناء، فهنا، الشبهة البدوية غير منجّزة، وتكون مجرى للأصول المؤمّنة، وأمّا لو فرضت شبهة غير محصورة في مورد بحيث لو كانت شبهة بدوية لكانت مجرى لأصالة الاشتغال، كما لو علم إجمالاً بنجاسة واحد من هذه الأتربة الألف، مع وجوب التيمم بالتراب الطاهر، فلو كانت الشبهة بدوية كانت مجرى لأصالة الاشتغال -بقطع النظر عن استصحاب الطهارة وأصالة الطهارة-، فهل الشبهة غير المحصورة لا يُعتنى بها من هذه الناحية أو يُعتنى بها؟ 

هنا يختلف باختلاف المسالك والوجوه، فإنّه على تقدير غير وجه الاطمئنان، يُعتني بهذه الشبهة؛ لأنّها مجرى لأصالة الاشتغال في نفسه، ولا موجب لجواز الاقتحام فيها. وأمّا على وجه الاطمئنان، فالاطمئنان لا يفرق في حجّيته بين ما إذا كان في مورد الشكّ في أصل التكليف أو في مورد الشكّ في المكلف به، فإنّه يكون حجّة في كلا الموردين، فإذا فرضت الشبهة في حدّ ذاتها مجرى لأصالة الاشتغال، ولكن ترددت بين أطراف غير محصورة، فالاطمئنان في المقام أيضاً يكون معذراً لا محالة، لكن يكون معذراً بمقداره، بالمقدار الذي كان معذراً في أصل التكليف. 

الأمر الخامس: الكثير في الكثير 

كما لو فُرض أنّه علم بنجاسة أو حرمة مئة إناء في ألف إناء، فهل يلحق هذا بالشبهة غير المحصورة أو لا؟ الصحيح أنّه لا يلحق بها، وذلك لعدم تمامية الوجهين هنا.

ــــــــــ[168]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أمّا الوجه الأوَّل: وهو ارتكاز المناقضة، فالمناقضة هنا مرتكزة باعتبار أنّه كلما زادت الملاكات الترخيصية زادت الملاكات اللزومية في المقام. فالنسبة تكون نحو نسبة يأبى العرف والعقلاء عن تضييع تلك الملاكات اللزومية للتحفظ على تلك الملاكات الترخيصية. 

كما أنَّ الاطمئنان أيضاً غير موجود في المقام؛ لأنَّ زيادة عدد المعلوم بالإجمال، يوجب قوة احتمال انطباق واحد من المئة على هذا الإناء وعلى هذا الإناء، فلا يكون هناك اطمئنان بعدم الانطباق في طرف منه، فالكثير في الكثير يلحق بالشبهة المحصورةلا بغير المحصورة.

أمّا على مبنى الميرزا فيجوز لو لم تكن المخالفة القطعية ممكنة، أمّا لو كانت ممكنة، كمالو كان يمكنه أن يرتكب (901) إناء فلا يجوز. أمّا لو فرض أنّه لا يمكنه أن يرتكب هذا العدد فيكون جائزاً.

الأمر السادس: فيما إذا شك في أنَّ الشبهة محصورة أو غير محصورة، فما هو التكليف؟

هذا أيضاً يختلف بيانه باختلاف الوجوه. 

فإنّه إذا بنينا على أنَّ مدرك الجواز، هو الاطمئنان بعدم الانطباق، فالشك في كون الشبهة محصورة أو لا معناه أنَّ الشكّ في أنَّ ظني بعدم الانطباق هنا هل بلغ إلى تلك الدرجة التي يكون معها حجّة أو لم يبلغ، إمّا بنحو الشبهة الموضوعية أو بنحو الشبهة الحكمية؛ وعليه فلا يكون حجّة في المقام. فإنه يُشك في قيام حجّة معذرة، ومعه لا يمكن الاعتماد على حجّة معذرة مشكوكة 

ــــــــــ[169]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الوجود. فمقتضى القاعدة هو كون العلم الإجمالي في المقام منجّز أو مؤثراً، فإنّه لا يرفع اليد عنه إلَّا مع القطع بالحجّيّة المعذرة.

وأمّا بلحاظ الوجه الأوَّل، وهو مسألة الارتكاز، فالشكّ هنا يُتصور على نحوين: تارة نشك في أنَّ ارتكاز المناقضة يشمل المقام أو لا يشمل، بأن نشك في أنَّ الذهنية العرفية هل ارتكز فيها المناقضة فيما إذا كانت الأطراف أربعين أو لا. إن كان بهذا النحو فيكون من باب تردّد المخصّص المتصل بين الأقل والأكثر، فإن ارتكاز المناقضة مخصّص لبي كالمتصل، وقد تردّد بين الأقل والأكثر فيوجب إجمال العام، فلا يمكن التمسّك بأدلة الأصول.

وأما إذا فرضنا أنَّ شكنا كان في واقع المناقضة، يعني: نحن بما أننا أهل العرف لا ندري أنّه هل هناك مناقضة أو لا. إن كان هكذا فنتمسّك بأدلة الأصول؛ لأنَّ المخصّص اللبّي هو الارتكاز، وهو غير موجود في المقام، والشك في المناقضة لا يكون مانعاً عن التمسّك بإطلاق دليل الأصل، فنتمسك به ونحكم بجواز الاقتحام.

هذا هو تمام الكلام في الشبهة غير المحصورة.

ــــــــــ[170]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 








التنبيه الرابع: في انحلال العلم الإجمالي

 

  • المقام الأوَّل: في الانحلال بالعلم الوجداني
  • المقام الثاني: في الانحلال الحكمي
  • ما هو المناط في الانحلال

ــــــــــ[171]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 







التنبيه الرابع: في انحلال العلم الإجمالي

 

والكلام في هذا التنبيه يقع في مقامين:

 المقام الأوَّل: في انحلال العلم الإجمالي بالعلم الوجداني، سواء كان هذا العلم الوجداني علماً تفصيلياً، أو كان علماً إجمالياً أصغر من العلم الإجمالي المنحل من حيث عدد الأطراف. 

والمقام الثاني: في انحلال العلم الإجمالي الوجداني بالحجّج الظاهرية التعبدية، كما لو فُرض قيام أمارة مثبتة للتكليف في بعض الأطراف.

 

المقام الأوَّل: في الانحلال بالعلم الوجداني

 

أمّا المقام الأول، وهو في انحلال العلم الإجمالي بالعلم الوجداني، فالكلام فيه يقع أيضاً في جهتين:

الجهة الأولى: فيما يسمّى بالانحلال الحقيقي، والمراد به أنَّ العلم الإجمالي يزول حقيقةً من عالم النفس ولا يبقى له وجود بسبب العلم الآخر الطارئ.

 والجهة الثانية: في الانحلال الحكمي، فإنّه إن ثبت في الجهة الأولى الانحلال الحقيقي وزواله حقيقة، لم تصل النوبة إلى البحث في الانحلال 

ــــــــــ[173]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الحكمي، وأمّا إذا فُرض في الجهة الأولى بطلان الانحلال الحقيقي، وتبرهن أنَّ العلم الإجمالي لا يزال موجوداً بالرغم من وجود العلم التفصيلي، فحينئذ تنتهي النوبة إلى البحث عن الانحلال الحكمي في الجهة الثانية، فيقع الكلام في أنَّ هذا العلم الإجمالي الموجود هل ينجّز كما لو لم يكن معه علم تفصيلي أو لا ينجز بلحاظ هذا العلم التفصيلي؟ وهذا نسميه انحلالاً حكمياً؛ لأنّه انحلال الحكم والمنجّزية لا انحلال السبب والمؤثر(1).

وهذا(2) أحد الموارد الأساسية أو الشهيرة للاختلاف بين مدرسة المحقّق النائيني، ومدرسة المحقّق العراقي، (قدس سرهما)، حيث ذكرت الأولى أنَّ العلم الإجمالي ينحل انحلالاً حقيقياً، ونفت الأخرى ذلك، وقد رأى كلّ واحد منهما أنّه ليس بحاجة إلى الاستدلال والبرهنة؛ لأن مدعاه مما تقتضي به ضرورة الوجدان، وبهذا الاعتبار تعاكس الوجدان عندهما، وقلنا بالأمس بأنَّ تمسّك هذين الفريقين بالوجدان ينشأ من أنَّ واقع المطلب هو أنَّ البرهان قائم على 

ــــــــــ[174]ــــــــــ

() ثُمَّ يدخل السيّد في تلخيص ما كان قد ذكره من بحوث انحلال العلم الإجمالي عند التعرض لمناقشة الأخباريين في استدلالهم على وجوب الاحتياط بعد بحث البراءة، وهو موجود هناك مفصّلاً، فليرجع إليه في الدفتر الثالث عشر ص250 [ص15 ج14 من هذه التقريرات] وما بعدها، ثُمَّ يذكر هناك تقريبات عدم الانحلال ص273 [ص42 ج14 من هذه التقريرات] وما بعدها، ثُمَّ يقرّر مختاره وهو التفصيل بين ما إذا كان في العلم بالجامع نكتة تأبى عن الانطباق على الأفراد أو لم تكن وذلك ص283 وما بعدها، ثُمَّ يبحث الانحلال الحكمي ص311 [ص42 ج14 من هذه التقريرات] وما بعدها. (المقرِّر).

(2) قال بعد عنونة المسألة (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الانحلال في بعض موارد المسألة والبرهان قائمٌ على عدم الانحلال في بعض مواردها، والوجدان مساوق للبرهان في كلا الموردين، فكلّ منهما التفت إلى أحد الوجدانين الواقعيين وأخطأ في تعميم محتواه ومدلوله، بحيث تصور أنه مطابق لمدعاه(1).

انتهينا بالأمس إلى أنَّ بيانات الانحلال كلها مرهونة بتحقيق نكتة أساسية في المقام لم يحاوّل الدخول في بحثها وهي أنَّ نبحث برهانياً في أنَّ المعلوم بالإجمال، هذا الجامع المعروض للعلم والذي وقف العلم الإجمالي على حده الجامعي هل أخذت فيه خصوصية محتملة الإباء والمباينة مع الطرف المعلوم تفصيلاً؟

 فإن استطعنا أن نبرهن على عدم أخذها تحت بيان الانحلال بتقريب أنَّ العلم يسري حينئذٍ ولا يقف على الحدّ الجامعي؛ لأنَّ وقوفه عليه إنَّما هو لقصور في دائرة المنكشف، فإذا زاد المنكشف وتعدّى الحدّ الجامعي إلى الحدّ الشخصي فيتعدى نفس العلم تبعاً له.

وأمّا إذا برهنا على أنَّ معروض العلم وهو الجامع بحده الجامعي متخصّص حتماً بخصوصية بارزة أو مستترة محتملة المباينة مع الطرف المعلوم تفصيلاً، فهنا يقف العلم على الحدّ الجامعي، ولا يسري منه إلى الطرف المعلوم تفصيلاً، إذ مع احتمال التباين بينهما لا يمكن للعقل أن يطبق ذلك الحدّ 

ــــــــــ[175]ــــــــــ

() كان هذا مجملاً في المحاضرات المحوَّل عليها ولذا كتبناه إعادة هنا، أنظر ص273 [ص42 ج14 من هذه التقريرات] وما بعدها، وقد أعاد بعد ذلك الوجوه التي ذكرت للانحلال، وهي مسطورة في ذلك الدفتر، غاية الأمر قد ذكرنا عليه توضيحات مستفادة من هذه المحاضرة. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الشخصي على الحدّ الجامع ويمشي من الحدّ الجامع إلى حدّ الشخص؛ لأنَّ المشي إنَّما يكون من الحدّ العام إلى الخاص لا من المباين إلى مباينه(1).

إن مهم(2) الوجوه التي ذكرها بعد التمسّك بضرورة الوجدان هو: أنَّ أركان العلم الإجمالي محفوظة في المقام خلافاً للميرزا ومدرسته التي ذكر عدم انحفاظ الأركان؛ وذلك لأنّه لو كان يعلم إجمالاً بنجاسة أحد الإنائين ثُمَّ علم تفصيلاً بأنَّ الأسود منهما نجس، فكلا الركنين محفوظ، أمّا العلم بالجامع فواضح؛ لأنَّ هذا المؤمن يعلم بوجود نجس في البين بلا إشكال. وأمّا احتمال الانطباق فأيضاً موجود؛ لأننا إذا لاحظنا الطرف غير المعلوم بالتفصيل يعني الإناء الأبيض منهما، فنحتمل انطباق جامع النجس عليه وليس مقطوع الطهارة عندنا.

إذا سلمتم معنا أنّه هناك احتمال الانطباق على الإناء الأبيض غير المعلوم بالتفصيل، فلا بُدّ لكم أن تسلموا بأنَّ احتمال الانطباق في الإناء الأسود أيضاً موجود؛ لأنَّ معنى احتمال الانطباق على الأبيض الشك في الانطباق عليه، وفرض ذلك هو فرض وجود احتمال في مقابله، وإلَّا لم يكن شكاً، بل كان يقيناً.

هذا الكلام أيضاً لا بُدّ من تعميقه؛ وذلك لأنّه لا يكفي في تشكيل هوية العلم الإجمالي أن يوجد عندنا علم بجامع، مع احتمال انطباق الجامع على فرد 

ــــــــــ[176]ــــــــــ

() ثُمَّ بدأ السيّد بذكر الوجه الذي ذكره المحقّق العراقي لعدم الانحلال، فكان ممّا قال: إن مهم... (المقرِّر). 

(2) هذا العرض لهذا الوجه أحسن ممّا سبق في محله ص274 من الدفتر 13. (المقرِّر). [ص42 ج14 من هذه التقريرات].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

في الخارج، وإلَّا فكلّ من علم تفصيلاً بوجود زيد في المسجد وشك في وجود عمرو ينطبق عليه أركان العلم الإجمالي؛ لأنّه بحكم أنّه علم تفصيلاً بوجود زيد قد علم بالجامع لا محالة؛ لأنّه موجود في ضمن زيد، ويشك بأنَّ جامع الإنسان هل وجد في المسجد في ضمن عمرو أو لا. فيكون له علم بالجامع وشك في انطباق الجامع على عمرو. مع أن هذا لا يسمّى علماً إجمالياً.

والوجه في ذلك هو اختلاف الحدود؛ وذلك لأنَّ العلم الإجمالي إنَّما يتشكل فيما إذا كان الجامع المعروض للعلم، كان معروضاً له بحدّ وبنفس ذلك الحدّ يكون محتمل الانطباق على هذا الطرف، لا أنّه يكون معروضاً للعلم بحدّ ومحتمل الانطباق على الطرف بحدّ آخر، فإنّه في مثل ذلك لا يتشكل علم إجمالي، كما في المثال فإنَّ من علم بوجود زيد في المسجد هو عالم بوجود الجامع، ولكنه الجامع المحدود وبالحد الزيدي الشخصي، لا الجامع المحدود بالحد الجامعي؛ لأنَّ علمه سرى إلى الحدود الشخصية، وأمّا الجامع الذي يحتمل انطباقه على عمرو، فليس هو الجامع المحدود بالحد الزيدي، بل المحدود بالحد الجامع العاري من الحدود الشخصية. إذن، فالجامع المعروض للعلم غير الجامع الذي يكون محتمل الانطباق، مختلفان بالحد وإن كان أحدهما عين الآخر ذاتاً، فلم يصبح هذا متمماً لذاك حتّى يتشكل منه علم إجمالي.

وإنَّما يتشكل علم إجمالي فيما لو علمنا بوجود أحد شخصين في المسجد، فإنَّ الجامع المعروض للعلم هنا محدود بالحد الجامعي، وبهذا الحدّ يكون الجامع محتمل الانطباق على زيد وعلى عمرو.

فإذا التفتنا إلى هذه النكتة فنريد أن نرى فيما هو محل الكلام، هل أنَّ هذين 

ــــــــــ[177]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الركنين -العلم بالجامع، واحتمال الانطباق- لوحظ فيهما حدّ واحد في الجامع أو لوحظ فيهما حدان؟ فعلى الأوَّل العلم الإجمالي متشكل، وعلى الثاني العلم الإجمالي غير متشكل. وإنَّما نعرف ذلك بالرجوع إلى النكتة التي انتهينا إليها في آخر مناقشة مدرسة الميرزا.

وذلك: أنّنا نلاحظ أنَّ هذا الجامع المعروض للعلم الإجمالي هل أخذت فيه خصوصية محتملة الإباء عن الانطباق عن الطرف المعلوم تفصيلاً يعني: الإناء الأسود، أو لم تؤخذ، إن كانت لم تؤخذ فيه مثل هذه الخصوصية فالعلم يسري حتماً من الحدّ الجامع الحد الشخصي؛ لأنَّ زيادة المنكشف توجب زيادة الانكشاف، فيصبح معروض العلم هو الجامع بحدّه الشخصي، والجامع المحتمل الانطباق على الأبيض هو الجامع بحدّه الجامعي، فقد اختلف الحدان. إذن، فيثبت بذلك انحلال العلم الإجمالي. وأمّا إذا فُرض أنَّ معروض العلم الإجمالي أخذت فيه خصوصية محتملة الاباء عن الانطباق على الإناء الأسود المعلوم نجاسته تفصيلاً. إذن، فالعلم يبقى واقفاً على الحدّ الجامعي ولا يسري إلى الإناء الأسود، فيصبح الجامع المعروض للعلم محدوداً بالحد الجامعي، وهو بنفس هذا العلم محتمل الانطباق على الإناء الأبيض، فيصبح الحدّ واحداً. ومعناه تشكيل العلم الإجمالي. 

إذن، فكلمات هذه المدرسة بعد تعميقها، أيضاً رجعت إلى أن نبحث في تلك النكتة الأساسية(1).

ــــــــــ[178]ــــــــــ

() ثُمَّ قرر النكتة المذكورة، تفصيلاً ص283 من ذاك الدفتر فراجع وكثير ممّا بعدها. (المقرِّر). [ص52-53 ج14 من هذه التقريرات]. 

 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

  فيما إذا كان سبب العلم الاجمالي ذو علاقة معينة مع أحد الاطراف

فلنا(1) في المقام دعويان:

 الدعوى الأولى: هي أنَّ الخصوصية (المانعة من الانحلال) ممّا تعطى للجامع المعلوم بالإجمال من نفس العلم، فإنَّ نفس العلم يعطي معلومه خصوصية يكون معه غير منطبق على المعلوم بالتفصيل فيمنع عن الانحلال.

 الدعوى الثانية: أنَّ هذه المانعية لا يظهر أثرها في الخارج؛ وذلك لتمامية ملاك آخر للانحلال جار في تمام موارد القسم الثاني.

أمّا الدعوى الأولى: فتوضيحها: أنَّ هذا الشخص الذي علم إجمالاً بمقتضى حساب الاحتمالات بنجاسة أحد أواني المسيحي ثُمَّ رأى بعينه المسيحيَّ يساور آنية بعينها فعلم تفصيلاً بنجاستها، فهنا علم إجمالي يكون ذاتاً وسبباً مستوي النسبة إلى تمام الأطراف، وعندنا علم تفصيلي في طرف بعينه وهي الآنية السوداء وسببه إحساسنا بالمساورة، فهل نقول في مثل ذلك إن المعلوم الإجمالي يكون منطبقاً على المعلوم بالتفصيل أو لا؟ هنا حينما نرى المسيحي يساور هذا الإناء فنعلم تفصيلاً بنجاسته، يمكننا أن نفترض افتراضات ثلاثة:

ــــــــــ[179]ــــــــــ

() ذكر أوَّلاً أمثلة العلم الإجمالي من كلا قسميه، وهو ما يكون سببه ذا علاقة معينة مع أحد الطرفين، أو ما يكون السبب كالعلم الإجمالي نفسه متساوي النسبة إلى الأطراف، وذلك كمثال مدّعي النبوة والعلم الإجمالي الناشئ بحساب الاحتمالات، ثُمَّ دخل في ذكر عدم انحلال العلم الإجمالي في الصورة الثانية بالتقريب المذكور ص288 من الدفتر 13 إلَّا أنّه بعرض أوضح. فقال: فلنا... (المقرِّر). [ص58 ج14 من هذه التقريرات]. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

نقول: ما هو المصير لو أننا كنا قد أغمضنا أعيننا. إذن، لم يكن يحصل لنا علم تفصيلي بنجاسة الإناء الأسود؛ لأنّنا لا نرى المسيحي حينئذٍ يساوره، ولكن النجاسة التي أعلم بها الآن أعلم بثبوتها حتّى لو كنت مغمض العينين؛ لأنَّ فتح عيني ليس هو الذي دعى المسيحي لمساورته، فمساورته أمر محفوظ في نفسه سواء فتحت عيني أو لا، ففرض غمض العين لا يؤثر لا في المعلوم التفصيلي ولا الإجمالي، وليس حداً وقيداً لأيّهما. فإني أعلم بأنَّ أحد أواني المسيحي نجس
-بمقتضى حساب الاحتمالات- ولو كنت أعمى، وأعلم بأنَّ هذا الأسود نجس -ولو كنت أعمى-؛ لأن كوني أعمى لا يبدل الواقع ممّا وقع عليه، فكلّ من المعلوم الإجمالي والتفصيلي غير متقيد بتقدير فتح العين. وهذا واضح.

الآن نأتي إلى تقدير آخر، ونقول: لو أنَّ المسيحي لم يكن قد ساور هذا الإناء، وهو تقدير لقلب الواقع، ونفترض أنَّ هذا الواقع لم يقع بحسب الخارج، هل حينئذٍ يكون معلومي الإجمالي أو معلومي التفصيلي ثابتاً؟ بل كلاهما غير موجود. أمّا معلومي التفصيلي فواضح؛ لأنَّ هذا التقدير هو تقدير عدمه فكيف أدّعي أنّي أعلم بنجاسة الإناء الأسود ولو لم يساوره المسيحي؟! فنجاسة الإناء الأسود المطلقة الثانية ولو على تقدير عدم مساورة المسيحي للإناء الأسود، هذا غير معقول في نفسه، وكذلك لو فرض هذا التقدير، فإنَّ المعلوم بالإجمال أيضاً غير محفوظ؛ لأنّه قد يكون ذاك المعلوم بالإجمال هو عين هذا، فقد يكون فرض عدم هذا هو فرض عدم المعلوم بالإجمال، فلا يكون معلومي الإجمالي معلوم المحفوظية على هذا التقدير أيضاً، فهذا التقدير لا 

ــــــــــ[180]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ينحفظ فيه لا المعلوم الإجمالي ولا المعلوم التفصيلي.

جئنا إلى تقدير ثالث وسط بين التقديرين بأن أقول: لو أنَّ جهازي الإحساسي كان مختلاً في تلك اللحظة فماذا كان يصير؟ معلومي التفصيلي غير محفوظ على هذا التقدير؛ لأني حينما أعلم بنجاسة هذا الإناء لأني رأيت بعيني بأنَّ المسيحي ساوره، فهذا العلم مرجعه بحسب التحليل الفني إلى علمين، يعني: هو نتيجة علمين: علمي بقضية شرطية هي: لو كان جهازي الإحساسي سليماً فهذا الإناء قد تنجس، وعلمي يصدق بفعلية الشرط في القضية الشرطية، وهو أنَّ جهازي سليم، فمجموع العلمين ينتجان العلم بفعلية التالي، وهو أنَّ هذا الإناء تنجس.

إذن، فعلمي بنجاسة هذا الإناء بحسب الحقيقة هو علم بفعلية التالي (الجزاء في القضية الشرطية). والعلم بفعلية الجزاء مرتبط ذاتاً بالعلم بفعلية الشرط، والمعلوم مرتبط ذاتاً بتقدير وجود الشرط. إذن، فمعلومي التفصيلي وهو نجاسة هذا الإناء يكون تقدير سلامة الإحساس قيداً واحداً في معلومي. نعم، صحيح أني عالم بهذا القيد، لكن علمي بالتقدير لا يخرج الجزاء عن كونه مرتبطاً بشرطه. 

فالمعلوم التفصيلي فيه حد تقييدي ضعيف يربطه بالشرط وهو سلامة جهازي الإحساسي ولهذا أكون كاذباً لو قلت: بأنَّ هذا الإناء نجس، ولو كان جهازي الإحساسي مختلاً.

وأمّا بالنسبة إلى معلومي الإجمالي، فهو ثابت على كلّ حال حتّى لو كان جهازي الإحساسي مختلاً؛ لأنَّ كونه مختلاً لا ينافي جريان حساب الاحتمالات 

ــــــــــ[181]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المنتج للعلم بنجاسة أحد الأواني. إذن، فمعلومي الإجمالي غير مرتبط ذاتاً بتقدير سلامة جهازي الإحساسي، بل هو مطلق من هذه الناحية، محدود بالحد الإطلاقي، ولكن معلومي التفصيلي فهو مرتبط بذلك ومحدود بالحد التقييدي من هذه الناحية، فأنا يصح لي أن أقول: إنّي أعلم بنجاسة أحد الأواني ولو كنت مختل الحواسّ، وأعلم بنجاسة هذا الإناء بعينه نجاسة مشروطة بتقدير سلامة الحواس.

وحينئذٍ فإذا فرضنا أنّنا ادّعينا الانحلال، وأنَّ العلم الإجمالي ماع وذاب في العلم التفصيلي، فلم يبق عندنا إلَّا علم واحد بنجاسة هذا الإناء الأسود. 

هنا نسأل: أنَّ هذا المعلوم بعد أن يستحيل أن يكون واجداً لكلا الحدين، فلا بُدّ أن يكون واجداً لأحدهما دون الآخر، فهو إذاً منوط بأيّهما؟ فإن قلتم إنه محدود بالحد الإطلاقي يعني يكتسب حد المعلوم بالإجمالي، بذوبان المعلوم الإجمالي بالتفصيلي يكتسب التفصيلي حد المعلوم بالإجمال وهو الحد الإطلاقي.

 إن قلتم: هكذا فهذا كذب بالضرورة؛ لأنَّ معناه أنّي أعلم تفصيلاً بنجاسة هذا الإناء ولو كان جهازي الإحساسي مختلاً مع أنّي لا أعلم بذلك وجداناً.

ولو قيل: إنّه ذو حد تقييدي فأنّا ليس لي إلَّا علم واحد بوقوع نجاسة في الإناء الأسود ذات حدّ تقييدي يعني منوطة بسلامة جهازي الإحساسي، فهذا أيضاً كذب بالضرورة، لأنّي أعلم وجداناً بوجود نجس في البين ثابت ولو كان جهازي الإحساسي مختلاً.

فهذا يبرهن على أنَّ الحدين كلاهما ثابتان بالفعل، أحدهما في قبال الآخر ولم ينطبق أحدهما على الآخر. هذا إجمال النكتة وأمّا تفصيل بيانها موكول إلى ــــــــــ[182]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بحث دليل الأخباريين(1)

فالصحيح في مقام تقريب الانحلال، هو أن يقال: إنَّ سبب تكوّن العلم الإجمالي في موارد القسم الثاني، وهي التي يكون نسبة السبب إلى تمام الأطراف على حدّ واحد، بسببية السبب يتوقف على جزء أخير من العلة التامة وهو استواء النسبة، فإذا اختلت هذه النسبة اختل سبب العلم فزال العلم الإجمالي بزوال سببه، وهو معنى الانحلال في المقام.

وعلى هذا الأساس نذهب إلى الانحلال في القسم الثاني وإلى عدمه في القسم الأوَّل، فالصحيح في المقام هو حدّ وسط بين القول بالانحلال مطلقاً والقول بعدمه مطلقاً، وهو هذا التفصيل.

هذا هو الكلام في الانحلال الحقيقي.

بعض توهمات الانحلال

وقد(2) يقال في المقام بأنَّ الانحلال الحقيقي ثابت حتّى في القسم الأوَّل، وهو ما إذا كان السبب ذا علاقة مخصوصة مع بعض الأطراف، كقطرة الدم 

ــــــــــ[183]ــــــــــ

() وهنا ذكر ملاك الانحلال المختار المذكور ص299 وما بعدها [ص70 ج14 من هذه التقريرات]، وذلك في القسم الثاني من العلم الإجمالي القائم على البرهان العقلي تارة وعلى حساب احتمالات أخرى فراجع. (المقرِّر).

(2) ذكر سيّدنا الأستاذ في مبدأ المحاضرة بعض توهمات الانحلال التي كان قد ذكرها ص309 من الدفتر 13 وما بعدها [ص82 ج14 من هذه التقريرات]، لكنه هنا فصّلها وأوضحها أكثر ممّا هناك، فلا بأس من كتابتها في المقام. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المشتبهة الوقوع في أحد الإنائين، فإنّها وقعت في الواقع في أحد الإنائين ونجسته، فهنا كنا نقول: بأنَّ المعلوم الإجمالي هو جامع النجاسة المقيّد بنشوئه عن تلك القطرة المبهمة، وهذا الجامع لا يعلم بانطباقه على الطرف المعلوم تفصيلاً، فكنا نقول بعدم الانحلال لكونه متخصّصاً بخصوصية كونه ناشئاً من هذه القطرة المعينة، وهي محتملة الإباء عن الانطباق على الإناء الأسود المعلوم نجاسته تفصيلاً.

قد يقال: بأنَّ هذا وإن كان صحيحاً لو لوحظت علومنا بالأمور الخارجية بما هي خارجية، وأمّا لو لوحظت علومنا بمقدار ما هو موضوع الحكم الشرعي فلا بُدّ من المصير إلى الانحلال في المقام، فإنَّ موضوع الحكم الشرعي بوجوب الاجتناب ليس هو النجاسة الناشئة من تلك القطرة بقيد نشوئها منها، فإنَّ هذه الخصوصية لا دخل لها في موضوع وجوب الاجتناب، وإنَّما موضوعه هو طبيعي النجاسة، فإذا قصر النظر هنا على مقدار ما وقع موضوعاً للحكم الشرعي وهو طبيعي النجاسة، فليس عندنا في المقام علم إجمالي غير قابل للانحلال، بل هو منحل لا محالة، إذ بعد تعرية النجاسة عن تمام خصوصياتها غير الدخيلة في ترتّب الحكم الشرعي بوجوب الاجتناب والتي منها خصوصية نشوئها عن تلك القطرة المعينة، حينئذٍ لا يبقى عندنا إلَّا علم بصرف جامع النجاسة، وهو منطبق قهراً على النجاسة المعلومة تفصيلاً في الإناء الأسود فينحل العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي. 

ونحن إنَّما نريد إثبات الانحلال في هذا المقام وفي مرتبة موضوع الحكم 

ــــــــــ[184]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الشرعي؛ إذ في هذه المرتبة يكون العلم الإجمالي -إذا تشكّل- منجّزاً، فإذا ثبت انحلاله في هذه المرتبة كفى فيما هو مقصود الأصولي.

هذا الكلام غير صحيح؛ وذلك لأنّه لا انحلال حتّى في هذه المرتبة؛ وهذا يتوقف على الإشارة إلى نكتة مرت في عدة مرات في الأبحاث الأصولية:

وحاصلها: هو أننا إذا تصوّرنا الحصة الخاصة كالإنسان الأبيض، تارة نتصوره مرآة إلى موجود خارجي، فنتصوّر هذه الحصة الخاصة المفهومية بما هي مشير إلى إنسان موجود في الخارج، وأخرى نتصورها بما هي هي لا بما هي مشيرة، فإذا تصورنا الحصة الخاصة بما هي مشيرة إلى ما هو الموجود في الخارج، إنسان أبيض موجود في الخارج، فهذه الحصة الخاصة لو ألغينا عنها القيد والتقييد معاً وقصرنا النظر على ذات المقيّد بما هو هو، لكان ذات القيد ذا تعيّن في نفسه بحيث يأبى عن الانطباق على غيره من الأفراد الأخرى. فهنا تعيّن ذات المقيد وتميزّه ذاتي لم ينشأ من ناحية التقييد والقيد، وإنَّما أخذ التقييد والقيد مرآة إلى ذات ذاك التعيّن الذاتي الخارجي الثابت لتلك الحصة.

في مثل هذا المقام نتصور (الحصة التوأم) يعني: الحصة التي يلحظ فيها ذات المقيّد ويقصر النظر عليه، عارياً عن القيد والتقييد معاً.

وأمّا الحصة الخاصة التي لا تكون مرآة إلى موجود خارجي، بل تكون
-مثلاً- واقعة تحت الأمر في قوله صلّ صلاة في المسجد، أو صم مع الصوم الأبيض، فالحصة الخاصة هنا وقعت مرآة للموجود الخارجي وإنَّما تعلّق الأمر بها بقصد أن يترتّب على ذلك وجود في الخارج، فهنا إذا عرينا الحصة الخاصة 

ــــــــــ[185]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

عن القيد والتقييد لا يبقى عندنا إلا ذات الكلي، ذات كلّ الصلاة أو الصوم، ولا يبقى عندنا شيء ممتاز عن غيره من أنواع الصلوات أو الصيام؛ لأنَّ تعيّن الحصة الخاصة هنا نشأ محضاً من ناحية التقييد المفهومي.

ومن هنا قلنا: بأنَّ الحصة التوأم بمعنى إلغاء القيد والتقييد وتعلق الأمر بذات المقيد وقوفه عليه مع عدم سريانه إلى سائر الأفراد أمر غير معقول، فإنَّ الأمر حينئذٍ لا محالة يكون متعلقاً بالكلي على إطلاقه فيسري إلى تمام الأفراد.

إذا عرفنا هذه النكتة فنأتي إلى محل الكلام فنقول: إنَّ متعلق العلم الإجمالي هنا حصة خاصة من النجاسة، وهي النجاسة الناشئة من قطرة الدم التي رأيناها في اللحظة الفلانية، وهذه الحصة الخاصة لم يترتب عليها الحكم الشرعي بما هي حصة خاصة، أي: على المقيد والقيد والتقيد، بل يترتب على ذات الحصة مع التجريد عن القيد والتقيد. إلَّا أنَّ هذه الحصة بما أنّها فرد من النجاسة الشرعية الموجودة في وعائها المناسب خارجاً؛ ولهذا إلغاء القيد والتقيد لا يوجب الخروج عن كونها حصة خاصة، فهي حصة خاصة ترتب الحكم الشرعي على ذات المقيد.

وحينئذٍ فالعلم الإجمالي إذا لاحظناه بالإضافة إلى ذات الحصة الخاصة، لا الحصة الخاصة مع قيدها وتقيدها، بل إلى ذات المقيد.

أيضاً يبقى العلم الإجمالي على حاله ولا يكون منحلاً، لأنّني أقول: بأنني أعلم إجمالاً بذات نجاسة متعينة خارجاً بتعين ذاتي بقطع النظر عن التعين المفهومي، وهذا التعين لا أدري أنّه نفس التعين الثابت في الإناء الأسود أو 

ــــــــــ[186]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

غيره، فالعلم الإجمالي موجود والسريان إلى العلم التفصيلي غير محرز في المقام، فلا يكون هناك أيضاً انحلال.

فالعلم الإجمالي سواء لاحظناه مضافاً إلى الحصة الخاصة بمقيدها وقيدها وتقيدها، أو لاحظناه مضافاً إلى ذات المقيّد، على كلا التقديرين، هو غير منحل.

هذا تمام الكلام في الانحلال الحقيقي.

ــــــــــ[187]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 





المقام الثاني: في الانحلال الحكمي

 

ثُمَّ(1) انتهينا في ذلك البحث إلى القول، بأننا تارة نمشي على مسلك قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) وأخرى نمشي على مسلك إنكارها ودعوة أن احتمال التكليف منجّز، فإن مشينا على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان فمقتضى هذا المسلك أن العلم الإجمالي لا ينجز إلَّا تكليفاً واحداً على سبيل البدل من أطرافه؛ لأنَّ العلم الإجمالي ليس إلَّا بياناً لواحد لا أكثر، فهو يخرج أحد التكليفين، أي: صرف الوجود ما بينهما، عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان ويتمم عليه البيان. وأمّا التكليف الثاني فلا يخرجه؛ لأنَّ العالم إجمالي لا يعلم باثنين، بل هو يعلم بواحد، فالثاني على إجماله باقٍ نائماً تحت قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

وحينئذٍ إذا علمنا إجمالاً بوجوب الاجتناب عن أحد الإنائين وعلمنا تفصيلاً بوجوب الاجتناب عن الإناء الأسود بالخصوص، فهنا ينحل لا محالة العلم الإجمالي بالتفصيلي انحلالاً حكمياً، بمعنى أنّه لا يبقى له أثر في مقام التنجيز زائداً على أثر العلم التفصيلي. وهذا معنى الانحلال.

ــــــــــ[188]ــــــــــ

() وهنا لخص مذهب المحقّق العراقي المذكور ص312 وما بعدها، وحوّل الجواب والمناقشات إلى محله. (المقرِّر). [ص86 ج14 من هذه التقريرات].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

لأنَّ العلم التفصيلي نجز مورده بلا إشكال يعني أحد التكليفين بعينه وهو الإناء الأسود، وبعده ماذا ينجز العلم الإجمالي.

إن قيل: إنّه ينجز واحداً لا بعينه، فهذا الواحد لا بعينه منطبق على هذا لا محالة؛ لأنّه تنجز بخصوصه، والواحد لا بعينه(1) محفوظ في ضمن هذا لا محالة.

وإن قيل: إنَّ العلم الإجمالي ينجز الثاني إضافة إلى الواحد لا بعينه، فهذا خلف ما فرضناه؛ لأننا فرضنا(2) أنَّ العلم الإجمالي لا ينجز إلَّا واحد لا بعينه. فيستحيل أن يكون للعلم الإجمالي أثر زائد على ما للعلم التفصيلي من تنجيز بحسب الخارج.

ــــــــــ[189]ــــــــــ

() هذا واحد بعينه لا ليس واحد لا بعينه كما هو واضح بالإضافة إلى الإشكال المعروف على وجود الواحد لا بعينه. إذن، فالواحد لا بعينه غير موجود وعلى تقدير وجوده فهذا ليس مصداقاً له. فافهم. (المقرِّر).

(2) إلَّا إذا قلنا بأنَّ العلم الإجمالي ينجز ذات الثاني لا بصفته ثانياً فلا يلزم أن يكون قد نجز الأوَّل، بل الأوَّل منجز بالعلم التفصيلي والآخر منجز بالعلم الإجمالي، ولا يرد على هذا إشكال الترجيح بلا مرجح؛ لأنَّ العلم الإجمالي بعد أن لم يستطع تنجيز المعلوم تفصيلاً توجه تنجزه إلى الآخر، ونتيجته معاقبة المكلف بعقابين إذا ارتكب الطرفين وليس هذا غريباً بعد إن كان لديه علمين لا علم واحد، فتأمّل. 

وأجاب السيّد عن الإشكال الأوَّل بأن مقصوده من الفرد لا بعينه هو الجامع المعلوم بالإجمال وأنّه ينجز صرف الوجود وهو صادق على المعلوم تفصيلاً. وأجاب عن الثاني بأن المانع عن تنجيز العلم الإجمالي لسائر أطرافه ليس هو الترجيح بلا مرجح، بل وقوفه على الجامع بحده وعدم سريانه إلى الأطراف وحينئذٍ، فلا معنى للقول بسريانه إلى الفرد الآخر مجرّد العلم تفصيلاً بالفرد الأوَّل كما هو معلوم. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وبتعبير آخر: معنى فرض أثر زائد للعلم الإجمالي هو فرض أن المكلف قد يعاقب بعقابين استحقاقاً، لو أنّه ارتكب كلا الإنائين، مع أنَّ استحقاقه للعقاب الثاني بلا موجب، لا من ناحية العلم التفصيلي ولا الإجمالي، أمّا من ناحية التفصيلي فواضح؛ فلأنّه لا يصح العقاب إلَّا على مورده، ولا من ناحية العلم الإجمالي، فإنّه لا يقتضي إلا عقاباً واحداً على تكليف واحد لا بعينه فالعقاب الثاني يكون بلا موجب. ومعنى هذا أنّه لا يبقي مجال للمنجزية الزائدة على منجزية العلم التفصيلي.

فبناءً على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، يتعيّن المصير إلى الانحلال الحكمي بهذا البيان. 

وأما بناءً(1) على إنكارها، وإن مجرد احتمال التكليف الشرعي منجز، كما هو كذلك، فحينئذٍ كلّ هذا الكلام يكون بلا موضوع، لأنَّ مجرّد احتمال التكليف الشرعي في الإناء الآخر -غير المعلوم تفصيلاً- يكون منجزاً، ولا معنى للتمسّك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

نعم، تنتهي النوبة إلى الأصول الشرعية، وهنا يمكن أن يقال: بأنّه لا بأس بجريان الأصل الشرعي النافي في الإناء الأبيض؛ لأنّه لا معارض له، لأنَّ الإناء 

ــــــــــ[190]ــــــــــ

() هذا الوجه موجود بشكل آخر في ص320 من ذلك الدفتر [ص94 ج14 من هذه التقريرات]، وموجود أيضاً على نحو ما هنا ص342 [ص384 من هذه الكتاب]. (المقرِّر)..

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الأسود معلوم النجاسة تفصيلاً ولا حتّى لجريان أصالة الحل فيه. إذن، فيجري الأصل في الطرف الآخر بلا معارض، وهذا تقريب آخر للانحلال الحكمي، من ناحية جريان الأصل الشرعي المؤمّن.

هذا أيضاً حاصل الكلام في الانحلال الحكمي.

ــــــــــ[191]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 










ما هو المناط في الانحلال

 

بعد(1) هذا يقع الكلام في أنَّ الانحلال حينما نقول به سواء كان حقيقياً أو حكمياً، هل المناط فيه هو المقارنة ما بين العلمين، أو المقارنة بين المعلومين، أو لا بُدّ من المقارنة ما بينهما علماً ومعلوماً؟

فإنَّ العلم الإجمالي مع العلم التفصيلي الذي نتكلّم أنّه ينحل به أو لا ينحل، يُتصوّر على أنحاء.

تارة: يتصوّر أنَّ العلمين وقعا في زمان واحد، أو أنَّ المعلومين في زمان واحد، كما لو رأيت القطرة تقع ظهراً في أحد الإنائين وفي نفس الحال رأيت حمرة الدم في الإناء الأسود ولم أدرِ أنَّ هذه الحمرة من نفس تلك القطرة أو قطرة أخرى.

وأخرى: نفرض المقارنة بين المعلومين مع تأخّر أحد العلمين من الآخر.

وأخرى: يفرض تأخّر المعلوم التفصيلي أيضاً فضلاً عن العلم، كما لو رأيت إحدى القطرتين تنزل في أحد الإنائين الظهر فكان ظرف العلم الإجمالي والمعلوم الإجمالي هو الظهر، ثُمَّ المغرب شهد شاهدان بأنَّ الإناء الأسود كان الظهر نجساً 

ــــــــــ[192]ــــــــــ

() وهذا البحث موجود ص345 وما بعدها من ذلك الدفتر رقم 13. (المقرِّر). [ص119ج14 من هذه التقريرات].

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ولا أدري أنَّ هذه النجاسة هي نفس النجاسة التي نشأت من تلك القطرة. 

وقد يفرض تأخّر المعلوم التفصيلي أيضاً كما في المثال ورأيت بعين حمرة الدم حين المغرب من أحد الإنائين ولم أدرِ إنها ناشئة من تلك القطرة أو من قطرة متأخرة.

فيقع الكلام في أنَّ ضابط الانحلال هل هو المساواة ما بينهما علماً ومعلوماً أو المساواة في أحدهما دون الآخر.

هل المناط في الانحلال المقارنة بين العلمين او المقارنة بين المعلومين

تبيّن من المقام الأوَّل، في بحث انحلال العلم بالعلم، أن تقريبات (الانحلال الحقيقي، والانحلال الحكمي) ثلاثة: بتقريب أنَّ العلم الإجمالي يستحيل أن يكون منجَّزاً لفرض كون أحد طرفيه منجَّزاً بالعلم التفصيلي، والانحلال الحكمي بلحاظ جريان الأصول المؤمّنة شرعاً في غير الطرف المعلوم تفصيلاً بلا معارض. 

انحلال العلم بالعلم

فلا بدَّ أن نرى أنَّ مناط الانحلال في التقريبات الثلاثة هو المقارنة بين العلمين أو المقارنة بين المعلومين.

أمّا الانحلال الحكمي بكلا تقريبيه، فلا ينبغي الاستشكال في أنَّ الانحلال فيهما يتوقف على المقارنة ما بين العلمين، يعني: أن يكون العلم الموجب للانحلال الحكمي مع العلم المنحل متقارنين من حيث الزمان، أو لا يكفي 

ــــــــــ[193]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

مجرّد المقارنة بين المعلومين مع تأخّر العلم المحِّل عن العلم المنحل(1).

وأمّا في الانحلال الحقيقي فالأمر ليس كذلك، فإنَّ العلم المحِلّ إذا كان متأخّراً عن العلم المنحل، إلَّا أنَّ معلومه كان مقارناً له، أيضاً يوجب الإنحلال، غاية الأمر ينحل العلم الإجمالي حينئذٍ حين وجود العلم التفصيلي.

إذا فرضنا إننا علمنا بنجاسة أحد الإنائين ظهراً، ثُمَّ علمنا مغرباً بنجاسة الإناء الأسود بالخصوص، فإن كانت النجاسة المعلومة في الإناء الأسود معلومة من حين المغرب أيضاً بحيث كان المعلوم التفصيلي متأخّراً عن المعلوم الإجمالي زماناً فلا ينحل العلم الإجمالي؛ إذ يبقى العلم الإجمالي، بالنحو الذي شكلناه، أحد طرفيه وهو الإناء الأبيض على امتداده والطرف الآخر: الإناء الأسود في القطعة المتخللة ما بين الظهر والمغرب.

وأمّا إذا فرضنا أنَّ المعلوم التفصيلي متحد زماناً مع المعلوم الإجمالي وثابت من حين الظهور أيضاً، فحين يتولد مثل هذا العلم التفصيلي ينحل العلم الإجمالي، ببرهان الانحلال المختار في أصل المسألة.

وقد يتوهم في المقام أنَّ العلم التفصيلي المتأخّر وإن كان يوجب الانحلال الحقيقي للعلم الإجمالي المتقدّم، بحيث من الآن لا يوجد علم إجمالي، إلَّا أنَّ هذا لا ينفع غرض الفقيه من الانحلال؛ لأنَّ غرضه هو إجراء الأصل المؤمّن في الطرف غير المعلوم تفصيلاً، وهذا لا يمكن له؛ لأنَّ الأصول كلها تعارضت 

ــــــــــ[194]ــــــــــ

() وهنا ذكر نفس الدليل المسطور ص345 346. (المقرِّر). [ص119وما بعدها ج14 من هذه التقريرات]. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

من أوَّل الأمر من حين تشكيل العلم الإجمالي، وبعد التعارض والتساقط لا ترجع مرة أخرى.

وقد يقال في مقام الجواب: إنَّ الأصول في الإناء الأبيض إنَّما سقطت بلحاظ الشك الراجع إلى احتمال الانطباق لا بلحاظ الشك البدوي، وبعد الانحلال وجد شك جديد وهو الشك البدوي، وهو لم يكن موجب لتساقط الأصل فيه بالمعارضة مع شك آخر، فإنَّ التساقط إنَّما يكون بلحاظ الأصول الجارية بلحاظ شكوك الانطباق لا بلحاظ الشكوك البدوية. وهنا بعد الانحلال وجد شك بدوي وموضوع جديد ولم يكن هناك موجب لتساقط الأصول من ناحية.

إلَّا أنَّ هذا الجواب غير صحيح؛ لأنَّ خصوصية كون الشك من باب احتمال الانطباق أو بنحو الشبهة البدوية لا ينوّع الموضوع ولا يكثّره، فإنَّ الموضوع هو مجرّد عدم العلم وهو باق على حاله كما كان، بل الذي ينبغي أن يقال: هو أنّه لا موجب لسقوط الأصل في الإناء الأبيض بعد انحلال العلم التفصيلي؛ وذلك لأنَّ تساقط الأصول في الطرفين، وإن كان من قوانين العلم الإجمالي، إلَّا أنَّ هذا التساقط يستمر ما دام العلم الإجمالي موجوداً، فإذا فرض أنّه زال بقاء، فلا موجب لهذا التساقط.

والوجه في ذلك: هو أنَّ سقوط الأصل في كلّ طرف، إنَّما هو باعتبار مساهمته في تكوين محذور الترخيص في المخالفة القطعية، وفي المقام إذا فرضنا أنَّ علمنا الإجمالي من حين المغرب تبدل إلى العلم التفصيلي بأنَّ الإناء الأسود نجس من حين الظهر إلى الآن، وأمّا الإناء الأبيض فهو مشكوك في نجاسته 

ــــــــــ[195]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ووجوب الاجتناب عنه بدواً، فجريان الأصل فعلاً في الإناء الأبيض لا يساهم في محذور الترخيص في المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال؛ لأنَّ التكليف المعلوم بالإجمال تعيّن -بعد الانحلال- في جانب الإناء الأسود، المعلوم تفصيلاً وبعده لا يكون الترخيص في الإناء الأبيض مساهماً في تكوين محذور الترخيص في المخالفة القطعية، فإنَّ هذه المساهمة إنَّما تكون ما دام العلم الإجمالي باقياً، وأمّا إذا زال العلم الإجمالي بقاء، وانحل فلا يكون الترخيص في هذا الطرف دخيلاً في تكوين ذلك المحذور.

فهذه هي النكتة التي ينبغي المصير إليها في مقام بيان أنَّ الانحلال الحقيقي يساوق دائماً مع غرض الفقيه وإجراء الأصل المؤمّن في غير الطرف المعلوم تفصيلاً.

وهذا من أهم الثمرات ما بين الانحلال الحقيقي والانحلال الحكمي، على ما اتضح، من أنَّ ضابط الانحلال الحكمي هو المساواة ما بين نفس العلمين زائداً على المساواة بين المعلومين.

وأمّا في الانحلال الحقيقي فالمناط هو المساواة ما بين المعلومين، ولا بأس بتأخّر العلم التفصيلي عن العلم الإجمالي في المقام، فإنّه لا ينافي ترتب الآثار المقصودة للفقيه من هذا الانحلال.

هذا كله حاصل الكلام في الانحلال الأوَّل، أي: انحلال العلم بالعلم.

انحلال العلم بالحجّية

وأمّا انحلال العلم بالحجّيّة، فهذه الحجّيّة التي يتكلّم في انحلال العلم بأنفسهما إلى قسمين:

ــــــــــ[196]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

 القسم الأوَّل: أن تكون هذه الحجية هي أصالة الاشتغال الناشئة من علم إجمالي آخر، كما لو علم إجمالاً بنجاسة الإناء الأبيض أو الأسود، وكان الأسود قبل هذا طرفاً لعلم إجمالي آخر بنجاسته أو نجاسة الإناء الأحمر، وبهذا اللحاظ كان الإناء الأسود مجرى لأصالة الاشتغال التي هي حجّة عقلية من ناحية علم إجمالي آخر، فيقع الكلام في أن العلم الإجمالي المتأخّر الذي انعقد بين الأسود والأبيض الذي ينحل من أصالة الاشتغال هذه، أو لا ينحل.

وأخرى نفرض أنَّ هذه الحجة لم تنشأ من ناحية علم إجمالي، بل كانت عبارة عن أمارة شرعية، أو أصل شرعي، أو أصل عقلي لم ينشأ من ناحية العلم الإجمالي، كأصالة الاشتغال الجارية في موارد الشك في الامتثال، كما لو شك في الإتيان بفريضة الوقت.

أمّا القسم الأوَّل، وهو ما إذا كانت الحجة ناشئة من علم إجمالي آخر فسوف نعقد له تنبيهاً مستقلاً في العلائق القائمة بين العلوم الإجمالية في مقام التنجيز، فإن فيه نكاتاً تخصه.

وأما في القسم الثاني، وهذا إذا افترضنا أن الحجة المثبتة للتكليف في أحد طرفي العلم الإجمالي، كانت أمارة أو أصلاً شرعياً مثبتاً أو أصلاً عقلياً مثبتاً، فهنا لا إشكال ولا ريب في عدم الانحلال الحقيقي بالمعنى الذي وقع الكلام فيه بالمعنى الأوَّل؛ لأنَّ العلم الإجمالي لم يطرأ عليه كاشف وجداني جديد ليتخيل انحلاله وسريان العلم من الحد الجامعي إلى الحد الشخصي. 

نعم، هناك محاولة قام بها السيّد الأستاذ، ولعلها من الميرزا. وحاصلها 

ــــــــــ[197]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

تصدير الانحلال الحقيقي بالتعبد، فيما إذا كانت الحجّة من الحجّج الشرعية المجعول فيها الطريقية، بأن يقال حينئذٍ بأنَّ هذه الحجّة الشرعية تكون علماً بالتعبد، وحيث إنّنا اخترنا الانحلال بالعلم، فهنا أيضاً نختار الانحلال، غاية الأمر انحلال حقيقي بالتعبد، لاحقيقة.

وقد تعرضنا لذلك مفصّلاً في بحث الأخباريين مع جوابه وبيان عدم صحته(1)

فالذي ينبغي أن يقال: إنَّ هذه الحجّة إمّا أن يُفرض أنَّ مثبتاتها حجّة، يعني: كما أنّها تدل بالمطابقة على عدم وجود النجس في الإناء الأسود تدل على نفيه في الإناء الأبيض، كما لو كانت في مقام تعيين المعلوم بالإجمال، أو كان المعلوم بالإجمال لا يزيد على واحد، بحيث لا نحتمل نجاسة الثاني. ففي مثل ذلك تدل بالمطابقة على نجاسة موردها وبالملازمة على طهارة الآخر، فيأخذ بكلا المدلولين وينحل العلم الإجمالي حينئذٍ انحلالاً حكمياً، بلحاظ قيام الحجّة النافية للتكليف في بعض الأطراف، بلا حاجة أن نفتش عن دليل أصل حينئذٍ، فإن نفس دليل الإمارة يكون نافياً في غيره مورده.

وأمّا إذا لم تكن الحجّة في مقام تعيين المعلوم بالإجمال، أو كان المعلوم بالإجمال يحتمل فيه الزيادة، يعني يحتمل أن يكون النجس الواقعي أكثر من واحد أو لم تكن الحجة مثبته للوازم كما لو كانت أصلا من الأصول، ففي مثل 

ــــــــــ[198]ــــــــــ

() أنظر ص337 وما بعدها من الدفتر 13. (المقرِّر). [ص111ج14من هذه التقريرات]. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ذلك لا بُدّ في مقام الانحلال من الرجوع إلى الأصل النافي في الطرف الآخر بدعوى أنّه لا معارض له؛ لأنَّ هذا الطرف ثبت فيه التكليف بالحجّة.

وتدخل هذه المسألة بحسب الحقيقة في التنبيه الثاني من التنبيهات التي تكلمنا فيها، حيث تكلمنا أنّه يمكن تصوير جريان الأصل النافي في بعض الأطراف بلا معارض. أمّا باعتبار أنَّ الطرف الآخر مورد لأصالة الاشتغال في نفسه، أو باعتبار أنّه مورد للأصل المثبت للتكليف حاكم على الأصول المؤمّنة… وإذا كان الانحلال حكمياً يلحقه حكمه الذي ذكرناه في المقام الأوَّل، وهو أنَّ ضابط الانحلال هو المساواة بين الحالّ والمحلّ، يعني أن تكون الحجّة مقارنة للعلم الإجمالي، أمّا إذا كانت متأخّرة فلا توجب انحلاله ولو كان مؤداها مقارناً لمؤدى العلم الإجمالي زماناً.

هذا حاصل ما أردنا بيانه في بحث الانحلال. وهو مع جمعه بحوالاته التي سبقت في بحث الأخباريين، مع ما وعدنا به من عقد تنبيه مستقل لبحث العلمين الإجماليين يكون وافياً بتمام شؤون هذا البحث. 

ــــــــــ[199]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 










التنبيه الخامس: في علاقات العلوم الإجمالية                  بعضها مع بعض

 

  • المقام الأوّل: فيما إذا كان أحد الطرفين منجزاً بالعلم التفصيلي
  • المقام الثاني: فيما إذا كان أحد الطرفين منجزاً بعلم إجمالي آخر

ــــــــــ[201]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 







التنبيه الخامس: في علاقات العلوم الإجمالية                         بعضها مع بعض

وبقيت(1) حوالة أحلناها على تنبيه مستقل، وكان عنوانها هناك: انحلال العلم الإجمالي بالأصل العقلي المثبت للتكليف الجاري في بعض الأطراف، وهذا ما سنعقد له تنبيهاً مستقلاً تحت عنوان: تأثير بعض العلوم على بعض  في مقام التنجيز، أو إن شئتم قلتم: تشخيص العلاقات بين العلوم في مقام التنجيز.

توضيحه: إننا كنا نتكلّم عن انحلال العلم الإجمالي بعلم آخر أضيق منه، تفصيلي أو إجمالي، أمّا الآن فنتلّكم عن انحلال العلم، بلحاظ طرفية بعض أطرافه لمنجزية علم آخر، لا بلحاظ تعلق علم آخر أكثر في بعض أطرافه.

وتنجز العلم الإجمالي بلحاظ علم آخر يكون على نوعين؛ لأنَّ ذاك الطرف تارةً يتنجز بلحاظ علم آخر، ويكون ذاك العلم الآخر علماً تفصيلياً، وأخرى يكون علماً إجمالياً. 

مثال الأوَّل: أن نعلم إجمالاً ببطلان إحدى الصلاتين، إمّا صلاة الوقت 

ــــــــــ[203]ــــــــــ

() قال بعد أن لخص فكرةً عما سبق. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الظهر، أو الصبح، وهنا أحد طرفي العلم الإجمالي وهو صلاة الوقت يكون منجزاً بقطع النظر عن هذا العلم الإجمالي، بلحاظ العلم التفصيلي بوجوب صلاة الظهر، بقانون أنَّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، فإنّه لو كان الشك في الإتيان بالظهر بدوياً لكان يتنجز عليه التكليف بلحاظ العلم التفصيلي بوجوب صلاة الظهر والشك في مقام الامتثال، والاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

فهنا صلاة الظهر، التي هي أحد طرفي العلم الإجمالي، منجز بالعلم التفصيلي، لا أنّه معلوم بالعلم التفصيلي، أنّه يعلم أنّه ما أتى بها، بل الإتيان منجز بالعلم التفصيلي.

ومثال القسم الثاني: أننا كنا نعلم إجمالاً بنجاسة أحد الإنائين صباحاً، إما الأسود أو الأحمر، ثُمَّ بعد الظهر علمنا إجمالاً بالنجاسة إما في الأحمر أو الأخضر، فالأحمر في العلم الإجمالي الثاني الذي هو أحد طرفيه قد تنجز قبل ذلك بالعلم الإجمالي الأوَّل. إذن، فالبحث في أنَّ العلم الإجمالي هل ينحل بتنجز أحد طرفيه بلحاظ علم آخر أو لا ينحل؟ يقع في مقامين:

 المقام الأوَّل: فيما إذا كان أحد الطرفين منجزاً بالعلم التفصيلي وكان مجرى لأصالة الاشتغال في نفسه. 

والآخر فيما لو كان ذاك علماً إجمالياً.

ــــــــــ[204]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

 

المقام الأوّل: فيما إذا كان أحد الطرفين منجزاً                                      بالعلم التفصيلي

 

أمّا النوع الأوَّل: وهو ما إذا كان طرف العلم الإجمالي منجزاً بعلم تفصيلي، كما في مثال الظهر والصبح، فهنا أحد الطرفين وهو صلاة الوقت منجزة بلحاظ العلم التفصيلي بوجوب الإتيان بالظهر.

المعروف بين المحقّقين في هذا الفرض هو انحلال العلم الإجمالي. وتقريب الانحلال يختلف باختلاف المشارب.

 التقريب الأوّل: مبني على نظرية الانحلال للمحقق العراقي: وحاصلها كما سبق: أنّه متى ما وجد سبب تام السببية لتنجيز أحد طرفي العلم الإجمالي بعينه، سواء كان هذا السبب هو العلم التفصيلي أو الحجّة الشرعية أو أصالة الاشتغال العقلية يخرج العلم الإجمالي عن صلاحية التنجيز؛ لأنّه حينئذٍ لا يُعقل أن يكون منجّزاً على كلّ تقدير؛ لأنّه على تقدير كون الواقع في ضمن هذا الطرف المنجّز بمنجز آخر، يستحيل أن يكون منجزاً؛ لأنَّ المتنجز لا يتنجز.

 وحينئذٍ فلا يبقى مانع عن جريان البراءة العقلية في الطرف الآخر. والتحفظ على المنجز المزبور في هذا الطرف.

ــــــــــ[205]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وقد طبّق هذه النظرية العامّة للانحلال في المقام، فقال: بأنَّ أحد الطرفين حيث إنّه مجرى لأصالة الاشتغال في نفسه ومنجز بلحاظ العلم التفصيلي الآخر، فيستحيل تنجيز العلم الإجمالي له، ويصبح كـ(لا بيان) وحينئذٍ فلا بأس بجريان الأصول المؤمنّة في الطرف الآخر.

وهذه النظرية على ما سبق غير تامّة، يعني: لا يمكن المصير إليها في تقريب الانحلال الحكمي، فهذا التقريب المبتني عليها ممّا لا يتم.

التقريب الثاني الانحلال في المقام: هو التقريب الذي ذهب إليه سيّدنا الأستاذ، وفاقاً للمحقق النائيني. وحاصله: انحلال العلم الإجمالي بجريان الأصل المثبت في أحد الطرفين والنافي في الطرف الآخر انحلالاً حكمياً، بتقريب أنَّ العلم الإجمالي إنَّما يُنجّز بلحاظ تعارض الأصول، وهنا إذا فرضنا أحد الطرفين كان متنجزاً بلحاظ العلم التفصيلي فلا يكون مجرى للأصل، فلا بأس حينئذٍ بجريان الأصل في الطرف الآخر بلا معارض، ويجري الأصل المثبت للتكليف وهو أصالة الاشتغال العقلية هنا، ويجري الأصل المؤمّن في الطرف الآخر.

هذا الكلام تحقيقه لا بُدّ من المراجعة فيه إلى التنبيه الثالث الذي عقدناه فيما سبق، حيث تكلمنا عن أنّه إذا جرى في أحد الطرفين أصل مثبت للتكليف، فهل يجري الأصل النافي في الطرف الآخر أو لا؟

وخلاصة موقفنا هو أن يقال: هذا الطرف الذي فرضناه منجزاً بلحاظ العلم الإجمالي، إمّا أن نفرض أنّه في نفسه لا يوجد فيه أصل مؤمّن ساقط 

ــــــــــ[206]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بالمعارضة، وإمّا أن نفرض فيه ذلك، كما هو الحال في مثال العلم بعدم الإتيان بإحدى الصلاتين. كما لو علم إجمالاً أنّه لم يأتِ إمّا بصلاة الصبح أو بصلاة الظهر، وهو في وقتها. فهنا صلاة الظهر مجرى لأصالة الاشتغال، ولكن في صلاة الصبح توجد قاعدة مؤمّنة، وهي قاعدة الحيلولة والشك بعد الوقت، ففي مثله لا بأس بانحلال العلم الإجمالي، وذلك بأن نقول: بأنَّ إطلاق دليل قاعدة الحيلولة لا بأس به لأطراف العلم الإجمالي من دون محذور المعارضة؛ لأنَّ صلاة الظهر مجرى لأصالة الاشتغال في نفسه.

وأما إذا فرضنا أنَّ الطرف الذي كان منجزاً بالعلم الإجمالي، مجرى للأصل المؤمّن شرعاً، لكن سقطت الأصول المؤمّنة بالمعارضة، كما هو الحال فيما لو كان العلم الإجمالي ببطلان إحدى الصلاتين، يعلم إجمالاً إمّا صلاة ظهره -التي أداها- باطلة أو صلاة صبحه باطلة، وكل منهما مجرى للأصل المؤمّن، وهو قاعدة الفراغ مثلاً، فيما إذا استجمعت شروطها، فتتساقط قاعدة الفراغ في صلاة الصبح معها في صلاة الظهر، وتصل النوبة إلى الأصول الطولية.

وهنا تقول مدرسة النائيني: إننا نرجع إلى الأصول الطولية، يعني: إلى أصل مثبت في صلاة الوقت وهو الاشتغال، وإلى أصل نافٍ لصلاة الصبح، ولنفرضه أصالة البراءة عن وجوب القضاء باعتبار كونه بأمر جديد وموضوعه عنوان الفوت، وهو لا يحرز باستصحاب عدم الإتيان، فنجري أصالة البراءة عن وجوب القضاء، فينحل العلم الإجمالي في مرحلة الأصول الطولية بأصل مثبت في أحد الطرفين وأصل نافٍ في الطرف الآخر.

ــــــــــ[207]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وقلنا: بأنَّ تحقيق هذا يتوقف على أن نرى أنَّ الأصل المؤمّن الطولي في الطرف الآخر هل سو ف يسقط بالمعارضة مع الأصول العرضية أو لا؟ وميزان السقوط بالمعارضة هو ما ذكرناه فيما سبق من كون الدليل واحداً أو متعدداً، فإن فرض أن الأصلين العرضيين كانا من سنخ واحد، وكان الأصل الطولي المؤمّن من سنخ آخر كما في خصوص هذا المثال: قاعدة الفراغ هنا وقاعدة الفراغ هناك والأصل المؤمّن الطولي في صلاة الصبح هو أصالة البراءة عن وجوب القضاء في مثل هذا لا بأس بجريان الأصل الطولي. وأمّا لو كان الأصل الطولي سنخ أصل يسقط بالمعارضة مع الأصلين العرضيين، كما لو كان الأصلان العرضيان غير متسانخين في أنفسهما، فكلها تسقط بالمعارضة في وقت واحد.

فالميزان هو هذا، ومجرّد وجود أصل طولي للأصل العرضي مثبت للتكليف، لا يمنع عن وقوع المعارضة بين الأصل العرضي في هذا الطرف والأصل الطولي المؤمّن في ذلك الطرف.

وقد ذكرنا في ذلك التنبيه إشكالاً هنا على السيّد الأستاذ، حيث إنّه فصّل وذكر أنه فيما إذا كانت الأصول الطولية بعضها مثبت وبعضها نافٍ فينحل العلم الإجمالي إلى المثبت في مورده وإلى النافي في مورده. هذا الكلام على إطلاقه غير صحيح، بل لا بُدّ وأن ينظر أنَّ الأصل المؤمّن الطولي هل سوف يسقط بالمعارضة مع الأصل العرضي أو لا يسقط؟

هذا حاصل الكلام فيما إذا كان أحد الطرفين منجّزاً بالعلم التفصيلي.

ــــــــــ[208]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

 

المقام الثاني: فيما إذا كان أحد الطرفين منجزاً                                     بعلم إجمالي آخر

 

الكلام في العلاقة في العلوم الإجمالية بعضها مع البعض الآخر في مقام التنجيز، قلنا: نتكلّم تحت هذا العنوان فيما إذا كان أحد أطراف العلم الإجمالي منجّزاً بعلم إجمالي آخر، فهل يكون ذلك موجباً لسقوطه عن المنجّزية أو لا. وهذا معنى معرفة العلاقات بين العلوم الإجمالية في مقام التنجيز.

هنا تارة نفترض أنَّ العلمين الإجماليين كانا متحدين في تاريخهما علماً ومعلوماً، وأخرى نفرض السبق لأحدهما على الآخر إمّا علماً ومعلوماً، أو معلوماً فقط.

صورة التقارن بين العلمين الإجماليين

أمّا في صورة التقارن ما بين العلمين الإجماليين اللذين اشتركا في بعض أطرافهما، علماً ومعلوماً، كما لو وقع في النفس في آن واحد علمان إجماليان، أحدهما العلم الإجمالي بنجاسة الأبيض أو الأسود والآخر العلم الإجمالي بنجاسة الأبيض أو الأحمر، فالأبيض وقع طرفاً لكلا العلمين، وقد حدث العلمان في زمان واحد.

 ــــــــــ[209]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ونفرض أنَّ النجاستين الإجماليتين المعلومتين في هذا العلم أيضاً في زمان واحد، فهنا علمان إجماليان متقارنان علماً ومعلوماً، ويحتمل وحدة مصداق المعلومين بحسب الخارج، يعني يحتمل كون الأبيض -هو الطرف المشترك- هو النجس وأنّه هو المصداق للمعلوم بالإجمال لكلا المعلومين الإجماليين، كما يحتمل تباين المصداقين.

ففي مثل ذلك لا ينبغي الإشكال في أنَّ هذين العلمين ينجزان معاً في عرض واحد، ولا معنى لأن يقال: بأنَّ طرفية أحد الأطراف في العلم الأول للعلم الثاني توجب سقوط الأوَّل أو توجب سقوط الثاني؛ لأنَّ نسبة العلمين إلى هذه الأواني الثلاثة على حد واحد، فلا موجب لفرض تأثير أحدهما ومانعيته عن تأثير الآخر. فالعلمان ينجزان معاً في عرض واحد.

وإن شئتم قلتم: إنَّ مرجع هذين العلمين إلى علم واحد، أو أنّه يمكن أن يُعبّر عن هذين العلمين بعلم واحد، وهو العلم إما بنجاسة الأبيض، وهو الطرف المشترك، أو بنجاسة كلا الإنائين الآخرين الأحمر والأسود(1). ومثل هذا 

ــــــــــ[210]ــــــــــ

() هذا غير صحيح دائماً ومن ثَمَّ لا ينعقد هذا العلم، فإنّه على فرض أن يكون المعلوم الإجمالي في العلم الأوَّل هو الأسود والمعلوم الإجمالي في الثاني هو الأبيض. إذن، فالمتنجس هو الأسود والأبيض فقط دون الأحمر، وكذلك العكس لو فُرض أنَّ المتنجس في العلم الأوَّل هو الأبيض وفي الثاني هو الأحمر فيكون المتنجس واقعاً هو الأبيض والأحمر. فما ذكره من العلم الإجمالي لا يأتي إلَّا على بعض الفروض. ومن ثَمَّ لا يكون علماً مستقلاً.

أجاب السيّد عن ذلك بأن هذه الأمثلة تدخل في صورة العلم بنجاسة الظرف المشترك، فإنّنا نعني بها نجاسته الأعم من نجاسة غيره وطهارته، وعلى تقدير أن يكون طاهراً فلا محالة أنَّ النجاستين قد وقعتا في الطرفين كما هو واضح. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

العلم الإجمالي منجّز بلا إشكال لتمام أطرافه.

صورة تقدّم أحدهما إمّا علماً ومعلوماً أو معلوماً فقط

وأمّا إذا افترضنا أنَّ أحد العلمين الإجماليين المشتركين في بعض أطرافهما كان متقدّماً على العلم الآخر في المعلوم أو في العلم، فهل يكون المتقدم موجباً لأبطال منجّزية المتأخّر، أو لا؟ هنا نظريات ثلاثة:

 النظرية الأولى: للمحقّق النائيني وهي تقول: إنَّ العلم المتقدّم بمعلومه يبطل منجّزية العلم المتأخّر بمعلومه، فالتقدّم يُعتبر في هذه النظرية ميزان لإبطال المتقدّم لأثر المتأخّر، ولكن التقدّم الذي تراه هو التقدّم في المعلوم سواء كان هناك تقدم في العلم أيضاً أو لم يكن.

 النظرية الثانية: للسيّد الأستاذ، وهي أنَّ الميزان هو تقدّم العلم، فالعلم المتقدّم يبطل منجّزية العلم المتأخّر.

 والنظرية الثالثة: هي أنَّ التقدم في العلم والمعلوم لا أثر له في مقام إبطال منجّزية أحد العلمين للآخر. وهذا هو التحقيق على ما سوف يظهر من خلال الكلام.

النظرية الأولى للميرزا

أمّا النظرية الأولى: وهي النظرية القائلة، بأنَّ تقدّم أحد العلمين على الآخر، بلحاظ المعلوم يكون موجباً لإبطال منجّزية المتأخّر بلحاظ المتقدّم.

ــــــــــ[211]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هذه النظرية يوضحها الميرزا أوّل الأمر في مثال يفرض فيه التقدّم معلوماً وعلماً؛ لأنه يكون حينئذٍ أوضح، ثُمَّ بعد هذا يفرز أحدهما عن الآخر ويعمم نفس المدّعى والبرهان، فلنأخذ تبعاً لطريقته في التوضيح، مثلاً يكون العلم فيه متقدّماً علماً ومعلوماً ونرى أنَّ العلم المتقدّم هل يوجب إبطال منجزية المتأخّر أو لا؟

يقول: لو علمنا ظهراً إجمالاً بنجاسة أحد إنائين لوقوع قطرة دم في أحدهما، إمّا الإناء الأبيض أو الأسود، ثُمَّ وقعت بعد الظهر بساعتين قطرة دم أخرى مردّدة بين أن تكون في الإناء الأسود من ذينك الإنائين أو في الإناء الأحمر، فهنا علم إجمالي ثانٍ مشترك مع الأوَّل في أحد طرفيه، وهو متأخّر عنه معلوماً وعلماً، فهل يكون العلم الثاني منجّزاً أيضاً؟ وأثر منجزيته أنّه ينجّز الطرف الآخر للعلم الثاني، وهو الإناء الأحمر؟

يقول: إن العلم الإجمالي الثاني لا يكون منجّزاً؛ وذلك لأنّه ليس علماً إجمالياً بالتكليف، فإنَّ المنجّزية من تبعات انكشاف تكليف المولى وإلزامه. وهنا العلم الإجمالي الثاني بوقوع سبب النجاسة متأخّر من سنخ السبب الأوَّل، لا يكون علماً بالتكليف على كلّ تقدير؛ لأنَّ هذه القطرة إمّا أن تكون واقعة في الواقع في الإناء الأحمر أو في الإناء الأسود، إن كانت واقعة في الأحمر فهي مساوقة مع التكليف الشرعي؛ لأنّه كان طاهراً وقد وقعت فيه قطرة دم فيتنجس، وإذا كانت واقعة في الإناء الأسود، وكان الأسود ليس هو ذاك الإناء المعلوم إجمالاً في العلم الأوّل، فأيضاً هو إناء طاهر وقعت فيه قطرة الدم، 

ــــــــــ[212]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فيكون ذلك مساوقاً مع التكليف الشرعي. وأمّا لو فُرض أن معلوم العلم الثاني وهو قطرة الدم المتأخّرة كانت منطبقة على الإناء الأسود، وكانت القطرة الأولى المعلومة إجمالاً بالعلم الأوّل، أيضاً منطبقة على الإناء الأسود، فالقطرة الثانية لم تحدث تكليفاً أصلاً؛ لأنَّ النجس لا يتأثر بقطرة الدم الثانية.

إذن، فيكون العلم الإجمالي الثاني على بعض التقادير ليس علماً بالتكليف، إذن فهو ليس علماً بالتكليف على كلّ تقدير، بل هو علم بشيء يكون تكليفاً على بعض التقادير ولا يكون تكليفاً على بعض التقادير. فبالنسبة إلى عالم التكليف المولوي لا علم، والمنجّز إنَّما هو العلم الإجمالي بالتكليف، يعني: يكون انحلالاً حقيقياً بلحاظ التكليف. 

هذا فيما إذا كان العلم الثاني متأخراً علماً ومعلوماً عن الأوَّل. 

ومثله الحال لو فرضنا أنَّ هذا العلم الثاني المتأخّر معلوماً لم يكن متأخّراً علماً، بل كان متأخّراً معلوماً فقط، كما لو فرضنا أننا بعد مضي ساعتين من الظهر حصل لنا العلم الثاني، وهو العلم بوقوع قطرة دم الآن إمّا في الإناء الأسود أو الأحمر، لكن في الساعة الثالثة من الظهر انكشف لدينا بأنَّ قطرة دم سابقة في أوّل آنات الظهر وقعت إمّا في الإناء الأسود أو في الإناء الأبيض، يعني: ما كنا نفرضه من العلم الإجمالي الأوّل في أوّل آنات الظهر نجرّه الآن إلى الساعة الثالثة بعد الظهر، فيكون العلم الإجمالي الثاني المتأخّر معلوماً متقدّم علماً.

فهنا هذا العلم المتأخّر معلوماً المتقدّم علماً الذي حصل في الساعة الثانية بعد الظهر، حينما حصل لا مانع من تنجيزه؛ لأنّه علم بالتكليف، ويبقى منجّزاً 

ــــــــــ[213]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إلى أن يحصل العلم في الساعة الثالثة بعد الظهر بنجاسة من أوّل الزوال إمّا في الأسود أو الأبيض، فمن حين حصول هذا العلم المتقدّم بالمعلوم ينسلخ العلم السابق.

والنكتة في انسلاخه عن المنجّزية: هو أنّه يشترط في منجّزية كلّ علم أن يبقى على صفة العلمية، أمّا إذا زالت منه هذه الصفة فلا تبقى فيه المنجّزية، فالمنجّزية تابعة لصفة العلمية حدوثاً وبقاءً، وليس المراد من صفة العلمية العلم بأيّ شيء بل العلم بالتكليف المولوي، لأنّه هو موضوع التنجيز عقلاً، فلا بُدّ من بقاء المنجّزية من بقاء العلم الإجمالي علماً بالتكليف المولوي، ونحن نرى أنَّ هذا العلم الذي حصل في الساعة الثانية بعد الظهر كان علماً بالتكليف الشرعي إلى أن حصل العلم الإجمالي الآخر بنجاسة سابقة، من هذا الحين انسلخ ذاك العلم علم الساعة الثانية عن كونه علماً بالتكليف على كلّ تقدير، فإنه على تقدير انطباق القطرة المعلومة فيه على الإناء الأسود، وتقدير أن يكون الإناء الأسود هو الإناء الذي علمنا الآن أنه كان نجساً من حين الظهر لا يكون علماً بالتكليف؛ لأنَّ قطرة الدم ليس لها أثر،  فمن حين الساعة الثالثة ينسلخ علم الساعة الثانية عن كونه علماً بالتكليف، وهذا معنى سقوطه عن المنجزية. 

وبهذا يظهر أنَّ ميزان إبطال علم لمنجّزية علم المشترك معه في طرف، هوتقدم المبطِل على المبطَل في معلومه؛ لأنّه يخرجه عن كونه علماً بالتكليف على كلّ تقدير، سواء كان علماً متقدّماً أيضاً أو لا. 

من هنا يظهر أنَّ المحقّق النائيني يُخرج عن محل النزاع صورة ما إذا 

ــــــــــ[214]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

كان السبب المعلوم بالعلم المتأخر سبباً لحصول تكليف آخر غير التكليف الذي نشأ من السبب الأوّل، كما لو كان لنا علم حين الظهر بنجاسة الإناء الأسود أو الأبيض وفي الساعة الثانية علمنا بغصبيته الآن إما في الإناء، الأسود أو الأحمر، فهنا وإن كان معلومي الثاني متأخّراً عن معلومي في العلم الأوّل، إلَّا أنَّ العلم الأوّل لا يبطل منجّزية العلم الثاني؛ لأنَّ الحرمة الغصبية غير الحرمة النجاستية، بحيث لو فُرض أنَّ المغصوب كان هو الأسود والنجس من أوّل الظهر كان هو الأسود، مع هذا الغصب يؤثر في حرمة جديدة غير تلك الحرمة، غاية الأمر أنَّ هذه الحرمة تتجلى بعنوان التأكد في عنوان الحرمة، في مثل ذلك لا يقول بأنَّ العلم المتأخّر يبطل منجّزية العلم المتقدّم، وإنَّما يقول بالإبطال، عند تسانخ السبب فيهما، لا أنّه سبب من نوع آخر عن الحكم. 

هذا تمام ما ينبغي أن يقال في توضيح ما أفاده.

مناقشة الميرزا

إلَّا أنَّ هذا الذي أفاده ممّا لا نفهمه؛ وذلك لأنَّ مراده من أنَّ العلم المتأخّر وهو العلم بوقوع قطرة دم في الساعة الثانية بعد الظهر إمّا في الإناء الأسود أو الأحمر.

يقول: إنّه ليس علماً بالتكليف على كلّ تقدير، ما مراده بهذا المعنى: إن أراد به أنَّ العلم الإجمالي الثاني هذا، وهو العلم في هذه الساعة ليس علماً بما هو سبب بالفعل لتكليف من التكاليف، فهذا كما أفاد، فإني وإن كنت أعلم وجداناً أنّه الآن وقعت قطرة إمّا في الإناء الأسود أو الأحمر، لكني لا أعلم بسببية هذه 

ــــــــــ[215]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

القطرة بالفعل، لأني أحتمل وقوعها في إناء كان متنجساً من الزوال، فلا علم عندي بالسببية باعتبار احتمال أن يكون هذا الإناء هو نفس الإناء الذي علمت إجمالاً بوقوع قطرة دم فيه بالعلم الأوّل.

كما أنَّ هذه السببية العلم بها يكون منتفياً حتّى لو لم يكن عندي علم إجمالي سابق، بل كان عندي مجرّد احتمال بنجاسة الإناء الأسود حين الزوال بمجرّد الشبهة البدوية، فإنّي أيضاً حينئذٍ لا أعلم أنَّ هذه القطرة من الدم قد صارت سبباً بالفعل لتنجيس الإناء الأسود.

إنَّ هذا المعنى، وهو أنَّ قطرة الدم سبب للتكليف الشرعي، فهذا معلوم. إلَّا أنَّ هذا لا يضر بالتنجيز؛ لأنَّ هذه القطرة من الدم نأخذها معرفاً للحكم الشرعي المقارن مع زمانها. 

فنقول: بأنَّ هذه القطرة التي وقعت في الساعة الثانية بعد الظهر هي توأم من النجاسة جزماً إمّا لأنَّ الإناء لم يكن متنجساً وتنجس بسببها، وإمّا لأنّه كان متنجساً من الأوّل. فهذه القطرة من الدم هي معرف للحكم الشرعي وملازم معه، وكما أنَّ العلم الإجمالي بسبب الحكم الشرعي يكون منجّزاً كذلك العلم الإجمالي بما يلازم ويستحيل انفكاكه عن الحكم الشرعي أيضاً يكون منجّزاً، فالملازمة تكفي في مقام التنجيز ولا يحتاج إلى العلم بالسببية وإلَّا لوقع الإشكال فيما نقضنا به.

إذن، فهنا يرجع أيضاً يرجع العلم الإجمالي الثاني بلحاظ الملازمة بين القطرة الثانية وبين التكليف الشرعي، إلى العلم بالتكليف الشرعي.

وإن أراد بهذه العبارة: أنَّ العلم الإجمالي الثاني ليس علماً بالتكليف، أنه 

ــــــــــ[216]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ليس علماً بحدوث التكليف، فهذا صحيح؛ لأنّه على تقدير أن تكون قطرة الدم قد وقعت في الأسود وكان الأسود قد تنجّز من أوّل الأمر، فهذه الحصة حصة بقائية لا حصة حدوثية، فأنّا أعلم بنجاسة جامعة بين الحصة البقائية والحصة الحدوثية، وصحيح بأني لا أعلم بخصوص الحصة الحدوثية، بل الجامع بينهما وبين الحصة البقائية، إلَّا أنَّ خصوصية الحدوث والبقاء ليس لها دخل في ما هو موضوع التنجيس، فإنَّ موضوع التنجيز هو التكليف المولوي على إطلاقه سواء كان متحقّقاً في ضمن الحصة الحدوثية والحصة البقائية، وعليه فالعلم الإجمالي الثاني لا معنى لأن يخرج عن كونه علماً بالتكليف بلحاظ سبق العلم الأوَّل عليه في معلومه. فهذا الكلام من قبله لا نفهمه.

وبهذا يتبرهن أنَّ تقدّم أحد العلمين الإجماليين بمعلومه على الآخر بمعلومه لا يكون سبباً لإخراجه عن المنجّزية، وعن كونه علماً بالتكليف على كلّ تقدير.

هذا هو الكلام في مناقشة النظرية الأولى.

النظرية الثانية للسيد الأستاذ

وأمّا النظرية الثانية، وهي التي تقول: بأنَّ تقدّم أحد العلمين على العلم الآخر يكون هو الموجب لإبطال منجّزية العلم الآخر، بحيث لو أنَّ أحد العلمين لم يتقدّم على الآخر فلا يبطل أحدهما بسبب الآخر ولو كان معلومه متقدّماً عليه، وإنَّما يظهر الإبطال في صورة واحدة هي ما إذا كان أحد العلمين متقدّماً على الآخر ولو تقارن المعلومان. 

ــــــــــ[217]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

والنظرية الثانية(1): هي النظرية القائلة، بأن أحد العلمين الإجماليين المشتركين في بعض الأطراف يبطل منجّزية العلم الآخر، إلا أن ميزان الإبطال ليس هو التقدم في المعلوم بل هو تقدم نفس العلم، فإذا كان أحد العلمين قد حصل قبل الآخر فلا يبقى مجالاً لمنجزية العلم الإجمالي المتأخر ولو كان المعلومان متقارنين زماناً.

كما لو علم إجمالاً حين الظهر بالنجاسة أحد الإنائين إمّا الأسود أو الأبيض، بنجاسة واقعة حين الظهر أيضاً، ثُمَّ علم حين المغرب بنجاسة واقعة إمّا في الإناء الأسود أو الأحمر بنجاسة كانت قد وقعت من حين الظهر، فكلا العلمين متفقان زماناً من حين المعلوم، ولكن التقدّم الزماني لأحد العلمين على الآخر، هنا تقول هذه النظرية: إنَّ العلم الإجمالي الزوالي يكون منجّزاً ولا يدع مجالاً لتنجيز العلم الآخر، بل يوجب انحلاله وانسلاخه عن المنجّزية.

من المعلوم أنّه ليس المقصود من الانحلال هنا، الانحلال الحقيقي. إذ لا منشأ لتوهم أنَّ العلم الإجمالي الغروبي، بمجرّد أنه قد وقع بعض أطرافه طرفاً لعلم إجمالي سابق عليه زماناً. وإنَّما المدّعى هو الانحلال الحكمي، بمعنى: زوال منجزيته وأثره. 

والانحلال الحكمي على ما عرفنا سابقاً له نظريتان عامتان: أحدهما: هي النظرية التي وضعها المحقّق العراقي، والأخرى: هي النظرية التي تتفق مع مذاق المحقّق النائيني لا بُدّ أن نرى هاتين النظريتين العامتين، لنرى 

ــــــــــ[218]ــــــــــ

() قال بعد تلخيص نظرية المحقق النائيني. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أنهما هل ينطبقان على محل الكلام أو لا.

أمّا النظرية الأولى القائلة بأنَّ العلم الإجمالي إذا تنجّز بعض أطرافه بمنجّز آخر -بقطع النظر عن العلم الإجمالي، كما لو قامت بينة أو حجّة تعبدية أو استصحاب مثبت للتكليف في بعض الأطراف، فضلاً عن العلم التفصيلي- فإنّه حينئذٍ يستحيل أن ينجّز العلم الإجمالي؛ لأنَّ متعلقه لا يكون على كل تقدير صالحاً للمنجّزية، بل على بعض التقادير لا يصلح لاكتساب التنجيز من قبله؛ لأنَّ المتنجز لا يتنجز مرة أخرى، فيسقط المعلوم الإجمالي على إطلاقه عن الصلاحية للتنجيز.

هذه النظرية قد يتوهم تطبيقها في المقام أيضاً، بأن يقال: بأنَّ العلم الإجمالي الغروبي يستحيل أن يكون منجّزاً؛ لأنَّ أحد طرفيه وهو الإناء الأسود منجّز بقطع النظر عن هذا العلم الإجمالي، بلحاظ العلم الإجمالي الزوالي. وحينئذٍ يخرج المعلوم الإجمالي الغروبي عن الصلاحية للتنجز، وهو معنى الانحلال الحكمي.

إلَّا أنَّ هذا التوهم باطل في المقام؛ وذلك لأنَّ العلم الإجمالي الزوالي وإن كان منجّزاً للإناء الأسود، إلَّا أنّه ينجّزه ما دام موجوداً، بمعنى: أنَّ العلم الإجمالي الزوالي يكون وجوده في كلّ آن سبباً للتنجز في ذلك الآن لا سبباً للتنجز في الآن المتأخّر. فمهما استمر وجود العلم الإجمالي الأوَّل استمر التنجيز معه، وإذا انقطع انقطع التنجيز بانقطاعه؛ لأنَّ العلم الإجمالي علّة حدوثاً وبقاءً؛ ولهذا لو فرضنا أنَّ إنساناً علم إجمالاً حين الظهر بنجاسة الأسود أو الأبيض، ثُمَّ بعد ساعتين انحل علمه الإجمالي، فإنّه لا تبقى منجّزيته. إذن، فبقاء المنجّزية في الأسود إلى حين 

ــــــــــ[219]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الغروب فرع بقاء العلم الإجمالي الزوالي إلى حين الغروب. فهذا العلم بوجوده البقائي إلى حين الغروب، هو الذي يكون منجّزاً له في آن الغروب.

 وحينئذٍ فلا وجه لأدليته للتنجيز من العلم الإجمالي الغروبي، فإن الإناء الأسود يكون قد اجتمع عليه منجزان: أحدهما الوجود البقائي للعلم الإجمالي الزوالي، والآخر الوجود الحدوثي، ولا وجه لأن يعمل أحد المنجزين في أثره، ويجعل هذا دليلاً على إبطال منجّزية المنجّز الآخر، فإنَّ هذين المنجزين في عرض واحد. ومجرد كون أحد المنجزين بقائياً والآخر حدوثياً لا يعين أحدهما للتأثير دون الآخر. 

وكأنَّ صاحب الشبهة تخيل أنَّ العلم الإجمالي الزوالي بمجرّد أن يحدث حين الزوالي بمجرّد حدوثه يؤثر في تنجيز الإناء الأسود إلى الأبد سواء بقي أو لم يبقَ، مع أنَّ الأمر ليس كذلك، فإنَّ العلم الإجمالي الزوالي إنَّما ينجّز الإناء الأسود حين الغروب بلحاظ بقائه إلى حين الغروب، فحاله حال العلم الإجمالي الغروبي، ولا يكون هناك أولوية لأحدهما في مقام التأثير على الآخر.

فهذه النظرية العامّة على تقدير صحتها في نفسها لا تنطبق على محل الكلام، كما اعترف بذلك المحقّق العراقي أيضاً، بالإضافة إلى أنَّ أصل النظرية غير تامّة كما سبق.

النظرية الثالثة: وهي عدم تعارض الأصول 

النظرية الأخرى: للانحلال الحكمي هي نظرية عدم تعارض الأصول، وهي النظرية القائلة: بأنَّ منجّزية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية فرع 

ــــــــــ[220]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

تعارض الأصول، ومتى ما يكون أحد الطرفين مجرى للأصل المؤمّن ولا يكون الطرف الآخر مجرى له، فيجري الأصل المؤمّن في مورده بلا معارض، وهذا معنى الانحلال الحكمي بملاك عدم المعارضة.

قد يتوهم تطبيق هذه النظرية العامّة في المقام، بدعوى: أنَّ العلم الإجمالي الزوالي أوجب تعارض الأصول، فسقطت أصالة الطهارة أو استصحابها في الإناء الأسود بالمعارضة مع نفس الأصل في الإناء الأبيض، فأصبح الإناء الأسود بلا أصل مؤمّن. وبقي الحال على هذا الترتيب حتى صار المغرب، فوجد العلم الإجمالي الغروبي. فهنا هكذا يتوهم ويقال: بأنَّ الإناء الأسود ليس فيه أصل مؤمّن؛ لأنَّ الأصول فيه سقطت بالمعارضة بمقتضى العلم الإجمالي الأوَّل، وهذا بخلاف الإناء الأحمر، فإنّه حتّى الآن لم تسقط فيه الأصول بالمعارضة، فيجري الأصل المؤمّن في الإناء الأحمر بلا معارض. وهذا تطبيق للنظرية العامّة الثانية للانحلال في المقام.

وهذه النظرية العامّة نقبلها كبروياً، لكن لا نقبل تطبيقها في المقام: وقد انقدح الوجه في ذلك من خلال تضاعيف كلامنا في تطبيق النظرية الأولى؛ وذلك لأنَّ تعارض الأصول إنَّما هو فرع تنجيز العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية باعتبار أنَّ جريانها في تمام الأطراف يؤدّي إلى الترخيص فيها، وتنجيزه لحرمة المخالفة القطعية فرع وجوده، وحينئذٍ ففي كلّ زمان يُفرض فيه وجود العلم الإجمالي يترتب على وجوده في هذا الزمان منجزيته لحرمة لمخالفة القطعية، ويترتب على منجزيته هذه تعارض الأصول في هذا الزمان.

ــــــــــ[221]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ففي الآن الأوَّل: العلم الإجمالي موجود، فمنجزيته لحرمة المخالفة القطعية موجودة، إذن فتتعارض أصالة الطهارة في الإناء الأسود معها في الإناء الأبيض فتتساقطان. 

وأمّا في الآن الثاني: فلا يكفي فيه وجود العلم الإجمالي ومنجزيته في الآن الثاني، بل إنَّ تساقط الأصول في الآن الثاني وسقوط أصالة الطهارة في الآن الثاني، فرع منجزية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية إلى الآن الثاني، وبقاء منجزيته هذه فرع بقاء نفس العلم الإجمالي إلى الآن الثاني. إذن، فمناط تعارض الأصول وتساقطها في الآن الثاني هو بقاء العلم الإجمالي لا أصل حدوثه، فلو بقي لتساقطت الأصول. وأمّا لو فُرض أنّه حصل في الآن الأوّل، وزال العلم الإجمالي في الآن الثاني؛ بينّا في بحث الانحلال أنّه لا مانع من جريان أصالة الطهارة في الطرف الآخر بعد فرض انحلال العلم انحلالاً حقيقياً.

فسقوط الأصل في كلّ زمان فرع بقاء العلم الإجمالي إلى ذاك الزمان، وأمّا إذا انعدم قبل ذلك الزمان فلا تتساقط الأصول بعد انعدامه بلحاظ أصل حدوثه.

إذا اتضحت هذه الفكرة، فحينئذٍ يقال في المقام: بأنَّ الإناء الأسود حين الغروب ما هو المسقط للأصل فيه؟ فإنَّ سقوط الأصل من الزوال إلى الغروب يكون مستنداً إلى العلم الإجمالي الزوالي، وأمّا من حين الغروب فلماذا تسقط أصالة الطهارة، مع أنَّ دليل أصالة الطهارة بمقتضى إطلاقه الازماني أنّها تجري في الآن الأوَّل والثاني إلى آن الغروب وسقوطها في إناء الغروب فرع بقاء العلم 

ــــــــــ[222]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الإجمالي الزوالي إلى حين الغروب، فإنّه لو بقي يكون مستتبعاً للمنجزية المستتبعة لتعارض الأصول وتساقطها؟

وحينئذٍ فيقال: بأنَّ بقاء العلم الإجمالي الزوالي، نسبته إلى إسقاط الأصل المؤمّن حين الغروب في الإناء الأسود هي نسبة العلم الإجمالي الغروبي، فيكون لسقوط الأصل سببان في عرض واحد، أحدهما بقاء العلم الإجمالي الأوّل والآخر حدوث العلم الإجمالي الغروبي، فلا وجه لأن يقال: بأنَّ الإناء الأسود يسقط الأصل فيه بقطع النظر عن العلم الإجمالي الغروبي وحينئذٍ يبقى الأصل في الإناء الأحمر -الذي هو الطرف الآخر للعلم الإجمالي الغروبي- بلا معارض.

 هذا لا معنى له؛ لأنَّ سقوط الأصل في الإناء الأسود بلحاظ القطعة الغروبية يكون مستنداً إلى العلمين في عرض واحد، إلى بقاء أحدهما وحدوث الآخر، ولا موجب لتعيّن استناده إلى أحدهما دون الآخر.

وحينئذٍ فالأصل في الأسود بلحاظ القطعة الغروبية يسقط بالمعارضة مع كلا الأصلين، مع الأصل في الأبيض بلحاظ القطعة الغروبية، ومع الأصل في الأحمر بلحاظ نفس القطعة، فكلّ الأصول في نفس القطعة تسقط في عرض واحد.

إذن، فالنظرية العامّة الثانية للانحلال أيضاً غير تامّة؛ ومن هنا يتعيّن المسير معي للنظرية الثالثة وتتبرهن أيضاً.

وحاصلها: أنَّ العلمين الإجماليين المشتركين في طرف لا يبطل أحدهما منجّزية الآخر، سواء كان أحدهما متقدماً على الآخر علماً ومعلوماً أو علماً فقط. هذا هو تمام الكلام في التنبيه الخامس.

ــــــــــ[223]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 





التنبيه السادس: إذا كان لأحد الأطراف أثر زائد

 

  • تحقيق المسألة
  • كلام في بعض تطبيقات المسألة

ــــــــــ[225]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 








التنبيه السادس: إذا كان لأحد الأطراف أثر زائد

 

إذا تشكّل علم إجمالي له طرفان بينهما قدر مشترك ولأحد الطرفين أثر زائد على الآخر، ومثّل له في الدراسات بما إذا علم إجمالاً بنجاسة ماء مضاف أو ماء مطلق، فإنَّ كلتا النجاستين لهما أثر مشترك وهو حرمة الشرب، ولكن النجاسة في الماء المطلق لها أثر زائد وهو بطلان الوضوء به بخلاف الماء المضاف، فإنَّ الوضوء على أيّ حال به باطل سواء وقعت نجاسة فيه أو لا.

لا إشكال أنَّ العلم الإجمالي ينجّز بلحاظ القدر المشترك، فينجّز حرمة الشرب في كلا المائعين، ولكن هل ينجّز هذا الأثر الزائد، وهو بطلان الوضوء أو لا؟ وقع فيه كلام بين المحقّق النائيني والسيّد الأستاذ.

ذهب المحقّق النائيني إلى أنَّ العلم الإجمالي لا ينجّز الأثر الزائد، وذلك بدعوى: انحلال العلم الإجمالي بلحاظ الأثر الزائد، فإنَّ العلم الإجمالي في مثل هذا المثال يكون علماً بحرمة الشرب على كلّ تقدير، ويكون شكاً بدوياً في ذلك الأثر الزائد المفروض اختصاصه في أحد الطرفين. وحينئذٍ فبالنسبة إلى القدر المشترك يكون العلم الإجمالي ثابتاً ومنجّزاً، وبالنسبة إلى الأثر الزائد لا يكون منجّزاً؛ لأنّه خارج عن دائرة العلم الإجمالي ويرجع إلى الشك البدوي، وقد اكتفى في عدم تنجيز العلم الإجمالي للأثر الزائد بمجرّد هذا البيان الساذج.

ــــــــــ[227]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وذكر السيّد الأستاذ في مقام التعليق على كلام أستاذه على ما في الدراسات: أنَّ الصحيح في المقام هو أنَّ العلم الإجمالي يكون منجّزاً للأثر الزائد، فكما يتنجّز القدر المشترك كذلك الأثر الزائد.

وذكر في تقريب ذلك: أنَّ هذا الأثر الزائد في الماء وإن كان هو أمراً زائداً على القدر المشترك بين الطرفين وهو حرمة الشرب، إلَّا أنّه مؤمّن بالنسبة إليه حتّى نحكم بعدم وجوب الاحتياط بالنسبة إلى الأثر الزائد؛ لأنَّ المؤمّن بالنسبة إليه ليس إلَّا أصالة الطهارة الجارية بلحاظ القدر المشترك، فالمؤمّن بالنسبة إلى الأثر الزائد في الماء هو نفس المؤمّن بالنسبة إلى القدر المشترك في الماء، والمفروض أنَّ العلم الإجمالي بلحاظ القدر المشترك منجّز، وأنَّ الأصول تتعارض بلحاظه. إذن، فأصالة الطهارة في الماء تتعارض مع أصالة الطهارة في الماء المضاف، وبعد التعارض والتساقط لا يبقى عندنا مؤمّن من ناحية الأثر الزائد.

وظاهر هذه العبارة، بل صريحها أنّه يعترف بما ذكر المحقّق النائيني من أنَّ الأثر الزائد ليس طرفاً للعلم الإجمالي، بل هو شبهة بدوية، ولكنها سنخ شبهة بدوية لا مؤمّن بالنسبة إليها؛ لأنَّ الأصل المؤمّن بالنسبة إليها هو نفس الأصل المؤمّن بالنسبة إلى القدر المشترك المفروض سقوطه، فيكون منجّزاً من باب أنّه شك بلا مؤمّن، لا لأنّه طرف للعلم الإجمالي. فدور العلم الإجمالي في المسألة هو أنّه أوجب سقوط الأصل الوحداني المؤمّن الجاري في الماء بالمعارضة، لا أنّه ينجّز هذا الأثر الزائد باعتبار طرفيته له.

ــــــــــ[228]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ثُمَّ يقول بعد ذلك: هذا فيما إذا كان القدر المشترك في موضوعين، كما في المقام، فإنَّ القدر المشترك مردد بين موضوعين: هما الماء والمضاف. وأمّا إذا كانت في موضوع واحد، فهذا يدخل في باب دوران الأمر بين الأقل والأكثر، ولا إشكال في جريان البراءة عن الزائد، كما لو علمنا بنجاسة خصوص هذا المائع، واحتملنا زيادة على حرمة شربه أنّه لا يجوز التوضي به، فهذا بابه باب الأقل والأكثر، ولا إشكال حينئذٍ في الاقتصار في مقام التنجيز على الأقل ونفي الزائد بالأصول المؤمّنة.

فيرجع حاصل هذا الكلام بين ما إذا كان القدر المشترك في موضوع واحد أو في موضوعين، فعلى الثاني، وهو مصب كلام الميرزا، فهنا يسلم بأنَّ الأثر الزائد ليس طرفاً للعلم الإجمالي، ولكنه يدّعي أنَّ هذا الأثر الزائد قد سقط التأمين عليه بالمعارضة، وعلى الأوّل، فلا إشكال في جريان البراءة عن الزائد.

وهذا الذي أفاده ممّا لا يمكن القول به، لأنَّ مرجعه إلى التفصيل بين ما إذا كان هناك أصل مؤمّن آخر يستقل به الأمر الزائد وبين ما لم يكن ذلك، يعني: مقتضى مشيه في مقام تحقيق المسألة أن ينتهي إلى هذا التفصيل، ولعله انتهى إليه ولكن العبارة غير موضحة للمطلب؛ لأنَّ الأثر الزائد ليس دائماً يكون التأمين عنه بنفس الأصل المؤمّن عن القدر المشترك، بل أحياناً يكون التأمين عنه بأصل مستقل زائد على ذلك الأصل، ففي مثال نجاسة إمّا الماء أو المضاف، المؤمّن من ناحية صحّة الوضوء بالماء -الذي هو الأثر الزائد- هو نفس المؤمّن من ناحية حرمة الشرب، وهو أصالة الطهارة، ولكن في مثال آخر يكون الأصل الجاري 

ــــــــــ[229]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

في الأثر الزائد، أصلاً مستقلاً، كما لو علم إجمالاً بأنّه إمّا مطلوب بالنذر لزيد خمس دراهم أو مطلوب لعمرو بعشرة دراهم، فهنا القدر المشترك هو خمسة دراهم؛ لأنّه يعلم بوجوب دفعها على كل حال إمّا إلى زيد أو إلى عمرو. وهناك أثر زائد في أحد الطرفين وهو عمرو وهو وجوب دفع خمسة ثانية أيضاً.

فهنا لو بُني على ما بنى عليه الميرزا، من دون الأثر الزائد خارج عن العلم الإجمالي، فلا أصل برأسه؛ لأنَّ الأصل في دفع الخمسة الثانية لعمرو غير الأصل المؤمّن عن دفع الخمسة الأولى له، فإنّا نشك في وجوب دفع خمسة دراهم لعمرو والأصل عدم الوجوب، ونشك في دفع خمسة أخرى له، والأصل عدم الوجوب، فيلزم أن يفصّل بين ما إذا كان هناك أصل برأسه بلحاظ الأثر الزائد وبين ما لم يكن، فإن كان هناك أصل برأسه فيجري هذا الأصل؛ وذلك لأنَّ الأثر الزائد ليس طرفاً للعلم الإجمالي، حسب ما ادّعاه الميرزا وما أمضاه السيّد الأستاذ، فهو شبهة بدوية وفيها أصل مؤمّن، فلا بأس بجريانه من دون معارضة.

 وأمّا إذا لم يكن فيه أصل برأسه، بل كان الأصل فيه هو نفس الأصل الجاري بلحاظ القدر المشترك، كما في مثال القدر المشترك، فيقال: بأنَّ هذا الأصل الواحد سقط بالمعارضة. 

والذي أتذكره تذكراً ضنياً أنّه فصّل هذا التفصيل في البحث، وإن لم يكن موجوداً في الدراسات، إلَّا أنَّ هذا التفصيل غير صحيح في المقام؛ وذلك لأنَّ الأثر الزائد، وهو عدم جواز الوضوء في المثال الأوّل، أو وجوب دفع خمسة 

ــــــــــ[230]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ثانية من الدراهم في المثال الثاني. هذا الأثر الزائد إما أن نقول: إنّه ليس طرفاً للعلم الإجمالي وإمّا أن نقول: إنه طرفاً له.

فإن قلنا بأنّه ليس طرفاً له، والعلم الإجمالي واقف على القدر المشترك فقط، ولا يسري إلى الأثر الزائد -كما هو صريح الميرزا وظاهر السيّد الأستاذ، بل صريحه- فحينئذٍ ينبغي أن يقال: بأنّنا نتمسّك بالأصل المؤمّن في الأثر الزائد، سواء كان له أصل برأسه أو كان أصله هو نفس الأصل الجاري بلحاظ القدر المشترك، كما في المثال المصرّح به في كلام الدراسات، وهو ما إذا علم إجمالاً بنجاسة ماء أو مضاف، هنا لا بأس بالتمسك بأصالة الطهارة لنفي الأثر الزائد لنفي بطلان الوضوء بالماء. 

وأما قولكم: إنَّ هذا الأصل هو نفس الأصل الجاري بلحاظ القدر المشترك والمنجّز بالعلم الإجمالي فيكون ساقطاً بالمعارضة مع الأصل الجاري(1) في المضاف.

 فجوابنا على ذلك: أنَّ قوله: “كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنه قذر” مرجعه إلى التعبد بآثار الطهارة الواقعية في مقام الظاهر، وحين أنّها متعدّدة في الماء، فلا محالة ينحل إلى تعبدات متعددة: إلى تعبد بجواز شربه، وإلى تعبد بجواز التوضي به، وإلى تعبد الجواز الاغتسال به، أو في التراب: إلى تعبد بجواز التيمم به، وبجواز السجود عليه، وهكذا. ومن هنا يفتي الفقيه بترتب تمام الآثار عليه لأجل شمول التعبد الظاهري لتمام تلك الآثار.

ــــــــــ[231]ــــــــــ

() أصالة الطهارة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فإذا سلّمنا هذا الانحلال فهنا عندنا تعبدان: تعبد بجواز شربه، وتعبد بجواز الوضوء به، تنحل أصالة الطهارة في الماء إلى هذين التعبدين. وهذان التعبدان ثابتان بإطلاق قوله: (طاهر) الذي تقتضي ترتيب تمام الآثار الواقعية عليه.

 والمفروض أنَّ ما هو داخل في العلم الإجمالي ومنجّز به هو مسألة الشرب الذي هو القدر المشترك لا مسألة الوضوء. إذن، فالتعبد التحليلي الأوَّل بجواز الشرب يسقط، يعني: نرفع اليد عن إطلاق أصالة الطهارة في الماء لا عن أصلها فيه، فأحد الإطلاقين يسقط بمقتضى تنجيز العلم الإجمالي، وأمّا إطلاق الأصل الآخر الذي لم يقع طرفاً للعلم الإجمالي فلا بأس به.

وهذا ما نسميه بالتبعيض في جريان الأصل في مقام الآثار، وهو أمر صحيح كليةً، وفي كلّ مورد يكون للأصل أثران ثابتان بنفس التعبد بالأصل، وأحدهما طرف للعلم الإجمالي والآخر ليس طرفاً له، نقتصر في مقام رفع اليد عن الأصل، على إطلاقه لذلك الأثر، لا أننا نلتزم بارتفاع أصالة الطهارة رأساً.

إذن، فمع المشي على مشرب الميرزا القائل بأنَّ الأثر الزائد ليس طرفاً للعلم الإجمالي، يجب أن نقول في المقام بالتمسّك بأصالة الطهارة بلحاظ بعض الآثار دون بعض. ومقتضى هذا أن لا نفصّل، بل نحكم في تمام الموارد بأنَّ الأثر الزائد ليس منجّزاً، كما حكم الميرزا.

وأمّا إذا مشينا على المشرب الآخر -الذي هو الصحيح على ما سوف نعرف بعد ذلك- وهو أنَّ الأثر الزائد طرف للعلم الإجمالي وليس بمعزل عنه، 

ــــــــــ[232]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فحينئذٍ الأصل المؤمّن في الأثر الزائد سواء كان هو نفس الأصل المؤمّن في القدر المشترك أو هو أصل برأسه، على كلا التقديرين يقع طرفاً للمعارضة مع ذلك الأصل الجاري في القدر المشترك في الطرف الآخر. 

فمثلاً في هذا المثال نقول: بأنَّ أصالة الطهارة بكلا لحاظيها في الماء: وهما لحاظ تجويزها لشربه ولحاظ تجويزها للتوضي به، تعارض مع أصالة الطهارة في المضاف بلحاظ تجويزها لشربه؛ لأنَّ الأثر الزائد هنا وقع طرفاً للعلم الإجمالي، وكذلك إذا كان في الأثر الزائد أصل برأسه أيضاً نقول: بأنَّ أصالة البراءة عن وجوب دفع الخمسة الأولى إلى عمرو، وأصالة البراءة عن وجوب دفع الخمسة الثانية له، كلا هذين الأصلين يعارض أصلاً واحداً في الطرف الآخر، وهو أصالة البراءة عن وجوب دفع خمسة واحدة لزيد؛ لأنَّ المفروض أن الأثر الزائد وقع طرفاً للعلم الإجمالي.

إذن، فتمام ما ينبغي أن يحقق هنا هو نكتة: أنَّ الأثر الزائد هل يقطع طرفاً للعلم الإجمالي، لا أنَّ الأثر الزائد هل هناك أصل يخص رأسه أو لا؟ فإنَّ هذا لا دخل له في تحقيق المسألة، وإنما ملاكها هو ذاك.

ــــــــــ[233]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 







تحقيق المسألة

 

وتحقيق المسألة حينئذٍ على ضوء هذه النكتة:

أن يقال: بأنَّ القدر المشترك إمّا أن يكون في موضوع واحد، وإمّا أن يكون في موضوعين، فإن كان القدر المشترك في موضوع واحد، فإمّا أن يكون الأثر الزائد مرتبطاً بالقدر المشترك، وإمّا أن يكون مستقلاً عنه. 

مثال المستقل عنه: كما إذا علمت بوجوب دفع خمسة دراهم لزيد للدَّين واحتملت وجوب دفع الزائد له أيضاً، فهنا الموضوع واحد، وهذا يدخل في باب الأقل والأكثر الاستقلاليين الذي لا إشكال فيه في جريان أصالة البراءة عن الزائد، وعدم تشكل علم إجمالي أصلاً. 

وأما إذا فرضنا أنَّ الزائد مع الأقل في الموضوع الواحد مرتبطين. 

مثاله: ما إذا علمت إجمالاً بأني نذرت أن أعطي زيد إمّا خمسة دراهم أو عشرة دراهم على وجه المجموعية، وهذا يدخل في مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين التي سوف نقرؤها فيما بعد، ونعرف أنَّ الصحيح فيها هو جريان البراءة عن الزائد.

إذن، فإذا كان القدر المشترك في موضوع واحد، فلا إشكال في جريان البراءة عن الأثر الزائد سواء كان بنحو الارتباط أو بنحو الاستقلال.

ــــــــــ[234]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وأمّا إذا كان القدر المشترك الذي هو الأقل في موضوعين لا في موضوع واحد، فإمّا أن نفرض أنَّ الزائد مع الأقل استقلاليين، وإمّا أن نفرضهما ارتباطيين. 

مثال الاستقلاليين: هو ما سبق من أنّنا نعلم بوجوب دفع مقدار إلى أحد الشخصين، لكن إن كان الدائن هو زيد فديَّنه خمسة، وإن كان الدائن عمر فديَّنه عشرة دراهم. فهنا القدر المشترك وهو الخمسة في موضوعين، والخمسة الثانية استقلالية عن الأولى كما هو معلوم.

ومثال: ما إذا كانا في موضوعين مع الارتباطية، هو نفس هذا المثال، إذا حوّلناه إلى النذر، كما لو علمنا بأنّنا نذرنا أنّنا نعطي إلى أحد الشخصين إمّا زيد أو عمرومجموع دراهم -بنحو العام المجموعي- ولا ندري هل هو خمسة دراهم لزيد أو عشرة لعمرو، فهنا القدر المشترك مردد بين موضوعين، والخمسة الثانية المحتملة في عمرو مرتبطة بالخمسة الأولى؛ لأنَّ العشرة على تقدير ثبوتها واجب ارتباطي لا واجبات استقلالية متعددة.

أمّا في الأوّل، وهو أنَّ القدر المشترك كان في موضوعين والزائد كان مستقلاًن فهنا قد يتوهم بأنَّ الزائد ليس طرفاً للعلم الإجمالي، كما ذكره المحقّق النائيني، وأن العلم الإجمالي في المثال ينحل بحسب الحقيقة إلى العلم بالخمسة على كلّ تقدير والشك البدوي في الخمسة الثانية لعمرو.

 وما يمكن أن يقرّب به تقريباً صورياً هو أن يقال: بأنّنا نعلم وجداناً بخطاب إلزامي من قبل المولى لا دخل للخمسة الثانية في امتثاله جزماً. ونشك في وجود خطاب آخر مضاف إليه يكون امتثاله بالخمسة الثانية، أو في مثال 

ــــــــــ[235]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الدراسات، نقول: نعلم وجداناً بخطاب ليس لترك الوضوء دخل في تمام امتثاله وهو خطاب لا تشرب، ونحتمل بالإضافة إليه خطاباً آخر في المقام، فيرجع الشك في الأثر الزائد إلى الشك البدوي.

إلَّا أنَّ هذا مجرّد صورة في المقام لأن نفس هذا البيان، يمكننا أن نعمله مع تبديل الأثر الزائد بالقدر المشترك، بأن نقول: بأننا نعلم بخطاب ليس لترك شرب الماء دخل في امتثاله أصلاً وهو خطاب مردد امره بين: (لا تشرب المضاف) أو (لا تتوضأ بالماء) ونشك زائداً عليه بخطاب آخر يكون ترك شرب الماء دخيلاً في امتثاله.

وهذا يكشف لنا أنّه في الحقيقة هناك علمان إجماليان لا علم إجمالي واحد، وأنَّ القدر المشترك في الطرف الأقل وقع طرفاً لعلمين إجماليين، فنحن نعلم إجمالاً بحرمة شرب المضاف أو حرمة شرب الماء، ونعلم إجمالاً إمّا بحرمة شرب المضاف أو بحرمة التوضي بالماء.

 فحرمة شرب المضاف طرف لعلمين إجماليين، وأيّ واحد من هذين الأثرين في الماء حذفناه يبقى لنا علم بخطاب، وهذا معناه أنَّ العلمين عرضيان، ومعه لا بُدّ أن ينجّزا في عرض واحد، ولا معنى لتنجيز أحدهما وما نعيته عن تنجيز الآخر، والأثر الزائد حينئذٍ يتنجز بأحد هذين العلمين الإجماليين، وإذا تتنجز تتساقط الأصول بالمعارضة، من دون فرق بين أن يكون الأثر الزائد له أصل يخصه أو بين ما إذا لم يكن له أصل يخصه، فإنّا ذكرنا أنَّ ذلك لا دخل له في حساب المطلب. 

هذا كله فيما إذا كانا استقلاليين. 

ــــــــــ[236]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وأمّا إذا كان ارتباطيين، بأن أعلم أنّي نذرت صوم يوم إمّا أوّل رجب وإمّا أوّل شعبان وثاني شعبان بنحو الارتباط والمجموعية على التقدير الثاني، هنا لا ينبغي أن يقال بالانحلال، وبخروج الأثر الزائد عن العلم الإجمالي وكفاية الامتثال في ضمن القدر المشترك، ولو قلنا به في الاستقلالي. فإنَّ صورة ذلك البيان أيضاً لا تأتي في المقام، وهو أن نقول: إنّه لنا علم بخطاب مولوي إلزامي ليس لصوم اليوم الثاني من شعبان دخل فيه، ليس لنا علم بذلك، بل نحتمل أن يكون صوم اليوم الثاني من شعبان دخيلاً فيه ولا نحتمل كون الصوم الأوّل مجزياً في المقام؛ لأنّه إما ليس بواجب وإمّا واجب ضمني، وليس حاله حال الأقل في ما سبق فإنّه كان استقلالياً على تقدير وجوبه. 

ففي مثل هذا المقام تكون طرفية الأثر الزائد للعلم الإجمالي أوضح، من دون فرق أيضاً بين أن يكون هناك أصل يخصه في مقام التأمين أو لا.

فاتضح بذلك: أنَّ مقتضى القاعدة فيما إذا كان هناك أثر زائد، وكان القدر المشترك في موضوعين، مقتضاها هو تنجّز الأثر الزائد لأجل وقوعه طرفاً للعلم الإجمالي، بلا فرق بين أن يكونا استقلاليين أو ارتباطيين، وأن يكون هناك أصل يخصه أو لا يكون.

ــــــــــ[237]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 





 

كلام في بعض تطبيقات المسألة

 

بقي علينا أن نقول من تبعات التنبيه السابق:

أنّه فيما إذا كان الأثر المشترك في موضوع واحد، قلنا: إنه لا إشكال في عدم تشكل العلم الإجمالي من ناحية التكليف والرجوع إلى الأصول المؤمّنة بالنسبة إلى الزائد، كمثال الدراسات: أنَّ زيداً إمّا أن يجب دفع خمسة دراهم إليه أو عشرة.

إلَّا أنَّ السيّد الأستاذ في الدراسات استدرك: وذكر أنَّ الأصول المؤمّنة إنَّما تجري على الأثر الزائد، فيما إذا لم يكن هناك أصل موضوعي حاكم على الأصل المؤمّن النافي للزائد، بحيث كان هذا الأصل مثبتاً للزائد، والَّا فلا إشكال في تقديمه. 

وهذا الاستثناء في نفسه من القضايا التي قياساتها معها، وإنَّما ذكرناه لأجل التطبيق الذي وقع من السيّد الأستاذ، حيث طبّق ذلك على ما إذا علم بإصابة نجاسة للثوب وتردّد أمرها بين أن تكون قطرة دم أو قطرة بول، فيُعلم إجمالاً إما بوقوع الدم أو البول. والقدر المشترك بين طرفي العلم الإجمالي هو وجوب غسل الثوب مرة واحدة، فإنّه ثابت على كلا التقديرين، ولكن البول له أثر زائد وهو وجوب الغسل مرة ثانية لأجل القول بوجوب التعدّد في المتنجس بالبول. 

ــــــــــ[238]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هنا لا تجري أصالة عدم وجوب الغسلة الثانية لوجود أصل حاكم عليه مثبت لهذا الأثر الزائد، وهذا الأصل هو استصحاب النجاسة. فإنَّ هذا الثوب قبل الغسلة الأولى كان يعلم بنجاسته على أيّ حال، وبعد الغسلة الأولى يُشك في أنّه ارتفعت النجاسة عنه أو لا، فإن كان دماً فقد ارتفعت وإن كان بولاً فهي باقية، فيجري استصحاب النجاسة ويكون مقدّماً على أصالة البراءة. 

هذا الكلام ممّا لا ينبغي صدوره من مثله، وذلك لعدم صحّة تعيّن الأصل المحكوم للمحكومية فيما ذكره، وعدم تعيّن الأصل الحاكم للحاكمية. 

أمّا من ناحية الأصل المحكوم حيث ذكر: أنَّ أصالة عدم وجوب الغسلة الثانية، أصل ينفي الأثر الزائد في نفسه، ولكنه محكوم لاستصحاب بقاء النجاسة. أيّ أصل محكوم هذا؟ فإن وجوب الغسل ليس وجوباً نفسياً لكي يكون الشك في الزائد منه مجرى للبراءة، وإنَّما هو وجوب شرطي بمعنى أنَّ ارتفاع النجاسة محدد ومشروط بالغسل، بمعنى توقف ارتفاع النجاسة على الغسلة الثانية، وهذا التوقف لا يمكن نفيه بأصالة البراءة كما هو واضح. فأصالة عدم وجوب الغسلة الثانية لا يكون أصلاً في نفسه حتّى نتكلّم عن محكوميته.

وأمّا الأصل الذي فرضه حاكماً عليه، وهو استصحاب النجاسة، فهذا أصل جارٍ في نفسه، لا بأس به، باعتبار أنَّ هذا الثوب قبل الغسلة الأولى كان معلوم النجاسة ويشك في بقاء النجاسة له بعد ذلك، إلَّا أنَّ هذا الاستصحاب هو الذي ينبغي أن يجعل في المقام أصلاً محكوماً ويطلب الحاكم عليه. بمعنى: أنّه لا يجري في المقام لوجود أصل حاكم عليه، وهو استصحاب عدم الملاقاة مع البول. 

ــــــــــ[239]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

توضيحه: أنَّ المستفاد من أخبار الانفعال، ومن اطلاقات الأمر بالغسل: (إن كل شيء يتنجس يطهر بالغسل مرة واحدة) ولو خلينا نحن وهذه المطلقات في نفسها لقلنا بكفاية الغسل مرة واحدة حتّى في المتنجس بالبول، غاية الأمر، وجد مقيد منفصل أخرج البول، وقال: اغسل من  أبوال ما لا يؤكل لحمه مرتين، فيؤخذ عدم المخصّص المنفصل قيداً في موضوع العام، فيصبح موضوع العامّ مركّباً من جزئين أحدهما: أصابه نجس وثانيهما: كون النجس بولاً، وكونه أصابه نجس متعيّن وكونه أصابه بول مشكوك فيبقى بالاستصحاب، إمّا باستصحاب العدم النعتي أو باستصحاب العدم الأزلي، فيتنقح بذلك موضوع العام، وهو أنَّ هذا ثوب أصابه نجس ولم يلاق مع البول، فيكون مشمولاً للعمومات القاضية بكفاية الغسل مرة واحدة.

ولا يعارض استصحاب عدم الأزلي البولية أو عدم الملاقاة النعتي مع البول، باستصحاب عدم الدمية أو عدم الملاقاة مع الدم؛ لأنَّ ذاك ليس له أثر زائد؛ إذ ماذا يراد بهذا الاستصحاب، هل يراد نفي نجاسته رأساً؟ فهذا معلوم البطلان تفصيلاً، أو يراد نفي أثر الزائد؟ فالمفروض أنَّ الدم ليس له أثر زائد. 

فاستصحاب عدم البولية أو عدم الملاقاة معه، يكون جارياً ومنقحاً لدخول هذا الفرد تحت موضوع المطلقات، ويكون هذا الاستصحاب حاكماً على استصحاب النجاسة.

هذا هو تمام الكلام في التنبيه السادس.

ــــــــــ[240]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 





التنبيه السابع: فيما إذا كان العلم الإجمالي                   تعبدياً علماً أو معلوماً

 

  • العلم الإجمالي بالحكم الظاهري
  • العلم الإجمالي التعبدي

ــــــــــ[241]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 









التنبيه السابع: فيما إذا كان العلم الإجمالي تعبدياً علماً أو معلوماً 

 

بأن يعلم وجداناً بتكليف واقعي، هو إما وجوب صلاة الظهر أو الجمعة. 

وأخرى يكون وجداني علماً لا معلوماً، كما لو فرض أنني علمت إجمالاً بقيام البينة على نجاسة أحد هذين الإنائين. فهنا العلم وجداني لأني أعلم وجداناً بشهادة البينة ولكن المعلوم ليس أمراً واقعياً يعني الوجود الواقعي للنجاسة لأني احتمل أن البينة اشتبهت من أول الأمر، وإنما المعلوم هو الحكم الظاهري على طبق البينة.

وثالثة ينعكس المطلب فيكون المعلوم وجداناً دون العلم، كما لو قامت البينة من أوّل الأمر على الفرد المردّد وشهدت بأنَّ أحد هذين الإنائين أصابته النجاسة، فمتعلق العلم الإجمالي يكون هو النجاسة الواقعية، ولكن نفس العلم يكون علماً تعبدياً لا علماً واقعياً.

طبعاً هذا التشقيق ليس تشقّيقاً دقيقاً؛ لأنّها استعارات وكنايات، ولكن المقصود منها هو الدخول في أحكام شقوق هذا المطلب:

أمّا الشقّ الأوّل: وهو ما إذا كان العلم وجدانياً كشفاً ومنكشفاً، فهذا هو 

ــــــــــ[243]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الذي كنا نتكلّم فيه إلى حد الآن، وتبينا منجّزيته وقوانين تنجيزه.

وأمّا الشقّ الثاني: وهو ما إذا كان العلم وجدانياً من حيث الانكشاف ولم يكن وجدانياً من حيث المنكشف، بمعنى: أنّه علم إجمالي وجداني لكن بالحكم الظاهري لا الواقعي، كما في المثال الذي ذكرناه. 

ــــــــــ[244]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 














العلم الإجمالي بالحكم الظاهري

 

هذا العلم الإجمالي حاله حال العلم الإجمالي الأوّل؛ إذ لا يُفرق بين العلم الإجمالي بالنجاسة الواقعية المرئية بالعين، أو بالنجاسة التعبدية الثابتة بالبينة، فكما أنَّ العلم الأوّل، يكون منجّزاً كذلك هذا العلم. من دون فرق أن يقع في الشبهة الموضوعية كما في هذا المثال، أو أن يكون في الشبهة الحكمية، كما لو علمت إجمالاً بأنَّ هناك ثقة تامّ الجهات أخبر عن الإمام بوجوب شيء مردّد بين كون الدعاء عند رؤية الهلال، أو هو صلاة العيد. فإنه أيضاً يتشكّل علم إجمالي وجداني بحكم ظاهري في أحد شبهتين حكميتين، ويكون منجّزاً بحسب قوانين التنجيز التي فرغنا عنها، ويجب موافقته القطعية فضلاً عن حرمة مخالفته القطعية، إلَّا أنّه بالتأمل والتدقيق يظهر جهات بين هذا العلم وبين العلم الذي فرغنا عنه، الذي يكون متعلقاً بالواقع رأساً. 

وهذه الفروق قد تؤثر أحياناً بعض الآثار العملية التي يختلف معها الحال؛ ولهذا لا بُدّ من التدقيق في إبراز نكات الفرق بين هذا العلم وذلك العلم.

فأوّلاً: أنَّ هناك فرقاً جوهرياً بين علاقة الأصول المؤمّنة بعضها مع بعض في هذا العلم وبين علاقتها بعضها مع بعض في العلم الأوّل، أي: العلم الإجمالي بالنجاسة الواقعية، فإنّه في العلم الإجمالي الأوّل هكذا كنا نقول: بأنَّ 

ــــــــــ[245]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

استصحاب الطهارة أو أصالتها في هذا الطرف جار في نفسه، وكذلك في ذاك الطرف، غاية الأمر باعتبار أنَّ جريانهما معاً يؤدّي إلى محذور الترخيص في المخالفة القطعية وهو محذور عقلائي عندنا عقلي عندهم، فلا يجري الأصلان معاً، فتقع المعارضة بين الأصلين ويتساقطان، ففي العلم الإجمالي الأوّل، كان كلّ أصل في نفسه لو لا الأصل الآخر لكان حجّة، وتقع التعارض بين الحجّتين.هذا ما كنا نقوله هناك.

أمّا ما نقوله هنا، وهو ما إذا شهدت البينة بنجاسة إناء بعينه واختلط بإناء آخر، فحصل علم إجمالي بنجاسة أحدهما، هنا يوجد أصل من سنخين: توجد أصول تجري بلحاظ الحكم الواقعي ابتداءً وتؤمّن من ناحية، وتوجد أصول أخرى تؤمّن من ناحية نفس الحكم الظاهري المجعول على طبق البينة والأصول الأولى هي في عرض الحكم الحاكم الظاهري المجعول على طبق البينة، هي تؤمّن وتلك تعذّر، من قبيل أصالة الطهارة أو استصحابها أو استصحاب عدم ملاقاة البول مع هذا الإناء ونحو ذلك، فهي أصول تؤمّن عن الواقع ابتداء في عرض تنجيز البينة له ابتداء، غاية الأمر أنَّ البينة مقدّمة عليها لوجه فرغنا عنه في الفقه.

والقسم الآخر من الأصول، مؤمّن من ناحية نفس الحكم الظاهري المجعول على طبق البينة، وهو في طول البينة، من قبيل استصحاب عدم قيام البينة على نجاسة هذا الإناء، فهذه الأصول في طول الشكّ في الحكم الظاهري، فهذان سنخان من الأصول.

أمّا السنخ الأوّل من الأصول، وهي التي تؤمّن من ناحية الواقع ابتداءً وفي 

ــــــــــ[246]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

طول الشك فيه، وهي التي كنا نجد نظيراً لها في العلم الإجمالي الأوّل، فهي هنا غير متعارضة على نحو تعارض الحجّة مع الحجّة، بل هذان الأصلان -مثلاً أصالة الطهارة في هذا الطرف وأصالة الطهارة في ذاك الطرف- نعلم بأنَّ أحدهما المعيّن ليس بحجّة والآخر حجّة؛ لأنّنا نعلم بأنَّ أحد أصالتي الطهارة ابتلي بدليل مقدّم على دليله، وهو دليل حجّيّة البينة. إذن، فأحد الأصلين المعيّن في نفسه ساقط وإطلاق الدليل له مضمحل، غاية الأمر لا أدري أنَّ الساقط أيّهما: فيصير الاشتباه من باب اشتباه الحجّة باللاحجّة لا من باب تعارض الحجّتين كما هو الحال في العلم الإجمالي الأوّل، فإنّه هناك كان كلّ واحد من الأصلين لو لا الآخر، هو حجّة لكن هنا ليس كلّ واحد من الأصلين لو لا الآخر حجّة، بل أحدهما في نفسه ساقط بقطع النظر عن الأصل في الآخر؛ لأجل ابتلائه بالبينة في مورده. فهذا بابه باب تعارض الحجّة باللاحجة لا باب تعارض الحجّتين.

وأحد الأصلين جاري والآخر ساقط، وأنا لا أعلم أيّ منهما الجاري وأيّ منهما الساقط، فهل لي طريق إلى تعيين ذلك؟

الطريق الذي يتبادر إلى الذهن ابتداءً هو الرجوع إلى الأصول من النوع الثاني، يعني: الأصول التي تجري في طول الشكك في قيام البينة.

وذلك بأن أقول: إنَّ أصالة الطهارة ما يسقطها هو قيام البينة؛ لأنَّ دليل أصالة الطهارة قيد موضوعه بملاك الحكومة أو التخصيص بعدم البينة، فأنّا أجري استصحاب عدم البينة هنا، فأنقح ببركة الاستصحاب موضوع حجّيّة أصالة الطهارة، في هذه المرحلة يقع التعارض، ويصير من باب تعارض 

ــــــــــ[247]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الحجّتين؛ لأنَّ استصحاب عدم قيام البينة الذي ينقح لنا موضوع أصالة الطهارة جار في نفسه في كلّ من الطرفين وحجّة، إلَّا أنَّ جريانه في كلّ طرف يعارض جريانه في الطرف الآخر؛ لأنَّ جريانهما معاً غير ممكن 

وجريان أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، وإنَّما لا يجريان معاً لأنَّ نسبتهما إلى التكليف البيّني المعلوم إجمالاً هو نسبة الأصول المؤمّنة في العلم الإجمالي الأوّل إلى التكليف الواقعي المعلوم إجمالاً، فكما أنَّ جريان الأصول في تمام أطراف العلم الإجمالي الأوّل، كان يوجب محذوراً عقلائياً وهو الترخيص في المخالفة القطعية للواقع، كذلك هنا بعين البيان أيضاً بأن يقال: إنَّ العرف يرى أنَّ المولى الذي جعل البينة الواقعية المردّدة حجّة، معنى جعله لها حجّة هو إبراز شدة اهتمامه بالواقع المعيّن، وهذا الاهتمام ينافي مع إجراء الأصول في تمام الأطراف، منافاة عقلائية لا منافاة عقلية.

إذن، فالأصول من القسم الأوّل الجارية بلحاظ الواقع بابها باب اشتباه الحجّة باللاحجّة، وأمّا الأصول من القسم الثاني فهو من تعارض الحجتين.

طبعاً هذا الفارق فارق جوهري صناعي، وسوف يظهر في خلال تسلسل الفوارق، أنَّ هذا مؤثر عملاً في مقام الاستنباط أحياناً.

من(1) دون فرق في هذا الذي نقوله: بين أن نبني على أنَّ حجّيّة البينة، 

ــــــــــ[248]ــــــــــ

() قال بعد أن عنون المسألة وذكر القسمين من الأصول، وقال: بأنَّ القسم الأوّل منهما يكون من قبيل اشتباه الحجّة باللاحجّة؛ لأنَّ مورد قيام البينة وغيره وإن كان معيناً في الواقع إلَّا أنّه مشتبه عندي، كما سبق: (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بوجودها الواقعي تكون رافعة لمدلول دليل أصالة الطهارة، أو بوجودها فإن هناك خلافاً بيننا وبين الأعلام في عنوان يعم المقام، وهو: الخلاف في أنَّ الأحكام الظاهرية الواقعية في مرتبة واحدة، هل تكون متعارضة بوجودها الواقعي أو لا تكون متنافية بوجودها الواقعي؟ 

فإن كان هناك حكم ظاهري إلزامي منجّز بحسب طبعه وحكم ظاهري آخر ترخيصي، هل يتعارضان بوجوديهما الواقعيين أو بوجوديهما الواصلين؟ عند الأعلام هو الثاني؛ لأنَّ الأحكام الظاهرية عندهم مجرّد إنشاءات فلا يكون فيما بين الحكمين الظاهريين بوجودهما الواقعي تعارض، وإنَّما التعارض فيما بينهما في مرحلة الوصول؛ لأنَّ وصول ذاك ينجّز ووصول هذا يعذّر، ويستحيل اجتماع التنجيز مع التعذير.

وأمّا عندنا فالحكمان الظاهريان الواقعان في مرتبة واحدة، متنافيان بوجوديهما الواقعي، بوجودهما الواصل فقط بلحاظ التنجيز والتعذير؛ لأنَّ الخطابات الظاهرية ليست مجرّد لقلقلة لسان، أو مجرّد لفظ، بل هي عبارة عن إبراز شدة اهتمام المولى لو كان الخطاب إلزامياً أو عدم شدة اهتمامه لو كان الخطاب ترخيصياً، ويستحيل أن يكون المولى شديد الاهتمام ولا شديد الاهتمام في مرتبة واحدة.

فالحكمان الظاهريان عندنا متنافيان بوجوديهما الواقعي، لو كانا في مرتبة واحدة، ومقصودي من كونهما في مرتبة واحدة، يعني: كلاهما ناظر إلى الواقع، لا أنَّ أحدهما ناظر إلى الآخر ومتعرض لحال الشك في الآخر، كالأصل الجاري عند الشكّ في حجّيّة البينة. 

ــــــــــ[249]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ويتفرع على ذلك: أنَّ حجّيّة البينة وأصالة الطهارة، حيث إنّهما حكمان ظاهريان في مرتبة واحدة؛ لأنّهما معاً ناظران إلى الواقع، أحدهما ينجّز والآخر يؤمّن. إذن، فهما بوجودهما الواقعي متنافيان، فمع شمول البينة لمورد يستحيل شمول دليل أصالة الطهارة لذلك المورد، وهذا معنى أنّه بوجوده الواقعي رافع لدليل أصالة الطهارة، سواء كان هذا التقديم بالورود أو بالحكومة أو بالتخصيص، فإن هذا كلام آخر.

وأمّا عند الأعلام، فدليل حجّيّة البينة بشموله الواقعي، لا يرفع موضوع دليل أصالة الطهارة، بل يرفعه بشموله الواصل، فلو فُرض أنَّ هناك بينة تدلّ على نجاسة هذا الإناء، لكن أنّا لا أدري بها، فدليل أصالة البراءة شامل واقعاً لهذا الإناء. وأمّا دليل أصالة البراءة فغير شامل عندنا لهذا الإناء واقعاًن فلو شكّ في أنّه هل هناك بينة أو لا؟ بنحو الشك البدوي.

 فعند الأعلام: إننا نتمسّك بنفس دليل أصالة الطهارة، لأنَّ مدلوله لا ينافي البينة بوجودها الواقعي، بل ينافيها بوجوده الواصل، والوجود الواصل محرز العدم.

وأمّا عندنا فلا يمكن التمسّك بدليل أصالة الطهارة؛ لأنّه يكون شبهة مصداقية لدليل الأصل، فإنَّ هذا الدليل قيّد بأن لا يكون هناك بينة، وأنّا اشكّ في أنه هناك بينة أو لا.

ففي مثل ذلك نجري الاستصحاب الموضوعي وهو استصحاب عدم قيام البينة، وبه نحرز أصالة الطهارة، وحينئذٍ نثبت أصالة الطهارة تعبداً. هذا هو مسلكنا، وهذا هو مسلك الأعلام. 

ــــــــــ[250]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

نقول: إنّه في مسألتنا لا فرق بين المسلكين، أي سواء قلنا: إنَّ البينة بوجودها الواقعي رافعة لدليل أصالة الطهارة أو بوجودها الواصل، على كلّ حال هي هنا رافعة لدليل أصالة الطهارة في أحد الإنائين بعينه. أمّا على مسلكنا فواضح؛ لأنَّ وجودهما الواقعي محرز في أحد الإنائين. وأمّا على مسلك الأعلام فكذلك؛ لأنّها معلومة إجمالاً، والعلم الإجمالي كالعلم التفصيلي من هذه الناحية، فهي في المقام تكون رافعة لموضوع أصالة الطهارة في أحد الموضوعين المعيّن عند الله والمردّد عندنا، فأحد الأصلين ساقط والآخر جاري، ولا أستطيع أميّز بينهما، وهذا معناه اشتباه الحجّة باللاحجّة.

كيف أستطيع أن أعيّن الحجّة؟ هنا يتبادر إلى الذهن أوّلاً: بأننا نرجع إلى الأصول من النوع الثاني، فنجري استصحاب عدم قيام البينة في هذا الإناء، وبه أنقح موضوع دليل أصالة الطهارة، إلَّا أنَّ هذا غير صحيح؛ لأنَّ هذا الاستصحاب باستصحابه هناك. نعم، لو كان الشك بدوياً لأمكن جريانه، لكن حيث إنّنا نعلم إجمالاً بقيامها، فاستصحاب عدم قيامها هنا مبتلي بالمعارض، وفي مرحلة هذه الأصول يكون بابه باب التعارض بين الحجّتين؛ لأنَّ كلّ واحد من الاستصحابين حجّة لو لا الآخر إلى هنا لا يبدو هناك فرق عملي، وإنَّما هذا فقط فرق في فلسفة الموقف بين العلمين، من دون أن يختلف المنتوج الفقهي لهذا الموقف عن ذلك الموقف؛ إذ على أيّ حال بالتالي لا نرجع إلى الأصول المؤمّنة لا هنا ولا هناك، ونفتي بمنجّزية هذا العلم الإجمالي. 

الفارق الآخر، لو فرضنا أنَّ هذا العلم الإجمالي، كانت في أحد طرفيه أصل 

ــــــــــ[251]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

مثبت للواقع، وفي الآخر أصل نافٍ، فإننا قبل لحظة كنا نتكلّم فيما إذا كان هذان الإناءان اللذان يعلم بقيام البينة على أحدهما، كلّ واحد منهما في نفسه مورد للأصل المؤمّن كأصالة الطهارة. هنا نفرض أن أحدهما مورد لأصل مؤمّن بلحاظ الواقع والآخر مورد لأصل مثبت بلحاظه، في أحدهما استصحاب النجاسة وفي الآخر أصالة الطهارة، ونريد أن نرى أنّه هل هناك فرق بين العلم الإجمالي هنا وبين علمنا الإجمالي الأوّل، وهو العلم الإجمالي بالنجاسة الواقعية. 

فإنا كنا نقول هناك: بأنَّ العلم الإجمالي ليس منجّزاً، بل لا بأس بإجراء الأصل المثبت في مورده والأصل النافي في مورده؛ لأنَّ الأصل النافي ليس له معارض؛ لأنَّ الطرف الآخر مورد للأصل المثبت في نفسه، ولم نكن نقول بأنّه يستحيل الترخيص ولو في بعض أطرافه، بل كنا نقول بعدم وجوب الموافقة القطعية اعتماد على الأصل النافي في أحد الطرفين.

 وبتعبير آخر: بأنَّ المحذور هناك هو تعارض الأصلين وقد انحل؛ إذ لا يوجد أصل نافٍ في أحد الطرفين، فيجري الأصل في الطرف الآخر، بلا معارض، وينهدم وجوب الموافقة القطعية.

أمّا هنا فباب الأصلين لم يكن باب التعارض بين الحجّتين، بل باب اشتباه الحجّة باللاحجّة، فلو كان أحد الطرفين مورداً للاستصحاب المثبت للتكليف والآخر مورداً لأصالة الطهارة، هل يمكن الرجوع إلى أصالة الطهارة أو لا؟ هنا نقول: إنّه أيضاً يمكن الرجوع إليها كما كان يمكن هناك، لكن مع اختلاف 

ــــــــــ[252]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

في فلسفة الموقف؛ وذلك أنَّ أصالة الطهارة هنا، تحتمل عدم تحقق دليلها في هذا المورد، لأنّنا نعلم إجمالاً بقيام البينة إمّا هنا أو هناك. فإنَّ كانت قائمة هنا فدليل أصالة لا يشمله، وإذا كانت قائمة هناك في مورد الاستصحاب المثبت للتكليف فلا مانع من شمول دليل أصالة الطهارة له، فالشكّ في أصل شمول دليل أصالة البراءة وعدم الشمول، فلا بُدّ لنا من دليل فني لإحراز شموله هنا.

نقول: إنّه تارة نبني على أنَّ البينة، كما ترفع موضوع أصالة الطهارة، ترفع أيضاً موضوع الاستصحاب المثبت للتكليف الموافق لها أيضاً، فكما ترفع موضوع الأصول النافية كذلك الأصول المثبتة، وأخرى نقول: إنّها ترفع موضوع الأصول النافية المخالفة لها فقط، دون موضع الأصول المثبتة.

إذا فرضنا أنَّ حجّيّة البينة لا ترفع موضوع الأصول المثبتة الموافقة لها، وإنّمَا ترفع موضوع الأصول النافية المخالفة لها. إذن، فجريان الاستصحاب المثبت للتكليف في الإناء الأبيض معلوم على كلّ حال، سواء كانت بينة النجاسة في مورده أو في مورد أصالة الطهارة، وإنَّما نشكّ في جريان أصالة الطهارة، فهنا لا بأس بأن نجري استصحاب عدم قيام البينة في الإناء الذي هو مورد أصالة الطهارة، وتنقح بذلك موضوعها، ولا يعارضه استصحاب عدم قيام البينة في مورد الاستصحاب المثبت للتكليف؛ وذلك لعدم الأثر له، لأنّنا نعلم بتنجيز التكليف في ذلك المورد، بلحاظ الاستصحاب،وضم منجّز إلى منجّز ليس له أثر بعد أن كان التكليف الواقعي واحداً، فاستصحاب عدم قيام البينة في مورد الاستصحاب المثبت للتكليف ليس له أثر، فيجري استصحاب عدم قيام البينة 

ــــــــــ[253]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

في مورد أصالة الطهارة، ويتنقح بذلك موضوعها.

وبذلك يرتفع اشتباه الحجّة باللاحجّة، وتعيّن حجّيّة أصالة الطهارة، وكذلك الحال فيما لو قلنا: بأنَّ حجّيّة البينة حاكمة على الاستصحاب المثبت كما تكون حاكمة على الأصل النافي، فإنّه أيضاً تجري استصحاب عدم قيام البينة في مورد أصالة الطهارة وننقح بذلك موضوعها، ولا يعارضه استصحاب عدم قيام البينة في مورد الأصل المثبت للتكليف؛ لأننا وإن كنا لا نعلم تفصيلاً بالاستصحاب لاحتمال ارتفاع موضوعه مثلاً، ولكننا نعلم إجمالاً بوجود منجّز في ذلك الطرف، إمّا الاستصحاب وإمّا البينة؛ لأنَّ البينة إن لم تكن هناك فالاستصحاب تامّ الأركان وإلَّا فالبينة هي المنجّزة، فنعلم وجداناً وتفصيلاً بتنجز التكليف الواقعي، في مورد طرف الاستصحاب، وإن كنا لا نعلم بسبب التنجز.

 وحينئذٍ لا يجري استصحاب عدم قيام البينة هنا، بل يجري هناك ونرجع إلى أصالة الطهارة هذه هي الخطوة الثانية.

فإلى هنا أيضاً لم يظهر أثر عملي، وإنَّما يظهر أثر عملي في فلسفة الموقف. 

الخطوة الثانية: وفيها يظهر الأثر العملي الفقهي.

وفيها نفرض أصلين عرضيين نافيين للتكليف الواقعي، كاستصحاب الطهارة في الطرفين، ثُمَّ هناك أصل طولي نافٍ للتكليف في أحد الإنائين دون الآخر، كأصالة الإباحة.

لو كان مثل هذا في العلم الإجمالي الأوَّل، ماذا كنا نقول؟ أمّا مدرسة 

ــــــــــ[254]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المحقّق العراقي، فكانت تقول: إن الأصلين النافيين للتكليف يتساقطان في المرتبة السابقة، وتنتهي النوبة إلى الأصل الطولي للتكليف وهو أصالة الإباحة بلا معارض، بناءً على القول بالاقتضاء(1)

أمّا بناءً على ما ذكره السيّد الأستاذ وتابعناه في ذلك، بأنَّ الميزان ليس هو مسألة الطولية والعرضية، بل هو مسألة سنخية الدليل وتعدده، وحيث إنَّ الأصلين العرضيين كلاهما استصحاب، فيجمل دليل الاستصحاب وحيث إنَّ الأصل الطولي له دليل برأسه وهو دليل أصالة الإباحة، فنتمسّك بها. ومن هنا كنا نحكم في مثل هذا الفرض بجريان أصالة الإباحة في أحد الطرفين واختصاص تنجّز العلم الإجمالي بالطرف الآخر، ولكن هل يأتي هذا البيانان هنا، حيث علمنا بقيام البينة على نجاسة أحد الإنائين وكان كلاهما مورداً للأصل النافي، لكن في طول أحد الأصلين النافيين، كان يوجد أصل نافٍ آخر، فهل يأتي نفس ذلك البيان؟

التحقيق: أنّه لا يأتي ذلك البيان: أمّا البيان الأوّل وهو بيان المحقّق العراقي، وهو أن نوقع التعارض بين الأصلين العرضيين في المرتبة السابقة ثُمَّ تنتهي النوبة إلى الأصل الطولي بلا معارض، فإنَّ هذا كان يمكن أن يتم في العلم الإجمالي الأوّل، لكن لا يمكن أن يتم في المقام؛ فإنّه لا يمكن إجراء الأصل الطولي النافي في أحد الطرفين؛ لأنَّ هذا الأصل هنا نعلم بأنّه محكوم وأنَّ دليله قاصر عن 

ــــــــــ[255]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: ليس هذا مختار المحقّق العراقي، وإنَّما هذا تصوره للمطلب على القول بالاقتضاء. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الشمول لهذا المورد؛ لأنَّ بينة النجاسة إمّا في مورده أو في الإناء الآخر، إن كانت في مورده فهي هادمة لإطلاق دليله يعني دليل أصالة الإباحة، وإن كانت في الطرف الآخر. إذن، فالأصل النافي الحاكم وهو استصحاب الطهارة يكون موجوداً هنا. إذن، فنعلم بعد شمول دليل أصالة الإباحة لهذا الطرف؛ لأنّنا نعلم إجمالاً بوجود أحد دليلين حاكمين عليه، إمّا دليل الاستصحاب، وإمّا دليل حجّيّة البينة، ومعه لا يمكن الرجوع إلى الأصل الطولي. 

وعدم إمكان إجراء أصالة الإباحة من نتائج كون هذا الباب من قبيل اشتباه الحجّة باللاحجة وذاك الباب من قبيل تعارض الحجّتين.

بخلافه هناك، فإنّه كان بابه باب التعارض بين الحجّتين، وبعد تساقط الحجّتين، كان من المحتمل جريان أصالة الإباحة، فنتمسّك بإطلاق دليلها. فالبيان الأوّل لا يأتي.

وأمّا البيان الثاني الذي استقر عليه الرأي، وهو مسألة كون الدليل من سنخ واحد أو سنخين، فأيضاً لا يأتي؛ لأنّه كنا نقول هناك: بأنَّ الاستصحابين المتسانخين حيث إن دليلهما واحد وقد تعارضا فأُجمل دليلهما، فكأنَّ وجودهما كالعدم، فيبقى دليل أصالة البراءة كالعدم، ولا يمكن أن يقال في مثل ذلك بأنَّ أصالة الإباحة في هذا الطرف يعرضها الاستصحاب هناك؛ لأنّه قد أُجمل دليل الاستصحاب، والدليل المجمل لا يعارض الدليل المفصّل.

وإنَّما كنا نقول ذلك هنا؛ لأنَّ الاستصحابين تعارضا فأُجمل دليلهما، بل بابهما باب اشتباه الحجّة باللاحجّة، وأنا لا أدري أنَّ الساقط عن الحجّيّة هل هو 

ــــــــــ[256]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

استصحاب الطهارة وحده في هذا الطرف أو استصحاب الطهارة وأصالة الإباحة كلاهما هناك، والذي يعيّن لي الساقط، هو استصحاب عدم قيام البينة، وهو متعارض في الطرفين، فمن هنا لا يجري هذا، وإنَّما لم يجر لأنَّ بابه ليس باب التعارض بل باب اشتباه الحجّة باللاحجّة. 

فهنا قد أنتجت فلسفة الموقف أثراً فقهياً، بحيث ننتهي هنا إلى عدم إمكان الرجوع إلى الأصل الطولي النافي للتكليف في أحد الطرفين وهو صالة الإباحة.

ــــــــــ[257]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 




العلم الإجمالي التعبدي

 

كان الكلام فيما إذا كان المعلوم الإجمالي ظاهري تعبدي وكان نفس العلم وجدانياً، والآن نتكلّم بعكس هذا المطلب، فيما إذا كان المعلوم واقعياً ولكن العلم الإجمالي ظاهري تعبدي، كما إذا قامت البينة على نجاسة أحد الإنائين على سبيل الترديد بحيث إنَّ نفس البينة كانت مترددة. 

وإن شئتم قلتم: إنّنا كنا نتكلّم سابقاً في الاشتباه والتردد الواقع في طول الحكم الظاهري والحجّة الظاهرية، حيث كانت البينة قائمة على نجاسة إناء معيّن ثُمَّ يقع الاشتباه والتردد في طول ذلك، أمّا الآن فنتكلّم في الاشتباه والتردد الواقع في المرتبة السابقة على قيام الحجّة، بمعنى: أنَّ البينة بنفسها تشهد بنحو التردد والإجمال، فهل يكون هذا الاشتباه والتردّد مّما يطبّق عليه قواعد التنجيز في باب العلم الإجمالي أو لا؟

والكلام هنا يقع في مقامين:

 المقام الأوّل: في أصل تنجز الحكم الشرعي في مثل هذا الاشتباه والتردّد.

 والمقام الثاني: إنّه بعد الفراغ عن أنَّ مقتضى القاعدة هو تنجّز المردّد بلحاظ تلك البينة أو الحجة المردّدة؟ يقع الكلام فيما هو حال الأصول المؤمّنة مع حجّيّة تلك الحجّة المردّدة.

ــــــــــ[258]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المقام الأوّل: في أصل تنجيز الحكم الشرعي

أمّا الكلام في المقام الأوّل: أي أنَّ مثل هذه البينة هل تكون على مقتضى القاعدة وبلحاظ دليل حجيتها منجزة أو لا؟

فعلى مسلكنا وطريقة فهمنا للحكم الظاهري وأدلته، لا إشكال ولا ريب في هذه المسألة؛ لأنَّ الخطابات الظاهرية مهما تفننت في التعبير والأسلوب، فالمراد بها إبراز مقصد واحد، وهو أنَّ المولى لا يرى احتمال خطأ الأمارة ومخالفتها للواقع، مؤمّناً بمعنى: أنّه شديد الاهتمام بالواقع؛ بحيث لو كان الواقع موجوداً لا يرضى بمخالفته، كما لو لم يكن مثل هذا الاحتمال موجوداً، كما هو الحال في النجاسة المعلومة، فإنّها مع فرض كونها مظنونة بالظنّ البيني، يثبت تلك المرتبة من الاهتمام أيضاً. 

بناءً على هذا لا يُفرق بين أن تقوم البينة على نجاسة إناء معيّن أو على أحد الإنائين لا بعينه، فإنّها إذا قامت على نجاسة إناء معيّن، كان معنى شمول دليل الحجّيّة لها هو أن احتمال الخلاف هنا لا يعتني به المولى أي: أنَّ اهتمام المولى بالنجاسة الواقعية المضنون ثبوتها هنا كاهتمامه بها لو كانت معلومة تفصيلاً. 

ولو فُرض أنَّ البينة قامت على نجاسة أحدهما على سبيل الإجمال، فمعنى شمول دليل الحجّيّة هو أنَّ هذا الظنّ الإجمالي بوجود النجاسة في أحدهما، حاله حال العلم الإجمالي المتعلّق بهذه النجاسة من حيث اهتمام المولى، بحيث لا يرضى بتفويتها، والمفروض أنَّ هذه المرتبة سنخ مرتبة تكون موضوعاً للمنجّزية عقلاً ولحكم العقل بوجوب الموافقة العقلية.

ــــــــــ[259]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وهذا معنى معقول ويكون هو مؤدّياً لا محالة إلى تنجّز النجاسة الواقعية وتطبيق قواعد العلم الإجمالي في المقام.

أمّا إذا لم نفهم الخطاب الظاهري بهذا الفهم، وفهمناه في حدود صيغه ومداليله اللفظية المطابقية، فحينئذٍ ينفتح كلام بين المدارس المعروفة في علم الأصول، بأنّه هل حقيقة الحكم الظاهري عبارة عن جعل المنجّزية والمعذرية أو عبارة عن جعل الطريقية أو عن جعل الحكم المماثل.

 وحين ينفتح الحديث حول هذه الاتجاهات، قد تتولد بعض الصعوبات في تصوير كيفية تنجيز مثل هذه البينة القائمة على النجاسة المرددة وشمول دليل الحجّيّة لها بناء على جملة من تلك الاتجاهات.

فأوّلاً: اتجاه المحقّق الخراساني: الذي يظهر من عبارته في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية أنّه يميل إلى أنَّ المجعول في دليل الحجّيّة هو المنجّزية والمعذّرية، كون الأمارة منجّزة أو معذّرة شرعاً بمقدار ما تؤدّي إليه وتكشف عنه، بناءً عليه تتولد صعوبة في فهم شمول دليل الحجّيّة لهذه البينة المتردّدة.

لأنَّ هذه البينة عن ماذا تدل، وماذا تكشف؟ هل تكشف عن هذا الإناء بعنوانه التفصيلي أو عن ذاك الإناء كذلك؟ لا، أو عن الإناء المردد. فأيضاً لا. أمّا الإناء بعنوانه التفصيلي فالبينة نفسها جاهلة بنجاسة هذه العناوين التفصيلية ونسبت شهادتها إلى كلا الإنائين على حد واحد، وأمّا واقع الإناء المردّد فقد تقدّم الكلام في أنّه لا محصل له.

ــــــــــ[260]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إذن، فلا بُدّ أن يُفرض لهذه البينة مدلول متعيّن لتكون منجّزة له بمقتضى دليل الحجّيّة وهذا المدلول إنَّما هو الجامع، فإنّها تشهد بوقوع جامع النجاسة ولا تشك فيه، وقد فرضنا أنَّ دليل الحجّيّة يجعل البينة منجّزة لما تدل عليه يجعلها منجّزة للجامع. وهذا أمر معقول. 

إلَّا أنَّ مثل هذا التنجيز الشرعي المجعول في دليل الحجّيّة لهذه البينة على الجامع، يقف على الجامع ولا يمكن أن يسري إلى الفرد، ولا يمكن أن ينتهي إلى القول بوجوب الموافقة القطعية؛ فإنّه لو لا شمول دليل الحجّيّة لهذه البينة، فإنَّ مقتضى قاعدة قبح العقاب بلا بيان على مذهبه هو أن النجاسة غير منجّزة لا في الفرد ولا في الجامع ودليل الحجية غاية ما يقتضي جعل الأمارة منجزة بلحاظ مدلولها ومدلولها هو الجامع، فيخرج الجامع حينئذٍ تخصيصاً أو تخصّصاً من إطلاق قاعدة قبح العقاب بلا بيان. وأمّا الأفراد بما هي أفراد، فلا موجب لخروجها عنها. 

ولا تُقاس هذه البينة بالعلم الإجمالي، الذي ذهب صاحب الكفاية إلى أنه منجّز للواقع ومحتم لوجوب الموافقة القطعية، فإنَّ منجّزية العلم الإجمالي كانت منجّزية عقلية لا مجعولة من قبل الشارع. ومن هنا كان بالإمكان أن يقال: إنَّ العلم الإجمالي يكون منجّزاً لوجوب الموافقة القطعية خصوصاً إذا التزم أن العلم الإجمالي هو علم بالواقع على وجه مخصوص.

وأمّا هنا فليس المنجّزية عقلية، بل هي بحكم الشارع، فتكون تابعة لجعل الشارع والمفروض أنّه جعلها بمقدار مدلول البينة. إذن، فما الدليل على أزيد من هذا.

ــــــــــ[261]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وبتعبير آخر: أنّه في العلم الإجمالي حيث إنَّ مدرك المنجّزية هو العلم، فيمكن لأحد أن يقول: بأنَّ العلم الإجمالي وإن كان علماً بالجامع إلَّا أنّه ينجّز الواقع بحكم العقل، وهذا معقول وصحيح هناك، أمّا هنا فالبينة ليست عقلاً منجّزة لا للواقع ولا للجامع، وإنَّما تكون منجّزة بمقدار دلالة الدليل الشرعي، والمفروض أنّه دلّ على منجّزية البينة بمقدار مدلولها ومدلولها هو الجامع، فلا تكون منجّزة إلَّا بمقدار الجامع، وحينئذٍ فسريان المنجّزية من الجامع إلى الفرد، إن كان بحكم العقل فهو خلف؛ لأنَّ أصل هذه المنجّزية لم تكن بحكم العقل، وإن كان بحكم الشرع فهو خلاف دليل الحجّيّة، فإنه يجعل الأمارة منجّزة بمقدار مدلوله لا أكثر، ومدلول البينة هنا هو الجامع، دون الفردين بعنوانهما التفصيلي.

هذا هو أوّل الاتجاهات التي تواجه صعوبة في تفسير الموقف. 

الاتجاه الثاني: الذي يواجه صعوبة في تفسير الموقف، هو اتجاه المحقّق العراقي: إذ أنّه يرى أن العلم الإجمالي يتعلق بالواقع، وأنَّ العلم الإجمالي الوجداني إنَّما ينجّز الواقع؛ لأنّه تعلق به، لا كما شرحناه في باب الاقتضاء والعلية. 

وهو يقول أيضاً: بأنَّ مفاد دليل الحجّيّة هو جعل الطريقة والكاشفية لا جعل المنجزية، كما عليه صاحب الكفاية، بل جعل الطريقية كما يذكر الميرزا، على فرق دقيق بين الاتجاهين أوضحناه في بحث الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية.

وهذا الاتجاه يولد صعوبة في المقام؛ لأنّنا بعد أن نبني على أنَّ مفاد دليل الحجّيّة هو جعل الظنّ البيّني علماً، نجعل البينة علماً بماذا؟ هل بهذا الفرد 

ــــــــــ[262]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بالخصوص أو ذاك الفرد بالخصوص، أو علماً بالجامع؟ أمّا الفردان بخصوصهما، فهو ترجيح بلا مرجح؛ لأنَّ نسبة البينة إلى كلا الفردين على حدّ واحد، وأن نجعلها علماً بالجامع، فمثل هذا العلم بالجامع فهو وإن كان معقولاً إلَّا أنّه ليس له تعلق بالواقع أصلاً؛ لأنّه إنشاء ابتدائي من قبل دليل الحجّيّة، وقد أنشأ معلقاً على الجامع، فليس له تعلق بالواقع حتّى ينجّزه. والمفروض عند الشيخ آغا ضياء بأنَّ تنجّز الواقع بالعلم الإجمالي فرع تعلق العلم الإجمالي بالواقع، فإذا لم يكن متعلقاً بالواقع لم يكن منجّز له.

لا يبقى للمحقّق العراقي إلَّا أن يقول: إنّه يجعل علماً بالواقع المردّد على إجماله، المعيّن عند الله تعالى، وهذا أيضاً غير صحيح؛ إذ مضافاً إلى أنَّ البينة بنفسها نسبتها إلى ذلك الواقع وإلى غيره -الإناء الآخر- على حدّ سواء. مضافاً إليه أنّه قد لا يكون هناك إناء نجس في الواقع أصلاً، كما لو كانت البينة مخطئة أو كاذبة، حينئذٍ تكون علماً بماذا؟

الاتجاه الثالث: تتولد عليه صعوبة أشكل من هذين الاتجاهين، وهو الاتجاه الموروث من الشيخ الأعظم. وهو الاتجاه الذي يقول: بأنَّ دليل الحجّيّة ينشئ حكماً ظاهرياً مماثلاً، على أن يكون هذا الحكم التكليفي المماثل محتمل المطابقة للواقع.

حينئذٍ نقول: إنَّ دليل حجّيّة البينة، إذا شمل هذه البينة، فلا بُدّ أن يكون معناه أن يُنشئ حكماً ظاهرياً على طبقها، فما هو هذا الحكم الظاهري، هل هو وجوب الاجتناب عن هذا بالخصوص، أو عن ذاك بالخصوص، أو وجوب الاجتناب عن الجامع بينهما؟

ــــــــــ[263]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إن كان الحكم الظاهري المجعول هنا هو وجوب الاجتناب عن هذا بالخصوص أو ذاك، فهذا الحكم الظاهري ممّا لا محصّل له؛ لأنّه لم تؤدِ إليه الأمارة، فإنَّ دليل الحجّيّة يتكفّل جعل الحكم المماثل لما أدت إليه الأمارة. والأمارة لم تؤدِ لا إلى وجوب الاجتناب عن هذا بالخصوص ولا إلى وجوب الاجتناب عن ذاك بالخصوص. 

وإن قيل: إنَّ الحكم الظاهري المجعول هنا هو وجوب الاجتناب عن الجامع بينهما، فهذا الحكم في المقام ليس محتمل المطابقة للواقع أصلاً؛ لأنَّ الحكم الواقعي لا يحتمل أن يكون وجوباً تخييرياً، بل هو إمّا وجوب الاجتناب عن هذا تعييناً أو عن ذاك تعييناً، فوجوب الاجتناب عن أحدهما، لا يحتمل أن يكون مطابقاً للواقع في المقام. 

هذا مضافاً إلى أنَّ مثل هذا الحكم لا يكون منجّزاً إلَّا للإتيان(1) بأحدهما؛ لأنَّ الوجوب التخييري يمتثل بالإتيان بأحد فرديه. 

فهذه هي الصعوبة التي يواجهها الاتجاه الثالث. 

إلَّا أنَّ هذه الصعوبات، كلّها بحسب الحقيقة نتيجة التورط في عالم الألفاظ، والاشتغال بالقوالب عن الواقع؛ إذ تمسكنا بحرفية ألسنة أدلة الأحكام الظاهرية، وصرنا ندقّق أنَّ هذا اللسان بحرفيته هل يشمل المقام أو لا؟ فوقعنا في صعوبات عقلية ثبوتية. 

ــــــــــ[264]ــــــــــ

() هذا في الشبهة الوجوبية أمّا في الشبهة التحريمية التي هي محل الكلام، فهو يكون منجّزاً لكلا الفردين باعتبار أنَّ الاجتناب عن أحدهما لا يكون إلَّا بترك كِلا الفردين كما هو معلوم فتأمّل. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أمّا إذا أعطينا كلّ ذي حقّ حقه، وفهمنا أنَّ هذه الألسنة ليست هي حقيقة الحكم الظاهري، بل هي تعبيرات عرفية عن شدة اهتمام المولى، فحينئذٍ تتمخض كلّ هذه الصعوبات، ويعود المطلب واضحاً، ولا يفرق بين أن تقوم البينة على نجاسة إناء بعينه أو على نجاسة أحد الإنائين على وجه الترديد. 

إذن، فمقتضى القاعدة في المقام الأوّل، هو الالتزام بحجّيّة هذه البينة الترديدية ومنجّزيتها، لو خلينا نحن ودليل حجّيتها.

المقام الثاني: في حال الأصول المؤمّنة مع دليل حجّيّة البينة 

فالكلام يقع في المقام الثاني: في حال الأصول المؤمّنة مع دليل حجّيّة البينة، فإنَّ هذا الدليل اقتضى بالتالي تنجيز النجاسة الإجمالية هنا وتطبيق قواعد العلم الإجمالي في مقام التنجيز، لكن عندنا في قبال دليل حجّيّة البينة دليل أصالة الطهارة في كلّ من الإنائين في نفسهما. حينئذٍ كيف نوفق بين الدليلين؟ 

قد يتبادر إلى الذهن أنَّ هذه ليست مشكلة؛ إذ دائماً في قبال حجّيّة البينة يوجد أصالة الطهارة ونقول بأنَّ البينة حاكمة على أصالة الطهارة، ورافعة لموضوعها، لكن هذا إنَّما نقوله في موارد البينة التفصيلية التي قامت على نجاسة هذا الإناء بعينه(1).

 وأمّا لو قامت على نجاسة أحد الإنائين على وجه الترديد فالعلم التعبدي 

ــــــــــ[265]ــــــــــ

() إذ يقال: بأنَّ دليل حجّيّة البينة حاكم عندهم على دليل أصالة الطهارة؛ لأنَّ الأخير أُخذ في موضوعه (حتّى تعلم أنّه قذر) وقد علمت أنّه قذر بالتعبد، فيكون حاكماً عليه. (المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المجعول على طبقها أيضاً علم بالترديد وبالجامع بين النجاستين، فكلّ نجاسة بخصوصها ليست معلومة لا وجداناً ولا تعبداً. أمّا العلم الوجداني فواضح، وأمّا العلم التعبدي؛ فلأنَّ محطه هو الجامع لا الفرد. 

إذن، فهذا الفرد بعنوانه الفردي مشكوك وليس معلوماً لا وجداناً ولا تعبداً، فيشمله إطلاق دليل أصالة الطهارة، وكذلك الفرد الآخر، فلا تتم الحكومة المدعاة هناك.

وهذه مشكلة أثارها المحقّق العراقي، وذكر بأنّه قد يقال حينئذٍ: بأنَّ هنا تعارض من دون حكومة؛ لأنَّ دليل حجّيّة البينة لا يرفع موضوع أصالة الطهارة، فيتعارضان ويتساقطان، ونرجع بعد هذا إلى أصالة الإباحة، أو قاعدة قبح العقاب بلا بيان، أو غير ذلك، فلا تتم المنجّزية حينئذٍ.

مشروع للتغلب على الصعوبات في المقام الأوّل

كررتها(1) مرة أخرى لأجل أن نقدّم اقتراحاً أو مشروعاً للتغلب على هذه الصعوبات على أساس هذه الاتجاهات، وندرس أنّه هل ينتج في ذلك أو لا؟

المشروع هو أن يقال: إنَّ هذه الصعوبات، إنَّما نشأت في مقام تفسير دليل الحجّيّة لهذه البينة المردّدة بلحاظ المدلول المطابقي للبينة، وقصر النظر عليه، ولكن يمكننا إعطاء تفسير معقول -مثلاً- لشمول دليل الحجّيّة البينة مبنياً على هذه الاتجاهات إذا لاحظنا المدلول الإلتزامي للبينة.

ــــــــــ[266]ــــــــــ

() لخص أوّلاً الصعوبات التي ذكرها بالأمس بنحو الفهرس، وقال: كررتها… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فإنَّ البينة التي تقوم على أساس نجاسة أحد الإنائين أو الأواني على سبيل الترديد، لها مدلول مطابقي ولها مداليل التزامية. أمّا مدلولها المطابقي، فهو هذا الجامع الذي قلناه، وأمّا مداليلها الإلتزامية، فأحدها: أنَّ البينة تخبر بالالتزام عن شهادتها أيضاً، بأنّه لو لم يكن الإناء الأبيض نجساً، يعني: لو كان طاهراً، فالإناء الأسود يكون نجساً؛ لأنّها تدّعي العلم بنجاسة أحدهما على سبيل الترديد، ولو كان الأسود طاهراً فالأبيض نجس، فهاتان قضيتان شرطيتان مشهود بهما التزاماً من قبل هذه البينة. والجزاء في كلا القضيتين هي نجاسة معينة، فإنّه لو كان الأبيض طاهراً فالأسود بعينه نجس وبالعكس، فهي حكم تعييني على مورد معين، فلا يوجد هنا صعوبة ولا مشكلة في شمول دليل الحجية للبينة، ولو بلحاظ هذه المداليل الإلتزامية.

فيثبت لنا علمان تعبديان ظاهريان مشروطان طبقاً لهاتين القضيتين، حكم بنجاسة هذا لو كان ذاك طاهراً وبالعكس. وهو أمر معقول لا بأس به سواء قلنا: إنَّ الحكم الظاهري عبارة عن المنجّزية أو الطريقية أو الحكم المماثل، ويتولد من ذلك العلم بأنَّ أحد هذين الإنائين محكوم بالنجاسة؛ لأنَّ هذين الإنائين إن كان فيهما طاهر، إذن فالآخر يكون محكوماً(1) بالنجاسة ظاهراً؛ لأنَّ كلّ واحد منهما 

ــــــــــ[267]ــــــــــ

() يلزم من ذلك أنّه إذا كان كلاهما طاهرفكلاهما محكوم بالنجاسة ظاهراً لتحقق شرط القضية فيه فيكون من الحكم بنجاسته طاهر واقعي غير مشهود عليه بالبينة لغرض أنَّ البينة قامت على نجاسة واحد فقط. إذن، فالمسألة مع ذلك لا تخلو عن إشكال. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

محكوم بالنجاسة الظاهرية مشروطاً بطهارة الآخر، وإن لم يكن فيهما طاهر، فمعناه أنهما معاً نجسان واقعاً. فبالتالي يتولد العلم الأعم من النجاسة الواقعية أو الظاهرية في هذين الطرفين إجمالاً، ويكون هذا العلم منجّزاً.

هذا المشروع لحل هذه الصعوبات يتم أحياناً ولا يتم دائماً: يتم حيث يكون للبينة هذا المدلول الإلتزامي، ولا يتم حيث لا يكون لها ذلك.

أمّا كيف يكون لها تارةً مدلول التزامي وتارةً لا يكون؟ فإنَّ مِن الأشياء التي توصلنا إليها في تحقيق هوية العلم الإجمالي، هو أنَّ العلم الإجمالي على قسمين. 

فإنّه تارة، يكون ناشئاً من البرهان وما بحكمه كإخبار المعصوم، ففي مثل ذلك يكون العلم الإجمالي ملازماً مع هذين المدلولين الإلتزاميين، يعني مع علمين تعليقيين، وأنّه لو لم يكن هناك فهو هنا وبالعكس، فالشهادة على أحدهما بالمطابقة شهادة على العلمين التعليقيين بالالتزام لا محالة، فيتم المشروع الذي بيناه.

وهناك قسم آخر من العلم الإجمالي، وهو الذي ينشأ من حساب الاحتمالات، لا من البرهان، كما مثلنا في الأبحاث السابقة بمسألة تولد العلم الإجمالي بنجاسة أحد الأواني الموجودة في بيت اليهودي.

 وهذا العلم الإجمالي لا ينشأ منه علوم تعليقية من هذا القبيل، يعني: لا ينتج بأنّه لو لم تكن هذه الأواني التسعة عشر قد ساورها فحتماً قد ساور هذا؛ إذ في فرض عدم مساورة هذه التسعة عشر يكون منشأ العلم في هذه المرتبة منفياً؛ لأنَّ منشأه هو تراكم عشرين احتمالاً وفي مرتبة فرض عدم مساورة تسعة عشر 

ــــــــــ[268]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إناء هي مرتبة بطلان أحد عشر احتمالاً، وفي هذه المرتبة لا يوجد هناك منشأ للعلم، فلا يكون هنا علم بهذه القضية التعليقية التي ادّعى محقّقوا علم الأصول إلى يومنا هذا أنّها من لوازم العلم الإجمالي، مع أنّه اتضح أنّها إنَّما تكون في القسم الأوّل لا في القسم الثاني.

فالبينة لو كانت تدّعي علماً من القسم الأوّل، قائماً على أساس البرهان أو ما بحكمه، فهي تشهد بالالتزام بالعلوم التعليقية أيضاً لملازمته معه، وأمّا لو كانت تدّعي علماً إجمالياً من القسم الثاني، فهو لا يلازم مع تلك العلوم التعليقية، فلا يكون لها مداليل التزامية بهذا الاعتبار، لكي ينحل الإشكال عن طريقها(1).هذا هو تمام الكلام في المقام الأول. 

عود إلى المقام الثاني

أمّا المقام الثاني: فنفرغ فيه عن المسألة التي ناقشناها في المقام الأوّل، وهي أنَّ دليل حجّيّة البينة له إطلاق يشمل هذه البينة الترديدية، فقد أصبحت هذه البينة منجّزة على قواعد تنجيز العلم الإجمالي، لكن يقع الكلام في أنَّ هناك معارض لإطلاق حجّيّة البينة، وهذا المعارض هو إطلاق أدلة الأصول الجارية في الطرفين. 

ــــــــــ[269]ــــــــــ

() قلت لسيدنا الأستاذ: إنَّ هذا المشروع صحيح في القسم الأوّل من العلم الإجمالي.

فقال: نعم، إلَّا أنّه لا يكفي تلك الاتجاهات ولا يسد تلك الصعوبات، فإنّه من المسلّم فقهياً تنجيز البينة لنجاسة أحد الإنائين، وإن كانت ناشئة من حساب الاحتمالات، فيبقى عليهم تفسير ذلك. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ولا يقال: إنه كيف يتعارضان!! مع كون المبنى في الأصول، على أنَّ دليل حجّيّة الأمارة حاكم على دليل أصالة الطهارة؛

لأنّه يقال: إنَّ نكتة إثارة الشبهة هنا، هي أنَّ دليل حجّيّة البينة يقتضي جعل العلم بمقدار مؤدّى البينة، أي: العلم بالجامع أو العلم بهذه القضايا التعليقية، بالتالي هذا الفرد وذاك الفرد بعنوانه التفصيلي لا يكون معلوماً لا وجداناً كما هو واضح، ولا تعبداً؛ لأنَّ دليل حجّيّة البينة لا يجعلنا عالمين إلَّا بمقدار مدلول البينة لا أكثر من ذلك.

إذن، ففي المقام يمكن أن نقول: بأنَّ دليل أصالة الطهارة قد تمّ موضوعه في كلّ من الطرفين، فتقع المعارضة بينه وبين دليل حجّيّة البينة، فتبطل منجّزية هذه الحجّيّة الترديدية، بعد المعارضة والتساقط.

ولا يأتي نفس هذا الكلام في العلم الإجمالي المتعارف، لأنّه هناك كان جريان الأصول في الأطراف، منافياً مع المنجّزية العقلية، اللازمة عقلاً أو عقلائياً للعلم الإجمالي بالواقع، فلا يمكن أن يقال: إنَّ أدلة الأصول ترفعه. إذ ترفع ماذا؟ هل ترفع الواقع، فهذا خلف بطلان التصويب، أو ترفع علمنا بالواقع، فهذا خلف مفروض المسألة، أو ترفع منجّزية العلم الإجمالي فهو خلف لزوم المنجّزية له إمّا عقلاً أو عقلائياً. فهذه الشبهة لا تأتي هناك ولكنها تأتي هنا؛ لأنَّ المنجّزية نشأت من دليل حجّيّة البينة فلماذا لا يقع تعارض بينه وبين دليل أصالة الطهارة؟

ــــــــــ[270]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

جواب المحقّق العراقي عن الشبهة ومناقشته

هذه هي الشبهة التي أثارها المحقّق العراقي، وأجاب عنها: بأنَّ دليل حجّيّة البينة مع هذا يمكن أن يقال: أنه حاكم ومقدّم على دليل أصالة الطهارة؛ لأنَّ كلّ واحد من الطرفين، إذا لاحظناه، فهناك نحوان من الشك في طهارته:

 النحو الأوّل: هو الشكّ في طهارته على كلّ تقدير حتّى على تقدير طهارة الآخر، وهذا النحو من الشك انتفى بنفس شمول دليل حجّيّة البينة لهذه البينة الترديدية؛ لأنَّ معناه أننا لا نحتمل ولو تعبداً إجتماع الطهارتين معاً. وقد تولد من انتفاء هذا الشك شك آخر: وهو الشك في طهارته بدلاً عن الآخر.

يقول أغا ضياء: بأنَّ دليل أصالة الطهارة إذ تجرونه، فلا بُدّ أنّكم تجرونه بلحاظ موضوعه وهو الشك فبلحاظ أي شك تجرونه، هل النحو الأوّل من الشك، فقد انتفى بنفس شمول دليل الحجّيّة للبينة الترديدية على ترديدها، إذ لم يبقَ عندنا شكّ في الطهارة على كلّ تقدير، ولو تعبداً، فبلحاظ هذا الشك يكون دليل حجّيّة البينة حاكماً.

وأمّا النحو الثاني من الشك، فهو لا يمكن إلغاؤه بدليل حجّيّة البينة، وهو في نفسه موضوع لجريان أصالة الطهارة، إلَّا أنّه حيث نشأ من شمول دليل حجّيّة البينة لهذه البينة؛ لأنّه تولد من إلغاء الشكّ الأوّل الذي نتج عن شمول دليل الحجّيّة لهذه البينة المردّدة، فيستحيل أن يترتب عليه أحكام تكون منافية مع حجّيّة البينة، بل حينئذٍ تقع المعارضة في هذه المرتبة المتأخّرة بين أصالتي الطهارة في الطرفين بلحاظ الشك الثاني، ولا تسري المعارضة إلى أن نقيمها بين 

ــــــــــ[271]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

مجموع أصالتي الطهارة وبين أصل دليل حجّيّة البينة؛ لأنَّ موضوع هذه الأصول هو شك هو في طول دليل حجّيّة البينة، فكيف يقع دليل أصالة الطهارة الذي تم موضوعه في طول دليل حجّيّة البينة، طرفاً للمعارضة معه، ويستحيل أن ينشأ إطلاق في دليل أصالة الطهارة يصلح أن يعارض إطلاق دليل حجّيّة البينة. هذا حاصل ما أفاده في مقام الجواب.

هذا المطلب وإن أُعملت فيه الدقة، إلَّا أننا لا نفهمه بحسب النتيجة؛ لأنَّ قيام البينة على نجاسة أحدهما على وجه الترديد وشمول دليل البينة لها، لا يوجب إلغاء شك وتولد شك آخر، بل الشك الأوّل بنفسه باق إلى حدّ الآن، غاية الأمر أنّه سابقاً لم يكن مقروناً مع علمٍ بقضية شرطية، والآن أصبح مقروناً بالعلم بها، تاليها هو وجود المشكوك وشرطها مشكوك في نفسه.

توضيح ذلك: أنه قبل قيام هذه البينة لنا شكان شك بنجاسة الإنائين في أنفسهما بالفعل، وشك آخر في هذه القضية الشرطية، وهي أنّه لو كان الآخر طاهراً، فهذا لا أدري أنه طاهر أو لا. ثُمَّ بعد أن قامت البينة المردّدة على نجاسة أحدهما وشملها دليل الحجّيّة، فأحد الشكين زال والشك الثاني لا زال باقياً على حاله، وهو الشك في النجاسة بالفعل، إلَّا أنني أصبحت عالماً بهذه القضية الشرطية، وأنّه على تقدير طهارة الآخر فهذا نجس جزماً، يعني: أنَّ شكي بالقضية الشرطية ارتفع وتبدل إلى علم بالقضية بقضية شرطية جزاؤها عدم طهارة هذا الإناء، وشرطها هو طهارة الآخر، ولكن حيث إن شرط القضية مشكوك، فالنتيجة مشكوكة لا محالة.

ــــــــــ[272]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فكان عندي شكان، شكّ في الطهارة والنجاسة بالفعل وشكّ في القضية الشرطية.

 الشك الثاني تبدل إلى العلم بالقضية الشرطية، ولكن شكي في الطهارة والنجاسة بالفعل لا يزال على حاله، وهذا الشك لا بأس بأن يقع موضوعاً لدليل أصالة الطهارة، فيكون دليل أصالة الطهارة معارضاً مع دليل حجّيّة البينة.

والتحقيق: أن هذه الشبهة أيضاً مبنية على المباني المتعارفة، ولا تأتي على ما هو المختار، فإنّها مبنية على مباني الحكومة المشهورية، القائلة بأن تقدّم دليل حجّيّة الأمارة على دليل أصالة الطهارة بالحاكمية أو بالورود. بناء على هذا يأتي هذا الإشكال؛ لأنَّ الحكومة معناها رفع الموضوع، وجعل الشاك عالماً، وهنا نقول: بأنَّ الشك باق على حاله، فإنّه إنَّما جعل عالماً بالجامع لا بخصوص الفردين، فلا ملاك للحكومة، وحيث إنَّ ملاك التقدّم هو الحكومة فلا تقدّم، بل يقع التعارض. 

إلَّا أنّنا لا نسلّم هذه المباني، بل التحقيق عندنا على ما يأتي -إن شاء الله- في بحث بيان النسبة بين الأمارات والأصول في آخر الاستصحاب، هو أنَّ أدلة الأمارات متقدّمة على أدلة الأصول بالتخصيص، أو ما هو بحكمه لا بالحكومة.

يعني: أنَّ دليل حجّيّة البينة هو أخص، أو كالأخص من دليل أصالة الطهارة فيتقدّم عليه تخصيصاً.

وحينئذٍ فلا يبقى إشكال؛ لأنَّ دليل حجّيّة البينة الذي هو أخس يجب أن 

ــــــــــ[273]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

يُقدّم بتمام مدلوله، وإطلاق دليل الأخص يُقدّم على إطلاق دليل الأعم لا محالة.

 وقد فرغنا في المقام الأوّل، عن أنَّ دليل حجّيّة البينة قد انعقد له إطلاق لهذه البينة الترديدية، فإطلاق المخصّص مقدّم لا محالة على إطلاق العام. فلا يبقى إشكال في المقام ولا معنى لأن يجعل إطلاق دليل أصالة الطهارة لهذين الطرفين معارضاً مع إطلاق دليل الحجّيّة البينة للبينة المردّدة؛ لأنّه من قبيل إيقاع التعارض بين إطلاق العام وإطلاق المخصّص، وهو غير صحيح، وعلى ذلك فالشبهة أيضاً بلا موضوع، وبذلك يتم التنجيز في هذا الفرض.

ــــــــــ[274]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 
















التنبيه الثامن: في العلم الإجمالي في التدريجات

 

  • شبهة في المقام
  • فيما إذا كان العالم بالعلم الإجمالي التدريجي عالماً ببقاء علمه للزمان المتأخّر أو عالماً بعدم بقائه أو شاكّاً في ذلك

ــــــــــ[275]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 






التنبيه الثامن: في العلم الإجمالي في التدريجات

 

إذا كان أحد طرفي العلم الإجمالي متأخّراً زماناً، فهل يكون ذلك مانعاً عن تنجيز العلم الإجمالي أو لا.

وتأخر هذا الطرف زماناً يتصور على أنحاء:

لأنّه تارة: يكون ارتباطه بالزمان المتأخر باعتبار تقيد الوجوب بذلك الزمان خطاباً وملاكاً، بحيث أنّه قبله لا يتم الخطاب ولا الملاك، كما لو كان الزمان المتأخّر دخيلاً في فعلية الملاك في أحد الطرفين، كما لو علمت بحرمة دخولها المسجد باعتبار العادة، أمّا في العشرة الأولى من الشهر أو الأخيرة، فإنّه على تقدير أن تكون العشرة الأخيرة هي زمان العادة قبلها لا خطاب ولا ملاك.

وأخرى: يكون ارتباطه بذلك الزمان المتأخّر باعتبار كون الحكم الإلزامي مشروطاً بذلك الزمان المتأخّر خطاباً وإن لم يكن مشروطاً به ملاكاً، بحيث إنَّ الملاك فعليّ على تقدير انطباق المعلوم بالإجمال على هذا الطرف، ولكن الخطاب ليس فعلياً. وإنَّما يتصوّر فعلية الملاك دون الخطاب باعتبار محذور في توجيه الخطاب فعلاً على طبق الملاك، ولو من باب استحالة تقدّم الخطاب على ظرف الامتثال، كما يذهب إلى ذلك القائلون باستحالة الواجب المعلق، فهنا الوجوب مشروط بالزمان المتأخّر خطاباً ولكنه فعلي ملاكاً.

ــــــــــ[277]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وثالثة: لا يكون الوجوب مرتبطاً بالزمان المتأخّر لا خطاباً ولا ملاكاً، بل هو فعلي خطاباً وملاكاً، ولكن الزمان المتأخّر قيد في الواجب، وهذا إنَّما يتصور بناء على إمكان الواجب المعلق.

ورابعة: يكون الارتباط الزماني، لا باعتبار كون الوجوب مقيداً خطاباً أو ملاكاً، ولا باعتبار كون الواجب مقيداً من قبل الجاعل بظرف خاص، بل باعتبار تأخّر ظرف الامتثال صدفة لأحد الطرفين على الآخر، كما لو علم إجمالاً بوجوب الظهر أو الجمعة، فهنا لا يمكنه الإتيان بها في وقت واحد، فلا محالة لا بُدّ وأن يتأخر امتثال أحد طرفي العلم الإجمالي عن امتثال الطرف الآخر فيكون امتثال أحد الطرفين متأخّراً زماناً من باب الصدفة والاتفاق. 

ونحن نبدأ بالحديث عن القسم الأوّل من هذه الأقسام الأربعة وهو ما إذا كان أحد طرفي العلم الإجمالي، منوطاً ومرتبطاً بالزمان المتأخّر، نفس وجوبه مرتبطاً بالزمان المتأخّر خطاباً وملاكاً، ونرى أنَّ هذا الارتباط الذي هو أقوى أنحاء الارتباطات الأربعة، هل هو مانع عن تنجيز العلم الإجمالي أو لا؟ فإنَّ ثبت عدم مانعيته عن إجراء القواعد العامة للعلم الإجمالي التي فرغنا عنها، فيظهر حال باقي الشقوق بطريق أوضح. 

وإن قلنا بالمانعية عن تنجيز العلم الإجمالي باعتبار تأخّر أحد الطرفين، فننتقل إلى الارتباطات الزمانية الأخف لنرى أنّها هل تكون مانعة أو لا. ولكن الكلام لن يصل إلى هذا المستوى، بعد أن يظهر عدم مانعية المتأخر في القسم الأوّل من التنجيز وبه تنحل سائر فروع المسألة.

ــــــــــ[278]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إذن، فنحسر الكلام في القسم الأوّل، وهو ما إذا كان أحد طرفي العلم الإجمالي مرتبطاً بالزمان المتأخّر، بمعنى: أنَّ نفس الحكم والوجوب مرتبط خطاباً وملاكاً.

ــــــــــ[279]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 












شبهة في المقام

 

وجدت هنا شبهة في تنجيز مثل هذا العلم الإجمالي ومنشؤها هو الجمود على الصيغة المعطاة ضابطاً لتنجيز العلم الإجمالي، وهي: أن يكون العلم الإجمالي علماً بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير.

وهنا يقال: بأنَّ علم المرأة بوجوب الاجتناب عن المسجد فعلاً أو مشروطاً بمجيء زمان متأخّر، هذا العلم ليس علماً بالوجوب الفعلي على كلّ تقدير، بل هو علم بوجوب مردّد بين أن يكون فعلياً وأن لا يكون.

 ومثل هذا العلم لا يكون منجّزاً؛ لأنَّ الوجوب غير الفعلي لا يقع موضوعاً لحكم العقل بالمنجّزية؛ لأنَّ المنجّزية من شؤون الحكم الفعلي لا من شؤون غيره، فما لم يكن الحكم فعلياً لا يصلح أن يتنجز، فإذا تعلق العلم بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير، فقد تعلق بموضوع صالح للمنجزية على كلّ تقدير، فينجّز، وأمّا إذا تعلق بالجامع بين التكليف الفعلي والتكليف اللافعلي، فمعناه أنّه تعلق بالجامع بين ما يصلح لأن يتنجز وما لا يصلح، وهذا الجامع بينهما لا يصلح أن يتنجّز، فلا يكون مثل هذا العلم الإجمالي منجّزاً في المقام. 

هذه الشبهة دعت بعض الأكابر إلى الذهاب إلى عدم منجّزية العلم الإجمالي في التدريجيات، أمّا مطلقاً أو في بعض الشقوق، كما ذهب -إلى الأخير- الشيخ الأعظم في الرسائل.

ــــــــــ[280]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

كلام المحقّق العراقي ومناقشته

وهذه الشبهة دعت المحقّق العراقي، إلى تصوير علم إجمالي آخر، ينتزعه من ذلك العلم الإجمالي، ويكون هذا العلم المنتزع خالياً من هذه الشبهة، أي: أنّه علم إجمالي بين فعلين لا بين تدريجيين، وبذلك أجاب عن الشبهة، وبنى على منجّزية العلم الإجمالي.

توضيح ما أفاده: أنّه إذا تحقّق علم إجمالي بوجوب شيء فعلاً أو وجوب منوط بالزمان المتأخّر خطاباً أو ملاكاً، فهذا الطرف الثاني يترشح منه وجوب فعلي على تقدير ثبوته غير مشروط بالرغم من كون الوجوب مشروطاً. وهذا الوجوب المترشح هو وجوب حفظ القدرة إلى حين زمان مجيء ذلك الواجب، وهذا الوجوب، وجوب حفظ القدرة هو الوجوب الذي تغلبنا به على مشكلة المقدّمات المفوتة، كالغسل قبل طلوع الفجر للصوم، لماذا يجب مع أنَّ وجوب الصوم منوط بطلوع الفجر؟ فلماذا يجب أن نهيئ مقدماته؟ لأنّه يجب حفظ القدرة؛ ولهذا أيضاً يحرم عليه إراقة الماء قبل دخول الوقت مع أنّه يعلم بعدم تمكنه من ماء آخر، فكل وجوب مشروط، إذا علم بتحقق شرطه في ظرفه وفعليته حينئذٍ، ينشأ منه وجوب فعلي، وهو وجوب حفظ القدرة.

وحينئذٍ فيتشكل في المقام، علم إجمالي بين أمرين فعليين عرضيين. فإنَّ هذا المكلف يعلم، إجمالاً إمّا بوجوب الإتيان بذلك الفعل الآني أو بوجوب حفظ القدرة للفعل المتأخر في ظرفه. والمعلوم الإجمالي هنا، هو تكليف فعلي صالح للتنجيز على كلّ تقدير فينحل الإشكال.

هذا ما أفاده المحقّق العراقي.

ــــــــــ[281]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الاعتراض على المحقّق العراقي

إلَّا أنّه ممّا لا يمكن المساعدة عليه:

وذلك: أمّا أوّلاً: فلأنَّ جوب حفظ القدرة الثابت قبل فعلية الوجوب المشروط، لمجرّد العلم بأنَّ هذا الوجوب سوف يصبح فعلياً في الزمان المتأخّر، وجوب حفظ القدرة هذا، ليس وجوباً شرعياً، بل هو وجوب عقلي بملاكات حكم العقل بتنجز التكاليف ولزوم امتثالها، وإذا كان حكماً عقلياً -كما هو المفروض عنده أيضاً- فالعقل إنَّما يحكم بوجوبه فيما إذا فرض أنَّ ذلك التكليف كان منجّزاً، لا فيما إذا لم يكن منجّزاً.

فلو فُرض أنَّ هناك تكليفاً مشروطاً سوف يتحقّق شرطه بعد أسبوع، لكنه عندي ليس واصلاً في الشريعة الإسلامية، مشكوك عندي بالشبهة البدوية، هل يجب عليَّ حفظ القدرة له أو أجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل أجري قاعدة قبح العقاب، وإنَّما يستقل العقل بلزوم حفظ القدرة لامتثال ذلك الخطاب الذي سوف يصبح فعلياً في ظرفه فيما لو تنجز ذلك الخطاب وخرج عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فوجوب حفظ القدرة فرع تنجز ذلك الخطاب، فلا بُدّ في المرتبة السابقة من أن نعترف بتنجّز ذلك الخطاب بالعلم الإجمالي التدريجي حتّى ينشأ من ذلك وجوب حفظ القدرة.

وإن شئتم قلتم: بأنَّ ذلك العلم الإجمالي التدريجي الأوّل، الذي هو محط الشبهة، أمّا أن يكون منجَّزاً لطرفيه، بالرغم من كون أحد طرفيه متأخّراً وأمّا أن لا يكون منجّزاً لهما، فإن كان منجّزاً لهما فلا حاجة إلى تصوير علم إجمالي آخر 

ــــــــــ[282]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ودسّ مسألة وجوب حفظ القدرة في المقام. وإن كان غير منجّز لهما ولا مخرج لهما عن دائرة قبح العقاب، فلا يتولد منه علم إجمالي آخر إمّا بوجوب الفعل الآني أو بوجوب حفظ القدرة للفعل المتأخّر، لأنَّ وجوب حفظها للمتأخر غير المنجّز الباقي تحت دائرة قبح العقاب بلا بيان، مثل هذا الوجوب غير ثابت بحكم العقل، ففرض تشكل هذا العلم الإجمالي الثاني هو فرض أن نقول بمنجّزية العلم الإجمالي الأوّل في المرتبة السابقة، ومعه لا معنى لإصلاح المطلب بالانتهاء إلى هذا العلم الإجمالي الثاني. هذا أولاً.

وأمّا ثانياً: فلأنّه لو كان هذا هو حل الشبهة، بقطع النظر عن إشكالنا الأوَّل، فهذا العلم الإجمالي الثاني إنَّما يكون في مورد بحث يتصوّر وجوب حفظ القدرة بالنسبة إلى الخطاب المتأخّر، وأمّا في مورد لا يتصور فيه وجوب حفظ القدرة للخطاب المتأخّر، فلا يمكن تشكيل مثل هذا العلم الإجمالي الثاني، وإنَّما يتصور عدم وجوب حفظ القدرة للخطاب المتأخر في فرضين: 

الفرض الأوَّل: هو فرض أن تكون القدرة في ظرف الواجب دخيلة في ملاك الوجوب، بحيث لو كان المكلف عاجزاً في ظرف الوجوب عن الإتيان بالفعل لا يتحقق الملاك، سواء كان قادراً قبل هذا أو لا.

 إذا فرضنا ذلك فلا تجب المقدّمات المفوتة ولا يحرم تركها قبل مجيء الوقت.

ومن هنا نقول: بأنّه لا يحرم إراقة الماء قبل دخول الوقت، إذا علم أنّه سوف لن يحصل على ماء آخر؛ وذلك لأنَّ القدرة المأخوذة دخيلاً في الملاك، 

ــــــــــ[283]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

القدر المتيقن منها هي القدرة في الوقت. وهذا حينما يريق الماء قبل دخوله سوف لن يصبح قادراً في الوقت وسوف لن يتم الملاك في شأنه، فسوف لن يصدر منه تفويت للملاك حتّى يحكم عليه بالمعصية واستحقاق العقاب. 

وإنَّما يكون القول بوجوب المقدّمات المفوتة، في واجب أحرز أن القدرة الدخيلة في ملاكه هي صرف القدرة آناً ما ولو قبل مجيء وقت الوجوب، دون الواجب الذي تكون القدرة الدخيلة في ملاكه هي القدرة بعد مجيء زمان وقت الوجوب، فلا يجب حفظ القدرة له، فلا يتشكل العلم الإجمالي الثاني.

مع أنّه لا إشكال في مثل ذلك في المنجّزية عند المحقّق العراقي. إذن فالملاك الارتكازي في ذهن المحقّق العراقي للمنجّزية غير هذا الملاك.

الفرض الثاني: هو فرض ما إذا لم يكن تحت قدرة الإنسان تفويت قدرته، إذا لم يكن قادراً أن يفوت قدرته بالإضافة إلى الفعل في ظرفه، كما لو فُرض أنّه علم إجمالاً بأنّه نذر ترك استعمال الجبن مثلاً إمّا في أوّل الشهر أو في آخر الشهر، ماذا يصنع الآن بحيث يفوت قدرته على ترك أكل الجبن في آخر الشهر، فيجعل نفسه مضطراً تكويناً إلى أكله في آخر الشهر. وفي مثل ذلك لا يكون هناك معنى لوجوب حفظ القدرة، وحينئذٍ لا يتشكل مثل هذا العلم الإجمالي الثاني أيضاً. هذا هو الإشكال الثاني على المحقّق العراقي.

ويرد عليه ثالثاً: أنّه لو سُلّم قيام مثل هذا العلم الإجمالي الثاني وتنجيزه، فلا تنفع منجّزية في إثبات ما هو المقصود.

توضيح ذلك: أنَّ عصيانه للتكليف المشروط -الذي هو أحد طرفي العلم 

ــــــــــ[284]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الإجمالي- عصيانه في ظرفه يتحصّص إلى حصتين: عصيان اضطراري ناشئ من تفويت اختياري سابق، بحيث عجّز نفسه قبل الوقت فترتب على ذلك العصيان قهراً، والحصة الأخرى من العصيان: هو عصيان ناشئ من تصميم لاحق، ونحن نريد أن يتنجز هذا التكليف المشروط بالعلم الإجمالي، بحيث ينسد باب كلتا الحصتين من العصيان، بحيث لو ارتكب أيّ واحد منهما يعاقب، كما هو معنى تنجيز العلم الإجمالي.

فهنا إذا فرضنا أنَّ المنجّزية تنحصر بالعلم الإجمالي الثاني، الذي طرفه وجوب حفظ القدرة. وبه تنجّز وجوب حفظ القدرة، ومعناه: أنّه يتنجز على المكلف سد باب الحصة الأولى من العصيان للتكليف المشروط، وهو العصيان الاضطراري الناشئ من التفويت السابق، وأمّا الحصة الثانية من العصيان فهي باقية تحت دائرة قبح العقاب بلا بيان، ولا تتنجز؛ لأنّها ليست طرفاً لعلم إجمالي منجّز. أمّا العلم الإجمالي الأوّل الواقع في التدريجات فالمفروض أنّه محطّ للشبهة، وأمّا العلم الإجمالي الثاني فطرفه إنَّما هو وجوب حفظ القدرة، وتنجز وجوب حفظها لا يزيد(1) على تنجّز سد باب الحصة الأولى من العصيان، وتبقى 

ــــــــــ[285]ــــــــــ

() هذا يصح لو كان طرف العلم الإجمالي الثاني هو وجوب حفظ مطلقاً، سواء أتيت بعد ذلك بالواجب أم لا. أمّا لو كان في الحقيقة هذا الطرف عبارة عن وجوب حفظ القدرة المترشح من الوجوب في وقته على ما هو المفروض. إذن فأنا أعلم إجمالاً إمّا بواجب آني أو بحفظ القدرة لواجب آخر بصفته واجباً، ومن المعلوم أنَّ هذه الصفة أو القيد تكون منجّزة لسد كلا الباببين من العدم أمّا الباب الأوّل فواضح وأمّا الباب الثاني فباعتبار كونه واجباً في وقته على فرض ثبوته، وإلَّا لما وجب حفظ القدرة له ولا وقعت طرفاً لهذا العلم الإجمالي. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الحصة الثانية تحت قاعدة قبح العقاب، وحينئذٍ فلا يفيد هذا في إثبات المطلوب أيضاً.

بالإضافة إلى أن العلم الإجمالي بواجب شرعي أو واجب عقلي لا معنى له، فإنَّ وجوب حفظ القدرة معناه المنجّزية، ولا بدَّ في مقام تصويره من إرجاعه إلى مسألة تحصيص العصيان(1)

فالتخلص الذي ذكره المحقّق العراقي، وإن كان فنياً بحسب تقريبه ولكن الفن يبطله في النهاية.

التحقيق في جواب الشبهة

وعليه: فنبقى نحن والشبهة الأولى: وهي أنَّ العلم الإجمالي ليس علماً إجمالياً بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير، إذن فمعلومي ليس صالحاً للمنجّزية على كلّ تقدير، ولا موضوعاً لحكم العقل على كل تقدير؛ لأنَّ الوجوب المشروط لا يقع موضعاً لحكم العقل بوجوب الامتثال والمنجزية إلَّا بعد أن يصبح فعلياً، ولا يصبح فعلياً إلَّا بعد تحقق شرطه.

هذه الشبهة لا أفهم لها معنى غير أنّي أؤديها هنا كألفاظ؛ وذلك لأنَّ حكم العقل بوجوب الامتثال ليس حكماً بعثياً وزجرياً، ليقال: إنّه حكم مترتب على بعث الشارع وزجره فمتى ما كان يبعث الشارع فعلياً يكون حكم العقل فعلياً 

ــــــــــ[286]ــــــــــ

() كذا قال سيّدنا الأستاذ جواباً على سؤال. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

حاله -مثلاً- حال وجوب المقدّمة بالنسبة إلى وجوب ذيها الذي لا يصبح فعلياً إلَّا بوجوب ذي المقدّمة، ليس حكم العقل هكذا ليقال: بأنَّ معلومي ليس موضوعاً لحكم العقل بالفعل على كلّ تقدير.

بل حكم العقل بالمنجّزية مرجعه إلى حكمه بقبح المخالفة للتكليف، والمفروض بأنَّ التكليف الذي يقبح مخالفته هو التكليف الداخل في دائرة حقّ الطاعة للمولى، وإنَّما يدخل التكليف في هذه الدائرة إذا كان واصلاً، إمّا بالوصول التفصيلي أو بالوصول الإجمالي، بعد أن فرغنا عن منجّزية الوصول الإجمالي في نفسه، فالتكليف بوصوله الإجمالي، يكون داخلاً في دائرة حقّ الطاعة، وإذا دخل فيها فيقبح مخالفته، وقبح مخالفته هو ملاك منجّزية التكليف واستحقاق العقاب عليه.

وهذا المطلب كله فعلي بالنسبة إلى التكليف المشروط المعلوم تحقق شرطه في ظرفه، هذا التكليف من الآن مخالفته موصوفة بأنّها قبيحة؛ لأنّها مخالفة تكليف داخل في دائر حقّ الطاعة؛ لأنّه تكليف واصل بالوصول الإجمالي. إذن، فاتصاف مخالفته بالقبح فعلي، غاية الأمر أنَّ هذا القبيح ينحصر مصداقه خارجاً في فرد، متأخّر لا يمكن إيجاده الآن، بخلاف مخالفة الطرف الأوّل؛ فإنّه قبيح فعلي يمكن إيجاده الآن، فمعلومي الإجمالي موضوع لحكم العقل بقبح المخالفة على كلّ تقدير.

إذن، فالتكليف يكون منجّزاً بالعلم الإجمالي على كلا التقديرين، سواء كان هو المطلق أو هو المشروط مع العلم بتحقق شرطه في ظرفه، ومعنى تنجزه فعلاً 

ــــــــــ[287]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هو دخوله تحت دائرة حقّ الطاعة، أي: حكم العقل بقبح مخالفته، غاية الأمر أنَّ المخالفة هنا لا يعقل تطبيقها في هذا الزمان، بل لو أراد الإنسان بشقاوته أن يوجده يجب أن ينتظر زماناً متأخّراً لأجل أن يوجده، ومثل هذا لا ربط له بباب المنجّزية الفعلية. إذن، فالعلم الإجمالي في التدريجات لا بُدّ أن يكون منجّزاً

نعم، لا بُدّ أن يكون التكليف المشروط يُعلم بتحقق مشروطه في ظرفه. وأمّا لو فرضنا أنَّ أصل تحقق شرطه مشكوك، فلا يكون عندي علم بتكليف داخل تحت دائرة حقّ الطاعة على كلّ حال؛ لأنَّ التكليف المشروط، غير المتحقّق شرطه ولو في الزمان المتأخّر، لا يكون داخلاً في تلك الدائرة لعدم وصوله، لأنَّ الوصول يستبطن وصول الكبرى والصغرى، وفي المقام لا وصول للصغرى. 

إذن، ففي القسم الأوّل، وهو ما إذا كان التكليف متأخّراً ملاكاً وخطاباً، يكون العلم الإجمالي منجّزاً. 

ــــــــــ[288]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 









فيما إذا كان العالم بالعلم الإجمالي التدريجي عالماً ببقاء علمه للزمان المتأخّر أو عالماً بعدم بقائه أو شاكّاً في ذلك

 

بعد الفراغ عن أنَّ الشبهة التي أثيرت حول تنجيز العلم الإجمالي في التدريجات لا موقع لها، وأنَّ التدريجية لا تؤثر في تطبيق قوانين العلم الإجمالي، بعد الفراغ عن هذا لا بُدّ من التنبيه على ناحية أخرى مهمة في هذا العلم:

وحاصل هذه الناحية هي أنَّ طرف العلم الإجمالي، في هذا العلم، حيث إنّهما ليسا متعاصرين زماناً، فمن هذه الناحية يمكن أن يقسم هذا العلم ويقال: بأنَّ العلم إجمالاً بأنّه إمّا يجب عليه شيء فعلاً أو يجب عليه شيء في آخر الشهر.

وهذا إمّا أن يُفرض: أنّه عالم ببقاء هذا العلم الإجمالي عنده إلى حين مجيء زمان الطرف المتأخّر.

وإمّا أن يُفرض: بأنّه عالم بأنّه سوف يرتفع هذا العلم الإجمالي ويتبين الحال في وقت ذلك الأمر المتأخّر.

وثالثة: يُفرض أنّه يشك ولا يدري أنَّ علمه الإجمالي هل سوف يبقى إلى ذلك الحين أو يرتفع. فلا بُدّ لنا من ملاحظة أنَّ العلم الإجمالي هل ينجّز في تمام هذه الشقوق الثلاثة أو في بعضها دون بعض؟

ــــــــــ[289]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أمّا في الشقّ الأوّل، وهو ما إذا علم بأن هذا العلم الإجمالي سوف يبقى إلى حين مجيء زمان التكليف المتأخّر، فهذا هو المتيقن ممّا فرغنا منه من تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات(1).

وأمّا القسم الثاني وهو أن يعلم إجمالاً بتكليف مردّد بين أن يكون فعلياً أو أن يكون في آخر الشهر، ولكن يعلم بأنَّ هذا العلم الإجمالي سوف ينحل فحينما يجيء زمان المتأخّر لا يكون ذلك الطرف طرف العلم الإجمالي وذلك بأحد أمور: إمّا أنّه سوف يحصل بعد هذا علم تفصيلي بوجوب ذلك الأمر المتأخّر بالخصوص، فيخرج عن الطرفية للعلم الإجمالي لا محالة. وإمّا لأنّه سوف يصبح معلوم عدم الوجوب تفصيلاً ويعلم تفصيلاً بوجوب الأول. وإمّا أنّه ينقلب الشكّ في الوجوب في الأمرالمتأخر من الشك المقرون بالعلم الإجمالي، يعني من احتمال الانطباق، إلى الشكّ البدوي، كما هو الحال لو علم بعد هذا تفصيلاً بأن المتقدّم كان واجباً، ولكن مع هذا يحتمل أن المتأخّر أيضاً واجب.

إذن، فهو الآن يعلم أنّه سوف تحصل له إحدى هذه الحالات الثلاثة المساوقة مع انحلال العلم الإجمالي في آخر الشهر، فهل يكون مثل هذا العلم الإجمالي منجّزاً فعلاً أو لا.

التحقيق: أنّه لا يكون منجّزاً؛ وذلك لجريان الأصول المؤمّنة في هذا الطرف الفعلي من دون معارض في الطرف المتأخر. 

وذلك لأنَّ الأصل بالنسبة إلى الطرف المتأخّر الذي يتوهم كونه معارضاً 

ــــــــــ[290]ــــــــــ

() أنظر تفصيل هذا الشقّ في المحاضرة الآتية. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

للأصل الجاري في الطرف الفعلي، أي أصل هو؟ هل هو الأصل الجاري فعلاً بلحاظ الطرف المتأخّر، أو الأصل الجاري في ذلك الظرف المتأخّر. أمّا الأصل الجاري فعلاً بلحاظه، مثله لا يجري؛ لأنّه بلا أثر، إذ لا يترقب من الأمر المتأخّر فعلاً تنجيز ومحركية لأجل أن يجري الأصل من ناحيته، فجريان الأصل في هذا الظرف لغو.

وأمّا جريان الأصل(1) في الظر ف المتأخّر، فهو إمّا غير جار؛ لأنّه بلا موضوع، أو جار بلا معارضة؛ لأنّه إن فرض أنّه سوف يتبدل حاله إلى العلم التفصيلي بوجوب الأمر المتأخّر، أو العلم التفصيلي بعدم وجوبه، فهو خارج عن موضوع دليل الأصل تخصّصاً؛ لأنّه ممّا يعلم لا أنّه ممّا لا يعلم مثلاً، وإن فرض أنّه سوف ينقلب شكه من احتمال الانطباق إلى الشك البدوي، فيكون موضوع دليل الأصل محفوظاً في الطرف المتأخّر ويجري الأصل فيه بلا أن يعارض الأصل هنا؛ لأنَّ المعارضة إنَّما تكون لو كانت جارية في موارد احتمالات انطباق المعلوم الإجمالي، وهذا ليس منها، فلا يكون الأصل فيه معارضاً مع الأصل الجاري فعلاً، بل هو أصل بلحاظ شبهة بدوية.

إذن، فهو يعلم بأنَّ الطرف المتأخّر إمّا أن يخرج عن موضوع الأصل تخصّصاً أو يكون مجرى له كشبهة بدوية، ولا يكون معارضاً لجريان الأصل في 

ــــــــــ[291]ــــــــــ

() هذا الأصل ليس له معارض بحسب إحراز هذا العالم إجمالاً، فإنّه يقطع بعدم وجود معارض لشمول دليل الأصل لهذا الطرف؛ لأنَّ ما يتصور كونه معارض هو شمول دليل الأصل للطرف المتأخّر في ظرفه، ومن المعلوم أنَّ شموله له إمّا منفي وإما غير معارض. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الطرف الفعلي، فيتمسّك بدليل الأصل فيه، وحينئذٍ يكون هذا الأصل جارياً بلا معارض، فلا يكون العلم الإجمالي منجّزاً.

فالمكلف يجري الأصل المؤمّن هنا ويقتحم، ففيما بعد إذا انكشف أنَّ الواجب هو الثاني، فهذا من حسن حظ المولى، فإنّه قد أجرى الأصل في غير الواجب، ويفعل الواجب بعد هذا. وإن انكشف أنَّ الواجب هو الأوّل، فهذا من حسن حظه هو(1)، فإنه قد تركه استناداً إلى الأصل المؤمّن. وبعد هذا يترك الفعل الثاني استناداً إلى قطعه بعدم وجوبه. وإذا فرضنا أنه انقلب علمه الإجمالي إلى الشك البدوي، فأيضاً لا بأس له بإجراء الأصل المؤمّن، وترك الفعل حينئذٍ(2).

هذا إذا كان المكلف عالماً بارتفاع العلم الإجمالي بعد هذا. 

وأمّا لو فرض أنّه شك ولم يعلم بأنَّ علمه الإجمالي هل سوف يرتفع بأحد هذه الوجوه أو أنّه باق، فهل يجوز له التمسّك بدليل الأصل أو لا؟

أمّا بناءً على أنَّ محذور التمسّك بدليل الأصل هو محذور عقلي، وهو الترخيص بالمخالفة القطعية، باعتبار أنّها قبيحة بحكم العقل قبحاً تنجيزياً والترخيص في القبيح محال، فحينئذٍ يخرج عن موضوع أدلة الأصول ما كان قبيحاً، وهذا المؤمّن يشك في أنَّ عنوان القبيح العقلي هل يكون منطبقاً على 

ــــــــــ[292]ــــــــــ

() لأنّه ينكشف أنَّ الواجب هو الأوّل الذي جرى عنه الأصل بوجه مشروع في نظره. (محاضرة الغد). (المقرِّر).

(2) نعم، هو في النهاية يحصل له علم إجمالي بأنّه صدرت منه المخالفة إلَّا أنّه لا بأس بمثل ذلك بعد أن تعينت هذه المخالفة في الفرد الأوّل الذي كان مورداً للتأمين في وقته. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الترخيص في كلا الطرفين أو لا يكون؟

 وبتعبير آخر: هو يشك بأنَّ الأصل الجاري في الظرف الفعلي هل هو مصداق للقبيح العقلي ولو ضمناً بضم الأصل الجاري في الطرف الآخر إليه أو ليس مصداقاً له، فيكون شبهة مصداقية لدليل الأصل، فلا يجوز له التمسّك به.

وأمّا بناءً على أنَّ المحذور في الترخيص في المخالفة القطعية هو الارتكاز العقلائي، ارتكاز المنافاة بين الترخيص والمخالفة القطعية، والتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال.

 وحينئذٍ فلا بُدّ وأن يرى مقدار هذا الارتكاز، فهل إن ارتكاز المناقضة هذا ارتكاز يشمل حتّى في ما لو فرض أنَّ الترخيص جعل بنحو تدريجي لا يعلم من أوّل الأمر بأنّه سوف ينتهي إلى ترخيص في المخالفة القطعية، أو أن هذا الارتكاز مختص بما إذا رخص في المخالفة القطعية بنحو يكون من أوّل الأمر معلوماً أنه ترخيصٌ في المخالفة القطعية(1).

فإذا فرض إطلاق الارتكاز لا يمكن التمسّك بدليل الأصل؛ لأنّه من المحتمل أنَّ هذا كونه مصداقاً للخارج بالارتكاز، وأمّا لو فرض أنَّ الارتكاز غير موجود، كما لو كانت القضية شخصية والمولى غير عالم بالغيب، وقال للعبد: أنت اترك الاحتياط في هذا الطرف، ثُمَّ ترى أنَّ العلم الإجمالي ينحل أو 

ــــــــــ[293]ــــــــــ

() فإن جزم أو احتمل شمول الارتكاز حتّى لهذا المورد امتنع التمسك بأدلة الأصول، وإن جزم بضيق في دائرة الارتكاز بحيث لا تشمل من هذا الترخيص التدريجي في المخالفة القطعية، من دون علمٍ بما ينتهي إليه هذا الترخيص، فحينئذٍ يتمسّك بأدلة الأصول في المقام، (محاضرة غد). (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

لا ينحل، وبعد ذلك حينما يجيء وقت الطرف الآخر، ونفرض أنَّ العلم الإجمالي يبقى على حاله، يقول له: ما دام بقي طرف واحد أتركه أيضاً.

 العرف في مثل ذلك لا يرى ان هذا الترخيص من قبل المولى مساوقاً مع رفع يده عن الواقع، وإنَّما يقول: إنَّ هذا الترخيص التدريجي منه، من ناحية انّه كان يحتمل أن لا يكون هناك أداء إلى الترخيص في المخالفة القطعية.

إذا شُكِّكت في إطلاق الارتكاز لهذا الفرض، فيتمسّك بالقدر المتيقن، وفي الزائد عن ذلك يتمسّك بدليل الأصل. هذا في حال الشك أيضاً

هذا كله فيما إذا لم يكن للطرف المتأخّر أثر فعلي، وإلَّا لو فرض أنَّ للطرف المتأخّر بالفعل أثر فعلي، كما لو كانت له مقدّمات لا بُدّ من تحضيرها قبل ذلك، حينئذٍ يكون التعارض بين الأصلين العرضيين فعلاً(1)، ولا إشكال حينئذٍ في التعارض والتساقط والتنجز على جميع هذه الشقوق الثلاثة.

هذا هو تمام الكلام في العلم الإجمالي في التدريجيات.

القسم الأوّل(2) هو أن يفرض العالم بالإجمال عالماً ببقاء العلم الإجمالي إلى حين مجيء زمان الطرف المتأخر

 ومثل هذا هو القدر المتيقن من التنجيز الذي فرغنا عنه، حيث إنّه لا تأتي هنا إلَّا الشبهة التي أثيرت في كلمات الشيخ ومن تأخّر عنه، وهي الشبهة التي دفعناها.

ــــــــــ[294]ــــــــــ

() بلحاظ هذا الأثر الفعلي، (محاضرة غد). (المقرِّر). 

(2) قال بعد عنونة المسألة: (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

نعم، هذه الشبهة بنفسها يمكن أن تقرّب بتقريب آخر، بحيث لو تم لوقع الإشكال في تنجيز العلم الإجمالي حتّى في هذا القسم الأول.

وحاصل تقريبه بنحو تلتئم صوره للمغالطة هو أن يقال: بعد الفراغ عن مقدمتين:

 إحداهما: هي ما أشرنا إليه مراراً وحاصلها إن العلم الإجمالي بطرف فعلي أو طرف متأخّر، لو سُلّم كونه منجّزاً للطرف المتأخّر، فإنَّما ينجّزه بوجوده البقائي المستمر إلى حين مجيء الطرف المتأخّر، لا بوجوده الحدوثي، لوضوح أنَّ هذا العلم الإجمالي الحدوثي لو ارتفع قبل مجيء زمان الطرف المتأخّر وتبدل إلى الشكّ البدوي المحض لم يكن منجّزاً للطرف المتأخّر بلا إشكال، فالطرف المتأخّر في الظرف المتأخر، إنَّما يتنجّز في ذلك الظرف بالوجود البقائي للعلم الإجمالي لا الحدوثي.

المقدّمة الثانية: أنَّ الوجود البقائي لهذا العلم الإجمالي الحصة البقائية منه في زمان مجيء الطرف الآخر، ليست واجدة لشرائظ التنجيز؛ لأنّه علم بأحد طرفين أحدهما تالف وخارج عن محل الابتلاء فعلاً وهو الطرف المتقدّم أو من المعلوم أنّه في اليوم الثاني لو حدث لنا علم بوجوب هذا المتأخّر أو ذاك المتقدّم الذي فات وقته لم يكن هذا العلم الإجمالي منجّزاً. والملحوظ هنا أنَّ الوجود البقائي للعلم كهذا الوجود الحدوثي.

فلو ضممنا إحدى هاتين المقدّمتين إلى الأخرى ينتج أنَّ هذا العلم الإجمالي لا يكون منجّزاً ولا صالحاً للتنجيز بالنسبة إلى الطرف المتأخّر؛ لأنّه بوجوده 

ــــــــــ[295]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الحدوثي لا يصلح لتنجيز المتأخّر بحكم المقدّمة الأولى، وبوجوده البقائي لا يصلح لذلك بحكم المقدّمة الثانية. إذن، فهذا العلم لا بوجوده الحدوثي ولا البقائي صالح للمنجّزية للطرف المتأخّر. إذن، فيسقط عن المنجّزية؛ لأنَّ العلم الإجمالي إذا لم يصلح للتنجيز يسقط عن المنجّزية، هذا هو حاصل صب تلك الشبهة في قالب آخر أحسن.

إلَّا أنَّ هذا الكلام ممّا لا يمكن الرجوع إليه: فإنَّ المقدّمة الأولى وإن كانت صحيحة، وهي أنَّ هذا العلم الإجمالي بوجوده الحدوثي ليس منجزاً للطرف المتأخّر، وإنَّما ينجّزه بوجوده البقائي، ولكن الدعوى الثانية، وهي أنَّ الوجود البقائي فاقد لشرائط التنجيز باعتبار خروج أحد طرفيه عن محل الابتلاء، ممنوعة؛ لأنّها مبنية على مقايسة الوجود البقائي لا العلم بالوجود الحدوثي له، وهو ما لو استجد لنا علم في اليوم الثاني أنّه إمّا هذا واجب وإمّا السابق. نعم، هذا العلم ليس منجّزاً ولكن الوجود البقائي لعلمنا هذا لا يقاس على ذلك.

والوجه في عدم القياس أنَّ هذا العلم الإجمالي المستجد في اليوم الثاني، لا يمكن أن يكون منجّزاً؛ لأنَّ أحد طرفيه لا يمكن أن يكون محملاً على العبد من ناحية نفس هذا العلم؛ لأنّه يستحيل أن يكون التحميل الناشئ منه سابقاً عليه في الوجود(1) إذ هذا التحميل إذا وجد في اليوم الأوّل فمعناه سبق التحميل على منشئه، وإن كان تحميل الأمر المتقدّم على المكلف من حين حدوث العلم المستجد وهو اليوم الثاني، فهو غير معقول، إذ بعد انتهاء زمانه وسقوطه 

ــــــــــ[296]ــــــــــ

() إلَّا إذا كان له بعض الآثار كوجوب القضاء فتأمّل. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بالعصيان كيف يُعقل تحميله، فتحميل الأمر المتقدّم من ناحية نفس هذا العلم أمر غير معقول، فيتبيّن أنَّ هذا العلم غير صالح لتحميل متعلقه على كلّ تقدير على المكلف، فيسقط عن المنجّزية. 

وهذا بخلافه في المقام، فإنّه في المقام، فإنّا نقول: إنَّ هذا الوجود البقائي للعلم، يمكن تحميل الأمر المتقدّم من ناحيته على المكلف في اليوم ولا يكون هذا من باب سبق التحميل على العلم؛ لأنَّ هذا علم واحد(1) مستمر من اليوم الأوَّل إلى اليوم الثاني، فهذا العلم الواحد يصير بحدوثه مقارناً مع أمر تحميله وببقائه يكون مقارناً مع تحميله الآخر، وحينئذٍ يكون صالحاً للتنجيز باعتبار صلاحيته لتحميل كلّ واحد من الطرفين مقارناً لوجوده على المكلف.

وإن شئتم قلتم: إنّه في ذلك العلم المستجد كنا نجري الأصل المؤمّن بالنسبة إلى الطرف الفعلي -وهو حادثة اليوم الثاني- ولا نجري أصلاً مؤمّناً بلحاظ احتمال انطباق المعلوم الإجمالي على الطرف الأوّل؛ لأنَّ هذا الاحتمال في نفسه لم يكن منشأ للمنجّزية؛ لأنّه احتمال تكليف قد انقضى وقته، فلا نحتاج فيه إلى أصل مؤمّن، وإنَّما كنا نحتاج إلى أصل مؤمّن في أحد احتمالي الانطباق، وهو حادثة اليوم الثاني. ومن هنا كان يجري الأصل بلا معارض، وأمّا هنا فعندنا احتمالان للانطباق:

 أحدهما: احتمال انطباق المعلوم الإجمالي في ظرف وجوده الحدوثي على 

ــــــــــ[297]ــــــــــ

() إلَّا أنَّ الوحدة لا تكون محفوظة مع الغفلة عنه في أثناء الوقت كما هو معلوم عقلاً وعرفاً. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

واقعة اليوم الأوَّل، وثانيهما: احتمال انطباق المعلوم الإجمالي في ظرف وجوده البقائي على واقعة اليوم الثاني، وكلّ من هذين الاحتمالين يحتاج إلى أصل مؤمّن، فلا محالة تتعارض الأصول في الأطراف، وتتساقط، فمثل هذه الشبهة باطلة في المقام(1).

أمّا على مبنى المشهور القائلين بقبح الترخيص في المخالفة القطعية من باب أنّه ترخيص في القبيح، لا يبعد أنَّ المكلف لا يمكنه التمسّك بدليل الأصل، وذلك لأنَّ احتمال أنَّ علمه الإجمالي سوف يبقى مساوق لاحتمال أن يكون ارتكابه للطرف الفعلي جزءاً من المخالفة القطعية القبيحة بحكم العقل، فيكون ترخيص المولى في المقام ترخيصاً فيما يحتمل كونه مخالفة قطعية، ولا يبعد أن يدّعي، بأنَّ قبح المخالفة القطعية ثابت حتّى في مورد احتمال انطباقها على مورد أيضاً. وحينئذٍ فلا يجري الأصل، وإنَّما أقول: لا يبعد لأنّنا نحن لا ندرك قبحاً في هذا المقام لنحدده وإنَّما نتكلّم من وجهة نظر من يدرك مثل هذا القبح(2).

ــــــــــ[298]ــــــــــ

() ثُمَّ قرر صورة ما إذا كان يعلم بارتفاع علمه الإجمالي كما سبق، ثُمَّ ذكر صورة ما إذا كان يُشك بارتفاع علمه الإجمالي، وذكر أنَّ ذلك يختلف باختلاف المباني. (المقرِّر). 

(2) ثُمَّ ذكر بقية الكلام في المسألة كما سبق. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 







التنبيه التاسع: في الاضطرار إلى بعض                                        أطراف العلم الإجمالي

 

  • المقام الأوَّل: في الاضطرار إلى المعين
  • المقام الثاني: في الاضطرار إلى غير المعين
  • أمور في ذيل التنبيه

ــــــــــ[299]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 








التنبيه التاسع: في الاضطرار إلى بعض أطراف                       العلم الإجمالي

 

والكلام فيه يقع في مقامين:

 المقام الأوَّل: في حصول الاضطرار والعجز إلى البعض من أطراف العلم الإجمالي.

 والمقام الثاني: وهو ما إذا حصل العجز عن بعض لا بعينه من الأطراف.

 

المقام الأوَّل: في الاضطرار إلى المعين

 

المقام الأوَّل: فيما إذا علم إجمالاً بنجاسة أو حرمة في الحليب، أو الشاي واضطر إلى استعمال الشاي بالخصوص، فهنا صور ثلاث: باعتبار أنَّ الاضطرار إلى استعمال أحدهما المعيّن. 

تارةً يكون بحسب التاريخ قبل حدوث سبب الحرمة المعلومة إجمالاً.

 وأخرى يكون بعد حدوث سبب الحرمة إلَّا أنّه قبل حدوث العلم.

وثالثة: يكون بعد حدوث سبب الحرمة والعلم معاً. 

ــــــــــ[301]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فهنا صور ثلاث:

الصورة الأولى: الاضطرار قبل حدوث سبب الحرمة المعلومة بالإجمال

الأولى: أن يحدث الاضطرار قبل حدوث العلم وسبب المعلوم أي الحرمة، كما لو اضطر إلى شرب الشاي بالخصوص من هذين الإنائين ثُمَّ رأى بعينه قطرة دم وقعت في أحد الإنائين.

وفي هذه الصورة لم يستشكل ولا إشكال في عدم منجّزية العلم الإجمالي؛ لأنَّ علمه بوقوع قطرة دم في أحد الانائين لم يشكل علماً إجمالياً بحرمة أحدهما على سبيل الترديد؛ لأنَّ الشاي باعتبار الاضطرار إليه لا يكون حراماً إمّا بالعنوان الأولي -لو لم تكن القطرة واقعة فيه- أو بالعنوان الثانوي -أي: عنوان الاضطرار- فهو معلوم الحلية تفصيلاً.

 وإنَّما يبقى شك بدوي في ثبوت الحرمة في الحليب، فيكون مجرى للأصل المؤمّن بلا إشكال. فلا يتشكل علم إجمالي بالحرمة، فيجوز له شربهما معاً، شرب الشاي لدفع اضطراره والحليب استناداً إلى الأصل المؤمّن الجاري في الشبهة البدوية.

الصورة الثانية: الاضطرار بعد حدوث سبب الحرمة والعلم بها

وأمّا إذا كان الاضطرار متأخّراً عن كلّ المراتب: كما لو حصل له علم بنجاسة أحد الأمرين ثُمَّ بعد هذا اضطر إلى تناول أحدهما المعيّن وهو الشاي، فهنا هل يكون العلم الإجمالي ساقطاً عن المنجّزية بلحاظ الحليب أو يبقى على المنجّزية بلحاظ الحليب.

ــــــــــ[302]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هذا العلم الإجمالي إذا لوحظ بأطرافه الفعلية، فليس له طرفان، ومعنى هذا أنَّ العلم الإجمالي في المقام غير موجود بقاء بلحاظ طرفين فعليين؛ لأنَّ أحد الطرفين وهو الشاي لا يحتمل حرمته، وإنَّما المحتمل حرمة الحليب فقط.

ومن هنا قد يتوهم أنَّ العلم الإجمالي قد ارتفع وبارتفاعه ترتفع المنجّزية أيضاً؛ لأنَّ المنجّزية تابعة له حدوثاً وبقاءً، إلَّا أنَّ هذا التوهم باطل، كما أشار إلى ذلك المحقّق الخراساني في حاشيته على كفاية نفسه، وأوضحه المحقّق العراقي.

 والوجه فيه: أنّه هنا يكون هناك علم إجمالي مردّد بين القصير والطويل، بين وجوب الاجتناب عن الشاي في المدة السابقة عن الاضطرار -وهي مدة قصيرة- أو وجوب الاجتناب عن الحليب في تمام عمود الزمان، وهو علمٌ إجمالي منجّز، ومجرّد أن يكون أحد طرفيه أقصر مدة من الطرف الآخر لا يضر بتنجيزه، فهو حينما تشكّل تشكّل منجّزاً، وانتهاء وقت أحد طرفيه لا يخرجه عن المنجّزية.

فقط بقي شيء واحد، وهو أنَّ هذا العلم الإجمالي هل يكون منجزيته العلم الإجمالي في التدريجيات الذي فرغنا عن كونه منجّزاً أو لا يكون مبنياً عليه؟ 

هذا يختلف باختلاف تصوير طبيعة الحكم، وهو وجوب الاجتناب، فإن فرضنا أنّه حكم واحد لا أحكام متعددة، غاية الأمر أنَّ هذا الحكم الواحد انتهى أمده هنا قبل أن ينتهي هناك، فهذا علم إجمالي بعوضين فعليين -حين حدوثه- ويكون منجّزاً حتّى عند من لا يرى تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات. 

وإذا فرضنا أنَّ وجوب الاجتناب ينحل إلى وجوبات متعددة بعدد 

ــــــــــ[303]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الأزمنة، ففي كلّ زمان يوجد وجوب للاجتناب، فهذه الوجوبات المتعددة أما أن نفرضها متعاصرة زماناً موجودة من أوّل الأمر، ومتعلقاتها مترتبة متدرجة، فهنا يتشكل عندنا علم إجمالي عند حدوثه بوجوب الاجتناب عن الشاي فعلاً أو بوجوب للاجتناب عن الحليب واقع بعد حصول الاضطرار إلى الشاي، فيكون أحد الطرفين وجوباً فعلياً منجّزاً والآخر وجوباً فعلياً معلقاً، فتنجيزه مبني على تنجيز العلم الإجمالي، فيما إذا كان أحد طرفيه معلقاً. 

وإذا كانت متدرجة من حيث الزمان، يعني: كلّ وجوب متقيّد بزمانه، فيرجع إلى وجوب الاجتناب فعلاً عن الشاي، أو بوجوب الاجتناب عن الحليب مشروطاً بزمان الاجتناب عن الشاي، فيكون مبنياً على أن نقول بتنجيز العلم الإجمالي فيما إذا كان أحد طرفيه مشروطاً مع العلم بتحقق شرطه في ظرفه والآخر مطلقاً.

وعلى أيّ حال ففي جميع هذه الفروض، يكون العلم الإجمالي منجزاً. وعليه إذا حصل الاضطرار بعد العلم الإجمالي لا يكون مانعاً عن تنجيزه هذا هو الكلام في الصورة الثالثة والأولى.

الصورة الثانية: الاضطرار بعد حدوث سبب الحرمة وقبل العلم بها

يبقى الكلام في الصورة الثانية.

بقي(1) الكلام في الصورة الوسط بين الصورتين، وهو حدوث الاضطرار بعد حدوث سبب التكليف، ولكن قبل حدوث العلم، كما لو اضطر الإنسان 

ــــــــــ[304]ــــــــــ

() قال بعد عنونة المسألة وتلخيص ما سبق: (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

عند المغرب إلى شرب أحد المائعين المعيّن وهو الشاي، ثُمَّ بعد ذلك بساعة علم أنَّ أحد المائعين كان نجساً ومحرّم الشرب من أوّل الظهر، فهل يلحق هذا بالاضطرار المتأخّر عن تمام المراتب، فيكون العلم منجزاً أو يلحق بالاضطرار السابق على تمام المراتب فلا يكون منجّزاً.

شبهة في المقام

هنا شبهة قد تقول بأنَّ العلم الإجمالي هنا منجّزاً، فيكون حال الاضطرار المتوسط حال الاضطرار المتأخّر، وفي تقريرات المحقّق النائيني يذكر المقررون أنَّ أستاذهم كان يذهب إلى ذلك في دورة سابقة لكنه عدل في هذه الدورة. وحاصل الشبهة التي قد تكون أساساً للقول بمنجّزية العلم الإجمالي في المقام تارة تقرّب بما ذكره السيّد الأستاذ في الدراسات وأخرى تقرّب بما ذكره المحقّق النائيني على ما في تقريرات بحثه. 

أمّا تقريبها على ما ذكره السيّد الأستاذ: فهو التمسّك باستصحاب الكلي في المقام، وذلك بأن يقال: بأنّنا نعلم بحدوث حرمة مردّدة من حين الظهر، هذه الحرمة إمّا واقعة ضمن الحليب أو في ضمن الشاي، إن كانت واقعة في الشاي فقد ارتفعت بالاضطرار، وإن كانت هي حرمة الحليب فهي باقية إلى هذه اللحظة، فهنا حرمة كلية، معلومة إجمالاً وأمرها مردد بين أن تكون متحقّقة في ضمن فرد قصير أو فرد طويل.

 إذن، فيجري استصحاب الكلي من قبيل القسم الثاني من استصحاب الكلي من قبيل ما إذا علم بالحدث وتردد بين الأصغر والأكبر، فإنّه بعد 

ــــــــــ[305]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الوضوء يجري استصحاب وجود الحدث، ويقول: إنّه إن كان في ضمن الصغير فقد ارتفع، وإن كان في ضمن الكبير فلم يرتفع، فيستصحب بقاء الكلي، كذلك في المقام يستصحب بقاء كلي الحرمة.

واستصحاب كلي الحرمة وإن كان لا يثبت حرمة الحليب؛ لأنَّ هذه ملازمة عقلية، وهي لا دخل لها في إجراء الأصول لعدم حجّيّة الأصل المثبت، فاستصحاب كلي الحرمة لا يثبت أنَّ الحرمة هو الحليب، ولكن يشكل علماً إجمالياً تعبدياً استصحابياً ببقاء حرمة ما، فيحكم العقل -مثلاً- بوجوب الخروج عن عهدة مثل هذه الحرمة الاستصحابية المزعومة، وذلك بالاجتناب عن الحليب.

جواب للسيّد الأستاذ ومناقشته

ثُمَّ أجاب السيد الأستاذ عن هذه الشبهة: بأنَّ استصحاب الكلي إنَّما نقول به فيما لو كانت الأصول في القصير والطويل متعارضة، أصالة عدم القصير معارضة بأصالة عدم الطويل، وبعد هذا التعارض يجري استصحاب بقاء الكلي، كما هو الحال في الحدث، فإنَّ الأصل المؤمّن من ناحية الحدث الأصغر النافي لوجوب الوضوء ساقط بالمعارضة مع الأصل المؤمّن من ناحية الحدث الأكبر النافي لوجوب الغسل، وبعد التساقط بين الأصلين، يجري استصحاب الكلي. 

وأمّا في لو فرض أنَّ الأصل المؤمّن في أحد الطرفين كان جارياً لا ساقطاً بالمعارضة، ففي مثل ذلك يكون استصحاب بقاء الكلي محكوماً لذلك الأصل، 

ــــــــــ[306]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

كما هو الحال في المقام، فإنَّ الحرمة المعلومة إجمالاً المرددة بين الحليب والشاي، وجودها في الحليب، وهو الفرد الطويل، مجرى للأصل المؤمّن في نفسه، فيجري فيها بلا معارض، إذ لا يعارضها أصالة البراءة عن حرمة الشاي للقطع بعدم حرمة الشاي بعد حصول العلم بحصول الاضطرار، وأمّا قبل العلم فهو شبهة بدوية لا يعارض الأصل فيها أصلاً آخر.

 ومعنى هذا أنَّ الفرد الطويل هنا منفي بالأصل المؤمّن، فلا يجري استصحاب بقاء الكلي؛ لأنَّ الشك في بقاء الكلي مسبب عن الشكّ في تحقّق الفرد الطويل، فإذا نفى الفرد الطويل بالأصل المؤمّن كان ذلك حاكماً على استصحاب بقاء الكلي، فمن هذه الناحية نقول في المقام بعدم جريان استصحاب بقاء الحرمة لحكومة الأصل المؤمن النافي لحرمة للحليب بلا معارض.

يقول: وبهذا البيان نجيب من يقول بوجوب الاحتياط في موارد الأقل والأكثر الارتباطين، كما لو دار الأمر بين وجوب تسعة أجزاء في الصلاة أو عشرة، فإنّنا هناك كنا نقول بجريان البراءة عن الزائد، فلو قال لنا قائل: إنني لو اقتصرت على الأقل أشك في بقاء(1) الوجوب وعدم بقائه؛ لأنَّ الوجوب لو كان هو وجوب التسعة فقد سقط ولو كان هو وجوب العشرة فهو باق، فاستصحب بقاء الوجوب الكلي الجامع بين وجوب الأقل ووجوب الأكثر، كنا نجيب عن ذلك قائلين: بأنَّ أصالة البراءة عن الزائد حاكمة على هذا 

ــــــــــ[307]ــــــــــ

() الأحسن في ورود الإشكال أن يقال: بأنني أشك في سقوط الوجوب وعدمه فيكون مورداً لأصالة الاشتغال كما هو معلوم. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الاستصحاب؛ لأنَّ الشك في بقاء كلي الوجوب مسبب عن الشك في وجوب الأكثر، ووجوب الأكثر منفي بأصالة البراءة. وعليه فلا بأس للاستصحاب في المقام.

إلَّا أنَّ هذا التقريب: أصلاً ودفعاً ممّا لا يناسب السيّد الأستاذ:

أمّا أصل هذا التقريب، وهو التمسّك باستصحاب كلي الحرمة المرددة بين الحرمة المرتفعة والحرمة الباقية، فهذا الاستصحاب ككّل استصحاب من قبيله لا يجري، فإنّه في أيّ مورد تشكل علم إجمالي بأحد حكمين، ثُمَّ سقط أحد الحكمين على تقدير ثبوته، إمّا بامتثال أو عصيان أو اضطرار أو نحوه، لا نجري استصحاب بقاء جامع التكليف المردد في المقام؛ وذلك لنكتة واحدة جارية في جميع هذه الموارد.

وحاصلها: أنّه لا أثر للمستصحب في مثل ذلك أصلاً، فإنَّ المستصحب وهو تلك الحرمة المعلومة إجمالاً، أمرها مردد بين الحليب والشاي ويراد جرها بالاستصحاب، يقال: إنَّ هذه الحرمة غير قابلة للتنجّز على كلّ تقدير ولو استصحبناها؛ لأنَّ هذه الحرمة على تقدير أن تكون في الشاي فهي حرمة غير محركة من ناحية الاضطرار والعجز عن امتثالها، وإن كانت حرمة في الحليب فهي حرمة محركة، فبالاستصحاب أثبت الجامع بين حرمة غير محركة -لا يكون للمولى حقّ امتثالها- وبين حرمة محركة، يكون للمولى حقّ امتثالها. والجامع بين ما يكون للمولى حقّ امتثاله وما لا يكون، لا أثر له عقلاً، فالتعبد الاستصحابي بهذا الجامع في المقام لا ينتهي إلى التنجيز حتماً، فإنَّ مثل هذا الجامع لا يقبل 

ــــــــــ[308]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

التنجيز، لو وصل وجداناً -محالاً- فضلاً عن أن يصل بالوصول الاستصحابي التعبدي، فاستصحاب هذا الجامع ساقط لا محالة.

ومثل هذه النكتة نقولها في موارد الأقل والأكثر الارتباطيين. وفي سائر موارد العلم الإجمالي، كما لو علم بوجوب الظهر أو الجمعة وأتى بالظهر، فهل يجري استصحاب بقاء جامع الوجوب أو لا؟ أو لو علم بوجوب تسعة أو عشرة وأتى بالتسعة، فهل يجري استصحاب بقاء جامع الوجوب أو لا؟ لا يجري؛ وذلك لأنَّ هذا الجامع جامع بين وجوب قد امتثل ووجوب لم يمتثل؛ لأنّه جامع بين وجوب الأقل أو وجوب الظهر الذي امتثل، فلا يكون له محركية ولا يكون منشأ لحق للمولى على العبد أصلاً، ووجوب آخر لم يمتثل، فهو وجوب دائر أمره بين أن يكون داخلاً في دائرة حقّ المولى أو غير داخل. إذن، فالتعبد الاستصحابي بهذا الجامع بين وجوب لا يُعقل له محركية ووجوب يُعقل له محركية، لا يكون منجّزاً.

فهذه هي النكتة العامّة في عدم جريان استصحاب كلي الحرمة في موارد العلم الإجمالي.

وهذه النكتة منطبقة على محلّ الكلام، فإنّه لا معنى لاستصحاب بقاء الحرمة؛ لأنّه استصحاب جامع بينما لا يُعقل محركيته وبين ما يُعقل محركيته، والجامع بين الأمرين لا يُعقل تنجّزه بالعلم. 

هذا هو الوجه في بطلان أصل تقريب الشبهة على النحو الذي أفاده السيّد الأستاذ. 

ــــــــــ[309]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وهذه النكتة لا تجري في مثل الحدث مثلاً، كما لو علم إجمالاً بحدث أصغر أو أكبر وتوضأ، هناك نقول بجريان استصحاب بقاء كلي الحدث؛ وذلك لا لأجل تنجيز وجوب العقل، كما هو المقصود منه في المقام، بل لأجل تنجيز الأحكام الشرعية المترتبة على نفس عنوان طبيعي الحدث، من قبيل عدم جواز مس المصحف، فإنّه حكم شرعي مترتّب على نفس الجامع الطبيعي، وهذا خارج عن محل الكلام، فإنّه لو فرض أنَّ الجامع في نفسه كان موضوعاً لحكم شرعي لا بأس باستصحاب الجامع، ولكن أين هذا من محل الكلام، فإنّه ليست حرمة الحليب والشاي موضوع لحكم شرعي آخر، بل نريد باستصحاب بقاء الحرمة تنجيز حرمة الحليب، وهذا غير ممكن في المقام. هذا بالنسبة إلى أصل تقريب الشبهة.

ولو قطع النظر عن هذه النكتة وأجرينا الاستصحاب في المقام، فالسيّد الأستاذ يقول: بأنَّ استصحاب الكلي وإن كان جارياً في نفسه، ولكن الأصل المؤمّن من ناحية الفرد الطويل، لو لم يكن ساقطاً بالمعارضة يحكم على استصحاب الكلي، وإنَّما نقول في استصحاب الحدث باستصحاب بقاء الكلي؛ لأنَّ الأصل المؤمّن من ناحية الجنابة -التي هي الفرد الطويل- سقط بالمعارضة مع الأصل المؤمّن من ناحية الحدث الأصغر. 

هذا الكلام غير صحيح وذلك: أمّا أوّلاً: فلأنَّ الحكومة فرع السببية الشرعية، وكون الكلي من الآثار الشرعية لوجود الفرد، ومن المعلوم عدم ذلك؛ فإنَّ الكلي، وجوداً وعدماً، إن فرض هو عين الفرد وجوداً وعدماً فلا سببية أصلاً، وإن فرض غيره، فالسببية على فرض تعقلها عقلية لا شرعية، فلا 

ــــــــــ[310]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

معنى للحكومة، ولو قطع النظر عن ذلك فالحكومة أيضاً لا معنى لها في المقام بعد فرض أنَّ الأصل الجاري في حقّ الفرد الطويل هو أصالة البراءة، وأصالة البراءة مجرّد تأمين من العقاب لا نفي للفرد الطويل ليقال: إنَّ نفي الطويل يترتب عليه نفي الكلي في المقام.

فإنَّ هذا المطلب لو تمّ، فإنَّما يتمّ في حكومة استصحاب الفرد الطويل على استصحاب بقاء الكلي، لا حكومة أصالة البراءة للفرد الطويل على استصحاب بقاء الكلي، كما هو مدّعاه في المقام وفي بحث الأقل والأكثر الارتباطيين. 

فلا معنى لأن يقال: إنَّ أصالة البراءة عن الحليب حاكمة على استصحاب بقاء كلي الحرمة، أو إنَّ أصالة البراءة عن وجوب السورة حاكمة على الاستصحاب بقاء الوجوب المردد بين الأقل والأكثر.

إذن، فلا أصل الشبهة ترجع إلى محصل ولا جوابها، ولعلّ مناسبات الحكم والموضوع للشبهة كانت تحتاج إلى مثل هذا الجواب. 

هذا هو التقريب الذي ذكر في الدراسات، ومظنوني أنّه وقع فيه شيء من الخلط والخبط؛ لأنّي اتذكر أنَّ السيّد الأستاذ في بحث استصحاب الكلي لا يسلّم هناك بحكومة استصحاب عدم الفرد الطويل على استصحاب بقاء الكلي وينفي ذلك بدعوى أنَّ السببية عقلية، فمثل هذا الشخص الذي ينفي ذلك هناك كيف يتكلم مثل هذه الكلمات هنا(1)؟!

ــــــــــ[311]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: إنَّ أصالة البراءة في الفرد الطويل واستصحاب كلي الحرمة يتعارضان إذا قلنا: إنَّ الاستصحاب يوجب الاحتياط ويتساقطان. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

تقريب آخر للشبهة في تقريرات المحقق النائيني

وأمّا التقريب الذي ذكره المحقّق النائيني على ما في تقريرات بحثه، هو التمسّك بقاعدة الشغل في المقام، وذلك بأن يقال: بأنّنا بعد أن علمنا بأن حرمة مّا وجدت حين الظهر إمّا في الحليب وإما في الشاي، ثُمَّ حصل الاضطرار إلى الشاي، ونشك في أنَّ هذا الاضطرار هل أسقط الحرمة أو لا؟ فالشك هنا ليس شكاً في أصل ثبوت الحرمة ليكون مجرى للأصول المؤمّنة، بل هو شك في سقوط التكليف بعد العلم بثبوته فيكون مجرى لقاعدة الشغل.

هذا الكلام أيضاً جوابه واضح؛ وذلك لأنّه في موارد الشك في السقوط، نقسمها إلى قسمين:

فإنَّ الشك في السقوط تارة ينشأ من ناحية طرو الامتثال خارجاً وعدم طروه، هل صدر منه الامتثال أو لا؟

 وأخرى: يشك في السقوط بملاك الشك في العجز، يشك في أنّه قادر على الغسل أو لا. فهذا شك في السقوط من ناحية احتمال طرو العجز.

في مثل هذه الموارد نقول بقاعدة الشغل، وإنَّ العقل يحكم بأنَّ مجرّد احتمال سقوط التكليف لأجل احتمال أنّه قد امتثل أو احتمال أنه عاجز أو طرأ عليه العجز في الأثناء، مثل هذا لا يكون مؤمّناً، بل يكون التكليف منجّزاً عليه.

إلَّا أنَّ المقام ليس من هذا القبيل، فإنَّ الشك في بقاء الحرمة في المقام ليس من ناحية الشكّ في امتثالها وعدمه، أو الشك في طرو العجز عليها وعدمه، بل من ناحية الشكّ في أنَّ الحرمة هل هي مجعولة في الطرف المقدور أو في الطرف 

ــــــــــ[312]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

غير المقدور؟ فمنشأ الشكّ هو التردد في أصل كيفية جعل الحرمة، وأنّها هل هي في الحليب المقدور الاجتناب أو في الشاي غير المقدور الاجتناب.

فكم فرق بين ذلك وبين أن أعلم بحرمة الشاي ثُمَّ أشك في العجز عنه وعدمه، فهنا لا يكون احتمال السقوط من ناحية طرو العجز مؤمّناً. وأخرى يكون عجزي عن هذا الشاي معلوماً وقدرتي على الحليب معلومة، وإنَّما شكي في أنَّ تكليف المولى هل هو في مورد العجز أو القدرة. ومثل هذا لا يدخل في باب الشك في السقوط الذي يكون مجرى لقاعدة الشغل المقام.

نعم، نتمسّك في غير هذا المورد من موارد الشك في السقوط باستصحاب بقاء التكليف، كما لو شك في بقاء النهار فيستصحب بقاء وجوب صلاة الظهر، وأمّا هنا فقد فرغنا عن أنَّ الاستصحاب لا يجري في مناقشة التقريب الذي ذكره السيّد الأستاذ.

فقاعدة الشغل التي ذكرها المحقّق النائيني وبنى عليها في دورة سابقة، وعدل عنها في دورة لاحقها، إن كانت قاعدة عقلية، بلحاظ حكم العقل بتنجز التكليف فليس المقام من مواردها، وإن كانت قاعدة شرعية بلحاظ استصحاب بقاء التكليف فيرجع إلى كلام السيّد الأستاذ، وجوابه هو ما تقدّم.

وعليه فالتحقيق في المقام، هو ما عليه الأعلام ولو بحسب النتيجة، من أنَّ هذا الاضطرار يلحق بالاضطرار المتقدّم، لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً فيه. هذا تمام الكلام في صور الاضطرار إلى المعيّن.

ويقع الكلام في المقام الثاني وهو الاضطرار إلى غير المعين.

 

ــــــــــ[313]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المقام الثاني: في الاضطرار إلى غير المعين

 

كلام المحقّق الخراساني

ذكر المحقّق الخراساني أنَّ هذا الاضطرار يكون مانعاً عن تنجيز العلم الإجمالي، فلو علم بنجاسة في الحليب أو الشاي، وكان مضطراً إلى شرب أحدهما لا بعينه، يكون هذا الاضطرار مانعاً عن تنجيز العلم الإجمالي، وموجباً لانحلاله.

وذكر في تقريب هذا المدّعى: أنَّ الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه ينتج لا محالة ترخيصاً في دفع هذا الاضطرار بارتكاب أحد الطرفين لا بعينه. وهذا الترخيص ينافي مع التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، إذ كيف يكون التكليف الواقعي زاجراً بالفعل عن متعلقه مع الترخيص التخييري في ارتكاب أحد الطرفين لا بعينه، فتقع المنافاة بين الترخيص التخييري والتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال.

لا أقول: إنَّ هذا الترخيص التخييري ترخيص واقعي، وتكون المنافاة من باب منافاة الترخيص الواقعي مع التحريم الواقعي، بل هو باعتراف صاحب الكفاية ترخيص ظاهري لا واقعي؛ لأنّه لم ينشأ من حاق الاضطرار وحده بعد ضم الشك إليه وتردد الأمر الحرام بين الشاي والحليب، وإلَّا لولا الشك في الحرام وتعينه في أحدهما لما كان هناك ترخيص في الحرام أصلا لا تعييناً ولا 

ــــــــــ[314]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

تخييراً، فهذا الترخيص التخيري وبعد الشك فهو ترخيص ظاهري لا واقعي، ولكن مع هذا ادّعى صاحب الكفاية من دون أن يبيّن النكتة، أنَّ هذا الترخيص الظاهري التخييري، ينافي مع التكليف الواقعي المعلوم بالإجمالي فيسقط الواقع، وبه يسقط العلم الإجمالي عن المنجّزية. وحينئذٍ إذا ارتكب أحد الطرفين، كالشاي في مقام دفع اضطراره، فإلى هنا انتهى أمد الترخيص التخييري، وبعد سقوطه يشك في أنَّ الحليب هل وجدت فيه حرمة أو لا؟ من باب الشك البدوي، فتجري أصالة البراءة عن حرمة الحليب(1)

كلام النائيني ومناقشته

المحقّق النائيني في تقريرات الفوائد اعترض على صاحب الكفاية، أنّه أيّ تناف بين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، وبين هذا الترخيص التخييري الظاهري؟ فإنه بعد الاعتراف بكونه ترخيصاً ظاهرياً، فإنّه لا ينافي مع التكليف المعلوم بالإجمال؛ لأنّه إن أريد بالمنافاة كون الترخيص التخييري الظاهري منافياً مع التكليف الواقعي بما هو هو، فهذه المنافاة دفعناها في جواب شبهة ابن قبة، لأنا وفقنا بين الحرمة الواقعية والرخصة التعيينية في مورده فكيف بالرخصة التخييرية؟ 

ــــــــــ[315]ــــــــــ

() وهنا قلت له: ألا نستطيع أن نطبق هنا قواعد المقام الأوّل، فيما إذا كان الاضطرار متأخّراً عن العلم؟ 

فأجاب (سلمه الله): نعم، صحيح، ولكن حيث إنّه لم يفصل افرضوا أنَّ الكلام في الاضطرار المقارن أو المتقدّم على العلم، فإنَّ صاحب الكفاية لو تمّ مدّعاه لا بُدّ أن نستدرك عليه هذا الاستدراك. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وإن أريد المنافاة بين الترخيص الظاهري والتكليف الواقعي بما هو واصل ومعلوم بالإجمال، فأيضاً لا منافاة بينهما؛ لأنَّ الترخيص التخييري من قبيل الترخيص في بعض الأطراف بعينه، فإنه كما يصح الترخيص في بعض الأطراف معيناً كذلك يصح الترخيص في بعض الأطراف لا بعينه تخييراً. إذن، فلا منافاة بينهما. 

وعليه رتّب: أنَّ الواقع باق على حاله. إذن، فالعلم الإجمالي باقٍ على حاله، غاية الأمر أنَّ العلم الإجمالي له مرتبتان من التنجيز، والترخيص التخييري العقلي يرفع المرتبة الثانية من التنجيز، وهو وجوب الموافقة القطعية؛ لأنّها معلقة على عدم مجيء الرخصة من الشارع، وقد جاءت رخصة تخييرية منه. وأمّا المرتبة الأولى من التنجيز، وهي حرمة المخالفة القطعية، فتبقى على حالها. إذن، فيحرم على المكلف ضم الحليب إلى الشاي بعد دفع اضطراره بالشاي. 

وهذا هو ما يسمّيه بالتوسط في التنجيز، بمعنى: أنَّ التكليف هنا منجّز بدرجة متوسطة من التنجز(1).

كلام العراقي ومناقشته

وجاء المحقّق العراقي فصار في مقام توضيح مباني المطلب وكشف الغموض عن هذه المسألة، فأفاد: بتوضيح وتطوير منّا للأسلوب -إن التنافي بين الترخيص الظاهري التخييري وبين الكتليف الواقعي المعلوم 

ــــــــــ[316]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إنَّ المحقّق الخراساني إذ يقول بعلّية العلم الإجمالي للتنجيز، يتم المطلب على مبناه. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بالإجمالي- الذي ادّعاه صاحب الكفاية ونفاه الميرزا في الفوائد -هذا التنافي- صحيح على مبنى العلية وغير صحيح على مبنى الاقتضاء.

فإنّا لو قلنا بعلية الوصول الإجمالي للموافقة القطعية بحيث يكون حكم العقل بوجوب حكماً فعلياً غير قابل لرفعه من قبل الشارع، فالترخيص في بعض الأطراف لا تعييناً ولا تخييراً معقول؛ لأنّه ينافي مع علية العلم الإجمالي للموافقة القطعية، فإذا ثبت هذا الترخيص التخييري بالدليل، فلا بُدّ من الالتزام بارتفاع التكليف الواقعي، إذ بقائه مساوق مع بقاء العلم، وهو مساوق مع بقاء عليته وهو مناف مع هذا الترخيص التخييري، فلا بُدّ من الالتزام بالمنافاة ورفع اليد عن الواقع بمقدار المنافاة. 

فهذا الكلام يرجع إلى تصحيح دعوى صاحب الكفاية. 

لكن بعد هذا أضاف كلاماً آخر فقال: إنَّ صاحب الكفاية وإن كان على حقّ في دعوى المنافاة بين الترخيص الظاهري والتكليف الواقعي، إلَّا أنّه ليس على حقّ فيما فرّعه على ذلك واستنتجه؛ لأنّه فرّع على ذلك سقوط التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال رأساً وإذا سقط باعتبار المنافاة ينحل العلم الإجمالي وينقلب إلى الشك البدوي. 

إلَّا أنَّ هذا غير صحيح؛ لأنَّ سقوط التكليف المعلوم بالإجمال، إنَّما هو باعتبار المنافاة، فبمقدار المنافاة، وبمقدارها لا بُدّ من الالتزام بسقوط التكليف لا أكثر، وإذا حسبنا حساب المنافاة نرى: أنَّ الترخيص الظاهري ينافي مع إطلاق الواقع وهو الحرمة لا مع أصله، فيسقط إطلاقها ويتبدل وجوب 

ــــــــــ[317]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الاجتناب المطلق إلى وجوب اجتناب مشروط. بحيث لا يكون المكلف عاصياً لها لو أنّه دفع الاضطرار خارجاً بالحرام، وقهراً يتبدل العلم من العلم بحرمة تامة إلى العلم بحرمة ناقصة مشروطة، وقهراً يتبدل مرحلة اقتضائه إلى اقتضاء ناقص، ويتجسد هذا الاقتضاء الناقص(1) في تنجيزه للطرف الآخر لا محالة، فتمام المراتب تتبدل من الإطلاق إلى التقييد، لا أنّه يرفع اليد عن الواقع رأساً؛ لأنّه لا دليل على ذلك إلَّا المنافاة، وهي غاية ما تقتضي هو رفع اليد عن إطلاق الواقع وعن تمامية العلم وتمامية المنجّزية، فيلتزم بالتوسط في تمام هذه المراتب.

وهذا هو المسمّى بالتوسط في التكليف، في مقابل التوسط في التنجيز الذي نقلناه عن الميرزا، فإنَّ التبعض ليس في المنجّزية ابتداء، بل وقع التبعض في نفس الواقع وتبعاً له وقع التبعض في المنجّزية. 

وهنا يلتقي المحقّق العراقي مع النائيني في أجود التقريرات؛ لأنّه هناك يختار التوسط في التكليف وانقلاب الواقع من الإطلاق إلى الاشتراط، لكن على اختلاف في المبنى ما بين الميرزا وآغا ضياء، آغا ضياء على أساس القول بالعلية، والميرزا على أساس آخر يأتي التعرض له. 

ــــــــــ[318]ــــــــــ

() هذا غاية ما يثبت هو بقاء حرمة الطرف المحرم واقعاً على تقدير رفع اضطراره بالمباح الواقعي، أمّا لو رفع اضطراره بالمحرم وسقطت حرمته الواقعية فلم يبق في الواقع محرّم أصلاً لا في الطرف المحرم؛ لأنّه سقط في الاضطرار ولا في الطرف الآخر؛ لأنّه مباح واقعاً وليس فيه حرمة لا مطلقة ولا مشروطة غايته الشك البدوي، ولكنه لا يكون مجرى للأصل بناء على العلية، فيكون احتمالاً بلا مؤمّن فلا يجوز ارتكابه. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

تعليق على كلام المحقق العراقي

فللمحقّق العراقي كلامان كلام يصحح فيه جزءاً من كلام صاحب الكفاية، وكلام يُبطل فيه جزءاً آخر منه، فلا بُدّ من التعليق على كلّ واحد من هذين الكلامين:

أمّا الكلام الأوَّل: وهو أنّه بناء على القول بالعلية يقع التنافي بين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال وبين الترخيص الظاهري التخييري.

هذا الكلام غير صحيح، فإنَّ التخيير الظاهري لا ينافي حتّى مع القول بعلية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية.

 والنكتة في ذلك: أنَّ معنى القول بكون العلم الإجمالي علّة لوجوب الموافقة القطعية، هو أن العلم الإجمالي شأنّه بالنسبة إلى الواقع شأن العلم التفصيلي من حيث كونه بياناً تامّاً وقاطعاً للعذر من ناحية عدم الوصول، ومخرجاً للتكليف إخراجاً تنجيزياً حتمياً من دائرة اللافاعلية إلى دائرة الفاعلية، إلَّا أنَّ هذا ليس كلّ شيء في المقام؛ وذلك لأنَّ تنجّز أي مرتبة من مراتب الامتثال منوط بأمرين: 

أحدهما: وصول التكليف وانقطاع العذر بملاك اللابيانية واللاوصول.

 والأمر الثاني: أن يكون المكلف(1) قادراً عقلاً وشرعاً على امتثال هذا التكليف، وإلَّا لو فرض أنَّ المكلف لم يكن قادراً على الامتثال، فإنَّ هذه المرتبة لا تتنجّز، ولو فرض تمامية البيان بالنسبة إليها؛ لأنَّ حقّ المولى لا يوجد إلَّا في ضمن 

ــــــــــ[319]ــــــــــ

() يخرج عن دائرة القصور إلى دائرة الفاعلية. (المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

دائرة قدرة المكلف، وما كان خارجها فحقّ الطاعة غير موجود. إذن، فتنجيز التكليف الذي معناه تنجز حقّ المولى على العبد، مشروط بهذين الأمرين معاً.

والعلم الإجمالي علة لتنجيز المرتبة المسماة بالواقعة القطعية، بمعنى تحقيقه للشرط الأوَّل من هذين الشرطين، تحقيقه تحقيقاً حتمياً آبياً عن تعبد الشارع بعدم تحقق الشرط الأوّل بلسان (رفع ما لا يعلمون) أو غيره، بمعنى: أنّي أعذرك بملاك اللاوصول في المخالفة، فالشرط الأوّل لتنجز هذه المرتبة وهي إخراج نفس التكليف من دائرة القصور إلى دائرة الفاعلية، معلوم حتمي للعلم الإجمالي؛ ومن هنا يستحيل إجراء البراءة عند القائل بالعلية، ولو في بعض الأطراف تعينياً أو تخييراً.

وأمّا الشرط الثاني وهو إخراج نفس المكلف من دائرة القصور إلى دائرة الفاعلية بجعله قادراً عقلاً وشرعاً على الامتثال، مثل هذا ليس من شأن العلم الإجمالي أصلاً، بل هو أمر مربوط بأسبابه ومقدماته الخارجة عن باب الكشف والوصول ونحوه. 

والمدّعى في المقام ثبوت ترخيص تخييري بملاك عدم تمامية الشرط الثاني لا بملاك عدم تمامية الشرط الأوَّل؛ لأنَّ الموافقة القطعية غير مقدورة للمكلف إمّا عقلاً، كما لو كان عاجزاً تكويناً عن تركهما معاً، أو شرعاً، كما لو كان في تركهما معاً ملاك أهم من ملاك شرب النجس كحفظ النفس. إذن، فهذا الترخيص التخييري أجنبي عن تأثير العلم الإجمالي أصلاً؛ لأنَّ مصب تأثيره إنَّما هو تتميم الشرط الأوّل تتميماً حتمياً، وهذا الترخيص التخييري بملاك 

ــــــــــ[320]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

عدم تمامية الشرط الثاني للتنجيز، وأي منافاة حينئذٍ بين هذا الترخيص التخييري بهذا الملاك وما بين العلم الإجمالي.

إذن، فلا منافاة بين هذا الترخيص التخييري وبين العلم الإجمالي بوجه من الوجوه على القول بالعلية فضلاً عن القول بالاقتضاء، وعليه فيكون ما أفاده صاحب الكفاية من المنافاة بينهما غير تامّ.

 من هنا كان مقتضى القاعدة هو ما ذكره الميرزا في الفوائد من الانتهاء إلى التوسط في التنجيز، فأنَّ العلم الإجمالي والواقع كلاهما باقيان على حالهما إلَّا أنَّ المنجّزية تتبعض بمقداره. هذا بالنسبة إلى الكلام الأوَّل.

وأمّا بالنسبة إلى الكلام الثاني: لو سلّمنا أنَّ هناك منافاة ما بين الترخيص الظاهري والتكليف الواقعي، فالمنافاة -كما يذكر المحقّق العراقي- بين الترخيص التخييري الواقعي وإطلاق التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، بملاك العلية -مثلاً- هذه المنافاة بنفسها ذكرها الميرزا في أجود التقريرات، إذ ذكر إنا نلتزم بسقوط إطلاق الواقع وتقيده، لكن لا من باب مصيره إلى القول بالعلية، بل من باب دعوى الاستظهار العرفي مثلاً، وهو أنَّ مصب الاضطرار في المقام وإن كان هو الجامع ما بين الطرفين، لكن بعد أن يختار المكلف تطبيقه على أحدهما وهو الحليب، يصبح هذا كأنّه هو مصب الاضطرار بحسب الفهم العرفي، فتكون الرخصة متعينة فيما يختاره المكلف لدفع الاضطرار، وتكون رخصة واقعية؛ لأنّه كان مصب الاضطرار تحول بالاختيار من الجامع إلى هذا الفرد، فكأنّه أصبح هو محط الاضطرار من أوّل الأمر، فتكون الرخصة فيه 

ــــــــــ[321]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

واقعية، ومن المعلوم أنَّ الرخصة الواقعية تنافي مع التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال. 

فلا بدَّ من الالتزام بسقوط إطلاق الواقع، وعدم شموله لغرض ما إذا اختير لدفع الاضطرار، وتقييده بما إذا لم يدفع به الاضطرار. إذن، فهما متفقان في النتيجة وإن اختلفا في الملاك.

وقد عرفنا أنَّ القول بالعلية لا يصلح أن يكون ملاكاً لتقييد الواقع
-مصب الاضطرار- لعدم التنافي بينهما، وهذا الكلام أيضاً لا نفهمه لأنَّ تحول الاضطرار من الجامع إلى الفرد بمجرّد اختيار تطبيق الجامع عليه، مثل هذا كلام غير علمي.

إذن، فلا يكون في المقام موجب لرفع اليد عن إطلاق الواقع، لا من ناحية كلام المحقّق العراقي ولا كلام المحقّق النائيني، إلَّا أننا سوف نتكلّم بناء على تعيّن رفع اليد عن إطلاق الواقع.

تصور انقلاب التكليف من المطلق إلى المشروط

قلنا(1) إنّه في هذا الكلام يلتقي المحقّق العراقي والمحقّق النائيني في أجود التقريرات، فإنّه أيضاً يقول: بأنَّ التكليف الواقعي ينقلب من الإطلاق إلى الاشتراط، كما سبق.

أما كيف نتصوّر هذا التكليف المشروط الذي ينقلب إليه الواقع، فإننا بعد أن نعترف بوجود المنافاة بين الترخيص التخييري الظاهري وإطلاق الواقع، 

ــــــــــ[322]ــــــــــ

() لخص أوَّلاً مسلك المحقّق العراقي. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

نريد أن نتصور أنَّ التكليف الواقعي يصبح مشروطاً ناقصاً بحيث لا يكون الترخيص التخييري في مخالفته منافياً لتنجيزه، ويكون العلم الإجمالي به قائماً، ووافياً بتنجيز الطرف الآخر.

هناك تصوران له، تصور للمحقّق النائيني وتصور للمحقق العراقي:

أمّا تصور المحقق النائيني في أجود التقريرات للواقع بعد أن انقلب من المطلق إلى المشروط، يتصوّره بنحو التكليف المشروط بحيث يجعل التقييد والتضييق في نفس دائرة التكليف. والمحقق العراقي يتصوّره بجعل مصب التقييد دائرة متعلق التكليف لا نفس التكليف.

كلام للنائيني ومناقشة السيد الأستاذ له

أمّا ما يتصوّره الميرزا فهو يقول: بأنَّ التكليف الواقعي بالاجتناب عن الحرام الواقعي المردّد بين الحليب والشاي يستحيل أن يبقى على إطلاقه لحالة ما إذا أقدم المكلف وصمم على تطبيق اضطراره على الطرف النجس في الواقع، افرضوا أنَّ الحرام في علم الله هو الحليب، والمكلف وإن كان مضطراً إلى الجامع لكن حينما يختار أن يطبقه على الحليب في مورد فلا بُدّ أن يسقط الوجوب الواقعي بالاجتناب؛ لأنَّ الحليب بإرادة المكلف بتطبيق الجامع عليه يصبح هو المضطر إليه مثلاً، فيكون مرخصاً فيه واقعاً، والرخصة الواقعية تنافي مع وجوب الاجتناب الواقعي.

حينئذٍ لا بُدّ أن نقيد وجوب الاجتناب بأن لا يقع اختيار المكلف عليه في مقام دفع اضطراره، فهناك تكليف بوجوب الاجتناب عن الحليب مشروط بأن لا يقع اختيار المكلف من باب الصدفة في مقام دفع الاضطرار عليه. 

ــــــــــ[323]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

يقول: إنَّ هذا التقييد تارة نتصوره بنحو الشرط المقارن، وأخرى بنحو الشرط المتأخّر. أمّا بنحو الشرط المتأخّر، بمعنى: أنَّ ثبوت وجوب الاجتناب عن الحليب من أوّل آنات حدوث الاضطرار، هو مشروط بأن لا يقع في نية المكلف بعد ذلك أن يدفع اضطراره بالحليب بنحو الشرط المتأخّر، بحيث لو دفع اضطراره به ينكشف أنّه من أوّل الأمر لا حرمة ولا وجوب للاجتناب؛ لأنّه مشروط بالشرط المتأخّر، وقد يكون الشرط مقارناً، بأن نقول: وجوب الاجتناب ثابت في أوّل الأمر، ويبقى ثابتاً ما لم يعزم المكلف على تطبيق اضطراره على الحليب، فإذا عزم سقط من الآن.

فلو قلنا هنا بالشرط المتأخّر، فمثل هذا الوجوب المشروط، لا يكفينا لمهمتنا؛ لأنّنا نريد أن نشكّل علماً إجمالياً منجّزاً بحيث نمنع المكلف من ارتكاب الطرف الآخر بعد دفع أضطراره، وهذا لا يحصل في المقام؛ لأنَّ المكلف من أوّل آنات اضطراره يشك في أصل ثبوت التكليف عنده لأنّه يحتمل أنّه سوف يقع اختياره على نفس ما هو نجس في الواقع وهو الحليب في علم الله، وعلى هذا التقدير فلا يوجد هناك تكليف من أوّل الأمر، لا بالنسبة إلى الحليب ولا الشاي، أمّا بالنسبة إلى الحليب؛ فلأنَّ تكليفه من أوّل الأمر مشروط بالشرط المتأخّر بأن لا يقع اختياره عليه، والمفروض أنّه سوف يقع اختياره عليه، ولا الشاي لأنّه طاهر في نفسه، فباعتبار أن المكلف يحتمل أن هذا الشرط المتأخّر سوف لن يتحقّق فهو من أول الأمر يشك في حدوث التكليف بالنسبة إليه، ومعه يكون شكاً بدوياً وتجري البراءة.

ــــــــــ[324]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وأمّا لو كان بنحو الشرط المقارن، يعني: أنَّ وجوب الاجتناب يبقى ثابتاً ما لم يعزم على دفع اضطراره بالحليب، وحينئذٍ يسقط الوجوب

 على هذا فهو في أوّل الآنات يعلم بفعلية الوجوب الآن؛ لأنّه حتّى الآن لم يعزم على شيء، وحينما يعزم ويكون عزمه في ما هو الحرام واقعاً يسقط وجوب الاجتناب ولو كان في غير يبقى على حاله. إذن، فهو حين حدوث الاضطرار يكون له علم فعلي بوجوب اجتناب بالفعل، إمّا عن الحليب وإمّا عن الشاي، وبعد هذا حينما يعزم بأن يدفع اضطراره بالحليب، يصير حاله حال ما لو سكب الحليب خارجاً، فكما أنّه لو سكب لا يمنع عن منجّزية العلم الإجمالي، كذلك هنا يكون له علم إجمالي بحصة قصيرة الأمد هنا، وحصة طويلة الأمد هناك، ويكون العلم الإجمالي منجّزاً. 

فالصورة النافعة عند الميرزا هو أن نلتزم بوجوب مشروط بنحو الشرط المقارن، لا بنحو الشرط المتأخر.

السيّد الأستاذ يعترض على هذه الصورة، كأنَّ السيّد الأستاذ يقبل أنَّ هذا الوجوب إن كان مشروطاً بالشرط المتأخّر فمثل هذا الوجوب لا ينفعنا؛ لأنّه يصبح شكاً بدوياً على النحو الذي بيّن الميرزا.

ولكنه يأتي إلى الشقّ الذي اعتقد الميرزا أنّه نافع، وهو أن يكون الوجوب مشروطاً بنحو الشرط المقارن، يعني: أنَّ الوجوب يكون ثابتاً بالفعل، ويبقى ثابتاً إلى أن يقع اختيار المكلف عليه فيسقط. 

يقول: بأنَّ مثل هذا الوجوب المشروط بهذا النحو في نفسه غير معقول، أنَّ 

ــــــــــ[325]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الوجوب ثابت في الحليب في علم الله، ولكنه يسقطه إرادة المكلف أن لا يجتنب عنه وأن يشربه، فإنَّ وجوب الاجتناب إنَّما يراد لأجل توجيه إرادة المكلف إطلاقاً ومنعاً، فكيف نفرض وجوباً يكون مجرّد إرادة المكلف لمخالفته موجباً لسقوطه؟ وهذا الوجوب لا يعقل جعله؛ لأنّه غير قابل للباعثية والمحركية.

إذن، فالوجوب المشروط بهذا النحو غير معقول في نفسه، والوجوب المشروط بالنحو الأوّل، قد اعترف الميرزا بأنّه يوجب عدم بقاء علم إجمالي عندنا.

الآن نريد أن نفحص هذين الشقّين لنرى ما هو حالهما:

الشقّ الأوّل: هو أن نفرض أنَّ عدم اختيار المكلف يؤخذ بنحو الشرط المتأخّر، يعني أنَّ ثبوت الوجوب من أوّل الأمر مشروط بأنَّ لا يقع فيما بعد اختيار المكلف عليه في مقام دفع الاضطرار، فهل هذا يكون نافعاً في مقام التنجيز أو لا يكون كما ادعوا؟

الصحيح: أنّه يمكن توجيهه بنحو يكون نافعاً في مقام التنجيز، وذلك بأن يراد من هذا الشرط المتأخّر: أن لا يقع اختياره عليه وحده. فيبقى تحت الوجوب صورتان:

أن يقع اختياره على الآخر، أو أن يقع اختياره عليهما معاً، وهذا القيد في قوة أن يقال: إنَّ وجوب الاجتناب عن الحليب من أوّل الأمر مشروط بنحو الشرط المتأخّر، بأن يشرب الآخر؛ لأن شرب الشاي مساوق لأن لا يقع اختياره على الحليب وحده؛ لأنّه إمّا أن يشرب الشاي، أو هو مع الحليب، ولا يشرب الحليب وحده.

ــــــــــ[326]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

لو فُرض أنَّ الوجوب كان مشروطاً بهذا النحو، فلا يجوز للمولى الترخيص في الطرفين معاً؛ لأنّه لو رخص فيهما لكان مخالفة قطعية للتكليف الفعلي، فإنّه لو شرب الشاي والحليب معاً فقد خالف التكليف الفعلي؛ لأنَّ التكليف مشروط بأن لا يقع اختياره على النجس وحده،

وهذا لم يقع اختياره على النجس وحده، بل على كليهما معاً إمّا على سبيل التعاقب أو الدفعية. إذن، فما هو الشرط المتأخّر متحقّق في ظرف ارتكابه الطرفين، فيعلم بصدور المخالفة القطعية منه بحسب الخارج. فارتكابهما معاً مخالفة قطعية لا مخالفة احتمالية بدوية، والترخيص في المخالفة القطعية مما لا تقدر عليه أدلة الأصول.

بناءً على هذا فالشقّ الأوّل الذي رفضه الميرزا والسيّد الأستاذ معاً يمكن الأخذ به، ويؤدي الغرض المطلوب.

الشقّ الثاني: وهو أن نفرض أنَّ الشرط مأخوذ بنحو الشرط المقارن، يعني أن الوجوب ثابت من أول الأمر على كلّ حال، ويبقى ثابتاً على الحليب
-النجس في علم الله- إلى أن يقع اختيار المكلف عليه في مقام الشرب، فيسقط وجوب الاجتناب منه.

اعترض عليه السيّد الأستاذ: أنّه ما معنى وجوب الاجتناب عن شيء، بحيث يبقى إلى أن ينقدح في نفسك أنّك ترتكبه هذا الوجوب لغو صرف؛ لأنّه لا محركية له. 

هذا أيضاً ينقدح إمكان إصلاحه ممّا حقّقناه في توجيه الشقّ الأوّل؛ لأنَّ 

ــــــــــ[327]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هذا الوجوب إذا كان المسقط له بقاءً هو مكلف اختيار المكلف للحليب يكون لغواً، لكن المسقط ليس هو هذا، بل اختيار خاص، وهو اختياره وحده، وأمّا من يختاره مع الآخر فلا يسقط عنه وجوب الاجتناب؛ لأن هذا قد دفع اضطراره بالمباح الذي هو الآخر.

ومثل هذا الوجوب معقول؛ لأنّه تكون محركيته بلحاظ منعه عن اختياره منظماً إلى الآخر، لا بلحاظ منعه عن اختياره وحده فالمكلف له نحوان من الاختيار: اختياره وحده مسقط لهذا الوجوب، واختياره مع الآخر هو الذي يحرك المكلف نحو عدمه، وهذا نحو من الفاعلية المولوية المصحّحة لجعل مثل هذا الوجوب لا محالة، فمثل هذا النحو الثاني أيضاً معقول، ويترتب عليه الأثر المقصود.

فالصورة التي قدمها الميرزا بكلا شقيها، صحيح قابل لأداء هذه المهمة الأصولية التي بيدنا(1).

تصوّر المحقق العراقي في المقام

أمّا المحقّق العراقي فلا يجعل الاشراط والتقييد نفس التكليف، بل يجعل الضيق في دائرة متعلق التكليف، وأظنه إنَّما جعل هكذا فراراً من إشكال انقلاب الوجوب المطلق إلى مشروط والانتهاء إلى الشك البدوي وعدم تنجز 

ــــــــــ[328]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إشكال الدراسات يرد على الشقّ الأوّل أيضاً بقطع النظر عن الإشكال الذي ذكرتموه. 

فأجاب: نعم، غايته أن وروده أوضح بكثير من الشقّ الأوّل. (المقرِّر).  

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

مثل هذا الوجوب في المقام. إلَّا أنَّ هذا الذي قد فرّ منه قد عالجناه فعلاً، إلَّا أنّه حيث غفل عن ذلك، لهذا عدل عن ذلك وجعل مصب التقييد هو متعلق التكليف لا نفس التكليف، فالتكليف يبقى على فعليته وإطلاقه، ولكن متعلقه يتحصّص(1)، بنحو كأنّه ينقلب وجوب الاجتناب من التعيينية إلى التخييرية، لضيق وقصور في التعلق لا في نفس الوجوب. 

الوجوب يبقى على إطلاقه، غاية الأمر أنَّ متعلق الوجوب كان تعييناً فيصبح الآن تخييرياً، فيلائم مع الترخيص التخييري: يجب الاجتناب عن أحدهما وأنت مرخص في ارتكاب أحدهما.

هذه الصورة معقولة ثبوتاً ووافية بالغرض، بحسب الصناعة الأصولية، غاية الأمر يبقى أن نسأل عن دليل مثل هذا الوجوب التخييري. فإنّه على مبنى الميرزا لم نكن بحاجة إلى طرح مثل هذا السؤال؛ لأنَّ الدليل عليه هو نفس الدليل الأولي غاية الأمر نقيد الوجوب(2). فإنّه كان مطلقاً فنرفع اليد عن إطلاقه، ونتمسّك بنفس دليل الوجوب. أمّا قلب الوجوب بنحوٍ بحيث يرجع -وإن كان هو(3) لا يرض بهذه العبارة إلَّا أنني أقولها- من وجوب الفرد إلى وجوب الجامع، ما هو الدليل عليه؟.

والمحقّق العراقي وإن لم يعالج هذه المشكلة إلَّا أنّه يمكنه أن يقول: في مقام 

ــــــــــ[329]ــــــــــ

() لسد بعض أبواب عدمه. (المحاضرة). (المقرِّر).

(2) هذا التقييد أيضاً يحتاج إلى دليل كما هو معلوم. (المقرِّر)..

(3) يعني: أغا ضياء. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إثبات مثل هذا الوجوب: بأنَّ الدليل عليه هو أن يقال: إنَّ التكليف الواقعي وإن التزمنا بسقوط مدلوله، وهو الوجوب التعييني. وهذا الوجوب إذا كان مطلقاً ينافي مع الترخيص التخييري، والمشروط يبتلي بابتلاءات الميرزا. إذن، فيسقط المدلول المطابقي لدليل الوجوب، لكن يبقى عندنا المدلول الالتزامي
-وهو عنده أنّ الدلالة الالتزامية غير تابعة للدلالة المطابقية في الحجّيّة- ومدلوله الالتزامي أنَّ الملاك باق وموجود. غاية الأمر أنَّ هذا الملاك يستحيل على المولى أن يجعل حكماً على طبقه وعلى نفس مصبه وهو الحليب؛ لأنّه لو جعل مثل هذا لكان خلاف القول بالعلية، ففي مثل ذلك ماذا يصنع المولى، هل يرفع يده عن الملاك رأساً، لا؛ لأنَّ الضرورات تقدر بقدرها، وإنَّما يمكنه أن يتحفظ عليه بمقدار ما مع المحافظة على القول بالعلية، وذلك بأن يجعل خطاباً تخييرياً أو ما يكون نتيجته ذلك.

وهذا نستكشفه عن طريق الدلالة الالتزامية لدليل الوجوب؛ إذ بها نثبت الملاك، وبه نستكشف مثل هذا الخطاب لا محالة، بالانتقال من العلة إلى المعلول، وهو خطاب واقعي لا ظاهري، غايته أنّه من باب ضيق خناق المولى؛ لأنّه لا يستطيع أن يأمر بالاجتناب عن الحليب خاصّة؛ لأنّه تقع مشكلة عقلية، فيبدله إلى أمر تخييري.

إلَّا أنَّ هذه الصورة التي ذكرها المحقّق العراقي لا نحتاج إليها، بعد أن بيّنا أنَّ نفس الدليل بمدلوله المطابقي يمكن أن يستفاد منه الوجوب المشروط بالنحو المعقول الوافي بالغرض.

ــــــــــ[330]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وعليه فاتضح أنّه:

 أوّلاً: إننا لا نقبل أساساً أنَّ التكليف الواقعي، المعلوم بالإجمال يسقط لا ذاتاً ولا إطلاقاً، لعدم المنافاة. كما ذكر الميرزا في فوائد الأصول.

 وثانياً: لو كان هناك منافاة وسقط الإطلاق فمقتضى القاعدة التنزل إلى وجوب مشروط، ويمكن تصويره بنحو يكون مؤدّياً إلى التبعض في التكليف ويستتبعه التبعض في التنجيز، فالصحيح أوّلاً: هو التوسط في التنجيز بلا توسط في التكليف.

 وثالثاً: لو تنزلنا عن ذلك فالصحيح هو التوسط في التنجيز الناشئ من التوسط في التكليف. أمّا أن لا يكون هناك تنجّز أصلاً فهذا غير صحيح أصلاً. هذا هو الكلام في أصل المسألة في هذا التنبيه.

ــــــــــ[331]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 






 

أمور في ذيل التنبيه 

 

بقيت أمور في هذا التنبيه لا بُدّ من التعرض لها.

الأمر الأوّل: في مراتب الاضطرار 

الأمر الأوّل: أنَّ الاضطرار يتصوّر له مراتب ثلاثة.

المرتبة الأولى: هي الاضطرار بملاك زوال القدرة التكوينية وطرو العجز تكويناً عن الامتثال في بعض الأطراف. 

المرتبة الثانية: هي الاضطرار بملاك زوال القدرة الشرعية وطرو العجز الشرعي عن الامتثال في بعض الأطراف، كما لو كان هناك واجب أهم يتوقف على اقتحام أحد طرفي العلم الإجمالي، كما لو توقف حفظ النفس من العطش على ارتكاب أحد طرفي العلم الإجمالي بالنجاسة إمّا الحليب أو الشاي، فالامتثال القطعي هنا وإن كان تحت القدرة التكوينية إلَّا أنّه ليس تحت القدرة الشرعية بعد فرض أهميّة هذا الغرض وتقديمه على الغرض المعلوم إجمالاً.

المرتبة الثالثة: تكون مع انحفاظ القدرة العقلية والشرعية معاً، غاية الأمر تحصل هناك نكتة تقتضي في نظر الشارع التوسعة على العبد ورفع الالزام عنه، من قبيل ارتفاع التكليف وثبوت الرخصة في موارد العسر والحرج، والضرر.

ففي موارد هاتين القاعدتين تكون القدرة التكوينية والشرعية محفوظة، غاية الأمر هناك نكتة هي العسر والحرج تقتضي التوسعه أو الترخيص.

ــــــــــ[332]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وفي المرتبة الأولى: من الاضطرار لا مجال لإعمال المولى لمولويته، في أصل الترخيص؛ إذ العبد لا يقدر على الاحتياط في كلا الطرفين، فلا معنى لترخيصه في ترك هذا الاحتياط. نعم، يمكنه إعمال المولوية في صرف الترخيص إلى طرف بعينه من ا لطرفين. 

وأمّا في المرتبة الثانية: فالمولى وإن كان ليس بحاجة إلى الترخيص بعد فرض إحراز العبد أهمية ذلك الغرض الذي يتوقف على ارتكاب أحد المانعين، فإنَّ العقل حينئذٍ يستقل بالترخيص، إلَّا أنَّ للمولى هنا إعمال المولوية في جعل الترخيص ولو في مقام ايصال تلك الأهمية إلى العبد، وإعلامه بأهمية غرض حفظ النفس وتقدمه على غرض الاجتناب عن النجس.

وأمّا المرتبة الثالثة: فتتمحض المولوية في مقام الترخيص، إذ من الممكن وضعاً ودفعاً جعل الحكم في موارد الضرر والحرج، وإنَّما يكون الترخيص مولوياً صرفاً.

وكلامنا الذي تقدّم كان في الاضطرار في المرتبة الأولى والمرتبة الثانية، أي: الاضطرار العادم للقدرة تكويناً أو شرعاً، فلا بُدّ الآن من النظر إلى المرتبة الثالثة من الاضطرار، يعني: مرتبة وقوع العسر والحرج والضرر، وصيرورتها نكتة في التوسعة على العبد؛ ليرى أنَّ هذه المرتبة هل تشارك المرتبتين السابقتين في النكات والخصوصيات والأحكام التي تقدمت، أو إن هناك فرقاً بين هذه المرتبة وسابقاتها؟

أمّا بلحاظ الاضطرار إلى المعيّن، فقد قلنا هناك: بأنّه على ثلاثة أنحاء، فإنّه 

ــــــــــ[333]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

تارة يحصل هذا الاضطرار قبل حصول سبب التكليف رأساً فضلاً عن العلم، وأخرى بعد تمام المراتب، وثالثة يتوسط بين التكليف والعلم.

 أمّا في الصورة الأولى فقد قلنا بعدم تنجيز العلم الإجمالي؛ إذ ينحل تكويناً ولا يتشكل علم إجمالي بالتكليف أصلاً. 

وأمّا إذا كان الاضطرار بعد تمام المراتب، فقد قلنا: إنَّ العلم الإجمالي يبقى على منجّزيته، غاية الأمر بلحاظ حصة(1) من أحد طرفيه مع تمام الخط الزماني للطرف الآخر. 

وأمّا إذا كان متوسطاً بين الأمرين، بعد التكليف وقبل العلم فقد قلنا: بأنَّ الصحيح هو إلحاقه بالصورة الأولى في عدم المنجّزية لا بالثانية في المنجّزية، وكانت هناك شبهة للمنجّزية، حاصلها إجراء استصحاب جامع الوجوب. 

هذا كله ينطبق في محل الكلام، فيما إذا كان الاضطرار بملاك العسر والحرج، كما إذا أصبح اجتناب الحليب بالخصوص حرجياً على المكلف. فإذا كان الحرج سابقاً على حدوث النجاسة وللعلم فلا يتشكل علم إجمالي بالحرمة وبوجوب الاجتناب فلا يكون منجزاً، وإذا كان متأخّراً عن تمام المراتب فالعلم الإجمالي انعقد حدوثاً ويبقى على منجزيته. 

وأمّا إذا فرض أنَّ الحرج كان متوسطاً بين النجاسة والعلم، فالصحيح هنا هو أيضاً ما قلناه من أنَّ هذه الصورة تلحق بالصورة الأولى في عدم المنجّزية، وتأتي الشبهة، إذ قد يقال: إنَّ جامع وجوب الاجتناب كان ثابتاً قبل حدوث 

ــــــــــ[334]ــــــــــ

() الحصة السابقة على الاضطرار في مورد الاضطرار. (المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الحرج وأشك في بقائه وعدم بقائه؛ لأنَّ الحرج إن كان واقعاً على مورد النجاسة فقد ارتفع وجوب الاجتناب، وإن كان واقعاً على الآخر فهو باق، فيستصحب جامع وجوب الاجتناب، ويأتي عليه جوابنا، وحاصله: أنَّ هذا جامع بين وجوب غير قابل للمحركية خارج عن دائرة حقّ المولوية، ووجوب قابل للمحركية داخل في دائرة حقّ المولوية، والجامع ما بين القابل وغير القابل لا يتنجز بالعلم. 

غاية الأمر هناك كنا نقول: إنَّ أحدهما خارج عن دائرة حقّ المولوية، لأنّه غير مقدور. أمّا هنا فنقول: إنّه كذلك؛ لأنّه مرخص فيه من قبل المولى ترخيصاً واقعياً، ومن المعلوم أنّه ليس من حقّ المولى اجتناب رخصاته الواقعية، فيكون الوجوب الجامع جامعاً بين مورد فيه رخصة واصلة ومورد ليس فيه رخصة. 

إذن، فبالنسبة إلى الاضطرار إلى المعيّن تمام الصور تأتي في المقام. 

وأمّا بالنسبة إلى الاضطرار إلى غير المعيّن: فقد كانت هناك شبهة عالجناها للمحقّق الخراساني، وهي: أنَّ هذا الاضطرار إلى غير المعيّن يولد ترخيصاً تخييرياً ظاهرياً، وهو ينافي مع التكليف الواقعي المعلوم بالإجمالي. وفسّر المحقّق العراقي هذه المنافاة على مسلك العلية؛ إذ عليها تقع هذه المنافاة، ونحن أبطلنا هذه الشبهة في ما سبق، فهل يأتي هذا الكلام في المقام أو لا، فيما إذا كان الاضطرار من المرتبة الثالثة؟

الكلام في هذا الاضطرار يقع في جهتين:

 الجهة الأولى: في أصل شمول قاعدة نفي العسر والحرج ولا ضرر للمقام، يعني: في أصل ثبوت الترخيص التخييري بهذه القواعد وعدم ثبوته.

ــــــــــ[335]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

 الجهة الثانية: إننا بعد أن نفرغ -مثلاً- عن ثبوت الترخيص التخييري هنا بهذه القواعد يقع الكلام في أنَّ هذا الترخيص التخييري هل ينافي مع التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال أو لا ينافي؟ 

الجهة الأولى في أصل ثبوت الترخيص التخييري في موارد الاضطرار

أمّا الجهة الأولى، وهي في أصل ثبوت الترخيص التخييري في موارد الاضطرار إلى أحد طرفي العلم الإجمالي لا بعينه، فيما إذا كان الاضطرار بملاك العسر والحرج والضرر، فهذه الجهة تقدم البحث فيها في دليل الانسداد.

حيث إنّه هناك استشكل المحقّق الخراساني في جريان هذه القواعد في موارد الاضطرار إلى بعض أطراف العلم الإجمالي لا بعينه، وبنى إشكاله هناك على المبنى في تفسير هذه القاعدة، فإنّه هناك مبنيان مشهوريان في تفسير هذه القواعد.

 أحدهما: مبنى الشيخ ومن تبعه كالمحقّق النائيني، وهو أن يكون المنفي في هذه القواعد الحكم الحرجي والضرري، أي الحكم الذي ينشأ منه الضرر والحرج.

 والمسلك الآخر لصاحب الكفاية: وهو أن يكون المنفي في هذه القواعد هو الموضوع الحرجي والضرري بلحاظ نفي حكمه، فالنفي على الأوّل نفي حقيقي -مثلاً- لأنّه نفي من المولى لحكمه، وعلى الثاني يكون نفياً عنوانياً؛ لأنّه نفي لموضوع الحكم، استطراقا إلى نفي حكمه لباً وجداً، فيكون من سنخ الكناية. 

ــــــــــ[336]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فقد بنى صاحب الكفاية هذه المسألة على هذه المباني فقال: إنّنا إذا قلنا إنَّ قاعدة لا ضرر أو لا حرج تنفي الموضوع الضرري عنواناً بداعي نفي حكمه لباً، فلا بُدّ أن نفتش عن موضوع ضرري أو حرجي يكون له حكم شرعي حتى تجري القاعدة لنفيه عنواناً ونفي حكمه لباً. وهذا غير موجود عندنا في موارد الاضطرار الحرجي إلى بعض أطراف العلم الإجمالي لا بعينه، وذكر مثال الشاي والحليب وفرض الاضطرار إلى الحليب، فإنَّ ما هو الحرجي بالنسبة إليه هو الجمع بين الاجتنابين، لكن مجموع الاجتنابين ليس موضوعاً لحكم شرعي، حتى ينفي عنواناً استطراقاً إلى نفي حكمه لباً. بل هو موضوع لحكم عقلي وهو حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية للعلم الإجمالي، وهذه القواعد إنَّما تكون ناظرة إلى الأحكام الشرعية لا إلى الأحكام العقلية.

وأمّا ما هو موضوع الحكم الشرعي، وهو واقع النجس في البين، فاجتنابه بمفرده ليس حرجياً. إذن، فما هو حرجي ليس موضوعاً للحكم الشرعي، وما هو موضوع له ليس حرجياً. إذن، فلا تجري هذه القواعد بناء على تفسير صاحب الكفاية لها.

نعم، على تفسير الشيخ للقواعد، لا بأس بإجرائها لأنّه يقول: إنَّ المنفي هو حكم ينشأ منه الحرج، وهنا التكليف المعلوم بالإجمال بوجوب الاجتناب من الحليب أو الشاي ينشأ منه الحرج؛ لأنّه نشأ منه وجوب الموافقة القطعية عقلاً، وهذا يؤدي إلى الحرج فتشمله القواعد. 

وهنا أثرنا إشكالاً في توجيه شمول القاعدة على مبنى الشيخ أيضاً، وذلك: 

ــــــــــ[337]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أننا لو قلنا بعلية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية، فهذا الوجوب معلول للتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال فيصدق عليه أنه نشأ للحرج. وأمّا إذا قلنا بالاقتضاء، فوجوب الموافقة القطعية حكم عقلي حرجي نشأ لا من التكليف الواقعي فقط، بل هو مع جزء آخر وهو عدم الترخيص في بعض الأطراف، فما نشأ منه الحرج هو عدم الترخيص لا التكليف الواقعي. 

ومن هنا وقع إشكال في أنّه هل يمكننا بالقاعدة أن ننفي عدم الترخيص؟ أي: ننفي عدم الحكم أو لا؟ إذ إنَّ هناك بحث أنَّ قاعدة لا ضرر ولا حرج هل تجري لنفي عدم الحكم إذا كان عدم الحكم حرجياً؟ كما تجري لنفي نفس الحكم إذا كان حرجياً، فإذا نفينا النفي نثبت الحكم، أو لا؟ وأشرنا هناك أنَّ المبنيين المشهوريين كلاهما خلاف المختار، وأنَّ المختار في قاعدة لا ضرر مبنى ثالث غيرهما وعليه لا يبقى إشكال في شمول القاعدة لمحل الكلام. وتمام التنقيحات الصناعية لهذه الجهة نحوّلها إلى دليل الانسداد.

فالآن نفرغ عن هذه الجهة، وهي أنَّ الحرج والضرر بالنسبة إلى بعض أطراف العلم الإجمالي لا بعينه يصحح التمسّك بإطلاق القاعدة. وننتقل إلى:

الجهة الثانية: وهي في شبهة المنافاة بين التكليف الواقعي والظاهري في أطراف العلم الاجمالي

أنَّ هذه الشبهة التي أثارها صاحب الكفاية، وربطها المحقّق العراقي بمسلك العلية، وهي شبهة المنافاة بين الترخيص التخييري الظاهري والتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، هل تجري أو لا تجري؟ 

ــــــــــ[338]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

لو أننا استفدنا من قاعدة نفي العسر والحرج أو الضرر، حكماً ظاهرياً ترخيصياً في بعض الأطراف لا بعينه، فهنا تستحكم دعوى المناقضة والمنافاة بين هذا الترخيص وبين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، بناء على القول بالعلية؛ لأنّه ينافي علّية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية. 

ولا يأتي في المقام ما أجبنا به على المحقّق العراقي في أصل المسألة؛ لأنَّ هذا الترخيص هنا لم يكن بملاك انتفاء الشرط الثاني من المنجّزية، وهو تمامية قدرة المكلف، حتّى لا ينافي العلّية الناظر إلى حصول الشرط الأوّل، وهو غاية قدرة التكليف، فإنَّ الشرط الثاني وهو قدرة المكلف تامّ بالنحو القابل للتحمل عقلاً، فلا محالة يكون هذا الترخيص التخييري الظاهري مناقضاً مع التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، وتستحكم دعوى المنافاة على القول بالعلية.

ولكن طرح صيغة البحث بهذا الأسلوب لا يكون صحيحاً، فإنَّ صاحب الكفاية لو تمسّك بقاعدة الحرج أو الضرر، بإتباعه لمسلك الشيخ مثلاً فهو يرى أنَّ التمسّك بالقاعدة يكون بنفي التكليف الواقعي المعلوم إجمالاً ابتداءً؛ لأنّه حكم نشأ منه الضرر، على القول بالعلية، فالقاعدة ابتداءً تنفي الواقع لا أنّها تثبت ترخيصاً تخييرياً ظاهرياً ويتعارض دليله مع دليل الحكم الواقعي المعلوم بالإجمال، فالصيغة المطروحة تكون خطأ وإن كان لبّ المطلب صحيحاً؛ إذ لا ينبغي أن يقال حينئذٍ: بأنَّ الترخيص التخييري الظاهري يكون منافياً مع التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، بل يُقال: إنَّ هذا التكليف الواقعي يكون منفياً ابتداءً بدليل من الأدلة الاجتهادية، وهو دليل نفي الحرج أو الضرر، وإذا 

ــــــــــ[339]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أصبح منفياً في المقام، فيقع البحث في أنّه هل ينتفي أصله أو إطلاقه على ما سبق.؟

هذا حال فروق المرتبة الثالثة عن الأولى والثانية في تمام ما تقدّم في هذا التنبيه(1).

هذا هو الأمر الأوَّل من الأمور التي لا بُدّ من تذييل هذا التنبيه بها.

الأمر الثاني في فقد الموضوع

أنّه اتضح ممّا تقدّم أنَّ الاضطرار إلى المعيّن فيه تفصيل من حيث تأثيره على العلم الإجمالي، فإنّه إذا كان سابقاً على العلم أو مقارناً له فيؤثر في إبطال منجزيته، إذ يخرج العلم الإجمالي عن كونه علماً بالتكليف على كلّ تقدير، ويكون الطرف الآخر مجرى للأصل المؤمّن عقلاً أو شرعاً من دون معارض.

وأما إذا وقع هذا الاضطرار بعد العلم الإجمالي فيبقى على منجزيته؛ وذلك باعتبار انتزاع علم إجمالي تدريجي من العلم الإجمالي المتعارف؛ فإنّه إذا علمنا إجمالاً بوجوب الاجتناب عن أحد الإنائين الشاي أو الحليب من حيث الزوال، ثُمَّ حين الغروب طرأ الاضطرار إلى خصوص الحليب من هذين الانائين، فنحن وإن كنا إذا لاحظنا معلوماتنا الفعلية فلا علم إجمالي لنا لتكليف بالفعل، ولكن ننتزع من العلم الإجمالي الأصلي علماً إجمالياً تدريجياً يكون واجداً لشرائط 

ــــــــــ[340]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: إننا هنا نلتزم بالتوسط في التنجيز؛ لأنّه على مبنانا في تفسير قاعدة لا ضرر لا ترفع الواقع أصلاً وإنَّما نثبت الترخيص، برفع عدم الترخيص فيثبت الترخيص. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المنجّزية، وهو العلم بحرمة ارتكاب الحليب في الفترة السابقة على الاضطرار أو حرمة ارتكاب الشاي في تمام عمود الزمان، فيكون أحد طرفيه، قصير من حيث الزمان والآخر طويل، وهو علم إجمالي مستجمع لشرائط المنجّزية فيكون منجّزاً لا محالة.

وفي كلا هذين الحكمين للاضطرار: أي في إبطال الاضطرار المتقدّم والمقارن لتنجيز العلم الإجمالي وعدم إبطال الاضطرار المتأخّر له في كلا الحكمين يساوي الاضطرار تمام الأمور الأخرى الموجبة لفناء التكليف، كما لو أريق أحد الإنائين أو عصى أحد التكليفين أو أمتثل أحدهما.

ففي مثل الإراقة وفقد الموضوع أيضاً يأتي نفس التفصيل فنقول: بأنَّ فقد الموضوع إن كان قبل العلم الإجمالي، أهريق الحليب ثُمَّ علمت إجمالاً بنجاسة واقعة إمّا فيه أو في الشاي، فهنا لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً، ما لم يكن لنجاسة الحليب المهراق أثر فعلي بحيث يقع ذاك الأثر طرفاً للعلم الإجمالي، كما لو كان قد لاقى مع الثوب، فإنه حينئذٍ يتشكّل علم إجمالي فعلي بنجاسة الثوب أو الشاي.

وهذا بخلاف ما لو فرض أنَّ الإراقة بعد العلم الإجمالي، فإنّها لا تنافي تنجيز العلم الإجمالي، فلو علمنا بالنجاسة الإجمالية حين الزوال ثُمَّ بعد هذا أُريق الحليب، هنا لا يبطل أثر العلم الإجمالي، بل يبقى بلحاظ ذاك العلم الإجمالي المنتزع وهو العلم الإجمالي بوجوب الاجتناب عن الحليب فيما قبل الإراقة أو عن الشاي في تمام عمود الزمان. وهذا العلم الإجمالي جامع لشرائط المنجّزية.

ــــــــــ[341]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

نعم، لو كنا نلحظ معلوماتنا الفعلية ونغض النظر عن العلم الإجمالي المنتزع، لكان الحال على ما سبق في الاضطرار، بأنَّ مقتضى القاعدة زوال العلم الإجمالي وتنجيزه إذ لا علم بالتكليف فعلاً.

وهذا ممّا لا ينبغي الإشكال فيه.

إلَّا أنَّ الذي يظهر من المحقّق الخراساني أنّه حاول التفرقة بين الاضطرار وبين فقد الموضوع، فذهب في الاضطرار، إلى سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية حتّى لو حدث الاضطرار بعد العلم، وفي فقد الموضوع، إذا حدث الفقد بعد العلم الإجمالي، يقول بأنّه لا يسقط عن المنجّزية.

هذا ما اختاره في متن الكفاية، إلَّا أنَّ في حاشيته على الكفاية عدل عن هذه التفرقة وذهب إلى تنجيز العلم الإجمالي، وعدم اختلال أثره بطرو الاضطرار بعده فضلاً عن فقد بعض الأطراف، وذلك تمسّكاً بالعلم الإجمالي المنتزع الذي ذكرها.

فكأنّه في داخل الكفاية نظر إلى المعلومات الفعلية، وفي تعليقته نظر إلى مطلق المعلومات ولو بنحو تدريجي.

ففي داخل الكفاية غض النظر عن العلم الإجمالي المنتزع وقصر النظر على ملاحظة المعلومات الفعلية، فذكر أنَّ الاضطرار الطارئ بعد العلم الإجمالي يوجب سقوطه عن المنجّزية؛ إذ بلحاظ المعلومات الفعلية لا يوجد عندي علم إجمالي بالتكليف؛ لأنَّ النجاسة لو كانت في الشاي فالتكليف ثابت، وأمّا لو كانت في الحليب المضطر إليه فالتكليف ساقط.

ــــــــــ[342]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إلَّا أنّه كان مقتضى التسلسل المنطقي في مثل ذلك أن يقول مثل هذا في فقد بعض الأطراف أيضاً فيقول: إنّه لا يوجد علم إجمالي بالتكليف بلحاظ الحالة الفعلية، فلا يكون منجّزاً، إلَّا أنّه لا يلتزم بذلك، ولهذا حاول أن يفرّق بين الاضطرار الطارئ وبين فقد بعض الأطراف.

فذكر أنَّ الفرق ما بينهما: أنَّ فقد بعض الأطراف مانع عقلي عن شمول التكليف وأمّا الاضطرار فهو مانع وحدّ شرعي للتكليف. 

توضيح ذلك: أنَّ الاضطرار تارة يراد به العجز في مقابل القدرة. وأخرى يراد به تلك المرتبة الموجبة لإرتفاع التكليف مولوياً من قبل الشارع وهي مرتبة العسر والحرج ونحوها.

فإن أريد من الاضطرار معنى العجز العقلي فحالها حال فقد بعض الأطراف، ولا يتعقل صورة بيان للفرق بينهما، فإنَّ مرجع الأمرين معاً إلى مانعيتهما بملاك واحد وهو ملاك انتفاء القدرة العقلية، غاية الأمر أنَّ انتفاءها تارة يكون من باب عدم وجود شرائط القدرة في نفس الفاعل وأخرى باعتبار عدم وجود موضوع لإعمال القدرة بحسب الخارج، مثلاً وجوب إكرام العالم يسقط إمّا بأن لا يكون هناك عالم، أو أن لا يكون الإنسان قادراً على الإكرام، بالتالي كلا الأمرين إسقاطهما بملاك واحد، وهو ملاك دخل القدرة التكوينية في توجيه التكليف إلى المكلف، فلا يتصوّر حينئذِ فرق علمي بين الاضطرار وفقد بعض الأطراف.

وأمّا إذا فسرنا الاضطرار بمعنى المرتبة الرافعة للتكليف مولوياً وشرعياً، 

ــــــــــ[343]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

كمرتبة العسر والحرج وما إليها، فهنا يكون فرق واضح بعين الاضطرار وفقد بعض الأفراد.

 وحاصله: أنَّ المخصّص للدليل والمانع عن شموله لمورد الاضطرار هو مخصّص شرعي، وأمّا المخصص للدليل والمانع عن شموله لمورد زوال الموضوع هو مخصص عقلي، وهو حكم العقل باشتراط القدرة.

فإذا بنينا في باب المخصصات العقلية الشرعية على مطلب ذهب إليه جملة منهم.

 وحاصله: أنّه في موارد التخصيص العقلي، وإن كنا نلتزم بعدم فعلية التكليف، ولكنا نبقى نستكشف ملاك التكليف من إطلاق دليله، تمسكاً بدلالته الالتزامية بعد سقوط المطابقية أو تمسكاً بوجه آخر على اختلاف بين المحقّق العراقي والنائيني. 

وأمّا في المخصّصات اللفظية فلا يمكننا إثبات أصل الملاك؛ لأنَّ المخصص اللفظي الشرعي مع العام يعتبران كأنهما كلام واحد صدر من المولى، فكأنّه من أوّل الأمر لم يقل العام إلَّا مع مخصصه، فلا يمكن أن نستكشف ثبوت الملاك في مورد التخصيص بخلاف المخصصات العقلية. وهذه دعوى سبق تحقيقها في مبحث التزاحم في مباحث الألفاظ.

لو بنى على هذه الدعوى، حينئذٍ يمكن أن نتصور صورة بيان علمي للتفرقة بين الاضطرار وفقد بعض الأطراف؛ وذلك بأن يقال: بأنّه إذا حصل الاضطرار إلى بعض أطراف العلم الإجمالي، فحيث إنَّ الاضطرار يخرج المورد 

ــــــــــ[344]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

عن إطلاق الدليل بتخصيص مولوي، فلو لاحظنا حالتنا الفعلية فليس عندنا علم بالتكليف لا خطاباً ولا ملاكاً، فلا منجّزية بل تكون الشبهة بدوية محظة بالنسبة إلى الطرف الآخر.

وأمّا إذا كان الملاك في ارتفاع التكليف هو فقد بعض الأطراف وهذا يكون بالتخصيص اللبي العقلي، وهذا التخصيص وإن كان يرفع الخطاب إلَّا أنّه تبقى دلالة الدليل على الملاك على حاله، فهنا بلحاظ الحالة الفعلية وإن لم يكن لنا علم إجمالي بالتكليف خطاباً، لكن لنا علم إجمالي بالتكليف ملاكاً، بلحاظ هذه الحالة الفعلية، بقطع النظر عن ذلك العلم الإجمالي المنتزع، فإنّنا لو لاحظنا حالتنا الفعلية فلنا علم إجمالي بالتكليف ملاكاً لا خطاباً.

والملاك المولوي، كالخطاب المولوي، يتنجز إذا وصل إلى المكلف ولو بالوصول الإجمالي، ويخرج عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان ويدخل في دائرة 

قبح العقاب بلا بيان ويدخل في دائرة البيان، وهنا الملاك معلوم بالإجمال بالفعل، فيخرجه هذا العلم الإجمالي إلى دائرة البيان، ويرفع المانع عن العقاب على مخالفته من ناحية البيان.

تبقى مسألة القدرة: أنَّ هذا الملاك المعلوم بالإجمال في ذاك الطرف الذي حصل فيه العجز التكويني. إذن، فهو غير مقدور، وإن كان في هذا الطرف فهو مقدور، فلا علم بالقدرة يقال حينئذٍ: بأنَّ تنجز التكليف الملاكي أو الخطابي لا يتوقف على العلم بالقدرة، بل يكفي فيه احتمال القدرة على ما هو المحقّق في محله من أنَّ الشكّ في القدرة يكفي في تنجيز التكليف المولوي. وهنا يكون مثل 

ــــــــــ[345]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هذا الملاك مشكوكاً في قدرتي عليه؛ لأنّي احتمل انطباقه على مورد القدرة، فهو ملاك قد خرج من ناحية اللابيان من قبح العقاب بلا بيان إلى حسن العقاب مع البيان ببركة العلم الإجمالي، ومن ناحية القدرة أيضاً يكفي مجرّد احتمال القدرة في تنجيزه من هذه الناحية. فهو تامّ الجهات من كلتا الناحيتين: الوصول والقدرة. إذن، فيكون منجّزاً ولا بدَّ حينئذٍ من التحفظ عليه وهو لا يكون إلَّا بالاحتياط في الطرف الآخر.

هذه صورة البيان التي يمكن أن يُفرق بها بين فقد بعض الأطراف وبين الاضطرار.

إلَّا أنَّ هذه الصورة لو تمت لبيان تنجيز العلم الإجمالي في موارد فقد بعض الأطراف بعد العمل للزم من ذلك الالتزام بتنجيز العلم الإجمالي. 

أيضاً لو حصل الفقد قبل العلم، كما لو أريق الحليب ثُمَّ علمنا بنجاسة فيه أو الشاي، أو تعذّر عليّ عدم شربه. أيضاً يأتي نفس هذا البيان، وهو أنَّ الملاك لا قصور في تنجيزه، لا من ناحية الوصول ولا من ناحية القدرة. أمّا من ناحية الوصول فللعلم الإجمالي به المخرج له عن دائرة اللابيان، وأمّا من ناحية القدرة فلكفاية احتمال القدرة والشكّ فيها في التنجيز من ناحيتها، مع أنَّ هذا ممّا لا يلتزم به صاحب الكفاية: إنَّ فقد الأطراف إذا حصل قبل العلم يكون منجّزاً.

إذن، فلا بُدّ أن يكون مثل هذا البيان صورياً مستبطناً لخلل، ووجه الخلل فيه واضح؛ وذلك: أنَّ هذا البيان وهو أنّه بعد فقد بعض الأطراف يكون للتكليف الملاكي معلوم إجمالاًونشك في القدرة عليه، واحتمال عدم القدرة 

ــــــــــ[346]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ليس مؤمّناً. نعم، احتمال عدم القدرة ليس مؤمّناً، ولكن المؤمّن ليس هو ذلك، بل المؤمّن عندنا هو عدم ثبوت الملاك في مورد القدرة. فإنَّ مورد القدرة هو الشاي ومورد العجز التكويني هو الحليب، والمدّعى كونه مؤمّناً ومبقياً لنا تحت دائرة قبح العقاب… العقلية، أو ما يساويها شرعاً، إنَّما هو احتمال أن لا يكون الملاك ثابتاً في الشاي. وهذا هو احتمال عدم ثبوت أصل الملاك في الحليب، فلا أثر له ولا يكون في دائرة حقّ الطاعة؛ لأنّها ليست أوسع من دائرة قدرة المكلف، وإن كان في الشاي فيكون داخلاً في دائرة حقّ الطاعة.

فالمؤمّن -بحسب الحقيقة- ليس هو احتمال عدم القدرة، بل احتمال أن لا يكون تكليف في مورد القدرة، وهذا بخلاف موارد الشك البدوي التفصيلي في القدرة على التكليف المعلوم تفصيلاً، كما لو عملت بتكليف ملاكي للمولى في إكرام العالم وشككت في قدرتي على امتثاله، فهنا احتمال عدم القدرة ليس مؤمّناً، بل لا بُدّ من تحصيل الجزم بالامتثال أو الجزم بالعجز.

أمّا هنا فليس المؤمّن هو احتمال أني عاجز، بل احتمال أن لا يكون هناك التكليف في مورد القدرة، وهذا الاحتمال لا نافي لمؤمّينته إلَّا توهم تنجيز العلم الإجمالي، في حين أنّه ليس منجّز؛ لأنّه علم إجمالي بملاك مردد بين ملاك لا يدخل في دائرة حقّ الطاعة للمولى وملاك يدخل في دائرته، والعلم بالجامع بين ملاك لا أثر له مولوياً وملاك له أثر، كالعلم بالجامع بين تكليف المولى وتكليف غيره، لا يكون منجزاً لا محالة.

 إذن فهذهِ الصورة للتنجيز لا تنجح، بل الناجح في إثبات التنجيز هو ذلك العلم الإجمالي المنتزع أشار إليه صاحب الكفاية في تعليقتهِ ومعهُ لا يفرق بين 

ــــــــــ[347]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الاضطرار وبين فقد بعض الأطراف، فيما إذا طرأ ذلك بعد العلم الإجمالي. هذا هو الأمر الثاني.

الأمر الثالث: في طرو الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه بعد العلم الإجمالي 

الأمر الثالث: قال صاحب الكفاية أنهُ لو طرأ الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه بعد العلم الإجمالي. فيسقط عن المنجزية؛ لأنَّ هذا الاضطرار يولد ترخيصاً تخييرياً ظاهرياً في المخالفة، وهو ينافي مع التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال بناءً على قوانين العلية، وفقاً لما شرحهُ المحقق العراقي.

 إذن، فيرتفع أصل التكليف، فقبل أن ندفع الاضطرار لا تكليف جزماً. نعم، بعد أن نشرب أحد المائعين نشك في أنّه هل حدث تكليف في الآخر أو لا؛ لأنَّ ما شربناه إن كان هو النجس فلا موجب لحدوث التكليف في الآخر بعد ارتفاع الاضطرار، وإن كان هو الطاهر فسوف يحدث تكليف في الآخر بعد ارتفاع الاضطرار. وهذهِ شبهة بدوية مجرى للأصل.

نحن ناقشنا في أصل دعوى المنافاة بين الترخيص التخيري الظاهري وبين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال.

لكن لو سلمنا هذهِ المنافاة، وقلنا: بأنَّ الترخيص التخييري الظاهري يوجب سقوط التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال رأساً، فهل يتم حينئذٍ ما أفاده صاحب الكفاية أو لا؟ وبتعبير آخر هل لدينا هنا علم إجمالي منتزع كذاك العلم المنتزع الذي كنا نستفيد منهُ فيما إذا طرأ الاضطرار إلى المعيّن بعد العلم الإجمالي، 

ــــــــــ[348]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فهل في المقام يوجد مثل هذا العلم الإجمالي نفزع إليهِ في التنجيز حتّى لو تم تصوّر المحقّق الخراساني لطبيعة الموقف.

التحقيق: إنّه لا بُدّ من التفصيل هنا، بين أن يكون هذا المكلف يعلم قبل حصول الاضطرار أنّه بِمَ سيدفعه لو حصل الاضطرار أو لا يعلم؟ فإن كان يعلم أنّه لو اضطر إلى أحدهما لا بعينه فإنهُ سوف يدفع اضطراره بالحليب لا بالشاي، فهذا يتشكل له علم إجمالي منتزع، بحرمة الشاي الذي هو مظنة وقوع الاختيار عليه -فيما بعد- في الفترة القصيرة الواقعة قبل حصول الاضطرار إلى أحدهما بعينه، أو بحرمة الحليب في الفترة الواقعة بعد اندفاع الاضطرار بشرب الشاي؛ لأنّه إمّا الشاي نجس أو الحليب.

إن كان الحليب نجس فهو يحرم في الفترة الواقعة قبل حصول الاضطرار، ولكنهُ سوف لن يحرم فيما بعد اندفاع الاضطرار؛ لأنّه يصبح حينئذٍ مشروباً يندفع به الاضطرار.

ولو كان النجس هو الشاي فسوف يصبح حراماً بمجرّد اندفاع الاضطرار بشرب الحليب. إذن، فهذا له علم إجمالي فعلي، قبل حصول الاضطرار بإحدى حرمتين تدريجيتين، أمّا حرمة الحليب قبل حصول الاضطرار أو حرمة الشاي بعد اندفاع الاضطرار، وهذا العلم الإجمالي منجّز.

وأمّا إذا فُرض أنَّ هذا الشخص كان لا يعلم أنّه إذا حصل له الاضطرار إلى أحدهما لا بعينهِ ماذا سوف يختار، فهو من الآن يعلم بحرمة مرددة بترددين، مرددة موضوعاً، ومرددة من حيث عمود الزمان، أمّا موضوعاً فهو لا يدري أنَّ مصب هذهِ الحرمة هو الشاي أو الحليب؛ لأنّه لا يدري أنَّ قطرة الدم وقعت 

ــــــــــ[349]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

في كوب الشاي أو كوب الحليب، وعلى كلا التقديرين لا يدري أنّه هل سوف ينتهي أمدها بحدوث الاضطرار، أو إنَّما سوف تعود بعد انتهاء الاضطرار؛ لأنّه إن كان ما سوف يدفع به الاضطرار نفس الحرام فسوف تموت الحرمة نهائياً بحصول الاضطرار، وإن كان ما سوف يدفع به الاضطرار غير الحرام فسوف تعود إلى الحياة بعد اندفاع الاضطرار، فهي حرمة مرددة أيضاً من حيث عمود الزمان بين القليل والكثير.

أمّا من حيث التردد الموضوعي فتكون منجزة لا محالة. وأما من حيث التردد الزماني، فالأمر يكون مردداً بين الأقل والأكثر؛ لأنَّ القطعة من الزمان السابقة على الاضطرار معلومة على كلّ حال ويشك بأنَّ هذه الحرمة المرددة على كلّ تقدير هل سوف يكون لها امتداد لما بعد أو لا؟ فلا يتشكل علم إجمالي يكون طرفه هو حرمة الآخر بعد اندفاع الاضطرار.

نعم، بعد أن يحصل الاضطرار ويدفعه بالحليب مثلاً ويشربه، بعد هذا يتولد له علم إجمالي، بأنّه إمّا الشاي الباقي الآن يحرم شربهُ، وإمّا أنَّ الحليب الذي شربه كان حرام الشرب قبل حصول الاضطرار، إلَّا أنَّ هذا العلم الإجمالي لا أثر له لأنَّ أحد طرفيه قد تلف وخرج عن محلّ القدرة والابتلاء قبل حصول هذا العلم الإجمالي.

فبناءً على هذا لا يكون هناك موجب لتنجيز العلم الإجمالي فيما إذا لم يكن هذا الشخص عالماً أنّه بِمَ سوف يدفع الاضطرار لو حصل.

هذا هو الأمر الثالث، وبه نختم الكلام في التنبيه التاسع من تنبيهات العلم الإجمالي.



التنبيه العاشر: في الخروج عن محل الابتلاء

 

  • المقام الأوّل: في دخل صفة الدخول في محل الابتلاء في عالم الإرادة والملاك
  • المقام الثاني: في دخلها في عالم التكليف
  • المقام الثالث: في دخلها في عالم التنجيز
  • المقام الرابع: في دخلها في جريان الأصول المؤمّنة
  • في استحالة التكليف بالخارج عن محل الابتلاء
  • بقيت أمور في ذيل التنبيه

ــــــــــ[351]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 




التنبيه العاشر: في الخروج عن محل الابتلاء

 

التنبيه العاشر: من الشروط العامة التي ذكرها المحقّقون لتنجيز العلم الإجمالي، هو أن لا يكون بعض أطراف العلم الإجمالي خارجاً عن محل الابتلاء، فإذا كان خارجاً عن محل الابتلاء بطل مفعوله، وخرج من المنجّزيّة.

وفسروا الخروج عن محل الابتلاء، بأنَّ الواقعة تكون أجنبية عن المكلف، بمعنى أنّه لا يترتّب بحسب طبع المطلب ابتلاؤه وصدور الفعل منه، بحيث إنَّ طبع المطلب هو وحده كافٍ لضمان عدم صدوره منه وعدم ابتلائه به بقطع النظر عن جهات زائدة بما فيها الجهات المولوية.

وعدم صدور الفعل من المكلف وعدم ابتلائه بالواقعة، يكون أحد ملاكين: 

إمّا بملاك: صعوبة إعمال القدرة في طرف الفعل، -مثلاً- وهذه الصعوبة تبلغ إلى درجة بحيث تصبح أصل القدرة محل خفاء في نظر العرف، بحيث لو التفت العرفي الاعتيادي لخيّل له أنّه ليس هناك قدرة، وإن كانت القدرة بالمعنى الدقي موجودة، ولكن حيث إنَّ إعمالها في طرف الفعل صعب باعتبار توقفه على مقدّمات كثيرة متعبة طويلة، فأصبح هناك خفاء في نفس وجود القدرة بحسب النظر العرفي، كما في صيرورة الفلاح الاعتيادي سلطاناً، فتكون قضايا 

ــــــــــ[353]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

السلطنة خارجة عن محل ابتلائه؛ لأنَّ هذا الفلاح بحسب الخارج إن نظر إليه بالنظر الدقي، فهو قادر على أن يصبح سلطاناً، ولكنه حيث إنَّ صيرورته سلطاناً يكون بإعمال هذا المكلف قدرته بترتيب مقدّمات كثيرة صعبة؛ ولهذا يكون نفس كونه قادراً على السلطنة محل خفاء وأمراً غير عرفي، وإن كان أمراً واقعياً دقياً في بعض الأحيان.

فهنا طبع المطلب يقتضي ضمان عدم صدور ذاك النوع من الظلم الذي يصدر من السلاطين.

وأخرى: لا يكون ضمان طبع المطلب لعدم صدور الفعل منه هو خفاء أصل القدرة الناشئ من صعوبة إعمالها الناشئ من كثرة المقدّمات، بل يكون طبع المطلب ضامناً لذلك -مع وضوح القدرة خارجاً- لأنَّ طبيعة الإنسان تصرفه عن إعمال مثل هذهِ القدرة، هناك صارف طبعي نفساني للإنسان عن إعمال هذهِ القدرة، من قبيل أكل الخبائث، فإنَّ القدرة على أكلها موجودة حتّى بالنظر العرفي، لكن طبع المطلب يضمن عدم صدوره من المكلف لوجود صارف نفساني طبعي يصرف المكلف عن أكل الخبائث.

فهذا ملاك آخر للخروج من محل الابتلاء يختلف عن الأوَّل.

والذي يظهر من القائلين بعدم منجّزية العلم الإجمالي في مورد خروج بعض أطرافه عن محل الابتلاء، أنّهم مختلفون فيما هو مرادهم من الخروج عن محل الابتلاء. فالمحقق العراقي، يريد به الخروج بالمعنى الأول فقط، وأما كلمات المحقق النائيني وفقاً لكلمات الشيخ الأنصاري في الرسائل فهي تناسب 

ــــــــــ[354]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

مع التعميم وإرادة جامع الخروج عن الابتلاء بكلا قسميه.

ثُمَّ إنَّ النقطة التي وقعت محل البحث عندهم في مقام البرهنة على عدم تنجيز في مثل هذا العلم الإجمالي هو أنَّ القائلين بعدم المنجّزية يقولون: بأنَّ العلم الإجمالي ينحل في هذا الفرض؛ لأنَّ المعلوم الإجمالي إن كان في المورد الداخل في محل الابتلاء فهو ثابت بالفعل، وإن كان في المورد الخارج عن محل الابتلاء، فهو غير ثابت بالفعل؛ لأنَّ أصل ثبوت التكليف مشروط بالدخول في محل الابتلاء. ومن هنا ربطوا بحث منجّزيّة العلم الإجمالي هنا إثباتاً ونفياً، ببحث أنَّ أصل التكليف هل هو مشروط بالدخول في محل الابتلاء أو لا.

 وحيث إنَّ المشهور ذهبوا إلى أنَّ أصل التكليف مشروط بذلك. إذن، فالعلم الإجمالي إذا خرج بعض أطرافه عن محل الابتلاء لا يصبح علماً بالتكليف على كلّ تقدير؛ لأنَّ التكليف إن كان في المورد الخارج، فهو ساقط لا محال(1).

وهذا التنبيه كله معقود له لأجل بيان مساواة الخروج عن محل الابتلاء لفقد بعض الأفراد.

فقد جعلوا من الشرائط العامة للتكليف، هو الدخول في محل الابتلاء، ومن ثَمَّ وقع البحث هنا في هذه الشرطية إثباتاً ونفياً، فالمشهور أثبتوا هذه 

ــــــــــ[355]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال وجّهته إليه: كلامنا فيما إذا خرج قبل العلم، وأمّا إذا خرج بعد العلم لا يكون هذا أحسن حالاً من الاضطرار أو فقد بعض الأطراف، فإنّه إذا فقد بعض الأطراف بعد العلم لا يبطل المنجّزية. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الشرطية بدعوى أنَّ التكليف في غير موارد الابتلاء قبيح ومستهجن، ومن أنكر هذه الشرطية، وقال: بأنَّ التكليف الواقعي غير مشروط بالدخول في محل الابتلاء، كالسيّد الأستاذ، ذهب إلى منجّزية مثل هذا العلم الإجمالي. فجعلت منجزيته مرتبطة نفياً وإثباتاً بإثبات تلك الشرطية.

وسوف يظهر من سياق البحث -إن شاء الله- أنَّ ما كان مصباً لكلام هؤلاء الأعلام لا ربط له بتحقيق المسألة الأصولية أصلاً، فسواء قلنا بالشرطية بالمعنى المدعى لهم أو لم نقل يمكننا أنَّ نقول بتنجيز العلم الإجمالي أو بعدمه، والصحيح والمختار الذي سوف يتضح خلال الكلام هو بطلان هذه الشرطية وعدم تنجيز العلم الإجمالي. 

هذا هو فهرست ما سوف ننتهي إليه من مطالب، وأمّا تفصيل هذا البحث، فالكلام في دخالة هذه الصفة وهي كون الشيء داخلاً في محل الابتلاء، يقع في مقامات أربعة، يعني يتصور دخلها في أربع مقامات: 

المقام الأوّل: دخل هذه الصفة في عالم الملاك، أي: عالم مبادئ التكليف، يعني عالم المصلحة والمفسدة والمحبوبية والمبغوضية.

المقام الثاني: دخل هذه الصفة في التكليف. 

المقام الثالث: دخلها في المنجزية عقلاً، بمعنى: أننا لو بنينا في المقام الأوّل على أنَّ هذه الصفة غير دخيلة في الملاك، وأنَّ الملاك مطلق، وبنينا في المقام الثاني على أنّها غير دخيلة في التكليف المطلق، لكن هذا التكليف المطلق خطاباً وملاكاً لا يحكم بمنجزيته في الوصول ما لم يدخل في محل الابتلاء، فكأنَّ حكم 

ــــــــــ[356]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

العقل بالمنجّزية لا يكفي فيه مجرّد وصول التكليف بالعلم الإجمالي، بل يحتاج إلى صفة زائدة هو أن يكون داخلاً في محل الابتلاء.

المقام الرابع: لو فرضنا أنَّ الدخول في محل الابتلاء لم يكن دخيلاً في الملاك ولا الخطاب ولا حكم العقل بالمنجزية، حينئذٍ نتكلّم في أنَّ الدخول في محل الابتلاء هل يكون دخيلاً في التأمين الشرعي المجعول في أدلة الأصول أو لا؟ بمعنى: أنّه بعد الفراغ عن تمامية ملاك التكليف وتنجز العلم الإجمالي بحكم العقل. نفرغ إلى أدلّة الأصول الشرعية، ونقول -عادة- بأنّها متعارضة في الطرفين، ففي هذا المقام نفحص، هل الدخول في محل الابتلاء شرط في جريان الأصل الشرعي أو لا؟

 فإن لم يكن شرطاً فالأصول هنا أيضاً متعارضة ومتساقطة ويتم تنجيز العلم الإجمالي، وإن فرض أنّه كان شرطاً في جريان الأصل المؤمِّن، إذن لا يجري الأصل المؤمِّن في الطرف الخارج عن محل الابتلاء، وإنَّما يجري في الداخل في محل الابتلاء، ويجري بلا معارض لعدم جريانه في الآخر، فيرتفع محذور المعارضة، وننتهي إلى عدم تنجيز العلم الإجمالي.

ــــــــــ[357]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 






 

فلا بدَّ من تحقيق هذه المقامات:

المقام الأوّل: في دخل صفة الدخول في محل الابتلاء في عالم الإرادة والملاك

 

أمّا المقام الأوَّل: وهو دخل صفة الدخول في محل الابتلاء، في عالم الملاك وعالم إرادة المولى وكراهته، نفرض ماءً متنجساً موجوداً في آخر العين لنرى أنّه هل يمكن أن يقال: بأنَّ مبغوضية المولى لشرب هذا الماء الموجود في آخر العين مشروطة في الدخول في محل الابتلاء، بحيث يكون هذا قيداً في هذه المبغوضية، كما يقال مثلاً: بأنَّ مبغوضيته تكون مشروطة بالقدرة، فإنَّ فرض أنّه اضطر إليه لا يكون أصل الملاك موجوداً، فهذه الحصة الاضطرارية غير مبغوضة للمولى، أو لو كان عاجزاً عن الفعل تكويناً فأيضاً يقال: إنَّ هذا غير مبغوض للمولى، بمعنى: أنّه لو صدر منه بلا إعمال قدرة، كما لو زُقّ في فمه ماء متنجس، فهذا غير مبغوض(1).

وبالتلخيص: إنَّ معنى دخل القدرة التكوينية في الملاك هو تحصيص الفعل 

ــــــــــ[358]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: في الأوّل يفرض تعيّن الفعل عليه وفي الثاني يفرض تعيّن الترك عليه. وفي كلا الفرضين نقول: إنّه لا ملاك. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إلى حصتين، حصة صادرة بإعمال القدرة وحصة صادرة بغير إعمال القدرة. فالحصة الأولى محط الملاك ومورد الأثر المبغوض للمولى، والحصة الصادرة بلا إعمال للقدرة هي الحصة التي لا تكون محطاً للملاك. وهذا أمر معقول.

وهنا نريد أن نرى أنَّ الدخول في محل الابتلاء هل يُعقل أن يكون حاله حال القدرة من هذه الناحية. هذا أمر غير معقول؛ وذلك لأنَّ شرب هذا الماء المتنجس الموجود في آخر العين، لا يعقل تحصيصه إلى حصتين، وتصوير نحوين من الوجود له:

 أحدهما: يكون مورده للأثر المبغوض للمولى فيكون واجداً للملاك.

 والآخر: لا يكون مورداً للأثر المبغوض فلا يكون واجداً للملاك. هذا التحصيص هنا غير معقول؛ وذلك لأنَّ فرض وجود هذا الفعل من قبل المكلف مع القدرة العقلية مساوق مع فرض دخوله في محل الابتلاء، إذ لا نريد من الدخول في محل الابتلاء إلَّا كون الفعل مترتب الصدور من المكلف، وفرض صدوره هو فرض ترتب صدوره لا محالة وفرض دخوله في محل الابتلاء.

فلا يتصوّر حصة من الفعل محفوظة الوجود في حالة عدم دخول الفعل في محل الابتلاء، حتّى ينقسم الفعل إلى حصتين: إحداهما: تكون واجدة للأثر المبغوض للمولى، والآخر: لا يكون واجداً له.

فرق بين القدرة وبين الدخول في محل الابتلاء، فإنّه بلحاظ القدرة العقلية يتحصص الفعل إلى حصتين: حصة مقدورة وحصة غير مقدورة توجد بسبب 

ــــــــــ[359]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

آخر غير اعمال القدرة، والأوّل مبغوض دون الثاني، لكن مثل هذا الماء المتنجس في آخر العين لا يعقل تحصيصه إلى حصتين وتصور نحوين من الوجود له: وجود في حالة الدخول في محل الابتلاء ووجود في حالة الخروج عنه، حتّى يقال: إنَّ أحد هذين الوجودين هو المبغوض دون الآخر، لأنَّ صرف وجوده مساوق مع دخوله في محل الابتلاء.

فتحصيصه إلى هاتين الحصتين أمر غير معقول(1)، فدخل الدخول في محل الابتلاء في الملاك ومبغوضية المولى الفعلية لشرب هذا الماء المتنجس أمر غير معقول، فمتى كان شرب هذا الماء المتنجس في العين مبغوضاً في الجملة فهو مبغوض دائماً حتّى في حالة الخروج عن محل الابتلاء.

إذن، فالدخول في محل الابتلاء بالنسبة إلى عالم الملاك، يستحيل أن يكون دخيلاً في فعلية مبادئ الحكم الشرعي. هذا هو الكلام في المقام الأوّل.

ــــــــــ[360]ــــــــــ

() فإذا استحال التحصّص من هذه الناحية استحال التقيد. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

 

المقام الثاني(1): في دخلها في عالم التكليف

 

وهو شرطية الدخول في محل الابتلاء لعالم التكليف، وهذه هي النقطة التي بحثها الأعلام على ما أشرنا إليه فيما سبق، وربطوا بها بحث منجّزية العلم الإجمالي في المقام إثباتاً ونفياً.

والتحقيق: أنَّ تحقيق هذا المطلب، وهو أنَّ الخطاب أو التكليف هل يمكن أو لا يمكن شموله للموارد الخارجة عن محل الابتلاء؟ هذا خارج عن محل الابتلاء الأصولي، يعني: ليس دخيلاً في الغرض العلمي من هذه المسألة الأصولية؛ إذ ماذا يستهدف الأصولي من دعوى أنَّ الخطاب يشمل أو لا يشمل موارد الخروج عن محل الابتلاء، إن أراد الاستطراق بإثبات الشمول إلى إثبات أصل الملاك، بدعوى: أنَّ الخطاب إن كان شاملاً لموارد الخروج عن محل الابتلاء فهو يدل على الملاك بالالتزام. وأمّا إذا كان غير شامل فلا يبقى عندنا كاشف عن الملاك رأساً؛ لأنّه ليس عندنا كاشف عنه إلَّا الخطاب والمفروض أنّه لا يشمل.

 إن أريد استكشاف وجود الملاك، فهذا مستغنى عنه بعد أن بيّنا في المقام 

ــــــــــ[361]ــــــــــ

() ذكر سيّدنا الأستاذ المقام الأوَّل كما سبق ثُمَّ قال: المقام الثاني… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الأوّل: أنَّ الدخول في محل الابتلاء يستحيل أن يكون دخيلاً في ما هو الملاك، وأنَّ الملاك إن عُلِمَ في الجملة فيُعلم فعليته في حالة الخروج عن محل الابتلاء، لاستحالة تقيده بالدخول في محل الابتلاء.

فلا نحتاج نحن في مقام إثبات شمول الملاك للموارد الخارجة عن محل الابتلاء، أن نصحح شمول الخطاب أيضاً لها، بل شموله يثبت بالبرهان المنقّح في المقام الأوَّل.

وإن أريد بتحقيق شمول الخطاب شيء آخر، وهو أن يقال: بأنَّ الملاك وإن فُرض العلم بتحققه في موارد الخروج عن محل الابتلاء، بالبرهان الذي حقّقناه في المقام الأوَّل، ولكن الملاك إذا لم يكن على طبقه خطاب، لا يكون منجّزاً ولا مورداً لحكم العقل بوجوب الامتثال، فإنّه إنَّما يكون الملاك منجّزاً إذا كان على طبقه خطاب، فيراد بتحقيق شمول الخطاب للموارد الخارجة عن محل الابتلاء أن يتمم موضوع المنجزية والتسجيل والتحميل العقلي، فإن نقّحنا شمول الخطاب في هذا المقام الثاني تم الموضوع للمنجّزية التي سوف ننتهي إليها في المقام الثالث، وإن لم ننقح هنا شمول الخطاب وبقي الملاك(1) وحده فهو لا يكفي للحكم بالتنجيز من قبل العقل. 

إن أريد هذا، فهو غير صحيح؛ وذلك لأنَّ انفكاك الخطاب عن الملاك يكون على نحوين: في أحدهما يكون مضراً بالتنجز وفي النحو الثاني لا يكون مضراً. إذا كان انفكاك الخطاب عن الملاك ناشئاً من قصور في ملاكية الملاك 

ــــــــــ[362]ــــــــــ

() لأنَّ الخطاب جزء الموضوع والملاك هو الجزء الآخر. (إعادة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وفاعليته ومحركيته، فهو لا يحرك المولى تكويناً إلى تحصيل مطلوبه بإصدار الخطاب وإلقائه، فمثل هذا الملاك القاصر عن محركية المولى نفسه، لا يستقل العقل على العبد بوجوب التحرك عنه، فإنَّ العبد ليس المطلوب منه أن يكون أكثر حرارة في مقام التوصل إلى أغراضه، فمثل هذا الانفكاك يضر بتنجز الملاك.

وأمّا إذا فُرض أنَّ انفكاك الخطاب عن الملاك، لم يكن بملاك قصور في فاعلية الغرض ومؤثريته في نفس المولى، بل باعتبار ممنوعية المولى -قهراً عليه- عن إصدار الخطاب، في مثل ذلك يكون الملاك تمام الموضوع للتحميل والتسجيل العقلي؛ لأنَّ هذا الانفكاك نشأ من مانع خارج عن عالم الملاك.

ومقامنا من قبيل الثاني لو سُلّم عدم شمول الخطاب، في المقام الثاني، فهو إنَّما يشملها باعتبار قبح عرفي عقلائي، أو باعتبار استحالة عقلية ونحوه من المحاذير التي سوف نستعرضها فيما بعد، وهي محاذير توجب اضطرار المولى إلى عدم إصدار مثل هذا الخطاب، فالانفكاك هنا بملاك الاضطرار من قبل المولى، لا بملاك قصور في فاعلية الغرض المستكشف، فشمول الخطاب وعدمه لا أثر له في تتميم ما هو الموضوع للتسجيل والتحميل العقلي، بل تمام الموضوع له هنا هو الملاك وحده سواء وجد على طبقه خطاب أو منع المولى مانع قهري للمولى عن جعل الخطاب على طبقه.

إذن، فلا يوجد هناك غرض أصولي في تحقيق أنَّ الخطاب هل يشمل أو لا يشمل لا بالبيان الأوّل ولا بالبيان الثاني.

ــــــــــ[363]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

نعم، يبقى أن نتكلّم في نفس هذه النقطة من حيث هي بقطع النظر عن دخلها في الغرض، وهي أنَّ الخطاب هل يشمل أو لا يشمل؟ وسوف نتكلّم عن هذا بعد الانتهاء من المقامات الأربعة.

ــــــــــ[364]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 











المقام الثالث: في دخلها في عالم التنجيز

 

ما هو معنى التنجز؟ معناه أنّه عبارة عن حكم العقل باستحقاق العقاب على المخالفة، لأجل حكمه بأنَّ من حقّ المولى على العبد أن لا تصدر منه هذه المخالفة، هذا الذي سميناه بحقّ الطاعة. ودخل الدخول في محل الابتلاء في حكم العقل في استحقاق العقاب على المخالفة غير معقول بنفس البرهان الذي بيناه في المقام الأوَّل؛ لأنَّ دخله في الاستحقاق إنَّما يتعقل فرضه فيما إذا كان للمخالفة حصتان: 

إحداهما: يحكم العقل باستحقاق العقاب عليها؛ لأنّها داخلة في دائرة حقّ الطاعة.

وأخرى: لا يحكم. من قبيل تحصيص المخالفة من ناحية العلم: مخالفة معلومة ومخالفة مشكوكة، فالمخالفة المعلومة يحكم العقل باستحقاق العقاب عليها؛ لأنّها داخلة في دائرة حقّ الطاعة، ومخالفة مشكوكة لا يحكم العقل باستحقاق العقاب عليها؛ لأنّها غير داخلة في دائرة حقّ الطاعة بقانون قبح العقاب بلا بيان؛ لأنَّ العلم يحصّص المخالفة إلى حصتين: حصة معها علم وحصة ليس معها علم.

لكن الدخول في محل الابتلاء والخروج منه، لا يحصّص المخالفة إلى 

ــــــــــ[365]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

حصتين: حصة يكون معها دخول في محل الابتلاء وحصة لا يكون؛ لأنَّ فرض وجود المخالفة خارجاً هو فرض الدخول في محل الابتلاء، فالشرطية هنا أيضاً غير معقول.

وإلى هنا، بعد أن فرغنا عن ثلاث مقامات، نقول: بأنّنا لو قطعنا النظر عن الأصول المؤمِّنة المجعولة شرعاً، وبقينا نحن وقواعد التنجيز العقلية لقلنا: بأنَّ العلم الإجمالي الذي يكون بعض أطرافه خارجاً عن محل الابتلاء منجز؛ وذلك لأنّه علم إجمالي بالغرض المولوي على كلّ تقدير، سواء كان دخيلاً في الخطاب أو لم يكن، هو ليس في الغرض الذي هو تمام الموضوع لحكم العقل بالمنجّزية، ولا دخل للابتلائية في حكم العقل بالمنجّزية، فالعلم الإجمالي يكون منجّزاً، بقطع النظر عن الأصول المؤمِّنة المجعولة شرعاً.

ــــــــــ[366]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 








المقام الرابع: في دخلها في جريان الأصول المؤمّنة

 

لكننا ننتهي إلى المقام الرابع، وهو دخل الدخول في محل الابتلاء في جريان الأصل المؤمِّن شرعاً، في التأمين الشرعي المجعول في أدلة الأصول. لو قلنا بدخله فيها، تبطل منجّزية العلم الإجمالي ببركة هذه الأصول الشرعية؛ إذ يجري المؤمِّن حينئذٍ في الطرف الداخل في محل الابتلاء، ولا يعارضه أصل في الطرف الآخر؛ لأنَّ الطرف الآخر ليس مجرى للأصل ما دام خارجاً عن محل الابتلاء. 

والأمر كذلك، فإنَّ الدخول في محل الابتلاء شرط في التأمين المجعول في أدلة الأصول الشرعية. والوجه في أخذه قيداً: هو الارتكاز العرفي. 

توضيح ذلك: أننا قلنا فيما سبق: إنَّ الترخيصات التأمينية الشرعية هي بحسب الحقيقة خطابات ناتجة عن التزاحم في مقام الحفظ بين الغرض اللزومي والغرض الترخيصي، فالأغراض اللزومية تحرك المولى إلى جعل إيجاب الاحتياط تحفظاً على حصولها، والأغراض الترخيصية الناشئة من مملاك ثبوتي فيها، أيضاً تدعوه إلى التحفظ عليها بجعل الرخصة الظاهرية في الشبهة، فيقدّم المولى الغرض الأهم اللزومي إذا كان أهم، أو الترخيصي إذا كان أهم. 

فجميع الخطابات الشرعية التأمينية مرجعها إلى تقديم الغرض الترخيصي في نتيجة هذا التزاحم بينهما وبين الأغراض اللزومية.

ــــــــــ[367]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ومن هنا قلنا فيما سبق: إنَّ المورد الذي لا يتعقل فيه العرف التزاحم بين الغرض الترخيصي واللزومي، لا يشمل إطلاق أدلة الأصول بقرينية الارتكاز العرفي، فلو فُرض في مورد يكون العرف بما هو عرف غير متعقل لهذا التزاحم، إذن فهو بارتكازه يرى أنَّ أدلة الأصول منصرفة عن هذا المورد، وهذا الارتكاز يكون قرينة متصلة لتقييد إطلاق أدلة الأصول.

وعلى هذا بنينا عدم شمول أدلة الأصول لتمام أطراف العلم الإجمالي، المساوق مع الترخيص في المخالفة القطعية، فإنَّ الترخيص في المخالفة القطعية عندنا، ليس أمراً محالاً، كما هو عند الأعلام، فإنّنا أبطلنا محذورية العقلية، بل هو محذور عقلائي لا محذور عقلي، بمعنى أنَّ العرف بما هو عرف لا يتصوّر وقوع تزاحم بين التكليف المعلوم بالإجمال وبين الغرض الترخيصي المعلوم بالإجمال بحيث يغلب الثاني على الأوّل، وقد جعلنا هذا الارتكاز كالمقيد المتصل الذي رفعنا اليد به عن إطلاق أدلة الأصول في نفسه. 

نفس هذا أيضاً نقوله في المقام، فإنّه إذا جئنا إلى هذا الطرف الخارج عن محل الابتلاء، الموجود في آخر العين، كيف نتصور التزاحم بأن نقول: هنا غرض لزومي تحريمي يقتضي صدور عدم صدور شرب الماء النجس، من هذا المكلف، وهناك غرض ترخيصي تسهيلي يقتضي أن لا يكون المكلف في ضيق من ناحية الماء الطاهر الذي هو غير النجس.

هل يقع التزاحم ما بين هذين الغرضين بالنسبة إلى الآنية الموجودة في العين بحسب النظر العرفي؟ أمّا بحسب النظر الدقّي فقد يقع ما بينهما تزاحم، وذلك أنَّ 

ــــــــــ[368]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المولى إمّا يرخص بالآنية الموجودة بالعين فعلاً، وإمّا أن لا يرخص، فإن فرض أنّه رخص بها فقد فتح بهذا باب تفويت الغرض اللزومي، وإن فرض أنّه منع ولم يرخص فهذا نحو ضيق، بحسب الدقة بالنسبة إلى المكلف، إلَّا أنَّ مثل هذا لا يفهمه العرف، بل يقول: إنَّ الغرض اللزومي التحريمي هنا بحسب طبعه محفوظ؛ لأنَّ آنية العين سوف لن يشرب منها هذا المكلف، وعدم الترخيص من قبل الشارع في الشرب منه لا يكون -أيضاً- مفوتاً للغرض الترخيصي؛ لأنَّ الغرض الترخيصي إنَّما هو التسهيل وإطلاق العنان ونفي الضيق. 

وهذا الضيق الذي ينشأ من عدم ترخيصه بشرب آنية في العين ليس ضيقاً عرفياً ولا مفهوماً عقلائياً، فهذا الإناء لا يقع فيه تزاحم عرفي عقلائي بين الغرض اللزومي والترخيصي.

وإذا لم يتعقل العرف بما هو عرف وقوع التزاحم هنا، لا يتعقل إطلاق شمول أدلة الأصول حينئذٍ، كما هو الحال في المخالفة القطعية، إذ حيث لم يتعقل بارتكازه الترخيصي في المخالفة القطعية والتزاحم بنحوٍ بحيث يؤدي إلى ذلك، لم يَفهَم من إطلاق أدلة الأصول هذا، كذلك هنا، لا يتعقل هذا التزاحم فلا يفهم من أدلة الأصول فعلية الترخيص هنا، بل يفهم من إطلاقها فعلية الترخيص في آنية النجف فقط، فإنَّ التزاحم فيها عرفي عقلائي؛ لأنَّ المولى إن رخص فيه فقد جعل غرضه اللزومي في معرض الفوات، وإن لم يرخص فيه فقد أوجب نحواً من الضيق على المكلف، وهو ضيق عرفي عقلائي. إذن، فالتزاحم هنا على طبق الارتكاز فيشمله إطلاق أدلة الأصول دون ذاك. 

ــــــــــ[369]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وظني أنَّ هذا الارتكاز البديهي كان موجوداً(1) في ذهن الأعلام أيضاً، وقد دعاهم بفطرتهم العرفية السليمة، إلى أن يفهموا من إطلاق أدلة الأصول في المقام التأمين هنا دون التأمين هناك، يعني أن يفهموا عدم منجّزية العلم الإجمالي، ولكن حينما أرادوا أن يفلسفوا عدم منجّزية العلم الإجمالي ربطوه بمسألة شرطية الدخول في محل الابتلاء في التكليف، وحولوا الارتكاز إلى مسائل أخرى صناعية غير صحيحة. وإلَّا فنفس إجماعهم على أنَّ العلم الإجمالي غير منجّز في المقام. -إلَّا من قبيل السيّد الأستاذ الذي أنكر أخيراً هذا المطلب- شاهد على أنَّ الإرتكاز كان يوحي إليهم بذلك وإن لم يفسروا الموقف على أساس الارتكاز، بل فسروه على أسس صناعية واهية جداً.

وحينئذٍ فالصحيح هو دخل الدخول في محل الابتلاء في التأمين الشرعي المجعول؛ وعليه فينحل العلم الإجمالي بجريان الأصل المؤمّن شرعاً في الطرف الداخل في محل الابتلاء دون معارض، فما عليه المشهور من اشتراط الدخول في محل الابتلاء في تنجيز العلم الإجمالي، في غاية الصحّة.

هذه هي المقامات الأربعة، وسوف نتكلّم في أصل هذه الشرطية التي وقعت موضعاً للكلام بين الأعلام، هل أن التكليف يشمل موارد الخروج عن محل الابتلاء أو لا يشمل؟ دون أن يكون لذلك تأثير على موقفنا الأصولي في هذه المسألة أصلاً.

ــــــــــ[370]ــــــــــ

() ومقصودنا تتميم هذا الارتكاز وتثبيته من موقف هؤلاء الأعلام. (محاضرة الغد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ومقصودنا(1) بذلك تثبيت هذا الارتكاز وتدعيمه بمثل هذا التفسير من موقف هؤلاء الأعلام، وإن كانوا هم لم يعلنوا عنه، بل فسروا القضية بأنَّ نفس التكليف الواقعي يكون مشروطاً بالدخول في محل الابتلاء، ظناً منهم أنّهم إذا سلّموا إطلاق التكليف الواقعي وعدم تقيده بالدخول في محل الابتلاء، لا يبقى حينئذٍ وجهٌ لعدم جريان الأصل المؤمّن في الطرف الخارج عن محل الابتلاء وسقوطه بالمعارضة مع الأصل الجاري في الطرف الداخل في محل الابتلاء بعد إن كان ذلك الطرف مشكوكاً وموضوعاً لجريان الأصل في نفسه، فلأجل أن يخرجوه عن إطلاق دليل الأصل، ذكروا أنَّ التكليف الواقعي مقيّد بالدخول في محل الابتلاء.

وقد تحقّق ممّا سبق في المقامات الأربعة أنَّ مسألة دخل الدخول في محل الابتلاء في التكليف الواقعي الذي هو المقام الثاني، أثر له إثباتاً ونفياً على الغرض الأصولي في المقام؛ لأننا لو قطعنا النظر عن الأصول المجعولة شرعاً للتأمين، فالعلم الإجمالي منجّز، ولو بلحاظ الملاك، سواء كان الخطاب مشروطاً بالدخول في محل الابتلاء أو مطلقاً، ولو لاحظنا التأمين الشرعي فالعلم الإجمالي غير منجز سواء كان الخطاب الواقعي مشروطاً كذلك أو لا.

ــــــــــ[371]ــــــــــ

() قال بعد أن ذكر الارتكاز العقلائي الذي بنى عليه مختاره. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 





في استحالة التكليف بالخارج عن محل الابتلاء

 

ولكننا الآن نتكلّم في نفس الخط الذي وقع البحث عنه بين الأكابر وهو دخل الدخول في محل الابتلاء في المقام الثاني من المقامات الأربعة، وهو ما سميناه بعالم التكليف، فهل الدخول في محل الابتلاء شرط في فعلية التكليف الواقعي أو لا؟

بعض المحاذير التي تذكر من قبل الأعلام ويبرهن بها على استحالة التكليف في موارد الخروج عن محل الابتلاء ولزوم التقيد بالدخول في محل الابتلاء، بعضها يرجع بالتحليل إلى محاذير في نفس الخطاب بما هو كلام صادر من نبي أو إمام، الذي يكون ملزماً في تصرفاته وأعماله الخارجية بالالتزام بالسنخ المتبع في العرف من الأذواق والمناسبات في المقام التصرف فعلاً وتركاً، فيقال مثلاً: أنّه يقبح من المولى أن يتوجه إلى دهقان، يعني: فلاح صغير حقير
-على ما في تحقيقات المحقّق العراقي ويقول له: أُحرّم عليك أن تظلم الناس بجباية الضرائب منهم. فهذا قبيح لأنَّ الناس لو التفتوا إلى هذا الشخص يستهجنون هذا التصرف منه.

ومحط الاستهجان بحسب التحليل هو صدور هذا الكلام من هذا الدهقان، باعتبار أنّه فعل من الأفعال التي تصدر من شخص عرفي، فلا بُدّ وإن 

ــــــــــ[372]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

يتحدد هذا الفعل بالمناسبات والأذواق العرفية في مقام الاستحسان والاستهجان، ولا ربط له بثبوت واقع مدلول الخطاب بالنسبة إلى هذا الفلاح؛ ولهذا نفس هذا الاستهجان يكون باقياً على حاله لو خاطبه بنحو مشروط، فقال لهذا الفلاح الحقير: إذا أصبحت سلطاناً فيحرم عليك أن تُجبي الضرائب إلَّا بمقدار قرره الإسلام. فالتكليف هنا أنيط بصرف الابتلاء ومع هذا لم يخلُ من الاستهجان العرفي، ولكن يرتفع هذا الاستهجان بعدم توجيه الخطاب إلى شخص هذا الدهقان وبيان قضية عامة، وهي أنَّ الظلم والسلب والنهب لا يجوز بجباية الضرائب خارج حدود الشريعة لأيّ إنسان كان.

إذن، فيجب قطع النظر في مقام تحليل المحاذير عن هذه البيانات الشكلية التي ترجع في الحقيقة إلى استهجان نفس توجيه الخطاب إلى هذا الفلاح، الذي يكون هذا المطلب خارجاً عن محل ابتلائه، ونرجع إلى المحاذير التي تنظر إلى مدلول الخطاب لا إلى نفسه، المحاذير التي تثبت لشمول ذات مدلول الخطاب لهذا الدهقان الفقير، بقطع النظر عن تلك المحاذير الناجمة عن نفس توجيه الخطاب إليه بما هو سلوك معين بين المولى وعبيده.

فإذا نظرنا إلى ذات مدلول الخطاب، نسأل ما هو مدلول الخطاب؟

نحن نعرف بلا شك أنَّ المدلول التصديقي للخطاب يشتمل على المبادئ التي هي جوهر الحكم وروحه، بمعنى أنّه يدل بالدلالة التصديقية على قيام مبادئ الحرمة في نفس المولى من التصديق بالمفسدة وما يتبعه من المبغوضية. وقد عرفنا في المقام الأوّل، أنَّ هذه المبادئ يستحيل عدم شمولها لموارد الخروج 

ــــــــــ[373]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

عن محل الابتلاء، يعني: يستحيل تقييدها بعنوان الدخول في محل الابتلاء. 

فهل في مدلول الخطاب شيء زائد على هذه المبادئ أو لا؟ في الواقع أنَّ هذا أمر اتفاقي قد يحصل هناك أمر زائد وقد لا يحصل، والغالب في الأدلة اللفظية هو حصوله. وهذا الأمر الزائد على دلالته على تلك المبادئ هو عبارة عن أنَّ الخطاب له ظهور في أنَّ المولى ليس في مقام نقل قصة وحديث عن نفسه، وإنَّما هو في مقام جعل محركية مولوية من قبله لمن انصب عليهم هذا الملاك، وتم في حقهم، فهو يكشف عن تصدي المولى لإيجاد محرك وباعث مولوي نحو من وجدت في حقهم هذه المبادئ.

ومن هذه الناحية نقول: إنَّ الغالب في الأدلة اللفظية، أن لا تشمل العاجز غير القادر على تحصيل الملاك؛ لأنَّ العاجز لا يتصور في حقّ المولى أن يتصدى لتحريكه وبعثه نحو تحصيل تلك المبادئ. وقد فُرض أنَّ المبادئ أبرزت توأماً مع تصدي المولى لتحريك من تمت في حقّه المبادئ. فهذه التوأمية توجب قصوراً في مدلول الخطاب بحيث لا يشمل العاجز؛ ومن هنا نقول في العاجز: إنّه لا دليل على أصل ثبوت الملاك بالنسبة إليه؛ لأنَّ مدلول الخطاب تخصّص باعتبار هذه التوأمية بخصوص القادر.

الآن نأتي إلى هذه الضميمة، وهي كشف الخطاب وظهوره في أنَّ المولى في مقام إيجاد محرك مولوي أو زاجر مولوي عن شرب النجس، فهل في هذه الضميمة محذور بالنسبة إلى موارد الخروج عن محل الابتلاء أو لا؟ جملة من البيانات يمكن تحليلها بحيث ترجع إلى هذه الضميمة:

ــــــــــ[374]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بيان برهان اللغوية

من جملة ذلك: البيان القائل باللّغوية. وهو يبرهن على اشتراط الدخول في محل الابتلاء في التكليف ببرهان اللغوية، فيمكن أن نطبق هذا البرهان على هذه الضميمة ونقول: إنَّ تصدي المولى لإيجاد زاجر مولوي عن شرب هذا الماء النجس الخارج عن محل الابتلاء لغو؛ لأنَّ الغرض من إيجاد هذا الزاجر إنَّما هو أن لا يشرب النجس في الخارج، والمفروض أنَّ طبع المطلب يضمن عدم شرب النجس في الخارج، فهذا التصدي من المولى إنَّما لا يكون لغواً بالنسبة إلى موارد الدخول في محل الابتلاء. أمّا بالنسبة إلى موارد الخروج عن محل الابتلاء فهو لغو، وإذا كان لغواً فهو عبث، وإن كان عبثاً فهو قبيح عقلي. 

هذا البيان غير صحيح؛ وذلك لأنّه لو تم وجارينا هذا الطرز من التفكير، للزم أن نضيف قيوداً أخرى على التكليف أكثر من مسألة الدخول في محل الابتلاء، فإن من لم يمسك الإناء بيده لا يترقب منه شرب الماء النجس وإن كان إلى جواره، إذن فتصدي المولى لغير من يمسك الإناء بيده وزجره عن شرب الماء النجس لغو، فلا بُدّ أن نضيف قيد أن يُمسك الإناء بيده أو يقبض على السكين بيده، بالنسبة إلى حرمة القتل وهكذا. وأمّا جعل هذه الحرمة قبل ذلك فهو لغو؛ لأنَّ الغرض حاصل قبل هذا بدون حاجة إلى تسبيب من قبل المولى. 

إذن، فهناك خلل في طرز التفكير في هذا البيان:

وحاصله يمكن إبرازه على وجهين:

الوجه الأول لدفع إشكال اللغوية

 أحدهما: إن هذا لو تم فإنما يتم في القضايا المجعولة بالنحو الجزئي، لا في 

ــــــــــ[375]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

القضايا المجعولة بالنحو الكلي. فإنّه لو تم فإنَّما يتم لو أراد المولى أن يجعل حكماً خاصاً لزيد العراقي في تحريم شرب الآنية العينية؛ لأنَّ هذه مؤونة زائدة يصرفها المولى في عالم المولوية بلا محصول خارجي؛ لأنَّ ترك شرب تلك الآنية حاصل على أيّ حال.

وأما إذا كان الجعل بنحو القضية الكلية الشاملة لموارد الدخول في محل الابتلاء ولموارد الخروج عنه بنحو الإطلاق، فإشكال اللغوية لا يأتي في المقام لأنَّ الإطلاق ليس فيه مؤونة زائدة في عالم الجعل وعالم المولوية؛ ليقال للمولى: لماذا أتعبت نفسك بلا محصل خارجي، الشخص الذي يطلق لا يتعب نفسه بحسب الخارج.

الوجه الاخر للسيّد الأستاذ

الوجه الآخر: هو أنَّ هذا غير تام أساساً لا في الجعل بنحو القضية الجزئية ولا بنحو القضية الكلية؛ وذلك لما ذكره السيّد الأستاذ من أن الغرض المولوي لا ينحصر في ذلك الغرض الأصلي السابق على التكليف والمضمون الحصول على كلّ حال، وهو مجرّد انتراك شرب الماء النجس في الخارج. وأنّا أسميه بالغرض المقدّمي، وأقول: بأنّه لا ينحصر الغرض المولوي في الغرض المقدّمي الناشئ من غرضه النفسي في ترك شرب الماء النجس، حتّى يقال: بأنَّ هذا لا معنى له؛ لأنَّ ذا المقدّمة سوف يحصل بنفسه. وليس الأمر هكذا، فإنَّ هناك غرضاً آخر، وهو عبارة عن جعل الانتراك الخارجي مستنداً بالفعل أو بالقوة إلى نفس الداعي المولوي، لأنَّ في ذلك كمالاً بالنسبة إلى الإنسان حتّى فيما هي تصرفاته العادية على ما في وصية رسول الله لأبي ذر: (إن شئت قدرت أن 

ــــــــــ[376]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

لا تأكل وأن لا تشرب إلا متقرباً إلى الله فافعل) فهذا المعنى بنفسه مطلوب أيضاً للشارع غاية الأمر أنّه مطلوب نفسي وليس مقدمياً ناشئاً من نفس المقدمة الذاتية الموجودة في شرب ا لماء النجس.

فلو تصدى المولى لتحصيل مثل هذا المطلوب، ولو بجعل قضية جزئية خاصة لا يقال عنه إنّه لغو، بل هو عمل عقلائي في مقام تكميل العبد.

وقد يتوهم أنّه لا يحصل في المقام التكميل؛ لأنَّ العبد بنفسه منزجر عن شرب هذه الآنية، لأنّه يقال: إنّه يكفي في مقام حصول التكميل، صلاحية المحرك المولوي للزاجرية لو استقل وحده، فإنَّ المحقق في الفقه،هو القصد القربي الذي به يتكامل الإنسان في علاقته مع الله، يجتمع في مورد وجود داع آخر غير قربي ولا ريائي، فيما لو فرض أنَّ كلّ واحد منهما في نفسه لو استقل لكان صالحاً للداعوية؛ ولهذا لو فرض أنَّ شخصاً يصوم يوماً من شهر رمضان بقصد القربة، ولكن لا يوجد عنده أي ميل أو شهية لتمام المفطرات التي أمسك عنها، إلَّا أنّه مع هذا عنده هذا الترويض النفسي، وهو أنّه بقطع النظر عن ذلك يكفي الزاجر الإلهي لإنزجاره ويقع صومه صحيحاً وقريباً، فهذه المرتبة من القربية أمر ممكن التحصيل حتّى بالنسبة إلى ما هو خارج عن محل الابتلاء. فتصدي المولى لتحصيل هذه المرتبة ليس لغواً بلا إشكال.

بيان آخر لابراز المحذور

وهناك بيان آخر لإبراز المحذور، وهو أن يقال مثلاً: بأنَّ التكليف في مورد الخروج عن محل الابتلاء، يعني تصدي المولى لإيجاد زاجر فعلي أو محرك فعلي نحو الترك، تحصيل للحاصل؛ لأنَّ الترك حاصل في نفسه. وهو محال. وهنا 

ــــــــــ[377]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

نواجه محذور استحالة عقلية لا محذور قبح عقلي، فهذه الضميمة التي وجدناها في مدلول الخطاب مستحيلة التحقّق لا أنّها لغو.

وهذا البيان أيضاً جوابه واضح: وذلك بأن يقال: بأنَّ هذا ليس تحصيلاً للحاصل. 

أمّا أوّلاً: فلما انقدح من الوجه الأخير في الجواب عن إشكال اللغوية من أنَّ ما هو حاصل إنَّما هو ذات الانتراك وأمّا الانتراك العُبودي في مقام الخضوع للمولى فهو غير حاصل، فلا يكون إيجاد المحرك المولولي نحو الترك تحصيلاً للحاصل؛ لأنَّ ما يريد المولى أن يحصله هو الترك المستند إليه، وهو غير حاصل بقطع النظر عنه.

وثانياً: أنَّ تحصيل الحاصل إنَّما يكون محالاً بهذا العنوان فيما لو فرض أنَّ التحصيل تعلق بأمر مفروض الحصول في المرتبة المتأخّر عن حصوله، يعني: تعلق التحصيل به في طول حصوله، وأمّا إذا تعلق التحصيل به في عرض تحصيل آخر له، فهذا لا يكون تحصيلاً للحاصل، فإنَّ هناك شيء واحد له تحصيلان، نعم، في مثل ذلك يستحيل أن يكون كلا التحصيلين علّة تامة، لاستحالة اجتماع علتين على معلول واحد، إلَّا أنّه لا يحتاج في جعل المحرك المولوي أن يكون علّة تامة للمحركية بحسب الخارج، بل يكفي صلاحيته للمحركية(1). إذن، فهذا البيان لا يرجع إلى محصل.

ــــــــــ[378]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّ هذا الوجه وإن كان بحسب الكبرى صحيحاً إلَّا أنَّ النقاش في الصغرى، فإنَّ الآنية العينية خارجة عن محل الابتلاء في المرتبة السابقة وبقطع النظر عن التكليف المولوي، فلو اقتصرنا في الجواب على هذا الوجه لأمكن القول بكونه تحصيلاً للحاصل. نعم، يكون الوجه الأوّل جارياً. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ومعه لا يبقى هناك ما يمكن يبين للقول باشتراط الدخول في محل الابتلاء في عالم التكليف، فالشرطية بحسب المقام الثاني أيضاً غير تامة.

ــــــــــ[379]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

















بقيت أمور في ذيل التنبيه

 

هذا هو الكلام في أصل التنبيه، ويقع الكلام في أمور يجب أن نختم هذا التنبيه بها.

الأمر الأوّل: في تعميم المسألة لجانب الأمر

الأمر الأوّل: أنَّ المحقّق العراقي الذي اختار -وفاقاً للمشهور- شرطية الدخول في محل الابتلاء في عالم التكليف، فسر الدخول في عالم الابتلاء، بما يكون فعلاً غير أجنبي بالنسبة إلى المكلف عرفاً، ثُمَّ فسر الأجنبية وقال: بأنَّ معناها أن يكون الفعل متوقفاً على مقدّمات كثيرة وزحمات مفصلة بحيث يعد هذا الإنسان بالنظر العرفي غير قادر على إيجاد هذا الفعل لطول المسافة بينه وبين الفعل، وكثر ما يتوسط بينهما من المقدمات. في مثل ذلك لا يتوجه التكليف، من قبيل النهي عن جباية الضرائب بالنسبة إلى هذا الفلاح الفقير.

بعد هذا عمم هذه الشرطية بهذا الملاك لجانب الأمر ولم يقصرها على جانب النهي، فذكر أنّه كما أنَّ النهي عن جباية الضرائب هنا أمر غير صحيح ومستهجن، كذلك الأمر بذلك أيضاً يكون غير صحيح ومستهجن، كأن يوجه أمر إلى هذا الفلاح بجباية الزكاة. فإنَّ هذا الفعل غير مقدور عرفاً بالقدرة العادية العرفية، فلا يصح لا تعلق النهي به ولا الأمر. إذن، فكلٌّ من الأمر 

ــــــــــ[380]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

والنهي مشروطان بالدخول في محل الابتلاء، وفي الأمر لا بُدّ أن يكون الفعل مقدوراً عرفاً، ولا تكفي المقدورية العقلية. 

وهذا الكلام عجيب من المحقّق العراقي؛ وذلك لأنَّ طرف الأمر بهذا الفعل الذي يكون ذا مقدّمات كثيرة، إمّا أن يفرض أن هذه المقدمات تحت القدرة عقلاً وإن كان العرف يتسامح لبعد المسافة بينه وبين الفعل الحاصل في آخر الشوط ويتخيل أنّه سوف لن يصل إليه.

 وأخرى يفرض أنَّ هذه المقدّمات لكثرتها يحصل القطع بأنها سوف لن تدخل تحت القدرة بمجموعها. أما في الثاني فلا كلام؛ لأنَّ هذا بحسب الحقيقة يدخل في شرطية القدرة العقلية، غاية الأمر أنَّ العلم بالعجز هنا حصل بحساب الاحتمالات

حيث إنَّ جباية الزكاة تتوقف على ألف مقدّمة ليكون سلطاناً فيجبي الزكاة، وحيث إن يستبعد جداً أن تكون تمام المقدمات، كلّ مقدمة في مرحلتها سوف تصبح تحت القدرة لهذا المكلف، فقد يتفق لإنسان أن يحصل له القطع بأن هذه المقدمات بعضها على وجه الإجمال غير داخل تحت القدرة، وإن كان لا يعين الآن ما هي تلك المقدمة غير الداخلة تحت(1) القدرة.

في مثل ذلك لا يصح الأمر بجباية الخرائج؛ ولذلك لفقد الشرط الأساسي المعترف به، وهو القدرة العقلية.

ــــــــــ[381]ــــــــــ

() من باب حصول المانع بحسب عللها الخارجية بحيث يعلم أنّه حتّى لو بذل جهده واختياره لتحصيلها لما استطاعه، (هكذا فسّره سيدنا الأستاذ). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وأما إذا فرضنا أن هذا غير موجود وإن القدرة العقلية محرزة على تمام المقدمات غاية الأمر أنَّ المقدمات لكثرتها وطولانيتها توجب مشقة كثيرة بالنسبة إلى هذا العبد من ناحية، وتوجب من ناحية أخرى: أنَّ النظر العرفي مبني على المسامحة يحكم حكماً مسامحياً، بأنَّ المكلف غيرقادر على النتيجة. إن فرضنا هكذا -وهذا هو الذي ينبغي أن يكون محلاً للكلام- فحينئذٍ لا نرى وجهاً لقبح تعلق التكليف من قبل المولى بالنسبة إلى هذا الفعل فيما لو فرض أنّه وجدت فيه مصلحة ملزمة، بحيث كانت ملاكاً تاماً في نظر المولى فلا بُدّ للمولى أن يأمر به إلزاماً، بعد فرض تنقيح مطلب وهو أنَّ دائرة حقّ الطاعة للمولى تشمل مثل هذا الفعل، فإنَّ المولى إنَّما يأمر عبده اعتماداً على حقّ إمّا ذاتي -كما هو الحال في الله تعالى- أو حقّ عرض مجعول، إمّا مجعول له استبداداً أو مجعول لغيره بالنسبة إليه كما في النبي والإمام الذي يكون مولى من قبل الله تعالى، فالمولى يكتسب مولويته من حقّ الطاعة سواء كان ذاتياً أو عرضياً، على ما شرحناه مفصلاً في أوّل بحث القطع.

فلا بدَّ أن ننقح هذه النكتة في المرتبة السابقة، وهي: أنَّ حقّ الطاعة هل يشمل مثل هذه الأفعال ذات المجاهدة الطويلة حتّى تتحقّق أو لا يشمل، ولعلّ ما يُرى من استهجان صدور مثل هذا التكليف من المولى العرفي إلى العبد العرفي، لعله ناشئ من أنَّ حقّ الطاعة المجعول اعتيادياً في المجتمعات العقلائية لا يشمل مثل هذا الفعل؛ ولهذا يعتبر صدور التكليف من قبل المولى فضولاً حينئذٍ، فيكون قبيحاً؛ لأنّه تكليف من غير المولى؛ لأنَّ المولى في هذا المطلب ليس 

ــــــــــ[382]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

مولى، وإنَّما هو مولى فيما له حقّ الطاعة على العبد. فحقّ الطاعة من أوّل الأمر ضيق لا يشمل مثل هذا الفعل.

وأما لو وجدنا مولى تكون مولويته ثابتة حتّى في هذا المجال، وهو المولى الحقيقي سبحانه وتعالى، حق الطاعة له ثابت حتّى في هذا المجال، فأيّ مانع من أن يفرض أنَّ هذا المولى إذا شخّص مثل هذه المصلحة الملزمة في هذا العمل لطويل المدى والبعيد المسافة والكثيرة المقدّمات، يلزم به. وإن فرض أنه كان يبدو بحسب النظر العرفي المسامحي أمراً غير مقدور.

فقد كلف الله تعالى رسوله في بداية الأمر بهداية العالم، وإدخال تمام العالم في نور الإسلام، بالمقدار الذي حصل منه. وهذا التكليف كان يبدو عجيباً في أوّل الأمر ومضحكاً، فإنَّ الناس حينما كانوا يسمعون بأن رسول الله كان على يقين من السيطرة على بلاد كسرى وقيصر كانوا يرون أنَّ هذا أمر غير مقدور لهذا الشخص الوحيد الفريد، ولكن حيث إنّه بالنظر الدقّي كانت تمام المقدمات في هذا الشوط واقعة تحت القدرة العقلية للنبي ولهذاجاز لله أن يكلف بهذه الرسالة العظيمة التي أنجزها وأتم امتثالها من الخارج.

وأمّا مجرّد أن العرف يرون أنَّ هذا تكليف بغير المقدور بنظرهم المسامحي، فمثل هذا النظر في مقام حكم العقل، يجب ردع المولى عنه فيما إذا توقفت مصلحة ملزمة عليه. هل يترك الله تعالى هذه المصلحة الملزمة في تغيير العالم لمجرّد أنه يرى أنَّ الناس بقصر نظرهم يرون أن الشخص العربي الجاهلي لا يستطيع أن يفتح أبواب الدنيا. طبعاً هذا ليس أمراً صحيحاً ويجب الردع عنه 

ــــــــــ[383]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

من قبل المولى تحفظاً على تلك المصلحة الملزمة التي وجدت في متعلق التكليف.

 إذن، فالأمر بمثل هذا الفعل لا إشكال في صحته ووجاهته. نعم، هو لا يصح ولا يتجه من قبل كثير من الموالي العرفية، لا لأجل كونه تكليفاً بغير المقدور، بل لأجل ضيق دائرة المولوية المجعولة بحيث لا يشمل مثل هذا. وعليه فينبغي أن لا يُقاس الأمر بمثل هذا الفعل بالنهي عنه. هذا هو الأمر الأوّل.

الأمر الثاني: في الشك في الخروج عن محل الابتلاء

الأمر الثاني: أنّه اتضح ممّا سبق أننا اتفقنا في النتيجة مع الأعلام في أنَّ العلم الإجمالي إذا كان بعض أطرافه خارجاً عن محل الابتلاء فلا يكون منجّزاً. فماذا نصنع إذا فرضنا أن بعض أطرافه يُشك في خروجه عن محل الابتلاء؟ فهل يكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً بلحاظ الطرف الآخر المعلوم الدخول في محل الابتلاء أو لا يكون منجزاً؟

 والشبهة هنا تارة تفرض موضوعية وأخرى تفرض حكمية مفهومية، وفي كلّ منهما يقع الكلام في أنّه هل ينجّز العلم الإجمالي مع الشك في خروج أحد أطرافة عن محل الابتلاء، أو يلحق حالة الشك بحالة العلم بالخروج. 

يختلف حل هذه المشكلة باختلاف المسلك الذي مشينا عليه والمسلك الذي مشى عليه الأعلام.

أما بناءً على مسلكنا، إذ قلنا: بأنَّ التكليف الواقعي ليس مقيداً بالدخول في محل الابتلاء، فإذا علم بخروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء، فالعلم 

ــــــــــ[384]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الإجمالي بالتكليف الواقعي الفعلي قائم على رسله، غاية الأمر لا يحصل تعارض في دليل الأصل الشرعي بين التأمين المجعول في هذا الطرف والتأمين المجعول في ذلك الطرف؛ لأنَّ الفرد الخارج عن محل الابتلاء تنصرف عنه أدلة الأصول بالنكتة التي بيناها فيما سبق. وهي الارتكاز على أساس عدم تعقل المزاحمة في الطرف الخارج عن محل الابتلاء بين الغرض الترخيصي واللزومي.

فإذا شككنا في الدخول في محل الابتلاء، أي شككنا في أنَّ المزاحمة هنا معقولة أو لا، فهذا الشك يكون على نحوين:

تارة: نشك في سعة دائرة الارتكاز العرفي القاضي بعدم تعقل المزاحمة، بين الغرض اللزومي والترخيصي في آنية العين، نشك في شموله لآنية إيران وعدم شموله، فنشك في سعة هذا الارتكاز وضيقه.

وأخرى: أنَّ أهل العرف الذين يعيش في ذهنهم هذا الارتكاز، لو رجعوا إلى وجدانهم يشكون في أنَّ نكتة الارتكاز هل تشمل أو لا تشمل.

فإذا شككنا في سعة الارتكاز وضيقه فنتيجته حينئذٍ عدم تمامية إطلاق دليل الأصل بالنسبة إلى الطرف المشكوك دخوله في محل الابتلاء؛ لأنَّ دليل الأصل ابتلى بالمخصّص اللبيّ المتصل وهو الارتكاز، والمفروض أنه يشك في وجوده وعدمه، ومتى ما شك في القرينة المتصلة يُجمل الدليل ولا يمكن التمسك بإطلاقه.

 وبتعبير آخر: إذا لاحظنا الطرف المشكوك دخوله في محل الابتلاء نحتمل أنّه قد جاءت قرينة متصلة أخرجته من إطلاق دليل الأصل، واحتمال القرينة المتصلة لا ينافي بأصالة عدم القرينة كما حقّقناه في بحث الظواهر، وعليه 

ــــــــــ[385]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فيجمل الدليل من هذه الناحية ويبقى إطلاقه للطرف الآخر المعلوم الدخول في محل الابتلاء فنحكم بعدم منجّزية هذا العلم الإجمالي.

وأمّا إذا كنا بما نحن عرف لا نجد في أنفسنا هذا الارتكاز، إذن فالارتكاز الذي هو القرينة المتصلة، غير موجود؛ لأنّه لو كان موجود لكان موجوداً في عقول الناس، وقد أحرزنا عدم وجوده في عقولهم؛ لأنَّ الناس بما هم عرف وعقلاء يشكون في أن نكتة الارتكاز تعمّ المطلب أو لا. في مثل ذلك يكون الشك شكاً في التخصيص الزائد؛ لأنَّ إطلاق دليل الأصل في نفسه يشمل الطرف المشكوك في محل الابتلاء ولا نحتمل المخصص المتصل، لأن المخصص ليس هو نكتة الارتكاز، بل هو فعلية الارتكاز وهو غير محتمل في المقام، فنتمسك بإطلاق دليل الأصل فيهما معاً، وقع التعارض والتساقط. 

هذا هو حال المطلب بناءً على مسلكنا في منجّزية العلم الإجمالي(1).

وأما بالنسبة إلى المسلك الذي اختاره الأكابر لعدم تنجيز العلم الإجمالي، وهو أنَّ العلم الإجمالي لا ينجّز إذا كان بعض أطرافه خارجاً عن محل الابتلاء؛ لأنّه يزول نفس العلم الإجمالي وينحل؛ لأنَّ التكليف إن كان في هذا الطرف 

ــــــــــ[386]ــــــــــ

() وهنا سأل سائل عن الشبهة الموضوعية، فقال: في الشبهة الموضوعية أيضاً هكذا؛ لأنّه بالتالي بالنسبة إلى دليل الأصل يكون هذا الارتكاز مشكوكاً فلا يتمسّك بإطلاق دليل الأصل بالنسبة إلى هذا الطرف، يعني: يكون مجملاً من هذه الناحية، فإنَّ المصداق المشكوك لا يمكن التمسّك فيه بإطلاق دليل العام، فالشبهة الموضوعية دائماً تلحق بالقسم الأوّل. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فهو فعلي، وإن كان في ذاك الطرف الخارج عن محل الابتلاء فهو ليس فعلياً، فلا علم إجمالي بالتكليف على كلّ تقدير.

فقد يقال مبدأياً: إنّه مع الشك في خروج أحد الطرفين عن محل الابتلاء أيضاً لا يكون هناك علم إجمالي بالتكليف على كلّ تقدير؛ لأنَّ النجاسة إن كانت وقعت في آنية العراق فالتكليف موجود، وإن كانت وقعت في آنية إيران فالتكليف مشكوك، فبالتالي النتيجة تتبع أخس المقدمتين فلا علم بوجوب الاجتناب على كلّ تقدير، فينحل العلم الإجمالي ونجري البراءة حينئذٍ.

إلَّا أنّه ذكر الأعلام في مقام تنجيز العلم الإجمالي في حالة الشك في خروج بعض أطرافه، ذكروا وجهين: 

الوجه الأوّل لتنجيز العلم الإجمالي 

الوجه الأوّل: هو التمسك بإطلاق دليل التكليف، أليس هناك خطاب يقول: اجتنب(1) عن النجس، وقد خص -مثلاً- بحكم العقل(2)، بعدم الخروج عن محل الابتلاء فهذا المورد المشكوك يُشك في أنّه خارج مع ما خرج بالتخصيص أو باق تحت العام، فيتمسك بإطلاق دليل العام لإثبات وجود التكليف فيه، فإذا أثبتنا بإطلاق دليل (اجتنب عن النجس) أنَّ الآنية الإيرانية أيضاً يجب الاجتناب عنها، فيستشكل حينئذٍ العلم الإجمالي بوجوب الاجتناب على كلّ تقدير: إمّا عن آنية العراق وجداناً، وإمّا عن آنية إيران بعد ضم 

ــــــــــ[387]ــــــــــ

() يقتضي بإطلاقه الاجتناب عن كلّ آنية. (المقرِّر).

(2) والقدر المتيقن من التخصيص. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

التمسك بإطلاق دليل الخطاب إليه. فيكون علماً إجمالياً بالتقدير على كلّ تقدير.

فوقع الكلام أنّه هل يجوز التمسك بإطلاق دليل الخطاب أو لا؟

وقلنا(1): إنَّ التمسك بإطلاق دليل الخطاب في مورد الشك في الخروج، وقع مورداً للخلاف بين المحقّقين، فذهب المحقّق النائيني إلى جواز التمسك بإطلاق دليل الخطاب وفاقاً للشيخ في الرسائل، بل ذكر أنه يجوز في الشبهة المفهوميّة والمصداقية في الدخول في محل الابتلاء معاً، وعلى النقيض منه تماماً المحقّق الخراساني إذ ذهب إلى عدم جواز التمسك بالإطلاق هنا، حتّى في الشبهة المفهوميّة، وثالث فصّل بين الشبهة المفهوميّة فيجوز الرجوع إلى الإطلاق، والمصداقية فلا يجوز الرجوع إليه وهو المحقّق العراقي.

أمّا القولان الطرفان الأوّل والثالث، فهما تطبيقان للمبنى الأصولي المختار لهما في باب التمسّك بالعامّ في شبهات المخصّص، فإنَّ المحقّق العراقي أختار هنا التفصيل بين الشبهة المفهومية والمصداقية؛ لأنّه أختار في تلك المسألة كبروياً هذا التفصيل، وطبقه هنا. والميرزا أيضاً طبق مبناه الكلي هنا؛ لأنّه بني هناك على أنَّ المطلق والعام يتمسك به في الشبهة المفهومية للدليل المخصص، وأمّا الشبهة المصداقية ففصل فيها بين كون دليل التخصيص لفظياً فلا يتمسك بإطلاق دليل العام، وبين كونه لبّياً عقلياً فيتمسّك بالعام، وهنا حيث إنَّ دليل التخصيص لبّي عقلي؛ ولهذا بنى على جواز التمسك بإطلاق الخطاب للشبهة المصداقية فضلاً عن المفهومية.

ــــــــــ[388]ــــــــــ

() لخص أوّلاً الوجه الأوّل للتمسك بإطلاق الخطاب. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إلَّا أنَّ الكلام في القول المتوسط، للمحقّق الخراساني، وهو إنكار الرجوع إلى إطلاق الخطاب هنا في الشبهة المفهومية فضلاً عن المصداقية، فإنَّ هذا يخالف مبناه المفروض في بحث العام والخاص وهو الرجوع إلى العام في الشبهة المفهومية للمخصص المتصل على الأقل، فلا بُدّ أن يكون ذهابه إلى عدم جواز الرجوع إلى العام هنا لنكتة اقتضت عدم جواز الرجوع إلى العام في هذه الشبهة المفهومية بالخصوص.

هذه النكتة بينت بتقريبين:

 التقريب الأوّل 

هو ما في الكفاية، وهو يمكن أن يعرض على مستوى إجمالي ساذج، فيقال بمقدار إجمال عبارة الكفاية، بأن التمسك بإطلاق دليل التكليف في كلام المولى إنَّما يصح بعد الفراغ عن إحراز إمكان التكليف وصحته ومعقوليته في نفسه، فإنّنا بعد أن نفرغ عن عالم الثبوت نفتش عن عالم الإثبات، فنقول: هذا الأمر الصحيح المعقول ثبوتاً هل جعله المولى إثباتاً أو لا؟ وفي مثل ذلك يمكن التمسّك بإطلاق كلام المولى، فالتمسك به إنَّما يقع في مرحلة متأخّرة رتبة عن الفراغ عن مقام الثبوت عن هذا الحكم المشكوك.

وفي المقام نحن لم نفرغ بعدُ عن مقام الثبوت؛ لأنَّ هذا الطرف المشكوك دخوله في محل الابتلاء، نحتمل استحالة تعلق التكليف به وقبح جعل النهي في مورده، وهذا معناه عدم الفراغ عن مقام الثبوت، ومعه لا تصل النوبة إلى مقام الإثبات لنرجع إلى إطلاق كلام المولى.

هذا هو المقدار الساذج الذي يستفاد من عبارة الكفاية.

ــــــــــ[389]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وقد اعترض عليه المحقّق النائيني، كما اعترض عليه السيّد الأستاذ الذي رأيه التفصيل ما بين الشبهة المفهومية والمصداقية تطبيقاً لمبناه أيضاً. 

فقال المحقّق النائيني: بأنّه متى أضيف هذا الشرط إلى جواز التمسك بإطلاق كلام المولى، وهو أنّه يشترط بالتمسّك بإطلاق كلام المولى الفراغ عن مقام الشبهة، أي إحراز إمكان التكليف وصحته ومعلوليته في نفسه. حلاً ونقضاً:

أمّا حلاً: فلأنَّ إطلاق كلام المولى حجّة بقانون حجّيّة الظهور، ما لم تقم قرينة عقلية أو شرعية على الخلاف، ومجرّد احتمال الاستحالة أو القبح ثبوتاً ليس قرينة، بل هو احتمال في مقابل الحجّة، فلا يرفع اليد عن الإطلاق الذي هو حجّة لمجرّد احتمال الاستحالة والقبح، فإنَّ الاحتمال لا يكون قرينة، بل يكون منفياً بنفس الإطلاق، فبه نثبت التكليف تعبداً وبالتالي نثبت تعبداً الإمكان والصحة ببركة الدلالة الالتزامية لكلام المولى. فالرجوع إلى الإطلاق بعد الفراغ عن إحراز هذه الخصوصيات، هذا الاشتراط ليس فنياً.

وأمّا نقضاً: فقد قالوا: إنّه لو تمت هذه الشبهة لنسد باب التمسّك بالإطلاق، كيف نتمسّك بإطلاق أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ لإثبات حلية البيع المعاطاتي، مع أنّنا نحتمل بأنَّ فيه مفسدة كبيرة جداً في نظر المولى، ويقبح من المولى أن يحكم بحلية بيع يرى فيه مفسدة كبيرة. إذن، فلم نفرغ نحن عن مقام الثبوت لهذا الحكم: صحته ومعقوليته وجوازه على المولى، فكيف نتمسك بالإطلاق وهكذا.

هذا هو البيان الساذج لتقريب صاحب الكفاية. وبهذا المقدار من البيان يكون هذا الجواب وجيهاً بالنسبة إليه.

ــــــــــ[390]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بيان المحقّق العراقي

لكن تصدى المحقّق العراقي إلى تعميق هذا التقريب، فبينه ببيان أعمق بحيث لا يرد عليه اعتراض المحقّق النائيني والسيّد الأستاذ.

وحاصل هذا البيان المعمق الذي قاله المحقّق العراقي في مقام تفسير كلام المحقق الخراساني: إننا لا نريد أن نقول: بأنَّ من شرط الرجوع إلى إطلاق كلام المولى أن نفرغ عن مقام الثبوت له، ونحرز إمكان التكليف وصحته ثُمَّ نرجع إلى إطلاق كلام المولى، وإلَّا لورد علينا النقض في سائر هذه الموارد في البيع المعاطاتي وغيره، لكن نريد أن نقول: إنّه في خصوص المقام نكتة تقتضي تعذر الرجوع إلى إطلاق كلام المولى. 

وحاصل هذه النكتة: بأنّه معنى الرجوع إلى إطلاق كلام المولى، بالمفهوم العلمي الأصولي، هو التعويل على حجّيّة الإطلاق. إذن، فلكي نرجع إلى إطلاق كلام المولى لا بُدّ وأن يكون حجّة؛ لأنّنا لا نرجع إلى إطلاق وظهور ليس بحجّة، والحجّيّة هنا مستحيلة، ونكتة ذلك: هي أن الحجّيّة مرجعها بحسب التحليل الأصولي إلى حكم ظاهري مطابق لمؤدى الأمارة: الإطلاق والعموم، يعني حكم ظاهري بوجوب الاجتناب عن هذا المشكوك الدخول في محل الابتلاء، وهذا الحكم الظاهري بنفسه مشكوك المعقولية كالحكم الواقعي؛ إذ كما لا يُعقل جعل إلزام واقعي في مورد الخروج عن محل الابتلاء، كذلك لا يُعقل جعل إلزام ظاهري في مورده.

وهنا حيث إنّنا نشك في أنَّ الآنية الإيرانية هل هي داخلة في محل الابتلاء، أو لا نشك في معقولية جعل جامع الإلزام الأعم من الواقعي والظاهري؛ لأنَّ 

ــــــــــ[391]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

حال الإلزام الظاهري هو حال الإلزام الواقعي من حيث الاشتراط في الدخول في محل الابتلاء. وإذا شككنا في معقولية جعل الحكم الظاهري، كيف نتمسّك بحجّية كلام المولى، والحجّيّة هي عبارة أخرى عن الحكم الظاهري.

فالإشكال ليس من ناحية أننا كيف نتمسّك بإطلاق كلام المولى مع الشك في معقولية الحكم الواقعي حتّى يقال: بأنّنا نحرز معقوليته بنفس الإطلاق، بل الإشكال إننا كيف نتمسّك بإطلاق كلامه مع الشك في جعل الحجّيّة لهذا الإطلاق. 

وبهذا يظهر أنّه لا يقاس المقام، على التمسّك بإطلاق أَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ لإثبات حلية البيع المعاطاتي مع احتمال أن يكون في نظر المولى مفسدة كبيرة في البيع المعاطاتي، فإننا مع هذا نتمسّك هناك؛ لأنّ ما لا نحتمل معقوليته هناك إنَّما هو جعل الحكم الواقعي لصحة البيع، وأمّا الحكم الظاهري بملاك كاشفية الإطلاق عن مراد المولى لا نحتمل عدم معقوليته، بل نجزم بمعقولية، فالشك في المعقولية هناك متمحض في الحكم الواقعي فنتمسّك بالإطلاق، وأمّا في المقام فالشك في المعقولية يسري إلى معقولية نفس الحكم الظاهري المعبر عنه بحجّية الإطلاق، ومعه يكون تمسكنا بإطلاق كلام المولى تمسكاً بإطلاق لا نحرز حجّيته، وهو غير جائز بلا إشكال(1)

ــــــــــ[392]ــــــــــ

() قال جواباً على سؤال: هو أورد عليه شيء إلَّا أنَّ عبارة التقريرات غامضة ثُمَّ يأمر بالتأمل، لكن احتمل أن يكون واقع المراد في ذهن المحقّق العراقي وسوف أقوله وإن كان محلاً للإشكال عند المقرّر له. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وهذا التقريب صناعي فني، فندفع عنه الإشكالات السابقة حلاً ونقضاً، ولكنه هو في نفسه غير تام؛ وذلك لأننا نسأل من صاحب الكفاية ونقول: هل أنَّ الدخول في محل الابتلاء شرطاً في المنجّزية العقلية كما هو شرط في التكليف بوجوب الاجتناب أو ليس شرطاً في المنجزية العقلية؟ فإن اخترت أنه ليس شرطاً في المنجزية العقلية وأنّها ثابتة مطلقاً حتّى قبل الدخول في محل الابتلاء وإن كان أصل الخطاب مشروطاً، فهذا خلف المبنى؛ لأنَّ هذا يؤدّي بك إلى القول بتنجيز العلم الإجمالي حتّى مع العلم بخروجه عن محل الابتلاء، فإنه يصير علماً إجمالياً بتكليف صالح للمنجزية فعلاً، سواء كان في المورد الداخل في محل الابتلاء، كما هو واضح أو في المورد الخارج عنه؛ لأنّه وإن لم يكن هناك تكليف بالفعل لكن فرضنا أن دائرة المنجّزية أوسع من دائرة التكليف. إذن، فيكون العلم الإجمالي منجّزاً، وهذا خلف المطلب.

إذن، فلا يمكنك أن تقول: إنَّ الدخول في محل الابتلاء ليس دخيلاً في المنجّزية وإن كان دخيلاً في التكليف، وإنَّ دائرة المنجّزية أوسع من دائرة التكليف، فلا بُدّ وأن تلتزم أنَّ التنجيز بحكم العقل أيضاً مقيد بالدخول في محل الابتلاء ومضيق به، فإذا فرض أنَّ الأمر كان هكذا فيقال: بأنَّ إطلاق كلام المولى الدال على أنَّ الآنية الإيرانية المتوسطة داخلة في محل الابتلاء، هذا الإطلاق لا بأس بحجّيّته؛ لأنَّ الحجّيّة بأي لسان فرضناها؟ بلسان جعل الحكم المماثل أو جعل الطريقية أو المنجّزية والمعذّرية، فإنَّ وظيفتها هو التنجيز والتعذير، فإنَّ الحكم الظاهري إنَّما يجعل بهذا الداعي. إذن، فجعل الإطلاق حجّة هنا معناه تنجيز التكليف المشكوك في دخوله في محل الابتلاء بجعل 

ــــــــــ[393]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المكلف محرزاً تعبداً بدخوله في محل الابتلاء، وهذا ليس تحصيلاً للحاصل.

وليس حاله حال التكليف الواقعي، فإنَّ التكليف الواقعي كنتم تقولون: إنه مشروط بالدخول في محل الابتلاء؛ لأنَّ تعلقه في المورد الخارج عن محل الابتلاء تحصيل للحاصل؛ لأنَّ الغرض هو انتراك شرب النجس وهو حاصل بنفسه، لكن هذا الحكم الظاهري بحجّيّة الإطلاق معقول حتّى لو فرض أنَّ ذاك الطرف المشكوك خارجٌ في الواقع عن محل الابتلاء؛ لأنَّ الغرض منه ليس هو تحصيل الانتراك، بل هو تنجيز الانتراك، فإنَّ الغرض من الأحكام الواقعية هو التنجيز، وتنجيز الانتراك غير حاصل، لأنَّ الشيء الحاصل، على فرض خروجه عن محل الابتلاء إنَّما هو نفس الانتراك لا تنجيزه، وجعله موضوعاً لحكم العقل بالعقوبة والمؤاخذة. وهذا التنجيز ليس أمراً حاصلاً بقطع النظر عن هذا الحكم الظاهري؛ لأنَّه لو فرض في الواقع أنَّ التكليف كان خارجاً عن محل الابتلاء فلا تنجيز(1).

ــــــــــ[394]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان (سلّمه الله): إنّنا ننقل الكلام إلى هذا التنجيز، لماذا جعله، هل يترك العبد؟ مع أنَّ العبد تارك على أي حال. 

فأجاب: أحياناً يتصور له فائدة، كما لو فرض بأنَّ هذا الشخص، تعويلاً على احتمال عدم الدخول في محل الابتلاء لم يتعلم ولم يفحص، حتّى حصلت له الغفلة بعد هذا وفرض أنّه كان داخلاً في محل الابتلاء، فيترتب عليه المخالفة المستندة إلى الغفلة المستندة إلى ترك التعلم المستند إلى الاعتماد على مؤمّنية احتمال عدم الدخول في محل الابتلاء، فهذا التنجيز الذي يجعل مع الشك غرض المولى منه مثلاً- هو تسجيل العقاب في أمثال هذه الصورة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فهذا البيان غير صحيح؛ وعليه فالتقريب الأول بكلا بيانيه لا يكون تاماً.

التقريب الثاني

التقريب الثاني: الذي أفيد لعدم تمامية التمسّك بالإطلاق في المقام: هو دعوى كون المخصّص العقلي كالمتصل لوضوحه وضرورته، فإنَّ المخصّص هو حكم العقل -مثلاً- بقبح أو استحالة التكليف في الموارد الخارجة عن محل الابتلاء، وهذا الحكم بدرجة من الوضوح بحيث يعتبر كالمتصل. إذن، فتصير الشبهة شبهة مفهومية أو مصداقية للمخصّص المتصل، ومن المسلّم في محله أنَّ المخصّص المتصل، إذا دار أمر فرد بين الدخول في العام والمخصّص المتصل لا يتمسّك بالعام سواء كان الدوران لأجل إجمال مفهومي أو مصداقي. 

هذا التقريب أجاب عنه المحقّق النائيني: بأنَّ المخصّص لو سلّم بأنه متصل -مع أنّه ليس بمتصل- مع هذا يجوز التمسك بالعام في المقام؛ وذلك لأنَّ المخصّص هنا له مراتب متعددة معقولة بالتشكيك، بعضها معلوم الخروج عن العام وبعضها مشكوك الخروج، ففيما يعلم لا يتمسّك بالعام وفيما يشك يتمسّك به، وإنَّما لا يتمسّك بالعامّ في موارد المخصّص المتصل فيما إذا كان ذا مفهوم غير مشكك وغير ذي مراتب.

هذه العبارة كأنّه ضاع معناها على مقرّر بحث المحقق النائيني، فتصور أنَّ مقصود المحقّق النائيني من هذا: أنَّ المخصّص المتصل لو كان له مراتب وأخرج المخصّص المتصل تمام مراتبه من أشدها إلى أضعفها، ولكن نحن لم نعرف أنَّ أضعف المراتب من أين يبدأ، كما لو جهلنا أنَّ الفاسق يبدأ من 

ــــــــــ[395]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فاعل المكروه أو من فاعل الصغيرة. وقال المولى: (أكرم كلّ عالم إلَّا الفاسق) وأخرج تمام مراتبه بمقتضى إطلاق العبارة. فهل نتمسّك في فاعل المكروه بالعموم، هو حمل كلام الميرزا على هذا، ولهذا أشكل عليه: بأنّه من الواضح أنّنا لا نتمسّك في المقام؛ لأنّنا نحتمل خروج فاعل المكروه بالمخصّص المتصل، ومع احتمال قرينية المتصل كيف يمكن التمسك بالعام؟ مع أنَّ مراد الميرزا ليس هو هذا، بل مراده: أنّه لو كان هناك مراتب لمفهوم واحد، بعضها خرجت بالمخصّص المتصل وبعضها لم يشملها المخصّص المتصل، لكن نحتمل في الواقع خروجها وعدمه، هنا نتمسّك بالعام بالنسبة إليها؛ لأنّنا لا نعلم بشمول المخصّص المتصل لها، والمقام من هذا القبيل. فإنّه يقول: بأنَّ الخروج عن محل الابتلاء له مراتب: مرتبة تحقق ببعدي 20.000 كيلومتر ومرتبة آخرة تتحقق ببعدي 10.000 ومرتبة ثالثة تتحقق ببعدي 1000 كيلومتر، والمرتبة الأولى خارجة بحكم عقلي واضح وضوحاً كبيراً بحيث يصبح كالمتصل.

 أمّا المرتبة الثانية والثالثة، فهي على فرض خروجه وحكم العقل بقبحه. فهذا الحكم بالقبح ليس بديهياً بحيث يكون تخصيصه متصلاً؛ ولهذا نشك، وجداناً، في أنّه هل يقبح أو لا يقبح، فهذا الشك بنفسه دليل على أن القبح
-على فرض ثبوته- ليس بديهياً، بل هو نظري. إذن، فهو شك في مخصّص منفصل نظري فنتمسّك بالعام.

هذا هو مراد الميرزا، وهو تام. إذن، فالتقريب الثاني أيضاً غير تام، ولهذا قال: المحقّقون بعدم وجود فرق بين المقام، فكلٌّ مشى على مبناه، من التفصيل 

ــــــــــ[396]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بين الشبهة المفهومية والمصداقية أو عدمه(1)، ولكن مع هذا فإنَّ التحقيق هو صحّة ما ذهب إليه المحقّق صاحب الكفاية، من أنّه لا يجوز التمسّك بالعام لا في الشبهة المفهومية ولا الشبهة المصداقية.

إلا أن صاحب الكفاية(2) تفرد عنهم بالمصير إلى عدم جواز التمسّك بالإطلاق هنا حتّى في الشبهة المفهومية فضلاً عن المصداقية، وهذا كاشف عن وجود نكتة تخرج المورد عن القاعدة، وقد بينا بالأمس الوجهين اللذين ذكرا لتقريب مراده: الساذج والمعمق، وتبينا عدم تمامية كلّ واحد منهما.

ما هو الصحيح في المقام

إلَّا أنَّ الصحيح مع هذا وجاهة ما ذهب إليه المحقّق الخراساني، فإنَّ التمسك بإطلاق دليل الخطاب هنا غير صحيح في الشبهة المفهومية فضلاً عن الشبهة المصداقية، والنكتة في ذلك يمكن أن تبين ببيانات ثلاثة، ثُمَّ ترجع بالتحليل إلى نكتة واحدة أساسية، نبين التقريبات الثلاثة ثم نبين رجوعها إلى المطلب الواحد:

التقريب الأوّل

التقريب الأوّل: هو أن يقال: إنَّ التمسّك بالعام في الشبهة المفهومية هنا مبني على تخيّل أنَّ إطلاق دليل الخطاب، قد قيد بمفهوم مجمل وهو مفهوم 

ــــــــــ[397]ــــــــــ

() فيما إذا كان المخصّص لبيّاً لا لفظياً بقى على جواز التمسّك بالعام مطلقاً؛ لأنَّ المخصّص هنا لبيّ عقلي. (المحاضرة). (المقرِّر).

(2) لخص أولاً بعض ما سبق، ثُمَّ قال: إلّا أن صاحب الكفاية… (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الدخول في محل الابتلاء، وأخرج منه مفهوم مجمل وهو مفهوم الخروج عن محل الابتلاء، وحيث إنَّ هذا المفهوم مردد بين الأقل والأكثر. فيقال: إنَّ القدر المتيقن من التخصيص هو إخراج الأقل، وهي الآنية الصينية، وأمّا الزائد، وهو الآنية الإيرانية، فهو يشك في خروجه عن إطلاق دليل الخطاب فيتمسّك بإطلاقه، كما هو الحال في سائر الشبهات المفهومية للدليل المخصّص، لكن الأمر ليس كذلك، فإنَّ نكتة التخصيص في المقام، ليست قائمة بالمفهوم اللغوي للابتلاء والخروج عن الابتلاء، إذ لم يرد هذا المفهوم في دليل لفظي للتخصيص حتّى يكون هو المعيار في الخروج عن إطلاق دليل الخطاب، وإنَّما النكتة في تخصيص دليل الخطاب هو القبح أو الاستحالة الذي يدركه العقل.

 إذن، فما هو مركز المانعية عن ثبوت التكليف والمحذور في الإطلاق، إنَّما هو القبح والاستحالة، لا عنوان الخروج عن محل الابتلاء بما هو، فلا محالة يتقيد موضوع إطلاق دليل الخطاب بآنية يمكن ويصح تعلق الزجر بها، فيرجع قوله: (اجتنب عن الآنية النجسة)، بعد التقييد المزعوم أيّ أنّه: اجتنب عن آنية يمكنني أن أنهى وأزجر عن الاجتناب عنها، فيكون القيد المأخوذ في دليل الخطاب نفس الاستحالة والقبح لا الدخول في محل الابتلاء بما هو لغوي في نفسه. اجتنب عن آنية تكون في علاقتها بالنسبة إليك بحيث يمكن نهيك عن شربها وأمرك بالاجتناب عنها.

وإذا فرضنا أنَّ القيد المأخوذ بعد التخصيص في العام، ليس هو عدم الابتلاء، بل هو عدم القبح والاستحالة، فترجع حينئذٍ الشبهة المفهومية إلى 

ــــــــــ[398]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الشبهة المصداقية دائماً؛ لأنّنا إذا شكّكنا في أنَّ هذه الآنية الإيرانية المتوسطة في البعد عن الساكن في العراق، هذا البعد هل يؤثر في الاستحالة والقبح أو لا؟ فهذا شك فيما هو مصداق العنوان المأخوذ في عنوان العام حينئذٍ.

فلا يمكن أن نقول: إنَّ العام خرج منه عنوان: الخارج عن محل الابتلاء، وهو دائر أمره بين الأقل والأكثر، وكلّ ما يكون دائراً أمره كذلك، فهو حجّة في الأقل دون الزائد، فيتمسّك بالزائد بدليل الخطاب العام. هذا لا يمكن أن يقال: فإنَّ الذي خرج عن إطلاق دليل الخطاب ليس هو عنوان: الخارج عن محل الابتلاء، بل عنوان ما يكون قبيحاً ومحالاً، وهنا يشك في أنَّ هذا مصداق للمحال والقبيح أو ليس مصداقاً، غاية الأمر: الشك في مصداقيته تارة يكون ناشئاً من ناحية الشك في أنَّ الآنية الإيرانية هل تحقق الاستحالة أو لا.

 وأخرى ناشئاً من ناحية الشك هل هي عراقية أو صينية. وإلَّا فمن حيث القيد المأخوذ في إطلاق دليل الخطاب، كلتا الشبهتين تكون مصداقية لا مفهومية، فلا يتمسّك فيها بإطلاق دليل الخطاب.

التقريب الثاني

التقريب الثاني: هو أننا ذكرنا في بحث الشبهة المفهومية والمصداقية، السر في أنّه لا يتمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، ولكن يتمسّك به في المفهومية، وقلنا هناك: بأنَّ الشك في ثبوت التكليف إن نشأ من الشك في جهة تكون نسبتها إلى المولى غير نسبتها إلينا، فهنا نتمسّك بإطلاق كلام المولى لتحقيق تلك الجهة وباالتالي لإثبات التكليف، كما لو قال: (أكرم كلّ عالم) وقال في مخصّص 

ــــــــــ[399]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

منفصل: (لا تكرم الفاسق) وتردد أمر الفاسق بين الأقل والأكثر، ففي الزائد وهو فاعل الصغيرة نشك أنَّ التكليف في العام ثابت له أو لا. وإنَّما نشك في هذا؛ لأننا لا ندري بأنَّ ما هو الملاك في نظر المولى هل يشمل فاعل الصغيرة أو لا، بمعنى: أنَّ فعل الصغيرة هل يكون مانعاً أو لا؟ فهنا نسبة المولى إلى هذه الجهة غير نسبتنا إليها؛ لأنَّ المولى بما هو مولى أعرف بالملاكات والمصالح والمفاسد، فنتمسّك بإطلاق كلامه، لإثبات التكليف، وإن ارتكاب الصغيرة لا ينافي مع اتصاف الإكرام بالمصلحة الملزمة.

وأمّا في الشبهة المصداقية، فيما إذا فرض أنَّ الجهة المشكوكة، كأنَّ نسبة المولى إليها كنسبتنا، كما لو قال: (أكرم كل عالم) ثُمَّ يقول: (لا تكرم فاعل الكبيرة من العلماء) ثُمَّ أشك في أنَّ زيداً بالخصوص هل هو فاعل الكبيرة أو لا. فهذه الجهة مشكوكة التي هي ملاك توقفي في ثبوت الحكم نسبتها إلى المولى كنسبتنا إليها. فإن المولى -بما هو مولى لا بما هو علام الغيوب- لو التفت إلى هذه الجهة. فقد يشك ولا يدري أنَّ زيداً هل هو مرتكب الكبيرة أو لا. في مثل هذا، لا يكون كلام المولى حجّة في نفي هذه الجهة المشكوكة وإثبات التكليف.

هذا الكلام بعينه يأتي في المقام، فإننا في المقام لو غيرنا نهج التعبير ولم ندع أنَّ القيد المأخوذ في إطلاق دليل الخطاب هو عدم الاستحالة، بل هو عدم الخروج عن محل الابتلاء، فنسلّم على أنَّ إطلاق دليل الخطاب قُيّد بأن لا يكون خارجاً عن محل الابتلاء، أو بأن يكون داخلاً فيه؛ لأنَّ الإلزام في غير هذا المورد مستحيل.

ــــــــــ[400]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هنا، نشك في أنَّ الآنية الإيرانية هل هي داخلة في محل الابتلاء، ولأجل هذا نشك في ثبوت التكليف لها، فالجهة المشكوكة هنا نسبتها إلى المولى كنسبتها إلينا. فإنَّ المولى بمجرّد كونه مولى لا يقتضي أن يعرف هذا المطلب، بقطع النظر عن كونه علام الغيوب، فقد يشك هو أيضاً بأن هذه الآنية داخلة في محل الابتلاء أو غير داخلة.

فالنكتة في عدم جواز التمسّك في الشبهة المصداقية، تأتي في المقام حتّى في الشبهة المفهومية. وهي: أنَّ الجهة المشكوكة التي هي ملاك التوقف في إثبات الحكم نسبتها إلى المولى كنسبتها إلينا، يعني: أنّه لو لاحظها لعله يشك بها، وحينئذٍ لا يتمسك بإطلاق دليل كلامه.

التقريب الثالث 

التقريب الثالث: هنا نريد أن نذهب أكثر من هذا المقدار ونقول: إنَّ غاية ما يكشف لنا كلام المولى هو اعتقاده النفساني بالمطلب، فلو فرض بأنّنا علمنا وجداناً -لا تعبداً بإطلاق كلامه- بأنَّ المولى يعتقد سريان حكمه وإلزامه إلى الآنية الإيرانية، فهذا الاعتقاد لا يلزم مع انتفاء الجهة المشكوكة عندنا. وهذا بخلافه في سائر الموارد، إذا فرضنا أنَّ المولى يعتقد أنَّ حكمه يسري إلى فاعل الصغيرة، فمعنى هذا أنّه يرى أنَّ الملاك وهو المصلحة التي شخّصها تثبت في فاعل الصغيرة كما تثبت في تارك الصغيرة والكبيرة. فاعتقاد المولى بسريان التكليف بنفسه مساوق مع سريانه واقعاً. فبالإطلاق نستكشف اعتقاد المولى المساوق مع سريان التكليف، إذ لا واقع لهذا السريان إلَّا في عالم هذا الاعتقاد.

ــــــــــ[401]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وأمّا هنا، فقد فرض الآخوند بأنَّ تكليف المولى في الموارد الخارجة عن محل الابتلاء أمر مستحيل وتحصيل للحاصل -مثلاً- فلو فرض أنَّ المولى يعتقد أنّه داخل في محل الابتلاء، يعني يعتقد أنه غير مستحيل، هل أن مجرد اعتقاد المولى بأنَّ شيئاً ما غير مستحيل مساوق مع وجوده خارجاً، على فرض خطئه؟!

وإن شئتم قلتم: بأنَّ اعتقاد المولى هنا بسريان الحكم ليس مساوقاً مع المطابقة للواقع -بقطع النظر عن علّاميته للغيوب- وأمّا اعتقاده بسريان الحكم في سائر موارد الشبهات المفهومية، فهو مساوق مع سريان الحكم واقعاً. 

ففي كلّ مورد كان اعتقاد المولى بسريان الحكم مساوقاً مع واقع سريان الحكم بفعل خطابه كاشفاً عن اعتقاده المساوق مع واقع سريان الحكم، وحتّى ما كان اعتقاده أيضاً لا يرفع شكنا بالسريان، لا يكون إطلاق كلام المولى حجّة(1)

فهذه تقريبات ثلاثة، كلها مرجعها إلى نكتة واحدة:

وحاصلها: أنَّ القيود التي تكون دخيلة في التكليف على قسمين: 

القسم الأوّل: هو القيد الذي يكون دخيلاً في التكليف بوجوده الاعتقادي للمولى، سواء كان الاعتقاد مطابقاً للواقع أو لا. 

ــــــــــ[402]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الإخوان: إنَّ المولى حيث إنّه اعتقد أنَّ التكليف غير قبيح فيكلف، فأجاب (سلّمه الله): بأني لهذا قلت بأنّه تحصيل للحاصل، فبناءً على أنَّ حقيقة التكليف، هو جعل ما يكون داعياً ومحركاً هذا المبنى الذي نشأ منه الإشكال- فحقيقة التكليف غير موجود في المقام. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

والقسم الثاني: ما كان دخيلاً في التكليف بوجوده الواقعي سواء اعتقد به المولى أو لا.

مثلاً: ثبوت وجوب الإكرام للعالم النحوي، موقوف على أمرين:

أحدهما: أن لا يكون الدخيل في وجوب الإكرام هو علم الفقه بالخصوص، بل يكون الدخيل في مصلحة الإكرام هو طبيعي العلم سواء كان في الفقه أو النحو.

 ثانيهما: هو أن يكون ذات العلم موجوداً في زيد خارجاً.

 أمّا الأوّل -وهو قيام المصلحة بذات العلم- فالمتبع فيه اعتقاد المولى سواء كان مطابقاً للواقع أو لم يكن؛ لأنَّ هذا معنى مولوية المولى وكونه داعياً لشؤون عبده، فإنَّ معناه أنَّ ما يشخصه مصلحة ومفسدة ينفذ على العبد سواء كان في نظر العبد خلافه أو لا. فتمام الموضوع هنا هو الوجود الاعتقاد لمصب المصلحة.

وأمّا بالنسبة إلى القسم الثاني -وهو أن يكون هذا عالماً بالخارج أو ليس عالماً- فالمناط هنا ليس هو الوجود الاعتقادي للعلم. قد يكون أنَّ المولى اشتبه واعتقد أنّه عالم، فمجرّد اعتقاده بذلك لا يوجب حكم العقل بلزوم إكرامه، إذا كان العبد يشخص خطأ المولى بذلك، ففي هذا القسم يكون الوجود الواقعي دخيلاً لا الوجود الاعتقادي.

والشك في الحكم تارة يكون ناشئاً من ناحية الشك في الأشياء الدخيلة بوجودها الاعتقادي، وأخرى يكون ناشئاً من ناحية الشك في الأشياء الدخيلة 

ــــــــــ[403]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بوجودها الواقعي. فمتى ما كان الشك في ثبوت التكليف ناشئاً من الشك في تحقيق أمر من الأمور الدخيلة في التكليف بوجودها الاعتقادي فيكون إطلاق كلام المولى حجّة في المقام؛ لأنَّ إطلاقه لا يأتي فيه الإشكالات السابقة، فإنّه كاشف عن اعتقاده، واعتقاده مساوق مع واقع ثبوت التكليف؛ لأنَّ المفروض أنَّ تمام الدخيل هنا هو الوجود الاعتقادي ولو كان غير مطابق للواقع، والجهة المشكوكة هنا نسبتها إلى المولى غير نسبتها إلينا، لأنها ترجع بالدقة 

إلى أنَّ المولى هل يعتقد أو لا يعتقد؟ ومن المعلوم أنَّ هذا أمر يخص المولى ولا يخصنا، ففي مثل ذلك يتمسّك بإطلاق كلام المولى.

وأمّا إذا فرض أنَّ التكليف كان مشكوكاً للشك في دخل أمر من القسم الثاني، مما يكون دخله بوجوده الواقعي، لا الاعتقادي. هنا لا يتمسّك بإطلاق كلام المولى؛ لأنَّ نسبة الجهة المشكوكة إلى المولى كنسبتها إلينا؛ ولأنَّ اعتقاد المولى هنا لا يكون مساوقاً مع فرض ثبوت التكليف، وماذا نريد أن نستكشف بالإطلاق أكثر من اعتقاد المولى وجزمه.

وهذه القاعدة العامة هي الأساس الفني للتفصيل بين الشبهات المفهومية والمصداقية، والمصير إلى التمسّك بالعام في الأولى دون الأخرى؛ ولهذا كلّ شبهة مفهومية تكون -حسب هذه القاعدة- واجدة لنكتة عدم التمسك في المصداقية نلحقها بالمصداقية، وكلّ شبهة مصداقية تكون واجدة لنكتة التمسك نلحقها بالمفهومية. فالمناط هو هذا لا عنوان كون الشبهة مفهومية أو مصداقية.

هذا هو تفصيل الكلام في ذلك.

ــــــــــ[404]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وبهذا اتضح أنَّ ما ذكره صاحب الكفاية هو المتين، وهو أنّه بناءً على ما بناه، لا مجال للتمسّك بإطلاق دليل الخطاب.

الوجه الثاني لتنجيز هذا العلم الإجمالي 

تكلمنا(1) أوّلاً في الوجه الأوّل الذي ذكر، وهو التمسّك بإطلاق دليل الخطاب.وانتهينا إلى الوجه الثاني: الذي ذُكر لتنجيز هذا العلم الإجمالي.

وحاصله: أننا لو لاحظنا هذا العلم الإجمالي ملاحظة ابتدائية، لقلنا: إنّه ليس علماً بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير؛ لأنَّ النجاسة إن كانت واقعة، في الآنية العراقية، فالتكليف فعلي، وإن كانت واقعة في الآنية الإيرانية المشكوك في دخولها في محل الابتلاء، فيشك في فعلية التكليف، والنتيجة تتبع أخس المقدمتين، فلا يكون لنا علم بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير لينجز.

ولكن مع هذا يبنى على منجّزية مثل هذا العلم الإجمالي، باعتبار أنَّ المعلوم على كلّ تقدير صالح للمنجّزية وموضوع لها عقلاً، وإن لم يكن فعلياً على جميع التقادير:

 توضيح ذلك: أنَّ النجاسة إمّا أن تكون واقعة في الآنية العراقية فالتكليف فعلي وواقع موضوعاً للتنجز العقلي، وإمّا أن تكون النجاسة واقعة في الآنية الإيرانية، فالتكليف وإن لم يكن فعلياً على هذا التقدير، للشك في فعليته الناشئ من الشك في تحقق القدرة العادية عليه، التي هي معنى الدخول في محل الابتلاء، ولكن الشك في فعلية التكليف بملاك الشك في العجز والقدرة ليس 

ــــــــــ[405]ــــــــــ

() قال بعد عنونة المسألة: تكلمنا... (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

مؤمّناً، بل هو موضوع لحكم العقل بالمنجّزية، لما سبق مراراً من أنَّ احتمال القدرة منجّز، وأنَّ احتمال العجز ليس معذراً. فالتكليف في الآنية الإيرانية، وإن كان مشكوك الفعلية، ولكنه مع هذا يقع موضوعاً لحكم العقل بالمنجّزية.

إذن، فالمعلوم الإجمالي صالح للمنجّزية على كلا التقديرين، سواء كان في الآنية العراقية أو في الآنية الإيرانية، على الأوّل للعلم بفعليته وعلى الثاني لأجل أن الشك في فعليته بملاك الشك في القدرة، وهو موجب للتنجّز. وهذا البيان هو الذي بنى عليه المحقّق العراقي في تمام الشبهات المفهومية والمصداقية للدخول في محل الابتلاء، حيث إنَّ الوجه الأوّل، وهو التمسّك بإطلاق دليل الخطاب لم يكن تام عنده إلَّا في الشبهة المفهومية، إنَّما هذا الوجه فقد أتممه في كلا الشبهتين.

وبهذا البيان يظهر الفرق بين هذه الصورة وهي ما إذا كان أحد الطرفين مشكوك الدخول في محل الابتلاء، وبين ما إذا كان أحدهما معلوم الخروج عن محل الابتلاء؛ إذ قد ينقض ويقال: بأنَّ الشك في القدرة ثابت في مورد العلم بخروج أحد الطرفين عن محل الابتلاء، إذ يمكننا هناك أيضاً أن نقول: إن التكليف في نفسه معلوم الثبوت وإنَّما نشك في فعليته من ناحية الشك في القدرة عليه وعدمها؛ لأنّه إن كان موجوداً في الآنية الصينية فهو ليس مورداً للقدرة، وإن كان موجوداً في الآنية العراقية فهو مورد للقدرة. فنشكل هنا علماً بتكليف في نفسه والشك في فعليته من ناحية الشك في القدرة عليه، فلماذا لا تقولون بتنجيزه؟!

ــــــــــ[406]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الفرق ما بينهما بناءً على هذا التقريب للمحقّق العراقي يكون في غاية الوضوح، كما أفاده، وذلك أنّه فيما إذا شك في خروج أحد الطرفين عن كلّ الابتلاء، فهنا يقال: إنَّ المعلوم الإجمالي على أحد تقديريه مشكوك الدخول في دائرة قدرة المكلف، وعلى التقدير الآخر معلوم الدخول في دائرة قدرة المكلف، فيدخل تحت باب الشك في القدرة. 

وأمّا إذا كان الطرف الآخر معلوم الخروج عن محل الابتلاء، فأحد الموردين يعلم بدخوله تحت القدرة والمورد الآخر يعلم بعدم دخوله تحت القدرة، فلا شك في القدرة على شيء في الخارج، وإنَّما الشك في أن التكليف المولوي في المورد المقدور جزماً أو في المورد غير المقدور جزماً. فهذا لا يدخل في باب الشك في القدرة، وقياس أحدهما على الآخر -كما ذكر المحقّق العراقي- ينشأ من عدم التأمل في المسألة.

وقد أراد بهذا أن يعرّض بمقرّر بحث المحقّق النائيني الشيخ محمّد علي؛ وذلك لأنّه أشار في حاشيته على هذا الوجه، إنَّ هذا الوجه كان قد ارتضاه شيخنا الأستاذ إلَّا أني نقضت عليه بهذا النقض، فتوقف وعدل عن هذا الوجه. فأراد المحقّق العراقي أن يشير إلى أن عدول المحقّق النائيني عن هذا الوجه لا بُدّ اء مثل هذا النقض في غير محله، والأمر كما أفاده. 

إلَّا أنَّ هذا الوجه في نفسه ليس تاماً، وذلك أنّه وقع فيه خلط بين الشك في القدرة على الامتثال، والشك في القدرة على العصيان.

توضيح ذلك: أنَّ المكلف تارة يعلم بتكليف ثابت في نفسه ويشك بأنّه 

ــــــــــ[407]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

قادر على امتثاله أو لا يعلم بوجوب الغسل بالماء ويشك في أنّه هل يتمكن أو لا يتمكن. فهذا الشك يؤدي به إلى الشك في فعلية وجوب الغسل في حقّه، إلَّا أنّه شك غير مؤمَّن، بل يقع موضوعاً لحكم العقل بالمنجّزية، باعتبار أنه بملاك الشك في قدرته على الامتثال وفي إمكان صدور الامتثال منه، وهو لا يمكن أن يُعوّل على احتمال أن لا يمكن أن يصدر منه الامتثال فيترك الغسل ويفوّت غرضاً لزومياً للمولى من دون عذر؛ لأنَّ احتمال العجز بنفسه ليس عذراً، في مثل هذا يكون الشك في القدرة موضوعاً لحكم العقل بالمنجّزية فلو علم إجمالاً بأنّه إمّا يجب عليه التصدق بدرهم على الفقير أو الغسل بالماء ويشك في قدرته على الغسل. فهنا ينجّز هذا العلم الإجمالي، ولا يقال: إنّه ليس علماً بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير؛ لأنَّ المعلوم لو كان هو وجوب التصدق فهو فعلي، ولو كان هو وجوب الغسل، فهو مشكوك الفعلية. والنتيجة تتبع أخس المقدمتين.

 لا يقال ذلك: لأنَّ التكليف المعلوم على كلا التقديرين صالح للمنجّزية عقلاً حتّى في طرف الفعلية؛ لأنَّ الشك في فعليته إنَّما هو بملاك احتمال عدم إمكان صدور الامتثال منه بالمعلوم بالإجمال صالح للمنجّزية على كلا التقديرين وإن لم يكن محرز الفعلية على كليهما. 

إلَّا أنَّ هذا أجنبي عن محل الكلام؛ وذلك لأنّنا حينما نشكل علماً إجمالياً بنجاسة واقعة في الآنية العراقية أو الإيرانية. ماذا نقول؟ إن النجاسة لو كانت واقعة في الآنية العراقية فوجوب الاجتناب فعلي، وأمّا لو كانت واقعة في الإيرانية فوجوب الاجتناب -على مبانيهم- مشكوك الفعلية، للشك في القدرة والدخول في محل الابتلاء. وأنا هنا أشك فيه هنا هو إمكان صدور المعصية مني 

ــــــــــ[408]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

لا إمكان صدور الاجتناب، فإنَّ الاجتناب معلوم الصدور، غاية الأمر احتمل ضرورية الاجتناب، وعدم كونه المعصية تحت القدرة. فالشك في فعلية التكليف ناشئ من الشك في أن العصيان هل تحت القدرة أو لا.

 وهذا الشك لا معنى لكونه منجّزاً. إذ أننا لو شككنا في أن الامتثال تحت القدرة أو لا يكون منجزاً بمعنى: أنَّ المكلف يجب عليه أن يسعى نحو الغسل حتّى يتبين أنّه عاجز أو لا، ولكن ما معنى الشك في قدرته على العصيان، هل معناه أنه يسعى نحو العصيان حتّى يتبين عجزه أو يرتكبه. فالشك في القدرة سنخان متباينان: فالشك في القدرة على الامتثال يعني في إمكان صدور الإطاعة منه، موضوع لحكم العقل بالمنجّزية، بمعنى: أنَّ المكلف يجب عليه أن يسعى نحو الإطاعة حتّى يمتثل أو يعلم بالعجز، وأمّا احتمال أنّه عاجز عن إيجاد العصيان، فهو لا معنى لمنجزيته، فإنّه لو بنى على هذا الاحتمال، فماذا يترتب عليه، فهل يترتب عليه امتثال التكليف؟ لا.

فقد وقع خلط بين القدرة على طرف الامتثال والقدرة على طرف العصيان، وما يكون موضوعاً للعلم بالمنجزية هو الأوّل، وعليه فالوجه الثاني الذي ذكر أيضاً غير تام في المقام.

وعليه، فعلى مسالكهم لا بُدّ وأن يقال: بأنَّ العلم الإجمالي لا يكون منجّزاً، وأنَّ أصالة البراءة في الطرف المعلوم دخوله في محل الابتلاء تكون جارية؛ لأنَّ العلم الإجمالي ليس علماً بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير، ولا علماً بما هو صالح للمنجّزية على كلّ تقدير.

وأمّا على مسلكنا، فقد اتضح الحال وتبين: أنَّ الشك في الدخول في محل 

ــــــــــ[409]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الابتلاء، على تقدير يكون موجباً لجريان الأصل وعلى تقدير لا يكون موجباً لجريانه، على تفصيل ذكرناه في أوّل المسألة.

هذا تمام الكلام في الأمر الثاني من الأمور التي لا بُدّ من التعرض لها في خاتمة هذا التنبيه.

الأمر الثالث: في خاتمة التنبيه

الأمر الثالث: أن المحقّق النائيني لم يكتف بدعوى شرطية الدخول في محل الابتلاء عادة، بل قال: إنّه يشترط أيضا في تنجيز العلم الإجمالي أن يكون في محل الابتلاء شرعا أيضاً، فلو كان أحد طرفيه غير داخل في محل الابتلاء شرعا لا ينجز أيضا، ومثّل له بما لو علمنا تفصيلا بأنَّ الآنية الحمراء مغصوبة ويحرم التصرف بها، ثُمَّ علمنا إجمالاً بوقوع نجاسة إمّا فيها أو في آنية أخرى صفراء. في مثل هذا يقول: بأنَّ العلم الإجمالي لا ينجّز؛ لأنَّ أحد طرفيه وهو الآنية المغصوبة خارجة عن محل الابتلاء شرعاً، لعدم كونها جائزة التصرف بالنسبة إلى هذا الشخص. وإن فرض كونها داخلة في محل الابتلاء عادة، فلا يكون العلم الإجمالي منجّزاً.

وهذا الكلام غير تام كما نبه على ذلك المحقّق العراقي؛ وذلك لأنَّ المعلوم الإجمالي إمّا أن يفرض أنّه من سنخ المعلوم التفصيلي، وإمّا أن يفرض من غير سنخه. فإن فرض أنَّ المعلوم الإجمالي من غير سنخ المعلوم التفصيلي كما هو الحال في هذا المثال، حيث إنَّ المعلوم التفصيلي هو الحرمة الغصبية، والمعلوم الإجمالي هو الحرمة بملاك النجاسة، ففي مثل ذلك لا بأس بتنجيز العلم 

ــــــــــ[410]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الإجمالي لهذا الملاك الثاني الزائد، وهو حرمة شرب النجس.

 ومجرّد أنَّ أحد طرفيه قد تنجزت فيه حرمة أخرى بملاك آخر لا ينافي وجود حرمة أخرى بلحاظ العلم الإجمالي، إذا كانت مغايرة سنخاً مع الأولى.

 وفائدة هذين التنجيزين، هي أنّه لو ارتكب الإنائين معاً يعاقب بعقابين لا محالة: يعاقب باعتبار شربه للمغصوب وباعتبار شربه للنجس. فتنجز حرمة لا يجوز تنجز حرمة أخرى. والأصول تتعارض بلحاظ تلك الحرمة الزائدة، فإن أصالة الطهارة بلحاظ هذه الحرمة الزائدة، فإنَّ أصالة الطهارة في الإناء المغصوب(1) تنفي حرمة ثانية، وبهذا اللحاظ تعارضها أصالة الطهارة في الإناء الأصفر المباح التي تنفي الحرمة.

وأمّا لو كان المعلوم الإجمالي من سنخ المعلوم التفصيلي، كما لو علم تفصيلاً بنجاسة في الإناء الأحمر، ثُمَّ علمت إجمالاً بنجاسة فيه أو أحدهما. في هذا لا إشكال في عدم التنجيز من باب الانحلال لا من باب الخروج أحد طرفيه عن محل الابتلاء. فإن العلم الإجمالي بحرمة شرب النجس ينحل إلى العلم التفصيلي بحرمة الأحمر والشك البدوي في الطرف الآخر، انحلالاً حقيقياً أو حكمياً على الكلام المتقدّم في بحث الانحلال.

إذن، فليس هناك أمر زائد وراء الانحلال ليقال: إنَّ من شروط تنجيز العلم الإجمالي دخول أطراف العلم الإجمالي عن محل الابتلاء شرعاً.

هذا هو تمام الكلام في هذا التنبيه العاشر.

ــــــــــ[411]ــــــــــ

()  القابلة لتنجيز مستقل وتعذير مستقل. (المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 




التنبيه الحادي عشر: في اثبات وجوب الموافقة القطعية بالاستصحاب

 

  • (بقيّة) محاولة لإصلاح الاستصحاب

ــــــــــ[413]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 








التنبيه الحادي عشر: في اثبات وجوب الموافقة القطعية بالاستصحاب 

 

أنتجت قوانين العلم الإجمالي قاعدة وجوب الموافقة القطعية للمعلوم الإجمالي، بالتفصيلات التي تقدمت.

هناك محاولة لتثبيت هذه القاعدة، لا على أساس قوانين العلم الإجمالي، بل بالتعويض عنها بمنشأ آخر يستدعي ثبوت هذه القاعدة أيضاً وهو الاستصحاب، فنفرض مثلاً أننا إذا علمنا إجمالاً بوجوب الظهر أو الجمعة، فكنا نقول على ضوء قوانين تنجيز العلم الإجمالي: إنّها تستلزم حكم العقل بتنجيز المعلوم بالإجمال تنجيزاً يستدعي وجوب الموافقة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، فلو أتينا بصلاة الجمعة وحصلت منا الموافقة الاحتمالية لكنا نجد أنفسنا ملزمين بضم الظهر إليها تحصيلاً للموافقة القطعية. هنا يقال: بأنّنا نرجع إلى الاستصحاب، بعد أن نأتي بالجمعة وقبل أن نأتي بالظهر، وبه نجعل أنفسنا ملزمين بالإتيان بالظهر. وهو عبارة عن استصحاب التكليف المعلوم بالإجمال المردّد بين أن يكون وجوب صلاة الظهر أو وجوب صلاة الجمعة، فإنَّ هذا التكليف المردّد معلوم حدوثاً مشكوك بقاءً، أمّا أنّه معلوم حدوثاً فهو فرض العلم الإجمالي وأمّا أنّه مشكوك بقاءً، فلأنه إن كان قد تعلّق بالجمعة فقد 

ــــــــــ[415]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

سقط بالامتثال، وإن كان قد تعلّق بالظهر فهو باق: فتتم أركان الاستصحاب فنجريه بالنسبة إلى التكليف المعلوم بالإجمال. فيكون الإتيان بالظهر تحفظ على تكليف محرز بالتعبد الاستصحابي بقاءً.

وهذه الطريقة من التعويض عن قوانين العلم الإجمالي، بهذا الاستصحاب، لو نجحت، يمكن توسعتها، حتّى في موارد لا تنطبق عليها قوانين العلم الإجمالي، كما لو حدث العلم الإجمالي بعد خروج أحد الطرفين عن محل الابتلاء لامتثال اتفاقي أو عصيان اتفاقي أو أي سبب آخر، ففي مثل هذا لا تعمل قوانين العلم الإجمالي شيئاً. فإنّها إنَّما تعمل في العلم الإجمالي المنعقد حالة دخول كلا طرفيه في محل الابتلاء، والمفروض أنّه خرج أحدهما قبل تشكّل العلم، ولكن نرجع إلى الاستصحاب لاستصحاب التكليف المعلوم بالإجمال المشكوك بقاءً وبه ننجز الإتيان بالطرف الآخر.

هذا الاستصحاب تقدم تطبيق جزئي له في بحث الاضطرار في تنبيه سابق، إذ تمسك به بعضهم فيما إذا حصل الاضطرار قبل العلم الإجمالي. وقد قلنا هناك: بأنَّ هذا الاستصحاب غير صحيح، لا يجري.

 والوجه في ذلك: هو أنَّ المراد هو أن نستصحب واقع الوجوب الشخصي العيني المردّد عندي المعين عند الله، والذي هو إمّا وجوب الجمعة بخصوصه أو وجوب الظهر بخصوصه، فيكون من استصحاب الشخص. وأمّا أن يكون المستصحب هو الجامع بين الوجوبين، الملغى عنه في ظرف التعبد الاستصحابي خصوصية التعلق بالظهر أو بالجمعة.

فإن كان المستصحب في المقام هو واقع الوجوب بشخصه، لهذا ما نطلق 

ــــــــــ[416]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

عليه اسم استصحاب الفرد المردد الذي لا يجري لعدم تمامية أركان الاستصحاب من اليقين بالحدوث والشك في البقاء؛ لأنَّ واقع الوجوب المعين عند الله، أمر مردّد بين معلوم الارتفاع ومعلوم البقاء؛ إذ لو كان هو الصلاة الجمعة فوجوبها معلوم الارتفاع وإن كان هو وجوب صلاة الظهر فهو معلوم البقاء، فواقع التكليف لم تتم فيه أركان الاستصحاب، ولهذا لو سُئلنا عن العناوين التفصيلية لم نجب: أنّنا لا ندري هل بقيت أو لا، بل نحكم جزماً على تقدير حدوثها إمّا بارتفاعها وإمّا ببقائها. إذن، فإجراء الاستصحاب في الشخص غير جائز.

وأمّا إجراء الاستصحاب في الجامع، جامع الوجوب أو وجوب الجامع بين الفعلين: الظهر أوالجمعة. فهذا وإن كان اركان الاستصحاب فيه تامة، من اليقين بالحدوث المفروض في العلم الإجمالي، والشك في البقاء، لأنَّ هذا الجامع إن كان موجوداً في ضمن هذا الفرد فهو مرتفع، وإن كان موجوداً في الآخر فهو باق، فيصير من قبيل استصحاب القسم الثاني من الكلي.

إلَّا أننا قلنا في ذلك التنبيه إنَّ هذا الاستصحاب لا يجري، وإن قلنا بجريان الاستصحاب القسم الثاني من الكلي؛ وذلك لأنَّ هذا الاستصحاب في المقام هو استصحاب جامع بين وجوب لا أثر له ووجوب ذي أثر؛ لأنّه جامع بين تكليف قد امتثل ولا يكون قابلاً للبعث والتحريك من قبل المولى، وبين تكليف قابل للتحريك. والجامع بين وجوب غير قابل للمحركية ووجوب قابل لها كالعلم بالجامع بين الوجوب وبين صوت طير في السماء، فكما أنَّ ذاك العلم ليس منجّزاً؛ لأنَّ معلومه غير صالحاً للتنجيز على كلّ تقدير، كذلك في 

ــــــــــ[417]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المقام؛ لأنَّ هذا الذي تجره بالاستصحاب إن كان هو وجوب صرف وجود صلاة الجمعة فهو لا محركية له؛ لأنَّ الأمر بصرف الوجود تنتهي محركيته بتحقّق صرف الوجود في ضمن الوجود الأوّل. بحيث إنَّه لو صرح المولى محالاً أو خطأ صرح بأنَّ هذا الأمر لا يزال باقياً لم يكن له أثر إلَّا أن يرجع تصريحه إلى جعل جديد بتكرار صرف الوجود، لكن وجوب صلاة الظهر قابل للمحركية والداعوية، فالجامع بينهما جامع ما بين ما يقبل التنجيز وما لا يقبله(1).

إلَّا أنَّ هناك محاولة فنية من قبل المحقق العراقي، لإصلاح هذا الاستصحاب(2).

والحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله على سيّدنا وسيّد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين. انتهى على يد المحتاج إلى رحمة ربه الكريم محمّد الصدر.

ــــــــــ[418]ــــــــــ

() وهنا سألته: أنّه قبل الإتيان بصلاة الجمعة يمكن الاستصحاب بأن يقال: لو أتيت بصلاة الجمعة… 

فأجاب (سلّمه الله): هذا الوجوب في ذلك الظرف أمره مردّد بين ما يكون قابلاً للمحركية وما لا يكون قابلاً لها. قلت: الآن ليس كذلك. فقال: أنا لا أريد أن أثبته الآن، بل أنظر إلى ظرف الإثبات الاستصحابي، وهو ظرف ما بعد الإتيان بأحد الفعلين، سواء قبل الإتيان بهما أو بعد الإتيان بهما. وهذا الظرف هو ظرف المحذور، وهو أن الجامع في المثبَت بالاستصحاب، يكون في هذا الظرف، جامعاً بين ما يصلح للتنجيز وما لا يصلح له. (المقرِّر).

(2) أنظر الباقي في الدفتر السابع عشر. (المقرِّر) [ص419 من هذا الكتاب]. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

 

(بقيّة) محاولة لإصلاح الاستصحاب(1)

 

إلَّا أنَّ هناك محاولة من قبل المحقّق العراقي لإصلاح هذا الاستصحاب، وحاصل هذه المحاولة الفنّية أن يقال: بأنّنا نثبت بالاستصحاب وجوب صلاة الظهر، فإنّنا لو أردنا أن نقتصر في الإثبات بدليل الاستصحاب على إثبات الجامع لكان كلامكم في المقام تامّاً، فإنّه جامع بين ما يقبل المحرّكية وما لا يقبلها، ومثل هذا الجامع لا يتنجّز بالعلم الوجداني فضلاً عن العلم التعبّدي الاستصحابي.

لكن نحن نعمل عملاً بحيث ننتج أنَّ دليل الاستصحاب يثبت لنا وجوب صلاة الظهر، يعني تعلّق الوجوب بالفعل الذي لم نأت به حتّى الآن، فهو وجوب قابل للمحرّكية، وقد أثبتناه بالاستصحاب. 

نعم، يتبادر إلى الذهن في بادئ الأمر أنَّ هذا من الاستصحاب المثبت؛ لأنَّ استصحاب بقاء الجامع بعد الإتيان بصلاة الجمعة وقبل الإتيان بالظهر، يلزم منه عقلاً أن يكون الجامع موجوداً في ضمن صلاة الظهر؛ إذ لو كان موجوداً في ضمن صلاة الجمعة لما بقي، فبقاؤه واقعاً ملازم واقعاً مع كونه في ضمن الظهر 

ــــــــــ[419]ــــــــــ

() كان تاريخ الشروع في البحث بتاريخ السبت: 14/11/ 1386هـ، 26/2/1967. (الدفتر السابع عشر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

لا الجمعة، وهذا لازم عقلي لا يثبت بالاستصحاب.

هذا المطلب واضح عند آغا ضياء، وهو لا يريد أن يتمسّك بالاستصحاب بلحاظ هذا اللازم العقلي للمستصحب، بل يريد أن يقول شيئاً آخر:

توضيحه: بعد استذكار مقدّمة نأخذها من بحث الأصل المثبت في الاستصحاب؛ إذ قرأنا في (الكفاية): أنَّ اللازم العقلي تارةً يكون لازماً عقلياً 

لواقع المستصحب وأخرى لازماً عقلياً لنفس التعبّد الاستصحابي، فإذا كان اللازم لازماً عقلياً لواقع المستصحب فلا يثبت ولا تثبت أحكامه الشرعية بالاستصحاب، فمثلاً كون الإنسان رشيداً(1) لازم عقلي لواقع بقاء حياته بعد الطفولة عشرة سنين، فباستصحاب حياته لا نرتب عليه أنّه رشيد ليترتّب عليه حكمه، وهو نفوذ معاملاته وأمره.

 وأخرى يُفرض أنَّ اللازم العقلي لازم لنفس التعبّد الاستصحابي لا للمستصحب، ففي مثل هذا لا بأس بترتيبه؛ لأنَّ التعبّد الاستصحابي ثابت بالوجدان بدلالة دليل الاستصحاب، وهو من الأدلّة الاجتهادية، فلو كان هناك لازم عقلي للتعبّد الاستصحابي، يصبح بالدقة مدلولاً التزامياً(2) لصحيحة 

ــــــــــ[420]ــــــــــ

() لا يخفى ما في هذا المثال من المناقشة في صغرى الملازمة العقلية فيه، فإنَّ بقاء الحياة وإن كان مقتضياً بحسب العادة للرشد إلَّا أنّه من المحتمل طرو المانع عليه فلا يمكن إثباته بالاستصحاب، ومثله ما لو أبدل الرشد بنبات اللحية وغير ذلك، ولا يقاس هذا على الملازمات العقلية القطعية لواقع المستصحب، فإن إثبات اللازم بالاستصحاب يمكن أن يدّعى ثبوت الملزوم باستحالة الانفكاك، فتأمّل وانتظر. (المقرِّر).

(2) يجب أن نتذكر في المقام ما قاله السيّد الأستاذ: من أنَّ إثبات الظهور بالصناعة لا يجدي إذا لم ينقح لنا ظهوراً عرفياً في اللفظ، وفي المقام لا يمكن أن يفهم العرف هذا النحو من المداليل الإلتزامية الدقية بالإضافة إلى أنّها على تقدير وجودها فهي معدودة بالآلاف بعدد اللوازم للتعبّدات الإستصحابية للمكلفين وظهور اللفظ بهذا المقدار من العدد كما ترى. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

زرارة وهو قوله: “فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْقُضَ الْيَقِينَ‏ بِالشَّكِ‏ أَبَداً(1) ومن المعلوم أنَّ رواية زرارة حجّة في مدلولها المطابقي ومدلولها الالتزامي، فحينئذٍ يثبت اللازم العقلي والأحكام الشرعية المترتّبة عليه.

هنا يريد المحقّق العراقي أن يقول: إنّنا لو لاحظنا الاستصحاب فمجراه والذي تمّ فيه أركانه إنَّما هو الجامع بين وجوب الظهر ووجوب الجمعة، فنستصحب هذا الجامع، ومعنى استصحابه هو وجود هذا الجامع في عالم الأحكام الظاهرية، يعني: أنَّ جامع الوجوب تحقّق بالجعل الاستصحابي الظاهري، ونحن نعرف أنَّ الجامع لا يُعقل أن يتحقّق من دون خصوصية، فجامع الوجوب لا بُدّ وأن يكون في وعاء التعبّد الاستصحابي قد تشخص إمّا بخصوصية تعلقه بالظهر، أو بخصوصية تعلقه بالجمعة، غاية الأمر أنَّ هذه الخصوصية لا يمكن أن نثبتها بالاستصحاب؛ لأنَّ الخصوصيات لم يتمّ فيها أركان الاستصحاب، إلَّا أنَّ العقل يستقل أنَّ هذا الحكم الظاهري بالجامع قد تخصّص بإحدى الخصوصيتين لا محالة، كما أنّه يستقل باستحالة تخصّصه بخصوصية الجمعة؛ لأنّها قد أُتي بها خارجاً ويستحيل التكليف بما أُتي به خارجاً 

ــــــــــ[421]ــــــــــ

(1) علل الشرائع 2: 361، باب علّة غسل المني إذا أصاب الثوب، الحديث 1.

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فيتعيّن أن تكون هذه الخصوصية هي خصوصية الظهر. فحينئذٍ تخصّص هذا الوجوب الظاهري الاستصحابي الذي ثبت بمقدار الجامع، بعد حكم العقل باستحالة بقائه على جامعيته ولزوم تخصّصه وحكمه باستحالة تخصّصه في ضمن الجمعة المأتي بها، يتعيّن أن يكون متخصّصاً في ضمن الظهر.

فتخصّصه في ضمن الظهر لازم عقلي لنفس الجعل الاستصحابي، لا لواقع المستصحب، وقد فرضنا في المقدّمة، أنَّ اللازم العقلي لنفس الجعل الاستصحابي يثبت بدليل الاستصحاب.

نظير هذا ما بيّناه في بحث الفقه قبل عدّة أيام: أنَّ ماءين أحدهما نجس والآخر طاهر واختلط أحدهما بالآخر، ولا ندري هل أصبح المجموع طاهراً أو أصبح المجموع نجساً. مع العلم بحسب الارتكاز العرفي بأنَّ هناك تلازماً بين طهارة المجموع ونجاسته بحسب الحكم الظاهري وبحسب الحكم الواقعي، يعني: أنَّ نجاسة أي جزء من الماء واقعاً أو ظاهراً يستلزم نجاسة الجزء الآخر واقعاً أو ظاهراً، فكنا نقول هناك: إنّنا لو أمكننا أنَّ نجري أصالة الطهارة في أحد هذين الماءين الممتزجين لكفانا في إثبات طهارة الماء الآخر أيضاً، بالدلالة الالتزامية؛ لأنَّ طهارة الآخر ظاهراً لازم عقلي لنفس الطهارة الظاهرية في الماء الأوّل، أي: لنفس التعبّد الظاهري، لا أنّه لازم للطهارة الواقعية حتّى يكون مثبتاً.

هذا الكلام من المحقّق العراقي وإن كان دقيقاً إلَّا أنّه غير تامٍّ.

وذلك أمّا أولاً: فلأنّه مبني على صناعة الحكم المماثل، وأنَّ دليل 

ــــــــــ[422]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الاستصحاب يتكفّل الحكم التكليفي المماثل مع المستصحب، وحيث إنَّ المستصحب هو الجامع فلا بُدّ من جعل حكم تكليفي مماثل لهذا الجامع، ومن المعلوم أنَّ الجامع بين الوجوبين على جامعيته لا يمكن إيجاد حكم مماثل له، فلا بُدّ أن يوجد الجامع الظاهري المماثل في ضمن أحد فرديه؛ لأنَّ الجامع لا يوجد إلَّا في ضمن أحد فرديه، وإيجاب الجامع بما هو يكون من قبيل الوجوب التخييري ولا يكون مماثلاً للمستصحب فإنَّ المستصحب هو الجامع بين الوجوبين التعيينين للظهر والجمعة، وهذا الجامع لا بُدّ فيه من أحد الخصوصيتين عند جعل الحكم المماثل.

وأمّا لو قلنا بأنَّ دليل الاستصحاب مهما كان لسانه، فهو كناية عن اهتمام المولى بما هو مصبّ الاستصحاب وهو الجامع، فهو في مقام إبراز أنَّ هذا الواقع المعلوم بالإجمال -المشكوك الارتفاع- أنّا لا أرى احتمال ارتفاعه مؤمّناً، بل حالك حال ما لو كنت تعلم ببقائه على حاله، يعني: إبراز لاهتمامه بالتكليف الواقعي بمقدار الجامع لا أكثر.

 وهذا أمر معقول أن يتحدد اهتمام المولى بمقدار الجامع ويقف اهتمامه على الجامع، ولا يلزم أن يكون مهتماً بخصوصية معينة من التكليف الواقعي، وهذا أمر معقول ولا يلزم منه محال، فإثبات سريان التعبّد الظاهري إلى الخصوصية بلا وجه. هذا أوّلاً.

وأمّا ثانياً: فلأننا لو سلّمنا بصناعة الحكم المماثل، إلَّا أنَّ استفادة أمر أو خصوصية زائدة من دليل الاستصحاب إذا لم يوجب ضمهما إلى الاستصحاب 

ــــــــــ[423]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

خروجه عن كونه مصداقاً للعنوان الذي وقع مدلولاً للدليل. وأمّا إذا كان ضمّ تلك الضميمة موجباً لخروجه عن كونه مصداقاً فلا يمكن ضمّ مثل هذه الضميمة لا محالة.

ففي مثل هذا المثال الذي قلناه: ماءان ممتزجان أحدهما نجس والآخر طاهر، ونشك في أنَّ الطهارة هل بقيت في الطاهر أو لا، فنستصحب بقاء الطهارة فيه، ونثبت بالملازمة العقلية أنَّ الماء الذي كان نجساً أيضا طاهر لأنَّ الماءين لا يختلفان في الحكم مثلاً، هذا لا بأس به؛ لأنَّ إضافة طهارة الماء الآخر إلى هذه الطهارة الاستصحابية لا يخرجها عن كونها مصداقاً للعنوان الذي دلّ عليه دليل الاستصحاب.

وهذا بخلافه في المقام، فإنَّ إضافة حدّ شخصي، وهو حدّ التعلّق بصلاة الظهر إلى هذا الجامع، يخرجه عن كونه مصداقاً لقاعدة: (لا ينبغي ان ينقض اليقين بالشك) والوجه في هذا في غاية الوضوح؛ وذلك لأنَّ دليل الاستصحاب مهما كان لسانه فهو مرجعه إلى إثبات تعبدي لبقاء الواقع، بحيث إنَّ العناية في دليل الاستصحاب إنَّما هو في كون الإثبات تعبّدياً لا حقيقياً، وأمّا ما هو المثبت بهذا الإثبات؟ فلا بُدّ أن يكون هو بقاء الواقع حقيقة، ما كُنّا على يقين به حقيقة. فبقاء الحادث الواقعي يثبت ثبوتاً عنائياً تعبدياً، وهو مرجعه -مثلاً- إلى جعل الحكم المماثل، بحيث لو حولنا هذا الإثبات من كونه عنائياً إلى كونه حقيقياً لكان المثبت لدينا هو بقاء الواقع حقيقة.

فإذا كان هذا هو معنى دليل الاستصحاب، ففي المقام لما نضيف إلى 

ــــــــــ[424]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الجامع حدّاً شخصياً وهو تعلقه بصلاة الظهر، ونثبت وجوباً ظاهرياً متعلّقاً بصلاة الظهر، فهذا المثبت محتمل المباينة مع الواقع المعلوم حدوثاً باعتبار الحدود الشخصية؛ لأنَّ الواقع المعلوم حدوثاً يحتمل كونه محدوداً بحد مباين مع هذا الحدّ وهو حدّ صلاة الجمعة، فالذي أثبتناه بالتعبد، ليس هو بقاء ما كُنّا على يقين منه، بل هو أمر يحتمل أن يكون بقاء لما كُنّا على يقين منه، ويحتمل أن يكون مبايناً له؛ لأنّه بعد أن تحدد بحد شخصي فهذا الحدّ إن طابق حدّ مرحلة الحدوث التي كُنّا على يقين منها فهو بقاء له، وإن اختلف عنه كان مبايناً له لا محالة، فإضافة هذا الحدّ إلى المجعول الاستصحابي يوجب كون ما نثبته بالعناية، ليس هو البقاء الحقيقي لما كُنّا على اليقين منه، بل هو أمر مردّد بين أن يكون بقاء وأن لا يكون.

 وهذا معنى خروجه عن كونه مصداقاً للعنوان المأخوذ في مدلول الدليل، فإنَّ محط الإثبات التعبّدي فيه هو بقاء ما كان، وهذا يشكّ أنّه كذلك؛ إذ لعلّه مباين مع ما كان، فبذلك يتعين حينئذٍ تطبيق المجعول الاستصحابي على المورد. فهذا الإصلاح الفني للاستصحاب غير تامّ لا على صناعة الحكم المماثل ولا غيرها.

فالصحيح: أنَّ التعويض عن قوانين تنجيز العلم الإجمالي بالاستصحاب بالتقريب السابق غير ممكن، بل إنَّ وجوب الموافقة القطعية مَدين لقوانين تنجيز العلم الإجمالي، وناتج عنها.

هذا هو الكلام في التنبيه الحادي عشر.

ــــــــــ[425]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 



التنبيه الثاني عشر: في ملاقي بعض أطراف                            الشبهة المحصورة

 

  • القاعدة في التفصيل بين المنع التكليفي والوضعي
  • أمور في ختام التنبيه الثاني عشر

ــــــــــ[427]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 







التنبيه الثاني عشر: في ملاقي بعض أطراف                      الشبهة المحصورة

لو علم إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين ولاقى شيء ثالث كالثوب مع أحدهما، فينشأ فيه احتمال النجاسة، فهل يكون هذا الاحتمال منجّزاً بحيث لا تجرى الأصول المؤمّنة، أو لا يكون منجّزاً بحيث تجرى الأصول المؤمّنة؟

مفروض هذا العنوان يستبطن وجود علمين إجماليين فيما هو محلّ الكلام: 

أولهما: هو العلم الإجمالي الأصلي(1) بنجاسة أحد الإناءين إمّا الإناء الملاقى أو الآخر. 

ثانيهما: هو العلم الإجمالي(2) بنجاسة الثوب أو ذك الطرف الآخر.

 وهذان العلمان مشتركان في أحد الطرفين، وهو الإناء الآخر الذي لم يلاقه الثوب، ويمتاز كلّ واحد منهما عن الآخر بالطرف الأوّل.

وقد يتّفق أحياناً أن يتشكّل علم إجمالي ثالث، كما لو فرضنا أنَّ الآخر كان قد لاقاه شيء أيضاً، فيتشكل علم إجمالي ثالث بنجاسة أحد الثوبين، إمّا الملاقي 

ــــــــــ[429]ــــــــــ

() قبل الملاقاة. (المقرِّر).

(2) بلحاظ الملاقاة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

لهذا الإناء أو الملاقي لذلك الإناء. في مثل ذلك لم يقع إشكال عندهم في تنجيز مثل هذا العلم الاجمالي الثالث؛ إذ لا قصور في تنجيزه، وتمام ما يذكر من التقريبات لعدم التنجيز في حالة عدم تشكّل هذا العلم الإجمالي الثالث لا تجري في حالة تشكلّه؛ لأنّه علم مستجمع لشرائط التنجيز، وبه تتنجّز نجاسة هذا الثوب الاحتمالية ونجاسة ذلك الثوب الاحتمالية.

وإنَّما الكلام يقع فيما إذا لم يتشكل هذا العلم الإجمالي الثالث بالفعل، بأن لا يكون هناك ملاقٍ للطف الأوّل، وانحصرت الملاقاة في الإناء الأوّل، فهنا لا يبقى عندنا إلَّا العلمان الإجماليان السابقان؛ ومن هنا من يقول بتنجّز النجاسة المحتملة في الملاقي، لا بُدّ له من أن يثبت تنجزها إمّا عن طريق العلم الإجمالي الأوَّل(1) أو عن طريق الإجمالي الثاني(2).

 فالكلام يقع أوّلاً في تنجيز العلم الإجمالي الأوّل لنجاسة الملاقي، ثُمَّ يقع ثانياً في تنجيز العلم الإجمالي الثاني.

أمّا العلم الإجمالي الأوّل بنجاسة أحد الإناءين، هل يكون منجّزاً لنجاسة الملاقي أو لا، لكي يظهر ذلك وضع الأعلام قاعدة لما يتنجّز بالعلم الإجمالي من الآثار والأحكام وطبّقوا تلك القاعدة على محلّ الكلام، وهي قاعدة مطردة تنفع في المقام وغيره.

وحاصل ما أفادوه: أنَّ كلّ تكليف من قبل المولى يكون وجوداً تابعاً لتمامية 

ــــــــــ[430]ــــــــــ

() الأصلي. (المقرِّر).

(2) بنجاسة الملاقى أو الطرف. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الكبرى والصغرى معاً. والمقصود من الكبرى هو الجعل من قبل الشارع، كجعل حرمة الشرب للماء النجس. والمقصود من الصغرى -مثلاً- وجود الموضوع المفروض بتمام قيوده وأجزائه. فالحكم إنَّما يكون موجوداً وجوداً صالحاً للتنجّز إذا تمّت فيه الكبرى والصغرى معاً، فهو تابع وجوداً لوجودهما وبتبع ذلك يكون تابعاً انكشافاً ووجوداً لوصول الكبرى والصغرى معاً، فالعلم الذي ينكشف به الكبرى والصغرى- أي: الموضوع بتمام قيوده وأجزائه- يكون هذا العلم موصّلاً للتكليف لا محالة.

وأمّا إذا فرضنا أنَّ العلم لم يكن علماً بتمام الصغرى، أي: بتمام الموضوع، بل كان علماً بجزء الموضوع، فهو لا يكون علماً بالتكليف؛ لأنَّ التكليف تابع وجوداً وانكشافاً لانكشاف الكبرى والصغرى بتمامهما.

إذن، فكلّ تكليف انكشف بالعلم الإجمالي تمام موضوعه المفروض الوجود في مقام جعله يتنجّز بهذا العلم الإجمالي، وكلّ تكليف لم ينكشف بالعلم الإجمالي تمام الموضوع لا يتنجّز بالعلم الإجمالي.

مثاله: ما لو علم إجمالاً بوجود خمر مردّد بين أحد هذين الإناءين، فالخمرية المعلومة إجمالاً هنا هي تمام الموضوع لحرمة الشرب. إذن، فتتنجّز حرمة الشرب على هذا العالم إجمالاً؛ لأنّه علم بتمام الموضوع، ولكن الخمرية ليست تمام الموضوع لوجوب إقامة الحد؛ فإنَّ وجود الخمر خارجاً لا يكفي لإقامة الحد، وإنَّما يقام الحدّ على شخص لو وجد خمر أمامه فشربه، فلو جاء شخص وشرب أحد طرفي العلم الإجمالي لا يتنجّز على العلم إجمالاً أن يقيم 

ــــــــــ[431]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

عليه الحد؛ لأنّه ليس عالماً بتمام الموضوع لوجوب إقامة الحد، فإنّه يعلم أنَّ هناك خمراً في الخارج، أمّا أنَّ هذا قد شرب الخمر فهو مشكوك عنده بالشكّ البدوي. إذن، فوجوب إقامة الحدّ لا يكون واصلاً بالعلم الإجمالي، بل مشكوك بدوي تجرى عنه أصالة البراءة.

هذه هي القاعدة العامة وهي في غاية الصحّة والمتانة، وقد صاروا في مقام تطبيق هذه القاعدة على محلّ الكلام في نجاسة الملاقي، لكي يعرفوا أنَّ العلم الإجمالي الأوّل، بنجاسة أحد الإناءين، هل هو علم بتمام الموضوع لنجاسة الملاقي وحرمة شربه أو علم بجزء الموضوع، فإن كان تمام الموضوع فتتنجّز نجاسة الملاقي بنفس العلم الإجمالي بالنجاسة، وإن كان جزء الموضوع فلا تتنجّز به.

وبعد تحليل وتحقيق انتهوا إلى أنَّ العلم بنجاسة أحد الإناءين جزء الموضوع لنجاسة الملاقي وحرمة شربه؛ لأنَّ موضوعه مركّب من جزأين: أحدهما: أن يكون هناك نجس. ثانيهما: أن يلاقي هذا الملاقي ذاك النجس. والأوّل معلوم بالعلم الإجمالي، ولكن ثانيهما غير معلوم. إذن، فالعلم الإجمالي الأوّل(1) ليس علماً بتمام الموضوع لنجاسة الملاقي. 

نعم، العلم بنجاسة أحد الإناءين هو علم بتمام الموضوع لحرمة الشرب مثلاً، ولهذا تتنجّز حرمة شرب هذا الإناء وحرمة شرب ذلك الإناء؛ لأنَّ معلومي تمام الموضوع له. وأمّا نجاسة الملاقي فلا تتنجّز بذلك؛ لأنَّ معلومي 

ــــــــــ[432]ــــــــــ

() بنجاسة أحد الإناءين. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ليس تمام الموضوع له. فهذه هي النتيجة التي انتهوا إليها وسوف يأتي التفصيل.

قلنا: إنَّ هذه القاعدة صحيحة، بمعنى: أنَّ الضابط الكلّي فيما يتنجّز من الأحكام والتكاليف بالعلم الإجمالي، هو أن يكون العلم الإجمالي علماً بتمام الموضوع لذلك التكليف، إلَّا أنّه لا بُدّ في المقام من التنبُّه إلى نكتة في تطبيق هذه القاعدة لتعصمنا عن خطأ مشهوري أوجد اتجاهاً عاماً خاطئاً في تطبيق هذه القاعدة في كثير من موارد الفقه، وأحد نتائج الخطأ كان في مسألتنا هذه. ولتوضيح ما أريد أن أقوله في هذه النكتة أقدّم أمرين:

الأمر الأوّل: في الفرق بين المتعلّق والموضوع، فالمتعلق هوما يكون تحت البعث والزجر، والموضوع هو ما لا يكون تحت الطلب والزجر، بل يكون مفروض الوجود في مقام جعل التكليف، بحيث يكون وجود التكليف منوطاً بوجوده، فالنجس موضوع لحرمة شرب النجس، وأمّا نفس الشرب فهو متعلّق له. 

الأمر الثاني: أنَّ المنع الشرعي على قسمين: أحدهما: منع شرعي أصلي والآخر: منع شرعي انتزاعي أو تبعي. ويمكننا أن نعبّر عن الأوّل بالمنع الشرعي التكليفي، وعن الثاني بالمنع الشرعي الوضعي.

 مثال المنع الشرعي التكليفي: هو المنع عن شرب النجس، ومثال المنع التبعي أو الوضعي: هو المنع عن الوضوء بالماء النجس أو الصلاة في الثوب النجس. فإنّه ليس معناه أنَّ لبس الثوب النجس للمصلي من المحرمات في نفسه يعاقب عليه، بل هذا المنع هو منع وضعي معناه البطلان، يعني: أنَّ صلاته 

ــــــــــ[433]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بالثوب النجس، هذه الحصّة، لا تكفي ولا تجزي في مقام امتثال الأمر بالصلاة. إذن، فهذا المنع ليس -بحسب الحقيقة- مستقلاً، بل هو من تبعات ومستلزمات الأمر بالصلاة المقيدة بالثوب الطاهر والأمر بالوضوء المقيّد بالماء الطاهر، فإنَّ الأمر بالمقيد قهراً يوجب الإلزام بالتقيّد، والإلزام بالتقيّد يوجب المنع قهراً من تطبيق الواجب على الحصّة الفاقدة للقيد. فالحصة الفاقدة للقيد ممنوع عنها من قبل المولى ومرجعه إلى الأمر بالحصة المقيدة بالطهارة.

فهذا منع شرعي تبعي أو وضعي، وهو مجعول بنفس جعل الأمر بالصلاة في الثوب الطاهر، أو الأمر بالوضوء في الماء الطاهر، فإنّه هو يستلزم منع الشارع عن تطبيق امتثال هذا الأمر على أيّ حصّة لا تكون واجدة للقيد.

ــــــــــ[434]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

 

القاعدة في التفصيل بين المنع التكليفي والوضعي

 

إذا اتّضح هذان الأمران فنقول: إنَّ هناك فرقاً بين المنع الأصلي التكليفي كحرمة شرب النجس، وبين المنع التبعي الوضعي كالمنع عن الصلاة في الثوب النجس. فرق جوهري ما بينهما في مقام تطبيق القاعدة التي نحن بصددها. وهذا الفرق ضاع في مقام تطبيقات الفقهاء.

وتوضيح هذا الفرق: أنَّ المنع إذا كان من القسم الأوّل، يعني: كان أصلياً تكليفياً، فهنا الموضوع يكون مأخوذاً مفروض الوجود في مقام جعل هذا المنع، وتكون فعلية المنع متقوّمة بوجوده خارجاً، ففعلية حرمة شرب الخمر أو النجس متقوّمة بأن يوجد خمر في الخارج أو نجس في الخارج، ولهذا نقول: إنَّ مرجعه إلى قضية شرطية: إنّه لو وجد خمر فيحرم شربه، ولو وجد نجس فيحرم شربه. على ما وقع الكلام عنه في بحث الواجب المطلق والمشروط. وقلنا هناك: بأنَّ الموضوع الذي هو الخمر أو النجس، إن لم يكن تحت اختيار المكلّف أصلاً، يعني هو غير قادر على إيجاد الخمر في الخارج، إذن، فلا يعقل فعلية شرب الخمر قبل أن يوجد خمر؛ لأنّه حينئذ لا يقدر أن يشرب خمراً فما معنى منعه عن شرب الخمر، فيكون هنا تقييد الحرمة بوجود الخمر بملاك ثبوتي عقلي. وأمّا إذا فرضنا أنَّ الموضوع كان تحت القدرة، فالحرمة وإن أمكن ثبوتاً أن تكون فعلية 

ــــــــــ[435]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

قبل وجود الخمر خارجاً، فيحرم عليه شرب الخمر لكي يصرفه عن إيجاد الخمر رأساً، هذا أمر معقول إلَّا أنّه خلاف ظاهر الدليل، فإنَّ ظاهر: (لا تشرب الخمر) كونه مجعولاً بنحو القضية الشرطية، يعني: لو وجد خمر فأحرّم شربه. إذن، فالخمر هنا أو النجس في حرمة شرب الخمر أو النجس، مأخوذ موضوعاً وقيداً في أصل ثبوت الحكم إمّا لملاك ثبوتي أو لملاك إثباتي. هذا في المنع التكليفي الأصلي.

وأمّا في المنع التبعي الوضعي، كالمنع عن الصلاة في الثوب النجس، فهل هو أيضاً متوقف على وجود الموضوع، يعني: لو لم يوجد في الخارج ثوب نجس أصلاً، فهل هذا المنع غير موجود، كما كان الحال في حرمة شرب الخمر قبل وجود الخمر في العالم؟

 الصحيح: أنَّ هذا المنع موجود، المنع عن الصلاة في الثوب النجس موجود قبل أن يوجد ثوب نجس في الخارج أصلاً؛ لأنَّ مرجعه بالدقة إلى تعلّق الأمر بالحصة المقيدة بالثوب الطاهر، ففعليته بفعلية الأمر بالمقيد. فإنَّ الأمر بالمقيد بالطاهر انحل إلى عدم إجازتي في تطبيق الامتثال على الثوب النجس، ومن هنا نقول: بأنَّ مانعية الثوب النجس غير مشروطة بوجود هذه النجاسة خارجاً حتّى تكون المانعية ثابتة. فأستطيع أن أشير إلى ثوب طاهر وأقول: بأنّي ممنوع فعلا عن الصلاة في هذا الثوب بعد تنجيسه، هذه حصّة من الصلاة ممنوع عنها فعلاً؛ لأنَّ المنع الفعلي عنها مرجعه إلى الأمر بالمقيد بضدها، وأنا فعلا مأمور بالمقيد بضدها، لكن لا أستطيع أن أشير إلى الماء الطاهر وأقول: بأني 

ــــــــــ[436]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ممنوع عن هذا الماء لو تنجس، بل إنَّ حرمة شربه منوطة بنجاسته، لا أنَّ الحرمة فعلية قبل أن يتنجس؛ لأنَّ حرمة شرب النجس جعلت على نحو القضية الشرطية، بمعنى: أنّه لو وجد نجس فيحرم.

إذن، فالموضوع الواحد وهو نجس، لو وقع موضوعاً للمنع التكليفي الأصلي، فيكون المنع دائراً مداره ومتوقفاً وجوده على وجوده ولا يكون فعلياً قبله. ولو وقع موضوعاً للمنع الثانوي الوضعي، فهذا المنع فعلي قبل وجود الموضوع خارجاً. 

إذا اتّضح فحينئذٍ إذا فرضنا أنّني علمت بنجاسة أحد هذين الإناءين مثلاً، ولاقى شيء آخر أحدهما، فهذا الملاقي على فرض نجاسته يكون موضوعاً لسنخين من المنع، أحدهما تكليفي وهو حرمة شربه لو كان نجساً والآخر منع وضعي وهو حرمة التوضي به لو كان ماءً. أمّا بالنسبة إلى المنع الأوّل وهو التكليفي، فالعلم الإجمالي الأوّل ليس علماً بتمام الموضوع له، لأنَّ المنع التكليفي عنه يتوقّف على نجاسته، فإنَّ النجس موضوع لحرمة شرب النجس، فقبل أن يتنجس الملاقي لا حرمة لشرب النجس، فحرمة الشرب فرع نجاسة الملاقي، ونجاسة الملاقي لا يكفي فيها نجاسة الماء الملاقى، بل يحتاج إلى الملاقاة. إذن، فالعلم الإجمالي غير متكفّل للعلم بتمام الموضوع لحرمة شرب الملاقي لعدم العلم بالملاقاة، فلا يتنجّز بعلمي الأوّل المنع التكليفي عن شرب الملاقي.

وأمّا المنع الوضعي عن التوضي بالملاقي فهذا يتنجّز بعلمي الإجمالي الأوّل؛ وذلك لأنّي علمت بما هو تمام الموضوع له؛ لأنّي بعلمي بنجاسة أحد 

ــــــــــ[437]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الماءين قد علمت بعدم جواز التوضي بالماء الملاقي لذلك الماء، والمنع من التوضي بما يلاقيه فعليّ، وقد علم بتمام موضوعه.

فهناك فرق جوهري بين المنع الوضعي والمنع التكليفي، ولهذا الفرق تطبيقات كثيرة، لو اتّضح هذا الفرق يتغيّر موقفنا تجاهها.

وكذلك(1) الحال فيما لو علم إجمال بنجاسة أحد هذين الكاسين، فالنجاسة المعلومة بالإجمال هي تمام الموضوع لحرمة الشرب، فتتنجّز الحرمة بالعلم الإجمالي، ولكن لا يتنجّز به حرمة شرب ماء ثالث يكون في معرض الملاقاة لأحد هذين الإناءين؛ لا تتنجّز لأنّها حرمة معلقة لا يكفي فيها مجرّد نجاسة أحد الإناءين، بل يحتاج إلى ملاقاة مع النجس في البين، فلا يكون المعلوم الإجمالي تمام الموضوع لحرمة شرب ماء ثالث، بل جزء الموضوع له.

وهذا معناه التبعيض؛ إذ إننا إذا علمنا بموضوع نلحظ آثار هذا الموضوع فما كان من آثاره مترتّباً بالفعل على هذا الموضوع ويكون كالعلة التامة بالنسبة إليه، فيتنجز بالعلم، وما كان من الآثار غير مترتب بالفعل على المعلوم الإجمالي، بل يبقى على معلّقيته وتقديره؛ لأنَّ المعلوم الإجمالي جزء الموضوع له، هذا لا يتنجّز بالعلم الإجمالي. فعلم إجمالي واحد بموضوع واحد ينجّز بعض أحكام هذا الموضوع ولا ينجّز بعضها الآخر. 

ــــــــــ[438]ــــــــــ

() أعاد سيّدنا الأستاذ المطالب السابقة لأهميتها بعرض وأسلوب جديد، فكان من الأحسن إثبات ما هو مختلف عما سبق: ذكر أوّلاً القاعدة ومثالها السابق في المحاضرة السابقة، ثُمَّ مثّل لها أمثلة أخرى وتطبيقات في موارد أخرى فقال: وكذلك… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ويترتّب على ذلك أنّه لو علم إجمالاً بموضوع ولم يكن له أثر فعلي أصلاً، يعني: ليس هو موضوعا تامّاً لتكليف شرعي، وإنَّما هو جزء الموضوع له، ففي مثل ذلك لا ينجّز العلم الإجمالي أصلاً، لا أنّه يتبعض في التنجيز، كما لو علم إجمالاً بنجاسة أحد هذين الدرهمين، ونجاسة الدرهم ليست موضوعاً تامّاً لتكليف إلزامي أصلاً، كعدم جواز الصلاة في النجس أو حرمة شربه، وإنَّما هي جزء الموضوع لوجوب الاجتناب عن الملاقي، يعني عن الماء لو وقع فيه الدرهم، ففي مثل هذا لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً أصلاً؛ لأنّه لا يكشف عن تكليف فعليّ، بل عن تكليف معلق والتكاليف المعلقة لا تتنجّز ما لم تصبح فعلية.

وكذلك لو فرض أنَّ المعلوم الإجمالي كان أمره مردّداً بين كونه تمام الموضوع أو جزء الموضوع، بحيث إنّه لو كان في هذا الطرف فهو تمام الموضوع، ولو كان في ذاك الطرف فهو جزء الموضوع، في مثل هذا أيضاً لا ينجّز العلم الإجمالي، كما لو علم إجمالاً بنجاسة الماء أو الدرهم، فالنجاسة إن كانت في الماء فهي تمام الموضوع لحرمة الشرب، وأمّا لو كانت في الدرهم فهي ليست تمام الموضوع له، بل هي جزء الموضوع لحرمة شرب الماء الآخر لو لاقى مع هذا الدرهم، فهو مردّد بين جزء الموضوع وتمامه.

 في مثل ذلك لا يتنجّز العلم الإجمالي ولا تتعارض الأصول، بل تجري الأصول المؤمّنة في الماء بلا معارض في الدرهم؛ لأنّ التأمين في الدرهم فرع كون نجاسته منشأ لأثر إلزامي فعليّ، مع أنّه ليس كذلك.

ــــــــــ[439]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ومن قبيل المردّد بين جزء الموضوع وتمامه، ما يذكرونه في فروع المياه: لو كان هناك كرّان وعُلم إجمالاً بارتفاع الكرّية عن أحدهما، ولا ندري أنّها ارتفعت عن أيّ واحد منهما، فالعلم إجمالاَ بارتفاع الكرّية، علم بجزء الموضوع للحكم الإلزامي؛ لأنَّ مجرّد عدم الكرّية ليس موضوعاً لحكم إلزامي، فإنّه لا يحرم شرب غير الكرّ، وإنَّما يحرم شربه لو لاقى مع النجس، فيدخل في باب جزء الموضوع.

 أمّا لو لاقت النجاسة أحدهما بعينه يدخل في باب الدوران بين تمام الموضوع وجزئه؛ لأنَّ المعلوم الإجمالي، إن كان هو عدم الكرّية في هذا الطرف الذي لاقى مع النجاسة فقد أصبح الآن تمام الموضوع، وأصبح وجوب الاجتناب فعلياً، وإن كان في الطرف الآخر فهو جزء الموضوع، فهنا يلتزمون بجريان اصالة الطهارة(1) في هذا الماء الذي لاقى مع النجاسة ولا يعارضه استصحاب الكرّية في الطرف الآخر؛ لأنَّ جريانه في الطرف الآخر لا يؤدّي إلى الترخيص في تكليف إلزامي فعلي آخر.

فهذه هي ثلاث تطبيقات للقاعدة:

 التطبيق التبعيضي، بمعنى: أنَّ المعلوم الإجمالي يرى أنّه تمام الموضوع لأثر وجزؤه لأثر آخر، فيلتزم بالمنجّزية بلحاظ الأوّل دون الثاني.

 والتطبيق الثاني: هو ما إذا كان المعلوم الإجمالي جزء الموضوع على كلّ تقدير، فلا ينجّز أصلاً. 

ــــــــــ[440]ــــــــــ

() استصحاب الكرّية. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

والتطبيق الثالث: ما لو كان المعلوم الإجمالي مردّداً بين جزء الموضوع وتمامه، فأيضاً لا ينجّز ويجري الأصل في الطرف الذي يكون تمام الموضوع بلا معارض.

وقلنا: إنَّ هذه القاعدة صحيحة، وهو أنَّ العلم الإجمالي إنَّما ينجّز التكاليف الفعلية المترتّبة على المعلوم، فلو كان المعلوم جزء الموضوع لتكليف، ولم يكن الجزء الآخر محرزاً بعلم آخر فلا يتنجّز مثل هذا التكليف بهذا العلم، ولكن وقع هناك اتجاه خاطئ عام في تطبيقات هذه القاعدة؛ إذ خلط بين المنع التكليفي والمنع الوضعي، وفرض كون المنع الوضعي معلقاً ومشروطاً كالمنع التكليفي، مع أنَّ هذا غير صحيح.

فلنأخذ مثالاً من التطبيق الثاني: وهو أن نعلم إجمالاً بنجاسة أحد درهمين. كانوا يقولون هناك بأنَّ نجاسة الدرهم ليست تمام الموضوع للمنع الشرعي عن شرب الماء، فإنَّ موضوعه مركّب من نجاسة درهم وملاقاة الماء مع الدرهم، فنجاسة الدرهم جزء الموضوع، فبمجرّد العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما لا يكفي لتنجيز حرمة الماء والمنع عنه.

 نقول: إنَّ هذا الكلام يصحّ بالنسبة إلى المنع التكليفي ولا يصحّ بالنسبة إلى المنع الوضعي، فإنَّ هذا الماء لو لاقى هذا الدرهم لكان يحصل سنخان من المنع أحدهما تكليفي وهو الحرمة النفسية لشرب(1) هذا الماء النجس، والمنع الآخر وضعي مرجعه إلى المنع عن التوضي بهذا الماء والاغتسال به في مقام 

ــــــــــ[441]ــــــــــ

() النجس الموجود في البين. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

امتثال الأمر بالوضوء أو للغسل. وهذا المنع روحه تضييق العبد الناشئ من ناحية تعلّق الأمر بالوضوء بالماء الطاهر، فإنَّ الأمر بالمقيد يستدعي ضيقاً في مقام الامتثال لا محالة، يعبّر عنه بالمنع عن الوضوء بهذا الماء. 

أمّا المنع التكليفي فهو غير فعلي قبل الملاقاة، فإنّه بمجرّد أن يكون هناك درهم نجس في العالم، لا يحرم عليَّ شرب هذا الماء. وما لم تتحقق الملاقاة خارجاً لا يوجد عندي نجس حتّى يشمله خطاب: لا تشرب الماء النجس. فلو نظرنا إلى هذا الأثر وهو حرمة شرب الماء لقلنا: إنّها ليست فعلية قبل الملاقاة فلا تتنجّز بالعلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين، ولكن لو نظرنا إلى النجاسة الوضعية، أي: إلى المنع عن التوضي بالماء الملاقى مع الدرهم النجس، فهذا المنع بحسب الدقة فعلي قبل الملاقاة أيضاً. 

والوجه في ذلك: أنَّ هذا المنع ليس مجعولاً استقلالاً من قبل الشرع: (أمنعك عن الوضوء بالماء النجس)، حتّى يقال: إنّه قبل وجود الماء النجس لا موضوع لهذا المنع، بل هذا المنع مجعول ومنتزع بالتبع عن الأمر بالوضوء بالماء الطاهر. 

وتوضيح ذلك: أنَّ الوضوء أو الغسل في عالم المفهوم يتحصّص إلى حصّص كثيرة جداً وقابل للانقسام إلى حصّص بمقدار ما تسعه قدرة المكلّف خارجاً، فالوضوء في هذا المكان حصّة ومن هذا الماء حصّة، وهكذا. وهذا التحصيص يحصل بضم القيود إليه، ولا فرق في حصول هذا التحصيص بين أن يكون القيد أمراً موجوداً في الخارج بالفعل أو غير موجود بالفعل، 

ــــــــــ[442]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

كالوضوء من هذا الماء حصّة أو الوضوء من الماء الذي سوف ينزل من السحاب والوضوء من هذا الماء حصّة أيضاً، وهنا القيد غير موجود في الخارج وغير داخل تحت اختيار المكلّف، وأخرى يكون القيد غير موجود إلَّا أنّه داخل تحت اختيار المكلّف، كالوضوء بالماء المذاب من هذا الثلج وإذابته باختياري، فتقييد الوضوء بالفعل إلى الحصّص ليس موقوفاً على أن تكون القيود المحصّصة موجودة كلها في الخارج، بل قد تكون موجودة وقد لا تكون، وقد يكون إيجادها تحت اختيار المكلّف وقد لا يكون.

فإذا فرضنا أنَّ هذه التحصيصات كلها فعلية للوضوء، فالمولى تارة يأمرني بحصة واحدة منها، كالوضوء بالماء الموجود بالفعل، أو الماء الذي سوف ينزل من السحاب أو غيره. يمكنه أن يأمرني بأيّ حصّة من هذه الحصص، وإذا أمرني بها فلا بُدّ لي من الإتيان بها خارجاً. ولو أمرني بالجامع بين حصّتين أكون مختاراً في تطبيق هذا الجامع على الوضوء بالماء الفعلي أو بالماء الذي أذوبه من الثلج.

وأحد التحصّصات الكثيرة للوضوء هو تحصّصه من ناحية كون الوضوء بالماء الطاهر أو بالماء النجس، فإنَّ المولى كان يمكنه أن يخيّرني ويقول: توضّأ بالماء سواء كان ملاقياً مع النجس أو لم يكن، إلَّا أنّه لم يخيرني بل الزمني بإيقاع الوضوء بالماء الطاهر، فضيّق من دائرة الامتثال، وهذا الالزام ينشأ منه المنع الوضعي عن تطبيق الواجب على الحصّة المقيدة بالماء النجس. وهذه الحصّة لها مصاديق، فإنَّ أيّ فرد من أفراد الماء النجس الموجود بالفعل في الخارج أو يكون مقدّراً لوجود أيّ إيجاده تحت اختيار المكلّف، فالمنع الوضعي عن الوضوء بالماء 

ــــــــــ[443]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

النجس ينحلّ إلى منوع ونواهٍ وضعية متعددة بعدد ما يتصور من مصاديق للوضوء بالماء النجس. 

ومن المعلوم أنَّ أحد مصاديق الوضوء بالماء النجس هو الوضوء بهذا الماء بعد ملاقاة ذلك الدرهم المعلوم إجمالاً نجاسته، فإنَّ هذا الوضوء حصّة من حصّص الوضوء بالماء النجس، وهذه الحصّة أنا ممنوع عنها فعلاً، لا أنَّ المنع عنها يتولّد بعد نجاسته؛ لأنَّ ملاك المنع عن هذه الحصّة هو الإلزام بالطاهر وهو فعلي. إذن، فأنا ممنوع عن تطبيق الجامع على هذه الحصّة بالفعل. 

فإذا فرض كون هذا المنع فعلياً يتنجّز هذا العلم الإجمالي، وأصالة الطهارة في هذا الدرهم تعارض مع أصالة الطهارة في ذلك الدرهم؛ لأنَّ أصالة الطهارة في هذا الدرهم مرجعها إلى الترخيص الفعلي في تطبيق الوضوء الواجب على الوضوء بهذا الماء بعد الملاقاة، وبمقتضى أصالة الطهارة في الدرهم الآخر يثبت الترخيص في الوضوء بالماء الملاقى مع ذلك الدرهم، فلو جرى الأصل في كلا الدرهمين أكون مرخّصاً في تطبيق الوضوء على حصّة نجسة على الوضوء بالماء النجس. 

وهذا هو الترخيص في المخالفة القطعية، فتتعارض الأصول في الأطراف بلحاظ المنع الوضعي، لا بلحاظ المنع التكليفي، ويكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً(1).

ــــــــــ[445]ــــــــــ

() يعني لا يجوز الوضوء في ماء لاقى أحدهما أو الصلاة في ثوب لاقى أحدهما، (المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وهذا الكلام بنفسه نقوله أيضاً في الثالث، وهو إذا ما فرض أنَّ العلم الإجمالي كان علماً إجمالياً بنجاسة درهم أو ماء. كانوا يقولون: إنّه ليس علماً بتمام الموضوع. نقول، بل هو علم بتمام الموضوع؛ لأنَّ النجاسة إن كانت في الماء فهو تمام الموضوع للمنع الوضعي والتكليفي معاً، وإذا كانت النجاسة في الدرهم فهي تمام الموضوع للمنع الوضعي لا التكليفي، يعني المنع عن الوضوء بالماء الملاقى مع هذا الدرهم، فلو أجريت أصالة الطهارة في الماء والدرهم لأثبتّ بذلك أني مرخّص في الوضوء بهذا الماء وفي الوضوء بماء آخر يلاقى مع هذا الدرهم، وهو ترخيص في الوضوء بالماء النجس جزماً، وهذا هو الترخيص في المخالفة القطعية. 

فدائماً لا بُدّ أن نكون دقيقين في تطبيق القاعدة، نميّز بين المنع الوضعي(1) والتكليفي، فإنَّ مصبها الظاهري وإن كان واحداً إلَّا أنّهما يختلفان في الفعلية والتعليقية؛ ومن هنا كثير من العلوم الإجمالية التي لا تتنجّز عندهم تكون منجّزة عندنا بهذا البيان.

فمثلاً في الفرع المذكور في (العروة): وهو ما إذا علم إجمالاً بارتفاع الكرّية عن أحد الماءين بعد العلم بكريتهما، هنا يقولون: إنَّ عدم الكرّية جزء الموضوع، وبناءً على ما قلنا عدم الكرّية تمام الموضوع لا جزؤه ويكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً؛ لأنّه جزء الموضوع للمنع التكليفي لا الوضعي، فإنَّ عدم كرية هذا تمام الموضوع للمنع عن الوضوء بهذا الماء في حالة ملاقاة النجس له، 

ــــــــــ[445]ــــــــــ

() الراجع إلى الضيق في عالم الامتثال لا الفعلي. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

واستصحاب الكرّية فيهما معاً يلزم منه الترخيص في المخالفة القطعية وإن لم يكن هناك نجس بالفعل قد لاقى هذا وذاك؛ لأنَّ استصحاب الكرّية في كلّ واحد منهما معناه الترخيص في الوضوء فيه ولو بعد ملاقاته للنجس، والجمع بين هذين الترخيصين ترخيص فعلي بالوضوء في الماء النجس، فيكون العلم الإجمالي منجّزاً، وهكذا في كثير من الأمثلة والشواهد.

ولكن(1) الحرمة الوضعية قد أحرز بالعلم الإجمالي تمام موضوعها، إذ بعد فرض وجود إناء نجس في البين فمن الآن ينهى المولى عن التوضي بكل ماء يلاقى مع هذا النجس في البين، وهذا النهي فعلي؛ لأنَّ فعليته ناشئة من ضيق في حدّ الواجب، وهذا الضيق فعلي بفعلية الأمر بالحصّة الخاصّة، وهي الوضوء بالماء الطاهر.

وإن شئتم عبرتم عن هذا المعنى: بأنَّ النجاسة قيد في الحرمة التكليفية، ولكنّها في الوضعية هي قيد في الحرام لا في الحرمة، مأخوذ في المتعلّق لا في الموضوع، ملاقاة الماء النجس شرط في الحرمة التكليفية؛ ولهذا لا تكون نجاسته تمام الموضوع لها، بل يحتاج إلى العلم بالملاقاة. وأمّا بالنسبة إلى الحرمة الوضعية فالنجاسة قيد في الحرام لا في الحرمة والحرمة فعلية قبل أن يوجد الماء أو الثوب النجس في الخارج؛ لأنَّ منشأها فعلي وهو الأمر بالحصة الخاصّة. هذا هو ما انتهينا إليه.

ــــــــــ[446]ــــــــــ

() لخص أوّلاً القاعدة العامة لتنجيز العلم الإجمالي لآثاره، ثُمَّ ذكر ملخصاً الفرق بين الحرمة التكليفية والوضعية، وأنَّ العلم الإجمالي ليس علماً بتمام الموضوع في الأوّل، وعلم بتمام الموضوع في الثاني. كما سبق. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

في تطبيق القاعدة 

بعد هذا نأتي فنطبّق هذه القاعدة بهذه الدقة فيما هو محلّ الكلام، وهو ما إذا فرض العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين ولاقى شيء ثالث مع أحدهما، هنا يوجد علمان إجماليان: أحدهما العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى أو الطرف، والآخر العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو الطرف، وقلنا: بأننا نتحدث أوّلاً عن تنجّز نجاسة الملاقي بالعلم الإجمالي الأوّل، ثُمَّ نتحدث عن تنجزها بالعلم الإجمالي الثاني.

[المقام الأوّل: تنجيز العلم الإجمالي الأوّل لنجاسة الملاقي]

 والآن كلامنا في المقام الأوّل، وهو تنجّز نجاسة الملاقي بالعلم الإجمالي الأوّل، بقطع النظر عن العلم الإجمالي الثاني، بحيث نفرض أنَّ العلم الإجمالي الثاني غير منجّز؛ إمّا لأنَّنا تشيَّعنا للمذاهب المشهورية التي تقول بعدم تنجيز العلم الإجمالي الثاني، وإمّا أن نفرض صورة بحيث يسلم فيها بعدم تنجيز العلم الإجمالي الثاني حتّى عند أشدّ الاتجاهات مناصرة للقول بنجاسة الملاقى، وهو الاتجاه الذي نختاره، كما لو فرض أنَّ الطرف الآخر تلف قبل الملاقاة، كما لو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين ثُمَّ إنَّ الإناء الشرقي تلف أو طهر وارتفعت عنه النجاسة يقيناً على فرض وجودها، وبعد ذلك أصاب الماء الإناء الغربي، فإنّه هنا لا إشكال في أنَّ العلم الإجمالي الثاني لا يكون منجّزاً؛ لأنّه قبل الملاقاة لم يكن له وجود، وبعدها وإن تشكل، لكن لا أثر له؛ لأنَّ أحد طرفيه غير قابل لأن يتنجّز من ناحية هذا العلم الإجمالي؛ لأنّه يصبح علماً إجمالياً بنجاسة الملاقى 

ــــــــــ[447]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أو الطرف الخارج من محلّ الابتلاء، ومثل هذا العلم لا أثر له، ففي مثل هذه الصورة نتكلّم في منجّزية العلم الإجمالي الأوّل، ويكون من الآثار العملية للقول بتنجيزه لنجاسة الملاقي هو الالتزام بتنجّزه في مثل هذا الفرض الذي لا نقول فيه بتنجّز العلم الإجمالي الثاني. 

فالآن نفرض صورة من هذا القبيل ونقطع النظر عن العلم الإجمالي الثاني ونحطّ (نصب) النظر على العلم الإجمالي الأوّل. قلنا: إنَّ المعروف بينهم أنَّ العلم الإجمالي الأوّل لا ينجّز نجاسة الملاقي؛ وذلك لأنَّ حرمة استعمال ووجوب اجتنابه، ليس تمام الموضوع لها هو نجاسة أحد الإناءين، بل تتوقّف فعليتها على حدوث فعلية الملاقاة خارجاً؛ لكي تحصل النجاسة في الماء ليترتّب عليه وجوب الاجتناب وحرمة الاستعمال ونحوها. إذن -قالوا- إنَّ المعلوم الإجمالي وهو نجاسة أحد الإناءين لا ينجّز بنجاسة الملاقى ولا آثارها، وإنَّما يتنجّز بالعلم الأوّل حرمة شرب نفس الطرفين المعلوم إجمالاً نجاسة أحدهما. هذا ما قالوه.

وعلى ضوء التدقيق المتقدّم لتطبيق القاعدة، لا بُدّ وأن نختلف عنهم في المقام؛ لأنّنا نميّز هنا في حرمة استعمال الماء الثالث بين الحرمة الوضعية والتكليفية، فالحرمة التكليفية لاستعمال الماء الثالث يعني حرمة شربه، لم تصبح فعلية بمجرّد نجاسة أحد الإناءين فالعلم بنجاسة أحدهما ليس علماً بتمام الموضوع لها، بل هي لا زالت معلقة على جزء آخر في موضوعها وهو الملاقاة، فتكون حرمة مشروطة معلقة وليست فعلية، فلا تتنجّز حينئذٍ وهذا صحيح.

ــــــــــ[448]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ولكن حرمة الاستعمال الوضعي، يعني: حرمة التوضي في الماء الثالث في حال ملاقاته مع الإناء النجس. هذه الحرمة فعلية الآن؛ وذلك لأنَّ الوضوء بهذا الماء المقيّد بالملاقاة مع الإناء النجس، حصّة من الوضوء متصوّرة في عالم المفهوم إيجادها وتحت قدرة المكلّف خارجاً، والمولى يمنعه من إيجادها في مقام الامتثال والتوضي به. فالحرمة الوضعية هنا فعلية قبل حصول الملاقاة والنجاسة. وهذا معنى ما قلناه من أنَّ النجاسة قيد في الحرام الوضعي لا في نفس الحرمة الوضعية، وإن كان قيداً في الحرمة التكليفية. إذن، فالحرمة الوضعية تمام الموضوع لها هو نجاسة الإناء، فهذه الحصّة الخاصّة وهي الوضوء بالماء الثالث بعد ملاقاته للإناء، تمام الموضوع لحرمتها الوضعية هو نجاسة الإناء.

 إذن، فهذا يتنجّز لأنّا علمنا بتمام الموضوع له في المقام. 

فبحسب الحقيقة: أنَّ نجاسة الإناء هو تمام الموضوع لثلاثة أشياء: أحدها الحرمة التكليفية لشربه هو نفسه، الثاني الحرمة الوضعية للتوضي به نفسه، الثالث: الحرمة الوضعية للتوضي بالماء الثالث في حالة ملاقاته. فيكون المعلوم الإجمالي تمام الموضوع لها، وهي آثار في عرض واحد تترتّب على نفس معلومنا الإجمالي ويكون العلم الإجمالي منجّزاً لها في عرض واحد.

ومن هنا يظهر أنّه لو فرض أنَّ الملاقي لم يكن ماء، بل كان مضافاً يعني لم يكن محطاً للحرمة الوضعية؛ لأنَّ المضاف على أيّ حال يحرم التوضي به، سواء كان طاهراً أو نجساً، وكان متمحّضاً للحرمة التكليفية، في مثل هذا لا تتنجّز 

ــــــــــ[449]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

نجاسة الملاقي، يعني لا يتنجّز حرمة شرب الماء المضاف المقيّد بالملاقاة قبل الملاقاة، هذا لا معنى له، لأنَّ حرمة الشرب أخذ في موضوعها الملاقاة والنجاسة، وقبل الملاقاة لا نجاسة للماء المضاف فلا يتنجز.

وحيث إنَّ تنجيز العلم الإجمالي لأطرافه وشؤونه يتوقّف على المعارضة بين الأصول؛ لأنَّ تنجيزه سنخ تنجيز لا يأبى عن جريان الأصول في بعض الأطراف، وإنَّما يصير حتمياً لو تعارضت الأصول في الأطراف فالمقتضي للتنجيز هنا يحرم من التأثير، فهذا الذي قلناه حتّى الآن إثبات تمامية المقتضي للتنجيز، يعني: أنَّ العلم الإجمالي لو خلّي ونفسه، بقطع النظر عن الأصول المؤمّنة المجعولة شرعاً، ينجّز تمام هذه الآثار الثلاثة:

 1- حرمة شرب الإناءين.

 2- حرمة التوضي بهما.

 3- حرمة التوضي بالإناء الثالث في حالة ملاقاته مع الإناء النجس المعلوم في البين.

وإن شئتم قلتم: بأنَّ العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين ينحلّ إلى العلم الإجمالي بثلاثة آثار عرضية:

 1- العلم الإجمالي بحرمة شرب أحد الإناءين.

 2- العلم الإجمالي بحرمة التوضي بأحدهما.

 3- العلم الإجمالي بحرمة التوضي إمّا بالماء الملاقى مع هذا الإناء أو بالماء الملاقى مع ذلك الإناء.

 ــــــــــ[450]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وكلها حرمات فعلية منجّزة بالعلم الإجمالي. فالمقتضي للتنجيز…

نأتي إلى المعارضة بين الأصول، فأصالة الطهارة في الإناء الملاقى والاناء الآخر متعارضان ومتساقطان بلا إشكال وأصالة الطهارة في الملاقى أو في الآخر تنفع في نفي تمام الحرمات الثلاث، وهذان الأصلان متعارضان بلحاظ تمام هذه الآثار الثلاثة لا محالة ومتساقطان. عندنا أصل آخر وهو أصالة الطهارة في الماء الثالث الذي نفرضه ونقول: إنّه في حالة ملاقاته مع هذا الإناء نشكّ في أنّه طاهر أو لا، ومن الآن نجري فيه أصالة الطهارة؛ لأنّه قد ثبت أنّه الآن هو طاهر بالحرمة الوضعية الفعلية، فجريان أصالة الطهارة فيه أيضاً يكون فعلياً؛ لأنَّ فائدة جريانها فيه الآن هو رفع الحرمة الوضعية، أي: حرمة التوضي في الماء الثالث على فرض ملاقاته مع هذا الإناء، فنجري أصالة الطهارة في هذا على تقدير وجوده لأجل أن ننفي حرمته بالفعل. وهذا معارض بأصالة الطهارة عما يلاقي الأرض أيضاً؛ إذ أننا نعلم إجمالاً بحرمة وضعية إمّا في الماء الملاقي مع هذا أو الملاقى مع ذاك، فأصالة الطهارة في كلّ من الملاقيين يتعارضان(1)

ــــــــــ[451]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: نحن نجري أصالة الطهارة قبل الملاقاة لكلا الطرفين
-أصلاً- بمجرّد أن يحصل عندي علم إجمالي بنجاسة أحد الإناءين، أجري أصالة الطهارة عن نجاسة ما يلاقى هنا على تقدير الملاقاة ولا نقول: إنه لا أثر له؛ لأننا قد برهنا أنّه له أثر؛ لأن الحرمة الوضعية فعلية، ويمكنني نفيها بإجراء الأصل بهذا النحو*.

* وهنا قال جواباً على سؤال: الشكّ موجود في الخارج وفعليّ، إذا شك أنَّ هذا هل يتنجس هنا على تقدير الملاقاة أو لا، فانفي هذه النجاسة على هذا التقدير بأصالة الطهارة أو استصحابياً، فيتعارض الأصلان في الملاقيين التقديريين، وبه تتنجز الحرمة الوضعية في الملاقي، فلو لاقى حينئذ ماء ثالث مع أحدهما يتنجّز حرمته الوضعية بذلك. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هذا لو فرضنا أن كلّ واحد منهما كان منجّساً على فرض أن يكون نجساً، وهنا فروض نادرة يختلّ فيها هذا الكلام، كما لو علمت إجمالاً بنجاسة من المرتبة الأولى في هذا الإناء أو من المرتبة الثانية في ذلك الإناء، يعني: متنجس بالتنجّس بحيث لا ينجس فلا تكون حرمة وضعية فعلية لعدم نجاسته. فأصالة الطهارة في الملاقى التقديري لهذا الطرف لا يعارضه أصالة الطهارة في الملاقى التقديري لذاك، بل يعارض أصالة الطهارة في الملاقى التقديري هنا مع أصالة الطهارة في الطرف الملاقى.

وحينئذٍ يرتبط بالمسألة التي حقّقناها فيما سبق وسيأتي الكلام عنها فيما يأتي مفصّلاً، وهي أنَّ أصالة الطهارة في الملاقي الذي يقال: بأنّها في طول أصالة الطهارة في الملاقى، هل يمكن أن يقع هذان الأصلان الطوليان طرفاً للمعارضة مع أصالة الطهارة في الطرف الآخر في عرض واحد ويسقط أو لا، وسوف يأتي أنّه يقع طرفاً للمعارضة معه ويسقط. فحينئذٍ يكون للعلم الإجمالي من هذه الناحية منجّزاً.

وأمّا أصالة الطهارة(1) في هذا الماء الثالث على تقدير الملاقاة، إن كان له معارض على مستواه في ملاقي الطرف الآخر تعارض معه، وإلَّا وقع طرفاً 

ــــــــــ[452]ــــــــــ

() وبعد أن لخّص الفكرة من أولها قال فيما قال: وأمّا أصالة الطهارة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

للمعارضة في الطرف ابتداء. وبعد تساقط الأصول تتنجّز الحرمة الوضعية لهذا الماء على تقدير ثبوت الملاقاة، فمن الآن يحكم بهذا الحكم وهو: أنَّ هذا الماء لو لاقى لا يجوز التوضي؛ لأنَّ حرمته طرف للعلم الإجمالي من دون مؤمّن، وذلك بخلاف حرمته التكليفية، فإنّها لا تكون من الآثار المترتّبة على المعلوم الإجمالي فقط فلا تكون منجّزة لو قطع النظر عن العلم الإجمالي الثاني.

فلو فرض أنَّ هذا الماء لاقى مع أحد الإناءين فالتوضي غير جائز؛ لأنَّ الحرمة الوضعية تنجزت بالعلم الإجمالي الأوّل، وأمّا شربه فجائز؛ لأنَّ الحرمة التكليفية لم تتنجّز لا بالعلم الإجمالي الأوّل؛ لأنَّ المعلوم الإجمالي الأوّل ليس تمام الموضوع لها، ولا بالعلم الثاني؛ لأنا نتكلم في مورد لا يكون العلم الإجمالي الثاني منجزاً. وحينئذ يفصّل بين الحرمة الوضعية والتكليفية.

تلخص ممّا بيّناه أنّه إذا علم إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين، فبمجرّد هذا العلم الإجمالي، وبقطع النظر عن حدوث الملاقاة بعد ذلك، يكون المعلوم الإجمالي ذا آثار وموضوعاً لتكاليف ثلاثة إلزامية تتنجّز به، فأيّ واحد من الإناءين يمكننا أن نشير إليه فنقول: لو كان المعلوم الإجمالي هو هذا فهو تمام الموضوع لثلاثة أحكام:

 1- حرمة شرب نفسه.

 2- حرمة التوضي به وضعاً.

 3- حرمة استعمال الماء الثالث على تقدير ملاقاته وضعاً. فإنَّ هذه الحرمة فعلية قبل الملاقاة على ما برهنا عليه.

ــــــــــ[453]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

نعم، حرمة شرب الماء الثالث التكليفية، لا تتنجّز بهذا العلم الإجمالي؛ لأنَّ نجاسة الإناء ليس تمام الموضوع لها، وإنَّما لا بُدّ فيه من الملاقاة. 

وحينئذٍ لو قلنا: بأنَّ العلم الإجمالي علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية ويستحيل جريان الأصول المؤمّنة في بعض أطرافه ولو لم يكن له معارض، فيتم المطلب بلا ضميمة؛ وذلك لأنَّ هذه الآثار الثلاثة وقعت طرفاً للعلم الإجمالي، فينحلّ هذا العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين إلى العلم الإجمالي بثلاثة تكاليف إلزامية هنا أو بثلاثة هناك. ومثل هذا العلم الإجمالي يكون منجّزاً وموجباً لامتناع جريان الأصول بناء على القول بالعلِّية.

وأمّا على القول بالاقتضاء، وهو أنَّ تنجيز العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية فرع التعارض بين الأصول في الأطراف والتساقط، فلا بُدّ حينئذٍ من أن يُرى أنّه هل هناك تعارض بين الأصول في الأطراف أو لا؟

وفي هذا المجال نقسم الفرض إلى صورتين:

 الصورة الأولى: هي أن نفرض أنَّ كُلّاً من الإناءين اللذين علم إجمالاً بنجاستهما يكون منجّساً لملاقيه لو حصل له ملاقي. 

الصورة الثانية: أن نفرض أنّه ليس منجّساً لملاقيه لو حصل، بأن كان متنجّساً من الدرجة الثانية.

أمّا القسم الأوّل: -وهو ما إذا كان كُلّاً منهما موجباً للتنجيس لو لاقاه شيء- قلنا: إنّه يحصل عندنا علم إجمالي بثلاثة تكاليف إلزامية مرددة بين أن تكون هنا أو هناك. وقد فرضنا أننا قلنا بالاقتضاء فيجب أن نفتش عن 

ــــــــــ[454]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الأصول المؤمّنة، لنرى أنّها هل توجب التعارض أو لا؟ هنا سنخان من الأصول المؤمّنة، سنخ يؤمّن من ناحية تمام التكاليف الثلاثة وسنخ يؤمّن من ناحية بعضها دون بعض. أمّا السنخ الأوّل فهو أصالة الطهارة أو استصحابها في نفس طرف العلم الإجمالي، يعني: في هذا الإناء وذاك، فإنَّ هذا الأصل يؤمّن من ناحية أمور ثلاثة:

 1- حرمة شرب نفس الإناء.

 2- حرمة التوضي به.

 3- حرمة التوضي بماء ثالث يلاقيه.

 فأصل الطهارة المؤمّن من ناحية التكاليف الثلاثة في كلّ طرف يعارض مع الأصل والمماثل له في الآخر، ويتساقطان.

وهناك أصل آخر يؤمن فقط من ناحية التكليف الثالث، وهو أصالة الطهارة في نفس الملاقي، يعني: في نفس الماء على تقدير الملاقاة، هذا الأصل يؤمّن من ناحية الحكم الثالث فقط. فيتعارض أصالة الطهارة في ملاقي هذا مع أصالة الطهارة في ملاقى الآخر ويتساقطان.

إشكال مع جوابه

هنا قد يستشكل في هذه المعارضة بين أصالة الطهارة في الملاقي المفروض لهذا وأصالة الطهارة للملاقى المفروض للآخر ويقال: هل مقصودكم من جعل أصالة الطهارة أصلاً معارضاَ، هو أصالة الطهارة الجارية بالفعل، أو الجارية على تقدير حصول الملاقاة خارجاً؟

ــــــــــ[455]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إن أردتم أصالة الطهارة الجارية بالفعل، فهي لا دليل عليها؛ لأنَّ دليله لا يدلّ على طهارة المشكوك في طهارته إلَّا بعد وجود المشكوك خارجاً لا قبل وجوده، فأصالة الطهارة لا يدلّ على الطهارة الفعلية للملاقى التقديري هنا حتّى تجعلونه معارضا للطرف الآخر.

وإن أردتم أصالة الطهارة المشروطة المنوطة بفعلية وجود الملاقاة خارجاً، فهذا صحيح، فإنَّ أصالة الطهارة يدلّ على طهارة الماء في ظرف الملاقاة على نحو الطهارة الظاهرية بوجود موضوعها خارجاً، ولكن حيث إنَّ هذه الطهارة الظاهرية المشروطة غير محرزة الفعلية والتحقق للشك في تحقق شرطها وهي الملاقاة -لأنَّ الكلام قبل الملاقاة- فهو أصل غير محرز الجريان بنحو فعليّ، والأصل في الملاقى التقديري للطرف الآخر أيضاً غير محرز الجريان، فلا معنى للمعارضة بين الأصلين الجاريين في الملاقيين التقديريين؛ لأنّهما أصلين غير محرزي الجريان(1) والتعارض إنَّما يصير بين أصلين كلّ واحد منهما في نفس محرز الجريان.

فإن قيل: بأننا نوقع المعارضة بين أصالة الطهارة في الملاقى التقديري هنا، وبين أصالة الطهارة في نفس الإناء في الطرف الآخر. نقول: هذا أيضاً غير صحيح؛ لأنَّ أصالة الطهارة في الطرف الآخر فعلية الجريان لتحقق موضوعها خارجاً، وأمّا أصالة الطهارة في الملاقى التقديري فهي مشروطة غير محرزة الشرط وغير محرزة الفعلية في زمان ما، فكيف يعارض أصل غير محرز الجريان بأصل محرز الجريان في نفسه؟

ــــــــــ[456]ــــــــــ

() وكلٌ منهما قاصر الاقتضاء في نفسه، (المحاضرة) (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إذن، فأصالة الطهارة في الملاقى لهذا الإناء لا تصلح طرفاً للمعارضة، لا مع أصالة الطهارة في الملاقى للإناء الآخر ولا لأصالة الطهارة في الإناء الآخر ابتداء؛ وعليه لا تكون أصالة الطهارة في الملاقى جارياً حتّى يسقط بالمعارضة، حتّى تحصل الملاقاة خارجاً، وحينئذٍ تجري أصالة الطهارة في الملاقي من دون معارض؛ إذ ماذا يعارضها؟ إن كان يعارضها أصالة الطهارة في الملاقي الطرف الآخر، فالمفروض أنّه لم يلاقه(1) شيء، وإنَّما الملاقاة اختصت بأحد الطرفين، وإلَّا لم يكن هناك إشكال في التنجيز، وإن كان يعارضها أصالة الطهارة في نفس الإناء الآخر، فقد سقط هذا الأصل بالمعارضة منذ تشكّل العلم الإجمالي الأوّل، على كلام يأتي فيما بعد.

فلا يكون العلم الإجمالي الأوّل، مؤثّراً في إسقاط الأصول، وحرمان الملاقى التقديري منذ أوّل الأمر عن جريان الأصول فيه.

فهذا المطلب حاله حال ما لو علمنا إجمالاً بوجوب صلاة ركعتين بالفعل قضاءً كقضاء صلاة الصبح، أو بوجوب التصدّق على مسكين على تقدير نزول المطر، فهل نقول: بأنَّ أصالة البراءة عن صلاة ركعتين بالفعل يعارض عن أصالة البراءة عن وجوب التصدّق على فقير على تقدير نزول المطر، لا نقول بهذا؛ لأنَّ الأصل الثاني لوجوب الصدقة ظرفه هو ظرف نزول المطر، وهو ظرف غير محرز الجريان لا الآن ولا في الآتي، والأصل غير المحرز الجريان لا 

ــــــــــ[457]ــــــــــ

() والأصل الجاري فيه أصلٌ غير محرز الجريان؛ لأنّه ملاقٍ تقديري، (المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

يعارض به الأصل المحرز الجريان في نفسه وهو أصالة البراءة عن وجوب القضاء بالفعل. 

هذا هو الإشكال.

وأمّا الجواب: مرادنا في المقام من الأصل الجاري في الملاقى التقديري الذي يقع طرفاً للمعارضة مع الأصل الجاري في الطرف التقديري الآخر، بل مع الأصل في الطرف الآخر ابتداءً. ليس مرادنا هو أصالة الطهارة الجارية بالفعل، بمعنى: أننا ندّعي: أنَّ دليل أصالة الطهارة يدلّ على طهارة فعلية للملاقى التقديري، فإنَّ الملاقى التقديري لا يناسبه الطهارة الفعلية، وإنَّما يناسبه الطهارة التقديرية أيضاً. 

بل نريد أن نقول: بأنَّ شمول دليل أصالة الطهارة للملاقى التقديري في ظرف الملاقاة، وهو حكم ظاهري مشروط بالملاقاة، يدلّ دليل أصالة الطهارة على مثل هذا الحكم المشروط. 

قوله: “كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر” يدل: على أنَّ هناك حكماً بالطهارة الظاهرية على هذا الماء في ظرف ملاقاته لهذا الإناء، فنريد أن نقول: إنَّ دلالة الدليل على هذه الطهارة المشروطة تعارض مع دلالته على الطهارة المشروطة للملاقى الآخر، ويعارض دلالته على الطهارة الفعلية للإناء الآخر أيضاً.

ولا يقاس هذا بمسألة العلم الإجمالي بوجوب قضاء الصبح، أو بوجوب الصدقة على تقدير نزول المطر، فإنّه في هذا المثال ونحوه، نلتزم بأنَّ أصالة البراءة من وجوب القضاء يجري ولا يعارضه أصالة البراءة عن وجوب الصدقة على تقدير نزول المطر.

 ــــــــــ[458]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

والنكتة في ذلك: هي أنَّ أصالة البراءة عن وجوب الصدقة في ظرف نزول المطر لا يؤمّن عن تكليف محتمل بالفعل، بل يؤمّن عن تكليف مشكوك الفعلية إلى الأبد؛ لأني أشك أنَّ وجوب الصدقة هو سوف يصبح فعلياً في وقت ما، أو أنَّ المطر سوف لن ينزل أبداً.

 فهو لا يؤمّن عن تكليف محتمل بالفعل حتّى يلزم من ضمّه إلى أصالة البراءة عن التكليف الفعلي وجوب قضاء صلاة الصبح الترخيص والتأمين من تكليف فعلي معلوم على كلّ تقدير، بل هو يؤمّن من ناحية تكليف غير محرز الفعلية ولو في وقت ما أصلاً، ومثل هذا التأمين لا يكون ضمّه إلى مثل هذا التأمين الفعلي عن التكليف بصلاة الصبح، لا يكون منتجاً للتأمين عن تكليف فعلي على كلّ تقدير، فلا يلزم محذور الترخيص في المخالفة القطعية. 

وهذا بخلافه في محلّ الكلام، فإنَّ أصالة الطهارة في الماء على تقدير ملاقاته لهذا الإناء، وإن لم يكن جارياً بالفعل، بل جار في ظرف الملاقاة الذي هو ظرف مشكوك ولا أدري أنّه يتحقق أو لا، لكن هذا الأصل الجاري في هذا الظرف يستدعي التأمين من ناحية تكليف فعلي محتمل الوجود بالفعل، وهو تحريم التوضي بذلك الماء على تقدير الملاقاة، أليس قلنا سابقاً: إنَّ الحرمة الوضعية لاستعمال الملاقى النجس فعلية قبل الملاقاة، وهذه الحرمة محتملة بالفعل، وتلك الأصالة المشروطة على مشروطيتها تؤمّن من ناحية هذه الحرمة الفعلية؛ لأنّها تثبت أنَّ الوضوء بذلك الماء على تقدير الملاقاة يقع في ظرفه مصداقاً للواجب، أي: الوضوء بالماء الطاهر ولا يكون حراماً بالحرمة الوضعية، فإنَّ الحرمة الوضعية تقول لنا: يحرم عليكم أن تتوضؤوا بماء يكون في حال الوضوء 

ــــــــــ[459]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

نجساً. وأصالة الطهارة المشروطة الجارية على تقدير الملاقاة تقول: بأنَّ وضوءكم بذلك الماء على تقدير الملاقاة وضوء بماء طاهر لا نجس. إذن، فأصالة الطهارة بجريانها المشروط تؤمّن من ناحية تكليف فعلي.

فإنّا ضممنا هذا التأمين إلى تأمين أصالة الطهارة في الملاقى التقديري للطرف الآخر من ناحية التكليف الفعلي أيضاً. فهذان الأصلان بوجوديهما المشروطين ينتجان تأميناً فعلياً من ناحية الحرمة الوضعية المعلومة إجمالاً، وهي حرمة التوضي بملاقى النجس، فتحصل المعارضة بينهما لا محالة، باعتبار أنّهما يوجبان الترخيص في المخالفة القطعية لتكليف فعلي على كلّ تقدير. 

فدليل أصالة الطهارة قبل حصول الملاقاة في الخارج يسجّل وتتعارض دلالته على الإجراء المشروط هنا، مع دلالته على الإجراء المشروط هنا، وبعد التعارض والتساقط، لو خرج أحد الملاقيين التقديريين من التقدير إلى الفعلية، يعني: لاقى ماء مع أحد الإناءين، فهذه نجاسة حرمتها الوضعية منجّزة بالعلم الإجمالي الأوّل ولم يبق فيها أصل مؤمّن؛ لأن تمام الأصول المؤمّنة سقطت بالتعارض.

وهذا معنى أنَّ العلم الإجمالي الأوّل وحده كاف في تنجيز نجاسة الملاقى، ولكنّه ينجّز حرمته الوضعية دون التكليفية.

قلنا: إنَّ الكلام في نجاسة الملاقى لأحد أطراف العلم الإجمالي يقع في مقامين:

 المقام الأول: في تنجيز هذه النجاسة بلحاظ العلم الإجمالي الأوّل، بنجاسة الملاقى أو الطرف.

ــــــــــ[460]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

 والمقام الثاني في تنجيز نجاسة الملاقى بالعلم الإجمالي الثاني المتولد حين الملاقاة، بنجاسة الملاقى أو الطرف. 

وقلنا في المقام الأوّل: إنَّ العلم الإجمالي الأوّل كاف لتنجيز نجاسة الملاقى وإيجاد حالة التعارض بين الأصول المؤمّنة، وكل هذا يتمّ بلحاظ هذا العلم قبل أن تحصل ملاقاته في الخارج أصلاً، بحيث إنه حين تحصل ملاقاة في الخارج مع أحد الطرفين يتكون هنا نجاسة محتملة في الملاقى قد سقطت عنها الأصول المؤمّنة. وقلنا: إنَّ المنجّزية المكتسبة من العلم الإجمالي الأوّل لا تستوعب كلّ آثار الملاقي، ويظهر أثرها في مورد عدم(1) تشكّل علم إجمالي ثاني. وأمّا في موارد تشكلّه فلا يظهر لها مزيد أثر باعتبار أننا سوف نقول في المقام الثاني: إنَّ العلم الإجمالي الثاني منجّز في حدّ ذاته سواء أكان الأوّل منجّزاً أو لم يكن. هذا ملخص ما انتهينا إليه من نتائج.

أمّا الآغايون فحيث إنّهم لم يمسّكوا بالخيط الذي امسكنا به وانتهينا إلى التفرقة بين الحرمة الوضعية والتكليفية؛ ولذا لم يذهبوا إلى كفاية تنجيز العلم الإجمالي الأوّل في تنجيز نجاسة الملاقي، وحيث إنّهم أرادوا أن يقدموا تصويراً فنّياً لكيفية تنجيز العلم الإجمالي الأوّل لنجاسة الملاقي، فربطوا ذلك بمبحث فقهي في نجاسة الملاقي، وفرّعوا المسألة الأصولية على الخلاف في تلك المسألة، كما أفاد المحقق النائيني.

ــــــــــ[461]ــــــــــ

() كما لو كان الطرف الآخر قد تلف أو طهر قبل الملاقاة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ما أفاده المحقق النائيني ومناقشته

وحاصل ما أفاده: أن نجاسة الملاقي الثابتة في الفقه بأدلّتها يحتمل فيها احتمالان: 

أحدهما: أن تكون نجاسة الملاقي فرداً جديداً من النجاسة زائداً على نجاسة الملاقى قد حكم الشارع به بلحاظ نكتة السببية والتأثير والتأثر بين القذر وغير القذر حينما يلاقى أحدهما الآخر.

 ثانيهما: أن تكون نجاسة الملاقي مرجعها إلى سراية نجاسة الملاقى، بمعنى: أنَّ نجاسته تنبسط وتتوسع بحيث تنفذ في الملاقي، من قبيل التيار الكهربائي الموجود في جسم مكهرب حينما يلاقيه جسم آخر، فنفس هذا التيار بحسب النظر العرفي يكون هو النافذ في الجسم الآخر، فيكون نجاسة الملاقى من باب الانبساط والتوسع والسراية، فنجاسة الملاقي هي نفس تلك النجاسة الثابتة للملاقى إلَّا أنّها كانت منكمشة فانبسطت، لا أنّها فرد آخر جديد مباين للنجاسة. 

وذكروا أنّه لو بني على الاحتمال الأوّل، وأنَّ النجاسة فرد آخر جديد غير الفرد الأوّل، فالعلم الإجمالي الأوّل لا ينجّز نجاسة الملاقى، تطبيقاً للقاعدة السابقة، فإنَّ المعلوم بالعلم الإجمالي الأوّل وهو نجاسة أحد الإناءين ليس هو تمام الموضوع لنجاسة الملاقي، فإنَّ نجاسة الملاقى بحسب الفرض، فرد جديد مباين من النجاسة يتوقّف فعليته على الملاقاة خارجاً مع الإناء النجس، ومجرّد أنَّ هناك إناء نجساَ ليس هو تمام الموضوع لفعلية هذا الفرد الجديد من النجاسة. إذن، فلا يتنجّز بالعلم الإجمالي الأوّل.

ــــــــــ[462]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وأمّا إذا بنينا على الاحتمال الثاني، وأنَّ نجاسة الملاقى بابها باب الامتداد والانبساط، فحينئذٍ يحكم بتنجّز نجاسة الملاقى بنفس العلم الإجمالي الأوّل، لأنّها نفس تلك النجاسة لا أنّها نجاسة أخرى، فعلى تقدير أن يكون الملاقى هو المعلوم بالإجمال، فنجاسة ملاقيه ليست إلَّا نفسه وتعبير آخر عنه، فإنّه ليس عندنا إلَّا فرد واحد من النجاسة والمفروض تنجّز هذا الفرد الواحد، فلا محالة تتنجّز نجاسة الملاقى بنفس العلم الإجمالي الأوّل.

هذا ما ذكروه وجعلوا المبنى الثاني للحكم الفقهي، جعلوه تصويراً أصوليا لتنجيز العلم الإجمالي الأوّل لنجاسة الملاقي. ثُمَّ بعد هذا قالوا: بأنَّ التحقيق في الفقه هو الاحتمال الأوّل دون الثاني، فلا تتنجّز نجاسة الملاقى بالعلم الإجمالي الأوّل. 

ونحن ما فرغنا عنه من نتائج وضعناها على أساس الاحتمال الأوّل، الذي هو الصحيح، وهو أن تكون نجاسة الملاقي فرداً جديداً زائداً على الفرد الأوّل، وهو نجاسة الملاقى، واتضح أن نجاسة الملاقي تقع تحت التنجيز بلحاظ العلم الإجمالي الأوّل ولو بلحاظ الآثار الوضعية دون التكليفية.

وأمّا ما ذكر من أنّه بناء على الشقّ الثاني، تكون النجاسة منجّزة في الملاقى بنفس العلم الإجمالي الأوّل، فهذا، لو قطع النظر عما بيّناه من أسلوب تنجيز نجاسة الملاقي، بالعلم الإجمالي الأوّل، واعترفنا بأنّه على المبنى الفقهي الأوّل لا يتنجّز نجاسة الملاقي بالعلم الإجمالي الأوّل، فمن غير الصحيح أن نبني على أنّها تتنجّز على المبنى الفقهي الثاني.

ــــــــــ[463]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

 هذا بعد قطع النظر عن أصل تحليل المبنى في نفسه والتكلّم في معقوليته وعدمها، وفرض أنّه معقول في نفسه.

بعد هذا نقول: إنَّ المبنى الفقهي الثاني لا ينتج ما أرادوه لو قطعنا النظر عن البيانات السابقة، افرضوا أنَّ نجاسة الملاقي هي بالسراية، بمعنى: أنَّ نجاسة الملاقى توسعت وتمددت ونفذت في الملاقي فهي نفس الفرد الأوّل، إلَّا أنّه مع هذا وفقاً للطريقة الاعتيادية في مقام تطبيق القاعدة العامة، لا بُدّ وأن نقول: بأنَّ نجاسة الملاقى لا تتنجّز بالعلم الإجمالي الأوّل؛ لأنَّ هذا الفرد الواحد يحلّله العقل إلى ذات النجاسة وإلى حدّها وهو حدّها الامتدادي والسعتي، وأصل النجاسة وقع طرفاً للعلم الإجمالي الأوّل فيتنجّز به. وأمّا سعة هذه النجاسة وامتدادها فلم يقع طرفاً له ولا يكون المعلوم الإجمالي الأوّل وحده تمام الموضوع له، فإنّ النجاسة لا تمتدّ ولا تتسع إلَّا بعد الملاقاة، فالملاقاة دخيلة أيضاً في فعلية هذه السعة والامتداد. 

فأنتم لم تصنعوا بتغيير المبنى، إلَّا أنّه على المبنى الأوّل، كانت الملاقاة دخيلة في ذات حدوث نجاسة جديدة، وعلى الثاني تكون دخيلة في حدّ النجاسة وامتدادها، فعلى الأوّل لا ينجّز أصل النجاسة الجديدة، وعلى الثاني لا يتنجّز حدّها.

وإن شئتم قلتم: إنَّ من يقول بالسراية والانبساط، وإن أنكر تعدد النجاسة وجوداً وفرداً بحسب الخارج، لكن لا محالة لا بُدّ له من الاعتراف بتغيّر الحدود واختلافها بعد الملاقاة عنه قبلها، ولا يمكن أن يتصوّر أنَّ النجاسة بقيت محتفظة بحدها قبل الملاقاة إلى ما بعدها.

 ــــــــــ[464]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هذا أمر غير معقول ببرهان: أمّا هذه النجاسة قبل الملاقاة لم يكن لها نحو إضافة إلى الملاقي، والآن أصبح لها نحو إضافة إلى الملاقي، فهذا النحو من الإضافة إلى الملاقى يبرهن على تغيّر الحدّ لا محالة في هذه النجاسة الوحدانية ونشوء حدّ جديد فيها.

 وحينئذٍ نقول: بأنَّ هذا الحدّ الجديد الناشئ لا يتنجّز بالعلم الإجمالي الأوّل؛ لأنّه ليس المعلوم الإجمالي الأوّل تمام الموضوع له؛ لأنّه متوقف على الملاقاة. هذا أولاً.

وثانياً لو سلّمنا أنَّ النجاسة بعد الملاقاة لا يتغيّر شيء من حدودها أصلاً، بل تبقى بعد الملاقاة هي هي بوحدتها الفردية وحدودها الشخصية. لو سلّمنا هذا، فأيضاً نقول في المقام: إنّه لا يثبت المقصود؛ وذلك لأنَّ مصبّ التنجّز بحسب الحقيقة ليس هو النجاسة بما هي حكم وضعي، بل مصبّه هو الأحكام المترتّبة على النجاسة وهي حرمة الشرب وعدم جواز التوضي منه وبطلان الصلاة فيه؛ فإنَّ هذه هي التي تكون قابلة للتنجّز ابتداء. ونحن حينما نقول: إنَّ النجاسة تتنجّز وتخرج عن دائرة (قبح العقاب بلا بيان)، نريد بذلك خروجها، بلحاظ آثارها المترتّبة عليها، لا بما هي هي، وإلَّا فالنجاسة بما هي هي لا عقاب عليها ولا تنجّز لها.

إذن، فمرحلة التنجّز هي مرحلة آثار النجاسة، وفي هذه المرحلة لا إشكال في الزيادة والقلّة، فإنَّ حرمة شرب الملاقي فرد جديد غير حرمة شرب الملاقى بلا إشكال، ففي باب الآثار نواجه فردين من التكليف لا فرداً واحداً ممتداً، 

ــــــــــ[465]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وأحد هذين الفردين وهو حرمة الملاقى تنجّز بالعلم الإجمالي الأوّل، وأمّا الفرد الثاني وهو حرمة الملاقي فلم يتنجّز بالعلم الإجمالي الأوّل؛ لأنّه لم يعلم فيه بتمام الموضوع لحرمة الملاقى؛ لأنَّ الملاقاة جزء الموضوع لحرمة الملاقي فيعود الإشكال. إذن، فهذا المبنى الفقهي لا يصنع شيئاً. 

نعم، هناك توجب القول بالسراية بمعنى آخر، غير المعنى الذي قصده المحقق النائيني، إلَّا أنّه مجرّد تصوير خيالي شعري، لكنّه لو تمّ لأنتج مقصوده. وحاصله أن يقال: بأنَّ النجس ثبت في الشرع وجوب الاجتناب عنه، فيفسر الاجتناب الواجب بأنّه عنوان بسيط متحصّل من ترك مساورته وترك مساورة ما يلاقيه، بحيث إنَّ المولى حينما يشير إلى الدم ويقول: (اجتنب عن هذا)، فلا يمتثل العبد هذا الأمر إلَّا إذا ترك مساورة نفس الدم، وترك مساورة ملاقيه. فإذا تحقق منه كلا التركين يتولّد هذا العنوان البسيط المسمّى بالاجتناب، وإلَّا لا يتولّد. 

لو فرضنا أنَّ الشريعة وجد فيها مثل هذا الحكم، فيقال في المقام: بأننا علمنا بالعلم الإجمالي الأوّل بنجاسة أحد الإناءين، وهو مساوق للعلم بوجوب الاجتناب عن أحد الإناءين، والاجتناب عن أحد الإناءين عنوان بسيط لا يحصل إلَّا بتركه وترك ما يلاقيه، فيجب علينا ترك مساورة الملاقي؛ لأنّنا لو ساورنا الملاقي، نشكّ في صدق عنوان اجتناب الملاقى الذي تنجّز علينا بالعلم الإجمالي، ويكون هذا شكاً في الفراغ عن عهدة التكليف المعلوم الذي تنجّز بالعلم الإجمالي، لا أنّه شكّ في تكليف زائد. فبناء على هذا يتصور المطلب.

ــــــــــ[466]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إلَّا أنَّ هذا مجرّد فرض شعري؛ لأنّه لا يوجد في الأدلّة حكم إلزامي متعلّق بعنوان بسيط مسبب عن مثل هذه الأمور، وإنَّما عندنا في الأدلّة، (لا تشرب منه)، (لا تتوضأ منه)، (لا تصلِّ فيه)، ونحو ذلك، ولا محالة أنَّ هذه الأحكام انحلالية تعددّية، و(لا تتوضّأ من الملاقى) لا يستدعى أصلاً في مقام امتثاله أن لا أتوضأ من الملاقي، أو (لا تشرب من الملاقى) لا يستدعي في مقام امتثاله أن لا أشرب من ملاقيه، فهذا مجرّد فرض لا واقع له بحسب الخارج.

ومن هنا تلخّص أنَّ هذه المسألة لا ترتبط بالخلاف الفقهي المشار إليه، وإنَّما ترتبط بتدقيق أنَّ الحرمة الوضعية فعلية قبل وجود موضوعها بحسب الخارج، فإن تبيّنا فعليتها حينئذٍ، كما قد تبيّنا، فيتنجّز بالعلم الإجمالي الأوّل نجاسة الملاقي. 

هذا تمام الكلام في المقام الأوّل، وهو تنجيز العلم الإجمالي الأوّل لنجاسة الملاقي.

المقام الثاني: في تنجيز العلم الإجمالي بعد الملاقاة

المقام الثاني: لو وقعت الملاقاة خارجاً مع أحد الإناءين، فيتشكل عندي علم جديد وراء ذلك العلم الأوّل الذي تشكّل عند الملاقاة، وهو العلم بنجاسة الملاقي أو الطرف. 

وقد أشرنا فيما سبق أنَّ هذا العلم الإجمالي الثاني، لا يكون منجّزاً حتّى عند أشدّ الاتجاهات تعصباً للقول بالنجاسة، وهو اتجاهنا، لا يكون منجّزاً لو كان الطرف الآخر قد خرج عن محلّ الابتلاء قبل حصول الملاقاة إمّا بتلف أو تطهير أو نحوه؛ لأنّه ماذا يقول؟ هل يقول: أعلم بنجاسة الملاقي أو ذاك الطرف 

ــــــــــ[467]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الآن؟ هذا خطأ؛ لأنَّ ذاك الطرف الآخر ليس محتمل النجاسة، بل هو طاهر جزماً أو معدوم مطلقاً، أو يقول: أعلم بنجاسة الملاقى أو الطرف قبل الملاقاة وحينما كان موجوداً فهذا خارج عن محلّ الابتلاء حين تشكّل العلم الإجمالي.

وقد قرأنا فيما سبق: أنَّ العلم الإجمالي يجب أن يكون حين تشكلّه داخل كلا طرفيه في محلّ الابتلاء، فالعلم الإجمالي الثاني لا ينجّز في مثل هذه الصورة.

وأمّا في غير هذه الصورة، وهو ما لو فرض أنَّ الطرف الآخر كان باقياً على دخوله في محلّ الابتلاء، فهل ينجّز مثل هذا العلم الإجمالي مطلقاً أو لا ينجّز مطلقاً أو فيه تفصيل؟ أمّا الأعلام فبين قولين: قول إنّه لا ينجّز مطلقاً وقول بالتفصيل. والصحيح هو أنّه ينجّز مطلقاً.

وهذا العلم من حيث كونه علماً إجمالياً تمام الجهات، فلا بُدّ من إبراز نكتة تقتضي تعطيله عن المنجّزية؛ ولهذا نستعرض النكات التي ذكرها الأعلام لتعطيل هذا العلم عن المنجّزية إمّا تعطيلا مطلقاً أو في بعض الموارد دون بعض.

يقع الكلام في المقام الثاني، أي: في تنجيز العلم الإجمالي الثاني المتشكل بعد الملاقاة، فهل يكون هذا منجّزاً أو لا؟

قلنا: بأنَّ المعروف بين المحقّقين أنّه ليس منجّزاً إمّا مطلقاً أو في بعض الصور، وحاولوا البرهنة على هذا المدّعى بعدة تقريبات.

التقريب الأوّل: لعدم التنجيز للسيّد الأستاذ 

التقريب الأوَّل: وهو ما اعتمد عليه السيّد الأستاذ، وهذا التقريب يحاول أن يبرهن على عدم تنجيز العلم الإجمالي، فيما إذا كانت الملاقاة قد حصلت بعد 

ــــــــــ[468]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

العلم الإجمالي الأولية بعدية زمانية، كما لو حصل العلم الإجمالي الأوّل صباحاً وحصلت الملاقاة حين الغروب مع أحد الإناءين. فهذا هو الفرض الذي يبرهن هذا التقريب على عدم تنجيز العلم الإجمالي فيه.

وفيه يتعين مسلك الاقتضاء القائل: بأنَّ العلم الإجمالي علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعية ومقتضٍ لوجوب الموافقة القطعية، أي: أنّه يمكن أن يقترن بالمانع وهو الترخيص من قبل الشارع، فمن هذا يتوقّف تتميم هذا المقتضى على وقوع التعارض بين الأصول الشرعية في الأطراف، والتساقط، بلحاظ أنَّ جريانها جميعاً يؤدّي إلى محذور المخالفة القطعية، وبعد التساقط يتمّ وجوب الموافقة القطعية. 

وفي هذا التقريب يُعترف بأنَّ هذا العلم الإجمالي الثاني المتولد حين الغروب، علم قائم غير منحلّ تكويناً من ناحية العلم الإجمالي الأوّل، ولا منحلّ أثراً، من ناحية أيضاً، وكونه في طول العلم الإجمالي الأوّل -لو كان- لا يضرّ بمنجّزية العلم الإجمالي الثاني، ولا كون طهارة الملاقي في طول طهارة الملاقى يكون بنفسه سبباً في خروج الملاقي عن دائرة التنجيز. 

إذن، فهذا العلم الإجمالي الثاني غير محتمل، وتنطبق عليه قواعد التنجيز عند القائل بالاقتضاء، بمعنى: أنّه علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعية، بمعنى: عدم إمكان جريان الأصل في كلا طرفية الملاقي والطرف، ومقتضي لوجوب الموافقة القطعية، بمعنى: أنَّ تتميم التنجّز يتوقّف على إيجاد التعارض بين الأصول، والمناقشة -بعد تسليم تمام هذه المقدمات- في هذه النقطة الأخيرة.

ــــــــــ[469]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بأن يقال: بأنّه لا(1) تعارض بين الأصول المؤمّنة شرعاً، بل إنَّ أصالة الطهارة في الملاقي تجري ولا يعارضها أصالة الطهارة في الطرف الآخر. والوجه في ذلك: هو أنَّ أصالة الطهارة في الطرف الآخر سقطت بالمعارضة في الزمان السابق بالمعارضة مع أصالة الطهارة في الإناء الملاقى من حين نشوء العلم الإجمالي الأوّل. إذن، فحين نشوء العلم الإجمالي الثاني لا يوجد معارض مع أصالة الطهارة في الملاقي.

هذا هو تقريب المطلب.

وأظنّ أنَّ صياغة هذا التقريب كانت بدافع من تمثيل الموقف هنا بما لو فرض أنّ كلّ واحد من أصالات الطهارة الثلاث: في الطرفين والملاقي كانت بتوقيتها الزمني من قبيل أدلّة ثلاثة، فكأنّ المولى صدر منه ثلاث كلمات، صدر منه كلامان أوّل الصبح وكلام حين الغروب، وأحد الكلامين حين الصبح يهافت الكلام الآخر الذي صدر معه، ويهافت أيضاً الكلام الذي صدر حين الغروب.

إذا شبّهنا أصالات الطهارة بهذه الكلمات الثلاث، فيمكن أن نقول: إنَّ الكلامين الصادرين عند الصباح حيث إنَّ أحدهما متّصل بالآخر وقد وقع التهافت بينهما فقد وقع الإجمال الذاتي فيهما، فلم ينعقد لكل منهما ظهور. وأمّا الكلام عند الغروب فهو كلام لم يتصل به ما يناقضه، فقد انعقد له ظهور في 

ــــــــــ[470]ــــــــــ

() وإن كان لا يُعقل جريانها في الطرفين معاً: الملاقي والطرف؛ لأنّه يلزم المخالفة القطعية، ولكن…الخ. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

نفسه، ولا يكون له معارض، بعد فرض إجمال الكلامين الصادرين عند الصباح؛ لأنَّ ما يتصور معارض له هو أحد الكلامين الصباحيين وقد أصبحا مجملان، والمجمل لا يعارض الظاهر، فيتمسّك بالظاهر في المقام.

مناقشة في عدة نكات

والتحقيق: أنَّ هذا البيان غير تامّ في محلّ الكلام وذلك لنكتتين: 

النكتة الأولى: تقدّم الكلام عنها في بحث الانحلال وحاصلها: أنَّ العلم الإجمالي الأوّل إنَّما يوجب تساقط الأصول ما دام موجوداً، لأنَّ تساقطها فرع تنجيز العلم الإجمالي الأوّل لحرمة المخالفة القطعية، وتنجيزه فرع وجوده؛ ومرجع ذلك إلى أنَّ هذا العلم الإجمالي الأوّل، لو فرض أنّه انحل في الساعة الأولى أو الثانية، هل يكون مؤدياً إلى عدم جريان الأصل بعد هذا؟ كما لو علمت ظهراً بأنَّ هذا الإناء بعينه كان نجساً من أوّل الصبح وانقلب شكي في الإناء الآخر إلى الشكّ البدوي، ففي مثله قلنا لا إشكال من جريان أصالة الطهارة في هذا الإناء الآخر. إذن، فسقوط جريان أصالة الطهارة حين الغروب، لا يكفي فيه مجرّد حدوث العلم الإجمالي، بل هو مستند إلى بقاء العلم الإجمالي واستمراره المساوق لبقاء تنجيزه المؤدي إلى التعارض بين الأصول.

إذن، فالعلم الإجمالي الأوّل، لا يسقط جريان الأصل في حين الغروب في الإناء الآخر بوجوده الحدوثي، وإنَّما يسقط الأصل فيه في هذه القطعة الزمنية، بالمعارضة فيما إذا بقي العلم الإجمالي الأوّل حين الغروب، أي: بوجوده البقائي.

ــــــــــ[471]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وإذا فرض أنّه كان هكذا فوجوده البقائي معاصر مع الوجود الحدوثي للعلم الإجمالي الثاني، فقد حصل هنا سببان للسقوط بالمعارضة في أصالة الطهارة في الإناء الآخر الجارية حين الغروب، أحد السببين: هو الوجود البقائي للعلم الأوّل، والسبب الثاني هو الوجود الحدوثي للعلم الإجمالي الثاني. ولا منشأ لتأثير أحدهما دون الآخر، فيستند السقوط إليهما معاً.

وحاصل ما نريده من هذه النكتة: هو أنَّ أصالة الطهارة بلحاظ القطعة الزمانية الخاصّة من الإناء الآخر-وهي قطعة زمان الغروب- سقوطه فرع الوجود البقائي للعلم الإجمالي الأوّل لا الحدوثي. والوجود البقائي للعلم الأوّل معاصر للوجود الحدوثي للثاني بلا تقدّم لأحدهما على الآخر.

وفي هذه النكتة لم نكشف عن واقع المطلب، بل جارينا الأصول الموضوعية للتفكير الذي أدى إلى مثل هذا التقريب، ثُمَّ أجبنا بمثل هذا الجواب الكافي في مقام إبطال مثل هذا التقريب، لكن في الواقع أنَّ سير التفكير في هذا التقريب خاطئ بقطع النظر عن أنَّ العلم الإجمالي الأوّل يكون مؤثّراً في سقوط الأصل بوجوده الحدوثي أو البقائي، افرضوا أنّه يؤثّر بوجوده الحدوثي، لكن هذا التفكير يستبطن خطأ في السير الفكري في المقدمات، وهذا ما نكشفه في:

النكتة الثانية: وفي توضيحها نبين أموراً ثلاثة:

الأمر الأوّل: هو أنَّ الأدلّة التي تجعل الأحكام على نحو القضية الحقيقية التي يقدر فيها وجود الموضوع، أو إن شئتم قلتم: بنحو القضية الشرطية التي 

ــــــــــ[472]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

تنحلّ إليها القضية الحقيقية. في هذه الأدلّة، يكون مدلول الدليل إنَّما هو مقام الجعل لا مقام فعلية المجعول. مدلوله إنَّما هو مقام الجعل وثبوت الحكم على الأفراد المقدّرة بما هي مقدّرة، وليس مدلوله هو فعلية ثبوت الحكم؛ لأنَّ فعليته تابعة لفعلية المقدَّر وخروجه من عالم التقدير إلى عالم الفعلية.

ومن هنا تكون تمام الأفراد في نظر الدليل المتكفل لهذا الجعل في عرض واحد ونسبتها إليه في عرض واحد، مهما ترتّبت فعلياتها بحسب الخارج، مثلاً: في مثال (أكرم العالم) افرضوا أنَّ العالم النحوي يوجد أوّلاً ثُمَّ بعد هذا يوجد العالم الصرفي، ثُمَّ بعده يوجد عالم العروض، ولكنهم بالنسبة إلى هذا الدليل على حدّ واحد؛ لأنّها أفراد مقدّرة الوجود له. ويأخذون أحكامهم قديماً أنّها مقدّرة الوجود. وهذا واضح.

الأمر الثاني: أنّه ما دام الدليل يتكفّل الجعل وثبوت الحكم على المقدّر الوجود، يعني يتكفّل قضية شرطية، فالتعارض الذي يقع في باب الأدلّة، دائماً يقع بلحاظ عالم الجعل، وبلحاظ الشمول للأفراد المقدّرة الوجود، فالتعارض دائماً يوجب التنافي في الدليل بلحاظ إطلاقه للفرد المقدّر الوجود. سواء وجد بحسب الخارج أو لم يوجد. إذن، فالتعارض ليس حالة يُعقل أن تكون منوطة بوجود الفردين بحسب الخارج، بحيث لو وجد الفردان يحصل التعارض في الدليل، وأمّا لو لم يوجدا بحسب الخارج لا يحصل تعارض في الدليل. هذا أمر غير معقول؛ لأنَّ التعارض إنَّما هو تعارض في باب الدلالة، وهو إنَّما يكون بلحاظ ما يدلّ عليه الدليل، وهو الحكم على مقدر الوجود.

ــــــــــ[473]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وبتعبير آخر: إنَّ التعارض في الدليل الواحد، بمعنى: أنَّ الدليل الواحد إذا امتنع شموله لفردين، فإمّا أن تكون نكتة الامتناع قائمة بفعلية الحكمين لكلا الفردين(1)، وإمّا أن تكون قائمة بنفس الحكم المشروط، أي: أنّه يمتنع ثبوت المشروط هنا والحكم المشروط هناك، فإن كانت نكتة الامتناع قائمة بالوجوب التقديري هنا والوجوب التقديري هناك، فمن الواضح حينئذٍ أنَّ مركز التعارض هو نفس الحكم بوجوده التقديري الذي هو مدلول الدليل سواء وجد عالم نحوي في الخارج أو صرفي أو أحدهما دون الآخر أو لم يوجد، فلو قال: (أكرم كلّ عالم) وفرضنا أنَّ النحوي موجود دون الصرفي، لا نقول: إنَّ الدليل يشمل النحوي الآن ولا يشمل الصرفي، بل نقول: بأنَّ الدليل يشمل النحوي بوجوده التقديري والصرفي كذلك في عرض واحد، العرضية تمام الأفراد التقديرية -كما بينا في الأمر الأوّل- وثبوت الحكمين التقديريين معاً غير معقول، فيحصل التعارض لا محالة.

وإذا فرضنا أنَّ نكتة الامتناع في الحكمين الفعليين، لا في الحكمين التقديريين، فأيضاً في طول ذلك يصبح الحكم التقديري مستحيلاً؛ لأنَّ جعل حكم مشروط لا يُعقل تحقّق شرطه أو لا يُعقل تحقّقه في حال شرطه، أمر غير معقول. وجعلهما تقديرياً إنَّما هو استطراق إلى الفعلية، فإذا استحالت الفعلية جمعاً استحال التقدير جمعاً

ــــــــــ[474]ــــــــــ

() أن تكون فعلية الحكم لكلا الفردين محالاً لا ثبوتها بنحو مشروط يكون أمراً محالاً (المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فبالتالي التعارض بين أيّ فردين من الدليل العام يسري إلى عالم الجعل والتقدير، يعني: يصبح التعارض بين فردين وحكمين تقديريين.

الأمر الثالث: أنّه قد يقال -بناءً على ما بيّناه في الأمر الثاني- إنّه يلزم منه محذور في باب العلم الإجمالي؛ إذ ماذا تقولون فيما لو علمنا إجمالاً -كما مثلنا- بوجوب صلاة ركعتين بالفعل أو بوجوب الصدقة على تقدير نزول المطر، ونحن لا ندري هل سوف ينزل مطر أو لا؟

– هل هذا العلم الإجمالي منجّز؟

– لا.

– لماذا؟

– لأنَّ أصالة البراءة عن الوجوب الفعلي تجري، ولا يعارضها أصالة البراءة عن الوجوب الآخر.

– لماذا لا يعارضها؟

– لأنَّ أصالة البراءة عن الوجوب الآخر، وهو وجوب الصدقة على تقدير نزول المطر، متى أجريه، هل أجريه قبل أن يتحقّق عندي شكّ في فعليته، أي: قبل نزول المطر؟ لا معنى لجريان هذا الأصل للعلم بعدم الوجوب، وإنَّما يكون الأصل مجعولاً مشروطاً بتحقّق نزول المطر وتولّد الشكّ في فعليته، فهو ترخيص مشروط لا فعلي. وهذا الترخيص المشروط ليس ترخيصاً في مخالفة تكليف فعليّ، بل هو ترخيص عن تكليف لا يحرز فعليته أصلاً، وهو وجوب الصدقة.

 ــــــــــ[475]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إذن، فلا يلزم من ضمّه إلى الترخيص الفعلي من وجوب ركعتين تولد الترخيص القطعي في المخالفة القطعية لتكليف فعلي معلوم بالعلم الإجمالي، حتّى يلزم من ذلك التعارض والتساقط.

فهنا قد يقال: بأنّه بناءً على ما بيّناه في الأمر الثاني، يلزم عدم صحّة هذا الكلام؛ وذلك لأنَّ الترخيص في الصدقة -أصالة البراءة عنها- هذا الترخيص المشروط بنزول المطر، هل يمكن أن يصبح فعلياً أو لا يمكن أن يصبح فعلياً في ظرفه مع بقاء هذا العلم الإجمالي بوجوب ركعتين أو نزول المطر، أو لا يمكن أن يصبح في ظرفه فعلياً؟

إن فرض أنّه لا يمكن أن يصبح فعلياً في ظرفه، كما هو كذلك؛ لأنّه لو أصبح في ظرفه فعلياً مع الترخيص في الطرف الآخر يلزم من ذلك الترخيص الفعلي في المخالفة القطعية لتكليف فعليّ، فهذا الترخيص لا يمكن أن يصبح فعلياً في ظرفه مع فعلية الترخيص في ترك صلاة ركعتين. إذن، فلا محالة تسري المعارضة إلى عالم التقدير أيضاً، فتكون أصالة البراءة عن وجوب صلاة ركعتين معارضاً مع شمول دليل أصالة الطهارة للترخيص في الصدقة ولو بنحو مشروط؛ لأنَّ ما يعارض الفعلية يعارض التقدير ويعارض الحكم المشروط.

قد يقال هكذا، إلَّا أنَّ هذا جوابه واضح؛ لأنّه في الواقع لا استحالة في أن يكون أحد طرفي العلم الإجمالي مرخّصاً فيه، ويكون الطرف الآخر في ظرفه مرخّصاً فيه، من دون أن يعلم المكلّف بانضمام الترخيصين إلى الآخر في حال ثبوت هذين الترخيصين. هذا لا بأس به وليس منافياً مع الارتكاز العقلائي، 

ــــــــــ[476]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وإنَّما المنافي مع الارتكاز هو أن يوجد ترخيصان في طرفي العلم الإجمالي يعلم المكلّف حين ثبوت كلّ واحد منهما أنّه منضم إلى الترخيص الآخر، المنتهي بانضمامه إليه إلى الترخيص في المخالفة القطعية. وهذا لا يتحقّق في المقام؛ فإنّه في المقام افرضوا أنَّ الله يعلم أنَّ المطر سوف ينزل بعد ساعة، ويعلم أنَّ أصالة البراءة عن وجوب الصدقة سوف يصبح ترخيصاً في تكليف فعلي بعد ساعة، لكن مع هذا لا يلزم من الجمع بين ذاك الترخيص الذي يعلم الله بفعليته بعد ساعة وبين هذا الترخيص الفعلي الآني، لا يلزم من الجمع بينهما محذور؛ لأنّهما ليسا ترخيصاً قطعياً في نظر المكلّف، والمحذور إنَّما هو كونهما ترخيصاً قطعياً في نظر المكلّف، لكن متى ما يصبح هذان الترخيصان يعلم المكلّف في حال كلّ واحد منهما بأنّه منضم إلى آخر مثله يؤدّي بانضمامه إليه إلى الترخيص في المخالفة القطعية، حينئذٍ يكون هذا فيه محذور ومن هنا لا نقول بمنجّزية مثل هذا العلم الإجمالي المردّد بين الوجوب الفعلي والتقديري.

إذا انتهينا من هذه الأمور الثلاثة نستطيع أنَّ نستلخص النكتة:

قد بيّنا في الأمر الأوّل: أنَّ تمام الأفراد عرضية بالنسبة إلى الدليل؛ لأنّه ينظر إليها بوجودها التقديري، لا إلى الافراد بوجودها الفعلي كما هو مقتضى قانون القضية الحقيقية الشرطية. 

وبيّنا في الأمر الثاني: أنَّ التعارض بين فردين في دليل العام دائماً يجب أن يكون تعارضاً في مرحلة الحكم التقديري، وليس تعارضاً بين الفعليتين فقط من دون أن يسري إلى الحكمين التقديريين، بمعنى: أنَّ المعارضة لا تكون تابعة 

ــــــــــ[477]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

لوجود الأفراد خارجاً؛ فإذا وجدا في الخارج تقع المعارضة وإذا لم يوجدا لا تقع، ليس الأمر كذلك.

 وفي الأمر الثالث، كان مقصودنا منه، تحديد ما هو مركز المعارضة في إطلاق دليل الأصل، فدليل “كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر” تمام الأفراد بالنسبة إليه عرضية(1)، وقد وقع فيه تعارض نشأ من ناحية اقترانه بمخصّص متّصل؛ لأنَّ الارتكاز وقانون حرمة المخالفة القطعية أوجب إخراج أحد طرفي العلم الإجمالي منه، يعني: قال باستحالة شمول الحكم لمجموع الفردين، فوقع تعارض بين فردين من دليل الأصل. وهذان الفردان لا بُدّ من إرجاعهما إلى فردين تقديريين لمدلول دليل الأصل(2). بمعنى: أنَّ دليل أصالة الطهارة ثابت فيه التعارض من أوّل الأمر سواء وجد عندك علم إجمالي بنجاسة أحد الإناءين أم لم يوجد. لا أنّه بعد أن يوجد هذا العلم يقع تعارض في الدليل وقبل أن يوجد لا يقع. هذا أمر غير معقول، بل التعارض واقع قبل هذا؛ لأنّه تعارض بلحاظ فرديين تقديريين، هما -كما قلنا في الأمر الثالث-: الطهارتان الظاهريتان اللتان يعلم المكلّف حال ثبوت كلّ منهما بأنها منضمة إلى أخرى بانضمامها إليها تؤدي إلى الترخيص في المخالفة القطعية. طهارتان من هذا 

ــــــــــ[478]ــــــــــ

() هذه المشكوكات وإن وجدت في الخارج مترتبة إلَّا أنَّ أخذها الطهارة من دليل العام في عرض واحد (محاضرة غد). (المقرِّر).

(2) كما برهنا عليه، فيكون هذا الحكم من العقل برهاناً على خروج أحد الفردين التقديريين أيضاً من أطراف العلم الإجمالي عن الدليل. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

القبيل يقول الارتكاز بأنَّ إحداهما غير مشمولة لدليل الأصل.

فالتعارض بين إطلاق دليل الأصل من أوّل الأمر، بين إطلاقه لطهارة مقدّر وجودها تكون من هذا القبيل. وبين إطلاقه لطهارة أخرى مقدّر وجودها تكون من هذا القبيل، فالمعارضة تقع بين إطلاقين من دليل الأصل بلحاظ عالم التقدير قبل ان تتحقق فعليته بحسب الخارج أصلاً. بناءً على هذا، فهذا المخصّص المتّصل الذي أخرج هذا العنوان، له مصاديق تتكون تباعاً بحسب الخارج؛ لأنّي علمت صباحاً بنجاسة أحد الإناءين فتكون مصداق لما خرج بالمخصّص المتصل، وحين الغروب علمت بنجاسة الثوب أو الإناء الآخر فتكون مصداق آخر. وفعلّية المصاديق بحسب الخارج ليس لها دخل في فعلّية التعارض، فإنَّ التعارض ثابت من أوّل الأمر، بلحاظ إطلاق دليل الأصل للأفراد المقدرة.

 إذن فهنا فعلية طرفي المعارضة وإن كان فيها ترتب زماني، ولكن طرفي المعارضة -بحسب الدقة- ليس ما بينهما ترتب زماني، فإنَّ المعارضتين كلتاهما في عرض واحد؛ لانّهما بلحاظ وعاء الحكم التقديري وبحسب مرتبة عالم الجعل، لا بحسب مرتبة عالم الفعلية؛ والفردان، في تلك المرتبة عرضيان.

إذن، فقد خرج في عرض واحد من إطلاق دليل الأصل، إحدى طهارتي الإناء وإحدى طهارتي الثوب أو الإناء الآخر. ولا موجب(1) لتقديم أحد 

ــــــــــ[479]ــــــــــ

() وإخراج أحد الطرفين المغربي في عرض واحد كما أنَّ دخولهما كان تحت العام في عرض واحد، (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الخروجين على الخروج الآخر، فيوجب الإجمال في الأطراف على نحو واحد.

هذا هو تصحيح أخطاء السير الفكري في هذا التقريب؛ إذ كان يُخيّل إلى من سار مثل هذا السير أنَّ التعارض إنَّما هو في مرحلة فعلية الأفراد، وأنّه قبل أن يصبح طرفان للعلم الإجمالي بهذا النحو لا تعارض في الدليل، وبعده يكون هناك تعارض. ومن هنا تخيل أنَّ هنا تعارضين أحدهما بعد الآخر، أوّلاً حصل التعارض بين الإناءين، ثُمَّ حصل التعارض بين الثوب والإناء، مع أنَّ الأمر ليس كذلك، فإنّه ليس عندنا إجمالان وتعارضان أحدهما بعد الآخر حتّى يكون أحدهما موجبا للحكومة على الآخر، بل هما في عرض واحد. هذا هو توضيح النكتة الثانية.

افرضوا(1) أنّنا قطعنا النظر عن النكتة الأولى واعترفنا بأنَّ العلم الإجمالي الأوّل بوجوده الحدوثي يكفي لإسقاط الأصل في الإناء الآخر إلى الأبد، وحينئذٍ ماذا كان يتصور صاحب التقريب حينما أتى به؟ كان في ذهنه أحد تصورين:

أحدهما: أنّه جرّد من كلّ واحد من أصالات الطهارة الثلاثة دليلاً برأسه(2).

إذا كان هذا التصور هو الأساس لإبداء هذا البيان فمن الواضح الفرق بين المقيس والمقيس عليه، فإنَّ مثل هذه الصورة خطأ؛ لأنّه ليس أصالة الطهارة 

ــــــــــ[480]ــــــــــ

() اقتصر السيّد الأستاذ في هذه المحاضرة على تكرار النكات التي كان قد ذكرها في المحاضرة السابقة، ونحن نكتفي بإثبات ما حصل من الفروق في العرض أو المطلب، فكان مما قال بعد أن قرر النكتة الأولى: (المقرِّر).

(2) وهنا ذكره كما سبق وجعل مثال الأدلة للثلاثة حول وجوب السورة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

في كلّ واحد من الأواني الثلاثة دليلاً برأسه أو كلاما مستقلا من قبل المولى موقتاً توقيتاً زمنياً بالنحو الذي فرضناه في روايات وجوب السورة حتّى يأتي فيه هذا الكلام، وإنَّما هذه الأصول الثلاثة مرجعها إلى دلالات ثلاث لإطلاق دليل واحد، وهو دليل مثلاً: “كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر“.

التصور الثاني للسير الفكري في هذا التقريب: وهو أن يعترف بأنَّ هذه الأصالات الثلاث مرجعها إلى دليل واحد، إلَّا أنَّ هذا الدليل الواحد يبتلى بالمعارض وبالإجمال على وجبات متعددة؛ لأنَّ هذا الدليل ابتلى بمخصّص عقلي يقضى باستحالة الترخيص في المخالفة القطعية للعلم الإجمالي، أي: باستحالة وجود ترخيصين في كلا طرفي علم إجمالي واحد. وحينئذٍ فقبل أن يوجد في الخارج علم إجمالي، لا يوجد هناك مخصّص لهذا الدليل ولا تعارض في نطاقه، وبعد أن يوجد العلم الإجمالي الأوّل، وهو العلم بنجاسة أحد الإناءين حين الصبح، فيقع بمجرّد وجوده تخصيص عقلي، إذ يحكم العقل في طول وجوده بأنَّ الدليل قد خرج منه أحد الفردين وإلَّا لزم المخالفة القطعية، وفي طول ذلك يحصل التعارض بين إطلاق الدليل لهذا الإناء وإطلاقه لذاك الإناء. وحيث لا مرجّح لأحدهما على الآخر، فيحصل الإجمال والتساقط.

ثُمَّ حين الغروب وجد علم إجمالي آخر، وهو العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو الطرف، فهنا أيضاً يحكم العقل بأنَّ الدليل لا يشمل كلا الفردين. فيطرأ مخصّص جديد في طول هذا العلم الإجمالي الثاني، على دليل الأصل، إلَّا أنَّ هذا المخصّص لا يولد معارضة؛ لأنّه يقول: إنَّ أحد الفردين -الملاقى أو الطرف- خارج عن الدليل، والمفروض أنَّ الدليل أصبح قبل هذا مجملاً من ناحية الإناء 

ــــــــــ[481]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الآخر من السابق. فالحكم العقلي لا أثر له لأن الآخر على أي حال غير مشمول بالنسبة إليه، فلا يحصل هنا تعارض بين إطلاق الدليل لهذا الطرف وإطلاقه للطرف الآخر، فإنَّ إطلاقه للطرف قد أصبح مجملاً من أوّل الأمر ببركة المعارضة الناشئة في طول العلم الإجمالي الأوّل.

وأظنّ أن هذا التصور -ولو بوجوده الارتكازي- هو الباعث على هذا التقريب.

إلَّا أن هذا التصور فيه خطأ فنّي في تصوّر المعارضة والتخصيص في باب الأدلة؛ لأنّه يقول: بأنَّ التخصيص العقلي يقع تدريجياً على دليل الأصل وعلى وجبات، في طول كلّ علم إجمالي يصبح فعلياً يتولّد تخصيص وفي طول التخصيص يتولّد تعارض، وفي طول التعارض يتولّد إجمال وتساقط. مع أنَّ هذا غير معقول فإنَّ تمام التخصيصات سواء كان الدليل المخصّص لفظياً أو عقلياً، تخصيصات عرضية توجب الخروج العرضي من إطلاق الدليل وليست طولية ومترتّبة بعضها بعد بعض.

وحيث(1) إنّنا قلنا: بأنَّ الأفراد التقديرية كلها تأخذ الحكم في عرض واحد من العام، وكذلك تأخذ الحكم من مخصّصات العام في عرض واحد، فالأفراد المقدّرة تخرج في عرض واحد من دليل العام، كما كانت داخلة فيه في عرض واحد، وإن ترتّبت فعليتها بحسب الخارج.

ــــــــــ[482]ــــــــــ

() وهنا بدأ يذكر التوضيح كما سبق في الأمر الأوّل والأمر الثاني، وحين انتهى من الأمر الثاني قال: وحيث… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إذا(1) فهمنا هذا نطبّقه بكلّ وضوح على محلّ الكلام فنقول: عندنا دليل يقول: “كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر” وهو ينشر طهارات ظاهرية عديدة على كلّ الأفراد المشكوكة المقدّرة الوجود في العالم، وهذه المشكوكات في نظام الوجود الخارجي وإن كانت توجد متتابعة، لكن في أخذها الطهارة من الدليل العام، في عرض واحد. ثُمَّ جاء مخصّص عقلي وقال: إنّه يستحيل اجتماع ترخيصين فعليين في طرفي علم إجمالي واحد. وحيث إننا فرضنا أن استحالة الجمع بين فعلتين يسري لا محالة إلى استحالة الجمع بين تقديرين، فيصير هذا الحكم من العقل برهاناً على خروج أحد الفردين التقديريين. وأنَّ كلّ فردين تقديريين كانا طرفين لكلٍّ إجمالي لا بُدّ من خروج أحدهما.

وهنا وإن كان العلم الإجمالي الأوّل سابقاً زماناً على الثاني، لكن إخراج أحد الطرفين الصبحي وإخراج أحد الطرفين المغربي في عرض واحد، لا أنَّ الأوّل يخرج أوّلاً ثُمَّ الثاني يخرج ثانياً، بل يخرجان في عرض واحد؛ لأنّا جعلنا مصبّ التخصيص هو مصبّ العموم ومصب العموم هو الافراد المقدرة، وفي عالم الافراد المقدّرة لا يوجد تقدّم وتأخّر وسابق ولاحق، بل كلها عرضية. إذن، فإخراج سائر أفراد المخصّص من العام يكون عرضياً، كما أنَّ دخوله لولا المخصّص كان عرضياً(2).

ــــــــــ[483]ــــــــــ

() وكان مما قال: إذا… (المقرِّر).

(2) كما أن وقوع التعارض بينها وحصول الإجمال فيها أيضاً في عرض واحد باعتبار أن مركز التعارض هو الأفراد المقدرة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فلا معنى لأن نقول: إنَّ دليل “كلّ شيء طاهر…” ابتلى بتعارض أدى إلى إجمال، وفي المغرب وقع فيه تعارض جديد أدى إلى إجمال جديد، بل كلا التعارضين مرجعهما إلى إخراج فردين تقديريين من دليل الأصل وإخراجهما كان عرضياً من أوّل الأمر.

فالخطأ في السير الفكري في هذا التقريب يستبطن أنَّ مركز التخصيص هو الفعليات دون أن يكون هو الأفراد المقدرة، مع أنَّ هذا الأمر غير معقول.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح هذه النكتة.

التقريب الثاني ومناقشة الشبهة الحيدرية

التقريب الثاني: لإبطال منجزية هذا العلم الإجمالي الناشئ من الملاقاة وهو العلم بنجاسة الملاقى لهذا الإناء أو نجاسة الإناء الآخر.

هو أن يقال: مع الاعتراف، كما في التقريب السابق، بأنَّ هذا العلم الإجمالي تتوفّر فيه كلّ عناصر التنجيز، وتجري عليه قوانين التنجيز من تنجيز حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية، بمقدار ما يقتضيه مسلك الاقتضاء، فيكون تنجيزه لوجوب الموافقة القطعية فرع تعارض الأصول، والأصول لا تتعارض في المقام، فإنَّ أصالة الطهارة في الملاقى تجري من دون معارض، وذلك لا لأجل التقدم والتأخّر الزمني الملحوظ في التقريب الأوّل، بل لأجل التقدم والتأخّر الرتبي الذي يعتمد عليه في هذا التقريب، حيث يقال: إنَّ أصالة الطهارة في الملاقي متأخّرة رتبة عن أصالة الطهارة في الملاقى؛ لأنّها أصل محكوم بالنسبة إلى أصالة الطهارة في الملاقى، حينئذ ففي المرتبة السابقة 

ــــــــــ[484]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

على أصالة الطهارة في الملاقي يتمّ اقتضاء أصالة الطهارة في الملاقى، وفي هذه المرتبة السابقة تقع المعارضة بين أصالة الطهارة في الملاقى وأصالة الطهارة في الإناء الآخر ويتساقط الأصلان في هذه المرتبة. وفي المرتبة المتأخّرة وفي طول تساقط الأصلين يتمّ اقتضاء أصالة الطهارة في الملاقي.

 وحيث إنَّ هذا الاقتضاء تمّ في طول سقوط الأصل بالملاقى بالمعارضة وتساقط الأصل بين الأصلين العرضيين فيستحيل أن يقع طرف للمعارضة في نفس المرتبة السابقة، فإنّه في تلك المرتبة لم يكن قد تمّ اقتضاؤه وإنَّما يتمّ اقتضاؤه في طول التساقط، فكيف يصبح موضوعاً لهذا التساقط الذي تمّ اقتضاؤه في طوله، فلا محالة في مرتبة تمامية اقتضائه لا يكون له معارض، فيجري حينئذ بلا معارض.

وهذا لعلّه هو التقريب الـمشهوري الموروث من كلمـات الشيخ الأنصاري والمتسلسل عند المحقّقين. 

وهذا التقريب يتوقّف على إثبات أربعة أمور:

 أوّلاً: يتوقّف على القول بالاقتضاء دون القول بالعلِّية؛ إذ لو قلنا: بأنَّ العلم الإجمالي علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية بحيث يستحيل جريان الأصل في بعض الأطراف ولو لم يكن له معارض. إذن، فلا يمكن إجراء أصالة الطهارة في الملاقي ولو لم يكن لها معارض أصلا. نعم، لو قلنا بالاقتضاء وتوقّف تنجيز العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية على تعارض الأصول في الأطراف، ينفتح حينئذٍ الحديث عن هذا التقريب.

ــــــــــ[485]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ومتوقّف ثانياً: على أنَّ الأصول الطولية لا تسقط بالمعارضة في عرض الأصول العرضية، كما لو كان عندنا أصلان عرضيان متعارضان وكان إلى جانب أحدهما أصل طولي موافق له، فالطولية تصبح ميزاناً لإنجاء الأصل عن المعارضة وانتهاء الأمر إليه في مرتبته بلا معارضة؛ إذ إنَّ محلّ الكلام، إنَّما هو تطبيق من تطبيقات هذه القاعدة العامة؛ إذ نواجه أصلين عرضيين في الطرفين: الملاقى والطرف والآخر أصلاً في الملاقي، يقال: إنّه في طول أصالة الطهارة في الملاقى.

فإن صحّحنا هذه القاعدة العامة وهي أنَّ الأصل الطولي لا يسقط بالمعارضة مع معارض الأصل الحاكم عليه، بل يجري في مرتبته بلا معارض، حينئذٍ ينفتح الحديث على هذا التقريب.

ويتوقّف ثالثاً: على الاعتراف بالطولية بين أصالة الطهارة في الملاقي وأصالة الطهارة في الملاقى، وأنَّ أصالة الطهارة في الملاقي في طول الأصل في الملاقى، حتّى يكون المقام تطبيقاً صحيحاً لتلك القاعدة التي فرضنا تماميتها في الأمر الثاني.

 وأمّا إذا انكرنا هذه الطولية، وقلنا: إنَّ أصالة الطهارة في الملاقي في عرض أصالة الطهارة في الملاقى ليس بينهما حاكمية ومحكومية. إذن، فهي أصول ثلاثة عرضية فتسقط في عرض واحد أيضاً. 

ويتوقّف رابعاً: على أن لا يكون في رتبة أصالة الطهارة في الملاقي أصل معارض له، بمعنى: أنّه كما يوجد -فرضاً- في طول أصالة الطهارة في الملاقى 

ــــــــــ[486]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أصل طولي وهو أصالة الطهارة في الملاقي لو أننا حصلنا أصلاً طولياً في الجانب الآخر أيضاً يكون في طول أصالة الطهارة في الطرف الآخر، فيكون هذا الأصل الطولي مع ذاك الأصل الطولي في عرض واحد ويتساقطان أيضاً. فيتوقف تتميم هذا التقريب على تتميم هذه الأمور الأربعة: 

أمّا الأمر الأوّل: فهو وحده التام في المقام، وهو اختيار مسلك الاقتضاء، وإبطال مسلك العلّية.

وأمّا الأمر الثاني، وهو أنّه إذا كان هناك أصلان عرضيان وأصل طولي في جانب أحدهما، فيتساقط الأصلان العرضيان، وتنتهي النوبة إلى الأصل الطولي بلا معارض، فقد ناقش السيّد الأستاذ في هذه المسألة وأعترض على ذلك باعتراضين: 

أولهما: صورته أنّه يقول: من الخطأ أن يقال: إنَّ أصالة الطهارة في الملاقي التي هي في طول أصالة الطهارة في الملاقى، من الخطأ أن لا توقع المعارضة بينهما وبين أصالة الطهارة في الإناء الآخر؛ وذلك لأنَّ طوليتها بالنسبة إلى الملاقى لا يلزم منه طوليتها بالنسبة إلى الأصل الجاري للإناء الآخر، وكونه في طول المساوي له؛ لأنّه في طول أصالة الطهارة في الملاقى وهو مساوٍ مع أصالة الطهارة في الإناء الآخر، فهو في طول أحد المتساويين، لا يلزم منه أن يكون في طول الآخر، فإذا لم تستدع الطولية ترتّباً بين أصالة الطهارة في الملاقي والأصل في الإناء الآخر، فلا مانع من أن يقع التعارض ما بينهما.

الوجه الثاني: هو أنَّ هذا الكلام كلّه كان جرياً على طِبق مذاق صاحب 

ــــــــــ[487]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

التقريب، وإلَّا فإنّه لا مجال لهذا الحديث من رأس؛ لأنَّ الرتب العقلية ليست مقدرِّات للأحكام الشرعية، وإنَّما هي مقدرِّات للأحكام العقلية، فمثلاً يمكن أن يقال: إنَّ المعلول ثابت في مرتبة متأخّرة عن علّته وليس ثابتاً في مرتبة علّته؛ لأنَّ هذا الثبوت هو ثبوت تحليلي عقلي، والأحكام العقلية منوطة بالمرتبة. وأمّا الأحكام الشرعية فليست أحكاماً رتبية منصبّة على المرتبة، بل هي منصبة على الوجود الخارجي الزماني. وفي الزمان الواحد، هناك اجتماع لا محالة بين هذه الأمور كلها، وإن كان بحسب الرتب أحدهما في طول الأخر، ولكن بحسب عالم الزمان والوجود الخارجي الذي هو وعاء ثبوت الأحكام الشرعية، تكون الأحكام كلها عرضية لا رتبية.

وكلا الوجهين غير تامّ وإن كان أصل المدّعى تاماً.

أمّا الوجه الأول: وهو أنَّ الأصل الطولي في إحدى الجهتين، لا ينبغي أن يقال: إنّه لا يصلح للمعارضة مع الأصل الجاري في الجبهة الأخرى؛ لأنّه ليس في طول الطرف الآخر، فلا يوجد هناك محذور في وقوع التعارض بين الأصل الطولي هنا والأصل العرضي في الإناء الآخر.

هذا الكلام سبق تحقيقه مفصّلاً في التنبيه الثاني من تنبيهات العلم الإجمالي، وقلنا بعد بيان كلّ ما يمكن أن يكون نكتة صناعية لحفظ الأصل الطولي عن المعارضة، قلنا: إنَّ مقتضى الفنّ والصناعة هو حفظه عن المعارضة، يعني: لو عاملنا مع الأصول معاملتنا مع المقتضيات وباب التأثير والتأثّر، لكان الحال هو هذا، إلَّا أنّنا قلنا: بأنَّ تتميم ذلك صناعياً وحده لا يكفي ما لم تكن هذه 

ــــــــــ[488]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الصناعة نكتة لارتكاز عرفي يعوّل عليه عند العرف؛ لأنّنا نتكلم عن ظهور كلام المولى الذي يكون حجّة عندهم. وبيّنا هناك أنَّ مثل هذه الصناعة لا تكون نكتة لارتكاز عرفيّ يعوّل عليه عندهم، ومن هنا لم نقبل هذا النسج الذي يقتضي إنجاء الأصل الطولي عن المعارضة(1).

وأمّا الوجه الثاني الذي يقول عنه إنّه مناقشة أساسية، وهي أنَّ الأحكام الشرعية ليست منصبّة على الرتب العقلية كالأحكام العقلية، بل هي أحكام على الوجود الخارجي الزماني، فتكون حينئذٍ الأحكام كلها مجتمعة بحسب الخارج.

هذا البيان وإن كان صحيحاً في نفسه، ولكنّه لا يتحصل منه معنى في المقام على الإطلاق، وإنَّما ينبغي أن يقال هذا الكلام في مقام آخر، قد وقع خلط بينه وبين المقام، فحق هذا التحقيق أن يساق لذلك المقام، فسيق لهذا المقام.

توضيح ذلك: أنَّ الفقهاء أحياناً يستعملون قانون تعدّد الرتبة في الأحكام الشرعية بنحو غير مشروع فيرد عليه هذا التحقيق الذي أفاده السيّد الأستاذ، فمثلاً في باب انعتاق العبد على أبيه إذا اشتراه.

 وهذا الحكم ثابت بحسب الشرع، إلَّا أنَّ الفقهاء أرادوا أن يفلسفوا هذا 

ــــــــــ[489]ــــــــــ

() وهنا قلت له: إنَّ الأصل الطولي -في تلك المسألة- كان في نفس الطرف، وهنا أصبح الأصل الطولي في ملاقي الطرف. 

فأجاب: هذا لا فرق فيه. نعم، الميرزا يفرّق ما بينهما، لكنّه بيننا وبين السيّد الأستاذ لا يوجد حساب الفرق، والميرزا يذكر للفرق نكتة غير صحيحة. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الحكم ويفسّروه تفسيراً تطبيقياً على مجموع القواعد، قالوا: كيف نتصوّر أنَّ العبد ينعتق على البائع(1).

 هل ينعتق عليه بعد أن يملكه أو بدون أن يملكه؟ أمّا الأوّل فهو خلاف أحد القوانين المقرّرة في الفقه، وهو أنَّ الشخص لا يملك عموديه، ولا فرق في المحذور بين أن يملكه آناً مّا أو أكثر. وأمّا على الثاني وهو أن ينعتق من دون أن يملكه، ومعنى: أنه ينعتق عليه: أنّه هو يخسر ثمنه إذ يخرج المال من كيسه إلى مالك العبد والعبد يصبح حرّاً. فهذا خلاف قانون آخر في الفقه، وهو قانون المعاوضة في البيع، فإنَّ مضمون البيع هو أن يملك هذا شيئاً في مقابل أن يملك ذاك شيئاً، وكيف تسمي هذا بائعاً مع أنه لم يملك شيئاً.

هذا إشكال مشهور، وفي جوابه اتجاهات عديدة:

 أحدها: هو أن يقال: بأننا نلتزم بالملكية قضاءً لحقّ قانون البيع، ولكنّها ليست ملكية ولا في آنٍ، بل هي ملكية رتبية، يعني في الآن الأوّل نحلّله إلى رتبتين، ففي الرتبة الأولى من الآن الأوّل ملك أباه، وفي المرتبة الثانية المتأخّرة عنه تأخّر المعلول عن العلّة، أي: تأخرا رتبياً لا زمانياً خرج عن ملكه، فهذا فيه قضاء لحقّ قانون البيع؛ لأنّنا قد تصوّرنا أنَّ البائع (المشتري) قد ملك شيئاً ولو في الرتبة، وفيه قضاء لقانون أنَّ الشخص لم يملك عموديه؛ لأنَّ المراد منه الملكية في الزمان.

يأتي على هذه الفلسفة إشكال، وهو أنّه كيف نفرض في الآن الأوّل اجتماع 

ــــــــــ[490]ــــــــــ

() كذا قال السيّد، ولكنّه من سبق اللسان، وإن كرره فيما بعد فإنَّ المفروض أنَّ العبد ينعتق على المشتري لا على البائع. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الدخول والخروج، فإنّه في الآن الأوّل دخل العبد إلى ملكه وخرج من ملكه، يقال: إنّه دخل في الرتبة الأولى وخرج في الرتبة الثانية، فلم يلزم اجتماع الدخول والخروج.

هذا الكلام يرد عليه ما أفاده السيّد الأستاذ، فيقال: إنّه لا معنى أن تبرروا اجتماع الدخول والخروج في الملكية بتعدّد الرتبة؛ لأن مالكية البائع (المشتري) للعبد وعدم مالكيته من الأحكام الزمانية لا من الأحكام الرتبية. إذن، فقد اجتمع النقيضان في زمان واحد، وهو غير معقول. ولو فرض(1) أنَّ أحدهما في طول الآخر، هل أنَّ اجتماع السواد والبياض أمر معقول لو فرض أنَّ أحدهما كان معلولاً للآخر؟ ليس أمراً معقولاً، لأنَّ السواد واللا سواد أمران زمانيان لا رتبيان.

فهذا الكلام ينطبق عليه ويكون جواباً على هذه الفلسفة من هذه الناحية، إلَّا أنَّ هذا لا ربط له بمحل الكلام أصلاً؛ لأنّنا في محلّ الكلام ندّعي -مثلاً- أنَّ أصالة الطهارة في الملاقي مرتبة شرعاً بحسب جعلها على عدم جريان أصالة الطهارة في الإناء الآخر، يعني: في طوله، وأنّها مترتبة على سقوط الأصلين العرضيين، فإذا كان مترتّباً على عدمه فكيف يمكن أن يقع طرفا للمعارضة معه؟ فإنَّ هذا من قوانين العلية العامة التي تجري على الموجودات الزمانية 

ــــــــــ[491]ــــــــــ

() لا يخفى أنَّ من أضاف إلى شروط التناقض: (الوحدة في الرتبة)، يمكنه أن يقول بعدم الاجتماع هنا، إلَّا أن يقال: إنَّ النظر في الأحكام الشرعية لا ينبغي أن يكون عقلياً، بل ينبغي أن يكون عرفياً والعرف يرى اجتماع النقيضين في المقام، فتأمّل. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

والرتبية معاً، وذلك القانون يقول: إنَّ كلّ موجود رتبي أو زماني خارجي أو ذهني اعتباري أو حقيقي، إذا كان مترتّباً في وعاء وجوده على عدم شيء يستحيل أن يكون مزاحماً مع ذلك الشيء.

 وهذا قانون عام في كلّ موجود مهما كان وعاء وجوده، فتطبيقه في المقام لا يعني أنَّ الموجود موجود رتبي لا زماني، فإنَّ هذا القانون، كغيره من قوانين العلّية لا يختص بالموجودات الرتبية، بل يعمّ الموجودات الزمانية أيضاً.

إذن، فهذا الكلام في نفسه صحيح، ولكنّه لا أدري كيف وقع التشويش لمقامين بحيث جعل ما يناسب ذلك المقام في مثل المقام، ولكن على أيّ حال: الأصل الطولي عندنا يسقط بالمعارضة مع الأصول العرضية على ما حقّقناه في التنبيه الثاني، فالأمر الثاني من الأمور الأربعة غير تام.

الأمر الثالث: من الأمور التي يبتني عليها هذا التقريب، هو أن نعترف بالطولية بين أصالة الطهارة في الملاقى وأصالة الطهارة في الملاقي. نحن عندنا إشكالان في الطولية:

أحدهما: إشكال مطرد في سائر الأصول الموافقة. إنَّ كلّ أصلين متوافقين لا يكون أحدهما في طول الآخر، حتّى في مثل الاستصحاب السببي مع الاستصحاب المسبّبي، بمعنى: إننا ننكر الحكومة بين الأصلين المتوافقين. وهذا إشكال أشرنا إليه في التنبيه الثاني وسيأتي تحقيقه -إن شاء الله- في آخر بحث الاستصحاب.

وإشكال آخر، وهو إننا لو سلّمنا حكومة الأصول المتوافقة بعضها على بعض في باب الاستصحاب مثلاً، وأنَّ الاستصحاب السببي حاكم على المسببي، 

ــــــــــ[492]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فهنا إشكال آخر في خصوص حكومة أصالة الطهارة السببية على أصالة الطهارة المسبّبية، أي: أصالة الطهارة في الملاقى على أصالة الطهارة في الملاقي. 

ووجه هذا الإشكال: -على نحو الإجمال، ويأتي تفصيله أيضاً في آخر بحث الاستصحاب- أنَّ حكومة شيء على شي يكون بأحد ملاكين، إمّا بملاك كونه رافعاً لموضوعه، وإمّا بملاك كونه ناظراً إليه. ففي باب الاستصحاب قد يقال -بناءً على أنَّ المجعول هو الطريقية وبعد غضّ النظر عن إشكالنا الأوّل- بأنَّ الاستصحاب السببي حاكم على المسبّبي؛ لأنَّ استصحاب بقاء الطهارة في الماء يكون رافعاً للشك في طهارة المغسول به، فيكون الاستصحاب المسبَّبي قد ارتفع موضوعه تعبداً، بإلغاء الشكّ بلحاظ الاستصحاب السببي.

وأمّا في أصالة الطهارة فماذا نقول: هل نقول: بحكومة أصالة الطهارة في الملاقى على أصالة الطهارة في الملاقي بملاك إلغاء الشك، فهو صحيح لأنّه ليس المجعول في أصالة الطهارة هو الطريقية، لكي يكون أصالة الطهارة في الملاقى ملغياً للشك في طهارة الملاقى وعدمها، وإن قيل بالحكومة بملاك النظر فهو أيضاً غير موجود؛ لأنَّ دليل أصالة الطهارة حينما يقول: “كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر” إنَّما ينظر إلى أدلّة أحكام الطهارة لواقعية فيوسّع من دائرتها بالنظر، كدليل (يجوز شرب الطاهر والصلاة فيه)، فيقول: (هذا طاهر)، فيكون له نظر عرفي إلى أدلّة الأحكام الواقعية، ومن هنا يكون له حكومة ظاهرية بالنسبة إليها -مثلاً-.

 وأمّا بالنسبة إلى نفس الطهارات المجعولة فيه، فلا يكون لبعضها نظر عرفي إلى البعض الآخر حتّى تتمّ الحكومة فيه.

ــــــــــ[493]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إذن، فالأمر الثالث أيضاً غير تامّ.

الأمر الرابع: وهو أنّه لا يوجد عندنا أصل طولي في عرض أصالة الطهارة في الملاقي، فإنَّ عندنا في المقام أصلان عرضيان وهما أصالة الطهارة في الملاقى ومثله في الإناء الآخر، وهناك أصل في طول الأصل في الملاقى وهو أصالة الطهارة في الثوب الملاقي، فهل هناك أصل طولي في الطرف الآخر في عرض أصالة الطهارة في الملاقى أو لا؟ وقد حصل هذا الأصل الطولي في (الشبهة الحيدرية) حيث فرض أصل طولي في طول أصالة الطهارة في ذلك الطرف، وهو أصالة الاباحة؛ لأنّنا لو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد هذين الإناءين المملوأين ماءين، فأصالة الطهارة فيهما عرضيان. طهارة هذا الإناء له أثر وهو طهارة الملاقي، وطهارة ذاك له أثر وهو إباحة شربه. وأصالة الإباحة هناك في عرض أصالة الطهارة هنا، فهما أصلان عرضيان فيسقطان في عرض واحد: أصالة الطهارة في الملاقى مع أصالة الإباحة في الطرف الآخر يسقطان في المرتبة الثانية، وفي المرتبة الأولى يسقط أصالتي الطهارة في الطرفين. 

وهذا أيضاً كلام صحيح، فالأمر الرابع في المقام غير تام، فأكثر مباني هذا التقريب غير تامة(1).

ــــــــــ[494]ــــــــــ

() وقال السيّد الأستاذ: إنَّ الشبهة الحيدرية، نسبتها إلى والده السيد حيدر الصدر، سمّاها بذلك المحقّق العراقي، وإنَّما ذكرها صاحبها باعتبار المذهب المشهوري من حكومة أصالة الإباحة على أصالة الطهارة، وهو مما يعترف به القوم، فيتمّ الإشكال عليهم. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

التقريب الثالث: لإبطال منجّزية العلم الإجمالي الثاني (للمحقّق العراقي)

لأجل توضيحه نستذكر مقدّمة سبقت في بحث الانحلال، تقدّم ما في بحث الانحلال، أنَّ الانحلال على قسمين: تارة يكون انحلالاً حقيقياً، وأخرى انحلالاً حكمياً، ومعنى الانحلال الحقيقي: فناء أصل الوجود للعلم الإجمالي. ومعنى الانحلال الحكمي: فناء تأثيره مع انحفاظ أصل الوجود.

وقلنا هناك: إنَّ للانحلال الحكمي نظريتان عامتان: 

النظرية الأولى للمحقق العراقي: وحاصلها: أنَّ كلّ علم إجمالي إذا كان أحد طرفيه متنجّزاً بمنجّز آخر فعلي من غير ناحية العلم الإجمالي، حينئذ يسقط العلم الإجمالي عن المنجّزية وينحل انحلالاً حكمياً، من أوضح مصاديق ذلك أن أعلم بنجاسة أحد الإناءين وهناك بينة على نجاسة خصوص أحدها، فأحد الطرفين تنجّز بالبينة فيستحيل في مثل ذلك أن ينجّز العلم الإجمالي عندهم؛ لأنَّ معلومه على أحد التقديرين منجّز بقطع النظر عنه والمنجّز لا يتنجّز مرة أخرى، فالمعلوم الإجمالي على كلا تقديرين وعلى نحو الترديد غير قابل لأن يكتسب التنجّز من العلم، فيفقد العلم الإجمالي أثره في مقام التنجيز. 

النظرية الثانية: هي التي تقول: إنّه كلما كان أحد طرفي العلم الإجمالي مجرى الأصل المؤمّن شرعاً في نفسه ولم يكن في الطرف الآخر مثله، فحينئذٍ يجري الأصل المؤمّن في الطرف الأوّل من دون معارض؛ وبذلك ينحلّ العلم الإجمالي.

ــــــــــ[495]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وقلنا هناك: إنَّ الفرق بين هاتين النظريتين، أنَّ النظرية الثانية لا تنفع إلَّا القائل بالاقتضاء، وأنَّ العلم الإجمالي مقتضٍ لوجوب الموافقة القطعية، وأنَّ حتمية تنجّز الموافقة القطعية فرع تعارض الأصول، وحيث إنَّ الأصل هنا يوجد في أحد الطرفين بلا معارض، فلا يتنجّز وجوب الموافقة القطعية، ولا تصلح هذه النظرية للقائل بالعلِّية؛ لأنّه يقول: بأنَّ جريان الأصل المؤمّن شرعاً في بعض أطراف العلم الإجمالي غير معقول، ولو لم يكن له معارض لعلية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية.

وهذا بخلاف النظرية الأولى، فإنّها لو تمّت تنسجم مع القول بالعلِّية كما تنسجم مع القول بالاقتضاء؛ ولهذا تبناها المحقّق العراقي مع أنّه يقول بالعلِّية؛ لأنَّ من يقول بأنَّ العلم الإجمالي علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، فيما إذا كان المعلوم بالإجمال صالحاً لأن يكتسب التنجّز من ناحية العلم الإجمالي وقابلاً لذلك. وأمّا في مورد لا يكون المعلوم الإجمالي قابلاً لأن يتلقّى التنجّز من ناحية العلم، فلا يكون العلم منجّزاً لا لقصور في فاعليته المنافية مع العلّية، بل لقصور في قابلية المعلوم باعتبار تنجيزه بمنجز آخر لأن يتلقى التنجّز من ناحية العلم.

وإن شئتم قلتم: إنَّ النظرية الأولى للانحلال توجب فقدان شرط التنجيز العلي؛ لأنَّ شرطه هو قابلية المورد، وهنا المورد غير قابل لأن يتنجّز بأي نحو من الأنحاء، فسواء قيل بالعلِّية أو بالاقتضاء، على أيّ حال موضوع قانون التنجيز قابلية المورد وهنا يدّعى أنَّ المورد ليس قابلاً. ومن هنا فالنظرية الثانية لا تناسب إلَّا القائل بالاقتضاء، والأولى تناسب القائل بالعلِّية أيضاً.

ــــــــــ[496]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ويترتّب على هذا الفرق، أنَّ النظرية الثانية لو تمّت للانحلال فإنّها لا تنفع إلَّا في مقام الرجوع إلى الأصل المؤمّن الشرعي؛ لأنّه فيها نريد أن نمنع من حتمية وجوب الموافقة القطعية مع تمامية المقتضي في نفسه، وهو تنجيز العلم الإجمالي، إلَّا أنّه قد يقترن بالمانع وهو الترخيص الشرعي، فيقال: إنّه موجود؛ إذ لا معارضة بين الأصلين فيجري الأصل في أحد الطرفين بلا معارض.

 وهذا الأصل الذي نجريه بلا معارض وبه ينحلّ العلم الإجمالي إنَّما هو الأصل المؤمّن الشرعي. وأمّا بناء على النظرية الأولى، حيث يقال: إنَّ العلم الإجمالي حيث يتنجّز أحد طرفيه يخرج موضوعاً عن قانون التنجيز، فيكون غير منجّز في نفسه بحيث لا يخرج الطرف الآخر عن دائرة (قبح العقاب بلا بيان)، فيكفي في التأمين في الطرف الآخر نفس قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) المشهورية، ولا يحتاج إلى أصل مؤمّن شرعي؛ لأنَّ اللابيان لم يتبدّل إلى البيان لقصور العلم الإجمالي لعدم قابلية المورد للتنجيز، فنتمسك بقاعدة قبح العقاب في الطرف الآخر. هذا هو الفرق الثاني بين النظريتين.

الفرق الثالث الذي يرجع إلينا هو أننا قلنا: إنَّ النظرية الثانية صحيحة والأولى غير صحيحة.

وهنا شيء آخر ينبغي استذكاره من بحث الانحلال، وهو أنَّ هاتين النظريتين العامتين اللتين بينا فروقهما، لهما تطبيقات عديدة:

 أحدها: ما إذا كان أحد طرفي العلم الإجمالي قد تنجّز بقيام البينة أو الاستصحاب المثبت للتكليف مثلاً.

ــــــــــ[497]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ومن جملة التطبيقات، هو ما إذا كان أحد طرفي العلم الإجمالي قد تنجّز بعلم إجمالي آخر، كما لو كان هناك علمان إجماليان بينهما طرف مشترك. كما لو أعلم إجمالاً بنجاسة الأبيض أو الأسود وأعلم إجمالاً بنجاسة الأسود أو الأحمر، فالأسود طرف مشترك ما بين العلمين. فهنا إن فرض أنَّ العلمين في عرض واحد، ولم يكن بينهما شائبة تقدّم أو تأخر لا علماً ولا معلوماً، فلا ينبغي أن يقال: إنَّ أحدهما يعطّل الآخر عن التنجيز؛ لأنّهما في عرض واحد ونسبتهما إلى زمان التنجيز على حدّ واحد فينجزان معاً.

 ولم يحاول أحد تطبيق نظريتي الانحلال فيما إذا كان العلمان في عرض واحد. وأمّا إذا كان أحد العلمين متقدماً على الآخر، كما لو فرضنا أننا صباحاً علمنا بنجاسة الأبيض أو الأسود، ثُمَّ غروباً علمنا بنجاسة الأسود أو الأحمر، فالأسود في العلم الإجمالي الغروبي وقع طرفاً لعلم إجمالي سابق وهو العلم الإجمالي الصباحي. فهنا وقع بحث في أنّه هل نستطيع أن نقول: بأنَّ العلم الإجمالي المتأخّر ينحلّ انحلالاً حكمياً إمّا بالنظرية الأولى، بدعوى: أنَّ أحد طرفيه تنجّز بالعلم الإجمالي السابق، فيستحيل أن يكتسب التنجّز من العلم اللاحق، أو من باب تعارض الأصول في النظرية الثانية، وذلك بأن نقول: إنَّ العلم الإجمالي الغروبي سقط فيه الأصل بالمعارضة قبل ذلك فالإناء الاخر الذي يسقط فيه الاصل وهو الأحمر في المثال تجري فيه أصالة الطهارة بلا معارض.

هذا التطبيق وقع محلّاً للبحث والنقاش، قلنا هناك: إنَّ هذا التطبيق غير صحيح، وإنَّ كلتا النظريتين للانحلال على تقدير الاعتراف بهما، لا يقتضيان انحلال المتأخّر بالتقدّم.

 ــــــــــ[498]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وقلنا هناك أيضاً ما يشبه ما قلناه قبل يومين من أنَّ العلم الإجمالي الأوّل وإن كان سابقاً، لكنّه لا يسقط الأصول حين الغروب، ولا ينجّز التكليف حينئذٍ إلَّا بوجوده البقائي، ووجوده البقائي في عرض الوجود الحدوثي للعلم الغروبي، فلا وجه لا لإعمال النظرية الأولى ولا الثانية.

وكنا متّفقين في هذا مع المحقّق العراقي فإنّه أيضاً قال: بأنَّ العلم الإجمالي المتقدّم لا يوجب انحلال العلم الإجمالي المتأخّر. واعترف بأنَّ نظرية الانحلال التي تبنّاها بأنّها لا تشمل هذا المورد.

إلَّا أنَّ المحقّق النائيني ومدرسته بما فيهم السيّد الأستاذ، قالوا: بأنَّ العلم الإجمالي المتقدم بوجوب انحلال العلم الإجمالي المتأخّر. ثُمَّ وقع الكلام عند من طبّق نظريات الانحلال الحكمي على العلمين الإجماليين، في أنّه أيّ تقدّم هو الذي يوجب انحلال المتأخّر بالمتقدم؟ هل هو تقدّم العلم أو تقدّم المعلوم؟

فهناك ذكر الميرزا: أنَّ المناط هو تقدّم المعلوم لا تقدّم العلم، فالعلم المتأخّر زماناً إذا تعلّق بمعلوم متقدم زماناً يحلّ العلم الذي قبله. وبعض آخر -مثلاً- قالوا: إنَّ المناط تقدّم وتأخّر نفس العلم.

هذا كلّه استذكار سبقت مع تحقيقها في بحث الانحلال.

مناقشة المحقّق العراقي

إذا اتّضحت هذه المطالب أقول: إنَّ هذا التقريب الثالث للمحقّق العراقي، حيث أراد أن يطبّق النظرية الأولى للانحلال الحكمي، وهي النظرية التي تبنّاها في مختلف الموارد؛ وذلك: أنّه عندنا في المقام علمان إجماليان: علم 

ــــــــــ[499]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أوّل، وهو العلم بنجاسة أحد الإناءين، وعلم ثاني وهو العلم بنجاسة الثوب أو الإناء الآخر. فهو يقول: إنَّ هذا العلم الثاني ليس بمنجّز لأنَّ أحد طرفيه وهو الإناء الآخر قد تنجّز بالعلم الإجمالي الأوّل.

هنا قد يقال: بأنَّ هذا مخالف لما نقلتم عنه من أنّه لم يرتضى تطبيق نظرية الانحلال الأولى على العلمين الإجماليين بمجرّد تقدّم أحدهما وتأخّر الآخر، فكيف قال في المقام بتطبيق هذه النظرية؟

 الجواب: هو أنّه قال بذلك هنا بملاحظة التقدم الرتبي بين العلمين ونفاه هناك بملاحظة التقدم الزماني، فتقدم أحد العلمين الإجماليين على الآخر زمانا لا يراه مؤثّراً في أن ينحلّ المتأخّر بالمتقدم، لكن تقدّم أحدهما على الآخر رتبة يراد مؤثّراً في ذلك، والتقدم هنا رتبي بحسب مفهوم كلامه، لا زماني؛ لأنّه: قال: إنَّ نجاسة الملاقي ونجاسة الملاقى، حالهما حال المعلول مع العلّة كالدخان مع النار. وفي باب العلّة والمعلول، بحسب مقام ثبوتهما وإن كان دائما ينشأ المعلول من العلة، لكن بحسب مقام إثباتهما ومقام العلم بهما، تارة يحصل العلم بالمعلول من ناحية العلم بالعلة وأخرى يحصل العلم بالعلة من ناحية العلم بالمعلول، وثالثة يحصل العلم بهما من ناحية أمر ثالث.

وهذا بعينه يتصور في المقام، فإنّه تارة يكون علمي بنجاسة الثوب أو الإناء الآخر، وهو العلم الإجمالي الثاني، تارة يكون معلولاً للعلم الأوّل، كما لو علمت إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين، ثُمَّ لاقى الثوب مع أحدهما. فيكون علمي بنجاسة الثوب أو الإناء الآخر معلولاً لعلمي بنجاسة الملاقى أو الإناء الآخر. 

ــــــــــ[500]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وآخر ينعكس المطلب، كما لو أخبرني معصوم بأنَّ أحد هذين: إمّا الثوب أو الإناء الآخر نجس. ثُمَّ بعد هذا علمت بأنه لو كان النجس هو ثوبي فلا وجه لنجاسته، إلَّا أنّه لاقى ذاك الإناء واكتسب منه النجاسة، فهنا في طول علمي بنجاسة الثوب أو الإناء الآخر يتولّد علم بنجاسة الملاقى أو الإناء الآخر. وثالثة يكون العلمان في عرض واحد، كما لو أخبرني ابتداء شخص صادق بأنَّ هنا نجاسة وقعت إمّا في ذاك الإناء أو وقعت في هذا الإناء مع ملاقاة الثوب له، فيكون كلا المطلبين منكشفاً بملاك واحد وهو إخبار المعصوم.

هو يقول: بأنَّ العلم الإجمالي الأسبق رتبة هو الذي ينجّز، والمتأخّر رتبة لا ينجّز، سواء كان المتأخّر هو العلم بنجاسة الملاقي أو الطرف، أو العلم بنجاسة الملاقى أو الطرف. نعم، لو كان العلمان في رتبة واحدة يتنجّزان معاً. فهو يفصّل بين هذه الصور الثلاث.

ونحن الآن نأخذ صورة من الصور ليتركّز الكلام عليها، ومنه يظهر الحال في الباقي. نفرض الصورة الاعتيادية، وهو أن يكون العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو الطرف معلول، وفي طول العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى أو الإناء الآخر، هنا يقول: بأنَّ العلم الإجمالي الثاني بنجاسة الثوب أو الطرف لا ينجس؛ لأنَّ أحد طرفيه وهو الإناء الآخر، تنجّز بعلم سابق رتبة على هذا العلم. فقد جعل سبق أحد العلمين في الرتبة على الآخر مؤثّراً في حل المتقدم للمتأخّر، بينما هناك لم يجعل السبق في الزمان موجباً للحلّ، ولم يتعرض في كلماته لنكتة الفرق بينهما. 

ــــــــــ[501]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إلَّا أنّه بالتدقيق في كلماته يظهر نكتة الفرق بين السبق الزماني والسبق الرتبي بحسب نظره. وهي: أنّه إذا فرضنا علمين إجماليين أحدهما سابق زماناً على الآخر، كما لو علمنا صبحاً بنجاسة الأسود أو الأبيض، وعلمنا غروباً بنجاسة الأسود أو الأحمر، فهنا العلم الإجمالي الأوّل لا يحلّ الثاني ولا يسقطه؛ لأنّه بوجوده البقائي يكون منجّزاً للقطعة الغروبية من الإناء الأسود، ووجوده البقائي في عرض الوجود الحدوثي للآخر زماناً. إذن، فلا يوجد هناك تقدّم وتأخّر.

وهذا بخلافه في المقام، فإنّه في المقام، العلم الإجمالي الأوّل، وهو العلم بنجاسة أحد الإناءين: الملاقى أو الطرف. وإن كان بوجوده البقائي إلى حين تولد العلم الإجمالي الآخر يكون منجّزاً، لكن نفس هذا الوجود البقائي هو أسبق رتبة من الوجود الحدوثي للعلم الآخر؛ لأنّه لو لم يكن قد بقي عندي حتّى ملاقاة الثوب للإناء، العلم بنجاسة أحد الإناءين، مما تولد العلم بنجاسة الثوب أو الإناء الآخر. فحدوث العلم الإجمالي الثاني متأخّر رتبة حتّى عن العلم الأوّل.

 وهذا بخلافه هناك، فإنَّ الوجود الحدوثي للعلم الإجمالي الثاني في عرض الوجود البقائي للعلم الأوّل وليس متأخراً عنه لا زماناً ولا رتبتاً. فهذا هو الفرق بين المقامين، فهذا هو رفع التناقض بين التقدم الزماني والرتبي.

يبقى بعد هذا أن نتساءل: أنّه سلّمنا أنَّ هناك فرقاً ما بينهما لكن ما هو الدليل على أنَّ العلم الإجمالي الأسبق رتبة يكون موجباً لحل العلم الإجمالي المتأخّر 

ــــــــــ[502]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

رتبة. وكأنه صورة الدليل في نظره هي: أنَّ العلم الإجمالي الثاني حيث إنه في المرتبة المتأخرة عن الأوّل، فمتى نفرض هذا العلم الثاني منجّزاً؟ هل نفرضه ينجّز في مرتبته أو في مرتبة سابقة على مرتبته، وهي مرتبة العلم الإجمالي الأوّل؟ وكِلاهما غير معقول. أمّا تنجيزه في مرتبة سابقة على مرتبته فهو غير معقول؛ فلانّه ليس له ثبوت في تلك المرتبة، فلا علم إجمالي حتّى ينجّز، كيف تسبق آثاره وجوده؟ وإن فرض أنّه ينجّز في مرتبته. إذن، فهذه المرتبة لا ينتهي إليها إلَّا بعد فرض ذاك العلم الأوّل في المرتبة الأولى، فحين الانتهاء إلى العلم الإجمالي الثاني يكون العلم الأوّل قد تمّ وتنجز الإناء الآخر بالعلم الإجمالي الأوّل، ومعه يخرج المعلوم الإجمالي الثاني عن صلاحية اكتساب التنجيز من ناحية العلم الإجمالي.

هذا هو البرهان الذي يقدّمه المحقق العراقي في المقام أيضاً، وإلى هنا استوعبنا بأقصى درجة ممكنة، فهم ما أفاده المحقّق العراقي بتمام خصوصياته وشؤونه، إلَّا أنَّ هذا الذي أفاده مما لا يمكن المصير إليه.

وذلك: أمّا أولاً: فلأنَّ غاية ما يفيد هذا السير الفكري في ترتيب المقدمات واقتناص النتائج، هو الطولية بين نفس العلمين الإجماليين. وحينئذٍ إذا رددتمونا بين أن ينجّز العلم الثاني في المرتبة السابقة على وجوده أو في المرتبة الثانية، لقلنا إنّه منجّز في المرتبة الثانية -أي في المرتبة المتأخرة عن العلم الأوّل-. وقولكم بأنَّ هذا مستحيل؛ لأنّه يكون أحد الطرفين قد تنجّز في المرتبة السابقة. خَلْطٌ بين نفس العلم وتنجيز العلم؛ فإنَّنا في المقام عندنا علّة أولى وهي العلم الإجمالي الأوّل بنجاسة أحد الإناءين.

 وقد تولّد من هذا العلم معلولان في عرض واحد: أحدهما هو العلم 

ــــــــــ[503]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الإجمالي الثاني، والمعلول الآخر هو تنجيز العلم الإجمالي الأوّل، فإنَّ نسبة العلم إلى التنجيز نسبة العلّة إلى المعلول -مثلاً-. فالعلم الإجمالي الثاني بحسب الحقيقة في طول ذات العلم الإجمالي الأوّل، لا في طول تنجيزه، بل هو بالدقة في عرض تنجيز العلم الإجمالي الأوّل. لانّهما معاً معلولان معاً.

ثُمَّ إنَّ العلم الإجمالي الثاني يستدعي تنجيزاً يكون معلولاً له، هذا التنجيز ليس بينه وبين تنجيز العلم الأوّل أي طولية أو ترتب أصلاً، قال: (لأنَّنا قلنا إنَّ ابن الأخ لا يلزم أن يكون في طول عمه) فتنجيز العلم الإجمالي الثاني في طول العلم الأوّل، بل في طول العلم الثاني أيضاً، لكنّه ليس في طول تنجيز العلم الإجمالي الأوّل.

والمحذور إنَّما يتصور فيما إذا العلم الإجمالي الثاني وجوداً أو تنجيزاً في طول تنجيز العلم الإجمالي الأوّل، لا فيما إذا كان في طول نفس العلم. وطولية العلم الإجمالي الثاني لتنجيز العلم الإجمالي الأوّل، أي: أن نتصوّر علمين إجماليين يكون الثاني منهما في طول تنجيز الأوّل لا في طول نفسه، أمر معقول وإن كان مثاله غير عرفي، قال: (كما لو نذر أنّه لو تنجّز عليه وجوب الموافقة القطعية لعلم إجمالي فإنّه يتصدق على فلان بدرهم، ثُمَّ شكّ أنَّ فلاناً هل هو زيد أو عمرو، ثُمَّ علم إجمالاً أنّه يجب عليه احترام عمرو أو خالد، فتكون منجّزية هذا العلم الإجمالي موضوعاً لوجوب الوفاء بالنذر، فيترتّب عليه العلم الإجمالي بوجوب التصدّق على زيد أو عمرو). هذا أوّلاً.

وأمّا ثانياً: فلأنَّ العلوم المنجّزة بحسب الحقيقة ليست هي العلم الإجمالي بالنجاسة في أحد الإناءين أو العلم بنجاسة الثوب أو الإناء الآخر. هذان 

ــــــــــ[504]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

العلمان الطوليان ليسا هما العلوم المنجّزة، وإنَّما نقول في التنجيز فيهما من باب المسامحة، وإلَّا فإنَّ ما هو المنجّز بحسب الحقيقة هو العلم الإجمالي بالآثار التكليفية المترتّبة على ذلك، وهي العلم الإجمالي بحرمة شرب أحد الإناءين والعلم الإجمالي بحرمة الصلاة في هذا الثوب أو حرمة شرب ذلك الإناء. وهذان العلمان الإجماليان لا طولية بينهما أصلاً من حيث الوجود.

فإنَّ العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين في نفسه ليس منجزاً، وقد ولّد علمين:

أحدهما: العلم بنجاسة الثوب أو الإناء الآخر وهذا أيضاً في نفسه ليس بمنجّز.

 ثانيهما: العلم بحرمة شرب أحد الإناءين وهذا منجّز.

ثُمَّ العلم الإجمالي بنجاسة الثوب أو الإناء ولدا علماً إجمالياً بحرمة أحدهما وهذا أيضاً منجّز، فما هي العلوم المنجّزة لا طولية بين وجوديهما أصلاً -لا فقط بين تنجيزيهما كما قلنا في النكتة الأولى- حتّى يقال: بأنَّ أحدهما يكون مانعاً للآخر عن التنجيز.

واعترضنا(1) بأنّه:

أوّلاً: لا طولية بين تنجيز العلم الإجمالي الثاني وتنجيز الأوّل، وإنَّما الطولية بين نفس العلمين لا بين التنجيزين. وأمّا التنجيزان فهما عرضيان، فلا يفرض أنَّ هذا مانعاً عن ذاك ولا ذاك مانعاً عن هذا. 

ــــــــــ[505]ــــــــــ

() قال بعد أن لخّص التقريب الثالث للمحقّق العراقي: واعترضنا… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وأمّا ثانياً: فلأنّه بحسب الحقيقة أنَّ هذين العلمين الإجماليين اللذين فرض أنَّ أحدهما معلول للآخر، ليسا هما العلم المنجّز ولا مصبّ التنجيز، فإنَّ مصبّه ليس هو العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو الطرف أو بنجاسة الملاقى أو الطرف، بل العلوم الإجمالية المتولّدة من هذين العلمين بلحاظ الأحكام التكليفية، وفي هذه العلوم الإجمالية لا نقدم ولا نؤخر حتّى بلحاظ نفس العلم فضلاً عن التنجيز.

وأمّا ثالثاً: فلأنَّا لو فرضنا علمين إجماليين وكان ثانيهما في طول تنجيز الأوّل، وكان بينهما طرف مشترك، وكان الثاني يتولّد من تنجيز العلم الإجمالي الأوّل. مع هذا نحن لا نرى أنَّ قواعد التنجيز التي يحكم بها العقل تختلّ بالنسبة إلى العلم الثاني، فإنَّ غاية ما يقال في اختلالها هو أنَّ العلم الإجمالي الثاني الواقع في طول تنجيز الأوّل. 

هذا العلم الإجمالي إذا فرض كونه منجّزاً فهو متى ينجّز الطرف المشترك بين العلمين؟ هل ينجزه في مرتبة سابقة على وجوده أو في مرتبة متأخّرة عن وجوده؟ إن كان ينجزه في مرتبة سابقة على وجوده فهذا محال؛ لاستحالة سبق الأثر على المؤثر. وإن كان ينجزه في المرتبة المتأخّرة فهو مستحيل؛ لأنَّ هذا الطرف المشترك تنجّز قبل هذا بالعلم الإجمالي الأوّل، والمتنجّز لا يتنجّز بعد ذلك.

وقد قلنا: -في مقام إبطال أصل نظرية الانحلال الحكمي عند المحقّق العراقي- إنَّ هذا خطأ؛ لأنّه يبتنى على قصور المنجّزية مع العلم كالأسباب والمسببات التكوينية، فإنه لو فرض كلّ من العلمين الإجماليين سبباً تكوينياً في 

ــــــــــ[506]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

التنجيز، وكان العلم الثاني في طول تنجيز العلم الأوّل وبينهما طرف مشترك، وتأثير العلمين كِلاهما من سنخ واحد، فحينئذٍ لا يدع العلم الأوّل مجالاً لتأثير العلم الثاني؛ لأنّه قبل وجوده يكون المورد قد استكمل هذا الأثر من ناحية العلم الأوّل، ولكن هنا كلّه تصوّر عقلي وافتراض لا أساس. كما شرحناه مفصّلاً في محلّه.

فهذا الإشكال الثالث -في الحقيقة- إشكال في المبنى ومناقشة لأصل التصور الأساسي الذي يرتكز عليه هذا التقريب. 

التقريب الرابع: للمحقق النائيني

 وفي هذا التقريب تُتبَنَّى أيضاً نظرية شبيهة بنظرية الانحلال الحكمي عند المحقّق العراقي، ويقال: إنَّ العلم الإجمالي إذا كان أحد طرفيه منجّزاً بمنجّز آخر سابق عليه فلا يكون هذا العلم منجّزاً للطرف الآخر، بحيث لا مانع من جريان قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) في الطرف الآخر. يعني روح نظرية المحقّق العراقي للانحلال الحكمي، والتي شرحناها في صور التقريب السابق تذكر هنا أيضاً وإن اختلفت التعبيرات. 

هذه النظرية يطبّقها الميرزا على العلمين الإجماليين اللذين يكون أحدهما سابقاً على الآخر ومشتركاً معه في طرف واحد. وقلنا: إنَّ المتقدم يحلّ المتأخّر عند الميرزا ولو كان التقدم زمانياً، باعتبار أنَّ الطرف المشترك منجّز بالعلم الأوّل. فهذه النظرية التي كان المحقّق العراقي يأبى -على ما شرحنا في التقريب السابق- عن تطبيقها على العلمين الإجماليين بلحاظ التقدم الزماني لأحدهما 

ــــــــــ[507]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

على الآخر، الميرزا -كما قرأنا في بحث الانحلال- لا يأبى عن تطبيقها في هذا المقام، ويرى أنَّ العلم الإجمالي المتأخّر ينحلّ إذا كان أحد طرفيه قد دفع طرفاً لعلم إجمالي متقدم.

إلَّا أنَّ التقدم عنده الذي هو ميزان حلّ العلم الإجمالي المتقدم للمتأخّر، ليس هو التقدم بلحاظ نفس العلم بل هو التقدم بلحاظ المعلوم. وهذا أيضاً أوضحناه في أبحاث الانحلال، وقلنا هناك: بأنَّ الميرزا يرى أنَّ العلم الإجمالي الذي يكون معلومه متقدماً يحلّ العلم الإجمالي الذي يكون معلومه متأخّر، ولو كان نفس العلم على العكس، بأن كان العلم بالمعلوم المتأخّر متقدماً على العلم بالمعلوم المتقدم، كما لو علمنا ظهراً بوقوع نجاسة صباحاً في أحد الإناءين: الأسود أو الأبيض، ثُمَّ علمنا مغرباً بوقوع نجاسة من الليلة الماضية في الأسود أو الأحمر. 

وقلنا: بأنَّ الميرزا كأنّه يدعي بأنَّ العلم ينجّز ويقذف بأثره إلى زمان معلومه، بنحو الرجوع إلى القهقرى، باعتبار كاشفية العلم، فإنّه حيث إنَّ منجّزيته من شؤون كاشفيته، وحيث إنَّ كاشفيته تمتدّ إلى حين ثبوت المعلوم، فلا بُدّ للمنجّزية من أن تمتدّ إلى حين المعلوم أيضاً، فتكون منجّزية المعلوم المتقدم قبل منجّزية المعلوم المتأخّر، وإن كان العلم بالمتقدم متأخّراً والعلم بالمتأخّر متقدماً.

إذن، فقد تقدّم في بحث الانحلال من الميرزا ثلاثة مبانٍ:

المبنى الأوّل: أنّه يتبنّى روح نظرية الانحلال الحكمي عند المحقّق العراقي، لكن يختلف عنه في التعبير عنها، إذ يسمّيها انحلالاً حقيقياً.

ــــــــــ[508]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المبنى الثاني: أنّه يطبّق هذه النظرية العامة على العلمين الإجماليين المشتركين في طرف، ويرى أنَّ تقدّم أحدهما على الآخر موجب للانحلال ولو تقدماً زمانياً، بينما كان آغا ضياء يأبى عن ذلك.

المبنى الثالث: أنَّ التقدم والسبق الذي هو ميزان الانحلال هو سبق المعلوم لا سبق نفس العلم.

المبنى الرابع: نضيفه الآن لأجل أن نقتنص النتيجة: وحاصله: أنّه لا فرق في التقدم والتأخّر في المعلوم بين أن يكون تقدماً وتأخراً زمانياً، أو رتبيّاً، فإنّه تارة يكون المعلوم في أحد العلمين متقدّماً زماناً على المعلوم في العلم آخر، كالمثال المتقدم. وتارة يكون بين المعلومين تقدّم وتأخر رتبي، ففي مثله أيضاً يكون العلم الإجمالي الذي معلومه متقدم رتبة موجباً لانحلال العلم الإجمالي الذي يكون معلومه متأخراً رتبةً.

وذلك لمجيء عين البيان(1)، وهو أن يقال: إنَّ العلم الإجمالي الذي يكون معلومه متأخراً بحسب الرتبة ليس علماً بحدوث التكليف على كلّ حال؛ لأنّه على تقدير وجود التكليف في الطرف المشترك فقد حدث في المرتبة السابقة لا في مرتبة المعلوم الإجمالي الثاني .

إنَّ(2) العلم الإجمالي بالنجاسة المردّدة بين الأسود والأبيض في الرتبة 

ــــــــــ[509]ــــــــــ

() عين البيان الذي يذكره الميرزا في التقدم والتأخر الزماني، ولكن بتبديل التقدم الزماني إلى تقدّم رتبي، (توضيح) (المقرِّر).

(2) وهنا ضرب مثالاً على غرار المثال السابق للتقدم الرتبي وقال: إن… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المتأخرة، ليست نجاسة حادثة على كلّ تقدير؛ إذ على تقدير انطباقها على الأسود، وكون الأسود هو النجس في الرتبة السابقة فهي ليست نجاسة حادثة في هذه المرتبة.

فانسلاخ صفة العلم بحدوث التكليف، تارة يكون بلحاظ سبق معلوم العلم الآخر عليه زماناً، وأخرى يكون بلحاظ سبقه عليه رتبة. وفي كلا التقديرين يقول الميرزا بالانحلال.

فقد أدخلنا في مبادئ هذا التقريب مبدأ أنَّ التقدم الرتبي مؤثّر في الانحلال، إلَّا أنَّ هذا التقدم الرتبي تقدّم رتبي في المعلوم، والتقدم الرتبي الذي اعتمد عليه آغا ضياء تقدّم لأحد العلمين على الآخر.

وبهذا تتمّ مبادئ هذا التقريب، وهو تطبيق لهذه المبادئ الأربعة، حيث يقول: إنّه عندنا علمان إجماليان في طرف، وهما: العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى أو الطرف، والعلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو الإناء الآخر. وهما يشتركان في طرف وهو الإناء الآخر.

 حينئذٍ يقال: حيث إنَّ هذين العلمين مشتركان في طرف واحد، فلا بُدّ وأن يرى فإذا كان لأحدهما تقدّم على الآخر فتشمله نظرية الانحلال عند الميرزا؛ لأنّه يطبّق نظريته على العلمين الإجماليين كما قلنا، فلا بُدّ وأن نفتش عن التقدم والتأخر بين ذات المعلومين لا بين نفس العلمين. وفي مقام الفحص عن التقدم عن المعلوم لا فرق بين أن نحصّل تقدماً زمانياً أو تقدماً رتبياً، فإنَّ التقدم الرتبي أيضاً يكفينا.

ــــــــــ[210]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وإذا فتّشنا نرى أنَّ التقدم الزماني، وإن لم يكن موجوداً أحياناً، إذ قد يفرض أنَّ الملاقاة كانت في آن حدوث النجاسة المردّدة بين الإناءين، فلعلّ النجاستين المعلومتين بالعلم الإجمالين زمانهما واحد، ولكن بينهما تقدّم وتأخر رتبي، باعتبار نشوء نجاسة الملاقي من نجاسة الملاقى، ولا يوضح في التقريرات أكثر من هذا في مقام تقريب المطلب. وأنا سوف أوضح أكثر من هذا في مقام تقريب المطلب عند مناقشته.

فينحلّ(1) العلم الإجمالي الثاني بالعلم الإجمالي الأوّل، ولا يكون منجّزاً، سواء تقارن العلمان أو كان أحدهما متقدماً على الآخر؛ لأنَّ المناط هو تقدّم المعلوم على المعلوم لا تقدّم العلم على العلم، هذا حاصل ما أفاده المحقّق النائيني.

مناقشة الميرزا النائيني

إلَّا أنَّ هذا التقريب غير تامّ، وذلك:

أوّلاً: أنّنا لا نقبل مبانيه الأربعة بتمامها؛ وذلك: أنَّ المبنى الأوّل، وهو أصل نظرية(2) الانحلال بالنحو الذي يتصوره الميرزا قد أبطلناه في بحث الانحلال، وقلنا: إنّه لا يرجع إلى محصّل.

ولو سلّمنا بنظرية الانحلال بالنحو الذي يقوله الميرزا ولو بإرجاعه روحاً إلى تقريب آغا ضياء -مثلاً- الذي هو أوجه في الصورة الفنية. وغض النظر 

ــــــــــ[211]ــــــــــ

() وهنا أعاد الفكرة وقال: فينحل… (المقرِّر).

(2) فلا نقبل أصل النظرية العامة للانحلال لا بصيغة الميرزا ولا بصيغة آغا ضياء. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

عن الإشكال في نظرية آغا ضياء، فحينئذٍ يقال: لا نسلم تطبيقه على العلمين الإجماليين بلحاظ تقدّم أحدهما على الآخر، وأنَّ المتأخّر يحلّ المتقدم على ما سبق أيضاً في تنبيه مستقل عقدناه لبحث العلاقات بين العلوم الإجمالية(1)

ولو سلّمنا هذا التطبيق، وأنَّ العلم الإجمالي المتقدم يوجب انحلال المتأخّر المشترك معه في طرف، فلا نسلّم أن يكون ميزان التقدم هو التقدم في المعلوم، بل الميزان هو التقدم في نفس العلم؛ لأنَّ استحالة تنجيز العلم الإجمالي المتأخّر بعد فرض تنجيز العلم المتقدم إنَّما هو من باب أنَّ المتنجّز لا يتنجّز مرّة أخرى، والتنجّز هنا فرع فعليّة العلم ووجوده(2).

 وكون العلم بنظره الكاشفي يمتد إلى ما قبل وجوده لا يلزم منه أن يكون التنجّز الذي هو معلومه، أيضاً يمتد بوجوده إلى ما قبله، على ما أوضحناه أيضاً في بحث الانحلال.

ولو سلّمنا في المقام النظرية العامة للانحلال بصيغة الميرزا، وأنَّ الميزان هو تقدّم المعلوم لا تقدّم نفس العلم، وسلّمنا أنَّ تنجّز كلّ علم تابع لزمان معلومه لا لزمان نفس وجود العلم، فلا نسلّم أنَّ التقدم الرتبي أيضاً يكفي كالتقدم الزماني، بل إنّه لا يكفي، وفرق بين التقدم الرتبي والزماني.

ــــــــــ[512]ــــــــــ

() وقلنا: بأنَّ الصحيح هو عدم انحلال العلم المتأخّر بالمتقدم، ولو سلّمنا نظرية الانحلال. (محاضرة غد). (المقرِّر).

(2) فالمعلوم إنَّما يتنجّز لا في زمانه، بل من حين زمان العلم، فلا بُدّ من ملاحظة التقدم بين العلمين لا بين المعلومين. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فإنَّنا لو فرضنا أنَّ أحد العلمين كان معلومه النجاسة في الليل والآخر كان معلومه النجاسة صباحاً، نجاسة صبحيَّة مردّدة بين الأبيض والأسود وليلية مردّدة بين الأسود والأحمر. هنا لو تصوّرنا أنَّ التنجّز تابع لزمان المعلوم لا لزمان العلم، يمكن أن يقال صورةً: بأنَّ الإناء الأسود -أي: الطرف المشترك- تنجّز من أوّل الليل، فيستحيل أن يكتسب التنجّز في الصبح من ناحية العلم الإجمالي الثاني؛ لأنَّ المتنجز لا يتنجّز مرة أخرى، فيسقط العلم الثاني عن المنجّزية. هذا أمر معقول.

لكن لو فرضنا التقدم والتأخر الرتبي فقط مع الإتحاد في الزمان، كما لو فرضنا أنَّ زمان النجاسة المردّدة بين الأسود والأبيض هو عين زمان النجاسة المردّدة بين الأسود والأحمر، غاية الأمر أنَّ إحدى النجاستين في طول النجاسة الأخرى وفي مرتبة متأخّرة عنها. هذا لا يكفي أن نقول: إنَّ النجاسة المتأخّرة رتبة لا يمكن أن تتنجز؛ لأنَّ أحد طرفيها قد تنجّز في المرتبة السابقة؛ وذلك لأنَّ التنجّز ليس من أحكام المرتبة، بل هو من أحكام الزمان.

فهنا يأتي كلام السيّد الأستاذ الذي قلنا: إنّه وجّه إلى غير وجهته ووضع في غير موضعه، وليته اعترض بمثل هذا الاعتراض على مثل هذا المطلب؛ وذلك لأنَّ التنجّز مرجعه إلى حكم العقل بقبح صدور الفعل من المكلّف، وهو حكم موضوعه فعل زماني من أفعال المكلّف.

وحينئذٍ فمعنى تنجّز النجاسة وهو حكم العقل بقبح ارتكابها ولزوم اجتنابها، وحينئذٍ لا نتصوّر في المقام أن يكون هناك تنجّز في المرتبة السابقة وتنجّز في المرتبة اللاحقة؛ لأنَّ التنجيزين بما أنّهما زمانيان فهما في عرض واحد 

ــــــــــ[513]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

لا محالة، ولا يكون المورد قد انشغل في المرتبة السابقة بتنجّزٍ بحيث يمنع عن انشغاله بالتنجّز في المرتبة اللاحقة. فهذه عيوب مباني المطلب، فهناك أربع نقاط ضعف فيها. 

الآن لو سلّمنا تمام هذه المباني الأربعة: نظرية الانحلال الحكمي عند الميرزا، وتطبيقها على العلمين الإجماليين، وأنَّ الميزان تقدّم المعلوم لا تقدّم العلم، وأنَّ التقدم الرتبي كالزماني. مع هذا لا يتمّ ما أفاده.

المبنى الأوّل(1): هو نظرية الانحلال بالنحو الذي أفاده المحقّق النائيني، فإنّه يرى أنَّ العلم الإجمالي تنجّز وجوب الاجتناب عن أحد طرفيه بمنجز سابق، فلا يكون مثل هذا العلم الإجمالي منجّزاً؛ لأنّه يخرج عن كونه علماً بحدوث التكليف على كلّ تقدير(2)

وهذه النظرية العامة التي وضعها للانحلال، تشابه بجوهرها وقد ترجع بروحها إلى النظرية العامة التي وضعها المحقّق العراقي حين قال: إنَّ العلم الإجمالي إذا تنجّز أحد طرفيه بمنجّز آخر سابق فيخرج عن صلاحية التنجيز؛ لأنَّ المتنجز لا يتنجز.

ــــــــــ[514]ــــــــــ

() أعاد سيّدنا الأستاذ في هذه المحاضرة جميع ما كان قاله عن المحقّق النائيني ومناقشته، فنكتب في المقام مهمّ التوضيحات والزيادات، فقال في سرد مباني التقريب ومناقشته: المبنى الأول… (المقرِّر).

(2) لأنّه لو كان المعلوم الإجمالي منطبقاً على ما تنجّز بمنجّز سابق لا يكون علماً بحدوث التكليف، فلا يكون العلم الإجمالي منجزاً، (المحاضرة). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المبنى الثاني: هو تطبيق النظرية العامة للانحلال عند الميرزا على ما إذا كان أحد طرفي العلم الإجمالي قد تنجّز باعتبار طرفيته لعلم إجمالي سابق. فإنَّ الميرزا يرى في العلمين الإجماليين المشتركين في طرف واحد إذا كان بينهما تقدّم وتأخر، يرى أنَّ المتأخّر ينسلخ عن المنجّزية وينحلّ بلحاظ المتقدم(1).

 أمّا باعتبار صيغة الميرزا حيث يقال: بأنَّ العلم الإجمالي المتأخّر يخرج عن كونه علماً إجمالياً بحدوث التكليف على كلّ تقدير، فإنّنا لو علمنا إجمالاً صبحاً بنجاسة في الإناء الأسود أو الأبيض ثُمَّ علمنا مغرباً بوقوع قطرة من الدم جديدة(2) إمّا في الإناء الأسود أو الأحمر، لا يكون علمنا الإجمالي الثاني علماً بحدوث التكليف على كلّ تقدير؛ إذ لو كانت قطرة الدم المعلومة غروباً قد وقعت في الإناء الأسود وكان هو النجس منذ الصبح لما كان علماً بنجاسة حادثة، فيخرج العلم الثاني عن كونه علماً بتكليف حادث وراء التكليف المعلوم بالإجمال بالعلم الأوّل.

أمّا المحقّق العراقي فلم يطبّق نظريته التي هو وضعها على العلم الإجمالي، وبذلك يختلف عن الميرزا، إلَّا أنّها يمكن تطبيقها على محلّ الكلام ويقال في 

ــــــــــ[515]ــــــــــ

() وهذه الفكرة على إجمالها -وقبل أن نعيّن أنَّ ميزان الانحلال هل هو تقدّم المعلوم أو العلم- فهذه الفكرة بنحو القضية المهملة هي المبنى الثاني من مباني هذا التقريب. (محاضرة غد). (المقرِّر).

(2) لا يخفى أنَّ محل الكلام إنَّما هو في الملاقاة لا في حصول نجاسة جديدة كما هو معلوم. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المثال: إنَّ النجاسة المعلومة بالعلم الإجمالي الثاني لو كانت واقعة في الأسود فهي غير قابلة للتنجز؛ لأنَّ هذا الطرف متنجّز بمنجّز سابق وهو العلم الأوّل، والمتنجز لا يتنجز.

 فلو(1) كان معلوم هذا قبل معلوم ذاك، فالعلم بالمعلوم المتأخّر لا ينجّز: إمّا بصيغة الميرزا؛ لأنّه ليس علماً بحدوث التكليف على كلّ تقدير، أو لأنّه قد تنجّز أحد طرفيه، والمتنجّز لا يتنجّز.

وهو(2) أنَّ المدار هو التقدم المعلوم الأعمّ من الزماني والرتبي، فينحلّ العلم المتأخّر رتبة: إمّا بصيغة الميرزا حيث يقال: إنَّ هذا ليس علماً بحدوث التكليف على كلّ تقدير؛ لأنّه على أحد التقديرين فقد سبقه التكليف في الرتبة السابقة، أو بتعبير آخر، وهو أنّه قد تنجّز في المرتبة السابقة والمتنجز لا يتنجّز مرة أخرى.

فإذا استكملنا هذه المباني الأربعة، نطبّقها على محلّ الكلام، ويكون التقريب الرابع عبارة عن تطبيق مجموعها، حيث يقال: عندنا علمان إجماليان: العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى أو الإناء الآخر، والعلم الإجمالي بنجاسة الثوب الملاقي أو الإناء الآخر. وهذان العلمان حتّى لو فرض تقارنهما زماناً، مع هذا بين المعلومين ترتب وطولية، بلحاظ أنَّ نجاسة الملاقى ناشئة من نجاسة 

ــــــــــ[516]ــــــــــ

() وهنا ذكر المبنى الثالث: وهو أنَّ المدار تقدّم المعلوم دون العلم، ونقصد بتقدم المعلوم: تقدّمه بنحو القضية المهملة من ناحية كونه رتبياً أو زمانياً، ولا نعين خصوصية أحدهما، (محاضرة غد). وأفاد فيه ما أفاد في المحاضرة السابقة بعد البدء بتقريب الميرزا. وقال: فلو… (المقرِّر).

(2) وهنا ذكر عنوان المبنى الرابع: وهو… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الملاقي، فيكون المعلوم بالعلم الثاني في طول المعلوم بالعلم الأوّل، فنطبّق عليه تلك المباني فنقول: هنا علمان إجماليان مشتركان في طرف وهو الإناء الآخر، وهما معلوم أحدهما سابق على معلوم الآخر بحسب الرتبة، فيكون موجباً لانحلال المتأخّر رتبة وهو العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو الإناء الآخر، من دون فرق بين أن يتساوى تاريخ حدوث العلمين أو يختلف.

وهذا التقريب لو تمّ فإنّه ينتج انحلال العلم الإجمالي حتّى على مباني العلية ولا يختص بمباني الاقتضاء، حاله حال التقريب الثالث للمحقّق العراقي الذي طبّق فيه نظريته للانحلال الحكمي، فإنَّ كلّ واحد من التقريبين لا يختص بمسلك الاقتضاء، بل يجري لو تمّ حتّى على القول بالعلِّية. 

والنكتة في ذلك: هو أنَّ الميرزا في التقريب الرابع وآغا ضياء في الثالث، لا يريدان أن يتمسكا بأصل شرعي مؤمّن في الملاقي، وبه يحلّون العلم الإجمالي حتّى يقال: إنَّ هذا خلاف القول بالعلِّية، بل إنّهما يريدان أن يخرجا العلم الإجمالي عن صلاحية التنجيز في نفسه، بلحاظ قواعد التنجيز والتأمين في نظر العقل بحيث تجري في الطرف الآخر قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، حتّى لو لم يكن عندنا أصل مؤمّن شرعي؛ لأنَّ العلم موجود وهو موضوع للقاعدة، والعلم خرج عن صلاحية التنجيز، إمّا بلسان أنّه ليس علماً بحدوث التكليف، أو بلسان أنَّ المتنجز لا يتنجّز مرة أخرى. 

إذن، فتجري قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) لقصور العلم عن البيانية. وهذا ينافي مع القول بالعلِّية. وهذا بخلاف التقريبين الأوليين، فإنّهما كانا مختصين 

ــــــــــ[517]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بمسلك الاقتضاء؛ لأنّه فيهما كان يُعترف بأنَّ العلم الإجمالي الثاني منجّز في نفسه، ولكنّه يحلّ بجريان الأصل المؤمّن الشرعي في الملاقي حيث يجري بلا معارضة.

 وكان همّ التقريبين إنجاء الأصل في الملاقى عن المعارضة، إمّا بلحاظ أن الأصل في الإناء الآخر سقط في زمان سابق، كما هو الحال في التقريب الأوّل، أو بلحاظ أنَّ الأصل في الطرف الآخر سقط في رتبة سابقة كما هو الحال في التقريب الثاني. 

والتخلّص من المعارضة لا يكون إلَّا على مسلك الاقتضاء إمّا على العلّية فعدم جريان الأصل المؤمّن من باب العلّية لا من باب المعارضة.

إذن، فبين التقريبين الأولين من ناحية والتقريبين الأخيرين من ناحية فرق جوهري من هذه الزاوية، حيث ينسجم الأخيران حتّى على مسلك العلّية، ولا ينسجم الأوليان إلَّا على مسلك الاقتضاء. 

لا ينحلّ(1) العلم الإجمالي الذي يكون معلومه متأخّراً رتبة، لا بصيغة الميرزا، حيث يقال: إنّه ليس علماً بحدوث التكليف على كلّ تقدير، ولا بصيغة آغا ضياء حيث يقال: إنَّ معلومه قد تنجّز في المرتبة السابقة والمتنجز لا يتنجز؛ وذلك لأنَّ التكليف الشرعي والتكليف العقلي الذي يرجع إلى المنجّزية، من أحكام الفعل في الزمان لا من أحكام المرتبة العقلية. إذن، يكون العلم الإجمالي 

ــــــــــ[518]ــــــــــ

() وهنا ذكر مناقشات المباني الأربعة كما سبق. وقال في مناقشة المبنى الرابع: لا ينحلّ… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الثاني علماً بحدوث التكليف في هذا الإناء وهو علم بما لم يكن منجّزاً قبل هذا الآن بلحاظ عمود الزمان، وبما هو صالح للتنجيز على أي حال بلحاظ عمود الزمان في هذا الآن.

 نعم، لو كانت المنجّزية والتكليف الشرعي، حالهما حال الأحكام العقلية الثابتة للمراتب التحليلية في عالم الاعتبار العقلي، لكان الأمر كما ذكر، ولكنهما ليسا من هذا القبيل. إذن، فإلحاق التقدم الرتبي بالتقدم الزماني غير صحيح

 وخامساً: لو سلّمنا هذه المباني الأربعة(1). هذا(2) يكون تطبيقاً للمباني الأربعة؛ ولهذا لو اختلّ أيّ واحد منها، يختلّ هذا التقريب، فلو أنكرنا أصل نظرية الانحلال الحكمي بصيغته الميرزائية وبصيغته الضيائية(3). فحينئذٍ لا مجال لدعوى انحلال علم إجمالي بعلم إجمالي آخر، كما أنّه لو سلّمنا انحلال العلم الإجمالي فيما إذا تنجّز وجوب الاجتناب عن بعض أطرافه سابقاً، لكن لم نقبل شمول هذه النظرية لما إذا كان تنجّز وجوب الاجتناب عن بعض أطرافه بلحاظ علم إجمالي آخر، يعني: لم نقبل تطبيق هذه النظرية على العلمين 

ــــــــــ[519]ــــــــــ

() أقول: أعاد السيّد هذا الإشكال بشكل أوضح وابسط في المحاضرة الآتية مع إعادة بعض ما سبقه أيضاً؛ لذا فمن الأحسن الاقتصار الآن على كتابة المحاضرة الآتية مع مطابقتها بما قاله في هذه المحاضرة. (المقرِّر).

(2) قال بعد الانتهاء من تقرير المباني الأربعة السابقة وتقريب الميرزا: هذا… (المقرِّر).

(3) نسبة إلى آغا ضياء العراقي، (توضيح). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الإجماليين المشتركين في طرف والمتقدم أحدهما على الآخر علماً أو معلوماً، بل قلنا: إنّها تختص بخصوص ما إذا تنجّز وجوب الاجتناب عن أحد الطرفين بالبيّنة ونحوه، فإذا أنكرنا هذا التطبيق فأيضاً لا تصل النوبة إلى تقريب الميرزا.

كما أنّه لو سلّمنا هذين المبنيين، وأنَّ المتقدم من العلمين يحلّ المتأخّر، لكن عيّنا التقدم في تقدّم العلم لا في تقدّم المعلوم، فأيضاً لا تصل النوبة إلى تقريب الميرزا؛ لأنّه يتكلّم في مورد لا يكون هناك تقدّم ولا تأخّر لا زماني ولا رتبي بين نفس العلمين، فلا ينفعه مثل هذا الانحلال.

كما أنّه لو سلّمنا المبنى الثالث وعيّنا التقدم في تقدّم المعلوم، ولكن لم نقبل المبنى الرابع وهو تعيّن هذا التقدم في التقدم الرتبي، وقلنا: إنَّ هذا التقدم لا يكفي بل يحتاج إلى خصوص التقدم الزماني، فأيضاً ينحلّ هذا التقريب؛ لأنَّ التقدم الزماني غير موجود في المقام، فإنّ المعلومين زمانهماً واحد بحسب الفرض.

إذن، فتقريب الميرزا يتوقّف على تمامية كلّ واحد من هذه المباني الأربعة، وإذا بطل أيّ واحد يبطل تقريب الميرزا.

وثانياً(1): لو قبلنا النظرية العامة للانحلال عند الميرزا بإرجاعها إلى صيغة آغا ضياء، فلا نقبل المبنى الثاني وهو تطبيقها على العلم المتقدم مع العلم المتأخّر، سواء أريد تقدّم نفس العلم أو تقدّم المعلوم، فلو فرضنا علمين 

ــــــــــ[520]ــــــــــ

() وحين أنكر المبنى الأوّل، وهو أصل نظرية الانحلال، قال: (المقرِّر). [أما أولاً فقد ذكرت في بداية العنوان: مناقشة المرزا النائيني]. 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

إجماليين بينهما طرف مشترك، وفرضنا أنَّ أحدهما متأخّر عن الآخر علماً ومعلوماً معاً، لا نقبل تطبيق نظرية الانحلال التي تنزّلنا وقبلناها بصيغة آغا ضياء عليه، بأن نقول: بأن العلم المتأخّر علماً ومعلوماً ينحلّ بالمتقدم؛ وذلك لما اشير إليه سابقاً: من أنّه من حين ترقب تأثير العلم الإجمالي الثاني تكون نسبة المنجّزية إلى كلا العلمين على حدّ واحد، فيكون العلم الثاني من حين ترقب تنجيزه يكون ترجيح الأوّل عليه بلا مرجح. وهذا ما قلناه: من أنَّ الوجود البقائي للعلم الأوّل يزاحم مع الوجود الحدوثي للعلم الثاني.

وثالثاً: لو قبلنا نظرية الانحلال العامة بصيغة آغا ضياء، وقبلنا تطبيقها على العلمين الإجماليين، وقلنا: إنَّ التقدم في الجملة يوجب انحلال المتأخّر بالمتقدم. حينئذٍ نقول: …الخ(1).

ورابعاً: لو أننا قبلنا نظرية الميرزا ولو بصيغة المرزائية الخاصّة من دون تعديل وتطوير، حينئذٍ لا نقبل المبنى الرابع من الميرزا(2)

وخامساً: لو سلّمنا كلّ هذه المباني الأربعة، وسلمنا من الميرزا أنَّ الميزان هو التقدم في المعلوم ولو رتبياً، فكيف نطبق هذا على محلّ الكلام؟ كيف نتصوّر أنَّ هناك تقدماً لمعلوم العلم الأوّل على معلوم العلم الثاني؟ فإنَّ العلم الإجمالي الأوّل وهو العلم بنجاسة الملاقى أو الإناء الآخر، والعلم الثاني هو العلم بنجاسة الملاقي أو الإناء الآخر، فالطرف المشترك ما بين العلمين هو الإناء 

ــــــــــ[521]ــــــــــ

() واتممه كما سبق. (المقرِّر).

(2) وهنا شرحه كما سبق. (المقرِّر)..

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الآخر، ولكل من العلمين طرف به الامتياز، وهو الملاقى في العلم الأوّل والملاقي في العلم الثاني. ونحن نريد أن نتصوّر سبقاً للعلم الأوّل على الثاني بحيث يحله. فهذا السبق الرتبي(1) أين يجب أن يكون محطه ومصبّه؟

في مناقشة التقدّم الرتبي

ولأجل توضيح هذا المطلب فلنتصور موارد السبق الزماني لاحد المعلومين على الآخر، وأين يكون محطّ السبق الزماني، ثُمَّ نأتي إلى الفرق الرتبي.

فنقول: لو علم صبحاً إجمالاً بنجاسة صبحيّة إمّا في الإناء الأسود أو الأبيض، وعلم ظهراً بوقوع قطرة دم حين الظهر في الإناء الأسود أو الأحمر، هنا يقول الميرزا: بأنَّ العلم الإجمالي الثاني ينحلّ بالأوّل؛ لأنَّ المعلوم الأوّل أسبق زماناً من المعلوم الثاني، فهذه الأسبقية هل تتصور في الطرف الذي به الامتياز أو في الطرف المشترك بين العلمين؟ هي إنَّما تتصور في الطرف المشترك لا فيما به الامتياز، فإنَّ ما به الامتياز وهو الإناء الأبيض للعلم الإجمالي الأوّل والإناء الأحمر للعلم الثاني، النجاسة فيهما هي حدوث نجاسة، والسبق الذي أخرج العلم الثاني عن كونه خروج تكليف إنَّما هو الطرف المشترك وهو الإناء الأسود، هذا خرجت النجاسة المعلومة بالعلم الإجمالي الثاني عن كونها حدوث تكليف؛ لأنّها مسبوقة بالنجاسة من حين الصبح فالسبق الزماني هنا ملحق بالطرف المشترك لا الطرف الذي به الامتياز.

ولهذا نقول بالانحلال حتّى لو فرض أنَّ النجاستين فيما به الامتياز من 

ــــــــــ[522]ــــــــــ

() تصوير هذا يكون بأحد بيانين: البيان الأوّل، (محاضرة أمس). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الإناءين كانتا متعاصرتين زماناً، كما لو علم صبحاً بنجاسة صبحيّة في الإناء الأسود أو الأبيض ثُمَّ ظهر علم بأنه وقعت قطرة دم إمّا في الإناء الأسود الآن أو الإناء الأحمر من حين الصبح، فهنا ما به الامتياز للعلمين: الأبيض والأحمر، محط للنجاسة المحتملة بالعلم الإجمالي من حين الصبح، فهما متعاصرتان زماناً وإنَّما التقدم والمتأخر الزماني وقع في الطرف المشترك، ومن هنا ينحلّ العلم الإجمالي الثاني بالأوّل؛ لأنَّ طرفية الطرف المشترك للعلم الثاني في طول طرفيته للعلم الأوّل، فالسبق والتأخر الزماني محطه هو الطرف المشترك.

ولهذا أيضاً لو لم يكن في الطرف المشترك تقدّم وتأخر، وإنَّما كان ذلك في الطرف الآخر، لا نقول بالانحلال، كما لو علم صبحاً بنجاسة صبحية إمّا في الإناء الأسود أو الأبيض، ثُمَّ علم ظهراً بنجاسة إمّا في الأسود من حين الصبح أو الآن في الأحمر، فهنا لو لاحظنا الإناءين اللذين فيهما الامتياز وهما الأحمر للثاني والأبيض للأوّل، فبينهما تقدّم وتأخر من حيث الزمان، ولكن مع هذا لا يكون العلم الثاني منحلاً بالأوّل بلا إشكال؛ لأنَّ النجاسة المعلومة بالثاني في الطرف المشترك معاصرة زماناً للنجاسة المعلومة فيه بالعلم الأوّل.

إذن، إنَّما ينحلّ العلم الإجمالي المتأخّر بالمتقدم، فيما إذا كان هناك تقدّم وتأخر زماني بين النجاستين بلحاظ الطرف المشترك لا بلحاظ ما به الامتياز. هذا في التقدم الزماني، فينبغي جرياناً على هذا أن يكون هذا في التقدم الرتبي أيضاً، يعني: أن يكون التقدم والتأخر الرتبي بين النجاستين في الطرف المشترك لا فيما به الامتياز.

ــــــــــ[523]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فإذا جئنا إلى محلّ الكلام، وهو ما لو كُنّا نعلم إجمالاً بنجاسة الملاقى أو الإناء الآخر، ونعلم إجمالاً بنجاسة الملاقي أو الإناء الآخر، فالطرف المشترك هو الإناء الآخر وما به الامتياز هما الملاقى والملاقي. وهنا أين وقع التقدم والتأخر الرتبي؟ وقع في النجاستين المضافتين إلى ما به الامتياز لا في النجاستين المضافتين إلى الطرف المشترك، فإنَّ النجاسة المعلومة بالعلم الأوّل بلحاظ الطرف الآخر والنجاسة المعلومة بالعلم الثاني بلحاظ الطرف الآخر، كلتاهما نجاسة واحدة، لا تقدّم ولا تأخر بينهما لا من حيث الزمان ولا من حيث الرتبة.

نعم، هنا تقدّم وتأخر في الانكشاف، بمعنى: أنَّ انكشافها بالعلم الثاني بعد انكشافها بالعلم الأوّل، لكن على مبنى الميرزا لا أثر لتقدم العلم وتأخره بما هو علم، وإنَّما الأثر لتقدم المعلوم بما هو معلوم. وإذا لاحظنا الطرف المشترك لا نرى تقدما رتبياً ولا زمانياً بين النجاستين فيه، وإنَّما التقدم والتأخر بلحاظ ما به الامتياز وهو الملاقي والملاقى.

وأنا لا أدرى أنَّ مقرّري بحث الميرزا ماذا فهموا منه، وماذا كتبوا؟

فإنهم كتبوا يقولون: بأنَّ نجاسة الملاقى حيث إنّها متأخرة رتبة عن نجاسة الملاقي، فينحلّ العلم الاجمالي الثاني بالعلم الأوّل، فإنَّ العلم الثاني يخرج عن كونه علماً بالتكليف على كلّ تقدير؛ لأنّه لو كان في الإناء الآخر فهذا قد ثبت فيه التكليف بالعلم الإجمالي الأوّل، فقد نظروا في المقدّمة بالعين اليمنى ونظروا في النتيجة بالعين اليسرى، حيث قالوا: إنّه بين معلومي العلمين تقدّم وتأخر
-بلحاظ طرفي الامتياز- إذن، فالعلم الثاني لا يكون علماً بحدوث تكليف
-بلحاظ الطرف المشترك- فالمقدمة لا تنسجم مع النتيجة بوجه من الوجوه.

ــــــــــ[524]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

والذي أظنّه أنَّ عبارات الميرزا كانت مشوشة وغير وافية، وكتبت بهذا النحو المشوش وغير المفهوم أصلاً، يعني هذه العبارة لا معنى لها أصلاً، ولا بُدّ أن يكون في ذهن الميرزا معنى آخر غير هذا المعنى الموجود في هذه العبارة، معنى له صوره. أمّا ما هو ذاك المعنى؟

هذا المعنى الذي يكون له صورة هو ما حاولنا أن نبيّنه بالأمس بعنوان البيان الثاني.

وحاصله: هو أن نقول: إنّه عندنا نجاسات ثلاثة: نجاسة الملاقى ونجاسة الإناء الآخر ونجاسة الملاقي، وهنا ملاقاة وقعت في الخارج، العبد إذا التفت إلى نجاسة الملاقى ونجاسة الإناء الآخر يراهما نجاستين غير متوقفتين على الملاقاة، بل هما ثابتان بقطع النظر عنها. ومعنى هذا أنّهما موجودان في عرض الملاقاة لا في الرتبة المتأخرة عنها، ولا يقصد من هذا أنّهما غير موجودين في هذه الرتبة المتأخّرة، بل يقصد أنّهما بحسب ابتداء وجودهما في خط التحليل العقلي وُجدا قبل هذه الرتبة وانحفظا في تمام الرتب المتأخّرة ب الإطلاق، لا بأن يكونا متقدمتين بهذه الرتبة. وهذا بخلاف النجاسة الثالثة وهي نجاسة الملاقي، فإنّها مقيدة بهذه الرتبة، وغير موجودة في رتبة أعلى منها في خط التسلسل العقلي للرتب.

وهنا تشكّل علمان إجماليان: أحدهما أخذ الملاقى مع الإناء الآخر، وحيث إنَّ كُلّاً من هاتين النجاستين غير متقيد بالرتبة المتأخّرة عن الملاقاة، بل هو موجود في رتبة أعلى وإن كان مستمراً في تمام الرتب بنحو الإطلاق ولهذا 

ــــــــــ[525]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فمعلوم العلم الإجمالي الأوّل على إجماله وترديده هو أعلى رتبة من الرتبة المتأخّرة عن الملاقاة؛ لأنّه على كلا تقديريه هو غير متقيد بهذه الرتبة.

وأمّا العلم الإجمالي الثاني(1)، فقد تشكّل بين نجاسة الملاقي أو الإناء الآخر، وهذان الطرفان بينهما فرق؛ لأنَّ نجاسة الملاقي متقيدة بهذه الرتبة المتأخّرة عن الملاقاة، ونجاسة الإناء الآخر غير متقيدة بها، والنتيجة تتبع أخسّ المقدمتين، فالأمر المردّد بين المتأخّر وغير المتأخّر لا يكون محرزاً إلَّا في المرتبة المتأخّرة، فيصير رتبة هذا الأمر المردّد هو رتبة نجاسة الملاقي، يعني يكون في الرتبة المتأخّرة عن الملاقاة على حين أنَّ الأمر المردّد في العلم الإجمالي الأوّل موجود قبل هذه الرتبة وأسبق منها.

إذن، فقد صار المعلوم الإجمالي بالعلم الأوّل أسبق رتبة من المعلوم الإجمالي بالعلم الثاني، ونريد بالفرد المردّد على ترديده وإجماله، لا هذا الطرف أو ذاك بالخصوص. وهذا الفرد المردّد على إبهامه ما هو معروض للعلم الأوّل أسبق(2) رتبة ما هو معروض منه للعلم الإجمالي الثاني.

وحينئذٍ يقال: بأنّنا إذا لاحظنا المرتبة المتأخّرة عن الملاقاة وهي مرتبة 

ــــــــــ[526]ــــــــــ

() قال في محاضرة أمس: إنّه في الرتبة المتأخرة عن الملاقاة يوجد معلومي الإجمالي الثاني جزماً؛ لأنّه إمّا هو نجاسة الملاقى وهذه مرتبته وإما نجاسة الإناء الآخر، فهو باق إلى هذه المرتبة فهذه المرتبة هي الوعاء الرتبي لمنكشف ومعلوم العلم الإجمالي الثاني؛ لأنّه على كلا تقديريه فهو محقّق جزماً في هذه المرتبة. (المقرِّر)

(2) سيأتي في المناقشة ما ينافي هذه العبارة، فانتظر. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المعلوم الإجمالي الثاني، ففي هذه المرتبة(1) لا نعلم بنجاسة حادثة وراء تلك النجاسة التي علمنا بحدوثها في المرتبة الفوقانية، وأنا وأظنّ بالظنّ القوي أنَّ هذا هو مراد الميرزا. وهو وجه له صورة فنّية ويمكن فهمه وتعقله(2).

إلَّا أنَّ هذا البيان غير صحيح لوجوه متعدّدة، لا نذكر منها إلَّا أمراً واحداً.

وحاصله: أنَّ النجاسة المردّدة المعلومة بالعلم الإجمالي الأوّل، مجرّد أنّها غير متقيدة بالرتبة المتأخّرة عن الملاقاة، لا يجعلها في رتبة سابقة(3) كما قلنا بالأمس من أنّه عندنا زيد بن بكر وعندنا خالد بن شخص آخر، وزيد متقيد بالرتبة 

ــــــــــ[527]ــــــــــ

() لا أعلم في المرتبة المتأخرة مرتبة ما بعد الملاقاة لا أعلم بحدوث نجاسة وراء تلك النجاسة التي أعلم بها حتّى لولا الملاقاة إذ لعلّ النجاسة المعلومة بالعلم الإجمالي الثاني هي عين النجاسة المعلومة بالعلم الإجمالي الأوّل أي لولا الملاقاة. وهذا معنى انسلاخ صفة العلم بحدوث التكليف على كل تقدير عن العلم الإجمالي الثاني. (محاضرة أمس). (المقرِّر).

(2) فقلت له (سلّمه الله): هذا نتيجته عدم انعقاد العلم الإجمالي الثاني أصلاً؛ لأنّنا لا نعلم بنجاسة حادثة في المرتبة المتأخّرة عن الملاقاة. 

فقال: يعني: ينحلّ إلى العلم التفصيلي والشكّ البدوي.

فقلت: يعني يكون انحلالاً حقيقياً.

فأجاب: هو يعبّر بالانحلال الحقيقي. (المقرِّر).

(3) ومجرّد أن يكونا موجودين في العالم أحدهما مقيد برتبة والآخر غير مقيد بها لا يلزم أن يكون ذاك متقدم على هذا رتبة. (محاضرة أمس). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المتأخّرة عن أبيه، ولكن خالد غير متقيد بهذه الرتبة، ولا يلزم من عدم تقيده بهذه الرتبة أن يكون برتبة متقدّمة عليه، فلا يلزم في المقام أن يكون المعلوم بالعلم الإجمالي الأوّل متقدم رتبة على المعلوم بالعلم الإجمالي الثاني(1).

نعم، المعلوم الثاني متقيد برتبة لم يتقيد بها المعلوم الأوّل، لكن مجرّد عدم تقيده بتلك الرتبة وعدم كونه في طول الملاقاة لا يلزم من ذلك أن يكون اسبق رتبة منه، ليس كلّ شيء لا يكون في طول ما أنت في طوله يكون أسبق منك رتبة. 

وبهذا يتضح: أنَّ التقريب الرابع غير تامّ؛ وبهذا يتبيّن أنَّ تمام ما أفاده الأكابر في مقام نفي تنجّز النجاسة في الملاقى غير تامّ؛ وعليه فالعلم الإجمالي الثاني منجز، والنجاسة في الملاقى تتنجّز ويجب الاجتناب عنه بحكم قوانين العلم الإجمالي، هذا هو تمام الكلام في أصل المسألة في هذا التنبيه(2).

ــــــــــ[528]ــــــــــ

() كون شيء مقيداً بأن يكون في مرتبة ما بعد الملاقاة لا يقتضي تأخّره رتبة عن كلّ شيء آخر لا يكون مقيداً بهذه المرتبة. وإنَّما يتأخّر مرتبة عن شيء يكون ذاك الشيء مقيداً بمرتبة فوقانية، أمّا إذا لم يكن مقيداً بالمرتبة الفوقانية فلا يكون هناك تقدّم وتأخّر رتبي ما بينهما. (محاضرة أمس). (المقرِّر).

(2) أقول: بعد المطابقة مع ما كان قاله السيّد الأستاذ في المحاضرة السابقة في مناقشة المحقّق النائيني، وجدنا بعض الاختلاف في العرض، فلا بأس من إعطاء فكرة مختصرة عنها، والمطابقة التامّة تكون على القارئ.

قال في البيان الأوّل: –لنكتة الميرزا الذي قال عنه: إنّه هو الذي يتراءى من التقريرات بعد ذكر المثال – إذن، فالمعلوم الإجمالي الثاني يكون مردّداً بين ما يكون متأخّراً في الرتبة
-وهو الملاقي- وبين ما لا يكون متأخّراً -وهو الطرف الآخر-. فهو بالتالي لا يكون= تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

 

ــــــــــ[529]ــــــــــ

=علماً بحدوث التكليف على كلّ تقدير؛ لأنّه لو كان في الطرف غير المتأخّر في الرتبة فهو حدوث تكليف وأمّا لو كان في الطرف المتأخّر فهو ليس حدوث تكليف.

إن بُيِّن بهذا البيان فجوابه من البديهيات؛ وذلك: لأنّه لو فرض أنَّ النجاسة كانت في الملاقي فهي. وإن كانت في طول نجاسة الملاقى وتكون مسبوقة رتبة بالتكليف الشرعي، لكنها مسبوقة بالتكليف في غير موضوعها فهي بالتالي حدوث تكليف بالنسبة إلى موضوعها، وإنَّما تكون مسبوقة بحدوث تكليف في الملاقى، لا أنّها مسبوقة بحدوث تكليف في نفس الملاقي، لو فرض أنَّ النجاسة كانت موجودة في الملاقي، فهي مسبوقة بنجاسة في الملاقى، ولكنّها غير مسبوقة بتكليف في موضوعها، فلا تخرج عن كونها حدوث تكليف وعن كونها تكليفاَ لم يتنجّز حتّى الآن. إذن، فلا تجري عليه نظرية الانحلال لا بصيغة الميرزا ولا بصيغة آغا ضياء.

ولا يقاس هذا بمثال الزمان، فيما إذا علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين الصبح، وعلمت ظهراً بقطرة دم تقع الآن إمّا في الإناء الأسود منهما أو في ثوبي. هنا لو فرض أنَّ القطرة في الأسود، فهي مسبوقة بحدوث تكليف في نفس الإناء لا بحدوثه في موضوع آخر. فمسبوقية المعلوم الإجمالي في أحد الطرفين بحدوث تكليف في موضوع آخر لا يخرجه عن صلاحية التنجيز في هذا الموضوع في المقام.

ثُمَّ ذكر البيان الآخر كما سبق، ما عدا فروق ذكرناها في الهامش ثُمَّ قال: هذه التقريبات الأربعة التي تقدمت هي عمدة ما ذكره المحقّقون من الشيخ الأنصاري والمحقّق الخراساني والمحقّق العراقي وغيرهم من المتأخّرين، في مقام البرهنة على عدم تنجيز نجاسة الملاقى، وقد تبيّن مما ذكرناه أنّه لا يتمّ شيء من ذلك؛ وعليه فالعلم الإجمالي الثاني بنجاسة الملاقي أو الإناء الآخر منجّز في جميع الصور والأحوال، يعني: منجّز مع= 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

 هذا هو تمام الكلام في أصل المسألة ويبقى الكلام في أمور في ذيل هذا التنبيه، لا بُدّ من التعرض لها(1)

ــــــــــ[530]ــــــــــ

=الخضوع للشروط العامة للتنجيز في كل علم من دخول طرفيه في محلّ الابتلاء وغيرها من الشروط العامة. ومع توفّرها يكون منجّزاً ولا يكون فيه عيب خاص من ناحية خصوصية المورد. (المقرِّر).

() عطلة عيد الأضحى. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 



أمور في ختام التنبيه الثاني عشر

 

انتهينا من البحث في أصل تنبيه ملاقى أحد أطراف العلم الإجمالي. وبقي علينا بعض الأمور التي نختم التنبيه بها:

الأمر الأوّل: في تبادل الملاقي والملاقى في أحكامهما

الأمر الأوّل: هو أنّه هناك محاولة قام بها بعض المحقّقين لتصوير كيف أنَّ الملاقي والملاقى يتبادلان أحياناً أحكامهما، وهؤلاء المحقّقون بنو في أصل المسألة على أنَّ الملاقى هو الذي يجب الاجتناب عنه والملاقي لا يجب الاجتناب عنه، فأرادوا أن يصوّروا فرضاً بحيث يتبادل الملاقي والملاقى، دورهما وأحكامهما، فيكون الملاقي قائماً مقام الملاقى في وجوب الاجتناب، والملاقى قائماً مقام الملاقي في عدم وجوب الاجتناب.

وذلك في صورة ما إذا كان الملاقى خارجاً عن الابتلاء، كما لو علمنا بنجاسة أحد الإناءين صباحاً، ولكنّه من حين حصول العلم لم يكن الإناء الأسود منهما داخلاً في محلّ الابتلاء، فلا يكون مثل هذا العلم الإجمالي منجّزاً وموجباً لتعارض الأصول. ثُمَّ عصراً علمنا بأن الثوب كان قد لاقى قبلاً مع الإناء الخارج عن محلّ الابتلاء فعلاً.

ففي مثل ذلك لولا فرض أنَّ الملاقى خارج عن محلّ الابتلاء من حين ــــــــــ[531]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

حصول العلم الإجمالي الأوّل، لقيل -بناء على المباني المشهورية- بأنَّ الملاقى يجب الاجتناب عنه دون الملاقي؛ إذ لا يتنجّز لا بالعلم الأوّل ولا الثاني، وفقاً لما تقدّم من الحديث، ولكن حيث إنَّ الملاقى كان خارجاً عن محلّ الابتلاء عند حصول العلم الأوّل. إذن، فالعلم الأوّل الصباحي لم يتنجّز أصلاً وكان طرفه الداخل في محلّ الابتلاء وهو الإناء الأبيض مجرى للأصل المؤمّن بلا محذور أصلاً إلى أن حصل لنا علم بملاقاة الثوب مع الإناء الخارج عن محلّ الابتلاء، وحصل لنا علم إجمالي بنجاسة الثوب أو الإناء الأبيض، هنا العلم الإجمالي لا بأس بأن ينجز؛ لأنَّ كلا طرفيه داخل في محلّ الابتلاء، والمانع عن تنجيزه لم يكن إلا تنجيز العلم الأوّل -بأحد التقريبات السابقة- والمفروض أنَّ الأوّل لا يصلح للتنجيز؛ لأنَّ أحد طرفيه خارج عن محلّ الابتلاء. إذن، فينجز هذا العلم الإجمالي الثاني، ويجب الاجتناب عن الملاقي.

فلو فرض أنّه -مغرباً بعد تولد العلم الإجمالي الثاني وتنجيزه وتعارض الأصول في طرفيه: الملاقي والآخر- بعد ذلك دخل الملاقى من جديد في محلّ الابتلاء، فإنّه لا يتنجّز ولا يجب الاجتناب عنه؛ لأنّه وإن أصبح العلم الإجمالي الأوّل -الآن- علماً إجمالياً بين طرفين كِلاهما داخل في محلّ الابتلاء، ولكن حيث إنَّ أحد طرفيه وهو الأبيض قد تنجّز قبل هذا بالعلم الإجمالي الثاني. إذن، فهذا العلم بعد أن أصبح لائقاً بالتنجيز لا يمكنه أن ينجّز، فيجري الأصل في الملاقى بلا معارض؛ إذ لا يعارضه إلَّا الأصل في الإناء الآخر، والمفروض أنّه سقط بالمعارضة قبل ذلك.

ــــــــــ[532]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فينتج عن ذلك: أنَّ الملاقي هنا يحتل مركز الملاقى ويحكم بوجوب الاجتناب عن الملاقي، ولا يحكم بوجوب الاجتناب عن الملاقى.

[تحقيق هذا الفرض بالتكلّم في حكمين]

 الأوّل: هو حكم الملاقي حين حصل العلم بالملاقاة وتولّد العلم الإجمالي الثاني عصراً، هل يتنجّز الملاقي ويجب الاجتناب عنه أو لا؟ 

الثاني: سواء كان يجب الاجتناب عن الملاقي عصراً بحسب العلم الإجمالي الثاني أو لا يجب، فهل بعد دخول الملاقى مغرباً في محلّ الابتلاء يجب الاجتناب عنه وتنجزه أو لا؟

وطبعاً حينما نحقّق هذين الحكمين، نحقّقهما على ضوء المسالك المتبناة للمحقّقين، وإلَّا فنحن بنينا على وجوب الاجتناب عن الملاقي والملاقى معاً في تمام الصور، فهذا البحث -بحسب الحقيقة- مبني على تمحيص ما هو مقتضى تلك المسالك المشهورية التي فرغنا عن بطلانها، في هذا الفرض لو أخذنا بها. 

وقد عرفنا فيما سبق أنَّ التقريبات التي ذكرها المشهور -لإثبات عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي وعدم تنجّز النجاسة فيه بالعلم الإجمالي الثاني-أربعة:

 التقريب الأوّل: كان مبني على القول بالاقتضاء، وأنّ عدم جريان الأصول في الأطراف لأجل محذور المعارضة، وكان مبنياً على أنَّ المناط في ارتفاع المعارضة هو سقوط الأصل في الطرف الآخر بالمعارضة في زمان سابق، فيجري الأصل في الملاقي بلا معارض. 

ــــــــــ[533]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

والتقريب الثاني: كان مبنياً على القول بالاقتضاء أيضاً والتسليم بما هو مقتضى هذا القول من أنَّ محذور جريان الأصل هو المعارضة، إلَّا أنّه يختلف عن الأوّل في أنَّ مناط عدم المعارضة هو سقوط الأصل هناك في الرتبة السابقة لا في الزمان السابق؛ ولذا تسقط الأصول من أطراف العلم الإجمالي الأوّل بالمعارضة في رتبة سابقة وتنتهي النوبة إلى جريان الأصل في الملاقي بلا معارض لأنّه أصل طولي.

وأمّا التقريب الثالث والرابع: فكانا ينسجمان حتّى مع القول بالعلِّية، ولم يكن المدّعى فيهما كما في التقريبين الأولين من الانحلال بجريان المؤمّن الشرعي، بل كان المدّعى فيهما بطلان تنجّز العلم الإجمالي ذاتاً بحيث تجري قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) في الطرف الآخر فضلاً عن الأصول الشرعية، ولهذا كان ينسجم حتّى مع القول بالعلِّية، مع اختلاف بين التقريبين:

إذ على الثالث: ادّعي أنَّ للمناط في بطلان التنجّز هو سبق أحد العلمين عن الآخر رتبة.

وعلى الرابع: ادّعي أنَّ المناط هو تقدّم المعلوم على المعلوم الآخر رتبة.

فالآن نحن ندرس هذين الحكمين على أساس هذه التقريبات الأربعة: 

أمّا الحكم الأوّل: وهو حكم الملاقي حين العصر، حين علمنا بالملاقاة، وتشكل العلم الإجمالي الثاني بنجاسة الثوب أو الإناء الآخر، فما هو حكم الملاقي هنا؟ حكمه أنّه يجب الاجتناب عنه على ثلاث مسالك من هذه الأربعة، ولا يجب الاجتناب عنه على واحد منها.

ــــــــــ[534]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

توضيح ذلك: أننا لو أخذنا بالتقريب الأوّل المبني على القول بالاقتضاء، وأنَّ العلم الإجمالي ينحلّ بجريان الأصل المؤمّن الشرعي في الملاقي ولا يعارضه الأصل المؤمّن في الطرف الآخر؛ لأنّه سقط في الزمان السابق.

 هذا التقريب لا يأتي في المقام؛ لأنَّ الأصل في الطرف الآخر وهو الإناء الأبيض لم يسقط في زمان سابق؛ لأنَّ المفروض أنّه في الزمان السابق من حين تشكّل العلم الأوّل صباحاً لم تتعارض الأصول في الطرفين؛ لأنّه لم يكن منجّزاً. إذن، فالأصل الشرعي المؤمّن الجاري في الإناء الآخر كان نافذ المفعول وجارياً إلى حين حصل العلم بالملاقاة، فيقع إذن طرفاً للمعارضة مع الأصل المؤمّن في الملاقي، ويتساقطان لا محالة. والمفروض على هذا المبنى أنّه لا أثر للتقدم الرتبي، وإنَّما الأثر للتقدم والمعاصرة الزمانية، وهنا لم يتقدّم سقوط ذاك على سقوط هذا. إذن، فيتساقطان في عرض واحد، ويحكم بوجوب الاجتناب عن الملاقي. 

وأمّا على المبنى الثاني، القائل بالاقتضاء، وبأنَّ انحلال العلم الإجمالي الثاني وجريان الأصل في الملاقي، كان من باب أنَّ الأصل في الطرف الآخر سقط في المرتبة السابقة ووصلت النوبة إليه، بناءً عليه يمكن أن يقال: بأنَّ هذا التقريب لعدم وجوب الاجتناب يجري هنا أيضاً.

والوجه في ذلك: أنّه أيضاً نلتزم، الآن حينما تشكّل العلم الإجمالي الثاني بنجاسة الثوب أو الإناء الأبيض، يكون عندنا أصول ثلاثة: أصالة الطهارة في الإناء الأبيض الداخلة في محلّ الابتلاء من أوّل الأمر، وأصالة الطهارة في الإناء 

ــــــــــ[535]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الأسود الخارج عن محلّ الابتلاء، وأصالة الطهارة في الثوب الملاقي مع الإناء الأسود.

 وهذه الأصول كلّها في نفسها تستحق الجريان، أمّا أصالة الطهارة في الإناء الأبيض وفي الثوب فواضح، وأمّا أصالة الطهارة في الأسود الخارج عن محلّ الابتلاء فهو أيضاً يستحق الآن الجريان؛ لأنّه أصبح له أثر شرعي وهو نفي النجاسة عن ملاقيه، فإنّه يكفي في جريان الأصل المؤمّن في الملاقى أن يكون مؤمّناً من ناحية حكم إلزامي ولو بلحاظ ملاقيه. نعم، قبل أن يحصل علم بالملاقاة عصراً لم يكن هناك أثر لجريان أصالة الطهارة في الملاقى؛ لأنّه ليس له أي أثر داخل في محلّ الابتلاء، ولكن بعد العلم بملاقاة الثوب الداخل في محلّ الابتلاء له، يكون لجريان الأصل في الملاقى أثر. فهذه الأصول كلها تستحق الجريان.

وأثنان منها عرضيان، وواحد طولي وهو الأصل في الملاقي، فيتعارض الأصلان العرضيان في المرتبة السابقة وتنتهي النوبة إلى أصالة الطهارة في الثوب في المرتبة المتأخّرة بلا معارض. 

بناءً على مبنى هذا التقريب الثاني، فهنا أيضاً نلتزم بوجوب الاجتناب عن الملاقى ولا يفرق بين هذه الصورة وغيرها. هذا على التقريب الثاني.

وأمّا على التقريب الثالث والرابع، فمن الواضح أنَّ هذين التقريبين لا يأتيان في محلّ الكلام، ولا يمكن أن نبرهن بهما أنّه لا يجب الاجتناب عن الملاقي هنا؛ لأنَّ التقريب الثالث يبطل منجّزية العلم الإجمالي الثاني، بأنّه في 

ــــــــــ[536]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

طول علم آخر أسبق منه رتبة تنجّز في المرتبة السابقة(1)، ومن المعلوم هنا أنَّ العلم الأوّل لم يتنجّز في المرتبة السابقة، بل هو حتّى الآن غير منجّز، والتقريب الرابع يبطل منجّزية العلم الإجمالي الثاني عن طريق أنَّ معلومه متأخّر رتبة عن معلوم آخر تنجّز في الرتبة السابقة، وهنا أيضاً من المعلوم أنَّ معلوم العلم الإجمالي الأوّل، وإن كان متقدماً رتبة على معلوم العلم الثاني، ولكنّه لم يتنجّز قبل هذا. إذن، فلا يكون هذا التقريب جارياً بل يتعين البناء على تنجيز الملاقي وتنجز العلم الإجمالي الثاني.

وهذا معنى ما قلناه: إنّه على ثلاث مسالك هي الأوّل والأخيران يجب الاجتناب عن الملاقي هنا، ويحصل فرق بينه وبين غيره من الصور. وعلى المسلك الثاني لا فرق بين هذه الصورة وغيرها فيحكم بعدم وجوب الاجتناب عن الملاقي. هذا كلّه حال الحكم الأوّل.

وأمّا الحكم الثاني: الآن لمّا صار الغروب دخل الإناء الأسود الملاقى في محلّ الابتلاء، فهل يتنجّز أو يجري فيه الأصل المؤمّن ولا يجب الاجتناب عنه، أيضاً نتكلّم على المباني الأربعة.

أمّا على تصورات المبنى الأوّل: القائلة بالاقتضاء وأنَّ المحذور في عدم جريان الأصل هو المعارضة، وأنَّ المعارضة تزول لو سقط أحد الأصلين في زمان سابق من دون اعتبار للرتبة، فيلزم أن نقول في المقام بعدم وجوب 

ــــــــــ[437]ــــــــــ

() هذا البيان لا يأتي في المقام؛ لأنَّ العلم الثاني وإن كان معلولاً للعلم الأوّل، ولكن العلم الأوّل لم يتنجّز في مرتبته لأجل أن لا يدع مجالاً للعلم المعلولي لأن يتنجّز في مرتبته، (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الاجتناب عن الملاقى؛ لأنَّ الملاقى أصبح الآن داخلاً في محلّ الابتلاء فتشمله أدلّة الأصول المؤمّنة في نفسه، ولا يعارضها أصالة الطهارة في الإناء الآخر؛ لأنَّ الآخر سقطت فيه أصالة الطهارة في الزمان السابق، أي من تولّد العلم الإجمالي الثاني عصراً، فيكون سبق السقوط هناك زماناً مجدياً في سلامة أصالة الطهارة في الملاقى عن المعارضة. بناءً على التقريب الأوّل، فيكون أصالة الطهارة في الملاقى جارياً بلا معارض.

وأمّا لو قلنا بتصورات المبنى الثاني، وهي القول بالاقتضاء وأنَّ محذور المعارضة هو الذي يمنع عن جريان الأصل، وأنَّ هذا المحذور يرتفع لو سقط الأصل في الطرف الآخر في الرتبة السابقة لا في الزمان السابق.

هنا كُنّا نقول بلحاظ الحكم الأوّل: إنّه من حين العصر يتعارض أصالة الطهارة في الإناء الآخر مع أصالة الطهارة في الملاقى، بالرغم أنّه حينئذٍ كان خارجاً عن محلّ الابتلاء، مع هذا نجري فيه الأصل ونعارضه بلحاظ أثره وهو الملاقي، فيتساقط هذان الأصلان العرضيان وننتهي إلى أصالة الطهارة في الملاقى بلا معارض.

هنا قد يقال: إنَّ أصالة الطهارة في الملاقى إنَّما سقطت بمقدار اقتضائها للجريان، وكان اقتضاؤها للجريان بمقدار لحاظ الآثار المترتّبة عليه من ناحية الملاقي لا بلحاظ الآثار الأخرى؛ لأنّه لم يكن لها أثر سوى هذا الأثر(1)

ــــــــــ[538]ــــــــــ

() لأنَّ سائر الآثار للملاقى لم تكن متعلّقة في حالة خروجه عن محلّ الابتلاء (محاضرة غد).

فالساقط بحسب الدقة ليست أصالة الطهارة في الملاقى على إطلاقها بل بمقدار تعرضها لحال الملاقى لا أكثر وأمّا الزائد على هذا المقدار فلم يسقط بالمعارضة لأنّه لم يكن هناك مقتضٍ لجريانه ما دام الملاقى خارجاً عن محل الابتلاء. وبعد ان دخل في محل الابتلاء يتولّد المقتضى لإجراء أصالة الطهارة في الملاقى بلحاظ سائر الآثار. حينئذٍ ان لم نعتن بالتقريب الأوّل ولم نهتم بسبق سقوط المعارض زماناً نقول في المقام ان أصالة الطهارة في الملاقى الجارية بلحاظ سائر الآثار تعارض مع أصالة الطهارة في الإناء الآخر لانهما في رتبة واحدة ويتساقطان. وأمّا لو قلنا بان سقوط الأصل في الطرف الآخر في زمان سابق يكفي لتخليص الأصل في هذا الطرف عن المعارضة بان جمعنا بين صحة التقريب الثاني والأول وقلنا بان سقوط الأصل في الطرف الآخر يكفي في الزمان السابق وفي الرتبة السابقة أيضاً. فحينئذٍ لا بأس بأن نجري أصالة الطهارة في الملاقى بلحاظ سائر الآثار ولا يعارض حينئذٍ بأصالة الطهارة في الإناء الآخر؛ لأنّه سقط في الزمان السابق. (محاضرة غد). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

والآن(1) وجد في أصالة الطهارة في الملاقى آثار أخرى، ومقتضي الإطلاق في دليل الأصل التعبّد بطهارة الملاقى الآن بلحاظ الآثار الأخرى، ولكن هذا التعبّد يقع طرفاً للمعارضة مع أصالة الطهارة في الإناء الآخر؛ لأنّهما في عرض واحد رتبة، والمفروض أنَّ الميزان بناء على هذا التقريب هو العرضية الرتبية وهي حاصلة في المقام، فهنا من جديد أيضاً، تسقط أصالة الطهارة في الملاقى بلحاظ غير الملاقي من الآثار تسقط بالمعارضة مع أصالة الطهارة في الإناء الآخر؛ لأنّها في عرضها، وحينئذٍ يجب الاجتناب عن الملاقى.

 وأمّا بناء على المبنى الثالث والرابع، فوجوب الاجتناب عن الملاقى 

ــــــــــ[539]ــــــــــ

() بعد دخوله في محلّ الابتلاء، (توضيح). (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أوضح حينئذٍ؛ وذلك لأنّه لا مانع من أن يتنجّز عندنا الآن، بعد الغروب. العلم الإجمالي الأوّل: وهو العلم الإجمالي بنجاسة الإناء الأبيض أو الأسود. فإنَّ المانع عن تنجيزه عند أصحاب التقريب الثالث هو أن يكون هناك علم أسبق رتبة منه تنجّز قبله. والمانع عند أصحاب التقريب الرابع: أن يكون هناك معلوم أسبق رتبة من معلومه قد تنجّز قبله. وكلّ هذا لا يوجد في المقام؛ لأنَّ الذي تنجّز عصراً إنَّما هو علم متأخّر عنه علماً ومعلوماً وليس متقدماً عليه لا علماً ولا معلوماً. وحينئذٍ يتنجّز هذا العلم. 

وبهذا يتضح أنَّ الملاقي يجب الاجتناب عنه على تمام هذه المسالك الأربعة إلَّا على المسلك الثاني، والملاقى يجب الاجتناب عنه على تمام المسالك إلَّا على المسلك الأوّل، فحينئذٍ على المسلك الأوّل يتمّ الفرق بين الملاقى والملاقي، ويتم هذا الانقلاب في الأحكام؛ إذ عليه لا يجب الاجتناب عن الملاقى ويجب الاجتناب عن الملاقي. وأمّا على المسلك الثاني فالحكم هو الحكم المألوف في سائر الصور، وهو أنّه يجب الاجتناب عن الملاقى دون الملاقي. وأمّا على الأخيرين فيجب الاجتناب عنهما معاً.

الآن(1) نتكلّم في حال الملاقي بعد أن دخل الملاقى في محلّ الابتلاء. وأيضاً نتكلّم على المباني الأربعة.

أمّا على التقريب الأوّل فقد قلنا: إنَّ الملاقي كان يجب الاجتناب عنه 

ــــــــــ[540]ــــــــــ

() لخّص أوّلاً حكم الملاقي، ثُمَّ حكم الملاقى على التقريبات الأربعة كما سبق، مع شيء قليل من الزيادات أثبتناها في هامش المحاضرة السابقة، ثُمَّ قال: الآن… (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

عصراً؛ لأنَّ الأصل فيه سقط بالمعارضة مع الأصل في الإناء الآخر، وهذا يبقى على حاله حتّى بعد دخول الملاقى في محلّ الابتلاء، ودخول الملاقى في محلّ الابتلاء وتنجزه لا يرفع ملاك التنجّز في الملاقي؛ لأنَّ ملاكه هو التساقط بين الأصلين في العرض الزماني الواحد، وهذا قد تحقّق على أيّ حال فيبقى الملاقي إلى الأبد بلا مؤمّن، فنحكم بوجوب الاجتناب عنه بعد الغروب كما كان يجب ذلك قبل الغروب.

وأمّا على المبنى الثاني، فقد حكمنا بعدم وجوب الاجتناب عن الملاقي؛ لأنَّ أصالة الطهارة في الملاقى بلحاظ الملاقي، مع أصالة الطهارة في الإناء الآخر سقطا في الرتبة السابقة بالمعارضة، وانتهينا إلى أصالة الطهارة في الملاقي بلا معارض. وهذا أيضاً يبقى على حاله حتّى بعد دخول الملاقى في محلّ الابتلاء، فإنَّ أصالة الطهارة في الملاقي على أيّ حال، هي في مرتبتها لا معارض لها؛ لأنّها لا يتصور لها معارض إلَّا أصالة الطهارة في الإناء الآخر، وحيث إنَّ أصالة الطهارة في الإناء الآخر، متشابك دائماً وأبداً في الرتبة السابقة مع أصالة الطهارة في الملاقى، فيبقى ذاك في رتبته بلا معارض.

إذن، فعلى المبنى الأوّل والثاني لا يختلف الحال، فإنّه على الأوّل يبقى وجوب الاجتناب على حاله وعلى الثاني يبقى وجوب الاجتناب على حاله(1).

ــــــــــ[541]ــــــــــ

() فقلت له: لكن على الأوّل بكون الملاقي يجب الاجتناب عنه، لكن الملاقى لا يجب الاجتناب عنه. 

فأجاب: وهذه نتيجة يقول عنها الميرزا أنّها خلاف الذوق، والذوق لا يكون حجّة في مقام صناعة التنجيز والتعذير؛ لأن الذوق إنَّما يكون حجّةً في مقام فهم المعاني من الأدلّة، حيث إنَّ المرجع في الفهم هو العرف، فما يكون على خلاف الذوق العرفي لا يكون صحيحاً. أمّا في مقام صناعة التنجيز والتعذير وصناعة الأصول، فلا يكون في حدّ ذاته محذوراً. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وأمّا على المبنى الثالث: وهو ما لو قلنا: بأنَّ العلم المتأخّر المعلول لعلم أسبق منه رتبة والمنجز في المرتبة السابقة لا ينجّز، فهنا تختلف النتيجة؛ لأنَّ الملاقي إلى ما قبل الغروب كان منجّزاً؛ لأنَّ العلم الإجمالي العصري وإن كان معلولاً للعلم الصبحي، ولكن العلم العلّة لم يكن منجّزاً فلا يمنع عن تنجّز العلم المعلولي. ومن حين الغروب أصبح العلم العلّة منجّزاً في الرتبة السابقة، فيمنع عن تنجيز العلم المعلولي لا محالة، فبرهان الانحلال يأتي من حين الغروب، فمن حين الغروب ينحلّ العلم العصري؛ لأنّه معلول لعلم أسبق منه رتبة تنجّز في المرتبة السابقة، فلا يجب الاجتناب عن الملاقىحينئذٍ.

وأمّا على المبنى الرابع: فقد قلنا: إنّه عصراً كان يجب الاجتناب عن الملاقي، وإلى ما بعد الغروب أيضاً يجب الاجتناب عن الملاقي؛ لأنَّ المناط الانحلال في التقريب الرابع، هو أن يتنجّز المعلوم الأسبق رتبة، وهنا العلم الصبحي بنجاسة أحد الإناءين، وإن تنجّز حين الغروب، ولكنّه لم ينجّز المعلوم الأسبق رتبة؛ لأنّه لم ينجّز نجاسة الملاقى من حين الصبح؛ لأنَّ نجاسة الملاقى حين الصبح خارجة عن محلّ الابتلاء، فلا يمكن تنجيزها، وإنَّما نجز نجاسة الملاقي من حين دخولها في محلّ الابتلاء، ونجاسة الملاقى حين دخولها في محلّ 

ــــــــــ[542]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الابتلاء ليست أسبق رتبة من نجاسة الملاقي؛ لأنَّ ما هو أسبق رتبة من نجاسة الملاقي هو نجاسة الملاقى حين الملاقاة لا نجاسته حين دخوله في محلّ الابتلاء غروباً. إذن، فلم يتحقّق هنا برهان الانحلال.

وهكذا يتضح أنَّ الملاقي عصراً يجب الاجتناب عنه إلَّا على المبنى الثاني والملاقى مغرباً يجب الاجتناب عنه إلَّا على المبنى الأوّل، والملاقي بعد دخول الملاقى في محلّ الابتلاء يجب الاجتناب عنه إلَّا على المبنى الثالث.

هذه هي خلاصة البحث وهذا تمام الكلام في الأمر الأوّل من الأمور التي لا بُدّ أن نختم بها هذا التنبيه.

الأمر الثاني: فيما لو شكّ في معنى السراية 

الأمر الثاني: أليس كان عندنا في مفروض المسألة علمان إجماليان أحدهما: العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى أو الطرف والآخر، والعلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو الطرف؟!

 هنا جملة من الأعلام على ما قلنا قالوا: إنَّ نجاسة الملاقي إذا كانت بنحو السراية والتوسع فنجاسة الملاقى تتنجّز لا بالعلم الإجمالي الثاني فقط بل بكلا العلمين حتّى بالأوّل، وإذا كانت بنحو الترتب والأثريّة، أثر ومؤثّر حكم وموضوع، فلا تنجّز نجاسة الملاقي لا بالعلم الأوّل ولا بالثاني؛ أمّا أنّها لا تتنجّز بالعلم الأوّل؛ فلأنَّ نجاسة الملاقي تكون فرداً آخر من الحكم، وتكون فعلية هذا الحكم متوقفة على الملاقاة مع النجس وهي لم تحرز، والعلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين ليست علماً بتمام الموضوع لنجاسة الثوب؛ لأنّها لا يكفي 

ــــــــــ[543]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

فيها أن يكون أحد الإناءين نجساً، بل لا بُدّ من ملاقاته لذلك النجس في البين.

 وأمّا أنَّ العلم الإجمالي الثاني لا ينجّز، فنختار التقريب الثاني من التقريبات الأربعة، وهو أنَّ أصالة الطهارة في الملاقى تتعارض مع أصالة الطهارة في الإناء الآخر في المرتبة السابقة وننتهي إلى أصالة الطهارة في الملاقي بلا معارض؛ لأنَّ طهارة الملاقي ونجاسته مسببه عن طهارة الملاقى ونجاسته، فهو من باب الأصل السببي والمسبّبي الحاكم والمحكوم، فينتهي إلى الأصل المحكوم بعد التساقط في مرتبة الأصل الحاكم.

أمّا أنّه لماذا نقول: إنّه لو كانت النجاسة من باب التوسع والسراية تتنجّز نجاسة الملاقي بكلّ من العلم الأوّل والثاني. أمّا بالعلم الأوّل فلأن هذه النجاسة تكون بحسب الحقيقة توسعاً لتلك النجاسة، ولو بالمعنى المعقول الذي أشرنا إليه هناك، حيث قلنا: إنّه يمكن إرجاعه إلى أنَّ وجوب الاجتناب عن النجس تعلّق بعنوان بسيط لا يحصل إلَّا بتركه وترك ما يلاقيه، فيتنجّز نجاسة الملاقى بالعلم الإجمالي الأوّل. 

وتتنجّز بالعلم الثاني أيضاً؛ لأنَّ أصالة الطهارة في الملاقي لا تكون حينئذٍ في طول أصالة الطهارة في الملاقى حتّى ينتهي إليها بعد التساقط في الأصلين العرضيين في المرتبة المتقدّمة؛ إذ لا يوجد هنا سبب ومسبب وأثر وموضوع، بل هذا توسع بالنسبة إلى ذاك. فينجز بالنسبة إلى العلم الإجمالي الثاني، حيث إنَّ أصالة الطهارة في الملاقي تقع طرفاً للمعارضة في عرض أصالة الطهارة في الملاقى، هكذا قالوا ونحن ناقشناهم فيما قالوا.

ــــــــــ[544]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الآن المحقّق النائيني افترض في التقريرات، بعد تسليم هذا التشقيق، قال: لو شككنا في السراية وعدمها ولم يتضح لنا أنَّ نجاسة الملاقي هل بنحو السراية أو لا بنحو السراية، فهل تتنجّز هنا نجاسة الملاقي أو لا؟ 

التحقيق في ذلك: أنَّ نجاسة الملاقي لا تتنجّز بالعلم الأوّل حينئذٍ حتماً؛ لأنَّ مرجع الشكّ في السراية إلى أنَّ وجوب الاجتناب عن الملاقى أمره مردّد بين أن يكون وجوب الاجتناب عن ذات الملاقى، وهذا معناه اللاسراية أو وجوب تحصيل عنوان بسيط لا يحصل مثلاً إلَّا بالاجتناب عنه وعن ملاقيه، وهذا معناه السراية، فإذا كان مردّداً بينهما ولأحدهما مؤونة زائدة وضيق زائد على الأوّل؛ لأنَّ الأوّل يقتضي في مقام الامتثال تحصيل الجزم بالاجتناب ولو بترك ملاقي مشكوك النجس، وهذه مؤونة زائدة تكون منفية بالأصول المؤمّنة عقلاً أو شرعاً، ولا تكون منجّزة بالعلم الإجمالي الأوّل. بخلاف النجاسة لا على نحو السراية، فإنّه ليس فيها مؤونة زائدة على جامع النجاسة؛ لأجل أن ينفى بالأصول المؤمّنة عقلاً أو شرعاً.

وأمّا بالعلم الإجمالي الثاني، فهنا لا بدَّ وأن نفتّش أنَّ أصالة الطهارة في الملاقي هل تسقط في طول أصالة الطهارة في الملاقى أو لا تسقط في عرضه بل يُنتهى إليها في طول…؟

 بحسب الحقيقة أنَّ الشكّ في السراية وعدمها بناء على تصوراتهم لها، معناه الشكّ في أنَّ أصالة الطهارة في الملاقى هل هي حاكمة على أصالة الطهارة في الملاقي أو في عرضها، وبالتالي الشكّ في أن أصالة الطهارة في الإناء الآخر هل تعارض مع أصالة الطهارة في الملاقى أو لا تعارض؛ لأنَّ أصالة الطهارة في 

ــــــــــ[545]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الملاقى لو كانت حاكمة فأصالة الطهارة في الإناء الآخر لا تعارض، ولو لم تكن حاكمة فالكلّ يتعارض في وقت واحد ومرتبة واحدة.

وحينئذٍ ينبغي أن يقال: إنّه في بحث الحكومة إن قلنا: أنَّ حكومة دليل على دليل متقومة بوصولها لا بوجودها الواقعي، وهنا لم تصل، إذن فلا حكومة جزماً؛ لأنَّ الحكومة فرع الوصول، وحيث لا وصول لا حكومة. إذن، أصالة الطهارة في الملاقي والملاقى في عرض واحد، فالأصول كلها تسقط في عرض واحد ولا بُدّ من الاجتناب عن الملاقي.

وأمّا لو قيل: بأنَّ الحاكم بوجوده الواقعي يكون حاكماً، فبناء على هذا نشكّ أنَّ أصالة الطهارة في الملاقي هل مرتبتها نفس مرتبة أصالة الطهارة في الملاقى، إذن فلها معارض أو هي المرتبة المتأخرة، إذن فليس لها معارض. يعني نشكّ أنَّ أصالة الطهارة في الإناء الآخر هل هو معارض أو ليس بمعارض.

وهذا يرجع إلى الشكّ في المعارض المتّصل، فإن قلنا في مثل ذلك إنّنا نتمسّك بالدليل وإنّ احتمال المعارض المتّصل لا يضرّ نتمسّك هنا بالدليل. وإن قلنا: إنَّ احتمال المعارض المتّصل يضرّ كاحتمال القرينة المتصلة، فلا نتمسّك بالدليل. هذا حال هذا المطلب إنَّما تعرضنا له لأجل اهتمام الميرزا به. هذا هو التنبيه الثاني.

الأمر الثالث: في فرع الثمرة وذي الثمرة في باب الأموال

وهو من الأمور التي يجب أن يُختم بها هذا التنبيه، حيث تعرض الأعلام لفرع جعلوه مشابهاً لفرع ملاقي الشبهة المحصورة، وهو فرع الثمرة وذي 

ــــــــــ[546]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الثمرة في باب الأموال، فقالوا: إنّه لو فرض شخص كان قد استولى بيده على شجرتين مثلاً، وهو يعلم إجمالاً أنَّ إحدى الشجرتين ليست له، بل هي مملوكة لمالك آخر محترم المال لا يأذن بالتصرف في ماله. ثُمَّ إنَّ إحدى الشجرتين أثمرت. فهنا قالوا: إنّه لا إشكال أن العلم الإجمالي الأوّل، وهو العلم الإجمالي بغصبية إحدى الشجرتين يكون منجّزاً للأحكام التكليفية والوضعية بلحاظ نفس الشجرتين.

 ومقصودهم بالأحكام التكليفية: حرمة التصرف ووجوب الرد إلى المالك والأحكام الوضعية هي الضمان؛ لأنَّ المعلوم بالعلم الإجمالي الأوّل هو تمام الموضوع للحكم بحرمة التصرف والضمان ووجوب الرد فتنجّز كلّ هذه الأحكام به، ثُمَّ بعد ذلك، حينما تظهر الثمرة في أحد الشجرتين دون الأخرى، لا تتنجّز أحكام هذه الثمرة لا بالعلم الإجمالي الأوّل، ولا بعلم إجمالي ثاني، وهو العلم الإجمالي بغصبية الثمرة أو غصبية ذلك الطرف الآخر. أمّا هذا الثاني فلما مر من أنَّ الأصل في أحد الطرفين إذا كان ساقطاً قبل ذلك فيجري الأصل في هذا الطرف بلا معارض -مثلاً-، وحيث إنَّ الأصل المؤمّن النافي للضمان في الطرف الآخر كان قد سقط بالمعارضة قبلاً فيجري الأصل المؤمّن في الثمرة بلا معارض.

 وأمّا عدم تنجّز ضمان الثمرة بالعلم الأوّل؛ فلانّه ليس علماً بتمام الموضوع لضمان المنفعة ولحرمة التصرف فيها، بل إنَّ هناك جزءاً آخر للموضوع وهو وجود المنفعة بحسب الخارج؛ إذ قبل أن توجد منفعة لمال الغير لا معنى لحرمة 

ــــــــــ[547]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

التصرف فيها وضمانها، وهنا وإن علم أنَّ بين الشجرتين شجرة هي للغير، لكن لم يعلم أنَّ شجرة الغير لها ثمرة.

فحال الثمرة هنا حال الملاقى هناك، فكما قلنا: إنَّ العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين لا ينجّز نجاسة الملاقي؛ لأنَّ نجاسة أحد الإناءين جزء الموضوع والجزء الآخر هو أن يلاقيه وهو غير محرز.

هذا حاصل ما أفادوه في المقام مع شيء من النقاش سوف يظهر خلال الكلام، ونحن لا بُدّ لنا أن نتكلّم في مقامين:

 المقام الأوّل: في حال نفس الشجرتين اللتين تسالم هؤلاء الأعلام على أنَّ العلم الإجمالي بغصبية إحداهما يكون منجّزاً لإحكامها من الضمان وحرمة التصرف ونحو ذلك. 

والمقام الثاني: بعد أن نفرغ -مثلاً- عن تنجيز العلم الإجمالي الأوّل لضمان نفس الشجرة، يقع الكلام في ثمرة إحدى الشجرتين هل يكون ضمانها منجّزاً أيضاً أو لا؟

المقام الأوّل: في الأحكام التكليفية 

أمّا المقام الأوّل: فبالنسبة إلى الأحكام التكليفية من قبيل حرمة التصرف لا إشكال في أنَّ العلم الإجمالي الأوّل يكون منجّزاً له؛ لأنّه علم بتمام الموضوع لحرمة التصرف؛ لأنَّ تمام الموضوع له: هو مال الغير الذي لا يأذن بالتصرف، وهو معلوم إجمالاً هنا.

وإنَّما مهمّ الكلام في الضمان، هل أن العلم الإجمالي الأوّل ينجّز الضمان 

ــــــــــ[548]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بالنسبة إلى الشجرة المعلومة إجمالاً أو لا؟ هم فرغوا عن كون العلم الأوّل منجّزاً له، بدعوى أنّه علم بتمام الموضوع للضمان؛ لأنَّ ضمان مال موضوعه هو أن يكون مال الغير، وأن يكون تحت يد هذا الإنسان، وكلا الجزأين محرز بالعلم الأوّل؛ إذ نعلم أنَّ احدى الشجرتين مال الغير، وأنها تحت يد المكلف.

وتحقيق هذا المطلب: أنَّ هذا الافتراض القائل: بأنَّ العلم الإجمالي الأوّل هو بتمام الموضوع للحكم بضمان الشجرة، مبني على خلط شائع في الصناعة الفقهية بين الضمان وبين الدين، وأريد بالدين هنا: أن يملك شخص على شخص آخر شيئاً أو ما يساوق اشتغال الذمّة. فقد افتُرِضَ في الكلمات على أساس عدم عزل أحد هذين المفهومين عن الآخر، أنَّ الضمان والدين -بالمعنى الذي قصدته- كأنهما مفهوم واحد ولا فرق فيما بينهما. وهذا الخلط بينهما، أنتج الخلط بين العهدة والذمة، العهدة التي هي وعاء الضمان، وبين الذمّة التي هي وعاء الدين، حيث اختلط المظروفان فاختلط الظرفان، فلم يميز في مقام الصناعة الفقهية بين العهدة والذمة، وإن وجد تمييز فهو مجرّد تمييز اعتباطي اصطلاحي، كالتمييز الذي فرضته مدرسة الميرزا حيث قالت: إنَّ العهدة وعاء الأعيان والذمة وعاء الأمور الكلية.

إلَّا أنَّ الفرق بينهما -بحسب الحقيقة- فرق جوهري، يعني فرق بين هذين الوعاءين بحسب تكوينهما الاعتباري. هذا الوعاء الاعتباري المسمّى بالعهدة انشئ في الفقه لغرض بحسب الارتكاز العقلائي وأمضي شرعاً، وذلك الوعاء الآخر أُنشئ نشأة أخرى لغرض آخر، فهما مختلفان تكوّناً وغرضاً وعملاً 

ــــــــــ[549]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ومظروفاً، وبتبعهما يختلف الضمان مع الدين، ولا مجال للتوسع هنا في الصناعة الفقهية لذلك، وإنَّما أريد أن أوضح المقدار الذي يساعدني على فهم الإشكال في هذه المسألة الأصولية، لا أكثر.

الضمان والدين، أي: أن يملك شخص على شخص آخر شيئين مختلفين سنخاً ومتباينين مفهوماً وبينهما عموم من وجه من حيث المورد الخارجي. أمّا من حيث المفهوم فالضمان مرجعه إلى المسؤولية والتعهّد، والعهدة وعاء للمسؤوليات، والضمان ووعاؤه لا يستبطن الملكية والتمليك بوجه أصلاً. وأمّا الدين فمرجعه إلى باب الملكية إلى أن يملك شخص شيئاً على الآخر، وحيث إنَّ هذا الشيء يحتاج في الصناعة الفقهية إلى فرض وعاء له، ففرضت الذمّة وعاء له. 

وبين هذين المفهومين المتباينين، بحسب التطبيقات الفقهية عموم من وجه، فقد يجتمعان معاً وقد يختلفان فيكون ضمان ولا دين أو يكون دين ولا ضمان، فموارد الاجتماع واضحة من قبيل أن نفرض أنَّ شخصاً اتلف مال الغير، فتكون ذمته قد اشتغلت بالمثل إن كان مثليا أو بالقيمة إن كان قيمياً، وهذا عبارة عن الدين ووعاؤه الذمّة. ثُمَّ هو يكون مسؤولاً لا محالة عن تفريغ ذمته واداء ما فيها، وهذه المسؤولية عبارة أخرى عن الضمان وله وعاء آخر هو العهدة.

وفي موارد الاجتماع أيضاً تارة تنشأ العهدة من الذمّة، كما هو الحال في هذا المثال، وأخرى تنشأ الذمّة من العهدة، على تفصيل لا يسعه المقام.

وأمّا موارد الانفكاك، يعني: عهدة الضمان توجد والدين في الذمّة غير 

ــــــــــ[550]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

موجود، هذا مصاديقه غير متوفرة كثيراً في الفقه الجعفري بالخصوص، إلَّا أنَّ من مصاديقه باب الكفالة، كفالة شخص لشخص، فإنّه فيها الضمان موجود؛ لأنَّ مرجع الكفالة إلى التعهّد وأخذ حضور الغريم أمام غريمه، في عهدته ومسؤوليته، فيكون ضامناً لإحضاره ويكون للآخر حقّ مطالبته بذلك ولو قصّر عوقب، فالضمان هنا موجود ولكن لا يوجد هنا اشتغال الذمّة أصلاً ولا يملك على الكفيل شيء، حتّى لو قصّر أو قصُر عن إحضاره ولا يحق للغريم أن يطالبه بمال مملوك في ذمته. فهنا وعاء العهدة امتلأ، ولكن وعاء الذمّة بقي فارغاً.

وهذا بعينه يتصور في عقد الضمان، لكن لا على رأي موجود في الفقه الجعفري، بل على بعض الآراء المتبناة لفقهاء المخالفين، فإنهم يرون أنَّ الضامن لا تنتقل ما في ذمة المضمون عنه إلى ذمته، غاية الأمر أنَّ الذي ينتقل في المقام هو التعهّد والمسؤولية؛ إذ يقولون: إنَّ الضامن يكون هو المطالب بالدين، وإن لم ينتقل الدين إلى ذمته من ذمة المضمون عنه.

ومن جملة مصاديق ذلك أيضاً في الفقه عندنا: ما إذا فرض أنَّ العبد استقرض بإذن المولى، فإنّه إن استقرض بغير إذن المولى ليس على المولى شيء، وأمّا إذا استقرض بإذنه، فالرأي المشهور عندنا أنَّ المولى يكون مسؤولاً عن وفاء دين العبد، بحيث إنَّ الدائن له أن يرجع إلى المولى ويطالبه بذلك من دون أن تشتغل ذمته بحيث لو مات المولى لا تنتقل إلى تركته. وهذا معناه -بحسب مصطلحنا- أنَّ العهدة اشتغلت دون الذمّة، وثبت الضمان دون الدين. وله موارد أخرى تظهر بالتتبع في سائر موارد الفقه.

ــــــــــ[551]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وأمّا مورد الانفكاك من ناحية الدين فهو أوضح مما سبق، يعني: أن يكون هناك دين ولا يكون هناك ضمان، فيما لو فرض أنَّ الشخص اشترى شيئاً بثمن في ذمته، فهو مدين، ولكن ما لم يدفع إليه المبيع لا يكون ضامناً، يعني لا يكون في عهدته ولا يكون مسؤولاً عن تفريغ ما في ذمته؛ لأنَّ قانون المعاوضة يقتضي التوأمية في مقام التسليم والتسلّم. فهنا الدين ثابت ولكن الضمان غير ثابت، الذمّة اشتغلت ولكن العهدة لا تزال خالية، وله موارد أخرى أيضاً.

فالعهدة والذمة وعاءان اعتباريان فرضا لمهمتين مختلفتين والدين يملأ وعاء الذمّة والضمان يملأ وعاء العهدة، والنسبة بين الضمان والدين هو التباين، وانطباقاً على الموارد هو العموم من وجه.

هذه هي الفكرة التي أستطيع أن أبيّنها الآن.

حينئذٍ نأتي إلى محلّ الكلام فنقول: إنَّ الشيء الذي تكون اليد تمام الموضوع له إنَّما هو الضمان لا الدين، فإنَّ تمام الموضوع على مال الغير هو اليد على مال الغير، إلَّا أنَّ الضمان هنا نريد به العهدة والمسؤولية التي تنتج وجوب ردّ المال إلى مالكه وحرمة التصرّف به والضمان بهذا المعنى يكون وضع اليد على مال الغير تمام الموضوع له. وأمّا اشتغال الذمّة بمعنى الدين وتملّك المغصوب منه شيئاً على الغاصب، ليس وضع اليد على مال الغير هو تمام الموضوع له، بل الجزء الأخير للموضوع هو التلف. 

فالعلم الإجمالي بأنَّ إحدى الشجرتين اللتين وضع الغاصب يده عليها هي مال الغير ليس علماً بتمام الموضوع للدين واشتغال الذمّة، بل هو علم بتمام 

ــــــــــ[552]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الموضوع للضمان واشتغال العهدة، ونحن إذ نميّز بين العهدة والذمة يمكننا أن نتصوّر أنَّ العهدة تتنجّز ولكن الذمّة لا تتنجز؛ لأنَّ العهدة علم بما هو تمام الموضوع لها دون الذمة.

والأعلام حيث إنّهم لم يعزلوا أحد هذين الوعاءين عن الآخر عزلاً منسجماً مع الصناعة التي بيّناها، ولهذا في مقام تعريف ما يحصل عندما يتلف مال الغير اختلفت كلماتهم، فبعضٌ ارجع الدين إلى الضمان، يعني: الذمّة إلى العهدة، وبعضهم ارجع العهدة إلى الذمة.

فقال بعضهم: إنَّ الضمان معناه هو اشتغال الذمّة، فضمان مال الغير معناه اشتغال ذمته بالبدل، أي: القيمة إن كان قيمياً، والمثل إن كان مثلياً. وهذا أرجع العهدة إلى الذمّة والضمان إلى الدين، وهو خطأ؛ لأنَّ الضمان ليس هو اشتغال الذمّة بل عبارة عن العهدة والمسؤولية وليس مستبطناً للملكية بوجه من الوجوه. 

وبعضهم أرجع اشتغال الذمّة إلى العهدة، فقال: إنَّ معنى الضمان هو كون مال الغير في عهدته، وحينئذٍ ما دامت العين موجودة ويمكن ردها بخصوصياتها فتكون تمام العين في العهدة، وإذا تعذّر رد الخصوصيات الشخصية يكون الباقي في العهدة، يعني: الخصوصيات الصنفية والنوعية وإذا تعذّرت تخرج عن العهدة ويبقى الباقي وهو المالية.

وبعض الناس قالوا: بأنَّ العين بتمام خصوصياتها، تبقى في العهدة، حتّى بعد التلف، غاية الأمر أنَّ عهدة العين تقتضي ردها بتمامها حينما كانت 

ــــــــــ[553]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

موجودة، وردّ مثلها أو قيمتها حينما تتلف.

 وكلّ هذه الكلمات ترجع إمّا إلى إرجاع الضمان إلى الدين أو إرجاع الدين إلى الضمان، إرجاع العهدة إلى الذمّة أو إرجاع الذمّة إلى العهدة. وكلّه غير صحيح، كما أنّه على جميع هذه المباني والتقادير والتعابير، بالآخرة لا بُدّ وأن نعترف بأنَّ اشتغال الذمّة والمديونية يتوقّف زائداً على وضع اليد على مال الغير يتوقّف على جزء أخير، وهو أن يتلف مال الغير، وما لم يتلف لا تتحول العهدة إلى ذمة. 

إذن، فما ذكر من أنَّ العلم الإجمالي هو تمام الموضوع للحكم بالضمان، وحينئذٍ فلو تلفت إحدى الشجرتين يتنجّز شغل الذمّة. هذا خلط بين الضمان الذي وعاؤه العهدة وبين الدين الذي وعاؤه الذمّة، وبعد التمييز بينهما يتضح أنَّ العلم الإجمالي هو تمام الموضوع للعهدة دون الذمّة، ومن الممكن حينئذٍ أن تتنجّز الذمة.

وللكلام تتمّة تأتي.

تتمة الكلام في المقام الأوّل

قلنا: إنَّ الكلام يقع في مقامين:

 المقام الأوّل: في تنجّز الحكم بضمان نفس الأصل.

 المقام الثاني: في تنجّز الحكم بضمان الثمرة لأحد طرفي العلم الإجمالي. 

أمّا المقام الأول: فقد قالوا: إنَّ الحكم بالضمان يتنجّز بالعلم الإجمالي لأنّه أحرز ما هو تمام الموضوع له المركّب من مال الغير ووقوع اليد عليه.

ــــــــــ[554]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وقلنا: إنَّ هذا من تبعات عدم الفصل بين مفهوم الضمان ومفهوم الدين، بين وعاء العهدة ووعاء الذمة.

وقلنا: إنَّ ما أحرز تمام موضوعه، إنَّما هو العهدة، وهي كون الإنسان مسؤولاً عن عين خارجية مملوكة للغير، هذه المسؤولية تمام الموضوع لها مركّب من جزأين، كون المال للغير ووضع اليد عليه. وأمّا الدين بالمعنى الذي ذكرناه والذي يرجع إلى ملكية شيء على المدين في ذمته، فهذا لا بُدّ من الالتزام فيه بدخالة التلف في تحقّقه، وقبل التلف لا اشتغال.

أمّا بناء على ما هو تصوّرنا لهذه المقولات الفقهية؛ إذ نضع تمييزاً بين الدين والضمان من ووعائيهما، فهذا في غاية الوضوح، وكذلك بناء على الانسياق مع ما أفيد من قبل المحقّقين في المقام عن الكلمات التي ترجع تارة إلى إرجاع اشتغال الذمّة إلى الضمان وأخرى إرجاع الضمان إلى اشتغال الذمّة. بناءً على هذه الكلمات أيضاً لا محيص لهم من الالتزام بالتالي: بأنَّ تلف العين له دخل في فعلية اشتغال الذمّة، وقبله لا دين ولا اشتغال للذمة.

فمن أرجع الضمان إلى الدين واشتغال الذمّة، لا بُدّ له من الالتزام بأنَّ الغاصب قبل أن تتلف العين عنده ليس ضامناً بالفعل؛ إذ لا معنى لاشتغال ذمته مع وجوب دفع العين خارجاً؛ لأنَّ الغاصب لا يُلزم بأن يدفع ماله إلى الغير مرتين: مرة بوجوده الخارجي ومرة بوجوده البدلي، فلا بُدّ لهذا القائل أن يلتزم أنَّ الضمان هو اشتغال الذمّة منوطاً بالتلف، وقبل التلف لا اشتغال ولا ضمان، فلا يكون موضوع الحكم بالضمان بحسب مصطلحه محرزاً بالإجمال في 

ــــــــــ[555]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المقام؛ لأنَّ كون اليد قد وقعت على مال الغير وإن كان محرزاً إلَّا إنّه لا يكفي في الضمان بالمعنى الذي قاله هذا القائل، بل لا بُدّ أن يتلف ولم يحرز تلف مال الغير لا تفصيلاً ولا إجمالاً.

وكذلك الكلمات التي صنعت العكس فأرجعت اشتغال الذمّة والدين إلى الضمان والعهدة، فقالت: إنَّ مرجع اشتغال الذمّة بالبدل إلى كون العين في عهدة الغاصب، وهؤلاء انقسموا فريقين:

فريق قالوا: بأنَّ العين بمجرّد أن تغصب تدخل في عهدة الغاصب، وتبقى في عهدته بتمام خصوصياتها إلى أن يخرج من هذه العهدة. وما دامت العين موجودة فكونها في العهدة يقتضي وجوب دفع نفس العين وبعد تلفها يقتضي دفع ما كان موازياً لها من ناحية خصوصياتها المثلية إن كان مثلياً أو المالية إن كان قيمياً.

بناءً على هذا التصور أيضاً نقول في المقام: إنّه لا يتنجّز وجوب دفع البدل؛ لأنَّ العهدة وإن كانت فعلية وقد علم إجمالاً بتمام الموضوع لها، لكن العهدة بما هي لا تقبل التنجز، وإنَّما الذي يتنجّز هو العهدة بلحاظ آثارها، وأثرها وهو وجوب دفع البدل، هو أثر لها بشرط تلف العين لا مطلقاً، فهذا الأثر الذي تكون العهدة قابلة للتنجّز بلحاظه، هذا الأثر لم يعلم بتمام الموضوع له، فأيضاً لا يتنجّز وجوب دفع البدل لأنّه لم يعلم بتمام الموضوع له. 

والفريق الثاني من هؤلاء الذين أرجعوا اشتغال الذمّة إلى العهدة، قالوا: إنَّ العين حينما يغصبها الغاصب تدخل في العهدة، وكلّما يتعذّر إرجاعها إلى 

ــــــــــ[556]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المالك من مراتب العين يخرج عن العهدة ويبقى الباقي، فإذا تعذّر إرجاع الخصوصية الشخصية؛ لأنّها قد تلفت تخرج عن العهدة، وتبقى العين بما هي كلية، وإذا تعذّرت خصوصياتها الصنفية تخرج عن العهدة، وتبقى العين بما هي مال وهكذا.

هؤلاء أيضاً لا بُدّ لهم من الاعتراف بأنَّ اشتغال الذمّة لم يعلم بتمام الموضوع له؛ لأنَّ اشتغال الذمّة عند هؤلاء عبارة عن كون العين بخصوصياتها المالية والكلية تدخل في العهدة مع خروج الخصوصية الشخصية عن العهدة؛ إذ ما دامت الخصوصية الشخصية في العهدة لا يكون الواجب عليه -عند هؤلاء- إلَّا دفع الخصوصية الشخصية، وإنَّما يجب عليه دفع الكلّي والبدلي ما لو فرض أنَّ الخصوصية الشخصية خرجت عن العهدة.

 وبتعبير آخر: إنّه يجب على الغاصب أن يدفع ما في عهدته، فإن كان في عهدته هو الخصوصية الشخصية فيجب عليه دفعها، فإن سقطت وجب عليه دفع الكلي، فوجوب دفع الكلّي لا بشرط من حيث كونه في ضمن العين الشخصية، لم يتنجّز في المقام؛ لأنَّ للتلف دخلاً في تحقّقه، فلا يكون العلم الإجمالي علماً بتمام الموضوع له.

فعلى تمام هذه التصورات، لا بُدّ من الالتزام بعدم تنجيز هذا العلم الإجمالي، وحينئذٍ بناءً على هذا ينبغي أن يفصّل بين ما إذا كانت الأصول الجارية في كلٍّ من المالين: الشجرتين تقتضي في نقض مالكية الغير أو لا تقتضي ذلك؟

فإن فرض أنَّ الأصول في نفسها تقتضي مالكية الغير، كما لو فرض أنَّ كلّ 

ــــــــــ[557]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

واحد من الشجرتين كان ملكاً للغير وأشترى أحدهما منه واختلط ما اشتراه بغيره، وغصب كلتا الشجرتين واستولى عليهما بدعوى انَّ أحدهما له. هنا يجري في كلّ منهما استصحاب مالكية الغير له، وبه يتنقح موضوع الحكم بالضمان فيما إذا تلفت إحدى الشجرتين، فإذا تلفت إحداهما نحكم بوجوب دفع البدل لا من باب تنجيز العلم الإجمالي بغصبية أحدهما، ليقال: إنَّ هذا العلم ليس علماً بتمام الموضوع للحكم بالضمان أو الحكم باشتغال الذمّة، بل من باب أنّنا أحرزنا اشتغالها بلحاظ استصحاب مالكية الغير. 

ولو كان أحدهما مجرى لهذا الاستصحاب في نفسه دون الآخر، فيجري الاستصحاب في أحدهما دون الآخر، وبذلك نحكم بالضمان لو تلف ما هو مجرى للاستصحاب، ولا نحكم بالضمان ما لو تلف غيره مما لا يكون مجرى للاستصحاب.

ولو كان كلّ منهما ليس مجرى لاستصحاب مالكية الغير في نفسه، كما لو فرض أنّه كانت حالتهما السابقة أنّهما من المباحات الأولية، فهنا الأصول في كلّ من الطرفين مؤمّنة من ناحية الضمان ونافية له، فحينئذٍ حيث لم نقل إنَّ العلم الإجمالي منجّز للحكم بالضمان فتجري الأصول المؤمّنة لو تلف أحدهما فقط ولا يعارضها الأصل في الآخر؛ لأنَّ موضوع الحكم بالضمان في الآخر لم يتحقق. نعم، لو تلفا معاً يعلم هنا باشتغال الذمّة إجمالاً(1)

ــــــــــ[558]ــــــــــ

() وهنا قال أحد الاخوان: لو تلف أحدهما يعلم إجمالاً بوجوب رد هذا أو اعطاء بدل الآخر؟ 

فأجاب: نعم، إلَّا أنَّ كلامنا الآن بلحاظ العلم الإجمالي الأوّل. (المقرِّر). 

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

وأمّا لو قلنا بمنجّزية العلم الإجمالي كما قالوا، فهذه الأصول المؤمّنة تتعارض في الطرفين وتتساقط. هذا ما ينشأ للضمان من ناحية التشكيك في منجّزية العلم الإجمالي الأوّل. 

ولكن التحقيق مع هذا هو منجّزية العلم الإجمالي الأوّل للحكم باشتغال الذمّة، وإن لم يكن هذا العلم الإجمالي علماً بما هو تمام الموضوع لاشتغال الذمّة؛ لأنَّ التلف هو جزء الموضوع على جميع التصورات لهذه المقولة الفقهية: (الضمان واشتغال الذمّة)، ولكن مع هذا نقول: إنَّ العلم الإجمالي الأوّل ينجّز الحكم بالضمان واشتغال الذمة.

والوجه في ذلك: أنَّ العلم الإجمالي الأوّل هو علم بتمام الموضوع للعهدة كما قلنا، وهي مرجعها إلى كون العين في مسؤولية هذا الغاصب صاحب اليد، مسؤولية ارجاعه إلى مالكه، هذا الملاك اللزومي الذي تحقّق بمجّرد وضع اليد على هذا المال، واقتضى إرجاع المال إلى صاحبه، هذا الملاك -بحسب الحقيقة- هو بنفسه ملاك اشتغال الذمّة بعد التلف، وليس ملاك اشتغال الذمّة بعد التلف ملاكاً آخر غير ذاك الملاك، وإن كان هو خطاب آخر غير هذا الخطاب.

توضيح ذلك: أنّه بلحاظ عالم الخطاب، عندنا في المقام خطابان: خطاب العهدة وخطاب اشتغال الذمّة، وهما حكمان وضعيان متغايران أحدهما يتمّ موضوعه بنفس العلم الإجمالي الأوّل والآخر لا يتمّ موضوعه به، بل يكون للتلف دخل فيه، ولكن ملاك الخطاب الثاني هو ملاك الخطاب الأوّل؛ فإنّه 

ــــــــــ[559]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بمجرّد وضع الغاصب يده على هذا المال تتحقّق مصلحة لزومية في إرجاع هذا المال إلى صاحبه وتسليمه إليه قمعاً لمادّة الفساد والغصب بين الناس، وهذه المصلحة ما دامت العين موجودة يمكن استيفاؤها بتمام مراتبها، وأمّا إذا تعذّر إرجاع العين -بأن تلفت بحسب الخارج- لا تنشأ مصلحة لزومية أخرى غير تلك المصلحة، بل نفس المصلحة -تلك المصلحة الأولى- تكون بعض مراتبها متعذرة الاستيفاء وبعضها ممكنة الاستيفاء، فتتبعّض مراتب هذه المصلحة اللزومية، والعرف حينما يسمع خطاب الذمّة بعد ما يسمع خطاب العهدة، فيعلم من خطاب الذمّة أنّه تحفظ على بعض مراتب تلك المصلحة اللزومية، أي: أنّه بدل اضطراري بملاك أنّه تعذّرت تمام المراتب فاقتصر على بعضها بقانون: أنَّ الميسور لا يسقط بالمعسور؛ لأنَّ هناك ملاكاً لزومياً آخر حدث وراء ذلك الملاك الأوّل، وهو ملاك الاهتمام بحق الشخص الآخر وقمع مادّة الفساد، وحينئذٍ فلا يحتاج إلى تنجّز آخر وراء تنجّز ذلك الملاك.

وذلك الملاك نحن علمنا بما هو تمام الموضوع له، لأنَّ تمام الموضوع هو دخول المال في عهدة الغاصب وقد دخل المال في عهدته فتنجّز ذلك الملاك بتمام مراتبه، والتلف لا يؤثّر بحسب الحقيقة إلَّا في عصيان استيفاء بعض هذه المراتب المنجّزة، ويبقي المراتب المنجّزة الأخرى على منجّزيتها بالعلم الإجمالي الأوّل.

فما أدركه هؤلاء المحقّقون بفطرتهم الأصولية، من أنَّ العلم الإجمالي منجّز للحكم بالضمان، صحيح، إلَّا أنّه لا يقوم على أساس تصوّر إرجاع الذمّة إلى ــــــــــ[560]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

العهدة، بل يقوم على أساس أنَّ الضمان والعهدة؛ كلا هذين الخطابين تعبير عن ملاك واحد، وخطاب الذمّة مرتبة اضطرارية من التحفّظ على ذلك الملاك، الذي تنجّز بتمام مراتبه بالعلم الإجمالي الأوّل.

وعليه فالصحيح أنَّ الحكم باشتغال الذمّة يتنجّز بالعلم الإجمالي الأوّل، هذا على أننا نحن شخصياً، في غنى عن إثبات تنجيزه بالعلم الأوّل، لأنّه يكفي في تنجزه العلم الإجمالي الثاني. من قبيل منجّزية العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى أو الطرف الذي قلنا بمنجّزيته، وأبطلنا الوجوه التي قيلت في عدم منجزيته. هنا يقال أيضاً: إنّه بعد تلف إحدى الشجرتين يعلم إجمالاً بوجوب دفع بدلها أو حرمة التصرف في الأخرى أو وجوب تسليمها.

وعلى كلّ حال فلا ينبغي الإشكال فقهياً في تنجّز الحكم باشتغال الذمّة لو تلف أحد الأصلين. هذا هو ما ينبغي أن يقال في المقام الأوّل.

المقام الثاني: في الأحكام الوضعية

الكلام في المقام الثاني: وهو في تنجّز الحكم بضمان الثمرة التي وجدت لإحدى الشجرتين مع العلم الإجمالي بغصبية إحدى الشجرتين، لو تلفت هذه الثمرة، فهل يتنجّز الحكم بضمانها أو باشتغال الذمّة ببدلها أو لا يتنجز؟

الحكم بالضمان بالنسبة إلى الثمرة يقع طرفاً لعلم إجمالي جديد غير ذلك العلم الإجمالي بغصبية إحدى الشجرتين، وهو العلم الإجمالي بغصبية هذه الثمرة أو ذلك الأصل الآخر المقابل للأصل المثمر، وهذا العلم الإجمالي على حدّ العلم بنجاسة الملاقي أو الطرف الآخر، وحيث إنّنا بنينا في تلك المسألة 

ــــــــــ[561]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

على أنَّ هذا العلم منجّز لنجاسة الملاقي وناقشنا البيانات التي ذكرت للبرهنة على عدم تنجيزه، فمن هذه الناحية نبني على العلم الإجمالي الثاني منجّز للحكم بضمان الثمرة وحرمة التصرف فيها، ومعه لا حاجة إلى التكلم في أنَّ العلم الإجمالي الأوّل المتعلّق بالأصلين، هل يكون وحده كافياً في تنجيز الثمرة أو لا يكون؟ افرضوا أنّه لا يكفي، مع هذا لدينا علم إجمالي آخر كافٍ في نفسه.

ولكن حيث إنَّ القوم لم يقبلوا منجّزية العلم الإجمالي الثاني، فمن هذه الناحية احتاجوا إلى الحديث عن أنَّ العلم الإجمالي الأوّل هل ينجّز ضمان الثمرة أو لا ينجّز، من قبيل ما تكلموا فيه من أنَّ العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين هل يكفي في تنجيز نجاسة الملاقى أو لا يكفي، وكما فصّلوا هناك بين القول بالانبساط والقول بالسببية في نجاسة الملاقي، كذلك فصّلوا في المقام.

قالوا هناك: بأنَّ نجاسة الملاقي لها تصوران:

فتارة: تتصور أنها انبساط لنجاسة الملاقى.

وأخرى: نفرض أنّها فرد آخر من الحكم ترتب على الفرد الأوّل.

فعلى الأوّل: تكون هي بنفسها طرف العلم الإجمالي الأوّل فتتنجّز به.

وعلى الثاني: تكون نجاسة الملاقي غير منجّزة بالعلم الأوّل؛ لأنّه لم يحرز تمام الموضوع لها به؛ لأنَّ الموضوع لنجاسة الملاقى ليس مجرّد وجود الإناء النجس، بل أن يلاقي النجس، والملاقاة لم تعلم بالعلم الأوّل. 

نفس هذا قالوه في المقام أيضاً: أنَّ ملكية الثمرة فيها تصوران: تارة نتصورها بأنّها انبساط وتمدّد لملكية الأصل، وأخرى نفرضها فرداً جديداً، فعلى 

ــــــــــ[562]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الأوّل يتنجّز بالعلم الإجمالي، وعلى الثاني لا يتنجّز به.

أمّا بناء المسألة على فكرة الامتداد والانبساط وفكرة التأثير والسببية، فهذا مما عرفنا بطلانه فيما سبق وبيّنا أنّه لو لم يكن العلم الإجمالي الأوّل منجّزاً لا على تقدير الانبساط لا يكون منجّزاً على تقدير الانبساط أيضاً، وتصور كون النجاسة في الملاقي أو الملكية في الثمر بنحو الانبساط لا يصحّح تنجيز العلم الإجمالي الأوّل، لو لم يكن منجّزاً لولا الانبساط. 

وعليه فينبغي الكلام في صورة عدم الانبساط ليُرى أنَّ العلم الإجمالي الأوّل هل ينجّز ضمان الثمرة أو لا ينجز؟ فإن قلنا بأنّه ليس منجّزاً، لا نفرق بين أن تكون ملكية الثمرة بنحو الانبساط أو الفرد الجديد، وإن قلنا إنّه ينجّز كان ينجّز على كلا التقديرين أيضاً.

فالمسألة الآن هي هذه: أنَّ العلم الإجمالي الأوّل الذي نجّز عهدة وذمة كلّ واحد من الأصلين هل ينجّز في المقام عهدة وذمة الثمرة أيضاً أو لا ينجزهما؟ 

أشرنا إلى أنَّ الأعلام يقولون: بأنَّ العلم الإجمالي الأوّل لا ينجّز العهدة أو الذمّة بالنسبة إلى الثمرة، لأنّه ليس العلم الإجمالي الأوّل علماً بما هو تمام الموضوع لحكم الثمرة، ودعوى كونه ليس علماً بتمام الموضوع لحكم الثمرة يمكن تقريبها بأحد بيانين: 

إمّا ببيان ساذج ابتدائي: وذلك بأن يقال: إنَّ المعلوم إجمالاً بالعلم الأوّل هو وضع اليد على أحد الأصلين، ومجرّد وقوع اليد على الأصل لا يكفي في ضمان الثمرة، وإنَّما لا بُدّ في ضمانها من أن يعلم تفصيلاً أو إجمالاً وقوع اليد 

ــــــــــ[563]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

عليها، وفي المقام لم يعلم بذلك، بل غاية ما علم بالعلم الإجمالي الأوّل هو وقوع اليد على الأصلين، وهو تمام الموضوع لضمان أحد الأصلين لا لضمان الثمرة. 

هذا البيان الساذج يرد عليه ما ذكره المحقّق النائيني من أنَّ المختار في مباحث الضمان أنّه لا يحتاج في ضمان الثمرة إلى أن تكون الثمرة مستقلاً تحت اليد، بل يكفي وقوع الأصل تحت اليد في ضمان ثمرتها، فلو فرضنا أنَّ إنساناً غصب من آخر شجرة ثُمَّ غصبها شخص آخر من الغاصب، وعند الغاصب الثاني اثمرت الشجرة، فالثمرة هنا لم تقع تحت يد الغاصب الأوّل، لكن مع هذا يضمنها؛ لأنَّ يده وقعت على الأصل، فوقع اليد على الأصل هو تمام الموضوع لضمان الثمرة، وليس شرط ضمانها أن تقع يد جديدة على نفس الثمرة، فبناء عليه يكون العلم الإجمالي الأوّل علماً بتمام الموضوع لضمان الثمرة، وهو وقوع اليد على الأصل. وهذا الجواب صحيح بالنسبة إلى هذا البيان.

ومن هذه الناحية بيّن السيّد الأستاذ المطلب ببيان آخر أحسن، فقال: بأنّنا ندعي أنَّ المعلوم الإجمالي ليس هو تمام الموضوع لضمان الثمرة لا من باب أنّنا نقول: إنَّ وقوع اليد على الثمرة دخيل في ضمانها، بل من باب أننا نقول: إنَّ انتساب الثمرة إلى ملك الغير الذي وقعت اليد عليه، دخيل في ضمان الثمرة؛ كون الثمرة ثمرة لمملوك الغير الذي وقع يد الغاصب عليه دخيل في ضمانه؛ لأنّه لو لم تكن منسوبة إليه لا تكون مضمونة لا محالة. وهذا غير محرز في المقام لا تفصيلا ولا إجمالاً بالعلم الإجمالي الأوّل؛ لأنّنا بالعلم الأوّل علمنا أنَّ أحد الأصلين هو للغير وتحت يد الغاصب، ولم نعلم بأنَّ هذه الثمرة منسوبة إلى أصل مملوك للغير تحت يد الغاصب. نعم، لو أثمرت كلتا الشجرتين، لكنا 

ــــــــــ[564]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

نعلم إجمالاً بأنَّ احدى الثمرتين منسوبة إلى أصل مملوك للغير واقع تحت يد الغاصب فيكون الموضوع معلوماً حينئذٍ. وأمّا ما دام أحد الأصلين مثمراً دون الآخر، فالعلم الإجمالي الأوّل لا يكون منجّزاً.

إلَّا أنّه يمكن أن يقال في المقام: إنَّ العلم الإجمالي الأوّل منجّز لضمان الثمرة أيضاً، وإنَّ ضمانها أحرز تمام الموضوع له بالعلم الأوّل، وهو العلم بغصبية أحد الأصلين. 

توضيح ذلك: أنّنا تارة نبني أنَّ ضمان الثمرة حكم مترتب على وجود الثمرة لمال الغير خارجاً، بحيث يكون فعليته فرع فعلية وجود الثمرة لمال الغير خارجاً، فما لم تجد له ثمرة لا حكم بالضمان ولا بالذمة، فبالعلم الإجمالي بوقوع اليد على أحد الأصلين لا نعلم بما هو موضوع الضمان الآخر، الذي هو وراء ضمان الأصل؛ لأنَّ الضمان الآخر فرع وجود المضمون خارجاً وهو لم يوجد حتّى الآن، ولا يكون منجّزاً بالعلم الإجمالي الأوّل. 

إلَّا أنَّ هذا مبني على أن نقصر النظر على الوجود الخارجي -التحقيقي للثمرة-، فإننا لو قصرنا النظر عليه؛ ممكن أن نقول هكذا: بأنَّ ضمان الثمرة فرع وجودها؛ لأنَّ ضمان المعدوم لا معنى له؛ لأنّه ليس مالاً حتّى يضمن. وبمجرّد العلم بغصبية أحد الأصلين لا يتنجّز ضمان الثمرة، ولكن لو ادعينا أنَّ الارتكاز العقلائي يفترض للثمرة قبل وجودها الخارجي وجوداً تقديرياً عنائياً، وهذا الوجود العنائي يكون موضوعاً لأحكام شرعية من قبل المالك، لو قلنا بهذا فقد يتغيّر الحساب في النتيجة.

ــــــــــ[565]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

ولأجل توضيح هذا أُبيِّن مقدمة:

وحاصلها: أنَّ المال المملوك والشخص المالك:

تارة: يفرض أنَّ كلّ واحد منهما ومن الملكية متحقّق بالفعل، فالمال موجود بالفعل والمالك موجود بالفعل والملكية موجودة بالفعل أيضاً.

وأخرى: يفرض أن المالك موجود بالفعل، بمعنى: أنّه لا قصور فيه من حيث كونه مالكاً، وإنَّما القصور في جانب المملوك؛ لأنّه غير موجود حتّى الآن، وأخرى يفرض بالعكس: أنَّ المال المملوك موجود بالفعل ولا قصور فيه من حيث كونه مملوكاً وإنَّما القصور في المالك.

وثالثة يفرض: أنَّ المال المملوك موجود والمالك أيضاً موجود لا قصور فيهما لكن الملكية غير موجودة، بل مقدّرة تحتاج إلى إعمال عناية لأجل أن تربط هذا المال المملوك بهذا الإنسان المالك. 

مثال الأوّل: وهو أن نفرض أنَّ المالك موجود، ولكن المال غير موجود، هو مثال المنفعة قبل وجودها بالنسبة إلى مالك الأصل؛ إذ يرى مالك الأصل، بحسب الارتكاز العقلائي أنَّ ملاك ملكيته للمنفعة تامّ بنفس مالكيته للأصل، فهو من حيث كونه مالكاً للمنفعة لا قصور فيه، لكن القصور في المملوك؛ لأنَّ الثمرة لم توجد بعد حتّى الآن، ولا معنى لملكية المعدوم بقول مطلق، بل المملوك لا بُدّ وأن يكون موجوداً إمّا في الخارج وإمّا في الذمة(1).

ــــــــــ[566]ــــــــــ

() وهنا قال جواباً على سؤال: مقصودي المنفعة المنفصلة من قبيل أثمار الأشجار لا من قبيل الانتفاع. (المقرِّر).

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

مثال الثاني: أن نفرض أنَّ المال من حيث كونه مملوكاً تامّ الجهات، ولكن المالك غير موجود. هو مثال الوقف على بعض المباني في تصويره بالنسبة إلى البطون المتأخّرة، فإنَّ المال من حيث كونه صالحاً للمملوكية، إلَّا أنَّ المالك غير موجود؛ لأنَّ المالك هو الوجود المتأخّر، والوجود المتأخّر لا ثبوت له في مرتبة البطن المتقدّمة.

مثال الثالث: وهو أن يفرض أنَّ المالك والمملوك كِليهما موجود، ولكن الملكية بنفسها تحتاج إلى عناية انشائية لا بُدّ أن يقوم بها المالك ليكون مالكاً، من قبيل أن نفرض أنَّ الميت أوصى بمال إلى شخص وصية تمليكية، وقلنا -ولا نقول- بأنَّ الوصية تحتاج في نفوذها إلى قبول الموصى إليه، يعني: أنها عقد فيها إيجاب وقبول، ومات الموصي ولم يقبل الموصى إليه حتّى الآن؛ لأنّه ما أخبر عن الوصية، فهنا المال من حيث كونه صالحاً للمملوكية موجود وكذلك المالك من حيث كونه صالحاً للمالكية، لا يحتاج في المقام إلَّا إلى عناية، وهي محضاً تحت سلطنة هذا الصالح للمالكية؛ لأنَّ الميت مات وخرج المال عن سلطانه، وليس هو تحت سلطان الوارث أيضاً، فالملكية هنا محضاً تحت سلطان هذا المتأهّل للمالكية، يمكنه أن يعمل العناية الإنشائية فتصبح الملكية فعلية، فالقصور والتقديرية في جانب الملكية، لا المالك ولا المملوك.

فهنا في هذه الأقسام الثلاثة، يمكن أن ندعي في تمامها، ويمكن أن ندعي في خصوص القسمين الأوليين، ويمكن أن نقتصر على خصوص القسم الأوّل، تبعاً للتدقيق في نكات الارتكاز العقلائي في هذه الأقسام والآثار التي تترتّب في كلّ واحد منها. فهنا دعوى يمكن أن نطرحها، وهي عبارة: عن أنَّ 

ــــــــــ[567]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

أيّ واحد من هذه الأمور الذي يكون مفروغاً عنه في ظرفه وموطنه غايته لا تكون الملكية فعلية بلحاظ قصور فيه.

 الارتكاز العقلائي ينتزع بلحاظ ذلك الوجود المتأخّر حقّا ثابتاً بالفعل، وهذا الحقّ أو المرتبة الضعيفة من السلطنة أو الملكية، قد يصبح منشأ لآثار بحسب الارتكاز العقلائي وقد تكون ممضاة شرعاً. 

فمثلاً بالنسبة إلى الأوّل: الثمرة غير موجودة بالفعل وإنَّما توجد فيما بعد، والمالك من حيث كونه مالكاً لا قصور فيه. هنا ينتزع الارتكاز العقلائي نحواً من الحقّ لهذا المالك في تلك الثمرة.

 إن شئتم عبّروا: أنّه حقّ أن يملك ثمرة الأصل. وإن شئتم قلتم: إنَّ الثمرة يقدر وجودها فهي بالوجود التقديري تعتبر ملكاً من الآن لهذا الشخص، غايته يكون وجودها عنائياً لا حقيقياً، ويترتب على مثل هذا الاعتبار، البيع عقلائياً، فإنّه من المعاملات العقلائية التي أمضيت شرعاً بقيود وحدود، بيع الثمرة قبل وجودها على الأشجار، يبيعها سنة أو سنتين أو ثلاث إلى شخص آخر. 

ما هو المبيع، هل هو نفس الثمرة؟ إذن، معناه أنّه لا بيع إلَّا على تقدير وجود الثمرة، ومعنى هذا أنّه لو لم تكن هناك ثمرة فيما يأتي، لا بُدّ من الالتزام إمّا بأنّه لا استحقاق للثمن أو أنَّ المعاملة تستبطن تمليكاً مجانياً على تقدير وتمليكاً معاوضياً على تقدير آخر. وهذا خلاف الارتكاز العقلائي، فإنَّ هذا الارتكاز يرى أنَّ البيع قد تم، وأنَّ حكم هذه المعاملة حكم البيع سواء وجدت الثمرة أو لم توجد.

ــــــــــ[568]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

 ويترتب عليها أحكام البيع من حيث الخيار والغبن والعيب، فهذه معاملة بيعية منجّزة، بحسب الارتكاز العقلائي، ولا بدَّ أن نفتش فيها عن البيع، فإنَّ البيع المنجّز يحتاج إلى مبيع منجّز، وهو هذا الحق: حقّ أن يملك منافع هذه الشجرة، أو بتعبير آخر: الثمرة بوجودها التقديري العنائي، وهو وجود محفوظ سواء كان هناك وجود حقيقي في الخارج أو لم يكن.

هذا الوجود العنائي يشبه الوجود العنائي للمنفعة المتصلة كمنفعة البيت، التي ذهب جملة من الفقهاء في المقام تصوير الإجارة إلى أنَّ مالك البيت يُملّك الوجود العنائي والتقديري للمنفعة، وإن لم يكن هذا صحيحاً في باب الإجارة إلَّا أنَّ هذا يشبه تلك الدعوى، فبارتكازية صحّة مثل هذا البيع عقلائياً نستكشف وجود مثل هذه العناية وإعمال مثل هذا الاعتبار.

مثل هذا يمكن أن نعمّمه للقسم الثاني لو ساعد عليه الارتكاز، وقلنا: إنَّ مثاله هو الوقف على بعض المباني في تصوير حقيقة الوقف وانقسامه على البطون المترتبة، فالمملوك فعليّ، إلَّا أنَّ المالك لا يملك لقصور في نفسه، ولكن مع هذا ينتزع له حقّ قبل الوجود، نحو من الحقّ وتهيّؤ المال؛ لأن يكون مملوكاً لشخص سوف يوجد، نفس هذا يصير منشأ لاعتبار حقّي أو لملكية بنحو من الأنحاء مضافة إلى الوجود العنائي أو التقديري للمالك، فيكون هذا المال مملوكاً لمالك تحقيقي ومملوكاً عنائياً لمالك تقديري، ولا مانع من اجتماع مالك تحقيقي مع مالك تقديري، وإنَّما المانع من اجتماع مالكين تحقيقيين.

ومن هنا قال كثير من الفقهاء، ومنهم الشيخ الأنصاري في المكاسب: إنَّ 

ــــــــــ[569]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

حقّ البطون المتأخّرة الثابت في الوقت هو الذي يمنع عن بيع الوقف. واستشكل عليه المحقّقون المتأخّرون عن الشيخ الأنصاري، فيمكن تتميم هذا الحقّ، لو ساعد الارتكاز بمثل هذا البيان.

وكذلك الأمر في القسم الثالث؛ إذ يمكن أن يقال: إنّ الموصى إليه الذي هو تامّ المالكية في نفسه، والمال تامّ المملوكية في نفسه، والملكية محضاً تحت سلطان هذا الشخص، بحيث إنّه بعناية إنشائية يدخلها تحت سلطانه ويخرجها عن حريم سلطان الميت والورثة، هنا أيضاً ينتزع نحو من الحقّ والسلطنة على هذا المال، وهذا النحو من الحقّ يكون له أيضاً آثار، ولعلّ هذا يناسب مع فتوى جملة من الفقهاء في مثل هذا الفرع، بأنَّ الوارث لا يجوز له أن يتصرّف في هذا المال قبل أن يتعيّن مصير الوصية قبولاً وإنكاراً، حتّى بناءً على أننا نقول: إنَّ المال ينتقل قبل القبول إلى الوارث ويخرج بعده، حتّى مع أنّه يصبح مالكاً لا يجوز له أن يتصرّف فيه؛ لأنَّ تهيؤ المال لأن يكون مملوكاً لهذا تهيّؤاً كاملاً واقفاً على محض إعماله للسلطنة، يوجب نحو حقّ له في هذا المال يمنع الوارث عن التصرف فيه واتلافه.

فهذه دعوى عريضة ولها مصاديق كثيرة في الفقه، إن تمّت في تمام هذه الموارد فهو، وإلَّا فمحلّ كلامنا هو القسم الأوّل الآن، ولتحقيقها وتحقيق شؤونها موضع آخر من الفقه.

والمهمّ تطبيقها على محلّ الكلام وهو الثمرة، إذا سلّمنا أنَّ للثمرة وجوداً عنائياً، يعني: أنها وإن كانت معدومة إلَّا أنّها مقدّرة الوجود عقلائياً وارتكازياً، 

ــــــــــ[570]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

بالنكتة التي بيّناها، فحينئذٍ هي تحت الضمان بالفعل، الآن هو يضمن الأصل ويضمن المنفعة المقدّرة الوجود. هذه المنفعة التي يستطيع المالك أن يبيعها هو يضمنها.

إلَّا أنَّ هذه المنفعة ليس لها ثمن مستقلّ عن ثمن نفس الأصل؛ لأنَّ الأصل في مقام تسعيره تلحظ هذه المنفعة المقدّرة في تسعيره فتزيد فيه. ولهذا لو أنَّ هذا الذي باع ثمرة نخيله قبل وجودها، أراد أن يبيع نخيله قبل أن يبيع الثمرة لكان ثمنها أغلى منها لو أراد أن يبيعها بعد أن يبيع ثمرتها المقدّرة الوجود. وهذا معنى أنَّ الوجود التقديري للثمرة يدخل في تسعير نفس الأصل، فلا يكون له مالية زائدة، بل تكون ماليته مندمجة في مالية الأصل، وبعد خروج التقدير إلى الفعلية وصيرورته موجوداً خارجياً، يكون من قبيل ما إذا زادت قيمته، وتكون له مالية تخصّه غير مندمجة مع مالية الأصل.

فبناءً على هذا لا بأس بأن يقال: بأنَّ الثمرة داخلة تحت الضمان من الأوّل قبل وجودها بهذا البيان، إن ساعد الارتكاز على هذا، وهو قريب، فهو، وإلَّا فالعلم الإجمالي الأوّل غير منجّز، وتحقيق شؤون هذه النكتة بتمام فروعها موكول إلى موضوعها من الفقه. هذا تمام الكلام في هذا التنبيه.

وبذلك انتهى الحديث عن مباحث الاشتغال ودوران الأمر بين المتباينين. وسوف نشرع -إن شاء الله- بعد عاشوراء في مسألة الأقلّ والأكثر الارتباطيين.

ــــــــــ[571]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 




الفهرس

 

التنبيه الأوّل: [في الطرفين المترتبين] 15

إشكال في المقام 19

جواب المحقّق العراقي ومناقشته 21

التنبيه الثاني: في جريان الأصل في أحد الطرفين 35

الكلام في مقام الاثبات وأدلة الأصول 39

صور المسألة 45

الصورة الأولى: في ما إذا كان الطرف الآخر ليس مجرى للأصول المؤمِّنة في نفسه 45

الصورة الثانية: الكلام في صورة وجود أصل حاكم مثبت في أحد الطرفين 50

شبهة في المقام 51

هذه الشبهة لا تأتي في عدة موارد 54

مقتضى الشبهة وشروطها 59

الجواب عن الشبهة 63

الصورة الثالثة: الكلام في صورة وجود أصل طولي نافٍ للتكليف 68

ــــــــــ[573]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الوجه الأوّل: لعدم جريان الأصل الطولي 71

الوجه الثاني: للنائيني أيضاً 72

الوجه الثالث: للسيّد الأستاذ 74

جهات مناقشة التقريب الثالث 81

الجهة الأولى في المناقشة 81

الجهة الثانية في المناقشة 84

عود الى الجهتين الأولى والثانية 87

الجهة الثالثة في تحقيق أصل المطلب 92

الوجه الأوّل لسلامة الأصل الطولي 93

الوجه الثاني 94

التقريب الثالث 95

إعادة وتوضيح لنفس الوجوه 97

التقريب الرابع 108

التقريب الخامس 112

تعليق على الجهة الثالثة 114

فهرس نتائج هذا التنبيه 123

ثمرة القول بالعلّية أو الاقتضاء 125

التنبيه الثالث: في الشبهة غير المحصورة 131

الأمر الأوّل: لعدم تنجيزها للنائيني 133

ــــــــــ[574]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المقام الأوّل: في نكتة الكثرة بلحاظ أدلة الأصول 139

المقام الثاني: في النكتة المانعة بقطع النظر عن أدلة الأصول 144

الجهة الأولى: في معقولية حصول هذا الاطمئنان وعدم معقوليته. 148

الجهة الثانية: في حجّية الاطمئنان في المقام. 152

الكلام في خصوصيات الشبهة غير المحصورة 162

الأمر الأوّل: فيما استدل به على جواز الاقتحام فيها 162

الأمر الثاني: في سقوط المخالفة القطعية 164

الأمـر الثالث: في سريان حـكم الشبهـة غـير الـمحصورة إلى الشبهـة الـوجوبيـة 166

الأمر الرابع: في الطرف المنجز لو كان شبهة بدوية 167

الأمر الخامس: الكثير في الكثير 168

الأمر السادس: فيما إذا شك في أنَّ الشبهة محصورة أو غير محصورة، فما هو التكليف؟ 169

التنبيه الرابع: في انحلال العلم الإجمالي 173

المقام الأوَّل: في الانحلال بالعلم الوجداني 173

فيما إذا كان سبب العلم الاجمالي ذو علاقة معينة مع أحد الاطراف 179

بعض توهمات الانحلال 183

المقام الثاني: في الانحلال الحكمي 188

ما هو المناط في الانحلال 192

ــــــــــ[575]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

هل المناط في الانحلال المقارنة بين العلمين او المقارنة بين المعلومين 193

انحلال العلم بالعلم 193

انحلال العلم بالحجّية 196

التنبيه الخامس: في علاقات العلوم الإجمالية بعضها مع بعض 203

المقام الأوّل: فيما إذا كان أحد الطرفين منجزاً بالعلم التفصيلي 205

المقام الثاني: فيما إذا كان أحد الطرفين منجزاً بعلم إجمالي آخر 209

صورة التقارن بين العلمين الإجماليين 209

صورة تقدّم أحدهما إمّا علماً ومعلوماً أو معلوماً فقط 211

النظرية الأولى للميرزا 211

مناقشة الميرزا 215

النظرية الثانية للسيد الأستاذ 217

النظرية الثالثة: وهي عدم تعارض الأصول 220

التنبيه السادس: إذا كان لأحد الأطراف أثر زائد 227

تحقيق المسألة 234

كلام في بعض تطبيقات المسألة 238

التنبيه السابع: فيما إذا كان العلم الإجمالي تعبدياً علماً أو معلوماً 243

العلم الإجمالي بالحكم الظاهري 245

العلم الإجمالي التعبدي 258

المقام الأوّل: في أصل تنجيز الحكم الشرعي 259

ــــــــــ[576]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المقام الثاني: في حال الأصول المؤمّنة مع دليل حجّيّة البينة 265

مشروع للتغلب على الصعوبات في المقام الأوّل 266

عود إلى المقام الثاني 269

جواب المحقّق العراقي عن الشبهة ومناقشته 271

التنبيه الثامن: في العلم الإجمالي في التدريجات 277

شبهة في المقام 280

كلام المحقّق العراقي ومناقشته 281

الاعتراض على المحقّق العراقي 282

التحقيق في جواب الشبهة 286

فيما إذا كان العالم بالعلم الإجمالي التدريجي عالماً ببقاء علمه للزمان المتأخّر أو عالماً بعدم بقائه أو شاكّاً في ذلك 289

القسم الأوّل هو أن يفرض العالم بالإجمال عالماً ببقاء العلم الإجمالي إلى حين مجيء زمان الطرف المتأخر 294

التنبيه التاسع: في الاضطرار إلى بعض أطراف لعلم الإجمالي 301

المقام الأوَّل: في الاضطرار إلى المعين 301

الصورة الأولى: الاضطرار قبل حدوث سبب الحرمة المعلومة بالإجمال 302

الصورة الثانية: الاضطرار بعد حدوث سبب الحرمة والعلم بها 302

الصورة الثانية: الاضطرار بعد حدوث سبب الحرمة وقبل العلم بها 304

شبهة في المقام 305

ــــــــــ[577]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

جواب للسيّد الأستاذ ومناقشته 306

تقريب آخر للشبهة في تقريرات المحقق النائيني 312

المقام الثاني: في الاضطرار إلى غير المعين 314

كلام المحقّق الخراساني 314

كلام النائيني ومناقشته 315

كلام العراقي ومناقشته 316

تعليق على كلام المحقق العراقي 319

تصور انقلاب التكليف من المطلق إلى المشروط 322

كلام للنائيني ومناقشة السيد الأستاذ له 323

تصوّر المحقق العراقي في المقام 328

أمور في ذيل التنبيه 332

الأمر الأوّل: في مراتب الاضطرار 332

الجهة الأولى في أصل ثبوت الترخيص التخييري في موارد الاضطرار 336

الجهة الثانية: وهي في شبهة المنافاة بين التكليف الواقعي والظاهري في أطراف العلم الاجمالي 338

الأمر الثاني في فقد الموضوع 340

الأمر الثالث: في طرو الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه بعد العلم الإجمالي 348

التنبيه العاشر: في الخروج عن محل الابتلاء 353

المقام الأوّل: في دخل صفة الدخول في محل الابتلاء في عالم الإرادة والملاك 358

ــــــــــ[578]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

المقام الثاني: في دخلها في عالم التكليف 361

المقام الثالث: في دخلها في عالم التنجيز 365

المقام الرابع: في دخلها في جريان الأصول المؤمّنة 367

في استحالة التكليف بالخارج عن محل الابتلاء 372

بيان برهان اللغوية 375

الوجه الأول لدفع إشكال اللغوية 375

الوجه الاخر للسيّد الأستاذ 376

بيان آخر لابراز المحذور 377

بقيت أمور في ذيل التنبيه 380

الأمر الأوّل: في تعميم المسألة لجانب الأمر 380

الأمر الثاني: في الشك في الخروج عن محل الابتلاء 384

الوجه الأوّل لتنجيز العلم الإجمالي 387

التقريب الأوّل 389

بيان المحقّق العراقي 391

التقريب الثاني 395

ما هو الصحيح في المقام 397

التقريب الأوّل 397

التقريب الثاني 399

التقريب الثالث 401

ــــــــــ[579]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

الوجه الثاني لتنجيز هذا العلم الإجمالي 405

الأمر الثالث: في خاتمة التنبيه 410

التنبيه الحادي عشر: في اثبات وجوب الموافقة القطعية بالاستصحاب 415

(بقيّة) محاولة لإصلاح الاستصحاب 419

التنبيه الثاني عشر: في ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة 429

القاعدة في التفصيل بين المنع التكليفي والوضعي 435

في تطبيق القاعدة 447

[المقام الأوّل: تنجيز العلم الإجمالي الأوّل لنجاسة الملاقي] 447

إشكال مع جوابه 455

ما أفاده المحقق النائيني ومناقشته 462

المقام الثاني: في تنجيز العلم الإجمالي بعد الملاقاة 467

التقريب الأوّل: لعدم التنجيز للسيّد الأستاذ 468

مناقشة في عدة نكات 471

التقريب الثاني ومناقشة الشبهة الحيدرية 484

التقريب الثالث: لإبطال منجّزية العلم الإجمالي الثاني (للمحقّق العراقي) 495

مناقشة المحقّق العراقي 499

التقريب الرابع: للمحقق النائيني. 507

مناقشة الميرزا النائيني 511

ــــــــــ[581]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17 

في مناقشة التقدّم الرتبي 522

أمور في ختام التنبيه الثاني عشر 531

الأمر الأوّل: في تبادل الملاقي والملاقى في أحكامهما 531

[تحقيق هذا الفرض بالتكلّم في حكمين] 533

الأمر الثاني: فيما لو شكّ في معنى السراية 543

الأمر الثالث: في فرع الثمرة وذي الثمرة في باب الأموال 546

المقام الأوّل: في الأحكام التكليفية 548

تتمة الكلام في المقام الأوّل 554

المقام الثاني: في الأحكام الوضعية 561

الفهرس 573

ــــــــــ[581]ــــــــــ

تقريرات، محاضرات في علم أصول الفقه، ج17